Advertisement

في الأدب الحديث 001


الكتاب: في الأدب الحديث
المؤلف: عمر الدسوقي
الناشر: دار الفكر العربي
الطبعة: الجزء الأول 1420 هـ- 2000م
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
المجلد الأول
المقدمات
الطبعة الأولى
...
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
مقدمة الطبعة الأولى:
في مستهلِّ القرن التاسع عشر, أخذت مصر والبلاد العربية تستيقظ من سباتٍ طويلٍ, وتفرك عيونًا طالت هجعتها، وتنظر دهشةً إلى دنيا حافلةً بالجديد في نظم العيش, ووسائل التغلب على قوى الطبيعة, وتذليلها للإنسان؛ بالمخترعات الحديثة، وفي نظم الفكر، وعالم المعاني، والآداب، وما خلقه أدباء الغرب من صور ودبجوه من كتب؛ ونظموه من شعر، وسطروه من علمٍ مبنيٍّ على التجارب الممحصة، ومن حقائق مؤيدة بالبراهين الساطعة، منذ ذلك الوقت، ومصر والبلاد العربية تزداد بالغرب صلة، وبأهله تعرفًا، وبحضارته وثقافته ولوعًا، ولم تنس ماضيها وتراثها المجيد من الحضارة والثقافة, فأحيت ما ورثته عن العرب من آداب ضخمة، وأخذت تتناول من القديم، وتتناول من الجديد, وتمزج بين الثقافتين.
وكان اتصالها بالغرب عن طرقٍ كثيرةٍ: فمن بعثات ترى رأي العين، وتتلقى العلم عى أساتذة مختصين ثمة، وتعود فتنقل صورًا جديدةً من العادات والحياة، وأفكارًا وآراءً لم تكن موجودةً من قبل، ومن ترجماتٍ لآثار العلماء الغربيين, ورجال الأدب والفكر والفن والقانون، يطَّلِعُ عليها جمهرة المتعلمين من الشعوب العربية، ويدرسونها فيستقر ما بها من آراءٍ في عقول الناس نتيجة التداول، ومرور الزمن، وتصير من تراث الأمة العقليّ؛ تظهر دون تعمد على ألسنة الخطباء، وعلى أسلات الأقلام، وفي ثنايا الأبيات الشعرية، والصور الفنية، وبذلك يتخذ الأدب والفن لونًا جديدًا يميزه عن العصور السابقة، ويطبعه بطابع خاص.
(1/3)

وكان التعليم المدني الذي وضع محمد علي أسسه في مصر، ونمَّاه إسماعيل, واشتد عوده وآتى أكله بعد ثورتنا القومية في سنة 1919، من أعظم العوامل التي ساعدت على اتصال الشرق بالغرب؛ وكذلك فعلت النهضة التعليمية في سوريا، وفي لبنان على الأخص، ومجهودات الإرساليات التبشيرية في هذا المضمار لا تنكر, وصار الطالب العربي في مدارس القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد، حتى وهو في مرحلة الدراسة الثانوية يلم بشيء كثير من الأدب الغربيّ، ويطَّلِعُ على بعض صوره: من قصة، وشعر، ومقالة، وحياة أدباء، ويستوعب كل هذا, ويؤدي فيه امتحانًا، ثم يخزنه في عقله الواعي، أو في عقله غير الواعي؛ ولن يستطيع أن يتخلص من تأثيره حين يتكلم، وحين يكتب، وحين يقرض الشعر، وحين يفكر وحده، دع جانبًا دراسة التخصص في الجامعات، وما تقوم به الهيئات والأفراد من بحوثٍ وترجماتٍ، ونهضة الصحافة والتجديد في مادتها بنقل كثير من ألوان الصحافة الغربية وأبوابها لجمهرة القراء وعامة الشعب.
وليس الغرب أمة واحدة، ذات ثقافة واحدة, ولكنه أمم شتًّى، ولها أذواق مختلفة, وآداب متباينة, ولغات عديدة، ولكل شعب أسلوبه في التفكير، وفلسفةٌ خاصةُ في الحياة، ولم يكن اتصال مصر والبلاد العربية قاصرًا على شعب غربيٍّ دون آخر، بل اتصلنا بكل بلاد الغرب إن لم يكن عن طريق البعثات, فعن طريق الترجمة: اتصلنا بفرنسا، وانجلترا، وألمانيا، وإيطاليا وروسيا، وأسبانيا، والولايات المتحدة، وغيرها، وعرفنا صورًا وألوانًا من آداب كلٍّ, وفلسفة كلٍّ، ولا سيما في الحقبة الأخيرة، بعد ما انتشر الطيران, وازداد العالم اتصالًا بعضه ببعض.
ومن العسير أن نحدد مدى تأثر الأدب العربيّ بكل ثقافةٍ من هذه الثقافات, بيد أننا نستطيع أن نقول على وجه التقريب: إننا تأثرنا بادئ الأمر بالحضارة الفرنسية، فنقلنا عنها كل ما يتصل بأسباب الحياة من طب وهندسة، وعلوم تجاربة، وقانون, وما شاكل هذا؛ وإن مصر تأثرت بالثقافة الإنجليزية، ثم بالثقافة الفرنسية، ثم أخذت ألوانًا من ثقافاتٍ أخرى دون أن يكون لها تأثير كبير، أما لبنان: فبالثقافة الفرنسية، ثم بالثقافة الأمريكية والإنجليزية، ثم سوى ذلك من الثقافات.
(1/4)

هذا التيار الغربيّ القويّ الذي يجري في حياة الأمة العربية العقلية والأدبية، وينافسه تيارٌ آخر حبيبٌ إلى نفوس الأمة، ويمتُّ إلى ماضيها المجيد، ويعرض الشخصيات المألوفة لديها، الأثيرة عندها، التي تبعث فيها العزة والكرامة، وتقوي من شخصيتها، وتزيد في اعتدادها بنفسها، وذلك هو الأدب العربيّ القديم، وهو أدبٌ قويٌ ضخمٌ غاصٌّ بكثيرٍ من آيات الفن ومعجزاته، وهو قريبٌ من نفسية الشعب العربيّ، ويستطيع أن يتمثله بيسر ومسرةٍ، قريبٌ من فكره وعاداته، وعقيدته، ومزاجه, وشعوره، فلا بدع إذا عظم هذا التيار, واشتد وزاحم تيار الثقافة الغربية مزاحمةً عنيفةً.
والأدباء في العالم العربيّ -في خلال قرن من الزمن- قد تباينوا في تأثرهم بهذين التيارين: فمنهم من اقتصر على القديم بحكم ثقافته وبيئته، والعوامل الاجتماعية الخاصة المحيطة به، وإن لم ينج من التأثر بالأفكار الشائعة، والألوان الأدبية المترجمة في الصحف والمجلات، ودور العلم، ولكن غلب القديم عليه في خياله وموضوعه وأسلوبه, وطريقة عرضه؛ ومنهم مَنْ كانت ألوان الثقافة الغربية غالبةً على أدبه، فتقرأ له وكأنما تقرأ لأديبٍ فرنسيّ أو إنجليزيّ يكتب بالعربية؛ ومنهم مَنْ حاول الجمع بين القديم والجديد، فحذق من القديم متانة الأسلوب، وطلاوة العبارة، ووضوح الغرض، وأخذ من الجديد حسن العرض، وطرافة الموضوع، أما الفكرة فتارةً يأخذها من هنا، وتارةً يأخذها من هناك.
هذا، وقد حاول بعض أدباء العربية في السنوات الأخيرة محاكاة المدارس الأدبية الأوروبية، التي نشأت بتطور تلك الأمم في الحياة والمدنية، والتي كانت أثرًا لعوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية مختلفة.
حاولوا محاكاتها دون أن تحفظهم إلى هذه المحكاة, أو تدفعهم إلى لونٍ خاصٍّ من الأدب دافع قهريةً, كما كان في الغرب، ولكنه حب التجديد، والتقليد للأدب الغربيّ فحسب.
(1/5)

ولذلك رأينا مَنْ يقلِّدُ المدرسة الإبداعية "Romantiame"، ومن يدعي أنه من المدرسة الواقعية "Realisme"، ومن يحاول أن يكون من المدرسة الرمزية "Symbolisme" إلى آخر ما هناك من مدارس.
وأدب هؤلاء المغرقين في التجديد، والمغرمين بالتقليد، هو أدب غربيٌّ صرفٌ، جاء في ثوبٍ عربيٍّ ضعيف النسيج، ملونٌ بألوان صارخةٍ يمجُّهَا الذوق العربيّ.
هذه الأنماط المختلفة من الأدباء، وهذه الألوان المتباينة من الأدب، في عصرٍ ازدحم بالعلوم والثقافات، يجعل مهمة مؤرخ الأدب عسيرةً في تعرف طريقه: في درسها وتقسيمها وحصرها، وإصدار أحكام عامة عليها، وتبيان كل مدرسة، والفريق الذي ينتمي إليها في كل بلاد العروبة، ولا سيما النهضة اليوم عامة، وهناك عشرات من الأدباء اللامعين يستحقون الدراسة، ولابد لمؤرخ الأدب كذلك من التعرض للعوامل السياسية والاجتماعية التي أثَّرت في الأدب العربيّ الحديث، وتتبع نمو هذا الأدب منذ عصر محمد علي، حين كان يحاول التخلص من القيود التي كُبِّلَ بها في عصور الانحطاط، إلى أن قوي، ووقف على قدميه حرًّا طليقًا، ثم إلى أن صار ماردًا عملاقًا في جيلنا الحاضر.
وأشهد أن هذا العمل الضخم يحتاج إلى دراساتٍ واسعةٍ قبل أن يَتِمَّ ويصيرَ عملًا تاريخيًّا علميًّا له قيمته: فمن دراسةٍ لتأثر الشعر العربيّ الحديث بالثقافة الغربية؛ من حيث الفكرة والخيال، والغرض والصورة، ومن دراسةٍ للكلمات الدخيلة والمعربة التي استعملها الأدباء، ومن دراسةٍ لتطور القصة في الأدب العربيّ قديمًا وحديثًا، ومن دراسةٍ للأساليب الأدبية المتأثرة بالأساليب الغربية، ومن دراسةٍ لتطور النثر العربيّ، وأدب المقالة، إلى غير ذلك من الدراسات المنظمة المسهبة التي تأخذ جزءًا خاصًّا من هذا العمل الضخم، وتبحثه وتصدر عليه أحكامًا مدعومةً بالأدلة والنماذج، لتعين مؤرخ الأدب حين يتعرض إلى المدارس الأدبية في العصر الحديث، ورجال كل مدرسة.
(1/6)

ولست أزعم أنني ضليعٌ بهذا العبء وحدي، وأنني حين أقدم هذا الكتاب للقارئ العربيّ قمت بهذه الدراسات المستفيضة، وانتهيت من الأحكام العامة التي تؤدي إليها هذه الدراسات، ولكن هذا الكتاب ليس إلّا محاضراتٍ ألقيتها على طلبة كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وحاولت أن أعرض عليهم فيها نماذج من هذه التيارات المتباينة في الأدب الحديث، وأسرد عليهم فيها كيف نما هذا الأدب وتطوّر، في إجمالٍ واختصارٍ.
وقد ألحُّوا عليَّ إلحاحًا شديدًا في أن أقدمه للمطبعة، حتى ينتفعوا به, وينتفع غيرهم فيما يزعمون, ولقد ترددت طويلًا قبل أن أستجيب لرغبتهم، لاعتقادي أن هذا العمل يتطلب جهدًا عنيفًا, ووقتًا طويلًا, وأن الأولى به أن يظل دراسةً حتى تستوفي عدتها، وتكمل أهبتها، وتوضع في قالبها على صورة كتاب.
فإنا لا أعفي كتابي هذا من التقصير، وإذا لم يستوعب الأدب الحديث ومدارسه، وكل الشخصيات الأدبية الجديرة بالدرس، فإني أول المعترفين بذلك، والمعتذرين عن تقصيره، والذي يشفع لي عند القراء أنها محاولة لدرس الأدب الحديث؛ علَّ فيهم مَنْ يكون أقوى مني منه، وأطول باعًا، فيستوفي الموضوع, ويلمَّ بكل أطرافه، أو يكون فيهم مَنْ تستهويه ناحية خاصة، أو أديب بعينه؛ فيتخذه مجالًا لدراسته، وتزويد المكتبة العربية بها، فيعين على تحديد معالم أدبنا المعاصر.
وبعد, فإن المعاصرة حجاب، وقد أتعرض في كتابي هذا بالنقد لبعض الأحياء من الأدباء، والتعريف بآثارهم الأدبية، وقد يكون في كلامي ما لا يروقهم، أو يثقل عليهم، ولكني سألزم نفسي قول الحقِّ مجردًا عن الأهواء والغايات، ثم إني مجتهدٌ، فإن أصبت فلي ثوابان، وإلّا فلن أعدم ثواب الاجتهاد، ولن تحول المعاصرة بيني وبين تقرير الحقيقة، والله الموفق للصواب.
عمر الدسوقي.
(1/7)

مقدمة الطبعة السابعة:
لم أزل منذ صدرت الطبعة الأولى لهذا الجزء من الكتاب عام 1948, أواصل دراسة الأدب الحديث، وأبحث عن مصادره، وقد تسنَّى لي في هذه الحقبة الاطلاع على كثير من المراجع، وإني أتقدم اليوم بالطبعة السابعة إلى قراء العربية, وفيها زياداتٌ كثيرةٌ في كل بابٍ من أبواب الكتاب، وإفاضةٌ في تراجم الشعراء والكتاب.
على أن هذه المرحلة من الأدب الحديث لا تزال في حاجةٍ إلى الدراسة، واستقصاء المصادر، حتى تظهر واضحةً مجلوَّةً لدارس الأدب، فلست أزعم أن الكتاب قد بلغ الكمال أو قاربه، وإني سأظل عاكفًا على الاستزادة من الأدب الحديث, حتى أبلغ بالكتاب الغاية التي أصبو إليها -إن شاء الله.
ومما يحفزني على ذلك, ما وجدته في جمهرة القراء من تشجيع؛ حتى نفدت الطبعات السابقة في أمدٍ وجيزٍ, على الرغم مما تلاقيه الكتب الأدبية من انصراف عنها، وزهد فيها, وإني أقابل هذا التشجيع بالشكر راجيًا أن يوفقني الله إلى إرضاء العلم وجمهور الأدباء، وطلاب البحث، والله الموفق للصواب.
عمر الدسوقي.
(1/9)

الفصل الأول: البعث
مدخل
...
الفصل الأول: البعث
1- قبيل البعث:
ظلت مصر وبلاد العروبة ثلاثة قرونٍ تحت حكم الأتراك، وهي في ظلامٍ دامسٍ، وجهلٍ فاضحٍ، تعاني مرارة الظلم، وقسوة البغي.
قَلِّبْ ما شئت من أسفار التاريخ, فلن ترى إلّا صفحاتٍ سوداء قاتمة، تنبعث منها روائح الاستبداد والبطش، وستسمع صراخ المظلومين يضم الآذان، وتلمح دماء الفلاحين في كل صقع تسيل تحت سياط الجباة، وتتمثل لك بلاد العروبة تخنقها يدٌ غاشمةٌ، أصابعها: الفقر, والمرض، والجهل، والذلة، والانحلال.
لم يكن لولاة الأتراك هَمٌّ إلّا استدرار الأموال بأية وسيلة، غير معيرين صرخاتِ الشعوب العربية التفاتًا، وغير مهتمين بما يقاسونه من ضنكٍ وبؤسٍ وفاقةٍ وجهلٍ، واشتد الخلف بين أمراء المماليك، وسلبوا الوالي سلطته، وشنوها حربًا شعواء كلٌّ على أخيه، ينازعه السلطة والجاه، والضحية في هذا النزاع كله هُمْ أبناء البلاد، فلا غرو إذا أقفرت من أهلها، وقد جاء القرن التاسع عشر، وسكان مصر أقل من ثلاثة ملايين، أكثرهم من العرب المسلمين، ويليهم الأقباط, ثم الأتراك، وكان الحاكم يفيد من الأستانة, ويقيم بالقلعة, ويدعو للخليفة، ويضرب باسمه النقود.
ولكن السلطة الفعلية كانت في يد المماليك، وهم أخلاطٌ من الأتراك والشراكسة، وجميع ثروة البلاد وإداراتها في أيديهم، ولم يكن لهم عصبية؛ لأنهم لم يتوارثوا الملك إلّا نادرًا، وإنما الغلبة للقوي، فضربةٌ موفقةٌ من حسام أحدهم, تكسبه الصدارة بين أبناء جلدته، ولم يكن حظه السعيد يغير من أخلاقه، فهو في منصب الوالي تتقمصه روح العبد الوضيع، وليس له من هَمٍّ إلّا الاستيلاء على النساء والخيل والأموال.
(1/13)

وكان الفلاح المسكين يُغْزَى وتُنْهَبُ أمواله، ولم يكن التاجر المصريّ أو الأوروبيّ الغريب بأحسن منه حالًا1، ولا ريب في أن الحالة الاجتماعية والأدبية تتأثر إلى حَدٍّ كبيرٍ بالحالة السياسية: فرعيةٌ هُمْلٌ، ورعاةٌ مستبدون، وهيهات أن يكون للأدب نصيبٌ في مثل هذه البيئة الجاهلة.
وقد زار "فولني" الرَّحَّالة الفرنسيّ مصر، وبلاد الشرق العربيّ, وتركيا, في أخريات القرن الثامن عشر, فراعه ما بها من جهلٍ مطبقٍ, وفسادٍ شائع، وهو في هذا يقول: "الجهل عامٌّ في هذه البلاد، وفي كل بلد تابع لتركيا، وقد عَمَّ كل الطبقات، ويتجلى في كل العوامل الأدبية, وفي الفنون الجميلة، حتى الصناعات اليدوية تراها في حالةٍ بدائيةٍ، ويندر أن تجد في القاهرة من يصلح الساعة، وإذا وُجِدَ فهو أجنبيّ".
ويقول في موضعٍ آخر: "ولَّى عصر الخلفاء, وليس من الأتراك أو العرب اليوم علماء في الرياضيات أو الفلك، أو الموسيقى, أو الطب، ويندر فيهم من يحسن الحجامة، ويستخدمون النار في الكيّ، وإذا عثروا بمتطببٍ أجنبيٍّ عدُّوه من آلهة الطب، وصار علم الفلك والنجوم شعوذةً وتنجيمًا، وإذا قيل لعلمائهم ورهبانهم: إن الأرض تدور, عدُّوا ذلك كفرًا؛ لأنه -في زعمهم- يخالف كتب الديانات".
ولم تكن تركيا أحسن حالًا من البلاد الخاضعة لسلطانها، وحسبك أنه حينما أراد بعض النابهين من الأتراك في القرن الثامن عشر2 إدخال المطبعة لأول مرةٍ في تركيا، وجَدٍّ من ولاة الأمور، وجمهور الشعب عنتًا وإرهاقًا، واضطر إلى استصدار فتوى شرعية, بعد أن بذل إبراهيم بك صهر السلطان مجهودًا كبيرًا، وقد سمحت الفتوى بطبع الكتب غير الدينية، ثم أفتى علماء الشرع بعد ذلك -حين ظهرت فائدة المطبعة- بطبع كتب الدين اعتمادًا على أن الأمور بمقاصدها".
__________
1 The Begining of the Egyptian question and the Rise of Mohamed Ali by prof Shafik Cherbal. p.2.
2 هو محمد حلبي, سفير الدولة العثمانية بباريس.
(1/14)

وقد حرم الأتراك مصر أغلى كنوزها؛ فنقولوا أكثر الكتب التي كانت بخزائن المدارس إلى بلادهم، ثم نقلوا كثيرًا من العلما، والأدباء، والأمراء, والمهندسين، والورّاقين، وأرباب الحرف، وقد ذكر ابن إياس أسماء كثير من هؤلاء، وقال: إنهم يبلغون ألفًا وثمانمائة، وصادفهم النحس, فغرقت بهم بعض السفن التي كانت تقلهم, فمات كثير منهم، مع أن ابن إياس1، أرَّخ لمصر حتى أوائل الاحتلال العثماني، ولم يشهد الاحتلال في أوج جبروته، وما جرَّه على البلاد من نكباتٍ.
وكان من نتائج هذا الاحتلال كذلك: أن قلت أموال الأوقاف التي كانت محبوسةً على العلماء وطلبة العلم، فتفرق الطلاب، وانفضت سوق العلم, ولم يبق منه إلّا ذماء يسير بالأزهر، ومن البديهيّ أن اللغة العربية لم تجد في هذا العصر المظلم من يشد أزرها، ويثيب الشعراء والكتاب المحتفين بها؛ لأن اللغة التركية طغت وصارت اللغة الرسمية في الدواوين، وفشت على ألسنة الناس، ولأن الحكام لا يفهمون العربية, ولا يقدرونها قدرها، ولا يميزون بين الجيد والغَثِّ من الكلام, حتى يلجأ إليهم الشعراء مادحين.
ولم يعد في استطاعة كثيرٍ من الكُتَّاب أن يسلموا من اللحن الفاحش، أو يأتوا بالمفهوم المقبول، بل عَزَّ عليهم اللفظ الجزل والأسلوب القويّ، فلجئوا للزخرف والمحسنات يخفون بها عوار كلامهم، وقد أكثروا من هذه الحلى اللفظية حتى استغلق الكلام، وأتوا بالغَثِّ السَّمَجِ الذي إن حَسُنَ فيه شيءٌ, كالسرقة واغتصابًا من آثار من سبقوهم من الكُتَّابِ.
وحسبنا أن نقدم بعض نماذج دليلًا على ما وصلت إليه اللغة وآدابها نثرًا ونظمًا من الركة والضعف.
__________
1 هو ابن إياس الجركسيّ الحنبليّ, من رجال القرن التاسع والعاشر للهجرة، وله كتاب "بدائع الزهور في وقاع الدهور" دَوَّنَ فيه تاريخ مصر حتى سنة 248هـ 1521م, ولغته ضعيفة أقرب إلى العامية منها إلى الفصحى.
(1/15)

1- قال عبد الوهّاب الحلبيّ في رسالة إلى الشهاب الخفاجيّ:
"لقد طفحت أفئدة العلماء بشرًا، وارتاحت أسرار الكاتبين سرًّا وجهرًا، وأفعمت من المسرة صدور الصدور، وطارت الفضائل بأجنحة السرور، بيمن قدوم مَن اخضرت رياض التحقيق بإقدامه، وغرقت بحار التدقيق من سحائب أقلامه".
2- قال عبد الرحمن الجبرتي, من النثر المرسل مبينًا نشأة مدرسة الهندسة في عهد محمد علي:
"لمَّا رغب الباشا في إنشاء محلٍّ لمعرفة علم الحساب والهندسة والمساحة، تعيَّنَ المترجم رئيسًا ومعلمًا لمن يكون متعلمًا بذلك المكتب، وذلك أنه تداخل بتحيلاته؛ لتعليم مماليك الباشا الكتابة والحساب ونحو ذلك, ورتَّبَ له خروجًا وشهريًّا، ونجب تحت يده المماليك في معرفة الحسابيات ونحوها، وأعجب الباشا ذلك فذاكره, وحسن له بأن يفرد مكانًا للتعليم, ويضم إلى مماليكه مَنْ يريد التعليم من أولاد الناس، فأمر بإنشاء ذلك المكتب، وأحضر له أشياء من آلات الهندسة والمساحة والهيئة الفلكية من بلاد الإنكليز وغيرهم".
3- ولم يكن الشعر -إذا صح أن نسميه شعرًا- أرقى حالًا من النثر, وإنما كان صناعةً لفظيةً غثَّةً.
وهاك مثلًا مما قاله عبد الله الشبراوي1، يرثي أحمد الدلنجاوي, المتوفى سنة 1123هـ:
سألت الشعر هل لك من صديقٍ ... وقد سكن الدلنجاوي لحده
فصاح وخَرَّ مغشيًّا عليه ... وأصبح ساكنًا في القبر عنده
فقلت لما أراد الشعر أقصر ... فقد أرَّختُ مات الشعر بعده
441 601 81
__________
1 كان عبد الله الشبراوي من أكابر شيوخ الأزهر، واشتهر بقوله هذا النوع من الشعر، وتوفي سنة 1172هـ.
(1/16)

ومن ذلك قول الشهاب الخفاجي1:
فديتك يا مَنْ بالشجاعة يرتدي ... وليس لغير السمر في الحرب يغرس
فإن عشق الناس المها وعيونها ... من الدل في روض المحاسن تنعس
فدرعك قد ضمتك ضمة عاشق ... وصارت جميعًا أعينًا لك تحرس
ومن هذه النماذج المتقدمة للأدب قبيل النهضة، ندرك كيف كان النهوض صعبًا بطيئًا، ويحتاج إلى عناءٍ طويلٍ، وصبرٍ كثيرٍ، وزمنٍ مديدٍ ليبلغ أشده ويؤتي أكله.
2- البعث:
هبَّت مصر من سباتها العميق فزعةً مذعورةً حين دوَّت في آفاقها مدافع نابليون سنة 1798م, وأخذت تقلب الطرف دهشةً في هذه الجيوش العجيبة، والوجوه الغريبة، فكان ذلك أول عهدها بالفرنجة منذ عصر صلاح الدين الأيوبي. ولكن شتَّان بين العهدين، ففي الأول كانت قويةً عزيزةً لا تزال فيها أثارةٌ من علم وأدب، وكانت أوربا لا تزال تتحسس طريقها نحو النور؛ فاقتبست من مهد العروبة, وأفادت علمًا وحضارةً، وأخذت ترقى صُعُدًا في سلم المدنية بخطواتٍ ثابتةٍ سريعةٍ، بينما أخذت مصر تهوي وتنحدر رويدًا رويدًا, ويتراكم عليها الجهل والغفلة حتى جاءها "نابليون" وهي في الدرك الأسفل.
اصطحب "نابليون" معه كل عدد الاستعمار والاستغلال والإيقاظ, وكانت دهشة المصريين جدَّ عظيمةٍ مما رأوا من مظاهر هذه المدينة؛ إذ أنشأ نابليون مسرحًا للتمثيل, كانوا يمثلون فيه روايةً فرنسيةً كل عشر ليالٍ، ومدارس لأولاد الفرنسيين, وجريدتين، ومصانع، ومعملًا للورق، وأسس
__________
1 هو أحمد بن محمد بن شهاب الدين الخفاجيّ المصريّ, ولد بسرياقوس, وتَلَقَّى دروسه بالقاهرة, ثم رحل مع أبيه إلى الحرمين، ثم الأستانة، ثم عُيِّنَ قاضيًا للعسكر بمصر، ثم استقال, وسافر إلى دمشق فحلب فالأستانة, وتوفي سنة 1069هـ، ومن أشهر مؤلفاته: "ريحانة الألباب" يشتمل على تراجم أدباء عصره، ثم "شفاء الغليل بما في لغة العرب من الدخيل".
(1/17)

مراصد فلكية، وأماكن للأبحاث الرياضية، والنقش والتصوير في حارة الناصرية، وأسس مكتبة عامة، وقد جمعت بعض كتبها من المساجد والأضرحة، وفيها كثيرٌ من الكتب الفرنسية التي أحضرتها الحملة معها ليفد إليها كل من يريد المطالعة، وكان القائمون بأمرها يرحبون بمن يدخلها من المصريين، وكان بها عدد كبير من الكتب العربية، وأنشأ المَجْمَعَ العلميَّ المصريَّ على نظام المَجْمَعْ العلميِّ الفرنسيِّ, في أغسطس سنة 1798، وكان من أغراضه:
1- نشر المدنية, وبعث العلوم والمعارف بمصر.
2- دراسة المسائل والأبحاث التاريخية والطبيعية والصناعية، ونشر هذه الأبحاث في مجلة المَجْمَعِ التي تنشأ لهذا الغرض.
3- إبداء رأيه في الأمور التي تستشيره فيها الحكومة.
وكان المجمع يتألف من أربعة أقسام: قسم الرياضيات، وقسم الطبيعيات، وقسم الاقتصاد السياسيّ، وقسم الآداب والفنون، ويتألف كلُّ قسمٍ من اثني عشر عضوًا.
وقد أفاد هذا المجمع مصر والتاريخ بآثاره وأعمال رجاله, وصارت أبحاث أعضائه هي النواة الأولى لكل بحث خاصٍّ بمصر، ولا بدع إذا ظلَّ المجمع العلميّ هو الأثر الباقي حتى اليوم من آثار حملة نابليون، وذلك لجليل فائدته, وهذا ما دعا بعض المؤرخين إلى القول بأن حملة نابليون على مصر, كانت علميَّةً أكثر منها حربيةً1:
وبذل الفرنسيون غاية جهدهم في تقريب المصريين إليهم، وترغيبهم في أسباب الحضارة، وفي الجبرتي وصفٌ مستفيضٌ لكل هذا، حتى موائد الفرنسيين، وكيف يأكلون ويشربون ويلبسون، وما شاهده من سائر أعمالهم العلمية والكيمائية، وكتبهم المصورة وأدواتهم، وهو يمثِّلً بدهشته هذه حالَ كلِّ عربيٍّ في أيامه.
__________
1 تاريخ مصر السياسيّ, لمحمد رفعت ج1 ص39.
(1/18)

ولقد ظَنَّ كثيرٌ ممن شاهدوا التجارب العلمية التي أجراها الفرنسيون في معاملهم سحرًا1، بيد أن كل هذا ذهب بذهابهم سنة 1801م.
كانت حملة نابليون هزةً عنيفةً لمصر، أيقظتها من سباتهات الطويل العميق, وبيَّنَت لها أنها تعيش في عالمٍ آخر، وأن الدنيا تسير, وأهلها واقفون غارقون في أحلامهم, يجترون ماضيهم، ولا يدركون مساويهم، ويظنون أنهم الناس وأن غيرهم لا شيء.
وقد نَظَّمَ نابليون شئون مصر الداخلية تنظيمًا حسنًا، يشهد له بالنبوغ الإدرايّ، فوق نبوغه الحربيِّ، على الرغم من قصر المدة التي أقامها بمصر، فأنشأ الدواوين في مصر والمدن الكبرى, وانتخب لها أكفأ المصريين, واختيار من بين المصريين المسيحيين رجال المالية والإدارة، بيد أن شراسة رجال الحملة، واستهتارهم بالشعب المصريّ، ودينه وتقاليده، وانتهاكهم حرمات الأهالي جهارًا, ونهبهم القرى الآمنة، وإفزاع أهلها، وفرض الضرائب على الأوقاف الخيرية التي كان يصرف ريعها على المساجد وطلاب العلم، وفرضها كذلك على المنازل، جعل كل قلوب المصريين تنفر من نابليون وإصلاحاته، وعلمه، وتنظر إليه نظرة الغاصب المستبد، ولقد ثار المصريون في أكتوبر سنة 1798؛ فأخمد ثورتهم في قسوةٍ عارمةٍ، وعنفٍ وغلظةٍ، وانتهك حرمة المساجد الإسلامية2, وعبثًا حاول بعد ذلك أن يتألف قلوبهم, أو يستميلهم إلى المدنية الغربية، وإن كلفوا بها بعد خروج الحملة الفرنسية من مصر, واتخذوا ما وضعه لهم أساسًا للإصلاح الداخليّ2.
__________
1 وصف الجبرتي بعض ما رآه في أحد هذه المعامل بقوله: "ومن أغرب ما رأيته في ذلك المكان, أن بعض المتقدمين لذلك, أخذ زجاجة من الزجاجات الموضوع فيها بعض المياه المستخرجة، فصبَّ منها شيئًا في كأسٍ, ثُمَّ صَبَّ عليها شيئًا من زجاجة أخرى, فعلَا الماء وصعد منه دخان ملون حتى انقطع, وجَفَّ ما في الكاس, وصار حجرًا أصفر، فقلبه على البرجات حجرًا يابسًا, أخذناه بأيدينا ونظرناه، ثم فعل كذلك بمياه أخرى فجمد حجرًا أزرق، وبأخرى فجمد حجرًا ياقوتيًّا".
2 Professor Shafik Gherbal. pp. 73.5.
3 لمحة عامة إلى مصر, لكلوت بك, ج2، ص255-268.
(1/19)

وفي ذلك يقول المؤرخ الإنجليزي ألجود "Elgood":
"لقد ترك الاحتلال الفرنسيُّ في مصر أثرًا لا يمحى، فقد ظلَّ المصريون يعجبون بنابليون بعد خروجه من ديارهم، وظلَّت طرق الإدراة الفرنسية مهيمنةً على حكومة مصر، وظلَّت عادات التفكير الفرنسية تسيطر على الطبقة المستنيرة بمصر, وإنَّ ما خَلَّفَته الحملة الفرنسية في مصر خلال ثلاثة أعوام لاغير، لمن أضخم ما يتسنى إنجازه في هذا الأمد الوجيز1".
ثم أتيحت لمصر الفرصة لكي تنهض وتتبوأ مركزها بين أمم العالم المتمدين, باستيلاء محمد علي على عرش مصر، وحاول أن ينشئ دولةً قويةً خالصةً لنفسه ولذريته من بعده, فأفادت مصر من مجهوداته في هذا السبيل, وإن حكمها حكمًا استبداديًّا خالصًا.
كان محمد علي طموحًا، يريد أن يرى مصر ما بين طرفة عينٍ وانتباهتها, لا تقل في حضارتها وقوتها عن دول أوروبا، فوضع أسس نهضةٍ شاملةٍ: في الجيش، والصناعة، والزراعة، والتعليم، والإدارة، حتى يكون البعث عامًّا، يدفع بعضه بعضًا، ولا يعنينا في مقامنا هذا إلّا ما يَمَسُّ اللغة والأدب.
وقد وجد محمد علي أن خير وسيلةٍ تنهض بالشعب المصريّ وترفعه إلى مستوى الأمم الناهضة, الاهتمام بالتعليم، وقد سلك في سبيل تعليم الشعب كلَّ الطرق الناجحة: فمن بعثاتٍ وطباعةٍ، وفتح مدارس، ونقل آثار الأمم الغربية في العلوم والآداب، وتأسيس الصحافة لتنير الحياة أمام الشعب.
البعثات:
جاء محمد علي إلى مصر جنديًّا في الحملة التي اشتركت في إخراج الفرنسيين منها سنة 1801م، ولم يمض عليه أربع سنواتٍ حتى استولى على مصر سنة 1805م؛ بعد أن ثار المصريون بقيادة الزعيم العالم السيد عمر مكرم على واليهم التركيّ خورشيد لعسفه واستبداده؛ فقرروا عزله.
__________
1 The Transit of Egypt.by P.G. Eigood. P. Edward & Co. Londor 1928.
(1/20)

وكان محمد علي قد تقرَّبَ إليهم, وأظهر حرصًا على استرضائهم, والاستجابة لكلِّ ما يأمرون به، والخضوع لهم، فاغتروا بمظهره وخداعه، وبايعوه بالولاية، وعلى رأسهم زعيم مصر الشعبيّ السيد عمر مكرم، ولكنه ما لبث أن تَنَكَّرَ لهذا الزعيم الذي وضع بين يديه عرش مصر، خوفًا من منافسته, وتخلُّصًا من رقابته, وحسدًا لمكانته فنفاه.
ورأي كذلك أنه لن يستقيم له الأمر حتى يقضي على المماليك لتمردهم وكثرة شغبهم، فأبادهم1؛ وأنه لابد له من جيشٍ قويٍّ يُقِرُّ به الأمن, ويصون هيبة الحكم في الداخل، ويدفع به غارة المغيرين من الخارج، فانتدب طائفةً من أساتذة الفنون العسكرية بأوروبا، وأرسلهم مع مماليكه إلى أطراف الصعيد؛ ليدربوهم هناك.
وفي سنة 1815 أسس مدرسةً حربيةً إعداديةً، واتخذ لها قصر ابن العيني مكانًا، وكان كل تلامذتها في أول الأمر من غير المصريين, إلّا أنهم لم ينجحوا, فالتفت إلى المصريين، ونقلها إلى أبي زعبل، وأكثر بها من الأساتذة الفرنسيين؛ وتعجلًا للفائدة, كان قد سبق وأرسل في سنة 1813 طائفةً من شبان المماليك لدارسة الفنون العسكرية بإيطاليا، وفي سنة 1818 أرسل بعثةً أخرى إلى انجلترا؛ لدارسة علم الحيل "الميكانيكا" وغيرها.
ورأى محمد علي أن الجيش في حاجةٍ إلى أطباء يأسون جراحات الجند، ويقاومون الأوبئة، ويعنون بالمرضى, وأن الطب لا أثر له ألبتة، فخاصة المصريين كانوا يعتمدون في هذا على المأثور من نسخ الأدوية في الكتب القديمة، وعلى ما تمخضت عنه التجارب، ومنها الكيّ والحجامة، وأما الدهماء فكانوا في عامة شأنهم يعوذون بمدعي الطب من الدجالين والمشعوذين والسحرة، أو يقنعون من طلب الاستشفاء بزيارة الأضرحة, فأنشأ في سنة 1826 مدرسة الطبِّ في جهة أبي زعبل، وأقام بجوارها مستشفًى كبيرًا لمعالجة المرضى، ولتمرين الطلبة، واستقدم لها أساتذة من الغرب؛ وجعل رياستها إلى الدكتور "كلوت بك الفرنسيّ".
__________
1 احتال عليهم ودعاهم إلى وليمة بالقلعة -وكانت مقر الوالي حينذاك- ثم أوقع بهم بعد أم أمنوا، فقضى عليهم, وكان ذلك في سنة 1226هـ 1811م.
(1/21)

وكان الطلاب في هذه المدرسة من المصريين وغيرهم، واختير كثير من أولئك من بين نوابغ طلاب الأزهر، ثم نقلت هذه المدرسة إلى قصر ابن العيني في سنة 1838.
وقد كان لمدرسة الطب أثرٌ لا يُنْكَرُ في بعث اللغة العربية والنهوض بها، واتصالها بالعلم الحديث؛ لأن فصيح اللغة فوق أنه قد غُمَّ على الناس وعلى المصريين بخاصةٍ من عهد بعيد، وأن آدابها ومظاهر بلاغتها قد دَبَّ إليها الضعف والانحلال إلى حدٍّ كبيرٍ، فإنها قد تخلفت عن متابعة العلم حقبًا طويلةً؛ فلما استوى العلم وأدرك، إذا هو في وادٍ، وإذا حظّ الناس من لغة العرب في وادٍ آخر.
وحين فوجئت مصر بهذه العلوم التي حذقها الغرب منذ عدة قرون, تشايعها الألفاظ هناك، وتدارجها الصيغ، وتطبع لها المصطلحات التي تهيئها الهيئات العلمية المنظمة, تبين العسر أشد العسر في تعليم هذه العلوم الحديثة لطلابٍ يجهلون لغات أهلها، وخاصةٍ من معلمين لا يعرفون العربية، ولو عرفوها ما تهيأ لهم أن يدرسوا بها لعجزها عن أداء الكثير والقليل مما تهيأ لهم أن تؤديه, ليس في متناول اليد، بل إنه يحتاج إلى كثرة مراجعة، وشدة تنقيب، ويحتاج إلى علماء عندهم شغف بالاطلاع, ورغبة في البحث، وجَلَدٌ على العمل؛ لهذا دعت الضرورة أول الأمر أن يقام بين الأساتذة وتلاميذهم جماعةٌ من المترجمين, يستمعون الدرس في اللغات الأجنبية، ثم يؤدونه إلى هؤلاء بالعربية، وكان هؤلاء المترجمون من المغاربة والسوريين والأرمن وغيرهم.
ولقد عانوا كثيرًا في القيام بهذه المهمة الشاقة، ولكن كان علمهم هذا أول دعامةٍ في صرح النهضة الحديثة، فلقد حفَّزَّهم ذلك إلى مراجعة معجمات اللغة، والكتب الفنية القديمة؛ كمفردات ابن البيطار، وقانون ابن سينا، وكليات ابن رشد، وغيرها من الكتب العربية لاستخراج المصطلحات العلمية, أو لصياغة ما يؤدي مطالب العلم الحديث، إذا عجز القديم عن أدائه، وإذا كانت قد غلبتهم الألفاظ الأجنبية في كثيرٍ من الأحيان, ففضلهم في عقد الصلة بين الشرق والغرب لا يجحد.
(1/22)

رأى محمد علي أن تشمل نهضته جميع نواحي الحياة؛ فأكثر من إنشاء المدارس العالية والابتدائية، وقد بدأ بالمدارس العالية، وكان على حقٍّ فيما فعل؛ حتى يجد بجنبه جماعةً من المتخصصين في المواد المختلفة, يشرفون على مراحل التعليم الأخرى, ويسيرون بالنهضة سريعًا، فأسَّسَ مدرسةً للصيدلية، وأخرى للهندسة في القلعة, ثم نقلت إلى بولاق، ومدرسةً للولادة والتمريض, ورأى أن الحاجة ماسَّةً إلى أساتذة متخصصين عالمين بعلوم الغرب وثقافته، فجلب الأساتذة من فرنسا في كل فنٍّ من الفنون، ولكنه أدرك أن النهضة الحقة لا تتم إلّا على يد أبناء البلاد، فأكثر من البعثات، وفي سنة 1826 أرسل بعثةً إلى فرنسا, عدتها أربعة وأربعون طالبًا، ذكر أسماؤهم "المسيو جومار"1 -وقد عهد إليه محمد علي بالإشراف على بعثاته- في المجلة الأسيوية، Journal -Asiatipue 2 وقد تخصصوا في شتَّى العلوم والفنون: من حقوق، وعلوم سياسية، وهندسة حربية، وطب، وزراعة، وتاريخ طبيعيٍّ، وميكانيكا، وكيمياء، وطباعة، وحفر، وغير ذلك مما استلزمته النهضة الحديثة، ومن أشهرهم وأعظمهم أثرًا, إمام البعثة الشيخ: رفاعة الطهطاوي, وسنترجم له فيما بعد لجليل قدره وعظم أياديه على الترجمة والنهضة والأدبية.
ثم توالت البعثات، ومن أشهرها البعثة الطبية الكبرى في سنة 1832، وقد اختير طلبتها من نابهي مدرسة الطب المصرية، ومن نوابغ رجالها محمد علي البقلي, وفي سنة 1844 أرسلت بعثةٌ ضمَّت خمسةً من أمراء أسرة محمد علي، ومنهم الأمير إسماعيل3، ولذا سميت ببعثة الأنجال، وهي أكبر بعثات محمد علي, وآخر بعثاته الكبرى، وقد اختار تلامذتها سليمان باشا الفرنساوي من نوابغ تلاميذ المدرس المصرية، ومن أجل هذه البعثة فتح محمد علي مدرسةً بباريس، ومن أشهر رجالها علي مبارك باشا، وحسن أفلاطون باشا، ومحمد عارف باشا، ومحمد شريف باشا.
__________
1 كان مهندسًا في الجيش الفرنسيّ بمصر, وعضوًا في المجمع العلميِّ أيام حملة نابليون.
2 عدد أغسطس سنة 1828 ص109.
3 الخديوي إسماعيل فيما بعد.
(1/23)

وقد أرسل محمد علي إحدى عشرة بعثةً, آخرها سنة 1847، وكان شديد العناية بأعضاء البعثات, يتقصى أنباءهم، ويشرف على دراستهم باهتمام، ويكتب لهم من حينٍ لآخر رسائل يستحثهم فيها على العمل والاجتهاد، وينبههم إلى واجباتهم؛ وذلك لشدة حاجته في نهضته إلى من يقف بجانبه، وينفذ مشروعاته الضخمة، وقد ذكر رفاعة الطهطاوي نموذجًا من الرسائل التي وجهها محمد علي إلى طلبة البعثات، ويوبخهم فيها على تقصيرهم، ويحثهم على الاجتهاد، وبتعجلهم في قطف ثمار تحصيلهم1.
كان لهذه البعثات كلها أثرٌ بالغٌ في تقدُّم مصر ونهضتها، وإرسال نور العلم دافقًا قويًّا في ربوعها، كما كان لها أعظم الفضل في إحياء اللغة، وجعلها مسايرةً للعلم الحديث، بما ترجم أعضاؤها من كتبٍ, وما أدخلوه من مصطلحات، وما ألفوه في شتَّى نواحي العلم.
الترجمة:
اقتضت النهضة أن تنقل كنوز الغرب إلى اللغة العربية, فأسست في سنة 1836 مدرسة الإدارة والألسن، وعهد بالإشراف عليها لرفاعة الطهطاوي, ولما كان تاريخها مرتبطًا به، ونهضة الترجمة في عصر محمد علي وخلفائه ثمرة جده وكده، رأينا أن نترجم له ترجمةً موجزةً, فحياته حياة مدرسة الإدارة والألسن: لأنها وجدت بفضله، وانتهت بخروجه منها.
__________
1 راجع الرسالة: في تخليص الإبريز لتلخيص باريز, لرفاعة بك ص151، وفي تاريخ الحركة القومية لعبد الرحمن الرافعي ج3 ص455.
(1/24)

رفاعة الطهطاوي: 1801-1873
هو إمام النهضة العلمية في مصر الحديثة غير مدافع، وهبه الله لمصركي يزوّدها بنور العلم؛ فكان مشعلًا ساطعًا بدَّدَ الجهل وسُدْفَته، وأنار الطريق لآلاف العقول والقلوب, ووضع اللبنات الأولى القوية في صرح ثقافتنا الحديثة.
أُوتِيَ القلب الذكي، والعقل الصافي، والنشاط الموفور، والبصيرة النفاذة، والعزيمة المبرمة؛ فما أضاع ساعةً منذ وضع رجليه على سُلَّمِ الباخرة التي أقلته إلى فرنسا إلّا وأمامه الهدف الذي رسمه لنفسه ولوطنه، وظلَّ هذا دبأه إلى أن انطفأ مشعل حياته.
هو مصريٌّ صميمٌ، من أقصى الصعيد، يتصل نسبه من جهة أبيه بسيدنا الحسين -رضي الله عنه، وقد أشار إلى هذا النسب قوله:
حسينيّ السلالة قاسميٌّ ... بطهطا معشري وبها مهادي1
ومن جهة أمه بالأنصار الخزرجية، ولد في طهطا، وكان أجداده من ذوي اليسار وممن تولوا مناصب القضاء بمصر، ثم أخنى عليهم الدهرن وحينما وُلِدَ كانت أسرته في عسر، فنشأ نشأةً معتادةً بين أبوين فقيرين، وقرأ القرآن، وتلقَّى العلوم الدينية، كما يتلقاها عامة طلبة العلم في عصره، ودخل الأزهر كما دخله غيره، وصار من علمائه كما صار كثيرون، ولكن ذكاءه وحبه للعلم، وإقباله على التحصيل, لفت إليه نظر الشيخ حسن العطار شيخ الجامع الأزهر في ذياك الوقت، وكان الشيخ العطار من أفذاذ عصره في العلم والأدب والفنون الحديثة، فاقتدى به تلميذه الشيخ رفاعة، فقرأ كثير من كتب الأدب، ومهر في فنونه وهو بعد في الأزهر, ثم تولَّى التدريس سنتين؛ ظهر فيهما استعداده للتعليم والتثقيف؛ إذ أحبه تلاميذه حبًّا جمًّا, وتتعلقوا به وبدروسه. ويقول صالح بك مجدي في هذا2.
__________
1 قاسميّ: نسبة إلى أجداده أبي القاسم الحسين, وهو من أولياء طهطا المشهورين، راجع في نسبه الخطط التوفيقة لعلي مبارك ج13, ص51-56.
2 في رسالته "حلية الزمن بمناقب خادم الوطن" وهي ترجمة حياة رفاعة بك، كتبها صالح مجدي أحد تلاميذه.
(1/25)

"وكان -رحمه الله- حسن الإلقاء؛ بحيث ينتفع بتدريسه كل من أخذ عنه، وقد اشتغل في الجامع الأزهر بتدريس كتبٍ شتَّى: في الحديث والمنطق والبيان والبديع والعروض وغير ذلك، وكان درسه غاصًّا بالجمِّ الغفير من الطلبة, وما منهم إلّا من استفاد منه، وبرع في جميع ما أخذوه عنه، لما علمت من أنه كان حسن الأسلوب سهل التعبير، مدققًا، محققًا، قادرًا على الإفصاح بطرق مختلفة؛ بحيث يفهم درسه الصغير والكبير بلا مشقةٍ ولا تعبٍ، ولا كدٍّ ولا نصبٍ".
ثم عُيِّنَ واعظًا وإمامًا لإحدى فرق الجيش في سنة 1828، فاعتاد حياةً جديدةً عنوانها: النظام والطاعة، ومحبة الوطن والدفاع عنه، ومواجهة الأخطار، وقد كان لذلك أثر كبير في حياته، فعاش محبًّا للنظام، في كل ما تولاه: في تلقي العلوم، وفي التأليف والتعريب، وفي حسن تنظيم المعاهد التي تولَّى إدراتها، شغوفًا بوطنه مخلصًا له طول حياته.
وكان من حسن حظِّه وحظ مصر أن طلب محمد علي إلى الشيخ العطار أن يختار له من علماء الأزهر إمامًا للبعثة الأولى، يرى فيه اللياقة لتلك الوظيفة1, فوقع الاختيار على الشيخ رفاعة.
ولم يكن مطلوبًا من إمام البعثة أن يحصِّلَ شيئًا من علوم الفرنسيين، ولكن حسبه أن يؤدي مهمته من وعظ الطلاب وإرشادهم إلى ما فيه خيرهم، ونصحهم إذا ضلت بهم السبل، وإمامتهم حين الصلاة، ولكن الشيخ رفاعة كان ذا نفسٍ طموح، فما أن أقامت به وبصحبه الباخرة من مصر حتى ابتدأ يتعلم؛ فأجلُّوه وأَكْبَرُوه، ومنهم المستشرق المشهور "البارون دي ساسي"2. "كوسان دي برسفال"3.
__________
1 الخطط التوفيقية ج13 ص54.
2 ولد بباريس سنة 1758, وتوفي سنة 1838, راجع آثاره وخدماته للأدب العربيّ في كتاب "المستشرقون" لنجيب العفيفي ص37.
3 ولد سنة 1759, وتوفي سنة 1853, راجع "المستشرقون" ص26.
(1/26)

واهتم في دراسته بالتاريخ والجغرافية، والفلسفة والأدب، فقرأ "فولتير", و"رسو"، "وراسين"، و"ومومنتسكيو" وغيرهم، وقرأ بعض الكتب في علم المعادن وفنون الحرب والرياضيات، ومالت نفسه وهو بباريس إلى التأليف والتعريب، فوضع رحلته وسماها: "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، وقد كان أستاذه العطار قد أوحى إليه بذلك، وعرَّبَ نحو اثنتي عشرةَ رسالة في مختلف الفنون والعلوم: من هندسة, ومعادن, وطبيعة, وتاريخ, وتقويم, وميثولوجيا, وعلم الصحة, والأخلاق، وترجم كذلك في باريس كتابه "قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر".
وهو أول من كتب من المصريين في المباحث الدستورية، مع أن هذه المباحث كانت مجهولةً في تاريخ مصر القوميّ، وذلك أنه درس في أثناء إقامته بباريس بنظام الحكم في فرنسا؛ وعرَّبَ في كتابه "تخليص الإبريز" دستور فرنسا في ذلك الحين, وما تضمنه من نظام المجلسين واختيار أعضائهما، وحقوق الأمة أفرادًا وجماعات، ولم يكن يكتفي بالتعريف، بل كان يعلق بما يدل على سعة فهم وصحة حكم، وميل فطريّ للنظم الحرة1. وكان للشيخ رفاعة في باريس موضع إعجاب أساتذته وإكبارهم، لتمام رجولته، ونضج عقله، وحسن تصرفه، وشدة إقباله على الدرس والتحصيل، والعمل على نفع أمته، وفيه يقول المستشرق الفرنسيّ المشهور "سلفستر دي ساسي": إن الشيخ رفاعة "أحسن صرف زمنه مدة إقامته بفرنسا، وأنه اكتسب فيها معارف عظيمة, وتمكَّن منها كل التمكن، حتى تأهل لأن يكون نافعًا بلاده.. وله عنده مزية عظيمة ومحبة جسمية2".
__________
1 ومن ذلك تعليقه على موقف الملك "شارل" المباشر لمَّا قامت الثورة في باريس قال: "فلما اشتد الأمر وعلم الملك بذلك وهو خارج, فأمر بجعل المدينة محاصرة حكمًا, وجعل قائد العسرك أميرًا من أعداء الفرنساوية، مشهورًا عندهم بالخيانة لمذهب الحرية، مع أن هذا خلاف الكياسة والسياسة والرياسة، فقد دلهَّم هذا على أن الملك ليس جليل الرأي، فإنه لو كان كذلك لأظهر أمارات العفو والسماح، فإن عفو الملك أبقى للمُلْكِ، ولما ولي على عساكره إلّا جماعة عقلاء أحبابًا له وللرعية، غير مبغوضين ولا أعداء، مع أن استصلاح العدو أحزم من استهلاكه، ويحسن قول بعضهم:
عليك بالحلم وبالحياء ... والرفق بالمذنب والإغضاء
إن لم تقل عثرة من يقال ... يوشك أن يصيبك الجهال
2 تخليص الإبريز, ص154.
3 حلية الزمن, ص10.
(1/27)

وذكر السيد صالح مجدي تلميذه ومؤرخ حياته في كتاب "حلية الزمن": وقال لي من أثق به ممن كانمعه بباريس: "أنه كان يؤدي الفرائض والسنن، ولم يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، وواظب على تلاوة القرآن1".
كان رفاعة قبل أني يغادر مصر يظن أن العلم كله قد جمع في الأزهر، وأنه سيحرم الاغتراف من هذا النبع العذب، وفي ذلك يقول:
"ولكن يتبين له به أن ذهب إلى باريس، واتصل بثقافة الغرب, أن وطنه في حاجةٍ ملحةٍ إلى معرفة هذه الثقافة الجديدة ليرقى وينهض، وأنه لا يكفيه علم الأزهر، ولذلك جَدَّ في الترجمة، حتى ليخيل للمرء أنه يريد أن ينقل كل شيء إلى اللغة العربية وإلى مصر، ولا بدع, فكل شيء أمام ناظريه جديد، وعلى عقله غريب".
ثم عاد إلى مصر سنة 1831، بعد ست سنوات قضاها مكبًّا على الدرس والتحصيل: يطالع، ويقرأ، ويكتب ويعرب، ويجالس العلماء ويسجالهم البحث والمناظرة، وينعم النظر في أحوال الشعوب الأوروبية وتاريخها، وأسباب حضارتها وتقدمها، واستقرَّ عزمه وهو في باريس, على أن يخدم بلاده عن طريق نقل العلوم الغربية إلى مواطنيه، فتتسع أفكارهم, وتنمو مدراكهم, مقتفيًا في ذلك آثار الدولة العباسية؛ إذ بدأت نهضة العلوم والمعارف في عهدها بترجمة كتب اليونان إلى العربية.
ولقد برَّ بوعده؛ فملأ البلاد علمًا وحكمةً، وحمل نواة النهضة وخدمتها بتأليفه وتعاريبه وتلاميذه الذين تخرجوا على يديه في مدرسة الألسن وغيرها.
أعماله بعد عودته:
لما رجع ولي منصب الترجمة، وتدريس اللغة الفرنسية في مدرسة الطب بأبي زعبل، ثم انتقل إلى مدرسة المدفعية بطرة، وعهد إليه ترجمة العلوم الهندسية والفنون الحربية، ثم وقع وباءٌ في القاهر اضطره إلى السفر لطهطا بلدته، فمكث بها ستين يومًا، ترجم في خلالها مجلدًا من جغرافية "ملتبرون" Nalt Bron وعاد به إلى القاهرة، وقدَّمَه لمحمد علي, فأكرمه ورقاه.
__________
1 المصدر السابق ص97.
(1/28)

عرف الشيخ رفاعة في باريس مدرسة اللغات الشرقية، والتي أسست لدراسة لغات الاستشراق، وكان يسمِّيها في كتابه مدرسة الألسن، فوجب أن تؤسس في مصر مدرسة للألسن تواجه مطالبها وتناسب أغراضها، ورأى في أعضاء البعثات -مهما كثر عددهم- لن يقوموا بكل ما تتطلبه النهضة من جهود، فلابد من إيجاد طبقةٍ من العلماء الاكفاء في الآداب العربية، واللغات الأجنبية، ليضطلعوا بمهمة تعريب الكتب، وليكونوا صلةً بين الثقافة الشرقية والثقافة الغربية.
إننا بالبعثة ننقل بعض المصريين إلى أروبا، وبهذه المدرسة ننقل علم أوربا إلى مصر، فاقترح الشيخ على محمد علي إنشاء مدرسة الألسن، وكان من مزايا محمد علي أن يُسَرَّ بالاقتراح الجيد، وينفذه فورًا، فعهد إلى الشيخ رفاعة بوضع المشروع وتنفيذه، وبذلك أنشئت مدرسة الألسن، وكان مكانها "سراي الدفتردار" حيث كان فندق "شبرد القديم" وتقع بجوار قصر الألفي بك, الذي أقام به نابليون, ثم محمد علي، واختار لها الشيخ خمسين طالبًا من نوابغ طلاب المكاتب المصرية, وفي هذه المدرسة التي تولى الشيخ نظارتها ظهر نبوغه عالمًا محققًا، ورئيسًا قديرًا، ومعلمًا كفؤًا، ومربيًا ممتازًا.
وكانت المدرسة كليةً تدرس فيها آداب العربية، واللغات الأجنبية, وخاصة الفرنسية والتركية والفارسية، ثم الإيطالية والإنجليزية، وعلوم التاريخ، والجغرافية، والشريعة الإسلامية, والشرائع الأجنبية، فكانت أسبه شيء بكلية للآداب والحقوق مجتمعتين, وكان نهج المدرسة علميًّا ومفيدًا، فلم يكن دروسًا تكتب في دفاتر وتهمل، بل يمرن الطلبة على الترجمة في كتب نافعة، فإذا استغلقت عليهم جملةً لجئوا إلى شيخهم يذللها لهم، ثم عرضوا ما ترجموا على أستاذ اللغة العربية يصحح لهم لغتهم، وخاصةً الشيخ محمد قطة العدوي، فقد كان ساعده الأيمن في هذه المدرسة، لما رُزِقَه من موهبةٍ جليلة في التدريس بلغة سهلة، وعبارةٍ فصيحةٍ, وقدرةٍ على تصحيح عبارات الطلبة فيما يترجمون، فإذا
(1/29)

أتموا الكتاب, أو الكتب, رُوجِعَتْ, ثم قُدِّمَت إلى المطبعة لتطبع، فتكون أثرًا خالدًا1.
وأحيل على رفاعة بك مع إدارة المدرسة إدارة عدة معاهد: المدرسة التجهيزية، ومعهد الفقه والشريعة الإسلامية، ومعهد المحاسبة، ومدرسة الإدارة الإفرنجية، والتفتيش على مدارس الأقاليم، وتحرير الوقائع المصرية، وبعد سنواتٍ تخرجت الدفعة الأولى في مدرسة الألسن؛ فتلقفتهم مصالح الدولة المختلفة, وابتدءوا يفيضون وأستاذهم على مصر من بحور الغرب وكنوز ثقافته, ما كان دعامة لنهضتنا الحالية.
ظلَّ الشيخ سبعة عشرًا عامًا وهو دائب في عمله لا يمل ولا يكل، وفي كلِّ آونةٍ يضاف إليه عمل جديد يتقبله بصدرٍ رحبٍ وعزيمةٍ قويةٍ، وكلما زاد اجتهاده ونتاجه زاده أولو الأمر مكافأةً وتقديرًا؛ فمنحه محمد عأتموا الكتاب, أو الكتب, رُوجِعَتْ, ثم قُدِّمَت إلى المطبعة لتطبع، فتكون أثرًا خالدًا1.
وأحيل على رفاعة بك مع إدارة المدرسة إدارة عدة معاهد: المدرسة التجهيزية، ومعهد الفقه والشريعة الإسلامية، ومعهد المحاسبة، ومدرسة الإدارة الإفرنجية، والتفتيش على مدارس الأقاليم، وتحرير الوقائع المصرية، وبعد سنواتٍ تخرجت الدفعة الأولى في مدرسة الألسن؛ فتلقفتهم مصالح الدولة المختلفة, وابتدءوا يفيضون وأستاذهم على مصر من بحور الغرب وكنوز ثقافته, ما كان دعامة لنهضتنا الحالية.
ظلَّ الشيخ سبعة عشرًا عامًا وهو دائب في عمله لا يمل ولا يكل، وفي كلِّ آونةٍ يضاف إليه عمل جديد يتقبله بصدرٍ رحبٍ وعزيمةٍ قويةٍ، وكلما زاد اجتهاده ونتاجه زاده أولو الأمر مكافأةً وتقديرًا؛ فمنحه محمد علي رتبة "أميرالاي" و 1300 قرش في الشهر، و350 فدانًا في طهطا, ولكن الدنيا لا تدوم على حالٍ، فما أن مات محمد علي، وتولَّى عباس الأول الحكم, حتى أغلق المدارس جميعها إلّا القليل، وألغى مدرسة الألسن والشيخ رفاعة معها، بحجة الاقتصاد في النفقات، ولأن حاشية السوء لما رأت ميل الوالي إلى محاربة التعليم والعلماء خاضوا في الشيخ رفاعة وطريقته, ورموه بالعقم، فنفاه عباس الأول إلى السودان تحت ستار إنشاء مدرسة ابتدائية هناك, وتعيينه ناظرًا لها، ومعه طائفةٌ من أكابر العلماء.
ولم تكن الخرطوم كما هي اليوم في نظافتها ومبانيها، وتوفر وسائل العيش بها، وإنما كانت مدينةً صغيرةً تصعب الحياة فيها على من ألف حياة باريس والقاهرة، وعلى كل من يشرف على التعليم كله بمصر، فإذا هو يشرف على مدرسةٍ ابتدائيةٍ صغيرةٍ بالخرطوم.
__________
1 يقول أحمد عبيد مترجم كتاب "الروض الأزهر في تاريخ بطرس الأكبر" "كانت تحت إرشاد مدير مدرسة الألسن السيد رفاعة، فأجاد تربيتي كغيري حتى حسن حالي، واجتهادي في نيل المعالي بين أمثالي، واقتضى رأيه المؤيد, وحزمه المعضد، أن أترجم كتابًا من كتب التاريخ؛ فاختار ملكًا من ملوك الإفرنج, تعلو همته على المريخ، وهو كتاب بطرس الأكبر، وفضله أشهر من أن يذكر، لمؤلفه الشهير المسمى: "فولتير" الذي يعد بين أكابرهم أعظم حجة، وإن كان عن الأديان بعيد المحجة، فجاء التعريب بحمد الله على أحسن حالٍ، وأتَمَّ منوالٍ، وقد شرعت في نقله من الفرنسية إلى العربية, مع إعانته لي في حل مشكلاته، وما عسر عَلَيَّ من غوامضه ومعضلاته، وقد صرفت في ترجمته على صعوبته الهمة، وسهرت في مطالعته وفهمه الليالي المدلهمة ... إلخ".
لي رتبة "أميرالاي" و 1300 قرش في الشهر، و350 فدانًا في طهطا, ولكن الدنيا لا تدوم على حالٍ، فما أن مات محمد علي، وتولَّى عباس الأول الحكم, حتى أغلق المدارس جميعها إلّا القليل، وألغى مدرسة الألسن والشيخ رفاعة معها، بحجة الاقتصاد في النفقات، ولأن حاشية السوء لما رأت ميل الوالي إلى محاربة التعليم والعلماء خاضوا في الشيخ رفاعة وطريقته, ورموه بالعقم، فنفاه عباس الأول إلى السودان تحت ستار إنشاء مدرسة ابتدائية هناك, وتعيينه ناظرًا لها، ومعه طائفةٌ من أكابر العلماء.
ولم تكن الخرطوم كما هي اليوم في نظافتها ومبانيها، وتوفر وسائل العيش بها، وإنما كانت مدينةً صغيرةً تصعب الحياة فيها على من ألف حياة باريس والقاهرة، وعلى كل من يشرف على التعليم كله بمصر، فإذا هو يشرف على مدرسةٍ ابتدائيةٍ صغيرةٍ بالخرطوم.
__________
1 يقول أحمد عبيد مترجم كتاب "الروض الأزهر في تاريخ بطرس الأكبر" "كانت تحت إرشاد مدير مدرسة الألسن السيد رفاعة، فأجاد تربيتي كغيري حتى حسن حالي، واجتهادي في نيل المعالي بين أمثالي، واقتضى رأيه المؤيد, وحزمه المعضد، أن أترجم كتابًا من كتب التاريخ؛ فاختار ملكًا من ملوك الإفرنج, تعلو همته على المريخ، وهو كتاب بطرس الأكبر، وفضله أشهر من أن يذكر، لمؤلفه الشهير المسمى: "فولتير" الذي يعد بين أكابرهم أعظم حجة، وإن كان عن الأديان بعيد المحجة، فجاء التعريب بحمد الله على أحسن حالٍ، وأتَمَّ منوالٍ، وقد شرعت في نقله من الفرنسية إلى العربية, مع إعانته لي في حل مشكلاته، وما عسر عَلَيَّ من غوامضه ومعضلاته، وقد صرفت في ترجمته على صعوبته الهمة، وسهرت في مطالعته وفهمه الليالي المدلهمة ... إلخ".
(1/30)

وحَزَّ في نفس الشيخ أن يجازى على إحسانه بالإساءة, وأن يطعن الجاهلون في صلاح وطريقته, وقد أينعت وآتت أكلها شيهًّا لذيذًا، يزيد في نماء البلاد العقليّ، ونهضتها نحو الكمال، وأخذ يستغيث ويندب حظه، والموت يخطف أعوانه كل يومٍ حتى لم يبق إلّا نصفهم, وكان يستغيث أولًا بمن يأنس منهم روح الجد والعمل لخير مصر، حتى إذا عجز هؤلاء عن إغاثته, لجأ إلى أولياء الله الصالحين, وأنبيائه المطهرين، ومن قصيدةٍ له أرسلها إلى حسن باشا كتخدا مصر1.
مهازيل الفضائل خادعوني ... وهل في حربهم يكبو جوادي
وزخرف قولهم إذا موهوه ... على تزييفه نادى المنادي
قياس مدارسي -قالوا- عقيم ... بمصر فما النتيجة من بعادي
ثم يذكر أشهر مترجماته ومؤلفاته فيقول:
على عدد التواتر معرباتي ... تفي بفنون سلمٍ أو جهاد
وملطبرون يشهد وهو عدل ... ومنتسكو يقر بلا تمادي
ومغترفو قراح فرات درسي ... قد اقترحوا سقاية كل صادي
ولاح لسان باريس كشمس ... بقاهرة المعز على عمادي
ويزفر زفرة حارةً على ما صار إليه أمره, وعلى بعده عن أولاده وأهله فيقول:
رحلت بصفة المغبون عنها ... وفضلي في سواها في المزاد
وما السودان قط مقام مثلي ... ولاسلماي فيه ولا سعادي
وقد فارقت أطفالًا صغارًا ... بطهطا دون عودي واعتيادي
أفكر فيهمو سرًّا وجهرًا ... ولا سمري يطيب ولا رقادي
أريد وصالهم والدهر يأبى ... مواصلتي ويطمع في عنادي
__________
1 مباهج الألباب المصرية, ص265-268.
(1/31)

وهذه القصيدة على وزن وقافية:
لقد أسمعت لو ناديت حيًّا ... ولكن لا حياة لمن تنادي
وحين يئس من مثل هذه الاستغاثات، أخذ يخمس قصيدة لسيدي عبد الرحيم البرعي في مدح النبيّ -عليه السلام, مطلعها:
حل الغرام لصب دمعه دمه ... حيران توجده الذكرى وتعدمه
ويقول فيها:
"رفاعة" يشتكي من عصبة سخرت ... لما أتى أبحر العرفان قد زخرت
فارفع ظلامة نفس عدلك ادخرت ... وهاك جوهر أبيات بك افتخرت
جاءت إليك بخط الذنب ترقمه
وظل الشيخ في منفاه أربع سنوات، وكان رفاعة وهو في السودان برمًا بقمامه ومصيره، ولكن رأيه في السودان حين هدأت ثائرته، وعاد إلى وطنه، يدل على بصيرةٍ وحكمةٍ، وفي ذلك يقول: "فمتى زالت من السودان وسائل الوخامة والسقامة, ودخلت أهاليها بحسن الإدارة في دائرة الاستقامة، صارت هي والديار المصرية في العمار كالتوأمين، وفي إيناع الأثمار صنوين، حتى ينشد لسان حالهما:
نحن غصنان ضمنا الوجد جميـ ... عًا في الحب ضم النطاق
في جبين الزمان منك ومني ... غرة كوكبية النفلاق1
__________
1 مباهج الألباب المصرية, ص263.
(1/32)

ولم يعد لمصر إلّا بعد أن توفي عباس, وتولى سعيد أريكة مصر؛ فعينه وكيلًا للكلية الحربية، ثم ناظرًا لها، ومديرًا لمدرسة الهندسة، ومدرسة العمارة، مع الاحتفاظ برئاسة قلم الترجمة، بيد أن هذه المدارس جميعها ألغيت في سنة 1860، كما ألغي قلم الترجمة، فظل الشيخ بدون منصبٍ حتى عهد إسماعيل، حين هبَّت على العلم والتعليم نسمةٌ من الحياة فبعثته قويًّا فتيًّا، وأعيد قلم الترجمة بنظارة المعارف العمومية, وتولى رئاسته من جديد رفاعة بك سنة 1863، وعُيِّنَ عضوًا في مجلس المعارف الأعلى, الذي كان يعرف حينذاك بـ "قومسيون المدارس" وكان لهذا المجلس فضلٌ كبيرٌ في تنظيم التعليم، على عهد إسماعيل.
رفاعة والقانون:
حينما فكرت الحكومة في إصلاح نظام القضاء على عهد إسماعيل, رأت أن تبدأ بترجمة القوانين الفرنسية المعروفة بـ "الكود" وهو قانون نابليون، وكانت هذه مهمة عسيرة, تتطلب إلمامًا واسعًا بالقوانين الفرنسية، وأحكام الشريعة الإسلامية, لاختيار المصطلحات الفقهية المطابقة لمثيلاتها في القانون الفرنسيّ، هذا كله يحتاج إلى صبرٍ طويلٍ, ومثابرةٍ وهمةٍ.
ولم تجد الحكومة خيرًا من رفاعة وتلاميذه، ليقوم بهذه المهمة الجليلة، فقام بهذا العمل مع بعض من نجباء خريجي مدرسة الألسن، وأخرجوه في مجلدين كبيرين.
رفاعة والمرأة:
وهو أول من نادى بتعليم المرأة وتثقيفها، ووضع كتابًا مشتركًا لتثقيف البنات والبنين على السواء، وسماه: "المرشد الأمين للبنات والبنين" وهو كتاب في الأخلاق والتربية والآداب.
(1/33)

بل دعا إلى اشتراك المرأة في أعمال الرجال على قدر طاقتها، ويقول في هذا: "ينبغي صرف الهمة في تعليم البنات والصبيان معًا.. فتتعلم البنات القراءة والكتابة والحساب ونحو ذلك، فإن هذه مما يزيدهن أدبًا وعقلًا, ويجعلهن بالمعارف أهلًا, ويصلحن به لمشاركة الرجال في الكلام والرأي؛ فيتعظمن في قلوبهم ويعظم مقامهن، وليمكن للمرأة عند اقتضاء الحال أن تتعاطى من الأشغال والأعمال ما يتعاطاه الرجال على قدر قوتها وطاقتها، فكل ما يطيقه النساء من العمل يباشرنه بأنفسهن، وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة؛ فإن فراغ أيديهن عن العمل يشغل ألسنتهن بالأباطيل، وقلوبهن بالأهواء، وافتعال الأقاويل، فالفعل يصون المرأة عَمَّا لا يلطيق، ويقربها من الفضيلة، وإذا كانت البطالة مذمومةً في حق الرجال, فهي مذمةٌ عظيمةٌ في حق النساء" وقد طبع كتابه هذا في سنة 1872، وأسست أول مدرسة لتعليم البنات في مصر سنة 1873، أسستها إحدى زوجات إسماعيل، على أن دعوة رفاعة إلى تعليم المرأة والنهوض بها ترجع إلى ما قبل هذا بكثير، ولكن لم يستجب لدعوته من يلبيها ويعمل على تنفيذها.
وفاته:
ظل هذا العالم الجليل يدأب ويجد في نشر الثقافة وفتح أبواب العلم والنور للأمة المصرية، حتى توفي سنة 1290 هـ 1873م, وله من العمر 75 سنة.
وقد بقي تلاميذه من بعده, وطريقته التي استَنَّها, وكتبه التي ألفها وترجمها, تهيب بالأمة أن تسير على سنته، وأن تنقل من آثار الغرب ما يزيل صدأ السنين عن عقول طالت غفلتها.
صفاته:
كان رفاعة عربيُّ الصفات، يتمثل فيه الكرم والجرأة والحزم، وتفرس الأمور، أخصّ مزاياه الشمم والإباء، واعتداده بنفسه, وصراحته عند مجابهة أولي الأمر بما ينفع وطنه.
(1/34)

وكانت له أفكار تخشاها الأسرة الحاكمة، وقد صرح بها في مواطن كثيرة من كتبه، فكان يدعو إلى العدالة الاجتماعية، وألّا يستبد مالك الأرض بزراعتها، فزارعها هو في حقيقة الأمر أولى الناس للانتفاع بها، وكان يلمح تلميحات -لا تخفى على ذوي الفطن- إلى استبداد أسرة محمد علي وحاشيته، ويدعو إلى الشورى وغير ذلك مما يرتئيه الرجل المصلح العامر القلب بالإيمان, والعقل بالأفكار النيرة، ولعل هذه الصفات تفسر لنا تأخر رفاعة في سلم الترقي الحكومي ونيل الألقاب، بينهما قد سبقه بعض تلاميذه في هذا المضمار, وكان يمثل أخلاق العلماء ببعده عن مظاهر الخيلاء والغرور، بل كان زاهدًا جوادًا، متواضعًا، محبًا للخير، وكان يتقد وطنيةً وغيرةً على بلاده، وله في ذلك كثير من الأشعار الحماسية, يشيد فيها بمصر وعظمة جيشها، ومن هذا قوله يخاطب الجنود:
يا أيها الجنود ... والقادة الأسود
إنْ أمَّكم حسود ... يعود هامي المدمع
فكم لكم حروب ... بنصركم تئوب
لم تثنكم خطوب ... ولا اقتحام معمع
وكم شهدتم من وغى ... وكم هزمتم من بغى
فمن تعدى وطغى ... على حماكم يصرع
وتتجلى روحه الوطنية في ترجمة نشيد فرنسا القوميّ "المارسليز"، لأنه أحبه, وهاج عاطفته، وكان يكثر من عباراته الوطنية وخدمة الوطن في مؤلفاته.
وفي الوطن يقول: "الوطن هو عش الإنسان الذي فيه درج، ومنه خرج، ومجمع أسرته، ومقطع سرته، وهو البلد الذي نشأته تربته، وغذاه هواؤه، ورباه نسيمه، وحلت عنه التمائم فيه1".
__________
1 المرشد الأمين, ص90.
(1/35)

ويقول عن مصر في زهوٍ وإعجابٍ:
"ولا يشكُّ أحدٌ أن مصر وطنٌ شريفٌ، إن لم نقل: إنها أشراف الأمكنة، فهي أرض الشرف والمجد في القديم والحديث، وكم ورد في فضلها من آياتٍ بيناتٍ، وآثار وحديث، فما كأنها إلّا صورة جنة الخلد، منقوشة في عرض الأرض، بيد الحكمة الإلهية التي جمعت محاسن الدنيا فيها، حتى تكاد أن تكون صورتها في أرجائها ونواحيها, بلدة معشوقة السكنى، رحبة المثوى ... إلخ"1.
ويقول عن واجب الفرد نحو وطنه في كتابه "المرشد الأمين" كذلك:
"فالوطنيّ المخلص في حب الوطن، يفدي وطنه بجميع منافع نفسه، ويخدمه ويبذل جميع ما يملك، ويدفع عنه كل ما تعرض له بضرر، كما يدفع الوالد عن ولده الشر, فينبغي أن تكون نية أبناء الوطن دائمًا متوجهة في حق وطنهم إلى الفضيلة والشرف، ولا يرتكبون شيئًا مما يخلُّ بحقوق أوطانهم، فيكون ميلهم إلى ما فيه النفع والصلاح، كما أن الوطن نفسه يحمي ابنه من جميع ما يضر به"2.
وتلك لعمري نغمة جديدة لم يألفها الشرق العربيّ بعامة، ومصر بخاصةٍ؛ لأن الوطن عندهم لم يكن محدود المعالم، فكل بلاد الإسلام بلادهم، يدينون بالولاء للخليفة، ولم يكن يعنيهم من أمر أوطانهم والفناء في سبيلها شيء.
كانت هذه النغمة، وذلك الحديث عن الوطن, وواجب المواطن, أول لبنة في بناء الأدب القوميّ المصريّ الحديث, جعلت أنظار الأدباء فيما بعد يعنون بهذا الوطن، ويتملون جماله، ويعبرون عن آلام أهله وأمانيهم، وإن لم يحدث ذلك سريعًا لانتشار الأمية, وقيام معوقاتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ كثيرةٍ، وحسب رفاعة أنه سبق زمانه، وتحدث حديثًا عن الوطن تخاله لجدته قد قيل في أيامنا هذه.
__________
1 نفس المرجع, ص31.
2 نفس المرجع, ص93 وما بعدها.
(1/36)

وكان بجانب هذا أديبًا، وشاعرًا رقيقًا إذا قيس بأهل عصره، ويدل على ذلك ما روي من أن السفينة التي أقلته إلى أوربا ظلت خمسة أيام بجزيرة صقلية تتزود من الماء والخضر، ولم يسترع انتباه الشيخ بمجامع قبله إلّا دق نواقيس الكنائس.
وفي إحدى الليالي دعا صديقًا من أصدقائه من أعضاء البعثة, ممن يعرف فيه الظرف والأدب، واقتراح عليه أن يشتركا في إنشاء مقامة على غرار مقامات البديع أو الحريري، ويكون موضوعها ثلاثة أشياء: حوار حول: "أن الطبيعة السليمة تميل إلى استحسان الذات الجميلة مع العفاف"، "سكر المحب من عيني محبوبه"، ثم "تأثر النفوس بضرب الناقوس" إذا كان من يضربه ظريفًا, وأخذ ينشيء الشعر في مقاماته حول هذه المعاني، فقال في المعنى الأول:
أصبو إلي كل ذي جمال ... ولست من صبوتي أخاف
وليس لي في الهوى ارتياب ... وإنما شيمتي العفاف
وقال في المعنى الثاني:
قد قلت لمَّا بدا والكأس في يده ... وجوهر الخمر فيها شبه خديه
حسبي نزاهة طرفي في محاسنه ... ونشوتي من معاني سحر عينيه
وفي المعنى الثالث:
مذ جاء يضرب بالناقوس قلت له: ... من علم الظبي ضربًا بالنواقيس
وقلت للنفس أي الضرب يؤلمك ... ضرب النواقيس أم ضرب النوى قيسي
ومما يدل على هذا المزاج الأدبيّ ترجمته لبعض الشعر الفرنسيّ، وتأليفه كتاب "تعريب الأمثال في تأديب الأطفال"، وترجمته رثاء فولتير الشاعر للويس الرابع عشر، الذي يقول فيه:
(1/37)

"ولم يتول قبله ملك من تلك العصابة، ولا ساواه غيره في تربية الرعية بهذه المثابة، فالفخار شعاره، والمجد دثاره، وكان أحظى الملوك باكتساب الطاعة من رعاياه والانقياد، كما كان أعظمهم في الهيبة عن الأخدان والأضداد، وربما كان دونهم في مثل الرعية إليه، ومحبتهم له بانعطاف القلوب عليه، فطالما رأيناه تتقلب عليه صروف الزمان، وتتلاعب به حوادث الحدثان، وهو عند النصرة يظهر الفخار، ويتجلد عند الهزيمة، ولا يظهر بمظهر الذل والانكسار، فقد أرهب عنده عشرين أمة عليه تعصبت، وعلى قتاتله تحالفت وتحزبت، وبالجملة فهو أعظم الملوك في حياته، وكما كان عظيم العبرة عند مماته1".
وترجمة رفاعة لتليماك تدل على اتجاهه الحديث في الأدب، فتليماك رواية فرنسية اسمها: Les Aventure de Telemaque كتبها قسيس فرنسيّ يُدْعَى فنلون Fenelon وقد سمى رفاعة الرواية "مواقع الأفلاك في وقائع تليماك" ولعل الأدب العربي الحديث لم يعرف روايةً فرنسيةً ترجمت قبل تليماك، ولقد أراد رفاعة أن يوجه أذهان الناشئة إلى أهمية القصة في الأدب، وأنها لونٌ من ألوانه, لم يعبأ به العرب من قبل، وأنها ستكون جليلة الشأن في التربية.
ويقول رفاعة عن كتابه تليماك الذي ترجمه وهو في السودان: "إن تعريب تليماك، بكل من في حماك، أو ليس إنه مشتمل على الحكايات النفائس، وفي ممالك أوربا وغيرها عليه مدار التعليم في المكاتب والمدارس، فإنه دون كل كتاب، مشحون بأركان الآداب، ومشتمل على ما به كسب أخلاق النفوس الملكية، وتدبير السياسات الملكية"2.
ومن هذه الأمثلة وغيرها مما مَرَّ بك, ترى أن رفاعة قد حمل لواء النهضة الجديدة في الأدب، وأنه جدد في أغراضه، كما جدد في أسلوبه، وإن لم يتخلص جملة من كل تلك القيود القديمة، والزخارف اللفظية، ورفاعة لم يكن ذلك الشاعر الفحل، ولكنه كان أديبًا سلمت له بعض الأبيات التي تدل على ذوق سليم، وتدل على أنها تباشير الشعر الجديد.
__________
1 مناهج الألباب المصرية, ص220.
2 مواقع الأفلاك, ص24.
(1/38)

ولم يكن رفاعة يفتخر بالشعر، ويعده من بضاعته الجيدة.
وما نظم القريض برأس مالي ... ولا سندي أراه ولا سنادي1
وإن برع في نظم الأناشيد الوطنية من مثل قوله:
يا حزبنا قم بنا نسود ... فنحن في حربنا أسود
عند اللقا بأسنا شديد ... هام عدانا لنا حصيد
حامي حمى مصرنا سعيد ... في عصره مجدنا يعود
بجنده المجند وسيفه المهند ... ونصره المؤيد وعزه المشيد
في عصره مجدنا يعود
__________
1 مباهج الألباب, ص 269.
(1/39)

3- الطباعة والصحافة:
الكتب غذاء العقول، وإذا لم يتيسر للعقل غذاؤه أجدب، والأمة التي تجدب عقولها لا تعرف كيف تحيا حياة الأناسيِّ، وتكون أمة من سائمة.
ولا ريب أن الكتب تُيَسّرُ ويسهل على الناس اقتناؤها والانتفاع بها, والاستنارة بمصابيحها، إذا كثرت وانتشرت، وساعد أولو الأمر على إذاعة الثقافة.
وقد كان القائمون على شئون مصر في مبدأ نهضتها, من أولئك الذين ألهموا حب الخير، ورزقوا العقل المفكر، والنظر الثاقب، فعملوا على نشر الطباعة في مصر.
ليست مطبعة بولاق أول مطبعةٍ عربيةٍ في العالم, ولكن أول مطبعة عربية ظهرت, كانت في "فانو" بإيطاليا، حيث أمر بها الباب "يوليوس الثاني" وأخذت تعمل في سنة 1514 في عهد البابا "ليون العاشر".
وأول كتاب عربيٍّ طُبِعَ في هذه السنة, هو كتابٌ دينيٌّ -كما هو منتظر- ثم سفر الزبور سنة 1516، وبعد قليلٍ طبع القرآن في البندقية, ولكن الطبعة أحرقت خشية أن يؤثِّر على عقائد المسيحيين، وطبع كتاب القانون لابن سينا في روما سنة 1593 في مجلد ضخم، وتعددت المطابع العربية في أوربا، وطبعت فيها مئات من الكتب العربية وغيرها1.
أما الطباعة العربية في الشرق، فأسبق الأمم إليها الدولة العثمانية، وقد مَرَّ بك كيف اضطر من أراد إدخال المطبعة الأولى لأخذ فتوى من علماء الدين، وأول كتابٍ طبع بالعربية في الآستانة كان سنة 1728.
وكانت للسوريين محاولات سابقة لهذا التاريخ؛ إذ طُبِعَ الإنجيل في حلب بالعربية سنة 1706، وأقدم مطبعة عربية في الشام هي مطبعة "ماريو حنا" الصايغ, في "الشوير" للروم الملكانيين، أنشئت سنة 1145هـ- 1732م، ثم مطبعة القديس "جارجيوس" للروم الأرثوذكس, في بيروت سنة 1167هـ-1753م, ولكن مطبوعات هاتين المطبعتين لم تتعد بعض كتب الدين، ولم يكن لهما أثر يذكر في نشر الثقافة العربية, ولا في النهضة الحديثة.
وأهم مبطعة انبعث منها النور متدفقًا فياضًا, يبدد الظلام الحالك المطبق على عقول الأمة العربية، هي تلك المطبعة الضخمة التي أسست في بولاق سنة 1822، وهي إلى اليوم تعد أكبر مبطعة عربية في العالم.
نعم! إن مصر قد عرفت الطباعة المصرية قبل محمد علي؛ لأن نابليون كان قد أحضر معه مطبعة عربية، وحاول أن يصدر بها تلك النشرة المعروفة "بالتنبيه" التي لم تصدر فعلًا2, وإنما الذي صدر هو "سلسلة التاريخ" وكان يحررها السيد إسماعيل الخشاب.
__________
1 راجع جروجي زيدان, في كتاب آداب اللغة العربية, ج4 ص44.
2 راجع عبد الرحمن الرافعي, في تاريخ الحركة القومية, الجزء الأول, ص145، والجزء الثاني, ص223، 228، ج3 ص538.
(1/40)

وكانت سجلًا لمحاضر جلسات الديوان والحوادث الهامة، بيد أن أثر مطبعة نابليون زال بخروج الحملة الفرنسية من مصر، واشترى محمد علي مطبعتهم، فكانت نواةً مطبعة بولاق الشهيرة، أما مطابع تركيا فكانت أسبق إلى نشر الكتب الأدبية والعلمية من سواها، فطُبِعَ هناك القاموس المحيط سنة 1814، وطُبِعَتْ كافية ابن الحاجب سنة 1819، وجملة ما نشر من الكتب الأدبية واللغوية لا يزيد على أربعين كتابًا حتى سنة 18301.
لم يكن اتجاه محمد علي أدبيًّا، ولكن معظم اهتمامه كان بالعلوم والجيش والإدارة، ولذلك؛ كان نتاج مطبعة بولاق في أوائل أمرها علميًّا بحتًا، ومن أوائل الكتب التي طبعت بها قاموس طلياني عربي، وكتاب الأجرومية في النحو، ورسالة الفنون الحربية مترجمةً إلى التركية، وكتاب صباغة الحرير من الإيطالية، ثم سيرة الإسكندر الأكبر.
وفي الحق, لم تخرج مطبعة بولاق شيئًا ذا قيمةٍ من الكتب الأدبية إلّا في عهد إسماعيل, حينما أخذت النهضة الأدبية تشتد وتقوى، على أن مطبوعات استامبول كانت في نموٍّ واطرادٍ، ولا يزال لطباعتها في آذاننا رنة حتى اليوم.
ومن أشهر المطابع التي كان لها أثر ملموس في يالنهضة الأدبية بالشرق العربيّ, المطبعة الأمريكية ببيروت سنة 1834, ومطبعة الآباء اليسوعييين ببيروت كذلك, سنة 1848.
وتعد الأخيرة أكبر المطابع في سوريا، وأعظامها إتقانًا، وفيها حروف عربية، وإفرنجية، ويونانية، وسريانية، وعبرية وأرمينية.
الصحافة:
الصحافة من أسس النهضة الأدبية الحديثة، وعامل من أهم العوامل في مقاومته اللغة العامية، وانتشار اللغة الفصحى، ومجال واسع لنشر الأبحاث الأدبية، والعلمية، والسياسية, والتاريخية، والاجتماعية، ولقد تدرجت في نموّها من عصر محمد علي حتى اليوم.
__________
1 راجع مجلة الشرق 3, 1900م.
(1/41)

أنشأ الفرنسيون إبان مقامهم في عهد نابليون صحيفتين فرنسيتين: العشار المصري "La Decade Egyptinne" وهي جريدةٌ علميةٌ اقتصاديةٌ, تنشر فيها أبحاث المجمع العلمي ومناقشات أعضائه, وتصدر كل عشرة أيام، وبريد مصر "Lecourrier de L'Egypt" وهي الصحيفة الرسمية للحملة الفرنسية، وتصدر كل أربعة أيام، وقد ذهبتا بانقضاء الحملة الفرنسية، كما أنهم نشروا سلسلة تاريخية حررها السيد إسماعيل الخشاب.
وقد أشرنا إليها سابقًا، وقد ذهبت كذلك بانقضاء حملتهم.
كانت هذه محاولات بدائية في الصحافة، فلما جاء محمد علي أصدر أول صحيفةٍ عربيةٍ سنة 1822، حين أصدر "جنرال الخديو"، وكان يطبع في مطبعة القلعة بالقاهرة، ويصدر كل مرة في مائة نسخة باللغتين العربية والتركية، متمضنًا الأخبار الحكومية, وبعض القصص من ألف ليلة وليلة، وكان يرسل إلى رجال الدولة الذين يهم الحاكم أن يقفوا منه على أحوال البلاد، وظلت تصدر لمحمد علي وحده بعد أن ظهرت الوقائع المصرية، وكان الغرض من تزويده ببعض القصص جذب القراء إليه, ثم أنشأ في سنة 1828 جريدة الوقائع المصرية، وكانت تصدر أول أمرها بالتركية والعربية معًا، وأخيرًا اقتصرت على العربية، ولا تزال تصدر حتى اليوم.
ولم يكن صدورها في عهد محمد علي منتظمًا، وكان يشرف على تحريرها الشيخ العطار شيخ الأزهر، وكان صديقًا للشيخ إسماعيل الخشاب محرر "سلسلة التاريخ".
وتكاد الوقائع تكون مقصورةً على الأخبار الرسمية، وكان محمد علي شديد الاهتمام بالوقائع، يودُّ أن يراها في قوة تحريرها وحسن إخراجها، وغزارة مادتها, مثل تلك الجرائد التي كانت تأتيه من أوربا، وتقرأ له، وقد أرسل ذات مرة يعنف المسئولين عن تحريرها؛ لأنهم نشروا خبرًا تافهًا لا يليق بمقام الجريدة الرسمية للدولة.
(1/42)

وجاء في كتابه: "لقد أخذنا العجب في درج مثل هذه الحوادث القبيحة، فإذا علمتم ذلك فعليكم من الآن فصاعدًا أن تدرجوا الحوادث اللائقة بالنشر, وتتجنبوا نشر ما لا يليق نشره، وأن تلاحظوا ذلك بكل تدقيق واهتمام؛ لأنه من مقتضى ذمة خدمتكم، ومطلوبي أن تكونوا بعدئذ على انتباه وبصيرة"1.
وقد حرص محمد علي على أن يرى مسودات الجريدة، ويبدي فيها رأيه قبل أن تنشر2، وبذا كان محمد علي أول صحفيٍّ بمصر، وكانت مهمته أشبه بمهمة رئيس التحرير في الجرائد اليومية اليوم، فكان يشير بالمقالات، ويحذف ما لا يراه لائقًا بكرامة الصحيفة، ولا يبخل عليها بمالٍ أو رجالٍ، ويأمر أن يلي أمر طبعها عمال مهرة لا تشوب كفايتهم شائبة.
وقد تعاقب على تحريرها منذ ذلك الوقت نخبة من كبار الأدباء منهم: مختار بك, مدير المدارس في عهد محمد علي، وبغوص بك, موضع ثقته في المسائل العليا، وأحمد فارس الشدياق, والسيد شهاب الدين, صاحب السفينة، والشيخ رفاعة الطهطاوي، والشيخ محمد عبده, والشيخ أحمد عبد الرحيم, والشيخ عبد الكريم سلمان, وغيرهم.
وقد تعطلت الوقائع بعد محمد علي, ما بين 1849- 1863، ولم تصدر جريدة غيرها، وذلك راجع إلى عزوف عباس وسعيد عن النهضة ووسائلها, ولكنها استأنفت حياتها في عهد إسماعيل.
تعقيب:
كانت نهضة محمد علي -كما رأينا من كل ما تقدم- علميةً حربيةً، ولم يلتفت للأدب أدنى التفاتة، وذلك لأنه لم يكن بحاجةٍ للأدب كحاجته لجيشٍ قويٍّ يدعم به عرشه، ويؤسس دولته، ويدافع به عن نفسه.
__________
1 محفوظات عابدين, وثيقة رقم 51, في 14 من جمادى اللآخرة 1248هـ, دفتر 48 معية سنية.
2 راجع محفوظات عابدين, وثيقة رقم 799, في 19 من جمادى الآخرة 1251هـ, دفتر 66 معية تركي.
(1/43)

وكان كل شيء في مصر, وكل البعثات من طبيةٍ وهندسيةٍ وصناعيةٍ وغيرها, ترمي إلى خدمة الجيش، ورجال الجيش, ومع ذلك, فقد كانت هذه النهضة الحربية أساسًا للنهضة العلمية الأدبية التي ظهرت في عهد إسماعيل، فالمدارس التي فتحت في عهد محمد علي، والكتب التي ترجمت، والبعثات التي تزودت من علوم أوربا، واطلعت على حضارتها، أسهمت كلها في النهضة التالية، وساعدت على نجاحها، فلم يكن كبار المفكرين في عهد إسماعيل إلّا شبّانًا في عهد محمد علي، ولقد أفادوا مصر فيما بعد أكبر فائدة, وفي طليعتهم رفاعة الطهطاوي، ومحمد علي البقلي، وإسماعيل الفلكي، ومحمود الفلكي، وعلي مبارك.
وتعلَّم هؤلاء في عصر محمد علي, وقادوا الحركة الفكرية في عهد إسماعيل، ففضل هذا العصر على النهضة الأدبية من هذه الناحية أَجَلّ من أن ينكر، على الرغم من أن اللغة الرسمية للدولة كانت التركية، ولكن اللغة العربية أخذت منذ ذلك الحين تنمو وتشتد, حتى استطاعت بعد زمنٍ وجيزٍ أن تقضي على التركية في الديوان، ثم تصير لغة الأدب الحيِّ الذي ينبض بالقوة, ويعبر عن الحضارة الحديثة؛ لكثرة ما ترجم إليها من آثار الغرب، وكثرة ما أحيا من تراث العرب، والفضل في ذلك لهذه الأسس التي بنيت عليها نهضتنا الحديثة.
وعلى الرغم من مظاهر النهضة المختلفة، فإن محمد علي لم يكن يقصد نفع مصر والمصريين، وإنما كان يريد استغلالهم على أسوأ طريق؛ فحكمهم بالقهر، وأطاح بالرءوس الكبيرة في البلاد، وجمع كل عقود التمليك، ووزع الأرض الزراعية توزيعًا جديدًا، كان لأقاربه وأنصاره من غير المصريين منها النصيب الأكبر، ومن هنا جاء الإقطاع الحديث بشروره وآثامه.
كما أنه جعل مصر مزرعةً كبرى يجني وحده خيراتها، وينفق من تلك الخيرات على الجيش الذي يعده لتمكين ملكه وتثبيت عرشه، وتوسيع نفوذه.
وقد أخذ ما كان للمساجد من أموال، وأخذ من أوقاف الأزهر ما لو بقي له اليوم لكان ذا شأن كبير في إصلاحه, والنهوض به.
(1/44)

ولقد أساء محمد علي إلى المصريين وأذلهم، وصار يجبي منهم الأموال بالعسف، ويسوقهم سوق الأنعام للجندية التي يحارب بها السلطان أو الوهابيين في نجد، وفَضَّل عليهم الأجانب الذين جلبهم لمعاونته في تدبير شئون البلاد، وأوسع لهم في المجاملة، وزاد لهم في الامتياز متعديًا حدود المعاهدات المنعقدة بينهم وبين الدولة العثمانية، حتى صار كل صعلوكٍ منهم، لم يكن يملك قوت يومه، ملكًا أو كاللملك في بلادنا، يفعل ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل؛ فصغرت نفوس الأهالي بين أيدي الأجانب بقوة الحاكم، وتمتع الأجنبيّ بحقوق الوطنيّ التي حرمها، وانقلب الوطنيّ غريبًا في داره, غير مطمئنٍ في قراره، فاجتمع على سكان البلاد المصرية ذلان: ذل ضربته الحكومة الاستبدادية المطلقة, وذل سامهم الأجنبيّ إياه ليصل إلى ما يريد منهم, غير واقف عند حَدٍّ, أو مردود إلى شريعة1.
__________
1 مذكرات محمد عبده, ص49-50.
(1/45)

4- الأدب في عهد محمد علي:
لا نستطيع أن نقول أن الأدباء الذين ظهروا في عهد محمد علي هم أثر النهضة العلمية في عصره، ولكنهم ولا شكَّ أفادوا منها، مع أنهم من آثار العصر السابق، اطلعوا في عصر محمد علي على أشياء كثيرة لم يروها من قبل، وأحاطت بهم نهضة شاملة، مع ذلك, فقد كانوا مكبلين بقيود الألفاظ والزخارف في كتبابتهم وشعرهم إلّا القليل، ومن هؤلاء:
1- الشيخ حسن العطار1:
من أسرة مغربيةٍ, نزحت إلى القاهرة, فوُلِدَ بها سنة 1180هـ 1866م، وكان أبوه عطَّارًا، فتبع أباه في تجارته أول الأمر, ولكن الله قد أودع قلبه حب الأدب والعلم، فلم يضن عليه والده بالمساعدة على تحصيلها، وجَدَّ الولد، وحصل منهما الشيء الكثير، ووعى ما حَصَّلَ، وتتلمذ على أكابر علماء عصره؛ كالشيخ الأمير والشيخ الصبان.
وفي أيامه دخل الفرنسيون، فاتصل بهم, وأفاد منهم بعض الفنون الشائعة ببلادهم, وعَلَّمَ بعضهم اللغة العربية، ثم ارتحل إلى الشام، وسكن دمشق زمنًا.
وتَجَوَّلَ في بلادٍ كثيرةٍ يفيد ويستفيد، ثم آب إلى مصر، فأقرَّ له علماؤها بالفضل، وعُهِدَ إليه بتحرير الوقائع المصرية، ثم تولَّى التدريس بالأزهر، ثم صار شيخًا له بعد الشيخ العروسي سنة 1246, فأحسن إدراته, وظلَّ في منصبه إلى أن توفي سنة 1250هـ- 1835م, وكان محمد علي يجلُّه ويكرمه لما امتاز به من التفوق في العلوم العصرية والأدبية وفنونها, ويقول عنه تلميذه رفاعة الطهطاوي في كتابه "مباهج الآدب المصرية": "كانت له مشاركة في كثير من هذه العلوم الجغرافية، فقد وجدت بخطه هوامش جليلة على كتاب تقويم البلدان, لإسماعيل أبي الفداء سطان حماة.. وله هوامش أيضًا وجدتها بأكثر التواريخ على طبقات الأطباء وغيرها، وكان يطلِّعُ دائمًا على الكتب المعرَّبة من تواريخ على طبقات الأطباء وغيرها، وكان له ولوعٌ شديدٌ بسائر المعارف البشرية"2".
وقد خلَّف عدة مؤلفاتٍ في النحو والبيان والمنطق والطب, وله في البلاغة حاشيةٌ على السمرقندية, وله كتاب في الإنشاء والمرسلات, طبع مرارًا بمصر، وجمع ديوان ابن سهل الإشبيلي وبوبه, وكان على إلمامٍ بعلم الفلك، وله رسالة في كيفية العمل بالأسطرلاب، وكان يحسن عمل المزاول الليلية والنهارية, وقد اشتهر بالأدب والشعر.
وكان صديقًا للسيد إسماعيل الخشاب، واستمرت صحبتهما بعد عودة الشيخ العطار من الشام -حتى كانا يبيتان معًا- إلى أن مات الخشاب، وللعطار ديوان شعرٍ، وروى له الجبرتي كثيرًا، وكان على صلة بكثير من أدباء عصره، ومنهم المعلم بطرس كرامة اللبناني, وقد قال فيه كرامة لما لقيه بمصر:
قد كنت أسمع عنكم كل نادرة ... حتى رأيتك يا سؤلي ويا أربي
والله ما سمعت أذني بما نظرت ... لديك عيناني من فضل ومن أدب
__________
1- راجع ترجمته في الخطط التوفيقية, ج4 ص48, وتاريخ آداب اللغة العربية, ج: ص222, وكنز الجوهر في تاريخ الأزهر, لسلمان رصد الزياتي ص138، وعصر محمد علي للرافعي, ص472.
2- مباهج الألباب المصرية, ص375.
(1/46)

ومن نثر الشيخ العطار:
"أما بعد, فإن أحسن وشي رقمته الأقلام، وأبهى زهر تفتحت عنه الأكمام، عاطر سلام يفوح بعبير المحبة نفحه، ويشرق في سماء الطروس صبحه.
سلام كزهر الروض أو نفحة الصبا ... أو الراح تجلى في يد الرشأ الألمي
سلام عاطر الأردان, تحمله الصبا سارية على الرند والبان، إلى مقام حضرة المخلص الوداد, الذي هو عندي بمنزلة العين والفؤاد، صاحب الأخلاق الحميدة، حلية الزمان الذي حلى معصمه وجيده ... إلخ".
ومن شعره قوله يتغزل:
ألزمت نفسي الصبر فيك تأسيًا ... والصبر أصعب ما يقاد نجيبه
وبليت منك بكل لاح لو تبدَّى ... نحو طودٍ أثقلته كروبه
أفلا رثيت لعاشق لعبت به ... أيدي المنون ونازعته خطوبه
أنت النعيم له ومن عجب ... تعذبه وتمرضه، وأنت طبيبه
وهو شعر إذا قيس بعصره دل على روح أديب، وذوق شاعر، كما أن النثر، وإن كان مسجوعًا، إلّا أنه غير مثقل بالحلى اللفظية، مما يدل على بعض التطور في كل من النثر والشعر, نعم, إن في النثر تكلفًا وتعمدًا للسجع, فإذا كان السلام عاطر الأردان، فلابد أن تحمله الصبا ساريةً على الرند والبان، إلى غير ذلك مما يذكرنا بسجع القاضي الفاضل, وتذليل المعاني للألفاظ، وخفاء شعور الكاتب والشاعر تحت هذه الزخارف الكثيرة، على أن الشيخ العطار مع هذا, من أحسن كُتَّابِ عصره وشعرائه ديباجة، وأقلهم تكلفًا.
2- الشيخ حسن قويدر:
تلميذ العطار، ولد 1204هـ-1789م, وهو مغربيّ الأصل كأستاذه، ونزح أهله إلى بلدة الخليل بالشام، وجاء والده إلى القاهرة وأقام بها، فولد فيها المترجم، ونال شهرة عظيمة في العلوم، وكان مع ذلك يشتغل بالتجارة، وصارت
(1/47)

له مع أهل الشام صلات تجارية، ومن تأليفه شرحه المطول على منظومة الشيخ العطار في النحو، وكان قد قرظها من قبل بقوله:
منظومة الفاضل العطار قد عبقت ... منها القلوب بريا نهكة عطره
لو لم تكن روضة في النحو يانعة ... لما جنى الفكر منها هذه الثمرة
وله كتاب إنشاء ومراسلات، وكتاب نيل الأرب في مثلثات العرب، وهو مزدوجات ضمنها الألفاظ المثلثة الحركات، المختلفات المعاني، كمثلثات قطرب، وقد طبع بمصر، ونقله إلى الإيطالية المستشرق "إريك فيتو" قنصل إيطاليا ببيروت, وهو أرجوزة طويلة مطلعها.
يقول من أساء واسمه حسن ... لكن له ظن بمولا حسن
فكم لملواه عليه من منن ... بالعد لا تدخل تحت الحصر
ويقول في المنظومة:
جمعت فيها الكلمات اللاتي ... تكون في الشكل مثلثات
أبدًا بالمفتوح ثم آتي ... بالضم لكن بعد ذكر الكسر
وهاك مثلًا من مثلثاته:
أجمة الحَلْفاء هي الأباء ... والامتناع من كذا إباء
والغيث كان يا أخي أباء ... وهو كراهة الطعام فادر
وهي ألفان ومائتان وعشرة أبيات، ومن مطبوعات جمعية المعارف.
وكان مشهورًات بالتأريخ الشعري, وقد أرَّخ وفاته وهو مريض سنة 1263هـ بقوله: "رحمة الله على حسن قويدر" ومما يُرْوَى من شعره قول:
يا طالب النصح خذ مني محبرة ... تلقى إليها على الرغم المقاليد
عروسة من بنات الفكر قد كسيت ... ملاحة، ولها في الخد توريد
(1/48)

كأنها وهي بالأمثال ناطقة ... طير له في صميم القلب تغريد
واحذر من الناس لا تركن إلى أحد ... فالخِلُّ في مثل هذا العصر مفقود
بواطن الناس في ذا الدهر قد فسدت ... فالشر طَبْعٌ لهم والخير تقليد
وله قصيدة تسمى: المزدوجة جاء منها، وهي طويلة:
رأيت بدرًا فوق غصن مائس ... يخطر في خضر من الملابس
ويسحر العقل بطرفٍ ناعسٍ ... وهو بشوش الوجه غير عابسٍ
كأن ماء الحسن منه يجري
خاطرت لما أن رأيته خطر ... وحار فكري في بها ذاك الحور
وقلت لا والله ما هذا بشر ... ومن بشمس قاسهه أو القمر
فليس عندي بالقياس يدري
وهو شعركما ترى، قريب المعاني جدًّا، ليس فيه من الخيال شيء، وهو إن خلا من المحسنات البديعية إلّا أنه غير متين النسج، بل هو قريب من الكلام المعتاد، وكل تشبيهاته قديمة.
وقد رثاه محمد صفوت الساعاتي بقصيدة مطلعها:
بكت عيون العلا وانحطت الرتَبُ ... ومزقت شملها من حزنها الكتب
(1/49)

2- السيد علي الدوريش:
تُوفِيَ سنة 1270هـ-1853م.
وهو السيد علي الدرويش بن إبراهيم المصري، وُلِدَ بالقاهرة سنة 1211هـ، ونشأ بها, وأُغْرِمَ بالأدب، وحفظ كثيرًا من الشعر، وأصاب شهرةً كبيرةً في زمانه، وله عدد وفير من المقطوعات الغنائية، واتصل بأمراء أسرة محمد علي، وعُرِفَ بشاعر عباس الأول، ولم يكن يتكسب بالشعر؛ لأن الله رزقه حظًّا من الثروة، فاكتفى بما لديه.
وله من المؤلفات "الدرج والدرك", وضعه في مدح من اشتهر في أيامه بحميد المزايا وكريم الصفات، وكتاب "محاسن الميل لصور الخيل" وضعه بأمر عباس الأول, ذكر فيه محاسن الخيل ومساوئها، و"سفينة الأدب".
وشعره يمثل لنا عصره؛ من حيث الولوع بالمحسنات البديعية، يحشرها حشرًا، ويتكلفها تكلفًا, ومعانيه وأخيلته لا تدل على شاعرية ممتازة إذا قيست بشعر عصرنا، ولكنه بالنسبة لعصره كان طليعة الشعراء، وقد اشتهر بالتواريخ الشعرية، وله ديوان طبعه تلميذه مصطفى سلامة النجاري في 482 صفحة، وقد جمع كل ما قاله السيد على الدرويش من شعر ونثر.
ومن نثره قوله في مقامة الفضيلة والرذيلة:
"وفقك الله لما يرضاه، وعصمك في موجب الذم, ومن لا يتحاشاه، إن الفضيلة والرذيلة صفتان متضادتان، ونوع الإنسان مجبول على الميل للأولى، والفرار من الأخرى على حسب آراء العباد، وعوائد البلاد، فربما كانت الفضيلة عند قوم رذيلة عند آخري، وكانت الرذيلة عند أممٍ فضيلة عند غيرهم من المتأخرين، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، مع تفاوت في طباعهم، وأشكالهم, وصنائعهم، فمنهم ذو الطبع السليم، ومنهم الذميم، ولا سبيل إلى ترغيب الأول ليجتهد في الازدياد، وترهيب الثاني لينطبع على أن يتحاشى بالاعتياد، لا باللسان، الآتي بسحر البيان، فقد جاء في الحديث: "إن إيمان المرء ليربوا إذا مدح، وربما
(1/50)

يصح الجسم إذا جرح، فمن ذلك كان المدح على المحاسن تذكيرًا، والذم على القبائح تنفيرًا، وكلاهما مطلوب شرعًا، ومرغوب فرعًا، فيستقيظ الغافل، ويقبل الكمال الكامل".
ومن شعره قطعةٌ قالها في منفلوط "وهي من قرى الصعيد":
سعيد من نأى عنه الصعيد ... صعود ما لطالعه سعود
وردنا منفلوط فلا سقاها ... وردناها فأظمأنا الورود
فما لي قد بعثت لقوم عاد ... كأني صالح وهم ثمود
أراهم ينظرون إليّ شزرًا ... كعيسى حين تنظره اليهود
فما لي منهم خِلٌّ ودودٌ ... ولي من طبعهم خلٌّ ودود
ويقول في الهرمين:
انظر إلى الهرمين واعلم أنني ... فيما أراه منهما مبهوت
رسخا على صدر الزمان وقلبه ... لم ينهضا حتى الزمان يموت
ومن شعره يصف الجراد الذي اجتاح مصر سنة 1259هـ:
فترى الجراد على الجريد ... مكللًا مثلَ الثمر
ورقشٌ تراها إنها ... نارٌ تلظَّى بالشجر
لواحة للأرض لا ... تبقي النبات ولا تذر
وصغيرةٌ في حجمها ... لكنها إحدى الكبر
الأرضُ كانت جنة ... فالآن ترمي بالشرر
نزل الجراد بها كما ... نزل القضاء أو القدر
(1/51)

4- المعلم بطرس كرامة:
وهو من شعراء سوريا في عهد محمد علي، وُلِدَ في حمص سنة 1188هـ 1774م، وجاء لبنان واتصل بالأمير بشير الشهابي، وتُوفِيَ سنة 1268هـ 1851م، ومن شعره يصف ينبوع الصفا، وقد مد "بيت الدين" مقر الأمير بشير بماء هذا الينبوع:
صاح قد وافى الصفا يروي الظما ... بشرابٍ كوثريّ العس "كذا"
وأفاض الشهد في روض الحمى ... لجلا الغم وبرء الأنفس
حبذا الفوار عنه حين راق ... فأرانا ماؤه ذوب اللجين
نَزَّه القلب عن الهم، وراق ... بسنا صافي صفاه كلّ عين
نثره الدر بفيض واندفاق ... وسقى الوراد أهنا الأطيبين
قد جرى عذبًا فأغنى الندما ... بزلال من رحيق الأكؤس
وعلى الأغصان أبقى النِّعَما ... فزهت مثل ندامى العُرُس1
وقال يصف باقة زهر أهداها له الأمير بشير:
وقال يصف باقة زهر من ميلك منحتها ... معطرةَ الأرواح مثلَ ثنائه
فأبيضاها يحكي جميل خصاله ... واصفرُها يحكي نضار عطائه
وأزرقها عين تشاهد فضله ... وأحمرها يحكي دماء عدائه
__________
1 قد نظم الشاعر هذه القصيدة على منوال الموشح الأندلسيّ المشهور, لابن سهل الإشبيليّ, ومطلعه.
جادك الغيث إذا الغيث همى ... يا زمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلّا حلمًا ... بالكرى أو خلسة المختلس
(1/52)

وقال يهنيء إبراهيم باشا بفتح عكا:
فتحٌ به الفتح القريب موكد ... وكواكب النصر المبين توقد
ما المجد إلّا بالحسام ولم يدم ... شرف الفتى ما لم يصنه مهند
ما يوم عكة لم تذع ذكرًا لما ... غبر الزمان به وما يتجدد
يوم به الحرب العوان تضرمت ... بقنابل مثل الصواعق ترعد
رجمت بشهب كراتها الأسوار من ... لهب فدك الشامخ المتوطد
ورمت بصدر بورجها قلل الفضا ... تلك المدافع فهي طورًا تسجد
فتخال والهيجاء تلهب حولها ... نار الجحيم بجوها تتصعد
سبقت إليها الصبح أسد عرينة ... وبغير صبحٍ حرابهم لم يهتدوا
من كل أروع قد تعود في الوغى ... أخذ الكمأة وما يقول السيد
وتراه يبسهم للكفاح كأنما ... ورد الحمام لديه نعم المورد
وثبوا على الأسوار, ثم تسنموا الـ ... أبراج السيف الصقيل مجرد
وتجلد القوم العدة وإنما ... لم يجدهم عند العراك تجلد
5- الشيخ ناصيف البازجي:
هو الشيخ ناصيف بن عبد الله اليازجي، وُلِدَ بكفر شيما بلبنان, سنة 1800م, واشتغل أول أمره بالعلوم والطب، ولكن الأدب غلب عليه, واتصل بالأمير بشير الشهابي, فاتخذه كاتم سره، ولما دالت دولة الأمير بشير انقطع للتأليف ومراسلة الأدباء، ونظم الشعر، وقد خلَّف عدة مؤلفات، من أشهرها:
1- مقاماته الستون المعروفة بمجمع البحرين, عارض فيها مقامات الحريري، ويقول في إحداها المعروفة بالمقمامة الخزرجية:
"قال سهيل بن عباد: دخلت بلاد العرب في التماس بعض الأدب، فقصدت نادي الأوس والخزرج، لأتفرج وأتخرج، وآخذ من ألسنتهم بعض المنهج، فلما صرت في بهرة1 النادي، أخذ بمجام فؤادي، فجلست بين القوم ساعة، وأنا
__________
1 بهرة النادي: وسطه.
(1/53)

أحدق إلى الجماعة، وإذا شيخنا ميمون بن خزام، قد تَصَدَّرَ في ذلك المقام، وهو يقول: من أراد أن يعرف جهينه1 أو شاعر مزينه2، فليحضر ليسمع ويرى، فإن كل الصيد في جوف الفرا3, فعمد إليه رجل وقال: أطرق كرى، إن النعامة في القرى4 إلخ".
ومن نثره المرسل قوله:
"وكان الملوك ومن يليهم في الأيام القديمة يعرفون كثيرًا من العلوم ويتمكنون منها، حتى كان منهم من يخطيء العلماء في بعض المسائل؛ ولذلك كانوا يعتنون بشأن العلم والعلماء ويعرفون حقهم, وكانوا يقيمون مدارس في علوم شتَّى, حيثما وجدوا لها موضعًا، ويغرمون المشايخ والطلبة بالعطايا والإحسان, فكان الناس يدخلون فيها أفواجه, ويعكفون على تحصيل ما يستطيعون من العلوم، حتى إذا استتم الرجل علمه خرج إلى منصب، أو وظيفة عند السلطان، متمتعًا ببسطة الجاه والمال، ومستغنيًا عن جميع المهمات والأشغال، فيفرغ للتوسع في العلوم، وإنشاء المصنفات فيها، وبذلك يكون مثالًا لغيره في طلب العلم والتجرد له".
2- وله كتاب فصل الخطاب في الصرف والنحو، وله شرح على ديوان المتنبي، أتمه ابنه الشيخ إبراهيم، واسمه العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب.
3- وله ديوان شعر في ثلاثة أجزاء: أحدهما: نفحة الريحان، وثانيها: فاكهة الندماء، وثالثها: ثالث القمرين.
وشعره يجمع بين الرقة والمتانة، ومن شعره في بخيل:
__________
1 جهينة: قبيلة قتل رجل منها قتيلًا، ومر بامرأته وهي تبحث عنه فقال:
تناشد كل حي عن حصين ... وعند جهينة الخبر اليقين
2 هو زهير بن أبي سلمى.
3 الفرا: حمار الوحش، ومن صاده أغناه عن كل صيد سواه, ويضرب بهذه الكلمة المثل.
4 الكرى: الكروان: أخفض رأسك ولا تتكبر, فإن النعامة وهي أكبر منك قد صيدت وحبست في القرى.
(1/54)

