Advertisement

في الأدب الحديث 002


المجلد الثاني
مقدمات
مقدمة الطبعة الأولى
...
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
مقدمة الطبعة الأولى:
إن الحقبة التي نؤرخ لها في هذا الجزء من كتاب "الأدب الحديث" حقبة غنية بمن ظهر فيها من الأدباء والكتاب والشعراء، وفيها عظم اتصال الشرق بالغرب، وكثر النقل والتعريب من الأدب الغربي نثرًا وشعرًا. وزادت المدارس الأجنبية على اختلاف لغاتها بمصر، وعظم نفوذ الإنجليز بها إبان الاحتلال، وفرضوا لغتهم على المدارس فحذقها التلاميذ، وعرفوا كثيرًا من آثارها الأدبية.
وأتت نهضة مصر في القرن التاسع عشر بعض ثمارها الشهية، فكثر المطبوع والمقروء من الأدب العربي، وتنبه الناس بمصر إلى أن ثمة آدابًا أرقى معًا عرفوا في مستهل ذلك القرن. وقد ضرب البارودي نموذجًا حيًّا قويًّا بمحاكاته لأساليب فحول شعراء العربية. ونهض جمال الدين الأفغاني وتلاميذه: محمد عبده، وسعد زغلول، وعبد الله نديم، واللقاني، والمويلحي بالنثر نهضة قوية، وحرروه من قيوده التي كبل بها طويلًا، وسخروه لخدمة المجتمع المصري.
وأذكى الاحتلال الإنجليزي، وما جلبه من ذله وبغي نار الحماسة الوطنية في قلوب الصفوة الممتازة من أبناء الأمة، فشنوها حربًا شعواء لا هوادة فيها على المستعر الغاصب، وكان عمادهم الخطابة الصريحة الجريئة، والكتابة الملتهبة القوية، يقودهم مصطفى كامل، ومحمد فريد، وعبد العزيز جاويش، وعلي يوسف، وأضرابهم، على المنابر تارة، وفي الصحف تارة أخرى.
(2/3)

ثم جاءت الحرب العالمية الأولى، واصطلى العالم بسعيرها أربع سنوات كاملة، وما أن وضعت الحرب أوزارها، واستراح الناس من ويلاتها، حتى هبت الشعوب المغلوبة تطالب بحقوقها في ثورات عنيفة بمصر وأيرلندا وغيرهما؛ وخلفت الحرب آثارًا كثيرة بمصر تتمثل في الغلاء الذي يرزح تحت وطأته جمهرة بنيها، وفي شدة الإقبال على المدينة الغربية بخيرها وشرها، وفي نضج الفكرة القومية وتحديد أهداف البلاد.. إلى آخر ما هنالك من آثار كان لها في الأدب شأن عظيم.
ومن العسير علينا أن نلم في هذا الجزء بكل ألوان الأدب شعرًا ونثرًا، بجميع البلاد العربية، فالدراسة المنتجة هي التي تتناول موضوعًا خاصًّا، في بلد بعينه، وتوفيه حقه من البحث، وقد آثرت أن أقصر هذا الجزء على: "الشعر بمصر بعد البارودي".
وموضوع الشعر بمصر ليس موضوعًا هينًا، فمنذ أن ظهر البارودي بزعامته القوية، ومصر توقد الطريق في هذا الميدان، ويتلقف الراية شاعر بعد شاعر، ويتباين تأثرهم بالثقافة الغربية قوة وضعفًا، كما يتباين حظهم في تقليد الأدب العربي القديم؛ ولذلك تعددت مدارسهم، وتنوعت موضوعاتهم، وغزر نتائجهم. وصار الدارس للشعر في العصر الحديث لا يجد أمامه مندوحة من العكوف على بيئة خاصة، ويتعرف فيها على التيارات المختلفة التي أثرت في الشعر وعملت على تعدد مذاهبه وألوانه، وبذلك يكون قد أدى بعض ما يجب عليه نحو عصره وبيئته.
وإذا كنت قد اكتفيت بالكلام على الشعر في مصر بعد البارودي. فليس ذلك إهمالًا أو إغفالًا لشعراء العربية في الأقطار الشقيقة، وقد نبغ منهم فحول زينوا عصرهم وخلدوا أسماءهم، ورفعوا ذكر بلادهم من أمثال: الزهاوي، والرصافي، والشبيني بالعراق، وبشارة الخوري، وشبلي الملاط، وإلياس أبي شبكة، وأنور العطار، وعمر أبي ريشة، وسعيد عقل بسوريا ولبنان.
ولكن التعرض لشعراء العربية في مخلتف بيئاتهم إن تيسر لنا أداؤه فلن يكون ذلك دفعة واحدة وفي كتاب واحد، وإلا جاء ناقصًا مبتورًا لا قيمة له، ولا
(2/4)

جدوى منه؛ إذ سيكون عرضًا خاطفًا لا عمق فيه، ولا تحليل ولا موازنة. وليس ذلك هدفنا من دراسة الأدب الحديث. بل إننا نقصد إلى تحديد معالمه، وتعرف مدارسه والفحص عن العوامل المتباينة التي شكلته وألهمته وأثرت فيه، ولا يتأتى هذا إلا بالتخصص في الدراسة، ولا سيما إذا شفعت بتراجم وافية لكبار الشعراء.
ولذلك رأيت من الخير لنفسي وللأدب الحديث أن أتكلم عن الشعر في مصر، ولعل من أبناء العروبة من يتطوع لدراسة الشعر في العراق، وآخر في الشام، فيعطينا فكرة قوية واضحة، وبحثًا مستفيضًا عن بيئته ومجتمعه وألوان الشعر ثمة. فالبلاد العربية على الرغم من اتحاد اللغة والاشتراك في الأمال والأماني والتاريخ والدين تتباين في كثير من الأمور: في طبيعة أرضها واختلاف مناظرها، والعوامل السياسية والاقتصادية التي طرأت عليها، وحظها من الاتصال بالحضارة الغربية، ونهضتها التعليمية والأدبية، وفي مجتمعاتها. إلى غير ذلك وليس الأدب إلا صورة من البيئة التي نبت فيها، وأوحت به، ولو كان أدبًا عالميًا تنجذب إليه كل نفس، ويهفو إليه كل عقل.
وإذا كنت قد سلكت في الجزء الأول من "الأدب الحديث" غير هذه الطريق؛ فذلك لأن جمهرة الأدباء من شعراء وكتاب كانوا من أتباع المدرسة التقليدية ولم يتميز أحدهم عن الآخر إلا في الأداء، وقد تشابهوا موضوعًا وصورًا. وليس الحال كذلك اليوم بعد أن خطونا في نهضتنا شوطًا طويلًا، وعظم اتصالنا بالثقافة الغربية والأخذ منها.
ورأيت لزامًا عليّ قبل أن أخوض في موضوع الشعر أن ألقي نظرة فاصحة إلى المجتمع المصري، ومدى تأثره بالثقافة الغربية التي وفدت إلينا وتأثرنا بها، من إبداعية "رومانتيكية"، وواقعية رمزية وسواها. وخصائص كل مدرسة في الأدب الغربي، وكيف طبقها شعراؤنا على أدبنا، وإلى أي حد اقتبسوا منها: ومدى تمسكهم بالأدب العربي القديم أسلوبًا، وقالبًا، وموضوعًا.
ثم أتحدث بعد هذا عن المدارس الشعرية في مصر: من محافظة مقلدة ومجددة محترسة في تجديدها تجمع بين القديم والجديد، إلى مجددة متبرمة
(2/5)

بالأدب القديم، إلى أخرى ثائرة غارقة في التجديد، خارجة على كل ما يمت إلى القديم بصلة.
وهذا يتطلب مني الترجمة لكبار شعراء كل مدرسة، ودراسة آثارهم، ومعرفة خصائصهم، وهو عمل ضخم أرجو الله أن يعينني على إنجازه وإتقانه.
لقد نقد النقاد المفكرون بمصر الشعر، وتكلموا عنه، ووجهوا الشعراء إلى ما يريدون وقد استجاب بعضهم للنقد والتوجيه، واستعصى آخرون عليهم. وظهرت تراجم موجزة لكبار الشعراء، ولكنها تسير على المنهج القديم في البحث، لا تنفذ إلى المؤثرات العامة والخاصة في حياة الشاعر، وتتعرف على مزاجه الأدبي، وألوان ثقافته، وتدرس آثاره دراسة مستفيضة. وكتبت مقالات مبتورة عن المدارس الأدبية الغربية، ولكنها الغربية، ولكنها لم تتعرض للشعر المصري وإلى أي حد تتلمذ على هذه المدارس.
وربما كان كتاب الدكتور إسماعيل أدهم عن خليل مطران أول كتاب يتعرض لشاعر معاصر على طريقة علمية صحيحة. ولكن أسلوب الدكتور أدهم أسلوب فيه بعض الغموض؛ لأنه غريب عن العربية، وطريقته في البحث قد جنحت إلى الحقائق العلمية الجافة، وطبق في كتابه المنهج العلمي أكثر مما يجب، فجاء الكتاب محدود الفائدة. ثم إنه ترجمة لشاعر واحد وإن كان شيخ المجددين بمصر.
ولم يظهر حتى اليوم كتاب يضم أشتات هذا الموضوع، ولذا أشعر بضخامة هذه الدراسة، وصعوبتها وأرجو أن أوفق في بحثي هنا، وأقدم للمكتبة العربية ما تسد به ذلك النقص. ولست أزعم أني في هذا الجزء سأوفي الموضوع كل حقه، وأترجم ترجمات مسهبة لكل شاعر، فذلك فوق ما أطيق، ويطيقه هذا الجزء ذو الصفحات المحدودة مهما كثرت، ولهذا اقتصرت فيه على تبيان المؤثرات العامة في الشعر بعد البارودي وعلى بعض رجال المدرسة التقليدية.
وأعترف أن ما قدمته ليس إلا محاولة لدراسة الشعر في العصر الحديث على طريقة علمية، تحتاج فيما بعد من الدرس والتمحيص وأن بها قصورًا كثيرًا
(2/6)

عن الغاية التي أصبوا إليها، ولذلك أتقدم بالمعذرة للقراء سلفًا: راجيًا أن يكون منهم من هو أشد مني مُنة، وأقوى براعًا، وأطول باعًا، وأوفى دراسة، وأنفذ بصيرة فيكمل هذا النقص ويوفي الموضوع حقه من البحث، والله هو الموفق للصواب.
عمر الدسوقي
(2/7)

مقدمة الطبعة السادسة:
على الرغم من أننا نعيش في عصر توفرت فيه وسائل النشر، وأصبح الكتاب العربي سهل التناول، كثير التداول، وعلى الرغم من أني أؤرخ أدب العصر الحديث في مصر، فإني أشعر بأن المهمة شاقة، وأن الأدب العربي في عصوره الماضية أيسر تأتيًا، وأقرب منالًا: ولذلك ما زالت منذ أن صدرت الطبعة الأولى لهذا الجزء يجد لي في كل يوم جديد، وتتبدى لي في كل حين فكرة. وما ذاك إلا لأن الأبحاث التي تعرضت لهذه الحقبة لم تلم أشتات الموضوع، وتجمع مادته في الأضابير والمخطوطات والمجلات والصحف السيارة، والكتب المطمورة، ولهذا أخذت نفسي يتقصى مصادره، والبحث عن مادته ما وسعني الجهد حتى أبلغ بالكتاب الغاية التي أرجوها له، والتي يتطلبها مني البحث العلمي الدقيق.
وهأنذا أتقدم لقراء العربية بالطبعة السادسة لهذا الجزء وفي كل باب من أبواب الكتاب زيادات كثيرة وتنقيحات لم أر منها بدًا.
ولست أزعم أن الكتاب قد بلغ الكمال أو قاربه، فما زالت هذه الحقبة في حاجة ملحة للدرس والتمحيص. وإنني أعد القارئ العربي الكريم -الذي أدين له بفضل التشجيع- أن أبذل في الاستزادة من الأدب الحديث ومصادره غاية جهدي حتى يصل الكتاب إلى ما نصبو إليه، ولا يسعني إلا أن أقابل تشجيع قرائي من أبناء العروبة بالشكر الوافر، والعمل المتصل، والله أسأل أن يوفقني إلى إرضاء العلم وجمهور الأدباء وطلاب البحث، إنه نعم الموفق للصواب.
عمر الدسوقي
(2/8)

الفصل الأول: المؤثرات العامة في الشعر الحديث الثقافة الأجنبية
...
الفصل الأول: المؤثرات العامية في الشعر الحديث الثقافة الأجنبية
تحدثت في الجزء الأول من كتاب الأدب الحديث1 عن الاتصال بالأدب الأجنبي، في إيجاز، وعرض سريع، وأعود هنا إلى الموضوع بشيء من البسط، لندرك الصراع العنيف بين فرنسا وإنجلترا على تثبيت كل منهما نفوذها الأدبي بهذه الديار.
يرجع اتصال مصر الحديثة بالثقافة الغربية إلى الحملة الفرنسية، وقد وفينا موضوع الحملة الفرنسية حقه من البحث في الجزء الأول من هذا الكتاب. وجاء محمد علي فاتجه صوب فرنسا يستخدم علماءها وقواد جيشها وأطباءها في نهضة مصر، ويرسل البعثات العديدة إلى فرنسا، بل ينشئ مدرسة للطلبة المصريين بباريس. وقد عاد هؤلاء الطلبة إلى مصر وتولوا زعامة حركة الإصلاح بها، وعلى رأسهم رفاعة الطهطاوي، وعلي مبارك. ولكن عباسًا الأول كان من النافرين كل النفور من الثقافة الأجنبية ولا سيما الفرنسية. فألغى نظام التعليم الذي وضع على النهج الفرنسي، ولم يرسل إلى فرنسا سوى ثلاثة من الطلاب في حين أرسل خمسة وأربعين طالبًا إلى الدول الأخرى، وفي موقف عباس الأول إزاء الثقافة الفرنسية يقول الأمير عمر طوسون2: "شعرت فرنسا بانصراف هذا العاهل "عباس الأول" عن الاتجاه إليها، خصوصًا بعد ما نحي عن مناصب الحكم في بلاده أكثر الأجانب وبخاصة الفرنسيين، فجاء ذكره على ألسنة مؤرخيها مشوبًا بالقدح خاليًا من المدح".
وغضب عباس على هؤلاء المصريين الذين حذقوا الفرنسية وعملوا على نشرها، فنفي رفاعة الطهطاوي إلى السودان، وأغلق مدرسة الألسن. إلخ ما عرفت في الجزء الأول من كتابنا هذا. ولكن فرسنا المستعمرة لم تكن ترضى بهذا، وإن فاتها الغزو الحربي فعزيز عليها أن يفوتها الغزو الأدبي، والتمكين للغاتها وأدبها بأرض مصر، فتفيد نفوذًا وتجارة، ولعلها تجد فرصة مواتية
__________
1 راجع الفصل السادس من كتاب الأدب الحديث ج1.
2 البعثات العلمية في عهد محمد علي، ثم في عهد عباس الأول وسعيد للأمير عمر طوسون ص 418.
(2/11)

فتتدخل في شئون مصر، ولذلك حثت علماءها على تأدية الرسالة التي اضطلع بها المجمع العلمي المصري1، وشجعت الفرنسيين على الإقامة بمصر، وحثت الأثرياء على دفع الأموال الطائفة في القروض التي أصدرتها الحكومة المصرية، وفي إنشاء قناة السويس، وتأسيس المصارف العقارية إلى غير ذلك: وبهذا خضعت مصر اقتصاديًّا لفرنسا، ولم تنس نشر الثقافة الفرنسية بمصر، ونظرت إلى هذه المسألة في جد بالغ. استمع إلى ما يقوله أحد دعاتها في هذا الموضوع: "إن العقل المصري وهو يتهيأ للأفكار الجديدة لا يزال مملوءًا بتقاليد الماضي، ويجب علينا أن تغيير نفوس هؤلاء القوم. ونعلم هذه العقول التي جففتها الشمس طريقة التفكير، وأن نستميل بالحب هذه القلوب التي لم تعرف إلا الجشع ونهب الأجانب، وأن نجبر مصر الدهشة المذهولة على أن ترفع رأسها فوق الصحاري والبحار. إن هذا عمل جسيم يحتاج إلى كثير من الصبر والتضحية وعدم الأثرة، كما يحتاج إلى وقت طويل ومجهود شاق ومحبة عظيمة".
"لقد اجترأ شعب واحد على تقدير هذا المجهود، وتعهد بإنجازه، ألا وهو شعب فرنسا، ولكنها ليست فرنسا الغازية التي اجتاحت البلاد، بل فرنسا "ديلسبس"، و"فرير أتدريان"، وفرنسا "ماريت" و"ماسبيرو"2.
"إن عمل فرنسا بمصر كالخميرة تمتزج بالعجين فيرتفع، فقد تغير المصريون وتحركوا بتأثير أفكارنا وتعليمنا وأمثلتنا، ومنح المصريون في مدارسنا النهوض والانتعاش، ووجدوا في رءوس الأموال الفرنسية ما ساعدهم على بناء نجاحهم الزراعي، واتخذت مصر من قناة السويس مركزًا وسطًا تجبي فيه الضرائب على السلع التجاربة والعقلية بين الشرق والغرب، وأخيرًا ستستمر مصر مدينة لعظمة فراعنتها الذين أرجعهم علماؤنا الأثريون المتحمسون إلى الضوء من أجداثهم3".
__________
1 راجع الفصل السادس من كتاب الأدب الحديث ج1.
2 ديليسبس هو المهندس الفرنسي الذي صمم مشروع قناة السويس ونفذه، وفرير أدريان من كبار المبشرين الفرنسيين، وماريت وماسبيرو من علماء الآثار الذين احتلوا مكانة كبيرة في مصر.
3 iulien leopold "semailles francias" le magazine egyption cairo. may 1926.
وراجع رسالة الأستاذ الطيب حسن عن أثر الثقافة الغربية في الأدب المصري الحديث ص 45- مخطوط.
(2/12)

عمدت فرنسا لبسط نفوذها الثقافي بمصر إلى الإرساليات التبشيرية والتعليمية وقد أسس الآباء العزاريون أول مدرسة فرنسية بمصر سنة 1844، ثم جاء الفرير وأسسوا أول مدرسة لهم سنة 1845، وقد اعترفت الحكومة بخدماتهم التعليمية للبلاد فوهبتهم بعد خمسة أعوام من قدومهم إلى مصر قطعة فسيحة من الأرض شيدوا عليها مدرستهم1.
ثم جاء راهبات المحبة "منشئات أخوية الراعي الصالح" وأسسن مدرسة لتربية البنات سنة 1846. وحذا حذوهن الراهبات الفرنسيسكان وأنشأن مدرسة بالقاهرة سنة 1859 بالقرب من الأزبكية، وأخرى ببولاق سنة 1898، وغيرها بالمنصورة سنة 1872. وقد أم هذه المدارس كثير من الطلبة والطالبات من كل جنس حتى بلغ عددهم في عهد إسماعيل ما يربو على ثلاثة آلاف طالب وطالبة، على الرغم من أن الغرض الأساسي لهذه البعثات كان نشر الدين الكاثوليكي، وخدمة الاستعمار الفرنسي، والتمكين لنفوذ فرنسا الأدبي بمصر، وفي ذلك يقول اللورد كرومر: "إن الفرنسيين قد قضوا نصف قرن قبل الاحتلال البريطاني ينشرون لغتهم بكل ما لديهم من وسائل، في حين ظلت الحكومة البريطانية متعطلة لا تبذل أي جهد في تعليم المصريين"2.
وعلى الرغم من أن فرنسا كانت تسودها روح الإلحاد فإنها شجعت رجال الدين الذين ينشرون الثقافة الفرنسية في الخارج، وأرسلت البعثات "العلمانية" إلى مصر، فأسست عددًا من المدارس، ونوه المسيو "هريو" رئيس مجلس النواب الفرنسي، ورئيس البعثات العلمانية في الشرق بمنهج هذه المدارس، وأنها تعمل على احترام جميع العقائد ونشر الثقافة الفرنسية، والاهتمام بالروح الوطنية في البلاد، وأظهر أن البعثات العلمانية لا تسير في هذا المنهج إلا على ضوء التقاليد التي اشتهرت بها فرنسا، وهي الدفاع عن حرية الشعوب وكرامتها الشخصية"3.
__________
1 تاريخ مصر في عهد الخديو إسماعيل -ج1 ص 218.
2 earl comers mod4ern egyt. p. 236.
3 خطبة مسيو هربو في افتتاح مدرسة الليسيه بمصر الجديدة، الأهرام 4 سنة 1938.
(2/13)

وقد زاد عدد تلاميذ المدارس الفرنسية بمصر حتى صار في سنة 1926 أكثر من اثنين وأربعين ألف تلميذ وتلميذة، يربو هذا العدد على ضعف مجموع الطلاب الذين يتعلمون في المدارس الأجنبية الأخرى بمصر سواء كانت إيطالية أو أمريكية أو إنجليزية أو يونانية1.
ولعلك تدرك الآن السر في انتشار اللغة الفرنسية بمصر، وتمسك الأجانب عامة بها، وجعلها لغتهم الأولى في معاملاتهم. لقد ساعد ذلك على انتشار الأدب الفرنسي، حتى برع فيه بعض المصريين وأخذوا ينمون الشعر ويؤلفون الكتب باللغة الفرنسية، بيد أننا لا ننسى أن هؤلاء الذين يتعلمون في مدارس أجنبية وبخاصة المدارس الفرنسية، لا يعرفون شيئًا من اللغة العربية، والحق أن فرنسا لو مكن لها أن تستعمر مصر كما استعمرت الجزائر وتونس وسوريا ولبنان. وقضت بها أمدًا طويلًا كما قضت بتلك البلاد لضعف شأن العربية، وانحط الأدب العربي أيما انحطاط، فقد عملت فرنسا في كل بلد احتلته على محو اللغة الأصلية محوًا تامًّا بمحاربتها، وعدم العناية بها، ونشر اللغة الفرنسية، وصبغ الأهالي بالصبغة الفرنسية في كل شيء. حتى يمسخوا ويشوهوا، وتفنى شخصيتهم ومقومات وطنيتهم في فرنسا كما حدث لأهل الجزائر وتونس، وكما أوشك أن يحدث لأهل لبنان لو لم يكن أمد الاحتلال الفرنسي بها قصيرًا.
ومع كل هذا فقد كان لنشر الثقافة الفرنسية بمصر أثر واضح في الأدب العربي الحديث أشرنا إلى بعضه في الجزء الأول2، وسنعود للحديث عنه فيما بعد.
__________
1 تقرير وزارة المعارف سنة 1931- 1932.
2 الفصل السادس.
(2/14)

هذا ما كان من سعي فرنسا في نشر لغتها، وتقوية نفوذها بمصر! أما إنجلترا فقد أدركت أهمية مصر منذ أن غزاها نابليون ووثقت من أن دولة قوية مثل فرنسا تستطيع أن تحول بينها وبين مستعمراتها في الشرق الأقصى إذا استقرت بوادي النيل: ولذلك عملت إنجلترا جهدها على إخراج نابليون وجنده من مصر، وكانت موقعة أبي قير المشهورة. وكم تمنت إنجلترا بعد ذلك أن تبسط سيادتها على هذه الديار الغنية. التي تتوسط العالم، وأرادت بادئ الأمر أن تكسب ثقة تركيا بها، وأن تعمل على أن يستقل المماليك بشئون البلاد، وتتولى هي حماية شواطئها الطويلة، بيد أن هذه المحاولة باءت بالإخفاق. ولما لم تجد بدأ من القوة لتحقيق بغيتها غزت مصر سنة 1807 بقيادة "الجنرال" "فريزر"، ولكن الشعب المصري وأهل رشيد تصدوا لهذا الغزو الذي لا مسوغ له إلا الجشع الاستعماري، وهزم الإنجليز هزيمة منكرة برشيد في تلك السنة، وبذلك استراحت مصر من الإنجليز وطمعهم خمسة وسبعين عامًا1. حين دخلوها بعد الثورة العرابية متذرعين بأسباب سخيفة بادية الضعف والطمع.
وظنت إنجلترا حين منيت بهزيمة رشيد أنها تستطيع أن تنشر نفوذها عن طريق الإرساليات التبشيرية والتعليمية كما فعلت فرنسا، وأن تمهد لها الإرساليات سبيل التدخل السافر في شئون مصر، كما مكنت لها شركاتها التجارية غزو الهند واحتلالها، فأرسلت أول بعثة تبشيرية إلى مصر سنة 1840، وجاءت البعثة الإسكتلندية البروتستانتية وفتحت لها مدرسة بالإسكندرية، وتلتها بعثة أخرى سنة 1860 برئاسة "مس وتلي" كريمة رئيس أساقفة "دبلن"، ووهبت هذه الفتاة حياتها ونشاطها للمهمة التي اغتربت من أجلها وسعت جهدها للنجاح في تعليم الفتاة المصرية، وأسست مدرسة بالقاهرة لهذه الغاية ولاقت صعوبات جمة، وعناء شديدًا في حمل المصريات على الاستجابة لندائها، ولكنها صابرت وثابرت، من غير أن تعرف التبرم والسخط والملل عشر سنوات كاملة
__________
1 تاريخ مصر السياسي لمحمد رفعت "باشا" جـ 1 ص 92- 93.
(2/15)

بدت لها بعدها تباشير النجاح، فغص معهدها بالتلميذات، وشجعها الخديو إسماعيل بأن وهبها قطعة أرض رحبة بالفجالة وأمدها بالمال اللازم لتشيد هذه المدرسة فصارت من أرقى مدارس مصر وأقبل عليها الفتيات المصريات والأجنبيات، ولا سيما بعد أن فتح إسماعيل المدرسة السنية سنة 1873 تشجيعًا على تعليم البنت، ووضعها تحت رعاية إحدى زوجاته.
ولم تكن المدارس الإنجليزية وحدها مصدر الثقافة الإنجليزية بمصر، بل ساعدها في ذلك الميدان مجيء أول بعثة أمريكية في الشرق سنة 1855، في عهد سعيد، وكان ميالًا بطبعه للأجانب، يمنحهم تشجيعه ومساعدته. واتخذت البعثة الأمريكية مقرها بالقاهرة، ودأبت في جد وحرص على نشر رسالتها في جميع أرجاء مصر والشرق العربي، تؤيدها الأموال الأمريكية الطائلة، والأسباب التربوية الحديثة، ولم تدع عاصمة من عواصم القطر، بل ولا مركزًا مهمًا من مراكزه إلا أسست فيه فرعًا ومدرسة تنشر تعاليمها، حتى وصل عدد مدارسها في سنة 1932 إلى ما يزيد على اثنين وأربعين مدرسة، بها ما يربو على 6994 تلميذًا وتلميذة1.
وعلى الرغم من كل ذلك فقد ظل نفوذ الإنجليز الأدبي والثقافي بمصر محدود الأثر، لا يستطيع مغالبة النفوذ الفرنسي، إلى أن جاء عهد الاحتلال على أثر الثورة العرابية في سنة 1882؛ وقد أفضنا في الحديث عن هذه الثورة وكيف دخل الإنجليز مصر وذكرنا الأسباب الواهية التي حاولوا أن يسوغوا بها هذا التدخل الذميم أمام مصر، وأمام دول الغرب التي كانت تقف لهم بالمرصاد2.
وما أن استقر الإنجليز بمصر حتى نشطوا لتثبيت أقدامهم بها، فأرسلوا في سنة 1883 عددًا غير قليل من غلاة المستعمرين وذوي الخبرة في إذلال
__________
1 إحصاء قسم التسجيل والامتحانات بوزارة المعارف العمومية سنة 1931- 1932.
2 راجع الفصل الخامس من كتاب الأدب الحديث ج1.
(2/16)

الشعوب واستغلالها، وعلى رأسهم ذلك الداهية السير "إدفالين بارنج" الذي عرف فيما بعد باسم "اللورد كرومر"، والذي حكم مصر أربعة وعشرين عامًا إلى أن أخرج منها سنة 1907.
كانت مصر ترزح تحت وطأة الديون الثقيلة التي أرهقها بها إسماعيل، والتي اتخذها الغربيون ذريعة لبسط نفوذهم المالي عليها وقد جاء "كرومر"، ومصر في عجز عن تسديد ديونها، فأحكم تدبير المال، وأخذت مصر في سنة 1889 تسدد أقساط تلك الديون التي جعلت للأجانب امتيازات بهذه الديار صيرتهم السادة المترفين، وأصحاب الجاه والسلطان وجعلت أهلها أدنى من الإجراء والخدم، أذلاء مضطهدين. ولم تستطع مصر أن تتخلص من هذه الديون على الرغم من عبقرية "كرومر" المالية إلا في سنة 1942.
وكما كانت حال مصر المالية بالغة السوء، فإن أحوالها الاجتماعية كانت أشد سوءًا. وقد ذكر "كرومر" في كتابه مصر الحديثة "Modern Egypt" ما قدمه لمصر في هذا الميدان، وهاك طرفًا من قوله يمن به على مصر والمصريين:
"لقد سرت بالتدريج روح جديدة إلى سكان مصر، وتعلم الفلاح كيف يمعن النظر في حقوقه، وتعلم الباشا أن لمن يجاوره من الفلاحين حقوقًا يجب احترامها، وعلى الرغم من أن السوط كان لا يزال معلقًا على جدار المديرية فإن المدير لم يجرؤ على رفعه واستعماله فوق ظهر الفلاح.
وقد اختفت السخرة البغيضة من مصر، وذهب الرق عمليًّا من الوجود، وانقضى أجل الأيام السعيدة التي كان يتمتع فيها المرابون باستنزاف دماء المصريين، وأصبح للقانون الكلمة العليا في كل مكان بعد أن كان القضاء يباع ويشترى، وابتدأ المصريون يحبون أرضهم ويعملون بها بعد أن كانوا يحتقرونها؛ لتمنحهم هباتها وخيراتها فاستجابت لدعوتهم كريمة معطاءة.
وقد أحكم توزيع مياه النيل بالعدل والقسطاس المستقيم بين أرض الأمير الكبير والفلاح الصغير، ونظمت وسائل النقل واتسع نطاقها وأصبح المرضى
(2/17)

يعالجون في مستشفيات جيدة الإدارة، ولم يعد المجرمون والمجانين يعاملون الآن معاملة الوحوش الضاربة، بل إن الحيوان الأعجم قد مسته يد الرفق فوجد من يعني به"1.
وفي اعتقادي أن بعض ما ذكره "كرومر" صحيح، وبعضه قد بالغ فيه، فإن الإصلاح قد ابتدأ على يد محمد علي، وذهب عهد الأتراك والمماليك، المليء بالمآسى الدامية، والسخرة المقيتة، وشعرت مصر بشيء من العزة الاستقلال في عهد محمد علي وإسماعيل، ولولا ما أراده إسماعيل من الطفرة لمصر في نهضتها لسارت قدمًا في سبيل الرقى، غير متخلفة، أو محتاجة إلى أي مساعدة أجنبية، وقد ذكرنا في الجزء الأول ما قام به عرابي في هذا الشأن، وكان من الممكن أن يتم ما بدأه لو لم ينف عن مصر ويحتلها الإنجليز2.
أجل؛ إن الإنجليز قد أحكموا توزيع المياه بالعدل، ورفعوا عن كاهل الفلاح كثيرًا من الضرائب المرهقة التي نفرته من الأرض، ودفعته إلى الهرب منها. ولم يكن غرض الإنجليز -فيما أعتقد- هو خدمة الفلاح محبة فيه، ورغبة في إسعاده لوجه الخير، ولكن كان غرضهم الأول هو خدمة بلادهم. فمصر الغنية الهادئة، الرخيصة الخصبة، تستطيع أن تعين إنجلترا المعوزة في المحصولات الزراعية بما تغله من خيرات، الفلاح الذي يمثل جمهرة الأمة وسواد الشعب، إذا شعر بشيء من الطمأنينة والراحة تغني بمأثر الإنجليز، وسخط على سادته وكبرائه، وفي هذا تمكين لقدم المستعمرين، وتكأة يعتمدون عليها في تسويغ مقامهم غير الحميد بمصر، واستعمار أهلها.
ولا أدل على أنهم لم يقصدوا بهذه الإصلاحات نهضة مصر، أو رقى أهلها، من سياساتهم التعليمية بهذه البلاد، فقد نهجوا فيها نهجًا استعماريًّا بغيضًا، ورجعوا بتقدمها العلمي الذي أحرزته على يد محمد على وخلفائه، ورجال البعثات
__________
1 EARL CROMERS MODERN EGYPT. VOL II.P 55- 7
2 راجع الجزء الأول من الأدب الحديث طـ السابعة ص 349.
(2/18)

المصريين سنين طويلة إلى الخلف، ولقد شهد بذلك أكثر من مؤرخ إنجليزي منصف، أو ناقد متبرم من إخفاق الإنجليز في نشر نفوذهم الأدبي والثقافي بمصر1.
رأى كرومر بعد أن خطا في إصلاحاته المالية والاجتماعية والداخلية خطوات واسعة، أن عليه واجبًا نحو نشر الثقافة الإنجليزية بمصر، وقد راعه ذلك البنيان الضخم من الثقافة الفرنسية، الذي شيدته همم الإرسالات، وعززته الحكومة الفرنسية, ورجال الاقتصاد والأعمال الفرنسيون، هالته كثرة المدارس الفرنسية في مصر، وحماسة هؤلاء الذين تعلموا بها -أو في فرنسا ذاتها- لنشر الثقافة الفرنسية، ورأى أن الفرنسيين قد بذلوا غاية جهدهم لمساعدة هؤلاء الذين يتخرجون في مدارسهم، فاشترطوا على الإنجليز أن يظل لهم النفوذ الأول ببعض المصالح الحكومية كما كان شأنهم قبل الاحتلال البريطاني، فاستأثروا بمصلحة الآثار المصرية -وظلت إلى أن جاءت الثورة في أيديهم- ونظارة مدرسة الحقوق، واستولوا بأموالهم وقروضهم وشركاتهم ومؤسساتهم التجارية على أكثر من نصف المصالح الاقتصادية والأموال المنقولة بمصر، ووجد الشبان المصريون والأجانب الذين يتخرجون في مدارسهم متسعًا للعمل بهذه الشركات والمؤسسات، وصارت اللغة الفرنسية لغة التعامل والتداول والتجارة بين الأجانب بمصر، وبينهم وبين المصريين. حتى اضطرت المحاكم المختلطة أن تصدر تسعة أعشار أحكامها باللغة الفرنسية، فضلًا عن الموظفين العديدين الذين وجب عليهم إتقان اللغة تلبية لجمهرة المتقاضين أمام المحاكم المختلطة.
وعلى الرغم من الاحتلال الإنجليزي وطول أمده فلا تزال اللغة الفرنسية هي اللغة الأولى في السوق المصرية حتى اليوم، وهي لغة التخاطب بين الأجانب
__________
1 See: Goerge Young: Egypt. and Sir Valentine Chirol: The Egyptian Problem.
See also Lord. Lioyd: Egypt Since Cromer.
(2/19)

المختلفي الجنسية، لقد استجابت فرنسا والفرنسيون لنصيحة نابليون التي يقول فيها: "علموا اللغة الفرنسية ففي تعليمها خدمة الوطن الحقيقية".
رأى كرومر كل هذا، وأن الشعب المصري لا يمكن أن يقبل الاستعمار الإنجليزي إلا إذا أقبل على الثقافة الإنجليزية، وقدم له الإنجليز عملًا مجديًا في سبيل تعليمه، ولكن هل كان كرومر جادًّا في تعليم المصريين؟ أو أن غايته هي بسط نفوذ الاستعمار، ولو أدى ذلك إلى الرجوع بالتعليم إلى الوراء؟!
لقد وضع كرومر سياسة تعليمية سار عليها أمدًا طويلًا، وجاء "دانلوب" في سنة 1906 وورثها عنه ولقنها منه، وعمل على تنفيذها: وتتلخص هذه السياسة في الأمور التالية:
1- نشر التعليم بين الفتيات المصريات، ولعله تأثر في ذلك بما قدمته "مس ونلي" من خدمات في هذا المضمار، وظن أن تعليم البنت وتلقينها الثقافة الإنجليزية يهيئ الفرصة لوجود جيل من الأبناء يحبهم ويعطف عليهم.
2- العمل على محو الأمية بين الفلاحين والطبقات الفقيرة بمصر، وذلك بتعميم مدارس القرى في الريف، ومدارس المساجد في المدن.
3- إعداد فريق من الشبان المصريين لتولي الأعمال الكتابية والإدارية، والفنية المتواضعة في الحكومة.
4- مناهضة الثقافة الفرنسية، واللغة العربية في المدارس وإحلال اللغة الإنجليزية محلها.
وقد أخفق كرومر في هذه السياسة كل الإخفاق؛ لأنه لم يكن خبيرًا بشئون التعليم؛ ولأنه قاوم الحركة الوطنية التي بدأت سيرها منذ عهد محمد علي، والتي نهضت باللغة العربية، وساعدت على انتشار اللغة الفرنسية؛ ولأنه لم يفهم نفسية المصريين على حقيقتها، وظن أنه حين ينهض بتعليم الفتاة يجد إقبالًا على سياسته تلك، ونسي أن الحجاب كان ذا سيطرة قوية حينذاك، وأن المصريين
(2/20)

نظروا إلى اللغة الإنجليزية على أنها لغة المحتل الغاصب، فانصرفوا عن مدارسه، ومما عمل على شدة إخفاق سياسته في ميدان التعليم ذلك المستشار الإنجليزي الذي وضعه بوزارة المعارف يسير أمورها، وهو لا يعرف من شئون التربية قليلًا أو كثيرًا، ألا وهو المستر "دوجلاس دانلوب" الذي خدم وزارة المعارف من سنة 1906 إلى 1919.
اجتمعت في دوجلاس دانلوب سوأتان، فهو قسيس إسكتلندي، وقد اشتهر أهل إسكتلندا بغلوهم الاستعماري، ونظرتهم إلى الشعوب الملونة نظرة ازدراء، واعتقدوا أنهم لا يصلحون لإدارة أمورهم بأنفسهم، وأنه لا بد لهم من قيادة غربية حتى تستقيم أمورهم. وقد جاء دانلوب خير مثل يضرب لضيق الأفق، ونقص الثقافة، والتعصب الذميم لرأيه، وأصدق ما وصف به هذا الذي نكتب به مصر بعامة، ووزارة المعارف بخاصة ما قاله عنه وعن سياسته البغيضة في التعليم "السير فالنتين تشرول" في كتابه المسألة المصرية:
"لقد كانت سياستنا التعليمية تفتقر إلى الروح المعنوية، والإلهام القوي؛ لأننا تركناها في يد مستشار وزارة المعارف مستر دانلوب. وكان دانلوب حسن النية، دءوبًا على الجد والعمل، غير أن أراءه في التربية لم تتعدَ ما كانت توحي به تلك الدروس التربوية التي تلقاها في حداثته".
"ومهما امتاز دانلوب من صفات محمودة فإنه كان ضيق الفكر، قصير النظر يؤمن بالكمية لا بالنوع. أي كثرة المواد الدراسية لا نوعها، وكان وهو متربع في كرسي مكتبه بوزارة المعارف يصدر الأوامر والنظم والقوانين المتعددة كما تتصورها عقليته، وقلما كان يأبه لرأي سواه. أما نصح المصريين له فكان -بالطبع- لا يجد منه أذنًا مصغية ولا يتسع له صدره"1.فلا بدع إذا أخفق كرومر في سياسته التعليمية بمصر وهذه عِدده
__________
1 sir valentine chirol. the egyptian problem, pp. 231- 232
(2/21)

ووسائله، لقد أتى كرومر مصر ونسبة تعليم البنات بها ثلاثة في الألف1 في سنة 1883 وخرج من مصر سنة 1907 ونسبة تعليم البنات ثلاثة في الألف2 كذلك، وأي إخفاق أعظم من هذا في أول مشروع في منهجه التعليمي!!.
وإذا قيل: لقد امتحن كرومر بتعليم البنت، وأبت مصر المحافظة التي كان للدين بها أثر كبير أن تدفع فتياتها إلى ميدان التعليم ولا سيما وميدان العمل لم يكن قد فتح أمام الفتاة كما هو الشأن اليوم، ولعله كان أكثر نجاحًا في مشروعه الثاني وهو محو الأمية؛ لأنه تعليم للذكور وتعليمهم استمرار للنهضة التي وضع أسسها محمد علي ونماها إسماعيل.
لقد بذل كرومر في تعليم الذكور جهدًا كبيرًا، وأعان مكاتب القرى بالمال، وأنشأ مجالس المديريات، وأعطاها سلطة فرض ضرائب محدودة لتستعين بها على محو الأمية، ومع كل هذا جاءت النتيجة عكس ما قدر "كرومر". فقد ابتدأ عهده في سنة 1883 ونسبة المتعلمين3 من الذكور 16% ورحل عن مصر سنة 1907 ونسبة المتعلمين4 لا تزيد عن 8%، ومعنى ذلك أن عدد المتعلمين قد تضاءل إلى النصف، فهل يعد هذا نجاحًا، أم إخفاقًا ذريعًا؟ ولعل من أسباب هذا الإخفاق وإحجام كثير من المصريين عن التعليم ما نهجه كرومر من فرض اللغة الإنجليزية على المدارس الابتدائية والثانوية، وعدم تشجيع التعليم العالي كما سنذكر بعد قليل، فلم يجد المصريون أمامهم إلا طريقة معقدة تتنافى ودينهم ولغتهم كما وجدوا مستقبلهم معتمًا لا يشجعهم على دفع أبناءهم إلى المدارس المصرية التي صبغت بصبغة إنجليزية، ولقد كانت جمهرتهم متدنية، ونظرت إلى هذا النوع من التعليم على أنه شيء ليس فيه ما يرضى الله أو الدين أو الوطن، ولم يقبل على المدارس المصرية إلا القليل من أبناء المدن
__________
1 Yacoub Artin Pasha. L'Instruction Publique on Egypte Appendex A. P. 151.
2 الإحصاء الحكومي العام سنة 1907.
3 Yacoub Artin Pasha; L'Instruetion Publique on Egypt. Appendex A. P. 152.
4 الإحصاء الحكومي العام سنة 1907.
(2/22)

والذي يعنينا هنا أثر هذه السياسة في الأدب: فقد نقص عدد القراء في عهد الاحتلال الإنجليزي نقصًا زريًّا، لمن ينتج الأدباء؛ وأي تشجيع يجدونه من أمتهم؟ أو من ولي الأمر فيهم، وهو إنجليزي اللسان والحكم.
وإذا كنا للآن وبعد أن مضى أكثر من نصف قرن، تغيرت فيه نظم التعليم ونالت مصر فيه حريتها، وكثر فيها المتعلمون كثرة نسبية، وعظم الاعتناء باللغة العربية -إذا كنا للآن نشكو من قلة عدد القراء، وعدم الاستبجابة، أو الرغبة في قراءة الكتب الأدبية، فما بالك بما حدث في عهد كرومر من هذه النسكة المريعة من ثقافة الشعب، وتعليم جمهرة بنيه؟
لا يسعنا إلا أن نقول كما قال الأستاذ "جب"1 في هذا: "من أن مصر التي بدأت فيها النهضة منذ قرن من الزمان على يد محمد علي، والتي كانت النموذج الذي احتذته تركيا، وهي الدولة صاحبة السيادة الاسمية على مصر، قد أصيبت في آدابها، وتأخرت عن تركيا، ولا سيما في فن القصة، وقد مضى القرن التاسع عشر -على الرغم من أن بعض القصص الأدبية قد نقلت إلى اللغة العربية، ولم يتقدم مؤلف واحد بقصة كاملة استوفت شروط القصة الحديثة، اللهم إلا شبه قصة هي: حديث عيسى بن هشام، للمويلحي الصغير".
ولولا أن الصحف والمجلات، قد أوت الأدباء وأفسحت لهم ميدان الكتابة، لما وجد هؤلاء سبيلًا للنتاج الأدبي أو شبه الأدبي ولقضي على أقلامهم، ولانصرفوا لاحتراف شيء آخر غير الأدب، يصيبون منه بعض ما يقوم برزقهم ورزق أولادهم وأسرهم.
ولقد كان لذلك تأثير آخر في الاتجاه الأدبي الحديث؛ لأن الكتاب جودوا المقالة، وراجت سوقها، بيد أن الصحف السيارة ليست ميدانًا للتجويد الأدبي؛ لأن جمهرة قرائها من غير الأدباء؛ ولأنها تعني بالأخبار والحوادث قبل أن تعني بالمقالة الإنشائية، أو يجب أن يكون كذلك على الأقل، فيجب على الكاتب أن يراعي
__________
1 H.R. gibb. B.S o.s vol 5 pps 314
(2/23)

مستوى الجمهور الذي يكتب له، ورغباته اليومية؛ ولهذا نزل الكاتب من عليائه إلى المستوى الذي يتطلبه الجمهور، في أسلوبه وموضوعه، وطريقة عرضه.
وثمة شيء آخر هو أن الكاتب لم يكن حرًّا فيما يختار من موضوعات؛ لأن الصحف سياسية قبل كل شيء تهتم بالسياسة الخارجية والداخلية، وهي تمثل لونًا معينًا من هذه السياسة، وقد كان بمصر حينذاك أحزاب مختلفة، حزب الخديو، وحزب الإنجليز، وحزب الوطنيين، ولكن حزب ألسنة من الكتاب والصحف تدافع عن سياسته، وتحصي على الآخرين أخطاءهم، وتفند أقوالهم، ولذلك كله اضطر الكتاب إلى خوض غمار المعارك الحزبية والسياسية، ولم يعد للأدب الخالص، أو الموضوع الذي تشبعت به نفس الكاتب وامتلأت مشاعره مجال في الصحف إلا قليل. وقد عاد كل هذا على الأدب بالضرر، فكسدت سوقه، وخمدت قرائح الكتاب، وتعطلت أقلامهم الرفيعة، وسنعود إلى الحديث في توضيح هذا بعد قليل إن شاء الله.
أما ما قصده "كرومر" من إعداد طائفة من الشبان المصريين لشغل بعض وظائف الدولة غير ذات الخطر، فقد نجح فيه أيما نجاح واستطاع أن يخرج ألات صماء، ليس عندهم شيء من الجرأة وحرية الرأي، والقدرة على الابتكار، ثقفوا ثقافة محدودة، فبعضهم اكتفى بالتعليم الابتدائي وآخرون زادوا قليلًا فنالوا الشهادة الثانوية، وقد ملئت أدمغتهم بمعلومات كثيرة غير مفيدة في حياتهم الفعلية، وكان الغرض الأول أن يظلوا مرءوسين للإنجليز الذين غصت بهم مصالح الدولة، لا يتطلع أحدهم إلى منصب كبير، وليس في مكنته أن يشغل هذا المنصب الكبير إذا تطلعت نفسه إلى ذلك؛ لأنه لم يعد الإعداد الواجب لشغل مثل هذا المنصب.
ومما يؤسف له أن سياسة "كرومر ودانلوب" في التعليم قد ظلت أمدًا طويلًا -بعد أن نالت مصر حريتها، وتخلصت من الإنجليز في التعليم- وهي السياسة المتبعة في مصر، وصار المنصب الحكومي هو غاية ما يتطلع إليه الشباب
(2/24)

في مصر، والأمل الذي يجمع له كل قواه. وفي ذلك يقول مستر: "مان" في تقريره لوزارة المعارف: "ليس في العالم على الأرجح قطر يتمتع فيه موظف الحكومة بمنزلة كبيرة بين الأهلين كالتي يتمتع بها الموظف بمصر؛ وقد لا يوجد في أي بلد آخر آباء يصحون بالشيء الكثير في سبيل جعل أبناءهم موظفي حكومة بأي شكل كان"1.
ولم تكن هذه الغاية وحدها هي كل ما جناه الإنجليز على التعليم بمصر، بل إن مستر دانلوب، الذي أسلمه كرومر قيادة التعليم في مصر سنة 1906 قبل أن يغادرها، قيد التعليم بقيود شنيعة من القوانين الصارمة، لا يحيد عنها، ولا يعرف سواها، وأكثر من حشو أدمغة التلاميذ بشتى المعلومات المفيد منها، وغير المفيد وصار المعلم في المدارس آلة صماء أمام القانون، وصار التلميذ آلة في يد المعلم، وفقد كلاهما شخصيته وصارت المدارس أشبه بالسجون، والهم الأكبر الذي يشغل التلميذ، والمدرس، وناظر المدرسة، ووزارة المعارف وعلى رأسها "مستر دانلوب" هو نجاح التلميذ في الامتحان. أما أن تعني وزارة المعارف، وتعني المدرسة معها بشخصية التلميذ، ودراسة مواهبه واستعداده، وتحسس ميوله، وتصقل خلقه، وتنمي ملكاته العليا فذلك أمر لا يخطر لوزارة المعارف، ولا لمستر دانلوب ببال، ولو كان خطر له ما قدم عليه؛ لأنه كان يريد إخراج جيل مشوه التعليم، لا يصلح للحياة الحرة الكريمة.
لقد قيد مستر دانلوب المعلمين بقيود سخيفة وضعها في قانون نظام المدارس، وهذا دليل على أنه لم يكن يثق في هؤلاء المعلمين، وأول ما يجب على المهيمن على شئون التعليم أن يثق بالمربي والمعلم، فإن لم يعفل هذا، وأبى إلا أن يندس بين المعلن وتلميذه في كل لحظة، ويشعره بأنه من ورائه يقيد أنفاسه ويحصي أخطاءه منها ما صغر منها وما كبر، أفسد عليه أمره، وأفسد التعليم كله، وصار المعلم ينظر إلى هذا المهيمن على التعليم نظرته إلى الحاكم المستبد
__________
1 مستر "مان" خبير إنجليزي في التعليم استقدمه الأستاذ على الشمسي وزير المعارف كما استقدم مستر "كلاباريد" السويسري الخبير بشئون التعليم، وقدم كل منهما تقريرًا لوزارة المعارف سنة 1928.
(2/25)

الذي يدفع إليه أجرًا ويتقاضاه عملًا، فصانعه وخادعه، وقامت التهمة بينه وبين رئيسه مقام الثقة، وقام الخوف والشك بينهما مقام الأمن واليقين: ولم يعد ينظر إلى التلميذ على أنه أمانة قد أؤتمن عليها، ووديعة قد كلف حمايتها وحياطتها، وفرد من أفراد الشعب قد كلف تربيته وتنميته، وتعهده بالرعاية والعناية، حتى ينمو ويزكو ويصير رجلًا، وإنما ينظر إليه على أنه مادة للعمل الذي يعيش منه، وموضوع للنشاط الذي يكسب منه القوت، فيعامله معاملة المادة الجامدة الهامدة، لا معاملة الكائن الحي، ولا معامة الإنسان الناطق"1. ويصوغ هذه المادة كما يجب أن يكون هذا الرئيس لا كما يجب أن تكون. ويصبح هذا المعلم آلة من الآلات، وأداة من الأدوات في هذا المصنع العقيم السخيف الذي نسميه المدرسة.
وإليك ما يقوله مستر "بويد كاربنتر": "على المستر دانلوب" تقع تبعة فساد التعليم المصري، والرجوع به القهقرين وإخراج موظفين جل اعتمادهم في أثناء دراستهم على الاستظهار والحفظ، لا على القوى العقلية السامية الأخرى: من التعقل والموازنة، والابتكار، والاستنباط. وقال: إن الطالب المصري يعتمد في تحصيله على ذاكرته، وعلى التكرار الآلي للحقائق المحفوظة، لا على ذكائه وتفكيره، فينشأ عن ذلك ضيق أفقة، وجهله بالحوادث المعاصرة، وحاجته الشديدة للمعلومات العامة وللسرور والإقبال على ما يدرس2.
لم يكن "دانلوب" مخلصًا لمصر، بل كان استعماريًّا من النوع الذي يسيئ لبلده وللبلد المحكومة على السواء، فسياسته التعليمية لم تكن هي التي تنتهجها إنجلترا في تعليم أبنائها، وتربية شبابها؛ لأن الإنجليز قد اشتهروا بنوع من التربية فيه كثير من المزايا، التي تبعث في الشباب الحرية في العمل والتفكير، والاعتماد على النفس، والمغامرة في الحياة وارتياد مجهولاتها؛ وبفضل هذه التربية الاستقلالية التي لا تجدها نظم مدرسية صارمة، ولا قوة قوانين ظالمة ولا مناهج غاصة بالتافه من المعلومات، وإنما عمادها الطبيعة، طبيعة الوجود، وطبيعة
__________
1 مستقبل الثقافة في مصر للدكتور طه حسين ص 170- 171.
2 تقرير م مستر بويد كاربنتر BOYED CARPENTER رئيس التفتيش بوزارة المعارف سنة 1918.
(2/26)

الطفل، ودراسة ميوله وغرائزه، وتنمية ملكاته إلى أقصى حد تستطيع أن تصل إليه، استطاعوا بفضل ذلك كله أن يكونوا في طليعة الأمم، وأن تتسع إمبراطوريتهم وتجارتهم، ولم يرضوا بالحياة الضنكة في ديارهم إذا قتر عليهم في أرزاقهم، بل جابوا البحار، والصحاري، والغابات، واستوطنوها واستغلوها، ثم لما كثرت مصالحهم طالبوا دولتهم بحمايتهم، فبسطت سلطانهم على كثير من بقاع الأرض.
ولقد كانت التربية في إنجلترا موضع تقدير من مفكري أوربا، ولا سيما فرنسا التي يعامل فيها الطفل منذ حداثته معاملة الرجال، فيغشى مجالس الرجال، ويستمع إلى أحاديثهم التي يجدر به ألا يسمعها، والتي لا يصح أن يستمع إليها، ويقضي معهم سهرته في الوقت الذي يجب أن يأوي فيه إلى فراشه، ويلبسه أهله السراويل الطويلة تشبهًا بالرجال، وهو في أمس الحجاة إلى الهواء والشمس، وعلى العموم لا يعاملونه معاملة طفل ينمو، له رغباته التي يجب أن تحترم في حدود المعقول، ويجب أن توجه برفق إلى الخير، ولا يتركونه للطبيعة يتملى من محاسنها، ومفاتنها، ويتلقى عنها دروس الحرية والكرم والشجاعة1، وإنما يعاملونه معاملة رجل مثلهم. كانت التربية الاستقلالية هذه معمولًا بها في إنجلترا على الرغم من أن إنجلترا لم تشتهر بعلماء التربية والنظريات التربوية كما اشتهر سواهم من الأمم.
ومما يدل على تقدير المفكرين لتربية النشء في بلاد الإنجليز ما قاله العلامة: "جوستاف لوبون" من: "أن المبدأ الأساسي في التربية التي يسير عليها الإنجليز هو أن يقضي النشء زمن الدراسة في المعاهد والمدارس والكليات، لا ليؤديه سواه، ولكن ليتعلم إلى الحد الذي يمكنه من أن يستخدم استقلاله الذاتي استخدامًا نافعًا، فالنشء لديهم يؤدب نفسه بنفسه وبذلك يتصف بهذه الخلة الحميدة ألا وهي ضبط النفس، وهي مصدر الحكم الذاتي"2، وعلى العكس من ذلك كله كانت سياستهم التعليمية في مصر.
__________
1 انظر كتاب "التربية الاستقلالية" أو إميل القرن التاسع عشر، ترجمة عبد العزيز محمد وراجع سر تقدم الإنجليز السكسون ترجمة فتحي زغلول.
2 GUSTAVE LE BON, PSYCHOLOGIE DU SOCALISME P. 197
(2/27)

وظلت سوءات الإنجليز في تعليم الشعب المصري تؤتي ثمارها البغيضة، حتى بعد أن تولى المصريون شئون التعليم، إذ لم يكن من الميسور أن نتخلص من أوضار هذه العهد دفعة واحدة، وقد ظل أكثر من ثلاثين عامًا، وسادت نظمه وقوانينه جميع مراحل التعليم؛ لأن الجيل الذي تربى على أيديهم صار يملك قيادة المصريون في التعليم، ويوجههم تلك الوجهة التي تربى عليها في صغره؛ لأن الفساد كان أعظم من أن يزول في سنوات معدودات، ولذلك ظلت آثامه ردحًا غير قليل من الزمن تسيطر على المدرسة المصرية، وفي ذلك يقول الدكتور طه حسين: "وهناك التعليم الرسمي المدني تنشئه الدولة وتقوم عليه، وقد كان إلى الآن متواضعًا هين الأمر، يقصد به أغراض متواضعة هينة، وقد رسم له الإنجليز طريقة محدودة ضيقة، فأفسدوه وأفسدوا نتائجه وآثاره أشد الفساد ونحن نبذل منذ أعوام جهودًا مختلفة مضطربة لإصلاح ما أفسد الإنجليز، فلا نكاد نوفق في بعض الأمور، حتى تعدو العاديات فتردنا إلى الإخفاق والخذلان"1.
وشكت الجامعة مر الشكوى من أن طلبتها ليسوا في مستوى ثقافي يمكنهم من الدراسة الجامعية الصحيحة؛ ولأنهم ليسوا في مستوى عقلي يخلق منهم علماء أجلاء لديهم قوة الابتكار، وحرية الفكرة، والاستقلال في الرأي، وإليك ما يقوله نجيب الهلالي "باشا" في تقريره عن التعليم الثانوي سنة 1935: "ذلك إلى أن جميع المعاهد تشكو من أن الطلبة لا تتحقق فيهم الصفات المطلوبة للدراسة العالية، من حيث روح التعقل، وقوة الملاحظة، والاعتماد على النفس، وحب البحث، حتى إنهم يضرون أساتذتهم إلى إملاء الدروس عليهم إملاء. مما يعوق الدراسة العالية في صورتها الكاملة"2.
ويقول الدكتور طه حسين: "فما زال الشبان يأتون إلى الجماعة ضعافًا قاصرين، وما زال الشبان يستقبلون حياتهم جاهلين لها، عاجزين عن التصرف فيها، ضعافًا عن أن ينهضوا بأعبائهم: يذهبون إلى الدواوين موظفين فتشكو
__________
1 الدكتور طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصر ص 72 سنة 1938.
2 تقرير الهلالي "باشا" ص 1- 2.
(2/28)

الدواوين من سوء إعدادهم للعمل فيها، ويعرضون أنفسهم على أصحاب الأعمال الحرة، فلا يكادون يجربونهم حتى يزهدوا فيهم ويعرضوا أشد الإعراض عن استخدام زملائهم؛ لأنهم لم يعدوا للأعمال الحرة إعدادًا صالحًا1.
لقد كان هَمُّ الإنجليز الأول من هذه السياسة التعليمية الفاسدة أن يخرجوا طبقة من الموظفين الحكوميين، لم يتعمقوا في الدراسة، ولا يصلحون للقيادة، بل يكونون آلات في أيدي رؤسائهم من الإنجليز وأتباعهم. كان لهذا ولا ريب تأثير كبير في الأدب؛ لأنه صبغ حياة الموظفين بصبغة مادية رخيصة، ألا وهي السعي وراء الوظيفة، لا يبغون بها بدلًا، ولا يستطيعون عنها حولًا، ولا يعرفون كيف يفكرون في سواها لاكتساب العيش إذا تطردوا منها، كأنهم السمكة جف من حولها الماء، أو الطيور حرمت الهواء.
وشعب هذه حال المثقفين فيه لا ينظر إلى الأدب إلا بمنظار المادة، ولا يرى فيه ما يراه الغربيون من أنه وسيلة للتعبير عن مشاعر الأديب أيًّا كانت هذه المشاعر والأحاسيس التي تفيض بها القلوب، ووجداناتهم. ولذلك انصرف الأدباء إلى تملق الرؤساء، وأصحاب الحول والطول، يمدحونهم أحياء ويرثونهم أمواتًا وقلما ركن أحدهم إلى نفسه يسمع هتافها الخالص، ونداءها الحر، فيسجله شعرًا صادرًا من أعماق فؤاده، وطيات نفسه، ويخرج به على الناس، براء من المديح والمداهنة، والمخادعة والملاينة، والنفاق الاجتماعي والغرض المادي، ويأتي به صورة صحيحة لما يجيش في نفسه من خواطر، ويعتلج في حناياها من مشاعر، ويعتمل فيها من فكر.
ومن العجيب أن الثورة الفكرية، التي أحدثها السيد جمال الدين الأفغاني بمصر، وحمل مشعلها تلاميذه من عبده، قد أطفأها الإنجليز بطريقتهم العقلية في الثقافة والتربية، ولم ينج من شرهم إلا نفر قليل شاهدوا هذه الثورة الفكرية في عنفوانها، ورضعوا أفاويقها فظلوا إلى أوائل هذا القرن يحملون المشعل، ويهدون الأمة سواء السبيل.
__________
1 الدكتور طه حسين، مستقبل الثقافة في مصر ص 223.
(2/29)

أما الشعراء فلم يتأثروا بهذه الثورة في قليل أو كثير، ولم يلتفتوا كما التفت الكتاب إلى الشعب يفصحون عن علله وأدوائه وآلامه وآماله، ويغذوا فيه تلك الروح الوثابة، بل انصرفوا إلى الأمراء والوزراء، وذوي الجاه والمال يتملقونهم ويستجدونهم، لقد صار النثر بفضل ثورة جمال الدين ومحمد عبده وعبد الله نديم والمويلحي وأضرابهم معبرًا عن حاجات الشعب، بينما ظل الشعر بمنأى عن رغباته ومطالبه، مكيلًا بقيود الماضي.
حتى هؤلاء الذين تتلمذوا على البارودي لم يحاكوه في نبل أغراضهن وصدق عاطفته، وجمال تصويره لبيئته، لقد كان البارودي صادقًا في شعره حين يصف الريف المصري وما فيه من مناظر وزرع نضير، وهدوء، وشمس ضاحية صافية، وظل وريف: وحين يرثي أحباءه وأقاربه وأصدقاءه، وحين يصف بطولته وشجاعته في ميادين القتال، ويصف بجانب هذا الميدان وطبيعته، والأعداء وأحوالهم: حين يعبر عن ميوله السياسية، وما قاساه على يد الخديو من اغتراب ومحنة، وحنين إلى الأهل والوطن، ولم يمدح البارودي إلا نادرًا، ولم يرث إلا صديقًا حبيبًا.
وعلى العكس منه نرى هؤلاء الذين انتهجوا نهجه في الأسلوب، واغترفوا من تلك الينابيع العربية التي وردها، نراهم مداحين، هجائين، ندابين لكل عظيم ويقول الدكتور طه حسين: "وأصبح الشعر بفضل الشعراء، وكسلهم العقلي فنًا عرضيًا لا يحفل به إلا للهو والزينة والزخرف، فإذا أراد بنك مصر أن يفتتح بناءه الجديد طلب إلى شوقي قصيدة، فنظم له شوقي هذه القصيدة. وإذا أرادت "دار العلوم" أن تحتفل بعيدها الخمسيني كما يقولون طلبت إلى شوقي والجارم وعبد المطلب أن ينظموا لها قصائد، فنظموا لها القصائد، وإذا مات عظيم وأريد الاحتفال بتأبينه، أو نبه نابه، وأريد الاحتفال بتكريمه طلب إلى الشعراء أن ينظموا الشعر في المدح والرثاء، فنظموا كما كان ينظمه القدماء، فانحط العشر حتى أصبح كهذه الكراسي الجميلة المزخرفة التي تتخذ في الحفلات والمأتم، وأصبحنا لا نتصور
(2/30)

حفلة بغير قصيدة لشوقي أو حافظ، كما أننا لا نتصور عيدًا أو مأتمًا بغير مغنٍ أو مرتل قرآن. فأما الشعر الذي يقال لنفسه، الذي يقال ليحلو مظهرًا من مظاهر الجمال الطبيعي. الذي يقال ليكون صلة بين نفس الشاعر ونفس القراء، الذي يقال لا يلتملق عاطفة من العواطف، أو هوى من الأهواء، فلا تلتمسه عندنا، ولكن التمسه عند قوم آخرين عرف شعراؤهم لأنفسهم كرامتها فربئوا بها عن أن تكون أداة للهو والزينة"1.
وكان جمهور المثقفين يطرب لهذا النوع من الأدب؛ لأنه لا يعر ف غيره، ولأنه يحاكي تلك الألوان التي عرفها في المدرسة من الأدب العربي القديم، ووعتها حافظته. وفضلًا عن هذا كله فإن هذا النوع من الأدب كان نتيجة لازمة للتربية الإنجليزية في مصر، التي اهتمت بتنمية الذاكرة، وقدرتها على الاستيعاب، وأهملت المواهب الإنسانية الأخرى كالتفكير والتأمل، ودقة الملاحظة، والابتكار العقلي، والحرية في الرأي.
ويقول مستر "مان" في تقريره عن التعليم في مصر زمن الإنجليز: "يشهد الإنسان التلاميذ بالمدارس المصرية مشتغلين في الغالب. إما بالإصغاء إلى المعلم، وإما بتدوين مذكرات، أو تذكر ما استظهروا، وإما بعمل تمرينات متماثلة، وبسرعة واحدة، وتحت رقابة صارمة، ويندر أن يقع النظر على التلاميذ يعملون عملًا مستقلًا، أو يطالعون مطالعة خاصة".
ويقول في موضع آخر من تقريره: "إن من الأمور البديهية التي لا تحتاج إلى التدليل أن طريقة الاستظهار ليست بالطريقة الصالحة لتحصيل العلم، إذ إن كل محاولة لاستعمال قوة الحفظ، وهي من المدارك الدنيا -بدلًا من قوة الفهم- وهي من المدارك العليا، لا بد من أن تؤدي إلى إضعاف قوى التصور، والتعقل والاستنباط؛ لأن الملكات التي لا تستخدم يصيبها الوهن2.
__________
1 الدكتور طه حسين: حافظ وشوقي ص 149- 150.
2 تقرير مستر "مان" ص 42.
(2/31)

ويقول اللدكتور هيكل؛ ويجب أن نعترف، ونفوسنا يملؤها الحزن والأسى، أن تربيتنا وتهذيبنا، لم يعد أكثريتنا للتأثر الفردي، والإحساس الذاتي، فهما يرسمان أمامنا مختلف صور الحياة. ويتركان لحسنا ولفكرنا أن يميز من هذه الصور ما يأخذه بهما ويلفتهما لفتات خاصة. بل هما يجيئان بصور الحياة مصبوبة في قوالب قررتها الجماعة في عصور سالفة فيطبعانها في حسنا وفكرنا طبعًا يقيدهما بهذه القوالب، ويكرههما على الخضوع لها والإيمان بها1.
ويقول في موضع آخر: "وإنما رجاؤنا أن تصدر الثورة المجددة التي ينبعث أصحابها في طلب الكمال الشعري لذاته عن الجيل الجديد، الذي يتلقى العلم اليوم، والذي نجاهد كلنا في سبيل تلقينه إياه، على غير تلك القواعد القديمة، التي كانت تبعث الجمود في الأذهان والقلوب والعواطف. وعلينا إذا أردنا معاونته على القيام بهذا الواجب أن نهاونه على تقرير حرية العاطفة بمقدار ما أعناه على تقرير حرية الفكر، وأن نوسع أمامه من أفاق الفن بمقدار ما نوسع من أفاق العلم، وأن نعرض عليه من صور الحياة الماضية والحاضرة ما يسمح له بحرية الاختيار، فإذا نحن قمنا بهذا الواجب كان لنا أن نؤمل من بين هذا الجديد، في أولئك الأفذاد الذين يقيمون صرح الشعر على أسس صالحة، والذين يجعلوننا نحس إذ تنشد شعرهم بائتلاف جواب نغمته مع سائر أنغام الحياة الحضارة وصورها، بدل أن نرى أنفسنا كمن يشدو بقيثاؤته وسط الأطلاق، ويريد أن يبعث أمام خياله حياة ليس لها بشيء مما في حياته اتصال2.
عمد الشعراء إلى استظهار كثير من الأدب العربي القديم، حتى يستقيم لهم الأسلوب ويتملكوا ناصية القافية، ويكثر محصولهم من الكلمات والتعبيرات. بيد أن هذا الاستظهار أورثهم الجمود، والتقليد للأدب العربي القديم: في أساليبه،
__________
1 ثورة الأدب ص 65.
2 نفس المصدر ص 74.
(2/32)

وصور بيانه من كناية واستعارة وتشبيه ومجاز، وفي موضوعاته. ولم يستخدموا اللغة التي أحاطوا بمفرداتها في أغراض عصرهم، وتصوير بيئتهم، والتعبير عن خلجات نفوسهم، وهزات مشاعرهم، في صور من البيان جديدة مستمدة من بيئتهم الحضرية. وهزات مشاعرهم، في صور من البيان جديدة مستمدة من بيئتهم الحضرية. ومدنيتهم الحديثة، وإنما احتذوا حذو الشعراء الأقدمين في كل شيء وعارضوهم في مشهورات قصائدهم1.
وإذا كان المديح، والتهاني، والرثاء، من خير ما ورثناه عن الشعر العربي القديم، وإذا كان الشعراء الذين سلكوا هذا الطريق خلدوا في الأدب العربي؛ فما ذلك إلا لأن عصرهم كان يمجد هذا النوع من الأدب، ولأن الحياة الاجتماعية كلها تدور حول الأمير، بيده السلطات: الدينية والدنيوية، وهو ووزراؤه. وأهل بيته أصحاب الجاه والمال، وهو المتصرف المطلق في حياة الشعبِ، إن كان صالحًا سار فيهم بكتاب الله وسنة رسوله، وحكم بالعدل. إن كان فاسدًا ذاقوا على يديه، وعلى أيدي ولاته ضروب الذلة والمهانة، فلا بدع إذا أغدق الشعراء على هذا الأمير الثناء؛ ليحرضوه على فعل الخير، وليرسموا له الطريق الصالحة التي تسعد الشعب وتسعدهم2.
ولولا خلال سنها الشعر ما درى ... بناة العلاء من أين تؤتي المكارم
وبذلك كان الأدب في العصور الإسلامية السابقة أدبًا أرستقراطيًا. أما نحن فقد تغيرت بنا صروف الزمن، ولم يعد الأمير هو كل شيء في حياتنا، وصارت للشعب حقوق يجب أن تحترم، وآمال لا بد أن تتحقق، وصارت الأمة تنادي بأنها مصدر السلطان، ولم يعد الأمير وحاشيته ووزراؤه هم مصدر المال دون سواهم، بل تعددت سبل الكسب أمام الشعراء فلا معذرة لهم.
لم يفطن أدباؤنا إلى كل ذلك، بل نقلوا إلينا الأدب القديم في كل صوره، وعارضوا كبار الشعراء في العصر العباسي، أمثال أبي تمام، والبحتري، والمتنبي، فجاءت قصائدهم في كثير من معانيها وألفاظها بياتها وصور بيانها متأثرة بقصائد الأولين.
__________
1 الدكتور طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصر ص 72 سنة 1938.
2 تقرير الهلالي "باشا" ص 1- 2.
(2/33)

إن اللغة توفيقية ما في ذلك ريب. ولا بد للأديب الذي يبغي التفوق والخلود من أن يلم بها إلمامًا تامًا، ويعرف أسرارها ودقائقها وشتى أساليبها، ولمن يتأتى له ذلك بإدمان القراءة في كتب الأدب قديمها وحديثها، وحفظ الجيد من روائع الشعر والنثر، ولكن الذي نلوم عليه الشعراء في ذلك الوقت هو جمودهم، وتقليدهم لهذا الأدب موضوعًا وأسلوبًا وبيانًا، مع أن صور البيان القديمة لا يناسب كثير منها العصر الذي نعيش فيه. إن ألفاظ اللغة مثل اللبنات التي يشيد بها البيت، وهندسة البيوت تتغير من عصر إلى عصر تبعًا لحالة الناس من البداوة والحضارة، والغنى والفقر. والتعليم والجهل، فإذا كنا في عصرنا الحاضر نشديد بيوتًا كما كان يشيدها العرب في العصر العباسي، ولا نلتفت إلى ما يتطلبه عصرنا، وما عرفناه عند غيرنا من فن حديث في البناء، كان ذلك ولا شك سوء استعمال. وإذا وصف "شوقي" مركب أم المحسنين بالهودج، مع أنها كانت تركب سيارة فخمة تطوي الأرض طيًّا، وحفلت بشتى ألوان الراحة، كان ذلك أيضًا سوء استعمال، وسوء اختيار. والله در حافظ إبراهيم حين وصف الشعر في ذلك الوقت، وصرخ صرخة مدوية يطلب فيها التجديد بقوله:
ملأنا طباق الأرض وجدًا ولوعة ... بهند ودعد والرباب وبوزع
وملت بنات الشعر منا مواقفًا ... بسقط اللوى الرقمتين ولعلع
وأقوامنا في الشرق قد طال نومهم ... وما كان نوم الشعر بالمتوقع
تغيرت الدنيا وقد كان أهلها ... يرون متون العيش ألين مضجع
وكان يريد العلم عيرًا وأينقًا ... متى يعيها الإيجاف في البيد تطلع
فأصبح لا يرضى البحار مطية ... ولا السلك في تياره المتدفع
وقد كان كل الأمر تصويب نبلة ... فأصبح بعض الأمر تصويب مدفع
ونحن كما غنى الأوائل لم نزل ... نغني بأرماح بيض وأدرع
عرفنا مدى الشيء القديم، فهل مدى ... لشيء جديد حاضر النفع ممتع
(2/34)

وحين قال مخاطبًا الشعر:
ضعت بين النهى وبين الخيال ... يا حكيم النفوس يابن المعالي
ضعت في الشرق بين قوم هجود ... لم يفيقوا وأمة مكسال
قد أذالوك بين أنس وكاس ... وغرام بظبية أو غزال1
ونسيب ومدحة وهجاء ... ورثاء وفتنة وصلال
حملوك العناء من حب ليلى ... وسليمى ووقفة الأطلال
وبكاء على عزيز تولى ... ورسوم راحت بهن الليالي
وإذا ما سمعوا بقدرك يومًا ... أسكنوك الرجال فوق الجمال
فارفعوا هذه الكمائم عنا ... ودعونا نشم ريح الشمال2
نعم إن حافظًا قد رغب في التجديد، ولكنه لم يستطع التجديد إلا في حدود ضيقة؛ إذ جدد في أغراضه، وإن لم يجدد في صوره. وسنخصه ببحث طويل إن شاء الله. ولكن صيحته هذه تدل على ما كان عليه الشعر في أول عهده، وعلى الرغبة الملحة في مسايرة العصر ومقتضياته: لقد جنى الإنجليز بسياستهم التعليمية على الأدب بعامة، وعلى الشعر بخاصة، وإذا كانت هناك نهضة في الأدب بعد ذلك فهي ليست ثمرة تعليمهم، وإنما هي نتيجة بواعث أخرى سنذكرها فيها بعد إن شاء الله.
رأى "كرومر"بعد أن فرغ من الإصلاحات المالية والداخلية التي منَّ بها علينا في كتابه "مصر الحديثة" وفي خطبة الوداع التي ألقاها حين غادر مصر، وعدد فيها ما ظنه خيرًا قدمه لمصر، رأى بعد هذا أن يلتفت إلى نشر الثقافة الإنجليزية بالبلاد. ونسى أن إصلاحاته المالية والداخلية كلها قد أحبطتها سياسته التعليمية حتى دعت شاعرًا مثل حافظ أن يقول مخاطبًا "اللورد كرومر":
__________
1 أذالوك. أهانوك ولم يحسنوا القيام عليك.
2 ريح الشمال؛ كناية عن أوربا والأدب الغربي.
(2/35)

تمن علينا اليوم أن أخصب الثرى ... وأن أصبح المصري حرًّا منعمًا
أعد عهد إسماعيل جلدًا وسخرة ... فإني رأيت لمن أنكى وآلمًا
عملتم على عز الجماد وذلنا ... فأعليتم طينًا وأرخصتم دمًا
إذا أخضبت أرض وأجدب أهلها ... فلا أطلعت نبتًا ولا جادها السما
وإلى أن يقول مودعًا ومشيرًا إلى مأساة التعليم على عهده:
يناديك قد أزريت بالعلم والحجا ... ولم تبق للتعليم يا لرْد معهدًا
وأنك أحصبت البلاد تعمدا ... وأجديت في مصر العقول تعمدا
وأودعت تقرير الوداع مغامرًا ... رأينا جفاء الطبع فيها مجسدًا
يناديك: أين النابغون بعهدكم ... وأي بناء شامخ قد تحددًا
فما عهد إسماعيل والعيش ضيق ... بأجدب من عهد لكم سال عسجدًا
وليس هذا كل ما جناه كرومر على عقول المصريين، فمساعيه في نشر الثقافة الإنجليزية في البلاد عنوة وفرض اللغة الإنجليزية على البلاد قسرًا قد جعلت عهده من أسوأ العهود التي مرت على مصر العربية الإسلامية.
راع كرومر حينما فكر في نشر الثقافة الإنجليزية ذلك البناء الضخم من الثقافة الفرنسية الذي شيدته همم الإرساليات التبشيرية، البعثات العلمانية، وتشجيع الحكومة الفرنسية وأموال رجال الاقتصاد والأعمال من أهل فرنسا، وهالته كثرة المدارس الفرنسية بمصر، وحماس هؤلاء الذين تعلموا بها، أو في فرنسا ذاتها لنشر اللغة الفرنسية بمصر، وحماس هؤلاء الذين تعلموا بها، أو في فرنسا ذاتها لنشر اللغة الفرنسية، وآدابها، ورأى أن الفرنسيين قد بذلوا غاية جهدهم لمساعدة هؤلاء الذين يتخرجون في مدارسهم فاشترطوا على الإنجليز -أول سني الاحتلال- أن يظل لهم النفوذ الأول ببعض المصالح الحكومية، كما كان قبل الاحتلال، فخلصت لهم إدارة مصلحة الآثار المصرية، التي أشرفوا عليها منذ أن اكتشف "حجر رشيد". وخلصت لهم كذلك إدارة مدرسة الحقوق، واستولوا بأموالهم وقروضهم وشركاتهم، ومؤسساتهم التجارية على أكثر من نصف المصالح الاقتصادية والأموال المنقولة بمصر1 ووجد الشبان المصريون
__________
1 جاء في تقرير لجنة الشئون الخاريجة بمجلس النواب الفرنسي حين عرضت عليه معاهدة "منترو" لإلغاء الامتيازات الأجنبية بمصر. أن رءوس الأموال الأجنبية بها تبلغ 50 مليارًا من الفرنكات من مجموع ما فيها من رءوس الأموال المنقولة وقدره 55 مليارًا وأن للفرنسيين وحدهم من الأموال التي يملكها الأجانب 30 مليارًا من الفرنكات "الأهرام 10 يونيو 1938".
(2/36)

والأجانب الذين يتخرجون في مدارسهم مجال العمل فسيحًا في شركاتهم ومؤسساتهم الاقتصادية والمالية كما ذكرنا آنفًا.
ولانتشار نفوذهم بين الأجانب وإقبالهم على مدارسهم صارت اللغة الفرنسية هي لغة المعاملات التجارية سواء بين الأجانب بعضهم وبعض أو بينهم وبين المصريين، واضطرت المحاكم المختلطة أن تصدر تسعة أعشار أحكامها باللغة الفرنسية، فضلًا عن المواطنين الذين يجب عليهم أن يحسنوا هذه اللغة ليتعاملوا مع جمهور المتقاضين.
وعلى الرغم من الاحتلال الإنجليزي، وطول أمده. والمحاولات التي بذلها كرومر، وبذلها "دانلوب" من بعده فقد ظلت اللغة الفرنسية هي اللغة الأولى في السوق المصرية ردحًا طويلًا وظلت كذلك لغة التخاطب بين الأجانب المختلفي الجنسية المقيمين بمصر. لقد استجابت فرنسا والفرنسيون لنصيحة نابليون التي يقول فيها: "علموا اللغة الفرنسية ففي تعليمها خدمة الوطن الحقيقية".
رأى كرومر المستعمر الإنجليزي الأول كل هذا النفوذ للثقافة الفرنسية، ورأى أن قدم الاحتلال لن تطمئن بهذه الديار إلا إذا عمل على إضعاف هذا النفوذ الفرنسي المكين ومكن للغة الإنجليزية، وأجبر المصريين على قبولها لغة أجنبية لها المكانة الأولى في البلاد وقد سلك في تحقيق هذه الغاية عدة طرق منها:
الكف عن إرسال البعثات إلى أوربا بعامة، وفرنسا بخاصة؛ لأنه رأى رأى العين ما قدمه رجال البعثات لوطنهم من أياد بيضاء في كل سبيل من سبل النهضة، وكل باب من أبواب القوة، منذ عصر محمد علي حتى زمن الاحتلال المشئوم، وأن هؤلاء الرجال الذين اختيروا من صميم الريف صاروا فيما بعد القادة المفكرين، والعلماء الناصحين، والساسة القادرين، وأنهم نهضوا باللغة العربية نهضة عظيمة فدبت فيها روح الحياة، وأخذت تستعيد سابق قوتها بترجمة كثير من الكتب العلمية في الطب والهندسة، والحيل "الميكانيكا"؛ والرياضة والقانون والجغرافيا والتاريخ، والاجتماع والاقتصاد وغير ذلك على النحو الذي فصلناه في الجزء الأول من هذا الكتاب.
(2/37)

أجل! بدأت اللغة العربية تساير ركب الحياة وتعني بالمصطلحات العلمية التي زودها بها هؤلاء العلماء الأجلاء الذين عكفوا على الكتب العربية القديمة ينقبون فيها عما عساه يصلح للحضارة الحديثة؛ فإن استعصى عليهم شيء عربوه، أو وضعوا له كلمات.
رأى كرومر هذا الأثر الجليل الذي يتركه رجال البعثات في مصر، فعز عليه أن تظل هذه النافذة التي ينسكب منها نور العلم على ربوع وادي النيل مفتوحة، وهو الذي يريد أن يمكن للاستعمار في هذه الديار، ولن يتأتى له ما يريد إلا إذا ظلت مصر في ظلام دامس، تتخبط في طريق مضلة، متخلفة عن ركب المدينة، لا تجد لها قائدًا رشيدًا ولا تسمع رأيًّا سديدًا فيوجهها الغاصبون كما يشاءون: ولهذا أرغم الحكومة المصرية على إلغاء البعثات إلى فرنسا؛ فصدر بذلك قرارها في أواخر أغسطس سنة 1895، وكان لهذا القرار ضجة صاخبة في الجرائد المصرية والفرنسية على السواء1.
ولقد نجم عن هذه السياسة الاستعمارية البغيضة أن ضعف نفوذ اللغة العربية على مر الأيام حتى تجني عليها بعض ساستهم، ورماها بالفقر والعقم، وفي ذلك يقول "اللورد جراي" حين سئل في مجلس العموم البريطاني عن تعليم اللغة العربية بمصر: "لا تصلح اللغة العربية اليوم لتعليم العلوم إذ تفتقر إلى الاصطلاحات العلمية والفنية"2. ولست أدري كيف ينتظر الإنجليز من اللغة العربية أن ترقى، وتعني بالمصطلحات العلمية والفنية، وقد أوقفوا تيارها المتدفق وحالوا بينها وبين العلوم الحديثة في بلاد الغرب؟؟.
وكان من الطبيعي كذلك أن يتناقص عدد المثقفين الذين يستطيعون التدريس بالمعاهد المصرية العالية، فحل محلهم إنجليز يلقون دروسهم بلغتهم، دون أن يكلفوا أنفسهم مشقة الترجمة، أو أن تكون ثمة واسطة بينهم وبين الطلبة كما كان الشأن في عهد محمد علي. ولم يكن الطلبة المصريون قد حذقوا اللغة الإنجليزية إلى الدرجة التي تمكنهم من فهم ما يلقى عليهم لأول وهلة، ولذلك
__________
1 راجع المؤيد عدد سبتمبر 1895، ومصطفى كامل لعبد الرحمن الرافعي طـ ثانية ص 60.
2 جريدة اللواء 3 مارس 1907.
(2/38)

لجئوا إلى الحفظ والاستظهار، كي ينجحوا في الامتحان وصاروا آلات صماء لا تفكر ولا تعي، ولا تقدر على الابتكار أو التجديد، وبعد كل هذا نسمع من أحد علمائهم وهو السير "وليام ولكوكس" المهندس المشهور يقول في طلبة مدرسة الهندسة: "لقد كنا نؤمل خيرًا كثيرًا في طلبة مدرسة الهندسة في الأيام الأخيرة، بيد أنهم لم يبتدعوا شيئًا ذا بال، وكل ما عملوه أنهم نقلوا أفكار من كانوا أسعد منهم جدًّا، وتعلموا دروسهم. وقرءوها في كتبهم"1.
وطالما ألح المصريون على الإنجليز في أن تستأنف البعثات العلمية طريقها إلى أوربا، ولكنهم كانوا يجيبون في غطرسة بالغة: بأن المصريين ليسوا أهلًا للتدريس بالمعاهد العالية، ولو تلقوا علومهم في معاهد الغرب، ولم يكتفوا بهذا بل عبثوا بمدرسة المعلمين "الخوجات" التي كانت تعد المصريين لتدريس اللغات الأجنبية، والرياضة والعلوم "النورمال فيما بعد"، وصاروا يفتحونها عامًا، ويلغونها عامًا، فأصبح لا يقصدها إلا كل مرتاب في مستقبله، عالم أن منتهى أمره أن سيكون معلمًا صغيرًا في مدرسة ابتدائية بمرتب يتناول مثله كاتب بسيط في أحد الدواوين2. ولما لم يجد الإنجليز من المصريين من يصلح للتدريس في المدارس الثانوية -بعد أن حالوا بينهم وبين الاستعداد لتلك المهمة- تذرعوا بذلك، وملئوا المدارس الثانوية بالإنجليز، وكان من الطبيعي أن تحول الكتب من العربية إلى الإنجليزية. بل إنهم فرضوا على تلامذة المدارس الابتدائية أن يتعلموا اللغة الإنجليزية، وجعلوا إتقان هذه اللغة شرطًا للتوظف في الحكومة، وأرغموا المرحوم على باشا مبارك على أن يصدر قرارًا في سنة 1889 ينص فيه على أن تكون لغة التعليم في المدارس المصرية هي اللغة الإنجليزية.
وظل على هذا المنوال ردحًا غير قصير من الزمن، والمصريون يلحون في عودة اللغة العربية إلى المدارس المصرية، والإنجليز يصمون آذانهم، ويسيرون لطيتهم حتى بلغ التذمر غايته في سنة 1908، وندد عقلاء المصريين بهذه السياسة المعوجة التي تهدف إلى القضاء على اللغة العربية، وحرمان مصر أقوى دعائم شخصيتها المتميزة بها عن سواها، وفي ذلك يقول عثمان "باشا" غالب:
__________
1 sir william willcocks: syria. egypt, north africa and multa speak punie, not arabic. 13 london 1926.
2 الشيخ على يوسف: المؤيد 2 مارس 1907.
(2/39)

"عرف الإنجليز أن أحسن واسطة لمحو وجود الشعب، واستقلاله، أي لقتله أدبيًّا، هو محو لغته الوطنية أو إضعافها، ألم يعرف ذلك الإنجليز المحبون للتوسع في الملك من التواريخ القديمة؟ إنهم عرفوه، ولكن يبلغوا إلى هذا الغرض ساروا تحت رداء الشروع في الإصلاحات. فألفوا الجمعيات، واللجان عقب اللجان، بمهارة وفكر، وكانت نتيجة مناقشتهم أن قرروا أمورًا كانت مكتوبة ومسجلة من قبل، ويكفيني لإثبات هذا الأمر للناس أن أحول أنظارهم إلى تلك الطرق التي اتبعوها لمحو اللغة الفرنسية من مدارسنا1.
ولا جدال في أن وقف البعثات إلى فرنسا قد أضعف نشر الثقافة الفرنسية في البلاد، وبخاصة على أيدي هؤلاء الذين كانوا يغشون معاهد فرنسا ويعودون حاملين لواء الثقافة الفرنسية، ولما أبرمت معاهدة سنة 1904 بين إنجلترا وفرنسا، تلك المعاهدة التي أطلقت يد إنجلترا في مصر، على أن تخلص مراكش لفرنسا، هدأ بال الإنجليز نوعًا ما؛ لأن فرنسا كانت متزعمة مناهضتهم بمصر؛ وطالما رأى فيها طلاب الحرية من المصريين نصيرًا قويًّا يفسح لهم صدره، ويشجعهم في صحفه وأنديته2. وقد شجع ذلك مستر "دانلوب" بعد أن عين مستشارًا للمعارف على أن يقوض آخر المعاقل الفرنسية في المدارس المصرية، فأخذ في مضايقة "مسيو لامبير" ناظر الحقوق، حتى اضطره إلى التخلي عن وظيفته وعين بدلًا منه مستر "هيل" الإنجليزي، وفي ذلك يقول "ميسو لامبير" منددًا بسياسة دانلوب ومظهرًا عوار طريقته في التعليم:
"وقد حارب المستر دانلوب تقدم التعليم الفرنسي في مدرسة الحقوق بلا تبصر، على حين أن تعليم الحقوق في هذه المدرسة لا يزال تعليمًا فرنسيًّا، ما دامت قوانين البلاد لم تغير تغير كليًّا. وقد مثل رواية مضحكة للتعليم العالي في مدرسة الحقوق فوقف تعيين ما يحتاج إليه القسم الفرنسي من الموظفين، وحجته في ذلك أن مصير هذا القسم إلى الزوال في القريب العاجل، وطرد من القسم الأكبر وهو الذي تدرس فيه الحقوق الفرنسية باللغة الإنجليزية الأساتذة الأكفاء الذين قاموا بأمره في مبدأ تأسيسه، وهم من القضاة الذين
__________
1 مقالة النهضة المصرية ومسألة التعليم -عثمان باشا غالب- اللواء 6 مارس 1907.
2 راجع تاريخ مصطفى كامل لعبد الرحمن الرافعي ص 169 ط ثانية.
(2/40)

أفادتهم إقامتهم الطويلة في الديار المصرية خبرة بأسرار قوانينا، واستبدل بهم شبانًا من الإنجليز يعينون بمجرد تخرجهم في الكلية الإنجليزية فيقدمون إلى مصر وهم والطلبة المكلفون بتعليمهم سواء في الجهل بالقوانين المصرية1.
ثم التفت الإنجليز بعد ذلك إلى المدارس الفرنسية بمصر، ورأوا أن خير وسيلة لإضعاف نفوذها، والتقليل من الإقبال عليها أن يظهر عميدهم بمظهر الغيور على مصلحة المصريين، الذي يخشى من طغيان الثقافة الأجنبية على من يغشي المدارس الفرنسية منهم، ولذلك أوجب تعلم كل العلوم باللغة الإنجليزية في المدارس المصرية، ليجد المصريون فيها غناء عن المدارس الأجنبية، ويحذقون في الوقت ذاته لغة حية راقية من اللغات الأجنبية وهي الإنجليزية، وشجع كرومر الإنجليز على العمل بالمدارس المصرية معلمين ونظارًا، وعمل هؤلاء من جانبهم على الدعاية للغة الإنجليزية، وصبغت المدارس العالية كالطب، والزراعة، والهندسة، والمعلمين، بصبغة إنجليزية خالصة، فلم يجد الطالب مندوحة إذا أراد أن يتم تعليمه العالي إلا أن يجيد اللغة الإنجليزية حتى يستطيع متابعة الدراسة في المدارس العالية؛ بل اشترط كرومر على كل موظف بالدولة أن يجيد هذه اللغة، ليتمكن من التفاهم مع رؤسائه الإنجليز الذين استولوا على كل المصالح والدواوين.
وبهذا قل نوعًا ما نفوذ الثقافة الفرنسية في كثير من مصالح الدولة ومعاهدها. بيد أن هذا لم يذهب كل ما لها من قوة، بل أتى اضطهاد كرومر لها بنتيجة لم يكن ينتظرها، وذلك لأنه أخطأ السبب الحقيقي الذي دفع بالمصريين والأجانب للتعليم في المدارس الفرنسية، وذلك السبب هو أن التعليم بالمدارس الفرنسية، كان أرقى نوعًا وأتم نظامًا منه في المدارس الأخرى، ولم يكن وراءه غاية استعمارية ظاهرة، ولو كان السبب هو مجرد رغبة المصريين في تعلم لغة أجنبية لقل الإقبال على المدارس الفرنسية منذ أن فرضت اللغة الإنجليزية على المدارس
__________
1 نشر مسيو لامبير مقالة طويلة عقب إقالته من منصبه في جريدة "الطان" الفرنسية، وهي وثيقة مهمة تبين مبادئ دانلوب في التعليم، وقد ترجمها اللواء، راجع مصطفى كامل لعبد الرحمن الرافعي ص 345- 349.
(2/41)

المصرية في سنة 1889، ولكننا رأينا العكس، إذا اشتد الإقبال على هذه المدارس1 حتى صار عددها مائة وعشرين مدرسة بها ما يزيد عن اثنين وأربعين ألف تلميذ وتلميذة، ولم تفلح كل الوسائل التي قدمها الإنجليز لجذب الأجانب المقيمين بمصر للإقبال على مدارسهم؛ وذلك لأن معظم اقتصاديات مصر كانت في أيدٍ فرنسية، وكانت لا تزال هي اللغة السائدة في السوق المصرية، ولذلك قال أحد علمائهم داحضًا مزاعم هؤلاء الذين تنبئوا بتقلص ظل الثقافة الفرنسية من مصر: "لا حجة لما يقول به المتشائمون من أن نجم فرنسا في مصر قد أفل، وأن لغة أخرى حلت محل الفرنسية في عاصمتي تلك الديار -القاهرة والإسكندرية- وما عليك إلا أن تسير بالشواع الكبرى، حتى تتحقق من ذلك وتسمع بأذنيك باعة الصحف ينادون بأسماء أكثر الجرائد اليومية انتشارًا مثل: "لا بورص إجبشيان، والجورنال دي جيبت، والجورنال دي كير". وإذا شاهدنا عن بعد شخصين مختلفي الجنسية يتحدثان، فتأكد أن الحديث بينهما يدور باللغة الفرنسية فهي اللغة الغالبة، كما أنها لغة السياسة ولغة القضاء؛ لأن تسعة أعشار القضايا التي تعرض أمام المحاكم المختلطة تستعمل فيها اللغة الفرنسية2.
لقد كان هذا الصراع بين الفرنسية والإنجليزية على حساب اللغة العربية، فأضعف شأنها، وكاد يؤدي بها لأن الطبقة المثقفة من أبناء الأمة الذين كان يرجى منهم العمل على إحياء اللغة العربية والنهوض بها، صاروا لا يرونها في المدارس إلا لمامًا وأصبحت لغة التعليم لديهم هي اللغة الإنجليزية، وبذلك أحجم كثير من العلماء عن التأليف باللغة العربية كما أن الطلبة عمدوا إلى الحفظ والتقليد في المدارس، وكانوا أبعد الناس عن الابتكار والاستقلال في الرأي؛ لأن هذه اللغة التي فرضت عليهم كانت أجنبية عنهم ولم يجدوا حيلة للنجاح في الامتحان، إلا أن يحفظوا دروسهم بالإنجليزية حفظًا، ولم يفهموا. أضف إلى كل هذا حرمان مصر من البعثات والتعليم العالي الصحيح؛ لأن التعليم العالي الذي كان موجودًا حينذاك
__________
1 راجع المؤيد في 6 مارس 1907. ومناقشة مجلس النواب الفرنسي للتصديق على معاهدة "منترو" في الأهرام 10 يونية 1937.
2 lecarpeniter: l egypt modeern: p. 195- 166.
(2/42)

فرض على الطلبة أن يستقوا العلم من منيع واحد لا يحيدون عنه ولا يعرفون سواء ويتقيدون بوجهة نظر واحدة، ولا يسمعون لها مناقشة أو نقضًا. وهيهات أن يجدي مثل هذا التعليم في تكوين ملكة البحث أو الابتكار، أو التعمق في المادة أو الوقوف على أسرارها.
ولقد كان لكل هذا أثر في الأدب الحديث ونهضته: إذ أوقفت اطراد نموه، واكتمال قوته، وجعلته لا يجد سبيلًا للتقدم إلا بتقليد الأدب العربي القديم وحده، لولا بعض أمثلة قليلة ترجمت في تلك الحقبة من الآداب الغربية، لذلك يقول هيوار: ما فتئت اللغة العربية غارقة في الاستعمارات القديمة، وهي لا تستعمل إلا مجموعة من التعبيرات التي لا يتأتى فهمها إلا لأهل الثقافة، مما يحول دون اتصالها بجمهرة الشعب لتحدثهم بما يفهمون فالمقالة السياسية. ومرادفاتها الرامية إلى محاكاة مقامات الحريري إلا فكاهة للقارئ المثقف يتسلى بها. نود أن تأخذ اللغة العربية في المستقبل بجلاء التعبير، وببساطة الأسلوب، فإذا جاء يوم تتحقق فيه هذه الأمنية كان ذلك بداية عهد جديد للآداب العربية"1.
وقد كان المقدر للأدب العربي بعد أن نهض في أواخر عهد إسماعيل، وأخذ يتجه صوب الأدب الغربي ليفيد فكرة، ومنهجًا، ويجمع بين ما ورثه عن العرب، وما تقدمه له أوربا، وبعد أن ظهر أمثال محمد عثمان جلال وأديب إسحق ومن شاكلتهما، وبعد أن عرفت مصر في تلك الحقبة ألوانًا مختلفة من الآداب الأوربية، أن تزداد صلة الأدب الغربي، ويأخذ عنه بعض أساليبه، ولكننا نلاحظ كما لاحظ الأستاذ "جب" ضعف المصريين في الأدب إبان هذه السنوات العجاف2، حتى لقد مضى القرن التاسع عشر ولم يظهر فيه إلا شبه قصة مصرية هي ما كتبه محمد المويلحي في "حديث عيسى بن هشام".
لقد امتدت يد الإنجليز للغة العربية في كل مكان، ولم يبقَ إلا مدرسة واحدة ظلت اللغة العربية فيها تتمتع بشيء من القوة النسبية، تلك هي "دار العلوم"، ولقد حاولوا مرات أن يصبغوها صبغة إنجليزية لولا تدخل الشبح محمد عبده صديق كرومر، فكفوا أيديهم عنها، وقد رأس الشيخ محمد عبده سنة 1904 الامتحان
__________
1HUART LITTERATUR ARABE. PARIS, 166 1.
2 GIBB: B.S VOL VII. PART. I. P. 2.19.
(2/43)

النهائي لدار العلوم، وقدم تقريرًا لناظر المعارف عن حال المدرسة جاء فيه: "وإني أنتهز الفرصة للتصريح بمكانة هذه المدرسة في نفسي، وما أعتقد من منزلتها في البلاد المصرية، ومن اللغة العربية، وإن الناس لا يزالون يذكرون اللغة العربية، وإهمال أهلها في تقويمها، يوجهون اللوم للحكومة لعدم عنايتها بأمرها، ولم أسمعهم قط ينصفون هذه المدرسة ولا يذكرونها من حسنات الحكومة فإن باحثًا مدققًا إذا أراد أن يعرف أين تموت اللغة العربية وأين تحيا، وجدها تموت في كل مكان، ووجدها تحيا في هذا المكان".
حقًّا إن اللغة العربية في هذه الحقبة كانت تموت في كل مكان، وتحيا في دار العلوم، ولكن ماذا عساه تقدمه دار العلوم وحدها للغة العربية، والمدارس مصبوغة صبغة أجنبية، وإنجلترا تحاول أن تبدل لسان المصريين العربي إلى لسان إنجليزي، وبيدها السلطان، ووظائف الدولة، وأبناؤها هم رؤساء المصالح وذوو النفوذ فيها؟ إذ كان ثمة خير قدمته دار العلوم في هذه الحقبة للغة العربية فهو حفظها اللغة العربية من الضياع، حتى أتيح لها أن تنهض فيما بعد نهضته قوية فارعة بعد أن تخلصنا من تلك السياسة الاستعمارية المشئومة.
ولكن هل نجح الإنجليز حقًّا في إماتة اللغة العربية في كل مكان؟ إذا كانوا قد حاولوا أن يخرجوا جيلًا من المصريين يحذق لغتهم أكثر مما يجيد لغته في المدارس المصرية، فإن الجيل الماضي كان قوي التأثير في الجمهور، وهو المسيطر على الصحافة، والصحافة مدرسة عامة، ولذلك شن الإنجليز حملة شعواء على اللغة العربية الفصحى، وحاولوا أن يقنعوا المصريين بأن سبب تأخرهم في ميدان الحياة. وتخلفهم عن الأوربيين في الابتكار الأدبي والعلمي يرجع إلى تمسكهم بلغة القرآن، والأساليب العربية القديمة. وأن الأولى لهم أن ينهضوا باللغة العامية حتى يسايروا ركب الحضارةِ، فهي لغة حية، دائمة التجديد، ويفهمها جمهور الشعب، ولا نهضة لأمة إلا إذا نهض سواد الشعب فيها، وفهم ما يكتبه العلماء والأدباء، ولن يفهم هذا إلا إذا كانت الكتابة باللغة العامية.
استمع لأحد دعاتهم وهو السير "ويليام ولكوكس" في خطبته التي ألقاها في نادي الأزبكية سنة 1893، والتي جعل عنوانها، لم لم توجد قوة الاختراع
(2/44)

لدى المصريين؟ " وذكر أن العامل الأكبر في فقد قوة الاختراع لديهم هو استخدام اللغة العربية الفصحى في القراءة والكتابة، ونصحهم باتخاذ اللغة العامية أداة للتعبير الأدبي، اقتداء بالأمم الأخرى واستشهد بالأمة الإنجليزية. وقال: إنها أفادت فائدة كبيرة منذ هجرت اللاتينية التي كانت لغة الكتابة والعلم يومًا ما.
وكان هذا الرجل من أشد أعداء اللغة الفصحى، وقد بذل غاية جهده لمحاربتها والقضاء عليها، وقد مكنته الظروف من أن تثول إليه مجلة الأزهر التي كان يحررها إبراهيم "بك" مصطفى والد الدكتور حسن "بك" رفقي، في أواخر سنة 1892. واتخذها منبرًا يتهجم فيه على لغة القرآن.
وقد ألقى خطبته السابقة في نادي الأزبكية بالإنجليزية، وقد نشرها مترجمة إلى العربية في مجلته، ولكنها عربية ركيكة سخيفة1.
وقد ظل منذ ذلك الحين يكيد للعربية، ويوحي إلى أهلها بأنهم ليسوا عربًا وأن لا صلة لهم ولا للغتهم بالعرب؛ بل ادعى ما هو أدهى؛ إذ زعم أن اللهجة التي يتكلمها المصريون تمت إلى اللغة الفينيقية أو "البونية" كما سماها، انحدرت إليهم منذ أن كان الهكسوس بمصر، وأنه لا صلة لها بالعربية، وأخذ يتلمس لذلك براهين مضحكة في كتابه الذي أشرنا إليه آنفًا: "سوريا ومصر وشمال أفريقية ومالطة تتكلم البونية لا العربية2" وقد نشره في سنة 1926.
وفيه عدد الصعوبات التي يجدها المصريون في تعلمهم اللغة العربية، ورأى أن تحل محلها اللغة العامية، وأن يعم التعليم بها، وجعل مدة هذا التعليم عشر سنوات رأى أنها كفيلة بأن تمحو الأمية من مصر، وعلى حد تعبيره "كفيلة بأن تخلص المصريين من السخرة الثقلية التي يعانونها من جراء الكتابة بالعربية الفصحى".
ولم يكتف بهذا، لأنه رأى الأمة معرضة عن دعوته الاستعمارية الهدامة، التي تنطوي على تعصب ديني بغيض، وعلى نية استعمارية خبيثة، لأنه وغيره
__________
1 يوجد نص هذه الخطبة في مجلة الأزهر العدد الأول من السنة السادسة سنة 1893.
2 syria, egypt, north aficia , and malta speak punic not arabie
(2/45)

من غلاة الاستعمار الإنجليزي يعلمون أن العربية لغة القرآن، ولغة الشعوب العربية الممتدة من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وأنها تربط بينهم برباط وثيق يحمل أمجادهم وتاريخهم وأدبهم، وتراث أسلافهم الفكري الذي به يعتزون, والذي يذكرهم بمجد تليد عليهم أن يعلموا على إحيائه وهم في فجر نهضته عقلية، علم هذا، من ثم أخذ يكيد للعربية، ويحاول تمزيق هذه الوشائح المتينة بين العرب، وبينهم وبين دينهم الذي يدعوهم للعزة والإباء والثورة للحرية، وقد فطن قادة الفكر في مصر إلى هذه الدعوة المسمومة التي روج لها باسم الشعب، وباسم فقدان قوة الاختراع والابتكار، فقاوموها مقاومة عنيفة.
ولم يكتف ويلككس بهذا التهجم على العربية، وكان يعتقد كما كان غيره من الأجانب يعتقدون. أن السبب الذي يجعل العامية في مرتبة منحطة، وأن الناس لا يقبلون على تعلمها والاحتفاء بها عدم وجود الكتب الأدبية المؤلفة بالعامية؛ ومن ثم نشط، ونشط غيره ممن يضمر مثل نيته من الأجانب إلى التأليف باللغة العامية، فترجم قطعًا من بعض روايات شكسبير إلى العامية المصرية، قطعة من هاملت، وأخرى من هندي الرابع.
فجاءت ترجمة سخيفة، وفقدت هذه الآثار الأدبية قيمتها وجمالها؛ لأن العامية لم تسعفه بالتعبير الصحيح، ولم تستطع أن تنهض بتلك المواقف الخالدة العنيفة1 بل جاءت عبارتها سوقية مبتذلة.
وترجم كذلك بعض فصول من الإنجيل إلى اللغة العامية فأساء إساءة كبرى إلى الإنجيل؛ لأن عبارته فيه كانت تتهالك ركاكة وغثاثة وسوقية2.
ثم ألف كتابًا علميًّا باللغة العامية هو كتاب "الأكل والإيمان"3 ليبرهن على أن اللغة العامية صالحة؛ لأن تكون لغة العلم: فخالته العامية، ولجأ في كثير من تعابيره إلى الفصحى لتمده بالكلمة الصحيحة، وقد ساقه في صيغة حوار بين تلميذ يسأل وأستاذ يجيب.
__________
1 راجع مجلة الأزهر العدد الخامس -السنة السادسة 1893.
2 طبعت هذه الترجمة على نفقة "الجمعية البريطانية لنشر الكتب المقدسة".
3 نشر هذا الكتاب سنة 1929.
(2/46)

ولكن كتبه هذه لم تأته بالثمرة الموجوة، ولم يستجب المصريون لدعوته ودعوة غيره من المستعمرين كي يتخذوا العامية أداة للتعبير الأدبي ويهجروا الفصحى لغة القرآن، وذات المجد العريق.
وفي سنة 1901، أصدر "مستر ويلمور" أحد قضاة مصر كتابًا1 تناول فيه هذه المسألة ونصح المصريون بهجر اللغة الفصحى، واتخاذ اللغة العامية أداة للتعبير والكتابة، وقد أثار هذا الكتاب ضجة في الصحف المصرية. وتصدى أكثر من كاتب للرد عليه. وكانت مجلة الهلال ميدان هذه الردود وقد أيدت اللغة العربية ودافعت عنها2 ثم جاء إسكندر معلوف من سوريا، وحاول أن يوهم الجمهور المصري بأن أهم أسباب تأخره في الحقيقة هو تمسكه باللغة العربية الفصحى وعجب من تمسك المصريين بها مع أن الفرس والهنود والأتراك مسلمون، وهم لا يستخدمون العربية، واحتج بأن الحكومة المصرية قد تركتها في مدارسها، وأحلت محلها اللغة الإنجليزية، وقد أثنى عليها ثناء مستطابًا لإقدامها على هذه الخطوة، ورأى أن الخطوة الثانية التي يجب أن يخطوها المصريون هي أن تدع الصحف والمجلات هذه اللغة وتكتب باللغة العامية، حتى يفيد العامة وجمهرة الشعب بما تكتب، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة ثالثة وهي تدوين العلوم والآداب باللغة العامية وبذلك يستطيع الشعب كله أن يحصل العلم بسهولة ويسر، وأهاب بالكتاب المصريين والعلماء أن يخطوا هذه الخطوات في سبيل رقى بلادهم3.
ومن المصريين الذين أيدوا ويلككس في دعوته إلى العامية حين نشر رسالته التي يزعم فيها أننا نتحدث بالبونية لا بالعربية "سلامة موسى" فقد أثنى على ولككس ثناء مستطابًا وزعم أنه شغلته هموم مصر كثيرًا ومن أكبر همومه التي أقضت مضجعه هذه اللغة التي نكتبها ولا نتكلمها.
__________
1 لندن. the spoken arabic of egypt, j. soldea willmote. 1901
2 انظر الهلال السنة العاشرة وعلى الأخص عدد فبراير 1903.
3 مجلة الهلال 15 من مارس 1902.
(2/47)

وأخذ سلامة موسى يدعو كما دعا ولككس إلى اتخاذ العامية لغة للكتابة بدعوى أن الفصحى فيها صعوبة. يعانيها الخاصة أكثر مما يعانيها العامة، وأنها عاجزة عن تأدية الرسالة الأدبية والعلمية ويقول: "ولكن نكبتنا الحقيقية هي أن اللغة العربية لا تخدم الأدب المصري ولا تنهض به؛ لأن الأدب هو مجهود الأمة وثمرة ذكائها وابن تربتها ووليد بيئتها، فهو لا يزكو إلا إذا كانت أدائه لغة هذه البيئة التي نبت فيها".
ويزعم كذلك أن الفصحى: "تبعثر وطنيتنا المصرية وتجعلها شائعة في القومية العربية فالمتعمق في اللغة الفصحى يشرب روح العرب ويعجب بأبطال بغداد بدلًا من أن يشرب الروح المصرية ويدرس تاريخ مصر، فنظره متجه أبدًا نحو الشرق، وثقافته كلها عربية شرقية -وليس من مصلحة الأمة المصرية أن ينزع شبابها نحو الشرق".
ثم راح يثني على ولككس، ولكنه رأى أن الانتقال إلى العامية فيه طفرة ولم يحن الوقت بعد لأن نخطو هذه الخطوة الواجبة، ولا بد من "تسوية" بين العامية والفصحى، فاقترح عدة اقتراحات عجيبة تفضي في مجموعها إلى تشويه الفصحى وإفسادها كاقتراحه إلغاء الألف والنون من المثنى والواو والنون من جمع المذكر السالم، وإلغاء التصغير وجمع التكسير، وإلغاء الإعراب والإكتفاء بتسكين أواخر الكلمات، وإدخال الكلمات الأعجمية "الأوربية كما هي"1. وهذه اقتراحات تدل على كراهية مقيتة للغة العربية وكل ما تحمله من تاريخ وأدب ودين وقومية، وهذا ما كان يريده المستعمرون حتى يتقطع ما بيننا وبين تراثنا الفكري الخالد وبيننا وبين ديننا، ومن ثم نمسخ مسخًا ونقبل على الثقافة الإنجليزية ونتشرب روحها وروح الإنجليز معها، فلنرضى بالاستعمار والمذلة والعار في فرح ومسرة واطمئنان.
ولقد لفتت هذه المشكلة كذلك نظر مستر "مان"2 حين بحث أمور التعليم في مصر، فجاء في تقريره: إن الطفل المصري عندما يبدأ دراسته بالمدرسة
__________
1 راجع نص المقال في مجلة الهلال أول يوليو 1926 تحت عنوان "اللغة الفصحى واللغة العامية ورأي السير ولككس".
2 تقرير مستر "مان" ص 59.
(2/48)

لا يتعلم كما يتعلم الطفل الأوربي طرق كلامه المألوف وقراءته فحسب، وإنما يتعلم لغة أخرى شديدة الصعوبة، تختلف عن لغته المعتادة اختلافًا بينًا: ويتعلم في ذات الوقت كتابتها وقراءتها، فحالته هذه تشبه حال طفل إنجليزي يتكلم ويسمع اللغة الإنجليزية العادية في المنزل والشارع والمدرسة على السواء ولكنه مضطر ألا يستعمل في القراءة والكتابة إلا اللغة الإنجليزية التي كانت شائعة في عصر ألفريد الأكبر".
ويقول بعد ذلك: "إن هذه الطريقة من شأنها أن توقف نمو التفكير عند الطفل"، ولكن هل تعلم الطفل المصري في المدرسة اللغة الإنجليزية في جميع مواد الدراسة، وهو يتكلم ويسمع اللغة المصرية الدارجة، ولا يوجد بين اللغة الإنجليزية والمصرية الدارجة أي صلة؛ ثم تعلم قراءتها وكتابتها أيسر عليه من تعلم اللغة الفصحى؟ لا يرى أن هذه الطريقة التي أرغم عليها أطفال المصريين لا توقف نمو تفكيرهم فحسب، ولكنها تقتل كل الملكات العقلية من تصور وإدراك واستنباط وتفكير؟ أنسي مسترمان، ومن دعا هذه الدعوة أن أطفال الأوربيين أنفسهم يتعلمون في المدرسة لغة تختلف عن لغة البيت والشارع في الغالب، وأن لكل أمة لهجة دارجة، وأخرى فصيحة؟ ووجود اللهجات الدارجة أمر طبيعي، فلو اتخذت أمة لغتها العامية الحالية أداة للتعبير والكتابة، ووضعت لها القواعد، وصنفت فيها الكتب لتحلل الناس بعد أمد يسير من هذه القواعد في النطق والتركيب، وأوجدوا لهم لغة دارجة لا تتقيد بقوانين، تخفيفًا عن أنفسهم، وجريًا على عادة التساهيل والإهمال والنسيان!!
ثم إن ثمة اعتبارات كثيرة خاصة باللغة العربية الفصحى تتعلق بالدين، والقرآن الكريم وتتعلق بوشائج القربى بيننا وبين الناطقين بها، فلو عمد كل شعب عربي إلى اتخاذ لغته الدارجة وسيلة للكتابة والتعبير لتقطعت بيننا هذه الوشائج. وتبددت قوانا المادية والمعنوية على مر الأيام. ويظهر أن مستر "مان" فطن إلى هذه الاعتبارات، وأدرك جم الصعوبات التي تقف في سبيل اللغة العامية، وأن اللغة الفصحى لا بد منتصرة في النهاية على الرغم من تلك الدعاية القوية التي أثيرت ضدها من الإنجليز وأشياعهم. فقال: "على أني أعترف في الوقت أن مسألة اللغة هذه مشبكة بجميع أنواع التقاليد الدينية والقومية والاجتماعية اشتباكًا لا فكاك منه، وأنها لهذا السبب أعسر من أن تحل استنادًا إلى الاعتبارات التربوية وحدها1".
__________
1 تقرير مستر مان.
(2/49)

