Advertisement

عيون الأخبار 001


اسم الكتاب: عيون الأخبار
المؤلف: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (المتوفى: 276هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت
تاريخ النشر: 1418 هـ
عدد الأجزاء: 4
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الجزء الاول
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
هذا كتاب «عيون الأخبار» أقدّمه للقارىء الكريم بحلّة جديدة بعد أن تجشّمت عناء مراجعته غير مرة. ألّفه ابن قتيبه ليكون تذكرة لأهل العلم وتبصرة لمغفل التأدّب ومستراحا للملوك من كدّ الجدّ والتعب وذلك حين تبيّن شمول النقص وشغل الخليفة العباسي عن إقامة سوق الأدب. يقول في مقدمة هذا الكتاب: «وإني تكلّفت لمغفل التأدّب من الكتّاب كتابا في المعرفة وفي تقويم اللسان واليد حين تبيّنت شمول النقص ودروس العلم وشغل السلطان عن إقامة سوق الأدب حتى عفا ودرس ... » وفي مقدمة كتابه «أدب الكاتب» أوضح أيضا حال الأدب المتردّية في عصره فقال: «فإني رأيت أكثر أهل زماننا هذا عن سبيل الأدب ناكبين «1» ، ومن اسمه متطيّرين «2» ، ولأهله كارهين: أما الناشىء «3» منهم فراغب عن التعليم، والشادي «4» تارك للازدياد، والمتأدّب في عنفوان الشباب ناس أو متناس ... وصار العلم عارا على صاحبه، والفضل نقصا، وأموال الملوك وقفا على شهوات النفوس ... » ونحن نقول: كيف يجرؤ
(1/3)

ابن قتيبه على هذا القول وبغداد آنذاك مقرّ الثقافة الإسلامية المزدهرة ومركز مرموق للحياة الأدبية والعقلية معا؟
وإذا لم تنحصر موضوعات «عيون الأخبار» «1» في القرآن والسّنّة وشرائع الدين وعلم الحلال والحرام فإنها- كما يقول ابن قتيبة- مرشدة لكريم الأخلاق، زاجرة عن الدناءة، ناهية عن القبيح، باعثة على صواب التدبير؛ لأنّ علم الدين والحلال والحرام تقليد لا يجوز أن نأخذه إلّا عمّن نراه حجّة.
كذلك لم يكن كتابه هذا وقفا على طالب الدنيا دون طالب الآخرة، ولا على خواص الناس دون عوامّهم، ولا على ملوكهم دون سوقتهم، بل وفّى كلّ فريق منهم قسمه. ولكي يروّح عن القارىء من كدّ الجدّ، ضمّن هذا الكتاب نوادر طريفة وكلمات مضحكة تدخل في باب المزاح والفكاهة. يقول: «مثل هذا الكتاب مثل المائدة تختلف فيها مذاقات الطعوم لاختلاف شهوات الآكلين» .
وكان ابن قتيبة يتلقّط أخباره عن جلسائه وإخوانه وعمّن فوقه في السنّ والمعرفة، كما وقف على كتاب التاج، وكتاب الآيين، وكتاب إبرويز، وآداب ابن المقفع، وكتب الهند ولكن دون أن يذكر اسما لكتاب هندي اعتمد عليه.
يقول مثلا: «قرأت في كتاب للهند إنّ فلانا ... » كما اعتمد على أقوال علي ابن أبي طالب، رضي الله عنه، وعلى أقوال بزرجمهر، وإسحاق بن راهويه، وأبي حاتم السّجستاني، وأحمد بن الخليل، وعبد الرحمن بن عبد المنعم، وأبي سهل، وعبد الملك بن مروان، وميمون بن ميمون، والمدائني، وأبي عبّاد الكاتب، وابن الأعرابي، ومحمد بن عبيد، ومحمد بن داود، وعلي بن محمد، وابن سيرين وغيرهم. وقد لجأ إلى الإتيان بأخبار وأشعار اتّضعت عن
(1/4)

قدر كتابه لسببين؛ أحدهما الحاجة إلى ذلك، والآخر أنّ الحسن إذا وصل بمثله نقص نوراهما.
صنّف كتابه أبوابا مقرنا الباب بشكله، والخبر بمثله، والكلمة بأختها ليسهل على المتعلم علمها وعلى الدارس حفظها. وهذا الكتاب حلية الأدب، ونتاج أفكار الحكماء، ولقاح عقول العلماء، وسير الملوك وآثار السّلف. قسّم المؤلف فيه الأخبار والأشعار وجمعها في عشرة كتب؛ كل كتاب بمثابة باب.
فالكتاب الأول هو كتاب السلطان، وفيه أخبار السلطان وسيرته وسياسته، إلى جانب اختياره القضاة والحجّاب والكتّاب، وفيه يكثر من النقل عن الفرس والهند مما يشير إلى تأثر الأدب العربي بأدب هؤلاء، ولكنه في موضوع القضاء لم ينقل إلّا عن أحكام العرب والمسلمين. والكتاب الثاني هو كتاب الحرب، وفيه الأخبار عن آداب الحرب ومكايدها، ووصايا الجيوش وعددها وسلاحها.
وفي الكتاب الثالث يسهب المؤلف في الحديث عن مخايل السؤود وأسبابه ويتحدث عن الذلّ والمروءة والغنى والفقر والبيع والشراء. والكتاب الرابع هو كتاب الطبائع والأخلاق المذمومة، وفيه الأخبار عن تشابه الناس في الطبائع، إلى جانب طبائع الجن والسّباع والطير والحشرات. والكتاب الخامس هو كتاب الهلم والبيان، وفيه الأخبار عن العلماء، والبيان والبلاغة والخطب والمقامات ووصف الشعر، إلّا أن المؤلّف لم يعرض للشعر بالتفصيل؛ لأنه أفرد للشعراء كتابا هو «الشعر والشعراء» ، وهو إذا ذكر نتفة في هذا الكتاب، فإنما كراهية منه أن يخليه من فن من الفنون. والكتاب السادس كتاب الزّهد، وفيه أخبار الزّهّاد، ومناجاتهم ومواعظهم وذكر الدنيا والموت، ينقل فيه الكثير عن اليهود والنصارى. ثم يليه كتاب الإخوان، ويحثّ فيه على حسن اختيار الإخوان. وبعده كتاب الحوائج، ويتضمن الأخبار عن استنجاح الحوائج بالكتمان والصبر والهديّة والرشوة ولطيف الكلام. ثم الكتاب التاسع، وهو كتاب الطعام، وفيه الأخبار عن الأطعمة الطيّبة، والحلواء، وما يأكله فقراء
(1/5)

الأعراب، وما يصلح الأبدان من الغذاء والحمية وشرب الدواء، ومضارّ الأطعمة ومنافعها، إلى جانب نتف من طب العرب والعجم. وهو هنا ينقل عن كتاب الحيوان للجاحظ وكتب أرسطو، ولكنه يعرض المعلومات عرض مدرك لأمور الطب عارف بها. وأخيرا كتاب النساء، وفيه الأخبار عن اختلاف النساء في أخلاقهنّ وخلقهنّ وما يختار منهنّ للنكاح وما يكره، خلا أخبار عشّاق العرب. وهكذا اختار ابن قتيبة خير ما روي فرتّبه وبوّبه وجمع ما تشابه منه تحت عنوان واحد لكل كتاب من كتبه العشرة، فظهر أديبا حسن الذوق في الإختيار يمتاز عن غيره من الأدباء في هذا الميدان، بحيث أوصل عملية الاختيار إلى مرحلة الكمال والترتيب.
ولقد ضمّن ابن قتيبة كتابه أبياتا من الشعر مشاكلة لأخباره. ويتّضح من منهجه الذي رسمه في مقدمة كتابه أنه صاحب منهاج حديث يعتمده الكثير من أدبائنا في الوقت الحاضر، ولا يؤخذ عليه سوى استطراده أو تكراره لأخبار نحن بغنى عنها.
وهذا الكتاب صدى لشخصية صاحبه، فهو أديب رفيع الذوق في انتخاب الأخبار، مثقف ثقافة واسعة، كثير الميل إلى الأدب والتاريخ. كما يعدّ كتابه مرجعا ذا فائدة كبيرة في عالم الأخبار والأدب، والمؤلّف فيه صاحب ملكة مرهفة للتعبير النثري الدقيق، مما جعله فريدا بين كتب القديم وأحد مصادر النقل الرئيسية، تأثّر به ابن عبد ربه في كتابه «العقد الفريد» كثيرا سواء في الترتيب والتبويب أو فيما جاء به من موضوعات.
ورغم أنه طبع غير مرة في غير بلد فإني رأيت أن أعنى به لما فيه من تصحيف وتحريف ونقص وزيادة، فراجعته وقابلت كثيرا من نصوصه بما يوافقها في مصادر أخرى ككتاب البيان والتبيين للجاحظ، والعقد الفريد لابن عبد ربه، والأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، والكامل في اللغة والأدب للمبّرد، والكامل في التاريخ لابن الأثير وغيرها من المصادر والمراجع. ونظرت فيه
(1/6)

بدقة متناهية، وقمت بضبط ألفاظه، وأوضحت ما غمض فيه من مشكلات مكمّلا ما نقص من عباراته ومتحرّيا أصحّ ما قيل في نسبة الشعر والنثر إلى أصحابه، فجشمت الأمر معتمدا في ذلك النّصب على الراحة، فكان أن ترجمت لأكثر من ثلاثماية شخصية أدبية وعلمية وفسّرت أكثر من تسعين آية قرآنية وردت جميعها في الجزئين الأول والثاني مع تحديد العديد من المواضع والأماكن؛ لأن الجزئين الثالث والرابع قام بشرحهما وضبطهما زميلي الدكتور مفيد قمحية. وبذلك خرج هذا الكتاب في ثوب قشيب لم يعتد القراء على مثله من الطبعات السابقة التي تكاد تخلو من الحواشي والتوضيحات، راجيا أن يشبع رغبات أهل العلم وملتمسا العذر منهم إن هم عثروا فيه على خطأ؛ ذلك العصمة ليست إلّا لرب العالمين.
وارتأيت أن أتمّم عملي هذا بتقديم نبذة عن سيرة المؤلّف موجزة، فأقول: هو الكاتب أبو «1» محمد عبد الله بن المسلم بن قتيبه الدّينوريّ (بكسر الدال وسكون الياء وفتح النون والواو معا وكسر الراء وتشديد الياء) سمّي بذلك لأنه ولي قضاء الدينور مدة فنسب إليها «2» . والدينور بلدة من بلاد الجبل عند قرميسين خرج منها خلق كبير «3» . وقال عنه السمعاني: إنه من أهل الدينور، أقام بها مدة فنسب إليها «4» . وقيل: المروزيّ (بفتح الميم والواو وسكون الراء ثم الزاي المكسورة والياء المشدودة) نسبة إلى مرو الشّاهجان (بسكون الهاء) ومرو الشاهجان مدينة عظمى تبعد أربعين فرسخا عن مدينة مرورّوذ، وهي إحدى كراسي خراسان، وكراسي خراسان أربع مدن؛ مرو
(1/7)

الشاهجان، ونيسابور، وهراة، وبلخ. قيل لها: مرو الشاهجان لتتميّز عن مرو الرّوذ. والشاهجان لفظ عجمي معناه «العظيم» و «روح الملك» ؛ فالشاه:
الملك، والجان: الروح. ومرو هذه بناها الإسكندر ذو القرنين، وكانت سرير الملك بخراسان، وزادوا في النسبة إليها حرف الزاي فيقال: مروزيّ كما قالوا في النسبة إلى الريّ: رازيّ، وإلى إصطخر: إصطخرزيّ. ومرو رّوذ (بفتح الميم وسكون الراء وفتح الواو وتشديد الراء المضمومة وتسكين الواو) أشهر مدن خراسان، وهي مدينة مبنية على نهر، والنهر يقال له بالعجمية «الرّوذ» بضم الراء وسكون الواو، والنسبة إليها مرو رّوذيّ ومروزيّ «1» .
وأبو محمد من أصل فارسي، إذ ولد أبوه مسلم بمرو، لذا يقال له المروزي «2» . وذكر الخطيب البغدادي والسمعاني أن ولادة أبي محمد كانت ببغداد سنة 213 «3» هـ. وقال ابن خلكان: ولد ابن قتيبة ببغداد، وقيل:
بالكوفة «4» . وقال النديم وابن الأنباري: ولد في الكوفة في مستهل رجب سنة 213 «5» هـ، ولذلك يقال له الكوفي. ولم يشر ابن الأثير إلى مكان ولادته بل اكتفى بالقول: «وهو كوفي» «6» . وقال ابن خلّكان والسمعاني والسيوطي إنه نزل بغداد فتربّى فيها وسكنها وعلى أهل العلم فيها تثقّف حتى قام فيها بمهمة التعليم مدة «7» . وقال القفطي: ولد ببغداد ونشأ بها وتأدّب «8» . وقال بروكلمان:
ولي ابن قتيبة قضاء الدينور ثم انتقل إلى بغداد فظل يزاول التدريس والتعليم
(1/8)

بها إلى أن توفي سنة 276 «1» هـ. وقتيبه (بضم القاف وفتح التاء وسكون الياء وفتح الباء وبعدها هاء ساكنة) هي تصغير قتبة، بكسر القاف، وهي واحدة الأقتاب أي الأمعاء، وبها سمّي جدّه، والنسبة إليه قتبيّ (بضم القاف وفتح التاء وكسر الباء وتشديد الياء) ولذلك لقّبه الذهبي بالقتيبي «2» . وقال السمعاني:
القتيبي والقتبي نسبة إلى جدّه قتيبة المشهور بهذه النسبة، أو إلى بطن من باهلة وهم رهط قتيبة بن معن بن باهلة ابن هلال «3» . وليس صحيحا ما ذكره الزركلي من أنّ ابن الأنباري سماه عبد الله بن مسلمة وأنّ اسمه وقع في دائرة المعارف الإسلامية محمد بن مسلم «4» .
وكان ابن قتيبة في نظر الخطيب البغدادي وابن خلّكان والقفطي والسيوطي وابن العماد الحنبلي ثقة دينا فاضلا «5» . وقول الدارقطني إنه كان يميل إلى التشبيه قول مردود في نظر السيوطي؛ لأن له مؤلّفا في الردّ على المشبّهة «6» . وأضاف السيوطي قائلا: قال البيهقي: كان ابن قتيبة كرّامّيا «7» ،
(1/9)

وقال الحاكم: إجتمعت الأمة على أنه كذّاب، وقال الحافظ الذهبي: ما علمت أحدا اتّهم القتيبي في نقله مع أن الخطيب قد وثّقه، وما أعلم الأمة أجمعت إلّا على كذب الدجّال ومسيلمة «1» . وقال ابن العماد: قال الذهبي في المغني: عبد الله بن قتيبة رجل صدوق، وقال الحاكم: أجمعت الأمة على أن القتيبي كذّاب، قلت هذا بغي وتخرص، بل قال الخطيب هو ثقة «2» .
ولقد عاصر ابن قتيبة الجاحظ، إلّا أنه كان على خلاف معه؛ فالجاحظ معتزليّ من المتكلّمين، وهو من أهل السنّة كما يقول ابن تيميّة «3» . سكن بغداد ودرس فيها علم الحديث دراسة واسعة على يد أساتيذ كبار، كان أوّلهم أبو يعقوب إسحاق بن أبي الحسن إبراهيم بن مخلد بن تميم بن مرة الحنظلي المروزيّ المعروف بابن راهويه. جمع هذا بين الحديث والفقه والورع وكان أحد أئمة الإسلام. عدّه البيهقي في أصحاب الشافعي، وقال أحمد بن حنبل:
إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين. وقال إسحاق عن نفسه: أحفظ سبعين ألف حديث وأذاكر بمئة ألف حديث، وما سمعت شيئا قط إلّا حفظته. له مسند مشهور. وكانت ولادته سنة 161 هـ، وقيل: سنة 163 هـ، وقيل: سنة 166 هـ. رحل إلى الحجاز والعراق واليمن والشام، وسمع من سفيان بن عيينة ومن في طبقته، وسمع منه البخاري ومسلم والترمذي. سكن في آخر
(1/10)

عمره نيسابور وتوفي بها سنة 238 هـ، وقيل: سنة 237 هـ، وقيل سنة 230 هـ. وراهويه (بفتح الراء وبعد الألف هاء ساكنة ثم واو مفتوحة وبعدها ياء وهاء ساكنتان) لقب أبيه أبي الحسن إبراهيم، لقّب به لأنه ولد في طريق مكة، والطريق بالفارسية «راه» و «ويه» بمعنى «وجد» فكأنه وجد في الطريق «1» .
وشيخ ابن قتيبة الثاني هو أبو حاتم السّجستاني الذي ذكره أبو الطيب اللغوي الحلبي والخطيب البغدادي وابن الأنباري فقالوا: أخذ ابن قتيبة عن أبي حاتم السجستاني وغيره «2» . ولكن ابن خلّكان والسيوطي أفردا له ترجمة كاملة فقالا: أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجشميّ السّجستاني نحويّ لغوي مقرىء، نزيل البصرة وعالمها، إذ لم يكن جوّ بغداد يحلو له ليقيم به طويلا. كان إماما في علوم القرآن والآداب، عالما باللغة والشعر وعلم العروض، وعنه أخذ المبرد فكان يحضر حلقته ويلازم القراءة عليه وهو غلام. له شعر جيد، ولكنه لم يكن حاذقا بالنحو فكان إذا اجتمع بالمازني في دار عيسى بن جعفر الهاشمي تشاغل وبادر بالخروج خوف أن يسأله بمسألة في النحو. ونشير هنا إلى أنه قرأ كتاب سيبويه على الأخفش مرّتين، وروى عن أبي عبيدة والأصمعي وغيرهما. وكان يختم القرآن في كل أسبوع.
من مصنفاته: «إعراب القرآن» و «ما يلحن فيه العامة» و «الطير» و «المذكر والمؤنث» و «النبات» و «المقصور والممدود» و «القراءات» و «الإدغام» و «الحشرات» و «الوحوش» و «السيوف والرماح» . وكانت وفاته في سنة 248 هـ، وقيل سنة 250 هـ، وقيل سنة 254 هـ، وقيل سنة 255 هـ، بالبصرة.
والجشمي (بضم الجيم وفتح الشين وبعدها ميم مكسورة وياء مشدّدة) نسبة إلى عدّة قبائل، لكل منها جشم. والسّجستاني (بكسر السين والجيم وسكون
(1/11)

السين الثانية وفتح التاء) نسبة إلى سجستان الإقليم المشهور. وقيل: نسبة إلى سجستان أو سجستانة إحدى قرى البصرة «1» .
والثالث الذي حدّث عنه ابن قتيبة ببغداد هو أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان بن سليمان بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن زياد بن أبيه الزيادي. وقد ترجم له السيوطي- نقلا عن ياقوت- فقال: كان الزيادي نحويا لغويا راوية، قرأ على سيبويه كتابه ولم يتمّه، وروى عن أبي عبيدة والأصمعي، وكان شاعرا ذا دعابة. توفي سنة 249 هـ. ومن مصنفاته «الأمثال» و «تنميق الأخبار» «2» .
وترجم له ابن خلّكان وذكر أحد تلاميذه ببغداد وهو أبو بكر يموت بن المزرّع العبدي البصري، وقال: قدم ابن المزرّع بغداد في سنة 301 هـ وهو شيخ كبير، فحدّث بها عن الزيادي، وأبي حاتم السجستاني، وأبي الفضل الرياشي، وعبد الرحمن ابن أخي الأصمعي «3» . وقد ذكر القفطي هؤلاء الأساتيذ الثلاثة دون أن يترجم لهم فقال: «روى (ابن قتيبة) عن العلماء أمثال إسحاق بن راهويه، ومحمد بن زياد الزيادي، وأبي حاتم السجستاني» «4» . كما ذكرهم الخطيب البغدادي والسمعاني وقالا: محمد ابن زياد الزيادي بدلا من إبراهيم بن سفيان الزيادي. وأضافا إليهم أبا الخطاب زياد بن يحيى الحساني «5» .
والرجل الرابع الذي حدّث عنه ابن قتيبة هو أبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي اللغوي النحوي الذي ذكره أبو الطيب اللغوي وقال: أخذ ابن قتيبة عن الرياشي وغيره «6» . وقد ترجم له السيوطي فقال: قرأ الرياشي النحو على
(1/12)

المازني، وقرأ عليه المازني اللغة. وأضاف: قال السيرافي: كان الرياشي عالما باللغة والشعر كثير الرواية عن الأصمعي، وأخذ عن المبرّد، وله مصنفات كثيرة منها كتاب الخيل وكتاب الإبل. قتله الزنج بالبصرة بالأسياف وهو يصلي وذلك سنة 257 «1» هـ. كذلك حدّث ابن قتيبة عن رجال آخرين نذكر منهم عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي «2» ، وحرملة بن يحيى التجيبي المتوفّى سنة 243 هـ، وأبا الخطاب زياد بن يحيى الحساني البصري المتوفى سنة 254 هـ. ولم يذكر ابن العماد من مشايخه سوى ابن راهويه فقال:
«سكن (ابن قتيبة) بغداد وحدّث بها عن ابن راهويه وطبقته» «3» .
ولما اشتغل ابن قتيبة بالتدريس في بغداد تخّرج عليه تلاميذ كثر نذكر منهم ابنه أبا جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة. ولد أبو جعفر هذا ببغداد وكان فقيها قاضيا روى عن أبيه كتبه المصنّفة كلها. تولّى القضاء بمصر، وكان قدمها في 18 من جمادى الآخرة سنة 321 هـ، وتوفي بها في شهر ربيع الأول سنة 322 هـ وهو على القضاء «4» . وترجم له ياقوت في معجم الأدباء فقال: كان أحمد كاتبا، حدّث بكتب أبيه كلها بمصر حفظا ولم يكن معه كتاب، وحدّث عنه أبو الفتح المراغي النحوي، وعبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي وغيرهما. وقال السيوطي: حدّث عن عبد الله بن قتيبة ابنه القاضي أحمد «5» . وقال السمعاني: إنّ ابنه أبا أحمد عبد الواحد بن أحمد بن عبد الله ابن مسلم بن قتيبة، المولود ببغداد سنة 270 هـ، روى بمصر عن أبيه عن جدّه كتبه المصنّفة. وأضاف: كان حفيد ابن قتيبة ثقة «6» .
(1/13)

كذلك روى عن ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه بن المرزبان الفارسي الفسوي. وقد ترجم له ابن خلّكان فقال: إبن درستويه نحويّ وعالم فاضل أخذ فن الأدب عن ابن قتيبة والمبرّد وغيرهما ببغداد، وأخذ عنه جماعة من الأفاضل كالدارقطني وغيره، وأضاف قائلا: ولد ابن درستويه سنة 258 هـ وتوفي سنة 347 هـ ببغداد، وكان أبوه من كبار المحدثين وأعيانهم. ودرستويه (بضم الدال والراء وسكون السين وضم التاء وفتح الواو وسكون الياء) هكذا قاله السمعاني، وقال ابن ماكولا في كتاب «الإكمال» : هو بفتح الدال والراء والواو. وتصانيفه في غاية الجودة والإتقان، منها» تفسير كتاب الجرمي» و «الإرشاد» في النحو، و «الهجاء» و «شرح الفصيح» و «المقصور والممدود» و «غريب الحديث» و «معاني الشعر» و «الحي والميت» و «الأعداد» و «أخبار النحويين» «1» . كذلك ترجم له السيوطي فقال: كان ابن درستويه أحد من اشتهر وعلا قدره وكثر علمه، صحب المبرّد ولقي ابن قتيبه، وكان جيد التصنيف، وأخذ عن الدارقطني وغيره «2» . وهنا يناقض قول آبن خلّكان السابق الذكر: «وأخذ عنه جماعة من الأفاضل كالدارقطني وغيره» «3» .
وأضاف السيوطي قائلا: كان ابن درستويه شديد الإنتصار للبصريين في النحو واللغة «4» . كذلك ذكره الخطيب البغدادي وابن الأنباري فقالا: «وأخذ عنه (عن ابن قتيبة) أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه وغيره» «5» . وقال القفطي:
روى عن ابن قتيبة العلماء كولده أحمد، وأبي محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسي «6» .
(1/14)

وممن رووا عن ابن قتيبة نذكر أيضا أبا سعيد الهيثم بن كليب بن شريج ابن معقل الشاشي البنكثي، وقد ترجم له ياقوت فقال: أصله من ترمذ (وقيل بكسر التاء والميم جميعا، وقيل بضمهما) سكن بنكث (بكسر الباء وسكون النون وفتح الكاف) فنسب إليها. وبنكث قصبة إقليم الشاش. وكان إماما أديبا حافظا رحّالا قرأ الأدب على أبي محمد عبد الله بن مسلم ببغداد، وروى عن عيسى بن أحمد العسقلاني، وأبي عيسى الترمذي وغيرهما من أهل خراسان والعراق. روى عنه أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد الخزاعي. مات أبو سعيد بالشاش سنة 335 هـ. وأضاف ياقوت قائلا: وله مسند في مجلدين ضخمين سمعناه بمرو على أبي المظفر عبد الرحيم بن أبي سعد الحافظ «1» . والشاش- كما يذكر ابن خلّكان- مدينة وراء نهر سيحون «2» .
ومن تلاميذ صاحب «عيون الأخبار» نذكر كذلك أبا محمد قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف بن ناصح بن عطاء البيّاني، مولى الوليد بن عبد الملك بن مروان. وقد ترجم له الحميدي فقال: إنه إمام من أئمة الحديث وحافظ مكثر مصنّف، كان من الثقة والجلالة بحيث اشتهر أمره. أصله من بيّانة، وسكن قرطبة عاصمة بني أمية بالأندلس، وبها مات سنة 340 هـ عن سنّ عالية. سمع محمد بن وضّاح، ومحمد بن عبد السلام الخشني وجماعة، ثم رحل إلى بغداد فسمع أبا إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي، وأبا محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة. من مصنفاته «أحكام القرآن» و «فضائل قريش» و «في الناسخ والمنسوخ» «3» . كذلك ترجم له السيوطي- نقلا عن ابن الفرضي- فقال: كان ابن أصبغ بصيرا بالحديث والرجال، نبيلا في النحو والشعر، سمع ببغداد من ثعلب والمبرّد وابن قتيبة «4» .
(1/15)

كذلك روى عن ابن قتيبة عبيد الله بن عبد الرحمن السكّري، وإبراهيم بن محمد بن أيوب الصائغ، وعبيد الله بن أحمد بن بكير التميمي «1» . ولم يذكر ابن العماد سوى اثنين من تلاميذ ابن قتيبة هما أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة وابن درستويه «2» .
ولقد اتّسعت معارف ابن قتيبة بحيث بدا لنا حاملا صولجان المعرفة والعلم، مرتديا ثوب الجدل والحوار، مصنّفا من الفئة الأولى بين كبار العلماء والأدباء والكتّاب. تصانيفه متعدّدة النواحي تتناول معارف عصره وتعدّ من أمهات المكتبة العربية والإسلامية. وكان هدفه من أكثر مصنّفاته- كما يقول بروكلمان- أن يقدّم إلى طبقة الكتّاب وأصحاب الدواوين ما يسدّ حاجتها من الأدب والتاريخ، ولكنه تناول في اثنين من كتبه مسائل الخلاف التي كانت سائدة في عصره، فراح يدافع بقوة عن القرآن والحديث تجاه مطاعن الفلاسفة وأهل الشكّ من علماء الكلام «3» . ولقد أقرأ جميع مؤلفاته ببغداد إلى حين وفاته، وإليكها:
1- معاني الشعر الكبير: يدور هذا الكتاب، كما هو واضح من عنوانه، حول موضوعات الشعر، وهو مطبوع في حيدر آباد، دائرة المعارف العثمانية، سنة 1949 (3 أجزاء في مجلدين) تحت اسم «كتاب المعاني الكبير في أبيات المعاني» . ولقد ذكره النديم وقال: يحتوي على اثنتي عشر كتابا، منها كتاب الفرس ويضم 46 بابا، وقد عدّه القفطي «4» كتابا مستقلا بذاته. كتاب الإبل ويضم 16 بابا. كتاب الحرب، عشرة أبواب. كتاب القدور، عشرون بابا. كتاب الديار، عشرة أبواب. كتاب الرياح، أحد وثلاثون
(1/16)

بابا. كتاب السّباع والوحوش، سبعة عشر بابا. كتاب الهوام، أربعة وعشرون بابا. كتاب الأيمان والدواهي، سبعة أبواب. كتاب النساء والغزل، باب واحد. كتاب الشّيب والكبر، ثمانية أبواب. كتاب تصحيف العلماء، باب واحد «1» . هذا وذكر القفطي وبروكلمان هذا الكتاب باسم «معاني الشعر» وذكره الزركلي باسم «المعاني» وقال: إنه مطبوع ويقع في ثلاثة مجلدات «2» . ولقد ذكر حاجي خليفة كتبا لثعلب والأخفش وابن عبدوس الكوفي وابن درستويه تحمل اسم «معاني الشعر» دون أن يذكر اسم ابن قتيبة أو كتابه «3» .
2- عيون الشعر: ذكره ابن النديم وقال: يحتوي على عشرة كتب هي؛ كتاب المراتب، كتاب القلائد، كتاب المحاسن، كتاب المشاهد، كتاب الشواهد، كتاب الجواهر، كتاب المراكب، كتاب المناقب، كتاب المعاني، وكتاب المدائح «4» .
3- الشعر والشعراء: ألّفه ابن قتيبة- كما يذكر في مقدمته- في الشعراء، وأخبر فيه عن الشعراء وأزمانهم وأحوالهم وقبائلهم وأسماء آبائهم، وعن أقسام الشعر وطبقاته، وكان أكثر قصده للمشهورين من الشعراء الذين يعرفهم جلّ أهل الأدب. وله طبعات عديدة، منها طبعة دار الثقافة ببيروت، سنة 1969، ويقع في جزئين. وورد في الفهرست ودائرة المعارف الإسلامية بهذا الإسم «5» . وذكره أبو الطيب اللغوي باسم «الشعراء» «6» كما ذكره ابن
(1/17)

خلّكان والقفطي والسيوطي وابن العماد الحنبلي باسم «طبقات الشعراء» «1» .
ثم عاد ابن خلكان وذكره باسم «أخبار الشعراء» «2» .
4- المراتب والمناقب عن عيون الشعر: ذكره النديم والسيوطي دون تعليق «3» . وقد يكون جزء من كتاب «عيون الشعر» الذي يحتوي على عشرة كتب، من بينها كتابا «المراتب» و «المناقب» .
5- أدب الكاتب: ذكره ابن خلّكان وقال: كان العلماء يقولون: كتاب أدب الكاتب خطبة بلا كتاب لأنه طوّل الخطبة وأودعها فوائد. وأضاف قائلا:
يحوي أدب الكاتب من كل شيء وهو مفنّن، وإن كانت الخطبة فيه طويلة لا يعني- كما يقول أكثر أهل العلم- أنه خطبة بلا كتاب «4» . ثم علّق عليه في مكان آخر فقال: صنّفه ابن قتيبه للوزير أبي الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وزير المعتمد بن المتوكل الخليفة العباسي «5» . ولقد صرح ابن قتيبه بذلك في مقدمة كتابه فقال: «فالحمد لله الذي أعاذ الوزير أبا الحسن- أيّده الله- من هذه الرذيلة، وأبانه بالفضيلة ... » «6» وذكره ابن خلدون فقال: «وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن (الأدب) وأركانه أربعة دواوين وهي: أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرّد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي البغدادي. وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها» «7» . وذكر ابن خلكان أن أبا محمد عبد الله بن
(1/18)

محمد المعروف بابن السّيد البطليوسي الأندلسي المتوفى سنة 521 هـ شرح هذا الكتاب شرحا مستوفى، ونبّه على مواضع الغلط منه، وفيه دلالة على كثرة اطّلاع الرجل، وسمّاه «الإقتضاب في شرح أدب الكتاب» «1» . وكتاب «الإقتضاب» هذا حققه مصطفى السّقّا وحامد عبد المجيد، القاهرة، سنة 1980. وذكره حاجي خليفة وقال: قيل إن كتاب «أدب الكاتب» خطبة بلا كتاب لطول خطبته مع أنه قد حوى من كل شيء. وله شروح أفضلها شرح أبي محمد عبد الله بن محمد المعروف بابن السّيد البطليوسي، وهو شرح مفيد جدا ذكر منه أن غرضه تفسير الخطبة والتنبيه على غلطه، وشرح أبياته، وقد قسّم على ثلاثة أجزاء؛ الأول في شرح الخطبة، والثاني في التنبيه على الغلط، والثالث في شرح أبياته، وسماه «الإقتضاب في شرح أدب الكتّاب» .
ومنها شرح أبي منصور موهوب بن أحمد الجواليقي المتوفّى سنة 539 هـ، وسليمان بن محمد الزهراوي، وأبي علي حسن بن محمد البطليوسي المتوفّي سنة 576 هـ، وأحمد بن داود الجذامي المتوفّى سنة 598 هـ، وإسحاق بن إبراهيم الفارابي المتوفّي سنة 350 هـ. وشرح بعضهم خطبته خاصة كأبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي المتوفّى سنة 339 هـ، ومبارك بن مفاخر النحوي المتوفي سنة 500 هـ، وبعضهم شرح أبياته كأحمد بن محمد الخارزنجي المتوفّى سنة 348 هـ «2» . وذكره بروكلمان وقال: صنّفه ابن قتيبه قبل كتاب «عيون الإخبار» ، وقام بشرحه أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي المتوفّى سنة 337 هـ، والجواليقي، وابن السّيد البطليوسي «3» . كما ذكره القفطي، وابن الأثير، والنديم، وابن الأنباري، والسمعاني، وابن العماد الحنبلي دون تعليق «4» . وورد آسمه في دائرة المعارف الإسلامية مع إشارة إلى
(1/19)

أنه محقق سنة 1900 «1» . وذكره الخطيب البغدادي باسم «أدب الكتّاب» «2» وهذا الكتاب مطبوع في ليدن بريل سنة 1900، وهناك تحقيق آخر لمحمد محي الدين عبد الحميد، القاهرة، سنة 1963، وطبعة أخرى حققها محمد الدالي، بيروت، مؤسسة الرسالة 1982.
6- ديوان الكتّاب: ذكره النديم والسيوطي وحاجي خليفة دون تعليق «3» .
7- إعراب القرآن: ذكره النديم والقفطي والسيوطي وابن العماد دون تعليق «4» . وورد في دائرة المعارف الإسلامية هذه العبارة: هذا الكتاب بالنسبة إلينا من الكتب الميّتة «5» . وذكره ابن خلكان باسم «إعراب القراءات» «6» . وقد يكون ذلك تحريفا من الناسخ، وكيفما اختلفت التسمية فإنهما كتاب واحد، وإنّ كتاب «القراءات» الذي سيرد اسمه بعد قليل هو غير «إعراب القراءات» .
وفي فصل «علم إعراب القرآن» ذكر حاجي خليفة عددا كبيرا من العلماء الذين صنّفوا في إعراب القرآن، دون أن يذكر اسم ابن قتيبة. من هؤلاء أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني المتوفّى سنة 248 هـ، وأبو العباس محمد ابن يزيد المعروف بالمبرّد النحوي المتوفى سنة 286 هـ، وأبو زكريا يحيى ابن علي الخطيب التبريزي المتوفّى سنة 502 هـ، وأبو عبد الله حسين بن أحمد المعروف بابن خالويه وغيرهم. وأضاف قائلا: علم إعراب القرآن من فروع علم التفسير، ولكنه في الحقيقة هو من علم النحو «7» .
(1/20)

8- معانى القرآن: ذكره السيوطي دون أي تعليق يذكر «1» .
9- مشكل القرآن: يبحث في قوة بيان العرب، وإعجاز القرآن ووجوهه واللحن والمتشابه منه، وقد ذكره الخطيب البغدادي، والقفطي، وابن الأنباري، والسمعاني، وابن خلّكان، وابن العماد نقلا عن ابن خلّكان، والسيوطي، وبروكلمان «2» . وذكره النديم باسم «المشكل» «3» وقد يعني بذلك «مشكل القرآن» أو «مشكل الحديث» . وورد في دائرة المعارف الإسلامية باسم «تأويل مشكل القرآن» «4» . وبهذا الإسم الأخير شرحه ونشره السيد أحمد صقر، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية 1954. وطبع مرة ثانية في القاهرة، دار التراث، سنة 1973. وقد جمع بينه وبين «غريب القرآن» العلامة ابن مطرّف الكناني في كتاب أسماه «كتاب القرطين» ، وطبع هذا الكتاب بالقاهرة.
10- غريب القرآن: هو تتمة لكتاب «مشكل القرآن» وقد ذكره الخطيب البغدادي، والقفطي، وابن الأنباري، وابن خلّكان، والسيوطي، وابن العماد، والبغدادي دون تعليق «5» . وورد في الأعلام ودائرة المعارف الإسلامية باسم «تفسير غريب القرآن» «6» ، وهو مطبوع بهذا الاسم الأخير بتحقيق السيد أحمد صقر، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية 1958.
11- الردّ على القائل بخلق القرآن: ذكره السيوطي دون تعليق «7» .
(1/21)

12- القراءات: ذكره النديم دون تعليق «1» . وورد في دائرة المعارف الإسلامية هذه العبارة: هذا الكتاب، بالنسبة إلينا، من الكتب الميّتة «2» .
13- آداب القراءة: ذكره حاجي خليفة «3» .
14- غريب الحديث: يعالج هذا الكتاب مسائل الحديث منذ الرسول صلى الله عليه وسلم حتى معاوية، وقد ذكره النديم وقال: أحسن فيه المؤلف «4» . وذكره الخطيب البغدادي، والقفطي، وابن الأنباري، والسمعاني، وابن خلكان، والسيوطي، وابن العماد نقلا عن ابن خلكان، دون تعليق يذكر «5» . وذكره حاجي خليفة في فصل عنوانه «علم غريب الحديث والقرآن» فقال: جمع أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفّى سنة 224 هـ كتابا في غريب الحديث أفنى فيه عمره حتى لقد قيل فيما يروى عنه أنه جمعه في أربعين سنة، وبقي كتابه في أيدي الناس يرجعون إليه في غريب الحديث إلى عصر ابن قتيبة، فصنف هذا كتاب «غريب الحديث» المشهور، «حذا فيه حذو أبي عبيد فجاء كتابه مثل كتابه أو أكبر منه، وقال في مقدمته: أرجو أن لا يكون بقي بعد هذين الكتابين من غريب الحديث ما يكون لأحد فيه مقال ولا غريب القرآن أيضا» «6» . وذكره الزركلي وقال: طبع منه جزآن فقط في الهند، ومنه أجزاء مخطوطة في الخزانة الظاهرية بدمشق «7» .
(1/22)

15- مختلف الحديث: يذكر فيه المؤلف المشبّهة وينسبهم إلى الافتراء على الله تعالى في أحاديث التشبيه، كما يتّهم فيه الجاحظ بأنه يذكر حجج النصارى على المسلمين بأقوى مما يذكر الردّ عليهم. ولقد ذكر هذا الكتاب كلّ من النديم، والسمعاني، والسيوطي، ولكن دون تعليق «1» . وذكره ابن خلّكان وحاجي خليفة باسم «إختلاف الحديث» «2» . وذكره الزركلي وبروكلمان باسم «تأويل مختلف الحديث» وقال هذا الأخير: يحاول فيه ابن قتيبة إبطال جميع اعتراضات الفلاسفة على الحديث من وجهة نظر أهل السنة «3» . كذلك ورد في دائرة المعارف الإسلامية بهذا الإسم الأخير وجاء فيها أنه من أشهر كتب ابن قتيبة في الفقه «4» . كما طبع هذا الكتاب بهذا الإسم في مطبعة كردستان العلمية سنة 1326 هـ بتحقيق فرج الله زكي الكردي، ومحمود شكري الألوسي، ومحمود شبندار زاد. وهناك طبعة القاهرة بتصحيح محمد زهري النجار، سنة 1966.
16- إختلاف تأويل الحديث: ذكره النديم والسيوطي دون تعليق «5» .
ويرجّح أن يكون هذا الكتاب نفس كتاب «مختلف الحديث» السابق الذكر.
17- مشكل الحديث: ذكره الخطيب البغدادي، والقفطي، وابن الأنباري، والسمعاني، وابن خلكان، وابن العماد «6» . وذكره النديم باسم «المشكل» «7» وقد يعني به «مشكل الحديث» أو «مشكل القرآن» .
(1/23)

18- المشتبه من الحديث والقرآن: ذكره الزركلي وقال: إنه ما يزال مخطوطا «1» . وذكره بروكلمان باسم «المتشابه من الحديث والقرآن» «2» .
19- إصلاح غلط أبي عبيد في غريب الحديث: يكشف هذا الكتاب، كما يتضح من عنوانه، أخطاء أبي عبيد القاسم بن سلام، التي وردت في كتابه «غريب الحديث» . ولقد ذكره النديم «3» . وسماه حاجي خليفة «إصلاح غلط أبي عبيدة» وقال: شرحه أبو المظفر محمد بن آدم الهروي المتوفّى سنة 414 «4» هـ. وذكره القفطي، وابن خلكان، وابن العماد نقلا عن ابن خلّكان، باسم «إصلاح الغلط» «5» . وذكره السيوطي باسم «إصلاح غلط أبي عبيد» «6» .
وورد في دائرة المعارف الإسلامية باسم «إصلاح الغلط في غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام» (آيا صوفيا، 457، ظاهرية، 7899) «7» .
20- المسائل والجوابات: ذكره النديم، وابن خلكان، والقفطي دون تعليق «8» . وذكره بروكلمان بهذا الإسم أيضا وقال: أكثره مستمدّ من الحديث «9» . وذكره السيوطي والزركلي ودائرة المعارف الإسلامية باسم «المسائل والأجوبة» «10» . ولقد طبع هذا الكتاب باسم «المسائل والأجوبة في
(1/24)

الحديث واللغة» ، القاهرة، مكتبة القدسي، سنة 1349 هـ، ويقع في ثمان وعشرين صفحة تدور كلها حول أجوبة ابن قتيبة عن أسئلة كانت وجّهت إليه، وتختص الأسئلة والأجوبة بالحديث أكثر مما تختص باللغة.
21- جامع الفقه: ذكره النديم دون تعليق «1» . وذكره القفطي باسم كتاب «الفقه» «2» . كذلك ورد بهذا الإسم في دائرة المعارف الإسلامية مع العبارة التالية:
هذا الكتاب، بالنسبة إلينا، من الكتب الميتة «3» .
22- التفقيه: ذكره النديم وقال: «هذا الكتاب رأيت منه ثلاثة أجزاء بنحو ستمائة ورقة بخط نزك «4» وكانت تنقص على التقريب جزئين، وسألت عن هذا الكتاب جماعة من أهل الجبل فزعموا أنه موجود وهو أكبر من كتاب البندنيجي وأحسن» «5» . كذلك بهذا الإسم كل من القفطي وحاجي خليفة «6» .
وذكره ابن خلكان باسم «التّقفية» «7» ، وأعتقد أنه خطأ من المحقق وليس من الناسخ.
23- دلائل النّبوّة: ذكره النديم، والسيوطي، وحاجي خليفة دون تعليق «8» . كما ورد في دائرة المعارف الإسلامية بنفس الإسم مع التعليق التالي: هذا كتاب لا أهمية له تذكر، فهو بالنسبة إلينا، من الكتب الميّتة «9» .
(1/25)

وذكره ابن الأنباري باسم «دلائل النبوّة من الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم السلام» «1» .
24- معجزات النبي صلى الله عليه وسلم: ذكره أبو الطيب اللغوي الحلبي «2» .
25- إدريس النبي: لم يرد اسم هذا الكتاب في أي من المصادر التي تترجم لابن قتيبة، وهو مخطوط في مكتبة الجامعة الأميركية تحت رقم. L Sa A LL 21 I 170. L MS LL.
26- خلق الإنسان: يبحث في أسماء أعضاء الإنسان وصفاته، وقد ذكره النديم، والسيوطي، وحاجي خليفة دون تعليق «3» .
27- الردّ على المشبّهة: في هذا الكتاب يدفع ابن قتيبة عن نفسه تهمة الزندقة التي رمي بها، وهو لم يرم بها إلّا لأنه تخطّى معاصريه إلى مرتبة الأفذاذ النابهين ووصل إلى درجة من العلم لم يستطيعوا التوصل إليها. ولقد ذكره بهذا الإسم كل من النديم، والقفطي، والسيوطي «4» . وتجدر الإشارة هنا أن حاجي خليفة ذكر كتاب «الرد على المشبهة» للقاضي بدر الدين ابن جماعة محمد بن إبراهيم الشافعي المتوفّى سنة 733 هـ دون أن يذكر اسم ابن قتيبة «5» . وورد في تاريخ الأدب العربي ودائرة المعارف الإسلامية «6» باسم «الإختلاف في اللفظ والرد على الجهمية «7» والمشبّهة» . طبع هذا الكتاب
(1/26)

بالإسم الأخير بتصحيح الشيخ محمد زاهر الكوثري، القاهرة، مكتبة القدس، سنة 1349 هـ. ويقع في ست وثمانين صفحة.
28- جامع النحو: ذكره النديم والسيوطي «1» . وقال حاجي خليفة: وهو كبير وصغير «2» . وذكره أبو الطيب اللغوي والقفطي باسم «النحو» «3» كما ورد في دائرة المعارف الإسلامية بهذا الإسم الأخير وعدّ فيها من الكتب الميتة «4» .
29- جامع النحو الصغير: ذكره النديم والسيوطي «5» . وذكره القفطي باسم «النحو الصغير» «6» .
30- التسوية بين العرب والعجم: ذكره النديم والقفطي وبروكلمان «7» .
31- فضل العرب على العجم: ذكره الزركلي وقال: إنه ما يزال مخطوطا ويقع في أربعين ورقة «8» . والمعلوم أن الأستاذ جمال الدين القاسمي نشر بعضا من هذا الكتاب في مجلة المقتبس، المجلد الرابع ص 657- 668 ومن ص 721 حتى 735. كذلك نشر الأستاذ محمد كرد علي قطعة منه في رسائل البلغاء، طبعة 1331 هـ/ 1913 م من ص 269 حتى 295. وورد
(1/27)

هذا الكتاب في دائرة المعارف الإسلامية باسم كتاب «العرب» وجاء فيها:
حققه كرد علي في رسائل البلغاء سنة 1946 «1» . ونحن نعتقد أن ابن عبد ربه نقل عنه في العقد الفريد، الجزء الثالث في فصل عنوانه: «كتاب اليتيمة في النسب وفضائل العرب» .
32- الردّ على الشعوبية: ذكره الزركلي وقال: إنه مطبوع. وذكره بروكلمان وقال: إنه مطبوع في رسائل البلغاء لمحمد كرد علي، القاهرة سنة 3131 هـ/ 1913 «2» م.
33- العرب وعلومها: ذكره الزركلي وقال: إنه مخطوط. وذكره بروكلمان وقال: يوجد قسم منه في القاهرة «3» .
34- الألفاظ المغربة بالألقاب المعربة: ذكره الزركلي وقال: إنه مخطوط في القرويين. وجاء في دائرة المعارف الإسلامية ما نصه: هذا الكتاب من الكتب المشكوك بنسبتها إلى ابن قتيبة «4» .
35- البلغة في شذور اللغة: هذا الكتاب عبارة عن عشر مقالات لغوية لأئمة كتبة العرب، وقد ظهر معظمها في مجلة المشرق، وألحقت بالفهارس على طريقة حروف المعجم. نشرها أوغست هفنر والأب لويس شيخو، بيروت، المطبعة الكاثوليكية، سنة 1908، وتقع في 176 صفحة.
36- تقويم اللسان: ذكره حاجي خليفة دون تعليق «5» .
37- الإشتقاق: ذكره الزركلي وقال: إنه مخطوط «6» .
(1/28)

38- تعبير الرؤيا: ذكره أبو الطيب اللغوي، وذكره النديم ضمن الكتب المؤلفة في موضوع تعبير الرؤيا ككتب الكرماني وابن سيرين وغيرهما.
كما ذكر في دائرة المعارف الإسلامية وجاء فيها: هذا الكتاب، بالنسبة الينا، من الكتب الميّتة «1» . وتحت عنوان «علم تعبير الرؤيا» قال حاجي خليفة: هو علم يتعرّف منه المناسبة بين التخيّلات النفسانية والأمور الغيبية لينتقل من الأولى إلى الثانية. وذكر كتبا مصنّفة في التعبير دون أن يذكر اسم كتاب ابن قتيبة «2» .
39- المعرفة: لم يرد اسم هذا الكتاب في أي من المصادر التي تترجم لابن قتيبة. وهو مخطوط في مكتبة الجامعة الأميركية، مكتوب بخط فارسي واضح، سنة 1020 تحت رقم 135 7. 492.
40- المعارف: هو كتاب في التاريخ يتناول فيه المؤلف مسألة مبدأ الخلق، وقصة الطوفان، وتاريخ الأنبياء والرسل، وسيرة الرسول الكريم ومغازيه، والعرب الجاهليين، وأنساب العرب، وأخبار الصحابة والتابعين والخلفاء والولاة إلى عصر ابن قتيبة، ورواة الشعر، والفقهاء والمحدثين والقراء وأصحاب الأخبار، والنحو. وفي الختام يذكر نوادر الحوادث ويتحدث عن أسر الملوك في جنوبي الجزيرة وشمالها، وملوك الفرس قبل الإسلام. والمؤلف في هذا الكتاب ينقل عن الكتب السماوية والعهد القديم مما يشير إلى أنه كان على دراية بالكتاب المقدّس. ولقد ذكره ابن خلّكان وقال: إن هذا الكتاب يترجم للرواة وأشهر الخطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة «3» . ولا بدّ أن نشير هنا إلى أن ابن خلكان ينقل من هذا الكتاب معلومات لا يستهان بها أوردها في صفحات
(1/29)

عديدة من كتابه «وفيات الأعيان» ، كما ينقل من كتب ابن قتيبة الأخرى ولا سيما «الشعر والشعراء» منها. ولقد ذكره أبو الطيب اللغوي، والنديم، والخطيب البغدادي، والقفطي، وابن الأنباري، وابن الأثير، والسمعاني، وابن العماد، والزركلي، ودائرة المعارف الإسلامية «1» . وذكره بروكلمان وقال:
يستقى من مقدمة «عيون الأخبار» أن كتابي «المعارف» و «الأشربة» هما بمثابة تكملة لكتاب «عيون الأخبار» «2» . وهذا الكتاب مطبوع في غوتنجن، سنة 1850، وطبع في مصر بتحقيق ثروت عكاشة، القاهرة، سنة 1960. ويوجد طبعة دار المعارف، سنة 1969 (ويقع في 817 صفحة) وطبعة القاهرة سنة 1300 هـ (ويقع في 227 صفحة) .
41- الأشربة: يتضمن هذا الكتاب الحديث عن المشروبات الخمرية بأسلوب أدبي جميل. ولقد ذكره النديم، والقفطي، وابن خلكان، وحاجي خليفة، وابن العماد نقلا عن ابن خلكان، والزركلي، ودائرة المعارف الإسلامية «3» . وهو كتاب مطبوع في مطبعة الترقي بدمشق سنة 1366 هـ/ 1947 بتحقيق الأستاذ محمد كرد علي، ويقع في 147 صفحة.
ولقد نقل ابن عبد ربه عنه ما يتعلق بباب الطعام والشراب وضمّنه كتابه «العقد الفريد» في فصل «في فرش الفريدة الثانية» الجزء السادس ص 290- 378.
42- العلم: ذكره النديم وقال: يقع في خمسين ورقة. وذكره القفطي دون تعليق «4» .
(1/30)

43- القلم: ذكره السيوطي دون تعليق «1» . وقد يكون هو نفس كتاب «العلم» بحيث حصل تحريف من المحقق أو الناسخ.
44- الأنوار: يبحث هذا الكتاب في مواسم العرب ويتحدث عن علم النجوم، ومنازل القمر، والفصول، والبروج، والرياح، والبرق، والسحاب.
ولقد ذكره النديم، والقفطي، وابن خلكان، والسيوطي، وحاجي خليفة، وبروكلمان، ودائرة المعارف الإسلامية «2» . وذكره السمعاني باسم «الأنوار» «3» ولعله تحريف من المحقق أو الناسخ. وهو كتاب مطبوع في حيدر آباد، 1375 هـ/ 1956، ويقع في 235 صفحة.
45- فرائد الدّرّ: ذكره النديم دون تعليق «4» .
46- حكم الأمثال: ذكره النديم «5» .
47- الحكاية والمحكي: ذكره النديم «6» أيضا.
48- الخيل: ذكره النديم، والقفطي، وابن خلكان، والسيوطي «7» .
وذكره حاجي خليفة باسم «الحيل» «8» بالحاء، ولعله تحريف من الناسخ أو المحقق.
49- الرحل والمنزل: ذكره الزركلي وقال: إنه مطبوع، وهو عبارة عن
(1/31)

رسالة. وذكره بروكلمان وقال: نشره لويس شيخو في مجموعة L Dix ancicns LL L traites LL رقم 5 «1» .
50- النبات: ذكره الزركلي دون تعليق «2» .
51- الجراثيم: ذكره بروكلمان وقال: يستوعب أصول العالم والبهائم وأسماء أنواع الأرض والشجر والنبات وغير ذلك «3» .
52- الميسر والقداح: ذكره النديم، وابن خلكان، والقفطي، وحاجي خليفة، وابن العماد، والزركلي، ودائرة المعارف الإسلامية «4» . وهو كتاب مطبوع في 173 صفحة، نسخه وصحّحه محبّ الدين الخطيب، القاهرة المطبعة السلفية، سنة 1343 هـ.
53- آداب العشرة: ذكره النديم دون تعليق «5» .
54- الجوابات الحاضرة: ذكره السيوطي وحاجي خليفة «6» .
55- الكلام: ورد في دائرة المعارف الإسلامية ما نصه: كتاب «الكلام» من كتب ابن قتيبة التي نعتبرها ميتّة «7» .
56- تاريخ الخلفاء أو الإمامة والسياسة: يبحث في تاريخ الخلفاء المسلمين منذ الخلفاء الراشدين وحتى استخلاف المأمون من قبل الرشيد، ويتضمن الحديث عن فتح الأندلس وولاتها. ولقد شكّ العلماء في نسبة هذا الكتاب لابن قتيبة، مستندين في ذلك على أن أحدا من العلماء الذين ترجموا
(1/32)

له لم يذكره، فقال الزركلي: «وللعلماء نظر في نسبته إليه» «1» ، وقال بروكلمان:
ينسب هذا الكتاب لابن قتيبة، إذ يذكر دي خويه أنه صنّف بمصر أو في بلاد المغرب في أثناء حياة ابن قتيبة، وأن بعض أقسامه مأخوذة عن كتاب في التاريخ ينسب إلى ابن حبيب المتوفّى سنة 239 «2» هـ. وورد في دائرة المعارف الإسلامية ما نصّه: هذا الكتاب من الكتب المشكوك بنسبتها إلى ابن قتيبة «3» . وقال دوزي في صدر كتابه «تاريخ الأندلس وآدابه» : أشكّ في صحة نسبة هذا الكتاب إلى ابن قتيبة لأسباب كثيرة. وقال محقّق كتاب «أدب الكاتب» في مقدمته: ينسب إلى ابن قتيبة كتاب «الإمامة والسياسة» ، «ولكن الأثبات من ذوي الدراية والبحث يشكّون كثيرا- وحقّ لهم- في أن يكون ابن قتيبة ناسج بردته» . طبع هذا الكتاب بمصر بتحقيق طه محمد الزيتي، مؤسسة الحلبي، القاهرة 1967. وأعادت طبعة مؤسسة الوفاء بلبنان سنة 1981، وهي طبعة رديئة. والكتاب جزآن في مجلد. ونشر ريبيرا مختارات منه في كتاب «تاريخ افتتاح الأندلس» لابن القوطية، صفحة 105- 106، مدريد، سنة 1926.
57- وصية لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة إلى ولده: تقع في خمس عشرة صفحة، نشرها إسحق موسى الحسيني ببيروت سنة 1954.
58- أرجوزة الظاء والضاد: ذكرها بروكلمان وقال: نشرها داود چلبي في مجلة لغة العرب، الجزء السابع ص 461- 463 «4» .
ولقد اختلف الاقدمون في تحديد وفاة ابن قتيبة فقال النديم: توفي سنة 270 «5» هـ. وقال الخطيب البغدادي: قرأت على الحسن بن أبي بكر عن
(1/33)

أحمد بن كامل القاضي، قال: مات عبد الله بن مسلم بن قتيبة في ذي القعدة سنة سبعين ومائتين. وأضاف قائلا: أخبرنا محمد بن عبد الواحد، حدثنا محمد بن العباس قال: قرىء على ابن المنادى- وأنا أسمع- قال:
مات ابن قتيبة فجأة؛ صاح صيحة سمعت من بعد ثم أغمي عليه ومات. قال ابن المنادى: أخبرني أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن أيوب بن بشير الصائغ أنّ ابن قتيبة أكل هريسة فأصاب حرارة ثم صاح صيحة شديدة وأغمي عليه إلى وقت صلاة الظهر فاضطرب ساعة ثم هدأ فما زال يتشهد إلى وقت السحر ومات وذلك أول ليلة من رجب سنة ست وسبعين ومائتين «1» . وقال السمعاني:
مات ابن قتيبة فجاءة، صاح صيحة سمعت من بعد ثم أغمي عليه ثم هدأ فما زال يتشهد إلى وقت السحر ومات وذلك أول ليلة من رجب سنة 276 هـ، وقيل: مات في ذي القعدة سنة 270 «2» هـ. وهكذا ينقل السمعاني عن الخطيب البغدادي إلّا أنه لم يذكر عن الهريسة شيئا. وذكر السيوطي أن الهريسة كانت سببا في موت ابن قتيبة، معتمدا في ذلك على ما جاء به الخطيب البغدادي، ومخالفا إيّاه في تحديد الوفاة فقال: مات ابن قتيبة سنة 267 «3» هـ. وذهب ابن الأنباري والقفطي مذهب الخطيب فرويا كيفية موت ابن قتيبة ولم يرجّحا سنة وفاته فتراوحت عندهما بين 270 هـ و 276 «4» هـ.
وكذلك ذهب ابن الأثير فقال؛ توفي ابن قتيبة سنة 276 هـ، وقيل: سنة 270 «5» هـ. أما ابن خلكان فقد تميّز بموقفه حين حدّد سنة الوفاة فقال: قيل:
توفي ابن قتيبة في ذي القعدة سنة 270 هـ، وقيل: سنة 271 هـ، وقيل: أول ليلة في رجب وقيل منتصف رجب سنة 276 هـ، والقول الأخير أصح
(1/34)

الأقوال. ثم عاد وروى نفس ما رواه الخطيب حول كيفية موته «1» . كذلك ذكر ابن العماد رواية من تقدمه، وقال: توفي ابن قتيبة سنة 276 «2» هـ. أما حاجي خليفة فإنه تعثّر في تحديد الوفاة فذهب إلى أنها كانت في سنة 276 هـ، ثم قال: توفي ابن قتيبة سنة 270 هـ. وفي مكان آخر يقول: توفي سنة 267 هـ، ثم ذكر سنة 266 هـ، وأخيرا حدّد سنة 263 «3» هـ.
ولقد أشاد والمؤرخون بذكر ابن قتيبة وأطنب النقاد والكتاب في الثناء عليه فعدّوه إمام مدرسة بغداد النحوية، التي خلطت بين مذهبي البصريين والكوفيين. ففي مقالته الثانية من كتابه «الفهرست» تحت عنوان «أسماء وأخبار جماعة من علماء النحويين واللغويين ممن خلطوا المذهبين» قال النديم: كان ابن قتيبة عالما نحويا لغويا، صادقا فيما يرويه، ورغم أنه كان يغلو في البصريين، فقد خلط المذهبين وحكى في كتبه عن الكوفيين. وأضاف قائلا:
كان عالما في غريب القرآن ومعانيه وفي الشعر والفقه كثير التصنيف والتأليف «4» . وتجدر الإشارة هنا أن المدرستين المتنافستين في البصرة والكوفة أخذتا منذ القرن الثالث الهجري، تتقاربان وتندمجان إحداهما في الأخرى «5» .
وقال الخطيب البغدادي: إبن قتيبة «هو صاحب التصانيف المشهورة» «6» .
وذهب ابن الأنباري إلى أنه فاضل في اللغة والنحو والشعر متفنن في العلوم «7» ، وقال القفطي: ابن قتيبة نحوي لغوي عالم وصاحب التصانيف
(1/35)

الحسان في فنون العلم «1» . وقال ابن خلكان وابن العماد: ابن قتيبة لغوي نحوي، وتصانيفه كلها مفيدة «2» . وهو في نظر السيوطي لغوي نحوي كاتب وراس في العربية واللغة والأخبار وأيام الناس «3» . وقال بروكلمان: تجاوزت شهرته دائرة النحو واللغة العربية «4» . وقال الزركلي: كان ابن قتيبة من أئمة الأدب ومن المصنّفين المكثرين «5» . أما أبو الطيب اللغوي فقد وقف موقفا مناقضا لمواقف هؤلاء فقال نقلا عن الأشنانداني خلّط ابن قتيبة عليه بحكايات عن الكوفيين لم يكن أخذها عن ثقات، وكان يتسرّع في أشياء لا يقوم بها نحو تعرّضه لتأليف كتابه في النحو، وكتابه في «تعبير الرؤيا» وكتابه في «معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله» و «عيون الأخبار» و «المعارف» و «الشعراء» ونحو ذلك مما أزرى به عند العلماء، وإن كان نفق بها عند العامة ومن لا بصيرة له «6» .
وكان لا بدّ أن نشير إلى الدراسة القيمة التي قام بها عبد الحميد الجندي بعنوان: «ابن قتيبة: العالم الناقد الأديب» طبعة القاهرة، المؤسسة المصرية العامة للطباعة والنشر، سنة 1963، وتقع في 436 صفحة.
وأخير أقدم جزيل شكري ووافر تقديري للأستاذ محمد علي بيضون مدير دار الكتب العلمية للفتة الكريمة التي بدرت منه وكانت حافزا لي على تحمل
(1/36)

مشاقّ هذا العمل. كما أعترف بفضل زميلي الدكتور مفيد قمحية في إخراج هذا الكتاب على هذا النمط.
والله نسأل الهداية إلى سبيل الرشاد بيروت في 12 آب 1985 الدكتور يوسف علي طويل أستاذ الأدب الأندلسي في الجامعة اللبنانية
(1/37)

[مقدمة المؤلف]
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
قال الإمام أبو محمد بن مسلم بن قتيبة الدّينوريّ رضي الله عنه: الحمد لله الذي يعجز بلاؤه صفة الواصفين وتفوت آلاؤه عدد العادّين وتسع رحمته ذنوب المسرفين، والحمد الله الذي لا تحجب عنه دعوة ولا تخيب لديه طلبة ولا يضل عنده سعي، الذي رضي عن عظيم النعم بقليل الشكر وغفر بعقد الندم كبير الذنوب ومحا بتوبة الساعة خطايا السنين، والحمد لله الذي ابتعث فينا البشير النذير السراج المنير هاديا إلى رضاه وداعيا إلى محابّته ودالّا على سبيل جنته ففتح لنا باب رحمته وأغلق عنا باب سخطه. صلى الله وملائكته المقرّبون عليه وعلى آله وصحبه أبدا ما طما بحر وذرّ شارق وعلى جميع النبيين والمرسلين.
أما بعد، فإنّ لله في كل نعمة أنعم بها حقا وعلى كل بلاء أبلاه زكاة:
فزكاة المال الصدقة، وزكاة الشرف التواضع، وزكاة الجاه بذله، وزكاة العلم نشره، وخير العلوم أنفعها، وأنفعها أحمدها مغبّة، وأحمدها مغبّة ما تعلّم وعلّم لله وأريد به وجه الله تعالى.
ونحن نسأل الله تعالى، جلّ وعلا، أن يجعلنا بما علمنا عاملين وبأحسنه آخذين ولوجهه الكريم بما نستفيد ونفيد مريدين ولحسن بلائه عندنا
(1/41)

عارفين وبشكره آناء الليل والنهار هارفين إنه أقرب المدعوّين وأجود المسؤولين.
وإني كنت تكلفت لمغفل التأدب من الكتّاب كتابا من المعرفة وفي تقويم اللسان واليد حين تبيّنت شمول النقص ودروس العلم وشغل السلطان عن إقامة سوق الأدب حتى عفا ودرس، بلغت به فيه همّة النفس وثلج الفؤاد وقيّدت عليه به ما أطرفني الاله ليوم الإدالة، وشرطت عليه مع تعلّم ذلك تحفّظ عيون الحديث ليدخلها في تضاعيف سطوره متمثلا إذا كاتب، ويستعين بما فيها من معنى لطيف ولفظ خفيف حسن إذا حاور. ولما تقلّدت له القيام ببعض آلته دعتني الهمة إلى كفايته وخشيت إن وكلته فيما بقي إلى نفسه وعوّلت له على اختياره أن تستمرّ مريرته على التهاون ويستوطىء مركبه من العجز فيضرب صفحا عن الآخر كما ضرب صفحا عن الأوّل، أو يزاول ذلك بضعف من النية وكلال من الحدّ فيلحقه خور الطباع وسآمة الكلفة. فأكملت له ما ابتدأت وشيّدت ما أسّست وعملت له في ذلك من طبّ لمن حبّ بل عمل الوالد الشفيق للولد البرّ ورضيت منه بعاجل الشكر وعوّلت على الله في الجزاء والأجر.
فإنّ هذا الكتاب، وإن لم يكن في القرآن والسّنّة وشرائع الدين وعلم الحلال والحرام، دال على معالي الأمور مرشد لكريم الأخلاق زاجر عن الدناءة ناه عن القبيح باعث على صواب التدبير وحسن التقدير ورفق السياسة وعمارة الأرض وليس الطريق إلى الله واحدا ولا كل الخير مجتمعا في تهجّد الليل وسرد الصيام وعلم الحلال والحرام، بل الطرق إليه كثيرة وأبواب الخير واسعة وصلاح الدين بصلاح الزمان، وصلاح الزمان بصلاح السلطان، وصلاح السلطان بعد توفيق الله بالإرشاد وحسن التبصير.
(1/42)

وهذه عيون الأخبار نظمتها لمغفل التأدب تبصرة ولأهل العلم تذكرة ولسائس الناس ومسوسهم مؤدّبا وللمولك مستراحا من كدّ الجدّ والتعب وصنّفتها أبوابا وقرنت الباب بشكله والخبر بمثله والكلمة بأختها ليسهل على المتعلم علمها وعلى الدارس حفظها وعلى الناشد طلبها، وهي لقاح عقول العلماء ونتاج أفكار الحكماء وزبدة المخض وحلية الأدب وأثمار طول النظر والمتخيّر من كلام البلغاء وفطن الشعراء وسير الملوك وآثار السلف. جمعت لك منها ما جمعت في هذا الكتاب لتأخذ نفسك بأحسنها وتقوّمها بثقافها وتخلّصها من مساوىء الأخلاق كما تخلص الفضة البيضاء من خبثها، وتروضها على الأخذ بما فيها من سنة حسنة وسيرة قويمة وأدب كريم وخلق عظيم، وتصل بها كلامك إذا حاورت وبلاغتك إذا كتبت، وتستنجح بها حاجتك إذا سألت، وتتلطف في القول إن شفعت، وتخرج من اللوم بأحسن العذر إذا اعتذرت فإنّ الكلام مصايد القلوب والسحر الحلال، وتستعمل آدابها في صحبة سلطانك وتسديد ولايته ورفق سياسته وتدبير حروبه، وتعمر بها مجلسك إذا جددت وأهزلت وتوضح بأمثالها حججك وتبذّ باعتبارها خصمك حتى يظهر الحقّ في أحسن صورة وتبلغ الإرادة بأخف مؤونة، وتستولي على الأمد وأنت وادع وتلحق الطّريدة ثانيا من عنانك وتمشي رويدا وتكون أوّلا هذا إذا كانت الغريزة مواتية والطبيعة قابلة والحسّ منقادا، فإن لم يكن كذلك ففي هذا الكتاب، لمن أراه عقله نقص نفسه فأحسن سياستها وستر بالأناة والرويّة عيبها ووضع من دواء هذا الكتاب على داء غريزته وسقاها بمائه وقدح فيها بضيائه، ما نعش منها العليل وشحذ الكليل وبعث الوسنان وأيقظ الهاجع حتى يقارب بعون الله رتب المطبوعين.
ولم أر صوابا أن يكون كتابى هذا وقفا على طالب الدنيا دون طالب
(1/43)

الآخرة ولا على خواص الناس دون عوامّهم «1» ولا على ملوكهم دون سوقتهم، فوفّيت كلّ فريق منهم قسمه ووفّرت عليه سهمه وأودعته طرفا من محاسن كلام الزهاد في الدنيا وذكر فجائعها والزوال والانتقال وما يتلاقون به إذا اجتمعوا ويتكاتبون به إذا افتر قول في المواعظ والزهد والصبر والتقوى واليقين وأشباه ذلك لعل الله يعطف به صادفا، ويأطر على التوبة متجانفا، ويردع ظالما ويلين برقائقه قسوة القلوب. ولم أخله مع ذلك من نادرة طريفة وفطنة لطيفة وكلمة معجبة وأخرى مضحكة لئلا يخرج عن الكتاب مذهب سلكه السالكون وعروض أخذ فيها القائلون، ولأروّح بذلك عن القارىء من كدّ الجدّ وإتعاب الحق فإنّ الأذن مجّاجة والنفس حمضة، والمزح إذا كان حقا أو مقاربا ولأحايينه وأوقاته وأسباب أوجبته مشاكلا ليس من القبيح ولا من المنكر ولا من الكبائر ولا من الصغائر إن شاء الله.
وسينتهي بك كتابنا هذا إلى باب المزاح والفكاهة وما روى عن الأشراف والأئمة فيهما، فإذا مرّ بك، أيها المتزمّت، حديث تستخفه أو تستحسنه أو تعجب منه أو تضحك له فاعرف المذهب فيه وما أردنا به.
واعلم أنك إن كنت مستغنيا عنه بتنسكك فإن غيرك ممن يترخّص فيما تشدّدت فيه محتاج إليه، وإنّ الكتاب لم يعمل لك دون غيرك فيهيّأ على ظاهر محبتك، ولو وقع فيه توقّي المتزمّتين لذهب شطر بهائه وشطر مائه ولأعرض عنه من أحببنا أن يقبل إليه معك.
وإنما مثل هذا الكتاب مثل المائدة تختلف فيها مذاقات الطعوم لاختلاف شهوات الآكلين، وإذا مرّ بك حديث فيه إفصاح بذكر عورة أو فرج
(1/44)

أو وصف فاحشة فلا يحملنّك الخشوع أو التخاشع على أن تصعّر خدّك وتعرض بوجهك فإن أسماء الأعضاء لا تؤثم وإنما المأثم في شتم الأعراض وقول الزّور والكذب وأكل لحوم الناس بالغيب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تعزّى بعزاء الجاهلية فأعضّوه بهن «1» أبيه ولا تكنوا» . وقال أبو بكر الصدّيق، رضي الله عنه، لبديل بن ورقاء «2» ،- حين قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم إنّ هؤلاء لو قد مسّهم حزّ السلاح لأسلموك-: «إعضض ببظر الّلات «3» ، أنحن نسلمه!» . وقال عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه: «من يطل أير أبيه ينتطق به» . وقال الشاعر في هذا المعنى بعينه: [طويل]
فلو شاء ربّي كان أير أبيكم ... طويلا كأير الحارث بن سدوس
قال الأصمعيّ: كان للحارث بن سدوس أحد وعشرون ذكرا، وقيل للشّعبيّ: إن هذا لا يجيء في القياس، فقال: أير في القياس، الولد ذكر.
وليس هذا من شكل ما تراه في شعر جرير والفرزدق لأنّ ذلك تعيير وابتهار في الأخوات والأمهات وقذف للمحصنات الغافلات، فتفهّم الأمرين وافرق بين الجنسين، ولم أترخّص لك في إرسال اللسان بالرّفث «4» على أن تجعله هجيّراك «5» على كل حال «6» وديدنك في كل مقال، بل الترخّص منّي فيه عند حكاية تحكيها
(1/45)

أو رواية ترويها، تنقّصها الكناية ويذهب بحلاوتها التعريض، وأحببت أن تجري في القليل من هذا على عادة السّلف الصالح في إرسال النّفس على السجيّة والرغبة بها عن لبسة الرياء والتصنع. ولا تستشعر أنّ القوم قارفوا وتنزّهت وثلموا أديانهم وتورّعت. وكذلك اللحن إن مرّ بك في حديث من النوادر فلا يذهبنّ عليك أنّا تعمدناه وأردنا منك أن تتعمده لأنّ الإعراب ربما سلب بعض الحديث حسنه وشاطر النادرة حلاوتها، وسأمثل لك مثالا: قيل لمزيد المديني- وقد أكل طعاما كظّه «1» : قي؛ فقال: ما أقي، أقي نقا ولحم جدي! مرتي طالق لو وجدت هذا قيا لأكلته. ألا ترى أن هذه الألفاظ لو وفّيت بالإعراب والهمز حقوقها لذهبت طلاوتها ولاستبشعها سامعها وكان أحسن أحوالها أن يكافىء لطف معناها ثقل ألفاظها فيكون مثل المخبر عنها ما قال الأوّل: [بسيط]
إضرب ندى طلحة «2» الخيرات إن فخروا ... ببخل أشعث واستثبت وكن حكما
تخرج خزاعة من لؤم ومن كرم ... فلا تعدّ لها لؤما ولا كرما
ولمثل هذا قال مالك بن أسماء «3» في جارية له: [خفيف]
أمغطّى منّي على بصري لل ... حبّ أم أنت أكمل الناس حسنا؟
(1/46)

وحديث ألذّه هو ممّا ... يشتهي الناعتون يوزن وزنا
منطق بارع وتلحن أحيا ... نا وأحلى الحديث ما كان لحنا «1»
وإن مرّ بك خبر أو شعر يتّضع عن قدر الكتاب وما بني عليه فاعلم أنّ لذلك سببين: أحدهما قلة ما جاء في ذلك المعنى مع الحاجة إليه، والسبب الآخر أن الحسن إذا وصل بمثله نقص نوراهما ولم يتبيّن فاضل بمفضول.
وإذا وصل بما هو دونه أراك نقصان أحدهما من الآخر الرجحان، ومدار الأمر وقوامه على واحدة تحتاج إلى أن تأخذ نفسك بها وهي أن تحضر الكلمة موضعها وتصلها بسببها ولا ترى غبنا أن يتكلم الناس وأنت ممسك، فإذا رأيت حالا تشاكل ما حضرك من القول أحضرته وفرصة تخاف فوتها انتهزتها، وكان يقال: انتهزوا فرص القول فإن للقول ساعات يضرّ فيها الخطأ ولا ينفع فيها الصواب، وقالوا: ربّ كلمة تقول: دعني.
وإن وقفت على باب من أبواب هذا الكتاب لم تره مشبعا فلا تقض علينا بالإغفال حتى تتصفّح الكتب كلها، فإنه ربّ معنى يكون له موضعان وثلاثة مواضع فنقسم ما جاء فيه على مواضعه، كالتلطف في القول يقع في كتاب السلطان ويقع في كتاب الحوائج ويقع في باب البيان، وكالإعتذار يقع في كتاب السلطان وفي كتاب الإخوان، وكالبخل يقع في كتاب الطبائع وفي كتاب الطعام، وكالكبر والمشيب يقع في كتاب الزهد، ويقع في كتاب النساء.
واعلم أنّا لم نزل نتلقّط هذه الأحاديث في الحداثة والإكتهال عمن هو
(1/47)

فوقنا في السنّ والمعرفة وعن جلسائنا وإخواننا ومن كتب الأعاجم وسيرهم وبلاغات الكتّاب في فصول من كتبهم وعمّن هو دوننا غير مستنكفين أن نأخذ عن الحديث سنّا لحداثته ولا عن الصغير قدرا لخساسته ولا عن الأمة الوكعاء لجهلها فضلا عن غيرها، فإن العلم ضالّة المؤمن من حيث أخذه نفعه، ولن يزري بالحق أن تسمعه من المشركين ولا بالنصيحة أن تستنبط من الكاشحين، ولا تضير الحسناء أطمارها ولا بنات الأصداف أصدافها ولا الذهب الإبريز مخرجه من كبا «1» ، ومن ترك أخذ الحسن من موضعه أضاع الفرصة، والفرص تمرّمرّ السّحاب.
حدثني أبو الخطاب قال: حدّثنا أبو داود عن سليمان بن معاذ عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: «خذوا الحكمة ممن سمعتموها منه، فإنه قد يقول الحكمة غير الحكيم وتكون الرّمية من غير الرامي» . وهذا يكون في مثل كتابنا لأنه في آداب ومحاسن أقوام ومقابح أقوام والحسن لا يلتبس بالقبيح ولا يخفى على من سمعه من حيث كان. فأما علم الدين والحلال والحرام فإنما هو استعباد وتقليد ولا يجوز أن تأخذه إلا عمّن تراه لك حجة ولا تقدح في صدرك منه الشكوك، وكذلك مذهبنا فيما نختاره من كلام المتأخرين وأشعار المحدثين إذا كان متخيّر اللفظ لطيف المعنى لم يزّر به عندنا تأخر قائله كما أنه إذا كان بخلاف ذلك لم يرفعه تقدّمه فكل قديم حديث في عصره وكل شرف فأوّله خارجيّه، ومن شأن عوامّ الناس رفع المعدوم ووضع الموجود ورفض المبذول وحب الممنوع وتعظيم المتقدّم وغفران زلته وبخس المتأخر والتجنّي عليه، والعاقل منهم ينظر بعين العدل لا بعين الرضا ويزن الأمور بالقسطاس المستقيم.
(1/48)

وإني حين قسّمت هذه الأخبار والأشعار وصنّفتها وجدتها على اختلاف فنونها وكثرة عدد أبوابها تجتمع في عشرة كتب بعد الذي رأيت إفراده عنها وهو أربعة كتب متميزة، كل كتاب منها مفرد على حدته، كتاب الشراب، وكتاب المعارف، وكتاب الشعر، وكتاب تأويل الرؤيا.
فالكتاب الأوّل من الكتب العشرة المجموعة «كتاب السلطان» وفيه الأخبار من محل السلطان واختلاف أحواله وعن سيرته وعما يحتاج صاحبه إلى استعماله من الآداب في صحبته وفي مخاطبته ومعاملته ومشاورته له وما يجب على السلطان أن يأخذ به في اختيار عمّاله وقضاته وحجّابه وكتّابه وعلى الحكام أن يمتثلوه في أحكامهم وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الأخبار.
والكتاب الثاني «كتاب الحرب» وهذا الكتاب مشاكل لكتاب السلطان فضممته إليه وجعلتهما جزءا واحدا وفيه الأخبار عن آداب الحرب ومكايدها ووصايا الجيوش وعن العدد والسلاح والكراع «1» وما جاء في السّفر والمسير والطّيرة والفأل وما يؤمر به الغزاة والمسافرون، وأخبار الجبناء والشجعاء وحيل الحرب وغيرها وشيء من أخبار الدولة والطالبيّين وأخبار الأمصار وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الأخبار.
والكتاب الثالث «كتاب السّؤدد» وفيه الأخبار عن مخايل السؤدد في الحدث «2» وأسبابه في الكبير وعن الهمة السامية والخطار بالنفس لطلب المعالي واختلاف الإرادات والأماني والتواضع والكبر والعجب والحياء والعقل والحلم والغضب والعز والهيبة والذلّ والمروءة واللباس والطيب والمجالسة
(1/49)

والبناء والمزاح وترك التصنّع والتوسط في الأشياء وما يكره من الغلوّ والتقصير واليسار والفقر والتجارة والبيع والشراء والمداينة والشريف من أفعال الأشراف والسادة وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الأخبار.
والكتاب الرابع كتاب الطبائع والأخلاق وهذا الكتاب مقارب لكتاب السؤدد فضممته إليه وجعلتهما جزءا واحدا وفيه الأخبار عن تشابه الناس في الطبائع وذمّهم وعن مساوىء الأخلاق من الحسد والغيبة والسّعاية والكذب والقحة وسوء الخلق وسوء الجوار والسّباب والبخل والحمق ونوادر الحمقى وطبائع الحيوان من الناس والجن والأنعام والسباع والطير والحشرات وصغار الحيوان والنبات وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الأخبار.
والكتاب الخامس «كتاب العلم» وفيه الأخبار عن العلم والعلماء والمتعلمين وعن الكتب والحفظ والقرآن والأثر والكلام في الدين ووصايا المؤدّبين والبيان والبلاغة والتلطف في الجواب والكلام وحسن التعريض والخطب والمقامات وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الأخبار.
والكتاب السادس «كتاب الزهد» وهذا الكتاب مقارب لكتاب العلم فضممته إليه وجعلتهما جزءا واحدا وفيه الأخبار عن صفات الزهّاد وكلامهم في الزهد والدعاء والبكاء والمناجاة وذكر الدنيا والتهجد والموت والكبر والشيب والصبر واليقين والشكر والاجتهاد والقناعة والرضا ومقامات الزهّاد عند الخلفاء والملوك ومواعظهم وغير ذلك وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الأخبار.
والكتاب السابع «كتاب الإخوان» وفيه الحث على اتخاذ الإخوان
(1/50)