قد قال قومٌ إن خبزك حامض ... والبعض أثبت بالحلاوة حكمه1
كذب الجميع بزعمهم في طعمه ... من ذاقه يومًا ليعرف طعمه؟
وقال في الزهر:
مر النسيم على الرياض مسلمًا ... سحرًا فرد هزارها مترنما
وحنى إليه الزهر مفرق رأسه ... أدبًا، ولو ملك الكلام تكلما
يا حبذا ماء الغدير وشمسه ... تعطيه دينارًا فيقلب درهما
وقال يرثي صديقًا:
قد كنت أنتظر البشرى برؤيته ... فجاءني غير ما قد كنت أنتظر
إن كان قد فات شهد الوصل منه فقد ... رضيت بالصبر لكن كيف أصطبر
أحب شيء لعيني حين أذكره ... دمع, وأطيب شيء عندها السهر
هذا الصديق الذي كانت مودته ... كالكوثر العذب لا يغتالها كدر
لا غرو أن أحزان الزوراء مصرعه ... فحزنه فوق لبنان له قدر
وقال يمدح محمد علي "باشا" ويهنئه بفتح عكا:
يا فاتح القطرين أنت محمد ... هل دون فتحك في البلاد مسدد؟
أنت العلي كما يقال ونسله ... منك المعالي لم تزل تتولد
لما بعثت من الكنانة سهمها ... حلفت عليه أنه لا يصرد
ما زالت النار التي وقدت له ... بردًا عليه وناره لا تبرد
من مثل إبراهيم إلّا سيفه ... يوم الكريهة والقنا المتأود
__________
1 أل لا تدخل على بعض في صحيح اللغة، وعجب أن يفوت ذلك على الشيخ ناصيف, وهو العالم اللغوي.
(1/55)

ولقد ضربت حصون عكاء التي ... كانت لهيبتها الفرائص ترعد
الله أكبر ليس دونك قلعة ... تحمي ولا حصن أشم ممرد
وتحصنت منك الأسود فلا تلم ... قومًا بإغلاق الحصون استنجدوا
أسألت "عبد الله1" أين قلاعه ... ورجاله وفؤاده المتوقد؟
ومما كنا نحفظه في الصغر للشيخ ناصيف اليازجي, قوله في عروس الزهر "الوردة":
هذي عروس الزهر نقطها الندى ... بالدر فابتسمت ونادت معبدًا
لما تفتق سترها عن رأسها ... عبث الحياء بخدها فتوردا
فتح البنفسج مقلة مكحولة ... غمز الهزار بها فقام وغردا
وتبرجت ورق الحمام بطوقها ... لما رأين التاج يعلو الهدهدا
بلغ الأزاهر أن ورد جنانها ... ملك الزهور فقابلته سجدا
فَرَنَا الشقيق بأعين مُحْمَرَّةٍ ... غضبًا وأبدى منه قلبًا أسودا
بسط الغدير الماء حتى مسه ... برد النسائم قارسًا فتجمدا
ورأى النبات على جوانب أرضه ... مهدًا رطيبًا لينًا فتوسدا
يا صاحبي تعجبًا لملابس ... قد حاكها من لم يمد لها يدا
كل الثياب يحول لون صباغها ... وصباغ هذي حين طال تجددا
وفي هذه القصيدة خيال جميل، وسهولة لفظ، ورقة وصف, تجعل مثل ناصيف اليازجي يقف وحده بين شعراء عصره, كما يقف وحده بين كتاب جيله؛ لمتانة عبارته, وحسن صياغته, ولأنه ترسل في كتابته على خلاف المعهود في زمنه.
ومن جميل شعره الذي يدل على رقة حسٍّ، ودماثة عاطفةٍ, قوله يرثي ولده حبيبًا:
__________
1 يقصد عبد الله الجزار, والي عكا حينذاك.
(1/56)

ذهب الحبيب فيا حشاشة ذوبي ... أسفًا عليه ويا دموع أجيبي
ربيته للبين حتى جاءه ... في جنح ليلٍ خاطفًا كالذيب
يا أيها الأم الحزينة أجملي ... صبرًا فإن الصبر خير طبيب
لا تخلعي ثوب الحداد ولازمي ... ندبًا عليه يليق بالمحبوب
إني وقفت على جوانب قبره ... أسقي ثراه بدمعي المصبوب
ولقد كتبت له على صفحاته ... يا لوعتي من ذلك المكتوب
الشهاب الألوسي:
هو أبو الثناء شهاب الدين محمود الألوسي, وُلِدَ ببغداد سنة 1217هـ-1802م, وتوفي 170هـ-1854م.
وكان إمامًا في التفسير والإفتاء، وعالمًا ضليعًا باللغة، وكاتبا بليغًا, وخطيبًا مصقعًا, وقد حظي بشهرة عظيمة في عصره، وصار مقصد الأدباء والمتأدبين، وطلاب التفسير والفقه.
وقد كثر حاسدوه وشانئوه بغداد، واضهده الوالي التركي، فقام برحلةٍ إلى الآستانة, يبث شكواه لأولي الأمر، ويعرض عليهم تفسيره المشهور "روح المعاني", ولقي في رحلته من الإكرام ما أنساه غلظة الوالي، وسجل رحلته بعد عودته لبغداد في ثلاثة كتب.
كان سريع الخاطر، منطلق الذهن في الكتابة والتحرير، وقيل: إن أقل ما كان يكتبه في الليلة من مؤلفاته ورقتان كبيرتان، وله عدة كتب في التفسير والفقه والمنطق والأدب واللغة، ومن أشهرها:
1- روح المعاني في التفسير, وهو تسعة أجزاء, ويعد خير كتبه, ومن أحسن التفاسير المتداولة، وقد طبع مرةً على نفقة ولده السيد نعمان خير الدين بمطبعة بولاق بمصر سنة 1301هـ.
(1/57)

2- شرح السلم في المنطق.
3- كشف الطرة عن الغرة، وهو شرح على درة الغواص للحريري.
4- وله كتاب في المقامات, طبع في كربلاء.
ومن نثره يصف القسطنطينية:
"بلدة مونقة الأرجاء, رائعة الأنحاء، ذات قصور تضيق عن تصويرها الأذهان، وتتجاذب الحسن هي وقصور الجنان، وربة رياض أريضة، وأهوية صحيحة مريضة، وقد تغنت أطيارها فتمايلت طربًا أشجارها، وبكت أمطارها فتضاحكت أزهارها، وطاب نسيمها، فصحَّ مزاج إقليمها, وليتك رأيت ما فيها من الرياض الأنيقة، والأشجار المتهدلة الوريقة، وقد ساقت إليها أرواح الجنائب، زقاق حمر السحائب، فسقت مروجها مدام الطل، فنشأ على أزهارها حباب كاللؤلؤ المنحلّ، فلما رويت من الصهباء أشجارها، رنحها مع النسيمات المسكية خمارها، فتدانت ولا تداني المحبين، وتعانقت ولا تعانق العاشقين، يلوح من خلالها شقيق، كأنه جمرات من آثار حريق، ويتخللها بهر يبهر ناظره.
وكأن النرجس الغض بها ... أعين العين وما فيهن غمض
ومن نثره قوله يحذر أولاده من الدجاجلة وأبالسة التضليل:
"يا بني! بعض الناس ذئاب، عليهم من جلود الشاة ثياب, فلا تخدعوا بمتماوت تغنجت كالهلوك كلمته، ولانت كالصعلوك عريكته، وولع الذبول بقمامته، فتناطحت تفاحة كتفه ورمانة هامته، وربما لزق ذقنه بصدره، وأصاخ بسمعه نحوه بسره، وحمل سبحة من ذوات الأذناب, وجعلها شبكةً، وأعمل فيها سبابته تنقر حباتها كما تنقر الحب الديكة.
قريب الخطو تحسبه لهون ... وليس مقيدًا يمشي بقيد
فوأبى! لقد رأيت في هؤلاء المتماوتين من هو أَمَرُّ من أبي مرة، وأضر منه بألف مرة.
(1/58)

وقد جربتهم فرأيت منهم ... خبائث بالمهيمن تستجير1
ومن شعره قوله في العراق:
أهيم بآثار العراق وذكره ... وتغدو عيوني من مسرتها عبرى
وألثم أخفافًا وطئن ترابه ... وأكحل أجفانًا برتبته العطرى
وأسهر أرعى في الدياجي كواكبًا ... تمر إذا سارت على ساكني الزورا
وأنشق ريح الشرق عند هبوبها ... أداوي بها يا مي مهجاتي الحرا
ومنه قوله:
وإذا الفتى بلغ السمك بفضله ... كانت كأعداد النجوم عداه
ورموه عن حسد بكل كريهة ... لكنهم لا ينقصون علاه
ومن المعاصرين لأبي الثناء الألوسي الشاعر الأخرس البغدادي، وقد اشتهر بشعره الثائر على الأوضاع الفاسدة ببغداد، وهناك مقطوعة قصيرة قالها حوالي سنة 1803, يصور بها العراق بأنه صار موردًا عذبًا للكلاب، بينما تذاد الأسود عن نميره، ولم يعد يجد الأحرار فيه موئلًا، بل ضاق بكل حر أبي, وتحكم فيه الأوغاد والطغاة.
ودهر أعاني كل يوم خطوبه ... وذلك دأبي يا أميم ودأبه
مسوق إلى ذي اللب في الناس رزؤه ... ووقف على الحر الكريم مصابه
وحسبك مني صبر أروع ماجد ... بمستوطن ضاقت بمثلي رحابه
تذاد عن الماء النمير أسوده ... وقد تبلغ العذب الفرات كلابه
وأعظم بها دهياء وهي عظيمة ... إذا اكتنف الضرغام بالذل غابه
متى ينجلي هذا الظلام الذي أرى ... ويكشف عن وجه الصباح نقابه؟
__________
1 تجد نماذج لشعره في كتاب "أعلام العراق" لمحمد بهجة الأثري, ص24, وما بعدها.
(1/59)

وتلمع بعد اليأس بارقة المنى ... ويصدق من وعد الرجاء كذابه
ومن لي بدهر لا يزال محاربي ... تفل مواضيه وتنبو حرابه
عقور على شلوى يعض بنابه ... وتعدو علينا بالعوادي ذائبه1
تعقيب:
ذكرنا آنفًا أن هذا الأدب وليد العصر السابق، وأنه لم يتأثر أدنى تأثر بالحركة العلمية التي حمل محمد علي لواءها في مصر، كما رفع رجال الإرساليات التبشيرية هذا اللواء في بعض بلاد الشام؛ لأن هذه الحركات فضلًا عن أنها كانت في بدء نشأتها، بحيث لم يستفد بها هؤلاء الرجال الذين ترجمنا لهم، والذين هم خير من أنجب عصرهم، فإن هذه الحركات كانت علميةً لا تُعْنَى بالأدب إلّا القليل.
والنماذج التي أوردناها لهؤلاء الأدباء من شعرٍ ونثرٍ, تفصح عن تعلق أكثرهم بتلك الحلى المتكلفة, والزخارف اللفظية، والمعنوية، والتي تضحي بالفكرة في سبيل المحسن المقصود، والفكرة في ذاتها ضحلة، والخيال يكاد يكون معدومًا، وما بها من معنًى فهو مأخوذ من السابقين، وليته ظهر واضحًا كما ظهر عند المتقدمين من الشعراء، ولكنه توارى تحت ستارٍ كثيفٍ من المحسنات الثقيلة، والنسج ضعيف إلّا القليل.
وأما الأغراض فهي تلك المقاصد التقليدية التي صار عليها الأدباء من قديم، ولم يظهر فيما رأينا أية بادرة للروح القومية ويقظة الشعوب، والأغراض العامة، وإفصاح الشاعر عما يجيش في نفسه هو من حزنٍ وألمٍ، وفرحٍ ولذةٍ, مما يلاقيه في الحياة، بحيث يبدو مستقلًّا في شخصيته عن أميرٍ يُمْدَحُ، أو عظيم يُرْثَى، وربما كان عند بعض شعراء الشام أو العراق في ذلك الوقت -كما رأيت- كلف بالطبيعة ووصفها؛ لأن الشاعر الحساس لا يملك أن يغمض عينه مهما كانت من الضعف, أو ألا ينجذب ذوقه مهما كان عليه من المرض، أمام هذه الطبيعة الفياضة بالفتن والمحاسن في بلاد الشام، والطبيعة ثمة تغري على القول:
تبدل كل آونة لبوسًا ... خيال العبقري به يضل
بيد أن وصف الطبيعة، وإن دلَّ على حسٍّ مرهفٍ، وتأثرٍ بجمالٍ، فإن الصياغة والمعاني تئن من الضعف والركة، ولم يلم لهم إلّا القليل مما تبدو عليه آثار العافية والصحة والجمال.
__________
1 مجموع الأخرس, ص88-90, والديوان ص52-54.
(1/60)

5- التأليف في عصر محمد علي:
رأينا عند الكلام على الترجمة، أن النهضة الحديثة ابتدأت، والبلاد في فقرٍ عقليٍّ شنيع، وظلامٍ مطبقٍ دامسٍ، وليس ثَمَّةَ إلّا بصيص ضئيل من النور يشع من الأزهر، بيد أن أهله كفوا على كتب الأقدمين يدرسونها بطريقتهم العقيمة، ولم يكونوا على علمٍ بما وصلت إليه أوروبا من علمٍ وحضارةٍ، بعد أن جاء نابليون، ومعه العلماء الأفذاذ والباحثون العظام، بل ظلَّ الأزهر كما هو غارقًا في أحلامه القديمة، وإن اعتمد عليه محمد علي في اختيار أعضاء البعثات منه أول الأمر, وأخذت النهضة تسير في طريقٍ مختلفةٍ عن طريق الأزهر، ولم يشأ محمد علي أن يغيِّرَ من نظم الأزهر شيئًا؛ بحيث توافق مقتضيات العصر، وحاجات النهوض، بل أنشأ نظامًا علميًّا جديدًا, هو ذلك النظام المدني في التعليم الذي نجني ثمرته اليوم، وذلك أن تغيير الأزهر وتحويله إلى النظام المدنيّ عملًا شاقًّا، وفيه قضاء على ما للأزهر من سمعةٍ دينيةٍ في نفوس المسلمين في كافة الأقطار، ثم فيه تحدٍّ للشعور الديني الذي كان مسيطرًا على أذهان الناس في الشرق حينذاك.
ولم ير محمد علي بدًّا من الاستعانة بعلماء الأزهر وكتب الأزهر في مدارسه الحديثة؛ إذ لم يكن هنالك علماء في غير الأزهر يصلحون لتدريس اللغة والدين، ولم تؤلف فيهما كتب على النهج الحديث، بل كانت الكتب الأزهرية -على ما بها من غموض، ومع أنها في مستوى أرقى من مستوى المدارس الحديثة- هي الشيء الوحيد في الميدان، ولذلك اضطرت حكومة محمد علي أن تقدم الأجرومية, والسنوسية، والألفية، والشيخ خالد، وغيرها من الكتب إلى مطبعة بولاق، فطبعت منها لأول مرةٍ في مصر آلافًا من النسخ, نشرتها في مدارسها الحديثة، وفي الأزهر نفسه.
(1/61)

ولم يكن في هذه الكتب ما يشوق التلميذ, أو يحبب القراءة إليه, أو يعاونه على تفتق ذهنه، واستكمال عدته للتعلم الثانوي؛ لأنها ألفت في عصور ضعف اللغة، وفيها أمثلة بعيدة كل البعد عن بيئة التلميذ وحياته، وطريقة تأليفها عقيمة؛ إذ لا تتدرج مع معلومات التلميذ، وإنما تفرض فيه العلم من أول سطر، وتعرض أمام مشكلاتٍ في الإعراب والعقائد يخالها طلاسم، ويتبرم بها، ويكاد ييأس، كل هذا في عصرٍ كان الكتاب فيه هو كل شيء أمام التلميذ، وليس له إلّا أن يستظهره، فحفظ كتب الدين واللغة، وأعدته الطريقة فاستظهر كتب الحساب والهندسة, وغيرها من الكتب المعروفة، استعدادًا لاجتياز الامتحان.
ولم يكن المدرسون وحدهم هم الذين استعارتهم مدارس محمد علي من الأزهر، بل كان ثمة طائفةٌ أخرى، اقتضتها طريقة التدريس على يد المترجمين التي ذكرناها آنفًا1، هذه الطائفة هم المصححون الذين يصححون الأخطاء النحوية والأساليب في الكتب التي تنقل إلى اللغة العربية، ولم يكن هذا العمل سهلًا هينًا، فكثير من المترجمين، وبخاصةٍ في السنين الأولى من إنشاء المدارس، كانوا من السوريين، أو غيرهم من المتمصرين كالأرمن والمغاربة، ولا ريب أن لغتهم كانت على شيءٍ كثيرٍ من الضعف، فقلَّمَا وُثِقَ بكتابتهم وترجمتهم, ولا سيما في موادٍّ لم يدروسها من قبل, هذا إلى أن العلوم الحديثة كانت تنقل لأول مرةٍ من اللغات الأوربية إلى اللغة العربية، وقد هجر الأزهر من زمنٍ بعيدٍ دراسة هذه المواد، فاضطروا إلى مراجعة الكتب القديمة في الحساب والفلك والهندسة والطب، وغيرها من التي ترجمت, أو ألفت في العصر العباسي، وذلك لأن مهمتهم لم تكن قاصرةً على تصحيح العبارة اللغوية، بل تعدتها إلى اختيار الكلمات الفنية المناسبة.
وقد أفادت اللغة العربية من عملهم هذا فائدة جليلة، وحين أعجزتهم الترجمة، ولم يهتدو إلى مقابل للكلمة الأجنبية في العربية عمدوا إلى تعريبها، وتركوها كما هي, مع تحريفٍ يسيرٍ يناسب اللسان العربيّ، أو بدون تحريف.
__________
1 راجع ص22 من هذا الكتاب.
(1/62)

وبذلك ازدادت ثروة اللغة العربية، واتسع أمامها المجال لدراسة المواد الحديثة وتعريبها والتأليف فيها، وقد ألف بعضهم في ذلك كتبًا تعين المترجمين والمؤلفين؛ مثل الشيخ: محمد عمر التونسي في كتابه "الشذور الذهبية في الألفاظ الطبية".
كان لابد لمصر في أول نهضتها من الاعتماد على هذا القبس الضئيل الذي يشعُّ من الأزهر، ولقد رأينا إلى أي حدٍّ كان هذا الاعتماد، ولكن حين استطاع نظام محمد علي أن يقف على قدميه, ويؤتي ثمرته، ويتخرج في مدرسة الهندسة والطب وغيرها شبابٌ جمعوا بين الثقافتين, حاول محمد علي أن يتخلص من تأثير الأزهر على نظامه، ورأينا في أخريات عهده محاولةً لتأليف كتب في اللغة والدين على طريقة حديثة، وهذه الكتب وإن لم تبلغ مستوى الكتب الأزهرية في الجودة؛ بحيث يمكنها التغلب عليها, إلّا أنها كانت نزعة إلى التحرر من الأزهر، ورأينا أيضا مدرسي الحساب من خريجي الهندسة، وبعض مدرسي اللغات العربية, يؤخذون من نوباغ المتخرجين في مدرسة الألسن.
وهكذا ابتدأت الهوة تزداد اتساعًا بين تعليم الأزهر والتعليم الحديث، حتى أوشكت الصلة أن تزول فما بينهما, بل رأينا -على العكس- أن الأزهر يقتبس من النظم الجديدة في التعليم، ويحاول الشيخ العروسي شيخ الأزهر في عهد محمد علي, أن يدخل الطب في الأزهر بمعاونة كلوت بك، لولا أن عاجلته المنية.
كان التعليم الحديث في عهد محمد علي بالمجان في كافة المدارس؛ سواء كانت ابتدائية أو ثانوية أو عالية، وكانت الحكومة تنفق على التلاميذ، وتتولَّى أمورهم من مسكنٍ, ومأكلٍ، وملبسٍ، وتجري على كثير منهم الأرزاق والمرتبات, بيد أن الأهالي لم يطمئنوا إلى إسلام أولادهم للمدارس والتعليم في بادئ الأمر، بل نفروا من ذلك نفورًا شديدًا، حتى لجأت الحكومة في بعض الأحيان إلى إدخال التلاميذ في المدارس قسرًا.
(1/63)

ولكن ما لبثت الناس في مصر أن لمسوا فائدة التعليم، وكيف ينقل أولادهم من حال الضعف الجسمي والعقلي والخلقي، إلى مستوًى رفيعٍ من الحياة, فأقلعوا عن المعارضة، بل أقبلوا على التعليم بنفوس راضية.
وقد بلغ عدد التلاميذ في عهد محمد علي بجميع مدارس القطر المصريّ على اختلاف أنواعها, تسعة آلاف تلميذ، تتولى الحكومة النفقة عليهم في كل شيء، وتعطي لهم بعض الرواتب1.
كانت نهضة محمد علي علميةً حربيةً -كما مر بنا؛ لأن البلاد في رأيه لم تكن في حاجة للآداب حاجتها للعلوم والنهوض بالجيش، ومسايرة الحضارة الأوربية العلمية في الطب والهندسة والرياضيات والفنون العسكرية، وكان محمد علي نفسه يؤثر اللغة التركية على اللغة العربية في التعليم أول الأمر، ولكنه اضطر إلى أن يجعل اللغة العربية لغة الدراسة، فكانت هذه الخطوة الأولى في إحياء اللغة، ثم أنشأ مطبعة بولاق سنة 1822 -كما ذكرنا، قد عكفت منذ عصره حتى اليوم على إحياء الكتب القديمة, وإن كان اهتمامها بكتب الآداب في عهد محمد على زهيدًا؛ لأنها كانت في شغل بطبع مؤلفات رجال البعثات في الفنون التي تخصصوا بها، ولم تتجه إلى إحياء التراث العربيّ القديم إلّا في عصر إسماعيل -كما سيأتي.
وأغلب الكتب التي ظهرت في عصر محمد علي كانت كتبًا مترجمةً في شتَّى العلوم والفنون، ولم تؤلف إلّا كتب قليلة ليست ذات شأن، مثل كتب الرحلات التي دَوَّنَ فيها أعضاء البعثات مشاهداتهم بأوربا، ككتاب رفاعة بك "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" وما شاكله, أما الكتب العلمية البحتة فكان أغلبها ترجمة، وقد اننتشرت هذه الكتب كثيرًا بتشجيع محمد علي لمترجميها ومكافأتهم مكافأة سخية، وبطبعها على نفقة الدولة في مطبعة بولاق.
__________
1 راجع كتاب "لمحة عامة إلى مصر" تأليف كلوت بك, ج2 ص519, وتاريخ الحركة القومية لعبد الرحمن الرافعي, ص451 ج3.
(1/64)

ويروى عن محمد علي أنه لما عاد أعضاء البعثة الأولى إلى مصر استقبلهم بديوانه بالقلعة، وسلَّمَ كلًّا منهم كتابًا بالفرنسية في المادة التي درسها بأوربا، وطلب إليهم أن يترجموا تلك الكتب إلى العربية، وأمر بإبقائهم في القلعة، وألّا يؤذن لهم بمغادرتها حتى يتموا ترجمة ما عهد به إليهم، فترجموها، وأمر بطبعها وتوزيعها على المدارس التي وضعت لها تلك الكتب1.
وكان للوقائع المصرية التي أنشأها محمد علي فضلٌ في تذليل الأسلوب العربيّ للأخبار الصحفية، وكانت على عهده تنشر أخبار الحكومة ومصالحها, وبعض الأنباء الخارجية, وكان يحررها نوابغ العلماء في عهده.
كل هذا ولا شك قد مهد اللغة نوعًا ما للعصر الثاني في النهضة, وهو عصر إسماعيل, وهيأ جيلًا من العلماء والمفكرين، ومحبي الفنون والآداب، قادوا مصر في عهد إسماعيل إلى مدى واسع من الرقيِّ والتعليم.
على أن النهضة السورية اتجهت وجهةً أدبيةً من أول أمرها بخلاف النهضة المصرية، وقد وقفنا على الدوافع التي حولت نهضة مصر إلى وجهة علمية، أما الأسباب التي جعلت نهضة سورية أدبيةً، فهي أن المبشرين كانوا حملة مشاعل تلك النهضة أول الأمر، وكان همهم نشر التعاليم الدينية طبقًا للمذاهب المسيحية الغربية، وقد عنوا بترجمة التوارة، وظلَّ الجدل الدينيُّ مسيطرًا على الصحافة السورية ومجالس الأدب ثمة ردحًا طويلًا من الزمن، ولعل هذا يعلل لنا سبق السوريين في الصحافة, وإتقانهم لإخراجها وتبويبها، وقد ظهرت ثمرة هذا الميل الأدبيّ عند السوريين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولنا إليه عودة.
__________
1 راجع تاريخ الحركة القومية للرافعي, ج3 ص537.
(1/65)

الفصل الثاني: النهضة
التعليم
...
الفصل الثاني: النهضة
النهضة:
عصر إسماعيل على الرغم من مساوئه السياسية والاجتماعية, هو العصر الذي أينعت فيه النهضة الأدبية، وأورقت، وبشَّرَت بثمارٍ طيبةٍ حلوةٍ، وكان عهده الباب الذي دلف منه الأدب إلى الرياضة الغناء في عصرنا الحاضر, وذلك لأن إسماعيل وضع أسسًا متينةً لنهضةٍ شاملةٍ، بعد أن مضت فترة ركودٍ كادت تعصف بما غرسه محمد علي، وتعود بمصر القهقريّ إلى عصور الظلمات، وذلك أيام الواليين عباس وسعيد؛ إذ كانا من دعاة الرجعية، فألغى عباس حين توليته كل المدارس العالية إلّا المدرسة الحربية.
والأدب في عصر إسماعيل مدينٌ في نهضته ورقيه وسيره نحو التحرر من أغلال الماضي في صورته ومعناه إلى عدة عوامل لا نستطيع إغفالها، أو التقليل من أثرها، وسنلقي عليها نظرةً عاجلةً، حتى يكون إدراكنا لتطور الأدب في مصر والبلاد العربية إدراكًا صحيحًا.
1- التعليم:
استوى إسماعيل على أريكة مصر سنة 1863، وما بها إلّا مدرسة ابتدائية واحدة، ومدرسة حربية، وأخرى طبية, وثالثة للصيدلة، وأوقفت البعثات، واستغنى عن خدمات من عاد من رجالها، وكان إسماعيل ذا طموح، ترسَّم في نهضته إلى حدٍّ ما خطوات جده محمد علي، وأراد أن يرى مصر قطعةً من أوروبا في ظرف وجيز، فأعاد البعثات سيرتها الأولى, حتى بلغ عدد أعضائها في عصره اثنين وسبعين ومائة، فأعاد مدرسة البعثات بباريس؛ لأنه عرف فائدتها أيام أن كان طالبًا هناك.
وأخذت الحياة تدب إلى كل أنواع التعليم، فأعيدت المدراس العالية التي كانت على عهد محمد علي كالهندسة والطب، وزيد عليها مدرسة الحقوق، وكانت تسمى مدرسة: الإدراة والألسن, "بدلًا من مدرسة الإدارة القديمة".
(1/69)

وقد أسهمت مدرسة الحقوق في النهضة اللغوية والأدبية، فالمذكرات التي يعدها المحامون، ووكلاء النيابة، ولغة المرافعات والدفاع، والخطابة القانونية, قد تحسنت كثيرًا, وأدخلت في اللغة كلمات عديدة لم تكن مستعملةً من قبل.
وظلَّ رجال الحقوق والقانون يقودون مصر في ميدان السياسة حقبةً طويلةً من الزمن، ولكنَّهم وللأسف قد أثروا بعقليتهم الجدلية، وتبريتهم النظرية، وإصلاحاتهم القانونية اللفظية في حياة الأمة أثرًا بليغًا، وأبعدوها عن جادة الصواب، وألقوا بها في لجةِ الجدلِ والتناحر الحزبيِّ، والتشدق بالإصلاح, ونأوا بها عن الحياة العلمية المنتجة، وعلى هذا الموضوع ليس يعينا في كتابنا هذا، وإنما الذي يلفت أنظارنا هو نهضة الخطابة واللغة على يد من تَخَرَّجَ في هذه المدرسة, ولا سيما في عصرنا الحاضر.
ومن المدارس التي أنشئت في عهد إسماعيل، وكان لها أكبر الفضل في نهضة اللغة العربية والآداب, مدرسة دار العلوم, التي أشار بها علي مبارك، وافتتحها في سنة 1871, وقد رأينا ما كانت تعانيه مدارس محمد علي الحديثة من فقرٍ في الكتب المدرسية المنظمة, والمدرسين الأكفاء، الذين جمعوا بين العلم القديم والحديث، وعرفوا النظام، ونالوا حظًّا من طرق التربية, وأن ذلك الفقر التربويّ كان معوقًا لنهضة الآداب، بيد أن دار العلوم سدت هذا الفراغ، فقد كان طلبتها يُخْتَارون من متقدمي طلبة الأزهر ونابغيهم، وينشئون تنشئةً لغويةً وأدبيةً وشرعيةً, مع قسطٍ وفير من العلوم الحديثة، وطرق التربية.
ولقد أدت دار العلوم ورسالتها للأمة واللغة وللدين على الوجه الأكمل، فحفظت اللغة وصانتها، وقوتها وأيدت دعائمها، وأحيت مواتها، وجددت في أساليبها، ونفضت عن تراثها المجيد غبار القرون، وقدمته للناس رائعًا جذابًا، وعكف أبناؤها على تعليم النشء، وتقويم ألسنتهم, وتدريب أقلامهم، وتزويدهم بذخائر نفيسة من مختارات الشعر والنثر، وتقديم الكتب التي تنهج نهجًا علميًّا نفسيًّا يتمشى مع الطفل وملكاته وغرائزه، فكانت بحقٍّ خير ما أسدى علي مبارك من خدمات للغة العربية.
(1/70)

ولا تزال دار العلوم تقوم بنصيبها الوفير في نهضة التعليم واللغة، وتعتمد عليها جامعتا القاهرة والإسكندرية وعين شمس في دارسة الآداب والنصوص وقواعد اللغة، وما زال بنوها في الطليعة من الكُتَّابِ والمؤلفين, يجارون بتأليفهم تيار النهضة الحديثة، ويمشون مع الزمن خطوةً خطوةً، وقد تَخَرَّجَ على أيديهم زعماء النهضة في كل ميادين الحياة.
وفي عهد إسماعيل, أنشئت أول مدرسة للبنات، وذلك في سنة 1873, حيث أسست السيدة "جشم آفت هانم" ثالثة زوجات إسماعيل, مدرسة السيوفية، وكان بها حين افتتاحها مائتا تلميذة، وبلغ عددهن في السنة الثالثة أربعمائة تلميذة, يتعلمن بالمجان, فضلًا عن القيام بمأكلهن وملبسهن، وكنَّ يتعلمن القراءة والكتابة ويحفظن القرآن الكريم، ويدرسن الحساب والجغرافيا والتاريخ والتطريز والنسيج.
وقبل مدرسة السوفية كانت البلاد خُلُوًّا من مدرسةٍ للبنات, إلّا مدرسة للولادة، ولم يشغها إلّا البنات الحبشيات، واستنكف المصريات من دخولها، ومدرسة إنجليزية أسستها مس "وتلي" سنة 1806, وقد نجحت بعد عشر سنواتٍ من الجهاد, في جذب كثير من الفتيات المصريات إليها، وكذلك كان الجهل متخذًا من رؤوس فتيات مصر ونسائها أعشاشًا، إلّا مَنْ حرص أهلها على تعلميها في البيت، وقليل ما هن.
وقد خطا تعليم البنات منذ مدرسة السيوفية خطواتٍ واسعةٍ في مصر، وتعددت ألوانه ومدارسه، وزاحمت الفتاة الفتى في الجامعة، واقتحمت الكليات المستعصية، ولست هنا في مقام النقد، ومناقشة طريقة تعليم الفتيات ذلك التعليم النظريّ، ومنافسة البنين في كل شيء, ولكن مما لا شك فيه أن تعليم المرأة ونهوضها دعامة متينة في النهضة الاجتّماعية والأدبية، والأم المتعلمة تربأ بابنها أن يكون فريسة الجهل، وتسعى في جهدها أن تنيله حظًّا مهما كان يسيرًا من نور العلم.
وقد أنشأت الحكومة بجانب هذه المدارس كثيرًا من المدارس الصناعية
(1/71)

والخصوصية، كمدرسة المساحة والمحاسبة، ومدرسة الزراعة، ومدرسة العميان والبكم.
أما عن المدارس الابتدائية: فقد زاد عددها, بلغ أربعين مدرسة، وقد صار للأقباط زيادة على ذلك اثنتا عشرة مدرسة، وافتتحوا مدرستين لتعليم البنات، واحدة بالأزبكية والأخرى "بحارة السقايين" وقد وهبهم إسماعيل ألفًا وخمسمائة فدان, ينفق ريعها على مدارسهم.
وأنشأ الحكومة كذلك عدة مدارس ثانوية؛ منها مدرسة رأس التين في سنة 1862, والمدرسة الخديوية سنة 1868، وأعادت ديوان المدارس، وهو نواة وزارة التربية والتعليم, بعد أن ألغاه سعيد، ليشرف على التعليم ويرعاه، ويدخل على نظمه وأساليبه التحسينات التي تساير الحياة.
ومن الوسائل التي ساعدت على النهضة الأدبية والعلمية في عصر إسماعيل دار الكتب، وناهيك بما لها من أثر في نشر العلم وتحبيب الاطلاع وتسهيله، ومعاونة المؤلفين والباحثين, ومساعدة الناشرين والطابعين على استنساخ نفائس الكتب وإشاعتها بين الناس.
لقد كانت الكتب قبل ذلك مبعثرةً في المساجد, يتولى أمرها خدمٌ لا يقدرونها قدرها؛ ففرطوا فيها، وتسرَّب كثير من كنوزها الأدبية والعلمية إلى مكاتب أوربا، وأهين كثير من الكتب القديمة باستعمالها في دكاكين البدالين وغيرهم.
همَّت الحكومة بتأسيس دار الكتب؛ فجمعت هذه الكنوز المبعثرة في المساجد والتكايا والزوايا والأضرحة وغيرها, وضمت إليها ألفي كتابٍ اشترتها من مكتبة المرحوم حسن "باشا" المانسترلي، ولما مات شقيق الخديو إسماعيل, الأمير مصطفى فاضل، وكان من أكبر هواة الكتب في الشرق، ابتاعت الحكومة من مكتبته ما يربى على ثلاثة آلاف كتاب، وضمتها إلى دار الكتب، فكان ذلك نواةً لهذه المؤسسة العظيمة، التي أخذت بعد ذلك تنمو وتزداد, وتجلب لها الكتب من الشرق والغرب، وتضم إليها المكتبات الكبيرة, مثل مكتبة المرحوم أحمد تيمور وغيرها.
وقد ضم القسم الأدبيّ الذي كان يشرف على إحياء الكتب القديمة بمطبعة
(1/72)

بولاق إلى دار الكتب، وعكف منذ سنين على تصحيح وإخراج أمهات الكتب الأدبية من أمثال: الأغاني، ونهاية الأرب، والنجوم الزاهرة، ... وغيرها.
2- الجمعيات العلمية:
إذا كثرت الجمعيات العلمية في أمةٍ دل ذلك على حيويتها ويقظتها، ورغبتها في السير نحو الكمال، وغير معتمدةٍ على الحكومة في غذائها العقليّ، فإذا اضطرب أمر الحكومات، أو وليها من لا يحسن القيام بشئون الحكم، لا يصاب الشعب بالشلل العقليّ، ولكن يمضي في طريقه قُدُمًا، ويتثقف ويستعد للنضال في سبيل الحياة السعيدة, بهمم أفراده اليقظين, والجمعيات القوية المنظمة.
وقد بدأت تباشير هذه اليقظة العقلية في عهد إسماعيل, وبرهنت مصر على أنها آخذةً بأسباب النهضة الصحيحة، وأنها مستعدةً للنضج الفكريّ، ولو توانت الحكومة في الإصلاح، أو قصرت في الأخذ بأسبابه، ومن أوائل من عنوا بنشر الكتب القديمة والمخطوطات:
1- المرحوم رفاعة الطهطاوي متأثرًا بطريقة صديقه المستشرق الفرنسيّ "سلفستر دي ساسي"، وعن مجهود رفاعة في إحياء الكتب القديمة يقول العلامة علي مبارك:
"ولرغبته في نشر العلوم، وسعة دائرتها، وحبه عموم النفع بها، استدعى مع بعض أفراد الحكومة المصرية من المرحوم سعيد باشا, وكان له ميل إلى المترجم -رحمه الله، صدور الأمر بطبع جملة كتب عربية على طرف الحكومة، عم الانتفاع بها في الأزهر وغيره, منها: تفسير الفخر الرازي، ومعاهد التنصيص، وخزانة الأدب، والمقامات الحريرية، وغير ذلك من الكتب التي كانت عديمة الوجود في ذلك الوقت فطبعت1".
2- المجمع العلمي: وقد أسس على عهد الفرنسيين سنة 1798، وألغي عند
__________
1 الخطط التوفيقية, ترجمة رفاعة ج13, ص55-56.
(1/73)

جلائهم, ولكنه أعيد في عصر سعيد، وظلَّ يعمل مدة حكم إسماعيل، مؤديًا رسالته في نشر المباحث العلمية. ولا يزال حتى اليوم قائمًا، وإن تغير اسمه إلى مجلس المعارف المصريّ, ومقره وزارة الأشغال، وله مجلة تنشر أبحاثه, وقد تكلمنا عنه آنفًا1.
3- جمعية المعارف سنة 1868، وهي أول جمعيةٍ علميةٍ مصريةٍ ظهرت لنشر الثقافة عن طريق التأليف والترجمة والنشر، وأسسها محمد باشا عارف, وأسهم في تأسيسها عددٌ كبيرٌ من أعيان البلاد، وقد اقتنت مطبعة، وقامت بطبع طائفة من أمهات الكتب في التاريخ والفقه والأدب2.
ولقيت الجمعية تشجيعًا عظيمًا, حتى بلغ عدد أعضائها ستين وستمائة عضوٍ من الطبقة الممتازة في الأمة3.
وظلَّت الجمعية تعمل، وتؤدي رسالتها الثقافية, إلى أن اشتد النزاع السياسيّ بين الخديو إسماعيل، والأمير عبد الحليم؛ لتنافسهما على أريكة مصر، وكان عارف باشا من أنصار حليم باشا، ففرَّ إلى الآستانة خوفًا من إسماعيل، وبذهابه انحلت الجمعية، وكان عارف أديبًا، ويروى له قوله:
ألم تعلم بأن سماء فكري ... تلوح بأفقها شمس المعارف
تفرس والدي في المزايا ... فيوم ولدت لقبني بعارف
3- الجمعية الجغرافية سنة 1875، وتعد من أهم المنشآت العلمية بمصر، وتُعْنَى بالأبحاث الجغرافية والعلمية وتدوينها، ونشرها, ولها مجلةٌ دوريةٌ تنشر أبحاثها، وما تقوم به من اكتشافات، ولا تزال قائمة إلى اليوم.
4- الجمعية الخيرية الإسلامية، أنشئت أول الأمر بالإسكندرية سنة 1878، حين دفعت الحماسة جماعة من المتعلمين بالثغر -رأوا طغيان الأجانب، واشتداد نفوذهم، واستئثارهم بمرافق البلد- إلى تأسيسها, وكانت تعقد الاجتماعات ليلًا, ويتبادل أعضاؤها الخطب، وقبيل افتتاحها انضم إليهم السيد عبد الله نديم، فكلفته الجمعية العمل على تأسيس مدرسةٍ حرةٍ يتعلم فيها أبناء المسلمين, وينشئون تنشئةً صالحةً، وظلت الجمعية والمدرسة تتقدمان حتى قامت الثورة العرابية, فتفرق القائمون بأمرها.
وقد أنشيء على غرار هذه الجمعية التعلمية جمعية باسمها في القاهرة، وأخرى بدمياط، أما الجمعية الحالية, فقد أسست سنة 1982, على غرار الجمعية الأولى حين اشتدت الحاجة إليها, وكان الداعي إلى تأسيسها الإمام الشيخ محمد عبده، وسنعود إلى الكلام عنها في ترجمته -إن شاء الله.
__________
1 راجع ص16 من هذا الكتاب.
2 من هذه الكتب: أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير في خمسة مجلدات، وتارج العروس من شرح جواهر القاموس، وتاريخ ابن الوردي، وشرح التنوير على سقط الزند، وديوان ابن خفاجة, وديوان ابن المعتز، والبيان والتبيين للجاحظ، وشرح الشيخ خالد على البردة، ورسائل بديع الزمان الهمذاني, وغير ذلك من الكتب.
3 كان من أعضائها: إبراهيم المويليح، وأحمد فارس الشدياق، والشيخ حسونة النواوي، والدكتور محمد شافعي، ومصطفى رياض، والشيخ بدراوي عاشور، وتجد ثبتًا بأسماء أعضاء الجمعية، في آخر "الفتح الوهبيّ" وراجع كتاب عصر إسماعيل لعبد الرحمن الرافعي, ج1 ص256، وجورجي زيدان في كتاب آداب اللغة ج4 ص78.
(1/74)

3- الصحافة:
وتعد الصحافة من أقوى عوامل النهوض بالشعب في عقليته، ولغته، وعلمه، والإصلاح الاجتماعيّ الذي يأخذ بيده صواب الكمال، وقد تحررت اللغة من آفاتها القديمة التي ورثتها عن عصور الانحطاط، ولا سيما السجع والمحسنات والزخرف اللفظيّ والركاكة، على يد الصحافة.
انقضى عصر محمد علي كما رأينا، وليس بمصر سوى صحيفةٍ واحدةٍ هي الواقائع المصرية، وكانت موضوعاتها قاصرةً على الأخبار الحكومية، ولغتها لا تكاد تستقيم من الركة، ولكننا نشاهد في عصر إسماعيل نهضةً جديدةً واسعةً, عظيمة الأثر في الصحافة.
سبق السوريون في بلادهم بإصدار صحف سياسية، وصدرت مرآة
(1/75)

الأحوال, بحلب سنة 1855، وإن لم تعمِّر أكثر من عام واحد، ثم صدرت حديقة الأخبار, ببيروت سنة 1858, وظلت تصدر حتى سنة 1909، وكانت يومًا لسان الحكومة الرسميّ، ثم خطت الصحافة خطوةً أوسع في سبيل الرقيّ بصدور الجوائب لصاحبها أحمد فارس الشدياق, بالآستانة سنة 1860, وقد طلعت على الناس بأسلوبٍ جديد في الكتابة العربية، وافتَنَّ صاحبها في تحريرها، وتخير موضوعاتها.
فجمعت بين السياسة والأدب بشتَّى ضروبه وأبوابه, بما في ذلك القصائد البليغة لكبار شعراء العربية، فذاعت، وأقبل الناس على قراءتها بشغفٍ بالغٍ، لم تدع بلدًا عربيًّا، بل إسلاميًّا إلّا دخلته, وقد سافرت كذلك إلى كثير من بلدان الغرب، واقتبسوا منها، وحكو عنها، وظلت تعمل حتى سنة 1884، أما صاحبها:
أحمد فارس الشدياق:
هو من رواد النهضة الحديثة في الأدب، وممن سبق بفكره، وقلمه، وعلمه, أبناء زمانه لكثرة ما قرأ، وجرب ورأى بعينيه، وسمع بأذنيه؛ لأنه جاب بلادًا عديدة، وعرف لغاتٍ شتَّى، وأفاد مما رأى، ومما قرأ وعرف، فكان نادرةً من نوادر عصره.
وُلِدَ بقرية عشقون في لبنان سنة 1219هـ-1804م, من أسرة مارونية مشهورة, ثم انتقل والده إلى قرية "الحدث" بالقرب من بيروت، وتيتم فارس بن منصور "وعرف فيما بعد باسم: أحمد فارس الشدياق" وهو صغير، وكانت تتراءى عليه علامات النجابة؛ فأتقن صناعة الخط، وجعل ينسخ الكتب بنفسه، ولغيره, طلبًا للرزق.
وكان له أخٌ يسمى: "أسعد" على حظٍّ وفيرٍ من العلم والذكاء, وعليه تلقى فارس دروسه الأولى، وأفاد منه فائدةً جليلةً, ووجهه وجهةً صالحةً، وغرس في نفسه محبة العلم.
ثم اضهد "سعد" من بطريك المورانة، وسيم ألوانًا من العذاب، لتغيير
(1/76)

مذهبه المارونيّ إلى المذهب الإنجيليّ، حتى مات بأحد الأديرة, وهو في عنفوان شبابه, فأثر موته على فارس، وحزَّ في نفسه، فكره الإقامة ببلاد الشام، وأعلن سخطه على المارون، فجدّوا في أثره لينكلوا به، بيد أنه لجأ إلى المبشرين الأمريكيين ببيروت، فأحسنوا مقدمه، وبعثوا به إلى مصر ليعلم أعضاء بعثتهم فيها اللغة العربية.
وفي مصر, تعرف على الشيخ محمد شهاب, محرر الوقائع المصرية, فلازمه وقرأ عليه طائفة من كتب اللغة والأدب، وقرأ على غيره كتبًا في المنطق والنحو, حتى تمكَّن من سائر علوم العربية، وتقرَّب من كبار علماء مصر، ومن معية الخديوي، ثم أفسح له مجال الكتابة في الوقائع، فأخذ يدبج فيها المقالات الممتازة بأسلوبٍ جديدٍ لم يألفه المصريون من قبل، وهو الأسلوب المرسل الرصين، ثم أسند إليه تحرير الوقائع مدة.
وبعد ذلك سافر إلى "مالطة" سنة 1834, بدعوةٍ من الأمريكان، ليعلِّم في مدراسهم هنالك، فمكث بها أربعة عشر عامًا، عكف في أثنائها على التدريس، والتأليف، ونشر الكتب وتصحيحها، إلى أن طلبته جمعية ترجمة "التوراة" بلندن؛ ليساعد في التعريب والضبط والتنقيح، فسافر إليها سنة 1848، وأقام بها مدةً مكنته من تعلم اللغة الإنجليزية, وتعرف أحوال الإنجليز وبلادهم معرفةً دقيقةً، ثم سافر إلى باريس بعد أن نال الحماية البريطانية، وتجنس بالجنسية الإنجليزية.
وقد سجَّل رحلته إلى أوربا في كتابه "كشف المخبا عن أحوال أوربا", وقد ألَّفَ في أثناء مقامه بأوربا كتابه "الساق على الساق فيما هو الفارياق" والفارياق لفظ متقطع من "فارس الشدياق".
ولما زار باي تونس باريس، ووزَّع في فرنسا كثيرًا من الأموال على الفقراء, مدحه الشدياق بقصيدة طويلة حببته إليه, فاستدعاه للإقامة معه بتونس، وكان قد مدح السلطان عبد المجيد كذلك بقصيدةٍ طويلةٍ حسنت لديه، فاستدعاه للآستانة، ولكنه فضَّل الذهاب إلى تونس أولًا، فأرسل إليه "الباي" باخرةً حربيةً لحضوره عليها.
وقد وقعت بينه وبين شيخ الإسلام في تونس مجادلاتٍ في العقائد الدينية
(1/77)

أدت إلى اعتناقه الإسلام, وسمى نفسه: "أحمد فارس"، وتكنَّى "بأبي العباس"، وكان يقول في هذا.
"لعمري ما كنت أحسب أن الدهر ترك للشعر سوقًا ينفق فيها، ولكن إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا لم يعقه عنه الشعر ولا غيره".
وتولَّى عند الباي أرفع المناصب، واشتهر اسمه، فطلبته الآستانة مرةً أخرى، فلبّى الدعوة، وهناك ألحق بديوان الترجمة، وتولّى الإشراف على التصحيح بدار الطباعة.
ويقال: إن الخديوي إسماعيل هو الذي أشار عليه في أثناء زيارته للآستانة بإنشاء "الجوائب" وكان معجبًا به، فقام بإنشائها سنة 1861، واشتركت فيها الحكومة المصرية بألفي نسخة.
وقد قدم مصر سنة 1866، وهو شيخ هرم، في عهد الخديوي توفيق، فقوبل بكل إجلالٍ وترحابٍ، واجتمع به كثيرون من الأدباء ورجال الصحافة، فبهرهم على الرغم من شيخوخته بتوقد قريحته، وسرعة بديهته، وحلاوة سمره وطلاوته، ورقة حاشيته, ورشيق عبارته، ثم عاد إلى الآستانة, فتوفي بها سنة 1887، ونقلت جثته إلى سوريا, ودفن بقرية الحازمية على مقربة من بيروت.
والشدياق من أوئل الذين اهتموا بالأبحاث اللغوية في العصر الحديث، وله كتاب "الجاسوس على القاموس"، وهو كذلك من أوائل الكُتَّاب المترسلين، الذين خاضوا في كل موضوع، وأفادوا الأدب واللغة بأبحاثهم ومقالاتهم، وله عدة كتبٍ, كان لها في زمانه وبعد زمانه شأن يذكر، منها:
1- "الواسطة في أحوال مالطة" وقد وصف فيه هذه الجزيرة وصفًا دقيقًا, وأبان فيه عن أصل اللغة التي ينطق بها زهلها، وبيَّنَ أنها اللغة العربية شيبت بلهجات الغزاة الفاتحين وألحانهم.
2- "كشف المخبا عن أحوال أوربا" فَصَّلَ فيه سياحته في بلاد الإنجليز
(1/78)

وغيرها من الأقطار الأوربية، ووصف عادات الإنجليز وآدابهم، وأخلاقهم، وتاريخ تمدينهم, وسر تقدمهم بأسلوبٍ شائقٍ طليّ.
3- "الساق على الساق فيما هو الفارياق" وهو كتابٌ ممتعٌ، سيق في أسلوبٍ قصصيٍّ, وذكر فيه تاريخ حياته، وأحوال الخاصة، وما عاناه في دهره، وفي معركته مع الحياة والأيام، وخلط فيه الجد بالهزل، والسجع بالترسل، والعلم بالأدب، وأغرب فيه وأطرب، وذهب في تدبيجه وصياغته كل مذهب، طبع بباريس 1855.
4- سر الليالي في القلب والإبدال.
5- "الجاسوس على القاموس" وضعه لاستدراك ما فات الفيروز آبادي في قاموسه, وما وَهِمَ فيه من الألفاظ، وهو مطبوع.
6- "منتهى العجب في خصائص لغة الأدب"، في أسرار اللغة، وخصائص الحروف ومدلولاتها، ولكنه ذهب فريسة النار، وهو بعد مخطوط لم يطبع.
7- "الجوائب" وقد اشتركت فيها مصر بألفي نسخة، وكان باي تونس يمدها بخمسمائة جنيه سنويًا، وتلقت مثل هذه الإعانة من السلطان عبد العزيز، وكانت تصدر أسبوعيًّا، وقد نالت شهرةً عظيمةً -كما ذكرنا آنفًا، وهي الجريدة الوحيدة التي جاهرت بالدفاع عن الخديوي إسماعيل في دار الخلافة, حينما خلع سنة 1879، ورثته يوم وفاته، ولم يخش سطوة الحكومة العثمانية، ويقال: إن السفارة الإنجليزية بالآستانة دفعت لصحابها ألف جنيه، نظير إذاعة المنشور الذي أصدره الباب العالي, فيه عصيان عرابي باشا سنة 1882، وأن ذلك كان من أسباب إخفاق عرابي.
وقد جمع سليم بن أحمد فارس منتخبات من الجوائب ونشرها في سبعة أجزاء.
8- لأحمد فارس كتب مدرسية كثيرة منها: الباكورة الشهية في نحو اللغة الإنجليزية، والسند الراوي في الصرف الفرنساوي، واللفيف في كل معنى طريف.
9- وله ديوان شعر لم يطبع.
(1/79)

وقد عُنِيَ الشدياق -كما رأينا من مؤلفاته- بالأبحاث اللغوية, ومن ذلك كتابه "الجاسوس على القاموس" الذي حاول فيه أن يستدرك على صاحب "القاموس" ماجاء في معجمه من قصورٍ وإبهامٍ وإيجازٍ وريهامٍ وعسرٍ في مراجعة الأفعال ومشتقاتها، وذلك بأن يؤلف في اللغة كتابًا سهل الترتيب, واضح التعاريف، شاملًا للألفاظ التي استعملها الأدباء والكُتَّاب, وكل من اشتهر بالتأليف.
وقد دعاه إلى ذلك أمران:
أولهما: مزاحمة اللغات الأجنبية للغة العربية واللسان؛ فكادت تجلي عنه أهله، وتحجب عنهم ظله، وتحبس وابله وطله؛ لأن ترتيب كتب لغاتهم أسهل, والوصول إليها أعجل، ولا سيما أنها قليلة المشتقات، وليس في تعريف ألفاظها كبير اختلاف في الروايات، أما من يتعاطون من التجارة، ويحملون عبء الإمارة، فإنهم يزعمون أن اللغة العربية لا تصلح في هذا الزمن لهاتين الخطتين, فلابد بكلام الأجانب وإن أدى إلى الحطتين، فمن ثَمَّ مست الحاجة إلى زيادة تفصيل لمفردات لغتنا ومركباتها، وتبيين لأصولها من متفرعاتها ... إلخ".
وثانيهما: رغبة في حَثِّ أهل العربية على حب لغتهم الشريفة، وحَثِّ أهل العلم على تحرير كتابٍ فيها, خالٍ من الإخلال، مقرب كما يطلبه الطالب منها دون كلال، فإني رأيت جميع كتب اللغة مشوشة الترتيب، كثر ذلك أو قلّ, وخصوصًا كتاب "القاموس" الذي عليه اليوم المعول".
وقد أثار في هذا الكتاب موضوعاتٍ لا تزال موضع بحثٍ حتى يومنا هذا، وقد حاول في غير هذا الكتاب أن يدافع عن اللغة العربية, وأن يعمل على تزويدها بالمصطلحات الفنية، فهو في الوقت الذي يمتدح فيه اللغة العربية لسهولة ألفاظها ووضوحها, نراه يعترف بأن مفردات العربية غير تامةٍ فيما يتعلق بما استحدث بعد العرب الذين وضعوا اللغة من فنون وصناعات، مما لم يكن يخطر ببالهم، ولكن ذلك في رأيه مما لا يشين اللغة؛ إذ لا يحتمل أن واضع اللغة يضع أسماء لمسمياتٍ غير موجودة, وإنما الشين علينا الآن في أن نستعير هذه الأسماء
(1/80)

الأجنبية, على قدرتنا على صوغها من لغتنا، على أن أكثر هذه الأسماء هو من قبيل اسم المكان أو الآلة، وصوغ اسم المكان والآلة في العربية مطرد من كل ثلاثي".
وقد حثَّ على استخدام "النحت" والإكثار منه؛ لإثراء اللغة كما فعلت اللغات الأجنبية الأخرى، وذلك حتى نستغني عن استعمال الدخيل.
ومن روائع أدبه قوله يصف مصر في كتابه "الساق على الساق":
"ومن خواصِّها أن أسواقها لا تشبه رجالها ألبنه، فإن لأهلها لطافة وظرافة، وأدبًا وكياسة وشمائل، وأخلاقًا زكية, وأسواقها عارية عن ذلك رأسًا.
ومنها: أن العالم عالم، والأديب أديب، والفقيه فقيه، والشاعر شاعر، والفاسق فاسق، والفاجر فاجر، ومن ذلك أن البنات اللائي يستخدمن في "الميرى" لحمل الآجر, والجبس, والتراب، والطين, والحجر, والخشب، وغير ذلك، يحملنه على رءوسهن، وهن فَرِحَات، جامحات، سابحات، صادحات، مادحات، وغير ترحات، ولا دالحات1، ولا رازحات، ولا كالحات، ولا نائحات، ومن كان نصيبها من الأجر نظمت عليه "موالًا" أجيرًا، أو من الجبس غنت له أغنية جبيسةً، كأنما هن سائرات في زفاف عروس.
ومن ذلك أن "الرنيطة" فيها تَنْمِي وتعظم، وتغلظ وتضخم، وتتسع وتطول، وتعرض وتعمق، فإذا رأيتها على رأس لابسها حسبتها "شونة"2، قال "الفارياق": وكثيرًا ما كنت أتعجب من ذلك وأقول: كيف صح في الإمكان، وبدا للعيان أن مثل هذه الرءوس الدميمة, الضيئلة الذميمة، الخسيسة اللئيمة، المستنكرة المشئومة، المستقذرة المهوعة3 المستقيمة المستفظعة، المستسمجة المستشنعة، والمسترزلة المستبشعة.
__________
1 من دلح كمنع: مشى بحمله متقبض الخطو لثقله، وسحابة دلوح: كثيرة الماء.
2 الشونة: كما جاء في القاموس مخزن الغلال, مصرية.
3 الهوعة: من هوعته ما أكل، إذا قيأته إياه.
(1/81)

هواء مصر، وكبرها إلى هذا المقدار، وقد طالما كانت في بلادها لا تساوي قارورة الفراش، ولا توازن ناقورة الفرَّاش، وكيف كانت هناك كالتراب، فأصبحت هنا كالتبر؟ يا هواء مصر، يا نارها، يا ماءها، يا ترابها1 صيري طربوشي هذا "برنيطة"، وإن يكن أحسن منها عند الله والناس وأفضل، وأجمل وأمثل، وللعين أبهى وأكمل, وعلى الرأس أطبق, وبالجسم أليق.. قال: فلم يغن عني النداء شيئًا، وبقي رأسي مطربشًا، وطرف دهري مطرفشًا2.
ومن خصائصها أيضًا أن البغاث بها يستنسر، والذباب يستصقر، والناقة تستبعر، والجحش يستمهر، والهر يستنمر، بشرط أن تكون هذه الحيوانات مجلوبة إليها من بلاد بعيدة.
ومن ذلك أن كثيرًا من أهلها يرون أن كثيرة الأفكار في الرأس يكثر عنها الهموم والأكدار, أو بالعكس، وأن العقل الطويل يتناول البعيد من الأمور, كما أن الرجل الطويل يتناول البعيد من الثمر وغيره, وأن تلك الكثرة سبب في الإقلال، فما دام النور موقدًا، فلابد أن تفقد الفتيلة، ولا يمكن إبقاؤها إلّا بإطفاء النور، أو كالماء في الوادي, فإذا دام الماء جاريًا فلابد أن ينصب في البحر، فمتى حقن بقي، أو كالفلوس في الكيس، فما دام المفلس أي: صاحب الفلوس يمد يده إلى كيسه، وينفق منه, فني ما عنه, إلّا أن تربط يده عن الكيس، أو يربط الكيس عن يده، فمن ثَمَّ اصطلحوا على طريقةٍ لتوقيف جريان العقل في ميدان الدماغ حينًا من الأحيان، ليتوفر لهم في غيره، وذلك بشرب شيء من الحشيش، أو بمضغه، أو بالنظر إليه، أو بذكر اسمه، فحين يتعاطونه تغيب عنهم الهموم، ويحضر السرور، وتولي الأحزان، ويرقص المكان".
__________
1 يشير بالهواء والنار والتراب والماء إلى العناصر الأربعة, التي كان يعتقد الفلاسفة القدماء أنها أصل المواد.
2 الطرف العين: وطرفشت العين: أظلمت وضعفت، وفلان نظر وكسر عينيه.
(1/82)

وفي الحق لم يدع أحمد فارس شيئًا من أهل مصر وعاداتهم إلّا وصفه وصفًا دقيقًا بذلك الأسلوب المرح، وهذا التهكم المحبوب، وله نظراتٌ نافذاتٌ حين يتكلم على الأجانب, وكيف صار لهم الحول والسلطان، مع أنهم كانوا في بلادهم أفاقين مفلسين، وحين يعبِّر عن فلسفة الحشاشين، وكيف يعملون جادين مخلصين على تغييب العقل، وهو الذي يهدي الإنسان سواء السبيل.
وأنت ترى في أسلوبه السجع، والترسل، والسهولة، والتوعر، والكلمات العامية، والكلمات الغريبة التي لا تستعمل إلّا في المعاجم، وكأنه قصد إلى إحيائها، وكما كان يفعل أصحاب المقامات، لولا طرافة الموضوع، وصدق الوصف، ومما يلفت الأنظار في أدب أحمد فارس أنه كان قوي الملاحظة، معنيًّا بأحوال الشعوب وطرق حياتهم، والموازنة بين الشعوب التي زارها, والشعوب العربية، وله فصولٌ ممتعة في كتابه "الساق على الساق" عن الإنجليز وبلادهم، والفرنسيين وأحوالهم، ومما قاله في الموازنة بين الأدب الغربيّ والعربيّ قوله:
"فإنهم أول ما يبتدئون المدح يوجهونه إلى المخاطب، ويجعلونه ضربًا من التاريخ، فيذكرون فيه مساعي الممدوح، ومقاصده, وفضله على مَنْ تقدَّمَه من الملوك, بتعديد أسمائهم, ولما ترجم "مسيو دوكان" قصيدتي التي مدحت بها المرحوم أحمد باشا, والي تونس, وطبعها مع الترجمة، كان بعضهم يسألني "هل اسم الباشا "سعاد"؟ وذلك لقولي: "زارت سعاد وثوب الليل مسدول" فكنت أقول: لا، بل هو اسم امرأة, فيقول السائل: "وما مدخل المرأة بينك وبين الباشا؟ " وهو في الحقيقة أسلوب غريب للعرب، قال العلامة الدسوقي: "اعلم أنه قد جرت عادة الشعراء أنهم إذا أرادوا مدح إنسانٍ أن يذكروا قبله الغزل؛ لأجل تهييج القريحة وتحريك النفس للشعر، والمبالغة في الوصف، وترويح النفس ورياضتها" قلت: كما أن الإفرنج ينكرون علينا هذه العادة، كذلك ينكرون المبالغة في وصف الممدوح, وأما تشبيهه بالبحر والسحاب والأسد، والطود، والبدر، والسيف، فذلك عندهم من التشبيه المبتذل، ولا يعرضون له بالكرم، وبأن عطاياه تصل إلى البعيد، فضلًا عن القريب، فهم إذا مدحوا ملوكهم، فإنما يمدحونهم للناس، لا لأن يصل مدحهم إليهم".
(1/83)

ومن فكاهاته التهكمية، ونقداته اللاذعة, ما قاله عن علم النحو وتعلمه، قال أحد التلميذين: ألا قبحًا لذوي الخواطر البليدة، والفطن البعيدة، وكيف لا يتعلم الناس كلهم فن النحو، وهو أسهل من حك ما تحت الحقو، أما والله لو كانت العلوم كلها مثله، لما غادرت منها كبيرًا ولا صغيرًا إلّا استوعبته كله، ولكني سمعت أن النحو إنما هو مفتاح العلوم، ولا يعد منها فلابد أن يكون غيره أصعب منه.
فقال له معلمه: لا تقل هكذا, بل النحو أساس العلوم، وكل العلوم مفتقرة إليه افتقار البناء إلى الأساس، ألَا ترى أن أهل بلادنا لا يعلمون سواه، ولا يعرجون على غيره؟ وعندهم أن من تَمَكَّن منه, فقد تَمَكَّن من معرفة خصائص الموجودات كلها, ولذلك لا يؤلفون إلّا فيه, وإنما يحصل فيه خلاف بنيهم في تقديم بعض الأبواب على بعض، وفي توضيح ما كان مبهمًا منه بأدلةٍ وشواهد، واختلفوا أيضًا في الشواهد، فمن قال إنها مفتعلة، ومن قائل إنها ضرورة أو شاذة، بيد أن المآل واحد، وهو أن العالم لا يسمى عالمًا إلّا إذا كان متمكنًا من النحو, مستقصيًا لجميع وقائعه، ولا يكاد يستتب أمر إلّا به, ولو قلت مثلًا: ضرب "زيد عمرو" من غير رفع زيد, ونصب عمرو، فما يكون ضربه حقًّا، ولا يصح الاعتماد على هذا الإخبار، فإن حقيقة فعل الضرب متوقفة على علم كون زيد مرفوعًا، وجميع اللغات التي ليس فيها علامات الرفع, فهي خالية عن الإفادة التامة، وإنما يفهم الناس بعضهم بعضًا من دون هذه العلامة, عن دربة واتفاق، فلا معول على كتبهم وإن كثرت، ولا على علومهم وإن جلت".
وأخذ المعلم يثني على النحو ثناءً عظيمًا، ويبين أنه هداه إلى مسألةٍ حار فيها حيرةً عجيبةً، فسأله تلميذه: وما هذه الفائدة يا أستاذي؟ قال: قد طالما كان يخامرني الريب في قضية خلود النفس، فكنت أميل إلى ما قالته الفلاسفة، ومن أنه كل ما كان له ابتداء فهو متناهٍ، فلما رأيت النحو له ابتداء، وليس له انتهاء قست النفس عليه فزال عني والحمد لله ذلك الإبهام" وفي هذا الكلام لذعات حادة للنحاة لا تخفى على اللبيب.
(1/84)

وهكذا نجد أحمد فارس في كل ما كتبه يخلط الجد بالهزل، ويتهكم تهكمًا مريرًا على الأوضاع التي لا تروقه، وقد قال عن كتابه "الساق على الساق فيما هو الفارياق":
هذا كتابي للظريف ظريفًا ... طلق اللسان وللسخيف سخيفًا
أودعته كلمًا وألفاظًا حلت ... وحشوته نقطًا زهت وحروفًا
وبداهةً وفكاهةً ونزاهة ... وخلاعةً، وقناعةً وعزوفًا
كالجسم فيه كل عضوٍ تعشق الـ ... مستور منه وتحمد المكشوفا
فصلته لكن على عقلي فما ... مقياس عقلك كان لي معروفًا
وقد وضع أحمد فارس كل تجاربه وعلمه وفنه، وقلمه الظريف القوي المتمكن من مختلف أساليب اللغة في إخراج "الجوائب" فكانت من الصحف الأولى في العالم، وله يرجع فضل السبق في تعبيد العربية وتذليلها بأسلوبه المرسل الطليق، كما أنه من أوائل الذين مُلِئَت قلوبهم بغضًا للأجانب, فهم عن حق أغراضهم الدنيئة، وسلقهم بلسان حاد، وحَرَّضَ على إخراجهم من ديار العرب والشرق, وقد خَصَّ مصر بحبٍّ وفيرٍ، وكان مثلًا في الصحافة انتهجه المصريون، وحذوا حذوه, فلا بدع أن كان من رواد النهضة الحديثة.
كل ذلك حفَّزَ المصريين إلى الاهتمام بالصحافة، ووجدوا من إسماعيل صدرًا رحبًا للنقد السياسيّ, اللهم إلّا ما يمس شخصه، فلصحابه الويل والثبور كما حدث لمدير الأهرام سنة1889، حين أشار إلى مالٍ صرف من الخزينة، ولم يعلم مصيره، وكاد إسماعيل يبطش به، وبجريدته, لولا أن ارتمى في حضن فرنسا فحمته، كما وجدوا إسماعيل تشجيعًا للحركة الأدبية, وميلًا للأدب والفن والعلم, ومن الصحف المصرية التي ظهرت في عهد إسماعيل:
1 - مجلة اليعسوب:
وهي أولى هذه الصحف المصرية، وهي مجلةٌ طبيةٌ أصدرها الدكتوران: محمد علي البقلي، وإبراهيم الدسوقي، وكانت شهرية عربية اللغة، وهذا يدلنا على عظم المحاولة التي ان يبذلها أطباء البعثات العلمية في تذليل اللغة العربية للمصطلحات العلمية, والاستعانة بالكتب القديمة، وبوضع كلمات من عندهم-
(1/85)

على سبيل الاشتقاق- ولقد كانت هذه المجلة الأولى من نوعها في الشرق، ولكنها للأسف لم تعمِّرْ طويلًا، ومنها نماذج بدار الكتب, وكان ظهورها سنة 1865.
2- مجلة روضة المدارس:
أنشأها العلامة علي مبارك سنة 1870, حين كان وزيرًا للمعارف المصرية، وهي من أجلِّ أعماله خدمةً للغة والأدب، وكانت الوزارة تتولى إصدارها والإنفاق عليها، وقد أسست لإحياء الآداب العربية، ونشر المعارف الحديثة, وأسندت رئاسة تحريرها للعالم الأديب رفاعة الطهطاوي، فقد رأى علي مبارك أن رفاعة أجدر الناس أن يتولى الإشراف على روضة المدارس، وفي ذلك يقول: "لما كان حضرة رفاعة بك ناظر قلم الترجمة بديوان المدارس، وهوالمشار إليه بين أرباب المعارف بالبنان، والمعترف بدرجة فضله الرفيعة كل إنسان، ناسب أن يجعل هذه الصحيفة تحت نظارته، لتتحلى من معلوماته بالدر الثمين، وينشر علمها، فيتلقاه محب المعارف باليمين".
وقد صَدَّرَ رفاعة بك أول عدد منها بمقالٍ بَيَّنَ فيه الهدف الذي تسعى إليه المجلة، والخطة التي تسير عليها لبلوغ هذا الهدف، ومما جاء في هذا المقال قوله: "بحيث تكون فيها الفوائد المتنوعة، والمسائل المتأصلة والمتفرعة، أقرب تناولًا للمطلع المستفيد، وأسهل مأخذًا لمن يعانيها من قريب الفهم والبعيد، بقلم سهل العبارة، واضح الإشارة، وألفاظٍ فصحيةٍ غير حوشيةٍ، ولا متجسمةٍ لصعب التراكيب، ومعانٍ رجيحة تنفرط في سلك مستحسن الأساليب".
وقال: "وقد تنزهت صحيفتنا هذه مما سوى ما يخص نشر فائدة علمية، ومحمدة أثرية, مما يقع عليه الاختيار, ولا ضرر فيها ولا ضرار، فليس من وظائفها تقييد الأحوال السياسية الوقتية، والأفعال الرئاسية والإدارية".
(1/86)

ومن الذين أسهموا في تحرير المجلة: عبد الله فكري, الذي أحيلت عليه العلوم العربية والفنون الأدبية, و"بروكش" ناظر مدرسة اللسان المصريّ القديم, وخُصَّ بالتاريخ، وإسماعيل الفكلي, وعُهِدَ إليه بالفلك، ومحمد قدري, وخُصَّ بالجغرافية والأخلاق والعقائد، وأحمد ندا, وعُهِدَ إليه ببيان المواد النباتية، والشيخ عثمان مدوخ، وطُلِبَ منه إمداد المجلة بغرائب النوادر والمضحكات والألغاز والأحاجي والنكات، وأُحِيلَ على مباشر تحريرها الكلام على محروسة مصر القاهرة، وذكر أخطاطها وشوارعها، وأُحِيلَت كافة العلوم الرياضية على مدرسي المدارس، وما يراد منه في القابل، ويذكر اسم صاحبه حتى لا يضيع عمل عامل1.
وقد ضُمَّ إلى هيئة التحرير بعد إنشائها السيد مجدي, وكيل ديوان المدراس، والشيخ حسونة النواوي, مدرس الفقه وعلم الكلام بمدرسة الألسن, وصار فيما بعد شيخًا للأزهر, وأسنتدت مباشرة تحريرها وترتيب مقالاتها على علي فهمي ولد رفاعة "بك"، وكان مدرس الإنشاء بمدرسة الإدارة والألسن، واتخذت المجلة شعارها:
تعلم العلم واقرأ ... تحز فخار النبوة
فالله قال ليحيى ... "خذ الكتاب بقوة"
فكانت هذه المجلة ميدانًا يتبارى فيه فطاحل الكتاب في ذلك العصر، وقد عنيت -كما رأيت- بالمباحث الطريفة في العلم والأدب والاجتماع والفلك والتاريخ والرياضيات، وكانت تصدر مرتين في الشهر، وظلت تصدر ثماني سنوات، فمهدت السبيل للصحافة الحديثة، وكانت توزع بالمجان على جميع التلاميذ، وقد أفسحت أعمدتها للطلبة ينشرون أبحاثهم الجيدة فيها, فعودتهم بذلك الاطلاع والكتابة والبحث، وبذل الجهد المستقل عن أساتذتهم.
ومن الأمثلة على تشجيع المجلة للتلاميذ ما نشرته "للشاب النجيب، إسماعيل أفندي صبري, أحد تلاميذ مدرسة الإدراة وقتئذ", وقد صار فيما بعد الشاعر المشهور إسماعيل "باشا" صبري.
__________
1 العدد الأول من مجلة روضة المدارس.
(1/87)

فمن ذلك قصديته في مدح الخديو إسماعيل, بالعدد العشرين من السنة الأولى, مطلعها:
سفرت فلاح لنا هلال سعود ... ونما الغرام بقلبي المعمود
وقصيدة أخرى, بالعدد الخامس من السنة الثانية, قال فيها:
أغُرَّتُك الغراء أم طلعة البدر ... وقامتك الهيفاء أم عادل السمر
وشعرك أم ليل تراخى سدوله ... وثغرك أم عقد تنظم من در
وقصيدة أخرى, بالعدد الثالث والعشرين من السنة الثانية, استهلَّها بقوله:
لا والهوى العذري والوجد ... عذل عذولي فيك لا يجدي
إني مع الصد وطول الجفا ... باقٍ على الميثاق والعهد
وغير ذلك ما يعد تقدمى وباكورة للشعر الحديث1.
3- أما الصحف السياسية بمصر: فأقدمها ظهورًا جريدة "وادي النيل" أنشأها الكاتب الأديب الشاعر عبد الله أبو السعود2, وكانت تصدر مرتين في الأسبوع على شكل المجلات, ثم ألغتها الحكومة في سنة 1883، بيد أنها استأنفت جهادها وحياتها باسم جديد هو "روضة الأخبار" التي أصدرها محمد أنسي, نجل عبد الله أبي السعود، وكان والده يحرر القسم السياسيّ بها إلى آخر حياته.
4- وتليها في الظهور جريدة "نزهة الأفكار" سنة 1869, لمنشئها إبراهيم المويلحي، ومحمد عثمان جلال، وناهيك بهما في ذلك العصر فحولة قلم، وجزالة أسلوب, وطرافة موضوع, وحلاوة نكتة، وكانت هذه الجريدة أسبوعية، ولكن لسوء الحظ لم يصدر إلّا عددان، وضاق بها إسماعيل ذرعًا، فعطلها حين نصحه بذلك أحد وزرائه خشيةَ أن تثير لهجتها الخواطر ضده.
__________
1 راجع تاريخ الحركة القومية لعبد الرحمن الرافعي, ج3 ص489, ترجمة رفاعة الطهطاوي وعصر إسماعيل له كذلك, ج2 ص262, وديوان إسماعيل صبري 2-10, وأعداد مجلة روضة المدارس.
2 توفي سنة 1878, وهو من أوائل تلاميذ رفاعة الطهطاوي، واشتغل بالتدريس بدار العلوم, واشتهر بالترجمة والكتابة في التاريخ، وصار عضوًا بمجلس الاستئناف.
(1/88)

5- وأنشأ بعض الأقباط بمصر في سنة 1877، جريدة "الوطن"، وكانت سياسيةً وطنيةً تميل إلى التحرر, ثم نزح عقب حوادث سنة 1860, في سوريا1 جماعةٌ من الأدباء الذين فروا بحريتهم من الاضطهاد، وجاءوا وقلوبهم تغص بالحقد والإحن على تركيا، وفي نفوسهم ميل إلى الحرية, والتنفيس عن الآراء المكبوتة, وقد شجعهم إسماعيل على الإقامة بمصر، والإسهام في نهضتها، ولا نستطيع أن ننكر ما أسدوه للصحافة ولنشر الثقافة من خدمات.
ومن أوائل الذين وفدوا إلى مصر عقب هذه الحوادث الدامية:
أديب إسحق:
وهو فلتة من فلتات الزمن, استطاع مع حداثة سنه أن يتوهج في سماء الأدب والسياسة والخطابة نجمًا ساطعًا، وأن يكون مدرسةً إنشائيةًَ يحتذيها الأباء والخطباء، وكان من الذين امتلأ قلوبهم بحب مصر والشرق، ورأى الأجانب الطامعين، والمرتزقة والأفاقين، فأضرمها عليهم نارًا مشبوبة، لا تخمد لها جذوةٌ في كل مكان حلَّ به، وقد ارتحل وشُرِّدَ في سبيل مبدأه, وفيض وطنيته, وحرارة أسلوبه, حتى احترق صغيرًا ومات, ولما ينته العقد الثالث من عمره.
ولد أديب إسحق سنة 1856, من أبوين سوريين, ونشأ بلبنان، وتعلم العربية والفرنسية في مدرسة الآباء العازاريين، واضطر إلى الكدح في سبيل بريد بيروت, وقد ظهرت ميوله الأدبية في حداثته, فعهد إليه وهو في السابعة عشرة بتحرير جريدة "التقدم".
وكان إلى عمله الصحفيّ يترجم عن الفرنسية ويؤلف، وانتمى إلى جمعية "زهرة الآداب", ثم صار رئيسًا لها فيما بعد, وقد ترجم "أندروماك" لراسين، وساعد صديقه "سليم نقاش" في تأليف المسرحيات، وتمثيلها، ولحق به في الإسكندرية.
__________
1 في هذه السنة زاد اضطهاد الأتراك لمسيحي سوريا، وقامت مذابح في جبل لبنان, ذهب ضحيتها عدد كبير من المسيحيين, واضطر كثير من سكان القرى بجبل لبنان إلى الهجرة, وذلك لأن نصارى الشام قد أظهروا ولاءهم لإبراهيم باشا, وكرههم للحكم التركي أيام وجوده بينهم, فلما سحبت الجيوش المصرية ظلوا على ولائهم لمصر, فانتقم الأتراك منهم شر انتقام.
(1/89)

وكانت فرقتهما التمثيلية من أوائل الفرق العربية, وعرف أديب رواية "شارلمان" وأعجب بها المصريون إعجابًا عظيمًا1 وألف رواية "غرائب الاتفاق".
وحَنَّ إلى الصحافة فذهب إلى القاهرة، واتصل بالسيد جمال الدين الأفغاني, وأنشأ هو وصديقة سليم نقاش جريدة "مصر" سنة 1877، وكانت أسبوعيةً، وقد تأثرا فيها بتعاليم جمال الدين الأفغاني, وأسلوبه الملتهب، أنشآها وهما مفلسان لا يملكان غير عشرين "فرنكًا" بيد أن أسلوبها وقوة بيانها، وجدة أفكارها، ودعوتها الجريئة للحرية، قد ضمنت لها الإقبال، والرواج، ورحَّبَ بها الذين يحبون القلم القويّ، والأسلوب الجزل, والأفكار الجريئة، واندفع كاتبها كالبركان يرسل نارًا، ونورًا، وينفس عن نفسه ما طالما كبت فيها وهو ببيروت، وما ذاقه وقومه من اضطهادٍ وظلمٍ على أيدي الأتراك، فحركت الهمم وأعادت للأسلوب الرفيع عزته.
وقد وجد أديب إسحاق, وسليم نقاش في رواج مصر, ما شجعهما على إصدار جريدة يومية سمياها "التجارة"، وكانت لا تقل عن أختها حماسةً وقوةً، ونشر فيها جمال الدين الأفغاني بعض المقالات، تارةً ممهورة بتوقيعه، وتارة بتوقيع مستعارٍ، وقد ألغاهما رياض باشا سنة 1880.
ولكن ذلك لم يثن من عزيمة "أديب إسحاق" فهاجر إلى باريس، واستأنف جهاده, وإصدر ثمة جريدة "القاهرة" بالعربية, وقال في مقالها الأول: "ما تغيرت الحقيقة بتغير الاسم، بل هي مصر خادمة مصر".
وقد حرص في أثناء مقامه بباريس على معرفة عدد كبير من ساسة فرنسا وعلمائها, حتى روى فيكتور هوجو أنه قال لمن كانوا في حضرته، على أثر انصراف أديب: "هذا نابغة الشرق", ولكن برد باريس، وإسرافه على نفسه في كل شيء, قد جنى على صدره، فرجع إلى لبنان ملتمسًا الشفاء، وعاد إلى تحرير جريدة "التقدم" مرة أخرى.
__________
1- M. Sapry: La Genese de L. Esprit National Egyption p128.
(1/90)

وحين تغيرت الأحوال في مصر, دُعِيَ إليها، وعُيِّنَ مديرًا لقلم الإنشاء والترجمة بوزارة المعارف، وسُمِحَ لجريدة مصر بالظهور، وشغل وظيفةً أخرى بجانب وظيفته الأولى؛ حيث عُيِّنَ كاتب سر مجلس شورى القوانين، وحين قامت الثورة العرابية واشتد لظاها, عاد إلى بيروت, ثم رجع إلى الإسكندرية، ثم اشتد به مرض الصدر، فعاد إلى لبنان؛ حيث مات بقرية الحدث بالقرب من بيروت, وهو في التاسعة والعشرين من عمره سنة 1885, وهي قريبة من القرية التي دفن فيها أحمد فارس الشدياق، وهكذا جمع الموت بين علمين من أعلام النهضة الحديثة, ورواد الفكر والأدب الجديد.
وكان أديب إسحاق نارًا مسلطة على الاستعمار، والذل والعبودية، وقد التقى بجمال الدين فزادت حماسته واضطرمت النار في فؤاده، فأخرجها شواظًا ملتهبًا في كلماتٍ تصب الحمم على الأعداء، وتثير الهمم الفاترة. لقد نادى بوجوب اتحاد الأمم العربية، فسبق زمنه قرنًا, أو ما يقرب من قرنٍ، وفي ذلك يقول: "ما ضر زعماء هذه الأمة لو سارت بينهم الرسائل بتعيين الوسائل، ثم حشدوا إلى مكانٍ يتذاكرون فيه ويتحاورون، ثم ينادون بأصواتٍ متفقة المقاصد كأنها من فمٍ واحد, قد جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، وهبت الحاصبة، تليها العاصفة، فذرت حقوقنا فصارت هباءً منثورًا، ولمت بناء القارعة، ووقعت الواقعة، فصرنا كأن لم نغن بالأمس، ولم نكن شيئًا مذكورًا، فهل ننشد الضالة، ونطلب المنهوب، لا تقوم بأمر ذلك فئة بدون فئة، ولا نتعصب لمذهب دون مذهب، فنحن في الوطن إخوان، وتجمعنا جامعة اللسان، وكلنا وإن تعدد الأفراد إنسان.
أيحسبون أن ذلك الصوت لا يكون له من صدًى، أم يخافون أن يذهب ذلك الاجتهاديّ سدًى، أم لا يعلمون أن مثل هذا الاجتماع، منزهًا عن المقاصد الدينية، منحصرًا في العصبية الجنسية والوطنية، مؤلفًا من أكثر النحل العربية, يزلزل الدنيا اضطرابًا، ويستميل الدول جذبًا وإرهابًا، فتعود للعرب الضالة التي ينشدون، والحقوق التي يطلبون، ولا خوف على زعمائهم ولا هم يحزنون".
(1/91)

إن هذا ولا ريب تفكير مشرق، وقلب يتجه الاتجاه السليم, الذي يجب أن تسير فيه الأمة العربية منذ أن رأت الغرب الجشع يطمع، ويحد براثنه لينهشها الواحدة تلو الأخرى، ولو فعلت ذلك من أواسط القرن التاسع عشر ما أصابها اليوم ما أصابها.
وكان أديب ممن يعشق حرية الرأي وينادي بالدستور، وقد كتب مقالًا يرد فيه على الشيخ حمزة فتح الله, محرر جريدة "البرهان" في سنة 1881, حين دعا الشيخ إلى حكم الفرد يوم افتتاح مجلس النواب، فقال له أديب:
صفحًا لصرف الدهر عن هفواته ... إن كان هذا اليوم من حسناته
وكيف لا؟ وهو حاجة النفس, وأمنية القلب، منذ توجه الخاطر إلى السياسة الوطنية، وانصرف العزم إلى إحياء الهمم، وانعقدت النية على حفظ الحقوق، واتحدت الوجهة في القيام بالواجبات، وهو النشأة التي كست الوطن رداء الفتوة قشيبًا، وهو البنية التي غرست للأمة غصن الأمل رطيبًا، وهو ما رجوناه زمانًا, ودافعنا الزمن فيه، وتمنيناه أعوامًا, وغلبنا الحدثان عليه، فيها حسنه من يوم رد فائت البهاء، وأحيا مائت الرجاء، وأعاد شباب الأمة، وسدل ستور النعمة، وأظهرت مقاصد الأمير، وأيَّد مساعي الوزير، وقضى لبانات النبهاء، وحقق أماني النزهاء1".
وكان أديب مغرمًا بمصر، محبًّا لها حبًّا ملك شغاف قلبه، مثله في ذلك مثل الشدياق، ولا بدع, فقد آنته في غربته، وأعطته الحرية التي حرمها في وطنه، وأفسحت له مجال العمل، وقدرت جهده، حتى منحه الخديوي الرتبة الثالثة بيده، وأنزلت كفاءته منزلتها, فعينته في الوظائف الكبيرة، ثم إنها ملجأ الأحرار، وزعيمة الشرق العربيّ، ونهوضها -كما كان ذلك رأي أستاذه جمال الدين- نهوض للعرب أجمعين، وفي مصر يقول أديب: "ومصر، ولا حياء في الحب، بلد تركت فيه زهرة أيام الشباب، وخلفت غرس الآداب، وهززت غصن الأماني رطيبًا،
__________
1 جريدة مصر في 29 من يناير 1882.
(1/92)

ولبست ثوب الآمال قشيبًا، فما عدلت بي عن حبكها النكبة، ولا أنستني عهدها الغربة، ولست أول محب زاده البعد وجدًا، ولم ينكث على العهد عهدًا، فحذار أهل مصر إن العدو لكم بالمرصاد، وإنكم لمحفوفون بالعيون والأرصاد".
واستمع إليه يقول في الحزب الوطنيّ وأمانيه وأنه "يريد أن يكون المصريّ في مقام الإنسان، مستقلًّا بوجوده متمتعًا باستقلاله، فائزًا بحقوقه، نهاضًا بواجباته، وتريدونه بمنزلة الحيوان، يساق للموت، فإن عجز فللسلخ، ويطلب أن يكون الوطنيّ آمنًا في دراه، مساويًا لجاره، ويستغل زرعه، ويستدر ضرعه، وتلتمسون أن يكون غريبًا في آله، مصادرًا بماله، يطعم من يحرمه، ويؤمِّنُ من يروعه، ويحفظ من يضيعه1".
وكان أديب من ألد أعداء الأجانب، وإليك بعض نفثاته الحارة ضد صحيفةٍ مواليةٍ للأجانب، وقد كانت تشيد بإلغائهم بعض الضرائب؛ لتمكن أقدامهم في احتلال مصر: "فهل خفي عن تلك الصحف أنه ليس من شفقة الصياد على الطير إلقاؤه الحب بين يديها؟ أوتعلم أن القائل بهمجية المصريين، المعتقد بانحطاط مدراكهم، لا يطعمهم هذه الفتات، إلّا ليسهل على الإنجليز هضم قوتهم والتهام ثروتهم!.
كلا! إن الجرائد المصرية لا تجهل حقيقة الأمر، ولكنها لا تستطيع التصريح، علمًا بأن اللص العازم على سرقة الحقوق الوطنية يكره النور، فإذا حاولت إظهاره سارع إلى إطفائه بتعطيلها وإلغائها.
يا أهل مصر:
إني محدثكم حديثًا غريبًا: إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم أسخاءكم، وأموركم شورى بينكم، فظهرالأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وإغنياؤكم بخلاءكم, وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها".
__________
1 جريدة مصر في 29 من يناير 1882.
(1/93)

كان أديبُ جنديًّا من جنود الحرية، ومصر، والعروبة، ولما عُطِّلَتْ جريدة التجارة أسبوعين أول الأمر, دبج مقالًا جاء فيه: "ولئن ساءنا أن جاءنا ذلك الإخطار بلوم، وعقاب أليم، لقد سرنا أن تكون الجرائد موضوعًا للنظر، ومجالًا للنقد، ولم نر في القصاص شيئًا يستعين به اللائم، أو مصابًا يعتضد به الشامت، فإن "التجارة" تحسب حب الوطن دينًا والمدافعة عنه جهادًا، فإن عاشت فهي سعيدة، وإن ماتت فهي شهيدة، ولقد آتاها الله النعمتين، وأتاح لها الحسنيين، فعاشت به، وماتت عليه، وستبعث بعد أسبوعين، رافلةً في ثوب الشهادة، مزينةً بحلى السعادة، على الرغم من أنوف حاسديها، الذين أَوَّلُوا كلامنا إلى ما لم نقصد، وسعوا بها بما لم يخطر على قلوبنا، وحاولوا إطفاء نور الحق، ويأبى الله إلّا أن يتم نوره ولو كره المبطلون1".
ولم يثنه تعطل جريدته ونزوحه إلى باريس عن غايته المثلى، وهي العمل على إيقاظ الشرق العربيّ، والدعوة للحرية، وطرد الأجانب من البلاد، وقد أعلن خطة جريدته "القاهرة" التي أصدرها بباريس, بقوله: "إني لا أقصد إلى الانتقام، وإنما أروم مقاومة الباطل ونصرة الحق، والمدافعة عن الشرق وآله، وعن الفضل ورجاله، فمَسْلَكِي أن أكشف حقائق الأمور، ملتزمًا جانب التصريح، متجافيًا عن التعريض والتلميح، وأن أجلو مبادئ الحرية، وآراء ذوي النقد، ومقصدي أن أثير بقية الحمية الشرقية، وأهيج فضالة الدم العربيّ، وأرفع الغشاوة عن أعين الساذجين، وأحيي الغيرة في قلوب العارفين، ليعلم قومي أن لهم حقًّا مسلوبًا فيلتمسوه، ومالًا منهوبًا فيطلبوه، وليخرجوا من خطة الخسف، وينبذوا عنهم كل مدلس يشتري بحقوقهم ثمنًا قليلًا، ويذيقوا الخائنين عذابًا وبيلًا، وليستصغروا الأنفس والنفائس في جنب حقوقهم، وليستميتوا في مجاهدة الذين يبيعون أبدانهم وأموالهم وأوطانهم وآلهم".
وأسلوب أديب أسلوبٌ قويٌّ متينٌ، افْتَنَّ في تدبيجه وانتقاء ألفاظه، وحلَّاه بالسجع على عادة كتاب ذلك الوقت، ولكنه ليس بالسجع السخيف المتعمد، ولكنه سجعٌ قريبٌ من سجع ابن العميد، والصاحب بن عباد، والصابي، لا من سجع الحريريّ والقاضي الفاضل.
__________
1- التجارة, العدد187, في 13 من فبراير 1879.
(1/94)

إنه حقًّا حفل بالأسلوب كما حفل بالمعنى، وأحيا الكتابة العربية المنمقة القوية أيام كانت في القرن الرابع الهجريّ، ونقول مع "مارون عبود"1: "أما الذي يتراءى لي من آثاره الكتابية ومن أسلوبه، فهو أنه ناريّ الشعور، ومتَّقِدُ الخاطر، ثوريٌّ من الطراز الأول، كأنه كان في رفقة الحَجَّاج يوم دخل الكوفة وقد انتشر النهار, يرسل عباراته فتئز أزيز السهم, وقد فأرق الوتر جمل كأنها مقطوعة على نمط واحد، لا هي بالطويلة ولا هي بالقصيرة، يشد بعضها بعضًا فتؤلف مقالته كتيبةً جامحةً، إذا راعيتها منفردة لا تحس لها مفعولًا عظيمًا، ولكنها تؤلف كلًّا تخرج منه النفس، وقد ملاها هذا الكلام اندفاعًا واستبسالًا".
ويقول: "نثرٌ كأنه الشعر يرصِّعُه بأبياتٍ, إما من الشعر القديم، وإما من نظمه هو, فيأتي مقاله عجاجًا زاخرًا حين يحتد ويشتد كقوله: هو الظلم حتى تمطر السماء بلاءً، فتنبت الأرض عناءً، فلا تجد على سطحها إلّا جسومها ضاوية، في ديار خاوية، وقلوبا تحترق في بلاد تحت رق".
وهو يراعي الموسيقى في نثره أكثر من شعره؛ فيتعمد ما كانت تتعمده مدرسة ابن العميد من أفعالٍ مختلفةٍ, تتحرك لها الجملة فتحرك قارئها توًّا، وإن ذهب أثرها من عقله بعد حين كقوله:
"هو الجهل حتى تضيع الأخطار، وتفنى الأقدار، وتبطل الهمم، ويعفو القلم، ويدرس الفهم، ويستعلي الخامل، ويستولي الجاهل، وتنخفض الرءوس، وتنقض النفوس، وحتى ترمي:
بكل أرض وطئتها أمم ... ترعى بعبد كأنها غنم
يستخشن الخز حين يلبسه ... وكان يبري بظفره القلم
ومن شعره الذي جرى مجرى الأمثال، وإن لم يكن من الشعراء المجلين، وإن اشتهر بنثره أكثر مما اشتهر بشعره قوله:
__________
1 مجلة الكتاب فبراير 1948.
(1/95)

قتل أمريء في غابة ... جريمة لا تغتفر
وقتل شعب آمن ... مسالة فيها نظر
والحق للقوة لا ... يعطاه إلّا مَنْ ظفر
ومن ذلك قوله:
حسب المرأة قوم آفةً ... من يدانيها من الناس هلك
ورآها غيرهم أمنية ... ملك النعمة فيها من ملك
فتمنى معشر لو نبذت ... وظلام الليل مشتد الحلك
وتمنى غيرهم لو جعلت ... في جبين الليث أو قلب الفلك
وصواب القول لا يجهله ... حاكم في مسلك الحق سلك
إنما المرأة مرآة بها ... كل ما تنظهر منك ولك
فهي شيطان إذا أفسدتها ... وإذا أصلحتها فهي ملك
إذا كان الشدياق قد وضع أسس المقالة الحديثة في الجوائب، وهجر الأسلوب المرصَّعَ المسجوع في الكتابة الصحفية، واقتفى أثره كثيرون شغلوا بالصحافة، ورأوا ذلك أدنى لأن يفهموا من جمهرة القراء، وأسرع في الإبانة عن المعاني الكثيرة التي يريدون الإفضاء بها واستقصاءها، فإن فضل أديب إسحق على الأسلوب الأدبيّ لا ينكر، وقد قلده كثيرون ممن كتبوا المقالة، وكانوا من أنصار الشدياق بادي الأمر، وعلى نهجه جرى جبران، ونجيب حداد, وغيرهما من أفاضل السوريين، ولكن الصحافة لم تحتمل هذا الأسلوب، ورجعت إلى البساطة في التعبير، وإن ظلَّ أسلوب أديب الذي أحيا به كتابة القرن الرابع نموذجًا للأدباء في أواخر القرن الماضي، وأوائل القرن الحاضر.
ومن السوريين الصحفيين سليم الحموي, صاحب جريدة "الكوكب الشرقيّ" سنة 1783، ولكنها كانت قصيرة العمر, ومنهم سليم وبشارة تقلا، وقد أصدرا "الأهرام" بالإسكندرية سنة 1875, وقد لاقت أول أمرها عقبات جمة،
(1/96)

ثم نالت حظًّا كبيرًا من الرواج، وكانت تصدر أسبوعيًّا في بدء ظهورها، ثم صدرت بجانبها جريدة يومية تسمى: "صدى الأهرام" فلما عُطِّلَتْ الجريدة اليومية, انفردت الأهرام بالظهور، ودأبت تصدر حتى اليوم، فهي أقدم الصحف المصرية السياسية، وإليها يرجع الفضل في تقدم الصحافة المصرية, وأخذها بكل جديدٍ من صحافة الغرب.
ولقد كانت المقالة أهم شيء في الصحفية، حتى خرجت الأهرام على ذلك في سنة 1912، وقدمت الأخبار على المقالة، والأهرام أول من عُنِيَ بالحوادث المصورة، ولقد ازداد حجمها أحيانًا في عهد جبرائيل تقلا, حتى بلغ عشرين صفحة، وقد عنيت عنايةً فائقةً بالأخبار الخارجية، وصارت نموذجًا لصحف الشرق العربيّ كله.
ومنهم سليم عنحوري، وقد أصدر جريدة سياسية سماها: "مرآة الشرق" ولكن تنحى عنها في سنة 1879, وتولاها إبراهيم اللقاني بإيعازٍ من السيد جمال الدين الأفغاني، وقد أنشأ الشيخ يعقوب صنوع اليهوديّ صحيفتين سياسيتين, وهما "مرآة الأحوال" صدرت في لندن سنة 1876، و"أبو نضارة" صدرت في القاهرة سنة 1877, ويعقوب صنوع إسرائيلي مصريّ, ولد سنة 1839، وكان يتقن التوراة، وقرأ الإنجيل، والقرآن، وتعلم في إيطاليا على نفقة أحمد باشا يكن، وهو أول من أنشأ مسرحًا عربيًّا في القاهرة سنة 1870, وأعجب به الخديو إسماعيل, وكان يسميه: "موليير مصر", منحه المنح، وأمده بالعون، وحضر بعض تمثيلياته تشجيعًا له، وقد ألف نحو اثنتين وثلاثين مسرحية في موضوعات جدية وهزلية، وسافر إلى أوربا سنة 1884 وبقي فيها فترة، ولما عاد إلى مصر اتصل بالسيد جمال الدين والشيخ محمد عبده، وكان يعلمهما الفرنسية.
وكانت "أبو نضارة" من الصحف المعارضة لإسماعيل، وكان صاحبها ميَّالًا للفكاهة والدعابة، وقيل: إن اليسد جمال الدين هو الذي أوحى إليه بإصدار جريدته لانتقاد سياسة إسماعيل.
(1/97)

وكانت "أبو نضارة" أول جريدة هزلية سياسية صدرت بمصر، وقد نفاه إسماعيل فرحل إلى باريس، واستأنف إصدار جريدته بأسماء مختلفة, معارضًا الخديوي ومنتقدًا أعماله، ولم يخل عدد منها من صور تعرِّضُ تعريضًا شديدًا بالخديوي إسماعيل، فلقيت رواجًا، واستمرَّ الشيخ صنوع يصدر جريدته إلى ما بعد الاحتلال، وكان معاديًا للإنجليز, وتوفي سنة 1912.
وعلى العموم, فقد بلغ عدد الصحف التي ظهرت في عهد إسماعيل ما يقرب من عشرين صحيفة، ومعظمها ظهر في آواخر أيامه، وقد أطلق لها الحرية في الكتابة، وكان يميل إلى هذه الحرية في آخريات عهده حين اصطدم بالمطامع الأوربية، وكانت هذه الصحف تندد بسياسة الأوربيين وجشعهم، ونواياهم، وتشعر الناس بتدخلهم السياسيّ، وتحمل عليهم حملات شديدة اللهجة، فكان ذلك يروق إسماعيل، ولكن لم يكن يرضى أن يتعرض كاتبٌ ما لسياسته الخاصة أو لشخصه.
تعقيب:
هذا النهضة الصحفية خلصت اللغة من أسرها القديم، وأوضارها التي ورثتها من عصور الضعف، وخاضت في موضوعات شتَّى كما ذكرنا، وسلس الأسلوب، واحتذى الصحفيون أسلوب ابن خلدون في مقدمته، وذلك الأسلوب المرسل السهل، وإذا وازنَّا بين أسلوب النثر الصحفيّ في هذا العهد الذي نتحدث عنه، وأسلوب الكتابة في العصر السابق, وجدنا البَوْنَ شاسعًا، وقد مرَّت بك نماذج من هذه الكتابة الصحفية, يتجلى فيها أثر التحرر اللغويّ والفكريّ، وقوة البيان، وطرافة الموضوع، وإليك ما قال بعض قادة النهضة الصحفية في الحثِّ على العلم والاهتمام بالبيان، وطريقة الكتابة، راسمين للشادين في الصحافة الطريقة القويمة.
(1/98)

1- يقول أحمد فارس الشدياق:
"من الناس مَنْ يتعلم، وهو مجبولٌ على صفات حميدةٍ فيزداد هدًى ورشدًا وورعاً ودماثة أخلاق، وحسن تصرف، واستقامة طبعٍ، ونزاهة نفسٍ، وصفاء عقيدةٍ، وإخلاص مودةٍ, وسلامة نيةٍ، وعفة قلبٍ ولسانٍ، وانبساط يدٍ؛ فمثله كمثل الجوهر الشفاف إذا قابله شعاع الشمس، أوكمثل إناءٍ من زجاجٍ نظيفٍ صافٍ إذا وضع فيه الماء لم يتغير من طبعه شيئًا، فتراه دائمًا مقبلًا على نفع الناس, ساعيًا في إصلاح شئونهم، وتسنية أحوالهم، باذلًا أقصى جهده في تسكين خواطرهم، ولَمِّ شعثهم، وتأليف مفرقهم، وتسلية حزينهم، وإرشاد غاويهم، وتأييد ضعيفهم، وليس من همه التردد على أبواب الأمراء والخضوع لحجابهم ... إلخ1".
2- ويقول أديب إسحق:
"الكتابة صناعةٌ يراد بها التعبير عن الخواطر والمحسوسات بوضعٍ صحيحٍ، وأسلوبٍ صريحٍ، فهي ذات ثلاثة أركان: الخاطر المراد إيضاحه وهو الإنشاء، والوضع الذي يبدو به ذلك الإيضاح وهو البيان، والكيفية التي تحصل بها ذلك وهو الأسلوب".
ويقول أديب إسحق كذلك:
"رأيت أن أصرف العناية إلى تهذيب العبارة وتقريب الإشارة، لتقريب المعنى في الأفهام، من أقرب وأعذب وجوه الكلام، وانتقاء اللفظ الرشيق للمعنى الرقيق, متجنبًا من الكلام ما كان غريبًا وحشيًّا ومبتذلًا سوقيًّا، فإن التهافت على الغريب عجز، وفساد التركيب بالخروج عن دائرة الإنشاء داءٌ إذا سرى في القراء والمطالعين, أدى إلى فساد عام، وأغلق على الطلبة معاني كتب العلم، والتنازل إلى ألفاظ العامة, يقضي بإماتة اللغة، وإضاعة محاسنها، وإن في لغة القوم لدليلًا على حالهم".
وقد عدل أديب إسحق عن أسلوبه المنمق في أخريات حياته، ولا سيما في بعض مقالاته الصحفية, وفي ذلك يقول:
__________
1 مجالي الغرر ج2 ص177.
(1/99)

"قد التزمت لهذا المطلب أسلوب التقرير، وعدلت فيه عن منهج الخطابة الشعرية، لاعتقادي بأن الأسلوب الخطابيّ، وإن كان أسرع تأثيرًا في القلوب, وأحسن وقعًا في الأذهان، إلّا أنه قد يميل بالكاتب إلى جانب التخيل الوهميّ في مكان التقرير العلميّ، فيرتفع بيانه عن المدراك التي سيقت إليها الملكات الحسية، فلم يبق بها من محلٍّ لملكة الخيال المسماة شعرًا، فيفوت الغرض المقصود من البيان والبلاغة، وهو تقرير المعاني في الأفهام، من أقرب وجوه الكلام، ولهذا سأرسل فيه الكلام إرسال مقرر مبين، ولا أتكلفه تكلف منمق مزين، فإن أحكام التقرير منافية لهذا التمويه الذي يسمونه بديعًا".
ويقول: "النثر هو الكلام المطلق المرسل عفو القريحة بلا كلفة ولا صنعة, إلّا ما يكون من وضع الكلام في مواضعه، وإيثار ما يألفه السمع والطبع منه، فهو من هذا الوجه مقدَّمٌ على سائر أنواع الكلام، بل هو الأصل في الإنشاء، وما سواه فرع منه، فإنه طبيعيّ أصيلٌ، وما دونه صناعيٌّ حادثٌ، والأصل في الطبيعة لا محالة، يدل على ذلك أن هذا الكلام المقفى الذي يسمونه سجعًا لا يكاد يوجد في غير اللسان العربيّ، فلو كان طبيعيًّا لوجب أن يكون في جميع اللغات، أو في المعدودة منها أصولًا على الأقل1".
3- ويقول السيد عبد الله النديم, في العدد الأول من جريدة "التنكيت والتبكيت"2.
"إليكم يراعي فاستخدموه في مقترحات أفكاركم العالية، وصحيفتي فاملئوها بآدابكم المألوفة، وبدائعكم الرائقة، فاليراع وطني يخاطب القوم بلغتهم, ويطيعهم فيما يأمرون به، والصحيفة عربية، لا تبخل بالعطاء، ولا ترد الهدية، وأنتم كرام اللغة وأخوان الوطنية، فشدوا عضد أخيكم بالقبول والإغضاء عن العيوب، وساعدوه بأفكار توسع دائرة التهذيب، وتفتح أبواب الكمال، وكونوا معي في المشرب الذي التزمته, والمذهب الذي انتحلته: أفكار تحليلية، وفوائد
__________
1 مجالي الغرر ج2 ص6.
2 صدرت سنة 1881, وراجع سلافة النديم ص77.
(1/100)

تاريخية، وأمثال أدبية، وتبكيت ينادي بقبح الجهالة، وذم الخرافات، ولنتعاون بهذه الخدمة على محو ما صرنا به مثلةً في الوجود, من ركوب متن الغواية، واتباع الهوى اللذين أضلانا سواء السبيل".
وترى من هذه النماذح كيف كان القوم يجاهدون في سبيل العلم وتفتيح الأذهان المغلقة، وتحبيب الناس في الثقافة، والإشارة بفضل المتعلمين في زمنٍ كانت فيه الأمة لا تزال تحبو في طريق النور، وكيف وضعوا أسس تحرر اللغة من أسر السجع والتكلف، ورسموا قواعد الإنشاء الصحيح لمن يريد أن يتخذ الكتابة حرفةً، وكيف سخَّرُوا القلم القويَّ الجرئَ في خدمة الوطن، وجعلوا الصحف ميدانًا للأفكار الطيبة, والأدب الرفيع, والدعوات الإصلاحية الحرة, وبذلك كانت الصحافةُ منارةً من منارات النهضة العربية الأدبية, ارتفعت هذه المنارة في عهد إسماعيل، وظلَّت ترسل النور قويًّا يبدد سدفة الجهل ويهدي الضالين إلى اليوم.
4- الطباعة:
نهضت الطباعة نهضةً عظيمةً في عهد إسماعيل؛ إذ وجهت الحكومة عنايتها إلى مطبعة بولاق، وما زالت بها حتى صارت أرقى مطبعةٍ في الشرق، وأسست مصنعًا للورق يمد مصالحها المختلفة بالورق في سنة 1871، ويزود المشتغلين بالعلم والطباعة والتجار بكل ما يحتاجون إليه, ولقد سهل هذا الأمر على المشتلغين بالعلوم، وشجعهم على النتاج المتصل، وكاد نتاج الورق بمصر يعطل ما يرد من أوربا حينذاك.
وأنشئت بجوار مطبعة بولاق عدة مطابع أهلية؛ أهمها: مطبعة جميعة المعارف التي تكلمنا عنها آنفًا، ثم المطبعة الأهلية القبطية التي جلبها من أوربا الأنبا كرلس الرابع سنة 1860 في عهد سعيد باشا، ومطبعة "وادي النيل" لمحمد أبي السعود أفندي، ومطبعة "مجلة روضة المدارس" والمطبعة الوطنية بالإسكندرية ... وغير ذلك من المطابع التي كان لها الفضل الأكبر في نشر الكتب الحديثة، وتيسير الاطلاع، والنهوض باللغة والأدب وشئون التعليم.
(1/101)

5- الترجمة والتأليف:
كانت التركية لا تزال ذات سطوةٍ في مصر حتى عصر إسماعيل, ولكنه عمد إلى تمصير الحكومة ولغتها، حتى يسهل انفصاله عن الدولة العثمانية، وأصدر أمرًا بجعل صور الأمر واللوائح وكل ما سبق صدروه من الإجراءات منذ عهد محمد علي عربيةً، كما أمر بطبعها، فما كان منها عربيًّا يطبع كما هو، وما كان تركيًّا تطبع معه ترجمته العربية1، ولقد كان الأمر باستعمال اللغة العربية أداة التعبير الحكومية سابقًا لأوانه، لافتقار البلاد لعددٍ كبيرٍ ممن يحذقون اللغة العربية، ولا سيما بعد ذلك الركود الذي أصاب التعليم على يد عباس وسعيد، ثم إن ترجمة هذه القوانين الكثيرة التي صدرت منذ عهد محمد علي تحتاج إلى وقتٍ طويل، ولذلك ظلَّت للتركية بعض السطوة، وإن أخذت تدريجيًّا تفسح مكانها للعربية, حتى أوشكت أن تحلَّ محلها نهائيًا في أخريات عصر إسماعيل.
ومما ساعد على الاهتمام بالترجمة في عهد إسماعيل ازدياد النفوذ الأجنبيّ، وكثرة من وفدوا إلى مصر من هؤلاء الأجانب تجارًا ومغامرين، ولا سيما بعد فتح قناة السويس، فأنشئوا المصارف والدور التجارية الكبرى، ودخلوا في خدمة الحكومة مديرين وفنينين, وعلي الأخصِّ حين اضطربت مالية البلاد.
__________
1 حركة التركمة بمصر لجاك ص62.
(1/102)

واهتم إسماعيل باللغة الفرنسية اهتمامًا زائدًا؛ لأنها كانت منذ عهد محمد علي هي اللغة التعليمية الأولى لرجال البعثات.
وظل الأمر في تدريس المواد العلمية كما كان في عهد محمد علي محتاجًا إلى واسطةٍ بين التلاميذ والمدرس الأجنبيّ, ولكن حينما أعيدت مدرسة الألسن سنة 1868، وأخذ تلاميذ رفاعة الطهطاوي يشرفون عليها، نهضت الترجمة نوعًا ما، وتولَّى رفاعة بك رئاسة قلم الترجمة، واشترك في تعريب القانون الفرنسيّ مع عبد الله أبي السعود وغيره.
واستمرت حركة الترجمة في أوائل عهد إسماعيل مصبوغةً بالصبغة العلمية، ومعظم ما تُرْجِمَ حينذاك كان في العلوم؛ كالهندسة والطب والصناعات العسكرية وغيرها، وذلك لشدة حاجة البلاد إلى هذا النوع من التعليم. وإن كان بعض تلاميذ رفاعة قد اهتموا بالنواحي الأدبية من قانونٍ وتاريخٍ وأدبٍ.
فنجد عبد الله أبا السعود الصحفيّ والسياسيّ يترجم "نظم اللآليء في السلوك في من حكم فرنسا من الملوك" و"قناصة أهل العصر في خلاصة تاريخ مصر"، تأليف "أوغست ماربيت بك"، وباشر ترجمة تاريخ عام مطول واسمه "الدرس التام في التاريخ العام"، و"تاريخ الديار المصرية في عهد الدولة المحمدية العلوية" تأليف "برنار الفرنسيّ".
وممن كان لهم أثر في الترجمة والأدب العربية، وكان صاحب مدرسةٍ لها نهجها الخاص، واحتذى حذوها الأدباء من بعده.
محمد عثمان جلال:
وهو مصريٌّ من صميم الريف، ولد في "ونا القس" بمديرية بني سويف سنة 1828، وتلقى العلم في مدرسة قصر العيني، ثم في مدرسة الألسن، وكان من نبهاء تلامذة رفاعة الطهطاوي, وشغل عدة مناصب حكومية، وكان آخر ما تولاه منها منصب القضاء في المحاكم المختلطة سنة 1881، وتوفي سنة 1898 عن سبعين سنة.
(1/103)

امتاز محمد عثمان جلال بأنه يمثِّل الروح المصرية أتَمَّ تمثيلٍ في خفتها، وحبها للنكتة، ومرحها الجم، وقد اختلط كثيرًا بالعامة، وعرف أمثالهم ونوادرهم، ومواعظهم، وعرف كذلك ميولهما الفطرية، وحبهم للقصص العربية، وامتاز أيضًا بأنه كان أديبًا مطبوعًا، ثائرًا على المدرسة التقليدية التي تحاكي أدب القديم في محسناته وفخامته، وموضوعاته، فكان يعتمد أولًا على تجربته الشخصية, يستوحيها ويتسلهمها, ويعبر عما يحسه وعما يهديه إليه فكره، فهو في أدبه يمثل القاهرة والريف المصريّ، لا بغداد ولا قرطبة, ولا البلاد العربية وصحراءها, وهذا لعمري هو الأدب الصادق، ولولا ما شاب أدبه من إسفافٍ في اللفظ, وجنوحٍ إلى العامية، إفراطًا منه في مصريته، لكان من أفذاذ الأدباء المصريين, وأصحاب المبادئ في الأدب، وقد نقد في كتابه "العيون اليواقظ" هؤلاء الذين يدعون إلى الأدب التقليديّ, ولا يستلهمون مشاعرهم الخاصة، وأساليبهم المبتكرة:
يقولون ما هذا الكتاب وما به ... أكاذيب أقوال البهائم في قبح
وقد زعموا أن البلاغة لم تكن ... بأحسن مما قيل في القد والرمح
وتشبيه لون الخد بالورد واللظى ... وتمثيل نور الوجه إن لاح بالصبح1
وقد غالى في مصريته وثورته على الأدب القديم، فأكثر من استعمال العامية، سواء في كتبه الموضوعة, أو في ترجمته للروايات المسرحية.
ومن أشهر كتبه التي تمثل هذه الروح المصرية المرحة، وتدل على شدة تأثره بعامة الشعب في أمثالهم, كتابه الذي أشرنا إليه سابقًا، وهو "العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ", الذي ترجم به أمثال "لافونتين" La Fontaine شعرًا2، وقد شحنه محمد عثمان جلال بكثير من الأمثال العامية، من مثل قوله:
__________
1 العيون اليواقط في الأمثال والمواعظ ص102.
2 لافتونتين: شاعر فرنسي مشهور, ولد في سنة 1621، وتوفي بباريس سنة 1695، وقد اشتهر بكتابة القصص، والأمثال, أما "القصص" فقد أهمل فيه الأخلاق، ولكنه ممتلئ بالحيوية، وكتاب الأمثال هو أشهر الكتابين، ولا يزال حتى اليوم ذا منزلة عظيمة في عالم الأدب، وقد نظم فيه كثيرًا من القصص الرمزية، وقصصًا على ألسنة الحيوان؛ من أمثال تلك التي في كليلة ودمنة, بل إن كثيرًا منها مأخوذة من كليلة ودمنة الذي ترجم إلى كل اللغات الأوربية منذ القرن الرابع عشر.
راجع "Nouveau Petit La Illustre".
(1/104)