وقد أثارت هذه الحملة الجائرة ضد اللغة الفصحى سخط الأدباء والكتاب، ورجال الوطنية المصرية، فقابلوها بحملة أشد منها، واشتهر من هؤلاء محمد المويلحي صاحب حديث عيسى بن هشام، وألفت جمعيات من أدباء مصر لنشر الفصحى والذود عنها، ومقاومة اللغة العامية وطغيانها، ولقد أسهم الشعراء في هذه المعركة، فقال حافظ إبراهيم قصيدته المشهورة عن اللغة العربية سنة 1903، مرددًا فيها شتى الحجج التي يدافع بها أنصار الفصحى، ومشيرًا إلى حملات الإنجليز عليها، وهذه هي القصيدة التي لا تتضح مراميها التاريخية إلا بعد معرفة المعركة على حقيقتها، وقد قالها على لسان اللغة الفصحى:
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي ... وناديت قومي فاحتسبت حياتي
رموني بعقم في الشباب، وليتني ... عقمت، فلم أجزع لقول عداتي
ولدت ولما لم أجد لعرائسي ... رجالًا، وأكفاء وأدت بناتي
وسعت كتاب الله لفظًا وغاية ... وما ضقت عن أي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة ... وتنسيق أسماء لمختراعات
أنا البحر في أحشائه الدركامن ... فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسني ... ومنكم وإن عز الدواء أساتي
فقلا تكلوني للزمان فإنني ... أخاف عليكم أن تحين وفاتي
أيطربكم من جانب الغرب ناعب ... ينادي بوأدي في ربيع حياتي
ولو تزجرون يومًا علمتم ... بما تحته من عثرة وشتات
أرى كل يوم بالجرائد مزلقًا ... من القبر يدنيني بغير أناة
وأسمع للكتاب في مصر ضجة ... فأعلم إن الصائحين نعاتي
أيهجرني قومي عفا الله عنهم ... إلى لغة لم تتصل برواة
سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرى ... لعاب الأفاعي في مسيل فرات
فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة ... مشكلة الألوان مختلفات
إلى معشر الكتاب والجمع حافل ... بسطت رجائي بعد بسط شكاتي
فإما حياة تبعث الميت في البلى ... وتنبت في تلك الرموس رفاتي
وإما ممات لا قيامة بعده ... ممات لعمري لم يقس بممات
(2/50)

فأنت ترى كيف بسط حافظ في قصيدته هذه المشكلة، وبين مساوئ العامية، ومزايا الفصحى وصور شعور المصريين إزاء هذه القصة. ولقد كانت هذه الحملات المتتابعة على اللغة الفصحى، سواء باضطهادها في مدارس الدولة وإحلال الإنجليزية محلها، أو بالدعوى إلى هجرها، واتخاذ اللغة العامية بديلا عنها سببًا في يقظة مفكري الأمة وانتباههم إلى تلك المؤامرات الإنجليزية على قومية المصريين، ولذلك ترقبوا الفرص السانحة لإحباط هذه المؤامرة فما أن تولى سعد زغلول نظارة المعارف في سنة 1907 حتى تقدم الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد، ومحمود باشا سليمان، وأمين باشا الشمسي باقتراح في الجمعية التشريعية يطلبون فيه إرجاع اللغة العربية في المدارس. وإبطال التعليم باللغة الإنجليزية، وأن يكون الشروع في ذلك من السنة التالية أي سنة 1907. فرد عليهم سعد زغلول، وهو في رده يبين ما وصلت إليه الحال في مصر من تغلغل النفوذ الأجنبي، وسيطرتهم على كل شيء. حتى أصبح متعذرًا على المصري أن يجد سبيلًا إلى الرزق في بلاده إلا إذا تعلم لغة أجنبية، وأصبح من العسير الحصول على معلم كفء يستطيع تدريس المواد المختلفة باللغة العربية، وهذا لعمري منتهى الانحطاط السياسي والاجتماعي، قال سعد زغلول: "الحكومة لم تقرر التعليم باللغة الإنجليزية إلا ليتقوى التلاميذ فيها، ويمكنهم الاستفادة من المدنية الأوربية، ويفيدوا بلادهم، ويقدروا على الدخول في معترك الحياة، حياة العلم والعلم والعمل.
"وإذا فرضنا أنه يمكننا أن نجعل التعليم من الآن باللغة العربية، وشرعنا فيه فعلًا، فإننا نكون قد أسأنا إلى بلادنا، وإلى أنفسنا إساءة كبرى؛ لأنه لا يمكن للذين يتعلمون على هذا النحو أن يتوظفوا في الجمارك، و "البوسطة"، والمحاكم المختلطة، والمصالح العديدة المختلفة التابعة للحكومة، والتي يقتضي نظامها وجود كثيرين من الموظفين العارفين بإحدى اللغات الأجنبية حق المعرفة، ولا أن يستخدموا في "بنك" أو مصرف، ولا أن يشتركوا في شركة من الشركات الأجنبية التي كثر تأسيسها الآن في بلادنا، ولا أن يكونوا محامين أمام المحاكم المختلفة، ولا مترجمين ولا غير ذلك من كل ما يحتاج إلى البراعة في لغة أجنبية وهو كثير جدًّا في بلادنا.
(2/51)

إذا قطعنا النظر عن ذلك كله، وأردنا أن نشرع من فورنا في التعليم باللغة العربية صادفنا صعوبات مادية، وهي قلة المعلمين الأكفاء الذين يمكنهم تعليم الفنون المختلفة باللغة العربية، فإذا كنتم توافقون على الاقتراح المقدم إليكم كنتم كمن يحاول الصعود إلى السماء بلا سلم.
لذلك كله أرجو ألا تندفعوا في هذه المسألة وراء إحساسكم، وأن تستشيروا قبل البيت فيها العقل والحكمة إذ لا فائدة لكم أن تطلبوا طلبًا تعلمون من الآن أنه لا يقابل بغير الرفض لاستحالة تنفيذه، كل ما يمكنكم أن ترغبوه مني، وما يمكنني أن أشتغل به، وأقدمه خدمة لوطني هو السعي في تذليل تلك الصعوبة المادية وهو ما عقدت النية عليه من توسيع نطاق مدارس المعلمين، والإرساليات إلى أوربا، وتحسين حال موظفي المدارس، حتى يمكن وجود عدد كافٍ يتولى التعليم باللغة العربية كما أرغب وترغبون، وإني إذا وفقت لتحقيق هذه الأمور الثلاثة خدمت بلادي خدمة جليلة"1.
وهذه وثيقة تاريخية غنية عن التعليق، ولم يقل ما قاله إلا تحت ضغط الظروف الواقعية، وهي فقر الأمة في رجالها ولا سيما المعلمين الأكفاء وفقر اللغة العربية بسبب الاضطهاد الإنجليزي لها، وسيطرة الأجانب على شئون مصر الاقتصادية والحكومية، وجعل اللغة الأجنبية صاحبة المقام الأول عمليًّا ورسميًّا في البلاد ثم كراهية الإنجليز لعودة العربية إلى الحياة والقوة، ولذلك عرض سعد وهو وزير ما عساه يصادف الاقتراح من صعوبات، حتى عد تنفيذه مستحيلًا.
وقد وضع محمود "باشا" سليمان تعديلًا للاقتراح، بعد سماع هذه الخطبة، بأن الجمعية العمومية تعتمد على وعد ناظر المعارف بتنفيذ المشروع بحسب الإمكان، وأخذت الآراء على الاقتراح بعد تعديله فتقرر قبوله، بيد أن ناظر
__________
1 كانت في 3 مارس سنة 1907. ونشرت بالمؤيد في 5 مارس 1907.
(2/52)

المعارف صرح بعد ذلك بأنه لا يمكن تنفيذ المشروع في ذلك الوقت للصعوبات الموجودة، ومتى زالت هذه الصعوبات أمكن تنفيذه. فأعيد الاقتراع على الاقتراح الأول في مقابل تصريح ناظر المعارف، فقررت الجمعية بأغلبية ستين صوتًا وجوب تنفيذ المشروع كما عرض بادئ الأمر وصوت خمسة مع ناظر المعارف عدا الوزراء، وكأن الجمعية خشيت ألا يستطيع سعد التنفيذ، كما لم يستطع رياض "باشا" ذلك من قبل حيث حاول هذه المحاولة في سنة 1893، فوضعت الحكومة أمام الأمر الواقع.
وابتدئ في تحويل التعليم باللغة العربية في المدارس الابتدائية من سنة 1908، ولم يأتِ عام 1912 حتى صار التدريس في جميع المدارس الابتدائية باللغة العربية، واستأنفت القافلة سيرها إلى اليوم بعد هذه المحنة التي دامت قرابة عشرين عامًا.
ومع هذا ظل دعاة العامية لا يهدءون ولا يفترون، ومنهم محمد تيمور الذي جد في الدعوة سنة 1921 وألف بها قصصًا ومسرحيات1، ومع ذلك كله ظلت اللغة العربية قوية شامخة، وتزداد كل يوم قوة وقد زادتها فكرة القومية العربية ازدهارًا، بل كانت الفصحى من أهم عناصر القومية العربية.
وعلى الرغم مما بذلته إنجلترا من جهد في نشر اللغة الإنجليزية، ومحاربة الثقافة الفرنسية واضطهاد اللغة العربية الفصحى، فإنها لم تفلح في أن توجد طائفة من المصريين يعشقون اللغة الإنجليزية، ويجيدونها إجادة تمكنهم من التأليف فيها، كما مهر بعض المصريين في التأليف باللغة الفرنسية من أمثال واصف غالي، وأحمد راسم، والأمير حيدر فاضل، ومحمد ذو الفقار وغيرهم، ولعل السر في ذلكم هو شعور المصريين بأن هذه اللغة هي لغة الغاصب المحتل، وأنه يفرضها عليهم فرضًا، وكل شيء يجبر عليه المرء مبغوض لديه ولو كان
__________
1 انظر كتاب "وميض الروح" تأليف محمد تيمور 1922.
(2/53)

حسنًا، ثم إن إنجلترا لم تشجع المصريين على الإفادة من دراستهم اللغة الإنجليزية، فلم تعترف بشهادتهم في بلادها، وحالت بينهم وبين البعثات العلمية ولم تعن العناية الواجبة بمؤسساتها العلمية بمصر في تلك الحقبة بينما سارت فرنسا على النقيض من ذلك، فأسست مدرسة الحقوق الفرنسية، والمعهد العلمي الفرنسي، ولقد أدركت إنجلترا أنها أخطأت في حق لغتها وفي حق المصريين على السواء، وأخذت تعمل على تدارك ما فاتها، فأنشأت بعض المعاهد العلمية مثل المدرسة الإنجليزية بمصر الجديدة، وكلية فيكتوريا، والمعهد العلمي البريطاني، وأخذت تشجع المصريين على السفر لإنجلترا، واعترفت بشهادات الكليات الجامعية، ومكنتهم من الدراسات العالية، بيد أن كل هذا حدث بعد أن غلت يدها من شئون التعليم وخروج دانلوب في سنة 1919، وفطنتها إلى أنها أخطأت في الماضي خطأ جسيمًا، وأن فرنسا قد سبقتها في هذا الميدان، وقد فسر أحد الأدباء الإنجليز تغلب فرنسا على إنجلترا في نشر الثقافة بمصر بقوله: "تملك إنجلترا بمصر جيشًان وتملك فرنسا فكرة، وتدبر إنجلترا شئون التعليم، وتغذيه فرنسا بفلسفتها، ولما كانت فرنسا تملك هذه الفلسفة ولا تملك إنجلترا منها شيئًا، فقد برهن القلم الفرنسي على أنه أقوى من السيف الإنجليزي"1.
وقد قوى نفوذ الثقافة الإنجليزية على مر الأيام في مصر بخاصة، وفي الشرق العربي بعامة بفضل المؤسسات الثقافية العديدة، من إنجليزية وأمريكية، فقد نمت المؤسسات الأمريكية نموًّا زائدًا حتى صار لأمريكا جامعة بمصر، وأخرى ببيروت تعد من أكبر جامعات الشرق، ويؤمها طلاب من كل البلاد العربية، وينفق عليها مال وفير.
__________
1 Dr. Russell Gat: The Conflect of French and English phiosophy in Egypt, p. 16, London 1930.
(2/54)

أدى إنشاء الجامعية المصرية الحديثة إلى تخصص بعض الطلاب في اللغة الإنجليزية، ليكونوا مدرسين متمكنين فيها وحلوا محل خريجي المعلمين العليا1. الذين كانوا يؤدون هذه المهمة في عهديها الإنجليزي والمصري. وقد درجت مصر قبل الحرب العالمية الأخيرة على إرسال فريق من نوابغ المدرسين للتخصص في اللغة الإنجليزية بإنجلترا، وقد أفادوا في نقل بعض عيون الأدب الإنجليزي إلى اللغة العربية بأقلام قوية، وأسلوب طيب.
وتوسعت مصر في إرسال البعثات في عهد الاستقلال، وكانت أكثرية البعثات الحكومية إلى إنجلترا لدراسة العلوم. والطب والهندسة، واللغات، والفلسفة، والفنون الحربية والاقتصاد، واللغات الشرقية، والتربية، والزراعة وغيرها، بيد أن وزارة المعارف رسمت لأعضاء البعثات الحكومية في أول الأمر - وذلك قبل أن ترسل الجامعة بعثاتها- طريقًا عقيمة، وقيدتهم في الدراسة تقييدًا أضر بهم وبمصر، "وحسبك بوزارة المعارف حين ترسل المناهج، والبرامج، وتختار الجامعات والمدارس، وتعين الدرجات والإجازات، وهي إلى الآن لا تزال تجهل من أمور التعليم العالي في أوربا أكثر جدًّا مما تعلم، وقد كانت قبل الاستقلال خاضعة لسلطان الإنجليز، وكان أبغض شيء إلى الإنجليز أن يتصل المصريون بالتعليم الأوربي العالي، فلما أكرهوا على أن يخلوا بين المصريين وبين ذلك رسموا لهم المناهج والبرامج، مضيقين لا موسعين، ومخادعين لا ناصحين، وما زلنا نذكر العهد الذي كان المصريون يبتهجون فيه أشد الابتهاج حين يظفر أحدهم بأيسر الدرجات الجامعية في أوربا، والذي كانت تسخط فيه المعارف أشد السخط وأقساه على الذين يعجبهم العلم وتخلبهم الدرجات الجامعية، فيتجاوزون، أو يحاولون أن يتجاوزوا ما رسم لهم من خطة، وما توضع لهم من منهاج2، ثم توالت بعثات الجامعات المصرية، بجانب بعثات وزارة المعارف.
__________
1 أنشئت مدرسة المعلمين سنة 1880 وكانت تسمى مدرسة الخوجات ثم سميت مدرسة النورمال سنة 1882 والمعلمين التوفيقية سنة 1888 وأنشئت بعدها مدرسة للمعلمين الخديوية سنة 1889 ثم ضمت المعلمين التوفيقية والخديوية في مدرسة واحدة سنة 1899، وفي سنة 1910 سميت مدرسة للمعلمين الخديوية بالمعلمين السلطاية. وفي سنة 1902 سميت المعلمين العليا -راجع تاريخ التعليم بمصر الدكتور أحمد عزت عبد الكريم ص 610- 615.
2 الدكتور طه حسين في مستقبل الثقافة في مصر ص 282.
(2/55)

واشترطت الجامعة على الطلاب أن يحصلوا على أرقى الدرجات الجامعية؛ ولم تقصر بعثاتها، على إنجلترا؛ بل تعددت جهات الدراسة. قد كان عدد أعضاء البعثات الجامعية في سنة 1925 لا يزيد عن عشرين طالبًا من جميع كليات الجامعة، ثم بلغ الخمسين في سنة 1938 ولما نشبت الحرب العالمية الأخيرة في سنة 1939 توقفت بعثات الجامعة، ثم استأنفت سيرها بعد أن وضعت الحرب أوزارها في سنة 1945 وصار لجامعة "فؤاد الأول" في سنة 1950 مائة واثنان وتسعون عضوًا في بعثات علمية للخارج جلهم في أوربا. وبعضهم في أمريكا1. هذا عدا بعثات جامعة الإسكندرية؛ وما أرسلته جامعة أسيوط "محمد علي سابقًا" من بعثات استعدادًا لتكوين هيئة تدريس قوية بها.
هذا وقد نص في قانون جامعة "القاهرة" على أن اللغة العربية هي لغة التدريس بالجامعات، وإن ظلت بعض الكليات حتى اليوم تتخذ الإنجليزية لغة التدريس في جميع المواد مثل الطب البشري، والطب البيطري، وبعضها يستخدمها في أكثر المواد مثل كلية العلوم والهندسة، بعضها يستخدم اللغتين الفرنسية والإنجليزية بجانب اللغة العربية مثل كلية التجارة، والحقوق2.
ومهما يكن من أمر فقد ازددنا صلة باللغة الإنجليزية على مر الأيام، واستطاع بعض أدبائنا الذين درسوا على النظام الإنجليزي بالرغم من عقمه وفساده أن يجيدوا اللغة الإنجليزية فهمًا وقراءة وهم الذين أسسوا المدرسة المصرية الحديثة في الشعر من أمثال عبد الرحمن شكري، والمازني، والعقاد.
ويقول الدكتور طه حسين: "وآية ذلك أننا حتى في أشد أوقات السيطرة الإنجليزية وضغطها على التعليم وتضييقها لحدوده، قد انتفعنا من هذا التعليم الضيق المحدود أكثر مما أراد الإنجليز، وأي دليل على ذلك أقوى من الذين أخرجتهم مدارس الاحتلال هم الذين اتسعت عقولهم لفهم الحرية والوطنية،
__________
1 تقويم جامعة "فؤاد الأول" سنة 1950 ص 92- 96.
2 المرجع السابق ص 75. وقد تقرر ابتداء من العام الجامعي 1959 العمل على التدريس باللغة العربية في الكليات التي ذكرناها آنفًا، وأن يؤلف في الطب والهندسة والعلوم بالعربية لطلاب الجامعات وهنا عمل حميد يعيد لنهضة اللغة سيرتها الأولى التي ابتدأتها منذ أكثر من قرن ونصف أيام محمد علي.
(2/56)

واستقرت عزائمهم لمناهضة الاحتلال نفسه، وهم الذين أثاروا مصر وقادوها في الجهاد، وكسبوا لها النظام: الديمقراطي، والحياة المستقلة"1 وهم الذين قادوا حرية الفكر بمصر، ووجهوا الأدب والدراسات الأدبية وجهة حديثة.
ويقول العقاد في هذه المدرسة الحديثة التي تأثرت بالأدب الإنجليزي: "فالجيل الناشئ بعد شوقي كان وليد مدرسة لا شبه بينها وبين من سبقها في تاريخ الأدب العربي الحديث، فهي مدرسة أوغلت في القراءة الإنجليزية، ولم تقصر قراءتها على أطراف من الأدب الفرنسي، كما كان يغلب على أدباء الشرق الناشئين في أواخر القرن الغابر، وهي على اتصالها في قراءة الأدباء والشعراء الإنجليزية لم تنس الألمان والطليان والروس والأسبان، واليونان، واللاتين الأقدمين "عن الإنجليزية طبعًا" ولعلها استفادت من النقد الإنجليزي فوق فائدتها من الشعر وفنون الكتابة الأخرى، ولا أخطئ إذا قلت: إن "هازلت" هو إمام هذه المدرسة في النقد؛ لأنه هو الذي هداها إلى معاني الشعر والفنون، وأغراض الكتابة ومواضع المقارنة والاستشهاد2، وسنعود إن شاء الله إلى هذه المدرسة، وتبيان خصائصها وإلى أي حد جدت في شعرنا الحديث.
وليس معنى هذا أن نفوذ الثقافة الفرنسية بمصر قد زال أمام قوة الثقافة الإنجليزية، فإن كثيرًا من المعاهد المصرية لا تزل تعني باللغة الفرنسية عناية زائدة، وتدرس بها كثيرًا من المواد كالحقوق والتجارة، وبكلية الأدب قسم خاص للغة الفرنسية، ولا يزال الإقبال على الدراسة بفرنسا قويًّا، يقصدها كثير من الطلبة الحكوميين لدراسة الطب والحقوق والفلسفة والآداب، وترسل الحكومة بعض بعثاتها، لدراسة القانون والفلسفة، واللغة الفرنسية3.
ولعلك رأيت أن الحال في مصر منذ الاحتلال الإنجليزي حتى اليوم قد تغير
__________
1 مستقبل الثقافة في مصر ص 130.
2 شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ص 192.
3 لقد تغير الوضع بالنسبة لفرنسا منذ العدوان الثلاثي سنة 1956 وألغيت اللغة الفرنسية من المدارس الثانونية ابتداء من العام 1961- 1962. ثم تقرر إعادتها ابتداء من العام الدراسي 1964- 1965.
(2/57)

تغيرًا شديدًا. وأننا ازددنا ارتباطًا بأوربا وثقافاتها المختلفة، ولقد كان لكل هذا أثر في الأدب العربي بعاة وفي الشعر بخاصة.
1- لقد تأثرنا في حياتنا الخاصة، وطرق معيشتنا، ونظرتنا إلى الحياة، وما الأدب إلا انعكاس لما يشعر به الأديب في حياته، وتغيرت قيم الأشياء أمام أعيننا، وعكفنا على تقليد أوربا في كل شيء وجعلناها مثلًا أعلى في كل ما يتعلق بحياتنا المادية والمعنوية، وفي ذلك يقول الدكتور طه حسين: "حياتنا المادية أوربية خالصة في الطبقات الراقية، وهي في الطبقات الأخرى تختلف قربًا وبعدًا عن الحياة الأوربية باختلاف قدرة الأفراد والجامعات، وحظوظهم من الثروة وسعة اليد، ومعنى هذا أن المثل الأعلى للمصري في حياته المادية إنما هو المثل الأعلى للأوربي في حياته المادية، تتخذ من مرافق الحياة وأدواتها ما يتخذون، ونتخذ من زينة الحياة ومظاهرها ما يتخذون، نفعل ذلك عن علم به وتعمد له أو نفعل ذلك من غير علم، وعلى غير عمد، ولكننا ماضون فيه على كل حال، وليس في الأرض قوة تستطيع أن تردنا عن أن نستمتع بالحياة على النحو الذي يستمتع بها الأوربيون.
مدت أوربا الطرق الحديدية، وأسلاك "التلغراف والتليفون" فمددناها، وجلست أوربا إلى الموائد، واتخذت من آنية الطعام، أدواته وألوانه، فصنعنا صنيعها ثم تجاوزنا ذلك إلى ما اصطنع الأوربيون لأنفسهم من لباس، ثم تجاوزنا ذلك إلى جميع الأنحاء التي يحيا عليهم الأوربيون فاصطنعناها لأنفسنا غير متخيرين ولا مختاطين ولا مميزين بين ما يحسن منها وما لا يحسن، وما يلائم منها وما لا يلائم. ونستطيع أن نقول: إن مقياس رقي الأفراد والجامعات في الحياة المادية مهما تختلف الطبقات عندنا إنما هو حظنا من الأخذ بأساليب الحياة المادية الأوربية.
وحياتنا المعنوية على اختلاف مظاهرها وألوانها أوربية خالصة: نظام الحكم عندنا أوربي خالص، نقلناه عن أوربا نقلًا في غير تحرج ولا تردد، وإذا عبنا أنفسنا بشيء من هذه الناحية فإنما نعيبها بالإبطاء في نقل ما عند الأوربيين من نظم الحكم وأشكال الحياة السياسية"1.
__________
1 مستقبل الثقافة في مصر ص 30- 32.
(2/58)

والحق أن مصر منذ حملة نابليون حتى اليوم، وهي تسعى سيعًا حثيثًا في أن تحاكي أوربا في كل شيء، وقد بهرتها تلك القوة المادية الضخمة التي جعلت أوربا تتحكم في العالم، وجد محمد علي وإسماعيل في تزويد مصر بكل ما يكفل لها تلك القوة، من مصانع، وجيوش، وأساطيل، وعلماء في كل فن، ولكن تيار النهضة قد وقف منذ الاحتلال الأجنبي، ولقد ازداد حب المصريين لمحاكاة الأجانب وتقليدهم في كل ما يزاولون من شئون الحياة، عملًا بالقاعدة المعروفة: "المغلوب مولع بتقليد الغالب"، ولقد نظروا إليهم نظرة إكبار وتقدير، وفقدوا الثقة في أنفسهم، وأوهمهم هؤلاء أنهم لا يصلحون إلا أن يكونوا مرءوسين، منقادين، مع أنهم كانوا إلى عهد قريب سادة مكرمين يخشى بأسهم أهل أوربا أنفسهم.
ورأى المصريون منذ أخفقت الثورة العرابية ألا سبيل إلى النهضة الحقيقية، والاستقلال الكامل إلا بتهيئة الشعب لتحمل أعباء هذا الاستقلال. وقديمًا نادى محمد عبده بإنشاء مدرسة للقادة والزعماء، واختلف هو وأستاذه جمال الدين في هذا وتبنى محمد عبده هذه الفكرة بعد أن عاد من منفاه ورأى أن يسير في النهضة ببطء، وثقة وتأكد، وأن الطفرة التي أرادها إسماعيل، ودعا إليها جمال الدين لا تجدي شيئًا، بل ربما أعقبت خسرانًا وندمًا وأنه خير لهذه الأمة -إن أرادت القوة والعافية- أن تستكمل تعليم أبنائها، وتنزه الدين وتطهره وتعد نفسها لكي تتبوأ مكانها بين أمم العالم وتشاطرها1.ولقد هادن محمد عبده الإنجليز، حتى يتمكن من الإصلاح المنشود، ويقول: "أما أمر الحكومة والمحكوم فتركته للقدر يقدره، وليد الله بعد ذلك تدبره، لأنني عرفت أنها ثمرة تجنيها الأمم من غراس تغرسه، وتقوم على تنميته السنين الطوال، فهذا الغراس هو الذي يجب أن نعنى به الآن"2، وقال عنه كرومر: "إنه كان رجلًا مستنيرًا بعيد النظر، اعترف بما لحكومة الشرق من سيئات، وسلم بضرورة المعاونة الأوربية في الإصلاح"3.
__________
1 المنار ج8 ص 457، مشاهير الشرق ج1 ص 285.
2 المنار ج 8 ص 893.
3.Modern egypt v.2, pp. 179- 181
(2/59)

ولقد اعتنق تلاميذ محمد عبده هذه الفكرة وعلى رأسهم سعد زغلول، ولطفي السيد وحافظ إبراهيم1. ثم جاءت النهضة القومية على يد مصطفى كامل2 ودعا إلى الأخذ بأساليب الرقي والنهوض مع وجوب التخلص من الأجنبي وشرور الاحتلال، ولكنه اتفق مع تلامذة محمد عبده على وجوب العناية بكل ما يرقى بهذه الأمة صناعيًّا وعلميًّا، وتجاريًّا، وحربيًّا حتى تكون في درجة تمكنها من المحافظة على استقلالها، إن نالته أو المطالبة به عن جدارة إن لم تكن قد أخذته.
أنتج كل هذا رغبة شديدة في تقليد الحياة الأوربية مادية ومعنوية، وتطرف بعض الدعاة إلى هذا التقليد ونادوا بنفض أيدينا من الماضي جميعه وأخذنا عن أوربا كل شيء حسنًا أو قبيحًا، ماديًّا ومعنويًّا، واعتدل بعضهم، ونادى بأن نجح بين محاسن تقاليدنا، ومحاسن المدينة الأوربية3. ومهما يكن من أمر فمن أبرز الظواهر في أخريات عهد الاحتلال وعهد الاستقلال الاهتمام الزائد بالإصلاح الاجتماعي في كل مرافق الحياة، والحياة في الغالب تهدف إلى أن تكون على نمط أوربا لكثرة إعجابنا بها؛ ولأنها صاحبة السيطرة العلمية والمادية اليوم، وتجد لهذه النغمة صدى في أقوال الشعراء فهم لا يملكون إلا الإعجاب بحاضرة الغرب، ويحثون قومهم على السعي في اللحاق به، فهذا حافظ إبراهيم يقول:
أي رجال الدنيا الجديدة مُدُّوا ... لرجال الدنيا القديمة باعًا
وأفيضوا عليهم من أياديـ ... كم علومًا وحكمة واختراعًا
كل يوم لكم روائع آثا ... ر توالون بينهن تباعًا
كم خبلتم عقولنا بعجيب ... وأمرتم زمانكم فأطاعا4
__________
1 راجع تراجم شرقية وغربية لهيكل 201، وراجع كذلك الإسلام والتجديد في مصر للدكتور تشارلس آدمز ترجمة عباس محمود ص 214.
2 راجع مصطفى كامل لعبد الرحمن الرافعي ط. ثانية ص 307.
3 تراجم شرقية وغربية لهيكل ص 150، والإسلام والتجديد لآدمز ص 216.
4 ديوان حافظ إبراهيم ج 1 ص 260.
(2/60)

ويبدي ولي الدين يكن إعجابه بالحضارة والعصر الجديد حين يركب الطيارة فيقول:
الناس ملوا من المطايا ... فجاء من بعدها البخار
وملة أكثر البرايا ... ثم اعتلوا في السما فطاروا
يا حبذا عصرنا الجديد
السحب نابت عن الأرائك ... لمعشر قدرقوا إليها
وضجت الطير والملائك ... في إثرهم حسرة عليها
وهذه حسرة تزيد1
ويشير حافظ إبراهيم كذلك إلى علم الغرب ومدنيته؛ وتذليله لقوى الطبيعة، وتسخيرها لخدمة الإنسان:
وطويتم فراسخ الأرض طيًّا ... ومشيتم على الهواء اختيالًا
ثم سخرتم الرباح فسستم ... حيث شئتم جنوبها والشمالا
تسرجون الهواء إن رمتم السيـ ... ـر وفي الأرض من يشد الرحالا
واتخذتم موج الأثير بريدًا ... حين خلتم البروق كسالى
ثم حاولتم الكلام مع النجـ ... ـم فحملتم الشعاع مقالا
إلى أن يقول حاثًّا بني وطنه على مباراة هؤلاء الغربيين في حضارتهم، وأخذهم بأسباب الوصول إلى هذه الغاية.
ليت شعري متى أرى أرض مصر ... في حمى الله تنبت الأبطالا
وأرى أهلها يبارونكم علمًا ... ووثبًا إلى العلا ونضالًا
قد نفضنا عنّا الكرى وابتدرنا ... فرص العيش وانتقلنا انتقالا
وعلمنا بأن غفلة يوم ... تحرم المرء سعيه أحوالًا2
__________
1 ديوان ولي الدين يكن ص 119.
2 ديوا حافظ إبراهيم جـ 1 ص 312.
(2/61)

ويزداد الشعور بأن الشعب المصري لا يرجى منه خير إلا إذا أزيح عنه كابوس الجهالة وتعلم بنوه تعليمًا كاملًا صحيحًا، حتى يكشف التعليم عن تلك الثورة المعنوية الكامنة، في هذه العقول الغفل، فيدعو الوطنيون إلى التعليم القومي والإكثار من إنشاء المدارس1، وينادي مصطفى كامل في سنة 1904 و 1905 بإنشاء جامعة مصرية2، يقوم على هذا المشروع جماعة من المصلحين الذين تشربوا مبادئ محمد عبده3، ويقول مصطفى كامل في هذا: "مما لا يرتاب فيه إنسان أن الأمة المصرية أدركت في هذا الزمان حقيقة المراكز الذي يجب أن يكون لها بين الأمم، وأبلغ الأدلة على ذلك نهضتها في مسألة التعليم، وقيام عظمائها وكبرائها وأغنيائها بفتح المدارس، وتأسيس دور العلم بأموالهم ومجهوداتهم، ولكن قد آن لهم أن يفكروا في الوقت الحاضر في عمل جديد، الأمة في أشد الحاجة إليه، ألا وهو إنشاء جامعة للأمة بأموالها"4. وفرح الشعراء بإنشائها أيما فرح، وهذا شوقي يقول:
ألق في أرض منف أس جامعة ... من نورها تهتدي الدنيا بنبراس
أو نفض عن الشرق يأسًا كاد يقتله ... فلا حياة لأقوام مع اليأس
ترك النفوس بلا علم ولا أدح ... ترك المريض بلا طب ولا آس5
ودعا الشعراء دعوة حارة إلى المبادرة بتأسيس المدارس وتعليم الشعب، وأثنوا ثناء مستطابًا على كل من هزته الأريحية فجاد بالمال في هذا السبيل، فهذا محمد عبد المطلب يمدح ثلاثة من الأعيان تبرعوا بمقدار من الأفدنة لمدارس المنوفية فيقول:
ثلاثة أمجاد إذا عدة سادة ... من الناس بَذَّوا بالندى سَرَواتها
سراة قالوا العم من عثراته ... ندى فأقول مصر من عَثَراتها6
__________
1 مصطفى كامل لعبد الرحمن الرافعي ص 92، 129، 139- 142 ومحمد فريد لعبد الرحمن الرافعي ص 39، 90، 292.
2 اللواء 26 أكتوبر 1904، 8 يناير 1905 وتراجم شرقية وغربية ص 160، مصطفى كامل لعبد الرحمن الرافعي ص 324- 335.
3 الإسلام والتجديد ص 215، وتراجم ص 259- 260.
4 اللواء 26 أكتوبر.
5 شوقيات ج 1 ص 158.
6 ديوان عبد المطلب ص 34.
(2/62)

وهذا مطران يصور حالنا من الجهل، وكيف نهضت أوربا، ويبحث على تشيد المدارس:
هم فتحون السماء ... ويملكون الهواء
ويقطعون الصحاري ... ويعبرون الماء
ونحن نمكث في عقـ ... ـر دار غرباء
كأننا قد خلقنا ... نلابس الغبراء
نرنو ونأسى ونفنى ... مع العيون بكاء
ولا نرى غير ذكرى ... أجدادنا تأساء
نال التوكل منا ... والضعف ما الجهل شاء
إلى أن يقول:
بالعلم تدارك مصر الـ ... ـحرية العصماء
وتستعيد الفخار الـ ... ـقديم والعلياء
وتسترد من الدهـ ... ـر عزها والرخاء1
ويقول من قصيدة أخرى:
يا آخذين بتعليم الصغار لقد ... صنتم مرابعكم من أكبر المحن
مساوئ الجهل في الأطفال شاملة ... لقومهم كلهم في مقبل الزمن
كم عز من ضعة شعب بفتيته ... وكان آباؤهم في أوضع المهن
هو ابتناء لما ترجون من عظم ... وهو اتقالا لما تخشون من فتن2
ويقول شوقي في التعليم والعلم:
كانت لنا قدم إليه خفيفة ... ورمت بـ "دنلوب" فكان الفيلا
حتى رأينا مصر نخطو إصبعًا ... في العلم إن مشت الممالك ميلا
__________
1 ديوان مطران جـ3 ص 358.
2 ديوان مطران جـ 3 ص 300.
(2/63)

تلك الكفور وحشوها أمية ... من عهد خوفو لم تر القنديلا
ويرى قاسم أمين أن المرأة المخدرة لا تنفع الأمة، ويدعو دعوته المشهورة إلى السفور ومشاركة المرأة الرجل في الحياة تقليدًا لأوربا، ويدعو إلى الحد من تعدد الزوجات، وإلى تشريع خاص بالطلاق1، وجاءت بعده ملك حفني ناصف التي اشتهرت بلقب "باحثة البادية" وعززت دعوته مع شيء من التحفظ، فلم تذهب إلى كل ما ذهب إليه، وإن دعت إلى السفور المحتشم، واستنكرت اختلاط الجنسين2.
وقد قامت ضجة عظيمة حول دعوة قاسم أمين هذه، واختلف الناس فيها اختلافًا بينًّا3 حتى ألف في الرد عليه أكثر من ثلاثين كتابًا4. وسجل الشعر الحديث هذه الدعوة، وانقسم الشعراء بين مشجع لها، ومندد بها، فهذا شوقي لا يرى في أول الأمر التشجيع على السفور ويقول قصيدته المشهورة التي أهداها لملك حفني ناصف "باحثة البادية".
صداح يا ملك الكنا ... رويا أمير البلبل
ويزين الحجاب للمرأة ويحذرها من السفور فيقول:
أنت ابن رأي للطبيـ ... ـعة فيك غير مبدل
أبدًا مروع بالإسا ... ر مهدد بالمقتل
إن طرت عن كنفي وقعـ ... ـت على النسور الجهل5
حرصي عليك هوى ومن ... يحرز ثمينًا يبخل
وقد6 ردت عليه بقصيدة طويلة بينت فيها رأيها في هذه القصيدة وسلكت -كما ذكرنا- مسلكًا وسطًا.
__________
1 تحرير المرأة لقاسم أمين.
2 راجع باحثة البادية للآنسة مي: مطبعة المقتطف. مصر 1925 وراجع كتابنا "دراسات أدبية ج1".
3 المنار ج 4 "1901" س 106.
4 تحرير المرأة الطبعة الثالثة ص 194 وما بعدها.
5 شوقيات ج 1 ص 186.
6 راجع كتابنا دراسات أدبية بحث عن ملك حفني ناصف.
(2/64)

ومطلع قصيدتها:
يا هذه لا تعذلي ... وإذا أبيت فقللي
وفيها تقول:
مجد الفتاة مقامها ... في البيت لا في المعمل
والمرء يعمل في الحقو ... ل وعرسه في المنزل
من الوليد يعنيه ... في لبسة والمأكل
ويميط عنه أذى الهوى ... يتلطف وتحيل
وأخذت تعدد ما يجب على المرأة أن تقوم به في منزلها، وليس معنى هذا أن تظل حبيسة المنزل:
لكن إذا دعت الضرورة للخروج فحيهل
سيرى كسير السحب لا تأتي ولا تتعجل
وتنكبي نهج الزحام وفضلي النهج الخلي
لا تخضعي بالقول أو تتبرجي أو ترفلي
لا تكنسي أرض الشوارع بالإزار المسبل
أما السفور فحكمه في الشرع ليس بمعضل
ذهب الأئمة فيه بين محرم ومحلل
ليس النقاب هو الحجاب فقصري أو طولي
فإذا جهلت الفرق بينهما فدونك فاسألي
ونرى حافظًا يحاول أن يقف موقفًا وسطًا في القضية فيقول:
أنا لا أقول دعوا النساء سوافرًا ... بين الرجال يَجُلْن في الأسواق
يدرجن حيث أردن من وازع ... يحذرن رقبته ولا من واق
(2/65)

يفعلن أفعال الرجال لواهيا ... عن واجبات نواعس الأحداق
كلا ولا أدعوكم أن تسرفوا ... في الحجب والتضييق والإرهاق
ليست نساءكم حلي وجواهرًا ... خوف الضياع تصان في الأحقاق
فتوسطوا في الحالتين وأنصفوا ... الشر في التقييد والإطلاق1
ومهما يكن من أمر فقد أجمع الشعراء والأدباء والمصلحون على وجوب النهوض بالمرأة وتعليمها2. ودعوا إلى رعاية الطفل حرصًا على مستقبل الأمة، فيقول حافظ في قصيدته التي مطلعها:
شبحًا أرى ذاك طيف خيال ... لا بل فتاة بالعراء حيالي3
ويقول في قصيدة أخرى مطلعها:
صفحة البرق أومضت في الغمام ... أم شهاب يشق جوف الظلام4
ويقول محمد عبد المطلب في قصيدته التي مطلعها:
مصر أمي، فداء أمي حياتي ... سلمت أمنا من العاديات5
وينشد الشعراء أشعارهم حين يرون بادرة إصلاح تشجيعًا للقائمين بها: عند افتتاح مستشفى أو ملجأ، أو مصنع، أو مصرف وما شاكل ذلك، وعند كل ما من شأنه الرقي بمصر حتى تصير في حياتها المادية والعلمية والصحية مساوية لأوربا.
وقد وصف الشعراء بعض العادات التي سرت لبيئتنا من أوربا، فهذا شوقي يصف حفلة راقصة في قصر عابدين بقصيدته التي مطلعها:
__________
1 ديوان حافظ إبراهيم ج1 ص 279.
2 راجع ديوان مطران ج2، ص1، وحافظ إبراهيم ج1 ص 279.
3 ديوان حافظ إبراهيم.
4 نفس المرجع ص 383.
5 ديوان عبد المطلب ص 33.
(2/66)

مال واحتجب ... وادعى الغضب1
وبقصيدته التي مطلعها:
طال عليها القدم ... فهي وجود عدم2
ويتكلمون عن الموسيقى3، والفنون الجميلة4، ويصفون مختلف المخترعات كالغواصة5 والطيارة والسيارة والمذياع، والحفلات المختلفة ذات الطابع الغربي ... إلى غير ذلك مما يمثل عصرهم أتم تمثيل، ويظهره في ثوب المدينة الحديثة ويعالجون مشكلات المجتمع المصري، والسوءات التي نقلناها عن أوربا من انتحار الطلبة6. وطريق الغواية وإفساد الفتيات7 وما شاكل هذا، وسنعود إلى أغراض الشعر الحديث بعد البارودي بشيء من التفصيل فيما بعد، وإنما سقنا هذه الأمثلة لندلل على أننا حقًّا نسير وراء المدنية الغربية في حياتنا المادية والمعنوية، وأن أدبنا قد تأثر إلى حد كبير بهذه المظاهر شعرًا ونثرًا، وأن أثر الأجانب كان فينا قويًّا، وقد ازداد تعلقنا بهذا اللون من الحياة بعد الحرب العالمية الأولى ونلنا قسطًا وفيرًا من الحرية والاستقلال. وظهور عهد الاستقرار والسلام والرخاء في البلاد، فزاد العبث واللهو، والافتتان بكل ما تتجلبه أوربا، وكان لهذه الحياة أثر كبير في الأدب، فنحا الشعراء الذين ظهروا بعد الحرب العالمية الكبرى نحو المجون والغزل الفاحش، والخروج على كل التقاليد العربية والإسلامية، وليس من همي الآن، وفي هذا الفصل أن أسهب في الكلام على هذا اللون من الشعر، وإن قلمي ليعف عن أن يسجل بعض الغزل الرذيل الذي يعبر عن عاطفة منحرفة، ونفس مريضة.
على أن هذا النوع من الغزل الذي ظهر كأثر من آثار انغماسنا في الحضارة المادية، ونسياننا المثل العليا، وكل ما يغذي النفوس ويسمو بها؛ يدعونا إلى الكلام عن أثر آخر للثقافة الأجنبية، وذلك هو:
__________
1 الشوقيات ج2 ص13.
2 الشوقيات ج1 ص11.
3 مطران ج3 ص64.
4 مطران ج4 ص56.
5 الشوقيات ج3 ص133.
6 مطران ج2 ص57، والشوقيات ج1 ص131.
7 مطران ج1 ص222.
(2/67)

2- تقليدنا لمذاهب الأدب الأوربي، وصرنا نسمع، ولا سيما بعد الحرب العالمية الأولى بما يسمى المدرسة الرمزية والمدرسة الواقعية، و"السريالية"، والمدرسة الإبداعية "الرومانتيكية"1، ومعظم الشعراء الذين فتنوا بهذه المدارس، قلدوها تقليدًا، من غير أن يكون ثمة داعٍ لهذا التقليد؛ إذ لم تظهر هذه المذاهب الأدبية في أوربا إلا نتيجة لعوامل اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية شجعت على ظهورها. وسنعود إلى بعض هذه المدارس بشيء من التفصيل عند الكلام على المدرسة المجددة في الشعر الحديث إن شاء الله.
3- التجديد في القوالب الأدبية، فلم تعد القصيدة وحدها في الشعر -كما كانت في القديم- هي القالب الوحيد الذي يفصح فيه الشاعر عن خلجات قلبه، ويحمله خياله ومعانيه، بل عمد الشاعر إلى المسرحية الشعرية، واختلفت مسرحياتهم طولًا وقصرًا. وأكثروا من الرباعيات، والتواشيح. بل إن بعضهم قد أسرف فنظم ما يسمى بالشعر المرسل، ولم يكن حظ النثر دون الشعر في هذا المضمار، بل بذّه، وسار في التجديد شوطًا أوسع، ولم تعد المقالة وحدها صاحبة السيطرة في النثر، بل اهتم الأدباء بالأقصوصة ثم بالقصة الطويلة، وإن كان حظ الأدب العربي من القصص الطويلة الجيدة حتى اليوم ضئيلًا، وأكثر من كتابة المسرحيات الاجتماعية، واشتهر كتاب خطوا في المسرحية خطوات موفقة. ولتفصيل هذا الموضوع مكان آخر إن شاء الله.
4- الاقتباس من معاني الأدب الأوربي وأغراضه، وذلك لكثرة الترجمة في هذا العصر كثرة عجيبة، سواء من الشعر أو النثر، فتجد كبار الكتاب أو الأدباء يسهمون في المجلات الأدبية بمقالات من إنشائهم أحيانًا، وينقلونها عن الآداب الأوربية أحيانًا، واشتهر من بين الأدباء الذين زودوا الأدب العربي بكثير من آراء المفكرين الغربيين والأدباء ولا سيما الإنجليز: الأستاذ العقاد فيترجم لتوماس
__________
1 راجع تفصيل الكلام عن هذه المذاهب في كتابنا "المسرحية".
(2/68)

هاردي أكثر من قطعة1، ويدافع عن مذهبه في الشعر وتشاؤمه، ويترجم لأناتول فرانس "باقة من حديقة أبيقور"2، ويترجم الدكتور طه حسين لبودلير3 وغيره، وينشر هذه التراجم في كتابه "من حيث الشعر والنثر" ويترجم بعض الأدباء "سادهانا" و"هدية العشاق" لطاغور4، وتعني مجلة السياسة الأسبوعية بالأدب الفرنسي عناية فائقة، وكانت تسير نحو التجديد بخطى وثابة.
وقد ظهرت كتب مترجمة في الأدب مثل: "أناتول فرانس في مباذله" للأمير شكيب أرسلان، و"الزنبقة الحمراء" و"تأيبس"، لأناتول فرانس، إلى غير ذلك من الكتب الأدبية، التي ذكرت بعضًا منها على سبيل المثال. على أن أهم ظاهرة في العصر الحديث هي كثيرة القصص المترجمة، قصيرة أو طويلة، جيدة أو رديئة، وقد ساعد على هذا وجود المجلات الأدبية، تنافسها على أن يكون بكل عدد قصة مترجمة، وأحيانًا قصة موضوعة؛ واشتهر من المترجمين عن القصص الإنجليزي بعد الحرب العالمية الأولى محمد السباعي، وقد نشر كثيرًا من قصصه المترجمة في البلاغ الأسبوعي، وهو ينقل عن الإنجليزية قصصًا لأدباء أوربا بعامة سواء كانوا من الإنجليز أو الألمان مثل: "لوريلا" لبولي هايتس، أو من الروس مثل: "الشيطان وصانع الأحذية، ومهزلة غرامية، وليلة هائلة" للقصصى الروسي تشيكوف، أو الفرنسية مثل: "قصة العقد، والحب الضائع، والزجاجة ورزا، والشعر"، وغيرها للقصصى الفرنسي الواقعي: جي دي موبسان3، ويترجم السباعي كذلك رباعيات الخيام عن الإنجليزية بأسلوب ممتاز، ولكنه كان يجنح في ترجمته إلى عدم التقييد بالأصل.
ونرى قصصًا طويلة تترجم عن الأدب الأوربي بأسلوب أدبي ممتاز فيترجم الدكتور طه حسين "زاديج" لفولتير، ويترجم الدكتور محمد عوض "فاوست" للشاعر الألماني جيته ويترجم الأستاذ أحمد حسن الزيات "ألام فرتر" لجيته،
__________
1 البلاغ الأسبوعي 2 يونيه 1927، كذلك 17 يونية 1927، و27 من يناير 1928 و3 فبراير سنة 1928 وقد نشرت هذه المقالات فيما بعد في كتاب تحت عنوان "ساعات بين الكتب".
2 مجلة الجديد 22 فبراير 1928.
3 راجع البلاغ الأسبوعي في السنوات 1926، 1927، 1928.
(2/69)

ويترجم "رفائيل" للامرتين، ويظهر قبل ذلك المنفلوطي في رواياته ماجدولين، والشاعر والفضيلة مترجمة عن الأدب الفرنسي1 ويترجم السباعي رواية المدينتين لتشارلز دكنز، ويترجم الدكتور طه حسين عددًا من المسرحيات الفرنسية.
ونرى خليل مطران يترجم لنا بعض روايات شكسبير، وأسس الدكتور أحمد زكي أبو شادي مدرسة شعرية هي مدرسة "أبولو" عام 1933، وأصدر مجلة بهذا الاسم غصت صفحاتها بالمترجم من الشعر العربي، والمنظوم على نمطه2.
ولقد كانت المجلات الأدبية كما ذكرنا حاملة الترجمة في كل الفنون، فالسياسة الأسبوعية، والبلاغ الأسبوعي، الجديد للمرصفي، والمجلة الجديدة لسلامة موسى، ثم الرسالة لأحمد حسن الزيات، وأختها الرواية، ثم مجلة الثقافة غصت بالموضوعات والقصص المترجمة، وقد كان لكل هذا أثر في اقتباس الأدباء والشعراء من معاني الأدب الأوربي، قصدوا ذلك الاقتباس أو لم يقصدوه، كما أنهم تأثروا في موضوعاته وطريقته، وسنرى هذا الأثر عند الكلام عن المدارس الشعرية في العصر الحديث إن شاء الله.
5- ونتج عن تأثرنا بالثقافة الأجنبية كثرة تعريب الكلمات ودخول عدد وفير من أساليب التعبير الغربية التي تلمسها لدى الكتاب غير المتمكنين من الأدب العربي القديم، والذين لا يستطيعون أن يصوغوا العبارات المترجمة صياغة عربية أصيلة، وقد انقسم المترجمون حيال اللغة العربية إلى أنواع ثلاثة فبعضهم يتجرم "ولا سيما المسرحيات" بلغة عامية أو عربية قريبة من العامية ولا يتحرجون في استعمال الكلمات الأجنبية، وأسلوبهم فيه كثير من الأسلوب الغربي، وقد راعى هؤلاء حال الجمهور المصري الذي سيشهد هذه المسرحيات، فلم يعنوا بالصياغة العربية والترجمة القوية من أمثال محمد تيمور، ومحمود
__________
1 راجع H.R. GIBB. B.S.S.S وانظر ترجمتها العربية في المجلة الجديدة السنة الثانية عند نوفمبر 1930 ص 17- 24، وعدد ديسمبر 1930 ص 149- 155.
2 راجع LENARS S. HARKER في كتابه BLAZING THE TRAIL 1938 ص 129، والدكتور إسماعيل أدهم عن مطران ص 34.
(2/70)

تيمور، والدكتور هيكل، ونوع ثانٍ ينقل باللغة العربية السهلة التي يتكلمها الناس، ولا ترقى إلى اللغة الأدبية أو تدانيها، بل هي أشبه بلغة الصحف، ومن هؤلاء: المازني ومحمد عوض، ومع هذه البساطة في التعبير والدقة في الترجمة قل أن نجد ليدهما أساليب تنكرها العربية، وإن كان المازني قد جنح في أخريات حياته إلى التساهل في استخدام الكلمات العامية في مقالاته الصحفية وفي بعض قصصه مع أنه في مستهل حياته الأدبية كان من أكبر المحافظين على الفصحى وعلى تجويد الأسلوب، وقد برع المازني في أخريات حياته في الترجمة من الإنجليزية إلى العربية براعة جعلته في الصف الأول في هذا المضمار، ونوع ثالث كان يتحرج من الإسفاف في التعبير أو الحيدة عن صحيح اللغة أو الكتابة بأساليب مرقعة، ولا هي بالعربية الأصيلة أو الغربية الخالصة، وإنما كان يترجم ترجمة أدبية قوية ممتازة الأسلوب مثل مطران في ترجماته لروايات شكسبير، ومثل طه حسين في ترجماته، ومثل الزيات في آلام فرتر ورفائيل. ومثل السباعي1 في قصصه المترجمة، وإن كان لا يتقيد بالأصل، ومثل عباس حافظ في قطعه الأدبية المترجمة2.
وقد كان ثمة صراع بين الذين يؤثرون السهولة والراحة، ولا يكلفون أنفسهم عناء البحث وراء الكلمة الفصيحة حين الترجمة أو التأليف, وينقلون الآثار الأدبية الرائعة في لغاتها إلى اللغة العامية المصرية فيسيئون إلى هذا الأدب الجميل، ويسيئون إلى لغتهم إساءة بالغة، فالأثر الذي تتركه مثل هذه القطع المترجمة أثر وقتي يزول بخروج المتفرج من المسرح أو أثر خلقي إن كانت الرواية خلقية أو اجتماعية، أما الأثر الأدبي فلا وجود له البتة؛ لأن العامية لا تستطيع النهوض والوقوف للغة العربية كما ذكرنا في غير هذا الموضع3. وبين هؤلاء الذين تمكنوا في اللغة العربية تمكنًا عظيمًا، فهم يبغون في ترجماتهم تزويد هذه اللغة بألوان من المعاني، والأفكار، والموضوعات تجعلها من اللغات العالمية الغنية.
__________
1 راجع LENARD S. HARKER في كتابه BLAZING THE TRAIL 1938 ص 129، والدكتور إسماعيل أدهم عن مطران ص 34.
2.taher kahamiti and kamipfmeyer: leadera in contemporary ababic literaturc
3 البلاغ الأسبوعي 1929.
(2/71)

وللأستاذ العقاد في الدفاع عن الفصحى مقال قيم1، وللرافعي. رد مفحم مدعوم بالأدلة الباهرة على هؤلاء الذين حاولوا تمصير اللغة أو الجنوح إلى العامية نشره تحت عنوان: "تمصير اللغة"2 وقد قال شوقي مُثْنِيًا على الفصحى وقدرتها على التعبير في كل زمان:
لغة الكامل في استرساله ... وابن خلدون إذا صح وصابا
إن للفصحى زمامًا وبيدًا ... وتجلب السهل وتقتاد الصعابا
لغة الذكر لسان المجتبي ... كيف تعبا بالمنادين جوابًا
كل عصر دارها إن صادفت ... منزلًا رحبًا وأهلًا وجنابا
إيت بالعمران روضًا يانعًا ... وادعها تجر ينابيع عذابًا
ويقول الدكتور طه حسين في مقدمة "قصص تمثيلية" موضحًا وجهة نظره في هذا الموضوع:
"هذه فصول في النقد والتحليل تناولت بها طائفة من آيات التمثيل الحديث، ونشرتها "السياسة"، متفرقة، ثم طلب إلى بعض القراء أن أجمعها في أسفار فأجبتهم إلى ذلك دون أن أغير فيما نشرته -السياسة- قليلًا أو كثيرًا. ولقد كتبتها وجمعتها، ولا أريد من ذلك إلا أمرين اثنين: الأول أن أظهر قراء العربية على نحو من الأدب الغربي، والثاني أن يكون لهذه القصص، وما فيها من الآراء الفلسفية، والمذاهب الفنية المختلفة أثر في نفوس الأدباء الذين يعنون منهم بالتمثيل العربي خاصة، يحملهم على أن يعنوا بهذا الفن الناشئ في أدبنا عناية ترفع من شأنه، وتجعله خصبًا مفيدًا، فإن أوفق إلى ما أريد بعضه أو كله فأنا سعيد".
هذا بعض ما كان للثقافة الأجنبية، وشدة اختلاطنا بالأدب الغربي نتيجة تلك العوامل التي أتينا عليها آنفًا من آثار في أدبنا شعرًا ونثرًا، ألمت بها إلمامًا سريعًا، كم كان بودي أن أقف على كل أثر من هذه الآثار، وأوفيه حقه من البحث
__________
1 راجع ص 40- 42 من هذا الكتاب.
2 راجع البلاغ الأسبوعي -العامية والفصحى، 22 إبرايل 1927، وساعدت بين المكتب للعقاد.
(2/72)

في هذا المقام، ولكن المقام أضيق من أن يتسع لكل هذا.
والآن وقبل أن أترك هذا الموضوع أرى لزامًا على وأنا أؤرخ لهذه الحقبة من الأدب الحديث وقد ذكرت فيما سبق سيئات "كرومر" في التعليم، أن أقول كلمة إنصاف، وأسجل هنا أثرًا حميدًا من آثاره، ألا وهو حرية الصحافة في عهد الاحتلال، أو بعبارة أدق في عهد كرومر خاصة.
وإذا كان للورد كرومر من حسنات تذكر من هذا السبيل فأول هذه الحسنات وأقواها أثرًا في الأدب هي إطلاقه الحرية التامة للمطبوعات، وعلى الأخص الصحافة المصرية، فلم يكمم أفواه الصحافة، أو يقيدها بقانون خاص، وتركها للقانون العام. وصل كرومر مصر سنة 1883 والصحافة مقيدة بتلك القوانين الصارمة التي سنها إسماعيل، التي كان يسلطها سيفًا بتارًا على رءوس الصحفيين الذين ينتقدونه، ولا ننسى أنه أغلق جريدة التجارة التي أنشأها أديب إسحق، وأغلق أبا نضارة التي أنشأها يعقوب صنوع، وكاد يبطش بالأهرام لولا توسط الفرنسيين، ثم جاءت الثورة العرابية فشدت الرقابة على الأفكار وعلى تداولها ولا ننسى أن عبد الله نديم ظل مختفيًا ردحًا طويلًا من الزمن وأنه كان يخشى الظهور لما اشتهر به من مناوأته للخديو توفيق، وقد أغلق توفيق الأهرام سنة 1884 لأنها كتبت مقالًا تقرر فيه أن الحكومة لا تخدم مصر وإنما تخدم إنجلترا، ولكن الضباط الملكفين بإغلاقها سرعان ما فتحوها بأمر اللورد كرومر واعتذروا لصاحبها رسميًّا.
كانت هذه القوانين تحتم على صاحب المطبعة دفع تأمين لا يقل عن مائة جنيه عند فتحها، ومن ينشئ مطبعة بدون ترخيص من الحكومة يغرم غرامة قد تصل إلى مائة وخمسين جنيهًا، ومن أراد أن يصدر كتابًا أو صحيفة لا بد له من عرضهما على قلم المطبوعات قبل أن يسمح له بإصدارها، وربما وجد من المضايقات وإحالة الأمر إلى وزير الداخلية، وتعويق إصدار الرخصة للصحيفة ما يجعله يعدل عن إصدارها1.
جاء كرومر وهذه القوانين قائمة ومعمول بها فعلًا، فلم يلعنها؛ ولكنه أهلمها، وترك الحرية للمطابع ولصحافة. فانتشرت المطابع انتشارًا عظيمًا حتى بلغ عددها في أواخر عهد الاحتلال ما يربو على 217 مطبعة في القاهرة
__________
1 قانون المطبوعات سنة 1881- الهلال أول مارس 1901 ص 1321 - 3.
(2/73)

وحدها1. وأبيح للكتاب ورؤساء الأحزاب وغيرها إنشاء الصحف والمجلات من غير حاجة إلى استصدار رخص خاصة من قلم المطبوعات2.
ولا شك أن إطلاق الحرية للصحافة وللكتب، قد حررها من ربقة الحكومة وسيطرتها، فلم تعد ميدانًا للملق والنفاق. والكذب، والدفاع بالباطل، عن تصرفاتها الخاطئة وتكبير حسناتها التافهة، بل صارت رقيبًا قويًّا، ولسان صدق الأمة ومطالبها القومية، وحربًا مريرة قاسية على الإنجليز وفظائعهم بمصر، والتشهير بهم في العالمين، ولا شك أن هذه كانت شجاعة فائقة من اللورد كرومر والتشهير بهم في العالمين، ولا شك أن هذه كانت شجاعة فائقة من اللورد كرومر الذي كان الحاكم المطلق لمصر في ذاك الوقت أقوى من الجالس على العرش، بل أقوى سلطة في البلاد، يزور قراها ويستقبل استقبال الملوك، ولا يستطيع إنسان أن يبت في صغيرة أو كبيرة من شئون الدولة إلا بأمره وبعد أخذ رأيه.
أتى كرومر وعدد الصحف لا تزيد على بضع وعشرين صحيفة، ولكن لم يأت عام 1903 حتى كان بالقطر 176 صحيفة خص القاهرة منها 133 ما بين جريدة ومجلة3.
ولقد أدى ازدياد الصحف إلى التنافس بينها، وأدى التنافس إلى تجويد المقال، واختيار الكتاب الأكفاء ذوي الأفكار الحية الجديدة، وإشباع نهم الجمهور للطريق الجديد من المقالات والأخبار، والتحدث بإسهاب عن مآسيه وأرزائه، وأمانيه وأدوائه، وكيف ننسى أنه في هذه الحقبة ظهر مصطفى كامل، وأشعلها حربًا مرة قاسية في الشرق والغرب على المحتل الغاصب، وكانت جريدة المؤيد في أول الأمر ميدانًا لمكافحته، ثم أنشأ جريدة اللواء4، بل أصدر جريدتين إحداهما بالفرنسية l etendar egyptien والثانية وبالإنجليزية5 The egytion stna dard؛ حتى يكون التشهير بفظائع الإنجليز أهم أقوى، ولم يصادر له اجتماع عقده، وقد كان عدد الحاضرين يبلغ أحيانًا سبعة آلاف، ولم تغلق له جريدة مرة
__________
1 goerge yong egypt: p.x. london 1927
2 الهلال أول مايو سنة 1907 ص 1461.
3 محاضرة يعقوب أرتين باشا في المجمع العلمي المصري سنة 1905.
4 صدر العدد الأول من جريدة اللواء في يوم 2 من يناير سنة 1900.
5 صدرت الجريدة الفرنسية في مساء يوم 20 مارس سنة 1907، والجريدة الإنجليزية في صبيحة 3 مارس 1907 راجع مصطفى كامل للرافعي ط ثانية ص 240.
(2/74)

وكان يكتب فيها جماعة من ذوي الأقلام الملتهبة القوية مثل عبد العزيز جاويش، ومحمد فريد.
وكان إنشاء الأحزاب مباحًا كذلك، وقد أنشئ حزب الإصلاح برئاسة الشيخ على يوسف مناوئًا للحزب الوطني، بعد أن فسدت العلاقة بين الخديو عباس والزعيم مصطفى كامل في سنة "1904"1، ثم أنشئ حزب الأمة في سنة 1907، وهي السنة التي رحل فيها "كرومر"، ولكنه شهد مولد هذا الحزب قبل أن يغادر مصر وكان عنه راضيًا.
كان حزب الأمة أول الأمر متأثرًا بأفكار الشيخ محمد عبده ونظرته في السياسة والإصلاح، وكان الشيخ محمد عبده على صلة طيبة بالإنجليز كما عرفنا في الجزء الأول، وقال كرومر في شأن رجال حزب الأمة في تقريره السنوي سنة 1906: "إنهم فئة قليلة من المصريين، ولكن عددها أخذ في الازدياد، ولا يسمع عنهم إلا الشيء القليل، بيد أنهم ليسوا أقل استحقاقًا لوصف الوطنية من الحزب الوطني الذي اختص نفسه بهذا الوصف؛ وهم ينشدون رقي بلادهم، ويعملون على تقدم إخوانهم في الدين من غير أن يصطبغوا بفكر الجامعة الإسلامية، وهم يرغبون في التعاون مع الأوربيين على إدخال المدينة الأوربية في مصر، وإنني أرى أن الأمل الوحيد للوطنية المصرية في معناها العملي الصحيح معقود بأعضاء حزب الأمة2.
وقد أنشأ هذا الحزب "الجريدة" وكان يرأسه وقت تأسيسه حسن باشا عبد الرزاق وكان من أخلص الناس للشيخ محمد عبده، وبعد وفاته في سنة 1907 تولى الرئاسة محمود باشا سليمان، ثم أحمد لطفي السيد الذي يرأس تحرير الجريدة، ويقول الدكتور هيكل في أغراض الجريدة وحزب الأمة: "على أن المصريين قد رأوا فشل السياسة الأولى التي جروا عليها، وهي سياسة الاعتماد
__________
1 راجع مصطفى كامل للرافعي ص 339 وما بعدها.
2 تشارلز آدمز "الإسلام والتجديد" ص 214 نقلًا من كتاب الحقيقة عن مصر ص 81.
(2/75)

على فرنسا، ثم على أوربا، ثم على الباب العالي، وقدر جماعة منهم أن لا بد من الأخذ بسياسة أخرى هي إعداد الأمة بأدوات الاستقلال من علم وأخلاق، وغرس الإيمان بنفسها لا لمجرد كراهية الإنجليز، ولا حبًّا في الباب العالي ومقام الخلافة، ولكن حبًّا في الاستقلال والحرية لذاتهما، وكان لطفي السيد لسان الذين فكروا هذا التفكير1.
ولقد أفضت قليلًا في الكلام عن حزب الأمة وجريدته؛ لأنه كان حزبًا يدعو إلى التجديد مع الاعتدال، والتوفيق بين المدينة الحديثة، والحضارة الإسلامية وتعاليم الشرع، أو كانوا كذلك في أول الأمر؛ لقرب تأثرهم بآراء الشيخ محمد عبده؛ ولأن البيئة المصرية حينذاك لم تكن تتحمل التطرف الشديد في التجديد، ولكنهم فيما بعد، حين تمتعت مصر بشيء من الاستقلال والحرية دعوا إلى التجديد السافر في غير تحفظ، وإلى حرية الرأي ولو كان فيه شطط وخروج عن الدين والتقاليد. ويعتبر رجال هذا الحرب أنفسهم سواء -في السياسة أو العلم- من القادة الذين يجب أن يستمع الشعب لآرائهم، ويسير وراءهم، ولهم في السياسة منحى معروف ينم على أنهم أخلصوا للإمام محمد عبده ونظرته السياسية بعد وفاته، وتمسكوا بتعاليمه، فمنهم صار الأحرار الدستوريون فيما بعد، وهم الذين دعوا إلى إنشاء الجامعة المصرية، وقاموا بإنشائها فعلًا في سنة 1908، وإن كان مصطفى كامل قد سبقهم في الدعوة إلى تأسيسها على نحو ما ذكرناه آنفًا، وهم الذين تولوا إدارتها فترة طويلة من الزمن في عهدها الحكومي، وقادوا الحركة الفكرية والتجديد في مصر في الآداب والفلسفة والاجتماع بقوة وجرأة، وربما كانت لنا عودة إليهم فيما بعد إن شاء الله.
على أن إنشاء الجريدة كذلك كان فتحًا جديدًا في عالم الصحافة من جهتين: إذ ضاعفت الأجور للكتاب، فارتفع مستواهم الأدبي، وجارهم في ذلك أصحاب الصحف الأخرى، وجودت المقالة تجويدًا عظيمًا، بيد أن الجريدة لم تستمر بعد
__________
1 تراجم شرقية وغربية ص 159- 160.
(2/76)

قيام الحرب العالمية الأولى، وقد خلقتها في عهد الاستقلال جريدة السياسة اليومية وأختها السياسية الأسبوعية.
كانت الصحافة من قبل تطرح على المشتركين، الذين يعدون الاشتراك فيها كرمًا وأريحية يحبون بها صاحب الجريدة، ولكنها بفضل المنافسة، والحرية، والاهتمام بالشعب وآماله والمزايدة في الوطنية، وتنبه شعور الجمهور للإصلاح والتخلص من الإحتلال من التصريح بأن صحافة وادي النيل بلغت، أو كادت تبلغ شأو الجرائد الأوربية من حيث الحجم، ووفرة الأخبار، وغير ذلك من المحاسن: والفضل في ذلك عائد إلى الحكومية المصرية، التي تحدت الحكومات الأوربية ما أمكن -بتأثير الاحتلال الإنجليزي- وعلى الجملة فالصحافة العربية في تاريخ حقبتها الثانية لا تستحق أن تعد بين الصحف الراقية إلا في مصر، ولا يمكن أن ترتقي في سائر الأفكار إلا بقدر ارتقاء المحيط الذي تصور فيه، كما نشاهد الآن ذلك بالفعل في أمريكا الشمالية، والجنوبية"1.
ومما يدل على أن كرومر كان له الفضل في حرية الصحافة المصرية، أنه بعد رحيله لم تقوَ الحكومة، ولا رجال الاحتلال على مواجهة الحرية الصحفية، والقوة التي كانت تهجم بها على الفساد الحكومي، وتنغص على المحتل إقامته، وتبين مساوئ حكمه، وفساد إدارته، وتعسفه فأعادوا في 25 من مارس 1909 قانون المطبوعات القديم الذي كان قد صدر في أخريات الثورة العرابية، أي قبل الاحتلال في 26 نوفمبر 1881، وكان هذا القانون يخول وزير الداخلية الحق في إنذار الصحف، وتعطيلها مؤقتًا، أو نهائيًا من غير محاكمة أو دفاع، وكان بعثه وإعادة العمل به نكسة للحرية الصحفية، وقضاء على ما بقي للشعب المصري من متنفس، وكان صدوره أول مظهر للتحالف بين الخديو عباس والاحتلال ضد الحركة الوطنية2.
__________
1 تاريخ الصحافة العربية ج3 ص8.
2 راجع محمد فريد لعبد الرحمن الرافعي ص100، ط ثانية.
(2/77)

وقد أثار هذا القرار حنق الشعب كله ضد بطرس غالي رئيس الوزراء حينذاك، وقامت المظاهرات العديدة في كل مكان بمصر تنادي بإلغائه، وتظهر سخطها على الوزارة التي سمحت برجوع هذا القانون، الذي صار سيفًا مسلطًا على الأفكار الحرة، وعلى رجال الوطنية الذين برموا بتلكؤ الإنجليز، ووعودهم الكاذبة. وقد حوكم المرحوم الشيخ عبد العزيز جاويش بمقتضى هذا القانون لأنه كتب مقالًا في ذكرى دنشواي، وحبس ثلاثة أشهر في أغسطس سنة 1909، ومع أن ما قام به الوطنيون في سنة 1906 حين وقع حادثه دنشواي، وما شنوه من حرب شعواء ضد الاحتلال في الداخل والخارج، وضد كرومر بصفة خاصة كان أعنف وأقوى ما رآه الإنجليز حتى ذلك الوقت، وكان السبب في أن ضحت إنجلترا بكرومر إرضاء للمصريين أولًا، ولتهدئة السخط الذي أظهره الرأي العام الأوربي حين سمع بهذه الفظائع الوحشية ثانيًا. ولم يفكر كرومر وكان بيده كل سلطان- أن يكمم أقفواه الجرائد أو يصارد الاجتماعات التي كانت تندد بسوءات حكمه.
وبمقتضى هذا القانون أنذرت جريدة اللواء الإنذار الأول في سنة 1909، ثم عطلت نهائيًّا في أغسطس سنة 1912، وأوقفت جريدة "العلم" شهرين، وكانت قد ظهرت بجانب اللواء في 7 من مارس.1910، وصدر الأمر بإيقافها في 20 مارس، ثم نهائيًّا في 7 من نوفمبر سنة 1913 وبمقتضى هذا القانون كذلك حبس محمد فريد ستة أشهر؛ لأنه كتب مقدمة لديوان "وطنيتي" الذي نظمه الشيخ على الغاياتي، وصودر الديوان، وحبس الشيخ جاويش ثلاثة أشهر مع الشغل؛ لأنه كتب مقدمة أخرى لهذا الديوان كذلك1.
وظل هذا القانون الصارم سيفًا بطاشًا، ويفتك بالصحافة الحرة، ويطيح بالآراء الجريئة بل يئدها قبل أن ترى الحياة، إلى أن شبت الحرب العالمية الأولى في أغسطس سنة 1914، وأعلنت الحماية على مصر، وجاءت معها الأحكام العرفية، فقضت على البقية الباقية من الحرية الصحفية، وكانت المؤيد قد توقفت عن
__________
1 محمد فريد لعبد الرحمن الرافعي ص 188.
(2/78)

الصدور قبل ذلك بعد أن عين الشيخ على يوسف شيخًا للسادة الوفائية في سنة 1912، وودع المؤيد ورئاسة تحريره في سنة 1913، وأسندت رئاسة تحريره لمحمد بك أبو شادي، ولكن الديون كانت قد أثقلت المؤيد، فأصر الدائنون على بيع داره وأثاث بيت صاحبه لاستيفاء الدين، فبيعت في مارس 1913 وفي 25 من أكتوبر سنة 1913 توفي الشيخ علي يوسف وهو في الخمسين من عمره، ذهب ذلك الصوت المصري الجريء مع من ذهب من أعلام النهضة1.
أما "الجريدة" لسان حزب الأمة، والصوت الجديد في الصحافة فقد توقفت كذلك في سنة 1914، وجنت عليها الحرب فيما جنت2.
كانت الحرب العالمية الأولى نكبة على الناس، وقد حاول الإنجليز أن يتخذوا منها ذريعة للقضاء على ما بقي للمصريين من حرية واستقلال وشعور بالكرامة والوطنية، فمهدوا الطريق لإعلان الحماية على مصر ليقطعوا بذلك آخر صلة لها بتركيا، وليحكموها بيد من حديد بحجة الدفاع عن أنفسهم، وتأمين خطوط مواصلاتهم، فأعلنوا قانون التجمهر في 18 أكتوبر سنة 1914، الذي يقضي بألا يجتمع أكثر من خمسة أشخاص في مكان ما3، وغلوا البلاد بالأحكام العرفية في 2 من نوفمبر "1914"4. ثم أعلنوا الحماية في يوم 189 من ديسمبر "1914"5 وقد احتجت جريدة "الشعب" التي كان يصدرها أمين الرافعي احتجاجًا على إعلان الحماية6، وعطلت الجمعية التشريعية في 27 من أكتوبر 1915، فلم يبق في مصر أي صوت ينطق بلسان الشعب، أو يستطيع أن يتفوه بكلمة حق.
وهكذا صمت المصريون أمام هذا الإرهاب الشنيع طوال أربع سنوات، تضيق صدورهم بما ترتكبه "السلطة" من آثام، ولا تنطلق ألسنتهم بما يعتلج في
__________
1 راجع ترجمة الشيخ علي يوسف وتاريخ المؤيد في كتابنا "في الأدب الحديث" ج1 ص415 وما بعدها ط سابعة. وكذلك في مقال للمؤلف عن الشيخ علي يوسف في مجلة الكتاب عدد يولية سنة 1948، وفي دراسات أدبية للمؤلف ج1.
2 راجع تراجم شرقية وغربية لهيكل، وراجع الإسلام والتجديد ص215.
3 راجع ثورة سنة 1919 لعبد الرحمن الرافعي ج1 ص11.
4 الوقائع المصرية 2 من نوفمبر 1914.
5 الوقائع المصرية 18 من ديسمبر سنة 1914.
6 ثورة 1919 ص27 ج1.
(2/79)

حنايا هذه الصدور من آلام، وقد أشار سعد زغلول إلى ما عاناه المصريون في خلال هذه المدة من عنت وإرهاق في حديثه مع المعتمد البريطاني في سنة 1919 بعد أن أعلنت الهدنة بقوله: "وإن الناس ينتظرون بفروغ صبر زوال هذه المراقبة كي ينفسوا عن أنفسهم، ويخففوا عن صدورهم الضيق الذي تولاهم أكثر من أربع سنين"1.
ثم اضطرمت الثورة في مصر سنة 1919، وكان من أهم أسبابها على ما أعتقده كبت الحريات، والتضييق الشديد على الآراء والأفكار طول عشرة سنوات كاملة، بل منذ خرج كرومر من مصر سنة 1906، ولقد كان كرومر استعماريًّا محنكًا، فسمح للمصريين بأن ينفسوا عن أنفسهم بالكتاب اوالخطابة فنأوا عن الثورة، وإن أطاحت به هذه الحرية التي منحها لهم وأبعدته عن مصر على أثر تلك الغارة الشعواء التي شنوها عليه بعد حادثة دنشواي الدامية، أما خلفاؤه فلم ينهجوا نهجه، ولم يتمرسوا بحكم الشعوب، ويدرسوا نفسياتها ويعالجوها بما يناسبها، فكانت ثورة 1919، وكانت خيرًا وبركة على وادي النيل.
ولما شبت الثورة ازدادت رقابتهم على الصحف شدة وعنفًا حتى أن الصحف المصرية لم تستطع أن تشير إلى أول اجتماع عقده الوفد المصري برياسة سعد زغلول في دار حمد الباسل إلا بأنه اجتماع ضم كثيرًا من أعيان العاصمة والأقاليم ودعوا لتناول "الشاي" والحلوى ثم انصرفوا رويدًا رويدًا وجماعات، وهم يتحدثون بفخامة هذا الاجتماع وبفضل الداعي وكرمه2 ومن يقرأ هذا الكلام لا يفهم منه شيئًا يمت إلى السياسة بصلة، مع أن هذا الاجتماع كان إيذانًا بالثورة، وقد وضعت فيه مبادئ الجهاد، والوقوف في وجه المحتل الغاصب، وقد طبع الوفد ما اتخذه من قرارات، ووزعها على الناس حين عجزت الصحف عن نشره.
ولما طارت أول شرارة من نار الثورة في مارس سنة 1919، واستشهد كثير من الشباب في ميدان التضحية، وكثرت الاعتقالات واستبدت السلطة الغاشمة،
__________
1 ثورة 1919 ص 70.
2 الأهرام 14 من يناير سنة 1919.
(2/80)

وأمعنت في طغيانها، ولم يجد الناس في الصحف غناء لمعرفة أخبار الثورة والجهاد، وانتشرت المطبوعات والصحافة السرية التي كانت تحمل الحملات الشديدة على الإنجليز، وعلى الوزارة، وعلى القصر، وكان للطلبة جريدة سرية باسم "المصري الحر" ولها مطبعة سرية خاصة، وكان الناس يتلقفون هذه النشرات بلهف بالغ، ويتبادون الاطلاع عليها، فساء ذلك المحتل الغشوم، وأمعن في إرهابه وعنته، وأصدر الجنرال "بلفن" أمرًا شديدًا بمعاقبة كل من يلجأ إلى طبع أو إذاعة أو توزيع أي نشرة أو صورة عقابًا صارمًا، وذلك في يونية سنة "1919"1.
ولما عقدت معاهدة الصلح في قصر "فرساي" في 28 من يونية 1919، وتقرر فيها الاعتراف بشريعة الحماية على مصر، وتساهلت السلطة العسكرية البريطانية بعض الشيء مع المصريين، ألغيت الرقابة على الصحف ابتداء من أول يولية سنة 1919، ونشرت رئاسة مجلس الوزراء بيانًا في 26 يونية نصحت فيه أصحاب الصحف أن يلزموا الاعتدال حتى لا يلجئوا الحكومة إلى العودة لوضع القيود والروابط، ولكن الإلغاء كان صوريًّا؛ لأن إدارة الرقابة أرسلت إلى الصحف مذكرة سرية تفرض فيها الرقابة أشد وأنكى مما كان2.
ثم مضت الثورة في طريقها لا تلوي على شيء، واشترك فيها الأمراء والفقراء، وأهل المدن، وأهل القرى، وعمت البلاد من شاطئ البحر المتوسط إلى حدود السودان، وكثر عدد القتلى والشهداء، وتأليف وزارات لم تستطع حكم البلاد، وظلت من غير حكومة فترات طويلة، وهنا اضطرت السلطة البريطانية إلى إعادة الرقابة على الصحف مرة أخرى في مارس "1920"3.
ولما دعا عدلي يكن لمفاوضة الإنجليز رسميًّا، وكان سعد زغلول بباريس حينذاك، وطلب منه عدلي أن يشترك في المفاوضة أرسل إليه في 19 من مارس 1920 بأنه عائد إلى مصر، وقد اشترط للاشتراك في هذه المفاوضة شروطًا كان منها إلغاء الأحكام العرفية، والرقابة على الصحف قبل الدخول في المفاوضات4.
__________
1 راجع ثورة سنة 1919 لعبد الرحمن الرافعي ج2 ص36.
2 المراجع السابق ص29.
3 الوقائع المصرية في 58 من مارس 1920.
4 خطب سعد زغلول في حفل تكريمه بحي السيدة زينب يوم 22 من إبريل سنة 1921.
(2/81)

وقد حقق عدلي يكن بعض هذه الشروط في مايو سنة 1921، فرفعت الرقابة عن الصحف1.
وانقسم الوفد المصري على نفسه، واختلف سعد وعدلي على رئاسة الوفد، ثم نفى سعد وصحبه إلى جزيرة سيشل في 15 من ديسمبر سنة 1921، وأعادت السلطة العسكرية الرقابة على الصحف مرة أخرى، وبطشت بكل صحيفة كانت تناوئها. ولما أعلن تصريح28 من فبراير 1922، وقاومته أغلبية الأمة، وكثرت الاغتيالات السياسية أساء ثروت "باشا" معاملة الصحف التي كانت تندد بالتصريح، وتعارض سياسته، فعطل جريدة "الأهالي" تعطيلًا نهائيًّا في سنة 1922، وعطل جريدة الأمة لمدة ثلاثة أشهر، وعطل الأهرام وأصدر أوامر مشددة إلى الصحف بتجنب ذكر اسم سعد وزملائه المنفيين2.
وأخيرًا وضع الدستور المصري، وأعلن في 19 من إبريل سنة 1923، وقد كفلت المواد 4 و5 و13 و14 و21 منه الحرية الشخصية، وحرية الاعتقاد، وحرية الرأي بحيث لا يجوز القبض على أي إنسان ولا حبسه إلا وفق أحكام القانون، وكفلت المادة 15 منه حرية الصحافة، وحظرت الرقابة على الصحف، ومنع إنذارها وتعطيلها أو إلغائها إداريًّا، وانتهت الأحكام العرفية في 5 من يولية سنة 1923. وتمتعت مصر بفترة من الحرية النسبية حرمتها أمدًا طويلًا.
بيد أننا نقول والأسف يملأ قلوبنا إن الإنجليز قد تركوا لهم أذنابًا وصنائع في مصر، عبثوا بها وبحريتها، وكانوا يعبدونها من دون الله، ومن دون الوطن، ونراهم تضيق صدورهم حين يشاهدون الأمة جادة في نيل استقلالها كاملًا غير منقوص، وكأني بهم ينظرون نظرة الذئب إلى فريسته أو الوصي إلى اليتيم الصغير، ويدعون أن الأمة لم تزل في حاجة إلى الهداية والرشد، وأنهم هم القادة الأكفاء الذين أرسلتهم العناية الإلهية للأخذ بيدها، ولكن هل في تعطيل الدستور والعبث به، ووضع دساتير فجة، وفي كبت الحريات والحد من الأفلام الجريئة هداية أو رشاد؟!
__________
1 في أعقاب الثورة لعبد الرحمن الرافعي ج1 ص8.
2 المصدر السابق ص67.
(2/82)

لقد انفصل عن الوفد جماعة نفسوا على سعد رئاسته، وأسس حزب الأحرار الدستوريين في أكتوبر سنة 1922، وتصدعت وحدة الأمة، واجتهد القصر في أن يحتفظ لنفسه ببعض مزايا الحكم، وألف حزب الاتحاد، ثم حزب الشعب، ثم اندمج كلاهما في حزب الاتحاد الشعبي، وكانا يشايعان القصر، وقد أدت هذه الفرقة إلى تناحر الأحزاب فيما بينها، وشدد رجال الأحزاب النكير على الحريات، والصحف المعارضة كلما تولوا الحكم. وعمدت الصحف إلى المهاترات الحزبية، وانصرفت جهود الأمة إلى دعم الحزبية، لا إلى المطالبة بالاستقلال؛ وقد ظل الأمر كذلك بعد الحرب العالمية الثانية، فرأينا نيابة الصحافة تجد في تعقب الصحف ومؤاخذتها، وفرض الغرامات على أربابها.
ولكن على الرغم من كل هذا فقد خطت الصحف في عهد الدستور خطوات واسعة جدًّا في سبيل الرقي من حيث المادة، والحجم، والفن الصحفي، وظهر إلى جانب الصحف اليومية مجلات أسبوعية وشهرية عنيت بالآداب والعلوم والفنون، وتفرغ لتحريرها صفوة الكتاب والأدباء، وعملت على تحبيب الأدب للجمهور وكانت أداة فعالة في التقريب بين الشرق والثقافة الغربية. وقد بلغت هذه الصحافة الأدبية الذروة بعد إعلان الدستور فترى السياسة الأسبوعية تحمل مشعل التجديد، وتحث الناس على الأخذ بأسباب الحضارة الأوربية دون مراجعة أو تردد، وتستمر حقبة من الزمن وهي في عنفوانها، ثم تضمحل بضعف الأحرار الدستوريين سياسيًّا، ويظهر بجانبها البلاغ الأسبوعي ينافسها في ميدان الأدب، ويظل حقبة يغذي الأدب العربي بأفاويق الأدب الغربي، وبعرض أراء جمهرة من الكتاب والشعراء عرضًا جذابًا وتظهر مجلة الجديد في سنة 1928 لنائل المرصفي، ولكنها لا تبقى أكثر من سنتين، ومن ثم تظهر في الأفق مجلة قوية بأقلامها والمحررين فيها، وكانت ثمرة ناضجة لهذه الجهود الطويلة الذي بذلها محمد عبده وأتباعه ألا وهي مجلة الرسالة للأستاذ أحمد حسن الزيات، وتظل سنوات في مقدمة المجلات الأدبية في الشرق، إلى أن تظهر مجلة الثقافة للأستاذ أحمد أمين ولجنة التأليف والترجمة وتبقى قوية بضع سنوات ثم تضعف هذا عدا الهلال والمقتطف والزهراء لمحب الدين الخطيب وغيرها.
(2/83)

ثم تعلن الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939، وتعلن معها الأحكام العرفية، ويشح الورق، وتفرض الرقابة على المطبوعات، وينقص حجم الصحف، وتضعف الصحافة الأدبية تدريجيًّا، ويظهر في أعقاب الحرب نجم جديد في عالم الصحافة الأدبية وهي مجلة الكتاب التي تصدرها دار المعارف1. ويهتم الغربيون ببث دعاياتهم وثقافاتهم بين شعوب الشرق، فتصدر مجلة "المختار" الأمريكية في خلال الحرب، وكلها ترجمة عن المجلات الأمريكية، وفيها رأي العرب لونًا جديدًا حقًّا من الثقافة والتحرير ثم عجزت عن الاستمرار بعد سنوات وظهرت الهلال في ثوب جديد محتذية حذوها، متقربة نوعًا ما من ثقافة الشعب ومستواه دون أن تسف.
ولعلك رأيت بعد هذا العرض السريع للصحافة في عهد الاحتلال والاستقلال مبلغ ما عانيناه من عنت، ومبلغ ما وصلنا إليه من حرية، سنعود مرة أخرى إلى الصحافة عند التحدث عن أثر النهضة القومية في الأدب إن شاء الله.
__________
1 من المؤلم أن المجلات الأدبية كالرسالة والثقافة والكتاب قد اضطرت للاحتجاب وأعلن الأستاذ الزيات توقف الرسالة في الأهرام 31/ 2/ 1953 ثم تلتها مجلة الثقافة وتوقفت مجلة الكتاب في أغسطس 1953 وهذه لعمري نكسة أدبية مريعة، ولنا إلى هذا الموضوع عودة في أحد الأجزاء التالية حينما نتكلم عن النشر إن شاء الله.
(2/84)

الفصل الثاني: النهضة القومية
المظهر السياسي
...
الفصل الثاني: النهضة القومية
والنهضة القومية من أهم العوامل التي أثرت في أدبنا الحديث شعرًا ونثرًا حتى صار أدبًا قويًّا عملاقًا، استعادت به اللغة العربية سابق رونقها وبهائها أيام عصرها الذهبي في عهد العباسيين، بل أربت على ما كان لها من مجد بسبب اتصالنا القوي بالثقافة الغربية، وتغذيتها تغذية متواصلة بثمرات الأدب الأوربي فعرفت ألوانًا من الأدب لم تتذوقها.
وللنهضة القومية مظاهر شتى، أثرت كلها في الأدب تأثيرًا بليغًا وسنذكر هذه المظاهر بشيء من التوسع، ونتكلم على آثار كل منها في الأدب على قدر ما تسمح لنا به هذه الصفحات المحدودة.
المظهر السياسي:
انتهت الثورة العرابية -كما عرفنا في الجزء الأول- بالاحتلال الإنجليزي لمصر في سنة 1882، وقد كان لإخفاق الثورة العرابية أثران جوهريان: أولهما: الاحتلال البريطاني، وقد أكد الإنجليز منذ أن وطئت أقدامهم أرض مصر، أنهم لا يريدون اغتصابها أو احتلالها ولكنهم جاءوا لحماية الخديو من الثورة وتثبيت عرشه، وأنهم جاءوا وهم ينوون الجلاء العاجل، حين تستقر الأمور ويهدأ الشعب1، ولكن الإنجليز كانوا يخادعون الأمة المصرية، ويتربصون بها الدوائر من زمن بعيد منذ حملة نابليون على مصر، ومنذ غزوتهم لها بقيادة الجنرال "فريز" سنة 1807 وهزيمتهم في موقعة رشيد2.
__________
1 تصريح جلادستون رئيس وزراء إنجلترا في البرلمان الإنجليزي سنة 1882، مصطفى كامل لعبد الرحمن الرافعي ص 62، ومنشور الجنرال ولسلي قائد الجيوش البريطانية حين وصل إلى الإسكندرية سنة 1882- مذكرة أمين الرافعي عن المسألة المصرية 20 من نوفمبر سنة 1918. وثورة سنة 1919 لعبد الرحمن الرافعي ج1 ص80.
2 تاريخ مصر مسياشي لمحمد رفعت ج1 ص92- 93.
(2/87)

وثانيهما: سريان روح الخضوع واليأس في نفوس المصريين بعد الاحتلال ومن مظاهر هذا اليأس تنصل زعماء الثورة العرابية من تبعاتها، والتجائهم إلى الإنجليز يستمدون منهم الصفح والمعونة. وقد ظلت مصر في هذه الحالة الشنيعة من الخضوع، والاستسلام، والاستعمار يمكن لأقدامه، ويوطد من دعائمه إلى أن قيض الله لمصر في آخريات القرن التاسع عشر بضع نفر من المواطنين عملوا جهدهم إلى أن يعيدوا لها ما عزب من آمالها.
ولقد مر بك في الفقرة الأولى من هذا الفصل كيف أن اللورد كرومر قد طغى وبغى وتجاوز حده، وحكم مصر بيد حديدية إنجليزية، حتى صار فيها الحاكم المطلق، تحت إمرته جيش قوي، وشئون المال والأشغال والعدل في يد مستشاريه الإنجليز، ووزراؤنا لا يعنيهم إلا أن يرضوا العميد البريطاني، ولا سيما مصطفى فهمي الذي تولى الوزراء ثلاثة عشر عامًا متوالية من سنة 1895 إلى سنة 1908، وكان أطوع للإنجليز من بنان أحدهم، وكان إنجليزيًّا أكثر منهم، وكان يجاهر بأنه لا يستمد سلطانه من الخديو، وإنما يستمده من العميد البريطاني، ومثله نوبار ومحمد سعيد، ومن على شاكلتهم.
ولما توفي الخديو توفيق وتولى عباس العرش في 8 يناير سنة 1892 استبشرت الأمة خيرًا بعهده. وأملت أن يجلو الإنجليز عنها، ولكن إنجلترا تذرعت بصغر سنة ونادت صحفها1 بأن "إرتقاء الخديو الشاب عرش مصر يجعل بقاء الاحتلال أكثر ضرورة من أي وقت فلا يجوز منذ الآن الكلام عن الجلاء" وقالت: "إن وفاة توفيق هدمت آخر حجة للجلاء".
وابتدأ عباس يشعر بمرارة الاحتلال، والحد من سلطانه، وأخذ يناوئ الإنجليز، ويقف منهم موقفًا معاديًا في كثير من الأمور، وإن غلب على أمره في أكثر الأحيان، وكانت الأمة تشجعه، وتلتف حوله بادئ ذي بدء كما حدث حين أقال وزارة مصطفى فهمي الأولى "يناير 1883" من غير أن يستأذن الإنجليز في ذلك،
__________
1 البول مول جازيت. راجع مصطفى كامل ص314.
(2/88)

إذا توافد عليه رجال الأمة وأمراؤها وعلماؤها وأعضاء مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية والقضاة يهنئونه ويشدون أزره1، وكما حدث في أزمة الحدود سنة 1894، وقد أدى موقف عباس هذا إلى أن دب في نفوس بعض المصريين شيء من الحماس، وقد ظهرت أول الأمر عن طريق الصحافة.
وذكرنا في الجزء الأول أن الصحافة المصرية في أخريات القرن التاسع عشر تأثرت بعاملين أولهما: تركيا، وكانت على الرغم من ضعفها، وإعانها للأمر الواقع تحاول إثارة النفوس ضد الاحتلال، وكان كثير من المصريين يدين لتركيا بالولاء، وهو ولاء ديني لا سياسي، مبعثه وجود الخلافة العثمانية، والمسلمون مكلفون شرعًا بطاعة الخليفة.
وثانيهما: الاحتلال الذي حاول أن يجتث نفوذ تركيا من الأساس، ويقتلع من النفوس هذا الولاء، وقد استطاع أن يجد لسياسته هذه أنصارًا ومريدين، وأن يجتذب إليه قلوبًا عزيزة المنال تدافع عنه أو تسكت عن مخازيه، ووجد أن كثيرًا من السوريين المسيحيين ينقمون على تركيا استبدادها وغلظتها وسوء تصرفها معهم في ديارهم، وتفريقها بين عناصر الأمة، فاستمال هؤلاء الناقمين إليه، وحباهم عطفه ووده، وأنشئوا جريدة المقطم لسان حال لهم في 14 من فبراير سنة 1889.
وهكذا انقسمت الصحافة فريقين: فريق تركيا، وفي الغالب يدعو للخديو، ويندد بالاستعار، إما مدفوعًا بالولاء الديني، أو الكراهية للإنجليز، أو بتحريض دولة أجنبية تنفس على أبناء التاميز مركزهم في مصر والشرق العربي، وفريق يدافع عن الإنجليز، ويتغنى بمحامدهم، ويشيد بنعمة الاحتلال، ويذيع مساوئ العهد التركي، وما ارتكب فيه من ظلم وكانت "المؤيد" ثم "اللواء" تمثل الفريق الأول، "والمقطم" تمثل الفريق الثاني على نحو ما ذكرناه في غير هذا المكان2.
__________
1 مصطفى كامل لعبد الرحمن الرافعي ص 320.
2 راجع في الأدب الحديث ج1 ص413- 415 ط سابعة.
(2/89)

طلع المؤيد على الناس في ديسمبر سنة 1889، والاحتلال الإنجليزي في عنفوانه، والثورة العرابية قد أخفقت، وشرد زعماؤها، وكممت الأفواه، ولكن النفوس كانت تضطرم بنار الوطنية والقلوب تنطوي على حقد دفين لهؤلاء الذين اغتصبوا حرية مصر، واستباحوا حرماتها، مع أنها كانت بالأمس القريب في عهد إسماعيل تتطلع إلى مستقبل باسم. وكانت تعاليم جمال الدين الأفغاني، وما بثه في مصر من حب للحرية، وثورة على الاستبداد والبغي ورغبة ملحة في إصلاح المفاسد الاجتماعية، وتحقيق العدالة بين الناس، ومن نظام الشورى الصحيح لا تزال تطن في الآذان، وتتردد في الأذهان وكانت ثورة عرابي والمبادئ العظيمة التي نادت بها من رفع السخرة وإنصاف المصريين ضباطًا وشعبًا والعدالة الاجتماعية بين الطبقات، وإنشاء المجلس النيابي لتمثل فيه الأمة، وما راح ضحية هذه الثورة من ضحايا لا يزال كله ماثلًا في قلوب المصريين. بيد أن الإنجليز كبتوا هذا الشعور الجياش وحاربوا في عنف وقسوة دعاة الحرية، وإن تظاهروا بأنهم أطلقوا للصحافة العنان، وتركوها حرة تقول ما تشاء.
وسارت المؤيد في محاربة الإنجليز من غير هوادة ومهادنة، وأفسحت صفحاتها لذوي الأقلام الملتهبة المستنيرة من أمثال سعد زغلول، وإبراهيم اللقاني، إبراهيم المويلحي، وعبد الكريم سلمان، ومحمد عبده، وتوفيق البكري، وفتحي زغلول وغيرهم وكانت المسرح الأول لمقالات مصطفى كامل المشتعلة ضد الاستعمار. وظل هذا ديدنها أمدًا طويلًا حتى بعد أن استمال الإنجليز صاحبها قليلًا، وفترت حدته نوعًا ما بتأثير الشيخ محمد عبده صديق "كرومر" من جهة، ولمهادنة عباس للاحتلال من جهة ثانية1. وقد يكون الشيخ على يوسف قد هادن الإنجليز، وسكت عن مخازيهم؛ ولكنه لم يثن عليهم أو يدعو لهم في يوم من الأيام، ولقد لاقى من رجال الحزب الوطني أشد العنف والإرهاق حين خفف لهجة المؤيد ضد الإنجليز، ولم تعد ترحب بمقالات مصفى كامل.
وكان الشيخ علي يوسف موزع الولاء بين حبه للخديو وإخلاصه لمحمد عبده، فلما عقد الاتفاق الودي بين الإنجليز وفرنسا في سنة 1904، وظهر إنحياز
__________
1 اللواء في يوم 26 من ديسمبر سنة 1906.
(2/90)

الخديو بشكل واضح إلى الاحتلال، وقطع مصطفى كامل صلته بالخديو؛ لأنه لم يعد في نظره أهلًا لأن يتزعم الحركة الوطنية فانصرف عنه، وفي ذلك يقول: "لما رأيت، رغبة سموه في توطيد الحملات الحسنة بينه وبين ملك الإنجليز وحكومته، وجدت من واجبي أن أكون بعيدًا عنه" -لم يجد الشيخ على يوسف بدًّا من أن يتبع الخدو في سياسته، والشيخ محمد عبده في ميوله، ولكنه كما ذكرنا ظل حتى آخر لحظة من حياته عدوًا للإنجليز، وأن أسس حزب الإصلاح ليدافع عن الخديو وتركيا1.
ظهرت في مصر إبان هذه الفترة ثلاثة أحزاب: أولها الحزب الإنجليزي ولسان حاله جريدة المقطم، ومن رجاله مصطفى فهمي، ونوبار، ومحمد سعيد وكثير من اللبنانيين الذين لجئوا إلى مصر، وكانت صدورهم حانقة على تركيا، وحزب الخديو وتمثله المؤيد وصاحبها، ويدين بالولاء لتركيا عن عقيدة دينية، وقد عبر المؤيد عن خدماته لها في موضع العتاب، حين اتهم بخروجه عن ولائه عقب وفاة السلطان عبد الحميد بقوله2: "كان المؤيد -وما زال- خادم الدولة الأمين ورسولها الصادق إلى الأقطار الإسلامية، وصوتها المسموع في أنحاء العالم، وقد تأسس على دعامة التفاني في الإخلاص لعرش الخلافة العظمى.
ولقد يعلم القراء أن المؤيد سعى سعيًا مجيدًا في مساعدة الدولة في حربيها الأخيرتين3 بل هذه اللجنة العليا لحربي طرابلس والبلقان، وتلك الخطب الرنانة التي كان يلقيها مؤسس المؤيد في وسط جماهير المكتتبين للحربين للحث على البذل بجود وسخاء، وما كان يتبعها من الفصول التي تكتب في المؤيد بقلمه، وقلم إدارة التحرير كلها أدلة مجسمة على أن المؤيد قام للدولة العلية بالواجب في كل أدوار حياته".
__________
1 راجع مقالًا للمؤلف عن الشيخ علي يوسف في مجلة الكتاب يونية سنة 1948 وفي دراسات أدبية للمؤلف ج1.
2 المؤيد في 18 من أكتوبر سنة 1913.
3 يشير إلى حرب البلقان وحرب طرابلس.
(2/91)

وثالث هذه الأحزاب: الوطني، وقد كان مصطفى كامل يدعو أول الأمر لتركيا ويقول: "حقًّا إن سياسة التقرب من الدولة العلية لأحكم السياسات وأرشدها، ولا غرو أن كنا نتألم لآلام الدولة العلية، فما نحن إلا أبناؤها المستظلون بظلها الوريف المجتمعون حول رايتها. وقصارى القول إن الراية العثمانية هي الراية الوحدية التي يجب أن نجتمع حولها، ولا تتحقق وحدتنا بغير الاتحاد، والائتلاف قلبًا ولسانًا1.
ويظهر أن موقف مصطفى كامل هذا كان موضع نقد كثير؛ إذ كيف يطلب لمصر الاستقلال التام، وطرد الإنجليز منها في الوقت الذي يريدها أن تكون خاضعة لتركيا، وقد دافع مصطفى كامل عن وجهة نظره في أكثر من خطبة، وبين بوضوح وجلاء، أنه إنما يدافع عن حق مصر الدولي، فتركيا بمقتضى معاهدة لندن سنة 1840 الدولة صاحبة السيادة على مصر، وقد اعترفت الدولة جميعًا بهذه المعاهدة، بينما لا توجد لدى الإنجليز أن وثيقة تؤيد بقاءهم فيها، فكان مصطفى كامل يدعو الإنجليز وسائر دول أوربا إلى احترام هذه المعاهدة، أضف إلى هذا أن تركيا على الرغم من ضعفها، وسوء حالها كانت تناوئ الإنجليز في مصر، وتود أن يخرجوا منها، وهذا يزيد المصريين في مطالبتهم بالاستقلال قوة، ثم أن سيادة تركيا على مصر كانت سيادة اسمية، لا تتدخل في شئونها الداخلية أو الخارجية، منذ معاهدة لندن 1840 بل قبل ذلك حين ثار عليها محمد علي وكاد يفتح القسطنطينية.
ولقد أشار مصطفى كامل في غير ما خطبه ومقالة إلى هذه المعاني، فمن ذلك ما كتبه إلى مدام جولييت أدم: "إنك تعلمين خطتي نحو تركيا، وما أراه واجبًا نحوها، فقد أفصحت عن ذلك في خطبتي، واعترف كثيرًا من أصدقائنا اليونانيين بأن من السياسة القومية لمصر أن تكون حسنة العلاقة مع تركيا ما دام الإنجليز محتلين وطننا العزيز"2.
__________
1 مصطفى كامل 220 ط ثانية.
2 اللواء 2 من مايو سنة 1906.
(2/92)

ورد على منتقديه في اللواء بقوله: "أما دعواكم أن المواطنين المصريين يريدون الانتقال من استبداد إلى استعباد، وأنهم إنما يطالبون خروج الإنجليز من مصر ليدخلوا تحت حكم جديد، فهي دعوى لا يقبلها ذو لب، ولا يسلم بها أحد من العقلاء، فإننا نطلب استقلال وطننا، وحرية ديارنا، ونتمسك بهذا المطلب إلى آخر لحظة من حياتنا"1.
وقال في إحدى خطبه: "إن مظاهرة الأمة المصرية نحو الدولة العلية هي مظاهرة ضد الاحتلال الإنجليزي، واشترك أفراد الأمة على اختلافهم في الاكتتاب للجيش العثماني هو اقتراح عام ضد الإنجليز في مصر"2.
وقال في موضوع آخر: "ماذا يكون مصير البلاد المصرية لو تنازلت تركيا عن حقوقها لإنجلترا، أو تعاهدت معها على ذلك بمعاهدة شبيهة بالمعاهدة الفرنسية الإنجليزية "1904" ألا تصير ولاية إنجليزية؟ إذن فلماذا يدهش الكاتب من كوننا نجعل علائقنا مع تركيا حسنة، ونسعى لنيل الوسائل التي قد تفيدنا وتنفعنا؟ "3.
وقد جارى مصطفى كامل في ذلك رجال الحزب الوطني من بعده، فقد جاء في تقرير الحزب الوطني الذي أرسله إلى مؤتمر الصلح بعد الحرب العالمية الأولى، والذي نشر في إبريل سنة 1919 ما يأتي: "كان الحزب الوطني يطلب احترام معاهدة سنة 1840، ولم يكن ذلك عن رغبة منه عن الاستقلال المطلق، أو كما يقول أنصار الاستعمار الإنجليزي سعيًا في تغيير النير الإنجليزي بسيادة تركيا -كلا- فإن الحزب الوطني يتوخى الوسائل السلمية دون غيرها، لذلك كانت سياسته الاحتفاظ بعضد الدولة العثمانية وتذكير الدولة بمعاهدتها الضامنة لمصر الاستقلال الداخلي، على -أننا والحق- يقال لم نشعر قط بسيادة تركيا الاسمية بجانب السلطة الإنجليزية، ولم نرَ منها منذ سنة 1840 افتئاتًا على
__________
1 اللواء 2 من مايو سنة 1906.
2 المؤيد 9 يونيو 1892.
3 اللواء في 6 أكتوبر 1906.
(2/93)

استقلالنا الداخلي -لهذا كان من أسباب سكوتنا عن تركيا عدم شعورنا بثقل سيادتها، أما الآن وقد وصلت الإنسانية إلى هذه الدرجة من الرقى وجئنا أمام محكمة عادلة تريد أن ترد الحقوق إلى أربابها، فإن لنا أن نطلب كامل الحق -نطلب جلاء الإنجليز حالًا، واستقلال التام"1.
ولقد حاول الإنجليز أن ينتزعوا اعترافًا بمركزهم في مصر، وقد مكنهم انتصارهم في الحرب العالمية الأولى من أخذ هذا الاعتراف دوليًّا فاعترفت تركيا بحماية إنجلترا على مصر في معاهدة سيفر "أغسطس سنة 1920" وحذا حذوها كثير من الدول2.
ولقد أفضت في الحديث عن تركيا وموقف مصر منها؛ لأن أدبنا في هذه الحقبة، ولا سميا الشعر متأثر كل التأثر بهذه العلاقة سواء كانت سياسية، أو دينية لوجود خليفة المسلمين بتركيا، فأنت ترى شوقي، وهو شاعر الخديو، وفيه دم تركي يتغنى في مناسبات شتى بأمجاد الترك، ويرجى الثناء العاطر، والمديح المستطاب لعبد الحميد الطاغية، ويفرح المصريون، والعرب عامة حين يعلن الدستور في تركيا سنة 1908 ويسجل الشعراء ذلك في أشعارهم، وما من شاعر في الجيل الماضي إلا ومدح عبد الحميد وغير عبد الحميد من سلاطين آل عثمان، وفرح بانتصار الأتراك في معاركهم، وحن لأحزانهم.
وإذا تصفحت شعر شوقي تجد أنه أسرف في مدح عبد الحميد3 الطاغية، وفي إظهار ولائه للأتراك فلا تكاد تمر مناسبة سارة أو محزنة لهم من غير أن يقول فيها قصيدة وهذا ديوانه بين أيدينا تجد فيه ما يقرب من خمس عشرة قصيدة في الأتراك وسلطانهم، وقوادهم والمناظر الجميلة ببلادهم، وتراه يبالغ في مدح عبد الحميد مبالغة غير مقبولة من مثل قوله:
__________
1 ثورة سنة 1919 ج1 ص95.
2 ثورة سنة 1919 ج2 ص71.
3 ولد السلطان عبد الحميد في 21 سبتمبر سنة 1842، وتولى الملك في أغسطس سنة 1876: وخلع في 27 من إبريل سنة 1909 وتوفي في 10 من فبراير سنة 1918.
(2/94)

فأحييت ميتًا دارس الرسم غابرًا ... كأنك فيما جئت عيسى المقرب
سهرت ونام المسلمون بغبطة ... وما يزعج النوام والساهر الأب
ويجعله عمر بن الخطاب في عدله، وحدبه على اليتامى بقوله:
عمر أنت بيد أنك ظل ... للبرايا وعصمة وسلام
ما تتوجت بالخلافة حتى ... توج البائسون والأيتام
وسرى الخصب والنماء ووافى ... البشر والظل والجنى والغمام
وبدا الملك ملك عثمان من علـ ... ـيك في الذروة التي لا ترام
ويفصح عن محبته للأتراك بقوله:
وزينب إن تاهت وإن هي فاخرت ... فما قومها إلا العشير المحبب
وعن تبعية مصر لعبد الحميد بقوله:
وإني لطير النيل لا طير غيره ... وما النيل إلا من رياضك يحسب
ويبشر شوقي في بعض القصائد العثمانية إلى هذا المعنى السياسي الذي وضحناه آنفًا، وهو أن حسن العلاقة بين مصر وتركيا يحول دون تنازل الثانية عن حقها المعترف به دوليًّا ويجعل مركز الإنجليز في البلاد غير شرعي بقوله في قصيدة يهنئ فيها الخليفة بالعيد:
أبا القمرين عرشك في قلوب ... تجاوز في الولاء المستطاعا
ترى فيه الصبان لحق مصر ... فلولا العرش يعصمه لضاعا
يود سواك أن تهدي إليه ... ولو تشري القلوب ولن تباعا
ويقول له من قصيدة أخرى يستنجد به ويستصرخه:
نستميح الإمام نصرًا لمصر ... مثلما ينصر الحسام الحسام
فلمصر وأنت بالحب أدرى ... بك يا حامي الحمى استعصام
وإلى السيد الخليفة نشكو ... جور دهر أحراره ظلَّام
وعدوها لنا وعودًا كبارًا ... هل رأيت القرى علاها الجهام
(2/95)

فارفع الصوت إنها هي مصر ... وارفع الصوت إنها الأهرام
وارع مصرًا ولم تزل خير راع ... فلها بالذي أرتك زمام
وقد حزن شوقي أشد الحزن حين هوت الخلافة عن سلاطين آل عثمان، وندبها وبكاها في أكثر من قصيدة، ونصح لمن قاموا بهذا الانقلاب أن يبقوا على وشائج القربى بيننا وبينهم، وقد كان مدفوعًا ولا شك فعاطفته الدينية، والجنسية، فيقول للكماليين:
يا فتية الترك حيًّا الله طلعتكم ... وصانكم وهداكم صادق الخدم
أنتم غد الملك والإسلام لا براحًا ... منكم بخير غد في المجد مبتسم
تحلم مصر منها في ضمائرها ... وتعلن الحب جمعًا غير متَّهم
فنحن إن بعدت دارٌ وإن قربت ... جاران في الضاد أو في البيت والْحَرَم
وترى شوقي يحزن لحزن الأتراك، ويفرح لأفراحهم فيقول عند سقوط أدرنه قصيدته التي مطلعها:
يا أخت أندلس عليك سلام ... هوت الخلافة عنك والإسلام
ويرثي طيارين تركيين سقطت بهما الطيارة في مصر بقصيدته التي مطلعها:
انظر إلى الأقمار كيف تزول ... وإلى وجوه السعد كيف تحول
ويرثي أدهم باشا التركي1 وعثمان باشا الغازي الذي اشتهر في حربه مع الروس2 وإذا عذر شوقي في كثرة ما قال في تركيا، وفي شدة تعلقه بها؛ لعاطفته الدينية، ثم لوجود دم تركي فيه، ولأنه شاعر الأمير، والأمير من أصل تركي، فإنَّ كثيرًا من شعراء الجيل الماضي قد أظهروا هذه العاطفة نحو تركيا؛ فهذا السيد توفيق البكري يمدح السلطان عبد الحميد في قصيدة طويلة3 يقول في أولها:
__________
1 شوقيات ج3 ص140.
2 المصدر السابق ص142.
3 صهاريج اللؤلؤ ص50.
(2/96)

أما ويمين الله حلفة مقسم ... لقد قمت بالإسلام عن كل مسلم
فلولاك بعد الله أمست دياره ... بأيدي الأعادي مثل نهب مقسم
إمام في آل عثمان لحمة ... تبحبح منها في الذرى والمقدم
وهذا حافظ يمدح عبد الحميد بأكثر من قصيدة فيهنئه بعيد جلوسه في سنة 1901 بقصيدة مطلعها1:
وفيها يقول:
وهل قر في برج السعود متوج ... كما قر في "يلديز" ذلك المعصَّب
تجلى على عرش الجلال وتاجُه ... يهش وأعواد السرير ترحب
سما فوقه والشرق حذلانُ شَيِّقُ ... لطلعته والغرب خذلان يرقب
ويقول في قصيدة أخرى مطلعها2:
أثنى الحجيج عليك والحرمان ... وأجلَّ عيد جلوسك الثقلان
وهذا محمد عبد المطلب يمدح عبد الحميد ويهنئه بالدستور في سنة 1908 بقصدة يقول في أولها:
يا عيد حي وأنت خير نهار ... عبد الحميد بدولة الأحرار
ملك أقام على الخلافة منهم ... حرسًا وقاها صولة الأشرار
ويفرح لانتصار الأتراك على اليونان في حرب "سقاريا"3 إلى غير ذلك من المناسبات التركية.
__________
1 ديوان حافظ ج1 ص15.
2 ديوان حافظ ج1 ص44 وقد قالها مهنئًا بعيد جلوسه 1908 بعد إعلان الدستور العثماني.
3 ديوان عبد المطلب ص198.
(2/97)