واختيارهم والأخبار عن المودّة والمحبة وما يجب للصديق ومخالفته الناس وحسن محاورتهم والتلاقي والزيارة والمعانقة والوداع والتهادي والعيادة والتعازي والتهاني وذكر شرار الإخوان وذكر القرابات والولد والاعتذار وعتب الإخوان وتعاديهم وتباغضهم وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الأخبار.
والكتاب الثامن «كتاب الحوائج» وهذا الكتاب مقارب لكتاب الإخوان فضممته إليه وجعلتهما جزءا واحدا فيه الأخبار عن استنجاح الحوائج بالكتمان والصبر والجدّ والهديّة والرشوة ولطيف الكلام ومن يعتمد في الحاجة ومن يستسعى لها والإجابة إلى الحاجة والردّ عنها والمواعيد وتنجّزها وأحوال المسؤولين عند السؤال في الطّلاقة والعبوس والعادة من المعروف تقطع والشكر والثناء والتلطف فيهما والترغيب في قضاء الحوائج واصطناع المعروف والحرص والإلحاح والقناعة والاستعفاف وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الآخبار.
والكتاب التاسع «كتاب الطعام» ، وفيه الأخبار عن الأطعمة الطيبة والحلواء والسّويق «1» واللبن والتمر والخبائث منها التي يأكلها فقراء الأعراب، ونازلة الفقر وأدب الأكل وذكر الجوع والصوم وأخبار الأكلة والمنهومين والدعاء إلى المآدب والضيافة وأخبار البخلاء بالطعام وسياسة الأبدان بما يصلحها من الغذاء والحمية وشرب الدواء ومضارّ الأطعمة منافعها ومصالحها ونتف من طبّ العرب والعجم وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الأخبار.
(1/51)

والكتاب العاشر «كتاب النساء» وهذا الكتاب مقارب لكتاب الطعام، والعرب تدعو الأكل والنكاح الأطيبين فتقول: قد ذهب منه الأطيبان.
تريدهما، فضممته إليه وجعلتهما جزءا واحدا وفيه الأخبار عن اختلاف النساء في أخلاقهنّ وخلقهنّ وما يختار منهن للنكاح وما يكره واختلاف الرجال في ذلك والحسن والجمال والقبح والدّمامة والسواد والعاهات والعجز والمشايخ والمهور وخطب النكاح ووصايا الأولياء عند الهداء وسياسة النساء ومعاشرتهنّ والدخول بهنّ والجماع والولادات ومساويهن خلا أخبار عشّاق العرب فإني رأيت كتاب الشعراء أولى بها فلم أودع هذا الكتاب منها إلا شيئا يسيرا، وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الأخبار.
فهذه أبواب الكتب جمعتها لك في صدر أوّلها لأعفيك من كدّ الطلب وتعب التصفّح وطول النظر عند حدوث الحاجة إلى بعض ما أودعتها ولتقصد فيما تريد حين تريد إلى موضعه فتستخرجه بعينه أو ما ينوب عنه ويكفيك منه، فإن هذه الأخبار والأشعار وإن كانت عيونا مختارة أكثر من أن يحاط بها أو يوقف من ورائها أو تنتهي حتى ينتهى عنها.
وقد خفّفت وإن كنت أكثرت، واختصرت وإن كنت أطلت، وتوقيت في هذه النوادر والمضاحك ما يتوقّاه من رضي من الغنيمة فيها بالسلامة ومن بعد الشّقة بالإياب، ولم أجد بدّا من مقدار ما أودعته الكتاب منها لتتممّ به الأبواب، ونحن نسأل الله أن يمحو ببعض بعضا ويغفر بخير شرّا وبجدّ هزلا ثم يعود علينا بعد ذلك بفضله ويتغمدنا بعفوه ويعيذنا بعد طول الأمل فيه وحسن الظنّ به والرجاء له من الخيبة والحرمان.
(1/52)

كتاب السلطان
محل السلطان وسيرته وسياسته
حدّثنا محمد بن خالد بن خداش قال: حدّثنا سلم بن قتيبة عن ابن أبي ذئب عن المقبريّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستحرصون على الإمارة ثم تكون حسرة وندامة يوم القيامة فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة «1» .
حدّثني محمد بن زياد الزيادي قال: حدّثنا عبد العزيز الدّاروردي قال:
حدّثنا شريك عن عطاء بن يسار أن رجلا قال عند النبي صلى الله عليه وسلم: بئس الشيء الأمارة «2» . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم الشيء الإمارة لمن أخذها بحقّها وحلّها» .
حدّثني زيد بن أخزم الطائي قال: حدّثنا ابن قتيبة قال: حدّثنا أبو المنهال عن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه قال: لما مات كسرى قيل ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «من استخلفوا؟» فقالوا: ابنته بوران، قال: «لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة» .
حدّثني زيد بن أخزم قال: حدّثنا وهب بن جرير قال: حدّثنا أبي قال:
سمعت أيّوب يحدّث عن عكرمة عن ابن عباس أنه قدم المدينة زمن الحرّة «3»
(1/53)

فقال: من استعمل القوم؟ قالوا: على قريش عبد الله بن مطيع، وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة بن الراهب فقال: أميران! هلك والله القوم.
حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحق عن هشام بن حسّان قال: كان الحسن يقول: «أربعة من الإسلام إلى السلطان الحكم والفيء والجمعة والجهاد» . وحدّثني محمد قال: حدّثنا أبو سلمة عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة قال: قال كعب: «مثل الإسلام والسلطان والناس مثل الفسطاط والعمود والأطناب والأوتاد، فالفسطاط الإسلام، والعمود السلطان، والأطناب والأوتاد الناس، لا يصلح بعضه إلا ببعض» .
حدّثني سهل بن محمد قال: حدّثني الأصمعي قال: قال أبو حازم لسليمان بن عبد الملك: «السلطان سوق فما نفق عنده أتي به» . وقرأت في كتاب لابن المقفّع: «الناس على دين السلطان إلا القليل فليكن للبرّ والمروءة عنده نفاق فسيكسد بذلك الفجور والدناءة في آفاق الأرض» . وقرأت فيه أيضا: «الملك ثلاثة: ملك دين وملك حزم وملك هوى، فأما ملك الدين فإنه إذا أقام لأهله دينهم فكان دينهم هو الذي يعطيهم مالهم ويلحق بهم ما عليهم، أرضاهم ذلك وأنزل الساخط منهم منزلة الراضي في الإقرار والتسليم. وأما ملك الحزم فإنه تقوم به الأمور ولا يسلم من الطعن والتسخّط ولن يضرّه طعن الضعيف مع حزم القوي. وأما ملك الهوى فلعب ساعة ودمار دهر» .
حدّثني يزيد بن عمرو عن عصمة بن صقير الباهليّ قال: حدّثنا اسحق ابن نجيح عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله حرّاسا فحرّاسه في السماء الملائكة وحرّاسه في الأرض الذين يأخذون الدّيوان» .
(1/54)

حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثني سعيد بن سلم الباهلي قال:
أخبرني شعبة عن شرقيّ عن عكرمة في قول الله عز وجل: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
»
قال: «الجلاوزة «2» يحفظون الأمراء» .
وقال الشاعر: [طويل]
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... خليّا من اسم الله والبركات
يعني باسم الله، وفيه قول الله يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
أي بأمر الله.
وقرأت في كتاب من كتب الهند: «شرّ المال ما لا ينفق منه وشرّ الإخوان الخاذل وشرّ السلطان من خافه البريء وشر البلاد ما ليس فيه خصب ولا أمن» .
وقرأت فيه: «خير السلطان من أشبه النّسر حوله الجيف لا من أشبه الجيفة حولها النسور» وهذا معنى لطيف وأشبه الأشياء به قول بعضهم:
«سلطان تخافه الرعيّة خير للرعية من سلطان يخافها» .
حدّثني شيخ لنا عن أبي الأحوص عن ابن عمّ لأبي وائل عن أبي وائل قال: قال عبد الله بن مسعود: «إذا كان الإمام عادلا فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان جائرا فعليه الوزر وعليك الصبر» .
وأخبرني أيضا عن أبي قدامة عن عليّ بن زيد قال: قال عمر بن
(1/55)

الخطاب رضي الله عنه: «ثلاث من الفواقر «1» .: جار مقامة «2» إن رأى حسنة سترها وإن رأى سيئة أذاعها، وامرأة إن دخلت عليها لسنتك «3» وإن غبت عنها لم تأمنها، وسلطان إن أحسنت لم يحمدك وإن أسأت قتلك» .
وقرأت في اليتيمة: «مثل قليل مضارّ السلطان في جنب منافعه مثل الغيث الذي هو سقيا الله وبركات السماء وحياة الأرض ومن عليها، وقد يتأذّى به السّفر «4» ويتداعى له البنيان وتكون فيه الصواعق وتدرّ سيوله فيهلك الناس والدّوابّ وتموج له البحار فتشتدّ البليّة منه على أهله فلا يمنع الناس، إذا نظروا إلى آثار رحمة الله في الأرض التي أحيا والنبات الذي أخرج والرزق الذي بسط والرحمة التي نشر، أن يعظّموا نعمة ربهم ويشكروها ويلغوا ذكر خواصّ البلايا التي دخلت على خواصّ الخلق. ومثل الرياح التي يرسلها الله نشرا بين يدي رحمته فيسوق بها السّحاب ويجعلها لقاحا للثمرات وأرواحا للعباد يتنسّمون منها ويتقلّبون فيها وتجري بها مياههم وتقد بها نيرانهم وتسير بها أفلاكهم وقد تضرّ بكثير من الناس في برّهم وبحرهم ويخلص ذلك إلى أنفسهم وأموالهم فيشكوها منهم الشاكون ويتأذّى بها المتأذّون ولا يزيلها ذلك عن منزلتها التي جعلها الله بها وأمرها الذي سخّرها له من قوام عباده وتمام نعمته. ومثل الشتاء والصيف اللذين جعل الله حرّهما وبردهما صلاحا للحرث والنّسل ونتاجا للحبّ والثمر، يجمعها البرد بإذن الله ويحملها ويخرجها الحرّ بإذن الله وينضجها مع سائر ما يعرف من منافعها وقد يكون الأذى والضرّ في حرّهما وبردهما وسمائمهما وزمهريرهما وهما مع ذلك لا ينسبان إلا إلى الخير
(1/56)

والصلاح. ومن ذلك الليل الذي جعله الله سكنا ولباسا وقد يستوحش له أخو القفر وينازع فيه ذو البليّة والرّيبة وتعدو فيه السّباع وتنساب فيه الهوامّ «1» ويغتنمه أهل السّرق والسّلّة «2» ولا يزري صغير ضرره بكثير نفعه ولا يلحق به ذمّا ولا يضع عن الناس الحقّ في الشكر لله على ما منّ به عليهم منه. ومثل النهار الذي جعله الله ضياء ونشورا وقد يكون على الناس أذى الحرّ في قيظهم وتصبّحهم فيه الحروب والغارات ويكون فيه النّصب والشخوص وكثير مما يشكوه الناس ويستريحون فيه إلى الليل وسكونه. ولو أن الدنيا كان شيء من سرّائها يعمّ عامة أهلها بغير ضرر على بعضهم وكانت نعماؤها بغير كدر وميسورها من غير معسور كانت الدنيا إذا هي الجنة التي لا يشوب مسرّتها مكروه ولا فرحها ترح والتي ليس فيها نصب ولا لغوب «3» ، فكلّ جسيم من أمر الدنيا يكون ضرّه خاصة فهو نعمة عامة وكل شيء منه يكون نفعه خاصا فهو بلاء عام.
وكان يقال: «السلطان والدين أخوان لا يقوم أحدهما إلا بالآخر» .
وقرأت في التاج لبعض الملوك: «هموم الناس صغار وهموم الملوك كبار وألباب الملوك مشغولة بكل شيء يجلّ وألباب السّوق «4» مشغولة بأيسر الشيء، فالجاهل منهم يعذر نفسه بدعة ما هو عليه من الرّسلة «5» ولا يعذر سلطانه مع شدّة ما هو فيه من المؤنة «6» ، ومن هناك يعزّر الله سلطانه ويرشده وينصره.» .
سمع زياد رجلا يسبّ الزمان فقال: «لو كان يدري ما الزمان لعاقبته،
(1/57)

إنما الزمان هو السلطان» .
وكانت الحكماء تقول: «عدل السلطان أنفع للرعية من خصب الزمان» .
وروى الهيثم عن ابن عيّاش عن الشّعبي قال: «أقبل معاوية ذات يوم على بني هاشم فقال: يا بني هاشم، ألا تحدّثوني عن ادعائكم الخلافة دون قريش بم تكون لكم أبالرضا بكم أم بالاجتماع عليكم دون القرابة أم بالقرابة دون الجماعة أم بهما جميعا؟ فإن كان هذا الأمر بالرضا والجماعة دون القرابة فلا أرى القرابة أثبتت حقا ولا أسّست ملكا، وإن كان بالقرابة دون الجماعة والرضا فما منع العباس عمّ النبي صلى الله عليه وسلم ووارثه وساقي الحجيج وضامن الأيتام أن يطلبها وقد ضمن له أبو سفيان بني عبد مناف، وإن كانت الخلافة بالرضا والجماعة والقرابة جميعا فإن القرابة خصلة من خصال الإمامة لا تكون الإمامة بها وحدها وأنتم تدّعونها بها وحدها، ولكنا نقول: أحقّ قريش بها من بسط الناس أيديهم إليه بالبيعة عليها ونقلوا أقدامهم إليه للرغبة وطارت إليه أهواؤهم للثقة وقاتل عنها بحقها فأدركها من وجهها. إنّ أمركم لأمر تضيق بها الصدور، إذا سئلتم عمّن اجتمع عليه من غيركم قلتم حقّ. فإن كانوا اجتمعوا على حق فقد أخرجكم الحقّ من دعواكم. أنظروا: فإن كان القوم أخذوا حقكم فاطلبوهم، وإن كانوا أخذوا حقّهم فسلّموا إليهم فإنه لا ينفعكم أن تروا لأنفسكم ما لا يراه الناس لكم. فقال ابن عباس: ندّعي هذا الأمر بحقّ من لولا حقّه لم تقعد مقعدك هذا، ونقول كان ترك الناس أن يرضوا بنا ويجتمعوا علينا حقّا ضيّعوه وحظّ حرموه، وقد اجتمعوا على ذي فضل لم يخطىء الورد والصّدر، ولا ينقص فضل ذي فضل فضل غيره عليه. قال الله عز وجل وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ
«1» فأما الذي منعنا من طلب هذا الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعهد منه إلينا
(1/58)

قبلنا فيه قوله ودنّا بتأويله ولو أمرنا أن نأخذه على الوجه الذي نهانا عنه لأخذناه أو أعذرنا فيه، ولا يعاب أحد على ترك حقه إنما المعيب من يطلب ما ليس له، وكل صواب نافع وليس كل خطأ ضارّا، انتهت القضية إلى داود وسليمان فلم يفهّمها داود وفهّمها سليمان ولم يضرّ داود. فأما القرابة فقد نفعت المشرك وهي للمؤمن أنفع؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنت عمّي وصنو أبي ومن أبغض العباس فقد أبغضني وهجرتك آخر الهجرة كما أن نبوّتي أخر النبوّة» . وقال لأبي طالب عند موته: «يا عمّ، قل لا إله إلا الله أشفع لك بها غدا وليس ذاك لأحد من الناس. قال الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً
«1» .
حدّثنا الرياشي عن أحمد بن سلّام مولى ذفيف عن مولى يزيد بن حاتم عن شيخ له قال: قال كسرى: «لا تنزل ببلد ليس فيه خمسة أشياء: سلطان قاهر، وقاض عادل، وسوق قائمة، وطبيب عالم، ونهر جار» .
وحدّثنا الرياشي قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا القاسم بن الفضل قال: حدّثنا ابن اخت العجاج عن العجاج قال: «قال لي أبو هريرة:
ممن أنت؟ قال: قلت من أهل العراق. قال: يوشك أن يأتيك بقعان «2» الشام
(1/59)

فيأخذوا صدقتك فإذا أتوك فتلقّهم بها فإذا دخلوها فكن في أقاصيها وخلّ عنهم وعنها، وإياك وأن تسبّهم فإنك إن سببتهم ذهب أجرك وأخذوا صدقتك وإن صبرت جاءتك في ميزانك يوم القيامة» . وفي رواية أخرى أنه قال: «إذا أتاك المصدّق فقل: خذ الحقّ ودع الباطل، فإن أبى فلا تمنعه إذا أقبل ولا تلعنه إذا أدبر فتكون عاصيا خفّف عن ظالم» .
وكان يقال: «طاعة السلطان على أربعة أوجه: على الرغبة، والرهبة، والمحبة، والديانة» .
وقرأت في بعض كتب العجم كتابا لأردشير بن بابك إلى الرعية، نسخته: «من أردشير الموبذ «1» ذي البهاء ملك الملوك ووارث العظماء، إلى الفقهاء الذين هم حملة الدين، والأساورة الذين هم حفظة البيضة «2» ، والكتّاب الذين هم زينة المملكة، وذوي الحرث الذين هم عمرة البلاد.
السلام عليكم، فإنا بحمد الله صالحون وقد وضعنا عن رعيتنا بفضل رأفتنا إتاوتها الموظّفة عليها. ونحن مع ذلك كاتبون اليكم بوصية: لا تستشعروا الحقد فيدهمكم العدوّ، ولا تحتكروا فيشملكم القحط، وتزوّجوا في القرابين فإنه أمسّ للرّحم وأثبت للنّسب، ولا تعدّو هذه الدنيا شيئا فإنها لا تبقي على أحد ولا ترفضوها مع ذلك فإن الآخرة لا تنال إلا بها.
(1/60)

وقرأت كتابا من أرسطاطاليس «1» إلى الاسكندر وفيه: «املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها فإن طلبك ذلك منها بإحسانك هو أدوم بقاء منه باعتسافك، واعلم أنك إنما تملك الأبدان فتخطّها إلى القلوب بالمعروف، واعلم أن الرعية إذا قدرت على أن تقول، قدرت على أن تفعل، فاجهد ألا تقول تسلم من أن تفعل» .
وقرأت في كتاب الآيين «2» أن بعض ملوك العجم قال في خطبة له: «إني إنما أملك الأجساد لا النيات وأحكم بالعدل لا بالرضا وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر» .
ونحوه قول العجم: «أسوس الملوك من قاد أبدان الرعية إلى طاعته بقلوبها» .
وقالوا: «لا ينبغي للوالي أن يرغب في الكرامة التي ينالها من العامة كرها ولكن في التي يستحقها بحسن الأثر وصواب الرأي والتدبير» .
حدّثنا الرياشي عن أحمد بن سلّام عن شيخ له قال: «كان أنو شروان إذا ولّى رجلا أمر الكاتب أن يدع في العهد موضع أربعة أسطر ليوقّع فيه بخطه فإذا أوتي بالعهد وقّع فيه: سس خيار الناس بالمحبة وامزج للعامة الرغبة بالرهبة وسس سفلة الناس بالإخافة» .
(1/61)

قال المدائني: «قدم قادم على معاووية بن أبي سفيان فقال له معاوية:
هل من مغرّبة خبر؟ قال: نعم، نزلت بماء من مياه الأعراب فبينا أنا عليه أورد أعرابي إبله فلما شربت ضرب على جنوبها وقال: عليك زيادا. فقلت له: ما أردت بهذا؟ قال: هي سدى، ما قام لي بها راع مذ ولي زياد. فسرّ ذلك معاوية وكتب به إلى زياد» .
قال عبد الملك بن مروان: «أنصفونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر! ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرة رعية أبي بكر وعمر! نسأل الله أن يعين كلّا على كل» .
قال عمر بن الخطاب: «إن هذا الأمر لا يصلح له إلا الليّن في غير ضعف والقويّ في غير عنف» .
وقال عمر بن عبد العزيز: «إني لأجمع أن أخرج للمسلمين أمرا من العدل فأخاف أن لا تحتمله قلوبهم فأخرج معه طمعا من طمع الدنيا، فإن نفرت القلوب من هذا سكنت إلى هذا» .
قال معاوية: «لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، قيل: وكيف ذاك؟ قال: كنت إذا مدّوها خلّيتها وإذا خلّوها مددتها» .
ونحو هذا قول الشّعبي فيه: «كان معاوية كالجمل الطّبّ «1» ، إذا سكت عنه تقدّم وإذا ردّ تأخر» . وقول عمر فيه: «احذروا آدم قريش وابن كريمها، من لا ينام إلا على الرضا ويضحك في الغضب ويأخذ ما فوقه من تحته» .
(1/62)

وأغلظ له رجل فحلم عنه فقيل له: أتحلم عن هذا؟ فقال: «إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا» .
كان يقال: «لا سلطان إلا برجال ولا رجال إلا بمال ولا مال إلا بعمارة ولا عمارة إلا بعدل وحسن سياسة» .
قال زياد: «أحسنوا إلى المزارعين فإنكم لا تزالون سمانا ما سمنوا» .
وكتب الوليد إلى الحجاج يأمره أن يكتب إليه بسيرته فكتب إليه: «إني أيقظت رأيي وأنمت هواي، فأدنيت السّيّد المطاع في قومه، ووليت الحرب الحازم في أمره، وقلّدت الخراج الموفّر لأمانته، وقسمت لكل خصم من نفسي قسما يعطيه حظّا من نظري ولطيف عنايتي، وصرفت السيف إلى النّطف «1» المسيء، والثواب إلى المحسن البريء فخاف المريب صولة العقاب، وتمسّك المحسن بحظه من الثواب» .
وكان يقول لأهل الشام: «إنما أنا لكم كالظّليم «2» الرائح عن فراخه ينفي عنها القذر «3» ويباعد عنها الحجر ويكنّها «4» من المطر ويحميها من الضّباب «5» ويحرسها من الذئاب. يا أهل الشام أنتم الجنّة «6» والرّداء وأنتم العدّة والحذاء» .
فخر سليم مولى زياد بزياد عند معاوية فقال معاوية: «أسكت، ما أدرك صاحبك شيئا قطّ بسيفه إلا وقد أدركت أكثر منه بلساني» .
(1/63)

وقال الوليد لعبد الملك: يا ابت، ما السياسة؟ قال: «هيبة الخاصّة مع صدق مودّتها واقتياد قلوب العامة بالإنصاف لها واحتمال هفوات الصنّائع» .
وفي كتب العجم: «قلوب الرعيّة خزائن ملوكها فما أودعتها من شيء فلتعلم أنه فيها» .
ووصف بعض الملوك سياسته فقال: «لم أهزل في وعد ولا وعيد ولا أمر ولا نهي ولا عاقبت للغضب واستكفيت على الجزاء وأثبتّ على العناء لا للهوى، وأودعت القلوب هيبة لم يشبها مقت وودّا لم تشبه جرأة وعمّمت بالقوت ومنعت الفضول» .
وقرأت في كتاب التاج: «قال أبرويز «1» لابنه شيرويه وهو في حبسه: «لا توسعنّ على جندك فيستغنوا عنك ولا تضيقنّ عليهم فيضجّوا منك، أعطهم عطاء قصدا وامنعهم منعا جميلا ووسّع عليهم في الرجاء ولا توسّع عليهم في العطاء» . ونحوه قول المنصور في مجلسه لقوّاده: صدق الأعرابي حيث يقول:
أجع كلبك يتبعك. فقام أبو العباس الطّوسي فقال: يا أمير المؤمنين أخشى أن يلوّح له غيرك برغيف فيتبعه ويدعك.
وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: «أما بعد، فإن للناس نفرة عن سلطانهم فأعوذ بالله أن تدركني وإياك عمياء «2» مجهولة وضغائن محمولة، أقم الحدود ولو ساعة من نهار، وإذا عرض لك أمران: أحدهما لله، والآخر للدنيا فآثر نصيبك من الله فإن الدنيا تنفد والآخرة تبقى، وأخيفوا الفسّاق واجعلوهم يدا يدا ورجلا رجلا، وعد «3» مرضى المسلمين واشهد جنائزهم وانتح لهم
(1/64)

بابك وباشر أمورهم بنفسك فإنما أنت رجل منهم غير أن الله جعلك أثقلهم حملا، وقد بلغني أنه قد فشا لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك ليس للمسلمين مثلها، فإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة البهيمة مرّت بواد خصيب فلم يكن لها همّ إلا السّمن وإنما حتفها في السمن، واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيّته، وأشقى من شقي الناس به والسلام» .
هشام بن عروة قال: «صلى يوما عبد الله بن الزّبير فوجم بعد الصلاة ساعة فقال الناس: «لقد حدّث نفسه. ثم التفت إلينا فقال: لا يبعدنّ ابن هند! إن كانت فيه لمخارج لانجدها في أحد بعده أبدا، والله إن كنا لنفرّقه، وما الليث الحرب «1» على براثنه بأجرأ منه فيتفارق لنا. وإن كنا لنخدعه، وما ابن ليلة من أهل الأرض بأدهى منه فيتخادع لنا، والله لوددت أنّا متّعنا به ما دام في هذا حجر (وأشار إلى أبي قبيس) لا يتخوّن له عقل ولا تنتقص له قوّة، قلنا:
أوحش والله الرجل. قال: وكان يصل بهذا الحديث: كان والله كما قال العذري «2» :
[متقارب]
ركوب المنابر وثّابها ... معنّ بخطبته مجهر
تريع إليه هوادي الكلام ... إذا خطل النّثر المهمر «3»
حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعي قال: حدّثنا جدّ سران وسران عمّ الأصمعي قال: «كلّم الناس عبد الرحمن بن عوف أن يكلّم عمر بن الخطاب في أن يلين لهم فإنه قد أخافهم حتى إنه قد أخاف الأبكار في
(1/65)

خدورهنّ. فقال عمر: إني لا أجد لهم إلا ذلك، إنهم لو يعلمون مالهم عندي لأخذوا ثوبي عن عاتقي» .
قال: وتقدمت إليه امرأة فقالت: «يا أبا حفص، الله لك، فقال: ما لك أعقرت؟»
فقالت: صلعت فرقتك «2» .
قال أشجع السّلميّ «3» في إبراهيم بن عثمان: [كامل]
لا يصلح السلطان إلا شدّة ... تغشى البريء بفضل ذنب المجرم
ومن الولاة مقحّم لا يتّقى ... والسيف تقطر شفرتاه من الدم
منعت مهابتك النفوس حديثها ... بالأمر تكرهه وإن لم تعلم
كان يقال: «شرّ الأمراء أبعدهم من القرّاء وشرّ القرّاء أقربهم من الأمراء» .
كتب عامل لعمر بن عبد العزيز على حمص إلى عمر: «إن مدينة حمص قد تهدّم حصنها، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إصلاحه» فكتب إليه عمر «أمّا بعد، فحصّنها بالعدل، والسلام» .
ذكر أعرابي أميرا فقال: «كان إذا ولي لم يطابق بين جفونه وأرسل العيون على عيونه، فهو غائب عنهم شاهد معهم، فالمحسن راج والمسيء خائف» .
كان جعفر بن يحيى يقول: «الخراج عمود الملك وما استغزر بمثل العدل ولا استنزر بمثل الظلم» .
(1/66)

وفي كتاب من كتب العجم أنّ أردشير قال لابنه: «يا بنيّ، إن الملك والدين أخوان لا غنى بأحدهما عن الآخر، فالدين أسّ والملك حارس، وما لم يكن له أس فمهدوم وما لم يكن له حارس فضائع، يا بني، إجعل حديثك مع أهل المراتب وعطيتك لأهل الجهاد وبشرك لأهل الدين وسرّك لمن عناه ما عناك من أرباب العقول» .
وكان يقال: «مهما كان في الملك فلا ينبغي أن تكون فيه خصال خمس: لا ينبغي أن يكون كذابا فإنه إذا كان كذابا فوعد خيرا لم يرج أو أوعد بشرّ لم يخف، ولا ينبغي أن يكون بخيلا فإنه إذا كان بخيلا لم يناصحه أحد ولا تصلح الولاية إلا بالمناصحة ولا ينبغي أن يكون حديدا فإنه إذا كان حديدا مع القدرة هلكت الرعية ولا ينبغي أن يكون حسودا فإنه إذا كان حسودا لم يشرّف أحدا ولا يصلح الناس إلا على أشرافهم، ولا ينبغي أن يكون جبانا فإنه إذا كان جبانا ضاعت ثغوره واجترأ عليه عدوه» .
وقدم معاوية المدينة فدخل دار عثمان فقالت عائشة بنت عثمان:
واأبتاه، وبكت، فقال معاوية: «يا ابنة أخي إنّ الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أمانا وأظهرنا لهم حلما تحته وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد ومع كل إنسان سيفه وهو يرى مكان أنصاره فإن نكثنا بهم نكثوا بنا ولا ندري أعلينا تكون أم لنا، ولأن تكوني بنت عمّ أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين» .
كتب عبد الله بن عباس إلى الحسن بن علي: «إنّ المسلمين ولّوك أمرهم بعد عليّ فشمّر للحرب وجاهد عدّوك ودار أصحابك واشتر من الظّنين «1»
(1/67)

دينه بما لا يثلم دينك وولّ أهل البيوتات والشرف تستصلح بهم عشائرهم حتى تكون الجماعة فإن بعض ما يكره الناس، ما لم يتعدّ الحق وكانت عواقبه تؤدي إلى ظهور العدل وعز الدين، خير من كثير مما يحبون إذا كانت عواقبه تدعو إلى ظهور الجور ووهن الدين» .
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن الأعمش عن إبراهيم قال: «كان عمر إذا قدم عليه الوفد سألهم عن حالهم وأسعارهم وعمن يعرف من أهل البلاد وعن أميرهم هل يدخل عليه الضعيف؟
وهل يعود المريض؟ فإن قالوا نعم، حمد الله تعالى، وإن قالوا لا، كتب إليه:
أقبل» .
اختيار العمال
روي أن أبا بكر الصّدّيق رضي الله عنه لمّا حضرته الوفاة كتب عهدا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله عند آخر عهده بالدنيا وأوّل عهده بالآخرة، في الحال التي يؤمن فيها الكافر ويتّقي فيها الفاجر: إني استعملت عمر بن الخطاب فإن برّ وعدل فذلك علمي به وإن جار وبدّل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكل امرىء ما اكتسب وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
«1» » .
وفي التاج أن أبرويز كتب إلى ابنه شيرويه من الحبس: «ليكن من تختاره لولايتك امرأ كان في ضعة فرفعته، أو ذا شرف وجدته مهتضما فاصطنعته، ولا تجعله امرأ أصبته بعقوبة فاتّضع عنها ولا امرأ أطاعك بعد ما أذللته ولا أحدا ممن يقع في خلدك أنّ إزالة سلطانك أحبّ له من ثبوته، وإياك
(1/68)

أن تستعمله ضرعا غمرا كثر إعجابه بنفسه وقلّت تجاربه في غيره، ولا كبيرا مدبرا قد أخذ الدهر من عقله كما أخذت السّنّ من جسمه» .
وقال لقيط «1» في هذا المعنى: [بسيط]
فقلّدوا أمركم لله درّكم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عضّ مكروه به خشعا
ما زال يحلب درّ الدهر أشطره ... يكون متّبعا يوما ومتّبعا
حتى استمرّت على شزر مريرته ... مستحكم السّنّ لا قحما ولا ضرعا «2»
ويقال في مثل: «رأي الشيخ خير من مشهد الغلام» ومن أمثال العرب أيضا في المجرّب «العوان لا تعلّم الخمرة» «3» .
قال بعض الخلفاء: دلّوني على رجل أستعمله على أمر قد أهمّني.
قالوا: كيف تريده؟ قال: «إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم وإذا كان أميرهم كان كأنه رجل منهم» قالوا: لا نعلمه إلا الربيع بن زياد الحارثي. قال صدقتم، هو لها.
وروى الهيثم عن مجالد عن الشّعبي قال: قال الحجّاج: دلّوني على
(1/69)

رجل للشّرط «1» فقيل: أيّ الرجال تريد؟ فقال: «أريده دائم العبوس طويل الجلوس سمين الأمانة أعجف الخيانة لا يحنق في الحق على جرّة «2» يهون عليه سبال الأشراف في الشفاعة» فقيل له: عليك بعبد الرحمن بن عبيد التميمي.
فأرسل إليه يستعمله، فقال له: لست أقبلها إلا أن تكفيني عيالك، وولدك وحاشيتك. قال: يا غلام، ناد في الناس: من طلب إليه منهم حاجة فقد برئت منه الذمّة. قال الشعبي: فوالله ما رأيت صاحب شرطة قطّ مثله، كان لا يحبس إلا في دين، وكان إذا أتي برجل قد نقب على قوم وضع منقبته «3» في بطنه حتى تخرج من ظهره، وإذا أتي بنبّاش حفر له قبرا فدفنه فيه، وإذا أتي برجل قاتل بحديدة أو شهر سلاحا قطع يده، وإذا أتي برجل قد أحرق على قوم منزلهم أحرقه، وإذا أتي برجل يشكّ فيه وقد قيل إنه لص ولم يكن منه شيء ضربه ثلاثمائة سوط. قال: فكان ربما أقام أربعين ليلة لا يؤتى بأحد فضم إليه الحجاج شرطة البصرة مع شرطة الكوفة.
وقرأت في كتاب أبرويز إلى ابنه شيرويه: «إنتخب لخراجك أحد ثلاثة: إما رجلا يظهر زهدا في المال ويدّعي ورعا في الدين فإنّ من كان كذلك عدل على الضعيف وأنصف من الشريف ووفّر الخراج واجتهد في العمارة، فإن هو لم يرع ولم يعفّ إبقاء على دينه ونظرا لأمانته كان حريّا أن يخون قليلا ويوفّر كثيرا استسرارا بالرياء واكتتاما بالخيانة، فإن ظهرت «4» على ذلك منه عاقبته
(1/70)

على ما خان ولم تحمده على ما وفّر، وإن هو جلّح «1» في الخيانة وبارز بالرياء نكّلت به في العذاب واستنظفت ماله مع الحبس. أو رجلا عالما بالخراج غنيّا في المال مأمونا في العقل فيدعوه علمه بالخراج إلى الاقتصاد في الحلب والعمارة للأرضين «2» والرفق بالرعيّة، ويدعوه غناه إلى العفة ويدعوه عقله إلى الرغبة فيما ينفعه والرهبة مما يضره. أو رجلا عالما بالخراج مأمونا بالأمانة مقترا من المال فتوسّع عليه في الرزق فيغتنم لحاجته الرزق ويستكثر لفاقته اليسير، ويزجي «3» بعلمه الخراج، ويعفّ بأمانته عن الخيانة» .
استشار عمر بن عبد العزيز في قوم يستعملهم، فقال له بعض أصحابه:
عليك بأهل العذر. قال: ومن هم؟ قال: الذين إن عدلوا فهو ما رجوت منهم وإن قصّروا قال الناس: قد اجتهد عمر.
قال عديّ بن أرّطاة «4» لإياس بن معاوية: دلّني على قوم من القرّاء أولّهم.
فقال له: القرّاء ضربان: ضرب يعملون للآخرة ولا يعملون لك، وضرب يعملون للدّنيا، فما ظنّك بهم إذا أنت ولّيتهم فمكّنتهم منها؟ قال: فما أصنع؟
قال: عليك بأهل البيوتات الذين يستحيون لأحسابهم فولّهم.
أحضر الرشيد رجلا ليولّيه القضاء فقال له: إني لا أحسن القضاء ولا أنا فقيه. قال الرشيد: فيك ثلاث خلال: لك شرف والشرف يمنع صاحبه من الدناءة. ولك حلم يمنعك من العجلة، ومن لم يعجل قلّ خطؤه. وأنت رجل
(1/71)

تشاور في أمرك ومن شاور كثر صوابه، وأما الفقه فسينضم إليك من تتفقّه به.
فولي فما وجدوا فيه مطعنا.
حدّثني سهل بن محمد قال: حدّثنا الأصمعي قال: حدّثني صالح بن رستم أبو عامر الخزّاز قال: قال لي إياس بن معاوية المزنيّ: أرسل إليّ عمر ابن هبيرة فأتيته فساكتني فسكتّ، فلما أطلت قال: إيه. قلت: سل عما بدا لك. قال: أتقرأ القرآن؟ قلت نعم. قال: هل تفرض الفرائض؟ قلت نعم.
قال: فهل تعرف من أيام العرب شيئا؟ قلت نعم. قال: فهل تعرف من أيام العجم شيئا؟ قلت: أنا بها أعلم. قال: إني أريد أن أستعين بك. قلت: إن فيّ ثلاثا لا أصلح معهن للعمل. قال: ما هن؟ قلت: أنا ذميم كما ترى، وأنا حديد، وأنا عيّ «1» . قال: أما الدمامة فإني لا أريد أن أحاسن بك الناس، وأمّا العيّ فإني أراك تعبّر عن نفسك، وأمّا سوء الخلق فيقوّمك السّوط. قم، قد وليتك. قال:
فولّاني وأعطاني ألفي درهم فهما أول مال تموّلته.
قرأت في كتاب للهند: «السلطان الحازم ربما أحبّ الرجل فأقصاه واطّرحه مخافة ضرّه، فعل الذي تلسع الحية إصبعه فيقطعها لئلا ينتشر سمّها في جسده، وربما أبغض الرجل فأكره نفسه على توليته وتقريبه لغناء يجده عنده كتكاره المرء على الدواء البشع لنفعه» .
حدّثني المعلّى بن أيوب قال سمعت المأمون يقول: «من مدح لنا رجلا فقد تضمّن عيبه» .
(1/72)

باب صحبة السلطان وآدابها وتغير السلطان وتلوّنه
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدثنا أبو أسامة عن مجالد عن الشّعبي عن عبد الله بن عباس قال: قال لي أبي: «يا بنيّ إني أرى أمير المؤمنين يستخليك «1» ويستشيرك ويقدّمك على الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني أوصيك بخلال أربع: لا تفشينّ له سرا، ولا يجرّبنّ عليك كذبا، ولا تغتابنّ عنده أحدا، ولا تطو عنه نصيحة» قال الشّعبي: قلت لابن عباس: كل واحدة خير من ألف. قال: إي والله ومن عشرة آلاف.
كان يقال: «إذا جعلك السلطان أخا فاجعله أبا، وإن زادك فزده» .
قال زياد لابنه: «إذا دخلت على أمير المؤمنين فادع له ثم اصفح صفحا جميلا، ولا يرينّ منك تهالكا عليه ولا انقباضا عنه» .
قال مسلم بن عمرو: «ينبغي لمن خدم السلاطين ألا يغترّ بهم إذا رضوا عنه ولا يتغير لهم إذا سخطوا عليه ولا يستثقل ما حمّلوه ولا يلحف في مسألتهم «2» » .
وقرأت في كتاب للهند: «صحبة السلطان على ما فيها من العز والثروة
(1/73)

عظيمة الخطار، وإنما تشبّه بالجبل الوعر فيه الثمار الطيبة والسّباع العادية، فالإرتقاء إليه شديد والمقام فيه أشدّ، وليس يتكافأ خير السلطان وشره لأنّ خير السلطان لا يعدو مزيد الحال، وشر السلطان قد يزيل الحال ويتلف النفوس التي لها طلب المزيد، ولا خير في الشيء الذي في سلامته مال وجاه وفي نكبته الجائحة «1» والتلف» .
وقرأت فيه: «من لزم باب السلطان بصبر جميل وكظم للغيظ واطّراح للأنفة، وصل إلى حاجته» .
وقرأت فيه: «السلطان لا يتوخّى بكرامته الأفضل فالأفضل ولكن الأدنى فالأدنى كالكرم لا يتعلق بأكرم الشجر ولكن بأدناها منه» .
وكانت العرب تقول: «إذا لم تكن من قربان الأمير فكن من بعدانه» .
وقرأت في آداب ابن المقفع: «لا تكوننّ صحبتك للسلطان إلا بعد رياضة منك لنفسك على طاعتهم في المكروه عندك وموافقتهم فيما خالفك وتقدير الأمور على أهوائهم دون هواك، فإن كنت حافظا إذا ولّوك، حذرا إذا قربوك، أمينا إذا ائتمنوك، تعلّمهم وكأنك تتعلم منهم، وتؤدّبهم وكأنك تتأدب بهم، وتشكر لهم ولا تكلّفهم الشكر، ذليلا إن صرموك، راضيا إن أسخطوك، وإلا فالبعد منهم كلّ البعد والحذر منهم كلّ الحذر. وإن وجدت عن السلطان وصحبته غنى فاستغن به فإنه من يخدم السلطان بحقّه يحل بينه وبين لذة الدنيا وعمل الآخرة، ومن يخدمه بغير حقه يحتمل الفضيحة في الدنيا والوزر في الآخرة» .
وقال: «إذا صحبت السلطان فعليك بطول الملازمة في غير طول
(1/74)

المعاتبة، وإذا نزلت منه منزلة الثقة فاعزل عنه كلام الملق ولا تكثرنّ له في الدعاء إلا أن تكلمه على رؤوس الناس ولا يكوننّ طلبك ما عنده بالمسألة ولا تستبطئنّه إن أبطأ. أطلبه بالاستحقاق ولا تخبرنّه أنّ لك عليه حقا وأنك تعتدّ عليه ببلاء. وإن استطعت ألا ينسى حقّك وبلاءك بتجديد النّصح والاجتهاد فافعل. ولا تعطينّه المجهود كله في أوّل صحبتك له فلا تجد موضعا للمزيد ولكن دع للمزيد موضعا. وإذا سأل غيرك فلا تكن المجيب. واعلم أن استلابك للكلام خفّة بك واستخفاف منك بالسائل والمسؤول. فما أنت قائل إن قال لك السائل: ما إياك سألت، وقال لك المسؤول: أجب أيها المعجب بنفسه المستخفّ بسلطانه؟» .
وقال: «مثل صاحب السلطان مثل راكب الأسد يهابه الناس وهو لمركبه أهيب» .
وقال عبد الملك بن صالح لمؤدّب ولده بعد أن اختصّه لمجالسته ومحادثته: «كن على التماس الحظ بالسكوت أحرص منك على التماسه بالكلام فإنهم قالوا: إذا أعجبك الكلام فاصمت وإذا أعجبك الصمت فتكلم.
يا عبد الرحمن، لا تساعدني على ما يقبّح ولا تردّنّ عليّ الخطأ في مجلسي ولا تكلّفني جواب التشميت والتهنئة ولا جواب السؤال والتعزية ودع عنك كيف أصبح الأمير وأمسى. وكلّمني بقدر ما استنطقتك واجعل بدل التقريظ لي حسن الاستماع مني. واعلم أن صواب الاستماع أقل من صواب القول.
وإذا سمعتني أتحدّث فأرني فهمك في طرفك وتوقّفك ولا تجهد نفسك في تطرية صوابي ولا تستدع الزيادة من كلامي بما تظهر من استحسان ما يكون مني، فمن أسوأ حالا ممن يستكدّ الملوك بالباطل فيدلّ على تهاونه، وما ظنك بالملك وقد أحلك محلّ المعجب بما تسمع منه وقد أحللته محل من لا يسمع
(1/75)

منه؟ وأقل من هذا يحبط إحسانك ويسقط حقّ حرمة إن كانت لك. إني جعلتك مؤدّبا بعد أن كنت معلّما وجعلتك جليسا مقرّبا بعد أن كنت مع الصبيان مباعدا. ومتى لم يعرف نقصان ما خرجت منه لم تعرف رجحان ما دخلت فيه، ومن لم يعرف سوء ما يولى لم يرعف حسن ما يبلى» .
دخل أبو مسلم على أبي العباس وعنده أبو جعفر فسلّم على أبي العباس فقال له: يا أبا مسلم، وهذا أبو جعفر! فقال: يا أمير المؤمنين، هذا موضع لا يقضى فيه إلا حقك.
قال الفضل بن الربيع: «مسأله الملوك عن أحوالهم من تحيات النّوكى «1» ، فإذا أردت أن تقول: كيف أصبح الأمير، فقل: صبّح الله الأمير بالكرامة. وإذا أردت أن تقول: كيف يجد الأمير نفسه، فقل: أنزل الله على الأمير الشفاء والرحمة، فإن المسألة توجب الجواب فإن لم يجبك اشتدّ عليك وإن أجابك اشتدّ عليه» .
وقرأت في آداب ابن المقفع: «جانب المسخوط عليه والظّنين عند السلطان ولا يجمعنّك وإياه مجلس ولا منزل ولا تظهرنّ له عذرا ولا تثن عليه عند أحد، فإذا رأيته قد بلغ في الانتقام ما ترجو أن يلين بعده فاعمل في رضاه عنك برفق وتلطّف، ولا تسارّ «2» في مجلس السلطان أحدا ولا تومىء إليه بجفنك وعينك فإن السّرار يخيّل إلى كل من رآه من ذي سلطان وغيره أنه المراد به، وإذا كلّمك فاصغ إلى كلامه ولا تشغل طرفك عنه بنظر ولا قلبك بحديث نفس» .
(1/76)

وقرأت في كتاب للهند أنه أهدي لملك الهند ثياب وحلي فدعا بامرأتين له وخيّر أحظاهما عنده بين اللباس والحلية، وكان وزيره حاضرا، فنظرت المرأة إليه كالمستشيرة له فغمزها باللباس تغضينا بعينه، ولحظه الملك، فاختارت الحلية لئلا يفطن للغمزة، ومكث الوزير أربعين سنة كاسرا عينه لئلا تقرّ تلك في نفس الملك وليظنّ أنها عادة أو خلقة وصار اللباس للأخرى فلما حضرت الملك الوفاة قال لولده: توصّ بالوزير خيرا فإنه اعتذر من شيء يسير أربعين سنة.
قال شبيب بن شيبة: «ينبغي لمن ساير خليفة أن يكون بالموضع الذي إذا أراد الخليفة أن يسأله عن شيء لم يحتج إلى أن يلتفت، ويكون من ناحية إن التفت لم تستقبله الشمس، وإن سار بين يديه أن يحيد عن سنن الريح التي تؤدّي الغبار إلى وجهه.
قال رجل من النّسّاك لآخر: «إن ابتليت بأن تدخل إلى السلطان مع الناس فأخذوا في الثناء فعليك بالدعاء» .
قال ثمامة: كان يحيى بن أكثم يماشي المؤمون يوما في بستان موسى والشمس عن يسار يحيى والمأمون في الظل وقد وضع يده على عاتق يحيى وهما يتحادثان حتى بلغ حيث أراد ثم كرّ راجعا في الطريق التي بدأ فيها فقال ليحيى: كانت الشمس عليك لأنك كنت عن يساري وقد نالت منك فكن الآن حيث كنت وأتحوّل أنا إلى حيث كنت. فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين لو أمكنني أن أقيك هول المطلع بنفسي لفعلت. فقال المأمون: لا والله ما بدّ من أن تأخذ الشمس مني مثل ما أخذت منك. فتحوّل يحيى وأخذ من الظل مثل الذي أخذ منه المأمون.
وقال المأمون: «أوّل العدل أن يعدل الرجل على بطانته ثم على الذين
(1/77)

يلونهم حتى يبلغ العدل الطبقة السفلى.
المدائني قال: قال الأحنف: «لا تنقبضوا عن السلطان ولا تهالكوا عليه فإنه من أشرف للسلطان أذراه ومن تضرّع له أحظاه» .
حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدثني محمد بن عمرو الرومي قال: حدّثنا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع قال: قال حذيفة بن اليمان:
«ما مشى قوم قطّ إلى سلطان الله في الأرض ليذلّوه إلا أذلّهم الله قبل أن يموتوا» .
وفي أخبار خالد بن صفوان أنه قال: دخلت على هشام بن عبد الملك فاستدناني حتى كنت أقرب الناس منه فتنفّس ثم قال: يا خالد، لربّ خالد قعد مقعدك هذا أشهى إليّ حديثا منك فعلمت. أنه يعني خالد بن عبد الله.
فقلت: يا أمير المؤمنين، أفلا تعيده؟ فقال: إن خالدا أدلّ فأملّ وأوجف فأعجف ولم يدع لراجع مرجعا، على أنه ما سألني حاجة. فقلت: يا أمير المؤمنين، ذاك أحرى، فقال: هيهات [طويل]
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل
حدّثنا الفضل بن محمد بن منصور بمعنى هذا الحديث، وببعضه نهيك: اعتلّ يحيى بن خالد «1» فبعث إلى منكة «2» الهندي فقال له: ما ترى في
(1/78)

هذه العلة؟ فقال منكة: داؤك كبير ودواؤه يسير وأيسر منه الشكر، وكان متفننا، فقال له يحيى: ربما ثقل على السمع خطرة الحقّ به، فإذا كان ذلك كانت الهجرة له ألزم من المفاوضة فيه. قال منكة: صدقت، ولكني أرى في الطوالع أثرا والأمد فيه قريب وأنت قسيم في المعرفة وقد نبّهت، وربما كانت صورة الحركة للكوكب عقيمة ليست بذات نتاج ولكنّ الأخذ بالحزم أوفر حظ الطالبين. قال يحيى: للأمور منصرف إلى العواقب وما حتم لا بدّ من أن يقع، والمنعة بمسالمة الأيام نهزة فاقصد لما دعوتك له من هذا الأثر الموجود بالمزاج. قال منكة: هي الصفراء مازجتها مائية من البلغم فحدث لها بذلك ما يحدث للهب عند مماسّته رطوبة المادة من الإشتعال فخذ ماء رمّانتين فدقّهما بإهليلجة «1» سوداء تنهضك مجلسا أو مجلسين وتسكّن ذلك التوقّد الذي تجد «2» إن شاء الله. فلما كان من حديثهم الذي كان، تلّطف منكة حتى دخل على يحيى في الحبس فوجده جالسا على لبد «3» ووجد الفضل بين يديه يمهن أي يخدم فاستعبر منكة وقال: قد كنت ناديت لو أعرت الإجابة. قال له يحيى: أتراك علمت من ذلك شيئا جهلته؟ كلا ولكنه كان الرجاء للسلامة بالبراءة من الذنب أغلب من الشّفق وكان مزايلة القدر الخطير عبئا قلّما تنهض به الهمة. وبعد فقد كانت نعم أرجو أن يكون أوّلها شكرا وآخرها أجرا. فما تقول في هذا الداء؟ قال له منكة: ما أرى له دواء أنجع من الصبر، ولو كان يفدى بمال أو مفارقة عضو كان ذلك مما يجب لك. قال يحيى: قد شكرت لك ما ذكرت فإن أمكنك تعهّدنا فافعل. قال منكة: لو أمكنني تخليف الروح عندك ما بخلت بذلك، فإنما كانت الأيام تحسن لي بسلامتك. قال الفضل:
(1/79)

كان يحيى يقول: دخلنا في الدنيا دخولا أخرجنا منها.
وقرأت في كتاب للهند: «إنما مثل السلطان في قلة وفائه للأصحاب وسخاء نفسه عمن فقد منهم مثل البغيّ والمكتّب «1» ، كلما ذهب واحد جاء آخر» .
والعرب تقول: «السلطان ذو عدوان «2» وذو بدوان وذو تدرإ» يريدون أنه سريع الإنصراف كثير البدوات هجوم على الأمور.
قال معاذ بن مسلم: رأيت أبا جعفر وأبا مسلم دخلا الكعبة فنزع أبو جعفر نعله فلما أراد الخروج قال: يا عبد الرحمن، هات نعلي. فجاء بها، فقال: يا معاذ ضعها في رجلي. فألبسته إياها فحقد ذلك أبو مسلم، ووجّه أبو جعفر يقطين «3» بن موسى إلى أبي مسلم لإحصاء الأموال فقال أبو مسلم: أفعلها ابن سلامة الفاعلة؟ لا يكنّي. فقال يقطين. عجّلت أيها الأمير، قال: وكيف؟
قال: أمرني أن أحصي الأموال ثم أسلّمها إليك لتعمل فيها برأيك. ثم قدم يقطين على المنصور فأخبره. فلما قدم أبو مسلم المدائن في اليوم الذي قتل فيه جعل يضرب بالسّوط معرفة برذونه «4» ويقول بالفارسية كلاما معناه: ما تغني المعرفة إذا لم يقدر على دفع المحتوم. ثم قال: جارّة ذيلها، تدعو يا ويلها، بدجلة أو حولها، كأنا بعد ساعة، قد صرنا في دجلة.
(1/80)

قال المنصور: «ثلاث كنّ في صدري شفى الله منها: كتاب أبي مسلم إليّ وأنا خليفة: عافانا الله وإياك من السوء، ودخول رسوله علينا وقوله: أيّكم ابن الحارثيّة؟. وضرب سليمان بن حبيب ظهري بالسياط» .
قال المنصور لسلم بن قتيبة: ما ترى في قتل أبي مسلم؟ فقال سلم:
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
فقال حسبك يا أبا أميّة.
قال أبو دلامة «1» : [طويل]
أبا مسلم ما غيّر الله نعمة ... على عبده حتى يغيّرها العبد
أفي دولة المهديّ حاولت غدرة ... ألا إنّ أهل الغدر آباؤك الكرد
أبا مسلم خوّفتني القتل فانتحى ... عليك بما خوّفتني الأسد الورد»
قال مروان «3» بن محمد لعبد الحميد حين أيقن بزوال ملكه: «قد احتجت إلى أن تصير مع عدوّي وتظهر الغدر بي، فإنّ إعجابهم بأدبك وحاجتهم إلى كتابتك تدعوهم إلى حسن الظن بك، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي وإلا لم تعجز عن حفظ حرمتي بعد وفاتي» فقال عبد الحميد: إن الذي أمرتني به أنفع الأمرين لك وأقبحهما بي وما عندي إلا الصبر حتى يفتح الله لك أو أقتل معك. وقال: [طويل]
(1/81)

أسرّ وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره
المشاورة والرأي
حدّثنا الزّياديّ قال: حدثنا حماد بن زيد عن هشام عن الحسن قال:
«كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يستشير حتى المرأة فتشير عليه بالشيء فيأخذ به» .
وقرأت في التاج أن بعض ملوك العجم استشار وزراءه، فقال أحدهم:
«لا ينبغي للملك أن يستشير منا أحدا إلا خاليا به، فإنه أموت للسر وأحزم للرأي وأجدر بالسلامة وأعفى لبعضنا من غائلة بعض، فإن إفشاء السرّ إلى رجل واحد أوثق من إفشائه إلى آثنين، وإفشاءه إلى ثلاث كإفشائه إلى العامّة لأن الواحد رهن بما أفشي إليه والثاني يطلق عنه ذلك الرهن والثالث علاوة فيه، وإذا كان سر الرجل عند واحد كان أحرى ألا يظهره رهبة منه ورغبة إليه، وإذا كان عند اثنين دخلت على الملك الشبهة واتسعت على الرجلين المعاريض، فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد، وإن اتهمهما اتهم بريئا بجناية مجرم، وإن عفا عنهما كان العفو عن أحدهما ولا ذنب له عن الآخر ولا حجة معه» .
وقرأت في كتاب للهند أن ملكا استشار وزراء له، فقال أحدهم:
«الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحزمة كما يزداد البحر بموادّه من الأنهار، وينال بالحزم والرأي ما لا يناله بالقوّة والجنود، وللأسرار منازل: منها ما يدخل الرهط فيه، ومنها ما يستعان فيه بقوم، ومنها ما يستغنى فيه بواحد. وفي تحصين السر الظّفر بالحاجة والسلامة من الخلل. والمستشير وإن كان أفضل رأيا من المشير، فإنه يزداد برأيه رأيا كما تزداد النار بالسّليط ضوءا. وإذا كان
(1/82)

الملك محصّنا لسره بعيدا من أن يعرف ما في نفسه متخيّرا للوزراء مهيبا في أنفس العامة كافيا بحسن البلاء لا يخافه البريء ولا يأمنه المريب مقدّرا لما يفيد وينفق، كان خليقا لبقاء ملكه. ولا يصلح لسرّنا هذا إلا لسانان وأربع آذان. ثم خلا به» .
قال أبو محمد: كتبت إلى بعض السلاطين كتابا وفي فصل منه: «لم يزل حزمة الرجال يستحلون مرارة قول النصحاء ويستهدون العيوب ويستثير صواب الرأي من كلّ حتى الأمة الوكعاء، ومن احتاج إلى إقامة دليل على ما يدّعيه من مودّته ونقاء طويّته فقد أغناني الله عن ذلك بما أوجبه الاضطرار إذ كنت أرجو بدوام نعمتك وارتفاع درجتك وانبساط جاهك ويدك زيادة الحال» .
وفي فصل آخر: «وقد تحملت في هذا الكتاب بعض العتب وخالفت ما أعلم إذ عرضت بالرأي ولم أستشر وأحللت نفسي محل الخواصّ ولم أحلّ ونزعت بي النفس، حين جاشت وضاقت بما تسمع، عن طريق الصواب لها إلى طريق الصواب لك، وحين رأيت لسان عدوّك منبسطا بما يدّعيه عليك وسهامه نافذة فيك، ورأيت وليّك معكوما عن الاحتجاج إذ لا يجد العذر ورأيت عوامّ الناس يخوضون بضروب الأقاويل في أمرك، ولا شيء أضرّ على السلطان في حال ولا أنفع في حال منهم. وبما يجريه الله على ألسنتهم تسير الركبان وتبقى الأخبار ويخلد الذكر على الدهر وتشرف الأعقاب، وظاهر الخبر عندهم أعدل من شهادة العدول الثقات» .
وفي فصل منه: «وسائس الناس ومدبر أمورهم يحتاج إلى سعة الصدر واستشعار الصبر واحتمال سوء أدب العامّة وإفهام الجاهل وإرضاء المحكوم عليه والممنوع مما يسأل بتعريفه من أين منع، والناس لا يجمعون على الرضا إذا جمع بهم كل أسباب الرضا فكيف إذا منعوا بعضها، ولا يعذرون بالعذر
(1/83)

الواضح فكيف بالعذر الملتبس، وأخوك من صدقك وارتمض لك لا من تابعك على هواك ثم غاب عنك بغير ما أحضرك» .
قال زياد لرجل يشاوره: «لكل مستشير ثقة ولكل سر مستودع، وإن الناس قد أبدعت بهم خصلتان: إضاعة السر، وإخراج النصيحة. وليس موضع السر إلا أحد رجلين: رجل آخرة يرجو ثواب الله، أو رجل دنيا له شرف في نفسه وعقل يصون به حسبه، وقد عجمتهما لك» .
وكتب بعض الكتاب: «إعلم أن الناصح لك المشفق عليك من طالع لك ما وراء العواقب برؤيته ونظره، ومثّل لك الأحوال المخوفة عليك، وخلط لك الوعر بالسهل من كلامه ومشورته ليكون خوفك كفئا لرجائك وشكرك إزاء النعمة عليك. وأن الغاشّ لك الحاطب عليك من مدّ لك في الاغترار ووطّأ لك مهاد الظلم وجرى معك في عنانك منقادا لهواك» .
وفي فصل: «إني وإن كنت ظنينا عندك في هذه الحال ففي تدبرك صفحات هذه المشورة ما دلك على أن مخرجها عن صدق وإخلاص» .
إبراهيم بن المنذر قال: استشار زياد بن عبيد الله الحارثي عبيد الله بن عمر في أخيه أبي بكر أن يولّيه القضاء، فأشار عليه به، فبعث إلى أبي بكر فامتنع عليه، فبعث زياد إلى عبيد الله يستعين به على أبي بكر، فقال أبو بكر لعبيد الله: أنشدك بالله أترى لي أن ألي القضاء؟ قال: اللهم لا. قال زياد:
سبحان الله! استشرتك فأشرت عليّ به ثم أسمعك تنهاه! قال: أيها الأمير، استشرتني فاجتهدت لك رأيي ونصحتك، واستشارني فاجتهدت له رأيي ونصحته.
كان نصر بن مالك على شرط أبي مسلم، فلما جاءه إذن أبي جعفر في القدوم عليه استشاره فنهاه عن ذلك وقال: لا آمنه عليك. قال له أبو جعفر لما
(1/84)

صار اليه: إستشارك أبو مسلم في القدوم عليّ فنهيته؟ قال نعم: قال وكيف ذاك؟ قال: سمعت أخاك إبراهيم الإمام يحدّث عن أبيه محمد بن عليّ قال:
«لا يزال الرجل يزاد في رأيه ما نصح لمن استشاره» وكنت له كذلك وأنا اليوم لك كما كنت له.
قال معاوية: «لقد كنت ألقى الرجل من العرب أعلم أن في قلبه عليّ ضغنا فأستشيره، فيثير إليّ منه بقدر ما يجده في نفسه فلا يزال يوسعني شتما وأوسعه حلما حتى يرجع صديقا أستعين به فيعينني وأستنجده فينجدني» .
وقرأت في كتاب إبرويز إلى ابنه شيرويه وهو في حبسه: «عليك بالمشاورة فإنك واجد في الرجال من ينضج لك الكيّ ويحسم عنك الداء ويخرج لك المستكنّ ولا يدع لك في عدوّك فرصة إلا انتهزها ولا لعدوّك فيك فرصة إلا حصّنها، ولا يمنعك شدّة رأيك في ظنك ولا علوّ مكانك في نفسك من أن تجمع إلى رأيك رأي غيرك فإن أحمدت اجتنيت وإن أذممت نفيت، فإن في ذلك خصالا: منها أنه إن وافق رأيك ازداد رأيك شدّة عندك، وإن خالف رأيك عرضته على نظرك، فإن رأيته معتليا لما رأيت قبلت، وإن رأيته متضعا عنه استغنيت، ومنها أنه يجدّد لك النصيحة ممن شاورت وإن أخطأ لك مودّته وإن قصّر» .
وفي كتاب للهند: «من التمس من الإخوان الرخصة عند المشورة ومن الأطباء عند المرض ومن الفقهاء عند الشبهة، أخطأ الرأي وازداد مرضا وحمل الوزر» .
وفي آداب ابن المقفع: «لا يقذفنّ في روعك «1» أنك إن استشرت
(1/85)

الرجال ظهر للناس منك الحاجة إلى رأي غيرك، فيقطعك ذاك عن المشاورة، فإنك لا تريد الرأي للفخر به ولكن للانتفاع به. ولو أنك أردت الذّكر كان أحسن الذكر عند الألبّاء أن يقال: لا ينفرد برأيه دون ذوي الرأي من إخوانه» .
قال عمر بن الخطاب: «الرأي الفرد كالخيط السّحيل، والرأيان كالخيطين المبرمين، والثلاثة مرار «1» لا يكاد ينتقض» . وقال أشجع «2» : [بسيط]
رأي سرى وعيون الناس هاجعة ... ما أخّر الحزم رأي قدّم الحذرا
كتب الحجاج إلى المهلّب يستعجله في حرب الأزارقة، فكتب إليه المهلب: «إنّ من البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره» . وقيل لعبد الله بن وهب الراسيّ يوم عقدت له الخوارج: تكلم. فقال: ما أنا والرأي الفطير والكلام القضيب. وقال أيضا: خمير الرأي خير من فطيره، وربّ شيء غابّه خير من طريّه، وتأخيره خير من تقديمه. وقيل لآخر: تكلم.
فقال: ما أشتهي الخبز إلا بائتا.
كان ابن هبيرة يقول: «اللهمّ إني أعوذ بك من صحبة من غايته خاصة نفسه والانحطاط في هوى مستشيره، وممن لا يلتمس خالص مودّتك إلا بالتأتّي لموافقة شهوتك، ومن يساعدك على سرور ساعتك ولا يفكر في حوادث غدك» . وكان يقال: «من أعطي أربعا لم يمنع أربعا: من أعطي الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطي التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب، ومن أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة» . وكان يقال: لا تستشر معلّما ولا راعي الغنم ولا كثير القعود مع النساء. وكان يقال:
(1/86)

لا تشاور صاحب حاجة يريد قضاءها ولا جائعا ولا حاقن بول وقالوا «لا رأي لحاقن ولا لحازق» «1» وهو الذي ضغطه الخفّ «ولا لحاقب» وهو الذي يجد رزّا في بطنه. وقالوا أيضا: لا تشاور من لا دقيق عنده.
وكان بعض ملوك العجم إذا شاور مرازبته «2» فقصّروا في الرأي دعا الموكّلين بأرزاقهم فعاقبهم، فيقولون: تخطىء مرازبتك وتعاقبنا! فيقول نعم، إنهم لم يخطئوا إلا لتعلّق قلوبهم بأرزاقهم وإذا اهتموا أخطأوا. وكان يقال:
إنّ النفس إذا أحرزت قوتها ورزقها اطمأنّت.
وقال كعب: لا تستشيروا الحاكة فإن الله سلبهم عقولهم ونزع البركة من كسبهم. قال الشاعر: [طويل]
وأنفع من شاورت من كان ناصحا ... شفيقا فأبصر بعدها من تشاور
وليس بشافيك الشفيق ورأيه ... عزيب «3» ولا ذوا الرأي والصّدر واغر
ويقال: علامة الرشد أن تكون النفس مشتاقة. وقال آخر [طويل]
إذا بلغ الرأي النصيحة فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازم
ولا تحسب الشّورى عليك غضاضة ... فإنّ الخوافي «4» رافدات القوادم
(1/87)

وخلّ الهوينا للضعيف ولا تكن ... نؤوما فإنّ الحزم ليس بنائم
وأدن من القربى المقرّب نفسه ... ولا تشهد الشّورى امرا غير كاتم
وما خير كفّ أمسك الغلّ أختها ... وما خير سيف لم يؤيّد بقائم
فإنك لن تستطرد الهمّ بالمنى ... ولن تبلغ العليا بغير المكارم
قال أعرابي: ما غبنت قطّ حتى يغبن قومي. قيل: وكيف ذلك؟ قال: لا أفعل شيئا حتى أشاورهم. وقيل لرجل من بني عبس: ما أكثر صوابكم! فقال: نحن ألف رجل وفينا حازم واحد ونحن نطيعه، فكأنا ألف حازم.
ويقال: «ليس بين الملك وبين أن يملك رعيته أو تملكه إلا حزم أو توان» .
وقال القطامي «1» في معصية الناصح: [وافر]
ومعصية الشفيق عليك مما ... يزيدك مرّة منه استماعا
وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبّعه اتباعا
كذاك وما رأيت الناس إلا ... إلى ما جرّ غاويهم سراعا
تراهم يغمزون من استركّوا ... ويجتنبون من صدق المصاعا
وقال آخر، أنشدنيه الرّياشي: [طويل]
ومولى عصاني واستبد برأيه ... كما لم يطع بالبقّتين قصير «2»
(1/88)

فلمّا رأى أن غبّ أمري وأمره ... وولّت بأعجاز الأمور صدور
تمنّى نئيشا «1» أن يكون أطاعني ... وقد حدثت بعد الأمور أمور
وقال سبيع لأهل اليمامة «يا بني حنيفة، بعدا كما بعدت عاد وثمود «2» ، أما والله لقد أنبأتكم بالأمر قبل وقوعه كأني أسمع جرسه وأبصر غيبه ولكنّكم أبيتم النصيحة فاجتنيتم الندم، وأصبحتم وفي أيديكم من تكذيبي التصديق ومن تهمتي الندامة، وأصبح في يدي من هلاككم البكاء ومن ذلّكم الجزع، وأصبح ما فات غير مردود وما بقي غير مأمون. وإني لمّا رأيتكم تتّهمون النصيح وتسفّهون الحليم استشعرت منكم اليأس وخفت عليكم البلاء. والله ما منعكم الله التوبة ولا أخذكم على غرّة ولقد أمهلكم حتى ملّ الواعظ وهن الموعوظ وكنتم كأنما يعنى بما أنتم فيه غيركم» .
وأشار رجل على صديق له برأي، فقال له: «قد قلت ما يقول الناصح الشفيق الذي يخلط حلو كلامه بمرّه وحزنه «3» بسهله ويحرّك الإشفاق منه ما هو
(1/89)

ساكن من غيره؛ وقد وعيت النصح فيه وقبلته إذ كان مصدره من عند من لا يشكّ في مودته وصافي غيبه، وما زلت بحمد الله إلى كل خير طريقا منهجا ومهيعا «1» واضحا» .
وكتب عثمان إلى عليّ حين أحيط به: «أما بعد، فإنه قد جاوز الماء الزّبى وبلغ الحزام الطّبيين «2» وقد تجاوز الأمر بي قدره: [طويل]
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولمّا أمزّق»
وقال أوس «3» بن حجر: [طويل]
وقد أعتب ابن العم إن كنت ظالما ... وأغفر عنه الجهل إن كان أجهلا
وإن قال لي ماذا ترى؟ يستشيرني ... يجدني ابن عمّ مخلط الأمر مزيلا «4»
أقيم بدار الحزم ما دام حزمها ... وأحري إذا حالت بأن أتحوّلا
وأستبدل الأمر القويّ بغيره ... إذا عقد مأفون «5» الرجال تحلّلا
وكان يقال: «أناة في عواقبها درك، خير من معاجلة في عواقبها فوت» .
وأنشدني الرياشي: [بسيط]
(1/90)

وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا «1»
وكان يقال: «روّ بحزم فإذا استوضحت فاعزم» .
الإصابة بالظن والرأي
كان ابن الزبير يقول: «لا عاش بخير من لم ير برأيه ما لم ير بعينه» .
وسئل بعض الحكماء: ما العقل؟ فقال: «الإصابة بالظن ومعرفة ما لم يكن بما كان» . وكان يقال: «كفى مخبرا عما مضى ما بقي، وكفى عبرا لأولي الألباب ما جرّبوا» . وكان يقال: «كل شيء محتاج إلى العقل، والعقل محتاج إلى التجارب» . ويقال: «من لم ينفعك ظنه لم ينفعك يقينه» . وقال أوس بن حجر: [منسرح]
الألمعيّ الذي يظنّ بك الظ ... نّ كأن قد رأى وقد سمعا
وقال آخر: [طويل]
وأبغي صواب الظنّ أعلم أنه ... إذا طاش ظنّ المرء طاشت مقادره
وقال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه في عبد الله بن عباس: «إنه لينظر إلى الغيب من ستر رقيق» . ويقال: «ظنّ الرجل قطعة من عقله» .
ويقال: «الظنون مفاتيح اليقين» . وقال بعض الكتاب: [وافر]
أصونك أن أظنّ عليك ظنّا ... لأنّ الظنّ مفتاح اليقين
(1/91)

وقال الكميت «1» : [بسيط]
مثل التدبّر في الأمر ائتنافكه ... والمرء يعجز في الإقدام لا الحيل «2»
وقال آخر: [طويل]
وكنت متى تهزز لخطب تغشّه ... ضرائب أمضى من رقاق المضارب «3»
تجلّلته بالرأي حتى أريته ... به ملء عينيه مكان العواقب
وقال آخر يصف عاقلا: [طويل]
بصير بأعقاب الأمور كأنما ... يرى بصواب الرأي ما هو واقع
وقال آخر في مثله: [طويل]
عليم بأعقاب الأمور برأيه ... كأنّ له في اليوم عينا على الغد
وقال آخر يصف عاقلا: [طويل]
بصير بأعقاب الأمور كأنّما ... يخاطبه من كل أمر عواقبه
وقال جثّامة بن قيس «4» يهجو قوما: [بسيط]
أنتم أناس عظام لا قلوب لكم ... لا تعلمون أجاء الرّشد أم غابا؟
(1/92)

وتبصرون رؤوس الأمر مقبلة ... ولا ترون وقد ولّين أذنابا
وقلّما يفجأ المكروه صاحبه ... إذا رأى لوجوه الشر أسبابا
وقال آخر: [طويل]
فلا يحذرون الشرّ حتى يصيبهم ... ولا يعرفون الأمر إلا تدبّرا «1»
ويقال: «ظن العاقل كهانة» . وفي كتاب للهند: «الناس حازمان وعاجز، فأحد الحازمين الذي إذا نزل به البلاء لم يبطر وتلقّاه بحيلته ورأيه حتى يخرج منه، وأحزم منه العارف بالأمر إذا أقبل فيدفعه قبل وقوعه، والعاجز في تردّد وتثنّ حائر بائر لا يأتمر رشدا ولا يطيع مرشدا» .
وقال الشاعر: [طويل]
وإني لأرجو الله حتى كأنّني ... أرى بجميل الظن ما الله صانع
وقال آخر: [وافر]
وغرّة مرّة من فعل غرّ «2» ... وغرّة مرّتين فعال موق
فلا تفرح بأمر قد تدنّى ... ولا تأيس من الأمر السّحيق
فإن القرب يبعد بعد قرب ... ويدنو البعد بالقدر المسوق
ومن لم يتق الضّحضاح «3» زلّت ... به قدماه في البحر العميق
(1/93)

وما اكتسب المحامد طالبوها ... بمثل البشر والوجه الطّليق
وقال مروان بن الحكم لحبيش بن دلجة: أظنك أحمق. قال: «أحمق ما يكون الشيخ إذا عمل بظنّه» . ونقش رجل على خاتمه: «الخاتم خير من الظن» . ومثله: «طينة خير من ظنّة» .
اتباع الهوى
كان يقال: الهوى شريك العمى. وقال عامر بن الظّرب: الرأي نائم والهوى يقظان، ولذلك يغلب الرأي الهوى. وقال ابن عباس: «الهوى إله معبود» وقرأ: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
«1» . وقال هشام بن عبد الملك، ولم يقل غيره: [طويل]
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال
وقال بزرجمهر «2» : «إذا اشتبه عليك أمران فلم تدر في أيهما الصواب، فانظر أقربهما إلى هواك فاجتنبه» .
كان عمرو بن العاص صاحب عمارة بن الوليد إلى بلاد الحبشة ومع عمرو امرأته فوقعت في نفس عمارة فدفع عمرا في البحر فتعلق بالسفينة وخرج، فلما ورد بلاد الحبشة سعى عمرو بعمارة إلى النّجاشيّ وأخبره أنه يخالف إلى بعض نسائه فدعا النّجاشي بالسواحر فنفخن في إحليله فهام مع الوحش، وقال عمرو في ذلك: [طويل]
تعلّم عمارا أنّ من شرّ شيمة ... لمثلك أن يدعى ابن عمّ له ابنما
(1/94)

وإن كنت ذابردين أحوى مرجّلا ... فلست براء لابن عمك محرما
إذا المرء لم يترك طعاما يحبّه ... ولم يعص قلبا غاويا حيث يمّما
قضى وطرا «1» منه يسيرا وأصبحت ... إذا ذكرت أمثاله تملأ الفما
وقال حاتم طيّ «2» في مثله: [طويل]
وإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذمّ أجمعا
وقال آخر: [طويل]
جار الجنيد عليّ محتكما ... جهلا ولست بموضع الظّلم «3»
أكل الهوى حججي وربّ هوى ... مما سيأكل حجّة الخصم
وقال أعرابي: «الهوى هوان «4» ، ولكن غلط باسمه» .
وقال الزبير بن عبد المطّلب «5» : [وافر]
وأجتنب المقاذع حيث كانت ... وأترك ما هويت لما خشيت
وقال البريق «6» الهذلي: [وافر]
أبن لي ما ترى والمرء تأبى ... عزيمته ويغلبه هواه
فيعمى ما يرى فيه عليه ... ويحسب ما يراه لا يراه
(1/95)

وكان يقال: «أخوك من صدقك وأتاك من جهة عقلك لا من جهة هواك» .
السرّ وكتمانه وإعلانه
حدّثنى أحمد بن الخليل قال: حدثنا محمد بن الحصيب قال: حدّثني أوس بن عبد الله بن بريدة عن أخيه سهل عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«استعينوا على الحوائج بالكتمان فإنّ كلّ ذي نعمة محسود» . وكانت الحكماء تقول:
«سرّك من دمك» . والعرب تقول: «من ارتاد لسره موضعا فقد أذاعه» .
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب عن عمّه الأصمعي قال:
أخبرني بعض أصحابنا قال: دخل ابن أبي محجن «1» الثقفي على معاوية، فقال له معاوية: أبوك الذي يقول: [طويل]
إذا متّ فادفنّي إلى أصل كرمة ... تروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفننّي في الفلاة فإنّني ... أخاف وراء الموت أن لا أذوقها
فقال ابن أبي محجن: لو شئت ذكرت أحسن من هذا من شعره. فقال معاوية: وما ذاك؟ قال قوله: [بسيط]
لا تسألي القوم مالي وما حسبي ... وسائلي القوم ما حزمي وما خلقي
القوم أعلم أني من سراتهم ... إذا تطيش يد الرّعديدة الفرق «2»
أعطي السّنان غداة الرّوع حصّته ... وعامل الرّمح أرويه من العلق «3»
قد أركب الهول مسدولا عساكره ... وأكتم السرّ فيه ضربة العنق
(1/96)

وأنشدني للصّلتان العبدي «1» : [متقارب]
وسرّك ما كان عند امرىء ... وسرّ الثلاثة غير الخفي
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يتمثّل بهذين البيتين:
[متقارب]
ولا تفش سرّك إلّا إليك ... فإنّ لكلّ نصيح نصيحا
فإني رأيت غواة الرجا ... ل لا يتركون أديما صحيحا
وقال الشاعر: [كامل]
ومراقبين تكاتما بهواهما ... جعلا القلوب لما تجنّ قبورا
يتلاحظان تلاحظا فكأنما ... يتناسخان من الجفون سطورا «2»
وقال مسكين الدّارمي «3» : [طويل]
أواخي رجالا لست اطلع بعضهم ... على سرّ بعض غير أني جماعها
يظلّون شتّى في البلاد وسرّهم ... إلى صخرة أعيا الرّجال انصداعها
وقال آخر: [بسيط]
ولو قدرت على نسيان ما اشتملت ... مني الضّلوع من الأسرار والخبر
(1/97)

لكنت أوّل من ينسى سرائره ... إذ كنت من نشرها يوما على خطر
أسرّ رجل إلى صديق له حديثا فلما استقصاه قال له: أفهمت؟ قال:
لا، بل نسيت.
قيل لأعرابي: كيف كتمانك للسر؟ قال: «ما قلبي له إلا قبر» . وقيل لمزيد: أيّ شيء تحت حضنك؟ فقال: يا أحمق، لم خبّأته. وقال الشاعر:
[وافر]
إذا ما ضاق صدرك عن حديث ... فأفشته الرجال فمن تلوم؟
إذا عاتبت من أفشى حديثي ... وسرّي عنده فأنا الظّلوم
وإني حين أسأم حمل سرّي ... وقد ضمّنته صدري، سؤوم
قيل لرجل: كيف كتمانك للسر؟ قال: «أجحد المخبر وأحلف للمستخبر» . وكان يقال: «من وهي الأمر إعلانه قبل إحكامه» . وقال الشاعر: [طويل]
إذا أنت حمّلت الخؤون أمانة ... فإنك قد أسندتها شرّ مسند
وقال عمرو بن العاص: «ما استودعت رجلا سرّا فأفشاه فلمته، لأني كنت أضيق صدرا حين استودعته» . وقال: [طويل]
إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرّها ... فسرّك عند الناس أفشى وأضيع
وكان يقال: «من ضاق قلبه اتسع لسانه» .
وقال الوليد بن عتبة لأبيه: إن أمير المؤمنين أسرّ إليّ حديثا ولا أراه يطوى عنك ما يبسطه لغيرك، أفلا أحدّثك به؟ قال: لا يا بنيّ «إنه من كتم سرّه كان الخيار له، ومن أفشاه كان الخيار عليه، فلا تكوننّ مملوكا بعد أن كنت مالكا» قال: قبلت: وإنّ هذا ليجري بين الرجل وأبيه؟ قال: لا، ولكني
(1/98)

أكره أن تذلّل لسانك بأحاديث السر. فحدّثت به معاوية فقال: يا وليد، أعتقك أخي من رقّ الخطأ.
وفي كتب العجم أن بعض ملوك فارس قال: «صونوا أسراركم فإنه لا سرّ لكم إلا في ثلاثة مواضع: مكيدة تحاول أو منزلة تزاول أو سريرة مدخولة تكتم، ولا حاجة بأحد منكم في ظهور شيء منها عنه» . وكان يقال: «ما كنت كاتمه من عدّوك فلا تظهر عليه صديقك» .
وقال جميل بن معمر: [طويل]
أموت وألقى الله يا بثن «1» لم أبح ... بسّرك والمستخبرون كثير
وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [طويل]
ولما تلاقينا عرفت الذي بها ... كمثل الذي بي جذوك النعل بالنعل
فقالت وأرخت جانب السّتر إنما ... معي فتكلم غير ذي رقبة أهلي «2»
فقلت لها ما بي لهم من ترقّب ... ولكنّ سرّي ليس يحمله مثلي
يريد أنه ليس يحمله أحد مثلي في صيانته وستره، أي فلا أبديه لأحد.
وقال زهير «3» : [كامل]
السّتر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر
وقال آخر: [طويل]
فسرّي كإعلاني وتلك خليقتي ... وظلمة ليلي مثل ضوء نهاريا
وقال آخر لأخ له وحدّثه بحديث: إجعل هذا في وعاء غير سرب.
(1/99)

والسّرب السائل. وكان يقال: «للقائل على السامع جمع البال والكتمان وبسط العذر» . وكان يقال: «الرعاية خير من الاسترعاء» .
أتى رجل عبيد الله بن زياد فأخبره أن عبد الله بن همّام السّلولي «1» سبّه، فأرسل اليه فأتاه فقال: يا ابن همّام، إن هذا يزعم أنك قلت: كذا وكذا.
فقال ابن همّام: [طويل]
فأنت امرؤ إمّا ائتمنتك خاليا ... فخنت، وإمّا قلت قولا بلا علم
وإنك في الأمر الذي قد أتيته ... لفي منزل بين الخيانة والإثم
وقال آخر: [خفيف]
إخفض الصّوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل الكلام
وقال بعض الأعراب: [طويل]
ولا أكتم الأسرار لكن أنمّها ... ولا أدع الأسرار تغلي على قلبي
وإنّ قليل العقل من بات ليله ... تقلّبه الأسرار جنبا إلى جنب
وقال أبو الشّيص «2» : [بسيط]
ولا تأمننّ على سرّي وسرّكم ... غيري وغيرك أو طيّ القراطيس
أو طائر «3» سأحلّيه وأنعته ... مازال صاحب تنقير وتأسيس
(1/100)