فإنما تأخذ من سماطي ... ما تأخذ الريح من البلاط1
وقوله:
واحذر مدى الأيام كل ساهي ... فإن تحت رأسه الدواهي2
وقوله:
إن كان بالتوت غضبان ... هلبت يرضيه شرابه3
وقوله:
صدقني حاجة ما تهمك ... وصى عليها جوز أمك4
ولغته في هذا الكتاب إما عامية دراجة، أو عربية قريبة من العامية، ومن أمثلة هذه القصص قوله:
كان البخيل عنده دجاجة ... تكفيه طول الدهر شر الحاجة
في كل يوم مر تعطيه العجب ... وهي تبيض بيضة من الذهب
فظن يوما أن فيها كنزًا ... وأنه يزداد منه عزًّا
فقبض الدجاجة المسكين ... وكان في يمينه سكين
وشقها نصفين من غفلته ... إذ هي كالدجاج في حضرته
ولم يجد كنزًا ولا لقيه ... بل رمة في حجره مرمية
فقال لا شك بأن الطمعا ... ضيع للإنسان ما قد جمع
وقد كان لهذا الكتاب تأثير كبير في أدب الأطفال في عصرنا الحاضر، ولا يكاد يخلو كتاب من كتب الأطفال من قصة مأخوذة منه بنصها، أو محرَّفَة بعض التحريف أو منثورة، بل إن بعض المشتغلين بكتب الأطفال لم يتحرجوا في أن ينسبوا بعض قصصه إلى أنفسهم, وعلى مواله نسج شوقي كثيرًا من القصص الرمزية أو قصص الحيوان.
__________
1 العيون اليواقظ ص149.
2 ص164.
3 ص 99.
4 ص 176.
(1/105)

ويقال: إن قصص "لافونتين" هذه التي ترجمها محمد عثمان جلال مأخوذة من قصص "إيسوب1".
هذا وقد ترجم عثمان جلال بعض رويات "موليير2" الهزلية: "الأربع روايات من نخب التياترات؛ منها رواية "ترتوف"، وسماها: "الشيخ متلوف" ومثلت مرارًا على المسرح المصري, ومنها: "النساء العالمات" وقد مصَّرَ أشخاص هذه الروايات وكتبها باللغة العامية.
وترجم كذلك بعض رويات "راسين3" وسماها: "الروايات المفيدة في علم التراجيدة" وقد قال في مقدمتها: "وجعلت نظمها يفهمه العموم, فإن اللغة الدراجة أنسب لهذا المقام، وأوقع في النفس عند الخواص والعوام4".
وألَّفَ محمد عثمان جلال روايةً بالعامية عن الخدم والمخدومين، ويقول الاستاذ العقاد عن ملكة عثمان القصصية عند الحديث عن هذه الرواية: "قد كان له ملكة قيمة في فن القصة والرواية المسرحية، فكانت هذه الملكة تنزع به إلى نظم الزجل غالبًا, والشعر أحيانًا, في وصف ما يقع له من النوادر والفكاهات والرياضيات، ومن ذلك زجله في الأزهار, وزجله في المأكولات، وأقوم منهما كليهما روايته المسرحية عن المخدومين والخدم، وهي باكورة في وضع الروايات المصرية، وتمثيل البيت المصريّ، والمجتمع الوطني, يندر ما يقاربها في بابها بين روايات هذا الجيل، وبحقٍّ يسمى محمد عثمان جلال أبا المسرحيات الوطنية في العصر الحديث5".
__________
1 "إيسوب": صاحب هذه الخرافات يوناني, ولد بعد تأسيس روما بمائتي سنة، وكان عبدًا رقيقًا, وإليه تنسب هذه القصص التي قليلت على ألسنة الحيوان، وكثير منها شرقيّ: هندي, وصيني، وفارسي, وعربي، وقد ترجم قسيس إغريقي في القرن الرابع عشر كثيرًا من القصص الشرقية ونسبها إلى إيسوب.
(Masterpiece Librery of Short Stories Vol. I.P.15) .
2 موليير Moliere شاعر فرنسي, ولد بباريس سنة 1622، واشتهر برواياته التمثيلية الهزلية، ومن أشهرها: النساء المتحذلقات، والطبيب رغم أنفه، وترتوف، ومدرسة النساء، وتوفي سنة 1673 (Petit Larouse Illu Stre) .
وراجع كتابنا "المسرحية: نشأتها وتاريخها وأصوله - فصل الملهاة".
3 راسين Racine شاعر فرنسي, اشتهر بمآسيه ولد سنة 1639، وكان صديقًا لموليير، وللافنونتين، وقد بلغ المثل الأعلى في كتابة المأساة المسرحية على الطريقة "الكلاسكية" الاتباعية, ومن أشهر مآسيه: أندروماك، وقد ترجمها أديب إسحاق كما مر بنا، , "باجازيت أو بابا زيد" وآتيل، وتوفي في سنة 1699 "راجع كتابنا المسرحية".
4 مقدمة الروايات المفيدة في علم التراجيدة.
5 شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي, للعقاد ص117.
(1/106)

وقد يحار المرء في تحليل هذا الاتجاه الذي انحرف إليه عثمان جلال، وإيثاره اللغة العامية مع تمكنه من اللغة الفصحى، أما الدكتور طه حسين: فيرى أن ذلك لضعفه في اللغة العربية, وذلك حين يقول: "فأخذ الذوق يتغير، وكان تغيره قويًّا، ظهر في مظهرين مختلفين، أحدهما: إيثار اللغة العامية على لغة الأدب العصريّ، والآخر: إيثار اللغة القديمة، والأساليب القديمة على لغة العصر وأساليبه، ورأينا رجلًا كعثمان جلال قد أعجبه الأدب الفرنسيّ, وأراد أن ينقل إلى قومه صورًا منه، ولم يكن من الأدب القديم على حظٍّ قويٍّ، ورأى أن الأدب العصريَّ أدنى إلى الموت من أن يحتمل هذا الأدب الفرنسيّ، فيترجم لقومه، أو قل: ينقل إلى قومه تمثيل موليير في الزجل العاميّ, لا في الشعر العربيّ1".
على أن هذا الكلام على ما به من وجاهةٍ لا يؤخذ على إطلاقه، فمحمد عثمان جلال قد ترجم "بول وفرجيني" كما سنذكر فيما بعد, بأسلوب عربيٍّ فصيحٍ، كما قال كثيرًا من الشعر باللغة الفصحى، فهو لم يكن بهذه المنزلة من الضعف اللغويّ حتى يعجز عن ترجمة أمثال لافونتين، وهزليات موليير، ومآسي راسين, ويضع رواية باللغة العامية.
ولعل من الأسباب غير ما ذكره الدكتور طه حسين، عِظَمِ تأثره بالروح المصرية في كل شيء، وتعصبه للهجة العامية التي هي لغة جمهرة الشعب، وقد يكون ذلك لغرض تجاريٍّ بحت؛ إذ لم يجد الأدب الرفيع سوقًا رائجةً, فأقبل على التحدث إلى جمهرة الشعب باللغة التي يفهمونها لعلهم يقبلون على كتبه، وليس أدل على رواج هذه الكتب التي تكتب بالعامية من قول الشيخ محمد عبده، "ومنها الكتب المضرة بالأدب والأخلاق، كتب الأكاذيب الصرفة، وهي ما يذكر فيها تاريخ أقوام على غير الواقع، وتارةً تكون بعبارةٍ سخيفةٍ مخلةٍ بقوانين اللغة، ومن هذا القبيل كتب أبو زيد وعنترة العبسيّ، وإبراهيم بن حسن، والظاهر بيبرس، والمشتغلون بهذا القسم أكثر من الكثير، وقد طبعت كتبه مئات المرات, ونفق سوقها، ولم يكن بين الطبعة والثانية إلّا زمن قليل2".
__________
1 حافظ وشوقي ص4.
2 تاريخ الأستاذ محمد عبده, لمحمد رشيد رضا, ص416.
(1/107)

ويقول عثمان جلال مؤيدًا هذا الرأي حين حاول نشر "العيون اليواقظ":
"واشتغلت بإتمام العيون اليواقظ، وعرضتها على الوالي بواسطة المرحوم مصطفى فاضل، وكان أوصلني إليه محمد علي الحكيم، فما أثمر غرسها، فاتفقت مع فرنساويّ له مطبعة من الحجر, يسمى: يوسف بير، وعهدته بطبعها فتعهد، ثم أخلف ما وعد، فكلفت مطبعة أكبر من مطبعته، وصرفت عليها ما جمعت، ونشرتها، ثم بعد الحمار وبعتها، وقلت في ذلك:
راجي المحال عبيط ... وآخر الزمر طيط
والناس فاثنان بخت ... مروج وقليط
والعلم من غير حظ ... لا شك جهل بسيط1
وقد يكون من الأسباب التي دعته إلى ترجمة المسرحيات وكتابتها باللغة الدارجة, إقبال الفرق التمثيلية على هذا النوع دون سواه, ولا سيما بعد أن أغلقت أبواب "الأوبرا" التي كان يشجعها إسماعيل, ويهب الممثلين فيها والمؤلفين لها بعض المال، ويحضر الروايات بنفسه، وكان التأليف حينذاك باللغة الفصحى، فلما أغلقت الأوبرا أبوابها؛ إذ عد التمثيل ترفًا وإسرافًا، وأنشئت الفرق الخاصة, واعتمدت على الجمهور، اضطرت إلى مجاراته في لغته، وإلى التأليف له بالعامية حتى يقبل على مسارحها.
وإذا أحسنَّا الظن بعثمان جلال قلنا: إنه جارى المصلحين في نزولهم إلى مستوى الشعب حتى يكون لكلامهم أثره، ولم ينظروا للأدب إلّا بمقدار ما يؤثر في النفوس، وقد رأى عثمان جلال انتشار الأدب الرخيص, وإقبال الجمهور على سماعه في المقاهي؛ من أمثال قصة أبو زيد، وعنترة, والظاهر بيبرس, وغيرها، فأثر أن يوجد لهم أدبًا اسمى موضوعًا، ولكن لابد من كتابته باللغة التي يفهمونها، ولا سيما حين منعت الحكومة طبع كتب الأدب الرخيص؛ إذ وجدت فيها ضررًا عظيمًا، ولبَّت نداء المصلحين بمنع تداولها2.
__________
1 الخطط التوفيقية ج12 ص64.
2 الوقائع المصرية, العدد 1109, 11 مايو 1881.
(1/108)

وربما كان من حسن الظن بعثمان جلال أنه قلَّدَ أدباء الغرب في إنطاقهم أشخاص رواياتهم بلهجاتهم المألوفة، ورأى أنه ليس من المعقول أن ينطق الخادم مثلًا اللغة العربية الفصحى، ولما كان جمهرة أبطاله من عامة الشعب, لجأ إلى العامية لتكون شخصياتهم مطابقة لواقع الحياة، خاليةً من التكلف والصنعة.
ومهما يكن من أمرٍ, فإن هذا النوع من الأدب لم يكتب له الخلود؛ لأن اللغة العامية، وإن كانت قريبةً من الشعب، تنبض بالحياة, وتجدد كل يوم, فهي لغةٌ لا أصل لها، ولا نظام، ولا قاعدة، ولذلك أهمل كل ما كتب بها، وإن كنت لا أبرئ محمد عثمان جلال من مملأته للإنجليز في حملتهم على اللغة العربية، وترويجهم للغة الدارجة؛ لأنه كان إبَّان عصر القوة -عصر إسماعيل- يكتب بالفصحى، فلما انقضى هذا العهد، ورأى المحتلين يشجعون اللغة العامية, ويعاضدهم المبشرون والمستشرقون أمثال: مارتمان Martman, ويشجعونه على الكتابة والتأليف باللغة العامية، وهم أصحاب الحول والطول، وعلى طريقته تلك1.
وقد كان لمحمد عثمان جلال ومسرحياته، وكتابته باللغة العامية أثرٌ في الجيل الذي أتى بعده؛ إذ حذا حذوه "هيكل" في رواية "زينب", التي نشرها أول الأمر سنة 1914 باللغة العامية، ومحمد تيمور ومحمود تيمور فيما أخرجا من قصص, ولكن زينب أهملت كذلك؛ لأنها كتبت بالعامية، ويقول الأستاذ المازني في شأنها: "وأعتقد أن الدكتور هيكل يوافقني الآن على ذلك -أنه لو كتبها باللغة الفصحى -فإن فيها عاميًّا غير قليل- لكان أثرها أسرع في إزخار هذا التيار الجديد"2.
ولم يجرؤ هيكل، كما لم يجرؤ من قبله محمد عثمان جلال، وقد كتبا باللغة العامية، على الجهر بأنهما ألفا هذه الروايات العامية، وإلّا انحطت منزلتهما الأدبية، ولذلك نرى عثمان جلال يرمز إلى اسمه بالحروف الأولى "م. ع.ج" على الروايات "المفيدة في علم التراجيدة" و"الأربع روايات من نخب التياترات", كما
__________
1 The Encyclopecia of Islam. Vol. II P. 985.
2 الأهرام 19 مارس سنة 1938, كلمة المازني في تكريم هيكل.
(1/109)

يكني هيكل عن نفسه حين نشر "زينب" لأول مرةٍ بقوله: "زينب -مناظر وأخلاق ريفية- بقلم مصري فلاح"، ذلك لعلمهما بأن اللغة العامية ليست لها مكانة، وأنهما يحاولان بعثها وخلقها، ولكن هيهات.
ومن الكتب التي ترجمها محمد عثمان جلال عن الفرنسية رواية "بول وفرجيني" للكاتب الفرنسيّ "برناردين دي سان بيير"1, وقد صبغها عثمان جلال بالصبغة المصرية كعادته، وسماها: "الأماني والمنة، في حديث قبول وورد جنة"، وتصرف فيها بالزيادة والنقصان، ولكنه حرص في كثير من الأحيان على روح الرواية وأصلها, وقد قال في تصدير الكتاب: "أخرجته من الطباع الإفرنجية، وجعلته على عوائد الأمة العربية، فمن تصحفه بعين النقد، رأى القد على القد، ومن قاسه بمقياس المقابلة، وطبق آخره وأوله، رأى فذًّا قرن بتوأم، وعلم أن من ترجم فقد ترجم، ثم كتبته على ورق الحنة، وسميته قبول وورد جنة، لمقارنة مخرج الاسمين، ومطابقته في لفظة اللغتين".
ولقد ترجمت هذه الرواية بعد ذلك عدة تراجم, أشهرها ترجمة المنفلوطي التي سماها: "الفضيلة"، وقد خلع عليها ثوبًا قشيبًا من أدبه وأسلوبه، وترجمته يغلب عليها الروح الأجنبيّ, وينقصها الروح المصريّ الذي اشتهر به عثمان جلال2.
وكان لعمثان جلال الفضل في تنبيه الأدباء إلى هذه الرواية، وحاول كثير منهم ترجمتها كما ذكرنا، وقد التزم عثمان جلال الأسلوب المسجوع، والقصير الفقرات، السهل العبارة، واستمع إليه يصف حال ورد جنة قبل فراقها لقبول، وسفرها إلى خالتها.
"ولما جاء العشاء، وجلس الكل على المائدة, وكان جلوسهم بغير فائدة؛ إذ كان لكل شأن يغنيه، وشاغل يشغله ويلهيه، ويأكلون قليلًا، ولا يقولون قليلًا، ثم
__________
1 برنادرين دي سان بيير Bermardin De Sanit Pierr كاتب فرنسي من دعاة الرجوع إلى الطبيعة, ولد في سنة 1737، وتوفي سنة 1814, ومن أشهر كتبه: بول وفرجيني, ودراسة الطبيعة.
2 H.R Gibb. B.S.O.S. Vol. VII Part. P.2-3.
(1/110)

ما أسرع ما قامت ورد جنة أولًا، وجلست في مكانٍ غير بعيدٍ في الخلاء، فتبعها قبول، وجلس بجانبها، ومكثت تراقبه, ومكث يراقبها، وانقضت عليهما ساعة، وهما ساكنان، ولبعضهما ملتفتان.
وكانت ليلة نيرة، ذات سماء مقمرة، زائدة الإتحاف والألطاف، لا يرسمها رسام, ولا يصفها وصاف، قد نزل البدر منها منزلة القلب، ونشر أشعته على الشرق والغرب، فما يستره إلّا أثر الضباب، وبعض سحاب، كأنه حين تجلى على بساط الخضرة، بدرٌ عليه من الفضة بدرة، وكان الريح ممسكًا نفسه، والليل مطلقًا همسه، فلا يسمع في الغابات ولا في الوديان، لا صوت إنسانٍ ولا صوت حيوان, إلّا مناغاة الطيور في أوكارها، ومداعبتها مع صغارها، مسرورين بضيائه، وسكون الجو في جميع أرجائه".
وكان عثمان جلال كثيرًا ما ينطق قبول وورد جنة بالشعر العربيّ الفصيح, مع اعترافه بأنها "لم يتعلما الكتابة ولا القراءة" بل نشأ على السذاجة والبراءة، فلا يفكران في أزمانٍ مضت، ولا ليالٍ انقضت، بل قام بعقولهما الصغيرة، أن الدنيا قد انحصرت في هذه الجزيرة، وأن لا لذة لهما فوق لذتهما، ولا شغل إلّا حب أمهاتهما"1.
ومن ذلك الشعر قول ورد جنة، تذكر لهف الأمهات على أولادهن، ولذلك قبل أن تسافر إلى خالتها لتبتدئ تعلمها الدنيا:
يا ويح قلبي على نساء ... قد لقبوهن بالأمهات
يحملن طول الزمان هَمًّا ... على البنين أو البنات
وكل خير لهن ماضٍ ... وكل ضيرٍ لهن آتٍ
ما تم حظٌّ لهن إلّا ... بدَّلَه الله بالممات
__________
1 الأماني والمنة ص18.
(1/111)

فقال لها قبول, وقد أحسن أن يقول:
وحق حبي لك يا أختاه ... وما اعترى قلبي وما أتاه
لترين اليوم أمهاتنا ... ولنبيتن معًا في بيتنا1
وأسلوب عثمان جلال في "بول وفرجيني" كما ترى من الأساليب الخالية من التعقيد, والتي تنطلق في يسر ورشاقة, ويدل على تمكنه من اللغتين الفرنسية والعربية، فقد حصر على الأصل كل الحرص، وأداه بخير أداء، ولولا تمصيره لأشخاص الرواية، وجعله الكنيسة مسجدًا، وبرج ناقوسها مئذنة، وصبغها بالصبغة المصرية الخالصة, لجاءت ترجمته مثلًا في الترجمة؛ إذ أضفى عليها من الأمانة، وخفة الظل، وسهولة اللفظ شيئًا كثيرًا.
ومن الذين اشتهروا بالترجمة خليفة محمود, وقد ترجم "إتحاف الملوك الألبا بتقديم الجمعيات في بلاد أوربا"، وكتاب "إتحاف ملوك الزمان بتاريخ الإمبراطور شرلكان" وترجم محمد أحمد عبد الرزاق كتاب "غاية الأدب في خلاصة تاريخ العرب" تأليف المؤرخ الفرنسيّ "سيديللو", وترجم بشارة شديد رواية "الكونت دي موت كريستو" تأليف: "إسكندر دوماس", وجاءت بعبارة بسيطة ليكون ذلك سهلًا على عامة الناس, كما يقول المترجم.
وترجم حسن عاصم خطبة "رينان" الفرنسيّ، وموضوعها "الدين الإسلاميّ والأمة العربية", وترجم مراد مختار من التركية "قصة أبي علي بن سينا, وشقيقه أبي الحارث، وما حصل منهما من نوادر العجائب، وشوارد الغرائب".
وهذه أهم الكتب الأدبية التي ترجمت في عصر إسماعيل، ويقول قدري باشا: إن مستوى الترجمة قد هبط بمصر بعد أن أغلقت مدرسة الألسن، ولم يخلفها معهد آخر لتخريج العلماء الأكفاء في التعريب، ولذلك استعانت الحكومة بالأجانب.
__________
المصدر السابق ص29.
(1/112)

نعم إن مدرسة الألسن قد أعيدت في عهد إسماعيل -كما ذكرنا, بيد أن تخريج المترجمين لم يكن موضع عناية, ولا سيما بعد أن حولت إلى مدرسةٍ للحقوق سنة 1886.
أما التأليف فقد خطا خطواتٍ لا بأس بها, ولا سيما في القانون والتاريخ والعلوم، فقد ألف قدري باشا ثلاثة كتب, رتب فيها أحكام الشريعة الإسلامية في المعاملات المدنية والأحوالت الشخصية والوقف، على مذهب أبي حنيفة، وصاغها في شكل مواد قانونية، وهي كتاب "مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان" في المعاملات الشرعية، وكتاب "الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية", وكتاب "قانون العدل والإنصاف في القضاء على مشكلات الأوقاف".
أما التأليف في العلوم, فهناك عشرات الكتب من تأليف علي البقلي، والشافعي، ومحمد بيومي، وصالح مجدي، ومحمد سليمان، وهو أول من برع في الترجمة من الإنجليزية.
وقد ذكر قدري باشا1 أن تلاميذ رفاعة بك عرَّبُوا نحو ألف كتاب, أو رسالة في مختلف العلوم والفنون، وأن جميع الذين نبغوا في الترجمة كانت لهم مؤلفات قيمة.
هذا, وقد توسعت حكومة إسماعيل في فتح المدارس والمعاهد على اختلاف أنواعها ودرجاتها، واقتضى ذلك تنسيق العلوم والمواد المختلفة لصغار التلاميذ، فألفت الكتب العربية شاملةً كل نواحي العلم, من: حساب وجغرافيا وتاريخ وطبيعة كيمياء وحيوان وحياة ولغة, إلى غير ذلك مما مهَّدَ السبيل لبلوغ النهضة ذورتها في عصرنا الحالي.
__________
1 تاريخ الحركة القومية لعبد الرحمن الرافعي, ص511.
(1/113)

6- النهضة في بلاد الشام:
لا نستطيع أن نغفل أثر السوريين في الأدب إبان القرن التاسع عشر وفي عصرنا الحاضر، ولقد ساعدهم على النهوض, ومكنهم من خدمة اللغة حرصهم على التعليم، ووجود الإرساليات التبشيرية.
والباحث في نهضة سوريا التعليمية يعجب أشد العجب؛ لأن الأتراك تركوا البلاد تتخبط في ديجور مطبقٍ من الجهالة ردحًا طويلًا من الزمن، ولم ينشئوا من المدارس إلّا القليل الذي لا يكاد يذكر، وهي مدارس لا يجاوز ما تلقنه لتلاميذها مبادئ العلوم، وكان أكثر الذين بنوا مدارس دمشق غرباء عنهم، وقد ظلت المدارس التي أسست في عهد ملوك الطوائف مفتوحةً للطلاب قبل زمن الأتراك، بيد أن الناس قد فسدوا في القرون الأخيرة, وتوفروا على التهام تلك المدارس وأوقافها.
وكان معظم هذه المدارس دينية؛ فمدرسة للفقه الحنفيّ، وأخرى للشافعيّ، وثالثة للمالكيّ, ورابعة للحنبليّ، ومنها مدراس لدارسة القرآن وتجويده، ومنها دور الحديث، وكان هناك مدرسة للطب, وأخرى للصيدلة، غير أن كل هذه المدارس قد أُغْلِقَت بعد دخول الأتراك بلاد الشام1.
ولما رأى الأتراك أن مصر ولبنان قد سارتا خطواتٍ واسعةٍ في درج النهضة العلمية, لم يستطيعوا أن يغمضوا أعينهم عن التأخر والفساد والجهل الذي كان فاشيًا في سوريا، وقد وُكِّلَ إليهم أمرها، فأسسوا في أخريات أيامهم مدرسةً للحقوق, هي اليوم أحدى كليات الجامعة السورية، وأنشئوا مدرسة التجهيز والمعلمين سنة 1304هـ-1882م2.
وفي سنة 1321هـ-1900م صدرت إرادة السلطان عبد الحميد بإنشاء مدرسةٍ طبية بدمشق، وأن يخصص لبنائها عشرة آلاف ليرة، ومثلها لنفقاتها ولوازمها، وذلك لأن بيروت أخذت تخرج أبناء البلاد في مدرستيها الأجنبيتين الأمريكية واليسوعية3.
__________
1 خطط الشام لكرد علي, ص69 ج6.
2 راجع خطط الشام لكرد علي, ص102 ج6.
3 نفس المرجع ص104.
(1/114)

أما غير دمشق من مدن الشام فكانت مقفرةً من المدارس تقريبًا إلّا حلب، وهي أكبر مدن سوريا، وقد عمرت قديمًا بكثير من المدراس، ولكنها خربت على يد العثمانيين، وجاء في تقويم 1332هـ-1912 أن بحلب الشهباء اثنتنين وثلاثين مدرسة، وما نظن العامر منها يتجاوز العشر1.
وإذا كانت دمشق وحلب لم يسعدهما الحظ بالنهوض السريع، فإن نصارى لبنان كانوا أسبق إلى اليقظة من إخوانهم المسلمين في دمشق وغيرها، بفضل الإرساليات التبشيرية، ولصلة النصارى الدائمة بأوربا المسيحيحة, يستمدون منها القوة ضد الدولة العثمانية المغتصبة.
وكان التعليم في لبنان -كما كان غيره- دينيًّا، ومن أوائل المدارس التي أسست فيه "مدرسة عين ورقة" سنة 1789، وكانت ديرًا, ثم حُوّلَت إلى مدرسة، وكانت تدرس فيها اللغة السريانية، والعربية، والفصاحة، والمنطق, واللاهوت.
ولكن المدارس لم تنتشر، والنهضة لم تعم البلاد إلّا في الربع الثاني من القرن التاسع عشر, حين أسست مدرسة "عينطورا" سنة 1834م, ولا تزال مفتوحة الأبواب حتى اليوم, وقد تعَلَّم فيها عدد من زعماء النهضة اللبنانية الحالية.
ولما وفد على لبنان الدكتور "فانديك" الأمريكيّ مبشرًا بالدين المسيحيّ, والمذهب البروتستانتي، ورأى البلاد في حاجةٍ للمدارس العلمية, أنشأ مدرسة "عبية" سنة 1847.
كانت كل هذه المدارس في الجبل؛ لأنه موئل المسيحية، فلما وقعت مذابح سنة 1860, ونزح كثير من أهل الجبال إلى بيروت, ابتدأت الإرساليات تفتح المدارس فيها، ومن ذلك الوقت تبتدئ النهضة الحقيقية بلبنان.
وأقدم مدرسة أنشئت ببيروت كانت للبنات اليتامى اللاتي فقدن آباءهن في مذابح سنة 1860, وأسستها "مسز طمسن" في تلك السنة، ثم المدرسة الكلية الإنجليزية الأمريكية للبنات سنة 1861.
__________
1 خطط الشام لكرد علي, ص11 ج6.
(1/115)

وقد كان لهاتين المدرسيتن أثر عظيم في النهضة؛ لأن تعليم الأم أول خطوةٍ في تعليم الشعب، وقد كثرت مدارس البنات في لبنان خاصةً, بعد ذلك كثرة ملحوظة، ولا ريب في أن الأم المتعلمة لن ترضى لأولادها الجهل.
ومن أوائل مدارس البنين: المدرسة الوطنية, للمعلم بطرس البستاني, في سنة 1863، وكانت ممتازة بصبغتها الوطنية، وحرية الدين، ولكنها تعطلت سنة 1876, وأنشئت المدرسة البطريركية, للروم الكاثوليك, سنة 1865, ومدرسة الحكمة في السنة نفسها, وهي للطائفة المارونية, وأقدم المدارس الإسلامية هي كلية المقاصد الخيرية الإسلامية, سنة 1880.
أما التعليم العالي فيتمثل في الكلية الأمريكية والكلية اليسوعية، وقد أنشئت الأولى ببيروت سنة 1866، وبها الآن فروع للطب، والفلك، وطب الأسنان، والتجارة، والآثار، والآداب، ولها قسمٌ إعداديّ وثانويّ، وبها مرصد فلكي, ولما قوي نفوذ الإنجليز في الشرق بعد الحرب العالمية الأولى, وصار تعلم الإنجليزية ضروريًّا اتسعت الجامعة الأمريكية، وزاد إقبال الطلاب عليها، وقصدوها من كل البلاد العربية، وبها ما يقرب من خمسة آلاف طالب، وقد اتسعت مبانيها، ,ألحق بها مستشفى عظيم، ولها عناية بالمؤلفات العربية1.
أما الكلية اليسوعية: فقد نقلت إلى بيروت سنة 1874، وتعلم اللغات، والآداب, والطبيعيات, والرياضيات، وبها ثلاث شعب رئيسية: الحقوق والطب والهندسة، ولها مستشفى كبير، والتعليم فيها باللغة الفرنسية، وبها مكتبة من أنفس المكتبات العربية، ومطبوعات اليسوعيين ذات شهرة عظيمة.
كان لهذه النهضة التعليمية في لبنان أثر بالغ في ثقافة الشعب، والإقبال على القراءة, والتنافس في أسباب الرقي بين الطوائف المختلفة، كل طائفة تسعى لأن تبز الأخرى وتحتل دونها مركزًا أدبيًّا ممتازًا في القطر الصغير.
__________
1 من أشهر أساتذتها الذين عرفناهم الرئيس "دودج" والأستاذ بولس الخولي, أستاذ التربية، والأستاذ أنيس المقدسي, أستاذ الأدب العربي، والدكتور قطسنطين زريق "وكان مديرًا للجامعة السورية"، والدكتور شارل مالك, وقد صار وزيرًا مفوضًا بالولايات المتحدة، والدكتور أسد رستم, ناشر مخطوطات الشام في عهد محمد علي، والدكتور مصطفى الخالدي.
(1/116)

ولكن كثيرًا من أدباء لبنان في القرن التاسع عشر قد آثروا الهجرة إلى مصر، لاضهاد تركيا المسلمة لهم، ولضيق المجال أمام تفوقهم في بلادهم، ومن أشهر مَنْ وفد على مصر من هؤلاء الأدباء, غير من ذكرنا سابقًا من الصحفيين: جورج زيدان، وطانيوس عبده، وأديب إسحاق، وسركيس، ويعقوب صروف، وفارس نمر1.
وقد نشر زيدان في مجلة الهلال كثيرًا من البحوث المترجمة، واختصت المقتطف بالأبحاث العلمية, ومن أشهر آثار اللبنايين في الترجمة تعريب الإلياذة شعرًا، وقام بهذا العمل الضخم سليمان البستاني2.
ولكن الأسف قد طغت الفرنسية على أهالي لبنان بعد الحرب العالمية الأولى, حينما خضعت بلادهم لحكم فرنسا، ففرضت الفرنسية في جميع المدارس، تُعَلِّم بها كل المواد ما عدا اللغة العربية، فاستعجمت ألسنة شبابهم وأدبائهم، وركت أساليبهم، وضعفت الترجمة إلى حد كبير، ولا سيما المسيحيين، أما المسلمون فقد انصرفوا للتجارة، وإن كانوا أصلح لغة من إخوانهم، ولولا شعراء الجيل الماضي وأدباؤه؛ لتأخرت منزلة لبنان في الأدب، على أن هذا الوضع قد تغير نوعًا ما بعد الثورة 1945، واستقلال لبنان, وأخذت النهضة الأدبية فيه تشتد وتقوى، وأسست فيه دور نشر قوية، وظهرت ثمة بعض الصحف الأدبية الراقية, وإن كان أثر الثقافات الأجنبية في نتاج أدبائه واضحًا كل الوضوح, وأخذ كثيرٌ منهم يقلد المذاهب الأدبية الأوربية بحماسة ظاهرة.
__________
1 وسنترجم لهم في الأجزء التالية من كتاب الأدب الحديث إن شاء الله.
2 ولد سنة 1856, وتوفي سنة 1925، وابتدأ في ترجمة الإلياذة سنة 1887 بالقاهرة، وتعلم اليونانية ليترجم الإلياذة. زونظمها في أحد عشر ألف بيت غير متقيد بوزن واحد ولا قافية واخدة بل استعمل كل ضروب الشعر وبحوره، وانتهى من نظمها سنة 1895، وشرحها وعلق عليها بألف بيت من الشعر وبكثير من القصص العربية، وانتهى من شرحها سنة 1902, ونشرت لأول مرة كاملةً بشرحها ومقدمتها سنة 1904.
(1/117)

الترجمة والتأليف
...
No pages
(1/)

الفصل الثالث: الأدب في عصر إسماعيل
المدارس الأدبية في هذا العصر
...
الفصل الثالث: الأدب في عصر إسماعيل
لم يكن لهذه النهضة الشاملة، وهذا الإحياء القويّ الذي ظهر في عصر إسماعيل, ورجال البعثات أثر كبير في الأدباء الذين نشأوا في عصر محمد علي, وعاصروا إسماعيل بعد أن جمدت طباعهم، ورسخت عادتهم, وصار عسيرًا عليهم أن يتقبلوا الأفكار الجديدة, ويغيروا أسلوبهم في التعبير والتفكير، ولم يكن من المنتظر أن تؤثر النهضة في مثل هؤلاء الأدباء، ولم يتشربوا مبادئها، ويسيروا على هداها، ويتمتعوا بنورها ردحًا طويلًا من الزمن، ولم يكن من السهل التخلص من أوضار الماضي وتقاليده، ولا سيما ذلك الماضي القريب الذي يمت إلى عصور الضعف اللغويّ والفكريّ والخلفيّ؛ إذ لم ير الأدباء أمامهم أمثلةً تحتذى إلّا ما قيل في الماضي إن قريبًا وإن بعيدًا, أما الأدب الأوربيّ القويّ فلم يترجم في عصر إسماعيل منه إلّا شيءٌ يسيرٌ وبلغة ضعيفةٍ, ولا سيما الرويات المسرحية، ولو عرفه الأدباء ما استساغوه؛ لأن ثقافتهم كانت محدودة، وكان عصرهم مثقلًا بتلك التقاليد القديمة، والمدارس قليلة العدد، والمتعلمون في الأمة يعدون عدًّا.
هذا، وقد كان اهتمام مصر في عهد محمد علي وإسماعيل بالعلوم أعظم من اهتمامها بالأدب، ولولا ما أخرجته المطبعة العربية حينذاك من الكتب القديمة، واطلاع المحبين في الأدب, والراغبين في التزود من ينابيعه على آثار السلف، ودواوين كبار الشعراء الذين ظهروا في عصور القوة, لما كان للأدب في مصر والشرق العربيّ نصيب.
ولما كان الأدب الموروث هو أول ما عرفوا من الآداب, كان طبيعيًّا أن يحتذوه، ويحاكوه في موضوعاته وأسلوبه، ومعانيه وأخيلته، وقد تفاوت الأدباء في هذا التقليد تبعًا لمواهبهم وشخصياتهم، كما تفاوتوا في اختيار من قلدوهم فمنهم:
1- أدباء لم تكن لهم شخصية ألبتة، بل ساروا في الطريق المعبَّد الذي سلكه مِنْ قبلهم أدباء عصور الانحطاط والضعف، ذلك هو طريق الشعراء النظامين أو العروضيين, لا يعرفون الشعر والأدب إلّا أنه مهارةٌ لفظيةٌ وقدرةُ على التفوه بعباراتٍ شعريةٍ ونثريةٍ لا حياة فيها ولا عاطفة ولا قوة, وإنما غرضها إظهار
(1/121)

البراعة في اقتناص ألوان البديع، حتى إنهم ليخلون بالإعراب في الكمات والتصريف، إذا تعارض الإعراب أو التصريف مع ما يريدونه من جناسٍ أو طباقٍ، ويفسدون بنية الكلمة، عساها تصادف ما يجرون وراءه من هذه الحلى التي يسترون بها عوار لغتهم الركيكة, وأفكارهم السقيمة، وخيالاتهم المريضة، ومثال هذه المدرسة العروضية في عصر إسماعيل: السيد علي أبو النصر, والشيخ علي الليثي، ولولا ما بهما من ظرفٍ طبيعيٍّ، ورقة قاهرية، ولولا أنهم أَلِفَا منادمة الأمراء والعظماء، وتطلبت المنادمة منهما أدبًا وحلاوة نكتة، وسرعة بديهة, لما خرجا عن نطاق أدباء مصر والشام إبَّان الدولة العثمانية، ولما امتازا بشيءٍ عن عبد الله الشبراوي، وحسن قويدر, وأضرابهما.
2- أدباء كانت لهم -مع تقليدهم للسلف والأدب الموروث -شخصية، بيد أن هذه الشخصية كانت ترى من بعيد، ومن خلف الحجب الكثيفة من التقاليد، في العبارات والأساليب والأخلية، حائلة غير واضحة ولا مميزة، ولكنها تدل على أن هذا الأديب قد جاهد في أن ينفذ بشاعريته وأدبه من خلال هذه الحوائل الغليظة، وإن لم تمكنه شخصيته القوية، ولا أدبه المتين من التغلب عليها، خير مثل لهذا النوع من الأدباء هو: محمود صفوت الساعاتي، وإبراهيم مرزوق، وصالح مجدي.
3- أدباء قويت شخصيتهم بعض الشيء، وحاولوا أن يجددوا، وأن يلونوا أدبهم بما يظهر نفسيتهم, ويطبعه بطابعهم، وقد نجحوا في ذلك أحيانًا، ولكنهم لم يستطيعوا أن يقاوموا سيطرة الأدب الموروث، ولا إغراء المحسنات، والزخارف، فضعفت هذه الشخصية، وتضاءلت أمام هذا الإغراء، فجاء أدبهم إبَّان هذا الضعف من نمط المدرسة الثانية، ومن هذه المدرسة: عبد الله فكري، تراه آنًا ينطلق على سجيته ولا يتقيد بهذه الصناعة السمجة المتكلفة في نثره، وبهذه الزخرفة اللفظية الممجوجة, فتتضح شخصيته وتنجلي فكرته، ويترسل في كتابته, فيفهم الناس منه ما يقول دون عناء، وهذا قليل في كتابته، وآنًا يجذبه ذلك الزخرف فيستعد ويهتم ويحتفي بموضوعه, ويبذل جهدًا شديدًا في صوغ العبارات، ويكاد هذا يطغى على شخصيته، وأكثر شعره ونثره من هذا الطراز.
(1/122)

4- وأدباء رزقوا الشخصية الغلابة، والأدب المتين، وحاكوا النماذج الرفيعة من أدب السلف، فاستحصدت مرتهم، وعظمت ذخريتهم من الأدب الرصين، فمزقوا هذه الحجب الكثيفة، وطرحوها جانبًا، وارتفعوا بالشعر وبالأدب إلى حيث الشمس الساطعة القوية, فتراءت معانيه، وتجلت أخيلته، واهتزت لديباجته المشرقة النفوس، قلدوا القدماء بل عارضوهم، وجروا وإياهم في ميدانٍ واحدٍ, ولكنهم لم يقلدوا الغَثَّ من الآداب, بل عمدو إلى فحول الشعراء ينسجون على منوالهم, ويبارونهم في قصائدهم المشهورة الخالدة، فحلَّقوا معهم في سماواتهم، وأضفوا على الشعر لونًا جديدًا جذابًا, لم يستمتع به منذ أمد طويل.
أجل! لم يكونوا دائمًا في قوة فحول الأدباء والشعراء السابقين، بل قصروا عنهم في كثير من الأوقات، ولكن حسبهم أن سلم شعرهم من هذه العلل والأوصاب التي أزمنت لدى الشعر العربيّ قرونًا، ووصلت به إلى درك الغثاثة والركة والعجمة، وخير مثل لهذا النوع من الأدباء -أستغفر الله- بل باعث الشعر العربيّ في العصر الحديث، وصاحب هذه اليد الطولى على الأدب هو البارودي.
هذا, وقد ظهر في أخريات عصر إسماعيل فجر نهضةٍ جديدةٍ في الأدب، لم تكن مدارس إسماعيل، ولا حركة الإحياء في عهده هي الباعث عليها، ولكن رغبة إسماعيل في أن يرى مصر بين عشيةٍ وضاحها قطعةً من أوربا في مدنيتها وحضارتها، وجعلته يسرف في مال مصر ويبدده في هذه السبيل, غير ناظر إلى الشعب ومصيره. واتخذ الأجانب من حب إسماعيل للحضارة الأوروبية وسيلةً لاستيطان مصر، فجاؤوا زرافاتٍ ووحدانًا، يرتادون هذه الأرض البكر, وينشئون البيوت التجارية والمصارف المالية، ويتقدمون لخدمة الحكومة في جميع مصالحها, ولما استدان إسماعيل، وأثقلته ومصر الديون, عظم نفوذ هؤلاء الأجانب, وشجعتهم حكوماتهم وحمتهم امتيازاتهم، فكان هذا النفوذ المتزايد سببًا في تنبه المصريين إلى الخطر الداهم الذي ينتظر بلادهم.
(1/123)

وتصادف أن كان بمصر الزعيم المصلح السيد جمال الدين الأفغاني -وكان من الملهمين في العصر الحديث- فبثَّ تعاليمه الإصلاحية، وشجَّع حركة الاستياء من طغيان النفوذ الأجنبين، وأخذ يقتحم هذا الحمى الذي ظل قرونًا لا يقرب، وهو حق الحاكم في التصرف برعاياه وأموالهم ونفوسهم، فوجَّه الانتقاد لإسماعيل, وحاسبه في الصحف المختلفة التي يكتب فيها أتباعه ومريدوه, من أمثال: أديب إسحاق، وإبراهيم المويلحي، وسليم نقاش، وعبد الله نديم، ويوسف أبو السعود، وهو من ورائهم يغذيهم بروحه وتشجيعه وآرائه، ويكتب هو أحيانًا مستترًا.
وهذه الحركة أنتجت أدبًا قوميًّا؛ حيث وجهت الأدب -ولا سيما النثر- إلى النظر إلى شئون الشعوب العربية، والدفاع عن حقوقها, ووصف أمراضها وأدوائها، وماتتطلبه هذه الأوصاب من علاجٍ، ولنا عودة إلى هذا الأدب ومظاهره فيما بعد.
وحريٌّ بنا، وقد ألقينا هذه النظرة العاجلة على ألوان الأدب في عصر إسماعيل, أن نعود إلى هذه الألوان والنماذج فندرسها بشيءٍ من التفصيل.
1- السيد علي أبو النصر:
مصريٌّ شريف النسب من منفلوط، لا نعرف على التحقيق متى ولد، وأغلب الظن أنه كان رجلًا ناضجًا في عصر محمد علي؛ حيث أرسله في مهمةٍ إلى الأستانة, في خلافة السلطان عبد المجيد، ومبعوث محمد علي إلى "الحضرة الخليفية" لن يكون حدثًا غرًّا, أو شابًّا غير مجرب، بل رجلًا مكتمل العقل والشهرة، ولذلك نرجح أن ولد في أوائل القرن التاسع عشر, وجاء إلى مصر من منفوط وهو صغير السن، ثم دخل الأزهر وتلقى به العلوم العربية والشرعية، إلّا أنه لم يسر في مرحلة التعليم هذه حتى غايتها، بل ترك العلم واشتغل بالأدب، وقد ظهر ميله إليه منذ الصغر, وكان عصر شبابه مقفرًا من الأدباء اللامعين، وكان صفوت الساعاتي في شغلٍ بمدح أمراء الحجاز -كما سيأتي، فنال أبوالنصر شهرةً، واتصل بالأسرة الحاكمة، وبعثه محمد علي -كما ذكرنا- إلى الآستانة، وصحب إسماعيل من بعده، وكان له نديمًا وجليسًا، وقد سافر إلى الآستانة معه مرةً ثانيةً.
(1/124)

ولم يكن أبو النصر شاعرًا فحسب، ولكنه كان نديمًا أكثر منه شاعرًا، وللمنادمة صفات كثيرة، وهي صنعة شاقة، أما هذه الصفات فمنها: الإحاطة بالأدب القديم, ورواية شعره ونثره ونوادره وأمثاله، ثم الذكاء الحاد, وسرعة البديهة، ومعرفة دخائل النفوس، ودراسة أحوالها المتباينة، وأهم من هذا طبيعة مرحة، قادرة على استلال سخائم النفوس، وبعث الضحك مع الاحتفاظ بالوقار والمنزلة, حتى لا يمتهن النديم ويهان, وليس الضحاك أمرًا هينًا, ولا سيما في مجلس أميرٍ عظيمٍ تشغله أعباء الحكم، وتَحِزُّ به أزمات نفسية كثيرة، والنفس الإنسانية يعتورها الحزن والسرور, والانقباض والانشراح، والغضب والرضا، والمفروض في النديم أن يستطيع بعث الضحك في كل حالة، ولا سيما في حالات الانقباض والحزن، وأن يذهب بمرحه وأدبه ضُرَّ القلوب، وتجهم الوجوه، مع أنه إنسانٌ كسائر الناس, له نفس تحزن وتنقبض، وعقل يفتر ويخبو، وقريحة تخمد وتتبلد أحيانًا.
ولهذا كانت مهمة النديم شاقة، وعليه أن يخلق الجو المناسب لنكاته، وأن يروض الناس على الضحك حين يطلق النكتة, ولو لم تكن مستساغة، وهذا فن يتقنه الموهوبون من الندماء.
ثم إن النديم صدًى للحوادث التي تحدث في مجلس الأمير أو العظيم، يسجلها في أدبه, فيقول الشعر في كل المناسبات الممكنة, حين يرحل الأمير، وحين يعود، وحين يرتقي أحد أفراد الحاشية, أو ينعم عليه بلقبٍ، وحين يولد مولود جديد، وفي الأعياد والأفراح والمآتم، بل في غير ذلك من المناسبات المفاجئة والعارضة.
وإذا تصفحنا ديوان أبي النصرلم نجده شيئًا غير هذا، وقلَّمَا يلتفت النديم لنفسه, فيظهر لواعج حبها، أو اهتزاز مشاعرها وعواطفها، أو يلتفت إلى غير الأمير وحاشيته.
(1/125)

وشعر أبي النصر يمثِّلُ كذلك هذه المدرسة التي أثقل أدبها بأوضار القديم وآفاته، فهو مولع بالمحسنات البديعية، وبالتأريخ الشعري، وبالألغاز، وبالتشطير, والتلاعب بالألفاظ، والشعر في هذه المدرسة -كما ذكرنا- صناعة تظهر البراعة والقدرة على صياغةٍ معينةٍ تحقق غرضًا من هذه الأغراض, وليس ترجمانًا عن همسات القلوب، وأشجان النفوس وأحاديثها، ومطية للخيال يحلق في سماواته الواسعة، أو مفصحًا عن فكرة اختمرت في عقل الشاعر وأبت إلّا أن تظهر جليةً واضحةً, كما يجب أن يكون الشعر.
ولم يكن مع هذا شعر السيد علي أبي النصر متين النسج، قويّ العبارة, بل هو وسط بين القوة والضعف، وبذلك يكون خير مثال للنظامين أو العروضيين, ومن شعره وقد أهدي إليه قدح:
أهدى الحبيب لمن أحب ... قدحًا تحلى بالذهب
لو أفرغت فيه الطلا ... لأطل ينظره الحبب
قد راق منظر حسنه ... ودعا له داعي الطرب
لا نظرت لشكله ... في رسم تيجان العرب
قلبته وقبلته ... ووعدته بنت العنب
ولأجله لولا التقى ... لخلعت أثواب الأدب
وملأته راحًا بها ... ينفي عن الصب الوصب
لكنني أودعته ... بخزنة تحوي الأدب
ومدحت من أهداه لي ... ومنحته شكرًا وجب
وجعلته بشرى المنى ... والدهر يأتي بالعجب
وقال ملغزًا:
ما اسم الحبيب أفيدوا أيها الأدبا ... فإن بقراط عنه ساء منقلبا؟
فقال لي بعضهم: حرف أضيف له ... حرفان دلَّا على شيءٍ حوى ذنبا
فقلت: هذا جواب رائق فعلى ... مثلي لمثلك شكر الفضل قد وجبا
(1/126)

ومن قوله يتغزل:
نور زاهي الروض أم نور الصباح ... وابتسام الثغر أم زهر الأقاح
ونجوم تزدهي في أفقها ... بوميض البرق أم كاسات راح
ولا، ولا، بدر تمَّ ينجلي ... للندامى في اغتباق واصطباح
بمحايا يزدري شمس الضحى ... في معاني حسنه تعيا الفصاح
وقال مهنئًا مصطفى نعماني برتبة الباشوية, مؤرخًا في كل شطرٍ من أبيات القصيدة بتاريخ هذه الرتبة, وهو سنة 1295.
بشير الهنا لاحت بيمن قدومه ... بدور بها نور البشائر قد صفا
وبدر التهاني فاق بالأنس نوره ... فأهدى لنا أسنى السرور وأتحفا
وهكذا حتى أتم خمسة عشر بيتًا, كل شطر منه يؤرخ سنة 1295 مظهرًا بذلك مهارته وقدرته على الصياغة والنظم.
ومن أحسن ما قاله من الشعر هذه القطعة التي يتأسف فيها لفراق أحبابه:
لقد ذهب النوى بجميل صبري ... وأودع في حشاشتي الولوعا
وألبسني الأسى خلع التمني ... وألزمني التذلل والخضوعا
ونار الشوق أغراها غرامي ... على كبدي فقومت الضلوعا
ولي قلب تقلبه شجوني ... وتمنعه السكنية والهجوعا
يبيت مع الأحبة حيث كانوا ... ويصبح راجيًا منهم رجوعا
يرى أضغاث أحلام الأماني ... حقائق لا يزال بها ولوعا
تطوف به الحوادث وهو لاهٍ ... كأن الوهم ألبسه دروعا
وقائلة: إلام تحن شوقًا ... إلى حيٍّ أحلَّ بك الهلوعا
فقلت لها: وقيت اليأس إني ... أود بحبهم أدعى هلوعا
(1/127)

أبعد فراقهم ترتاح روحي ... وترجو ساعةً أن لا تلوعا1
فهم روحي وريحاني رواحي ... فكيف أرى إلى السلوى نزوعا2
وفي هذه النماذج التي سقناها من شعره يتبين مدى ما ذكرناه عن أدباء هذه المدرسة وتقليدهم, وعدم ظهور شخصيتهم، مع افتتانهم بالبديع والجري وراءه، وضعف أسلوبهم، وقد مات سنة 1880، وله ديوان مطبوع.
الشيخ علي الليثي:
ولد سنة 1830 ببولاق، وتيتم صغيرًا, فتحولت به أمه إلى جهة الإمام الليثي وإليه ينسب، وطلب العلم بالأزهر مدةً, ولكنه لم يتم تعليمه, ثم رحل إلى طرابلس الغرب, وأخذ عن الشيخ السنوسي الكبير, والشيخ القوصي الكبير الطريقة والعلم، ولما عاد اتصل بالأسرة الحاكمة، وكان مقربًا لدى الخديو إسماعيل؛ لأنه كان مثلًا للنديم المحبوب الذي لا يُمَلُّ حديثه، ولا يطاق فراقه، وتورى له في باب المنادمة ونوادر لا تزال تتردد حتى اليوم على ألسنة السمار في مجالس الأنس, ولعل كثيرين منا يعرفون قصته مع "المهردار" بقصر الخديو إسماعيل, حين كتب على باب حجرة الشيخ الآية الكريمة: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} إذ لم يجد لقبًا سواها يعطي لهذه الحجرة, كما أعطيت الحجرات الأخرى بالقصر ألقابًا، من مثل حجرة أمين المخازن، ورئيس الحرس، وغير ذلك، وقد كانت هذه مداعبة من "المهردار"، أثارت في نفس الشيخ الليثي الرغبة في الانتقام منه، وجعله سخريةً أمام رجال الحاشية، فانتهز فرصة وجوده معه بحضرة إسماعيل، والمجلس عامرٌ بعلية القوم يخوضون في أحاديث شتَّى، ولما سنحت الفرصة قال الشيخ علي الليثي للخديو: عندي قصةٌ صغيرةٌ يا مولاي، فقال: ما هي؟ قال:
__________
1 تلوع: تجزع.
2 الراح: الخمر، والنزوع، الميل.
(1/128)

لنا طحونة في البلد ... لكن تقيله ع الحمار
علقت فيها الطور عصى ... علقت فيها المهردار
فكانت أضحوكةً سارت على الألسنة، وطرب لها الخديو وأفراد حاشيته، ونال الشيخ الليثيّ لدى إسماعيل حظوة ومنزلة، وعرف رجال الدولة مكانته, فكان مقصد طلاب الحاجات، ولايرد له رجاء عند أولي الأمر, ولما مات إسماعيل أبقى عليه توفيق، وقرَّبَه وأكرمه، وبقي مخلصًا له في أحلك أوقات الثورة, حين تنكر له كثيرون ممن أكرمهم توفيق, فأسبغ عليه من نعمه, وكافأه على إخلاصه له.
وللشيخ علي الليثي ديوانٌ لم يطبع، بل يقال: إنه لعن من يطبعه، ولسنا ندري سببًا واضحًا لعزوف الشيخ عن تخليد أثره الأدبيّ, إلّا أنه نال ثراءً واسعًا في أخريات حياته، وصار من سراة مصر، وليس من اللائق بسريٍّ وجيهٍ مثله أن يكون له ديوان شعر يروى, وبه ما به من عبثٍ ومجونٍ وتزلفٍ لكثيرين ممن يتسامى في حالته الأخيرة لمنزلتهم, ومن المستبعد أن يكون الشيخ قد أدرك أن شعره لا يستحق الخلود، وأنه ركيك ضعيف، فكل إنسان مهما كان شأنه يعجب بما يقوله، ولا يفطن ما به من عيوب، ثم إن الذوق الأدبيّ والنقد لم يكونا قد وصلا إلى منزلةٍ تمكن الشيخ من الاطلاع على مساوئ شعره، بل على العكس, كان الشيخ محسود المكانة الأدبية، ويتهافت أدباء عصره على مكاتبته ومطارحته الشعر1, وقد طال عمر الشيخ, وتوفي سنة 1313هـ-1896م.
وإذا نظرنا إلى ما روي لنا من شعره، لم نجده يتميز عن زميله السيد علي أبي النصر في شيء، ونجده يقول في المناسبات المختلفة شأن الندماء، وقلما يطلق نفسه على سجيتها، وينظم الشعر؛ لأنه يشعر بدافع نفسانيّ يلهمه القول, ومن شعره على البديهة قوله، وقد كان أحد رجال الحاشية يفرغ تفاحة بمدية ليشرب فيها، فانكسرت المدية، فنظر إلى الشيخ نظرة من يسأله وصف هذه الحال، وخليق بنديم الخديو إسماعيل أن يسجل مثل هذه الحادثة، فقال الشيخ مرتجلًا:
__________
1 الآداب العربية في القرن التاسع عشر, للأب لويس شيخو.
(1/129)

عزَّت على الندمان حتى إنهم ... تخذوا لها كأسًا من التفاح
ولدى اتخاذ الكأس منه بمدية ... لان الحديد كرامةً للراح
ومن شعره في رثاء عبد الله باشا فكري:
نذم المنايا وهي في النقد أعدل ... عداة انتقت مولى به الفضل يكمل
كأن المنايا في انتقاها خبيرة ... بكسب النفوس العاليات تعجل
فتم لها من منتقى الدر حلية ... بها العالم العلويّ أنسًا يهلل
ويقول في وصف الفقيد:
لقد كان ذا بر، عطوفًا، مهذبًا ... سجاياه صفو القطر بل هي أمثل
وقيق حواشي الطبع سهل محبب ... إلى كل قلب حيث كان مبجل
وله في مدح السلطان عبد العزيز في عيد جلوسه سنة 1290:
مولى الملوك الذي من يمن دولته ... ظل العدالة في الآفاق ممدود
عبد العزيز الذي آثاره حمدت ... أبو الألى جدهم في المجد محمود
أجاد نظم أمور الملك في نسق ... لا يعتريه مدى الأزمان تبديد
فلا تقسه بأسلافٍ له كرمت ... والشبل من هؤلاء الأسد مولود
ففخرهم عقد در وهو واسطة ... في جيد آل بني عثمان معقود
وهذا نظم ليس فيه شيء من الخيال أو المعاني السامية، وعبارته تميل إلى الضعف، وهكذا كان شعر الشيخ، بل له شعر مليء بالمحسنات والزخارف اللفظية التي زادته ضعفًا على ضعفٍ، من مثل قوله يرثي محمود باشا الفلكي, وقد تصادف أن تهاوت نيازك ليلة وفاته:
(1/130)

أرى النيازك عن سام من الفلك ... مذعورة أصبحت تصبو إلى الدرك
كالطير فاجأها البازيّ وأذهلها ... فحاكت البرق، وانقضت عن الحبك
إلى أن يقول:
إليس نسر سماء العلم قد علقت ... كف المنون به فانحاز في الشرك
الصبر يا نفس، واستبقي منايحه ... أو فالتصبر إن تبغي الهدى فلك
حل القضاء وناعي المجد أرخنا ... قد مات محمود باشا المسند الفلكي
"فقد أرخ وفاته سنة 1353 في هذا البيت".
وهو شعرٌ ليس فيه من أثر الحزن شيء، بل هو مصنوعٌ ليظهر قدرة الناظم على تلفيق مثل هذا الكلام، وقد حاول مرةً أن يَفْتَنَّ ويصف السفينة التي أقلته إلى مصر وهو عائد من برلين، فلم تمكنه اللغة القوية، ولم يسعفه الخيال، وأتى الشعر ضعيفًا، وأغلب الظن أنه لم يقله بدافع نفسيّ، وإنما طلب إليه أن يسجل هذه الرحلة فصنع الأبيات التي منها:
أصبح الوقت باسمًا بالسرور ... كابتسام الربيع وقت الزهور
أينا لقي ظريف طبع لطيفًا ... كي ندير الحديث مثل الخمور
فوق ظهر السفين نحسن وصفًا ... حيث يجري على صفاء البحور
وتراه يختال وهو معنى ... ويحه كم يجر ذيل الفجور
ذيله يرسم المجرة عجيبًا ... بين موج يضيء مثل البدور
وهو وصفٌ غنيٌ عن التحليل، وإظهار ما به من ركاكة، ففي كل بيت عوار لا يغفر, ودليل قاطع على أن الشيخ ينتمي إلى مدرسة النظامين والعروضيين, ولعل خير ما روي له, قصيدته التي قالها مستعطفًا الخديو توفيق عقب الثورة العرابية، وطالبًا الصفح عمن أجرم -في رأيه:
(1/131)

كل حالٍ لضده يتحول ... فالزم المصبر إذ عليه المعول
يا فؤادي استرح فما الشأن إلّا ... ما به مظهر القضاء تنزل
رب ساعٍ لحتفه وهو ممن ... ظن بالسعي للعلا يتوصل
قدر غالب وسر الخفايا ... فوق عقل الأريب مهما تكمل
غاية العقل حسرة وعقال ... واللبيب الذكيّ من قد تأمل
كيف ننسى، وحادثات الليالي ... فاجأتنا بكارثٍ ليس يحمل
أذهبت أنفسًا وغالت نفيسًا ... وذوي مربع الحظوظ وأمحل
وإذا المرء كان بالوهم يبني ... فخيال الظنون ما قد تمثل
وريح قوم سعوا لإدراك أمر ... دون إدراكه الجبال تزلزل
ما أصروا عليه إلّا أضروا ... بأناس من نابه أو مغفل
ذاك يسعى على التقية خوفًا ... وسواه سعى لكيما يجمل
لو أصابوا الرشاد عند ابتداء ... كانت الغاية الجميلة أجمل
وهذه القصيدة على ما بها من سهولة، فمعانيها مطروقة ليس فيها جديد, وحكمها مألوفة، وبها كثير من أثر الصنعة والتكلف، أما الخيال وهو روح الشعر وجناحه الذي يحلق به فلا أثر له, ونعود فنقرر أن هذه المدرسة التي ينتمي إليها علي أبو النصر, وعلي الليثي, هي مدرسة التقليد للشعر الذي كان سائدًا في عصور ضعف اللغة، وليس لهذين الشاعرين وأضرابهما شخصيةٌ قويةٌ تهتك ستار هذه الحجب الكثيفة من الزخارف السمجة، وليس لهما قوة عارضة، وفحولة نسج لتستر مساوئ هذا الذي يسمى شعرًا, وهما نظامان أكثر منهما شاعران، ويقولان في المناسبات نظمًا غير صادر عن شعور إلّا القليل النادر.
(1/132)

3- محمود صفوت الساعاتي1:
وهاك مثلًا لشاعرٍ استطاع بمواهبه أن يفصح عن شخصيته، وإن تراءت من بعيدٍ حائلة اللون، غير واضحة المعالم، تحاول جهدها أن تظهر من خلال هذه السدف الغليظة من التقاليد الموروثة في الشعر العربيّ, ولا سيما عصور الركة والانحلال, وقد أوتي حظًّا من اللسن والفصاحة فاستطاع أن يجيد في غير ما موضع من شعره، حتى ليعده بعضهم طليعةً للنهضة الحديثة، وممهدًا للطريق الذي سلكه الباردوي من بعد.
ولد الساعاتي بالقاهرة سنة 1241هـ-1825م, وظلَّ بها إلى أن بلغ الثانية عشرة، ثم ارتحل إلى الإسكندرية فأقام بها ثمانية أعوام، ولم يدخل الساعاتي الأزهر كما دخله علي أبو النصر, وعلي الليثي، ومحمد شهاب، وعبد الله فكري, وغيرهم، بل يقال: إنه لم يتعلم النحو, وإنما استظهر ديوان المتنبي, وكثيرًا من أشعار القدماء فاستقام لسانه، وعظم مخزونه من الأدب، وقد ظهر تأثير المتنبي في شعره واضحًا، وكان بينه وبين النحاة مناقشات طويلة كما سنرى.
وكان تليمذًا للشيخ حسن قويدر، يغشى مجلسه, ويأخذ عنه الأدب، وكان الشيخ قويدر غنيًّا كريمًا، ومات سنة 1845، وكانت سن الساعاتي حينئذ عشرين سنة، وهذا كل ما نعلمه عن ثقافة هذا الشاعر وحياته حتى هذه السن، وقد رثى الشيخ قودير بقصيدة مطلعها:
بكت عيون العلا وانحطت الرتب ... ومزقت شملها من حزنها الكتب
وفيها يقول: وقد حشاها بالمبالغات السخيفة، وهي ليست قوية النسج, مما يدل على أنها من أوائل ما نظم:
__________
1 هو محمود صفوت بن مصطفى أغا الزيلع, الشهير بالساعاتي، والساعاتي لقب غلب عليه؛ لأنه مهر في إصلاح الساعات, ولا ندري على التحقيق أكان إصلاح الساعات حرفةً له أم هوايةً كما يقول بعضهم.
(1/133)

يا شمس فضل فدتك الشهب قاطبة ... إذ عنك لا أنجم تغني ولا شهب
لما أصابك لا قوس ولا وتر ... سهم المنية كاد الكون ينقلب
ما حيلة العبد والأقدار جارية ... العمر يوهب والأيام تنتهب
لو افتدتك المنايا عندما فتكت ... بخيرنا لفدتك العجم والعرب
وأمست لفقدك عين العلم سائلة ... ترجو الشفاء وأنَّى ينجح الطلب
إلى آخر هذا النظم الذي ينبئنا بأن ذوق الشاعرلم يكن قد تهذَّب بعد، وأنه يحاكي الشعراء المتأخرين في نسجهم الضعيف, واستعاراتهم السمجة، مثل "عين العلم سائلة" وغير ذلك.
وفي سن العشرين بدا له أن يحج إلى بيت الله الحرام، وهناك اتصل بأشراف مكة "آل عون"، فأكرموه، واصطحبوه معهم في غزواتهم, وحروبهم مع آل سعود وأمراء اليمن، وظل بجوارهم خمس سنواتٍ يسجل انتصارتهم، ويسبغ عليهم مديحه، ولما عزل الأمير محمد بن عون عن إمارة مكة، ورحل إلى الآستانة, صحبه الشاعر ثمة، ومكث معه قليلًا، ثم تركه، ورجع إلى مصر، ولسنا ندري سببًا لتركه: أيئس من عودة الأمير إلى أريكته, فأراد أن يبحث عن شخصٍ آخر يستظل بظله؟ أم أن الأمير رأى نفسه معزولًا قليل المال, فبرم بصحبة شاعرٍ يعوله وينفق عليه في غربته؟ ولما عاد إلى إمارته لم يستدع شاعره الصداح، وفي شعر الساعاتي ما يدل على أن القطيعة كانت من الأمير من مثل قوله يخاطبه:
أوليتني الآلاء ثم تركتني ... مثل الذي حلت به اللأواء
ما كان ذا أملي الذي أملته ... فيكم وأنتم سادة كرماء
ويقول:
وحبوتموني بعدها بقطيعة ... أكذا يكون تكرم وحباء
(1/134)

وقال مرةً يعاتبه، ويظهر يأسه منه، وكأنه يودعه إلى غير رجعة:
قضى العبد بعض الواجبات بقصده ... إليكم وقد جوزي بما هو أعظم
ونال الذي قد كان يرجوه وانقضت ... أمانيه منكم، والسلام عليكم
وعلى الرغم من هذه القطيعة, فقد ظل الشاعر يتحسر على أيامه الخاليات، وعلى المودة المفقودة، ويتعذر عن جرم لا ندري كنهه للشريف محمد، ولأولاده من بعده عبد الله، وحسين، وعلي، فيقول للشريف عبد الله:
شددت بكم بعد الإله عزائمي ... فكنت عليهم بالعذاب شديدًا
وإني أعيذ النفس بعد لعفوكم ... وإن جلَّ ذنبي أو مكثت بعيدًا
ويقول مرة أخرى للشريف عبد الله:
فإني لم أبرح على العهد مخلصًا ... وإن طال عهد البعد واشتقت معهدًا
ويبدو أن الشريف عبد الله كان يصله على البعد، ولكن كان يأمل أن يستدعيه لديه:
يقلدني فضلًا عن البعد بيننا ... وأطمع حرصًا في شنوف المسامر
ويتذلل للشريف حسين, ويطلب العفو:
أقلني وبادر بالجميل فإنني ... أرى العفو دومًا ممن صفات الأماجد
ولما يئس الشاعر من صلاتهم، والعودة إليهم بعد كل ما قدمه من زلفى ومن قصائد يرسلها إليهم في كل المناسبات, قال للشريف حسين:
عللت نفسي غرورًا بالمواعيد ... فكان تعليلها عنوان تفنيد
إلى متى وإلى كم لا أرى زمني ... إلّا كذا بين تقريب وتبعيد؟!
قالوا ذكاؤك محسوب عليك كما ... يروى، فقلت حديث غير مردود
(1/135)

وما كان أغنى الشاعر عن هذه الضراعة والذلة, وهذا الإلحاح المشين في الطلب, وأغلب الظن أنه لم يكن يراه بهذا المنظار, وإنما يقتفي آثار الألى عبدوا له طريق المدح, والإلحاف في المسألة من لدن النابغة الذبياني حتى عصر إسماعيل، ولم يجد في قوله هذا ما يخل بالكرامة أو يشين المروءة، ونحن إنما نحكم عليه وعلى أمثاله من الذين طبعوا الشعر العربيّ بهذا الطابع؛ لأننا في عصرٍ تغيرت فيه قيم الأشياء، وصرنا نعتد بالأدب الشعبيّ القوميّ، وبالشعور الخاص، والعواطف الكامنة في نفس الأديب، ونجوى خياله وروحه، أكثر من التفاتنا إلى شعر المناسبات، والسير في ركاب العظماء، والتمدح بمناقب الأغنياء, ولكننا نتساءل: ألم يكن بمصر أمراء يكفون الشاعر لو تقرب منهم مؤنة هذا التسول؟ ولماذا قصر في مدح إسماعيل إذا لم يثبه سعيد على مديحه إياه ثوابًا يرضيه؟ وهل ثلاث قصائد تكفي في إسماعيل, وهو من هو حدبًا على الأدب والأدباء، وهو الذي أظل بعطفه العليين أبا نصر والليثي، هما دون الساعاتي قدرةً على النظم, ومتانة شعر, وسمو خيال, أيهما المقصر: إسماعيل إذ لم يضم إلى حاشيته وندمائه هذا الشاعر؟ أو الساعاتي إذ انصرف إلى مديح آل عون بمكة، واشتهر بإخلاصه لهم، وجعل شعره حبسًا عليهم إلّا القليل، ورأى أن باب إسماعيل قد سبقه إليه شاعران آخران, واحتلّا لدنه مكانةً ومقامًا؟ فلم يشأ أن يدع طريقًا عرفه، ونوالًا جربه وذاق حلاوته، وينافس آخرين في أمرٍ لا يعرف مصيره، فظلَّ على ولائه لآل عون يمدحهم في كل مناسبة: إذا غزوا، وإذا أبلوا من مرض، وإذا ولد لهم مولود، ويقول فيهم:
أحبهم ما دمت حيًّا ديانةً ... وأرغب لكن عن سواهم ترفعًا
وقد سار شعري بين شرق ومغرب ... فما اختيار غير البيت والآل موضعًا
وما طار في الآفاق بدعًا مديحهم ... ولكنه نشر زكي تضوعًا
(1/136)

وكان يرى أنهم هم الذين أطلقوا لسانه بعطاياهم، وعلموه الشعر، ولولاهم ما نظم قصيدًا:
نظمت حالي ولولا سلك فضلكم ... ما كان قولي ولا فعلي بمتنظم
علمتني الحمد والشكر الجزيل على ... فعل الجميل بما توليه من نعم
ما كنت لولاكم أبغي الفوائد من ... نظم الفوائد في اسم ولا علم
وعلى الرغم من هذا الولاء، ومن دءوب الشاعر على مدحهم في كل مناسبة, وهو عنهم بعيد, فإنهم لم يستجيبوا لرجائه دعوته إليهم، ولعل للمنافسات التي كانت بين الشاعر، وبين بعض الحجازين1 أثرًا في هذه الجفوة، فقلما خلت حاشية أمير عظيم, سمح النفس, سخي اليد من أمثال هؤلاء الحساد لكلِّ من نال لديه حظوةً أو نبغ وقصروا, وما أمر المتنبي وسيف الدولة بمجهول، ولقد بلى
__________
1 من المنافسين للشاعر في الحجاز, الشيح زين العابدين المكيّ، وكان نحويًّا، اعترض مرةً على قول الساعاتي:
وأبصرت في كف ابن عون مهندًا ... يرويه قرم بالضرب خبير
بأن الضراب في اللغة: النكاح، وليس فيه ضراب بمعنى الضرب، واحتج الشاعر مؤيدًا رأيه بقول الحارث بن ظالم المري:
وقومي إن سألت بني لؤي ... بمكة علموا الناس الضرابا
أقاموا للكتائب كل يوم ... سيوف المشرفية والحربا
واستشهد بقول المتنبي, وكان من الحفاظ لشعره:
وكل السيوف إذا طال الضراب بها ... يمسها غير سيف الدولة السأم
وقوله:
إنما بدر رزايا عطايا ... ومنابواه وطعان وضراب
وقوله:
بغيرك راعيًا عبث الذئاب ... وغيرك صارمًا ثلم الضراب
فأفحمه بهذا الاستشهاد, وفات المكيّ أن الضراب مصدر قياسيّ لضارب كقاتل وناضل، ولكنها حزازات النفوس تزل الحصا.
(1/137)

الساعاتي بمثل ما بُلِيَ به المتنبي من هؤلاء النحاة الذين يحاولون الوقيعة بينه1 وبين ممدوحه, كما فعلوا مع أبي الطيب من قبل، لكنه انتصر عليهم في كل مرةٍ تعرضوا فيها لأدبه، وأغلب الظن أنهم لم يتركوه يهنأ بهذه المنزلة، وحاولوا جهدهم أن يزحزحوه عن مكانه، وفي ذلك يقول معرضًا بهم:
لا تعدلوا بالشعر كل معمم ... كالثور ذي القرنين بالإسكندر
ما كل من يملي القصيدة ناظم ... قد ينتمي للشعر من لم يشعر
لو كان فيهم شاعر لوقفت في ... ديوانه أدبًا، ولم أتكبر
يا آل محسن لم يزل إحسانكم ... يدع الدنيء على حماكم يجتري
بل يحاول أن يوقع بهم كما حاولوا الوقيعة به، وأن يفسر بغضهم له لإخلاصه لآل عون:
فما أبغضوا مثلي سدًى غير أنهم ... يعدون مدحي فيكم كالمأتم
ألم تر حسانًا ولى أسوة به ... وما كان يلقى من عد آل هاشم
إذا زعموا أني مع الفضل جاهل ... فقل لهم: هاتوا فصاحة عالم
فدعني من قول النحاة فإنهم ... تعدوا لصرف النطق في غير لازم
وما أنا إلّا شاعر ذو طبيعة ... ولست بسرَّاقٍ كبعض الأعاجم
__________
1 من ذلك أنهم خطئوه في قوله يمدح الشريف, ويصف أعداءه بالجبن:
كأنهم فوق السوابق خرد ... لهن متون الصافنات جياد
بأن في ذلك انحطاطًا لمقدار من يقاومه حيث شبههم بنسوة، فكأنه انتصر على نساء لا على أبطال, ومكنته ذاكرة واعية لما استظهر من شعر المتنبي في الصغر من إفحامهم بقوله يمدح سيف الدولة.
فصبحهم وبسطهم حرير ... ومساهم وبسطهم تراب
ومن في كفه منهم قناة ... كمن في كفه منهم خضاب
(1/138)

شعره:
قدمنا عند الكلام على الساعاتي، والمدرسة التي ينتمي إليها, بأن له شخصية في شعره، وأن هذه الشخصية استطاعت البروز والوضوح على الرغم من كثافة التقاليد الشعرية الموروثة.
أجل! استطاع أن يتخلص في بعض قصائده من المحسنات البديعية، وأن يرتفع بديباجته عن درك الغثاثة والركة، وأن يعبِّرَ عن شعره تعبيرًا واضحًا، وأن يشعرك على الرغم من معانيه المطروقة بأنه أحسن التقليد وأضفى عليه شيئًا من نفسه ورووحه, ومع كل هذا فمعظم شعره من ذلك النوع الذي ساد أيام المماليك وبني عثمان, وقلما خلت قصيدة من تاريخ وتعمد للصناعة والزخرف.
1- ترى الشاعر يجيد في الحماسة، ويقوى شعره وتشرق ديباجته، اسمعه يقول مادحًا سعيدًا، وقد عزم على زيارة المصطفى -عليه السلام:
ملأت قلوب العرب رعبًا فما دروا ... بعثت لهم بالكتب أم بالكتائب
تركتهم في أمرهم بين صادق ... وآخر في تيهٍ من الظن كاذب
تسير لهم في بحرٍ جيش عرموم ... يفيض بموج الحتف من كل جانب
إذا هتفوا باسم العزيز تزلزلت ... جبال عليها الذل ضربة لازب
فكيف إذا يممت بالشهب أرضهم ... وزاحمت ما في أفقهم بالنجائب
وجُرد عليها الأسد في قصب القنا ... ترى الأسد في الآجام مثل الثعالب
وخيرٌ من هذا قوله يمدح الشريف ابن عون, ويصف غزوته لبني سليم:
وأضرمتم النيران فيهم وأضرموا ... لهم نار حرب مثل نار الحباحب1
كررتم على أهل الجبال بمثلها ... جبال رجال سيرت بالركائب
وما ثبتوا إلّا قليلًا وزلزلوا ... وأبطالكم ما بين ضارٍّ وضارب
__________
1 الحباحب: فراشية صغيرة تضيء بالليل.
(1/139)

رأوا باترات البيض تغمد فيهم ... وتخرج من أصلابهم والترائب
فملوا ومالوا للهزيمة بعدها ... وملتم على أرواحهم ميل ناهب
فهذه الديباجة القوية، وهذه الفحولة قد طال انتظار الشعر العربيّ لها, ولعل في حفظ الشاعر للمبتنبي ما جعله يجيد في الحماسة ووصف المعارك، كما كان المتنبي يجيدها وهو يمدح سيف الدولة، وقد شهد الساعاتي معارك آل عون مع أعدائهم, كما شهد المتنبي معارك سيف الدولة مع الروم وغيرهم.
2- ومن الأغراض التي وُفِّقَ الشاعر للقول فيها العتاب، وقد سلمت له أبيات جيدة في هذا الباب مثل قوله يعاتب آل عوان:
إني على العهد القديم وإنما ... حظ الأديب عداوة الأرزاق
عاملتموني بالجفاء، رويدكم ... الورد ذو أرجٍ بلا إحراق
مالي أراكم تنكرون مكانتي ... الشمس لا تخفى من الإشراق
قلدتم غيري الجميل وقلتم ... حسب الخغرد زينة الأطواق
أسديتم الجدوى له وسددتم ... طرق الرجاء عليَّ بالإطراق
إن لم يكن مثلي يسيء ومثلكم ... يغضي، فإين مكارم الأخلاق؟
ويقول معاتبًا صهرًا له:
هلّا اتخذتم سوى أعراضنا غرضًا ... يُرْمَى وصيرتم الإكثار تقليلا
إنا لنضرب صفحًا عن بوادركم ... ولو أردنا أسأنا الرد تنكيلا
لكن نصون عن الفحشاء ألسنةً ... هي الأسنة تجريحًا وتعديلا
فليتكم تحسنون الظن إذ حسنت ... منا الظنون، وكان الود مأمولا
رأيت وصلكم قطعًا وحبكم ... بغضًا ونصركم للصهر تخذيلا
ومن عتابه الرقيق قوله:
كنا وكنتم فأكثرنا زيراتكم ... ونحن مثلان في فقر وإفلاس
كانت مناسبة الحالين تجمعنا ... ومن يدوم على حال من الناس
(1/140)

والعتاب، كما نعلم، بابًا ليس جديدًا في الشعر العربيّ، بل طرقه قبل الساعاتي كثيرون, وأتت معانيه فيه مما وردت عند غيره من شعراء العتاب، وكان الساعاتي أحيانًا يستعمل الكلام المألوف العاديّ في العتاب, حتى يفهم المعاتب ما يقول:
3- وقد ظهرت شخصيته في نصائحه التي قدمها لممدوحيه، والتفاته للشعب، وطلب الرأفة به، وحسن معاملته، كقوله للشريف ابن عون:
فما استقام عماد الملك منتصبًا ... إلّا إلى قائم بالعلم والعمل
ودولة الجد ما انقادت ولا خضعت ... إلّا إلى عادل للشرع ممتثل
ما راقب الله مولى في رعيته ... إلّا وأدرك منها غاية الأمل
ويطلب العفو لأعداء ممدوحه محاكيًا المتنبي في توسطه لدى سيف الدولة لبني كلاب، فمن ذلك قوله:
للسلم قد جنحوا فمنوا واصفحوا ... ما قتل نصفهم من الإنصاف
وإذا أساءوا أحسنوا لمسيئهم ... وراعوا مقام بقية الأحلاف
وإذا هم اقتتلوا وشدوا أصلحوا ... ما بينهم خير من الإجحاف
4- وكانت له دعابات طريفة تدل على روح مرحة، وبديهة طيعة، ونكتة رائقة, وهذا طابع المصريين غالبًا لا يستطيعون عنه حولًا، فمن ذلك قوله يعزي منافسه وحاسده الشيح زين العابدين المكيّ، وقد نفقت فرسه في طريق جدة:
قضت وهي تدعو فالق الحب والنوى ... بقلب كئيب دقه الحب والنوى
فكيف يعزى الشيخ في الفرس التي ... به طوت الأسفار صبرًا على الطوى
وكانت به تجري مع الريح خفة ... وأشبعها جريًا فعاشت على الهوى
وإن حملت ما لا تطيق لضعفها ... تعوج منها الظهر والذنب استوى
قضت، وهي ما ذاقت شعيرًا لزهدها ... فما شعرت إلّا وعرقوبها التوى
(1/141)

ألَا أيها الخل الذي طال حزنه ... عليها وفي أحشائه التهب الجوى
فعش أنت واسلم والحمير كثيرة ... ومثلك معدوم النظير لما حوى
ألا تذكرنا هذه القصيدة بالبهاء زهير حين يقول:
لك يا صديقي بغلة ... ليست تساوي خردلة
تمشي فتحسب أنها ... فوق الطريق مشكلة
هي روح الدعابة المصرية تتجلى دائمًا حين ينطلق شعراء مصر على سجيتهم, لا يتكلفون القول، ولا يتزمتون.
ومن دعاباته الظريفة قوله معرضًا ببعض النحاة, وواصفًا لهم ولحركاتهم وخلطهم:
إذا ارتفعت بالنحو أعلام علمنا ... جعلنا جواب الشرط حذف العمائم
ليعلم من بالنصب يرفع نفسه ... بأن حروف الخفض غير الجوازم
ويعلم من أعياه تصريف اسمه ... بأنا صرفناه كصرف الدراهم
نصبنا على حالٍ من العلم والعلى ... وكنا على التمييز أهل المكارم
لأنا رأينا كل ثور معمم ... يكلف قرنيه بنطح النعائم
يجر من الإذلال فضل كسائه ... كأن الكسائي عنده غير عالم
إذا نظر الكراس حرك رأسه ... وصاح: أزيد قام أم غير قائم؟
وقال: المنادى اسم شرط مضارع ... وظرف زمان نحو جاء ابن آدم
وجمعك للتكسير اسم إشارة ... كقولك: نام الشيخ فوق السلالم
5- وقد تغنى الشاعر في بعض قصائده بمصر وأمجادها، وإن لم يظهر من الروح الوطنية مثل الذي أظهره رفاعة الطهطاوي، فمن ذلك قوله مادحًا إسماعيل:
على أنها من جنة الخلد غيضة ... رياض بها عين وأنت ضياء
فأبصرت فردوسًا تدانت قطوفها ... وللنيل فيها كوثر وشفاء
ومصر هي الدنيا جميعًا وربها ... عزيز وأهلوها هم النجباء
(1/142)

وكان الساعاتي يدرك أنه مطبوع على قول الشعر، وأنه استطاع أن ينجو ببعض شعره من آفات القول، وأوضار الشعر التي انتشرت في زمانه، وقبل زمانه، ويقول في هذا:
فلا تحسبني بالوضيع مكانهً ... في القائلين وما أقول هذاء
ويقول:
وما أنا إلّا ناظم در فكرتي ... ولم أنتحل فيما أقول وأسرق
ويقول:
وما أنا إلّا شاعر ذو طبيعة ... ولست بسراق كبعض الأعاجم
على أن هذا كله لا يعفي الشاعر من أنه أراق ماء وجهه في الطلب؛ حيث يقول مادحًا توفيق باشا:
أريد ورودًا من نداكم لأرتوي ... كما يطلب الصادي على البعد موردا
فسيرت آمالي دليل قصائدي ... لنيل الأماني علَّ أبلغ مقصدا
وأنه كان يرى الشعر ثمنًا للمال، وأن المسألة بيع وشراء، وأخذ وعطاء:
مني المدائح والمنائح منكم ... لا غبن إن كليهما آلاء
تعتاض من بذل النضار جواهرًا ... هذا بذلك وفي البقاء نماء
وأنه أسرف في الصناعات اللفظية، واستعمال المحسنات البديعية, كما يدل على ذلك معظم شعره، وقد نظم قصيدةً كاملةً في مدح الرسول -عليه السلام- معارضًا بها ابن حجة الحموي، والبوصيري، وكل بيت منها يشتمل على محسن بديعيّ، وفيها يقول، وقد بلغ عدد أبياتها مائة وخمسين بيتًا:
(1/143)

براعة استهلال:
السفح الدموع لذكر السفح والعلم ... أبدى البراعة في استهلاله بدم
التورية:
وكم بكيت عقيقًا والبكاء ... بدر، وتوريتي كانت لبدرهم
الجناس التام:
أقمار تم تعالوا في منازلهم ... فالصب مدمعه صب لبعدهم
وأن الشعر عنده -كما كان عند معاصريه- مهارة لفظية، وصناعة خالية من الروح والشعور، ومقدرة على صياغة منظومة, فمن ذلك قوله موريًا:
قالوا: اتخذ لك خادمًا، فأجبتهم: ... أنّى يكون لناظم الشعر الرقيق؟
قالوا: التمس لك طيب عيش، قلت: لا ... يرجى لرب اللفظ والمعنى الدقيق
وقوله في الجناس، وكل القصيدة على هذا المنوال:
أيا من به صار الزمان سعيدًا ... ومن كل وفاه آنس عيدًا
أما التأريخ الشعريّ، والألغاز فكثيرة.
هذا، وقد شغل الساعاتي عدة مناصب في الدولة، فمن موظف بالمعية، إلى موظف في مجلس الأحكام المصرية "وكان بمثابة هيئة الاستئناف العليا في عهدنا"، وكان يرأسه الأمير إسماعيل في عهد سعيد, ومدح من حكام مصر في العهد السابق سعيدًا، وإسماعيل، وتوفيقًا، ومات في سنة 1298هـ-1880م, قبل أن تندلع الثورة العرابية.
4- عبد الله فكري:
وهو يمثل المدرسة الثالثة من المقلدين، تلك المدرسة التي قلد أربابها بلغاء القرن الرابع؛ كالصاحب بن عباد، وابن العميد، وقلدوا كذلك في حياتهم وأسلوبهم وتنميق رسائلهم القاضي الفاضل، وابن مطروح، واستطاعوا بما أوتوا
(1/144)

من تضلع في اللغة، وتمكن من الأدب، وذوق مرهف حساس ألَّا يكونوا صدًى لهؤلاء الكُتَّاب القدامى، بل أضفوا على ما كتبوا طابعهم وشخصيتهم، ومثَّلوا عصرهم بعض التمثيل، فتشعر حين تقرؤهم أنك تقرأ كتابًا في القرن التاسع عشر، وذلك لخوضهم في الموضوعات الحيوية للبلاد، ولتخلصهم في بعض الأحيان من قيود الماضي جملةً، فلا سجع ولا تنميق ولا تزويق ولا محسنات، وإنما يتبعون طريقة ابن خلدون في الترسل, مع متانة نسج, وحسن عرض, وإن كانوا في كثير من الأحيان, ولا سيما حين يحتفلون بكتاباتهم، أو يراسلون عظيمًا أو أديبًا، أو يتحدثون عن لسان السلطان أو الأمير، يعمدون إلى الأسلوب الشعريّ المنثور، بما فيه من خيالٍ وسجعٍ، وفقراتٍ تختلف طولًا أو قصرًا، ويزخرفون كتاباتهم ويرصعونها بشتَّى الحلى اللفظية والمعنوية، وهنا تتضاءل شخصية بعضهم, وتحافظ شخصية آخرين على وجودها في وسط هذه الزينات والتقاليد تبعًا لتمكن الكاتب من موضوعه، وحذقه للغة، ومتانة شخصيته, وتمييز خصائصها.
كان لديوان الإنشاء في الدولة العربية منزلةً ساميةً، يتوصل به الكاتب والشاعر إلى أرقى مناصب الدولة، منذ سهل بن هارون، ومحمد بن عبد الملك الزيات، وابن العميد، والقاضي الفاضل، وابن مطروح، وقد مضى على مصر حين من الدهر استعجمت فيها لغة الدواوين، وسادت التركية، وصدرت بها قوانينها ورسائلها، ووصلت العربية الحضيض، ولم يبق فيها إلّا ذماء يسير، وحاول إسماعيل -كما ذكرنا- بعث اللغة العربية، وترجمة القوانين التي صدرت من عهد محمد علي حتى أيامه من التركية إلى العربية، كي يسهل عليه الانفصال عن الدولة العثمانية حينما تلوح الفرصة، وقد كان لعبد الله فكري يد كريمة في هذا العمل الجليل، فبعث اللغة الديوانية، لا ركيكة ولا سخيفة، بل ممتلئةً رونقًا وقوةً، فصار نموذجًا يحتذى، وأستاذًا يأخذ الناس عنه طريقة الكتابة الديوانية, وتدبيج الرسائل الأدبية.
(1/145)

ولد بالحجاز سنة 1250هـ-1834م, من أب مصريّ1 وأم من بلاد المورة, وعاد به والده إلى مصر بعد عودة جيوش محمد علي من الحجاز، ولكنه توفي ولما يبلغ عبد الله الحادية عشرة من عمره، فكفله بعض أقاربه، ودخل الأزهر, وتلقى العلوم المتداولة على كبار مشايخه، وكان في نفس الوقت يدرس اللغة التركية، فلما حذقها عُيِّنَ في القلم التركيّ في الديوان الكتخدائي، وظل مع اشتغاله بالوظيفة يتردد على الأزهر، والتحق بعدة وظائف ديوانية، ثم عُيِّنَ بمعية سعيد، وتولَّى فيها تحرير الرسائل الديوانية بالتركية والعربية، وظلَّ في منصبه حتى تولى إسماعيل عرش مصر، فأبقاه وقربه وسافر معه مراتٍ إلى الآستانة، ثم عهد إليه بتثقيف أولاده وغيرهم من أمراء الأسرة، فكان يباشر تعليمهم أحيانًا، أو يشرف على المدرسين أخرى, ولما نُقِلَ إلى وزارة المالية, كان له الفضل في جمع الكتب الموجودة بها، وضمها إلى دار الكتب حين أنشأها علي مبارك. وبعد ذلك عهد إليه بترجمة اللوائح والقوانين، وتنقيحها, فأدى هذه المهمة الجليلة على أكمل وجه، ثم عُيِّنَ وكيلًا لديوان المكاتب الأهلية، فرفع مستواها وجعلها صالحةً لتغذية المدراس الأميرية، فوكيلًا لنظارة المعارف مع شغله منصب الكاتب الأول في مجلس النواب، وقد ارتفعت طريقة تعليم العربية على يده, وهجرت طريقة الأزهر، ثم عُيِّنَ وزيرًا للمعارف في وزارة محمود سامي البارودي، ولما استقالت الوزارة بسبب الثورة العرابية، اتهم بممالأته للثوار بعد انتهاء الثورة، وقبض عليه, ولكنه برئ، فأطلق سراحه, وعاقبوه بقطع راتبه، فراح يستعطف الخديوي توفيق، وقال في ذلك قصيدته المشهورة:
كتابي توجه وجهة الساحة الكبرى ... وكبر إذا وافيت واجتنب الكبرا
__________
1 أبوه محمد بليغ بن الشيخ عبد الله, وكان الشيخ عبد الله، من علماء المدرسين بالأزهر، أما محمد والد عبد الله فكري فكان مهندسًا بالجيش، ووصل فيه إلى رتبة صاغ، وحضر عدة مواقع حربية منها حرب المورة، وفيها تزوج أم عبد الله فكري، وولدته بالحجاز حين ذهبت مع زوجها في الحرب السعودية.
(1/146)

فعفا عنه توفيق، وأعاد إليه راتبه، وقام بعد ذلك بعدة رحلات إلى الحجاز ولبنان، ولقي فيهما كل ترحاب وإجلال لمكانته الأدبية، ولما رأى فيه أهلها من سعة علم وعظيم فضل وحسن حديث.
وفي سنة 1888 مَثَّلَ مصر في مؤتمر المستشرقين باستكهلم عاصة السويد, وصحبه نجله أمين باشا فكري، وقام بسياحة عظيمة شهد فيها معظم عواصم أوربا, ولما عاد عكف على تدوين رحلته، ووصف ما شاهد من المناظر في أوربا، وما رأى من آثار الغرب، وكيف استطاع العقل البشريّ أن يسخر الطبيعة ومواردها لخدمة الإنسان، غير أن المنية لم تمهله, فقضى بعد عودته بزمنٍ وجيزٍ، وأتم نجله أمين كتابة الرحلة, وسجلها في كتاب أسماه: "إرشاد الألبا إلى محاسن أوربا" في سنة 1892, هذا وقد توفي عبد الله فكري سنة 1307هـ -1889م.
ونرى من حياته التي سردنا تاريخها موجزًا، أنه ديوانيّ النشأة والمربى والعمل، فلا بدع إذا تجلّى أثر عبد الله فكري في الكتابة الديوانية، ولما كنا في صدد ذكر الشعراء الذين ظهروا في عصر إسماعيل, والمدارس التي ينتمون إليها، وقدَّمنا أن عبد الله فكري يمثل إحدى هذه المدارس التقليدية، وكان حريًّا بنا أن نذكر نماذج من شعره، على أنه يمثل بكتابته تلك المدرسة التي تظهر فيها شخصية الكاتب والأديب واضحةً أكثر مما يمثلها بشعره، بل إن شعره لينتمي إلى مدرسة علي أبي النصر أو الساعاتي، وذلك لأن عبد الله فكري تفوق في نثره تفوقًا باهرًا, وكان أكثر منه شاعرًا.
كان يمثل في شعره مدرسة الصنعة لا مدرسة الطبيعة، يؤرخ لكل مناسبة، ويشطر يقول الألغاز والأحاجي، ويقول كما يقول الندماء في وصف الآنية ومجالس الأنس والأزهار وغير ذلك، ويكثر من المحسنات ينتزعها انتزاعًا، ويحشرها حشرًا شأن المدارس التقليدية، وقلما انطلق على سجيته، وترك نفسه لطبيعتها.
(1/147)

اسمعه يؤرخ زواج الأمير حسين كامل بالأميرة عين الحياة:
بشر بأحسن فألٍ ... يقول والقول يصفو
أرّخ لنحو حسين ... عين الحياة تزف
ويقول في هذه المناسبة:
بشرى يطالع سعد ... بالبشر واليمن آتٍ
تزف للبدر شمس ... تسموا على النيرات
بخير فأل سعيد ... يومي لطول حياة
يقول والفأل حق ... عن سيد الكائنات
أرخ لنحو حسين ... تزف عين الحياة
94 128 487 130 450
المجموع 1289.
ويؤرخ لانتصار الأتراك على الروس، وأخذهم ميناء "سباستبول" بعد تخريب قلاعها سنة 1272هـ, وكل مصراع من المطلع يساوي هذا التاريخ.
لقد جاء نصر الله وانشرح القلب ... لأن بفتح القرم هان لنا الصعب
وقد ذلت الأعداء من كل جانب ... وضاق عليهم من نفيح الفضا رحب
بحرب تشيب الطفل من فرط هولها ... يكاد يذوب الصخر والصارم العضب
إذا رعدت فيها المدافع أمطرت ... كئوس منون قصرت دونها السحب
تجرع آل الأصفر الموت أحمرًا ... وللبيض في مسود هاماتهم نهب
تراهم سكارى، للظبا في رءوسهم ... غناء، ومن صرف المنايا لهم شرب
وقد سقنا مع البيت الأول الذي فيه التأريخ بعض أبيات من هذه القصيدة لنرى مدى قوته في وصف الحرب، وقد مرَّ بنا شاعر معاصر له، أو قريب منه، أجاد في هذا الغرض، ألا وهو الساعاتي, إن أثر الصنعة، وضعف النسج، وضحالة الخيال، وتفاهة المعاني، واقتناص المحسنات، كلها محشودة في هذه الأبيات.
(1/148)

وهاك مثلًا آخر يقلد فيه القدماء في معانيهم وأخليتهم, بما لا يناسب قاهريته وحضارته، فتشبيهاتٌ قديمة، وخيالٌ سخيفٌ، وديباجة ضعيفة، وجري وراء المحسنات، وموضوع هذه القصيدة المديح، وقد ابتدأها بالنسيب كما كان يفعل القدماء قال:
أزاحت ظلام الليل عن مطلع الفجر ... وقامت تدير الشمس في كوكب دري
وهزت على دعص النقا غصن بانة ... ترنح في أوراق سندسه الخضر
ومالت بها خمر الصبا مثلما انثنت ... نسيم الصبا بالأملد النام النضر
من الترك لم تترك لصب محجة ... إلى الصبر أو نهجًا لعذل إلى العذر
وبيضاء سوداء اللحاظ غريرة ... من الغيد ريا الردف ظامئة الخصر
ممنعة لا تجتني ورد خدها ... يد اللحظ إلا بين شوك القنا السمر
من الروم مثل الريم جيدًا ولفتةً ... ولحظًا ومثل الغص والشمس والبدر
فهي لم تترك نصب محجة إلّا أنها من الترك، وهي مثل الريم جيدًا, ولفتة لأنها من الروم، ومالت بها خمر الصبا مثلما انثنت نسيم الصبا بالأملد النضر، وهزت على دعس النقا غصن بانة.. وغير ذلك من هذه العبارات المحفوظة والقوالب المعدة، وذلك الوصف الماديّ الرخيص الذي لا يمثل المرأة إلّا سلعةً.
وقد قال في الأغراض التي نظم فيها كتاب الدولة الأيوبية ورؤساء دواوين الإنشاء، فكان يصف الآنية والأزهار، ويشبه بالنفائس على طريقة الظرفاء المقتدى بهم في عصر الأيوبيين وما بعده، خلال المنادمات والمطارحات، فمن ذلك قوله يصف نارًا موقدة في فحم حوله رماد:
كأنما الفحم ما بين الرماد وقد ... أذكت به الريح وهنا ساطع اللهب
أرض من المسك كافور جوانبها ... يموج من فوقها بحر من الذهب
وقال في الورد:
كأن وردًا في كمه ... يزهو بثوبي خضرة واحمرار
ياقوتة في سندس أخضر ... أو وجنة خط عليها العذار
(1/149)

وكان يقول الشعر في أغراض التظرف مثلما قالوا، وله في هذا بعض المقطوعات الصغيرة، فمن ذلك قوله مجيبًا مليحًا, قال له: كيف أصبحت؟
أصبحت من فرط وجدي فيك ذا شجن ... وكانت الروح كادت أن تفارقني
فمذ لقيتك كل الهم فارقني ... وألف الله بين الروح والبدن
وقال في مليحٍ رآه أول الشهر مستعملًا الجناس التام:
وبدر تبدّى شاهرًا سيف جفنه ... فروع أهل الحب من ذلك الشهر
وليلة أبصرنا هلال جبيته ... علمنا يقينًا أنها غرة الشهر
وقال يتغزل:
كتبت ولولا دمع عيني سائل ... تلظّى جوابي من تلهب أنفاسي
وعندي من الأشواق ما لم يبح به ... لسان يراع في مسامع قرطاس
ولي من تباريح الهوى وشجونه ... أحاديث تلهي الشرب عن لذة الكأس
ولو كنت من دهري أنال مآربي ... لسرت لكم سعيًا على العين والرأس
وكتب يعتذر للشيخ عبد الهادي نجا الإبياري عن دعوة وصلته منه متأخرة1.
يا من بديع حلاه ... تزري البديع وتنسى
وفات عقيلة نظم ... تتلوا فصاحة قس
كالبدر لاح سناه ... من بعد مغرب شمس
فغادرتني صريعًا ... نشوان من غير كأس
فمن بالعفو إني ... منه على غير بأس
وإن عتبت فحق ... وما أبرئ نفسي
__________
1 وصلت رقعة الشيخ الإبياري بعد غروب الشمس وفيها يقول:
يا نور فكري وسري ... وروح روحي ونفسي
لدى شامة شام ... لطيف معنى وحس
يود كل أديب ... لقياه رغبة أنس
فإن تمن فشرف ... من قبل مغرب شمس
(1/150)

وكتب إلى أحمد فارس الشدياق ردًّا على قصيدةٍ له:
تفديك نفس شج عليل آسى ... عز الدواء له وحار الآسى
أضناه طول أساه حتى إنه ... يحكي لفرط ضناه ذاوي الآس
هزته سارية النسيم، وقد جرت ... بشذا فروق أريجة الأنفاس1
فكأن في طي الشمال، إذا انثنى ... من نشرها طربًا، شمول الكاس2
وكأنها حملت إليَّ رسالة ... غراء جاءت من أغر مواسي
كمليحة عذراء وافت صبها ... من بعد طول تعذر وشماسي
يفتر مبسمها بحسن حديثها ... عن سحر فاتن جفنها النعاس
تدنو فيطمع عاشقيها أنسها ... ويشير عز دلالها بإياس
أو روضة فيحاء حياها الحيا ... من صوب محلول العرى رجاس3
ولك هذا الذي رويناه له شعر مصنوع لا يفصح عن طبع وسليقة، أو شعور دفعه إلى القول بما يختج في نفسه، ومن هذا النمط قوله في الحكمة والمواعظ:
إذا رمت المروءة والمعالي ... وأن تلقى إله العرش برًّا
فلا تقرب لدى الخلوات سرًّا ... من الأفعال ما تخشاه جهرًا
وقوله ينصح ولده أمين وهو صغير:
إذا نام غر في دجى الليل فاسهر ... وقم للمعالي والعوالي وشمر
وخل أحاديث الأماني فإنها ... علالة نفس العاجز المتحير
وسارع إلى ما رمت ما دمت قادرًا ... عليه، فإن لم تبصر النجح فاصبر
ولا تأت أمرًا لا ترجى تمامه ... ولا موردا ما لم تجد حسن مصدر
وعود مقال الصدق نفسك وارضه ... تصدق، ولا تركن إلى قول مفترى
ودع عنك إسراف العطاء ولا يكن ... لكفيك في الإنفاق إمساك مقتر
ولا تقف زلات العباد تعدها ... فلست على هذا الورى بمسيطر
__________
1 فروق من أسماء استامبولي
الشمول: الخمر.
محلول العرى: المطر الغزير الذي لا يحجبه شيء، والرجاس: الشديد الصوت.
(1/151)

وهذا من الشعر التعليميّ الذي لا ينبيء عن خيال عميق؛ لأن الحكمة نظم للحقائق المجردة، والحقيقة المجردة منتزعة من صميم الوجود، وقائل الحكمة السائرة عالم بطباع الناس, يضع العالم أمام ناظريه, ويشرف عليه من علٍ، وكأنه ينظر في كفه فيستقري الحوادث والطباع، ثم ينطق بالحكمة تصلح لكل زمان ومكان، من أمثال ما نظم المتنبي وغيره من فحول الشعراء، وأين منهم عبد الله فكري في مواعظه المدرسية هذه؟ على أنها تعد من خير شعره وأسلسه وأوضحه.
ومن شعره، وربما كان فيه من الشاعرية، لصراحته وتصويره نفسية امرأة فرنجية تتجر بعرضها, وتتهافت على المال، وما حدث له معها:
وهيفاء من آل الفرنج حجابها ... على طالبي معروفها في الهوى سهل
تعلقها، لا في هواها مراقب ... يخاف ولا فيها على عاشق بخل
إذا أبصرت من ضرب باريز قطعة ... من الأصفر الإبريز زل بها النعل
فلما تعرضنا الحديث تعرضت ... لوصل ومن أمثالها يطلب الوصل
فرحت بها في حيث لا عين عائن ... ترانا، ولا بعل هناك ولا أصل
وبت ولي سكران من خمر لحظها ... وراح ثناياها، ومن خدها نقل
وقمت ولم أعلم بما تحت ثوبها ... وإن كان شيطاني له بيننا دخل
ومن خير شعره قوله:
أنسيت ليلتنا وقد خلص الهوى ... منا، وحبل الوصل وهو متين
بتنا على فرش العفاف وبيننا ... نجوى ترق لها الصفا وتلين
ومن أحسن شعره قصيدته التي يعتذر فيها للخديو توفيق، ويتنصل من اشتراكه في الثورة، ويطلب إرجاع راتبه المقطوع، وإن كانت معانيها مما يخطر لكل شاعر وليس فيها جديد، وهي تنبيء عن تلك الروح الذليلة التي تمثلت في كبار رجال الدولة إبّان عصور الظلم:
كتابي توجه وجهة الساحة الكبرى ... وكبر إذا وافيت واجتنب الكبرا
وقف خاضعًا واستوهب الإذن والتمس ... قبولًا وقبل سدة الباب لي عشرا
(1/152)

وفيها يقول:
مليكي ومولاي العزيز وسيدي ... ومن أرتجي آلاء معروفة العمرا
لئن كان أقوام عليَّ تقوَّلُوا ... بأمر فقد جاءوا بما زوروا نكرا
حلفت بما بين الحطيم وزمزم ... وبالباب والميزاب والكعبة الغرا
لما كان لي في الشر باعٌ ولايد ... ولا كنت من يبغي مدى عمره الشرا
ولكن محتوم المقادير قد جرى ... بما الله في أم الكتاب له أجرى
أتذكر يا مولاي حين تقول لي ... وإني لأرجو أن ستنفعني الذكرى
أراك تروم النفع للناس فطرة ... لديك، ولا ترجو لذي نسمة ضرا
فعفوًا أبا العباس لا زلت قادرًا ... على الأمر، إن العفو من قادر أحرى
أيجمل في دين المروءة أنني ... أكابد في أيامك البؤس والعسرا
ولعلنا بعد لك هذا الذي رويناه له, قد أخذنا فكرةً واضحةً عن منزلته بين الشعراء، وقد ذكرنا آنفًا أنه اشتهر بالكتابة، وأنه كاتب أديب أكثر منه شاعر، وشعره في الواقع قليل إذا قيس بما ترك من مقالات ورسائل، وكتب وشروح وغير ذلك.
نثره:
استطاع عبد الله فكري أن يرتقي بالكتابة الديوانية، وأسلوب الرسائل والمكاتبات إلى منزلة سامية، وأعاد إلى الأذهان عصر رؤساء ديوان الإنشاء في العصور القديمة, واتخذ له خاتمًا {إني عبد الله آتاني الكتاب} ، لأن هذه الآية وافقت سنة ميلاده 1250هـ, كما كان لهؤلاء الرؤساء خواتم.
وكان له أسلوبان في نثره: أحدهما: وهو الغالب, وبه كتب أكثر رسائله, هو ذلك الأسلوب الذي يحتفي بعبارته، وموسيقاه, ويختار ألفاظه، وبه خيال شعريّ، ومعانٍ دقيقة معارضًا فيه أسلوب القاضي الفاضل، أو بديع الزمان، أو الخوارزمي، أو ابن العبيد، وثانيهما: أسلوبٌ مرسلٌ سهلٌ يجري مجرى الكلام العاديّ, وهو أسلوب الصحافة في عهده, ولكنه قليل فيما ترك من آثار.
(1/153)

ومن الأسلوب الأول قوله من رسالةٍ لصديق، بَيَّنَ فيها أحوال أهل العلم في عصره, منتقدًا هذه الأحوال، متهكمًا بهم في لهجةٍ ساخرةٍ لاذعةٍ، قال: "كتبت والذهن فاتر من وهن الدفاتر، والتبييض والتسويد، والتقييد، والتسديد، والترجمة وكثرتها، والهمة وفترتها، والماهية وقلتها، النفس وذلتها، وراتبي لا يكفي أجرة البيت، ولا يفي ثمن الماء والزيت, وبالأمس وعد الوكيل بالزيادة، واعتذر اليوم بالأصيل على العادة، على أنه لو حصلت زيادة، فلزيد ولعمرو، إلى آخر الزمر، ولله الأمر، أحوال متبددة، ونفوس متبلدة، وأشغال متعددة، وإخوان خُوَّان, وخلان غيلان، ورفاق، وما أجمل الفراق.
وقلت:
إلام أعاني الصبر والدهر غادر ... وحتى متى أشكو وما لي عاذر
ولو أنني أشكو عظائم شدتي ... لميت لرقت لي العظام النواخر
وسألت عن فلان وفلان، وهيان بن بيان، ممن ينتسب للعلم وأهله، ويتظاهر بشعار فضله، ولو كان العلم بلحيةٍ تعظم وتطول، وشوارب تحفّ وتستأصل، وعيون على ما بها من غمضٍ ورمضٍ تكحل، وعمامة تعظم حتى ترذل، وطيلسان يلف ويسدل، وكم يوسع ويسبل، وأحاديث خرافة تقص وتنقل، ومحفظة تفعم وتثقل، وسواك يظهر من العمامة نصفه، وكتاب يخرج من الجيب طرفه، ثم بتشدق في الكلام، وبتباله في المرام، وتعسف في الأفهام، وحرص على الحطام، ثم يقول الإنسان: حضرت درس فلان، وسمعت من لفظه باللسان، وقضيت في العلم كذا سنة من الزمان، فهم أعلم من أقلته الغبراء، وأفقه من أظلته الخضراء، وإن كان للعلم غير هذه الآلات، فما لهم سوى هذه الحالات, غاية الأمر أنهم قضوا أرذل العمر في كتب معدودة، وشروح موجودة، وهم يكررونها ولا يدرونها، ويقررونها ولا يحررونها، ويتداولونها ولا يعقلونها، ولو صرف حماري هذا العمر فيها، لأصبح فقيهًا، وأضحى نبيهًا، والذي يظهر مينهم وشينهم, وعلامة ما بيننا وبينهم, أن يؤمر أحدهم برقعةٍ تكتب لحاجة معهودة،
(1/154)

ويمتحن بكتاب غير هذه الكتب المعدودة، فيه بعض كلام العرب وأشعارها، وشيء من وقائعها وأخبارها، فإن كتب فصيحًا, وفهم مليحًا، عرفنا أنه شم عرف العلم وذاق طعم الفهم، وسلمنا إليهم ما يدعون، وتركنا لهم ما يأتون وما يدعون، وإن ارتبك للرقبة، ووقف حمار الشيخ في العقبة، عرفنا حاله وقلنا له:
أيها المدعي سليمى سفاهًا ... لست منها ولا قلامة ظفر
إنما أنت من سليمى كواو ... ألحقت في الهجاء ظلمًا بعمرو
وقد مررت بالأمس على أحدهم في الدرس، يقرأ القطر لابن هشام، ويلحن لحن العوام، ومررت بالأمس بآخر يدرس الكافي في علمي العروض والقوافي يقرر له:
قف على دراهم وابكين ... بين أطلالها والدمن
فلا وربك ما أقام له وزنًا، ولا عرف له معنى، مع سهولة مبناه وظهور معناه ... إلخ.
ومن هذا النثر المسجوع قوله يصف حديقة:
ثم خرجت إلى حجة حالية، أعدت فيها فرش عالية، وأدوات غالية، وسطعت بها روائح الطيب والغالية، وقد أكملت وجوه تحسينها، وأتمت أسباب تزيينها، وهي على حديقة ذات أفنان، وأنواع من الزهور وألوان، وثمرات حسان، وقد فاح الطيب من محاجر أزهارها، وصاح خطيب العندليب على منابر أشجارها:
رياض كديباج الخدود نواضر ... وماء كسالسال الرضاب برود
فجلست أجيل فيها الظر، أتأمل محسان الروض غب المطرن وأطالع ما رقمه الطل في صحائف الغدارن، وأرى خواتم الزهر حين تسقط من أنامل الأغصان:
(1/155)

من قبل أن تشرف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الأقاح
ومن ذلك الضرب من النثر الذي يذكرنا بكُتَّاب الإنشاء في الدولة الأيوبية وما قبلها, وفيه بعض القوة والعافية في سجعاتٍ قصيرة الفقرات نوعًا قوله من رسالة:
سلام يعبر عن الوداد طيب عبيره، ويخبر عن إخلاص الفؤاد لطف تعبيره، وثناء على محاسن تلك الشمائل، أرق من نسمات الشمائل1، وتحية بهية تباهي الخمائل بنفحات أورادها، وأدعية مرضية جعلتها الألسنة خير أورادها، وسؤال عن المزاج الزاهر, وصحة الخاطر الباهر، لا زلتم محل نعمة يتصل على مدى الأيام بقاؤها، ويزيد على مر الشهور الأعوام بهاؤها، ولابرحت ثغور الإقبال إليكم بواسم، ورياح الآمال لديكم مواسم.
وبعد، فإني بي من الأشواق، ما تضعف عن حمله إلى حماكم الأوراق، ومن التأسف على ما حرمته من لقياكم، والتهلف إلى مطالعة محياكم, ما يقصر عن وصفه لسان اليراعة، ويقصر دون وصفه بيان البراعة، ويضيق عنه نطاق العبارة، ولا ينفسح له ميدان الإشارة.
ومن رسائله التي تذكرنا بأسلوب العصر العباسيّ الثاني, عصر الصاحب بن عباد, والخوارزمي، وابن العميد قوله معزيًا:
يعزُّ عليَّ أن أكاتب سيدي معزيًا، أو ألم به في ملمة مسليًا، ولكنه أمر الله الذي لا يقابل بغير التسليم، وقضاؤه الذي ليس له عدة سوى الصبر الكريم، وقد علم مولاي "أجمل الله صبره, ولا أراه من بعد إلّا ما سرَّه, وشرح صدره" أن الله -جل ثناؤه وتباركت آلاؤه- إذا امتحن عبده فصبر, آجره وعوضه بكرمه، كما أنه إذا أنعم عليه فشكر زاده، وضاعف له نعمه، وقد عرف من حال سيدي في الشكر على السراء، ما يستوجب المزيد منها، والظن بحزمه وعلمه أن يكون حاله في الصبر على الضراء ما يستجلب الأجر والتعويض عنها.
__________
1 الشمائل الأولى: الطباع، والشمائل الثانية: جمع شمال.
(1/156)

قد استعمل عبد الله باشا فكري الأسلوب المسجوع في كل بابٍ وغرضٍ، حتى في التقارير الفنية، والمنشورات العامة و"الفرمانات" فمن ذلك صورة "الفرمان" الآتي بتنصيب محافظ:
"صدر هذا الفرمان المطاع، الواجب له القبول والاتباع، خطابًا إلى الحكام والعلماء، والقضاة والأعيان، والوجوه والعمد ومشايخ البلدان، وعموم الأهالي المتوطنين محافظة كذا بجهات السودان، ليكون معلومًا لديكم بوصول هذا المنشور إليكم، أنه قد نصَّت إرادتنا تنصيب فلان محافظًا عليكم، لما توسمناه فيه من الدراية, والاستعداد والسلوك في طرق الرشاد، وبذل الهمة في أمور المصلحة ومزيد الاجتهاد ... إلخ".
ومن هذه النماذج المتقدمة نرى أن هذا الأسلوب على ما به من سجعٍ، فإنه سهلٌ متين العبارة، تقل فيه المحسنات المتعمدة، ويطرق أغراضًا متعددة؛ منها: الديواني البحت، ومنها: ما يستعمل فيه الشعر, وقد أفاد هذا الأسلوب الكُتَّاب من بعده، وصار لهم قدوةً ولكنه أخر تخلص النثر من طريقة هذه المدرسة الديوانية حتى أوائل عصرنا الحاضر؛ لأن أرباب هذا الأسلوب شغلوا المناصب الرفيعة, فظن الشادون في الأدب أنهم لو قلدوهم لوصلوا إلى ما وصلوا إليه، فتمسكوا بأسلوبهم أمدًا غير يسير, والحق أن الغرض الأدبيّ المهم يحتاج إلى عبارةٍٍ خاصةٍ يحتفي بها الكاتب بعض الاحتفاء، ويضعها في قالب جميل تناسب الغرض الذي قيلت فيه، حتى لا تذهب بنفاسة الموضوع تفاهة العبارة، وتجويد العبارة محبوب مرغوب فيه على شريطة ألّا يضحي بالمعنى من أجل لفظة, أو سجعة, أو محسنٍ خاصّ.
ولقد استطاع عبد الله فكري أن يسترد بأسلوبه هذا للغة العربية مكانتها التي فقدتها عدة قرون، وأن يزيح التركية من أمامها، ويثبت قدميها في الدواوين, وفي لغة الرسائل، واضحة، أدبية، جذابة.
أجل! لم يكن عبد الله فكري من هؤلاء الذين طرقوا موضوعات جديدة في كتاباتهم، بل استخدموا مقدرتهم البلاغية في الأغراض القديمة من تعزية وتهنئة، ووصف ومدح, واعتذار وعتاب، ومنشورات على لسان الأمير، وتقارير عن مهمات وكلت إليهم، وغير ذلك من الأغراض المطروقة، ولم يكن للأفكار الجديدة، ولا
(1/157)