وترى مصطفى صادق الرافعي يجاري شعراء زمانه فيمدح عبد الحميد بثلاث قصائد1، وقلما أحجم شاعر مصري مسلم عن إظهار عاطفته لخيلفة المسلمين وللأتراك، بل إن إعلان الدستور في تركيا كان عيدًا عامًّا لدى المسلمين في كافة أنحاء الأرض، وسجل شعراء العربية أينما حلوا سرورهم بزوال الطغيان وحكم الفرد، وبدء عهد جديد من الحرية سيان في ذلك المسلمون والمسيحيون2.
ومهما يكن تأويل رجال الحزب الوطني، وحزب الإصلاح لولائهم لتركيا وعرش الخلافة، فالحق الذي لا مرية فيه أن فكرة القومية المصرية لم تكن حتى نهاية القرن التاسع عشر قد نضجت النضج الكافي، ولم يكن المصريون يفكرون جديًّا في الاستقلال التام عن تركيا، وإن طمع في ذلك إسماعيل، بيد أن تركيا والدول قد كادوا له؛ وإن ظهر ذلك على لسان أحمد عرابي كما بينا ذلك في الجزء الأول وعلى لسان عبد الله نديم في الأستاذ، ونادى كلاهما بأن مصر للمصريين، ولكنها لم تكن دعوة مؤسسة على عقيدة ثابتة3.
وكيف تظهر فكرة الانفصال عن تركيا وخديو مصر يستمد سلطانه الشرعي من الخليفة ويدين له بالولاء ولو اسميًّا؟
أجل! ظهر في مصر حزب لم يكن راضيًا عن هذه السياسة4 وشجعهم الإنجليز على ذلك، وأخذوا ينددون بمساوئ الحكم التركي بعامة، وبعهد عبد الحميد الطاغية بخاصة، استمع لخليل مطران يعزي الآستانة حين أشعلت فيها النار بعد صدور الدستور، واتهم بذلك أنصار عبد الحميد؛ إذ لم يطق صبرًا على حكم الشورى، وخلع في سنة 1909، وتولى بعده السلطان محمد الخامس.
فروق لا تستيئسي وذوى ... بالحق عن دستورك المجيد
مكايد الطاغية المريد ... وفتك أهل البغي والجحود
بالأبرياء الآمنين القود ... والشيب والأطفال في المهود4
شر العدى لعهدك الجديد ... أصلوك نارهم بلا وعيد
__________
1 ديوان الرافعي ج1 ص33، 46، ج2 ص69.
2 راجع العوامل الفعالة في الأدب العربي الحديث لأنيس المقدسي.
3 راجع في الأدب الحديث 1 ص327 ط سابعة.
4 المرجع السابق ص392.
(2/98)

واستمع كذلك لولي الدين يكن، وقد أوذي ونفي لأنه حمل حملة شعواء على عبد الحميد وطغيانه، ومساوئ العهد التركي:
يا وطنًا قد جرى الفساد به ... متى يرينا إصلاحك الزمن
دفنت حيًّا وما دنا أجل ... ما ضر لو دافنوك قد دفنوا
ويعارض شوقي في قصيدته التي قالها غب خلع عبد الحميد والتي يقول في أولها:
سل يلدزا ذات القصور ... هل جاءها نبأ البدور
لو تستطيع إجابة ... لبكتك بالدمع الغزير
ويقول ولي الدين في عبد الحميد:
وخترت يا عبد الحميد ... وما استحيت من الختور
إن الثلاثين التي ... مرت بنا مر العصور
وهبتك تجربة الأمور ... فعشت في جهل الأمور
ورددت عادية الخلا ... فة بعد ذلك للصغير
من كان يدعوك الخبيـ ... ـر فلست عند بالخبير
ولكن أمثال مطران، وولي الدين يكن كانوا يريدون إصلاح حال تركيا، ولم تظهر الفكرة الوطنية المصرية بعيدة عن الجامعة الإسلامية بوضوح وجلاء إلا على يد رجال حزب الأمة كما مر بك1 ولكن هذا الحزب في مبدأ نشأته كان مواليًا للاحتلال، وظل مترسمًا خطى الشيخ محمد عبده في ذلك السبيل حتى رحل كرومر عن مصر، فغمرته موجة الوطنية2.
ومهما يكن من اختلاف نظرة الشعراء في مصر إلى تركيا، فقد كانت هناك حقيقة واقعة كان يجب ألا يختلفوا فيها وهي ذلك الاحتلال الجاثم على صدر
__________
1 راجع ص65 من هذا الكتاب.
2 راجع شارلز آدمز ص215 في كتاب الإسلام والتجديد، والحقيقة عن مصر تأليف الكسندر ص201- 202- لندن 1911.
(2/99)

مصر يسلبها أعز ما تصبو إليه الأمم وهو نعمة الاستقلال، وحرية التصرف، والسير في سبيل الرقي، ويسلبها في الوقت نفسه ثروتها، ويدفعها إلى ظلمات الجهل، أو إلى علم ضحل أحسن منه الجهل.
وقد ظن الإنجليز منذ وطئت أقدامهم أرض مصر في سنة 1882 أن الشعور الوطني قد خمدت جذوته، وزالت حدته، وضعفت شِرَّته، وأن المصريين قد استناموا لعدلهم المكذوب، أو لحكمهم المرهوب، ولكن راعهم صوت مصطفى كامل المدوي، الممتلئ قوة وفتوة وعزيمة، ونزاهة قلب وضمير ويد ولسان كأنه الشعلة المتقدة ترفعها يد الحق عالية تبدد ظلمات الجور والعسف والذلة والانحلال، فاستجابت القلوب لضوئها، وسارت في هديها، ولبى نداءه كل وطني غيور كان يكبت شعوره، وسارت أغلبية الأمة من خلفه ففزعت إنجلترا، وارتاعت لهذه الوطنية، وخشيت أن تجتاحها من مصر وأن تغرق الأرض تحت قدميها أو تفوض دعائم الاحتلال الذي شيدته في ما يقرب من عشرين عامًا، ويصير رمادًا لا أثر له.
وكان الخديو عباس الثاني يشجع مصطفى كامل أول الأمر ويؤيده في جميع مجهوده، ويمده بالمال، لينفق على دعايته ضد الإنجليز1، ويتمكن من السفر إلى فرنسا؛ لأنها كانت تناصره، ووجد فيها أصدقاء من رجال الصحافة والسياسة يشدون أزره، وينشرون كلماته الملتهبة، ويبصرون الرأي العام الأوربي بمساوئ الاحتلال في مصر. بيد أن عباسًا قد رأى أنه لا يستطيع مسايرة الحركة الوطنية ولا سيما بعد أن اتفقت فرنسا وإنجلترا سنة 1904 فأخذ يهادن الاحتلال، وعلم أن لا سبيل لمعاداته، وأن مصالحه الكثيرة تتعطل بسبب هذه العداوة، وحينئذ رأى مصطفى كامل أن يستقل بحركته، وأن يقطع صلته بالخديو وفي هذا يقول: "ولما رأيت رغبة سموه في توطيد الصلات الحسنة بينه وبين ملك الإنجليز وحكومته، وجدت من واجباتي أن أكون بعيدًا عن سموه"2، وقال في مناسبة أخرى: "قد قلنا مرارًا إن سمو الأمير بعيد عن الحركة الوطنية، وأن
__________
1 تاريخ الإمام الشيخ محمد عبده ج1 ص592، مصطفى كامل لعبد الرحمن الرافعي ط ثانية ص336.
2 اللواء عدد 26 من ديسمبر سنة 1906.
(2/100)

المجاهدين ضد الاحتلال مستقلون عن سموه كل الاستقلال، فهو إن قال كلمة في صالح الحركة الوطنية خدم نفسه وعرشه واستمال أمته إليه، وإن عمل ضدها أضر نفسه وعرشه ونفر أمته منه"1.
أيقظ مصطفى كامل ورجال الحزب الوطني، ورجال الخديو عباس وعلى رأسهم الشيخ علي يوسف في المؤيد الشعور الوطني، وكان طبيعيًّا أن يظهر هذا الشعور في الأدب ولا سيما في الشعر؛ ولو نظرنا إلى شعرائنا الذين اشتهروا في ذلك الوقت وجدناهم يقفون من الاحتلال وشئونه مواقف متباينة، مع أن الواجب كان يقضي عليهم بأن تكون نظراتهم إليه واحدة؛ نظرة الساخط الغاضب الحانق على الحرية المسلوبة والحق المضاع، والظلم البين، والوطن المستباح. ولكنهم تأثروا بعده عوامل بعضها شخصية وبعضها سياسية.
أما شوقي فكان شاعر القصر، وكان القصر متحفظًا في مجاهرته بالعداء للإنجليز، يساعد الوطنيين سرًّا، ولكن لا يريد أن يظهر حتى لا يتمسك عليه المحتل الغشوم بشيء فيسطقه عن عرشه، وهو صاحب الحول والطول والجيش المحتل، المدجج بالسلاح، وكثيرًا ما اصطدم بكرومر، ولكن الكلمة الغالبة والرأي النافذ كان في آخر الأمر لممثل الاحتلال2 وظلت علاقته بكرومر سيئة حتى بعد أن انفصل عن الحركة الوطنية إلى أن ترك كرومر مصر؛ وذلك لأن كرومر كان عاتيًا جبارًا، وقد حدث بينهما ما لا يدع مجالًا للوفاق على الرغم من تساهل عباس وإظهاره الرضا عن الاحتلال، فقد كان من عادة الجيش البريطاني أن يقوم بعرض عسكري في يوم عيد ميلاد ملكهم وكان كرومر يرأس هذا العرض. ثم رأس خلفه "الدون جورست" ومنذ سنة 1904 ابتدأ عباس يحضر هذا العرض ويقف تحت العلم البريطاني في ميدان عابدين إلى جانب كرومر، وقد اشتدت عليه حملة الوطنيين لذلك مما اضطره إلى التنصل، وإصداره بلاغًا يعزو فيه وجوده في أثناء العرض إلى محض الصدقة، ولكنه فعل ذلك في العام التالي، فهاج الطلبة، وثارت الصحافة وحدثت بعد ذلك حوادث اضطرته إلى العدول عن حضور العرض3. ومن أمارات تساهل عباس مع كرومر كذلك أنه رضي بأن يعين له
__________
1 اللواء عدد 27 مايو سنة 1907.
2 راجع مصطفى وما بعدها.
3 راجع مصطفى كامل ص183 وما بعدها، ومحمد فريد ص72.
(2/101)

"ياور" إنجليزي في سنة 1905 هو وطسن باشا1 ولكن كرومر لم يثق بعباس مطلقًا فلما رحل عن مصر وعين "الدون جورست" بدلًا منه، ظهر عباس بخضوعه التام للإنجليز، واستسلامه لهم، وأخذ ينفي عن نفسه تهمة العمل ضد الاحتلال، ويذكر اللورد كرومر بالخير، ويصرح بأن المعتمد البريطاني لا يستطيع أن يحكم مصر وحده، وأنه مستعد للتعاون معه، وأنه لا فائدة للمصريين من استبدال احتلال باحتلال، وأن الاحتلال البريطاني أفضل من سواه2.
كان شوقي حبيسًا في قفص من ذهب، صنعه له القصر، وكان بهذا وبحكم نشأته البعيدة عن الشعب وآماله وآلامه، وبحكم صلته بالقصر، وما تفرصه عليه هذه الصلة من أتباع سياسة الأمير، وأن يفكر ويتدبر، ويقدر قبل أن ينطق، ويقيس صلته بالناس، وعداوته، وقربه، وبعده نرضى الأمير وسخطه، كان بحكم كل هذه المور بعيدًا عن طبقات الشعب، لا يعرف من السياسة القومية الصحيحة إلا بمقدار ما يشعر به عباس، وتارة يسمح له بالقول، وتارة يأبى عليه أن يجهر برأيه، وإن كان شوقي -والحق يقال يحب مصر من أعماق قلبه، وقد عبر عن هذا الحب بشتى السبل ولكن الذي لِيمَ عليه أنه لم يكن يجاري التيار الوطني المتدفق أيام أن كان مع عباس.
لما رحل كرومر عن مصر، وعلاقته بعباس ما عرفت، وأساء في خطبة وداعه لإسماعيل كل الإساءة على الرغم من حضور الأمير حسين كامل قال قصيدته المشهورة3.
أيامكم أم عهد إسماعيلا ... أم أنت فرعون يسوى النيلا
أم حاكم في أرض مصر بأمره ... لا سائلًا أبدًا ولا مسئولا
يا مالكًا رق الرقاب ببأسه ... هلا اتخذت إلى القلوب سبيلا
لما رحلت عن البلاد تشهدت ... فكأنك الداء العياء وبيلا
__________
1 مصطفى كامل ص185.
2 من حديث للخديو عباس مع مراسل الديلي تلغراف في مايو سنة 1907 راجع اللواء 26 من مايو سنة 1907.
3 ديوان شوقي الجزء الأول ص178.
(2/102)

ولقد مرت بمصر حادثة فظيعة لم يقل فيها شوقي أول الأمر شيئًا، تلك هي حادثة دنشواي1، ولم ينطق إلا بعد مرور عام، وبعد أن ذهب كرومر من مصر. ولقد أظهرت هذه الحادثة رجال الاحتلال على حقيقتهم، وعرفت المصريين مقدار كذبهم ونفاقهم، لم يكن القصد الجنائي في هذه الحادثة متوافرًا في قليل أو كثير، فهي من أولها إلى آخرها قضاء وقدرًا، فلو أن صيادي الحمام ابتعدوا قليلًا عن جرن الغلال لما حدث شيء، بل لو هدأ هذا الجندي المصاب، ولم يجر فزعًا مسافة طويلة في الشمس المحرقة لما خر صريعًا بضربة شمس لا بضربة العصا، كما اعترف بذلك تقرير الطبيب البريطاني نفسه.
ولكن رجال الاحتلال فقدوا أزمة أعصابهم، وطغت عليهم سورة الانتقام، على نحو ضاعت معه كل مظاهر العدالة التي هي أول واجب عليهم، كما أنها من أوائل حقوق المتهمين، ولكن كيف تذكر العدالة، وقد تصرف الإنجليز بنزق وطيش، حتى إنهم أرسلوا المشانق من القاهرة إلى دنشواي قبل أن تعقد المحكمة لنظر القضية، ولقد كانت محكمة عسكرية ممسوخة التكوين جل أعضائها من الإنجليز، فهي الخصم والحكم وتحاكم قومًا مدنيين، لا جنودًا محاربين. وفي إبان السلم لا في زمن الحرب، وفي وقت يسود فيه النظام والهدوء فلا أحكام عرفية، ولا إجراءات استثنائية؛ وهي محكمة لا تتقيد بقانون وحكمها غير قابل للطعن فيه أو النقض له، أو حتى لمجرد التعديل أو المراجعة او التصديق، بل حكمها مبرم كأنه القضاء النازل لا راد له، ولا حِوَل عنه. ومتهمون يساقون في عجلة متناهية إلى محكمة، ودفاع متخاذل لم يكترث بخطورة الاتهام، ولم يتناسب مع شدته
__________
1 دنشواي قرية صغيرة تابعة لمركز شبين الكوم، وقد ذهب إليها جماعة من الإنجليز في 13 من يونيو سنة 1906 لصيد الحمام، فأصابت رصاصة من رصاصاتهم امرأة وحرقت جرن قمح، فتجمع الأهلون غاضبين، فاعتدى البريطانيون عليهم بأسلحتهم، وقتلوا شيخ الخفراء، فدفع الناس عن أنفسهم بالحجارة فجرح أحد الضباط الإنجليز في رأسه جرحًا وفر الجريح ومن معه، وجروا في الشمس ما يقرب من ثمانية أميال، فمات متأثرًا بضربة الشمس وتارت ثائرة الإنجليز لهذه الحادثة، وأسرفوا في تصويرها إسرافًا جعلهم بخرجونها من صبغتها الفردية إلى التعصب الديني وإلى أنها تمثل روح التمرد الكاملة في نفوس المصريين. فعقدوا محكمة عسكرية قضت على واحد وعشرين رجلًا بأحكام مختلفة أعدم منهم أربعة وقد صدر هذا الحكم في 27 من يونية سنة 1906أي بعد الحادثة بأربعة عشر يومًا "راجع تفاصيل الحادثة في كتاب مصطفى كامل لعبد الرحمن الرافعي ص 192".
(2/103)

وقسوته. وحكم قاسٍ غريب يصدر في سرعة فائقة بإعدام أربعة من المتهمين شنقًا أولهم شيخ في الخامسة والسبعين. ونفذ الحكم في اليوم التالي لصدوره بطريقة وحشية تشمئز منها النفوس وتقشعر لهولها الأبدان، فقد شنق جهارًا في رائعة النهار وفي نفس المكان الذي وقعت فيه الحادثة، وعلى مرأى ومسمع من أهليهم وذويهم، وهذا -ولا ريب- منافٍ لكل قواعد الذوق والشعور الإنساني. وعلى العموم فإن الألفاظ لتتحاذل عن وصف هذه البشاعة، والفجر، والقسوة الغاشمة، ومتابعة تنفيذ الحكم من جلد، وتعليق للمشنوقين ... إلخ.
ولقد استغل الوطنيون هذه الحادثة الفظيعة أروع استغلال، وشنها مصطفى كامل وصحبه حربًا شعواء على رجال الاحتلال، سمع صوتهم الإنجليز في بلادهم، وأثير بسببها الجدل في مجلس العموم البريطاني، وعدل رجال الاحتلال بعدها من سياستهم المتعسفة نحو مصر، وأجبر اللورد كرومر على الاستقالة عقب هذه الحادثة. وهي نهاية عهد كان الاحتلال يتمتع فيه بالاستقرار والطمأنينة، وبداية مرحلة جديدة من مراحل الجهاد القومي، عم فيها الشعور الوطني بعد أن كان الظن أن سواد الأمة راضٍ عن الاحتلال1.
ومما يذكر في صدر حادثة دنشواي أن الكاتب العالمي "جورج برناردشو" كتب عن هذه الحادثة فصلًا من ست عشرة صفحة في مقدمة كتابه "جزيرة جون بول الأخرى" ولم يكتب أحد عن قضية دنشواي من الأجانب ما يضارعه في صدق العاطفة والدفاع ومضاء الحجة، وشدة الغيرة على المظلومين في هذا الحادث المشئوم، حتى لقد قرن "شو" في إنجلترا باسم دنشواي، ومما قاله في تلك المقدمة: "إن الفلاحين لم يتصرفوا في هذا الحادث غير التصرف الذي كان منتظرًا من جمهرة الفلاحين الإنجليز؛ لو أنهم أصيبوا بمثل مصابهم في المال والحرمان، وإن الضباط لم يكونوا في الخدمة يوم وقوع الحادث بل كانوا لاعبين عابثين، وأساءوا اللعب، وأساءوا المعاملة، وإن الفلاح الإنجليزي ربما احتمل عبثًا كهذا لأنه على ثقة من التعويض، ولكن القرويين لم تكن لهم هذه الثقة
__________
1 راجع مصطفى كامل ص 232 وما بعدها.
(2/104)

بالتعويض، ولا بالإنصاف وإن أحد المشنوقين كان شيخًا في الستين، يبدو من الضعف كابن السبعين، فلو لم يشنق لجاز أن يموت في السجن قبل انقضاء خمس سنوات.
ثم أجمل القول في الحادثة، ووقائع المحاكمة، وأقوال الشهود، وما جوزي به بعضهم على الصراحة في أداء الشهادة، وأشبع اللورد كرومر ووكيله "مستر فندلي" تقريعًا وسخرية على ما كتباه عن القضية إلى وزير الخارجية، ومنه قول "فندلي" في تسويغ عقوبة الجلد بمصر: "إن المصريين قدريون لا يهمهم الموت، كما تهمهم العقوبة البدنية"، فكان تعقيب "شو" على هذا التعليل العجيب، أن العجب إذا في أمر الأربعة المشنوقين، أليسوا من المصريين؟
وقد شملت حملته الوزارة البريطانية، والبرلمان الإنجليزي؛ لأنهم لم يمنعوا تنفيذ الحكم بعد تبليغه، وقال: "إن الإفراج عن المسجونين من أهل القرية أقل تفكير منتظر عن هذه الكارثة البربرية" وظل "شو" يتابع القضية بعد إقامة كرومر، وأعلن اغتباطه بعد سنة حين أثمرت حملته ثمرتها المشكورة، وأبلغوه أن العفو عن السجناء قريب1.
قلنا: إن شوقي صمت عامًا كاملًا لم يقل كلمة؟ وكان المنتظر بعد أن عم الأسى من أقصاها إلى أقصاها، وتألم لمصابها حتى الإنجليز أنفسهم، وصار الناس كأنهم في مأتم على حد قول قاسم أمين: "رأيت عند كل شخص تقابلت معه قلبًا مجروحًا، وزورًا مخنوقًا، ودهشة عصبية بادية في الأيدي والأصوات. وكان الحزن على جميع الوجوه، حزن ساكن مستسلم للقوة، مختلط بشيء من الدهشة والذهول، وترى الناس يتكلمون بصوت خافت، وعبارات متقطعة، وهيئة بائسة، منظرهم يشبه منظر قوم مجتمعين في دار ميت"2.
نقول كان من المنتظر من شوقي وأمثال شوقي أن يعبروا عن عواطف المصريين جميعًا إزاء هذه الكارثة، وأن يشعلوها نارًا مضطرمة الأوار، متأججة
__________
1 راجع جورج برناردشو في سلسلة أقرأ.
2 مصطفى كامل ص 203.
(2/105)

السعير، تحرق تلك القلوب الغليظة التي انتقمت من غير شفقة ولا رحمة من قوم عزل ضاعف مظلومين، ولكن شوقي اتبع سياسة القصر في ذلك، سياسة الحياد والمهادنة والخوف من كرومر الطاغية ولم ينطق إلا بعد مرور عام، فقال قصيدة من أربعة عشر بيتًا، وفيها ترديد لما قاله حافظ، وفيها يقول1.
يا دنشواي على رباك سلام ... ذهبت بأنس ربوعك الأيام
شهداء حكمك في البلاد تفرقوا ... هيهات للشمل الشيت نظام
وفيها يقول:
"نيرون" لو أدركت عهد "كومر ... لعرفت كيف تنفذ الأحكام
نوحي حمائم دنشواي وروعي ... شعبًا بوادي النيل ليس ينام
متوجع يتمثل اليوم الذي ... ضجت لشدة هوله الأقدام
السوط يعمل والمشانق أربع ... متواحدات والجنود قيام
وحدث بعد ذلك أن مات مصطفى كامل في 10 من فبراير 1908، بعد أن قدم شبابه وذكاءه، وعزمه ومضاءه، وقودًا لشعلة الوطنية كي تظل مضيئة تعشى منها أبصار المستعمرين ويهتدي بسناها طلاب الحق والنصفة والاستقلال، ولكن سرعان ما نضب معين القوة من جسده وتهدم ذلك الجسم الفتي، والشباب الجريء؛ لأنه كان أضيق من أن يحتمل تلك النفس القوية التي كانت تكن فيه وتلك الروح الوثابة التي كانت تحترق بين جوانحه.
فكان موته -وأمته أحوج ما تكون إلى قيادته وزعامته، ووطنيته وجرأته، وصوته المدوي بالحق، نكبة وطنية أصطكت لهولها الأسماع، وزلزلت القلوب، واهتزت المشاعر، وقرحت الجفون، وسحت العيون.
وكان شوقي صديقًا لمصطى كامل، يرسل إليه القبلات في رسائله إلى محمد فريد من أوربا2.
وكان من المنتظر حين يرثيه شوقي وقد زاره وهو على فراش الموت أن يبدع في رثائه ويشيد بمواقفه، وإحيائه للأمة بعد أن استكانت، وتنغيصه على
__________
1 الشوقيات ج1 ص248.
2 ارجع إلى عبد الرحمن الرافعي في مصطفى كامل ص384.
(2/106)

المحتل مقامه بوادي النيل، ولكن شوقي رثاه عقب وفاته بقصيدة صور فيها في دق تامة إحساسه المتفجع في فقد صديق الصبا والشباب، وصور آخر لقاء كان بينهما تصوير الأخ المفجوع في أخ عزيز، وبعد عن السياسة كل البعد، ولم يتطرق إليها إلا بحذر بالغ، نائيًا عن الحديث في الجانب القوي من حياة مصطفى كامل، وأثره في النهضة الوطنية: رثى شوقي في هذه القصيدة صديقًا حميمًا، ولم يرث زعيمًا عظيمًا، ووطنيًّا، وإمامًا من أئمة الجهاد.
ولا شك أن شوقي قد تأثر في رثائه هذا بسياسة القصر حينذاك، وهي سياسة الحيدة والتحفظ أمام كل ما يؤذي الإنجليز أو يغضبهم، أضف إلى هذا أن علاقة مصطفى كامل بعباس قد انقطعت أو كادت في أخريات حياته، بل كان مصطفى كامل قاسيًّا في انتقاده لتصرفات عباس، وميوله نحو الإنجليز، وتساهله معهم. وكان شوقي كلما اقترب في هذه القصيدة من الناحية السياسية كقوله:
هل قام قبلك في المدائن فاتح ... غاز بغير مهند وسنان
وتظن أنه سينتقل إلى جهاد مصطفى كامل، وكيف أثار الحمية والعزيمة في النفوس إذ بك تراه يفاجئك بشيء آخر بعيد عن هذا بقوله:
يدعو إلى العلم الشريف وعنده ... أن العلوم دعائم العمران
وبذلك يتخلص من السياسة قبل أن يتورط فيها، وإذا قاربها مرة أخرى في قوله:
أخلع على مصر شبابك غاليًا ... والبس شباب الحور والولدان
فلعل مصرًا من شبابك ترتدي ... مجد تتيه به على البلدان
فلو أن بالهرمين من عزماته ... بعض المضاء تحرك الهرمان
علمت شبان المدائن والقرى ... كيف الحياة تكون في الشبان
نراه يبتعد سريعًا عن السياسة، عما عساه أن يتورط فيه من ذكر صلابة مصطفى، وعدم مهادنته الغاصبين، فيختم القصيدة على عجل وكأنه ينجو من أمر خطير، وشر مستطير بقوله:
(2/107)

مصر الأسيفة ريفها وصعيدها ... قبرٌ أبر على عظامك حاني
أقسمت أنك في التراب طهارة ... ملك يهاب سؤاله الملكان
على أن شوقي قد تدارك ما فاته في هذه القصيدة من وصف وطنية مصطفى كامل وأثره في مصر وفي جيله، وفي القضية الوطنية عامة، بعد أن زالت الأسباب التي كانت تلجم لسانه وتشل بيانه، ووفى هذا الصديق حقه، وهذا الزعيم ما يليق به من رثاء؛ إذ انتهز شوقي فرصة مرور سبعة عشر عامًا على وفاة مصطفى كامل، حين أقيمت له حفلة ذكرى، فقال قصيدة، ربما كانت أحسن ما قيل حتى اليوم في مصطفى كامل وفي جهاده، وهي من أروع الشعر العربي الحديث، قيلت في سنة 1924، بعد أن عاد شوقي من منفاه، ورأى أن الدنيا قد تغيرت، وسدت دونه أبواب القصر، والثورة المصرية قد تأجج سعيرها، واشتد لظاها، وهبت مصر عن بكرة أبيها تدعو إلى الاستقلال التام أو الموت الزؤام، ومطلعها:
شهيد الحق قم تره يتيمًا ... بأرض ضيعت فيها اليتامى
ورثاه شوقي بعد ذلك في سنة 1926 بقصيدة أخرى بعد أت التأم شمل الأحزاب المصرية المتنافرة، وفيها يقول:
أيها القوم عظموا ... واضع الأس والحجر
اذكروا الخطبة التي ... هي من آية الكبر
لم ير الناس قبلها ... منبر تحت محتضرة
لست أنسى لواءه ... وهو يمشي إلى الظفر
حشرا لناس تحته ... زمرًا أثرها زمر
وليس أدل على أن شوقي كان يصدر فيما يمر بمصر من أحداث، وفي نظراته إلى الأشخاص، وعلاقته بهم عن سياسة القصر، حذرًا تارة، جريئًا تارة
(2/108)

أخرى، من قصيدته التي قالها في رياض باشا، غب خطبته التي ألقاها في افتتاح مدرسة محمد علي الصناعية التي أنشأتها بالإسكندرية جمعية العروة الوثقى سنة 1904 وكان اللورد كرومر ممن حضر هذا الافتتاح، فتملقه رياض باشا بكلام كفر به بنعمة وأصحاب عرشها، فأوسعه شوقي تأنيبًا وتعنيفًا، حيث يقول:
غمرت القوم إطراء وحمدًا ... وهم غمروك بالنعم الجسام
رأوا بالأمس أنفك في الثريا ... فكيف اليوم وأصبح في الرغام
أما والله ما علموك ألا ... صغيرًا في ولائك والخصام
إذا ما لم تكن للقول أهلًا ... فمالك في المواقف والكلام؟
خطبت فكنت خطبًا لا خطيبًا ... أضيف إلى مصائبنا العظام
لهجت الاحتلال وما أتاه ... وجرحك منه لو أحسست دامي
وما أغناه عمن قال فيه ... وما أغناك عن هذا الترامي
ويختمها بقوله:
أفي السبعين والدنيا تولت ... ولا يرجى سوى حسن الختام
تكون وأنت أنت رياض مصر ... عرابي اليوم في نظر الأنام
ولا ريب أن شوقي كان في هذه القصيدة يفصح عن شعور القصر، ومبلغ تأثره من خطبة رياض باشا، وفي وقت لم يكن عباس قد هادن فيه الإنجليز بعد، وكان العداء على أشده بينه وبين كرومر. ثم إن شوقي نظر إلى عرابي نظر الثائر على ولي نعمته توفيق، وكان السبب في نكبة الاحتلال، وموقف رياض من الإنجليز والتمكين لهم في مصر حري بأن يشبه موقف عرابي في نتائجه. وهذه لعمري وجهه نظر القصر في عرابي وثورته، مع أنه لم يكن يريد إلا الخير بمصر، وإن أخطأ التقدير والتدبير، وقد قال شوقي حين عاد عرابي من منفاه قصيدته التي مطلعها:
صغار في الذهاب وفي الإياب ... أهذا كل شأنك يا عرابي
(2/109)

ولما قامت الحرب العالمية الأولى، وأعلنت الحماية، وكان عباس غائبًا عن مصر، فخلعه الإنجليز عن العرش في اليوم التالي لإعلان الحماية1. نرى شوقي يفرق من أن يصب عليه الإنجليز جام غضبهم، وأن يطوحوا به كما طوحوا بولي نعمته، فيسارع بنشر قصيدة يهنئ فيها السلطان حسين كامل بالعرش، ويعزي نفسه بأن صاحب العرش في مصر من ولد إسماعيل، وحسبه هذا سببًا يجعله من خدام العرش والمخلصين له:
أأخون إسماعيل في أولاده ... ولقد ولدت بباب إسماعيلا!؟
ونراه يلتفت سريعة إلى الإنجليز يمدحهم فيها، ولكنه لا يطيل، بيد أنه يدعو إلى التعاون معهم، وكأنه يقرر "سياسة الأمر الواقع" ولم ير بدًّا من أن يقول ما قال، وقد أعلنت الحماية على مصر، ويوجه بعد ذلك الكلام إلى مصر البائسة، ويطلب منها أن تستسلم للقضاء، ويخبرها أن الرواية لم تتم فصولها بعد. وهذا ولا شك تغير في موقف شوقي إزاء الإنجليز اقتضته الظروف التي جرت على غير ما يهوى. استمع إليه يقول في هذه القصيدة:
الملك فيكم آل إسماعيلا ... لا زال بيتكم يظل النيلا
لطف القضاء فلم يمل لوليك ... ركنًا ولم يشف الحسود غيلا
ويقول في مدح الإنجليز:
الله أدركه بكم وبأمة ... كالمسلمين الأولين عقولًا
حلفاؤنا الأحرار إلا أنهم ... أرقى الشعوب عواطفًا وميولا
أعلى من الرومان ذكرًا في الورى ... وأعز سلطانًا وأمنع غيلًا
لما خلا وجه البلاد لسيفهم ... ساروا سماحًا في البلاد عدولًا
وأتوا بكبارها وشيخ ملوكها ... ملكًا عليها صاحًا مأمولًا
__________
1 أعلنت الحماية على مصر في يوم 18 من ديسمبر 1914، وفي يوم 19 من ديسمبر خلع عباس عن العرش وولى السلطان حسين كامل، وراجع الوقائع المصرية عدد 19 من ديسمبر سنة 1914.
(2/110)

ويقول مخاطبًا أهل مصر:
يا أهل مصر كلوا الأمور لربكم ... فالله خير موئلًا ووكيلًا
جرت الأمور مع القضاء لغاية ... وأقرها من يملك التحويلا
هل كان ذاك العهد إلا موافقًا ... للسلطتين وللبلاد وبيلا
يعتز كل ذليل أقوام به ... وعزيزكم يلقي القياد ذليلًا
دفعت بنافيه الحوادث وانقضت ... إلا نتائج بعدها وذيولًا
وانقضَّ ملعبه وشاهده ... على أن الرواية لم تتم فصولا
فشوقي كما ترى لم يكن صريحًا في هذه القصيدة، فبينا هو يحمد الله على أن الإنجليز لم يأتوا بملك جديد في غير البيت العلوي، كما كان منتظرًا، وأنهم اختاروا شيخ الملوك وأكبرهم سنًّا لهذا المنصب، تراه يطلب من المصريين أن ينتظروا في صبر حتى تتم فصول الرواية، وتراه ينعي على الموقف الغريب الذي كانت فيه مصر زمن عباس، إذ تتنازع فيه السلطتان: الشرعية، والفعلية التي أغتصبها عميد إنجلترا في مصر، وأنه موقف يعتز به كل ذليل، ويذل كل عزيز.
ولكن موقف شوقي هذا لم يجده شيئًا ونفي شوقي في مصر؛ لأنه شاعر عباس، ولأنه قال: إن الرواية لم تتم فصولًا، فخشى الإنجليز من هذه الصيحة1. فأقام بالأندلس، واتخذ برشلونة له سكنًا، ثم عاد إلى مصر في أواخر سنة 1919، ووجد أن كل شيء قد تغير في مصر، فسكان "عابدين" غير من كان يعهدهم، فنأى عنه وفي النفس لوعة، وانصرف إلى النتاج الخالد، وكان له مواقف محمودة في السياسة الوطنية، سنتعرض لها فيما بعد إن شاء الله:
هذا ما كان من أمر شوقي إبان الاحتلال، أما حافظ، فهو لا شك ممن كان يحب مصر ويعشقها:
__________
1 المرحوم أحمد زكي "باشا" مجلة أبوللو -ديسمبر 1932 ص386.
(2/111)

لعمرك ما أرقت لغير مصر ... وما لي دونها أمل يرام
ذكرت جلالها أيام كانت ... تصول بها الفراعنة العظام
يقول فيها:
أني لأحمل في هواك صبابة ... يا مصر قد خرجت على الأطواق
لهفي عليك متى أراك طليقة ... يحمي كريم حمام شعب راق
ولم يك حافظ في شعوره نحو الأتراك مثل شوقي، بل كان يمثل شعور عامة المصريين، المتعلمين وغير المتعلمين، فمصر بلد إسلامي، ويدين للخليفة في الآستانة بالولاء، ونرجو له ولجيوشه الظفر والنصر، وتأسي إذا نكبت هذه الجيوش، أو ضعفت دولة الخلافة وكان عبد الحميد رمزًا لهذه الخلافة، وإن كان طاغية مستبدًا، وإن ضعفت على يديه ضعفًا لا نهاية بعده، واقتطع من جسم الدولة على عهده أكثر من ولاية، ولكنه على كل حال خليفة المسلمين، فلا يدع إذا توجه إليه شعراء المسلمين بالمديح والتهاني في الأعياد. ولم يك حافظ يصدر في قصائده العثمانية هذه عن شعور تبعية قومية لتركيا، ولكن عن شعور ديني ليس غير. استمع إليه يقول مهنئًا عبد الحميد بعيد جلوسه في سنة 1901:
لمحت جلال العيد والقوم هيب ... فعلمني أي العلا كيف تكتب
ومثل لي عرش الخلافة خاطري ... فأرهب قلبي والجلالة ترهب
ولكنك لا تجد في ديوانه أكثر من قصيدتين يمدح بهما عبد الحميد ويهنئه، فهذه قصيدة والأخرى قالها في سنة 1908 بعد عودة عبد الحميد من الحج، وكان الدستور قد أعلن، وأطلق سراج المسجونين السياسيين وهي التي مطلعها:
أثنى الحجيج عليك والحرمان ... وأجل عيد جلوسك الثقلان
ولكن يقول في غير مدح عبد الحميد قصائد أخرى في مناسبات تنم عن هذه العاطفة الدينية من مثل قصيدته في تأسيس الدولة العلية 1906 والتي مطلعها:
(2/112)

أيحصى معانيك القريض المهذب ... على أن صدر الشعر للمدح أرحب
لقد مكن الرحمن في الأرض دولة ... لعثمان لا تعفو ولا تتشعب1
وقال عند الانقلاب العثماني الذي خلع فيه عبد الحميد سنة 1909 قصيدته التي يقول فيها
كنت أبكي الأمس منك فمالي ... بت أبيك عليك عبد الحميد
ويشير إلى أن عبد الحميد كان حتى أمس خليفة يدعي له في مساجد المسلمين بقوله:
كلما قامت الصلاة دعا الدا ... عي لعبد الحميد وبالتأييد
إلى غير ذلك من المناسبات التي لا يحركه إليها إلا الشعور الديني، من مثل عيد الدستور التركي سنة 1908، وعودة الطائرين العثمانيين، وحرب طرابلس، ولكنه بمجرد أن أعلنت الحماية على مصر، وزال آخر ما يصل بينها وبين تركيا من صلات بزوال الخلافة نفسها، لا نسمع له شيئًا عن تركيا، على العكس من شوقي؛ وذلك لأنه لم يكن يشعر إلا بهذا الشعور الديني وحده.
ولكنه تأثر في السياسة المصرية بعدة عوامل. من ذلك طول صحبته للشيخ محمد عبده، وكثرة ملازمته له، وقد قال في ذلك: "فلقد كنت ألصق الناس بالإمام، أغشى داره، وأرد أنهاره، وألتقط ثماره2، وقد عرفت أن الشيخ محمد عبده يدعو إلى الإصلاح البطيء، ويكره الطفرة، ويريد أن يهيئ الأمة ويعدها لأنها تحكم نفسها حكمًا صحيحًا، بالتعليم وارتقاء الشعب3 حتى ينشأ جيل قوي يستطيع أن ينال الاستقلال وأن يحافظ عليه، وعرفت كذلك موقفه من عباس وموقف عباس منه4، وأنه كان صديقًا للورد كرومر5؛ لأنه كان يدفع عنه بطش عباس، ويمكنه من أن يسير في إصلاحاته بالأزهر، والأوقاف، والقضاء.
__________
1 تعفو: من العفاء أي تندثر.
2 ليالى سطيح ص 135 لحافظ إبراهيم.
3 راجع تاريخ الأستاذ الإمام ج2 ص123: وراجع كتابنا في الأدب الحديث ج1 ص275 وما بعدها ط سابعة.
4 الأدب الحديث ج1 ص293 ط سابعة.
5.Modern Egypt, Vol: l l.PP. 189- 181
(2/113)

ولقد تأثر حافظ بمنهج أستاذه الإمام منذ أن اتصل به1، في السياسة والإصلاح، فكتابه "ليالي سطيح" ليس إلا من وحي تعليم الإمام، وقصائده الاجتماعية، ونقده للمجتمع المصري في شتى أحواله، ومختلف رجاله، ليس إلا تأثرًا بمنهج الإمام، أضف إلى هذا ما لاقاه حافظ من بؤس وفاقة في مقتبل حياته، وتعرفه على أحوال الشعب ومفاسد البيئة المصرية. والمعوقات الكثيرة التي تقف في سبيل النهضة؛ ولذلك تراه يكثر من شعره الاجتماعي، وينتقد كل فاسد؛ ينتقد العلماء الدجالين.
كم عالم مد العلوم حبائلًا ... لوقيعة وقطيعة وطلاق
والأطباء الجشعين غير المخلصين:
وطبيب قوم قد أحل لطبه ... ما لا تحل شريعة الخلاق
والموظفين المرتشين:
ومهندس للنيل بات بكفه ... مفتاح رزق العامل المطراق
والأدباء المنافقين الكاذبين:
وأديب قوم تستحق يمينه ... قطع الأنامل أو لظى الإحراق
وينعى على المصريين تواكلهم، وتخاذلهم عن النهوض والاهتمام بالإصلاح:
وشعب يفر من الصالحات ... فرار السليم من الأجراب
وغير ذلك من القصائد الاجتماعية العديدة التي سنعود إليها بالتفصيل فيما بعد إن شاء الله، وقد تأثر في موقفه مع الإنجليز برأي أستاذه فيهم، فتراه يردد تلك النغمة التي كان يرددها محمد عبده -على الرغم من وطنيته- نغمة الإعجاب بهم، والإطراء لمزاياهم:
__________
1 هنأ حافظ الإمام بقصيدة حينما أسند إليه الإفتاء في سنة 1899 فكانت هذه سببًا في الاتصال به، وكان يراسله من قبل أيام مقامه بالسودان، راجع تاريخ الإمام لرشيد رضا ج1 ص604.
(2/114)

يا دولة فوق الأعلام لها أسد ... تخشى بوادره الدنيا إذ زأرا
يئول عرشك من شمس إلى قمر ... إن غابت الشمس أولت تاجها القمرا
من ذا يناديك، والأقدار جارية ... بما تشائين الدنيا لمن قهرا
إذا ابتسمت لنا فالدهر مبتسم ... وإن كشرت لنا عن نابه كشرا
ويعلل قوة الإنجليز بالشورى والعدل، والتعاون:
لا تعجبن لك عز جانبه ... لولا التعاون لم تنظر له أثرًا
خبرتهم فرأيت القوم قد سهروا ... على مرافقهم والملك قد سهرا
ولا يكتفي بمجرد إعجابه بهم، ودعوته المصريين إلى تقليدهم، والتطلع إلى ما يحتلونه من مكانة بين أمم الأرض، ولو فعل ذلك لكان ولا شك غير ملوم على ثنائه عليهم، ولكنه يشيد بما عملوا من إصلاح في مصر، ويردد ما قاله كرومر في خطبة وداعة من المن على مصر بإصلاحاته. استمع إليه يودع كرومر الداهية وكيف يثني عليه، وإذا تذكرنا أن كرومر كان مكروهًا من عباس، وأنه صديق محمد عبده لا تعجب لموقف حافظ:
سنطري أياديك التي قد أفضتها ... علينا فلسنا أمة تجحدا اليدا
أمنًا فلم يسلك بنا الخوف مسلكًا ... ونمنا فلم يطرق لنا الذعر مرقدًا
وكنت رحيم القلب تحمي ضعيفنا ... وتدفع عنا حادث الدهر إن عدا
ولولا أسى في دنشواي ولوعة ... وفاجعة أدمت قلوبًا وأكبدا
ورميك شعبًا بالتعصب غافلا ... وتصويرك الشرقي غرًا مجردًا
لذبنا أسى يوم الوداع لأننا ... نرى فيك ذاك المصلح المتوددًا
ولكنه والحق يقال قد أوضح له بعد ذلك مساوئه في مصر، وأنه ولى الحكم آلات صماء تنصاع لأمره، ولا تبدي رأيًّا أو مشورة إلا حسب هواه، وأنه أفسد التعليم ومكَّن للغريب.
(2/115)

يناديك وليت الوزارة هيئة ... من الصم لم تسمع لأصواتنا صدى
فليس بها عند التشاور من فتى ... أبي إذا ما أصدر الأمر أوردا
وحاولت إعطاء الغريب مكانة ... تجر علينا الويل والذل سرمدا
تأثر حافظ في رأيه في الإنجليز، ومخاطبتهم خطابًا لينًا بأستاذه الشيخ محمد عبده كما ذكرنا؛ لأن لمحمد عبده أيادي لا تنسى على حافظ، فقد كان فقيرًا فأعانه، وجاهلًا فعلمه، ومغمورًا فرفع ذكره، وعرفه بكثير من عظماء مصر وعلمائها، فلا بدع إذا انتهج منهجه في موادعتهم، ومعرفة منزلتهم، والاعتراف بما يسدونه إلى مصر من جميل.
ولكن حافظًا -كان في طبعه- وطنيًّا مخلصًا، ولم يكن ولا شك ممن يؤيدون حكم الإنجليز بمصر عن عقيدة، لذلك نراه بعد موت أستاذه الشيخ محمد عبده سنة 1905 يتغلب عليه عاملان آخران: هذه الوطنية الكامنة في نفسه، ثم ظهور رجال الوطنية المصرية يهزون مصر هزًّا عنيفًا، وتتنبه للخطر الجاثم فوق صدرها، ولا يرون الاحتلال ورجال نعمة، ولا يستسلمون للحوادث استسلام الشاة لذابحها. بل كانوا ثائرين لهم جرائد فيها أقلام مرهبة كالسيوف مضاء وحدة، يسلقون بها كل من يناصر الاحتلال ويؤيده.
ونرى حافظ يستجيب لنداء وطنيته الكاملة في نفسه أولًا، ولنداء هؤلاء الثائرين ثانيًا بعد وفاة أستاذه، ويصدر في شعره عن عاطفة متقدة فيها مهادنة لرجال الاحتلال أو مد يد الصداقة إليهم فما أن وقعت حادثة دنشواي سنة 1906، حتى أذاع قصيدته بعد صدور الحكم بخمسة أيام فنشرها في 2 من يولية 1906.
وكان حافظ في هذه القصيدة، وقد ابتدأ يجهر بمعاداته الإنجليز؛ كمن يتحسس طريقًا لم يألفه، تراه حذرًا تارة، قويًّا تارة أخرى، معاتبًا في لطف أحيانًا، متهكمًا أحيانًا، كان من المنتظر منه والعاطفة على أشدها، ودماء القتلى تملأ الجو برائحتها وصرخات المجلودين تصم الآذان أن تكون قصيدته ثورة على الظلم والاستعباد والقسوة، ولكنه كما ذكرنا كان لا يزال قريب عهد بموالاتهم، اسمعه يقول في مطلعها:
(2/116)

أيها القائمون بالأمر فينا ... هل نسيتم ولاءنا والوداد
فأي تخاذل تراه في هذا البيت، وأي ضعف؟؟ وهل هذا موقف عتاب، ومذاكرة الود، ولم يبق هؤلاء ودًّا يتذكر؟؟. وقد يشفع له ما أتى في قصيدته بعد ذلك من سخرية لاذعة في مثل قوله:
خفضوا جيشكم وناموا هنيئًا ... وابتغوا صيدكم وجوبوا البلادا
وإذا أعورتكم ذات طوق بين ... تلك الربى فصيدوا العبادا
ومن شدة وعنف في قوله:
ليت شعري أتلك "محكمة التفـ ... ـتيش" عادت أم عهد "نيرون" عادا
كيف يحلو من القوى التشفي ... من ضعيف ألقى إليه القيادا
ومن قسوة وسخرية لاذعة بمصر وأهلها، وأنها أمة ضعيفة مستخذية، ولا تجيد إلا الكلام والتحسر البكاء:
أمة النيل أكبرت أن تعادي ... من رماها، وأشفقت أن تعادي
ليس فيها إلا كلام وإلا ... حسرة بعد حسرة تتهادى
ويشتد على المدعي العمومي إبراهيم "بك" الهلباوي الذي أيد الاتهام، وكان حريصًا على مصر في قوله:
إيه يا مدره القضاء ويا من ... ساد في غفلة الزمان وشادا
أنت جلادنا فلا تنس أنا ... قد لبسنا على يديك الحدادا
وصور حافظ بعد ذلك هول الحادثة ووصفها وصفًا دقيقًا رائعًا في قصيدته التي استقبل بها اللورد كرومر حين عودته من مصيفه، ولم يكن بمصر حين الحادثة، ويشير فيها إلى تقرير كرومر عن الحادثة الذي أرسله لوزارة الخارجية البريطانية، وكذب فيه، وعزاها إلى التعصب الديني.
(2/117)

نقلت لنا الأسلام عنك رسالة ... باتت لها أحشاؤنا تلتهب
ماذا أقول وأنت أصدق ناقل ... عنا ولكن السياسة تكذب
وينفي عن المصريين التعصب الديني المزعوم بقوله:
إن أرهقوا صيادكم فلعلهم ... للقوات لا للمسلمين تعصبوا
ولربما ضن الفقير لقوته ... وسخا بمهجته على من يغضب
ثم يصف شعر قوي أخاذ صادق التصوير تلك الفظائع التي انتقم بها الإنجليز من الفلاحين المظلومين:
جلدوا ولو منيتهم لتعلقوا ... بحبال من شنقوا أو لم يتهيبوا
شنقوا ولو منحوا الخيار لأهَّلوا ... بلظى سياط الجالدين ورحبوا
يتحاسدون على الممات، وكأسه ... بين الشفاه وطعمه لا يعذب
ونلاحظ أن حافظ لم يقتصر على التنديد بسياسة الإنجليز في مصر كما فعل بعض الزعماء السياسيين حينئذاك، ولكنه حاول أن يصل إلى تفسير الحادث، والرجوع بها إلى أسبابها وعللها، وقد أشار إلى هذه الأسباب لا بوحي من العاطفة، ولكن بوحي من النظرة الصادقة إلى واقع الحال، فعزاها إلى غرور مستشار الداخلية، واستسلامه للغضب، ولجوئه إلى العنف والشدة، وأشار بعد ذلك إلى الدرس الذي يجب أن يحذقه ذوو الشأن من مثل هذه الحادثة حيث يقول:
أو كلما باح الحزين بأنه ... أمست إلى معنى التعصب تنسب
كن كيف شئت ولا تكل أرواحنا ... للمستشار فإن عدلك أخصب
قد كان حولك من رجالك نخبة ... ساسوا الأمور فدربوا وتدربوا
أقصيتهم عنا وجئت فتية ... طاش الشباب بهم وطاش المنصب
ويختمها بلوم مصر والسخرية من أهلها:
وإذا سئلت عن الكنانة قل لهم ... هي أمة تلهو وشعب يلعب
واستبق غفلتها ونم عنها تنم ... فالناس أمثال الحوادث قُلّب
(2/118)

وتراه بعد ذلك يستقبل "إلدون جورست" الذي عين عميدًا لإنجلترا بعد كرومر في سنة 1907 بقصيدة قوية يدافع بها عن مصر، ويبين له سوءات كرومر عله يتعظ فلا يقع في مثلها1.
ولكني وقفت أنوح نوحًا ... على قومي وأهتف بالنشيد
وأدفع عنهم بشبا يراع ... يصول بكل قافية شرود
ويقول مشيرًا إلى كرومر وتقاريره:
رمانا صاحب التقرير ظلمًا ... بكفران العوارف والكنود
وأقسم لا يجيب لنا نداء ... ولوجئنا بقرآن مجيد
وبشر أهل مصر باحتلال ... يدوم عليهم أبدًا لأبيد
وأنبت في النفوس لكم جفاء ... تعهده بمنهل الصدور
فأثمر وحشة بلغت مداها ... وذكاها بأربعة شهود2
ثم يشير إلى الأثر الذي تركته هذه الحادثة في نفسو المصريين، وكيف أنها هزتهم هزًّا عنيفًا، وأيقظتهم من سباتهم العميق، فهبوا يذودون عن أنفسهم الظلم والبغى، وينددون بالاحتلال وقسوته، والاستعمار وشدته، هبوا ثائرين ينشدون الحرية، ويغضبون للعزة والكرامة الوطنية.
قتيل الشمس أورثنا حياة ... وأيقظ هاجع القوم الرقود
فليت كرومر قد دام فينا ... يطوق بالسلال كل جيد
ويتحف مصرانا بعد آنٍ ... بمجلود ومقتول وشهيد
لننزع هذه الأكفان عنا ... ونبعث في العوالم من جديد
وشتان بين موقف شوقي وحافظ إزاء هذه الحادثة.
أما رثاء حافظ لمصطفى كامل فقد قال فيه ثلاثة قصائد. أولاها ألقيت على قبر الفقيد ساعة دفنه، والثانية في ذكرى الأربعين والثالثة بعد مرور عام على
__________
1 كان جورست مستشارًا لوزارة المالية المصرية من سنة 1898 إلى سنة 1904، وفي سنة 1907 عين بدلًا من كرومر، وتوفي سنة 1911.
2 يريد بالشهود الأربعة الذين أعدموا في حادثة دنشواي.
(2/119)

وفاته وإذا أمعنا النظر في القصيدة الأولى وجدناها -بطبيعتها وسرعتها وإنشائها لوعة صادقة، تصور هول الفجيعة، ودمعة حارة، وزفرة عميقة، جاءت من وحي العقل الباطن، لا نتيجة تفكير وتروٍ، ومست جوانب العظمة في مصطفى كامل، وبينت ما عمله لمصر، وما يرجوه الشاعر من مصر بعد وفاته، وكانت خير معبر عن شعور المصريين إزاء هذا الخطب الفادح تلك القصيدة التي مطلعها1:
أبا قبر هذا الضيف آمال أمة ... فكبر وهلل وألق ضيفك جاثيًا
عزيز علينا أن نرى فيك مصطفى ... شهيدًا العلا في زهرة العمر ذاويا
وبعد أن يشير بأعماله يشعر أنه أكثر من البكاء والعويل، وأن الأمة حزينة، ولعل مصطفى كامل لا يرضى بهذا الضعف فيقول له:
عهدناك لا تبكي وتنكر أن يرى ... أخو البأس في بعض المواطن باكيا
فرخص لنا اليوم البكاء وفي غد ... ترانا كما تهوى جبالًا رواسيا
ويستحث المصريين على الوفاء لهذا الراحل الكريم بالمحافظة على مبدئه، وسياسته، والتمسك بشعاره فيقول:
أيا نيل إن لم تجر بعد وفاته ... دمًا أحمر لا كنت يا نيل جاريًا
ويا مصر إن لم تحفظي ذكر عهده ... إلى الحشر لا زال انحلالك باقيا
ويا أهل مصر إن جهلتم مصابكم ... ثقوا أن نجم السعد قد غار هاويًا
أما القصيدة الثانية التي قالها في حفل الأربعين فقد خفت فيه حدة العاطفة، وحرارة اللوعة، وصور فيها حافظ بشعوره الواعي الحوادث الخارجية، ووصف الجنازة، ومواقف مصطفى كامل التاريخية المجيدة، ومطلع تلك القصيدة:
نثروا عليك نوادي الأزهار ... وأتيت أنثر بينهم أشعاري
ويصور فيها جهاد مصطفى كامل بقوله:
__________
1 ديوان حافظ ج2 ص149.
(2/120)

قد ضاق جسمك عن مداك فلم يطق ... صبرًا عليك وأنت شعلة نار
أودى به ذاك الجهاد وهده ... عزم يهد جلائل الأخطار
وظهر حافظ في هذه القصيدة بأنه شاعر الوطنية الحقة، وبأنه لا يعرف مداجاة الإنجليز ولا موادعتهم، وعبر كما فعل في قصيدته الأولى عن عاطفة كل مصري وشعوره. أما قصيدته الثالثة التي قالها بعد مرور عام على وفاة الزعيم، فقد كانت أروع هذه القصائد، ولا من حيث تصويرها للوعة والأسى، وحرقة الفراق، وعظم المصاب، ولا من حيث تصويرها لجهاد الفقيد ودفاعه الحار عن مصر وقضيتها، وإيقاظه قومًا ظن أعداؤهم بهم الظنون ورموهم بكل نقيصة، ولكن من حيث وصفه آلام مصر وآمالها، وشعورها إزاء الاحتلال ومصائبه. وقد أسفر حافظ عن ذات نفسه في هذه القصيدة، فجهر بعدائه الصارخ للإنجليز ولم يعد بعد ذلك الذي يلين القول، ويدعو إلى المهادنة وهي خير ما يمثل شعر حافظ السياسي، الذي اكتسب به لقب "شاعر النيل"، استمع إليه كيف يصور الثورة التي كانت متأججة فهمدت، والفراغ الذي تركه مصطفى في ميدان السياسة:
ياأيها النائم الهاني بمضجعه ... ليهنك النوم لا هم ولا سقم
باتت تسئلنا في كل نازلة ... عنك المنابر والقرطاس والقلم
تركت فينا فراغًا ليس يشغله ... إلا أبي ذكيٌ القلب مضطرم
منفر النوم سباق لغايته ... آثاره عمم آماله أمم
ثم يقول له، وقد انطلق على سجيته معبرًا عما يجيش في نفس كل مصري:
لبيك نحن الأولى حركت أنفسهم لما ... سكت ولما غالك العدم
قيل اسكتوا فسكتنا، ثم انطقنا ... عسف الجفاة وأعلى صوتنا الألم
إذا سكتنا تناجوا. تلك عادتهم ... وإن نطقنا تنادوا فتنة عمم
(2/121)

ويصور رجال السياسة الإنجليزية بقوله:
تصغى لأصواتنا طورًا لتخدعنا ... واارة يزدهيها الكبر والصمم
فمن ملاينة أستارها خدع ... إلى مطالبة أستارها وهم
ماذا تريدون لا قرت عيونهم ... إن الكنانة لا يطوي لها علم
وقد تنبه الإنجليز إلى أن حافظ قد تجاوز حده، وإلى أنه انضم صراحة إلى الجبهة الوطنية، وصار شاعرهم الفذ، الذي يهيج النفوس بعشره الذي يعبر فيه عن عواطفهم بسهولة ويسر ورشاقة، فعملوا على وضعه في قفص الوظيفة حتى يسكت عنهم؛ أو يرجع إلى سياسته القديمة من مهادنتهم، فعين على يد حشمت باشا ناظر المعارف في ذلك الوقت رئيسًا للقسم الأدبي في دار الكتب المصرية سنة 1911، وظل بهذه الوظيفة إلى سنة 1932 حين أحيل إلى المعاش، وأنعم عليه برتبة "البكوية" في سنة 1911، ثم أنعم عليه بـ "نيشان النيل" من الدرجة الرابعة، وبذلك كبل حافظ بقيود الوظيفة والألقاب، وضن بمنصبه كل الضن، وخشي عليه كل الخشية وصار لا يقول شعرًا يغضب به أحدًا من ذوي السلطان خشية أن يزحزحوه عنه. أو ينالوه بأذى فيه، وإن قال شعرًا سياسيًّا أخفاه ولم ينسبه إلى نفسه. وليته سكت بعد أن دخل قفص الوظيفة، ولكنه أخذ يدعو إلى التعاون مع الإنجليز من مثل قوله عقب إعلان الحماية، وتوليه السلطان حسين كامل عرش مصر مهنئًا له وناصحًا بأن يتبع آراءهم وينصاع لأوامرهم:
ووال القوم إنهم كرام ... ميامين النقيبة أين حلُّو
لهم ملك على التاميز أضحت ... ذراه على المعالي تستهل
وليس كقومهم في الغرب قوم ... من الأخلاق قد نهلوا وعلو
فإن ناديتهم لباكٍ منهم ... وليس لهم إذا فتشت مثل
وإن شاورتهم والأمر جد ... ظفرت لهم برأي لا يزل
وإن ناديتهم لباك منهم ... أساطيل وأسياف تسل
فماددهم حبال الود وانهض ... بنا فقيادنا للخير سهل
(2/122)

وهي قصيدة لعمري تدل على أن صاحب ذلك الشعر ليس هو الحافظ الملتهب الجبار الذي كان يصب شآبيب سخطه على الإنجليز، ويريد أن يطردهم من مصر، وإلا فما باله ينصح السلطان بأن يماددهم حبال الود. وماله ينصحه بمشاورتهم ويشيد بقوتهم؟ وثمة قصيده أخرى تنم عن ذلك التغيير في شعر حافظ السياسي، وخضوعه التام لأسر الوظيفة وإقراره بالأمر الواقع من سلطان الإنجليز بمصر وبطشهم، تلك هي تلك هي التي قالها عند تعيين "السر مكماهون" عميدًا لإنجلترا بمصر سنة 1915 ومنها يقول له معترفًا بأنه صاحب الأمر المطلق، ومن بيده الحل والعقد في البلاد:
ودع الوعود فإنها ... فيما مضى كانت روايه
أضحت ربوع النيل سلـ ... ـطنة وقد كانت ولايه
فتعهدوها بالصلا ... ح وأحسنوا فيها الوصايه
أنتم أطباء الشعو ... ب وأنبل الأقوام غايه
أنى حللتم في البلا ... د لكم من الإصلاح غايه
فهذه النغمة التي يمجد فيها الإنجليز، ويشيد بعدلهم، ومقدرتهم على الإصلاح، ويطلب منهم أن يهتموا بشئون التعليم في مصر، ويتعهدوا البلاد بالرعاية، ويقول لهم: إنههم أنبل الشعوب وأعدلهم تشعرنا بأن حافظًا نسي أن مصر محتلة، وأنها كانت تطالب بالاستقلال وكأن لم تكن ثمة صرخات مدوية، رددها مصطفى كامل في الخافقين ورددها صحبه الأمجاد، ورددها حافظ نفسه، والكل يطلبون منهم أن يبرحوا مصر غير مأسوف عليهم، واستمع إليه يقول في آخرها:
هذا حسين فوق عرش ... النيل تحرسه العناية
هو خير من يبني لنا ... فدعوه ينهض بالبناية
فالأمر كما يقول بيد الإنجليز، إن شاءوا تركوه ينهض بالبناية، وإن شاءوا أبوا عليه ذلك، فهو لا يملك في الواقع من أمر مصر شيئًا.
(2/123)

وليس معنى ذلك أن عوامل الوطنية قد ماتت في نفس حافظ، ولكن كان -كما ذكرنا- يخشى أن يفقد مورد رزقه إن هو جاهر برأيه، ولذلك تراه يقول بعض القصائد السياسية ويكتمها، أو ينشرها بغير اسمه من مثل قصيدته في وصف مظاهرة السيدات في سنة 1919، ولم تنشر باسمه إلا في سنة 1929 حين أمن عاقبة نشرها وهي التي يقول في أولها:
خرج الغواني يحتججـ ... ـن ورحت أرقب جمعهنه
ومن مثل قصيدته التي قالها في عهد إسماعيل صدقي 1930، وقد ألغى الدستور وثارت مصر بأسرها ضده، ولم يشر إليها أو ينشدها ضده، ولم ينشدها أحدًا من أصدقائه إلا بعد أن خرج إلى المعاش، ويقول الأستاذ أحمد أمين: "ولقد أنشدني قصيدته هذه التي مطلعها":
قد مر عام يا سعاد وعام ... وابن الكنانة في حماه يضام
وهي التي يقول فيها مخاطبًا صدقي "باشا":
ودعا عليك الله في محرابه ... الشيخ القسيس والحاخام
لا هم أحى ضميره ليذوقها ... غصصًا وتنسف نفسه الألم
صدقي، فأشرت عليه أن ينشر بعضها، أو يكتبها، أو يمليها، أو يحتفظ بها بأي شكل من الأشكال فقال: "إني أخاف السجن ولست أحتمله"1.
لقد أطال حافظ الصمت، ومرت بمصر أحداث جسام، فالثورة المصرية العارمة، وتغير نظام الحكم، واستقلال البلاد نسبيًّا، ومجيء الدستور وحكم الشعب، لم تحرك من حافظ سكانًا، وإذا تكلم فبحذر ورفق من مثل قوله في تصريح 28 من فبراير 1922 الذي منحت مصر به الدستور:
أصبحت لا أدري خبرة ... أجدت الأيام أم تمزح
ألمح لاستقلالنا لمعة ... في حالك الشك فاستروح
__________
1 مقدمة الديوان ص19.
(2/124)

وتطمس الظلماء آثارها ... فأنثني أنكر ما ألمح
قد حارت الأفهام في أمرهم ... إن لمحوا بالقصد أو صرحوا
ومن مثل قوله في عيد الاستقلال متشائمًا:
كم خدرت أعصاب مصر نوافح ... لوعودهم كنوافح التفاح
فتعلل المصري مغتبطًا بها ... أرأيت طفلًا عللوه بداح
وتأنقوا في الخلف حتى أصبحت ... أقوالهم تدري بغير رياح
وقد نشرت لحافظ عدة مقطوعات شعرية في 1932 بعد أن أحيل إلى المعاش ينعى فيها على الإنجليز حيادهم الكاذب، ويعيب عليهم تغير أخلاقهم من أنهم اشتهروا بمتانة الأخلاق.
لا تذكروا الأخلاق بعد حيادكم ... فمصابكم ومصابنا سيان
حاربتم أخلاقكم لتحاربوا ... أخلاقنا فتألم الشعبان
ويقول عن حيادهم:
قصر الدبارة قد نقضت ... العهد نقص الغاضب
أخفيت ما أضمرته ... وأنبت ود الصاحب
الحرب أروح للنفو ... س من الحياد الكاذب
ويقول في إجدى هذه المقطوعات مخاطبًا الإنجليز:
فعدلتم هينهة وبغيتم ... تركتم في النيل عهدًا ذميمًا
فشهدنا ظلمًا يقال له العد ... ل وودًا يسقي الحميم الحميما
ويبدو أن هذه المقطوعات قيلت في مناسبات مختلفة، وفي سنوات عديدة، كلما هاجمت الحوادث فؤاد الشاعر وأثارت حزنه وشجنه، وكان ينظمها لينفس بها عن آلامة المكبوتة ولكنه كان يخشى من نشرها حتى لا يضايقه الإنجليز في رزقه، أو يغروا به أحد المستوزرين فيصب عليه شآبيب غضبه ولم تكن نفس حافظ تحتمل الأذى، أن ترغب في العودة إلى ضيق العيش، وقد ذاقت منه ألوانًا،
(2/125)

فطوى هذه المقطوعات. إلى أن أحيل إلى المعاش فلم يجد بأسًا -وقد صار حرًّا من قيود الوظيفة- من نشرها، وأغلب الظن أن شاعر النيل لو مد له في أجله بعد خروجه إلى المعاش لعاد سيرته الأولى، وملأ الدنيا شعرًا متحمسًا وطنيًّا رائعًا كما كان في عهده الأولى، ولكن عاجلته المنية بعد أن تحلل من الوظيفة بأربعة شهور.
أما موقف شوقي إزاء هذه الحوادث القومية الوطنية بعد ثورة 1919. فقد اختلف جد الاختلاف عن موقفه من قبل، كما اختلف عن موقف حافظ. ترك شوقي مصر منفيًّا بعد أن خلع عباس في سنة 1914، ورأى الناس قد تنكروا لهجتى أعز أصدقائه قد تحاموا لقياه أو تحيته حين يرونه خوفًا من أن يتهموا بمصادقته1. ولذلك رحب بالمنفي ليريحه من تلك الوجوه المنافقة، وقد قال يخاطب ولديه وهو يعبر القناة في طريقه إلى المنفي مشيرًا إلى سطوة الغاصب المحتل، وعسفه وتبجحه، ويفصح عن كامن غضبه وسخطه. "تلكما يا ابني القناه، لقومكما فيها حياه، ذكرى إسماعيل ورياه" إلى أن يقول: تفارق برًّا مغتصبه مضري الغضبة، قد أخذ الأهبة واستجمع كالأسد للوثبة، ديك على غير جداره خلال له الجو فصاح، وكلب في غير داره انفرد وراء الدار بالنباح"، وقد أشار إلى هؤلاء الذين تنكروا له بعد أن تغيرت الحال السياسية، وذهب عنه جاهه وسلطانه بمصر، وفي إحدى أندلسياته بقوله:
وداعًا أرض أندلس وهذا ... ثنائي إن رضيت به ثوابًا
شكرت الفلك يوم حويت رحلي ... فيا المفارق شكر الغرابا
فأنت أرحتني من كل أنف ... كأنف الميت في النزاع انتصابا
ومنظر كل خوان يراني ... بوجه كالبغي رمى النقابا
وقضى في المنفى خمسة أعوام ألهب فيها النفي ولوعة الفراق إحساسه بالغربة وشوقه إلى مصر الحبيبة، فنفثها نفثات حارة من قلب مفعم بالحب والحنين إلى الأرض التي شهدت ملاعب صباه، ونشاط شبابه، ونمو مجده وفيها الأهل والأحباب والخلان والأصحاب.
__________
1 انظر حسين شوقي مجلة أبوللو ديسمبر 1932 ص315.
(2/126)

على جوانبها رفت تمائمنا ... وحول حافاتها قامت رواقينا
ملاعب مرحت فيها مآربًا ... وأربع أنست فيها أمانينا
ومطلع لسعود من أواخرنا ... ومضرب لجدود من أوالينا
وأتى به شعرًا علويًّا في أندلسياته المشهورة بفيض وطنية صادقة بعيدة عن مهاترات الأحزاب، ونغمًا خالدًا لم تسمع مصر مثله في ماضيها الطويل منذ أن دوت في أرجائها لغة الضاد، أربي على البارودي وتميز عنه باستطراداته البديعة في وصف مصر وطبيعتها وتاريخها، فقال في سينيته المشهورة.
وسلا مصر هل سلا القلب عنها ... أو أسا جرحه الزمان المؤسي
كلما مرت الليالي عليه ... رق والعهد بالليالي تقسي
مستطار إذا البواخر رنت ... أول الليل أو عوت بعد جرس
راهب في الضلوع للسفن فطن ... كلما ثرن شاعهن بنقس
يا ابنة اليم ما أبوك بخيل ... ماله مولعًا بمنع وحبس
نفسي مرجل وقلبي شراع ... بهما في الدموع سيري وأرسي
واجعلي وجهك الفنار ومجراك ... يد الثغر بين رمل ومكس
وطني لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني إليه في الخلد نفسي
شهد الله لم يغب عن جفوني ... شخصه ساعة ولم يخل حسي
وعاد والثورة المصرية على أشدها، بسعي من رشدي باشا لدى السلطة المحتلة، وبإيحاء من السلطان حسين كامل قبل وفاته بعد أن رجاه في ذلك كثيرون من أصدقاء شوقي1. عاد شوقي والثورة المصرية في عنفوانها، وقد لمعت في سماء الوطنية أسماء لم يكن من قبل ذكر، وهبت الأمة جميعها غاضبة لحقها المغصوب، ودم بينها المسكوب، واستقلالها المسلوب، وشعر الإنجليز أنهم أمام أمة جادة في طلب حرياتها، تستهين بالدماء وبالأموال، متحدة الصفوف
__________
1 راجع مقالة المرحوم أحمد زكي باشا عن شوقي في مجلة أبوللو عدد ديسمبر سنة 1932 ص338.
(2/127)

لا يجد فيها العدو ثغرة ينفذ منها إلى التفرقة بينهم، وأخذوا يتراجعون رويدًا رويدًا، أو يحيكون الشباك للتفرقة، فألفوا لجنة "ملنر" ثم قدم ملنر مشروعه، فرفضه الوفد أول الأمر، وعدله بعد ذلك ملنر تعديلًا يسيرًا، فلم يشأ سعد أن يبت هو والوفد الذي سافر للمفاوضة في الأمر وحده، وأرسل المشروع مع أربعة1 من أعضاء الوفد ليعرضوه على الأمة لتقول فيه كلمتها، وقد وجه سعد إلى الأمة كلمة قال فيها عن المشروع: "غير أنه نظرًا لاشتماله على مزايا لا يستهان بها، وتغير الظروف التي حصل التوكيل فيها، وعدم العلم بما يكون من الأمة بعد معرفتها بمشتملاته، وقياس المسافة التي بينه وبين أمانيها، ورأى إخواننا معنا خروجًا من كل عهدة، وحرصًا على كل فائدة، واستبقاء لكل فرصة، ألا يبتوا فيه رسميًّا بما يقتضيه توكيلهم، قبل عرضه عليكم أنتم نواب الأمة المسئولون، وأصحاب الرأي فيها"2.
وإن كان سعد قد بين لأصحابه بمصر أنه حماية، وأنه يرفضه، وقد قال في كتابه لهم3: "أظنكم تستشفون أني لست من رأى المشروع الذي ستعرضونه على الأمة، أنتم والقادمون إليكم من إخوانكم، وهذا موافق للحقيقة؛ لأنه -وأريد أن يكون الأمر بيني وبينكم- مشروع ظاهره الاستقلال والاعتراف به، وباطنه الحماية وتقريرها"4.
فلم يكن سعد صريحًا في الخطاب الذي وجهه للأمة، وظن بعض الناس أنه يوافق عليه، ووجد فيه بعضهم خطوة إلى الأمام، ومن هؤلاء شوقي. وقد نزل إلى معترك السياسة غب وصوله من منفاه، بعد أن أوصدت في وجهه أبواب القصر وتغير سكانه، ولم يعد مقيدًا بقيوده، فقال في مشروع ملنر:
ما بال قومي اختلفوا بينهم ... في مدحة المشروع أو ثلبه
كأنهم أسرى أحاديثهم ... في لين القيد وفي صلبه
يا قوم هذا زمن قد رمى ... بالقيد واستكبر عن سجنه
لو أن قدًّا جاءه من عل ... خشيت أن يأبى على ربه
وهذه الضجة من ناسه ... جنازة الرق إلى تربه
__________
1 هم محمد محمود، وعبد اللطيف المكباني وأحمد لطفي السيد، وعلي ماهر.
2 ثورة سنة 1919 ج2 ص127.
3 هم مصطفى النحاس، وحافظ عفيفي، وويصا واصف: وقد رفضت الأمة المشروع.
4 ثورة سنة 1919 ج2 ص128.
(2/128)

وهذا كلام ظاهره أن شوقي يرفض المشروع، فلا يصح أن يوجد خلاف بين المصريين حول الرق والاستقلال، فالاستقلال واضح، والرق واضح، ولكنه يقول بعد ذلك مؤيدًا المشروع على أنه خطوة إلى الأمام، والطفرة محال، ولا سيما ونحن عزل من السلاح.
لا تستقلوه فما دهركم ... بحاتم الجود ولا كعبه2
نسمع بالحق ولا نطلع ... على قنا الحق ولا قضبه
ينال باللين الفتى بعض ما ... يعجز بالشدة عن غصبه
قد أسقط الطفرة في ملكه ... من ليس بالعاجز عن قلبه
وقد لامه كثيرون على قصيدته تلك، مع أنه معذور، إذ إن ساسة الأمة كانوا غامضين وقد وجد فيها شوقي بارقة أمل، ونرى شوقي بعد ذلك يقول في تصريح 28 من فبراير سنة 1922، والذي اعترفت فيه إنجلترا باستقلال مصر مقيدًا بقيود أربعة، ومنحتها الدستور، معتقدًا كذلك أنه خطوة إلى الأمام، وأن مصر لم تنل كل أمانيها، وأن الجهاد لم يزل أمامها طويل، ولكن الغاية قد قربت.
لا ريب أن خطى الآمال واسعة ... وأن ليل سراها صبحه اقتربا
وأن في راحتي مصر وصاحبها ... عهدًا وعقدًا بحق كان مغتصبًا
تمهدت عقبات غير هينة ... تلقى ركاب السرى من مثلها نصبا
أقبلت عقبات لا يذللنا ... في مواقف الفصل إلا الشعب منتخبًا
وفيها يقول:
قالوا: الحماية زالت قلت لا عجب ... بل كان باطلها فيكم هو العجبا
رأس الحماية مقطوع فلا عدمت ... كنانة الله حزمًا يقطع الدنيا
كان شوقي ينظر في ميدان السياسية المصرية نظرات عامة، ويستقرئ العظات والعبر ولم يدع حادثة تمر من غير أن يدلي فيها برأيه، بعيدًا عن الحزبية التي صدعت وحدة الأمة، ومزقت شملها، ومكنت للعدو أن يستعيد بعض سيطرته، ولذلك وجه إلى الزعماء في ذكرى مصطفى كامل سنة 1925 هذه
(2/129)

القصيدة العظيمة في معانيها وغاياتها الوطنية، ملتمسًا من مليك البلاد، أن يجمع الصفوف بحكمته، وسديد رأيه، أبقاء على نهضة الأمة، وحفاظًا على قوتها أن تتبدد:
إلام الخلف بينكم إلام ... وهذه الضجة الكبرى علام؟
وفيم يكيد بعضكم لبعض ... وتبدون العداوة والخصاما؟
وأين الفوز لا مصر استقرت ... على حال ولا السودان داما؟
وأين ذهبتم بالحق لما ... ركبتم في ضيته الظلاما؟
أبعد العروة الوثقى وصف ... كأنياب الغضنفر لن يراما
تباغيتم كأنكم خلايا ... من السرطان لا تجد الضماما؟
يقول شوقي في عيد الاستقلال، وعيد الدستور، وفي نجاة سعد زغلول حين اعتدى عليه، وقد قال في إحدى قصائده يصف ثورة مصر وانتفاضتها القوية في سنة 1919، وإصرارها في عزم وحمية على رجوع سعد من منفاه وهي عزلاء من السلاح، وتتحدى إنجلترا المنتصرة التي يربض جيشها على ضفاف الوادي بحرابه ومدافعه وطائراته، وكيف خضعت إنجلترا لهذه الثورة العاتية، وأرجعت سعدًا إلى عرينه.
أتذكر إذ غضبت للباة ... ولمت من الغيل أشبالها
وألقت بهم في غمار الخطوب ... فخاضوا الخطوب وأهوالها
وثاروا فجن جنون الرياح ... وزلزلت الأرض زلزالها
وبات تلمسهم شيخهم ... حديث الشعوب وأشغالها
ومن ذا رأي غابة كافحت ... فردت من الأسر رئبالها
وأهيب ما كان بأس الشعوب ... إذا سلح الحق عزالها
وكان يتأثر بالحوادث السياسية كل التأثر، وتنفعل لها نفسه وتهتز لها أعصابه، وتحفز خياله1. ولم يقيد شوقي في شعره بالوطنيات المصرية، بل
__________
1 داود بركات مجلة أبولو ديسمبر سنة 1932 ص366.
(2/130)

تعدي مصر إلى شقيقاتها من البلاد العربية، وإلى البلاد الإسلامية، ويشجعها على طلب الاستقلال، ويأسى لما تصاب به من نكبات، ويرثي كبار زعمائها وقادتها. وبحث شباب مصر في أكثر من موطن على أن يعتصموا بالقوة فإن الحق الذي لا تدعمه القوة لا يلقى آذانًا مصغية، ويذكر المصريين بأن الغرب رفض الاستماع إلى وفد مصر في مؤتمر لوزان حينما كان يوزع الغنائم والأسلاب:
أتعلم أنهم صلفوا وتاهوا ... وصدوا الباب عنا موصدينا
ولو كنا هناك نجر سيفًا ... وجدنا منهم عطفًا ولينا
ويذكرهم بأن الأماني والأحلام لا تحقق الرغاب فيقول:
وما نيل المطالب بالتمني ... ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا
فبينما كان شوقي يملأ الدنيا بشعره، كان حافظ راضيًا بما قسم الله له من رزق، حريصًا على ألا يضيع منه: يكبت شعوره، وخشى أن تطوح به السياسة في أودية لا يعرف لها قرارًا.
هذا وقد ظهر بجانب شوقي وحافظ عشراء آخرون تباينوا شعورًا، وسياسة، إزاء كل هذه الحوادث، وتأثروا بمؤثرات شخصية: فإسماعيل صبري كان وطنيًّا صادقًا، ولكنه كان مقيدًا بقيود الوظيفة، ولم يكن شاعرًا محترفًا، إنما كان الشعر عنده ترفًا، ولم يخض غمار السياسة كما خاضها حافظ وشوقي، وإن لم يقل عنهما وطنية، ينم عنها ما قاله في بعض الحوادث التي هزت مشاعره هزًّا عنيفًا فلم يجد من القول بدًّا.
ليس في ديوان صبري أي قصيدة يمدح بها السلطان عبد الحميد، أو سواه من الأتراك الذين مدحهم شوقي أو مدحهم حافظ، ولست أدري أيعود هذا إلى أنه كان يخشى الإنجليز وهو الموظف في الحكومة المصرية التي تسيطر إنجلترا على شئونها، والذين كانوا يسعون سعيًا حثيثًا لقطع الصلة بينها وبين مصر، حتى يخلوا لهم الجو، ويثبتوا أقدامهم بوادي النيل؟ أو يعود هذا إلى أنه كان ينظر إلى
(2/131)

مصر وأملها في الاستقلال نظرة قومية، فلا يمدح إلا أمراءها الذين تولوا الملك في عهده كإسماعيل، وتوفيف، وعباس، وحسين كامل، شأن الرجل المستنير الذي يرغب في نهضة بلاده مستقلة عن كل نير أجنبي، ولا يدعو إلا للنهضة التعليمية، والشورى، ورقى مصر في جميع نواحي الحياة؟ نرى إسماعيل صبري حتى في شعره الذي قاله في حرب طرابلس بين تركيا وإيطاليا لا يصدر عن عاطفة دينية حادة كما كان يصدر شوقي مثلًا، وكما كان يشعر كثير من شعراء هذا الجيل، وإنما كان صبري ينظر إلى هذه الحادثة نظرة إنسانية، فيها اعتداء قوي مدجج بالسلاح، على ضعيف أعزل، وفيها تنكر لمعاني الإنسانية الجميلة.
لا يثق بعضنا ببعض وهذا ... ما أعد الإنسان للإنسان
وإن تسلم على الغريب فسلّم ... في ظلال السيوف والمران
ربما أصبح العناق صراعًا ... في زمان الأداب والعرفان
ولا نراه يكبر ويهلل حينما تعلن تركيا الدستور في سنة 1908: فما الذي يعود على مصر من ذلك إذا لم تنل هي الدستور، وحكم الشورى، فليست مصر في نظرة مقاطعة عثمانية، حتى ينالها ما نال تركيا، ولكنها محكومة حكمًا غريبًا تتنازعه سلطتان، وأهلها يعاونون الاسبتداد والبغي:
يا مصر سيرى على آثارهم وقفي ... تلك المواقف في أسنى مجاليها
لا يؤيسنك ما قالوا وما كتبوا ... بين البرية تضليلًا وتمويها
إن يمنعوا الناس من قول فما منعوا ... أن ينطق الحق بالشكوى ويبديها
الحق أكبر من أن تستبد به ... يد وإن طال في بطل تماديها
يا آية الفخر هلا تنزلين -كما ... نزلت ثم- على مصر وأهليها
كيما نجر ذيولًا منك جررها ... من قبلنا الترك في أوطانهم تيها
يا "عابدين لأنت اليوم مصدرها ... وفي ذراك -بإذن الله- موحيها
وتراه عند الانقلاب العثماني، وخلع السلطان عبد الحميد، ويرى في ذلك عظة بالغة لكل حاكم مستبد فيقول لعبد الحميد:
(2/132)

عبد الحميد سيحصى ما صنعت غدا ... بين الأنام ويلقى في الموازين
إن يرجح الخير نعم الخير من عمل ... دخلت في زمرة الفر الميامين
أو يغلب الشر لا كانت عصابته ... عددت في صرحه أقوى الأساطين
لا يرهقنك حكم الناس فهو غدًا ... مستأنف عند سلطان السلاطين
ونراه يستحث عباسًا في أكثر من مناسبة ليمنح مصر الدستور، وليحكم بالشورى:
سدد سهام الرأي بالشورى يحط ... بك منه في ظلم الحوادث فيلق
عوذت مجدك أن تمام وفي الحمى ... أمل عقيم أو رجاء مخفق
كل الممالك نوِّلت ما ترتجي ... من أنعم الشورى وملكك مطلق
مر بالذي صرحت قبل به وقل ... وأصدق، فمثلك من يقول ويصدق
أما في علاقة مصر بالإنجليز، فلا شك أن صبري كان غير راضٍ عنها، ولكنه لم يكن يفصح عن مكنون نفسه، وإن يحول دلت مواقفه العديدة، على الوطنية المضطربة بين جوانحه فقد اشتهر صبري بصداقته لمصطفى كامل، وقد حدث حينما كان محافظًا للإسكندرية من سنة 1896 إلى 1899 -أن أراد مصطفى كامل إلقاء خطبة وطنية بها، فأوعزت الحكومة إليه أن يحول بينه وبين ما يريد، محتجة بالخوف على الأمن أن يختل نظامه، والقانون تنتهك أحكامه، فأبى على الحكومة كل الآباء، وخلى بين مصطفى وبين شعبه يخطبه كما يشاء، وقال للحكومة: أنا مسئول عن الأمن والنظام، ومحتمل ما تعقبه هذه الخطبة من تبعات1.
ذكر الأستاد أحمد الزين أنه عاش ما عاش لم يزر إنجليزيًّا قط "وقد سألته عن ذلك فقال نعم، وطالما استمالني لورد كرومر إلى زيارته فلم أفعل، فقلت مازحًا: لعلك لو فعلت كنت اليوم رئيسًا للوزارة. فقال: وماذا تفيدني رئاسة الوزارة غير إغضاب ضميري وإرضاء ذوي المطامع وأصدقاء الجاه"2.
__________
1 أحمد الزين مقدمة الديوان ص37. ومصطفى كامل لعبد الرحمن الرافعي 393.
2 أحمد الزين - المصدر السابق.
(2/133)

وكان بعد أن عين وكيلًا لوزارة "الحقانية" في سنة 1899 حريصًا على صداقة مصطفى كامل، لا يبالي أغضب الإنجليز أما أرضاهم في هذا، وكان يخرج من الوزارة في غالب الأيام ويعرج على صاحب "اللواء"، ويقضي معه وقتًا طويلًا، مع أن سواه من الموظفين كانوا لا يجرءون على مثل هذا، وقد أشار شوقي في رثاء إسماعيل صبري إلى ذلك حيث يقول:
ويح الشباب وقد تخطر بينهم ... هلى متعو ابتمس طواف
لو عاش قدوتهم ورب "لوائهم" ... نكس اللواء لثابت وقاف
فلكم سقاه الود حين وداده ... جرب لأهل الحكم والأشراف
ولقد تأثر إسماعيل صبري بتلك الغضبة الصاخبة التي غضبها مصطفى كامل حين وقعت حادثة دنشواي، ولكنه لم يقل حين وقوعها شيئًا وأثر الصمت، وأغلب الظن أن صمته كان تقية منه وحرصًا على وظيفته؛ ولأن يد الإنجليز حينذاك كانت بطاشة قاسية، وإذا تجرأ مصطفى كامل، ورجال السياسة على ضرب تلك اليد حتى تكف عن الأذى، فقد كانوا في حرية نسبية، غير مقيدين بقيود الوظيفة، فلما نجحوا في حملتهم على المعتمد البريطاني اللورد كرومر، وأجبروه على الاستقالة، وصدر العفو عن المسجونين، انطلقت الألسنة التي أحجمت عن الكلام في أبان المحنة، ومن هؤلاء شوقي كما عرفت ذلك آنفًا، ومنهم كذلك إسماعيل صبري، فقال من قصيدة يهنئ فيها "عباسًا": بعيد الأضحى بعد مرور عامين على دنشواي: ويذكر هذه الحادثة ويشكره على أن عفا عن المسجونين.
وأقلت عثرة قرية حكم الهوى ... في أهلها وقضى قضاء أخرق
وإن أنَّ فيها بائس مما به ... وأرنَّ جاوبه هناك مطوق
وارحمتا لجناتهم ماذا جنوا ... وقضاتهم ما عاقهم أن يتقوا؟
ما زال يقذى كل عين ما رأوا ... فيها ويؤذي كل سمع ما لقوا
حتى حكمت فجاءت حكمك آية ... للناس طي صحيفة تتألق
(2/134)

وتراه لا يكتفي بهذا، ولكنه يشير بعد ذلك إلى أن هذا القانون الظالم الذي طبق في هذه الحادثة، سيظل يبعث الفزع والرعب في القلوب، وأن ما ارتكبه من مأثم، وما طعن به مصر من جراح لن يكفر عنها بشيء ولن تلتئم هذه الجراح ما دام الاحتلال قائمًا وجنوده تبرق وترعد:
قانون "دنشاواي" ذلك صحيفة ... تتلى فترتاع القلوب وتخفق
هل يرتجى صفو ويهدأ خاطر ... والماء حول نصوصها يترقرق
ومضاجع القوم النيام أو أهل ... بمعذ يردي، وآخر يرهق
لن تبلغ الجرحى شفاء كاملًا ... وما دام جارحها المهند يبرق
هذا كل ما قاله صبري، وكنى عن المحتل الغاصب بالجارح المهند، ولم يصرح به، ولا نسمع له شيئًا آخر في الإنجليز من قريب أو بعيد، ولكننا نسمع له مقطوعات قصيرة، في البيتين والثلاثة، يضمنها رأيه في وزراء مصر قبل الحرب العالمية الأولى، بدعابة مرحة، كأنها صورة هزيلة فكهة مما تنشره الصحف اليوم، من ذلك قوله في مصطفى فهمي باشا الذي عرفت من أمره ما عرفت، وأنه كان أحب للإنجليز وأخلص لهم من أنفسهم، فلما سقطت وزارته التي طال عليها الأمد، وملها المصريون، وضاقوا بها ذرعًا في سنة 1909 قال إسماعيل صبري:
عجبت لهم قالوا: "سقطت" ومن يكن ... مكانك يأمن من سقوط ويسلم
فأنت امرؤ ألصقت نفسك بالثرى ... وحرمت خوف الذل ما لم يحرم
فلو أسقطوا من حيث أنت زجاجة ... على الصخر لم تصدع ولم تتحطم
ولما مات مصطفى كامل شق عليها نعيه وهو الصديق الوفي، الذي كان يحرص على وداده، وعلى الرغم مما كان بينه وبين الإنجليز من عداوة سافرة، وعلى الرغم من أن إسماعيل صبري كان موظفًا في الحكومة، فوقف على قبره، وهو يوسد الثرى ينعاه، فلم يكد ينطق بالبيت الأول من قصيدته وهو:
أداعي الأسى في مصر ويحك داعيا ... هددت القوى إذا قمت بالأمس ناعيا
(2/135)

حتى ملكته العبرة، وغاب عن الوعي، وفقدت القصيدة1، ولولا قصيدته في مصطفى كامل في حفل الأربعين ما عرفنا عن شعوره إزاء هذه الكارثة شيئًا، وهذه القصيدة فيها عاطفة جياشة، تنبئ عن لوعة صديق محزون هده الحزن، ولم يصور فيها مصطفى كامل الوطني المشتعل حماسة وثورة على قيود الرق وأغلاله، بما يليق به، واكتفى بذكر الشجن والأسى والحسرات لفراقه وليس فيها من نبأ عن وطنية مصطفى كامل إلا إشارات عائرة، وما عدا ذلك فهو تصوير لعظم الفجيعة.
عللاني بالتعازي وأقنعا ... فؤادي أن يرضى بهن تعازيا
وإلا أعيناني على النوح والبكا ... فشأنكما شاني وما بكما بيا
وما نافعي أن تبكيا غير أنني ... أحب دموع البر والمرء وافيا
إيا مصطفى تالله نومك رابنا ... أمثلك يرضى أن ينام اللياليا
تكلم فإن القوم حولك أطرقوا ... وقل يا خطيب الحي رأيك عاليا
ويخيل إليك أن سيفيض في ذكر مزاياه ويتحدث بإسهاب عن وطنيته، ولكنه يشير بعد أبيات في إيجاز شديد إلى أن مصطفى كامل كان سلاح مصر، وكوكبها المضيء في دجنة الحوادث، وأنها فقدت هذا السلاح وهي أحوج ما تكون إليه، وهذا الكوكب وهو تتخبط في الظلماء، ولولا ما خلفه من الأماني في نفوس مواطنيه لكان في بكائهم عليه بكاء على أمانيهم.
فقدناك فقدان الكمي سلاحه ... وسارى الدياجي كوكب القطب هاديا
وبتنا ودمع العين أندى خمائلا ... وأكثر إسعافًا من الغيث هاميًا
ولولا تراب من أمانيك عندنا ... كريم بكينا إذ بكينا الأمانيا
وأشار كذلك إلى قوة حجته، وعظيم دفاعه عن مصر في إيجاز:
فليتك إئ أعيبت كل مساحل ... قنعت فلم تعي الطبيب المداويا
وليتك إذ ناضلت عن مصر لم تفض ... مع الحبر قلبا يعلم الله غاليا
__________
1 انظر ص32 من ديوان إسماعيل صبري وكذلك ص213.
(2/136)

فهو لا ينطلق على سجيته، ويخيل إليك أنه يمشي بحذر، خائفًا يترقب فثمة الإنجليز وثمة القصر، وكلاهما غير راضٍ عن مصطفى كامل، وهو شاعر يدين للقصر بالولاء كما ينطق بذلك ديوانه الذي يغص بقصائد المديح يرجيها في كل مناسبة للخديو، ولكنه كان -على كل حال- أجرأ من شوقي في هذه المناسبة، ولعل جرأته أتت من أنه كان قد اعتزل الخدمة1 وأصبح لا يخشى بأس الإنجليز.
ثم تمر مصر أحداث، ويطوح الإنجليز بعباس، ويأتي السلطان حسين كامل بعد إعلان الحماية، فيهنئه ولكنه كان أشد وطنية من صاحبيه حافظ وشوقي، فلم يشر إلى الإنجليز أي إشارة، ولم يدع إلى التعاون معهم، أو يثن عليهم، بل اكتفى بأن هنأه، وذكر أن الإمارة لم تزل في أهلها، وأنهم يتناوبون العرض ماجدًا بعد ماجد، وأن أهل مصر لا يزالون على الود القديم. إلى غير ذلك من المعاني التي تقال في مثل هذه المناسبة:
إن الإمارة لم تزل في أهلها ... شماء عالية القواعد والذرا
والتاج مقصورًا عليهم ينتفي ... منهم كبيرًا للعلاء فأكبرا
والعرش إن أخلاه منهم ماجد ... ذكر الأماجد منهم وتخيرا
عزى عن العباس أنك عمه ... وأجل من ساس الأمور ودبرا
ولكنه يفضل "حسينًا" بعد ذلك على "عباس"، ويحتج لاختياره، ولو أنه اكتفى بما قاله في البيت الأخير، لكان خيرًا له؛ لأن عباسًا حظي منه بمدح شتى، ورفعه فيها إلى السماكين، وكان واجب الوفاء يدعوه ألا يذم صاحبه الذي مدحه بالأمس، وألا يدعو الناس للشكر على أن جاء حسين بدلًا منه:
والبيت "بيت محمد" قد شاده ... لبنيه لم يستثن منهم معشرًا
والعم أكبر حكمة ودراية ... بالأمر لو أن المكابر فكرا
حال إذا نظر الأريب جمالها ... شكر الإله وحقه أن يشكرا
وهذا التقلب في المديح يدل على أن الشاعر لم يكن صادقًا في مديحه لعباس أو حسين، وإنما يدل على أنه كان مع الحاكم أيًّا كان، شأن معظم شعراء المديح
__________
1 اعتزل إسماعيل صبري الخدمة في 28 من فبراير سنة 1907 راجع المقدمة ص43.
(2/137)

الذين لا يصدرون في شعرهم عن عاطفة جياشة صادقة وإنما يصدرون عن مراءاة ونفاق ورغبة في الحظوة والمكانة لدى ولي الأمر أيًّا كان خلقه ووطنيته.
هذا هو إسماعيل صبري، كان وطنيًّا صادقًا ولكن في هدوء وحذر، يريد الإصلاح والرقى لقومه عن طريق التعليم والنهضة الصحيحة، ويخشى التيارات السياسية المتلاطمة الأمواج، ولا أدل على وطنيته ومنهجه من قصيدته التي يقول فيها على لسان فرعون مخاطبًا مصر والمصريين محرضًا إياهم على النهوض، تلك القصيدة التي مطلعها:
لا القوم قومي ولا الأعوان أعواني ... إذا ونى يوم تحصيل العلا واني
والتي يقول فيها:
لا تقربوا النيل إن لم تعلموا عملًا ... فماؤه العذب لم يخلق لكسلان
ردوا المجرة كدًّا دون مورده ... أو فاطلبوا غيره ريًّا لظمآن
وسنعود إليها فيما بعد إن شاء الله.
أما محمد عبد المطلب فقد تمثلت فيه الوطنية المصرية الصحيحة، خاض غمارها بحماسة وعنفوان وصدق، لا يبالي بما يصيبه من جراء حمساته أو عنفوانه، ولقد نمى هذه الوطنية في نفسه عاملان قويان: أولًا، نشأته البدوية العربية، وفي العرب إباء وشمم، وأنفة من الظلم، ونزع إلى الحرية، وفي البداوة الصرامة والقوة والعنفوان والصراحة، والعامل الثاني نشأته الدينية وتدينه، والإسلام يدعو إلى العزة والكرامة والسيادة. فلا يدع إذا رأينا الشيخ محمد عبد المطلب وطنيًّا متدفق الوطنية، متطرفًا منذ أن اشتعلت الثورة المصرية سنة 1919.
ولكن قبل أن نعرض شعره السياسي في الثورة نعود إلى الخلف قليلًا لنرى موقفه من تركيا والإنجليز قبل الحماية وبعد أن أعلنت. لم يكن الشيخ محمد عبد المطلب تركي النزعة، ولا يمت إلى الأتراك بجنس ولا نسب، ولا مقربًا من الأمير أو حاشيته، ولا هو من كبار الموظفين الذين يرجون الخير من الأتراك
(2/138)

لقبًا أو منحة، ولم يك في أوائل هذا القرن شاعرًا مشهورًا، بل كان مدرسًا في إحدى قرى الصعيد؛ ولذلك كله لا نراه يعنى بتوجيه المدائح للخليفة بتركيا؛ ولا يشعر كما شعر كل مسلم محب لعظمة الإسلام، وقوة دولته، وليس لعبد المطلب في ديوانه إلا قصيدة واحدة رفعها إلى عبد الحميد بعد أن أعلن الدستور سنة 1908، وعم الفرح جميع الأقطار الإسلامية، وأمل الناس خيرًا في عبد الحميد وفي دور الخلافة، فقد صور في هذه القصيدة الظلم الذي كان يرزح تحته الأتراك، وكاد يؤدي بالدولة كلها إلى هوة سحيقة ما لها من قرار، وذلك حيث يقول:
يا عيد حي وأنت خير نهار ... "عبد الحميد" بدولة الأحرار
ملك أقام على الخلافة منهم ... حرسًا وقاها دولة الأشرار
من بعد ما كاد الزمان يحلها ... بالجور دار مذلة وبوار
يخشى البريء ويأمن الباغي الردى ... والجار مأخوذ بجرم الجام
عهد مضى -لا عاد- كبل دولة الـ ... إسلام في الأغلال والآصار
فرمت مقاتلها يد الأطماع من ... دول كَلِفْن بحب الاستعمار
وتراه ينهئ الطيارين التركيين حين وصولهما إلى مصر لأول عهد الناس بالطيران، على أنهما قوة للإسلام:
طير السلام بطائر الـ ... إسلام والأسد المزير
يا طائر الإسلام يهفو ... بالعواصم والثغور
يختال في الملكوت زهوًا ... فوق آمنة العنبر1
أحييتما ميتًا من الـ ... آمال في قلب كبير
إلى أن يقول:
يا دولة الإسلام هبي يا ... كواكبه أنيري
مدى جناحيه على ... النسرين والشعري العبور2
فلعل دائرة تجـ ... ـد عهود بعد الدثور
__________
1 العشير: العثار والزلل.
2 الشعري: الكوكب الذي يطام في الجوزاء، وطلوعه في شدة الحر، ويقال له الشعرى اليمانية وتلقب بالعبور، والنسران: كوكبان يقال لأحدهما النسر الواقع، وللآخر النسر الطائر.
(2/139)

ويقول في انتصار الأتراك على اليوانان في سقاريا، معبرًا عن الشعور الإسلامي حينذاك:
هذا مقامك شاعر الإسلام ... فقف القريض على أجل مقام
عادت صوار منا إلى إمادها ... من بعد ما ظفرت بخير مرام
ويقول في حرب طرابلس التي أرادت بها إيطاليا أن تنتزع تلك الولاية العربية الإسلامية من تركيا سنة 1911، وهبت مصر تشد أزر الترك، وتسعف جرحى الحرب، وترسل المال والزاد، وكان المصريون ينظرون إلى هذه الحرب على أنها حرب ضد الإسلام، وضد دولة الإسلام، وأنهم طرف فيها:
هي اليهجاء كم طحنت قرونًا ... وكم صحنت حوادثها قرونًا1
ويقول فيها مخاطبًا الطليان:
خرجتم من منازلكم بغاة ... على أوطاننا تتغلبونا
غداة ملأتم الدنيا صياحًا ... به بين الأزقة تهتفونا
وأقلقتم ملوك الأرض لما ... برزتم تبرقون وترعدونا
ويقول مخاطبًا ملوك أوربا:
بغت روما فلم نسمع نكيرا ... ولو شاء واسمعنا المنتكرينا
وإن تغضب ذيادًا عن حياض ... لنا هدمت إذا هم يسخطونا
ملوك الغرب ما هذا التعامي ... وما للحق بينكم مهينًا
يساق ضعافنا للموت بغيًا ... وأنتم تسمعون وتبصرونا
ويقول في هذه الحرب قصيدة أخرى يحرض فيها المسلمين على التطوع والجهاد مع إخوانهم أهل طرابلس:
بني أمنا ابن الخميس المدرب ... وأين العوالي والحسام المذَرَّب؟
وأين النفوس اللاءكن إذا دعا ... إلى الله داعي الموت في الموت ترغب
__________
1 صحنت: دقت.
(2/140)

ولكنا نراه لا يأس حين تسقط الخلافة، وتزول من تركيا بعد الحرب العالمية الأولى إذا انقطعت الصلة التي كانت تربط مصر بتركيا، ولم يشعر نحوها كما كان يشعر من قبل.
ونرى عبد المطلب يثور ويغضب حين تعلن بريطانيا الحماية على مصر، وتتعسف في تسخير المصريين لخدمة الجيوش المحتلة، وتسوقهم كالأنعام لخدمة جيوشهم المحاربة، وتصادر أرزاقهم، وتحكمهم بيد غليظة آثمة: كان صريحًا عنيفًا، ولم يخش بأسًا، ولا عنتًا؛ وكان هو الصوت الأدبي المدوي الذي ثار وغضب، فمن ذلك قوله مشيرًا إلى من نفتهم سلطة الاحتلال:
وما ملهم فيها ثواء وإنما ... نجو بالنوى من ظلم أرعن أحمق
يناديه فينا قائد الجيش قومه ... وما قادهم إلا إلى شر مأزق
تسعف بالأحكام غير موفق ... وما ظالم في حكمه بموفق
فكم ساق من مصر إلى الموت فتية ... زهاها الصبا في عنفوان وريّق
جموع كأرجال النعام تلفها ... يد القهر للآجال من كل مَنْعَق
له عصب في غورها وصعيدها ... تخيير أبناء الشباب تنتقى
ومن لم يسقه السوط والسف ساقه ... إلى حيث شاءوا جهد عيش مرمق
ففي كل بيت صوت ثكلى مرنة ... وتحنان باك بالأسى متمنطق
ويقول منها في الحماية:
دجت يوم إعلان الحماية شمسه ... فيالك من يوم على مصر أورق1
به لقحت سود الليالي فليته ... قضى في بطون الغيب لم يتخلق
ويقول في المحتل الغاصب وسيرته بمصر:
يرى نفسه فوق القوانين بيننا ... متى ما نذكره القوانين يحنق
يبيح غدًا ما حرم اليوم بالهوى ... لغير الهوى في حكمه لم يوفق
إلاهة جبار وإمرة خاطل ... وتدبير أعمى في الحكومة أحمق
يقرب خوانًا ويرفع جاهلًا ... ويسعد أشقاها ويشقى بها التقى
إذا ما مضى هذا أتى ذلك بعده ... على النهج لم يعدل ولم يترقرق
__________
1 الأورق: ما كان في لون الرماد.
(2/141)

وهي قصيدة كل بيت فيها ينطق عن شعور متقد، وصراحة تامة في كشف عورات الإنجليز وسوءاتهم، وسوء سيرتهم بمصر، وما لاقت على أيديهم من الذلة والمهانة والجهل:
وبالعلم سل دنلوبهم لم لم يدع ... ذواقًا من العرفان للمتذوق
وأغلب الظن أنه لم ينشرها غبّ إعلان الحماية؛ لأنها اشتملت على حوادث الحرب كلها حتى انتهت. وربما كان قد بدأها يوم إعلان الحماية، وساير بها حوادث الحرب حتى وضعت أوزارها. ثمة قصيدة أخرى قالها حين نفت سلطة الاحتلال أعضاء الوفد المصري وعلى رأسهم سعد زغلول. وهي تدل على جرأة وبأس لم يتأتيا لشاعر مصري قبله، قيلت، الثورة المصرية في عنفوانها، لتزيدها ضرامًا، وتؤجج في كل نفس نارًا وسخطًا على المحتل الذميم الذي تنكر لمصر بعد أن ساعدته على انتصاره، وسخر كل شيء فيها من مال ورجال ليحرز هذا النصر، ولكن لا عجب فهذا شأن الإنجليز دائمًا؛ وما وعودهم في خلال الحرب العالمية الثانية لمصر وغيرها من البلاد التي رزئت بهم ببعيدة عنا فلما انتصروا أنكروا وعدهم وعادوا جشعهم الاستعمار، ولم تتخلص مصر من بلائهم إلا بعد أن أرغموا على وعودهم وعاودهم جشعهم الاستعماري، ولم تتخلص مصر من بلائهم إلا بعد أن أرغموا على ذلك إرغامًا. بيد أنا لم نجد بعد الحرب العالمية الثانية شاعرًا مثل عبد المطلب يذكرهم بوعودهم، وبما قدمت مصر لهم من خدمات، حيث يقول:
أيها السائرون بالوفد مهلًا ... خبرونا عن وفدنا أين ولى
مر عهد الهوان لا عاد عهد ... كان ويلا على البلاد وخبلا
مر عهد الهوان كم جر فيه ... أهل مصر بالضيم قيدًا وغلا
ويقول فيها مخاطبًا اللورد اللنبي:
أيها القائد المدل علينا ... قاتل الله من علينا أدلًا
ما لمصر تجزى جزاء سنمار ... لديكم وبالدنية تبلى
وأراكم لولا بنيها سقيتم ... من حياض المنون علا ونهلا
سائلو الشام هل بغير بنينا ... جبتم الوعر من فلسطين سهلا
(2/142)

أو مددتم بغير أبناء مصر ... في بلاد العراق للفوز حبلا
أنسيتم في مصر ما منحتكم ... من هبات ما جاوزت بعد حولا
أم نسيتم أبناءها يفتك المو ... ت بهم فيا لوغي وباء وقتلا
إلى آخر هذا الشعر العلوي الذي لم نسمع مثله من حافظ، أو شوقي، أو صبري أو غيرهم من شعراء ذلك الجيل. الذين عاصروا الثورة، ورأوا حماسة الأمة الفياضة، وآمالها العريضة تحثهم على الجهاد والموت.
وظل عبد المطلب على صراحته تلك طوال الثورة، فإذا اشتد الإنجليز وطغوا، وأحكموا الرقابة على القول والنشر، احتال للتعبير عن آماله وعن شعوره الوطني، بالرمز كقصيدته على لسان عصفور في قفص1 وغيرها من القصائد، وإذا عاد "سعد" من المنفى استقبله بقصيدة وطنية رائعة. ويموت محمد فريد2 فيرثيه رثاء الوطني الحزين الذي يعرف فضله على القضية المصرية، وأنه كان في الرعيل الأول من المجاهدين الذين صلوا بنار الاحتلال، وضحوا بالأموال، وبالراحة والأمن في ظلال الوطن، وآثروا النفي والغربة في سبيل مبدئهم.
ما أنكرت مصر ابنها فنبت به ... ولكنه دهر على الحر يجنف
ويقول معبرًا عن شعور "فريد" حين فارق مصر:
حرام علينا أرضها وسماؤها ... ألية من لا يمتري حين يحلف
ويا فلك باسم الله مجراك أقلعي ... فإما الردى أو ينصف النيل منصف
ويقول عن جهاده:
عرفنا له بر الوفى بعهدها ... إذا خان قوم عهد مصر فلم يفوا
أفاض عليها نفسه بعد ماله ... وما بهم عنها متاع وزخرف
__________
1 ص130 من الديوان.
2 توفي المرحوم محمد فريد في 15 من نوفمبر 1919، وهو في منفاه ببرلين وقد ظل في المنفى سبع سنوات يكافح في سبيل مصر، ويعاني الأمراض والفاقة ويود أن تكتحل مقلتاه برؤيتها، ولكن لم يسعفه الأجل.
(2/143)

ويقول حين اعتدى الجنود الإنجليز على قرية العزيزية1 ومثلوا بأهلها تمثيلًا شنيعًا وساقوهم رجالًا ونساء إلى العراء، وأضرموا النار في القرية وعبثوا بشرف النساء، وقتلوا كثيرًا من الرجال:
يا مصر ما بال الأسى لك حالا ... لو أن مفجوعًا يرد سؤالًا
ما عهد ولسن أين ولسن؟ وهل درى ... أنا بمصر نكابد الأهوالا؟
أمن العدالة عنده أن يبتلى ... شعب يريد بأرضه استقلالا؟
ما بال أبناء الحضارة أوغلوا ... في أرض مصر نكاية ونكالا
إلى أن يقول واصفًا تلك البشائع:
ما لي أقلب ناظري فلا أرى ... في مصر غير نوادب وثكالى
ودم يعز على أبيه مسيله ... عبثت به أيد هناك فسالا
وعزيز قوم في الحديد مصفد ... سيم الهوان وحمل الأثقالا
يسعى إلى دار الإسار وحوله ... نذر المنايا بندقًا ونصالًا
ولرب وجه بالجمال عرفته ... لم تبق فيه الحادثات جمالًا
تلك العقائل يرتمين مع الظبا ... مستقبلات للردى استقبالا
وأرى ابن "لندن" نحوهن مصوبًا ... بيض الظبا متوثبًا مختالًا
وارحمتاه لقرية مفجوعة ... والليل يرخي فوقها أسدالًا
محزونة خبأ القصاء لأهلها ... تحت الظلال وقعية ونكالا
من غادة غال البغاء عفافها ... فكبى الحجاب عفافها المغتالا
وهي قصيدة طويلة تصور أبياتها في إتقان بارع، وعبارات تثير العبرة، وتجلب الشجن هذه الحوادث المفجعة وتصرخ بالظلم، وتنطق بآيات الوطنية، وتحض على الثورة في جراءة وصراحة حتى ينكشف هذا الكابوس، وينجلي ذلك البلاء.
__________
1 انقض نحو مائتي جندي بريطاني في يوم 25 من مارس سنة 1919 على بلدتي بالعزيزية والبدرشين، وطلبوا من الأهالي جميعًا نزع أسلحتهم وأضرموا النار بعد ذلك في القريتين، واعتدوا على عفاف النساء وقتلوا كثيرًا من الأهالي -راجع ثورة 1919 لعبد الرحمن الرافعي ص 194 وما بعدها.
(2/144)

ولم يترك عبد المطلب أي حادثة من حوادث الثورة من غير قصيدة رنانة يترجم فيها عن شعور الشعب، وشجعه على الجهاد، ولا نراه يصمت بعد أن تهدأ الثورة قليلًا، ويؤلف وفد المفاوضات، بل يترقب المصير، ويخشى أن يعصف دهاء الإنجليز بما ضحى الثوار من أجله، فإذا عاد عدلي يكن من مفاوضاته مخفقًا، لم يكن لمكر الإنجليز وخبثهم ويفرط في حقوق البلاد، أقام الناس حفلا يكرمونه على تمسكه بحقوق مصر وسارع عبد المطلب ينظم قصيدة يثبت بها القلوب القلقة، ويؤيد بها تمسك البلاد بحقها الكامل، وأنشدها في الحفل مهنئًا عدلي على موقفه هذا، وفيها يقول:
زعموا سفاها أن وحدتنا ... أمست حديثًا في الورى كذبًا
لا والدم الغالي تسيل به ... فوق التراب أسنة وظبا
لا واتحاد الأمتين1 جرى ... بين الممالك أية عجبًا
لا والحسان البيض حاسرة ... والموت يحجل حولها شعبًا
لا والشباب النضر في لجب ... يستعذب التعذيب والعطبا
ما إن أصاب بني أبي وهن ... إن المفرق بيننا كذبًا
أبناء مصر جميعهم بطل ... دب لنصر بلاده انتدبا
وقال بعد ذلك في الدستور، وأول اجتماع لنواب الأمة، وفي مقتل السردار، وفي الاعتداء على سعد زغلول، وفي استقالة وزارة سعد عقب مقتل السردار، وفي غير ذلك من المناسبات الوطنية العديدة. وكل شعره الوطني يرمى إلى الاستمرار في الجهاد، ووحدة صفوف الأمة، ومناوأة الإنجليز في شدة وصرامة حتى تنال حقوقها كاملة. وله نشيد وطني قوي يتقد حماسة.
ومثل هذه النغمات العلوية لم يجرؤ سواه من شعراء طبقته على ترديدها إلا محرم والكاشف، وعبد الملطب2 يقف بينهم متميزًا في هذا الميدان، وقد شغل
__________
1 يقصد الوحدة بين الأقباط والمسلمين.
2 انظر ص 280 من ديوان عبد المطلب.
(2/145)