سود براثنه ميل ذوائبه ... صفر حمالقه في الحسن مغموس
قد كان همّ سليمان ليذبحه ... لولا سعايته يوما ببلقيس «1»
وقال أيضا: [كامل]
أفضى أليك بسرّه قلم ... لو كان يعرفه بكى قلمه
وقال مسلم بن الوليد «2» في الكتاب يأتيك فيه السر: [بسيط]
الحزم تخريقه إن كنت ذا حذر ... وإنما الحزم سوء الظنّ بالناس
إذا أتاك وقد أدّى أمانته ... فاجعل صيانته في بطن أرماس «3»
وقال آخر: [طويل]
سأكتمه سرّي وأحفظ سرّه ... ولا غرّني أني عليه كريم
حليم فينسى أو جهول يشيعه ... وما الناس إلا جاهل وحليم
الكتّاب والكتابة
حدّثنا إسحاق بن راهويه عن وهب بن جرير عن أبيه عن يونس بن عبيد
(1/101)

عن الحسن عن عمرو بن ثعلب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من أشراط الساعة أن يفيض المال ويظهر القلم وتفشو التجار» قال عمرو: إن كنا لنلتمس في الحواء «1» العظيم الكاتب، ويبيع الرجل البيع فيقول: حتى أستأمن تاجر بني فلان.
حدّثنا أحمد بن الخليل عن إسماعيل بن أبان عن عنبسة بن عبد الرحمن القرشيّ عن محمد بن زاذان عن أمّ سعد عن زيد بن ثابت قال:
دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يملي في بعض حوائجه فقال: «ضع القلم على أذنك فإنه أذكر للمملي به» .
وحدّثني عبد الرحمن بن عبد المنعم عن أبيه عن وهب قال: «كان إدريس النبيّ عليه السلام أوّل من خطّ بالقلم وأوّل من خاط الثياب ولبسها، وكانوا من قبله يلبسون الجلود» .
حدّثنا إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا جرير عن يزيد بن أبي زياد عن عياض بن أبي موسى أنّ عمر بن الخطّاب قال لأبي موسى: ادع لي كاتبك ليقرأ لنا صحفا جاءت من الشام. فقال أبو موسى: إنه لا يدخل المسجد: قال عمر: أبه جنابة؟ قال: لا، ولكنّه نصراني. قال: فرفع يده، فضرب فخذه حتى كاد يكسرها ثم قال: ما لك! قاتلك الله! أما سمعت قول الله عز وجل:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ
«2» ! ألا اتخذت رجلا حنيفيا؟ فقال أبو موسى: له دينه ولي كتابته. فقال عمر: «لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزّهم إذ أذلّهم ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله» .
(1/102)

حدّثنا إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا عيس بن يونس قال: حدّثنا أبو حيّان التّيمي عن أبي زنباع عن أبي الدّهقانة قال: ذكر لعمر بن الخطّاب غلام كاتب حافظ من أهل الحيرة وكان نصرانيا، فقيل له: لو اتخذته كاتبا.
فقال: «لقد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين» .
حدّثني أبو حاتم قال: مرامر بن مروة «1» من أهل الأنبار وهو الذي وضع كتابة العربية، ومن الأنبار انتشرت فى الناس.
حدّثني أبو سهل عن الطّنافسي عن المنكدر بن محمد عن أبيه محمد ابن المنكدر قال: جاء الزّبير بن العوّام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف أصبحت؟
جعلني الله فداك! قال: «ما تركت أعرابيّتك بعد» .
قال عبد الملك بن مروان لأخيه عبد العزيز حين وجّهه إلى مصر: «تفقّد كاتبك وحاجبك وجليسك، فإنّ الغائب يخبّره عنك كاتبك، والمتوسّم يعرّفك بحاجبك، والداخل عليك يعرفك بجليسك» .
ابن أبي الزّناد عن أبيه قال: كنت كاتبا لعمر بن عبد العزيز فكان يكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب في المظالم فيراجعه، فكتب إليه: «إنه ليخيّل إليّ أني لو كتبت إليك أن تعطي رجلا شاة لكتبت إلي: أضأن أم ماعز؟ ولو كتبت إليك بأحدهما لكتبت: أذكر أم أنثى؟ ولو كتبت إليك بأحدهما لكتبت: أصغير أم كبير؟ فإذا أتاك كتابي هذا فلا تراجعني في مظلمة» .
وكتب أبو جعفر إلى سلم بن قتيبة يأمره بهدم دور من خرج مع إبراهيم
(1/103)

وعقر نخلهم. فكتب إليه: بأي ذلك نبدأ أبالنخل أم بالدّور؟ فكتب إليه أبو جعفر: «أما بعد، فإني لو أمرتك بإفساد ثمرهم لكتبت إليّ تستأذن في أيّه تبدأ أبالبرنيّ أم بالشّهريز «1» ؟» وعزله، وولّى محمد بن سليمان. وكان يقول:
«للكاتب على الملك ثلاثة، رفع الحجاب عنه، واتّهام الوشاة عليه، وإفشاء السرّ إليه» .
كانت العجم تقول: «من لم يكن عالما بإجراء المياه وبحفر فرض الماء والمسارب وردم المهاوي ومجاري الأيام في الزيادة والنقصان واستهلال القمر وأفعاله ووزن الموازين وذرع المثلّث والمربّع والمختلف الزّوايا ونصب القناطر والجسور والدوالي والنواعير على المياه وحال أدوات الصّنّاع ودقائق الحساب كان ناقصا في حال كتابته» .
قال ميمون بن ميمون: «إذا كانت لك إلى كاتب حاجة فليكن رسولك إليه الطمع» . وقال: «إذا آخيت الوزير فلا تخش الأمير» .
وفي كتاب للهند: «إذا كان الوزير يساوي الملك في المال والهيبة والطاعة من الناس فليصرعه الملك، وإن لم يفعل فليعلم أنه هو المصروع» .
المدائني قال: خلا زياد يوما في أمر ينظر فيه وعنده كاتب له يكتب وابنه عبيد الله، فنعس زياد فقال لعبيد الله: تعهّد هذا لا يكتب شيئا. ونام، فوجد عبيد الله مسّا «2» من البول فكره أن يوقظ أباه وكره أن يخلّي الكاتب فشدّ إبهاميه بخيط وختمه وقام لحاجته.
(1/104)

وقال أبو عبّاد الكاتب: ما جلس أحد قطّ بين يديّ إلا تخيّل إليّ أني جالس بين يديه.
وقرأت في التاج أن أبرويز قال لكاتبه: «أكتم السرّ واصدق الحديث واجتهد في النصيحة واحترس بالحذر، فإنّ لك عليّ أن لا أعجل بك حتى أستأني لك ولا أقبل عليك قولا حتى أستيقن ولا أطمع فيك أحدا فيغتالك.
واعلم أنك بمنجاة رفعة فلا تحطّنّها وفي ظل مملكة فلا تستزيلنّه، وقارب الناس مجاملة عن نفسك وباعد الناس مشايحة «1» من عدوّك واقصدّ إلى الجميل ادّراعا لغدك وتحصّن بالعفاف صونا لمروءتك وتحسّن عندي بما قدرت عليه من حسن ولا تشرعنّ الألسنة فيك ولا تقبّحنّ الأحدوثة عنك وصن نفسك صون الدّرّة الصافية وأخلصها إخلاص الفضّة البيضاء وعاتبها معاتبة الحذر المشفق وحصّنها تحصين المدينة المنيعة. لا تدعنّ أن ترفع إليّ الصغير، فإنه يدل على الكبير ولا تكتمنّ الكبير فإنه ليس شاغلي عن الصغير.
هذّب أمورك ثم القني بها واحكم لسانك ثم راجعني به ولا تجترئنّ عليّ فأمتعض ولا تنقبض مني فأتّهم ولا تمرّضنّ ما تلقاني به ولا تخدجنّه. وإذا فكّرت فلا تعجل وإذا كتبت فلا تعذر، ولا تستعيننّ بالفضول فإنها علاوة على الكفاية ولا تقصرنّ عن التحقيق فإنها هجنة بالمقالة ولا تلبسنّ كلاما بكلام ولا تباعدنّ معنى عن معنى. أكرم كتابك عن ثلاث: خضوع يستخفّه، وانتشار يثبّجه، ومعان تقعد به، واجمع الكثير مما تريد في القليل مما تقول، وليكن بسطة كتابك على السّوقة كبسطة ملك الملوك على الملوك، ولا يكن ما تملك عظيما وما تقول صغيرا فإنما كلام الكاتب على مقدار الملك فاجعله عاليا كعلوّه وفائقا كفوقه. واعلم أن جمّاع الكلام كله خصال أربع: سؤالك
(1/105)

الشيء، وسؤالك عن الشيء، وأمرك بالشيء، وخبرك عن الشيء فهذه الخلال دعائم المقالات إن التمس لها خامس لم يوجد وإن نقص منها رابع لم تتمّ، فإذا أمرت فاحكم وإذا سألت فاوضح وإذا طلبت فاسجح وإذا أخبرت فحقّق فإنك إذا فعلت ذلك أخذت بحزامير «1» القول كله فلم يشتبه عليك وارده ولم يعجزك منه صادره. أثبت في دواوينك ما أدخلت واحص فيها ما أخرجت وتيقّظ لما تأخذ وتجرّد لما تعطي ولا يغلبنّك النّسيان عن الإحصاء ولا الأناة عن التقدّم ولا تخرجنّ وزن قيراط في غير حقّ ولا تعظّمنّ إخراج الكثير في الحق، وليكن ذلك كله عن مؤامرتي» .
قال رجل لبنيه: «يا بنيّ، تزيّوا بزي الكتاب فإن فيهم أدب الملوك وتواضع السّوقة» .
قال الكسائي: «لقيت أعرابيا فجعلت أسأله عن الحرف بعد الحرف وعن الشيء بعد الشيء أقرنه بغيره فقال: يا لله! ما رأيت رجلا أقدر، على كلمة إلى جنب كلمة أشبه شيء بها وأبعد شيء منها، منك!» .
وقال ابن الأعرابي: «رآني أعرابي وأنا أكتب الكلمة بعد الكلمة من ألفاظه فقال: إنك لحتف الكلمة الشرود» .
وقال رجل من أهل المدينة: «جلست إلى قوم ببغداد فما رأيت أوزن من أحلامهم ولا أطيش من أقلامهم» .
وكتب بعض الكتاب إلى صديق له: «وصل إليّ كتابك فما رأيت كتابا أسهل فنونا ولا أملس متونا ولا أكثر عيونا ولا أحسن مقاطع ومطالع ولا أشدّ
(1/106)

على كل مفصل حزّا منه. أنجزت فيه عدة الرأي وبشرى الفراسة وعاد الظنّ بك يقينا والأمل فيك مبلوغا» .
ويقال: «عقول الرجال في أطراف أقلامها» .
ويقال: «القلم أحد اللسانين وخفة العيال أحد اليسارين وتعجيل اليأس أحد الظّفرين وإملاك العجين أحد الرّيعين وحسن التقدير أحد الكاسبين والّلبن أحد اللّحمين» . وقد يقال: المرق أحد اللحمين.
قيل لبعضهم: إن فلانا لا يكتب، فقال: تلك الزّمانة «1» الخفيّة. وقرأت في بعض كتب العجم أن موبذان موبذ وصف الكتّاب فقال: «كتّاب الملوك عيبتهم المصونة عندهم وآذانهم الواعية وألسنتهم الشاهدة، لأنه ليس أحد أعظم سعادة من وزراء الملوك إذا سعدت الملوك، ولا أقرب هلكة من وزراء الملوك إذا هلكت الملوك، فترفع التهمة عن الوزراء إذا صارت نصائحهم للملوك نصائحهم لأنفسهم، وتعظم الثقة بهم حين صار اجتهادهم للملوك اجتهادهم لأنفسهم فلا يتّهم روح على جسده ولا يتهم جسد على روحه لأن زوال ألفتهما زوال نعمتهما، وأنّ التئام ألفتهما صلاح خاصّتهما» .
وقال: [بسيط]
لئن ذهبت إلى الحجّاج يقتلني ... إني لأحمق من تخدي به العير «2»
مستحقبا «3» صحفا تدمي طوابعها ... وفي الصحائف حيّات مناكير
(1/107)

وقال بعض الشعراء في القلم: [طويل]
عجبت لذي سنّين في الماء نبته ... له أثر في كل مصر ومعمر
وقال بعض المحدثين في القلم: [متقارب]
ضئيل الرّواء كبير الغناء ... من البحر في المنصب الأخضر «1»
كمثل أخي العشق في شخصه ... وفي لونه من بني الأصفر «2»
يمرّ كهيئة مرّ الشّجا ... ع في دعص محنية أعفر «3»
إذا رأسه صحّ لم ينبعث ... وجاز السبيل ولم يبصر
وإن مدية صدعت رأسه ... جرى جري لا هائب مقصر «4»
يقضّي مآربه مقبلا ... ويحسمها هيئة المدبر
تجود بكفّ فتى كفّه ... تسوق الثّراء إلى المعسر
وقال حبيب «5» الطائي يصف القلم: [طويل]
لك القلم الأعلى الذي بشباته ... يصاب من الأمر الكلى المفاصل «6»
(1/108)

لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأري الجنى اشتارته أيد عواسل «1»
له ريقة طلّ ولكنّ وقعها ... بآثاره في الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمس اللّطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافل «2»
تراه جليلا شأنه وهو مرهف ... ضنى وسمينا خطبه وهو ناحل
وقال محمد «3» بن عبد الملك بن صالح الهاشمي يصف القلم:
[طويل]
وأسمر طاوي الكشح أخرس ناطق ... له ذملان في بطون المهارق «4»
إذا استعجلته الكفّ أمطر خاله ... بلا صوت إرعاد ولا ضوء بارق «5»
كأنّ اللآلي والزبرجد نطفه ... ونور الخزامي في بطون الحدائق «6»
وقال بعض المحدثين يمدح كاتبا: [كامل]
وإذا تألّق في النّديّ كلامه ال ... منظوم خلت لسانه من عضبه «7»
وإذا دجت أقلامه ثم انتجت ... برقت مصابيح الدّجى في كتبه
(1/109)

باللفظ يقرب فهمه في بعده ... منا ويبعد نيله في قربه
حكم فسائحها خلال بنانه ... متدفّق وقليبها في قلبه «1»
كالروض مؤتلف بحمرة نوره ... وبياض زهرته وخضرة عشبه
وقال سعيد «2» بن حميد يصف العود: [بسيط]
وناطق بلسان لا ضمير له ... كأنه فخذ نيطت إلى قدم
يبدي ضمير سواه في الكلام كما ... يبدي ضمير سواه منطق القلم
بعث الطائي إلى الحسن بن وهب بدواة أبنوس «3» وكتب إليه [خفيف]
قد بعثنا إليك أمّ المنايا ... والعطايا زنجيّة الأحساب
في حشاها من غير حرب حراب ... هي أمضى من مرهفات الحراب
وقال ابن أبي كريمة «4» يصف الدواة والقلم: [طويل]
ومسودّة الأرجاء قد خضت ماءها ... وروّيت من قعر لها غير منبط «5»
خميص «6» الحشا يروى على كل مشرب ... أمينا على سرّ الأمير المسلّط
وقال بعض أهل الأدب: إنما قيل: ديوان لموضع الكتبة والحسّاب لأنه
(1/110)

يقال: للكتاب بالفارسية «ديوان» أي شياطين، لحذقهم بالأمور ولطفهم فسمّي موضعهم باسمهم.
وقال آخر: إنما قيل لمدير الأمور عن الملك «وزير» من الوزر وهو الحمل يراد أنه يحمل عنه من الأمور مثل الأوزار وهي الأحمال، قال الله عز وجل:
وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ
«1» أي أحمالا من حليهم، ولهذا قيل للإثم: وزر، شبّه بالحمل على الظهر، قال الله تبارك وتعالى: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ
«2» .
وكان الناس يستحسنون لأبي نواس قوله: [طويل]
يا كاتبا، كتب الغداة يسبّني ... من ذا يطيق براعة الكتّاب؟
لم ترض بالإعجام حين سببتني ... حتى شكلت عليه بالإعراب
وأردت إفهامي فقد أفهمتني ... وصدقت فيما قلت غير محابي «3»
وقال آخر: [سريع]
يا كاتبا تنثر أقلامه ... من كفّه درّا على الأسطر
وقال عديّ «4» بن الرّقاع: [كامل]
صلى الاله على امرىء ودّعته ... وأتمّ نعمته عليه وزادها
(1/111)

ومنه أخذ الكتّاب: وأتمّ نعمته عليك وزاد فيها عندك.
وقال حاتم طيء في معنى قولهم: متّ قبلك: [طويل]
إذا ما أتى يوم يفرّق بيننا ... يموت فكن أنت الذي تتأخّر
وقال جرير في معناه: [بسيط]
ردّي فؤادي وكوني لي بمنزلتي ... يا قبل نفسك لاقى نفسي التلف
كتب بعض الملوك إلى بعض الكتّاب كتابا دعا له فيه «بأمتع الله بك» ، فكتب إليه ذلك الكاتب «1» : [منسرح]
أحلت عما عهدت من أدبك ... أم نلت ملكا فتهت في كتبك؟
أم هل ترى أنّ في التواضع ل ... لإخوان نقصا عليك في حسبك؟
أم كان ما كان منك عن غضب ... فأيّ شيء أدناك من غضبك؟
إنّ جفاء كتاب ذي مقة «2» ... يكتب في صدره: وأمتع بك
(1/112)

وقال الأصمعي «1» في البرامكة: [متقارب]
إذا ذكر الشّرك في مجلس ... أنارت وجوه بني برمك
وإن تليت عندهم آية ... أتوا بالأحاديث عن مزدك «2»
وقال آخر: [مجتث مجزوء]
إن الفراغ دعاني ... إلى ابتناء المساجد
وإنّ رأيي فيها ... كرأي يحيى بن خالد
مرّ عبد الله بن المقفّع ببيت النار، فقال: [كامل]
(1/113)

يا بيت عاتكة الذي أتعزّل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكّل «1»
وقال دعبل «2» في أبي عبّاد: [كامل]
أولى الأمور بضيعة وفساد ... أمر يدبّره أبو عبّاد
حنق على جلسائه بدواته ... فمرمّل ومضمّخ بمداد «3»
وكأنه من دير هرقل مفلت ... حرد يجرّ سلاسل الأقياد
خيانات العمال
حدّثنا إسحاق بن راهويه قال: ذكر لنا أن امرأة من قريش كان بينها وبين رجل خصومة فأراد أن يخاصمها إلى عمر فأهدت المرأة إلى عمر فخذ جزور ثم خاصمته إليه فوجّه القضاء عليها، فقال: يا أمير المؤمنين، إفصل القضاء بيننا كما يفصل فخذ الجزور «4» . فقضى عليها عمر وقال: إياكم والهدايا. وذكر القصة.
قال إسحاق: كان الحجاج استعمل المغيرة بن عبد الله الثقفي على الكوفة فكان يقضي بين الناس، فأهدى إليه رجل سراجا من شبه «5» وبلغ ذلك خصمه فبعث إليه ببغلة. فلما اجتمعا عند المغيرة جعل يحمل على صاحب
(1/114)

السراج وجعل صاحب السراج يقول: إنّ أمري أضوأ من السراج. فلما أكثر عليه قال: ويحك إن البغلة رمحت «1» السراج فكسرته.
حدّثنا إسحاق قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة عن الجريري عن أبي بصرة عن الربيع بن زياد الحارثي أنه وفد إلى عمر فأعجبته هيئته ونحوه، فشكا عمر طعاما غليظا يأكله. فقال الربيع: يا أمير المؤمنين، إن أحق الناس بمطعم طيّب وملبس ليّن ومركب وطيء لأنت.
فضرب رأسه بجريدة وقال: والله ما أردت بهذا إلا مقاربتي، وإن كنت لأحسب أن فيك خيرا. ألا أخبرك بمثلي ومثل هؤلاء؟ إنما مثلنا كمثل قوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم وقالوا أنفقها علينا. فهل له أن يستأثر عليهم بشيء؟ قال الربيع: لا.
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح قال: لما أتي عمر بتاج كسرى وسواريه جعل يقلّبه بعود في يده ويقول: والله إن الذي أدّى إلينا هذا لأمين، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أنت أمين الله يؤدّون إليك ما أدّيت إلى الله فإذا رتعت رتعوا. قال: صدقت.
حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعي قال: لما أتي علي عليه السلام بالمال أقعد بين يديه الوزّان والنقّاد فكوّم كومة من ذهب وكومة من فضة وقال:
يا حمراء ويا بيضاء إحمرّي وابيضّي وغرّي غيري. وأنشد: [سريع]
هذا جناي وخياره فيه ... إذ كلّ جان يده إلى فيه
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن
(1/115)

إسماعيل بن أبي خالد عن عاصم قال: كان عمر بن الخطاب إذا بعث عاملا يشترط عليه أربعا: ألّا يركب البراذين «1» ، ولا يلبس الرقيق، ولا يأكل «2» النّقيء، ولا يتخذ بوّابا. ومر ببناء يبني بحجارة وجصّ فقال: لمن هذا؟
فذكروا عاملا له على البحرين فقال: «أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها» وشاطره ماله. وكان يقول: «لي على كل خائن أمينان: الماء والطين» .
حدّثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال: حدّثنا قريش بن انس عن سعيد عن قتادة قال: جاء كتاب عمر بن عبد العزيز إلى واليه: أن دع لأهل الخراج من أهل الفرات ما يتختمون به الذهب ويلبسون الطيالسة ويركبون البراذين وخذ الفضل.
حدّثنا محمد بن عبيد عن هوذة عن عوف عن ابن سيرين وإسحاق عن النضر بن شميل عن ابن عون عن ابن سيرين بمعناه قال: لما قدم أبو هريرة «3» من البحرين قال له عمر: يا عدوّ الله وعدوّ كتابه، أسرقت مال الله؟ قال أبو هريرة: لست بعدوّ الله ولا عدوّ كتابه ولكني عدوّ من عاداهما ولم أسرق مال الله.
قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف درهم؟ قال: خيلي تناسلت وعطائي تلاحق وسهامي تتابعت فقبضتها منه. قال أبو هريرة: فلما صلّيت الصبح استغفرت لأمير المؤمنين ثم قال لي عمر بعد ذلك: ألا تعمل؟ فقلت: لا.
قال: قد عمل من هو خير منك، يوسف. فقلت: يوسف نبيّ ابن نبيّ وأنا
(1/116)

ابن أميمة «1» أخشى ثلاثا واثنتين. قال: فهلا قلت خمسا؟ قلت: أخشى أن أقول بغير علم، وأحكم بغير حلم، وأخشى أن يضرب ظهري، ويشتم عرضي، وينزع مالي.
حدّثنا محمد بن داود عن نصر بن قديد عن إبراهيم بن المبارك عن مالك بن دينار أنه دخل على بلال بن أبي بردة وهو أمير البصرة فقال: أيها الأمير، إني قرأت في بعض الكتب: «من أحمق من السلطان ومن أجهل ممن عصاني ومن أعزّ ممن أعزّني. أيا راعي السوء، دفعت إليك غنما سمانا سحاحا «2» فأكلت اللحم وشربت اللبن وائتدمت «3» بالسّمن ولبست الصوف وتركتها عظاما تتقعقع «4» » .
حدّثني محمد بن شبابة عن القاسم بن الحكم العرني القاضي قال:
حدّثني اسماعيل بن عيّاش عن أبي محمد القرشي عن رجاء بن حيوة عن ابن مخرمة قال: إني لتحت منبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالجابية حين قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس، اقرئوا القرآن تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله. إنه لن يبلغ ذو حق في حقه أن يطاع في معصية الله. ألا إنه لن يبعّد من رزق الله ولن يقرّب من أجل أن يقول المرء حقا وأن يذكّر بعظيم. ألا وإني ما وجدت صلاح ما ولّاني الله إلا بثلاث: أداء الأمانة، والأخذ بالقوة، والحكم بما أنزل الله. ألا وإني ما وجدت صلاح هذا المال
(1/117)

إلا بثلاث: أن يؤخذ من حق، ويعطى في حق، ويمنع من باطل. ألا وإنما أنا في مالكم هذا كوالي اليتيم إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف، تقرّم البهمة» «1» .
بلغني عن محمد بن صالح عن بكر بن خنيس عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه قال: «كان زياد إذا ولّى رجلا قال له: خذ عهدك وسر إلى عملك واعلم أنك مصروف رأس سنتك وأنك تصير إلى أربع خلال فاختر لنفسك: إنا إن وجدناك أمينا ضعيفا استبدلنا بك لضعفك وسلّمتك من معرّتنا «2» أمانتك، وإن وجدناك خائنا قويا استهنّا بقوّتك وأحسنّا على خيانتك أدبك فأوجعنا ظهرك وأثقلنا غرمك، وإن جمعت علينا الجرمين جمعنا عليك المضرّتين «3» ، وإن وجدناك أمينا قويا زدناك في عملك ورفعنا لك ذكرك وكثّرنا مالك وأوطأنا عقبك» .
قال العتبي: بعث إلى عمر بحلل فقسّمها فأصاب كلّ رجل ثوب فصعد المنبر وعليه حلّة، والحلة ثوبان، فقال: أيها الناس ألا تسمعون؟ فقال سليمان: لا نسمع. قال: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: لأنك قسّمت علينا ثوبا ثوبا وعليك حلة. قال: لا تعجل يا أبا عبد الله. ثم نادى: يا عبد الله، فلم يجبه أحد، فقال: يا عبد الله بن عمر. قال: لبّيك يا أمير المؤمنين. قال:
نشدتك بالله. الثوب الذي ائتزرت به هو ثوبك؟ قال: اللهم نعم. فقال سليمان رضي الله عنه: أمّا الآن فقل نسمع.
(1/118)

بلغني عن حفص بن عمران الرازي عن الحسن بن عمارة عن المنهال ابن عمرو قال: قال معاوية لشداد بن عمرو بن أوس: قم فاذكر عليّا فتنقّصه فقام شدّاد فقال: «الحمد لله الذي افترض طاعته على عباده وجعل رضاه عند أهل التقوى آثر من رضا غيره. على ذلك مضى أوّلهم وعليه يمضي آخرهم.
أيها الناس، إن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر، وإن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البرّ والفاجر، وإن السامع المطيع لا حجّة عليه وإن السامع العاصي لا حجة له. وإن الله، جل وعزّ، إذا أراد بالناس صلاحا عمّل عليهم صلحاءهم «1» وقضّى بينهم فقهاءهم وجعل المال في سمحائهم، وإذا أراد بالعباد شرا عمّل عليهم سفهاءهم وقضّى بينهم جهلاءهم وجعل المال عند بخلائهم. وإن من صلاح الولاة أن يصلح قرناؤها «2» . نصحك، يا معاوية، من أسخطك بالحق وغشّك من أرضاك بالباطل» فقال له معاوية: إجلس. وأمز له بمال، وقال: ألست من السّمحاء؟ فقال: إن كان مالك دون مال المسلمين تعمّدت جمعه مخافة تبعته فأصبته حلالا وأنفقته إفضالا، فنعم. وإن كان مما شاركك فيه المسلمون فاحتجنته «3» دونهم، أصبته اقترافا وأنفقته إسرافا، فإن الله، عز وجل، يقول: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً
«4» .
مرّ عمرو بن عبيد بجماعة عكوف «5» ، فقال: ما هذا؟ قالوا: سارق
(1/119)

يقطع. فقال: لا إله إلا الله، سارق السر يقطعه سارق العلانية!.
ومر طارق صاحب شرطة خالد القسري بابن شبرمة، وطارق في موكبه فقال ابن شبرمة «1» :
[طويل]
أراها وإن كانت تحبّ كأنّها ... سحابة صيف عن قريب تقشّع «2»
اللهم «3» ، لي ديني ولهم دنياهم. فاستعمل ابن شبرمة بعد ذلك على القضاء، فقال له ابنه: أتذكر يوم مرّ بك طارق في موكبه وقلت ما قلت؟
فقال: يا بنيّ، إنهم يجدون مثل أبيك ولا يجد مثلهم أبوك. إنّ أباك أكل من حلوائهم وحط في أهوائهم.
ولي عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس المدينة سنتين فأحسن السيرة وعفّ عن أموال الناس ثم عزل فاجتمعوا إليه فأنشد لدرّاج الضّبابي «4» :
[طويل]
فلا السجن أبكاني ولا القيد شفّني ... ولا أنني من خشية الموت أجزع
(1/120)

ولكنّ أقواما أخاف عليهم ... إذا متّ أن يعطوا الذي كنت أمنع «1»
ثم قال: والله ما أسفت على هذه الولاية ولكني أخشى أن يلي هذه الوجوه من لا يرعى لها حقها.
ووجدت في كتاب لعلي بن أبي طالب كرّم الله وجهه إلى ابن عباس حين أخذ من مال البصرة ما أخذ: «إني أشركتك في أمانتي ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب، والعدوّ قد حرب «2» قلبت لابن عمك ظهر المجنّ «3» بقراقه مع المفارقين وخذلانه مع الخاذلين واختطفت ما قدرت عليه من أموال الأمّة اختطاف الذئب الأزلّ «4» دامية المعزى» وفي الكتاب: «ضحّ «5» رويدا فكأن قد بلغت المدى وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي به ينادي المغترّ بالحسرة ويتمنّى المضيعّ التوبة والظالم الرجعة» .
وفي كتاب لعمر بن عبد العزيز إلى عديّ «6» بن أرطاة: «غرّني منك
(1/121)

مجالستك القرّاء وعمامتك السوداء فلما بلوناك وجدناك على خلاف ما أمّلناك، قاتلكم الله! أما تمشون بين القبور؟» .
قال ابن أحمر «1» يذكر عمّال الصّدقة: [بسيط]
إنّ العياب التي يخفون مشرجة ... فيها البيان ويلوى عندك الخبر
فابعث إليهم فحاسبهم محاسبة ... لا تخف عين على عين ولا أثر
هل في الثماني من السبعين مظلمة ... وربّها بكتاب الله مصطبر
وقال عبد الله بن همّام السّلولي «2» : [طويل]
أقلّي عليّ اللوم يا أم مالك ... وذمّي زمانا ساد فيه الفلاقس «3»
وساع مع السلطان ليس بناصح ... ومحترس من مثله وهو حارس «4»
قدم بعض عمال السلطان من عمل فدعا قوما فأطعمهم وجعل يحدّثهم بالكذب، فقال بعضهم: نحن كما قال الله عز وجل: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
«5» . قال بعض الشعراء: [بسيط]
ما ظنّكم بأناس خير كسبهم ... مصرّح السّحت سمّوه الإصابات
وقال أبو نواس في إسماعيل «6» بن صبيح: [طويل]
(1/122)

بنيت بما خنت الإمام سقاية ... فلا شربوا إلّا أمرّ من الصّبر «1»
فما كنت إلّا مثل بائعة استها ... تعود على المرضى به طلب الأجر»
يريد معنى الحديث أن امرأة كانت في بني إسرائيل تزني بحب الرمّان وتتصدّق به على المرضى.
وقال فيه «3» أيضا لمحمد الأمين: [طويل]
ألست أمين الله سيفك نقمة ... إذا ماق يوما في خلافك مائق «4» ؟
فكيف بإسماعيل يسلم مثله ... عليك ولم يسلم عليك منافق؟
أعيذك بالرحمن من شرّ كاتب ... له قلم زان وآخر سارق
وقال فيه أيضا: [طويل]
ألا قل لإسماعيل إنّك شارب ... بكأس بني ماهان ضربة لازم «5»
أتسمن أولاد الطّريد «6» ورهطه ... بإهزال آل الله من نسل هاشم؟
وتخبر من لاقيت أنّك صائم ... وتغدو بفرج مفطر غير صائم؟
فإن يسر إسماعيل في فجراته ... فليس أمير المؤمنين بنائم
(1/123)

ولي حارثة «1» بن بدر «سرّق» فكتب إليه أنس الدّؤلي «2» : [طويل]
أحار «3» بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
وبار تميما إنّ للغنى ... لسانا به المرء الهيوبة ينطق «4»
فإنّ جميع الناس إمّا مكذّب ... يقول بما يهوى وإمّا مصدّق
يقولون أقوالا ولا يعلمونها ... وإن قيل: هاتوا حقّقوا، لم يحقّقوا
ولا تحقرن، يا حار، شيئا أصبته ... فحظّك من ملك العراقين سرّق
فلما بلغت حارثة قال: لا يعمى عليك الرشد.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن جويرية بن أسماء قال: قال فلان:
«إن الرجل ليكون أمينا فإذا رأى الضّياع خان» .
قرأت في كتاب أبرويز إلى ابنه شيرويه: «اجعل عقوبتك على اليسير من الخيانة كعقوبتك على الكثير منها، فإذا لم يطمع منك في الصغير لم يجترأ عليك في الكبير. وأبرد البريد في الدرهم ينقص من الخراج، ولا تعاقبنّ على شيء كعقوبتك على كسرة ولا ترزقنّ على شيء كرزقك على إزجائه «5» ، واجعل أعظم رزقك فيه وأحسن ثوابك عليه حقن دم المزجي
(1/124)

وتوفير ماله من غير أن يعلم أنك أحمدت أمره حين عفّ واعتصم من أن يهلك» .
وقرأت في التاج أن أبرويز قال لصاحب بيت المال: «إني لا أحتملك على خيانة درهم ولا أحمدك على حفظ ألف ألف درهم، لأنك إنما تحقن بذلك دمك وتعمر به أمانتك فإنك إن خنت قليلا خنت كثيرا. واحترس من خصلتين: النقصان فيما تأخذ، والزيادة فيما تعطي. واعلم أني لم أجعل أحدا على ذخائر الملك وعمارة المملكة والعدّة إلا وأنت آمن عندي من موضعه الذي هو فيه وخواتيمه التي هي عليها، فحقّق ظني في اختياري إياك أحقق ظنّك في رجائك لي، ولا تتعوّض بخير شرا ولا برفعة ضعة ولا بسلامة ندامة ولا بأمانة خيانة» . وكان يقال: «كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة» .
قدم معاذ من يمن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بكر رضي الله عنه فقال له: إرفع حسابك. فقال: أحسابان، حساب من الله وحساب منكم؟ لا والله لا ألي لكم عملا أبدا.
ذكر أعرابي رجلا خائنا فقال: إن الناس يأكلون أماناتهم لقما وإن فلانا يحسوها حسوا.
قال بعض السلاطين لعامل له: «كل قليلا تعمل طويلا والزم العفاف يلزمك العمل، وأياك والرّشى «1» يشتد ظهرك عند الخصام» .
(1/125)

القضاء
حدّثنا إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا بشر بن المفضّل بن لاحق قال:
حدّثنا المغيرة بن محمد عن عمر بن عبد العزيز قال: «لا ينبغي للرجل أن يكون قاضيا حتى تكون فيه خمس خصال: يكون عالما قبل أن يستعمل «1» ، مستشيرا لأهل العلم، ملقيا للرثّع «2» ، منصفا للخصم، محتملا للأئمة» .
حدّثني علي بن محمد قال: حدّثنا إسماعيل بن إسحاق الأنصاري عن عبد الله بن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن علي عليه السلام أنه قال: «ذمّتي رهينة وأنا به زعيم لمن صرحت له العبر ألّا يهلك على التقوى زرع قوم ولا يظمأ على التقوى سنخ «3» أصل ألا وإن أبغض خلق الله إلى الله رجل قمش «4» جهلا غارّا بأغباش «5» الفتنة عميا بما في عقد الهدنة سماه أشباهه من الناس عالما ولم يغن في العلم يوما سالما. بكّر فاستكثر، ما قلّ منه فهو خير مما كثر حتى إذا ما ارتوى من اجن «6» واكتنز من غير طائل قعد بين الناس قاضيا لتخليص ما التبس على غيره، إن نزلت به إحدى المبهمات هيّا حشوا «7» رثّا من رأيه، فهو من قطع الشبهات في مثل غزل العنكبوت. لا يعلم إذا أخطأ، لأنه لا يعلم أأخطأ أم أصاب، خبّاط عشوات ركّاب جهالات «8» ، لا يعتذر مما
(1/126)

لا يعلم فيسلم ولا يعضّ في العلم بضرس قاطع، يذرو الرواية ذرو الريح الهشيم، تبكي منه الدماء وتصرخ منه المواريث ويستحلّ بقضائه الفرج الحرام. لا مليء والله بإصدار ما ورد عليه ولا أهل لما قرّظ به» .
قال ابن شبرمة «1» : [كامل]
ما في القضاء شفاعة لمخاصم ... عند اللبيب ولا الفقيه الحاكم
أهون عليّ إذا قضيت بسنّة ... أو بالكتاب برغم أنف الراغم
وقضيت فيما لم أجد أثرا به ... بنظائر معروفة ومعالم
الهيثم عن ابن عيّاش عن الشّعبي قال: كان أوّل قاض قضى لعمر بن الخطاب بالعراق سلمان بن ربيعة الباهلي، ثم شهد القادسية وكان قاضيا بها، ثم قضى بالمدائن، ثم عزله عمر واستقضى شرحبيل على المدائن، ثم عزله واستقضى أبا قرّة الكندي فاختطّ الناس الكوفة وقاضيهم أبو قرّة. ثم استقضى شريح بن الحارث الكندي «2» فقضى خمسا وسبعين سنة إلا أن زيادا أخرجه مرة إلى البصرة واستقضى مكانه مسروق بن الأجدع سنة حتى قدم شريح فأعاده ولم يزل قاضيا حتى أدرك الفتنة في زمن ابن الزبير فقعد ولم يقض في الفتنة. فاستقضى عبد الله بن الزبير رجلا مكانه ثلاث سنين فلما قتل ابن الزبير أعيد شريح على القضاء فلقي رجل شريحا في الطريق فقال: يا أبا أمية، قضيت والله بجور، قال: وكيف ذاك؟ ويحك! قال: كبرت سنّك واختلط عقلك وارتشى ابنك، فقال شريح: لا جرم، لا يقولها أحد بعدك.
(1/127)

فأتى الحجاج فقال: والله لا أقضي بين اثنين. قال: والله لا أعفيك أو تبغيني رجلا. فقال شريح: عليك بالعفيف الشريف أبي بردة بن أبي موسى.
فاستقضاه الحجاج وألزمه سعيد بن جبير كاتبا ووزيرا.
وروى الثوري عن علقمة بن مرثد أنه لقي محارب بن دثار «1» وكان على القضاء فقال له: يا محارب، إلى كم تردّد الخصوم؟ فقال له: إني والخصوم كما قال الأعشى: [طويل]
أرقت وما هذا السهاد المؤرّق ... وما بي من سقم وما بي معشق
ولكن أراني لا أزال بحادث ... أغادى بما لم يمس عندي وأطرق
حدّثني إسحق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن قريش بن أنس عن حبيب بن الشهيد قال: كنت جالسا عند إياس بن معاوية فأتاه رجل فسأله عن مسألة فطوّل فيها، فقال إياس: إن كنت تريد الفتيا فعليك بالحسن معلمي ومعلم أبي، وإن كنت تريد القضاء فعليك بعبد الملك بن يعلى- وكان على قضاء البصرة يومئذ- وإن كنت تريد الصلح فعليك بحميد «2» الطويل، وتدري ما يقول لك؟ يقول لك: حطّ شيئا، ويقول لصاحبك: زده شيئا حتى نصلح بينكما، وإن كنت تريد الشغب فعليك بصالح السّدوسي، وتدري ما يقول لك؟ يقول لك: إجحد ما عليك. ويقول لصاحبك: إدّع ما ليس لك وادّع بيّنة غيّبا.
قرأت في الآيين: «ينبغي للحاكم أن يعرف القضاء الحقّ العدل
(1/128)

والقضاء العدل غير الحق والقضاء الحق غير العدل ويقايس بتثبّت ورويّة ويتحفّظ من الشبهة» . والقضاء الحق العدل عندهم قتل النفس بالنفس، والقضاء العدل غير الحق قتل الحر بالعبد، والقضاء الحق غير العدل الدية على العاقلة.
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أخي الأصمعي قال: حدثني عمي الأصمعي قال: قال أعرابي لقوم يتنازعون: هل لكم في الحق أو فيما هو خير من الحق؟ فقيل: وما يكون خيرا من الحق؟ قال: التحاطّ «1» والهضم، فإنّ أخذ الحق كله مرّ.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: اختلف رجلان في شيء فحكّما رجلا له في المخطىء هوى، فقال للمخطىء: من يقول بقولك أكثر.
الهيثم بن عدي قال: تقدّمت كلثم بنت سريع مولى عمرو بن حريث وأخوها الوليد إلى عبد الملك بن عمير وهو قاضي الكوفة، وكان ابنه عمرو بن عبد الملك يرمى بها فقضى لها، فقال هذيل الأشجعي «2» : [طويل]
أتاه رفيق بالشهود يسوقهم ... على ما ادّعت من صامت المال والخول «3»
فأدلى وليد عند ذاك بحقّه ... وكان وليد ذا مراء وذا جدل
ففتّنت القبطيّ حتى قضى لها ... بغير قضاء الله في السّور الطّول
فلو كان من في القصر يعلم علمه ... لما استعمل القبطيّ فينا على عمل
(1/129)

له حين يقضي للنساء تخاوص «1» ... وكان وما منه التخاوص والحول
إذا ذات دلّ كلّمته لحاجة ... فهمّ بأن يقضي تنحنح أو سعل
وبرّق «2» عينيه ولاك «3» لسانه ... يرى كل شيء ما خلا شخصها جلل
فكان عبد الملك بن عمير يقول: والله لربما جاءتني السعلة أو التنحنح وأنا في المتوضّأ فأكفّ عن ذلك.
وقال ابن مناذر «4» في خالد بن طليق وكان قد ولي قضاء البصرة:
[سريع]
قل لأمير المؤمنين الذي ... من هاشم في سرّها واللّباب
إن كنت للسّخطة عاقبتنا ... بخالد فهو أشدّ العقاب
كان قضاة الناس فيما مضى ... من رحمة الله وهذا عذاب
يا عجبا من خالد كيف لا ... يخطىء فتيا مرّة بالصواب
وقال فيه: [مجزوء الرمل]
جعل «5» الحاكم يا للن ... ناس من آل طليق
ضحكة يحكم في النا ... س برأي الجاثليق «6»
(1/130)

أيّ قاض أنت في النّق ... ص وتعطيل الحقوق
يا أبا الهيثم ما أن ... ت لهذا بخليق
لا ولا أنت لما حم ... ملت منه بمطيق
أراد عديّ بن أرطاة بكر بن عبد الله المزني على القضاء فقال له بكر:
والله ما أحسن القضاء، فإن كنت كاذبا أو صادقا فما يحلّ لك أن توليني.
وروى عبد الرزاق عن معمر قال: لما عزل ابن شبرمة عن القضاء قال له والي اليمن: اختر لنا رجلا نوليه القضاء. فقال له ابن شبرمة: ما أعرفه.
فذكر له رجل من أهل صنعاء فأرسل إليه فجاء، فقال له ابن شبرمة: هل تدري لم دعيت؟ قال: لا. قال: إنك قد دعيت لأمر عظيم، للقضاء. قال:
ما أيسر القضاء! فقال له ابن شبرمة: نسألك عن شيء يسير منه؟ قال: سل.
قال له ابن شبرمة: ما تقول في رجل ضرب بطن شاة حامل «1» فألقت ما في بطنها؟ فسكت الرجل، فقال له ابن شبرمة: إنا بلوناك فما وجدنا عندك شيئا.
فقيل له: ما القضاء فيها؟ قال ابن شبرمة: تقوّم حاملا وتقوّم حائلا ويغرم قدر ما بينهما.
حدّثني عبد الله بن محمد الخلنجي قال: كان يحيى «2» بن أكثم يمتحن من يريدهم للقضاء، فقال لرجل: ما تقول في رجلين زوّج كل واحد منهما الآخر أمّه فولد لكل واحد من امرأته ولد، ما قرابة ما بين الوالدين؟ فلم يعرفها، فقال له يحيى: كل واحد من الولدين عمّ الآخر لأمه.
(1/131)

ودخل رجل من أهل الشام على عبد الملك بن مروان فقال: إني تزوجت امرأة وزوجت ابني أمّها ولا غنى بنا عن رفدك. فقال له عبد الملك:
إن أخبرتني ما قرابة ما بين أولادكما إذا أولدتما، فعلت. قال: يا أمير المؤمنين، هذا حميد بن بحدل قد قلدته سيفك ووليته ماوراء بابك فسله عنها، فإن أصاب لزمني الحرمان، وإن أخطأ اتسع لي العذر. فدعا بالبحدلي فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين، إنك ما قدمتني على العلم بالأنساب ولكن على الطعن بالرّماح، أحدهما عمّ الآخر والآخر خاله.
قال ابن سيرين: كنا عند أبي عبيدة بن أبي حذيفة في قبّة له وبين يديه كانون له فيه نار فجاءه رجل فجلس معه على فراشه فسارّه بشيء لا ندري ما هو، فقال له أبو عبيدة: ضع لي إصبعك في هذه النار. فقال له الرجل:
سبحان الله! تأمرني أن أضع لك أصبعي في هذه النار! فقال له أبو عبيدة:
أتبخل عليّ بأصبع من أصابعك في نار الدنيا وتسألني أن أضع لك جسدي كله في نار جهنم؟ قال: فظننا أنه دعاه إلى القضاء.
كان يقال: «ثلاث إذا كنّ في القاضي فليس بكامل: إذا كره اللوائم، وأحبّ المحامد، وكره العزل. وثلاث إذا لم تكن فيه فليس بكامل: يشاور وإن كان عالما، ولا يسمع شكيّة من أحد حتى يكون معه خصمه، ويقضي إذا علم» .
قالوا: «ويحتاج القاضي إلى العدل في لحظه ولفظه وقعود الخصوم بين يديه وألا يقضي وهو غضبان ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا يرفعه على الآخر» .
قال الشعبي: حضرت شريحا ذات يوم وجاءته امرأة تخاصم زوجها
(1/132)

فأرسلت عينيها «1» فبكت فقلت: يا أبا أمية، ما أظنها إلا مظلومة. فقال: يا شعبي، إنّ إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون «2» .
بلغني عن كثير بن هشام عن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري كتابا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس. سلام عليك، أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك فإنه لا ينفع تكلّم بحق لا نفاذ له. آس بين الناس في مجلسك ووجهك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك. البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين الناس إلا صلحا أحل حراما أو حرّم حلالا، ولا يمنعنّك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك وهديت لرشدك أن ترجع إلى الحق فإن الحق لا يبطله شيء. واعلم أن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما يتلجلج في صدرك مما ليس فيه قرآن ولا سنّة، واعرف الأشباه والأمثال ثم قس الأمور عند ذلك ثم اعمد لأحبّها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى. إجعل لمن ادّعى حقا غائبا أمدا ينتهي إليه فإن أحضر بيّنة أخذ بحقه وإلا استحللت عليه القضاء. والمسلمون عدول في الشهادة إلا مجلودا «3»
في حدّ أو مجرّبا عليه شهادة زور أو ظنيّنا في ولاء أو قرابة. إن الله تولّى منكم السرائر ودرأ عنكم بالبيّنات. وإياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله بها الأجر ويحسن الذخر، فإنه من صلحت سريرته فيما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن
(1/133)

تزيّن للدنيا بغير ما يعلم الله منه شانه الله، والسلام» .
وقال سلمة «1» بن الخرشب لسبيع التغلبي في شأن الرّهن التي وضعت على يديه في قتلى عبس وذبيان: [منسرح]
أبلغ سبيعا وأنت سيدنا ... قدما وأوفى رجالنا ذمما
أنّ بغيضا «2» وأنّ إخوتها ... ذبيان قد ضرّموا الذي اضطرما
نبّئت أن حكّموك بينهم ... فلا تقولنّ بئس ما حكما
إن كنت ذا عرفة بشأنهم ... تعرف ذا حقّهم ومن ظلما
وتنزل الأمر في منازله ... حكما وعلما وتحضر الفهما
فاحكم فأنت الحكيم بينهم ... لن يعدموا الحقّ باردا صتما «3»
واصدع أديم السواء بينهم ... على رضا من رضي ومن رغما
إن كان مالا فمثل عدّته ... مال بمال وإن دما فدما
هذا وإن لم تطق حكومتهم ... فانبذ إليهم أمورهم سلما «4»
وأنشد عمر بن الخطاب شعر زهير بن أبي سلمى، فلما بلغ قوله:
[وافر]
فإن الحقّ مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء
جعل عمر يتعجب من علمه بالحقوق وتفصيله بينها ويقول: لا يخرج الحق من إحدى ثلاث إما يمين أو محاكمة أو حجّة.
(1/134)

وقال ابن أبي ليلى «1» الفقيه في عبد الله بن شبرمة «2» : [متقارب]
وكيف ترجّى لفصل القضاء ... ولم تصب الحكم في نفسكا
وتزعم أنك لابن الجلاح «3» ... وهيهات دعواك من أصلكا
عبد الله بن صالح العجلي قال: خرج شريك «4» وهو على القضاء يتلقى الخيزران «5» وقد أقبلت تريد الحج، فأتى، شاهي «6» فأقام بها ثلاثا ولم تواف فخفّ زاده وما كان معه من الخبز فجعل يبلّه بالماء ويأكله بالملح، فقال العلاء بن المنهال «7» الغنوي: [الوافر]
فإن كان الذي قد قلت حقّا ... بأن قد أكرهوك على القضاء
فما لك موضعا في كل يوم ... تلقّى من يحجّ من النساء
مقيما في قرى شاهي ثلاثا ... بلا زاد سوى كسر وماء
يزيد الناس خيرا كلّ يوم ... فترجع يا شريك إلى وراء
وقال فيه أيضا: [وافر]
فليت أبا شريك كان حيّا ... فيقصر حين يبصره شريك
(1/135)

ويترك من تدرّيه علينا ... إذا قلنا له: هذا أبوك «1»
وأنشد لبعض الشعراء في بعض الحكام: [كامل]
أبكي وأندب بهجة الإسلام ... إذ صرت تقعد مقعد الحكّام
إن الحوادث ما علمت كثيرة ... وأراك بعض حوادث الأيام
حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثني القاسم بن الفضل قال: حدّثني رجل من بني جرير أن رجلا منهم خاصم رجلا إلى سوّار بن عبد الله فقضى على الجريري، فمر سوّار ببني جرير فقام إليه الجريري فصرعه وخنقه وجعل يقول: [سريع]
رأيت أحلاما فعبّرتها ... وكنت للأحلام عبّارا
رأيتني أخنق ضبّا «2» على ... جحر وكان الضّبّ سوّارا
في الشهادات
حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعي قال لي أيوب: إن من أصحابي من أرجو دعوته ولا أجيز شهادته. قال: وقال سوّار: ما أعلم أحدا أفضل من عطاء السّلمي، ولو شهد عندي على فلسين لم أجز شهادته. يذهب إلى أنه ضعيف الرأي ليس بالحازم إلّا أنه لا يطعن عليه في دينه وأمانته. قال:
وشهد أبو عمرو بن العلاء عند سوّار على نسب فقال سوّار: وما يدريك أنه ابنه؟ قال: كما أعلم أنك سوّار بن عبد الله بن عنزة بن نقب. قال: وشهد
(1/136)

رجل عند سوّار في دار قد ادّعاها رجل قال: أشهد أنها له من الماء إلى السماء. وشهد آخر فقال للكاتب: أكتب شهادتهما. فقال: أيّ شيء أكتب؟
فقال: كلّ شيء يخرج الدار من يد هذا ويجعلها في ملك هذا فاكتبه. قال أبو حاتم: بلغني أنه إنما قيل شهادة عربية وما أشبهه. قال: وشهد رجل عند سوّار، فقال له: ما صناعتك؟ قال: أنا مؤدّب. قال: فإنّا لا نجيز شهادتك.
قال ولم؟ قال؟ لأنك تأخذ على تعليم القرآن أجرا. قال: وأنت تأخذ على القضاء بين المسلمين أجرا. قال: إني أكرهت على القضاء. قال: يا هذا، القضاء أكرهت عليه فهل أكرهت على أخذ الرزق؟ قال: هلمّ شهادتك.
فأجازها. قال: وشهد الفرزدق عند بعض القضاة فقال: قد أجزنا شهادة أبي فراس، وزيدونا. فقيل له حين انصرف: إنه، والله، ما أجاز شهادتك. قال:
وما يمنعه من ذلك وقد قذفت ألف محصنة. وجاء أبو دلامة «1» ليشهد عند ابن أبي ليلى فقال في مجلسه ذلك: [طويل]
إن القوم غطّوني تغطّيت دونهم ... وإن يحثوا عني ففيهم مباحث
وإن حفروا بئري حفرت بئارهم ... ليعلم ما تخفيه تلك النّبائث «2»
فأجاز شهادته وحبس المشهود عليه عنده وأعطاه قيمة الشيء.
أتى رجل ابن شبرمة بقوم يشهدون له على قراح فيه نخل، فشهدوا وكانوا عدولا فسألهم: كم في القراح من نخلة؟ قالوا: لا نعلم. فردّ شهادتهم. فقال له رجل منهم: أنت تقضي في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة، فأعلمنا: كم فيه من أسطوانة؟ فأجازهم.
(1/137)

وقال بعض الشعراء: [منسرح]
والخصم لا يرتجى النجاة له ... يوما إذا كان خصمه القاضي
قدّم رجل خصما له إلى زياد في حق له عليه، فقال: إن هذا الرجل يدلّ بخاصّة ذكر أنها له منك. قال: نعم. وسأخبرك بما ينفعه عندي من خاصّته: إن يكن الحقّ له عليك آخذك أخذا عنيفا، وأن يكن الحق لك عليه أقض عليه ثم أقض عنه.
وقال أبو اليقظان: كان عبيد الله بن أبي بكرة «1» قاضيا وكان يميل في الحكم إلى إخوانه. فقيل له في ذلك. فقال: وما خير رجل لا يقطع من دينه لإخوانه؟
قال المدائني: كان بين طلحة بن عبيد الله والزبير مدارأة «2» في واد بالمدينة. قال: فقالا: نجعل بيننا عمرو بن العاص، فأتياه فقال لهما: أنتما في فضلكما وقديم سوابقكما ونعمة الله عليكما تختلفان! وقد سمعتما من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما سمعت وحضرتما من قوله مثل الذي حضرت فيمن اقتطع شبرا من أرض أخيه بغير حق أنه يطوّقه «3» من سبع أرضين! والحكم أحوج إلى العدل من المحكوم عليه وذلك لأن الحكم إذا جار رزىء دينه والمحكوم عليه إذا جير عليه رزىء عرض الدنيا، إن شئتما فأدليا بحجتكما وإن شئتما فأصلحا ذات بينكما. فاصطلحا وأعطى كل واحد منهما صاحبه الرضا.
(1/138)

وكان السّنديّ بن شاهك لا يستحلف المكاري ولا الحائك ولا الملّاح ويجعل القول قول المدّعي مع يمينه، ويقول: اللهمّ، إني أستخيرك في الجمّال ومعلّم الصبيان.
وقال أبو البيداء: سمعت شيخا من الأعراب يقول: نحن بالبادية لا نقبل شهادة العبد ولا شهادة العذيوط «1» ولا المغذّى ببوله. قال أبو البيداء:
فضحكت والله حتى كدت أبول في ثوبي.
وقيل لعبيد الله بن الحسن العنبري: أتجيز شهادة رجل عفيف تقيّ أحمق؟ قال: لا، وسأريكم. أدعوا لي أبا مودود حاجبي، فلما جاء قال له:
أخرح حتى تنظر ما الريح؟ فخرج ثم رجع فقال: شمال يشوبها شيء من الجنوب. فقال: أتروني كنت مجيزا شهادة مثل هذا؟.
قال الأعمش: قال لي محارب بن دثار «2» : وليت القضاء فبكى أهلي وعزلت عنه فبكوا، فما أدري مم ذاك؟ فقلت له: وليت القضاء فكرهته وجزعت منه فبكى أهلك، وعزلت عنه فكرهت العزل وجزعت منه فبكى أهلك. فقال: إنه لكما قلت.
قدم إياس بن معاوية الشام وهو غلام فقدّم خصما له إلى قاض لعبد الملك بن مروان وكان خصمه شيخا كبيرا. فقال له القاضي: أتقدّم شيخا كبيرا؟ فقاله إياس: الحق أكبر منه. قال: اسكت. قال: فمن ينطق بحجتي؟
قال: ما أظنك تقول حقا حتى تقوم. قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقام القاضي فدخل على عبد الملك فأخبره بالخبر فقال: اقض حاجته وأخرجه من الشام لا يفسد عليّ الناس.
(1/139)

قال أعرابي لخصم له: «ولله لئن هملجت «1» إلى الباطل إنك عن الحق لقطوف» .
باب الأحكام
حدّثني عبدة بن عبد الله قال: حدّثنا وهب بن جرير قال: حدّثنا أبي قال: سمعت الزبير بن الحارث يحدّث عن عكرمة عن أبي هريرة قال: «قضى رسول صلى الله عليه وسلم إذا اختلف الناس في الطرق أنها سبع أذرع» .
حدّثني يزيد بن عمرو عن محمد بن موسى عن إبراهيم بن حنتم عن غزال بن مالك الغفاري عن أبيه عن جدّه قال: «كفل النبي عليه السلام رجلا في تهمة» .
قال وحدّثني أيضا عن إبراهيم بن حنتم عن غزال بن مالك عن أبيه عن جدّه قال: قال أبو هريرة: «حبس النبي صلى الله عليه وسلم في التهمة حبسا يسيرا حتى استبرأ» .
حدّثني يزيد قال: حدّثني الوليد عن جرير بن حازم عن الحسن: «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلب رجلا على جبل يقال له: رباب» وقال لي رجل بالمدينة:
هو ذو رباب.
حدّثني أحمد بن الخليل عن سليمان بن حرب عن جرير عن يعلى بن حكيم عن أبيه عن ابن عباس قال: «أتى ماعز بن مالك النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «إني زنيت يا رسول صلى الله عليه وسلم. فقال: لعلك مسست أو لمست أو غمزت. فقال: لا، بل زنيت. فأعادها عليه ثلاثا، فلما كان في الرابعة رجمه» .
(1/140)

حدّثني شبابة عن القاسم بن الحكم عن الثوري عن علي بن الأقمر عن يزيد بن أبي كبشة أن أبا الدرداء أتي بامرأة سرقت، فقال: أسرقت؟ قولي:
لا.
حدّثني سهل بن محمد قال: حدّثني الأصمعي قال: جاءوا زيادا بلصّ وعنده جماعة فيهم الأحنف، فانتهروه وقالوا: اصدق الأمير. فقال الأحنف:
إن الصدق أحيانا معجزة. فأعجب ذلك زيادا وقال: جزاك الله خيرا.
حدّثني شبابة عن القاسم بن الحكم عن إسماعيل بن عيّاش عمن حدّثه عن ابن عباس قال: «جزّ الرأس واللّحية لا يصلح في العقوبة لأن الله، عزّ وجل، جعل حلق الرأس نسكا لمرضاته» .
حدّثني شبابة عن القاسم عن الأوزاعي أن عمر بن عبد العزيز قال:
«إياكم والمثلة «1» في العقوبة جزّ الرأس واللحية» .
حدّثني محمد بن خالد بن خداش قال: حدّثنا سلم بن قتيبة قال:
حدّثنا يونس عن أبي بكر بن حفص بن عمر قال: كان مروان بن الحكم أمير المدينة فقضى في رجل فزّع رجلا فضرط بأربعين درهما.
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود قال: «لا يحلّ في هذه الأمة غلّ ولا صفد ولا تجريد ولا مدّ» .
حدّثني عبد الرحمن عن الأصمعي قال: كان عامر بن الظّرب العدواني حكم العرب، فنزل به قوم يستفتونه في خنثى «2» له جارية يقال لها خصيلة.
(1/141)

وربما لامها في الإبطاء في الرعي وفي الشيء يجده عليها. فقال: يا خصيلة، لقد حبست هؤلاء القوم وريّثتهم حتى أسرعت في غنمي. قالت وما يكن عليك من ذلك؟ أتبعه مباله. فقال لها: «مسيّ خصيل بعدها أو روّحي» .
قال: وأتي ابن زياد بإنسان له قبل وذكر ولا يدرى كيف يورّث «1» فقال:
من لهذا؟ فقالوا: أرسل إلى جابر بن زيد. فأرسل إليه، فجاء يرسف في قيوده فقال: ما تقول في هذا؟ فقال: ألزقه بالجدار فإن بال عليه فهو ذكر، وإن بال في رجليه فهو أنثى.
حدثني محمد بن خالد بن خداش قال: حدّثنا سلم بن قتيبة قال:
حدّثنا قيس بن الربيع عن أبي حصين أنّ رجلا كسر طنبورا لرجل فخاصمه إلى شريح «2» ، فقال شريح: لا أقضي في الطنبور بشيء.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن أبيه قال: قال لي أبو العجاج: يا ابن أصمع، والله لئن أقررت لألزمنّك. أي لا تقرّ.
حدثني أبو حاتم عن الأصمعي عن أبيه عن معمر قال: ردّ رجل على رجل جارية اشتراها منه، فخاصمه إلى إياس «3» بن معاوية، فقال له: بم تردّها؟ قال له: بالحمق. فقال لها إياس: أيّ رجليك أطول؟ فقالت: هذه.
فقال: أتذكرين ليلة ولدت؟ قالت: نعم. فقال إياس: ردّ ردّ.
حدّثني أبو الخطاب قال: حدّثنا أبو داود عن قيس عن أبي حصين قال:
(1/142)

رأيت الشّعبيّ يقضي على جلد أسد.
الظلم
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب قال: حدّثني الأصمعيّ قال:
أخبرنا بعض أشياخ البصرة أن رجلا وامرأته اختصما إلى أمير من أمراء العراق وكانت المرأة حسنة المتنقّب قبيحة المسفر «1» ، وكان لها لسان فكأن العامل مال معها فقال: يعمد أحدكم إلى المرأة الكريمة فيتزوّجها ثم يسيء إليها! فأهوى زوجها إلى النّقاب فألقاه عن وجهها فقال العامل: عليك اللعنة! كلام مظلوم ووجه ظالم «2» .
وأنشد الرياشيّ «3» في نحو هذا: [طويل]
رأيت أبا الحجناء في الناس جائرا ... ولون أبي الحجناء لون البهائم
تراه على ما لاحه من سواده ... وإن كان مظلوما له وجه ظالم
أبو حاتم عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: كان رجل من العرب في الجاهلية إذا رأى رجلا يظلم ويعتدي يقول: فلان لا يموت «4» سويّا. فيرون ذلك حتى مات رجل ممن قال ذلك فيه فقيل له: مات فلان سويا. فلم يقبل حتى تتابعت الأخبار. فقال: إن كنتم صادقين: فإن لكم دارا سوى هذه تجازون فيها.
(1/143)

كتب رجل من الكتّاب إلى سلطان: «أعيذك بالله من أن تكون لاهيا عن الشكر محجوبا بالنعم صارفا فضل ما أوتيت من السلطان إلى ما تقلّ عائدته وتعظم تبعته من الظلم والعدوان، وأن يستزلّك الشيطان بخدعه وغروره وتسويله فيزيل عاجل الغبطة وينسيك مذموم العاقبة، فإن الحازم من يذكر في يومه المخوف من عواقب غده ولم يغرّه طول الأمل وتراخي الغاية ولم يضرب في غمرة من الباطل ولا يدري ما تتجلّى به مغبّتها. هذا إلى ما يتبع الظالم من سوء المنقلب وقبيح الذكر الذي لا يفنيه كرّ الجديدين «1» واختلاف العصرين» .
حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثنا معاوية بن عمرو قال: حدّثنا أبو إبراهيم السقّاء عن ليث عن مجاهد قال: «يؤتى بمعلم الصبيان يوم القيامة فإن كان عدل بين الغلمان وإلا أقيم مع الظلمة» . وكان معاوية يقول: إني لأستحيي أن أظلم من لا يجد عليّ ناصرا إلا الله. وقال بلال: «إني لأستحيي أن أظلم وأحرج أن أظلم» . وكان يقال: إذا أراد الله أن يتحف عبدا قيّض له من يظلمه.
كتب رجل إلى سلطان: «أحقّ الناس بالإحسان من أحسن الله إليه وأولاهم بالإنصاف من بسطت بالقدرة يداه» .
ذكر الظلم في مجلس ابن عباس فقال كعب: إني لا أجد في كتاب الله المنزّل أنّ الظلم يخرب الديار. فقال ابن عباس: أنا أوجدكه في القرآن، قال الله، عزّ وجل: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا
«2» .
حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعي قال: كان فرعان وهو من بني
(1/144)

تميم لا يزال يغير على إبل الناس فيأخذ منها ثم يقاتلهم عليها إلى أن أغار على رجل فأصاب له جملا، فجاء الرجل فأخذ بشعره فجذبه فبرك، فقال الناس: كبرت والله يا فرعان. فقال: لا والله ولكن جذبني جذبة محقّ. وكان سديف بن ميمون مولى اللهبيين يقول: اللهمّ قد صار فيئنا دولة «1» بعد القسمة وإمارتنا غلبة بعد المشورة وعهدنا ميراثا بعد الاختيار للأمة. واشتريت الملاهي والمعازف بسهم اليتيم والأرملة وحكّم في أبشار المسلمين أهل الذمة وتولى القيام بأمورهم فاسق كلّ محلّة. اللهمّ وقد استحصد زرع الباطل وبلغ نهايته واجتمع طريده. اللهمّ فأتح له يدا من الحق حاصدة تبدد شمله وتفرّق أمره ليظهر الحقّ في أحسن صوره وأتم نوره.
ولي أعرابي بعض النواحي فجمع اليهود في عمله وسألهم عن المسيح فقالوا: قتلناه وصلبناه. فقال: فهل أديتم ديته؟ قالوا: لا. قال: فوالله لا تخرجون أو تؤدّوها. فلم يبرحوا حتى أدّوها.
كان أبو العاج على جوالى البصرة فأتي برجل من النصارى: فقال ما اسمك؟ فقال: بنداذ شهر بنداذ. فقال: اسم ثلاثة وجزية واحد! لا والله العظيم. قال: فأخذ منه ثلاث جزى.
ولي أعرابي تبالة «2» فصعد المنبر فما حمد الله ولا أثنى عليه حتى قال:
إن الأمير، أعزنا الله وإياه، ولّاني بلادكم هذه، وإني والله ما أعرف من الحق
(1/145)

موضع سوطي، ولن أوتى بظالم ولا مظلوم إلا أوجعتهما ضربا، فكانوا يتعاملون، بالحق بينهم ولا يرتفعون إليه. قال بعض الشعراء «1» : [طويل]
بني عمّنا، لا تذكروا الشّعر بعد ما ... دفنتم بصحراء الغمير «2» القوافيا
فلسنا كمن كنتم تصيبون سلّة ... فنقبل ضيما أو نحكّم قاضيا «3»
ولكنّ حكم السيف فيكم مسلّط ... فنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا
فإن قلتم وإنّا ظلمنا فلم نكن ... ظلمنا ولكنّا أسأنا التقاضيا
وقال آخر: [سريع]
تفرح أن تغلبني ظالما ... والغالب المظلوم لو تعلم
وكانوا يتوقّون ظلم السلطان إذا دخلوا عليه بأن يقولوا: «بسم الله إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
«4» اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
«5» أخذت سمعك وبصرك بسمع الله وبصره. أخذت قوّتك بقوّة الله. بيني وبينك ستر النبوّة الذي كانت الأنبياء تستتر به من سطوات الفراعنة. جبريل عن يمينه وميكائيل عن يسارك ومحمد أمامك والله مطلع عليك ويحجرك عني ويمنعني منك» .
وقال بعض الشعراء: [وافر]
ونستعدي الأمير إذا ظلمنا ... فمن يعدي إذا ظلم الأمير؟
(1/146)

وقال آخر: [وافر]
إذا كان الأمير عليك خصما ... فلا تكثر فقد غلب الأمير
وكتب رجل إلى صديق له: قد كنت أستعديك ظالما على غيرك فتحكم لي وقد استعديتك عليك مظلوما فضاق عني عدلك، وذكّرني قول القائل:
[خفيف]
كنت من كربتي أفرّ إليهم ... فهم وكربتي فأين الفرار؟
ونحوه: [منسرح]
والخصم لا يرتجى النجاح له ... يوما إذا كان خصمه القاضي «1»
حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ قال: كان يقال: ما أعطي أحد قطّ النّصف «2» فأباه إلا أخذ شرا منه. قال: وقال الأحنف: ما عرضت النّصفة قطّ على أحد فقبلها إلا دخلتني له هيبة ولا ردّها إلا اختبأتها في عقله.
وقال البعيث «3» : [طويل]
وإني لأعطي النّصف من لو ظلمته ... أقرّ وطابت نفسه لي بالظّلم
وقال الطائي «4» : [طويل]
يرى العلقم المأدوم بالعزّ أرية «5» ... يمانية والأري بالضيم علقما
إذا فرشوه النّصف نامت شذاته ... وإن رتعوا في ظلمه كان أظلما
(1/147)

وقال العباس بن عبد المطلب «1» : [طويل]
أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت ... قواطع في أيماننا تقطر الدّما
تركناهم ولا يستخلّون بعدها ... لذي رحم يوما من الدهر محرما
بلغنا عن ضمرة عن ثور بن يزيد قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عمّاله: أمّا بعد، فإذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم فاذكر قدرة الله عليك وفناء ما تؤتي إليهم وبقاء ما يؤتون إليك، والسلام.
وسمع ابن سيرين رجلا يدعو على من ظلمه، فقال: أقصر يا هذا، لا يربح عليك ظالمك.
قولهم في الحبس
في الحديث المرفوع: «شكا يوسف عليه السلام إلى الله، عزّ وجلّ طول الحبس فأوحى الله إليه: من حبسك يا يوسف، أنت حبست نفسك حيث قلت: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ
«2» ولو قلت: العافية أحبّ إليّ لعوفيت» .
حدّثني عبد الرحمن بن عبد المنعم عن أبيه عن وهب قال: «إن يوسف عليه السلام دعا لأهل السجن دعوة لم تزل تعرف لهم إلى اليوم، قال:
اللهمّ، أعطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار» . فيقال: إنهم أعلم الناس بكل خبر في كل بلد.
(1/148)

وكتب على باب السجن: «هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وتجربة الصديق وشماتة الأعداء» .
أنشدني الرياشيّ «1» : [بسيط]
ما يدخل السّجن إنسان فتسأله ... ما بال سجنك إلا قال مظلوم
وقال أعرابي: [طويل]
ولمّا دخلت السجن كبّر أهله ... وقالوا: أبو ليلى الغداة حزين
وفي الباب مكتوب على صفحاته ... بأنّك تنزو «2» ثمّ سوف تلين
ويقال: إنّ قولهم «تنزو وتلين» رؤي مكتوبا على باب حبس فضربه الناس مثلا.
وقال بعض المسجونين: [متقارب]
وبتّ بأحصنها منزلا ... ثقيلا على عنق السالك «3»
وليس بضيف ولا في كرا «4» ... ولا مستعير ولا مالك
ولست بغضب ولا كالرّهون «5» ... ولا يشبه الوقف عن هالك
ولي مسمعان فأدناهما ... يغنّي ويسمع في الحالك
وأقصاهما ناظر في السما ... عمدا وأوسخ من عارك «6»
(1/149)

المسمع الأوّل قيده والثاني صاحب الحرس، ونحو قول الآخر:
[متقارب]
ولي مسمعان وزمّارة ... وظلّ مديد وحصن أمقّ «1»
الزمّارة الغلّ، وأصل الزمّارة السّاجور.
قال أبو عبيدة: اختصم خالد بن صفوان «2» مع رجل إلى بلال بن أبي بردة «3» ، فقضى للرجل على خالد، فقام خالد وهو يقول: [طويل]
سحابة صيف عن قليل تقشّع «4»
فقال بلال: أما إنها لا تقشّع حتى يصيبك منها شؤبوب برد. وأمر به إلى الحبس، فقال خالد: علام تحبسني؟ فوالله ما جنيت جناية ولا خنت خيانة.
فقال بلال: يخبرك عن ذلك باب مصمت وأقياد ثقال وقيّم يقال له حفص.
قال الحجاج للغضبان بن القبعثري ورآه سمينا: ما أسمنك؟ قال: القيد والرّتعة «5» ، ومن كان في ضيافة الأمير سمن.
(1/150)

كان خالد «1» بن عبد الله حبس الكميت «2» الشاعر فزارته امرأته في السجن فلبس ثيابها وخرج ولم يعرف فقال: [طويل]
ولما أحلّوني بصلعاء صيلم ... بإحدى زبى ذي اللّبدتين أبي الشّبل «3»
خرجت خروج القدح «4» قدح ابن مقبل «5» ... على رغم اناف النوابح والمشلي «6»
عليّ ثياب الغانيات وتحتها ... عزيمة مرء أشبهت سلّة «7» النّصل
وكان خالد بن عبد الله حبس الفرزدق فقال: [طويل]
وإني لأرجو خالدا أن يفكّني ... ويطلق عني مقفلات الحدائد
فإن يك قيدي ردّ همّي فربما ... تناولت أطراف الهموم الأباعد
وما من بلاء غير كلّ عشية ... وكلّ صباح زائر غير عائد
يقول لي الحداد هل أنت قائم؟ ... وما أنا إلّا مثل آخر قاعد
وقال بعض الشعراء في خالد بن عبد الله القسريّ «8» حين حبس:
(1/151)

[طويل]
لعمري لقد أعمرتم السجن خالدا ... وأوطأتموه وطأة المتثاقل
فإن تحبسوا القسريّ لا تحبسوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه في القبائل
وقال بعض المسجونين: [طويل]
أسجن وقيد واغتراب وعسرة ... وفقد حبيب! إنّ ذا لعظيم
وإنّ امرأ تبقى مواثيق عهده ... على كل هذا، إنه لكريم
وقال آخر مثله: [طويل]
إلى الله أشكو إنه موضع الشكوى ... وفي يده كشف المصيبة والبلوى
خرجنا من الدنيا ونحن من اهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
إذا جاءنا السّجّان يوما لحاجة ... عجبنا وقلّنا: جاء هذا من الدنيا
وتعجبنا الرّؤيا فجلّ حديثنا ... إذا نحن أصبحنا، الحديث عن الرؤية
فإن حسنت لم تأت عجلى وأبطأت ... وإن قبحت لم تحتبس وأتت عجلى
وقال يزيد «1» بن المهلّب وهو في الحبس: يا لهفي على طلبة «2» بمائة ألف وفرج في جبهة أسد. ودخل الفرزدق على المهلّب وهو محبوس فقال:
(1/152)

[منسرح]
أصبح في قيدك السماحة وال ... جود وحمل الدّيات والحسب «1»
فقال له: أتمدحني على هذه الحال؟ فقال: أصبتك رخيصا فاشتريتك «2» .
وحبس الرشيد أبا العتاهية فكتب إليه من الحبس بأبيات منها:
[منسرح]
تفديك نفسي من كل ما كرهت ... نفسك إن كنت مذنبا فاغفر
يا ليت قلبي مصوّر لك ما ... فيه لتستيقن الذي أضمر
فوقّع الرشيد في رقعته: لا بأس عليك. فأعاد عليه رقعة أخرى. فيها:
[وافر]
كأنّ الخلق ركّب فيه روح ... له جسد وأنت عليه رأس
أمين الله، إن الحبس بأس ... وقد وقّعت «ليس عليك بأس»
فأمر بإطلاقه.
الحجاب
أبو حاتم عن العتبي عن أبيه أن عبد «3» العزيز بن زرارة الكلابي وقف
(1/153)

على باب معاوية فقال: من يستأذن لي اليوم فأدخله غدا؟ وهو في شملتين، فلما دخل على معاوية قال: هززت ذوائب الرحال إليك إذ لم أجد معوّلا إلا عليك. أمتطي الليل بعد النهار وأسم المجاهل بالآثار. يقودني نحوك رجاء وتسوقني إليك بلوى، والنفس مستطئة والاجتهاد عاذر. فأكرمه وقرّبه. فقال في ذلك. [وافر]
دخلت على معاوية بن حرب ... وذلك إذ يئست من الدخول
وما نلت الدخول عليه حتّى ... حللت محلّة الرّجل الذليل
وأغضيت الجفون على قذاها ... ولم أسمع إلى قال وقيل
فأدركت الذي أمّلت فيه ... بمكث والخطا زاد العجول
وقال غير العتبي: لما دخل عبد العزيز بن زرارة على معاوية قال له:
«إني رحلت إليك بالأمل واحتملت جفوتك بالصبر، ورأيت ببابك أقواما قدّمهم الحظّ، وآخرين باعدهم الحرمان. وليس ينبغي للمتقدم أن يأمن ولا للمتأخر أن ييأس. وأول المعرفة الاختبار فابل واختبر» وفي حجّاب معاوية إياه يقول شاعر مضر «1» : [سريع]
من يأذن اليوم لعبد العزيز ... يأذن له عبد عزيز غدا
قال أبو اليقظان: كان عبد العزيز بن زرارة فتى العرب.
استأذن أبو سفيان على عثمان فحجبه. فقيل له: حجبك أمير المؤمنين؟
فقال لا عدمت من قومي من إذا شاء حجبني. وحجب معاوية أبا الدرداء فقال
(1/154)

أبو الدرداء: من يغش سدد السلطان يقم ويقعد ومن صادف بابا عنه مغلقا وجد إلى جانبه بابا فتحا، إن دعا أجيب وإذا سأل أعطي.
قال رجل لحاجبه: إنك عين أنظر بها وجنّة «1» أستنيم إليها، وقد ولّيتك بابي، فما تراك صانعا برعيتي؟ قال: أنظر إليهم بعينك وأحملهم على قدر منازلهم عندك وأضعهم في إبطائهم عن زيارتك ولزومهم خدمتك مواضع استحقاقهم وأرتّبهم حيث وضعهم ترتيبك وأحسن إبلاغك عنهم وإبلاغهم عنك. قال: قد وفّيت ما لك وما عليك إن صدّقته بفعل. وكان يقال: حاجب الرجل حارس عرضه.
وقرأت في التاج أن أبرويز قال لحاجبه: «لا تقدّمنّ مستغيثا ولا تضعنّ ذا شرف بصعوبة حجاب ولا ترفعنّ ذا ضعة بسهولته. وضع الرجال مواضع أخطارهم، فمن كان مقدّما له الشرف ممن ازدرعه «2» ولم يهدمه من بعد بنائه فقدّمه على شرفه الأوّل وحسن رأيه الآخر، ومن كان له شرف مقدّم فلم يصن ذلك إبلاغا به ولم يزدرعه تثميرا له فألحق بآبائه مهلة سبقهم في خواصهم، وألحق به في خاصته ما ألحق بنفسه. لا تأذن له إلا دبرا ولا تأذن له إلا سرارا «3» . وإذا ورد عليك كتاب عامل من عمّالي فلا تحبسه عني طرفة عين إلا أن أكون على حال لا تستطيع الوصول إليّ فيها، وإن أتاك مدّع لنصيحة فاستكتبها سرّا ثم أدخله بعد أن تستأذن له. حتى إذا كان مني بحيث أراه فادفع إليّ كتابه، فإن أحمدت قبلت وإن كرهت رفضت، ولا ترفعنّ إليّ طلبة
(1/155)

طالب إن منعته بخّلني وإن أعطيته ازدراني، إلا بمؤامرة مني من غير أن تعلمه أنك قد أعلمتني وإن أتاك عالم يستأذن عليّ لعلم يزعم أنه عنده فاسأله: ما علمه ذلك؟ ثم استأذن له فإن العلم كاسمه، ولا تحجبنّ سخطة ولا تأذننّ رضا، أخصص بذلك الملك ولا تخصّ به نفسك» .
الهيثم قال: قال خالد بن عبد الله لحاجبه: «لا تحجبنّ عنّي أحدا إذا أخذت مجلسي، فإن الوالي لا يحجب إلا عن ثلاث: عيّ يكره أن يطّلع عليه منه، أو ريبة، أو بخل فيكره أن يدخل عليه من يسأله» . ومنه أخذ ذلك محمود الورّاق «1» فقال: [طويل]
إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه ... وردّ ذوي الحاجات دون حجابه
ظننت به إحدى ثلاث وربّما ... نزعت بظنّ واقع بصوابه
فقلت به مسّ من العيّ «2» ظاهر ... ففي إذنه للناس إظهار ما به
فإن لم يكن عيّ اللسان فغالب ... من البخل يحمي ما له عن طلابه «3»
فإن لم يكن هذا ولا ذا فريبة ... يصرّ عليها عند إغلاق بابه
وقال بعض الشعراء: [مجزوء المديد]
إعلمن إن كنت تعلمه ... أنّ عرض الملك حاجبه
فبه تبدو محاسنه ... وبه تبدو معايبه
وقال آخر: [سريع]
كم من فتى تحمد أخلاقه ... وتسكن الأحرار في ذمّته
قد كثّر الحاجب أعداءه ... وسلّط الذّمّ على نعمته
(1/156)