للأغراض القومية أي تأثير عليه، وقد زاد نفوذ الأجانب، وقامت الثورة العرابية، ونكبت مصر بالاحتلال، ولم يسمع له كلمة تعبر عن هذه الأحداث، ولم يتألم لألم وطنه وذلته, كما تألم الشدياق، وأديب إسحاق، وعبد الله النديم، وجمال الأفغاني, وغيرهم، وما ذلك إلّا لأنه كان مثال الموظف الديوانيّ المخلص، البعيد عن الاشتغال بالمسائل العامة، والأمور الهامة.
ومن الأسلوب المرسل الذي تأثر فيه رجال الصحافة لعهده، ولا سيما أسلوب الجوائب, قوله من رسالة بعث بها إلى المرحوم عبد الله أبي السعود صاحب جريدة "وادي النيل":
"قد كنت وعدت فيما حررته سابقًا أني أكاتب حضرتكم بعد بما تيسر على حسب الإمكان، ومساعدة الزمان، والآن أريد أن أخبركم بمحاورة جرت بيني وبين بعض المتورعين من الناس فيما يتعلق بصحيفة "وادي النيل" وكتاب الجغرافية المطبوع في وريقاتها, وذلك أني رأيته ينكر على حضرتكم بعض المباحث المندرجة في ذلك الكتاب؛ ككون الأرض كرة، والقبة السماوية متخيلة، وما قيل في كيفية الكسوف والخسوف, ونحو ذلك، بعد اعتراف منه بأن الكتاب المذكور كتابٌ مناسب في موضوع مهم تدعو إليه الحاجة لمعرفة مواقع البلاد ومحالها, وأقسام الأرض وأحوالها، فإن هذا لا تنكر مزيته وفائدته في السياحة والتجارة وأمور التمدن والحضارة، فقلت له: قد علمت أن منشيء "وادي النيل" ليس مؤلف الكتاب المذكور، وإنما هو مترجم له، والمترجم ناقل ليس عليه عهدة ما ينقله، وإنما يلزمه صحة النقل، وتوفية حق الأداء على صحته، ولا يلزمه ما يترتب على الأصل المنقول عنه من نقدٍ ومؤاخذةٍ بعد عزوه لأصله، ونسبته إلى قائله، فلو سلم أن جميع تلك المباحث مما ينكر, فما عليه شيء من ذلك، فقد قالوا: إن ناقل الكفر ليس بكافر ... إلخ1 وهي رسالة طويلة تقع فيما يقرب من عشرين صفحة.
ومن نثره المرسل كذلك قوله في تقريرٍ عن رحلته إلى استوكهلم؛ حيث حضر مؤتمر المستشرقين:
__________
1 راجع الآثار الفكرية 221-222.
(1/158)

"ثم أشير إلي فقمت، وأنشدت قصدةً كنت أعددتها لذلك بعد ارتحالنا من باريس, فأتممتها في الطريق، وبيضتها في استوكهلم، فابتدأت أقول:
اليوم أسفر للعلوم نهار ... وبدت لشمس نهارها أنوار
ومضيت فيها إلى آخرها، وصفق الناس لكل من خطب، وبالجملة لي لما أتممت الإنشاد، وخاطبني أناس منهم باستحسنانها في اليوم، وحضر كاتب المؤتمر على أثر الفراغ منها, وساورني يطلب نسختها، فأخذها في الحفلة، وخطب بعد ذلك أناس منهم "المسيو شفر" وافد فرنسا، وكانت هذه الحفلة خاصة بعد ذلك ليس في تقديم موضوعات علمية ... إلخ".
على أن عبد الله فكري لم يكثر من هذا الأسلوب المرسل، وإنما كان من غواة النثر المسجوع، وهو بأسلوبه يمثل دورًا هامًّا مرَّ فيه النثر العربيّ من مرحلة الغثاثة والركاكة, إلى مرحلة القوة وتوخي الفصاحة وقواعد اللغة، بل والتأنق في الأسلوب، ولم يذهب تقليده لرؤساء ديوان الإنشاء في القديم بشخصيته وطابعه، بل لا يزال يعطينا صورةً عن عصره، ولم يأسره حب البديع ومحسناته, فيذهب بمعانيه بإغراقه فيه.
آثاره:
وتوفي سنة 1890، وله عدة مؤلفات منها: المقامة الفكرية في المملكة الباطنية، المطبوعة سنة 1289هـ، ومنها الفوائد الفكرية، وشرح بديعية محمود صفوت الساعاتي، ومنها جزء من شرح ديوان حسان بن ثابت، وكتاب "نظم اللآل في الحكم والأمثال" وكتاب "آثار الأفكار ومنثور الأزهار" طبع منه تسع ملازم بروض المدراس"، ومنها الفصول الفكرية للمكاتب المصرية، ورسالته التي كتبها في المقارنة بين الوراد في نصوص الشرع, والمقرر في علم الهيئة الفلكية، وغير ذلك من المراسلات والمقالات، وله أيضًا "إرشاد الألبا إلى محاسن أوربا" وقد أتمه ولده أمين بعد وفاته, وقد جمعت معظم آثاره في كتاب الآثار الفكرية، وترجم له في أوله المرحوم الإمام الشيخ محمد عبده.
(1/159)

هذا وقد كان لعبد الله فكري عناية برواية الحديث, وله طرق عديدة وأسانيد سديدة1.
5 - السيد عبد الله الألوسي2:
ولد في بغداد من أسرة مشهورة بالعلم سنة 1248هـ-1832م، وتلقى العلم على والده، فعرف شيئًا من النحو ورويّ الشعر، وقرأ القرآن، والتفسير, والحديث, وغير ذلك من العلوم التي كانت تدرس في المساجد، والتي لا تزال تدرس في الأزهر حتى اليوم في الكتب الموروثة3.
ولم نترجم للسيد الألوسي، لأنه أديب نابغة، أو شاعر ملهم، وإنما لنعطي صورة عن الأدب في البلاد العربية إبَّان هذه الفترة التي نتحدث عنها، حتى نصدر حكمًا صائبًا عن الأدب العربيّ وتطوره، وأنه لم يكن في بلدٍ أحسن منه في أخرى، وأن النهضة أخذت تدب فيه شيئًا فشيئًا.
لم يعمر السيد عبد الله طويلًا، فقد مات سنة 1291هـ-1874م, عن ثلاثة وأربعين عامًا، وقد قضى هذه السنين القصيرة عليلًا سقيمًا، واشتغل بالتدريس حقبةً في بغداد، واشتهر بحسن إلقائه، وتوضيحه لعويص المشكلات العلمية، ولكن الحياة لم تكن ميسرةً له، فمن أسرة كبيرة العدد، وصحة سقيمة، وإلى فقر وعدم تقدير، فعزم على الرحلة، وباع كل ما يملك، ويمم صوب الآستانة، ولكنه لم يصل؛ لأن قطاع الطرق سلبوه كل عتاده، وتركوه عاريًا في الصحراء، ولولا أن الله مَنَّ عليه بمن التقطه وأرجعه إلى بغداد, لقضى جوعًا وعريًا، ورجع صفر الكف من زاد الدنيا، ولم يكن ممن يجيدون التزلف والملق, فساءت حاله, وطالما عرض عليه القضاء قبل هذا فكان يرفضه ورعًا وزهدًا، بيد أنه الضائقة أحرجته, فاضطر إلى قبوله, وتولَّى قضاء البصرة سنتين ثم مات.
__________
1 راجع الآثار الفكرية 9-11.
2 هو ابن السيد محمود الألوسي "أبو الثناء " الذي ترجمنا له سابقًا.
3 راجع أعلام العراق لبهجت الأثري, ص89.
(1/160)

وقد ترك عدة مؤلفاتٍ في علوم اللغة، وله شعرٌ لطيفٌ ومقالات أدبية جمعها ابنه السيد محمود شكري الألوسي، فوقعت في مائة صفحة، ومن نثره يصف مطرًا شديدًا متواليًا، وفيضان نهر دجلة، وهذا النثر يمثل مدرسة الصنعة والسجع والتكلف، أو انتزاع الاستعارات وحشدها ركامًا عجيبًا، وهو دون عبد الله فكري منزلةً ولا ريب من حيث الأسلوب، والفكرة، وتنوع الموضوعات, قال من رسالة بعث بها لأخويه يصف هذا المطر:
" ... إنه "المطر" عند غروب شمس الأربعاء، تنفس بفم الشوق الصعداء، ورمى بوجه الأرض حصى من كف السماء، فناداه الليل -وقد تحقق أن الدائرة على الأرض- وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، وحاك الدوي بمكوك الريح من سدى البخار ولحمته شققًا سودًا، وصبغها الليل فكانت ظلماتٍ بعضها فوق بعض, وطنَّبها خيمة على أكتاف العراق في الطول والعرض، واشتد الريح والظلام, وشرع جنى الليل يخوف صبي النهار, كلما أحس منه بقيام، حتى سلَّ الفجر قرضًا به الأبيض من غمده الأسود، وأغمد الليل قامة الجوزاء، بعد أن كان بها على النهار يتهدد"1.
6- حسين بيهم2:
ولد مسين ببيروت سنة 1249هـ 1813م، وأخذ من العلم المعروف في عصره قسطًا غير قليل، ثم انقطع للتجارة، ولكن حنينه إلى العلم جذبه إليه ثانيةً فنال شهرةً, وتولى عدة مناصب كبيرة؛ كنظارة الخارجية, ورئاسة الأحكام العدلية، ومثَّلَ بلاده في مجلس النواب التركيّ مدةً، ولما عاد ترك الوظائف وتفرغ للأدب، ومن آثاره رواية أدبية وطنية مثلت مرارًا، وقرظها الأدباء, وشعره لا يتميز عن مدرسة أبي النصر والليثي، وقد وفيناه نعتًا عند الكلام عليهما, ومن ذلك قوله يؤرخ إنشاء "التلغراف" في بيروت:
__________
1 راجع أعلام العراق, تجد فيه الرسالة كاملة, ص48-50.
2 أبوه: السيد عمر بيهم, وكان من أعيان بيروت وأدبائهم، ولا تزال أسرة بيهم حتى اليوم ذات مكانة في بيروت.
(1/161)

لله در السلك قد أدهشت ... عقولنا لما على الجو ساق
فأعجب الكون بتأريخه ... شبيه برق أو شبيه البراق
"1277"
وقال مشطرًا:
وإذا العناية لاحظتك عيونها ... وحباكها من فضله الرحمن
ناداك طائر يمنها وسعودها ... نم فالمخاوف كلهن أمان
واصطد بها العنقاء فهي حبالة ... واملك بها الغبراء فهي سنان
واصعد بها العلياء فهي معارج ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان
وقال يعزي صديقًا بفقد ماله:
لقد غمنا والله والصحب كلهم ... مصابٌ دهاكم بالقضا حكم قادر
كأن شرارًا منه طار لأرضنا ... فأحرق أحشاء الورى بالتطاير
ولكننا قلنا مقالة عاقل ... يسلم للباري بكل المظاهر
إذا سلمت هام الرجال من الردى ... فما المال إلّا مثل قص الأظافر
فكن مثل ظن الناس فيك مقابلًا ... لذا الخطب بالصبر الجميل المصابر
ولا تأسفن إذا ضاع مال ومقتنى ... فربك يا ذا الحزم أعظم جابر
وإن حياة المرء رأس لماله ... سلامته تعلو جميع الخسائر
وهو شعر بادي الضعف، كثير العوار، لا يحتاج منا وقفة أو نقدًا.
(1/162)

الفصل الرابع: بعث الشعر العربي
مدخل
...
مَرَّ الشعر العربيُّ منذ عهد امرىء القيس إلى عصر البارودي في أطوار مختلفة: كان في الجاهلية وصدر الإسلام شعر الفطرة والسليقة المنبعثة عن الشعور والإلهام، تَعْرِضُ الحادثةُ أو المنظر للشاعر فينفعل ويتأثر، يلهج لسانه بما يختلج في فؤاده، وقد ينبعث من طيات ضميره لا بوحيً خارجيٍّ، هو في كلتا الحالتين لا يعمد إلى تنميق أو تزويق، أو يعتمد لفظًا بعينه، وإنما اللغة ملك يمينه وطوع لسانه، وكأنها بمفرداتها الزاخرة، ومعانيها المتباينة موضوعة في كفِّه يختار منها ما يكفي لأداء المعاني التي تتجاوب في خاطره، وكثيرًا ما يعمد إلى هذا الأداء بأوجز لفظٍ وأمتنه, دون إسهابٍ أو حشوٍ، ولا سيما إذا كان شاعرًا فحلًا طويل الباع في فن الشعر، وله درايةٌ بوجوه تصريف الكلام، ولذلك جاء الشعر العربيّ القديم صورة صادقة لمن قالوه، ولأمر ما قال نقاده منذ القرن الثاني: "الشعر ديوان العرب", ولم يكن العربيّ الأول يعمد إلى الخيال المجنح الذي يخلق الصور, ويغوص وراء المعاني في أعماق الفكر، وإنما يصور إحساسه وشعوره دون تزيد أو نقصان، ودون فلسفة أو منطق، وقد كان دستورهم في ذلك قول أحدهم:
وإنَّ أحسنَ بيتٍ أنت قائلُه ... بيتٌ يقالُ إذا أنشدته صدقا
وكأن الشعر العربيّ حينذاك بيت مشيد بالحجارة المتينة العارية عن الزخرف والطلاء، ويروعك بسذاجته وشموخه ومتانته، وفي السذاجة جمال الفطرة.
ثم أخذ العرب بنصيبٍ غير قليلٍ من حضارة الأمم التي فتحوا بلادها، وألفوا أنواعًا من العيش، وألوانًا من الحياة ونظام الحكم، لم يعرفوها من قبل، شاهدوا مناظر جديدةً اختمرت في عقولهم زمنًا، واطلعوا على ثقافاتٍ متباينةٍ؛ من يونانية, وفارسية, وهندية, ونبطية, وما شاكل هذا، وكان من الطبيعيّ أن يتأثروا بكل ذلك, كنا ننتظر أن يتطور الشعر العربيّ تطورًا جديدًا, خليقًا بهذا الانقلاب الكبير في حياة الأمة العربية، وأن يحتذي العرب حذو الإغريق مثلًا في ملاحمهم وقصصهم ومسرحياتهم, ولكن ما طرأ على الشعر العربيّ لم يعد الشكل الظاهريّ، وظل البناء القديم، والقالب الموروث تصب فيه المعاني في العصر
(1/165)

العباسيّ, كما كانت تصب في العصر الجاهليّ والإسلاميّ الأول.
أجل! لقد رقَّ الخيال ولطف، وتولدت المعاني وابتكرت، وتناول الشعر ألوانًا جديدةً لم يقل فيها السابقون، ولكن ظل البيت الذي شاده الجاهليون، والطريق الذي سلكوه في التعبير عن شعورهم هو المثل الأعلى لشعر العصر العباسيّ, بيد أن مقتضيات الحضارة دعت الشعراء أن يؤثثوا هذا البيت الذي ورثوه عن أسلافهم، فحشدوا فيه أنماطًا شتَّى من المعاني العميقة, والأخيلة البعيدة, والفلسفات والحكم، وكثيرًا من صور الحياة في عصرهم، وابتدءوا مع هذا يدخلون شيئًا من الزخرفة بقدر، وكانت زخرفةً منسجمةً مع الرياش والأثاث, وبدأ الشعر العربيّ في عنفوان قوته وازدهاره وغناه.
ثم خلف من بعدهم خلف أضافوا إلى هذا القصر الفاخر كثيرًا من الحلى والزخارف، وكان الضعف ابتدأ يتسرب إلى البناء، ويدب فيه الوهن، وعجز الشعراء عن مجارة الأقدمين في متانة عباراتهم، وتملكهم زمام اللغة، وعجزوا عن مجاراة المولدين في معانيهم العميقة، وأخيلتهم الجميلة، فأكثروا من الزخرف والزينة ليستروا بهما الضعف الشائن، وكانوا على شيءٍ من الإلمام باللغة, وبالأساليب الصحيحة, فلم يستعجم قولهم، وظلَّ في الشعر ذماء يحفظ عليه حياته، وبقي البناء في مجموعة سليمًا.
ثم أخذ البناء يتداعى بضعف الأمة العربية، وخضوعها للأعاجم الذين لا يقدرون هذا التراث الجميل، ولا يعرفون لسان أهله, ولا هَمَّ لهم إلّا ابتزاز الأموال من الشعوب المظلومة, دون مقابلٍ من علمٍ أو صحةٍ أو غنًى، فتفشى الجهل، وساد الظلم، واستعجم الشعراء ولحنوا لحنًا فاحشًا، وكانوا أبعد الناس عن الأساليب الصحيحة، والمعاني الواضحة، والشعور السليم، وخانتهم الأداة المعبرة، وأصبح همهم النظم لا روح فيه, ولا معنى له، والذي يساق في عبارةٍ ركيكةٍ غَثَّةٍ، وفي حشدٍ زاخرٍ من الزينات والمحسنات لتستر عواره, وقد كان الشعر يلفظ أنفاسه الأخيرة عيًّا ومرضًا حين ابتدأ العصر الحديث.
ابتدأت النهضة الشاملة منذ عصر محمد علي، وقد رأيت شيئًا من معالمها، ورأيت كيف كان الشعر يرتدد بين المرض والعافية، فيصحّ أحيانًا, وينتكس أحيانًا كثيرة, والنهضة سائرةٌ في طريقها في عهد إسماعيل، واللغة يدب فيها شيء منالقوة، والمطابع تدفع بالكتب الأدبية القديمة، والمدارس تبدد سدف الجهل والظلام، والصحافة تكشف الطريق، وتزيل ما به من أوضار وعوائق، ولكن الشعر ظلَّ على حاله من الضعف, لم يقف على قدميه بعد، وكان مُكَبَّلًا بقيودٍ ثقيلة، تحت أنقاض هذا البناء المشمخر الذي تداعى أيام الانحلال.
وشاء الله أن يبعث من ينهضه من كبوته، ويقيله من عثرته، ويلقي بهذه الآفات والأوضار بعيدًا، ويعيد للبناء قوته ومجده، وزخرفته الطبيعية الجذابة دفعةً واحدةً، كأنما هي عصا ساحر, قلبت الميت حيًّا, والضعيف قويًّا، والمعدم ثريًّا, كان هذا على يد إمام النهضة الشعرية الحديثة في العالم العربيّ:
(1/166)

محمود البارودي:
1255هـ-1322هـ، 183م-1904م:
حياته:
محمود سامي الباردوي, من أسرة جركسية ذات جاهٍ ونسب قديم1، وتنتمي إلى حكام مصر المماليك، وكان البارودي يعرف هذا النسب ويعتز به.
أنا من معشر كرام على الدهر ... أفادوه عزةً وصلاحًا
عمرو الأرض مدة ثم زالوا ... مثلما زالت القرون اجتياحًا
ويقول:
نماني إلى العلياء فرع تأثلت ... أرومته في المجد، وافترَّ سعده
وحسب الفتى مجدًا إذا طلب العلا ... بما كان أوصاه أبوه وجده
__________
1 أبوه حسن حسني الباردوي, من أمراء المدفعية، ثم صار مديرًا لبربر ودنقلة, في عهد محمد علي، وجده لأبيه عبد الله الجركسيّ، والبارودي نسبة إلى "إيتاي البارود" بمديرة البحيرة، وكان أحد أجداده ملتزمًا لها، ينتهي نسبه إلى الملك الأشرف "سبرباي" الأتابكي, من المماليك الذين حكموا مصر في ما مضى. "مذكرات عرابي ج1 ص100".
(1/167)

وتيتَّمَ محمود البارودي صغيرًا، وهو في السابعة من عمره، فحُرِمَ بذلك حنان الأب ورعايته، وتلقَّى دروسه الأولى في البيت حتى بلغ الثانية عشرة، ثم التحق بالمدرسة الحربية مع أمثاله من الجراكسة، والترك، وأبناء الطبقة الحاكمة, وتخرَّج في المدرسة الحربية سنة 1854, وهو في السادسة عشرة من عمره, في عهد عباس الأول، وكان من المعوقين للنهضة كما مَرَّ بنا، وقد خمدت في عهده روح الحماسة التي شبها محمد علي في الجيش, بل سَرَّحَ معظمه، وقفرت ميادين القتال من ألوية مصر، ولم يكن عهد سعيد أحسن حالًا من عهد عباس، فلم يجد البارودي -كمالم يجد زملاؤه- عملًا يعملونه, أما هم: فقد طاب لهم عيش الرخاء والدعة, وسَرَّهم البعد عن ميادين القتال، ولكنه أحسَّ دونهم بألم ممضٍّ؛ إذ لم يشترك في حربٍ كما اشترك آباؤه، كم كان يود أن يحقق عن طريق الجندية والجيش آمالًا ضخمةً، وأمانيّ عريضة, ودفعه هذا الأمل إلى العوض عن المعارك الحقيقة بمعارك موصوفةٍ مدونةٍ في صحفات التاريخ, فعكف على كتب الأقدمين يلتهمها التهامًا. وكانت ملكة الشعر كامنة في حنايا فؤاده, فراقه من التراث الأدبي شعر الحماسة والفخر، ووصف ميادين القتال، وأعمال الأبطال، ورأى في هذا الأدب تصويرًا للحياة كلها؛ حلوها ومرها, من غزل وفكاهة وحكمة ورثاء, وكل ما يخطر ببال الناس، فازداد شغفه به وحرصه على حفظه وتدوينه، وتحركت نفسه لقول الشعر فقَلَّدَ فحول الشعراء في أروع قصائدهم، وهل على مثله مِنْ بأسٍ أو عارٍ إذا هو قال الشعر؟ إذا وهم هذا معاصروه من أبناء طبقته لجهلهم وخمود قريحتهم ولتقالديهم الموروثة، ولهوان شعراء زمانهم, وضعة شأنهم, فإن البارودي كان على ذكر من أنَّ أمراء كثيرين قبله، أعرق نسبًا، قد برزوا في الشعر العربيّ وسطروا تاريخهم في سجل الخلود، كامرئ القيس، وابن المعتز، والشريف الرضيّ، وأبي فراس, وأضرابهم, فلِمَ لا يكون مثل هؤلاء؟ ولم لا يرتفع بالشعر إلى منزلتهم؟ لن يكون مدَّاحًا متملقًا، أو نديمًا منافقًا، ولكنه سيقول في أغراض شريفة تليق به وبمكانته.
(1/168)

الشعر زين المرء ما لم يكن ... وسيلة للمدح والذام
قد طالما عزَّ به معشر ... وربما أزرى بأقوام
فاجعله ما ئشت من حكمة ... أوعظة أو حسب نام
واهتف به من قبل تسريحه ... فالسهم منسوب إلى الرامي
وقدعرف فيما عرف من أدب العرب منزلةَ الشعرِ وعبَّر عنها بعد بقوله:
صحائف لم تزل تتلى بألسنة ... للدهر في كل ناد منه معمور
يزهى بها كل سام في أرومته ... ويتقي البأس منها كل مغمور
فكم بها رسخت أركان مملكة ... وكم بها خمدت أنفاس مغرور
والشعر ديوان أخلاق يلوح به ... ما خطه الفكر من بحث وتنقير
كم شاد مجدًا، وكم أودى بمنقبة ... رفعًا وخفضًا بمرجوٍّ ومحذور
هكذا رأى البارودي الشعر، وما كان له أن يعرض عنه، ولو حاول ما استطاع وفيه طبع شاعر، وقد ملك أداته اللغوية المعبرة.
تكلمت كالماضين قبلي بما جرت ... به عادة الإنسان أن يتكلما
فلا يعتمدني بالإساءة غافل ... فلابد لابن الأيك أن يترنما
فهو مطبوع على قول الشعر مثله في ذلك مثل الهزار أو البلبل، ينطق كلاهما بالغناء فطرةً وجبِّلَّةً، ولكن مصر ضاقت به, أو ضاق بها؛ حيث لم يجد غنية لدى الدولة تحقق آماله، فسافر إلى الآستانة مقر الخلافة، والتحق بوزارة الخارجية، وهناك تعلم التركية والفارسية وتعلم آدابهما, وحفظ كثيرًا من أشعارهما، ودعته سليقته الشاعرة فقال بالتركية وبالفارسية كما قال بالعربية, ومع ذلك لم يهجر لسانه الأول, ولما سافر إسماعيل إلى الآستانة بعد أن تولى أريكة مصر سنة 1863؛ ليقدِّمَ أي: الشكر على توليته, ألحق البارودي بحاشيته، ورأى فيه ما لم يره في غيره, فرجع به إلى مصر.
(1/169)

وابتدأ إسماعيل نهضته بعد عودته، مترسمًا خطا جده، وأعاد للجيش مكانته، ووجد البارودي المجال أمامه فسيحًا، فظل يرقى في مناصب الجيش، وفي فرسان الحرس الخاصِّ حتى وصل إلى رتبة "قائمقام" وتحقق له مناه بالاشتراك في معارك جزيرة "كريت" حين ثارت على الدولة, فأسهم إسماعيل بجيشه في إخماد الثورة, وقد فتنت الباردوي مناظر الجزيرة ومناظر المعارك، فسجَّل ذلك كله في شعره، وسمع الناس نغمًا جديدًا في الشعر لم يألفوه منذ عهدٍ طويل، وأخذوا يتطلعون في لفهةٍ وشوقٍ إلى المزيد من هذا النفس العالي، ومن هذا الطراز الجديد في الشعر1.
وتقلب البارودي في مناصب الدولة، وكان ذا حظوةٍ لدى إسماعيل، فاتخذه كاتم سره، وسافر في رحلتين سياسيتين إلى الآستانة في مهمةٍ خاصَّةٍ، ومكث اثنتي عشرة سنة بجوار إسماعيل، يرى نشاطه الجم في إحياء مصر وإنهاضها, ويشاركه في عمله المجيد، وفي سنة 1878 أعلنت روسيا الحرب على تركيا، وأرسل إسماعيل جيشًا يعاون الخليفة في حربه مع عدوه، وسافر البارودي مع الجيش، وأبلى في المعارك بلاءً حسنًا، فأُنْعِمَ عليه عليه برتبة "اللواء" وبأوسمة عدة.
وكان في ميدان القتال، والمناظر الخلابة، والعالم الذي رآه ما ألهب شاعريته، فوصف المعارك والناس والمناظر بشعر أخَّاذٍ بلغ الذورة في الوصف، وأخذ يهتف باسم مصر، ويحنُّ إلى الأهل والوطن، فانبعث منه الشعر قويًّا مليئًا بالحياة.
مولاي قد طال مرير النوى ... فكل يوم مرّ بي ألف عامٍ
يقتبل الصبح ويمضي الدجى ... وينقضي النور ويأتي الظلام
ولا كتاب من حبيب أتى ... ولا أخو صدق يرد السلام
من خلفنا البحر وتلقاءنا ... سواد جيش مكفهر لهام
ويقول في قصيدة أخرى:
هو البين حتى لا سلام ولا رد ... ولا نظرةً يقضي بها حقه الوجد
__________
1 سنتكلم عن شعر البارودي فيما بعد بالتفصيل إن شاء الله.
2 الخطاب للاديب العالم الشيخ حسين المرصفي, وإليه أرسل هذه القصيدة، والتي تليها.
(1/170)

ومنها يقول:
ولكنَّ إخوانًا بمصر ورفقة ... نسوا عهدنا حتى كأن لم يكن عهد
أحن لهم شوقًا على أن دوننا ... مهامه تعيا دون أقربها الربد
فيا ساكني الفسطاط ما بال كتبنا ... ثوت عندكم شهرًا وليس لها رد
أفي الحق أنا ذاكرون لعهدكم ... وأنتم علينا ليس يعطفكم ود
فلا تحسبوني غافلًا عن ودادكم ... رويدًا فما في مهجتي حجر صلد
هو الحب لا يثنيه نأيٌ وربما ... تأجج من مَسِّ الضرام له الند
وعاد من حرب البلقان وهو في الأربعين من عمره؛ فعين مديرًا للشرقية، فمحافظا للعاصمة, ثم ساءت أمور مصر أخريات عصر إسماعيل، واضطربت اضطرابًا كبيرًا، وناء الفلاحون بالضرائب الفادحة العديدة، ولنستمع إلى شاهد عيان يصف لنا الهوة التي تردَّى فيها الفلاحون في تلك الحقبة سنة 1875؛ حيث يقول: كان من الأمور النادرة في تلك الأيام أن يرى الإنسان شخصًا في الحقول وعلى رأسه عمامة، أو على ظهره شيء أكثر من قميص.. وغَصَّت مدن الأرياف في أيام الأسواق بالنساء اللاتي أتين لبيع ملابسهن وحليهن الفضية للمرابين "الأروام"، لأن جامعي الضرائب كانوا في قراهن والسوط مشهر في أيديهم، فابتعنا مصوغاتهن الزهيدة, وأصغينا إلى قصصهن، واشتركنا معهن في استنزال اللعان على الحكومة التي جعلتهن عرايا، ولم نكن فهمنا وقتئذ -أكثر مما فهمه القرويون أنفسهم- ذلك الضغط الماليّ الآتي من أوروبا، والذي كان السبب الحقيقيّ في هذا الضيق، وعلى ذلك جاريناهم في إلقاء اللوم كله على إسماعيل باشا وإسماعيل صديق, دون أن يخامرنا شكٌّ في أن الإنجليز أيضًا يقع عليهم جانب من اللوم1.
__________
1 التاريخ السري لاحتلال انجلترا لمصر, تأليف ألفريد بلنت, ص12.
(1/171)

وكانت للامتيازات الأجنبية نصيبٌ كبيرٌ في تدهور الحالة بمصر في تلك الأونة؛ حيث قد أصبحت أداةً ينتفع بها شر الطغاة من الأوربيين, وأشباه الأوربيين من متخرجي الشرق الأدنى، وتجسمت في أخريات عهد إسماعيل, حتى بلغت مداها المخيف، وراح الأوربيّ قناص الغنيمة، وسمسار القروض المرهقة، والإغريقيّ صاحب الخان, ومرتهن الأرزاق، واليهوديّ المراب, ي ومن إليهم ممن يسهل عليهم الاحتماء بإحدى الدول الأوربية, يمتصون الخزانة العامة, والفلاح والفقير, ويقترفون في هذه الجناية ما يستعصي على التصديق1".
أما الضرائب التي فرضها إسماعيل على الأرض فقد كانت فوق ما يتصور, حتى لقد بلغت الضريبة على الفدان ما يقرب من ثمنه، فكان من الطبيعيّ أن يترك هؤلاء الفلاحين أرضهم وديارهم, وينسحبوا هاربين عجزًا عن أداء الضرائب, وخوفًا من السياط2.
عدا ثلاثين نوعًا من الضرائب الصغيرة، أضرَّت ضررًا بليغًا بالصناعات والأعمال التجارية والزراعية3.
ناهيك بالسخرة، وما كان يصطحبها من إهانةٍ وأذى وذلة, طوحت بعزة المصريين، وأرهقتهم إرهاقًا شديدًا، حتى جعلت أيام السواد منهم شقاءً وبؤسًا.
كانت هذه الأمور من العوامل التي ملأت قلوب المصريين حقدًا وكراهيةً لإسماعيل وحكمه.
وزاد الأمور سوءًا أن إنجلترا وفرنسا كانتا تدفعان الحوادث دفعًا نحو التأزم, حتى تتاح لهما الفرصة للتدخل المباشر، وافتراس مصر، ففرضتا على مصر وزارةً فيها وزيران أوربيان برياسة نوبار باشا، "وكانت طبقة الموظفين المسلمين تعده أفاقًا أرمينًا, جمع ثورةً كبيرةً من سمسرته لأصحاب الأموال المستعدين لإعطاء القروض على حساب الجمهور، أما الفلاحون فكانوا يعرفون فيه الرجل الذي أنشأ المحاكم المخطلته التي يمقتونها أشد المقت؛ لاعتقادهم أنها وضعتهم في قبضة المرابين4".
__________
1 Milner: England in Egypt P.15.
2 Cromar: Modern Egypt.36.
3 تاريخ محمد عبده, لرشيد رضا, ج1, ص172.
4 بلنت, ص37.
(1/172)

واشتطت هذه الوزارة في الضرائب وجبايتها، وتأخرت رواتب الموظفين، وعزل الكثيرون منهم، وانقضت سلطة الباقي، وتقرَّرَ فصل عدد كبير من ضباط الجيش, مع أنهم لم يتقاضوا مرتباتهم منذ زمن طويل، فزاد السخط, وقامت مظاهرة من الضباط وطلبة المدرسة الحربية وبعض النواب, في 18 من فبراير 1879، أمام وزارة المالية, احتجاجًا على هذا الظلم, واعتدوا على نوبار, وعلى الوزير الإنجليزي, وعلى رياض باشا وزير الداخلية، ولم يتفرقوا إلّا بعد أن أطلقت النار، ثم سقط الوزارة، واتهم عرابي بتدبير تلك الثورة, وأبعد عن فرقته1.
وتولَّى توفيق ولي العهد الوزارة, واشتد الخلاف بينه وبين مجلس النواب الذي رأى تخفيض الضرائب فأبى، وفي هذه الأونة أُلِّفَ الحزب الوطنيّ، وأصدر لائحةً تتضمن مشروعًا ماليًّا لسداد الديون بكفالة الشعب، وطالب فيها بتقرير مبدأ المسئولية الوزارية أمام مجلس النواب، ووقَّعَ على هذا البلاغ النواب والعلماء ورؤساء الأديان، وكثير من التجار والموظفين والضباط، ورفعوها إلى إسماعيل, فقبلها على الرغم من احتجاج الوزيرين الأوربيين، ودعا شريف باشا في 7 من أبريل لتأليف الوزارة على مبادئ اللائحة الوطنية, فكانت فرحة الشعب بهذا النصر عظيمة. وبيد أن إنجلترا وفرنسا قابلتا هذه الوثبة الوطنية بالسخط الشديد, فعملتا على خلع إسماعيل؛ فأقلعت به "المحروسة" إلى نابلي غير مأسوفٍ عليه من المصريين الذين لم ينسوا ما فعله بهم, حتى لقد هموا من قبل بقتله والتخلص منه, فيقول عرابي: "خلع إسماعيل فزال عنا عبء ثقيل، ولكنا لو كنا نحن فعلنا ذلك بأنفسنا لكنا تخلصنا من عائلة محمد علي بأجمعها؛ إذ لم يكن فيها أحد جدير بالحكم سوى سعيد، وقد اقترح جمال الدين على محمد عبده أن يقتل إسماعيل على جسر قصر النيل"2، ويقول محمد عبده: "وكنت أنا موافقًا الموافقة كلها على قتل إسماعيل، ولكن كان ينقصنا من يقودنا في هذه الحركة، ولو أننا عرفنا عرابيًّا في ذلك الوقت, فربما كان في إمكاننا أن ننظم الحركة معه2".
__________
1 بلنت ص171.
2 التاريخ السري, بلنت ص347.
3 المرجع نفسه 340.
(1/173)

وتولى توفيق العرش بدل أبيه، وكان المصريون يعلِّقون عليه آمالًا كبارًا؛ لأنه كان من المعجبين بالسيد جمال الدين الأفغاني وآرائه الإصلاحية، ولكنه ما لبث أن تَنَكَّرَ لهذه المبادئ بعد توليه العرش، وأرجع المراقبة الثنائية، وخاصم الحكم النيابيّ, وحكم البلاد حكمًا مطلقًا، وكان في هذا منفذًا لمشورة الأجانب، مستجيبًا لتدخلهم، فعزَّ ذلك على كثير من رجال مصر، ورأوا لزامًا عليهم أن يضعوا حدًّا لهذا التيار.
كان البارودي من المقربين لتوفيق, وولاه وزارة الأوقاف، فأصلح فيها ما وسعه جهده، وكان في الوقت نفسه وطنيًّا متشبعًا بروح الإصلاح, فحار في أمره بين ولائه للعرش، وبين نزعاته الإصلاحية.
ثم كانت حركة الجيش، والمطالبة بتولية المصريين المناصب العليا، وقد كانت قبل وقفًا على الجراكسة والأتراك، وكانوا في منتهى الغلظة والقسوة، فثار الجيش في أوائل سنة 1881، حين أصدر عثمان وفقي الجركسي وزير الحربية أمرًا بعدم ترقية المصريين، وبفصل بعض ضباط المتزعمين فيهم، وانتهى الأمر بعزل عثمان رفقي هذا, وإجابة الجيش إلى ما طلب من إصلاح, وتولية البارودي وزارة الحربية مع الأوقاف، وهدأت الأمور في الظاهر، ولكن الجراكسة كانوا يدبرون مكيدةً للضباط المصريين، وتأزمت الأمور, فكانت مظاهرة عابدين في 9 من سبتمبر 1881, يتقدمها "عرابي" وكبار الضباط المصريين، وأطلَّ عليهم توفيق، ومعه وزراؤه وحاشيته وقناصل الدول الأجنبية، وتَقَدَّمَ عرابي إليه بطلبات الجيش والأمة، وهي إسقاط وزارة رياض, وتشكيل مجلس النواب, وزيادة عدد الجيش، وبعد مناقشاتٍ طويلةٍ حادةٍ, تقرر إجابة هذه الطلبات.
وكان البارودي وزيرًا للحربية في وزارة رياض، ولما رأى هذا نزعاته الشعبية, وصلته بالوطنيين, دُسَّ عليه لدى توفيق فعزله، ودفعه إلى اعتزال السياسة فترةً من الوقت، فترك القاهرة وجوَّها القلق, وآثر العزلة في الريف, وفي هذا يقول:
(1/174)

صبح مطير، ونسمة عطرة ... وأنفس للصبوح متنظرة
فدر بعينييك حيث شئت تجد ... ملكًا كبيرًا وجنة خضرة
وخلنا من سياسة درجت ... بين أناس قلوبهم وغره
يقضون أيامهم على خطر ... فبئس عقبى السياسة الخطرة
خديعة لا يزال صاحبها ... بين هموم وعيشة كدرة
فلما سقطت وزارة رياض تحت ضغط الوطنيين عقب مظاهرة عابدين, عاد البارودي وزيرًا للحربية بعد أن ألحَّ عليه توفيق إلحاحًا شديدًا، وانتخب مجلس النواب, وافتتح في ديسمبر 1881, وهدأت الأمور، وسارت وزارة شريف في طريق الإصلاح، ولكن إنجلترا وفرنسا كانتا كارهتين للهدوء والاستقرار، فما أن أخذ مجلس النواب يناقش المادة التي تخوّل له الحق في تقرير الميزانية, حتى قدمتا مذكرةً تحتجان فيها على ذلك، وقبل شريف هذا الاحتجاج، ورفضه مجلس النواب, فاستقالت وزراة شريف، وتولَّى البارودي رئاسة الوزارة في 4 من فبراير 1882، وكان عرابي وزيرًا للحربية في وزارة البارودي.
كان البارودي محبوبًا من الشعب ومن الجيش على السواء، وفرح المصريون بوزارته فرحًا عظيمًا، وأخذ مجلس النواب، فوق إصدار الدستور الذي كان صدوره عيدًا للأدب والتاريخ؛ يبحث عدة مشروعاتٍ لمعالجة غلاء الأسعار, وتعميم التعليم الابتدائي، وإصلاح القضاء, وإنشاء خزان أسوان، ثم انتهت دورته, وتابعت الوزارة حركة الإصلاح في خطًا واسعة، ولكن أنى لها الجوَّ الهادئ وتوفيق واقع تحت سيطرة فرنسا وانجلترا، وهما متربصتان بمصر والمصريين الشر، فانتهزتا فرصة الخلاف بينه وبين الوزارة بسبب مؤامرة الضباط الجراكسة على قتل عرابي وأصحابه، وبالرغم من أن هذا الخلاف قد سُوِّيَ، فقد بدأت سفن الأسطولين الإنجليزيّ والفرنسيّ تصل إلى مياه الإسكندرية، وقدمت الدولتان في 25 من مايو مذكرةًَ جديدةً بضرورة استقالة الوزارة, ونفي عرابي، وتحديد إقامة بعض أصحابه بناءً على اقتراح سلطان "باشا" الذي بدأ من ذلك اليوم يناصر الإنجليز, ويخون قضية بلاده، تلك القضية التي طالما ناصرها، وهكذا وقع في الشرك الذي وقع فيه شريف "باشا" من قبل1.
__________
1 بلنت, التاريخ السري 224.
(1/175)

واجتمع الوزراء، وقرروا رفض المذكرة، ولما قبلها توفيق اضطروا إلى الاستقالة.
وهاج الشعب على أثر ذلك, واشتد سخطه, وقدموا احتجاجاتٍ قويةً لتوفيق, يطلبون فيها رفض طلبات إنجلترا وفرنسا, والإبقاء على عرابي في الوزارة، وإذا أبى توفيق عُزِلَ عَزْلًا، واضطر توفيق بعد استشارة "قناصل" الدول الأجنبية إلى الإبقاء على عرابي زيرًا للحربية حفظًا للأمن، وبقيت الوزرات الأخرى شاغرة إلى حين.
لما طالب الجيش بعزل توفيق راودت البارودي نفسه ونازعته يومئذ إلى المجد المؤمل، وإلى مكان أجداده المماليك الذين حكموا مصر، فخاض الصورة مع الخائضين، ولكنه رأى بعين فراسته أن التيار شديد، وأن انجلترا وفرنسا تتربصان بمصر الدوائر، وأحسَّ بالخطر, وعلم أن لا قِبَلَ له بمواجهته, فنصح لعرابي وإخوانه وصارحهم برأيه، وحاول الاعتزال في مزراعه، ولكن هيهات، وقد جرى مع الضباط شوطًا بعيدًا، ربط حظه بحظهم، وإن لم تعد له الصدارة كما كان.
وفي هذا يقول:
نصحت قومي وقلت الحرب مفجعة ... وربما تاح أمر غير مظنون
فخالفوني وشبوها مكابرة ... وكان أولى بقومي لو أطاعوني
تأتي الأمور على ما ليس في خلد ... ويخطئ الظن في بعض الأحايين
حتى إذا لم يعد في الأمر منزعة ... وأصبح الشر أمرًا غير مكنون
أجبت إذ هتفوا باسمي ومن شيمي ... صدق الولاء وتحقيق الأظانين
وأخفقت الثورة، ونفي مع زملائه إلى "سرنديب" فأقام بها سبعة عشر عامًا وبعض عام، وظلَّ وزملاؤه سبعة أعوام في "كولومبو", ولما دبت بينهم البغضاء، وألقى كم منهم التبعة على زميله، فارقهم البارودي.
وفي المنفى قال القصائد الخالدة، يبثها شكواه، ويحن للوطن، ويصف كل ما حوله، ويراسل الأدباء، ويتلهف على ذكر الوطن ويتتبع أخباره، فيرثي من مات من أهله وأحبابه
(1/176)

وأصدقائه، ويتذكر أيام شبابه, وأويقات أنسه, وما آَلَ إليه حاله، ووجد في الشعر عزاءً أيَّ عزاءٍ، وصار أمامه في العالم العربيّ دون منازع، ولكن طول النفي أورثه السقام والعلل، فكُفَّ بصرُه, وضَعُفَ سمعه، ووهن جسمه، ولست أجد أروع ولا أوفى من قوله يصف ما أصابه:
كيف لا أندب الشباب؟ وقد ... أصبحت كهلًا في محنةٍ واغتراب
أََخْلَقَ الشيبُ جدتي وكساني ... خلعةً منه رَثَّةَ الجلبابِ
ولوى شعر حاجبيّ على عيني ... حتى أطلَّ كالهداب
لا أرى الشيء حين يسنح إلّا ... كخيالٍ كأنني في ضباب
وإذا ما دعيت حرت كأني ... أسمع الصوت من وراء الحجاب
كلما رمت نهضة أقعدتني ... ونية ولا تقلها أعصابي
لم تدع صولة الحوادث مني ... غير أشلاء همة في ثياب
وزاد أمره بؤسًا أن الموت تخطف ابنته وزوجه الأولى وأصحابه، فابتدأ الفناء يدب إليه، هنالك رأى أول الأمر أن يعود المنفيون إلى أوطانهم، وعاد البارودي معهم "أشلاء همة في ثياب" كما يقول، ولكن جاء وفي يمينه سفر الخلود، وهو ذلك الشعر العلويّ، وكان ذلك في سنة 1900, واستقبل مصر بقصيدته:
أبابل مرأى العين أم هذه مصر؟ ... فإني أرى فيها عيونًا هي السحر
واستقبلته مصر بكل حفاوةٍ وترحابٍ، وكانت عودته عيدًا للأدب الرفيع، وصارت داره ندوة يؤمها الأدباء والشعراء القدامى والشادون فيه، يأنسون إليه، ويأنس إليهم، وعكف على تنقيح ديوانه، وحذف ما لا يروق له منه، وتدوين مختاراته وترتيبها، وأخيرًا فاضت روحه إلى بارئها، وأسلم هذه الشعلة المتوهجة في ديسمبر 1904م-شوال 1322هـ, إلى الأجيال من بعده, يتلقفها كابر عن كابر, وكلهم يذكر فضله ويمجد ذكره؛ لأنه أورثهم شعلة خالدة.
(1/177)

أخلاقه:
شبَّ معتدًّا بحسبه ونسبه، وفي عصرٍ ساد فيه جنسه، وتبوأ أبناء جلدته من الجراكسة والأتراك أسمى مناصب الدولة، ثم تزوَّد من فنون الجندية، ونُشِّئَ تنشئةً عسكريةً, فكان لهذه النشأة وهذا الحسب تأثير عميق في أخلاق البارودي، ولكن الزمن قد حوَّرَ في هذه الأخلاق, ومن يدرس شعره دراسة فاحصٍ مدققٍ يستطيع أن يتبين هذا التغيير أو التحوير في أخلاق البارودي, مجاراةً لزمنه, وعادات الناس الذين يخالطهم إن طوعًا وإن كرهًا, بيد أن كثيرًا من صفات الشباب التي اعتدَّ بها لازمته حتى مماته، ولم تتبدل ولم تتأثر بعوامل الزمن، ومحن الناس.
كان البارودي في صباه متوثب العزيمة، واسع الآمال, عزوفًا عن الملاهي, يود أن يعتلي ذورة المجد قفزًا:
لهج بالحروب لا يألف الخفض ... ولا يصحب الفتاة الرداحا
مسعر للوغى أخو غدوات ... تجعل الأرض مأتمًا وصياحا
لا يرى عاتبًا على شيم الدهر ... ولا عابثًا ولا مزَّاحا
يفعل الفعلة التي تبهر الناس ... وترنو لها العيون طموحا
وظلت نغمة المجد تتردد على أسلة لسانه أنشودةً حلوةً، وكان في نفسه شيءٌ يود تحقيقه ويرجو نيله، ويسعى سعيًا حثيثًا، ولكنه لم يصرح به.
وبي ظلمأ لم يبلغ الماء ريه ... وفي النفس أمرٌ ليس يدركه الجهد
أود، وما ود أمرئ نافعًا له ... وإن كان ذا عقلٍ إذا لم يكن جد
وما بي من فقر لدنيا وإنما ... طلاب العلا مجد، وإن كان لي مجد
وما أن عضته الحوادث عضةً داميةً، ونكأه الزمان نكأةً قاسية، حتى تطامن في ملطبه وقال:
وكن وسطًا، لا مشرئبًّا إلى السها ... ولا قناعًا يبغي التزلف بالصُّغر
(1/178)

وقال:
يود الفتى ما لا يكون طماعة ... ولم يدر أن الدهر بالناس قلب
ولو علم الإنسان ما فيه نفعه ... لأبصر ما يأتي وما يتجنب
ولكنها الأقدار تجري بحكمها ... علينا، وأمر الغيب سر محجب
نظن بأنا قادرون وإننا ... نقاد كما قيد الجنيب ونصحب
وإذا كان في صباه قد عزف عن النساء جدًّا منه وتزمتًا، وأبى اللهو والمجانة حتى لا ينصرف عن طلب العلا، فإن الشباب والجاه والمال قد غير نظرته إلى الحياة، وبات ذلك الفارس الذي يدل بشبابه وجاهه على الحسان، ويجري وراء اللهو، ويعب الخمر عبًّا، ويتصيد مجالس الأنس والسمر، ويقول:
ودعني من ذكر الوقار فإنني ... على سرف من بغضة الحلماء
فما العيش إلّا ساعة سوف تنقضي ... وذا الدهر فينا مولع برماء
ويقول:
لو حذر المرء كل لائمة ... لضاع منه الصواب والرشد
ولو أصخنا لكل منتقد ... فكل شيء في الدهر منتقد
واله بما شئت قبل مندمة ... يكثر فيها العناء والكمد
فليس بعد الشباب مقترح ... ولا وراء المشيب مفتقد
ومن أي شيء يخشى؟ وعلام ينتقده الناس؟ ينتقدونه على أنه ممتلئ بالحياة، مستهين بالتقاليد والعادات.
فرحنا نجر الذيل تيهًا لمنزل ... به لأخي اللذات واللهو ملعب
مسارح سكري، ومربض فاتك ... ومخدع أكواب به الخمر تسكب
(1/179)

أما الدين فله في النفس حرمته ولكن:
إذا ما قضينا واجب الدين حقه ... فليس علينا في الخلاعة من عذر
أجل لقد صار فارسًا مرحًا ينهل من اللذات ويعل.
فطورًا لفرسان الصباح مطارد ... وطورًا لإخوان الصفاء سمير
ويا رب حيٍّ قد صبحت بغارة ... تكاد لها شم الجبال تمور
وليل جمعت اللهو فيه بغادة ... لها نظرة تسدي الهوى وتنير
عقلنا به ماند عن كل صبوة ... وطرنا مع اللذات حيث تطير
أما أخلاقه الطبيعية: فكان كثير الافتخار بها يرددها مرارًا في شعره, فهو مخلص في صداقته:
واختبرني تجد صديقًا حميمًا ... لم تغير ودادوه الأهواء
صادقًا في الذي يقول وإن ضاقت ... عليه برحبها الدهناء
أما الواداد فهو يرعاه، ويعد ذلك من كرم الأصل:
ليس يرعى حق الوداد ولا ... يذكر عهدًا إلّا كريم النصاب
ولابد أن يتجلى أثر الوداد القلبيّ في أعمال الإنسان، وإلّا كان ودادًا كاذبًا:
وإنَّ وداد القلب ما لم يكن له ... دليلٌ على إخلاصه لمريب
وكان عالي الهمة, يمثل لك في شعره الفروسية والنجدة، والإباء والأنفة، فيقول:
إذا لم يكن إلّا المعيشة مطلب ... فكل زهيدٍ يمسك النفس جابر
من العار أن يرضى الدنية ماجد ... ويقبل مكذوب المنى وهو صاغر
إذا كنت تخشى كل شيء من الردى ... فكل الذي في الكون للنفس ضائر
ويقول:
ومن تكن العلياء همة نفسه ... فكل الذي يلقاه فيها محبب
إذا أنا لم أعط المكارم حقها ... فلا عزني خال، ولا ضمني أب
خلقت عيوفًا لا أرى لابن حرة ... عليَّ يدًا أغضي لها حين يغضب
(1/180)

أما جوده: فطالما تغنَّى به في شعره؛ وحث الناس على الجود، ووضع من شأن المال والتباهي به فيقول:
فلا تحسبنَّ المال ينفع ربه ... إذا هو لم تحمد قراه العشائر
فقد يستجم المال والمجد غائب ... وقد لا يكون المال والمجد حاضر
ولو أن أسباب السيادة بالغنى ... لكاثر رب الفضل بمال تاجر
ويقول:
وجد بما ملكت كفاك من نشب ... فالجود كالبأس يحمي العرض والنسبا
ولا يقعد البطل الصنديد عن كرم ... من جاد بالنفس لم يبخل بما كسبا
وكان يتمدح بصراحته وشجاعته، فهو لا يسكت عن القبيح وإلّا عُدَّ منافقًا، وإذا كان الإنسان على ثقةٍ من أمره، ونفسه حرة, وهو شجاعٌ, فعلام يغضي على القذى, أو لا يصارح الناس بعيوبهم علهم يصلحونها؟
أنا لا أقرُّ على القبيح مهابةً ... إن القرار على القبيح نفاق
قلبي على ثقةٍ ونفسي حرة ... تأبى الدني، وصارمي ذلاق
فعلام يخشى المرء فرقة روحه ... أو ليس عاقبة الحياة فراق؟
لا خير في عيش الجبان يحوطه ... من جانبيه الذل والإملاق
عابوا عليّ حميتي ونكايتي ... والنار ليس يعيبها الإحراق
ولكننا نرى البارودي كثيرًا ما ينصح بمداراة الناس، ودفع القسر باللين, والغضب بالحلم, وقد صوَّر جملةً من صفاته ومداراته الناس، ومودته لأصداقائه ووفائه لهم في قوله:
(1/181)

ملكت يدي عن كل سوءٍ ومنطقي ... فعشت بريء النفس من دنس العذر
وأحسنت ظني بالصديق وربما ... لقيت عدوي بالطلاقة والبشر
فأصبحت مأثور الخلال محببًا ... إلى الناس مرضيّ السريرة والجهر
إذا شئت أن تحيا سعيدًا فلا تكن ... لدودًا، ولا تدفع يد اللين بالقسر
ولاتحتقر ذا فاقةٍ فلربما ... لقيت به شهمًا يبذ على المثري
ولا تعترف بالذل في طلب الغنى ... فإن الغنى في الذل شر من الفقر
ودار الذي ترجو وتخشى وداده ... وكان من مودات القلوب على حذر
ويقول في غير هذا الموضع:
مداراة الرجال وطئًا ... على الإنسان من حرب الفساد
يعيش المرء محبوبًا إذا ما ... نحا في سيره قصد السداد
ولعل لتجاربه الكثيرة أثرًا في إملائه هذا النصح، وتحوله من الصراحة إلى المدارة, وإذا كانت الحياة قد علمته كيف يداري الناس، ويكون منهم على حذر، فإنها قد علمته كذلك أن المرح والحياة الصاخبة باللذات تورث الأسقام والعلل:
ولقد جريت مع الغواية والصبا ... جري الكميت وللغرام سباق
ولبست هذا الدهر من أطرافه ... ونزعته وقميصه أخلاق
فإذا الشباب وديعة وإذا الفتى ... هدى لفاغرة المنون يساق
هذا هو البارودي كما صور نفسه في شعره، وإذا كان صادقًا في تصويره، ولا نحسبه إلّا كذلك، فالأخلاق التي تغنَّى بها تبعث في النفس الإكبار والإعجاب.
(1/182)

ثقافته:
أُعِدَّ البارودي ليكون جنديًّا، ولم يُعَدُّ ليكون أديبًا، بيد أنه حين وجد نفسه بعد أن تخرج في المدرسة الحربية متعطلًا, أبت عليه نفسه الطموح أن يستمرئ اللهو والدعة، وعكف على كتب الأولين يقرؤها بشغفٍ ونهمٍ، ولم يقرأ كتابًا من كتب اللغة، ولكنه قرأ كتب الأدب، ويقول الشيخ حسين المرصفي صديقه ومرشده1: "ولم يقرأ كتابًا في فنٍّ من فنون العربية، غير أنه لما بلغ سن التعاقل وجد من طبعه ميلًا إلى قراءة الشعر وعمله، فكان يستمع إلى بعض من له دراية وهو يقرأ بعض الدواوين، أو يقرأ بحضرته حتى تصور في برهةً يسيرةً هيئات التراكيب العربية، ومواقع المرفعوعات منها والمنصوبات والمخفوضات, حسبما تقتضيه المعاني والتعلبيقات المختلفة، فصار يقرأ ولا يكاد يلحن، سمعته مرةً يسكن ياء المنقصوص والفعل المعتقل بها المنصوبين، فقلت له في ذلك فقال: هو كذا في قول فلان, وأنشد شعرًا لبعض العرب، فقلت: تلك ضرورة، وقال علماء العربية: إنها غير شاذة، ثم استقلَّ بقراءة دواوين مشاهير الشعراء من العرب وغيرهم, حتى حفظ الكثير منها دون كلفة، واستثبت جميع معانيها، ناقدًا شريفها من خسيسها, واقفًا على صوابها وخطئها".
والحق أن أثر القراءة والحفظ ظاهر في شعر البارودي، ومن يطَّلِع على "مختارات البارودي" يشهد بحسن ذوقه، ودقة اختياره، وتأنقه في غذائه عقله، كما يشهد بكثرة محفوظه، ولا نعجب بعد هذا حين نرى البارودي ممتلكًا ناصية اللغة, يتصرف فيها تصرف الخبير العليم بأسرارها, المطبوع على التَّكَلُّمِ بها، وأغلب الظن أن مختاراته لم تحو كل ما حفظ من جيد الشعر العربيّ؛ لأننا نلمح أثرًا للشعر الجاهليّ في شعره: من كلماتٍ، وعباراتٍ, ومعارضاتٍ, وتشبيهاتٍ، مع أن مختارته لم تحو إلّا شعرًا عباسيًّا.
__________
1 الوسيلة الأدبية, ص474.
(1/183)

كانت عند البارودي الملكة الكامنة، والملكة وحدها لا تكفي، بل لابد لها من عدة تصقلها وتنميها، وتعدها للبروز ناضجةً قادرةً خالقةً، ودراسة البارودي الأدبية قد غذت هذه الملكة غذاءً كاملًا، لا من دواوين الشعراء وحدهم، بل من كتب الأدب وطرائف القصص، وأخبار العرب, وقبائلهم, وشجاعتهم, وعدائيهم, وأمثالهم, وحكمهم، وغير ذلك مما لا يستغني عنه أديب، والأدلة على هذه المعرفة متوفرةٌ في ديوانه1.
كانت إذًا قراءة كتب الأدب والتاريخ وحفظ الشعر المنتقى الجيد, هي عماد ثقافته الأدبية، على أن البارودي قد اطَّلَع على آدابٍ أخرى غير الآداب العربية، فقد مر بنا أنه أنه حينما ذهب إلى الآستانة وهو في شبابه، والتحق بوزارة الخارجية, عكف على دراسة التركية والفارسية، ونظم الشعر بهما كما كان ينظمه بالعربية. أضف إلى هذا ما روي من أنه تعلَّم الإنجليزية وهو في منفاه وترجم بعض آثارها، وهذه اللغات المتعددة لها أثرها ولا ريب، في معانيه وأخيلته، وتصويره للحوداث.
__________
1 من مثل قوله:
لك عرض أرق نسجًا من الريح ... وأوهى من طليلسان "ابن حرب"
وكان ابن حرب أهدى إلى الحمدوني طيلسانًا خلقًا، وكان الحمدوني يحفظ قول أبي حمران السلميّ في طيلسانه.
يا طيلسان أبي حمران قد برمت ... بك الحياة فما تلتذ بالعمر
في كل يوم له رفا يجدده ... هيهات ينفع تجديد مع الكبر
إذا ارتداه لعيد أو لجمعته ... تنكب الناس لا يبلى من النظر
فاحتذى الحمودني حذو أبي حمران، وقال في وصف طيلسانه ما يقرب من مائتي مقطوعةٍ من مثل قوله:
يا ابن حرب كسوتني طيلسانًا ... مل من صحبة الزمان وصدا
طال ترداده إلى الرفو حتى ... لو بعثناه وحده لتهدى
ومما يدل كذلك على سعة اطلاع البارودي قوله:
إن شوقي إليه أسرع شأوا ... من "سليك والصول في بطء "فند"
وأمر سليك بن سلكة معروف، أما فند "بكسر الفاء" فهو مولى عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، وكانت قد أرسلته ليأتيها بنار، فوجد ثومًا يخرجون إلى مصر فتبعهم، وأقام بها سنة، ثم قدم فأخذا نارًا, وجاء بعدو, فتعثر وتبدد فقال: "تعست العجلة" فقيل: "أبطأ من فند".
(1/184)

هذا، وقد حفل زمان البارودي بأحداثٍ عظامٍ، فمن نهضةٍ شاملةٍ، وخلق لأمة متمدينة، إلى ثوراثٍ وفتنٍ وحروبٍ ومعارك، ونفيٍ وتشريدٍ، وقد سافر البارودي إلى الآستانة مرارًا، وشهد حرب "كريت" وحرب "روسيا" ورأى علمًا لم يعرفه من قبل، ومناظر جديدة، فتاثر بكل ذلك وانفعلت نفسه له، وهاجت هذه الأحداث شاعريته, فانطلق لسانه يردد خواطره وأحساسيسه, فكانت هذا الشعر الخالد.
وإذا أضيف إلى هذه الموهبة العظيمة، والدارسة الواسعة، والتجارب الحافلة, وراثةً في قول الشعر سجلها البارودي بقوله:
أنا في الشعر عريق ... لم أرثه عن كلاله
كان إبراهيم خالي ... فيه مشهور المقالة
زالت دهشتنا حين نرى البارود قد كملت عدته، وهيأته الأيام ليبعث الشعر من رقدته، وينهض به هذه النهضة السامية.
شعره:
يقول البارودي في مقدمة ديوانه: "الشعر لمعة خيالية, يتألق وميضها في سماوة الفكر، فتنبعث أشعتها إلى صحيفة القلب, فيفيض بلألأئها نورًا يتصل خيطه بأسلة اللسان، فينفث بألوان من الحكمة ينبلج بها الحالك، ويهتدي بدليلها السالك، وخير الكلام ما ائتلفت ألفاظه وائتلفت معانيه، وكان قريب المأخذ، بعيد المرمى، سليمًا من وصمة التكلف، بريئًا من عشوة التعسف، غينًّا عن مراجعة الفكرة، فهذه صفة الشعر الجيد، فمن آتاه الله منه حظًّا، وكان كريم الشمائل، طاهر النفس، فقد ملك أعنة القلوب، ونال مودة النفوس، ولو لم يكن من حسنات الشعر الحكيم إلّا تهذيب النفوس، وتدريب الأفهام, وتنبيه الخواطر إلى مكارم الأخلاق, لكان قد بلغ الغاية التي ليس وراءها لذي رغبة مسرح، وارتبأ الصهوة التي ليس دونها لذي همة مطمح".
(1/185)

وتعريف البارودي للشعر غامض؛ لأنه لفه في ثوبٍ كثيفٍ مزخرفٍ بالمجازات والاستعارات، ولم يحدده تحديد علميًّا، وهو يعني: أنه خطرة ذهنية ينفعل لها الفؤاد، فيتحرك اللسان معبرًا عن خلجاته, والخطرة الذهنية تأتي مثلًا من نظرةٍ إلى شيءٍ جميلٍ، أو شيء يبعث الرثاء والأسى، وقد تكون خطرة ذهنية مجردة عن الأثر الخارجيّ، وهذا التعريف يتمشَّى مع مذهب العرب في الشعر, وهو أنه "لمعة خيالية" تومض إيماضًا، فتأتي هذه الخطرات الخيالية غير متصلة, أو مرتبط بعضها ببعض في حلقة متماسكة، أو قصة محبوكة الأطراف, أو خيال ممتد طويل في ملحمة من الملاحم, أو مسرحية من المسرحيات تتابع حوادثها، وإنما هو ومضات تتألق في أبيات وقصيدة لا تربطها وحدة فكرية.
والشعر الجيد في رأي البارودي "ما كان قريب المأخذ سليمًا من وصمة التكلف، بريئًا من عشوة التعسف، غنيًّا عن مراجعة الفكرة" وهذه صفة الشعر الغنائيّ, وهي سمة الشعر العربيّ غالبًا، ليس فيه عمق المعنى والتوغل في الخيالات، أو تعقيد الفكرة، وحشد القضايا المنطقية، والفكر المجرد عن الشعور والإحساس، كما ترى ذلك عند أبي تمام والمتنبي أحيانًا, وعند أبي العلاء كثيرًا، وكما نراه مذهبًا من مذاهب بعض شعراء العصر الحاضر، والشعر ليس فلسفةً ولا منطقًا، وقد لا يحتوي البيت كبير معنى، وإنما تطرب له النفوس وتهتز عجبًا، وذلك لأن الشعر غذاء القلوب، وليس مهارة العقول, وهذا ما جعل النقاد قديمًا ينعتون البحتريّ بأنه الشاعر، وأن المتنبي وأبا تمام حكيمان؛ لأن البحتري لم يكن يتكلف في شعره الغوص على المعاني وابتكارها, ولا يستعمل المنطق والفلسفة، بل كان يحذو حذو شعراء الجاهلية والصدر الأول في قرب معانيه, وانسجام ألفاظه بعضها مع بعض، والقائل ردًّا على من عاب عليه بعده عن ثقافة عصره، وعدم أخذه بشيء من الحكمة والمنطلق, وهو يمثل نظرة العرب إلى الشعر:
كلفتومنا حدود منطقكم ... والشعر بغنًى عن صدقه كذبه
لم يكن ذو القروح يلهج بالمنطق ... ما نوعه وما سببه1
والشعر لمح تكفي إشارته ... وليس بالهذر طولت خطبه
__________
1 ذو القروح: امرؤ القيس، ولقب بذلك كما يقولون لأنه أصيب بمرض جلديّ في طريق عودته من لدن ملك الروم, حينما ذهب إليه يستنجد به على قتلة أبيه.
(1/186)

ويرى الباردوي أن وظيفة الشعر: "تهذيب النفوس، وتدريب الأفهام, وتنبيه الخواطر إلى مكارم الأخلاق". وقد ردَّدَ هذه المعاني في شعره، بيد أن الشعر قد لا يؤدي وظيفةً ما إلّا التعبير عن شعور الشاعر، وهذه مسألة تحتاج إلى بحثٍ مستفيضٍ نقرر فيه نظرة العرب إلى وظيفة الشعر بخاصةٍ والأدب بعامة، ونظرة الغربيين إلى الشعر ومذاهبهم فيه، وهل للأدب وظيفة, أو هو التعبير لمجرد التعبير، أو للفن كما يقولون1؟ ومهما يكن من أمر فإن البارودي لم يفطن إلى كل أغراض الشعر, وما يمكن أن يستخدم فيه، وما قرره في مقدمته من تعريف للشعر ووظيفته يعبر عن مذهبه.
والبارودي مطبوعٌ على قول الشعر، لا ينتزعه انتزاعًا, ويتعسف في نظمه, بل يتدفق على لسانه تدفقًا، وتشعر وأنت تقرؤه أنه يجري في رفقٍ وهوداةٍ ولينٍ, غير قلقٍ أو مضطربٍ أو متكلفٍ، وقد كان البارودي يدرك هذه الميزة في شعره يقول:
أقول بطبع لست أحتاج بعده ... إلى المنهل المطروق والمنهج الوعر
إذا جاش طبعي فاض بالدر منطقي ... ولا عجب فالدر ينشأ في البحر
وعلى الرغم من سليقته المواتية، وحافظته الواعية التي تمده بمخزون الآداب ألفاظًا منمقة ومعاني سامية، فإن البارودي كان من المؤمنين بأن الفن تهذيبٌ وصقلٌ، وجهدٌ متصلٌ، وتحسينٌ مستمرٌ، وأن الطبع وحده لا يكفي، ولذلك كان يتعهده بالتهذيب والرعاية، فقد روي أنه رتَّبَ ديوانه بعد عودته من المنفى، وأعاد النظر فيما قاله من قصائد، وحذف الأبيات التي لا ترقه، حتى لا يخلف للأجيال المقبلة إلّا الشعر المصقول لفظًا ومعنًى:
لم تبن قافية فيه على خلل ... كلّا! ولم تخلف في وصفها الجمل
فلا سناد ولا حشو ولا قلق ... ولا سقوط ولا سهو ولا علل
لا تنكر الكاعب الحسناء منطقه ... ولا يعاد على قوم فيبتذل
__________
1 انظر دراستنا للمذاهب الأدبية الغربية في كتابنا "المسرحية".
(1/187)

ولا أدلَّ على هذا التنقيح من اختلاف القصائد كما نشرت في الديوان عن نصها المنشور أول الأمر في الوسيلة الأدبية للمرصفي، خذ قوله في الوسيلة الأدبية:
أقاموا زمانًا ثم بدد شملهم ... أخو فتكات بالكرام اسمه الدهر
فقد صار في الديوان:
أقاموا زمانًا ثم بدد شملهم ... ملول من الأيام شيمته الغدر
ومطلع قصيدته التي يعارض فيها رائية أبي نواس، فقد كانت في الوسيلة على الصورة الآتية:
تلاهيت إلّا ما يجن ضمير ... وداريت إلّا ما ينم زفير
وهل يستطيع المرء كتمان أمره ... وفي الصدر منه بارح وسعير
ثم صار في الديوان:
أبى الشوق إلّا ما يحن ضمير ... وكل مشوق بالحنين جدير
وهل يستطيع المرء كتمان لوعة ... ينم عليها مدمع وزفير
كما كان يهتف بشعره قبل أن يخرجه للناس، ويصغي إليه ليتبين ما فيه من عيوب في الموسيقى وعدم انسجام الألفاظ بعضها مع بعض، والخلل المعنوي، والقافية القلقة المضطربة، والحشو، وغير ذلك من عيوب الشعر ويقول:
واهتف به من قبل تسريحه ... فالسهم منسوب إلى الرامي1
__________
1 يقول الشيخ حسين المرصفي في هذا: ونبه بقوله: واهتف به من قبل تسريحه، على أنه لا ينبغي أن يكتفي بالنظرة الأولى, فللنفس خداع وربما تنبهت بعد أن أغفلت، واستقبحت ما استحسنت, ولذلك يقول الأول:
لا تعرضن على الرواة قصيدة ... ما لم تبالغ قبل في تهذيبها
فإذا عرضت الشعر غير مهذب ... عدوه منك وساوسًا تهذي بها
(1/188)

فجاء والحق يقال شعرًا يأخذ بمجامع القلوب من حيث موسيقاه، وتماسك أبياته وقوافيه, وانسجام ألفاظه، وانتقاؤها انتقاء خبير ملهم:
فألق إليه السمع ينبئك أنه ... هو الشعر لا ما يدعي الملأ الغمر1
يزيد على الإنشاد حسنًا كأنني ... نفثت به سحرًا، وليس به سحر
كان البارودي يتخير الألفاظ المناسبة للمعاني التي يريدها فيرق ويلطف حين يقضي المقام الرقة واللطف كأن يتغزل أو يعتب، أو يصف منظرًا جميلًا, أو مجلس أنس وسمر، ويجزل شعره يجلجل لفظه، ويشتد أسره حين ينشد في الحماسة والفخر والمديح، وحين يصف البحر الهائج، والريح الزفوف والحرب الضروس.
إذا اشتد أورى زندة الحرب لفظه ... وإن رق أزرى بالعقود فريدة
إذا ما تلاه منشد في مقامه ... كفى القوم ترجيع الغناء نشيده
فجاء شعره مما يلذ للإنسان حقًّا إن ينشده بصوت مرتفع، يترنم به ليطرب, ويتأمل في نغمه وموسيقاه فيلتذ ويعجب، فلا بدع أن قال:
ولي كل ملساء المتون غريبة ... إذا أنشدت أفضت لذكر بني سعد2
أخف على الأسماع من نغم الحدا ... وألطف عند النفس من زمن الورد
كان البارودي يعلم أنه سيخلد بشعره لا بحسبه ونسبه، وإذا كان قد أخفق في بلوغ مناه وتحقيق آماله في هذه الدنيا، فإنه أدرك الغاية من السعي في الحياة العمل الصالح والمجد المؤثل، ألَا وهي الخلود بعد الموت, وترديد اسمه عطرًا على كل لسان، وفي ذلك يقول في شعره:
__________
1 الغمر: مثلثة الغين، ومعناها الذي لم يجرب الأمور.
2 بنو سعد: بطن من هوازن، ومنهم حليمة السعدية مرضعة النبي -صلى الله عليه وسلم، وكان بنو سعد من أفصح العرب، ولذلك أرسل رسول الله إليهم كي ينشأ على الفصاحة واللسن، ويريد البارودي أن شعره يذكر الناس بأفصح العرب.
(1/189)

سيبقى به ذكري على الدهر خالدًا ... وذكر الفتى بعد الممات خلود
يقول:
سيذكرني بالشعر من لم يلاقني ... وذكر الفتى بعد الممات من العمر
هذا، وفي شعر البارودي هنات، وعليه مآخذ قليلة, سنذكرها في موضعها من هذا الفصل، بيد أنها تزري به ولا تغض من شأنه؟ حسبه أنه سما بالشعر العربيّ إلى الذروة، وأنه حلَّق في السماء التي جاب آفاقها من قبل بشار وأبو نواس والبحتريّ وأبو تمام والمتنبي وأبو فراس وأضرابهم، بعد أن وصل الشعر العربيّ قبيل عهده إلى الحضيض, وكاد يلفظ أنفاسه الواهية.
والآن، علينا أن نتعرف على هذا الشعر الذي مدحه وافتخر به، وصقله وهذبه، لنرى أمحقٌّ هو في الثناء عليه، أم هو غرور شاعر زَيَّنَ له خياله الباطل حقًّا، والسيء حسنًا؟ ولنرى القديم والجديد في شعره، ومنزلته في موكب الأدب العربيّ، وهل كان صدًى للشعراء الذين عارضهم وجاراهم في مضمارهم, أو أنه استقلَّ وابتكر وخرج على المألوف، وتكونت له شخصية يذكره التاريخ غير معتمدة على سواها؟ وهل هي شخصية قميئة هزيلة؟ أو شخصية قوية فارعة ذات مزايا واضحة؟
أ- القديم في شعره:
1- لم يجدد البارودي في أغراض الشعر التي عرفها شعر العصر العباسيّ, فهو يمدح ويصف، ويهجو، ويرثي، ويعتب، ويفتحر..إلخ ما هناك من أغراض معروفة مألوفة، ويا ليته وقف عند هذا، فقد تكون الأغراض قديمة والمعاني جديدة، ولكنه حاكى القدماء أحيانًا في أسلوبهم, كما حاكاهم في أغراضهم، وقد بلغ به التقليد حدًّا نسي معه أنه في مصر, وأنه بعيدٌ عن نجد ورباها ووديانها وآرامها وخمائلها، فقال:
يا سعد قل لي فأنت أدرى ... متى رعان العقيق تبدو1
أشتاق نجدًا وساكنيه ... وأين منِّي الغداة نجد
__________
1 العقيق: الوادي, وكل ميل شقه ماء السيل، مواضع بالمدينة والطائف واليمامة ونجد، والمقصود هنا عقيق نجد.
ورعان: جمع رعن "بفتح فسكون"وهو أنف يتقدم الجبل.
(1/190)

وقال:
أين ليالينا بوادي الغضا ... ذاك عهد ليته ما انقضى1
كنت به من عيشتي راضيًا ... حتى إذا ولى عدمت الرضا
أيام لهوٍ وصبًا كلما ... ذكرتها ضاق عليّ الفضا
2- وقد وقف على الأطلال والدمن، وأتى بشعر جاهليّ الروح والمعنى، والوجه والزيّ، ولا يمتُّ إلى عصره وعصر الحضارة بصلة، وهو لم يقله لأنه مقتنع بأن ذلك هو الأسلوب الواجب اتباعه، والنهج الذي عليه أن يسلكه، ولكنه يريد أن يمتحن شاعريته، وهل في استطاعته أن يحاكي القدماء حتى وقوفهم على الأطلال والدمن؟ وليس أمامه أطلال ودمن تهيج شاعريته، وتثير عبرته, فإذا استطاع أن يقول مثلما قالوا فهو شاعر فحل، ولا شكَّ أن هذا النوع من الشعر خالٍ من العاطفة, وفيه كثير من الصنعة والتكلف، استمع إليه يقول:
ألا حيٌّ من أسماء رسم المنازل ... وإن هي لم ترجع بيانًا لسائل
خلاء تعفتها الروامس والتقت ... عليها أهاضيب الغيوب الحوافل
فلأيًا عرفت الدار بعد ترسم ... أراني بها ما كان بالأمس شاغلي
غدت وهي مرعًى للظباء وطالما ... غنت وهي مأوًى للحسان العقائل
إلى أن يقول:
فيا ليت أن العهد باقٍ وأننا ... دوارج في غفل من العيش خامل
تمر بنا رعيان كل قبيلة ... فما يمنحونا غير نظرة غافل
صيغرين لم يذهب بنا الظن مذهبًا ... بعيدًا ولم يسمع لنا بطوائل
نسير إذا ما القوم ساروا غدية ... إلى كل بهم راتعات وجامل3
فأي أطلال، وأي رسومٍ رآها البارودي فوقف عندها؟ وأين رأي الظباء وهو يعيش في أحضان القاهرة المتمدينة؟ وأين مرت بهما رعيان القبائل؟
__________
1 الغضاء: شجر، وخشبه من أصلب الخشب جمع غضاة، ووادي الغضاء, مكان بنجد.
2 الطوائل: جمع طائلة وهي الوتر، والذحل والمعنى: لم نقترف إثمًا.
3 البهم: جمع بهمة, وهي صغار المعز والضأن, والجامل: الإبل.
(1/191)

وما هذه البهم والجمال السائمة؟ اللهم إنه التقليد ورياضة القول, وإظهار المقدرة على النظم في مثل هذه الأغراض، وعلى هذا النمط كما فعل القدماء.
3- ونراه في النسيب ووصف المرأة يعمد إلى التشبيهات القديمة المحفوظة، فهي تحكي الظبي في كناسه، والبدر في سمائه، وهي مهاة، وألحاظها سيوف باترات، وقدها غصن يتثنى ... إلخ هذه القوالب الموروثة.
إذ نظرت أو أقبلت، أوتهللت ... فويل مهاة الرمل، والغصن والبدر
ويقول:
أيها الساهرون حول وسادي ... لست منكم أو تذكروا لي نجدًا
لا تخوضوا في غيره من حديث ... فهو حسبي، وأي ماء كصدا1
ويتغزل:
غصن بانٍ قد اطلع الحسن فيه ... بيد السحر جلنارًا ووردًا
ما هلال السماء؟ ما الظبي؟ ما ... الورد جنيًا؟ ما الغصن إذ يتهدى؟
هو أبهى وجهًا وأقتل ألحاظًا ... وأندى خدًّا، وألين قدّا
ويصف المرأة بقوله:
كالورد خدًّا، والبنفسج طرة ... والغصن قدًّا، والغزالة ملفتًا
ويصفها وصفًا ماديًّا كما كان يفعل القدماء، كأنها تباع وتشترى:
خفت معاطفها، لكن روادفها ... بمثل ما حملتني في الهوى رجحت
ويلاه من لحظها الفتاك إن نظرت ... وأهٍ من قدِّها العسال إن سنحت
كالبدر إن سفرت والظبي إن نظرت ... والغصن إن خطرت والزهر إن نفحت
__________
1 صدًّا بالقصر ضرورة من صداء: اسم عين يستعذبها العرب, وفي أمثالهم. "ماء ولا كصداء".
(1/192)

ويقول:
وا لوعة القلب من غزلان أخبية ... تكاد تكسر من أحداقها الراح
من كل مائسة كالغصن قد جمعت ... بدائعًا كلها للحسن أوضاح
فالعين نرجسة، والشعر سوسنة ... والنهد رمانة، والخد تفاح
4- نرى البارودي الذي حاكى فحول الشعراء حتى الجاهليين منهم، يقلد شعراء الصنعة، وعصر الضعف، فيؤرخ أحيانًا في شعره كما أرخوا -وإن كان قليلًا ما فعل حتى لا يكاد يذكر- فمن ذلك قوله يؤرخ عودة "إسماعيل باشا" خديو مصر من دار الخلافة العلية سنة 1289هـ.
ورجع الخديو لمصره ... وأتت طلائع نصره
وتهللت بقدومه ... فرحًا أسرة عصره
فلتبتهج أوطانه ... بحلوله في قصره
وليشتهر تأريخه ... رجع الخديو لمصره
وقال في تنهئة الخديو عباس الثاني بعيد الفطر:
أمولاي دُمْ للمُلْكِ ربًّا تسوسه ... بحكمة مطبوع على الحلم والباس
ولا زالت الأعياد تجري سعودها ... عليك وتحظى من علاك بإيناس
فلولاك ما فازت يد القطر بالمنى ... ولا نشأت روح العدالة في الناس
وهذا لسان الشكر يدعو مؤرخًا ... حوى العيد أنواع الفخار بعباس
1314هـ
24، 155، 128، 219، 135
5- واستعمل البارودي المحسنات البديعية أحيانًا، ولا سيما الطباق في مثل قوله:
يموت قلبي ويحيا حيرةً وهدىفي عالم الوجد إن صدت وإن جنحت ...
وقوله:
وبنفسي حلو الشمائل مر الهجر ... ويحيى وصلًا، ويقتل صدًّا
ما على قومه وإن كنت حرًّا ... إن دعتني له المحبة عبدا
(1/193)

6- أما معانيه فكثير منها قديم, والقليل فيه جدة, وهو مقلِّدٌ في المعاني كما هو مقلد في الشكل، ولا أستطيع أن أحصي المعاني القديمة لكثرتها, ولكن أدل على نوعها ببعض الأمثلة كقوله في الغزل:
طربت وعادتني المخيلة والسكر ... وأصبحت لا يلوى بشيمتي الزجر1
كأني مخمور سرت بلسانه ... معتقة مما يضن بها التجر
صريع هوى يلوى بي الشوق كلما ... تلألأ برق أو سرت ديم غر
إذا مال ميزان النهار رأيتني ... على حسرات لا يقاومها صبر
يقول أناس إنه السحر ضلة ... وما هي إلّا نظرة دونها السحر
ويقول مفتخرًا في هذه القصيدة بقومه:
لهم عمد مرفوعة ومعاقل ... وألوية حمر وأفنية خضر
ونار لها في كل شرق ومغرب ... لمدرع الظلماء ألسنة حمر
ويقول في القصيدة من الحكمة:
ل
عمرك ما حيٌّ وإن طال سيره ... يعد طليقًا والمنون له أسر
وما هذه الأيام إلّا منازل ... يحل بها سفر ويتركها سفر
فهذه أغراض ثلاثة في قصيدة واحدة لم يأت فيها بجديدٍ من المعنى، ففي الغزل يقول: إنه استخفه الطرب والشوق على حدة قول أبي نواس.
حامل الهوى تعب ... يستخفه الطرب
إن بكى يحق له ... ليس ما به لعب
وحاكى الأقدمين في ذكره البرق والسحب، فهذه الأشياء كانت مقبولة في الشعر القديم لأنها تصف البيئة العربية، والغيث والبرق كان فيهما حياة العرب القاطنين بالجزيرة، فإذا لمع البرق أو هطلت السحب هلل الناس وفرحوا، وإذا ذكر
__________
1 المخيلة: الظن, والمراد ذكريات الماضي، وبلوى به: يذهب به.
(1/194)

المحب محبوبته في ذلك الوقت فكأنه يريد أن يشاركها سرورها، أو تشاركه سروره، والسرور من الأشياء التي لا تتم إلّا إذا اقتسمها الإنسان مع سواه, أما في بيئة البارودي فليس لهذه الأشياء من التأثير والاهتمام ما يدعو لذكرها، بل قد يسبب المطر من المضايقات لأهل القاهرة الذين يعتمدون على النيل، ولأهل الريف في ضرر زرعهم ما يذكرونه بشرٍّ، ولكنه التقليد القديم، وقوله: "على حسرات" يعني به: أنه حين تغيب الشمس تكثر همومه، وكأنه يتقلب على حسرات؛ لأن الليل مصدر للذكريات لفراغ الإنسان من الشواغل والأعمال، وقديمًا قال النابغة:
وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب
ويقول النابغة كذلك:
فبت كأن العائدات فرشن لي ... هراسًا به يعلى فراشي ويقشب
وتشبيه نظرات المحبوبة بالسر تشبيه قديم معروف.
وفي الفخر ترى البارودي يذكر العمد المرفوعة وهو في القاهرة، ويذكر النار على عادات البدو، ولا سيما في الجاهلية إذا كانوا يشبونها على يفاعٍ من الأرضي كي يهتدي بها الساري، ويلجأ إليها الجائع ويطلب القرى، ورحم الله حاتمًا حين قال لغلامه:
أوقد فإن الليل ليل قر ... والريح يا واقد ريح صر1
معل يرى نارك من ير ... إن جلبت ضيفًا فأنت حر
وقوله في الحكمة: إن الإنسان لا يعد طليقًا في حياته وهو في أسر المنون, مأخذو من قول طرفة بن العبد:
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكا لطول المرخى وثنياه باليد2
__________
1 قر: بارد، وصر: شديد البرودة.
2 الطول: الحبل.
(1/195)

وبيت طرفة أحسن وأمتن؛ حيث شبه الإنسان بدابة، وحبلها بيد الموت يرخي لها فيه, وإذا شاء جذبها إليه فتقضي العمر, وأما أن الأيام منازل، وأنا فيها على سفر فمعنًى قديم مطروق، وقد تكررت في الأحاديث النبوية، وفي أقول الزهاد والوعاظ.
وهكذا إذا أخذت أي قطعة للبارودي تجده يردد فيها كثيرًا من المعاني القديمة المعروفة المشهورة, ولا يعني هذا أن البارودي لم يجدد في شعره وفي معانيه، بل له تجديد ملحوظ في شعره سنذكره فيما بعد.
وإذا كان البارودي قد طرق أبواب الشعر العربيّ الموروثة, ولم يجدد في أغراضه، فإنه كان واضح الشخصية في كثير من هذه الموضوعات المطروقة, فتراه يمثل نفسه، وزمنه، وبيئته، في قصائد شتَّى. فالبارودي ذاق حلو الزمان، ومره، وارتفع في مناصب الدولة حتى رئاسة الوزارة, ثم شُرِّدَ ونُفِيَ، وقضى زمنًا طويلًَ يتحرق فيه شوقًَا إلى وطنه وأهله، ويتحسر على أيامه الخاليات، ويندب فيه حظه، ويَنْعى على الأصدقاء الكاذبين خياناتهم وغدرهم، ويذم الحياة ويكيل لها السباب، وهو في كل ذلك صادق الشعور يصف ما به على طبيعته, فبرزت شخصيته واضحةً لا لبس فيها ولا غموض.
وإذا كان البارودي قد قلَّدَ القدماء وحاكاهم في أغراضهم وطريقة عرضهم للموضعات وفي أسلوبهم، وفي معانيهم، فإن له مع ذلك جديدًا ملموسًا في شعره؛ من حيث التعبير عن شعوره وعن مشاهداته، وله معانٍ جديدة، وصور لهم يسبق إليها، وإذا أردنا أن ننصفه, فعلينا دراسة الجديد في شعره حتى يكون حكمنا عليه عادلًا، ونستطيع أن نضعه في منزلته الجديرة به في موكب التاريخ والأدب والنهضة.
ب- الجديد في شعره:
1- الوصف:
ولا تعجب إذا عددنا الوصف جديدًا عند البارودي، وإن كان قديمًا منذ أن كان الشعر العربيّ، وما من شاعر إلّا له في الوصف أبياتٌ وقصائدٌ, ولكن الجديد في وصف البارودي أنه أفرد له قصائد بعينها, ولم يأت به عرضًا في ثنايا القصائد.
(1/196)

كان يصف لمجرد الوصف، ولأن شاعريته، وحواسه المرهفة، وتذوقه الحاد للجمال, كانت تدفعه إلى قول الشعر، وإلى وصف مشاهداته لا كما هي في الطبيعة، ولكن يخرجها ملونةً بشخصيته وشعوره وأفكاره.
كان البارودي مفتونًا بالطبيعة, يرى شعرها لا ينضب منه معين الإلهام، ويرى في كل سطرٍ من هذا الشعر آيةً من آيات الجمال عليه أن يترنَّمَ بها، ويظهر محاسنها للأجيال من بعده، ويترجمها للناس حتى يعجبوا بها كما أعجب.
وديوان البارودي غاصٌّ بالموصوفات وبقصائد الوصف، وما دام الشاعر قد انصرف عن المديح, وعن أن يكون شعره مظهرًا للنفاق والخداع والاستجداء، والوقوف بأبواب الملوك والأمراء، فقد أصبح شعره طوع يده, يسجل به مشاعره الخاصة، وشعراء العربية الوصافون -أي الذين أكثروا من الوصف- قليلون؛ لأن المديح وللأسف قد ألهاهم عن قراءة محاسن الكون، ويُعَدُّ البارودي من أكثر شعراء العربية وصفًا، بل يعد في الطليعة، وشعره الوصفيّ يفخر به الشعر العربيّ, ويستطيع أن يباهي به خير ما عند الغرب من شعرٍ وصفيٍّ، وموصوفات البارودي كما ذكرنا عديدة ومنوعة، فمنها:
1- مظاهر الطبيعة، فيصف الليلة العاصفة المطيرة, ويجعلك تحس معه هزيم الرعد، وعزف الريح، وتواصل المطر وشدته، وترى سوادها ووحشتها، ويصف الليلة الحالية بالنجوم فتلمس جمالها، ويصف السحاب الممطر والبرق والرعد وأثرها في الإنسان والأرض، ويصف البحر الهائج الغاضب، والريح الزفوف تعلو بالموج فتحيله جبالًا سامقة الذرى, وتنخفض به إلى وهادٍ عميقة الأغوار، ويصف الجبل والغابة وغير ذلك.
وهو في وصف الطبيعة مصوّرٌ ماهرٌ، بل هو دقيقٌ بارعٌ في كل ما يتناول من وصف، وهو في وصف الطبيعة قد يغرب في لفظه، ويأتي بتشبيهاتٍ جديدةٍ منتزعةٍ من بيئته أحيانًا, وأحيانًا يردد معاني القدماء وأخيلتهم، استمع إليه يصف ليلةً مطيرةً حتى مطلع الفجر.
(1/197)

وليلة ذات تهتان وأندية ... كأنما البرق فيها صارم سلط1
لف الغمام أقاصيها ببردته ... وأنهل في حجرتيها وابل سبط2
بهماء لا يهتدي الساري بكوكبها ... من الغمام ولا يبدو بها نمط3
يكاد يجهل فيها القوم أمرهم ... لولا صهيل جياد الخيل واللغط
يطغى بها البرق أحيانًا فيزجره ... مخرنطم زجل من رعدها خمط4
كأنما البرق سوطٌ والحيا نجب ... يلوح في جسمها من مسه حبط5
كأنه صارم يرفض من علق ... بالأفق يغمد أحيانًا ويخترط6
مزقت جلبابها بالخيل طالعة ... مثل الحمائم في أجيادها العلط7
وقد تخلل خيط النور ظلمتها ... كما تخلل شعر اللمة الوخط
كأنها وصديع الفجر يصدعها ... من جانب أدهم قد مسه نبط8
ومربع لنسيم الفجر هيمنة ... فيه وللطير في أرجائه لغط
كأنما القطر در في جوانبه ... يكاد من صدف الأزهار يلتقط
وللنسيم خلال النبت غلغلة ... كما تغلغل وسط اللمة المشط
والريح تمحو سطورًا ثم تثبتها ... في النهر لا صحة فيها ولا غلط
وللسماء خيوط غير واهية ... تكاد تجمع بالأيدي فترتبط
كأنها وأكف الريح تضربها ... سلوك عقد تواهت فهي تنخرط
وفي هذه القطعة أبيات يسمو فيها البارودي بإحساسه وبراعة تصويره، وإدراكه للأمور الدقيقة، كوصفه النسيم وهو يتخيل النبت، أو وصفه خيوط المطر وهي نازلة، وقال يصف النجوم:
__________
1 أندية: ج ندى, وهو البلل، وسلط: لا نتوء في نصله.
2 حجرتاها: ناحيتاها، وسبط: شديد متدارك.
3 النمط: الطريق.
4 مخرنطم: وهو اسم فاعل من اخرنطم الرجل, أي: رفع أنفه واستكبر وغضب، وزجل: عالي الصوت, ومن رعدها: بيان لزجل, وخمط: غضوب ثائر.
5 الحياء: المطر، والنجب: كرام الخيل والإبل وعتقها وجيادها المفرد نجيب، ومن مسه: أي: بسبب مسه وأناه، والضمير يعود على السوط, والحبط: آثار السياط بالبدن أو الآثار الوارمة التي لم تشقق.
6 كأنه: أي: البرق، يرفض: يسيل ويقطر، والعلق: الدم، يخترط: يسل ويجرد من غمده.
7 العلط: ككتب جمع علاط ككتاب, وهو من الحمامة طوقها في صفحتي عنقها بسواد.
8 النبط: بياض في بطن الفرس، وصديع الفجر: أي: طلوعه؛ لأنه يصدع الليلة, أي: يشقها.
(1/198)

أرعى الكواكب في السماء كأن لي ... عند النجوم رهينة لم تدفع
زهر تألق بالفضاء كأنها ... حبب تردد في غدير مترع
وكأنها حول المجر حمائم ... بيض عكفن على جوانب مشرع
وترى الثريا في السماء كأنها ... حلقات قرط بالجمان مرصع
بيضاء ناصعة كبيض نعامة ... في جوف أدحى بأرض بلقع
وكأنها أكر توقد نورها ... بالكهرباءة في سماوة مصنع1
والليل مرهوب الحمية قائم ... في مسحة كالراهب المتلفع2
متوشحٌ بالنيرات كباسلٍ ... من نسل حامٍ، باللجين مدرع
حسب النجوم تخلفت عن أمره ... فوحى لهن من الهلال بإصبع3
3- ويصف مناظر الريف ويصورها تصويرًا بديعًا، فيصف القطن, والسفن في النيل, والساقية, والمزروعات, والطيور وهي تحوم على صفحة النهر, وحركات الطيور، والنحلة وهي تنتقل من زهرةٍ لزهرةٍ، كل هذا في حساسية غريبة، وشغف بالطبيعة وحب لها, كأنه يعيش معها.
فمن قوله يصف القطن:
والقطن بين ملوز ومنور ... كالغادة ازدانت بأنواع الحلى
فكأن عاقده كرات زمرد ... وكأن زاهره كواكب في الروا4
دبت به روح الحياة فلو وعت ... عنه القيود من الجداول قد مشى
فأصوله الدكناء تسبح في الثرى ... وفروعه الخضراء تلعب في الهوا
لم يسر فيه العقل مذهب فكرة ... محدودة إلّا تراجع بالمنى
واسمعه يصف الريف المصريّ إبَّان الربيع في أرجوزة:
__________
1 المصنع: القصر العظيم.
2 مسحه: مسوحه, أي: لباسه الأسود, كمسوح الراهب.
3 وحي: أشار.
4 عاقده: ما انعقد من اللوز قبل أن يفتح، الرِّوا: مقصور الرواء، وهو الحسن والبهاء.
(1/199)

عم الحيا واستنت الجداول ... وفاضت الغدران والمناهل
وازَّيَّنَت بنورها الخمائل ... وغردت في أيكها البلابل
وشمل البقاع خير شامل ... فصفحة الأرض نبات خائل1
وجبهة الجو غمام حافل ... وبين هذين نسيم حائل
تندى به الأسحار والأصائل ... كأنما النبات بحر هائل
وليس إلّا الأكمات ساحل ... وشامخ الدوح سفين جافل2
معتدل طورًا مائل ... تهفو به الجنوب والشمائل
والباسقات الشمخ الحوامل ... مشمورة عن ساقها الذلاذل3
ملوية في جيدها العثاكل ... ممعقودة في رأسها الفلائل4
للبسر فيها قانئ وناصل ... مخب كأنه الأنامل
كأنه من ذهب قنادل ... من المرادين لها سلاسل
للمجنون بينها الأزامل ... تخالها محزونة تسائل5
لها دموع ذرف هوامل ... كأنها أم بنين ثاكل
في جيدها من ضفرها حبائل ... من القواديس لها جلاجل
تدور كالشهب لها منازل ... فصاعد ودافق ونازل
ففي هذه القصيدة يصور مناظر الريف تصويرًا سريعًا دون تعمق أو طويل وقوف على المشاهدات، ومعانيه قريبة، وتشبيهاته واضحة غير متكلفة، وخياله دان لا إغراب فيه ولا شرود.
ومما يدل على دقة حسه، وتدفق شعوره، وأنه مصور بارع، أن الأمور التي لا تسترعي نظرة جمهرة الناس يجد فيها ما يثير عاطفته، ويحرك شاعريته, قوله يصف طائرًا: تحرك فأيقظه من سنته، ويتبع حركاته بدقة، فأعطى صورة واضحة عنه.
__________
1 خائل: ذو خيلاء معجب بنفسه.
2 جافل: مضطرب.
3 الباسقات: يريد النخل والذلائل، الأطراف، ويريد أن ساق النخلة عارٍ من الجريد والعسف.
4 العثاكل: ج عثكول، وهو في النخل بمنزلة العنقود في الكرم، والفلائل ج فليلة: وهي الشعر المجتمع.
5 المنجنون: دولاب الساقية التي يُسْقَى بها الزرع, وأزامل: ج أزمل "كجعفر" وهو الصوت المختلط.
(1/200)

نبأة أطلقت عيني عن سنة ... كانت حبالة طيف زارني سحرًا
فقمت أسال عيني رجع ما سمعت ... أذني، فقالت: لعلي أبلغ الخبرا
ثم اشرأبَّت فألفت طائرًا حذرًا ... على قضيب يدير السمع والبصرا
مستوفزًا يتنزى فوق أيكته ... تنزي القلب طال العهد فادركرا1
لا تستقر له ساق على قدم ... فكلما هدأت أنفاسه نفرا
يهفو به الغصن أحيانًا ويرفعه ... دحو الصوالج في الديمومة الأكرا2
ما باله وهو في أمن وعافية ... لا يبعث الطرف إلّا خائفًا حذرا
إذا علا بات في خضراء ناعمة ... وإن هوى ورد الغدران أو نقرا
فأنت تراه يتتبع الطائر في أقل حركة له، ويحاول أن يستشف دخيلة قلبه الصغير ليعرف سر فزعه، وترقبه، ويتعجب لهذه الحياة القلقة المضطربة, مع أن ظاهر الأمر ينبئ أنه في نعمة وعافية، وهذه لعمري خطرات شاعر مرهف الإحساس جياش العاطفة.
واستمع إليه يصف غيضة احتلها في "قندية" أيام حرب كريت:
ومرتبع لذنا به غب سحرة ... وللصبح أنفاس تزيد وتنقص3
وقد مال للغرب الهلال، كأنه ... بمنقاره عن حبه النجم يفحص4
رقيق حواشي النبت، أما غصونه ... فريا، وأما زهره فمنصص5
إذا لاعبت أفنانه الريح خلتها ... سلاسل تلوى، أو غدائر تعقص6
كأن صحاف الزهر والطل ذائب ... عيون يسيل الدمع منها وتشخص7
يكاد نسيم الفجر إن مر سحرة ... بساحته الشجراء ولا يتخلص
كأن شعاع الشمس والريح رهوة ... إذا رد فيه سارق يتربص8
يمد يدًا دون الثمار، كأنما ... يحاول منها غاية ثم ينكص
__________
1 مستوفزًا: غير مطمئن, قد تهيأ لوثوب، ويتنزى: يثب.
2 دحا اللاعب الكرة: دفعها ورماها بيده، والديمومة: الأرض المستوية.
3 المرتبع: المكان الذي يرتبع فيه القوم، أي: يقيمون زمن الربيع.
4 في هذا البيت إشارةٌ إلى أن الليلة التي يصفها كانت في آخر الشهر العربيّ، وحبة النجم: أي: النجم الشبيه بالحبة.
5 رقيق: صفة لمرتبع، منصص: ظاهر مرتفع بعضه فوق بعض.
6 الغدائر ج غديرة، وهي الذؤابة من الشعر إذا كانت مرسلة، غير ملوية ولا معقوصة، وتعقص: تضفر.
7 تشخص: تنفتح ولا تطرف.
8- الرهو: الرقيق، ورد فيه: أي: إذا تردد الشعاع في المرتبع.
(1/201)

ا3- وإذا أردت أن تعرف متى يحلق البارودي في الوصف، فاقرأ أوصافه في الأشخاص, إنه لا يقل عن أمهر مصور، بل أين منه المصور؟ وهو لا يستطيع أن يبرز على "لوحته" دخائل النفوس، وأسرار القلوب والحركات والإشارات، وكذلك أوصافه للمعارك وميادين القتال وأدواته، وإذا كان وصف الحروب من الموضوعات القديمة التي تناولها قبله الشعراء، فإن تصوير الأشخاص من الموضوعات النادرة التي مر فيها قلةٌ من فحول الشعر العربيّ كابن الرومي، واسمعه يصف البلغار في بلادهم, حين ذهب مع الحملة المصرية لحرب الروس:
بلاد بها ما بالجحيم، وإنما ... مكان اللظى ثلج بها وجليد
تجمعت البلغار والروم بينها ... وزاحمها التاتار، فهي حشود
إذا راطنوا بعضًا سمعت لصوتهم ... هديدًا تكاد الأرض منه تميد
قباح النواصي والوجود كأنهم ... لغير أبي هذا الأنام جنود
سواسية ليسوا بنسل قبيلة ... فتعرف آباء لهم وجدود
لهم صور ليست وجوهًا وإنما ... تناط إليها أعين وخدود
يخورون حولي كالعجول، وبعضهم ... يهجن لحن القول حين يجيد
فهو يصف رطانتهم وعجمة ألسنتهم، وقبح وجوههم ورءوسهم, حتى كأنهم ليسوا من البشر، وأن وجوههم متشابهةٌ لا تستطيع التفريق بينها، بل لا يريد أن يعترف بأنه لهم وجوهًا, إنما هي صور وضعت فيها أعين وخدود، ويخورون حوله كالعجول، وإذا حاول بعضهم النطق بالعربية أفسدها.
(1/202)

ومن قوله يصف حرب إقريطش "كريت":
في كل مربأة وكل ثنية ... تهدار سامرة وعزف قيان1
تستن عادية، ويصهل أجرد ... وتصيح أجراس، ويهتف عاني2
قوم أبى الشيطان إلّا خسرهم ... فتسللوا من طاعة السلطان
ملئوا الفضاء، فما يبين لناظر ... غير التماع البيض والخرصان3
فالبدر أكدر والسماء مريضة ... والبحر أشكل والرماح دوان4
والخيل واقفة على أرسانها ... لطراد يوم كريهة ورهان
وضعوا السلاح إلى الصباح، وأقبلوا ... يتكلمون بألسن النيران
حتى إذا ما الصبح أسفر وارتمت ... عينان بين ربى وبين مجان
فإذا الجبال أسنة، وإذا الوهاد ... أعنة والماء أحمر قاني
فتوجست فرط الركاب ولم تكن ... لتهاب، فامتعنت على الأرسان5
فزعت فرجعت الحنين، وإنما ... تحنانها شجن من الأشجان
ذكرت مواردها بمصر، وأين من ... ماء بمصر منازل الرومان
ومن المقطوعات اللطيفة في وصف الأشخاص قول البارودي يذم شخصًا ويصفه بالنهم والجشع.
__________
1 المربأة: مكان المراقب، والتهدار: التصويت وقرقرة الحمام، والقينة: المغنية وجمعها قيان.
2 استن الفرس: عدا إقبالًا وإدبارًا، والأجرد: الحصان القصير الشعر, وهو من أمارات العتق والأصالة، والعاني: المتعب.
3 الخرصان: الدرع والرماح.
4 الأشكل: الذي يضرب بياضه في حمرة.
5 الفرط: الفرس السريعة الخيل، وامتنعت على الأرسان: حرنت وصارت لا تقاد بالأرسان.
(1/203)

وصاحب لا كان من صاحب ... أخلاقه كالمعدة الفاسدة
أقبح ما في الناس من خصلة ... أحسن ما في نفسه الجامدة
لو أنه صور من طبعه ... لكان لعمري عقربًا راصده
يصلح للصفع لكيلا يرى ... في عدد الناس بلا فائدة
يغلبه الضعف ولكنه ... يهدم في قعدته المائة
يراقب الصحن على غفلة ... مكن أهله كالهرة الصائدة
كأنما أظفوره منجل ... وبين فكيه رحى راعده
كأنما البطة في حلقه ... نعامة في سبسب شارده
تسمع للبلع نقيقًا كما ... نقت ضفادي ليلة راكدة
كأنما أنفاسه حرجف ... وبين جنبيه لظى واقدة
4- وقد وصف البارودي كثيرًا من الأشياء كالسجن، والقطار، والخمر, وغير ذلك، وربما كان وصفه للقطار أول وصفٍ من نوعه في اللغة العربية؛ لأن السكة الحديدية دخلت مصر في أخريات أيام سعيد، ولم يفطن شعراء عصره له, أولم يهتموا بوصفه، ويقول فيه -وإن لم يصفه بدقة:
ولقد علوت سراة أدهم لو جرى ... في شأوه برق تعثر أو كبا
يطوي الفلا طيّ السجل ويهتدي ... في كل مهمة يضل بها القطا
يجري على عجلٍ فلا يشكو الوجى ... مد النهار، ولا يمل من السرى
لا الوخد منه، ولا الرسيم ولا يرى ... يمشي العرضنة أو يسير الهيدبى1
__________
1 الوخد: سعة الخطو، والرسيم: سير الإبل قريب من الهرولة دون الجري، والعرضنة، نوع من السير يمتاز بالخفة والسرعة والنشاط، والهيدبى: مشي للخيل فيه جد.
(1/204)

ويقول وفي وصف السجن:
فسواد الليل ما أن ينقضي ... وبياض الصبح ما أن ينتظر
لا أنيس يسمع الشكوى ولا ... خبر يأتي، ولا طيف يمر
بين حيطان وباب موصد ... كلما حركه السجان صر
يتمشى دونه حتى إذا ... لحقته نبأة مني استقر
كلما درت لأقضي حاجة ... قالت الظلمة: مهلًا، لا تدر
أتقرى الشيء أبغيه فلا ... أجد الشيء ولا نفسي تقر
ظلمة ما إن بها من كوكب ... غير أنفاس ترامى بالشرر
وهذه القطعة فيها أبيات من الشعر الواقعيّ التي تغني بتصويرها الحقيقة العارية عن أي خيالٍ مهما عمق وملح.
5- وهذا وقد وصف البارودي بعض آثار مصر القديمة، وفتح بذلك الطريق لشوقي وغيره، وهو وإن لم يتعمق في وصفه، ويستعرض التاريخ المجيد كما أفعل شوقي من بعده, إلّا أنه برهنَ على أنه شاعر يرى الجمال والعظة فيما حوله من مناظر، وأن شاعريته حساسة مرهفة؛ لأن مثل هذا الوصف لا تحفزه إليه رغبة في صلة, أو تَقَرُّبٌ من أمير، وإنما هو إشباعٌ لرغبةٍ فنيةٍ تجيش في صدره, وتحاول شاعريته الإفصاح عنها، ولذلك عد باب الوصف من خير أبواب الشعر؛ لأنه فضلًا عن نشره ما طوى من آيات الجمال، أو ما خفي على عيون الناس منها, فإنه يدل على نفسية الشاعر، وقدرته وخياله، وهو خير محكٍّ للتمييز بين الشعراء، ومن ذلك قوله يصف الهرمين:
سل الجيزة الفيحاء عن هرمي مصر ... لعلك تدري غيب ما لم تكن تدري
بناءان ردا صولة الدهر عنهما ... ومن عجب أن يغلبا صولة الدهر
أقاما على رغم الخطوب ليشهدا ... لبانيهما بين البرية بالفخر
فكم أمم في الدهر بادت وأعصر ... خلت وهما أعجوبة العين والفكر
(1/205)

تلوح لآثار العقول عليهما ... أساطير لا تنفك تتلى إلى الحشر
رموز لو استطلعت مكنون سرها ... لأبصرت مجموع الخلائق في سطر
فما من بناء كان، أو هو كائن ... يدانيهما عند التأمل والخبر
يقصر حسنا عنهما "صرح بابل" ... ويعترف "الإيوان" بالعجز والسحر
كأنهما ثديان فاضا بدرة ... من النيل تروي غلة الأرض إذ تجري
وبينهما "بلهيب" في زي رابض ... اكب على الكفين منه إلى الصدر2
يقلب نحو الشرق نظرة وامق ... كأن له شوقًا إلى مطلع الفجر
وليست هذه القصيدة الوحيدة التي أشاد فيها بالأهرام، وبقدماء المصريين, فله قصيدةٌ أخرى فيها مطلعها:
أيُّ شيء يبقى على الحدثان ... والمنايا خصيمة الحيوان
وله ثالثة مطلعها:
بقوة العلم تقوى شوكة الأمم ... فالحكم في الدهر منسوب إلى القلم
وفيها يقول:
فانظر إلى الهرمين الماثلين تجد ... غرائبًا لا تراها النفس في الحلم
صرحان ما درات الأفلاك منذ جرت ... على نظيرهما في الشكل والعظم
....................... ... ......................
ولاح بينهما لهيب متجهًا ... للشرق يلحظ مجرى النيلب من أمم
__________
1 البهر: مصدر بهره, من باب: قطع, أي: غلبه وفاقه، والإيوان: إيوان كسرى أنوشروان, وقصره الأبيض, وكان يعد من عجائب الدنيا، وكذلك صرح بابل الذي بناه بختنصر.
2 بلهيب: أبو الهول.
(1/206)

ب- الشعر السياسي:
ومن الأغراض القديمة التي خلع عليها البارودي لباس الجدة، وظهرت فيها شخصيته واضحةً مجليةً تفصح عن نفسه الأبية المتمردة على الظلم والطغيان، المحبة للعدالة والشورى والمساواة بين الناس، ذلك الشعر السياسيّ الوطنيّ الذي دفعه إلى مركز الصدارة بين أبناء شعبه، وجعل منه زعيمًا محبوبًا، ولذلك أُلْقِيَ به في غيابة السجن، ورُمِيَ به بعيدًا عن وطنه، ويا ليته كفَّ عن مثل هذا الشعر وهو يتجرع غصص النفي والتشريد والمرض، بل زفر زفرات حارة كادت تحرق الطاغين المعتدين بشواظها الملتهب، ولذلك طالت غيبته عن دياره, وخالف أولو الأمر من عودته حتى لا يعيدها جذعًا مشبوبة الضرام، ولما هدأت ثائرته، وكسرت حدته وخفت شرته، واشتكى ما به من ضعف وهزال، ودَبَّ إلى جسمه دبيب الفناء، أمنوا جانبه, فأعادوه إلى وطنه.
كان البارودي طموحًا، يعتلج في حنايا صدره أمل كبير يود أن يجدد به مجد أسلافه، وقد رزق العقل الذكيّ، والفؤاد الأبيّ، والعلم والبصيرة، فلِمَ لا يصل إلى ما لا يريد؟ ولكن ما كل ما يشتيه الإنسان ويأمله يسهل نواله، وقد وقفت في سبيل البارودي عقبات شتَّى, وظل الأمل يساروه على الرغم من هذه الصعاب.
ويلاه من حاجة في النفس هام بها ... قلبي، وقصر عن إدراكها باعي
أسعى لها وهي مني غير دانية ... وكيف يبلغ شأو الكوكب الساعي؟
ويعترف بهذه العراقيل التي تعترض طريقه، ولولاها لنال ما تمنى.
وإني امرؤ لولا العوائق أذعنت ... لسطوته البدو المغيرة والحضر
وهذا من أصرح الأبيات التي أشار فيها إلى ما يهيم به فؤاده، وإن كان قد ساقه في معرض الفخر بالشجاعة واقتحام ميادين القتال, وقد أخفق البارودي في تحقيق آماله, واعتذر عن هذا الإخفاق كما مر بنا.
(1/207)

ويلوح لنا أن البارودي كان بطبعه محبًّا للحرية, ومتمردًا على الظلم، شأن كل شجاعٍ شريفٍ، ولعل للوراثة، وللنشأة أثرًا في هذا؛ ولقد غذاهما ما حفظه من شعر الحماسة والقوة عند العرب، وهم أبطال الحرية في فيافيهم الواسعة، وقد تغنوا بحروبهم وشجاعتهم وانتصاراتهم وأنفتهم، وكان شعرهم سجلًّا وافيًا لمكارم أخلاقهم، وقد قرأه البارودي وهو بعد شاب غرير، فرسخت هذه الصفات في ذهنه، وشَبَّ مطبوعًا عليها يتمثلها نماذج يحتذيها، يرددها في شعره, ويود أن يحققها عملًا في الحياة، ويقول:
لا عيب في سوى حرية مَلَكَت ... أعنَّتِي عن قبول الذل بالمال
تبعت خطة آبائي فسرت بها ... على وتيرة آداب وآسال1
ويقول:
دع الذل في الدنيا لمن خاف حتفه ... فللموت خير من حياة على أذى
ولقد صوّر البارودي الفساد الذي شاع أمره في مصر، واضطراب أحوالها, والفزع الذي ملأ قلوب الناس، وتنبأ بالثورة الدامية قبل حدوثها، مما يدل على أنه كان على صلة بزعمائها، وأن الناس قد ضاقوا ذرعًا بهذا الفساد وبرموا به, ولابد من سبيل إلى الإصلاح، وذلك حيث يقول:
تنكرت مصر بعد العرف واضطربت ... قواعد الملك حتى ريع طائره
فأهمل الأرض جر الظلم حارثها ... واسترجع المال خوف العدم تاجره2
واستحكم الهول، حتى ما يبيت فتى ... في جوشن الليل إلّا وهو ساهره3
ويلمه سكنًا، لولا الدفين به ... من المأثر ما كنا نجاوره
أرضى به غير مغبوط بنعمته ... وفي سواه المنى لولا عشائره
__________
1 آسال: شبه وعلامات، ويقال فلان يسير على آسال من أبيه, أي: شبه منه، ولا واحد لها.
2 جرا الظلم: من جرائه وبسببه.
3 جوشن الليل: وسطه أو صدره.
(1/208)

يا نفس لا تجزعي فالخير منتظر ... وصاحب الصبر لا تبلى مرائره
لعل بلجة نور يستضاء بها ... بعد الظلام الذي عمت دياجره
إني أرى أنفسًا ضاقت بما حملت ... وفي الجديدين ما تغنَّى فواقره
شهران أو بعد شهر إن هي احتدمت ... وفي الجديدين ما تغني فواقره
فإن أصبت فمن رأي ملكت به ... علم الغيوب، ورأي المرء ناظره
وقد ذكرنا فيما سبق كيف أن البارودي كان من زعماء الثورة، وأنه كان يطمع في الانقلاب، ولكن لما رأى التيار عنيفًا، وتدخلت فرنسا وإنجلترا، أحجم وتردد ونصح لقومه فلم ينتصحوا، ولم يكن بدًّا من السير في الشوط حتى الغاية، وللبارودي في إبَّان الثورة، وبعدها شعر ملتهب حمية وحماسة وتمردًا على الظلم، أنصت إليه وهو يحرض المصريين على الثورة, ويهيب بهم ألا يستكينوا للحاكم المستبد، ويصور لهم نفوسهم العاجزة الضعيفة بقوله:
فيا قوم هبوا إنما العمر فرصة ... وفي الدهر طرق جمة ومنافع
أصبرًا على مس الهوان وأنتم ... عديد الحصى؟ إني إلى الله راجع
وكيف ترون الذل دار إقامة ... وذلك فضل الله في الأرض واسع
أرى أرؤسًا قد أينعت لحصادها ... فأين ولا أين السيوف القواطع؟
فكونوا حصيدًا خامدين أو افزعوا ... إلى الحرب حتى يدفع الضيم دافع
أهبت فعاد الصوت لم يقض حاجة ... إليّ، ولباني الصدى، وهو طائع
فلم أدر أن الله صور قلبكم ... تماثيل لم يخلق لهن مسامع
فلا تدعوا هذي القلوب، فإنها ... قوارير محنيٌّ عليها الأضالع
(1/209)