الشعر السياسي جزءًا غير قليل من ديوانه وكان به لسان الشعب المجاهد، والمعبر عن آلامه وآماله في صراحة وقوة وجزالة.
أما خليل مطران فقد اتخذ مصر دار إقامة منذ سنة "1892"1، وقد كانت مصر تتمتع بشيء من الحرية الصحفية في تلك الحقبة، على نحو ما ذكرنا آنفًا، وقد هاجر إليها كثير من أحرار السوريين الذين فروا من الجو الخانق المخيم على شتى الولايات العثمانية، ويجثم فوقه شبح الاستبداد الحميدي؛ وقد كان هؤلاء المهاجرون فريقين، منهم من يدعو إلى الجامعة الإسلامية. ويبغي الإصلاح لتركيا حتى تنهض البلاد العربية التابعة لها وتساير موكب الزمن، وكان أكثر هؤلاء من المسلمين، وقليل من المسيحيين، ومنهم من أظهر بالغ سخطه على الاستبداد الحميدي، ومصادرة الحريات، ومقاومة النزعات الاستقلالية في البلاد؛ وأغلب هؤلاء من السوريين والمسيحيين2.
ولكن مصر كما علمت فيما سبق كانت تشايع تركيا، ولا تتدعو إلى الانفصال عنها لأسباب عدة ذكرناها في موضعها، ولذلك كل الاتجاه العام حتى بين السوريين أنفسهم هو عدم تحدي الشعور المصري. وكان خليل مطران من أولئك الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم هربًا بحريتهم، وعاش في فرنسا ردحًا من الزمن، ولكنه وجد عنتًا من الفرنسيين بتحريض سفير تركيا، ووقف مترددًا بين النزوح إلى الغرب إلى "شيلي" أو الرجوع إلى الشرق، وفيه مصر مباءة الأحرار، ومثواهم الأمين، وقد تغلب حبة للعمل في ميدان الإصلاح فآثر الهجرة إلى مصر واتخذها دار إقامة، وشارك في تحرير الأهرام، وقد دلت كتاباته الصحفية، وقصائده التي قالها في تلك الحقبة على أنه لم يكن من الثائرين ضد تركيا الداعين إلى الانفصال عنها، وإنما كان يرجو لها الخير والإصلاح، وكان يدعو إلى الجامعية العثمانية مع الداعين، وهو يقول من قصيدته "فتاه الجبل الأسود":
طغت أمة الجبل الأسود ... على الحكم فاتحها الأيد
__________
1 راجع الدكتور إسماعيل أدهم -خليل مطران ص68 وهو تصحيح لما قبل من أن مبدأ دخوله مصر كان سنة 1892 كما ذكرنا في كتاب الأدب الحديث ج1 ص367 ط سابعة.
2 راجع أنيس المقدسي "العوامل الفعالة في الأدب الحديث".
(2/146)

فيها ويقول:
وما الترك إلا شيوخ الحرو ... ب ومر تضعوها من المولد
إذا ألقحوها الدماء فلا ... نتاج سوى الفخر والسؤدد
سواء على المجد أيًّا تكن ... عواقب إقدامهم تمجد
وقد فرح كما فرح المسلمون قاطبة بإعلان الدستور العثماني، وأنشد في حفل أقيم بفندق "شبرد" ابتهاجًا بهذا الحادث الذي كان يعد عظيمًا حيذاك، والذي رأيت أن شعراء مصر وغير مصر قد هللوا له وكبروا، وأثنوا على عبد الحميد الطاغية؛ لأنه منح قومه الحربة، وهم جند الخلافة والذادة عن حماها، فقال مطران مع القائلين:
يا أيها ذا الوطن المفدى ... تلق بشرًا وتمل السعدا
يا عيد ذكر من تناسى أننا ... لم نك من أبقة العبدي1
كنا على الأصفاد أحرارًا ... أن الرزايا ألزمتنا حدّا
وقال من قصيدة أخرى، يصف فيها كيف تم هذا الانقلاب، وكيف جاهد أحرار تركيا حتى قضوا على عهد الاستبداد، وما شعور النازحين من ديارهم هربًا بحريتهم يوم أعلن الدستور، إلى غير ذلك من المعاني التي أوحى بها هذا الحادث:
حييت خير تحية ... يا أخت شمس البرية
حييت يا حرية
الشمس للأشباح ... وأنت للأرواح
كالشمس يا حرية
كوني لنا عهد سعد ... وعصر فخر ومجد
يدوم يا حرية
ويقول عن المهاجرين الذين فروا من الاضطهاد التركي:
من الجياع الظماء ... ألقتهم الدأماء
__________
1 العبدي: العبيد.
(2/147)

في كل أرض قصية
أشتات جاه ومجد ... ضموا لأشرف قصد
قامت به عصبية
ويقول مخاطبًا عبد الحميد:
عبد الحميد أصبتا ... بما إليه أجبتنا
بنيك من أمنية
لا ضير فيها عليكا ... والخير منها إليكا
يعود قبل الرعية
ما شارك الملك أمه ... في الحكم إلا أتمه
بحكمة وروية
وقد تألم العرب بعامة، والمسلمون بخاصة، حين اعتدى الطليان على طرابلس المسكينة وأرادوا انتزاعها من يد الدولة العثمانية وتصدى لها جنود الأتراك، وهب الناس في كل قطر إسلامي يدعون لمساعدتهم، وإغاثة الجرحى وإسعافهم، فقال داعيًا إلى إعانة أهل طرابلس، مصورًا ما وصلوا إليه من البؤس والفاقة، وما ذاقوه من حر الحرب، وما ارتكبه الطليان من فظائع:
وارحتاه لقوم فارقوا النعما ... من غير ذنب لهم واستقبلوا النقما
لولا بشاشة إيمان تثبتهم ... تخيروا دون تلك العيشة العدما
ما حال أم لها طفل بجانبها ... غير المدامع في يوميه ما طمعا
ورضع وجدوا الأثداء لاذعة ... كالجمر فانفطموا واستنكروا الحلما
وغانيات أباحتها الخطوب فلو ... لم تعصم النفس ساء الفقر معتصما
ويقول في تلك الحرب كذلك، عاتبًا على المتقاعسين عن نصرة تركيا ونصرة أهل طرابلس:
صدقت في عتبكم أو يصدق الشمم ... لا المجد دعوى ولا آياته كلم
يا أمتي حسبنا بالله سخرية ... منا، ومما تقاضى أهلها الذمم
إن كان من نجدة فينا تفجُّعنا ... فليكفنا ذلنا، وليشفنا السقم
(2/148)

لا تنكروا عذلي هذا فمذرتي ... جرح بقلبي دام ليس يلتئم
نحن الذين أبحنا الراصدين لنا ... حمى به كانت العقبان تعتصم
وفيها يقول محييا الترك وشجاعتهم:
أبناء "عثمان" حفَّاظ وقد عهدوا ... تاريخ "عثمان" فيه الفتح والعظم
هم الحماة لأعلاق الجدود فلن ... يرضوا بأن ينثر العقد الذي نظموا
أما موقفة حيال الاستعمار الإنجليزي، والأحزاب قبل الحرب الأولى، فقد كان من أول الأمر، حذرًا، يقف موقف الحيدة، خشية أن يميل به الرأي إلى جهة ما، فيتهم بمناصرتها، وقد اتخذ هذا الموقف لأنه كان يشعر بأنه دخيل في المحيط المصري1، هذا إلى محبته للعزلة وإيثاره لها، وقد تجلى هذا الحياد في المقالات العديدة التي كان ينشرها في الأهرام، على أنه ما لبث أن خاض غمار السياسة المصرية، ومال مع الحزب الوطني، وناصر مصطفى كامل بقلمه؛ ولا شك أنه ما قال في الترك ما قال، ولا سيما قصائد في حرب طرابلس، وفي الدستور العثماني، إلا وهو متأثر بسياسة الحزب الوطني، مع ما كان له من فكرة سابقة وجهاد قديم في سبيل الجامعة الإسلامية، ونلاحظ أنه لم يمدح عبد الحميد، ويرفع إليه التهاني في الأعياد وغيرها، كما كان يفعل سواه من الشعراء، ولم يكن من المنتظر من مثل مطران، وهو الذي ترك وطنه هربًا من الاضطهاد الحميدي، ولجأ إلى مصر ليتمتع بحرية الفكرة أن يمدح عبد الحميد الطاغية، بل إن له قصائد رمزية حمل فيها عبد الحميد الطاغية مثل قصيدة مقتل "بزرجمهر"2، والتي يقدم لها بقوله: "اشتهر كسرى بالعدل وكان بلا نزاع أعدل ما يكون الملك المطلق في أحكامه بلاده، فإن كان ما وصفناه في هذه القصيدة إحدى جنايات مثله في العادلين، فما حال الملوك الظالمين؟ ".
ونلاحظ أنه في الفترة التي سبقت اتصاله بالحزب الوطني كان ولا شك يغالب شعوره نحو الإنجليز، فقد وجد أن مصر في ذلك العهد تتمتع بحرية لم
__________
1 راجع مطران للدكتور إسماعيل أدهم ص74.
2 الديوان ج1 ص120، وراجع روكسي زايد العزيزي في المجلة الجديدة: م6 ج5 ص4038 في "مطران والوطنية".
(2/149)

يجدها في الشام، وأن كرومر قد منح الصحافة شيئًا من هذه الحرية، ولكنه كما ذكرنا كان يخشى أن يجاري بعض المهاجرين من أبناء وطنه في ميولهم الإنجليزية كأصحاب المقطم مثلًا؛ فيتهم بالميل لحزب من الأحزاب، ولذلك لا تجد له شعرًا في كرومر، أو في مدح السياسة الإنجليزية بمصر، وإنما قد انتهز فرصة وفاة الملكة فيكتوريا1 فرثاها بقصيدة أثنى فيها ثناء جمًّا على أبناء التاميز، وأشاد بقوتهم وعظمتهم كما رثاها حافظ إبراهيم حين كان متأثرًا بسياسة أستاذه الشيخ محمد عبده2. وفي تلك القصيدة يقول مطران3:
بنوك فروع للعلى وأصول ... وملكك ما للشمس عنه أقول
وسعدك في الأمثال سار ولم يكن ... له في سعود المالكين مثيل
ويظهر أن طبيعة مطران كانت ميالة إلى الوطنية الصادقة، ولا شك أن مصر والشام كانتا في حالتين متشابهتين في جهاد كل منهما في سبيل الحرية، فكان يجد في الوطنية المصرية صدى لما في نفسه من نزعة للحرية ومتنفسًا لآماله كبتت يومًا ما، وقد وجد في مصطفى كامل زعيمًا قويًّا، ومجاهدًا صادقًا الجهاد، لا يدخر مالًا، أو شبابًا، أو حياة في سبيل مبدئه، فناصره، فنجد له قصيدة قالها في افتتاح مدرسة مصطفى كامل وقد تحولت إلى كلية4، ولما مات مصطفى كامل رثاه مطران، وقد قدم لقصيدته في رثائه حين نشرها بالديوان في الطبعة الأولى بقوله: "مصاب الشرق في رجله المفرد، وبطله الأوحد، مصطفى باشا كامل، أيتها الروح العزيزة، إن في هذا الديوان الذي أختتمه برثائك، نفحات من نعمائك، ودعوات من دعواتك، فإلى هيكلك المدفون بالتكريم، تحية الأخ المخلص للأخ الحميم، ووداع المجاهد المتطوع للقائد العظيم".
وهي قصيدة جمعت معاني جمة، فمن إظهار لما بلغه المصاب من نفوس المصريين بخاصة والشرقيين بعامة، لفقدهم هذا الأمل المرجى، والصوت الذي
__________
1 هي الكسندرينا بنت إدوارد. ولدت سنة 1819، تولدت عرش إنجلترا في سنة 1837 وتوفيت سنة 1901.
2 راجع ديوان حافظ الجزء الثاني ص 136.
3 ديوان مطران ج1 ص132.
4 راجع الديوان ج3 ص27.
(2/150)

أتى بعد أن رجف المرجفون بأن بلاد العروبة والإسلام تغط غطيطًا عميقًا، ولا تهفو إلى الحرية فدوى في الخافقين، وإشادة بعظمة الإسلام، وأنه دين الحضارة والعزة، وأن دفاع مصطفى عنه كان دفاعًا حقًّا عن دين أهل للسيادة، وأن مثل مطران في نضج عقله لا يسعه إلا أن ينبري للدفاع عنه:
ولعل حرًّا لا يدين به انبرى ... ليذود عنه خصمه المتعسفا
قد كان للإسلام عهد باهر ... نلنا به هذا الرقى مسلقًا
ملأ البلاد إنارة وحضارة ... ومنى السماحة عوده مستأنفًا
ويذكر فيها جهاد مصطفى في سبيل مصر، ويبين مواقفه الخالدات الباهرات:
مصر العزيز قد ذكرت لك اسمها ... وأرى ترابك من حنين قد هفا
وكأنني بالقبر أصبح منبرًا ... وكأنني بك موشك أن تهتفا
مصر التي لم تحظ من نجبائها ... بأعز منك، ولم تعز بأحصفا
مصر التي لم تبغ إلا نفعها ... في الحالتين ملاينا ومعنِّفا
مصر التي غسلت يداك جراحها ... بصبيب دمعك جاريًّا مستنزفًا
مصر التي كافحت لُدّ عداتها ... متصدرًا لرماتها مستهدفًا
مصر التي سقت الجيوش مناقبًا ... ومنى لتكفيها المغير المجحفا
مصر التي أحببتها الحب الذي ... بلغ الفداء نزاهة وتعففًا
ثم يشيد بخلق مصطفى كامل، وقوة قلمه محررًا في صحفه العديدة، وبقوة لسنه، وشدة عارضته، حين يحاج خصوم مصر، ويفحمهم بالأدلة المقنعة، والبراهين الساطعة، بحرارة إيمانه وقوة يقينه.
يحيي حرارتها ويهدي نورها ... متماهل الإشراق أو متخطفًا
تالله ما أنت الخطيب وإنما ... وقف القضاء من المنصة موقفًا
عن نقطة تقع الصروف مواعظًا ... وكأمره أمر الزمان مصرفًا
إلى غير ذلك من المعاني الجليلة، ولا ينسى الغرس الذي وضعه مصطفى بيده في تربة مصر، وتعهده حتى نماه وكيف يجب على خلفائه من بعده، بل
(2/151)

على المصريين أجمعين أن يحافظوا عليه حتى يؤدي أكله طيبًا، ألا وهو حرية مصر كاملة.
وقد ظل خليل مطران على تعاقب السنين يحفظ عهد مصطفى كامل، ويشيد بذكراه وله في سنة 1933 قصيدة ألقاها في ذكرى مرور عام على وفاة حافظ إبراهيم، ضمنها وصفًا رائعًا للنهضة القومية، التي كونت حافظًا، وكيف أن هذه النهضة هي عرس مصطفى كامل وكيف تعهدها بجهاده إلى أن مات، وبموته كانت الآية التي تم بها استقرارها1، وفيها يقول عن حافظ معللًا نبوغه في الوطنيات:
ما تجلى نبوغه كتجليه ... وقد هب مصطفى للجهاد
يوم نادى الفتى العظيم قلبي ... من نبا قبله بصوت المنادي2
وورى ذلك الشعور الذي كان ... كمينًا كالنار تحت الرماد
يتجلى هذا الشعور كذلك في مراثيه لرجال الحزب الوطني فيرثي محمد أبو شادي وينوه بجهادها معًا في سبيل مصر، وما لا قيا من عنت وإرهاق:
زمان قضينا المجحد فيه حقوقه ... ولم نله عن لهو ورشف رضاب
محضنا به مصر الهوى لا تشويه ... شوائب من سؤل لنا وطلاب
فداها ولم يكربه أن جار حكمها ... فذل محماميها وعز محاب
فكم وقفة إذ ذاك والموت دونها ... وقفنا وما نلوي إتقاء عقاب
وكم كرة في الصحف والسوط مرهق ... كررنا وما نرتاض غير صعاب
ويرثي الشيخ عبد العزيز جاويش فيزفر زفرة حارة، ويبكي زمن الجهاد، والأيام التي صحب فيها هؤلاء الكرام الأعزة فيقول:
طيبوا قرارا أيها الأعلام ... وعلى ثراكم رحمة وسلام
مصر التي متم فداها أصبحت ... وكأنما فيها السرور حرام
ذهب الأعزة "مصطفى" ورفاقه ... ما كاد يخلو من شهيد عام
__________
1 مصطفى كامل لعبد الرحمن الرافعي ص396.
2 نبا: تباعد وتجافى.
(2/152)

ويرثي على فهمي كامل1، ويرثي أمين رافعي2، ومحمد فريد3، وغيرهم من أعلام الحزب الوطني، بل يؤيد الأحياء منهم في المعارك السياسية بعد إعلان الدستور، وها هو ذا يؤيد الأستاذ محمد محمود جلال من رجال الحزب الوطني في حملة انتخابية، ولم يؤيده سواه.
يا من حمدت به اختبا ... ري في اختباري للصحاب
وهكذا يظهر مطران في شتى الماسبات وفاءه للحزب الوطهني ورجاله، ولعل هذا ناشئ من أن عهد جهاده مع الحزب الوطني كان في أيام الشباب، وهي عزيزة الذكريات؛ ومن أنه وجد فيه تطرقًا في الوطنية يشبع نهم نفسه التي حرمت الجهاد في موطنها الأصلي.
وقد أكرمت مصر مطران، واحتفت به وآثره الخديو عباس عبد وفاة مصطفى كامل بالعناية والرعاية؛ فساعده في شغل منصب الأمين المساعد بالجمعية الزراعية بعد أن أفلس على أثر مضاربات في السوق المالية، وشكا حاله في عشره. وأنعم عليه بالوسام المجيدي الثالث في أغسطس سنة "1912"4، وقد أوعز إلى إسماعيل "باشا" أباظة الذي اشتهر بأدبه وباتصاله بالأدباء في ذلك الوقت؛ وفي أن يوحي للأدباء المصريين والسوريين بإقامة حفل يكرمون مطران، وقد أقيم هذا الحفل في إبريل سنة 1913 تحت رعاية الخديو عباس، وناب عنه فيه الأمير "السابق" محمد علي، وأثنى على مطران ثناء جمًا5، وأغدق عليه الشعراء المصريون المشهورون جليل الثناء، فكرمه شوقي وحافظ وإسماعيل صبري وأحمد نسيم وغيرهم، وما قاله الأمير "السابق" محمد علي في حديثه له6: "قد عرفت مطران من عهد والدى حتى الآن، فرأيته امتاز بانصرافه كل هذا الزمان إلى المحافظة على خطة ولاء مستقيمة لم يحد عنها كل حياته القلمية
__________
1 الديوان ج3 ص201.
2 المصدر السابق ص285.
3 الديوان الجزء الثاني 233.
4 مجلة سركيس سنة 1913 ص211.
5 مجلة سركيس 1913 عدد خاص عن مطران.
6 مجلة سركيس 1913 ص207.
(2/153)

في مصر، وهذا الثبات على المبادئ والإخلاص الدائم لمصر والمصريين هو فضيلة يجب اعتبارها وإكرام المتحلى بها".
وقد كان لعطب عباس عليه أثر في شعره فمدحه بأكثر من قصيدة1. ولكنه بعد أن خلع عن العرش لم يذكره مطران بكلمة خشية سلطة اللاحتلال، وقد مرت فترة الحرب العالمية الأولى، وما عانته مصر في خلالها من عسف وظلم، وهو صامت لا يتكلم، فلما اضطرمت نار الثورة المصرية، وظهرت على مسرح السياسة وجوه جديدة، خص منها بالمحبة والثناء سعد زغلول، وإن لم يكن له في الثورة وحوادثها الدامية، وظلم المحتل الغشوم وجبروته أي كلمة وأول صوت نسمعه له هو تحية "سعد" حين عودته من سيشل2 بقصيدته التي مطلعها:
خفت لطلعة وجهك الأعلام ... ومشت تحيط بركبك الأعلام3
ولكنه يقف بعد ذلك من الحوادث المصرية موقفه الأول، وهو الحياد، والترقب؛ لأنه ثمة أحزابًا، وانشقاقًا في الصفوف، ويخشى أن يتهم بالميل لهذا الحزب أو ذاك فيجني عليه هذا الاتهام، والحزبية في مصر قاسية لا تغفر للمرء حسن ماضيه، وعظيم بلائه في سبيل بلاده، وتراه يرثي زعماء الأحزاب قاطبة: ثروت، وعدلي، وسعد، ولا يقول إلا في الأمور الوطنية العامة كتمثال نهضة مصر، وعيد الجلاء، وتمثال سعد، وتمثال مصطفى كامل وما شابهها، وانصرف إلى العمل في خدمة المسرح المصري، مديرًا للفرقة القومية، وعكف على قول الشعر الخالد.
وثمة شاعر آخر يمثل لونًا في السياسة والشعر غير ألوان هؤلاء الذين ذكرناهم، وهو ولي الدين يكن، أهمله مؤرخو الأدب والنقاد المصريون، فلا يعرف عنه الناس إلا قليلًا؛ وذلك لأنه لم يكن ذلك الوطني المصري المخلص، بل كان من حزب الاحتلال، ورجال كرومر.
__________
1 الديوان ج1 ص44، 77، ج2 ص86، 105، 142.
2 نفى سعد وصحبه إلى جزر سيشل في 29 من ديسمبر سنة 1921 وعاد من المنفى في 17 من سبتمبر سنة 1923.
3 الأعلام الأولى: الرايات، والثانية، كبراء الأمة.
(2/154)

وكان ولي الدين أول أمره من دعاة الجامعة الإسلامية، وممن يعني بشئون تركيا، أكثر من عنايته بشئون مصر، ويدعو لتأييد حكومتها، ويدافع عن عبد الحميد ورجاله ولما رحل إلى تركيا فيما بين عامي 1895، 1896، وأقام بها ثمانية أشهر غمره فيها عبد الحميد بعطفه ورضاه، وأنعم عليه بالمرتبة الثانية، ولكنه شاهد في أثناء مقامه الفساد الذي عم الأداة الحكومية التركية، والعسف والاضطهاد للأحرار، والوشاية، والرشوة، فرجع إلى مصر حانقًا ساخطًا على هذا الفساد. داعيًا إلى الإصلاح، وأنشأ جريدة الاستقامة في سنة 1897، وجعلها اللسان المعبر للأحرار المهاجرين إلى مصر والذين تمتلئ قلوبهم غيظًا وموجدة على ما لاقوا وما تلاقى أوطانهم من ظلم عبد الحميد، وعدوان رجاله، فمنعتها الحكومة التركية بعد قليل من دخول ولاياتها، وصار يكتب في جريدة المشير1 والمقطم والقانون الأساسي2.
وكان عبد الحميد يجد كل الجد في استرضاء هؤلاء الثائرين، ويعدهم الوعود الخلابة، ويمنيهم بتحقيق الإصلاح المنشود، وإعلان الدستور فدعا إليه ولي الدين فيمن دعا، فسافر إلى الآستانة سنة 1898، وعين في مجلس المعارف الأعلى، ولكن ما لبث أن سئم تلك الحياة الفاسدة، فكان على خصام دائم مع رجال الحكومة، وأخذ يطعن عليهم جميعًا في الصحف الأجنبية فنفي إلى "سيواس" بالأناضول، وظل في منفاه إلى أن أعلن الدستور سنة 1908 فعفي عنه، ورجع إلى مصر، ووجد في صمر "خليفة كرومر" يحوط هؤلاء الساخطين على تركيا بعنايته ورعايته، فأخذ ولي الدين بعد عودته يكتب في الأهرام والمقطم والمؤيد والرائد المصري3 والزهور4 ثم أنشأ جريدة "الإقدام" في الإسكندرية سنة 1913، وعين كاتبًا في وزارة العدل حتى سنة 1914، وبعد أن تولى السلطان
__________
1 أنشأها سليم سركيس اللبناني في الإسكندرية سنة 1894. وقصرها على الطعن في فساد الحكم التركي، واستبداده، والمطالبة بالإصلاح، ثم نقلها إلى القاهرة سنة 1895 ثم إلى نيويورك سنة 1899 بعد ما لقي من حكومة مصر عنتًا وإرهاقًا أو حبسًا، وحكم عليه في بيروت بالإعدام غيابيًّا.
2 جريدة سياسية أنشأها صالح جمال في القاهرة سنة 1898، وكانت تصدر بالتركية والعربية يكتب فيها مع ولي الدين يكن الكاتب التركي محمد قدري.
3 الرائد المصري أنشأها نقولا شحاته اللبناني في القاهرة سنة 1896.
4 مجلة سياسية أدبية أنشأها في القاهرة أنطوان الجميل، والشيخ أمين تقي الدين سنة 1910.
(2/155)

حسين عرش مصر لقى منه عطفًا شديدًا فعين كاتبًا في الديوان السلطاني، ونعم بقربه، وخصه بأحسن مدائحه.
قال ولي الدين يكن في أول مقال له بجريدة المقطم بعد عودته من زيارته الأولى لتركيا، وشاهد عن كثب الفساد الشامل من الأداة الحكومية: "هذا قلم أرن القوس صائب الرمية فلأجرينه حتى لا تبقى من دار الظلم لبنة على لبنة، وبياض على سواد، ولأسيرن قوارعه شربًا في كل قاتم الأعماق، شاسع الأطراف، إلى أن يقول نصير الحمية: لبيك، ونستريح وإخواننا مما نحن فيه".
واحتضنته الحكومة البريطانية كما احتضنت غيره من الساخطين على تركيا، فازداد لها حبًّا، وأصبح لا يذكرها إلا بكل خير، ولا يذكر عميدها اللورد كرومر إلا أشاد بفضله ونعته أحسن النعوت، ودعاه مصلح مصر، وأبا المصريين المشفق1، قال في المعلوم والمجهول: "ولا أظن رجلًا يشفق اللورد كرومر على المصريين، فهو أبو حريتهم، ومصدر إنصافهم، ومورد سعدهم إلا أنه كان يخدم من يحبونه".
وكان من المناوئين لمصطفى كامل، ويرى استعانته بسياسة فرنسا قبل الاتفاق الودي في سنة 1904 خطأ جسيمًا، بل يرى أن فرنسا هي التي خلقت مصطفى كامل. ويرى أن مصر ليست للمصريين بل هي للعثمانيين فقال عن عبد الله نديم: "وإنما أحدث الخلاف بيننا أنه كان عدوًا للعثمانيين، وهو من قدماء من يقولون: "مصر للمصريين" ونحن نقول: "مصر للعثمانيين" وعلى أن ولي الدين يريدها ولاية عثمانية محكومة بيد إنجليزية.
ولعلك ترى من هذه الصورة الموجزة أن ولي الدين من الأدباء الذين فسدت عقيدتهم الوطنية، والتوت أفكارهم في طرق معوجة ونظروا إلى الأمور نظرة ساذجة، واغتر بالحرية الكاذبة التي منحها الإنجليز للصحافة في مصر، مع أنهم يريدون بينهم الفرقة ويمدون لهم في حرية القول وهو أهون الأمور لديهم،
__________
1 أدباء العرب الجزء الرابع ص301 لبطرس البستاني ومقدمة ديوان ولي الدين لأنطوان الجميل.
(2/156)

والقول ينفس عن المصريين، فلا يلجئون للفعل، ولما طال زمن الكبت في خلال الحرب العالمية الأولى وما قبلها، انفجر المرجل، وشبت الثورة.
ولقد أردت بذكر شيء عن ولي الدين يكن في هذا المقام أن أعطي صورة واضحة لتأثير السياسة في الشعر، وأن واجبي وأنا أؤرخ هذه الحقبة ألا أهمل أدبيًا تعود الناس إهماله لأنه انحرف عن جادة الحق. لقد نجح الإنجليز بعض النجاح في جذب بعض الأقلام إليهم، وقد كاد حافظ إبراهيم ألا يحظى بلقب شاعر النيل، وأن يكون بوقًا من أبواقهم، لولا موت أستاذه محمد عبده، ولولا أنه مصري فيه بقية من خير جعلته يستجيب لدعاة الوطنية الصحيحة. أما ولي الدين يكن فلم يكن مصريًّا كامل المصرية، وكان مصريًّا بالوطن والإقامة تركيا بالمولد والجنس والعاطفة، وكانت الحرية التي يدعو إليها حرية مصر وتمتعها باستقلالها التام خالصًا دون الترك والإنجليز، بل هي حرية القول، والخوض في تركيا والدعوة إلى أن تظل مصر مفيدة بِغُلَّيْنِ. الغل التركي والغل الإنجليزي، وهذا لعمري خلط في فهم الأشياء وتسميتها بغير أسمائها الصحيحة.
كان بعد تركيا وطنه الصحيح، إنه في مصر تركي مهاجر، ومصر ولاية تركية في نظره، وإن تمتعت بشيء من الحرية لوجود الإنجليز بها فلهم منه الثناء، وهذا مجمل رأيه السياسي، واستمع إليه يقول بعد عودته من تركيا لأول مرة يصور ما بها من فساد:
يا وطنًا قد جرى الفساد به ... متى يرينا إصلاحك الزمن
دفنت حيا وما دنا أجل ... ما ضر لو دافنوك قد دفنوا
عز علينا "فروق" من قطنوا ... فيك فهم في العذاب قد قطعوا
ولما قال شوقي قصيدته المشهورة:
سل يلدزا ذات القصور ... هل جاءها نبأ البدور
بعد خلع السلطان عبد الحميد 1909، ورثى فيها حال السلطان المخلوع ردّ عليه ولي الدين يكن بقصيدة من الوزن والقافية، يندد فيها بحكم عبد الحميد
(2/157)

ويشمت به، ويقول في أولها مخاطبًا شوقي وعاتبًا عليه هذا الشعور الذي تنافى مع وجهة نظر المهاجرين:
هاجتك خالية القصور ... وشجتك أفلة البدو
وذكرت سكان الحمى ... ونسيت سكان القبور
وبكيت بالدمع الغريـ ... ـر لباعث الدمع الغزير
ولأهب المال الكثـ ... ـير وناهب المال الكثير
حلمي الثغور الباسما ... ت مضيع أهلة الثغور
ويقول من قصيدة أخرى متشفيًا في عبد الحميد، شامتًا به أشنع شماتة:
نعم عبد الحميد أندب زمانًا ... تولى ليس يحمده سواكا
تولى بين أبكار حسان ... تعلق في غدائراها نهاكا
جعلت فداءها الدنيا جميعًا ... ومذ ملكتها جعلت فداكا
وطال سراك في ليل التصابي ... وقد أصبحت لم يحمد سراكا
أما عن ولائه للإنجليز ومدحه إياهم ففي ديوانه أكثر من قصيدة تنم عن إعجاب وولاء وتضفي عليهم عاطر المدح والثناء، فثمة قصيدة إلى "تومي إتكنس سدين الحرية وحاميها".
إلى تومي إنكنس مني الثناء ... يزيد على الرمل في عده
يفيد الربيع إذا فاض فيه ... ندى زهره، وشاذا ورده
فلا يعرف السلم ندًّا له ... ولا يقع الحرب في لده
ويقول في رثاء الملك إدوارد السابع1:
وداعًا أيها الملك الجليل ... دنا سفر ومهدت السبيل
بكى التاميز صاحبه المفدى ... فجاوبه هنا هرم ونيل
أبا الأحرار لا ينساك حر ... شبابهمو يجلك والكهول
__________
1 ولد إدوارد السابع في سنة 1841م. وولي الملك في يناير سنة 1901 وتوفي سنة 1910.
(2/158)

ويودع "الجنرال مكسويل" في سنة 1916 ويرجو أن يعود ثانية إلى مصر بقوله:
سنذكر منك أخلاقًا حسانًا ... تزيد على النوى حسنًا وطيبًا
ونتبعك الثناء بكل أرض ... يقوم إذا نزلت بها خطيبًا
تودعك الأهلة مشرقات ... تحيي في مطالعها الصليبا
لقد أمتعتها بالسلم حتى ... نكاد اليوم لا ندري الحروبا
فعش يا ماكسويل لود مصر ... ونرجو بعد ذلك أن تؤوبا
وعلى النقيض من هذا الأديب الذي اختلت بين يديه موازين السياسة، وقيم الأشياء، فراح يعتسف الطريق، ونجد شاعرين آخرين يجري في عروقهما الدم التركي، ولكنهما كانا مثلًا عاليًا في الوطنية الصادقة على اختلاف يسير بين نهجيهما، أعني بهما: أحمد محرم، وأحمد الكاشف.
أما أحمد محرم فقد جمع إلى حماسته الوطنية، عاطفة دينية جياشة، والدين -كما ذكرنا آنفًا- يدعو إلى العزة والكرامة والسيادة، وقد صدق محرم حين قال:
خلق العروبة أن تجد وتدأبا ... وسجية الإسلام أن يتغلبا
كان أحمد محرم في أول أمره من دعاة الجامعة الإسلامية في ظل تركيا، وقد عرفت موقف مصر من هذه الدعوة ممثلًا في شعرائها الذين أسلفنا الكلام عنهم، وفي زعمائها الوطنيين، ينظر بعضهم إلى هذه الفكرة نظرة دينية، وينظر بعضهم إليها نظرة سياسية؛ لأن إنجلترا الغاصبة لا تملك وثيقة دولية تؤيد بقاءها في مصر، بينما قد اعترفت الدول جميعًا بمركز تركيا في هذه الديار، وكان أحمد محرم يتعلق بتركيا لسببين: ديني وجنسي، استمع إليه يدعو المسلمين جميعًا إلى الالتفاف حول راية الخلافة:
هبوا بني الشرق لا نوم ولا لعب ... حتى تعد القوى أو تؤخذ الأهب
ماذا تظنون إلا أن يحاط بكم ... فلا يكون لكم منجى ولا هرب
كونوا بها أمة في الدهر واحدة ... لا ينظر الغرب يومًا كيف نحترب
(2/159)

ما للسياسة تؤذينا وتبعدنا ... عما يضم قوانا حين تقترب
أغرت بنا الخلف حتى اجتاح قوتنا ... وطاح بالشرق ما نجني وترتكب
ولم يكن يصدق أن تركيا ضعيفة، وأنها سميت في عالم السياسة بالرجل المريض، وأن الفساد قد دب في جسمها كله، وأنها على وشك الانهيار إن لم تتداركها يد الله، والإصلاح.
وليس يزول ملك الترك حتى ... تزول الأرض أو تهوى السماء
ويرى أنهم أهل لأن يتولوا شئون الخلافة، ويراعوا حقوقها، فهم عنها الذادة الأشاوس، وهم الذين انتهجوا خير منهج، وفاته أنهم منذ أن خرجوا من ديارهم غازين للبلاد الإسلامية سبب نكبتها، وما تردت فيه من جهل وذل وانحلال، ضعفت بضعفهم، وفسدت بفسادهم؛ فانهارت بانهيارهم حتى صارت لقمة مستطابة لذائب الغرب.
لولا بنو عثمان والسنن ... شرعوا لما وضح السبيل الأقوم
سطعوا بآفاق الخلافة فانجلى ... عنها من الحدثان ليل مظلم
فهم ولاة أمورها وكفاتها ... وهم حماة ثغورها وهُم هُم
وهو الشاعر الوحيد الذي دافع عن عبد الحميد، وأسف أشد الأسف لما أصابه بعد عزله في سنة 1909، وقد أهمه وأحزنه أن رأى بعض الناس قد شمتوا به وهم الذين كانوا يلهجون بحمده، ويعيشون في نعمائه:
كأن بغاة الجود والمجد لم تفد ... عليه، ولم تهطل عليهم مواهبه
كأن بغاة الشعر لم تغش بابه ... بمستعليات تزدهيها مناقبه
كأن الأولى زانوا المنابر باسمه ... أحلوا بدين الله ما لا يناسبه
ثم أخذ يدافع عنه بحمية، وقد رأى الأعداء كثرًا، وكل يعدد مثالبه:
ألم يستطر يومًا لخطب مساور ... محافظة من أن تسوء عواقبه
ألا راحم هل من شفيع أما كفى ... أكل بني الدنيا عدو يغاضبه
أكل مآتيه ذنوب أكله ... عيوب؟ ألا من منصف إذا نحاسبه
(2/160)

ويحاول أن يبرئ عبد الحميد مما وصم به، ويلقي التبعة على أتباعه وأعوانه، وحاشيته فهم الذين غشوه، وزينوا له الباطل، وخوفوه الموت، وافتروا عليه الكذب، ولذلك هم أولى بالعقاب دونه.
أليس الأولى غشوه أجدر بالأذى ... وأولى الورى بالشر من هو جالبه
هم اكتفوه بالدسائس وافتروا ... من القول ما يصمى عن الرشد كاذبه
وهم خوفوه الموت حتى كأنما ... يلاقيه في الماء الذي هو شاربه
ولا ريب أن أحمد محرم كان يصدر في مثل هذا الشعر عن نظرة سامية لمنصب الخليفة وبعده رمزًا لآمال المسلمين، ولا يريد أن تسوء سيرته في أذهان الناس، فتنتقص الخلافة معه، وتتزلزل مكانتها في النفوس، وقد لام صديقه أحمد الكاشف لأنه نشر قصيدة تهجم فيها على تركيا بعد أن كان يمدحها ويمدح خلفاءها ويشيد بهمم جندها وبلائهم في الحروب ويصور هزائمهم انتصارات، وسيئاتهم حسنات، ويعيب عليه كيف يذم بني جنسه، وفيه دم تركي، وذلك حين يقول له:
عذلت بني عثمان والعذل يؤلم ... وملت عن المدح الذي كنت تنظم
يلي! إنها الأوطان هاجك أنها ... بأدي بني التاميز نهب مقسم
فجردت غضبًا ذا غرارين مخدمًا ... تسيل المنايا منه أو يقطر الدم
حنانك في القوم الألي أنت منهم ... ورأيك في الأهل الذين هُم هُم
ولمال اشتدت الحركة الوطنية بمصر على يد مصطفى كامل، وظهر من يدعو للقوية المصرية خالصة من دون الترك والإنجليز، نرى أحمد محرم يلبي الدعوة قويًّا صريحًا جريئًا شأن المؤمن الذي لا يرهب إلا الله، ولا يبالي أصابه الضر فيما يقول أم الخير، وقد قال في الرد على خطبة كرومر التي رمى فيها المصريين بالتعصب، وحمل على الإسلام حملة ظالمة قصيدة طويلة مطلعها:
رويدك أيها الجبار فينا ... فإن الرأي ألا تزدرينا
وطالما تغنى بحب مصر وأمجادها، بعد أن يئس من تركيا وتحطم المثل
(2/161)

الأعلى في نفسه وتقطعت الأسباب التي كانت تصله بها بعد إعلان الحماية على مصر، ثم زوال الخلافة نفسها.
فإن يسألوا ما حب مصر فإنه ... دمى وفؤادي والجوانح والصدر
أخاف وأرجو وهي جهد مخافتي ... ومرمى رجائي لا خفاء ولا نكر
هي القدر الجاري، هي السخط والرضا ... هي الدين والدنيا، هي الناس والدهر
بذلك آمنًا، فيا من يلومنا ... لنا في الهوى إيماننا ولك الكفر
ويقول في قصيدة أخرى:
وهبت الصبا والشيب والشوق والهوى ... لمصر وإن لم أقض حق الهوى مصرًا
وقد وقف من الأحزاب المصرية موقف الناصح الأمين، لا يميل به الهوى إلى حزب دون آخر، يمحضهم النصح، ويستحثهم على الوحدة، والتمسك بالأهداف العليا للقومية المصرية، استمع إليه بنصح الوفد المصري حين ذهب لأوربا برئاسة سعد زغلول للدفاع عن القضية المصرية، والمطالبة بحقوقها:
وفد الكنانة هل حملت رجاءها ... أم قد حملت أمانة الأزمان؟
الدهر عين والمماليك السن ... النيل قلب دائم الخفقان
قل للألى وزنوا الشعوب: تذكروا ... في مصر شعبًا راجح الميزان
وإذا رماك أولو الخصومة فارمهم ... بالحجة الكبرى وبالبرهان
وإن كان هواه مع الحزب الوطني، حتى لقد أتهم بأنه من حساد "سعد"، مع أنه كان وطنيًّا مخلصًا لا يرتضى أنصاف الحلول، ولا يقنع إلا بالاستقلال الكامل، وقد قال يرد على هؤلاء الذين اتهموة بمناوأة "سعد"، يبين لهم رأيه في الاستقلال المزعوم، وأنه كان يرجو أن يكون سعد فوق السحاب، تنال البلاد خيرها واستقلالها التام على يديه، لا ذلك الاستقلال الذي سماه الاستقلال الذائب.
دعاة الخير والإصلاح مرحى ... رضيناكم وإن كنتم غصابا
رضيناكم على أن تنصفونا ... وألا تظلموا الشعب المصابا
(2/162)

أفي الإنصاف ألا توردوه ... على طول الصدى إلا سرابا
زعمتم أننا حساد سعد ... وقلتم قول من جهل الصوابا
ولو ركب الجواد بمصر سعد ... لقلنا ليته ركب السحابا
كفى يا قوم بهتانا وزورًا ... فقولوا الحق واجتنبوا السبابا
لأنتم خير من يرجى لمصر ... ولكنا نرى العجب العجابا
وفي استقلالكم بعض المزايا ... ولكنا لمسناه فذابا
لم يكن محرم في الواقع حزبيًّا، ولكنه كان شديد الحمية في التعصب لوطنه، استمع إليه حين الخلاف بين أعضاء الوفد المصري، وشاعت الفرقة يقول مشفقًا على وطنه من هذا النزاع:
إذا اختلفوا أو اتفقوا فإنا ... سوى استقلال مصر لا نريد
إذا لم يحفظ استقلال مصر ... فلا سعد يطاع ولا سعيد
رجاء الشعب -لا الأحزاب تجدي ... إذا ضاع الغداة ولا الوفود
نطيع العاملين ونفتتديهم ... وننصرهم إذا اشتد الوعيد
إذا اعتصموا فنحن لهم حصون ... وإن زحفوا فنحن لهم جنود
بأظهرنا وأيدينا جميعًا ... تحصن مصطفى ورمى فريد
لقد كان حب مصر يملك عليه شغاف قلبه، حتى ليعز عليه أن يفرط في أي حق من حقوقها، وهو الذي قال فيها:
وهبت الصبار الشيب والهوى ... لمصر وإن لم أقض حق الهوى مصرا
بلاد حبتنى أرضها وسماؤها ... حياتي وأجرى نيلها في دمي الدرا
أجل! كان محرم وطنيًّا شديد الغيرة على وطنه، متعصبًا في الحق.
ليسا لتعصب للرجال معرة ... إن الكريم لقومه يتعصب
(2/163)

لقد غضب حين رضى قومه بالاستقلال الزائف، وتوج الجهاد الطويل بالخداع والمداهنة، ولذلك كان جريئًا في لومه وتعنيفه لساسة مصر حينذاك ولقد تميز محرم دائمًا بالجرأة، ولما رأى من عباس انحرافًا عن الجادة، ومهادنة للإنجليز، واستنزافًا لمال الشعب، وانصرافًا عن الإصلاح لم يتردد في أن يقول فيه ما كان يعد في ذلك الوقت جريمة، ويعرض صاحبه للعقاب الصارم:
أضر الناس ذو تاج تولى ... فما نفع البلاد ولا أفادا
وكان على الرعية شر راعٍ ... وأشأم مالك في الدهر سادا
وتدعوه الرعية وهو لاهٍ ... فتصدع دون مسمعه الجمادا
حياة توسع الأخيرا عارًا ... وذكر يملأ الدنيا سوادا
فإيه يا عزيز النيل إيه ... أما ترضى لملكك أن يشادا
وللشعب المصفّد أن تراه ... وقد نزع الأداهم والصفادا
وقد قال بيته المشهور يعرض بعباس وقد سمن على دماء الشعب، بينما صار الشعب هزيلًا.
رأيت الشعب والأمثال جم ... على ما كان مالكه يكون
وأعجبت ما أرى شعب نحيف ... يسوس قطيعة راع بدين
فإذا كان هذا مبلغ جرأته في تلك الآونة، على من يتمسح كل الشعراء بأعتابه، ويزيجون إليه المدح الكاذب! فيحجم محرم عن نقد سعد وغير سعد إذا ظن أنهم فرطوا في حق بلادهم. ولقد شرح لنا مذهبه وعلل غضبته كلما مس مصر ضر أو حاق بها شر في قوله:
يا نيل والموفون فيك قلائل ... ليت الذعاف لمن يخونك مشرب
أيخون عهدك غادر فيضمنه ... ما بين جانحتيك واد مخصب
قتل الوفاء، فما غضبت وإنما ... يحمى الحقيقة من يغار ويغضب
ولذلك كان متتبعًا في حرص بالغ شئون السياسة المصرية، وخطوات ساستها ولم يدع مقامًا إلا أدلى فيه برأيه، صادعًا بكلمة الحق، محذرًا، وناصحًا ومشجعًا ومقرعًا على حسب الموقف الذي يقفه الزعماء والمصلحون.
(2/164)

ولما عاد بعض أعضاء الوفد على الأمة مشروع "ملنر" خشي محرم أن يكون المشروع خدعة إنجليزية لا تحقق استقلال مصر، وصاح صيحة قوية يحذر فيها المصريين من نفاق الإنجليز، فطالما وعدوا الوعود ومنوا الأماني، ولم يتحقق لهم وعد، أو ينجزوا أمنية، كما يحذر المصريين من الفرقة، فطريق الحق واضحة:
يا أيها القوم ماذا في حقائبكم ... إني أرى الشعب قد أودى به القلق
جئتم إلينا فباتت مصر راجفة ... مما حملتم وكاد النيل يحترق
لقد أقاموا طويلًا بين أظهرنا ... فما وثقنا بهم يومًا ولا وثقوا
لا يعبث اليوم باستقلالكم أحد ... ولا يغركم التضليل والملق
استعبد المال قومًا لو يقال لهم ... خوضوا إليه عذاب الله لانطلقوا
برثت من كل ذي نفسين. واحدة ... تأبى القضاء وأخرى همها الورق
ما كنت أحسب أن يقضي القضاء لا ... يومًا فتختلف الأهواء والطرق
ويجزع ... ويشتد جزعه حين تتصدع وحدة الأمة، ويجد العدو ثغره واسعة في صفوفها ينفذ منها إلى مآربه، ويكثر التهاتر واللجاج فيما بينها، وتنصرف عن غايتها السامية.
ألست ترى بنيها في شقاق ... فما يرجون ما عاشوا اتحادا
ويقول:
شرعوا العدواة بينهم لم يوصهم ... دين المسيح بها ولا الإسلام
عوت الثعالب أمس حول عرينهم ... واليوم يزأر حوله الضرغام
ويسدي لهم النصيحة الخالصة في أن يتحدوا، ويرأبوا الصدع. ويجمعوا الصفوف.
يا قوم ماذا يفيد الخلف فاتفقوا ... وقوموا أمركم بالحزم يستقم
صونوا العهود وكونوا أمة عرفت ... معنى الحياة فلم تعسف ولم تهم
يا قوم لا تغفلوا إن العدو له ... عين تراقب منكم زلة القدم
(2/165)

ولعمري إن هذه النفس التي تحترق وطنية وألما لما نكبت به مصر في بنيها كانت جديرة بأن تتبوأ مكانتها اللائقة بها في عالم الأدب، ولقد حظي حافظ بالشهرة في عالم الوطنيات، مع أنه من عرفت، ولم يقف لحرّ الوطنية، وما يلاقيه الوطنيون في سبيل مبادئهم إلا أمدًا يسيرًا، وهو في شعره الوطني لا يشعرك بتلك الحرارة التي يبعثها في نفسك شعر أحمد محرم. ولكن عيب أحمد محرم، وعيب الكاشف معه أنهما آثرا العزلة بالريف حين فسدت الحياة في القاهرة، واختلف الناس فيما بينهم على المبادئ السامية، وكان في محرم زهد وعفة، وإيمان قوي، فلم يتملق رئيسًا، أو يعرف في الحق لينًا أو مواربة وكان حافظ رجل دنيا كثير الاختلاط بالناس. فالتمس له أصدقاؤه المعاذير حين قصر، وأغدقوا عليه عاطر الثناء حين وفق.
أما أحمد محرم فقد بقي حتى اليوم محرومًا القلم القوي الذي يعرض دوره بين الناس، ويعرف به قومه، وهو الذي أثر الفقر، والوحدة، والحرمان في سبيل مبدئه، وكان شاعرًا صاحب رسالة، وكان من أقوى الشعراء ديباجة وأنصعهم بيانًا، كان عيب أحمد محرم أنه يمثل الفريق الجاد من الأمة، والذي يشعر بآلامها المبرحة وأدوائها المستعصية، وكان صاحب مثل أعلى في أمة هازلة تطرب للعبث، ويفتنها زبرج الحضارة الغربية ليفتننا عن أهدافنا القويمة. كان شاعر مصر سياسيًّا واجتماعيًّا؛ وكان شاعر العروبة والإسلام، متعدد النواحي الأدبية؛ ومع ذلك كل عاثر الجد في حياته؛ لأنه لم يتملق العظماء فيمدحهم بالباطل، ويرثيهم إذا ماتوا، بل كان شاعرًا صادق الشعور في كل ما ينطق به، لا نظامًا يقول في المناسبات، فلم يجد من يدفعه إلى عالم الصدارة كما وجد سواه من الشعراء، ولنا إليه عودة إن شاء الله.
أما صديقه أحمد الكاشف فقد وقف نفسه على الشعر السياسي، وكان دون محرم اتساع أغراضه، إذ وقف على لون واحد من الشعر. ويمدح الترك حين كان مدحهم دينًا أو سياسية، ويشن الغارة الشعواء على الإنجليز على عهد كرومر، وغورست، وكتشنر ويمدح عباسًا وحسينًا، ويؤيد الثورة بكل قوة حين
(2/166)

اضطرمت في أرجاء البلاد، فإذا ما تصدعت صفوف الأمة، وصارت أحزابًا وشيعًا لا يعتزل الأحزاب كما اعتزلها محرم، ويسدي لها قول الناصح الأمين، وإنما ينحاز لفريق الأحرار الدستوريين فيمدح محمد محمود باشا، ويخصه بكثير من الثناء في مختلف المناسبات، ويمدح إسماعيل صدقي، وعلي ماهر وغيرهم، ولذلك سبب خاص يدركه من عرف البيئة التي عاش فيها الكاشف، فقد كانت أسرة الخطيب بالقرشية "بلد الكاشف" ذات جاه ونفوذ وثروة، وكان شوقي الخطيب في أول أمره نائبًا وفديًا ولم يكن الشاعر في صفاء مع هذه الأسرة كما لم يكن في صفاء مع أسرة المنشاوي من قبل، فانحاز إلى خصومهم السياسيين علهم ينصرونه إذا حزبه الضر، أو اشتدت وطأة خصومه عليه:
ولكن حسب الكاشف قوله في وداع كرومر:
ولبثت تبدو في زخارف مخلص ... للقوم تخفي ما اعتزمت وتحجب
غافلتهم حينًا فلم يتلفتوا ... إلا ونابك فيهم والمخلب
هل أنت فينا فاتح أو وارث ... أو قيهم أعلى وجار أقرب؟
أتطيل بينهم مقامك جاهدًا ... وتقول لم يتعلموا ويهذبوا
وختمت عهدك بالذي اهتزت له ... أركان مكة واستغاثت يثرب
ويشير في البيت الأخير إلى حادثة دنشواي، واسمعه يقول لكتشنر:
لسنا قطيعًا غاب راعيه كما ... كنا ولست الضيغم الفتاكا
فأقم بمصر مقام ضيف محسن ... وعليهم أن يكرموا مثواكا
وأذكر لوادي النيل نعمته عسى ... تعطي بنيه بعض ما أعطاكا
ولقد كان للنهضة القومية كما رأيت أثر بارز في الشعر الحديث، وكانت النهضة السياسية ويقظة الأمة من العوامل الفعالة في هذا الشعر، ولقد وجد لون جديد من الشعر السياسي في هذه الحقبة، وهو الأناشيد القومية، التي يتغنى بها الناس جماعات؛ وأول من نظمها في الأدب الحديث هو رفاعة الطهطاوي كما عرفت في الجزء الأول1، بيد أن شعراء القرن التاسع عشر الذين أتوا بعد رفاعة
__________
1 راجع ص33 من كتاب: "في الأدب الحديث" الجزء الأول.
(2/167)

الطهطاوي، لم يعنوا بهذا النوع من الشعر، وإذا لم تكن الأمور السياسية بمصر على ما يرام، وتوالت عليها النكبات بعضها في أثر بعض، وانتهت بالاحتلال المشئوم، ثم بوضع الحماية على مصر، فلما كانت الثورة القومية، في سنة 1919 تبارى الشعراء في وضع الأناشيد القومية، وقد نجح بعضها، ولم ينجح كثير منها؛ لأنه يشرط في النشيد القومي: قوة العبارة وسهولتها، وألا يكون وعظًا بل حماسة ونخوة، وأن يكون موضوعًا على لسان الشعب، وموافقًا لكل زمان1. ولكل أمة من أمم الغرب نشيد وطني تزهوبه، ويتغنى به الشعب في حفلاته العامة وينشده الطلبة في المدارس، والجنود في الميدان، فهو يعبر عن أمال أمة، ويبث في نفس كل فرد منها الحمية والحماسة، ويدفعه إلى العمل؛ إنه صورة مركزة للمثل العليا التي تنشدها أمة من الأمم، ولقد كان لنشيد "المارسلييز" أثر عظيم في الثورة الفرنسية، وقد ترجمه رفاعة بك إلى العربية شعرًا ولكن النشيد الذي يصلح لأمة لا يصلح لسواها، وقديمًا كان الفارس العربي يرتجز البيتين والثلاثة قبل المعركة ليثير في نفسه الحماسة، ويوهن من قوى خصمه المعنوية ولكنه كان نشيدًا فرديًّا ينشئه صاحبه لساعته.
وقلما تجد شاعرًا من شعراء العصر الحديث ليس له نشيد قومي، فهذا شوقي يشترك في مسابقة للأناشيد، تختار اللجنة نشيده ولكن هذا النشيد يموت؛ لأن العبرة ليست باختيار اللجنة أو اختيار الحكومة، وإنما بقوة النشيد، وسيطرته على نفوس الناس، وبقائه على الزمن ولو لم يعترف به رسميًّا، وقد تعرض نشيد شوقي لانتقاد كثير وفيه يقول:
بنى مصر مكانكم تهيا ... فهيا مهدوا للملك هيا
خذوا شمس النهار له حليّا ... ألم تك تاج أولكم مليا
على الأخلاق خطوا الملك وابنوا ... فليس وراءها للعز ركن
أليس لكم بوادي النيل عدن ... وكوثرها الذي يجري شهيا
__________
1 الديوان في النقد والأدب للعقاد والمازني ج1 ص41.
(2/168)

وقد أوسع الأستاذ العقاد هذا النشيد تجريحًا وطعنًا1 وهو على حق في بعض ما قال وإن لم يسلم نقده في مجموعه من التحامل، ولكن النشيد ليس به القوة التي تكفل له الخلود وقد وضع محمد عبد المطلب أكثر من نشيد فمن تلك قوله:
مصر اسلمي مصر لك السلام ... والملك والدولة والدوام
مصر لك التاريخ والأيام ... والنيل والفسطاط والأهرام
أيام لا ملك ولا نظام ... أنت عروس الأرض والبلاد
ولأحمد محرم نشيد بعنوان مصر الحرة قال في أوله:
مصر انهضي فالدهر ساق وقدم ... شقي السحاب وارفعي النجم علم
تحكمي يا مصر في كل الأمم ... تحكمي فهي عبيد وخدم
ويقول في آخره معلنًا وفاءه لزعماء الحزب الوطني:
نحن الوفاة والكريم من وفى ... نصون ما صان "الرئيس مصطفى
ونقتفي إثر فريد وكفى ... هما إماما الشعب والنيل الحرم
وممن اشتهر بوضع الأناشيد المرحوم مصطفى صادق الرافعي، وقد تغلب نشيده القومي على كل نشيد سواهن ولحن تلحينًا قويًّا، وحفظه الصغار والكبار ثم توجه به سعد باشا زغلول زعيم الحركة الوطنية، وصار هذا النشيد نشيدًا وطنيًّا لمصر، وأرى أنه يمثل ما يشترط في النشيد القومي تمام التمثيل، ولذلك أثبته هنا نموذجًا لهذا اللون من الشعر.
اسملي يا مصر إنني الفدا ... ذي يدي إن مدت الدنيا يدًا
أبدًا لن تستكيني أبدًا ... إنني أرجو مع اليوم غدا
ومعي قلبي وعزمي للجهاد ... ولقلبي أنت بعد الدين دين
لك يا مصر السلامة ... وسلاما يا بلادي
إن رمى الدهر سهامة ... اتقيها بفؤادي
واسلمي في كل حين
(2/169)

أنا مصري بناني من بنى ... هرم الدهر الذي أعيا الفنا
وقفة الأهرام فيما بيننا ... لصروف الدهر وقفتي أنا
في دفاعي وجهادي للبلاد ... لا أميل لا أمل لا ألين
لك يا مصر السلامة
ويك يا من رام تقيد الفلك ... أي نجم في السما يخضع لك
وطن الحر سما لا تمتلك ... والفتى الحر بأفقه ملك
لا عدا يا أرض مصر بك عاد ... إننا دون حماك أجمعين
لك يا مصر السلامة
للعلا أبناء مصر للعلا ... وبمصر شرفوا المستقبلا
وفدى لمصرنا الدنيا فلا ... تضعوا الأوطان إلا أولًا
جانبي الأيسر قلبه الفؤاد ... وبلادي هي لي قلبي اليمين
لك يا مصر السلامة
ومما يتصل بالشعر السياسي، ولا يقل عنه أثرًا في الوطنية المصرية، وإذكائه الحمية قلوب الناشئين، وصف الطبيعة المصرية، وتجلية محاسنها والتغني بها؛ لأنه يجعل المصريين يقدّرون وطنهم ويعشقونه، ويزدادون به تمسكًا وفيه فناء. وقد فطن لهذا الشعراء العرب في جاهليتهم وقلما خلت قصيدة كبيرة من وصف الطبيعة العربية برمالها، وعيونها، وسمائها وخمائلها، ووحشها، وما تثيره في نفس الشاعر من ذكريات، ولا يدعون صغيرة ولا كبيرة إلا التقطتها عيونهم اليقظة، وأذواقهم المرهقة، وأدارتها عقولهم الواعية، وأخرجتها وجداناتهم الحية شعرًا صادقًا في الوصف، حتى حيات الصحراء وذبابها كان لها نصيب في شعرهم، وخلعوا عليها بعض المحاسن، وظل شعراء العرب بعد أن هجروا صحراءهم مفتونين بجمال تلك الصحراء؛ لأن الشعر الجاهلي وهو المنبع الذي استقوا منه، والمدرسة التي تخرجوا فيها، كان من القوة والصدق في وصف تلك الديار، وإبراز ما فيها من جمال بحيث لم يجد الشعراء في العصور الإسلامية بدًّا من أن يذكروا نجدًا وغير نجد من الأماكن التي فتن بها شعراء العصر الجاهلي.
(2/170)

وقد فطن لهذا النوع من الوصف شعراء الغرب، وأدباؤهم، وقلما نجد شاعرًا غريبًا كبيرًا له في مناظر بلاده، وفي غيرها من مواطن الجمال في أوربا أكثر من قصيدة، وهذا النوع من الشعر فضلًا أنه من صميم الشعر القومي السياسي، فهو عمل فني خالص، ينطلق فيه الشاعر على سجيته، ولا يحفزه إليه إلا إشباع رغبته الفنية، وإحساسه بالجمال.
والطبيعة المصرية ليست مملة كما يزعم بعض الناس الذين يدافعون عن أوربا، ونزوحهم إليها كل عام، ففيها مفاتن ساحرة، وفي ريفهان ونيلها، وجداولها، وصحرائها، وشطآن بحارها، وآثارها التي تعد لقدمها جزءًا من هذه الطبيعة. ثم في شمسها الضاحية، وهوائها الرقراق، وأمسياتها، وتألق النجوم في سمائها، وبلابلها وأطيارها.
وقد فتن هذا الجمال شعراء مصر في القديم، وإن لم يفيضوا فيه فيقول محمد بن عاصم الموفقي قصيدته التي مطلعها:
اشرب على الجيزة والمقس ... من قهوة صفراء كالورس
ويقول البهاء زهير:
علاحس النواعير ... وأصوات الشحارير
ويقول علي بن موسى بن سعيد:
انظر إلى سور الجزيرة في الدجى ... والبدر يلثم منه ثغرًا أشنبا
تتضاحك الأنوار في جنباته ... فتريك فوق النيل أمرًا معجبًا
بيننا مفضضًا في جانب ... أبصرت منه في سواه مذهبًا
وكان الظن أن يلفت هذا الجمال البديع أنظار الشعراء في العصر الحديث، كما استرعى انتباه الشعراء في العصر القديم، ولكننا نعلم أنه قد انفضت فترة طويلة من الزمن ركد فيها الشعر العربي بعامة، ولم يبق منه إلا دماء يسير، وهذا الباقي في عصر الممالك وأوائل النهضة كان شعرًا تقليديًّا تغلب عليه الصنعة، والمحسنات اللفظية والمعنوية، وكان يقال في الأغراض التقليدية القديمة من مدح،
(2/171)

ورثاء، وفخر، وما شاكل ذلك، وقلما انطلق فيه الشاعر، وتحرر من تلك القيود، وأفصح عن خلجات شعورهن وحر وجدانه، وإحساسه بالجمال؛ وإذا فعل فإنه لم يكن يملك الأداة المعبرة؛ لفقره في اللغة، وعدم مطاوعتها له؛ لأنه كان في عصر عمت في الجهالة، وغلبت العجمة على الشعراء والأدباء.
ولا شك أن في وصف الطبيعة المصرية والتغني بها ما يدل على إحساس شديد بمحبة الوطن، والتعليق به، والإعجاب بكل ما فيه، والإعجاب أول مراحل المحبة، وبدهي أن الشعراء في العصور المتأخرة لم يكن عندهم هذا الشعور الوطني، أو الإحساس القومي، فلم يلتفتوا إلى الطبيعة وما فيها من جمال وفتنة، وظل الأمر على هذا النوال حتى أتى البارودي، فأحيا الشعر العربي بعد مواته، وابتدأ في أول أمره محاكيًا ومقلدًا حتى تملك زمام اللغة، وناصية البيان، ومن هذا النوع التقليدي قوله في وصف الربيع قصيدته التي مطلعها:
رمت بخيوط النور كهربة الفجر ... ونمت بأسرار الندى شفة الزهر
ولا تحس وأنت تقرأ هذه القصيدة بأنه يصف جوًّا مصريًّا، ولا طبيعة مصرية، ولكنه مال بث أن التفت للريف المصري، فوضحت شخصيته، وظهرت الألوان المحلية، وأبدع إبداعًا عظيمًا في هذا الضرب من الوصف، فأحب الريف محبة ملكت عليه شغاف قلبه الحساس؛ فتراه يصف الصباح المشرق الندي، ويصف السحب، ويصف الناعورة، والقطن، والطيور المزقزقة في مثل قصيدته:
رف الندى وتنفس النوار ... وتكلمت بلغاتها الأطيار
أو أرجوزته:
عم الحيا واستنت الجداول ... وفاضت الغدران والمناهل
وقد وفينا البارودي حقه من الدرس في الجزء الأول من كتابنا، فلا داعي للتكرار، ولكننا نقول إنه أول من فطن في العصر الحديث لجمال مصر، وتغنى به في شعره؛ وإذا نظرنا إلى الشعراء بعده نجدهم يتفاوتون في هذا الباب، فإسماعيل صبري على الرغم من رقة حسه، ودقة ذوقه، وإرهاف شعوره؛
(2/172)

ومحبته للجمال، لا نكاد نجد له في الطبيعة المصرية إلا قطعة واحدة من ثلاثة أبيات مسروقة من "ابن خروف" النحوي ونسبها إلى نفسه.
ما أعجب النيل ما أبهى شمائله ... في ضفتيه من الأشجار أدواح
من جنة الخلد فياض على ترع ... تهب فيها هبوب الريح أرواح
ليست زيادته ماء كما زعموا ... وإنما هي أرزاق وأرواح
ونفتش في ديوان ولي الدين يكن فلا نكاد نعثر على شيء من الوصف، ولا على وصف الطبيعة المصرية، كأنها ليست موجودة ألبتة، وقد علمت فيما سبق أنه كان غريبًا بشعوره عن مصر، وكان في شغل بسياسياته عن التملي في محاسن الطبيعة وفتنتها.
أما عبد المطلب فكان لفرط إعجابه بالعرب القدماء لا يزال يتغنى بالجزع، واللوى والرقمتين، ولعلع.
وحيّ بالجزع ركبًا زان منظره ... نور الربيع وصوب المزن ينسكب1
وساجل الورق في تلك الربى وأعد ... ذكر اللوى فلقلبي باللوى طرب
ويخيل إليك بعد أن تستقرئ شعره أنه لم ينشأ في صعيد مصر، ولم يتلق العلم في القاهرة ويرَ مناظر الجزيرة الخلابة، ويشاهد النيل وبعثه للحياة في كل جزء من أرض مصر، ومن تقله أرضها.
ومن العجب أن حافظ إبراهيم الذي لقب بشاعر النيل، لم يهتم بالطبيعة المصرية، ويصفها، وتقرأ ديوانه وتفتش فيه علك تعثر على أبيات ولو في ثنايا قصيدة فلا تجد شيئًا من هذا اللهم إلا أبياتًا جاءت عرضًا عند كلامه على نادي الألعاب الرياضية بالجزيرة، حين أقامة حفلة بدار "الأوبرا" سنة 1916، والتي يقول في أولها2.
بنادي الجزيرة قف ساعة ... وشاهد بربك ما قد حوى
ترى جنة من جنان الربيع ... تبدت مع الخلد في مستوى
جمال الطبيعة في أفقها ... تجلى على عرشه واستوى
__________
1 ديوان عبد المطلب ص18.
2 ديوان حافظ ج1 ص222.
(2/173)

وفيها يعتب على المصريين أنهم زاهدون في جمال بلادهم، صادفون عنه، ويؤثرون الجلوس على المقاهي على التمتع بالرياض:
فما بال قومي لا يأخذون ... لتلك الجنان طريقًا سُوا
وما بال قومي لا ينزلون ... بغير جروبي وباراللوا
تراهم على نردهم عكفًا ... يبادر كل إلى ما غوى
وإلا ما جاء في ثنايا قصيدة بعث بها إلى صديق له في إنجلترا سنة 1908 وفيها يقول:
والنيل مرآة تنفس ... في صحيفتها النسيم
سلب السماء نجومها ... فهوت بلجته تعوم
نشرت عليه غلاله ... بيضاء حاكتها تعوم
شفت لأعيننا سوى ... ما شبه منها الأديم
وقد كان أجدى على حافظ، وهو يملك بيانًا خلابًا متمكنًا من فصيح اللغة أن يعكف على الطبيعة المصرية يخلد آثارها، ويستقرئ جمالها، ولا سيما بعد أن كمم المنصب فاه، فلم يعد يطرق أبواب الشعر السياسي منذ أن عين بدار الكتب، ولو أن حافظًا اتجه هذه الوجهة لكان أثره في الأدب عظيمًا، ولكن أنى لحافظ أن يتجه إلى الطبيعة يتملى مفاتنها وهوالمشغول بالناس ومنادمتهم، ولعل الدكتور طه حسين وهو من المعجبين به قد وقف على سره إزاء الطبيعة وأنه لم يكن مهيأ لمناجاتها والتحدث إليها وإظهار جمالها حين قال:
"ولم يكن حافظ عظيم الثقافة ولا عميقها، فلم يكن من الممكن ولا من اليسير أن يتجه إلى تلك الفنون الشعرية الخالصة، التي تصل بين الشاعر وبين الطبيعة، والتي ليس للسياسة ولا للنظام عليها سلطان، ولم تكن في السماء ولا الرياض في الأرض ولا النيل ولا الصحراء تلهم حافظًا؛ لأن حافظًا لم يكن شاعر الطبيعة وإنما كان شاعر الناس1.
__________
1 حافظ وشوقي ص211.
(2/174)

ومن الشعراء المقلين الذين عنوا بالطبيعة المصرية وجمالها السيد توفيق البكري وله قصيدة ممتعة عنوانها "مصر"1، وفيها يقول:
والنيل في لباتها ... عقد يلوح مجوهر
والجو صحو مشرق ... وكأنما هو ممطر
والظل من خلل الشموس ... مدرهم ومدثر
وغصونها لدن تمد ... بما تقل وتثمر
فكأنهن ولائد في ... حليها تتكسر
يا جنة يجنى الجنى ... فيها ويجرى الكوثر
أنا شاعر في وصفها ... لكنها هي أشعر
ويصف الجيزة، والأصيل، والمتحف، والأزهر والهرمين، وأخلاق المصريين وكرم ضيافتهم؛ وهي تنبئ عن لفتات شعرية سامية لم تتح لكثيرين. كما أن له في وصف الريف قطعًا نثرية هي إلى الشعر أقرب منها إلى النثر مثل: "العزلة"2، وهو في مدحه لعباس لا ينسى مصر والتغني بجمالها، ولكنه كما ذكرنا مقل وسنعود إليه بدراسة تفصيلية في آخر هذا الجزء إن شاء الله.
ولعل شوقي قد قضى حق مصر، وحق الطبيعة المصرية، ووفى ما على الشعراء من دين أثقل كاهلهم بعد البارودي، فقد أفاض شوقي حقًّا في وصفها وتجلت شاعريته الفذة وموهبته الخالقة المقتدرة، وإحساسه المرهف، وقد ألهبت الغربة وحرقتها، والنفي ولوعته مشاعره، فاشتاق للوطن ونفث نفثات حارة من قلب مليء بالشوق والمحبة من ذلك قصيدته الأندلسية:
اختلاف النهار والليل ينسي ... اذكر إلى الصبا وأيام أنسي
والتي يقول فيها بيته الخالد:
وطني لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني إليه في الخلد نفسي
شهد الله لم يغب عن جفوني ... شخصه ساعة ولم يخل حسي
ويصف الجزيرة وصفًا يجعل الحياة تدب فيها، ويشخصها كأنها بشر.
(2/175)

هي بلقيس في الخمائل صرح ... من عباب وصاحب غير نكس
حسبها أن تكون للنيل عرسًا ... قلبها لم يجن يومًا بعرس
ليست بالأصيل حلة وشى ... بين صنعاء في الثياب وقس1
قدها النيل فاستحت فتوارت ... منه بالجسر بين عرى ولبس
ومن ذلك قصيدته:
أذار أقبل قم بنا يا صاح ... حى الربيع حديقة الأرواح
وقصيدة في النيل:
من أي عهد في القرى تتدفق ... وبأي كف في المدائن تغدق
وله في ثنايا قصائده عشرات المقطوعات في وصف مصر وجمالها كقوله من قصيدته التي مطلعها:
يا نائح الطلح............ البيت.
لكنَّ مصر وإن أغضت على مِقَةٍ ... عين من الخلد بالكافور تسقينا2
على جوانبها رفت تمائمنا ... وحول حافاتها قامت رواقينا
ومن روائعه قصيدته في وصف "أنس الوجود" التي يقول فيها:
أيها المنتحى بأسون دارًا ... كالثرايا تريد أن تنقضا
أخلع النعل واخفض الطرف واخشع ... لا تحاول من آية الدهر غضا
قف بتلك القصور في اليم غرقى ... ممسكًا بعضها من الذعر بعضا
وهو الذي يقول:
فمصر الرياض وسودانها ... عيون الرياض وخلجانها
وما هو ماء ولكنه ... وريد الحياة وشريانها
ويبدع حتى في وصف الصحراء ورمالها:
__________
1 قس: موضع بين العريش والفرما اشتهر بمليح الثياب.
2 المقة: المحبة.
(2/176)

كأن الرمال على جانبيك ... وبين يديك ذنوب البشر
ولا عجب فشوقي كما ذكرنا آنفًا كان ذا شاعرية فذة، وحساسية مرهفة، وكان مولعًا بالجمال يهتز له أينما وجده، كما كان مولعًا بالعظمة، وقد رأى مصر تتميز بالجمال كما تتميز بالعظمة، فأعجب بها، والإعجاب أول مراتب الحب، بل أحبها حبًّا عميقًا.
أحبك مصر من أعماق قلبي ... وحبك في صميم القلب نام
سيجمعني بك التاريخ يومًا ... إذا ظهر الكرام على اللئام
لأجلك رحت بالدنيا شقيًّا ... أصد الوجه والدنيا أمامي
وهبتك غير هياب يراعا ... أشد على العدو من الحسام
ولم يقف شوقي من الطبيعة المصرية عند حد تصويرها وإسابغ من الحسام وإبرازها صورًا رائعة تفتن اللب والنظر والسمع، كما فعل البارودي، ولكن اندمج فيها وشخصها وبعثها حية، فأربى بذلك على من تقدمه وأعجز من أتى بعده.
ومن الشعراء الذين أبدعوا في وصف الريف المصري، والطبيعة المصرية بعامة أحمد محرم، ومن ذلك قوله في وصف القرية وجمالها من قصيدة طويلة مطلعها:
قم للصلاة على هدى وصلاح ... واسجد لربك فالق الإصباح
دنيا بدائع حسنها مجلوة ... في منظر بهج وجوّ صاح
هذا الجمال الأخضر انتظم القرى ... وأظلها من جاهه بجناح
كجناح جبريل يظل مرفرفًا ... في جوه المتقاذف الفياح
تلك الحياة لمن يريد لنفسه ... ما تشتهي من متعة ومراح
أما خليل مطران فله بعض قطع في وصف الطبيعة المصرية، ولكننا نشعر ونحن نقرأ شعر مطران في الطبيعة أن هواه كان في بلاد الشام مسقط رأسه، ومدرج طفولته، وأنه فتن بها الفتنة الكاملة، فلم تدع له نظرًا يرى به جمال أرض سواها، ولا قلبًا ويُتَيّم ويهيم بغيرها، وقد خلدها في شعره بأكثر من قصيدة،
(2/177)

وحن إليها تحنانًا شديدًا، وتحس ذلك تشعر به في قوله حين ذهب إليها أول مرة بعد أن تركها وأقام بمصر.
يا وطنًا نفديه بالدماء ... والأنفس الصادقة الولاء
ما أسعد الظافر باللقاء ... والقرب بعد الهجر والجلاء
إن أك باكيا من السراء ... فإن طول الشوق في التنائي
وله في بعلبك وذكريات الطفولة قصيدة طويلة1 أضفى على أطلالها من روعة فنه، وصادق حسه، وفيض عاطفته ما يعشرك بشديد حنينه إليها، ومحبته لها، كما فعل شوقي في وصف الطبيعة المصرية: وهنا لا بد لنا من القول بأن العبرة ليست بوصف الطبيعة، ولكن بالعاطفة التي يلون بها شعره، فإذا وازنا بين شوقي ومطران في وصفيهما للطبيعة المصرية تجلت لنا محبة شوقي لمصر، وإبراز جمالها للأجيال من بعده في صورة بالغة الإبداع، رائعة الرواء، بينما تجاهل مطران هذه الطبيعة. أو نظر إليها نظرة سخط وغضب، أو إذا ألحت عليه بجمالها وهو الشاعر الفنان، واضطر إلى وصفها جاء شعره فاترًا، وخلوًّا من تلك المحبة والنظرة المعجبة، وعلى العكس من ذلك حين يتكلم عن لبنان أو سوريا، فهو بكثر التحنان إليهما ويقول في نهر "زحلة" قصيدة طويلة:
واهًا لذاك النهر خلّف لي ... عطشًا مذيبًا بعد مصدره
يا طالما أوردته أملي ... وسقيت وهمي من تصوره
تمتد أيام الفراق وبي ... ظمئي لذاك المنهل الشافي
وبمسمعى لهديره اللجب ... وبناظري لجماله الصافي
ويقول في لبنان:
يا منيت الأرز القديم ومربضًا ... يوم الحفاظ لكل ليث أصيبد
هذي إليك تحية من شيّق ... قد بان طوعًا عنك وهو كمُبعد
__________
1 انظر الديوان ج1 ص97.
(2/178)

من هالك ظمأ وماؤك قربه ... مرت به حجج ولم يتورد
يا مسقطًا للرأس في جنباته ... من حر شوقي جمرة لم تخمد
وقد زار مطران بلاد سوريا، وجابها بلدًا بلدًا، ووصفها في شعره: وصف كل مدينة وكل دسكرة، ولمس تربها، وقبله، وطاف بأبنيتها، يتزود منها قبل أن يرحل عنها1 ومن يكن في مثل حال مطران عسير عليه أن يجود في وصف الطبيعة المصرية أو آثارها القديمة الخالدة، بل لا يرى هذه الآثار رمز عظمة، ودليل فن، وقوة إرادة، وإنما هي مظهر ظلم وعسف وإرهاق وتسخير لشعب مسكين.
إني أرى عد الرجال ها هنا ... خلائقًا تكثر أن تعددا
صفر الوجوه باديًا جباههم ... كالكلأ اليابس يعلوه الندى
محنية ظهورهم خرس الخطا ... كالنمل دب مستكينًا مخلدًا
مجتمعين أبحرًا، متفرعين ... أنهرًا منحدرين صعدا
أكل هذى الأنفس الهلكى غدًا ... تبنى لفان جدثا مخلدًا؟
فنظرته هذه تختلف عن نظرة شوقي المحب الذي يرى السيئات حسنات، ويفرغ ذوب قلبه عاطفة جياشة حين يتكلم عن مصر وأرض مصر وطبيعتها وآثارها. ولقد وصف مطران الطبيعة المصرية، ولكنه نظر في أغلب حالاته نظرة قائمة مفزوعة، كئيبة تدل على تبرم، ونفور منها، وعلى أن روح التشاؤم تسيطر على شعره، واستمع إليه يصف صعيد مصر إبان الصيف وقد يكون الصعيد في الصيف غير محمود، ولكن المحب يراه جميلًا والنيل ينساب ملتويًا يمنه ويسرة يتدفق خيرًا وبركة ويبعث الحياة خضرة نضرة على العابرين، وتأوى المدن والقرى إلى حضنه كما يأوى الصغار إلى أمهم الرءوم ويقل على ظهره المراكب رائحة غادية كالأب الكادح يحمل متاعب بنيه، من غير سأم ولا ضجر وتنتصب الآثار الناطقة بالحضارة العتيقة التي انبعثت على ضفتيه، والدنيا بعد وسنانة في فجر التاريخ، هذا هو الصعيد حين ينظر المرء إليه نظرة المتفائل، البشوش القلب، المحب لما يراه، ولكن مطران يقول:
__________
1 انظر الديوان ج3 ص78.
(2/179)

أوقد الصيف في الصعيد لظاه ... فأجف الحقول والأجاما
وغدا الناس بين جو كثيف ... مرتديًا من الغبار غماما
وفلاة كأنما الرمل فيها ... شرر مد لمعة واضطراما
وكأن المياه في النيل تجري ... بخطى أبطأت ونهر تعامى
شبه ذوب الرصاص في الكير يطغي ... فإذا ما طغى برفق ترامى
وعرا الأعين الكلال، فإني ... نظرت حمرة رأت وقتاما
وكأن النعاس في عصب الأرض ... تمشي فكل ما دب ناما
وكأن الدمى التي صنعتها ... أمة القبط متعبات قيامًا
وقصيدته في وصف المساء بالإسكندرية، وهو على سيف البحر العظيم، لا تقل في تشاؤمها عن هذه القطعة، مع أنه لا يماري أحد في جمال الإسكندرية في الصيف، ولا في منظر الشمس وهي تغيب في البحر، ولكنه يقول في الغروب:
أو ليس نزعًا للنهار وصرعة ... للشمس بين مآتم الأضواء؟
أو ليس طمسًا لليقين ومبعثًا ... للشك بين غلائل الظلماء؟
أو ليس محوًا للوجود إلى مدى ... وإبادة لمعالم الأشياء؟
فهو ينظر إلى الدنيا وما فيها بمنظار أسود يحيل الجميل دميمًا، والمناظر الأنيقة الفتانة رديئة كثيبة، وليس العيب عيب الطبيعة، ولكنه عيب من ينظر إليها. ومطران في أحسن حالاته حين يصف الطبيعة المصرية تراه مبهمًا، لا يعطي اللون الخاص الذي يميز مصر عن سواها، وكأنما ينظر إلى شيء آخر غير مصر حين يصف منظرًا وصفًا فيه شيء من الإنصاف؛ وإذا أعطاك اللون الخاص، اقتضب الكلام وكأنما يفر من شيء يؤذيه. مثال ذلك وصفه لليلة مقمرة على ضفة النيل في الجزية، وهو منظر شعري خلاب، وكان من حق مطران وهو الشاعر المتفنن أن يصوره تصويرًا بارعًا، ولكنه لا يزيد عن ثلاثة أبيات خالية من العاطفة:
وليلة بدر صفا جوها ... وباح بسر السكون الحفيف
وألقت بسمع ظلال الرياض ... لنجوى قلوب بهن تطيف
(2/180)

وصب على النيل شبه السيول ... مغير الدجى من سناه الضعيف
ويقول في مغرب شمس بريف مصر، ولا يعطيك اللون "المحلى" فتحسب أنه وصف لأي شمس في أي مكان:
وللشمى في المنتهى مغرب ... رأينا به آية من عجب
رأينا من الغيم طودًا رسا ... على أفقها وسمها واشرأب
بجسم ظلال وقمة تبر ... وسفح تعاريجه من لهب
كأن الأشعة أثناءه ... مغاور في منجم من ذهب
وهو كذلك في وصفه لشروق الشمس في مصر لا يعطيك خصائص مصر1. ومطران لم يعجب بجمال مصر، ولا يرى فيها إلا أنها مضيافة، خصبة، هادئة؛ جوها صحو يساعد على نمو الزرع، وحراراتها تمرع النبات:
في مصر مصرخة الهيف ... وملجأ المتفزع
مصر السماء الصحو مصر ... الدفء مصر المشبع
مصر التي ما ريع ساكنها ... بريح زعزع
حيث المراعي والندى ... للمرتوي والمرتعي
حيث السواقي الحانيات ... على الطيور الرضع
حيث الحرارة ما توال ... ربيبها يترعرع
ولا عجب فقد وجد بمصر الأمن، والدعة، والجو الجميل، وحسن الضيافة، ليس بها أعاصير ولا زغازع، وزرعها نضير، وخيرها كثير فهو ينظر إليها نظرة مادية نفعية، وهو يشكرها بمقدار ما تسدي إليه من المنفعة.
مصر العزيزة إن جارت وإن عدلت ... مصر العزيزة إن نرحل وإن نقم
نحن الضيوف على رحب ومكرمة ... منها وإنا لحافظون للذمم
جئنا حماها وعشنا آمنين بها ... ممتعين كأن العيش في حلم
ومطران يعترف بالسبق لشوقي في وصف الطبيعة المصرية، وأن الحب العميق هو الذي أوحى إليه بهذا الإبداع، وأني لمطران أن يبدع إبداع شوقي وليس في فؤاده لمصر هذا الحب:
__________
1 انظر القطعة ج2 ص186.
(2/181)

شوقي إخالك لم تقلها لاهيا ... بالنظم أو متباهيا بذكاء
حب الحمى أملى عليك ضروبها ... متأنقًا ما شاء في الإملاء
أعظم بآيات الهوى إذا يرتقي ... متجردًا كالجوهر الوضاء
فيطهر الوجدان من أدرانه ... ويزينه بسواطع الأضواء
وحسبي ما قدمت في هذا الموضوع، فإن المقام يضيق عن تتبع جميع الشعراء الذين ألهمتهم الطبيعة المصرية وتغنوا بمفاتنها وخلدوها في عشرهم.
(2/182)

المظهر الثقافي:
صاحب النشاط السياسي في مصر والشعور بوجوب التحرر من ربقة الاحتلال اهتمام بالغ بالنهضة الثقافية، حتى تستطيع الأمة أن تجاري ركب الحضارة، وأن تحسن إدارة شئونها الداخلية والخارجية، وقد أشرنا إلى هذا الاهتمام في آخر الفقرة الأولى1، وكان أول مظاهره إنشاء الجامعة المصرية بعد أن دعا إليها مصطفى كامل أكثر من مرة ولبى دعوته مصطفى كامل الغمراوي، وعمل على أن يخرج هذا المشروع إلى نور الشمس، ويصير حقيقة واقعة، ولكي تخرج الجامعة الأمة من سباتها، وتبث فيها الحياة، فتستطيع مغالبة الغاصب، وتخليص البلاد من براثنه، وكان أول اجتماع لتحقيق الجامعة في 12 من أكتوبر 1906، واختير "الأمير" أحمد فؤاد "الملك فؤاد فيما بعد" رئيسًا لها، واشتدت حركة الاكتتاب لها، وتوجتها "الأميرة" فاطمة إسماعيل فحبست عليها 661 فدانًا؛ غير ما تبرعت به من حليها التي قدرت باثنين وعشرين ألفًا من الجنيهات، وفي سنة 1914 وضع الحجر الأساسي للجامعة بحضور الخديو عباس، ولم يكن
__________
1 راجع ص52 من هذا الكتاب وما بعدها.
2 كان عدد المجتمعين نحو اثنين وعشرين رجلًا نذكر منهم: سعد زغلول، وقاسم أمين، ومحمد راسم، وحفني ناصف، وأخنوخ فانوس، وحنفي ناجي، وفتح الله بركات، وأحمد رمزي، وراجع أحمد رمزي بك في مقال عن الجامعة وتأسيسها الأهرام 1/ 6/ 1951.
(2/182)

الإنجليز راضين عن هذه الحركة طبعًا، وكيف يرضون عنها وقد كان من سياسة عميدهم بمصر اللورد كرومر محاربة التعليم الجامعي الذي يعد الأمم للحياة الحقة، والاهتمام بتخريج آلات صماء تعمل في دواوين الحكومة تحت إمرة مستشاريه كما عرفت في الفصل الأول. وبدأت الجامعة أعمالها بإرسال البعوث العلمية إلى أوربا لإعداد هيئة التدريس، ودعت بعض الأساتذة المشهود لهم بالرسوخ في العلم، من جامعات أوربا المختلفة لإلقاء محاضرات على الطلاب في التاريخ، والآداب العربية، والفلسفة والاقتصاد، من أمثال "الكونت دي جلارزا، وجويدي الكبير، ونللينو"؛ وأنشئت بها مكتبة جمعت لها الكتب من جميع جهات العالم، حتى صارت اليوم من أغنى المكتبات في الشرق العربي كله1، وأخذت الجامعة تمنح الدرجات العلمية في أول نشأتها، ولكن الحرب العالمية الأولى أثرت في نموها، كما أثرت في جميع مظاهر الرقي والمرافق العامة، وقد فكرت الحكومة في سنة 1917 في إنشاء جامعة حكومية؛ وسارت هذه الفكرة في 11 من مارس سنة 1925؛ مكونة من كليات أربع هي: الآداب، والعلوم؛ والطب، والحقوق، وفي سنة 1935 ضمت إليها الهندسة، والزراعة والتجارة، وفي سنة 1940 سميت بجامعة "فؤاد الأول"، وضمت إليها دار العلوم في 24 من إبريل سنة "1946"2، وبعد ثورة 23 يوليو 1952 سميت جامعة القاهرة.
وقد أفادت الحركة الأدبية بمصر والشرق من الجامعة المصرية إفادة لا تنكر، إذ أخرجت جيلًا مثقفًا ثقافة حديثة، ملمًا بالآداب العربية يجيد البحث ويقدره، وإن كان الذين نبغوا في البحوث الأدبية ممن تخرجوا في الجامعة لا يزال محدودًا، ولكن الفضل الأكبر كان للأساتذة الأجانب والمصريين، وتوجيهاتهم للأدباء، وفي الفصول التي كتبوها في النقد الأدبي، والكتب التي أخرجوها نماذج في التأليف، كما أفادت الجامعة في الإكثار من عدد القراء الذين يقدرون الأدب ويتذوقونه، ويسهمون فيه، أو يعلقون عليه، وحسبك أن تعلم أن
__________
1 بها اليوم مائة وسبعون ألف مجلد، منها عشرون ألفًا باللغات الأوربية، وأربعون ألفًا باللغة العربية، وعشرة آلاف باللغات الشرقية المختلفة "تقويم الجامعة ص80".
2 تقويم الجامعة 1- 4.
(2/183)

عدد طلبة الجامعة كان في سنة 1926 حوالي 2027 طالبًا، وأنهم صاروا في سنة 1950 أكثر من ثمانية عشر ألف طالب وقد صاروا في سنة 1958 نحو ستة وعشرين ألف طالب، عدا ثمانية آلاف في جامعة الإسكندرية وستة آلاف في جامعة عين شمس1. ولا ريب أن كثرة القراء تشجع المؤلفين، وتشجع دور النشر، وتروج الأدب، والطباعة، والصحف.
وقد أخذت مصر منذ أن توليت بنفسها شئون التعليم تعمل على نشره بكل الوسائل، وتكثر من افتتاح المدارس المختلفة، ثم جعلته بالمجان في المدارس الابتدائية منذ سنة 1942، وفي المدارس الثانوية منذ سنة 1950، فاشتد الإقبال عليه، حتى ارتفعت ميزانية وزارة المعارف من حوالي أحد عشر مليونًا من الجنيهات في سنة 1945 إلى أكثر من خمسة وعشرين مليونًا في سنة "1951"2.
وصحب انتشار التعليم في جميع مراحله نهضة في إخراج الكتب من إحياء وتأليف وترجمة. أما عن نشر الكتب القديمة وإحيائها، فقد عرفت في الجزء الأول أن أول خطوة جديدة في هذا السبيل خطاها على باشا مبارك حين ألف هيئة برئاسة رفاعة بك الطهطاوي3 ثم حذت جمعية المعارف في سنة 1868 حذو تلك الهيئة الرسمية، وقد ذكرنا شيئًا عن جهودها في هذا السبيل4، وفي سنة 1898 ألفت جمعية لنشر الكتب القديمة وإحيائها، وكان من أعضائها حسن "باشا" عاصم، وأحمد "باشا" تيمور، وعلى "بك" بهجت وغيرهم، وطبعت عدة كتب مفيدة مثل: كتاب الموجز في فقه الإمام الشافعي، وسيرة صلاح الدين الأيوبي، وفتوح البلدان للبلاذرى، والإحاطة في أخبار غرناطة وتاريخ دولة آل سلجوق وغيرها.
وفي سنة 1900 تكونت هيئة أخرى برئاسة الشيخ محمد عبده لإحياء الكتب القديمة النافعة5. فأخرجت كتابي عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة،
__________
1 تقويم الجامعة سنة 1950 ص194، وحديث كامل مرسي "باشا" مدير الجامعة، الأهرام في 24 من فبراير سنة 1951 وتقويم الجامعة سنة 1958.
2 راجع الإحصاء العام سنة 1945، وميزانية الدولة سنة 1951 الأهرام 2/ 4/ 1951.
3 راجع الخطط التوفيقية ج13 ص 55- 56 والأدب الحديث ج1 ص74.
4 الأدب الحديث ج1 ص74 ط سادسة.
5 وكان من أعضائها حسين عاصم، وعبد الخالق ثروت، ومحمد النجار.
(2/184)

ودلائل الإعجاز، ونشرت كتاب المخصص لابن سيده في سبعة عشرًا مجلدًا، وابتدأت في طبع كتاب المدونة للإمام مالك1.
ومنذ ذلك دأبت دور النشر على إحياء الكتب القديمة، واهتمت بها دار الكتب أيما اهتمام، ومن الكتب التي طبعت في خلال الحرب العالمية الأولى صبح الأعشى، والخصائص لابن جني، وديوان ابن الدمينة، والمكافأة لابن الداية والاعتصام للشاطبي، والأصنام لابن الكلبي، وقد تأسست في خلال الحرب العالمية الأولى كذلك لجنة التأليف والترجمة والنشر في سنة 1914، ودأبت منذ ذلك الوقت على إخراج الكتب تأليفًا وإحياء وترجمة حتى بلغ عدد ما أخرجته في سنة 1948 ما يربو على ثلثمائة كتاب2.
ومن الكتب ذات القيمة التي أخرجتها دار الكتب: نهاية الأرب للنويري، ومسالك الأبصار لابن فضل الله العمري، والأغاني للأصفهاني، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردى، وديوان مهيار الديلمي. وتعددت بجانب دار الكتب الهيئات التي تعنى بالنشر حتى بلغ عددها سنة 1948 أربعًا وعشرين هيئة ودار نشر.
وقد انتشرت الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية تبعًا لازدياد عدد القراء، ورقى الأمة حتى بلغ عدد الصحف اليومية بمصر في سنة 1950 اثنين وعشرين صحيفة؛ منها اثنتا عشرة في القاهرة وحدها، وبلغ عدد المجلات الأسبوعية 203 مجلة، خص القاهرة منها 150، وعدد المجلات نصف الشهرية 18، والشهرية 82، والرسمية 15، والمدرسية 53، والصحف المتنوعة بجانب هذا كله 15 صحيفة3، وقد نقصت بعض هذه الأعداد أو زادت في سنة "1954"4.
إن هذه الصحف والمجلات جميعًا تلح على القارئ في أن يقرأ، وتحاول أن تجذبه إلى القراءة بشتى الوسائل والمغريات، وبعضها يعنى بالأدب الرفيع ويحتفي به، وبعضها يتملق الجمهور، ويشبع نزعاته الرخيصة، ومن المجلات التي كان لها أثر في الأدب وإفادته فائدة جليلة سواء بالنقد، أو بنشر الشعر.
__________
1 راجع المنار ج8 ص491، وتاريخ الإمام ج3 ص247، والإسلام والتجديد ص18.
2 السجل الثقافي 1948 ص209.
3 السجل الثقافي سنة 1950 ص181- 199.
4 راجع السجل الثقافي سنة 1954 ص224 وما بعدها.
(2/185)

والجيد من النثر في شتى الموضوعات: الهلال، والمقتطف، ثم السياسة الأسبوعية، والبلاغ الأسبوعي، والجديد للمرصفي، والرسالة للزيات، والثقافة لأحمد أمين، ثم الكتب التي كانت تصدرها دار المعارف، ومجلة كلية الآداب، وصحيفة جماعة دار العلوم، وكانت كل هذه المجلات الجادة تبذل مجهودًا جبارًا في اجتذاب القارئ العربي؛ لأن الأدب الرخيص يطغى على الجمهور، ويجتذبه بيسر، وهذا يسيئ إلى الحركة الأدبية كل الإساءة، وتلك ظاهرة يؤسف لها أشد الأسف، ولقد يئست كلها أخيرًا من هؤلاء القراء وأضناها التعب في جهادها المرير فاحتجبت جميعًا إلا مجلة الهلال؛ لأن الجهد الذي يبذل فيها لا يكافئ الربح الذي يعود منها بل كانت تمنى في كثير من الأحيان بخسائر أحنت ظهرها وأعجزتها عن النهوض بمهمتها السامية، وهذه ظاهرة يؤسف لها أشد الأسف وإن كان مما يعزينا بعض الشيء انتشار الكتب الأوربية التي تصدر في صورة "دوريات" عن دار المعارف والهلال وغيرها، وقد رأت الحكومة خلو الميدان من مجلة تعنى بالأدب الرفيع فعملت وزارة الثقافة والإرشاد على إصدار "المجلة" والرسالة والثقافة والمسرح وغيرها لتسد بها هذا الفراغ المريع. وإن حاولت بعض دور النشر سد هذا الفراغ. بإصدار كتيبات صغيرة كل مجموعة في سلسلة مثل. نوابغ الفكر العربي، ونوابع الفكري الغربي وتصدرهما دار المعارف، ومثل المجموعات التي أصدرتها الجمعية الثقافية المصرية بإشراف مؤلف هذا الكتاب في الأدب والاقتصاد والدين والنقد وغيرها.
وقد دأبت وزارة الثقافة والإرشاد منذ مدة على إصدار كتب دورية بأثمان رخيصة، منها مجموعة: اخترنا لك، واخترنا للطالب، وكتب قومية، وكتب سياسية، وعيون المسريحات العالمية وغيرها، حتى تيسر على الجمهور القراء شراءها والانتفاع بها.
كما عملت على تشجيع معرض الكتاب العربي في مناسبات مختلفة، ويقوم المجلس الأعلى للفنون والآداب بأعطاء جوائز تشجيعية وتقديرية للمؤلفين، وتعقد الدولة عيدًا للعلم كل عام توزع فيه الجوائز ويحضره الرئيس جمال عبد الناصر وكبار رجال الحكومة، وقد بلغت قيمة هذه الجوائز في عام 1964 ثلاثة ملايين جنيه.
(2/186)

وبجانب هذا نرى إقبالًا على المحاضرات الأدبية، وانتشار قاعات المحاضرات والاهتمام بالأحاديث في المذياع، حتى بلغ عدد المحاضرات الأدبية والثقافية المتنوعة في عام 1951 ما يزيد عن ألف محاضرة.
وقد انتشرت المطابع العربية في أنحاء القطر المصري حتى زاد عددها عن الألف1، وأخذت تزود الجمهور بشتى المؤلفات، والكتب المترجمة، والكتب القديمة التي نحا فيها العلماء نحو المستشرقين في الإخراج والتحقيق، وقد بلغ عدد الكتب الأدبية المؤلفة في سنة 1947 مائة وثلاثين كتابًا، وفي سنة 1948 ما يقرب من مائة وعشرين كتابًا، وفي سنة 1950 ما يزيد عن مائة كتاب عدا كتب التاريخ والاقتصاد والفلسفة والاجتماع، والسياسة، والعلوم، والدين، والتصوف، واللغة، والمعارف العامة2.
ومن أشهر الكتب الأدبية التي ظهرت في السنوات الأخيرة؛ أبحاث ومقالات لأحمد الشايب، وأبو الفوارس لمحمد فريد أبو حديد، وأدب مصر الإسلامية للدكتور محمد كامل حسين، وعلى الأثير للعقاد، وقصصنا الشعبي للدكتور فؤاد حسنين، والجاحظ لشفيق جبري، ورحلة الربيع للدكتور طه حسين، وصوت العالم لميخائيل نعيمة، والنقد المنهجي عند العرب للدكتور محمد مندور والفتوة عند العرب والمسرحية لعمر الدسوقي؛ كما ظهر فيض من القصص ودواوين الشعراء والكتب المحققة.
وقد عظمت العناية بالترجمة، وترجم الجيد والرديء من كل لغة، فترجمت أميرة بابل لفولتير، وأقاصيص لكبار كتاب الإنجليز، والإنسان الكامل، وجنيفا، وحيرة طبيب لبرناردشو، وترجم الدكتور طه حسين زاديج لفولتير، وترجم طعام الآلهة لويلز، والعالم الطريف لألدس هكسلي، وفي خلال العصور والآلهة عطاش لأناتول فرانس، وهنري وريتشارد الثاني والعاصفة لشكسبير عدا ما ترجمه مطران سابقًا، ومدرسة الزوجات لأندريه جيد، وسالومي لأسكار وايلد،
__________
1 الإحصاء العام سنة 1945 المطبوع سنة 1948.
2 السجل الثقافي لسنة 1948 ولسنة 1950- 1952.
(2/187)

وأناشيد الرعاة لفرجيل، والحياة والحب وكليوباترا لإميل لوفيج ترجمة عادل زعيتر، والمتحذلقات لموليير، والندم لجان بول سارتر وقصة الحضارة لبول ديورانت ومئات غيرها1. وقد أخذت دار الهلال منذ سنة 1952 تترجم أمهات القصص العالمية في أسلوب شائق وطبعات سهلة التناول، كما ترجم فيض من الكتب في مختلف العلوم، ولقد وفدت على الشرق في سنة 1953 مؤسسة "فرانكلين" الأمريكية للنشر أسهمت في ترجمة أمهات الكتب الأمريكية في مختلف فروع المعرفة، وقد اتخذت مصر مقرًّا لها، وظهر من منشوراتها عدد من الكتب غير قليل، كما أن وزارة التربية والتعليم بمصر عنيت بترجمة المراجع ذات القيمة في العلوم المختلفة من شتى اللغات ويسرت نشرها وتداولها، وكذلك فعلت الجامعة العربية ودور النشر الخاصة وظهرت مجموعة الألف كتاب في شتى فنون المعرفة، كما ظهرت مجموعة الجمعية الثقافية المصرية، ونوابغ الفكر العربي والغربي وغيرها.
ولقد نجم عن كل هذا: انتشار التعليم بأنواعه، وكثرة الصحف والمجلات، وحركة إحياء الكتب القديمة، والتأليف والترجمة من كل لغة تياران أدبيان في مصر يختلفان بعض الاختلاف في الهدف والآثار: "ظهرت هذه الآثار في الأزهر حين عرضت الكتب القديمة في اللغة والدين والتفسيرو الحديث والكلام والفلسفة بنوع خاص، فاضطرب إيمان الأزهر بالكتب القائمة والعلم المألوف، وأخذوا في ثورة على تلك النظم وهذا العلم لم تزل قائمة، ولم تظهر ثمرتها في الأزهر بعد. وظهرت بعيدًا عن الأزهر أذواق الكتاب والشعراء، وطائفة من القراء حين قرءوا طائفة من الشعر القديم: جاهلية وأموية، وعباسية، وحين قرءوا طائفة من كتب الأدب التي ظهرت أيام العباسيين، فرأوا من هذا كله حياة للحس، والعاطفة والعقل، وأحسوا بعدما ما بين هذا النحو من الأدب الحي، وبين ما ألفوه من هذا الأدب الميت، كما أحسوا أن هذا الأدب القديم الحي، أقرب إلى نفوسهم،
__________
1 راجع المصدرين السابقين.
(2/188)

وأقدر على تمثيل عواطفهم، وتصوير شعورهم من هذا الأدب الجديد الميت"1، وبجانب هؤلاء الذين تذوقوا الأدب العربي القديم الحي، ووجدوا في لغته معينًا فياضًا يمدهم بما يعبرون به عن خلجات نفوسهم، وجدت طائفة تتنكر لهذه اللغة وحاولوا أن يتركوها، ويلجئوا إلى اللعة العامية؛ لأنها في نظرهم أقوى على التعبير عن مقتضيات العصر الحاضر وأقرب إلى فهم الجمهور، وأدعى إلى نشر العلوم العصرية2، كما أن تيارًا قويًّا نحو الآداب الغربية وتقليدها قد سرى بين أدباء مصر والبلاد العربية.
وقد فطن إلى أن اللغة العربية في حاجة إلى نهضة وتجديد وإحياء وتعريب كثير من العلماء، حين انتشرت الحضارة ووجدوا أنفسهم إزاء آلاف من الكلمات والتعبيرات الأجنبية لا يستطيعون نقلها إلى اللغة العربية، فيقول الشيخ إبراهيم اليازجي: يا ليت شعري ما يصنع أحدنا لو دخل أحد المعارض الطبيعية أو الصناعية، ورأى ثمة من المسميات العضوية من أنواع الحيوان، وضروب النبات: وصنوف المعادن، وعاين ما هناك من الآلات، والأدوات وسائر أجناس المصنوعات، وما تتألف من القطع والأجزاء بما لها من الهيئات المختلفة والمنافع المتباينة، وأراد العبارة عن شيء من هذه المذكورات.
ثم ما هو فاعل لو أراد الكلام فيما يحدث كل يوم من المخترعات العلمية والصناعية، والمكتشفات الطبية والكيماوية، والفنون العقلية واليدوية، وما لكل ذلك من الأوضاع والحدود والمصطلحات التي لا تغادر جليلًا ولا دقيقًا إلا تدل له بين ألواح معجمات اللغة ألفاظًا يعبر بها عنه، ولا يغنيه في هذا الموقف كثرة أسماء الأسد والسيف، والعسل، والعبير"3.
ويقول فتحي زغلول "باشا" حاثًا على التجديد في تلك اللغة التي ورثناها عن آبائنا، والتي مثلت حضارتهم أيما تمثيل، ولكنها اليوم عاجزة عن أداء كثير من حضارة الغرب: "نحن إما عرب، أو مستعربون، أو أجانب عن لغة العرب، أو مولدون، فإن كنا الأولين فلنا حقنا في التصرف بلغتنا كما تقضيه
__________
1 حافظ وشوقي للدكتور طه حسين ص3، 4.
2 الأب لويس شيخو في الآداب العربية في الربع الأول من القرن العشرين ص93.
3 مختارات المنفلوطي ص80، 81.
(2/189)

مصلحتنا، وإن كنا مستعربين فبحكم قيامنا مقام أصحاب هذه اللغة، وبكوننا ورثناها عنهم بعد أن بادوا، فليس من له أن ينازعنا في استعمال ما كان مباحًا لآبائنا من قبلنا، وإن كنا أجانب أو مولدين، فمن له أن يسيطر علينا ويحرمنا ثمرة الكد في حفظ هذه اللغة وتفضيلها على غيرها من سائر اللغات، فيلزمنا بالبقاء على القديم، ويحكم علينا بالجمود، واعتقال اللسان؟
أخذ العرب العلوم عن أهلها، ونقلوها إلى لغتهم، فلما وجدوا منها استعصاء في بعض المواضع ذللوها، وأخضعوا الغريب عنها لأحكامها، فأيسرت، ودرجت بعد الجمود، فكانت لهم نعم النصير على إدراك ما طلبوا من نور وعرفان.
نسينا نحن أن زماننًا غير زمانهم، فكانوا أصحاب حول وطول، وذوي مجد وسلطان، ونحن على ما نعلم من الضعف والإنزواء، على أنهم في عزهم، وبعد فخارهم، وتمكنهم من أنفسهم لم يعتزوا بلغتهم، فلم ينفروا من العجمة؛ لأنها عجمة بل استخدموها حيث وجب الأخذ بها تمكينًا للغتهم، وحذرًا من أن يصيبها الوهن، إذا قعدوا بها عن مجاراة تيار التقدم، وهو أولو الرأي فيه، وخوفًا من أن يعيقهم الجمود فيها عن حفظ مركزهم العظيم؛ بين الأمم التي كانت تعاصرهم.
ليس لنا أن نتمسك بالقديم لقدمه، وأن أصبح عديم الجدوى، وإلا فأولى بنا أن نكف عن الدرس والمطالعة، وأن نكتفي من كل شيء بما ورثنا عن الآباء لنعيش كما عاش الأولون.
عليكم بالتقدم، فأدخلوا أبوابه المفتحة أمامكم، ولا تتأخروا فلستم وحدكم في هذا الوجود ولا تقدم لكم إلا بلغتكم، فاعتنوا بها وأصلحوها وهيئوها لتكون آلة صالحة فيما تبتغون، ولكن لا تكثروا من الاشتقاق الخارج عن حد القياس والمعقول، ولا تشوهوا صورتها الجميلة بتعدد الاشتراك، أو التجوز، ثم لا تقفوا بها موقف الجمود والعجمة تهددها على ألسنة العامة، وهي لا تلبث أن تدخل
(2/190)

على ألسنة الخاصة، أقيموا فيوجه هذا السبيل الجارف سدًّا من الاشتقاق المعقول والترجمة الصحيحة، والتعريب عند الضرورة لتكونوا من الناجحين"1.
ويقول الشيخ محمد الخضري "بك": "وأما عدم الحاجة إلى مزيد؟ فهذا لا تدعيه لغة من لغات الأمم الحية؛ لأن الأمم كلما كثرت حاجاتها وتجددت، اضطرت إلى المزيد من الألفاظ في اللغة، وهذا هو سر الحركة الدائمة في لغة الإفرنج بحيث ترون مجامعهم في شغل دائم، لا يأنفون أن يجدوا يومًا ما في لغتهم كلمة زائدة دلت على معنى جديد، وأكثر أحوالهم الاستعارة من غير لغتهم. وإذا كنا نرى عقولنا قد وقفت عن الاختراع، فإنا نرى أنفسنا في حاجة إلى استعمال مخترعات المخترعين والتعبير عنها"2.
وقد حاول بعض العلماء قبل الحرب العالمية الأولى تكوين مجمع لغوي يضع كلمات جديدة، أو يعرب أو يشتق من الكلمات القديمة لتساير اللغة موكب الحضارة الجارف، وقد تكون هذا المجمع فعلًا قبل الحرب العالمية الأولى برئاسة أحمد لطفي السيد ووضع بضعًا وعشرين كلمة اشتهر بعضها ومات كثير منها3 ثم انفض واجتهد كثير من المعبرين في وضع كلمات جديدة، ولكن المسألة صارت فوضى، فقد توضع أكثر من كلمة لمدلول أجنبي واحد، وأخيرًا أنشئ مجمع "فؤاد الأول" للغة العربية، في 13 ديسمبر 1932 وقد سمي في سنة 1954 مجمع اللغة العربية، وأهم أغراضه المحافظة على سلامة اللغة العربية، وجعلها وافية بمطالب العلوم والفنون في تقدمها، وملائمة على العموم لحاجات الحياة في العصر الحاضر وأن يقوم بوضع معجم تاريخي للغة العربية، وأن ينظم دراسة علمية للهجات العربية الحديثة وأن يبحث كل ما له شأن في تقدم اللغة"4.
ولقد كان للاهتمام باللغة أثر عظيم في تزويدها بكثير من الكلمات الاصطلاحية والفنية والأدبية التي تعوزها، وسهل النقل نوعًا ما من اللغات
__________
1 مختارات المنفلوطي من ص111- 120.
2 المصدر السابق ص184.
3 المصدر السابق ص87.
4 راجع صحيفة المجمع اللغوي العدد الأول الفقرة الأولى، والسجل الثقافي سنة 1947 - 1948 ص 238.
(2/191)

الأجنبية، ولا سيما في الأدب وهذا هو البستاني1 ينقل لنا إلياذة هوميروس شعرًا في مستهل هذا القرن، ويجدر بي أن أعرف بهذه الترجمة وبالمجهود الفذ الذي بذل فيها، فقد ابتدأ البستاني بنظم الإلياذة في أواخر سنة 1887، وهو بالقاهرة نقلًا عن الترجمات الفرنسية والإنجليزية والإيطالية، ثم بدا له أن ينقلها رأسًا عن الأصل اليوناني، فدرس اليونانية على راهب يسوعي حتى أحكمها فراجع ما كان ترجمه، ونفح ما فيه من الخلل، وكانت الإلياذة ترافقه في أسفاره الكثيرة حتى انتهى من نظمها في 1895، ووضع لها شرحًا، فكان عمله شاقًا راجع من أجله كثيرًا من الكتب العربية والأعجمية في الشعر العربي والأدب والتاريخ، ويتضمن الشرح نحو ألف بيت لمائتي شاعر عربي بين جاهلي ومخضرم، وإسلامي ومولد، قالوا في مثل معاني الإلياذة أو حوادثها، ويشتمل على طائفة كبيرة من أساطير العرب، وعاداتهم، وأخلاقهم، وأدابهم في بداواتهم، وحاضراته، وكان انتهاؤه منه في سنة 1902، وطبعت الإلياذة وشرحها في القاهرة في ربيع سنة 1903، ونشرت بمقدماتها وفهارسها 1904 وهي تشتمل على نحو أحد عشر ألف بيت، ذلل فيها الشعر العربي وأوزانه للملاحم الطويلة، ومن المعلوم أن القيام بنظم مثل هذه الملحمة الطويلة لا يتأتى إلا إذا تحرر الشاعر من عبودية الوزن الواحد، والقافية الواحدة، وهكذا صنع البستاني، فإنه جعل الأناشيد على طرق شتى فمنها ما قطعه قصائد مختلفة، ومنها ما نظمه قصيدة واحدة من غير أن يراعي القافية الواحدة وتوسع في اتخاذ الموشحات والأراجيز، والمخمسات، وفي استنباط ضروب جديدة كالمثنى والمربع والمثمن وما أشبه، وحاول على قدر المستطاع أن يراعي لكل نوع مقامًا، ولكل موضوع بحرًا2.
وقد أعطى البستاني بإخراجه الإلياذة شعرًا نموذجًا قوى الأسلوب مشرق الديباجة للشعراء الذين يحاولون نظم الملاحم، أو نظم المسرحيات، وكيف يتصرفون، ويتحللون من نظام القصيدة؛ ونحن لا يعنينا الآن الخوض في قيمة الإلياذة، وأثر نقلها في اللغة العربية بقدر ما يعنينا تلك الطريقة التي ترجمت بها،
__________
1 هو سليمان بن خاطر بن سلوم بن نادر البستاني ولد سنة 1856، وتوفي سنة 1925.
2 راجع مقدمة الإلياذة للبستاني، وأدباء العرب لبطرس البستاني ص340- 342 ومجلة المشرق للأب لويس شيخو 1904 ص865 وما بعدها.
(2/192)