حضر باب عمر بن الخطاب رضي الله عنه جماعة منهم سهيل بن عمرو وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس فخرج الآذن فقال: أين صهيب؟ أين عمّار؟ أين سلمان؟ فتمعّرت «1» وجوه القوم. فقال واحد منهم: لم تتمعّر وجوهكم؟ دعوا ودعينا فأسرعوا وأبطأنا، ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعدّ الله لهم في الجنة أكثر.
وقال بعض الشعراء: [طويل]
سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى يخفّ قليلا
إذا لم نجد للإذن عندك موضعا ... وجدنا إلى ترك المجيء سبيلا
وقال آخر لحاجب: [طويل]
سأترك بابا أنت تملك إذنه ... وإن كنت أعمى عن جميع المسالك
فلو كنت بوّاب الجنان تركتها ... وحوّلت رحلي مسرعا نحو مالك
وكتب أبو العتاهية إلى أحمد بن يوسف: [طويل]
لئن عدت بعد اليوم إني لظالم ... سأصرف وجهي حيث تبغى المكارم
متى ينجح الغادي إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم؟
وقال آخر: [متقارب]
ولست بمتّخذ صاحبا ... يقيم على بابه حاجبا
إذا جئت قال له: حاجة ... وإن عدت ألفيته غائبا
ويلزم إخوانه حقّه ... وليس يرى حقّهم واجبا
فلست بلاقيه حتى الممات ... إذا أنا لم ألقه راكبا
(1/157)

وقال عبد الله «1» بن سعيد في حاجب الحجّاج «2» وكان يحجبه دائما:
[طويل]
ألا ربّ نصح يغلق الباب دونه ... وغشّ إلى جنب السرير يقرّب
وقال آخر: [سريع]
ما ضاقت الأرض على راغب ... يطّلب الرزق ولا هارب
بل ضاقت الأرض على طالب ... أصبح يشكو جفوة الحاجب
وحجب رجل عن باب سلطان فكتب إليه: «نحن نعوذ بالله من المطامع الدنيّة والهمم القصيرة وابتذال الحرّية، فإن نفسي، والحمد لله، أبيّة ما سقطت وراء همّة ولا خذلها صبر عند نازلة ولا استرقّها طمع ولا طبعت على طبع وقد رأيتك ولّيت عرضك من لا يصونه ووصلت ببابك من يشينه وجعلت ترجمان عقلك من يكثر من أعدائك وينقص من أوليائك ويسيء العبارة عنك ويوجه وفد الذم إليك ويضغن قلوب إخوانك عليك إذ كان لا يعرف لشريف قدرا ولا لصديق منزلة، ويزيل المراتب عن جهل بها وبدرجاتها فيحطّ العليّ إلى مرتبة الوضيع ويرفع الدنيّ إلى مرتبة الرفيع ويحتقر الضعيف لضعفه وتنبو عينه عن ذي البذاذة «3» ويميل إلى ذي اللباس والزينة ويقدّم على الهوى ويقبل الرّشا» .
(1/158)

وقال بشار، وقيل هو لغيره: [كامل]
تأبي خلائق خالد «1» وفعاله ... إلّا تجنّب كلّ أمر عائب
فإذا أتيت الباب وقت غدائه ... أذن الغداء برغم أنف الحاجب
وهذا ضدّ قول الآخر: [سريع]
إذا تغدّى فرّ بوّابه ... وارتدّ من غير يد بابه
ومات من شهوة ما يحتسي ... عياله طرّا وأصحابه
وقال آخر: [خفيف]
يا أميرا على جريب «2» من الأر ... ض له تسعة من الحجّاب
قاعدا في الخراب يحجب عنه ... ما سمعنا بحاجب في خراب!
وقال آخر «3» : [طويل]
على أي باب أطلب الإذن بعد ما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه «4»
وقال الطائي: [بسيط]
يا أيها الملك النائي برؤيته ... وجوده لمراعي جوده كثب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إنّ السماء ترجّى حين تحتجب
(1/159)

وقال أيضا: [كامل]
ومحجّب حاولته فوجدته ... نجما عن الرّكب العفاة شسوعا
أعدمته لمّا عدمت نواله ... شكري فرحنا معدمين جميعا
وقال آخر: [خفيف]
قد أطلنا بالباب أمس القعودا ... وجفينا به جفاء شديدا
وذممنا العبيد حتى إذا نح ... ن بلونا المولى عذرنا العبيدا
وحجب رجل فكتب: [طويل]
أبا جعفر، إن الولاية إن تكن ... منبّلة قوما فأنت لها نبل
فلا ترتفع عنّا لشيء وليته ... كما لم يصغّر عندنا شأنك العزل
وكتب رجل من الكتّاب في هذا المعنى إلى صديق له: «إن كان ذهولك «1» عنا لدنيا أخضلت «2» عليك سماؤها وأرتبت بك «3» ديمها فإن أكثر ما يجري في الظن بك بل في اليقين منك أنك أملك ما تكون لعنانك أن يجمح بك ولنفسك، أن تستعلي عليك إذا لانت لك أكنافها وانقاد في كفّك زمامها؛ لأنك لم تنل ما نلت خلسا ولا خطفا، ولا عن مقدار جرف إليك غير حقك وأمال نحوك سوى نصيبك. فإن ذهبت إلى أنّ حقك قد يحتمل في قوّته وسعته أن تضمّ إليه الجفوة والنّبوة فيتضاءل في جنبه ويصغر عن كبيره فغير مدفوع عن ذلك. وايم «4» الله لولا ما بليت به النفس من الظّنّ بك وأن مكانك منها لا
(1/160)

يسدّه غيرك لسخت عنك وذهلت عن إقبالك وإدبارك ولكان في جفائك ما يردّ من غرّتها ويبرّد من غلتها، ولكنه لما تكاملت النعمة لك تكاملت الرغبة فيك» .
أبو حاتم عن العتبيّ قال: قال معاوية لحصين بن المنذر وكان يدخل عليه في أخريات الناس: يا أبا ساسان، كأنه لا يحسن إذنك. فأنشأ «1» يقول:
[طويل]
كلّ خفيف الشأن يسعى مشمّرا ... إذا فتح البوّاب بابك إصبعا
ونحن الجلوس الماكثون رزانة ... وحلما إلى أن يفتح الباب أجمعا
وقال بعض الشعراء في بشر بن مروان: [طويل]
بعيد مردّ العين ما ردّ طرفه ... حذار الغواشي «2» باب دار ولا ستر
ولو شاء بشر كان من دون بابه ... طماطم «3» سود أو صقالبة حمر
ولكنّ بشرا يسّر الباب للتي ... يكون له في غبّها الحمد والأجر
وقال بشر: [طويل]
فلا تبخلا بخل ابن قرعة إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين
إذا جئته في العرف أغلق بابه ... فلم تلقه إلا وأنت كمين
فقل لأبي يحيى متى تدرك العلا ... وفي كل معروف عليك يمين؟
(1/161)

وقال ابن هرمة «1» يمدح: [كامل]
هشّ إذا نزل الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدّب الخدّام
وإذا رأيت شقيقه وصديقه ... لم تدر أيّهما أخو الأرحام
وكتب رجل إلى بعض الملوك: [وافر]
إذا كان الجواد له حجاب ... فما فضل الجواد على البخيل
فكتب إليه الآخر: [وافر]
إذا كان الجواد قليل مال ... ولم يعذر تعلّل بالحجاب
وقال عبيد الله «2» بن عكراش: [طويل]
وإني لأرثي للكريم إذا غدا ... على طمع عند اللئيم يطالبه
وأرثي له من مجلس عند بابه ... كمرثيتي للطّرف «3» والعلج راكبه
وكتب عبد الله بن أبي عيينة «4» إلى صديق له: [وافر]
أتيتك زائرا لقضاء حق ... فحال السّتر دونك والحجاب
ولست بساقط في قدر قوم ... وإن كرهوا كما يقع الذّباب
(1/162)

أبو حاتم عن عبد الله بن مصعب الزبيري قال: كنا بباب الفضل «1» بن الربيع وهم يأذنون لذوي الهيئات والشارات وأعرابي يدنو فكلما دنا طرح.
فقام ناحية وأنشأ يقول: [بسيط]
رأيت آذننا يعتام «2» بزّتنا ... وليس للحسب الزاكي بمعتام
ولو دعينا على الأحساب قدّمني ... مجد تليد وجدّ «3» راجح نامي
متى رأيت الصقور الجدل يقدمها ... خلطان من رخم قرع ومن هام؟
دخل شريك الحارثي على معاوية فقال له معاوية: من أنت؟ فقال له:
يا أمير المؤمنين، ما رأيت لك هفوة قبل هذه، مثلك ينكر مثلي من رعيته! فقال له معاوية: إن معرفتك متفرقة، أعرف وجهك إذا حضرت في الوجوه، وأعرف اسمك في الأسماء إذا ذكرت، ولا أعلم أن ذلك الاسم هو هذا الوجه، فاذكر لي اسمك تجتمع معرفتك.
إستأذن رجلان على معاوية فأذن لأحدهما وكان أشرف منزلة من الآخر، ثم أذن للآخر فدخل عليه فجلس فوق صاحبه. فقال معاوية: إن الله قد ألزمنا تأديبكم كما ألزمنا رعايتكم، وأنّا لم نأذن له قبلك ونحن نريد أن يكون مجلسه دونك. فقم لا أقام الله لك وزنا.
دخل أبو مجلز «4» على عمر بن عبد العزيز حين أقدمه من خراسان، فلم
(1/163)

يقبل عليه. فلما خرج قال له بعض من حضر المجلس. هذا أبو مجلز. فردّه واعتذر إليه وقال: إني لم أعرفك. قال: يا أمير المؤمنين، فهلا أنكرتني؟.
قال أشجع «1» السلمي يذكر باب محمد بن منصور بن زياد «2» :
[مجزوء الهزج]
على باب ابن منصور ... علامات من البذل
جماعات وحسب البا ... ب فضلا كثرة الأهل
وكانت العرب تتعوّذ بالله من قرع الفناء ومن قرع المراح. وقال بعض الشعراء: [كامل]
مالي أرى أبوابهم مهجورة ... وكأنّ بابك مجمع الأسواق
أرجوك أم خافوك أم شاموا الحيا «3» ... بحراك «4» فانتجعوا من الآفاق
وقال آخر: [سريع]
يزدحم الناس على بابه ... والمشرب العذّب كثير الزحام
وقال آخر: [رجز]
إن النّدى حيث ترى الضّغاطا
يعني الزحام.
وقال بشار: [خفيف]
ليس يعطيك للرجاء ولا الخو ... ف ولكن يلذّ طعم العطاء
(1/164)

يسقط الطير حيث ينتثر الح ... بّ وتغشى منازل الكرماء
دقّ رجل على عمر بن عبد العزيز الباب فقال عمر: من هذا؟ قال: أنا قال عمر: ما نعرف أحدا من إخواننا يسمّى أنا.
خرج شبيب بن شيبة من دار الخلافة يوما فقال له قائل: كيف رأيت الناس؟ فقال: رأيت الداخل راجيا ورأيت الخارج راضيا.
قال أبو العتاهية: [متقارب]
إذا اشتدّ دوني حجاب امرىء ... كفيت المؤونة حجّابه
حجب أعرابي على باب السلطان فقال: [طويل]
أهين لهم نفسي لأكرمها بهم ... ولا يكرم النفس الذي لا يهينها «1»
وقال جرير: [كامل]
قوم إذا حضر الملوك وفودهم ... نتفت شواربهم على الأبواب «2»
وقال آخر: [طويل]
لما وردت الباب أيقنت أننا ... على الله والسلطان غير كرام «3»
وقال أبو القمقام «4» الأسدي:
(1/165)

[بسيط]
أبلغ أبا مالك عني مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام
أدخلت قبلي قوما لم يكن لهم ... من قبل أن يلجوا الأبواب قدّامي
لو عدّ بيت وبيت كنت أكرمهم ... بيتا وأبعدهم من منزل الذّام
فقد جعلت إذا ما حاجتي نزلت ... بباب دارك أذلوها بأقوام
التلطّف في مخاطبة السلطان وإلقاء النصيحة إليه
العتبي قال: قال عمرو بن عتبة للوليد حين تنكّر له الناس: يا أمير المؤمنين، إنك تنطقني بالأنس بك وأنا أكفت ذلك بالهيبة لك. وأراك تأمن أشياء أخافها عليك، أفأسكت مطيعا أم اقول مشفقا؟ فقال: كلّ مقبول منك، ولله فينا علم غيب نحن صائرون إليه. ونعود فنقول؛ فقتل بعد أيام.
وفي إلقاء النصيحة إليه: قرأت في كتاب للهند أن رجلا دخل على بعض ملوكهم فقال له: أيها الملك، نصيحتك واجبة في الحقير الصغير بله «1» الجليل الخطير ولولا الثقة بفضيلة رأيك واحتمالك ما يسوء موقعه من الأسماع والقلوب في جنب صلاح العاقبة وتلافي الحادث قبل تفاقمه لكان خرقا مني أن أقول، وإن كنا إذا رجعنا إلى أن بقاءنا موصول ببقائك وأنفسنا معلقة بنفسك لم أجد بدّا من أداء الحق إليك وإن أنت لم تسألني أو خفت ألّا تقبل مني، فإنه يقال: من كتم السلطان نصحه والأطباء مرضه والإخوان بثّه فقد خان نفسه.
(1/166)

الخفوت في طاعته
قال بعض الخلفاء لجرير بن يزيد: إني قد أعددتك لأمر. قال: يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعدّ لك منّي قلبا معقودا بنصيحتك ويدا مبسوطة بطاعتك وسيفا مشحوذا على عدّوك فإذا شئت فقل.
وفي مثله: قال إسحاق بن إبراهيم قال لي جعفر بن يحيى اغد عليّ لكذا. فقلت: أنا والصبح كفرسي رهان. وفي مثله: أمر بعض الأمراء رجلا بأمر فقال له: أنا أطوع لك من اليد وأذلّ لك من النّعل. وقال آخر: أن أطوع لك من الرّداء وأذلّ لك من الحذاء.
التلطّف في مدحه
قال خالد بن عبد الله القسري «1» لعمر بن عبد العزيز: من كانت الخلافة زانته، فإنك قد زنتها، ومن كانت شرفته فإنك قد شرّفتها، فأنت كما قال القائل:
[خفيف]
وإذا الدّرّ زان حسن وجوه ... كان للدّر حسن وجهك زينا
فقال عمر: أعطي صاحبكم مقولا ولم يعط معقولا.
وكتب بعض الأدباء إلى بعض الوزراء: «إن أمير المؤمنين منذ استخلصك لنفسه فنظر بعينك وسمع بأذنك ونطق بلسانك وأخذ وأعطى بيدك وأورد وأصدر عن رأيك، وكان تفويضه إليك بعد امتحانك وتسليطه الرأي على الهوى فيك بعد أن ميّل بينك وبين الذين سموا لرتبتك وجروا إلى غايتك فأسقطهم مضمارك وخفّوا في ميزانك ولم يزدك رفعة إلا ازددت لله تواضعا، ولا بسطا وإيناسا إلا ازددت له هيبة وإجلالا، ولا تسليطا ونمكينا إلا ازددت
(1/167)

عن الدنيا عزوفا، ولا تقريبا إلا ازددت من العامة قربا. ولا يخرجك فرط النصح للسلطان عن النظر لرعيته، ولا إيثار حقّه عن الأخذ لها بحقّها عنده، ولا القيام بما هو له عن تضمّن ما عليه، ولا تشغلك جلائل الأمور عن التفقّد لصغارها، ولا الجذل بصلاحها واستقامتها عن استشعار الحذر وإمعان النظر في عواقبها» .
وفي مدحه: دخل العماني الراجز على الرشيد لينشده وعليه قلنسوة طويلة وخفّ «1» ساذج، فقال له الرشيد: يا عماني، إياك أن تنشدني إلا وعليك عمامة عظيمة الكور «2» وخفّان دمالقان «3» فبكّر إليه من الغد وقد تزيّا بزيّ الأعراب ثم أنشده وقبّل يده وقال: يا أمير المؤمنين، قد، والله، أنشدت مروان ورأيت وجهه وقبّلت يده وأخذت جائزته ثم يزيد بن الوليد وإبراهيم بن الوليد ثم السفّاح ثم المنصور ثم المهدي. كلّ هؤلاء رأيت وجوههم وقبّلت أيديهم وأخذت جوائزهم، إلى كثير من أشباه الخلفاء وكبار الأمراء والسادة والرؤساء، والله ما رأيت فيهم أبهى منظرا ولا أحسن وجها ولا أنعم كفّا ولا أندى راحة منك يا أمير المؤمنين. فأعظم له الجائزة على شعره وأضعف له على كلامه وأقبل عليه فبسطه حتى تمنّى جميع من حضر أنه قام ذلك المقام.
وفي المديح: كتب الفضل بن سهل إلى أخيه الحسن بن سهل فقال:
«إن الله قد جعل جدّك عاليا وجعلك في كل خير مقدما وإلى غاية كل فضل سابقا وصيّرك، وإن نأت بك الدار، من أمير المؤمنين وكرامته قريبا، وقد جدّد
(1/168)

لك من البرّ كيت وكيت. وكذا يحوز الله لك من الدين والدنيا والعز والشرف أكثره وأشرفه إن شاء الله» .
وفي مدحه: قال الرشيد يوما لبعض الشعراء: هل أحدثت فينا شيئا؟
فقال: يا أمير المؤمنين، المديح فيك دون قدرك والشعر فيك فوق قدري، ولكنّي أستحسن قول العتّابيّ «1» : [بسيط]
ماذا يرى قائل يثني عليك وقد ... ناداك في الوحي تقديس وتطهير
فتّ المدائح إلا أنّ ألسننا ... مستنطقات لما تخفي الضمائير
في عترة لم تقم إلا بطاعتهم ... من الكتّاب ولم تقض المشاعير
هذي يمينك في قرباك صائلة ... وصارم من سيوف الهند مأثور
وفي مدحه: كتب بعض الكتّاب إلى بعض الأمراء: «إن من النعمة على المثني عليك أنه لا يخاف الإفراط ولا يأمن التقصير ولا يحذر أن تلحقه نقيصة الكذب ولا ينتهي به المدح إلى غاية إلا وجد في فضلك عونا على تجاوزها.
ومن سعادة جدّك أن الداعي لك لا يعدم كثرة المشايعين ومساعدة النيّة على ظاهر القول» .
وفي مثله كتب بعض الأدباء إلى الوزير: «مما يعين على شكرك كثرة المنصتين له، ومما يبسط لسان مادحك أمنه من تحمّل الإثم فيه وتكذيب السامعين له» .
وفي مثل ذلك: لمّا عقد معاوية البيعة ليزيد قام الناس يخطبون فقال لعمرو بن سعيد: قم يا أبا أمية. فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما
(1/169)

بعد فإن يزيد بن معاوية أمل تأملونه وأجل تأمنونه، إن استضفتم إلى حلمه وسعكم، وإن احتجتم إلى رأيه أرشدكم، وإن افتقرتم إلى ذات يده أغناكم، جذع قارح سوبق فسبق وموجد فمجد وقورع فخرج فهو خلف أمير المؤمنين ولا خلف منه» فقال معاوية: أوسعت يا أبا أمية فاجلس.
وفي مثل ذلك: قال رجل للحسن بن سهل: «أيها الأمير، أسكتني عن وصفك تساوي أفعالك في السؤدد وحيّرني فيها كثرة عددها فليس إلى ذكر جميعها سبيل، وإن أردت ذكر واحدة اعترضت أختها إذ لم تكن الأولى أحق بالذكر منها، فلست أصفها إلا بإظهار العجز عن صفتها» .
وفي مثل ذلك: كتب آخر إلى محمد بن عبد الملك «إن مما يطمعني في بقاء النعمة عليك، ويزيدني بصيرة في العلم بدوامها لديك أنك أخذتها بحقها واستوجبتها بما فيك من أسبابها، ومن شأن الأجناس أن تتواصل وشأن الأشكال أن تتقاوم، والشيء يتغلغل في معدنه ويحنّ إلى عنصره، فإذا صادف منبته ولزّ في مغرسه ضرب بعرقه وسمق بفرغه وتمكّن الإقامة وثبت ثبات الطبيعة» .
وفي مثل ذلك: كتب آخر إلى بعض الوزراء: «رأيتني فيما أتعاطى من مدحك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر الزاهر الذي لا يخفى على ناظر، وأيقنت أني حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز مقصر عن الغاية فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك» .
وفي مثله كتب العتّابي إلى خالد بن يزيد: «أنت، أيها الأمير، وارث سلفك وبقية أعلام أهل بيتك، المسدود بك ثلمهم والمجدّد بك قديم شرفهم
(1/170)

والمنبّه بك أيام صيتهم والمنبسط بك آمالنا والصائر بك أكالنا «1» والمأخوذ بك حظوظنا، فإنه لم يحمل من كنت وارثه، ولا درست آثار من كنت سالك سبيله ولا امّحت معاهد من خلفته في مرتبته» .
وفي شكره: قرأت في التاج قال بعض الكتاب للملك: «الحمد لله الذي أعلقني سببا من أسباب الملك ورفع خسيستي بمخاطبته وعزّز ركني من الذّلة به وأظهر بسطتي في العامّة وزيّن مقاومتي في المشاهدة وفقأ عني عيون الحسدة وذلّل لي رقاب الجبابرة وأعظم لي رغبات الرعيّة وجعل لي به عقبا يوطأ وخطرا يعظّم ومزية تحسن، والذي حقّق فيّ رجاء من كان يأملني وظاهر به قوة من كان ينصرني وبسط به رغبة من كان يسترفدني، والذي أدخلني من ظلال الملك في جناح سترني، وجعلني من أكنافه في كنف اتسع عليّ» .
وفي شكره وتعداد نعمه: قرأت في سير العجم أن أردشير لما استوثق له أمره جمع الناس وخطبهم خطبة بليغة حضّهم فيها على الألفة والطاعة وحذّرهم المعصية وصنّف الناس أربعة أصناف، فخّر القوم سجّدا وتكلّم متكلّمهم مجيبا فقال: «لا زلت أيها الملك محبوا من الله بعزّة النصر ودرك الأمل ودوام العافية وحسن المزيد، ولا زلت تتابع لديك النّعم وتسبغ عندك الكرامات والفضل حتى تبلغ الغاية التي يؤمن زوالها ولا تنقطع زهرتها في دار القرار التي أعدّها الله لنظرائك من أهل الزّلفى عنده والحظوة لديه، ولا زال ملكك وسلطانك باقيين بقاء الشمس والقمر زائدين زيادة البحور والأنهار حتى تستوي أقطار الأرض كلّها في علوّك عليها ونفاذ أمرك فيها، فقد أشرق علينا من ضياء نورك ما عمّنا عموم ضياء الشمس ووصل إلينا من عظيم رأفتك ما
(1/171)

اتصل بأنفسنا اتصال النسم، فجمعت الأيدي بعد افتراقها والكلمة بعد اختلافها وألّفت بين القلوب بعد تباغضها وأذهبت الإحن والحسائك بعد استعار نيرانها، وأصبح فضلك لا يدرك بوصف ولا يحدّ بتعداد، ثم لم ترض بما عمّمتنا به من هذه النّعم وظاهرت من هذه الأيادي حتى أحببت توطيدها والإستيثاق منها وعملت لنا في دوامها كعملك في إقامتها وكفلت من ذلك ما نرجو نفعه في الخلوف والأعقاب، وبلغت همّتك لنا فيه حيث لا تبلغ همم الآباء للأولاد، فجزاك الله الذي رضاه تحرّيت وفي موافقته سعيت أفضل ما التمست ونويت» .
وفي مثله: قال خالد بن صفوان لوال دخل عليه: «قدمت فأعطيت كلّا بقسطه من نظرك ومجلسك وصلاتك وعدلك حتى كأنك من كل أحد أو كأنك لست من أحد» .
وفي شكره: كتب بعض الكتّاب إلى الوزير يشكر له: «من شكر لك عن درجة رفعته إليها أو ثروة أفدته إياها فإن شكري إياك على مهجة أحييتها وحشاشة تبقّيتها ورمق أمسكت به وقمت بين التلف وبينه» .
وفي شكره: قرأت في كتاب: «ولكل نعمة من نعم الدنيا حدّ تنتهي إليه ومدى توقف عنده وغاية في الشكر يسمو إليها الطّرف خلا هذه النعمة التي فاتت الوصف وطالت الشكر وتجاوزت كل قدر وأتت من وراء كل غاية وجمعت من أمير المؤمنين مننا جمّة أبقت للماضين مننا وللباقين فخر الأبد وردّت عنا كيد العدوّ وأرغمت عنا أنف الحسود وبسطت لنا عزا نتداوله ثم نخلفه للأعقاب فنحن نلجأ من أمير المؤمنين إلى ظلّ ظليل وكنف كريم وقلب عطوف ونظر رؤوف، فكيف يشكر الشاكر منا وأين يبلغ اجتهاد مجتهدنا ومتى نؤدّي ما يلزمنا ونقضي المفترض علينا؟ وهذا كتاب أمير المؤمنين الذي لو لم
(1/172)

تكن له ولآبائه الراشدين عند من مضى لنا ومن غيرنا إلا ما ورد من صنوف كرامته وأياديه ولطيف ألفاظه ومخاطبته، لكان في ذلك ما يحسّن الشكر ويستفرغ المجهود» .
التلطف في مسألة العفو
قال كسر ليوشت «1» المغنيّ وقد قتل فهلوذ «2» حين فاقه وكان تلميذه:
«كنت أستريح منه إليك ومنك إليه فأذهب شطر تمتّعي حسدك ونغل صدرك» ثم أمر أن يلقى تحت أرجل الفيلة فقال: أيها الملك، إذا قتلت أنا شطر طربك وأبطلته وقتلت أنت شطره الآخر وأبطلته، أليس تكون جنايتك على طربك كجنايتي عليه؟ قال كسرى: دعوه، ما دلّه على هذا الكلام إلا ما جعل له من طول المدّة.
وفي العفو أيضا: قال رجل للمنصور: «الانتقام عدل والتجاوز فضل ونحن نعيذ أمير المؤمنين بالله من أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين دون أن يبلغ أرفع الدرجتين» .
وفي العفو: جلس الحجاج يقتل أصحاب عبد الرحمن، فقام إليه رجل منهم فقال: أيها الأمير، إنّ لي عليك حقا. قال: وما حقك عليّ؟ قال: سبّك عبد الرحمن يوما فرددت عنك. قال: ومن يعلم ذاك؟ فقال الرجل: أنشد الله رجلا سمع ذاك إلا شهد به. فقام رجل من الأسرى فقال: قد كان ذاك أيها الأمير. فقال: خلّوا عنه. ثم قال للشاهد: فما منعك أن تنكر كما أنكر؟ قال:
لقديم بغضي إياك. قال: ويخلّى هذا لصدقه.
(1/173)

وفي العفو: أسر معاوية يوم صفّين رجلا من أصحاب عليّ صلوات الله عليه، فلما أقيم بين يديه قال: الحمد لله الذي أمكن منك. قال: لا تقل ذاك فإنها مصيبة. قال: وأيّة نعمة أعظم من أن يكون الله أظفرني برجل قتل في ساعة واحدة جماعة من أصحابي. إضربا عنقه. فقال: اللهم أشهد أن معاوية لم يقتلني فيك ولا لأنك ترضى قتلي، ولكن قتلني في الغلبة على حطام هذه الدنيا، فإن فعل فافعل به ما هو أهله، وإن لم يفعل فافعل به ما أنت أهله.
فقال: قاتلك الله! لقد سببت فأوجعت في السب ودعوت فأبلغت في الدعاء.
خلّيا سبيله.
وفي مثله. أخذ عبد الملك بن مروان سارقا فأمر بقطع يده فقال:
[طويل]
يدي، يا أمير المؤمنين، أعيذها ... بعفوك أن تلقى نكالا يشينها
فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة ... إذا ما شمالي فارقتها يمينها
فأبى إلّا قطعها، فدخلت عليه أمّه فقال: يا أمير المؤمنين، واحدي وكاسبي. فقال: بئس الكاسب! هذا حدّ من حدود الله. فقال: اجعله من الذنوب التي تستغفر الله منها. فعفا عنه.
وفي مثله: أخذ عبد الله بن علي أسيرا من أصحاب مروان فأمر بضرب عنقه فلما رفع السيف ليضرب به ضرط الشامي فوقع العمود بين يدي الغلام ونفرت دابة عبد الله فضحك وقال: إذهب فأنت عتيق استك. فالتفت إليه وقال: أصلح الله الأمير! رأيت ضرطة قطّ أنجت من الموت غير هذه؟ قال:
(1/174)

لا، قال هذا والله الإدبار. قال: وكيف ذاك؟ قال: ما ظنك بنا وكنا ندفع الموت بأسنّتنا فصرنا ندفعه اليوم بأستاهنا.
وفي مثله: خرج النعمان «1» بن المنذر في غبّ سماء فمرّ برجل من بني يشكر جالسا على غدير ماء، فقال له: أتعرف النعمان؟ قال اليشكري: أليس ابن سلمى؟ قال: نعم. قال: والله لربما أمررت يدي على فرجها. قال له:
ويحك، النعمان بن المنذر! قال: قد خبرتك. فما انقضى كلامه حتى لحقته الخيل وحيّوه بتحية الملك. فقال له: كيف قلت؟ قال: أبيت اللعن، إنك، والله، ما رأيت شيخا أكذب ولا ألأم ولا أوضع ولا أعضّ ببظر أمه من شيخ بين يديك. فقال النعمان: دعوه، فأنشأ يقول: [مجزوء كامل]
تعفو الملوك عن العظي ... م من الذنوب لفضلها
ولقد تعاقب في اليسي ... ر وليس ذاك لجهلها
إلا ليعرف فضلها ... ويخاف شدّة نكلها
وفي مثله: لمّا أخذ المأمون إبراهيم بن المهدي استشار أبا إسحاق والعباس في قتله فأشارا به، فقال له المأمون: قد أشارا بقتلك. فقال إبراهيم: أما أن يكونا قد نصحا لك في عظم الخلافة وما جرت به عادة السياسة فقد فعلا، ولكنك تأبى أن تستجلب النصر إلا من حيث عوّدك الله.
وكان في اعتذاره إليه أن قال: إنه وإن بلغ جرمي استحلال دمي فحلم أمير المؤمنين وفضله يبلغانني عفوه ولي بعدهما شفعة الإقرار بالذنب وحقّ الأبوة
(1/175)

بعد الأب. فقال المأمون: لو لم يكن في حق سببك حقّ الصفح عن جرمك لبلّغك ما أمّلت حسن تنصّلك ولطف توصّلك. وكان إبراهيم يقول بعد ذلك:
والله ما عفا عني المأمون صلة لرحمي ولا محبة لاستحيائي ولا قضاء لحق عمومتي، ولكن قامت له سوق في العفو فكره أن يفسدها بي. ومن أحسن ما قيل في مثله قول العتّابي «1» : [كامل]
رحل الرجاء إليك مغتربا ... حشدت عليه نوائب الدهر
ردّت إليك ندامتي أملي ... وثنى إليك عنانه شكري
وجعلت عتبك عتب موعظة ... ورجاء عفوك منتهى عذري
وقول علي «2» بن الجهم للمتوكل: [متقارب]
عفا الله عنك ألا حرمة ... تعوذ بعفوك أن أبعدا
لئن جلّ ذنب ولم أعتمده ... لأنت أجلّ وأعلى يدا
ألم تر عبدا عدا طوره ... ومولى عفا ورشيدا هدى
ومفسد أمر تلافيته ... فعاد فأصلح ما أفسدا؟
أقلني أقالك من لم يزل ... يقيك ويصرف عنك الردى
وفي مثله. وجد بعض الأمراء على رجل فجفاه واطّرحه حينا ثم دعا به ليسأله عن شيء فرآه ناحلا شاحبا. فقال له: متى اعتللت؟ فقال: [سريع]
ما مسّني سقم ولكنني ... جفوت نفسي إذ جفاني الأمير
فعاد له.
(1/176)

وقال آخر: [طويل]
ألا إنّ خير العفو عفو معجّل ... وشرّ العقاب ما يجاز به القدر
وكان يقال: بحسب العقوبة أن تكون على مقدار الذنب.
وفي العفو: قال بعضهم: إن عاقبت جازيت وإن عفوت أحسنت والعفو أقرب للتقوى.
ونحوه: قال رجل لبعض الأمراء: أسألك بالذي أنت بين يديه أذلّ مني بين يديك، وهو على عقابك أقدر منك على عقابي إلّا نظرت في أمري نظر من برئي أحبّ إليه من سقمي وبراءتي أحبّ إليه من جرمي.
ونحوه قول آخر: قديم الحرمة وحديث التوبة يمحقان ما بينهما من الإساءة.
وفي مثله: أتى الأحنف بن قيس «1» مصعب بن «2» الزّبير فكلّمه في قوم حبسهم، فقال، أصلح الله الأمير: إن كانوا حبسوا في باطل فالحق يخرجهم، وإن كانوا حبسوا في حق فالعفو يسعهم، فخلّاهم.
وفي مثله: أمر معاوية بعقوبة روح «3» بن زنباع فقال له روح: أنشدك الله، يا أمير المؤمنين، أن تضع مني خسيسة أنت رفعتها أو تنقض مني مرّة «4»
(1/177)

أنت أبرمتها أو تشمت بي عدوا أنت وقمته «1» وإلّا أتى حلمك وعفوك على جهلي وإساءتي. فقال معاوية: خلّيا عنه. ثم أنشد: [طويل]
إذا الله سنّى عقد أمر تيسّرا
وفي مثله. أمر عمر بن عبد العزيز بعقوبة رجل قد كان نذر إن أمكنه الله منه ليفعلنّ به وليفعلن. فقال له رجاء «2» بن حيوة: قد فعل الله ما تحب من الظفر فافعل ما يحب الله من العفو.
وفي مثله: قال ابن القرّيّة «3» للحجاج في كلام له: أقلني عثرتي وأسغني ريقي فإنه لا بد للجواد من كبوة ولا بد للسيف من نبوة ولا بد للحليم من هفوة. فقال الحجاج: كلّا، والله حتى أوردك جهنّم. ألست القائل برستقباذ «4» : تغدّوا الجدي قبل أن يتعشّاكم.
وفي مثله: أمر عبد الملك بن مروان بقتل رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أعزّ ما تكون أحوج ما تكون إلى الله، فاعف له فإنك به تعان وإليه تعود.
فخلّى سبيله.
وفي مثله. قال خالد بن عبد الله لسليمان بعد أن عذبه بما عذّبه به: إن القدرة تذهب الحفيظة وقد جلّ قدرك عن العتاب ونحن مقرّون بالذنب، فإن
(1/178)

تعف فأهل العفو وإن تعاقب فبما كان منا. فقال: أمّا حتّى تأتي الشام راجلا فلا عفو.
وفي مثله: ضرب الحجاج أعناق أسارى أتي بهم، فقال رجل منهم:
والله لئن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في المكافأة. فقال الحجاج: أفّ لهذه الجيف! أما كان فيهم أحد يحسن مثل هذا! وكفّ عن القتل.
وفي مثله: أخذ مصعب بن الزبير رجلا من أصحاب المختار فأمر بضرب عنقه. فقال: أيها الأمير، ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة ووجهك هذا الذي يستضاء به فأتعلّق بأطرافك وأقول: أي ربّ سل مصعبا فيم قتلني. قال: أطلقوه. قال: إجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض. قال: أعطوه مائة ألف. قال: بأبي أنت وأمي، أشهد الله أنّ لابن قيس «1» الرّقيّات منها خمسين ألفا. قال: ولم؟ قال: لقوله فيك: [خفيف]
إنما مصعب شهاب من الل ... هـ تجلّت عن وجهه الظّلماء
ملكه ملك رحمة ليس فيه ... جبروت يخشى ولا كبرياء
تتّقي الله في الأمور وقد أفل ... لح من كان همّه الإتقاء
فضحك مصعب، وقال: أرى فيك موضعا للصنيعة، وأمره بلزومه وأحسن إليه فلم يزل معه حتى قتل.
وفي مثله: قال عبد الله «2» بن الحجاج الثعلبي لعبد الملك بن مروان:
(1/179)

هربت إليك من العراق. قال: كذبت، ليس إلينا هربت، ولكنك هربت من دم الحسين وخفت على دمك فلجأت إلينا. ثم جاء يوما آخر فقال: [كامل]
أدنوا لترحمني وترتق «1» خلّتي ... وأراك تدفعني فأين المدفع؟
ونحوه قول الآخر: [خفيف]
كنت من كربتي أفرّ إليهم ... فهمو كربتي فأين الفرار «2» ؟
وفي مثله: قنّع الحجاج رجلا في مجلسه ثلاثين سوطا وهو في ذلك يقول: [طويل]
وليس بتعزير الأمير خزاية ... عليّ إذا ما كنت غير مريّب «3»
ونحوه: [طويل]
وإن أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر، لا عار بما فعل الدهر
وفي مثله: مر الحسن البصري برجل يقاد منه. فقال للوليّ: يا عبد الله، إنك لا تدري لعل هذا قتل وليّك وهو لا يريد قتله، وأنت تقتله متعمدا، فانظر لنفسك. قال: قد تركته لله.
وفي مثله: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن عيسى بن عمر قال:
رمي الحجاج فقال: أنظروا من هذا؟ فأومأ رجل بيده ليرمي. فأخذ فأدخل عليه وقد ذهبت روحه. قال عيسى بصوت ضعيف يحكي الحجاج: أنت الرّامينا منذ الليلة؟ قال: نعم أيها الأمير. قال، ما حملك على ذلك؟ قال:
(1/180)

الغيّ، والله، واللؤم. قال: خلّوا عنه. وكان إذا صدق انكسر.
وفي مثله: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن عثمان الشحّام قال: أتي الحجاج بالشّعبي فقال له: أخرجت علينا يا شعبي؟ قال: أجدب بنا الجناب وأحزن بنا المنزل واستحلسنا الخوف واكتحلنا السهر وأصابتنا خزية لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء. فقال الحجاج: لله أبوك. ثم أرسله.
وفي مثله: أتي موسى بن المهدي برجل كان قد حبسه فجعل يقرّعه بذنوبه، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، إعتذاري مما تقرّعني به ردّ عليك وإقراري بما تعتدّه عليّ يلزمني ذنبا لم أجنه، ولكني أقول: [طويل]
فإن كنت ترجو بالعقوبة راحة ... فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر
وفي مثله: قال الحسن بن سهل لنعيم بن حازم وقد اعتذر إليه من ذنب عظّمه: على رسلك أيها الرجل، تقدّمت لك طاعة وتأخّرت لك توبة، وليس لذنب بينهما مكان، وما ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو أمير المؤمنين في العفو.
وفي الدعاء له: قال رجل لبعض الأمراء: «إني لو كنت أعرف كلاما يجوز ألقى به الأمير غير ما جرى على ألسن الناس، لأحببت أن أبلغ ذلك فيما أدعو به له وأعظّم من أمره، غير أن أسأل الله الذي لا يخفى عليه ما تحتجب به الغيوب من نيات القلوب أن يجعل ما يطّلع عليه مما تبلغه نيتي في إرادته للأمير أدنى ما يؤتيه إياه من عطاياه ومواهبه» .
وفي الدعاء له: قرأت في كتاب رجل من الكتاب «لا زالت أيامك ممدودة بين أمل لك تبلغه وأمل فيك تحقّقه حتى تتملّى من الأعمار أطولها وترقى من الدرجات أفضلها» .
(1/181)

وفي الدعاء: دخل محمد بن عبد الملك «1» بن صالح على المأمون حين قبضت ضياعه فقال: السلام عليك أمير المؤمنين. محمد بن عبد الملك سليل نعمتك وابن دولتك وغصن من أغصان دوحتك، أتأذن له في الكلام؟ قال:
نعم. فتكلّم بعد حمد الله والثناء عليه. فقال: «نستمتع الله لحياطة ديننا ودنيانا ورعاية أدنانا وأقصانا ببقائك يا أمير المؤمنين ونسأله أن يزيد في عمرك من أعمارنا وفي أثرك من آثارنا ويقيك الأذى بأسماعنا وأبصارنا. هذا مقام العائذ بظلّك الهارب إلى كنفك وفضلك الفقير إلى رحمتك وعدلك» ثم تكلّم في حاجته.
وفي شكر السلطان وفي حمده: قدم رجل على سليمان بن عبد الملك في خلافته فقال له: ما أقدمك عليّ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ما أقدمني عليك رغبة ولا رهبة. قال: وكيف ذاك؟ قال: أما الرغبة فقد وصلت إلينا وفاضت في رحالنا وتناولها الأقصى والأدنى منّا، وأما الرّهبة فقد أمنّا بعدلك، يا أمير المؤمنين، علينا وحسن سيرتك فينا من الظلم، فنحن وفد الشكر.
وفي حمده: كتب بعض الكتّاب إلى وزير: «كلّ مدى يبلغه القائل بفضلك والواصف لأيامك والشاكر للنعمة الشاملة بك قصد أمم «2» عند الفضائل الموفورة لك والمواهب المقسومة للرعية بك، فواجب على من عرف قدر النعمة بك أن يشكرها وعلى من أظله عزّ أيامك أن يستديمه وعلى من حاطته دولتك أن يدعو الله ببقائها ونمائها، فقد جمع الله بك الشّتات وأصلح بها الفساد وقبض الأيدي الجائرة وعطف القلوب النافرة، فأمّنت سرب البريء وخفضت جأشه وأخفت سبل الجاني وأخذت عليه مذاهبه ومطالعه ووقفت
(1/182)

بالخاصّة والعامة على قصد من السيرة أمنوا بها من العثار والكبوة» .
وفي حضّه على شكر الله، عز وجل، قال شبيب بن شيبة «1» للمهدي:
إن الله، عزّ وجل، لم يرض أن يجعلك دون أحد من خلقه، فلا ترض بأن يكون أحد أشكر له منك والسلام.
تم كتاب السلطان، ويتلوه كتاب الحرب
(1/183)

كتاب الحرب
اداب الحرب ومكايدها
قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: حدّثني محمد بن عبيد قال:
حدّثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن هشام والأوزاعيّ عن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنّوا لقاء العدوّ فعسى أن تبتلوا بهم ولكن قولوا: اللهمّ اكفنا وكفّ عنّا بأسهم، وإذا جاءوكم يعزفون ويزحفون ويصيحون فعليكم الأرض جلوسا، ثم قولوا: اللهمّ أنت ربّنا وربّهم، ونواصينا ونواصيهم بيدك، فإذا غشوكم فثوروا في وجوههم» .
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن سعيد بن عبد العزيز عمن حدّثه أنّ أبا الدّرداء قال: أيها الناس: عمل صالح قبل الغزو فإنما تقاتلون بأعمالكم.
حدّثنا القاسم بن الحسن عن الحسن بن الربيع عن ابن المبارك عن حيوة بن شريح قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا بعث أمراء الجيوش أوصاهم بتقوى الله العظيم، ثم قال عند عقد الألوية: بسم الله وعلى عون الله وامضوا بتأييد الله بالنصر وبلزوم الحق والصبر، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. لا تجبنوا عند اللقاء ولا تمثّلوا عند القدرة ولا تسرفوا عند الظهور ولا تقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا.
(1/185)

وتوقّوا قتلهم إذا التقى الزّحفان وعند حمّة النّهضات «1» وفي شنّ الغارات. ولا تغلّوا عند الغنائم ونزّهوا الجهاد عن عرض الدنيا وابشروا بالرّباح في البيع الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم.
استشار قوم أكثم «2» بن صيفيّ في حرب قوم أرادوهم وسألوه أن يوصيهم فقال: أقلّوا الخلاف على أمرائكم، واعلموا أن كثرة الصّياح من الفشل والمرء يعجز لا محالة. تثبّتوا فإن أحزم الفريقين الرّكين «3» ، وربّت عجلة تعقب ريثا «4» ، واتّزروا للحرب وادّرعوا الليل فإنه أخفى للويل، ولا جماعة لمن اختلف عليه.
وقال بعض الحكماء: قد جمع الله لنا أدب الحرب في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا
(1/186)

اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
«1» .
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن الأوزاعيّ قال: قال عتبة بن ربيعة يوم بدر لأصحابه: ألا ترونهم- يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- جثيّا على الرّكب كأنهم خرس يتلمّظون تلمّظ الحيّات. قال:
وسمعتهم عائشة يكبّرون يوم الجمل فقالت: لا تكثروا الصياح فإن كثرة التكبير عند اللقاء من الفشل.
وذكر أبو حاتم عن العتبيّ عن أبي إبراهيم قال: أوصى أبو بكر رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان حين وجّهه إلى الشام فقال: يا يزيد، سر على بركة الله. فإذا دخلت بلاد العدوّ فكن بعيدا من الحملة فإني لا آمن عليك الجولة، واستظهر بالزاد وسر بالأدلّاء ولا تقاتل بمجروح فإنّ بعضه ليس منه، واحترس من البيات «2» فإنّ في العرب غرّة، وأقلل من الكلام فإنما لك ما وعي عنك. وإذا أتاك كتابي فأنفذه فإنما أعمل على حسب إنفاذه. وإذا قدمت عليك وفود العجم فأنزلهم معظم عسكرك وأسبغ عليهم النفقة وامنع الناس عن محادثتهم ليخرجوا جاهلين كما دخلوا جاهلين. ولا تلحّنّ في عقوبة فإن أدناها وجع ولا تسرعنّ إليها وأنت تكتفي بغيرها. واقبل من الناس علانيتهم وكلهم إلى الله في سرائرهم. ولا تجسّس عسكرك فتفضحه ولا تهمله فتفسده. وأستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه.
(1/187)

قال أبو بكر لعكرمة حين وجهه إلى عمان: يا عكرمة، سر على بركة الله ولا تنزل على مستأمن ولا تؤمّننّ على حق مسلم وأهدر الكفر بعضه ببعض وقدّم النّذر «1» بين يديك. ومهما قلت إني فاعل فافعله ولا تجعل قولك لغوا في عقوبة ولا عفو، ولا ترج إذا أمّنت ولا تخافنّ إذا خوّفت ولكن انظر متى تقول وما تقول. ولا تعدنّ معصية بأكثر من عقوبتنا فإن فعلت أثمت وإن تركت كذبت. ولا تؤمّننّ شريفا دون أن يكفل بأهله ولا تكفلنّ ضعيفا أكثر من نفسه.
واتق الله فإذا لقيت فاصبر.
وأوصى عبد الملك بن صالح أمير سريّة إلى بلاد الروم فقال: أنت تاجر الله لعباده فكن كالمضارب الكيّس «2» الذي إن وجد ربحا تجر، وإلا احتفظ برأس المال. ولا تطلب الغنيمة حتى تحوز السلامة. وكن من احتيالك على عدوّك أشدّ حذرا من احتيال عدوّك عليك.
وحدّثني محمد بن عبيد عن ابن عيينة قال: أخبرني رجل من أهل المدينة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لزيد بن حارثة أو لعمرو بن العاص: «إذا بعثتك في سريّة فلا تتنقّهم واقتطعهم فإن الله ينصر القوم بأضعفهم» .
حدّثني محمد بن عبيد عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال: غزا نبيّ من الأنبياء أو غير نبي فقال: «لا يغزونّ معي رجل بنى بناء لم يكمله، ولا رجل تزوّج امرأة لم يبن بها، ولا رجل زرع زرعا ثم لم يحصده» .
وذكر ابن عباس عليا فقال: ما رأيت رئيسا يوزن به، لرأيته يوم صفّين
(1/188)

وكأنّ عينيه سراجا سليط وهو يحمّس أصحابه إلى أن انتهى إليّ وأنا في كثف «1» فقال: معشر المسلمين، إستشعروا الخشية وعنّوا «2» الأصوات وتجلببوا السكينة وأكملوا اللّؤم وأخفّوا الخوذ «3» وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل السّلّة والحظوا الشّزر واطعنوا «4» النّبر ونافحوا بالظّبا وصلوا السيوف بالخطا والرماح بالنّبل وامشوا إلى الموت مشيا سجحا. وعليكم بهذا السواد الأعظم والرّواق المطنّب فاضربوا ثبجه «5» فإن الشيطان راكد في كسره نافج خصييه مفترش ذراعيه قد قدّم للوثبة يدا وأخّر للنّكوص رجلا.
ولما ولّى يزيد بن معاوية سلم بن زياد خراسان قال له: إن أباك كفى أخاه عظيما، وقد استكفيتك صغيرا فلا تتّكلنّ على عذر مني فقد اتكلت على كفاية منك. وإياك منّي قبل أن أقول إياي منك، فإنّ الظن إذا أخلف فيك أخلف منك. وأنت في أدنى حظك فاطلب أقصاه، وقد أتعبك أبوك فلا تريحنّ نفسك، وكن لنفسك تكن لك، واذكر في يومك أحاديث غدك ترشد إن شاء الله.
قال الأصمعي قالت أم جبغويه ملك طخارستان لنصر بن سيّار الليثي:
ينبغي للأمير أن تكون له ستة أشياء: وزير يثق به ويفشي إليه سرّه، وحصن يلجأ إليه إذا فزع فينجيه- يعني فرسا- وسيف إذا نازل به الأقران لم يخف خونه، وذخيرة خفيفة المحمل إذا نابته نائبة أخذها، وامرأة إذا دخل عليها
(1/189)

أذهبت همّه، وطبّاخ إذا لم يشته الطعام صنع له ما يشتهيه.
وبلغني عن عبّاد بن كثير عن عقيل بن خالد عن الزّهري عن عبيد الله ابن عبد الله عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الأصحاب أربعة وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف وما غلب قوم قطّ يبلغون اثني عشر ألفا إذا اجتمعت كلمتهم» . وقال رجل يوم حنين: لن نغلب اليوم عن قلّة. وكانوا اثني عشر ألفا فهزم المسلمون يومئذ وأنزل الله عزّ وجل: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ
«1» الآية.
وقالوا كان يقال: ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: البغي، قال الله تعالى؛ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
«2» والمكر، قال الله تعالى:
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
«3» والنّكث، قال عزّ وجل: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
«4» .
وقرأت في كتاب للهند: لا ظفر مع بغي، ولا صحّة مع نهم، ولا ثناء مع كبر، ولا صداقة مع خبّ «5» ، ولا شرف مع سوء أدب، ولا برّ مع شحّ، ولا اجتناب محرّم مع حرص، ولا محبة مع زهو، ولا ولاية حكم مع عدم فقه،
(1/190)

ولا عذر مع إصرار، ولا سلامة مع ريبة، ولا راحة قلب مع حسد، ولا سؤدد مع انتقام، ولا رياسة مع غرارة وعجب، ولا صواب مع ترك المشاورة، ولا ثبات ملك مع تهاون وجهالة وزراء.
خرجت خارجة بخراسان على قتيبة بن مسلم فأهمّه ذلك فقيل له: ما يهمّك منهم؟ وجّه إليهم وكيع بن أبي سود فإنه يكفيكهم. فقال: لا، إنّ وكيعا رجل به كبر يحتقر أعداءه، ومن كان هكذا قلّت مبالاته بعدوّه فلم يحترس منه فيجد عدوّه منه غرّة.
وقرأت في بعض كتب العجم أنّ ملكا من ملوكهم سئل: أيّ مكايد الحرب أحزم؟ فقال: إذكاء العيون واستطلاع الأخبار وإفشاء الغلبة وإظهار السرور وأمانة الفرق والاحتراس من البطانة من غير إقصاء لمن يستنصح ولا استنصاح لمن يستغشّ ولا تحويل شيء عن شيء إلا بسدّ ناحية من المراتب وحسن مجاملة الظنون وإشغال الناس عما هم فيه من الحرب بغيره. وسئل عن وثائق الحزم في القتال فقال: مخاتلة العدوّ عن الرّيف وإعداد العيون على الرّصد وإعطاء المبلّغين على الصدق ومعاقبة المتوصّلين بالكذب وألّا تحرج هاربا إلى قتال ولا تضيّق أمانا على مستأمن ولا تشبّ عن أصحابك للبغية ولا تشدهنّك الغنيمة عن المحاذرة.
وقرأت في كتاب للهند: الحازم يحذر عدوّه على كل حال. يحذر المواثبة إن قرب، والغارة إن بعد، والكمين إن انكشف، والاستطراد إن ولّى، والمكر إن رآه وحيدا. ويكره القتال ما وجد بدّا لأن النفقة فيه من الأنفس والنفقة في غيره من المال.
وقرأت في الآيين: قد جرت السنة في المحاربة أن يوضع من كان من الجند أعسر في الميسرة ليكون لقاؤه يسرا ورميه شزرا وأن يكون اللقاء من
(1/191)

الفرسان قدما وترك ذلك على حال ممايلة أو مجانبة وأن يرتاد للقلب مكانا مشرفا ويلتمس وضعه فيه فإن أصحاب الميمنة والميسرة لا يقهرون ولا يغلبون وإن زالتا بعض الزوال ما ثبت الماذيان «1» فإن زالت الماذيان لم ينتفع بثبات الميمنة والميسرة. وإذا عيّ الجند فليناوش أهل الميمنة والماذيان فأما الميسرة فلا يشذّنّ منهم أحد إلّا أن يبادر إليهم من العدوّ من يخاف بائقته فيردّون عاديتهم مع أنّ أصحاب الميمنة والماذيان لا يقدرون على لقاء من يناوشهم والرجوع إلى أصحابهم عاطفين، وأصحاب الميسرة لا يقدرون على مناوشة إلّا مائلين ويعجزهم الرجوع عاطفين. ولا يألونّ صاحب الجيش على حال من الحال أن يستدبر جنده عين الشمس والريح، ولا يحاربنّ جندا إلا على أشدّ الضرورة وعلى حال لا يوجد معها من المحاربة بدّ، فإذا كان كذلك فليجهد صاحب الجيش أن يدافع بالحرب إلى آخر النهار. وينبغي على كل حال أن يخلّى بين المنهزمين وبين الذهاب ولا يحبسوا. وإن كان الجند قد نزلوا على ماء وأراد العدوّ أن ينالوا من الماء فليس من الرأي أن يحال بينهم وبينه لئلا يحرجوا إلى الجدّ في محاربتهم. وإن كان العدوّ قد نزلوا بماء وأراد الجند غلبتهم عليه فإن وقت طلب ذلك عند ريّ العدوّ من الماء وسقيهم دوابّهم منه وعند حاجة الجند إليه، فإنّ أسلس ما يكون الإنسان عن الشيء عند استغنائه عنه وأشدّ ما يكون طلبا للشيء عند حاجته إليه. ولتسر الطلائع في قرار من الأرض ويقفوا على التّلاع ولا يجوزوا أرضا لم يستقصوا خبرها.
وليكمن الكمين في الخمر «2» والأماكن الخفية. وليطرح الحسك في المواضع
(1/192)

التي يتخوّف فيها البيات. وليحترس صاحب الجيش من انتشار الخبر عنه فإنّ في انتشاره فساد العسكر وانتقاضه. وإذا كان أكثر من في الجند من المقاتلة مجرّبين ذوي حنكة وبأس فبدار العدوّ الجند إلى الوقعة خير للجند. وإذا كان أكثرهم أغمارا ولم يكن من القتال بدّ فبدار الجند إلى مقاتلة العدوّ أفضل للجند. وليس ينبغي للجند أن يقاتلوا عدوّا إلا أن تكون عدّتهم أربعة أضعاف عدّة العدوّ أو ثلاثة أضعافهم، فإن غزاهم عدوّهم لزمهم أن يقاتلوهم بعد أن يزيدوا على عدّة العدوّ مثل نصف عدّتهم. وإن توسّط العدوّ بلادهم لزمهم أن يقاتلوهم وإن كانوا أقل منهم، وينبغي أن ينتخب للكمين من الجند أهل جرأة وشجاعة وتيقّظ وصرامة وليس بهم أنين ولا سعال ولا عطاس ويختار لهم من الدواب ما لا يصهل ولا ينهت «1» ، ويختار لكمونهم مواضع لا تغشى ولا تؤتى، قريبة من الماء حتى ينالوا منه إن طال مكثهم، وأن يكون إقدامهم بعد الرويّة والتشاور والثقة بإصابة الفرصة، ولا يخيفوا سباعا ولا طيرا ولا وحشا. وأن يكون إيقاعهم كضريم الحريق، وليجتنبوا الغنائم ولينهضوا من المكمن متفرقين إذا ترك العدوّ الحراسة وإقامة الرّمايا، وإذا أونس من طلائعهم توان وتفريط وإذا أمرجوا دوابّهم في الرعي، وأشدّ ما يكون البرد في الشتاء وأشدّ ما يكون الحر في الصيف. وأن يرفضّوا ويفترقوا إذا ثاروا من مكمنهم بعد أن يستخير بعضهم بعضا وأن يسرعوا الإيقاع بعدوّهم ويتركوا التلبّث والتلفّت.
وينبغي للمبيّتين أن يفترصوا البيات إذا هبّت ريح أو أونس من نهر قريب منهم خرير فإنه أجدر ألا يسمع لهم حسّ. وأن يتوخّى بالوقعة نصف الليل أو أشدّ ما يكون إظلاما. وأن يصير جماعة من الجند وسط عسكر العدوّ وبقيتهم حوله، ويبدأ بالوقعة من يصير منهم في الوسط ليسمع بالضجّة والضوضاء من
(1/193)

ذلك الموضع لا من حوله، وأن يشرّد قبل الوقعة الأفره فالأفره من دوابّهم ويقطّع أرسانها وتهمز بالرماح في أعجازها حتى تتحيّر وتعير ويسمع لها ضوضاء، وأن يهتف هاتف ويقول: يا معشر أهل العسكر، النجاء النجاء فقد قتل قائدكم فلان وقتل خلق وهرب خلق. ويقول قائل: أيها الرجل، استحيني لله. ويقول آخر: العفو العفو. وآخر: أوّه أوّه، ونحو هذا من الكلام. وليعلم أنه إنما يحتاج في البيات «1» إلى تحيير العدوّ وإخافته وليجتنبوا التقاط الأمتعة واستياق الدوابّ وأخذ الغنائم. قال: وينبغي في محاصرة الحصون أن يستمال من يقدر على استمالته من أهل الحصن والمدينة ليظفر منهم بخصلتين:
إحداهما استنباط أسرارهم، والأخرى إخافتهم وإفزاعهم بهم، وأن يدسّ منهم من يصغّر شأنهم ويؤيسهم من المدد ويخبرهم أنّ سرّهم منتشر في مكيدتهم، وأن يفاض حول الحصن ويشار إليه بالأيدي كأن فيه مواضع حصينة وأخر ذليلة ومواضع ينصب المجانيق «2» عليها ومواضع تهيّأ العرّادات «3» لها ومواضع تنقب نقبا ومواضع توضع السّلالم عليها ومواضع يتسوّر منها ومواضع يضرم النار فيها ليملأهم ذلك رعبا، ويكتب على نشّابة «4» : إياكم أهل الحصن والاغترار وإغفال الحراسة، عليكم بحفظ الأبواب فإن الزمان خبيث وأهله أهل غدر فقد خدع أكثر أهل الحصن واستميلوا، ويرمى بتلك النّشابة في الحصن ثم يدسّ لمخاطبتهم المنطيق «5» المصيب الدّهيّ الموارب المخاتل غير المهذار ولا المغفّل. وتؤخّر الحرب ما أمكن ذلك فإن في المحاربة جرأد منهم على من
(1/194)

حاربهم ودليلا على الحيلة والمكيدة، فإن كان لا بد من المحاربة فليحاربوا بأخفّ العدّة وأيسر الآلة. وينبغي أن يغلب العدوّ على الأرض ذات الخمر «1» والشجر والأنهار للمعسكر ومصافّ الجنود ويخلّى بين العدوّ وبين بساط الأرض ودكادكها «2» .
وفي بعض كتب العجم أن بعض الحكماء سئل عن أشدّ الأمور تدريبا للجنود وشحذا لها، فقال: إستعادة القتال وكثرة الظّفر، وأن تكون لها موادّ من ورائها وغنيمة فيما أمامها؛ ثم الإكرام للجيش بعد الظّفر والإبلاغ بالمجتهدين بعد المناصبة، والتشريف للشجاع على رؤوس الناس.
قال المدائني: قال نصر بن سيّار: كان عظماء الترك يقولون: القائد العظيم ينبغي أن تكون فيه خصال من أخلاق الحيوان: شجاعة الدّيك، وتحنّن الدجاجة، وقلب الأسد، وحملة الخنزير، وروغان الثعلب، وختل الذئب. وكان يقال في صفة الرجل الجامع: له وثبة الأسد، وروغان الثعلب، وختل الذئب وجمع الذّرّة، وبكور الغراب.
وكان يقال: أصلح الرجال للحرب المجرّب الشجاع الناصح.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن أبي الأصمّ قال: قيل لعمرو بن معاوية العقيلي وكان صاحب صوائف: بم ضبطت الصوائف؟ أي الثغور قال:
بسمانة الظهر وكثرة الكعك والقديد «3» . وفي كتاب الآيين: ليكن أوّل ما تحمله معك خبزا ثم خبزا. وإياك والمفارش والثياب. أبو اليقظان قال: قال شبيب الخارجي: الليل يكفيك الجبان ونصف الشجاع. وكان إذا أمسى قال
(1/195)

لأصحابه: أتاكم المدد، يعني الليل. وقيل لبعض الملوك: بيّت عدوّك. قال:
أكره أن أجعل غلبتي سرقة.
المدائني قال: لما اشتغل عبد الملك بمحاربة مصعب بن الزبير اجتمع وجوه الروم إلى ملكهم فقالوا: قد أمكنتك الفرصة من العرب بتشاغل بعضهم ببعض، فالرأي أن تغزوهم في بلادهم. فنهاهم عن ذلك وخطّأ رأيهم، ودعا بكلبين فأرّش «1» بينهما فاقتتلا قتالا شديدا، ثم دعا بثعلب فخلّاه بينهما، فلما رأى الكلبان الثعلب تركا ما كانا فيه وأقبلا على الثعلب حتى قتلاه، فقال لهم ملك الروم: هذا مثلنا ومثلهم. فعرفوا صدقه وحسن رأيه ورجعوا عن رأيهم.
وأوصى بعض الحكماء ملكا فقال: لا يكن العدوّ الذي قد كشف لك عن عداوته بأخوف عندك من الظّنين الذي يستتر لك بمخاتلته، فإنه ربما تخوّف الرجل السّمّ الذي هو أقتل الأشياء وقتله الماء الذي يحيي الأشياء، وربما تخوّف أن يقتله الملوك التي تملكه ثم قتلته العبيد التي يملكها. فلا تكن للعدوّ الذي تناصب بأحذر منك للطعام الذي تأكل. وأنا لكل أمر أخذت منه نذيرك وإن عظم آمن منّي من كل أمر عرّيته من نذيرك وإن صغر. واعلم أن مدينتك حرز من عدوّك، ولا مدينة تحرّز فيها من طعامك وشرابك ولباسك وطيبك، وليست من هذه الأربع واحدة إلا وقد تقتل بها الملوك.
وذكر عبد الملك بن صالح الهاشمي أن خالد بن برمك، حين فصل مع قحطبة من خراسان، بينا هو على سطح بيت في قرية قد نزلاها وهم يتغدّون نظر إلى الصحراء فرأى أقاطيع ظباء قد أقبلت من جهة الصحارى حتى كادت تخالط العسكر، فقال لقحطبة: أيها الأمير ناد في الناس: يا خيل الله اركبي،
(1/196)

فإن العدوّ قد نهد إليك وحثّ، وغاية أصحابك أن يسرجوا ويلجموا قبل أن يروا سرعان الخيل، فقام قحطبة مذعورا فلم ير شيئا يروعه ولم يعاين غبارا، فقال لخالد: ما هذا الرأي؟ فقال خالد: أيها الأمير، لا تتشاغل بي وناد في الناس. أما ترى أقاطيع الوحش قد أقبلت وفارقت مواضعها حتى خالطت الناس؟ إن وراءها لجمعا كثيفا. قال: فوالله ما أسرجوا ولا ألجموا حتى رأوا ساطع الغبار فسلموا، ولولا ذلك لكان الجيش قد اصطلم.
وقال بعض الحكماء لبعض الملوك: آمرك بالتقدّم والأمر ممكن، وبالإعداد لغد من قبل دخولك في غد كما تعدّ السلاح لمن تخاف أن يقاتلك وعسى ألا يقاتلك، وكما تأخذ عتاد البناء من قبل أن تصيبه السماء وأنت تدري لعلها لا تصيبه، بل كما تعدّ الطعام لعدد الأيام وأنت لا تدري لعلك لا تأكله. وكان يقال: كل شيء طلبته في وقته فقد مضى وقته.
وقرأت في كتاب سير العجم أن فيروز بن يزدجرد بن بهرام لمّا ملك سار بجنوده نحو خراسان ليغزو اخشنوار ملك الهياطلة ببلخ، فلما انتهى إلى بلاده اشتدّ رعب اخشنوار منه وحذره له، فناظر أصحابه ووزراءه في أمره، فقال له رجل منهم: أعطني موثقا وعهدا تطمئن إليه نفسي أن تكفيني أهلي وولدي وتحسن إليهم وتخلفني فيهم، ثم اقطع يديّ ورجليّ وألقني على طريق فيروز حتى يمرّ بي هو وأصحابه فأكفيك مؤونتهم وشوكتهم وأورّطهم مورّطا تكون فيه هلكتهم. فقال له اخشنوار: وما الذي تنتفع به من سلامتنا وصلاح حالنا إذا أنت قد هلكت ولم تشركنا في ذلك؟ قال: إني قد بلغت ما كنت أحبّ أن أبلغه من الدنيا وأنا موقنّ بأن الموت لا بدّ منه وإن تأخّر أياما قلائل، فأحب أن أختم عمري بأفضل ما تختم به الأعمار من النصيحة لإخواني والنكاية في عدوّي فيشرف بذلك عقبى وأصيب سعادة ووحظوة فيما
(1/197)

أمامي، ففعل به ذلك وأمر به فألقي حيث وصف له. فلما مرّ به فيروز سأله عن أمره فأخبره أن اخشنوار فعل ذلك به وأنه احتال حتى حمل إلى ذلك الموضع ليدلّه على عورته وغرّته وقال: إني أدلك على طريق هو أقرب من هذا الذي تريدون سلوكه وأخفى، فلا يشعر اخشنوار حتى تهجموا عليه فينتقم الله لي منه بكم، وليس في هذا الطريق من المكروه إلا تفويز يومين ثم تفضون إلى كل ما تحبون. فقبل فيروز قوله بعد أن أشار عليه وزراؤه بالاتهام له والحذر منه وبغير ذلك، فخالفهم وسلك الطريق حتى انتهى بهم إلى موضع من المفازة لا صدر عنه ثم بيّن لهم أمره فتفرقوا في المفازة يمينا وشمالا يلتسمون الماء فقتل العطش أكثرهم ولم يخلص مع فيروز منهم إلا عدّة يسيرة فإنهم انطلقوا معه حتى أشرفوا على أعدائهم وهم مستعدّون لهم فواقعهم على تلك الحالة وعلى ما بهم من الضرّ والجهد فاستمكنوا منهم وأعظموا النكاية فيهم، ثم رغب فيروز إلى اخشنوار وسأله أن يمنّ عليه وعلى من بقي من أصحابه على أن يجعل لهم عهد الله وميثاقه ألا يغزوه أبدا فيما يستقبل من عمره وعلى أنه يحدّ فيما بينه وبين مملكته حدّا لا تجاوزه جنوده، فرضي اخشنوار بذلك وخلّى سبيله وانصرف إلى مملكته، فمكث فيروز برهة من دهره كئيبا ثم حمله الأنف على أن يعود لغزوه ودعا أصحابه إلى ذلك فردّوه عنه وقالوا: إنك قد عاهدته ونحن نتخوّف عليك عاقبة البغي والغدر مع ما في ذلك من العار وسوء المقالة. فقال لهم: إني إنما شرطت له ألّا أجوز الحجر الذي جعلته بيني وبينه فأنا آمر بالحجر ليحمل على عجلة أمامنا.
فقالوا له: أيها الملك، إنّ العهود والمواثيق التي يتعاطاها الناس بينهم لا تحمل على ما يسرّ المعطي لها ولكن على ما يعلن المعطى، وإنك إنما جعلت له عهد الله وميثاقه على الأمر الذي عرفه لا على أمر لم يخطر بباله. فأبى
(1/198)

فيروز ومضى في غزاته حتى انتهى إلى الهياطلة وتصافّ الفريقان للقتال فأرسل اخشنوار إلى فيروز يسأله أن يبرز فيما بين صفيّهم ليكلمه، فخرج إليه فقال له اخشنوار قد ظننت أنه لم يدعك إلى غزونا إلّا الأنف مما أصابك.
ولعمري لئن كنّا احتلنا لك بما رأيت، لقد كنت التمست منّا أعظم منه، وما ابتدأناك ببغي ولا ظلم ولا أردنا إلا دفعك عن أنفسنا وعن حريمنا، ولقد كنت جديرا أن تكون، من سوء مكافأتنا بمنّنا عليك وعلى من معك من نقض العهد والميثاق الذي وكّدت على نفسك، أعظم أنفا وأشدّ امتعاضا مما نالك منّا، فإنّا أطلقناكم وأنتم أسرى ومننّا عليكم وأنتم مشرفون على الهلكه وحقنّا دماءكم وبنا قدرة على سفكها، وإنّا لم نجبرك على ما شرطت لنا بل كنت أنت الراغب إلينا فيه والمريد لنا عليه ففكّر في ذلك وميّل بين هذين الأمرين فانظر أيّهما أشدّ عارا وأقبح سماعا، إن طلب رجل أمرا فلم يتح له وسلك سبيلا فلم يظفر فيها ببغيته واستمكن منه عدوّه على حال جهد وضيعة منه وممن معه، فمنّ عليهم وأطلقهم على شرط شرطوه وأمر اصطلحوا عليه فاضطرّ لمكروه القضاء واستحيا من النّكث والغدر أن يقال امرؤ نكث العهد وختر «1» الميثاق. مع أني قد ظننت أنه يزيدك نجاحا ما تثق به من كثرة جنودك وما ترى من حسن عدّتهم وطاعتهم لك، وما أجدني أشكّ أنهم أو أكثرهم كارهون لما كان من شخوصك بهم عارفون بأنك قد حملتهم على غير الحق ودعوتهم إلى ما يسخط الله، فهم في حربنا غير مستبصرين ونيّاتهم في مناصحتك اليوم مدخولة، فانظر ما قدر غناء من يقاتل على مثل هذه الحال، وما عسى أن تبلغ نكايته في عدوّه إذا كان عارفا بأنه. إن ظفر فمع عار وإن قتل
(1/199)

فإلى النار، فأنا أذكّرك الله الذي جعلته على نفسك كفيلا ونعمتي عليك وعلى من معك بعد يأسكم من الحياة وإشفائكم على الممات، وأدعوك إلى ما فيه حظّك ورشدك من الوفاء بالعهد والاقتداء بآبائك الذين مضوا على ذلك في كل ما أحبوه أو كرهوه، فأحمدوا عواقبه وحسن عليهم أثره، ومع ذلك إنك لست على ثقة من الظّفر بنا والبلوغ لنهمتك فينا وإنما تلتمس منا أمرا نلتمس منك مثله وتناويء عدوّا لعله يمنح النصر عليك فقد بالغت في الاحتجاج عليك وتقدّمت في الإعذار إليك ونحن نستظهر بالله الذي اعتززنا به ووثقنا بما جعلته لنا من عهده إذا استظهرت بكثرة جنودك وازدهتك عدّة أصحابك، فدونك هذه النصيحة فوالله. ما كان أحد من نصحائك ببالغ لك أكثر منها ولا زائد لك عليها، ولا يحرمنّك منفعتها مخرجها مني فإنّه لا يزري بالمنافع عند ذوي الرأي أن كانت من قبل الأعداء كما لا يحبّب المضارّ إليهم أن تكون على أيدي الأولياء. واعلم أنه ليس يدعوني إلى ما تسمع من مقالتي ضعف أحسّه من نفسي ولا قلة من جنودي، ولكني أحببت أن أزداد حجّة واستظهارا، وأزداد به من الله للنصر والمعونة استيجابا ولا أؤثر على العافية والسلامة شيئا ما وجدت إليهما سبيلا، فأبى فيروز إلا تعلّقا بحجّته في الحجر الذي جعله حدّا بينه وبينه وقال: لست ممن يردعه عن الأمر يهمّ به وعيد ولا يقتاده التهدّد والترهيب، ولو كنت أرى ما أطلبك غدرا مني ما كان أحد أنظر ولا أشدّ اتقاء منيّ على نفسي فلا يغرّنّك منّا الحال التي صادفتنا عليها في المرّة الأولى من القلّة والجهد والضعف. قال اخشنوار: لا يغرّنّك ما تخدع به نفسك من حملك الحجر أمامك، فإنّ الناس لو كانوا يعطون العهود على ما تصف من إسرار أمر وإعلان آخر، إذا ما كان ينبغي لأحد أن يغترّ بأمان ولا يثق بعهد، وإذا لما قبل الناس شيئا مما يعطونه من ذلك، ولكنّه وضع على العلانية وعلى نية من تعقد العهود والشروط له. فانصرفا يومهما ذلك فقال فيروز لأصحابه:
(1/200)

لقد كان اخشنوار حسن المحاورة. وما رأيت للفرس الذي كان تحته نظيرا في الدواب فإنه لم يزل قوائمه ولم يرفع حوافره عن موضعها ولا صهل ولا أحدث شيئا يقطع به المحاورة في طول ما تواقفنا. وقال اخشنوار لأصحابه: لقد واقفت فيروز كما علمتم وعليه السلاح كلّه فلم يحرّك رأسه ولم ينزع رجله من ركابه ولا حنا ظهره ولا التفت يمينا ولا شمالا، ولقد تورّكت أنا مرارا وتمطيت على فرسي وتلفّت إلى من خلفي ومددت بصري أمامي وهو منتصب ساكن على حاله، ولولا محاورته إياي لظننت أنه لا يبصرني. وإنما أرادا بما وصفا من ذلك أن ينتشر هذان الحديثان في أهل عسكريهما فيشغلوا بالإفاضة فيهما عن النظر فيما تذاكراه. فلما كان في اليوم الثاني أخرج اخشنوار الصحيفة التي كتبها لهم فيروز، فرفعها على رمح لينظر إليها أهل عسكر فيروز فيعرفون غدره وبغيه ويخرجون من متابعته، فانتقض عسكر فيروز واختلفوا وما لبثوا إلا يسيرا حتى انهزموا وقتل منهم خلق كثير وهلك فيروز، فقال اخشنوار: لقد صدق الذي قال: لا رادّ لما قدّر، ولا أشدّ إحالة لمنافع الرأي من الهوى واللّجاج، ولا أضيع من نصيحة يمنحها من لا يوطّن نفسه على قبولها والصبر على مكروهها، ولا أسرع عقوبة ولا أسوأ عاقبة من البغي والغدر، ولا أجلب لعظيم العار والفضوح من إفراط الفخر والأنفة.
وقال أبو اليقظان: لما خرج شبيب «1» بن يزيد بن نعيم الخارجي بالموصل بعث إليه الحجّاج قائدا فقتله ثم قائدا فقتله كذلك حتى أتى على
(1/201)

خمسة قوّاد قتلهم وهزم جيوشهم وكان أحد القوّاد موسى بن طلحة بن عبيد الله، ثم خرج شبيب من الموصل يريد الكوفة وخرج الحجّاج من البصرة يريد الكوفة فطمع شبيب أن يلقى الحجاج قبل أن يصل إلى الكوفة فأقحم الحجاج خيله فدخل الكوفة قبله، ومرّ شبيب بعتاب بن ورقاء فقتله ومرّ بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فهرب منه، وقدم شبيب الكوفة وآلى ألّا يبرح عنها أو يلقى الحجاج فيقتله أو يقتل دونه؛ فخرج الحجاج إليه في خيله، فلما قرب منه عمد إلى سلاحه فألبسه أبا الورد مولاه وحمله على الدّابة التي كان عليها، فلما تواقفا قال شبيب: أروني الحجاج، فأومأ له إلى أبي الورد فحمل عليه فقتله، ثم خرج من الكوفة يريد الأهواز فغرق في دجيل وهو يقول: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
«1» .
الأوقات التي تختار للسفر والحرب
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهريّ قال: كان أحبّ الأيام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعقد فيه رايته يوم الخميس، وكان أحبّ الأيام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر فيه يوم الخميس.
وقالت العجم: أخّر الحرب ما استطعت فإن لم تجد بدّا فاجعل ذلك آخر النهار.
وحدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن ابن عون عن محمد بن سيرين أنّ النعمان بن مقرّن قال لأصحابه: إني لقيت مع
(1/202)

رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان من أحبّ ما يلقى فيه إذا لم يلق في أوّل النهار إذا زالت الشمس وحلّت الصلاة وهبّت الرياح ودعا المسلمون. ويروي قوم عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يكره الحجامة «1» والابتداء بعمل في محاق القمر وفي حلوله في برج العقرب. وقال بعضهم: كنت مع عمر بن عبد العزيز فوق سطح وهو يريد الركوب، فنظرت فإذا القمر بالدّبران «2» فقلت:
أنظر إلى القمر ما أحسن استواءه! فرفع رأسه ثم نظر فرأى منزلته فضحك، وقال إنما أردت أن ننظر إلى منزلته، وإنّا لا نقيم لشمس ولا لقمر ولكنا نسير بالله الواحد القهّار. وكان يقال: يوم السبت يوم مكر وخديعة، ويوم الأحد يوم غرس وبناء، ويوم الإثنين يوم سفر وابتغاء رزق، ويوم الثلاثاء يوم حرب ودم، ويوم الأربعاء يوم الأخذ والإعطاء، ويوم الخميس يوم دخول على الأمراء وطلب الحوائج، ويوم الجمعة يوم خطب ونكاح.
الدّعاء عند اللقاء
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا معاوية بن أبي إسحاق عن أبي رجاء قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول إذا اشتدّت حلقة البلاء وكانت الضّيقة: «تضيّقي تفرجي» ثم يرفع يديه فيقول: «بسم الله الرحمن الرحيم لا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم اللهمّ إياك نعبد وإياك نستعين اللهم كفّ عنا بأس الذين كفروا إنك أشدّ بأسا وأشدّ تنكيلا» فما يخفض يديه المباركتين حتى ينزل الله النصر.
وحدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن موسى بن عقبة
(1/203)

عن سالم أبي النضر مولى عمرو بن عبيد الله وكان كاتبا له، قال: كتب عبد الله بن أبي أوفى حين خرج إلى الحروريّة «1» أنّ النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدوّ انتظر حتى مالت الشمس ثم قام في الناس فقال: «لا تتمنّوا لقاء العدوّ واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا واصبروا واعلموا أنّ الجنّة تحت ظلال السيوف» ثم قال: «اللهمّ منزّل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم» وقال أبو النصر: وبلغنا أنه دعا في مثل ذلك فقال: «اللهمّ أنت ربّنا وربّهم وهم عبيدك ونحن عبيدك ونواصينا ونواصيهم بيدك فاهزمهم وانصرنا عليهم» .
حدّثني محمد بن عبيد قال: لما صافّ قتيبة بن مسلم التّرك وهاله أمرهم سأل عن محمد بن واسع ما يصنع؟ قالوا: هو في أقصى الميمنة جانح على سية «2» قوسه ينضنض «3» بإصبعه نحو السماء. فقال قتيبة: تلك الإصبع الفاردة أحبّ إليّ من مائة ألف سيف شهير وسنان طرير. فلما فتح الله عليهم قال لمحمد: ما كنت تصنع؟ قال: كنت آخذ لك بمجامع الطرق.
الصبر وحضّ الناس يوم اللّقاء عليه
حدّثني سهل بن محمد قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: كان عاصم بن الحدثان رجلا من العرب عالما قديما وكان رأس الخوارج بالبصرة وربما جاءه
(1/204)

الرسول منهم من الجزيرة يسأله عن بعض الأمر يختصمون فيه فمرّ به الفرزدق فقال لابنه: أنشد أبا فراس، فأنشده: [كامل]
وهموا إذا كسروا الجفون أكارم ... صبر وحين تحلّل الأزرار
يغشون حومان المنون وإنها ... في الله عند نفوسهم لصغار
يمشون في الخطّي «1» لا يثنيهم ... والقوم إذ ركبوا الرماح تجار
فقال له الفرزدق: ويحك! أكتم هذا لا يسمعه النسّاجون فيخرجوا علينا بحفوفهم «2» . فقال عاصم: يا فرزدق، هذا شاعر المؤمنين وأنت شاعر الكافرين.
حدّثنا سهل قال: حدّثنا الأصمعي قال: قال سليط بن سعد: قال بسطام ابن قيس لقومه: تردون على قوم آثارهم آثار نساء وأصواتهم أصوات صردان «3» ولكنهم صبر على الشرّ. يعني بني يربوع. وفي هؤلاء يقول معاوية: لو أنّ النجوم تناثرت لسقط قمرها في حجور بني يربوع. قال الأصمعيّ قلت لسليط: أكان عتيبة بن الحارث ضخما؟ قال: لا، ولا من قوم ضحام. يعني بني يربوع.
وقال عمر بن الخطاب لبني عبس: كم كنتم يوم الهباءة «4» ؟ فقال: كنا مائة
(1/205)