ويقول معرضًا بالحاكم المستبد:
يأيها الظالم في ملكه ... أغرك الملك الذي ينفد
اصنع بنا ما شئت من قسوة ... فالله عدل، والتلاقي غد
وكان من الداعين إلى نظام الشورى، وقد مدح توفيقًا لما تولّى أريكة مصر, وظن المصريون أنه سيحقق آمالهم الوطنية, ويلبي دعوتهم إلى الأخذ بالشورى؛ حتى لا يستبد الحكام، ولا يقعوا في أخطاء تجلب عليهم وعلى قومهم المصائب كما حدث لإسماعيل:
سن المشورة وهي أكرم خطة ... يجري عليها كل راع مرشد
هي عصمة الدين التي أوحى بها ... رب العباد إلى النبي محمد
فمن استعان بها تأيد ملكه ... ومن استهان بأمرها لم يرشد
أمران ما اجتمعا لقائد أمة ... إلّا جنى بهما ثمار السؤدد
جمع يكون الأمر فيما بينهم ... شورى، وجند للعدو بمرصد
هيهات يحيا الملك دون مشورة ... ويعز ركن المجد ما لم يعمد
ويقول فيها مادحًا توفيقًا:
أطلقت كل مقيد وحللت كل ... معقد وجمعت كل مبدد
وتمتعت بالعدل منك رعية ... كانت فريسة كل باغٍ معتد
ويحرِّضُ الأمة على اليقظة والقوة، حتى لا يستهين السلطان بأمرها:
وكذلك السلطان إن ظن بالأمة ... عجزًا سطا عليها وشدا
ولما أخفقت الثورة وتخاذل الثوار، وخان بعضهم بعضًا، ترك هذا الإخفاق، وذياك الخذلان في نفسه مرارة ظل أثرها في لسانه مدةً، فأخذ يلفظ بشعرٍ مريرٍ, فيه أثر الموجدة والغضب من مثل قوله:
(1/210)

كنا نود انقلابًا نستريح به ... حتى إذا تَمَّ ساءتنا مصايره
ويقول ذامًّا للثورة والثوار، ويحاول أن يتنصل من تبعاتها، وأن ما ناله كان بسبب ما دب بينهم من الشحناء، وأنهم غدورا به:
صبرت على ريب هذا الزمان ... ولولا المعاذير لم أصبر
فلا تحسبني جهلت الصواب ... ولكن هممت فلم أقدر
ثنت عزمتي ثورة المفسدين ... وغلت يدي فترة العسكر
وكنَّا جميعًا فلما وقعت ... صبرت وغادرني مشعري
ولو أنني رمت أعناتهم ... لقلت مقالة مستبصر
ولكنني حين جد الخصام ... رجعت إلى كرم العنصر
وحاول البارودي أن يبرئ نفسه, ويعلل هزيمته, ويصف حنث الثوار في أيمانهم ومواثيقهم وتخاذلهم، ويتندم على زعامته:
دعوني إلى الجلى فقمت مبادرًا ... وإني إلى أمثال تلك لسابق
فلما استمرَّ الجد ساقوا حمولهم ... إلى حيث لم يبلغه حاد وسائق1
فلا رحم الله أمر أباع دينه ... بدنيا سواه، وهو للحق رامق
على أنني حذرتهم غب أمرهم ... وأنذرتهم لو كان يفقه مائق2
وقلت لهم كفوا عن الشر تغنموا ... فللشر يوم -لا محالة- ماحق
فظنوا بقولي غير ما في يقينه ... على أنني في كل ما قلت صادق
فتبًّا لهم من معشر ليس فيهم ... رشيد ولا منهم خليل يصادق
ظننت بهم خيرًا فأبت بحسرة ... لها شجن بين الجوانح لاصق
فيا ليتني راجعت حلمي ولم أكن ... زعيمًا وعاقتني لذاك العوائق
ويا ليتني أصبحت في رأس شاهق ... ولم أر ما آلت إليه الوثائق
هم عرضوني للقنا، ثم أعرضوا ... سراعًا، ولم يطرق من الشر طارق
وقد أقسموا ألّا يزلوا فما بدا ... سنا الفجر، إلّا والنساء طوالق
__________
1 ساقوا حمولهم: كناية عن تخاذلهم.
2 مائق: أحمق.
(1/211)

ثم يصف فزعهم وفرارهم من المعركة بقوله:
مضوا غير معذورين لا النقع ساطع ... ولا البيض في أيدي الكماة دوالق1
ولكن دعتهم نبأة، فتفرقوا ... كما انقض في سرب من الطير باشق2
فكم آبقٍ تلقاه من غير طارد ... وكم واقف تلقاه والعقل آبق
إذا أبصروا شخصًا يقولون: جحفل ... وجبن الفتى سيف لعينيه بارق
أسود لدى الأبيات بين نسائهم ... ولكنهم عند الهياج نقانق3
إذا المرء لهم ينهض بقائم سيفه ... فيا ليت شعري، كيف تحمي الحقائق؟
وقد اتهم البارودي بأنه يطمع في الملك، وأنه يحاول ثل العرش، وخلع توفيق، فقال منكرًا هذه التهمة، معللًا ثورته بعد أن نُفِيَ إلى "سرنديب".
يقول أناس إنني ثرت خالعًا ... وتلك هنات لم تكن من خلائقي
ولكنني ناديت بالعدل طالبًا ... رضا الله، واستنهضت أهل الحقائق
أمرت بمعروف وأنكرت منكرًا ... وذلك حكم في رقاب الخلائق
فإن كان عصيانًا قيامي فإنني ... أردت بعصياني إطاعة خالقي
وهل دعوة الشورى على غضاضة ... وفيها لمن يبغي الهدى كل فارق؟
بلى! إنها فرض من الله واجب ... على كل حي من مسوق وسائق
وكيف يكون المرء حرًّا مهذبًا ... ويرضى بما يأتي به كل فاسق؟
فإن نافق الأقوام في الدين غدرة ... فإني بحمد الله غير منافق
على أنني لم آل نصحًا لمعشر ... أبى غدرهم أن يقبلوا قول صادق
رأوا أن يسوسوا الناس قهرًا فأسرعوا ... إلى نقض ما شادته أيدي الوثائق
فلما استمر الظلم، قامت عصابة ... من الجند تسعى تحت ظل الخوافق
وشايعهم أهل البلاد فأقبلوا ... إليهم سراعًا بين آتٍ ولاحق
يرومون من مولى البلادج نفاذ ما ... تألاه من وعد إلى الناس صادق
__________
1 دلق السيف: أخرجه من غمده.
2 النبأة: الصوت, ويريد الخبر الكاذب، والباشق: من الطيور الجارحة.
3 ج نقنق "بكسر فسكون" وهو الظليم، ذكر النعام, ويضرب به المثل في الجبن.
(1/212)

وإذا كان البارودي قد أنكر هذه التهمة هنا ونفاها عن نفسه، ففي شعره ما يثبتها ويدل على أنه كان يطلب من الثوار أن يولوه عليهم حاكمًا، ويمدح نفسه، ويطري حكمه، ومن البديهيّ أنه لم يرد رئاسة الوزارة, فقد كان رئيسًا للوزارة، ولكنه يريد ما هو أعلى منها، وتراه يذم هؤلاء الذين يقفون في سبيله ويكيدون له:
من كل وغد يكاد الدست يدفعه ... بغضًا ويلفظه الديوان من ملل
ذلت بهم مصر بعد العز واضطربت ... قواعد الملك حتى ظل في خلل
وأصبحت دولة الفسطاط خاضعة ... بعد الإباء وكانت زهرة الدول
إلى أن يقول:
بئس العشير وبئست مصر من بلد ... أضحت مناخًا لأهل الزور والخطل
أرض تأثل فيها الظلم وانقذفت ... صواعق الغدر بين السهل والجبل
وأصبح الناس في عمياء مظلمة ... لم يخط فيها امرؤ إلا على زلل
أصوحت شجرات المجد أم نضبت ... غدر الحمية حتى ليس من رجل؟!
لا يدفعون يدًا عنهم ولو بلغت ... مس العفافة من جبنٍ ومن خزل1
فما لكم لا تعاف الضيم أنفسكم ... ولا تزول غواشيكم من الكسل
فبادورا الأمر قبل الفوت وانتزعوا ... شكالة الريث فالدنيا مع العجل
وقلدوا أمركم شهمًا أخًا ثقةً ... يكون ردءًًا لكم في الحادث الجلل
ماضي البصيرة غلاب إذا اشتبهت ... مسالك الرأي صاد الباز بالحجل
إن قال بر، وإن ناداه منتصر ... لبى، وإن هم لا يرجع بلا ثقل
يجلوا البديهة باللفظ الوجيز إذا ... عز الخطاب وطاشت أسهم الجدل
ولا تجلوا إذا ما الرأي لاح لكم ... إن اللجاجة مدعاة إلى الفشل
هذي نصيحة من لا يبتغي بدلًا ... بكم وهل بعد قوم المرء من بدل؟
__________
1 الخزل: من الانخزال وهو الظلوع في المشي من أثر شوكة أو شبهها, مشي فيه تثاقل وتراجع.
(1/213)

فهذا الشعر السياسيّ، وهذه النفس المتوثبة الطموح، وهذه الثورة المتأججة التي انتهت بصاحبها إلى النفي والتشريد, هي من الجديد في معاني البارودي وشعره، وهي جديدة حتى في الأدب العربيّ كله، وإن كان المتنبي قد حاول من قبل ملكًا وثار على الدنيا التي مكنت للعبيد والخصيان والعلوج في الأرض يسوسون شعوبًا ضعيفة, وجعل يقول:
في كل أرض وطئتها فُدُم ... ترعى بعبد كأنها غنم
فإنه اكتفى بالإشارة والتلميح والزفرة الحارة، وبملامة الدهر ومحاربته في مطلبه، ولكن البارودي كان يطلب شيئًا آخر: كان يطلب الحرية لقومه, والعدل والمساواة، كان يطلب العيشة الهنية في ظلال الحرية، ولا عليه إذا طلب بجانب هذا ملكًا عضوضًا ليحقق لقومه آمالهم، وهَبْ البارودي قَلَّدَ المتنبي في بعض معانيه، فهل كان اقتحامه نار الثورة تقليدًا؟ أو ليس شعره هذا وليد الحوادث وصدى لها؟ وهل فترت عزيمته، ووهنت قوته، وذلت نفسه وهو يقاسي ألم النفي والتشريد، ما دام يدب في جسمه شيء من العافية؟ كلا! وإذا شئت برهانًا فاستمع لهذه الكلمات التي كانت يخشى بأسها على البعد حكام مصر؛ كأنها جيش لهام يبدد سعادتهم.
أبى الدهر إلّا أن يسود وضيعه ... ويملك أعناق المطالب وغده
تداعت لدرك الثأر فينا ثعالة ... ونامت على طول الوتيرة أسده
فحتَّام نسري في دياجير محنة ... يضيق بها عن صبحة السيف غمده؟
إذا المرء لم يدفع يد الجور إن سطت ... عليه فلا يأسف إذا ضاع مجده
ومن ذل خوف الموت كانت حياته ... أضر عليه من حمام يؤده
وأقتل داء رؤية العين ظالمًا ... يسيء، ويتلى في المحافل حمده
علام يعيش المرء في الدهر خاملًا ... ويفرح في الدنيا بيوم يعده؟
يرى الضيم يغشاه فيلتذ وقعه ... كذى جرب يلتذ بالحلد جلده
(1/214)

عفاء على الدنيا إذا المرء لم يعش ... بها بطلًا يحمي الحقيقة شده
من العار أن يرضى الفتى بمذلة ... وفي السيف ما يكفي لأمر يعده
وإني امرؤ لا أستكين لصولة ... وإن شد ساقي دون مسعاي قده
أبت لي حمل الضيم نفس أبية ... وقلب إذا سيم الأذى شب وقده
وربما قيل: إن البارودي كان ذا أثرة، وأنه كان يسعى سعيه لتحقيق أمله, وأنه لم يكن مخلصًا في دعوته لمحابة الظلم, وسواء كان هذا صحيحًا أو غير صحيح، فالذي نلمسه هو أن البارودي كان يتغنى بمصر وأهلها ويظهر محبته لها، وحرصه على خيرها ونفعها، بما لم نسمعه قبل من شاعر، إنها الروح القومية الجديدة سرت في شعوب الأرض, وجعلتهم يطالبون بالحرية والاستقلال، ويشيدون بأوطانهم, ويتغنون بمآثر قومهم, وقد تمثلت هذه الروح في البارودي على غير انتظار, وعلى غير سابقة من شعراء وطنه وزمنه، أصغ إلى القطعة التالية، والمس ما بها من حرارة الصدق والمحبة؛ لتعرف أكان البارودي مخلصًا في دعواه أو مداجيًا؟
فيا مصر مد الله ظلك وارتوى ... ثراك بسلسالك من النيل دافق
ولا برحت تمتار منك يد الصبا ... أريجًا يداوي عرفه كل ناشق
فأنت حمى قومي، ومشعب أسرتي ... ومعلب أترابي، ومجرى سوابقي
بلاد بها أهلًا كرامًا وجيرةً ... لهم جيرة تعتادني كل شارق
هجرت لذيذ العيش بعد فراقهم ... وودعت ريعان الشباب الغرانق
إننا لانستطيع أن نحكم على البارودي وشعره ينطق بوطنيته، بأنه منافق خداع، إنه كان يحب وطنه، وفي سبيله شرد ونفي.
(1/215)

ومن عجائب ما لاقيت من زمني ... أني منيت بخطب أمره عجب
لم أقترف زلة تقضي عليّ بما ... أصبحت فيه، فماذا الويل والحرب؟
فهل دفاعي عن ديني وعن وطني ... ذنب أدان به ظلمًا وأغترب؟!
لقد كان يحب مصر حبًّا ملك عليه شغاف قلبه، وهو القائل فيها:
بلد نشأت مع النبات بأرضها ... ولثمت ثغر غديره المتبسم
فنسيمها روحي ومعدن تربها ... جسمي وكوثر نيلها محيا دمي
فإذا نطقت فبالثناء على الذي ... أولته من فضل عليّ وأنعم
هي جنة الحسن التي زهراتها ... حور المها، وهزار أيكتها فمي
ما إن خلعت بها سيور تمائمي ... حتى لبست بها حمائل مخذمي
إن هذه النغمة الوطنية جديدة -كما ذكرنا- في الشعر العربيّ, وحسب البارودي فخرًا أنه من أوائل من تغنَّى بأمجاد وطنه في العصر الحديث, ولقد كاد يقضي أسى وهو يغادر مصر إلى منفاه، وزفر زفرة ملتهبة ينفس بها عن جواه:
ولما وقفنا للوداع وأسبلت ... مدامعنا فوق الترائب كالمزن
أهبت بصبري أن يعود فبزني ... وناديت حلمي أن يثوب فلم يغن
فكم مهجة من زفرة الشوق في لظى ... وكم مقلة من غزرة الدمع في دجن
وما كنت جربت النوى قبل هذه ... فلما دهتني كدت أقضي من الحزن
ولكنه سرعان ما يثوب إلى رشده، ويكفكف من دمعه، ويتجلد أمام خصومه, ويظهر سمات الرضا، وأنه يؤثر أن يبرح أرضًا يغشيها الظلم، تصك أنات الجور مسمعيه، وتؤذي رؤية وجه الغدر ناظريه.
(1/216)

فيا قلب صبرًا إن جزعت فربما ... جرت سنحا طير الحوادث باليمن
فقد تورث الأغصان بعد ذبولها ... ويبدو ضياء البدر في ظلمة الوهن
وكيف مقامي بين أرض أرى بها ... من الظلم ما أخنى على الدار والسكن1
فسمع أنين الجور قد شاك مسمعي ... ورؤية وجه الغدر حل عرى جفني
ولقد زاده النفي حبًّا في وطنه وتعلقًا به، وترديدًا لمحاسنه، ويتمثله على البعد جنةً دانية القطوف, عبقة الشذى، فمن ذلك قوله وهو بالمنفى, ويتشوق إلى أيام لهوه التي حرمها، وإلى الأرض الطيبة التي أبعد عنها، ويصف جزيرة سرنديب وصفًا جميلًا، وفيه تصوير دقيق، يدل على حسٍّ مرهف، وذوق فنان عبقريٍّ.
لبيك يا داعي الأشواق من داعي ... أسمعت قلبي وإن أخطأت أسماعي
مرني بما شئت أبلغ كل ما وصلت ... يدي إليه فإني سامع واعي
إني امرؤ لا يرد العذل بادرتي ... ولا تفل شباة الخطب إزماعي2
أجري على شيمة في الحب صادقة ... ليست تهم إذا ريعت بإقلاع3
للحب من مهجتي كهف يلوذ به ... من غدر كل امرئ بالشر وقاع
يا حبذا جرعة من ماء محنية ... وضجعة فوق برد الرمل بالقاع
ونسمة كشميم الخلد قد حملت ... ريّا الأزهير من ميث وأجراع4
يا هل أراني بذاك الحي مجتمعًا ... بأهل ودي من قومي وأشياعي
وهل أسوق جوادي للطراد إلى ... صيد الجآذر في خضراء ممراع
منازل كنت منها في بلهنية ... ممتعًا بين غلماني وأتباعي
فاليوم أصبحت لا سهمي بذي صرد ... إذا رميت، ولا سيفي بقطاع5
__________
1 السكن: السكان.
2 البادرة: ما يبدر من الإنسان عند حدة غضبه, والمراد بالبادرة هنا: شدة العزم وقوة الإرادة.
الإزماع: العزم.
3 ريعت: أخفت: والإقلاع، الترك والكف.
4 الميث: جمع ميثاء, وهي الأرض السهلة اللينة من غير رمل، والأجراع: جمع جرع "كجبل" هو الأرض الرملية السهلة.
5 صرد: مصدر صرد السهم, أي: أصاب ونفذ.
(1/217)

أييبت في قنة قنواء قد بلغت ... هام السماك وفاتته بأبواع1
يستقبل المزن ليتيها بوابلة ... وتصدم الريح جنبيها بزعزاع2
يظل شمراخها يبسًا وأسفلها ... مكللًا بالندى يرعى به الراعي
إذا البروق ازمهرت خلت ذروتها ... شهمًا تدرع من تبر بأدراع
تكاد تلمس منها الشمس دانية ... وتحبس البدر عن سير وإقلاع
أظل فيها غريب الدار مبتئسًا ... نابي المضاجع من هَمٍّ وأوجاع
لا في "سرنديب" خل أستعين به ... على الهموم إذا هاجت ولا راعي
يظنني من يراني ضاحكًا جذلًا ... أني خلي، وهمي بين أضلاعي
ولا روبك ما جدوى بمندرس ... على البعاد ولا صبري بمطواع
لكنني مالك حزمي، ومنتظر ... أمرًا من الله يشفي برح أوجاعي
أكف غرب دموعي وهي جارية ... خوف الرقيب وقلبي جد ملتاع
فإن يكن ساءني دهري، وغادرني ... رهن الأسى بين جدب بعد إمراع
فإن في مصر إخوانًا يسرهم ... قربي، ويعجبهم نظمي وإبداعي
ويقول من قصيدة أخرى وهو في المنفى يتشوق إلى مصر:
يا "ورضة النيل" لا مستك بائقة ... ولا عدتك سماء ذات أغداق3
ولا برحت من الأوراق في حلل ... من سندس عبقريِّ الوشى براق
يا حبذا نسم من جوها عبق ... يسري على جدول بالماء دفاق
بل حبذا دوحة تدعو الهديل بها ... عند الصباح قماري بأطواق
مرعى جيادي، ومأوى جيرتي، وحمى ... قومي، ومنبت آدابي وأعراقي
أصبوا إليها على بعد، ويعجبني ... أني أعيش بها في ثوب إملاق
__________
1 قنواء: عالية مرتفعة، الأبواع: جمع باع.
2 الليتان: صفحتا العنق مثنى ليت, زعزاع: شديدة تزعزع الأشياء.
3 البائقة الداهية: لا عدتك: لا تجاوزك، والمراد بالسماء السحب والأمطار.
(1/218)

ج- النسيب:
وقد مَرَّ بنا أن البارودي قد قلَّدَ القدماء في الوقوف على الأطلال والدمن، وفي الأوصاف الموروثة، وفي الوصف الماديِّ للمرأة والنظرة إليها نظرة السلعة، ولكنه مع هذا قد تحلَّلَ أحيانًا من كل تلك القوالب القديمة، وترَفَّعَ في نظرته إلى المرأة، فحسبه منها نظرة:
إني لأقنع من هواك بنظرةٍ ... وأعدها صلةً إذا لم تمنعي
هذي مناي وحبذا لو نلتها ... عن طيب نفسٍ فهي أكبر مقنع1
وهو يمتدح بعفته في حبه, ويبين مذهبه في الوداد بقوله:
إني امرؤ ملك الواد قيادتي ... وجرى على صدق العهود وفائي
لا أستريح إلى السلو، ولو جنى ... خِلِّي عليَّ، ولا أشين ولائي
لا ذمتي رهن الفكاك ولا يدي ... تلقى أزمة عفتي وحيائي
ويقول:
على أنني لم آت في الحب زلة ... تغض بذكري في المحافل أو تزري
ولكنني طوفت في عالم الصبا ... وعدت ولم تعلق بفاضحة أزري
ويقول:
والعشق مكرمةٌ إذا عفَّ الفتى ... عمَّا يهيم به الغويّ الأصور2
__________
1 المعنى قديم, طرقه من قبلُ جميل في قوله:
وإني لأرضى من بثينة بالذي ... لو أبصره الواشي لقرت بلابله
بلا، وبألا أستيطع وبالمنى ... وبالأمل المرجوّ قد خاب آمله
وبالنظرة العجلى وبالعام بنقضي ... أواخره لا نلتقي وأوائله
ولكن البارودي كان في عصر ماديٍّ لا يفطن إلى هذا، وقد سبقه آلاف الشعراء منذ جيلٍ لم يقنعوا قناعته.
2 الأصور: المنحرف عن الهدى والرشاد من الصور وهو الميل.
(1/219)

يقوى به قلب الجبان ويرعوي ... طمع الحريص، ويخضع المتكبر
وقد يفطن أحيانًا إلى أن المرأة بها من أنواع الجمال غير هذه السمات المادية فقال:
تركتني من غمرات الهوى ... في لُجِّ بحر الردى زاخر
أسمع في قلبي دبيب المنى ... وألمح الشبهة في خاطري
وقد وُفِّقَ البارودي في البيت الثاني أيَّمَا توفيق، على أن معظم نسيب البارودي من الشعر القديم، وقد وفيناه نعتًا فيما سبق.
د- الهجاء:
والهجاء نوعان: شخصي وهو ما درج عليه معظم شعراء العربية، واجتماعي، ويراد به ذلك الهجاء التهكمي الذي يقصد إلى تجسيم عيبٍ من عيوب المجتمع وتصويره في أبشع صورة رغبةً في الإصلاح، وقد يتمثَّل هذا العيب الاجتماعيُّ في شخص من الأشخاص؛ فيهجوه الشاعر, ويبرز ذلك العيب فيه بشكلٍ يسترعي انتباه القارئ أو السامع، وليس الشخص مقصودًا لذاته في مثل هذا النوع من الهجاء، وإنما المقصود هو هذه السوأة الاجتماعية، وقد لجأ شعراء الغرب إلى التمثيل يصورون فيه هذه المثالب الإنسانية العامة، ويجسِّمون العيوب تجسيمًا يحمل الشعب على الاشمئزاز منها والبعد عنها؛ كما فعل شكسبير في رواياته الكثيرة, وكما فعل موليير في هزلياته.
وقد وُجِدَ في شعر البارودي نوعا الهجاء: الشخصي والاجتماعي، وأَكْثَرَ من النوع الاجتماعيِّ على غير عادة شعراء العربية، فهو يشكو الناس ونفاقهم وظلمهم وغدرهم، ويصور قومه ويعدد عيوبهم، ويحرضهم على إصلاح تلك العيوب, وقد مرت بنا نماذج من النوعين؛ فقصيدته التي يدعو فيها لنفسه ويعدد محاسنه وينعى على مواطنيه صفاتهم وخمولهم والتي يقول فيها:
(1/220)

بئس العشير وبئست مصر من بلد ... أضحت مناخًا لأهل الزور والخطل
أرض تأثل فيها الظلم وانقذفت ... صواعق الغدر بين السهل والجبل
من نوع الهجاء الاجتماعي، والمقطوعة التي ذمَّ فيها النهم والجشع من الهجاء الشخصي, وإن لم يظهر فيها أمرًا شخصيًّا, أو عداوةً خاصةً على هجائه, وإنما ذمه بعيب عامٍّ, وهو الجشع والنهم.
ومن النوع الاجتماعي: قوله يذم زمانه وينعى على معاصريه تلونهم وعدم وفائهم في صداقتهم، ولا سيما وقد خذوله وآذوه:
أنا في زمانٍ غادرٍ ومعاشر ... يتلونون تلون الحرباء
أعداء غيب ليس يسلم صاحب ... منهم وأخوة محضر ورخاء
أقبح بهم قومًا بلوت إخاءهم ... فبلوت أقبح ذمة وإخاء
قد أصبحوا للدهر سبة ناقم ... في كل مصدر محنة وبلاء
وأشد ما يلقى الفتى في دهره ... فقد الكرام وصحبة اللؤماء
شقي ابن آدم في الزمان بعقله ... إن الفضيلة آفة العقلاء
فهو هنا لا يذم شخصًا بعينه لعداوةٍ خاصةٍ بينه وبينه، وإنما يذم عيبًا اجتماعيًّا متفشيًا، ولو تناول هذا العيب شاعر غربيٌّ لأظهر لنا شخصية المنافق في مسرحية شائقة, ولأوسعه سخريةً وتهكمًا, ولكن البارودي أوجز في وصفه على عادة العرب؛ على أن له قطعًا تصويرية جميلة في هذا النوع الاجتماعيّ, اسمعه مثلًا يصور جارة تكثر من الصخب والضوضاء، ولها أولاد يتشاجرون كثيرًا، ويملئون الجوَّ صراخًا وعويلًا، لا تراعي هذه الجارة حرمة الجيران، ولا تعبأ براحة سواها، ومن العجيب أن هذا العيب لا يزال متنشرًا في كثيرٍ من بلدان الشرق بدعوى الحرية الكاذبة، فترى الجار يقلق راحة جاره بشتَّى الوسائل؛ فتارةً بالمذياع، وأخرى بمكبرات الصوت أو بالمشاجرة مع أهله وأولاده.. إلى آخر ما هنالك من أنواع المضايقات، والبارودي أديب ومفكر، وقد ابتلاه الله بجارةٍ مقلقةٍ للراحة تبدد ضوضاؤها، وجلبتها أفكاره وخيالاته, فلا بدع إذا سخط عليها وبرم بها:
(1/221)

إلى الله أشكو طول ليلي وجارة ... تبيت إلى وقت الصباح بإعوال
لها صبيةٌ لا بارك الله فيهم ... قباح النواصي لا ينمن على حال
صواريخ لا يهدأن إلّا مع الضحى ... من الشر في بيت من الخير ممحال
ترى بينهم -يا فرق الله بينهم- ... لهيب صياح يصعد الفلك العالي
كأنهم مما تنازعن أكلب ... طرقن على حين المساء برئبال
فهجن جميعًا هيجة فزعت لها ... كلاب القرى ما بين سهل وأجبال
فلم يبق من كلب عقور وكلبة ... من الحيّ إلَا جاء بالعم والخال
وفزعت الأنعام والخيل فانبرت ... تجاوب بعضًا في رغاء وتصهال
فقامت رجال الحيّ تحسب أنها ... أصيبت بجيش ذي غوارب ذيال
فمن حاملٍ رمحًا ومن قابضٍ عصًا ... ومن فَزِعٍ يتلو الكتاب بإهلال
ومن سبية ريعت لذك ونسوة ... هوائم دون الباب يهتفن بالوالي
فيا رب هب لي من لدنك صبرًا ... على ما أقاسيه وخذهم بزلزال
ومن هجائه الشخصيِّ الذي ينهش فيه العرض، ويذم الشخص بصفات خاصة فيه حتى تؤذيه، قوله: وهو من أخف أهاجيه:
هجوته لا بالغًا لؤمه ... لكنني كفكفت من غربه
فإن أكن قد نلت من عرضه ... فإني دنست شعري به
فلا يلومن سوى نفسه ... من سلط الناس على ثلبه
وقوله:
وقد تكوَّن من لؤم ومن دنس ... فما يغار على عرضٍ ولا حسب
يلتذ بالطعن فيه والهجاء كما ... يلتذ بالحك والتظفير ذو الجرب
(1/222)

ولقد كان مولعًا بهجاء رياض "باشا"؛ إذ كان يرى فيه معولًا هدَّامًا للحركة الوطنية، وعدوًّا للشعب، ونصيرًا للاستبداد والظلم، ولم يغفر له البارودي وشايته به لدى توفيق حين رأى ميوله الشعبية, فأخرجه من الوزارة ولم يعد إلّا بعد أن ترضاه توفيق.
ومن أهاجيه المقذعة في رياض قوله:
إن ملكًا فيه رياض وزير ... لمباح للخائنين وبل1
أهوج أحمق ستيم لئيم ... أغتم أبله زنيم عتل
صغرت رأسه وأفرط في الطول ... شواه وعنقه فهو صعل
أبرزت قدرة الطبيعة فيه ... شكل لؤم إن كان للؤم أهل
ليس تغني الألقاب عن كرم الأصل ... فمجد الفتى عفاف وعقل
أنت من عنصر لو اتكأ الذر ... عليه لآده منه حمل
نازعتك اليهود واختلفت فيك ... النصارى فأنت لا شك بغل2
وقد هجاه البارودي بقصيدةٍ أخرى مطلعها:
ما لي بودي بعد اليوم إلمام ... فاذهب فأنت لئيم العهد نمام
على أن البارودي لم يكن هجَّاء، وأهاجيه الشخصية قليلة إذا قيست بشعره كله، ولكن سخطه على الناس وتبرمه بأخلاقهم وعيوبهم كثيرٌ نوعًا ما، وهو يدل على النزعة الإصلاحية عنده, ويدل على أنه قد أوذي ولقي من قومه محنًا كثيرة، وأنه كان يضيق بأخلاقهم ذرعًا, فهذا الهجاء الاجتماعي جديد في شعر البارودي، إنه صوَّرَ به عصره وناسه تصويرًا ملونًا بشعوره الخاص، وحسبنا من الشاعر
__________
1 بل: مباح، يقال: حل وبل.
2 هناك من يدعي أن رياضًا من أصل يهوديٍّ, راجع كتاب الثورة العرابية للرافعي, ص32، 38، وراجع كذلك Yonng: Egypt, P.104.
(1/223)

أن يصور ما يختلج في صدره من عواطف وأحاسيس, وأن ينقل إلينا مشاعره الخاصة، لا أن يستتر وراء سدف كثيفة مصطنعة من المجاملات والنفاق الاجتماعي، والمدح الكاذب.
هـ- المخترعات الحديثة:
حفل القرن التاسع عشر بكثيرٍ من المخترعات الحديثة التي ذللت الطبيعة وأرضختها لخدمة الإنسان, وجعلت أمور الحياة هينةً أمامه, وقد أخذت مصر بنصيبٍ من هذه المخترعات, فانتشر فيها مثلًا استخدام الكهرباء وآلة التصوير، وعرفت في أواخر أيام البارودي الطائرات، وما شاكل ذلك، وكان البارودي حريصًا على أن يستمد تشبيهاته من هذه المخترعات الحديثة رغبةً في الطرافة، وتمثيل عصره، فيقول مثلًا:
تعرض لي يومًا فصورت حسنه ... ببلورتي عينيِّ في صفحة القلب
ويقول:
فالعقل كالمنظار يبصر ما نأى ... عنه بعيدًا دون لمس باليد
ويقول:
شفت زجاجة فكري فارتسمت بها ... عليك من منطقي في لوح تصوير1
ويقول:
جسم برته يد الضنى حتى غدا ... قفصًا به للقلب طير يصفر
لولا التنفس لاعتلت بي زفرة ... فيخالني طيارة من يبصر
__________
1 ارتسمت: يريد رسمت غير موجودة بالمعاجم.
(1/224)

قد يبدو على بعض هذه الأبيات شيءٌ من التكلف، ولكن البارودي ما كان ليستطيع أن يبتعد عن استخدام هذه المخترعات في شعره، وهو الولوع بالتجديد في الشعر, الحريص على أن يمثِّلَ زمانه تمام التمثيل.
ج- نظرة عامة:
رايت مما سبق أن البارودي حاول أن يجدد في الشعر العربي من حيث الموضوعات التي تناولها، ولا سيما في الوصف، وفي الشعر السياسي، ورأيت أن الوصف قد تناول نواحي عدة: من وصف للطبيعة، والأشخاص، وميادين القتال، والأشياء، وأن وصف البارودي كان في الغالب وصفًا حسيًّا يقف عند التصوير المشوب بشيءٍ من العاطفة دون أن يتعمق فيه، ويحلل ويوازن ويتخيل، وأن موصوفاته كانت كذلك من المشاهدات غالبًا، ولم يحاول وصف الأمور المعنوية والنفسية إلّا قليلًا؛ ومع ذلك, فالبارودي بإفراده قصائد خاصة بالوصف, وبمحاكاته الطبيعة في شعره، وإتيانه بالأدب الواقعيّ المجرد من العواطف والأخيلة إلّا القليل، قد فتح فتحًا عظيمًا في الشعر العربيّ، ونفض عنه غبار السنين الطويلة، وعرض القديم عرضًا جديدًا شائقًا جذابًا، ومهَّدَ الطريق لمن أتى بعده من الشعراء، ناهيك بأسلوبه الفخم الجزل، وبعده عن الزخارف والحلى التي تطغى على المعنى وتذهب ببهاء الشعر، وتدعو إلى التكلف والتعسف.
ومن أهم مزايا الباروديأنه كان بعيدًا عن التكلف، بل كاني ينطلق في سجيته، ويظهر كل ما في نفسه، ويصور مشاعره السارة والحزينة دون إخفاء أي شيء منها، وقد يغلبه التقليد للقديم أحيانًا فيخالف طبعه، ويسير على غير سجيته، ويتكلَّف القول محاكيًا القدماء، وتلمس أثر هذا التكلف واضحًا ليس عليه طابع البارودي ولا شخصيته، وقد مر بنا عند الكلام على القديم في شعره نماذج من هذ الطراز.
وهناك أغراض تقليدية قال فيها الشعراء منذ عصر امرئ القيس، وقال فيها البارودي كذلك مثل: الرثاء والمدح والحكمة وما شاكل هذا. ولا نستطيع أن نختم الكلام على البارودي قبل أن نرى موقفه من هذه الأغراض.
(1/225)

الرثاء:
ولم يرث البارودي إلّا صديقًا أو قريبًا، فلم يكن رثاؤه مفتعلًا أو من شعر المناسبات، وإنما كان منبعثًا عن عاطفةٍ صادقةٍ، وقد تمثَّل في رثائه كل ما يخطر ببال الراثي، من تفجع وشكوى من الزمن والحياة وسخط عليها, وإظهار لمحاسن المرثيّ، وبعض الحكم يتأسَّى بها الشاعر أو يعظ بها غيره، ويقدِّمُ العزاء أحيانًا لأهل البيت، وإن لم يحاول الوقوف على سر الحياة الأخرى، وأن يستشف ما بعد الموت كما كان يفعل شوقي, وقد يأتي الباوردي ببعض المعاني القديمة في قصائد الرثاء؛ كأن يدعو الله أن ينزل الغيث على جدث الميت, وما شايع هذا من الصيغ التقليدية المعروفة، وهو يظهر الجزع والحزن الشديد دون مبالغة جارفة في النعوت التي يضفيها على الميت، وجزعه وحزنه لا يدلان على عاطفة مشبوبة وقلب وفيٍّ، ولا سيما وقد قال معظم مراثيه وهو في المنفى, فزاد في أساه لوعة النوى عن الوطن، وحرمانه التزود من الميت بنظرة أو حديث، ودعاه هذا إلى توجيه الخطاب للشامتين به في نكبته ومحنته, وأن يظهر لهم التجلد في أخريات قصائده، وأنه ما زال صلب العود ولا سيما إذا كان الميت من ذوي قرابته.
ومن أحسن مراثيه قوله في ولده عليِّ:
كيف طوتك المون ويا ولدي؟ ... وكيف أودعتك الثرى بيدي؟
وا كبدي، يا عليُّ بعدك لو ... كانت تبل الغليل وا كبدي!!
فقدك سَلَّ العظام مني ورَدَّ ... الصبر عني وفت في عضدي
كم ليلة فيك لا صباح لها ... سهرتها باكيًا بلا مدد
دمع وسهد، وأي ناظرة ... تبقى على المدمعين والسهد؟!
لهفي على لمحة النجابة لو ... دامت إلى أن تفوز بالسدد
ما كانت أدري إذ كنت أخشى عليك ... العين أن الحمام بالرصد
فاجأني الدهر فيك من حيث لا ... أعلم ختلًا والدهر كالأسد
لولا اتقاء الحياة لاعتضت بالحلم ... هيامًا يحيق بالجلد
(1/226)

لكن أبت نفسي الكريمة أن ... أثلم حد العزاء بالكمد
فليبك قلبي عليك، فالعين لا ... تبلغ بالمدع رتبة الخلد1
إن يك أخنى الردى عليك، فقد ... أخنى أليم الضنى على جسدي
عليك مني السلام توديع لا ... قال، ولكن توديع مضطهد
ومن رثائه الذي يَنُمُّ عن عاطفةٍ صادقةٍ، ويظهر فيه الأسى واللوعة، وعظيم التفجع من غير مواربة أو تحفظ، رثاؤه لزوجته، وقد ورد إليه نعيها وهو بسرنديب، وعلى الرغم من أن رثاء الشعراء لزوجاتهم قليل في الأدب العربي، فإن قصيدة البارودي هذه تعد من عيون قصائد الرثاء، وهي تدل على الوفاء والمحبة, وعلى فرط حساسيته، ويقول في مطلعها:
أيد المنون قدحت أي زناد ... وأطرأت أية شعاعة بفؤادي
ومنها:
لا لوعتي تدع الفؤاد ولا يدي ... تقوى على رد الحبيب الغادي
يا دهر فيم فجعتني بحليلة ... كانت خلاصة عدتي وعتادي؟
إن كنت لم تحرم ضناي لبعدها ... أفلا رحمت من الأسى أولادي
أفردتهن فلم ينمن توجعًا ... قرحى العيون رواجف الأكباد
يبكين من وَلَه فراق حفية ... كانت لهن كثيرة الإسعاد
فخدودهن من الدموع ندية ... وقلوبهن من الهموم صوادي
أسليلة القمرين! أي فجيعة ... حلت لفقدك بين هذا النادي؟
أعزز عليَّ بأن أراكِ رهينةً ... في جوف أغبر قائم الأسداد
أو أن تبيني عن قرارة منزل ... كنت الضياء له بكل سواد
لو كان هذا الدهر يقبل فدية ... بالنفس عنك لكن أول فاد
__________
1 الخلد: القلب، أي: أن العين مهما بكت لا يصل حزنها إلى منزلة حزن القلب.
(1/227)

ثم يذكر وفاءه لها، ولعله بذلك يسوغ رثاءه لها على الرغم من شهرته بالجلد والشجاعة, ولأنه لم تجر العادة بأن يرثي الشعراء زوجاتهم إلّا في النادر؛ ولعل ظرف البارودي، وبعده في المنفى عن أهله وأولاده، ورعاية هذه الزوجة لهؤلاء الأولاد هو الذي حَزَّ في نفسه، وتذكَّرَ أيامه الطيبة السعيدة في عش الزوجية بوطنه الحبيب، كما أنه كان يتخيل أن كل كارثةٍ تحلُّ بهم تشمت به الأعداء فيزيد ذلك من لوعته, قال:
جزع الفتى سمة الوفاء، وصبره ... غدر يدل به على الأحقاد
ومن البلية أن يسام أخو الأسى ... رعي التجلد وهو غير جماد
وإذا عددت مراثيه وجدته رثى أصدقاؤه الأدباء الذين كانت بينهم وبينه آصرة محبة ووداد، وتقدير وتفاهم، مثل: أحمد فارس الشدياق، وعبد الله فكري، وحسين المرصفي, ووجدته رثى أولاده، وزوجته، ورثى والده، وإن كان قد توفي وهو صبي كما عرفنا، ولذلك جاء رثاؤه لوالده خاليًا من العاطفة فيه كثير من الفخر، ليس فيه تفجع الحزين، ولا حسرات الفراق، وبه كثير من المبالغات غير المقبولة، وفيه يقول:
لا فارس اليوم يحمي السرح بالوادي ... طاح الردى بشهاب الحرب والنادي
مات الذي ترهب الأقران صولته ... ويتقي بأسه الضرغامة العادي
جف الندى، وانقضى عمر الجدى وسرى ... حكم الردى بين أرواح وأجساد
المدح:
واقتصر في مدحه على ولاة مصر: إسماعيل، وتوفيق، وعباس، وهو في مدحه لا ينسى مصر وموقف الوالي منها، وما قَدَّمَ لها, أو ما يرجى على يديه من خيرات لمواطنيه، فيمدح توفيقًا لعزمه على الأخذ بالشورى والعدل، ويستطرد إلى مدح النظام الشوري, وأنه من تعاليم الإسلام، والأمة التي لا تأخذ به مصيرها إلى
(1/228)

الانهيار، والملك الذي لا يتبعه ملك غير عادل، وملكه سرعان ما يدب إليه الضعف؛ وهو في مدحه لعباس يذكر عدله وأريحيته، وما يرجى على يديه من نفع، وقد مدح عباسًا لأنه عفا عنه وأعاده إلى وطنه، فكان لزامًا عليه حين يمدحه أن يذكر له هذه اليد الكريمة، أما إسماعيل: فقد مدحه حين وُلِّيَ على أريكة مصر، وقدم نفسه لإسماعيل وأطراها، وأظهر استعداه لخدمته، وخدمة وطنه، وهذا ولم يغفل أن يثني على كل ممدوحيه وينعتهم بكرم الأصل وحب الخير والعدل, وأنهم ذوو هيبةٍ وشمائل كريمة ... إلخ هذه الصفات المعروفة والمعاني المطروقة، وقد مرَّت بنا بعض أبيات من مدحه لتوفيق وعباس، وهاك بعض ما قاله في إسماعيل حين ولي أريكة مصر:
طَرِبَ الفؤاد وكان غير طروب ... والمرء رهن بشاشة وقطوب
ورد البشير، فقلت من سرف المنى ... أعد الحديث عليَّ فهو حسيبي
خبر جلا صدأ القلوب فلم يدع ... فيها مجال تحفز لوجيب
فلتهن مصر وأهلها بسلامة ... جاءت لها بالأمن بعد خطوب
بالماجد المنسوب، بل بالأروع الـ ... مشبوب، بل بالأبلج المعصوب1
رب العلا والمجد "إسماعيل" مَنْ ... وضحت به الأيام بعد شحوب
وَرَدَ البلادَ وليلها متراكب ... فأضاءها كالكوكب المشبوب
برويَّةٍ تجلو الصواب وعزمة ... تمضي مضاء اللهذم المذروب2
ويقول فيها:
وأعاد مصر إلى جمال شبابها ... من بعد ما لبست خمار مشيب
فتنعمت من فيضه في غبطة ... وتمتعت من عدله بنصيب
__________
1 المنسوب ذو النسب، والأورع: من يعجبك بحسنة وجهارة منظره أو بشاعته, والمشبوب: الحسن الوجه والبلجة -بضم فسكون: الضوء, ونقاوة ما بين الحاجبين، ويقال للرجل الطلق الوجه أبلج، والمعصوب: المتوج.
2 المذروب: المحدد المسنون.
(1/229)

ويقدم نفسه لإسماعيل بقوله:
فاسمع مقالة صادق لم ينتسب ... لسواك في أدب ولا تهذيب
أوليته خيرًا, فقام بشكره ... والشكر للإحسان خير ضريب
فاعطف عليه تجد سليل كرامة ... أهلًا لحسن الأهل والترحيب
ينبيك ظاهره بود ضميره ... والوجه وسمة مخلص ومريب
وإليك من حوك اللسان حبيرة ... بغنيك رونقها عن التشبيب
حضرية الأنساب إلّا أنها ... بدوية في الطبع والتركيب
ولم يكن البارودي شاعرًا مدَّاحًا مكتسبًا بشعره, كما درج على هذه العادة معظم الشعراء في الأدب العربي، ولكنه كان أميرًا فارسًا عفيفًا, يقول الشعر للتعبير عن خلجات فؤاده, وقد قال:
الشعر زينا المرء ما لم يكن ... وسيلة للمدح والذام
وهو إذا مدح لم يقصد بمدحه العطاء، وإنما للتعريف بمنزلته، أو الشكر على يدٍ أسديت إليه، أو حثٍّ على مكرمة، ومديحه خالٍ من المبالغات المذمومة والنعوت الموهومة، وهذا طبيعيٌّ ما دام لم يقصد بمدحه صلة أوعطية؛ لأن الشعراء إنما لجئوا إلى هذه المبالغات ظنًّا منهم أنها تزيد في عطائهم، وأن نفس الممدوح تسر لها فيغدق عليهم جزيل الهبات.
فخره:
وقد افتخر البارودي كما عرفت بنسبه وحسبه، وافتخر كذلك بشجاعته وفروسيته, وقد أكثر من القول في هذا المعنى, وله فيه مبالغات سخيفة؛ فمن ذلك قوله يفتخر ببأسه ونجدته, وأنه مَلَكَ أَزَّمةَ الفصاحة والبيان، وأن الزمان لو تقدَّم به لبذ الشعراء الفحول, ولسطر اسمه على جبين التاريخ بالفخر إلى آخر هذه المعاني المعروفة من مثل قوله:
(1/230)

ولي شيمة تأبى الدنايا وعزمة ... ترد لهام الجيش وهو يمور
إذا سرت فالأرض التي نحن فوقها ... مراد لمهردي المعاقل دور
فلا عجب إن لم يصرني منزل ... فليس لعقبان الهواء وكور
وأصبحت محسود الجلال كأنني ... على كل نفس في الزمان أمير
إذا صلت كف الدهر من غلوائه ... وإن قلت غصَّت بالقلوب صدور
ملكت مقاليد الكلام وحكمة ... لها كوكب فخم الضياء منير
فلو كنت في عصر الكلام الذي انقضى ... لباء بفضلي "جرول" و"جرير"
ولو كنت أدركت الواسي لم يقل ... "أجارة بيتينا أبوك غيور"
وما ضرني أني تأخرت عنهم ... وفضلي بين العالمين شهير
فيا ربما أخلى من السبق أول ... وبذ الجياد السابقات أخير
ويسود هذا النوع من الفخر شعر البارودي، ويبين أنه محسود المكانة، وأنه فريد عصره وواحد دهره, كما يقول:
فإن أكن عشت فردًا بين آصرتي ... فهأنا اليوم فرد بين أندادي
بلغت من فضل ربي ما غنيت به ... عن كل قارٍ من الأملاك أو باد
فما مددت يدي إلّا لمنح يد ... ولا سعت قدمي إلّا لإسعاد
الزهد:
ولعل قوله في الزهد يرجع إلى تلك الحالات النفسية التي غلبة فيها اليأس على أمره؛ وهو وحيد شريد يعاني غصص الفراق والنفي, وإلا فهذه النفس الطموح التي خاطرت وغامرت وتطلعت إلى الملك, وتلذذت ونعمت بالحياة, كانت بعيدةً عن الزهد في الحياة، ولعلها لم تزهد إلّا مرغمة، وعلى كلٍّ فما قاله في الزهد قليل, مما يدل على أنه أثر لنوباتٍ كانت تعتريه؛ فيتشاءم من الدنيا ويتذكر الموت، والموت يذكره بالعمل الصالح والإقلاع عن الغواية والجهل، ويذكّره بمن ماتوا قبله من ملوك أمراء وأصحاب عروش وضياع, ذهبوا وذهبت دنياهم
(1/231)

الحافلة باللذات, وعمرت منهم القبور؛ ولم يذد عنهم الموت مالهم ولا جاههم, إلى آخر هذه المعاني التي استنفدها من قبل أبو العتاهية، وصالح بن عبد القدوس, وأضرابهما, من مثل قوله:
كل حي سيموت ... ليس في الدنيا ثبوت
حركات سوف تفنى ... ثم يتلوه خفوت
وكلام ليس يحلو ... بعده إلّا السكوت
أيها السادر قل لي ... أين ذاك الجبروت؟
كنت مطبوعًا على النطق ... فما هذا الصموت؟
ليت شعري أهمود ... ما أراه أم قنوت؟
أين أملاك لهم في ... كل أفق ملكوت؟!
زالت التيجان عنهم ... وخلت تلك التخوت
ومما يتصل بهذا الموضوع مدحه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم، وقد مدحه بقصيدةٍ طويلةٍ يتوسل فيها بجاهه ويطلب شفاعته، ويرجو الرحمة والمغفرة من الله بسببه, ويقول:
هو النبيُّ الذي لولا هدايته ... لكان أعلم من في الأرض كالهمج
أنا الذي بِتُّ من وجدي بروضته ... أحنُّ شوقًا كطير البانة الهزج
هاجت بذكراه نفسي فاكتست ولهًا ... وأي صب بذكر الشروق لم يهج
يا رب بالمصفى هب لي وإن عظمت ... جرائمي -رحمةً تغني عن الحجج
ولا تكلني إلى نفسي فإن يدي ... مغلولة، وصباحي غير منبلج
ما لي سواك وأنت المستعان إذا ... ضاق الزحام غداة الموقف الحرج
(1/232)

الحكمة:
وقد أكثر البارودي من قول الحكم، ومعظمها حكم مبتكرة, وقع عليها السابقون, وصاغها البارودي صياغةً جديدةً بأسلوبه الجزل الفخم, وقد وردت له كثير من الأبيات السائرة التي صارت كأنها أمثال كقوله:
ومن تكن العلياء همة نفسه ... فكل الذي يلقاه فيها محبب
وقوله:
وقليلًا ما يصلح المرء للجد ... إذا كان ساقط الأجداد
وقوله:
لعمرك ما في الدهر أطيب لذة ... من اللهو في ظل الشبيبة واليسر
وقوله:
إذا ساء صنع المرء ساءت حياته ... فما لصرف الدهر يوسعها سبا
ومن أبيات الحكمة التي اشتهر بها قوله:
والدهر كالبحر لا ينفك ذا كدر ... وإنما صفوه بين الورى لمع
لو كان للمرء فكر في عواقبه ... ما شان أخلاقه حرص ولا طبع1
وكيف يدرك ما في الغيب من حدث ... من لم يزل بغرور العيش ينخدع
دهر يغرُّ، وآمال تسر وأعمار ... تمر، وأيام لها خدع
يسعى الفتى لأمور قد تضر به ... وليس يعلم ما يأتي وما يدع
يأيها السادر المزور من صلف ... مهلًا فإنك بالأيام منخدع
دع ما يريب، وخذ فيما خلقت له ... لعل قلبك بالإييان ينتفع
إن الحياة لثوب سوف تخلعه ... وكل ثوب إذا ما رَثَّ ينخلع
__________
1 الطبع: الشين والدنس والعيب.
(1/233)

وهي حكم قريبة مأخوذة من تجارب عادية, ليست فيها فلسفة عميقة، ولا تدل على مذهب في الحياة ومصيرها ومصدرها، أو على نظرة عامة شاملة للكون، وإنما هي نظرات عابرة ليس فيها تحليل دقيق، ولا سبر لأغوار الحياة والمجتمع ونفسيته، ولكنها حلوة الصياغة خفيفة على الألسنة متقنة السبك.
وبعد، فهذه معظم الموضوعات التي تكلم فيها البارودي, وقد عقَّبْنَا على كل موضوع بكلمة موجزة، وعرفنا إلى أي حَدٍّ مشى البارودي في ظل القدماء, وإلى أي حَدٍّ تميَّزَت شخصيته، وبرزت خصائصه، وفي شعر البارودي هنات.
هنات:
وهذه الهنات قليلة لا تقدح في منزلته, ولا تغض من شأنه، وبعض هذه الهنات ترجع إلى:
1- لغويات: فاستعمل البارودي كلمات كثيرة غير موجودة في المعاجم, ولا يعين عليها الاشتقاق الصرفي من مثل قوله: "همامة نفس" فهذا المصدر بالمعنى الذي يريده, أي: قوة العزم, غير موجود في المعجمات التي بين أيدينا، وقد يلتمس له تخريج بعيد، فيه كثير من التعسف، ومن مثل قوله: "يكفيك منه إذا استحس" يريد أحس، ومثل قوله:
شفت زجاجة فكري فارتسمت بها ... علياك من منطقي في لوح تصويري
فارتسمت بمعنى: رسمت, غير موجودة بالمعجمات، ومعناها في المعاجم امتثل؛ ومثل قوله:
فكم سلموا عينًا بها تبصر العلا ... وشلوا يدًا كانت بها راية النصر
والفعل شل لازم، ويتعدى بالهمزة, فيقال: أشل الله فلانًا, واستعمله الشاعر متعديًا بنفسه، وقد يوجد له تخريج بعيد.
(1/234)

ومن مثل قوله: "تمديدًا نحو السماء خضيبة" وخضيب على وزن فعيل بمعنى: مفعول, أي: مخضوبة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث إن تبع الموصوف, ولهذا قالوا: كَفٌّ خضيبٌ وامرأة خضيبٌ, فاستعمال خضيبة خطأ.
ومثل قوله:
فما أبصرته الخيل حتى تمطرت ... بفرسانها واستتلعت كي تخلص
وليس بالمعجمات استتلعت، وإنما بها تعلت, بمعنى: مدت أعناقها، وقد يقال: إن زيادة الهمزة والسين والتاء للطلب, قياسية عند بعض الصرفيين.
2- وقد يخطئ البارودي في الأساليب العربية في مثل قوله:
إذا راطنوا بعضًا سمعت لصوتهم ... هديدًا تكاد الأرض منه تميد
والفصيح إذا راطن بعضهم بعضًا
ولكن هذا قليل في شعره؛ لأنه على قول الفصيح لكثرة محفوظه من كلام العرب الخلص.
3- ومن المآخذ التي كثيرًا ما يعير بها البارودي اتهامه بسرقات شعرية تأتي في صورة أبيات أو أنصاف أبيات من مثل قوله:
على طلاب العز من مستقره ... ولا ذنب لي إن عارضتني المقادر
وهو من قول أبي نواس:
على طلاب العز من مستقره ... ولا ذنب لي إن حاربتني المطالب
ومثل قوله:
نميل من الدنيا إلى ظل مزنة ... لها بارق فيه المنية تلمع
(1/235)

فالشطر الثاني مأخوذٌ من قول أبي العتاهية.
لها عارض فيه المنية تلمع.
وقول البارودي:
قد يظفر الفاتك الألوى بحاجته ... وليس يدركها الهيابة الخلط
مأخوذ من قول الشاعر العباسي:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
قوله:
وما الحلم عند الخطب والمرء عاجز ... بمستحسن كالحلم والمرء قادر
مأخوذ من قول المتنبي:
كل حلم أتى بغير اقتدار ... حجة لا جيء إليها اللئام
وهناك أبيات كثيرة تدل على نظرته إلى أشعار القدماء؛ وقد ذكرنا آنفًا أن البارودي لم يسرق، ولم يتعمد أخذ هذه الأبيات والسطو عليها، وإنما كثر محفوظه، وتأثر به كل التأثر، ولا سيما إذا كان يعارض قصيدةً لشاعر مجيد، فإنه يجاريه حتى لقد يختلط شعره بشعره, وتتعذر التفرقة بينهما، وذلك لجودة محاكاته وسلامة طبعه، وقد ترد على لسانه كلمات أو أبيات من أشعار القدماء دون أن يدرك؛ لأنها من محفوظه, وقد عرفنا أنه لم يتعلم قواعد اللغة والصرف وغيرهما, وإنما صار يقرأ الشعر يحفظه حتى مرن لسانه على قوله, وتملك أزمة اللغة، وطُبِعَ على الفصاحة، كل هذه الهنات التي ذكرناها مصدرها اعتداده بنفسه, واعتماده على ذاكرته, وعدم دراسته المنظمة؛ ولكنها تفاهةٌ لا تغض من شعره أو تضير منزلته بشيء.
4- هذا وللبارودي مبالغات سقيمة من مثل قوله:
وما زاد ماء النيل إلّا لأنني ... وقفت به أبكي على الأحباب
(1/236)

ويكرر هذا المعنى في قوله:
وكفكفت دمعًا لو أسلت شئونه ... على الأرض ما شك امرؤ أنه البحر
ومن مثل قوله:
إذا تنفست فاضت زفرتي شررًا ... كما استنار وراء القدحة اللهب
على أنها تغتفر له, فإنها خيالات شاعر.
منزلته:
يدين الشعر العربي الحديث للبارودي بأنه النموذج الحيّ الذي احتذاه الشعراء من بعده, وساروا على نهجه في أسلوبه وأغراضه، وذلك لأنه أتى -كما رأيت- بشعر جزلٍ رائق الديباجة, عذب النغم, في حقبة ساد فيها شعر الضعف والصنعة وضحالة المعنى وعقم الخيال، ثم إنه مثَّل عصره أتمَّ تمثيلٍ, وكان صدًى لحوادث بيئته, فكان قدوةً لمن جاء على أثره في التجديد.
أضف إلى ذلك أنه علمهم كيف يتجهون إلى الأدب العربي في أزهى عصوره, ويغترفون من ذخائره؛ بحيث لا تفنى شخصياتهم، فيقوى أسلوبهم, وتشرق ديباجتهم, ويبعدون عن الحلى المتكلفة، وبذلك سار الشعر من بعده إلى الأمام, ولم يجرع أبدًا إلى عصور الضعف والركاكة.
وممن تتلمذ على البارودي واقتفى أثره عدد كبير من شعراء العربية, اتخذوه إمامهم غير مدافع؛ كشوقي وحافظ والرافعي وصبري وعبد المطلب والجارم والكاظمي والرصافي وأحمد محرم والكاشف ونسيم والزين وغيرهم، وعلى تباينٍ بينهم في حظِّ كلٍّ منهم من التجديد والتأثر بثقافة الغرب ومذاهبه الأدبية.
وعلى الرغم من قيام مدرسة مجددة نشيطة يتزعمها مطران وشكري والمازني والعقاد وأبو شادي، فلا يزال كثيرون في البلاد العربية بعامة وفي
(1/237)

مصر بخاصة، يحنون إلى ديباجة البارودي وموسيقى مدرسته, مع الأخذ بطرفٍ من التجديد في المعاني والأخيلة والصور.
وحسب البارودي فخرًا أنه أحيا الشعر بعد مواته, على غير مثالٍ سبق من معاصريه.
ونقول مع هيكل: إنه كان مجددًا في كل بيت من أبياته, حتى في معارضاته للقدماء, والنهج على منهجهم.
هذا وقد حاول البارودي التجديد في الأوزان؛ فنظم قصيدةً من تسعة عشر بيتًا على وزن جديد هو مجزوء المتدارك، ولم يسبق للعرب أن نظموا منه، وإنما ورد المتدارك عندهم كاملًا أو مشطورًا, تلك هي القصيدة التي يقول في أولها:
املأ القدح ... وعص من نصح
واروغلتي ... بابنة الفرح
فالفتى متى ... ذاقها انشرح
وقد نظم شوقي من هذا الوزن الذي اخترعه البارودي قصيدته التي مطلعه:
مال واحتجب ... وادعي الغضب
ليت هاجري ... يشرح السبب
(1/238)

الفصل الخامس: نهضة النثر
موضوعاته
...
نهضة النثر:
عرفت فيما سبق كيف أن الصحافة في عصر إسماعيل نهضت بلغة الكتابة، وحررت النثر من السجع المتكلف، والإمعان في طلب المحسنات البديعية، وأنها تناولت موضوعاتٍ شتَّى مما يَمُسُّ الحياة العامة ومشكلات الشعوب، بيد أن نظرتها ثمة كانت عابرة، لم تقف طويلًا للتعرف على خصائص هذا النثر ومميزاته الفنية، والموضوعات المتباينة العديدة التي خاض غمارها، والعوامل الكثيرة التي تضافرت على النهوض به، والتي اتخذت من الصحافة منبرًا يذيع على الناس فكرًا جديدًا.
ورأيت أن المدرسة الديوانية التي مثلها: عبد الله فكري, لم تتناول السياسة والاجتماع والإصلاح، وأن موضوعاتها لم تتعد الأمور الشخصية, أو الأدبية البحتة؛ كرسائل التعزية والتهنئة والاعتذار والرجاء، أو وصف منظر جميل, أو أنية أنيقة الصنع ... وما شاكل ذلك مما يكون مبعثه الشعور الشخصي.
ولقد شهدت أخريات عهد إسماعيل، وعهد توفيق لونًا جديدًا من النثر، وأدبًا ينبض بالحياة وبالحرارة, رأينا نتفًا منه قبل1 وآن لنا نخصه بنظرة واسعة.
1- موضوعاته:
أما موضوعات هذا النثر فكانت واسعة الأفق، وتناولت مشكلات الحياة وما يهم الشعوب, وما يبعث على اليقظة والنهضة ممثلة في:
1- الدافع عن الشعوب المظلومة التي ظلت تئن تحت نير العبودية والعسف قرونًا مديدة، لا تعرف كيف تراجع الحاكم في حكمٍ أبرمه ولو كان ظالمًا، ولا كيف تثور وتشكو وتئن وتتوجع وتسمع شكاتها للعالم، والحاكم سادر في غلوائه، يمتص دماءها، ويسخرها لأهوائه وشهواته؛ ولا يفكر في نفعها إلا بمقدار ما يعود عليه من الفائدة، استمع للأستاذ الإمام محمد عبده كيف يصور لك حال مصر قبل أن يشيع هذا الأدب الجديد والفكر الجرئ في أرجائها.
__________
1 راجع ما كتبناه عن الشدياق وأديب إسحاق فيما تقدم.
(1/241)

"إن أهالي مصر قبل سنة 1293هـ كانو يرون شئونهم العامة بل والخاصة, ملكًا لحاكمهم الأعلى، ومن يستنيبه عنه في تدبير أمورهم، يتصرف فيها حسب إرادته، ويعتقدون أن سعادتهم وشقاءهم موكولان إلى أمانته وعدله, أو خيانته وظلمه؛ ولا يرى أحد منهم لنفسه رأيًا يحق له أن يبديه في إرادة يتقدم بها إلى عمل من الأعمال يرى فيها صالحًا لأمته، ولا يعلمون من علاقة بينهم وبين الحكومة سوى أنهم مصرفون فيما تكلفهم الحكومة به وتضربه عليهم.
وكانوا في غاية البعد عن معرفة ما عليه الأمم الأخرى, سواء كانت إسلامية أو أوروبية, ومع كثرة من ذهب منهم إلى أوروبا وتعلم فيها من عهد محمد علي الكبير إلى ذلك التاريخ، وذهاب العدد الكثير منهم إلى ما جاورهم من البلاد الإسلامية إيام محمد علي باشا الكبير, وإبراهيم باشا, لم يشعر الأهالي بشيء من ثمرات تلك الأسفار، ولا فوائد تلك المعارف, ومع أن إسماعيل باشا أبدع مجلس الشورى في مصر سنة 1283، وكان من حقه أن يعلم الأهالي أن لهم شأنًا في مصالح بلادهم, وأن لهم رأيًا يرجع إليه فيها، لم يحس أحد منهم ولا من أعضاء المجلس أنفسهم بأن لهم ذلك الحق الذي يقتضيه تشكيل هذه الهيئة الشورية؛ لأن مبدع المجلس قيده في النظام وفي العمل، ولو حدث إنسانًا فكره السليم بأن هناك وجهة خيرٍ غير التي يوجهها إليه الحاكم لما أمكنه ذلك؛ فإن بجانب كل لفظ نفيًا عن الوطن، أو إزهاقًا للروح، أو تجريدًا من المال".
وكان الأدب صدى لهذه الحياة البئيسة التي تقبر فيها الحريات وتغل العقول، ويتغنى بما قام به هذا الحاكم الظالم من أفعال وضيعة، ويصور سيئاته حسنات، وسخافاته آيات، وحماقاته معجزات، ولكن الأدب الجديد ينظر إلى هذه الشعوب، ويجعل خيرها غايته, فيجمعهم على من اعتدى عليها، ويبين للناس سوء حالهم, ومواضع بؤسهم وأدوائهم، وطرق علاجها، ويقف للحكام بالمرصاد، يذيع سيئاتهم ومظالمهم وينقدهم في غير هوادة أو رفق، ويشجع أفراد الأمة على المطالبة بحقوقهم، وألّا يخشوا بأس الحاكم وجبروته؛ لأنه مدين بقوته لهم، وبغناه وضياعه لكدهم وكدحهم.
واستمع كذلك إلى الأستاذ الشيخ محمد عبده كيف يحرض الأمة على خلع نير العبودية، والحد من سطوة الحاكم الغاشم، وينعى عليه جهله وسفالته:
(1/242)

"إن الأمة التي ليس لها في شئونها حلٌّ ولا عقدٌ، ولا تستشار في مصالحها, ولا أثر لإرادتها في منافعها العمومية، وإنما هي خاضعة لحاكمٍ واحدٍ؛ إرادته قانون, ومشيئته نظام، يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، ويتداولها العلم والجهل، ويتبادل عليها الغنى والفقر، ويتناوبها العز والذل، وكل ما يعرض عليها من هذه الأحوال خيرها وشرها، فهو تابع لحال الحاكم، فإن كان حاكمها عالما حازمًا أصيل الرأي، عالي الهمة، رفيع المقصد، قويم الطبع، سَاسَ الأمة بسياسة العدل, ورفع فيها منار العلم، ومهَّدَ لها طرق اليسار والثروة، وفتح لها أبوابًا للتفنن في الصنائع والحذق في جميع الوازم اليحاة، وبعث في أفراد المحكومين روح الشرف والنخوة، وحملهم على التحلي بالمزايا الشريفة؛ من الشهامة والشجاعة، وإباء الضيم، والأنفة من الذل، ورفعهم إلى مكانة عليًّا من العزة، ووطَّأَ لهم سبل الراحة والرفاهة وتقدم بهم إلى كل وجهٍ من وجوه الخير.
وإن كان حاكمها جاهلًا، سيئ الطبع، سافل الهمة، جبانًا, ضعيف الرأي أحمق الجنان، خسيس النفس، معوج الطبيعة، أسقط الأمة بتصرفه إلى مهاوي الخسران، وضرب على نواظرها غشاوات الجهل، وجلب عليها غائلة الفاقة والفقر، وجار في سلطته عن جادة العدل، وفتح أبوابًا للعدوان؛ فيتغلب القويّ على حقوق الضعيف، ويختل النظام، وتفسد الأخلاق، وتخفض الكلمة, ويغلب اليأس؛ فتمتد إليها أنظار الطامعين، وتضرب الدول الفاتحة بمخالبها في أحشاء الأمة، عند ذلك, إن كان في الأمة رمق من الحياة، وبقيت فيها بقية منها، وأراد الله بها خيرًا، اجتمع أهل الرأي وأرباب الهمة من أفرادها, وتعانوا على اجتثاث هذه الشجرة الخبيثة، واستئصال جذورها، قبل أن تنشر الرياح بذورها، وأجزاءها السامة القاتلة بين جموع الأمة فتميتها, وينطقع الأمل من العلاج1".
بمثل هذا الأدب أخذ المصلحون ينادون الشعوب المستكينة للذل, ويوقظونها من سباتها العميق, وينددون بما عليه أبناؤها من جبن وخور، فلا يغضبون لكرامة امتهنت، ولا يثورون لعفاف ثلم، وشرف دنس:
__________
1 تاريخ الأستاذ الإمام, الجزء الثاني, ص331, والعدد الرابع عشر من مجلة العروة الوثقى.
(1/243)

"الجبن هو الذي أوهى الممالك فهدم بناءها، هو الذي قطع روابط الأمم فحل نظامها، هو الذي وهن عزائم الملوك فانقلبت عروشهم، وأضعف قلوب العالمين فسقطت صروحهم، هو الذي يغلق أبواب الخير في وجوه الطالبين, ويطمس معالم الهداية عن أنظار السائرين، يسهل على النفوس احتمال الذلة, ويخفف عليها مضض المسكنة، ويهون عليها حمل نير العبودية الثقيل, ويوطن النفس على تلقي الإهانة بالصبر والتذليل بالجلد، ويوطن الظهور الجاسية لأحمال من المصاعب أثقل مما كان يتوهم عروضه عند التحلي بالشجاعة والإقدام، والجبن يلبس النفس عارًا دون القرب منه موت أحمر عند كل روح زكية, وهمة علية، ويرى الجبان وعر المذلات سهلًا، وشظف العيش في المسكنات رفهًا ونعيمًا".
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام1
وإذا جاوز الحاكم حده، طغى وبغى واستبدَّ، وباع بلاده للأجانب الطامعين، والمستعمرين الغاصبين، ونكَّلَ بالأحرار المفكرين؛ كما فعل نوبار باشا مثلًَا حين طلب إبعاد الزبير باشا من مصر، وحين حارب كثيرًا من المصلحين، وحين مكَّن للإنجليز في وادي النيل، فإن زعماء الإصلاح لا يترددون في التحريض على قتله، وتخليص الأمة منه".
"وإني أتعجب، وكل ذي إحساس يتعجب، من سكان الديار المصرية من المصريين والأتراك والحجازيين واليمانيين، ألَا يوجد بين هؤلاء فتًى يشمِّر عن ساعده ويتقدم بصدره، ويخطو خطوةً إلى هذا الوزير الأرمنيّ فيبطل هذه الصفقة, وينقض هذه البيعة، ويكشف له وللمغرورين من أمثاله حقيقة الوطنية، ويرفع الحجاب عن واجبات الملية؟ لا حول ولا قوة إلّا بالله! إن المولعين بحب الحياة يقضونها من خوف العبودية في العبودية، ويتجرعون مرارات سكرات الموت في كل لحظة خوفًا من الموت, لا يسوقهم إلى مرضاة الله، ولا الحمية تدفعهم إلى ما به فخار الإنسان"2.
__________
1 تاريخ الأستاذ الإمام, ج2 ص328.
2 مجلة العروة الوثقى, القسم الثاني, ص147.
(1/244)

وأنصت إلى السيد جمال الدين الأفغاني كيف يثير في النفوس الحمية، ويريدها متمردةً على الطغيان والعسف والهوان، وينعى على المصريين خورهم واستكانتهم إلى كل من يحكمهم؛ فقد روى سليم عنحوري عن السيد جمال الدين قوله: "إنكم معاشر المصريين قد نشأتم في الاستعباد، وربيتم في حجر الاستبداد، وتوالت عليكم قرونٌ منذ زمن الملوك والرعاة حتى اليوم، وأنتم تحملون عبء الفاتحين، وتعنون لوطأة الغزاة الظالمين، تسومكم حكوماتهم الحيف والجور، وتنزل بكم الخسف والذل، وأنتم صابرون بل راضون، وتسنزف قوام حياتكم ومواد غذائكم التي تجمعت بما يتحلب من عرق جباهكم بالعصا والمقرعة والسوط، وأنتم معرضون، فلو كان في عروقكم دم فيه كريات حيوية، وفي رءوسكم أعصاب تتأثر فتثير النخوة والحمية، لما رضيتم بهذا الذل وهذه المسكنة، وتناوبتكم أيدي الرعاة ثم اليونان والرومان والفرس، ثم العرب والأكراد والمماليك، وكلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه، وأنتم كالصخرة الملقاة في الفلاة لا حس لكم ولا صوت.
انظروا أهرام مصر, وهياكل ممفيس، وآثار طيبة، ومشاهد سيوة، وحصون دمياط، فهي شاهدة بمنعة آبائكم وعزة أجدادكم.
هبوا من غفلتكم ... اصحوا من سكرتكم ... عيشوا كباقي الأمم أحرارًا سعداء1.
بل كان السيد جمال الدين في غاية الجرأة يحرِّضُ على الثورة علانيةً في كلماتٍ ملتهبة تثير الهمم الخامدة، وتحيي العزائم الميتة، وتحرك العقول الجامدة، من مثل قوله من خبطة له بالإسكندرية قبيل خلع الخديو إسماعيل:
"أنت أيها الفلاح المسكين, تشق قلب الأرض لتستنبت منها ما تسد به الرمق، وتقوم بأود العيال، فلماذا لا تشق قلب ظالمك؟ لماذا لا تشق قلب الذين يأكلون ثمرة أتعابك"2.
__________
1 سليم عنحوري, تاريخ محمد عبده, لرشيد رضا, ج1 ص46.
2 مذكراتي في نصف قرن: أحمد شفيق, ص108.
(1/245)

ومن الكلمات التي تتلظى لهبًا, وتتقد غيرة وحماسة حين تصور بؤس المصريين, وكيف يسومهم حكامهم العسف والخسف, تلك الكلمة التي كتبها أديب إسحق وهو مريض بباريس, تحت عنوان: "نفثة مصدور" ويوازن فيها بين الحياة النيابية الحرة في فرنسا وحياة الاستبداد بمصر, فيقول: "وأنا تحت سماء الإنصاف على أرض الراحة، بين أهل الحرية أسمع ألحانًا في مجالس العدل، فأذكر أنين قومي في مجالس الظلمة، وتحت سياط الجلادين، فأنوح نوع الثاكلات، وأرى علائم النعمة في معاهد المساواة، فأذكر شقاء سربي في ربوع الظلمة، فأذرف الدمع ممتزجًا بسواد القلب, فأكتب إليهم: يا قوم ظلمتم غير معذورين، وصبرتم غير مأجورين وسعيتم غير مشكورين, فهلكتم غير مأسوف عليكم، تصبرون على الظلم حتى يحسبه الناظر عدلًا، وتبتسمون للقيد حتى يظنه الناقد حليًّا، وتخفضون للظالمين جناح الذل حيث يقول من يراكم: ما هؤلاء بشر, إن هم إلّا آلة سخرت للناس، يفلحون بها الأرض ويزرعون، يقلب الجائرون عليكم أنواع المكايد وأصناف الحيل وألوان الخداع فيما يختلسون, كما تقلب المشعوذة لدى الأطفال أوجه الودعات في استخراج ما يضمرون.
رأيت فلاحهم في حقله الصغير, يتناول الطعام أكلًا مريئًا, وينام القيلولة نومًا هنيئًا، يأوي إلى البيت فيأكل بين عياله, ويتلو عليهم صحيفة النهار, ثم ينام ملء عينيه، لا يحلم بسوط المأمور ولا يتصور عصا الشيخ، ولا يتذكر حبس المدير، فتخيلتكم بين السواقي والأنهار تشتغلون سحابة اليوم؛ لتجتمعوا على القصعة السواداء فتلتهموا فتات الشعير، وتنكبوا على الترعة فتشربوا الماء الكدر، تعودون إلى الأرض المريعة تزرعونها، والغلة الوفيرة تحصدونها، لتنصرفوا إلى أكواخٍ باليةٍ تشبه قبورًا توالت عليها السنون، فيجتمع من حولكم الصغار لا تعرف أبدانهم الوقاء، ونساء تعوضن الأقذار عن الكساء، ثم يأتيكم المأمور سالبًا، والشيخ غاضبًا، والمدير ناهبًا، فأنتم في بلاءٍ مستقرٍّ، وعناء مستمرٍّ، وتحصدون البُرَّ ولا تأكلون، وتملكون الأرض ولا تسكنون"1.
__________
1 الدرر ص70.
(1/246)

بل استمع إليه يحرض على الثورة جهرةً في كلمته التي كتبها تحت عنوان: "التردد", وهو فيها لا يقل حميةً وحماسةً عن جمال الدين، ساقها في أسلوبٍ شعريٍّ يهيج العواطف, وذلك حيث يقول:
"قد بليتم بما يذيب الشحم, ويفري اللحم، وينقي العظم, وأنتم صابرون؛ ومنيتم بما وفَّرَ النقم وغير النعم, وأهلك النعم وأنتم صامتون، ورزقهتم بما جلب المصاب، وهتك الحجاب، وأبرز الكعاب وأنتم خاشعون، فما الذي تخافون؟
تقولون: لا نرضى بهذ الخسف، ولا نقوى على احتمال الذل، فقد صار تاجرنا عاملًا، ونبيهنا خاملًا، وعالمنا سائلًا، فلم يبق فينا غير الأجير والتابع والشحاذ والزارع، والجندي منخفض الجانب، والشرطيّ منقطع الراتب، بل زارعنا الذي يدفن مع الحبة قوة يمينه، ويسقي الغرس بماء جبينه, نزيلٌ في دار أبيه، وغريب في أرض ذويه، يحصد مما زرع ولكن لسواه، ويجني مما غرس ولا يذوق جناه.
وكأني بكم عصابة، من أهل الهمة الإصابة، ترفعون الأصوات في طلب الحق المسلوب، وتمدون الأكف لالتماس المال المنهوب، وتجعلون الأبدان للوطن سورًا يرد عنه العدو مذعورًا، وأنتم الكلمة المتحدة, والقوة المجتمعة هي أقوى من العدد الكثير إلّا أنكم تترددون.
فيا حليف الصبر, ويا نضو العناء، نداء مشارك في بلواك، وسامع لنجواك، دع التردد إن أردت النجاح والنجاة، وأقدم، فرب حياةٍ تكون في طلب الموت، ورب موتٍ يجئ من طلب الحياة"1
وهي كما ترى كلمة تحمل روح جمال الدين، وتحض على الثورة علانيةً، بتنبيه المصريين لمهاوي الذلة التي تردوا فيها، وحثهم على استخلاص حقهم بالقوة من ظالميهم.
__________
1 الدرر ص72.
(1/247)

2- الدعوة إلى الأخذ بنظام الشورى في الحكم، حتى تشعر الأمة أن مقدراتها بيدها، وحتى تأمن جانب الحكام وعبثهم بكنوزها وأزراقها، بل مقامرتهم على استقلالها وحريتها، وحتى لا تدع للأجانب حجة يتكئون عليها في إشرافهم على الحكومة وإدارتها.
وقد رأيت طرفًا مما قاله البارودي الشاعر في الشورى، وقد كانت هذه الروح التي تجلَّت في شعر البارودي قبسًا من نار مشتعلة في نفس جمال الدين الأفغاني وصحبه وحوارييه من أمثال محمد عبده وعبد الله نديم، وأديب إسحق، استمع إلى هذا الحوار بين توفيق باشا وبين جمال الدين الأفغاني, وقد طلبه للمثول بين يديه في قصر عابدين:
قال توفيق: إني أحب كل المصريين، ويسرني أن أرى بلادي وأبناءها في أعلى درجات الرقيِّ والفلاح، ولكن من الأسف أن أكثر الشعب خامل جاهل لا يصلح أن يلقى عليه ما تلقونه من الدورس والأقوال المهيجة، فيلقون بأنفسهم في تهلكة.
فأجاب جمال الدين: "ليسمح لي سمو أمير البلاد أن أقول بحريةٍ وإخلاصٍ: إن الشعب المصريّ كسائر الشعوب, لا يخلوا من وجود الخامل والجاهل بين أفراده، ولكنه غير محروم من وجود العالم والعاقل، فبالنظر الذي تنظرون به إلى الشعب المصريّ ينظر إليكم، وإن قبلتم نصح هذا المخلص، وأسرعتم في إشراك الأمة في حكم البلاد عن طريق الشورى فتأمرون بإجراء انتخابات نواب الأمة, لتسن القوانين وتنفذها باسمكم وإرادتكم, يكون ذلك أثبت لعرشكم وأدوم لسلطانكم"2.
ويقول الأستاذ الإمام الشيح محمد عبده، مبرهنًا على أن الأمة المصرية بلغت حدًّا من النضج يؤهلها لأن تتولى أمورها بنفسها.
__________
1 خطرات جمال الدين لمحمد باشا المخزومي.
(1/248)

"ومما تقدَّم سرده تعلم أن أهالي بلادنا المصرية دبت فيهم روح الاتحاد، وأشرفت نفوسهم على مدارك الرأي العام، وأخذوا يتنصلون من جرم الإهمال، ويتسيقظون من نومة الإغفال، وقد مرت عليهم حوادث كقطع الليل، ثم تقشَّعت عنهم فطالعوا من سماء الحق ما كحَّل عيونهم بنور الاستبصار، حتى اشرأبت مطامحهم إلى بثِّ أفكارهم فيما يصلح الشأن, ويلم الشعث, ويجمع المتفرق من الأمور؛ ليكونوا أمة متمتعة بمزاياها الحقيقية، فهم بهذا الاستعداد العظيم أهلٌ لأن يسلكوا الطريق الأقوم, طريق الشورى والتعاضد في الرأي"1.
3- محاربة الاستعمار، وإثارة الحمية الوطنية في نفوس الشعوب المستذلة التي غُلِبَتْ على أمرها, وقادها ملوكها وزعماؤها إلى الدمار والبوار، بينما العدو يتربص بهم الدوائر, فلما لاحت الفرصة انقض على الفريسة كالوحش الكاسر يوسعها نهشًا وعضًّا، حتى خرت تحت قدميه دامية الجسد، هامدة الفكرة، تنظر بعينين ملؤهما الرعب والذلة.
وقف هذا الأدب يصرخ في هذه الشعوب صرخاتٍ مدويةً علها تفيق من سباتها؛ تنهض لمحاربة عدوها، وتنبه الختل والغيلة، والغدر والحيلة، وشتَّى الوسائل الزائفة التي عمد لها الطامع الجشع من وعودٍ مصيرها الخلف، ومواثيق غايتها النقض، وأيمان يتبعها الحنث، كلذلك حتى يمكِّنَ لنفسه في البلاد؛ فيمتص دماء أهلها, ويسخرهم لطاعته عبيدًا غير مأجورين, وفَعَلَةً غير مشكورين.
"بلغ الإجحاف بالشرقيين غايته, ووصل العدوان فيهم نهايته، وأدرك المتغلب منهم نكايته، وخصوصًا في المسلمين منهم، فملوك أنزلوا عن عورشهم جورًا، وذوو حقوق في الإمرة حُرِمُوا حقوقهم ظلمًا، وأعزَّاء باتوا أذلاء، وأجلاء أصبحوا حقراء، وأغنياء أمسوا فقراء، وأصحَّاء أضحوا سقامًا، وأسود تحولت نعامًا، ولم تبق طبقة من الطبقات إلّا وقد مسَّها الضر من إفراط الطامعين في أطماعهم، خصوصًا من جراء هذه الحوادث التي بذرت بذورها الأراضي المصرية نحو
__________
1 تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ج2, ص217-218.
(1/249)

خمس سنواتٍ بأيدي ذوي المطامع فيها، حملوا إلى البلاد ما لا تعرفه فدهشت عقولها، وشدوا عليها بما لا تألفه فحارت ألبابها، وألزموها ما ليس في قدرتها فاستعصت عليه قواها، وخضدوا من شوكة الوازع تحت اسم العدالة؛ ليهيئوا بكل ذلك وسيلةً لنيل المطمع, فكانت الحركة العرابية, فاتخذوها ذريعةً لما كانوا له طالبين، فاندفع بهم سيل المصاعب، بل طوفان المصائب على تلك البلاد، وظنوا بلوغ الأرب, ولكن أخطأ الظن وهموا بما لم ينالوا1".
واستمع لهذه الفئة المصلحة اليقظة كيف تتنبه لمكايد الإنجليز وصنائعهم في مصر، وتفضح حيلهم: "نوبار باشا ساعٍ إلى أمر مهمٍّ, وهو ما ذكرناه في العدد السابق، ونشرته بعدنا جريدة "الدبّا" وسائر الجرائد الإنجليزية، وهو أن يكون ولي القاصر "عباس" بعد خلع أبيه, فينال بسطةً في السلطة، وإطلاقًا في الأمر والنهي، وعلم أن هذا وقت الفرصة لحرص الحكومة الإنجليزية على تملك مصر، وهي محتاجة في ذلك إلى من ليس له وطن ولا دين ولا جنس في مصر، فهي في شدة الاحتياج لنوبار باشا، وتوفيق باشا قبةٌ جوفاء لا يرجع منها إلّا صدى الأصوات، إن قلت: لا، فلا، أو قلت: نعم، فنعم، فهو في غضبه ورضاه تابع لما يلقى إليه، فعلم نوبار أن خديويًّا مثل هذا, يمكن أن يكون واسطةً في تمكين الإنجليز من مصر من حيث لا يشعر، بتقديمه هذه الخدمة لهم يبني لنفسه من العزة قصرًا شاهقًا"3.
واستمع كذلك إلى أديب إسحق, تلميذ جمال الدين الأفغانين, وأحد الألسنة التي أطلقها تندد بالاستعمار وحيله، وكيف ينبه المصريين إلى خداع الإنجليز، وتخديرهم المصريين بتخفيض الضرائب حتى يمدحوا أيامهم، ويوازنوا بينهم وبين حكامهم المتعسفين, فيرجحون في كفة العدالة، وقد أشارت بعض الصحف بما قدم الإنجليز من عملٍ فثارت ثائرته وقال:
__________
1 افتتاحية مجلة العروة الوثقى.
2 مجلة العروة الوثقى, ج2 ص146.
(1/250)

"فهل خفي عن تلك الصحف أن من شفقة الصياد على الطير إلقاءه الحب بين يديها؟ أولم تعلم أن القائل بهمجية المصريين، المعتقد بانحطاط مدراكهم، لا يطعمهم هذا الفتات إلّا ليسهل على الإنجليز هضم قوتهم والتهام ثروتهم!
كلَّا! إن الجرائد المصرية لا تجهل حقيقة الأمر، ولكنها لا تستطيع التصدي، علمًا بأن اللصَّ العازم على سرقة الحقوق الوطنية يكره النور، فإذ حاولت الجرائد إظهاره سارع إلى إطفائه بتعطيلها وإلغائها.
يا أهل مصر: إني محدثكم حديثًا غريبًا, إذا كان امراؤكم خياركم، وأغنياؤكم أسخياءكم, وأموركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطانها، وإذا كان أمراؤكم شراركم, وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم, فبطن الأرض خير من ظهرها".
4- السعي في إصلاح المفاسد الاجتماعية، فالفقر الذي يذوي الشباب الغض, والإهاب النضر, ويذل النفس الأبيّة، ويطوح بالأنفة والكبرياء بعيدًا حين تصرخ المعدة الجائعة صرخةً تنهار على أثرها النفس المتجلدة, قد جثم على صدور كثير من أبناء الشرق، يكدون ويكدحون لفئةٍ قليلةٍ من الأغنياء، يبعثرون على موائد الفساد ما جمع هؤلاء المساكين في حمارة القيظ وصبارة الشتاء، وهم يبيتون على الطوى، وأبناؤهم يتضاغون من المسبغة والفاقة, ويتضورون من الجوع والعُري، ويتلوون من السقام والأوصاب، والجهل الذي بنى أعشاشه في رءوس الجمهرة من أبناء الشرق، وباض وفرخ وملأ الدينا خرافات وخزعبلات, يجب أن يحارب, وتفتح لأبناء الأمة مغاليق الأمور حتى يعيشوا كالأناسي.
إن الفلاح المسكين كان نهبًا للمرابين والمستغلين يأكلون ظلمًا وعدوانًا ما سعى لتحصيله بكدِّ النهار وسهر الليل. استمع لعبد الله نديم يصور هذا الجهل بالحساب، ووقوع هذه الفلاح البائس في أحابيل شياطين الفرنجة من المرابين والأفاقين، وكيف يضاعفون ديونه ظلمًا، وينهبون ماله جهرًا، وهو لا يدري من الأمر شيئًا, كأنه سائمة ترعى, وقد ساق عبد الله نديم هذه المحاورة بين الفلاح
(1/251)

والمرابي باللغة العامية حتى يبين للفلاحين خداع هذا اللص الكبير، وسذاجة هذا الجاهل الغر "ذهب المزراع إلى المرابي ليقترض مائة جنيهٍ بفائدة قدرها عشرون في المائة، فقال المرابي: حسن! سأخصم من المائة عشرين فتستحق ثمانين، وأضيف الفائدة وقدرها عشرون فيكون الدين مائة وعشرين"، ووافق الفلاح لجهله بالحساب، وبذلك أخذ ثمانين جنيهًا ليسددها مائة وعشرين، وحين السداد جاء بكل ما أنتجته أرضه فاشتراه المرابي بأبخس الأثمان، وخرج الفلاح بعد بيع محصوله الكبير ميدينًا بمبلغ مائتي جنيه, في حين أن المرابي لو قدر المحصول كما يجب لسدد الفلاح دينه، ودفع له المرابي فوق ذلك مائة جنيه، ولكنه الجهل والغش.
ويحارب المصلحون زبرج المدنية الخلاب، ولأولاءها الخداع، والفتنة التي أوقعت المصريين في شباكها، فراحوا يلتقطون في نهم بالغٍ نفايات الحضارة الأوروبية العفنة, يحسبونها تمدينًا، ونسوا دينهم وأخلاقهم الكريمة وعاداتهم الطيبة.
لقد جهد المصلحون والمفكرون أن ينيروا للأمة سبيلها, ويبصروها عاقبة السير في ظلماء الجهالة، ويحثون على التعليم, بل يشيدون المدارس، ويخطبون في كل مكانٍ علَّ الأمة تستجيب لندائهم، فتمرق من شرك الجهل، وأحابيل الضلالة.
ونمت في الشعوب الجاهلة التي ظلت قرونًا تخضع لسيطرة العتاة الجبارين صفات رديئة كالنفاق، والرشوة، والكذب، والخداع، والتراخي في العمل.
إلى آخر هذا التثبت الشنيع من نقائص الأمم المغلوبة على أمرها، حتى ماتت فيها روح الكرامة والعزة، وكثير من المحامد التي لا تستطيع النمو في جوٍّ خانقٍ بعثير الظلم ودخانه؛ ولذلك عمد الكُتَّاب المفكرون في هذه الحقبة إلى التشنيع على هذا الرذائل وتبشيعها لدى أفراد الشعب كي يقلعوا عنها.
وهكذا امتد أفق الكتابة إلى جميع الأغراض السياسية والاجتماعية، وكانت الصحف خير معوانٍ بثَّ هذه الآراء الجريئة، والإرشادات النافعة، والنصائح الثمينة التي حركت الهمم, وأثارت العزائم، ومهدت الطريق لنضج الشعوب العربية والإسلامية.
(1/252)

وكان بجانب هذه الأغراض السياسية والاجتماعية موضوعات أدبية بحتة، من وصف وتعزية وتهنئة، وتحدث عن الأمور المعنوية كالجمال، والعاطفة, والذوق، والسعادة, وما شاكل هذا, وقد حاول بعض الكُتَّاب أن يرشد الناس إلى ما تقتضيه صنعة الكتابة من أمور، وما تطلبه من جهود؛ كأديب إسحق، وقد بَيَّنَ في مقالاته1 شروط الكتابة السليمة وأنواعها، وكان ذلك ضروريًّا في هذه الحقبة، ويقول الشيخ خليل اليازجي في الإنشاء:
"الإنشاء مَلَكَةٌ راسخةٌ في النفس, يعين عليه سلامة الذوق وطول المزاولة، والناس فيها طبقات متفاوتة, مرجعها في الأكثر إلى بداهة الخاطر وذكاء البصيرة وغزارة المادة، وله أحكام إذا راعاها المجيد نبغ فيها، وإذا راعاها الضعيف استأنس بها، فأعانته على الجري فيها"2.
ومن أمثلة النثر الأدبي رسالة لعبد الله نديم يشكر صديقًا على كتاب وصله منه3:
"لبيك كوكب الصبح، دام نداك، وسعد بك نسيم الصبا، طاب شذاك، وأهلًا بك يا نور النهار، ومرحبًا بك نَوْر البهار، فإني أرقت للقاء منذ سمعت بالإسراء، ومازلت أسأل عن ركبكم من منازل البدر، وأستفهم منه ركبان النجوم حتى مطلع الفجر، فالشعرى تقول: تركتهم بتلك الرحلة، وعطارد يقول: تقدمتهم بمنزلة، والمريخ يقول: أناخوا ركابهم، والمشترى يقول: أثاروا نجائبهم، والدجى تقول: ليلهم قمري، والزهر تقول: هم أولاء على أثري, وكل ذلك وأنا هائم كحاطب بليلٍ, حتى طلع على جانب السحر سهيل، فهممت بتقبيله فأبى، وارتفع عني ونبا، فأشرت له بتلطفٍ, وأنشدته بتعطف:
__________
1 مجالي الغرر ج3 ص5, وص100 من هذا الكتاب.
2 مجالي الغرر ص10 ج3.
3 سالقة النديم ص45.
(1/253)

سهيل انعطف وانزل بساحة مغرم ... يراك بعين طول ليلتها عبرى
عسى يأخذ الأخبار منك عن الألى ... سيصلى بهم جمر الغضا ولك البشرى
ومن أمثلة النثر الأدبيّ كذلك ما كتبه السيد مصطفى نجيب1 يصف الحاكي "الفوتوغراف":
"مثال القوة الناطقة، من غير إرادة سابقة، يقتطف الألفاظ اقتطافًا، ويختطف الصوت اختطافًا، مطبعة الأصوات، ومرآة الكلمات، ينقل الكلام من ناحيةٍ إلى ناحيةٍ, نقل كلام عمر -رضي الله عنه- إلى سارية، وأشد من الصدى وفعله، وفي إعادة الصوت إلى أصله، كأنه الحرف في يد الطابع، والوتر في يد الضارب، والقصب من فم القاصب2، يحفظ الكلام ولا يبديه، ومتى استعدته منه يعيده، من غير أن يبقي لفظًا في صدره، أو يكتم شيئًا من أمره، كأنما حفظ الوديعة في نفسه طبيعة، فلو تقدَّم به الوجود في مرتبة الزمن لما احتجنا في الأخبار إلى عنعنة، ولا في الدعاوي إلى بينة، بل كان يسمعنا كلام السيد المسيح في المهد؛ وصوت عازر من اللحد، وكانت استودعته الفلاسفة حكمتهم، وأنشدوه كلمتهم، فرأينا غرائب اليونان، وبدائع الرومان، وربما سمعنا خطب سحبان، وشعر سيدنا حسان بذلك اللسان، وأصبح وجود الإنسان غير محدود بزمنٍ من الأزمان.
لله دره من تلميذٍ يستوعب ما عند المعلم ويستخلصه في لحظة، معيدًا لقوله ناقلًا صوته ولفظه.
لقد وجدت مكان القول ذا سعة ... فإن وجدت لسانًا قائلًا فقل
نديم ليس في هفوة النديم، وسمير لا ينسب إليه تقصير، تسكته وتستعيده، وتذمه وتستجيده، وهو في كل هذه الأحوال، راضٍ بما يقال، لا يكلُّ من تحديث، ولا يمل من حديث، نمام كما ينم لك ينم عليك، وينقل لغيرك كما
__________
1 كان كاتبًا إدرايًّا بديوان الخديو، ومنه تحول إلى وزارة الداخلية، وكان أديبًا عذب النثر, سهل الشعر, وله كتاب "حماة الإسلام", توفي سنة 1899.
2 القصب: المزمار، والقاصب هو الذي يزمر فيه.
(1/254)

ينقل إليك، فهو المصوِّرُ لكل فنٍّ، والمتكلم بكل لغة، المحدِّث بكل لسانٍ، المؤرِّخُ لكل زمان، الشاعر الناثر، المغني العازف، لا تعجزه العبارة، ولا تجهده الإدارة، ولا يضيره اختلاف شكل، ولا تباين أصل".
ومن أمثلة النثر الاجتماعي غير ما تقدَّم عرضه, قول قاسم أمين في كتابه عن "المرأة الجديدة":
"إن كل تغيير يعرض على الأنظار في صورة مشروع يلتمس قبوله، ولم يكن بدأ الناس فيه من قبل، هو في الحقيقة فكر سبق أوانه وقت عرضه، ولهذا لا يفهمه ولا يقدِّره حق قدره إلّا العدد القليل، ممن يمتد نظرهم إلى ما يكنه المستقبل من الحوداث, انظر إلى حالة مصر، فقد عاشت الأمة المصرية أجيالًا في الاستعباد السياسيّ، فكانت النتيجة انحطاطًا عامًّا في جميع مظاهر حياتها: انحطاطًا في العقول، وانحطاطًات في الأخلاق، وانحطاطًا في الأعمال، وما زالت تهبط من درجة إلى أسفل منها، حتى انتهى بها الحال إلى أن تكون جسمًا ضعيفًا، عليلًا ساكنًا يعيش عيشة النبات أكثر من عيشة الحيوان، فلما تخلصت من الاستعباد، رأت نفسها أول الأمر في حيرة لا تدري معها ما تصنع بحريتها الجديدة، وكان الكل لا يفهم لهذه الكلمة معنًى, ولا يقدر لها قيمةً, وكان الناس يستخفون ويهزءون بالحرية, بل ويتألمون منها، وينسبون إليها اختلال عيشهم، وعلل نفوسهم، فكم من مرة سمعنا بآذاننا أن سبب شقاء مصر هو تمتعها بالحرية والمساواة, ثم اعتاد القوم شيئًا فشيئًا على الحرية، وبدءوا يشعرون بأن اختلال عيشهم لا يمكن أن يكون ناتجًا عنها, بل له أسباب أخرى, ثم تعلق بنفوس الكثير منا حب الحرية, حتى صاروا لا يفهمون للوجود معنًى بدونها، ولنا الأمل في أن أولادنا الذين يشبون على حب الحرية يجنون ثمراتها النفيسة التي أهمها تهيئة نفوسهم للعمل، وعند ذلك يعرفون جيدًا أن الحرية هي أساس كل عمران، وقد دلت التجربة على أن الحرية هي منبع الخير للإنسان، وأصل تربيته وأساس كماله الأدبيّ، وأن استقلال إرادة الإنسان كانت أهم عامل في نهوض الرجال، فلا يمكن إلّا مثل هذا الأثر في نفوس النساء".
(1/255)

ومن أمثلته النثر السياسي غير ما تقدَّم, ما كتبه الشيخ علي يوسف في المؤيد, تحت عنوان: "لا تعصب في مصر".
"التعصب بالمعنى المعروف في الغرب عن الشرق، وبعبارةٍ أخرى: من المسيحيين عن المسلمين، وهو انبثاث روح العداء والبغضاء من الآخرين ضد الأولين، انبثاثًا يحمل على الاعتداء عليهم حينًا بعد حين، أو هو التوحش الذي يفتك بنفوس الأبرياء كلما ثار ثائره، فهو أشبه شيءٍ بالغول الكاسر الذي يندفع بعماية فيفترس كل ما في طريقه من نفوس البشر، وبهذا المعنى رذيلة من الرذائل التي ينهى عنها الدين الإسلاميّ، والقوانين الاجتماعية، نعوذ بالله أن ترزأ أمة بهذا البلاء العظيم.
قالوا: إن المصريين متعصبون تعصبًا دينيًّا، ومعنى هذا عندهم، أنهم يكرهون المخالفين لهم في الدين كراهةً عمياء, ويعتدون عليهم بروح البغضاء المتناهية، كلما سنحت لهم فرصة, أو استفزهم صائح، ولكن كيف وفي البلاد من قديم الزمان أديانٌ مختلفةٌ يتجاور أهلوها في المنازل، ويتشاركون في المرافق، ويتنافسون في الأعمال، فلم يكن بين المسلمين والأقباط تلك الروح الشريرة، ولو كانت في فطرة المسلمين أو فطرة الفريقين للاشت الأكثريةُ الأقليةَ في عصورٍ مضت, وخصوصًا في عصورٍ كانت الجهالة فيها سائدة، وكان بعض الحكام من المسلمين وغيرهم, يبذورون بذور البغضاء بين الفريقين لا لخدمة دينية إسلامية، بل لأغراضٍ منشؤها الشهوات والمطامع، ولكن التواريخ تدل على أن الفريقين عاشا على الوئام والسلام في كل الظروف أو أكثرها.
وقد وفد على القطر المصريّ وفودٌ من كل الطوائف المسيحية، غربية وشرقية، ومن أرمن وأروام وسوريين وفرنساويين وأرثوذكس، وغير ذلك، من علماء وتجار وصناع وعمال وهمل متشردين، فلقي الكل في مصر صدرًا رحبًا، وكان منهم الموظفون في كل مصلحة، حتى تولى نوبا باشا الأرمنيّ رياسة
(1/256)

النظار في مصر، وكان قائم مقام خديوي، ورئيسًا للاحتفال بموكب المحمل الشريف، فهل يوجد في أمة غير الأمة المصرية المسالمة مثل هذا التساهل الذي يرأس فيه احتفالًا دينيًّا رجل غير مسلم.
وكان من علمائهم الأساتذة والمعلمون ونظار المدارس والمفتشون، فهل الأمة التي تربي أبناءها على أيدي أساتذة من غير دينها تعد متعصبة، وكان التجار على ما يحبون من الرحب والسعة وحسن القبول، فضربوا في البلاد بمتاجرهم من غثٍّ وسمين، وجيدٍ ورديء, وخالص ومغشوش، حتى صارت مصر من أوسع أسواق متاجر أوربة ومعالمها التي وجدت إقبالًا من الأمة هائلًا.
وهؤلاء بعض الأجانب يقيمون الأكواخ الصغيرة الحقيرة لبيع الخمور الرديئة في كل قريةٍ من قرى القطر مهما سحقت وقل عددها، أو يربون الخنازير ويثرون شيئًا فشيئًا, حتى يكون الصعلوك منهم في بضع سنواتٍ صاحب القرية ومزارعها ومداين أهليها وسيدهم، فهل هؤلاء هم المتعصبون الذين يُخْشَى من شرهم في وادي النيل على الأوربيين؟ كيف يكون عند المصريين تعصب ديني وهؤلاء بينهم تتسع معاملاتهم معهم، وكثيرًا ما تنتهي هذه المعاملات بمصادرات المدينين في أملاكهم، ولا يخطر على بال مسلم خاطر سوء من ناحيتهم، لعلمه أن دينه ينهاه عن ذلك، حيث لا تكفي القوانين النظامية في زجر النفوس المتعصبة؛ لأن للاعتداء ضروبًا شتَّى وطرقًا خفيَّةً أكثر منها ظاهرة، وهذه تعديات الأهالي على بعضهم تعد بالألوف، في حين أن تعدياتهم على غيرهم لا تكاد تذكر في جانب تعديات الأجانب على بعضهم في هذه البلاد.
فكيف تعمى أعين الناظرين عن هذه الشمس المشرقة العامة بأسعتها على أرجاء القطر, ويقوم مفترون يزعمون أن في المصريين تعصبًا ثائرًا يكاد يفتك بالأوربيين لمجرد كونهم مسيحيين، أيها المدعون راقبوا الله في أمة رزئت بالإهمال في شئونها، حتى انحلَّتْ عرا الجامعة بين أفرادها، وذهبت منها ريح العصبية في كل شيءٍ, حرام عليكم مع هذا الانحلال أن تتهموها بالتعصب في أشد حالاته".
(1/257)

ومن هذه النماذج التي سقناها إليك هنا, وفي غير هذا الموضع, تستطيع أن تدرك إلى أيِّ حدٍّ وصل النثر الفني في هذه الحقبة التي نتحدث عنها؛ بل إنه سار إلى سبيل الكمال حثيثًا حتى يومنا هذا، لم يرجع القهقريّ منذ تكونت هذه المدرسة الإصلاحية, ومنذ أثمرت نهضة إسماعيل العلمية والأدبية، بل تراه قد زاد فنونًا، وتنوعت موضوعاته، وتعددت نظراته إلى الأشياء؛ لكثرة ما قرأ الكُتَّاب من الأدب القديم، وما اطلعوا عليه من آداب الغرب، ولهذا النثر مميزات وخصائص وطابع يعرف بها، ويختلف عما شاهدناه من الكتابة الديوانية.
(1/258)

ب- مميزاته:
إذا كانت الأحداث السياسية وتقلباتها الكثيرة، والثورات العنيفة، ويقظة الشعوب الشرقية والإسلامية، قد وضعت أمام الكُتَّاب مادةً خصبةً غزيرةً، وجعلتهم يخوضون في شتَّى الموضوعات؟ وإذا كانت الحال الاجتماعية، وما عليه الناس من فقرٍ وجهلٍ ومرضٍ وانحلالٍ قد دعت زعماء الإصلاح الاجتماعي إلى تشخيص الداء ووصف الدواء، وحَثّ الهمم على التخلص من تلك الرذائل, فإن ثمة عوامل أخرى نهضت بالنثر من حيث أسلوبه وألفاظه، وقد مر بنا ما قدمته حكومة إسماعيل للنهضة الأدبية من وسائل: كالمدارس والمكتبات العامة، وانتشار الصحف، وتشجيع المطابع على إيحاء تراث الآباء والأجداد، والقيام بترجمة شيء من أدب الغرب، وقد أضفى كل هذا على النثر طابعًا خاصًّا، فخلصه في الغالب من المحسنات البديعية التي كانت شائعةً في الكتابة الديوانية, وصرف الأدباء همهم إلى العناية بالمعاني لا إلى الألفاظ، اللهم إلّا في الموضوعات الأدبية البحتة، وخلا النثر من المبالغات الممجوجة, والأخيلة السخيفة، وانصرف عن المقدمات الطويلة التي كثيرًا ما تستهلك جهد الكاتب والقارئ جميعًا دون بلوغ الغرض الذي سيق له الكلام.
وكان من أثر هذا كذلك تغير طريقة الكتابة تبعًا لتغير طريقة التفكير: من تقصير الجمل، وفصل العبارات، وحبس كل واحدة منها على أداء معنًى واحد، واعتماد لون طريف في ترتيب الكلام وتبويبه، وسوق المقال في الغالب لأداء فكرة واحدة، واستحداث صيغ جديدة لأداء معانٍ جديدةٍ، والتجويز بكثير من المفردات لإصابة ما لا تطوله بأصل الوضع اللغوي.
ولقد رأيت من النماذج التي سقناها إليك أن موضوع هذا النثر، اجتماع، أو سياسة, أو أدب، ولقد تميز كل نوع من هذه الموضوعات بسماتٍ عامَّةٍ اقتضاها روح الموضوع وطريقة علاجه.
(1/158)

أنواعه:
1- فالنثر الاجتماعي يتطلب صحة العبارة، وبالضرورة البعد عن الزخرف والزينة، ووضوح الجمل، وترك المبالغات, وسلامة الحجج, وإجراءها على حكم المنطق الصحيح؛ لأن الغرض منه معالجة الأمر الواقع، فلا ينبغي استعمال أقيسة الشعرية، ولا الخيال المجنح، اللهم إلّا في المقامات التي تقتضي استفزاز الجماهير، وإثارة عواطفهم، وتحميسها للإقلاع عن خلةٍ فاسدةٍ، أو التظاهر على الاضطلاع بنفعٍ عامٍّ، على أن يكون ذلك بقدر، فإن الأغراض الاجتماعية إنما تجري في حدود الحقائق الواقعة على كل حال.
وقد رأيت أن هذا النوع من النثر قد خلا من السجع المتكلف؛ لأن الاهتمام باقتناص السجعة قد يفوت على الكاتب الغرض الذي يرمي إليه، وقد يذهب بالمعنى في سبيل سجعة متكلفة، بل حمل بعض الكتاب في هذا العصر على هذا السجع, فقال أديب إسحاق -مع أنه كان ممن يسجعون كثيرًا, وممن يحتفي بأسلوبه لأنه كان أديبًا بطبعه.
"ولم يدخل هذ السجع كلام القدماء في الجاهلية وصدر الإسلام إلّا ما كان منه عفو القريحة، فواصل غير مقفاة، أو ما يعزى إلى الكهان والمشعوذينن مما يراد به الإيهام والإبهام، فلما استولت العجمة على الألسن، وضعفت قوة الاختراع في الأذهان, سرى داؤه في المكاتبة إلى هذا العهد، فعدل الكتاب عن الكلام
(1/259)

الفحل, واللفظ الساذج, والأسلوب الطبيعي, إلى هذه الأسجاع الملفقة البالية، يتناقلونها خلفًا عن السلف، ويطيلون بها الكلام بلا طائلٍ سترًا لقصورهم في ابتداء المعاني، وإيضاح وقائع الحال من طريق البلاغة والإيجاز"1.
والانصراف عن السجع والزخرف في هذ النوع من النثر بدهي؛ لأن الفكر منصرف إلى تفتيق المعاني، وسوق الحجج، وضرب الأمثلة لا إلى الجري وراء كلمة أو سجعة.
2- النثر السياسي أو الصحفي، ويمتاز بالسهولة والوضوح؛ بحيث يكون معناه في ظاهر لفظه؛ لأن الصحف تخاطب الجماهير، ويقرؤها الخاصة والعامة، وتتحدث إلى الجهال كما تتحدث إلى المتعلمين, هذا إلى أن قراءها إنما يبغونها للساعة، فلا محل للارتفاع بعبارتها, والتعمق في معانيها, مما يقتضي من القارئ كَدَّ الذهن، وإرهاق العصب.
وإذا كان النثر الاجتماعي ينبغي أن يجري الاحتجاج فيه على الأقيسة المنطقية؛ لأنه يعتمد على القضايا العلمية والحقائق الواقعة، فإن النثر الصحفي لا يلتزم فيه ذلك، بل يلجأ إلى الأدلة الخطابية؛ لأنها أنفقذ في إقناع الجماهير من سواها؛ إذ تقوم النزعات السياسية في الغالب على الفروض والاعتبارات والميول الوجدانية أكثر مما تقوم على الحقائق العلمية.
وليس في هذا النثر احتفاءٌ بالأسلوب، أو تخيرٌ للألفاظ، أو جنوحٌ إلى الخيال، أو تعمقٌ في المعنى, وإنما هو التصوير السريع، وليس فيه تحقيقٌ للغرض المقصود بها؛ من تعلم العلم, وترقية الآداب، ولا يقبل على قراءة مثل هذه المجلات إلّا المتعلمون.
3- النثر الأدبي، وهو أشد أنواع النثر حاجة غلى تخير اللفظ، والتأنق في النظم، حتى يخرج الكلام مشرقًا منيرًا، لطيف الموقع في النفوس، حلوة النبرة في الآذان؛ لأن للموسيقى اللفظية أثرًا كبيرًا في الأذهان، وهو أدنى أنواع النثر إلى
__________
1 مجالي الغرر ص8 ج3.
(1/260)

الشعر؛ ولهذا لا ينكر منه البديع، على ألّا يكون من الكثرة بحيث يستهلك ذهن القارئ, وبحيث لا يستكره على النظم استكراهًا، ولا تساق الجملة لمجرد اصطياده، بل إن خيره ما جاء عفوًا.
ويقضي التأنق في اللفظ، جودة السبك، وتفتيق المعاني، معرفةً بأسرار اللغة، ووفرة محصولٍ من المفردات، وخبرةً بالكلام الجيد، واستظهار كثير من المنثور والمنظوم، هذا إلى طبيعة مواتية، وحسٍّ مرهفٍ، وذوقٍ، وفطنةٍ إلى مواطن الجمال.
وعلينا بعد أن سقنا إليك أمثلة من أنواع النثر، وعرفناك بخصائصه ومميزاته، أن نطلعك على سير موجزة لأعلام البيان في هذا العصر، وما برز منهم غير هؤلاء الذين ترجمنا لهم آنفًا؛ أمثال: الشدياق وأديب إسحق.
(1/261)

1- جمال الدين الأفغاني:
وإذا أردت أن تقف على الروح التي تكمن من وراء هذا الأديب الحيّ، والتي بعثت في الشرق الإسلاميِّ كله حيويةً دافقةً، وهزته هزةً عنيفةً أيقظته من نومه الطويل، وعرَّفته كيف يطلب حقه من الأقوياء العتاة، وكيف يدفع عن نفسه جور الظلمة القساة، فاعلم أن الروح تمثلت في السيد جمال الدين الأفغاني: من يدين له الشرق الإسلاميّ بيقظته القومية والفكرية في العصر الحديث.
رجل فرد، استطاع بما أوتي من عزيمةٍ جبارةٍ تنهار أمامها العروش, وتزلزل الممالك، وتتقوض الحصون، وبما أوتي من فكرٍ نيِّرٍ مشرقٍ ملهمٍ, ينقشع أمام ضوئه الوهاج حندس الجهل وغياهب الظلم، وبما أوتي من لسان ذرب طلق، حادٍّ مطواع، يدفعه شعورٌ متقدٌ، وعاطفةٌ متأججةٌ، وإحساسٌ مرهفٌ، وحماسةٌ عارمةٌ, فيلهب بهذا اللسان، وذاك الشعور كل ما ينصت إليه، فيحيل البليد نشيطًا، والجبان جريئًا، والخامل مقدمًا؛ استطاع هذا الرجل وحده بهذه القوة أن يخلق قادةً وزعماء، وأن يكوّن جيلًا من الناس يسيرون بأممهم إلى حيث أمل السيد وصوب، فكان بعمله أقوى من الحكومات القومية الفتية.
(1/261)

وهكذا يأبى الله إلّا أن يضرب للناس أمثلةً على بالغ قدرته، وعظيم إعجازه في كل جيل, وقد مَرَّ بك ما قاله الشيخ محمد عبده عن حالة مصر قبل أن يهبط واديها جمال الدين، وكيف أن بعثات محمد علي وإصلاحاته ونشاط إسماعيل وتقديراته، واطلاع بعض شباب مصر وشيوخها على حضارات الأمم الأوربية وغيرها لم يؤت ثمره، ولم يبعث في الأمة هذه الروح المتوثبة، ولم يحرك خامد العزائم، وينصب المثل العليا أمام الشعوب تهدف إليها في سيرها, وتحث الخطى نحوها، وإنما وجد ذلك كله على يد جمال الدين، فأي رجل كان هو؟
شعلة متقدة من الذكاء، وسرعة الخاطر، وقوة العارضة, شديد الرغبة في الإصلاح، وإنهاض الأمم الإسلامية، وتحطيم الأغلال والقيود التي جعلتها في مسغبةٍ ومذلةٍ وجهلٍ ومرضٍ وانحلالٍ، كان ثورةً عنيفةً على الظلم، والطغيان والجبروت؛ قابله السلطان عبد الحميد الطاغية في "يلدز" فطلب منه أن يكف عن هجماته على شاه العجم، فال السيد: "إني لأجلك قد عفوت عنه"، فيرتاع السلطان لهذه الكلمة الجريئة، عفا "السيد" عن الشاه ذي الحول والسلطان، أجل؟ فالسيد أقوى منه بأسًا, وأعظم قدرًا, وأقدر على النكاية، إنه حربٌ شعواء تطوح بالتيجان, تدك العروش.
ويجلس جمال الدين بحضرة عبد الحميد، وهو يداعب مسبحته غير حافلٍ بمن تعودت الأبصار أن تخشع في مجلسه، وتطأطئ الرءوس فرقًا ورعبًا منه, ونبهه إلى هذا كبيرٌ من رجال الحاشية بعد مغادرة عبد الحميد للمجلس, فقال له: "إن السلطان يلعب بمستقبل الملايين من الأمة، أفلا يحق لجمال الدين أن يلعب بسبحته كما يشاء؟ " فيرتاع الرجل، ويهرب من سماعه هذه الكلمة التي لا يجرؤ أي إنسان أن يرفع بمثلها, أو بما هو أقل منها صوتًا في البلاد الإسلامية.
(1/262)