والمقدمة التي كتبت لها فقد كانت درسًا جديدًا في مستهل هذا القرن لدراسة الأدب، والنقد الأدبي، على غير ما ألف نقاد ذلك الوقت من الاهتمام بالألفاظ والمعاني وائتلافهما وأوجه البيان، والأخطاء اللغوية، وما شاكل ذلك، بدون درس وتحليل، ومعرفة العلل والأسباب والنتائج، والموازنة بين الآداب بعضها وبعض، ولذلك كانت هذه المقدمة ذات أثر جليل في النقد الأدبي، وما زالت حتى اليوم تحتل هذه المكانة لدى من يقدرونها قدرها.
ولا ريب أن انتشار التعليم وكثرة المطابع، والمؤلفات، والكتب المترجمة من شتى اللغات في الآداب والعلوم، قد أفاد الأدب فائدة عظيمة؛ لأن ثقافة الأديب قد اتسعت آفاقها، وثقافة القارئ لم تعد تقنع بالشعر التافه، والخالي من المعاني، أو بالشعر التقليدي الذي لا يمثل حياة الأمة، ولا يعبر عن مشاعرها، ولا يغذي عواطفها، ولقد اشتد بعد الحرب العالمية الأولى الإقبال على تقليد الآداب الأوربية في موضوعها، وطريقتها، وقالبها فانتشرت القصة بأنواعها، وكثرت الترجمة لها ثم محاكاتها، ونقلت مسرحيات عديدة مثلت في دور التمثيل المصرية، وأخذ الأدباء، ومحترفوا التمثيل يضعون على نمطها مسرحيات تعالج مشكلات المجتمع المصري1. وليس من همي في هذا المقام أن أفيض في الكلام على القصة، أو المسرحية، أو المقالات النثرية، أو الكتب الأدبية التي تأثرت بطريقة البحث الغربية، من حيث التمحيص والتحليل، والتعرف على الأسباب والعلل والوصول إلى أحكام واستنباطات صحيحة أو قريبة من الصواب على الأقل، فإن غايتي الآن أن أدرس العوامل المؤثرة في الشعر.
لقد اطلع الشعراء على الكتب المترجمة؛ وعرفوا ألوانًا من الأدب الغربي، وكثير منهم كان على صلة بهذا الأدب من غير وساطة، فحاولوا التجديد في أسلوبهم، وموضوعاتهم وحاولوا الخروج على تقاليد الشعر العربي القديم، أو
__________
1 مثل محمود تيمور في رواياته الشيخ جمعة، والحاج شلبي سنة 1930، والشيخ عفا الله، وأبو علي سنة 1934، والوثبة الأولى، ومثل قصص عبد القادر المازني في صندوق الدنيا ومثل مسرحية ليلة كليوباترا للدكتور حسين فوزي والضحايا لأنطون يزيك، والوحوش لمحمود كامل، والأنانية لإبراهيم المصري، ومن أهم المسرحيات التي كان لها أثر في المسرح المصري، "مصر الجديدة: ومملكة أورشليم، وصلاح الدين" لفرج أنطون المتوفى سنة 1922 وقد وفينا هذا الموضوع حقه في كتابنا "المسرحية -نشأتها وتاريخها وأصولها".
(2/193)

التجديد في أغراضهم ومعانيهم، وقد خطا شوقي أمامهم خطوة واسعة بوضعه عدة مسرحيات تاريخية شعرية، وهم اليوم ينسجون على منواله؛ وظهرت مذاهب أدبية جديدة في الشعر ثائرة على الشعر القديم، حمل لواءها مطران، وشكري، والمازني، والعقاد، وشيبوب، وجاراهم شباب الأدباء.
وأهم ظاهرة تستحق التسجيل هي العناية باللغة العربية، والأسلوب، وبلغ هذا الأسلوب غايته عند شوقي في الشعراء، وإن شعراء المدرسة الحديثة يؤثرون الاهتمام بالموضوع والمعاني على الاهتمام باللفظ والأسلوب؛ ولكن يظهر أن طبيعة الشعر العربي تتطلب جودة الأسلوب وحسن النغم، وجمال الموسيقى، ولذلك لم تستسغ الآذان، أو لم تتعود بعد شعورهم هذا، فلم يلاقوا من الشهرة، والإقبال ما قدروا لأنفسهم.
وقد كان من أثر هذه الثقافة العامة الواسعة للشعب أن ارتقت الأغاني، ونظم كثير منها باللغة العربية الفصيحة، وتركت "الأدوار" و "المواويل" التي كانت تنظم بالعامية، ومن يتصفح ديوان إسماعيل صبري يجد بآخره مجموعة من الأغاني التي نظمها الشاعر باللغة العامية، مجارة لزمنه، وجمهوره، ولكنا منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى حتى اليوم قد ألفنا سماع كثير من الأغاني الجيدة بالشعر الجيد العربي الفصيح، والفضل في ذلك لشوقي، واختياره أبرع الموسيقيين لتلحين تلك القطع الرائعة من الشعر الغنائي التي جاءت في رواياته المسرحية مثل: "أنا أنطونيو" ومن غير مسرحياته مثل: "يا شراعًا وراء دجلة"، "ولي مثل ما بك يا قمرية الوادي" وحظى شعر شوقي بعد وفاته بإقبال المغنين عليه، ويختارون منه القطع الرائعة، كنهج البردة، والهمزية، والسودان وحذا الشعراء حذو شوقي، وأقبلوا على وضع القطع الغنائية باللغة الفصحى، واستساغ الشعب هذه الأغنيات، وحفظها ورددها، وذلك ولا شك رقى بذوقه اللغوي، ونهوض به. ونرى المغنين حين تعوزهم القطع الغنائية الجديدة، ينقبون في الشعر العربي القديم على القصائد التي تصلح للتلحين الحديث، وهكذا نهض الغناء نهضة تبشر بأن ذوق الأمة سائر نحو التهذيب الصحيح، وأن اللغة العربية في طريق السيادة التامة، حتى على ألسنة الجمهور.
(2/194)

وكثرت كذلك العناية بكتب الأطفال، وتزويدهم بالشعر السهل الذي تتلاءم معانيه وأخيلتهم ومداركهم، وقد اهتم شوقي بهذا النهج، ونظم عشرات القطع السهلة خرافية وغير خرافية، ترمي إلى التهذيب والترويح عن الأطفال، وسار كثير من الشعراء على نهجه، وأخذوا في نظم الشعر المدرسي للأطفال، حتى صار عندنا فيض منه، وهذه لعمري ظاهرة تستحق التقدير؛ لأنها تعود التلميذ من الصغر على قراءة الشعر ومحبته، وتطبع لسانه على اللغة الفصحى؛ لأن الشعر أهل حفظًا، وأيسر تذكرًا من سواه، كما وضعت المسرحيات المدرسية الشعرية التي يقبل الطلبة على تمثيلها بسرور وإتقان، ومن الذين اشتهروا بنظم الشعر السهل الملائم للأطفال في صورة مقطوعات محمد يوسف المحجوب وفايد العمروسي وعبد العزيز عتيق وعلي عبد العظيم كما أن علي عبد العظيم ومحمد يوسف المحجوب اشتهرا بالمسرحيات الشعرية المدرسية.
وعنيت وزارة الشئون الاجتماعية بالمسرحيات الشعرية، وغير الشعرية وخصصت في كل عام جائزة لأحسن مسرحية، فجد الشعراء في وضع المسرحيات الجيدة1 كما عنى مجمع اللغة العربية بتخصيص جائزة مالية كل عام للشعر، وهذا كله يحفز الشعراء على التجديد والعمل.
هذه لمحات سريعة، وإشارات عابرة لما كان للنهضة القومية من أثر في ميدان الثقافة، ما كان لها من أثر على الشعر، وكم كنت أود أن أسوق أمثلة ونماذج أؤيد بها ما ذكرت ولكني سأكتفي بهذا القدر، مرجئًا تلك النماذج إلى حين دراسة الشعراء، والتحدث عن ثقافة كل شاعر، ومقدار ما أفاده من تلك النهضة الشاملة، حتى لا أضطر إلى التكرار.
__________
1 من ذلك مسرحية ولادة للشاعر علي عبد العظيم، وغرام يزيد، والمروءة المقنعة للشاعر محمود غنيم.
(2/195)

المظهر الاجتماعي:
ومن أهم مظاهر النهضة القومية المظهر الاجتماعي، فالشعب هو المعين الذي يزود الأمة برجالها الحاكمين، وساستها القادرين، وزعمائها المصلحين وعلمائها الأعلام، وكتابها المرشدين، وشعرائها المجيدين، ومهندسيها البارعين،
(2/195)

وأطبائها الأفذاذ، وهو ثروة معنوية عظيمة، وكنز ثمين؛ والشعب اليقظ الفطن المثقف، والحريص على منفعته هو الذي يوجه الأمة في مجموعها وجهة صحيحة نحو الرقي لا يسمح لأحد أن يعبث بمصالحه، أو يتغفله، أو يبرم أمرًا لا يرضيه. وللشعوب في أوربا مهابة عظيمة، يترضاها الزعماء والحكام والكتاب، ويسعى الكل جادين على إنهاضها ورقيها، فهي حصن الأمة حين الفزع، وقوتها التي ترهب بها أعداءها، لأن الشعب هو القوة العاملة الكادحة، وهو صاحب المنفعة المباشرة من رقي الأمة؛ ولقد تغيرت في القرن التاسع عشر عقلية الشعوب، ولم تعد ترضى الحكم المطلق، ولا أن تسام الخسف والهوان على يد حاكم مستبد، يمتص دماءها ويسخرها في سبيل شهواته وأطماعه، وطالبت جادة بالاشتراك في الحكم، وأن يؤخذ رأيها في كل صغيرة وكبيرة.
ولقد تأثرت مصر بهذه النزعة، ونعلم أن الثورة العرابية قد تطورت إلى المطالبة بالحكم النيابي ورفع الضيم عن الشعب، ولا ننسى حملة جمال الدين وصحبه علي إسماعيل، ثم علي توفيق، وقد رأينا كيف عم الفرح بلاد العرب والإسلام حين أعلنت تركيا الدستور في سنة 1908، جهر شاعر مثل إسماعيل صبري بأن مصر لا بد أن تنال مثل ما نالت تركيا، وناشد عباسًا أن يعطي مصر نصيبها في الحكم النيابي، وجاهد مصطفى كامل ومحمد فريد، ورجال الحزب الوطني في أن يمصروا التعليم ويحافظوا على اللغة العربية، وعلى مظاهر القومية في الثقافة كما رأينا آنفًا، وأسهم الشعراء والأدباء في الحث على ذلك.
ومن المظاهر التي استحقت العناية -عناية المصلحين، وعناية الأدباء- مشكلة الفقر بمصر، فقد تخلف عن عهود الإقطاع أن حظي فريق من المصريين بثروة عريضة، وغنى فاحش، وأنفقوا بسرف، وعربدوا بدون وعي، بينما سواد الأمة في فقر مدقع؛ قد تخلفت عدة مشكلات اجتماعية نتيجة هذا التفاوت بين الطبقات، فازداد الغني غنى، والفقير فقرًا. والفقر يفضي إلى التسول والتشرد، وارتكاب الجرائم، وضعف الصحة بين العمال والفلاحين وهم لا يملكون القدرة على العلاج، كما أن الفقر يحرم الأمة ثروة معنوية كبيرة تفيدها في نهضتها حيث لا يمكن الفقراء من التعليم ويظلون في جهل عميم، وكان من أوضح
(2/196)

المشكلات الاجتماعية: الأطفال المشردون، نتيجة لهذا، ونتيجة لجهل الطبقة الدنيا بتعاليم الإسلام، والإكثار من الزواج والطلاق، مع عدم قدرتهم المالية على تربية أولادهم. لذلك كثر الاهتمام بهؤلاء الأطفال الذين يعدون قذى في عين الأمة وسبة لمصر الغنية التي تنبت أرضها الذهب، والتي يبشم فيها فريق، حتى يسأم ويبعثر المال ذات اليمين وذات اليسار في سفه وطيش.
وكان حافظ إبراهيم قبل أن يدخل سجن الوظيفة شاعر مصر الاجتماعي الذي يأسى لما تعانيه من أدواء وعلل. وهو الذي ذاق مر الفقر، وكوي بنار الفاقة، وعرف ذل الحاجة، والبؤس، وكان متأثرًا بمبادئ الحزب الوطني الذي كان في أوجه حينذاك، والذي كان يهدف إلى نهضة الأمة في كل مرفق من مرافق الحياة، لا في السياسة فحسب، ولحافظ أكثر من قصيدة في وجوب العناية بهؤلاء الأطفال الذين إن أهملوا كانوا حربًا على الأمة في المستقبل، وصاروا عيارين، وسفاحين، وأفاقين، وعالة على المجتمع، يعاني منهم -وقد كبر معهم شرهم- أسوأ الأدواء وأضرها فتكا به.
قال حافظ في رعاية الطفل سنة 1910 قصيدته التي مطلعها:
شبحًا أرى ذاك طيف خيال ... لا بل فتاة بالعراء حيالي
أمست بمدرجة الخطوب فما لها ... راع هناك وما لها من والي
وقال في ملجأ رعاية الطفل سنة 1911 قصيدته التي مطلعها:
صفحة البرق أومضت في الغمام ... أم شهاب يشق جوف الظلام
وفيها يحث على الإحسان بقوله:
دعوة البائس المعذب سور ... يدفع الشر عن حياض الكرام
وهو حرب على البخيل وذي ... البغي وسيف على رقاب اللئام
وفيها يقول منوهًا بفضل الزكاة لمن يستحقها:
وعلمنا أن الزكاة سبيل الله ... قبل الصلاة قبل الصيام
خصها الله في الكتاب بذكر ... فهي ركن الأركان في الإسلام
(2/197)

بدأت مبدأ اليقين وظلت ... لحياة الشعوب خير قيام
لو وفى بالزكاة من جمع الدنيا ... وأهوى على اقتناء الحطام
ما شكا الجوع معدم أو تصدى ... لركوب الشرور والآثام
راكبًا رأسه طريدًا شريدًا ... لا يبال بشرعة أو ذمام
سائلًا عن وصية الله فيه ... آخذًا قوته بحد الحسام
ويقول في حفل أقامته جمعية رعاية الطفل سنة 1903، في محاورة بينه وبين مطران:
هذا صبي هائم ... تحت الظلام هيام حائر
أبلى الشقاء جديده ... وتقلمت منه الأظافر
فانظر إلى أسماله ... لم يبقَ منها ما يظاهر
ويقول في دعوة للإحسان سنة 1915، وفي الجمعية الخيرية 1916، وفي إعانة العميان 1916، وفي ملجأ الحرية 1919، ومن قوله في الجمعية الخيرية الإسلامية على لسان يتيم أوته الجمعية، وانتشلته من وهدة الفقر والجهل والتشرد:
قضيت عهد حداثتي ... ما بين ذل واغتراب
لم يغن عني بين مشرقها ... ومغربها اضطراب
صفرت يدي فخوى لها ... رأسي وجوفي والوطاب
لم يبقَ من أهلي سوى ... ذكر تناساه الصحاب
أمشي يرنحنى الأسى ... والبؤس ترنيح الشراب
ولا يكتفي بهذا في الحض على مساعدة الأطفال البائسين، والعمل على النهوض بهم، بل يأسى لما يلاقيه الشعب من غلاء، لا يكتوي به إلا ذوو المورد المحدود، والذين يكدحون في سبيل الرزق، وتتصبب جباههم عرقًا إبان العمل،
(2/198)

ولا يحس به من ورثوا المال الطائل وجاءهم هينًا لينًا؛ فبعثوه في يسر وسخاء غير آسفين ولا نادمين، ولا يحسون بغلاء، ولا تقف دون رغباتهم عقبات:
أيها المصلحون ضاق بنا العيش ... ولم تحسنوا عليه القياما
عزت السلعة الذليلة حتى ... بات مسح الحذاء خطبًا جسامًا
وغدا القوت في يد الناس كالياقوت ... حتى نوى الفقير الصياما
ويخال الرغيف في العيد بدرًا ... ويظن اللحوم لحمًا حرامًا
على أن حافظًا بعد ثورة سنة 1919 انصرف عن الشعر الاجتماعي إلا القليل كقوله في حفلة مدرسة للبنات، أو جمعية الطفل سنة 1928 قصيدة واحدة؛ صمت حافظ عن السياسة، وصمت عن وصف الطبيعة المصرية، وصمت حتى عن الشعر الاجتماعي الذي ظهرت فيه موهبته، والذي لا حرج عليه فيه أنه قاله. ولست أدري لصدوف حافظ عن الشعر الجيد الكريم الغرض في هذه الحقبة تعليلًا، إلا أن طاقة حافظ الشعرية قد نفدت وقريحته قد نضبت، وأنه قال ما قال سابقًا في فورة النفس، ثم ران عليها اليأس والخوف، وانصرفت لرثاء العظماء، وإلى إغفاءة طويلة لا تتنبه منها إلا في فترات متباعدة فتحس بها حولها. فيخرج قصيدة اجتماعية، أو مقطوعة سياسية يحاول إخفاءها جهده حتى لا يضار بشيء مع أنه لو نشرها ما أصابه ضر؛ إذ ليس فيها ما يخشى منه أشد الناس جبنًا. ولكنه على كل كان قبل الحرب العالمية الأولى، وفي خلالها شديد العناية بمصر وشئون مصر.
وليس كذلك شوقي، فهو قبل الحرب الأولى، كان حبيسًا في قفص من ذهب، مقيدًا بقيود القصر، وغل الحاشية، وأغلب الظن أنه لم يكن يدري عن حالة البؤس والفاقة التي يعانيها سواد الشعب شيئًا، وإذا درى فقلما يحس الآلم أو يتذكرها، وليس له بها عهد، أو إدراك، ولا نسمع له في هذه الحقبة إلا ثلاث قصائد في الهلال الأحمر والصليب الأحمر، أولاها مواجهة إلى توفيق باشا وزوجته، وهي التي مطلعها:
(2/199)

جبريل هلل في السماء وكبر ... واكتب ثواب المسنين وسطر
سل للفقير على تكرمه الغنى ... وأطلب مزيدًا في الرخاء لموسر
ويتخذ القصيدة في الهلال الأحمر وسيلة لمدح توفيق وزوجته.
يا بنت إلهامي دعاء معظم ... لسماء عزك في البرية مكبر
توفيق مصر وأنت أصل في الندى ... وفتا كما الفرع الكريم العنصر
والقصيدة الثانية قيلت إبان حرب طرابلس. وفيها حث على مساعدة الهلال الأحمر ليعنى بجند الترك وأهل طرابلس، فليست منبعثة عن شجى لحال المنكوبين، وعن شعور صادق بآلامهم، ومطلعها:
يا قوم عثمان والدنيا مداولة ... تعاونوا بينكم يا قوم عثمانا
وفيها يقول في كلام عام لا يصور الفاقة والبؤس كما صورها حافظ:
البر من شعب الإيمان أفضلها ... لا يقبل الله دون البر إيمانًا
هلى ترحمون لعل الله يرحمكم ... باليد أهلًا، وبالصحراء جيرانا؟
وليس لشوقي في الواقع شعر في الفاقة والبؤس، والعناسة بالفقراء لا قبل الحرب العالمية الأولى أيام أن كان مقيدًا بتلك القيود التي أشرنا إليها ولا بعد أن عاد من المنفى، وذاق فيه مرارة الحرمان، ولكنه كان على كل حال -حتى وهو في منفاه- في يسر من العيش ورغد من الحياة، ولذلك لم يشعر بتلك الآلام المبرحة التي يعانيها الفقراء، ولم يألف المواطن الشعبية التي يغشاها هؤلاء الفقراء، والأطفال المشردون، وإنما كان يعيش بعد عودته من المنفى في بيئة محوطة بالعناية والثراء، وقليل الاختلاط بالناس، اللهم إلا طبقة من خلصاء الأصدقاء يزورهم في سيارته الفارهة الفخمة، ويمر بمواكب البؤس ومناظره، ولا يراها ولا يحس بها.
أما مطران فحاله كحال شوقي من حيث ندرة ما قال عن الفقراء، ووصف حالتهم البشعة، وحث الأمة على العناية بهم، وتتصفح ديوانه كله فلا تجد إلا
(2/200)

قصيدتين، وثلاث مقطوعات كل مقطوعة في بيتين، وليس فيها ذلك الشعور الذي تراءى في شعر حافظ، وأغلب الظن أنها متكلفة، طلب إليه أن يقول فقال. فمن تلك المقطوعات قوله:
حبب الفقر إلينا ... منك إحسان شريف
فاشتهى الموسر منعا ... أنه عاف يطوف
ويقول في قصيدة عنوانها "دعوة الخير"، وهي كلام عام، وحكم متداولة مما يقال عادة في هذه المناسبات:
مهما تقل ثمالة الموجود ... لا تحرم المسكين فطرة جود
فإذا حباك الله فضلًا واسعًا ... فالبخل خسران وشبه جحود
ويقول في ملجأ الحرية الذي أسسه الدكتور عبد العزيز نظمي والذي قال فيه حافظ سنة 1919، وبعض تلك الحكم، من غير تصوير، أو ألم أو عاطفة ما:
إن لم يصن خلق الصغار مهذب ... ماذا يحاول وازع ومُشَرِّع
أو لم يكن أدب السجايا رادعًا ... للناشئين هل العقوبة تردع
في كل قطر ملجأ أفما لنا ... في أن نجاري ما يُجارى مطمع
ما بالنا نجد الشعوب أمامنا ... وعلى مثال صنيعهم لا نصنع
هذا ما كان من شأن مطران، أما إسماعيل صبري فليس له في هذا الموضوع قليل أو كثير، وكأن مصر ليس بها فقراء معدمون، أحلاس مسغبة، وأَنَّى لصبري أن يصف الفاقة والبؤس وأهلهما، وقد عاش عيشة مترفة منعمة، وقد قال عنه الدكتور طه حسين في المقدمة التي صدر بها ديوانه: "وكيف السبيل لطالب من طلاب الأزهر، ومن طلاب الجامعة القديمة، شديد الحياء أن يتصل بهذا الرجل الأرستقراطي، الذي كان يشغل منصبًا رفيعًا من مناصب الدولة، ويلقب بلقب رفيع من ألقابها، ولا يجلس حيث كان يجلس الشعراء في هذه القهوة أو تلك، ولا يختلف إلى حيث يختلف الشعراء في هذا النادي أو ذاك"1.
__________
1 انظر مقدمة ديوان صبري ص9.
(2/201)

وترى محمد عبد المطلب يطرق باب هذه المشكلة في أربع قصائد، ثلاث منها في جمعية المواساة الإسلامية قال أولاها في سنة 1913 والثانية في سنة 1914، والثالثة في سنة 1928 أما القصيدة الرابعة فقالها في الحرب والغلا، سنة 1918 ونرى عبد المطلب في قصيدة المواساة الأولى يصف حالة الفقراء، وما يكابدون من جهد، وجوع، وعرى:
أسألت باكية الدياجى ما لها ... أرقت فأرّقت النجوم حيالها
باتت تكفكف بالوقار مدامعًا ... غلب الأسى عبراتها فأسالها
وينهى من هذا الوصف إلى الثناء على رجال المواساة، ثم إلى مدح عباس، وأم المحسنين، وأما القصيدة الثانية فقد جعلها قصة يصف فيها حال فقير بائس، له صبية صغار يتضاعفن من الجوع، ويتلوون من الألم، وله جار رب قصر مثيف:
قصر يشق السماء طولًا ... فخم الدعامات ذو منار
تلألا الكهرباء فيه ... تلألؤ الكُنّس الجوارى
كأنه والظلام ساج ... من حوله آية النهار
ومركب النسيم يجري ... على الثرى آمن العثار
والمال يجبى إليه كيلًا ... فمن ضياع ومن عقار
ويرى هذا الفقير جاره الغني، في كل ليلة، وموائده عامرة بكل ما لذّ وطاب، والخدم يروحون ويجيئون:
فتلك في كفها حنيذ ... على إناء من النضار
وتلك من خلفها بصحن ... عليه حوت من البهار
وهذا الفقير يشتهي فتات المائدة ويدعو الله أن يعطف عليه هذا الجار، ولكن لا يستجاب دعاؤه، حتى يأتيه رجل المواساة بالبر والعطف والخير والمواساة.
وأما القصيدة الثالثة فليس فيها هذا التصوير البارع، وإنما هي كلام عام ومدح وثناء على عناية رجال المواساة بالبائسين من كل صنفٍ.
(2/202)

فكم صانوا كرامة ذي إباء ... وكم صاغوا لبائسة حجابا
وكم مدوا لذي الحاجات راحًا ... تسابق في تكرمها السحابا
وأما قصيدة الغلاء، فقد قالها بعد أن فتكت الحرب بما اختزن الناس وما بقي في مصر من خيرات أربع سنوات كاملة، وكان أشد الناس أَلَمًا من الغلاء هم موظفو الحكومة.
فوا رحمنا لابن الحكومة قوسه ... قلوع وهل يجرى سداد قلوع1
ومن حوله غرثى، عيال ونسوة ... طواها الطوى في ذلة وخضوع2
تقلب في جوع وعرى يؤودها ... وحسبك من عرى يؤود وجوع3
غلا كل شيء من مرافق عيشها ... على ربها من مُسْلَم ومبيع
وهذا شعور من اكتوى بنار الغلاء، عجزت موارده وقصرت يده عن تحقيق رغباته ورغبات أسرته الضرورية، فهو يصف حالة عاناها، وآلامًا قاساها، وقد كان موظفًا عفيفًا محدود الدخل، فهو وحافظ إبراهيم صادقان، وصدرا في وصف الغلاء عن شعور صحيح، أما إسماعيل صبري، أو شوقي، أو مطران، فلم يحسوا بعوز أو ضيق من خلال الحرب الأولى، ولذلك لم يخطر لهم ببال وصف الغلاء، وما فعله بالناس.
ولأحمد محرم أكثر من قصيدة في مشكلة الفقر والغنى، وهو قوي في شعوره، غني في تصويره، جريء في تعبيره، مما يدل على شدة انفعال، وفرط حساسية، استمع إليه يصف هذا البؤس في أحد مناظره:
رأيت الهول ينبعث ارتجالًا ... فتنصدع القلوب له بديها
رأيت البؤس يركض في جلود ... بجانبها النعيم ويحتميها
رأيت بيوت ساغبة تلوَّى ... كأمثال الأراقم ملء فيها
تريد طعامها والبيت مُقْو ... فتوشك أن تميل على بنيها
أنيلونا الديات ولا تكونوا ... كمن يردى النفوس ولا يديها
__________
1 قوس قلوع: تنقلت حين النزع فتقلب.
2 غرثى: جياع.
3 يؤودها: يبلغ منها الجهد والمشقة.
(2/203)

فهو يحمل الأغنياء وزر قتل الفقراء مسغبة وبؤسًا، وحق القاتل شرعًا أن يدفع الدية، وإلا كان مجرمًا وسفاحًا خارجًا على القانون، اللهم إلا إذا عامل البشر معاملة الحيوان الأعجم الذي يذبح، ولا دية له، وهو ينعى على أثرياء مصر أثرتهم. وعدم اهتمامهم بهؤلاء الذين يعولون، ويصرخون ويغولهم الفقر ويفتك بهم البؤس والشر:
أكل امرئ في مصر يسعى لنفسه ... ويطلب أسباب الحياة لذاته
طروب الأمانى ما يبالي بشعبه ... وإن ملأ الدنيا ضجيج نعاته
إذا نال ما يرجوه لم يعنه امرؤ ... سواه ولم يحفل بطول شكاته
سواء عليه منزل السخط والرضا ... إذا نال ما يرضيه من شهواته
يرى الدين والدنيا ثراء يصيبه ... وقصرًا تزل العين عن شرفاته
وهكذا نرى بعض الشعراء قد تأثر لهذه المشكلة الاجتماعية، التي لا تزال جاثمة رابطة في مصر الغنية، لم تحل بعد، ولم يرعو ذوو اليسار من غيهم، أو يزدجروا عن شرهم أو يطامنوا من شهواتهم، أو يتستروا في مباذلهم، وتظاهرهم هذا بالفساد يعتصر قلوب مواطنيهم الذين لم يواتهم الحظ من ثراء مورث، أو مغتصب، فيزدادون عليهم حقدًا وموجدة، وتعمل في نفوسهم المبادئ الفتاكة عملها.
ولقد كان لدى شعراء الجيل الماضي حساسية، وإدراك لأدواء هذه الأمة، فقالوا، وحضوا على الإحسان، ونبهوا الأثرياء، ولكن ما لنا اليوم وقد خفت صوت الشعر والمشكلة لا تزال على أشدها، والغلاء الشنيع قد طوح بكل القيم؟ 1.
على أن مشكلة الفقر والغنى ليست المشكلة الوحيدة التي نظر إليها شعراء الجيل الماضي بل اهتموا بكل ظاهرة من ظواهر التقدم والرقى، وكل ما يحفز الأمة على أن تتبوأ مركزها العظيم الذي يليق بماضيها الحافل بالحضارات، واهتموا كذلك بكل بادرة من داء يوهن هذه الأمة، ويمكن لأعدائها، أو يضعف بنيها.
__________
1 لقد تغير الوضع بعد ثورة 23 يوليو 1952 وقامت حكومة الثورة بعدة إصلاحات جذرية لمعالجة هذه المشكلة وتلافي التفاوت الشنيع بين الطبقات كان من أهمها قانون الإصلاح الزراعي، والقضاء على الإقطاع والرأسمالية والاحتكارية وتأميم الشركات الكبرى، والسير في طريق الاشتراكية المبنية على الكفاية والعدالة الاجتماعية.
(2/204)

وقد اتجه الشعراء اتجاهات مختلفة في هذا، فشوقي عنى بمظاهر النهضة، والإشادة بها والحث عليها فيقول في الجامعة قصيدته الثانية1 في سنة 1926 والتي مطلعها.
تاج البلاد تحية وسلام ... ردنك مصر وصحت الأحلام2
ويقول في الصحافة قصيدته التي مطلعها:
لكل زمان مضى آية ... وآية هذه الزمان الصحف3
ويقول في العلم والتعليم قصيدته التي مطلعها:
قم للمعلم وفه التبجيلا ... كاد المعلم أن يكون رسولًا
وكان شوقي حريصًا كل الحرص على أن تتبوأ مصر مكانة مرموقة في العالم، ولن يتأتى لها هذا إلا بالعلم والمال والقوة، ولذلك نراه يحث الشباب في غير ما قصيدة على العمل يوازن بينهم وبين نظائرهم من شباب أوربا، ويتساءل: هل نساير ركب الحضارة والمدينة والثقافة أو أننا لا نزال نعيش عالة على غيرنا في هذه الميادين؟
هل شايع النشء ركب المعلم واكتنفوا ... للعبقرية أحمالًا وأظعانًا
وساير المواكب المرموق متشحًا ... عز الحضارة أعلامًا وركبانًا
ولم يك شوقي يائسًا بل كان يتطلع دائمًا إلى مستقبل زاهر لمصر بفضل شبابها المتواثب، ولذلك قال:
تعلم ما استطعت لعل جيلا ... سيأتي يحدث العجب العجابا
وقد صدقت فراسته، وتحققت نبوءته، وجاء الجيل الذي يحاول أن يغير مجرى الحياة في مصر ويحيلها إلى دولة عظمى معتمدة على علمائها، واقتصادها، ومصانعها، وجيشها ويا ليت شوقي كان اليوم بيننا حين قال:
__________
1 وتلك غير قصيدته الأولى التي قالها يوم أن وضع عباس الحجر الأساسي للجامعة، انظر الشوقيات ج1 ص 158.
2 الشوقيات ج4 ص2.
3 الشوقيات جـ ص 165.
(2/205)

أرى طيارهم أوفى علينا ... وحلق فوق أرؤسنا وحاما
وأنظر جيشهم من نصف قرن ... على أبصارنا ضرب الخياما
فلا أمناؤنا نقصوه رمحًا ... ولا خواننا زادوا حساما
ملكنا ما رن الدنيا بوقت ... فلم نحس على الدنيا القياما
طلعنا وهي مقبلة أسودًا ... ورحنا وهي مدبرة نعامًا
إذا لرأي العجب العجاب، ورأى سماء مصر قد ملأها نسورنا وصارت حرة لهم لا ينازعهم فيها منازع، ولرأي كيف تقوضت خيام المحتل الغشوم، وكيف ذاق مذلة الهزيمة في بور سعيد ورأى أننا فعلًا قد انتقصنا عتادة بل استولينا عليه وهو الذي يقدر بالملايين في قاعدة القناة، وأننا صرنا أمة يجيشها وقادتها وسلاحها، وأننا نصنع اليوم السلاح الذي نحمي به هذه الديار الحبيبة كما تحمى الأسود عرينها1.
كان شوقي وهو الذي تعلم في باريس، وهو الذي أحب مصر كل الحب حريصًا على تسجيل مظاهر نهضتها، مشجعًا العاملين من بنيها ويرى أن مهمة الشاعر أن ينبه الغافل ويثبت العامل، ويشجع الرائد؛ فنراه يقول في بنك مصر وتأسيس داره أكثر من قصيدة ويقول في أول طيار مصري، وهكذا يتتبع مظاهر النهضة، ويثني على من يقوم لبلاده بمكرمة. ومن يضع في صرح بنائها حجرًا، وليس الأمر كما يصوره الدكتور طه حسين بأن هذا الشعر كالكراسي المذهبة التي لا يخلو منها حفل، وإنما صدر هذا الشعر عن عاطفة صادقة تهتز طربًا وتنتشى فرحًا لكل خطوة تخطوها الأمة في درج الحضارة بعد أن ظلت قرونًا تعاني الحرمان والجهل والمرض وشتى الآفات الوبيلة.
ويرى شوقي أن المرأة تستجيب لدعوة قاسم أمين، وتحاول جاهدة أن تمزق حجابها، وتحطم غل هذا الحجاب، ويقف أول الأمر مترددًا بين هواه في تشجيعها، وبين التقاليد الإسلامية التي يشجع عليها القصر فيقول قصيدته:
__________
1 في خطبة الرئيس جمال عبد الناصر احتقالًا بعيد النصر في 23 ديسمبر 1961 قرر زيادة ثلاث فرق كاملة العدة والعتاد في الجيش المصري حتى يكون اعتمادنا على أنفسنا في كل أمورنا الحربية.
(2/206)

صداح يا ملك الكنا ... رويا أمير البلبل
يحذر المرأة عن عاقبة الحجاب، خشية أن تقع على النسور الجهل، وأن حرصه عليها هوى، ومن يحرز ثمينًا يبخل، وإن لم يستطع كتم هواه وأساه لما تعانيه المرأة:
بالبيت شعري يا أسـ ... ـير سج فودك أم خل
وحليف سهد أم تنا ... م الليل حتى ينجلي
بالرغم مني ما تعالـ ... ـج في النحاس المقفل
ويخاطب أم المحسنين حين عودتها من تركيا بعد غيبة طويلة بقوله:
ارفعي الستر وحيي بالجبين ... وأرينا فلق الصبح المبين
وقفي الهودج فينا ساعة ... نقتبس من نور أم المحسنين
ويقول في رثاء قاسم أمين مؤيدًا له في تردد:
ماذا رأيت من الحجاب وعسره ... فدعوتنا لترفق ويسار
رأيٌ بدا لك لم تجده مخالفًا ... ما في الكتاب وسنة المختار
إن الحجاب سماحة ويسارة ... لولا وحوش من الرجال ضواري
جهلوا حقيقته وحكمة حكمه ... فتجاوزوه إلى أذى وضِرار
ولكن موقف شوقي يتضح في هذه القضية بعد أن يعود من المنفى، ولم يعد يخشى الجهر برأيه أو لأنه برأي الحركة النسوية قد فاقت ما قدر لها، وأنه لا فائدة من معارضة المرأة، إذ صار السفور حقيقة واقعة، بانتشار مدارس البنات، والمساواة بينهن وبين البنين في التعليم، واختلاطهم بهم في قاعات الدرس وبالجامعة، وصادف هذا هوى منه فقال قصيدته التي مطلعها:
قم حي هذي النيراتِ ... حي الحسان الخيرات
ويقول مؤيدًا السفور:
(2/207)

خذ بالكتاب والحديث ... وسيرة السلف الثقاة
وارجع إلى سنن الخليـ ... ـفة واتبع نظم الحياة
هذا رسول الله لم ... ينقص حقوق المؤمنات
العلم كان شريعة ... لسائه المتفقهات
رضن التجارة والسيـ ... ـاسة والشئون الأخريات
ويقول شوقي في العمال يخضهم على أن يقتفوا أثر أسلافهم في تشييد مجد مصر، وإبداع الآيات الفنية الخالدة التي لا يزال العلم حتى اليوم ينظر إليها في دهشة وحيرة، وينصحهم بالتمسك بحسن الخلق، واجتناب الموبقات التي كثيرًا ما تنحدر إليها الطبقة العاملة فتودى بصحتها، وتفسد حياتها، إلى غير ذلك من القصائد التي تستحث طبقات الأمة المختلفة على النهوض وقليلًا ما عرج على الآفات الاجتماعية كالانتحار، والميسر، وفساد الشبان وغير ذلك، فمن هذا قوله في زواج الشيب بالبنات الصغيرات، وهذه في نظره جريمة.
المال حلل كل غير محلل ... حتى زواج الشيب بالأبكار
ويقول في انتحار الطلبة قصيدته التي مطلعها:
ناشئ في الورد في أيامه
... حسبه الله أبا الورد عثر
ويقول في حريق ميت غمر قصيدته التي مطلعها:
الله يحكم في المدائن والقرى ... يا ميت غمر خذي القضاء كما جرى1
ويكثر من إسداء النصح بمكارم الأخلاق، ولهذا باب سنوفيه حقه فيما بعد، وهو يجاري النهضة الدينية، ويقول أكثر من قصيدة في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي العيد الهجري، وهكذا نرى شوقي لا يقل في شعوره الاجتماعي إزاء ظواهر النهوض في مصر عن أي شاعر آخر، إن لم يفقهم، ولا سيما في دينياته وأخلاقياته.
__________
1 شبت المنار في ميت غمر يوم الخميس أول مايو سنة 1902، وبقيت تأكل ما تأتي عليه في هذه المدينة حتى يوم 8 مايو، وهلك في هذا الحريق خلق كثير وتسابق الناس لمساعدة أهلها، وحثت الصحف على التبرع، وأسهم الشعراء في ذلك بشعرهم، وهذا هو السر في تسجيل الحادث لفظاعته، ولاهتمام الصحافة به.
(2/208)

أما حافظ فكان أحرص على العناية بالأدواء والمصائب من عنايته بمظاهر الرقي والنهوض، وهذا يرجع إلى أن حافظًا قد لاقى في مبدأ حياته، كثيرًا من الصعاب، وخالط أنماط شتى من طبقات الشعب، وكان رجلًا كثير الأصدقاء، يجلس في المقهى، ويلتف حوله المعجبون بأدبه. وكان حافظ في تلك الحقبة الذهبية في حياته، أي قبل أن يعين في دار الكتب. وطنيًّا جياش العاطفه، حريصًا على الإسهام فيما يعود على بلاده بالرقي، يفرح إن أصابها خير، ويأسى إن أصابها ضر، يشب حريق ميت غمر فيقول قصيدة عامرة مطلعها:
سائلوا الليل عنهم والنهارا ... كيف باتت نساؤهم العذارى
وتشتد الحملة على اللغة العربية، ويحاربها أعداء البلاد، ويفتن بدعوتهم بعض من رقت مبادئهم الوطنية والدينية، فيقول قصيدته التي أتينا عليها فيما سبق والتي مطلعها:
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي ... وناديت قومي فاحتسبت حياتي
وينتهز فرصة زواج الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد ببنت السيد عبد الخالق السادات والطعن في هذا الزواج بأنه غير متكافئ ويقول قصيدة طويلة، ينعى فيها على الشباب نفاقهم، وتقاعسهم عن المعالي، وتفرقهم شيعًا وأحزابًا.
وهذا يلوذ بقصر الأمير ... ويدعو إلى ظله الأرحب
وهذا يلوذ بقصر السفير ... ويطنب في ورده الأعذب
وهذا يصيح مع الصائحين ... على غير قصد ولا مأرب
ويصور في هذه القصيدة نفاق الناس، فقد حملوا على الشيخ علي يوسف حملة شعواء، ولكنهم ما لبثوا أن هنئوه، وتزاحموا على بابه، وأسدى إليه الخليفة وسامًا، ولذلك قال:
فيا أمة ضاق عين وصفها ... جنان المفوه والأخطب
تضيع الحقيقة ما بيننا ... ويصلي البريء مع المذنب
(2/209)

ويشتد الخلف بين المسلمين والأقباط في سنة 1911، وتكاد تكون فتنة عمياء، يغذيها المستعمر المحتل، فيناشد عباسًا أن يتدارك الأمر قبل أن تعم الفتنة، وتتصدع وحدة الأمة بقصيدته التي مطلعها.
كم تحت أذيال الظلام متيم ... دامي الفؤاد وليله لا يعلم
ويقول على لسان متصوف فاسق، يتظاهر بالصلاح والتقوى، وهو مغرم بغلام1، وفي أضرحة الأولياء والتمسح بها2، ولكن حافظًا لا ينسى بعض مظاهر النهضة، وإن لم يفض فيها أو يتتبعها كما تتبعها شوقي، فيقول في مشروع الجامعة قصيدتين، الأولى سنة 1907، والثانية 1908، ويقول في معاهد البنات المختلفة أكثر من قصيدة، ويرى النهضة الدينية تقوى في مصر ولا سيما بعد الحرب العالمية الأولى، ويفطن كثير من مصلحي هذه الأمة إلى أن الدين عصمة من المفاسد التي طغى طوفانها في خلال الحرب العالمية الأولى، وكثرة الواردين على مصر من مختلف الجيوش المحاربة، واستحكام الغلاء، وبيع الضمائر، والاستهتار بالتقاليد، وكانت ثورة عامة في العالم أجمع، عصفت بالقيم الخلقية، والفضائل السامية، واشتد طغيان المادة، والإقبال على لذاذات الحياة، وجرت مصر في هذا التيار، وخشي بعض المصلحين أن تنهار البقية الباقية من أخلاق الشباب، الذين ألفوا التسكع في الطرقات والتطرى كما يتطرى النساء، والتهجم على الحرمات، فأسست جمعية الشبان المسلمين في سنة 1927، وهرع الشباب إليها من كل صوب وحدب بالمئات والألوف وظلت سنوات تعمل على إيقاظ الشعور الديني في الناشئة، ذلك الشعور الذي حاول المستعمر الغاصب أن يقضي عليه منذ وطئت أقدامه أرض مصر، بفرضه التعليم باللغة الإنجليزية ومحاولة إضعاف اللغة العربية، لغة القرآن، وباهتمامه في برامجه بالتافه من المعلومات التي لا تقوم خلقًا، ولا تهذب نفسًا، ولا تنمي فضيلة، ولا تخلق رجالًا، وزاد الأمر سوءًا إهماله التعليم الديني في المدارس المدنية، فلم يعد
__________
1 ج1 ص160 ديوان حافظ.
2 ج1 ص318.
(2/210)

ثمة ما يغري الطالب بالتمسك بدينه، لا قدوة حسنة يراها، ولا تعليمًا يغذي مشاعره، ولا ضرورة تحفزه على دراسته.
إن أخوف ما كان يخافه المستعمرون هو قوة الشعور الديني الإسلامي في مصر؛ لأن الإسلام دين يدعو إلى العزة والكرامة، ويأبى على المسلم أن يخضع لسواه، وأن يذل، وفي يقظة الشعور الديني استرجاع لماضي هذه الأمة المجيدة، وتذكر لما كانت عليه من عظمة وعلم وقوة، وتحسر على ما آلت إليه من استعباد وخزي، ولذلك ترى هؤلاء المستعمرين الذين جابوا هذه البلاد مرات ومرات، وطمعوا فيها منذ القرن العاشر والحادي عشر إبان الحروب الصليبية، ولم يرد طوفانهم إلا قوة الإسلام وإخوته، يعملون جهودهم على إضعاف هذه الروح في نفوس شباب البلاد التي يحتلونها: لهذه الأسباب، ولأنهم يخشون كل الخشية أن يعم هذا الشعور بلدان الإسلام التي سعوا إلى احتلالها، وإضعاف قوتها، فتتحد فيما بينها، وتهب قوية فتية تطردهم من ديارهم شر طردة، وتستعيد مجدها السالف، وهي غنية بجيرانها، وتستطيع بما فيها من قوى مادية ومعنوية أن تغير مصير العالم إن أرادت. فظن المستعمرون لكل هذا، فأغرونا بزبرج الحضارة الأوربية، وأكثروا من مفسادها فيما بيننا، بل عملوا على استيراد هذه المفاسد حتى تخف وطأة الدين والأخلاق على نفوسنا، ونستمرئ اللهو والعبث، وننسى ذلك الماضي الرائع، والجهاد الشاق، والصراع الطويل المراد بيننا وبينهم.
وقد ابتدأت هذه الحركة الدينية في الظهور منذ عهد جمال الدين الأفغاني على نحو ما فصلناه في الجزء الأول، وسار محمد عبده على نهجه، ودعا الشيخ رشيد رضا وحزبه إلى تنقية اليد من الخرافات والخزعبلات، والرجوع به إلى بساطته الأولى، وإلى تحبيبه للنفوس التي جهلته وجاء على أثره جماعة أرادوا أن يوفقوا بين الدين والحضارة الحديثة، وساروا في أول أمرهم برفق وحذر، وهم جماعة حزب الأمة وعلى رأسهم لطفي السيد، ولكنهم كانوا يخشون الطفرة فيما يرمون إليه من الأخذ بأسباب الحضارة الأوربية؛ لأن الأمة في ذلك الوقت لم تكن تتقبل هذا الأمر بيسر، ولهذا تجد لطفي السيد مع نزعته إلى الحضارة الأوربية
(2/211)

يحاول أن يظهر المحافظة على الدين، وقد أثنى على باحثة البادية في المقدمة التي صدر بها كتاب النسائيات؛ ولأن دعوتها إلى الإصلاح اتبعت سبيلا معتدلا في حدود الشرع1، وظهر كذلك مصطفى كامل يدعو إلى التمسك بالدين وتنمية شعوره في ذلك يقول: "قد يظن بعض الناس أن الدين ينافي الوطنية، أو أن الدعوة إلى الدين ليست من الوطنية في شيء، ولكني أرى أن الدين والوطنية توأمان، وأن الرجل الذي يتمكن الدين من فؤاده يحب وطنه حبًّا صادقًا ويفديه بروحه وما تملك يداه2.
ودعا رجال الحزب الوطني للاحتفال لأول مرة بالعام الهجري3، وأقيم الاحتفال في غرة محرم سنة 1328 هـ -يناير 1910، وأنشد فيه حافظ قصيدته التي مطلعها:
لي فيك حين بدا سناك وأشرقا ... أمل سألت الله أن يتحققا
وكان المؤيد وصاحبه بجانب الحزب الوطني يعمل على تغذية الشعور الديني، والرجوع بالإسلام إلى نقاوته الأولى، وإلى مجده العظيم4، وثم تأتي الحرب العالمية الأولى، وما فيها من شدائد وأهوال، وما جلبته من جيوش عديدة أجنبية، مقيمة أو عابرة، وعملوا على إفساد الأخلاق، كما عمل الغلاء على إضعافها، وجاءت الثورة العاتية، وكان فيما أفادته يقظة المصريين إلى الدعوة الدينية بين شباب مصر كما ذكرت في أول هذا الموضوع لانتشار الانحلال الخلقي والاستهتار فيهم، نتيجة للتعليم العقيم الذي غذى به المصريون على يد الإنجليز، وكان من وراء هذا إنشاء عدة جمعيات دينية الشبان المسلمون والهداية الإسلامية برياسة السيد محمد الخضر، والتعارف الإسلامي، ثم الإخوان، وظهرت عدة جرائد ومجلات دينية، لا تهتم إلا بالدين، وتقوية العاطفة
__________
1 راجع النسائيات، مطبعة الجريدة، القاهرة 1910 ص50.
2 مصطفى كامل لعبد الرحمن الرافعي 146، 423.
3 راجع محمد فريد لعبد الرحمن الرافعي ص138.
4 راجع تراجم شرقية وغربية لهيكل ص53.
(2/212)

في نفوس المسلمين في مشارق الأرض وأكبر فضل في تقوية الشعور الديني بمصر، وإيجاد صحافة قوية ممتازة تدافع عنه، وعن أمجاد المسلمين، إذ أنشأ "الزهراء" ثم "الفتح". وغذاهما كثير من الشعراء بالقصائد المنبعثة عن عاطفة دينية قوية مثل أحمد محرم، وصادق عرنوس وغيرهما.
وكان إيجاد هذه الجمعيات الدينية، والحصافة التي تدافع عن الدين رد فعل لموجة من الإلحاد سادت بعض المفكرين الذين تشبعوا بالعلم الغربي، وفتنوا به، ولم يعرفوا الإ سلام حق معرفته، أو عرفوا ورغبوا في الشهرة الزائفة بالخروج على إجماع الأمة، وأخذ هؤلاء ينشرون أبحاثًا وكتبًا ومقالات، تأثروا فيها بآراء المستشرقين، الذين لم يهتموا بدراسة اللغات الشرقية، والدين الإسلامي، إلا ليطعنوا فيها وليشككوا أهله في قيمته، وليكونوا عونًا لحكامهم المبالغين في الاستعمار، وقد خدع بعضهم، وظنوا أن هؤلاء المستشرقين يصدرون في أحكامهم عن نية خالصة ودراسة ممحصة وعقل سليم، فجاروهم في أفكارهم، وعملوا على نشرها بين مواطنيهم. ولكن العاطفة الدينية القوية المتمكنة من نفسية هذا الشعب والتي أيقظها المصلحون، ونبهوها إلى الخطر المحدق قد أحبطت مساعي هؤلاء المفتونين، وثارت في وجوههم وانبرى للرد عليهم كثير من الأعلام، وحملتهم على الصمت، ثم على الرجوع عن إلحادهم، بل إن منهم من اضطر إلى أن يتملق الجمهور، ويدرس هذا الدين دراسة جديدة، ويؤلف فيه وفي رجاله، وراج هذا النوع من الأدب، فأقبل على التأليف فيه من كان مجافيًا له، وصارت عندنا ثروة دينية في الأدب الحديث من مثل: على هامش السيرة للدكتور طه حسين والعبقريات للأستاذ العقاد، ومحمد، وأبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب لهيكل ومحمد وأهل الكهف لتوفيق الحكيم.
وقد اشتد الوعي الديني بين الطبقة المثقفة من الأمة وأقبلوا على ينابيعه الصافية ينهلون منها بشغف هربًا بنفوسهم من أدران الحضارة المادية التي اجتاحت مصر والشرق العربي وافدة من الغرب، وكثرت الكتب الدينية التي تقرب العقيدة وتبسطها من عامة الجمهور، كما صار للدين مجلات وصحافة
(2/213)

تدافع عنه وتتكلم باسمه، ومن ذلك مجلة "الأزهر"، "ونور الإسلام" التي يصدرها قسم الوعظ والإرشاد، ومجلة "الشبان المسلمين" وغيرها.
ولقد كانت مجلة "الرسالة" ومجلة "الثقافة" ميدانًا تعالج فيه المشكلات الاجتماعية على ضوء التعاليم الدينية، وممن برز في هذه الناحية وكان له قراء عديدون المرحوم مصطفى صادق الرافعي في مقالاته الاجتماعية بمجلة الرسالة التي جمعت فيما بعد في "وحي القلم"، كما أن هاتين المجلتين عنيتا "قبل أن تحتجبا" بإصدار عدد ممتاز كل عام خاص بالهجرة تعرض فيه أمجاد الإسلام عرضًا جديدًا، وتحشد له الأقلام القوية، وتدبج فيه البحوث الممتازة ولقد راع كل هذا المستعمرين والأجانب فحاولوا جهدهم أن يصرفوا شباب الأمة ومفكريها عن شئون دينهم أو التمسك به لكن الشعور الديني الآن وقد تغلغل في البيئات المثقفة التي بيدها مقدرات الأمة لن يضعف مرة ثانية إن شاء الله. وقد عنيت حكومة الثورة بشئون الدين فأنشئ المؤتمر الإسلامي والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف ويصدر صحيفة "منبر الإسلام" تكتب فيها الصفوة الممتازة من رجال الأمة، كما أسند تحرير مجلة الأزهر إلى الأستاذ الزيات صاحب الرسالة فجدد شبابها وأقبل على الكتابة فيها عدد من خيرة الباحثين، كما صار التعليم الديني إجباريًّا في المدارس حتى المدارس الأجنبية التي كانت فيما تمضى مباءة للتبشير، ومسخ شخصية المواطنين، وقد صار ملزمة بتعليم المسلمين الدين الإسلامي.
ولقد كان لهذه الحركة الدينية من بدء نشأتها حتى اليوم أثر قوي في الشعر الحديث، فمن قصائد تقال في مطلع العام الهجري، وتذكر المسلمين بماضيهم، وتراثهم، وتصور مآسيهم وتحثهم على المضي قدمًا في نهضتهم التي تغيظ أعداءهم، تجد مثل هذا الشعر عند حافظ إبراهيم، ومحمد عبد المطلب، وأحمد محرم، وحتى عند مطران الذي اضطر إلى مجاراة شعور الأمة في مستهل هذا القرن حين أخذت تحتفل بهذا العيد، وكانت عنه غافلة، واستمع إليه يقول في قصيدة في الهجرة وقد صار ذلك اليوم عيدًا رسميًّا من أعياد الدولة.
(2/214)

هل الهلال فحيوا طالع العيد ... حيوا البشير بتحقيق المواعيد
يأيها الرمز تستجلي العقول به ... لحكمة الله معنى غير محدود
أي مسلمي مصر إن الجد دينكم ... وبئيس ما قبل: شعب غير مجدود
طال التقاعس والأعوام عاجلة ... والعام ليس إذا ولى بمردود
ونرى شوقي يعارض نهج البردة والهمزية للبوصيري؛ ويكثر من ذكر الدين ومكارم الأخلاق في شعره، بل يؤلف ملحمة طويلة في جزء خاص هو "دول العرب وعظماء الإسلام" ويؤلف حافظ العمرية المشهورة، وعبد المطلب العلوية المشهورة، ويهيم بعض الشعراء بنظم الأناشيد الدينية فيؤلف حافظ نشيد الشبان المسلمين:
أعيدو مجدنا دنيا ودينا ... وذودوا عن تراث المسلمينا
فمن يعنو لغير الله فينا ... ونحن بنو الغزاة الفاتحينا
ويؤلف الرافعي نشيدًا قويًّا للشبان المسلمين يقول فيه:
يا شباب العالم المحمدي ... ينقص الكون شباب مهتدى
فأروه دينكم ليقتدي ... دين عقل وضمير ويد
ويعكف أحمد محرم على نظم "الإلياذة" الإسلامية، يصور فيها كفاح الرسول عليه السلام في سبيل الدين ونشره، ويتتبعه منذ الدعوة إلى وفاته ويقف أمام غزواته وسراياه وقفات طويلة يصور بطولته عليه السلام، وبطولة أصحابه الذين أبلوا في الدفاع عنه كل بلاء.
ويقول محرم في النشيد الأول من الإلياذة الإسلامية:
املأ الأرض يا محمد نورا ... واغمر الناس حكمة والدهورا
حجبتك الغيوب سرًّا تجلى ... يكشف الحجب كلها والستورا
عب سيل الفساد في كل ودا ... فتدفق عليه حتى يفورا
(2/215)

جئت ترمى عبابه بعباب ... راح يطوي سيوله والبحورا
ينقذ العالم الغريق ويحمي ... أمم الأرض أن تذوق الثبورا
ويقول في الإلياذة شهداء بدر:
طف بالمصارع واستمع نجواها ... والثم بأفياء الجنان ثراها
ضاع الشذا القدسي في جنباتها ... فانشق وصف للمؤمنين شذاها
حلل يروع جلالها ومنازل ... من نور رب العالمين سناها
ضمت حماة الحق ما عرف امرؤ ... عزا لهم من دونه أوجاها
ويقول عن نزول الملائكة في غزوة بدر يقاتلون الكفار دون أن يروهم:
الله أرسل في السماء كتيبة ... تهفو كما هفت البروق اللمح
تهى مجلجلة، تلهب أعين ... منها، وتقذف بالعواصف أجنح
للخيل حمحمة يراع لهولها ... صيد الفوارس والعتاق القرّح
حيزوم أقدم إنما هي كرة ... عجلى تجاذبك العتاق فتمرح
جبريل يضرب والملائك حوله ... صف ترض به الصفوف وترضح
وتبع خطى محرم في نظم الملاحم الإسلامية طائفة من الشعراء على تباين من منهجهم واختلاف في قدراتهم وخيالهم.
ومن هؤلاء عامر بحيري في ملحمته "أمير الأنبياء" التي أنشأها عام 1952 وهي تتألف من ألف ومائتي بين تتضمن حياة النبي صلى الله عليه وسلم من لدن مولده إلى انتقاله للرفيق الأعلى. وفيها يقول واصفًا نزول الملائكة للقتال في صفوف المسلمين في غزوة بدر:
ولاحت في الفضا خيل تحمحم ... وصاح كبيرهم حيزوم أقدم
فيالله من مدد رهيب ... أضاء شعاعه والنقع مظلم
ملائكة السماء على جياد ... من الأنوار نازلة تدمدم
(2/216)

ترى المتقاتلين ولا يراها ... من الكفار من أجد فيحجم
تقدمت الصفوف بلا توان ... تقتل أو تمثل أو تحطم
إذا الإسلام أقبل ناصروه ... إلى الأعداء بالعزم المصمم
رأوهم ميتين بلا سيوف ... كذلك الخوف إن الخوف يلجم
فلم يرموهم والله رام ... ولا هزموا وجند الله يهزم
وقد طرق الشعر الملحمى غير هذين الشاعرين: كامل أمين، واليعربي محمد توفيق.
واهتم شعراء الجيل الماضي بالمفاسد الاجتماعية التي تناقض تعاليم الدين الإسلامي، وحاولوا الإصلاح والإرشاد ما استطاعوا، كما حاولوا تصوير هذه المفاسد وبشاعتها وضررها البليغ على الأمة. وهكذا نرى عندنا شعرًا يصح أن نسميه شعرًا دينيًّا، منبعثًا عن شعور وعاطفة.
ولم تكن مشكلة الفقر، أو النهضة الدينية، أو حجاب المرأة وسفورها هي وحدها المشكلات الاجتماعية التي أثارت شعراءنا، ولكننا نجد بجانب هذا نهضة اقتصادية في البلاد فإن المستعمر لم يدخل مصر إلا لأنها مدينة للأجانب، وكانت مصر حتى ثورة سنة 1919 بقرة حلوبًا لها؛ لا تدري من أمر اقتصادياتها شيئًا، يفد عليها كل أفاق لفظه وطنه، وضاق به، فيثري في بضع سنوات، ويصير من أصحاب الحول والطول في البلاد، ونحن نعيش كالسائمة لا نعرف كيف نستغل خيرات بلادنا، بل نبيعها بثمن بخس دراهم معدودات، ولا كيف نتعامل مع أوربا إلا عن طريق هؤلاء الأجانب، وعمت شركاتهم البلاد، واحتكرت منابع الخير فيها، وما علينا إلا أن ندفع لهم بسخاء ثمن النور والماء، والركوب وغيرها، وممن تنبه لذلك الخطر السيد عبد الله نديم، وقد عرفت في الجزء الأول كيف صور جشع هؤلاء الأجانب، وغبنهم الفاحش للفلاح الساذج، ثم جاء مصطفى كامل وحاول أن ينبه المصريون إلى أن الواجب يقتضي منهم أن ينهضوا باستقلال البلاد اقتصاديًّا، ولكن التعليم الذي فرضه علينا المستعمر لم يكن يهيئ لنا رجالًا صالحين للنهوض بهذا الأمر، حتى شبت الثورة ونهض فريق من رجال
(2/217)

الاقتصاد وعلى رأسهم طلعت حرب، وأبطلوا ذلك السحر الذي نفثه الإنجليز في عقولنا بأننا لا نصلح للأعمال المالية، ولا تصلح بلادنا لنسج القطن، ولا الصوف ولا الحرير، وبأنه لا يوثق بمصري، فهو كسلان، مرتش، مهمل، حتى فقدنا الثقة بأنفسنا، وتحطمت آمالنا. جاء هؤلاء الرجال وبرهنوا على أن إنجلترا كاذبة، وتود أن نظل في ظلام دامس، تستنزف دماءنا، وتهيئ لأبنائها حياة رغيدة في وطنهم، ولو قتلنا الجوع، وأثقل ظهورنا الدين، فأسسنا "بنك مصر" وشركاته العديدة، التي شملت مختلف النواحي الاقتصادية، وكان نجاح هذه المؤسسة وبمؤسسيها. ومن يرجع إلى خطاب سعد زغلول في الجمعية التشريعية1 في مارس 1907، وكيف بين قوة تلك القبضة الأجنبية على مقدرات البلاد الاقتصادية، وأن التعليم في مصر لا بد أن يكون بلغة أجنبية، حتى يستطيع أبناء مصر أن يجدوا عملًا في بلادهم، أدرك مدى ما وصلت إليه مصر وحالتها الاقتصادية من احتلال شنيع واستغلال بشع، وأدرك عظم المسرة التي خامرت نفوس بنيها حين تقدم بعضهم ليشق طريقه، وطريق بلاده في عالم المال، وقد ظل وطننا يعاني عنتَ الشركات الاقتصادية العظيمة التي وثبناها في الربع الثاني من هذا القرن، وبعد ثورة 23 يوليو سنة 1952، وليس الضرر في وجود الشركات الأجنبية ورءوس الأموال الغربية، فإن بلادنا ما زالت في حاجة شديدة إلى هذه الأموال لكثرة ما بها من مشروعات ضخمة تحتاج إلى أموال طائلة وتهدف من ورائها إلى تصنيع البلاد وتقويتها، وزيادة دخل أفرادها، ورفع مستوى معيشتهم، وإنما كان الضرر كامنًا في كثرة الامتيازات التي تمتعت بها هذه الشركات الأجنبية وإعفائها من الضرائب، وعدم عنايتها بتدريب المصريين، وحرصها على إرسال أرباحها إلى خارج مصر. وقد نظم كل هذا الآن كما نهضت شركات مصرية كثيرة يسهم فيها الأجانب بأموالهم.
__________
1 راجع ص43 وما بعدها في هذا الكتاب.
(2/218)

وقد تبين لرجال الثورة المباركة أن رءوس الأموال الأجنبية بمصر تحارب الإصلاح والسير بالوطن قدمًا إلى الأمام، وتتعاون مع الاستعمار وتتخذ مؤسساتها أوكارًا للجاسوسية والخيانة والغدر. فعمدت حكومة الثورة بعد الاعتداء الثلاثي على قناة السويس إلى تأميم كثير من المؤسسات والمصارف الأجنبية، واشترتها الحكومة حتى تتخلص من نير الاقتصاد الأجنبي.
واهتمت حكومة الثورة بتصنيع مصر حتى تستقل بشئونها الاقتصادية ولا تظل عالة على سواها، ورأت أن الاستقلال أكبر دعامة للاقتصاد السياسي، وأن الصناعة بمصر في أشد الحاجة إلى توجيه نحو ما نحتاج إليه الأمة في نهضتها، فلا تترك مرتجلة أو خاضعة لنزوات رءوس الأموال، ولذلك أنشأت الجمهورية العربية المتحدة "القطاع العام" في الصناعة، وأممت كثيرًا من المنشآت الصناعية الكبرى، وأسهمت بالنصف في بعضها حتى تضمن التوجيه والإشراف. ومن أهم المشروعات الصناعية الكبرى التي تمت فعلًا توليد الكهرباء من "خزان أسوان" الذي ظل معطلًا أمدًا طويلًا تقف دون تحقيقه أهواء مغرضة، ومن ذلك مصنع "الحديد والصلب" ليمد مصر بالصناعات الثقيلة، والتوسع في استنباط النفط "البترول" وتصنيعه. ويقف على رأس هذه المشروعات "السد العالي" الذي نرجو أن يغير مجرى الحياة في الجمهورية العربية وفي الشرق العربي كله.
كما قامت حكومة الثورة بعدة إجراءات ثورية قوية تحاول بها أن تحقق الرخاء للمجموع، وأن يعيش المواطنون حياة ليس فيها هذا التفاوت المزري بين الطبقات، فسنت القوانين الاشتراكية في يوليو 1961؛ لتقريب هذه الفوارق، وإنعاش أكبر عدد من الأمة، وفي ديسمبر 1961 حرمت ملكية الأرض بالجمهورية العربية على غير المصريين ووزعت الأرض التي كان يملكها الأجانب على صغار الفلاحين؛ وبذلك أنقذت الثروة الوطنية في مجالات الزراعة والصناعة والتجارة من أيدي المحتكرين والمرتزقة من الأجانب والمستغلين من المصريين وهو إجراء حاسم كان عرب مصر يحلمون به من زمن طويل حتى يستطيعوا أن
(2/219)

يعيشوا أحرارًا في بلادهم غير خاضعين لهذه الأغلال الاقتصادية، وغير مقيدين في تصرفاتهم الوطنية.
فلا عجب إذن حين نرى شعراءنا نقيض بهم العاطفة فيقولون في "بنك مصر"، وفي مشروع القرش، وفي أول سرب من طياري مصر، وفي طليعة الملاحة المصرية، وفي مصنع النسيج بالمحلة، وغير ذلك من مظاهر النهضة الاقتصادية، والتي هي من أكبر دعائم الاستقلال، فقد كانت هذه الحقبة مليئة بعوامل اليقظة والرقي في كل ميدان من ميادين الحياة في السياسة، والاجتماع، والقومية بمظاهرها العديدة، وقد سجل الشعراء كل هذه المظاهر في شعرهم يترجمون به عما يختلج في صدور الأمة، ويطلبون المزيد منها لأنهم نصبوا أنفسهم في مقام الهداة والمرشدين، وقادة الفكر المصلحين، ويصدرون فيه عاطفة غالبًا، وعن تكلف أحيانًا، وقد تعدوا الكلام في هذه المظاهر إلى رثاء عظماء الأمة في كل نواحي نشاطها، سواء كانوا رجال سياسة، أو دين، أو صحافة، أو إصلاح، أو اقتصاد، حتى صار شعرهم وثيقة تاريخية، وصورة لعصرهم الذين عاشوا فيه.
وقد لا يرضى عن ذلك أصحاب المدرسة الجديدة، ولكنهم على الرغم منهم اضطروا إلى مشاركة الأمة في عواطفها، وإلى تغذية هذه العاطفة، وقد لا يكون هذا النوع من الشعر جاريًا على نمط الشعر الغربي الحديث، ولكنا أمة لها ظروفها الخاصة، وفي يده نهضة عامة شاملة، وفي أمس الحاجة إلى من يشجع المكافحين في سبيل مجدها أحياء، ويجعلهم مثلًا طيبًا لمن بعدهم أمواتًا.
كنت أود أن أسوق نماذج على كل لون من ألوان الحياة الاجتماعية، وأن أتعقب الشعراء واحدًا واحدًا كما فعلت في الشعر السياسي، بيد أنني أوثر هنا أن أكتفي بهذا التعميم، مرجئًا الأمثلة إلى حين الكلام عن الشعراء، وحسبنا أن نعرف الخطوط العريضة للعوامل الاجتماعية المؤثرة في الشعر الحديث، وهي لا تقل في قوة تأثيرها عن العامل السياسي بل ربما فاقته؛ لأن الأمة كانت حقًّا في مسيس الحاجة إلى الإصلاح الاجتماعي بعد أن طالبت هجعتها، وعمل المستعمر على أن تظل في تلك الهجعة.
(2/220)

3- الفصل الثالث: النقد الأدبي
لقد خطا البارودي بالشعر خطوة قوية عظيمة كما عرفت، أعاد للشعر ديباجته المشرقة، ومتانته الرائقة، ورجع به إلى عصر ازدهاره أيام العباسيين، وسار على نمطهم في موضوعه، وقالبه، ومعانيه، وحذا حذو البارودي الشعراء الذين أتوا بعده، وكان تأثيره فيهم جليلًا قويًّا؛ لأنه شاعر معاصر، ضرب لهم مثلًا صادقًا فيكيف يكونون شعراء بحفظهم من جيد الأدب القديم، ثم معارضته وتقليده، ثم الاستقلال عنه وظهور شخصيتهم؛ ولم يعد أحد منهم تساوره نفسه لتقليد شعراء الضعف أيام المماليك والعثمانيين، والاهتمام بالمحسنات والحلى والزخارف، إلا من باب رياضة القريحة، أو العجز عن التخلص من تقاليد الشعر البالي كما فعل إسماعيل صبري لأول عهده بقرض الشعر، فكان يجيد التاريخ الشعري، ويهتم بعض الاهتمام بالمحسنات، إلى أن استطاع الوقوف وحده، فهجر ذلك كله1.
وقد ظهرت طائفة من الأدباء والملمين بأصول اللغة العربية، وعلومها في أخريات القرن الماضي حاولوا تجديد النقد الأدبي كما عرفه القدماء، وتطبيق النظريات العربية في النقد كما عرفها نقاد العصر العباسي على الشعر الحديث.
وأول من خطا خطوة جدية في هذا الباب هو الشيخ حسين المرصفي صاحب "الوسيلة الأدبية"، وقد عرض علوم العربية عرضًا جديدًا بأسلوب جديد وبخاصة علوم البلاغة مبينًا منزلة كل منها في نقد الكلام.
ولم يكتف بهذا بل حاول التطبيق النقدي، وصح كثيرًا مما أخطأ فيه القدماء، وكان له ذوق مرهف لمعرفة مواطن الحسن في الكلام، ويبدأ نقده بتفسير الكلمات اللغوية حتى يتضح المعنى ولا يجعل من النحو والبلاغة غاية في النقد وإنما هي عنده وسيلة لمعرفة الصور وجلائها وإيضاح مكامن البلاغة في
__________
1 راجع مقدمة ديوان صبري للدكتور طه حسين، والأستاذ أحمد أمين.
(2/223)

القول، ولذلك نراه ينتقد معاصريه، والسابقين عليه في طريقة دراستهم للبلاغة وفهمهم لمقصدها، فلا ينبغي لهم الاقتصار على قولهم: "كذا يشبه كذا كذا أو استعار كذا ولكذا"، وإنما يجب على الناقد. أن يقف القارئ على مواطن الحسن في العبارة.
ومن أمثلة نقده كلامه على قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِم} ، الختم: الطبع، ويدل على تشبيه القلوب بصناديق مثلًا، ففي الكلام استعارة مكنية وقرينتها لفظ ختم، فيفيد الكلام أنه بمنزلة الجمادات بحيث أنها لو كان فيها شيء لم تكن منتفعة به، وقد جعلت بحيث لا يمكن أن يدخل فيها شيء، فلا يطمع طامع في إيمانهم.
وعنده أنه ليس كل كلام تحققت فيه أركان قسم من أقسام فنون البلاغة يعد بليغًا فيقول: ليس كل ما فيه الكاف أو كأن يعد في نظر أهل صناعة الكلام العارفين بها، الواقفين على أسرارها، والملتفتين إلى دقائقها -تشبيهًا، وإنما التشبيه ما جلت فائدته وحسن موقعه من عرضه. وإن أحسن التشبيه والاستعارة ما وقع موقعه من غرض تصوير حال المشبه أو المستعار له، والإبانة عنها بجزيل العبارة ولطف السياق بحيث لا يكون قصد المتكلم إلى مجرد التشبيه والاستعارة كما هو كثير من كلام المولدين1.
ويورد المرصفي نماذج عدة من الكلام البليغ، ويبين مواطن البلاغة فيها، ولم يقتصر في أمثلته على عصر، وإنما أورد نماذج تبين مختلف العصور والتطور البلاغي محللًا بعضها تحليلًا دقيقًا. وهو يعتمد في كثير من الأحيان على ذوقه، وتمرسه بأساليب العرب الأقدمين. وحفظه للجيد من كلامهم؛ ولذلك كان معجبًا بالبارودي لأنه لم يتلق علوم العربية على مدرس، وإنما اكتسب الملكة البيانية من حفظه للجيد من النثر والشعر في عصورهما الذهبية، ولكن اعتماد المرصفي على ذوقه لم ينسه القواعد والأصول لعلوم العربية، وإذا خرج الأديب
__________
1 الوصيلة الأدبية ج2 ص17، 24.
(2/224)

على الأصول خرج من ميدان اللغة العربية أصلًا؛ لأن الوقوف على ما تعارف عليه العرب شرط أساسي لا يمكن الاستغناء عنه ما دام المراد هو التكلم بلغتهم.
ولم يكتف المرصفي بالتجديد في النظرة إلى علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة، وبيان الغاية منها، ولكنه تكلم عن "كتابة الإنشاء أو صناعة الترسل"، وكذلك ما سماه "صناعة الشعر" واتبع في معالجتها ما أتبعه في معالجة البلاغة من الاعتماد على الذوق والمعرفة معًا.
ومقياس الجودة عنده: "صحة المعنى وشرفه، وتخير الألفاظ في أنفسها، ومن جهة تجاورها، وموافقتها للمقام، وإجادة التركيب على ما شرح في علم المعاني وغيره، بحيث تكون الألفاظ سلسلة في النطق خالية من التنافر وشدة الغرابة، يألف بعضها بعضًا: حتى تكون الكلمات المتوالية بمنزلة كلمة واحدة، وتكون الألفاظ التي توردها في مقام الحماسة ليست كالألفاظ التي توردها في مقام الغزل والتشبيب، فلكل فن من تلك الفنون ألفاظ توافقه من جهة شدتها ولينها تسمعهم يقولون: الجزل الرقيق1".
وجاء بعد المرصفي جماعة ساروا على نهجه في الإفادة من العلوم في فهم النص وشرحه ونقده على طريقة القدماء، منهم الشيخ حمزة فتح الله في "المواهب الفتحية" مع زيادة اهتمام بالنحو واللغة، ومنهم الشيخ المهدي وحفني ناصف في دروسهما بالجامعة المصرية القديمة مع اهتمام أولهما بتاريخ الأدب وثانيهما بدراسة النصوص الأدبية على الطريقة القديمة.
وقد اشتهر من النقاد الذين سلكوا مسلك السلف في النظرة إلى الشعر وطبقوا قواعد البلاغة القديمة في النقد: إبراهيم المويلحي، ولم يروجوا في نقدم لمذاهب جديدة في الأدب، أو ينموا على تأثر بتيارات الأدب الغربي وإنما ينظرون إلى اللفظ من حيث جودته وصحته وعدم تعاضل حروفه وانسجامه مع غيره وأدائه للمعنى، وينظرون إلى المعنى من حيث الإحالة والتعسف والخطأ والوهم
__________
1 الوسيلة الأدبية ج2 ص463.
(2/225)

وما شاكل ذلك مما كان مألوفًا في النقد والمقاييس البلاغية المعروفة عند العرب.
ومن أمثلة هذا نقد محمد المويلحي لديوان شوقي ومنه نقده المشهور:
خدعوها بقولهم حسناء ... والغواني يغرهن النثاء
"فقوله: خدعوها يفهم منه أن المشبب بها غير حسناء؛ لأن الخداع لا يكون بالحقيقة، وإذا أردت أن تخدع الشوهاء فقل لها حسناء وهو ينافي قوله في البيت الثاني:
ما تراها تناسب اسمي لما ... كثر في غرامها الأسماء
وخدعوها بمعنى حتلوها وأرادوا بها المكروه من حيث لا تعلمه".
وقد جرى على هذا النهج كل النقاد حتى أولئك الذين نادوا بالتجديد في الأدب، ودعوا إلى بعض المذاهب الغربية، كانوا في النقد التطبيقي ينظرون إلى البيت الشعري في كثير من الأحيان بمقاييس البلاغة القديمة ترى ذلك عند الرافعي في نقده لشوقي، والعقاد وطه حسين في نقدهما لحافظ وشوقي، والعقاد في نقده للرافعي، والمازني في نقده لشكري، وإن كان للمجددين نظرات أخرى في القصيدة كلها من حيث بنائها ووحدتها وموضوعها وما بها من عاطفة وخيال كما سيأتي.
وكأني بهذه المدرسة المحافظة التقليدية الجديدة كانت تشعر بزحمة التيار الغربي وقوته، وأنه يحاول أن يعطي للشعر مفهومًا جديدًا ويحول مجراه القديم إلى مجرى آخر، فراح كل شاعر يقدم ديوانه بمقدمة يعرف فيها الشعر ويضع أسسه وأركانه وشروطه التي يصح بها، وهي تعاريف فيها شيء من الجدة والطرافة والخروج عن مفهوم الشعر في عصور الضعف والانحلال، ومحاولة الأخذ من الآراء الجديدة في الشعر كما عرفه الغربيون بالقدر الذي يتفق مع حقيقة الشعر ورسالته كما عرفه العرب وهم في عنفوان مجدهم.
وكأن أول من سن هذه السنة في العصر الحديث "البارودي"، وقد أتينا في الجزء الأول من هذا الكتاب على تعريفه للشعر وظهر لنا من مناقشته أنه لم يخرج به عن مفهوم العرب له.
(2/226)

وهاك بعضًا من هذه التعريفات التي ظهرت في هذه الحقبة القلقة، في أخريات القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، قبل أن يشتد التيار الغربي، وتظهر المدارس الجديدة المتأثرة به.
من ذلك تعريف الأمير شكيب أرسلان للشعر، وشكيب أرسلان شاعر تقليدي على الرغم من إجادته الفرنسية وقراءته بها، وقد حاول أن يوائم بين القديم والنزعات التجديدية حيث يقول:
"إن الشعر قوة روحية يفيضها الله على من يشاء من عباده فتحلق بالشاعر تحليق الأجنحة بالطائر، فيرى الطبيعة في أفخم مشاهدها، وأشمخ شرفاتها، وأبقى مجاليها وأشجى أصواته، وأذكى أعرافها".
فهو يرى الشعر ابن الخيال، والطبيعة مصدر الإلهام، كما يرى أن الشعر الحق لا بد من أن يصدر عن انفعال نفسي يعتلج في صدر الشاعر ويدفعه إلى القول وتخير سنى الكلام للتعبير عن هذه المشاعر القوية.
"وإذا تغلغل الشاعر في أنحاء النفس وأنحاء القلب، وهام في أودية الانفعال أخذ يؤدي من هناك ما يلقيه إليه مضاعفًا: هوى ملح وشوق هاف وحب شاغف، وتمن واصب، وتوسل هالع، ورغبة ورهبة، وإيمان كإيمان العجائز، ثم آب من أودية إحساساته وأعطاف فراساته مفضيًا بذلك إلى سامعيه -أشجى وأصبى، وأرقص وأبكى".
وهو يقول بعد تأكيده منزلة العاطفة في الشعر حتى يأتي صادقًا طبيعيًّا لا وليد التكلف والصنعة بأن الشاعر في حل إذا بالغ وصور الطبيعة أبهى مما هي وأجمل مما هي. ويؤكد كذلك قيمة الفكرة في الشعر، وبذلك يستوفي أركانه وشروطه.
"فالشعر إذن مظهر المرء في أسمى خواطر فكره، وأقصى عواطف قلبه، وأبعد مرامي إدراكه، والشعر هو رؤية الإنسان الطبيعية بمرآة طبعه، فهو شعور عام، وحس مستغرق يأخذ المرء بكليته ويتناوله بجميع خصائصه. حتى يروح
(2/227)

نشوان خمرته وأسير رايته ويريه الأشياء أضعافًا مضاعفة، ويصورها بألوان ساطعة وحلى مؤثرة تفوق الحقائق، وربما أزرت بها، وصرفت النفس عن النظر إليها، فهو أحيانًا أحسن من الحسن وأجمل من الجمال، وأشجع من الشجاعة، وأعف من العفاف، وإن الظبي في قصيدة غير الظبي في فلاة، بل غير الظبي في ملاءة، وإن الأسد في منظومه غير الأسد في مفازة، وذلك حيث كان الشعر كلامًا يلقى بلسان الإحساس، ونطقًا ينزل عن وحي المخيلة، وأوصافًا يفضي بها الشوق، وإنما كانت المبالغة زيادة على الحقيقة لتمكن السامع من الوصول إلى مقدار الحق، والحرص على ألا ينقطع منه قسم على طريق الإلقاء، وفي أثناء الانتقال، فكأن هذه الزيادة جعلت لتملأ الفراغ الواقع بين المدرك والمدرك حتى لا يصل إلى الذهن إلا كاملًا بكل قوته، ولا يحل في العقل إلا بجميع حاشيته1.
ومع أن هذا التعريف وصل إلى درجة كبيرة في فهم حقيقة الشعر وشروطه التي تهيئ له الصحة والجودة، إلا أنه سار في الإطار الذي وضعه العرب للشعر الغنائي مع نظرة جديدة أطلت على الشعر الغربي من بعيد.
وهاك رأيًّا لأتديب ذواقة، اشتهر بالنثر والشعر معًا، وإن كان قد احتل في النثر الحديث منزلة الرائد إلى أسلوب جديد، وهو وإن لم ينل حظًا من الثقافات الأجنبية بيد أنه لسلامة طبعه وأصالة ذوقه، ورقة حسه، وكثرة إطلاعه على ما ترجم استطاع أن يقرب إلى حد كبير من التعريف الصحيح للشعر، ذلك هو المنفلوطي.
فهو يرى أولًا أن الشعر فمن من الفنون الجميلة يجب أن يأتي وليد الطبع والشعور2: "وهل الشعر إلا نثارة من الدر وينظمها الناظم إن شاء شعرًا. وينثرها الناثر إن شاء نثرًا أو نغمة من نغمات الموسيقى يسمعها السامع مرة من أفواه البلابل والحمائم، وأخرى من أوتار العيدان والمزاهر، أو عالم من عوالم الخيال يطير بقادمتين من عروض وقافية، أو خافيتين من فقر وأسجاع".
ويجهر المنفلوطي برأي جديد في الوزن والقافية وأنهما لا يمتان إلى جوهر الشعر إلا بمقدار ما ينتمي الصبغ واللوم إلى النسيج، وأن الغناء والحداء هو الذي أوحى بهما أول الأمر ولكن:
__________
1 مختارات المنفلوطي من ص121- 224.
2 المصدر السابق ص51.
(2/228)

"الكاتب الخيالي شاعر بلا قافية ولا بحر، وما القافية والبحر إلا ألوان وأصباغ تعرض للكلام فيما يعرض له من شئونه وأطواره، ولا علاقة بينهما وبين جوهره وحقيقته، ولولا أن غريزة في النفس أن يردد القائل ما يقول ويتغنى بما يردد ترويحًا عن نفسه، وتطريبًا لعاطفته ما نظم ناظم شعرًا، ولا روى عروضي بحرًا.
الشعر أمر وراء الأنغام والأوزان، وما النظم بالإضافة إليه إلا كالحلي في جيد الغانية الحسناء، أو الوشي في ثوب الديباج المعلم، فكما أن الغائية لا يحزنها عطل جيدها، والديباج لا يزري به أنه غير معلم كذلك الشعر لا يذهب بحسنه وروائه أنه غير منظوم ولا موزون".
وهذا رأي في غاية الجرأة من جهة محافظة لم يقل به حتى أولئك الذين ينادون اليوم بالشعر الحر، فإنهم يحرصون على وجود نوع من النغم ممثلًا في "التفعلية". ولعل المنفلوطي الكاتب العاطفي الذي اشتهر أول أمره بالشعر، ثم عدل عنه إلى النثر الفني حين وجده أضيق من أن يتسع لأفكاره وعواطفه، يريد أن يعد بنثره في زمرة الشعراء ولو لم يأت بالموزون المقفى. فالنغم شرط أساس في الشعر لا يسمى شعرًا إلا به، وهو صناعة دقيقة يظهر فيها الخلل اليسير، ولا يتحمل السخف والهذر.
ولعل المنفلوطي كذلك كان يظهر إلى هؤلاء النظامين الذين لا يعرفون ماهية الشعر وجوهره، ويأتون بالغث من الكلام، وهو وإن كان منظومًا إلا أنه خال من كل أركان الشعر، عار عن شروطه، وأصوله، فلا عاطفة ولا يخال ولا سمو تعبير، والصلة بين الشعر والوزن هي التي جعلت بعض الناس يدخلون في باب الشعر كل منظوم وإن خلا من سمات الشعر الأصيلة فيقول المنفلوطي: "تلك الصلة هي التي خلطت بينهما وعمت على كثير من الناس أمرهما، وهي التي أدخلت النظامين في عداد الشعراء وألقت عليهم جميعًا رداء واحدًا لا يستطيع معه التمييز بينها إلا لقليل من الناقدين المستبصرين، فأصبحنا نقرأ القصيدة ذات المائة بيت فلا نجد بيتًا، ونتصفح الديوان ذا المائة قصيدة فلا نعثر
(2/229)

على قصيدة"، ويجمل المنفلوطي بعد ذلك رأيه في الشعر وتعريفه محددًا شروطه ومعالمه بقوله: "وعندي أن أفضل تعريف له أنه تصوير ناطق؛ لأن القاعدة المطردة هي التأثير، وميزان جودته ما يترك في النفس من الأثر، وسر ذلك التأثير أن الشاعر يتمكن ببراعة أسلوبه وقوة خياله، ودقة مسلكه وسعة حيلته من هتك ذلك الستار المسبل دون قلبه وتصوير ما في نفسه للسامع تصويرًا يكاد يراه بعينه ويلمسه ببنانه، فيصبح شريكه في حسه ووجدانه يبكي لبكائه ويضحك لضحكه ويغضب لغضبه، ويطرب لطربه ويطير معه في الفضاء الواسع من الخيال فيرى الطبيعة بأرضها وسمائها وشموسها وأقمارها ورياضتها وأزهارها وسهولها وجبالها وصادحها وباغمها وناطقها وصامتها من حيث لا ينقل إلى ذلك قدمًا".
وهو بهذا قد فطن إلى أن الغاية من الأدب هي نقل الأثر الذي يحسه الأديب إلى السامع أو القارئ ومشاركته في أحاسيسه كأنه مع وعانى تجربته.
ولا شك أن هذه لمحات جيدة من هؤلاء الأدباء كان لها أثرها الفعال في القضاء على أدعياء الشعر، وفي دفعة نحو القوة والجزالة والصدق، ولكنهم لم يخرجوا عن دائرة الشعر العربي القديم في أغراضه وفي موضوعاته، ولم يأتوا بنظريات جديدة، وإن قاموا بعرض القديم عرضًا طريفًا يتناسب مع الثقافة المعاصرة لهم وانتشار التراجم العربية بين أيديهم.
ولا يخرج عن مثل هذه النظرة ما قاله إبراهيم المويلحي في تعريفه للشعر وبيان جوهر1، وسنعرض لرأي الرافعي في الشعر عند الكلام عنه في هذا الفصل إن شاء الله.
ولكن ثمة عوامل كثيرة دعت الشعراء الذين ساروا على نهج الشعر العربي القديم في أغراضه، وفي نظام القصيدة وفي المعاني، والأخيلة، أن يسلكوا بالشعر طريقًا جديدة. ولقد بينا فيما سبق بعض هذه العوامل، من تأثر بالثقافة الأجنبية ثم تأثر بالنهضة القومية.
__________
1 مختارات المنفلوطي ص203.
(2/230)

ومن العوامل القوية ذات الأثر الفعال في توجيه الشعر: النقد الأدبي الحديث وإلحاج النقاد المتواصل في أن يعدل الشعراء عن المنهج القديم، ويجعلوا شعرهم مناسبًا لبيئتهم وزمانهم، وأن يجددوا فيه بما يناسب الحضارة التي ينعمون بها، ويرون آثارها في الأفكار والحياة المدنية، وقد قسوا أحيانًا في نقدهم الشعراء علهم يتفرون من طريقتهم الأولى، وإن لم يخل بعض نقدهم من أغراض خاصة، وحزازات شخصية وتحامل، ولكنه كان في جملته موجهًا للشعر الحديث توجيهًا جديدًا.
ومن بواكير ذلك النقد الأدبي ما سطره أحمد فارس الشدياق عن نفسه حينما مدح أحمد باشا وإلى تونس بقصيدة ابتداها بالنسيب على عادة العرب، وترجمها مسيو "دوكان"، ودهش الفرنسيون، من بدئها بذكر المرأة، واستطرد الشدياق في تبيان الفرق بين الشعر الغربي والشعر العربي على نحو ما فصلناه في الجزء الأول1. ولكن الشعراء لم يلتفتوا إلى هذا النقد وهذا التوجيه لأنه كان سابقًا لزمنه ولم تتهيأ العقول بعد لتعمل به، وظل كثير منهم في العقد الأخير من القرن التاسع عشر يوالي قرض الشعر بأغراضه القديم، ومعانيه المستقاة من الأدب العربي القديم، وبنفس الأسلوب الذي اختطه شعراء الجاهلية، وإن أثارت الأغراض القومية الشعراء، ونظموا في الشعر السياسي، وتبيان مآسي الشعب وآلامه، وآماله؛ بيد أنهم لم يقلعوا جملة عن المديح والرثاء في مختلف المناسبات.
ويوجه أحد رجالات السياسة، وزعماء الوطنية نقدًا لبعض الشعراء الذي كان يسمعه في ذلك الوقت، وذلك السياسي، وهو المرحوم محمد فريد "بك" في المقدمة التي كتبها لديوان "وطنيتي" الذي نظمه الأستاذ على القاياتي، وحبس من أجلها ستة أشهر، كما حبس الشيخ جاويش ثلاثة أشهر لأنه كتب مقدمة أخرى لهذا الديوان، وتلك المقدمة التي كتبها محمد فريد فيها توجيه سديد للشعر نحو
__________
1 راجع في الأدب الحديث الجزء الأول 84- 85 طـ سابقة.
(2/231)

الأغراض القومية، وقد قال فيها: "الشعر من أفعل المؤثرات في إيقاظ الأمم من سباتها وبث روح الحياة فيها، كما أنه من المشجعات على القتال، وبث حب الإقدام والمخاطرة بالنفس في الحروب، ولذلك نجد الأشعار الحماسية من قديم الزمان شائعة لدى العرب وغيرهم من الأمم المجيدة كالرومان واليونان وغيرهم.
وليس من ينكر أن الأنشود الفرنسية التي أنشأها الضابط الفرنسي "روجيه دي ليل" وسميت المارسيليز كانت أقوى أسباب انتصار فرنسا على ملوك أوربا، الذين تألبوا عليها لإخماد روح الحرية في مبدأ ظهورها.
لذلك كتب الكثيرون منا كثيرًا في ضرورة وضع القصائد، والأغاني الوطنية ليحفظها الصغار، ويتغنوا بها في أوقات فراغهم، ولينشدوها في ساعات لعبهم، بدل هذه الأغاني والأناشيد التي يرددها الأطفال في الأزقة خصوصًا في ليالي رمضان المبارك، كما كتبوا في لزوم تغيير الأغاني التي تنشد في الأفراح، وكلها دائرة حول نقطة واحدة هي الغرام ووصف المحبوب بأوصاف ما أنزل الله بها من سلطان.
لقد كان من نتيجة استبداد حكومة الفرد سواء في الغرب أو في الشرق إماتة الشعر الحماسي، وحمل الشعراء بالعطايا والمنح على وضع قصائد المدح البارد، والإطراء الفارغ للملوك والأمراء والوزراء، وابتعادهم عن كل ما يربي النفوس، ويغرس فيها حب الحرية والاستقلال كما كان من نتائج هذا الاستبداد خول خطب المساجد من كل فائدة تعود على المستمع، حتى أصبحت كلها تدور حول موضوع التزهيد في الدنيا، والحض على الكسل، وانتظار الرزق بلا سعي ولا عمل.
تنبهت لذلك الأمم المغلوبة على أمرها، فجعلت من أول مبادئها وضع القصائد الوطنية والأناشيد الحماسية باللغة الفصحى للطبقة المتعلمة، وباللغة العامية لطبقات الزراع والصناع. وسواهم من العمال غير المتعلمين، فكان ذلك من أكبر العوامل على بث روح الوطنية بين جميع الطبقات، ويسرني أن هذه النهضة المباركة سرت في بلادنا فترك أغلب الشعراء نظم قصائد المديح للأمراء
(2/232)

والحكام، وصرفوا همهم، واستعملوا مواهبهم في وضع الأشعار الوطنية وإرسالها في وصف الشئون السياسية التي تشغل الرأي العام، وقد لاحت "وطنيتي" في طليعة هذه النهضة الميمونة.
ومما يزيد سروري أن شعراء الأرياف وضعوا عدة أناشيد وأغانٍ في مأساة "دنشواي" وما نشأ عنها. وفي المرحوم مصطفى باشا كامل، ومجهوداته الوطنية، وفي موضوع قناة السويس، وأخذوا ينشدونها في سمرهم وأفراحهم على آلاتهم الموسيقية البسيطة، وهي حركة مباركة إن شاء لله تدل على أن مجهودات الوطنيين قد أثمرت، ووصل تأثيرها إلى أعماق القلوب في جميع طبقات الأمة، وتبشر باقتراب زمن الاستقلال، والتخلص من سلطة الفرد بإذن الله.
فعلى حضرات الشعراء أن يقعلوا عن عادة وضع قصائد المديح في أيام معلومة، ومواسم معدودة، وأن يستعملوا هذه المواهب الربانية العالمية في خدمة الأمة وتربيتها بدل أن يصرفوها في خدمة الأغنياء، وتملق الأمراء، والتقرب من الوزراء، فالحكام زائلون، والأمة باقية1.
إن هذا النداء الذي يوجهه زعيم سياسي للأدباء لدليل قوي على مبلغ ما يشعر به من فائدة الأدب الحي، والشعر الحماسي، وما عساه أن يفعله في نفسية شعب أرهقها المحتل، وأذلها واعتصر منها ماء الحياة والعزة؛ وأنه يريد من الشعر أن يؤدي رسالة الوطنية والقومية، وأن يلهب بحرارته تلك النفوس الميتة، حتى تشتعل، وتحرق بحرارة إيمانها، وقوة يقينها بحقها في الحرية سطوة الغاصب، وتذيب حديده ومدافعه. وكم من أمة بليت بما ابتليت به مصر من محنة الاحتلال، وسامها أعداؤها الهوان والخسف، ولقنت صغارها تلك الأناشيد الوطنية، التي تنفث في قلوبهم كراهية هذا العدو الغشوم، فكبروا وكبر معهم مقتهم لهذا الذي حرمهم ألذ ما تطمح إليه الإنسانية وهو الحرية فحركهم شعور واحد هو الحقد والبغض، وويل للعدو -مهما أوتي من البطش والسيطرة- إذا
__________
1 راجع محمد فريد لعبد الرحمن الرافعي ص188.
(2/233)

تجمعت عليه أمة تنبعث كل حركاتها عن كراهية له وحقد عليه، وتصمم في إرادة لا تفل، وعزيمة لا تكل، على طرده، وتحطيم أغلاله، فعلت هذا "أيرلندا" و"بولندا" وغيرهما من الشعوب التي نكبت في استقلالها حينًا من الدهر.
إنه كذلك يريد أن ينصرف الشعراء عن تمجيد الفرد إلى تمجيد الأمة، وإذا كان العرب قديمًا قد توجهوا بمديحهم للأفراد أمراء وخلفاء فلأن هؤلاء، وكانوا عنوان عزتهم، ومصدر فخارهم، وقادة لشعب حر مستقل لم يعرف العبودية والذلة؛ ولأنهم كانوا يمجدون فيهم صفات النبل والكرم والشجاعة ليكونوا مثلًا أعلى لشعوبهم1، ثم إنهم لم يكونوا في حاجة إلى تلك الأناشيد الحماسية، والشعر الوطني، وهم يتمتعون بالاستقلال والحرية ولكننا في أمس الحاجة إلى مثل هذا اللون من الشعر.
وقد كانت الحقبة التي ظهر فيها مصطفى كامل ومحمد فريد حقبة يقظة قومية، وقد لبى الشعراء نداء الوطن، ووصفوا آلامه وعبروا عن مشاعره وآماله، كما مر بك، ولكن الزعيم السياسي يرحب بديوان "وطنيتي" لأنه حوى شعرًا يعلي شأن الوطن في النفوس، ويوحي إليها بكراهية المحتل، والعمل على مقاومته وطرده، وهذا هو السبب في أنهم صادروا الديوان، وسجنوا فريدًا ستة أشهر وعبد العزيز جاويش ثلاثة أشهر.
كانت هذه الصيحة صيحة زعيم سياسي ربما لم يتح له أن يدرس الأدب الغربي دراسة عميقة أو أن يشغل به ولقد خاض في حديث الشعر والتجديد فيه عدد غير قليل من النقاد الذين تأثروا بالأدب الغربي. ودرسوه في مواطنه قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها، درسوا الأدب التي كان موجودًا قبل الحرب لا الذي جد في خلالها وعقب انتهائها؛ لأن هذا الأخير كان أدبًا تافهًا يرمي إلى الترويح عن تلك النفوس التي اصطلت بنار الحرب أربع سنين كاملة، والتي شاهدت
__________
1 انظر ص68، 69 من هذا الكتاب.
(2/234)

المئات والألوف والملايين تحصد حصدًا، والمدن تدمر تدميرًا، فصارت لا تؤمن بالمثل العليا، والقيم الأخلاقية، ولا يبقى على شيء من الفضائل، إذ لا فائدة من هذا كله والحرب تحطم كل شيء فالأولى لهذه البشرية أن تقبل عن اللذات بنهم، وتتزود منها ما استطاعت قبل أن تذهب إلى جحيم الحرب، وأخذ الأدباء -للأسف- في أوربا يتملقون تلك النزعات، ويغذونها بأدب رخيص كله شهوة عارمة، ولذة تافهة.
تأثير بعض نقادنا بكبار الأباء الأوربيين الذين لم يشاهدوا تلك الحركات الهداية لمعنويات البشرية وحضارتها، ورجعوا يدعون قومهم إلى أن يجددوا في أدبهم، وأن يجعلوه ممثلًا لعصرهم وبيئتهم والحضارة التي يتقلبون في أحضانها. دعوا إلى الثورة في الأدب شعرًا ونثرًا، والذي يعنينا الآن هو الشعر، فلم تكن الثورة على الغرض وحده كما رأيت عند محمد فريد، ولكن الثورة كانت على لغته، وعلى أسلوبه، وعلى معانيه، وعلى أغراضه، وأن نقتفي في شعرنا آثار الشعر الغربي في كل هذا.
وقد حاول الشيخ نجيب الحداد1 أن يوازن بين الشعرالعربي والغرب في اللفظ، والقافية، والمعنى، وليضع أمام المجددين حقائق عن الشعر الغربي يسيرون على هديها وبين أن وزن الشعر عندنا يختلف عن وزنه عندهم، فالشعر العربي يعتمد على التفاعيل، والشعر الغربي يعتمد على "الأهجية اللفظية" وهي كل نبرة صوتية تعتمد على حرف من حروف المد، سواء كل ذلك الحرف وحده، أو مقترنًا بحرف صحيح، ويسمون هذه الأهجية "أقدامًا" وأطو لها ما تركب من اثني عشر هجاء، وأقصرها من هجاء واحد، ويجوز للشاعر أن ينظم القطعة بحيث يكون أول أبياتها اثني عشر هجاء واحد، وينزل بها تدريجًا إلى هجاء واحد، كالحال في بعض الموشحات، وثمة فرق آخر وهو أنهم يصلون بين البيتين في المعنى واللفظ، وقد كان هذا عيبًا عند العرب، ولقد عابوا النابغة الذبياني لقوله:
__________
1 أديب سوري استوطن مصر منذ طفولته، ولد سنة 1867، وهاجر إلى مصر مع أهله سنة 1873، وتعلم في الفرير؛ ثم عاد إلى بيروت وتخرج على خاليه إبراهيم وخليل اليازجي واشتغل بالصحافة والأدب فكان محررًا بالأهرام، ثم تحولت أسبوعية واشتهر بالتعريب، وتأليف الروايات، وهو شاعر عصري مجدد ممتاز، ومن رواياته المترجمة "غصن البان"، ورواية "الفرسان الثلاثة" توفي سنة 1899، وقد طبع ديوانه مرتين.
(2/235)

وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ إني
شهدت لهم مواقف صادقات ... أتيتهم بصدق الود مني
وقيام الوزن في الشعر الغربي على عدد الأهجية مما يسهل نظمه كثيرًا، ويبيح للشاعر أن يقدم ويؤخر في ألفاظ البيت ما شاء، ويضع في أثنائه اللفظة التي يريدها ولا يختل معه الوزن، وعلى العكس من ذلك الشعر العربي الذي يعتمد وزنه على التفاعيل من الأسباب والأوتاد، فإن تقديم الحرف الواحد أو تأخيره فيه قد يؤدي إلى اختلال الوزن بجملته، أو نقل البيت من بحر إلى بحر.
والقافية في الشعر الغربي لا تلزم في أكثر من بيتين، ولذلك كان شعرهم كالأراجيز عندنا، ولهم فيها قيد آخر هو تقسيم القافية إلى مذكرة ومؤنثة ويتطلبون أن تكون كل قوافي القصيدة مؤنثة فمذكرة على التوالي بحث لا يتوالى بيتان على قافية مذكرة أو مؤنثة ويريدون بالقافية المؤنثة ما كانت مختومة بحرف علة، وبالمذكرة ما كانت مختومة بحرف صحيح1 ومع أن القافية لا تلزم في أكثر من بيتين فقد برم بها كثير من شعرائهم، حتى تخلص بعضهم منها وأوجد ما يسمى بالشعر المرسل أو "الأبيض" لا يلتزمون فيه قافية، ولا يتقيدون بغير وزن، وهو شائع في الشعر الإنجليزي، ومنه معظم شعر شكسبير المسرحي، ينظمون المقطوعة الواحدة من الشعر على عدة أوزان مختلفة، ولا تنطبق في مجموعها على الذوق السماعي، كما يوجد عندنا في بعض الموشحات.
أما ما يميز شعرهم من جهة المعنى فهم يلتزمون الحقائق في نظمهم التزامًا شديدًا، ويبعدون عن المبالغة والإطراء بعدًا شاسعًا، فلا تكاد تجد لهم غلوًّا، ولا إغراقًا، ولا تشبيهًا بعيدًا، ولا استعارة خفية، ولا خروجًا عن الحد الجائز المقبول من المعاني الشعرية وهم في هذا أشبه ما يكونون بشعراء العصر
__________
1 هذا في مثل اللغة الفرنسية التي تقسم كل الكلمات إلى مذكر ومؤنث، أما الإنجليزية فهناك مذكر ومؤنث. ومحايد وذلك في الأشياء كباب ونافذة.
(2/236)

الجاهلي، فأحسن الشعر عندهم أصدقه، وهم لا يقدمون بين يدي أغراضهم نسيبًا أو غيره، ولا يفتخرون في شعرهم إلا نادرًا.
ومما انفردوا به كذلك وضع الروايات التمثيلية شعرًا، وقد مكنهم هذا من التحليل والتطويل، وإظهار شخصيات عدة، وصور متباينة من العادات والأخلاق والأشخاص1" وهذا النقد، أو التعريض بخصائص الشعر الغربي جعل بعض الشعراء يحاولون الخروج على تقاليد الشعر القديم، بل إن بعضهم حاول النظم بالشعر المرسل، والذين تجرءوا على هذا أغلبهم من شعراء المهجر وقلة من أدباء مصر منهم عبد الرحمن شكري وقد نظم به قصيدته "كلمات العواطف" التي أنهى بها الجزء الأول من ديوانه "ضوء الفجر" وقد جاءت مفككة النسج، كل بيت منها لا يكاد يتصل بما قبله أو بعده، ولم يكن ثمة ضرورة لأن يهجر القافية إذ لم تكن قصة طويلة متلاحمة النسج قد تتعثر فيها القافية.
كما نجد له من هذا النوع أقصوصتين في الجزء الثاني إحداهما "واقعة أبي قير" والثانية "نابليون والساحر المصري" وقد وفينا الكلام عن شكري حقه في غير هذا الموضع2 ومنهم محمد فريد أبو حديد، وعلى باكثير في بعض مسرحياته محاولًا تقليد شكسبير، بيد أن محاولاتهم باءت بالإخفاق لأن طبيعة الشعر العربي تأبى هذا اللون الشعري الخالي في موسيقى القافية وإن سلم لمحمد فريد أبو حديد بعض من هذا الشعر في ديباجته وموسيقاه. ويجب هنا أن تفرق بين نوعين من الشعر أحدهما الشعر المرسل Blank verse والثاني الشعر الحر Verse Libre أم الأول فهو موزون ولكن لا يتقيد بقافية، والثاني لا يتقيد بقافية ولا وزن3.
ويقول الأب لويس شيخو عن هذا النوع من الشعر: "ومما سبق إليه أدباء عصرنا تدون مثال في لغتنا ما دعوه بالنثر الشعري، أو الشعر المنثور، كأنه جامع بين خواص النثر والنظم، أما النثر فلأنه على غير وزن من أوزان البحور، وأما
__________
1 راجع مقال الشيخ نجيب حداد في مختارات المنفلوطي ص126- 145.
2 راجع دراسات أدبية للمؤلف ج1، وسيأتي الكلام عنه في هذا الفصل.
3 راجع عن هذه النوعين من الشعر encyclopedia brtanica v. 3.p. 575, 696 وكذلك v, 23 pp. 482- 9 وراجع كذلك dr. moultion, s world literature وكذلك dr. mo ka fj.w. long english literature وكذلك مقال للأستاذ حسين عفيف المحامي، الأهرام 20/ 9/ 1936.
(2/237)

النظم فلأنهم يقسمون مقاطعه ثلاث ورباع وخماس، وأزيد، دون مراعاة أعدادها، ويسبكونها سبكًا مموهًا بالمعاني الشعرية.
وهذه الطريقة استعارها على ظننا الكتبة المحدثون كأمين الريحاني، وجبران خليل جبران، ومن جرى مجراها من الكتبة الغربيين، ولا سيما الإنكليز في ما يدعونه بالشعر "الأبيض" غير المقفى، وفي بعض كتاباتهم الشعرية المعاني غير المقيدة بالأوزان ولسنا نفي هذه الطريقة الكتابية التي تخلو من مسحة الجمال في بعض الظروف، اللهم إلا إذا روعي فيها الذوق الصحيح، ولم يفرط في الاتساع فيها فتصبح لغطًا وثرثرة. على أننا كثيرًا ما لقينا في هذا الشعر المنثور قشرة مزوقة ليس تحتها لباب، وربما قفز صاحبها من معنى لطيف إلى قول بذيء سخيف، أو كرر الألفاظ دون جدوى، بل بتعسف ظاهر ومن هذا الشكل كثير من المروحين للشعر المنثور من مصنفات الريحاني، وجبران، وتبعتهما، فلا تكاد تجد في كتاباتهم شيئًا مما تصبو إليه النفس للشعر الموزون الحر، من رقة شعور وتأثير. خذ مثلًا وصف الريحاني للثورة:
ويومها القطيب العصيب ... وليلها المنير العجيب
ونجمها الآفل يحدج بعينه الرقيب
وصوت فوضاها الرهيب، من هتاف ولجب ونحيب، وزئير، وعندلة، ونعيب
وطغاة الزمن تصير رمادًا ... وأخياره يحملون الصليب
ويل يومئذ للظالمين ... للمستكبرين والمفسدين
هو يوم من السنين ... بل ساعة من يوم الدين
ويل يومئذ للظالمين
ومثلها من شعر جبران قوله:
(2/238)

تنبئق الأرض من الأرض كرهًا وقسرًا
ثم تسير الأرض فوق الأرض تيهًا وكبرًا
وتقيم الأرض من الأرض القصور والبروج والهياكل
وتنشئ الأرض في الأرض الأساطير والتعاليم والشرائع
ثم تمل الأرض أعمال الأرض فتحرك من هالات الأرض الأشباح والأوهام والأحلام. ثم يراود نعاس الأرض أجفان الأرض فتنام نومًا هادئًا عميقًا أبديًّا.
ثم تنادي الأرض قائلة للأرض
أنا الرحم، وأنا والقبر. رحمًا وقبرًا، حتى تضمحل الكواكب وتتحول الشمس إلى رماد. فلعمري هذه ألغاز لا شيء فيها منظوم رائق ولا منثور شائق، وهي أقرب إلى الهذيان والسخف منها إلى الكلام المعقول1".
ومن هذا الضرب الذي سموه شعرًا منثورًا ما قاله أمين الريحاني يحيى مصر:
أكبر الشرقيات الباسمات للدهر ... وأحدث الشرقيات الناهضات
هي أول من حل ميزان القسط ... وأول من استرق العباد
لها الصولجان المرصع الماسات ... والسوط الملطخ دما
هي أول من قال للموت لا ... وأول من قال للحياة نعم
لها في الوت حياة وفي ... الحياة المآثر الخالدات
مصر آية الزمان، ابنة فرعون ... معجزة الدهر فتاة النيل
ومن كلام جبران في هذا النوع من النثر الذي سماه شعرًا منثورًا؛ لأنه غص بكثير من الاستعارات والكنايات والمجازات وأنواع الخيال، قوله يناجي الليل:
يا ليل العشاق والشعراء والمنشدين ... يا ليل الأشباح والأرواح والأخيلة
__________
1 الأب لويس شيخو: الآداب العربية في الربع الأول من القرن العشرين ص1، 43.
(2/239)


يا ليل الشوق والصبابة والتذكار
أيها الجبار الواقف بين أقزام المغرب وعرائس الفجر، المتقلد سيف الرهبة، المتوج بالقمر المتشح بثوب السكوت، الناظر بألف عين إلى أعماق الحياة، المصغي بألف أذن إلى أنه الموت والعدم.
في ظلالك تدب عواطفك الشعراء، وعلى منكبيك تستفيق قلوب الأنبياء، وبين ثنايا ضفائرك ترتعش قرائح المفكرين.
أنا مثلك يا ليل، أنا ليل مسترسل منبسط هادئ مضطرب وليس لظلمتي بدء، ولا لأعماقي نهاية".
لعلك ترى في هذا الذي يسمونه شعرًا، أنه غير موزون مقفى، فهو من نوع ما يسمى بالشعر الحر وهي تسمية فيها كثير من التعسف؛ لأن من أهم أركان الشعر أن يكون موزونًا منغمًا، وقد ورد مثل هذا الكلام المليء بضروب الاستعارات والمجازات لدى الأقدمين ولا سيما مدرسة ابن العميد، ومع ذلك لم يجرؤ أحد على تسميته شعرًا؛ لأن للنغمة الموسيقية في الكلام روعة وأسرًا يجعلانه أنفذ إلى القلب وأسرع في التأثير وبدونها يصير نثرًا أدبيًّا، ويختلف عن الشعر في تأثيره وروعته.
وقد قال مصطفى صادق الرافعي عن هذا النوع من الشعر الذي خرج فيه الشعراء على تقاليد الشعر العربي القديم سواء كان شعرًا حرًّا مثل الذي قدمته آنفًا أو شعرًا مرسلًا كقصيدة "إيليا أبو ماضي" الشاعر والسلطان الجائر: "نشأ في أيامنا ما يسمونه: الشعر المنثور، وهي تسمية تدل على جهل واضعيها ومن يرضاها لنفسه فليس يضيق النثر بالمعاني الشعرية، ولا هو قد خلا منها في تاريخ الأدب، ولكن سر هذه التسمية أن الشعر العربي صناعة موسيقية دقيقة يظهر فيها الإخلال لأوهى علة، ولأيسر سبب، ولا يوفق إلى سبك المعاني فيها إلا من أمده الله بأصل طبع، وأسلم ذوق، وأنصع بيان فمن أجل ذلك لا يحتمل شيئًا من سخف اللفظ، أو فساد العبارة، أو ضعف التأليف. غير أن النثر يحتمل كل أسلوب، وما من صورة فيه إلا ودونها صورة تنتهي إلى العامي الساقط،
(2/240)

والسوقي البارد، ومن شأنه أن ينبسط وينقبض على شئت منه، وما يتفق فيه من الحسن الشعري، فإنما هو كالذي يتفق في صوت المطرب حين يتكلم، لا حين يتغنى، فمن قال: الشعر المنثور، فأعلم أن معناه عجز الكاتب عن الشعر من ناحية، وإدعاؤه من ناحية أخرى1".
لقد كان هؤلاء السوريون المهاجرون إلى مصر وإلى أمريكا ثائرين على الأدب العربي القديم ثورة جامحة، وحاولوا أن يجددوا على نمط الشعر الغربي، ويقولون: "لسوء حظنا أن آدابنا العربية قصرت عن مجاراة الحياة لأجيال كثيرة، فكان نصيبها الجمود والخمود، فقد مرت بنا قرون ونحن لا نجد نغمة نلحنها سوى نغمة القدماء، فإن تغزلنا فبلسان العيس، وإن ندينا فبلسان باكي الأطلال، والدمن، وإن هزتنا الحمامة طعنَّا بالهندوابي والأقني، وإن مدحنا أنزلنا الشمس عن عرشها، وكسفنا البدر ووطئنا هام الثريا، ولجمنا أمواج البحار. زد على ذلك أن غزلنا تكلف، وبكاءنا بلا حرقة، ولا دموع، وحماستنا بلا شعور، ومديحنا مغالاة واختلاق باختلاق فآدابنا ليست إلا جثة بلا روح؛ لأنها تحاول تقليد القدماء، وناسية أن روح مصر وسوريا اليوم ليست روح عدنان وقحطان واليمن أو بغداد أو غرناطة أو أشبيلة من ألف أو ألفي سنة2".
ولم يكتف شعراء المهجر بهذه الدعوة إلى التحرر من تقاليد الأدب العربي وزخارفه ومبالغاته. حول دعوا إلى أن الشعر يجب أن يمثل الحياة: فالحياة والأدب توأمان لا ينفصلان وإلى أن نظم الشعر "ممكن في غير الغزل والنسيب والمدح والهجاء، والوصف، والرثاء، والفخر والحماسة"3.
وثاروا على العروض والأوزان ثورة عنيفة كما رأيت في الأمثلة التي سقتها إليك4، وهذا هو جيران خليل في مقاله: "لكم لغتكم ولي لغتي" يثور على كل شيء يثور على اللغة، فلا يعترف بمعاجم، ويثور على "العروض والتفاعيل والقوافي، وما يحشر فيها من جائز وغير جائز" ويثور على الأغراض فيقول:
__________
1 المقتطف يناير 1926، ص31.
2 مجلة الهلال -يولية 1931 ص427 من كلام الرابطة القلمية بنيويورك.
3 ميخائيل نعيمة في الغربال ص24 طـ ثانية.
4 راجع كذلك الغربال ص93 وما بعدها.
(2/241)