كالذهب، لم نكثر فنتواكل ولم نقلّ فنذلّ. قال: فكيف كنتم تقهرون من ناوأكم ولستم بأكثر منهم عددا ولا مالا؟ قال: كنا نصبر بعد اللقاء هنيهة.
قال: فلذلك إذا. قيل لعنترة العبسيّ: كم كنتم يوم الفروق؟ «1» قال: كنا مائة لم نكثر فنفشل ولم نقلّ فنذلّ. وكان يقال: النصر مع الصبر. ومن أحسن ما قيل في الصبر، قول نهشل «2» بن حرّي بن ضمرة: [طويل]
ويوم كأنّ المصطلين بحرّه ... وإن لم تكن نار قيام على الجمر
صبرنا له حتى يبوخ وإنما ... تفرّج أيام الكريهة بالصبر
ومثله قول الآخر: [طويل]
بكى صاحبي لمّا رأى الموت فوقنا ... مطلّا كإطلال السّحاب إذا اكفهر
فقلت له لا تبك عينك إنما ... يكون غدا حسن الثناء لمن صبر
فما أخّر الإحجام يوما معجّلا ... ولا عجّل الإقدام ما أخّر القدر
فآسى على حال يقلّ بها الأسى ... وقاتل حتى استبهم الورد والصّدر
وكرّ حفاظا خشية العار بعد ما ... رأى الموت معروضا على منهج المكر
وقال أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه لخالد بن الوليد حين وجهه:
احرص على الموت توهب لك الحياة. وتقول العرب: الشجاع موقّى. وقالت الخنساء: [متقارب]
نهين النفوس وهون النفو ... س يوم الكريهة أوقى لها
(1/206)

وقال يزيد «1» بن المهلّب: [طويل]
تأخّرت أستبقى الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدّما
وقال قطريّ «2» بن الفجاءة: [وافر]
وقولي كلّما جشأت وجاشت ... من الأبطال ويحك لا تراعي
فإنّك لو سألت حياة يوم ... سوى الأجل الذي لك لم تطاعي»
وقال معاوية بن أبي سفيان: شجّعني على عليّ بن أبي طالب قول عمرو «4» بن الإطنابة: [وافر]
أبت لي عفّتي وأبى «5» بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الرّبيح
وإقدامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح
وقولي، كلّما جشأت، لنفسي ... مكانك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمي بعد عن عرض صحيح
(1/207)

أبت لي أن أقضّي في فعالي ... وأن أغضي على أمر قبيح
وقال ربيعة «1» بن مقروم: [كامل]
ودعوا نزال فكنت أوّل نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل؟
وكان خالد بن الوليد يسير في الصفوف يذمّر «2» الناس ويقول: يا أهل الإسلام، إنّ الصبر عزّ وإنّ الفشل عجز وإنّ النصر مع الصبر. وقال بعض أبطال العرب: [رجز]
إنّ الشّواء والنّشيل «3» والرّغف ... والقينة الحسناء والكأس الأنف
للضاربين الخيل والخيل قطف
وقال أعرابي: الله يخلف ما أتلف الناس، والدهر يتلف ما جمعوا، وكم من ميتة علّتها طلب الحياة، وحياة سببها التعرّض للموت. ومثله قول أبي بكر الصديق لخالد: إحرص على الموت توهب لك الحياة.
قدمت منهزمة الروم على هرقل وهو بأنطاكية، فدعا رجالا من عظمائهم فقال: ويحكم! أخبروني ما هؤلاء الذين تقاتلونهم؟ أليسوا بشرا مثلكم؟ قالوا:
بلى. يعني العرب. قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافا في كلّ موطن. قال: ويلكم! فما بالكم تنهزمون كلّما لقيتموهم؟ فسكتوا، فقال شيخ منهم: أنا أخبرك، أيها الملك، من أين تؤتون. قال: أخبرني.
(1/208)

قال: إذا حملنا عليهم صبروا وإذا حملوا علينا صدقوا، ونحمل عليهم فنكذب ويحملون علينا فلا نصبر. قال: ويلكم فما بالكم كما تصفون وهم كما تزعمون؟ قال الشيخ: ما كنت أراك إلا وقد علمت من أين هذا؟ قال له: من أين هو؟ قال: لأنّ القوم يصومون بالنهار ويقومون بالليل ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يظلمون أحدا ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنّا نشرب الخمر ونزني ونركب الحرام وننقض العهد ونغصب ونظلم ونأمر بما يسخط الله وننهى عما يرضي الله ونفسد في الأرض. قال:
صدقتني، والله لأخرجنّ من هذه القرية فما لي في صحبتكم خير وأنتم هكذا.
قالوا: نشهدك الله، أيها الملك. تدع سورية وهي جنة الدنيا وحولك من الروم عدد الحصى والتراب ونجوم السماء ولم يؤت عليهم؟.
ذكر الحرب
قالت العرب: الحرب غشوم، لأنها تنال غير الجاني. وقال الكميت «1» : [بسيط]
الناس في الحرب شتّى وهي مقبلة ... ويستوون إذا ما أدبر القبل
كلّ بأمسيّها طبّ مولّية ... والعالمون بذي غدويّها قلل
وقال عمر بن الخطاب رحمه الله لعمرو بن معد يكرب «2» : أخبرني عن الحرب. قال: مرّة المذاق إذا قلصت عن ساق، من صبر فيها عرف ومن
(1/209)

ضعف عنها تلف. وهي كما قال الشاعر: [كامل]
الحرب أوّل ما تكون فتيّة ... تسعى بزينتها لكلّ جهول «1»
حتى إذا استعرت وشبّ ضرامها ... عادت عجوزا غير ذات خليل
شمطاء جزّت رأسها وتنكّرت ... مكروهة للّثم والتقبيل
كان يزيد بن عمر بن هبيرة يحب أن يضع «2» من نصر بن سيّار «3» فكان لا يمدّه بالرجال ولا يرفع ما يرد عليه من أخبار خراسان، فلما كثر ذلك على نصر قال: [وافر]
أرى خلل الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون له ضرام
فإنّ النار بالعودين تذكى ... وإنّ الحرب أوّلها الكلام
فإن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام
فقلت من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أميّة «4» أم نيام
ونحو قوله: «الحرب أوّلها الكلام» قول حذيفة: إنّ الفتنة تلقح بالنجوى وتنتج بالشكوى.
العتبيّ عن أبيه قال: قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه لابنه الحسن: يا بنيّ لا تدعونّ أحدا إلى البراز، ولا يدعونّك أحد إليه إلا أجبته فإنه بغي.
(1/210)

في العدّة والسلاح
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد- فيما حفظت إن شاء الله- أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان عليه درعان يوم أحد. قيل لعبّاد بن الحصين وكان أشدّ رجال أهل البصرة: في أيّ عدّة تحبّ أن تلقى عدوك؟ قال: في أجل مستأخر.
حدّثني زياد بن يحيى قال: حدّثنا بشر بن المفضّل قال: حدّثنا داود بن أبي هند عن عكرمة قال: لما كانت ليلة الأحزاب قالت الجنوب للشّمال:
انطلقي بنا نمدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الشمال: إنّ الحرّة لا تسري بالليل، فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصّبا.
حدّثني سهل بن محمد قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: حدّثنا ابن أبي الزّناد قال: ضرب الزبير بن العوّام يوم الخندق عثمان بن عبد الله بن المغيرة فقطّه إلى القربوس «1» فقالوا: ما أجود سيفك! فغضب، يريد أنّ العمل ليده لا لسيفه.
وقال الوليد بن عبيد البحتريّ يصف سيفا: [كامل]
ماض وإن لم تمضه يد فارس ... بطل ومصقول وإن لم يصقل
متوقّد يفري بأوّل ضربة ... ما أدركت ولو انّها في يذبل «2»
(1/211)

وقال آخر: [طويل]
وما السيف إلا بزّ «1» غاد لزينة ... إذا لم يكن أمضى من السيف حامله
رئي الجرّاح بن عبد الله في بعض الحروب وقد ظاهر بين درعين، فقيل له في ذلك. فقال: إني لست أقي بدني وإنما أقي صبري. واشترى يزيد بن حاتم أدرعا وقال: إني لم أشتر أدراعا إنما اشتريت أعمارا.
وقال حبيب بن المهلّب: ما رأيت رجلا في الحرب مستلئما إلا كان عندي رجلين، ولا رأيت حاسرين إلا كانا عندي واحدا. فسمع هذا الحديث بعض أهل المعرفة فقال: صدق، إنّ للسلاح فضيلة. أما تراهم ينادون عند الصّريخ: السلاح السلاح ولا ينادون: الرجال الرجال؟ قال المهلب لبنيه: يا بنيّ، لا يقعدنّ أحد منكم في السوق، فإن كنتم لا بدّ فاعلين فإلى زرّاد أو سرّاج أو ورّاق. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعمرو بن معد يكرب:
أخبرني عن السلاح. قال: سل عمّا شئت منه. قال: الرمح؟ قال: أخوك وربما خانك. قال النّبل؟ قال: منايا تخطىء وتصيب. قال: التّرس؟ قال: ذاك المجنّ وعليه تدور الدّوائر. قال: الدّرع؟ قال: مثقلة للراجل متعبة للفارس، وإنّها لحصن حصين. قال: السيف؟ قال: ثمّ، قارعتك أمّك عن الثّكل. قال عمر: بل أمّك. قال: الحمّى أضرعتني لك «2» .
وقال الطائيّ «3» يصف الرّماح: [بسيط]
مثقّفات سلبن الروم زرقتها ... العرب سمرتها والعاشق القضفا «4»
(1/212)

وقال دعبل «1» يصف الرّمح: [سريع]
وأسمر في رأسه أزرق ... مثل لسان الحيّة الصادي «2»
وقال الشاعر: [بسيط]
تلمّظ السيف من شوق إلى أنس ... فالموت يلحظ والأقدار تنتظر
أظلّه منك حتف قد تجلّله ... حتى يؤامر فيه رأيك القدر
أمضى من السيف إلا عند قدرته ... وليس للسيف عفو حين يقتدر
وقال آخر: [طويل]
متى تلقني يعدو ببزّي «3» مقلّص ... كميت بهيم أو أغرّ محجّل
تلاق امرأ إن تلقه فبسيفه ... تعلّمك الأيام ما كنت تجهل
وقال عليّ رضي الله عنه: بقية السيف أبقى عددا وأكثر ولدا. وفي الحديث «بقيّة السيف مباركة» يعني أنّ من نجا من ضربة السيف ينمو عدده ويكثر ولده. وقال المهلّب: ليس شيء أنمى من سيف. ويقال: لا مجد أسرع من مجد سيف.
وكانت درع عليّ رضي الله عنه صدرا لا ظهر لها فقيل لها في ذلك فقال: إذا استمكن عدوّي من ظهري فلا يبق. وقال أبو الشّيص «4» :
(1/213)

[خفيف]
ختلته المنون «1» بعد اختيال ... بين صفّين من قنا ونصال
في رداء من الصفيح صقيل ... وقميص من الحديد مذال «2»
بلغ أبا الأغرّ أنّ أصحابه بالبادية قد وقع بينهم شرّ فبعث ابنه الأغرّ وقال: يا بنيّ، كن يدا لأصحابك على من قاتلهم، وإيّاك والسيف فإنه ظلّ الموت، واتق الرمح فإنه رشاء «3» المنيّة، ولا تقرب السّهام فإنها رسل لا تؤامر مرسلها. قال: فبماذا أقاتل؟ قال: بما قال الشاعر: [طويل]
جلاميد يملأن الأكفّ كأنّها ... رؤوس رجال حلّقت في المواسم
وقال الخريمي «4» في بغداد أيام الفتنة: [منسرح]
يا بؤس بغداد دار مملكة ... دارت على أهلها دوائرها
أمهلها الله ثمّ عاقبها ... لمّا أحاطت بها كبائرها «5»
رقّ بها الدّين واستخفّ بذي ال ... فضل وعزّ الرجال فاجرها
(1/214)

وصار ربّ الجيران فاسقهم ... وابتّز أمن الدروب شاطرها
يحرق هذا وذا يهدّمها ... ويشتفي بالنّهاب داعرها
والكرخ «1» أسواقها معطّلة ... يستنّ شذّابها وعائرها
أخرجت الحرب من أساقطهم ... آساد غيل غلبا تساورها
من البواري «2» تراسها ومن ال ... خوص إذا استلأمت مغافرها
لا الرزق تبغي ولا العطاء ولا ... يحشرها بالعناء حاشرها
ونحوه قول عليّ «3» بن أمية: [متقارب]
دهتنا أمور تشيب الوليد «4» ... ويخذل فيها الصدّيق الصدّيق
فناء مبيد وذعر عتيد ... وجوع شديد وخوف وضيق
وداعي الصباح بطول الصياح ال ... سلاح السلاح فما نستفيق
فبالله نبلغ ما نرتجي ... وبالله ندفع ما لا نطيق
جنى قوم من أهل اليمامة جناية فأرسل إليه السلطان جندا من بخاريّة «5» زياد، فقال رجل من أهل البادية يذمّر قومه: يا معشر العرب، ويا بني المحصنات، قاتلوا عن أحسابكم ونسائكم، والله لئن ظهر هؤلاء عليكم لا يدعون بها لبنة حمراء ولا نخلة خضراء إلا وضعهوها بالأرض ولاعتراكم من نشّاب معهم في جعاب كأنها أيور الفيلة ينزعون في قسيّ كأنها العتل «6» فتئطّ
(1/215)

إحداهنّ أطيط الزّرنوق «1» يمغط أحدهم فيها حتى يتفرّق شعر إبطيه ثم يرسل نشّابة كأنها رشاء «2» منقطع فما بين أحدكم وبين أن تنفضخ عينه أو ينصدع قلبه منزلة، فخلع قلوب القوم فطاروا رعبا.
آداب الفروسية
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن عاصم بن سليمان عن أبي عثمان قال: كتب عمر رضي الله عنه: ائتزروا وارتدوا وانتعلوا وألقوا الخفاف وارموا الأغراض وألقوا الرّكب وانزوا نزوا على الخيل وعليكم بالمعدّيّة، أو قال العربية. ودعوا التنعم وزيّ العجم ولا تلبسوا الحرير فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه إلا هكذا، ورفع إصبعيه. وقال أيضا: لن تخور قوى ما كان صاحبها ينزع وينزو. يعني ينزع في القوس وينزو على الخيل من غير استعانة بالرّكب. وقال العمري: كان عمر بن الخطاب يأخذ بيده اليمنى أذنه اليمنى وبيده اليسرى أذن فرسه اليسرى ثم يجمع جراميزه «3» ويثب فكأنما خلق على ظهر فرسه.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم صفّين: عضّوا على النّواجذ «4» من الأضراس فإنه أنبى للسيوف عن الهام. وأقاموا رجلا بين العقابين فقال له أبوه: طد رجلك وأصرّ إصرار الفرس واذكر أحاديث غد وإياك وذكر الله في هذا الموضع فإنه من الفشل. وقال غيره: طد رجليك إذا اعتصيت بالسيف والعصا وأنت مخيّر في رفعه ساعة المسالمة والموادعة.
(1/216)

وقرأت في الآيين أن من إجادة الرمي بالنّشّاب في حال التعلّم إمساك المتعلم القوس بيده اليسرى بقوّة عضده الأيسر والنّشّابة بيده اليمنى وقوّة عضده الأيمن وكفّه إلى صدره وإلقاؤه ببصره إلى معلم الرمي وإجادته نصب القوس بعد أن يطأطىء من سيتها «1» بعض الطّأطأة وضبطه إيّاها بثلاث أصابع وإحناؤه السبّابة على الوتر، وإمساكه بثلاثة وعشرين كأنها ثلاثة وستون وضمه الثلاثة ضما وتحويله ذقنه إلى منكبه الأيسر وإشرافه رأسه وإرخاؤه عنقه وميله مع القوس وإقامته ظهره وإدارته عضده ومغطه القوس مترافعا ونزعه الوتر إلى أذنه ورفعه بياض عينيه من غير تصريف لأسنانه وتحويل لعينه وارتعاش من جسده واستبانته موضع زججة «2» النّشاب.
وقرأت في الآيين: من إجادة الضرب بالصّولجان أن يضرب الكرة قدما ضرب خلسة يدير فيه يده إلى أذنه ويميل صولجانه إلى أسفل من صدره ويكون ضربه متشازرا مترفّقا مترسّلا ولا يغفل الضرب ويرسل السّنان خاصة وهو الحامية لمجاز الكرة إلى غاية الغرض ثم الجرّ للكرة من موقعها، والتوخّي للضرب لها تحت محزم الدابة ومن قبل لبّتها «3» في رفق، وشدّة المزاولة والمجاحشة على تلك الحال والترك للاستعانة في ضرب الكرة بسوط والتأثير في الأرض بصولجان والكسر له جهلا باستعماله أو عقر قوائم الدابة، والاحتراس من إيذاء من جرى معه في ميدانه، وحسن الكف للدّابة في شدّة جريه، والتوقّي من الصّرعة والصّدمة على تلك الحال، والمجانبة للغضب والسّبّ، والاحتمال والملاهاة، والتحفّظ من إلقاء كرة على ظهر بيت وإن كان
(1/217)

ستّ كرين «1» بدرهم، وترك طرد النّظّارة والجلوس على حيطان الميدان فإنّ عرض الميدان إنما جعل ستين ذراعا لئلا يحال ولا يصارّ من جلس على حائطه.
وقال أبو مسلم صاحب الدّعوة لرجاله: أشعروا قلوبكم الجرأة عليهم فإنها سبب الظّفر، واذكروا الضغائن فإنها تبعث على الإقدام، والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب.
المسير في الغزو والسفر
حدّثنا شبابة عن القاسم بن الحكم عن إسماعيل بن عيّاش عن معدان ابن حدير الحضرمي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل «2» يتقوّون به على عدوهم كمثل أمّ موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها» . حدّثني محمد بن عبيد عن ابن عيينة عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيّب قال: لما نزل النبيّ، صلى الله عليه وسلم، المعرّس أمر مناديا فنادى: لا تطرقوا النساء. فتعجّل رجلان فكلاهما وجد مع امرأته رجلا. وكانت العرب تقول: السّفر ميزان القوم «3» .
وتأمر بالمحلّات وهي الدلو والفأس والسّفرة والقدر والقدّاحة، وإنما قيل لها محلّات لأن المسافر بها يحلّ حيث شاء ولا يبالي ألّا يكون بقربه أحد.
حدّثني عبد الرحمن بن الحسين عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبّه قال: قال لقمان لابنه: «يا بنيّ، إذا سافرت فلا تنم على دابتّك فإنّ كثرة
(1/218)

النوم سريع في دبرها، فإذا نزلت أرضا مكلئة فأعطها حظّها من الكلأ وابدأ بعلفها وسقيها قبل نفسك وإذا بعدت عليك المنازل فعليك بالدّلج «1» فإن الأرض تطوى بالليل. وإذا أردت النزول فلا تنزل على قارعة الطريق فإنها مأوى الحيّات والسباع ولكن عليك من بقاع الأرض بأحسنها لونا وألينها تربة وأكثرها كلأ فانزلها، وإذا نزلت فصلّ ركعتين قبل أن تجلس وقل: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
«2» . وإذا أردت قضاء حاجة فأبعد المذهب في الأرض وعليك بالسّترة. وإذا ارتحلت من منزل فصلّ ركعتين وودّع الأرض التي ارتحلت عنها وسلّم عليها وعلى أهلها فإنّ لكل بقعة من الأرض أهلا من الملائكة. وإذا مررت ببقعة من الأرض أو واد أو جبل فأكثر من ذكر الله فإن الجبال والبقاع ينادي بعضها بعضا: هل مرّ بكنّ اليوم ذاكر لله؟ وإن استطعت ألا تطعم طعاما حتى تتصدّق منه فافعل. وعليك بذكر الله، جلّ وعزّ، ما دمت راكبا وبالتّسبيح ما دمت صائما وبالدعاء ما دمت خاليا. وإيّاك والسّير في أوّل الليل وعليك بالتّعريس والدّلجة من نصف الليل إلى آخره. وإياك ورفع الصوت في سيرك إلا بذكر الله، وسافر بسيفك وقوسك وجميع سلاحك وخفّك وعمامتك وإبرتك وخيوطك وتزوّد معك الأدوية تنتفع بها وتنفع من صحبك من المرضى والزّمنى «3» . وكن لأصحابك موافقا في كل شيء يقرّبك إلى الله ويباعدك من معصيته. وأكثر التبسّم في وجوههم وكن كريما على زادك بينهم وإذا دعوك فأجبهم، وإذا استعانوك فأعنهم وإذا استشهدوك على الحق فاشهد لهم واجهد رأيك. وإذا رأيتهم يمشون فامش معهم أو يعملون فاعمل
(1/219)

معهم وإن تصدّقوا أو أعطوا فأعط. واسمع لمن هو أكبر منك. وإن تحيّرتم في طريق فانزلوا، وإن شككتم في القصد فتثبّتوا وتآمروا، وإن رأيتم خيالا واحدا فلا تسألوه عن طريقكم فإن الشخص الواحد في الفلاة هو الذي حيّركم واحذروا الشخصين أيضا إلّا أن تروا ما لا أرى فإن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب وإن العاقل إذا أبصر شيئا بعينيه عرف الحق بقلبه.
علّم أعرابي بنيه إتيان الغائط في السفر فقال لهم: اتّبعوا الخلاء وجانبوا الكلاء واعلوا الضّراء «1» وأفحجوا إفحاج النعامة وامسحوا بأشملكم.
وقال عمرو بن العاص للحسن بن علي بن أبي طالب رحمهما الله: يا أبا محمد، هل تنعت الخراءة «2» ؟ فقال: نعم، تبعد المشي في الأرض الضّحضح حتى تتوارى من القوم، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ولا تستنج بالرّوثة ولا العظم ولا تبل في الماء الراكد.
أراد الحسن البصريّ الحجّ، فقال له ثابت: بلغني أنك تريد الحج فأحببت أن نصطحب. فقال: ويحك! دعنا نتعايش بستر الله، إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه. وفي الحديث المرفوع عن بقيّة عن الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: «أما إنّك إن ترافق غير قومك يكن أحسن لخلقك وأحقّ أن يقتفى بك» .
أتى رجل هشاما أخا ذي الرّمّة الشاعر فقال له: إني أريد السفر
(1/220)

فأوصني. قال: صلّ الصلاة لوقتها فإنك مصلّيها لا محالة فصلّها وهي تنفعك، وإياك وأن تكون كلب رفقتك فإن لكل رفقة كلبا ينبح دونهم، فإن كان خيرا شركوه فيه وإن كان عارا تقلّده دونهم.
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: إذا ضلّت لأحدكم ضالّة فليقل: اللهمّ ربّ الضالّة تهدي الضالّة وتردّ الضالّة اردد عليّ ضالتي، اللهمّ لا تبلنا بهلاكها ولا تتعبنا بطلبها، ما شاء الله لا حول ولا قوّة إلا بالله. يا عباد الله الصالحين، ردّوا علينا ضالّتنا. وإذا أردت أن تحمل الحمل الثقيل فقل: يا عباد الله أعينونا. وقال أبو عمرو: إذا ضلّت لأحدكم ضالة فليتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلّي ركعتين ثم يتشهد ويقول: بسم الله، اللهمّ يا هادي الضّال ورادّ الضالّ، أردد عليّ ضالّتي بعزّتك وسلطانك فإنها من فضلك وعطائك.
حدّثني محمد بن عبيد عن حمزة بن وعلة عن رجل من مراد يقال له أبو جعفر عن محمد بن علي عن علي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عليّ، أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا الفلك أن يقولوا بسم الله الملك الرحمن. وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
«1» بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
«2» .
(1/221)

حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب قال: أراد عمر أن يغزي البحر جيشا، فكتب إليه عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، البحر خلق عظيم يركبه خلق ضعيف دود على عود بين غرق وبرق «1» قال عمر: لا يسألني الله عن أحد حملته فيه.
وحدّثني أيضا عن معاوية عن أبي إسحاق عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد قال: كان ابن عمر يقول في السّفر إذا أسحر: سمع سامع بحمد الله ونعمته وحسن بلائه علينا. ويقول: اللهمّ، صاحبنا فأفضل علينا ثلاثا، اللهمّ عائذ بك من النار ثلاثا لا حول ولا قوة إلا بالله.
وعن الأوزاعي عن حسّان بن عطيّة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سفره حين هاجر: «الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئا مذكورا، اللهمّ أعنّي على أهاويل الدنيا وبوائق الدهر ومصيبات الليالي والأيام واكفني شرّ ما يعمل الظالمون في الأرض، اللهمّ، في سفري فاصحبني، وفي أهلي فاخلفني، وفيما رزقتني فبارك ليد ولك في نفسي فذلّلني، وفي أعين الصالحين فعظّمني، وفي خلقي فقوّمني، وإليك ربّ فحبّبني، إلى من تكلني ربّ المستضعفين وأنت ربي» .
وحدّثني أيضا عن معاوية عن أبي إسحاق عن عاصم عن عبد الله بن سرجس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر يقول: اللهمّ، إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكور ودعوة المظلوم وسوء المنظر في الأهل» . وزاد غيره: «اللهمّ اطو لنا الأرض وهوّن علينا السفر» .
وقال مطرّف بن عبد الله لابنه: الحسنة بين السّيئتين وخير الأمور
(1/222)

أوساطها وشرّ السير الحقحقة. وفي الحديث «لا تحقحق فتنقطع ولا تباطأ فتسبق ولكن اقصد تبلغ» والحقحقة أشدّ السير. وفي حديث آخر «إن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» وقال المرّار «1» : [وافر]
تقطّع بالنزول الأرض عنّا ... وبعد الأرض يقطعه النزول
الأصمعي قال: قيل لرجل أسرع في سيره: كيف كان مسيرك؟ قال:
كنت آكل الوجبة وأعرّس إذا أسحرت وأرتحل إذا أسفرت وأسير الوضع وأجتنب الملع «2» فجئتكم لمسيء سبع. قال أبو اليقظان: من السير المذكور مسير ذكوان مولى آل عمر بن الخطاب، سار من مكة إلى المدينة في يوم وليلة، فقدم على أبي هريرة وهو خليفة مروان على المدينة فصلّى العتمة، فقال له أبو هريرة: حاجّ غير مقبول منه. قال له: ولم؟ قال: لأنك نفرت قبل الزوال. فأخرج كتاب مروان بعد الزوال وقال: [طويل]
ألم ترني كلّفتهم سير ليلة ... من آل منى نصّا إلى آل يثرب
فأقسمت لا تنفكّ، ما عشت، سيرتي ... حديثا لمن وافى بجمع المحصّب «3»
ومن السير المذكور مسير حذيفة بن بدر، وكان أغار على هجائن النعمان بن المنذر بن ماء السماء وسار في ليلة مسيرة ثمان، فقال قيس «4» بن
(1/223)

الخطيم: [وافر]
هممنا بالإقامة ثم سرنا ... كسير حذيفة الخير ابن بدر
قال الشّرقيّ بن القطامي: خرجت من الموصل أريد الرّقّة فصحبني فتى من أهل الجزيرة وذكر أنه من ولد عمرو بن كلثوم ومعه مزود وركوة وعصا، ورأيته لا يفارقها مشاة كنّا أو ركبانا وهو يقول: إن الله جعل جماع أمر موسى وأعاجيبه وبراهينه ومآربه في عصاه، ويكثر من هذا وأنا أضحك متهاونا بما يقول، فتخلّف المكاري فكان حمار الفتى إذا وقف أكرهه بالعصا ويقف حماري ولا شيء في يدي فيسبقني إلى المنزل فيستريح ويريح ولا أقدر على البراح حتى يوافيني المكاري، فقلت: هذه واحدة. ثم خرجنا من غد مشاة فكان إذا أعيا توكّأ على العصا وربما أحضر ووضع طرفا على الأرض فاعتمد عليها ومرّ كأنه سهم زالج حتى انتهينا وقد تفسّخت من الكلال وإذا فيه فضل كثير، فقلت: وهذه أخرى. فلما كان في اليوم الثالث هجمنا على حيّة منكرة فسارت إلينا فأسلمته إليها وهربت عنها فضربها بالعصا حتى قتلها، فقلت:
هذه ثالثة، وهي أعظمهنّ. وخرجنا في اليوم الرابع وبنا قرم «1» إلى اللحم فاعترضنا أرنب فحذفها بالعصا وأدركنا ذكاتها فقلت: هذه رابعة. فأقبلت عليه فقلت: لو أن عندنا نارا ما أخّرت أكلها إلى المنزل. فأخرج عويدا من مزوده ثم حكّه بالعصا فأورت إيراء المرخ والعفار «2» ، ثم جمع ما قدر عليه من الغثاء «3» والحشيش وأوقد نارا وألقى الأرنب في جوفها فأخرجناها وقد لزق بها من الرماد والتراب ما بغّضها إليّ فعلّقها بيده اليسرى ثم ضرب جنوبها بالعصا
(1/224)

وأعراضها ضربا رقيقا حتى انتثر كل شيء عليها فأكلناها وسكن القوم وطابت النفس، فقلت: هذه خامسة. ثم نزلنا بعض الخانات وإذا البيوت ملآنة روثا «1» وترابا فلم نجد موضعا نظلّ فيه فنظر إلى حديدة مطروحة في الدار فأخذها فجعل العصا نصابا لها ثم قام فجرف جميع ذلك الروث والتراب وجرد الأرض حتى أظهر بياضها وطابت ريحها فقلت: وهذه سادسة. ثم نزع العصا من الحديدة فأوتدها فيا لحائط وعلّق عليها ثيابه وثيابي فقلت: هذه سابعة. فلما صرنا إلى مفرق الطريقين وأردت مفارقته قال لي: لو عدلت معي فبتّ عندي! فعدلت معه فأدخلني منزلا يتصل ببيعة «2» فما زال يحدّثني ويطرفني الليل كلّه فلما كان السحر أخذ العصا بعينها وأخذ خشبة أخرى فقرع بها العصا فإذا ناقوس ليس في الدنيا مثله وإذا هو أحذق الناس به فقلت له: ويحك! أما أنت بمسلم؟ قال: بلى. قلت: فلم تضرب بالناقوس؟ قال: لأن أبي نصراني وهو شيخ كبير ضعيف فإذا شهدت بررته بالكفاية. وإذا شيطان مارد وأظرف الناس وأكثرهم أدبا فخبّرته بالذي أحصيت من خصال العصا فقال: والله لو حدّثتك عن مناقب العصا ليلة إلى الصباح ما استنفدتها.
وروى يزيد عن هشام عن الحسن عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إذا كنتم في الخصب فأمكنوا الرّكاب أسنّتها ولا تغدوا المنازل وإذا كنتم في الجدب فاستنجوا «3» وعليكم بالدّلجة فإنّ الأرض تطوى بالليل وإذا تغوّلت لكم الغيلان فنادوا بالأذان ولا تصلّوا على جوادّ الطرق «4» ولا تنزلوا عليها فإنها
(1/225)

مأوى السّباع والحيات ولا تقضوا عليها الحوائج فإنها الملاعن» .
وأراد أعرابي سفرا فقال لأمرأته: [كامل]
عدّي السنين لغيبتي وتصبّري ... وذري الشّهور فإنهنّ قصار
فأجابته: [كامل]
أذكر صبابتنا إليك وشوقنا ... وارحم بناتك إنهنّ صغار
فأقام وترك السفر. وقال إسحاق «1» بن إبراهيم الموصلي: [وافر]
طربت إلى الأصيبية الصّغار ... وهاجك منهم قرب المزار
وكلّ مسافر يزداد شوقا ... إذا دنت الديار من الديار
وفي الحديث المرفوع قال ابن مسعود: كنّا يوم بدر ثلاثة على بعير فكان عليّ وأبو لبابة «2» زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا دارت عقبتهما قالا: يا رسول الله؛ اركب ونمشي عنك. فيقول: «ما أنتما بأقوى منّي وما أنا بأغنى عن الأجر منكما» .
خطب قتيبة بن مسلم على منبر خراسان فقال في خطبته: إذا غزوتم فأطيلوا الأظفار وقصّروا الأشعار.
وقالت عائشة رضي الله عنها: «لا سهر إلا لثلاثة: مصلّ أو عروس أو مسافر.
وقال بعض الشعراء: [وافر]
سررت بجعفر والقرب منه ... كما سرّ المسافر بالإياب
وكنت بقربه إذ حلّ أرضي ... أميرا بالسّكينة والصّواب
(1/226)

كممطور ببلدته فأضحى ... غنيّا عن مطالبة السحاب
وقال آخر في معناه: [بسيط]
وكنت فيهم كممطور ببلدته ... فسرّ أن جمع الأوطان والمطرا
وقال آخر: [طويل]
إذا نحن أبنا سالمين بأنفس ... كرام رجت أمرا فخاب رجاؤها
فأنفسنا خير الغنيمة انها ... تؤوب وفيها ماءها وحياؤها
وقال آخر: [وافر]
رجعنا سالمين كما بدأنا ... وما خابت غنيمة سالمينا
وما تدرين أيّ الأمر خير ... أما تهوين أم ما تكرهينا
وقال بعض المحدثين: [خفيف]
قبّح الله آل برمك إني ... صرت من أجلهم أخا أسفار
إن يكن ذو القرنين قد مسح الأر ... ض فإني موكّل بالعيار
التفويز
«1» حدّثني أبي، أحسبه عن الهيثم بن عديّ قال: لما كتب أبو بكر رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد يأمره بالمسير إلى الشام واليا مكان أبي عبيدة بن الجرّاح، أخذ على السّماوة «2» حتى انتهى إلى قراقر «3» ، وبين قراقر
(1/227)

وسوى «1» خمس ليال في مفازة، فلم يعرف الطريق، فدلّ على رافع بن عميرة الطائي وكان دليلا خرّيتا «2» فقال لخالد: خلّف الأثقال واسلك هذه المفازة إن كنت فاعلا؛ فكره خالد أن يخلّف أحدا وقال: لا بد من أن نكون جميعا. فقال له رافع: والله إن الراكب المنفرد ليخافها على نفسه وما يسلكها إلا مغرّر مخاطر بنفسه، فكيف أنت بمن معك؟ فقال: لا بدّ من ذلك. فقال الطائي لخالد:
إبغني عشرين جزورا مسانّ «3» عظاما ففعل فظمّأهنّ ثم سقاهنّ حتى روين ثم قطع مشافرهنّ وكعمهنّ «4» لئلا تجترّ، ثم قال لخالد: سر بالخيول والأثقال فكلما نزلت منزلا نحرت من تلك الجزر أربعا ثم أخذت ما في بطونها من الماء فسقيته الخيل وشرب الناس مما تزوّدوا، ففعل. فلما صار إلى آخر المفازة انقطع ذلك وجهد الناس وعطشت دوابّهم، فقال له خالد: ويحك، ما عندك؟
قال: أدركت الريّ إن شاء الله، أنظروا هل تجدوا شجرة عوسج على ظهر الطريق؟ فنظروا فوجدوها فقال: إحفروا في أصلها، فحفروا فوجدوا عينا فشربوا منها وتزوّدوا، فقال رافع: والله ما وردت هذا الماء قطّ إلا مرة واحدة مع أبي وأنا غلام. فقال راجز المسلمين في ذلك: [رجز]
لله درّ رافع أنّى اهتدى ... فوّز من قراقر إلى سوى «5»
أرضا إذا سار بها الجيش بكى ... ما سارها قبلك من إنس أوى
(1/228)

قال ولما مرّ خالد بموضع يقال له البشر طلع على قوم يشربون وبين أيديهم جفنة «1» وأحدهم يتغنّى: [طويل]
ألا علّلاني قبل جيش أبي بكر ... لعلّ منايانا قريب وما ندري
ألا علّلاني بالزّجاج وكرّرا ... عليّ كميت اللون صافية تجري
أظنّ خيول المسلمين وخالدا ... سيطرقكم قبل الصباح من البشر
فهل لكم في السير قبل قتالهم ... وقبل خروج المعصرات من الخدر
فما هو إلا أن فرغ من قوله شدّ عليه رجل من المسلمين بالسيف فضرب عنقه فإذا رأسه في الجفنة، ثم أقبل على أهل البشر فقتل منهم وأصاب من أموالهم.
ابن الكلبي قال: أقبل قوم من أهل اليمن يريدون النبي، صلى الله عليه وسلم، فأضلّوا الطريق ووقعوا على غير ماء فمكثوا ثلاثا لا يقدرون على الماء فجعل الرجل منهم يستذري بفيء السّمر «2» والطّلح يأسا من الحياة، فبينا هم كذلك أقبل راكب على بعير فأنشد بعض القوم بيتين من شعر امرىء القيس: [طويل]
لمّا رأت أنّ الشريعة همّها ... وأنّ البياض من فرائصها دامي
تيمّمت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظّل عرمضها «3» طامي
فقال الراكب: من يقول هذا؟ قالوا: امرؤ القيس. قال: والله ما كذب، هذا ضارج عندكم، وأشار إليه، فجثوا على الرّكب فإذا ماء غدق وإذا عليه
(1/229)

العرمض والظلّ يفيء عليه فشربوا منه ريّهم وسقوا وحملوا حتى بلغوا الماء، فأتوا النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخبروه وقالوا: يا رسول الله، أحيانا بيتان من شعر امرىء القيس قال: «ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها منسي في الآخرة خامل فيها، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء يقودهم إلى النار» .
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب عن عمه الأصمعي عن رجل من بني سليم أن رفقة ماتت من العطش بالشّجي، فقال الحجاج: إني أظنهم قد دعوا الله حين بلغهم الجهد فاحفروا في مكانهم الذي ماتوا فيه لعل الله يسقي الناس. فقال رجل من جلسائه: أيها الأمير، قد قال الشاعر: [طويل]
تراءت له بين اللّوى وعنيزة ... وبين الشّجى مما أحال على الوادي «1»
والله ما تراءت له إلا وهي على ماء. فأمر الحجاج عبيدة السلمي أن يحفر بالشجى بئرا فحفر فأنبط «2» ، ويقال: إنه لم يمت قوم قطّ عطشا إلا وهم على ماء.
(1/230)

قالت العرب: «أن ترد الماء بماء أكيس» «1» . ويقال في مثل: «برد غداة غرّ عبدا من ظمأ» «2» .
في الطّيرة «3» والفأل
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حمارا له ومضى بأهله نحو سفوان «4» فسمع حاديا يحدو خلفه وهو يقول: [رجز]
لن يسبق الله على حمار ... ولا على ذي ميعة «5» مطّار
أو يأتي الحتف على مقدار ... قد يصبح الله أمام السّاري
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: حدّثني سعيد بن سلم بن قتيبة عن أبيه أنه كان يعجب ممن يصدّق بالطيرة ويعيبها أشدّ العيب وقال: فرقت لنا ناقة وأنا
(1/231)

بالطّفّ «1» فركبت في إثرها فلقيني هانىء بن عتبة «2» من بني وائل يركض وهو يقول: [منسرح]
والشرّ يلقى مطالع الأكم
ثم لقيني رجل آخر من الحي فقال وهو للبيد «3» : [مجزوء الكامل]
ولئن بعثت لهم بغا ... ة ما البغاة بواجدينا
ثم دفعت إلى غلام قد وقع في صغره في نار فأحرقته فقبح وجهه وفسد، فقلت له: هل ذكرت من ناقة فارق؟ قال: هنها أهل بيت من الأعراب فانظر.
فوجدناها قد نتجت ومعها ولدها. يقال: ناقة فارق: قد ضربها الطّلق، وسحابة فارق: قد دنا هراقة مائها. قال المرقّش «4» : [مجزوء الكامل]
ولقد غدوت، وكنت لا ... أغدو، على واق وحاتم «5»
فإذا الأشائم كالأيا ... من، والأيامن كالأشائم «6»
(1/232)

وكذاك لا خير ولا ... شرّ على أحد بدائم
وقال آخر: [طويل]
وليس بهيّاب إذا شدّ رحله ... يقول عداني اليوم واق وحاتم
ولكنه يمضي على ذاك مقدما ... إذا صدّ عن تلك الهنات الخثارم «1»
وقال آخر: [وافر]
تعلّم أنه لا طير إلّا ... على متطيّر وهو الثّبور «2»
بلى، شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا وباطله كثير
حدّثني الرياشي عن الأصمعي قال: سألت ابن عون «3» عن الفأل فقال:
هو أن تكون مريضا فتسمع: يا سالم، أو باغيا فتسمع: يا واجد. وفي الحديث المرفوع «أصدق الطّيرة الفأل» . وفيه «الطّير تجري بقدر» .
أراد أبو العالية أن يخرج من البصرة لعلّة كانت به فسمع مناديا ينادي:
يا متوكل، فحطّ رحله وأقام.
وقال عكرمة: كنا جلوسا عند ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر. قال كعب لابن عباس: ما تقول في الطّيرة قال: وما عسيت أن أقول فيها؟ لا طير إلا طير الله ولا خير إلا خير الله ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوّة
(1/233)

إلا بالله. قال كعب: إن هذه الكلمات في كتاب الله المنزل. يعني التوراة.
حدّثني محمد بن يحيى القطعيّ «1» قال: حدّثني عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن أبي حسان الأعرج أن رجلين دخلا على عائشة رضي الله عنها فقالا: إن أبا هريرة يحدّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما الطّيرة في المرأة والدار والدابة فطارت شفقا ثم قالت: كذب، والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم، من حدّث بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان أهل الجاهلية يقولون إنّ الطّيرة في الدابة والدار والمرأة» ثم قرأت: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها
«2» .
كان عبد الله «3» بن زياد صوّر في دهليزه كلبا وأسدا وكبشا وقال: كلب نابح وكبش ناطح وأسد كالح. وأنشدني أبو حاتم عن الأصمعيّ: [رجز]
يا أيّها المضمر همّا، لا تهمّ ... إنك إن تقدر لك الحمّى تحمّ
ولو علوت شاهقا من العلم ... كيف توقّيك وقد جفّ القلم
ولما أمر معاوية بقتل حجر بن عديّ الكنديّ في ثلاثة عشر رجلا معه قال حجر: دعوني أصلّ ركعتين، فتوضّأ وأحسن الوضوء، ثم صلى وطوّل فقيل له: أجزعت؟ فقال: ما توضّأت قطّ إلّا صليت، ولا صليت قط صلاة أخفّ منها. وإن أجزع فقد رأيت سيفا مشهورا وكفنا منشورا وقبرا محفورا.
(1/234)

فقيل له: مدّ عنقك، فقال: إن ذلك لدم ما كنت لأعين عليه. فقدّم فضربت عنقه. وكان معاوية بعث رجلا يقال له هدبة لقتلهم، وكان أعور، فنظر إليه رجل من خثعم فقال: إن صدقت الطّيرة قتل نصفنا، فلما قتل سبعة بعث معاوية رسولا آخر بعافيتهم فلم يقتل الباقون.
خرج كثيّر عزّة «1» إلى مصر يريد عزّة، فلقيه أعرابيّ من نهد فقال: يا أبا صخر، أين تريد؟ فقال: أريد عزّة بمصر. قال: فهل رأيت في وجهك شيئا؟
قال: لا إلا أني رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ينتّف ريشه. فقال له: توافي مصر وقد ماتت عزة. فانتهره كثيّر ثم مضى فوافى مصر والناس ينصرفون عن جنازة عزة، فقال: [طويل]
فما أعيف النّهديّ لا درّ درّه ... وأزجره للطير لا عزّ ناصره
رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ... ينتّف أعلى ريشه ويطايره
فأما غراب فاغتراب ووحشة ... وبان فبين من حبيب تعاشره
وهوي بعد عزّة امرأة من قومه يقال لها: أمّ الحويرث. فخطبها فأبت وقالت: لا مال لك، ولكن اخرج فاطلب فإني حابسة نفسي عليك. فخرج يريد بعض بني مخزوم، فبينا هو يسير عنّ له ظبي فكره ذلك ومضى فإذا هو بغراب يحثوا التراب على وجهه فكرهه وتطيّر منه، فانتهى إلى بطن من الأزد يقال لهم بنو لهب، فقال: أفيكم زاجر؟ قالوا: نعم، فأرشدوه إلى شيخ منهم فأتاه فقصّ عليه القصة، فقال: قد ماتت أو خلف عليها رجل من بني عمها.
فلما انصرف وجدها قد تزوّجت فقال:
(1/235)

تيممّت لهبا أطلب العلم عندهم ... وقد ردّ علم العائفين إلى لهب
فقال جرى الطير السّنيح ببينها ... فدونك فاهمل جدّ منهمر سكب
فإلّا تكن ماتت فقد حال دونها ... سواك خليل باطن من بني كعب
حدّثني أبو سفيان الغنويّ قال: حدّثني خالد بن يزيد الصّفّار قال:
حدّثنا همّام بن يحيى بن قتادة عن حضرميّ بن لاحق أو عن أبي سلمة أنّ النبي، صلى الله عليه وسلم، كتب إلى امرأته: «إذا أبردتم إليّ بريدا فاجعلوه حسن الوجه حسن الاسم» .
خرج عمر إلى حرّة واقم «1» فلقي رجلا من جهينة فقال له: ما اسمك؟
قال: شهاب. قال: ابن من؟ قال: ابن جمرة. قال: وممن أنت؟ قال: من الحرقة. ثم قال: ممن؟ قال: من بني ضرام «2» . فقال له عمر: أدرك أهلك وما أراك تدركهم إلا وقد احترقوا، فأتاهم وقد أحاطت النار بهم.
خرج ابن عامر إلى المدينة فإذا هو في طريقه بنعامات خمس، فقال لأصحابه: قولوا في هذه. فقال بشر بن حسان: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«لا عدوى ولا طيرة» ومن علم شيئا فليقله ولكني أقول: فتنة خمس سنين.
قرأت في كتب العجم أنّ كسرى بعث وهرز إلى اليمن لقتال الحبشة
(1/236)

فلما اصطّفوا قال وهرز لغلام له: أخرج إليّ من الجعبة نشّابة وكان الأسوار «1» يكتب على كل نشّابة في جعبته، فمنها ما يكتب عليه اسم الملك، ومنها ما يكتب عليه اسم نفسه، ومنها ما يكتب عليه اسم ابنه، ومنها ما يكتب عليه اسم امرأته. فأدخل العبد يده فأخرج له نشابة عليها اسم امرأته فتطيّر وقال:
أنت المرأة وعليك طائر السوء. ردّها وهات غيرها. فردّها وضرب بيده فأخرج تلك النشابة بعينها ففكر وهرز في طائره ثم انتبه فقال: زنان. وزنان بالفارسية: النساء. ثم قال: زن آن، فإذا ترجمتها: إضرب ذلك قال: نعم الطائر هذا. ثم وضعها في كبد قوسه ثم قال: صفوا لي ملكهم، فوصفوه بياقوتة بين عينيه. ثم إنه مغط في قوسه حتى إذا ملّأها سرّحها فأقبلت كأنها رشاء منقطع حتى فضّت الياقوتة فطار فضاضها ثم فلقت هامته وهزم القوم.
وقال المعلوط «2» : [وافر]
تنادى الطائران ببين سلمى ... على غصنين من غرب وبان
فكان البان أن بانت سليمى ... وفي الغرب اغتراب غير داني
أخذ معناها أبو الشّيص «3» فقال: [متقارب]
أشاقك والليل ملقي الجران «4» ... غراب ينوح على غصن بان
أحصّ «5» الجناح شديد الصياح ... يبكّي بعينين ما تذرفان
(1/237)

وفي نعبات «1» الغراب اغتراب ... وفي البان بين بعيد التداني
وقال الطائيّ: [كامل]
أتضعضعت عبرات عينك أن دعت ... ورقاء «2» حين تضعضع الإظلام؟
لا تنشجنّ «3» لها فإنّ بكاءها ... ضحك وإنّ بكاءك استغرام
هنّ الحمام فإن كسرت عيافة «4» ... من حائهنّ فإنهنّ حمام
حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثني موسى بن مسعود عن عكرمة بن عمّار عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: جاء رجل منا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنّا نزلنا دارا فكثر فيها عددنا وكثرت فيها أموالنا ثم تحوّلنا منها إلى أخرى فقلّت فيها أموالنا وقلّ فيها عددنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذروها وهي ذميمة» .
بلغني عن ابن كناسة عن مبارك بن سعيد أخي سفيان الثّوريّ قال:
بلغنا أن أعرابيا أضاع ذودا له فخرج في الطلب حتى أدركه العطش، فمرّ بأعرابي يحتلب ناقة فنشده ضالّته فقال له: متى خرجت في الطلب؟ ادن مني حتى أسقيك لبنا وأرشدك. قال: قبل طلوع الفجر. قال: فما سمعت؟ قال:
عواطيس حولي: ثغاء الشّاء ورغاء البعير ونباح الكلب وصياح الصبيّ. قال:
عواطيس تنهاك عن الغدوّ. قال: فلما طلع الفجر عرض لي ذئب. قال:
كسوب ذو ظفر. قال: فلما طلعت الشمس لقيت نعامة. قال: ذات ريش
(1/238)

واسمها حسن، هل تركت في أهلك مريضا؟ قال: نعم. قال: ارجع فإنك ستجد ضالتك في منزلك.
حدّثني عبد الرحمن عن حفص بن عمر الخبطيّ قال: حدّثنا أبو زرعة يحيى بن أبي عمرو السّيباني عن يثيع عن كعب قال: كانت الشجرة تنبت في محراب سليمان النبي صلى الله عليه وسلم وتكلمه بلسان ذلق «1» فتقول: أنا شجرة كذا وفيّ دواء كذا. فيأمر بها سليمان فيكتب اسمها ومنفعتها وصورتها وتقطع وترفع في الخزائن حتى كان آخر ما جاء منها الخرّوبة فقالت: أنا الخرّوبة. فقال سليمان: الآن نعيت إليّ نفسي وأذن في خراب بيت المقدس. قال الطائيّ يصف عمّوريّة «2» : [بسيط]
بكر فما افترعتها كفّ حادثة ... ولا ترقّت إليها همّة النّوب
جرى لها الفأل برحا يوم أنقرة ... إذ غودرت وحشة الساحات والرّحب
لمّا رأت أختها بالأمس قد خربت ... كان الخراب لها أعدى من الجرب
مذاهب العجم في العيافة والاستدلال بها
قرأت في الآيين: كانت العجم تقول: إذا تحوّلت السّباع والطير الجبلية عن أماكنها ومواضعها دلّت بذلك على أن المشتى سيشتدّ ويتفاقم. وإذا نقلت
(1/239)

الجرذان برّا وشعيرا أو طعاما إلى رب بيت رزق الزيادة في ماله وولده، وإن هي قرضت ثيابه دلّت بذلك على نقص ماله وولده، فينبغي أن يقطع ذلك القرض ويصلح. وإذا شبّت النار شبوبا كالصّخب دلت على فرح شديد، وإذا شبّت شبوبا كالبكاء دلت على حزن، وأما النار التي تشتعل في أسفل القدور فإنها تدل على أمطار تكثر أو ضيف يحضر. وإذا فشا الموت في البقر وقع الموتان «1» في البشر، وإذا فشا الموت في الخنازير عمّ الناس السلامة والعافية، وإذا فشا الموت في السباع والوحوش أصاب الناس ضيقة، وإذا فشا الموت في الجرذان أخصب الناس. وإذا أكثرت الضفادع النّقيق دلّت على موتان يكون. وإذا أنّ ديك في دار فشا فيها مرض الرجال، وإذا أنّت دجاجة فشا فيها مرض النساء، وإذا صرخت ديوك صراخا كالبكاء فشا الموت في النساء، وإذا صرخ الدجاج مثل ذلك الصراخ فشا الموت في الرجال. وإذا نعب غراب أسود فجاوبته دجاجة دل ذلك على خراب يعمر. وإذا قوّقت دجاجة وجاوبها غراب دل على عمران يخرب. وإذا غطّ الرجل الحسيب في نومه بلغ سنا ورفعة، ومن نفخ في نومه أفسد ماله، ومن صرّت أسنانه في نومه دل ذلك منه على نميمة، وينبغي أن يضرب على فيه بخفّ متخرّق. ومن سقطت قدّامه حية من حجر أصابته معرّة ومضرّة. وإذا رئي في الهواء دخنة وظلمة من غير علة تخوّف على الناس الوباء والمرض. وإذا رئي في آفاق السماء في ليلة مصحية كاختلاف النيران غشي البلاد التي رئي ذلك فيها عدوّ، فإن رئي ذلك وفي البلاد عدوّ انكشف عنها. وإذا نبح كلب بعد هدأة نبحة بغتة دلّ على أن السّرّاق قد اجتمعوا بالغارة على بعض ما في تلك الدار أو ما جاورها. وإذا صفّق ديك بجناحيه ولم يصرخ دل على أن الخير محتبس عن صاحبه. وإذا
(1/240)

أكثر البوم الصراخ في دار برىء مريض إن كان فيها. وإذا سمع لبيت تنقّض شخص من فيه عنه، وإذا عوت ذئاب من جبال وجاوبتها كلاب من قرى تفاقم الأمر في التحارب وسفك الدماء. وإذا عوت كلاب وجاوبتها ذئاب كان وباء وموتان جارف، وإذا أكثرت الكلاب في البغتات الهرير دلّت بذلك على إتيان العدوّ البلاد التي هي فيها، وإذا صرخ ديك في دار قبل وقت صراخ الديوك كان ذلك محاولة لدفع بليّة قد شارفت تلك الدار؛ وإذا صرخت دجاجة في دار كصراخ ديك كان ذلك تحذيرا لمن فيها من آفة قد أشرفوا عليها. وإذا أكثر ديك النّزوان «1» على تكأة «2» رب الدار نال شرفا ونباهة، وإن فعلت ذلك دجاجة ناله خمول وضعة. وإذا ذرق «3» ديك على فراشه نال مالا رغيبا وخيرا كثيرا وذلك إذا كان من غير تضييع من حشمه لفراشه، فإن ذرقت دجاجة على فراشه نالت زوجته منه خيرا كثيرا، وكانوا يقولون: إن الموت من المريض الشبيه للصحيح قريب وإن الصحيح الشبيه بالمريض مستشعر للشر وينبغي مباعدته. وينبغي أن يعرف كنه من كان منطيقا «4» لعلّه لا يجيد العمل، وحال من كان سكّينا متزمّتا لعله بعيد الغور. وكانوا يكرهون استقبال المولود ساعة يوضع إلا أن يكون ناقص الخلق فإنّ بليته وآفته قد صارتا على نفسه، ويكرهون استقبال الزّمن «5» والكريه الاسم والجارية البكر والغلام الذاهب إلى المكتب، وكانوا يكرهون الثيران المقرونة بقران والحيوان الموثق والدابّة المقودة وحاملة الشراب والحطب والكلب، ويستحبّون الصحيح البدن الرضيّ
(1/241)

الاسم والمرأة الوسيمة الثيّب «1» والغلام المنصرف من المكتب والدواب التي عليها حمولة من طعام أو تبن أو زبل. وكانوا لا ينحّون عن سمع الملك ألحان المغنيات ونقيض الصواري وصهيل الخيل والبراذين ويتخذون في مبيته ديكا ودجاجة. وإذا أهديت له خيل سنح بها عليه من يساره إلى يمينه وكذلك الغنم والبقر، وأما الرقيق والسباع وما أشبهها فكان يبرح بها من يمينه إلى يساره.
باب في الخيل
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن شبيب بن غرقدة عن عروة البارقي «2» قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» .
حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثني أشهل بن حاتم قال: حدّثني موسى ابن علي بن رباح اللّخمي عن أبيه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أريد أن أعدّ فرسا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فاشتره إذا أدهم أو كميتا أقرح أرثم «3» أو محجّلا مطلق اليمين» وفي حديث آخر «فإنها ميامين الخيل ثم اغز تسلم وتغنم إن شاء الله» .
حدّثني سهل بن محمد قال: أخبرني أبو عبيدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«عليكم بإناث الخيل فإن ظهورها حرز وبطونها كنز» قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستحبّ من الدواب الشّقر ويقول: «لو جمعت خيل العرب كلها في صعيد
(1/242)

واحد ما سبقها إلا أشقر» . وسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيّ المال خير؟ قال:
«سكة مأبورة» يعني النخل «ومهرة مأمورة» يريد كثيرة النتاج. قال: وكان يكره الشّكال «1» في الخيل. قال أبو ذرّ: ما من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ربه ويقول: اللهمّ سخّرتني لابن آدم وجعلت رزقي بيده فاجعلني أحبّ إليه من أهله وماله، اللهمّ ارزقه وارزقني على يديه. سأل المهدي مطر بن درّاج: أيّ الخيل أفضل؟ قال: الذي إذا استقبلته قلت نافر، وإذا استعرضته قلت زافر «2» ، وإذا استدبرته قلت زاخر «3» . قال: فأيّ البراذين «4» شر؟ قال: الغليظ الرقبة الكثير الجلبة الذي إذا أرسلته قال: أمسكني وإذا أمسكته قال:
أرسلني. قال: فأيّ البراذين خير؟ قال: ما طرفه إمامه وسوطه عنانه.
وصف رجل برذونا فقال: إن تركته نعس وإن حرّكته طار. وقال ابن أقيصر: خير الخيل الذي إذا استقبلته أقعى وإذا استدبرته جبّى وإذا استعرضته استوى وإذا مشى ردى وإذا عدا دحا «5» .
محمد بن سلّام قال: أرسل مسلم بن عمرو بن عمّ له إلى الشام ومصر يشتري له خيلا فقال: لا علم لي بالخيل قال: ألست صاحب قنص؟
قال: بلى. قال: فانظر، كلّ شيء تستحسنه في الكلب فاطلبه في الفرس.
فقدم بخيل لم يك في العرب مثلها. وقالوا: سمّيت خيلا لاختيالها.
(1/243)

وذكر أعرابي فرسا وسرعته فقال: لما خرجت الخيل جارى بشيطان في أشطان فلما أرسلت لمع لمعة سحاب فكان أقربها إليه الذي تقع عينه عليه.
وسئل رجل من بني أسد: أتعرف الفرس الكريم؟ قال: أعرف الجواد المبرّ من المبطىء المقرف. أما الجواد المبرّ فالذي نهز نهز العير وأنّف تأنيف السّير، الذي إذا عدا اسلهبّ وإذا قيّد اجلعبّ وإذا انتصب اتلأبّ «1» . وأما المبطىء المقرف فالمدلوك الحجبة الضخم الأرنبة «2» الغليظ الرقبة الكثير الجلبة الذي إن أرسلته قال: أمسكني وإن أمسكته قال: أرسلني وأنشد الرّياشي»
: [بسيط]
كمهر سوء إذا سكّنت شرّته ... رام الجماح فإن رفّعته سكنا «4»
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله قال: حدّثني الأصمعي عن أبي عمرو ابن العلاء أن عمر بن الخطاب شكّ في العتاق والهجن «5» ، فدعا سلمان بن ربيعة الباهلي فأخبره، فأمر سلمان بطست فيه ماء فوضع في الأرض ثم قدّمت الخيل إليه فرسا فرسا فما ثنى منها سنبكه «6» فشرب هجّنه، وما شرب ولم يثن
(1/244)

سنبكه عرّبه. وذلك لأن في أعناق الهجن قصرا فهي لا تنال الماء على تلك الحال حتى تثني سنابكها وأعناق العتاق طوال.
وحدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: ذكروا أن كسرى كان إذا أتاه سائسه فقال: الفرس يشتكي حافره، قال: المطبخ. وإذا قال: يشتكي ظهره، قال: البيطار.
وأنشدني أبو حاتم لأبي ميمون العجليّ وهو النّضر «1» بن سلمة في شعر طويل له يصف الفرس، وقال قرأته على أبي عبيدة وعلى الأصمعيّ:
[سريع]
الخيل منّي أهل ما أن يدنين ... وأن يقرّبن وأن لا يقصّين
وأن يبأبأن «2» وأن يفدّين ... وأن يكون المحض مما يسقين
وأهل أن يعلين أو يغالين ... بالطّرف والتّلد وأن لا يجفين «3»
وأهل ما صحبننا أن يقفين ... وأهل ما أعقبننا أن يجزين «4»
أليس عزّ الناس فيما أبلين ... والحسب الزاكي إذا ما يقنين؟
والأجر والزّين إذا ريم الزّين ... كم من كريم جدّه قد أعلين
وكم طريد خائف قد أنجين ... ومن فقير عائل قد أغنين
وكم برأس في لبان «5» أجرين ... وجسد للعافيات أعرين
وأهل حصن في امتناع أرذين ... وكم لها في الغنم من ذي سهمين «6»
(1/245)

يكون فيما اقتسموا كالرجلين ... وكم وكم أنكحن من ذي طمرين «1»
بغير مهر عاجل ولا دين ... والخيل والخيرات في قرينين
لا تشتكينّ عملا ما أنقين ... ما دام مخّ في سلامى أو عين «2»
ما بلّل الصوفة «3» ماء البحرين
وأنشدني أبو حاتم عن أبي عبيدة. قال: وقال: لي أبو عبيدة: لا أعرف قائل هذا الشعر وعروضه لا يخرّج. قال أبو حاتم: أحسبه لعبد الغفار «4» الخزاعي: [منسرح]
ذاك وقد أذعر الوحوش بصل ... ت الخدّ رحب لبانه مجفر «5»
طويل خمس قصير أربعة ... عريض ست مقلّص حشور «6»
حدّت له تسعة «7» وقد عريت ... تسع ففيه لمن رأى منظر
ثم له تسعة كسين وقد ... أرحب منه اللّبان والمنخر «8»
بعيد عشر وقد قربن له ... عشر وخمس طالت ولم تقصر «9»
(1/246)

نقفيه بالمحض دون ولدتنا ... وعضّه في آريّه ينثر «1»
نصبحه تارة ونغبقه ... ألبان كوم روائم أظؤر «2»
حتى شتا بادنا يقال ألا ... يطوون من بدنه وقد أضمر «3»
موثّق الخلق جرشع عتد ... منضرج الحضر حين يستحضر «4»
خاظي الحماتين لحمه زيم ... نهد شديد الصّفاق والأبهر «5»
رقيق خمس غليظ أربعة ... نائي المعدّين ليّن الأشعر «6»
وقد فسّرت هذا الشعر في كتابي المؤلف في أبيات المعاني في خلق الفرس. أنشدنا أبو سعيد لبعض الضّبّيين في وصف فرس: [كامل]
متقاذف عبل الشّوى شنج النّسا ... سبّاق أندية الجياد عميثل «7»
وإذا تعلّل بالسّياط جيادها ... أعطاك نائله ولم يتعلّل
قيل لما وضعت حرب صفّين أوزارها قال عمرو بن العاص: [رمل]
شبّت الحرب فأعددت لها ... مفرع الحارك مرويّ الثّبج «8»
(1/247)

جرشعا أعظمه جفرته «1» ... فإذا ابتلّ من الماء حرج
يصل الشّد بشدّ فإذا ... ونت الخيل من الشدّ معج «2»
ووجدت في كتاب من كتب الروم أن من علامة فراهة «3» المهر الحولي صغر رأسه وشدّة سواد عينيه وأن يكون محدّد الأذنين أجرد باطنها كثيف العرف، في عرفه ميل من قبل يمين راكبه عريض الصدر مرتفع الهادي معتدل العضدين مكتنز الجنبين طويل الذنب عريض الكفل مستدير الحوافر صحيح باطنها، ومن علامة فراهة المهر ألا يكون نفور ولا يقف عند دابة إلا مع أمّه وإذا دفع إلى عين أو نهر ماء لم يقف لتجاوزه دابة فيسير بسيرها ولكنه يقطع ذلك النهر والعين.
قالوا: ومما يسلم الله به الخيل من العين وأشباه ذلك أن يجعل في أعناقها خرزة من قرون الأيايل «4» .
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن سفيان عن حصين بن عبد الرحمن عن هلال بن إساف وعن سحيم بن نوفل قالا: كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود ونحن نعرض المصاحف، فجاءت جارية إلى سيّدها فقالت: ما يجلسك؟ قم فابتغ لنا راقيا فإن فلانا لقع «5» مهرك بعينه فتركته يدور كأنه فلك. فقال عبد الله: لا تبتغ راقيا ولكن اذهب فانفث في منخره الأيمن أربعا وفي الأيسر ثلاثا ثم قل: بسم الله لا باس لا باس أذهب الباس
(1/248)

ربّ النّاس واشف أنت الشافي لا يكشف الضراء إلا أنت. قال: فما قمنا حتى جاء الرجل فقال: قد فعلت الذي أمرتني به فبال وراث وأكل.
حدّثني أبو حاتم عن أبي عبيدة أنه قال: إذا كان الفرس صلودا «1» لا يعرق سقيته ماء قد دفت «2» فيه خميرة أو علفته ضغثا «3» من هندباء فإن ذلك يكثر عرقه، فإن حمر «4» أدخلته الحمّام وأشمّه عذرة. فقلت لأبي عبيدة: ما يدريك أنّ هذا كذا؟ فقال: أخبرني به جلّ الهنديّ وكان بصيرا. قال: فإن أصابته مغلة وهي وجع البطن من أكل التراب أخذ له شيء من بورق فدقّ ونخل فجعل في ربع دورق من خمر فحقن به وبلّ تراب طيّب ببول «5» أتان حتى يصير طينا ثم لطخ به بطن الدابة. قال: ومما يذهب العرن «6» دماغ الأرنب.
وقف الهيثم بن مطهّر على باب الخيزران على ظهر دابته، فبعث إليه الكاتب في دارها: انزل عن ظهر دابتك فقد جاء في الأثر: لا تجعلوا ظهور دوابّكم مجالس. فبعث إليه: إني رجل أعرج وإن خرج صاحبي خفت ألّا أدركه. فبعث إليه: إن لم تنزل أنزلناك. قال: هو حبيس إن أنزلتني عنه إن أقضمته شهرا فانظر أيّما خير له، راحة ساعة أو جوع شهر؟ فقال: هذا شيطان، اتركوه.
(1/249)

باب البغال والحمير
قال مسلمة: ما ركب الناس مثل بغلة قصيرة العذار طويلة العنان.
وكتب رجل إلى وكيله: ابغني بغلة حصّاء الذنب «1» طويلة العنق سوطها عنانها وهواها أمامها.
عاتب الفضل بن الربيع بعض بني هاشم في ركوبه بغلة، فقال له: هذا مركب تطأطأ عن خيلاء الخيل وارتفع عن ذلّة الحمار وخير الأمور أوساطها.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: أخبرنا أبو عمرو بن العلاء: قال دفع أبو سيّارة بأهل المزدلفة «2» أربعين سنة على حمار لا يعتلّ، فقالت العرب:
«أصح من عير أبي سيارة» .
قال رجل للفضل الرّقاشي وهو جدّ معتمر لأمّه: إنك لتؤثر الحمير على جميع المركوب، فلم ذلك؟ قال: لأنها أكثرها مرفقا. قال: وما ذاك؟ قال: لا تستبدل بالمكان على قدر اختلاف الزمان ثم هي أقلها داء وأيسرها دواء وأسلم صريعا وأسهل تصريفا وأخفض مهوى وأقل جماحا وأشهر فارها «3» وأقل نظيرا ويزهى راكبه وقد تواضع بركوبه، ويكون مقتصدا وقد أسرف في ثمنه. وقال خالد بن صفوان في وصف حمار: قد أركبه عيرا من بنات الكداد أصحر
(1/250)

السّربال محملج القوائم يحمل الرّجلة «1» ويبلغ العقبة ويمنعني أن يكون جبّارا عنيدا.
وقال رجل لنخّاس «2» : أطلب لي حمارا ليس بالكثير المشتهر ولا القصير المحتقر ولا يقدم تقحّما ولا يحجم تبلّدا يتجنب بي الزحام والرّجام والإكام خفيف اللّجام، إذا ركبته هام، وإذا ركبه غيري قام، إن علقته شكر، وإن أجعته صبر. فقال له النخاس: إن مسخ الله القاضي زيادا حمارا رجوت أن أصيب لك حاجتك إن شاء الله. وقال رجل لآخر يوصيه: خذ من الحمار شكره وصبره ومن الكلب نصحه لأهله ومن الغراب كتمانه للسّفاد.
جرير بن عبد الله عن أبيه قال: لا تركب حمارا فإنه إن كان فارها أتعب يديك وإن كان بليدا أتعب رجليك.
باب في الإبل
الهيثم قال قال ابن عياش: لا تشتر خمسة من خمسة: لا تشتر فرسا من أسديّ ولا جملا من نهديّ ولا عيرا من تميمي ولا عبدا من بجلي. ونسي الهيثم الخامس، يريد أن أهل هذه القبائل عظام الجدود في هذه الأشياء. قيل لبني عبس: أيّ الإبل أصبر عليكم في محاربتكم؟ قال الرّمك «3» الجعاد.
قيل: فأيّ الخيل وجدتم أصبر؟ قالوا: الكمت «4» الحوّ. قيل: فأيّ النساء
(1/251)

وجدتم أصبر؟ قالوا: بنات العم.
المدائني قال: قال شبّة بن عقال: أقبلت من اليمن أريد مكة وخفت أن يفوتني الحج، ومعي ثلاثة أجمال فمررت برجل من أهل اليمن على ناقة له فطويته فلما جزته قام بي بعير لي ثم آخر ثم قام الآخر فظننت أن الحج يفوتني فمرّ بي اليماني فقال: مررت بنا ولم تسلّم ولم تعرّض. فقلت: أجل يرحمك الله.
قال: أتطيب نفسا عما أرى؟. قلت: نعم. فنزل فأرخى أنساع «1» رحله ثم قدّمه فكاد يضعه على عنقها ثم شدّه وقال لي: لولا أنك لا تضبط رأسها لقدّمتك.
ثم قال لي: خذ حرّ متاعك إن لم تطب نفسا به ففعلت، ثم ارتدفت فجعلت تعوم عوما ثم انسلّت كأنها ثعبان يسيل سيلا كالماء فما شعرت حتى أراني الأعلام وقال: أتسمع؟ فسمعت أصوات الناس فإذا نحن بجمع «2» ، فقضيت حجّتي، وكان قال لي: حاجتي إليك ألّا تذكر هذا فإن هذه عندي أثر من ولاية العروض يعني مكة والمدينة، أدرك عليها الثأر وهي ثمال العيال وأصيد عليها الوحش وأوافي عليها الموسم في كل عام من صنعاء في أقل من غبّ الحمال فسألته: من أين هي؟ قال: بجاويّة من هوامي نتاج بدو بجيلة الأولى وهي من المهارى التي يذكر الناس.
وكتب سليمان بن عبد الملك إلى عامله: أصب لي نجائب كراما.
فقدم رجل على جمل «3» سباعيّ عظيم الهامة له خلق لم يروا مثله قطّ فساموا، فقال: لا أبيعه. قالوا: لا ندعك ولا نغصبك ولكنا نكتب إلى أمير المؤمنين
(1/252)

بسببه. قال: فهلا خيرا من هذا؟ قالوا: ما هو؟ قال: معكم نجائب كرام وخيل سابقة، فدعوني أركب جملي وأبعثه واتبعوني فإن لحقتموني فهو لكم بغير ثمن. قالوا: نعم. فدنا منه فصاح في أذنه ثم أثاره فوثب وثبة شديدة فكبا ثم انبعث واتبعوه فلم يدروا كيف أخذ، ولم يروا له أثرا فجعل أهل اليمن علما على وثبته يقال له: الكفلان.
أخبار الجبناء
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله عن عمه الأصمعي قال: أرسل عبيد الله بن زياد رجلا في ألفين إلى مرداس «1» بن أديّة وهو في أربعين فهزمه مرداس فعنّفه ابن زياد وأغلظ له فقال: يشتمني الأمير وأنا حيّ أحبّ إليّ من أن يدعو لي وأنا ميت. فقال شاعر الخوارج «2» : [وافر]
أألفا مؤمن منكم زعمتم ... ويهزمهم باسك «3» أربعونا؟
كذبتم ليس ذلكم كذاكم ... ولكنّ الخوارج مؤمنونا
هم الفئة القليلة قد علمتم ... على الفئة الكثيرة ينصرونا «4»
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن عون عن الحسن قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما التقت فئتان قطّ إلا وكفّ الله بينهما فإذا أراد أن
(1/253)

يهزم إحدى الطائفتين أمال كفّه عليها» . ورفع معاوية ثندوته «1» بيده وقال: لقد علم الناس أن الخيل لا تجري بمثلي، فكيف قال النّجاشيّ «2» : [طويل]
ونجّى ابن حرب سابق ذو علالة ... أجشّ هزيم والرماح دواني «3»
ابن دأب قال: قال عمرو بن العاص لمعاوية: لقد أعياني أن أعلم أجبان أنت أم شجاع؟ فقال: [طويل]
شجاع إذا ما أمكنتني فرصة ... وإلّا تكن لي فرصة فجبان
شهد أبو دلامة حربا مع روح بن حاتم فقال له: تقدّم فقاتل.
فقال: [بسيط]
إني أعوذ بروح أن يقدّمني ... إلى القتال فتخزى بي بنو أسد
إن المهلّب «4» حبّ الموت ورّثكم ... ولم أورّث حبّ الموت عن أحد
أبو المنذر قال: حدّثنا زيد بن وهب قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: عجبا لابن النابغة! يزعم أني تلعابه أعافس وأمارس! أما وشرّ
(1/254)

القول أكذبه، إنه يسأل فيلحف «1» ويسأل فيبخل، فإذا كان عند البأس فإنه امرؤ زاجر ما لم تأخذ السيوف مأخذها من هام القوم، فإذا كان كذلك كان أكبر همّه أن يبرقط «2» ويمنح الناس استه. قبحه الله وترحه. وقال الفرّار «3» السّلمي: [كامل]
وكتيبة لبّستها بكتيبة ... حتى إذا التبست نفضت بها يدي «4»
وتركتهم تقص الرماح ظهورهم ... من بين منجدل وآخر مسند «5»
ما كان ينفعني مقال نسائهم ... وقتلت دون رجالهم: لا تبعد «6»
وقال آخر: [بسيط]
أصخت تشجّعني هند وقد علمت ... أن الشجاعة مقرون بها العطب
لا والذي حجّت الأنصار كعبته ... ما يشتهي الموت عندي من له أرب
للحرب قوم أضلّ الله سعيهم ... إذا دعتهم إلى حوبائها «7» وثبوا
ولست منهم ولا أبغي فعالهم ... لا القتل يعجبني منها ولا السّلب
وقال أيمن «8» بن خريم: [رمل]
إنّ للفتنة ميطا «9» بيّنا ... فرويد الميط منها يعتدل
(1/255)

فإذا كان عطاء فأتهم ... وإذا كان قتال فاعتزل
إنما يسعرها جهّالها ... حطب النار فدعها تشتعل «1»
وقال آخر: [متقارب]
كملقي الأعنة من كفّه ... وقاد الجياد بأذنابها
وقال جران «2» العود في الدّهش: [بسيط]
يوم ارتحلت برحلي قبل تودعتي ... والقلب مستوهل بالبين مشغول
ثم اغترزت «3» على نضوي لأدفعه ... إثر الحمول الغوادي وهو معقول
كان خالد بن عبد الله من الجبناء خرج عليه المغيرة بن سعيد صاحب المغيريّة من الرافضة وهو من بجيلة فقال من الدّهش: أطعموني ماء. فذكّره بعضهم فقال: [بسيط]
عاد الظلوم ظليما حين جدّ به ... واستطعم الماء لما جدّ في الهرب
وقال عبيد الله بن زياد إما للكنة فيه أو لجبن أو دهشة: افتحوا سيوفكم.
وقال ابن مفزّغ الحميري «4» :
(1/256)

[وافر]
ويوم فتحت سيفك من بعيد ... أضعت وكلّ أمرك للضياع «1»
وكان معاوية يتمثل بهذين البيتين كثيرا: [متقارب]
أكان الجبان يرى أنه ... سيقتل قبل انقضاء الأجل
فقد تدرك الحادثات الجبان ... ويسلم منها الشجاع البطل
وقال خالد بن الوليد: لقد لقيت كذا وكذا زحفا وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه طعنة أو ضربة أو رمية ثم ها أنا أموت على فراشي حتف أنفي «2» ، فلا نامت أعين الجبناء.
قيل لأعرابي: ألا تغزو فإن الله قد أنذرك. قال: والله إني لأبغض الموت على فراشي فكيف أمضي إليه ركضا؟ وقال قرواش «3» بن حوط وذكر رجلين: [كامل]
ضبعا مجاهرة وليثا هدنة ... وثعيلبا خمر «4» إذا ما أظلما
وقال عبد الملك بن مروان في أمية بن عبد الله «5» بن خالد:
(1/257)

إذا صوّت العصفور طار فؤاده ... وليث حديد الناب عند الثرائد
ونحوه قول الآخر «1» : [طويل]
ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسوّمة تدعو عبيدا وأزنما «2»
وقال الله جلّ وعزّ: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ
«3» .
ومن أشعار الشّطّار في الجبان: [هزج]
رأى في النوم إنسانا ... فوارى نفسه أشهر «4»
قال ابن المقفع: الجبن مقتلة والحرص محرمة فانظر فيما رأيت وسمعت: من قتل في الحرب مقبلا أكثر أم من قتل مدبرا؟ وانظر من يطلب إليك بالإجمال والتكرم أحقّ أن تسخو نفسك له بالعطية أم من يطلب إليك بالشره والحرص؟ وقال حنش «5» بن عمرو: [طويل]
وأنتم سماء يعجب الناس رزّها «6» ... لها زجل باق شديد وئيدها
تقطّع أطناب البيوت بحاصب «7» ... وأكذب شيء برقها ورعودها
(1/258)

فويلمّها «1» خيلا تهاوى شرارها ... إذا لاقت الأعداء لولا صدودها
وقال الفرزدق أو البيعث: [بسيط]
سائل سليطا «2» إذا ما الحرب أفزعها ... ما بال خيلكمو قعسا هواديها
لا يرفعون إلى داع أعنّتها ... وفي جواشنها داء يجافيها
كان بالبصرة شيخ من بني نهشل يقال له عروة بن مرثد ويكنى أبا الأغرّ ينزل ببني أخت له في سكة بني مازن، وبنو أخته من قريش، فخرج رجالهم إلى ضياعهم في شهر رمضان وخرج النساء يصلّين في مسجدهم فلم يبق في الدار إلا الإماء «3» فدخل كلب يعتسّ «4» فرأى بيتا فدخله وانصفق الباب فسمع الحركة بعض الإماء فظنوا أن لصا دخل الدار فذهبت إحداهنّ إلى أبي الأغر فأخبرته، فقال أبو الأغر: ما يبتغي اللص؟ ثم أخذ عصاه وجاء، فوقف على باب البيت وقال: إيه، يا ملأمان «5» ، أما والله إنك بي لعارف فهل أنت إلا من لصوص بني مازن شربت حامضا خبيثا حتى إذا دارت القدوح في رأسك منّتك نفسك الأماني وقلت: أطرق ديار بني عمرو والرجال خلوف والنساء يصلّين في مسجدهم فأسرقهم؟ سوءة لك، والله ما يفعل هذا ولد الأحرار، وايم الله «6» لتخرجنّ أو لأهتفنّ هتفة مشؤومة يلتقي فيها الحيّان عمرو وحنظلة وتجيء سعد
(1/259)

بعدد الحصى وتسيل عليك الرجال من هاهنا ومن هاهنا ولئن فعلت لتكوننّ أشأم مولود. فلما رأى أنه لا يجيبه أحد أخذ باللين فقال: أخرج بأبي وأمي، أنت مستور، إني والله ما أراك تعرفني ولو عرفتني لقنعت بقولي واطمأننت إليّ. أنا- فديتك- أبو الأغر النّهشلي، وأنا خال القوم وجلدة بين أعينهم لا يعصونني، ولن تضارّ الليلة فاخرج فأنت في ذمتي وعندي قوصرّتان «1» أهداهما إليّ ابن أختي البارّ الوصول فخذ إحداهما فانتبذها حلالا من الله ورسوله.
وكان الكلب إذا سمع الكلام أطرق وإذا سكت وثب يريغ المخرج، فتهاتف أبو الأغرّ ثم تضاحك وقال: يا ألأم الناس وأوضعهم، لا أرى إلا أني لك الليلة في واد وأنت لي في واد، أقلّب السوداء والبيضاء فتصيخ وتطرق، وإذا سكتّ عنك وثبت تريغ المخرج، والله لتخرجنّ أو لألجنّ عليك البيت. فلما طال وقوفه جاءت إحدى الإماء فقالت: أعرابي مجنون، والله ما أرى في البيت شيئا، فدفعت الباب فخرج الكلب شدّا وحاد عنه أبو الأغر ساقطا على قفاه، ثم قال: يا لله ما رأيت كالليلة! والله ما أراه إلا كلبا، أما والله لو علمت بحاله لولجت عليه.
وشبيه بهذا حديث لأبي حية النّميري، وكان له سيف ليس بينه وبين الخشبة فرق، وكان يسميه لعاب المنيّة. قال جار له: أشرفت عليه ليلة وقد انتضاه وشمّر وهو يقول: أيها المغترّ بنا والمجترىء علينا، بئس والله ما أخترت لنفسك، خير قليل وسيف صقيل، لعاب المنية الذي سمعت به، مشهور ضربته لا تخاف نبوته. أخرج بالعفو عنك وإلا دخلت بالعقوبة عليك، إني والله إن أدع قيسا تملأ الأرض خيلا ورجلا. يا سبحان الله، ما
(1/260)