وُلِدَ السيد جمال الدين في قرية "أسعد أباد" من قرى "كندر"1 ببلاد الأفغان, سنة 12454هـ-1839م, من أسرةٍ شريفةٍ تنتسب إلى الإمام الترمذي المحدث المشهور، وترتقي إلى الإمام الحسين بن علي -رضي الله عنهما، وانتقل به والده إلى "كابل" وهناك تلقى تعليمه، فدرس مبادئ العلوم العربية والتاريخ، وعلوم الشريعة، والعلوم العقلية؛ من منطق, وحكمة عقلية سياسية، وفلسفة، وكذلك العلوم الرياضية؛ من حساب, وجبر, وهندسة, وفلك، ودرس نظريات الطب والتشريح، ثم سافر إلى الهند، وهو في الثامنة عشرة من عمره، واطَّلَع على علوم الرياضة في الطرق الحديثة، وقَدِمَ الحجاز للحج، وقضى في رحلته إلى مكة سنة، فأفادته الرحلة خبرةً بالشعوب الإسلامية، وأحوالها الاجتماعية، ثم رجع إلى بلاده، واشترك في مؤامرة سياسيةٍ مكنت بعض الأمراء من التغلب على عرش الأفغان، فعظمت مكانته لدى هذا الأمير، ولكن عصفت الأحداث بأميره هذا، وحاول خلفه الانتقام من السيد جمال الدين، ففطن لمكايده, وغادر بلاده إلى الهند فمصر، ومكث بمصر أربعين يومًا، ومن ثَمَّ يمم نحو الآستانة, فذاع صيته بها، وعلت مكانته, حتى انتخب بعد مدة وجيزة عضوًا في مجلس المعارف الأعلى، ولكن آراءه الإصلاحية الجريئة، وأفكاره الحرة التي لم يألفها الناس في عصره, بعثت في نفوس رجال عبد الحميد الهلع، وتألب عليه كثير من علية القوم، ولا سيما شيخ الإسلام، فجاءه الأمر بمغادرة البلاد خشية أن يشعل في عرش عبد الحميد الحريق.
فقدم السيد جمال الدين مصر، ودخلها في مارس سنة 1871، ومكث بها ثماني سنوات, كانت خير السنين بركةً على مصر وعلى الشرق العربي والإسلامي، فقد حاول جمال الدين من قبل أن يغرس تعاليمه, وينفخ في الشعوب الشرقية من روحه؛ ولكن وجد أرضًا مجدبة، وشعوبًا ميتة لم تسمع لندائه, وما أن نزل مصر حتى فتحت له ذارعيها، وحببت له الإقامة به، والتف حوله لفيف من
__________
1 هكذا روى جمال الدين عن ولادته، أما الفرس: فيدَّعون أنه وُلِدَ بالقرب من حمدان بإيران, ويرجع تفضيله الانتسباب إلى الأفغان، كما يقول الأستاذ بروان "الثورة الفارسية ص 402. هامش" إلى أن جمال الدين كان سنيًّا عربيًّا, وأنه أراد الهروب من الجنسية الفارسية الشيعية التي كان يشك في قيمتها.
(1/263)

أبنائها، من كل تواق للحرية، محب للعلم, حريص على نفع وطنه وإنهاض قومه، وتجاوبت روحهم وروحه, ووجدوا فيه المعلم الفَذّ, والمفكر الجريء, وصاحب العقل المستقيم، ووجد فيهم بررة، وعقولًا خصبة، ونفوسًا تتحرق شوقًا للحرية والعدل.
كانت هذه السنوات الثمان مليئةً بالأحداث، فقد غرقت مصر في ديونها التي اقترضها إسماعيل، وبدت مطامع إنجلترا وفرنسا جليّة، فأنشىء صندوق الدَّيْنِ, وفرضت الرقابة الثنائية, واستحالت هذه الرقابة إلى مشاركةٍ في الحكم، إذ دخل وزارة نوبار باشا وزيران أوربيان؛ أحدهما فرنسيّ, والآخر إنجليزيّ، يشرف الفرنسيّ على وزارة الأشغال, ويشرف الإنجليزي على وزارة المال1، وأيُّ احتلال أبشع من هذا؟ إن الذي يصرف المال قوَّام على شئون الدول، ومن يتولى الأشغال مهيمن على تقدم الأمة، فكان عجبًا ألا ينغمس السيد جمال الدين في السياسة من أخمص قدميه إلى قمة رأسه، وهو الذي حاول من قبل أن يثل عرشًا، وينصب ملكًا، ويصلح من شئون عبد الحميد المستبد الطاغية.
جاء جمال الدين مصر وهذه ظروفها، ووجد من إسماعيل صدرًا رحبًا؛ لأنه رأى فيه العالم المشهور بفلسفته وعلمه، فوجوده بمصر ربحٌ لا يقدر، وهو في نظره أجل وأنفع من بعض المعاهد العلمية التي أنشأها؛ لأنه معهدٌ حيٌّ حنَّكَتُه التجارب, وأنضجته الحوادث، ولم يكن السيد قد عُرِفَ بآرائه السياسية المتطرفة, بل غلبت عليه الصبغة العلمية، ولم يكن إسماعيل يخشى على حكمه أحدًا، وهو الحاكم الذي لا يرجع في حكم، والذي يتصرف في أقدار البلاد دون رقيب أو حسيب، وكان مجلس الشوى آلةً مطواعةً في يده، لا يجهر باعتراضٍ، أو يجرؤ على مخالفة، ثم إن إسماعيل كان يتحدَّى الدولة العثمانية في ذلك الوقت، ويتوق جهده إلى الاستقلال بأمر مصر، وقد رأى أن الآستانة قد ضاقت رحابها بالسيد جمال الدين, وخافت من آرائه وتعاليمه، فلتبرهن مصر على أنها أقوى من تركيا وأكرم نفسًا، وأقدر على هضم آراء جمال الدين من أي بلد في الشرق، ولم يكتف إسماعيل بهذا الترحاب, بل أجرى على السيد راتبًا شهريًّا زيادةً في إكرامه.
__________
1 عصر إسماعيل لعبد الرحمن الرافعي ج2 ص90.
(1/264)

وأخذ هذا العقل المنظم الجبار يشع النور في كل مكان يحله صاحبه، فدروس منظمة يلقيها في بيته على صفوة مختارة من حوارييه, أمثال: محمد عبده, وعبد الكريم سليمان، وإبراهيم اللقاني، وسعد زغلول، وإبراهيم الهلباوي، وكانوا جميعًا طلبةً بالأزهر حينذاك، وكانت هذه الدروس: منطقًا وفلسفةً وتصوفًا وهيئةً، مثل كتاب "الزوراء" في التصوف, و"شرح القطب على الشمسية" في المنطق، و"الهداية" و"الإشارات" و"حكمة العين"، و"حكمة الإشراق" في الفلسفة، و"تذكرة الطوسي" في علم الهيئة القديمة، وهي كتب تمثل علمًا قديمًا دوَّنَها أربابها في العصور الأولى للدولة العربية، ولكن الروح التي درس بها جمال الدين هذه الكتب، والطريقة التي عرض بها هذه المباحث، والتعليقات التي كان يفيض بها عقب كل مقالة أو بحث، والاستطرادات التي تدعو إليها مقتضيات العصر وظروفه, هي التي حبَّبَت هذه الدورس وتلك الكتب لهؤلاء التلاميذ الأذكياء، وجعلت من دروس جمال الدين نبعًا صافيًا يغترف منه الطلبة علمًا وفلسفةً، ووطنيةً واجتماعيةً وحججًا قويةً لرد المارقين عن جادَّة الدين، ووجدوا فيه شخصية لا تترد في إصدار الأحكام العامة على القضايا المعروضة.
وبجانب هذه الدورس المنظمة, كان للسيد مجلس آخر بأحد المقاهي القريبة من حديقة الأزبكية، حيث يلتف حوله أنماط شتَّى من الراغبين في التزود من علمه وفكره، ويجلسون إليه, ويطرحون عليه أسئلة في مختلف الموضوعات، وهو يجيب إجابات العالم المحقق "لا يسأم من الكلام فيما ينير العقل، أو يطهر العقيدة، أو يذهب بالنفس إلى معالي الأمور، أو يستلفت الفكر إلى النظر في الشئون العامة, مما يمس مصلحة البلاد وسكانها، وكان طلبة العلم ينتقلون بما يكتبونه من تلك المعارف إلى بلادهم أيام البطالة, والزائرون يذهبون بما ينالونه إلى أحيائهم، فاستقيظت مشاعر، وتنبهت عقول، وخف حجاب الغفلة في أطرافٍ متعددةٍ من البلاد, خصوصًا في القاهرة1".
__________
1 من ترجمة الإمام الشيخ محمد عبده, له.
(1/265)

وفي هذه الحلقة أنشئت مدرسة غير مقيدة بمنهج أو كتاب، ولكنها كانت روحًا مشعةً تبدد دياجير الغفلة، وتحيي العزائم الميتة، وتلهب الإرادات الخامدة، وتفتح الأذهان المغلقة، وفيها تخرج محمود سامي البارودي، وعبد السلام مويلحي, وأخوه إبراهيم المويلحي، ومحمد عبده، وإبراهيم اللقاني، وسعد زغلول، وعلي مظهر، وسليم نقاش، وأديب إسحق، وغيرهم, وفي هذه المدرسة العامة استعرضت حال الأمة الاجتماعية والسياسية، وحقوقها وواجباتها، وأدواؤها ودواؤها، وانتقدت الحكام، وبثت التعاليم، وفشت روح التذمر من الأجانب وتدخلهم في شئون البلاد, مما كان له أبلغ الأثر فيما بعد.
كان جمال الدين يقضي بياض نهاره في بيته يختلف إليه أخصاء تلاميذه، وما أن يقبل الليل حتى يخرج متوكئًا على عصاه إلى هذا المقهى، فيجد في انتظاره الطبيب والمهندس والأديب والشاعر والمعلم والكيماوي وغيرهم، ويظل يحدثهم بشغف وقوة حتى يمضي جزء من الليل.
ولم يكتف جمال الدين بهذه المدرسة العامة, ولا بالدورس الخاصة، بل حاول أن يسيطر على الحياة السياسية، فانضم إلى جماعة "الماسون" وبها الطبقة الممتازة من أبناء الأمة؛ لعله يسيتطيع أن يريهم النور، ويبصرهم حقيقة ما هم فيه، وما عليه بلادهم, وكيف يتسطيعون نفعها بمالهم وجاههم؛ ولكن وجد المحفل الماسوني يأبى أن يقتحم ميدان السياسية، ويتعرض للمسائل العامة، والقضايا الهامة، فثارت ثائرته, وأخذ ينقد اعضاءه نقدًا لاذعًا، ويتهكم بهذه الكلمات الجوفاء التي اتخذوها لهم شعارًا مثل: "الحرية والمساواة ومنفعة الإنسان، والسعي وراء دك صروح الظلم، وتشييد معالم العدل المطلق" فكيف تتحقق معاني هذه الكلمات إذا لم يشغل المحفل "الماسوني" بالسياسة، ولما أخفق في بعث هذه النار في نفوسهم الميتة استقال، وكوَّن محفلًا آخر للشرق الفرنسيّ، وأخذ الأعضاء يزيدون حتى بلغ عدد ثلاثمائة عضو من نخبة الفكرين، ونظمهم شعبًا مختلفة: فشعبة للعدل، وأخرى للمالية، وثالثة للأشغال، ورابعة للجيش، وهكذا، حتى تدرس أحوال البلاد جميعها, وتعرف وجوه النقص، وما يتطلبه الإصلاح من أعمال.
(1/266)

وبذلك أراد جمال الدين أن يسيطر على عقول العلماء في بيته، على أفئدة المتعلمة غنيها وفقيرها بآرائه وتعاليمه، ويدفعها في الطريق التي رسمها.
أثره بمصر:
1- أراد في درسه النظاميّ أن يعوّدَ الطلبة حرية البحث، ويطلعهم على آفاقٍ جديدةٍ من التفكير وفهم العالم، وأن يُوجِدَ شخصياتٍ تبحث وتنقد وتحكم، وألَّا تقف عند حدّ هذا النص بعد ذلك، فإذا هو واضح كل الوضوح, وعلى العكس من ذلك كانت طريقة الشيخ محمد عبده، إذ كان يقرأ النص أولًا، ثم يعلق عليه بعد ذلك.
2- وأراد في مدرسته العامة أن يعلِّمَ الشعب كيف يسترد حرتيه المفقودة وكرامته المهدرة، وكيف يحاسب حكامه حسابًا عسيرًا على تصرافاتهم، وكيف يتنبه إلى دسائس المستعمرين الجشعين ونواياهم، وكيف يعيش هذا الشعب عيشةً تليق بالأناسي.
3- وأراد في ميدان السياسة أن يغيِّرَ هذا الحكم المطلق الذي يستبد فيه الحاكم بأمته ويستهين بشعبه، ويتصرف في أموالهم وأرواحهم تصرُّفَ السيد في حر ماله وعبده، وأراد أن يشترك الشعب في حكم نفسه بنفسه، وأن ينوب عنه ممثلون نيابيون يَرْعَوْنَ مصالحه, ويسهرون على إسعاده.
وقد كان له في السياسة كذلك مقصدٌ أسمى من هذا، وعنه عَبَّرَ الشيخ محمد عبده بقوله: "إنه كان يسعى لإنهاض إحدى الدول الإسلامية من ضعفها وتنبيهها للقيام بشئونها، حتى تلحق بالدول القوية، فيعود للإسلام شأنه, وللدين الحنيف مجده، ويدخل في هذا تنكيس دولة بريطانيا في الأقطار الشرقية، وتقليص ظلها عن رؤوس الطوائف الإسلامية، وله في عداوة الإنجليز شئون يطول بيانها1".
__________
1 تاريخ الأستاذ الإمام, ج1 ص34.
(1/267)

4- وقد استعان على تحقيق هذه الأهداف -وإن لم تتحقق كلها, ولا سيما السياسية منها- بتكوين جماعةٍ من الكهول والشبان حبب إليهم الكتابة، ورسم لهم خطتها، وأوحى لهم بالمعاني الجديدة التي يكتبون فيها, وشجعهم على إنشاء الجرائد، ويكتب فيها بنفسه, ويطلب إلى من يتوسم فيه المقدرة والمنفعة أن يكتب فيها، ومن مقالاته في جرائد أديب إسحاق, ما كان يوقعه باسم "مظهر بن وضاح".
وطلب إلى الشيخ محمد عبده وإبراهيم اللقاني وغيرهما أن يشتركا في تحرير جريدة "التجارة" التي أنشأها أديب إسحق، وفي هذه الجريدة كتب السيد جمال الدين مقالين؛ أحدهما: "الحكومات الشرقية وأنواعها", والثاني بعنوان: "روح البيان في الإنجليز والأفغان"، وكان لهذين المقالين صدًى بعيد، ولكن جريدتي أديب إسحق "مصر والتجارة" ضايقتا رياض باشا بروحهما الجديدة وأسلوبهما الملتهب، وأفكارهما الجريئة, فأغقلهما كما مر بنا1.
وقد تدخل كذلك في تحرير "الوقائع المصرية"، وطلب إلى الكُتَّاب أن يدبجوا مقالاتهم في موضوعات معينة تمس حياة الأمة في صميمها، فيقول الشيخ محمد عبده: "إن الحاكم وإن وجبت طاعته، هو من البشر الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم، ولا يرده عن خطئه، ولا يقف طغيان شهوته إلّا نصح الأمة له بالقول والفعل".
وتراه يحرض الصفحيّ اليهوديّ "يعقوب بن صنوع" على إصدار جريدته التهكمية "أبي نضارة" ويشجعه على الاستمرار في النقد الذي يلدغ به إسماعيل.
وقد كان لهذه المقالات أثران؛ أحدهما: تنبيه الأذهان إلى المسائل الحيوية, وتعويد الناس الجرأة على الحكام, ومطالبتهم بالنصفة والعدل، وتبيان مكايد الأجانب وجشعهم، وثانيهما: تكوين جيل من الكُتَّابِ متمكن من اللغة, قدير على الإسهاب وشرح المعضلات, من غير لجوءٍ إلى المحسنات والزخارف، وخبير بتفتيق المعاني وتوليد الأفكار، متحرر من السخافات والجمود، ومتبعًا في ذلك سنن أستاذه جمال الدين الذي يقول عنه الشيخ محمد عبده: "له سلطة على دقائق
__________
1 راجع ص92 من هذا الكتاب.
(1/268)

المعاني وتحديدها وإبرازها في الصورة اللائقة بها، كأن كل معنى قد خلق له، وله قوة في حل ما يعضل منها كأنه سلطان شديد البطش، فنظرة منه تفكك عقدها, كل مضوع يُلْقَى إليه يدخل للبحث فيه كأنه صُنْعُ يديه, فيأتي على أطرافه, ويحيط بجميع أكنافه، ويكشف ستر الغموض عنه فيظهر المستور منه، وإذا تكلم في الفنون حكم فيها حكم الواضعين لها، ثم له في باب الشعريات قدرة على الاختراع، كأن ذهنه عالم الصنع والإبداع".
ويقول في موضع آخر: "كان أرباب العلم في الديار المصرية، القادرون على الإجادة في المواضيع المختلفة منحصرين في عدد قليل، وما كنا نعرف إلّا عبد الله باشا فكري، وخيري باشا، محمد باشا سيد أحمد -على ضعف فيه، ومصطفى باشا وهبي، على تخصص فيه، ومن عدا هؤلاء، فإما ساجعون في المراسلات الخاصة، وإما مصنفون في بعض الفنون العربية أو الفقهية وما شكالها، ومن عشر سنوات ترى كتبة في القطر المصري، لا يشق غبارهم، ولا يوطأ مضمارهم، وأغلبهم أحداث في السن، شيوخ في الصنعة، وما منهم إلّا أخذ عنه, أو عن أحد تلاميذه, أو قَلَّدَ المتصلين به".
وقد مر بك ما تميز به أسلوب هذا النثر في موضوعات الثلاثة: الاجتماع، والأدب، والسياسة.
جمال الدين والثورة:
لم يكن جمال الدين على وفاقٍ مع إسماعيل في أخريات أيامه، بل كان ناقمًا عليه لاستبداده وإسرافه، وتمكينه بسياسته للأجانب في البلاد، وكان يتوهم الخير في توفيق؛ إذ كان يجتمع به وهو وليٌّ للعهد، ويرى ميله للأخذ بنظام الشورى، ونقده لسياسة أبيه وإسرافه، وقد اجتمعا في محفل الماسونية، وتعاهدا على إقامة النظام النيابي.
(1/269)

يد أن توفيقًا لم يف بعهدٍ بعد أن تولى الحكم، وسرعان ما تنكر لمبادئه ولأصدقائه, فلم يدخل نظام الشورى، ولم يحسن معاملة السيد جمال الدين الأفغاني، بل استمع لأقوال الوشاة من الإنجليز وسواهم؛ إذ حرضوه على إخراجه من مصر1 فاستجاب لهم، ولم يكن كريمًا في معاملة هذا العبقريّ الشريف, بل استعمل معه غاية الغلظة والقسوة والجفاف، فسيق إلى دار الشرطة بليلٍ بعد انصرافه من مقهاه بغير غطاء أو فراش، وبات ليلته كما يبيت اللص الأفَّاق على أرض المخفر، ثم هرب إلى السيوس حيث رحلت به سفينة إلى الهند، وهكذا حرمت مصر مصدر خير كبير لها، وجازت هذا النابغة على فضله جحودًا وجفوة.
ومن العجيب أن يضم مجلس الوزارء الذي أصدر أمره بنفيه بحجة أنه "رئيس جمعية سرية من الشبان ذوي الطيش مجتمعةً على فساد الدين والدنيا" اثنين أعجب بهما وتوسم فيهما الخير: توفيق باشا، والبارودي، وكان ألمه بالغًا غايته للنكسة التي أصابت البارودي، وقد كان يؤمِّلُ فيه كل خير، ويعده ليومٍ عصيبٍ في تاريخ مصر، وقد ظلت هذه الآلام تَحِزُّ في نفسه حتى آخريات حياته, فقد زاره الأمير شكيب أرسلان وهو بالآستانة، ويدور الحديث حول ما روى من أن العرب عبروا المحيط الأطلسي قديمًا, وكشفوا أمريكا بدليل الأهرام الموجودة ببلاد المكسيك، فيقول السيد: "إن المسلمين أصبحوا كلما قال لهم الإنسان كونوا بني آدم أجابوه: إن آباءنا كانوا كذا وكذا، وعشاوا في خيال ما فعل آباءهم، غير مفكرين بأن مكان عليه أباؤهم من الرفعة لا ينفي ما هم عليه من خمولٍ وضعةٍ، إن الشرقيين كلما أرادوا الاعتذار عما هم فيه من الخمول الحاضر قالوا: أفلا ترون كيف كان أباؤنا؟ نعم! قد كان آباؤكم رجالًا، ولكنكم أنتم أولاد كما أنتم، فلا يليق بكم أن تتذكروا مفاخر آبائكم إلّا أن تفعلوا فعلهم؛ إن المسلمين قد سقطت هممهم، ونامت عزائمهم، وماتت خواطرهم، وقام شيء واحد فيهم هي شهواتهم، وهذا محمود سامي الباودي عاهدني ثم نكث معي, وهو أفضل من عرفت من المسلمين".
__________
1 المنار ج8 ص 404 وانظر كذلك The persian: F.G. Browne p.8 وتاريخ الإمام ج1 ص70.
(1/270)

والحق أن موقف البارودي من السيد جمال الدين لا يمكن الدفاع عنه، وإذا كانت مصر قد حرمت شخص جمال الدين, فقد ظلَّت تعاليمه وروحه الثورية مشتعلة، قد انتقل منها قبس إلى كل من اتصل به، يتطلعون إلى نظامٍ جديدٍ في الحكم, حتى قامت الثورة العرابية، وكثير من أقطابها مدينون بأفكارهم وحماستهم للسيد جمال الدين.
أقام السيد جمال الدين بحيدر أباد بعد أن خرج من مصر، وهناك ألَّفَ كتابه في الرد على الدهريين، وفيه يثبت أن الدين أساس المدنية، والكفر فساد العمران، ويبطل فيه مذهب "داروين" في النشوء والارتقاء؛ لأن هذا المذهب قد أثار موجةً من الإلحاد والزندقة كادت تودي بالحياة الروحية بالشرق, وهي كل ما بقي له من تراث السلف، بعد أن نال منه الدهر غايته، وبَيَّنَ في هذه الرسالة كذلك, أن الدين أكسب عقول البشر ثلاث عقائد, وأودع نفوسهم ثلاث خصال؛ كلٌّ منها ركن لوجود الأمم, أما العقائد: فالأولى: التصديق بأن الإنسان ملك أرضيّ وأنه أشرف المخلوقات، والثانية: يقين كل ذي دين أن أمته أشرف الأمم, وكل مخالف له فعلى ضلالٍ وباطلٍ، والثالثة: يقينه بأن الإنسان جاء إلى الدنيا كي يكْمُلَ كمالًا يهيئه للعروج إلى عالمٍ أرفع وأوسع من هذا العالم الدنيوي، وأما الخصال الثلاث: فهي الحياء والأمانة والصدق.
ويبين أن الإسلام يتميز على غيره من الأديان بمزايا عديدة؛ منها: صقل العقول بالتوحيد, وتطهيرها من لوثة الأوهام، ومخاطبة العقول حتى تؤمن, فلا يقبل الاعتقاد بدون دليل، وحرصه على تعليم الأمة ذكورًا وإناثًا.
ولما أخفقت الثورة العرابية، ودخل الإنجليز مصر, أبيح له أن يذهب أنَّى شاء في غير بلاد الشرق فاختار أوربا، وزار لندن, ثم انتقل إلى باريس، ووافاه إليها تلميذه الأكبر محمد عبده، وكان منفيًّا ببيروت, وهناك أصدرا معًا جريدة "العروة الوثقى".
(1/271)

جريدة العروة الوثقى:
وهي دليلٌ أخر على أن عزيمة السيد لا تفتر، وعلى أن اليأس لم يبلغ في نفسه مبلغًا يثنيه عن أداء رسالته، وقد كان من رأي الشيخ محمد عبده أن هذا الجيل من المسلمين، الذين يدعونه للرشاد واليقظة جيلٌ فاسدٌ ولا رجاء فيه، وأن الأولى أن تنشأ مدرسة يُربَّى بها عددٌ محدودٌ من خيار الشباب يقودون الأمة فيما بعد لما فيه خيرها ونفعها، ولكن هذه الفكرة لم ترق للسيد، ورأى فيها تثبيطًا للهمم، وكأني به يتعجل قطف الثمرة لههذه الغراس التي أودعها المتصلين به، وأصَرَّ على أن يوجِّه الدعوة إلى الجيل الحاضر من الناس في صورة جريدة "العروة الوثقى"، يكون له فيها الفكر المدبِّر والعقل المسيطر، وللشيخ محمد عبده القلم المحرر واللسان المعبر، ولميرزا محمد باقر الترجمة من الصحف الأوربية، ونقل كل ما يهم إلى الشرق والإسلام1, وصدر من الجريدة ثمانية عشر عددًا، وكان شعلةً ملتهبةً متوجهةً من الحماسة والآراء الحرة الجريئة، وكانت حربًا شنَّهَا جمال الدين وزميلاه على الاستعمار الجشع، وكان طبيعيًّا أن يحاربها الاستعمار خشية أن تفسد عليه تفرده بالغنيمة, وقتله الشعوب التي وقعت في قبضته، فمنعها من دخول الهند ومصر2.
ولما شعر السيد وزميلاه أن الأعداد لا تصل إلى أصحابها إلّا في النادر، وأنه قد حيل بينهم وبين وصول صوتهم إلى آذان الناس في مصر والشرق عطلوها، وإن لم يمت أثرها حتى اليوم.
عود إلى الرحلة:
لما عطلت الجريدة، وانفرط عقد هذه الجماعة الصغيرة المجاهدة، ورجع الشيخ محمد عبده وميزرا باقر إلى بيروت، وطلب شاه العجم السيد جمال الدين فلَبَّى دعوته علَّه يجد ميدانًا صالحًا للجهاد، وأرضًا خصبةً لغرس تعاليمه، ومَلِكًا شهمًا مستنيرًا ينفذ آراءه, فيكون هو الأمل المنشود، ولكن هيهات وملوك ذاك الزمان ما ألفوا أن يشاركهم في سلطانهم أن جاههم أحدٌ، ولذلك سئم الشاه "نصر الدين" صحبة السيد، ودبت في نفسه الغيرة منه، ولما أحسَّ جمال الدين أنه أخذ
__________
1 تاريخ الإسلام ج2 ص229، والمنارج8 ص255.
2 المنار ج8 ص 462, مشاهير ج2 ص57.
(1/272)

يتنكر له, استأذن في الرحيل، ويَمَّمَ صوب روسيا، حيث قضى بها ثلاث سنوات, يحرك روسيا ضد إنجلترا، ويشن هجمات متتالية شديدة على شاه الفرس كي يقر النظام الشوري، ولما سأله القيصر عن سبب عدواته للشاه, أجاب بأنه نظام الشورى الذي لا يرضيه، والذي لا أنفك أدعو إليه ما حييت، فقال القيصر: إن الشاه على حق، فكيف يرضى مَلِكٌ أن يتحكم فيه فلاحو مملكته، فقال السيد: أعتقد يا جلالة القيصر أنه خيرٌ للملك أن تكون ملايين رعيته أصدقاءه من أن يكونوا أعداءه يترقبون له الفرص، فلم يعجب القيصر هذا الحديث، وكان من الطبيعيّ ألَّا يعجبه وهو المستبد الذي لا ينازعه سلطته منازع، ولذلك عمل على إبعاده من روسيا1.
ومن ثَمَّ توجه السيد إلى باريس، وفي طريقه إليها تقابل مع الشاه مرةً ثانيةً واعتذر للسيد عما حدث، ووعده أن يمهد له طريق الإصلاح إن هو عاد معه، وتمنَّع السيد جمال الدين، ولكن رغبته في الإصلاح وحرصه عليه جعلته يقبل الرجوع إلى طهران، وفيها أخذ يُعِدُّ العدة للإصلاح وإقامة العدل، هو ومن التفَّ حوله من العلماء والعظماء، والشاه يظهر استعداده لتقبل هذا الإصلاح، ولكن الصدر الأعظم في تركيا خشي إن تمكن نظام الشورى في فارس أن تسري عدواه، فوسوس للشاه، ونفَّرَه من هذا الإصلاح بدعوى أن ذلك يحد من سلطانه، ويتركه إمعةً لا رأي له في بلده، فتجهم للسيد جمال الدين، ولكن هذا لجأ إلى ضريح وليٍّ في بلاده "شاه عبد العظيم" وهو حرمٌ من دخله كان آمنًا، ووافاه جم غفير من العلماء والزعماء ولقنهم دعوته، وملأ قلوبهم إحنًا وبغضًا للشاه ونظامه، فاغتاظ هذا, وأرسل جنده إليه، واقتحموا عليه الضريح غير مبالين بحرمته، ولا بمرض السيد، وفي ذلٍّ يقول: "سحبوني على الثلج إلى دار الحكومة بهوانٍ وصغار وفضيحةٍ لا يمكن أن يتصور دونها في الشناعة ... ثم حملتني زبانية الشاه وأنا مريض -على برذون، مسلسلًا، في فصل الشتاء, وتراكم الثلوج والرياح الزمهريرية, وساقتني جحفلة من الفرسان إلى خانقين" ومنها سافر إلى البصرة, وهو في أشد حالات المرض، وكاد يقضى عليه لولا رحمة الله به2.
__________
1 The Persian Revolution, p.LL.70.
2 Persian Revolution.p11. وتاريخ الإمام ج1 ص55.
(1/273)

ولكن هذا المكافح أبى أن يتقبل هذه الإهانة, وأقسم ألّا يكفَّ عن الشاه حتى يسقطه عن عرشه, وقد بَرَّ بقسمه، وذلك بتحريضه العلماء والزعماء, وتعديده مساوئ الشاه وتجسيمه أخطاءه، ولا سيما تعاقده مع شركة إنجليزية للدخان، واضطر الشاه إلى فسخ العقد, ودفع تعويض مالي كبير، فكان ذلك أول خطورة في الانتقام.
وأخيرًا ذهب السيد إلى لندن, وأصدر مجلةً شهريةً سماها: "ضياء الخافقين" بالعربية والإنجليزية، وكان يكتب بها مقالاتٍ بإمضاء "السيد الحسيني".
خاتمة المطاف:
ثم رأى السلطان عبد الحميد أن يدعو إليه جمال الدين خشية أن ينضم إلى حزب تركيا الفتاة فيزيد قوته، وأرسل عبد الحميد رجاله يغرون السيد بالسفر إلى الآستانة, ويمنونه الأمانيّ الحلوة حتى استجاب لدعواه, فكان بها كأنه في قفص من ذهب، ويحصون عليه حركاته وأقواله، وإن لقي من السلطان حظوةً عالية. بيد أن الحاشية ولا سيما أبو الهدى الصيادي, ذلك الداهية المحتال الذي أتقن فن الدس والمؤمرات, وتمكَّن من قلب السلطان حتى أصبح قوَّةً غلابةً، وقد أفسدوا السلطان عليه، وما لبث عبد الحميد أن اصطدم بآراء السيد وجرأته، ولم يدع السيد فرصةً إلّا حرَّضه فيها على الإصلاح، وإقصاء الخونة والجبناء عن حاشيته, ولكن لم يستجب لشيءٍ من هذا.
ولما قُتِلَ شاه العجم سنة 1896 على يد أحد تلاميذ السيد, اشتدت الريبة في جمال الدين, وضُيِّقَ عليه حتى صار محبوسًا في قصره، ولما أراد الرحيل ترضَّاه السلطان خشيةَ أن يشنها عليه حربًا شعواء في الخارج، وهو تحت سمعه وبصره أهون، ثم مرض السيد بالسرطان في فمه ومات، وشاعت الأقوال بأنه مات مسمومًا، أو أن الطبيب أهمل في علاجه عمدًا1, وكانت وفاته في 9مارس سنة 1898، ودفن في قبرٍ حقيرٍ كما يدفن أقل الناس، وطُمِسَت معالم هذا القبر إلى أن قَيَّضَ الله رجلًا أمريكيًّا يبحث عنه, حتى وجده فجدده، وبنى عليه حاجزًا حديديًّا, وشاده بالرخام, وكتب على أحد وجوه
__________
1 راجع حاضر العالم الإسلامي, ج1 ص204.
(1/274)

الرخام اسم السيد وتاريخ ولادته ووفاته، وفي وجه آخر العبارة الآتية: "أنشأ هذا المزار الصديق الحميم للمسلمين في أنحاء العالم, الخيِّر الأمريكانيّ, المستر "شارلس كرين" سنة 1926" وهكذا خمدت هذه الشعلة المتوهجة، وإن ظلت آثارها حتى اليوم في نفوس من خالطوه وأخذوا عنه، وفي نفوس تلاميذه وأتباعهم والأجيال التي تأثرت بهم.
نبذة من آرائه:
1- مر بك في ثنايا هذه الترجمة الموجزة شيءٌ من آراء السيد جمال الدين، وهناك بعضٌ من أفكاره وتعاليمه ونظراته إلى الحياة جديرةٌ بالنظر، فقد كان في أول حياته طموحًا، ذا خيال واسع، وأمل عريض, شمل الإنسانية جمعاء، حتى دعاه ذلك التفكير في السبب الذي يدعو الناس إلى الاختلاف والخصام، ويدعو الدول إلى الحروب والعداء، وهداه تفكيره إلى أن السبب الأول: هو تعصب رجال الدين في كل ملة, وسوء توجيههم للشعوب، وشحن قلوبهم بالحقد والبغضاء لكل مَنْ خالف دينهم، وفي هذا يقول: "ورجعت إلى أهل الأرض وبحثت في أهم ما فيه يختلفون فوجدته الدين، فأخذت الأديان الثلاثة، وبحثت فيها بحثًا مجردًا عن كل تقليدٍ, منصرفًا عن كل تقيد, مطلقًَا للعقل سراحه" ووجد أن الأديان الثلاثة تتفق في الغاية والمبدأ وأنه "إذا نقص في الواحد شيء من أوامر الخير المطلق استكمله الثاني, وإذا تقادم العهد على الخلق، وتمادوا في الطغيان، وساءت الكهان فهم الناموس, أو أنقصوا من جوهره أتاهم رسول فأكمل لهم ما أنقصوه، وأتم بذاته ما أهملوه" وإذا كانت الأديان متفقةً في المبدأ والغاية, فما الذي يحول بين أهل هذه الأديان وبين الاتحاد؟ إن اتفاقهم ووحدتهم تكفل لهم السعادة للبشرية، وبعد ذلك يقول: "وأخذت أضع لنظريتي هذه خططًا وأخط أسطرًا، وأحبِّرُ رسائل للدعوة، كل ذلك وأنا لم أخالط أهل الأديان كلهم عن قرب، ولا تعمقت في أسباب اختلاف حتى أهل الدين الواحد، وتفرقهم فرقًا وشيعًا وطوائف".
__________
1 أحمد أمين بمجلة الثقافة العدد 288.
(1/275)

ولكن سرعان ما أدرك أن دون هذا الاتحاد أهوالًا وأهوالًا، ولقد نسي قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} وأن من يتعرض لهذه الدعوة يُرْمَى بالكفر والإلحاد، والخروج عن جادة الدين، وقد رُمِيَ بذلك فعلًا, ولهذا باء بالإخفاق: "انقلبت أفراحي بالخيال أتراحًا، ورجعت عن نظريتي والفشل ملء إهابي وجبتي"1.
وتطامن من أهدافه، ووجد أن الشرق المسكين أولى بالرعاية والعناية، وأن إصلاح العالم كله محال، ولذلك عكف على جهاده في سبيل هذا الشرق، وكان متألمًا لبعض الخلافات الدينية بين أبناء الملة الواحدة؛ كالسنة والشيعة.
2- كان يرى أن لا موجب لسد باب الاجتهاد في الدين، وعلى المسلمين إذا أرادوا التقدم أن يستعملوا عقولهم، ويتسنبطوا كما اسنبط أسلافهم أحكامًا تتمشى مع زمنهم وبيئاتهم، ويقول: مامعنى أن باب الاجتهاد مسدود؟ وبأيِّ نصٍّ سُدَّ؟ ومن قال: لا يصح لمن بعدي أن يجتهد لبيتفقه في الدين ويهتدي بهدي القرآن وصحيح الحديث, والاستنتاج بالقياس على ما ينطبق على العلوم العصرية وحاجات الزمن وأحكامه؟ إن الفحول من الأئمة اجتهدوا وأحسنوا, ولكن لا يصح أن نعتقد أنهم أحاطوا بكل أسرار القرآن، واجتهادهم فيما حواه القرآن ليس إلّا فطرةً، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء من عباده2".
وإذا تأملت أهداف جريدة "العروة الوثقى" التي ذكرها في المقال الافتتاحيّ, أدركت إلى حدٍّ ما بعض آراء جمال الدين في إصلاح الشرق، وقد عرفت أن جمال الدين كانت له الفكرة التي يعبر عنها محمد عبده في الحرية، وهاك بعض هذه الأهداف والآراء:
أ- بيان الواجبات على الشرقيين التي كان التفريط فيها موجبًا للسقوط والضعف، وتوضيح الطرق التي يجب سلوكها لتدارك ما فات، ويستتبع ذلك بيان أصول الأسباب ومناشئ العلل التي أفسدت حالهم، وعمت عليهم طريقهم، وإزاحة الغطاء عن الأوهام التي حلت بهم.
__________
1 قدري طوقان, جمال الدين: أراؤه وأثره في نهضة الشرق, ص20.
2 خاطرات: محمد باشا المخزومي.
(1/276)

ب- إشراب النفوس عقدية الأمل في النجاح، وإزالة ما حلَّ بها من اليأس.
ج- دعوتهم إلى التمسك بالأصول التي كان عليها أسلافهم, وهي ما تمسكت به الدول الأجنبية العزيزة الجانب.
ج- الدفاع عما يُرْمَى به الشرقيون عمومًا والمسلمون خصوصًا من التهم, وإبطال زعم الزاعمين أن المسلمين لا يتقدمون في المدنية ما داموا متمسكين بأصول دينهم.
هـ- تقوية الصلات بين الأمم الإسلامية، وتمكين الألفة بين أفرادها, وتأمين المنافع المشتركة بينها، ومناصرة السياسة الخارجية التي لا تميل إلى الحيف والإجحاف بحقوق الشرقيين.
وكان جمال الدين يعتز بشرقيته وبلغته، ويشمئز من هؤلاء الذي يتنكرون لقوميتهم ولغتهم؛ فإن هذا التنكر يساعد المستعمر, بل هو أثر من آثار تعاليمه يرمي بها إلى الحطِّ من شأن كل ما هو شرقيّ, ولإضعاف لغة القوم، والتدرج بقتل التعليم القوميّ، وتنشيط القائلين من الشرقيين بأن ليس في لسانهم العربيّ أو الفارسيّ أوالأرديّ أو الهنديّ آداب تؤثر، ولا في تاريخهم مجد يذكر": لقد بلغ ببعضهم السفه "أن ينفروا من سماع لغتهم، وأن يتتباهوا بأنهم لا يحسنون التعبير بها، وأن ما تعلموه من الرطانة الأعجمية هي منتهى ما يمكن الوصول إليه من المدركات البشرية".
وقد عرفت فيما سبق كفاحه في سبيل حرية الشعوب، ومطالبته بنظام الشورى, ووقوفه أمام الحكام المستبدين كالجبل الأشمِّ في جرأةٍ وعزة نفسٍ، واستنهاضه الهمم، كي تقوى دولةٌ إسلاميةٌ تكون النواة التي يلتف غيرها حولها, وبذلك يعاد مجد الإسلام قويًّا أمام مطامع الغرب وعسفه.
ولقد كان جمال الدين عالمًا ومفكرًا وفيلسوفًا ومصلحًا اجتماعيًّا، أشرب قلبه حب بلاده ودينه، وأرسله الله في هذه الحقبة من التاريخ ليبدد دياجير الجهل ويبعث الحمية في النفوس.
(1/277)

ولقد أرغم خصومه على احترامه بصراحته وجرأته، ولقد رأيت كيف ضاقوا به ذرعًا في كل مكان؛ لأنه كان حربًا على الجهل والظلم والقسوة والطغيان، ولقد أقرَّ له الغربيون بالفضل, حتى لقد قال عنه "رينان" وهو من هو في كراهته للمسلمين: "ولقد يخيل إليَّ من حرية فكر الأفغاني ونبالة شيمه وصراحته -وأنا أتحدث إليه- أني أرى أحد معارفي من القدماء وجهًا لوجه، وأني أشهد ابن سينا وابن رشد, أو واحدًا من العظام الذين ظلوا قرونًا عدة يعملون على تحرير الإنسانية من الإسار".
أسلوبه في الكتابة:
لم يكن جمال الدين مفطورًا على اللغة العربية مطبوعًا على أساليبها الفصيحة؛ لأنها ليست لغته الأولى، وإنما تعلمها تعلمًا، ولم يكن حظه من آدابها كثيرًا، ولم يتذوق منازع بلاغتها بقدر كبير، ولكنه أفادها فائدةً جليلةً بإرشاد تلاميذه إلى التحرر من القيود الثقيلة التي كانت ترسف فيها الكتابة الإنشائية من محسنات بديعية مختلفة، وسجعٍ متكلَّفٍ ممقوت، واستعاراتٍ غريبة, وغير ذلك مما أفسد المعنى وستر الأفكار عن الوضوح والجلاء؛ كما أرشدهم إلى تجنب المقدمات الطويلة؛ وطبعي أن يصرفهم إلى الاهتمام بالمعاني؛ لأن هناك أشياء كثيرة يريدون الإبانة عنها، والإفاضة فيها، ولا يتسع هذا النثر المقيد لكل تلك المعاني, ولا يستطيع إيضاحها كاملة, ولقد رأيت فيما سبق نماذج من هذا النثر دبجها تلاميذه، مثال: محمد عبده وأديب إسحاق، وقد قال أديب عن أسلوبه الذي تاثَّر فيه بتعاليم جمال الدين: "رأيت أن أصرف العناية والاجتهاد إلى تهذيب العبارة، وتقريب الإشارة؛ لتقرير المعنى في الأفهام، ومن أقرب وأعذب وجوه الكلام، وانتقاء اللفظ الرشيق للمعنى الرقيق، متجنبًا من الكلام ما كان غريبًا وحشيًّا أو مبتذلًا سوقيًّا، فإن التهافت على الغريب عجز، وفساد التركيب بالخروج عن دائرة الإنشاء داء إذا سرى في القراء والمطالعين أدى إلى فساد عام، وأغلق على الطلبة معاني كتب العلم، والتنازل إلى ألفاظ العامة يقضي بإماتة اللغة وإضاعة محاسنها، وإن في لغة القوم لدليلًا على حالهم".
(1/278)

هذا الوصف الذي ذكره أديب إسحق لنثره, هو أثر من تعاليم جمال الدين, وسترى من النموذج الذي سأعرضه عليك من نثره أن جمال الدين -وإن لم يكن من المطبوعين على أساليب العربية الجميلة، إلّا أنه كان ينتزع البلاغة انتزاعًا, فترى لقلمه سطوةً لا تراها لكثير من الأقلام، وقد مر بك ما قاله الشيح محمد عبده في قدرته على تفتيق المعاني والاحتفال بها، ومن مزايا أسلوبه كثرة الجمل الاعتراضية، والفصل بين فعل الشرط وجوابه, أوالمسند والمسند إليه بفواصل طويلة، وهذا ناشئ من ترتيب فكره, وتعوده على الأساليب الفارسية الأعجمية، كما كانت لديه جرأة في استعمال القياس في اللغة, فيأتي بمجموعٍ لم يعرفها العرب, وصيغ لم تسمع في لغتهم, وكان من مستلزمات كتابته, وأثر عجمته, إدخال "الـ" على الأعلام.
هذا وقد وفينا موضوعات النثر في ذلك العصر حقها من الكلام، وبينَّا الأسلوب الذي تميَّزَ به كلٌّ منها، فألق عليها نظرة لتقف على أسلوب جمال الدين، فقد كان المرشد للكُتَّاب، وإن لم يكتب هو إلّا القليل، ومن هذا القليل الرسالة الآتية التي بعث بها إلى عبد الله باشا فكري يعتب عليه، وقد بلغه أن رجلًا ذمه أمام الخديو على مسمعٍ من فكري باشا, فسكت ولم يدفاع عنه، وهي من النوع الأدبيّ, ولذلك احتفى بأسلوبها أيما احتفاء، وفيها تتجلى خصائص أسلوبه عامة.
"مولاي. إن نسبتك إلى هوادة في الحق وأنت -تقدست جبلتك- فطرت عليه، وتخوض الغمرات إليه، فقد بعت يقيني بالشك، وإن توهمت فيك حيدانًا عن الرشد, وجورًا عن القصد, وأنا موقنٌ أنك ما زلت على السداد غير مفرطٍ في الحق ولا مفرط، فقد استبدلت علمي بالجهل, ولو قلت: إنك من الذين تأخذهم في الحق لومة لائم، وتصدهم عن الصدق خشية ظالم، وأنت تصدع به غير وانٍ ولا ضجر، ولو ألب الباطل الكوراث المردية، وأرى عليك الخطوب الموبقة لكذبت نفسي وكذبني من يسمع مقالتي؛ لأن العالم والجاهل، والفطن والغبي كلهم قد أجمعوا على طهارة سجيتك, ونقاوة سريرتك, واتفقوا على أن الفضائل حيث أنت، والحق معك أينما كنت, لا تفارق المكارم ولو اضطررت، وأنت مجبول على الخير لا
(1/279)

يحوم حولك شر أبدًا، ولا تصدر عنك نقيصة قصدًا، ولا تهن في قضاء حقٍّ, ولا تني عن شهادة صدق، ومع هذا وهذا وذاك, أنك مع علمك بواقع أمري، وعرفانك بسريرتي وسري، أراك ماذدت عن حق كان واجبًا عليك حمايته، ولا صنت عهدًا كانت عليك رعايته, وكتمت الشهادة، وأنت تعلم أني ما أضمرت للخديو ولا للمصريين شرًّا، ولا أسررت لأحد في خفيات ضميري ضرًّا، وتركتني وأنياب النذل اللئيم "فلان" حتى نهشني السبع الهرم والعظام، ضغينةً منه على السيد إبراهيم اللقاني، وإغراء من أعدائي أحزاب "فلان".
ما هكذا الظن بك, ولا المعروف من رشدك وسدادك, ولا يطاوعني لساني -وإن كان قلبي مذعنًا بعظم منزلتك في الفضائل، ومقرًّا بشرف مقامك في الكمالات- أن أقول عفا الله عما سلف، إلّا أن تصدع بالحق، وتقيم الصدق، وتظهر الشهادة؛ إزاحةً للشبهة وإدحاضًا للباطل، وإخزاءً للشر وأهله، وأظنك قد فعلت أداءً لفريضة الحق والعدل. ثم إني يا مولاي أذهب إلى لندن ومنها إلى باريس مسلمًا، وداعيًا لكم، والسلام عليكم وعلى أخي الفاضل البار أمين بك".
8 صفر سنة 1300 جمال الدين الأفغاني.
(1/280)

2- الشيخ محمد عبده:
وإذا كان جمال الدين قد أبعدته ظروفه القاسية، وجنود الغدر والاستعمار عن مصر وهي أحوج ما تكون إليه، فقد ظلت بها روحه الوثابة، ومصر في ذياك الوقت قلب الإسلام النابض، وأمل العروبة الغض؛ لأن تركيا -وهي مقر الخلافة- كانت عجوزًا مشولة الأطراف، جافة الفؤاد يابسة العود، وتعتلج في أحشائها الوساوس والدسائس، ويسيطر عليها خلفاء شبعوا من اللذائذ المادية حتى بشموا، وانغمسوا في حمأة الشهوات حتى شرقوا، والشام قد هجرها المستنيرون الأحرار، واستوطنوا مصر هربًا بنفوسهم الأبية أن يذلها الظلم، ويجرحها الحيف والاضطهاد, وبقية أقطار العروبة في سباتٍ عميق، أو يقظةٍ قريبةٍ من الوسن، قد أعدتها تركيا بأدوائها، فهي تترنح تحت فكتات الأمراض الاجتماعية وآلامها المبرحة, وتكاد تسلم الروح إعياء وهزالًا.
(1/280)

أجل, قد بقيت روح جمال الدين بمصر ترفرف على واديها في شخص محمد عبده1 وهو شيخ من صيم ريف مصر، وأرسله أبوه إلى الجامع الأحمدي ليتعلم كما يتعلم كثير من الناس بعد أن حفظ القرآن، ولكنه تمرد على هذ التعليم بعد سنة ونصف, حاول فيها أن يفك طلاسم "الأجرومية" فأعيته الحيل، فأيقن أنه غبيّ، وأنه غير مستعدٍّ لتلقي العلم, وصمَّمَ على العمل في الحقل كما يعمل إخوته وأهله؛ بيد أن والده أكرهه على الاستمرار في طلب العلم, فهرب إلى أحد أخوال أبيه هو:
الشيخ دوريش:
والشيخ دوريش من الشخصيات التي أثَّرت في عقل محمد عبده وفي نفسه وفي خلقه, وحددت له أهدافه في الحياة، ولا يذهبن بك الظن، فتتخيل أن الشيخ دوريشًا هذا فيلسوف أوتي الحكمة وفصل الخطاب، وأنه عالم من علماء التربية الأفذاذ, فلم يكن -علم الله- إلّا شيخًا صوفيًّا سليم العقيدة، نَيِّرَ البصيرة, على حظٍّ قليل من العلم وكثيرٍ من التجارب، فقد تتلمذ على السنوسي بطرابلس، وجاب بعض الأقطار يتلقى على رؤساء الصوفية طريقة الدعوة وسياسة النفس.
جاء الشيح محمد عبده إلى الشيخ دوريش هاربًا2 من العلم, وكان في الخامسة عشرة من عمره فتيًّا قويًّا مغرمًا بركوب الخيل واللهو مع أمثاله من الشباب، ولكن الشيح دوريش تلقَّاه كما يتلقى الطبيب المريض, وعالج هذه العقدة التي كونتها "الآجرومية" في نفس الفتى، وأعطاه كتابًا سهلًا في المواعظ
__________
1 ولد محمد عبده بقرية "شنرا" بمدرية الغربية سنة 1266هـ-1849م, وانتقلت به أمه إلى بلدة أبيه "عبده خير الله" محلة نصر بمديرية البحيرة بعد ولادته بقليل، وكان أبواه ذا مكانةٍ ملحوظةٍ في قريته, يمتاز بقوة الجسم وصحته ,بشيء من سعة الرزق والكرم والاستنارة، وقد ورث عنه محمد عبده كل هذا.
وقد ترك محمد عبده ترجمة حياته في وثيقتين؛ إحداهما كتبها استجابةً لصديقه الشاعر الرحالة الإنجليزي "ولفرد سكاون بلنت" وفيها شيء عن أصل أسرته, وجزء من تاريخ حياته W.S.Blunt Secret Hisstory Of Egypt, London 1907. والثانية ما نقله عنه الشيح رشيد رضا إجابةً على أسئلة وجهها إليه. انظر المنار 8 ص405 وما بعدها.
2 مع العلم أنه كان قد تزوج وصمم على المكث بالبلدة، ولكن والده أمره بالذهاب إلى طنطا بعد أربعين يومًا من زواجه.
(1/281)

والأخلاق, ولم يكن للفتى صبرٌ على القراءة, وسرعان ما مل المجلس، ولكن الشيخ درويشًا أخذه برفقٍ وتؤدة, وكان يفسِّرُ له ما يقرأ, فوجد الفتى فيما قرأ لذة، وانصرف عن اللهو، وعكف على قراءة الكتب، ويقول في ذلك: "وطلبت منه يومًا إبقاء الكتاب معي، فتركه، ومضيت أقراؤه، وكلما مررت بعبارةٍ لم أفهمها وضعت علامةً لأسأله عنها، إلى أن جاء وقت الظهر وعصيت في ذلك اليوم كل رغبة في اللعب، وهوًى ينازعني إلى البطالة، وعصر ذلك اليوم سألته عمَّا لم أفهمه, فأبان معناه على عادته، وظهر عليه الفرح بما تجدد عندي من الرغبة في المطالعة, والميل إلى الفهم, ولم يأت اليوم الخامس إلّا وقد صار أبغض شيءٍ إليَّ هو ما كنت أحبه من لهوٍ وفخفخةٍ وزهوٍ، وعاد أحب شيءٍ إليّ ما كنت أبغضه من مطالعة وفهم"1.
وهكذا استطاع الشيخ درويشًا أن يحل العقدة النفسية، ويعيد للفتى ثقته بنفسه وفي ذكائه، ويرغبه في العلم, وقد أفاد الفتى من ذلك درسًا لم ينسه مدى حياته، وهو أن الأزهر بحاجةٍ إلى الإصلاح الشامل في كتبه التي تدرس, وفي المعلمين الذين يقومون بالتدريس, وكان هذا أحد أهدافه في الحياة كما سترى.
وقد أفاد من الشيخ درويش درسًا آخر وقر في نفسه, وبدَّلَ من قيم الأشخاص والناس عنده, فلم يعد يهتم بالتفوق الماديّ والغنى والجاه، بل علمه أن الإنسان الكامل في هذه الحياة هو من أمن وعمل صالحًا سواء كان غنيًّا أو فقيرًا، وعلمه كذلك أن الإسلام الصحيح يتنافى مع الأخلاق المنحلة والفساد؛ لأنه عقيدة وعمل، لا ألفاظ تقال، ثم عَلَّمَه كذلك أن الإسلام دينٌ سهلٌ سمحٌ، وأن مصدره الذي يجب أن يؤخذ منه هو القرآن وحده2.
ظلت هذه الدروس التي تلقاها في صباه تنمو وتترعرع في نفسه, حتى صارت مبدأ يسعى إليه وغاية يصبوا إلى تحقيقها.
__________
1 وبهذا برهن الشيخ درويش في قريته على أنه أقدر من علماء الأزهر في هداية الطلاب وتحبيبهم في القراءة, ولقد كان مشايخ الصوفية في الماضي رسل هداية وتبشير, وعلى أيديهم أسلم كثير من وثنيي السودان وزنوج غابات إفريقية، وهم الذين نشروا الإسلام في كثير من بقاع الأرض, فأين منهم متصوفة زماننا الذين لا هَمَّ لهم إلّا ملء البطون وكنز الأموال.
2 كان الشيح درويش تلميذًا للسنوسيين كما رأينا، وهؤلاء كانوا يتبعون مذهبًا شبيهًا بالمذهب الوهابي، وهو الرجوع بالإسلام إلى بساطته الأولى، متجنبين البدع وتفسيرات المتأخرين وزياداتهم في العقائد والفروع.
(1/282)

وليس هذا كل ما فعله الشيخ درويش من توجيه لتلميذه، بل كان يلقاه في الإجازات الصيفية بعد عودته من الأزهر، ويلومه على عزلته وعدم الاختلاط بالناس ودراستهم وإفادتهم بما عرف، وكان يغشى به المجالس, ويحمله على أن يتحدث إلى الناس ويجيب عن أسئلتهم ويكون لهم مرشدًا؛ لأن العلماء الذين يعنون بعلمهم على الناس لا خير فيهم، وقد بقي الشيخ محمد عبده حتى مات وهو يعمل بهذ النصيحة، ويرشد الناس كبارًا وصغارًا, رعيةً وساسةً، فرحم الله الشيح درويشًا, لقد أدى للإسلام ولمصر وللشرق خدمة جليلة.
في الأزهر:
وتحول الشيخ محمد عبده من الجامع الأحمديّ إلى الأزهر، وكان الأزهر في ذلك الوقت على حالة من الفساد لا تطاق، وبحسبك أن تقرأ تقريرًا وضعه الشيخ عبد الكريم سلمان1 عن هذا المعهد وحال أساتذته وطلبته، ومدة الدراسة فيه2 وحال العلم، فإن الكتب التي كانت تدرس به من نتاج العصور المتأخرة, يدرسها أساتذة لا يفهمون الغاية منها، ولا يستطيعون كتابة أربع جمل صحيحة3، وكان به كثير من ضيقي الفكر الذين يرمون الناس بالزندقة والكفر جزافًا؛ مثل: الشيخ عليش، ولكن كان به مَنْ هيأتهم الظروف لأن يتسع أفقهم بعض السعة كالشيخ البسيوني، والشيح حسن الطويل، وكان ذكيًّا حكيمًا له نظرات في الحياة صائبة، يقرأ الفلسفة فيُرْمَى بالزندقة.
__________
1 لم يحمل التقرير اسم الشيح عبد الكريم, ولكن اشتهر بأنه له, وفيه أعمال مجلس إدارة الأزهر من ابتداء تأسيسه سنة 1321هـ, وهي مدة اشتغال الشيح محمد عبده في مجلس الأزهر.
2 كانت إجازات الطلاب كثيرة, ففي مولد السيد البدوي، والدسوقي، ويوم عاشوراء, والمولد الحسيني، ومولد الشافعي، والعفيفي, والشرقاوي، وهذا عدا الأعياد الإسلامية, والمولد النبوي, ورمضان, والأعياد الرسيمة, ولم تكن مدة الدراسة تزيد عن ثلاثة أشهر ونصف, يخرج منها الخميس والجمعة من كل أسبوع.
3 وقد مَرَّ بك وصف عبد الله فكري لهم في ص157 من هذا الكتاب, وقد كان الشيح أحمد الرفاعي يدرس في ذلك الوقت كتاب "المطول في البلاغة" ويعترف أنه لا يحسن أن يكتب خطابًا ولو غير بليغ؛ لأن هذا عمل تلاميذ المدرسة المدنية "أحمد أمين بمجلة الثقافة العدد 388" واعتذر أحد أكابر العلماء وهو الشيخ الإمبابي عن حضور وليمةٍ في رمضان؛ فكتب رسالة الاعتذار على ورقةٍ من أوراق العطار, وأخطأ فيها عشرة أخطاء نحوية، "محمد عبده لمحمد صبيح ص65، وتقرير الشيح عبد الكريم سليمان".
(1/283)

كانت هذه حال الأزهر العلمية حين وفد إليه محمد عبده، ناهيك بالقذارة التي كانت تلوث المسجد وصحنه، ودورة مياهه وأروقته، والفوضى الخلقية التي كانت سائدةً بين طلابه, وأخذ الشيح محمد عبده يدرس العلوم المتداولة بالأزهر حينذاك؛ من نحو وفقه وتفسير، وأما العلوم الحديثة فلم يكن يسمع عنها الأزهر ورجاله، ومن يتعرض لها فهو كافرٌ في عرفهم, مارق عن جادة الدين.
وكان الشيح درويش حينما يعود الطالب الفتى يسأله عمَّا درس بالأزهر في عامه, بعد أن يستمع إليه قليلًا يسأله: ما درست المنطق؟ وما درست الحساب؟ وما درست الهندسة؟ فيجيب الشيح محمد عبده بأن هذه الدروس لا يرى الأزهريون تعليمها, فيقرر له هذا الصوفيّ المنزوي في قريته بأن كل العلوم يجب أن تعلم، وعلى الطالب أن يسعى إليها في كل مكان، ويقول له: "إن الله هو العليم الحكيم, ولاعلم يفوق علمه وحكمته، وإن أعدى أعداء الحكيم هو السفيه! وما تقرب أحد إلى الله بأفضل من العلم والحكمة، فلا شيء من العلم بممقوت عند الله، لا شيء من الجهل بمحمود لديه إلّا ما يسميه بعض الناس علمًا، وليس في الحقيقة بعلم؛ كالسحر, والشعوذة, ونحوهما, إذا قصد من تحصيلهما الإضرار بالناس, فأي رجل كان الشيح درويش هذا؟ وعلى أي حال من الجهل كان الأزهر؟
التمس الشيح محمد عبده بعض هذه الدروس التي وجهها إليه مرشده عند الشيح حسن الطويل1، بيد أن هذه الدروس لم تشبع نهم نفسه، على الرغم من طرافتها، وذكاء مدرسها, وسعة مداركه، وإنما كانت مثيرة لنفس الشيح محمد عبده، تبعث فيها الرغبة إلى الاستقراء والتعمق والوصول إلى الحقائق الواضحة
__________
1 وكان الشيح حسن الطويل من الشخصيات الفذة في عصره، ذا ذكاء حادٍّ ومعرفةٍ بالرياضيات، وكان مدرسًا بدار العلوم، وقد بلغ من مهارته في الرياضيات أن كان يحل لطلبتها ما أشكل عليهم من تمرينات الهندسة، وكان على معرفة بكتب الفلسفة القديمة, وبالدنيا والسياسة, وكان ذا شجاعة في الكلام بما يعتقد لو حرم منصبه بدار العلوم، وزهد في الدنيا, حتى لا يهمه منها شيء، يلبس ثيابًا رخيصة، ويأكل قليلًا, ويدعى إلى موائد الأغنياء للإفطار في رمضان فيأكل من طبق الفول, ويزهد فيما عداه، ويطرد من دار لعلوم لكلامه في السياسة, فنيفق عليه صاحب مقهى بلدي، فلما عاد إلى عمله سلمه الشيح حسن الطويل مرتبه لينفق كما كان يفعل وهو مطرود، وكان يدرس في الأزهر الفلسفة والمنطق.
(1/284)

بدون تردد أو التواء، وأن تستشف ما وراء هذه الألفاظ القديمة، وأن تصل هذا العلم القديم بالحاضر الجديد، وتحل مشكلات الحياة بعامة، ومشكلات مصر بخاصة، ولم يكن ذلك ميسورًا عند الشيح حسن الطويل، وإنما تهيأ لمحمد عبده أن يدرك هذه الغاية عند أستاذه الأكبر جمال الدين الأفغاني حين وفد على مصر وقد تحابَّا وتصادقَا، ووجد جمال الدين في محمد عبده التربة الخصبة التي تحيل تعاليمه عملًا صادقًا قويًّا لا ينقص منه شيء, بل يزيد على مرور الأيام نماءً، ووجد محمد عبده في جمال الدين الأستاذ الذي كمل له ما كان يشعر به من نقص؛ فإذا كان الشيح درويش قد لقنه شيئًا من التصوف سابقًا, فقد كان تصوفًا خياليًا, تحوَّل على يد جمال الدين إلى تصوفٍ عمليٍّ، وإذا كان الشيخ درويش قد بعث فيه الجرأة لمواجهة الناس والتحدث إليهم وبث تعاليمه بينهم، فقد مكنه جمال الدين من اختيار الموضوعات الصالحة التي يتكلم عنها، وأفسح أمامه أفق الإصلاح, فتعددت شعبه وميادينه؛ من دينية وخلقية واجتماعية، ثم إن جمال الدين حرضه على استخدام سلاحٍ آخر في ميدان الدعوة، غير الخطابة والمشافهة، ألا وهو سلاح القلم؛ حتى تسير دعوته مشرقة ومغربة، فتشمل القريب والبعيد، وحتى تكون متقنةً رائعةً تغذيها التؤدة والفكر الناضج والمنطق, وقد فتن محمد عبده بجمال الدين وبدروسه وبروحه المتوجهة وحماسته العارمة، ونشاط فكره, ونظراته للحياة، ووجد فيه ما لم يجده عند حسن الطويل, فلا بدع إذا رأيناه يكتب بخط يده على نسخة من كتاب قديم: "وكان الفراغ من قراءته وتقريره عند لسان الحق، وقائد الخلق إلى جناب الحق، خلاصة من تحلى بالحكمة، ومنقذ الضالين في تيه الجهالة والغمة، ومحيى الحق والدين, أستاذنا السيد جمال الدين" وكان يلقبه "الحكيم الكامل".
وكان جمال الدين يبادل محمد عبده حبًّا بحبٍّ, وإعجابًا بإعجابٍ، فقال عندما رحل من مصرسنة 1879: "تركت لكم الشيخ محمد عبده، وكفى به لمصر عالمًا". وهى كلمة تدل على مبلغ اعتقاد هذا المصلح الكبير في تلميذه, وقدرته على تنفيذ تعاليمه, والقيام بالدعوة إليها من بعده, وقد روى المخزومي في خاطراته أن جمال الدين لم يذكر اسم محمد عبده إلّا مقترنًا بكلمة "الصديق" أو "صديق
(1/285)

الشيخ"، ولما اعترض عبد الله نديم على ذلك وقال له ذات يوم: "أيها السيد, ما غفلت مرةً عن إضافة لفظ الصديق إلى الشيخ محمد عبده, كأنه لم يكن بين الناس صديق غيره؛ إذ تراك تنعت من سواه بلفظ صاحبنا أو فلان من معارفنا، أجاب جمال الدين بقوله: وأنت يا عبد الله صديق، ولكن الفرق بينك وبين الشيخ محمد أنه صديقي على الضرَّاء، وأنت صديقي على السراء، ويعترف محمد عبده بأنه مدينٌ بالشيء الكثير لجمال الدين ويقول: "إن أبي وهبني حياة يشاركني فيها "أخواي" علي ومحروس, والسيد جمال الدين وهبني حياة أشارك فيها محمدًا وإبراهيم وموسى وعيسى والأولياء والقديسين" وقد مرت بك كلمته في قدرة جمال الدين على تفتيق المعاني, وكيف يتكلم في كل فنٍّ كأنه من كبار أساتذته.
ومنذ اتصل محمد عبده بجمال الدين ابتدأ اتصاله بالحياة العامة، والجهاد في سبيل إصلاحه الأمة, وهو بعد طالب في الأزهر، ولم ينل شهادةً تجيز له التدريس, فقد كتب في "الأهرام" في السنة الأولى من صدورها بعض مقالاتٍ دلَّت على روحه وجرأته مثل: "الكتابة والقلم" و"المدبر الإنساني والمدبر الروحاني" "والعلوم الكلامية الدعوة إلى العلوم العصرية"1. ولخص بعض دروس أستاذه في الفلسفة بجريدة "مصر" التي كان يصدرها أديب إسحق، وكان من الطبيعيّ أن يثير هذا ضجةً حول ذلك الشيح الأزهريّ الجرئ, فمن معجب به ومن حاقد عليه، ومن جامدٍ ساخطٍ يرميه بالزندقة.
وأخيرًا تقدم الشيح محمد عبده لنيل شهادة العالمية، وقد تآمر الممتحنون عليه قبل مثوله أمامهم، وعزموا على ألّا يمنحوه العالمية، بيد أنه خيب أملهم بعلمه ومهاراته في تصريف الكلام, وسعة اطلاعه, وسرعة بديهته، ووجد من الشيخ العباسي المهدي عطفًا، واستطاع الشيح العباسي أن يقنعهم بوجوب منحه الشهادة, ولكن أصروا في عنادٍ على أنه لن ينالها من الدرجة الأولى, واكتفوا بإعطائه الدرجة الثانية2 في غرة رجب 1294هـ-1877م.
__________
1 انظر تاريخ الشيخ محمد عبده لرشيد رضا ج27-57, وسنتكلم عن هذه المقالات فيما بعد من حيث قيمتها الأدبية.
2 وقد رجع الأزهر فيما بعد ذلك بست وعشرين سنة عن هذا القرار, ومنح الشيح محمد عبده في سنة 1904 العالمية من الدرجة الأولى، وكان شيخ الأزهر إذ ذاك الشيخ علي الببلاوي.
(1/286)

وتصدَّى الشيخ محمد عبده بعد ذلك للتدريس بالأزهر، وأثار حوله ضجةً كبيرةً, فالشيخ عليش يهم بضربه؛ لأنه رجَّحَ مذهب المعتزلة في مسألة من مسائل على مذهب أهل السنة، وتراه يتحدى علماء الأزهر جميعًا بإعطاء مائة جنيه لمن يبرهن على "أن الله واحد" وينظرهم إلى الغد، ويفتتح الدرس ويسأل الحضور -وقد توفادوا أفواجًا- عن العالم الذي يريد مائة جنيه, ويقرر في حجج دامغة وحدانية الله، ويسود الصمت، وتضطرب القلوب، وتتقلب الأبصار مدةً غير وجيزةٍ, ثم يبدأ هذا العالم الصغير درسه غير تاركٍ شبهةً إلا وضحها, ولا حجةً إلا أوردها، ولا عويصًا إلا حله، فترك في بعض القلوب فرحة، وفي كثير من القلوب غصة.
وكان يخص بعض مريديه بدروس في منزله تختلف نوعًا عن دروس الأزهر, فيدرس لهم "تهذيب الأخلاق" لابن مسكويه، ويقرأ لهم كتاب "التحفة الأدبية في تاريخ تمدين الممالك الأوربية" للمؤلف الفرنسيّ "جيزو" وقد عربه "حنين نعمة خوري".
ثم عُيِّنَ الشيخ محمد عبده في أواخر سنة 1878 مدرسًا للتاريخ بدار العلوم؛ إذ توسط رياض باشا في هذا التعيين، ولم يدرس ملخصًا من ابن الأثير أو الطبري أو ما شاكلهما من الكتب القديمة, ولكن عمد إلى "مقدمة ابن خلدون" يبسط في درسه آراء هذا النابغة في أصول المدنية والاجتماع، وألف كتابًا في "علم الاجتماع والعمران" فُقِدَ ولم يعثر عليه1، وعُيِّنَ محمد عبده في نفس الوقت مدرسًا للعلوم العربية بمدرسة الألسن، وكان همه -سواء كان في الأزهر أو دار العلوم أو الألسن- هو إيجاد نابتة من المصريين تحيي اللغة العربية والعلوم الإسلامية، وتقوم عوج الحكومة"2:
__________
1 أحمد أمين في مجلة الثقافة العدد 389, والمنار ج8 ص403-404.
2 المنار ج8 ص404.
(1/287)

محرر الوقائع المصرية:
ثم درات الأيام دورتها وعزل إسماعيل عن العرش، وتولى توفيق, ونُفِيَ السيد جمال الدين كما عرفت من قبل، وتسلم محمد عبده راية الإصلاح بعد أستاذه, ووجد في رياض باشا مشجعًا وحاميًا, فعينه محررًا للوقائع المصرية، وجمع الشيخ حوله بعض النابهين من الشباب1, وأنشأ بالجريدة "الرسمية" قسمًا أدبيًّا تنشر به المقالات الإصلاحية والاجتماعية، وقد كانت الجريدة تفرض على أعيان البلاد وموظفي الدولة, ويجدون بها قرارات جافة ركيكة العبارة, وأراد رياض باشا أن يجعل للجريدة الرسمية قيمةً في ذاتها, تحمل الناس على طلبها رغبة فيها؛ ليقفوا على ما تتضمنه من الأوامر واللوائح، فيكونوا على بصيرةٍ مما تريده الحكومة بهم ومنهم من غير إكراه، وكان قد أحس بتوجيه الأفكار إلى طلب شيء من طلاوة العبارة، ووفرة المعنى, وحسن الانتقاد"2.
ووضع الشيخ "لائحة" للجريدة الرسمية, وجعلها مشرفة على كل ما يصدر في البلاد من كتب وصحف، وحق إنذار هذه الصحف عربية أو أجنبية، ومعاقبتها بالتعطيل الدائم أو المؤجل كي يلزمها الوقوف عند حدود الوقار فيما تكتب, مع إطلاق الحرية لها في تبيين الحقائق وكشف وجوه الخطأ والصواب بدون خوف, كما أعطت هذه اللائحة لرئيس تحرير الوقائع الحق في انتقاد جميع إدارات الحكومة حتى وزارة الداخلية التي يتولاها رياض باشا؛ وذكر السيد رشيد رضا أن "أول ما بدأت الجريدة بانتقاده طريقة التحرير التي كانت متبعة في
__________
1 أمثال سعد زغلول، وعبد الكريم سلمان، وإبراهيم الهلباوي، ومحمد خليل والسيد وفاء.
2 من كلام الشيخ محمد عبده قبل أن يتولى رئاسة تحرير الوقائع: المنار ص406 وما بعدها.
(1/288)

النظارات والإدرات، فأخذت تبين وجه الخلل بها, وإضرارها بفهم المعاني المطلوبة، ثم ترسم الطريقة المثلى التي يجب السير عليها، فلم تمض أشهر قليلة حتى ظهر فضل ذوي الإلمام باللغة العربية من موظفي الحكومة، وحضهم رؤساؤهم على مكاتبة الجريدة الرسمية سترًا لعيوب الإدارات؛ واضطر الجاهلون باللغة والتحرير إلى استدعاء المعلمين, أو المبادرة إلى المدارس الليلية ليتعلموا كيفية التحرير"1.
وبهذا صار محمد عبده مشرفًا على الأداة الحكومية جميعها، تراجعه جميع الإدارات في كل ما لديها من الأعمال الهامة والتي تنوي عملها، وقد اشتدت حملته على وزارة المعارف وتبيان ما بها من خلل وفوضى وسوء إدارة، فأدى ذلك إلى إنشاء مجلس أعلى لها, واختير به عضوًا، وكانت الوقائع المصرية منبرًا تذاع منه تعاليم جمال الدين في العدل والتربية الخلقية والإصلاح الاجتماعي، فيتكلم عن الفقر ومشكلته, وعن "وخامة الرشوة" وعن "العفة ولوازمها" وعن "القوة والقانون" وعن"منتدياتنا العامة وأحاديثها"2 وغير ذلك من المقالات الاجتماعية والإصلاحية, بيد أنه لم يخض في المسائل السياسية، ولعل ذلك لأن رياض باشا هو رئيس الوزارة، وله عليه يد لا تنكر، أو لأنه كان يتعمد مذهب رياض في التدرج وعدم الطفرة, وظل بمنصبه هذا إلى أن قامت الثورة العرابية.
__________
1 تاريخ الأستاذ الإمام, الجزء الأول، هذا وقد أنذر محمد عبده مرة مدير جريدة مشهور بتعطيل جريدته إذا لم يختر لها محررًا صحيح العبارة في مدة معينة، فأسرع مدير الجريدة إلى تنفيذ ما أراد رئيس تحرير الوقائع، وتعقبت الجريدة مرةً مدير بني سويف وانتقدته انتقادًا مرًّا, فأصدر أمره بعدم دخولها, وراجع وزارة الداخلية في أمرها فنصرت الجريدة عليه, ونشرت فعلته في منشور عام.
2 تاريخ الأستاذ الإمام, الجزء الثاني, ص68 وما بعدها إلى ص225.
(1/289)

محمد عبده والثورة:
كان محمد عبده يختلف مع جمال الدين في طريقه الإصلاح، فبينما الأول يريد أن تقفز الأمة قفزًا، وتتمتع بالشورى والحرية على يد مجلس نيابي يشرع لها القوانين, وتكون الحكومة مسئولة أمامه، كما تكفل في ظله حرية الفرد الشخصية؛ إذ بمحمد عبده وأصحابه يرون أن الإصلاح لا ينتج إلّا إذا تربت الأمة وتعلم أبناؤها كيف يحكمون أنفسهم بأنفسهم, وأن يسير الإصلاح تدريجًا في كل ناحية، حتى في العادات، "وإنما الحكمة أن تحفظ لها عوائدها الكلية المقررة في عقول أفرادها, ثم يطلب بعض التحسينات فيها لا تبعد منها بالمرة, فإذا اعتادوها طلب منهم ما هو أرقى بالتدريج حتى لا يمضي زمن طويل إلّا وقد انخلعوا عن عاداتهم وأفكارهم المنحطة إلى ما هو أرقى وأعلى من حيث لا يشعرون1.
وكان يرى أن الشرق إنما ينهض على يد مستبد عادلٍ يحكمه خمس عشرة سنة, يصنع فيها ما لا يصنع العقل وحده في خمسة عشر قرنًا, مستبد يكره المتناكرين على التعارف، ويلجئ الأهل إلى التراحم، ويقهر الجيران على التناصف، ويحمل الناس على رأيه في منافعهم بالرهبة، إن لم يجملوا أنفسهم على ما فيه سعادتهم بالرغبة، عادل لا يخطو خطوة إلّا ونظرته الأولى إلى شعبه الذي يحكمه, وإن هذا رأي رياض باشا.
وانقسمت الأمة فريقين، فريق النهضة السريعة والإصلاح العاجل, ويتزعمه شريف باشا, وهو كما صوره محمد عبده "من أقوى عوامل النهضة التي انقلبت إلى فتنة" في رأيه، ومن ألسنة هذا الفريق وأسلحته البتارة أديب إسحق، وفريق يود النهضة البطيئة المتدرجة, ويتزعمه رياض باشا, ويناصره في رأيه محمد عبده2.
__________
1 من مقالة الأستاذ الإمام تحت عنوان "خطأ العقلاء". انظر تاريخ الأستاذ الإمام, ج2 ص123.
2 كتب محمد عبده مقالات في الشورى, وقد كانت من وحي جمال الدين, ولم يكن مؤمنًا بها, بل كان يرى أن تنشأ أولًَا المجالس البلدية, ثم بعد سنتين تأتي مجالس الإدارة لا على أن تكون آلات تدار, بل على أن تكون مصادر للآراء والأفكار, ثم تتبعها بعد ذلك المجالس النيابية.
(1/290)

ولما قامت الثورة على يد العسكريين, وتزعم عرابي مطالب الذين يريدون المجلس النيابي، وانضم إليه كثير من زعماء الأمة, وفي مقدمتهم سلطان باشا، وعبد الله نديم، وامتزجت مطالب الجنود بمطالب الأهالي، وطلب العدالة بين الضباط بطلب الحكم النيابي بإلغاء الاستبداد، لم يكن محمد عبده من المحبين لهذه الثورة أو العاملين فيها؛ لأنه كان يكره عرابي باشا، ويعتقد أنه شهم في الكلام, ضعيف في الحرب، أليق به أن يكون واعظًا للعوام من أن يكون زعيم أمة، ويقول فيه: "كان أحمد عرابي ينظر إلى رؤسائه من الجراكسة نظر العدو إلى عدوه، وكان يحتقرهم في نفسه لاعتقاده إنهم دونه في المعرفة، ويرى أنه أحق منهم بالرتب العالية التي كانوا يتمتعون براتبها ونفاذ الكلمة فيها، وربما لم يكن مخطئًا في الكثير منهم، وكان أجرأ إخوانه على القول وأقدرهم على إقامة الحجة" ونسي محمد عبده أن عرابي كان يبادل هؤلاء الجراكسة احتقار باحتقار، لأنهم كانوا ينظرون إلى المصريين دونهم في كل شيء, وحرمهم المناصب العالية، وأنهم السادة وهم الخدم.
ولكذلك كان مناوئًا للثورة في أول الأمر, ويعترف بذلك صراحة فيقول: "كنت معروفًا بمناوأة الفتنة واستهجان ذلك الشغب العسكري، وتسوئة رأي الطالبين لتشكيل مجلس النواب على ذلك الوجه، وبتلك الوسائل الحمقى.. مررت ببيت "طلبة" ثالث يوم عيد الفطر فسمعة جلبة، ورأيت بعضًا من صغار الضباط يجولون من جانبٍ إلى آخر من البيت, فدخلت للزيارة فوجدت عرابي، وجمعًا غفيرًا من الضباط، ووجدت معهم أحد أستاذة المدرسة الحربية، فجلست واستمر الحديث في وجهته، وكان موضوعه: الاستبداد والحرية وتقييد الحكومة بمجلس النواب، وأن لا سبيل للأمن على الأرواح والأموال إلّا بتحويل الحكومة إلى مقيدة دستورية, فأخذت طرفًا من البحث، فأقمنا على الجدل ثلاث ساعات، كان عرابي والأستاذ في طرف والكاتب في طرفٍ وهما يقولان: إن الوقت قد حان للتخلص من الاستبداد، وتقرير حكومة شورية، والكاتب يقول: علينا أن نهتم الآن بالتربية والتعليم بعض سنين, وليس من اللائق أن نفاجئ البلاد بأمر قبل أن
(1/291)

نستعد له، فيكون من قبيل تسليم المال للناشئ قبل بلوغ سن الرشد يفسد المال، ويفضي إلى التهلكة"1.
فأنت تراه يسمي الثورة فتنةً وشغبًا عسكريًّا، ووسائل حمقى، ويعارض في قيام حكومة دستورية، ويرى أن الأمة غير مستعدة للحياة النيابية في ذلك الحين.
لم يكن محمد عبده مشايعًا للثورة في أول الأمر؛ لأنه لم يكن معتقدًا بها ولا في صلاح الأمة لأن تتولى أمورها بيدها، وأخذ يناهضها ويقول: "ليس من الحكمة أن تعطي الرعية ما لم تستعد له، فذلك بمثابة تمكين القاصر في التصرف بماله قبل بلوغه سن الرشد وكمال التربية المؤهلة والمعدة للتصرف المفيد" ويقول مرة أخرى، وكأنه كان يتكلم بلسان القدر: "إن الأمة لو كانت مستعدة لمشاركة الحكومة في إدارة شئونها لما كان لطلب ذلك بالقوة العسكرية معنًى، فما يطالب به رؤساء العسكرية الآن غير مشروع؛ لأنه ليس تصويرًا لاستعداد الأمة ومطلبها، ويخشى أن يجر هذا الشغب على البلاد احتلالًا أجنبيًّا يسجل على مسببه اللعنة إلى اليوم القيامة"2.
ولم يكن محمد عبده من الموالين لتوفيق باشا حتى يُتَّهَمَ بأنه ناهض الثورة من أجله، ولكنه كان مستقل الرأي، وبعد مدةٍ لم يستطع أن يقف مسلوب اليد والأمة كلها في صف واحد، وهو وفئة قليلة في صف، ورأى المسأة تتعلق بكرامة الأمة, بعد أن تدخل المواثيق ويحرر بيانات الثورة للشعب وللدولة، ويحض قومه للتجنيد ويحمسهم للقتال، ولا يدخر في سبيل ذلك وسعًا، وكان يستعين بالوقائع "وهي الجريدة الرسمية" على نشر أفكار الثورة3, وصار يرى أن مصر أصحبت صالحةً لحكم نفسها بنفسها, وأن الثورة قد علَّمت الناس الاتجاه نحو المنافع العامة, فلم يعودوا في حاجة إلى تربية وتعليم".
__________
1 مذكرات محمد عبده عن الثورة العرابية وتاريخه, رشيد رضا ج1 ص217.
2 المنار ج7 ص412 وما بعدها.
3 المنار ج8 ص416.
(1/292)

وأخيرًا أخفقت الثورة وسجن محمد عبده مائة يوم، وحُقِّقَ معه, وحكم عليه بالنفي, فاتخذ بيروت ملجأً1.
بعد الثورة:
وفي بيروت التف حوله العلماء والأدباء, ودرَّسَ بالمدرسة السلطانية, وكانت أشبه بمدرسة أولية، فارتفع بها حتى صارت مدرسة عالية, ولكن مقامه بها لم يطل؛ إذ طلب إليه أستاذه جمال الدين أن يلحق به في باريس فلبى دعوته3 وأصدرا معًا مجلة "العروة الوثقى" وقد مر بك شيء كثير عنها ونبذ من مقالاته بها. وهنا تعجب كيف تغيرت لهجة الشيخ محمد عبده في "العروة الوثقى" ولم يعد ذلك المصلح المتأني الذي يأخذ الأمور بالرفق، ويسعى للإصلاح في هوادةٍ, بل نراه ثورة متأججة وذا قلم عنيف، كما اتسع غرضه، ولم ينظر لمصر وحدها, بل شمل العالم الإسلامي كله، والحق أن الشيخ محمد عبده في "العروة والوثقى" لم يستطع أن يقاوم تأثير جمال الدين عليه، وناهيك بجمال الدين قوةً وحماسةً ونارًا مشبوبة.
وعُطِّلَت "العروة الوثقى" بعد ثمانية عشر عددًا، وسافر جمال الدين إلى إيران.. وعاد الشيخ محمد عبده إلى بيروت، وقد أخفق مرتين: أخفق في الثورة العرابية، وأخفق في استمرار العروة الوثقى, فالتف حوله مريدوه، وشرح لهم نهج البلاغة، ومقامات بديع الزمان، وأخذ يفسر لهم القرآن الكريم على النحو الذياتبعه بمصر, من غير أن يتقيد بكتاب أو تفسير خاص، بل اتخذ آيات القرآن مجالًا لوصف أدواء المسلمين وعلاجها، ودرس الفقه على المذهب الحنفي بالمدرسة السلطانية، وهناك ألَّف رسالة التوحيد، وصار يكتب بعض المقالات في جريدة "ثمرة الفنون" مشاهبةً لمقالاته في "الوقائع المصرية"3.
__________
1 تاريخ محمد عبده جـ2 ص217.
2 لم يتجاوز سنة حينذاك أربعة وثلاثين سنة، المنار جـ8 ص455.
3 ووضع في هذه الأثناء لائحتين: واحدة في إصلاح التعليم الديني بمدراس المملكة العثمانية, ورفعها إلى شيح الإسلام بتركيا، وفيها يقر أن ضعف المسلمين سببه سوء العقيدة والجهل بأصل الدين, وأن ذلك أضاع أخلاقهم وأفسدها، ووضع لائحةً أخرى رفعها إلى والي بيروت, تتضمن إصلاح سوريا, ووصف سوء حالها بانتشار المدارس الأجنبية بها، واقترح تعميم المدارس الوطنية وإصلاح التعليم الديني والعناية به، وهكذا برهن على أنه مصلح في كل مكان يحل به "تاريخ الإمام ج3 ص339 وما بعدها".
(1/293)

كان محكومًا عليه بالنفي ثلاث سنوات، ولكنه مكث ببيروت ست سنوات, وذلك لأن توفيقًا كان غاضبًا عليه1، وكان يجهر بخطيئة توفيق في حق الوطن ويقول2: "إن توفيق أساء إلينا أكبر إساءة، لأنه مهَّدَ لدخولكم -أي: الإنجليز- بلادنا، ورجل مثله انضم إلى أعدائنا أيام الحرب لا يمكن أن نشعر نحوه بأدنى احترام، ومع هذا, إذا ندم على ما فرط منه, وعمل على الخلاص منكم, ربما غفرنا له ذنبه, إننا لا نريد خونة وجوههم مصرية وقلوبهم إنجليزية".
فكان من العسير أن يعود في عهد توفيق، بيد أن رياض باشا عاد إلى الوزارة، وكان من الذين يجلون الأستاذ الإمام, ويتعقدون فيه النفع والخير لمصر، فما لبث أن سعى لدى توفيق هو وبعض ذوي النفوذ1 حتى عفا عنه، وكان عفوًا قريبًا من الاعتذار.
بعد العودة من المنفى:
عاد محمد عبده إلى مصر, فوجد الأمور قد تغيَّرَت, وصار الحل والعقد بيد الإنجليز، ولم يعد الخديو صاحب الأمر والنهي كما كان من قبل، ورأى لزامًا عليه وهو المصلح ذو المشروعات الحية في النهوض بالأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية أن يعتمد على سلطةٍ تؤيده وتهيئ له الاستمرار في إصلاحاته، فسالم الخديو -على الرغم منه- واستعان بالإنجليز على الإصلاح المنشود، ولا تعجب بعد هذا إذا صار جمال الدين حانقًا عليه, ويرى فيه الرجل الذي تنكَّر لمبادئه ومَدَّ يده لأعذاه يهادنهم ويسالمهم, ورث محمد عبده من جمال الدين آراءه الإصلاحية الاجتماعية، وورث عبد الله نديم وسعد زغلول ومصطفى كامل آراءه السياسية.
__________
1 لأن محمد عبده جاهر بخلع توفيق أثناء الثورة "مشاهير الشرق ج2 ص282".
2 من حديث له مع مكاتب "البول ميل جازيت" وهو بإنجلترا.
3 المعروف أن من الذين توسطوا في طلب العفو عنه الأميرة نازلي, وكانت ذات مكانة، والغازي مختار باشا، ثم اللورد كورمر, وقد كان له الفضل الأكبر في عودته والعفو عنه، وفي الواقع لم يعف عنه توفيق إلّا بضغط الإنجليز, فأي صلة كانت بين محمد عبده تلميذ جمال الدين والإنجليز؟ - يظهر أن أصحاب محمد عبده حين طلبوا عودته إلى مصر تعهدوا بألّا يشتغل بالسياسية، ثم إن كرومر وهو الداهية السياسيّ رأى أن يجذب نحوه هذا العالم الجليل ويأمن شره ما دام لن يشتغل بالسياسة، وهذا ما جعل جمال الدين يحنق عليه ويلومه أشد اللوم، حتى قطعت العلاقة بين الأستاذ وتلميذه؛ لأنهما اختلفا في الوسيلة "راجع المنار ج8 ص467".
(1/294)

وقد ظل محمد عبده متمسكًا بسياسة التقرب من الإنجليز والاستعانة بهم حتى آخر حياته، وكان هذا مثار الطعن فيه والغض من شأنه، ولكنه كان يصدر فيه عن عقيدة وجرأة، فقد استُفْتِيَ مرةً في الاستعانة بالأجانب فكان من فتواه "قد قامت الأدلة من الكتاب والسنة وعمل السلف على جواز الاستعانة بغير المؤمنين وغير الصالحين على ما فيه خير ومنفعة المسلمين" ونسي قوله تعالى: {لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} .
وأمل محمد عبده بعد عودته أن يرجع إلى التدريس بدار العلوم ويتصل بالنشء، ويربي طائفة من الشباب يعدهم للغد، يحملون بعده راية الإصلاح؛ ولكن أبى عليه توفيق ذلك1، وعُيِّنَ قاضيًا أهليًّا، ثم مستشارًا في محكمة الاستئناف، ووجد نفسه في بيئةٍ غريبةٍ عنه, تدل بمعرفتها للغة الفرنسية والقوانين الأجنبية, فدفعته نفسه الطموح إلى أن يكمل هذا النقص، وبدأ يتعلم الفرنسية3 وهو في سن الأربعين أو ما قاربها، وقد استطاع بعد مدة أن يتقنها, وترجم منها كتاب التربية لسبنسر بعد أن نقل من الإنجليزية إلى الفرنسية، وروى لطفي السيد أن محمد عبده هو الذي كان يجلو لإخوانه المصريين ما غمض عن عبارات الفيلسوف "تين" في كتابه المشهور عن "الذهن".
وقد رأى الأستاذ الإمام فائدة تعلم اللغة الأجنبية ولمسها, وفي ذلك يقول: "ثم إن الذي زادني تعلقًا بتعلم لغة أوربية هو أني وجدت أنه لا يمكن لأحد أن يدعي أنه على شيء من العلم يتمكن به من خدمة أمته، ويقتدر به على الدفاع عن مصالحها كما ينبغي, إلّا إذا كان يعرف لغة أوربية, كيف لا! وقد أصبحت مصالح المسلمين مشتكبة مع مصالح الأوربيين في جميع أقطار الأرض، وهل يمكن مع ذلك لمن لا يعرف لغتهم أن يشتغل للاستفادة من خيرهم, أو للخلاص من شر الشرار منهم؟ "
__________
1 المنار ج8 ص467, وتاريخ الأستاذ الإمام ج3 ص242.
2 روى أن المعلم أتى له بكتابٍ في قواعد اللغة الفرنسية فقال له: ليس عندي وقت لأن أبتدئ، وإنما عندي وقت لأن أنتهي": قال ناول المعلم كتاب "لألكسندر ديوما" وقال له: أنا أقرأ وأنت تصلح لي النطق وتفسر لي الكلام, وما عدا ذلك فهو عليّ، والنحو يأتي في أثناء العمل, وهكذا أتممت الكتاب، وكتابًا بعده وثالثًا عقبه، وكنت أطالع وحدي بصوتٍ مرتفعٍ كلما وجدت نفسي في بيتي خاليًا, فتعلمت مبادئ اللغة الفرنسية، وحصلت منها ما يمكنني من القراءة والفهم, ولكن ما كنت أستطيع الكلام".
(1/295)

واشتهر محمد عبده بعدله في القضاء، ونظره إلى روح القانون، وعدم تقيده بالقالب والألفاظ، وقد ساعدته دراسته للشريعة الإسلامية في هذا كل المساعدة.
إصلاح الأزهر:
مات توفيق وتولى عباس سنة 1892م, وقد عاد لتوه من أوربا فتًى ممتلئًا حماسةً وغيرةً وحبًّا للخير ورغبةً في إنهاض مصر من كبوتها وتخليصها من الاحتلال، فغيَّرَ رجال الحاشية, وجمع حوله أقوياء الرجال حتى ضاق الإنجليز, فأخذوا يكيدون له، ورأى محمد عبده أن يستفيد من حماسة عباس، فتقرب منه وبسط آراءه في الإصلاح، وهو إصلاحٌ يتناول جهات لا تهم الإنجليز في شيءٍ, وهي الأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية، وليكن البدء بالأزهر، وارتاح الخديو للشيخ, وكلَّفَه بوضع تقرير مشروع للإصلاح، وسرعان ما وافق عليه وكوَّنَ مجلس إدارة الأزهر برئاسة الشيخ حسونة النواوي, وعُيِّنَ محمد عبده، وعبد الكريم سليمان عضوين به، وهكذا أتيحت للشيح الفرصة التي طالما نشدها للإصلاح, ولكن هل استطاع الإصلاح؟!
إنا نقول كما قال أحمد أمين1 "يالله وإصلاح الأزهر! ما حاوله أحد ونجح ولا الشيخ محمد عبده، لأن كل المحاولات كانت تتجه إلى هامش الموضوع لا أساس الموضوع، وكانت عن سبيل استرضاء أهله, والخوف من أي قلق واضطراب، وهم يتزعمهم طائفة ألفت القديم حتى عدته دينًا، وكرهت الجديد حتى عدته كفرًا، وعاشت إلى المغارات فلم تر ضوءًا, وأفنت عمرها في فهم لفظ، وتخريج جملة, وتأويل خطأ، فلم تر حقائق الدنيا، فإذا أتى المصلح سمم أهله الجو حوله، واحتموا بالدين يخيفون به الحكومة، ويكسبون به عامة الشعب.
المشكل لا يحل إلّا بالعلاج الحاسم، وهو أن يتبع الأزهر الحكومة تبيعة الجامعة، ويستقل استقلالها ويخضع في نظمه لما ترشد إليه علوم التربية الحديثة, ويرقى برقيها، ثم ينفذ ذلك من غير خشية".
__________
1 مجلة الثقافة العدد 392.
(1/296)

وأضيف إلى هذا بالأزهر اليوم وفي كل حين ثروة معنوية عظيمة تضيع هباءً وتوجه وجهةً خاطئةً، ولا تفيد منها الأمة شيئًا، ولو حولت هذه الجامعة الأزهرية إلى جامعة مدنية ينفق عليها من الأموال الموقوفة على الأزهر، ويتعلم الطلبة فيها بالمجان, لما حرمت الأمة من الثروة العظيمة، ولنبغ من أبنائها الطبيب النطاسي، والمهندس الفذ، والرياضي القدير، والصيدلي الماهر، أما الدين فتخصص له طائفة، تسد الفراغ وتلي شئونه من وعظ وإمامة وغير ذلك، لقد اتجه الأزهريون اليوم إلى الوظائف ولم يعودوا يطلبون العلم لذاته كما كان يفعل أسلافهم، فوجب على الأمة والحكومة أن تعدهم الإعداد الصالح لهذه الوظائف, وتتولى شئون الأزهرن بحزم, وتنهض به نهضة تليق باسمه وتاريخه، فيتعلم أبناءه اللغات الأجنبية, فإذا جادلوا في الدين جادلوا بالحجة القوية, وعرفوا مواطن الضعف عند سواهم، وإذا درسوا الفلسفة والمذاهب الحديثة تفتح أمامهم سبل الاطلاع, على أن تتجه جمهرتهم إلى التعليم المدني, وبذلك تفيد الأمة من هذه الثروة المعنوية الضائعة، ومصر بحاجة إلى أكثر من جامعة.
حاول الإمام محمد عبده إصلاح الأزهر، فلم يصلح سوى الشكل من زيادة مرتبات العلماء ووضع لائحة كَسَى التشريف، والامتحان, ومساكن الطلبة، ولكن حين ابتدأ ينظر إلى الدارسة وطرقها والكتب التي تدرس والمناهج, وجد العقبات أمامه جمةً, وأخفق في محاولاته, ونفض يده من الإصلاح، لقد كان كارهًا للطريقة الأزهرية في معالجة الدرس والشروح والحواشي والتقارير وعلك الألفاظ، وقد عرفنا أنفًا كيف كادت هذه الطريقة أن تحرم مصر إمامها ومصلحها، ولقد قال له يومًا الشيخ البحيري مدافعًا في مجلس إدارة الأزهر عن هذه الطريقة: "إننا نعلم الطلاب كما تعلمنا" فقال له الشيخ محمد عبده: "وهذا ما أخاف منه"، فقال البحيري مستنكرًا: "ألم تتعلم أنت في الأزهر, وقد بلغت ما بلغت من مراقي العلم وصرت في العلم الفرد؟! " فأجاب الإمام: "إن كان لي حظٌّ من العلم الصحيح الذي تذكره، فإنني لم أحصله إلا بعد أن مكثت عشر سنين أكنس من دماغي ما علق به من وساخة الأزهر، وهو إلى الآن لم يبلغ ما أريد له من النظافة1".
__________
1 من تقرير الشيخ عبد الكريم سلمان من التعليم في الأزهر.
(1/297)

وهذه كلمات دل على مرارة وألم، وعلى أن الشيخ لم ير في الأزهر وعلومه ورجاله ما يبشر بالنجاح، فليت شعري هل تغير الأزهر كثيرًا منذ محمد عبده حتى اليوم؟!
وتولى محمد عبده منصب الإفتاء في يولية 1899، وأضفى عليه وجاهةً دينيةً وجلالًا, وكان في منصبه هذا جريئًا، يصدر الفتاوى التي يرى فيها الجامدون زندقة وإلحادًا، وهو يراها اجتهادًا وتجديدًا وتمشيًا مع روح العصر بما لا يخالف حقيق الدين وجوهره1، ولم تكن العلاقة بينه وبين الخديو عباس طيبة؛ لأن عباسًا يراه مسالمًا للإنجليز مستعينًا بهم, وفي ذلك جرح لوطنية الخديو والتجاء إلى خصومه، وكان الشيخ محمد عبده يعتقد في مهادنة الإنجليز والاستفادة منهم، ويرى في عباس رأيًا آخر, وهو أنه جشعٌ محبٌّ لجمع المال ولو من دماء رعاياه, وقد اصطدم به مرتين؛ أولاهما: حين أراد استبدال أراضي وقف فأبى عليه الشيخ ذلك, ورأى أن هذا الاستبدل ليس في مصلحة الوقف، وحمل مجلس الأوقاف الأعلى على رفض هذا الاستبدال إلّا أذا أُعْطِيَ للوقف عشرين ألفًا من الجنيهات تعويضًا لهم، وثانيهما: حينما أراد الخديو منح بعض رجال حاشيته "كسوة تشريفة" ولم يكن هذا المنح منسجما مع اللوائح، فأوعز الشيخ محمد عبده بعدم تنفيذ أمر الخديو وإعطائها للمستحق، ولما اجتمع العلماء لدى الخديو, وأخذ يؤنب شيخ الأزهر على ذلك, انبرى له الشيخ محمد عبده، وطلب منه إذا أراد التنفيذ أن يغير اللائحة, وينسخ القانون السابق، فاستشاط عباس غضبًا ووقف
__________
1 من ذلك فتوى "الترسنفال" وهي إجابة على ثلاثة أسئلة: أحدها: بقر يضربه النصارى على رأسه بالبلطة حتى تضعف مقاومته, ثم يذبح قبل أن يموت بدون تسمية الله عليه، فهل يجوز أكل لحمه، فأفتى الشيخ بحل هذا اللحم، وكانت للفتوى ضجة؛ لأن علماء الأزهر يقولون هي الموقوذة التي حرَّم الله أكلها, والشيخ يقول: إن الموقوذة التي ضربت بشيء غير محدد كالحجارة والخشب حتى ماتت, وهذه ذبحت قبل موتها، وثانيهما: يوجد أفراد في بلاد الترنسفال يلبسون القبعات لقضاء مصالحهم، وتمكنهم القبعة من جني بعض الفوائد، فهل يجوز ذلك أم لا؟ فأفتى الشيخ بالجواز, ورأى أن لبس القبعة إذا لم يقصد به الخروج من الإسلام والدخول في دين غيره فلا يعد مكفرًا، وإذا كان اللبس لحجب الشمس أو دفع مضرة أو دفع مكروه وتيسير مصلحة لم يكره ذلك، وقد أثارت عليه هذه حملات شديدة من الجهلة وخصومه السياسيين، والثالث: يصلي الشافعي خلف الحنفية بدون تسمية، ويصلون خلفهم العيدين فهل تجوز الصلاة؟ ولم يكن لهذا السؤال ضجة كغيره. راجع تاريخ الأستاذ الإمام ج3 ص84، 167، 179, والجزء الأول ص 267, وتجد نص الفتوى في تاريخه ج1 ص646 وما بعدها.
(1/298)

إيذانًا للعلماء بالانصراف، وقد كان لهذا كله أثر في الحملات الشديدة, والمكايد التي دبرها عباس للشيخ وإيعازه للصحافة بالتشهير به, وانتهاز فرصة فتاويه الجريئة ورميه بالكفر والإلحاد، وكلما هَمَّ الخديو بعزله من منصب الإفتاء صرَّح كرومر بأنه لا يوافق على عزله, ومهما كانت الأحوال ما دام موجودًا.
كل هذا ومحمد عبده ماضٍ في مشروعاته الإصلاحية بالأزهر والمحاكم والأوقاف, وكان الحزب الوطني يناوئه ويحمل عليه بشدةٍ لأنه كان يشايع الإنجليز ويتخذهم أعوانه، وكان الإمام يرى أن مصطفى كامل مخطئ في صلته بالخديو؛ لأن عباسًا لم يكن مخلصًا في وطنيته, ولا هَمَّ له إلّا جمع المال وإيداعه بالمصارف الأجنبية خشية أن يعزله الإنجليز فجأةً، وقد قال محمد عبده في وصف مقالات مصطفى كامل: "إنها مجموعة نوبات عصبية بعضها شديد وبعضها خفيف".
والحق أن التباين كان شديدًا بين عقلية الإمام وعقلية الزعيم الشاب؛ من حيث طريقة التفكير واتخاذ الوسيلة، ولا نستطيع أن ندافع عن موقف الشيخ محمد عبده من الإنجليز واعتماده عليهم, إلّا أن الخديو هو الملوم في ذلك؛ لأنه لم يمكِّنْ هذا المصلح الكبير من السير في إصلاحاته، ولأنه أراد أن يلتهم مال الوقف بدون مبرر؛ وفي مال الوقف قسم كبير جدًّا للأزهر، كلما حاول عباس أن يعبث وقف له محمد عبده بالمرصاد، وحب المال ضعف بشري عام، وكان في عباس أضعف شيء فيه، ولكن دفاعنا هذا لا يسوغ لجوء الشيخ إلى خصوم وطنه وخصوم دينه مهما كان الإصلاح المنشود وقيمته، وما كان له أن يستعين بهم حتى لو ظل الأزهر على ما هو عليه، وهل بعد هذه التضحية استطاع أن يصلح الأزهر؟ كلّا! وقد اعترف بإخفاقه.
ولكن هل تقضي هذه الزلة السياسية على كل ما لمحمد عبده من مجد؟ اللهم لا، فقد شاركه في رأيه السياسي حينذاك كثير من زعماء الأمة؛ كسعد زغلول، وفتحي زغلول، وحسن عاصم، ومحمو عاصم، ومحمود سليمان، وسلطان وغيرهم، إلا أنه تعرض للهجمات أكثر منهم؛ لأن الخديو رأى فيه قوة واعتدادًا بالنفس، وعقبةً في سبيل مطامعه؛ فألَّبَ عليه العلماء الرجعيين, والصحافة المأجورة هزلية وجدية.
(1/299)

وأخيرًا اضطر محمد عبده إلى الاستقالة عقب خطبةٍ ألقاها عباس عند توليته الشيخ الشربيني مشيخة الأزهر، وهي تدل على عظم حنقه وسخطه على محمد عبده وتعريضه به، وجاء في هذه الخطبة: "إن الأزهر أُسِّسَ على أن يكون مدرسةً دينيةً إسلاميةً تنشر الدين في مصر وجميع الأقطار العربية.. ولقد كنت أود أن يكون هذا شأن الأزهر والأزهريين دائمًا, ولكن من الأسف رأيت فيه من يخلطون الشغب بالعلم، ومسائل الشخصيات بالدين، ويكثرون من أسباب القلاقل.. وأول شيء أطلبه أنا وحكومتي أن يكون الهدوء سائدًا في الأزهر, والشغب بعيدًا عنه، فلا يشغل علماؤه وطلبته إلّابتلقي العلوم النافعة البعيدة عن زيغ العقائد وشغب الأفكار؛ لأنه مدرسة دينية قبل كل شيء" ثم ذكر أنه قبل استقالة السيد علي الببلاوي رعايةً لصحته، وأنه مستعد لقبول كل استقالة من سواه, وممن "يحالون بثَّ الشغب بالوساوس والأوهام, أو الإبهام بالأقوال" ويرى أن مثل هذا الشخص يجب أن يكون بعيدًا عن الأزهر.
لم يكن محمد عبده صنيعة الإنجليز، أو مما يتناول أجرًا منهم، أو ممن يستعدونهم على قومهم، ويشجعونهم في أطماعهم الاستعمارية1، وإنما كان يرى أنه مصلح, ولابد له من عضد يسنده في إصلاحه ويشجعه على السير قدمًا في طريق الكمال، ولم يجد في عباس هذا العضد؛ لأنه كان مشغولًا بنفسه, وبجمع المال, وبأهوائه الخاصة، فلجأ إلى الإنجليز، وهذا اجتهاد منه أخطأ فيه, بيد أنه لا يطوح بكل ماضيه وآرائه، فالعظيم لا ينظر إليه من ناحية واحدة, بل لابد من رؤية جميع خصائصه وميزاته، وقد كان محمد عبده إمامًا في الإصلاح الاجتماعي, ورائدًا فذًّا من رواد النهضة الفكرية.
لقد كان ممكنًا أن يلتقي عباس ومحمد عبده ومصطفى كامل2، وينهض الثلاثة بمصر وبالإسلام وبالشرق العربي كله، ولكن لم يتم هذا، كما لم يتم
__________
1 كما فعل سلطان باشا، وعمر لطفي، وكان يكرهما لموقفهما هذا.
2 كان مصطفى كامل يعتمد أول الأمر على عباس ماليًّا فكان من دعاته، ولعل هذا مما عاق اتصال الشيخ بالزعيم الشاب، وروى رشيد رضا "أن الشيخ محمد عبده ومصطفى كامل التقيا على باخرة حملتهما إلى أوربا, وقال الزعيم للإمام: إذا قبلتني من مريديك فإن خدمتك للإسلام ومصر تكون مضاعفة, وأهدى له كتبًا بالفرنسية, وأخذ يرزوه بعد عودته إلى مصر, ولكن الاتصال لم يدم بينهما, كما أن مصطفى كامل قطع صلته بعباس بعد ذلك.
(1/300)

اجتماع محمد علي والسيد عمر مكرم ومحمد بن عبد الوهاب من قبل، واضهد محمد علي الزعيم الروحي لمصر عمر مكرم, والمصلح الديني الكبير محمد بن عبد الوهاب, وحاربه في نجد، وهكذا تكررت المأساة على يد أحد أحفاده بعد خمسين سنة.
وفاته:
استقال محمد عبده من الإفتاء وقد آمن بعجزه عن إصلاح الأزهر عجزًا تامًّا، ولم يلبث بعد ذلك مدةً وجيزةً حتى أحسَّ بالمرض، فعزم على السفر إلى أوربا طلبًا للشفاء, ولم يحل مرضه بينه وبين ما يقوم به من أعمال جليلة في مجلس الشورى وفي الجمعية الخيرية الإسلامية وامتحان دار العلوم، وإعداد مشروع القضاء، وإعداد مشروع الجامعة المصرية, بيد أن المرض ألَحَّ عليه, واختلف فيه الأطباء، هل هو المعدة؟ أو الكبد؟ ثم ظهر أنه السرطان الذي مات به من قبل أستاذه جمال الدين، فأشاروا إليه بعدم السفر, وفي يوم 11 من يولية سنة 1905, انطفأ هذا المصباح الوهَّاج, عن ست وخمسين سنة برمل الإسكندرية، واحتفل بتشييع جنازته رسميًّا، وكان حفلًا رائعًا لم تشهد مصر مثله من قبل, وكان عباس متغيبًا عن مصر فلما عاد وسمع بعظم الحفل واشتراك الحكومة فيه أنَّبَ كل من أسهم في هذا.
أثره في النثر:
لا نريد أن نتعرض هنا لآرائه الاجتماعية والسياسية والخلقية بالتفصيل، وقد مر بنا ما يعطينا عنها فكرةً واضحةً، وإنما الذي يعنينا حقًّا هي آثاره في الكتابة والنثر، وقد عرفنا أنه ابتدأ يكتب في الصحف، وهو بعد طالب في الأزهر، وقد طرأ على أسلوبه الكتابيِّ تغييرٌ كثير منذ المقالة الأولى التي أرسلها لجريدة "الأهرام"1 حتى انتقل إلى جوار ربه، ولمحمد عبده أثر عظيم في النثر العربي, سواء في أسلوبه هو, وجعله مثلًا يحتذى به في الأعمال الجليلة التي قام بها لخدمة النثر والكتابة.
__________
1 العدد الخامس الصادر في 2 سبتمبر سنة 1876.
(1/301)

1- أما أسلوبه فتراه يعنى به عنايةً زائدةً, وإذا قرأت ما كتبه في جريدة الأهرام، تجده متأثرًا بالكتب الأزهرية وخاصة ما أُلِّفَ في الفلسفة الإسلامية؛ من حيث الموضوع وطريقة علاجه، ونجده كذلك لا تفوته سجعة، وإن تكلف في سبيلها المشاق، ويقدم موضوعه بمقدمات طويلة تجهد نفس القارئ وتسئمه، وهاك مثلًا على هذا الأسلوب من مقالة "الكتابة والقلم": "ولما انتشر نوع الإنسان في أقطار الأرض، وبعد ما بينهم في الطول والعرض، مع ما بينهم من المعاملات، ومواثيق المعاقدات، احتاجوا إلى التخاطب في شئونهم، مع تنائي أمكنتهم، وتباعد أوطانهم, فكان لسان المرسل إذ ذاك لسان البريد, وما يدريك هل حفظ ما يبدء المرسل وما يعيد، وإن حفظ هل يقدر على تأدية ما يريد, بدون أن ينقص أو يزيد، أو يبعد القريب أو يقرب البعيد، فكم من رسول أعقبه سيف مسلول، أو عنق مغلول، أو حرب تخمد الأنفاس، وتعمر الأرماس، ومع ذلك كان خلاف المرام, ورمية من غير رام.. فالتجئوا إلى استعمال رقم القلم, ووكلوا الأمر إليه فيما به يتكلم". وهذا النوع من النثر قد وفيناه بحثًا فيما سبق.
ثم لما اتصل بجمال الدين، ورأى منه قدرته على تصريف المعاني، وعلى ابتداع أفكارٍ جديدةٍ, وقرأ معه بعض كتب الفلسفة والمنطق, وخاض في الموضوعات الاجتماعية والسياسية, تدفعه إلى الكتابة عاطفة جياشة وشباب فتيّ, وأثر متقد من نفس أستاذه جمال الدين, لم يجد وسيلة إلّا أن يتخلص من السجع والكلف به وأن يتجنب المقدمات الطويلة، وأن يرتِّبَ الموضوعات ترتيبًا منطقيًّا، ويكثر من استعمال الأقيسة والبراهين، يقلب الفكرة على شتَّى وجوهها؛ ويرى في كلامه قوةً وحرارة إيمان بما يكتب، وهذا النوع من النثر يتجلى في مقالات "الوقائع المصرية" وقد تدرج في إصلاح أسلوبه حتى اشتد وقوي، ثم بلغ درجةً عظيمةً من المتانة, وبرزت فيه هذه المزايا التي ذكرناها في مقالات "العروة الوثقى", فمن نثره في "الوقائع المصرية" قوله في التربية بالمدارس: "من المعلوم البيِّنِ أن الغرض الحقيقي من تأسيس المدارس والمكاتب، والعناية بشأن التعليم فيه إنما هو تربية العقول والنفوس, وإيصالها إلى حدٍّ يُمَكِّنُ المربي من نيل كمال السعادة أو معظمها ما دام حيًّا, وبعد موته، ومرادنا من تربية العقول إخراجها من حيز البساطة
(1/302)

الصرفة والخلو من المعلومات، وإبعادها من التصورات والاعتقادات الرديئة إلى أن تتحلى بتصورات ومعلومات صحيحة تحدث لها ملكة التمييز بين الخير والشر, والضار والنافع، ويكون النظر بذلك سجية لها، أي يكون لنور العقل نفوذ تامٌّ يفصل بين طيبات الأشياء وخبائثها".
وهو أسلوب المصلح الاجتماعي, وقد عرفت خصائص هذا النوع من النثر قبل، ولم يكن يعمد فيه الشيخ محمد عبده إلى تفخيم الألفاظ وانتقائها، وحبك الجمل واستوائها، وقد يستعمل أحيانًا كلمات عامية أو دخيلة للتعبير عما يريد إذا لم تسعفه الكلمة العربية.
أما مقالات "العروة الوثقى" فقد مرت بك نماذج كثيرة منها, فلا داعي لذكر جديد.
ثم مرن أسلوب الشيخ محمد عبده واشتدَّ قلمه، من كثرة ما كتب، وما تناول من موضوعات, وما تأثر به من تجارب وقراءة، وبلغ أسلوبه غايته في مقالته التي يردُّ بها على "هانوتو" وكان وزيرًا لخارجية فرنسا، وقد بحث في كلمته الأسباب التي تدعو المسلمين إلى النفور من الحكم الأجنبي، وهل من وسيلة لتحبيبهم في فرنسا؟ وقد تعرض للإسلام, ولماذا كان المسلمون غير مسيحيين؟ ووازن بين الإسلام والمسيحية، وتعصَّب لدينه ونشرت جريدة "المؤيد"1 مقالته, فرد عليه الشيخ محمد عبده ردًّا مفحمًا, تجلت فيه نصاعة الفكرة، وصدق العاطفة ومتانة الأسلوب، وقوة الحجة، وسلامة البرهان، مع بساطة في التركيب، وسهولة في الألفاظ، وطالت المساجلة بين "هانوتو" والشيخ محمد عبده، وانتصر فيها الإمام انتصارًا بالغًا, وكان من الأسباب التي مكنت له مقامه بمصر بعد عودته من المنفى، ووضعته في مركز الصدارة من مفكري الأمة والذادة عن الدين.
__________
1 تاريخ الإمام ج2 ص382، مقال "هانوتو" ص 382-395, ورد محمد عبده عليه ص 395-411, انظر التفاصيل في تاريخ الإمام ج2 ص289 وما بعدها.
(1/303)