"لكم منها الرثاء والمديح والفخر والتهنئة ولي منها ما يتكبر عن رثاء من مات وهو في الرحم، ويأبى مديح من يستوجب الاستهزاء ويأنف من تهنئة من يستدعي الشفقة، ويترفع عن هجو من يستطيع الإعراض عنه، ويستنكف من الفخر، إذ ليس في الإنسان ما يفاخر به سوى إقراره بضعفه وجهله"1.
ويرى صاحب الغربال أن الكاتب أو الشاعر في حال من الخطأ اللغوي ما دام الغرض الذي يرمي إليه مفهومًا، واللفظ الذي يؤدي به معناه مفيدًا، ويرى أن التطور يقضي بإطلاق التصرف للأدباء في اشتقاق المفردات وارتجالها2.
لقد تأثر هؤلاء الأدباء المهاجرون بالأدب الإنجليز أيما تأثر، وقلدوه في بعض أنواعه وهو الشعر المرسل، والشعر الحر، وترسموا خطى "ولت ثمان" الأمريكي "Walt Witman" ب3 في ديوانه الذي أودعه شعره الحر، وسماه أوراق العشب Leaves of Grass وقلدوه4 كذلك في كثرة الحديث عن النفس، وتأملاتها، وفي الكلام عن الضمير والوحدة وفي نزعته الصوفية5.
لقد هاجر هؤلاء إلى أمريكا شماليها وجنوبيها تحت الضغط الاقتصادي في بلادهم، وهربًا بحريتهم من أن تعصف بها عوامل التعصب الديني الذي بلغ أشده في آخريات القرن التاسع عشر، وكذلك استبداد الولاة وطغيانهم، حيث كبتوا الحريات، وكمموا الأفواه، وساموا الأحرار الخسف وسوء العذاب، فآثروا الهجرة حتى لا يساموا الضيم والخسف، وسوء العذاب، فأثروا الهجرة حتى لا يساموا الضيم والخسف، ويعانوا الفقر والذلة في بلادهم، وما أن هاجروا حتى شعروا بالحرية الواسعة ولا سيما حرية القول والعقيدة، فانطلقوا على سجيتهم، وفي ذلك يقول جورج صيد يصف هذا المهاجر:
كمت الأوطان فاه فاعتلى ... منير المهجر يستوفي كلامه
واعتقد أن لهذه الحرية أثرًا كبيرًا في نزعتهم الثورية على كل القيم في
__________
1 بلاغة العرب في القرن العشرين ص51 وما بعدها.
2 ميخائيل نعيمة في الغربال ص84.
3 شاعر أمريكي 1819 - 1883 راجع H. R. GIBB. B.O.S.O VOLL P. 2- 31
4 وقد وصف هذا الديوان "بأنه أعجب قطعة فنية في الفطانة، والحكمة أنتجتها أمريكا".
ENCYCLOPEDIA BRITANICA. VOL 23. P583.
5 LEADERAS IN CONTEMPORARY ARABIC ARABIC LITERATURE, BY TAHIR KHAMIRY AND ;AMPFFMEYER P. 18.
(2/242)

بلادهم ولا سيما هؤلاء الذين هاجروا إلى أمريكا الشمالية وعلى رأسهم جبران، ونعيمة، وعريضة؛ لقد كان ذلك أشبه برد فعل للكبت الشديد الذي عانوه في بلادهم، وللحرمان المزري الذي دفعهم إلى ترك الوطن الحبيب، ولقد عبر الشاعر القروي سليم الخوري عن الدوافع التي حفزته إلى الهجرة بقوله وهو يودع قريته بلبنان قبل الرحيل عنها:
أبيت جوارها أرضًا ... بغير الذل لا ترضى
بلاد خسفها أمسى ... على أبنائها فرضًا
أحس يد الرجاء فلا ... أحس لقلبه نبضًا
إنه لم يهاجر حتى يئس ولم يجد بارقة من أمل أو رجاء تحبب إليه الإقامة. ولقد تفاوتوا في تحررهم وثورتهم على تقاليد الأدب العربي القديم وعلى اللغة فكان المهاجرون في أمريكا الشمالية أشد ثورة من سواهم ولا سيما أبناء الرابطة القلمية التي أسست في نيويورك سنة 1920 وعلى رأسهم جبران، ونعيمة، وعريضة، وأبو ماضي ورشيد أيوب ممن تأثروا إلى حد ما بالأدب الغربي ولا سيما بالأدب الرومانتيكي الذي يعزز النزعة الفردية، والتعبير عن الذات وخلجات النفس في يأسها ورجائها وحزنها وفرحها، وصحتها ومرضها، وفقرها وغناها، وآمالها وآلامها: فنزعوا إلى الشعر الوجداني الذاتي، وكرهوا الأدب التقليدي الذي لا يصدر عن شعور وإحساس، واشتدت حملتهم عليه كما رأيت في كلام جبران.
كما أن شعورهم بالعزلة في هذه المدن الصناعية الكبرى التي يتطاحن فيها البشر ويتصارعون على المادة، ولا يجد فيها الغريب إلا الوحشة والضيق جعلتهم يعكفون على أنفسهم ويكثرون من تأملاتهم.
استمع إلى إيليا أبي ماضي يصور هذه الحيرة التي يعانيها المغتربون في زحمة الحياة الأمريكية:
نحن في الأرض تائهون كأنا ... قوم موسى في الليلة الظلماء
ضعفاء محقرون كأنا ... من ظلام والناس من لألاء
واغتراب القوى عز وفخر ... واغتراب الضعيف بدء الفناء
(2/243)

وقد أبدع الشاعر القروي حين قال في تصوير هذه الحالة وإن كان من المهاجرين إلى الجنوب:
في وحشة لا شيء يؤنسها ... إلا أنا والعود والشعر
حوالي أعاجم يرطنون فما ... للضاد عند لسانهم قدر
ناس ولكن لا أنيس لهم ... ومدينة لكنها قفر
كما شعروا في غمرة هذه الحياة المادية بحاجتهم الماسة إلى روحانية الشرق التي افتقدوها في غربتهم، وزادهم شظف العيش، والجهاد المرهق في سبيله شعورًا بوطأة الحياة المادية المضطرمة حولهم، فنزع كثير منهم نزعة تصوفية، وقد صور جورج صيدح هذه الحالة النفسية بقوله:
عز من يفهم شكوى روحه ... رب حشد فيه بالروح انفرد
وهذا هو مسعود سماحة يتجه إلى الله يشكو إليه حاله ويصور العقد التي تئود نفسه ويلجأ إلى خالق الكون ليفرج من كربته.
الملك ملكك والبهاء بهاكا ... والأرض أرضك والسماء سماكا
الكون مغ ما فيه من متحرك ... أو ساكن قد كونته يداكا
لا مسعف إلاك، لا متساهل ... إلاك لا متسلط إلاكا
وقد أكثروا من الابتهالات والتضرعات إلى الله سبحانه ليخفوا عن نفوسهم ما يحزبها، ويذكرنا شعرهم بمتصوفة المشرق. استمع إلى نسيب عريضة وقد أضناه الجهاد في سبيل العيش، وحار في دروب الحياة يقول متوجهًا إلى الله جل وعلا:
أيا من سناه اختفى ... وراء حدود البشر
نسيتك يوم الصفا ... فلا تنسنى في الكدر
أيا غافرًا راحمًا ... يرى ذل أمسى وغد
معاذك أن تنقما ... وحلمك ملء الأبد
مراعيك خضر المنى ... هي المشتهي سيدي
وجسمي دهاه العنا ... حنانيك خذ بيدي
(2/244)

ولذلك كله كان إقبالهم على قراءة "ويتمان" وحبهم له وتأثرهم به والتقائهم معه في منازعة لظروفهم التي ذكرت طرفًا منهم مع تأثرهم بالنزعة الرومانتيكية بعامة.
كان مهاجرو الشمال أكثر ثورة على اللغة العربية وعلى تقاليد الأدب الموروث من شعراء الجنوب الذين حافظوا على "أصول اللغة بقوة وروعة؛ لأن بضاعتهم كانت كلها شعرًا، ومن الصنف الممتاز بجودة الصياغة وحرارة العاطفة ورخامة النغم؛ ولأن النزعة القومية كانت الغالبة عليهم، فالشعوب التي ترزح تحت الاحتلال أو الانتداب، المتعطشة إلى الانعتاق من نير الاستعمار لا يستهويها في محنتها مثل الشعر الوطني الحماسي الصادق النبرات الذي يعبر عن واقعها وعن شعورها وعن أمانيها1".
انهارت الرابطة القلمية بعد موت جبران في سنة 1931، ولكن الشعر المهجري وجد دعامته في العصبة الأندلسية التي أسست في سان باولوا سنة 1932، فكان هؤلاء أكثر حفاظًا على تقاليد الأدب العربي واللغة من سواهم، ومن أشهرهم الشاعر القروي سليم الخوري، وإلياس فرحات وآل المعلوف، وإن ظل إيليا أبو ماضي في الشمال يوالي نتاجه الرائع حتى توفي في 4 من نوفمبر 1957.
ويتسم الشعر المهجري -بعامة: شماليه وجنوبيه- بهذه الحرية في التعبير وبالتأمل في الكون وفي الإنسان فردًا وفي المجتمع وفي الطبيعة وفي حقيقة الوجود والبحث عنها، وفي النزعات التصوفية عند اشتداد الأزمات النفسية.
لقد كان الانطلاق، والانعزال عن دنيا الإقطاع الفكري، وعن الأوساط الرجعية في الوطن هي السبب في شعورهم الحاد بالحرية وبالذاتية، وقد بلور ميخائيل نعيمة رأيه في الشعر الذي يدعو إليه ووضع مقاييس حتى يؤدي الأدب مهمته الحقيقية في الحياة ويلبي رغبات النفس بقوله: "الغربال" مبينًا هذه الحاجات:
__________
1 أدبنا وأدباؤنا ص15.
(2/245)

أولًا: حاجتنا إلى الإفصاح عن كل ما ينتابنا من العوامل النفسية: من رجاء وبأس وفوز وفشل وإيمان وشك، وحب وكره، ولذة وألم، وحزن وفرح، وخوف وطمأنينة، وكل ما يتراوح بين أقصى هذه العوامل وأدناها من الانفعالات والتأثرات.
ثانيًا: حاجتنا إلى نور نهتدي به في الحياة، وليس من نور نهتدي به غير نور الحقيقة، حقيقة ما في أنفسنا، وحقيقة ما في العالم من حولنا، فنحن وإن اختلف فهمنا عن الحقيقة لسنا ننكر أن في الحياة ما كان في عهد أدم ولا يزال حقيقة حتى اليوم، وسيبقى حقيقة حتى آخر الدهر.
ثالثًا: حاجتنا إلى الجميل في كل شيء، ففي الروح عطش لا ينطفئ إلى الجمال، كل ما فيه مظهر من مظاهر الجمال، فإنا وإن تضاربت أذواقنا فيما نحسبه جميلًا وما نحسبه قبيحًا لا يمكننا التعامي عن أن في الحياة جمالًا مطلقًا لا يختلف فيه ذوقان.
رابعًا: حاجتنا إلى الموسيقى، ففي الروح ميل عجيب إلى الأصوات، والألحان لا ندرك كنهه، فهي تهتز لقصف الرعد ولخرير الماء ولحفيف الأوراق، ولكنها تنكمش من الأصوات المتنافرة وتأنس بما تآلف منها".
ولا ريب أن هذه الحاجات إنما تعبر عن حاجات النفس الفردية لا حاجات الجماعة، وليس تحقيق هذه الحاجات هو كل الشعر.
ولست أريد في هذه المرحلة من الكتاب أن أدرس أدبهم، وأحلل نزعاته وأغراضه، ولكني أقول: إنهم تركوا تقليد الأدب العربي ليقعوا في تقليد أدب غربي، وفي تقليد شاعر بعينه، ولقد حاولوا أن يوجدوا لهم أنصارًا في مصر، وقد التقوا مع المجددين في الشعر من المصريين أمثال العقاد والمازني، بيد أن هؤلاء وإن وافقوهم في أشياء، فإنهم أنكروا عليهم ركاكة أسلوبهم، وتساهلهم في اللغة وخطأهم1.
لم يسر في ركاب شعراء المهجر أحد من أدباء مصر إلا نفر قليل أمثال الكاتبة السورية "مي زيادة" حاولوا كتابة ما سموه بالشعر المنثور، ولكنهم ما
__________
1 راجع العقاد والمازني في بلاغة العرب في القرن العشرين ص6 وص9 وراجع العقاد مقدمة الغربال ص8.
(2/246)

لبثوا أن أقلعوا عنه؛ لأنه لم يجد قبولًا من أذواق المصريين، كما لم تجد نظراتهم التشاؤمية، ونزعتهم المغرقة في التحليل النفسي والتصوف الحزين رغبة في الشرق بعامة بادئ الأمر حينما كان هناك شعراء أقوياء يشبعون أرواح المتأدبين ويعبرون عما يجيش في نفوسهم أمثال شوقي وحافظ ومطران وعلي محمود طه، فلما ضعف صوت هذا الشعر أو كاد تطلع العرب من المشرق إلى شعر المهجر ودرسوه ووجدوا في كثير منه صورًا جديدة ونغمًا جديدًا فأقبلوا عليه وظهرت فيه عدة دراسات في السنوات الأخيرة دليل الاهتمام والإعجاب، وكان لدعوتهم إلى هجر بعض أغراض الشعر العربي القديم ولا سيما المديح والفخر والهجاء صدى في أدبنا الحديث.
أما نقاد مصر فقد اختلفوا شيعًا، فهيكل يدعو إلى الأدب القومي1، ويلح في كثير من كتبه أن نتجه في أدبنا اتجاهًا قوميًّا، ويرى أن مصر الحديثة أقرب إلى مصر الفرعونية منها إلى مصر الإسلامية، وعقد موازنات شتى بين ما تخلف عند المصريين المحدثين من عادات، وبين ما كان عند الفراعنة، كحفلات الزواج وحفلات الجنازة، وتعظيم الأولياء، ويدعو إلى أن نقتبس في أدبنا الحديث من تاريخ الفراعنة "وأن يعمل مؤرخونا وأدباؤنا ليتمثل ابن اليوم هذا الميراث المجيد فيجمع ذهنه وقلبه وفؤاده وتصوره وخياله ما كان لمصر في ميادين العقل والعلم والخيال من مجد وعظمة، تنقلت في تاريخ مصر على كاهل القرون" حتى وصلت إلينا، ويدعو إلى استجلاء عظمة تلك الآثار الباهرة التي خلفها قدماء الأدب القومي الذي ارتآه والذي يستلهم تاريخ مصر القديم، فأنشأ عدة قصص تدور حول الفراعنة مثل "إيزيس" و"راعية هاتور" و"أفروديت" وغيرها.
وهو يرى أن محاولاته في الأدب القومي لم تبلغ حد الكمال، ولا قاربته، وأنه يضع بها نماذج مقتفيًا آثار شكسبير، وأناتول فرانس، وبرناردشو في محاولاتهم الكتابة عن قدماء المصريين، وإن لم يدنهم في روعة أدبهم2.
__________
1 ثورة الأدب ص140 وما بعدها "توفي الدكتور هيكل في 7 ديسمبر 1956".
2 حديث أبيس في أوقات الفراغ ص19.
(2/247)

ومن العجيب أن بعض أدبائنا في مستهل هذا القرن حاولوا أن يتنكروا لعروبة مصر وإسلاميتها، وأن يدفعوها إلى الوراء قرونًا حتى تتعلق بأذيال الفرعونية متلمسين أسبابًا واهية لذلك من مثل ما ضربه هيكل من عادات الزواج وحفلات الجنازة وتنظيم الأولياء، مع أن هذه أمور استقرت في مصر منذ العهد الإسلامي، وهي طبيعية في كل الأمم: فلطم الخدود وشق الجيوب، وصبغ الوجوه بالسواد، وخروج النساء وراء الميت، عادت عرفها عرب الجاهلية، ونهى عنها الإسلام وهي ظاهرة تلفت النظر لدى الشعوب البدائية، أما زف العروس، ودق الطبول، وإطلاق الزغاريد وراء العروس فمما يمارسه الناس في كل أمة ولسنا نجد فيه بدعًا. وأما تعظيم الأولياء فقد كان للفاطميين أثر عظيم في تمكينه بنفوس المصريين، ومعظم أولياء مصر من آل البيت، وكما يوجد كذلك في كل بلد اعتنقت المذهب الشيعي مثل هذه الأضرحة كبلاد إيران وبعض نواحي العراق والمغرب.
وإن من التكلف والتعسف أن نرجع بعادات المصريين وتقاليدهم إلى قدماء المصريين، وقد عفى البطالسة والرومان في سنوات طويلة على آثار هذه التقاليد الوثنية، ولا سيما بعد أن دخلت مصر المسيحية على يد الرومان، ولما جاء العرب لم يجدوا للغة الفرعونية ولا للتقاليد الفرعونية أثرًا في حياة المصريين، أجل! إن هناك بعض رواسب فرعونية ممثلة في قليل من الألعاب التي يمارسها أطفال المصريين في الريف ككرة اليد وكرة المضرب وغيرهما، ولكن هذا لا يجعل مصر الحديثة أقرب إلى مصر الفرعونية منها إلى مصر الإسلامية كما يدعي هيكل.
والأغرب من هذا أن يدعي الدكتور طه حسين في كتابه مستقبل التعليم في مصر أن مصر أقرب إلى اليونان منها إلى العرب والمسلمين، ولعل السبب في هذه النزعات هو حب التظاهر بالتجديد، والخروج على المألوف، أو التأثر بالحملات الاستعمارية على الإسلام وبحسبك أن هؤلاء الذين أنكروا يومًا عروبة مصر وإسلاميتها صاروا اليوم من أكبر الدعاة لهذه العروبة ومن أشد المدافعين عنها، وبحسبك كذلك أن هؤلاء الذين تهجموا على الدين الإسلامي في مستهل حياتهم الأدبية حتى تشتهر أسماؤهم ويلهج بها الناسلم ينالوا جوائز الدولة إلا
(2/248)

على كتبهم الإسلامية مثل: "على هامش السيرة" لطه حسين. و"أبو بكر الصديق" لهيكل؛ لأنها أحسن نتاجهم.
وليس تاريخ مصر القديم وحده هو مصدر الأدب القومي في رأي هيكل، بل عنده أن وصف الطبيعة المصرية، وما فيها من جمال فتان من صميم الشعر القومي، وقد عقد لذلك فصلًا كاملًا في كتابه ثورة الأدب، بين فيه ما يجب على الشعراء حيال هذا الجمال في الطبيعة المصرية. "لكن العجب هم أولئك الذين نسميهم شعراء مصر وكتابها ورجال الفن فيها. هؤلاء كذلك يشعر أكثرهم إزاء ما في بلادهم من جمال يمثل شعور هؤلاء الذين يسمونهم جماعة المتعلمين في مصر، فقل منهم من تهتز عاطفته لمشهد هذا الجمال إلى حد يهز شاعريته أو فنه اهتزازًا يخرج من نفوسهم صيحات صادقة كلها تأليه لهذا الجمال وعبادته وتقديسه، ويستثير من أوتار شاعريتهم أو خيالهم هذه الأناشيد التي تدفع بالفارس ليلقى بنفسه في غمار "التيبر"1 متغنيًا: "أيها التيبر! يا أبانا التيبر! يا من يسبح الرومان بحمده! إليك حياة روماني وعدة حربه، خذهما اليوم في رعايتك"؛ بل إن أحدهم ليحس أحيانًا بأن واجبًا عليه أن يتحدث عن بلاده وتاريخها وعن جمالها، فإذا قرأت حديثه وجدت فيه من جمال العبادة ما يخلبك، ولكنك وجدته خلوًا من الشعور الصادق، والإحساس العميق. وكل شعر وكل أدب، وكل فن ليس صادرًا عن شعور صادق، وإحساس عميق، لا حياة فيه ولا بقاء له، وسر هذا الجمود في تقدير جمال بلادنها ضعف الإيمان في نفوس شعرائنا وأدبائنا وكتابنا وذوي الفن فينا بالجمال2.
وأخذ هيكل يتغنى بجمال النيل، ويحاول أن يكشف عن مفاتنه لأدبائنا وشعرائنا، ويغريهم بالذهاب إليه والتملي من محاسنه، حتى يكون إحساسهم بالجمال عميقًا، وحتى يستلهموا هذا النهر الذي يفوق في جماله كل أنهار أوربا وما يحيط بها، بل "أين أنت يا أنهار أوربا، وأنهار العالم من نيلنا السعيد، المبارك الغدوات، الميمون الروحات؟ ".
يدعو هيكل الشعراء والأدباء إلى تمجيد الطبيعة المصرية حتى يحببوا فيها بني قومهم، ويكشفوا لهم بما أوتوا من حساسية مرهفة، وذوق صاف، وشعور
__________
1 التيبر: نهر بإيطاليا، وهو الذي تقع عليه مدينة روما.
2 ثورة الأدب ص128.
(2/249)

فياض بالجمال، وقدرة فائقة على التعبير عن هذا الجمال، "لو أن رهطًا من الشعراء والكتاب، وأرباب الفن استلهموا هذا النيل ودونوا وحيه، لرأيت صاحبي الذي هز كتفيه حين ذكرت له إعجابي بالنيل وجماله أشد بنيل بلاده إعجابًا منه بجمال سويسرا، أو أية بقعة ساحرة من بقاع العالم، نعم! فالفن يسكب الجمال في النفوس الجامدة أمام الجمال، وهو بمال يصنع من هذا يدفع الناس إلى العمل للمزيد من هذا الجمال، وذلك بأنه يحبب إليهم الحياة، ويدعوهم إلى زيادة تجميلها، وإلى معاونة الطبيعة فظهار زينتها وبهجتها"1.
ولا شك أن دراسة هيكل للأدب الأجنبي القديم والحديث، ولا سيما أدباء المدرسة الإبداعية أمثال روسو، وهيجو، وأناتول فرانس، وشاتو بريان، ولا مارتين، وغيرهم هو الذي أوحى إليه بأن يهز أدباءنا تلك الهزة القوية لعلهم يستيقظون، ولكننا نقول تقريرًا للحقيقة: إن تلك النزعات القومية التي دعا إليها هيكل، وتغنى بها، وحث الشعراء عليها: من إحياء التاريخ القديم، وتغنيه بالطبيعة، وقد ظهرت في شاعر مصري قوية جذابة من أول نشأته الشعرية، وذلك هو شوقي، فقصيدته: "كبار الحوادث في وادي النيل" التي قالها في مؤتمر المستشرقين بجنيف عام 1894 والتي مطلعها:
همت الفلك واحتواها الماء ... وحداها بمن تقل الرجاء
"رواية من الروايات الخالدة لتاريخ مصر منذ الفراعنة إلى عهد أبناء محمد علي، وقف فيها الشاعر وقفة مصري، صادق العاطفة تفيض عليه ربة الشعر تاريخ بلاده منذ عرفها التاريخ2 وليست هذه القصيدة اليتيمة التي قالها شوقي في مصر، بل إنه أحس بما أحس به هيكل، وسبقه في شعوره، وفي إبراز هذه الفكرة، واستجابته لجمال بلاده، ولإيمانه العميق بها، فقال عدة قصائد في تاريخ مصر قديمًا وحديثًا كقصائده على سفح الأهرام، وأبي الهول، وتوت عنخ أمون، وأنس الوجود، وأنت إذا تقرأ هذه القصائد يهزك الشعور بصورة هذا الماضي في
__________
1 ثورة الأدب ص138.
2 مقدمة هيكل للشوقيات ص6.
(2/250)

قداستها ومهابتها، وتملك نفس المشاعر فترتفع بك عن مستوى الحياة الدنيا إلى سماوات الخلد. ذلك بأن شوقي يهديك المعنى الذي كانت تلتمسه نفسك فلا تقع عليه، ويرسم أمامك بوضوح وقوة وسمو خيال ونبل عاطفة كل ما ينبض به قلبك، ويهتز له فؤادك"1.
ولم يكتف شوقي بهذا بل هو كما قدمت لك في غير هذا الموضع قد إبداع الإبداع كله في وصف الطبيعة المصرية، وإظهار جمالها، وفتن بها إلى حد العبادة.
وطنى لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني إليه في الخلد نفسي
واستعرض تاريخ بلاده في خلال الحكم الإسلامي بقصائد رائعة، ووضع روايات عدة في تاريخ مصر القديم والحديث، وأفرد جزءًا خاصًّا من شعره لمجد العرب والإسلام، فشوقي من هذه الوجهة هو شاعر القومية المصرية وهو أسبق من كل هؤلاء الأدباء إلى وضع النموذج الصحيح، في الأسلوب العالي الممتاز في الأدب القومي. إن هذه الصيحات التي جأر بها هيكل كان يقصد بها المزيد من شوقي، والاحتذاء حذو شوقي من هؤلاء الشعراء الذين لم يحركهم جمال بلادهم. ولا شك أن شوقي وهيكل قد تأثرا في هذه الدعوة بما رأيا وقرءوا في الأدب الأوربي، ولعل "تاييس" لأناتول فرانس، و"كليوباترا" لإميل مورو "moreau" - وقد مثلتها سارة برنارد في سنة 1890 وشوقي بعدُ طالب في باريس بعض ما أوحي إليه بهذا.
لقد كانت هذه النزعة على أشدها في فرنسا منذ أواسط القرن التاسع عشر، وظهرت عشرات الكتب: والروايات، والمسرحيات، والقصائد في تلك الحقبة تدعو إلى تمجيد الطبيعة وإلى استلهام التاريخ، وقد ظلت كذلك حتى الحرب العالمية الأولى، وقد عاصر شوقي وهيكل2 كثيرًا من هؤلاء الأدباء والشعراء الذين أولعوا بالطبيعة والتاريخ، وشاهدا مسرحياتهم3، فتأثرا بهم كل التأثر.
__________
1 المصدر السابق.
2 أخذ هيكل البكالوريا سنة 1905 والحقوق سنة 1909، وسافر إلى بارس سنة 1909 ومكث بها حتى سنة 1913 حين نال شهادة الدكتوراه في الاقتصاد السياسي.
3 إذا أردت ثبتًا بالكتب والمسرحيات والروايات الفرنسية التي تنزع هذه النزعة فارجع إلى mareel brau nschvig - notre في كتابه القيم. litterature etudee dans les textes t, 2 p. 773, 733 778.
(2/251)

وليست الدعوة إلى الأدب القومي هي كل ما عنى به هيكل، فقد رأى أن الأدب لا يقوم على الألفاظ والعبارات، بل بما يقدمه الأديب من الصور والمعاني، وما تبعثه هذه الصور والمعاني إلى النفس من لذائذ، وإلى المشاعر من اهتزازات، وإلى الخيال من الصور، وإلى الذهن من التفكير، وهذه النفوس القوية لا يمكنها أن تفيض بهذا الإلهام إلا إذا كانت تمثل بيئة خاصة أو عصرًا خاصًّا كما فعل هوميروس، وفيرجيل، وشكسبير، وفولتير، وجوتيه، حيث خلدوا على الرغم من تطور الحياة، وتقدم الحضارة في العالم؛ لأن نفوسهم مثَّلت أمة خاصة وعلمًا خاصًّا، فانطبعت فيها الصفات الخالدة لأممهم؛ والتي لا يأتي عليها تقدم أو تطور1.
وينادي بأن الأدب في مصر، وفي كل بلد عربي يجب أن يكون له طابع خاص يميزه عن الأدب العربي القديم، وإلى أن يكون أدبنا الحديث عنوانًا لحضارتنا، التي هي جزء من حضارة أوربا2. عنده أن أحسن وسيلة لوضوح شخصية الأديب في أدبه هي اتصال ما يكتب بقلبه، وعقله، وكل حياته. وليس ذلك بمستطاع إلا إذا وصف حياته وحياة قومه ووطنه وكل ما توحي به هذه الحياة للعقل والقلب والحس والشعور مما لا تستطيع حياة أخرى أن تلهمه أو توحي به وبذلك نصل حاضرنا بماضينا3.
ويعتقد أن جرثومة الأدب المصري المستقبل تكمن في أناشيد الشعب الساذجة التي ينشدها في حفلات الأعراس والمآتم، من ذكريات الحب، والحنان والتضحية والتفجع، وما يرويه الرواة المحليون عن أبطال القرون الغابرة، وما يحكونه من القصص التي يعبر عن خلق الشعب وصبره، وقوة احتماله، وما تحدث به عن عبقريته الفطرية وعن آماله وأحلامه4.
وهو في هذا متأثر كل التأثر بثقافته الأجنبية فقد ابتدأ يقرأ وهو بعد طالب بمدرسة الحقوق في مصر شيئًا في الأدب الإنجليزي ولفلاسفة الإنجليز
__________
1 أوقات الفراغ هيكل ص354- 355.
2 نفس المصدر ص363- 364.
3 ثورة الأدب ص132.
4 السياسة الأسبوعية 2 فبراير 1929.
(2/252)

ومفكريهم؛ قرأ كتاب الأبطال لكارليل، والحرية لجون ستيورات مل، والعدل لسبنسر.
ولما ذهب إلى فرنسا استهواه الأدب الفرنسي وآثره على غيره، ورأى فيه من السمو الأدبي ما لا يراه في غيره من الآداب العربية والإنجليزية معًا، وذلك لما فيه من سلاسة وسهولة وقصد ودقة في التعبير والوصف، وبساطة في العبارة وعناية بالمعنى أكثر من العناية باللفظ1. ولم يكن قد اتصل بالثقافة العربية ولا بالدين الإسلامي عن قرب، ولقد عدل من أفكاره فيما بعد واستوحى التاريخ العربي الإسلامي في بعض آثاره حين وجد فيها الروعة والعمق والجلال والمثل الأعلى الذي يرنو إليه.
فهيكل بجانب دعوته إلى الأدب القومي يطالب الأدباء بأن يتجنبوا العناية بالزخرف، والاهتمام بالألفاظ، وأن يحفلوا بالصور والمعاني، ولن يتأتى لهم هذا إلا إذا وصفوا بيئتهم ونفوسهم وحياتهم، ومثلوا عصرهم أتم تمثيل، لا أن يعيشوا في لغة عرب البادية وخيالهم وصورهم ومعانيهم، وأمالهم، وطريقة نظمهم، وأن يهيموا في أودية الشعر بعيدين عن مجتمعاتهم.
ويدعو كذلك إلى ظهور شخصية الأدباء، وذلك بأن يصدر أدبهم عن إحساس وصدق عاطفة، كما يدعو إلى تخليد الأدب الشعبي، وهو لا يقصد بدعوته ذلك الجيل من الشعراء الذي ألف الجمود، واختط لنفسه طريقًا خاصة في الشعر يعسر أن يحيد عنها، وإنما يخاطب جيلًا جديدًا يستطيع أن ينهج بالشعر نهجًا يحقق الغرض منه2. وكثير مما أراده هيكل قد تحقق عند بعض الشعراء الذين تثقفوا ثقافة عالية، وكان عندهم مرونة عقلية ليتشكلوا حسب زمانهم أمثال شوقي ومطران. اللهم إلا دعوته إلى الأدب الشعبي فإنها لم تتحقق.
كان هيكل من الذين تأثروا بالأدب الفرنسي ونهج طريقة المدرسة الطبيعية الفرنسية، ولم تكن دعوته إلى التجديد هي الأولى في مصر، بل سبقه إلى الثورة
__________
1 ثورة الأدب ص112، ومقدمة قصة زينب ص11.
2 ثورة الأدب ص74.
(2/253)

على الأدب القديم وبخاصة على الشعر العربي المعاصر لهم ثلاثة من شباب الأدباء ظهروا في أخريات العقد الأول من القرن العشرين، بعد أن تشبعوا بدراسة الأدب الإنجليزي وهو عبد الرحمن شكري، وعباس العقاد، والمازني.
وكان شكري رائد هذه المدرسة، وكان متمكنًا في اللغة الإنجليزية بحكم دراسته منذ السنة الأولى الابتدائية حتى تخرج في المعلمين العليا سنة 1909 وهي السنة التي صدر فيها ديوانه الأول "ضوء الفجر"1 وأعجب شكري كل الإعجاب بشعراء الرومانسية الإنجليزية، وردسورث وكولردج وشيلي وبيرون وكيتس وسكوت، وأخذ يلتهم كل ما أنتجوه في نهم وشراهة، وهو في هذه السن التي تتفتح فيها المواهب وتوجه الملكات، فتأثر بهم في الروح والمنهج، وفهم فهمًا جديدًا لمهمة الشعر غير ما كان يفهمه شعراء العربية قبله.
كان طابع هذه المدرسة الإنجليزية البساطة في التعبير وعدم التقييد بما كان يسمى "المعجم الشعري" the poetic diction.
بل كانوا يؤثرون الكلمات المألوفة الشائعة الاستعمال، ثم الاهتمام بالنفس الإنسانية في أبسط صورها، فلم يحفلوا بالملوك والأمراء ورجال الحاشية والأبطال، كما كانت تحتفي المدرسة الاتباعية "الكلاسيكية"، وإنما فتشوا عن النفس الساذجة البسيطة التي لم يلوثها النفاق الاجتماعي والرياء والزيف، وراحوا يسبرون أغوار نفوسهم ونفوس العامة من الشعب، ويفحصون عما تكنه هذه النفوس في دقة ووضوح، كما أغرموا بالطبيعة غرامًا شديدًا.
كان شعرهم وجدانيًّا ذاتيًّا ينبع من قرارة نفوسهم، ويستوحي مشاعرهم وحدها، ولكنهم لم يكونوا متشائمين، ولم يفعل بهم الأسى ما فعل بإخوانهم شعراء الرومانسية الفرنسية، الذين صبغوا شعرهم صبغة حزينة سوداء؛ نتيجة للكبت وخيبة الآمال في الإمبراطورية التي شيدها نابليون ثم قوضتها رياح الأحداث العاصفة، والخراب الذي حل بفرنسا على أثر تلك الحروب الطويلة التي أثمرت اليتم والترمل والفقر والفراغ القتال.
__________
1 راجع ترجمتنا عبد الرحمن شكري في "دراسات أدبية ج1 ص231".
(2/254)

بيد أن المدرسة الإنجليزية التي أتت بعد زعماء المدرسة الرومانسية الأوائل جنحت إلى الواقعية، وتكتشف لها الطبيعة البشرية في أبشع صورها وتمثل لها ذلك الصراع الدامي في المجتمع الغربي بين الننزعات والرغبات المتباينة، وعبرت عنها تعبيرًا مباشرًا، فجاء أدبها حزينًا كئيبًا متشائمًا، يمثله بروننج، وبو، وويتمان، وتوماس هاردي وأضرابهم.
وقد قرأ لهم شكري كما قرأ لأسلافهم، ومن ثم أصيب بعدوى الحزن والكآبة التي صارت طابع شعره كله، وقد أتيح له أن يذهب إلى إنجلترا عقب تخرجه في مدرسة المعلمين العليا، ومكث ثمة بضع سنوات زادت فيها ثقافته الأدبية واتسعت آفاقها. وقرأ كثيرًا بالإنجليزية عن الآداب الأوربية الأخرى ثم عاد إلى مصر، وزادت صلته وثاقة بالمازني والعقاد، وأخذ يوالي إصدار دواوينه الشعرية حتى بلغت سبعًا في بضع سنين آخرها سنة 1919 وقد قدم العقاد لديوانه الثاني، كما كتب هو مقدمة الجزء الخامس من ديوانه، وتعتبر هذه المقدمة دراسة طيبة لرأيه في الشعر والطريقة التي يجب أن يسلكها الشعراء، وقد وضع فيها أسس هذا المذهب الجديد في الشعر، ذلك المذهب الذي سلكه صاحباه المازني والعقاد على اختلاف بينهم في الاهتمام بالعاطفة والفكر حيث زاوج شكري بينهما، وأثر المازني العاطفة، وانفرد العقاد بالفكرة.
ويقر المازني بأن شكري هو الذي هداه إلى الطريق السوي في الشعر حيث قال1: "ولقد غبر زمن كان فيه شكري محور النزاع بين القديم والجديد -ذلك أنه كان في طليعة المجددين إذا لم يكن هو الطليعة والسابق إلى هذا الفضل، فقد ظهر الجزء الأول من ديوانه، وكنا يومئذ طالبين في مدرسة المعلمين العليا وكانت صلتي به وثيقة، وكان كل منا يخلط صاحبه بنفسه، ولكني لم أكن يومئذ إلا مبتدئًا، على حين كان هو قد انتهى إلى مذهب معين في الأدب، ورأي حاسم فيما ينبغي أن يكون عليه. ومن اللؤم الذي أتجافى بنفسي عنه أن أنكر أنه أول
__________
1 جريدة السياسية عدد 5 من إبريل 1930 بعنوان التجديد في الأدب.
(2/255)

من أخذ بيدي وسدد خطاي"، ودلني على المحجة الواضحة، وأنني لولا عونه المستمر لكان الأرجح أن أظل أتخبط أعوامًا أخرى، ولكان من المحتمل جدًّا أن أضل طريق الهدى".
قال المازني هذا، بعد أن جحد فضل شكري، وأساء إساءة بالغة في "الديوان" حيث سماه صنم الألاعيب، وجحد كل ماله فضل، ورماه بالجنون، وجرده من كل صفات الشعراء. مما ألم شكري أشد الألم. وزاده زهدًا في الناس والحياة وتشاؤمًا، فآثر العزلة والانصراف عن قول الشعر إلا لمامًا في أوقات متباعدة، كما قضت هذه المعركة على المازني وصرفته عن قول الشعر.
حدد شكري مهمة الشاعر بقوله1: "ينبغي للشاعر أن يتذكر -كي يجيء شعره عظيمًا- أنه لا يكتب للعامة، ولا لقرية، ولا لأمة. وإنما يكتب للعقل البشري ونفس لإنسان أين كان، وهو لا يكتب لليوم الذي يعيش فيه، وإنما يكتب لكل يوم وكل دهر، وهذا ليس معناه أنه لا يكتب أولًا لأمته المتأثرة بحالتها المتهيئ ببيئتها.
ولا نقول إن كل شاعر قادر على أن يرقى إلى هذه المنزلة، ولكنه باعث من البواعث التي تجعل شعره أشبه بالمحيط -إن لم يكن محيطًا- منه بالبركة العطنة في المستنقع الموبي".
ومعنى هذا أن الشاعر يجب أن يستوحي نفسه ويعبر عنها غير ملتفت إلى العامة أو القرية أو الأمة، وأن تكون نظرته شاملة للإنسانية جمعاء وليست محلية خاصة -وهو مطلب عسير كما أقر بذلك.
ويفهم من هذا أيضًا نفوره من شعر المناسبات والأحداث اليومية التي تحيط بالشاعر، وقد صرح بذلك في مقدمة الجزء الرابع حيث قال: "وبعض القراء يهذي بذكر الشعر الاجتماعي، ويعني شعر الحوادث اليومية مثل افتتاح خزان أو بناء مدرسة أو حملة جراد أو حريق، فإذا ترفع الشاعر عن هذه الحوادث اليومية، قالوا: ما له؟ هل نضب ذهنه؟ أو جفت عاطفته؟ ".
__________
1 مقدمة الجزء الخامس.
(2/256)

ولم يكن الشعر عند شكري كلامًا مزوقًا مرصوفًا، عذب الجرس والنغم فحسب ولكنه معنى وفكرة وعاطفة قبل كل شيء، والمعاني البكر تتولد من سواها، وهذا لا يتأتى إلا بإدمان القراءة في نهم وشراهة، فكثرة الاطلاع خير زاد للشاعر، تثير خياله، وتحشد أمامه المعاني يختار جيادها، وتبعثه على التأمل.
وكان شكري من المولعين بالقراءة في الأدبين العربي والغربي على السواء وفيه يقول العقاد1: "لم أعرف قبله ولا بعده من شعرائنا، وكتابنا أوسع منه اطلاعًا على أدب اللغة العربية وأدب اللغة الإنجليزية وما يترجم إليها من اللغات الأخرى، ولا أذكر أنني حدثته عن كتاب قرأته وجدت عنده علمًا به وإحاطة بخير ما فيه، وكان يحدثنا أحيانًا عن كتب لم نقرأها، ولم نلتفت إليها، ولا سيما كتب القصة والتاريخ" وفي جدوى القراءة وأثرها في الشعر يقول شكري:
"الاطلاع شراب روح الشاعر، وفيه ما يوقظ ملكاته ويحركها ويلقح ذهنه، ونفس الشاعر ينبوع، والاطلاع هو الآلة التي يرفع بها ماء ذلك الينبوع إلى الأماكن العالية، والشاعر في حاجة إلى محركات، وبواعث، والاطلاع فيه كثير من هذه المحركات والبواعث، والأديب الذي لا يقوم بالاطلاع كالماء الآسن العطن الذي لا يحركه محرك".
"وكلما كان الشاعر أبعد مرمى، وأسمى روحًا كان أغزر اطلاعًا فلا يقصر همه على درس شيء قليل من شعر أمة من الأمم، فإن الشاعر يحاول أن يعبر عن العقل البشري، والنفس البشرية، وأن يكون خلاصة زمنه، وأن يكون شعره تاريخًا للنفوس ومظهر ما بلغته النفوس في عصره".
وإذا كان شكري قد استطاع أن يفيد شعره من كثرة اطلاعه فتغزر معانيه، ويطرق أبوابًا جديدة في الشعر لا عهد للعربية بها ولا سيما في الشعر الوجداني الذاتي، فإن المازني قد استساع أن يترجم شعر غيره وينسبه لنفسه، وقد صدر
__________
1 مجلة الهلال عدد فبراير 1959.
(2/257)

الجزء الأول من ديوانه سنة 1914 وفيه بعض الشعر المنقول عن الإنجليزية مدعيًا أن له مثل قصيدة: "رقية حسناء" وهي "لشلي" والجزء الأخير من قصيدة "أماني وذكر" وهي "لبيرنز" وأول هذا الجزء "ياليت حبي وردة"، و"فتى في سباق الموت" وهي "لهود" وغيرها مما جعل شكري يفزع من هذه السرقات؛ إذ ليس معنى سعة الاطلاع وكثرة القراءة والتجديد في الشعر أن نسطو على آثار سوانا دون التنويه بهم وبفضلهم، فنعى على المازني هذه السرقات وإذاعها في الناس، وهو العليم بمواطنها في الشعر الإنجليزي، ولم يغتفر المازني لأستاذه وصديقه صراحته في تهجمه في إفشاء سره، فشن عليه حملة شعواء في "الديوان"، ذكرناها آنفًا، وقد قضت عليهما معًا في ميدان الشعر.
ومن يتملى كلام شكري في فائدة القراءة وأثرها في تزويد الشعر بالمعاني وغثارة الخيال، يدرك أن شكري ممن يؤثرون المعنى على اللفظ والصياغة وكان هذا طابع مدرسته وجرى على سنته زميلاه، وقد أضر ذلك بشعرهم؛ لأن المعاني في الشعر لا تقصد لذاتها، ولكنها تقصد حين تلبس الفن الرفيع، مصحوبة بالموسيقى الشعرية الخلابة، فإن اكتفى الشاعر بالمعنى ولم يعط أركان الشعر الأخرى حقها هبط شعره إلى مستوى النثر.
ولم يكن شكري ممن يهتمون باختيار الألفاظ ذات الجرس والرنين بل كلف بالبساطة في التعبير وباستعمال الكلمات المألوفة، وهو بهذا يقتفي أثر المدرسة الرومانسية الإنجليزية التي نفرت من المعجم الشعري ويقول: "وجدت بعض الأدباء يقسم الكلمات إلى شريفة ووضيعة، وبحسب أن كل كلمة كثر استعمالها صارت وضيعة، وكل كلمة قل استعمالها صارت شريفة، وهذا يؤدي إلى ضيق الذوق وفوضى الآراء في الأدب، والعيب في استعمال الكلمة في غير مواضعها".
وعبر شكري عن سخطه على طريقة الشعر الموروثة، وثار عليها ثورة عملية ونقدية، وقد راعه اهتمام الشعراء بالتشابيه والاستعارات والمبالغات ممن غير أن يكون لها أثرها في القارئ أو السامع وذلك حين يقول: "وقد فسد ذوق
(2/258)

المتأخرين في الحكم على الشعر حتى صار الشعر كله عبثًا لا طائل تحته. فإذا تغزلوا جعلوا حبيبهم مصنوعًا من قمر وغصن وتل وعين من عيون البقر ولؤلؤ وبرد وعنب ونرجس ... إلخ، ومثل ذلك قول الوأواء الدمشقي:
فأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت ... وردًا وعضت على العناب بالبرد
ويقول كذلك مفصلًا الكلام على التشبيهات التي ولع بها المتأخرون: "ومثل الشاعرالذي يرمى بالتشبيهات على صحيفته من غير حساب، مثل الرسام الذي تغره مظاهر الألوان فيملأ بها رسمه من غير حساب"، التشبيه عنده لا يقصد لذاته، وليس هو عقد صلة بين محسوس أو بين معنوي ومحسوس"، فوصف الأشياء ليس بشعر إذا لم يقترن بعواطف الإنسان وخواطره وذكرياته وأمانيه وصلات نفسه، والتشبيه لا يراد لذاته، وإنما يراد لشرح عاطفة أو توضيح حالة أو بيان حقيقة، وأجل الشعر عنده ما خلا من التشبيهات البعيدة والمغالطات المنطقية.
وهو بهذا يريد أن يجعل التشبيه وسيلة لحمل أثر المشبه في نفسه أو الإيحاء بهذا الأثر فالتشبيه إذا لم يقرن بالعاطفة أو لم يكن وسيلة لنقلها فلا فائدة منه ولا جدوى فيه.
وقد ضرب مثلين على الشعر الجيد الذي وصف حالة مشبعة بالعاطفة فكان أثره في النفس رائعًا أولهما في الرثاء قول مويلك يرثي امرأته وقد خلفت له بنتًا صغيرة فوصف حالة هذه البنية بعد وفاة أمها:
فلقد تركت صغيرة مرحومة ... لم تدر ما جزعًا عليك فتجزع
فقدت شمائل من لزامك حلوة ... فتبيت تسهر أهلها وتفجع
وإذا سمعت أنينها في ليلها ... طفقت عليك شئون عيني تدمع
فهو لم يعلمك شيئًا جديدًا لم تكن تعرفه، ولم يبهر خيالك بالتشبيهات الفاسدة والمغالطات المعنوية، ولكنه ذكر حقيقة، ومهارته في تخيل هذه الحالة ووصفها بدقة ومن أمثال هذا في الغزل قول ابن الدمينة في وصف حياء الحبيب.
(2/259)

بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب
ولم يعتذر عذر البريء ولم تزل ... به سكتة حتى يقال مريب
مثل هذا الشعر يصل إلى أعماق النفس ويهزها هزًّا والشعر هو ما أشعرك وجعلك تحس عواطف النفس إحساسًا شديدًا.
وقد بين شكري الفرق بين الخيال imagination والوهم fancy؛ لأن كثيرًا من الشعراء يخلطون بينهما، فيفسد شعرهم وذلك حين يقول: "إن التخيل هو أن يظهر الشاعر الصلات التي بين الأشياء والحقائق، ويشترط في هذا النوع أن يعبر عن حق والتوهم هون أن يتوهم الشاعر بين شيئين صلة ليس لها وجود، وهذا النوع يغري به الشعراء الكبار ومثله قول أبي العلاء المعري:
وأهجم على جنح الدجى ولوانه ... أسد يصول من الهلال بمخلب
والصلة التي بين المشبه والمشبه به صلة توهم ليس لها وجود، وكذلك قول أبي العلاء في سهيل النجوم:
ضرجته دمًا سيوف الأعادي ... فبكت رحمة له الشعريان
أي أعادٍ، وأي السيوف؟ في مثل هذا البيت ترى الفرق واضحًا بين التخيل والوهم، وأما أمثلة الخيال الصحيح، فهو أن يقول قائل إن ضياء الأمل يظهر في ظلمة الشقاء، كما يقول البحتري:
كالكوكب الدري أخلص ضوءه ... حلك الدجى حتى تألق وانجلى
فهذا تفسير للحقيقة وإيضاح لها، وكذلك قول الشريف الرضي:
ما للزمان رمى قومي فزعزعهم ... تطاير القعب لما صكه الحجر
والقعب القدح، فهو يشبه تفرق قومه، بتطاير أجزاء الإناء المكسور وهذا أيضًا توضيح لصورة حقيقة من الحقائق وهي تفرق قومه، وفي الحق إن هذه التفرقة بين الخيال والوهم تدل على رهافة حس ورقة ذوق وحسن تفهم للشعر؛ وقد عد العقادُ شكري رائد هذا التفرقة، ووضحها في كثير من مقالاته النقدية كما ستأتي بعد.
(2/260)

والمعاني الشعرية عند شكري هي: خواطر المرء، وآراؤه وتجاربه وأحوال نفسه عبارات عواطفه.
ومن الأمور النقدية التي نادى بها شكري وحده القصيدة وقال في ذلك: "قيمة البيت في الصلة التي بين معناه وبين موضوع القصيدة؛ لأن البيت جزء مكمل، ولا يصح أن يكون البيت شاذًّا خارجًا عن مكانه من القصيدة بعيدًا عن موضوعها، وينبغي أن ينظر إلى القصيدة من حيث هي شيء فرد كامل لا من حيث هي أبيات مستقلة".
وقد قلنا في غير هذا الكتاب1 تعليقًا على رأي شكري هذا: "وهذه الدعوة إلى وحدة القصيدة ثورة على نظام الشعر العربي الذي كان البيت فيه وحدة مستقلة، ولكننا نلاحظ أن شكري لم يتطرف في دعوته مثلما تطرف العقاد من بعد، حين دعا إلى الوحدة العضوية وإلى أن القصيدة بنية حية؛ وكل الذي أراده شكري ألا يكون البيت خارجًا في معناه عن موضوع القصيدة، أي أن القصيدة تكون كلها ذات موضوع واحد، لا عددًا من الموضوعات، كما كانت القصيدة العربية التي وضع أسسها الجاهليون.
إن وحدة القصيدة كما أرادها شكري قد تحققت لديه، فكل قصيدة من شعره غالبًا ذات موضوع واحد، مرتبطة أبياتها بعضها ببعض ولكن ليس بالقدر الذي إذا قدمت فيه بيتًا على آخر، أو أخرت بيتًا أو حذفته اختل نظام القصيدة وبتر المعنى. كما أراد الأستاذ العقاد وتهكم بشوقي في قصيدته التي رثى بها مصطفى كامل.
إن طبيعة الشعر الوجداني أن يكون انفعالات يتلو بعضها بعضًا وليس انفعالًا واحدًا متصلًا، وذلك لتعدد الانفعالات وتباينها نوعًا وضعفًا، ولم تتحقق الوحدة العضوية أبدًا في الشعر الوجداني لدى أي شاعر من شعراء العالم، اللهم إلا إذا نظمها على طريقة القصة، فهنا فقط يجوز أن تتحقق، وفي شعرنا القديم حتى الجاهلي منه أمثلة عدة لوحدة القصيدة إذا جاءت قصة".
(2/261)

وقد حاول شكري أن يخرج على القافية العربية في القصيدة فنظم الشعر المرسل وهو الموزون غير المقفى، وقد أنهى ديوانه الأول: "ضوء الفجر" بقصيدة طويلة من الشعر المرسل تحت عنوان "كلمات العواطف"، ويجد له في الجزء الثاني قصيدة من هذا النوع بعنوان "واقعة أبي قير" وأخرى "نابليون والساحر المصري".
وقصيدته "كلمات العواطف" أفكار متناثرة، وأبيات مستقلة بعضها عن بعض، ولم يكن ثمة ضرورة لأن تأتي بالشعر المرسل إذ لم تأت مرتبطة ارتباطًا تامًا، وطويلة طولًا مفرطًا، فتكون القافية الموحدة مجهدة للشاعر أو تكلفة.
وربما ساقها إلى وحدة القصيدة وترابط أبياتها في المعنى والموضوع -وقد كان الموضوع وجدانيًّا لذلك نفرت منها الآذان فعدل عنها إلى الأقصوصة الشعرية في "واقعة أبي قير" وفي "نابليون والساحر المصري".
والمتأمل في شعر شكري ممثلًا في دواوينه السبعة، وفي نظرته النقدية التي أوردها في بعض مقدمات هذه الدواوين يدرك أن شكري لم يهتم من ضروب الأدب إلا بالشعر، ولم يعن من فنون الشعر إلا بالشعر الوجداني الذاتي الذي يصدر نتيجة تجربة خاصة، ولم يلتفت لشئون الحياة حوله، وبذلك ضاق مفهوم تقدم الشعر لديه غرضًا وأداء، فلم يكثر من الأقصوصة الشعرية ولم ينظم المسرحيات التي تتيح للشاعر الفرصة لخلق الشخصيات المتباينة ودراسة المجتمع، ولم يهتم بالشعر الموضوعي، الذي يعد جديدًا في الأدب العربي، وكأنما الدنيا كلها تركزت في نفسه.
ومهما يكن من أمر فقد خلا شعره من المديح والرثاء "إلا النادر" وهو رثاء جديد، ليس فيه العويل والصراخ والنحيب، وإنما فيه تأملات ذهنية وحديث عن الموت وسطوته.
وكان الشعر عنده "رحلة إلى عالم أجمل وأكمل وأصدق من هذا العالم،
(2/262)

رحلة إلى عالم يحس المرء فيه لذات التفكير أكثر مما يحسها في هذا العالم الأرض".
ومع أنه عنى بالشعر الوجداني الذاتي، فقد عرج على بعض آفاتنا الاجتماعية ولم يخض في السياسة بالجزء الأول ولا مرة واحدة حين اشتد النزاع بين المسلمين والأقباط.
لقد كان شكري واسع الثقافة جدًّا، وكان شاعرًا مرهف الذوق والحس، يعرف طريقة في الشعر، وكان له مذهب كونه بعد دراسة، وكنا ننتظر منه أن يروج لهذا المذهب ويدعو إليه ويبسط قضاياه ويدافع عنه، ولكن حياته الأدبية كانت قصيرة، وجنى عليه فرط حساسيته وطموحه الشديد، وتوهمه تنكر الناس له فآثر العزلة وحرم النقد الأدبي، والشعر ثمرات هذه العقلية الفذة المجددة.
وإن جهد زميله العقاد أن يسد الثغرة بكتاباته المستفيضة في النقد والدعوة إلى هذا المذهب الجديد في الشعر.
كان العقاد كزميله شكري ممن تأثر بالأدب الإنجليز في مذهبه الشعري، وفي نظرته النقدية، وقد بين هذا في قوله: "وأما الروح فالجليل الناشئ بعد شوقي كان وليد مدرسة لا شبه بينها وبين من سبقها في تاريخ الأدب العربي الحديث، فهي مدرسة أوغلت في القراءة الإنجليزية، ولم تقصر قراءتها على أطراف من الأدب الفرنسي، كما كان يغلب على أدباء الشرق الناشئين في أواخر القرن الغابر، وهي على إبغالها في قراءة الأدباء والشعراء الإنجليز، لم تنس الألمان والطليان والروس والأسبان، واليونان واللاتين الأقدمين، ولعلها استفادت من النقد الإنجليزي فوق فائدتها من الشعر فنون الكتابة الأخرى، ولا أخطئ إذا قلت: إن "هازلت" هو إمام هذه المدرسة كلها في النقد؛ لأنه هو الذي هداها إلى معاني الشعر والفنون، وأغراض الكتابة، ومواضع المقارنة والاستشهاد.
(2/263)

وقد كان الأدباء المصريون الذين ظهروا أوائل القرن العشرين يعجبون "بهازلت" ويشيدون بذكره ويقرءونه، ويعيدون قراءته يوم كان هازلت مهملًا في وطنه، مكروهًا من عامة قومه؛ لأنه كان يدعو في الأدب والفن والسياسة والوطنية إلى غير ما يدعون إليه، فكان الأدباء المصريون مبتدعين في الإعجاب به لا مقلدين ولا مسوقين. ولقد كانت المدرسة الغالبة على الفكر الإنجليزي الأمريكي بين أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر هي المدرسة التي كانت معروفة عندهم بمدرسة "النبوءة والمجاز"، أو هي المدرسة التي تتألق بين نجومها أسماء كارليل، وجون ستيوارت مل، وشيلي، وبيرون، ووردزورث1 ثم خلفتها مدرسة قريبة منها تجمع بين الواقعية والمجازية، وهي كمدرسة بروننج، وتنيسون، وإمرسون، ولو نجفلو، وبو، وهاردي، وغيرهم ممن هم دونهم في الدرجة والشهرة2 وقد سرى من روح هؤلاء الشيء الكثير إلى الشعراء المصريين الذين نشئوا بعد شوقي وزملائه3.
وهازلت كان عنيفًا في نقده لأكثر ما كتب معاصروه، وقد قال عن نفسه: "أنا لا شيء إذا أكن نقادة" وكان يقول ما في نفسه بصراحة تامة ولم يكن يستطيع الكتابة من غير صراحة، ولو أطلق لأهوائه العنان حينما كان يتكلم عن الأباء الأقدمين ما جعل من أديب معاصر له مثلًا يحتذي، وقد قال في تعليق له على نفسه في حواء تخيلي: "إني أصدقك حينما تمدح لا حينما تذم" وكان يصور معاصريه كما يراهم، ويجعل من أخطائهم وهفواتهم جزءًا في الصورة، ولا يحابي ولا يجامل، ولا يتأول، أو يقبل معذرة4.
__________
1 وهي المدرسة الإبداعية وقد فصلنا خصائصها في كتابنا "المسرحية" فأرجع إليه.
2 راجع خصائص المدرسة الواقعية في كتابنا "المسرحية" وسترى ثمة الأسباب التي أدت بهذه المدرسة إلى التشاؤم.
3 شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ص191- 193.
4 راجع TJE OMTRPDICTOPM TP WPRDS WPTRTH POETRY WITH ESSAYS BY COLERIDGE, HAZLITT AND DE QUINECEY. OXFORD PRESS
(2/264)

ويقول عنه "دي كونسي": لقد وضع هازلت نفسه في معارضة قوية مع كل ما هو نافع تحت الشمس في هذا العالم، ومع كل الشخصيات القوية ذات السيطرة في إنجلتر1 وهذا هو السبب في أنه كان مكروهًا.
كان كثير التفكير، والعزلة، عاش عزبًا، عازفًا عن الشهرة ومظاهر الحياة، وكلما أكثر من التفكير إزدادت نظراته إلى الحياة سواءًا وتشاؤمًا2، "ولم يكن هازلت فقيرًا في المشاعر العميقة، أو أسمى أنواع الإلهام وراء المثل الأعلى في الخير، ولكن ليس لذوقه الأدبي أصول رئيسية يعطي بها أي إشارة أو دليل نحو أهدافه، وليس ثمة نقط مركزية في ذهنه، تدور حولها مشاعره، أو تتبلور خيالاته وليس ثمة فارق واضح بين مواهبه التخيلية وذكائه. أما في نقده فبدلًا من أن يقودنا نحو هدف معين، نراه يفتح أمامنا طرقًا جانبيه عديدة، نعاني النظر إليها الشيء الكثير، حتى ننسى الغاية في رحلتنا3".
هذه هي الصفات البارزة العامة في نقد هازلت التي أعجب به العقاد كثيرًا، ونهج منهجه في النقد، أما المدرسة الأدبية التي أعجب بها العقاد، وهي مدرسة بيرون ووردسورث فهي المدرسة التي عنيت بالحياة الإنسانية في أبسط مظاهرها، تاركة كل ما يتألق في صفحات التاريخ وهي التي أغرمت بالطبيعة، وتذوقها بحدة وحرارة، ووقفت طويلًا أمام أقل نتاج للطبعية تتأمل جماله وتتملى محاسنه، وتستوحيه وتستلهمه، ودعت إلى البساطة متجنبة الزخرف، والألفاظ الضخمة الطنانة، وفي ذلك يقول ورد سورث في مقدمة Lyrical Ballads أو الحكايات الشعبية الشعرية: إن هؤلاء الذين تعودوا من كثير من الكتاب المحدثين العبارات المزخرفة الطنانة، إذا أصروا على قراءة هذا الكتاب عن آخره فإنهم سوف يعانون إحساسات غريبة متغيرة، غير رشيقة. وسوف يبحثون عن الشعر، ويضطرون للسؤال عن أي نوع من المجالات سمع لهذا النوع من الكلام أن يسمى شعرًا"4؛ وذلك لبساطته، ولأنه تناول الحياة المألوفة التي لم يتعود الشعراء أن يأبهوا لها أو يعنوا بالتحدث فيها.
__________
1 راجع. 214. WILIAM HAZLITT BY. AUGUATIN GIRREILL.P
2 المصدر السابق 215.
3 راجع. EDINBURGH REVEW. VOL. XXXL. V
4 راجع مقدمة LYICAL BALLADS
(2/265)

وأما هؤلاء الذين أتوا على أعقاب تلك المدرسة من أمثال هاردي، وويتمان، وبو، فهي المدرسة المتشائمة المتصوفة، المغرقة في تصوير أبشع ما في الإنسانية، وهي في نفس الوقت تجنح إلى الواقعية، والواقع مليء بالمآسي والأوصاب الاجتماعية؛ ولقد أورثهم تغلغلهم في الواقع اشمئزازًا من المجتمع الإنساني وزهدًا فيه ونفورًا منه وتشاؤمًا في الحياة، ولقد دافع العقاد عن تشاؤم هاردي كثيرًا، بل نراه يحذو حذوه في ديوان "أعاصير مغرب"، حين اختار اسم الديوان، وحين نظم في الحب وهو في الشيخوخة كما نظم هاردي ودافع عن رأيه هذا بمنطقه المعهود، وتراه تشاءم كما تشاءهم هاردي فيتعجل غروب الحياة، ولما سئل في هذا اقتبس رأي "بيرون" وهو في السادسة والثلاثين من عمره: "أن لهذا القلب أن يسكن، من عز عليه أن يحرك سواه، ولكني، وقد حرمت من يهوى إلى حسبي نصيبًا من الحب أن أهوى. إن أيامي المكتوبة على الورقة الذاوية، إن زهرات الحب وثماره ذهبت إلى غير رجعة، إنما السوس والديدان وحسرة الأسى، هي لي ... لي وحدها تحيا"1.
ولست أريد في هذا المقام أن أسهب في تبيان خصائص نص هذه المدارس التي تأثر بها العقاد والمازني وشكري، ومن تتلمذ لهم بالتفصيل، فلذلك موضعه من الكتاب عند الكلام عن المدرسة المجددة في الشعر العربي الحديث. ولكن حسبنا في هذه المرحلة أن نبين أثرها في نقدهم للشعر، وتوجيههم للأدباء، ولا سيما أثرها في الأستاذ العقاد، وهو أكثر من تكلم من النقاد عن الشعر، وعن مذهبه، فيه.
يقول العقاد:
"وقد استطاعت هذه المدرسة المصرية أن تقاوم فكرتين كلتاهما خاطئة ناقصة، وإن جاءت إحداهما من الماضي، وجاءت الأخرى من أحدث الأطوار في الاجتماع، وتعني بالفكرة الأولى تلك التي يفهم أصحابها أن "الأدب القومي" هو الأدب الذي تذكر فيه الظواهر والمعالم القومية بالأسماء والتواريخ والحوادث،
__________
1 مقدمة أعصاير مغرب ص15.
(2/266)

وهكذا كان جيل شوقي وحافظ يفهم "القومية" التي ينبغي للشعراء المصريين، فليس من الأدب القومي عندهم أن يصف الشاعر عواطفه الإنسانية، أو يصف المحيط الأطلسي، أو نهر دجلة، أو مناظر لندن وباريس؛ لأن هذه الأشياء لا تحمل اسم النيل ومصر والهرم، وأخبار الصحف المحلية والحوادث الداخلية، وفي فكرة خاطئة ناقصة تنفيها أمثلة من العظماء في كل زمن وكل أمة.
وأما الفكرة الثانية التي قاومتها مدرسة الشعراء المصريين في الجيل الحديث فهي الفكرة الاشتراكية العقيمة، التي تحرم على الأديب أن يكتب حرفًا لا ينتهي إلى "لقمة خبز" أو إلى تسجيل حرب الطبقات ونظم الاجتماع1. إلى أن يقول: "فمدرسة الشعر المصري بعد شوقي تعنى بالإنسانية ولا تفهم "القومية" في الشعر إلا على أنها إنسانية مصبوغة بصبغة وطن من الأوطان، وهي تلقي بالها كله إلى شعور الإنسان في جميع الطبقات، وهي على هذا مدرسة الطبيعة والإنسانية". ولقد قال الأستاذ العقاد في مقدمته للجزء الثاني من ديوان عبد الرحمن شكري سنة 1913.
"إن الشعر قد يسلي ويرفه عن الخواطر، ولكنه فوق ذلك يهذب الأخلاق ويلطف الشعور، ويعين الأمة في حياتها المادية والسياسية والاجتماعية" وقال في موطن آخر2: "إن الأدب الصحيح السامي الذي ينبغي أن يتخذ مقياسًا تقاس إليه الآداب هو الأدب الذي تمليه بواعث الحياة القومية، وتخاطب به الفطرة الإنسانية عامة، أما إن أملته بواعث التسلية والبطالة، وخاطب الأهواء العارضة، فهو أدب غث مرذول مكشوف ينبغي نبذه ومحاربته".
فهو في هذين النصين يعدل من فكرته في محاربة الشعر القومي كما فهمه شوقي وحافظ ومن سار على نهجهما، فقد كان هذا الشعر يعين الأمة في حياتها المادية والسياسية والاجتماعية، وتمليه بواعث الحياة القومية ولا ريب.
وتراه في مواطن آخر يفسر الشعر الاجتماعي تفسيرًا جديدًا فيقول:
__________
1 وهو بهذا ينعي على حافظ وشوقي وعبد المطلب ومحرم وإخوانهم شعرهم الاجتماعي وحثهم أولي الأمر على العناية بالفقير ومحاربة الجهل والمرضى في مصر.
2 مطالعات في الكتب والحياة ص4.
(2/267)

"إن الشعر الصادق يعبر عن كل نفس، وهو بذلك يعبر عن المجتمع بأسره ويؤثر فيه، ولذا نعده شعرًا اجتماعيًّا وإن لم يدون حادثًا قوميًّا أو نحوه"1، ولا شك أن الجمال والجلال ليسا وقفًا على مصر وحدها، والشاعر المرهف الحس، الذواقة للجمال والجلال يراهما في مواطن كثيرة من العالم، وهو حين يصفهما، وينقل إلينا عواطفه إزاء ما يرى سواء كان ذلك في لندن أو باريس أو غيرهما من بلاد العالم إنما ينقل إلينا إحساسه الذاتي ومشاعره الخاصة ومن التعسف أن نسمي شعره هذا شعرًا قوميًّا؛ لأن المراد بالشعر القومي ذلك الذي يحفز المشاعر ويحث الهمم على إعلاء شأن الوطن أو تمجيد تاريخه. أو وصف روائع آثاره وجمال طبيعته مما يبعث في النفوس الإعجاب به والحب له والفناء في سبيله.
ولعل الأستاذ العقاد أراد ألا يقف الشعراء على هذا الضرب من الشعر القومي الذي يحمل اسم النيل الهرم ومصر، وأن تتسع آفاقهم فتشمل الإنسانية جمعاء.
ولكن عذر هؤلاء الشعراء في تلك الحقبة أن مصر كانت في صراع مرير مع قوى الاستعمار الغاشم الذي جهد كل الجهد في أن يمكن لأقدامه في هذه الديار واصطنع كثيرًا من ذوي النفوس الضعيفة، وفرض علينا لغته وثقافته، وعمل على مسخ الروح القومية والتشكيك في القيم التي كنا نقدسها ونحتفي بها، فكان الشعراء يحسون بآلام هذه الأمة المكافحة ويدركون عنف هذا الصراع فترجموا عن أحاسيس مواطنيهم وشجعوهم وثبتوهم بهذا الشعر القومي، وعملوا على غرس محبة هذا الوطن وإعزازه في قلوب مواطنيهم.
ومع هذا فإن شوقي بخاصة لم يقف عند حد النيل وبالهرم ومصر وآثارها فله عشرات القصائد الرائعة التي قالها في غير مصر فإن في: دمشق وبيروت ولبنان وعاب بولون وقبر نابليون والبسفور والأندلس وطوكيو وسواها.
__________
1 الفصول ص19.
(2/268)

وأما فكرة الاشتراكية العقيمة التي عابها الأستاذ العقاد على شوقي وزملائه، وسماها حرب الطبقات، فلم يكن يقصد سوى الشعر الاجتماعي الذي يحارب الجهل والفقر والمرض، ويعمل على رفع مستوى الحياة في مصر وبحث على بعث روح الإسلام والنخوة الوطنية حتى يهتم ذوو الثراء بمواطنيهم الذين قتر عليهم في رزقهم.
إن هذه مآس وطنية قومية، وكنا في مستهل النهضة، وهذه قوى معنوية معطلة، ويجب على الشاعر ألا يعيش في عزلة عن قومه، لا يفرح لأفراحهم ولا يأسى لمآسيهم، ويكتفي باستبطان ذاته وسبر أغوار نفسه، وترجمة عواطفه الخاصة كما فعل شكري.
إن هذا الشعر القومي، والشعر الاجتماعي شعر إنساني ما في ذلك شك ما دام مصحوبًا بالعاطفة المعبرة، وما دام هدفه الخير والجمال والحق.
واهتمام العقاد وزملائه بالإنسان ترديد لمذهب ورد سورث الذي ذكره في أكثر من موضع مع رواياته وقائده، وعرفه عنه مواطنه ومعاصروه، من ذلك قوله في التوطئة The Prelude ليس موضوعي إلا قلب الإنسان وحده.
My Theme, no other than the very heart of man.
ويقول في "ميخائيل" Micheal: إنه قيد للتفكير في الإنسان، وفي قلب الإنسان، وفي الحياة الإنسانية.
.On Man, the heart of man, and human life
وقد اهتم وردسورث فوق هذا بالقوانين الفطرية للطبيعة البشرية، وهو يرى أن هذه القوانين يمكن دراستها أحسن دراسة في الظروف العادية، لشخص عادي، أما من جدت أقلام المؤرخين جذلة لتشهرهم فإنه يراهم لا يستحقون كل هذا1.
__________
1 راجع. Werdworth poerty and prose. Introduction by, D, N. Smith P. Xll
(2/269)

وقد قال العقاد في كتابه "الديوان" وهو ينقد شوقي ويوجه الخطاب إليه: "اعلم أيها الشاعر العظيم، أن الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء، لا من يعددها، ويحصي أشكالها وألوانها، وأن ليست مزية الشاعر أن يقول لك عن الشيء ماذا يشبه، وإنما مزية الشاعر أن يقول ما هو، ويكشف لك عن لبابه وصلة الحياة به"1. وقد فسر هذا مبينًا أثر التشبيه والاستعارات في الشعر وأن الغرض منها ليس تعداد الأشكال والألوان بقوله: "وإذا كان وكذلك من التشبيه أن تذكر شيئًا أحمر، ثم شيئين أو أشياء مثله في الاحمرار، فما زدت على أن ذكرت أربعة أو خمسة أشياء حمرة بدل شيء واحد؛ ولكن التشبيه أن تطبع في وجدان سامعه وفكره صورة مما انطبع في ذات نفسك، وما ابتدع الشبيه لرسم الأشكال والألوان، فإن الناس جميعًا يرون الأشكال والألوان محسوسة بذاتها كما تراها، وإنما ابتدع لنقل الشعور بهذه الأشكال والألوان من نفس إلى نفس، وبقوة الشعور وتيقظه، وعمقه واتساع مداه ونفاذه إلى صميم الأشياء يمتاز الشاعر على سواه، ولهذا لا لغيره كان كلامه مطربًا مؤثرًا، وكانت النفوس تواقة إلى سماعه واستيعابه، لأنه يزيد الحياة حياة، كما تزيد المرآة النور نورًا، فالمرآة تعكس على البصر ما يضيء عليها من الشعاع فتضاعف سطوعه، والشعر يعكس على الوجدان ما يصفه فيزيد الموصوف وجودًا إن صح هذا التعبير، ويزيد الوجدان إحساسًا بوجوده.
وصفوة القول أن المحك الذي لا يخطئ في نقد الشعر هو إرجاعه إلى مصدره، فإن كان لا يرجع إلى مصدر أعمق من الحواس فذلك شعر القشور والطلاء، وإن كنت تلمح وراء الحواس شعورًا حيًّا ووجدانًا تعود إليه المحسوسات، كما تعود الأغذية إلى الدم، ونفحات الزهر إلى عنصر العطر فذلك شعر الطبع القوي والحقيقة الجوهرية، وهناك ما هو أحقر من شعر القشور والطلاء وهو شعر الحواس الضالة والمدارك الزائفة، وكما إخال غيره كلامًا أشرف منه إلا بَكُمَ الحيوان الأعجم".
__________
1 الديوان ص16 ج1.
(2/270)

وهو بهذا يشرح تلك النظرية التي قال بها شكري وحدد فيها مهمة التشبيه، وقرر الفرق بين التخيل والوهم.
وفي الحق إن هذا فهم طيب لوظيفة الشعر وهو أن ينقل الأثر الذي انطبع في نفس الشاعر إلى سامعه فيزيد الموصوف قوة وجلاء. فالشعر هو التعبير الجميل عن الشعور الصادق، وإن كان الكشف عن حقائق الأشياء ولبابها لم يهتد إليه أحد بعد، وبحسب الشاعر أن يبين لنا في صيغة عذبة أثر الأشياء في نفسه وعاطفته إزاءها.
ونرى العقاد أكثر وضوحًا في نقده حين يقول: "إن القصيدة ينبغي أن تكون عملًا فنيًّا تامًّا، يكمل فيه تصوير خاطر أو خواطر متجانسة، كما يكمل التمثال بأعضائه، والصورة بأجزائها، واللحن الموسيقي بأنغامه، بحيث إذا اختلف الوضع، أو تغيرت النسبة أخل ذلك بوحدة الصنعة وأفسدها. فالقصيدة الشعرية كالجسم الحي يقوم كل قسم منها مقام جهاز من أجهزته"1.
ولقد قال بعض النقاد القدماء بوحدة القصيدة كالحاتمي وهو من علماء القرن الرابع الهجري: "مثل القصيدة مثل الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر وباينه في صحة التركيب، غادر الجسم ذا عاهة تتخون محاسنه، وتعفى معالمه، وقد وجدت حذاق المتقدمين، وأرباب الصناعة من المحدثين يحترسون في مثل هذه الحال احتراسًا يجنبهم شوائب النقصان، ويقف بهم على محجة الإحسان، حتى يقع الاتصال ويؤمن الانفصال، وتؤتي القصيدة في تناسب صدورها وأعجازها وانتظام نسيبها. بمديحها كالرسالة البليغة، والخطبة الموجزة لا ينفصل جزء منها عن جزء"2، وإن كان هذا الكلام يخالف بعض الشيء ما قال به العقاد فهو لم يكتف بأن تكون القصيدة ذات موضوع واحد، بل تطلب أن تكون كائنًا حيًّا: وبهذا نادى بالوحدة العضوية، ونكرر هنا ما قلناه آنفًا من أن الشعر الغنائي الوجداني لا يمكن أن تتحق فيه هذه الوحدة العضوية إلا إذا كان أقصوصة غنائية؛ لأن الوجدان يأتي على دفعات وموجات ولا يكون شعورًا دائمًا متصلًا وفكرة متماسكة مترابطة.
__________
1الديوان ص46 ج4.
2 زهرة الآداب للحصري ج2 ص17، وابن الرومي للعقاد ص46.
(2/271)

إن النداء بوحدة القصيدة ثورة موجهة إلى نظام القصيدة العربية التي كانت تحتوي على عدة أغراض، ويكون البيت فيها وحدة مستقلة، بل عد من عيوب الشعر أن يكون له اتصال إعرابي بما يعده أو يتوقف معناه على غيره من الأبيات.
وقد نادى بوحدة القصيدة قبل العقاد وشكرى خليل مطران كما سيأتي بعد، وقد أفادت هذه الحملة فتغير نظام القصيدة وبطل النسيب التقليدي الذي كان يتصدرها، ولكن لم يستطع أي شاعر أن يحقق في القصيدة الغنائية وفي الشعر الوجداني الذاتي الوحدة العضوية كما نادى بها العقاد إلا في القصة الغنائية؛ وهذه كانت معروفة قديمًا في الشعر العربي.
ويرى ألا يكون في الشعر إحالة ويعني بها فساد المعنى، وهو ضروب فمنها: الاعتساف، والشطط، ومنها المبالغة ومخالفة الحقائق، ومنها الخروج بالفكر عن المعقول، أو قلة جدواه وخلو مغزاه1.وينعي على الشعر إذا كان فيه تقليد، وهو تكرار المألوف من القوالب اللفظية والمعاني، وأيسره على المقلد الاقتباس المقيد والسرقة2. ويقول عن المبالغة بصفة خاصة إنها علامة من علامات انحطاط الفكرة فهي خليقة بأن تقل إذا ما انتشرت المعرفة وعنيت الأمة بالوقوف على الحقائق والاهتمام بالجواهر دون الأعراض"3، ولكن العقاد يحاول بعد ذلك أن يدافع عن المبالغة في الشعر فيقول: "لقد ظنوا في حيرتهم أن الشعر العصري هو اجتناب المبالغة، وأن اجتناب المبالغة هو التزام الصحة العلمية، وعندي أن الذي يقول لحبيبه إنه أبهى من الشمس صادق في قوله؛ لأن الشمس لا تسره كما يسره حبيبه، ولا تغمر نفسه بالضياء كما تغمرها طلعة الحبيب"، ويوجه النصيحة للأدباء بقوله: "بالغوا، والتزموا الحقيقة الفنية، تكونوا عصريين كأحدث العصريين"4.
__________
1 الديوان ص54.
2 نفس المصدر ص59.
3 خلاصة اليومية ص15.
4 البلاغ الأسبوعي 22 من مايو سنة 1927 ص13.
(2/272)

ولعلك تحس بالتناقض في قوله، فهو بعد المبالغة من عيوب الشعر، ثم هو يدعو إلى المبالغة مع التزام الحقيقة الفنية، والمبالغة زيادة في الحقيقة سواء كانت فنية أو غير فنية.
ويقول العقاد منتقدًا هؤلاء الذين يدعون الشعراء لكي يمثلوا عصرهم وأحداثه، وينفعلوا لها: "أطلب من الشعر أن يكون عنوانًا للنفس الصحيحة، ثم لا يعنيك بعدها موضوعه، ولا منفعته، ولا تتهمه بالتهاون إذا لم يحدثك عن الاجتماعيات والحماسيات، والحوادث التي تلهج بها الألسنة، والصيحات التي تهتف بها الجماهير"1، ولا يرى العقاد من الضرورة أن يمثل الشاعر بيئته" فتمثيل البيئة ليس من الشرائط الشاعرية، لأن البيئة الجاهلة المقلدة يمثلها الشعراء الجاهلون المقلدون؛ ولأن الشاعر المتفوق قد يخالف بيئته، وينقطع ما بينه وبينها فلا تشبهه ولا يشبهها إلا في معارض لا يصح بها الاستدلال"2.
وقد أخرج ديوانه "عابر سبيل" جاعلًا فيه أغراض الشعر هي الأمور العادية التي لم يكن ينظم فيها الشعراء من قبل "فليست الرياض وحدها، ولا البحار ولا الكواكب، هي موضوعات الشعر الصالحة لتنبيه القريحة، واستجاشة الخيال، وإنما النفس التي لا تستخرج الشعر إلا من هذه الموضوعات كالجسم الذي لا يستخرج الغذاء إلا من الطعام المتخير المستحضر، أو كالمعدم الذي يظن أن المترفين لا يأكلون إلا العسل والباقلاء".
كل ما تخلع عليه من إحساسنا، ونقيض عليه من خيالنا، ونتخلله بوعينا، ونبث فيه من هواجسنا وأحلامنا ومخاوفنا هو شعر، وموضوع للشعر؛ لأنه حياة وموضوع للحياة ... وعلى هذا الوجه يرى "عابر سبيل" شعرًا في كل مكان إذا أراد. يراه في البيت الذي يسكنه وفي الطريق الذي يعبره كل يوم، وفي الدكاكين المعروضة، وفي السيارة التي تحسب من أدوات المعيشة اليومية، ولا تحسب من دواعي الفن والتخيل؛ لأنها كلها تمتزج بالحياة الإنسانية وكل ما
__________
1البلاغ الأسبوعي 27 من مايو سنة 1927 ص13.
2 نفس المصدر السابق.
(2/273)

يمتزج بالحياة الإنسانية فهو ممتزج بالشعور، صالح للتعبير، واجد عند التعبير عنه صدى مجيبًا في خواطر الناس"1.
ولعلك ترى العقاد لا يركز في نقطة واحدة يدور حولها نقده، ولا يتمسك برأي في هذا النقد، وليس لذوقه أصول يرتكز عليها نقده، شأن أستاذه "هازلت"، وليس من همي الآن أن أناقشه مستحسنًا أو معارضًا وإنما أحاول أن أبين أثر نقده في الشعر المعاصر، فالعقاد كما رأيت يدعو إلى وحدة القصيدة، ويدعو إلى عدم الإحالة والتعسف والمبالغة ثم يفسر المبالغة بأنها التي لا تتنافى والحقيقة الفنية، ويرى أن موضوع القصيدة يشمل كل شيء في الحياة، وأن الشعر ليس من الضروري أن يكون ذا فائدة، وأنه ليس من شروطه أن يمثل البيئة أو المجتمع، ثم بعد ذلك يرى أن كل ما يمتزج بالحياة الإنسانية فهو ممتزج بالشعور جدير بأن يكون موضوعًا شعريًّا، صالح للتعبير، وأجد عند التعبير عنه صدى مجيبًا في خواطر الناس. أو ليس ذلك هو ما يشغل أذهان الناس في زمن ما وفي بيئة ما، فما باله يعيب على شعرائنا أن يقولوا في الحوادث السياسية، وأن يصفوا طبيعة مصر، ويصوروا المجتمع المصري بما فيه من أدواء تستحق العلاج ويتحسروا على إهمال الطبقات الفقيرة، أو ليس ذلك اهتمامًا بالطبقة العاملة في الأمة واهتمامًا بالإنسانية التي حرص العقاد على أنه يكون شعره وقفًا عليها؟ ولكنه يعارض فكرة القومية كما فهمها هيكل، وكما طبقها شوقي وحافظ وغيرهما.
ومهما يكن من أمر، فإن مدرسة العقاد وشكري والمازني عنيت بالمعنى عناية فائقة، وعنيت بالفكرة، وإخراجها واضحة، ولو لم تكن في أسلوب رائق، ولفظ مونق، وإن حاولوا مرارًا أن يدافعوا عن بلاغة العبارة، وفي ذلك يقول المازني في انتقاده لشكري: "وأنت أيها القارئ قد تعلم أن سر النجاح في الأدب هو علو اللسان، وحسن البلاغ، وقوة الأداء، وأن على من يريد أن يشرح دينًا جديدًا "لأطفال" هذا العالم أن يحثهم بما أحب أسلافهم في سالف الزمن، أو بما
__________
1 مقدمة عابر سبيل ص 7-8.
(2/274)

يلذهم أن يحبوه لو عرفوه. وأنه لكي يغربهم به ينبغي له أن يتوخى القوة في العبارة عما يريد، فإن الناس خليقون ألا يؤمنوا إلا بمن عمر صدره بالإيمان.
وقلما ظهر كاتب أو شاعر بالأداء، وكثيرًا ما يمتاز بعض الكتاب، وتخلد آثارهم لما أتوه من المقدرة على إجادة العبارة عن آراء غيرهم. ولعل هذا أكبر الأسباب التي أفضت إلى خمول شكري وفشله في كل ما عالجه من فنون الأدب؛ لأنه لا أسلوب له، إذ كان يقلد كل شاعر ويقتاس بكل كاتب"1.
وترى العقاد كذلك يدافع عن جودة العبارة، وإن لم يستطع كل شعراء المدرسة الحديثة إلا علي محمود طه المهندس أن يجمعوا بين جدة المعنى، ورشاقة اللفظ وحلاوة موسيقاه؛ إذ أن حرصهم على أن يغص شعرهم بالأفكار والحقائق، جعلهم يؤدون هذه الحقائق بأي لفظ تهيأ لهم؛ لأنه مقصورة لذاتها ولذلك لا تستسيغه الآذان، ولا يقبل عليه أهل الغناء، ومع كل هذا لا يرى العقاد بدأ من الدفاع عن بلاغة الأسلوب وقوته وجماله. إذ يقول ناقضًا رأي ميخائيل نعيمة في الغربال. "الكتابة الأدبية فن، والفن لا يكتفي فيه بالإفادة ولا يغني فيه مجرد الإفهام، وعندي أن الأديب في حل من الخطأ في بعض الأحيان؛ ولكن على شرط أن يكون الخطأ خيرًا، وأجمل وأوفى من الصواب. إن مجاراة التطور فريضة وفضيلة، ولكن يجب أن نذكر أن اللغة لم تخلق اليوم فتخلق قواعدها وأصولها في طريقنا وإن التطور إنما يكون في اللغات التي ليس لها ماضٍ، وقواعد، وأصول، ومتى وجدت القواعد والأصول فلماذا نهملها أو نخالفها إلا لضرورة لا مناص منها؟ "2.
وكان العقاد في مستهل حياته النقدية يشجع النظم بالشعر المرسل كما جاء في مقدمته التي كتبها لديوان المازني الجزء الأول ولكن عدل عن رأيه هذا لأنه آمن بأن سليقة العربي تنفر من إلغاء القافية كل الإلغاء3.
__________
1 الديوان ج1 ص49.
2 مقدمة الغربال ص8.
3 يسألونك ص64.
(2/275)

وقد لخص العقاد رأيه في مقاييس الشعر، وماذا يجب أن يكون بعد أن نيف على الستين وتركزت فكرته بقوله؛ "أما هذه المقاييس فهي في جملتها ثلاثة ألخصها فيما يلي.
"أولها": أن الشعر قيمة إنسانية، وليس بقيمة لسانية؛ لأنه وجد عند كل قبيل، وبين الناطقين بكل لسان، فإذا جادت القصيدة من الشعر فهي جيدة في كل لغة، وإذا ترجمت القصيدة المطبوعة لم تفقد مزاياها الشعرية بالترجمة إلا على فرض واحد، وهو أن المترجم لا يساوي الناظم في نفسه وموسيقاه، ولكنه إذا ساواه في هذه القدرة لم تفقد القصيدة مزية من مزاياها المطبوعة أو المصنوعة، كما نرى في ترجمة "فتزجيرالد" لرباعيات الخيام.
"وثانيها": أن القصيدة بنية حية، وليست قطعًا متناثرة يجمعها إطار واحد، فليس من الشعر الرفيع شعر تغير أوضاع الأبيات فيه، ولا تحس منه ثم تغييرًا في قصد الشاعر ومعناه.
"ثالثها": أن الشعر تعبير، وأن الشاعر الذي لا يعبر عن نفسه صانع، وليس بذي سليقة إنسانية، فإذا قرأت ديوان شاعر، ولم تعرفه منه، ولم تتمثل لك شخصية صادقة لصاحبه، فهو إلى التنسيق أقرب منه إلى التعبير"1.
ونكرر هنا ما سلف أن لاحظناه على النقد لدى شكري من أن هذه المدرسة وقفت عند باب الشعر الوجداني الذاتي، منصرفة عن سواه من ضروب الشعر الأخرى، ومناداتهم بالنظر إلى من قال لا إلى ما قيل، واهتمامهم بظهور شخصية الشاعر في شعره جب للشاعر الموضوعي كله وهو من أنواع الشعر التي نادى بها الغربيون، وأحلوها منزلة عالية وتتجلى في الملحمة المسرحية، ولذلك لا تجد لهم في هذا الميدان كثيرًا أو قليلًا، وإنما عكفوا على ذواتهم يسيرون أغوارها؛ ويتأملون ما حولهم ويعبرون عن أحاسيسهم بعد هذا التأمل، وهنا تضييق للشعر وحد من آفاقه.
__________
1 معراج الشعر: مقال للأستاذ العقاد بمجلة الكتاب أكتوبر سنة 1948.
(2/276)

ومهما يكن من أمر فقد أفادت حملات العقاد والمازني على الشعر التقليدي، فحاول الشعراء الذين كانوا ينهجون في مستهل حياتهم الأدبية منهج الأقدمين أن يجددوا في شعرهم، وإن لم يتيسر لمعظمهم أن يأتي بجديد يعتد به، ولا سيما في المعاني والقوالب؛ لأن القرائح كانت في نضوب، والطباع في شبه جمود. بيد أن فريقًا من الشعراء الشبان الذين اطلعوا على الآداب الغربية وتأثروا بتوجيهات النقاد. وحملاتهم الصارمة على الشعر التقليدي جدوا في الإتيان بشعر جديد، ولكنهم وللأسف لم يكن عند أكثرهم تلك القوة الخالقة المبتكرة، ولا هذا الأسلوب المتين، ولا تلك الينابيع الغزيرة من المعاني التي كانت للجيل السابق لهم، فلم يرتفعوا بالشعر إلى المستوى الذي كنا نرجوه.
ومن نقاد هذه المدرسة التي حذفت الإنجليزية وأوغلت في قراءتها وتأثرت بنقادها، وحاولت جاهدة أن تعطي مفهومًا جديدًا للأدب بعامة والشعر بخاصة؛ المازني، وهو أحد الفرسان الثلاثة الذين كونوا المدرسة الأدبية النقدية.
ولكن المازني لم يكثر من تقرير النظريات المجلوبة، بل حاول أن يمزج في نقده بين القديم والجديد، وكانت له شخصية في النقد التطبيقي، ويغلب عليه طبع الفنان الأديب أكثر مما تغلب عليه سمات الناقد؛ فهو يغالي في مدحه كما يغالي في سخطه، نراه مثلًا يتحامل على شكري حتى يجرده من كل صفات، الشعراء، ويتحامل على حافظ إبراهيم في رسالته "شعر حافظ" التي يقول في ختامها: "ولو كان له حسنات لاغتفرنا له ما في شعره من السيئات، فإن للمتنبي سرقات كثيرة ولكن حسناته أكثر".
ونحن لا نبرئ المازني من الهوى في هذا التحامل، وقد ذكرنا آنفًا ما أفسد ما بينه، وبين شكري من مودة، ثم ندمه على ما فرط منه في هذا النقد الجارح. أما حافظ فكان الوشاة يبلغون المازني أن يكيد له في "نظارة المعارف" فأوغروا صدره عليه حتى جرده من كل نعت جميل، ثم أسف فيما بعد على هذا الشطط، وتمنى على الله أن ينسى ما كتبه على حافظ، أو ما سماه "الهراء القديم"1.
__________
1 حصاد الهشيم ص284.
(2/277)

أما إذا أعجب بشخص فهو يتجاوز عن سيئاته، بل يلتمس له المعازير ويبالغ في تصوير حسناته كما فعل مع ابن الرومي، فدافع عن تشاؤمه وسخريته، عازيًا نقمته على العصر وأبنائه إلى ذكاء الشاعر وفرط حساسيته، حتى لكأنه يحس الحياة بأعصابه، يحس ما فيها من الظلم والغبن والخلط والفساد والتناقص، وإحساسه هذا بثقل القيود المحيطة به أبرز "أنا" في شعره وفي حياته إلى المكان الأول من الواعية، فحفل شعره بذكر نفسه. واكتظ بالمقابلة بين الرغبة والإمكان، وبين الأمل والواقع، والذاتية إنما يبرزها إدراك حدودها والتصادم بما هو خارج عنها.
ولعل سر إعجاب المازني بابن الرومي طبيعة المازني الساخرة، وأن المذهب الذي دعت إليه هذه المدرسة يؤكد ذاتية الشاعر ويعنى بإبرازها ويكشف عن أعماقها، فلا بدع إذا صرح بأن ابن الرومي أحب الشعراء إليه1. ويزعم أن ابن الرومي أعظم شاعر في العربية ويعلل لذلك بنسبة إلى الروم فهو آرى الأصل، ولذلك سلم من عيوب العرب في أدبهم من فساد الذوق وشطط الذهن، فتجد عندهم الحدة والطغيان والغلو ونحوها مما يجعل شعرهم جافيًا جامحًا، ومما يجعلهم ليسوا أشعر الأمم كما يظن بعضهم، وإن كانت لهم محاسنهم كمصدق النظر وذكاء المشاعر، وصفاء السريرة وعلو النفس، ولكن الشعوب الآرية أفطن منهم لمفانن الطبيعة وجلالة النفس الإنسانية وجمال الحق والفضيلة -على أن أنبغ العرب هم أولئك الذين ينتهي نسبهم إلى غير العرب كابن الرومي مثلًا فهو آري الأصل فارسي يوناني- وقد ورث كثيرًا من صفات قومه، فهو أقرب إلى شعراء الغرب في أسلوب الشعر2. ولا نريد أن نصف المازني بالشعوبية، وتعبده لمقاييس الأدب الغربية وبخاصة تلك المدرسة الإنجليزية، وبهذا التحامل الذي يزري بالشعر العربي القديم كله ويجرده من سمات الشاعرية، وما في كلامه من تناقض، ولكنا إذا التمسنا له العذر أرجعنا هذا الآراء إلى إعجاب المازني بالأدب الغربي نتيجة قراءته الكثيرة فيه وبخاصة في الإنجليزية، وتأثره بهازلت
__________
1 المرجع السابق ص232.
2 راجع حصاد الهشيم عن ابن الرومي من صفحة 232- 422.
(2/278)

في طريقة نقده، ومحاولته تفويض الفكرة الشائعة عن الشعر والتي ورثها شعراء العصر الحديث، وساروا على نهجها منذ البارودي، فكان يضرب بمعوله من غير رحمة، ثم إلى طبيعته الجامحة وانفعالاته في غضبه ورضاه، فيشتد في سخطه كما يبالغ في ثنائه.
ولسنا بصدد نقد ابن الرومي وتبيان طريقته وما فيها من عيوب وحسنات ولكنا بصدد المازني وطريقته في النقد، وإن كان لا يفوتنا هنا التنويه بما كان للعرب من نظرة صادقة إلى الحياة، ومن إكبارهم النفس الإنسانية وسبر أغوارها كما تجلى في حكمهم الكثيرة التي نعدها قوانين مركزة تشف عن النفس الإنسانية في كل زمان ومكان.
أما الحق والفضيلة فلا أظن أمة من الأمم عنيت بهما مثلما عنيت الأمة العربية في أدبها وسلوكها وقانونها، ولولا خشية الاستطراد والخروج عن البحث لوفيت هذا الموضوع حقه، وبحسبي أن أحيل القارئ على كتابنا "الفتوة عند العرب" في الفصل الذي عقدته للموازنة بين العرب وسواهم من الأمم وبخاصة الغربية منها. ونستطيع أن نضيف هذا الجموح والشطط في نقد المازني للشعر العربي إلى نقده لشكري وحافظ ذلك النقد الذي تبرأ منه فيما بعد وندم عليه.
ويفسر لنا المازني مذهبه في النقد فقال: "مذهبي في النقد أن أنظر ما في الكتاب من الإحسان مقيسة إلى جملة ما فيه من العيب، فإذا أربى الإحسان على الإساءة تقبلته، وتجاوزت عما فيه من نقص أو مأخذ وإلا رفضته، فهو ميزان ينصب، وأي كفتيه رجحت أخذت بها، وهذا في مذهبي هو العدل الميسور في وزن الآراء والأعمال والحكم عليها"، ويعلل لرأيه هذا بأن كتابًا ما لا يخلو من نقص ولو خلا -وتلك مرتبة لا تنال- لما كان إنسانيًّا "بل أنا أذهب إلى أن من البواعث الخفية على الإعجاب أن يفطن القارئ إلى مواضع النقص ومواطن الضعف، وأن يحس ولو إحساسًا غامضًا أن الكتاب من الكتب على جلالة قدره وعظم شأنه وندرة مثله، وعجز الأكثرين عن الإتيان بما يقاربه لا يخلو من زلات
(2/279)

وعثرات، ووهن هنا وسقوط هنا، أو إسفاف أو خمولة أو قصور أو تقصير أو غير ذلك مما يجري هذا المجرى ويلحق به"1.
ولعله في نقده لحافظ إبراهيم يبين لنا بعض اتجاهاته النقدية ورأيه في الشعر فهو يدعو إلا الإقلاع عن التقليد في الأدب فإن ذلك يفقده فضيلة الصدق، ومزية النظر، وهما عماد الأديب وقوام الشعر والكتابة، ولكن على الأديب أن يستفيد من آثار القدماء في أدبهم ويدرس في فهم الأصول الأدبية العامة التي لا ينبغي لأديب أن يحيد عنها أو يغفلها بحال من الأحوال -كالصدق والإخلاص في العبارة عن الرأي أو الإحساس، وهنا وحده كفيل بالقضاء على فكرة التقليد، والتقليد على كل حال دليل على ضعف الخيال، وعدم القدرة على الابتداع، وفقدان الشخصية.
ويرى إباحة التصرف في اللغة تصرف الوارث في إرثه، فلا يجمد أمامها بل ينبغي أن يجعلها تساير التطور والحاجة، ولكنه كان لا ينادي بالعامية والتساهل في معجم اللغة كما رأينا من قبل.
والأدب الحق عنده هو الذي يصور الوجدان والأحاسيس في صدق ويعطي صورة صادقة للناس وللحياة، ولا يقيم وزنًا للزخرف اللفظي إنما يوجه كل عنايته للمعنى، وكل معنى صادق مهما كان موضوعه أو هدفه وغايته فهو خليق بأن يكون موضوعًا للأدب.
ولعلك ترى من هذا أنه يلتقي مع شكري والعقاد وأنهم جميعًا يصدرون عن فكرة واحدة في قضية اللفظ والمعنى، وموضوع الأدب.
ويرى أن الناقد يجب أن ينظر إلى غرض الشاعر الذي يهدف إليه في القصيدة جملة حتى ندرك ما يرمى إليه كاملًا، وعليه في ذلك النظر إلى جزء منها دون سواها"2.
__________
1 مجلة الكتاب عدد نوفمبر 1945 ص79- 90.
2 راجع شعر حافظ ص2 وما بعدها.
(2/280)

وقد رأى أن حافظًا وشكري على طرفي نقيض في شعرهما في الغرض والأسلوب والمنهج، وغالى كعادته في الحكم وزعم أن بيتًا واحدًا من ديوان شكري يفضل كل ما قاله حافظ وأضرابه1، مع أنه هدم شكري فيما بعده وجرده من كل ما يمت إلى الشعر بصلة.
ويرى أن الشعر لا بد من أن يكون مطبوعًا ليس فيه أثر ومن آثار الصنعة والتكلف أو الإجهاد، وأن يستلهم الخيال الواسع، ويعمد إلى الابتكار والتجديد، وأن يعبر تعبيرًا صادقًا عن نفس صاحبه، مصورًا لآمال النفس البشرية وآلامها، ومعبرًا خير تعبير عن معاني الطبيعة والعقل التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحياة وبالنفس فيكون بحق وحي الطبيعة ورسالة النفس، ثم لا يهمه بعد ذلك أي ثوب ألبس هذه المعاني ما دامت صحيحة صادقة.
ونرى المازني في نقده التطبيقي لشعر حافظ يسلك مسلك القدماء ويتكلم على النحو واللغة والإحالة والتعسف، والسرقة، ويعيب عليه ثقل الروح وبرود الفكاهة وجمود الخيال والسخف، وفساد الذوق وفساد المعنى، والخطأ العلمي والحشو والتكرار2.
ومن أمثلة نقده لحافظ مؤاخذته على استعماله المفعول المطلق في قوله:
غالها قبلك الزمان اغتيالًا
"فلفظة اغتيال لا ضرورة لها بعد غالبها"، وكان المازني يضيق ذرعًا بالمفعول المطلق، وقد رأينا هذا الضيق على أشده في نقده للمنفلوطي حيث أخذ يحصي ما ورد للمنفلوطي في العبارت من هذا المفعول3.
والمازني في نقده هذا يتعسف فينقده، وكأني به يريد أن يحذف المفعول المطلق من اللغة، ولكنا نراه في "قبض الريح" يدافع عن هذا المفعول المطلق ويقول "الواقع أن هذا المفعول يمثل في تاريخ النشوء اللغوي خطوة انتقال اتسع
__________
1 شعر حافظ ص12.
2 نفس المصدر ص2.
3 الديوان ج2 ص25.
(2/281)

بعدها الأفق ورحب على أثرها المجال، وتفتحت أبواب التعبير المغلقة، ومن شاء أن يقدر فضل المفعول المطلق على اللغة وعلى العقل الإنساني أيضًا فليتصورها مجردة منه ولينظر إليها كيف تعود أو إلى أي حد تضيق"1.
والشعر في رأي المازني ذاتي شخصي مثله في ذلك مثل شكري والعقاد فهو عنده خاطر لا يزال يجيش بالصدر حتى يجد مخرجًا ويصيب متنفسًا، وهو غنائي خالص ليست له وظيفة سوى التنفيس الشخصي عن قائله2.
ويرى المازني أن الشعر ابن الخيال، إذ لم يكن للخيال فيه مجال فهو غث لا خير فيه ويستشهد برأي سانت بيف: "ليس الأصل في الشعر الاستقصاء في الشرح والإحاطة في التبيين، ولكن الأصل فيه أن نترك كل شيء للخيال"3.
وهذا يخالف ما دعت إليه هذه المدرسة من الاهتمام بالمعاني، وما اشتهرت به من إعجابها بابن الرومي الذي كان يستقصيها في شعره حتى يستنفدها، والمازني في هذا يتمشى مع مذهب العرب في الشعر الذي أشار إليه البحتري:
والشعر لمح تكفي إشارته ... وليس بالهذر طولت خطبه
ويتفق المازني مع مذهب العرب في شيء آخر حين يقول: "والشعر في حقيقته لغة العواطف لا العقل، وإن كان لا يستغني عن العقل فيما يخدم هذه العواطف، وليس هو بشعر ما لم يعبر عن عاطفة أو يثيرها.... وبما أن العاطفة تحتاج إلى لغة حارة تعبر عنها، فقد استخدمت المحسنات البديعية، والعاطفة إذ هي الأصل في هذه المحسنات، ولكن هذه المحسنات صارت مرذولة بالصنعة والتكلف أما عند شعراء الطبع فتأتي عفوًا، ولا تكاد تحس، فهي جميلة الوقع، معبرة تعبيرًا صادقًا عن العاطفة".
ويدافع المازني دفاعًا قويًّا عن ضرورة الوزن في الشعر، فكما أنه لا تصوير بغير ألوان كذلك لا شعر إلا بالوزن، وقد يكون النثر شبيهًا بالشعر في تأثيره،
__________
1 راجع قبض الريح ص156.
2 راجع مقدمة الجزء الثاني لديوان المازني 1912.
3 الشعر غايته ووسائطه ص3- 20.
(2/282)

وتعبيره عن العاطفة، أو يغلب عليه روح الخيال، ولكنه مع ذلك ليس بشعر، إذ يعوزه الجسم الموسيقي، ومثل الوزن في ذلك القافية، فلا شعر إلا بهما أو بالوزن على الأقل".
ولعلنا نتذكر محاولة شكري صديقه التخلص يومًا ما من القافية في ديوانه الأول أضواء الفجر حين نظم قصيدته "كلمات العواطف" من الشعر المرسل الموزون غير المقفى، وقد أطرى المازني شكري على جرأته هذه أول الأمر، ثم عاد فعابه عليها حين ساءت العلاقة بينهما.
ومن آراء المازني التي وافق فيها زميليه قوله: "إن الجيد في لغة جيد في سواها؛ لأنه لا يختص بلغة أو زمان أو مكان، فمرده إلى أصول الحياة العامة لا إلى المظاهر والأحوال الخاصة والعارضة، وكذلك الغث غث في غيرها؛ على أن محك القدرة في الأدب بوجه عام هو تصوير حركات الحياة والعاطفة المعقدة ورسم الانفعالات واعتلاج الخوالج الذهنية ونحوها، وليست غاية الأدب تصوير قشور الأشياء وظواهرها"1.
وهذا يذكرنا بكلام الأستاذ العقاد ولكنه يرى: "أن الأدب لا بد أن تكون له غاية سامية فيدفع الأمة إلى أن تطلب الحياة العالية الكريمة"2، فالأدب يجب أن يخدم المجتمع، فليس الفن للفن وحده3. ولذا ينبغي أن تكون هذه الدمامة وسيلة لغيرها لا غاية، وأن تكون أداة يستهان بها على تحريك إحساسات متزاوجة أو مركبة غير التي ينبهها منظر الدمامة، وقل أن تجد من الإحساسات البغيضة ما لا يكون مختلطًا بغيره أو نقيضه4.
ومن الآراء التي نادى بها المازني أن تكون القصيدة عملًا فنيًّا تامًّا على فكرة معينة، ليس الشاعر فيها مسبوقًا بباعث مستقل عن النفس5.
__________
1 الديوان الجزء الثاني.
2 نفس المصدر ص2.
3 حصاد الهشيم ص106 وما بعدها.
4 نفس المصدر ص120 وما بعدها.
5 حصاد الهشيم ص35 وما بعدها.
(2/283)

ويعتبر المازني الشطط في الخيال ومخالفته للواقع ليس دليلًا على النبوغ والبراعة، ولكن أية النبوغ والبراعة في صدقه وعدم تجافيه للحقائق، وفي قدرته على اختيار التفاصيل المميزة حتى ولو كان الشيء من المألوف الذي يقع عليه كل عين فليس في تناوله إسفاف. كما يتوهم بعضهم، والبراعة في كيفية تناوله حتى يبدو كأنه غير ذلك المألوف القديم1.
ويرى المازني أن الأديب الأصيل هو الذي يكون له أسلوبه الخاص؛ لأن الأسلوب صورة من النفس، ولكل ذهن التفاتاته الخاصة، وطريقة في تناول المسائل وعرضها، وكلما كانت هذه الخصوصيات أوكد وأعمق، كانت المحاكاة أشق والإخفاق فيها أقرب، فهي لا تسهل إلا حيث يكون الأسلوب خاليًا من الخصائص التي ترجع في مرد أمرها إلى النفس وما ركبت عليه وانفردت به": ولذلك رأى المازني أن أسلوب طه حسين خال من الخصائص المميزة له، وأن كثيرًا من الكتاب يستطيعون تقليده.
وهناك ظاهرة في المازني الناقد تسترعي النظر، تلك هي كثرة استطرادته وتهربه أحيانًا من النقد كما فعل في نقد كتاب: "النثر الفني" لزكي مبارك وكما فعل في نقده لكتابي الآنسة من "الصحائف، وظلمات وأشعة" وقد كان يتعمد ذلك تخابثًا منه، وهربًا من مجابهة المنقود برأيه الجارح.
نقد المازني عددًا من الشعراء والكتاب، وهو في نقده يمزج بين النقد اللغوي والنظريات النقدية الحديثة كما فعل المنفلوطي وشكري وابن الرومي، وهو متأثر في نقده غالبًا بعلاقاته الشخصية، وحبه وسخطه، وكثيرًا ما عدل عن آرائه وتجريحه وندم عليها. ولكنه في جملة آرائه يمثل هذه المدرسة المحدودة في الأدب مثل شكري والعقاد، وهو أقرب إلى العقاد من سواه.
__________
1 نفس المصدر ص195.
(2/284)

ولقد سبق العقاد والمازني وشكري الشاعر خليل مطران في توجيه الشعر المصري الحديث وجهة جديدة، وكان من واجبنا أن نقدمه في الكلام، ولكننا لا نعتبره ناقدًا، ونحن بصدد الكلام على النقاد وأثرهم، وإنما هو شاعر، ثم إن مطران تأثر بالمدرسة الفرنسية في الشعر أكثر من تأثره بالمدرسة الإنجليزية التي حذا حذوها العقاد وزملاؤه وبالإضافة إلى كل هذا فمطران -وإن كان مجددًا في الشعر- قد حاول في فترات أن يجمع بين القديم والجديد ولا سيما في الأغراض ولم يكن ثائرًا ثورة هؤلاء.
لقد أخرج مطران ديوانه "الخليل" في سنة 1908، وإن كانت أول قطعة إبداعية في ديوانه ترجع إلى سنة "1893"1، وقد ابتدأ مطران ثورته على الشعر التقليدي، والدعوة إلى التجديد بقوله: "اللغة غير التصور والرأي، إن خطة العرب في الشعر لا يجب حتمًا أن تكون خطتنا، بل للعرب عصرهم ولنا عصرنا، ولهم آدابهم وأخلاقهم وحاجاتهم وعلومهم ولنا آدابنا، وأخلاقنا، وحاجاتنا وعلومنا، ولهذا وجب أن يكون شعرنا ممثلًا لتصورنا وشعورنا لا تصورهم وشعورهم، وإن كان مفرغًا في قوالبهم محتذيًا مذاهبهم اللفظية"2.
وأول تجديد دعا إليه مطران هو وحدة القصيدة، وتماسك أبياتها بعضها ببعض لأنه لم يجد في الشعر العربي "ارتباطًا بين المعاني التي تتضمنها القصيدة الواحدة، ولا تلاحمًا بين أجزائها، ولا مقاصد عامة تقام عليها في أبنيتها، وتوطد أركانها، وربما اجتمع في القصيدة الواحدة من الشعر ما يجتمع في أحد المتاحف من النفائس، ولكن بلا صلة ولا تسلسل، وناهيك عما في الغزل العربي من الأغراض الاتباعية التي لا تجمع إلا لتتنافر، وتتناكب في ذهن القارئ"3.
__________
1 راجع الدكتور إسماعيل أدهم عن مطران ص32
2 خليل مطران في المجلة المصرية السنة الأولى ج3 "يوليو سنة 1900" ص85.
3 خليل مطران في المجلة المصرية -السنة الأولى ج2 "يونية 1900" ص22- 44.
(2/285)

أما من حيث الأغراض فهو يرى الشعر فنًّا منبهًا للتصوير والحس عن طريق النظر، وهمًا يفترقان عن الموسيقى في أنها تنبه التصوير والحس عن طريق السمع1 "وقد نقل مطران أغراض الشعر العربي إلى أغراض أوربية، وإن سبق إليها "سليم عنحوري"2في ديوانه "مرآة العصر"، ولعله كان قدوة ونموذجًا لمطران في حركته الجديدة3. ولكن لم يرزق ديباجة مطران ولم يكن عصره مهيأ لتقبل دعوته التجديدية.
ولما نشر مطران ديوانه في سنة 1908 قدم إليه بمقدمة وضع فيها مذهبه الشعري الجديد الذي دعا إليه، وبين أنه ابتدأ مقلدًا، ولكنه وجد في الشعر المألوف جمودًا أنكره فترك الشعر فترة ثم قال: "عدت إليه وقد نضج الفكر، واستقلت لي طريقه في كيف ينبغي أن يكون الشعر، فشرعت أنظمه لترضية نفسي حيث أتخلى، أو لتربية قومي عند الحوادث الجلى، متابعًا عرب الجاهلية في مجاراة الضمير على هواه ومراعاة الوجدان على مشتهاه وموافقًا زماني فيما يقتضيه من الجرأة على الألفاظ، والتراكيب، لا أخشى استخدامها أحيانًا على غير المألوف من الاستعارات، والمطروق من الأساليب، وذلك مع الاحتفاظ جهدي بأصول اللغة، وعدم التفريط في شيء منها إلا ما فاتني علمه" وقال كذلك: "هذا شعر ليس ناظمه يعبده، ولا تحمله ضرورات الوزن والقافية على غير قصده، يقال فيه المعنى الصحيح باللفظ الفصيح، ولا ينظر قائله إلى جمال البيت المفرد، ولو أنكر جاره وشاتم أخاه ودابر المطلع وقاطع المقطع، وخالف الختام، بل ينظر إلى جمال البيت في ذاته وفي موضوعه وإلى جملة القصيدة في تركيبها وفي ترتيبها، وفي تناسق معانيها وتوافقها، مع ندور التصور، وغرابة الموضوع، ومطابقة كل ذلك للحقيقة، وشفوفه عن الشعور الحر، وتحري دقة الوصف واستيفائه فيه على قدر"4.
__________
1 خليل مطران - المجلة المصرية- السنة الثانية ج1 يونيو سنة 1900 ص12.
2 الدكتور أحمد ضيف المقتطف المجلد 68 ج6 "يونية 1926" ص632- 639.
3 الدكتور إسماعيل أدهم ص32.
4 مقدمة خليل مطران الجزء الأول من الديوان ص8- 9.
(2/286)