أكثرها وأطيبها! ثم فتح الباب فإذا كلب قد خرج، فقال: الحمد لله الذي مسخك كلبا وكفاني حربا.
وقرأت في كتاب كليلة ودمنة: يخاف غير المخوف طائر يرفع رجليه خشية السماء أن تسقط، وطائر يقوم على إحدى رجليه حذار الخسف إن قام عليهما، ودودة تأكل التراب فلا تشبع خوفا أن يفنى إن شبعت فتجوع، والخفافيش تستتر بالنهار خذار أن تصطاد لحسنها.
بينا عبد الله بن خازم السّلمي عند عبيد الله بن زياد إذ دخل عليه بجرذ «1» أبيض فعجب منه وقال: يا أبا صالح، هل رأيت أعجب من هذا؟ وإذا عبد الله قد تضاءل حتى صار كأنه فرخ واصفّر حتى كأنه جرادة ذكر. فقال عبيد الله:
أبو صالح يعصى الرحمن ويتهاون بالشيطان ويقبض على الثعبان ويمشي إلى الأسد الورد «2» ويلقى الرماح بوجهه قد اعتراه من هذا الجرذ ما ترون! إن الله على كل شيء قدير!.
كان الحارث بن هشام أخو أبي جهل بن هشام شهد بدرا مع المشركين وانهزم، فقال فيه حسان «3» : [كامل]
إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبّة لم يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرّة «4» ولجام
(1/261)

فاعتذر الحارث من فراره وقال: [كامل]
الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسي بأشقر مزبد
وعلمت أنّي إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر عدويّ مشهدي
فصددت عنهم والأحبة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مفسد
وأسلم يوم فتح مكة وحسن إسلامه، وخرج في زمن عمر من مكة إلى الشام بأهله وماله، فاتّبعه أهل مكة يبكون، فرقّ وبكى ثم قال: أما إنا لو كنا نستبدل دارا بدارنا وجارا بجارنا ما أردنا بكم بدلا، ولكنها النّقلة إلى الله، فلم يزل هنالك مجاهدا حتى مات.
المدائني قال: رأى عمرو بن العاص معاوية يوما يضحك فقال له: مم تضحك يا أمير المؤمنين أضحك الله سنّك؟ قال: أضحك من حضور ذهنك عند إبدائك سوءتك يوم ابن أبي طالب، أما والله لقد وافقته منّانا كريما، ولو شاء أن يقتلك لقتلك. قال عمرو: يا أمير المؤمنين، أما والله إني لعن يمينك حين دعاك إلى البراز فاحولّت عيناك وربا سحرك وبدا منك ما أكره ذكره لك فمن نفسك فاضحك أو دع.
وقدم الحجاج على الوليد بن عبد الملك فدخل وعليه درع وعمامة سوداء وقوس عربية وكنانة، فبعثت إليه أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان فقالت: من هذا الأعرابي المستلئم «1» في السلاح عندك وأنت في غلالة؟
فبعث إليها أنه الحجاج، فأعادت الرسول إليه، فقال: تقول لك والله لأن يخلو بك ملك الموت أحيانا أحبّ إليّ من أن يخلو بك الحجاج، فأخبره بذلك الوليد وهو يمازحه، فقال: يا أمير المؤمنين، دع عنك مفاكهة النساء بزخرف
(1/262)

القول فإنما المرأة ريحانة وليست قهرمانة «1» فلا تطلعها على سرك ومكايدة عدوّك. فلما دخل الوليد أخبرها بمقالة الحجاج فقالت: يا أمير المؤمنين، حاجتي أن تأمره غدا بأن يأتيني مستلئما، ففعل ذلك وأتاها الحجاج فحجبته فلم يزل قائما، ثم قالت: إيه يا حجاج، أنت الممتنّ على أمير المؤمنين بقتال ابن الزبير وابن الأشعث، أما والله لولا أنّ الله علم أنك شر خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة الحرام ولا بقتل ابن ذات النّطاقين «2» أول مولود ولد في الإسلام، وأما نهيك أمير المؤمنين عن مفاكهة النساء وبلوغ لذّاته وأوطاره فإن كنّ ينفرجن عن مثله فغير قابل لقولك، أنا والله لقد نفض نساء أمير المؤمنين الطّيب من غدائرهن فبعنه في أعطية أهل الشام حين كنت في أضيق من القرن قد أظلتك رماحهم وأثخنك كفاحهم وحين كان أمير المؤمنين أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم فأنجاك الله من عدوّ أمير المؤمنين بحبهم إياه، قاتل الله القائل حين نظر إليك وسنان غزالة «3» بين كتفيك: [كامل]
أسد عليّ وفي الحروب نعامة ... فتخاء «4» تنفر من صفير الصافر
هلّا كررت على غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جوانح طائر
وغزالة امرأة شبيب الخارجي. ثم قالت: أخرج، فخرج.
(1/263)

وكان في بني ليث رجل جبان بخيل فخرج رهطه غازين وبلغ ذلك أناسا من بين سليم وكانوا أعداء لهم فلم يشعر الرجل إلا بخيل قد أحاطت بهم فذهب يفرّ فلم يجد مفرّا، ووجدهم قد أخذوا عليه كل وجه فلما رأى ذلك جلس ثم نثل كنانته وأخذ قوسه وقال «1» : [رجز]
ما علّتي، وأنا جلد نابل «2» ... والقوس من نبع لها بلابل
يرزّ فيها وتر عنابل ... إن لم أقاتلكم فأميّ هابل «3»
أكلّ يوم أنا عنكم ناكل ... لا أطعم القوم ولا أقاتل
الموت حقّ والحياة باطل
ثم جعل يرميهم حتى ردّهم، وجاءهم الصريخ وقد منع الحيّ، فصار بعد ذلك شجاعا سمحا معروفا.
ولما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير وجّه أخاه بشر بن مروان على الكوفة ووجّه معه روح بن زنباع الجذامي كالوزير، وكان روح رجلا عالما داهية غير أنه كان من أجبن الناس وأبخلهم، فلما رأى أهل الكوفة من بخله ما رأوا تخوّفوا أن يفسد عليهم أمرهم وكانوا قد عرفوا جبه فاحتالوا في إخراجه عنهم فكتبوا ليلا على بابه: [بسيط]
إنّ ابن مروان قد حانت منيّته ... فاحتل لنفسك يا روح بن زنباع
فلما أصبح ورأى ذلك لم يشكّ أنه مقتول فدخل على بشر فاستأذنه في الشخوص فأذن له وخرج حتى قدم على عبد الملك فقال له: ما أقدمك؟
قال: يا أمير المؤمنين، تركت أخاك مقتولا أو مخلوعا. قال: كيف عرفت
(1/264)

ذلك؟ فأخبره الخبر فضحك عبد الملك حتى فحص برجليه، ثم قال: إحتال لك أهل الكوفة حتى أخرجوك عنهم.
كان أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد وجّه إلى أبي فديك فانهزم وأتي الحجاج بدوابّ من دوابّ أمية قد وسم على أفخاذها «عدّة» فأمر الحجاج فكتب تحت ذلك: «للفرار» .
وقال عمر رضي الله عنه: إنّ الشجاعة والجبن غرائز في الرجال، تجد الرجل يقاتل عمن لا يبالي ألا يؤوب إلى أهله، وتجد الرجل يفرّ عن أبيه وأمه، وتجد الرجل يقاتل ابتغاء وجه الله فذلك هو الشهيد.
وقال الشاعر: [طويل]
يفرّ الجبان عن أبيه وأمّه ... ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه «1»
باب من أخبار الشّجعاء «2» والفرسان وأشعارهم
حدّثني أبو حاتم قال: حدّثني الأصمعي قال: سمعت الحرسيّ يقول:
رأيت من الجبن والشجاعة عجبا. استثرنا من مزرعة في بلاد الشام رجلين يذريان حنطة، أحدهما أصيفر أحيمش «3» ، والآخر مثل الجمل عظما، فقاتلنا الأصيفر بالمذرى «4» لا تدنو منه دابة إلّا نخس أنفها وضربها حتى شقّ علينا فقتل، ولم نصل إلى الآخر حتى مات فرقا «5» فأمرت بهما فبقرت بطونهما فإذا
(1/265)

فؤاد الضخم يابس مثل الحشفة «1» ، وإذا فؤاد الأصيفر مثل فؤاد الجمل يتخضخض في مثل كوز من ماء.
وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: حدّثنا أبو عمرو «2» الصّفّار قال:
حاصر مسلمة حصنا فندب الناس إلى نقب منه، فما دخله أحد. فجاء رجل من عرض الجيش فدخله ففتحه الله عليهم، فنادى مسلمة: أين صاحب النقب؟ فما جاءه أحد، فنادى: إني قد أمرت الأذن بإدخاله ساعة يأتي، فعزمت عليه إلّا جاء. فجاء رجل فقال: إستأذن لي على الأمير. فقال له: أنت صاحب النقب؟
قال: أنا أخبركم عنه. فأتى مسلمة فأخبره عنه، فأذن له فقال له: إن صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثا: ألّا تسوّدوا اسمه في صحيفة إلى الخليفة ولا تأمروا له بشيء، ولا تسألوه ممن هو. قال: فذاك له. قال: أنا هو. فكان مسلمة لا يصلي بعدها صلاة إلا قال: اللهم اجعلني مع صاحب النقب.
حدّثني محمد بن عمرو الجرجاني قال: كتب أنو شروان إلى مرازبته:
عليكم بأهل الشجاعة والسخاء فإنهم أهل حسن الظن بالله تعالى. وذكر أعرابي قوما تحاربوا فقال: أقبلت الفحول تمشي مشي الوعول، فلما تصافحوا بالسيوف فغرت المنايا أفواهها. وذكر آخر قوما اتبعوا قوما أغاروا عليهم فقال:
احتثّوا كلّ جماليّة عيرانة «3» فما زالوا يخصفون أخفاف المطيّ بحوافر الخيل حتى أدركوهم بعد ثالثة فجعلوا المرّان أرشية «4» الموت واستقوا بها أرواحهم.
حدّثني عبد الرحمن عن عمه عن رجل من العرب قال: انهزمنا من قطريّ وأصحابه فأدركني رجل على فرس فسمعت حسّا منكرا خلفي،
(1/266)

فالتفتّ فإذا أنا بقطري فيئست من الحياة فلما عرفني قال: أشدد عنانها وأوجع خاصرتها قطع الله يديك. قال: ففعلت فنجوت منه.
وحدّثني عبد الرحمن عن عمه قال: لما غرق شبيب قالت امرأة: الغرق يا أمير المؤمنين، قال ذلك تقدير العزيز العليم قال: فأخرج فشقّ بطنه وأخرج فؤاده فإذا مثل الكوز، فجعلوا يضربون به الأرض فينزو.
حدّثنا الرياشي قال: حدّثنا الأصمعي قال: أخبرنا صاحب لنا عن أبي عمرو بن العلاء قال: لما كان يوم الكلاب «1» خرج رجل من بني تميم، أحسبه قال: سعديّ، فقال: لو طلبت رجلا له فداء! قال: فخرجت أطلبه، فإذا رجل عليه مقطّعة يمانيّة على فرس ذنوب، فقلت له: على يمينك. قال: على يساري أقصد لي. قلت: أيهات «2» منك اليمن. قال: العراق مني أبعد.
قلت: وتالله لا ترى أهلك العام. قال لا والله أهلك لا أراهم. قال: فتركته ولما كان بعد أيام ونعتّ نعته بعد ذلك، فقيل لي: هو وعلة الجرميّ «3» .
حدّثنا محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن هشام عن محمد بن سيرين قال: بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الأحنف بن قيس على جيش قبل خراسان فبيّتهم العدوّ ليلا وفرّقوا جيوشهم أربع فرق
(1/267)

واقبلوا معهم الطبل ففزع الناس وكان أوّل من ركب الأحنف فأخذ سيفه وتقلّده ثم مضى نحو الصوت وهو يقول: [رجز]
إنّ على كل رئيس حقّا ... أن يخضب الصّعدة «1» أو تندقّا
ثم حمل على صاحب الطبل فقتله، فلما فقد أصحاب الطبل الصوت انهزموا. ثم حمل على الكردوس «2» الآخر ففعل مثل ذلك وهو وحده، ثم جاء الناس وقد انهزم العدوّ فاتبعوهم يقتلونهم، ثم مضوا حتى فتحوا مدينة يقال لها مرو الرّوذ «3» .
سأل ابن هبيرة عن مقتل عبد الله بن خازم، فقال رجل ممن حضر:
سألنا وكيع بن الدّورقيّة كيف قتلته؟ قال: غلبته بفضل فتاء «4» كان لي عليه فصرعته وجلست على صدره وقلت له: يا لثارات دويلة. يعني أخاه من أبيه.
فقال من تحتي: قتلك الله! تقتل كبش مضر «5» بأخيك وهو لا يساوي كفّ نوى! ثم تنخّم فملأ وجهي نخامة «6» ، فقال ابن هبيرة: هذه والله البسالة! استدلّ عليها بكثرة الريق في ذلك الوقت.
قال هشام لمسلمة: يا أبا سعيد، هل دخلك ذعر قطّ لحرب أو عدوّ قال: ما سلمت في ذلك من ذعر ينبّه على حيلة ولم يغشني فيها ذعر سلبني رأيي. قال هشام: هذه البسالة.
(1/268)

خرج رهم «1» بن حزم الهلاليّ ومعه أهله وماله يريد النّقلة من بلد إلى بلد فلقيه ثلاثون رجلا من بني تغلب فعرفهم، فقال: يا بني تغلب، شأنكم بالمال وخلّوا الظعينة. فقالوا: رضينا إن ألقيت الرمح. قال: وإنّ رمحي لمعي. وحمل عليهم فقتل منهم رجلا وصرع آخر وقال: [رجز]
ردّا على آخرها الأتاليا ... إن لها بالمشرفيّ حاديا
ذكّرتني الطعن وكنت ناسيا
قال الزّبيري: ما استحيا شجاع أن يفرّ من عبد الله بن خازم السّلمي وقطريّ بن الفجاءة.
أبو اليقظان قال: كان حبيب بن عوف العبدي «2» فاتكا، فلقي رجلا من، أهل الشام قد بعثه زياد ومعه ستون ألفا يتّجر بها فسايره، فلما وجد غفلة قتله وأخذ المال فقال يوما وهو يشرب على لذته: [بسيط]
يا صاحبيّ، أقلّا اللوم والعذلا ... ولا تقولا لشيء فات ما فعلا
ردّا عليّ كميت «3» اللون صافية ... إني لقيت بأرض خاليا رجلا
ضخم الفرائص لو أبصرت قمّته ... وسط الرجال إذن شبّهته جملا
ضاحكته ساعة طورا وقلت له ... أنفقت بيعك إن ريثا وإن عجلا
سايرته ساعة ما بي مخافته ... إلّا التّلفّت حولي هل أرى دغلا «4»
غادرته بين آجام ومسبعة ... لم يدر غيري بعدي بعد ما فعلا
يدعو زيادا وقد حانت منيّته ... ولا زياد لمن قد وافق الأجلا
(1/269)

المفضّل الضّبيّ: كان سليك بن سلكة التميمي من أشدّ فرسان العرب وأذكرهم وأدلّ الناس بالأرض وأجودهم عدوا على رجليه لا تعلق به الخيل وكانت أمّه سوداء وكان يقول: اللهمّ إنك تهيء ما شئت لما شئت إذا شئت، اللهمّ إني لو كنت ضعيفا كنت عبدا ولو كنت امرأة كنت أمة، اللهمّ إني أعوذ بك من الخيبة فأما الهيبة فلا هيبة. وأملق حتى لم يبق له شيء، فخرج على رجليه رجاء أن يصيب غرّة من بعض من يمرّ عليه فيذهب بإبله، حتى إذا أمسى في ليلة مقمرة واشتمل الصّمّاء «1» ونام، إذا برجل قد جثم على صدره وقال:
إستأسر. فرفع سليك رأسه وقال: «إن الليل طويل وأنت مقمر» فجرى مثلا، وجعل الرجل يلهزه «2» ويقول: استأسر، يا خبيث، فلما آذاه ضمّه إليه ضمّة ضرط منها وهو فوقه، فقال له سليك: «أضرطا وأنت الأعلى» فجرى مثلا، ثم قال له: ما أنت؟ قال: أنا رجل افتقرت، فقلت: لأخرجنّ ولا أرجع حتى أستغنى. قال: فانطلق معي، فمضيا فوجدا رجلا قصته مثل قصتهما، فأتوا جوف مراد وهو واد باليمن فإذا فيه نعم كثيرة، فقال لهما سليك: كونا قريبا حتى آتي الرّعاء وأعلم لكما علم الحي أقريب هو أم بعيد، فإن كانوا قريبا رجعت إليكما، وإن كانوا بعيدا قلت لكما قولا أحي «3» به لكما فأغيرا. فانطلق حتى أتى الرّعاء، فجعل يستنطقهم حتى أخبروه بمكان الحي فإذا هم بعيد، فقال لهم سليك: ألا أغنّيكم؟ قالوا: بلى. فتغنّى بأعلى صوته ليسمع صاحبيه: [بسيط]
يا صاحبيّ، ألا لا حيّ بالوادي ... إلا عبيد وآم «4» بين أذواد
(1/270)

أتنظران قليلا ريث غفلتهم ... أم تعدوان فإنّ الربح للعادي
فلما سمعا ذلك أتيا السليك فأطردوا الإبل وذهبوا بها.
حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعي قال: كان سليك يحضر «1» فتقع السهام من كنانته فترتنّ في الأرض من شدّة احضاره. وقال له بنو كنانة حين كبر: أرأيت أن ترينا بعض ما بقي من إحضارك؟ قال: نعم، إجمعوا لي أربعين شابا وابغوني درعا ثقيلة. فأخذها فلبسها وخرج بالشباب حتى إذا كان على رأس ميل أقبل يحضر فلاث العدو لوثا واهتبصوا «2» في جنبتيه فلم يصحبوه إلا قليلا فجاء يحضر منبترا من حيث لا يرونه وجاءت الدّرع تخفق في عنقه كأنها خرقة.
قال سهل: حدّثني العتبي قال: حدّثني رجل من بني تميم عن بعض أشياخه من قومه قال: كنت عند المهاجر بن عبد الله والي اليمامة فأتى بأعرابي قد كان معروفا بالسّرق فقال له: أخبرني عن بعض عجائبك، قال:
إنها لكثيرة، ومن أعجبها أنه كان لي بعير لا يسبق وكانت لي خيل لا تلحق، فكنت لا أخرج فأرجع خائبا فخرجت يوما فاحترشت ضبّا فعلّقته على قتبي «3» ثم مررت بخباء سّريّ ليس فيه إلّا عجوز، فقلت: أخلق بهذا الخباء أن يكون له رائحة من غنم وإبل، فلما أمسيت إذا بإبل مائة فيها شيخ عظيم البطن مثدّن «4» اللحم ومعه عبد أسود وغد، فلما رآني رحّب بي ثم قام إلى ناقة فاحتلبها وناولني العلبة فشربت ما يشرب الرجل فتناول الباقي فضرب به جبهته
(1/271)

ثم احتلب تسع أينق «1» فشرب ألبانهن ثم نحر حوارا «2» فطبخه ثم ألقى عظامه بيضا وحثا كومة من بطحاء وتوسّدها وغطّ غطيط البكر، فقلت: هذه والله الغنيمة. ثم قمت إلى فحل إبله «3» فخطمته ثم قرنته إلى بعيري وصحت به فأتبعني الفحل وأتبعته الإبل إربابا به، فصارت خلفي كأنها حبل ممدود، فمضيت أبادر ثنيّة بيني وبينها مسيرة ليلة للمسرع، فلم أزل أضرب بعيري بيدي مرّة وأقرعه برجلي أخرى حتى طلع الفجر، فأبصرت الثنيّة فإذا عليها سواد فلما دنوت إذا أنا بالشيخ قاعدا وقوسه في حجره فقال: أضيفنا؟ قلت:
نعم. قال: أتسخوا نفسك عن هذه الإبل. قلت: لا. فأخرج سهما كأن نصله لسان كلب ثم قال: أبصر بين أذنيّ الضّبّ، ثم رماه فصدع عظمه عن دماغه، ثم قال: ما تقول؟ قلت: أنا على رأيي الأوّل. قال: أنظر هذا السهم الثاني في فقرة ظهره الوسطى. ثم رمى به فكأنما قدّره بيده ثم وضعه بإصبعه، ثم قال: أرأيت؟ قلت: إني أحب أن أستثبت. قال: أنظر هذا السهم الثالث في عكوة «4» ذنبه والرابع والله في بطنك. ثم رماه فلم يخطىء العكوة، فقلت:
أنزل آمنا؟ قال: نعم. فنزلت فدفعت إليه خطام فحله وقلت: هذه إبلك لم يذهب منها وبرة وأنا أنتظر متى يرميني بسهم ينتظم به قلبي، فلما تنحّيت قال لي: أقبل. فأقبلت، والله، خوفا من شرّه لا طمعا في خيره، فقال: أي هذا، ما أحسبك جشمت «5» الليلة ما جشمت إلا من حاجة. قلت: أجل. قال:
فاقرن من هذه الإبل بعيرين وامض لطيّتك، قلت: أما والله حتى أخبرك عن
(1/272)

نفسك قبلا. ثم قلت: والله ما رأيت أعرابيا قطّ أشدّ ضرسا ولا أعدى رجلا ولا أرمى يدا ولا أكرم عفوا ولا أسخى نفسا منك.
وقرأت في كتاب سير العجم أن بهرام جور خرج ذات يوم إلى الصيد ومعه جارية له فعرضت له ظباء، فقال للجارية: في أيّ موضع تريدين أن أضع السهم من الوحش؟ فقالت أريد أن تشبّه ذكرانها بالإناث وإناثها بالذكران، فرمى تيسا من الظّباء بنشّابة ذات شعبتين فاقتلع قرنيه ورمى عنزا منها بنشّابتين فأثبتهما في موضع القرنين. ثم سألته أن يجمع أذن الظبي وظلفه بنشّابة واحدة فرمى أصل أذن الظبي ببندقة فلما أهوى بيده إلى أذنه ليحتكّ رماه بنشّابة فوصل ظلفه بأذنه ثم أهوى إلى القينة فضرب بها الأرض وقال: شدّ ما اشتططت عليّ وأردت إظهار عجزي!.
وقرأت في كتبهم أن كسرى استعمل قرابة له على اليمن يقال له المروزان، فأقام بها حينا ثم خالفه أهل المصانع- والمصانع جبل باليمن ممتنع طويل ووراءه جبل آخر بينهما فصل إلا أنه متقارب ما بينهما- فسار إليهم المروزان فنظر إلى جبل لا يطمع أحد أن يدخله إلا من باب واحد يمنع ذلك الباب رجل واحد. فلما رأى أن لا سبيل إليهم صعد الجبل الذي هو وراء المصانع من حيث يحاذي حصنهم فنظر إلى أضيق مكان فيه تحته هواء لا يقدر قدره، فلم ير شيئا أقرب إلى افتتاح ذلك الحصن من ذلك الجبل، فأمر أصحابه أن يقوموا به صفّين ثم يصيحوا به صيحة واحدة ثم ضرب فرسه حتى إذا استجمع حضرا رمى به أمام الحصن وصاح به أصحابه فوثب الفرس الوادي فإذا هو على رأس الحصن، فلما نظرت إليه حمير قالوا: هذا أيم.
والأيم بالحميرية شيطان، فانتهرهم بالفارسية وأمرهم أن يربط بعضهم بعضا ففعلوا واستنزلهم من حصنهم فقتل طائفة وسبى طائفة وكتب بما كان منه إلى
(1/273)

كسرى، فتعجّب كسرى وأمره بالاستخلاف على عمله والقدوم إليه وأراد أن يسامي به أساورته «1» ، فاستخلف المروزان ابنه ثم توجّه نحوه فلما صار ببعض بلاد العرب هلك فوضعوه في تابوت ثم حملوه حتى قدموا به على كسرى فأمر كسرى بذلك التابوت فوضع في خزانته فكان يخرج في كل عام إليه وإلى من عنده من أساورته فيقول: هذا الذي فعل كذا وكذا.
وروى أبو سوقة التميمي عن أبيه عن جدّه عن أبي الأغرّ التميمي قال:
بينا أنا واقف بصفّين مرّ بي العباس بن ربيعة مكفّرا بالسلاح وعيناه تبصّان من تحت المغفر كأنّهما عينا أرقم وبيده صفيحة له وهو على فرس له صعب يمنعه ويليّن من عريكته إذ هتف به هاتف من أهل الشام يقال له عرار بن أدهم: يا عباس، هلمّ إلى البراز. قال العباس: فالنزول إذا فإنه إياس من القفول. فنزل الشامي وهو يقول: [بسيط]
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنّا معشر نزل
وثنى العباس وركه فنزل وهو يقول: [كامل]
وتصدّ عنك مخيلة الرجل ال ... عرّيض موضحة عن العظم
بحسام سيفك أو لسانك وال ... كلم الأصيل كأرغب الكلم «2»
ثم غضّن فضلات درعه في حجزته ودفع قوسه إلى غلام له أسود يقال له: أسلم، كأني أنظر إلى فلائل شعره ثم دلف كلّ واحد منهما إلى صاحبه فذكرت بهما قول أبي ذؤيب «3» :
(1/274)

[كامل]
فتنازلا وتواقفت خيلاهما ... وكلاهما بطل اللقاء مخدّع
وكف الناس أعنّة خيولهم ينتظرون ما يكون من الرجلين فتكافحا بينهما مليّا من نهارهما لا يصل واحد منهما إلى صاحبه لكمال لأمته إلى أن لحظ العباس وهيا في درع الشاميّ فأهوى إليه بيده فهتكه إلى ثندؤته «1» ثم عاد لمجاولته وقد أصحر له مفتّق الدرع فضربه العباس ضربة انتظم بها جوانح صدره وخرّ الشامي لوجهه وكبّر الناس تكبيرة ارتجت لها الأرض من تحتهم وانشام العباس في الناس وانساع أمره وإذا قائل يقول من ورائي قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
«2» فالتفت وإذا أمير المؤمنين، رضي الله عنه، عليّ بن أبي طالب، فقال: يا أبا الأغر، من المنازل لعدوّنا؟ فقلت: هذا ابن أحيكم، هذا العباس بن ربيعة. فقال: إنه لهو، يا عباس، ألم أنهك وابن عباس أن تخلّا بمركزكما أو تباشرا حربا؟
قال: إن ذلك. يعني نعم. قال: فما عدا مما بدا؟ قال: فأدعى إلى البراز فلا أجيب؟ قال: نعم، طاعة إمامك أولى بك من إجابة عدوّك. ثم تغيّظ واستشاط حتى قلت: الساعة الساعة، ثم تطأمن وسكن ورفع يديه مبتهلا فقال: اللهمّ اشكر للعباس مقامه واغفر له ذنبه، اللهمّ إني قد غفرت له فاغفر
(1/275)

له. قال: وتأسّف معاوية على عرار وقال: متى ينطف فحل بمثله! أيطل دمه! لاها الله ذا. ألا لله رجل يشري نفسه يطلب بدم عرار؟ فانتدب له رجلان من لخم. فقال: اذهبا فأيّكما قتل العباس برازا فله كذا. فأتياه ودعواه إلى البراز فقال: إن لي سيدا أريد أن أؤامره. فأتى عليّا فأخبره الخبر، فقال عليّ: والله لودّ معاوية أنه ما بقي من هاشم نافخ ضرمة إلّا طعن في نيطه «1» إطفاء لنور الله ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون، أما والله ليملكنّهم منا رجال، ورجال يسومونهم الخسف حتى يحفروا الآبار ويتكفّفوا الناس. ثم قال: يا عباس، ناقلني سلاحك بسلاحي، فناقله ووثب على فرس العباس وقصد اللخميين. فلم يشكّا أنه العباس فقالا له: أذن لك صاحبك؟ فخرج أن يقول نعم، فقال: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
«2» فبرز له أحدهما فضربه ضربة فكأنما أخطأه، ثم برز له الآخر فألحقه بالأوّل، ثم أقبل وهو يقول: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
«3» ثم قال: يا عباس، خذ سلاحك وهات سلاحي، فإن عاد لك أحد فعد إليّ، ونمي الخبر إلى معاوية فقال: قبح الله اللّجاج إنه لقعود ما ركبته قط إلا خذلت. فقال عمرو ابن العاص: الخذول والله اللخميان لا أنت. قال معاوية: أسكت، أيها
(1/276)

الرجل، فليس هذه من ساعتك. قال: وإن لم تكن، رحم الله اللخميين وما أراه يفعل. قال: ذاك والله أخسر لصفقتك وأضيق لحجرك. قال: قد علمت ذلك ولولا مصر لركبت المنجاة منها. قال: هي أعمتك ولولا هي لألفيت بصيرا. وقال عمرو بن العاص لمعاوية: [طويل]
معاوي، لا أعطيك ديني ولم أنل ... به منك دنيا، فانظرن كيف تصنع
فإن تعطني مصرا فأربح بصفقة ... أخذت بها شيخا يضرّ وينفع
خرج الأخينس الجهنيّ فلقي الحصين العمريّ «1» ، وكانا جميعا فاتكين، فسارا حتى لقيا رجلا من كندة في تجارة أصابها من مسك وثياب وغير ذلك، فنزل تحت شجرة يأكل، فلما انتهيا إليه سلّما. قال الكنديّ: ألا تضحّيان؟
فنزلا. فبينما هم يأكلون مرّ ظليم فنظر إليه الكنديّ وأبّده «2» بصره فبدت له لبّته، فاغتره الحصين فضرب بطنه بالسيف فقتله، واقتسما ماله وركبا، فقال الأخينس: يا حصين، ما صعلة «3» وصعل؟ قال: يوم شرب وأكل. قال: فانعت لي هذه العقاب. فرفع رأسه لينظر إليها فوجأ بطنه بالسيف فقتله مثل قتله الأوّل. ثم إنّ أختا للحصين يقال لها صخرة لما أبطأ عليها خرجت تسأل عنه في جيران لها من مراح وجرم. فلما بلغ ذلك الأخينس قال: [وافر]
وكم من فارس لا تزدريه ... إذا شخصت لموقفه العيون
يذلّ له العزيز وكلّ ليث ... شديد الهصر مسكنه العرين
علوت بياض مفرقه بعضب ... ينوء لوقعه الهام السّكون
فأمست عرسه ولها عليه ... هدوء بعد ليلته أنين
(1/277)

كصخرة «1» إذ تسائل في مراح ... وفي جرم، وعلمهما ظنون
تسائل عن حصين كلّ ركب ... وعند جهينة «2» الخبر اليقين
فذهبت مثلا.
خرج المهدّي وعليّ بن سليمان إلى الصيد ومعهما أبو دلامة «3» الشاعر، فسنحت لهم ظباء فرمى المهديّ ظبيا فأصابه، ورمى عليّ بن سليمان كلبا فعقره، فضحك المهدي وقال لأبي دلامة: قال في هذا، فقال:
[مجزوء الرمل]
ورمى المهديّ ظبيا ... شكّ بالسهم فؤاده
وعليّ بن سليما ... ن رمى كلبا فصاده
فهنيئا لهما ك ... ل امرىء يأكل زاده «4»
قال أبو دلامة: كنت في عسكر مروان أيام زحف إلي شبيب الخارجيّ، فلما التقى الزّحفان خرج منهم فارس ينادي: من يبارز؟ فجعل لا يخرج إليه إنسان إلا أعجله ولم ينهنهه، فغاظ ذلك مروان، فجعل يندب الناس على خمسمائة، فقتل أصحاب الخمسمائة، وزاد مروان على ندبته فبلغ بها ألفا، فما زال ذلك فعله حتى بلغ بالندبة خمسة آلاف درهم، وتحتي فرس لا أخاف خونه، فلما سمعت بالخمسة آلاف نزّقته «5» واقتحمت الصفّ. فلما نظر إليّ
(1/278)

الخارجيّ علم أن خرجت للطمع، فأقبل يتهيأ لي وإذا عليه فرو له قد أصابه المطر فارمعلّ «1» ثم أصابته الشمس فاقفعلّ «2» وعيناه تدرّان «3» كأنهما في وقبين «4» ، فدنا منّي وقال: [رجز]
وخارج أخرجه حبّ الطمع ... فرّ من الموت وفي الموت وقع
من كان ينوي أهله فلا رجع «5»
فلما وقرت في أذني انصرفت عنه هاربا، وجعل مروان يقول: من هذا الفاضح؟ ائتوني به. ودخلت في غمار الناس فنجوت.
كان خالد بن جعفر نديما للنعمان، فبينا هو ذات يوم عنده وقد دعا النعمان بتمر وزبد فهما يأكلان منه إذ دخل عليهما الحارث بن ظالم. فقال النعمان: أدن، يا حارث، فكل، فدنا. فقال خالد: من ذا أبيت اللعن؟ قال:
هذا سيد قومه وفارسهم الحارث بن ظالم. قال خالد: أما إنّ لي عنده يدا.
قال الحارث: وما تلك اليد؟ قال: قتلت سيد قومك فتركتك سيدهم بعده.
يعني زهير بن جذيمة، قال الحارث أما إني سأجزيك بتلك اليد. ثم أخذه الزّمع»
وأرعدت يده، فأخذ يعبث بالتمر فقال له خالد: أيّتهنّ تريد فأناولكها؟ قال الحارث: أيّتهن تهمّك فأدعها؟ ثم نهض مغضبا، فقال النعمان لخالد: ما أردت بهذا وقد عرفت فتكه وسفهه؟ فقال: أبيت اللعن، وما
(1/279)

تتخوّف عليّ منه؟ فوالله لو كنت نائما ما أيقظني. فانصرف خالد فدخل قبّة له من أدم بعد هدأة من الليل وقام على بابها أخ له يحرسه. فلما نام الناس خرج الحارث حتى أتى القبة من مؤخّرها فشقّها ثم دخل فقتله، فقال عمرو «1» ابن الإطنابة: [خفيف]
علّلاني وعلّلا صاحبيّا ... واسقياني من المروّق ريّا «2»
إنّ فينا القيان يعزفن بالضّر ... ب لفتياننا وعيشا رخيّا
يتناهين في النعيم ويضرب ... ن خلال القرون مسكا ذكيا
أبلغا الحارث بن ظالم «3» الرّع ... ديد والناذر النّذور عليّا
إنما تقتل النّيام ولا تق ... تل يقظان ذا سلاح كميّا
وكان عمرو قد آلى ألا يدعوه رجل بليل إلا أجابه ولم يسأله عن اسمه.
فأتاه الحارث ليلا فهتف به، فخرج إليه، فقال: ما تريد؟ قال أعنّي على أبل لبني فلان وهي منك غير بعيدة فإنها غنيمة باردة. فدعا عمرو بفرسه وأراد أن يركب حاسرا. فقال له: إلبس عليك سلاحك فإني لا امن امتناع القوم، فاستلأم وخرج معه، حتى إذا برزا قال له الحارث: أنا أبو ليلى فخذ حذرك، يا عمرو، فقال له: أمنن عليّ. فجزّ ناصيته. وقال الحارث: [خفيف]
علّلاني بلذّتي قينتيّا ... قبل أن تبكي العيون عليّا
قبل أن تذكر العواذل أني ... كنت قدما لأمرهنّ عصيّا
(1/280)

ما أبالي إذا أصطبحت ثلاثا ... أرشيدا دعوتني أم غويّا
غير ألّا أسرّ إثما ... في حياتي ولا أخون صفيّا
بلغتني مقالة المرء عمرو ... بلغتني وكان ذاك بديّا
فخرجنا لموعد فالتقينا ... فوجدناه ذا سلاح كميّا
غير ما نائم يروّع باللي ... ل معدّا بكفّه مشرفيّا «1»
فرجعنا بالمنّ منّا عليه ... بعد ما كان منه منّا بديّا
ووفد تميم «2» بن مرّ وبكر بن وائل «3» على بعض الملوك، وكانا ينادمانه فجرى بينهما تفاخر فقالا: أيها الملك، أعطنا سيفين، فأمر الملك بسيفين من عودين فنحتا وموّها بالفضة وأعطاهما إياهما، فجعلا يضطربان بهما مليّا من نهارهما، فقال بكر: [رجز]
لو كان سيفانا حديدا قطعا
وقال تميم:
أو نحتا من جندل تصدّعا
ففرّق الملك بينهما، فقال بكر لتميم: [وافر]
أساجلك العداوة ما بقينا
وقال تميم:
وإن متنا نورّثها بنينا
(1/281)

فأورثاها بنيهما إلى اليوم.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن خلف الأحمر قال: كان أبو عروة «1» السباع يصيح بالسبع وقد احتمل الشاة فيسقط فيموت فيشقّ بطنه فيوجد فؤاده قد انخلع. وهو مثل في شدّة الصوت. قال الشاعر «2» في ذلك: [منسرح]
زجر أبي عروة السباع إذا ... أشفق أن يلتبسن بالغنم «3»
قال: وأبو عطية عفيف النصريّ نادى في الحرب التي كانت بين ثقيف وبين بني نصر لما رأى الخيل بعقوته «4» : يا سوء صباحاه، أتيتم يا بني يربوع! فألقت الحبالى أولادها، فقيل في ذلك: [طويل]
وأسقط أحبال النساء بصوته ... عفيف لدن نادى بنصر فطرّبا
في أخبار وهب بن منبه أن يهوذا قال ليوسف: لتكفنّ أو لأصيحنّ صيحة لا تبقي حامل بمصر إلا ألقت ما في بطنها.
محمد بن الضحاك عن أبيه قال: كان العباس بن عبد المطلب يقف على سلع فينادي غلمانه وهم بالغابة فيسمعهم وذلك من آخر الليل. وبين الغابة وبين سلع ثمانية أميال، وسلع جبل وسط المدينة. وكان شبيب بن ربعيّ يتنحنح في داره فيسمع تنحنه بالكناسة «5» ، ويصيح براعيه فيسمع نداؤه
(1/282)

على فرسخ وكان هذا مؤذن سجاح «1» التي تنبّأت ذكر هذا خالد بن صفوان، وسمعه أبو المجيب النهديّ فقال: ما سمع له بصوت أبعد من صوته بآذانه فإنه كان مؤذنها يعني سجاح.
ذم رجل الأشتر فقال له قائد: أسكت فإن حياته هزمت أهل الشام وإن موته هزم أهل العراق.
المدائني قال: أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجل يستحمله، فقال له: خذ بعيرا من إبل الصدقة. فتناول ذنب بعير صعب فجذبه فاقتلعه، فعجب عمر وقال له: هل رأيت أشدّ منك؟ قال: نعم، خرجت بامرأة من أهلي أريد بها زوجها فنزلنا منزلا أهله خلوف فقربت من الحوض فبينا أنا كذلك إذ أقبل رجل ومعه ذود «2» والمرأة ناحية فسرّب ذوده إلى الحوض ومضى إلى المرأة فساورها ونادتني، فما انتهيت إليها حتى خالطها، فجئت لأدفعه عنها فأخذ برأسي فوضعه بين عضده وجنبه فما استطعت أن أتحرك حتى قضى ما أراد ثم استلقى. فقالت المرأة: أيّ فحل هذا! لو كانت لنا منه سخلة «3» ! وأمهلته حتى امتلأ نوما فقمت إليه بالسيف فضربت ساقه فأبنتها، فانتبه وتناول رجله فعلما فغلبه الدم فرماني برجله وأخطأني وأصاب عنق بعيري
(1/283)

فقتله. فقال عمر: ما فعلت المرأة؟ قال: هذا حديث الرجل. فكرر عليه مرارا لا يزيده على هذا، فظنّ أنه قد قتلها.
حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثنا أشهل بن حاتم قال: حدّثنا ابن عون عن عمير بن إسحاق قال: كان سعد على ظهر بيت وهو شاك والمشركون يفعلون بالمؤمنين ويفعلون. وأبو محجن في الوثاق عند أم ولد لسعد فأنشأ يقول: [طويل]
كفى حزنا أن تلتقي الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا عليّ وثاقيا
إذا شئت غنّاني الحديد وغلّقت ... مغاليق من دوني تصمّ المناديا
فقالت له أم ولد سعد: أتجعل لي إن أنا أطلقتك أن ترجع إليّ حتى أعيدك في الوثائق؟ قال نعم، فأطلقته فركب فرسا بلقاء «1» لسعد وحمل على المشركين فجعل سعد يقول: لولا أن أبا محجن في الوثاق لظننت أنه أبو محجن وأنها فرسي. فانكشف المشركون وجاء أبو محجن فأعادته في الوثاق وأتت سعدا فأخبرته، فأرسل إلى أبي محجن فأطلقه وقال: والله لاحبستك فيها أبدا. يعني الخمر، فقال أبو محجن: وأنا الله لا أشربها بعد اليوم أبدا.
وقال الشاعر «2» : [طويل]
سأغسل عني العار بالسيف جالبا ... عليّ قضاء الله ما كان جالبا
وأذهل عن داري وأجعل هدمها ... لعرضي من باقي المذمّة حاجبا
ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت ... يميني بإدراك الذي كنت طالبا
فيا لرزام رشّحوا بي مقدّما ... إلى الموت خواضا إليه الكرائبا
(1/284)

إذا همّ لم يردع كريمة همّه ... ولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا
أخا غمرات لا يريد على الذي ... يهمّ به من مفظع الأمر صاحبا
إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه ... ونكّب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في رأيه غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
عليكم بداري فاهدموها فإنها ... تراث كريم لا يخاف العواقبا «1»
وقال رجل «2» من بني العنبر: [بسيط]
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا
إذن لقام بنصري معشر خشن ... عند الكريهة إن ذو لوثة لانا
قوم إذا الشرّ أبدى ناجذيه «3» لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا
لكنّ قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشرّ في شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأنّ ربّك لم يخلق لخشيته ... سواهمو من جميع الناس إنسانا
فليت لي بهمو قوما إذا ركبوا ... شنّوا الإغارة فرسانا وركبانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا
لكن يطيرون أشتاتا إذا فزعوا ... وينفرون إلى الغارات وحدانا
(1/285)

وقال آخر: [مجزوء الكامل]
ولئن عمرت لأشفين ... ن النفس من تلك المساعي
ولأعلمنّ البطن أن ... ن الزاد ليس بمستطاع
أمّا النهار فرأي أص ... حابي بمرقبة يفاع
أثر الشجاع بها كسر ... د الخرز في سير الصّناع
ترد السباع معي فأل ... فى كالمدلّ من السبّاع
وقال آخر: [بسيط]
إنّا محيّون يا سلمى فحيّينا ... وإن سقيت كرام الناس فاسقينا
إنّا لنرخص يوم الرّوع أنفسنا ... ولو نسام بها في الأمن أغلينا
بيض مفارقنا تغلي مراجلنا ... نأسو بأموالنا آثار أيدينا
وقال المعلوط «1» : [وافر]
ألم ترني خلقت أخا حروب ... إذا لم أجن كنت مجنّ جاني؟
وقال آخر «2» : [طويل]
لعمري لقد نادى بأرفع صوته ... نعيّ سويد أنّ فارسكم هوى
أجل صادقا والقائل الفاعل الذي ... إذا قال قولا أنبط «3» الماء في الثرى
فتى قبل لم تعنس السّنّ وجهه ... سوى خلسة في الرأس كالبرق في الدّجى «4»
أشارت له الحرب العوان فجاءها ... يقعقع بالأقراب أوّل من أتى
(1/286)

ولم يجنها لكن جناها وليّه ... فآسى فآداه فكان كمن جنى
وقال بشامة «1» : [بسيط]
إنا بني نهشل لا ندّعي لأب ... عنه ولا هو بالأبناء يشرينا
إن تبتدر غاية يوما لمكرمة ... تلق السوابق منا والمصلّينا
إنا لمن معشر أفنى أوائلهم ... قيل الكماة ألا أين المحامونا
لو كان في الألف منا واحد فدعوا ... من فارس؟ خالهم إيّاه يعنونا
وقال زهير «2» : [بسيط]
يطعنهم ما ارتموا حتّى إذا اطّعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
وقالت امرأة من كندة: [طويل]
أبوا أنّ يفرّوا والقنا في نحورهم ... ولم يرتقوا من خشية الموت سلّما
ولو أنهم فرّوا لكانوا أعزّة ... ولكن رأوا صبرا على الموت أكرما
وقال آخر: [طويل]
بني عمّنا، ردّوا فضول دمائنا ... ينم ليلكم، أو لا تلمنا اللّوائم
فإنا وإياكم وإن طال ترككم ... كذي الدّين ينأى ما نأى وهو غارم
وقال أبو سعيد المخزوميّ «3» وكان شجاعا: [بسيط]
وما يريد بنو الأعيار من رجل ... بالجمر مكتحل بالنّبل مشتمل
لا يشرب الماء إلا من قليب دم ... ولا يبيت له جار على وجل
(1/287)

وقال عبد القدّوس بن عبد الواحد من ولد النعمان بن بشير: [طويل]
ندى تحكم الآمال فيه، ونجدة ... تحكّم في الأعداء بالأسر والقتل
وقال آخر: [طويل]
ضربناكمو حتى إذا قام ميلكم ... ضربنا العدا عنكم بأبيض صارم
تمثّل زيد بن علي يوم قتل بقول القائل: [متقارب]
أذلّ الحياة وعزّ الممات ... وكلّا أراه طعاما وبيلا
فإن كان لا بدّ من واحد ... فسيروا إلى الموت سيرا جميلا
وقال قيس «1» بن الخطيم: [رجز]
أبلج لا يهمّ بالفرار ... قد طاب نفسا بدخول النار
وقال آخر «2» : [وافر]
ومن تكن الحضارة أعجبته ... فأيّ رجال بادية ترانا
ومن ربط الجحاش فإنّ فينا ... قنا سلبا وأفراسا حسانا
وكنّ إذا أغرن على قبيل ... فأعوزهنّ كون حيث كانا
أغرن من الضّباب على جلال «3» ... وضبّة إنه من حان حانا
وأحيانا نكرّ على أخينا ... إذا ما لم نجد إلّا أخانا
وقال الخنساء «4» : [متقارب]
تعرّقني الدهر نهسا وحزّا ... وأوجعني الدهر قرعا وغمزا
وأفني رجالي فبادوا معا ... فأصبح قلبي بهم مستفزّا
(1/288)

ومن ظنّ ممّن يلاقي الحروب ... بأن لا يصاب فقد ظنّ عجزا
وفيها «1» تقول: [متقارب]
ونلبس للحرب أثوابها ... ونلبس في الأمن خزّا وقزّا
وهذا كقولهم: إلبس لكل حالة لبوسها.
وقال عبد الله بن سبرة الحرشي «2» حين قطعت يده: [بسيط]
ويلمّ «3» جار غداة الجسر فارقني ... أعزز عليّ به إذ بان فانصدعا
يمنى يديّ غدت منيّ مفارقة ... لم أستطع يوم خلطاس لها تبعا
وما ضننت عليها أن أصاحبها ... لقد حرصت على أن نستريح معا
وقائل غاب عن شأني وقائلة ... ألا اجتنبت عدوّ الله إذ صرعا
وكيف أتركه يمشي بمنصله ... نحوي وأجبن عنه بعدما وقعا
ما كان ذلك يوم الرّوع من خلقي ... وإن تقارب مني الموت واكتنعا
ويلمّه فارسا ولّت كتيبته ... حامى وقد ضيّعوا الأحساب فارتجعا
يمشي إلى مستميت مثله بطل ... حتى إذا مكّنا سيفيهما امتصعا
كلّ ينوء بماضي الحدّ ذي شطب ... جلّى الصّياقل عن درّيّه «4» الطّبعا
حاسيته الموت حتى اشتفّ آخره ... فما استكان لما لاقى وما جزعا
كأنّ لمّته هدّاب مخملة ... أحمّ «5» أزرق لم يشمط وقد صلعا
فإن يكن أطربون الروم قطّعها ... فقد تركت بها أوصاله قطعا
وإن يكن أطربون الروم قطّعها ... فإنّ فيها بحمد الله منتفعا
(1/289)

بنانتان وجذمور «1» أقيم بها ... صدر القناة إذا ما آنسوا فزعا
وقال بعض الشعراء: [رجز]
إنّ لنا من قومنا ناصرة ... بيض الظّبا سمر القنا شهب اللّمم
يستنفرون الموت من مجثمه ... ويبعثون الحرب من عقد السّلم
أولاك قيس قومنا أكرم بهم ... قيس النّدى قيس العلا قيس الكرم
وقال جعفر «2» بن علبة الحارثي: [طويل]
ليهن عقيلا أنّني قد تركتها «3» ... ينوء بقتلاها الذّئاب الهوامل
لهم صدر سيفي يوم برقة سحبل ... ولي منه ما ضمّت عليه الأنامل
إذا القوم سدّوا مأزقا فرّجت لنا ... بأيماننا بيض جلتها الصّياقل
وقال عمرو «4» بن معد يكرب: [وافر]
أعاذل، شكّتي بزّي ورمحي ... وكلّ مقلّص سلس القياد
أعاذل، إنما أفنى شبابي ... ركوب في الصّريخ إلى المنادي
وقال أبو دلف «5» : [متقارب]
لقد علمت وائل أننا ... نخوض الحتوف غداة الحتوف
ولا نتّقيها بزحف الفرار ... إذا ما الصفوف انبرت للصفوف
(1/290)

ويوم أفاءت لنا خيلنا ... لدى جبل الدّيلمي المنيف
طوال الفتى بطوال القنا ... وبيض الوجوه ببيض السيوف
وكلّ حصان بكل حصان ... أمين شظاه سليم الوظيف
ألا نعّماني فما نعمتي ... برادعتي عن ركوب المخوف
لي الصبر عند حلول البلا ... إذا نزلت بي إحدى الصّروف
وإن تسألي تخبري أنني ... أقي حسبي بألوف الألوف
وأحلم حتى يقولوا ضعيف ... وما أنا قد علموا بالضعيف
خفيف على فرسي ما ركبت ... ولست على ظالمي بالخفيف
باب الحيل في الحروب وغيرها
قال ابن إسحاق: لما خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى بدر، مرّ حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن محمد وقريش وما بلغه من خبر الفريقين.
فقال الشيخ: لا أخبركم حتى تخبروني ممن أنتم. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إذا أخبرتنا أخبرناك» . فقال الشيخ: خبّرت أن قريشا خرجت من مكة وقت كذا، فإن كان الذي خبّرني صدق فهي اليوم بمكان كذا، للموضع الذي به قريش.
وخبّرت أنّ محمدا خرج من المدينة وقت كذا، فإن كان الذي خبّرني صدق فهو اليوم بمكان كذا، للموضع الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: من أنتم؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء، ثم انصرف. فجعل الشيخ يقول: نحن من ماء! من ماء العراق أو ماء كذا أو ماء كذا!.
حدّثني سهل بن محمد قال: حدثني الأصمعي قال: حدّثني شيخ من بني العنبر قال: أسرت بنو شيبان رجلا من بني العنبر فقال لهم: أرسل إليّ أهلي ليفتدوني. قالوا: ولا تكلّم الرسول إلا بين أيدينا. فجاءوه برسول فقال
(1/291)

له: إئت قومي فقل لهم: إن الشجر قد أورق وإن النساء قد اشتكت. ثم قال له: أتعقل ما أقول لك؟ قال: نعم أعقل. قال: فما هذا؟ وأشار بيده. قال:
هذا الليل. قال: أراك تعقل. إنطلق لأهلي فقل لهم: عرّوا جملي الأصهب واركبوا ناقتي الحمراء وسلوا حارثا عن أمري. فأتاهم الرسول فأخبرهم، فأرسلوا إلى حارث فقصّ عليه القصة، فلما خلا معهم قال لهم: أمّا قوله:
«إن الشجر قد أورق» فإنه يريد أن القوم قد تسلّحوا. وقوله: «إن النساء قد اشتكت» فإنه يريد أنها قد اتخذت الشّكاء «1» للغزو، وهي أسقية، ويقال للسقاء الصغير شكوة. وقوله: «هذا الليل» يريد أنهم يأتونكم مثل الليل أو في الليل. وقوله: «عرّوا جملي الأصهب» يريد ارتحلوا عن الصّمّان. وقوله:
«اركبوا ناقتي الحمراء» يريد اركبوا الدّهناء. قال: فلما قال لهم ذلك تحوّلوا من مكانهم، فأتاهم القوم فلم يجدوا منهم أحدا.
أرسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عبد الله بن عباس لما قدم البصرة فقال: ائت الزبير ولا تأت طلحة فإنّ الزبير ألين وأنت تجد طلحة كالثور عاقصا قرنه، يركب الصعوبة ويقول هي أسهل، فأقرئه السلام وقل له يقول لك ابن خالك: عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق، فما عدا ممّا بدا؟
قال ابن عباس: فأتيته فأبلغته. فقال قل له: بيننا وبينك عهد خليفة ودم خليفة، واجتماع ثلاثة وانفراد واحد، وأمّ مبرورة، ومشاورة العشرة، ونشر المصاحف، نحلّ ما أحللت ونحرّم ما حرمت.
الهيثم بن عدي قال: مرّ شبيب الخارجي على غلام في الفرات يستنقع في الماء فقال له شبيب: أخرج إليّ أسائلك. قال: فأنا آمن حتى ألبس ثوبي؟ قال: نعم. قال: فوالله لا ألبسه.
(1/292)

قال الهيثم: أراد عمر رحمه الله قتل الهرمزان. فاستسقى فأتي بماء فأمسكه بيده واضطرب، فقال له عمر: لا بأس عليك، إني غير قاتلك حتى تشربه. فألقى القدح، من يده وأمر عمر بقتله، فقال: أو لم تؤمنّي؟ قال: كيف امنتك؟ قال: قلت: لا بأس عليك حتى تشربه، ولا بأس أمان، وأنا لم أشربه. فقال عمر: قاتله الله! أخذ أمانا ولم نشعر به. قال أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم: صدق.
العتبيّ: بعث يزيد بن معاوية عبيد الله بن عضاه الأشعري إلى ابن الزبير فقال له: إنّ أوّل أمرك كان حسنا فلا تفسده بآخره. فقال ابن الزبير: إنه ليست في عنقي بيعة ليزيد. فقال عبيد الله: يا معشر قريش، قد سمعتم ما قال، وقد بايعتم، وهو يأمركم بالرجوع عن البيعة.
المدائني قال: أقبل واصل بن عطاء في رفقة فلقيهم ناس من الخوارج فقالوا لهم: من أنتم؟ قال لهم واصل: مستجيرون حتى نسمع كلام الله، فأعرضوا علينا، فعرضوا عليهم فقال واصل: قد قبلنا. قالوا: فامضوا راشدين. قال واصل: ما ذلك لكم حتى تبلغونا مأمننا. قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ
«1» فأبلغونا مأمننا. فجاءوا معهم حتى بلغوا مأمنهم.
وقال معاوية: لا ينبغي أن يكون الهاشميّ غير جواد ولا الأمويّ غير حليم ولا الزّبيريّ، غير شجاع ولا المخزوميّ غير تيّاه. فبلغ ذلك الحسن بن علي فقال: قاتله الله! أراد أن يجود بنو هاشم فينفد ما بأيديهم، ويحلم بنو
(1/293)

أمية فيتحبّبوا إلى الناس، ويتشجّع آل الزبير فيفنوا، ويتيه بنو مخزوم فيبغضهم الناس.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن عيسى بن عمر قال: استقبل الخوارج بن عرباض اليهودي وهم بحرورى «1» فقال: هل خرج إليكم في اليهود شيء؟ قالوا: لا. قال: فأمضوا راشدين.
المدائني قال: لما بلغ قتيبة بن مسلم أنّ سليمان يريد عزله عن خراسان واستعمال يزيد بن المهلّب كتب إليه ثلاثة صحائف، وقال للرسول:
إدفع إليه هذه، فإن دفعها إلى يزيد فادفع إليه هذه، فإن شتمني عند قراءتها فادفع إليه الثالثة. فلما صار إليه الرسول دفع إليه الكتاب الأوّل وفيه: يا أمير المؤمنين، إن من بلائي في طاعة أبيك وطاعتك وطاعة أخيك كيت وكيت.
فدفع كتابه إلى يزيد فأعطاه الرسول الكتاب الثاني وفيه: يا أمير المؤمنين، تأمن ابن دحمة على أسرارك ولم يكن أبوه يأمنه على أمهات أولاده! فشتم قتيبة، فدفع إليه الرسول الكتاب الثالث وفيه: من قتيبة بن مسلم إلى سليمان ابن عبد الملك، سلام على من اتّبع الهدى أما بعد، فوالله لأوثّقنّ لك آخيّة «2» لا ينزعها المهر الأرن «3» . قال سليمان: عجّلنا على قتيبة. يا غلام، جدّد له عهده على خراسان.
لما صرف أهل مزّة الماء عن أهل دمشق ووجهوه إلى الصحارى كتب
(1/294)

إليهم أبو الهندام: إلى بني استها أهل مزّة، ليمسّيني الماء أو لتصبّحنكم الخيل. فوافاهم الماء قبل أن يعتموا فقال أبو الهندام: «الصدق ينبي عنك لا الوعيد» .
ولما بايع الناس يزيد بن الوليد أتاه الخبر عن مروان ببعض التلكؤ والتربص، فكتب إليه يزيد: أمّا بعد، فإني أراك تقدّم رجلا وتؤخر أخرى فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيتهما شئت، والسلام.
ولما هزم أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد لم يدر الناس كيف يعزّونه، فدخل عليه عبد الله بن الأهتم فقال: مرحبا بالصابر المخذول، الحمد لله الذي نظر لنا عليك ولم ينظر لك علينا، فقد تعرّضت للشهادة بجهدك إلّا أنّ الله علم حاجة الإسلام إليك فأبقاك له بخذلان من كان معك لك. فصدر الناس عن كلامه.
وكتب الحارث بن خالد المخزومي- وكان عامل يزيد بن معاوية على مكة- إلى مسلم بن عقبة المرّيّ، فأتاه الكتاب وهو بآخر رمق، وفي الكتاب:
أصلح الله الأمير، إنّ ابن الزبير أتاني بما لا قبل لي به فانحزت. فقال: يا غلام أكتب إليه: أمّا بعد، فقد أتاني كتابك تذكر أنّ ابن الزبير أتاك بما لا قبل لك به فانحزت. وايم الله ما أبالي على أيّ جنبيك سقطت إلا أن شرهما لك أحبّهما إليّ، وبالله لئن بقيت لك لأنزلنّك حيث أنزلت نفسك والسلام.
أبو حاتم قال: حدّثنا العتبي قال: حدّثنا إبراهيم قال: لما أسنّ معاوية اعتراه أرق فكان إذا هوّم أيقظته نواقيس الروم، فلما أصبح يوما ودخل عليه الناس قال: يا معشر العرب، هل فيكم فتى يفعل ما آمره وأعطيه ثلاث ديات أعجّلها له وديتين إذا رجع؟ فقام فتى من غسّان فقال: أنا يا أمير المؤمنين.
(1/295)

قال: تذهب بكتابي إلى ملك الروم، فإذا صرت على بساطه أذّنت. قال: ثم ماذا؟ قال: فقط. فقال: لقد كلّفت صغيرا وآتيت كبيرا. فكتب له وخرج، فلما صار على بساط قيصر أذّن، فتناجزت البطارقة واخترطوا سيوفهم فسبق إليه ملك الروم فجثا عليه وجعل يسألهم بحق عيسى وبحقهم عليه لمّا كفّوا، ثم ذهب به حتى صعد على سريره ثم جعله بين رجليه، ثم قال: يا معشر البطارقة، إن معاوية رجل قد أسنّ وقد أرق وقد آذته النواقيس، فأراد أن نقتل هذا على الأذان فيقتل من قبله منّا ببلاده على النواقيس، والله ليرجعنّ إليه بخلاف ما ظنّ. فكساه وحمله فلما رجع إلى معاوية قال: أوقد جئتني سالما؟ قال: نعم، أمّا من قبلك فلا.
وكان يقال: ما ولي المسلمين أحد إلا ملك الروم مثله إن حازما وإن عاجزا. وكان الذي ملكهم على عهد عمر هو الذي دوّن لهم الدواوين ودوّخ لهم العدوّ، وكان ملكهم على عهد معاوية يشبه معاوية في حزمه وحلمه.
وبهذا الإسناد قال: كانت القراطيس تدخل بلاد الروم من أرض العرب وتأتي من قبلهم الدنانير، وكان عبد الملك أوّل من كتب قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
«1» وذكر النبي، صلى الله عليه وسلم، في الطّوامير «2» ، فكتب إليه ملك الروم: إنكم قد أحدثتم في طواميركم شيئا من ذكر نبيكم نكرهه فانه عنه وإلا أتاكم في دنانيرنا من ذكره ما تكرهون. فكبر ذلك في صدر عبد الملك وكره أن يدع شيئا من ذكر الله قد كان أمر به أو يأتيه في الدنانير من ذكر الرسول، صلى الله عليه وسلم، ما يكره، فأرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية فقال: يا أبا هاشم، إحدى بنات طبق «3» ، وأخبره
(1/296)

الخبر. فقال: ليفرخ روعك، حرّم دنانيرهم واضرب للناس سككا ولا تعفهم مما يكرهون. فقال عبد الملك: فرّجتها عنّي فرّج الله عنك.
حدّثنا الرياشيّ قال: لما هدم الوليد بن عبد الملك كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم: إنك قد هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها فإن كان حقا فقد أخطأ أبوك، وإن كان باطلا فقد خالفته. فكتب إليه الوليد: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ
«1» إلى آخر القصة.
حدّثنا الزيادي محمد بن زياد قال: حدّثنا عبد الوارث بن سعيد قال:
حدّثنا عليّ بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: كتب قيصر إلى معاوية: سلام عليك، أمّا بعد، فأنبئني بأحبّ كلمة إلى الله وثانية وثالثة ورابعة وخامسة، ومن أكرم عباده إليه وأكرم إمائه، وعن أربعة أشياء فيهنّ الروح لم يرتكضن في رحم، وعن قبر يسير بصاحبه ومكان في الأرض لم تصبه الشمس إلا مرة واحدة، والمجرّة ما موضعها من السماء، وقوس قزح وما بدء أمره؟.
فلما قرأ كتابه قال: اللهم العنه! ما أدري ما هذا!. فأرسل إليّ يسألني فقلت:
أمّا أحبّ كلمة إلى الله فلا إله إلا الله لا يقبل عملا إلا بها وهي المنجية، والثانية سبحان الله وهي صلاة الخلق، والثالثة الحمد لله كلمة الشكر، والرابعة الله أكبر فواتح الصلوات والركوع والسجود، والخامسة لا حول ولا قوّة إلا بالله. وأمّا أكرم عباد الله إليه فآدم خلقه بيده وعلّمه الأسماء كلّها، وأكرم إمائه عليه مريم التي أحصنت فرجها. والأربعة التي فيهنّ روح ولم يرتكضن في رحم فادم وحوّاء وعصا موسى والكبش. والموضع الذي لم تصبه الشمس إلا مرة واحدة فالبحر حين انفلق لموسى وبني إسرائيل. والقبر الذي سار بساحبه فبطن الحوت الذي كان فيه يونس.
(1/297)

أبو حاتم عن العتبيّ عن أبيه قال: قدم معاوية من الشام وعمرو بن العاص من مصر على عمر فأقعدهما بين يديه وجعل يسألهما عن أعمالهما إلى أن اعترض عمرو في حديث معاوية، فقال له معاوية: أعليّ تعيب وإليّ تقصد؟ هلمّ حتى أخبر أمير المؤمنين عن عملك وتخبره عن عملي. قال عمرو: فعلمت أنه بعملي أبصر مني بعمله وأنّ عمر لا يدع أوّل هذا الحديث حتى يأتي على آخره، فأردت أن أفعل شيئا أقطع به ذلك فرفعت يدي فلطمت معاوية، فقال عمر: تالله ما رأيت رجلا أسفه منك، يا معاوية إلطمه. فقال معاوية: إنّ لي أميرا لا أقضي الأمور دونه. فأرسل عمر إلى أبي سفيان فلما رآه ألقى له وساده ثم قال معتذرا: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ثمّ قصّ عليه ما جرى بين عمرو ومعاوية فقال: ألهذا بعثت إليّ؟ أخوه وابن عمه وقد أتى غير كبير، قد وهبت له ذلك.
أبو حاتم عن الأصمعي عن نافع قال: ذكر بشر بن أرطاة عليا فنال منه فضرب زيد بن عمر- وأمّه ابنة عليّ بن أبي طالب- على رأسه بعصا فشجّه فبلغ ذلك معاوية فبعث إلى زيد بن عمر: أتدري ما صنعت؟ وثبت على بشر ابن أرطاة وهو شيخ أهل الشام فضربت رأسه بعصا، لقد أتيت عظيما. ثم بعث إلى بشر فقال: أتدري ما صنعت؟ وثبت على ابن الفاروق وابن علي بن أبي طالب تسبّه وسط الناس وتزدريه، لقد أتيت عظيما. ثم بعث إلى هذا بشيء وإلى هذا بشيء.
المدائني قال: كان ابن المقفع محبوسا في خراج كان عليه وكان يعذّب، فما طال ذلك وخشي على نفسه تعيّن «1» من صاحب العذاب مائة ألف درهم فكان بعد ذلك يرفق به إبقاء على ماله.
(1/298)

حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: قال المختار: أدعوا إليّ المهديّ محمد بن الحنفية: فلما خشي أن يجيء قال: أما إنّ فيه علامة لا تخفى، يضربه رجل بالسيف ضربة لا تعمل فيه. قال الأصمعي عرّضه لأن مجرب به.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن عوانة بن الحكم الكلبي قال: ولّى عليّ، رضي الله عنه، الأشتر مصر فلما بلغ العريش أتى بطرا مصر فقال له مولىّ لعثمان: (وكان يقول: أنا مولى لآل عمر) : هل لك في شربة من سويق أجدحها «1» لك؟ قال: نعم. فجدح له بعسل وجعل فيها سمّا قاضيا فلما شربها يبس، فقال معاوية لما بلغه الخبر: يا بردها على الكبد! «إنّ لله جنودا منها العسل» . وقال عليّ: «لليدين وللفم» .
حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي عن ابن أبي الزّناد قال: نظر عليّ إلى ولد عثمان كأنهم مستوحشون فسألهم فقالوا: نرمى بالليل، فقال: من أين يأتيكم الرّمي؟ قالوا: من ههنا. فصعد عليّ ولفّ رأسه ثم جعل يرمي وقال: إذا عاد فافعلوا مثل هذا فانقطع الرمي. قال محمد بن كعب القرظيّ: جاء رجل إلى سليمان النبي عليه السلام فقال يا نبيّ الله: إنّ لي جيرانا سرقوا إوزّتي فنادى:
الصلاة جامعة. ثم خطبهم فقال في خطبته: وأحدكم يسرق إوزّة جاره ثم يدخل المسجد والريش على رأسه! فمسح رجل على رأسه، فقال سليمان:
خذوه فهو صاحبكم.
أخذ الحكم بن أيوب الثّقفي عامل الحجاج إياس بن معاوية في ظنّة «2» الخوارج، فقال له الحكم: إنك خارجي منافق وشتمه، ثم قال: ائتني بمن يكفل بك. قال: ما أجد أحدا أعرف بي منك. قال: وما علمي بك وأنا من
(1/299)

أهل الشام وأنت من أهل العراق. قال إياس: ففيم هذه الشهادة منذ اليوم.
فضحك وخلّى سبيله.
دخل رجل من بني مخزوم على عبد الملك بن مروان وكان زبيريّا، فقال له عبد الملك: أليس قد ردّك الله على عقبيك؟ قال: ومن ردّ عليك فقد ردّ على عقبيه؟ فسكت عبد الملك وعلم أنه قد أخطأ.
وكان رجل من النصارى يختلف إلى الضّحّاك بن مزاحم فقال له يوما:
لو أسلمت! قال: يمنعني من ذلك حبّي للخمر. قال فأسلم واشربها. فأسلم، فقال له الضحاك: إنك قد أسلمت فإن شربت الخمر حددناك وإن رجعت عن الإسلام قتلناك. فحسن إسلامه.
دخلت أمّ أفعى العبدية على عائشة رضي الله عنها فقالت: يا أمّ المؤمنين، ما تقولين في امرأة قتلت ابنا لها صغيرا؟ قالت: وجبت لها النار.
قالت: فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفا؟ قالت:
خذوا بيد عدوّة الله.
العتبيّ قال: كتب يزيد بن معاوية إلى المدينة: أمّا بعد، «فإنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم» «1» وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مردّ له وما لهم من دونه من وال. إني والله قد لبستكم فأخلفتكم ورقعت بكم فاخترقتكم ثم وضعتكم على رأسي ثم على عيني ثم على فمي ثم على بطني. وايم الله لئن وضعتكم تحت قدمي لأطأنّكم وطأة أقلّ بها عددكم وأذلّ غابركم «2» وأترككم
(1/300)

أحاديث تنسخ بها أخباركم مع أخبار عاد وثمود. ثم تمثّل: [وافر]
لعل الحلم دلّ عليّ قومي ... وقد يستضعف الرجل الحليم
ومارست الرجال ومارسوني ... فمعوجّ عليّ ومستقيم
أبو حاتم قال: حدّثنا أبو عبيدة قال: أخذ سراقة «1» بن مرداس البارقيّ أسيرا يوم جبّانة «2» السّبيع، فقدم في الأسرى فقال: [رجز]
أمنن عليّ اليوم يا خير معدّ ... وخير من حلّ بصحراء الجند
وخير من لبّى وصلّى وسجد «3»
فعفا عنه المختار ثم خرج مع إسحاق بن الأشعث عليه فجيء بسراقة أسيرا فقال له المختار: ألم أعف عنك؟ أما والله لاقتلنّك. قال: إنّ أبي أخبرني أن الشام ستفتح لك حتى تهدم مدينة دمشق حجرا حجرا وأنا معك فوالله لا تقتلني. ثم أنشده: [وافر]
ألا أبلغ أبا إسحاق أنّا ... نزونا نزوة كانت علينا
خرجنا لا نرى الضّعفاء شيئا ... وكان خروجنا بطرا وحينا «4»
نراهم في مصفّهمو قليلا ... وهم مثل الدّبا لمّا التقينا
فأسجح إن ملكت فلو قدرنا ... لجرنا في الحكومة واعتدينا
تقبّل توبة مني فإني ... سأشكر إن جعلت النّقد دينا
فخلّى سبيله ثم خرج إسحاق عليه ومعه سراقة فأخذ أسيرا فقال: الحمد لله الذي أمكنني منك يا عدوّ الله، فقال سراقة: ما هؤلاء الذين أخذوني! فأين
(1/301)

هم؟ لا أراهم! إنا لما التقينا رأينا قوما عليهم ثياب بيض على خيل بلق تطير بين السماء والأرض. فقال المختار: خلّوا سبيله ليخبر الناس. ثم عاد لقتاله وقال: [وافر]
ألا من مخبر المختار عنّي ... بأنّ البلق بض مصمتات «1»
أري عينيّ ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالتّرّهات
كفرت بدينكم وجعلت نذرا ... عليّ قتالكم حتى الممات «2»
خرج المغيرة بن شعبة مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته وكان له عنزة «3» يتوكأ عليها فربما أثقلته فيرمي بها قارعة الطريق فيمرّ بها المارّ فيأخذها، فإذا صار إلى المنزل عرفها فأخذها المغيرة ففطن له عليّ رضي الله عنه فقال:
لأخبرنّ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لئن أخبرته لا تردّ بعدها ضالة أبدا. فأمسك عليّ.
باب من أخبار الدولة والمنصور والطالبيين
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدثنا أبو أسامة عن زائدة عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان إذا سمعهم يقولون: يكون في هذه الأمّة اثنا عشر خليفة، قال: ما أحمقكم! إنّ بعد الاثني عشر ثلاثة منا: السفاح والمنصور والمهدي يسلمها إلى الدجّال. قال أبو أسامة: تأويل هذا عندنا أن ولد المهديّ يكونون بعده إلى خروج الدجّال.
(1/302)

وقال محمد بن علي بن عبد الله بن عباس لرجال الدعوة حين اختارهم للدعوة وأراد توجيههم: أما الكوفة وسوادها فهناك شيعة عليّ بن أبي طالب.
وأما البصرة فعثمانيّة تدين بالكفّ وتقول: كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل. وأما الجزيرة فحرورية مارقة وأعراب كأعلاج ومسلمون في أخلاق النصارى. وأما أهل الشام فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان وطاعة بني مروان، عداوة لنا راسخة وجهلا متراكما. وأما أهل مكة والمدينة فقد غلب عليهما أبو بكر وعمر، ولكن عليكم بخراسان فإن هناك العدد الكثير والجلد الظاهر وصدورا سليمة وقلوبا فارغة لم تتقسّمها الأهواء ولم تتوزّعها النّحل ولم تشغلها ديانة ولم يتقدّم فيها فساد وليست لهم اليوم همم العرب ولا فيهم كتحازب الأتباع بالسادات وكتحالف القبائل وعصبيّة العشائر، ولم يزالوا يذالون ويمتهنون ويظلمون ويكظمون ويتمنّون الفرج ويؤمّلون الدول وهم جند لهم أجسام وأبدان ومناكب وكواهل وهامات ولحى وشوارب وأصوات هائلة ولغات فخمة تخرج من أفواه منكرة، وبعد فكأني أتفاّل إلى المشرق وإلى مطلع سراج الدنيا ومصباح الخلق.
وقال سعيد بن عمرو بن جعدة المخزومي: كنت مع مروان بن محمد بالزّاب فقال لي: يا سعيد، من هذا الذي يقابلني؟ قلت: عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن عباس. قال: أعرفه؟ قلت: نعم، أما تعرف رجلا دخل عليك حسن الوجه مصفرّا رقيق الذراعين حسن اللسان فوقع في عبد الله بن معاوية؟
فقال: بلى قد عرفته والله، يابن جعدة، ليت عليّ بن أبي طالب في الخيل يقابلني. إنّ عليّا وأولاده لا حظّ لهم في هذا الأمر، وهذا رجل من بني العباس ومعه ريح خراسان ونصر الشام، يابن جعدة أتدري لم عقدت لعبد الله ولعبيد الله وتركت عبد الملك وهو أكبر منهما؟ قلت: لا أدري. قال: لأني
(1/303)

وجدت الذي يلي هذا الأمر بعدي عبد الله أو عبيد الله، فكان عبيد الله أقرب إلى عبد الله من عبد الملك.
وكتب مروان إلى عبد الله بن عليّ: إني لا أظن هذا الأمر إلا صائرا إليكم، فإذا كان ذلك فاعلم أنّ حرمنا حرمكم. فكتب إليه عبد الله: إنّ الحقّ لنا في دمك وإن الحق علينا في حرمك.
سمر المنصور ذات ليلة فذكر خلفاء بني أمية وسيرهم وأنهم لم يزالوا على استقامة حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم المترفين فكانت هممهم من عظيم شأن الملك وجلالة قدره قصد الشهوات وإيثار اللذات والدخول في معاصي الله ومساخطه جهلا منهم باستدراج الله وأمنا لمكره، فسلبهم الله العزّ ونقل عنهم النعمة. فقال له صالح بن علي: يا أمير المؤمنين إن عبد الله بن مروان لما دخل أرض النّوبة هاربا فيمن معه سأل ملك النوبة عنهم فأخبر فركب إلى عبد الله فكلمه بكلام عجيب في هذا النحو لا أحفظه وأزعجه عن بلده، فإن رأى أمير المؤمنين أن يدعو به من الحبس بحضرتنا في هذه الليلة ويسأله عن ذلك. فأمر المنصور بإحضاره وسأله عن القصة فقال: يا أمير المؤمنين، قدمت أرض النوبة بأثاث سلم لي فافترشته بها وأقمت ثلاثا، فأتاني ملك النوبة وقد خبّر أمرنا، فدخل عليّ رجل طوال أقنى حسن الوجه فقعد على الأرض ولم يقرب الثياب، فقلت: ما يمنعك أن تقعد على ثيابنا؟ قال:
لأني ملك، وحقّ على كل ملك أن يتواضع لعظمة الله إذ رفعه. ثم قال لي:
لم تشربون الخمر وهي محرّمة عليكم؟ قلت: اجترأ على ذلك عبيدنا وأتباعنا لأنّ الملك زال عنا. قال: فلم تطأون الزروع بدوابكم والفساد محرم عليكم؟
قلت: يفعل ذلك جهّالنا. قال: فلم تلبسون الديباج والحرير وتستعملون الذهب والفضة وذلك محرّم عليكم؟ قلت: ذهب الملك منا وقلّ أنصارنا
(1/304)

فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا. قال:
فأطرق مليّا وجعل يقلّب يديه وينكت في الأرض ويقول: عبيدنا وأتباعنا دخلوا في ديننا وزال الملك عنا! يردّده مرارا ثم قال: ليس ذلك كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما حرّم عليكم وركبتم ما عنه نهيتم، وظلمتم فيما ملكتم فسلبكم الله العزّ وألبسكم الذلّ بذنوبكم، ولله فيكم نقمة لم تبلغ غايتها وأخاف أن يحلّ بكم العذاب وأنتم ببلدي فيصيبني معكم، وإنما الضيافة ثلاثة أيام فتزوّدوا ما احتجتم إليه وارتحلوا عن بلدي، ففعلت ذلك.
ولما افتتح المنصور الشام وقتل مروان قال لأبي عون ومن معه من أهل خراسان: إن لي في بقية آل مروان تدبيرا فتأهّبوا يوم كذا وكذا في أكمل عدّة، ثم بعث إلى آل مروان في ذلك اليوم فجمعوا وأعلمهم أنه يفرض لهم في العطاء، فحضر منهم ثمانون رجلا فصاروا إلى بابه ومعهم رجل من كلب قد ولّدهم «1» ثم أذن لهم فدخلوا، فقال الآذن للكلبي: ممن أنت؟ قال: من كلب وقد ولّدتهم. قال: فانصرف ودع القوم. فأبى أن يفعل وقال: إني خالهم ومنهم. فلما استقرّ بهم المجلس خرج رسول المنصور وقال بأعلى صوته: أين حمزة بن عبد المطلب؟ ليدخل، فأيقن القوم بالهلكة، ثم خرج الثانية فنادى: أين الحسن بن عليّ؟ ليدخل، ثم خرج الثالثة فنادى: أين زيد ابن عليّ بن الحسين؟ ثم خرج الرابعة فقال: أين يحيى «2» بن زيد؟ ثم قيل:
إئذنوا لهم. فدخلوا وفيهم الغمر «3» بن يزيد وكان له صديقا فأومأ إليه: أن ارتفع. فأجلسه معه على طنفسته «4» وقال للباقين: اجلسوا. وأهل خراسان قيام
(1/305)

بأيديهم العمد فقال: أين العبديّ «1» الشاعر؟ فقام وأخذ في قصيدته التي يقول فيها: [كامل]
أما الدّعاة إلى الجنان فهاشم ... وبنو أميّة من دعاة النار
فلما أنشد أبياتا منها قال الغمر: يا ابن الزانية. فانقطع العبدي وأطرق عبد الله «2» ساعة ثم قال: إمض في نشيدك. فلما فرغ رمى إليه بصرّة فيها ثلاثمائة دينار، ثم تمثّل بقول القائل «3» : [خفيف]
ولقد ساءني وساء سواي ... قربهم من منابر وكراسي
أنزلوها بحيث أنزلها الل ... هـ بدار الهوان والإتعاس
لا تقيلنّ عبد شمس عثارا ... واقطعوا كلّ نخلة وغراس
واذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس «4»
ثم قال لأهل خراسان: دهيد «5» . فشدخوا بالعمد حتى سالت أدمغتهم وقال الكلبيّ فقال: أيها الأمير: أنا رجل من كلب لست منهم. فقال:
[بسيط]
ومدخل رأسه لم يدنه أحد ... بين القرينين حتى لزّه القرن «6»
ثم قال: دهيد. فشدخ الكلبيّ معهم ثم التفت إلى الغمر فقال: لا خير
(1/306)

لك في الحياة بعدهم. قال: أجل، فقتل ثم دعا ببراذع «1» فألقاها عليهم وبسط عليها الأنطاع «2» ودعا بغدائه فأكل فوقهم وإنّ أنين بعضهم لم يهدأ، حتى فرغ ثم قال: ما تهنّأت بطعام منذ عقلت مقتل الحسين إلا يومي هذا. وقام فأمر بهم فجرّوا بأرجلهم وأغنم أهل خراسان أموالهم ثم صلبوا في بستانه. وكان يأكل يوما فأمر بفتح باب من الرّواق إلى البستان فإذا رائحة الجيف تملأ الأنوف، فقيل له: لو أمرت، أيها الأمير، بردّ هذا الباب! فقال: والله لرائحتها أحبّ إليّ وأطيب من رائحة المسك. ثم قال «3» : [كامل]
حسبت أمية أن سترضى هاشم ... عنها ويذهب زيدها وحسينها
كلّا وربّ محمد وإلهه ... حتى تباح سهولها وحزونها «4»
وتذلّ ذلّ حليلة لحليلها ... بالمشرفيّ وتستردّ ديونها
وأتي المهديّ برجل من بني أمية كان يطلبه فتمثل بقول سديف شاعرهم: [خفيف]
جرّد السيف وارفع السّوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويّا
لا يغرّنك ما ترى اليوم منهم ... إنّ تحت الضلوع داء دويّا «5»
فقال الأموي: لكن شاعرنا يقول: [بسيط]
شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا «6»
(1/307)