ويقول في إحدى هذه المقالات: "إن أول شرارة ألهبت نفوس الغربيين فطارت بها إلى المدنية الحاضرة كانت من تلك الشعلة الموقدة التي كان يسطع ضوءها من بلاد الأندلس على ما جاورها, وعمل رجال الدين المسيحي على إطفائها عدة قرون فما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، واليوم يرعى أهل أوربا ما نبت في أرضهم بعدما سقيت بدماء أسلافهم المسفوكة بأيدي أهل دينهم, في سبيل مطاردة العلم والحرية وطوالع المدنية الحاضرة".
هذا وقد كانت للشيخ في رسائله الإخوانيه أسلوب يحتفي فيه، بعبارته، وتصوير مشاعره تصويرًا فنيًّا يدل على ذوق أدبي، وتمكن من اللغة والأدب، وعلى أنه ذو موهبة شعرية تمده بالخيالات الطريفة والصور البيانية الجميلة، وقد ذكرنا فيما سبق خصائص هذا الأسلوب, وضربنا عليه أمثلةً من كتابة أديب إسحق، وعبد الله نديم، وعبد الله فكري. وهاك مثلًا من رسالة للشيخ محمد عبده إلى أحد إخوانه وهو في سجن القاهرة بعد أن اتهم بالاشتراك في حوادث الثورة العرابية، وذلك في 9 من المحرم سنة 1320, الموافق 20 من نوفمبر سنة 1881م.
عزيزي:
تلقدتني الليالي وهي مدبرة ... كأنني صارم في كف منهزم
هذه حالتي: اشتد ظلام الفتن حتى تجسم بل تحجر، فأخذت صخوره فمن مركز الأرض إلى المحيط الأعلى، واعترضت ما بين المشرق والمغرب, وامتد إلى القطبين، فاستحجرت في طباع الناس! إذا تغلبت طبيعتها على المواد الحيوانية أو الإنسانية، فأصبحت قلوب الثقلين كالحجارة أو أشد قسوة, فتبارك الله أقدر الخالقين.
رأيت نفسي اليوم في مهمه لا يأتي البصر على أطرافه، في ليلة داجية، غطى فيها وجه المساء بغمام سوء، فتكاثف ركامًا؛ لا أرى إنسانًا، ولا أسمع ناطقًا، ولا أتوهم مجيبًا.
(1/304)

أسمع ذائابًا تعوي، وسباعًا تزأر، وكلابًا تنبح، كلها يطلب فريسةً واحدةً وهي ذات الكاتب، والتف على رجلي تنينان عظيمان، وقد خويت بطون الكل، وتحكم فيها سلطان الجوع، ومن كان هذه حاله فهو لا ريب من الهالكين.
تقطع حبل الأمل، وانفصمت عروة الرجاء، وانحلت الثقة بالأولياء, وضل الاعتقاد بالإصغاء، وبطل القول بإجابة الدعاء، وانفطر من صدمة الباطل كبد السماء، وحقت على أهل الأرض لعنة الله والملائكة والأنبياء والناس أجمعين.
سقطت الهمم، وخربت الذمم, وغاض ماء الوفاء، وطمست معالم الحق، ومزقت الشرائع، وبدلت القوانين، ولم يبق إلّا هوًى يتحكم, وشهوات تقضي, وغيظ يحتدم, وخشونة تنفذ، تلك سنة الغدر، والله لا يهدي كيد الخائنين.
ذهب ذوو السلطة في بحور الحوادث الماضية, ينوسون لطب أصداف من الشبه, ومقذوفات من التهم, وسواقط من اللم, ليموهوها بمياه السفسطة, ويغشوها بأغضية من معادن القوة؛ ليبرزوها في معرض السطوة, ويغشوا بها أعين الناظرين، لا يطلبون ذلك لغامض يبينونه، أو لحقٍّ خفيٍّ فيظهرونه، أو خرق بدا فيرتقونه، أو نظام فسد فيصلحونه، كلّا كلّا بل ليثبتوا أنهم في حبس من حبسوه غير مخطئين"1.
ولعلك تلمس في تلك الشكوى المرة من الخيانة والغدر وعدم الوفاء، وتحكم الأهواء, وهي التي سمعتها من قبل على لسان البارودي بعد أن غدر به أصحابه، وأخفقت الثورة, وزج به في غياهب السجن، ولقد كان الشيخ في نثره شاعرًا جياش العاطفة, بارع التصوير لحاله ولآلامه ولمرارة السجن.
هذا ولم يعن محمد عبده بأسلوبه فحسب, بل حاول أن يحمل الكُتَّابَ على العناية بكتاباتهم, وله في هذا المضمار، وفي النهوض بالكتابة آثار منها:
1- مكَّنَ له منصبه في "الوقائع المصرية" من الإشراف على الجرائد والمجلات, ومراجعة ما يحرره كتبة الدواوين في شئون الحكومة، وقد مر بك كيف أنذر
__________
1 تاريخ الأستاذ الإمام ج2 ص521-522 طبعة أولى سنة 1374 بالمنار.
(1/305)

صاحب إحدى الجرائد بالتعطيل إن لم تغير أحد كتابها, أو تحمله على تحسين أسلوبه, وقد التَفَّ حوله فريق من طليعة كتاب مصر والشرق، وأفسح لهم في "الوقائع المصرية" يدبجون المقالات الاجتماعية والأدبية والسياسية بإرشاده، وكان يرى أن اللغة العربية هي أساس الدين1 وأن حياة المسلمين بدون حياة لغتهم من المحال2.
2- وفي بيروت شرح نهج البلاغة ليسهل على الناس قراءته والإفادة منه، وشرح مقامات بديع الزمان الهمذاني ونشرها حتى تكون زادًا يتغذَّى به طلاب الأدب، ومن ينشدون قوة الأسلوب وسلامة التعبير.
ولما عاد إلى مصر كانت دروسه في البلاغة تختلف عن تلك الكتب التي أفسدتها عجمة مؤلفيها، واختار من كتب البلاغة دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني، وكان السبب في نشرهما لينتفع الناس بهما وقد نشرهما المنار.
وأنشأ جمعية لإحياء الكتب العربية, نشرت "المخصص" لابن سيده، وفي نشره تيسير على طلاب اللغة؛ لأنه من معجمات المعاني، فقد يكون بذهنك المعنى, ولكن يعوزك اللفظ المعبر عنه فتلتمسه في "المخصص" وفي أمثاله من المعجمات، وقام بتصحيح "المخصص" العالم اللغوي الشهير الشيخ محمد محمود الشنقطي, وقد حماه الشيخ محمد عبده، وشجعه على الإقامة بمصر، ولولاه ما بقي3. كما شرع في طبع "الموطأ" للإمام مالك بعد أن جاء بنسخ خطية له من تونس وفاس وغيرهما4.
4- وعهد إلى الأستاذ سيد بن علي المرصفي في تدريس كتب الأدب بالأزهر, أمثال: "الكامل" للمبرد، و"ديوان الحماسة" لأبي تمام، وكانت هذه الدروس غريبة عن الأزهر, ولا عهد له بها، وقد تتلمذ على المرصفي عدد كبير من أدباء مصر البارزين اليوم, أمثال: المنفلوطي، وطه حسين، والزيات، والزناتي, وغيرهم, فهم أثر من آثار توجيهه وإرشاده.
__________
1 تاريخ الإمام ج3 ص259.
2 المنار ج8 ص491.
3 بروكلمان ج1 ص309.
4 المنار ج8 ص491.
(1/306)

وبهذه الوسائل استطاع محمد عبده أن يقدم للنثر العربي خدمة جليلة، ويوجه الكُتَّاب إلى العناية بما يكتبون، غير مقيدين بذلك السجع السخيف, ومنصرفين إلى المعاني وتفتيقها, ودراسة الموضوع دراسة جيدة تفيد القارئ وتجدي على الأمة.
هذا ما كان من أثره في النثر، ولا يسعنا ونحن نختم هذه العجالة عن محمد عبده إلّا أن نقرر أنه أيقظ في مصر الشعور الديني، والرغبة في الإصلاح الاجتماعي، وأن الأولى بالمسلمين أن يعتمدوا في الإصلاح على أنفسهم, ويدعوا الفخر بماضيهم؛ ودعا إلى أن العقل يجب أن يحكم كما يحكم الدين، فالدين عرف بالعقل، وكما دعا إلى الاجتهاد، وعدم الوقوف بالتشريع وبمسائل الدين عند الحد الذي قُرِّرَ من قرون عديدة، وذلك لكي نواجه المسائل الجديدة بتشريعٍ دينيٍّ سليم, قبل أن نغلب على أمرنا، وكان يرى أن أكبر سلاح في الدنيا هو العلم، وأكبر مقوم للأخلاق ومهذب لها هو الدين، والدين الإسلامي لحسن الحظ يتشمى مع العقل، ويحض على مكارم الأخلاق، ويفسح صدره للعلم.
لقد خلف محمد عبده تلاميذه ببررة تأثروا بتعاليمه, وظلوا ردحًا طويلًا من الزمن يفتخرون بانتسابهم إليه وبالأخذ عنه، ومنهم سعد زغلول، وحافظ إبراهيم، وإبراهيم المويلحي، والهلباوي، ومصطفى صادق الرافعي بمصر، وإبراهيم اليازجي، وأحمد الحمصاني بسوريا, وعدد كثير سواهم ممن حملوا لواء الإصلاح بعده, وكان لهم الأثر البالغ في أوطانهم ونهضتها، وإن كان قد صبغهم في أثناء حياته بطابعه السياسي الخاص، ووجه ميولهم صوب الإنجليز، فهادونهم، وتعانوا معهم في كل شيء، فلما تُوفِّيَ الشيخ محمد عبده, أسرع بعضهم إلى جبهة الوطنيين مثل حافظ إبراهيم، وتأخر الزمن قليلًا ببعضهم عن ذلك المضمار, ولكن ما لبث بعضهم حتى صار زعيم الوطنية بمصر كسعد زغلول.
(1/307)

3- عبد الله نديم:
أعجوبة من أعاجيب عصره، يقف وحده في كل ما تميز به من سجايا، لا يدانيه فيها امرؤ من أهل زمانه؛ ويخيل إليك وأنت تقرأ سيرته أنك أمام رجل من رجال الأساطير, يروعك بذكائه الخارق، وقوة عارضته، ومتين حجته، وشجاعته الفائقة، وبحياته المليئة بالأحداث، وبما بلغ من شهرة، وبما حارب من أبطال، وبما أفزع من دول, ولم يكن في حسب جمال الدين وعلمه، ولم يدرس ما درس محمد عبده, وإنما نشأ في بيئة فقيرة1 فعانى البؤس وشظف العيش؛ ولكن الله الذي يهب العبقرية لمن يشاء أودع حظًّا كبيرًا منها في رأس عبد الله النديم، وزوَّدَه بنفس شجاعة، ويد سخية، وكانت هذه الخلال رأس ماله الذي واجه به الحياة, وقد استطاع أن يسجِّلَ اسمه لامعًا في سجل الخلود.
دراسته وتجاربه:
لم يرق لعبد الله العلم الذي وجده بمسجد الشيخ إبراهيم باشا، وهو عِلْمٌ شيبه بما كان يدرس في الأزهر حينذاك، ووجد في جفاف العلوم، وعقم الطريقة، ورداءة الكتب وركاكة عبارتها, ما نفره من الأزهر المصغر، وحُبِّبَ إليه نوعٌ آخر من الدارسة تهواه نفسه، وينسجم مع ما أودع فيها من مواهب؛ فغشي مجالس الأدباء يسمع شعرًا وزجلًا، ونوادر وقصصًا, فتهتز نفسه طربًا، ويتمنى أن يكون أحد هؤلاء الشعراء أو الزجالين؛ وكانت له ذاكرةٌ حادةٌ تلتقط كل ما تسمع فوعى كثيرًا.
وقد كان لهذا أثرٌ كبيرٌ في حياته الأدبية، ولا سيما وقد خالط أبناء الطبقة الفقيرة, وجمهرة الشعب, ووقف على عاداتهم وأمثالهم ونوادرهم وظروفهم وسرعة بديهتهم، فتاثرت بذلك نفسه الحساسة وذوقه المرهف.
__________
1 كان أبوه مصباح إبراهيم نجارًا في أول أمره، ثم خبازًا، ويحصل من مخبزه على الكفاف من العيش، ويعول أسرة كبيرة العدد، يعيش في مسكن متواضع، وقد أرسل ابنه عبد الله إلى المكتب, ثم إلى مسجد الشيخ إبراهيم باشا في الإسكندرية، وغاية ما يرجوه أن يتعلم قليلًا منه ثم يعود إليه ليعاونه.
(1/308)

ولكن هيهات أن يرضى أبوه بهذه الدراسة غيرة المنتظمة وهو رجل يكد ويتعب لينال الكفاف, وكان يؤمل أن يرى ابنه عالمًا كبيرًا كهؤلاء الذين يرى الناس يقبلون أيديهم, أو على الأقل يساعده بما تعلَّم من حساب ولغة، فلما بدت هذه النزعة نفض منه يده، وأخذ عبد الله يعول نفسه، وتعلم في الإشارات "التلغرافية"، وأتيح له بعد أن أتقن هذا الفن أن يشغل وظيفة بقصر والدة الخديو إسماعيل بالقاهرة، فشاهد الغنى والجاه، وألوانًا من الحياة والعيش لم يرها من قبل؛ شاهد العز في أوجه، كما عرف الفقر في أبشع صوره من قبل.
وعاوده بالقاهرة حنينه إلى مجلس الأدباء والشعراء, فصار يَجِدُّ في البحث عنهم، فتارةً يذهب إلى الأزهر ويطَّلِعُ على ما أخذ رفقاءه1, وأحيانًا يغشى منازل الأدباء ويتعرف عليهم ويستفيد منهم، فتوثقت صلته بالبارودي، وعلي أبي النصر، وعبد الله فكري، ومحمود صفوت الساعاتي، والشيخ أحمد الزرقاني، وحمد بك سعيد بن جعفر مظهر باشا الشاعر الناثر، وعبد العزيز بك حافظ2, وغيرهم من الأدباء أو محبي الأدب، فاتسعت ثقافته الأدبية بهذا الاختلاط، وعرف مزايا كلٍّ منهم، ووقف على فنه، وشاركهم في مجلس أنسهم وطريقتهم ومطارحتهم, فأضاف إلى خزينة أدبه ما وعاه في هذه المجالس من طرفٍ وملحٍ وروايةٍ.
ولكن مقامه بالقاهرة لم يطل؛ إذ زَلَّ قلمه وهو في الوظيفة, فأغضب خليل أغا3 المشرف على القصر، وناهيك به في ذاك الوقت جبارًا، لا يرد له أمر، وبذلك فقد عبد الله وظيفته، وضاقت عليه القاهرة بما رحبت، فضرب في البلاد هائمًا على وجهه حتى وصل إلى "بدواي" بمديرية الدقهلية، وأخذ يعلم أبناء عمدتها القراءة، لكن هذا العمدة ضَنَّ عليه بالأجر، فثارت ثائرة عبد الله نديم، وأخذ يصوغ في هجاء هذا العمدة ألوانًا مقذعةً من الهجاء, كانت أول ما عرف من أدبه، واكتشف نفسه أديبًا ذا سطوةٍ في القول، حادَّ اللسان, عنيف الخصام, حاضر البديهة.
__________
1 وكان من رفقائه الخلصاء الشيخ حمزة فتح الله.
2 وقد دبج عبد الله نديم مقالًا في هؤلاء الأدباء, أتى فيه عليهم, ووصف كلًّا منهم ببعض النعوت والمدائح، راجع سلافة النديم ج21 ص34.
3 وهو خصي, كان ذا حظوةٍ عظيمةٍ لدى إسماعيل وأمه، وكانت إشارته حكم, وطاعته غنم, كأنه كافور الإخشيدي أو يزيد.
(1/309)

ثم نراه في المنصورة يتجر في "العصائب" ويجمع حوله الأدباء والشعراء, فأكل الربح رأس المال الذي جاد به عليه أحد الكرماء، ووجد نفسه بعد مدةٍ في دكانٍ مملوء بالشعراء, خلو من السلع، فهام على وجهه مرة أخرى بالبلاد حتى وصل إلى طنطا إبان مولد السيد البدويّ, واتصل بشاهين باشا كنج1، وكان رجلًا ذا جاه يجتمع حوله الأدباء والظرفاء, وله ببيته منتدى يضم أنماطًا شتَّى من ذوي اللسن والنكتة والفكاهة، وقد مكث عبد الله نديم في ضيافته مدةً ينعم بكرم وأدب وراحة، وكان واسطة العقد يبهر الناس بأدبه وطلاقة لسانه وسرعة بديهته، وكان يتحداه الأدباء، ويحاولون تعجيزه ولكنه بهرهم بمواهبة؛ وقد روي أن بعضهم اقترح عليه أن يعارض دالية المتنبي المشهورة التي مطلعها:
__________
1 وقد وقع له مع شاهين باشا حادثة تدل على مبلغ بديهة عبد الله نديم واستعداده الأدبي, فقد قال هو عن نفسه: "كنت بمولد السيد البدوي ومعي السيد علي أبوالنصر والشيخ علاوة, وجلسنا على قهوة الصباغ نتفرج على أديب وقف يناظر آخر، فلما فطن أحدهم لانتقادنا عليهما استلفت أخاه إلينا، وخصنا بالكلام، فأخذا يمدحاننا واحدًا فواحدًا, إلى أن جاء دورهما إليّ, فقال أحدهما يخاطبني:
أنعم بقرشك يا جندي ... وإلا اكسنا أمل يا أفندي
ولا أنا وحياتك عندي ... بقي لي شهرين طول جوعان
فقلت على سبيل المزاح:
أما الفلوس أنا مديشي ... وأنت تقول لي ما امشيشي
يطلع على حشيشي ... أقول أمص لك لودان
ولما بلغ شاهين باشا ذلك وأني غلبت هؤلاء "الأدباتية" طلب شيخهم، ووعده إن غلبوني يعطهم ألف قرش. وإن غلبتهم يضرب كل واحد من عشرين "سوطًا" واجتمع لذلك حشد من الناس كبير, وابتدأ كبيرهم فقال:
أول كلامي حمد الله ... ثم الصلاة على الهادي
ماذا تريد يا عبد الله ... قدام أميرنا وأسيادي
فقلت:
إني أريد أحمد ربي ... بعد الصلاة على المختار
وإن كنت تطمع في أدبي ... أسمعك بعض الأشعار
فقال:
دعنا من الأدب المشهور ... وادخل بنا باب الدعكة
ندخل على أسيادنا بسرور ... ونغنم الخير والبركة
فقلت:
ها احتكم في البحر وشوف ... فن النديم ولا فنك
دقولت أسمع يا متحوف ... أحسن أدب وحياة دقنك
وهكذا استمر عبد الله نديم يشاجل هؤلاء الأدباتية حتى أفحمهم, وتجد ثبتًا لا بأس به بمجلة الأستاذ, كتبه بنفسه، ونقله أحمد باشا تيمور في كتابه "تراجم أعيان القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر".
(1/310)

أقل فعالي بله أكثره مجد ... وذا الجد فيه نلت أو لم أنل جد
وادعى المفترح أنه لا يتأتى لشاعر أن يعارض المتنبي في قوله بهذه القصيدة:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوًا له من صداقته بد
فقبل النديم التحدي، وأنشأ قصيدة مطلعها:
سيوف الثنا تصدا، ومقولي الغمد ... ومن صار في نصري تكلفه الحمد
ومنها يعارض بيت المتنبي:
ومن عجب الأيام شهم أخو حجا ... يعارضه غر ويفحمه وغد
ومن غرر الأخلاق أن تهدر الدما ... لتحفظ أعراض تكفلها المجد
وليس هذا شعرًا صادرًا عن عاطفة أو فكرة، وإن هو إلّا مهارة لسانية، وإظهار لمقدرة كلامية، وقوة عارضة، وتوقد خاطر، وأثر الصنعة باد عليه، ولكن الشعر في عصر عبد الله نديم كان كذلك.
ثم عاد إلى الإسكندرية في سنة 1879، بعد أن غاب عنها طويلًا, ووجد الأمور والأحداث قد بدلت حديث الناس وسمرهم, ولم يعد الشعر وروايته والأدب ودرايته هي ما يشغل المستنيرين بمصر عامة، والإسكندرية بخاصة، وإنما كان يشغل الناس حينذاك إسراف إسماعيل وتهوره، وتدخل الأجنبيّ في شئون البلاد وتجبره, ووجد بالإسكندرية جمعية سرية تسمى: "مصر الفتاة" تنقد إسماعيل وأعماله صراحة، وتعبر عن آلام الأمة وآمالها، ووجد الصحف قد تغيرت لهجتها، وصارت بفضل تعاليم جمال الدين ميدانًا، فيه الأقلام المرهفة الحادة على الظلم والعنفوان والاستبداد والقسوة, وتطلب الشورى وإنصاف الشعب، ورأى عبد الله نديم أن هذا الأدب الجديد ينسجم مع نفسه, فألقى بها في هذا التيار، تيار السياسة القوي, حتى صار من قواد الأمة السياسيين، ورائدًا من رواد الوطنية الأوائل، فأخذ يغذي الصحف بمقالاته السياسية، وحَوَّلَ هذه الجمعية السرية إلى جمعية علنية تعمل في ضوء النهار، وسماها الجمعية
(1/311)

الخيرية الإسلامية، وقد مر بك شيء عنها, وكان من أغراضها تأسيس معاهد العلم يربى فيها النشء تربيةً وطنيةً، ويلقنون العلم بطرق حديثة تحببه إليهم، وتغرس في نفوسهم المثل العليا، وتعودهم قيادة الأمة وإرشادها, ولذلك عمد إلى تشيجع تلاميذ المدرسة على الخطابة، ولم يكتف بهذا, بل كان يؤلف روايات تمثيلية في نقد بعض العيوب الاجتماعية، ويمثلها هو وتلاميذه أمام جمهور المتعلمين بالمدينة؛ كرواية "الوطن وطالع التوفيق" و"العرب", وقد حضرها الخديو توفيق تشجيعًا، ولقي نجاحًا ملحوظًا أثار عليه حسد بعض الناس.
ولم يلبث أن ترك الجمعية الخيرية ومدرستها حين ظهر بها خلل نسب إليه، فتفرغ للصحافة وأنشأ جريدة "التبكيت والتنكيت"1، يدبج فيها مقالات ظاهرها هزل, وباطنها جد, يصور فيها عيوب المجتمع المصري تصويرًا شائقًا بأسلوب تهكميٍّ لاذعٍ، ويطلب من القراء أن يعاونوا في تحريرها بقوله: "كونوا معي في المشرب الذي التزمته, والمذهب الذي انتحلته، أفكار تخيلية، وفوائد تاريخية, وأمثال أدبية, وتبكيت ينادي بقبح الجهالة وذم الخرافات؛ لنتعاون بهذه الخدمة على نحو ما صرنا به مثلة في الوجود من ركوب متن الغواية, واتباع الهوى اللذين أضلانا سواء السبيل". وسنتعرض لنهجه أو طريقة كتابته بها فيما بعد، وحسبنا أن نقول الآن: إن أسلوب هذه الجريدة والموضوعات التي عالجتها، والحرارة التي كتبت بها هذه الموضوعات، والجرأة الأدبية التي تمثلت في صراحتها, وهجماتها على كثيرٍ من قلاع الفساد بمصر, حببها إلى جمهرة القراء، وبغضها إلى المنافقين وأدعياء الوطنية.
ثم قامت الثورة العرابية في الظروف التي علمتها من قبل، وصادفت هوًى في نفس النديم؛ لأن مبادئها كانت تنادي بالإصلاح السياسي والاجتماعي الذي طالما دعى إليه في جريدته، ووجد الثوار أنفسهم في حاجة إلى خطيب ذلق اللسان، حاضر البديهة، وجياش العاطفة, مصري غيور على وطنه، يكون لسانهم الناطق
__________
1 صدر أول عدد منها في 8 رجب سنة 1298، 6 يونيه سنة 1881.
(1/312)

وداعيتهم المحبوب، فلم يجدوا خيرًا من عبد الله النديم, فألحوا عليه حتى شايعهم, فكان معهم كما أردوا وزيادة، وطلب منه عرابي أن يغير اسم جريدته1 ويسميها "الطائف" تيمنًا باسم طائف الحجاز، وتفاؤلًا بأنها تطوف المسكونة كما جابتها جوائب الشدياق.
وابتدأ الطائف قويةً عنيفة اللهجة, تنقد إسماعيل نقدًا مرًّا، وتشرح للناس كيف أسرف، وكيف استولى على الأراضي، وتصوّر بؤس الفلاحين في السخرة -أيام إسماعيل2, والعذاب المهين الذي يصبه الرؤساء على الناس, ويلهبون ظهورهم بالسياط في سبيل الجباية ودفع الضرائب، ويضيف إلى كل ذلك ما رآه بنفسه من مشاهد دامية، وقلوب قاسية, ورؤساء يزدادون غلظةً طمعًا في الترقية، وما لجأ عبد الله نديم إلى كل هذه الموضوعات إلّا ليسوغ طلب الثور الحكم النيابي ضمانًا للعدالة، وجبًّا للاستبداد وعهوده؛ وطلب الثوار من وزارة الداخلية أن تعتمد "الطائف" لسانهم المعبر فوافقت على ذلك، وصارت "الطائف" مقياسًا لتطور الثورة، فتارةً تذم الأروبيين وتحمل عليهم حملاتٍ شعواء لتدخلهم في شئون البلاد، وآونةً تصب نقمتها على توفيق؛ لأنه مَكَّنَ لهم في مصر، وغَضَّ الطرف عن ازدياد نفوذهم, وكان النديم في "الطائف" يدلس في أخبار الثورة والقتال تهدئةً للناس, فيصور الهزيمة نصرًا حتى تمت الهزيمة، وأسقط في يد الثوار.
ولم يكن "الطائف" وحده الذي يدعو إلى الثورة ويحرض عليها، ويشجع الناس على التطوع والتبرع، بل خطبه المؤثرة وحماسته المتدفقة، وقدرته على تصنيف الكلام، ومخاطبة كل طائفة بالأسلوب الذي تفهمه، من أشد العوامل على إشعال نار الثورة، وازدياد لهيبها3.
__________
1 وكان آخر عدد صدر من التنكيت في 23 ذي القعدة سنة 1298هـ, وصدر منها ثمانية عشر عددًا.
2 لأن من حسنات رياض التي تذكر له أنه ألغى السخرة في أوائل عهد توفيق؛ كإقامة الجسور على النيل أيام الفيضان، وحفر الترع من غير أجر، وكان كثير من الملاك يسخرون الفلاحين في أرضهم بدون أجرة, فمنعهم رياض من ذلك منعًا باتًّا, فأثار حفيظتهم؛ ولعل ذلك ما جعل محمد عبده ينظر إليه دائمًا بأنه المستبد العادل الذي يجب أن يحكم البلاد خمش عشرة سنة حتى يصلح شئونها.
3 كان يخطب في كل مجتمع: في الأزهر وطلبته, والجيش وجنوده، وفي حفلات الأفراح, فما يكون مجتمع إلّا ويطمع أن يكون فيه عبد الله نديم خطيبًا هو وجماعة من تلاميذه.
(1/313)

كان عبد الله نديم يمثل الروح المصرية أتم تمثيل، ويعرف عادات البلاد وصفات أهلها أتم المعرفة، ويحس بشعورهم وآلامهم، وما يعانونه من جور وقسوة على يد حكامهم، ولا بدع فقد خالطهم، ونشأ بينهم، وتشرَّبَ بمشربهم، وعانى مثل ما عانوا, وتربى في أحضان الفقر والفاقة، واختلط بشتَّى الطبقات، وكثرت تجاربه في الحياة, ولذلك كان يحترق شوقًا إلى الحرية، وإلى رفع الظلم عن كواهل مواطنيه، ورفع مستواهم الاجتماعيّ والثقافيّ, وأن يعيشوا في بحبوحة من العيش.
وكانت موهبته الحقة في لسانه، ويعرف أن دعوته إلى الإصلاح وإلى الثورة وإلى التعبئة القومية أيام الثورة العرابية لن تصل إلى أسماع العامة وقلوبهم إلّا عن طريق الخطابة، لفشو الأمية، ولتاثر الناس بالسماع والمشاهدة.
وقد أوتي فصاحة للسان، وقوة الحجة والبيان، ومعرفةً عميقةً بنفسية الشعب, وكيف يهيجه بعذب الكلام، استمع إليه يحث الناس على مجاهدة الإنجليز وحربهم, بعد أن نزلوا الإسكندرية، وبدا منهم الغدر والعدوان، بذلك الأسلوب الساحر القصير الفقرات, الذي يمزجه بآيات القرآن، وأبيات الشعر فيزاد قوة ورونقًا وتحميسًا:
أيا نخوة الإسلام هزي رجالنا ... لحرب بها عز البلاد يدوم
يا بني مصر:
هذه أيام النزال، هذه أيام الذود عن الحياض، هذه أيام الذب عن الأعراض، هذه أيام يمتطي فيها بنو مصر صهوات الحماسة، وغوارب الشجاعة، ومتون الإقدام لمحاربة عدو مصر بل العرب، بل عدو الإسلام، الدولة الإنجليزية خذلها الله ورد كيدها في نحرها, فقاتلوهم قتال المستميتين، وليجدوا فيكم غلظة، واعلموا أن الله مع المتقين. قوم نفضوا العهود، ونكثوا الأيمان، وهموا بإخراج أهل الحكم، وهم بدءوكم أول مرة: أتخشونهم, فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين.
(1/314)

يا أهل مصر!:
إنما الإنجليز نجس فلا يقربوا البلاد بعد عملهم هذا، وإن خفتم ضعفًا فتعاونوا وتأزروا ينصكرم الله عليهم, إن الله قوي عزيز، كيف إن يظهروا عليكم لا يراقبوا فيكم إلًّا ولا ذمة, يذبحون أبناءكم، ويستحيون نساءكم، وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم".
لقد صحب الثورة العرابية من أول يوم هبت شعلتها، والتقت روحه بأرواح زعمائها، وعدوه لسانهم الناطق، وكان يصحبهم في كل مكان؛ كان مع الجيش في يوم ثورة عابدين يشد أرزهم، ويثبت قلوبهم، يقول عرابي: "فجال صديقي الأعز الهمام، صاحب الغيرة والعزم القوي, السيد عبد الله نديم, بين الصفوف ينادي: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} فكان ثاني اثنين في حفظ قلوب الرجال من الزيغ والارتجاف، وأخذ يردد هذه الأية الكريمة كأنهم لم يسمعوها إلّا من فمه في تلك الساعة"1.
ولما سافرت فرقة عبد العال حلمي إلى دمياط في أول اكتوبر عام 1881, خطب النديم في جموع المودعين بمحطة القاهرة محييًا الجنود، وداعيًا الناس إلى الالتفاف حولهم قائلًا:
"حماة البلاد وفرسانها! من قرأ التاريخ وعلم ما تولى على مصر من الحوادث والنوازل, عرف مقدار ما وصلتم إليه من الشرف، وما كتب لكم في صفحات التاريخ من الحسنات، فقد ارتقيتم ذورة ما سبقكم إليها سابق، ولا يلحقكم في إدراكها لاحق، ألا وهي حماية البلاد، وحفظ العباد، وكف يد الاستبداد عنا، فلكم الذكر الجميل، والمجد المخلد، يباهي بكم الحاضرين من أهلها، ويفاخر بمآثركم الآتي من أبنائنا، لقد حيي الوطن حياة طيبة، بعد أن تبلغت الروح التراقي, فإن الأمة جسده والجند روحه، ولا حياة للجسم بلا روح، وهذا وطنكم العزيز يناديكم ويقول:
__________
1 كشف الستار، ص266.
(1/315)

إليكم يرد الأمر وهو عظيم ... فإني بكم طول الزمان رحيم
إذا لم تكونوا للخطوب وللردى ... فمن أين يأتي للديار نعيم
وإن الفتى إن لم ينازل زمانه ... تأخر عنه صاحب وحميم
إذا لم تكن للعائذين حماية ... فأنت ومخضوب البنان قسيم1
كان النديم يرتجل خطبه ولا يزورها، وإنما هي كلمات ملتهبة تعبر عن عواطف جياشة تتحرك في صدره، تصوّر آلامه وآلام أمته، كما تصوّر آمالهم وأحلامهم، وما مثله يحتاج إلى التحضير والتحبير وقد أوتي اللسان المطواع الذرب، وملك أعنَّةَ الكلام؛ ولقد تراه يخطب في المحفل الواحد خمس مرات، فما يكرر كلامًا قاله، ولا يتردد أو يتلعثم، وكان يجوب القرى والدساكر فيخلب قلوب الفلاحين بسحر بيانه وعذب لسانه ورائع خطبه، يحرضهم على الإباء والكرامة، والغضبة للوطن المكلوم، حتى عُرِفَ بخطيب الشرق، وكان يدعى بالبرق إلى الإسكندرية وغيرها ليخطب فيلبي الدعوة زميعًا، "ويرتجل من حُرِّ القول البليغ القوي القويم الحجة ما يترك الألباب سكارى من غير مدام"2.
ولعلك لاحظت أنه لم يكن يتكلف السجع في خطبه أو غيره من المحسنات، ومع ذلك تحس لكلامه أسرًا وقوة، ورصانةً وموسيقيةً أخاذةً، وأنه كان يعمد إلى التهويل والمبالغة والتزيد حتى يقنع ويهيج العواطف، ويلجأ إلى الإيحاء والدفع، ويكثر من الشعر والحديث والاقتباس، من آي الله الحكيم، ويؤيد بها حجته، ويعلي كلماته، وليكون كلامه أعظم تأثيرًا وأقوى بيانًا.
وكانت كتابته خطبًا مكتوبة من حيث الموضوع والأسلوب، ولا سيما تلك التي كتبها في أيام الثورة العرابية، وفي إبَّان الحرب بين مصر وإنجلترا في جريدة "الطائف"؛ فكان لها فعل السحر في النفوس، ورفع الروح المعنوية، وتثبيت القلوب الواجفة, والأفئدة المضطربة الخائفة.
__________
1 مصر للمصريين ج4 ص91، وكشف الستار ص259.
2 سلافة النديم ج1 ص19.
(1/316)

فلا بدع إذا وجد في أثره الطلب حين أخفقت الثورة؛ إذ رأى فيه توفيق والإنجليز المحرِّضَ الأكبر للثوار وناشر آرائهم، بقلمه ولسانه، ولكنه اختفى من وجه السلطة فلم يعثر عليه؛ لأنه كان يعلم جد العلم أنه لن يغفر له ذنب، أو تقال له عثرة إذا أسر، ولن يجديه الإنكار فتيلًا؛ فأقواله مأثورة، وخطبه مشهورة، والطائف خير شهيد، وسيكون العقاب صارمًا أليمًا، لقد ذل كثير من كبار الثوار والتمسوا الرأفة؛ ولكن عبد الله نديم آثر التشرد والاختفاء على إحناء الرأس، وذلة الطرف، وهو إنما خاض الثورة عن إيمان وعلم.
وقصة اختفاء النديم وحيله التي ضلل به السلطة على الرغم من المكافآت التي رصدتها لمن يأتي به، جديرة بأن توضع في رواية تمثيلية, وستكون رواية غاية في القوة؛ لأنه أجادج التنكر إجادةً يعجز عنها أمهر الممثلين اليوم في بلاد "الخيالة" واسمعه يصف بإيجاز هذا التنكر الذي دام تسع سنين وهو بمصرلم يبرحها, ويمر بين رجال الحكومة، وصنائع الإنجليز دون أن يدركوه، أو يعرفوه1: "خرجت من مصر مختفيًا فدرت في البلاد متنكرًا، أدخل كل بلد بلباسٍ مخصوص، وأتكلم في كل قريةٍ بلسان يوافق دعواى التي أدعيها، من قولي إني مغربيّ أو يمنيّ أو مدنيّ أو فيوميّ أو شرقاويّ أو نجديّ، وأصلح لحيتي إصلاحًا يوافق الدعوى أيضًا، فأطيلها في مكان عند دعوى المشيخة، وأقصرها في آخر
__________
1 فتارة اسمه الشيخ يوسف المدني، وتارةً الشيخ محمد الفيومي، وأحيانًا سي الحاد على المغربي, وكان إذا ادعى أنه مغربيّ تكلم بلسانٍ مغربي محكم، أو مدني فكذلك, وادعى مرة أنه عالم يمني, وكان بالقرشية عند أحمد المنشاوي، وأذاعت شهرته حتى بلغت رياض -وهو الرجل الذي يطارده, ويضع له الأرصاد من كل طريق، ويقف المال في سبيل أسره إرضاء لتوفيق- فأرسل سعد زغلول ليسأله عن مثل ورد ذكره في بعض الجرائد لم يفهمه، فقابل سعد علي أنه عالم يمني وفسره له.
وقد استعان على تضليل الحكومة بإشاعة سفره إلى خارج القطر على لسان صديقٍ فرنسيٍّ كان يثق به، ونقلت كل الجرائد خبر سفره هذا, فصدقت الحكومة, وعنفقت رجال الأمن على إهمالهم وتمكينهم له من الهرب، وقد وجد عطفًا زائدًا من كثير من الناس فأعانوه على الاختفاء، وأمدوه وخادمه بالمال، فقد أتى مرةً عيد الأضحى وهو في "برية" يسكن الحقول، لا أحد معه إلّا زوجته، ولا يجد القوت الضروريّ ويأتيه خادمه يشكو البؤس والفاقة، وإذا رجل من أهل البِرِّ والمرؤءة يملأ بيت النديم قمحًا وعسلًا وسمنًا وثيابًا من أطلس, وحرير للزوجة, وللخادم وزوجته. =
(1/317)

عند دعوى السياحة -مثلًا- وأبيِّضُهَا في بلد, وأحمِّرُهَا في قرية، وأسوِّدُها في عزبة, وتغيرت الأسماء التي انتحلتها، والناس في عجب من أمره, فالقدرة مقدرة النديم، ولكنه يختلف عنه في الشكل والصوت واللهجة، فيقولون: سبحان الله جل من لا شبيه له".
وقد أتيح له من الفراغ وهو في اختفائه هذا ما مكنه مواصلة دراسته، وشغل نفسه بالتأليف وقرض الشعر، وقد ألَّف في كثير من العلوم، وفي هذا يقول من رسالةٍ لصديق له: "تارةً أشتغل بكتابة فصول في علم الأصول، وأجمع عقائد أهل السنة بما تعظم به لله المنة، وحينًا أشتغل بنظم فرائد في صورة قصائد، ووقتًا أكتب رسائل مؤلفة في فنون مختلفة، وآونةً أكتب في التصوف والسلوك وسير الأخبار والملوك، وزمانًا أكتب في العادات والأخلاق وجغرافية الآفاق، ومرةً أطوف الأكوان على سفينة تاريخ الزمان، ويومًا اشتغل بشرح أنواع البديع في مدح الشفيع, وقد تَمَّ لي الآن عشرون مؤلفًا بين صغير وكبير، فانظر إلى آثار رحمة الله اللطيف الخبير، كيف يجعل أيام المحنة وسيلة المنحة والمنة، أتراني كنت أكتب هذه العلوم في ذلك الوقت المعلوم، وقد كنت أشغل من مرضعة اثنين، وفي حجرها ثالث، وعلى كتفها رابع، وأتعب من مربي عشرة وليس له تابع".
__________
= ولكن مرت عليه من ذلك أيام حالكة السواد, مليئةً بالمصائب، فقد اختفى مرةً في قاعةٍ مظلمةٍ لا يتوصل إليها إلّا من سرداب طويل مظلم، ويرشح الماء من أرضها لقربها من ترعة, ولا يتمكن من القراءة والكتابة إلّا على مصباحٍ صغيرٍ به ذبالة تملأ الحجرة دخانًا، وقد مكث بهذا السرادب ستة أشهر, وكان إذا أراد الكتابة صنع المداد من سناخ السراج مع قليلٍ من قرظ السنط، ويتخذ أقلامه من الحجناء, كل هذا وهو صابر لا يشكو ولا يتململ، وكان في أول مرة شديد الحنين لأمه وأبيه وأخيه, لا يعرف ما صاروا إليه, فلما خف عنه الطلب، ويئست الحكومة من العثور عليه، تمكَّن من الاتصال بأهله اتصالًا منتظمًا, وكان حريصًا على ما خلفه في بيته بالإسكندرية من كتب ومؤلفات، ولكنها ضاعت بالسكة الحديدية حين وضعها أبوه في صناديق وهو مهاجر من الثغر بعد ضربه بالمدافع الإنجليزية، فلما اشتد الزحام بالقطار عمد رجال السكة الحديدة إلى التخلص من البضائع ليفسحوا المجال للناس؛ فألقوا بهذه الصناديق المملوءة كتبًا وهم لا يعلمون قيمتها عند عبد الله النديم.
(1/318)

وانتهى به المطاف إلى بلدة "الجميزة" فعرفه عمدتها وكتم أمره، ولكن أحد جواسيس الحكومة عرفه؛ فوشى به طعمًا في المكافأة1، وأطبق عليه رجال الشرطة، ولم يستطع النجاة بحيله المعهوده، فسلَّم نفسه2 ومن حسن حظِّه لم يفحصوا عن أوراقه؛ إذ كان في بعضها هجاء مقذع لتوفيق، ولو تنبهوا لذلك لكان أمره غير ما عرفنا، ثم أرسل إلى طنطا للتحقيق معه، وكان المحقق قاسم بك أمين؛ فأكرمه وواساه وأمدَّه بالمال من عنده, ثم صدر أمر توفيق بالعفو عنه وإبعاده عن مصر، فاختار "يافا" دار إقامة، وطوَّف ما شاء له هواه في فلسطين, وعرف كثيرًا من بقاعها2.
ولما مات توفيق وتولى عباس عفا عنه، وسمح له بالعودة إلى مصر؛ فرجع إليها سنة 1892 وأنشأ جريدة "الأستاذ" فكانت صحفةً مجيدة في تاريخ الجهاد القوميّ؛ لأن علاقة الخديو عباس بالإنجليز كانت سيئة أول الأمر، وكان يجمع حوله الوطنيين وكبار المفكرين كما علمت آنفًا، وأخذ النديم يناصر عباسًا بكل ما أوتي من قوة، وكان في استطاعته أن يجنح للسلم ويهادن الإنجليز، ويُعيَّنَ في أعظم المناصب بالمعارف أو الأزهر، وهو كفء أديب, ولكن أبت عليه نفسه العفة، ووطنيته المتقدة أن يلين لعدوه مهما كانت الأيام قد حاربته في الماضي، ولقي إبَّان اختفائه من عنتٍ وآلام.
شهر قلمه في وجه الإنجليز غير مبالٍ بهم وبسلطانهم القويّ بوادي النيل، فآثار بذلك حفيظتهم, وخافوا إن تركوه وشأنه أن يتسع الخرق، ويفسد الأمر
__________
1 كان اختفاؤه في سنة 1299هـ, والقبض عليه في سنة 1309هـ.
2 وكان في أول أمره يرتدي الثياب الإفرنجية المعلومة,؛ لما ظهر بعد الاختفاء لبس الجبة والقباء واعتمَّ بعمامةٍ خضراء إشارةً إلى الشرف، ولكن كثيرًا من ذوي الخبرة ينكرون هذا النسب، ولعل هذا الأدعاء لشعوره بضعة نسبه؛ فأراد أن يستره بهذه الصلة.
3 وقد ودع قراءه في آخر عدد صدر من مجلة الأستاذ في 13 من يونيه سنة 1893 بكلمة مؤثرة قال فيها: ما خلقت الرجال إلّا لمسايرة الأهوال ومصادمة النوائب؛ والعاقل يلتذذ بما يراه في فصول تاريخه من العظمة والجلال، وإن كان المبدأ صعوبة وكدرًا في أعين الواقفين عند الظواهر, وعلى هذا فإني أودع إخواني قائلًا:
أودعكم والله ويعلم أنني ... أحب لقاكم والخلود إليكم
وما عن قلي كان الرحيل وإنما ... دواعٍ تبدت فالسلام عليكم
(1/319)

ويعيدها جذعًا فأفوقفوا مجلته، ورحَّلُوه إلي يافا3 منفيًّا بعد أن منحوه أربعمائة دينار, وأجروا عليه خمسة وعشرين كل شهر، واشترطوا عليه ألّا يكتب شيئًا بشأن مصر، ولم ينفعه الخديو ويحول بينه وبين النفي؛ لأنه كان مغلول اليد, والسلطة كلها بيد الإنجليز.
ولم يكن بيافا أسعد منه حظًّا وهو بمصر؛ إذ وشى به جماعةٌ لدى السلطان عبد الحميد فأمر بإبعاده، فعاد إلى الإسكندرية في حيرةٍ من أمره بعد أن لفظته بلاد الدولة العثمانية، بيد أن الغازي مختار باشا تشفَّع له عند السلطان عبد الحميد حتى سمح له بالسفر إلى تركيا, وهناك التقى بأستاذه الأكبر جمال الدين، وكان كلاهما في أسرٍ وإن اختلف القفصان، فجمال الدين في قفص من ذهب ينسجم مع حسبه ومكانته، والنديم في قفص من حديد يليق بمقامه.
وعُيِّنَ النديم مفتشًا للمطبوعات, وهي وظيفةٌ اسميةٌ تكفل له راتبًا مقداره خمسة وأربعون مجيديًا، وطبعي أنه لم يزاول العمل بمهنته تلك، وهي أبعد الوظائف عن طبعه وحريته، وفي الآستانة عادى أكبر قوةٍ بها في ذياك الوقت, وهو أبو الهدى الصيادي1, ولعله تأثر في عداوته له بجمال الدين، وقد عرفت من أمرها معًا بعض الشيء, أو لعل الصياديّ -وهو الأرجح- كان عدوًا لكل حرٍّ كريم، ولم يعبأ النديم بسطوة الصيادي وجاهه وقدرته على الانتقام، وهو رجل كانت له في كل مكان عيون تنقل له الأخبار؛ وقد اصطنع بمعروفه كثيرًا من عظماء الدولة؛ فهم طوع يديه ورهن إشارته، وقد سخَّر كل ما بتركيا لخدمته, وكم نفذ أمره وأبطل أمر السلطان, وكم تدلل على عبد الحميد فبالغ في استرضائه.
ولكن النديم لا يهمه الصياديّ ولا عبد الحميد, وأخذ يخوض في سيرته بلسانٍ حادٍّ بذئ، ووضع فيه كتابًا سماه "المسامير"؛ كله هجوٌ مقذعٌ فاحشٌ لا يشرف الصيادي، ولا يشرف النديم، وحاول الصيادي أن يعثر على هذا الكتاب، وهرَّبه "جورج كرتشي" الذي كان متصلًا بجمال الدين وعبد الله نديم إلى مصر، ثم طبعه.
__________
1 الصادي سوري من حلب, فقير من المال والحسب, دفعته المقادير إلى الآستانة, وكان ماهرًا ذكيًّا وسيم المحيا، وماضي العزيمة, استطاع أن يتغلب على السلطان عبد الحميد ويخضعه لمشيئته، بأحلامه وتفسيراته والطرق ومشيختها، وربط نسبه بأعلى نسب, وادعى أنه قرشيٌّ هاشميٌّ، وحياته وأعماله تمثل دورًا هامًّا أشبه بدور راسبوتين عند قياصرة الروس.
(1/320)

وأصيب النديم بالسل بعد ذلك بقليل، واشتدت عليه العلة؛ فمات في الرابع من شهر جمادى الأولى سنة 1314هـ، العاشر من أكتوبر سنة 1896، ودُفِنَ بتركيا, وهو في الرابعة والخمسين من عمره.
آثاره وأثره:
ولعلك قد أدركت من هذه السيرة أن النديم قد جرَّب كثيرًا من شئون الحياة، وعرف حلوها ومرها، وخالط الفقراء والأغنياء، وعاشر أصنافًا شتَّى من مختلف الأجناس, وعرك الدهر حتى استحصدت مرته، وقويت شكيمته، وإني أدعه يسرد تجربته بنفسه؛ فستعيننا في تعرف أدبه، قال: "أخذت عن العلماء، جالست الأدباء، وخالطت الأمراء، وداخلت الحكام، وعاشرت أعيان البلاد، وامتزجت برجال الصناعة والفلاحة والمهن الصغيرة, وأدركت ما هم فيه من جهالة، وممن يتألمون، وماذا يرجون، وخالطت كثيرًا من متفرنجة الشرقيين, وألممت بما انطبع في صدروهم من أشعة الغربيين، وصاحبت جمعًا من أفاضل الشرقيين المتعلمين في الغرب ممن ثبتت أقدامهم في وظيفتهم، وعرفت كثيرًا من الغربيين, ورأيت أفكارهم عاليةً أو سافلةً فيما يختص بالشرقيين والغاية المقصودة لهم، واخلتطت بأكابر التجار، وسبرت ما هم عليه من السير في المعاملة أو السياسة، وامتزجت بلفيف من الأجناس المتباينة جنسًا ووطنًا ودينًا، واشتغلت بقراءة كتب الأديان على اختلافها، والحكمة والتاريخ والأدب، وتعلقت بقراءة الجرائد مدةً، واستخدمت في الحكومة المصرية زمنًا، واتجرت برهةً، وفلحت حينًا, وخدمت الأفكار بالتدريس وقتًا, وبالخطابة والجرائد آونةً، واتخذت هذه المتاعب وسائل لهذا القصد الذي وصلت إليه بعناءٍ, وكساني نحول الشيخوخة في زمنٍ بضاضة الصبا, وتوجني بتاج الهرم الأبيض بدل صبغة الشباب السوداء، فصورتي تريك هيئة أبناء السبعين، وحقيقتي لم تشهد من الأعوام إلّا تسعة وثلاثين".
ولو عاش النديم -مع تجربته هذه التي قلما تتاح لأديب، ومع ذوقه المرهف, ومواهبه العديدة, وقدرته على التعبير- في عصرنا هذا، وعرف ألوان الأدب، وفنونه، واطَّلَع على طريقة الغرب وأساليبه من قصة ومسرحية، وأفكار، لكان
(1/321)

أديبًا عالميًّا ممتازًا, تفاخر كل أمة بانتسابه إليها، ولكنه كان متعلقًا إلى حدٍّ كبير بأذيال الماضين؛ يكتب بأسلوبٍ مقيدٍ بصنوف عديدة من الأغلال، ولم تكن كنوز المعاني قد حطمت أغلالها, ولا ألوان الأدب الغربيّ العديدة قد عرفت ودرست, ومع ذلك فالنديم يُعَدُّ في الطليعة من رواد الأدب الحديث.
أما آثاره: فيحدثنا أحمد سمير مترجم حياته، بأن النديم "لما كان في يافا أول مرةٍ بعث إليَّ محررًا يكلفني به أن أطلب ديوان شعره الصغير من صديقه المرحوم عبد العزيز حافظ, فلما قصدته وجدته مصابًا في قواه العقلية بما لم يدع للطلب مجالًا, ثم كتب إليّ كتابًا ثانيًا بأن ديوانه الأوسط عند "م.ن" فطلبته منه، فاعتذار بأنه ضاع، فلما أنبأت المترجم بذلك أرسل إليَّ في مكتوبه الثالث أنه إنما طلبهما لحيقرهما براءةً منهما ومن أمثالهما؛ لأنه فيها هجوًا كثيرًا، وختم المكتوب بهذه العبارة: "قد خلعت تلك الثياب الدنسة، ولبست ثوب {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} .
وهذه قصة تذكرنا بما كان من الشيخ علي الليثي من قبل, وبمكانة الشعر عند هؤلاء القوم، وفي الواقع أنه لم يكن شعرًا بالمعنى الذي نعرفه اليوم، ولكنه كان -كما ذكرنا من قبل- نظمًا تظهر به المقدرة على التعبير والمهارة اللسانية، وتصريف الكلام, وسنرى نماذج من هذا الشعر فيما بعد، وقد بقي لنا قليل ينبيئ عن نوع هذه الدواوين التي لم يعثر عليها.
1- أما نثره: فقد كتب مقالاتٍ شتَّى في "التنكيت والتبكيت"، وقد وعدنا بالرجوع إليها لننظر في موضوعاتها وقميتها، وحسبنا أن نتصفح العدد الأول منها؛ وقد حرره النديم بقلمه, فنجد مقالاتٍ شتَّى تمس حياة الأمة وتعالج مشكلاتها.
فمقال عنوانه: "مجلس طبي لمصاب بلإفرنجي" وهي قصة شاب قوي الجسم, سليم البنية، جميل الطلعة، لطيف الشكل, نشأ تحوطه العناية وتكلؤه الرعاية, يدلله أهله ويحمونه حتى لا تصل إليه يد عدو، ولا حلية محتال، ولكن استطاع دجالٌ ماهرُ أتقن فن الخداع والحيلة أن يتسلل إليه، وأن يوهم أهله أنه
(1/322)

من ذوي الورع والتقوى، فأمنوا جانبه، وأسلموه له؛ فأخذه يعرضه في الأسواق والطرقات, وجلب له من الغواني الحسان من تعارض الشمس بحسنها, وتكسف البدر بنورها, يغازلن أهله بحركات تحرك الجبان، فانصر الأهل إليهن، وتركوا مراقبة الفتى المليح؛ فانفرد به ذلك المحتال الخداع، وأغرى به الفتيات الملاح، فتمنع حيناً, وعصمه حياؤه وطهر نشأته زمانًا طويلًا، ولكن رأى أن الإغراء شديد، والخصم عنيد، وأن لا قبل له بهؤلاء الشياطين, ولا سيما وقد وجد أهله عاكفين على التزلف لهؤلاء النسوة، والتدله في حبهن، فسار في الطريق التي رسمها من قبل هذا المنافق الدجال, فما هي إلّا شرفة كأس حتى أصيب بالداء الإفرنجي "الزهري"؛ فاصفرَّ لونه, وارتخت أعضاؤه، وذهبت بهجته، وغارت عيناه, وتشوه وجهه، وتبدلت محاسنه بقبائح تنفر منها الطباع، وفطن إليه بعض أهله, فلما رأى ما به بكى وانتحب، وأخذ يذرف العبرات ويصعد الزفرات، ويلفظ الحسرات، وجمع له الأطباء يشخصون داءه، ويركبون الدواء عله يبرئه من علته, ويقف سريان الداء، وأقبل أهله متلهفين لسماع نصح الأطباء ورأيهم, فطلبوا إليهم الهدوء والسكون، ومساعدتهم في خدمته، وتنظيف محله, وتطهير أعضاءه وحفظه حتى لا يقربه غريب, ولا يمكن أجنبي من الوصول إليه فيفسد العلاج, ويسعى في إتلافه أكثر مما صنع هو وقومه، وأخذ أهله يعملون بمشورة الأطباء ويبذلون الجهد في وقايته وصيانته".
وهذه قصة رميزة تصوِّرُ ما كان من إصابة مصر على يد إسماعيل وإسرافه، وتدخل الأجانب في شئونها، والمراقبة الثنائية، وصندوق الدين، وتصور كذلك ألم الناس من هذه المرض الإفرنجي، وأملهم في النجاة بسعي العقلاء وتفكير المستنيرين، وتوريته "بالإفرنجي" عن هذه المصائب التي حلت بالبلاد تورية بارعة.
وترى بالعدد الأول من "التنكيت والتبكيت" مقالًا آخر بعنوان: "عربيٌّ تَفَرْنَجَ" وهي قصة شاب من صميم الريف, أبوه فلاح مسكين، لم يستطع أن يعلمه، بل تركه جاهلًا يساعده في حقله ويأكل البصل، ولا يرى اللحم إلّا في العيد، ثم مرَّ
(1/323)

به أحد التجار, فأغراه على أن يدفع به إلى المدرسة، ولما أتمَّ تعليمه بمصر أُرْسِلَ إلى أوربا, وعاد إلى بلاده متنكرًا لأهله، مستقبحًا عادات قومه، مهجنًا طريقتهم في التحية، ومستفهمًا بقحة عن اسم البصل الذي أكله؛ لأنه نسي الاسم العربيّ، ولم يعد يتذكر إلّا الاسم الفرنسيّ1, ولما شكى أبوه إلى أحد النابهين قال له: "ولدك لم يتهذب صغيرًا, ولا تعلم حقوق وطنه، ولا عرف حقَّ لغته، ولا قدر شرف أمته، ولا ثمرة الحرص على عوائد أهله, ولا مزية الوطنية، فهو وإن كان تعلم علومًا إلّا أنها لا تفيد وطنه".
وهذا داء استشرى في مصر بعد النديم، وحاكى كثير ممن درسوا في بلاد الغرب أوربا في كل شيء, حتى هجنت عاداتنا وتقاليدنا، وفقد شبابنا كثير من مقومات الوطنية الصادقة، وإن كانت هذه الفتنة قد ابتدأت تخف وتتنبه الأمة إلى التمسك بلغتها وعاداتها ومزاياها، وتعتز بها.
ويلي ذلك قصة جماعة من الموسرين اجتمعوا في بيت أحدهم، ودخل عليهم فوجدهم مبهوتين صامتين لا يتكلمون ولا يتحركون، ولا يرفعون أبصارهم, فظنَّ أول الأمر أن ربَّ الدار قد رزئ بخطب فادح، وقد أتت هذه الجماعة لتواسيه، وعقد الحزن ألستنهم، وران على قلوبهم, فتركهم واجمين، ولكن خاب ظنه هذا، فسأل: هل ثمة معضلة عويصة عرضت لكم وأنتم تبحثون تقدم أوربا في الصناعات، وانتشار تجارتها, وكيف تصل مصر إلى هذه المنزلة، فأجابوا بالنفي، فقال: ربما تفكرون فيما يزيد ثروتكم, ويعود بالنفع والخير عليكم وعلى أمتكم, فقال رب الدار: هذا أمر لا يهمنا, فإن البلاد إذا تقدمت أو تأخرت لا تفيدنا شيئًا أحسن مما نحن فيه، وأما عن ثروتنا وزيادتها فعندنا من الثروة الكفاية؛ وهكذا صار يسألهم وهو في حيرةٍ من أمرهم حتى اكتشف أنهم إنما اجتمعوا لتعاطي "الكيف"، والمنبهات وغير ذلك، وعللوا لاجتماعهم هذا بأن: "الكيف" لا يفرح إلّا إذا تعاطاه الإنسان في مجالس، ويختم النديم هذه القصة التي سماها
__________
1 وقد ساق النديم هذه القصة بطريقة الحوار بين هذا الشاب المغرور الذي أسماه "زعيط" وبين والده، وذكر فيها كثيرًا من الكلمات العامية حتى يعطي اللون الخاص الذي يريده، وكان يذكر بطريقة تهكمية لإذعة هذه الكلمات الفرنسية التي يلوكها هذا الدعيّ مثل كلمة "بون أريفي" عمد التنبيه و"أنيون" يريد البصل, وهكذا.
(1/324)

"سهرة الأنطاع" بقوله: هكذا تكون حال من لم يتهذب صغيرًا, فإنه يخرج أسير شهواته, بعيدًا عن إدراك المعاني, جبانًا بليدًا غبيًّا".
ثم يتعرض في كلمة أخرى لهؤلاء الذين يلتفون حول القصاص بالمقهى يسمعون قصة عنترة, ويتجادلون ويتحزَّبون لأبطال القصة: ولما رآهم القصاص منصتين إليه أخذ يفتري عباراتٍ ينسبها إلى عنترة، وكلماتٍ يعزوها إلى عمارة، وكل فريق يرشه حتى ينتصر له بتلفيق كلام يصف فيه حزبه، وأخيرًا انتهت الليلة بأسر عنترة، فقام من الجمع رجل قدَّم للقصاص عشرة جنيهات ليخلص عنترة من أسره فأبى، فانهال عليه شتمًا وسبًّا، وتذكر أن عنده قصة عنترة ولكنه أميّ، فذهب إلى ابنه قبيل الفجر وأيقظه، وهو في مصيبته التي لحقته تلك الليلة، حتى ظنَّ الولد أن أمه قد ماتت، أو أحد أخوته توفي، أو تجارة أبيه صودرت، فلم علم أن الأمر يتعلق بعنترة أخذ يهوّن على والده الأمر، ويصف القصة بالتلفيق والكذب، فانهال عليه والده ضربًا بالعصا وطرده من البيت.
ثم يقص أمر المزراع والمرابي، وقد ذكرناها آنفًا، ويتبع ذلك بقصة غنيٍّ كبيرٍ بنى بيتًا واعتنى بأثاثه ورياشه، ثم دعا فريقًا من أصدقائه لزيارته، ولما وصلوا إلى المكتبة سأله أحدهم عن الكتب التي يهواها، فأجاب بما يدل على الجهل، وأنه لا علم له بالكتب وما تحتويه، وكل ما في الأمر أنه زار أحد العظماء ووجد في بيته خزانة كتب، عليها ستارة خضراء، وبجانبها منفضة من الريش، والخادم يسح زجاجة الخزانة كل يوم, فظن أن هذا طرازٌ جديدٌ في تأثيث البيوت؛ فحاكاه فيه دون أن يعرف شيئًا عن الكتب وما تحتويه, فدل على عظيم جهله, وعلى أن التقليد الأعمى مضر بالإنسان مزر بمكانته.
أجل! ضم العدد الأول من المجلة كل هذه الموضوعات التي تصور عيوبًا شائعةً لا يزال بعضها متفشيًا، وتصف الدواء لهذه العلل الاجتماعية، ولكن بأسلوب الوعظ والإرشاد, وإن كان ممزوجًا بكثير من التهكم الاذع والسخرية المرة، والكلمات القارصة، وقد فطن النديم إلى أن التعليم والنقد عن طريق القصة يحمل القارئ على متابعة القراءة, ويرى مصير أشخاص القصة فيتعظ بهم،
(1/325)

وبذلك يجدي النقد ويؤتي ثمرته، ولذلك أكثر منه، ولم يضع هذه القصص في عباراتٍ منمَّقَةٍ مزوقةٍ بليغة متخيرة الألفاظ، ولكن ساقها في أسلوب سهلٍ, وكثيرًا ما عمد إلى اللغة العامية يعبر بها عن مراده، ولعلمه أن في الناس الجاهل والعالم, والعامة والخاصة، ولكل أسلوب يلائمه، فموضوع: "الداء الإفرنجي" موضوع سياسيّ رمزيّ لا يفهمه إلّا الخاصة، ولذلك صيغ صياغةً أدبيةً سليمةً، أما موضوع: "المرابي والمزراع"، وموضوع: "سماع القصص" فمكتوبان للعامة، ولذلك لجأ إلى اللغة العامية يعبر بها حتى يفهمها هؤلاء فيتعظوا.
إن النديم في هذه الموضوعات قدير على الحوار، وتراه يبالغ حتى يستفز شعور القارئ, ويجعله يشمئز من هؤلاء الجهلة الذين يصور حالتهم، وتراه كذلك يستنفد المعاني ويستقرئ الأسباب، حتى يكون الحكم، أو النهاية بالغة العظة، ولو فطن النديم إلى المسرحية الهزلية وصور هذه الشخصيات فيها لكان "موليير" العرب؛ لأن عنده المقدرة على التصوير، وخلق الشخصيات والتهكم عليها, والمبالغة في تبشيع المثالب والعيوب، وهذه كلها تعده لأن يكتب ملهاة متقنة.
2- ومن الموضوعات التي كتب فيها بمجلته فيما بعد موضوع "الخطابة، وأثرها في تاريخ الإسلام"، وفائدتها في تهذيب الشعب وتربيته، ورأى أن خطب الجمعة ميتةً لا تمت إلى الحياة التي يحياها الناس بصلة, وتتكلم في أمور بعيدة عن مشكلاتهم الاجتماعية والخلقية والسياسية كل البعد1، واقترح أن يحضر خطب الجمعة فئة من ذوي الفكر السديد والرأي الرشيد، وتوزعها الحكومة على خطباء المساجد, وتبرع هو فوضع نموذجًا لخطبة منبرية، ضمنها الحثَّ على الاهتمام بشئون البلاد والمحافظة على حقوقها, والدعوة إلى الائتلاف للتغلب على الخصم الأجنبيّ، وعلى الأخطار التي تحدث بالوادي، والاتحاد بين المسلمين والأقباط، والتذكير بمجد مصر السابق، ومعاملة الأجانب بالحسنى حتى لا تتخذ
__________
1 من العجيب أن تسعين في المائة من خطباء المساجد اليوم لا يزالون على الحال التي وصفها النديم وخطبهم بعيدة عن التأثير؛ لأنها لا تمس الحياة في صميمها, ولا تعالج مشكلات الناس، وكل جمعة أحس بضيق وحرج من جراء ما أسمع من خطب ميتة.
(1/326)

سوء معاملتهم ذريعةً للتدخل الأجنبيّ، وغير ذلك من الأمور التي يرى أن الحاجة ماسَّةً إلى التكلم فيها لأول عهد توفيق، ومن قوله في أثر الخطابة وفائدتها:
"ألسن الخطباء تحيي وتميت، وحكمة إذا عقلت معناها وقفت على سر الخطابة حكمة حدوثها، وعلمت أنها للعقول بمنزلة الغذاء للبدن، وكانت الخطابة في الأعصر الخالية غير معلومة إلّا في أمتيّ العرب واليونان، فكانت ساحتها في جزيرة العرب عكاظًا، ومنابرها ظهور الإبل، وهذه الساحة كانت معرضًا للافكار, تجتمع فيه الخطباء والبلغاء والشعراء وأمم كثيرة من المجاورة للجزيرة؛ فيرقى الخطيب ظهر ناقته, ويشير بطرف ردائه، وينثر على الأسماع دررًا وبدائع، ثم يباريه آخر, ويعارضه غيره, فتتضارب الأفكار, وتتنبه الأذهان, وتحيا الهمم، وتتحرك الدماء، ويرجع كبار القبائل وأمراؤها لما يشير إليه الخطيب إن صلحًا وإن حربًا، ولم يقتصروا في خطباتهم على مسائل الحرب والصلح، بل كانوا يخوضون بحار الأفكار, فلا يتركون مَلَمَّةً إلّا شرحوها، ولا يذورون فضيلةً إلى حثوا عليها، حتى إنهم كانوا يحفظون أسماء الحكماء منهم, وأهل المآثر فيذكرونهم في هذا المعرض إحياءً لتذكارهم, وتخليدًا لأسمائهم؛ لئلَّا يجهل الآتي سيرة الماضي فتفتر الهمم، وتخمد الدماء, وتتغير الطباع".
3- وأما مقالاته بالأستاذ فكانت صرخةً أخرى مدويةً, حاول بها إيقاظ مصر كي تتنبه لما يحدق بها من أخطار، وعالج في هذه المقالات موضوعات اجتماعية وسياسية وخلقية لم تخطر على بال أحد من قبل، فتراه يتكلم عن التعليم وأثره في الحضارة والعمران, وما يجلبه الجهل من الآفات الاجتماعية والعلل الخلقية, ويعدد هذه المثالب, ويبين أثرها في تأخر الأمة، وتارةً يحث أبناء مصر على الاتحاد والتآزر والالتفاف حول الوطن والأمير والسلطان, والتنكر للأجانب مهما كان شأنهم، والتحذير من غواياتهم، وهو أول من دعا إلى أن مصر يجب أن تكون للمصريين لا لتركيا ولا للأوربيين، فكانت لفتةً وطنيةً لا تخرج إلّا من قلبٍ عامرٍ بحب بلاده، ولا سيما في ذلك الزمان الذي لم تفكر فيه أية دولة عربية في هذا المعنى، وإنما كانت الفكرة الوطنية عندها عاطفة غامضة تربط مصيرها بمصير
(1/327)

تركيا، ولم تكن الفكرة جلية -كما يجب- عند النديم، ولكنها خطرات الوطنيّ المتحمس, جعلته يفكر مثل هذا التفكير، وإن كنا نراه أحيانًا يشايع الرأي السائد، ويدعو للسلطان والالتفاف حوله من مثل قوله: "هذه يدي في يد من أضعها؟ أضعها في يد وطنيك، وأعقد خنصريكما على محبة أمير البلاد، مرتبطة هذه المحبة بمحبة أمير المؤمنين، وإلّا فقطعها خير من وضعها في يد أجنبيٍّ يستميلك إليه بوعود كاذبة وحيل واهية، ويظهر لك سعيه في صالحك وحبه لتقدمك، ورميك بأوهام لا توجد إلّا بينك وبينه، ويغرك بدعوى انفراده بالسلطة عليك، وبعد الدول عنك، ويضللك بنسبة أمرائك للقصور، وحكامك للجهل والظلم، ويصور لك الأباطيل في صورة حقٍّ يخدعك به، ويحوِّلُ أفكارك الشرقية إلى أفكار غربيةٍ تأخذها وتقول بها، فتكون يده القوية وعونه الأكبر على ضياع حقوقك وإذلال إخوانك، واسترقاق أهلك, وانتزاع سلطة أميرك وسلطانك, وأنت لا تشعر بشيء من هذا".
وقد يفسر كلام النديم بدعوته للسلطان والحض على الولاء له، بأنه ولاءٌ دينيّ، بينما الولاء لأمير البلاد ولاء وطنيّ، وهذا ما أرجحه، فإن النديم اشتهر بدعوته الجريئة "مصر للمصريين" وكان دعوة "عرابي" كذلك، وإذا تعارض الدين والوطنية، فضَّل الوطنية على الدين؛ لأنه جاذبية الوطن عنده أقوى من جاذبية الدين، ويعلل لذلك تعليلًا فلسفيًّا في مقالة نفيسة بالأستاذ هي "تجاذب الجنسيات والأديان" يقول فيها: "لو وقعت حرب بين عربيّ وعجميّ تماثلا دينيًّا, هربت الطباع إلى الجنسية, فترى عربيًّا في أقصى الأرض يفرح بانتصار مثيله على العجميّ والعكس بالعكس" ويعلل لاتحاد الأقباط والمسلمين بمصر, ومحبة كل فريق للآخر بقوة الرابطة الجنسية، فإن كثيرًا من مسلمي مصر أقباطٌ أسلموا، فنداء الدم بليغ، وفي هذا يقول: "وأقرب الأماكن إلينا مصر التي نحن فيها، فإنها بلاد إنسانية مختلطة بقليل من الأقباط الذين تجذبهم الجنسية إلى كثير ممن تولدوا ممن أسلم من سابقيهم، وتدفعهم الوطنية إلى التلاصق بالمجموع بجاذبية الوطنية والألفة وطول المعاشرة"، وهذه خطرات وطنية صادقة العاطفة, عميقة الفكرة، بعيدة النظر، ولقد قال وليّ الدين يكن عن عبد الله نديم:
(1/328)

"وإنما أحدث بيننا الخلاف أنه كان عدوًّا للعثمانيين, وهو من قدماء من يقولون "مصر للمصريين، ونحن نقول مصر للعثمانيين".
لقد جهر عبد الله نديم بندائه هذا، ولم يجاره في دعمته زعماء السياسة من بعد، فهذا مصطفى كامل وهو في مناوأته للإنجليز, وبعثه للشعور الوطنيّ, ومحاربته للاحتلال الأجنبيّ, لم تنضج عنده الفكرة الوطنية كما نفهمها اليوم، فلم يقل: إن مصر للمصريين, بل قال: "حقًّا إن سياسة التقرب من الدولة العلية لأحكم السياسات وأرشدها، فضلًا عن الأسباب الداعية لهذا التقريب, فإن العدو واحد ولا يليق بنا أن نكون في فشل وشقاق في وقت يعمل أعداؤنا على تجزئة دولتنا، ولا غرو إن كنا نتألم لآلام الدولة العلية, فما نحن إلّا أبناؤها المستظلون بظلها الوريف, المجتمعون حول رايتها، وقصارى القول أن الراية العثمانية هي الراية الوحيدة التي يجب أن يجتمع حولها، ولا تتحقق وحدتنا بغير الاتحاد والائتلاف, فلنتحد قلبًا ولسانًا"1 ولكنه رجع عن هذا الرأي فيما بعد, وفسره في خطبته بالإسكندرية2.
استطاع النديم في جريدة "الأستاذ" أن ينبه الأفكار إلى موضوعات حيوية, وأن يجادل ويناقش ويثير العقول ويخلق الرأي العام, ويدعو زعماء الثورة العرابية الذين أذلهم الاحتلال، وغلبهم الخوف منه إلى البروز والعمل في سبيل مصر، ويدعو إلى تأليف الأحزاب حتّى يكون لكل جريدة حزبها الذي تنافح عنه، ولكل حزب منهجه في الإصلاح، وقد وقف من الأجانب بعامةٍ ومن الإنجليز بخاصة موقفًا صريحًا لا لبس فيه ولا غموض، أما الإنجليز: فهو عدوهم اللدود، ويصورهم صورًا منكرة، ويدعو الشعب لتأييد توفيق والالتفاف حوله، وأما سواهم من المرتزقة الذين هاجروا في سبيل القوت أو الثروة, فينصح بعدم الأمان لهم، وبالبعد عنهم، إلّا إذا برهنت التجربة على إخلاصهم "فعليك بمن إذا حلت المصائب وآب النازحون إلى مقارهم فرارًا من مشاركتك في هموك كان قسيمك
__________
1 مصطفى كامل باشا, الطبعة الأولى "1928", ج1 ص198.
2 راجع تفصيل ذلك في كتابنا "الأدب الحديث" ج2 ص84 الطبعة الرابعة.
(1/329)

في النكبات، يتناول معك حمل الخطوب، ويحملك إذا ضعفت, ويبرك إذا احتجت، ويعودك إذا مرضت، وينصرك إذا خذلت، ويدفع معك عدوًّا يحاربك، ويحفظ معك وطنًا لزمته، ويصون لك عرضًا تبذل الروح في حمياته، والجمهرة من الأجانب في نظره متسولون؛ إذا أعطيتهم مدحوك، وهم يمدحونك طالما يجدون عندك نفعًا" ومن كانت هذه صفته يصدفه عنك الغير بلقمة يريدها، فإذا زاده دينارًا على أن يقذفك ويهجوك أضحك الناس بما يفتريه عليك".
الحق أن النديم في "الأستاذ" كان معلمًا جليلًا للوطنية المتطرفة كما يفهمها جيله، وكان مخلصًا في نصحه، وثابتًا على مبدئه منذ الثورة واندلاعها, لم يلن للخطوب, أو يطأطيء الرأس لعدوٍّ؛ فكان أكبر مثل يحتذيه الزعماء من بعد.
4- وله رسائل أدبية، ومقالات في موضوعات شتَّى, احتفي بأسلوبها احتفاء زائدًا, وقد جمع منها أحمد سمير في سلافة النديم مقدارًا صالحًَا للحكم عليها من حيث منزلتها الأدبية؛ فمن ذلك رسالة: "لواء النصر في أدباء العصر" وفيها يصف من تعرف عليهم من أدباء مصر أمثال: البارودي, وصفوت الساعاتي، وعبد العزيز حافظ، وعبد الله فكري, وسواهم.
ومنها رسالة: "التنور المسجور" في المفاخرة بين السفينة و"الوابور"، ومنها الرسائل المتبادلة بينه وبين بعض الأدباء في أمور خاصة.
أسلوبه:
1- التزم عبد الله نديم في مطلع حياته الأدبية ذلك الأسلوب المسجوع المتكلف، يكثر فيه من ألوان البديع ولا سيما الجناس، ويظهر فيه مهارته اللغوية, وقدرته على تأليف الكلام، في جملٍ قصيرة الفواصل، كثيرة المترادفات, ويعمد في أغلب الأحيان إلى الخيال والمبالغات المرذولة، وأحيانًا يأتي يجملٍ لا معنى لها, ولكن اقتضاها السجع, مثل قوله في مطلع رسالته يصف كلامه:
"حديقة معاني، ونادي مغاني، وبستان أفكار" فهذه جمل مترادفة، والجملة الوسطى لا معنى لها.
(1/330)

ومن الجمل المترادفة والجناس المتكلف قوله من الرسالة السابقة: "فكاهة نفوس، وزينة طورس، هزلها أدب, وجدها طرب، وإن سئلت أوجزت، وإن سألت أعجزت، لو أقمت لها حكمًا، وجدها كلها حِكَمًا".
ومن المبالغات السخيفة، والوصف المتكلف قوله يصف أديبًا: "رامي نبال وعظه إلى الأحشاء، ومفوق سهام بديعه إلى الإنشاء، حامل لواء العلوم العقلية، وقائد جيوش الفنون النقلية، مطلع شمس الأماني، ومبارز فرسان المعاني، إن ألف لم يتكلف، بل يجعل الانسجام زينة الكلام، وإن نثر كَرَّ بهجومٍ على سرايا النجوم".
فهذا الأديب في حربٍ دائمةٍ يرمي الأحشاء بنبال وعظه، يفوق سهام بديعه إلى الإنشاء، ويحمل لواء العلوم العقلية، واللواء يقتضي الجيوش، وهكذا تراه يحمل معدات الحرب ويستعملها، وكثيرًا ما يعمد إلى هذا الأسلوب، ويكرر هذا المعنى كقوله: "وكيف لا يكون لساني قوس البديع، وكلامي السهم السريع، وأنت باريه وراميه؟ أم كيف لا يكون مقامي الحصن المنيع, وقدري العزيز الرفيع، وأنت معليه وبانيه؟ ".
وله في مطلع حياته كذلك رسائل التزم فيها ما لا يلتزم من ألوان السجع إظهارًا لبراعته, وعرضًا لقدرته ومهاراته، فتارةً تراه يأتي بمجموعة من السجعات؛ كل اثنتين متشابهتين في القافية، وفي ختامها سجعة من قافية مختلفة، ثم يكرر هذه القوافي بالترتيب الذي ساقها به أولًا، وتارةً يأتي بمجموعة من السجعات بعض خمس أو ست على الترتيب الأول، وأحيانًا يلتزم في السجعة الثانية أن تكون آية من آيات القرآن، ومن النوع الأول قوله: "لعبت به الأشواق في مصارع العشاق, لعب الراح بالأرواح في مجلس الأنس، وجرت به الأتواق1 في ميادين الأذواق, جري السحاب والأرواح في حومة الشمس".
__________
1 تاق إليه توقًا بفتح فسكون: اشتاق.
(1/331)

ومن الثاني قوله: منحتنا اللهم سلامة الروح, فلله الحمد على هذه المنحة حمدًا بلا عد، ووهبتنا صحة لب البيان, فلله الشكر على هذه الصحة شكرًا بلا حدِّ، يلوح بدره، ويفوح عطره، وروح هو عين الحياة، ومدد العقل، ولب هو منطق للشفاه، وسند النقل، طال عمره وجال أمره".
ومثل النوع الثالث الذي يأتي فيه بسجعةٍ قرآنيةٍ تكمل المعنى قوله من رسالةٍ كتب بها إلى صديقه المرحوم عبد العزيز حافظ تنبيهًا له حينما رآه يجتمع ببعض المغاربة, ويشتغل معهم بخرافاتٍ باطلة: "لا حول ولا قوة إلّا بالله اشتبه المراقب باللاه، واستبدل الحول بالمر، وقدم الرقيق على الحر، وبيع الدر بالخزف، والخز بالحشف، وأظهر كل لئيم كبره, إن في ذلك لعبرة، سمعًا سمعًا؟ قالوشاة إن سعوا لا يعقلوا, ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فكيف تشترون منهم القار في صفة العنبر, وقد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر؟ وكيف تسمع الأحباب لمن نهى منهم وزجر، ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر" إلى أن يقوله له: "وأنت يا عزيز العليا, ووحيد الدنيا، قد بينت لك فعلهم, فبما رحمة من الله لنت لهم؛ ولكنهم طمعوا في عميم قولك، ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك، أتراهم يعقلون كلام أو يفهمون، لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون".
ومعظم رسائله الأدبية من هذا الطراز الذي يكثر فيه ألوان البديع, ويلتزم السجع, ويفتن في عرضه، ونراه لا يمدح رسالةً وصلت إليه إلّا بأن البديع قد كمل نظمه، والسجع قد لطف من مثل قوله: "إذا قرأت لفظه، وسمعت وعظه, ورأيت ما فيه من المرقص والمطرب، والمنعش والمعجب، وتلوث ما فيه من الرقائق، ونظرت ما حاز من الدقائق، علمت أنه معجزة المتنبي, وإن تأخر زمانها، وفطنة المعري، وإن بعد مكانها, وكيف لا وعطر نرجس بلاغته أزرى بطيب الريحانة، وحسن دمية بيانه نبه على ضيق الخزانة، وانسجام رقائق كلماته أغنى عن البديعات، ورقة لطف سجعاته تأهت على الأرتقيات1".
__________
1 نسبة إلى الدولة الأرتقية, وأول من أسس الدول الأرتقية معين الدولة سقمان بن أرتق, بعد أن استولى على حصن "كيفا" سنة 385هـ من الأمير موسى التركماني، وكان أرتق جد معين الدولة مملوكًا من مماليك السلطان ملكشاه السجلوقي، وأحد قواده، والأرتقيات القصائد والمدائح, كان يقولها الشعراء لملوك هذه الأسرة, واستمرت الأسرة الأرتقية حتى القرن التاسع الهجري.
(1/332)

وهذا النوع من النثر بما فيه من تلاعبٍ وافتنانٍ في الازدواج والفواصل والسجعات, تقليد لمقامات الحريري وما ورد على مثالها من الرسائل، ومما يؤيد هذا الاتجاه عند النديم أنه كتب رسالة على لسان أحد أصدقائه يطلب إليه فيها أن يراسله، ويشترط أن تكون رسائله مشتملة على أفانين خاصة من البديع وغيره، وينفذ النديم الشرط, فيضع عدة رسائل منفذًا بها شروط صديقه التي ذكرها في قوله: "أحب أن تتواصل إليّ رسائلك, وتسامرني وسائلك، بشرط أن تكون أسطرها عشرين فما فوق، وأن يكون بعضها في غزل وعشق, وبعضها نكتًا أدبية, وبعضها فوائد عربية، هذه محاورة، والأخرى مسايرة، تارةً طرائف خمرية, ومرةً لطائف عمرية، وهكذا تشرف من كل دن، وتسطع في كل فن، على أن تكون بحكايات ما طرأت على الأفكار، ولا خرجت من الأوكار, تلتزم الجناس في الفقر, وألَّا تأخذ شعر غيرك إلّا بيتًا أو بيتين" وقد استجاب النديم لهذا الطلب فوضع عدة رسائل متكلفة لا معنى لها، وقد أثبت منها "أحمد سمير في السلافة"رسالتين.
والشعر الذي يرصع به الرسائل وأمثالها -وهو كثير بحيث لا تخلوا منه رسالة- شعر يمثل هذا التعمل من مثل قوله يتلاعب بلفظ النوى:
لست الملول مع التدلل والنوى ... إن لم يكن روحي على هجري نوى
ما دام يرضي منيتي فقد استوت ... عند الإقامة في شبين أو نوى
أطعمته أثمار ودي كلها ... وغذيت من ثمر المحبة بالنوى
ويأتي النديم أحيانًا بتعبيراتٍ غريبةٍ شاذةٍ متكلفة الاستعارات؛ كقوله: "وطلاؤه مرمر بالدبر معجون بليلة القدر" وأحيانًا يأتي بتعبيرات في منتهى اللطف كقوله: "واختلسنا النوم من جفون الزهر" أو قوله: أورق من خفر في بكر".
وشعر النديم الموجود قليل، وهو كنثره الأدبيّ مصنوع متكلف، يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ شعر أبي النصر وعلي الليثي، مع فارقٍ واحدٍ هو قوة السبك، ولكنه لا يختلف عن شعرهما في الصياغة والزخرفة والمعاني، ومن أحسن ما روي له قوله في الغزل:
(1/333)

سلوه عن الأرواح فهي ملاعبه ... وكفوا إذا سل المهند حاجبه
وعودوا إذا نامت أراقم شعره ... وولوا إذا دبت إليكم عقاربه
ولا تذكروا الأشباح بالله عنده ... فلو أتلف الأرواح منذا يطالبه
أراه بعيني والدموع تكاتبه ... ويحجب عني والفؤاد يراقبه
فلا حاجة تدني الحبيب لصبه ... سوى زفرة تثني الحشا وتجاذبه
فلا أنا ممن يتقيه حبيبه ... ولا أنا ممن بالصدود يعاتبه
ولو أن طرفي أرسل الدمع مرة ... سفيرًا لقلبي ما توالت كتائبه
وتراه يستعمل التأريخ الشعريّ؛ كقوله يؤرخ موت توفيق وهو بيافا, من قصيدة أرسلها إلى مصر يرثيه على الرغم من أنه نفاه:
فملائك الجنات قالت أرخوا ... توفيق في عز النعيم السرمدي 1309
ومن شعره قوله من رسالةٍ كتبها لأحد أصداقائه أيام أن كان بالمنفى, وفيها يظهر أمله ويندب سوء حظه:
يا صاحبي دع عنك قول الهازل ... واسمع نصيحة عارف بالحاصل
اجهل تجد صفو الزمان فإنه ... من قصمة الفدم الغبي الجاهل
ودع التعقل بالغفل يستقم ... أمر المعاش فحظه للغافل
وارض البلادة تغتنم من بابها ... مالًا وجاهًا بعد ذكر خامل
وإذا أبيت سوى العلوم فلا تضق ... بحروب دهر لا يميل لفاضل
قلب تواريخ الألى سبقوا تجد ... دنياك ما قيدت بغير الباطل
أحسبنا إذا قلنا بلينا ... بلينا، أن يروم القلب لينا
نعم؟ للمجد نقتحم الدواهي ... فيحسب خامل أنا دهينا
تناوشنا فنقهرها خطوب ... ترى ليث العرين لها قرينا
(1/334)

إلى أن يقول:
ولسنا الساخطين إذا رزينا ... نعم يلقى القضا قلبًا رزينا
فإنا في عداد الناس قوم ... بما يرضى الإله لنا رضينا
إذا طاش الزمان بنا حلمنا ... ولكنا نهينا أن نهينا
وله قصيدة طويلة من رواية الوطن التي مثلها أمام الخديوي توفيق، وفي هذه القصيدة يبكت المصريين على افتخارهم الدائم بآبائهم, بينما هم في خمول وتقصير فتركوا الصناعات والعلوم، واستمرءوا الصفات التي تذل الشعوب وتضعها، وقد قال القصيدة معارضة لنونية ابن زيدون المشهورة، وفيها يقول:
هذه معالمنا تبكي وتنشدنا ... قول ابن زيدون إذ قامت تعزينا
"بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ... شوقًا إليكم ولا جفت مآقينا"
قل للنفوس التي ماتت بلا أجل ... أين القلوب التي كانت تجارينا؟
أين العلوم التي كانت توصلنا ... باب السعود فصارت من أعادينا؟
أين الصنائع أين العارفون بها؟ ... أين الديار التي كانت لأهلينا
كانت وكانوا وصار الكل في عدم ... واستعبدتنا بما نهوى أمانينا
إذا سمعنا خطيبًا ذاكرًا حكمًا ... قلنا له: عزة الآباء تكفينا1
وحسبنا هذا القدر من شعره, فهو يعطينا صورةً عن منزلته في الشعر وعن فهمه له.
2- أما مقالاته في "التنكيت والتبكيت" وأسلوبه الكتابيّ في هذه الصحيفة، فقد ذكرنا آنفًا أنها احتوت موضوعات للخاصة, يكتبها بأسلوب أدبيّ محرر من السجع ومن ألوان البديع، ويتوخى فيها السهولة، "ليست منمقة بمجاز واستعارات, ولا مزخرفة بتورية واستخدام, ولا مفتخرة برقة قلم محررها، وفخامة لفظه وبلاغة عبارته، ولا معربة عن غزارة علمه وتوقد ذكائه، ولكنها
__________
1 وهنا ترديد لما قال السيد جمال الدين من قبل, راجع 343 من هذا الكتاب.
(1/335)

أحاديث تعودنا عليها، ولغة ألفنا المسامرة بها، لا تلجئك إلى قاموس الفيروزآبادي، ولا تلزمك مراجعة التاريخ، ولا نظر الجغرافية, ولا تضطرك لترجمانٍ يعبر لك عن موضوعها، ولا شيخٍ يفسر لك معانيها، فهي في مجلسك كصاحبٍ يكلمك بما تعلم، وفي بيتك كخادمٍ يطلب منك ما تقدر عليه، ونديم يسامرك بما تحب وتهوى". ومن أمثلة موضوعات الخاصة مقالته المشهورة "مجلس طبي على مصاب بالإفرنجي" وفيها يقول: "كان المصاب صحيح البنية قويّ الأعصاب جميل الصورة لطيف الشكل، وما رآه فارغ القلب إلّا صبًّا، ولا سمع بذكره بعيد إلّا طار إليه شوقًا، نشأ في العالم روضة، ودار به أهله يحفظونه عن الأعداء، ويدفعون عنه الوشاة والرقباء، وقد مات في حبه جملة من العشاق الذين خاطروا في وصاله بالأوراح والأموال، وكلما وصل إليه واحد سحره برقة ألفاظه وعذوبة كلامه، وسلب عقله ببهجة يحار الطرف فيها، وعزة لا يشاركه فيها مشارك" وأنت ترى أسلوبًا خاليًا من السجع ليفرغ كتابه إلى المعاني التي يريدها، ويسير في سهولة ووضوح.
وهناك موضوعات للعامة كتبت باللغة العامية الدارجة بمصر حتى يفهموها، ويعملوا بها كموضوع المزراع والمرابي، وكموضوع "عربي تفرنج" ويقول في الأخير: "وُلِدَ لأحد الفلاحين ولد فسماه زعيط، وتركه يلعب في التراب، وينام في الوحل حتى صار يقدم على تسريح الجاموسة، فسرحه مع البهائم إلى الغيط, يسوق الساقية ويحول الماء, وكان يعطيه كل يوم أربع حندويلات، وأربعة أمخاخ بصل، وفي العيد يقدم له اليخني ليمتعه بأكل اللحم والبصل".
وأما أسلوبه في "الأستاذ" فهو أسلوب صحفيّ أدبيّ يمتاز بالسهولة والتدفق، والخلو من السجع والبديع والمجاز، وقد مر بك نماذج منه.
ويلاحظ أن النديم يستعمل الأسلوب الخبريّ الممتزج بالخطابيّ في معظم كتابته، وهو أسلوب يصلح للوعظ، وتراه كثير التهكم والسخرية في موضوعاته الاجتماعية، يلجأ إلى الحوار في الموضوعات التي كتبها للعامة وكان
(1/336)

ينطلق كل شخص بما يوافق طبعه وصنعته ودرجة علمه، مماي دل على خبرة واسعة بالناس وطباعهم ولغة حديثهم، وله مقالات اختار لها عناوين من العامية الدارجة, تدل على تمكنه عن تفهم البيئة الفقيرة ولغتها، وعلى روح الفكاهة والسخرية عنده مثل: "الشنة والرنة في أولاد مصر الزنة" ومثل: "حاوريني يا طيطة في الطربوش والبرنيطة" و"شد الدبلاق في أكتاف أهل بولاق" وإن كانت المقالات نفسها مفقودة مع دواوين شعره.
منزلته:
واشتهر عبد الله النديم بالخطابة، وتملكه لناصية القول، فكان لسان الأمة في عهده بخطبه المملوءة حماسة وقوة وصراحة، يذيعها في كل مجلس بكل مكانٍ, لا يكلُّ ولا يملُّ، وقد استطاع بهذا أن ينشر آراءه في أكبر عدد ممكن من الأمة, وأسهم في تكوين رأي عام -سواء بخطبه أو بقلمه- يؤمن بحكم الشورى، ويثور ضد الأجانب، ويتطلع إلى إصلاح المفاسد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وإذا كان السيد جمال الدين رسول الخاصة في هذه المعاني, فعبد الله نديم أوتي المقدرة واللباقة على أن يبسط آراء جمال الدين ونظريات الإصلاح المنشود في كل نواحي الحياة، حتى يفهمها العامة؛ من الفلاح في حقله, والتلميذ في مدرسته، والصانع في دكانه.
وقد شهد بمقدرته على الحديث والخطابة وبراعته في تنميق الكلام كثيرٌ من ذوي الخبرة بوجوه الكلام، فهذا جمال الدين الأفغاني، وهو من عرفت ذكاء وقوت عارضة، ومقدرة على الحديث يقول: "إن ما رأى مثل النديم طول حياته في توقد الذهن وصفاء القريحة، وشدة العارضة، ووضوح الدليل، ووضع الألفاظ وضعًا محكمًا بإزاء معانيها إن خطب أو كتب"1.
وأحمد تيمور العالم المحقق يقول في الترجمة التي كتبها له2: "كان شهيّ الحديث، حلو الفكاهة, إذا أوجز ود المحدث أنه لم يوجز، لقيته مرة في آخر إقاماته
__________
1 سلافة النديم ص17.
2 تراجم أعيان القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر, لأحمد باشا تيمور, ص77.
(1/337)

بمصر، فرأيت رجلًا في ذكاء إياس, وفصاحة سحبان، وقبح الجاحظ، أما شعره فأقل من نثره، ونثره أقل من لسانه، ولسانه الغاية القصوى في عصرنا هذا".
ويقول عنه جورجي زيدان1: "أما أخلاقه فإنه كان برًّا بوالديه وذوي قرابته وقصاده, ولو لم يكن يعرفهم، فما أقرض أحدًا شيئًا وطالبه به، ولا ردَّ يومًا سائلًا، ولا خضع لعظيم قط، وإنما كان يلين ويتواضع لصغار الناس وأوساطهم، وكان ذكيًّا فطنًا قويَّ الحافظة, فصيحًا جريئًا شاعرًا مطبوعًا، وكاتبًا ثائرًا".
ويقول عنه عبد الرحمن الرافعي2: "وهو الزعيم الوحيد بين العرابيين الذي استمر في جهاده السياسيّ ونضاله عن مصر في عهد الاحتلال، وهي ميزة كبرى انفرد بها دون بقية الزعماء الذين أثرت فيهم الهزيمة؛ فوهنت لها روحهم المعنوية، وانطفأت فيهم شعلة الأمل والحماسة والجهاد, وهذا وحده يدلك على مبلغ علو نفسه، وقوة شخصيته؛ إذ لم تنل منه الشدائد، ولم يضعف إزاء المحن والكوارث، ولم يعرف اليأس إلى قلبه سبيلًا".
ويقول عنه الأستاذ أحمد أمين3: "طالما غذى الناس بقلمه، وهيجهم بأفكاره, وأضحكهم وأبكاهم، وحيّر رجال الشرطة، وأقلق بال الساسة، ونازل خصومه من رجال الصحافة، فنال منهم أكثر مما نالوا منه، ولم يهدأ له لسان ولا قلم حيث حلّ، وعلى أي حالٍ كان، حتى هدأه الموت الذي يهدئ كل ثائر، ومهما أخذ عليه فقد كان عظيمًا، وكانت جريدة "الأستاذ" هي الأستاذ لمصطفى كامل, تعلم منها الاتجاه والنغمة، وإن اختلفا من حيث الثقافة والأسلوب بحكم الزمن والأحداث والظروف".
ويقول الأستاذ العقاد4: "ولقد كان عبد الله النديم خطيبًا مطبوعًا، ومحدثًا ظريفًا من الطراز الأول, كما شهد له عدوه وصديقه، وكان إذا كتب فكأنما
__________
1 مشاهير الشرق, ج2 ص111.
2 الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي, ص527.
3 مجلة الثقافة العدد 279.
4 شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي, ص93-96.
(1/338)

يرتجل الخطابة لسهولة منحاه وتدفق كلامه، وتناسق عباراته، إلّا حين يكتب الخطب المنبرية, أو المقامات المصنوعة.. على أنك قد تقول ما بدا لك في شعر عبد الله نديم وفي خطبه وفي كتاباته وفي تحقيقه العلمي وملكاته الأدبية، ولكنك لا تستطيع أن تنكر عليه أنه كان أعجب نموذج من نماذج الشخصيات في تاريخ الأدب المصري الحديث".
أما نحن فقد أصدرنا حكمنا عليه في هذه الترجمة، ووفينا أدبه درسًا، وبينَّا خصائصه كما ظهر لنا من آثاره القليلة التي أبقى عليها الزمان.
(1/339)


4- أحمد عرابي:
إذا كان جمال الدين الأفغاني قد أثَّرَ في مصر بتعاليمه وفلسفته ووحي تجاربه التي أفادها من رحلاته الكثيرة، وإذا كان قد قصد إلى إيجاد قطرٍ قويٍّ من أقطار الإسلام يكون نواةً لوحدة إسلامية كبرى، ويعيد للمسلمين سالف مجدهم وغابر عزهم، وإذا كان قد مهَّدَ للثورة العرابية, وهيأ النفوس لها؛ فإن أحمد عرابي لا يقل عنه خطرًا ولا أثرًا، وأغلب الظن أنهما لم يلتقيا، وإن اتفقا في كثير من الأمور, واختلفا في الغاية والوسيلة.
أما الغاية: فإن أحمد عرابي كان همه الأول تخليص المصريين من العذاب والذل والاستبداد والسخرة والاستغلال, واستصفاء مصر لأهلها ينعمون بخيرها وبرها، ويعيشون فيها أحرارًا على قدم المساواة مع هؤلاء الذين شاءت الأقدار أن يكونوا حكامًا لها، ولم يكن يهدف إلى تكوين وحدة إسلامية، بل لم يكن متعصبًا تعصبًا دينيًّا ألبتة، وأما الوسيلة: فإنه لجأ إلى عامة الشعب لا إلى الخاصة من المثقفين، ولم يكن يميل إلى العنف, وإنما اضطر إليه اضطرارًا ردًّا للعدوان، ودفاعًا عن الحقوق المهضمومة والنفوس المظلومة.
ولم يكن تلاميذ جمال الدين وعلى رأسهم محمد عبده, راضين عنه أول الأمر، بل كانوا ينظرون إليه بازدراء، ويعدونه زعيم غوغاء، وإن أرغمتهم الحوادث والشعور الوطنيّ الجارف على أن ينضووا تحت لوائه، ويخوضوا معه غمار الثورة.
(1/339)

في أحمد عرابي يتمثل العنصر المصري الأصيل بصفاته الجسمية والخلقية، وفيه تركزت آمال الأمة وآلامها، وتعد ثورته أول ثورة مصرية واعية على الظلم الذي طال أمده، وتعد ثورة شعب لا ثورة فرد، ولم يكن أحمد عرابي إلّا لسان ذلك الشعب يعبر عن أحساسيسه، ويترجم عن أماله وآلامه، فاكتسب بذلك عداوة الخديو وآل بيته، وعداوة الأرستقراطية الكاذبة التي مكن لها بمصر، والتي كانت تتمثل في المماليك والجراكسة والأتراك، هؤلاء الذين كانوا ينظرون إلى الفلاح المصريّ بعين الزراية والاحتقار، وهم ينعمون بكده وثمرة شقائه، وعداوة الإنجليز الذين حاربهم, وأظهر خبث طويتهم وسوء نيتهم، والذين كانوا يتربصون بمصر الدوائر، ويدبرون لها المكايد منذ أن هزموا في معركة رشيد سنة 1807.
نشأته وشخصيته:
تضافرت عدة عناصر على تكوين شخصية عرابي، وجعلته أصدق مَثَلٍ للفلاح المصريّ المكافح المضطهد، الذي يشعر بالظلم، ويأنف منه، ويطالب بالحرية والكرامة في قوة وصرامة.
ولد بقرية "هرية رزنة" بالقرب من الزقازيق سنة 1841, من أسرة تنتسب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وتعتز بانتسبها إليه، وكان والده محمد عرابي على شيءٍ من العلم والدين, معروفًا بالتقوى, وكان فقيه القرية, يقرئ أطفالها القرآن, ويعلمهم مبادئ القراءة والكتابة، وعلى يديه تعلم ابنه أحمد حتى حفظ القرآن، ثم دخل الأزهر, ومكث به أربع سنوات، وعاد بعدها ليكدح في الحقل كما يكدح ذووه.
ثم شاء الله أن يعده لشيء آخر، حين أراد "سعيد" أن ينهض بالجيش، وأن يجند أبناء العمد والمشايخ وأعيان الفلاحين, وكان يميل إلى المصريين, ويعدهم أساس مصر, ولا سبيل إلى نهضتها إلّا بهم، فجند أحمد عرابي، وسرعان ما ظهر تفوقه، وترقى بسرعةٍ خاطفةٍ حتى وصل إلى رتبة "قائمقام" وهي رتبة لم
(1/340)

يصل إليها فلاح قبله, وذلك بفضل ذكائه وطموحه، ويقول عن نفسه في تلك الأيام: "وكنت أطمع إلى منصب عالٍ يماثل منصب مديريتنا"1.
بيد أنه مكث في هذه الرتبة تسعة عشر عامًا, أي: طوال حكم إسماعيل كله، وذلك لأن إسماعيل كان على النقيض من سعيد, يؤثر الجراكسة بالترقية، ويزدري المصريين، وأحسَّ عرابي بالظلم, وابتدأ يطالب بحقه2 فاضطهد، وكان رئيسه خسرو كما يقول عرابي "رجلًا جاهلًا، متعصبًا لجنسه الجركسيّ تعصبًا زائدًا على حد المعقول، متفانيًا في الحقد على إقصائي من مركزي3" وفصل عرابي من الجيش ظلمًا وتعسفًا، ولكنه لم يستكن للضيم، وظلَّ يطالب بحقه, فعين في وظيفةٍ مدنيةٍ قام بشئونها في همةٍ وأمانةٍ, وجوزي عليها بالتقاعد من غير معاش "فيالله من أمر, وأصعب تلك المكافآت المقلوبة على النفوس الحساسة الشريفة، وما أكثر العجائب في الحكومات المطلقة المستبدة الظالمة"4.
وثار عرابي، ولم يهدأ حتى أعيد للجيش، وشعر بمرارة الظلم وقسوته، زاده شعورًا باضطهاد المصريين اشتراكه وزملائه في حملة الحبشة، حيث لمسوا من قوادهم ضعفًا وخيانةً, ولم يجد هو وزملاؤه عطفًا من أولي الأمر, بل اضطهادًا لهم, ومحاباة للأجانب الذين اصطفاهم الخديو بالرتب والنياشين والجواري الحسان، والأراضي الواسعة الخصبة, والبيوت الرحبة، وحباهم بالأمور الكثيرة, والحلى الثمينة من دم المصريين المساكين وعرق جبينهم"5.
كانت نشأته الريفية، وتربيته الدينية، وإحساسه بالاضطهاد؛ لأنه فلاح مصريّ, من أهم العناصر التي كونت شخصيته، أضف إلى ذلك أنه تأثر بكتاب أهدي إليه عن نابليون والثورة الفرنسية، وبقراءته في التاريخ العربيّ، وبخطبة ألقاها "سعيد" يشيد فيها بالمصريين وضرورة تربيتهم حتى ينفعوا بلادهم،
__________
1 من تاريخه الذي قدمه إلى بلنت، التاريخ السري, ص344.
2 الرافعي: الثورة العرابية, ص78.
3 كشف الستار لأحمد عرابي, ص21.
4 نفس المرجع, ص22.
5 نفس المرجع, ص49.
(1/341)

ويتسغنوا عن الأجانب, ويقول عرابي: إنه اعتبر هذه الخطبة أول حجر في أساس نظام "مصر للمصريين"1 وكان ياورًا لسعيد، ورافقه في رحلته للحجاز, وتأثر بآرائه في "المساواة بين الطبقات، وفي الاحترام الواجب للفلاح باعتباره العنصر الأساسيّ المجد في الجيش المصري3".
وبدأ عرابي منذ عودته عن حرب الحبشة يعمل على توحيد صفوف الضباط المصريين في الجيش والتفافهم حوله، وإشعارهم بالظلم الواقع عليهم, وحرمانهم الترقية, بينما يتمتع بها سواهم من الأجانب.
ومن الصفات المميزة لشخصية عرابي شدة إيمانه، فلم يعرف عنه أن هذه الصفة فارقته حتى في أشد ساعات الضنك والشدة، وكان شديد التدين، حتى عرف بين الجند حنيئذ بالشيخ أحمد عرابي، ويقول عنه محمد عبده، وكان دائم الزراية به.
ما كان أحسنه شيخًا بزاوية ... يغشى النساء بوعظ كان يمليه3
كانت العاطفة الدينية قوية جدًّا في نفسه، ولكنه لم يكن متعصبًا، وهذه العاطفة الدينية من خصائص الفلاح المصريّ، ولا سيما في تلك الأزمان، وكان عرابي يمجد الإنسانية عامةً, لا يتعصب تعصبًا أعمى، يقول بلنت بعد أن ذكر تمجيد عرابي للورد بيرون؛ لدفاعه عن حرية أهل اليونان: "وقد عنيت بذكر هذه النقطة لدلالتها على عطف عرابي على الإنسانية كلها، وعدم تفريقه في ذلك بين الأجناس والأديان4. وكان بلنت يعد هذه الإنسانية في عرابي أحد عيوبه، وسببًا من أسباب إخفاقه في حرب الإنجليز5, وإليها أشار "جريجوري" في حديثه معه، ومن الأسس التي أقام عليها "برودلي" دفاعه عن عرابي "مروءته وتطرفه في الإنسانية6".
__________
1 نفس المرجع, ص15.
2 بلنت: التاريخ السري, ص98.
3 تاريخ محمد عبده لرشيد رضا, ج1 ص14.
4 بلنت: ص284.
5 بلنت: ص99، 114، 128 وما بعدها.
6 نفس المرجع ص232.
(1/342)

ومن مظاهر هذه الإنسانية أنه بعد أن أطلق الجند سراحه عنوة من سجن قصر النيل الذي حسبه فيه الجراكسة، وهموا بالفتك بهم، ولكن عرابي حمى هؤلاء الذين آذوه وسجنوه ولولاه لكانت مذبحة.
ومن سمات شخصية عرابي صفاته الجسمية، فقد كان طويل القامة، عظيم الهامة، ثقيل الأطراف، بطيء الحركة نوعًا، كأنه يمثل تلك القوة العظيمة التي اشتهر بها الفلاح العامل1، وكان شديد البنية متين التركيب، تلوح على وجهه أمارات الشهامة العسكرية، وسمات الهيبة والوقار، والجد مع القوة والبأس.
كان عرابي كثير الاهتمام بالتاريخ، قرأ سيرة نابليون والثورة الفرنسية كما ذكرنا آنفًا، ويوجه إليها اهتمامًا كبيرًا، وقرأ قدرًا كافيًا من تواريخ الدول, وعظماء الأمم في الشرق والغرب، كما كان يقرأ كثيرًا في نهج البلاغة, ومنه استمد قدرته الخطابية والتعبيرية، ويقول بلنت عن آراء عرابي: "إنها تعتمد على العلم بالتاريخ، وعلى تقاليد الأفكار العربية الحرة الموروثة من أيام حرية الإسلام".
كما كان يعرف كثيرًا عن إيطاليا وجهادها في سبيل وحدتها واستقلالها، ويعجب أشد الإعجاب بـ "غريبالدي"، ويمكن أن نقول: إن ثقافة عرابي كانت دينية أدبية تاريخية في حدود مطالعاته العربية.
لقد نال قدرًا ضئيلًا من الثقافة، ولكنها خصوبة ذهنه أحالت هذه البذور القليلة أشجارًا ضخمة مثمرة، وأتت أكلها وطنيةً دافقةً، وفهمًا للحرية والديمقراطية والمساواة، وتقديرًا للحقوق العامة وقواعد الإدارة والنظام2.
يقول العقاد3: "ويلوح لنا أن الرجل مخلوق من طينة العبقرية التي يمتحن صاحبها بشقوتها, كما يمتحن بنعمتها وفضلها، على أن العلامة التي لا تخطئ من علامات العبقرية هي الخصوبة الذهنية، وهي أن يثمر الذهن محصولًا وافرًا من بذور قليلة، وقد كانت الدروس التي تلقها عرابي في صباه قسطًا مشتركًا بينه وبين كل صبيٍّ من صبيان القرى, حضر مبادئ القراءة والحساب وما إليها في الكتاتيب وأروقة الأزهر المعدة للمبتدئين، ولكننا نقرأ أقواله في الحكم النيابي والمبادئ الديمقراطية والحقوق العامة وقواعد الإدارة والنظام, فيتمثل أمامنا حظٌّ وافرٌ من الفهم والمعرفة, لا يتهيأ للكثيرين ممن أحاطوا بالمعلومات المستفيضة في هذه الشئون.
__________
1 التاريخ السري ص 104، Broodely: How we Defended. pp. 62.
2 بلنت: ص129.
3 العقاد: 11 يوليو ص107.
(1/343)

عرابي الخطيب الزعيم:
لقد أجمع الذين شهدوا عرابي خطيبًا، وحادثوه على أن جودة الكلام أهم مزاياه، وأنه كان محدثًا لبقًا ذا خلبةٍ وسيطرةٍ على النفوس، وأنه كان خطيبًا فصيحًا ذا تأثير كبير على سامعيه، وأن ذلك كان أكبر مقومات شخصيته.
يقول ماليت: "كان لحديثه أحسن وقع في النفوس"1، وكان مراسل التيمس يسميه: "الداعي الفصيح إلى الحرية العربية2"، ويرى بلنت "أنه كان فصيحًا قادرًا على شرح آرائه باللغة التي يفهمها مواطنوه ويحبونها, ومن ثَمَّ كان له نفوذ كبير3"، ويقول جريجوري: "ويظهر في بادئ الأمر أنه ثقيل، إلى أن يتأثر فتتقد عيناه، ويتكلم بشهامة، وأخبرني الذين يعرفون اللغة العربية أن فصاحته أشهر من أن تنكر4".
أما الشيخ محمد عبده: فكان يزدريه ويقول عنه في قصيدته التي هجاه بها:
وقائد الجند شهم في مكالمة ... أشل قلبًا إذا الهيجا تناديه
ومع ذلك يشهد له بأنه "كان أجرأ إخوانه على القول، وأقدرهم على إقامة الحجة5".
وعلى الرغم من أن الرافعي قد أنكر بعض مزاياه، فلم يسعه إلّا أن يعترف بقدرته الخطابية حيث يقول: كل ما امتاز به هو لسان ذلق، وصوت جهوريّ
__________
1، 2 تاريخ المسألة المصرية, تيودور روتشين ترجمة العبادي وبدران ص142.
3 التاريخ السري, ص99.
4 الوطن: العدد 214.
5 تاريخ محمد عبده لرشيد رضا, ج1 ص192.
(1/344)

وترسل في الحديث، فقد كان خطيبًا فصيحًا، وأقوله كانت تقع من نفوس الضباط والسامعين موقع الاقتناع1".
ترك عرابي طائفة من الآثار نتبين منها جهاده في سبيل مصر قولًا وعملًا وكتابةً، تتمثل في مجموعة كبير من أحاديثه وخطبه ورسائله إبان الثورة، ويلحق بها ما قاله في أثناء محاكمته، ثم المذكرات التي تركها قبيل وفاته وسماها: "كشف الستار" وتاريخه المختصر الذي كتبه بعد عودته، وهو مثبت في آخر التاريخ السري.
ابتدأ عرابي دعوته سريةً في داخل الجيش وخارجه، وقد اختاره زملاؤه الضباط زعيمًا لهم؛ لأنه كان أشد المجتمعين إحساسًا بالظلم، وأقدرهم على التعبير عنه، وأجراهم في مهاجمة الظالمين, وقد كان للباقته وفصاحته في الكلام واستشهاده ببعض الأحاديث النبوية الشريفة والحكم والماثورة تأثير كبير في نفوس الضباط، واجتذبهم إليه ومال بهم إلى تلبية ندائه، والاستماع لنصحه والاقتناع بآرائه"2.
ثم تخرج الدعوة إلى النور، ونرى جماعةً من الضباط يذهبون إليه في بيته ليناقشوه في الأوامر التي أصدرها عثمان رفقي, وأنهم يريدون الاحتجاج على ذلك، وقد اختاروه ليمثلهم؛ فيحاول أن يثنيهم بالرفق أو يختاروا غيره، ولكنهم أصروا على اختياره، فقال لهم: إن من يتصدى لزعامة هذا الأمر هالك لامحالة، فأقسموا له على أن يفدوه من كل شر, فكتب الاحتجاج ووقعه معهم وقد جاء فيه " إن عثمان رفقي يعامل ضباط الجهادية بالذل والاحتقار, ويسعى فيما يوجب لهم الحرمان والإضرار, كأننا الأعداء الألداء، وكأن الله -سبحانه وتعالى- يطلب منه ظلم المصريين والإجحاف بحقوقهم" ويقدمها إلى رياض، ويدور بينهما الحوار الآتي:
رياض: إن أمر هذه "العريضة" مهلك.
__________
1 عبد الرحمن الرافعي: الثورة العرابية, ص82.
2 المرجع السابق ص8.
(1/345)

عرابي: إننا لم نطلب إلّا حقًّا وعدلًَا، وليس في طلب الحق من خطر، وإننا لنعتبرك أبًا للمصريين، فما هذا التلويح والتخويف؟
رياض: ليس في البلاد من هو أهل لأن يكون عضوًا في مجلس النواب.
عرابي: إنك مصريّ وباقي النظار مصريون، والخديو مصري، أتظن أن مصر ولدتكم ثم عقمت؟ كلّا! فإن فيها العلماء والحكماء والنبهاء، وعلى فرض أن ليس فيها من يليق لأن يكون عضوًا في مجلس النواب، أفلا يمكن إنشاء مجلس يستمد من معارفكم, ويكون كمدرسة ابتدائية تخرج لنا بعد خمسة أعوام رجالًا يخدمون الوطن بصائب فكرهم, ويعضدون الحكومة في مشروعاتها الوطنية1".
ويقبض الجراكسة على عرابي, ويسجن في قصر النيل, فيقتحمه الجند ويطلقون سراحه, ويهمون بذبح الجراكسة لولا تدخل عرابي؛ حيث وقف فيهم خطيبًا ونصح لهم "بالّا يمدوا يدًا بسوءٍ إلى أحد من الجراكسة ولا إلى غيرهم؛ لأنهم إخواننا, ولئن آثروا أنفسهم علينا, فإنا لا نريد إلّا النصفة والمساواة2".
ويسير عرابي إلى عابدين في مظاهرة عسكرية صاخبة، وتعدَّل القوانين، ويقام لذلك حفل في قصر النيل أقامه البارودي وزير الحربية, وحضره الوزارء يخطب عرابي قائلًا: "إننا لا نريد إلّا الإصلاح وإقامة العدل على قاعدة الحرية والإخاء والمساواة, وذلك لا يتمُّ إلّا بإنشاء مجلس النواب وإيجاده فعلًا، ونحن مطيعون للحكومة, بل نحن الآلة المنفذة لأوامرها العادلة"3.
ثم عُزِلَ البارودي, وتولى مكانه داود, الذي قسا على الضباط, فاجتمعوا لدى عرابي واستحلفهم على السيف والمصحف، أن تكون أرواحهم موقوفة على حفظ الوطن من شر الأعداء, والاحتراس على موارد إيراده من أيدي الطمع, وبأن يكونوا جميعًا على قلب رجل واحد، وأعلمهم بأنه قد اجتمعت الكلمة على أن
__________
1 كشف الستار, ص155.
2 سليم نقاش: مصر للمصريين, ج4 ص126، وتاريخ محمد عبده, ج1 ص202.
3 الكافي: لميخائيل شارويم, ج4 ص243.
(1/346)