وفي الحق أن شعر مطران، وما فيه من القصائد الجديدة في مادتها، وطريقة عرضها ولا سيما تلك القصائد القصصية، "العصفور" و"الجنين الشهيد" و"فتاة الجبل الأسود" و"نيرون" و"حكاية عاشقين" الذي ظل ينظمها سنوات متتبعًا حوادث العاشقين، إذ ابتدأ فيها سنة 1907، وانتهى منها سنة 1913. أقول: إن شعر مطران قد أثر في شعراء مصر حين سمعوه إما مباشرة أو غير مباشرة، ولقد حاول بعض النقاد أن ينسبوا إلى مطران كل تجديد في الشعر المصري ويقولون: إن إبراهيم رمزي لم ينظم قصة "يوسف الصديق" شعرًا في اثنتي عشرة قصيدة سنة 1900 وإن نقولا رزق الله لم ينظم كليوباترا سنة 1900 إلا بوحي من شعر مطران الذي دأب على نشره في المجلات قبل أن يجمعه في ديوان، بل إن عبد الرحمن شكري الذي أخرج أول ديوان له سنة 1909 وهو بعد في العشرين من عمره وفيه قال حافظ:
أفي العشرين تعجز كل طوق ... وترقصنا بأحكام القوافي
والعقاد والمازني، وأحمد زكي أبو شادي وإبراهيم ناجي، وخليل شيبوب وعلي محمود طه المهندس، والصيرفي وكثير غيرهم من تلامذة مطران، ومن الذين تأثروا بطريقته الجديدة، وإن اختلفوا عنه بعد ذلك، واستقل كل بمذهب خاص به1 فعكف شكري على دراسة الأدب الإنجليزي الواقعي الذي كان سائدًا في إنجلترا في أخريات القرن الماضي وأوائل هذا القرن، وساد شعره التشاؤم والانقباض والخوف من الحياة، وترديد ذكر الموت، ووصف ما يعانيه الأموات، كأنما شاهد ذلك بنفسه، وتبعه العقاد والمازني رزحًا من الزمن وإن لم نجد في شعرهما هذا النزوع العجيب إلى التحرك وإلى التحرر المطلق كما في قصيدة شكري "كلمات العواطف" التي نظمهما من الشعر المرسل، وقد أولع بهذا النوع فنجد له في الجزء الثاني قصيدة منه عنوانها "واقعة أبي قير" وأخرى "نابليون والساحر المصري" وبذلك كان أول من أدخل هذا النوع من الشعر في العربية،
__________
1إسماعيل أدهم ص33- 34.
(2/287)

كما لم نجد في شعرهما هذا الإفراط في التشاؤم إلى حد الهوس والجنون، بل إن المازني نفسه يحمل على شكري، حملة قاسية ويرميه بالجنون، وهو متأثر به وتتلمذ له وإن أنكر هذا1 وفي الديوان ثم عاد فاعترف بأستاذيته بعد أن صمت شكري2 طويلًا كما ذكرنا ذلك من قبل.
ولكننا نرى العقاد ينكر أن يكون مطران هو الذي هداه إلى هذا الشعر الجديد أو هدى زميله فهو "لم يؤثر بعبارته أو بروحه فيمن أتى بعده من المصريين؛ لأن هؤلاء كانوا يطلعون على الأدب العربي القديم من مصدره، ويطلعون على الأدب الأوربي من مصادره الكثيرة، ولا سيما الإنجليزية، فهم أولى أن يستفيدوا نوازع التجديد من آداب الأوربيين وليس للأستاذ مطران مكان الوساطة في الأمرين ولا سيما عند من يقرءون الإنجليزية ولا يرجعون في النقد إلى موازين الأدب الفرنسي، أو إلى الاقتداء بموسييه ولا مرتين من وغيرهما من أمراء البلاغة في إبان نشأة مطران"3.
أما أبو شادي فقد اعترف بتأثره بمطران في أسلوبه الجديد4، وإن اختلف عنه بعد ذلك؛ لأنه من قراء الأدب الإنجليزي، كما اختلف عن شكري في أن نزعته تفاؤلية وقد أقام مدرسة شعرية جديدة عرفت بمدرسة "أبولو" ولكنها لم تكن ذات منهج معين في الشعر بل جمعت أنماطًا مختلفة من الشعراء بين مفرق في التقليد وجانح إلى التجديد أو مفرط فيه وإذا كان لها من أثر فهو في نهوضها بالشعراء الشادين والأخذ بيدهم والعناية بدراسة الشعر العربي الحديث ونقده، ونقل بعض الشعر الغربي، إلا أن أبا شادي قد انصرف عن الشعر العربي، وأثر النظم باللغة الإنجليزية، فانقطع تيار تأثيره5 ثم هاجر إلى أمريكا في أعقاب الحرب العالمية الثانية وظل هناك حتى توفي.
__________
1 راجع الديوان في النقد والأدب والجزء الأول مقال: "صنم الألاعيب" ص48 والجزء الثاني ص89.
2 جريدة البلاغ أو سبتمبر سنة 1934.
3 شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي للعقاد 199- 200.
4 راجع أبو شادي في أنداء الفجر ص128 وفي قطرة من يراع في الأدب والاجتماع ج2 ص3 ومجلة أبولو أكتوبر 1934 ص264، مختار الوكيل في رواد الشعر الحديث عن مطران وأبي شادي وشكري والعقاد، ومحاضرات الدكتور إبراهيم ناجي "اتجاهات الشعر الحديث" الأهرام 20/6/ 1936.
5 راجع leonard harker في كتابه blazing the trail ص129، وراجع الدكتور إسماعيل أدهم عن مطران ص34.
(2/288)

وقد أعجب الدكتور طه حسين بمطران، وأشاد بشعره، وبمقدمته التي كتبها لديوانه1 وذكر في المثل الأعلى للشعر بأنه: "الكلام الموسيقي الذي يحقق الجمال الخالد في شكل يلائم ذوق العصر الذي يقال فيه ويتصل بنفوس الناس الذين ينشد بينهم، ويمكنهم من أن يذوقوا هذا الجمال حقًّا فيأخذوا بنصيبهم النفسي من الخلود2" ويعجب بشعراء فرنسا. وينتقل قطعًا من "بودلير" وغير بودلير، ويردد أن الشعر الجيد يمتاز قبل كل شيء بأنه مرآة لما في نفس الشاعر من عاطفة، مرآة تمثل هذه العاطفة تمثيلًا فطريًّا بريئًا من التكلف والمحاولة، فإذا خلت نفس الشاعر من عاطفة، أو عجزت هذه العاطفة عن أن تنطق لسان الشاعر بما يمثلها فليس هناك شعر، وإنما هناك نظم لا غناء فيه3، ويرى أن الشعر الخالد هو الذي يلائم كل العواطف في كل الأزمان والبيئات وهو الذي يخاطب العواطف الإنسانية العامة4، ويعلل جمود شعرائنا بأنهم "مرضى بشيء من الكسل العقلي، بعيد الأثر في حياتهم الأدبية فهم يزدرون العلم والعلماء ولا يكبرون إلا أنفسهم، ولا يحفلون إلا بها، وهم لذلك أشد الناس انصرافًا عن القراءة والدرس والبحث والتفكير، وكيف يقرءون أو يبحثون أو يفكرون وهم أصحاب خيال، ومن شأن الخيال أن يسعد إلى السماء بجناحيه في غير تفكير ولا بحث، فأما البحث والتفكير فشأن العقل، والعقل عدو الخيال، وهو عدو الشعر، وليس من الحق في شيء أن الشعر خيال صرف، وليس من الحق في شيء أن الملكات الإنسانية تستطيع أن تتمايز وتتنافر فيمضي العقل في ناحية لينتج العلم والفلسفة، ويمضي الخيال في ناحية لينتج الشعر، وإنما حياة الملكات الإنسانية الفردية كحياة الجماعة وهينة بالتعاون، ومضطرة إلى الفشل والإخفاق إذا لم يؤيد بعضها بعضًا"5 ويرى أن يشترك العقل والقلب في النظم معًا6. ولكن الواقع يظهر لنا أن الشعراء الذين تأثروا كثيرًا بالحقائق العلمية وحاولوا
__________
1 حافظ وشوقي الدكتور طه حسين ص17.
2 المصدر السابق ص27.
3 المصدر السابق ص109.
4 حديث الأربعاء ج2 ص83 وما بعدها.
5 حافظ وشوقي ص141.
6 تجديد ذكرى أبي العلاء ص213.
(2/289)

الموازنة بين العقل والخيال أحيانًا أو تغليب الفكرة على العاطفة والخيال قد جاء شعرهم رديئًا بل هو إلى النظم أقرب منه إلى الشعر، ولا بدع فالشعر لا يحتمل كثيرًا من حشد الحقائق وقضايا المنطق والبراهين العلمية، وليس معنى هذا أن يصدف الشعراء عن القراءة والدرس والإفادة من تجارب سواهم وسبر أغوار النفوس الإنسانية وتحليلها بل إن هذا واجبهم في عصرنا هذا بشرط أن يأتي شعرهم انعكاسًا للانفعالات النفسية التي استحوذت عليهم حين قراءتهم أو إفاداتهم تجارب جديدة لا أن يكون كتابًا علميًّا.
ويتهكم طه حسين بشعر المناسبات، وينعى عليه ويشبه بالكراسي الجميلة المزخرفة التي تتخذ في الحفلات والمآتم1. وهو في هذا محق بعض الحق، وقد كان لحملته وحملات غيره أثرها في إقلاع الشعراء عن هذا الضرب من الشعر إلا بقية متخلفة.
والدكتور طه ممن عنى بدراسة الأدب القديم بجانب دراسته للأدب الحديث بل قد اهتم بالقديم اهتمامًا كبيرًا ورأى فيه جمالًا فنيًّا، وأن العرب أحدثوا هذا الجمال فيه وفهموه وقدروه، وليس الأمر كما يزعم بعضهم من أنه خلو من هذا الجمال الشعري الذي يكسو الآداب الأفرنجية في زعمهم، وليس هناك ما يرد هذا الجحود، ويدفع هذا الزعم مثل ما نجده من جمال في شعر ابن ذريح وجميل بن معمر وأضرابهما من شعراء الغزل، ومن ذلك قصيدة قيس بن ذريح التي يقول فيها:
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهم بالليل جامع
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا ... لي الليل هزتني إليك المضاجع
لقد رسخت في القلب منك محبة ... كما رسخت في الراحتين الأصابع2
ومن دفاعه عن الشعر القديم قوله: "لا بد أن تنفذه بذوق عصره لا بذوق العصر الذي يعيش فيه الناقد وإلا لما أنصفناه3".
__________
1 حافظ وشوقي ص150.
2 نفس المصدر ص15.
3 حديث الأربعاء ج1 ص223 وما بعدها.
(2/290)

وهو ممن قال بأن القصيدة العربية القديمة فيها وحدة معنوية1، واستنكر ما رمى به الشعر القديم من خلوه من هذه الوحدة، وعلل هذا الزعم بأن أصحابه لم يطلعوا على الشعر القديم كاملًا، وضرب مثلًا بمعلقة "لبيد"؛ وأخذ يبين ما فيها من وحدة معنوية2، وتنسيقها وملاءمتها الشديدة للموسيقى التي تجمع بين جمال اللفظ والمعنى والوزن والقافية، ووضح أن هذه النغمة المتصلة هي التي كونت وحدة القصيدة المعنوية.
وأثر الدكتور طه حسين في الشعر يرجع إلى ما تناوله من قصائده بالنقد كما فعل في قصيدة شوقي التي قالها في مصطفى كمال والتي مطلعها:
الله أكبر كم في الفتح من عجب ... يا خالد الترك جدد خالد العرب
ووازن بينها وبين قصيدة أبي تمام في فتح عمورية:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
وكما فعل في قصيدة شوقي:
قفى يا أخت يوشع خبرينا ... أحاديث القرون الغابرينا
وبتأريخه للأدب على طريقة جديدة تأثر فيها بأستاذه "نللينور" وطبق فيها طريقة الغربيين في البحث الأدبي، وكانت باكورة هذه الأبحاث "ذكرى أبي العلاء" الذي نال عليه شهادة الدكتوراه من الجامعة المصرية القديمة وصار نموذجًا لمن أتى بعده من مؤرخي الأدب، وكذلك بما ترجمه من الأدب الفرنسي شعرًا ونثرًا، ليضربه نماذج وأمثلة لشعرائنا كي يحتذوه.
والدكتور طه لا يقيس الأدب بمقياس جمالي أو سيكلوجي أو لغوي معين، وإن كان ينتفع في نقده بنتائج هذه الدراسات انتفاعًا واضحًا كما رأيت في الشمول الذي يريده لمنهجه، وليست له نظرية واضحة المعالم في فلسفة الفن والجمال. ولكنه يصدر في نقده عن ذوق ومعرفة3. ونقده في مجمله ذاتي،
__________
1 حديث الأربعاء ج2 ص83.
2 الأدب الجاهلي ص358 ووحديث الأربعاء ج1 ص30.
3 من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده لمحمد خلف الله ص135 وما بعدها.
(2/291)

وكثيرًا ما يعمم الأحكام كقوله: "إن عمر بن أبي ربيعة زعيم الغزليين الأموريين جميعًا لا نستثني منهم أحدًا، ولا نفرق فيهم بين أهل البادية وأهل الحاضرة، بل نحن نذهب إلى أبعد من هذا فنزعم أن عمر زعيم الغزليين في الأدب العربي كله على اختلاف ظروفه وتباين أطواره منذ كان الشعر العربي إلا الآن1".
وكثيرًا ما كان يصدر أحكامه بدون تعليل، وقد تكون هذه الأحكام قاسية ولكنه لا يعللها دائمًا حتى يبرئ نفسه من تهمة التحكم والتحامل2، ومن أمثلة هذه الأحكام غير المعللة رغبته إلى علي محمود طه أن يلغي قصيدته "ميلاد شاعر" عند طبع ديوانه الملاح التائه3، وقوله: إنه لم يجد في قصيدة ناجي "قلب راقصة" جديدًا4 إلى غير ذلك من عشرات الأحكام التي يصدر فيها عن ذوقه الخاص دون الرجوع إلى مقاييس معينة أو التعليل لها.
ولعلك ترى أن ثمة مدرستين في النقد الأدبي إحداهما فرنسية ومن زعمائها، هيكل وطه حسين، ومن شعرائها شوقي ومطران وصبري، والأخرى إنجليزية ومن زعمائها العقاد وشكري والمازني وأبو شادي وهم أنفسهم شعراء ونقاد. وبين المدرسة الإنجليزية والمدرسة الفرنسية في الشعر تباين يرجع إلى أن المدرسة أقوى من الفرنسية والمدرسة الفرنسية في الشعر تباين يرجع إلى أن المدرسة الإنجليزية الشعرية أقوى من الفرنسية والمدرسة الفرنسية في النثر أقوى من الإنجليزية وذلك لأسباب.
منها: أن البيئة الإنجليزية معتمة تدعو الفرد إلى الانطواء على نفسه وعلى الكآبة والحزن, فيكثر التفكير في الطبيعة ولو من وراء جدار، وفي الله وكمال صنعه، وعلى العكس من ذلك البيئة الفرنسية فهي أكثر إشراقًا، وأضحى شَمسًا والشعر لا يعمق عادة في مثل هذه البيئة؛ لأنها بوضوحها أورثت الفرنسي
__________
1 حديث الأربعاء ج1 ص287.
2 خليل سكاكيني - ومطالعات في اللغة والآدب ص73.
3 حديث الأربعاء ج3 ص73.
4 نفس المصدر ص172.
(2/292)

المنطق ونصاعة الحجة، والصراحة في التعبير، والتفكير نوعًا ما. إن الفرنسي يعيش في عالم الشعور، ويطمئن للطبيعة المحيطة به؛ لأنها ليست طبيعة صاخبة عاصفة مدمرة، سوداء معتمة، كما هو الحال في الطبيعة التي تكتنف بلاد الإنجليز.
لا يرى الإنجليز الشمس في أغلب أيام السنة إلا لحظات، وجو بلاده ملبد دائمًا بالغمام، والضباب يجتاحها في فصل الشتاء حتى يتعذر على الإنسان أن يرى يده في أثناء النهار، وهي جزيرة تحيط بها بحار صاخبة، وتهب عليها أعاصير مريعة، وكثيرًا ما تغطي أرضها بالثلوج، وقد أدى هذا إلى كآبته، وانقباضه، وإلى كبت وحرمان، فنما عقله الباطن، وتساقطت فيه رغبات كثيرة لم تحقق له، ولذلك كثرت أحلامه وخيالاته وآماله.
كما أن هذه البيئة حببت إليه العمل حتى صار طبعًا محبوبًا لذاته، ينزل من نفسه منزلة الهواء الذي يتنفسه، والماء الذي يشربه، والطعام الذي يغذيه، كما أورثته البطء في التفكير، فليس له ذلك الذكاء اللماح الذي تراه عند الفرنسي، حتى أصبح الإنجليزي يكره التفكير النظري المنطقي. إنهم يعملون ولا يجهدون أنفسهم في التفكير في عاقبة أعمالهم ومن أمثالهم المشهورة "انتظر وترقب ما يحدث".
وهذه البيئة الصارمة أورثتهم المحافظة على التقاليد والتدين، ولا شك أن الوحدة والانفراد -وهما آثر من آثار الكآبة والانقباض- جعلتهم يكثرون من نجوى أنفسهم ومن التأمل في الحياة وخلقها وخالقها، وربما رجعل هذا الميل إلى التدين والتمسك الشديد بالتقاليد إلى أصلهم السكسوني؛ وبينا ترى الفرنسي يعيش في عالم الواقع ويبحث دائمًا في تصرفات الإنسان ويحللها، وترى الألماني السكسوني يتجه دومًا نحو الله، ونحو أسرار هذا العالم الخفي وقد صبغت الرومانتيكية الألمانية في القرن الثامن عشر بالبحث فيما وراء الطبيعة، واشتهرت بقصص الجن، والشياطين، والمفزعات من كل نوع، وأخذ الإنجليز عنهم هذا النوع من القصص وأحبوه وفتنوا به1، وقد ورث عنهم الإنجليز هذا الميل وزاده
__________
1 راجع:.c.m. bowra, the romantic imagintion p. 51
(2/293)

تثبيتًا طبيعة بلادهم المقبضة. وتدينهم أورثهم التزمت والجد في الحياة، والخجل المفرط من كل ما يشين، وقد يخطئون ويخالفون القانون، ولكنهم يتسترون، ويخشون العار والفضيحة، ولذلك ساد بينهم نوع من النفاق الاجتماعي، يسيطر على كثير من تصرفاتهم. كما اشتهروا بضبط النفس وقلة الانفعال؛ لأنهم تعودوا الكبت، ومغالبة الرغبات.
وإذا درست المجتمع الفرنسي وجدته مجتمعًا يحب المرح، والصخب، ولذلك يفضل حياة "الصالون" والمقهى، وفي الصالون يسود الذكاء، والنكتة وحسن التعبير، والتفكير الفلسفي، ولا يحوي المنزل الفرنسي أشخاصًا "انفراديين"، يغلب عليهم الجد والكآبة، ولكنه منزل تنطلق فيه الألسنة بحرية وصراحة، ومجتمعهم تسود فيه اليقظة، وعدم الخجل مع مراعاة الآخرين والالتفات إلى أذواقهم، ورغباتهم.
وفي الصالون تكون الرئاسة لسيدة، وفي حضرة السيدات تحسن المجاملة، والرقة، والبساطة، والوضوح، والذكاء، والنكتة، ومثل هذا المجتمع لا يجد وسيلة للتعبير أحسن من النثر؛ لأن النثر يمتاز بالسلاسة، والبسط والإيضاح، والسهولة. وذلك لأن شاعر الصالون مشغول دائمًا بسواه وقلما يفزع قلبه، وبهذا نستطيع أن نقرر: أن الإنجليز فاقوا الفرنسيين في الشعر، وفاقهم الفرنسيون في النثر. فلق الإنجليز في الشعر لأنهم مكبوتو العواطف، والشعر ينفس عنهم؛ لأن العنصر الغالب فيه لا شعوري، ومهما يبلغ الخجل بنفس إنسان، فإنها تستطيع أن تقف عارية مكشوفة أمام اللاشعور، دون أن تحس بأدنى خجل. ولأنهم انفراديون، يؤثرون العزلة، أكثروا من التأمل في الطبيعة، والطبيعة منبع الشعر، ومصدر إلهامه، ولأنهم منقبضون، جاء أدبهم مشوبًا بالكآبة حتى في أغانيهم، ولذلك نبغوا في المآسي العنيفة، وقد لاحظ ذلك "رابين" Rapin الفرنسي فقال: "يمتاز الإنجليز بعبقرية في "المآسي - الترجيديا" تساعدهم على ذلك طبيعتهم التي تعجب لفظائع الأمور، وامتياز بالتعبيرات الفخمة".
(2/294)

أما الشاعر الفرنسي فهو في يقظة عقلية، وبيئة واضحة، يجب الاجتماع والحديث، ولذلك لا يعرف الرهبة ولا الأحلام الشاردة، ولا الخيال الشاذ، وتعجبه حياة الصالون فيعبر عن آرائه برفق وهوادة، مراعيًا أن يفهمه سامعوه ليعجبوا به.
وليس معنى هذا أن فرنسا لم ينبغ فيها الشعراء، وإن إنجلترا لم يتفوق فيها كتاب، ولكن هذه هي الصفة العامة للأدبين، وقد عبر أناتول فرانس عن نظرة الفرنسيين للشعر بقوله: "من المحقق أننا نحب الشعر، ولكننا نحب فيه طابعًا خاصًّا، فنحن نريد شعرًا فصيحًا، ولكن ليس الغرض من الفصاحة مجرد الإعراب في الخيال".
استطاع النثر الإنجليزي في القرن الثامن عشر أن ينافس النثر الفرنسي، وظهر في إنجلترا من الكتاب العظام أمثال يوب، وسوفت، وإديسون، وصومويل جونسون، ووليام كوبر وغيرهم، كما أن الشعر الفرنسي قد بلغ القمة على يد راسين، ولامارتين، وبودلير وغيرهم، ومن هذا نرى أن ما سقناه من الموازنة بين الأدبين إنما هو القواعد العامة والصفات الغالبة1.
ولست أريد التوسع في هذه الدراسة، فإنها لا تعنينا إلا بهذا القدر الذي يوضح لنا بالفرق بين الخصائص العامة للمدرستين الإنجليزية والفرنسية؛ لأن ثقافة أدبائنا المحدثين أخذت عنهما، أو اكتفت بواحدة منهما، وقد كان لها أثرها في الأدب وفي جمهرة القراء المثقفين الذين يحبون الأدب الرفيع؛ لأن الثقافتين كما علمت في الفترة الأولى كانتا في صراع طويل على السيادة على مصر.
تأثر بعض أدبائنا بالثقافة الفرنسية، وبمذاهب الأدب الفرنسي الذي ساد
__________
1 راجع في هذا البحث:
"1" Studies French and English. by F. L: Lucas.
"2" A Comparison of Literatures, English, French, German and American. by R. D. Jamesen.
"3" A Citical Survey of French and English Literary Ideas in the Eighteenth Centurym, By F. Green.
"4" World Literature of Lierary Criticis, By Winchester.
"6" the Romantic Agony by Maria Praz Transalted from Italian by A. Davidson.
"7" رسالة الأستاذ الطيب حسن عن أثر الثقافة الغربية في الأدب المصري الحديث "مخطوط".
(2/295)

في القرن التاسع عشر، وظهر ذلك في أسلوبهم الشعري وفي معانيهم، وفي خيالاتهم، ومن هؤلاء إسماعيل صبري، وشوقي، ومطران، وعلي محمود طه، وشيبوب، ومن الذين تأثروا بطابع المدرسة الإنجليزية العام: شكري، والعقاد، والمازني، وأبو شادي. والصيرفي، وسنرى عند الكلام عن كل شاعر إلى أي حد أفاد من إطلاعه على هذه الثقافة أو تلك. وقد يتوهم بعضهم أن مطران مترجم شكسبير يعرف الإنجليزية ويجيدها إلى حد ترجمة روائع الأدب فيها، والحق أن مطران نقل روايات شكسبير عن الفرنسية1 أو برناردشو، وعندي أنها من آثار المسرح الفرنسي كما أشرنا إلى ذلك آنفًا، وكما سنرى فيما بعد.
لقد بلغ هذا التأثر ببعض شعرائنا إلى حد السطو على الشعر الغربي، ونقل القصيدة موضوعًا، وعنوانًا، وأبياتًا، أو على الأقل معظم الأبيات2.
وقد أحصى إسماعيل أدهم مئات الصور الشعرية والمعاني التي أخذها مطران من الأدب الفرنسي3.
ومهما يكن من أمر فإن هؤلاء الشعراء والنقاد المجددين قد وجهوا الشعر العربي الحديث وجهة جديدة، وحسبنا أن نقول مع الدكتور طه حسين: ومهما قيل من القدح في شعر هؤلاء الشعراء المجددين الذين تثقفوا ثقافة غربية، فإنه يكفيهم شرفًا أنهم ابتعدوا بالشعر عن الأغراض المادية، وأننا حين نقرأ أشعارهم نرى فيها شخصية لها وزن وقيمة، وعقلية تفكر، وتعرف كيف تعلن عن تفكيرها للناس4.
لقد كان بجانب هؤلاء جميعًا أنصار المدرسة القديمة في النقد، يعنون بالنقد اللغوي، وصحة الألفاظ والتراكيب، ومقاييس البلاغة العربية، وأوجه الاستعارة والمجاز والتشبيه، كما كان يفعل نقاد العرب قديمًا، ويحملون على هذه المذاهب الجديدة، وعلى الشعر الضعيف الذي توحي به، أو على الشعر التقليدي، والسرقات التي أخذت من الشعراء الأقدمين.
__________
1 ميخائيل نعيمة في الغربال ص171.
2 راجع مقدمة الجزء الثاني من ديوان المازني، وراجع رسائل النقد لرمزي مفتاح، ومقدمة رسائل النقد لرمزي مفتاح، ومقدمة رسائل النقد لجبران سليم ص - د. ومقدمة الجزء الخامس من ديوان عبد الرحمن شكري "ص6- 7" وقد أثبتت القصائد المسروقة، وما يقابلها.
3 راجع إسماعيل أدهم عن مطران ص147- 148.
4 حافظ وشوقي ص145.
(2/296)

فمن النقاد اللغويين الذين اشتهروا إبراهيم اليازجي في نقده لشعر شوقي1. وإبراهيم المويلحي في نقده لشعر شوقي2، والعقاد في نقده لشعر شكري3، وطه حسين في نقده لشعر حافظ وشوقي4. على أننا نظلم الرافعي إذا أدرجناه ضمن أنصار المدرسة القديمة في النقد، تلك التي عنيت بالنقد اللغوي دون سواه، فالحق أن للرافعي أراء جديدة كل الجدة في نقد الشعر، وهو لا ينتسب في نقده لمدرسة من المدارس إنجليزية أو فرنسية، وإنما كان نقده وليد بصيرته النفاذة، وطبعه الصافي، وتأثره بالحركة التجديدية المعاصرة له بعض التأثر.
فتجده مثلًا يعيب الشعر العربي القديم بعدم تماسك قصائده بحيث لا تكون وحدة تامة البناء، وبعدم النظرة الشاملة للكون لدى الشعراء، بل نراهم يعنون بالجزئيات دون الكليات، وبقلة التفكير والعمق فيه بوجه عام، استمع إليه حيث يقول:
"حتى الطبيعة تظهر في الشعر العربي كأنها قطع مبتورة من الكون داخلة في الحدود لابسة الثياب، ومن ذلك ينبغ الشاعر وليس فيه من الإحساس إلا قدر نفسه لا قدر جمهوره، وإلا ملء حاجاته لا ملء الطبيعة؛ فلا جرم يقع بعيدًا عن المعنى الشامل المتصل بالمجهول ويسقط بشدة على صور فردية ضيقة الحدود، فلا تجد قوة الإحاطة والتبسط والشمول والتوفيق، ولا تؤاتيه طبيعته أن تستوعب كل صورة شعرية بخصائها فإذا هو على الخاطر المعارض يأخذ من عفوه ولا يحسن أن يوغل فيه، وإذا هو على نزوات ضعيفة من التفكير لا يطول لها بحثه، ولا يتقدم فيها نظره، وإذا نفسه تمر على الكون مرًّا سريعًا، وإذا شعره مقطع قطعًا، وإذا آلامه وأفراحه أوصاف لا شعور وكلمات لا حقائق وظل طامس ملقى على الأرض إذا قابلته بتفاصيل الجسم الحي السائر على الأرض"5 وهذا
__________
1 راجع مختارات، المنفلوطي، وشوقي للأمير شكيب أرسلان.
2 راجع على السفور، ووحي القلم الجزء الثالث.
3 الديوان في النقد والأدب للمازني والعقاد ج1، 2.
4 حافظ وشوقي.
5 وحي القلم الجزء الثالث ص350.
(2/297)

ولا ريب حكم قاس كل القسوة يصدره الرافعي ضد الشعر العربي وهو من هو في دفاعه عن العروبة، ولقد ناقشنا هذا الرأي في كتابنا النابغة الذبياني فلا نرى داعيًا لتكرار ما قلناه ثمة، ولعلك رأيت أن الرافعي لا يقل ثورة عن هؤلاء النقاد الثائرين، ولقد عنى في أول حياته بالشعر، وطمع في أن يكون أمير الشعراء، وهو من شعراء المعاني الذين اهتموا بها كل الاهتمام يؤدونها بأي لفظ تهيأ لهم ولذلك جاء في شعره كثير من السقط، المهلهل النسج.
ويرى الرافعي أن العلم والتجربة وكثرة الأسفار ضرورة للشاعر تغذي فكره وتجدد نشاط خياله وعقله وتلهمه الصور وذلك حيث يقول: "إنما قوة الشعر في مساقط الجو ففي كل جو جديد روح للشاعر جديدة، والطبيعة كالناس. هي في مكان بيضاء وفي مكان سوداء؛ وهي في موضع نائمة تحلم، وفي موضع قائمة تعمل، وفي بلد هي كالأنثى الجميلة، وفي بلد هي كالرجل المصارع، ولن يجتمع لك روح الجهاز العصبي على أقواه وأشد إلا إذا أطعمته مع صنوب الأطعمة اللذيذة المفيدة ألوان الهواء اللذيذ المفيد"1.
وإذا كان الرافعي قد عنى بالعبارة وبالألفاظ حتى نسب إليه أنه من نقاد المدرسة القديمة فإن له نظرات نقدية جديدة في وقت مبكر من حياته الأدبية، وأظهر ما ترى ذلك في كتابه تاريخ آداب العرب، ومن ذلك قوله: "إن جودة الكلام ترجع إلى ما فيه من أسرار الوضع اللغوي الذي تعتمد على إبانة المعنى في تركيب حي من الألفاظ يطابق سنن الحياة في دقة التأليف وإحكام الوضع وجمال التصوير وشدة الملاءمة2.
ولكن هذه الملاءمة لا تعتبر في اللغة ومتعلقاتها بقدر اعتبارها في التوفيق بين أجزاء الشعور وأجزاء العقل على أتمها في الجهتين فيلتقي حينئذ البيان والعقل والشعور3.
__________
1 وحي القلم الجزء الثالث.
2 تاريخ آداب العرب ج7 ص157.
3 نفس المصدر ص285.
(2/298)

وجودة الكلام تكون بتخير حر اللفظ وأنسبه، ويتخير نادر المعنى وتمكنه وتكون بخلوه من الإحاطة والاستكراه والحشو والسفساف، والضعيف والقلق، وبتميزه بالوضوح، وبتوكيد معناه بالترادف ودنو المأخذ، وإصابة السر، وعدم تكلف الصنعة إلا ما جاء عفو البديهة، ثم تمييزه بالسهولة والابتكار بالتناسب الموسيقي في حروفه وكلماته1.
ومن اللمحات النقدية الطريفة منافاته بأن يمثل الشعر المعاني النفسية الخاصة والعامة، وهذه متأثرة بالحياة، وإذن فالشعر تمثيل حقيقي وفي هذا التمثيل خلوده2 وكذلك فهو تمثيل حقيقي للشاعر ولذا فإن دراسة أخلاق الشاعر وحياته عامة مهمة لتفسير شعره.
ورأى أن الشعر لا يتسع لبسط المعاني، فإذا بسطت فيه وشرحت سقطت مرتبته من الشعر وأصبح نظامًا كنظم المتون3 ودعا الرافعي4 إلى الاهتمام بجوهر الشعر وروحه لا إلى قشوره وظواهره، وأن تكون نظرة الشعراء شاملة لا جزئية. وذم التكلف الذي يفرض فيه الفكر على الإرادة، والإرادة على العاطفة، فلا تصدق العاطفة، ولا تخلو من الغلو، وذم كذلك التكلف الذي يأتي من عبادة الأوزان، وتقليد القدماء في صورهم ومعانيهم.
ورأى أن المعاني في الشعر لا تضيء إلا بشعاع من الخيال، ويريد من الشعر أن يكون تصويرًا للطبيعة ملونًا بالعاطفة حتى تؤثر في نفس السامع والقارئ. إلى غير ذلك من الآراء النقدية التي لا تقل تحررًا عن المدارس الجديدة في النقد.
وقد وضح الرافعي طريقه في نقد الشعر وكيف ينظر إليه بقوله: "أنا حين أكتب عن شاعر لا يكون همي إلا البحث في طريقة ابتداعه لمعانيه، وكيف ألم وكيف لحظ، وكيف كان المعنى مَنْبَهَةً له، وهل ابتدع أم قلد، وهل هو شعر بالمعنى شعورًا فخالد نفسه وجاء منها أم نقلًا فجاء من الكتب، وهل يتسع في
__________
1 نفس المصدر ص214، وص224.
2 تاريخ آداب العرب ج3 ص72.
3 رسائل الرافعي ص67.
4 مقدمة ديوان الجزء الثالث الصادر سنة 1908.
(2/299)

الفكرة الفلسفية لمعانيه، ويدقق النظرة في أسرار الأشياء، ويحسن أن يستشف هذه الغيوم التي يسبح فيها المجهول الشعري، ويتصل بها ويستصحب للناس من وحيها، أم فكرة استرسال وترجيم في الخيال وأخذ للوجود كما هو موجود في الواقع؟ وبالجملة هل هو ذاتية تمر فيها مخلوقات معانيه لتخلق فتكون لها مع الحياة نفسها حياة من نفسه أم هو تبعية كالمسمار بين طرفين يكون بينهما وليس منهما ولا من أحدهما"1 وأنت ترى من هذا أن الرافعي يطلب من الشاعر أن يستشف أسرار الحياة وأن يبتكر المعاني ويجدد فيها ويشعر بالوجود شعورًا عميقًا يخالط نفسه، وتراه لا يستحسن الأدب الواقعي الذي ينقل الحياة كما هي دون أن يتأثر بها، ويرى الرافعي أن حركة التجديد في الشعر قد أفادته على الرغم مما بها من سوءات، ومما جرته على الشعر. واستمع إليه يقول: "وعلى ما نزل بالشعر العصري فقد استقلت طريقته وظهر فيه أثر التحول العلمي والانقلاب الفكري وعدل به أهله إلى صورة الحياة بعد أن كان أكثر صورًا من اللغة، وأضافوا به مادة حسنة إلى مجموعة الأفكار العربية؛ ونوعوا منه أنواعًا بعد أن كان كالشيء الواحد، واتسعت فيه دائرة الخيال بما نقلوا إليه من المعاني المترجمة من لغات مختلفة"2.
وللرافعي غير ذلك آراء كثيرة في نقد الشعر تحتاج إلى فصل خاص فحسبناه ما ذكرناه.
وظلت الصياغة وجودتها تجد من يدافع عنها، وعن طريق الموسيقى في الشعر من أمثال الزيات3 والرافعي، والمنفلوطي وأساتذة دار العلوم والأزهر.
وكانت الثمرة الطبيعية لكل هذه الآراء في النقد وفي توجيه الشعر أن تعددت مدارسه: فمدرسة أثرت الشعر التقليدي العربي في روحه ومعانيه، وتشبيهاته وأخيلته، وموضوعاته وصياغته، وإن لم تنج من التأثير بمظاهر الحضارة، والنهضة القومية، وتوجيه النقاد، ومن هؤلاء عبد المطلب، توفيق
__________
1 وحي القلم ج3 ص350.
2 وحي القلم ج3 ص379.
3 راجع دفاع عن البلاغة ووحي الرسالة ج1، 2.
(2/300)

البكري، والجارم، وإسماعيل صبري، وحافظ إبراهيم، وأحمد محرم ومدرسة جمعت بين القديم والجديد، أخذت من الأول حسن الصياغة، وطريقة القصيدة، وتأثرت بالشعراء القدامى في موسيقاهم ومعانيهم، وعارضتهم، وأخذت من الجديد بطرف في الموضوعات، والتشبيهات، وأحيانًا في القالب، وانفعلت بحوادث عصرها من مثل شوقي وعلي محمود طه المهندس، ومدرسة قلدت، ثم جددت باعتدال دون خروج في الجملة على قواعد اللغة من أمثال مطران، وشكري والعقاد والمازني وأبي شادي، والصيرفي، وشيبوب؛ ومدرسة آثرت أن تنحو النحو الغربي وتهجر كل ما يمت إلى الشعر العربي بصلة، ومن هذه المدرسة بعض شعراء المهجر.
أما شعراء الشباب ففيهم نزعات كثيرة لم تتركز بعد، وهم يقلدون عدة مدارس غربية تقليدًا لم يصدروا فيه عن حاجة طبيعية، أو ضرورة اجتماعية، أو سياسية كما فعل شعراء أوربا بل أمعنوا في التجديد والتقليد فصار منهم الرمزيون والرياليون، والواقعيون، والصوريون إلى غير ذلك من المذاهب التي ما أنزل الله بها من سلطان في مصر.
وجدت منذ سنوات معدودة بدعة النظم بالشعر الحر المبني على التفعيلة ففيه ضرب من الموسيقى ولكنه متحرر من القافية والبحور، وأغلب الذين أقبلوا عليه من شعراء الشباب والشادين في الأدب، ولا يزال في موضع التجربة، ولم يأت بعد الشاعر القوي الذي يلفت الأنظار إليه ويجذب الأسماع نحوه ويضع هذا الضرب من الشعر في منزلة الأدب الرفيع، ولنا إلى كل هذه المذاهب عودة عند الكلام على مدارس الشعر في الأجزاء التالية إن شاء الله.
ورأى بعض العلماء حين تعددت مذاهب النقد، ومدارس الأدب، وتناول النقد الأدبي من لا يستطيعه، ومن لا يحكم فيه إلا ذوقه، الذي قد يكون مصقولًا يغذيه علم وسعة اطلاع، وقد لا يكون مصقولًا، ولا يعرف شيئًا من الأدب العربي القديم أو الحديث، رأى هؤلاء العلماء أن الحاجة ماسة إلى وضع كتب في النقد الأدبي وتبيان أصوله، فترجم الدكتور محمد عوض "النقد الأدبي" لأبر كرومبي،
(2/301)

ووضع الأستاذ أحمد الشايب كتاب أصول النقد الأدبي متأثرًا بكتاب Winchester في أصول النقد، وظهر في السنوات الأخيرة "في الأدب والنقد" و"الميزان الجديد" للدكتور محمد مندور، و"من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده" لمحمد خلف الله، و"دراسات في علم النفس الأدبي" لحامد عبد القادر، و"الأصول الفنية للأدب" لعبد الحميد حسن، والمدخل إلى النقد الحديث للدكتور غنيمي هلال.
(2/302)

الفصل الرابع: الشعر بعد البارودي
...
الفصل الرابع: شعر بعد البارودي
وثب البارودي بالشعر وثبة عالية ردت إليه ديباجته المشرقة المتينة، وأغراضه الشريفة، ومعانيه السامية، وحررته -كما ذكرنا- من الغثاثة والركة، وقود البديع المتصنع وحلاه المسترذلة، وكان للبارودي مدرسة قوية تتلمذ عليه فيها شعراء نجباء، فجاروه في متانة أسلوبه والبعد عن مظاهر الضعف، واختلفوا بعد ذلك عن أستاذهم تبعًا لاختلاف ثقافتهم، ومواهبهم الشعرية وتأثرهم بأحداث زمانهم.
كثر عدد الشعراء بمصر في مستهل القرن العشرين، والربع الأول منه، وقد تباينوا حظًّا في الشهرة وإدراك المجد، وخلفوا لنا جميعًا تراثًا زاخرًا بالثروة الأدبية، جعل مصر في مقدمة الأمم العربية في الشعر، وقد تضافرت عدة عوامل عامة على تجويدهم، وبروزهم ذكرناها آنفًا؛ وخير شعراء العصر الحديث هم المخضرمون الذين أدركوا القرن التاسع عشر، وشهدوا النهضة في مستهلها، وتثقفوا ثقافة عربية قوية في بدء نشأتهم، ثم عاشوا في القرن العشرين ردحًا من الزمن، وشهدوا الوثبات الوطنية الرائعة والأحداث المحلية المثيرة، والتطور العلمي فكرًا ومادة.
وإذا نظرنا إلى الشعر في هذه الحقبة نظرة عامة من حيث أغراضه نجد بعض القديم منها قد اندثر، وعفى عليها الزمن، وبعضها قد تجددت معانيه، ودبت فيه روح جديدة، وبعضها قد ابتكر، ولم يعرف عنه العرب الأولون شيئًا.
فمن الأغراض التي كانت رائجة في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن العشرين، وكان لها شأن كبير في شهرة الشاعر، وحظه من المجد -المديح- ولا نجد شاعرًا مخضرمًا لم يمدح؛ وكانت جهات المديح متعددة، فالخليفة في الأستانة ينتظر من شعراء العربية المسلمين -بل وغير المسلمين- أن يرفعوا إليه مدائحهم ويصفونه فيها بكل جليل عظيم من المكرمات وهو عنها عار ومنها براء، والأمير في مصر قد جعل له شاعرًا خاصًّا يتغنى بأعماله ويشيد بذكره في كل مناسبة، والوزراء والعظماء ينتظرون من الشعراء مثل هذا المديح وقد غالى
(2/305)

الشعراء في مديحهم، وساروا فيه على سنن الأقدمين من افتتاح القصائد بالغزل المتكلف، ثم وصف الممدوح بالكرم والشجاعة وغير ذلك من الصفات التي استنفد شعراء الماضي كل معانيها. ولقد كان هذا الغرض هدفًا لهجمات النقاد المريرة، ولوم الشعراء لومًا شديدًا على عكوفهم عليه في عصر يجب أن يتطلع فيه الشاعر إلى الشعب لا إلى الأمراء والخلفاء، ويجب أن يبنى مجده على شاعريته ومواهبه باستنباط المعاني الجديدة، ومجاراة الحياة التي يعيش فيها، لا على التمسح بأعتاب الملوك والأمراء، وبنظراته العامة إلى الإنسانية لا بنظراته الفردية المحلية، وقد أثمرت هذه النقدات ثمرتها، وانصرف معظم الشعراء الذين كلفوا بالمديح الشخصي حينًا إلى غيره من أغراض الشعر، وإذا مدحوا فلبطولة فائقة، أو لغرض شعبي عام، أو لعمل وطني جليل، أو ذهبوا إلى التاريخ يستوحون أمجادهم ومفاخرهم والمدح كما يقول الرافعي1: "إذا لم يكن بابًا من التاريخ الصحيح لم يدل على سمو نفس الممدوح بل على نفس المادح، وتراه مدحًا حين يتلى على سامعه، ولكنه ذم حين يعزى إلى قائله، وما ابتليت لغة من اللغات بالمديح والرثاء والهجاء ما ابتليت هذه اللغة العربية".
ومن الأغراض التي أماتها استنكار النقاد، والعرف العام، والحياة العصرية وما فيها من قوانين مدنية تعاقب المعتدين على أعراض الناس، النهاشين لها: الهجاء. ولم يبق منه إلا مداعبات لطيفة فيها تهكم وسخرية وتصوير، لا تتناول المحارم والأعراض، ولا تقذع ولا تفحش، وإنما تعتمد على النكتة اللاذعة، والتصوير البارع، وإذا احتدم الهجاء بين الشعراء أفحشوا ولكنهم يستحيون من تدوينه وإنما يتناقله الرواة شفاها، وكأنهم يخشون أن يؤثر عنهم في عصرنا هذا.
ومن الأغراض التي كادت تندر: الحماسة، وإذا كان البارودي قد أبدع في الحماسة وأعادها قوية مشبوبة الأوار، لماعة السيوف كما كانت في عهد البطولة العربية الأولى، فإنه كان فارسًا خاض غمرات الحروب، وشهد المعامع وصيال
__________
1 وحي القلم ج3 ص384.
(2/306)

الخيول، وقصف المدافع، أما الذين أتوا بعده فإن أتوا بشيء من الحماسة في شعرهم فذلك عن تقليد لا عن أصالة، وكثيرًا ما تثير ذكريات الماضي وما فيها من صورة رائعة للبطولة والحماسة في نفوسهم، فيصفون هذا الماضي، وما كان فيه من أحداث جليلة، وما قام به الفرسان من أعمال. على أن هناك ما صرفهم عن الحماسة، وأشبع نفوسهم من هذه الناحية ألا وهو الشعر الوطني القومي، سنأتي على ذكره بعد قليل.
ومن الأغراض التي اضمحلت. وخبا بريقها من قصائد، وقد كان لها شأن أي شأن في القدم، وعند البارودي: الفخر، كان الشعراء في الجاهلية، وفي الإسلام فرسانًا شجعانًا أشرافًا، فكان من الطبيعي أن يتغنوا بمفاخرهم ومفاخر قبائلهم، وأعمالهم، ثم افتخر الشعراء بعد ذلك بشعرهم وباهوا بمواهبهم ولكن العصر الحديث بعد بالشاعر عن ميادين القتال، ولم يعد ذلك الشاعر الذي يدل بأعماله من كرم ونجدة، ويدل بأعمال قبيلته، بل انقلب الفخر إلى شيء آخر هو ما سيظهر في الشعر الوطني، يشيد فيه الشاعر بأمجاد أمته وتاريخها كما فعل شوقي مثلًا في ملاحمه العربية والإسلامية.
أما الغزل فقد احتل المقام الرفيع عند الشعراء، وإن سار كثير منهم في أول الأمر سيرة الأولين وقلدوهم في الأوصاف المادية، وفي تشبيهاتهم، ولكنه ما لبث أن دخل عليه شيء كثير من تحليل العاطفة، وتصوير نزوات النفوس، وفتقت فيه المعاني. وإن جنح عند بعض الشعراء المحدثين الذين ظهروا في أعقاب الحرب العالمية الأولى حتى اليوم، إلى الشهوة والتخنث والإسفاف.
ولقد تبين الشعراء في هذا الفن فمنهم من تكلفه تقليدًا للقدماء، إرضاء لفنه الشعري دون أن يصدر عن عاطفة أو هوى، ولذلك جاء شعرًا جافًّا من الأحاسيس تلمس فيه أثر الصنعة، ومنهم من صدر فيه عن نار مشبوبة بين جوانحه معنى جميلًا، ونظمًا رقيقًا، وصورًا زاهية طلية، وتنبض بالحياة لا تماثيل جامدة لا تتحرك ولا تحس فيها أثرًا من الشعور. وقد اشتهر من بين شعراء الغزل شوقي، وإن كانت الصنعة والتكلف، وفقدان العاطفة قد غلب على ما قاله، كما اشتهر به إسماعيل صبري وهو كذلك لا يصدر عن وجدان صادق كما سترى في ترجمته.
(2/307)

وممن اشتهر بالتجديد في هذا المضمار، وبرع فيه براعة فائقة حتى سمى نفسه أو سماه الناس: شاعر الهوى والجمال مصطفى الرافعي. وله فيه معان علوية خالدة بعضها شعرًا منظومًا، وأكثرها شعرًا منثورًا.
ومن قصائده في الغزل هذه القصيدة، وهو يعبر فيها عن حاله وأنه كان متعففًا في حبه تعصمه أخلاقه ودينه، ولذلك اشتدت صبوته وحرمانه.
وهو في هذه القصيدة ينعى على هؤلاء الذين يحبون ونفوسهم تطفح بالشهوة وفي هذا ازدراء للحبيب، فالحب تضحية وعبادة.
من للمحب ومن يعينه ... والحب أهنأه حزينه
أنا ما عرفت سوى قسا ... وته فقالوا كيف لينه
إن يُقْضَ دين ذَوي الهوَى ... فأنا الذي بقيت ديونه
قلبي هو الذهب الكريـ ... فلا يفارقه رنينه
قلبي يحب وإنما ... أخلاقه فيه ودينه
يا من يحب حبيه ... وبظنه أمسى بهينه
وتعف منه طواهر ... لكنه نجس يقينه
إن تنقلب لص العفاف ... لمن تحب فمن أمينه
ما لذة القلب المدلـ ... ـه لا يطول به حنينه؟
الحب سجدة عابد ... ما أرضه إلا جبينه
الحب أفق طاهر ... ما إن يدنسه خَئُوبَه
ومنهم عبد الرحمن شكري وكان بئيسًا في حبه كثير الشكوى والوله فيه معانٍ جديدة وطريفة، من ذلك قوله:
ليس جسمي بالذي ترون ولكن ... ذاك قبر لما تكن الضلوع
من شجون ولوعة وادكار ... وهموم تنم عنها الدموع
وقوله:
شكوت إليه ذلتي فتحكما ... وأرسلت دمعي شافعًا فتبرما
(2/308)

وقال له الواشون أنت وصلته ... ببعثك طيفًا في الكرى فتظلما
وخبر أني قد تخيلت أنني ... تزودت منه قبله فتألما
وخبر أني سوف أخلس نظرة ... إليه فأضحى بالحياء ملثما
وإني لأهوى أن أموت لعله ... إذا مر ذكري في الحديث ترحما
وكان غزله كله يفصح عن حرمان وألم.
ومن هؤلاء الذين نسجوا على هذا المنوال، وكان غزلهم نغمًا حزينًا وألمًا وشجنًا إبراهيم ناجي، وفي قصيدة "المودة" يتغنى بذكرياته الحزينة لمرتع صباه ومجالي لهوه وما كان له من حب ذوى قبل أوانه.
رفرف القلب بجنبي كالذبيح ... وأنا أهتف يا قلب اتئد
فيجيب الدمع والماضي الجريح ... لِمَ عدنا؟ ليت أنا لم نعد
لم عدنا؟ أَوَلَمْ نطوِ الغرام ... وفرغنا من حنين وألم
ورضينا بسكون وسلام ... وانتهينا لفراغ كالعدم
موطن الحسن ثوى فيه السأم ... وسرت أنفاسه في جوه
وأناخ الليل فيه وجثم ... وجرت أشباحه في بهوه
والبلى أبصرته رَأيَ العيان ... ويداه تنسجان العنكبوت
صحت: يا ويحك تبدو في مكان ... كل شيء فيه حتى لا يموت
كل شيء من سرور وحزن ... والليالي من بهيج وشجى
وأنا أسمع أقدام الزمن ... وحطى الوحدة فوق الدَّرَج
أما الخمر ومجالس اللهو: فقد برع فيها طائفة من الشعراء من أمثال شوقي وعلي محمود طه، وحافظ، إلا أن شوقي أجاد وصف المراقص العصرية في خمرياته، وأجاد علي محمود طه في وصف أويقات الأنس في مغاني أوربا وأبدع في تصويرها.
ومن ذلك قوله يصف ليلة قضاها على ضفاف نهر "الراين":
كنز أحلامك يا شاعر في هذا المكان
سحر أنغامك طواف بهاتيك المغاني
فجر أيامك رفاقك على هذي المحاني
أيها الشاعر هذا الرَّاين، فأصدح بالأغاني
(2/309)

كل حي وجماد هاهنا ... هاتف يدعو الحبيب المحسنا
يا أخا الروح، دعا الشوق بنا ... فاسقنا من خمرة الرين اسقنا
عالم الفتنة يا شاعر أم دنيا الخيال
أمروج علقت بين سحاب وجبال؟
ضحكت بين قصور كأساطير الليالي
هذه الجنة فانظر أي سحرٍ وجمال
يا حبيب الروح يا حلم السنا ... هذه ساعتنا، قم غَنِّنَا
سكر الشاق إلا أننا ... فاسقنا من خمرة الرّين اسقنا
ومن الأغراض التي صار لها مقام مرفوع في الشعر الحديث الوصف بعامة، ووصف الطبيعة بخاصة والوصف من أسمى ضروب الشعر، لا تتفق الإجادة فيه والإكثار منه إلا إذا كان الشعر حيًّا، وكانت نزعة العصر إليه قوية، وكان النظر فيه صحيحًا. والإجادة في الوصف تدل على شاعرية قوية؛ لأن الشاعر لا تدفعه إليه رغبة أو رهبة، وإنما يدفعه إليه انفعاله وحساسيته بما يحيط به. وقد اختلف الشعراء في نظرتهم إلى الطبيعة اختلافًا بينًا: فمنهم من يرى وجهها الضاحك، ورياضها المزدهرة، وأطيارها المفردة، وشمسها الضاحية، ونجومها الزاهية، ومروجها الخضراء، ومياهها الندية، وأريجها الشذى، ومنهم من يرى وجهها العابس، فلا يحس إلا ليلها الأسود، وسماءها الملبدة بالغمام، وريحها الزفوق وأعاصيرها الجارفة، وبراكينها التي تصب الحمم، وزلازلها المدمرة، وأمطارها العنيفة، ومفاوزها المهلكة.. إلى غير ذلك، ومنهم من يراها في كلا وجهيها، فينتشى طربًا حين تصفو وتحلو وتشرق، ويكتئب حين تزمجر وتغضب، وترينا وجهها الكالح، ثم هو بعد ذلك كله يختلفون في تصويرها فبعضهم يصور ما في الطبيعة تصويرًا ماديًّا محسوسًا كأنه آلة تصوير، يزخرف، ويشبه، ويغص شعره بشتى ألوان الاستعارات مثل البارودي وتوفيق البكري، ومثل شوقي في وصف لبنان ودمشق، وبعضهم يبعث في الطبيعة.
(2/310)

روحًا حية، ويكتنه أسرارها ويغوص في أعماقها، ويصورها ملونة بعاطفته الخاصة، وحسبما يوحي إليه خياله المجنح فينطقها، ويشخصها كوصف شوقي لرحلة في قصيدته المشهورة:
يا جارة الوادي طربت وعادني ... ما يشبه الأحلام من ذاكراك
ومثل معظم أوصاف مطران في الطبيعة وقد زاد نظراته الشاملة العامة للكون، وللإنسانية وما يرجى فيها من خير وشر، وعدل وظلم، مثل قصيدته: في المساء، ووردة نبتت في سفك دماء. والنوارة، وفي الغابة، وغصن من زهر المشمش، ومثلها وصف شوقي للجيزة أو الجزيرة، أو وصفه للآثار المصرية التي تشبه الطبيعة لقدمها.
ومن الشعراء الذين احتذوا حذو الغربيين في نظراتهم الشاملة للكون وللإنسانية جمعاء حين يصفون الطبيعة: جبران، وإيليا أبو ماضي وكثير من شعراء المهجر محتذين في ذلك حذو شعراء الغرب.
وقد يقف الشعراء على آثار الأمم الماضية، ومشاهد العمران فيغوصون في أعماق التاريخ ويصورونه تصويرًا بارعًا، وقد فاق شوقي سواه في هذا المضمار.
وقد وصف الشعراء المعارك الحديثة، ولكنهم للأسف قلما جددوا في أساليبهم وتشبيهاتهم فتجدهم يتحدثون عن السيوف والرماح والدروع والمغافرن وينسون أن الحرب الحديثة فيها المدافع والمدرعات والطائرات والغواصات، وأنها تجتاح كل البشرية لا ينجو منها ومن عواقبها محارب أو مسلم من: غلاء وضيق وظلمة، وتقيد للحريات، وتدمير شامل للمدن، وقد تعرض شوقي لمثل هذه المعارك، ولكنه لم يجدد إلا بقدر يسير.
ومن الأغراض التي امتدت واتسعت وراجت الرثاء، وقد كان في بادئ الأمر مقصورًا به التزلف فلا يرثي إلا ملك أو أمير، ثم خرج عن ذلك إلى رثاء العظماء الذين أسدوا إلى بلادهم خدمات جليلة، وصار رثاء فيه تصوير للمرثي وأعماله، ولا يصلح لسواه من الناس كما كان الحال من قبل حيث كان الرثاء يصلح لكل
(2/311)

ميت، ولم يقف رثاء الشعراء على الأشخاص بل تعداهم إلى رثاء الدول والمدن، كما فعل شوقي في رثاء أدرنه، وعند زوال الخلافة.
ولقد حظي التاريخ بعناية الشعراء وهو من الأغراض المستحدثة، ونظم فيه الشعراء ملاحم قوية، كهمزية شوقي التي أنشدها في مؤتمر المستشرقين، وكقصائده في دول العرب وعظماء الإسلام، وكقصيدته البائية في وصف الحوادث العثمانية.
وكان شوقي احتفاء زائد بالتاريخ إذ كان يرى فيه معلمًا عظيمًا، وكنزًا كريمًا وهو القائل: الشعر ابن أبوين: الطبيعة والتاريخ، وكان له مقدرة على استحضار مشاهده واضحة زاهية وتراه يرجع بك إلى الماضي كأنك تراه:
أفضى إلى ختم الزمان فقضَّه ... وحبا إلى التاريخ في محرابه
وطوى القرون القهقري حتى أتى ... فرعون بين طعامه وشرابه
فترى الزمان هناك قبل مشيبه ... مثلَ الزمان اليوم بعد شبابه
ومن الأغراض التي تقدمت بعد البارودي: الشعر القومي وهو يشمل الوطنية والاجتماع ولقد رأينا البارودي يقف عند الحوادث الخاصة التي تأثر بها والتي في نفسه، ولكن الأحداث التي مرت بمصر، والاحتلال ومصائبه، والمطالبة بالدستور، ثم الثورة الوطنية العامة سنة 1919 قد نبهت الشعراء إلى معان جديدة وأغراض حديثة في الشعر القومي كما مر بك في غير هذا الموضوع.
فالوطنية تشمل: الأناشيد الحماسية، وتصوير الفظائع التي ارتكبها الغاصب، والمناداة بالاستقلال، والتحرر من ربقة الأجنبي، والحث على الثورة، وتصوير الصدام بين جنود الاحتلال، والوطنيين المجاهدين. ولقد خاض معظم الشعراء في هذا الميدان، وبرع كثير من الشعراء فيه كشوقي، وحافظ، وأحمد محرم، والكاشف، وعبد المطلب، والجارم، والرافعي ولم يبق إسان يستطيع قول العشر، وليس له في هذا الميدان نصيب حتى مصطفى كامل، وهو من الخطباء والكتاب البارعين في الوطنية أبت عليه حماسته إلا أن يقول نشيدًا في الوطنية أثبتنا طرفًا منه هنا لطرافته ولأنه من بواكير قلمه.
(2/312)

هلموا يا بني الأوطان طرا ... لنرجع مجدنا ونعز مصرا
هلموا أدركوا العلياء حتى ... تنال بلادنا عزًّا وفخرًا
هلموا اتركوا الشحناء منكم ... وكونوا أوفياء فذاك أحرى
أليس يشيننا ترك المعالي ... تباع يغير وادينا وتشري
ونحن رجالها وبما لديها ... من الإسعاد والخيرات أدري
فعار أن نعيش بغير مجد ... ونبصر في السماء شمسًا وبدرًا
وعار أن يكون لنا وجود ... ويحظى غيرنا فوزًا ونصرا
وقد مر بك في غير هذا الموضع من الكتاب موقف الشعراء إزاء الوطنية المصرية وتفاعلهم معها كما مرت بك نماذج كثيرة في هذا الموضوع.
ومن الشعر القومي: الشعر الاجتماعي، ويراد به تصوير عيب من عيوب المجتمع، والحث على تلاقيه من ذلك قول الشيخ نجيب الحداد في وصف القمار:
قد اختصروا التجارة من قريب ... فعدم في الدقيقة أو يسار
كأن وجوهم ندمًا وحزنًا ... كساها لون صفرته النضار
فبينا تبصر الوجنات وردًا ... إذا هي في خسارتهم بهار
عصائب لا يود المرء فيها ... آخاه ولا يراعى الجارَجار
يلاحظ بعضهم بعضًا بعين ... يكاد يضيء أسودها الشرار
فكم غصبوا على الأيام ظلمًا ... وكم حنقوا على الدنيا وثاروا
وكم تركوا النساء تبيت تشكو ... وتسعدها الأصيبية الصغار
تبيت على الطوى ترجو وتخشى ... يؤرقها السهاد والانتظار
فبسئت عيشة الزوجين حزن ... وتسهيد وهجر وافتقار
وبئست خلة الفتيان هم ... وأتعاب وخسران وعار
والتعرض لمشكلة اجتماعية، أو الإشادة بمظهر جديد من مظاهر النهضة ورقي الأمة يعتبر كذلك من الشعر الاجتماعي، وقد أكثر الشعراء من الكلام على الأخلاق، وتصوير العيوب الخلقية التي ورثناها من عهود الضعف والاحتلال، أو من مفاسد المدينة الحديثة، كما أكثروا من الحث على التحلي بالفضائل، وحضوا
(2/313)

على تحرير المرأة، أو قاوموا تحريرها، كل حسب ميوله ونظرته وبيئته، وحثوا على تشييد المعاهد، والمستشفيات، والملاجئ، وعالجوا مشكلة الفقر والغنى، وتكلموا عن الحريات والدستور، والطيران، وتقدم الأمة اقتصاديًّا وإنشائها المصارف، والشركات ودور الصناعة ونهضتها في الملاحة، ولم يدعوا ظاهرة سيئة أو حسنة تهم الشعب اجتماعيًّا إلا كانوا لسان الشعب المعبر عنها أسفًا أو سرورًا.
ولم يكن للشعر الاجتماعي منزلة كبيرة في الأدب العربي القديم، وإنما كان يتمثل في أبيات الحكمة والأمثال، والشكوى من الناس والزمان وتصويرهم من وجهة نظر الشاعر، وهو لا يصور عادة حسناتهم، وإنما ينعي عليهم أخلاقهم، وموقفهم منه ومن آماله كما فعل المتنبي، وأبو العلاء، والبارودي. وأنت ترى أنه قد اتسع اتساعًا عظيمًا في الشعر الحديث، وتشعبت غاياته وموضوعاته، كما تعددت طرق التعبير عنه، فمن قصيدة، أو قصة شعرية كقصة "الجنين الشهيد" ومقتل بزر حمهر، وفنجان قهوة لمطران وغيرهما، أو رواية تمثيلية تصور فيها الشخصيات المتعددة، المتباينة الطباع والعادات والأخلاق والغايات. وقد برع في الشعر الاجتماعي شوقي، وحافظ. ومطران على تفاوت بينهم في الموضوع والأسلوب على نحو ما بيناه آنفًا.
ومن الأغراض التي أفاض فيها الشعراء في العصر الحديث: الشعر الديني فمن زهاد متعبدين يحثون على التقوى، وترك الموبقات، والتمسك بالفضيلة وعدم الانخداع بالدنيا وزخرفتها، إلى شعراء يتغنون بفضائل النبي صلى الله عليه وسلم، ويتقربون إلى الله بمدحه، ويستشفعون به، ويستحثون أمهم على استرجاع مجدهم القديم، وعزهم الزائل، وقد كثروا من الكلام في مطلع كل عام هجري احتفاء بالهجرة، وجعلها موعظة وذكرى للأمم التي تنشد الحرية، وشاع فيها الفساد، كما اتخذوا من سير بعض الصحابة موضوعًا شعريًّا سجلوا فيه فضائلهم، وما قدموه للإنسانية كعمرية حافظ وعلوية عبد المطلب.
ومن الشعر الديني: إلياذة أحمد محرم التي صور فيها جهاد النبي عليه السلام في سبيل الدعوة، وما لاقاه أنصاره من تعذيب وإيذاء في مبدأ الدعوة
(2/314)

وبطولتهم الفائقة في الغزوات العديدة، وأخلاقهم الكريمة في معاملاتهم لأعدائهم وقد ألف بعض الشعراء الشبان قصصًا مسرحية شعرية في غزوة بدر، وأحد، وفتح مكة ومن أشهرهم محمد يوسف المحجوب.
وثمة جماعة رق دينهم، وفتنتهم العلوم الحديثة، فاستهزءوا بالدين وسخروا منه، أو شكوا فيه، وآخرون نقموا على رجال الدين جمودهم، وساء ظنهم بهم. وأكثر هؤلاء من غير المصريين الذين اتخذوا هذه الديار موطنًا لهم من أمثال فرح أنطون، والدكتور شميِّل.
ومما جدد فيه الشعراء من الأغراض القديمة: الشعر التعليمي، وقد كثر من قبل في منظومات العلوم كالنحو والصرف، والعروض، والتوحيد وغيرها، ثم استخدمه محمد عثمان جلال في نظم الخرافات والحكايات، وجاء شوقي فأربى عليه في هذا الباب وجدد في موضوعات الشعر التعليمي، ويصح أن نعد منه كتاب "دول العرب وعظماء الإسلام". ولحافظ بعض الشعر في هذا النوع. على أنه انتشر انتشارًا بعد شوقي حتى صار عندنا منه الشيء الكثير وأغلب الذين برعوا فيه هم المشتغلون بالتدريس للأطفال.
ومن الأغراض التي برع فيها الشعراء المحدثون: الوجدانيات، وأظهرها الشكوى، وبث لواعج النفس وآلامها وأحزانها، ومناجاتها، وقد شكى البارودي وتألم من منفاه، ولكن من أتى بعده ممن تعرف على الثقافة الغربية، وقرأ شعر بيرون وشيلي، ووردسورث، وهاردي، وويتمان في الإنجليزية، وبودلير، ويول فاليري وغيرهما في الفرنسية أفاض في هذه النفسيات التي ينفس بها عن آلامة وأحزانه، وصرت تسمع من مطران قصائده: "مشكاة بيني وبين النجم"، وقصيدة "ساعة يأس أو الأسد الباكي" و"المساء" وغيرها، وقد كثر هذا في شعر شكري والمازني والعقاد وأحمد زكي أبو شادي، ومعظم شعراء الشباب، واستمع إلى العقاد في شكواه:
(2/315)

ظمآن ظمآن لا صوب الغمام ولا ... عذب المدام ولا الأنداء ترويني
حيران حيران لا نجم السماء ولا ... معالم الأرض في الغمام تهديني
يقظان يقظان لا طيب الرقاد يدا ... نيني ولا سمر السمار يلهيني
غصان غصان لا الأوجاع تبليني ... ولا الكوارث والأشجان تبكيني
شعري دموعي وما بالشعر من عوض ... عن الدموع نفاها جفن محزون
يا سوء ما أبقت الدنيا لمغتبط ... على المدامع أجفان المساكين
هم أطلقوا الحزن فارتاحت جوانحهم ... وما استرحت بحزن فِيّ مدفون
أسوان أسوان لا طبَّ الأساة ولا ... سحر الرقاة من الأدواء يشفيني
سأمان سأمان لا صفو الحياة ولا ... عجائب القدر المكنون تغنيني
أصاحب الدهر لا قلب فيسعدني ... على الزمان ولا خل فيأسوني
يديك فامح ضني يا موت في كبدي ... فلست تمحوه إلا حين تمحوني
أو استمع إلى المازني في "وصية شاعر" والتي يقدم لها بقوله:
هذه وصية بشعة في رأي الكثيرين ولا ريب، وسيعتدونها دليلًا على الحزن ولؤم النفس، وربما ذهبوا إلى أبعد من هذا الحد، فأخذوا الأدب الحديث كله بجريرتي في هذه القصيدة، وفيها يقول:
سترخي على هذه الحياة الستائر ... وتطفأ أنوار ويقفز سامر
فهل راق هذا الخلق قصة عيشتي ... وماذا يبالي من طوته المقابر
تركت لهم من قبل موتي وصية ... نظير التي أوصت بها لي المقادر
وهبت لأعدائي إذا كان لي عدى ... همومي وما منه أنا الدهر ثائر
وأوصيت للمحبوب بالسهد والضنى ... وبالدمع لا يرقا ولا هو هامر
وبالجدري في وجهه ليزينه ... وبالعرج المرذول والله قادر
وبالضعف والإملاق واليأس والجوى ... وبالسقم حتى تتقيه النواظر
وللشيب بالأوجاع في كل مفصل ... وبالثكل في الأبناء والحد عائر
وكل سقام قد تركت لذي الصبا ... وما كنت منه في الحياة أحاذر
وللناس ألوان الشقاء وإنني ... إذا مت لا آسى على من يخامر
(2/316)

وهي وصية تدل على نفس قد أداها الدهر، ولها عند كل إنسان وتر، فهي توصي لهم بكل شر وضر، ولعل فيما أصاب المازني في حياته ما جعله ساخطًا كل السخط في هذه القصيدة، وقد أشار فيها إلى عرجه الذي كان شديد الحساسية به.
وباب الوجدانيات بحر لا ساحل له؛ لأن عواطف النفس الإنسانية تتجدد بتجدد الأيام والحياة، وما فيها من سرور وآلام وابتسامات ودموع، وضحكات وآهات، ولا نغالي إذا قلنا: إن معظم شعراء الشباب في عصرنا الحاضر لا هم لهم إلا بث لواعج نفوسهم، والشكوى من زمنهم ومن الحياة، لذلك جاء شعر أكثرهم حزينًا باكيًا متشائمًا منبعثًا عن نفسيات في اليأس أو لا تقوى على احتمال الآلام. وقد تغير الحال نوعًا ما بعد ثورة 23 يوليو 1952. وانتصاراتها المتتالية الداخلي والخارجي، وتبنيها القضايا العربية وقايم الوحدة بين مصر وسوريا مما أوجد لدى شباب الشعراء مادة غزيرة تثير حماستهم وتلهب مشاعرهم وتحرك طموحهم لمجد أمتهم، وتشعرهم بمستقبل بسام ووحدة شاملة للعالم العربي، فتغيرت النغمة الحزينة لدى الكثيرين من الجيل الصاعد، ولم يعد الأفق أمامهم مظلمًا، ولا المستقبل معتمًا، ولم يعد ثمة مجال لاجترار أحزانهم ونشر مآسيهم إلا قلة متخلفة ران اليأس على أفئدتها.
أما من حيث الأسلوب فقد جرى الشعراء في أول الأمر مقلدين للقصيدة العربية، محافظين على الأوزان التي ورثناها عن العرب، ولكنهم ما لبثوا أن افتنوا في أنواع الموشحات وخرجوا بها عن أصولها المعروفة، حتى صاروا بها إلى مسدسات، ومسبعات ومثمنات، دون أي التفات إلى عدد الإقفال والأبيات. وإن راعوا نمطها في الوزن والتقفية.
ولما اشتد تأثرهم بالأدب الغربي في القرن العشرين أخذوا ينظمون القصيدة مقطعات، تختلف في عدد أبياتها حينًا، وتتفق حينًا آخر، ولكل مقطعة قافية تستقل بها عن أخواتها. ومنهم من جرى على أسلوب الشعر الغربي في تثنية قوافيه، وتقطيعه وتفصيله، وآثر البحور الخفيفة الرشيقة، ومنهم من أهمل
(2/317)

القوافي والأوزان، أو حافظ على الأوزان دون القوافي، وهو ما يسمى بالشعر المرسل ومن حافظ على القوافي وأهمل الأوزان، وسموا هذا الأخير الشعر المنثور وقد تكلمنا عنه آنفًا، ومن أمثلة الشعر المرسل، وهو الموزون غير المقفى بعض ما ترجمه محمد فريد أبو حديد من روايات شكسبير فمن ذلك مناجاة روميو لنفسه حين رأى جوليت فيحفل راقص لأول مرة:
نورها الباهر في لمعته ... جعل الأنوار تزداد سنا
وبدت في صفحة الليل كما ... يلمع الجوهر في قرط الزنوج
إن هذا الحسن لا أحسبه ... حسن أهل الأرض حاشا أن يكون
ثم يراها في الشرفة تنظر إلى القمر مفكرة فيحدث نفسه وهو ينظر إليها:
أي نور يتلال ... باهرًا من خدرها
إن هذا أفق الشرق وقد ... أشرقت جوليت من أعلاه شمسًا
أيها الشمس تعالى في السماء ... واقتلى بدر الدجى من غيظه
فهم يبدو شاحبًا في حقده ... مذ رأى حسنك أبهى منظرًا
ليتني كنت في يديها شعارًا ... أو غطاء أمس تلك الخدودا
فإذا سمع صوتها صاح:
أسمعي صوتك حلوًا أسمعي ... يا ملاكًا من ضياء الأفق
أنت في الليل تلوحين كما ... سبحت في الجو أملاك السماء
ومن ذلك مناجاته لها وقد رآها ملقاة على الأرض بعد أن خدرها القسيس فظنها روميو قد فارقت الحياة:
يا هوى مهجتي ... وزوجي سلامًا
إن يك الموت قد سطا بك واشتف ... رحيق الشفاه من أنفاسك
فلعمري هذا جمالك رطب ... أعجز الموت، لم يزل في بهائه
تلك أعلامه ترفرف حمراء ... على خده وفوق شفاهة
وأرى الموت تحت راية الصفر ... كليلًا ملفعًا بصفاره
(2/318)

أي جوليت! حبيبة قلبي ... كيف يبقى الجمال بعد الحمام
أترى الموت ذلك الشبح المرعب ... هذا الكريه يضمر حبك
فطوى جسمك الحبيب رطيبًا في دياجيره يريد وصالك
لأقيمن ههنا أبد الدهر قريبًا إليك دون غريمي
ثاويًا في ظلام قبرك هذا راضيًا لا أريد عنه انصرافا
فأنت ترى في هذا الضرب من الشعر فقرات موزونة كل فقرة مستقلة في وأنها عما قبلها وما بعدها. وترى شعرًا غير مقيد ببحر واحد وغير مرتبط بقافية.
ومن قصيدة شكري "كلمات العواطف" التي أشرنا إليها مرارًا في فصل النقد وقد ختم بها الأول من ديوانه "ضوء الفجر":
نرى في اليوم ما هو في أخيه ... كذلك حياة أبقار السواقي
ولولا عصب عينيها لكانت ... تعاني البأس والسأم الدخيلا
ولولا خدعة الأمل المرجى ... لأسلمنا النفوس إلى الحمام
وليس العيش إلا ما نعمنا ... هـ أيام نمرح في الشباب
إذا سقط العجوز على نعيم ... فقد سقط الهشيم على الزهور
بكائي أن أرى رجلًا لئيمًا ... يقدمه الرياء على الكريم
فإن حركته للعرف يومًا ... تبدى منشدًا قولًا رخيصًا
بكائي أنني أعدو غريبًا ... وحولي معشرتي وبنو ودادي
بكائين أن لي طبعًا أبيًّا ... ورأيًا مثل حد السيف ماضي
بكائي أن في الدنيا أمورًا ... يضيق بمثلها الصدر الرحيب
وكم وغد رفيع الجاه يغدو ... كأن الكون ليس به سواه
(2/319)

وقد جد منذ سنوات في البلاد العربية نزعة إلى التحرر من القافية وجعل التفعيلة لا البحر وحدة موسيقية في القصيدة وسموه الشعر الحر، ولا يزال هذا الضرب من الشعر في سبيل التجربة، ولم يأت بعد الشاعر الفحل الذي يستهوي الأسماع بسحر نغمه، والألباب بعذب شعره، والنفوس بقوة بيانه ورائع تصويره ومجنح خياله ونفيس معانيه ليدعم هذا الشعر ويعطيه مكانته في الأدب، ومعظم ما ينظم به النوع القصصي الساذج الذي يعبر عن أمور مألوفة وتجارب بسيطة، وقد رآه الشباب مطية ذلولًا وعملًا هينًا فآثروه على الشعر الموزون المقفى، وأدعوا أنه يتمشى مع الدفقة الشعورية.
وقد نبغ من الشباب من تحداهم، وبرهن على أن القيثارة العريقة التي ظل يعزف على أوتارها شعراء ستة عشر قرنًا لا تزال تبدع أروع الأنغام وأجمل ضروب الموسيقى. نقول هنا ولا نستطيع الحكم بعد على هذا الشعور، وإن كان ما سمعناه منه حتى اليوم: لا، يبشر بخير كثير.
أما الشعر المنثور الذي روعيت فيه القافية وأهمل الوزن.. فله أمثلة كثيرة، وهو لا يخرج على نظام النثر المسجوع في الأدب القديم، ومثاله في أدبنا المعاصر قوله شوقي يخاطب ولديه وهو يغادر مصر في طريقه إلى منفاه:
"تلكما يا ابني القناة! لقومكما فيها حياة، ذكرى إسماعيل وروياه، وعليها مفاخر دنياه، دولة الشرق المرجاة، وسلطانه الواسع الجاه، طريقة التجارة، والوسيلة والمنارة، تعبرانها اليوم على مزجاة، كأنها فلك النجاة، خرجت بنا بين طوفان الحوادث، وطغيان الكوارث، نفارق برًّا مغتصبة مضري الغضبة، قد أخذ الأهبة، واستجمع كالأسد للوثبة، ديك على غير جداره، خلا له الجو فصاح، وكلب في غير داره، انفرد وراء الدار بالنباح، ونقابل بحرًا قد جنب جواريه، ونزت بالشر نوازيه، ومن نون ينسف الدوارع أو طير تقذف البيض مصارع إلخ". وقد جمع هذا الضرب من الكلام في كتاب خاص سماه "أسواق الذهب"1.
__________
1 راجع نشأة النثر الحديث ج1 للمؤلف.
(2/320)

ومن ذلك: وصف السيد توفيق البكري للبحر وهو في طريقه إلى القسطنطينية، ولعمري ليس في هذا الكلام من الشعر إلا أنه موشى ببعض ألوان الخيال وقد مر بنا رأي الرافعي وغيره من النقاد في هذه التسمية.
ولم يعد البيت عند الشعراء المجددين هو وحدة القصيدة. بل صارت القصيدة مرتبطة بعضها ببعض في بناء محكم، ولجئوا إلى القصة الشعرية.
وقد عرف العرب قديمًا هذا النوع في شعرهم من مثل قصيدة الحطيئة "وطاوى ثلاث". وقصيدة "عمر بن أبي ربيعة" أمن آل نعم، وكثير من شعر "عبد بني الحساس" وقصيدة الأعشى في السموءل، والفرزدق في الذئب، والبحتري في الذئب وكثير من شعر الطرد، بيد أنه لم يكن محبوك العقدة، ولا ممنوع الموضوع، ولا يرمي إلى تحليل دقيق، بينا تراه في الشعر الحديث قد اتسع ميدانه، وكثر فرسانه، فنظم فيه مطران عشرات القصائد، وتبعه إبراهيم رمزي، وشوقي، وحافظ، وشكري ومحرم في الإلياذة الإسلامية وهي ملحمة طويلة جدًّا وسنتكلم عليها عند ترجمته إن شاء الله، وقد استمدوا موضوع القصة الشعرية من بطون التاريخ أحيانًا، ومن حوادث زمانهم أحيانًا، وأضفوا عليها من جميل خالهم، ورائق شاعريتهم، فغلبت الصيغة الأدبية على التاريخية، أو الحقائق العلمية. وإن كان لا يزال ينقصها حتى اليوم في أغلب الأحيان جودة تصوير الأشخاص وتحليل العواطف النفسية، ولو أجادوها كما أجادوا عرض الحوادث ووصفها وسردها لبلغوا الغاية.
ولما أطلعوا على التمثيليات الشعرية لدى أدباء أوربا حاولوا محاكاتها، وقد تجرأ الشيخ خليل اليازجي1 فنظم تمثيلية "المروءة والوفاء" في ألف بيت سنة 1876، ولكنها جاءت سقيمة العبارة، ركيكة الأسلوب، أشبه بأساليب المتون المنظومة منها بالأدب الرائق، فذهب ضعف نسجها بحلاوة موضوعها، ونظم
__________
1 هو ابن الشيخ ناصف اليازجي الذي ترجمنا له في الجزء الأول من كتاب الأدب الحديث، ولد ببيروت سنة 1856م: وتعلم في الكلية الأمريكية، ثم هاجدرإلى مصر واشتغل بالصحافة مدة ثم عاد إلى بيروت واحترف التعليم، ومرض بداء الصدر، فانقطع عن العمل حتى مات سنة 1889، وكان جيد الكتابة كبقية أفراد أسرته، وشعره وسط.
(2/321)

الشيخ عبد الله البستاني خمس قصص تمثيلية شعرية ولكنها جاءت ضعيفة1
ونظم الشيخ محمد عبد المطلب منذ سنة 1909 عددًا من الروايات والمشاهد المسرحية، متخذًا موضوعها من الأدب العربي في جاهليته وإسلامه مثل امرئ القيس، ومهلهل ابن ربيعة وغيرهما وجاءت هذه المسرحيات متينة الأسلوب قوية الديباجة فيها كثير من تعابير البدو وأخيلتهم لا يستطيع جمهور النظارة متابعته أو فهمه كما أن الشيخ عبد المطلب كان ينقصه معرفة الفن القصصي كما تقررت مبادئه في الأدب الأوربي، وينقصه شيء من الرقة حتى يستسغ الجمهور أسلوبه ويدرك مرامي شعره ولكنه ولا شك كانت محاولة طيبة من جهة محافظة ما كان ينتظر أن تجدد كل هذا التجديد2.
وجاء شوقي بعد ذلك فقفز بالشعر المسرحي قفزوة بارعة في أخريات أيامه، وإن كانت أولى محاولاته في هذا النوع ترجع إلى أيام دراسته بباريس من سنة 1887- 1891 فاختار مأساة علي بك الكبير موضوعًا لمسرحية شعرية ولكن يظهر أن وسائل التأليف المسرحي لم تكن قد تهيأت له، ولم يجرؤ على أن يتصرف في وقائع التاريخ ليخرج مأساة قوية فجمد إزءها، ولذلك جاءت الرواية متهافتة لا تبشر بمستقبل باسم فيه هذا الميدان.
وحاول شوقي محاولة أخرى في تلك الحقبة، إذ نظم مسرحية قمبيز، ولكنها كانت كسابقتها تهافتًا وضعفًا، فأدرك أنه لم يتهيأ لهذا النوع فأقلع عنه ردحًا طويلًا من الزمن حتى عاد إليه في آخريات حياته بعد أن انتقده مكوموه سنة 1927 على إهماله هذا الباب في شعره فأخرج عدة مسرحيات قوية وهي: مصرع كليو باترا، ومجنون ليلى، وعنتر، وأعاد النظر في قمبير، وعلي بك الكبير وأخرجهما كذلك. وفتح شوقي الباب على مصراعيه بهذه التمثيليات الشعرية لمن أتى بعده.
__________
1 هي مسرحيات: حرب الوردتين، ويوسف بن يعقوب. وبروتس أيام تروكين الظالم وبروتس أيام يوليوس قيصر. ومقتل هيرودس لوالديه؛ ونلاحظ أن معظمها بعيدة عن البيئة التاريخية العربية.
2 تجد دراسة وافية للمسرحية الشعرية وتطورها في الآدب العربي مع نماذج وافية في كتابنا "المسرحية نشأتها وتاريخها وأصولها".
(2/322)

ومن العجيب أن دعاة التجديد في مصر أمثال مطران، والعقاد وشكري والمازني، لم يجرءوا على اقتحام هذا الميدان كما فعل شوقي، ولكن ظهرت بعده طائفة من الشعراء ترسموا خطاه في المسرحية الشعرية منها "قيس ولبنى" و"العباسة" و"عبد الرحمن الناصر" واتجه أخيرًا إلى المسرحيات الاجتماعية الشعرية كمسرحية "أوراق الخريف".
وبين شوقي وعزيز أباظة كثير من أوجه الشبه فكل منهما عاش عيشة مترفة، من بيئة ثرية، تضطرب في محيط الطبقة العليا من الشعب، وكل منهما قد عكف في أول أمره على الشعر الغنائي، وإن كان شوقي أوسع أفقًا، وأطول باعًا، وأبرع قصيدًا، وأغزر معنى، وأسمى عبارة، وأحكم صياغة، وأكثر تجديدًا على أن أباظة كان أغزر عبرة وأغنى عاطفة في ديانه "أنات حاذرة" الذي سفح فيه دموعًا تنطق بوفائه لزوجه بعد وفاتها، وثمة فرق آخر: وهو أن عزيز أباظة قد أفاد من تجربة شوقي المسرحية فحاول جهده أن يتجنب ما وقع فيه من أخطاء، كما أنه احتك كثيرًا برجال المسرح فرعف أصوله وقواعده. ومن الشعراء الذين ترسموا خطى شوقي كذلك محمود غنيم وله "المروءة المقنعة" و"غرام يزيد" ومنهم على عبد العظيم وقد ظهرت له "ولادة" وأحمد باكثير وله "قصر الهودج".
كانت موضوعات مسرحيات شوقي من التاريخ، ولم ينظم مسرحية اجتماعية، ولم يبلغ فنه القصصي غايته فيما نظم؛ لأنه كان متأثرًا بالمسرح الغنائي، لا المسرح التحليلي، ولكن حسبه فضلًا أنه سد الثغرة في الأدب العربي، وأتى بما لم يستطعه سواه من معاصريه.
أما معاني الشعر الحديث وخيالاته وصوره، فما لا شك فيه أن شعراءنا قد- تأثروا بقراءتهم للأدب العربي القديم حتى استقام أسلوبهم وتملكوا ناصية البيان، ووعت عقولهم مئات من الصور والمعاني القديمة أرادوا أو لم يريدوا وظهر أثر هذا في شعرهم، ولكنهم أضافوا إليها كثيرًا مما قرءوه في الأدب الغربي إما
(2/323)

مباشرة أو عن طريق الترجمة، وقد اهتموا بالمعنى اهتمامًا بالغًا، وآثره كثير منهم على الصياغة، ومن الشعراء الذين جددوا في المعاني حق التجديد: الرافعي، ومطران، وشعراء المدرسة المصرية الذين تأثروا بالأدب الإنجليزي مثل شكري والمازني والعقاد وأبي شادي، وإن كان أكثر الجديد في شعرهم اقتباسًا من الشعر الغربي، ثم شوقي في بعض قصائده الممتازة.
لقد أصبح من الضروري لكل شاعر في عصرنا الحديث أن يتزود من ينابيع الثقافة المختلفة: من ينبوع الثقافة العربية ليستقيم أسلوبه، ويعرف تاريخه وعقيدته، ومواطن الفخر والمجد في أيام سؤدد وطنه، وحتى لا يقع في أخطاء فاحشة تزري به، وتسقط منزلته سواء أكانت أخطاء لغوية أو تاريخية أو دينية، ومن ينبوع الثقافة الأوربية الغربية التي تمكنه من مجاراة الحضارة الحديثة، والاطلاع على خير ما ابتكره الذهن الغربي في الأدب وعلم الاجتماع، وعلم النفس والتاريخ الحديث والقديم، وكثير غيرها من العلوم التي لا يجد مندوحة من الاطلاع عليها؛ لأن القصيدة الغنائية لم تعد وحدها هدف الشعر في العصر الحديث، فثمة القصة والمسرحية، وكلاهما في حاجة إلى دراسة طويلة في علم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ لما يتطلبان من تحليل وتصور لمختلف الشخصيات.
لقد عاب بعض النقاد على شعرائنا كسلهم العقلي؛ لأنهم اكتفوا بعنايتهم الفائقة بأسلوبهم دون أفكارهم ومعانيهم، فوقعوا في أخطاء فاحشة، ولقد ضرب الدكتور طه حسين على ذلك مثلًا ما قاله حافظ وشوقي1 ونسيم في مترجم أرسطو أحمد لطفي السيد، وكيف أنهم قد عرضوا لذكر أرسطو ومدحه والإشادة بآثاره وسلطانه على الأجيال وهم لا يكادون يعرفون من أمره شيئًا، ويجهلون كتاب الأخلاق الذي ترجمه أحمد لطفي السيد.
والمعاني لا شك تأتي من كثرة الاطلاع، والتزود من تجارب الآخرين، وصدق النظرة في الحياة، كما تأتي مبتكرة من نتاج الفكر الخالص عند العباقرة.
__________
1 حافظ وشوقي ص118- 119.
(2/324)

وليس من الضروري أن تكون الحقائق جديدة مبتكرة، بل إن في استطاعة الشاعر الملهم المقتدر أن يخلع من فيض عبقريته على الحقائق القديمة المألوفة التي تتخطاها الأذهان، ولا تفطن لها بساطتها وتفاهتها فيجعلها متألفة قوية، وتدب فيها الحياة؛ لمقدرته وبراعته في انتقاء الألفاظ المعبرة وهذا ما جعل شاعرًا كبيرًا مثل وردسورث -الذي فتن به بعض شعرائنا- يحتل تلك المكانة الممتازة في الأدب الإنجليزي وقد قال "دي كوينسي" في شعره: "إن الأديب الذي سيخلد على الأيام هو الذي يحير الناس بحقائق منتزعة من ينابيع جديدة كل الجدة -حقائق لم تر وجه الشمس ولذا فهي غامضة لا تدرك- بل هو الذي يبعث وجوهًا قديمة للحقيقة طال إغفاؤها في الذهن إلى انتباه مشع1". إن العبرة بالنظرة التي يرى بها الشاعر الحقيقة والعاطفة التي يتقبلها بها، ويسبغها عليها2.
قد يرى الشاعر ما يرى الناس، ويحس ما يحسون، ولكنه يراه أوضح مما يرون، ويحس به إحساسًا أعمق مما يحسون، ويتصروه في مناظر جديدة لم تخطر لهم ببال، ثم يعبر عنه بطريقته هو تعبيرًا قويًّا يجعله في نظر الناس شيئًا جديدًا. وهذا هو سر العبقرية.
إن العناية بالمعاني وتنوعها وتجددها تجعل الشعر مفيدًا، غير تافه، ولكن الإسراف في ذلك يفسد الشعر لأنه يحمله ما لا يحتمل، ويجعله أقرب إلى فنون العلوم؛ لكثرة ما يحتوي عليه من حقائق جافة، منه إلى الشعر الذي يهز العاطفة، ولما يحتاج المرء في فهمه إلى كد الذهن، وإنعام النظر، والشعر إذا زاد فيه الفكر والعلم ذهب رواؤه، وقل بهاؤه، ولم تعد له تلك الميزة التي تفصل بينه وبين النثر؛ لأن الشعر لغة الانفعال، إن الشعر في الأصل معان يريدها الشاعر، وهذه المعاني ليست إلا أفكارًا عامة يشترك في معرفتها كثير من الناس. وإنما تصير هذه المعاني شعرًا حين يعرضها الشاعر في معرض من فنه وخياله وأدائه فيجدد هذه المعاني تجديدًا ينقلها من المعرفة إلى التأثر بالمعرفة ومن إدراك المعنى
__________
1 راجع الفقرة التاسعة من De Qinncey's on Wordsworth's Poetry
2فنون الأدب تأليف هـ -ب- تشارلتن وتعريب زكي نجيب محمود.
(2/325)

إلى التأثر بالمعنى ومن فهم الحقيقة إلى الاهتداء للحقيقة، فالشعور والتأثر والاهتداء هي أصل الشعر ولا يكون شعر يخلو منها ومن آثارها إلا كلامًا كسائر الكلام ليس له إلا فضل الوزن والقافية مثال ذلك قول العقاد في الحب:
ما الحب روح واحد ... في جسدي معتنقين
الحب روحان معًا ... كلاهما في جسدين
ما انتهيا من فرقة ... أو رجعة طرفة عين
وإذا وازنا بين هذه الأبيات وبين أبيات مطران التي يقول فيها عن الحب:
أليس الهوى روح هذا الوجود ... كما شاءت الحكمة الفاطرة
فيجتمع الجوهر المستدق ... بآخر بينهما آصرة
ويحتضن الترب حب البذار ... فيرجعه جنة زاهره
وهذي النجوم أليست كدر ... طواف على أبحر زاجره
يقيدها الحب بعضًا لبعض ... وكل إلى صنوها صائره
تبين لنا الفرق بين من يلبس المعنى الطريف ثوبًا قشيبًا حين ينظر نظرة شاملة إلى الحياة وبين من يأتي بالحقيقة العارية ينظمها نظمًا غير شعري.
ومن الغزل الذي لا يصدر عن عاطفة ولا عن فكرة قول العقاد كذلك:
زرقة عينيك لا صفاء ... فيها ولكنه قضاء
حمرة خديك لا حياء ... فيها ولكنه اشتهاء
قوامك الرمح لا اعتدال ... فيه ولكنه اعتداء
يا حيرة القلب في هواه ... يا غاية العمر في مناه
وجهك سبحان من جلاه ... ولوث النفس بالطلاء
وخير الشعر ما سلمت فيه الفكرة، ووضحت، دون أن يفقد مقومات الشعر الأصلية من خيال رائق، وعاطفة قوية، وصورة واضحة، وموسيقى عذبة.
(2/326)

ولكن الملاحظ أن الشعراء الذين حفلوا بالمعاني. وجعلوا همهم البحث عنها، والجري وراءها، واصطيادها أينما كانت كانوا أحد رجلين: إما شاعر معقد، مغرب؛ لأنه انتزع المعاني انتزاعًا من مواطن غير معهودة، وأتى بشيء لم يألفه الذهن، فهو غامض على السامع، وقد يكون غامضًا على الشاعر لأنه لم يدركه تمام الإدراك، أو لأنه لم يستطع التعبير عنه بوضوح لعدم جلائه في ذهنه، مثل أبي تمام، وأبي العلاء، والمتنبي أحيانًا، وإما شاعر ركيك العبارة، لا يعني بأسلوبه، إذ جعل همه الأولى إبراز المعنى كاملًا بأي أسلوب وأي عبارة تهيأت. وأدت ما أراد، وهذا هو الغالب على شعراء المعاني في عصرنا، فكثيرًا ما ترى المعنى جميلًا بديعًا، ولكن العبارة التي أدى بها تذهب بجماله، وتضعفه فلا تستسيغه الأذن ولا يتقبله العقل وقد غاب عن هؤلاء أن الروائع في الأدب العربي والأدب الغربي لم تخلد لما فيها من معانٍ فحسب، ولكن خلدها جمال الأسلوب ولولا ذلك ما رواها الرواة وعنى بها المتأدبون؛ فالأدب فن، وكل فن فيه ناحيته؛ ناحية الموهبة الطبيعية من ذوق مرهف يجتذبه الجمال وقدرة فيه ناحيته؛ ناحية الموهبة الطبيعية من ذوق مرهف يجتذبه الجمال وقدرة على التخير والانتقاء، وناحية الصنعة، فليس يكفي في العبارة أن تنقل إلينا المعنى؛ لأن المراد في الأدب ليس المعرفة وتقرير الحقائق، وإنما نقلها مشفوعة بلذة، ولا يتأتى هذا إلا إذا كانت العبارة مصوغة صياغة فنية خاصة.
ثم إن التعبير الجميل هو الذي يميز كلام الأديب من كلام الناس "إن هؤلاء الذين يزدرون الجمال اللفظي مصابون بشذوذ في الفكر أو سقم في الذوق أو عجز عن الكمال، وإلا فكيف نعلل إنكارهم تجميل الأسلوب وهم لا يفتأون على تنميق الكلام ويدعون أن الغرض منه الفهم والعلم، ولا يثورون على تزيين الطعام والتأنق في الملبس، وتزويق المسكن، والغرض منها الغذاء والوقاء؟ إذا كان أحدهم لا يجب أن يلبس الثوب المرقع ولا أن يسكن الكوخ النابي، ولا أن يسلك الطريق الوعر، ولا أن يركب المركب الخشن، فلماذا يكره أن يسمع الكلمات العذبة، والفقر المنسقة، والجمل الموزونة والأصوات المؤتلفة1.
__________
1 أحمد الزيات: الدفاع عن البلاغة.
(2/327)

إذا عبر الشاعر عن انفعاله مباشرة من غير أن يسيطر الفكر عليه، ويجتهد في حشوه بالحقائق جاء كلامه حلوًا، وعباراته موسيقية طبيعية.
ومن الأمور التي يراعيها الشعراء في العصر الحديث تسلسل المعاني، وارتباطها بعضها ببعض، وعدم تنافرها، فالقصيدة صارت وحدة، وبناء متماسكًا، ولم يعد البيت المفرد هو وحدة القصيدة كما كانت الحال عند العرب، ولقد وضحت الفرق بين الطريقتين في غير هذا الكتاب، وبينت ميزة كل طريقة1.
والمعاني تتفاوت من حيث ابتذالها، وشيوع استعمالها، ومن حيث أنها تقليد ونقل عن معانٍ سبقتها، ومن حيث أنها مبتكرة جديدة. أما المعاني المبتذلة، فهي المألوفة المتداولة بين الخاصة والعامة، كقول الشاعر مثلًا: والأرض فيها الماء والأشجار، فهذه من البديهيات المتداولة وأما التقليد فبابه واسع، وقد ألفت فيه قديمًا كتب عدة2: وتجد لشعرائنا المحدثين في هذا الباب كثيرًا من الشعر الذي نقلوا معانيه عن غيرهم. وقد مر بك في الجزء الأول عند كلامنا على البارودي كثير من هذه الأمثلة ومن هذا قول المتنبي يقصد سيف الدولة:
رمى واتق رميي ومن دون ما اتقى ... هوى كاسر كفى وقوسي وأسهمي
فجاء إسماعيل صبري فقال:
إذا خانني خل قديم وعقني ... وفوقت يومًا في مقاتله سهمي
تعرض طيف الود بيني وبينه ... فكسرت سهمي وانثنيت، ولم أرم
وأنت ترى إسماعيل صبري سار في إثر المتنبي، وقصر عنه، والمعنى الذي أورده المتنبي في بيت واحد قوي الديباجة، يأتي به صبري في بيتين ولم يوفه، وقد وقع شوقي، وصبري، وحافظ وغيرهم في هذه المؤاخذات3 ولا سيما في
__________
1 راجع كتاب التابعة الذبياني للمؤلف ص53 وما بعده.
2 كالموازنة للآمدي. والوساطة بين المنفي وخصومه. والرسالة الحاتمية في اقتباسات المتنبي من أرسطو.
3 راجع ديوان للعقاد، وعلى السفود للرافعي، ومجلة أبولو سنة 1933 مقال عن معارضات شوقي.
(2/328)

القصائد التي عارضوا بها السابقين من الشعراء، وقد لوحظ أن شوقي يستطيع إذا دخل في دائرة شعره أن يتخلص من قبضته وسيطرته، وسنرى عند ترجمتنا في هذا الجزء لصبري مقدار ما أخذه من سواهن وكيف أن الابتكار لديه قليل.
والحق أن الابتكار في المعاني نادر، ولكن قد تهيأ لبعض شعرائنا شيء من هذا، ولا سيما مطران وشوقي، وسنرى عند الكلام عليهما إلى أي حد قلدوا، وإلى أي حد جددوا1.
هذا ومن الأمور التي يجب النظر إليها عند تقدير الشعراء، ومعرفة منزلتهم الأدبية بالنسبة لمعاصريهم، ولشعراء لغتهم في القديم والحديث ولشعراء العالم أجمع: مقدار ما وصل إليه خيالهم الشعري.
والخيال: هو وضع الأشياء في علاقات جديدة، وهو سمة من سمات بارزة من سمات الأسلوب الأدبي، لأنه يصور العاطفة أو ينقلها إلى السامع أو القارئ، ويبرز المعاني ويضفي عليها ثوبًا زاهيًا تخطر فيه فنتقبلها ونفهمها. ويلجأ إليه الأديب للإيضاح وحسن العرض وقوة الإبانة والتصوير؛ ويرى القارئ، والسامع الحقائق من ثنايا كل ذلك عن طريق خياله.
والخيال موهبة تنفذ بروح الأديب إلى أسرار الوجود، واكتناء الحقائق المستكنة وراء مظاهر الأشياء وتجعله يحلق طليقًا في أجواء وعوالم جديدة مليئة بالرؤى الجذابة والصور الخلابة والموسيقى الساحرة، وهذه الموهبة تتباين قوة وضعفًا وضيقًا واتساعًا، وغنى وفقرًا لدى الأدباء بحسب قدرتهم على استيعاب أسرار الحياة وهتك حجب المادة، والوصول إلى ينابيع الإلهام، وقدرة نفوسهم على التوليد والتفاعل مع الحياة وانعكاس اشعاعاتها.
__________
1 إذا أردت المزيد من الكلام على المعنى وأثره في الشعر فأرجع إلى الكتب الآتية: الدراسة الأدبية لرئيف خوري، وأصول النقد الأدبي لأحمد الشايب، ونقد الشعر لنسيب عازار.
(2/329)

وهو نوعان: ابتكاري، وتصويري أو تفسيري، والأول يظهر في تأليف مجموعة من العناصر المختزنة في الذهن في صورة مبتكرة يتحقق معها كيان خاص لها. والثاني يظهر في تصوير الأشياء على أساس إضافتها إلى أشياء أخرى تقويها وتظهرها، ويستعين الأديب على الضرب الثاني بفنون البديع والبيان من تشبيه واستعارة وكناية، وتمثيل وما إلى ذلك.
والخيال الابتكاري ضربان. خيال نافذ، يعين صاحبه على استحضار أطياف الماضي وتصوير حوادثها، وخيال خالق بجسم الإحساسات ويخلق الشخصيات، ومن الضرب الأول الشعر التاريخي كقول شوقي:
كم مركب تتخايل الدنيا به ... يجلي كما تجليا لنجوم وتنسق
"فرعون" فيه من الكتائب مقبل ... كالسحب قرن الشمس منها مفتق
تعنو لعزته الوجوه ووجهه ... للشمس في الآفاق عان مطرق
آبت من السفر البعيد جنوده ... وأتته بالفتح السعيد الفيلق
ومشى الملوك مصفدين خدودهم ... نعل لفرعون العظيم ونمرق
مملوكة أعناقهم ليمينه ... يأبى فيضرب أو يمن فيعتق
أو كقوله في الهمزية التاريخية يصف ذل فرعون، وهزيمته أمام قمبيز:
جيء بالممالك العزيز ذليلًا ... لم تزلزل فؤاده البأساء
يبصر الآل إذا يراح بهم في ... موقف الذل عنوة ويجاء
بنت فرعون في السلاسل تمشي ... أزعج الدهر عريها والحفاء
وأبوها العظيم ينظر لما ... رديت مثلما تردي الإماء
أعطيت جرة وقيل إليك النهر ... قومي كما تقوم النساء
فقد نفذ الشاعر بعين خياله إلى الماضي واستحضر ذلك المشهد ثم وضعه وصوره، وأما الخيال الخالق فهو الذي يجسم الإحساسات ويخلق الشخصيات، ويبث الحياة في الجماد كقوله شوقي:
(2/330)

وقد صفى بردي للريح فابتردت ... لدى ستور حواشيهن أفنان
ثم انثنت لم يزل عنها البلال لا ... جفت من الماء أذيال وأردان
ومثل قطعة فنجان قهوة عند خليل مطران، فقد خلع شوقي على الريح الحياة ومثلها حية تبترد، كما خلع مطران على فنجان القهوة الحياة.
ومن ذلك قول مطران في وردة ماتت وهي ملكة الزهور وقد غطتها الأعشاب فراحت الفراشات تحوم حولها فيدور بينها وبين الشاعر هذا الحوار:
ما الذي تبغين من جوبك يا ... شبهات الطير؟ قالت وأبانت
نحن آمال الصبا كانت لنا ... ها هنا محبوبة عاشت وعانت
كانت الودرة في جنتنا ... ملكت بالحق والجنة دانت
ما لبثنا أن رأيناها وقد ... هبطت عن ذلك العرش وبانت
فترانا نتحرى أبدًا ... إثرها أو نتلاقى حيث كانت
والخيال التصويري أو التفسيري يجيء من طريقتين: من القراءة في الأدب أو من التجارب الشخصية، ويتمثل في التشابيه والاستعارات والكنايات، والخيال بعامة قد يكون حسيًّا، وقد يكون معنويًّا، ومعظم الخيال التصويري خيال حسي، ومعظم الخيال الابتكاري خيال معنوي1.
نظر النقاد الغربيون عند معرفة المنزلة التي يحتلها الشاعر من الشعراء إلى كل هذا: إلى الغرض، وإلى اللغة التي أدى بها، وإلى المعنى أو الفكرة ومقدار ما هي عليه من جدة أو تقليد أو ابتذال وما هي عليه من الصدق الأدبي، أو الكذب، ثم نظروا إلى الخيال وإلى العاطفة وصدقها.
وهم على هذا الأساس قسموا الشعراء إلى ثلاثة أنواع: شاعر بسيط الشخصية يعكس الحياة في صورة بسيطة، وليس لشخصيته جوانب متعددة، وبذا تنعكس الحياة من مرآة نفسه على دائرة ضيقة من الفكر والخيال.
__________
1 ارجع في الاستزادة من الكلام عن الخيال إلى: أصول النقد الأدبي لأحمد الشايب، وإلى دراسات في علم النفس الأدبي للأستاذ حامد عبد القادر، وإلى كتاب إسماعيل أدهم عن مطران ص145 وما بعدها وإلى - i.a. rich ards في كتابه principles of literary criticism
(2/331)

وشاعر مركب الشخصية، يمثلون شخصيته بمنشور ذي أضلاع وجوانب متعددة، تنعكس عليها أشعة الشمس في أشكال، وتدخل في وجهات مختلفة، وتأخذ صورًا متعددة.
وشاعر معقد الشخصية له بجانب شخصيته الخارجية شخصيات، معقدة في ذاتها، تعكس الحياة في صور متنوعة وبذلك تستطيع نفسه أن تعكس المأساة الفنية للحياة في صور غنية قوية زاخرة.
وقد قسموا الشعراء بناء على ذلك إلى ثلاثة أقسام: فعدوا ممن النوع الأول البسيط الشخصية الشعراء الوجدانيين، الذين يتغنون بالحياة أو الطبيعة بالنسبة إلى نفوسهم، وشعورهم إزاءها، فتجيء الحياة من نفوسهم نغمة واحدة من وتر واحد هو الذي تتألف منه نفسيتهم وهو عادة يشغلون بعواطفهم الداخلية عن النظر في أعماق الحياة التي تكتنفهم فلا يتكلمون إلا عن آلامهم وأفراحهم ومخاوفهم ومطامحهم.
وعدوا من النوع الثاني الشعراء القاصي، والحياة تأخذ في نفوسهم نغمات متنوعة وإن كانت خارجة من وتر واحد، ولا تشغلهم عواطفهم الداخلية عن العطف على الحياة المحيطة بهم، وذلك يرجع إلى أنهم أصحاب خيال واسع عميق، ونظراتهم وإن كانت تعطف على الحياة إلا أنها لا تذهب إلى درجة الشمول والنظر إلى الكون جملة، وإلى مجموع البشرية مرة واحدة في جميع الحالات التي تلابسها؛ لأن الحياة والوجود متركزان في ذاتهم وذاتهم كمنشور يعكس عدة أشكال. ولكن مصدرها واحد، ويعجز عن عكس شخصية جديدة. وشعرهم عادة ذاتي لا يستطيعون التخلص من أثرتهم، ويدخل تحت الشعر الذاتي أحاسيس الإنسان وانفعالاته وطربه، وميوله، وأحكامه التي تقوم على اعتبارات ذاتية.
وعدوا من النوع الثالث الشعراء الذين يستطيعون خلق شخصيات لم تكن، وتصوير الحياة في جميع الأوضاع والملابسات، وهم الذين برعوا في الشعرا لتمثيلي، وأتوا بنماذج خالدة، واستطاعوا أن يصلوا إلى أعماق أي نفس
(2/332)

إنسانية، وإن يترجموا، عنها، وشعرهم في الغالب موضوعي1، والموضوعي يدخل تحته صفات الشيء أو الموضوع الخارجي، والآراء التي تقوم على اعتبارات خارجية، والأحكام التي تبنى على المشاهد المحسوس، وعلى مقتضيات المنطق لا على الذوق والميل الشخصي2.
هذه بعض الأمور التي يراعيها مؤرخو الأدب والنقاد المحدثون عند تقسيمهم للشعراء ووضعهم في منازلهم من موكب الأدب.
وسنراعي عند كلامنا على شعراء مصر بعد البارودي كل هذه الاعتبارات، وننظر إليهم بمنظار النقد الحديث، ونعرف إلى أي حد أضافوا إلى تراث العالم الأدبي جديدًا من فيض شاعريتهم.
وسنبدأ بشعراء المدرسة التقليدية الحديثة التي نهجت منهج الشعر العربي القديم في أغراضه وأسلوبه وتشبيهاته واستعارته ونهجت نهج البارودي، ثم بشعراء المدرسة التي أخذت بحظ من الجديد، ثم شعراء المدرسة المجددة المعتدلة التي لم تخرج على قواعد اللغة، ثم الشعراء المجددين المتطرفين في التجديد الذين ثاروا على الشعر العربي في كل شيء.
__________
1 راجع. ENCYELOPEDA BRITANICA N. 13 في مادة POETRY وراجع كذلك الدكتور أدهم عن مطران ص129-130 ونسيب عازار في نقد الشعر ص32-40، وكلاهما قد لخص المادة الموجودة بدائرة المعارف البريطانية ولكنها جاءت غير واضحة.
2 راجع من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده للأستاذ محمد خلف الله ص35- وأحمد الشايب ص138-142.
(2/333)

الفصل الخامس: المدرسة التقليدية
مدخل
...
الفصل الخامس: المدرسة التقليدية
عرف البارودي كيف يعيد للشعر العربي الحديث ديباجته القوية، وينهض به نهضة قارعة تخطت عدة قرون إلى الخلف حتى رجعت إلى عهود القوة والنضارة، ومتجنبة الزخرف والطلاء الغث، والركاكة، وضحالة المعاني، والتقليد لعصور الضعف والعجمة. ثم نهضت البلاد نهضات قوية في التعليم وإحياء التراث العربي القديم، وأخذت المطبعة تزود المتأدبين بنفائس الأدب العربي في أبهى عصوره كما عرفت آنفًا.
وكان من الطبيعي أن يحذوا الشعراء الذين جاءوا بعد البارودي حذوه في أول الأمر، ولا سيما هؤلاء الذين لم يتزودوا بثقافة غربية، أو عرفوها وثقفوها ولم يكن لهم تلك الطبيعة الثائرة، أو القوة على ابتداع مذهب جديد في الأدب، ولم يروا نموذجًا إبداعيًّا يحاكونه، فحافظوا على المذهب الذي عرفوه، وأجادوه.
لقد قلدوا الشعر العربي القديم في أوج عزته كما فعل البارودي، ولم يلتفتوا إلا نادرًا لما تخلف عن عصور الضعف من حلى وزخارف ومحسنات، وتاريخ شعري.
وأهم خصائص تلك المدرسة التقليدية الحديثة متانة الأسلوب، والعناية به عناية فائقة فقلما تجد خروجًا على قواعد اللغة، أو خطأ، أو ركاكة وإنما تجد شعرًا مصقولًا متينًا، مشرق الديباجة. تجد هذا عند صبري، وعند حافظ، وعند عبد المطلب، وعند البكري، والجارم، ومحرم، والكاشف، ونسيم ومن على شاكلتهم، على اختلاف بينهم في تقليدهم الشعراء الأقدمين الذين تأثروا بهم، فمنهم من راقه شعراء العصرالعباسي والشعر في ازدهاره، فقلدوا أبا نواس والبحتري وأبا العلاء، وابن الرومي، وعارضوهم في قصائدهم ونسجوا على منوال أسلوبهم: جزالة في رقة الحضارة وعذوبة المدينة القديمة، وولع بالتشبيهات والاستعارات وأنواع المجاز، ومنهم من رجع إلى الخلف أكثر من هذا فتوعر قليلًا وحاكى شعراء العصر الأموي، أو الجاهلي، وجاء شعره بدوي النسج، متين التركيب، عليه سيما الفتوة العربية قبل أن ترققها الحضارة، مثل عبد المطلب.
(2/337)