فقال المهديّ: قال شاعركم ما يشبهكم وقا شاعرنا ما يشبهنا. ثم أمر به فقتل.
وقال رجل: كنا جلوسا مع عمرو بن عبيد في المسجد، فأتاه رجل بكتاب المنصور على لسان محمد بن عبد الله بن الحسن يدعوه إلى نفسه، فقرأه ثم وضعه فقال الرسول: الجواب. فقال: ليس له جواب، قل لصاحبك: دعنا نجلس في هذا الظل ونشرب من هذا الماء البارد حتى تأتينا آجالنا في عافية.
وكان عمرو بن عبيد إذا رأى المنصور يطوف حول الكعبة في قرطين يقول: إن يرد الله بأمة محمّد خيرا يولّ أمرها هذا الشابّ من بني هاشم.
وكان له صديقا فلما دخل عليه بعد الخلافة وكلمه وأراد الأنصراف، قال: يا أبا عثمان سل حاجتك. قال: حاجتي ألّا تبعث إليّ حتى آتيك ولا تعطيني حتى أسألك. ثم نهض فقال المنصور: [مجزوء الرمل]
كلّكم ماشي رويد ... كلّكم خاتل صيد «1»
غير عمرو بن عبيد فلما مات عمرو رثاه المنصور فقال: [كامل]
صلّى الاله عليك من متوسّد ... قبرا مررت به على مرّان
قبرا تضمّن مؤمنا متحنّفا ... صدق الاله ودان بالقرآن
وإذا الرجال تنازعوا في سنّة ... فصل الحديث بحكمة وبيان
فلو انّ هذا الدهر أبقى صالحا ... أبقى لنا حيّا أبا عثمان
(1/308)

قال الوضّاح بن حبيب: كنا إذا خرجنا- يعني أصحابه- من عند المنصور صرنا إلى المهديّ وهو يومئذ ولي عهده ففعلنا ذلك يوما فأبرز إليّ يده، ولم يكن ذلك من عادته، فأكببت عليها فقبّلتها وضرب بيدي إلى يده، ثم علمت أنه لم يفعل ذلك إلا لشيء في يده، فوضع في يدي كتابا صغيرا تستره الكفّ، فلما خرجت فتحته فإذا فيه: يا وضّاح، إذا قرأت كتابي فاستأذن إلى ضياعك بالرّيّ، فرجعت فقلت للربيع: استأذن لي. فدخل فاستأذن، فأذن لي، فدخلت فقلت: يا أمير المؤمنين، ضياعي بالري قد اختلّت وبي حاجة إلى مطالعتها فقال: لا، ولا كرامة، فخرجت. ثم عدت إليه اليوم الثاني والقوم معي فدخلنا فاستأذنته، فردّ إليّ مثل الجواب الأوّل. فقلت: يا أمير المؤمنين، ما أريد إصلاحها إلّا لأقوى بها على خدمتك. فسرّي عنه، ثم قال: إذا شئت فودّع. فقلت: يا أمير المؤمنين، ولي حاجة أذكرها. قال: قل.
قلت: أحتاج إلى خلوة. فنهض القوم وبقي الربيع قلت: أخلني. قال: ومن الربيع وبينكما ما بينكما! قلت: نعم. فتنحّى الربيع، فقال: قد خلوت فقل إن جدت لي بمالك ودمك. فقلت: يا أمير المؤمنين، وهل أنا ومالي إلا من نعمتك، حقنت دمي ودم أبي ورددت عليّ مالي وآثرتني بصحبتك. قال: إنه يهجس في نفسي أنّ جهورا «1» على خلع وليس على غيرك لما أعرفه بينكما، فأظهر إذا صرت إليه الوقيعة فيّ والتنقّص لي حتى تعرف ما عنده، وإن رأيته يهمّ بخلع فاكتب إليّ، ولا تكتبنّ على يد بريد ولا مع رسول ولا يفوتني خبرك في كل يوم فقد نصبت لك فلانا القطّان في دار القطن فهو يوصل كتبك في كل يوم إليّ. قال: فمضيت حتى أتيت الريّ فدخلت على جهور فقال:
أفلتّ؟ فقلت: نعم والحمد لله. ثم أقبلت أؤانسه بالوقيعة فيه حتى أظهر ما
(1/309)

ظنّ به المنصور فكتبت إليه بذلك.
دخل عبد الله بن الحسن الطالبيّ على المنصور وعنده إسحاق بن مسلم العقيلي وعبد الملك بن حميد الشامي الكاتب، فتكلم عبد الله بكلام أعجب إسحاق فغمّ ذلك المنصور، فلما خرج عبد الله قال: يا غلام، ردّه. فلما رجع قال: يا أبا محمد، إن إسحاق بن مسلم حدّثني أن رجلا هلك بدمشق وترك ناضّا «1» كثيرا وأرضا ورقيقا وزعم أنه مولاكم وأشهد على ذلك. قال: نعم يا أمير المؤمنين، ذلك مولانا قد كنت أعرفه وأكاتبه. فقال المنصور: يا إسحاق، أعجبك كلامه فأحببت أن تعرفه.
أبو الحسين المدائني قال: لما بنى أبو العباس المدينة بالأنبار قال لعبد الله بن الحسن: يا أبا محمد، كيف ترى؟ فتمثل عبد الله فقال: [وافر]
ألم تر حوشبا أمسى يبنّي ... قصورا نفعها لبني بقيله
يؤمّل أن يعمّر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كلّ ليله
ثم انتبه فقال: أقلني أقالك الله. قال: لا أقالني الله إن بتّ في عسكري، فأخرجه إلى المدينة. حنش بن المغيرة قال: جئت وأبو ذرّ آخذ بحلقة باب الكعبة وهو يقول: أنا أبو ذر الغفاري، من لم يعرفني فأنا جندب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا» .
حدّثنا خالد بن محمد الأزدي قال: حدّثنا شبابة بن سوّار عن يحيى بن إسماعيل بن سالم عن الشعبيّ قال: قيل لابن عمر: إن الحسين قد توجّه إلى
(1/310)

العراق، فلحقه على ثلاث ليال من المدينة وكان عند خروج الحسين غائبا في مال له فقال: أين تريد؟ قال: العراق. وأخرج إليه كتبا وطوامير «1» قال: هذه كتبهم وبيعتهم. فناشده الله أن يرجع فأبى فقال: أما إني سأحدثك حديثا: إنّ جبريل، عليه السلام، أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فخيّره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنكم بضعة من النبي صلى الله عليه وسلم، والله لا تليها أنت ولا أحد من أهل بيتك وما صرفها الله عنكم إلا لما هو خير لكم فارجع. فأبى فاعتنقه وبكى وقال:
أستودعك الله من قتيل.
حدّثني القاسم بن الحسن عن علي بن محمد عن مسلمة بن محارب عن السّكن قال: كتب الحسين بن علي رضي الله عنهما إلى الأحنف يدعوه إلى نفسه فلم يردّ الجواب وقال: قد جرّبنا آل أبي الحسن فلم نجد عندهم إيالة ولا جمعا للمال ولا مكيدة في الحرب. وقال الشعبي: ما لقينا من آل أبي طالب؟ إن أحببناهم قتلونا، وإن أبغضناهم أدخلونا النار.
ولما قتل مصعب بن الزبير خرجت سكينة بنت الحسين تريد المدينة فأطاف بها أهل الكوفة فقالوا: أحسن الله صحابتك يا بنت رسول الله. فقال:
والله لقد قتلتم جدّي وأبي وعمّي وزوجي مصعبا، أيتمتموني صغيرة وأرملتموني كبيرة فلا عافاكم الله من أهل بلد ولا أحسن عليكم الخلافة. وقال بعض الشعراء: [منسرح]
إبك حسينا ليوم مصرعه ... بالطّفّ بين الكتائب الخرس
أضحت بنات النبيّ إذ قتلوا ... في مأتم والسّباع في عرس
روى سنان بن حكيم عن أبيه قال: انتهب الناس ورسا في عسكر
(1/311)

الحسين بن علي يوم قتل فما تطيبت منه امرأة إلا برصت. ولما قتل حسين قالت بنت لعقيل بن أبي طالب: [بسيط]
ماذا تقولون إن قال النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم أفضل الأمم
بعترتي وبأهلي بعد منطلقي ... منهم أسارى وقتلى ضرّجوا بدم
ما كان هذا جزائي أن نصحت لكم ... أن تخلفوني بقتل في ذوي رحمي
فما سمعها أحد إلا بكى.
دخل زيد بن عليّ على هشام فقال: ما فعل أخوك البقرة؟ قال زيد:
سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم باقرا وتسميه بقرة! لقد اختلفتما.
أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا جابر، إنك ستعمّر بعدي حتى يولد لي مولود اسمه كاسمي يبقر العلم بقرا فإذا لقيته فأقرئه مني السلام» فكان جابر يتردّد في سكك المدينة بعد ذهاب بصره وهو ينادي: يا باقر، حتى قال الناس: قد جنّ جابر. فبينا هو ذات يوم بالبلاط إذ بصر بجارية يتورّكها صبيّ فقال لها: يا جارية، من هذا الصبي؟ قالت: هذا محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. فقال: أدنيه مني فأدنته منه فقبّل بين عينيه وقال: يا حبيبي، رسول الله يقرئك السلام. ثم قال: نعيت إليّ نفسي وربّ الكعبة. ثم انصرف إلى منزله وأوصى فمات من ليلته.
قال هشام لزيد بن علي: بلغني أنك تربّص نفسك للخلافة وتطمع فيها وأنت ابن أمة. قال له زيد: مهلا يا هشام، فلو أنّ الله علم في أولاد السّراريّ «1» تقصيرا عن بلوغ غاية ما أعطى إسماعيل ما أعطاه. ثم خرج زيد وبعث إليه بهذه الأبيات: [بسيط]
مهلا بني عمّنا عن نحت أثلتنا «2» ... سيروا رويدا كما كنتم تسيرونا
(1/312)

لا تجمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكفّ الأذى عنكم وتؤذونا
فالله يعلم أنّا لا نحبّكم ... ولا نلومكمو ألّا تحبّونا
ثم إن زيدا أعطى الله عهدا ألا يلقى هشاما إلا في كتيبة بيضاء أو حمراء فدخل الكوفة فطبع بها السيوف وكان من أمره ما كان حتى قتل رحمه الله.
ذكر الأمصار
قالت الحكماء: المدائن لا تبنى إلا على ثلاثة أشياء: على الماء والكلأ والمحتطب.
قال ابن شهاب: من قدم أرضا فأخذ من ترابها فجعله في مائها ثم شربه عوفي من وبائها. وقال معاوية لقوم قدموا عليه: كلوا من فحا «1» أرضنا فقلّما أكل قوم من فحا أرض فضرّهم ماؤها.
حدّثني الرياشيّ قال: حدثني الأصمعيّ قال: معاوية: أغبط الناس عندي سعد مولاي، وكان يلي أمواله بالحجاز، يتربّع جدّة ويتقيّظ الطائف ويتشتّى مكة.
حدّثنا الرياشيّ قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: أربعة أشياء قد ملأت الدنيا لا تكون إلا باليمن: الخطر والكندر والعصب والورس.
حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: اليهود لا تأكل من بقل سورا «2» وتقول: هي مغيض الطوفان. قال: وقال الأصمعي عن معمر «3» قال: سبع
(1/313)

محفوظات وسبع ملعونات، فمن المحفوظات نجران ومن الملعونات أثافت وبرذعة «1» . وأثافت باليمن. وقفت باليمن على قرية فقلت لامرأة: ما تسمى هذه القرية؟ فقالت ويحك! أما سمعت قول الشاعر: [متقارب]
أجبّ أثافت عند القطاف ... وعند عصارة أعنابها
قال الأصمعي: سواد البصرة الأهواز ودستميسان وفارس، وسواد الكوفة كسكر إلى التراب «2» إلى عمل حلوان إلى القادسية، وعمل العراق هيت إلى الصين والسّند والهند ثم كذلك إلى الريّ وخراسان إلى الديلم والجبال كلها، وأصبهان صرّة العراق افتتحها أبو موسى الأشعري، والجزيرة ما بين دجلة والفرات، والموصل من الجزيرة، ومكة من المدينة ومصر لا تدخل في عمل العراق.
حدّثني عبد الرحمن بن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبّه قال:
أوّل قرية بنيت بعد الطوفان قرية بقردى تسمى سوق ثمانين، كان نوح لما خرج من السفينة ابتناها وجعل فيها لكل رجل آمن معه بيتا وكانوا ثمانين فهي اليوم تسمى سوق ثمانين. قال: وحرّان سميت بهاران بن آزر أخي إبراهيم النبي صلى الله عليه وسلم وهو أبو لوط.
قال النبي، صلى الله عليه وسلم لبريدة: «يا بريدة، إنه سيبعث بعدي بعوث فإذا بعثت فكن في أهل بعث المشرق ثم في بعث خراسان ثم في بعث أرض يقال لها:
مرو، فإذا أتيتها فانزل مدينتها فإنه بناها ذو القرنين وصلّى فيها، غزيرة أنهارها تجري بالبركة، في كل نقب منها ملك شاهر سيفه يدفع عنها السوء إلى يوم القيامة» فقدمها بريدة فمات بها.
(1/314)

حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثني الأصمعي قال: أخبرني النّمر بن هلال الحبطي عن قتادة عن أبي جلدة قال: الدنيا كلها أربعة وعشرون ألف فرسخ فملك السودان اثنا عشر ألف فرسخ وملك الروم ثمانية آلاف فرسخ وملك فارس ثلاث آلاف فرسخ وأرض العرب ألف فرسخ.
وقال أبو صالح: كنا عند ابن عباس فأقبل رجل فجلس، فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل خراسان، قال: من أيّ خراسان؟ قال: من هراة. قال:
من أيّ هراة؟ قال: من بوشنج. ثم قال: ما فعل مسجدها؟ قال: عامر يصلّى فيه. قال ابن عباس: كان لإبراهيم مسجدان: المسجد الحرام ومسجد بوشنج. ثم قال: ما فعلت الشجرة التي عند المسجد؟ قال: بحالها. قال:
أخبرني العباس أنه قال في ظلها.
حدّثني محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن ميمون الحرّاني عن عوف بن أبي جميلة عن الحسن البصري قال: لما قدم عليّ، رضي الله عنه، البصرة آرتقى على منبرها فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل البصرة، يا بقايا ثمود ويا جند المرأة «1» ويا أتباع البهيمة، رغا فاتّبعتم وعقر فانهزمتم. أما إني لا أقول رغبة فيكم ولا رهبة منكم، غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تفتح أرض يقال لها البصرة أقوم الأرضين قبلة، قارئها أقرأ الناس، وعابدها أعبد الناس، وعالمها أعلم الناس، ومتصدّقها أعظم الناس صدقة. وتاجرها أعظم الناس تجارة. منها إلى قرية يقال لها الأبلّة «2» أربعة
(1/315)

فرسخ. يستشهد عند مسجد جامعها أربعون ألفا، الشهيد منهم يومئذ كالشهيد معي يوم بدر» .
حدّثنا القاسم بن الحسن قال: حدّثنا أبو سلمة قال: أخبرني أبو المهزّم عن أبي هريرة قال: مثّلت الدنيا على مثال طائر، فالبصرة ومصر الجناحان فإذا خربتا وقع الأمر.
وحدّثني أيضا عن هارون بن معروف عن ضمرة عن ابن شوذب عن خالد بن ميمون قال: البصرة أشدّ الأرض عذابا وشرها ترابا وأسرعها خرابا.
قال: وقال ابن شوذب عن يزيد الرّشك «1» قست البصرة في ولاية خالد بن عبد الله القسري فوجدت طولها فرسخين غير دانق.
وقال محمد بن سلام عن شعيب بن صخر: تذاكروا عند زياد البصرة والكوفة فقال زياد: لو ضلّت البصرة لجعلت الكوفة لمن دلّني عليها. قال محمد بن سيرين: كان الرجل يقول: غضب الله عليك كما غضب أمير المؤمنين على المغيرة، عزله عن البصرة واستعمله على الكوفة. وقال عليّ حين دخل البصرة: يا أتباع البهيمة ويا جند المرأة، رغا فأجبتم وعقر فانهزمتهم، ودينكم نفاق وأخلاقكم رقاق وماؤكم زعاق، يا أهل البصرة والبصيرة والسّبيخة والخريبة، أرضكم أبعد الأرض من السماء وأبعدها من الماء وأسرعها خرابا وغرقا.
مرّ عتبة بن غزوان بموضع المربد فوجد فيها الكذّان «2» الغليظ فقال:
هذه البصرة فانزلوا بسم الله. وقال أبو وائل: اختطّ الناس البصرة سنة سبع عشرة.
(1/316)

فخر ناس من بني الحارث بن كعب عند أبي العباس، فقال أبو العباس لخالد بن صفوان: ألا تكلّم يا خالد؟ قال: أخوال أمير المؤمنين وأهله. قال:
فأنتم أعمام أمير المؤمنين وعصبته. قال خالد: ما عسى أن أقول لقوم بين ناسج برد ودابغ جلد وسائس قرد، دلّ عليهم هدهد وغرقتهم فأرة وملكتهم امرأة.
سئل خالد عن الكوفة فقال: نحن منابتنا قصب، وأنهارنا عجب، وثمارنا رطب، وأرضنا ذهب. قال الأحنف: نحن أبعد منكم سريّة وأعظم منكم بحريّة وأعذى «1» منكم برّيّة. وقال أبو بكر الهذليّ: نحن أكثر منكم ساجا وعاجا وديباجا وخراجا ونهرا عجّاجا.
وقال الخليل «2» في ظهر البصرة مما يلي قصر أوس من البصرة:
[بسيط]
زر وادي القصر نعم القصر والوادي ... لا بدّ من زورة عن غير ميعاد
ترفا به السّفن والظّلمان واقفة ... والضّبّ والنّون والملّاح والحادي
وقال ابن أبي عيينة»
في مثل ذلك: [منسرح]
يا جنّة فاتت الجنان فما ... تبلغها قيمة ولا ثمن
ألفتها فاتّخذتها وطنا ... إنّ فؤادي لحبّها وطن
زوّج حيتانها الضّباب بها ... فهذه كنّة وذا ختن
فانظر وفكّر فيما نطقت به ... إنّ الأريب المفكّر الفطن
(1/317)

من سفن كالنّعام مقبلة ... ومن نعام كأنها سفن «1»
أنشد محمد بن عمر عن ابن كناسة «2» في ظهر الكوفة: [طويل]
وإنّ بها، لو تعلمين، أصائلا ... وليلا رقيقا مثل حاشية البرد
بلغني عن إبراهيم بن مهدي عن إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم التّيمي قال: لما أمرت الأرض أن تغيض غاضت إلا أرض الكوفة فلعنت، فجميع الأرض تكرب على ثورين وأرض الكوفة تكرب على أربعة ثيران. وكان يقال: إذا كان علم الرجل حجازيا وسخاؤه كوفيا وطاعته شامية فقد كمل.
لما احتوى المسلمون المدائن بعد ما نزلوا وآذاهم الغبار والذباب، كتب عمر إلى سعد في بعثة روّاد يرتادون منزلا برّيّا فإن العرب لا يصلحها إلا ما يصلح الإبل والشاء. فسأل من قبله عن هذه الصفة فيما يليهم، فأشار عليه من رأى العراق من وجوه العرب باللسان. وظهر الكوفة يقال له اللسان، وهو فيما بين النهرين إلى عين بني الحدّاء وكانت العرب تقول: أدلع البرّ لسانه «3» في الرّيف، فما كان يلي الفرات منه فهو الملطاط وما كان يلي الظهر منه فهو النّجاف، فكتب إلى سعد يأمره به.
(1/318)

وقال النابغة «1» الجعدي يمدح الشام: [رمل]
جاعلين الشام حمّا «2» لهم ... ولئن همّوا لنعم المتنقل
موته أجر ومحياه غنى ... وإليه عن أذاه معتزل
وقال أيضا: [طويل]
ولكنّ قومي أصبحوا مثل خيبر ... بها داؤها ولا تضرّ الأعاديا
قال الأصمعي: لم يولد بغدير خمّ مولود فعاش إلى أن يحتمل إلّا أن يتحوّل عنها. قال: وحرّة ليلى «3» ربما مرّ بها الطائر فيسقط ريشه. قال عمرو ابن بحر: يزعمون أنّ من دخل أرض تبّت لم يزل ضاحكا مسرورا من غير عجب حتى يخرج منها، ومن أقام بالموصل عاما ثم تفقّد قوّته وجد فيها فضلا، ومن أقام بالأهواز حولا فتفقّد عقله وجد النقصان فيه بيّنا. والناس يقولون: حمّى خيبر وطحال البحرين ودماميل الجزيرة وطواعين الشام.
قالوا: من أطال الصوم بالمصّيصة «4» في الصيف خيف عليه الجنون. وأما قصبة الأهواز فتقلب كل من ينزلها من الأشراف إلى طبائع أهلها، ووباؤها وحمّاها يكون في وقت انكسار الوباء ونزوع الحمّى عن جميع البلدان، وكل محموم فإن حمّاه إذا أقلعت عنه فقد أخذ عند نفسه منها البراءة إلى أن تعود إلى التخليط وإلى أن يجتمع في جوفه الفساد إلا محموم الأهواز فإنها تعاود من فارقته
(1/319)

لغير علّة حدثت، ولذلك جمعت سوق الأهواز الأفاعي في جبلها المطلّ عليها والجرّارات «1» في بيوتها ومن ورائها سباخ ومناقع مياه غليظة وفيها أنهار تشقّها مسايل كنفهم ومياه أمطارهم فإذا طلعت الشمس وطال مقامها واستمرّت مقابلتها لذلك الجبل قبل الصخرية التي فيها الجرارات، فإذا امتلأت يبسا وحرّا وعادت جمرة واحدة قذفت ما قبلت من ذلك عليهم وقد بخرت تلك السباخ وتلك الأنهار، فإذا التقى عليهم ما بخرت به السباخ وما قذفه ذلك الجبل فسد الهواء وفسد بفساد الهواء كل ما يشتمل عليه الهواء. وقال إبراهيم بن العباس الكاتب: حدّثني مشايخ أهل الأهواز عن القوابل أنهنّ ربما قبلن الطفل فيجدنه في تلك الساعة محموما يعرفن ذلك ويتحدّثن به. قال: ومن قدم من شقّ العراق إلى بلد الزّنج لم يزل حزينا ما أقام بها فإنّ أكثر من شرب نبيذها وأكل النّارجيل «2» طمس الخمار «3» على عقله حتى لا يكون بينه وبين المعتوه إلا شيء يسير. قال: وفي عهد سجستان على العرب حين افتتحوها: ألّا يقتلوا قنفذا ولا يصيدوه؛ لأنها بلاد أفاع والقنافذ تأكلها ولولا ذلك ما كان لهم بها قرار.
وقال ابن عيّاش لأبي بكر الهذلي يوم فاخره عند أبي العباس: إنما مثل الكوفة مثل اللهاة من البدن يأتيها الماء ببرده وعذوبته، والبصرة بمنزلة المثانة يأتيها الماء بعد تغيّره وفساده.
وقال محمد بن عمير بن عطارد: إن الكوفة قد سفلت عن الشام ووبائها وارتفعت عن البصرة وعمقها فهي مريئة مريعة عذبة ثريّة، إذا أتتنا الشّمال
(1/320)

ذهبت مسيرة شهر على مثل رضراض الكافور، وإذا هبّت الجنوب جاءتنا بريح السّواد وورده وياسمينه وأترجّه، وماؤنا عذب وعيشنا خصب. وقال الحجاج:
الكوفة بكر حسناء والبصرة عجوز بخراء «1» أوتيت من كل حلي وزينة.
اجتمع أهل العراق ليلة في سمر يزيد بن عمر بن هبيرة، فقال يزيد: أيّ البلدين أطيب ثمرة: الكوفة أم البصرة؟ فقال خالد بن صفوان: بل ثمرتنا أيها الأمير منها الأزاذ والمعقليّ وكذا وكذا. فقال عبد الرحمن بن بشير العجلي: لست أشك أيها الأمير أنكم قد اخترتم لأمير المؤمنين ما تبعثون به إليه. قال: أجل، قال: قد رضينا باختيارك لنا وعلينا. قال: فأيّ الرّطب تحملون إليه؟ قال:
المشان. قال: ليس بالبصرة منه واحدة. ثم أيّة؟ قال: السّابري. قال: ولا بالبصرة منه واحدة. قال خالد بن صفوان: بلى عندنا بالبصرة منه شيء يسير.
قال: فأيّ التمر تحملون إليه؟ قال: النّرسيان. قال: ولا بالبصرة منه واحدة.
قال: ثم أية؟ قال: الهيرون أزاذ. قال: ولا بالبصرة منه واحدة. قال: فأيّ القسب «2» تحملون إليه؟ قال: قسب العنبر. قال: ولا بالبصرة منه واحدة. قال ابن هبيرة لخالد: ادّعى عليك خمسا فشاركته في واحدة وسلّمت له أربعا، ما أراه إلا قد غلبك.
دخل فتى من أهل المدينة البصرة ثم انصرف، فقال له أصحابه: كيف رأيت البصرة؟ قال: خير بلاد الله للجائع والعزب والمفلس: أما الجائع فيأكل خبز الأرز والصّحناء «3» لا ينفق في الشهر درهمين، وأما العزب فيتزوج بشق درهم، وأما المحتاج فلا عيلة عليه ما بقيت عليه استه يخرأ ويبيع.
(1/321)

أبو الحسن المدائني قال: قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة لمعاوية:
أما والله لو كنا بمكة على السواء لعلمت. قال معاوية: إذا كنت أكون ابن أبي سفيان، منزلي الأبطح ينشقّ عنه سيله، وكنت ابن خالد، منزلك أجياد أعلاه مدرة وأسفله عذرة.
رأى رجل من قريش رجلا له هيئة رثّة، فسأل عنه فقالوا: من بني تغلب. فوقف له وهو يطوف بالبيت، فقال له: أرى رجلين قلّما وطئتا البطحاء. قال له التغلبيّ: البطحاوات ثلاث: بطحاء الجزيرة وهي لي دونك، وبطحاء ذي قار وأنا أحق بها منك، وهذه البطحاء، وسواء العاكف فيه والبادي.
وقال بعض الأعراب: اللهمّ، لا تنزلني ماء سوء فأكون امرأ سوء. قال خالد بن صفوان: ما رأينا أرضا مثل الأبلّة أقرب مسافة ولا أعذب نطفة ولا أوطأ مطيّة ولا أربح لتاجر ولا أخفى لعابد. وقال ابن أبي عيينة «1» يذكر قصر أنس «2» بالبصرة: [طويل]
فيا حسن ذاك القصر قصرا ونزهة ... بأفيح سهل غير وعر ولا ضنك «3»
بغرس كأبكار الجواري وتربة ... كأن ثراها ماء ورد على مسك
كأن قصور الأرض ينظرن حوله ... إلى ملك موف على منبر الملك
يدلّ عليها مستطيلا بحسنه ... ويضحك منها وهي مطرقة تبكي «4»
(1/322)

قال جعفر بن سليمان: العراق عين الدنيا، والبصرة عين العراق، والمربد عين البصرة، ودارين عين المربد. وقالوا: من خصال الحرم أن المطر إذا أصاب الباب كان الخصب من شقّ العراق، وإذا أصاب المطر الناحية من شق الشام كان الخصب بالشام، وإذا عمّ جوانب البيت كان المطر عاما. قال: وذرع الكعبة أربعمائة وتسعون ذراعا.
المدائني قال: قال الحجاج: لما تبوّأت الأمور منازلها قالت الطاعة: أنزل الشام، قال الطاعون: وأنا معك. وقال النفاق: أنزل العراق، قالت النعمة:
وأنا معك. وقالت الصحة: أنزل البادية، قالت الشّقوة: وأنا معك.
نجز كتاب الحرب ويتلوه كتاب السؤدد
(1/323)

كتاب السؤدد
مخايل السؤدد وأسبابه ومخايل السوء
قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة رحمه الله: حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب عن عمه الأصمعي قال: أخبرنا جميع بن أبي غاضرة وكان شيخا مسنّا من أهل البادية وكان من ولد الزّبرقان بن بدر من قبل النساء، قال:
كان الزبرقان يقول: أبغض صبياننا إليّ الأقيعس الذكر الذي كأنما يطّلع في حجره، وإن سأله القوم أين أبوك، هرّ في وجوههم وقال: ما تريدون من أبي.
وأحبّ صبياننا إليّ الطويل الغرلة «1» ، السّبط الغرّة، العريض الورك، الأبله العقول الذي يطيع عمّع ويعصى أمه، وإن سأله القوم أين أبوك، قال: معكم.
قال: وقال الأصمعي: قال معاوية: ثلاث من السؤدد: الصّلع، واندحاق البطن، وترك الإفراط في الغيرة.
قال وقيل لأعرابي: بم تعرفون سؤدد الغلام فيكم؟ فقال: إذا كان سائل الغرّة طويل الغرلة ملتاث الإزرة وكانت فيه لوثة فلسنا نشكّ في سؤدده. وقيل لآخر: أيّ الغلمان أسود؟ قال: إذا رأيته أعنق أشدق أحمق فأقرب به من السؤدد. وكان يقال: إذا رأيت الغلام غائر العينين ضيّق الجبهة حديد الأرنبة كأنما جبينه صلاية «2» فلا ترجه، إلا أن يريد الله أمرا فيبلغه.
(1/325)

حدّثنا الرياشيّ عن الأصمعي قال: قريش تمدح بالصّلع.
وأنشد: [رجز]
إنّ سعيدا وسعيد فرع ... أصلع تنميه رجال صلع
ونظر رجل إلى معاوية وهو غلام صغير فقال: إني أظن هذا الغلام سيسود قومه. فقالت هند: ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه.
قال شبيب بن شيبة لبعض فرسان بني منقر: ما مطلت مطل الفرسان ولا فتقت فتق السادة. وقال آخر لسنان بن سلمة الهذليّ: ما أنت بأرسح «1» فتكون فارسا ولا بعظيم الرأس فتكون سيدا. وقال بعض الشعراء: [طويل]
فقبّلت رأسا لم يكن رأس سيّد ... وكفّا ككفّ الضّبّ «2» أو هي أحقر
وقال آخر: [طويل]
دعا ابن مطيع للبياع فجئته ... إلى بيعة قلبي لها غير آلف
فناولني خشناء لمّا لمستها ... بكفّي ليست من أكفّ الخلائف
وقرأت في كتاب للهند أنه قد قيل في الفراسة والتّوسّم: إنه من صغرت عينه ودام اختلاجها وتتابع طرفها ومال أنفه إلى أيمن شقّيه وبعد ما بين حاجبيه وكانت منابت شعره ثلاثا ثلاثا وطال إكبابه إذا مشى، وتلفّت تارة بعد أخرى، غلبت عليه أخلاق السوء.
كان يقال: أربع يسوّدن العبد: الأدب، والصّدق، والعفّة، والأمانة.
وقال بعض الشعراء في النبي صلى الله عليه وسلم: [بسيط]
لو لم تكن فيه آيات مبيّنة ... كانت بداهته تنبيك بالخبر
(1/326)

وقال معاوية: إني لأكره البكاءة «1» في السيد وأحب أن يكون عاقلا متغافلا وقال الشاعر في هذا المعنى: [كامل]
ليس الغبيّ بسيد في قومه ... لكنّ سيّد قومه المتغابي
ويقال في مثل: «ليس أمير القوم بالخبّ «2» الخدع» . وقال الفرزدق: [بسيط]
لا خير في خبّ «3» من ترجى فواضله ... فاستمطروا من قريش كلّ منخدع
كأنّ فيه إذا حاولته بلها ... عن ماله وهو وافي العقل والورع
وقال إياس بن معاويه: لست بخبّ والخبّ لا يخدعني. وقال مالك بن أنس عن ابن شهاب: الكريم لمّا تحكمه التجارب.
قال بعض الشعراء: [خفيف]
غير أني أراك من أهل بيت ... ما على المرء أن يسودوه عار
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: السيد الجواد حين يسأل، الحليم حين يستجهل، البارّ بمن يعاشر. قال عديّ بن حاتم: السيد الذليل في نفسه، الأحمق في ماله، المطّرح لحقده، المعنيّ بأمر عامّته. سئل خالد بن صفوان عن الأحنف بم ساد، فقال: بفضل سلطانه على نفسه. وقيل لقيس بن عاصم: بم سدت قومك؟ فقال: ببذل القرى وترك المرا «4» ونصرة المولى. وقال علي بن عبد الله بن عباس: سادة الناس في الدنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء. وقال سلم
(1/327)

ابن قتيبة لولده: إنكم لن تسودوا حتى تصبروا على سرار الشيوخ البخر. وقال:
الدنيا هي العافية، والصحة هي الشباب، والمروءة الصبر على الرجال. قال عمرو بن هدّاب: كنا نعرف سؤدد سلم بن قتيبة بأنه كان يركب وحده ويرجع في خمسين. وقال رجل للأحنف وأراد عيبه: بم سدت قومك؟ قال: بتركي من أمرك ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك. وقال عبد الملك بن مروان لابن مطاع «1» العنزيّ: أخبرني عن مالك بن مسمع. فقال له: لو غضب مالك لغضب معه مائة ألف لا يسألونه في أيّ شيء غضب. فقال عبد الملك: هذا وأبيك السّؤدد، ولم يل شيئا قط. وكذلك أسماء بن خارجة لم يل شيئا قط.
قيل لعرابة الأوسيّ: بم سدت قومك؟ فقال بأربع: أنخدع لهم عن مالي، وأذلّ لهم في عرضي، ولا أحقر صغيرهم، ولا أحسد رفيعهم. وقال المقنّع الكنديّ وهو محمد بن عميرة «2» : [طويل]
ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
وليسوا إلى نصري سراعا وإن هم ... دعوني إلى نصر أتيتهم شدّا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
يعيّرني بالدّين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا «3»
وقال آخر: [بسيط]
هينون «4» لينون أيسار ذوو يسر ... سوّاس مكرمة أبناء أيسار
(1/328)

لا ينطقون على الفحشاء إن نطقوا ... ولا يمارون إن ماروا بإكثار
من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري
وقال آخر: [وافر]
وإنّ سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلعها طويل
وقال رجل من العرب: نحن لا نسوّد إلا من يوطّئنا رحله ويفرّشنا عرضه ويملّكنا ماله. وفي الحديث المرفوع: «من بذل معروفه وكفّ أذاه فذلك السيد» .
ويقال: لا سؤدد مع انتقام. والعرب تقول: «سيد معمّم» يريدون أنّ كل جناية يجنيها أحد من عشيرته معصوبة برأسه. ويقال: بل السيد منهم كان يعتمّ بعمامة صفراء لا يعتمّ بها غيره. وإنما سمّى الزّبرقان بصفرة عمامته. يقال:
زبرقت الشيء إذا صفّرته، وكان اسمه حصينا. قيل لابن هبيرة: من سيد الناس اليوم؟ قال: الفرزدق، هجاني ملكا ومدحني سوقة. وقال عامر «1» بن الطّفيل: [طويل]
إني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفارسها المشهور في كل موكب
فما سوّدتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
ولكنّني أحمي حماها وأتّقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكب «2»
هذا نحو قول الآخر:
(1/329)

[رجز]
نفس عصام سوّدت عصاما ... وعلّمته الكرّ والإقداما
وصيّرته ملكا هماما
وعصام عبد كان للنعمان بن المنذر. وله يقول النابغة [وافر]
فإنّي لا ألوم على دخول ... ولكن ما وراءك يا عصام؟
الكمال والتناهي في السّؤدد
حدّثني أبو حمزة الأنصاريّ عن العتبيّ قال: قال قال الأحنف: الكامل من عدّت هفواته. وكتب معاوية إلى زياد: أنظر رجلا يصلح لثغر الهند فولّه، فكتب إليه إنّ قبلي رجلين يصلحان لذلك: الأحنف بن قيس، وسنان بن سلمة الهذلي. فكتب إليه معاوية: بأيّ يومي الأحنف نكافيه: أبخذلانه أمّ المؤمنين، أم بسعيه علينا يوم صفّين؟ فوجّه سنانا، فكتب إليه زياد: إن الأحنف قد بلغ من الشرف والحلم والسؤدد ما لا تنفعه الولاية ولا يضرّه العزل. وقال أبو نواس يمدح رجلا: [سريع]
أوحده الله فما مثله ... لطالب ذاك ولا ناشد
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
وقال أيضا في نحو هذا: [بسيط]
يا ناق، لا تسأمي أو تبلغي رجلا ... تقبيل راحته والرّكن سيّان
متى تحطّي إليه الرّحل سالمة ... تستجمعي الخلق في تمثال إنسان
محمد «1» خير من يمشي على قدم ... ممن برا الله من إنس ومن جان
(1/330)

تنازع الأحمدان الشّبه فاشتبها ... خلقا وخلقا كما قدّ الشّراكان
سيّان لا فرق في المعقول بينهما ... معناهما واحد والعدّة اثنان
وقال الطائي: [بسيط]
لو أنّ إجماعنا في فضل سؤدده ... في الدّين، لم يختلف في الملّة اثنان
وقال أيضا: [وافر]
فلو صوّرت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطّباع
وقال خالد بن صفوان: كان الأحنف يفرّ من الشرف والشرف يتبعه.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: وفد الأحنف والمنذر بن الجارود إلى معاوية، فتهيّأ المنذر وخرج الأحنف على قعود وعليه بتّ، فكلما مرّ المنذر قال الناس: هذا الأحنف، فقال المنذر: أراني تزيّنت لهذا الشيخ. وقالت بنو تميم للأحنف: ما أعظم منّتنا عليك! فضّلناك وسوّدناك، فقال: هذا شبل بن معبد، من سوّده وليس بالحضرة بجليّ غيره؟ أو قال بالبصرة.
قال عبد الملك بن مروان لعبد الله بن عبد الأعلى الشاعر الشّيباني: من أكرم العرب أو من خير الناس؟ قال: من يحبّ الناس أن يكونوا منه، ولا يحب أن يكون من أحد، يعني بني هاشم. قال: من ألأم الناس؟ قال: من يحب أن يكون من غيره، ولا يحب غيره أن يكونوا منه. قال رجل من أشراف العجم لرجل من أشراف العرب: إن الشّرف نسب مفرد، فالشريف من كل قوم نسيب. وكان يقال: أكرم الصّفايا أشدّها ولها إلى أولادها، وأكرم الإبل أحنّها إلى أوطانها، وأكرم الأفلاء «1» أشدّها ملازمة لأمهاتها، وخير الناس آلف الناس للناس
(1/331)

السّيادة والكمال في الحداثة
قال الأحنف: السّؤدد مع السواد، يريد أنه يكون سيدا من أتته السيادة في حداثته وسواد رأسه ولحيته، وقد يذهب بمعناه إلى سواد الناس وعامّتهم يراد أن السّؤدد يكون بتسويد العامّة. وقال أبو اليقظان: ولّى الحجّاج محمد ابن القاسم بن محمد بن الحكم الثّقفيّ قتال الأكراد بفارس فأباد منهم، ثم ولّاه السّند فافتتح السند والهند وقاد الجيوش وهو ابن سبع عشرة سنة، فقال فيه الشاعر: [كامل]
إن السماحة والمروءة والنّدى ... لمحمد بن القاسم بن محمد «1»
قاد الجيوش لسبع عشرة حجّة ... يا قرب ذلك سؤددا من مولد!
ويروى: يا قرب ذلك سورة من مولد؛ السّورة المنزلة الرفيعة. قال أبو اليقظان: وهو جعل شيراز معسكرا ومنزلا لولاة فارس. وقال حمزة «2» بن بيض لمخلّد بن يزيد بن المهلّب: [متقارب]
بلغت لعشر مضت من سني ... ك ما يبلغ السيّد الأشيب
فهمّك فيها جسام الأمور ... وهمّ لداتك أن يلعبوا
نظر الحطيئة إلى ابن عباس يتكلم في مجلس عمر، فقال: من هذا الذي نزل عن الناس في سنّه وعلاهم في قوله! وقال ابن مسعود: لو بلغ أسناننا ما عشره منّا رجل «3» . ونظر رجل إلى أبي دلف في مجلس المأمون
(1/332)

فقال: إن همته ترمي به وراء سنه. وولي عبيد الله بن زياد خراسان وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وليها لمعاوية. قيل لزياد عند موته: استخلف عبيد الله، فقال: إن يك فيه خير فسيولّيه عمّه، فلما مات زياد شخص عبيد الله إلى عمه معاوية فقال له: ما منع أباك أن يولّيك؟ أما إنه لو فعل فعلت، فقال عبيد الله:
يا أمير المؤمنين، لا يقولنّها أحد بعدك: ما منع أباه وعمه أن يكونا استعملاه، فرغب فيه فاستعمله على خراسان. وولى معاذ اليمن وهو ابن أقل من ثلاثين سنة. وحمل أبو مسلم أمر الدولة والدعوة وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وحمل الناس عن إبراهيم النّخعيّ وهو ابن ثماني عشرة سنة. وولّى رسول الله صلى الله عليه وسلم عتّاب بن أسيد مكة وهو ابن خمس وعشرين سنة. وسوّدت قريش أبا جهل ولم يطرّ شاربه فأدخلته مع الكهول دار النّدوة. قال الكميت «1» :
[مجزوء الكامل]
رفعت إليك، وما ثغر «2» ... ت، عيون مستمع وناظر
ورأوا عليك ومنك في ال ... مهد النّهى ذات البصائر
قال: قدم وفد على عمر بن عبد العزيز من العراق، فنظر إلى شاب منهم يتحوّز «3» يريد الكلام، فقال عمر: كبّروا كبّروا، فقال الفتى: يا أمير المؤمنين، إن الأمر ليس بالسن، ولو كان كذلك كان في المسلمين من هو أسنّ منك، قال صدقت فتكلّم. قال الشاعر في خلاف هذا المعنى:
[خفيف]
إنما الهلك أن يساسوا بغرّ ... لم تعره الأيام رأيا وثيقا «4»
(1/333)

وقال آخر: [طويل]
ألا قالت الحسناء يوم لقيتها ... كبرت، ولم تجزع من الشيب مجزعا
رأت ذا عصا يمشي عليها وشيبة ... تقنّع منها رأسه ما تقنّعا
فقلت لها: لا تهزئي بى فقلّما ... يسود الفتى حتى يشيب ويصلعا
وللقارح اليعبوب خير علالة ... من الجذع المجرى وأبعد منزعا
رأى بكير «1» بن الأخنس المهلّب وهو غلام فقال: [طويل]
خذوني به إن لم يسد سرواتهم ... ويبرع حتى لا يكون له مثل
الهمّة والخطار بالنفس
قال: أخبرنا خالد بن جويرية عن محمد بن ذؤيب الفقيميّ «2» وهو العمانيّ الراجز عن دكين الراجز قال: أتيت عمر بن عبد العزيز بعد ما استخلف أستنجز منه وعدا كان وعدنيه وهو والي المدينة، فقال لي: يا دكين، إن لي نفسا توّاقة، لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلما نلتها تاقت إلى الخلافة، فلما نلتها تاقت إلى الجنة. وما رزأت من أموال المسلمين شيئا، وما عندي إلا ألفا درهم، فاختر أيّهما شئت، وهو يضحك. فقلت: يا أمير المؤمنين، قليلك خير من كثير غيرك، ويقال قليلك خير من كبير غيرك، فاختر لي أنت، فدفع إليّ ألفا وقال: خذها بارك الله لك فيها، فابتعت بها إبلا وسقتها إلى البادية، فرمى الله في أذنابها بالبركة بدعوته حتى رزقني الله ما ترون.
(1/334)

قال معاوية لعمرو بن العاص حين نظر معسكر عليّ عليه السلام: من طلب عظيما خاطر بعظيمته. وكان عمرو يقول: عليكم بكل أمر مزلقة مهلكة.
أي عليكم بجسام الأمور. وقال كعب «1» بن زهير: [طويل]
وليس لمن لم يركب الهول بغية ... وليس لرحل حطّه الله حامل
إذا أنت لم تقصر عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل
وفي كتاب للهند: ثلاثة أشياء لا تنال إلا بارتفاع همّة وعظيم خطر:
عمل السلطان، وتجارة البحر، ومناجزة العدوّ. وفيه أيضا: لا ينبغي أن يكون الفاضل من الرجال إلا مع الملوك مكرّما أو مع النّسّاك متبتّلا، كالفيل لا يحسن أن يرى إلا في موضعين: في البرّيّة وحشيّا أو للملوك مركبا وفيه أيضا:
ذو الهمة إن حطّ فنفسه تأبى إلا علوّا كالشّعلة من النار يصوّبها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعا. وقال العتّابيّ «2» : [طويل]
تلوم على ترك الغنى باهليّة ... طوى الدّهر عنها كلّ طرف وتالد «3»
يسرّك أني نلت ما نال جعفر ... من الملك أو ما نال يحيى بن خالد
وأنّ أمير المؤمنين أغصّني ... مغصّهما بالمشرقات البوارد
ذريني تجئني ميتتي مطمئنّة ... ولم أتقحّم هول تلك الموارد
فإنّ كريمات المعالي مشوبة ... بمستودعات في بطون الأساود
وقال الطائي: [طويل]
وأخرى لحتني يوم لم أمنع النّوى ... قيادي ولم ينقض زماعي ناقض
(1/335)

أرادت بأن يحوي الغنى وهو وادع ... وهل يفرس اللّيث الطّلا «1» وهو رابض؟
وقال أيضا: [كامل]
فاطلب هدوءا في التقلقل واستتر ... بالعيس من تحت السّهاد هجودا
ما إن ترى الأحساب بيضا وضّحا ... إلا بحيث ترى المنايا سودا
وقال آخر: [رجز]
ما العزّ إلا تحت ثوب الكدّ «2»
وقال آخر: [كامل]
الذّلّ في دعة النفوس ولا أرى ... عزّ المعيشة دون أن يشقى لها
وقال بعض المحدثين وأظنه البحتريّ: [خفيف]
فاطلبا ثالثا سواي فإنّي ... رابع العيس والدّجى والبيد
لست بالواهن المقيم ولا القا ... ئل يوما إن الغنى بالجدود
وإذا استصعبت مقادة أمر ... سهّلتها أيدي المهارى القود
وقال عبد الله بن أبي الشّيص «3» [وافر]
أظنّ الدهر قد آلى فبرّا ... بأن لا يكسب الأموال حرّا
لقد قعد الزمان بكل حرّ ... ونقّض من قواه المستمرّا
كأنّ صفائح الأحرار أردت ... أباه فحارب الأحرار طرّا
فأصبح كلّ ذي شرف ركوبا ... لأعناق الدجى برّا وبحرا
فهتّك جيب درع الليل عنه ... إذا ما جيب درع الليل زرّا
(1/336)

يراقب للغنى وجها ضحوكا ... ووجها للمنيّة مكفهرّا
ومن جعل الظلام له قعودا ... أصاب به الدجى خيرا وشرّا
وكان يقال: من سرّه أن يعيش مسرورا فليقنع، ومن أراد الذكر فليجهد.
قيل للعتّابيّ: فلان بعيد الهمة، قال: إذن لا يكون له غاية دون الجنة. وقيل لبعض الحكماء: من أسوأ الناس حالا؟ قال: من اتّسعت معرفته وضاقت مقدرته وبعدت همّته.
وقال عديّ «1» بن الرّقاع: [كامل]
والمرء يورث جوده أبناءه ... ويموت آخر وهو في الأحياء
أبو اليقظان قال: كان أوّل عمل وليه الحجّاج تبالة، فسار إليها فلما قرب منها قال للدليل: أين هي وعلى أيّ سمت هي؟ قال: تسترها عنك هذه الأكمة. قال لا أراني أميرا إلّا على موضع تستر منه أكمة! أهون بها ولاية! وكرّ راجعا. فقيل في المثل: «أهون من تبالة على الحجّاج» . وقال الطائيّ: [طويل]
وطول مقام المرء في الحيّ مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدّد
فإني رأيت الشمس زيدت محبّة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
وقال رجل لآخر: أبوك الذي جهل قدره وتعدّى طوره فشقّ العصا وفرّق الجماعة، لا جرم لقد هزم ثم أسر ثم قتل ثم صلب. قال الآخر: دعني من ذكر هزيمة أبي ومن صلبه، أبوك ما حدّث نفسه بشيء من هذا قطّ. قال حاتم طيء: [طويل]
لحى الله صعلوكا مناه وهمّه ... من العيش أن يلقى لبوسا ومطعما
يرى الخمص «2» تعذيبا وإن يلق شعبة ... يبت قلبه من قلّة الهمّ مبهما
(1/337)

ولله صعلوك يساور همّه ... ويمضي على الأهوال والدهر مقدما
يرى قوسه أو رمحه ومجنّه ... وذا شطب لدن المهزّة مخذما «1»
وأحناء سرج قاتر «2» ولجامه ... معدّا لدى الهيجا وطرفا مسوّما
فذلك إن يهلك فحيّ ثناؤه ... وإن يحي لا يقعد لئيما مذمّما
وقال آخر: [بسيط]
لا يمنعنّك خفض العيش تطلبه ... نزاع شوق إلى أهل وأوطان
تلقى بكلّ بلاد إن حللت بها ... أهلا بأهل وجيرانا بجيران
ويقال: ليس بينك وبين البلدان نسب فخير البلاد ما حملك. وقال عروة ابن الورد «3» : [طويل]
لحى الله صعلوكا إذا جنّ ليله ... مصافي المشاش «4» آلفا كلّ مجزر
يعدّ الغنى من دهره كلّ ليلة ... أصاب قراها من صديق ميسّر
ينام عشاء ثم يصبح قاعدا ... يحتّ الحصا من جنبه المتعفّر
يعين نساء الحيّ لا يستعنّه ... ويمسي طليحا كالبعير المحسّر
ولله صعلوك صفيحة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنوّر
مطلّ على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهّر
وقال آخر: [طويل] تقول سليمى: لو أقمت بأرضنا! * ولم تدر أني للمقام أطوف
(1/338)

وقال الطائيّ في نحوه: [وافر]
أآلفة النّحيب كم افتراق ... ألمّ فكان داعية اجتماع
وما إن فرحة الأوبات إلا ... لموقوف على ترح الوداع
نظر رجل إلى روح بن حاتم واقفا في الشمس على باب المنصور فقال له: قد طال وقوفك في الشمس. فقال روح: ليطول مقامي في الظل. وقال خداش «1» بن زهير: [بسيط]
ولن أكون كمن ألقى رحالته ... على الحمار وخلّى صهوة الفرس
وقال آخر: [بسيط]
لا أنت قصّرت عن مجد ولا أنا، إذ ... أسمو إليك بنفسي، قصّرت هممي
قال عمر بن الخطاب: أشنعوا بالكنى فإنها منبّهة. دخل عبيد الله بن زياد بن ظبيان التيميّ على أبيه وهو يجود بنفسه فقال له: ألا أوصي بك الأمير؟ فقال عبيد الله: إذا لم يكن للحيّ إلّا وصيّة الميت فالحيّ هو الميت.
وقال الشاعر في نحوه: [وافر]
إذا ما الحيّ عاش بعظم ميت ... فذاك العظم حيّ وهو ميت
وقال معاوية لعمرو بن سعيد وهو صبيّ: إلى من أوصى بك أبوك؟ قال:
أوصى إليّ ولم يوص بي. نظر أبو الحارث حمير إلى برذون «2» يستقى عليه، فقال: المرء حيث يجعل نفسه، لو هملج «3» هذا لم يبل بما ترون. قال الطائي:
(1/339)

[طويل]
وقلقل نابي من خراسان جاشها ... فقلت اطمئني أنضر الرّوض عازبه
وركب كأطراف الأسنّة عرّسوا ... على مثلها، والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن تتمّ صدوره ... وليس عليهم أن تتمّ عواقبه
وقال آخر: [طويل]
وعش ملكا أو مت كريما، وإن تمت ... وسيفك مشهور بكفك تعذر
والمشهور في هذا قول امرىء القيس: [طويل]
فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
وقوله: [طويل]
بكى صاحبي لما رأى الدّرب دونه ... وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك عينك، إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
وقال أبو نواس: [طويل]
سأبغي الغنى إمّا جليس خليفة ... نقوم سواء، أو مخيف سبيل
وقيل ليزيد بن المهلّب: ألا تبني دارا! فقال: منزلي دار الإمارة أو الحبس. والمشهور في سقوط الهمة قول الحطيئة «1» : [بسيط]
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
(1/340)

وقال مالك «1» بن الرّيب: [طويل]
فإن تنصفونا، آل مروان، نقترب ... إليكم وإلّا فأذنوا ببعاد
فإنّ لنا عنكم مراحا ومرحلا ... بعيس إلى ريح الفلاة صوادي
وفي الأرض عن دار المذلّة مذهب ... وكلّ بلاد أوطنت كبلادي
فماذا عسى الحجّاج يبلغ جهده ... إذا نحن جاوزنا حفير «2» زياد
فباست أبي الحجاج واست عجوزه ... عتيّد «3» بهم يرتعي بوهاد
فلولا بنو مروان كان ابن يوسف «4» ... كما كان عبدا من عبيد إياد
زمان هو المقري المقرّ «5» بذلّة ... يراوح غلمان القرى ويغادي
بعث ينحاب خليفتها إلى ابن عائشة المحدّث وهو عبيد الله بن محمد ابن حفص التّيميّ، فأتاه في حلقته في المسجد فقال له: أبو من؟ قال: هلّا عرفت هذا قبل مجئيك؟ قال: أريد أن تخليني. قال: في حاجة لك أم في حاجة لي؟ قال: في حاجة لي. قال: فالقني في المنزل. قال: فإنّ الحاجة لك. قال: ما دون إخواني سرّ.
وقال بعض لصوص همدان وهو مالك «6» بن حريم: [طويل]
كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمة مادام للسّيف قائم
(1/341)

متى تجمع القلب الذكّي وصارما «1» ... وأنفا حميّا تجتنبك المظالم
ومن يطلب المال الممنّع بالقنا ... يعش مثريا أو تخترمه المخارم
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم
وقال أبو النّشناش «2» ، من اللصوص: [طويل]
إذا المرء لم يسرح سواما «3» ولم يرح ... سواما ولم تعطف عليه أقاربه
فللموت خير للفتى من حياته ... فقيرا ومن مولى تدبّ عقاربه
وسائله بالغيب عنّي وسائل ... ومن يسأل الصّعلوك أين مذاهبه؟
وطامسة الأعلام ماثلة الصّوى «4» ... سرت بأبي النّشناش فيها ركائبه
فلم أر مثل الفقر ضاجعه الفتى ... ولا كسواد الليل أخفق صاحبه
وقال آخر من اللصوص: [طويل]
وإنّي لأستحيي من الله أن أرى ... أطوف بحبل «5» ليس فيه بعير
وأن أسأل المرء اللئيم بعيره ... وبعران ربّي في البلاد كثير
فللّيل، إن واراني الليل، حكمة ... وللشمس إن غابت عليّ تدور
عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى ... وصوّت إنسان فكدت أطير
رأى الله أنّى للأنيس لشانىء ... وتبغضهم لي مقلة وضمير
(1/342)

وقال النّمر «1» بن تولب: [كامل]
خاطر بنفسك كي تصيب غنيمة ... إنّ الجلوس مع العيال قبيح
فالمال فيه تجلّة ومهابة ... والفقر فيه مذلّة وقبوح
وقال آخر: [طويل]
تقول ابنتي: إنّ انطلاقك واحدا ... إلى الرّوع يوما تاركي لا أباليا
ذريني من الإشفاق أو قدّمي لنا ... من الحدثان والمنيّة واقيا
ستتلف نفسي أو سأجمع هجمة ... ترى ساقيها يألمان التّراقيا
وقال أوس «2» بن حجر: [طويل]
ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كلّ مطرح
ليبلي عذرا أو ليبلغ حاجة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
وقال آخر: [طويل]
رمى الفقر بالأقوام حتى كأنّهم ... بأطرار آفاق البلاد نجوم
قال كسرى: إحذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع. وقال الشاعر: [طويل]
خلقان لا أرضى اختلافهما ... تيه الغنى، ومذلّة الفقر
فإذا غنيت فلا تكن بطرا ... وإذا افتقرت فته على الدّهر
واصبر، فلست بواجد خلقا ... أدنى إلى فرج من الصّبر
(1/343)

كان أعرابيّ يمنع ابنه من التصرف إشفاقا عليه، فقال شعرا فيه:
[طويل]
إذا ما الفتى لم يبغ إلّا لباسه ... ومطعمه، فالخير منه بعيد
يذكّرني خوف المنايا، ولم أكن ... لأهرب ممّا ليس منه محيد
فلو كنت ذا مال لقرّب مجلسي ... وقيل إذا أخطأت: أنت رشيد
رأيت الغنى قد صار في الناس سؤددا ... وكان الفتى بالمكرمات يسوده
وإن قلت لم يسمع مقالي وإنّني ... لمبدىء حقّ بينهم ومعيد
فذرني أجوّل في البلاد لعلّه ... يسرّ صديق أو يساء حسود
ألا ربّما كان الشّفيق مضرّة ... عليك من الإشفاق وهو ودود
وقال أعرابيّ من باهلة: [طويل]
سأعمل نصّ العيس «1» حتى يكفّني ... غنى المال يوما أو غنى الحدثان
فللموت خير من حياة يرى لها ... على الحرّ بالإقلال وسم هوان
متى يتكلّم يلغ حسن كلامه ... وإن لم يقل قالوا: عديم بيان
كأنّ الغنى عن أهله- بورك الغنى-* بغير لسان ناطق بلسان
الشرف والسّؤدد بالمال وذم الفقر والحض على الكسب
أنشد ابن الأعرابيّ «2» : [طويل]
ومن يفتقر في قومه يحمد الغنى ... وإن كان فيهم ماجد العمّ مخولا
(1/344)

يمنّون إن أعطوا ويبخل بعضهم ... ويحسب عجزا سكته إن تجمّلا
ويزري بعقل المرء قلّة ماله ... وإن كان أقوى من رجال وأحولا
وقرأت في كتاب للهند: ليس من خلّة يمدح بها الغنيّ إلا ذمّ بها الفقير، فإن كان شجاعا قيل أهوج، وإن كان وقورا قيل بليد، وإن كان لسنا قيل مهذار، وإن كان زمّيتا «1» قيل عييّ. وقال آخر: [بسيط]
الفقر يزري بأقوام ذوي حسب ... وقد يسوّد غير السّيد المال
وأنشد ابن الأعرابيّ: [بسيط]
رزقت لبّا ولم أرزق مروءته ... وما المروءة إلّا كثرة المال
إذا أردت مساماة يقعّدني ... عما ينوّه باسمي رقّة الحال
وقال آخر: [طويل]
يغطّي عيوب المرء كثرة ماله ... يصدّق فيما قال وهو كذوب
ويزري بعقل المرء قلّة ماله ... يحمّقه الأقوام وهو لبيب «2»
وقال آخر: [منسرح]
كم من لئيم الجدود سوّده ال ... مال، أبوه وأمّه الورق
وكم كريم الجدود ليس له ... عيب سوى أنّ ثوبه خلق
أدّبه سادة كرام فما ... ثوباه إلا العفاف والخلق
وأنشد الرّياشيّ «3» :
(1/345)

[بسيط]
غضبان يعلم أنّ المال ساق له ... ما لم يسقه له دين ولا خلق
لولا ثلاثون ألفا سقتها بطرا ... إلى ثلاثين ألفا ضاقت الطّرق
فمن يكن عن كرام الناس يسألني ... فأكرم الناس من كانت له ورق
وقال أحيحة «1» بن الجلاح: [بسيط]
إستغن أو مت ولا يغررك ذو نشب «2» ... من ابن عمّ ولا عمّ ولا خال
يلوون ما عندهم من حق أقربهم ... وعن صديقهمو والمال بالوالي
ولا أزال على الزّوراء «3» أعمرها، ... إنّ الكريم على الإخوان ذو المال
كلّ النداء إذا ناديت يخذلني ... إلّا ندائي إذا ناديت يا مالي
وقال حسّان «4» : [خفيف]
ربّ حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطّى عليه النعيم
وقال الهذليّ «5» : [وافر]
رأيت معاشرا يثنى عليهم ... إذا شبعوا وأوجههم قباح
(1/346)

يظلّ المصرمون لهم سجودا ... ولو لم يسق عندهمو ضياح «1»
ويروى يلف. وقال بعضهم: وددت أنّ لي مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه بشيء. قيل له: فما تصنع به؟ قال: لكثرة من يخدمني عليه. قال الصّلتان «2» :
[متقارب]
إذا قلت يوما لمن قد ترى: ... أروني السّريّ، أروك الغني
وسرّك ما كان عند امرىء ... وسرّ الثلاثة غير الخفي «3»
وقال آخر: [بسيط]
لا تسألي النّاس: ما مجدي وما شرفي، ... الشأن في فضّتي والشأن في ذهبي
لو لم يكن لي مال لم يطر أحد ... بأبي ولم يعرفوا مجدي ومجد أبي
وقال آخر: [طويل]
أجلّك قوم حين صرت إلى الغنى ... وكلّ غنيّ في العيون جليل
ولو كنت ذا عقل ولم تؤت ثروة ... ذللت لديهم والفقير ذليل
إذا مالت الدنيا على المرء رغّبت ... إليه ومال الناس حيث يميل
وليس الغنى إلّا غنى زيّن الفتى ... عشيّة يقري أو غداة ينيل
وقال آخر: [طويل]
وكلّ مقلّ حين يغدو لحاجة ... إلى كلّ من يعدو من الناس مذنب
وكان بنو عمي يقولون مرحبا ... فلما رأوني معدما مات مرحب «4»
(1/347)

وقال آخر: [طويل]
أبا مصلح أصلح، ولا تك مفسدا ... فإنّ صلاح المال خير من الفقر
ألم تر أنّ المرء يزداد عزّة ... على قومه إن يعلموا أنه مثري
وقال عروة «1» بن الورد: [وافر]
ذريني للغنى أسعى فإني ... رأيت النّاس شرّهم الفقير
وأبعدهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له حسب وخير
ويقصيه النّديّ وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير
وتلفي ذا الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليل ذنبه والذنب جمّ ... ولكن للغنى ربّ غفور
وقال زيد بن عمرو «2» بن نفيل: [خفيف]
ويكأن من يكن له نشب «3» يح ... بب، ومن يفتقر يعش عيش ضرّ
ويجنّب سرّ النّجيّ ولكن ... ن أخا المال محضر كلّ سرّ
وقال آخر: [طويل]
ألم تر بيت الفقر يهجر أهله ... وبيت الغنى يهدى له ويزار
وقال آخر: [وافر]
إذا ما قلّ مالك كنت فردا ... وأيّ الناس زوّار المقلّ؟
(1/348)

وقال عبد العزيز «1» بن زرارة: [وافر]
وما لبّ اللبيب بغير حظّ ... بأغنى في المعيشة من فتيل
رأيت الحظّ يستر عيب قوم ... وهيهات الحظوظ من العقول
وقال الطائيّ: [بسيط]
الصبر كاس وبطن الكف عارية ... والعقل عار إذا لم يكس بالنّشب
ما أضيع العقل إن لم يرع ضيعته ... وفر، وأيّ رحى دارت بلا قطب؟
وقال آخر: [خفيف]
عش بجدّ ولا يضرّك نوك ... إنما عيش من ترى بالجدود
عش بجدّ وكن هبنّقة القي ... سيّ نوكا أو خالد بن يزيد «2»
وقال الطائيّ: [طويل]
ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ... ويكدي الفتى في دهره وهو عالم
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا ... هلكن إذا من جهلهنّ البهائم
وقال المرّار «3» : [طويل]
إذا لم ترافد في الرّفاد ولم تسق ... عدوّا ولم تستغن فالموت أروح
وقال ابن الدّمينة «4» الثقفيّ: [وافر]
أطعت العرس «5» في الشهوات حتى ... أعادتني عسيفا عبد عبد
(1/349)

إذا ما جئتها قد بعت عذقا ... تعانق أو تقبّل أو تفدّي
وقال الأسعر «1» الجعفيّ: [كامل]
وخصاصة الجعفيّ ما داينته ... لا ينقضي أبدا وإن قيل انقضى
إخوان صدق ما رأوك بغبطة ... فان افتقرت فقد هوى بك ما هوى
وقال آخر: [طويل]
إذا المرء لم يكسب معاشا لنفسه ... شكا الفقر أو لاقى الصدّيق فأكثرا
وصار على الأدنين كلّا وأوشكت ... صلات ذوي القربى له أن تنكرّا
فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
وما طالب الحاجات من حيث تبتغى ... من الناس إلا من أجدّ وشمّرا
فلا ترض من عيش بدون ولا تنم ... وكيف ينام الليل من كان معسرا «2» ؟
وقال آخر: [رجز]
من يجمع المال ولا يثب به ... ويترك العام لعام جذبه
يهن على الناس هوان كلبه
قال أبو اليقطان: ما ساد مملق قطّ إلا عتبة بن ربيعة.
حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعيّ عن حمّاد بن سلمة عن عبيد الله
(1/350)

ابن العيزار عن عبد الله بن عمرو أنه قال: احرث لدنياك كأنّك تعيش أبدا واحرث لآخرتك كأنّك تموت غدا.
قال: حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعيّ قال حدّثني أصحاب أيّوب عن أيّوب قال: كان أبو قلابة يحثّني على الإحتراف ويقول: إنّ الغنى من العافية.
قال: وقال الأصمعيّ: سأل أعرابيّ عن رجل فقالوا: أحمق مرزوق، فقال: ذاك والله الرجل الكامل. وكان يقال: من حفظ ماله فقد حفظ الأكرمين: الدّين والعرض. ويقال في بعض كتب الله: أطعني فيما آمرك ولا تعلمني بما ينفعك وامدد يدك لباب من العمل أفتح لك بابا من الرزق. وكان يقال: من غلى دماغه في الصيف غلت قدره في الشتاء. ويقال: حفظ المال أشدّ من جمعه. وقال الحسن: إذا أردتم أن تعلموا من أين أصاب المال فانظروا فيم ينفقه فإنّ الخبيث ينفق سرفا. ونحوه قولهم: من أصاب مالا من نهاوش أذهبه الله في نهابر «1» . ويقال في مثل «الكدّ قبل المدّ» يراد الطلب قبل الحاجة والعجز. وقال لقيط «الغزو أدرّ للّقاح وأحدّ للسلاح» . وقال أبو المعافى «2» : [طويل]
وإن التواني أنكح العجز بنته ... وساق إليها حين زوّجها مهرا
فراشا وطيئا ثم قال لها اتّكي ... قصاراهما لا بدّ أن يلدا الفقرا
وقال زيد بن جبلة: لا فقير أفقر من غنيّ أمن الفقر. وروي عن علي بن
(1/351)

أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: ما دون أربعة آلاف درهم نفقة، وما فوقها كنز. ويقال: القبر ولا الفقر. ويقال: ما سبق عيال مالا قطّ إلا كان صاحبه فقيرا. وقيل لرجل من البصريين: مالك لا ينمي مالك؟ قال: لأني اتخذت العيال قبل المال واتخذ الناس المال قبل العيال. ويقال: العيال سوس المال.
وقيل لمدينيّ: كيف حالك؟ قال: كيف يكون حال من ذهب ماله وبقيت عادته. ويقال: الغني في الغربة وطن والفقر في الوطن غربة.
حدّثني محمد بن يحيى بإسناد ذكره قال: شكا نبيّ من الأنبياء إلى الله شدة الفقر فأوحى الله إليه: هكذا جرى أمرك عندي أفتريد من أجلك أن أعيد الدنيا.
قال أبو حاتم: حدّثنا العتبيّ قال: سمعت يونس بن حبيب يقول: ما أجدب أهل البادية قطّ حتى تسوّيهم السّنة ثم جاءهم الخصب إلا عاد الغنى إلى أهل الغنى.
قال الأصمعيّ: رأيت أعرابية ذات جمال رائع تسأل بمنى فقلت: يا أمة الله، تسألين ولك هذا الجمال! قالت: قدّر الله فما أصنع؟ قلت: فمن أين معاشكم؟ قالت: هذا الحاجّ نتقمّمهم ونغسل ثيابهم. فقلت: فإذا ذهب الحاجّ فمن أين؟ فنظرت إليّ وقالت: يا صلب الجبين! لو كنا إنما نعيش من حيث نعلم لما عشنا. وقال الشاعر «1» : [خفيف]
أتراني أرى من الدهر يوما ... لي فيه مطيّة غير رجلي
وإذا كنت في جميع فقالوا ... قرّبوا للرحيل قدّمت نعلي
حيثما كنت لا أخلّف رحلا ... من رآني فقد رآني ورحلي
(1/352)

قيل لمدينيّ: ما عندك من آلة الحج؟ قال: التلبية. وقيل لآخر: ما عندك من آلة العصيدة «1» ؟ قال: الماء. وقيل لآخر: ما عندك من آلة القريس «2» ؟ قال: الشتاء.
ذمّ الغنى ومدح الفقر
قال شريح: الجدة كنية البهل «3» . وقال أكثم بن صيفيّ: ما يسرّني أني مكفيّ كلّ أمر الدنيا. قيل: وإن أسمنت وألبنت؟ قال: نعم، أكره عادة العجز. وكان يقال: عيب الغنى أنه يورث البله، وفضيلة الفقر أنه يورث الفكرة. وقال محمد بن حازم «4» الباهليّ: [منسرح]
ما الفقر عار ولا الغنى شرف ... ولا سخاء في طاعة سرف
ما لك إلّا شيء تقدّمه ... وكلّ شيء أخّرته تلف
تركك مالا لوارث يته ... نّاه وتصلى بحرّه أسف
وقال ابن مناذر «5» : [وافر]
رضينا قسمة الرحمن فينا ... لنا علم وللثّقفيّ مال
وما الثّقفيّ إن جادت كساه ... وراعك شخصه إلّا خيال
وقال أنس بن مالك: لمّا خرج مروان من المدينة مرّ بماله بذي خشب «6»
(1/353)

فلما نظر إليه قال: ليس المال إلا ما أشرجت عليه المناطق. وروي عن المسيح أنّه قال: في المال ثلاث خصال، قالوا: وما هي يا روح الله: قال:
لا يكسبه من حلّه قالوا: فإن فعل قال: يمنعه من حقّه، قالوا: فإن لم يفعل، قال: يشغله إصلاحه عن عبادة ربه. قيل لابن عمر: توفّي زيد بن حارثة وترك مائة ألف درهم، قال: لكنها لا تتركه. وقال المعلوط «1» . [طويل]
ولا سوّد المال الدّنيّ ولا دنا ... لذاك ولكنّ الكريم يسود
متى ما ير الناس الغنيّ وجاره ... فقيرا يقولوا عاجز وجليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظ قسّمت وجدود
فكم قد رأينا من غنيّ مذمّم ... وصعلوك قوم مات وهو حميد
إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد
وقال آخر: [منسرح]
ولا تهين «2» الفقير علّك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه
الأخفش قال: قال المبرّد: أريد النون الخفيفة في ولا تهين فأسقط التنوين لسكونه وسكون اللام. وقال آخر: [طويل]
ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر
وإنّي لصبّار على ما ينوبني ... لأنّي رأيت الله أثنى على الصبر
وقال أعرابيّ يمدح قوما: [طويل]
إذا افتقروا عضّوا على الصبر حسبة ... وإن أيسروا عادوا سراعا إلى الفقر
يقول: يعطون ما عندهم حتى يفتقروا. قال الحسن: عيّرت اليهود
(1/354)

عيسى بن مريم بالفقر فقال: من الغنى أتيتم، وقال: حسبك من شرف الفقر أنك لا ترى أحدا يعصي الله ليفتقر. أنشد ابن الأعرابيّ «1» : [بسيط]
المال يغشى رجالا لا طباخ بهم ... كالسّيل يغشى أصول الدّندن البالي «2»
وقال الطائيّ: [كامل]
لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي «3»
قال عمر بن الخطاب: من دخل على الأغنياء خرج وهو ساخط على الله. قال أعرابيّ: الغنيّ من كثرت حسناته والفقير من قلّ نصيبه منها. وقال ذو الأصبع «4» : [بسيط]
لي ابن عمّ على ما كان من خلق ... مخالف لي أقليه ويقليني «5»
أزرى بنا أننا شالت نعامتنا ... فخالني دونه بل خلته دوني
(1/355)

وقال آخر: [كامل]
إنّ الحرام غزيرة حلباته ... ووجدت حالبة الحلال مصورا «1»
وقيل لأعرابي: إن فلانا أفاد مالا عظيما قال: فهل أفاد معه أياما ينفقه فيها؟. وفي كتاب للهند: ذو المروءة يكرم معدما كالأسد يهاب وإن كان رابضا، ومن لا مروءة له يهان وإن كان موسرا كالكلب وإن طوّق وحلّى. وقال خداش «2» بن زهير: [طويل]
أعاذل، إنّ المال أعلم أنّه ... وجامعه للغائلات الغوائل
متى تجعليني فوق نعشك تعلمي ... أيغني مكاني أبكري وأفائلي؟
وقال آخر: [طويل]
إذا المرء أثرى ثمّ قال لقومه ... أنا السيّد المقضي إليه المعظّم
ولم يعطهم خيرا أبوا أن يسودهم ... وهان عليهم رغمه وهو أظلم
وقال زبّان «3» بن سيّار: [طويل]
ولسنا كقوم محدثين سيادة ... يرى مالها ولا يحسّ فعالها
مساعيهمو مقصورة في بيوتهم ... ومسعاتنا ذبيان طرّا عيالها
وقال أبو عبيد الله الكاتب: الصبر على حقوق المروءة أشدّ من الصبر على ألم الحاجة، وذلّة الفقر مانعة من عزّ الصبر كما أنّ عزّ الغنى مانع من كرم الإنصاف. وقال بعض المتكلمين في ذمّ الغنى: ألم تر ذا الغنى ما أدوم نصبه، وأقلّ راحته، وأخسّ من ماله حظّه، وأشدّ من الأيام حذره، وأغرى
(1/356)

الدّهر بثلمه ونقضه، ثمّ هو بين سلطان يرعاه، وحقوق تسترثيه، وأكفاء يتنافسونه، وولد يودّون فراقه، قد بعث عليه الغنى من سلطانه العناء، ومن أكفائه الحسد، ومن أعدائه البغي، ومن ذوي الحقوق الذمّ، ومن الولد الملامة، لا كذي البلغة قنع فدام له السرور، ورفض الدنيا فسلم له الجسد، ورضي بالكفاف فتنكّبته الحقوق. ضجر أعرابيّ بكثرة العيال والولد مع الفقر وبلغه أنّ الوباء بخيبر شديد فخرج إليها بعياله يعرّضهم للموت، وأنشأ يقول:
[رجز]
قلت لحمىّ خيبر استعدّي ... هاك عيالي واجهدي وجدّي
وباكري بصالب وورد ... أعانك الله على ذا الجند
فأخذته الحمّى فمات هو وبقي عياله. وكتب عمر بن الخطاب إلى ابنه عبد الله: يا بنيّ، إتق الله، فإنه من اتّق الله وقاه، ومن توكّل عليه كفاه، ومن شكره زاده، فلتكن التقوى عماد عينيك وجلاء قلبك، واعلم أنه لا عمل لمن لا نية له ولا أجر لمن لا حسبة له، ولا مال لمن لا رفق له، ولا جديد لمن لا خلق له. وقال محمود الورّاق «1» : [سريع]
يا عائب الفقر ألا تزدجر ... عيب الغنى أكثر لو تعتبر
من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى إن صحّ منك النظر
أنك تعصي الله تبغي الغنى ... ولست تعصي الله كي تفتقر
وقال آخر: [مجزوء المديد]
ليس لي مال سوى كرمي ... فيه لي أمن من العدم
لا أقول الله أعدمني ... كيف أشكو غير متّهم
(1/357)

قنعت نفسي بما رزقت ... وتمطّت بالعلى هممي
وجعلت الصبر سابغة ... فهي من قرني إلى قدمي
فإذا ما الدّهر عاتبني ... لم يجدني كافرا نعمي
التجارة والبيع والشراء
قال: حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن ابن إسحق عمّن حدّثه يرفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت مرغمة ومرحمة ولم أبعث تاجرا ولا زرّاعا وإنّ شرّ هذه الأمّة التّجار والزرّاعون إلّا من شحّ عن دينه» . وفي حديث آخر رواه أبو معاوية عن الأعمش عن وائل بن داود عن سعيد بن جبير:
سئل النبيّ، صلى الله عليه وسلم، أيّ الكسب أطيب قال: «عمل الرجل بيده وكلّ بيع مبرور» .
حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثنا عون بن عمارة عن هشام بن حسّان عن الحسن أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: من تجر في شيء ثلاث مرات فلم يصب فيه فليتحوّل منه إلى غيره. وقال: فرّقوا بين المنايا، واجعلوا الرأس رأسين ولا تلثّوا بدار معجزة «1» . وقال: إذا اشتريت بعيرا فاشتره عظيم الخلق فإن أخطأك خير لم يخطئك سوق. وقال: بع الحيوان أحسن ما يكون في عينك. وقال الحسن: الأسواق موائد الله في الأرض فمن أتاها أصاب منها. ابن المبارك عن معمر عن الزّبيري قال: مرّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، برجل يبيع شيئا، فقال: «عليك بالسّوم أوّل السوق فإن الرّباح مع السماح» . وكان يقال:
(1/358)

إسمح يسمح لك. وفي بعض الحديث المرفوع: «أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الأغنياء باتخاذ الغنم والفقراء باتخاذ الدّجاج» . وقيل للزّبير: بم بلغت ما بلغت من اليسار؟ قال: لم أردّ ربحا ولم أستر عيبا. دخل ناس على معاوية فسألهم عن صنائعهم، فقالوا: بيع الرقيق. قال: بئس التّجار ضمان نفس ومؤونة ضرس.
باع رجل ضيعة فقال للمشتري: أما والله لقد أخذتها ثقيلة المؤنة قليلة المنفعة، فقال: وأنت والله لقد أخذتها بطيئة الاجتماع سريعة التفرّق.
واشترى رجل من رجل دارا فقال له المشتري: لو صبرت لاشتريت منك الذراع بعشرة، فقال: وأنت لو صبرت بعتك الذراع بدرهم.
حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ أنّ أبا سفيان بن العلاء باع غلاما له بثلاثين ألفا فقال عمر بن أبي زائدة: هذا أحمق، قالوا: كيف؟ قال: لأنّه لم يبلغ ثلاثين ألفا حتى أعطي قبل ذلك عشرون ألفا فكيف انتظر ولم يغتنمها.
ورئي عبد الله بن جعفر يماكس «1» في درهم فقيل له: أتماكس في درهم وأنت تجود من المال بما تجود به؟ قال: ذلك مالي جدت به وهذا عقلي بخلت به.
ابتاع ابن عمر شيئا فحثا له البائع على المكيال فقال له ابن عمر: أرسل يدك ولا تمسك على رأسه فإنّما لي ما يحمله المكيال. كان جرير بن عبد الله إذا اشترى شيئا قال لصاحبه: إن الذي أخذنا منك خير ممّا أعطيناك إذ أظنّ أنّه كذلك فأنت بالخيار. اشترى عمرو بن عبيد إزارا للحسن بستّة دراهم ونصف فأعطاه سبعة دراهم فقال الرجل: إنما بعته بستة دراهم ونصف، فقال عمرو:
إني اشتريته لرجل لا يقاسم أخاه درهما.
(1/359)

قال: حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ عن أبي الزّناد قال: إذا عزب «1» المال قلّت فواضله، لا بلحة ولا بسرة ولا رطبة ولا كرنافة «2» . ونحوه قول بعض الحجازيّين: [طويل]
سأبغيك مالا بالمدينة إنّني ... أرى عازب الأموال قلّت فواضله
قال عمر بن عبد الرحمن بن عوف: قسم سهل بن حنيف بيننا أموالنا وقال لي: يا بن أختي، إني أو ترك بالقرابة، اعلم أنّه لا مال لأخرق ولا عيلة على مصلح، وخير المال ما أطعمك لا ما أطعمته، وإن الرقيق جمال وليس بمال. قال زياد: ليس لذي ضعف مثل أرض عشر وليس لذي جاه مثل خراج وليس لتاجر مثل صامت. قال رجل لآخر: بكم تبيع الشاة؟ قال:
أخذتها بستة وهي خير من سبعة وقد أعطيت بها ثمانية فإن كانت من حاجتك بتسعة فزن عشرة. كان يقال: خير المال عين خرّارة، في أرض خوّارة، تفجّرها الفارة، تسهر إذا نمت، وتشهد إذا غبت، وتكون عقبا إذا متّ. عبد الرزاق عن معمر عن الزهريّ عن سعيد بن المسيّب قال: إن الله إذا أبغض عبدا جعل رزقه في الصيّاح. وقال الفضيل مثل ذلك وقال: أما سمعت إلى أهل دار البطّيخ والملّاحين ودويّهم.
قال: حدّثنا أحمد بن الخليل قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الهجيميّ قال: حدّثنا المبارك بن سعيد عن برد بن سنان عن نافع عن ابن عمر أنّه كان لا يرى بالمكايسة والمماكسة في الشراء والبيع بأسا.
(1/360)

قال: حدثني محمد قال: حدّثني الأصبهانيّ عن يحيى بن أبي زائدة عن مجالد عن أبي بردة. قال: أتى عمر غلاما له يبيع الحلل، فقال له: إذا كان الثوب عاجزا فانشره وأنت جالس وإذا كان واسعا فانشره وأنت قائم. قال:
فقلت له: الله الله يا عمر. قال: إنما هي السّوق. قال عبد الله بن الحسين:
غلّة الدور مسكة وغلّة النخل كفاف وغلة الحبّ الغنى. قال أعرابيّ: [طويل]
زيادة شيء تلحق النفس بالمنى ... وبعض الغلاء في التجارة أربح
ولمّا بلغ عتبة بن غزوان أنّ أهل البصرة قد اتخذوا الضّياع وعمروا الأرضين كتب إليهم: لا تنهكوا وجه الأرض فإن شحمتها في وجهها. قال أعرابيّ: [طويل]
وفي السّوق حاجات وفي النّقد قلّة ... وليس مقضي الحاج «1» غير الدّراهم
قال ميمون بن ميمون: من اشترى الأشياء بنعت أهلها غبن حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعي قال: حدّثني شكر الحرشي قال:
جاء الحسن بشاة فقال لي: بعها وابرأ من أنّها تقلب المعلف وتنزع الوتد من قبل البيع لئلا يقولوا ندم. قال الشاعر: [وافر]
إذا ما تاجر لم يوف كيلا ... فصبّ على أنامله الجذام
ابن الزيات «2» في الطائيّ: [طويل]
رأيتك سهل البيع سمحا وإنما ... يغالي إذا ما ظنّ بالشيء بائعه
هو الماء إن أحميته طاب شربه ... ويكدر يوما أن تباح مشارعه
(1/361)