يتولى الزعامة1، وأخذ يرسل إلى القرى والمدن ينشر فيها دعوته ويبين لأهلها "أن الوزارة الرياضية قد ركبت متن الشطط وعدلت عن الصراط المستقيم، وليس لها من نية سوى العمل على ما فيه اضمحلال البلاد وتلاشيها بما هو جارٍ من بيع الأراضي للأجانب, وتسليم أغلب مصالح الحكومة لهم, وإعطائهم الرواتب الفادحة المثقلة على أكتافهم، وإن سكوتنا وإضرابنا عن هذه كله يُعَدُّ من الجبن والعجز والتفريط في وطننا2" وطلب منهم في النهاية أن ينيبوه عنهم في كل ما يتعلق بأحوال البلاد، وأن يوقعوا على ذلك.
وبهذا هيأ عرابي لثورة 9 سبتمبر 1881، وقد دار بينه وبين توفيق في ذلك اليوم حوارٌ بدا هادئًا ثم اشتد، قال عرابي ثائرًا "ولقد خلقنا الله أحرارًا ولم يخلقنا تراثًا وعقارًا، فوالله الذي لا إله إلّا هو, إننا سوف لا نورث ولا نستعبد بعد اليوم" فهرب توفيق وترك الأمر لبعض حاشيته، وقد سلَّم توفيق لعرابي بكل ما طلب.
وألف شريف الوزارة الجديدة، وذهب عرابي مع وفد من الضباط لتهنئته، وخطب خطبة ضافية أكد فيها حقوق البلاد، وقبل أن ينقل إلى الزقازيق مع فرقته, وقد وقف في محطة القاهرة يودع الألوف التي جاءت لتحيته, وارتجل هذه الخطبة "سادتي وإخواني! بكم ولكم قمنا وطلبنا الحرية، وقطعنا غرس الاستعباد، ولا ننثني عن عزمنا حتى تحيا البلاد وأهلها, وما قصدنا بسعينا إفسادًا ولا تدميرًا, ولكن لما رأينا أننا بتنا في إذلالٍ واستعبادٍ، ولا يتمتع في بلادنا إلّا الغرباء, حركتنا الغيرة الوطنية والحمية العربية إلى حفظ البلاد وتحريرها والمطالبة بحقوق الأمة.
ومن قرأ التواريخ يعلم أن الدول الأوربية ما تحصلت على الحرية إلّا بالتهور وإراقة الدماء، وهتك الأعراض وتدمير البلاد، ونحن اكتسبنها في ساعة واحدة من غير أن نريق قطرة دم, أو نخيف قلبًا, أو نضيع حقًّا, أو نخدش شرفًا.
وما أوصلنا إلى هذه الدرجة القصوى إلّا الاتحاد والتضافر على حفظ شرف البلاد..
__________
1 المرجع السابق ص236، ومصر للمصريين, ج4 ص90.
2 عبد الله نديم: "التنكيت والتبكيت" العدد 17، ومصر للمصريين ج4، وكشف الستار ص362.
(1/347)

نحن الآن في نعمة جليلةٍ وعزةٍ جميلةٍ, وقد فتحنا باب الحرية في الشرق، ليقتدي بنا من يطلبها من إخواننا الشرقيين على شرط أن يلزم الهدوء والسكينة, ويجانب حدوث ما يكدر صفو الراحة، ونحن قائمون إلى رأس الوادي، ليعلم الجميع أن قيامنا كان لطلب الحقوق لا للعقوق، وأن الطمأنينة عادت كما كانت، وعدنا إلى ما نشأنا عليه من طاعةٍ، وأحض إخواني في الجهادية بحفظ وحدة الاتحاد، وعدم الإصغاء إلى الوشاة والحساد، فإنكم تعلمون أننا جاهدنا في هذا الأمر أعوامًا طوالًا حتى ربطنا القلوب، وألَّفْنَا النفوس، وبيننا مِن الأعداء مَنْ يسعى في تفريق كلمتنا, وإضرام نار الفتنة بيننا، فاردعوهم بلسان التقرع، واحفظوا لنا ما عاهدناكم عليه، فالبلاد محتاجة إلينا، وأمامنا عقبات يجب أن نقطعها بالحزم والثبات، وإلّا ضاعت مبادئنا، ووقعنا في شرك الاستبداد بعد التخلص منه.."1.
وأنت تراه هنا حريصًا على الحرص على المبادئ التي دعا إليها، وعلى أن يؤكد أنه رجل سلام لا رجل شغب، وعلى أنه يعد نفسه أحد زعماء الشرق، وقد سنَّ له القدوة الحميدة في المطالبة بالحرية, وأنه حريص كذلك على وحدة الصفوف، متنبه إلى كيد الأعداء ووشايتهم وحسدهم.
وخطب في الزقازيق عند وصوله، كما خطب في حفل أقامه أمين الشمسي لتكريمه, وجاء فيه: "وأنتم الآن مهيئون للانتخاب، فلا تملككم الأهواء والأغراض لانتخاب ذوي الغايات، بل عولوا على الأذكياء والنبهاء الذين يعرفون حقوقكم, ويدفعون المظالم عنكم, ويفتحون باب العدل والإنصاف في بلادنا، فلا تأخذكم الأراجيبف، واطمئنوا في بلادكم، والتفتوا إلى أشغالكم، ومصالحكم، وكونوا على يقين من حفظ البلاد"2.
ثم يرسل إليه نوبار يشكره على إنقاذ البلاد، ويعرض عليه عودته لتولي الحكومة، ويقول عرابي: "فعجبنا لذلك وأجبناه بأن مبدأنا هو أن مصر للمصريين, وللنزلاء عندنا حسن الضيافة ومزيد الإكرام"3 وهي الكلمة التي رددها فيما بعد الزعيم مصطفى كامل "أحرار في بلادنا كرماء لضيوفنا".
__________
1 كشف الستار, ص368.
2 المرجع السابق, ص269.
3 التاريخ السري, ص154.
(1/348)

ويعود إلى القاهرة, ويقابله كثير من مراسلي الصحف الأجنبية, ويؤكد لهم عدم التعصب الديني، وأنه إنما يتحدث باسم الأمة، وأنه سيقاوم كل اعتداء أجنبيٍّ على البلاد، ثم يتولى وزارة الحربية, ويستقبله "بلنت" ويتحدث معه في مشروعات كثيرة يقوم بتنفيذها، وطالما فخر بها فيما بعد لورد كرومر، ويقول بلنت: "عزي للموظفين البريطانيين في عهد الاحتلال، وادعى لورد كرومر أنه مبتكر كثير منها, فمن ذلك: إلغاء السخرة التي كان يفرضها الباشاوات الترك على الفلاحين, واحتكار بيع الماء في مدة الفيضان، وحماية الفلاحين من المرابين واليونانيين، وإنشاء بنك زراعي تشرف عليه الحكومة، وهذا هو البنك الذي باهى به كثيرًا اللورد كرومر، وكذلك تنقاشنا في الإصلاحات القضائية, وفي نظم تربية الذكور والإناث، وفي طريقة الانتخاب للبرلمان الجديد وفي مسألة الرقيق"1.
غدر وخيانة:
ولكن أنى الأمور أن تسير كما قدر عرابي؟ وكيف يمكن من الإصلاح، وينشر الوعي في البلاد، وينهض بمصر، والإنجليز والفرنسيون يريدونها متأخرة، بل يريدون اغتصابها، وامتصاص دمها، ولذلك أرسل مذكرة إلى توفيق بنفي عرابي, وإبعاد رفيقه, واستقالة الوزارة، وقد قبل توفيق المذكرة، واجتمع على أثر ذلك كثير من الضباط والنواب بمنزل سلطان باشا، وخطب فهيم عرابي، وأخذ يعدد مساوئ الخديو ومعايب أسلافه, وما جلبوه على البلاد وأهلها من المظالم والمغارم, وغير ذلك من أنواع البلايا والرزايا، واشتد الهرج فصاح عرابي: "ما بالكم لا تسمعون، وكأنكم خشب مسندة، وإن كنتم لا تنادون بخلعه، فنحن قد خلعناه، فصاح عند ذلك سائر العسكر قد خلعناه ثلاثًا"2.
ويصل وفد من تركيا، ويحاول إغراء عرابي بالذهاب إليها فيرفض عرابي، وترفض الأمة ويقول لهم: "ليقل الناس ما يشاءون, فإني ولدت في بلاد الفراعنة، وستظل الأهرام الخالدة قبري"3.
__________
1 التاريخ السري, ص154.
2 ميخائيل شاروبيم: الكافي, ج4 ص296.
3 التاريخ السري, ص432.
(1/349)

وتحدث مذبحة الإسكندرية وتتوالى الأحداث، وهو دائمًا يوجه، ويثبت القلوب الخائفة، وحينما دارت الحرب لم يفقد أعصابه، وقد انتصر في موقعة كفر الدوار انتصارًا ساحقًا، وارتدَّ الإنجليز إلى الأسكندرية, فطاردهم الجيش إلى تفتيش "سيوف" وأوقع بيهم, بَيْدَ أنهم انتهكوا حرمة القناة، ولم يكن عرابي يقدر أنهم سيهاجمونه من الشرق، وقد طلب إليه أن يردم القناة، فخشي مغبة هذا العمل، وتألب الدول عليه، ثم يهزم عرابي في التل الكبير بسبب الخيانة التي دبت في صفوف الجيش, وقد حاول جهده أن يثبت الفارين, ولكنهم أبو الاستماع إليه، وفي ذلك يقول عرابي في مرارة وأسى: "دعوناهم للهجوم معنا فامتنعوا ودهشوا، فذكرناهم بحماية الدين والعرض والشرف والوطن, فلم يجد كل ذلك نفعًا، ولأن الرعب كان قد أخذ من قلوبهم كل مأخذ"1.
محاكمة:
ويحاكم عرابي، فلم تلن قناته، ولم يجبن عن مصارحة المحكم بالحق، وعن الأسباب التي دعته للثورة، سألوه عن الماضي كله، لماذا قام بمظاهرة عابدين، ولماذا أحاط الجيش بالقصر فقال: "إن الأسباب التي دعت إلى ذلك هي عدم الأخذ بالعدل والمساواة في المعاملات، وشأن البلاد التي لم يكن فيها قوانين، ويقص عليهم بعض ما كان يلقاه المصريون من ظلمٍ وإجحافٍ وإهدارٍ للكرامة، ثم يقول: "فاجتمعت إذن أفكار الناس على أنه لا مخلِّصَ لهم من تلك المظالم إلّا وجود مجلس نيابي, من شأنه حفظ الأرواح والحقوق والأموال, مع قوانين عادلة تكفل لهم حقوقهم، فاجمعوا أمرهم على ذلك، ولخوفهم من البطش بهم أنابوني مع إخواني الضباط في عرض طلباتهم، ولكوننا إخوانهم وأبناؤهم، وهم أهلونا، يضرنا ما يضرهم، وينفعنا ما ينفعهم، وأن البلاد التي ليس بها مجلس نيابي يحفظ للأمة حقوقها في كافة ممالك الأرض, يحصل فيها أكثر من ذلك، بحيث يسفك فيها كثير من الدماء، وهذا لا يخفى على كل متذكر؛ لأن الحاكم المستبد لا يقبل الشورى بسهولة، فمن أجل ذلك الظلم, ولشمولنا مع أهلينا بحقوق واحدة, حصل ما تقدم ذكره بدون أن تفسك شعرة واحدة من رأس أي إنسان".
__________
1 مخطوط عرابي.
(1/350)

ولما سئل عن خطبته في القدح والذم في توفيق والمناداة بخلعه، لم يتجللج لسانه، ولم ينكر ما حدث وقال "ما كان من الممكن قبول هذه اللائحة، ولو أدّى ذلك لخلعه, وكنت أنا وكل الناس على هذا الرأي"1.
ويُحْكَم على عرابي بالسجن, ونراه في سجنه أشجع زملائه، ويردُّ بمقالٍ قويٍّ على اتهام الجوائب له ولزملائه بأنهم عصاة مارقون، وتنشر له جريدة "التيمس" رده هذا, وفي آخره يقول: "إننا كنا ندافع عن وطننا بطريقة تقرها شريعة الله والإنسان، وكل من يقول غير هذا كائنًا من كان, فهو عبد للهوى والمال.
يا دعاة الحق! أمن العدل أن يحرم أبناء الوطن من كل وظيفة، ويأخذ الأجانب أماكنهم، ومن حضر إلى مصر من الشراكسة والألبان والبلقان؟.. ولكننا سنجد بين حماة الإنسانية من يدافعون عن الحق في وجه طغيان هذا العهد الذي يسود منه وجه الإنسان"2.
ونراه حين يجرد من ألقابه وأمواله يقول: "لا أعبأ بآلامي ولا بالسجن، ولا بالسباب ولا بأي شيء يوجه إلي بعد ذلك, ما دمت قد وقفت نفسي على حرية بلادي، ولا شيء يهمني الآن إلّا أن أنقذ بلادي من هذه الهوة المملوءة بالأفاعي السامة، وأن أنتشلهم من مخالب هذا التنين الفظيع.
وإني لا أعبأ بهذه الألقاب العارضة التي لم أكن أرغب فيها في أي وقت من الأوقات، وإني مكتفٍ بشرفي الشخصيّ الذي سوف يلازمني ما حييت، ويبقى بعدي إذا مت، وسوف يرضيني دائمًا أن أنادى بأحمد عرابي المصري فقط, وبغير ألقاب"3.
ثم ينفى عرابي فما جزع حين ترك مصر، ولا تضعضع في المنفى، بل كان أهل سرنديب ينظرون إليه نظرة إكبار وإجلال, ويعده المسلمون هناك من زعماء الإسلام والأبطال، وكان يرد على الصحف المصرية والأجنبية التي تتهجم عليه
__________
1 نصوص المحاكمة في مخطوط عرابي, وفي الجزء السابع من كتاب "مصر للمصريين".
2 أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه, ص506.
3 التاريخ السري, ص412.
(1/351)

وعلى إخوانه بلسانٍ عذبٍ، وحجةٍ قويةٍ، وقد نشرت له جريدة "التميس" كتابًا طويلًا يدافع فيه عن ثورته ويبين أسبابها1.
ويعود عرابي من المنفى وهو في الستين من عمره، وقد وصف عودته منذ أن ودعه أهل سيلان حتى رست به الباخرة على شواطئ مصر وصفًا مؤثرًا2. وقد ألف بعد عودته كتابه "كشف الستار" وقد عُنِيَ فيه بالحركة الأدبية إبان الثورة العرابية، حتى مقالات هؤلاء الذين تجنوا عليه ومفترياتهم، وقد دحضها وردَّ عليها، فمن ذلك تعليقه على ما كتب حمزة فتح الله, الذي كان يدعو إلى الهزيمة والتسليم، ويعد عرابي وإخوانه خونة مارقين عن طاعة الخديو، ويجب أن يفسحوا المجال للإنجليز كي يعيدوا الأمن والطمأنينة للبلاد، فيقول عرابي: "من الأقوال المأثورة ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا تعلموا أولاد السفلة العلم"، وهو قول حكيم؛ لأنهم يتخذون العلم ذريعةً لتضليل العامة، وآلةً للتلبيس على الناس، ينصرون الباطل على الحق ابتغاء حطام يسير، أو ابتسامة أمير، أضلهم الله على علم فهم لا يهتدون، ومصداق ذلك أن الشيخ حمزة فتح الله, أنشأ مقالةً مفتراةً نشرتها جريدة "الاعتدال" التي أنشئت إذ ذاك, ضمنها من الأكاذيب ما يعجز عنه مسيلمة الكذاب" ويوردها عرابي ويعلق على بعض أجزائها بقول: "يريد الشيخ تسليم البلاد للعدو بلا قتال، لقد باع دنياه وآخرته بثمن بخس، ولا رعى الله الغني من سبيل الخيانة والتزلف، وحبذا الفقر مع الأمانة والقناعة، وكل إناء بما فيه ينضح ... إلخ"3.
ويذكر بعض الرسائل والقصائد التي كتبها أهل سرنديب, ويختم كتابه بدعوة الناشئة المصرية أن تجدَّ وتجتهد, وتعمل ليلًا ونهارًا على استرداد مجدها واستقلالها وحريتها المسلوبة منها, ومطالبة الإنجليز بالجلاء حتى ينكشف هذا البلاء.
__________
1 مخطوط عرابي, ص259.
2 نفس المرجع, ص342.
3 مخطوط عرابي, ص342.
4 مخطوط عرابي, ص712.
(1/352)

وهكذا ظلَّ عرابي وطنيًّا حتى آخر كلمة سطرها، وفيًّا لبلاده ولمبدئه, على الرغم من المحن التي توالت عليه، وقد ظلمه التاريخ، وتجنَّى عليه الكُتَّابُ تملقًا للأسرة الحاكمة, حتى شوقي قال يستقبله عند عودته من المنفى:
صغار في الذهاب وفي الإياب ... أهذا كل شأنك يا عرابي
حتى مصطفى كامل كان من المتجنيين عليه عقب عودته.
ولكنه اليوم استرد مكانته الحقة في التاريخ، وأنه كان ممثلًا لشعب بأكمله، ويتكلم بلسانه, ويشعر بشعوره, وإذا كانت الأيام قد آذته, والتقدير قد أخطأه, فما يغض ذلك منه ولا من ثورته, وقد استجاب شباب مصر لندائه, وحررت على أيديهم البلاد، وطُرِدَ الإنجليز, وأُذِلُّوا أيما إذلال، كما طردت الأسرة الظالمة شر طردة، وكانت ثورة 1952 امتدادًا لثورته، وإن تأخر بها الزمن، إلّا أنها جاءت محكمة قاضية موفقة.
تعقيب:
رأيت أن عرابي كان خطيب الثورة، ولا يقل شأنًا عن عبد الله نديم، وإن اختلفا أسلوبًا ومنهجًا، لقد كان عرابي قدوةً للمصريين في جرأته ومطالبته بالحرية والعدالة وإنصاف الفلاحين الكادحين، وأن يعيش المصريون مكرمين في ديارهم لا مستغلين ولا مهانين، وأن تكون خيراتهات لهم لا للأجانب وأفاقي الأرض.
ولذلك كان شعاره "مصر للمصريين" أجل! كان قدوة لعبد الله نديم، ومصفطى كامل, وسعد زغلول وجمال عبد الناصرن, وضرب لهم المثل وهو الفلاح المصري في كيف يجابهون السادة المتألهين، وكيف يدمغونهم بالظلم، وكيف يثورون لكرامتهم، وكيف يحافظون على هذه الكرامة حتى في أحلك الأوقات وأشدها يأسًا، وكيف يتمسكون بحقوقهم لا يلينون, ولا يضعفون أمام جبروت الطغاة.
(1/353)

ولقد رأيت من خطبة أنها كانت من وحي العاطفة المتأججة في حنايا صدره، وأنها كانت هادئةً في قوةٍ؛ إذ لم يكن عصبيًّا ولا حادَّ المزاج، ولا مهيجًا، على النقيض من عبد الله نديم, ولم يكن متمهلًا ولا جامدًا شأن الذي يقرأ درسًا من الدروس, بل متحمسًا في رزانة ووقار، وبدا في كلامه الإيمان بالحق الصريح والإثارات العميقة المتأصلة.
وكان كلامه مؤثرًا في نفوس السامعين, كما أقرَّ ذلك كل من سمعه, لا لخلابةٍ فيه وتزويق، ولكن لأنه صادر عن إيمانٍ وعاطفةٍ جياشة؛ ولأنه ينبعث من نفسٍ طيبةٍ صهرتها الأحداث، وأحست بما تحسُّ به ملايين القلوب على ضفاف النيل منذ زمن قديم، فوجدت كلماته صدًى عميقًا في نفوس مواطنيه؛ لأنها عبَّرت في وضوح عما يختلج في كل صدر، ويعتمل في كل قلب.
ولم يكن صاحب صنعة في خطبه أو كتاباته، فلم يتكلف أيّ لونٍ من ألوان البديع، ولم يكن يقصد غير الوضوح، ومع هذا تحس أن فيه صفة الخطيب الجيد، فجمله قصيرة الفواصل, ترتاح عندها النفس, وتستوعبها الآذان، ولها جرس موسيقي خلاب، وأنها تتدفق في يسر وقوة، ومشحونة بالعاطفة والصدق، وقلما اقتبس من الشعر والحكم والأمثال، وإذا أتى بشيء منها كان موفقًا كل التوفيق، ولكنه كان يكثر من الاستشهاد بآي الله الحكيم وبالحديث الشريف، وقضايا الدين وحوادث التاريخ الإسلاميّ، وبخاصةٍ زمن الحرب لضرورة الإقناع والتأثير.
وكانت ألفاظه سليمةً ليس فيها من العاميّ المبتذل إلّا القليل، وإذا راعينا ظروفه وظروف عصره غفرناها له، ولم يك يعرف أصول المنطق والجدل، ويأتي بالمقدمات الطويلة، كما كان يفعل جمال الدين ومحمد عبده، وذلك لأنه لم يكن فيلسوفًا، ولا متعلمًا عميق الغور، وإنما كان زعيمًا شعبيًّا يطالب بحق بسيط صريح، وهو الحرية والعدالة والمساواة.
وقد غلب عليه الأسلوب الخطابيّ حتى في كتاباته، وكان واقعيًّا في تعبيراته، فلم يكن يعمد إلى الخيال الأدبيّ ولا إلى العبارة المحلاة، ولم يكن رجل أحلام وأوهام، بل رجل واقع وتجارب، وهو رجل مثل عليا، كما فصلنا ذلك عند الكلام على مبادئه وشخصيته.
(1/354)

لقد كان من آثار الثورة العرابية في الأدب أن ألهمت الناس الحماسة، وجَرَّأتهم على الخطابة, فظهر عشرات من الخطباء إبان الثورة، إذا عرفنا أن الخطابة باللغة العربية كانت قد ماتت قبل الثورة، وأن خطباء المساجد كانوا يرددون خطبهم من كتبٍ ويقرءونها على الناس، أدركنا مدى ما دَبَّ في اللغة من قوة، وفي الخطابة من حياة على يد الثورة العرابية؛ لأنها كانت ثورةً شعبيةً عامةً، وقد وجد الناس مجال القول فسيحًا، ووجدوا في قائد الثورة خطيبًا مفهوهًا فقلدوه، ولقد كانت الثورة في حاجة إلى الخطباء أكثر من حاجتها إلى الشعراء، حتى تنتشر الدعوة، ويفهم جمهور الشعب مبادئها، ويعضد الثورة ويثبت في الميدان، ولا يسمح للخيانة والغدر بالتسلسل إلى صفوفه.
ولا بدع إذا كان مصفطى كامل وسعد زغلول فيما بعد من الخطباء المقاويل, واعتمدوا في تجميع شعور الأمة على الخطابة.
هذه بعض آثار عرابي وثورته في الأدب، لقد خرج الأدب إلى ميدان الحياة والكفاح، بعد أن كان أدبًا شخصيًّا، ولا يعرف سوى التملق والدهان والرياء، وقد فصلنا ذلك في مقدمة هذا الفصل.
(1/355)

الفصل السادس: الاتصال بالأدب الأجنبي
الترجمة والتأليف
...
الفصل السادس: الاتصال بالأدب الأجنبي
مَرَّ بك في الفصول السابقة شيء عن الترجمة في عهدي محمد علي وإسماعيل، وكيف أن الاتجاه في عهد محمد علي كان علميًّا بحتًا لحاجة النهضة إلى العلوم، وأن الآداب لم يكن لها إلّا نصيب ضئيل، ثم جاء عصر إسماعيل وزاد الاهتمام بالآداب، وترجمت بعض الكتب الأدبية في عصره، ولكن منيت مصر بعد ذلك بالاحتلال الإنجليزي، وازداد نفوذ الأجانب، وفرضت اللغة الإنجليزية فرضًا على تلاميذ المدراس المصرية، واتصل الأدب العربيّ والفكر العربيّ اتصالًا مباشرًا بالفكر الغربيّ، وقد كان لهذا أثر في الاتجاه الذي سلكه الأدب العربيّ حتى يومنا هذا، وسنرى إلى أيِّ حدٍّ أثَّرَ الأدب الغربيّ في الفكر العربيّ في ألوان الأدب واتجاهاته وأساليبه شعرًا ونثرًا، وإن كان هذا الفصل لا يتسع لكل هذا؛ لأن الأدب الأجنبيّ لا يزال حتى اليوم يغذي أدبنا العربيّ، وظهرت منذ الثورة العرابية حتى الحرب العالمية الثانية آثار عديدة لعشراتٍ من الكتاب والشعراء, يتضح في كثير منها ذلك الأثر الأجنبيّ في صور شتَّى, وستكون دراسة هذه الآثار، وترجمة أصحابها, في الأجزاء التالية -إن شاء الله، وحسبنا هنا أن نسجل الخطوات التي دفعت بالأدب العربيّ إلى هذا النهج، وأن ندرس بعض الألوان الجديدة التي قدمت للقارئ العربيّ في أخريات القرن التاسع عشر, وأوائل القرن العشرين.
1- الترجمة والتأليف:
راينا آنفًا أن الثقافة الأجنبية التي نهلت منها مصر منذ عصر محمد علي كانت الثقافة الفرنسية، وأن مدرسة رفاعة من التراجمة والمعربين لم يهتموا بالثقافات الأجنبية الأخرى إلّا قليلًا، وكان معظم رجال البعثات في عصري محمد علي وإسماعيل يذهبون إلى فرنسا, ويعودون متشبعين بالفكر الفرنسيّ وبالثقافة الفرنسية، ولكن كان كل شيء ينقل إلى اللغة العربية؛ من طبٍّ, وهندسةٍ, وعلومٍ رياضيةٍ وعسكريةٍ, وما شاكل هذا، فاتسعت اللغة العربية، وزادت ثروتها بما بذل المعربون في سبيل مدها بالكلمات الجديدة، أو إحياء الكلمات القديمة التي تحقق غرضهم، ولو استمرت النهضة العلمية في هذ الاتجاه، وحمل العلماء والأدباء ورجال الفن والقانون الذين يلجأون إلى الثقافات الأجنبية المختلفة
(1/359)

ويتزودون من معينها، وينقلون من آثارها، على تعريب كل ما يفيدهم، لأصبحت اللغة العربية اليوم من أقوى اللغات على تمثيل الحضارة الحديثة, وإبرازها في صورها المتباينة، ولأخذت الكلمات المعربة صبغًا عربيًّا خاصًّا على مر السنين، وتركزت معانيها بكثرة استعمالها، وسهل على الجامعات العربية تدريس شتَّى العلوم وأحدث النظريات باللغة العربية.
ولكن واأسفاه؛ أبى الإنجليز حين دخلوا مصر إلّا أن يرغموها على تعلم لغتهم في مدارسها الابتدائية والثانوية والعالية, وصار حظ اللغة العربية من اليوم المدرسي ضئيلًا، ولم يفعل الإنجليز ذلك دفعةً واحدة، وإنما مهدوا له تمهيدًا بطيئًا..
دخل الإنجليز مصر في سنة 1882، بعد أن ازداد نفوذ الأجانب، وقويت شوكتهم, وعظمت شركاتهم، وبعد أن فرضت الرقابة الثنائية, ودخل الوزارة المصرية وزيران أجنبيان، شعر المثقفون المصريون بتغلغل الأجانب في كل مصالح مصر، ورأوهم معتدين بلغاتهم وبجنسياتهم, وأن مدارسهم وإرسالياتهم تَجِدُّ في تدريس اللغات الأجنبية، ومن يتخرج فيها يكون له التفوق في ميادين الاقتصاد والسياسة، فأدى كل هذا إلى اهتمام مصر -حتى قبل الاحتلال الإنجليزي- بتعليم اللغات الأجنبية في مدراسها، وقد تقدَّم على إبراهيم ناظر المعارف في سنة 1880 يطلب إنشاء مدرسة تُسَمَّى "دار العلوم التوفيقية" لتخرج مدرسين في اللغات الأوربية, وسائر العلوم الغربية، على غرار دار العلوم العربية؛ وكانت مدرسة الألسن لا تزال موجودة، ولكن ضعف التعليم فيها؛ إذ ألغيت منها اللغة التركية والألمانية، واقتصر على تعليم الإنجليزية والفرنسية والعربية، وفي سنة 1881 تقرر إنشاء مكتب للترجمة والتحرير, تولى إدارته حينئذ أديب إسحق الكاتب المشهور، ثم تحول هذا المكتب إلى مدرسة المعلمين الخديوية في سنة 1889؛ كي تخرج مدرسين مصريين لتعليم اللغة الإنجليزية بالمدارس الابتدائية.
(1/360)

ولما ألغيت مدرسة الألسن أنشئ بدلها مدرسة الإدارة والحقوق سنة 1886 -وكان غرض الإنجليز جعل الثقافة المصرية ثقافة ديوانية بحتة- وقد ظلت كذلك طويلًا, حتى بعد أن كفوا أيديهم عن التدخل في وزارة المعارف؛ لأن المشرفين على نظم التعليم بمصر كانوا متشبعين بمبادئ المدرسة الديوانية، ولذلك صار الموظف المصري عبدًا لوظيفته, إذا فقدها أو إذا خرج إلى ميدان الحياة، صار كالسمكة التي جفَّ من حولها الماء، وإنما اختطَّ الإنجليز هذا النهج حتى لا يفطن المصريون إلى الأعمال الحرة, والنهوض ببلادهم عن سبيل التجارة والاقتصاد، وينفرد بها الأجانب بعامةٍ والإنجليز بخاصة، وبحسب المصريّ أن يوفِّرَ لهؤلاء الدخلاء الطمأنينة والرفاهية والنظام، وله من الأجر لقيمات تقيم صلبه, وحياة دونها حياة الخدم والأجراء، أما الربح الوفير، والعيش الرغيد, والعربات الفارهة، والقصور الشامخة, والتجارة العالمية, فهي وقف على هؤلاء الأفاقين الذين دخلوا ديارنا ضيوفًا, فاستبدوا بثروتها المادية والمعنوية، وتبجحوا في معاملاتهم لأبناء البلاد، يمشون في تيه وخيلاء وصلف وكبرياء, حتى تنبهت مصر لهم، وكفت من غلوائهم، وألغت امتيازاتهم.
أجل! كان هذا بعض ما رسمه الإنجليز للشعب المصريّ، وأشرفوا على تنفيذه، فإن مدرسة الحقوق حينما أنشئت، قسمت قسمين: ابتدائي وعالي، يعد الابتدائي والمحضرين والمترجمين، وأصناف الموظفين لأقلام الكتاب والنيابة بجميع المحاكم، وأقلام الحكومة والوزارات، وشتّى المصالح التي تحتاج لأشخاص عندهم معلومات قانونية، ويعد القسم العالي لوظائف الكتاب في الدرجة الأولى والثانية, ووكلاء النيابة وما شاكل هذا.
ولم يفكر المستعمرون -طبعًا- في إنشاء المدراس التي تُعِدُّ شبان مصر لميدان الحياة العلمية؛ من تجارةٍ وزراعةٍ وهندسةٍ وصناعةٍ, وغيرها، وليتهم حافظوا على لغة البلاد، وهي مصدر عزتهم، ورمز وطنيتهم وقوميتهم، وإنما عمدوا في سنة 1888 إلى الغض من شأنها، والحدِّ من تعليمها، وإفساح المدى أمام اللغات الأجنبية، وهاك ما أورده أمين باشا سامي في كتابه "التعليم في مصر خاصًّا
(1/361)

بهذا التحول الخطير, وهو في صورة تقرير مقدَّم من وزارة المعارف إلى الخديو: "إن تعليم اللغات الأجنبية التي لها في هذا العصر من الأهمية ما لا يخفى بمصر خاصَّةً، لم يأت إلى الآن في مدارسنا بالنتائج المطلوبة، وليس ذلك لتقصير من المعلمين، أو فتور في همتهم، فإنهم في الواقع أهلٌ لما عُهِدَ إليهم من الوظائف، غير أن الوقت المخصص لتعليم هذه اللغات غير كافٍ، حتى تكتسب التلامذة ملكة استعمال اللغة، ويسهل عليهم التكلم بها، وهو أمر لا يمكن الحصول عليه إلّا بعد تمرينٍ طويلٍ مستمرٍ، فلتلافي هذا الأمر بقدر الإمكان, تقرر أن مواد العلوم الجاري تدريسها للآن باللغة العربية, تعلم من الآن فصاعدًا بمعرفة مدرس اللغة الأجنبية, إما باللغة الفرنسية، وإما باللغة الإنجليزية، فإذا درس التاريخ والجغرافية والعلوم الطبيعية بلغات أجنبية, وضم هذا إلى تعليم اللغة المقصودة بالذات سهل نيل المقصود".
ثم ألغيت بعد ذلك اللغة الفرنسية من المدارس الأميرية الابتدائية، وحلَّت محلها اللغة الإنجليزية، وإن بقي للفرنسية بعض القوة والانتشار لكثرة المدارس التبشيرية التي تتخذها أساسًا للتعليم بمصر.
وفي سنة 1898 رأت الحكومة -أو رأى المستعمر- أن يغير منهج مدرسة الطب، وأن يحول بينها وبين الرسالة العظيمة التي اضطلعت بأدائها منذ عصر محمد علي، ألا وهي نقل الطبِّ الغربيِّ الحديث إلى اللسان العربي المبين؛ فعين لها مدير إنجليزيّ, أدخل بعض الإصطلاحات فيها، واشترط لنجاحه في مهمته أن تكون لغة التدريس بالمدرسة هي الإنجليزية, فأجيب إلى طلبه، وعطلت الترجمة، وصار كل الأساتذة من الإنجليز وظلت الإنجليزية هي لغة الطب بمصر حتى يومنا هذا.
وإذا كانت اللغة العربية قد حوربت في كل معهد، واشتد ساعد اللغات الأجنبية, ولا سيما الإنجليزية، فقد استطاعت بما كمن فيها من قوةٍ أن تقف أمام المحنة، وأن تسترد سلطانها المفقود بعد لأي، وأن ترغم العدو الغاصب على الاعتراف لها بالحيوية، وأنه ليس من السهل القضاء على لغة ذات تاريخ مجيد، وتراث تليد، ودين سماويٍّ مكين كاللغة العربية.
(1/362)

ظهرت سطوتها أول الأمر حينما اضطرت المحاكم الأهلية إلى تعيين المترجمين بين القضاة الأجانب، وبين الأهالي والمترافعين لأول عهدها سنة 1883؛ إذ لم تجد الحكومة من بين المصريين أكفاء يلون شئون القضاء، ولقد أدى إنشاء المحاكم المختطلة سنة 1876، وإنشاء المحاكم الأهلية بعد ذلك إلى نهضة قانونية قوية بمصر؛ فوضعت القوانين، وكثرت عليها شروح العلماء1.
وترجمت كتب كثيرة من الفرنسية في هذا الباب مثل: أصول النواميس والشرائع, لبنتام, نقله فتحي زغلول2 وهو في الخامس والعشرين من عمره، وحقوق الملل, ومعاهدات الدول, للأمير أمين أرسلان، والطعن في الحكام بطريق النقض والإبرام, ترجمة عزيز خانكي سنة 1900.
ووضعت المعاجم القضائية لتيسر على المشتغلين بالقضاء والمحاماة الاطلاع على المواد اللازمة أو الأوامر العالية، ومن أشهر هذه المعاجم: قاموس الإدارة والقضاء, لفيليب جلاد, في ستة مجلدات سنة 1899، والقضاء المصري الأهلي, لإبراهيم الجمال, وهو معجم للقواعد القانونية المأخوذة من أحكام المحاكم الأهلية.
__________
1 من ذلك: 1- توضيح المشكلات في شرح قانون المرافعات, لأحمد عفيفي.2- شرح قانون التجارة, لعبد العزيز كحيل، ويوسف وهبة 1885. 3- ورسالة في قوة الأحكام المدنية لعبد العزيز كحيل 1889. 4- طلبة الراغبين في بيان حقوق الدائنين, لعبد العزيز محمد ومحمد توفيق نسيم 1893. 5- شرح الأموال على القانون المدني, لمراد فرج 1893. 6- شرح باب إثبات الديون, وإثبات التخلص منها, لعلي ذو الفقار 1973. 7- رسالة في تزوير الأوراق, لفتحي زغلول سنة 1895؛ وغير ذلك كثير, راجع تاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان, ج4 ص 362.
2 ولد سنة 1863 بمصر، ودرس الحقوق بها، واشتغل بالقضاء حتى وصل إلى وكيل لوزارة العدل، قال فيه المنفلوطي: "إنه نابغة الأمة العربية علمًا وفضلًا، ونادرتها ذكاءً وفهمًا, وأقدر كتابها على الترجمة الصحيحة التي لا يضيع فيها معنى، ولا يضطرب فيها لفظ، وما انتفعت هذه الأمة في عصرها الحاضر بعلم أحد من علمائها انتفاعها بمؤلفاته ومترجماته, ويمتاز في كتاباته بالبيان والإيضاح والدقة في وضع الألفاظ بإزاء المعاني، فلا يتجوز إلّا قليلًا، ولا يتخيل إلّا نادرًا, ولا يغرب، ولا يتندر بحالٍ من الأحوال" مختارات المنفلوطي ص111، وقد ترك أحمد فتحي زغلول ثروةً علميةً عظيمةً من التأليف والتعاريب في القانون والإدارة والاجتماع؛ فترجم: روح الاجتماع لجوستاف لوبون، وتطور الأمم لجوستاف لوبون، وسر تقدم الإنجليز السكسونيين لأدمون دومولان، وشرح القانون المدني، وكُرِّمَ من أجله "1913", وله كتاب المحاماة 1905، وتوفي فتحي زغلول سنة 1914.
(1/363)

وصدرت مع هذه التراجم العديدة، والمؤلفات الكثيرة، مجلات قضائية؛ من أشهرها: مجلة "الحقوق" لأمين شميل، ثم آلت لإبراهيم الجمال، ومجلة "الأحكام" لنقولا توما، ومجلة "القضاء" للشراباتي وغيرها.
إن هذه النهضة القانونية قد أفادت اللغة كثيرًا، وأضافت إلى المعجم العربيّ عشرات الكلمات الاصطلاحية، ولبى العلماء دعوة فتحي زغلول حين أهاب بهم أن يهيئوا لغتهم للحياة الجديدة، ورسم لهم الطريق بقوله: "عليكم بالتقدم, فادخلوا أبوابه المفتحة أمامكم ولا تتأخروا, فلستم وحدكم في هذا الوجود، ولا تقدم لكم إلّا بلغتِكم، فاعتنوا بها وأصلحوها وهيئوها, ولا تشوهوا صورتها الجميلة بتعدد الاشتراك أو التجوز، ثم لا تقفوا بها موقف الجمود، وأقيموا في وجه هذا السيل الجارف سدًّا من الاشتقاق المعقول, والترجمة الصحيحة, والتعريب عند الضرورة, لتكونوا من الناجحين"1.
ومع هذه الفائدة الجليلة التي أحرزتها اللغة العربية بهذه النهضة القانونية, فإن من المؤسف حقًّا أن تهمل الشريعة الإسلامية وأحكامها، وأن يغلبنا الأجانب على أمرنا، ويتمكنوا من حملنا على التنكر للقانون السماويّ الذي يتمشى مع الغرائز الإنسانية، والطبيعة البشرية, وبرهنت الأيام على أنه أعدل القوانين وأقواها وأرحمها؛ إن القوانين الوضعية، ولا سيما القوانين التي وضعت لأناسٍ سوانا؛ لهم عادات وتقاليد وبيئة غير ما نحن عليه، لم تصلح المجتمع المصريّ بل أفسدته، ولو حاول المصلحون في مصر تنظيم أحكام الشريعة الإسلامية ووضعها في موادٍّ حسب أبواب القانون، ووازنوا بينها وبين غيرها من القوانين, واجتهدوا في استنباط الأحكام, ووصلوا الماضي التليد بالعهد الجديد، لبرهنوا على أنهم من أمة لها كرامة، وبها حرص على تراثها، والسير بنهضتها في السبيل المستقيم، أما عملهم هذا, فهو مسخ وتشويه للأمة، وتقليد سخيف، وهو عنوان الضعف، والشعور بالخزي أمام الأجانب، وعدم القدرة على الدفاع عن مقومات شخصيتنا.
__________
1 مختارات المنفلوطي ص "11" من مقالٍ لفتحي باشا زغلول, بعنوان: "ماهية اللغة".
(1/364)

ولقد حاول بعض العلماء في ذاك الوقت ممن كان لهم شعور صادق بهذه الكارثة أن يبرهنوا لهؤلاء الأجانب على أن الشريعة الإسلامية تستطيع أن تنهض بالمجتمع المصري كل النهوض، وأن بها من الأحكام ما يجعل الأمم الإسلامية في غنًى عن قانون نابليون, أو القانون الروماني، وهاك عمر لطفي1 يضع باللغة الفرنسية بعض مواد الشريعة الإسلامية؛ ليدحض دعاوى هؤلاء المغرورين بمدنيتهم الزائفة, ومن لف لفهم ممن لم يعرفوا حقيقة الشريعة الإسلامية, ومن هذه المؤلفات التي قدمها عمر لطفي بالفرنسية للموازنة.
1- الدعوى الجنائية في الشريعة الإسلامية، وقد أعجب به الفرنج أيَّمَا إعجاب.
2- حرمة المساكن.
3- حق المرأة.
4- وحق الدفاع.
إن الاتجاه الذي سلكه العراق منذ سنوات, حين انتدب الدكتور عبد الرازق السنهوري لوضع قانون للمحاكم العراقية مستنبط من الشريعة الإسلامية, والاتجاه الذي اتجته سوريا في دستورها قبل الوحدة اتجاه سليم يدل على يقظةٍ وإدراكٍ صحيحٍ لقيم التراث الإسلاميّ، وحرص على عدم المسخ والفناء في الأمم الأجنبية.
وظهرت قوة اللغة العربية كذلك، وأنها تستطيع أن تتحدى الاستعمار، وتسير في النهج العريض الذي خطه محمد علي وعبدته حكومة إسماعيل، على الرغم من العقبات التي أقامها الإنجليز أمامها؛ في رغبة العلماء والأدباء في أن يعرفوا أبناء أمتهم كثيرًا من أسس الحضارة الغربية، لعلمهم أن الاستعمار مهما كان جامحًا عنيفًا, لا يستطيع أن يستولي على إرادة العلماء ويمنعهم من
__________
1 أصله من أسرة مغربية، ولد بالإسكندرية سنة 1867، وتعلم بها، ثم جاء إلى القاهرة, ودرس الحقوق, وتقلَّب في مناصب الدولة حتى صار وكيلًا لمدرسة الحقوق، وكان له نشاط بارز في ميدان الحياة, فأنشأ كثيرًا من النقابات الزراعية وغيرها؛ وأنشأ نادي المدارس العليا, وله في هذا الباب كتاب إنشاء شركات التعاون، ومن أشهر مؤلفاته غير ما ذكرنا كتاب الامتيازات الأجنبية, وكان أول كتاب من نوعه في اللغة العربية، وتوفي عمر لطفي سنة 1912.
(1/365)

الاستمرار في تغذية اللغة العربية بهذه النفائس، وقد شملت الترجمة في هذا العصر الذي نؤرخ له ألوانًا جديدة من الفكر الغربيّ، فهناك "الاقتصاد السياسيّ"، وكان العرب يطلقون عليه المعاش, ومن الكتب التي وضعت أو ترجمت في هذا الموضوع:
1- كتاب الاقتصاد السياسي, أو فن تدبير المنزل, لخليل غانم 1879.
2- أصول الاقتصاد السياسي, لرفلة جرجس 1889، وهو مقتبس من كتب إفرنجية عديدة.
3 كتاب الاقتصاد السياسي, لجيفرنس, نقلته جمعية التعريب سنة 1892.
4- مبادئ الاقتصادي السياسي, تأليف محمد حسين فهمي.
5- الموجز في علم الاقتصاد لـ "بول لروابوليه", نقله حافظ إبراهيم وخليل مطران في خمسة أجزاء بأمر حشمت ناظر المعارف سنة 1913.
وهناك "علم الاجتماع" وقد مرَّ بك كيف بدأ هذا العلم على يد جمال الدين ومدرسته, وكيف شخصت أدواء الأمة الاجتماعية، ووصف لها الدواء على يد أديب إسحاق وعبد الله نديم ومحمد عبده، ولكن ما كتبه هؤلاء لم يبن على أصول علمية ثابتة، وقواعد مقررة، وإنما كان وليدة الخبرة والملاحظة والتجربة، وكان لا بُدَّ للنهوض بهذا العلم من دراسته عند علماء الغرب, ونقل أجلّ آثاره، مع تطبيق نظرياته على المجتمع المصريّ وعاداته وتقاليه وشرائعه وبيئته.
وليس علم الاجتماع غريبًا عن اللغة العربية، فإن ابن خلدون في مقدمته, قد وضع له أسسًا متينةً, ونظرياتٍ سليمةً بنى عليها مونتوسكيو1 وسواه
__________
1 سبق ابن خلدون بنظرياته الاجتماعية علماء الغرب, فنظرية التقليد الاجتماعيّ مثلًا التي قال بها، وملخصها انتقال العادات والطباع بين الأجيال والأمم المختلفة؛ لميل النفس إلى اعتقاد الكمال فيمن تنقاد إليه, كما بين الأبناء وآبائهم، والتلاميذ وأساتذتهم، بنى عليها "جبريل تادر" كتابه "قوانين التقليد"، وفي كتاب مونتسكيو "روح القوانين" Esprit des lois تجد أثر ابن خلدون واضحًا كقوله بضرورة الحكومات، وأثر البيئة في الناس وعاداتهم، وكقوله بتقسيم الناس إلى طبقات حسب مكانتهم الاقتصادية، وقد شابه الاشتراكيين في قوله بأن "الطبقات تسعى لاستثمار بعضها بعضًا استنادًا إلى ما لها من السلطة الاجتماعية والسياسية, فإن كل طبقة من طباق أهل العمران؛ من مدينة أو إقليم, لها قدرة على من دونها من الطباق، والجاه داخل على الناس في جميع أبواب المعاش, فإذا كان الجاه متسعًا كان الكسب الناشئ عنه كذلك.
(1/366)

أبحاثهم، ثم تطور هذا العلم واتسعت موضوعاته، ونظمت أبحاثه، وقد فطن لذلك علماء مصر, فترجم فتحي زغلول -كما مرَّ بك- كتابي روح الاجتماع، وتطور الأمم لـ "غوستاف لوبون" ونقل كذلك تقدم الإنجليز السكسونيين، وهو من الكتب الممتعة التي قرأناها بشغف، ونقل محمد زكي صالح نشوء الاجتماع لـ "بنيمامين كد".
ومن الكتاب الاجتماعيين الذين أفادوا هذا العلم، وحاولوا إصلاح الأمة عن طريق الدرس والتمحيص والتحليل، والاستقراء والاستنباط، السيد عبد الرحمن الكواكبي1 ومن كتبه النفيسة التي بهرت جيله، وصار لها أكبر الأثر في اليقظة القومية بالشرق:
1- طبائع الاستبداد.
2- أم القرى.
وقد وضع كتبه في شكل روائي، وفهيا تحليل دقيق للأمراض الاجتماعية والسياسية, وفيها حملات شديدة على الحكومة العثمانية، وفيها علاج إيجابي سليم لأدواء المسلمين, وامتاز الكواكبي في كتابته بالذكاء والتخصص والتعمق والرزانة، ولو أتيح له أن يعرف لغة أجنبية فيطلع على أبحاث علم الاجتماع عند الغربيين لكان له -مع غزارة فكره وصدق نظره- في تقدم هذا العلم وتطوره شأن يذكر.
__________
= وإذا أردت المزيد من آراء ابن خلدون الاجتماعية, والموازنة بينها وبين آراء علماء الغرب, ومن معرفة مكانت لدى الغربيين فارجع إلى:
1- ابن خلدون: منتخبات لجميل صليبا، وكامل عياد.
2- فلسفة ابن خلدون الاجتماعية للدكتور طه حسين.
3- ابن خلدون مؤرخ الحضارة العربيّ, القرن الرابع عشر, للعلامة: فون فيسندنك, وترجمة: محمد عبد الله عنان.
4- كتاب روبرت فلنت في تاريخ التطور العلمي Rober, Flint.
1 من أسرة حلبية مشهورة، نشأ ميَّالًا للعلم شغوفًا بالسياسية، وحرر مدةً في جريدة الفرات الرسمية, ثم أنشأ جريدة "الشهباء" وتقلب في مناصب الحكومة، ولما رأى ما فيها من فسادٍ أخذ ينقد رجال الدولة العلية، فاضطهدوه ففرَّ إلى مصر، ورحل إلى بلاد كثيرة كزنجبار والحبشة وأواسط جزيرة العرب والهند، ثم عاد إلى مصر, واستقرَّ بها حتى توفي سنة 1902، راجع مشاهير الشرق ص35 ج1 "طبعة ثانية", ومجلة الثقافة العدد 307.
(1/367)

ومن المشكلات الاجتماعية التي أثيرت في هذه الفترة، وكان لها دويٌّ عظيمٌ مسألة الحجاب والسفور، ومركز المرأة في المجتمع، ولقد أدّى اختلاطنا الشديد بالأجانب، وتطعلنا إلى محاكاتهم في كل شيء، والسير على نهجهم في مدنيتهم إلى ظهور هذه المشكلة، وكان بعض المفكرين يرى سفور المرأة المسلمة ومساواتها بالرجل في كل شيءٍ مغالاةً منهم في المحاكاة, ولكنهم لم يجرءوا على الجهر بآرائهم أمام جمهور المسلمين في ذاك الوقت؛ لتمكن عادة الحجاب من النفوس، حتى ظهر قاسم أمين1, فنشر كتابيه "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة"، وقد كان لهما أثر بليغ في الحياة المصرية، وإن لم يظهر هذا الأثر سريعًا، بل ظلت المرأة مدة يتجاذبها السفور تارةً والحجاب تارةً، حتى خلعته أخيرًا, ولم يعد له أثر إلّا في بيئات محدودة.
أما "الأدب" وهو الذي يعنينا في كتابنا هذا أكثر من سواه، فقد اشتدت فيه حركة التعريب، ولا سيما الروايات والقصص، وقد عرفت فيما سبق أن الكلية الأمريكية ببيروت أسست سنة 1860, ثم أسست الكلية اليسوعية بعدها بقليل، وقد كان لهاتين الكليتين أثرٌ بارزٌ في توجيه النشء إلى القصة الغربية، ولما هاجر كثير من نصارى لبنان إلى مصر؛ حيث الحرية والشهرة والثورة, أخذ هؤلاء المهاجرون يترجمون القصص الأوربيّ ويذيعونه في الناس، وكانت بيروت قد شهدت من قبل قيام "مارون نقاش" يؤلف بعض المسرحيات أو يقتبسها من الأدب الغربيّ؛ مثل مسرحية: "البخيل" لـ "موليير"، وكان يدعو فنه هذا "الذهب الإفرنجي المسبوك" وكان لمارون ابن أخٍ اسمه سليم نقاش, رحل بعد موت عمه إلى مصر، وسعى فيها حتى أنشأ مسرحًا وفرقةً، وظهر بمصر في ذلك الوقت رجل يهوديّ اسمه "يعقوب صنوع", أسس مسرحًا عربيًّا بالقاهرة ترجم له عشرات
__________
1 من أصل كردي, نزح أبوه إلى مصر في عهد إسماعيل، وانتظم في الجيش المصريّ, وارتقى إلى رتبة أميرلاي؛ وولد قاسم بمصر, ودرس القانون، وتولَّى مناصب القضاء, حتى صار مستشارًا بالاستنئاف, وتوفي سنة 1908, والمرأة الجديدة مدينة إليه بالشيء الكثير, فهو الذي شقَّ لها طريق التحرر كما تريد, وإن لم يكن أول من نادى بذلك، فقد عرفنا أن رفاعة الطهطاوي نادى بتحرير المرأة وتعليمها، ولكن الزمن والبيئة والأمة كانت كلها غير متسعدة لتلبية دعوته حينذاك, فلما أتى قاسم أمين وجد من المسلمين من يستجيب له، وقد سارت المرأة في سفورها شوطًا بعيدًا أكثر مما قَدَّرَ قاسم أمين أو أراد.
(1/368)

الروايات الفرنسية الغرامية بلغة عامية ركيكة, وقد تقدم الكلام عنه1، وظل المسرح منذ ذلك الوقت يعتمد على الرويات الأجنبية الممصرة، وأحيانًا يضع له بعض المؤلفين مسريحاتٍ لا تمثل الحياة المصرية في شيء، وبها كثير من عادات الغرب وتقاليده, ولم يتجه المسرح وجهة إصلاحية إلّا نادرًا, مثل ما مر بك من روايات عبد الله نديم وأضرابه2.
على أن الاهتمام بالمسرح وبالتمثيليات لم يكن كبيرًا، وإنما عُنِيَ المترجمون بنقل القصص الغربيّ بأنواعه وألوانه؛ ومن أقدم الذين اشتغلوا بترجمة القصص نجيب حداد اللبناني3؛ فنقل إلى العربية رواية صلاح الدين تأليف "ولترسكوت" ورواية السيد Cid تأليف كروني Corneille وسماها: "غرام وانتقام", رواية "هير ناني" تأليف هوجو، وسماها: "حمدان", ورواية رميو وجوليت, تأليف سكسبير, وسماها: "شهداء الغرام"، ورواية البخيل لـ "موليير" ورواية الفرسان الثلاثة, تأليف إسكندر دوماس في أربعة أجزء, طبعت لأول مرة سنة 1888.
وفي أواخر القرن التاسع عشر "يونيو سنة 1897", حضر إلى مصر كلٌّ من نقولا زرق الله، وخليل مطران، وطانيوس عبده، واشتغلوا بالصحافة، ثم التحق نقولا بجريدة الأهرام، وعكف على ترجمة الروايات بأسلوب سهل جذَّاب، وفي سنة 1904 ترجم رواية "سقوط نابليون الثالث" في أكثر من ألف صفحة، وقد استهوت هذه الروايات الناشئة في مصر والبلاد العربية، فأقبلوا عليها إقبالًا شديدًا، وأخذ بعض المسلمين يقلد هؤلاء المترجمين, حتى لقد أنشأ أحدهم مجلة باسم "مسامرات الشعب" يحشد فيها كثيرًا من القصص الرخيص، وأخرج نقولا رزق الله4 "سلسلة الروايات الجديدة" وكان العدد يحتوي على شذرات من الشعر القديم، وقصصًا قصيرة, إلى جانب الرواية الرئيسية، وأنشأ طانيوس عبده مجلة "الراوي" وفيها أخذ في تعريب الروايات الشهيرة مثل: "فوست" و"الملكة إيزابو".
__________
1 راجع ص99 من هذا الكتاب.
2 وقد ذكرنا في كتابنا "المسرحية" تاريخ المسرحية المصرية بالتفصيل, وسقنا ثمة نماذج عليها.
3 ولد سنة 1876, واشتغل بالصحافة, فحرَّرَ في جريدة الأهرام إلى سنة 1884, ثم اعتزلها وأنشأ "لسان العرب، بالإسكندرية سنة 1889".
4 توفي نقولا رزق الله في مارس 1905.
(1/369)

وترجم فرح أنطون1 "الكوخ الهندي"، "بول وفرجين" و"أتلا" وغيرها من الروايات، كما ترجم خليل مطران كثيرًا من روايات شكسبير التمثيلية.
وكان من الطبيعيّ بعد أن كثرت هذه الرويات في أيدي الشباب والرجال, أن يبدأ الأدباء في محاكاتها، وكان أول المقلدين وأنشطهم جرجي زيدان2, فنحا في تأليف الروايات منحى "ولترسكوت" الإنجليزي، واستمد من التاريخ العربيّ قصصه وأبطاله، وغيَّرَ في حقائق التاريخ وبدَّلَ حتى يدخل عامل التشويق والتتابع القصصي, وأخرج عددًا كبيرًا من هذه القصص التاريخية؛ منها: فتاة غسّان، وأرمانوسه المصرية، وعذارء قريش, وغادة كرباء، والحجاج، وفتح الأندلس، وشارل وعبد الرحمن، إلخ هذه السلسلة الطويلة التي بلغت ثماني عشرة قصة مستمدة من التاريخ الإسلاميّ، وأربع قصص أخرى مكتوبة كلها بأسلوب صحفيّ، خالية من التحليل النفسي، والنظريات الفلسفية, وما هي إلّا تاريخ في قالب قصة لم تكمل شروطها الفنية، وتاريخ لم يحافظ فيه على الحقائق، وإن كانت الحقائق التاريخية ليست شرطًا في القصة التاريخية, كما نرى عن "سكوت"، وكما نرى عند شكسبير في "أنطوني وكليوباترة", "يوليوس قيصر" وغيرهما من الروايات والمسرحيات التاريخية، ولكن هذه القصص فيها نفحة الأديب، وخيال الشاعر، وعبقرية الفنان، وليست سردًا تاريخيًّا مكتوبًا بأسلوب صحفيّ، ومثل زيدان في هذا سليم البستاني2 في رواية "زنوبيا وبدور" وغيره ممن سلكوا هذا النهج التاريخي، وزيدان أسلم من سواه عاقبة، ثم ظهرت بعد ذلك، وللأسف قصص رخيصة تتملق النزعات الدنيا عند الشعوب، وتقرأ لقتل الوقت، وتمثل كثيرًا من وجوه الحياة الإنسانية المخزية، فالإجرام
__________
1 توفي فرح أنطون في 1922.
2 ولد في بيرت سنة 1861، ودرس اللغة الإنجليزية في مدرسة ليلية مدة خمسة عشر شهرًا، وفي سنة 1881 خطر له أن يدرس الطب, ولكنه لم يتم دراسته بالكلية الأمريكية، ونال شهادة من الخارج في الصيدلة, ثم أتى مصر، وتولى تحرير جريدة الزمان سنة، ورافق الحملة النيلية إلى السودان سنة 1884 مترجمًا بقلم المخابرات، ثم رجع إلى بيروت عضوًا في المجمع العلميّ الشرقيّ, فدرس العبرية والسريانية, وزار انجلترا في سنة 1886؛ وتردد طويلًا على "المتحف البريطاني" بلندن، ثم عاد إلى مصر, وساعد في تحرير المقتطف، ولكنه استقال بعد مدة، واشتغل بالتدريس سنتين, وفي سنة 1892 أنشأ الهلال, وتوفي سنة 1914.
3 توفي سنة 1894, وبذلك سبق زيدان في تأليف القصص التاريخية, وله كذلك قيس وليلى والإسكندر.
(1/370)

بأنواعه وطرقه، والعشق السافل, وما شاكل ذلك من نواحي الضعف الإنساني، ولا سيما وهي في المدنية الغربية المسمومة قد زحفت في صورة قصص مزرية بالأدب, مطوحة به في مهواة سحيقة، مضللة عقول النشء، ومفسدة لأهوئهم وأخلاقهم، وباعثة منازع الشر والإجرام على طريقة رعاع باريس, وغوغاء لندن، وصعاليك برلين, وشطار نيويورك وشيكاغو، من أمثال: "اللص الشريف" و"جونسون"، و"ملتون توب" و"طرزان": وغير ذلك مما لا يخرج عما كان متداولًا في مصر إبَّان عصور الضعف من قصة "أحمد الدنف" "ودليلة المحتالة" ومغامرات العيارين والشطار، وإن اختلف اللون والزمان والحوداث، ولكن الفكرة واحدة، والنهج متشابه، والغاية السلوى وقتل الوقت، وتملق النزعات الدنيا. وأين هذا من الأدب؟
وظل هذه الفيض من السخف يغمر المطابع العربية حتى قامت الحرب العالمية الأولى، واستمر بعدها ولا زال للآن، ولكنا نكتفي بتتبعه عند هذا الحد، ولنا في الكلام عن القصة ومنزلتها في الأدب عودةً قبل أن نفرغ من هذا الفصل -إن شاء الله، وحسبنا أن نقول هنا كلمةً طالما رددناها في هذا النوع من الاتجار بعقلية الجماهير: لقد تفتحت أعيينا في الصبا, فإذا نحن في بيداء موشحة, نخبط في دروب ملتوية, ونعرج يمنة ويسرة, بعيدين عن جادة الحق، وأبواق الثقافة الدخيلة يقودون القافلة إلى مصرعها الوخيم، وينفثون فيها السموم المخدرة حتى تستكين لهم وتسلم قيادها, وهي في غفلة عما انطوت عليه جوانحهم، جاءوا وهي ترزح تحت أصفاد الجهل والانحلال، وأرادوا مسخها وتشويهها، حتى تتناسى ماضيها, وتفقد ما كمن فيها من عزة وأنفة.
جاءوا بقصص خليع يثير الشهوة، ويقتل الحياء، ويلطم وجه الفضيلة والشرف، يوحي بالإجرام والفسق، وجاءوها بمهازل تمثل على المسارح باسم الفن، وأدب موبوء يزلزل العقيدة، ويخدش وجه العفاف, ويعرض على الناس باسم القصة، إنه أدب نغل، ورود آسن, وغذاء عفن, التقطه من يتجرون بعقلية الجماهير، ومن وقعوا وقوع الذباب على الفضلات الفاسدة من نفايات الحضارة الأوربية, وقدموه لقونهم في شكل زريّ.
(1/371)

إن النفوس المريضة، والعقول الهزيلة, هي التي يخلبها الزيف، وتغويها المظاهر الخداعة، والقلوب الخالية من الإيمان هي التي تهيم بالأباطيل فتعتسف الطريق، وتنفذ في سراديب البهتان، وإذا أرادت أمة أن تنهض وتنشيء جيلًا طموحًا فتيًّا صدفت وعفت عن هذه الآداب المرقعة، والقصص الهزيلة، وجدَّت في تثقيف الجمهور وتهذيبه, فلا تترضاه أو تتملقه، أو تناشد عواطفه الجامحة النابية طمعًا في ثروة زائلة، وجاهٍ مؤقت، وعليها أن تقود هذا الجمهور الساذج إلى المعين العذب؛ فتشذب خلقه، وتروض نفسه، وتطبعه على الخير, وتزوده بما ينهض به.
لم نعرض أدواء الأمم الأجنبية ومثالبها على جمهور قرائنا، وقد وضع هذا القصص الغريب لبيئة غير بيئتنا، وليعالج مشكلات لا وجود لها عندنا؟ إن القصة سلاح ذو حدين، واستعماله يحتاج إلى مهارة وخبرة، وقد أساء المترجمون استعماله؛ فطعنوا قومهم ومجتمعاتهم الطيبة في الصميم، وجنوا عليها جناية لا تغتفر.
وقد انتشر هذا اللون من القصص بأوربا في أخريات القرن التاسع عشر باسم الواقعية, وقد لخصنا السمات العامة للمذهب الواقعيّ في كتابنا "المسرحية", ولا يزال الأدب الأوروبيّ والأمريكيّ واقعًا تحت تأثير المذهب الواقعيّ، ولقد جنى على بعض الأمم الغربية جنايةً فظيعةً, وأشاع فيها التحلل والضعف، ولذلك أخذ كثير من أدباء الغرب يناهضونه.
ولعلك أدركت مما سبق كيف أن الأدب الأجنبي قد طغى تياره واشتد، فالمدارس تفرض فيها اللغة الإنجليزية في كل الدروس، ولا يعفى إلّا درس العربية والدين، والأدب أخذ يغرف من بحور الغرب دون تَحَرٍّ أو تدقيق، وجمهرة المثقفين تَجِدُّ فيم ينقل إليها صورًا من حياة الغرب لم تعهدها، والغرب هو المتملك القاهر، والنفوس تشرئب لمعرفة عاداته, وسر قوته, وكثير من ألوان حياته.
ظلت المدارس المصرية خاضعة لهذه السيطرة الأجنبية حتى تولى سعد زغلول وزارة المعارف في سنة 1906، ونازع المستشار الإنجليزي "دانلوب" في سطوته وجبروته، وألزمه حده لا يتعداه، وذلك بتشجيع الجمعية التشريعية التي
(1/372)

أصرت على إرجاع اللغة العربية، وعمل جاهدًا على غسل هذه الوصمة، والرجوع بلغة التدريس إلى اللغة العربية، فكان لها ما أرادت، وكانت حسنةً لا تنسى له وللجمعية التشريعية؛ لأنها أعادت التيار إلى مجراه القديم، وأخذ العلم الحديث يتدفق في هذا المجرى كتبًا طريفة التأليف، بارعة العرض, جذابة الأسلوب, وسار نهر العربية زخارًا صوب الكمال حتى يومنا هذا.
وبقي درس اللغة الإنجليزية والأدب الإنجليزي درسًا أصيلًا في المدراس، يقف منه الشباب على لون من التفكير الأوروبي، وكان لهذا أثره العميق في التفكير العربيّ والنتاج الأدبي فيما بعد، وسنعود إلى هذا الموضوع بشيء من التفصيل في مقدمة الجزء الثاني إن شاء الله.
(1/373)

ب- المستشرقون:
ومن أهم العوامل في النهضة الأدبية الحديثة, والاتصال بالفكر الأوربيّ بجانب الترجمة, ما قام به المستشرقون من جهدٍ في سبيل اللغة العربية وآدابها, وبحث العقيدة الإسلامية ومذاهبها، ونشر ما عفت عليه الدهور، وأغفلته يد النسيان من كنوز اللغة العربية.
اتصل الغرب بالمشرق بادئ الأمر حينما كان الشرق في عنفوان صولته، وقمة مجده, يغص بالمدارس الجامعة، ويزخر بالكتب الثمينة، ويشمخ بعلمائه وفلاسفته ورياضييه، وكانت أوربا لا تزال في سِنَةٍ من النوم, حينما فرغ الشرق أو كاد من يقظته الطويلة وجهاده العنيف في سبيل العلم والمدينة، ولما استيقظت أوربا قليلًا، تلفتت فوجدت شعبًا غريبًا يعمر جزءًا خصبًا من قارتها، وقد أحاله جنةً فينانةً ترف فيها العلوم والفنون والآداب، فتطلع أهله إلى الأندلس منذ ذلك الحين، يرمقونها بعيون دهشة، وأفواه فاغرة، وبودهم أن يعرفوا بعض ما عليه أهلها من علم.
وطئت أقدام العرب كثيرًا من أرض القارة الأوروبية, وعبرت بعضها عبور المسافر أو المغامر أو التاجر، ووقفت في بعضها وقفة الفاتح القادر، فعبروا فرنسا عبورًا سريعًا, وامتد طوفانهم إلى أودية "بوردو"، وتألب عليهم أوشاب أوربا من فرنسيين وألمان, وسواهم, حتى انحسر طوفان العرب عن فرنسا غب معركة
(1/373)

"بواتييه" أو بلاط الشهداء، بيد أن مقامه قد طال نوعًا في جنوب فرنسا من جهة البحر الأبيض المتوسط، وتركوا ثمة آثمارًا في صميم الحياة الفرنسية تدل على طول المكث والعشرة, ولا سيما في مقاطعة "بروفانس" وقد امتد نفوذهم منها حتى سويسرا عبر جبال الألب.
وأقاموا بصقلية قرنين ونصف قرن من الزمان، وتركوا من المساجد والآثار في "بالرمو" ما يشهد بعزهم وثروتهم وحضارتهم, ولم يكن من السهل التخلص من ثقافتهم وآثارهم حتى بعد جلائهم عن بعض تلك البلاد والثغور، لا أدل على ذلك من صقلية, فقد ظلت العربية في بلاط ملوكها, وعلى ألسنة أهلها بعد نزوحهم عنها بقرون, وقد بلغ من سلطانهم أن ملوك صقلية تزيوا بزي العرب، ورأس وزاراتهم, وقاد جيوشهم, وأشرف على أمورهم عرب أقحاح ممن تخلف الجزيرة بعد نزوح جمهرتهم، وهاك ابن جبير يقول في رحلته المشهورة حين زار صقلية سنة 1187, في عهد الملك غليوم: "وشأن ملكهم هذا عجيب في حسن السيرة واستعمال المسلمين.. وهو كثير الثقة بهم, وساكن إليهم في أحواله والمهم من أشغاله، حتى إن الناظر في مطبخه رجل من المسلمين، وعليهم قائد منهم.. ومن عجيب شأنه المتحدث به أنه يقرأ ويكتب بالعربية، وشعاره على ما أعلمنا أحد المختصين به، الحمد الله، حق حمده".
ولا عجب فالعرب في ذياك الوقت قد بلغوا شأوًا عظيمًا من الحضارة، وكان أهل أوربا في أشد الحاجة لمعونتهم وثقافتهم، وهاك "دوزي" يؤكد أن بعد أن وقف بالدرس على كنه الحضارة العربية في الأندلس: "أنه لم يكن في كل الأندلس أميّ يوم لم يكن في كل أوربا مَنْ يعرف القراءة والكتابة إلّا في الطبقة العليا من القساوسة" وصارت جامعة طليطلة قِبْلَةَ الطلاب من كل بقاع أوربا في القرن الثاني عشر, حتى بعد أن تقلص ظل الملك العربي عن معظم بلاد الأندلس، وبقيت العربية لغة الثقافة والمعاملات والعقود حتى سنة 1580، وظلت بعض قرى بلنسية تتكلم العربية حتى القرن التاسع عشر، ولسنا الآن في صدد تبيان
__________
1 نزح العرب عن صقلية 1072م.
(1/374)

أثر العرب في الحضارة الأوربية وآدابها وغنائها وموسيقاها، وبحسبك أن تعلم أن الفلسفة الإسلامية ظلت تدرس في جامعات أوربا حتى سنة 1650, وأن أرسطو لم يكن يفهم إلّا بشروح ابن رشد، وأن طب ابن سينا كان غاية كل مشتغل بالطب في أوربا أمدًا طويلًا، وأن مئات الكلمات العربية التي تنبيء عن الحضارة والعلم قد دخلت اللغات الأوربية واستعجمت؛ من مثل: قيثارة, وقطران, وأميرال, وشراب, وزعفران، وكافور, وقرمز, وصك, ورزمة، وإكسير، وكيمياء، وجبر، وساقية, وما شاكل ذلك، وهم الذين علموهم صناعة الحرير والغلائل الموشاة، وصناعة السلاح والخز المذهب, والفسيفساء والبلور والورق والأصباغ والأدهان، والمعادن، وعلم الجبر والحساب بأرقامه1.
واتصل الغرب مرةً أخرى بالشرق إبَّان الحروب الصليبية التي شنها متعصبة المسيحيين, حينما أَنِسُوا في عرب الأندلس ضعفًا، وظلَّت نحو قرنين وطوفان جنود أوروبا يتكسر على صفاة حماة الإسلام، ويرتد، ثم يعود أشد مما كان بأسًا، فتقابله صدمات تخفف من غلوائه، وهكذا حتى خمد، ولكن خلف هذا الاتصال الطويل آثارًا بعيدة الغور في كل من المغاربة والمشارقة، أما المغاربة فدهشوا من حضارة العرب في بلادهم, ووجدوا أشياء كثيرة لا عهد لهم بها، فقلدوا المشارقة في لبس الدروع الخفيفة المنسوجة, وفي استخدام الموسيقى العسكرية؛ واصطنعوا السيوف والرماح، وأخذوا عنهم فن بناء الحصون وحفر الخنادق، وإقامة الاستحكمات, واستعملوا النار لنقل أخبارهم في الليل, والحمام الزاجل بالنهار، وأخذوا كثيرًا من أصول الهندسة وتأسيس المنازل بالطنافس والنماذج والسجاد والأواني الخزفية وغيرها، وإن الفلسفة اليونانية التي يعتز بها الغرب، وعليها بنى حضارته وثقافته، إنما وصلت إليه عن طريق العرب، فهم الذين حفظوها وشرحوها وعلقوا عليها, وأضافوا إليها فلسفتهم وآراءهم, فلما استيقظت أوربا وجدت الطريق ممهدًا فسارت في المدنية بخطى واسعة.
__________
1 راجع: تراث الإسلامن, وراجع كذلك غزوات العرب في أوربا للأمير شكيب أرسلان, وأثر الشرق في الغرب, ترجمة الدكتور فؤاد حسنين، وكتابنا الفتوة عند العرب، الفصل الخاص بالموازنة بين الفتوة العربية والفروسية الغربية.
(1/375)

كان هذا استشراقًا غير منظم، نشأ عن الاختلاط ولم ينتج عن الدرس، أما الاهتمام بالعلوم العربية ودراستها فقديمٌ يرجع إلى القرن العاشر الميلادي, واهتم ملوك أوروبا بآداب العرب وعلومهم، وأول من فعل ذلك فرديريك الثاني ملك صقلية سنة 1350، ثم ألفونس ملك قشتالة, فقد جمع الأخير المترجمين كما فعل المأمون من قبل، أمر بترجمة كتب العرب, وكانوا ينقلونها إلى الإسبانية ثم إلى اللاتينية, وشاع خبر هذه التراجم فحاكه كثير من ملوك أوربا, ومضت القرون الوسطى والثقافة العربية من طب وهندسة وفلسفة وجبر وحساب وكيمياء وصناعة وأدب1 هي عماد الثقافة الأوربية، ولكن ما لبثت أوربا أن تخطت دور التعلم، ومهرت في شتّى أنواع العلوم، وبنت على هذا القديم الذي نقلته ومحصته ودرسته دراسة عميقة, علمًا جديدًا لا يزال في نموٍّ واطراد، وهو عماد الحضارة الغربية اليوم، ومع أن أثر العلوم والآدب العربية لا يجحد, فإن هذا الأثر قد ضعف على مر الأيام2 واستقلت العلوم والآداب الأوروبية، وصارت مرجعًا ومعينًا، وتراثًا شائعًا للإنسانية، ومع كل هذا فقد تجدد نشاط الغرب في الاستشراق خلال العصور الحديثة، وظهر هذا النشاط في صور عدة:
__________
1 بلغ ما ترجم من الكتب العربية في القرون الوسطة أكثر من 300 كتاب؛ منها 60 في الفلسفة والطبيعيات، و70 في الرياضيات، والنجوم، 60 في الطب، 400 في الفلك والكيمياء.
2 لا مراء في أن الأدب الأوربي قد تأثر بالأدب العربي خلال العصور الوسطى، وظهر هذا الأثر في صور شتّى؛ فنرى الشعر الغربي يقتبس القافية من الشعر العربي, بعد أن لم تكن معروفة في الشعر اليوناني أو اللاتيني Legacy of Islam p. 373،والطروبادور نوع من الشعر الغنائي الغزلي الرقيق، وقد ظهر في جنوب أوربا في القرون الوسطى، وهو يشبه إلى حد كبير في أوزانه وقوافيه ومعانيه وحرارته الشعر الغزلي العربي، ولا سيما الغزل العذريّ, وكلمة "طروب" عربية لا شك فيها, والقصص العربية والخرفات والأمثال والنوادر كان لها أكبر الأثر في الأدب الأوربي حينذاك؛ ومن أهم الكتب التي ترجمت: كليلة ودمنة في القرن الثالث عشر، وكان النواة التي نشأ من حولها أدب قصص عن الحيوان والطير، وإذا وزانت بين أشعار "لافونتين" وبين قصص كليلة ودمنة, تجد الاقتباس واضحًا, وقصص بوكاشيو "دي كاميرون" عليها طابع عربيّ ظاهر، ولما ترجم ألف ليلة سنة 1704 احتفى به الأدباء الأوربيون احتفاءً شديدًا واقتبسوا منه، ونسجوا على منواله، وظهرت قصص أوربية مشهورة, فيها النفحة العربية والخيال الشرقي، خذ مثلًا "زاديج" لفولتير أو "الكوميديا الإلهية" لدانتي, فإنك تلمس أثر رسالة الغفران قويًّا في الملحمة الإيطالية، ولم يكن التشابه مجرد مصادفة، بل الأمر أعمق من هذا. ومن أشهر الآثار التي تتسم بالطابع الشرقي العربيّ ديوان الشاعر العالمي "جيته" المسمى "ديوان الشرق والغرب", ومسرحية كورني "السيد" ومسرحية راسين "باجازيت أي بايزيد" من أثر هذا الاتصال الثقافي.
(1/376)

1- الجمعيات الأسيوية:
وهي جمعيات أنشأها المستعمرون أول الأمر لدراسة شئون الدول التي يحكمونها، وتعرف لغاتهم وآدابهم ونفسياتهم، حتى يكون حكمهم مبنيًّا على أسس متينة، ومن أقدم هذه الجمعيات تلك التي أنشئت في بتافيا عاصمة جاوا سنة 1781، ومن أشهرها الجمعية الأسيوية الملكية بلندن، وقد أسست سنة 1723, ونظيرتها الفرنسية 1820, ولكلٍّ من الجمعيتين مجلة مشهورة تعنى بالأبحاث الشرقية والإسلامية والعربية, وتقوم أحيانًا بطبع كتب لم تنشر من قبل, أو إخراجها بتعليقات قيمة، ومن ذلك نشر المجلة الأسيوية الإنجليزية لمقامات الحريري، وترجمان الأشواق لابن عربي "ترجمها نيكلسون"، وقد اعتنى الفرنسيون بخاصة في مجلتهم بالمذاهب الإسلامية؛ فبحثوا في الدروز والشيعة والإسماعيلية والوهابية والنصيرية, وماشاكل ذلك.
وحذا كثر من الدول حذو إنجلتزا وفرنسا في إنشاء الجمعيات الأسيوية, فصار لأمريكا الجمعية الشرقية، ولألمانيا الجمعية الأسيوية، وفي إيطاليا والنمسا كذلك.
2- المؤتمرات:
ومن مظاهر نشاطهم المؤتمرات التي يعقدونها في إحدى مدنهم المشهورة, ويؤمها المستشرقون من كل دولة، وكثير من الأدباء والعلماء في الدول الشرقية، وتلقى فيها البحوث, وينتاقش المؤتمرون في شتَّى المسائل, ويطلعون على ما قام به كل من الخدمات في سبيل الاستشراق، وأول مؤتمر عقده المستشرقون هو مؤتمر باريس سنة 1773، وتكررت بعد ذلك المؤتمرات حتى زدات في القرن العشرين، وقد أخذت مصر في العصر الحديث تشترك في هذه المؤتمرات, ومن أول من اشتركوا فيها عبد الله فكري، وحمزة فتح الله، وحفني ناصف وأحمد شوقي الشاعر.
3- المكتبات:
ومن العجب أن كثيرًا من نفائس الفكر العربي والإسلامي ليس في البلاد
(1/377)

العربية، وإنما اكتنزه الغربيون في مكاتبهم، وقد جمعوا كثيرًا من هذا التراث في خلال العصور الماضية، وأيام محن المسلمين بالأندلس وصقلية وفرنسا وإيطاليا, وأيام الحروب الصليبية, وأيام أن دخلو غزاة فاتحين، أو تجارًا مستعمرين، وحرصوا على اقتناء النسخ النادرة والكتب الثمينة؛ حتى تجمع في هذه المكتبات ما يزيد عن مائتين وخمسين ألف مجلد، ومن أشهرها: مكتبة برلين، وباريس، ولندن، وليبزيج، وليدن، وأكسفورد، وأدنبرة، وليننجراد، ومدريد.
وقد عز على كثير من أدباء العرب وعلمائهم أن يظل هذا التراث النفيس غريبًا محتبسًا في مكاتب أوربا، فأخذوا منذ تنبهوا يغشون هذه المكتبات وينقلون بعض المخطوطات القيمة، أو يصورنها؛ وقد اهتمت بذلك جامعة القاهرة, ورصد لهذا العلم الأموال, وبعثت العلماء لهذه الغاية، وقد جدت الجامعة العربية في نقل كثير من هذه المخطوطات وتصويرها, حتى تهيأ لها عدد غير يسير منها, سيلقى ولا شك كثير من الضوء على الحقائق العلمية والأدبية والتاريخية المتداولة.
على أننا ما زلنا نطمع في المزيد, وأن تنقل كل هذه الكتب وترد صورها على الأقل إلينا, فنحن أولى بها من سوانا, ولا سيما وقد نشأت بين ظهرانينا طائفة من العلماء المحققين الذين أجادوا إخراج هذه الكتب إخراجًا علميًّا صحيحًا، ومن أشهر الذين اهتموا بهذا وجلبوا عشرات الكتب النادرة أو صورها؛ المرحوم أحمد تيمور والمرحوم أحمد زكي.
4- معاهد اللغات الشرقية:
وفي العواصم الكبرى بأوربا، مدارس للغات الشرقية، يرد مناهلها طلاب أوربيون يدرسون اللغات كي يتمكنوا من العيش ببعض بلاد الشرق تجارًا أو موظفين أو سياحًا أو مستعمرين, كما يؤمها اليوم كثير من أبناء البلاد الشرقية والعربية، ويتزودون من علم كبار المشتشرقين، ويأخذون عنهم طرق البحث، والاستنباط، ومن أشهر هذه المعاهد مدرسة اللغات الشرقية بلندن وباريس وبرلين، وكل مدرسة تحوي مكتبة قيمة، تعنى بدارسة اللهجات وتسجيل الأصوات، ويدرس بمدرسة اللغات الشرقية بلندن ما يزيد عن ثلاثين لغة.
(1/378)

5- أشهر المستشرقين المحدثين:
1- دي ساسي الفرنسيّ, توفي سنة 1838:
منشئ الجمعية الأسيوية الفرنسية، وكان من أعظم المسشترقين وأصبرهم على الدرس, وخلَّفَ عدة آثار تشهد بفضله، من ترجمةٍ لكليلة ودمنة، ومقامات الحريري، ورحلة عبد اللطيف البغدادي، وألفية ابن مالك, والبردة، وكتاب النقود للمقريزي، وكتاب الزاجل لابن الصباغ، وترجم كثيرًا من أشعار العرب كقصيدة الطغرائي: يا خالي البال، وله مؤلف في تاريخ العرب أيام الجاهلية، وآخر عن ديانة الدروز، وهو الذي أنشأ مع تلامذته المجلة الأسيوية Jourral Asisique.
2- كاترمير Quatremere 1857:
وهو من تلاميذ دي ساسي الفرنسي، ومن أعماله: نقل تاريخ المماليك للمقريزي, وطبع مقدمة ابن خلدون في ستة أجزاء بالعربية والفرنسية، ونشر منتخبات من أمثال الميداني متنًا وترجمةً، وترجم المعلقات السبع، ومن أبحاثه المشهورة بالمجلة الأسيوية ماكتبه عن النبطيين والعباسيين، وكتاب الأغاني, والفاطميين، وذوق الشرقيين, وغير ذلك من الأبحاث المفيدة التي تدل على نشاط جَمٍّ، وصبر بليغ.
3- مونك Muuk 1867:
وهو ألماني يهودي, درس على ساسي، وقدم مصر فجمع مخطوطات كثيرة منها تاريخ الهندي للبيروني, ومن آثاره: تأثير اللغة العربية في اللغة العبرية بعد التوراة, وبحث ونقد في ديانة الدروز, ومجموعة في الفلسفة العربية واليهودية "وهو كتاب نفيس".
4- دي برسفال De Perecval 1871:
وهناك أب وأبن بهذا الاسم، وكلاهما اشتغل بالعلوم الشرقية، وإنما نعني بهذا التاريخ الابن، وقد قام برحلة إلى لبنان، ومكث به ثلاث سنوات، وعُيِّنَ أستاذًا للعربية العامية في مدرسة اللغات الشرقية بباريس، ثم للفصحى في معهد
(1/379)

فرنسا, ومن آثاره: المعلقات السبع "وباكورة تاريخ العرب" في ثلاثة مجلدات, وقد طبع مرارًا.
5- رينان Renan:
وقد درس اللاهوت في أول نشأته، وتعمق في اللغات الشرقية، وقام برحلة في بلاد الشرق العربيّ، ومن مؤلفاته: تاريخ اللغات السامية, في جزأين, كتاب ابن رشد, وقد علق عليه بقوله: "ولولا ابن رشد لما فهمت فلسفة أرسطو وتاريخ فينيقية" وقد اشتهر بتعصبه الذميم ضد العرب والمسلمين، وفي كتابه تاريخ اللغات السامية مطاعن كثيرة على العقلية العربية سنرد على بعضها عما قليل.
6- دي فو De Vaux:
واشتهر بأبحاثه الرياضية والفلسفية، ومن أحسن كتبه: مفكرو الإسلام, في خمسة أجزاء، وكتاب الفلسفة المشرقية، وترجم قصيدة ابن سينا في النفس، وترجم تائية ابن الفارض.
7- Massignon:
وهو من المستشرقين المعاصرين: وكان عضوًا بمجمع اللغة العربية بمصر، ومن أكثر المستشرقين نشاطًا، وأطولهم باعًا، وقد كان أستاذًا لتاريخ الفلسفة في الجامعة المصرية، وتتلمذ أول أمره في الجزائر وتونس وفاس، ورحل إلى العراق، جاب كثيرًا من الأقطار العربية، ومن آثاره المهمة: أخبار الحلاج, والصوفية، والأمثال البغدادية للطالقاني، وكتاب مراكش في القرن السادس عشر، وله بحوث طيبة في دائرة المعارف الإسلامية.
8- لفي بروفنسال Provencol:
وهو كذلك من المستشرقين الفرنسيين المعاصرين، ولد بالجزائر سنة 1894، وقد انتدب أستاذًا زائرًا بجامعة القاهرة، ومن أشهر آثاره: أسبانيا المسلمة في القرن العاشر, والحضارة العربية في أسبانيا، وثائق غير منشورة عن تاريخ الموحدين، وتقويم للسير الأندلسية في القرن الثالث عشر، وقد عاون في طبعة الذخيرة لابن بسام, من مطبوعات جامعة القاهرة.
(1/380)

أما المستشرقون الإنجليز فمن أشهرهم:
1- كارليل, توفي سنة 1805, وهو صاحب كتاب الأبطال المشهور.
2- إدوارد لين Lane:
وقد قدم مصر سنة 1825, ودرس عاداتها دراسة طيبة، حتى لقد لقبه أصدقاؤه بمصر بمنصور أفندي؛ لكثرة تقليده للمصريين في معيشتهم, ومن أجَلِّ آثاره: معجمه المشهور سواء العربي أوالإنجليزي، ومعجمه العربي نموذج احتذاه من قام بعمل المعاجم بعده، ومن آثاره كذلك: كتاب عن أخلاق المصريين وعاداتهم، وهو تحفة جميلة، وقد ترجمه أخيرًا الأستاذ عدلي نور بالرسالة, ثم نشر على حدة.
3- وليم رايت Wright 1896:
ترجم رحلة ابن جبير ونقدها وعلق عليها، ومن أشهر كتبه وأعمها نفعا: كتابه في النحو, وقد طبع مرات، وله كتاب جيد في الموازنة بين اللغات السامية Comparative Grammer، واشترك مع "دوزي" في إخراج نفح الطيب للمقري، ونشر كتاب الكامل للمبرد، وكتاب تلقيب القوافي لابن كيسان، وكتاب أخبار الرواد، وترجم كليلة ودمنة، وهو صاحب أبحاث الأدب السوري في دائرة المعارف البريطانية.
4- إداورد بروان T.BVrowne:
وكان أستاذًا بجامعة كمبردج للعربية والفارسية، ومن آثاره: الطب عند العرب، وتاريخ الأدب الفارسي, ونشر كتاب مذكرة الشعراء لدولتشاه، وكتاب نهاية الأرب في أخبار الفرس والعرب, والصحافة والشعر في إيران الحديثة.
5- السير توماس أرنولد Arnold:
وهو أول أساتذ بمدرسة اللغات الشرقية بلندن، ومن مؤلفاته العظيمة ذات الأثر الجليل كتابه الدعوة إلى الإسلام، وقد ترجم إلى كثير من اللغات، وقمنا بترجمته ونشر جزء كبير من هذه الترجمة بمجلة الرسالة سنة 1939، ولكن
(1/381)

حالت دون نشره عوامل مختلفة، وقد تمت ترجمته إلى العربية, ونشر في هذه السنة على يد بعض الأساتذة، وفيه يظهر توماس أرنولد دون تحيز سر الإسلام وعظمته.
6- مرجوليوث، وقد اكتسب شهرة كبيرة في البلاد العربية, ونشر معجم الأدباء لياقوت الحموي، ونشوار المحاضرة، وديوان ابن التعاويذي، وحماسة البحتري, وترجم فصولًا من التمدن الإسلامي لجورجي زيدان.
7- نيكلسون: وهو كذلك من أشهر المستشرقين وأبعدهم صيتًا، ولا سيما في أبحاثه عن التصوف الإسلامي، وله في ذلك كتاب في ثمانية مجلدات، ونشر ترجمان الأشواق لابن عربي، وترجم لابن الفارض في المجلة الأسيوية، وفكرة الشخصية في الصوفية، وله كتاب مشهور في تاريخ الأدب العربي, وتوفي نيكلسون من أمد وجيز.
8- جب Gibb:
وهو من أشهر المسشترقين الإنحليز, وقد درسنا عليه بمدرسة اللغات الشرقية بلندن, وكان عضوًا بمجمع اللغة العربية بمصر, وله عناية فائقة بالأدب الحديث في مصر والشام, ونشرت في مجلة معهد اللغات الشرقية بلندن من سنة 1927-1930, وله كتاب موجز عن تاريخ الأدب العربي، ومن أحدث كتبه وأنفعها كتاب "الميول الحديثة في الإسلام" غير أنه شديد العناية بتركيا وتطورها، وله أبحاث عن الفتوحات العربية في آسيا الوسطى وعلاقتها ببلاد الصين، وصار محررًا لدائرة المعارف الإسلامية، وهو أستاذ بجامعة "هارفرد" بأمريكا، وله خبرة واسعة ببلاد الشرق العربي.
أما المستشرقون الألمان, فقد كان الحافز لهم على الاستشراق في مبدأ الأمر الاشتغال بالمسائل الدينية وترجمة التوراة, فاضطروا إلى دراسة العبرية ثم العربية، وبعد ذلك حفزته عوامل سياسية وتجارية إلى الاهتمام باللغات الشرقية، وإن لم يتهيأ لهم أن يكونوا مستعمرين لهم أملاك واسعة وإمبراطوريات شرقية مترامية الأطراف كالفرنسيين والإنجليز, ومع هذا فقد نبغ منهم عدد أفادوا الدراسات الشرقية والإسلامية فائدة لا تنكر، ومن أشهرهم:
(1/382)

1- فريتاخ, توفي سنة 1861:
وتعلَّم على دي ساسي في باريس، واشتغل بالتدريس في جامعة "بون"، ومن آثاره ديوان الحماسة لأبي تمام مع شرح التبريزي وبترجمة لاتنية, وأمثال لقمان، وأمثال العرب, وأمثال الميداني بترجمة لاتينية، وفاكهة الخلفاء لابن عربشاه؛ وله معجم عربي لاتيني في أربعة أجزاء، وطَبَعَ معجم البلدان لياقوت مع فهارس قيمة وتذييل.
2- فلوجل, توفي سنة 1870:
ومن آثاره: نشر كتاب كشف الظنون لحاجي خليفة, مع ترجمة لاتينية في سبعة مجلدات، ودراسة عن الكندي الفيلسوف العربي، ونشر كتاب التعريفات للجرجاني, وأتبعه بدراسة عن ابن عربي, ومدارس العرب النحوية حتى القرن العاشر، ونشر الفهرس لابن النديم كذلك.
3 فليشر, توفي سنة 1888:
مؤسس الجمعية الشرقية الألمانية، وقد نشرت هذه الجمعية كثيرًا من الكتب القيمة؛ مثل: معجم البلدان تصحيح "وستنفلد" وشرح المفصل لابن يعيش, تصحيح "بان"، وكتاب الآثار الباقية للبيروني, تصحيح "سخو".
ومن آثاره: ترجمة ألف ليلة وليلة في تسعة مجلدات, وتفسير القرآن للبيضاوي, وعجائب المخلوقات للقزويني.
4- وستنفلد, سنة 1899:
ومن آثاره: مختلف القبائل ومؤتلفها, لمحمد بن حبيب، وتاريخ مكة للأزرقي، وأخبار قبط مصر للمقريزي، وجغرافية مصر للقلقشندي، وتاريخ الخلفاء الفاطميين، وتاريخ أطباء العرب، وديوان علقمة الفحل، وكتاب الاشتقاق لابن دريد، ومعجم البلدان لياقوت في جزأين، وآثار البلاد للقزويني، وطبقات الحافظ للذهبي، وغير ذلك من الكتب القيمة, وكلها تدل على نشاط وافر، ورغبة صادقة في خدمة الأدب العربيّ والتاريخ الإسلامي.
(1/383)

5- نولدكه, توفي سنة 1931:
ومن آثاره: قواعد اللغة العربية، وتقارب اللهجات، وتاريخ القرآن، ودراسة عن المعلقات، وتاريخ عرورة بن الورد، وتاريخ الفرس والعرب، والعرب في عهد الساسانيين, وله مختارات شعرية من العصر الجاهلي والإسلامي الأول، وجمعت مقالاته في مجلد؛ فبلغت خمسائة مقالة.
ولم يقتصر الاستشراق على علماء هذه الدول، بل نرى في معظم البلاد الأوربية وفي أمريكا مستشرقين لهم باعٌ طويلٌ في نشر الكتب وتصحيحها, وترجمة بعضها إلى لغاتها, حتى لو لم يكن لهم مطمع استعماري، أو مقصد تجاري أو تبشيري، ومن هؤلاء المستشرقين:
1- كراتشوفسكي الروسي1: "ولا يزال حيًّا" وقد عُنِيَ عنايةً خاصةً بالأدب العربي الحديث، وانتدب أستاذًا بجامعة القاهرة، ومن آثاره التي يقال إنها لا تقل عن الثلاثمائة؛ بين مصنف ومترجم ومفسر: الرواية التاريخية في الأدب العربي المعاصر، نشر مخطوطتين مجهولتين عن الجغرافية وعلم الفلك في الحبشة وأسبانيا المسلمة والمتنبي وأبي العلاء، وطبع كتاب البديع لابن المعتز بتفسير وتعليق ومقدمة في ثمانين صفحة.
2- دوزي الهولاندي, توفي سنة 1883.
ولد بليدن، وهي من أشهر المدن اهتمامًا بنشر الكتب العربية, ومن أشهر مؤلفاته: تاريخ الإسلام في إسبانيا في أربعة أجزاء، بدأه بدرس القبائل العربية في العصر الجاهلي, ثم عهد النبي -عليه السلام، ثم عصر الأمويين، وتخلص إلى الأندلس, فأرخها من سنة 711 إلى 1110، وله كتاب "كلام كُتَّاب العرب في دولة العباديين" في ثلاثة أجزاء، ومن أجل آثاره: ملحق المعاجم العربية, ذكر فيه الألفاظ التي لم ترد بها, ويقع في جزأين، ومما نشره تاريخ ابن زبان، وتاريخ المعجب للمراكشي، وجغرافية الإدريسي.
__________
1 راجع ترجمته بالتفصيل إذا شئت في كتب "المستشرقون" لنجيب العقيفي ص132 وما بعدها, وقد اعتمدنا في الكلام عن المستشرقين على هذا الكتاب، وتاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان, وتاريخ الآداب العربية للأب لويس شيخو, وعلى صلاتنا ببعض هؤلاء المستشرقين, ولا سيما المعاصرين منهم.
(1/384)

3- دي جويه De Goeje المتوفي سنة 1909, وهو هولندي, وقد اشتهر بنشر المؤلفات العربية الهامة بعد تصحيحها وضبطها، فمما نشره: فتوح البلدان للبلاذري، وديوان مسلم بن الوليد، والمكتبة الجغرافية العربية في ثمانية مجلدات، وتاريخ الطبري الكبير في خمسة عشر مجلدًا مع فهارس قيمة، وغريب الحديث لأبي عبد الله القاسم بن سلام "وهو أقدم المخطوطات العربية بأوربا بعد القرآن"، ونشر كذلك رحلة ابن جبير، والمسالك والممالك لابن حوقل، وأحسن التقاسيم للمقدسي البشاري, والأعلاق النفيسة لابن رستة، وجزء من تجارب الأمم لابن مسكويه، وجغرافية الأصطخري، ورسالة حي بن يقظان، والتمدن الإسلامي لجرحي زيدان، وسيرة الرسول -عليه السلام- لابن هشام، وعشرات الكتب والمخطوطات القيمة.
4- جولد زيهير المجري, وتوفي سنة 1929:
وهو إسرائيلي تبحر في اللغة العربية، والشريعة الإسلامية، وله فيهما أبحاث تدل على سعة اطلاع، وطول باعٍ، ومن أشهر آثاره: العقيدة الإسلامية في الإسلام, وقد ترجم أخيرًا إلى العربية، وكتاب آداب الجدل عن الشيعة، والفقه العربي، التقية في الإسلام, ونشر كتاب المستظهري في الفضائح الباطنية وفضائح المستظهرية للغزالي، وغير ذلك من الكتب التي تدل على اهتمامه بالعقائد والمذاهب.
وهذا وقد اشتهر في كثير من الدول بعض أفراد المستشرقين مثل: سانتلاتا، ونيلنو، وجويدي الكبيرن وجويدي الابن في إيطاليا1، والبارون كريمر, والدكتور مونر في النمسا، وفنديك، وماكدونالد, وشارلز آدمس في أمريكا، وكريمرسكي في بولندا, وبول كراوس في تشكوسلوفاكيا2، وبركلمن في ألمانيا، وكتابه في تاريخ الأدب العربي من أهم المراجع المعتمدة, ولا سيما تلك الملاحق التي
__________
1 وكل هؤلاء المستشرقين كانت لهم صلات وثيقة بمصر، وقد درسوا في جامعة القاهرة، وفي الجامعة المصرية القديمة، واشتهر سانتلانا بأبحاثه الفلسفية, ونلينو بأبحاثه الفلكية والتصوف, وجويدي الكبير بالأدب والتاريخ واللغة الحبشية والحميرية, وجويدي الابن بأبحاثه في الأدب وفقه اللغة والعقائد والمذاهب الإسلامية.
2 انتدبته الجامعة المصرية للتدريس بها من 1936, حتى انتحاره في سنة 1944, واشتهر بأبحاثه عن الفرق الدينية وتراجم رجاله، وقد اعترف له كثير من المستشرقين بالفضل والدأب.
(1/385)

الملاحق التي يضيفها إليه في كل عام، وقد قام بترجمته زميلنا المرحوم الدكتور عبد الحليم النجار.
أثر المستشرقين:
تفرغ المستشرقون للبحث، ومنحتهم أممهم المال والوقت، وتحت أيديهم المكاتب العامرة بالأبحاث وبالمخطوطات النادرة، وكلهم يعرف عدة لغات عربية وشرقية، فكان من الطبيعيّ أن تتسم آثارهم بسمات التحقيق والمثابرة والاطلاع والموازنة ومراجعة الأصول أو المخطوطات ووضع الفهارس, وغير ذلك مما كان مفقودًا في الكتب العربية.
ولقد مهَّدوا السبيل أمام الباحثين بنشرهم المخطوطات الثمينة في طبعات أنيقة مصححة، مزودة بتعليقات نفيسة، وبفهارس تيسر الاطلاع وتجمع الأشخاص والأماكن، والموضوعات، واشتهروا بتحقيقاتهم اللغوية، وبأبحاثهم في أصول اللغات، وفقه اللغة، والساميات، وباكتشافاتهم الأثرية في بلاد العرب، وقد غيرت هذه الاكتشافات كثيرًا من نظريات التاريخ وحقائقه المتداولة، وامتازت أبحاثهم بحسن العرض، وبالتدقيق العلميّ، وبالنظرات الشاملة، وأهم أثر للمستشرقين يتضح في الكتب العربية التي ألفت على نمط كتبهم، ولا يهولنك هذا، فهم كما ذكرت لك قد أتقنوا طرق البحث في لغتهم، وطبقوها على الدراسات الشرقية التي يضطلعون بها، وعندهم من الوقت والمال ما يمكنهم من حسن الإخراج وجمال الأداء.
إن الدراسات الأدبية وتاريخ الأدب بصورته التي نعرفها اليوم, هي أثر من آثار المستشرقين, وحسنة من حسناتهم؛ ولا تعجب, فالكتب العربية منذ طبقات الشعراء لابن سلام الجمحي, وما أتى بعده من كتب التراجم؛ كمعجم الأدباء لياقوت، ووفيات الأعيان لابن خلكان, لم تبحث في الأسباب والعلل والنتائج والبيئة والظواهر السياسية والاجتماعية، وتفاعل الأديب وعصره, كما نرى اليوم في الدراسات الأدبية، وإنما كان الأديب وحدة منفصلة لا تربطه بغيره روابط.
(1/386)

ومن الكتب التي ظهرت في هذه الحقبة التي نؤرخ لها -أي: أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين- وتجلَّت فيها آثار المستشرقين وطريقة بحثهم, بل وكثير من آرائهم وأحكامهم وأبحاثهم:
1- كتاب تاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان، وقد اعتمد فيه على بروكلمن الألماني في كتابه تاريخ الأدب العربي، ولم يقف بروكلمن عن القرن التاسع عشر, بل أصدر ملاحق عديدة يسجل فيها تطور الآدب العربية في عصرنا هذا، وينقد معظم الأدب الذي تصدره المطبعة العربية ويتتبع الأديب منذ نشأته، ويسجل تطورات أدبه.
2- كتاب الأدب لويس شيخو في الأدب العربي إبان القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، وكتابه هذا محاولة أولية لمحاكاة المستشرقين في كتاباتهم، وفيه كثير من طرق البحث القديمة، ويمنك أن تدرك الفرق بين ما يكتب اليوم وما كتبه الأب شيخو منذ ربع قرن.
3-وتاريخ أدب العرب, لمصطفى صادق الرافعي، وهو من الكتب التي تدل على غزارة علم وسعة اطلاع، وبذل كثير من الجهد، ولكنه لم يبلغ في بعض أحكامه وطريقة عرضه ما بلغته الأبحاث الأدبية بعد، ويعد في الطليعة من الكتب التي ألفت على الطريقة الحديثة، وقد وفق فيه مؤلفه لكثير من اللمحات والأحكام الصائبة، مع أن الرافعي لم يكن يعرف إلّا القليل من اللغات الأجنبية.
4- وآداب اللغة العربية في العصر العباسي, للشيخ أحمد الإسكندري.
5- وبلوغ الأرب في أحوال العرب, للسيد محمود شكري الألوسي البغدادي1:
__________
1 صاحب هذا الكتاب السيد محمود شكري الألوسي البغدادي, ولد سنة 1273هـ-1856م, ودرس على الطريقة الأزهرية الكتب اللغوية والدينية، ولكن كتابه هذا يعد للآن كتابًا قويًّا في مادته, يدل على علم صاحبه وقدرته على التأليف، وهو من المراجع القيمة في أحوال عرب الجاهلية، وقد احتل كتابه هذا مكانته اللائقة به في عالم التأليف. ولا يزال حتى اليوم حجة في موضعه، وينتفع به كثير من من طلاب الأدب على الرغم من أن البيئة التي نشأ بها المؤلف كانت متأخرة، هذا وقد توفي السيد محمود شكري الألوسي سنة 1342هـ-1942م ببغداد، وحسبه هذا الكتاب ذكرى طيبة وعملًا صالحًا, راجع تاريخ حياته, وبقية آثاره وأشعاره في أعلام العراق, للسيد محمد بهجت الأثري.
(1/387)

6- وعلم الأدب لحفني ناصف.
7- والاشتقاق والتعريب لعبد القادر المغربي.
وكانت هذه الكتب بواكير الدراسات الأدبية التي نحا فيها الكتاب العرب منحى المستشرقين وتأثروا بهم في منهج أبحاثهم، ولكن لم تر الجامعة المصرية القديمة، ولا جامعة القاهرة عقب إنشائها غناءً عن المستشرقين، فأخذت تنتدبهم للقيام بالتدريس فيها، ونشر طرقهم السديدة في البحث بين طلاب الأدب، ولقد ظهر هذا الأثر جليًّا واضحًا في الأبحاث التي تلت ذلك، وما زلنا سائرين في هذا الطريق، نعتمد على أنفسنا مرة، ونستأنس بآرائهم مرةً، والبحوث الأدبية تكثر وتتنوع, ويظهر عليها أثر التحقيق العلمي السليم.
ولعلك تسأل: أترى المستشرقين أعلم منا بلغاتنا وبأصول عقائدنا وفرقنا الدينية، وهل هم معصومون من التعصب والخطأ؟!
في الحق إن كثيرًا من المستشرقين على حظٍّ كبير من العلم والمعرفة، ولكن الأمر الذي يهمنا نحن ليس العلم، وإنما المنهج وطريقة الاستقراء والاستنباط والدرس وتكوين الحكم بعد الموازنات، ومراجعة الأصول والمخطوطات, وكل ما قيل حول الموضوع، ولقد ذكرت لك آنفًا أن مكتبات أوربا تحوي مائتين وخمسين ألف كتاب عربيٍّ بين مخطوط ومطبوع، وهذه الثروة الهائلة حرية أن تتيح لمن يعيش معها, وقد كلفت له أسباب البحث الأخرى أن يتسع اطلاعه ويعمق نظره، ويقرب حكمه من الصواب، فلا بدع إذا كان بعض المستشرقين حجة في أبحاثهم التي تصدوا لها.
أجل! إننا لا نبرئ كثيرًا منهم من التعصب، ولا سيما في المسائل التي تتعلق بالدين والعقيدة والجنس، وهيهات أن يكتب أحد عن الإسلام أو عن العرب دون أن ينزع في كتاباته إلى ما ينم عن تعصبه, وقليل منهم مَن استطاع أن يتجرد من عواطفه ونزعاته حين البحث؛ مثل: "السير توماس أرنولد" في كتابه "الدعوة إلى الإسلام".
(1/388)

أما عن الأدب فلا داعي للتعصب, اللهم ما أشاعوه عن أسطورة العقلية السامية والآرية حين كلامهم عن خلوِّ الأدب العربي من القصة، وتعليلهم لهذا بذلك التعليل السخيف، وهو عقم الخيال العربي وإجدابه1، ولعلك لم تنس الضجة التي أثيرت حول كتاب "في الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين, وما ثبت من أنه تأثر فيه برأي "مرجوليوث" وأخذه آراءه هذا المستشرق قضية لا جدال فيها، فأنكر قصة إبراهيم وإسماعيل, وشك مثله في معظم الشعر الجاهلي2, وقلَّ منهم من خلا من التعصب الديني أو الجنسي.
وللمستشرقين أخطاء كثيرة، يرجع بعضها إلى جهلٍ بالمصلطحات العربية وعدم معرفة معانيها الصحيحة، وتدعوهم إلى استنباطاتٍ فاسدة، فكازانوفا مثلًا يترجم كلمة أمي بشعبيّ، وكازميرسكي يترجم قوله تعالى للملائكة: {اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى} باعبدوا آدم, وأحيانًا يبالغون في التحليل والتعليل والتأويل، ويحاولون أن يجدوا شيئًا لم يوجد قط، فيضلون سواء السبيل، فترى كازانوفا مثلًا عند بحثه في "إخوان الصفا" يقع على نص في رسائلهم، ويجتهد في أن يستنبط منه تاريخ تأليفهم الرسائل بطريقة مضحكة أبعدته عن الصواب كل البعد2.
وعلى الرغم من كل هذا، فأخطاؤهم العلمية قليلة، وهي مغتفرة لهم إذا راعينا أنهم يبحثون في ديانات غيرهم ولغتهم وآدابهم وأخلاقهم، وأخطاؤنا نحن أكثر من أخطائهم وأشنع، ولا نستطيع أن نغمطهم حقهم، وننكر أياديهم على الأدب العربي والأبحاث الإسلامية واللغوية والاجتماعية، ونشرهم مئات الكتب والمخطوطات الثمينة التي أتاحت لنا معرفة ما كان عليه أسلافنا حق المعرفة، إننا لا زلنا نتلقى عنهم الكثير، وسوف نظل كذلك إلى أن يتاح لنا نقل صورة صحيحة من المخطوطات النادرة الموجودة لديهم، ونسخ الكتب القيمة التي تعوزنا في البحث، وإلى أن يتفرغ منا العلماء للبحث الطويل الشاق دون مراعاة الزمان والجهد كما يفعلون، وحينئذ نستطيع أن نجاريهم في مضمارهم، لهم فضل السبق.
__________
1 سنخص القصة بكلمة في هذا الفصل باعتبارها لونًا من ألوان الأدب لم يكن موجودًا لدى العرب.
2 راجع كتاب النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي, تأليف الأستاذ محمد أحمد الغمراوي، ومقدمة الأمير شكيب أرسلان له.
3 راجع "إخوان الصفا" لمؤلف هذا الكتاب, ص68 وما بعدها.
(1/389)

أثر الاتصال بالأدب الأجنبي
...
جـ- ثر الاتصال بالأدب الأجنبي:
كان من الطبيعيّ أن يتأثر الشرق العربيّ، ولا سيما مصر، ولبنان، بهذا الاتصال المباشر بالأدب الأجنبي، ففي مصر يجثم الاحتلال الإنجليزي على صدر الوادي الخصيب، ويشتد نفوذ الأجانب من كل دولة، يفدون أفواجًا ينشدون الغنى والسعادة في هذه البلد المضيافة والأرض البكر، وتفرض اللغة الإنجليزية على تلاميذ المدراس المصرية، ويعمد الأدباء اللبنانيون والسوريون الذين يمموا صوب مصر هربًا بحرياتهم إلى الأدب الغربيّ ينقلون منه ألوانًا شتّى إلى اللغة العربية.
ولا أريد في هذه العجالة أن أتقصَّى أثر الفكر الغربي في العقل العربيّ والنتاج الأدبيّ, فإن هذا الامتزاج بين الثقافتين لم تظهر آثاره الحقيقية إلا بعد فترة طويلة من الحقبة التي نؤرخ لها، حين شبَّ جيلٌ من الأدباء في هذه البيئة التي تلتقي فيها تعاليم محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ووطنية عبد الله نديم، وأدب حسين المرصفي والسيد بن علي المرصفي بقصص هوجو وفولتير وراسين وكورني وشكسبير وعشرات من قصاص فرنسا وإنجلترا وغيرهما، ولكن كانت السمة الغالبة على أخريات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين هي ازدياد نفوذ الأدب الأجنبيّ وإعجاب أبناء البلاد العربية به، فتمنَّى الشعراء أن يجددوا في الشعر، وأن ينسجوا على منوال شعراء الغرب، بل كان منهم من يود التحرر من قيود الشعر العربيّ, ويأخذ بحرية الشعر الفرنجي، فهتف حافظ بقوله:
آن يا شعر أن نفك قيودًا ... قيدتنا بها دعاة المحال
فارفعوا هذه الكمائم عنا ... ودعونا نشم ريح الشمال
ويقصد بالشمال بلاد الغرب، وإن عجز حافظ عن فك القيود ولم يستطيع أن يخرج خروجًا تامًّا على الصور القديمة مهما كانت روحه التجديدية
(1/390)

راغبة في ذلك1, ولكن مما لا ريب فيه أن كثيرًا من المعاني الجديدة والصور الغربية والخيال الاوربي قد ابتدأ يتسرب إلى أفكار الشعراء وأخيلتهم، وإن لم يظهر أثره إلّا بعد مدة، وفي جيلٍ غير هذا الجيل الذي شهد زحف الآداب الغربية أول الأمر, وكم كان بودي أن أقف هنا وقفةً طويلةً لأبين هذا الأثر، ولكن موعدنا به في الجزء التالي إن شاء الله.
أما النثر فقد كان التأثير فيه شديدًا، لانطلاقه وعدم تقيده بقوالب وأوزان وقوافٍ، ولأن النثر الغربي المترجم كان الكثرة الغالبة, ولا سيما القصة كما رأيت2، وهنا يجدر بنا أن نتأنى قليلًا، فإن القصة قد صار لها في عالم الأدب العربي شأن كبير، وكانت الحقبة التي نؤرخ لها هي حقبة الحضانة التي نمت فيها القصة، وأخذت بعد ذلك تتفتح وتزدهر وتجري على الألسانة والأقلام، والقصة هي أكثر أنواع الأدب شيوعًا في الغرب، بل إن الأدب الغربي يتسم بأنه أدب القصة، وليس كذلك الأدب العربي، فلم كان هذا؟ وهل ما يدعيه بعض النقاد الغربيين، ويتبعهم في ذلك كثير من الكتاب العرب -من أن العقلية العربية مجدبة, عقيمة الخيال, ادعاء صحيح؟؟ -إن هذا الموضوع يتطلب منا كلمة موجزة قبل أن نفرغ من هذه الكتاب؛ لأن النثر -وهو كما قلنا قد تأثر بالأدب الغربي أكثر من الشعر- قد صار له ثوبان يظهر فيهما: القصة والمقالة.
1- القصة:
وموضوع القصة موضوع طويل وشائق، فهناك تاريخ القصة ونشأتها في العالم، وأنواع القصة من: خرافة ومثل، وحكاية, وأقصوصة, ورواية, ثم ألوان الرواية من: واقعية أو خيالية أو تاريخية أو نفسية, إلى آخر هذه الأبحاث، ثم هناك شروط القصة وكيفية بنائها, وما يشترط في المقدمة والحوادث والعقدة والجو والحل، وهل تخالف القصة القصيرة في تركيبها وإنشائها الرواية؟ وبعد ذلك كله
__________
1 الإسلام والتجديد لدكتور شارلس أدمس ص209.
2 راجع في تأثر النثر العربي الحديث بالقصة العربية, كتاب الدكتور إسماعيل أدهم عن "توفيق الحكيم الفنان الحائر" حلب سنة 1939.
(1/391)

هناك القصص الأوربي، والقصص العربي، وهل الأدب العربي كما يزعم بعض الباحثين مجدب من القصة؛ كل هذه موضوعات كنا نود البحث فيها، وإيفاؤها حقها1, ولكنها كما ترى طويلة وتحتاج إلى كتاب خاصٍّ نتناول فيه القصص منذ نشأته إلى اليوم، يتعرض للقصص العربي بالتفصيل مبتدئًا بالعصر الجاهلي, والموازنة بين خرافات الجاهلية وأساطير اليونان والرومان؛ ثم يتكلم على قصص القرآن، ثم القصص الإبداعي في العصر الأموي, أي: قصص الحب العذريّ، ثم تأثر الأدب العربي بالآداب الأجنبية، ولا سيما الأدب الفارسي, وظهور كليلة ودمنة، وقصص ابن عبدوس الجهشياري، والصادح والباغم, ثم ظهور المقامات، وبعد ذلك كله ظهور ألف ليلة وليلة, ومقدار ما به من فن، ومنزلته في عالم الأدب، ويتعرض الباحث في الأدب العربي حين يكتب في كل هذا للأثر العربي الخالص في هذه القصص، وللتأثير الأجنبي فيها؛ ليستخلص من كل ذلك حكمًا على العقلية العربية، وعلَّك قد رأيت من إثارة هذه الموضوعات أمامك أنها تحتاج إلى كتاب خاص، يتكلم عنها بإسهاب ويوفيها حقها من البحث والتمحيص، ولعل ذلك يكون قريبًا.
أما الآن فإني أتعرض للقصة من ناحية واحدة، دعاني إليها كثرة ما ترجم من أدب الغرب وقصصه في أخريات القرن التاسع عشر والقرن العشرين، ودعوى الغربيين بأنها نتاج يصعب على العرب إخراج مثله؛ إذ ينقصهم الخيال المبتكر والعقل الخالق.
يدعي هؤلاء أن السبب في فقدان القصة من الأدب العربي هي البيئة التي عاش فيها العرب دهورًا طويلة في صحرائهم المجدبة، التي قلما يطرأ على بساطها تغير، فشمسها ضاحية, وهواؤها راكد، لا غابات فيها تشق أشجارها أجواز الفضاء، وتتلون أوراقها ألوان مختلفة تبعًا لتغير فصول السنة، ويشعر من يغشاها برهبة تملأ جوانحه، وقشعريرة تسري في بدنه، ولا كهوف فيها تتحدث عن شعوب اتخذتها مسكنًا أمدًا غير يسير، ثم هجرتها، بعد أن تحضرت، وخلفت
__________
1 راجع دراسات أدبية ج1 المؤلف, ففيه فصل ضافٍ عن أدب القصة.
(1/392)

فيها آثارًا لا تزال ناطقة, ولا سماء صاخبة متقلبة مزمجرة هادرة، ولا جبال يكسوها الثلج فيخطف البصر ويظهر جبروت الطبيعة؛ فلا بدع إذا جاء الخيال الساميّ صورة من هذه الصحراء، وعلى العكس من ذلك البيئة التي عاش فيها الآريون قبل أن يدخلوا إلى أوربان وهي شمال بلاد الهند،