ومن خصائص تلك المدرسة كذلك استخدام القصيدة بمظهرها المعروف ذات الروى الواجد والقافية الواحدة، والوزن الواحد، وكثيرًا ما ابتدءوا تلك القصيدة بالنسيب كما كان يفعل شعراء العرب الأقدمون، أو تركوا النسيب كما فعل ذلك من قبلهم بعض شعراء العصر العباسي حيث بدءوا بالغرض من غير تلك المقدمة الموروثة عن الجاهلية. على أن القصيدة الحديثة لا تختلف عن القديمة في تعدد عناصرها، فلم ينظروا إليها نظرتهم إلى بناء متماسك الأجزاء أو كائن حي، إلا قليلًا حين وضعوها في الأسلوب القصصي كما ترى ذلك عند حافظ وعبد المطلب أحيانًا، ولكن الغلب على شعر هذه المدرسة هو جعل البيت -كما كان من قبل- وحدة القصيدة، ويجوز فيها التغيير والتبديل من غير إخلال بالمعنى. وقليل منهم من جرؤ على استخدام الموشحات أو ما يشابهها.
ومن خصائص تلك المدرسة كذلك أن موضوعات شعرهم قلما طرأ عليها تجديد، اللهم إلا ما تقتضيه خصائص العصر العامة فأغلبهم كان مداحًا، يمدح الخليفة. وإن لم يعرفه أو تكن بينه وبينه صلة، أو ثمة أمل في أن يعرفه، ويمدح الأمير وحاشيته، ويغير ولاءه كلما تغيرت الوجوه الحاكمة من غير تحرج أو تردد؛ لأنه لم يكن ينظر إلى المدح نظرتنا له اليوم؛ لأن الاهتمام بالشعب لم يكن قد بلغ غايته، فكان الأمير هو المحور الذي يدورون حوله. مثهلم في ذلك الأدباء الإنجليزي والفرنسيين قبل أن تظهر الحركة "الرومانتيكية"1.
وقد صرفهم المديح كما صرف أسلافهم العرب من قبل عن الاهتمام بالطبيعة، وبالحياة الإنسانية، وإن التفتوا في أخريات زمانهم، نظرًا لتطور الحياة في مصر إلى بعض ذلك وإلى الشعب وآماله، ولكنهم على كل حال كانوا ينظرون من خلال ذاتهم ومقدار تأثرهم بالأحداث المحيطة بهم، فلم يكن شعرهم في الشعب موضوعيًّا.
__________
1 كتب الحركة الرومانتيكية في أوائل القرن التاسع عشر ثورة على تلك التقاليد، فمن أدباء الإنجليز في القرن الثامن عشر الذين مثلوا تلك المدرسة التقليدية وعنوا بالأسلوب، ولم يتلفتوا للطبيعة وجعلوا للشعر ألفاظًا خاصة به، درايدون وبوب، وتومسون وغيرهم، وكلهم كان شاعر بلاط يغرم بالمديح، ويتملق الحاشية راجع MODERN ENGLISH LITERATURE ص135 وما بعدها لـ. G. H. MAIR AND A.G. WORD
(2/338)

وكانوا يهتمون بالطبقة الراقية من الأمة، فيمدخون أعلامها، ويرثون عظماءها، ويتبادلون وإياهم الرسائل الإخوانية.
وقد وصفوا بعض الأشياء، ولكنهم قلما أفردوا للوصف قصائد بذاتها، وأهمل أكثرهم الطبيعة المصرية، أو قال فيها الشيء القليل، ونظرة عابرة من غير أن يقف طويلًا، على الرغم من تنبه الشعور الوطني والإحساس القومي في أخريات عهودهم.
وتراهم يحاولون التجديد في الموضوعات، وكأن لديهم عقدة نقص يحاولون إخفاءها، فيكثرون من الكلام على البخار، والطيارة وغيرهما، ليثبتوا أنهم يجارون عصرهم، والحضارة التي يتمتعون بها.
وقد تخلف عند بعضهم شيء من الأغراض التي قضت عليها حركة التجديد، فترى الهجاء الشخصي والاجتماعي كما عند صبري، وترى الفخر كما عند عبد المطلب، وعلى العموم فدائرة الشعر لديهم ضيقة، وموضوعاتهم محدودة، وإن أفاضوا في الشعر السياسي والاجتماعي متأثرين بالحركات القومية التي لم يجدوا بدًّا من أن يتأثروا بها.
أما معانيهم فليس فيها جديد إلا النادر كما ترى ذلك عند توفيق البكري، ومعظمها مأخوذة من الأدب العربي القديم، أو من المعاني المتداولة، وخيالهم تصويري مبني على الاستعارة والتشبيه والمجاز، بل كثيرًا ما تكون تشبيهاتهم غير مجارية لزمانهم أو بيئتهم، وإنما نهجوا فيها نهج العرب الأقدمين، متأثرين بالقوالب المحفوظة، والعبارات المتداولة.
كان أغلبهم متزمتًا، جادًّا في حياته، وإذا تغزل عف ولم يفحش، وفي أدبهم تكثر الحكمة والموعظة والإرشاد، فهم يجعلون للشعر غاية يهدف إليها، ولم يعرفوا معنى "الفن للفن".
وبعد، فهذه أهم خصائص تلك المدرسة، على أن هذه الخصائص المشتركة بين شعرائها تختلف قوة وضعفًا أو وجودًا وعدمًا في بعض الشعراء عن بعض،
(2/339)

مع ميل في بعضهم إلى التجديد بحذر، أو نفور منه البتة، وستتضح تلك الميزات حينما ندرس شعراء تلك المدرسة.
ولا أستطيع أن أحصي كل شعراء المدرسة التقليدية، أو أترجم لهم جميعًا، فإن ذلك يحتاج إلى موسوعة أدبية كبيرة، وإنما سأترجم لنماذج منهم؛ لأن مجال هذا الجزء أضيق من أن يتسع لهم جميعًا.
على أن أترجم للبقية الباقية منهم في الجزء الثالث إن شاء الله.
(2/340)

إسماعيل صبري 1854- 1923:
ولا تعجب إذا عددنا إسماعيل صبري في شعراء المدرسة، فعلى الرغم من أنه درس في فرنسا بعض الزمن، واحتك بالثقافة الغربية احتكاكًا مباشرًا سواء في دراسته بمدينة "إكس"، أو باطلاعه على القوانين الفرنسية، وشغله مناصب قضائية كثيرة فإنه لم يفد من تلك الدراسة الفرنسية، وشغله مناصب قضائية كثيرة فإنه لم يفد من تلك الدراسة القانونية، وما عساه قرأ في الفرنسية إبان مقامه في فرنسا من أدب واجتماع، كما لم يفد من اتصاله بالحياة الغربية، وقضائه ردحًا من الزمن بين الغربيين إلا قشورًا وصفات عامة في شعره وجهته نحو نوع خاص منه. ثم صقلًا في الذوق، وقد يكون هذا طبيعة فيه لا مكتسبًا من إقامته بفرنسا، وقد يكون من أثر الوظيفة، وكثرة اختلاطه بالأجانب المقيمين بمصر1. فكم من شاعر عربي قبل صبري، وبعد صبري اشتهر بالرقة، وإرهاف الحس، وجمال الذوق، ولا سيما إذا كان من أهل القاهرة، والقاهرة قد عرفت من قديم الزمان بأنها مدينة الظرف والدماثة، والنكتة، والمرح.
نشأ إسماعيل صبري بالقاهرة، والتحق بمدرسة "المبتديان" وهو في الثانية عشرة من عمره وأتم دراسته في مدرسة الإدراة والألسن في سنة 1874، وكان وهو في المدرسة يجيد الخط، ويعني به حتى بلغ في ذلك حدًّا جعل أولى الأمر يفكرون في تعيينه مدرسًا للخط، وكاد إسماعيل يستجيب لهم لولا على مبارك وزير المعارف حينذاك الذي أقنعه بالعدول عن هذا: ضنًّا بمواهبه أن تقبر في مثل هذه المهنة؛ ولأنه كان يعده لما هو أسمى رتبة وأجدى عليه وعلى الأمة2. وما زال يتعهده حيث أتم دراسته بمصر. ونبوغه في الخطب وهو فن جميل يؤيد ما ذكرناه آنفًا من أن دقه حسه، وكمال ذوقه، وحبه للجمال لم يكن مكتسبًا من إقامته بفرنسا. وإنما كان طبيعة وميلًا فطريًّا فيه.
__________
1 تراجم شرقية وغربية لهيكل ص186.
2 أحمد الزين في مقدمة الديوان ص35.
(2/341)

ثم أرسل إسماعيل صبري لدراسة القانون بمدينة "إكس" سنة 1874، وتقلب في مناصب القضاء المختلفة، وترقى في سلمة حتى عين "نائبًا عموميًّا" وكان أول مصري يشغل هذه الوظيفة، وذلك في عام 1895. ثم عين محافظًا للإسكندرية سنة 1896، ووكيلًا لوزارة العدل "الحقانية" إلى أن اعتزل الخدمة في سنة 1908، وقد أنعم عليه بعدة رتب وأوسمة، وانتقل إلى رحمة الله في مارس 1923.
لم يذكر أحد ممن تكلم عن صبري سواء من أصدقائه أو معاصريه شيئًا عن طفولته وأسرته، وعوامل الوراثية فيه، وهذا حقًّا شيء يؤسف له، فإن كثيرًا من هؤلاء الذين كتبوا عنه قد خالطوه وصادقوه، وعرفوا من أمره ما لا يعرفه جمهرة الناس؛ ولأن ذكر دراسته وتقلبه في مناصب عدة لا يفيد مؤرخ الأدب بقدر ما يخدمه معرفة البيئة التي ترعرع فيها الشاعر ونما.
ومهما يكن من أمر فقد جمع الذين كتبوا عنه أنه كان مرهف الحس، أنيق المظهر والمخبر، دمث الخلق، لين العريكة، خفيف الروح، حاد المزاج1، كما أنه كان أبي النفس حييًّا، مترفعًا عن الدنايا، لم يغش دار "كرومر" أو يتصل به على الرغم مما بذله من محاولة لاجتذابه إليه2.
ولعلك تلمس في شعره شيئًا من صفاته، فقد كان حريصًا على أصدقائه الذين يتخيرهم بعد طول نظر، وهم قلة فإذا صادق ضن بصديقه عن سماع أي وشاية، بل يقابل الوشاية بالثناء وكان كثيرًا ما يردد قول الأحنف: "ما أقبح القطيعة بعد الصلة" وفي هذا يقول مخاطبًا أصدقاءه الذين كرموه، وهو يودع الإسكندرية:
وأحفظوا عهدي القديم فإني ... حافظ عهدكم برغم البعاد
فإذا قرب النفوس ائتلاف ... هان عندي تفرق الأجساد
وهو القائل:
__________
1 الدكتور طه حسين في المقدمة ص8.
2 أحمد الزين في المقدمة ص30.
(2/342)

وما المرء إلا بخلق كريم ... وليس بما قد حوى من نَشَبْ
وله في أخلاق الناس، والتبرم بهم قصيدة طويلة حين ظهر "مذنب هالي"1 وتمنى صبري لو أنه صدم الأرض وأراحها من أهل النفاق والعقوق وأهل البغي والظلم إلى غير ذلك مما كان يؤلم حسه الرقيق، وأخلاقه الدمثة، فقال:
غاص ماء الحياة من كل وجه ... فغدا كالح الجوانب قفرا
وتفَشَّى العقوق في الناس حتى ... كاد رد السلام يحسب برًّا
وفيها يقول:
أغدًا تستوي الأنوف فلا يناظر ... قومًا على الأرض شزرًا
أغدًا كلنا تراب ولا ملك ... خلاف التراب برًّا وبحرًا؟
أغدًا يصبح الصراع عنافًا ... في الهيولي ويصبح العبد حرًّا
ومن قوله في الاعتداد بكرامته: ضنًّا بها عن أن تهانه:
لكسرة من رغيف خبز ... تؤدم بالملح والكرامة
أشهى إلى الحر من طعام ... يختم بالشهد والملامة
ومن شدة إبائه أنه لم يكن يتورع عن رد الإهانة على طريقته، ولو كان من أهانه عظيمًا، استمع إليه يقول:
أيها التائة المدل علينا ... ويك قل لي من أنت إني نسيت"
وفي قوله: "إني نسيت" تهكم مر؛ لأن هذا الشخص لو كان عظيمًا حقًّا ما نسيه صبري، ولكنه لا يستحق أن يذكره صبري، وهو بهذا يخبره أنه أرفع منه شأنًا:
وإذا خانه صديقه، وعقه وحاول إيذاءه تذكر عهد الوداد، فلم يرد على اعتدائه، وحافظ عليه.
إذا خانني خل قديم وعقني ... وفوقت يومًا في مقاتله سهمي
__________
1 ظهر هذا المذنب في سنة 1910، وقيل: إنه كاد يمس الأرض ويصدمها، ولو حدث هذا لانتهت الدنيا، وسمى مذهب هالي نسبة لمكتشفه.
(2/343)

تعرض طيف الود بيني وبينه ... فكسرت سهمي فانثنيت ولم أرم
وكان يؤثر الحلم على الغضب فإذا ما دعت دواعي الغضب، وأثارته الحادثات تذرع بالحلم، ورجع إلى نداء العقل.
إذا ما دعا إلى الشر مرة ... وهزت رياح الحادثات قناتي
ركبت إليه الحلم خير مطية ... وسرت إليه من طريق أناتي
وسترى تلك الدماثة والرقة، ولين العريكة واضحة في شعره، حتى في الموقف الذي يتطلب نضالًا وقسوة، ولقد ذكرنا شيئًا عن وطنية إسماعيل صبري فيما سبق1 وعن أثر الحالة الاجتماعية فيه2، وأنه لم يكن ذلك الوطني المتحمس، بل كان حذرًا في كل ما يقوله كما أنه لم يقل شيئًا في مآسي الشعب ومشكلاته؛ لأنه كان في عزلة عنه إلا من خاصة أصدقائه الذين يتخيرهم بدقة.
ولقد كان إسماعيل صبري برما بالحياة على الرغم مما أوتيه من منصب وجاه ولقب وسعة في العيش، ولعل هذا راجع إلى أنه كان يأمل أن يصل بكرم خلقه وشاعريته إلى ما وصل إليه من هم أدنى منه موهبة، وممن وسموا بالتملق والنفاق وسيء الأخلاق، وقد أشار في شعره إلى أنه قد أصبح نسيًا منسيًا لا يذكر اسمه عند توزيع المناصب، لاعتزاله، وعدم طمعه في شيء منها، فكأنه في جوف الحيتان:
أين صبري؟ من يذكر اليوم صبري ... بعد أعوام عزلة وشهور
أسألوا الشعر فهو أعلم هلَّا ... أكلته الأسماك طي البحور
ومن دلائل برمه بالحياة، ذكره الكثير للموت، وتراه تارة ينظر للموت قلقًا:
أتزودت من ضياء البدور ... لليالي كثيفة الديجور
__________
1 راجع ص123 من هذا الكتاب وما بعدها.
2 راجع ص191 من هذا الكتاب.
(2/344)

وتارة ينظر إليه مرحبًا مطمئنًا.
يا موت هأنذا فخذ ... ما أبقت الأيام مني
بيني وبينك خطوة ... إن تخطها فرَّجت عني
وأحيانًا يعزي نفسه بأنها إن سئمت الحياة، ففي التراب والموت الراحة، فالأرض هي الأم الرءوم:
إن سئمت الحياة فأرتجع إلى ... الأرض تنم آمنًا من الأوصاب
تلك أم أحنى عليك من الأم ... التي خلفتك للأتعاب
لا تخف فالممات ليس بماح ... منك إلا ما تشتكي من عذاب
وحياء المرء اغتراب فإن ما ... ت فقد عاد سالمًا للتراب
أما خفة روحه، وحلو دعابته، وبراعته في النكتة في أشعاره التي قالها على لسان الوزراء والحكام، وفي المقطوعات التي نظمها في محمد المويلحي مشيرًا إلى "الكف" الذي ضربه ما ينبئ عن روح قاهرية محبة للنكتة التي تدور على التلاعب بالألفاظ، وتداعي المعاني والتورية، استمع إليه يقول في يوسف سابا باشا وقد تولى رئاسة شركة مياه القاهرة:
أين سابا؟ أين سابايا ترى ... أين سابا ذو المزايا الباهرة
قال لي قوم ثقات إنهم ... لمحوه في مياه القاهرة
وإلى ما قاله في إسكندر فهمي باشا مدير السكة الحديدية حين اعتزل منصبه.
اصلب أنت؟ قل لي، حار أمري ... إذا فكرت فيك وضاع حدسي
خرجت من الشريط ولم تهشم ... كأنك خارج من بيت عرس
ففي قوله "صلب" إشارة إلى المعدن الذي تصنع منه القضبان والقاطرات، وفي قوله "خرجت من الشريط، تلميح إلى الشريط الحديدي المعروف. وأسمع إليه كذلك يقول على لسام محمد المويلحي مشيرًا إلى ذلك الكف الذي ضربه على صدغه ولم يثأر لكرامته:
أنا فرع الألى رفعوا بناء ... يرى للنسر فوق ذراه بيت
أريش يراعتي بمداد خبث ... وأني لا لي هدف رميت
وإن أحد تعرض لي بسوء ... وقف وراء صدعي واختفيت
(2/345)

وقد أفاض الأستاذ أحمد الزين الذي صاحبه ثلاثة عشر عامًا في ذكر خلاله ومزاياه في المقدمة، وإن كان شعره لا ينم على الكثر مما ذكر؛ لأنه كان مقلًّا، وحسبنا هنا ما أوردناه ففيه الكفاية التي تلقي ضوءًا على وجه الشاعرية وعلى مذهبه في الكلام، وفي الحياة.
أما ثقافة إسماعيل صبري، فنعلم من تاريخ حياته أنه درس التركية والعربية في المدارس المصرية، ثم درس الفرنسية في فرنسا، ويدلنا شعره المبكر على أنه وعي من العربية قدرًا مكنه من نظم الشعر وهو في السادسة عشرة من عمره، وقد ذكر الأستاذ أحمد الزين أنه كان يحفظ ديوان عمر بن الفارض وكان شديد الإعجاب بشعر البحتري1 مدمنًا لقراءته، مفضلًا له على غيره من الشعراء، وقد أخذ عن البحتري الكثير من حلاوة التنسيق، وعذوبة الألفاظ ووضوح المعنى، على أن في شعره كما سنرى فيما بعد ما يدل على أنه قرأ لشعراء كثيرين، وأفاد منهم لفظًا ومعنى، أما الأدب الفرنسي فقد حاول الدكتور لشعراء كثيرين، وأفاد منهم لفظًا ومعنى، أما الأدب الفرنسي فقد حاول الدكتور محمد صبري أن يتلمس آثاره في أدبه، وساق غير مثل على ذلك2. ولكنا نرى أن ما أورده له شبيه في الأدب العربي القديم، وأكاد أعتقد أن صبري حين فكر فيه لم يرد على ذهنه الأدب الفرنسي، وإنما أسعفته ذاكرته الواعية، بما استظهره سابقًا حين كان يروض القول ويحاكي الأقدمين، ليتمرس على قول الشعر، بهذا المعنى أو ذاك، والعربية بهذا كانت أقرب إليه من الفرنسية، ولا سيما والألفاظ تكاد تكون متحدة مع ألفاظ الأبيات العربية القديمة.
وعلى الرغم من أن النقاد أجمعوا على أنه معنيًا بشعره "شديد النقد له، كثير التبديل والتحويل فيه3" وهو "يتخير اللفظ الشريف للمعنى الشريف، واللفظ القوي للمعنى القوي، واللفظ الرقيق للمعنى الرقيق4" وعلى الرغم من قوله:
شعر الفتى عرضه الثاني فأخر به ... ألا يشوه بالأقذار والوضر
فانقد كلامك قبل الناقدين تحط ... ثاني النفيسين من لغو ومن هذر
واقرأ فديتك تأمن ما تحاذره ... من قارئ هادئ أو قارئ ضجر
__________
1 المقدمة ص38.
2 الدكتور محمد صبري. أدب وتاريخ.
3 خليل مطران مختارات المنفلوطي ص67.
4 أحمد أمين في المقدمة ص16.
(2/346)

على الرغم من كل هذه العناية، وهذا التحذير، فإن إسماعيل صبري وقع في أخطاء كثيرة في اللغة والأسلوب وفي المعاني، ولكنها أخطاء لا تذهب بمنزلته الأدبية، وإن دلت على أنه لم يكن متمكنًا كل التمكن في قواعد اللغة ومتنها، وعلى أن لغة الصحافة قد جنت عليه، وسنرى نماذج من الأخطاء فيما بعد.
وسترى من دراستنا لشعره أنه لم يفد من معرفته بالفرنسية إلا قليلًا جدًّا يتمثل في الروح العامة لبعض المقطوعات، فلا هو من الذين جددوا في الغالب الشعري فأتى بقصص أو ملاحم أو مسرحيات، ولا هو بالذي جدد في المعاني أو الصور أو الخيالات على نحو ما نرى عند مطران الذي تأثر كثيرًا بالأدب الفرنسي.
شعره:
قال مطران: "أكثر ما ينظمه إسماعيل صبري فلخطرة تخطر بباله من مثل حادثة يشهدها، أو خبر ذي بال يسمعه، أو كتاب يطالعه ... ينظم المعنى الذي يعرض له في بيتين عادة إلى أربعة إلى ستة، وقلما يزيد على هذا القدر إلى حيث يقصد قصيدة وهو نادر1".
ويقول أحمد محرم. "صبري منذ القديم شاعر مقل، فهو لا يستطيع المطولات، ولا يكاد يجيدها، وقد نضجت شاعريته فأبدع في مواضع كثيرة، ولكنه بقى الشاعر المحدود والفنان الذي يأخذ من الفن ما يعجبه، ويأبى أن يعطيه ما يحبه هو ويرضاه2.
فصبري شاعر مقل، لا يكاد يجيد المطولات؛ وذلك لأنه لم يحترف الشعر، وإن أراد أن يكون شاعرًا معروفًا "فأقرأ الديوان من أوله فسترى ففتى يحاول قرض الشعر على النحو الذي تعلم الناس من قبله عليه قرض الشعر، يقول في الموضوعات التي كان الناس يقولون فيها، في مدح الخديو إسماعيل، وفي مدح
__________
1 مختار المنفلوطي ص67.
2 مجلة أبوللو سبتمبر 1934.
(2/347)

بعض الأشخاص الذين كان يراهم في حينئذ أهلًا للمدح، ولا يريد بذلك إلى الفن، وإلا أن ينظم الشعر، ويرفعه إلى الممدوحين، وينشره في الصحف، ويتحدث الناس عنه بأنه شاعر1".
ولم يكن شعر صبري أول عهده بالأدب يبشر بشاعر مقتدر يحدث أثرًا يذكر في عالم الشعر2، وأرى أن صبري على الرغم مما أسبغ عليه معاصروه من ثناء ومديح، وما أطروا به شعره، ولا سيما ذلك الذي قاله بعد عودته من فرنسا، وعلى الرغم من أنهم كانوا يلقبونه تارة بالرئيس، وتارة بشيخ الشعراء، ومن أنهم أثنوا على صدق عاطفته ودقة معانيه ورقتها لم يأت بجديد يذكر في عالم الشعر، وأنه فهم الشعر كما كان يفهمه الشيخ على الليثي، وإن كان أجود منه لفظًا، وأحسن معنى، وأمتن ديباجة. وإن شعر إسماعيل صبري امتداد لمدرسة القدماء، ولا أستطيع أن أقول: إنه امتداد لشعر البارودي. فشتان ما بينهما.
ولعل الذي جنى على صبري هو أنه ابتدأ حياته الشعرية مداحًا، ولم يجد النموذج المعاصر القوي في فن المديح؛ لأن البارودي لم يكن من فرسان هذا الفن وما ورد له قليل جدًّا بالنسبة لشعره، وفن المديح قد استنفدت معانيه في الأدب العربي منذ زمن بعيد، ولذلك أخذ يقلد القدماء من شعراء العربية ولكن لم تواته ذخيرة من محفوظ الروائع الخالدة على إجادة التقليد واكتفى بترديد المعاني المطروقة من قبل بأسلوب يناسب بيئته وثقافته. ولم يستطع فيما بعد التخلص من ربقة الأدب العربي القديم، ويفيد من دراسته للأدب الأجنبي أو من تقليد البارودي، أستاذ المدرسة التقليدية الحديثة.
ولم أجد شاعرًا صدق فيه القول: "بأن المعاصرة حجاب" خيرًا من إسماعيل صبري فلا شك أن الرجل لدماثة خلقه، وبعده عن المنافسات والحزازات، ورقته ولطف معاملته للناس قد أجمعت القلوب على محبته. وهم إذا نظروا إلى شعره
__________
1 طه حسين في المقدمة ص8.
2 أحمد محرم في مجلة أبوللو سنة 1934 ص104.
(2/348)

نظروا إليه بعين الصديق، وتمثل لهم إسماعيل صبري الرقيق الحس، المهذب الخلق، الكريم الخصال، صاحب الندوة العامرة التي كان يغشاها الشعراء، يلقبونه لكبر سنه، ولمقامه الأدبي بالرئيس أو شيخ الشعراء، وأنساهم كمال إسماعيل ما في شعره من مساوئ.
ولا أريد أن أتجنى على إسماعيل صبري، وهأنذا أعرض عليك لترى صدق ما أقول:
فصبري لم يجدد في موضوعات شعره، وإنما سار على نهج العرب الأقدمين، وكان عالة عليهم في معانيهم وألفاظهم وأغراضهم: مَدَحَ، وَرَثَى، وهَجَا، وهنأ، وتغزل، كما كانوا يفعلون، حتى الشعر السياسي الذي طرقه البارودي من قبل، والذي أفاض فيه حافظ وشوقي، وعبد المطلب، ومحرم، والكاشف، لم يكن له فيه نصيب ضئيل كما أنه لم يهتم بالناحية الاجتماعية في مصر، فيصور حال الشعب وآماله، ويشاركه أفراحه وأحزانه.
وحتى شعره الذي كان يقوله لنفسه، والذي لا يدفعه إليه إلا شعوره ترى فيه أثر التقليد، وإن بدا مصوغًا صياغة ظريفة، فقد نظر فيه معاني من سبقه من الشعراء وحاكاهم، وقصر عنهم في الأداء.
وأهم غرض قال فيه صبري، وأكثر هذه الأغراض تداولًا في شعره هو المديح والتهاني وما يتصل بهما. وقد بدأ حياته الشعرية بمدح الخديو إسماعيل، وهو بعد طلب في مدرسة الإدارة والألسن لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره فمن ذلك قوله من قصيدة، وقد نشرت بمجلة روضة المدارس تشجيعًا له:
سفرت فلاح لنا هلال سعود ... ونما الغرام بقلبي المعمود
وجلت على العشاق روض محاسن ... فسقى الحياء شقائق التوريد
ورنت بأحور طرفها وتبسمت ... فبدا ضياء اللؤلؤ المنضود
إلى غير ذلك من الغزل المتصنع، والمعاني القديمة التي عفى عليها، الزمن، وابتذلت من طول ما رددها الشعر العربي القديم، حتى وصل إلى مدح الخديو
(2/349)

إسماعيل، هكذا ابتدأ إسماعي صبري، ولقى تشجيعًا من أولي الأمر ومن رئاسة تحرير الوقائع المصرية، فقد ورد في الوقائع المصرية تقدمه لبعض قصائده في ذياك العهد، والتي من هذا الطراز:
"ومن أبدع ما ورد من كلام الأفندية التلامذة المنتظم -ولا جرم. في سلك كلام الأساتذة ما جادت به قريحة الذكي، النجيب، الذي تحسن رواية كلامه وتطيب، إسماعيل أفندي صبري وهي هذه الذاهبة محسناتها البديعية مذهب الانسجام المفيد، في التهنئة بقدوم الجناب الخديو الأفخم السعيد".
ومن ذلك قوله من قصيدة يمدح بها الخديو:
أغرتك الغراء أم طلعة البدر ... وقامتك الهيفاء أم عادل السمر
وشعرك أم ليل تراخت سدوله ... وثغرك أم عقد تنظم من در
إلى أن يقول في مدحه:
سريٌّ سما فوق السماك مقامه ... وفاق على الشمس المنيرة والبدر
وما الغيث إلا من بحار نواله ... ألم ترها تروي الوفود بلا نهر
ونحن في غنى عن التعليق على هذا الشعر الذي قال فيه أحمد محرم: "إن أي شاعر في زمان إسماعيل صبري حينذاك كان خيرًا منه"1، وساق على ذلك عدة أمثلة، وليس حاله بعد أن رجع من البعثة، وتزود من علوم الغرب في باب المديح -بل وفي غيره- بأحسن منه قبل أن يذهب، استمع إليه في عام 1878 وهو العام الذي انتهى فيه من دراسته بأوربا، كيف ينهئ توفيقًا، ويؤرخ في شعره على عادة شعراء الضعف، على أن السنة التي شرعها البارودي في الشعر، وما وضعه له من منهج قويم، وما ضربه للشعراء من نماذج غاية في الفحولة كانت حرية أن تجعل الشعراء يتقدمون بالشعر خطوة إلى الأمام، ولا يرجعون خطوات إلى الوراء وهذا هو يقول:
__________
1 مجلة أبوللو -العدد السالف الذكر- ص104.
(2/350)

مولاي وافاك عام مشرق بهيج ... فيه لآمال هذا القطر تحقيق
أبشر به فلسان السعد أرخه ... صافاك عام العلا والخير توفيق
ويقول من قصيدة أخرى عام 1886، فيبتدئ الشطر الأول بتأريخ: ويختم القصيدة بتأريخ:
مولاي هذا السعد قال مؤرخًا ... بشرى أبا العباس عام بشائر
وتجد له في كل قصيدة أبياتًا من هذا النوع، حتى لقد برع في التأريخ الشعري براعة فاقت عصر المماليك والعثمانيين. لقد مدح من قبل إسماعيل صبري كثير من شعراء العربية الفحول، ولكنك تقرأ شعر المتنبي أو البحتري أو أبي تمام في المدح فتهتز طربًا، وتجد جديدًا، وتجد فحولة وقوة، واستطرادًا إلى الوصف الرائع، والحكمة البالغة، ولكن صبري للأسف لم يأت بأي جديد في مدائحه. والأنكى من ذلك أن في نسيبه كان يقف على الأطلال والدمن، وأين في مصر الأطلال والدمن؟! وهب أنه جعل منازل الحبيبة الغائبة في قصور القاهرة ومعالمها بمنزلة الطلل البالي فهلًا جدد فيالصورة، وافتن في التعبير، بدلًا من ترديد ما لاكته ألسنة الشعراء منذ قال امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول وحومل
ويقول صبري في قصيدة يهنئ بها توفيق في عام 1890:
قف بالديار وحي ركبا دراسًا ... لو يستطيع إجابة حياكا
وانثر دموعك في ثراه صبابة ... على البكاء يزيل بعض جواكا
ويقول من قصيدة أخرى يمدح عباسًا في عام 1908 بعد أن شاعت ضروب الشعر الحديث على مطران وشوقي وشكري:
لو أن أطلال المنازل تنطق ... ما ارتد حران الجوانح شيق
فأين هذه الصورة القديمة التي لا تتعدى ذكر القدم ووصف البلى، وذلك الوصف الجاف الذي لا يفيد من الوجهة الفنية ولا يغني، فضلًا عن انحراف
(2/351)

الذوق، فإن صبري يريد التهنئة -وليس من المناسب في مقام التهنئة إيراد مثل هذه الصورة الحزينة، ولا ذلك اللون القائم، أين هذه الصورة من قول أبي نواس الثائر على وصف الأطلال والدمن حين يقول:
ألا لا أرى مثلي امترى اليوم في رسم تغص به عيني ويلفظه وهمي أتت صور الأشياء بيني وبينه فظني كلا ظن وعلمي كلا علم وقول أبي تمام:
على مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصوغات الدموع السواكب
أو قوله:
أدار البؤس حببك التصابي ... إلى فصرت جنات النعيم
لئن أصبحت ميدان السوافي ... لقد أصبحت ميدان الهموم
أظن الدمع في خدي سيبقى ... رسومًا من بكائي في الرسوم
وإذا تتبعنا أبياته في المدح من تلك القصيدة القافية التي اشتهرت؛ لأنه أثنى فيها على عباس ثناء عاطرًا لعفوه عن سجناء حادثة دنشواي؛ ولأنه استطرد إلى وصف تلك الحادثة وجدناه مقلدًا في كل بيت من أبياتها، وناظرًا إلى بيت من الشعر القديم، تارة يأخذ اللفظ والمعنى وتارة يكتفي بالمعنى وحده، من غير توليد أو إضافة جديدة على الصورة، ولنضرب على ذلك مثلًا بقوله:
أحرزت يا عباس كل فضيلة ... وبلغت شأوًا في العلى لا يلحق
من ذا يجاري أخمصيك إلى مدى ... وهواك سباق وعزمك أسبق
فالثناء على الممدوح بأنه حاز كل الفضائل، وبأنه بلغ في العلا شأوًا لا يلحق، كلام قديم جدًّا، وطالما ردده الشعراء، هذا هو مهيار الديلمي يقول:
لا أدعي لأبي العلاء فضيلة ... حتى يسلمها إليه عداه
وما أشبه الشطر الثاني من البيت الأول بقول أبي تمام:
هيهات تطلب شأو من لا يلحق
(2/352)

وفي السبق إلى الغايات يقول البحتري:
طلوب لأقصى غاية بعد غاية ... إذا قيل قد تناهى تزيدا
ويقول أحمد محرم في نقد البيت الثاني: ومن الخطأ قول صبري: "من ذا يجاري أخمصيك" فإن الملوك لا تمدح بمثل هذا، وأولى بهذه المجاراة أن تكون بين العدائيين، كالسليك والشنفرى وأمثالهما، فليس المجد مما ينال بالعدو على الأقدام فيكون للأخمصين عملهما فيه، قال البحتري:
إذا سؤدد داني له مد همه ... إلى سؤدد نائي المحل يزاوله
فلم يقل مد قدمه، أو طار بأخمصيه، وإنما قال مد همه. وقد قال المتنبي أروع من هذا في نفس المعنى:
وحق له أن يسبق الناس جالسًا ... ويدرك ما لم يدركوا غير طالب
ويحذي عرانين الملوك وإنها ... لمن قدميه في أجل المراتب
وقد عد بعضهم من مبتكرات صبري في هذه القصيدة قوله:
إن يرتجل عرف فأنت إلى الذي ... لم يرتجله المالكون موفر
وهذا المعنى قديم طرقه غير واحد من الشعراء، قال طريح الثقفي:
قد كنت تعطيني الجزيل بديهة ... وأنت لما استكثرت من ذاك حاقر
فأرجع مغبوطًا وترجع بالتي ... لها أول في المكرمات وآخر
وقال الأبيوردي:
جاء الندى والبأس منك بديهة ... لما كرهت الوعد والإيعادا
ومن قبل هذين قال زهيد بن عروة المازني:
مباذيل عفوًا جزيل العطاء ... إذا فضلة الزاد لم تبذل
هم سبقوا يوم جرى الكرام ... ذوى السبق في الزمن الأول
(2/353)

ولا تجد بيتًا من أبيات هذه القصيدة، بل من قصائد المدح كلها عند صبري ليس له نظير في معناه، أو معناه ومبناه عند شعراء العربية الأقدمين؛ وذلك لأن باب المديح من أقدم أبواب المدح منذ اخترعه النابغة الذبياني، وجرى الشعراء على سنته، وافتنوا فيه، وأهم صفة كان يتحلى بها الممدوح في نظرهم: الشجاعة والكرم. هل من الجديد قول صبري في هذه القصيدة؟:
عوذت مجدك أن تنام وفي الحمى ... أمل عقيم أو رجاء مخفق
لقد قال المعري في هذا المجد المعوذ:
أعاذ مجدك عبد الله خالقه من ... أعين الشهب لا من أعين البشر
وفي معنى بيت صبري قول الشريف الرضي:
نعمى أمير المؤمنين حرية ... ألا تنام عن الرجاء المهمل
ويا ليت صبري صاغ القصيدة كلها صياغة قوية جيدة، فإنه لم يكن يقوى على المضي في القصائد الطويلة من غير أن يبهر نفسه، ويحل به الأين واللغوب، ويتردى في حمأة الكلام السوقي المسترذل. فمن ذلك قوله:
وأخذت رأي أولى النهي مستوثقًا ... مستوزرًا وكذا الحكيم يدقق
فهل هذا شعر؟ ويقول بعد هذا البيت:
حتى اهتديت إلى الصواب ولم يزل ... بين الصواب وبين رأيك موثق
وفي هذا اتهام لرأي الممدوح وطعن عليهن وإن حاول ستره بالشطر الثاني. وقال بعد هذا البيت:
وأهبت فابتكر النضار سحائبًا ... تهمي وتفتقد المحيل وتغدق
والمحيل: ما أتى عليه الحول، أو ما صار من حال إلى حال. وقد أراد بالمحيل المحال فأخطأ. وبعد فهل هذا الأمر مشكل؟ وهل معرفة جهل الأمة وسوء حالها كان خافيًا على عباس، حتى أخذ رأي أولي النهي، واستوثق، واستوزر، ثم اهتدى بعد تخبط وضلال، فأين هذا من قول مهيار الديلمي:
(2/354)

ودبر الدنيا برأي واحد ... يأنف أن يشركه فيه أحد
إذا استشار لم يزد بصيرة ... ولا يلوم رأيه إذا استبد
أو قول الشريف الرضى:
يستمع الرأي وعنه غني ... قد يصقل السيف ولم يطبع
وقول البحتري:
إذا ما جرى في حلبة الرأي برزت ... تجارب معروف له السبق قارح
أو قوله:
تشف أقاصى الرأي في بدأته ... لعيني وستر الغيب غير رقيق
أو قول المتنبي:
كفتك التجارب الفكر حتى ... قد كفاك التجارب الإلهام
أو قول سلم الخاسر:
بديهته وفكرته سواء ... إذا ما ذابه الخطب الكبير
وأحزم ما يكون الدهر رأيًا ... إذا عي المشاور والمشير
وماذا عساي أقول في شعر صبري في المديح، وهو تقليد في موضوعه، وتقليد في طريقته وافتتاحه بالنسيب، ووقوفه على الأطلال، وتقليد معانيه، وصوره وألفاظه؟ فهل بعد هذا يقال إن صبري من الشعراء المجددين؟
ومما يتصل بالمديح والتهاني ذلك الفيض من التقاريظ، والقصائد التي تتخذ للزينة، ومثل القصيدة التي قالها لتوضع في غرفة المائدة بقصر عابدين، ومطلعها:
شمس المعالي كعقود الجمان ... قد نظمت في صدر هذا المكان
ومثل البيتين اللذين قالهما ليكتبا على مسقى "سبيل" أم عباس:
(2/355)

أسست هذا على أس التقى ... أم عباس ملاذ المعوزين
أيها الظامئ قف نلت المنى ... فيح مي جدة أم المحسنين1
إن هذا الكلام لا يسمى شعرًا، بل هو نظم، وصاحبه كما رأيت "نديم" لا شاعر، يحاول أن يرضى البيت المالك، والحاشية، وتتمثل فيه الرقة والوداعة، وسرعة البديهة، والقدرة على القول في كل شيء كما هو شأن الندمان غالبًا.
إذا كان الأدب الفرنسي قد ترك أثرًا في إسماعيل صبري، فذلك الأثر يتمثل في أنه شاعر "صالون" وشاعر "الصالون" كما علمت آنفًا يراعي دائمًا غيره، قبل أن يراعي نفسه وقلما يفرغ إلى شعوره ووجدانه، وفي "الصالون" يسود الذكاء، والنكتة وحسن التعبير. والمجاملة2.
ويذكر لنا الدكتور محمد صبري أن دار إسماعيل صبري كانت "تذكرنا بالأندية التي يرجع إليها الفضل في تهذيب اللغة الفرنسية وتجنب الكلمات الحوشية النافرة،؛ لأن السيدات كن فيها الآمرات الناهيات يحاسبن على كل لفظة ويتلطفن في الخطاب"3، وقد أيد هذا حافظ إبراهيم في رثائه.
لقد كنت أغشاه في داره ... وناديه فيها زهى وازدهر
وأعرض شعري على مسمع ... لطيف يحس نبو الوتر
ولكني لا أوافقه على أن إسماعيل صبري قد انطبع في ذهنه كثير من الأدب الفرنسي4، اللهم إلا ذلك النوع من الأدب الذي ذكره الأستاذ العقاد بقوله: "ولما تهيأ لإسماعيل صبري أن يتلقى العلم في فرنسا، ويطلع على آدابها وآداب الأوربيين في غلتها كان من الاتفاق العجيب أنه اطلع على الآداب الفرنسية، وهي في حالة الذوق القاهري من بعض الوجوه؛ لأنها كانت تدين على الأكثر الأغلب بتلك الرافهية الباكية التي كان يمثلها "لامرتين" وإخوانه الأرقاء الناعمون"5.
__________
1 جدة أم المحسنين هي "بمبا كان" وسبيل أم عباس كان بمدرسة بما قادن.
2 راجع ص208- 261 من هذا الكتاب.
3 آداب وتاريخ للدكتور محمد صبري ص120.
4 أدب وتاريخ للدكتور محمد صبري ص112- 115.
5 شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ص33- 34.
(2/356)

ولكننا نعلم أن مدرسة "لامرتين" هي المدرسة الإبداعية التي عنيت بالأدب الذاتي عناية فائقة فانطلق شعراؤها يتغنون بكل ما يحسون به، كما أنها عنيت بالطبيعة واكتناه أسراراها، والتملي من محاسنها ومفاتنها، وعنيت كذلك بالإنسانية والمجتمع عناية بالغة تصور مشكلاته بحاسة، وكانت الحياة كلها موضوعًا لشعرهم، وبرعوا في تصوير العواطف براعة فائقة، وعنوا بالجمال والأناقة، ولم يأخذ صبري من هذا كله إلا الجمال والأناقة وترك الهيام بالطبيعة والإنسانية والمجتمع. وإن مدرسة الندمان هذه تشبه إلى حد كبير عشراء الأندية و"الصالون". "وإذا أتيح لك أن تحضر مجلسًا من مجالس الظرفاء القاهريين في الجيل الماضي خيل إليك أنك في حجرة رجل نائم مريض. فالكلام همس، والخطوة لمس، والإشارة في رفق، وسياق الحديث لا إمعان فيه ... في هذه البيئة نشأ إسماعيل صبري الشاعر الناقد البصير بلطائف الكلام، فنشأ على ذوق قاهري صادق يعرف الرقه بسليقته وفكره، وليس يتكلفها بشفتيه ولسانه"1.
هكذا يقرر الأستاذ العقاد، فإذا كان للأدب الفرنسي من تأثير عليه، فإنه زاده إمعانًا في رقته، وحبًّا في طريقته، وجعله شاعرًا عريقًا من شعراء المنادمة، لا شعراء الوجدان الذين يناجون نفوسهم، ويستوحونها الإلهام، ولا يفكرون في سواهم.
لقد برهن إسماعيل صبري بالقسم الأكبر من ديوانه الذي تضمن المديح والتهاني، والتقاريظ؛ وشعر الزينة، والمناسبات، وبتلك المقطوعات القصيرة التي تقال ليفهمها الناس والتي تعبر عن خاطرة عابرة، ولا فكرة متأصلة في نفس الشاعر، على أنه من مدرسة علي الليثي التي لا تختلف كثيرًا عن وجهة النظر الفرنسية في الشعر.
ولعله يقال إن عبقرية إسماعيل صبري قد تجلت في غير هذا الشعر الرسمي، تجلت في "مقطوعاته القصيرة يجري فيها ذوب قلبه، ويمزح فيها دم نفسه، بمعناه ولفظه، ويغني فيها لنفسه، ويقصد بها إلى بث لوعته وتخفيف كربته وتلطيف صبابته2.
__________
1 المصدر السابق 32- 33.
2 أحمد أمين في المقدمة ص17.
(2/357)

وهأنذا أعرض هذا النوع من الشعر لنتبين ما فيه من صدق العاطفة، وهل كان صبري فيه مجددًا، مخلصًا للفتن أو أنه تأثر بمدرسة الندماء، وبحياة "الصالون" قال صبري من قصيدته المشهورة "لواء الحسن":
يا لواء الحسن أحزاب الهوى ... أيقظوا الفتنة في ظل اللواء
فرقتهم في الهوى ثاراتهم ... فاجمعي الأمر، وصوني الأبرياء
إن هذا الحسن كالماء الذي ... في للأنفس ري وشداء
لا تذودي بعضنا عن ورده ... دون بع واعدلي بين الظماء
أنت يم السحن فيه ازدحمت ... سفن الآمال، ويزجيها الرجاء
يقذف الشوق بها في مائج ... بين لجين عناء وشفاء
ألا تشعر وأنت تقرأ هذه الأبيات أن صبري ليس محبًّا عاشقًا متيمًا؟ إن المحب ذا أثرة، وغيرة، ولا يرضى إلا بأن يكون المحبوب له وحده، ولكن صبري يحب سيدة "الصالون" يريد منها العدل في القسمة، وتوزيع النظرات، وقد جعل الحسن مشاعًا للجميع والواجب عليها ألا ترد بعضهم عن ورده، وأن تعدل بين الظماء، وهل هذه هي العاطفة الملتهبة؟ إنه شعر أنيق ظريف، واضح، ولكن ليس فيه حرارة الحب، ولا لوعة العشق، ولا إخلاص المحب وأثرته.
هذا فضلًا عن أن المعاني التي طرقها صبري، قد رددها من قبل غيره من شعراء العربية فأما أن المرأة فتنة فقضية مشهورة وهذا هو أبو نواس يقول:
ما براها الله إلا ... فتنة حين يراها
وأما أنها لواء الحسن وأن الفتنة استيقظت في ظل اللواء فقديمًا قيل: الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها" وأما قوله: "فرقتهم في الهوى ثاراتهم"، فقد قيل قبل هذا: "قامت حروب الهوى على ساق". وأما قوله: "فأجمعي الأمر وصوني الأبرياء" فقد قال عمر بن الفارض أستاذ صبري:
تجمعت الأهواء فيها فما ترى ... بها غير صب لا يرى غير صبوتي
(2/358)

وقال صفي الدين الحلي:
لعل الحب يرفق بالرعايا ... فيأخذ للبريء من المليم
وتشبيه الحسن بالماء قديم قال أبو القاسم العطار:
رقت محاسنها وراق نعيمها ... فكأنما ماء الحياة أديمها
وقال أبو تمام:
صب الشباب عليها وهو مقتبل ... ماء من الحسن ما في صفوه كدر
وأما قوله: "أنت يم الحسن إلخ" فقد نظر في هذا المعنى إلى قول السراج الوراق:
يا بني الآمال قد خاب الرجاء ... إنها اشتدت وقد عز العزاء
سفن الآمال في بحر المنى ... وحلت منا فأين الرؤساء
وقال صبري بعد هذه الأبيات من نفس القصيدة:
سأعفي آمال أنضاء الهوى ... بقبول من سجاياك رحاء
وتجلي واجعلي قوم الهوى ... تحت عرش الشمس في الحكم سواء
وعاد صبري في هذين البيتين إلى طلب المساواة في الحب، وطلب النصفة والعدل، وهذا طلب غير مقبول في الحب، فلا الحبيب يستطيع أن ينصف؛ لأنه يتبع ميل فؤاده، ولا المحب يريد هذه النصفة، إلا أمثال صبري الذين يمزحون ولايحبون، فالحب ذو أثرة، وهيهات أن يرضى محب بالشركة، وإذا نظرت إلى الصورة التي أتى بها في هذين البيتين وجدتها قديمة، مرقعة من أبياتها عدة نظر إليها الشاعر، فأنضاء الحب، صيغة قديمة جدًّا، ومن قبل قال الطغرائي.
"يقتلن أنضاء حب لا حراك بها" وأما تشبيه السجايا بالريح الهنية اللينة الرخاء، فكذلك تشبيه قديم قدم البحتري حيث قال:
خلق طيع إذا ريض للجو ... د انثنى عطفه وطاع عنانه
(2/359)

وإذا قلت. إن صبري أراد أن يقيم للحب دولة، ويشرع نظامًا، وتسود فيه النصفة والمساواة، فلعل هذا من الجديد، وإن كانت شريعته لا يرضى بها الحاكم ولا المحكوم، فأقول. إن هذا معنى قديم، ومن ألطف ما قيل في هذا المعنى قول محمد بن سارة.
كم قد رأت عيناي مثلك واليا ... للحسن، وتنتهب النفوس جنوده
الدهر طوع يديه والدنيا له ... أمة وأحرار الأنام عبيدة
وقول ابن النبيه.
أيا ملك القلوب فتكت فيها ... وفتكك في الرعية لا يحل
وقال صبري بعد ذلك.
أقبلي نستقبل الدنيا وما ... ضمنته من معدات الهناء
وأسفري تلك حلى ما خلقت ... لتوارى بلثام أو خباء
واخطري بين الندامى يحلفوا ... إن روضا راح في النادي وجاء
وانطقي ينثر إذا حدثتنا ... ناثر الدر علينا ما نشاء
وابسمي من كان هذا ثغره ... يملأ الدنيا ابتسامًا وازدهاء
وفي أول هذه الأبيات كلمة "معدات الهناء"، والمعتدات لعمري ثقيلة جدًّا في هذا البيت فضلًا عن أن الهناء بمعنى هناءة لم تسمع في الفصيح، وطلبه في البيت الثاني من المحبوبة أن تسفر؛ لأن هذا الجمال لم يخلق ليتوارى وراء الحجاب، معنى ردده من قبل أكثر من شاعر عربي ومن أحسن ما قيل في هذا قول الحسن التهامي:
حطي النقاب لعل سرب عيوننا ... فيروض حسنك يرتعين قليلا
وفي البيت الثالث يظهر محبوبته على عادته، بأنها امرأة "صالون" أو ناد كما أراد، وهذا ابتذال لها إذا كان حقًّا يحبها، ولكنه متأثر كما ذكرت بالطريقة الفرنسية، وقيل: إن هذه الأبيات نظمت في الآنسة "مي زيادة"؛ إذا كان يغشى
(2/360)

ناديها مع من يغشاه وكانت تستقبل زوارها كل "ثلاثاء" ولم يكن صبري ينقطع عن ندوتها إلا لضرورة ملحة، وقد اعتذر لها مرة عن تأخره بقوله:
روحى على دور بعض الحي حائمة ... كظامئ الطير تواقًا إلى الماء
إن لم أمتع بمي ناظري غدًا ... أنكرت صبحك يا يوم الثلاثاء
ومع هذا فالبيت ليس فيه جديد، فتشبيه المرأة بالروضة قديم، وفي ذلك يقول أبو تمام:
خرجن في نضرة كالروض ليس لها ... إلا الحلى على أعناقها زهر
ولعل بيت صبري ... أقرب إلى بيت كشاجم
رزئته روضة تروق ولم ... أسمع بروض يمشي على قدم
وأما تشبيه حديثها بالدر في البيت الرابع فكذلك من الصور المتداولة، التي كثرت جدًّا لدى الأقدمين، ومن أشهر ذلك قول البحتري:
ولما التقينا واللِّوى موعد لنا ... تعجّب رائي الدر منا ولا قطعة
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
وقال صبري بعد ذلك:
لا تخافي شططًا من أنفس ... تعثر الصبوة فيها بالحياء
فهو يريد أن نفوس الجلساء مهذبة يحول الحياء بينها وبين ما لا ينبغي، ومقصده أنها نفوس عفيفة تستطيع أن تكبح جماحها على الرغم من الفتنة، وقديمًا قال المتنبي في العفة:
يرد يدًا عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد
وقال الشريف الرضي:
وإذا هممت بمن أحب أمالني ... حصر يعوق وعفة تنهاني
(2/361)

وقد أجاد صبري في قوله: "تعثر الصبوة فيها بالحياء" وإن ورد مثل هذا في غير موضع الحب.
وقال صبري بعد ذلك:
أنت روحانية لا تدعي ... أن هذا الحسن من طين وماء
وقد قال شوقي في هذا المعنى، ولسنا ندري أيهما أسبق:
صوني جمالك عنا إننا بشر ... من التراب وهذا الحسن روحاني
وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ}
وأخيرًا قال صبري في هذه القصيدة:
وانزعي عن جسمك الثوب يبنْ ... للملأ تكوين سكان السماء
وعجيب من صبري المهذب الرقيق الحاشية رجل النادي، الذي اشتهر بأنه لا يفحش أن يطلب من محبوبته أن تنزع الثوب عن جسمها أمام الندامى، لا بل أمام الملأ أجمعين ليروا تكوين سكان السماء، ولا شك أن هذه فلتة من فلتات صبري، ما فطن إليها. وبغض النظر عن هذا كله، وعن أنه مقلد، فإن صبري شغل بهذه القطعة -مقتفيًا أثر المدرسة الفرنسية- بمحاسن المحبوب الظاهرة، وعن الكشف عن لواعج نفسه، ومكنون قلبه، وبث لوعته، وحرقة فؤاده، فهو ينظر إليها نظرة مادية رخيصة، يريدها أن تسفر لأن الحسن لا يصح أن يتوارى، ويريدها أن تخطر بين الندامى ليتمتعوا بهذا الجمال كأنهم في سوق الرقيق، ويريدها أن تتحدث وتبتسم، ويعني كل العناية بحسنها ومفاتنها حتى لم يستطع إلا أن يطلب منها أن تخلع ثيابها، ولا يبرئه ما وصف به نفسه وندماه من العفة، ومن أنها ملك. إنه تقليد مزدوج للعرب القدماء، وللمدرسة الفرنسية على السواء. ثم هو شعر ليس فيه عمق ولا تحليل للعواطف، ولا تصوير رائع، وهذه القطعة من أحسن قطعة في الغزل، وأطراها غير واحد من النقاد، وإن وافقنا الأستاذ العقاد في نقدها حيث يقول: "هنا ذوق وكياسة، وليس هذا عشق
(2/362)

وحرارة، ولن تذكرنا هذه الأبيات بعاشق يهو معشوقًا يقف على نفسه ويطلب إليه أن يقف نفسه عليه وإنما تذكرنا بنديم قاهري في سهرة من سهرات الطرب يلتف مع صحبه بغانية أو مغنية، يتلطف في الزلفى إليها، والثناء عليها، ولا يشعر من وراء ذلك بلوعة ولا غيره من المنافسين قناعة منه بالراحة بين الأحزاب، والعدل بين الظماء"1.
وعلق الدكتور مندور في الكتيب الصغير الذي أصدره عن إسماعيل صبري على رأينا في هذه القصيدة بأن كلامنا هذا ليس تعسفًا فحسب ولكنه خطأ في الفهم.
"فالبيت الخاص بنزع الثوب لا يمكن فصله عن البيت السابق له وهو:
أنت روحانية لا تدعي ... أن هذا الحسن من طين وماء
ولا يمكن فصله عن البيت الذي يليه وهو:
وأرى الدنيا جناحي ملك ... خلف تمثال مصوغ من ضياء
فالأبيات الثلاثة تكون رؤية شعرية واحدة يزعم الشاعر أن الفتاة "روحانية" ليس حسنها من طين وماء وإنما هي تمثال مصنوع من ضياء وبه "جناحا ملك": وهو يريد منها أن تنزع الثوب لكي تثبت صحة رؤيته الشعرية، فلن يظهر عندئذ جسم بشري بل تمثال مصنوع من "ضياء" هو "تكوين سكان السماء" وبذلك لا تكون "فلتة" من إسماعيل صبري، ولا يكون هناك "سوق رقيق" ولا "عرض لجسم عار بين الندامى وإنما هناك رؤية شعرية روحية"2.
ويعود فيقول: "الواقع أن لواء الحسن أو المرأة الجميلة التي يتحدث عنها إسماعيل صبري في هذه القصيدة ليست امرأة مبتذلة ولا نهبًا للأطماع، وإنما هي امرأة روحانية تقصر عن التطلع إليها شهوات النفوس، وليس في القصيدة نعمة حسية أو مستهترة أو مبتذلة، وهي أبعد ما تكون عن روح الندماء ومجالس الظرف أو الخلاعة"3.
__________
1 شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ص35.
2 نفس المصدر: ص9، كذلك ص15.
3 نفس المصدر: ص12.
(2/363)

والدكتور مندور يرد على نفسه في كتاب آخر من كتبه وهو "الشعر المصري بعد شوقي"1 حين وازن بين علي الجارم وإسماعيل صبري، وقد قال في هذه الموازنة: "ولا يعقل أن يكون إحساسه بمعاني الحب مطابقًا الإحساس رجل كإسماعيل صبري القاهري المترف الذي كان يقنع من الحب بمجالس الطرب وصالونات المؤانسة دون أن يستشعر شيئًا من ذلك الحب العنيف الأثر الذي يثير الغيرة، فتراه لا يطلب من الحسناء التي يغازلها إلا أن تسوي بين عاشقيها حيث يقول:
"يا لواء الحسن............ الأبيات"
فالدكتور مندور يعترف معنا بأنها كانت في مجلس طرب وصالون مؤانسة، وأن إسماعيل صبري لم يكن لديه ذلك الحب العنيف الأثر الذي يثير الغيرة، وأنه كان يغازلها، ولم يطلب منها إلا أن تسوي بين عاشقيها".
فأي امرأة هذه ذات العشاق الكثيرين الذين يغازلونها في صالونات المؤانسة ومجالس الطرب؟!
لقد نسي الدكتور مندور أول القصيدة وأخذ أبياتها الثلاثة الأخيرة نسي أنه طلب منها أن تعدل في توزيع الحب.
لا تذودي بعضنا عن ورده ... دون بعض واعدلي بين الظماء
ونسي أنها تخطر في النادي بين الندامى، وأنه يطلب منها أن تتكلم لتنثر الدر، وأن تبتسم ليملأ ثغرها الدنيا ابتسامًا فهو هنا يؤكد بشريتها، ولو كانت روحانية حقًّا ما قال لها: "لا تخافي شططًا من أنفس.... البيت" إذ إن الملائكة لا تخاف شطط النفس البشرية، بينما صبري يؤكد في هذا البيت بشريتها بأن نفوسهم عفيفة تستطيع أن تكبح جماحها على الرغم من الفتنة التي تخطر أمامهم وهم "ندامى" وهذه الكلمة توحي بكثير، كما أن كلمة "صبوة" وهي جهالة الشباب تنبئ عن الشهوة التي تعمل في نفوسهم وإن منع الحياء ظهورها وأكد هذا في البيت الذي يليه:
__________
1 ص31.
(2/364)

راضت النخوة من أخلاقنا................
البيت
أما الأبيات الثلاثة الأخيرة التي ثار الدكتور مندور علينا من أجلها حين تعجبنا من صبري القاهري المهذب أن يطلب إليها أن تنزع الثوب بين الندامى، وراح ينبئنا بأنها صورة ملائكية وأنها روحانية، ولسنا نعلم أن الملائكة تلبس ثيابًا وإنما هي أجسام نورانية شفافة، كل الذي أراده صبري أنها تشبه الملائكة في جمالها. كما قال النسوة في سيدنا يوسف: {مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} ولم يمنع ذلك امرأة العزيز من الهيام ومراودته عن نفسه.
ولقد نظرنا إلى القصيدة في عمومها وإلى أنها قيلت في مجلس طرب وصالون مؤانسة وأنه كان يغازلها كما يغازلها سواه، وكل الذي طلبه المساواة في البسمات والنظرات والعطف وأن تسمح لهم جميعًا أن يردوا من منهل حبها فلا تذود بعضهم عن ورده دون بعض، ونظر الدكتور مندور إلى الأبيات الثلاثة الأخيرة، وشتان بين النظرتين، ومع هذا فلا تقول إنه خطأ في الفهم كما قال، وإنما هو اجتهاد منه في التأويل:
ومن القطع الغزلية التي اشتهر بها صبري قوله:
أقصر فؤادي فما الذكرى بنافعة ... ولا بشافعة في رد ما كانا حمل
سلا الفؤاد الذي شاطرته زمنا ... الصبابة فاخفق وحدك الآنالو
ما كان ضرك إذ علقت شمس ضحى ... أدركت ضحايا العشق أحيانًا
هلا أخذت لهذا اليوم أهبته ... من قبل أنت تصبح الأشواق أشجانا
لهفي عليك قضيت العمر مقتحمًا ... في الوصل نارًا وفي الهجران نيرانا
لقد أثنى الدكتور طه حسين ثناء لم نعهده منه في أي شاعر آخر على هذه القطعة وهو الخبير بفنون القول، والذي يتطلب من الشعراء الشيء الكثير، وذلك حيث يقول في مقدمة ديوان صبري: "فهل تعرف روحًا أعذب من هذا الروح؟ وعاطفة أصدق من هذه العاطفة؟ ولهجة أرق من هذه اللهجة؟ وموسيقى أجل وأظرف وأحسن تمثيلًا للروح المصري الشعبي من هذه الموسيقى التي يلائم بها بين "نافعة وشافعة" وفي البيت الأول، يأخذ هاتين الكلمتين من حديث الشعب
(2/365)

في حياته اليومية العادية، فيرتفع بها إلى أشد الشعر روعة، وأعظمه حظًّا من سذاجة، وهل تجد شيئًا من الغرابة في أن يغني الشعر بعض المغنين1".
حقًّا إن صبري في هذه القطعة عذب الروح، رقيق اللهجة، حلو الموسيقى، يمثل الروح المصري الشعبي، ولكنه ليس بصادق العاطفة، ولعل الدكتور طه حَمِدَ من صبري هذه الصفات؛ لأنه جرى في شعره هذا على نسق المدرسة الفرنسية في الوضوح، وحسن الديباجة في الشعر، والرقة المتناهية، وإذا نظرنا إلى هذا الشعر نظرة أخرى وجدنا صبري مقلدًا في معانيه وأخيلته، وإن حسنت ديباجته وصياغته. فقد قال البهاء زهير في نافعة وشافعة:
فما تنفع في الدنيا ... ولا تشفع في الأخرى
وقد جمع المتنبي في شطر ما أراد صبري أن يقوله في بيت بأكمله وذلك حيث يقول:
فَما يَدومُ سُرورُ ما سُرِرتَ بِهِ ... وَلا يَرُدُّ عَلَيكَ الفائِتَ الحَزَنُ
أما البيت الثاني فقد نقده نقدًا بديعًا الشاعر أحمد محرم حيث قال: الصورة في هذا البيت معكوسة، والمعنى غير مستقيم، فقد أراد الشاعر أن يقول لقلبه: إن القلب الذي كان يشاطرك حمل الصبابة قد سلا، فأجرى فعل المشاطرة على قلبه هو، وأنت ترى أن وقوع الفعل من قبله هو يعفيه من عناء هذا السلو، ويريحه من ذلك العبء الذي كان يحمله وإذا فلا معنى لأن يخفق وحده2.
وموضع النقد هو أن صبري قال لقلبه: لقد شاطرت قلب الحبيب حمل الصبابة فما معنى أن يخفق وحده إذا سلا قلب الحبيب؟ إذ سلا قلب الحبيب فقد أعفى قلب صبري من المشاطرة ومن حمل الصبابة ولكنه كان يريد غير ذلك فأخطأ في التعبير. على أن معنى البيت على وجهه الصحيح مما سبق إليه الشعراء وفي ذلك يقول الطغرائ:
__________
1 مقدمة الديوان ص12.
2 مجلة أبوللو أكتوبر سنة 1934 ص165.
(2/366)

يا قلب مالك والهوى من بعدما ... طاب السلو، وأقصرالعشاق
أو ما بدا لك في الإفاقة والألى ... نازعتهم كأس الغرام أفاقوا
ومعنى البيت الثالث من أبيات صبري قديم قدم الشمس يوم طلعت على شاعر عربي في الصحراء، وضحايا العشق كذلك معرقون في القدم منذ وجد الحب على ظهر البسيطة، وطالما ردده الشعراء، فلا داعي لتكراره، ولكن تعالى معي إلى البيت الرابع وأعجب كيف يأخذ المحب عدته لسلو الحبيب أو لغدره، اللهم إن هذا لا يكون إلا إذا رثت حبال المودة، وانتقض الحب، وفسدت الصلة، أما أن يفكر المحب وهو بعد محب ومحبوب في أن حبيبه سيغدر به، بعد العدة لسلوه فهذا أمر لا يفهم في عالم الحب، إلا إذا كان حبًّا من النوع الذي أغرم به صبري وهو الحب العابر، المتنقل، غير العميق الغور، أو الصادق العشق، ثم كيف يستطيع القلب أن يتخذ العدة والأشواق هي الغالبة عليه، ولم تتحول بعد إلى أشجان، وقديمًا قال الشاعر:
لا يَعرِفُ الشَوقَ إِلّا مَن يُكابِدُه ... وَلا الصَبابَةَ إِلّا مَن يُعانيها
فهلا تذكر قول قيس لبنى:
فوا كبدي من شدة الشوق والجوى ... وواكبدي إني إلى الله راجع
إن الشوق هو الذي يسعر النار في الأفئدة المدلهة، وهو الذي وصفه أبو تمام بقوله:
هذا محبك أدمى الشوق مهجته ... فكيف تنكر أن تدمي ما فيه
لست أدري، لعمر الحق كيف فرق صبري بين الأشواق والأشجان، ولا كيف يفكر المحب في السلو ويعد له عدته وهو في معمعان الشوق؟ إذا كان صادق العاطفة حقًّا فكيف يطلب من قبله أن يسلو، هلا تذكر قول المجنون:
فيا حبها زدني جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
وما لي أضرب الأمثلة بالغابرين، وقد ناقض صبري نفسه في غير هذه القصيدة وبرهن على أن الشوق نار ملتهبة حيث يقول:
يا من أقام فؤادي إذا تملكه ما ... بين نارين من شوق ومن شجن
(2/367)

وحيث يقول من قطعة أخرى:
يا شوق رفقًا بأضلاع عصفت بها ... فالقلب يخفق ذعرًا في حناياها
وإذا رحنا نبحث عن غزل صبري فإننا نجده يشبه حبيبته تارة بالروض والغصن
يا فتاة الحي قد أذكرتنا ... نضرة الروض وميل الغصن
وبالبدر كقوله:
عارضني البدر إذا لم يعترف ... لك بالحسن بوجه حسن
وكقوله:
أتزودت من ضياء البدور ... لليال كثيفة الديجور
ومرة هي ظبية وأين بمصر الظباء؟
يا ظبية من ظباء الإنس راتعة ... بين القصور تعالى الله باريك
وكقوله:
يا مقر الغزال قد صح عندي اليـ ... ـوم أني اقتحمت منك العرينا
ومرة هي مهاة تمشي في سريها:
وحيها بين المها إن بدت ... في سربها مقبلة مدبرة
إلى غير ذلك من التشبيهات الأثرية التي لا تلائم ذوق العصر، وليس فيها رائحة من تجديد، زد على هذا أنه عنى كل العناية بوصف محاسن المرأة ومفاتنها الجسمية، وقلما التفت إلى الجمال المعنوي، أو تحليل العاطفة، أو تصوير الحب على حقيقته تصويرًا غنيًّا قويًّا. يعجبه من المرأة قوامها المياس المرهف.
تمس تذكرنا الشباب وعهده ... حسناء مرهفة القوام فنذكر
ويعجب بنحرها، وبثناياها ويشبه الثنايا بالدر:
(2/368)

وتبيت تكفر بالنحور قلائد ... فإذا دنت من نحرها تستغفر
وتزيد في فمها الآلي قيمة ... حتى يسود كبيرهن الأصغر
وثغرها مورد عدب غني به كل مورد آخر:
يا موردا كنت أغنى ما أكون به ... عن كل صاف إذا ما بات يرويني
عندي لمائك -والأقداح طوع يدي ... ملأى عن الماء- شوق كاد يرديني
ويفتن بشعرها الأسود المعقوص:
أرسلي الشعر خلف ظهرك ليلًا ... وأعقديه من فوق رأسك تاجًا
أنت في الحالتين بدر تراه ... صادعًا آية الدجى وهاجا
وقد يقال إن لصبري قطعًا أخرى غير هذه، فيما حرقة الجوى، ولهيب الشوق، وجمر الحب، وفيها التوجع والشكوى وفيها العاطفة مثل قوله:
يا آسي الحي هل فتشت في كبدي ... وهل تبينت داء في زواياها
أواه من حرق أودت بأكثرها ... ولم تزل تتمشى في بقاياها
يا شوق رفقًا بأضلاع عصفت بها ... فالقلب يخفق ذعرًا في حناياها
أجل؟ إن هنا حرقة، وداء يرعى في كبده، وشوقًا قد عصف بأضلاعه، وقلبًا يخفق ذعرًا، ولكن هنا أيضًا زوايا، وبقايا وحنايا، وآثارًا قديمة من مخلفات الماضي، ومن أثر محفوظة من الشعر العربي القديم، وقال البهاء زهير في "الزوايا" وما فيها:
ويميل بي نحو الصبا ... قلب رقيق الحاشية
فيه من الطرب القد ... يم بقية في الزاوية
وله في المعنى الذي ذكره صبري في البيت الثاني:
لك الحياة فإني ... أموت لا شك عشقًا
(2/369)

لم يبق مني إلا ... بقية ليس تبقى
وإذا قال صبري في قطعة أخرى فيها شيء من وهج اللوعة.
أبثُّك ما بي فإن ترحمي ... رحمت أخا لوعة ذاب حبًّا
وأشكو النوى ما أمر النوى ... على هائم إن دعا الشوق لبى
وأخشى عليك هبوب النسيم ... وإن هو من جانب الروض هبا
وأستغفر الله من برهة ... من العمر لم تلقني فيك صبا
تعالي نجدد زمان الهنا ... وننهب لياليه الغر نهبا
تعالي أذق بك طعم السلام ... وحسبي وحسبك ما كان حربًا
لم أجد خيرًا من تعليق الأستاذ العقاد عليها بقوله: "إن صبري لم يذب حبًّا هنا إلا كما ذاب كل قاهري ظريف يقول لصاحبته: "أنا أذوب" وأنه لم يخف على صاحبته هبوب النسيم من جانب الروض إلا كما يخشى كل قاهري ظريف من الهواء وما هو أرق من الهواء. وإنما هو إسماعيل صبري في صميمه، وحقيقة نجواه حين يقول لها: إنه تعب من اللوعة، وكَلَّ من الحرب، ولا أمل له في غير السكينة والسلام1.
وهذه الأبيات محاكاة لما قيل من قبل في هذه المعاني، وليست منبعثة عن عاطفة قوية، وأغلب الظن أن صبري لم يكن يعبر عن خلجات فؤاده، وإنما كان إذا أراد القول في الحب ازدحمت على مخيلته تلك الصور القديمة التي وعتها ذاكرته فرددها، وأعادها إلى الحياة لا تنطق عن جوى كامن من فؤاده، أو تنقل قبسًا من روحه، وكيف تكون كذلك وهي رداء صنع لغيره، ورث من قبل أن يتناوله، ومرة يجيء وفق ما يريد من معنى، وما يجيش في قلبه من فكرة وعاطفة، وأحيانًا يضيق. وأخرى يتسع. ألا ترى معي أن الشكوى في قلبه من فكرة وعاطفة،
__________
1شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ص26.
(2/370)

وأحيانًا يضيق، وأخرى يتسع، ألا ترى معي أن الشكوى من النوى وتلبية الشوق إذا دعا عبارات لاكتها ألسنة القدماء حتى ملها الأسماع أولا ترى أن مسألة الخشية من هبوب النسيم على المحبوبة ولو هب من جانب الروض فيها مبالغة سخيفة ثم هو معنى قديم وحسبي أن أذكر قول الشاعر:
خطرات النسيم تجرح خديه ... ولمس الحرير يدمي بنانه
وقد عارض صبري قصيدة الحصري القيرواني1 التي مطلعها:
يا ليلُ الصبُّ متى غدُه ... أقيامُ السَّاعةِ مَوْعِدُهُ
فقال في قصيدته المشهورة:
أقريب من دنف غده ... فالليل تمرد أسوده
والتفت تحت عجاجته ... بيض في الحي تؤيده
وهي قصيدة في الغزل، ولكن فكرة المغارضة توحي بأنه لم يقلها استجابة لانفعال خاص، أو فيضًا لعاطفة ملتهبة، وإنما قالها ليدل على أنه يستطيع أن يجيد كما أجاد القيرواني ولكن هيهات! فنظرة عابرة إلى القصيدتين تريك أن صبري لم يستطع الفكاك من معاني قصيدة القيرواني وصورها، وأنها غلبته على أمره فرددها، لا! بل كان مضطربًا شأن من وقع في شباك متينة يحاول الخلاص منها فلا يتأتى له، بل تأتت صورة ممسوخة. انظر إلى هذا الاضطراب في قوله:
كما صغت التبر له شركًا ... وقضيت الليل أنضده
وأشاور شوقي بلأدبي ... هل أقصر أم أتصيده
فهل تجد معنى للمشاورة بعد أن مد الشرك فعلًا، ونصب الحبائل لصيده، ثم ألا يذكرك هذا الشرك المصنوع من الذهب بشرك ابن الوردي حيث يقول:
__________
1 القيرواني هو أبو الحسن علي بن عبد الغني الفهري المقري الصرير المصر القيرواني الشاعر المشهور، وفد على جزيرة الأندلس في منتصف المائة الخامسة وتوفي بطنجة سنة 488 هـ، وهو صاحب زهر الأدب، وقد عارض قصيدته كثيرون في القديم والحديث منهم في عصرنا شوقي، وولي الدين يكن ونسيب أرسلان وصبري وغيرهم.
(2/371)

ورب غزالة طلعت ... بقلبي وهو مرعاها
نصبت لها شباكا من ... لجين ثم صدناها
وإذا قلت: إن شرك صبري من ذهب وترك ابن الوردي من فضة وشتان ما بينهما فاستمع إلى شاعر آخر نصب شركا من ذهب هو الأمير "منجك" يقول على لسان من يحبه:
لا تنقضى لك حاجة ... عندي بشعر أو طرب
إن رمت صيدي في الهوى ... فانصب شراكا من ذهب
ولست أريد أتتبع القصيدة فحسبي ما ذكرت منها، وهو دليل على سائرها ولا أدل على أن كثيرًا من غزل صبري محاكاة، من قوله:
يا وامض البرق كم نبهت من شجن ... في أضلع ذهلت عن دائها حينا
فالماء في مقل والنار في مهج ... قد حار بينهما أمر المحينا
لولا تذكر أيام لنا سلفت ... ما بات يبكي دمًا في الحي باكينا
يا نسمة ضمخت أذيالها سحرًا ... أزهار أندلس هبي بوادينا
وهو يقولها ردًّا على قصيدة شوقي الأندلسية "يا نائح الطلح" وتعجب كيف أن صبري في آخريات حياته، وبعد ما سمع الشعر الحديث وقرأ منه لا يزال يردد البرق في شعره وأنه ينبه شجنه، مقتفيًا أثر العرب وهم في حصرائهم يوم كانوا يحتفلون بالبرق الذي يبشر بسحاب ممطر، فيه الحيا والحياة، فيهتزون طربًا لرؤياه، ويتذكرون الحبيبة الغائبة، التي يودون أن تشاركهم هذه المسرة، أما في القاهرة فلا محل لذكر البرق والمطر.
ومما يدل على التكلف قوله: "فالماء في مقل، والنار في مهج" وحديث الماء والنار قديم جدًّا في الأدب العربي، وقد أبدع الشريف الرضي في هذا المعنى حين قال:
الماء في ناظري والنار في كبدي ... إن شئت فاعترفي أو شئت فاقتبسي
(2/372)

أما تلك النسمة المضمخة الأذيال فقديمة كذلك، وهي تشبه أذيال الصبا عند ابن معتوق حين يقول:
وتنفس النسرين من عبق ... منه بأديال الصبا عطر
هذا ما كان من أمر الغزل، وقد تبين لك أن جله محاكاة، وندر أن تجد فيه شيئًا من صدق العاطفة، أما الوصف فهو مقل جدًّا بحيث لا تجد له في باب الوصف إلا قصيدة واحدة في البرق والسحاب، ومقطوعة في ثلاثة أبيات في وصف النيل ذكرناها في غير هذا الباب عند الكلام في مواقف الشعراء من الطبيعة المصرية وذكرنا أنها مسروقة من ابن خروف النحوي الأندلسي1.
وقصيدة البرق والسحاب مما سبق أن أتى عليه الشعراء، ولا سيما والبرق في مصر نادر، وليس فيها ما يستحق الذكر إلا تذكره لعهده بالشباب، وفي هذه القصيدة يقول:
أبرق يتوج هام الربا ... وإلا فهاتيك نار القرى
كأن سناه عيون مارض ... يحاولن تحقيق شمس الضحى
وإلا فتلك مصابيح قبل أن ... طفاء يَثَرن لصدع الدجى
وهذا كما ترى خيال بدوى، سبق إليه امرئ القيس وغيره، وإن نار القرى بمصر توقد فوق رءوس الربى لجلب الضيفان، ولعلك تتذكر وصف امرئ القيس للبرق بقول له:
يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أمال السليط بالذبال المفتل
أما الأبيات التي يذكر فيها عهد الشباب فهي:
سقى ريها العذب عهد الشباب ... فقد كان روضًا شهي الجنا
إذ العيش كالغصن في لينه ... يميل بعبء ثمار المنى
أقلبي كم ذا توالى الحنين ... وكم ذا يشوقك عصر الصبا
رويدك إني رأيت القلوب ... تفطر من ذا ومن بعض ذا
صحبت الأسى بعد ذاك الزمان ... كأنك مستعذب للأسى
__________
1 راجع ص164 من هذا الكتاب، والأبايت مذكورة في بغية الوعاة للسيوطي ص3254 مطبعة السعادة 1326 هـ.
(2/373)

وليس في هذه الأبيات أي صورة جديدة، فاستمطار السحب على العهود السعيدة الماضية جلبًا للرحمة خيال بدوي قديم، وتشبيه العيش بالغصن الرطب مما أكثر الشعراء من ذكره، وربما كان في هذه القصيدة بعض العاطفة الحزينة، ولكنها ليست عميقة، ولا قوية.
وعجيب من صبري ألا يعني بالوصف، وهو أدل أبواب الشعر على قوة الشاعرية، وعلى تحرر الشاعر من قيود المجتمع ومجاملاته؛ لأن الصوف لا باعث له إلا انفعال الشاعر للجمال أو الخير، لكن صبري كان يرسف في أغلال التقليد فلم يستطع الفكاك من قيود المجتمع ومجاملاته، مادحًا، أو راثيًا، أو مقرظًا، أو متغزلًا في سيدة النادي الذي يغشاه وفي أمثالها.
هذا وباب الاجتماع لدى صبري باب قصير، وكله شخصي، وينظر فيه الشاعر إلى نفسه قبل أن ينظر إلى من حوله، وكله نظرات حزينة وتبرم بالناس، واستجلاب للسخط على الحياة وساكنيها، واستمع إليه يقول في الشباب والشيب:
لم يدر طعم العيش شبا ... ن ولم يدركه شيب
جهل يضل قوى الفتى ... فتطيش والمرمى قريب
وقوى تخور إذا شبـ ... ـث بالقوي الشيخ الأريب
بينا يقال كبا المغفـ ... ـل إذ يقال خبا اللبيب
أواه لو عقل الشبا ... ب وآه لو قدر المشيب
وإذا لم يدر طعم العيش شبان، ولم يدركه شيب، فمن يدريه؟ هل تقصد أن طعم الحياة ولذتها لا يدركهما أحد أبدًا لا الشبان ولا الشيب؟ وما حد الشباب عنده، وما حد المشيب؟ إذ كان الأمر كما يصوره صبري فلا كانت الدنيا ولا كان السعي فيها، أليس بين عهد الشباب الجامح، وضعف الشيخوخة مرحلة طويلة من العمر، وفسحة من الأجل يتمتع فيها الإنسان بالحياة على هينة، ويدرك مغزاها تمام الإدراك؟ وهل العبرة بالسن أم العبرة بالشعور؟ كم من فتى في
(2/374)

ريعان العمر يشعر إزاء الحياة شعور الشيخ الذي هَذَّهُ المرض، وأثقلته تكاليف السنين، وكم من شيخ لا يزال في القلب، نضر الآمال.
وإذا تركنا البيت الأول وجدنا الأبيات الأربعة التالية تدور كلها حول معنى واحد، وهو أن الشباب سن الطيش، كثيرًا ما يخطئ فيه الإنسان لحماقته وغروره واندفاعه، وعدم تحكم القوى العاقلة في أمور نفسه، وأن المشيب سن الضعف تخون الإنسان قوته، ويود، وما وده بنافع له؛ لأنه لا يملك الإرادة المنفذة، ولا العزيمة المبرمة.
أما أن الشباب مظنة الخطأ والجهل فمعنى قديم، وفي ذلك يقول النابغة: وإن مطية الجهل الشباب"، ويقول العتبي:
قالت عهدتك مجنونًا، فقلت لها ... إن الشباب جنون برؤه الكبر
وأما أن المشيب زمن الضعف، وانطفاء الآمال فمعنى ردده غير واحد من الشعراء، ومن أحسن ما قيل في هذا قول أبي العلاء:
سقيا لأيام الشبا ... ب وما حسرت مطيتيا
أيام آمل أن أمس الـ ... ـفرقدين براحتيا
فالآن تعجز همتي ... عما ينال بخطوتيا
ومن خير قصائد الاجتماعية قصيدته التي قالها في مذنب "هالي" وقد سبقت الإشارة إليها، وفيها ينعي على الناس فساد أخلاقهم، ويستمطر شآبيب السخط والغضب على هذه الدنيا، وما فيها من وجوه كالحة كئيبة، ويصور في براعة بطش القوى بالضعيف شأن الدنيا في تنازع البقاء، وفي ذلك يقول:
غاض ماء الحياة من كل وجه ... فغدا كالح الجوانب فقرا
وتفشي العقوق في الناس حتى ... كاد رد السلام يحسب برا
أوجه مثلما نثرت على الأجدا ... ث وردًا إن هُنَّ أبدين بشرًا
(2/375)

وشفاه يقلن: أهلا، ولو أديـ ... ـن ما في الحشا لما قلن خيرا
عمرك الله هل سلام وداد ... ذاك أم حاول المسلم أمرا
عميت عن طريقها أم تعامت ... أمم في مفاوز الجهل حيرى
غرها سعدها ومن عادة السعـ ... ـد يؤاتي يومًا ويخذل دهرًا
فتجنب على الشعوب وشنت ... عارة في البلاد من بعد أخرى
نسيت في الصعود يوم التدلي ... والتدلي بصاعد الجد مغري
تعب الفيلسوف في الناس عصرًا ... وتولى السرائل الدين عصرا
والورى طارد إزاء طريد ... وعقاب ويمسي يطارد صقرًا
عبر كلها الليالي، ولكن ... أين من يفتح الكتاب ويقرا
أنت نعم النذير يا نجم هالي ... زلزل السهل والرواسي ذعرًا
ظن قوم فيك الظنون وقالوا ... آية أرسلت إلى الأرض كبرى
إن يكن في يمينك الموت فاقذفـ ... ـه شواظًا على الخلائق طرا
أغًا تستوى الأنوف فلا ينـ ... ـظر قوم وما على الأرض شررًا
أغدًا يصبح الصراع عناقا ... في الهيولي، ويصبح العبد حرًّا
إن يكن كل ما يقولون فاصدع ... بالذي قد أمرت حييت عشرا
هذا موضوع مغر بالشعر حقًّا، وهو المأساة الإنسانية، أو المهزلة الإنسانية إن شئت، وفي استطاعة الشاعر المركب الشخصية أو المعقد الشخصية أن يجعل من هذا الموضوع تحفة فنية رائعة، بتصوير آلام الإنسانية تصويرًا دقيقًا زاهيًا تتفطر منه القلوب وتدمى العيون ثم تصوير ذلك النزاع البشري الطويل من لدن آدم حتى اليوم، وما في الحياة كلها من مظاهر قانون تنازع البقاء.
(2/376)

ولكن كيف يتهيأ لصبري هذا، وهو شاعر مفرد الوتر، سطحي الشعور أن يبدع في هذا الموضوع أو شبهه. وليس معنى هذا أنه لم يقل شيئًا إنه قال على قدر استطاعته، وإذا علمنا أن صبري لا يستطيع نظم المطولات، ويعيا بها عرفنا السبب في تقصيره، إنه مس برفق آلام الإنسانية، وساق كثيرًا من أبيات الحكمة، ورجع في كثير من معاني القصيدة إلى الشعر القديم والاستعانة به على تأدية أغراضه، مثل ذلك قوله: "غاص ماء الحياة من كل وجه" وكثيرًا ما تكلم الشعراء في ماء الحياة هذا:
كثير حياء الوجه يقطر ماؤه ... على أنه من بأسه النار تلفح
وأما من ملق الناس ونفاقهم الذي عبر عنه بقوله:
وشفاه يقلن أهلًا ولو أديـ ... ـن ما في الحشا لما قلن خيرًا
فقد قال الله سبحانه وتعالى وهو أكرم القائلين: {يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} .
وقديمًا قال الشاعر:
يقولون لي أهلًا وسهلًا ومرحبًا ... ولو ظفروا بي ساعة قتلوني
وأما غرور الأمم ونسيانها في حميا انتصارها أن سيأتي يوم تدال فيه إن لم تحط ملكها بالعدل والرحمة والاعتدال في كل شيء فمأخوذ من قول الشاعر:
ما طار طير وارتفع ... إلا كما طار وقع
والمغالبة في الحياة، والمزاحمة على مواردها، وانتصار القوى على الضعيف شريعة الوجود منذ نشأة الإنسانية، وقديمًا قال الشريف الرضي:
والناس أسد تحامي عن فرائسها ... إما عقرت وإما كنت معقورًا
وهكذا كل معاني القصيدة إلا النادر من مثل قوله:
أوجه مثلما نثرت على الأجدا ... ث وردًا إن هن أبدين بشرًا
أغدًا يصبح الصراع عناقا ... في الهيولي، ويصبح العبد حرًّا
(2/377)

فالصورة في البيت الثاني رائعة؛ لأن الإنسان قد يتصور هذا الصراع البشري العنيف وقد استحال بعد الموت وآثاره عناقًا وضمًّا والتزامًا بين بقايا البشرية وأنقاضها، أو بين موادها المنحلة المتناثرة، وقد جاور بعضها بعضًا، ولا فرق بين ملك وسوقة، ولا ظالم ولا مظلوم، وقديمًا قال المعري في المنايا، وأنها تفرق بين الرأس والرجل، والقدم والرأس:
فكم قارن من رأس برجل ... وكم ألحقن من قدم برأس
وكان إسماعيل صبري يرى الاقتصار على زوجة واحدة، وهو بهذا من أنصار قاسم أمين، وقد عبر عن رأيه شعرًا ونثرًا، وأما الشعر فقوله:
يا من تزوج باثنتين ألا اتئد ... ألقيت نفسك ظالمًا في الهاوية
ما العدل بني الضرتين بممكن ... لو كنت تعدل ما أخذت الثانية
وأما النثر فقوله: "أحب التوحيد في ثلاث: "الله" و"المبدأ" و"المرأة".
ولم يخض في مسألة السفور والحجاب كما ذكرنا آنفًا، ولعل رأيه يتضح من قوله أحب الحرية في ثلاثة: "حرية المرأة في ظل زوجها، وحرية الرجل تحت راية الوطن وحرية الوطن في ظل الله". ولا شك أن حرية المرأة في ظل زوجها هي ما شرعه الإسلام ولكن هذه جملة مبهمة لا تفيد كثيرًا في معرفة رأيه.
هذا كل ما نستطيع أن نأخذه من باب الاجتماع عند صبري، ومنه نرى أنه شاعر لا فكرة له في المجتمع وإصلاحه، وإنما هي بعض الشكوى والتبرم، والشكوى والتبرم ليسا مذهبًا إصلاحيًا، ولا فلسفة يدين بها الشاعر؛ لأنها عمل سلبي، ومعظم شعرائنا، وللأسف -لا أخص صبري وحده- ليس لهم فلسفة يدور حولها شعرهم، ولا فكرة يدعون إليها، كما هو الحال عند شعراء الغرب البارعين، ولا أولئك الذين يخدعون الناس بعبارة "شعراء الفن للفن" ليهرفوا بما لم يعرفوا، وليقولوا ويأمنوا النقد. وما أظن صبري ولا سواه ممن اختفت لديهم الفكرة الجامعة، والمبدأ القويم الذي يدور حوله شعرهم كانوا يفكرون في مسألة
(2/378)

"الفن للفن"؛ لأن الشعر عندهم كان لمعًا، وخطرات ترد على الذهن، فينشأ منها انفعال عارض يدفعهم إلى قول بضعة أبيات أو قصيدة.
هذه وسياسيات صبري من قبيل الفكاهة والنكتة، لا تعرف له مبدءا يدين به، أو حزبًا ينتمي إليه، وإن كانت فيها سخرية مرة أحيانًا وتهكم لاذع بهؤلاء الذين مالئوا الاحتلال، أو لم يخلصوا لأمتهم فيما أتأمنهم عليه من عمل أو وزارة، وهي أشبه بالصور الهزلية "الكاريكاتيرية" منها بالصور الحقيقية، خذ مثلًا قوله في مصطفى فهمي، وهو من عرفت فيما سبق: نصيرًا قويًّا للمحتل، وعدوًّا لرغبات الأمة، وأمانيها الوطنية، ولا أدل على ذلك من أنه مكث في الوزارة ثلاث عشرة سنة، وعميد الاحتلال راض عنه؛ لأنه كان أشد منه حماسة في توطيد أقدام الإنجليز بمصر، فلما سقطت وزارته بعد ذلك الأمد الطويل في تاريخ الوزارات سنة 1908 قال إسماعيل صبري.
عجب لهم قالوا سقطت ومن يكن ... مكانك يأمن من سقوط ويسلم
فأنت امرؤ ألصقت نفسك بالثرى ... وحرمت خوف الذل ما لم يحرم
وقال على لسان مصطفى فهمي هذا عند استقالته، مشيرًا إلى أنه لم يجد في مصر رجالًا ولو وجد فيها رجالًا ما تركوه في الوزارة طوال هذه المدة، يعين عدوهم عليهم، ويستتر وراء اسمه لتنفيذ أغراضه، وتوطيد سياسته، وأنه لم يستقل إلا بعدما أراد قومه أن يكلفوه ما لم يرض، وهو ألا ينصاع لما يريده المحتل الغاصب:
إنني أستغفر الله لكم ... آل مصر ليس فيكم من رجال
فَلَّ غربي ما أرى من نومكم ... ورضاكم بوجود الاحتلال
بُحَّ صوتي داعيًا مستنهضًا ... صارخًا حتى تولاني الكلال
لم أجد فيكم فتى ذا همة ... إن عدا الدهر عدا أوصال صال
رحم الله وزيرًا سامه ... قومه ما ليس يرضى فاستقال
(2/379)

وليس بصحيح أن صوته قد بح من دعوتهم للنهوض، وأنه كان يرجو أن يبرز من يبرز من بينهم فتى ذو همة، إن عدا الدهر على قومه عدا وإن صال صال. فهذا من قبيل التهكم اللاذع؛ لأن مصطفى فهمي كان يريد مصر نائمة، راضية عن الاحتلال؛ إنما الذي فل غربه حقًّا تلك الثورة العنيفة التي أجج نارها مصطفى كامل وصحبه، حتى طوَّحت به وبأضرابه.
ويصور بطرس باشا غالي. بأنه قلب، يلبس لكل زمان لبوسه، ويعرف من أين تهب الريح فينحني أمامها.
أهلا ببطرس أهلا ... بالملتوي المستقيم
قديم كل جديد ... جديد كل قديم
ويقول في أحمد حشمت باشا حين تولى وزارة المالية؛ وكان صبري يرى أنه ليس بكفء لهذه الوزارة وأنه ظلم حين أسندت إليه، وأن لولا الإنجليز ما تولاها.
أبعدوا "أحمدًا" وجاءوا بثان ... ظلموه كما أراد الغشوم
فتسلت خزائن المال مظلوم ... تولى وجاءها "مظلوم"1
وهذا النوع من الشعر يؤيد رأينا في شعر صبري، وهو أنه شعر مناسبات، ينتمي إلى مدرسة الندماء، لا يصدر عن عاطفة، وإنما يقال لخطرة بدت، أو للتسلية في الندوة، يتفكه بها الصحب، ويعجبون للبراعة الفائقة التي مكنت صبري من أن يصور هذه الشخصيات السياسية في مثل ذلك الإيجاز الواضح.
وقد ذكرنا في غير هذا الموضع موقف صبري من الأتراك والخلافة العثمانية، ومن الاحتلال، والحركة القومية ورجالها، ومن الخديو ورجاله2، وإن كانت قصيدته التي قالها حين اشتد الخلاف بين الأقباط وبين المسلمين3 في سنة 1911 تدل على بعد نظر، وحصانة رأي، لأن من مصلحة الأجنبي المستعمر
__________
1 كان وزير المالية قبل أحمد حشمت هو أحمد مظلوم، وقد تلاعب الشاعر بالألفاظ كما رأيت.
2 راجع ص132- 129 من هذا الكتاب.
3 في 6 مارس 1911 عقد الأقباط مؤتمرًا بمدينة أسيوط للنظر في حالهم مع المسلمين، وطلبوا من الحكومة عدة مطلب ظنًّا منهم أن المسلمين، قد استأثروا بكل شيء في البلاد، فاجتمع المسلمون في مؤتمر عام توالت جلساته خمسة أيام للنظر في حال المسلمين اقتصاديًّا وأدبيًّا واجتماعيًّا وللرد على مطالب الأقباط، وشبت نار الفتنة، وزادها اشتعالًا من يغنيهم أن تتفاقم نارها، وقد أرسل واصف غالي إلى إسماعيل صبري من باريس يطلب منه الوساطة في الصلح؛ لأن شعره منزلة في نفوس المصريين جميعًا
(2/380)

أن يشتد هذا الخلاف، ليمزق وحدة الأمة، وليدعي أن وجوده ضروري لحماية الأقليات، وطالما ادعى هذه الدعوى حتى أبطلها الواقع، ووقفت الأمة كلها صفًّا واحدًا 1919 تندد به وبأساليبه في التفرقة لأن مصر وطن الجميع؛ ولأن الأقباط ظلوا هذه القرون المديدة منذ الفتح حتى اليوم لا يجدون من إخوانهم المسلمين في الوطن إلا كل مودة، وحسن عشرة وفي تلك القصيدة يقول صبري:
ويحكم ما كذا تكون النصارى ... راقبوا الله بارئ العذراء
مصر أنتم ونحن إلا إذا قامت ... بتفريقنا دواعي الشقاء
مصر ملك لنا إذا ما تمسكـ ... ـنا وإلا فمصر للغرباء
لا تطيعوا منا ومنكم أناسًا ... بذروا بيننا بذور الجفاء
فلا تولوا وجوهكم شطر من عكـ ... ـر ما في قلوبنا من صفاء
وهو شعر سامي الغرض، سهل المعاني، قريب المأخذ ليفهمه الخاصة والعامة، ولذلك جاء الكلام العادي منه بالشعر الرفيع الذي يفتن فيه صاحبه. ومن القصائد التي أشرنا إليها فيما سبق، وتنبئ عن غرض من أغراض الوطنية، والحث على العمل والجد في سبيل رفعة الوطن عن طريق العلم والدأب في تأسيس الدعامات القوية التي يشاد عليها مجد البلاد، وإن لم تدع إلى الثورة الجامحة، أو العنف، وإنما دعت إلى الأخذ بأسباب الإصلاح قول صبري على لسان فرعون:
لا القوم قومي ولا الأعوان أعواني ... إذا وتى يوم تحصيل العلا واني
ولست إن لم يؤيدني فراعنة منكم، ... بفرعون عالي العرش والشان
ولست جبار ذا الوادي إذا سلمت ... جباله تلك من غارت أعواني
لا تقربوا النيل إن لم تعملوا عملا ... فماؤه العذب لم يخلق لكسلان
ردوا المجرة كدًّا دون مورده ... أو فاطلبوا غيره ريًّا لظمآن
وابنوا كما بنت الأجيال قبلكم ... لا تتركوا بعدكم فخرًا لإنسان
أمرتكم فأطيعوا أمر ربكم ... لا يثن مستمعًا عن طاعة ثان
فالملك أمر وطاعات تسابقه ... جنبًا لجنب إلى غايات إحسان
(2/381)

وموضوع القصيد من الموضوعات القوية، التي يستطيع الشاعر أن يستحضر فيها تلك المشاهد الرائعة التي وقفها فرعون، والتي رفع فيها مجد مصر، ثم يتخذها موعظة وتذكرة لأبنائها في الوقت الحاضر؛ إذ ليس هذا من الشعر الذاتي، وإنما هو من الشعر الموضوعي، والشعر الموضوعي ينطلق فيه الشاعر انطلاقًا قويًّا إذا تهيأت له الشاعرية المبتكرة المبتدعة.
ويجب أن يكون الخيال في هذا النوع خيالًا معنويًّا مبتكرًا كما تقدم لك في غير هذا الموضع1، ولكن شاعرية صبري عجزت عن أن تنهض بمثل هذا الموضوع، وجاء شعره كثير التناقص، قريب المعاني، ضحل الغور، داني الخيال.
فمن التناقض البين قوله في البيت: "ولست إن لم تؤيدني إلخ" فهو يظهر الاعتماد على قومه، وأنه ليس بفرعون العظيم إذا لم يكن كل فرد في شعبه فرعونًا آخر يؤيد عرشه ويدعمه، وفضلًا عن أن هذا المعنى من المعاني الظاهرة، وأنه ترديد لقول ذي القرنين في القرآن: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّة} فإنه مخالف لطبيعة فرعون، وما أثر عنه، ولسنا هنا بصدد مناقشة الحقائق التاريخية، ولسنا من دعاة التمسك بها إذا كانت مخالفتها إلى خير، ولكن صبري نقض هذه الفكرة بقوله فيما بعد:
أمرتكم فأطيعوا أمر ربكم ... لا يثن مستمعًا عن طاعة ثانٍ
فهنا يظهر فرعون على حقيقته التي عرفت عنه في قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} هنا يأمرهم فرعون أن يطيعوه، ويحذرهم بعنف، ويتوعدهم في صلف "لايثن مستمعًا عن طاعة ثان"، فأين هذا من فرعون الأول المتواضع الذي يدعي التماثل بينه وبين قومه بأن جعلهم فراعين مثله يؤيدون عرشه، وأنه ليس بشيء إذا لم يحدث هذا التأييد؟
ثم ألا تشعر بأن كلمة "يوم تحصيل" ليست من الكلمات الشعرية، وإنها مأخوذة من لغة رجال الدواوين وطلبة العلم، وأنها ذهبت بروعة البيت.
وفي البيت الرابع يقول: "إن ماء النيل لم يخلق لكسلان" ولست أدري لم خصص ماء
__________
1 راجع ص311 وما بعدها من هذا الكتاب.
(2/382)

النيل، وكل شيء في الكون صغيرًا كان أو كبيرًا لم يخلق إلا لذوي الهمة والمضاء، وخليق بالكسلان ألا يذوق جرعة من النيل أو غيره، وأن يحرم كسرة الخبز، وعلى كل فمعنى البيت ليس باهرًا قويًّا، وإنما هو من المعاني الدارجة.
وفي البيت الخامس "ردوا المجرة كدًّا دون مورده" إدعاء بأن المجرة نهر يشرب منه. ومعنى البيت. إن كنتم من الكسالى العاجزين فدعوا النيل لا تقربوا ماءه، واصعدوا إلى السماء لتشربوا من نهر المجرة، أو اطلبوا موردًا آخر غيره. ولست أدري كيف يتأتى لهؤلاء العاجزين أن يردوا المجرة كدًّا، إلا على معنى أن يقول لهم. موتوا ظمأ، وذلك لاستحالة صعودهم إليه، وذلك مستحيل عليهم وعلى سواهم. فأنت ترى أن المعنى غير واضح، وفيه تناقض.
وإذا نظرت إلى قوله: "وابنوا كما بنت الأجيال قبلكم.... البيت" وجدته لم يقل شيئًا أكثر مما قيل من قبل:
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
ومن قول الشريف الرضي:
من معشر أخذوا الفضلى فما تركوا ... منها لمن يطلب العلياء متركا
ومن الأبيات القوية في قصيدة صبري هذه:
مات لها الأرض من ذعر ودان لها ... ما في المقطم من صخر وصوان
لو غير فرعون ألقاها على ملأ ... في غير مصر لعدت حلم يقظان
لكن فرعون إن نادى بها جبلًا ... لبت حجارته في قبضة الباني
ولست أوافق الشاعر أحمد محرم في انتقاده عبارة "حلم يقظان" وأنها من العبارات الجديدة في اللغة، وكيف يحلم اليقظان ... إلخ"1.
وأحلام اليقظة من الموضوعات التي عنى بها علم النفس الحديث، وقد ظهر فيه كتاب ممتع في هذه الأيام2، وحرمان اللغة هذه التعبيرات الجديدة التي لها مدلولات علمية خاصة تعسف مصر اللغة.
والمعنى في البيت الثالث على روعته سبق إليه في قوله:
__________
1 راجع مجلة أبوللو سنة 1924 ص109.
2 هو كتاب أحلام اليقظة للدكتور جورج جرين، وترجمه الأستاذ إبراهيم حافظ، ومراجعة الأستاذ زكي المهندس.
(2/383)

وأقسم لو غضبت على ثبير ... لأزمع عن محلته إرتحالا
ويقول صبري في القصيدة:
وآزرته جماهير تسيل بها ... بطاح واد بماضي القوم ملآن
ويشبهون إذا طاروا إلى عمل ... جنًا تطير بأمر من سليمان
برًّا بذي الأمر، لا خوفًا ولا طمعًا ... لكنهم خلقوا طلاب إتقان
الصورة في البيت الأول تمت بصلة إلى قول الشاعر. "وسالت بأعناق المطي الأباطح" وتشبيه القوم المهرة بالجن تشبيه قديم تردد كثيرًا على ألسنة الشعراء من ذلك قول النابغة:
سهكين من صدأ الحديد كأنهم ... تحت السفور جنة البقار1
وقوله عنترة:
لا أبعد الله عن عيني غطارفة ... إنسًا إذا نزلوا جنًا إذا ركبوا
ويظهر إسماعيل صبري في أحسن حالاته الشعرية حين يقول:
أين الألي سجلوا في الصخر سيرتهم ... وصغروا كل ذي ملك وسلطان
بادوا وبادت على آثارهم دول ... وأدرجوا طي أخبار وأكفان
وخلفوا بعدهم دبًا مخلدة ... في الكون ما بين أحجار وأزمان
وزحزحوا عن بقايا مجدهم وسطا ... عليهم العلم ذاك الجاهلي الحاني
ويل له، هتك الأستار مقتحمًا ... جلال أكرم آثار وأعيان
للجهل أرجح منه في جهالته ... إذا هما وزنا يومًا بميزان
وهذه الأبيات تدل على نزعة قومية في نفس صبري وإن جرى في بعض هذه الأبيات في أثر البارودي في قصيدته التي مطلعها2:
سل الجيزة الفيحاء عن هرمي مصر ... لعلك تدري غيب ما لم تكن تدري
وازدراؤه العلم الذي انتهك حرمات تلك الآثار الغالية واقتحم جلالها، وتفضيله الجهل البريء عليه معنى بديع جدًّا من صبري؛ لأن العلم لم يستطع
__________
1 السهكة: رائحة كريهة من صدأ الحديد على الأبدان، والسنور: السلاح التام، والبقار واد من أودية العرب اشتهر عندهم بالجن.
2 راجع الجزء الأول من كتاب الأدب الحديث ص206 طـ السابعة.
(2/384)

حتى اليوم على الرغم من تبجحه أن يكشف عن كل عظمتهم، وأن يصل إلى بعض أسرارهم، ورحم الله أبا العلاء المعري حين قال:
إذا علمي الأشياء جر مضرة ... إلي فإن الجهل أن أطلب العلما
فالجهل بأسرار المصريين القدماء قد أضفى على آثارهم هالة من المجد الغامض، ونظرة من التقديس، أما العلم فقد حاول أن يفسر هذه الأسرار ويدنيها من عقول المعاصرين، وهذا يذهب من روعتها وقدسيتها.
وتعد هذه القصيدة على الرغم مما ذكرت لك من أحسن شعر صبري، بل من أحسن الشعر الحديث، في غرضها ومعانيها وديباجتها، وحسبه هذا فخرًا.
ومن الأغراض التي عقد لها باب خاص في ديوان صبري "الشكوى من الحياة" وهي من باب الزهد، وذم الدنيا، وتدل على نظرة متشائمة وهكذا كان صبري متبرمًا بالحياة، راغبًا عنها يتعجل الموت، ويتمناه، كما كان غير راض عن الناس، شأنه في ذلك شأن بعض الزاهدين الحكماء أمثال أبي العلاء، وأبي العتاهية، وصالح بن عبد القدوس وغيرهم، وإن لم يبلغ مبلغهم في زهدهم وفلسفتهم الحكمية.
ومن القصائد الطريفة التي وردت في هذا الباب قوله عن "الساعة" وقد دخل مرة كنيسة "رمس" المشهورة بفرنسان، فرأى مكتوبًا على عقرب إحدى ساعتها ما ترجمته: "كلهن جارحات، والأخيرة القاتلة" يريد ساعات العمر، والساعة الأخيرة، فأوحت إليه هذه العبارة بالمعاني التي أتى بها في قصيدة "الساعة".
كم ساعة آلمني مسها ... أزعجتني يدها القاسية
فتشت فيها جاهدًا لم أجد ... هنيهة واحدة صافية
وكم سقتني المر أخت لها ... فرحت أشكوها إلى التالية
فأسلمتني هذه عنوة ... لساعة أخرى وبي ما بيه
ويحك يا مسكين هل تشتكي ... جارحة الظفر إلى ضارية
(2/385)

حاذر من الساعات ويل لمن ... يأمن تلك الفئة الطاغية
وإن تجد من بينها ساعة ... جعبتها من غصص خالية
قاله بها لهو الحكيم الذي ... لم ينسه حاضره ماضيه
وأمرح كما يمرح ذو نشوة ... في قلة من تحتها الهاوية
فهي وإن بشت وإن داعبت ... محتالة ختالة عادية
عناقها خنق وتقبيلها ... كما تعض الحية الباغية
هذا هو العيش فقل للذي ... تجرحه الساعة والثانية
يا شاكي الساعات أسمع عسى ... تنجيك منها الساعة القاضية
وهي قطعة طريفة، جسم فيها الساعة الزمنية، ووهبها شيئًا من الحياة، فصارت تسقيه المر، وتسلمه إلى أختها التي بثها شكواه، وهذه الساعات فئة باغية، وقد تكون فيها ساعة جعبتها خالية من الغصص، فيجب على الإنسان أن يستمتع بها، ويكون منها على حذر، فهي غدارة محتالة، متعدية على الرغم من بشاشتها، وعناقها حنق، وتقبيلها سم فهذا التشخيص الذي أضفاه صبري على الساعة، جعل هذه القطعة حية قوية على الرغم من قرب معانيها، وأن فيها كثيرًا من المعاني المتداولة في عالم الزهد، وعند الشعراء الذين أكثروا من ذم الزمن والدنيا، كأبي العلاء، وأبي العتاهية وأضرابهم. فمثلًا قوله: "هل تشتكي جارحة الظفر إلي ضارية" قريب من المثل المشهور "المستجير من الرمضاء بالنار" والفكرة التي تدور حولها الأبيات: "فهي وإن بشت وإن داعبت ... إلخ" مأخوذة من قول الشاعر:
دار متى ما أضحكت ... في يومها أبكت غدًا
ونصيحته هذه بأن ينتهز الإنسان الفرصة المواتية، وساعة الصفو فيغتنمها ويتمتع بها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا مذهب طرفه بن العبد ومن أتى بعده منذ قال:
(2/386)

ألا أيها الزاجري أحضر الوغي ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلد
وهذه الشكوى من الحياة وتمني الموت يرددها صبري في شعره، وله أبيات عنوانها: "راحة القبر" يقول فيها:
إن سئمت الحياة فارجع إلى الأرض ... تنم آمنا من الأوصاب
تلك أم أحنى عليك من الأم ... التي خلفتك للأتعاب
لا تخف فالممات ليس بماح ... منك إلا ما تشتكي من عذاب
وحياة المرء اغتراب فإن مات ... فقد عاد سالمًا للتراب
وهذه نظرة سوداء للحياة، وفرار من ميدان النضال، لا تصدر إلا من نفس ضعيفة خوارة، وصبري كان يؤثر السلامة دائمًا في كل أموره، فأولى به أن يهرب من الحياة إن وجد فيها سأمًا ومللًا، وما أشبه البيت الأول بقول أبي العلاء:
ضجعة الموت رقدة يستريح ... الجسم فيها والعيش مثل السهاد
0ومعنى البيت الثاني وهو أن الأرض أم أحنى علينا من أمنا التي خلفتنا للتعب فيه روح أبي العلاء ونفسه، وهو تارة يدعو التراب أبًا.
والتراب نقليه ظلمًا وهو ولدنا ... وكم لنا فيه من قربى ومن رحم
وتارة يدعوه أمًا:
أتعلم الأرض وهي أم ... خف زمان فما ازدهاها
بأي جرم وأي حكم ... سلط ليث على مهاها
وفي معنى البيت الثالث قال الشريف الرضي:
فإن لم يكن فرج في الحياة ... فكم فرج في انقضاء العمر
وقال المتنبي "كفى بك داء أن ترى الموت شافيًا" وكذلك ليس في البيت الأيخرة جدة وقد قال المعري من قبل:
(2/387)

قد طال سيري في الحياة ... ولي ببطن الأرض منزل
ولصبري غير هذه القطعة في شكوى الحياة ما لا يخرج في معناه عنها فالقبور مواطن الراحة، والميت هو ميت الأحياء:
مقابر من ماتوا مواطن راحة ... فلا تك إثر الهالكين جزوعًا
وإن تبك ميتًا ضمه القبر فادخر ... لميت على قيد الحياة دموعًا
ولصبري بعض المقطوعات يناجي بها الله سبحانه وتعالى، ويسترحمه، ويطلب منه أن يعفو عن ذنوبه الكثيرة، وإن شط في بعضها شططًا كبيرًا كقوله:
يا رب أين ترى تقام جهنم ... للظالمين غدًا وللأشرار؟
لم يبق عفوك في السموات العلا ... والأرض شبرًا خاليًا للنار
أجل! إن رحمة الله وسعت كل شيء، ولكن هل اطلع صبري على جهنم فلم يجد في الأرض ولا في السماء شبرًا خاليًا من النار؟ إن هذا شطط، فقدرة الله أعظم من أن يحيط بها صبري، ولا شك أنها بلبلة استجار منها بقوله:
يا رب أهلني لفضلك واكفني ... شطط العقول وفتنة الأفكار
ويتهكم الأستاذ العقاد بصبري حين يقول:
ومر الوجود يشف عنك لكي أرى ... غضب اللطيف ورحمة الجبار
يا عالم الأسرار حسبي محنة ... علمي بأنك عالم الأسرار
فيقول:"إنه يستكفي الله الشطط لأنه لا يطيق العناء، وهو يستطلع الغيب؛ لأنه يتعب من الحيرة، ويجفل مما وراء الفناء، وهو يحن إلى المجهول، ولكنه لا يسعى إليه، ولا يتجشم المشقة فيه، بل يسأل الله أن يأمر الوجود ليشف عنه، ثم يسأله أن يشف عن لطف إذا شف عن غضب، وعن رحمة إذا تكشف عن جبروت1.
__________
1 شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي 27.
(2/388)

ويقول أحمد محرم: "إنه يريد أن يرى الله، ولكن لغير ما يريدون هم: المتوصفة، فهم يطلبون المشاهدة لذاتها وأما شاعرنا فيريدها ليشهد نوعًا خاصًّا من الجمال، وحالة بعينها من العظمة والجلال، وهو يريد أن يرى الغضب قائمًا في اللطف والرحمة مائلة في الجبروت. والعقل والعلم الإلهي على اتفاق في هذا الوجود بنوعيه من كثيف أو لطيف لا يقوى أن يحجب الله جل شأنه بل هو كما قال العارفون مرآة قدرته، ومظهر صفاته"1.
وأخيرًا ختم صبري هذه القطعة بقوله:
أخلق برحمتك التي تسع الورى ... ألا تضيق بأعظم الأوزار
وهذا رجوع إلى الثقة بالله بعدما فرط منه. وهو شبيه بقول أبي نواس:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم
فهو يشك في رحمة الله طورًا:
خشيتك. حتى قيل إني لم أثق ... بأنك تعفو عن كثير وترحم
وطورًا يأمل في تلك الرحمة:
عظمت آمالي وصغرت الورى ... من دالها إن لم تك المأمولا؟
وهو لا يدل بطاعته على الله:
حاشا لمثلي أن يدل بطاعته ... فيها مسجلة على الغفار
أو أن يعد وثيقة ينجو بها ... يوم القيامة من يد القهار
لأنه يعتقد أن وجود الله أعظم من طاعته وما قدمت يداه:
ما جئت أطلب أجر ما قدمته ... حاشا لجودك أن يكون قليلا
ومن الأغراض التي احتلت صفحات عديدة في الديوان "الرثاء"، وقد رثى صبري بعض أصدقائه وأبناءهم، ورثى بعض أعضاء الأسرة الحاكمة، ورثاء صبري غاص بالحكم والواعظ من مثل قوله:
__________
1 مجلة أبوللو أكتوبر 1934 ص199.
(2/389)

يا من يغد بدنياه وزخرفها ... تالله يوشك أن يودي بك الغرر
وقوله في مطلع قصيدته التي يرثى بها توفيق باشا.
نحن لله ما لحى بقاء ... وقصارى سوى الإله فناء
ويكرر قوله أن الدنيا غرارة، وكل من فيها إلى فناء، من يعيش ألف عام ومن يعيش أيامًا معدودات سواء، وهو معنى بديهي لا قيمة له، ولكنه أعجب به فذكره أكثر من مرة