حدّثت عن شيبان بن فرّوخ عن أبي الأشهب عن الحسن قال: كان رجل يتّجر في البحر ويحمل الخمر يأتي بها قوما، فعمد إليها فمزجها نصفين وأتاهم بها فباعها بحساب الصّرف واشترى قردا فحمله معه في السفينة، فلمّا لجّج في البحر لم يشعر إلّا وقد أخذ القرد الكيس وعلا على الصّاري وجعل يلقي دينارا في البحر ودينارا في السفينة حتى قسمه قسمين. قال رجل من الحاجّ: أتانا رجل من الأعراب بالرمل في طريق مكّة بغرارة «1» فيها كمأة، فقلنا له: بكم الغرارة؟ فقال: بدرهمين، فقلنا: لك ذلك، فأخذناها ودفعنا إليه الثمن، فلما نهض قال له رجل منا: في است المغبون عود، فقال: بل عودان وضرب الأرض برجله فإذا نحن على الكمأة قيام. قيل لأعرابيّ: ألا تشتري لابنك بطّيخة. فقال: لا، أو يبلغ من كساده أن يكون إذا تناول من بين يدي البقّال وأخذه وعدا رماه بأخرى ولم يعد خلفه. اشترى أعرابيّ غلاما فقال للبائع: هل فيه من عيب، فقال: لا، غير أنّه يبول في الفراش. فقال: ليس هذا بعيب، إن وجد فراشا فليبل فيه.
الدّين
قال ثابت قطنة: الدّين عقلة الشريف. وقال دليم «2» : [طويل]
الله لقّى من عرابة بيعة ... على حين كاد النّقد يعسر عاجله «3»
ولوى بنان الكفّ يحسب ربحه ... ولم يحسب المطل الذي أنا ماطله
سيرضى من الرّبح الذي كان يرتجي ... برأس الذي أعطى وهل هو قابله؟ «4»
(1/362)

عبد الرزاق عن ابن جريج قال: رآني عمر وأنا متقنّع، فقال: يا أبا خالد، إنّ لقمان كان يقول: القناع بالليل ريبة وبالنهار مذلّة، فقلت: إنّ لقمان لم يكن عليه دين. كتب يعقوب بن داود إلى بعض العبّاد يسأله القدوم عليه، فأتى محمد بن النضر الحارثيّ فاستشاره وقال: لعلّ الله يقضي ديني، فقال محمد بن النضر: لأن تلقى الله وعليك دين ولك دين خير من أن تلقاه وقد قضيت دينك وذهب دينك،. قال عياض بن عبد الله: الدّين راية الله في أرضه فإذا أراد أن يذلّ عبدا جعلها طوقا في عنقه. دخل عتبة بن عمرو على خالد القسريّ. فقال خالد يعرّض به: إنّ ههنا رجالا يدّانون في أموالهم فإذا فنيت ادّانوا في أعراضهم. فقال عتبة: إن رجالا تكون مروءاتهم أكثر من أموالهم فيدّانون «1» على سعة ما عند الله، فخجل خالد وقال: إنّك منهم ما علمت.
وقال أعرابيّ يذكر غرماء «2» له: [بسيط]
جاءوا إليّ غضابا يلغطون معا ... يشفي أذاتهمو أن غاب أنصاري
لما أبوا جهرة إلا ملازمتي ... أجمعت مكرا بهم في غير إنكار
وقلت: إني سيأتيني غدا جلبي «3» ... وإنّ موعدكم دار ابن هبّار
وما أواعدهم إلا لأربثهم «4» ... عني فيحرجني نقضي وإمراري
وما جلبت إليهم غير راحلة ... تخدي برحلى وسيف جفنه عاري
إن القضاء سيأتي دونه زمن ... فاطو الصحيفة واحفظها من الفار
وقال آخر لغرمائه:
(1/363)

[وافر]
ولو علّقتموني كلّ يوم ... برجلي أو يدي في المنجنيق «1»
لما أعطيتكم إلا ترابا ... يطيّر في الخياشم والحلوق
وقال آخر «2» : [وافر]
إذا جئت الأمير فقل سلام ... عليك ورحمة الله الرحيم
وأمّا بعد ذاك فلي غريم ... من الأعراب قبّح من غريم
دراهم ما انتفعت بها ولكن ... وصلت بها شيوخ بني تميم
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي. قال: جاء رجل من بني مخزوم إلى الحارث بن عبد الله بن نوفل وهو يقضي عن أخيه دينا فقال: إنّ لي على أخيك حقّا، قال: ثبّت حقّك تعطه. قال: أفمن ملاءة أخيك ووفائه ندّعي عليه ما ليس لنا؟ فقال: أمن صدقك وبرّك نقبل قولك بغير بينة؟. لزم سهل ابن هارون دين كثير، فقال أعرابي يوصيه بالتّواري عن غرمائه: [طويل]
انزل أبا عمرو على حدّ قرية ... تربّع إلى سهل كثير السّلائق
وخذ نفق اليربوع فاسلك طريقه ... ودع عنك إنّي ناطق وابن ناطق
وكن كأبي قطب على كلّ رائع ... له باب دار ضيّق العرض سامق
وأبو قطبة خنّاق كان بالكوفة مولى لكندة.
حدّثني محمد بن عبيد. قال: حدّثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير أنّ رجلا كان يبايع الناس ويداينهم، وكان له كاتب ومتجر، فيأتيه المعسر والمستنظر فيقول لكاتبه: أكلىء واستنظر ليوم يتجاوز
(1/364)

الله عنا فيه، فمات لا يعمل عملا غيره فغفر الله له. قال شقران القضاعيّ «1» :
[طويل]
لو كنت مولى قيس عيلان لم تجد ... عليّ لإنسان من الناس درهما
ولكنّني مولى قضاعة كلّها ... فلست أبالي أن أدين وتغرما
بلغني عن يحيى بن أيّوب عن الأعمش عن إبراهيم. قال: أرسل عمر إلى عبد الرحمن بن عوف يستسلفه أربعمائة درهم، فقال عبد الرحمن:
أتستسلفني وعندك بيت المال، ألا تأخذ منه ثم تردّه؟ فقال عمر: إني أتخوّف أن يصيبني قدري، فتقول أنت وأصحابك: أتركوا هذا لأمير المؤمنين؟ حتى يؤخذ من ميزاني يوم القيامة، ولكني أتسلّفها منك لما أعلم من شحّك فإذا متّ جئت فاستوفيتها من ميراثي.
كتب أبو عبّاد المهلّبي «2» إلى صديق له مكثر يستسلفه مالا، فاعتلّ عليه بالتعذّر وضيق الحال، فكتب إليه ابن عبّاد: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا وإن كنت ملوما فجعلك الله معذورا. أبو اليقظان قال: كان الفضل «3» بن العبّاس بن عتبة بن أبي لهب الشاعر يعيّن «4» الناس فإذا حلّت دراهمه ركب حمارا له يقال له شارب الريح فيقف على غرمائه ويقول: [طويل]
بني عمّنا، ردّوا الدراهم إنما ... يفرّق بين الناس حبّ الدراهم
(1/365)

وكان رجل من بني الدّيل عسر القضاء فإذا تعلّق به غرماؤه فرّ منهم وقال: [وافر]
فلو كنت الحديد لكسّروني ... ولكني أشدّ من الحديد
فعيّنه الفضل فلما كان قبل المحلّ جاء فبنى معلفا على باب داره، وكان يقال للرجل عقرب فلقي كل واحد من صاحبه شدّة، فهجاه الفضل فقال.
[سريع]
قد تجرت في دارنا عقرب ... لا مرحبا بالعقرب التاجره
إن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النّعل لها حاضره
كلّ عدوّ يتّقى مقبلا ... وعقرب تخشى من الدّابره
إنّ عدوّا كيده في استه ... لغير ذي كيد ولا نائره
قال بعضهم: ثلاثة من عازّهم عادت عزّته ذلّة: السلطان. والوالد، والغريم. وفي الحديث المرفوع: «لصاحب الحقّ اليد واللسان» . المدائني قال: ساير بعض خلفاء بني أمية رجلا وهو يحادثه ثم قطع حديثه واصفرّ لونه، فقال له الرجل: ما هذا الذي رأيت منك؟ قال: رأيت غريما لي، قال الشاعر:
[طويل]
إذا ما أخذت الدّين بالدّين لم يكن ... قضاء ولكن كان غرما على غرم
وقال آخر: [وافر]
أخذت الدّين أدفع عن تلادي ... وأخذ الدّين أهلك للتّلاد
كان لرجل من يحصب على رجل من باهلة دين، فلما حل دينه هرب الباهليّ وأنشأ يقول: [طويل]
إذا حلّ دين اليحصبيّ فقل له: ... تزوّد بزاد واستعن بدليل
(1/366)

سيصبح فوقي أقتم الرأس واقعا ... بقالي قلا أو من وراء دبيل «1»
قال المحدّث بهذا: فحدّثني من رآه بقالي قلا أو بدبيل وهو مصلوب وقد وقعت عليه عقاب. وقف أبو فرعون الأعرابيّ على باب قوم يسألهم، فحلفوا له: ما عندهم شيء يعطونه، فقال: استقرضوا لنا شيئا، فقالوا: ما يقرضنا أحد شيئا، فقال أبو فرعون: ذلك لأنكم تأخذون ولا تعطون، أو قال ولا تقضون. أتى قوم عباديّا فقالوا: نحبّ أن تسلف فلانا ألف درهم وتؤخره بها سنة، قال: هاتان حاجتان وسأقضي لكم إحداهما، وإذا أنا فعلت فقد أنصفت، أنا أؤخرّه ما شاء. كتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل له عليه دين.
قد آن للحقّ الذي عندك أن يرجع إلى أهله، وتستغفر الله تعالى من حبسه.
اختلاف الهمم والشهوات والأماني
اجتمع عبد الله بن عمر وعروة بن الزّبير ومصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان بفناء الكعبة، فقال لهم مصعب: تمنّوا فقالوا: إبدأ أنت.
فقال: ولاية العراق وتزوّج سكينة ابنة الحسين وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله، فنال ذلك وأصدق كلّ واحدة خمسمائة ألف درهم وجهّزها بمثلها.
وتمنى عروة بن الزّبير الفقه وأن يحمل عنه الحديث فنال ذلك. وتمنّى عبد الملك الخلافة فنالها. وتمنى عبد الله بن عمر الجنة.
قال قتيبة بن مسلم لحصين بن المنذر: ما السّرور؟ قال: امرأة حسناء،
(1/367)

ودار قوراء «1» ، وفرس مرتبط بالفناء. وقيل لضرار بن الحسين: ما السّرور؟
قال: لواء منشور، وجلوس على السرير، والسلام عليك أيها الأمير. وقيل لعبد الملك «2» بن صالح: ما السّرور؟ فقال: [مجزوء الكامل]
كلّ الكرامة نلتها ... إلّا التحية بالسلام
يريد أنه لم يسلّم عليه بالخلافة. وأخذه من قول الآخر:
[مجزوء الكامل]
من كلّ ما نال الفتى ... قد نلته إلّا التحيّه
يريد الملك. قيل لعبد الملك بن الأهتم: ما السّرور؟ فقال: رفع الأولياء، وحطّ الأعداء، وطول البقاء، مع القدرة والنماء. وقال آخر:
[خفيف]
أطيب الطيّبات قتل الأعادي ... واختيال على متون الجياد
وأياد حبوتهنّ كريما ... إنّ عند الكريم تزكو الأيادي
قيل للفضل بن سهل: ما السّرور؟ فقال: توقيع جائز وأمر نافذ. وقال يزيد بن أسد يوما: أيّ شيء أسرّ للقلوب؟ فقالوا: رجل هوي زمانا ثم قدر، فقال: إن هذا السّرور. وقال آخر: رجل طلب الولد زمانا فلم يولد له ثم بشّر بغلام، فقال يزيد: أسرّ من هذا كلّه قفلة على غفلة. قيل لبعض الحكماء:
تمنّ، فقال: محادثة الإخوان، وكفاف من عيش يسدّ خلّتي ويستر عورتي، والانتقال من ظلّ إلى ظل. قيل لآخر: ما بقي من ملاذّك؛ قال: مناقلة الإخوان الحديث على التّلاع العفر في الليالي القمر. قيل لامرىء القيس: ما
(1/368)

أطيب عيش الدنيا؟ فقال: بيضاء رعبوبة «1» ، بالطّيب مشبوبة، بالشحم مكروبة. وقيل لطرفة مثل ذلك فقال: مطعم شهيّ وملبس دفيّ، ومركب وطيّ. وقيل للأعشى مثل ذلك، فقال: صهباء صافية، تمزجها ساقية، من صوب غادية «2» . وقال طرفة «3» : [طويل]
ولولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى ... وجدّك لم أحفل متى قام عوّدي
فمنهنّ سبقي العاذلات بشربة ... كميت «4» متى ما تعل بالماء تزبد
وتقصير يوم الدّجن والدّجن معجب ... ببهكنة تحت الطّراف المعمّد
وكرّي إذا نادى المضاف محنّبا ... كسيد الغضا نبّهته المتورّد
وقال أبو نواس: [مجزوء الكامل]
قلت بالقفص ليحيى ... ونداماي نيام
يا رضيعي ثدي أمّ ... ليس لي عنه فطام
إنّما العيش سماع ... ومدام وندام
فإذا فاتك هذا ... فعلى العيش السلام
وقال سحيم «5» : [منسرح]
تقول حدراء: ليس فيك سوى ال ... خمر معاب يعيبه أحد
فقلت: أخطأت، بل معاقرتي ال ... خمر وبذلي فيها الذي أجد
(1/369)

هو السّناء الذي سمعت به ... لا سبد محتدي ولا لبد «1»
ويحك لولا الخمور لم أحفل ال ... عيش ولا أن يضمّني لحد
هي الحيا والحياة واللهو لا ... أنت ولا ثروة ولا ولد
وقال أبو الهنديّ «2» : [متقارب]
تركت الخمور لأربابها ... وأصبحت أشرب ماء قراحا
وقد كنت حينا بها معجبا ... كحبّ الغلام الفتاة الرّداحا
وما كان تركي لها أنّني ... يخاف نديمي عليّ افتضاحا
ولكنّ قولي له مرحبا ... وأهلا مع السّهل وانعم صباحا
وقال آخر: [خفيف]
اسقني بالكبير إنّي كبير ... إنّما يشرب الصغير الصغير
لا يغرّنك يا عبيد خشوعي ... تحت هذا الخشوع فسق كثير
كان ابن عائشة ينشد: [رجز]
لمّا رأيت الحظّ حظّ الجاهل ... ولم أر المغبون غير العاقل
رحّلت عنسا من كروم بابل ... فبتّ من عقلي على مراحل
وقال آخر: [طويل]
شربنا من الدّاذيّ «3» حتى كأننا ... ملوك لهم برّ العراقين والبحر
فلمّا انجلت شمس النهار رأيتنا ... تولّى الغنى عنّا وعاودنا الفقر
(1/370)

قال بعضهم: العيش كله في كثرة المال وصحة البدن وخمول الذكر.
وكان يقال: ليس السّرور للنفس بالجدة، «1» إنما سرور النفس بالأمل. قال يزيد بن معاوية: ثلاث تخلق العقل وفيها دليل على الضّعف: سرعة الجواب؛ وطول التمنّي، والاستغراب في الضحك. وكان يقال: المنى والحلم أخوان. وسئل ابن أبي بكرة: أيّ شيء أدوم إمتاعا؟ فقال: المنى.
وقال الشاعر: [بسيط]
إذا تمنّيت بتّ الليل مغتبطا ... إنّ المنى رأس أموال المفاليس
وقال آخر: [سريع]
ما فاتني منك فإنّ المنى ... تدنيه منّي فكأنّا معا
وقال آخر: [سريع]
وإنّ لوّا ليس شيئا سوى ... تسلية اللّوماء بالباطل
وقال بعض الأعراب: [طويل]
منى إن تكن حقّا تكن أحسن المنى ... وإلّا فقد عشنا بها زمنا رغدا
أمانيّ من سعدى عذابا كأنما ... سقتك بها سعدى على ظمأ بردا
وقال بشّار: [طويل]
كررنا أحاديث الزمان الذي مضى ... فلذّ لنا محمودها وذميمها
وقال المجنون «2» : [طويل]
أيا حرجات الحيّ حيث تحمّلوا ... بذي سلم، لا جادكنّ ربيع «3»
(1/371)

وخيماتك اللّاتي بمنعرج اللّوى ... بلين بلى لم تبلهنّ ربوع
فقدتك من نفس شعاع فطالما ... نهيتك عن هذا وأنت جميع
فقرّبت لي غير القريب وأشرفت ... إليك ثنايا ما لهنّ طلوع
وقال ابن الدّمينة «1» : [بسيط]
يا ليتنا فردا وحش ندور معا ... نرعى المتان ونخفى في نواحيها «2»
أو ليت كدر القطا حلّقن بي وبها ... دون السماء فعشنا في خوافيها
أكثرت من ليتنا لو كان ينفعني ... ومن منى النفس لو تعطى أمانيها
وقال كثيّر «3» : [طويل]
فيا ليتنا، يا عزّ «4» ، من غير ريبة ... بعيران نرعى في الفلاة ونعزب
نكون لذي مال كثير يضيعنا ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
وقال جران «5» العود: [طويل]
ألا ليتنا طارت عقاب لنا معا ... لها سبب عند المجرّة أو وكر
وقال مالك «6» بن أسماء: [طويل]
ولما نزلنا منزلا طلّه النّدى ... أنيقا وبستانا من النّور حاليا
أجدّ لنا طيب المكان وحسنه ... منى فتمنينا فكنت الأمانيا
(1/372)

وأنشدنا الرّياشيّ: [طويل]
نهاري نهار الناس حتّى إذا دجا ... لي الليل ملّتني هناك المضاجع
أقضّي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهمّ بالليل جامع «1»
وأنشد أبو زيد: [طويل]
كأنّي، إذ أسعى لأظفر، طائر ... مع النجم في جوّ السماء يطير
فتى متلهّى بالمنى في خلائه ... وهنّ وإن حسّنتهنّ غرورا
أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: زعم شيخ من بني القحيف قال: تمنّيت دارا فمكثت أربعة أشهر مغتما للدّرجة أين أضعها. قال الوليد بن عبد الملك لبديح «2» المغني: خذ بنا في التمنّي فوالله لأغلبنّك. قال: والله لا تغلبني أبدا.
قال: بلى. قال بديح: فإني أتمنّى كفلين من العذاب، وأن يلعنني الله لعنا كثيرا فخذ ضعفي ذلك. قال: غلبتني، لعنك الله. قيل لمزبد: أيسرّك أنّ هذه الجنة لك؟ قال: وأضرب عشرين سوطا. قالوا: ولم تقول هذا؟ قال: لأنه لا يكون شيء إلا بشيء.
الأصمعيّ عن مبشّر بن بشير أن رجلا كان يطلبه الحجّاج فمرّ بساباط «3» فيه كلب بين حبّين «4» يقطر عليه ماؤهما. فقال: يا ليتني مثل هذا الكلب، فما لبث ساعة أن مرّ بالكلب في عنقه حبل، فسأل عنه، فقالوا: جاء كتاب
(1/373)

الحجّاج يأمر فيه بقتل الكلاب. قال مدينيّ لكوفيّ: ما بلغ من حبك لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: وددت أنّى وقيته ولم يكن وصل إليه يوم أحد ولا غيره شيء من المكروه إلّا كان بي دونه. قال المدينيّ: وددت أن أبا طالب كان أسلم فسرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنّي كافر.
تمنّى ابن أبي عتيق أن يهدى له مسلوخ يتخذ منه طعاما، فسمعته جارة له فظنّت أنه قد أمر أن يشترى له، فانتظرت إلى وقت الطعام ثم جاءت تدقّ الباب، وقالت: شممت ريح قدوركم فجئت لتطعموني، فقال ابن أبي عتيق:
جيراني يشمّون ريح الأماني.
وفي كتاب للهند أن ناسكا كان له عسل وسمن في جرّة، ففكّر يوما فقال: أبيع الجرّة بعشرة دراهم، وأشتري خمسة أعنز فأولدهنّ في كلّ سنة مرتين؛ ويبلغ النتّاج في سنين مائتين، وأبتاع بكل أربع بقرة، وأصيب بذرا فأزرع، وينمى المال في يدي؛ فأتّخذ المساكن والعبيد والإماء والأهل ويولد لي ابن فأسميه كذا وآخذه بالأدب، فإن هو عصاني ضربت بعصاي رأسه وكانت في يده عصا فرفعها حاكيا للضرب، فأصابت الجرّة فانكسرت، وانصبّ العسل والسمن على رأسه.
ابن الكلبيّ قال: كان رجل من ولد عمر بن الخطاب إذا كان مسرورا قال: [خفيف]
ليت أيّامنا ببرقة «1» خاخ ... ولياليك، يا طويل، تعود
(1/374)

وإذا كان مغتمّا قال: [طويل]
ترى الشيء مما تتّقي فتخافه ... وما لا ترى مما يقي الله أكثر
الأصمعيّ عن أبيه قال: قال زياد: أيّ الناس أنعم؟ قالوا: معاوية.
قال: فأين ما يلقى من الناس! قالوا: فأنت. قال: فأين ما ألقى من الثغور والخراج! قالوا: فمن؟ قال: شابّ له سداد من عيش، وامرأة قد رضيها ورضيته، لا يعرفنا ولا نعرفه، فإن عرفناه أفسدنا عليه دينه ودنياه.
التواضع
قال: حدّثني محمد بن خالد بن خداش قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة عن شيخ من أهل المدينة قال: قال رجاء بن حيوة: قام عمر بن عبد العزيز ذات ليلة فأصلح من السّراج فقلت: يا أمير المؤمنين، لم لا أمرتني بذلك، أو دعوت له من يصلحه؟ فقال: قمت وأنا عمر وعدت وأنا عمر.
قال: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: كتب محمد بن كعب فانتسب وقال: القرظيّ، فقيل له: أو الأنصاريّ. فقال: أكره أن أمنّ على الله بما لم أفعل.
قال: حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثنا عبد الله بن مسلمة عن يعقوب بن حمّاد المدني عن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه قال: كان عمر بن الخطاب إذا سافر لا يقوم في الظلّ، وكان يراحلنا رحالنا ويرحّل رحله وحده.
وقال ذات يوم: [سريع]
لا يأخذ الليل عليك بالهمّ ... إذ البسن له القميص واعتمّ «1»
(1/375)

وكن شريك نافع وأسلم ... ثم اخدم الأقوام حتى تخدم
وروى وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال:
جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأصابته رعدة فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «هوّن عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد» «1» .
قال: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: جلس الأحنف على باب دار، فمرّت به ساقية فوضعت قربتها وقالت: يا شيخ، احفظ قربتي حتى أعود ومضت، فأتاه الآذن وقال: انهض. فقال: إن معي وديعة، وأقام حتى جاءت.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن جرير بن حازم عن الزّبير بن الحارث عن أبي لبيد، قال: مرّ بنا زياد وهو أمير البصرة ومعه رجل أو رجلان وهو على بغلة قد طوّق الحبل في عنقها تحت اللجام.
الأصمعيّ قال: قال يحيى بن خالد: الشريف إذا نقّر «2» تواضع والوضيع إذا نقّر تكبّر. الأصمعيّ قال: لا أراه أخذه إلا من كيس غيره.
حدّثنا حسين بن حسن المروزيّ قال؛ حدّثنا عبد الله بن المبارك عن يحيى بن أيّوب عن عمارة بن غزيّة عن عبد الله بن عروة بن الزّبير قال: إلى الله أشكو حمدي ما لا آتي، وذمّي ما لا أترك.
قال: حدّثني أحمد بن الخليل عن أبي نعيم عن مندل عن حميد عن أنس قال: مرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأنا في غلمان فسلم علينا.
وحدّثني أحمد بن الخليل عن عمر بن عامر عن شعبة عن جابر عن طارق التّيميّ عن جرير بن عبد الله البجليّ قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بنسوة فسلّم عليهن.
(1/376)

قال: حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: أخبرني معمر قال: قلت لجار لعطاء السّلميّ: من كان يخدم عطاء؟ قال: مخنّثون كانوا في الدار يستقون له وضوءه. فقلت: أيوضّئه مخنّثون! فقال: هو كان يظنهم خيرا منه. الأصمعيّ عن رجل عن البتّي قال: آذى ابن لمحمد بن واسع رجلا، فقال له محمد:
أتؤذيه وأنا أبوك وإنما اشتريت أمّك بمائة درهم.
قال عامر بن الظّرب العدوانيّ: يا معشر عدوان، إن الخير ألوف عروف عزوف، وإنه لن يفارق صاحبه حتى يفارقه، وإني لم أكن حكيما حتى صحبت الحكماء، ولم أكن سيدكم حتى تعبّدت لكم. قال عروة بن الزبير:
التواضع أحد مصايد الشرف. كان يقال: اسمان متضادّان بمعنى واحد:
التواضع والشرف. وقال بزرجمهر: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبة. وقال الوليد: خدمة الرجل أخاه شرف. وقال عبد الله «1» بن طاهر:
[وافر]
أميل مع الذّمام على ابن عمّي ... وأحتمل الصديق على الشقيق
وإن ألفيتني ملكا مطاعا ... فإنك واجدي عبد الصديق
أفرّق بين معروفي ومنّي ... وأجمع بين مالي والحقوق
وقال آخر: [طويل]
وإني لعبد الضّيف من غير ذلّة ... وما فيّ إلّا تلك من شيمة العبد «2»
(1/377)

ويقال: كلّ نعمة محسود عليها إلّا التواضع. قال المسيح عليه السلام لأصحابه: إذا اتّخذكم الناس رؤوسا فكونوا أذنابا. اعتمّ هشام بن عبد الملك فقام الأبرش ليسوّي عمامته، فقال هشام: مه إنا لا نتخذ الإخوان خولا. كان عمر بن الخطاب يلقط النّوى ويأخذ النّكث من الطريق، فإذا مرّ بدار رمى بها فيها وقال: انتفعوا بهذا.
قال يوسف بن أسباط: يجزي قليل الورع من كثير العلم، ويجزي قليل التواضع من كثير الاجتهاد. وقال بكر بن عبد الله: إذا رأيت أكبر منك فقل:
سبقني بالإسلام والعمل الصالح فهو خير منّي، وإذا رأيت أصغر منك فقل:
سبقته بالذنوب والمعاصي فهو خير منّي، وإذا رأيت إخوانك يكرمونك فقل:
نعمة أحدثوها، وإذا رأيت منهم تقصيرا فقل: بذنب أحدثته. قال عبد الملك ابن مروان: أفضل الرجال من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وأنصف عن قوّة. قال ابن السّمّاك لعيسى بن موسى: تواضعك في شرفك خير لك من شرفك. وقال عبد الملك بن مروان: ثلاثة من أحسن شيء: جود لغير ثواب، ونصب «1» لغير دنيا، وتواضع لغير ذلّ.
قال إبراهيم النّخعيّ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد ويركب الحمار ردفا. الأعمش عن أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السّنخة «2» فيجيب. قال غيره: وكان لا يأكل متّكئا ويأكل بالحضيض، ويقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد» قال أوس ابن الحدثان: رأيت أبا هبيرة وهو أمير المدينة راكبا على حمار عري يقول: الطريق الطريق، قد جاء الأمير. قال حفص بن غياث: رأيت الأعمش خارجا إلى العيد على حمار
(1/378)

مقطوع الذنب قد سدل رجليه من جانب. المدائنيّ قال: بينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر إذ أحسّ من نفسه بريح خرجت منه، فقال: أيها الناس إني قد ميّلت بين أن أخافكم في الله وبين أن أخاف الله فيكم، فكان أن أخاف الله فيكم أحبّ إليّ، ألا وإني قد فسوت، وهأنذا أنزل لأعيد الوضوء. كان يقال: من لم يستح من الحلال قلّت كبرياؤه وخفّت موازينه.
قال معاوية: ما منا أحد إلا فتّش عن جائفة أو منقّلة «1» خلا عمر بن الخطاب.
المنقّلة الشجة التي يخرج منها العظام، والجائفة التي تبلغ جوف الدماغ.
يحيى بن آدم عن محمد بن طلحة عن أبي حمزة قال: قال إبراهيم: لقد تكلّمت ولو وجدت بدّا ما تكلمت، وإنّ زمانا تكلمت فيه لزمان سوء. كان رجل من خثعم ردي فقال في نفسه: [كامل]
لو كنت أصعد في التكرّم والعلا ... كتحدّري أصبحت سيّد خثعم
فباد أهل بيته حتى ساد فقال: [كامل]
خلت الدّيار فسدت غير مسوّد ... ومن الشّقاء تفرّدي بالسؤّدد
أنشدني أبو حاتم عن الأصمعيّ في مثله: [طويل]
إنّ بقوم سوّدوك لحاجة ... إلى سيّد لو يظفرون بسيّد
قال يحيى بن خالد: لست ترى أحدا تكبّر في إمارته إلّا وهو يعلم أن الذي نال فوق قدره، ولست ترى أحدا يضع نفسه في إمارة إلّا وهو في نفسه أكثر مما نال في سلطانه. ومثله، قيل لعبيد الله بن بسّام: فلان غيرّته الإمارة، فقال: إذا ولي الرجل ولاية فرآها أكثر منه تغيّر، وإذا ولي ولاية يرى أنه أكثر منها لم يتغيّر. ويقال: التواضع مع السخافة والبخل أحمد من السخاء والأدب مع الكبر، فأعظم بنعمة عفّت من صاحبها بسيّئتين، وأقبح بسيئة حرمت
(1/379)

صاحبها حسنتين. وفي بعض كتب العجم: علامة الأحرار، أن يلقوا بما يحبون ويحرموا أحبّ إليهم من أن يلقوا بما يكرهون ويعطوا؛ فانظر إلى خلّة أفسدت مثل الجود فاجتنبها، وانظر إلى خلّة عفّت مثل البخل فالزمها. كان يقال: الشرف في التواضع، والعزّ في التّقوى، والغنى في القناعة. أبو الحسن قال: خطب سلمان إلى عمر فأجمع على تزويجه، فشقّ ذلك على عبد الله ابن عمر وشكاه إلى عمرو بن العاص فقال: أنا أردّه عنك، فقال: إن رددته بما يكره أغضبت أمير المؤمنين، قال: عليّ أن أردّه عنك راضيا، فأتى سلمان فضرب بين كتفيه بيده، ثم قال: هنيئا لك أبا عبد الله، هذا أمير المؤمنين يتواضع بتزويجك، فالتفت إليه مغضبا وقال، أبي يتواضع! والله لا أتزوّجها أبدا. وقال المرّار بن منقذ العدويّ «1» : [بسيط]
يا حبّذا، حين تمسي الريح باردة ... وادي أشيّ وفتيان به هضم «2»
مخدّمون، كرام في مجالسهم، ... وفي الرحال، إذا لاقيتهم، خدم
وما أصاحب قوما ثم أذكرهم ... إلّا يزيدهمو حبّا إليّ هم «3»
ابن المبارك عن ذرّ عن الشعبيّ قال: ركب زيد بن ثابت، فدنا عبد الله
(1/380)

ابن عباس ليأخذ بركابه، فقال: لا تفعل يا ابن عمّ رسول الله، فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا. فقال زيد: أرني يدك، فأخرج يده فقبّلها زيد، ثم قال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا عليه السلام. قال عبد الله بن مسعود: رأس التواضع أن تبدأ من لقيت بالسّلام، وأن ترضى بالدّون من المجلس. ابن أبي الزّناد عن أبيه أن العبّاس بن عبد المطّلب لم يمرّ قطّ بعمر ولا بعثمان وهما راكبان إلّا ترجّلا حتى يجوزهما إجلالا له أن يمرّ وهما راكبان وهو يمشي. كان سلمان يتعوّذ بالله من الشيطان والسلطان والعلج «1» إذا استعرب. المدائنيّ قال؛ سلّم رجل على حسّان بن أبي سنان فدعا له، فقيل: أتدعو لمثل هذا! فقال: إن مما يفضلني به أن يرى أنّى خير منه. قال عبد الله بن شدّاد: أربع من كنّ فيه فقد برىء من الكبر: من اعتقل العنز، وركب الحمار «2» ، ولبس الصوف، وأجاب دعوة الرجل الدّون.
باب الكبر والعجب
حدّثني إبراهيم بن مسلم قال: حدّثنا أبو السّكين قال: حدّثني عمّ أبي زحر بن حصن قال: قال رجل للحجّاج: أصلح الله الأمير، كيف وجدت منزلك بالعراق؟ قال: خير منزل لو كان الله بلّغني أربعة فتقرّبت بدمائهم إليه.
قال: ومن هم؟ قال: مقاتل بن مسمع، ولي سجستان فأتاه الناس فأعطاهم الأموال، فلمّا عزل دخل مسجد البصرة فبسط الناس له أرديتهم فمشى عليها، وقال لرجل يماشيه: لمثل هذا فليعمل العاملون. وعبيد الله بن زياد بن ظبيان
(1/381)

التميميّ، حزب أهل البصرة أمر فخطب خطبة أوجز فيها، فنادى الناس من أعراض المسجد: أكثر الله فينا أمثالك. فقال: لقد كلّفتم الله شططا. ومعبد ابن زرارة، وكان ذات يوم جالسا في طريق، فمرّت به امرأة فقالت: يا عبد الله، كيف الطريق إلى موضع كذا، فقال: لهدّ عبد الله! أنا لهدّ؛ أراد: كفى بك أنا، يريد الفخر. وأبو سماك الأسديّ، أضلّ راحلته فالتمسها الناس فلم يجدوها، فقال: والله لئن لم يردد عليّ راحلتي لا صلّيت له أبدا، فالتمسها الناس حتى وجدوها، فقالوا: قد ردّ الله عليك راحلتك فصلّ، فقال: إن يمينى كانت صرّى «1» .
قال أبو حاتم عن الأصمعيّ عن كردين المسمعيّ. قيل لرجل متكبّر:
هل مرّت بك أحمرة؟ فقال للسائل: تلك دوّاب لا يراها عمّك. قال: وقال كردين: رآني ابن ميادة الشاعر فأعجبته لما رأى من جلدي وبياني. فقال: ممن أنت؟ قلت: من بكر بن وائل، فقال: وفي أيّ الأرض يكون بكر بن وائل؟.
قال أبو اليقظان: جلس رافع بن جبير بن مطعم في حلقة العلاء بن عبد الرحمن الخرقيّ وهو يقرىء الناس. فلما فرغ قال: أتدرون لم جلست إليكم؟
قالوا: لتسمع، قال: لا، ولكن أردت التّواضع لله بالجلوس إليكم. قال: ومرّ محمد بن المنذر بن الزّبير بن العوّام في حاجة له، فانقطع قبال «2» نعله، فنزع الأخرى بقدمه ومضى وتركهما ولم يعرّج عليهما. قال بعض الشعراء:
[طويل]
وأعرض عن ذي المال حتى يقال لي ... قد احدث هذا نخوة وتعظّما
وما بي كبر «3» عن صديق ولا أخ ... ولكنّه فعلي إذا كنت معدما
(1/382)

قيل لبعضهم: ما الكبر. قال: حمق لم يدر صاحبه أين يضعه. قال معاوية بن أبي سفيان: قدم علقمة بن وائل الحضرميّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني رسول الله أن أنطلق به إلى منزل رجل من الأنصار أنزله عليه، وكان منزله في أقصى المدينة، فانطلقت معه وهو على ناقة له وأنا أمشي في ساعة حارّة وليس عليّ حذاء، فقلت: إحملني با عمّ من هذا الحرّ فإنه ليس عليّ حذاء، فقال: لست من أرادف الملوك، قلت: إنّي ابن أبي سفيان، قال: قد سمعت رسول الله عليه السلام يذكر ذلك، قال قلت: فألق إليّ نعلك، قال:
لا تقبلها قدماك ولكن امش في ظلّ ناقتي فكفاك بذلك شرفا، وإن الظلّ لك لكثير. قال معاوية: فما مرّ بي مثل ذلك اليوم قطّ ثم أدرك سلطاني فلم أؤاخذه بل أجلسته معي على سريري هذا. قال ابن يسار «1» : [متقارب]
لو لحظ الأرض لي والد ... تطأطأت الأرض من لحظته
وقال آخر: [طويل]
أتيه على جنّ البلاد وإنسها ... ولو لم أجد خلقا لتهت على نفسي
أتيه فما أدري من التّيه من أنا ... سوى ما يقول الناس فيّ وفي جنسي
فإن زعموا أنّي من الأنس مثلهم ... فما لي عيب غير أني من الأنس
وكان عند الرّستميّ قوم من التّجار فحضرت الصلاة فنهض ليصلّي فنهضوا فقال: ما لكم ولهذا وما أنتم منه! الصّلاة ركوع وسجود وخضوع، وإنما فرض الله هذا يريد به المتكبّرين والمتجبّرين والملوك والأعاظم مثلي ومثل فرعون ذي الأوتاد ونمروذ وأنو شروان. وكان يقال: من رضي عن نفسه
(1/383)

كثر الساخطون عليه. قال الحسن: ليس بين العبد وبين ألّا يكون فيه خير إلّا أن يرى أن فيه خيرا. رأى رجل رجلا يختال في مشيته ويتلفّت في أعطافه، فقال: جعلني الله مثلك في نفسك ولا جعلني مثلك في نفسي. قيل لعبد الله ابن المبارك: رجل قتل رجلا فقلت إني خير منه، فقال: ذنبك أشدّ من ذنبه.
قال الأحنف: عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبّر. ابن عليّة عن صالح بن رستم عن رجل عن مطرّف، قال: لأن أبيت نائما وأصبح نادما أحبّ إليّ من أن أبيت قائما وأصبح معجبا. وقال هشام بن حسان. سيئة تسوءك خير من حسنة تعجبك. قال أبو حازم: إن الرجل ليعمل السيئة ما عمل حسنة قطّ أنفع له منها وإنّه ليعمل الحسنة ما عمل سيئّة قط أضرّ عليه منها.
قال الشاعر: [طويل]
أمّا ابن فروة يونس فكأنّه ... من كبره أير الحمار القائم
ما الناس عندك غير نفسك وحدها ... والناس عندك ما خلاك بهائم
قال المسعوديّ: [طويل]
مسّا تراب الأرض منها خلقتما ... وفيها المعاد والمصير إلى الحشر
ولا تعجبا أن ترجعا فتسلّما ... فما خشي الأقوام شرّا من الكبر
ولو شئت أدلى فيكما غير واحد ... علانية أو قال عندي في ستر
فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ... ضحكت له حتى يلحّ ويستشري
الأصمعي قال: قال رجل: ما رأيت ذا كبر قطّ إلا تحوّل داؤه فيّ، يريد أني أتكبّر عليه. وقال آخر: ماتاه أحد قطّ عليّ مرتين، يريد إذا تاه مرة لم أعاوده. قال الشاعر: [بسيط]
يا مظهر الكبر إعجابا بصورته ... أنظر خلاءك إن النّتن تثريب
(1/384)

لو فكر الناس فيما في بطونهم ... ما استشعر الكبر شبّان ولا شيب
هل في ابن آدم غير الرأس مكرمة ... وهو بخمس من الأقذار مضروب؟
أنف يسيل وأذن ريحها سهك ... والعين مرمصة والثغر ملعوب «1»
يا ابن التراب ومأكول التراب غدا ... أقصر فإنك مأكول ومشروب
دفع أردشير الملك إلى رجل كان يقوم على رأسه كتابا، وقال له: إذا رأتني قد اشتدّ غضبي فادفعه إليّ، وفي الكتاب: أمسك فلست بإله إنما أنت جسد يوشك أن يأكل بعضه بعضا ويصير عن قريب للدّود والتراب. كان للسّنديّ والي الجسر غلام صغير قد أمره بأن يقوم إليه إذا ضرب الناس بالسّياط فيقول له: ويلك يا سنديّ، أذكر القصاص. كتب إبراهيم «2» بن العباس إلى محمد بن عبد الملك «3» : [طويل]
أبا جعفر، عرّج على خلطائكا ... وأقصر قليلا عن مدى غلوائكا
فإن كنت قد أعطيت في اليوم رفعة ... فإنّ رجائي في غد كرجائكا «4»
قال لي بعض أصحابنا وأحسبه محمد بن عمر: سمعت رجلا ينشد: [متقارب]
ألا ربّ ذي أجل قد حضر ... طويل التمنّي قليل الفكر
إذا هزّ في المشي أعطافه ... تبيّنت في منكبيه البطر
(1/385)

قال: فغدوت عليه لأكتب تمام القصيدة فوجدته قد مات. المدائنيّ قال: رأيت فلانا مولى باهلة يطوف بين الصفا والمروة على بغلة ثم رأيته بعد ذلك راجلا في سفر، فقلت له: أراجل في هذا الموضع؟ قال: نعم، إني ركبت حيث يمشي الناس فكان حقّا على الله أن يرجلني حيث يركب الناس.
وقال أبو نواس في جعفر بن يحيى البرمكي: [طويل]
وأعظم زهوا من ذباب على خرء ... وأبخل من كلب عقور على عرق
ولو جاء غير البخل من عند جعفر ... لما وضعوه النّاس إلا على حمق
وقال آخر: [متقارب]
ألجّ لجاجا من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب «1»
قيل لرجل من بني عبد الدار: ألا تأتي الخليفة، قال: أخشى ألّا يحمل الجسر شرفي. وقيل له: البس شيئا فإن البرد شديد، فقال: حسبي يدفئني.
قال أبو اليقظان: كان الحجّاج استعمل بلالا الضّبيّ على جيش وأغزاه قلاع فارس، وكان يقال لذلك الجيش: بيبي «2» ، سمّى بذلك لأنه فرض فرضا من أهل البصرة فكان أهلوهم وأمهاتهم يأتونهم يقولون: بيبي. وفي جيشه قال الشاعر: [طويل]
إلى الله أشكو أنّني بتّ حارسا ... فقام بلاليّ فبال على رجلي
فقلت لأصحابي اقطعوها فإنني ... كريم وإنّي لن أبلّغها رحلي
(1/386)

مدّ أعرابي يده في الموقف وقال: اللهمّ إن كنت ترى يدا أكرم منها فاقطعها. قال نوح: سمعت الحجّاج بن أرطاة يقول: قتلني حبّ الشرف.
وقيل له: ما لك لا تحضر الجماعة؟ قال: أكره أن يزحمني البقّالون. كان جذيمة الأبرش- وهو الوضّاح سمّي بذلك لبرص كان به- لا ينادم أحدا ذهابا بنفسه، وقال: أنا أعظم من أن أنادم إلا الفرقدين «1» ، فكان يشرب كأسا ويصبّ لكلّ واحد منهما في الأرض كأسا، فلما أتاه مالك «2» وعقيل بابن أخته الذي استهوته الشياطين قال لهما: إحتكما، فقالا له: منادمتك، فنادماه أربعين سنة يحادثانه فيها ما أعادا عليه حديثا. وفيهما يقول متمّم «3» بن نويرة: [طويل]
وكنّا كندماني جذيمة حقبة ... من الدّهر حتى قيل لن نتصدّعا «4»
وقال الهذليّ: [طويل]
ألم تعلمي أن قد تفرّق قبلنا ... خليلا صفاء مالك وعقيل «5»
قيل لإياس بن معاوية: ما فيك عيب إلا أنك معجب، قال: أفأعجبكم؟
قالوا: نعم قال: فأنا أحقّ أن أعجب بما يكون منّي. ويقال: للعادة سلطان
(1/387)

على كلّ شيء، وما استنبط الصواب مثل المشاورة، ولا حصّنت النّعم بمثل المواساة، ولا اكتسبت البغضة بمثل الكبر.
باب مدح الرجل نفسه وغيره
قال الله عزّ وجلّ حكاية عن يوسف: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
«1» . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» . وقال للأنصار: «والله ما علمتكم إلّا تقلّون عند الطمع وتكثرون عند الفزع» . وذكر أعرابيّ قوما فقال: والله ما نالوا بأطراف أناملهم شيئا إلا وقد وطئناه بأخامص أقدامنا، وإنّ أقصى مناهم لأدنى فعالنا. ابن إدريس عن إسمعيل بن أبي خالد، قال: كنت أمشي مع الشّعبيّ وأبي سلمة، فسأل الشّعبيّ أبا سلمة: من أعلم أهل المدينة؟ فقال: الذي يمشي بينكما، يعني نفسه. وقال الشّعبيّ: ما رأيت مثلي، وما أشاء أن ألقى رجلا أعلم منّي بشيء إلا لقيته. قال معاوية لرجل: من سيّد قومك؟ قال: أنا. قال: لو كنت كذلك لم تقل. الوليد بن مسلم عن خليد عن الحسن قال: ذمّ الرجل نفسه في العلانية مدح لها في السرّ. كان يقال: من أظهر عيب نفسه فقد زكّاها. الأعمش عن إبراهيم عن عبد الله قال: إذا أثنيت على الرجل بما فيه في وجهه لم تزكّه. قال عمر بن الخطاب:
المدح ذبح. ويقال المدح وافد الكبر. وقال عليّ بن الحسين: لا يقول رجل في رجل من الخير ما لا يعلم إلا أوشك أن يقول فيه من الشرّ ما لا يعلم، ولا يصطحب اثنان على غير طاعة الله إلا أوشكا أن يفترقا على غير طاعة الله.
قال وهب بن منبّه: إذا سمعت الرجل يقول فيك من الخير ما ليس فيك فلا.
(1/388)

تأمن أن يقول فيك من الشرّ ما ليس فيك. ويقال في بعض كتب الله عزّ وجلّ: عجبا لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح! ولمن قيل فيه الشرّ وليس فيه كيف يغضب! وأعجب من ذلك من أحبّ نفسه على اليقين وأبغض الناس على الظّنون!. وكان يقال: لا يغلبنّ جهل غيرك بك علمك بنفسك.
وقال أعرابيّ: كفى جهلا أن يمدح المادح بخلاف ما يعرف الممدوح من نفسه، وإنّي والله ما رأيت أعشق للمعروف «1» منه. قال ابن المقفع: إيّاك إذا كنت واليا أن يكون من شأنك حبّ المدح والتزكية وأن يعرف الناس ذلك منك فتكون ثلمة من الثّلم يقتحمون عليك منها، وبابا يفتتحونك منه، وغيبة يغتابونك بها ويضحكون منك لها. واعلم أنّ قابل المدح كمادح نفسه، والمرء جدير أن يكون حبّه المدح هو الذي يحمله على ردّه، فإن الرادّ له ممدوح والقابل له معيب. وقال البعيث «2» : [طويل]
ولست بمفراح إذا الدّهر سرّني ... ولا جازع من صرفه المتقلّب
ولا أتمنّى الشرّ والشّرّ تاركي ... ولكن متى أحمل على الشرّ أركب «3»
ويعتدّه قوم كثير تجارة ... ويمنعني من ذاك ديني ومنصبي
فإنّ مسيري في البلاد ومنزلي ... لبالمنزل الأقصى إذا لم أقرّب
قول الممدوح عند المدحة
حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ قال: كان أبو بكر يقول عند المدحة: اللهمّ أنت أعلم بي منّي بنفسي وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرا مما يحسبون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون.
(1/389)

قال: حدّثنا الرّياشي عن الأصمعيّ عن حمّاد بن سلمة قال: أثنى رجل على علّي بن أبي طالب كرّم الله وجهه في وجهه، وكان تهمة، فقال عليّ: أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك.
قيل لأعرابي: ما أحسن الثناء عليك! فقال: بلاء الله عندي أحسن من وصف المادحين وإن أحسنوا، وذنوبي إلى الله أكثر من عيب الذامّين وإن أكثروا، فيا أسفا على ما فرّطت ويا سوءتا ممّا قدّمت. كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا يقبل الثناء إلا من مكافىء. ومن أحسن ما قيل في مدح الرجل نفسه قول أعشى «1» بني ربيعة: [طويل]
ما أنا في أهلي ولا في عشيرتي ... بمهتضم حقّي ولا قارع سنّي
ولا مسلم مولاي عند جناية ... ولا خائف مولاي من سوء ما أجني
وإنّ فؤادا بين جنبيّ عالم ... بما أبصرت عيني وما سمعت أذني
وفضّلني في الشّعر واللّب أنّني ... أقول على علم وأعلم ما أعني
فأصبحت إن فضّلت مروان وابنه ... على الناس قد فضّلت خير أب وابن «2»
وقال آخر: [طويل]
إذا المرء لم يمدحه حسن فعاله ... فمادحه يهذي وإن كان مفصحا
وقال آخر: [طويل]
لعمر أبيك الخير إنّي لخادم ... لصحبي وإنّي إن ركبت لفارس
(1/390)

وقال آخر: [طويل]
ونحن ضياء الأرض ما لم نسر بها ... غضابا، وإن نغضب فنحن ظلامها
وأنشد الحسن البصريّ قول الشاعر: [رجز]
لولا جرير هلكت بجيله ... نعم الفتى وبئست القبيله
قال الحسن: ما مدح رجل هجي قومه. وقال أبو الهندام «1» : [وافر]
يقولون الحديد أشندّ شيء ... وقد ثني الحديد وما ثنيت
تخرّ الأرض إن نوديت باسمي ... وتنهدّ الجبال إذا كنيت
ومدح النفس في الشّعر كثير، وهو فيه أسهل منه في الكلام المنثور.
باب الحياء
حدّثني أبو مسعود الدّارميّ، قال: حدّثني جدّي خراش عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الحياء شعبة من الإيمان» . وروى ابن نمير عن الأحوص ابن حكيم، قال: حدّثني أبو عون المدنيّ قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قلّة الحياء كفر» . وروى جرير بن حازم عن يعلى ابن حكيم عن رجل عن ابن عمر، قال: الحياء والإيمان مقرونان جميعا فإذا رفع أحدهما ارتفع الآخر. وكان يقال: أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيا منه.
ذكر أعرابيّ رجلا فقال: لا تراه الدّهر إلا وكأنه لا غنى به عنك وإن كنت إليه أحوج، فإن أذنبت غفر وكأنه المذنب، وإن أسأت إليه أحسن وكأنه المسيء.
وقالت ليلى «2» الأخيليّة:
(1/391)

[كامل]
ومخرّق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما «1»
حتى إذا رفع اللواء رأيته ... تحت اللواء على الخميس «2» زعيما
ونحوه قول الآخر إلّا أنه في التواضع: [بسيط]
يبدو فيبدو ضعيفا من تواضعه ... ويكفهرّ فيلفى الأسود اللّحما
وقال أبو دهبل الجمحيّ «3» : [كامل]
إنّ البيوت معادن فنجاره ... ذهب وكلّ جدوده ضخم «4»
متهلّل بنعم للّاء مجانب ... سيّان منه الوفر والعدم
نزر الكلام من الحياء تخاله ... ضمنا وليس بجسمه سقم
عقم النساء فلا يلدن شبيهه ... إنّ النساء بمثله عقم
حدّثنا أبو الخطاب قال: حدّثنا المعتمر، قال: سمعت ليث بن أبي سليم يحدّث عن واصل بن حيّان عن أبي وائل عن ابن مسعود، قال: كان آخر ما حفظ من كلام النّبوة «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» . قال الشاعر «5» : [طويل]
تخالهمو للحلم صمّا عن الخنا ... وخرسا عن الفحشاء عند التهاجر
(1/392)

ومرضى إذا لوقوا حياء وعفّة ... وعند الحفاظ كاللّيوث الخوادر
وقال آخر: [طويل]
عليه من التقوى رداء سكينة ... وللحقّ نور بين عينيه ساطع
وقال الشّعبي: تعايش الناس زمانا بالدّين والتّقوى، ثم رفع ذلك فتعايشوا بالحياء والتذمّم، ثم رفع ذلك فما يتعايش الناس إلا بالرغبة والرهبة، وأظنه سيجيء ما هو أشدّ من هذا.
باب العقل
حدّثني إسحاق بن إبراهيم الشّهيدي، قال: حدّثنا الحارث بن النّعمان، قال: حدّثنا خليد بن دعلج عن معاوية بن قرّة يرفعه، قال: «إن الناس يعملون الخير وإنما يعطون أجورهم يوم القيامة على قدر عقولهم» . مهديّ بن غيلان ابن جرير قال: سمعت مطرّفا يقول: عقول الناس على قدر زمانهم.
حدّثني عبد الرحمن عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبّه قال:
وجدت في حكمة داود: ينبغي للعاقل أن لا يشغل نفسه عن أربع ساعات، ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها هو وإخوانه والذين ينصحون له في دينه ويصدقونه عن عيوبه، وساعة يخلّي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحلّ ويحمد فإن هذه الساعة عون لهذه الساعات وفضل بلغة «1» واستجمام للقلوب. وينبغي للعاقل أن لا يرى إلا في إحدى ثلاث خصال: تزوّد لمعاد، أو مرمّة لمعاش، أو لذّة، في غير محرّم. وينبغي للعاقل أن يكون عارفا بزمانه، حافظا للسانه، مقبلا على شانه. قال: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا هلال بن حقّ قال: قال عمرو بن العاص:
(1/393)

ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشرّ ولكنه الذي يعرف خير الشّرين، وليس الواصل الذي يصل من يصله ولكنه الذي يصل من قطعه. وقال زياد: ليس العاقل الذي يحتال للأمر إذا وقع ولكنه الذي يحتال للأمر ألّا يقع فيه. قال معاوية لعمرو: ما بلغ من دهائك يا عمرو؟ قال عمرو: لم أدخل في أمر قطّ فكرهته إلا خرجت منه. قال معاوية: لكنّي لم أدخل في أمر قطّ فأردت الخروج منه. وقرأت في كتاب للهند: الناس حازمان وعاجز، فأحد الحازمين الذي إذا نزل به البلاء لم ينظر به وتلقّاه بحيلته ورأيه حتى يخرج منه، وأحزم منه العارف بالأمر إذا أقبل فيدفعه قبل وقوعه، والعاجز في تردّد وتثنّ حائر بائر لا يأتمر رشدا ولا يطيع مرشدا. وقال أعرابيّ: لو صوّر العقل لأظلمت معه الشّمس، ولو صوّر الحمق لأضاء معه اللّيل. قال بعض الحكماء: ما عبد الله بشيء أحبّ إليه من العقل وما عصي الله بشيء أحبّ إليه من السّتر. أبو روق عن الضحّاك في قول الله عز وجل: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا
«1» قال: من كان عاقلا. ذكر المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب فقال: كان أفضل من أن يخدع وأعقل من أن يخدع.
حدّثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن قريش بن أنس عن حبيب بن الشهيد قال: قال إياس: لست بخبّ والخبّ لا يخدعني ولا يخدع ابن سيرين ويخدع أبي ويخدع الحسن. قال غيره: وكان كثيرا ما ينشد: [متقارب]
أبى لي البلاء وأنّي امرؤ ... إذا ما تثبّتّ لم أرتب
وفي كتاب كليلة ودمنة: الأدب يذهب عن العاقل السّكر ويزيد الأحمق سكرا، كما أن النهار يزيد كلّ ذي بصر بصرا ويزيد الخفافيش سوء بصر.
(1/394)

وفيه: ذو العقل لا تبطره المنزلة والعزّ كالجبل لا يتزعزع وإن اشتدّت عليه الريح، والسّخيف يبطره أدنى منزلة كالحشيش يحرّكه أضعف ريح. وقال تأبّط «1» شرّا في هذا المعنى: [طويل]
ولست بمفراح إذا الدهر سرّني ... ولا جازع من صرفه المتقلّب
ولا أتمنّى الشرّ والشرّ تاركي ... ولكن متى أحمل على الشرّ أركب «2»
وفي كتاب كليلة: رأس العقل التمييز بين الكائن والممتنع، وحسن العزاء عما لا يستطاع. وفيه: العاقل يقلّ الكلام ويبالغ في العمل ويعترف بزلّة عقله ويستقيلها كالرجل يعثر بالأرض وبها ينتعش. ويقال: كلّ شيء محتاج إلى العقل، والعقل محتاج إلى التّجارب. قال يحيى بن خالد: ثلاثة أشياء تدلّ على عقول الرجال: الكتاب، والرسول، والهدية. وكان يقال: دلّ على عقل الرجل اختياره، وما تمّ دين أحد حتى يتمّ عقله، وأفضل الجهاد جهاد الهوى. سئل أنو شروان: ما الذي لا تعلّم له، وما الذي لا تغيّر له، وما الذي لا مدفع له، وما الذي لا حيلة له. فقال: تعلّم العقل، وتغيّر العنصر، ودفع القدر، وحيلة الموت. وكان يقال: كتابك عقلك تضع عليه خاتمك. وقالوا:
كتاب الرجل موضع عقله، ورسوله موضع رأيه. كان الحسن إذا أخبر عن رجل بصلاح قال: كيف عقله. وفي الحديث أن جبريل عليه السلام أتى آدم عليه السلام فقال له: إني أتيتك بثلاث فاختر واحدة، قال: وما هي يا جبريل؟ قال: العقل والحياء والدين. قال: قد اخترت العقل فخرج جبريل إلى الحياء والدين فقال: إرجعا فقد اختار العقل عليكما، فقالا: أمرنا أن
(1/395)

كون مع العقل حيث كان. كان يقال: العقل يظهر بالمعاملة وشيم الرجال تظهر بالولاية. ويقال: العاقل يقي ما له بسلطانه، ونفسه بماله، ودينه بنفسه. قال الحسن: لو كان للناس جميعا عقول لخربت الدنيا. خيّر رجل فأبى أن يختار وقال: أنا بحظّي أوثق منّي بعقلي فأقرعوا بيننا.
باب الحلم والغضب
قال: حدّثني الزّياديّ قال: حدّثنا حمّاد بن زيد عن هشام عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من منزله قال: اللهم، إنّي قد تصدّقت بعرضي على عبادك» .
حدّثنا زياد بن يحيى قال: حدّثنا بشر بن المفضّل عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم، ألم تروا إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه» «1» . قال: حدّثني أحمد بن الخليل قال:
حدّثني عبد الله بن رجاء عن إسرائيل عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله أوصني، فقال: لا تغضب، ثم أعاد عليه فقال: لا تغضب، ثم أعاد عليه فقال: لا تغضب. قال: حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثني عبد الله بن نافع عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصّرعة «2» إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» . قال: حدّثنا حسين بن الحسن المروزيّ، قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك قال: حدّثنا حبيب بن حجر القيسيّ قال: كان يقال: ما أحسن الإيمان يزينه العلم وما أحسن العلم يزينه
(1/396)

العمل وما أحسن العمل يزينه الرفق، وما أضيف شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم ومن عفو إلى مقدرة. وكان يقال: من حلم ساد ومن تفهّم ازداد.
والعرب تقول: أحلم تسد. وقال: سمّي الله يحيى سيدا بالحلم. وقال عبد الملك بن صالح: الحلم يحيا بحياة السّؤدد. أغلظ رجل لمعاوية فحلم عنه، فقيل له: تحلم عن هذا! فقال: إنّي لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا. شتم رجل الأحنف وألحّ عليه، فلما فرغ قال له:
يا ابن أخي، هل لك في الغداء؟ فإنك منذ اليوم تحدو بجمل ثفال «1» .
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن بكر المزنيّ قال: جاء رجل فشتم الأحنف فسكت عنه، وأعاد فسكت، فقال:
والهفاه! ما يمنعه من أن يردّ عليّ إلّا هواني عليه.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: أخبرنا عبد الله بن صالح من آل حارثة بن لأم، قال: نزلت برجل من بني تغلب فأتاني بقرى فانفلت منّي فقلت: [كامل]
والتّغلبيّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا
فانقبضت فقال: كل أيها الرجل فإنما قلت كلمة مقولة.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ، قال: أسمع رجل الشعبيّ كلاما فقال له الشعبيّ: إن كنت صادقا فغفر الله لي وإن كنت كاذبا فغفر الله لك. ومرّ بقوم ينتقصونه فقال: [طويل]
هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
(1/397)

واستطال رجل على أبي معاوية الأسود فقال: أستغفر الله من الذنب الذي سلّطت به عليّ. قال معاوية: إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أوزن من حلمي. وقال معاوية لأبي جهم «1» العدويّ: أنا أكبر أم أنت يا أبا جهم؟ قال:
لقد أكلت في عرس أمك هند، قال: عند أيّ أزواجها؟ قال: عند حفص بن المغيرة، قال: يا أبا جهم، إياك والسلطان فإنه يغضب غضب الصبيّ ويعاقب عقوبة الأسد، وإنّ قليله يغلب كثير الناس. وأبو الجهم هذا هو القائل في معاوية: [وافر]
نميل على جوانبه كأنّا ... إذا ملنا نميل على أبينا
نقلّبه لنخبر حالتيه ... فنخبر منهما كرما ولينا
سمع الأحنف رجلا ينازع رجلا في أمر فقال له الأحنف: لا أحسبك إلا ضعيفا فيما تحاول، فقال الرجل: ما على ظنّك خرجت من عند أهلي، فقال الأحنف لأمر ما قيل: إحذروا الجواب. جعل رجل جعلا لرجل على أن يقوم إلى عمرو بن العاص يسأله عن أمّه، فقام إليه وهو يخطب على منبر تنّيس، فقال له: أيها الرجل أخبرنا من أمّك، فقال: كانت امرأة من عنزة أصيبت بأطراف الرّماح فوقعت في سهم الفاكه بن المغيرة فاشتراها أبي فوقع عليها، إنطلق وخذ ما جعل لك على هذا. قال الشاعر: [بسيط]
قل ما بدا لك من زور ومن كذب ... حلمي أصمّ وأذني غير صمّاء
نظر معاوية إلى ابنه يزيد وهو يضرب غلاما له، فقال له: أتفسد أدبك بأدبه فلم ير ضاربا غلاما له بعد ذلك. قيل ليحيى بن خالد: إنك لا تؤدّب
(1/398)

غلمانك ولا تضربهم، قال: هم أمناؤنا على أنفسنا فإذا نحن أخفناهم فكيف نأمنهم. وكان يقال: «الحليم مطيّة الجهول» . وذكر أعرابيّ رجلا فقال: كان أحلم من فرخ طائر. وفي الإنجيل: كونوا حلماء كالحيات وبلهاء كالحمام.
قال بعض الشعراء: [بسيط]
إني لأعرض عن أشياء أسمعها ... حتى يقول رجال إنّ بي حمقا
أخشى جواب سفيه لا حياء له ... فسل «1» ، وظنّ أناس أنه صدقا
قال الأحنف: من لم يصبر على كلمة سمع كلمات وربّ غيظ قد تجرّعته مخافة ما هو أشدّ منه. قال أكثم بن صيفيّ: العزّ والغلبة للحلم. وقال عليّ بن أبي طالب عليه السلام: أوّل عوض الحليم من حلمه أنّ الناس أنصاره على الجهول. وقال المنصور: عقوبة الحلماء التّعريض، وعقوبة السّفهاء التصريح.
قال: حدّثني سهيل قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: بلغني أن رجلا قال لآخر: والله لئن قلت واحدة لتسمعنّ عشرا، فقال له الآخر: لكنك إن قلت عشرا لم تسمع واحدة. قال: وبلغني أن رجلا شتم عمر بن ذرّ فقال له: يا هذا، لا تغرق في شتمنا ودع للصلح موضعا، فإنّي أمتّ مشاتمة الرجال صغيرا ولن أحييها كبيرا، وإني لا أكافىء من عصى الله فيّ بأكثر من أن أطيع الله فيه. وقال بعض المحدثين: [وافر]
وإنّ الله ذو حلم ولكن ... بقدر الحلم ينتقم الزّنيم «2»
لقد ولّت بدولتك الليالي ... وأنت معلق فيها ذميم
(1/399)

وزالت لم يعش فيها كريم ... ولا استغنى بثروتها عديم
فبعدا لا انقضاء له وسحقا ... فغير مصابك الحدث العظيم
المدائني قال: كان شبيب بن شيبة يقول: من سمع كلمة يكرهها فسكت عنها انقطع عنه ما يكره، فإن أجاب عنها سمع أكثر مما يكره، وكان يتمثّل بهذا البيت: [طويل]
وتجزع نفس المرء من وقع شتمة ... ويشتم ألفا بعدها ثم يصبر
قاتل الأحنف في بعض المواطن قتالا شديدا، فقال له رجل: يا أبا بحر، أين الحلم قال: عند الحبى. وقال مسلم «1» بن الوليد: [طويل]
حبى لا يطير الجهل في جنباتها ... إذا هي حلّت لم يفت حلّها ذحل
أغضب زيد بن جبلة الأحنف، فوثب إليه فأخذ بعمامته وتناصبا، فقيل للأحنف: أين الحلم اليوم! فقال: لو كان مثلي أو دوني لم أفعل هذا به. كان يقال: آفة الحلم الضّعف. وقال الجعديّ «2» : [طويل]
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
وقال إياس بن قتادة: [طويل]
تعاقب أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلّم
وأنشد الرّياشيّ: [رجز]
إني امرؤ يذبّ عن حريمي ... حلمي وتركي اللّوم للّئيم
والعلم أحمى من يد الظّلوم
(1/400)

وقال الأحنف: أصبت الحلم أنصر لي من الرجال. قال أبو اليقظان:
كان المتشمّس بن معاوية عمّ الأحنف يفضل في حلمه على الأحنف قبل، فأمره أبو موسى أن يقسم خيلا في بني تميم فقسمها، فقال رجل من بني سعد: ما منعك أن تعطيني فرسا ووثب عليه فمرش «1» وجهه، فقام إليه قوم ليأخذوه، فقال: دعوني وإياه، إني لا أعان على واحد، ثم انطلق به إلى أبي موسى، فلما رآه أبو موسى سأله عما بوجهه فقال: دع هذا ولكن ابن عمّي ساخط فاحمله على فرس، ففعل.
قيل للأحنف: ما أحلمك قال: تعلّمت الحلم من قيس «2» بن عاصم المنقري، بينا هو قاعد بفنائه محتب بكسائه، أتته جماعة فيهم مقتول ومكتوف وقيل له: هذا ابنك قتله ابن أخيك، فوالله ما حلّ حبوته حتى فرغ من كلامه، ثم التفت إلى ابن له في المجلس، فقال له: قم فأطلق عن ابن عملك ووار أخاك واحمل إلى أمه مائة من الإبل فإنها غريبة، ثم أنشأ يقول:
[طويل]
إني امرؤ لا شائن حسبي ... دنس يغيّره ولا أفن
من منقر في بيت مكرمة ... والغصن ينبت حوله الغصن
خطباء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه، أعفّة لسن
لا يفطنون لعيب جارهم ... وهموا لحفظ جواره فطن «3»
ثم أقبل على القاتل فقال: قتلت قرابتك، وقطعت رحمك، وأقللت
(1/401)

عددك، لا يبعد الله غيرك. وفي قيس بن عاصم يقول عبدة بن الطّبيب «1» ، إسلاميّ: [طويل]
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحّما
تحيّة من ألبسته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلّما
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما
وقال الأحنف: لقد اختلفنا إلى قيس بن عاصم في الحلم كما نختلف إلى الفقهاء في الفقه. شتم رجل الأحنف وجعل يتبعه حتى بلغ حيّه، فقال الأحنف: يا هذا، إن كان بقي في نفسك شيء فهاته وانصرف لا يسمعك بعض سفهائنا فتلقى ما تكره. شتم رجل الحسن وأربى عليه، فقال له: أمّا أنت فما أبقيت شيئا، وما يعلم الله أكثر. قال بعض الشعراء: [بسيط]
لن يدرك المجد أقوام وإن كرموا ... حتّى يذلّوا- وإن عزّوا- لأقوام
ويشتموا فترى الألوان مشرقة ... لا صفح ذلّ ولكن صفح أحلام
قال: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: لا يكاد يجتمع عشرة إلا وفيهم مقاتل وأكثر، ويجتمع ألف ليس فيهم حليم. ابن عيينة قال: كان عروة ابن الزّبير إذا أسرع إليه رجل بشتم أو قول سيّء لم يجبه وقال: إنّي أتركك رفعا لنفسي عنك، فجرى بينه وبين عليّ بن عبد الله كلام، فأسرع إليه، فقال له عليّ: خفّض عليك أيها الرجل فإنّي أتركك اليوم لما كنت تترك له الناس.
قال: حدثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: قال رجل: لمثل هذا اليوم كنت أدع الفحش على الرجال، فقال له خصمه: فإنّي أدع الفحش عليك
(1/402)

اليوم لما تركته أنت له قبل اليوم. وأغلظ عبد لسيده، فقال: إني أصبر لهذا الغلام على ما ترون لأروض نفسي بذلك، فإذا صبرت للمملوك على المكروه كانت لغير المملوك أصبر.
كلّم عمر بن عبد العزيز رجلا من بني أميّة وقد ولدته نساء بني مرّة فعاب عليه جفاء رآه منه، فقال: قبّح الله شبها غلب عليك من بنيّ مرّة، وبلغ ذلك عقيل بن علّفة المرّيّ وهو بجنفاء من المدينة على أميال في بلد بني مرّة، فركب حتى قدم على عمر وهو بدير سمعان، فقال: هيه يا أمير المؤمنين! بلغني أنك غضبت على فتى من بني أبيك، فقلت: قبح الله شبها غلب عليك من بني مرّة، وإني أقول: قبّح الله ألأم طرفيه، فقال عمر: دع، ويحك، هذا وهات حاجتك. فقال: والله ما لي حاجة غير حاجته، وولّى راجعا من حيث جاء، فقال عمر: يا سبحان الله! من رأى مثل هذا الشيخ؟
جاء من جنفاء ليس إلّا يشتمنا ثم انصرف! فقال له رجل من بني مرّة: إنه والله يا أمير المؤمنين ما شتمك وما شتم إلا نفسه، نحن والله ألأم طرفيه.
المدائني قال: لما عزل الحجاج أمية بن عبد الله عن خراسان أمر رجلا من بني تميم فعابه بخراسان وشنّع عليه، فلما قفل لقيه التميميّ فقال: أصلح الله الأمير لا تلمني فإني كنت مأمورا، فقال: يا أخا بني تميم أو حدّثتك نفسك أنّي وجدت عليك؟ قال: قد ظننت ذاك، قال: إن لنفسك عندك قدرا!. كان يقال: طيّروا دماء الشباب في وجوههم. ويقال: الغضب غول الحلم. ويقال: القدرة تذهب الحفيظة. وكتب كسرى أبرويز إلى ابنه شيرويه من الحبس: إن كلمة منك تسفك دما، وإنّ كلمة أخرى منك تحقن دما، وإن سخطك سيوف مسلولة على من سخطت عليه، وإنّ رضاك بركة مستفيضة على من رضيت عنه، وإنّ نفاذ أمرك مع ظهور كلامك، فاحترس في غضبك
(1/403)

من قولك أن يخطىء ومن لونك أن يتغيّر ومن جسدك أن يخفّ، وإن الملوك تعاقب قدرة وحزما، وتعفو تفضّلا وحلما، ولا ينبغي للقادر أن يستخفّ ولا للحليم أن يزهو، وإذا رضيت فأبلغ بمن رضيت عنه يحرص من سواه على رضاك، وإذا سخطت فضع من سخطت عليه يهرب من سواه من سخطك، وإذا عاقبت فانهك «1» لئلا يتعرّض لعقوبتك، واعلم أنك تجلّ عن الغضب وأن غضبك يصغر عن ملكك، فقدّر لسخطك من العقاب كما تقدّر لرضاك من الثواب. قال محمد «2» بن وهيب: [طويل]
لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن رام تقويمي فإني مقوّم ... ومن رام تعويجي فإني معوّج
وما كنت أرضى الجهل خدنا «3» وصاحبا ... ولكنني أرضى به حين أخرج
ألا ربّما ضاق الفضاء بأهله ... وأمكن من بين الأسنّة مخرج
وإن قال بعض الناس فيه سماجة ... فقد صدقوا، والذلّ بالحرّ أسمج
وقال ابن المقفع: لا ينبغي للملك أن يغضب لأن القدرة من وراء حاجته، ولا يكذب لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على غير ما يريد، ولا يبخل لأنه لا يخاف الفقر، ولا يحقد لأن خطره قد جلّ عن المجازاة. قال سويد بن الصامت «4» :
(1/404)

[كامل]
إني إذا ما الأمر بيّن شكّه ... وبدت بصائره لمن يتأمّل
أدع التي هي أرفق الحالات بي ... عند الحفيظة للتي هي أجمل
أتى عمر بن عبد العزيز رجل كان واجدا عليه، فقال: لولا أني غضبان لعاقبتك، وكان إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثة أيام، فإذا أراد بعد ذلك أن يعاقبه عاقبه، كراهة أن يعجل عليه في أوّل غضبه. وأسمعه رجل كلاما فقال له: أردت أن يستفزّني الشيطان بعزّ السلطان فأنال منك اليوم ما تناله منّي غدا، انصرف رحمك الله.
قال لقمان الحكيم: ثلاث من كنّ فيه فقد استكمل الإيمان: من إذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له. وقال لابنه: إن أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه، فإن أنصفك في غضبه وإلّا فدعه.
خطب معاوية يوما فقال له رجل: كذبت، فنزل مغضبا فدخل منزله، ثم خرج عليهم تقطر لحيته ماء، فصعد المنبر فقال: أيها الناس، إنّ الغضب من الشيطان، وإن الشيطان من النار، فإذا غضب أحدكم فليطفئه بالماء، ثم أخذ في الموضع الذي بلغه من خطبته. وفي الحديث المرفوع: «إذا غضب أحدكم فإن كان قائما فليقعد وإن كان قاعدا فليضطجع» . وقال الشاعر: [بسيط]
احذر مغايظ أقوام ذوي أنف ... إن المغيظ جهول السيف مجنون
وقال عمر بن عبد العزيز: متى أشفي غيظي؟ أحين أقدر فيقال لي: لو عفوت، أو حين أعجز فيقال لي: لو صبرت؟. والعرب تقول: «إن الرّثيئة مما
(1/405)

يفثأ الغضب» «1» والرثيئة اللبن الحامض يصبّ عليه الحليب، وهو أطيب اللبن.
كان المنصور ولّى سلم بن قتيبة البصرة وولى مولى له كور البصرة والأبلّة «2» ، فورد كتاب مولاه أنّ سلما ضربه بالسّياط، فاستشاط المنصور وقال:
عليّ تجرّأ سلم! لأجعلنّه نكالا، فقال ابن عيّاش- وكان جريئا عليه-: يا أمير المؤمنين، إن سلما لم يضرب مولاك بقوّته ولا قوّة أبيه، ولكنك قلّدته سيفك وأصعدته منبرك، فأراد مولاك أن يطأطىء منه ما رفعت ويفسد ما صنعت، فلم يحتمل ذلك. يا أمير المؤمنين، إنّ غضب العربيّ في رأسه، فإذا غضب لم يهدأ حتى يخرجه بلسان أو يد، وإن غضب النّبطي في استه، فإذا غضب وخرىء «3» ذهب غضبه، فضحك أبو جعفر وقال: فعل الله بك يا منتوف وفعل، فكفّ عن سلم.
كان يقال: إياك وعزّة الغضب فإنها مصيّرتك إلى ذلّ الاعتذار. قال بعض الشعراء: [بسيط]
الناس بعدك قد خفّت حلومهم ... كأنما نفخت فيها الأعاصير
أبو بكر بن عيّاش عن الأعمش قال: كنت مع رجل فوقع في إبراهيم.
فأتيت إبراهيم فأخبرته وقلت: والله لهممت به، فقال: لعلّ الذي غضبت له لو سمعه لم يقل شيئا.
(1/406)

باب العزّ والذلّ والهيبة
أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا عمر بن السّكن قال: قال سليمان ابن عبد الملك ليزيد بن المهلّب: فيمن العزّ بالبصرة؟ فقال: فينا وفي حلفائنا من ربيعة، فقال عمر بن عبد العزيز: ينبغي أن يكون العزّ فيمن تحولف عليه يا أمير المؤمنين. قالت قريبة: إذا كنت في غير قومك فلا تنس نصيبك من الذّلّة. قال رجل من قريش لشيخ منهم: علّمني الحلم، قال: هو، يا ابن أخي، الذلّ، أفتصبر عليه؟. وقال الأحنف: ما يسرّني بنصيبي من الذلّ حمر النّعم، فقال له رجل: أنت أعزّ العرب، فقال: إن الناس يرون الحلم ذلا، فقلت ما قلت على ما يعلمون.
وقرأت في كتاب للهند أن الريح العاصف تحطم دوح الشجر ومشيّد البنيان ويسلم عليها ضعيف النبت للينه وتثّنيه. ويقال في المثل: «تطأطأ لها تخطئك» ، وقال زيد «1» بن عليّ بن الحسين حين خرج من عند هشام مغضبا: ما أحبّ أحد قطّ الحياة إلا ذلّ؛ وتمثّل: [سريع]
شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد
منخرق الخفّين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو «2» حداد
قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد
وقال المتلمس «3» :
(1/407)

[بسيط]
إن الهوان، حمار البيت يعرفه ... والمرء ينكره والجسرة الأجد «1»
ولا يقيم بدار الذلّ يعرفها ... إلا الحمار حمار الأهل والوتد
وقال الزّبير «2» بن عبد المطلب: [بسيط]
ولا أقيم بدار لا أشدّ بها ... صوتي إذا ما اعترتني سورة الغضب
وقال آخر: [طويل]
إذا كنت في قوم عدا لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيّب
وقال العباس «3» بن مرداس: [طويل]
أبلغ، أبا سلم، رسولا نصيحة ... فإن معشر جادوا بعرضك فابخل
وإن بوّؤوك منزلا غير طائل ... غليظا فلا تنزل به وتحوّل
ولا تطعمن ما يعلفونك إنّهم ... أتوك على قربانهم بالمثمّل
أراك إذن قد صرت للقوم ناضحا ... يقال له بالغرب أدبر وأقبل
وقال آخر: [متقارب]
فأبلغ لديك بني مالك ... على نأيها وسراة الرّباب
بأنّ امرأ أنتمو حوله ... تحفّون قبّته بالقباب
يهين سراتكمو عامدا ... ويقتلكم مثل قتل الكلاب
فلو كنتمو إبلا أملحت «4» ... لقد نزعت للمياه العذاب
(1/408)

ولكنكم غنم تصطفى ... ويترك سائرها للذئاب
وقال آخر: [بسيط]
تالله لولا انكسار الرمح قد علموا ... ما وجدوني ذليلا كالذي أجد
قد يحطم الفحل قسرا بعد عزّته ... وقد يردّ على مكروهه الأسد
وقال بعض العبديين: [متقارب]
ألا أبلغا خلّتي راشدا ... وصنوي قديما إذا ما اتّصل
بأنّ الدّقيق يهيج الجليل ... وأنّ العزيز إذا شاء ذلّ
وأنّ الحزامة أن تصرفوا ... لحيّ سوانا صدور الأسل
فإن كنت سيّدنا سدتنا ... وإن كنت للخال فاذهب فخل
وقال البعيث «1» : [وافر]
ولو ترمى بلؤم بني كليب ... نجوم الليل ما وضحت لساري
ولو لبس النهار بنو كليب ... لدنّس لؤمهم وضح النهار
وما يغدو عزيز بني كليب ... ليطلب حاجة إلا بجار
جاور ابن سيابة مولى بني أسد قوما فأزعجوه، فقال لهم: لم تزعجوني من جواركم؟ فقالوا: أنت مريب، فقال: فمن أذلّ من مريب ولا أحسن جوارا. أبو عبيدة عن عوانة قال: إذا كنت من مضر ففاخر بكنانة وكاثر بتميم وألق بقيس، وإذا كنت من قحطان فكاثر بقضاعة وفاخر بمذحج وألق بكلب، وإذا كنت من ربيعة ففاخر بشيبان وألق بشيبان وكاثر بشيبان. كان يقال: من أراد عزّا بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان فليخرج من ذلّ معصية الله إلى عز طاعة
(1/409)

الله. قيل لرجل من العرب: من السيد عندكم؟ قال: الذي إذا أقبل هبناه وإذا أدبر اغتبناه. ونحوه قول مسلم «1» : [طويل]
وكم من معدّ في الضمير لي الأذى ... رآني فألقى الرّعب ما كان أضمرا
وقال أيضا: [بسيط]
يا أيها الشاتميّ عرضي مسارقة ... أعلن به، أنت إن أعلنته الرجل
ومن أحسن ما قيل في الهيبة: [بسيط]
في كفّه خيزران ريحها عبق ... من كفّ أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم «2»
وقال ابن هرمة «3» في المنصور: [طويل]
له لحظات عن حفافي «4» سريره ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل
فأمّ الذي آمنت امنة الرّدى ... وأمّ الذي أوعدت بالثّكل ثاكل
كريم له وجهان وجه لدى الرّضا ... أسيل، ووجه في الكريهة باسل «5»
وليس بمعطي العفو عن غير قدرة ... ويعفو إذا ما أمكنته المقاتل
وقال آخر في العفو بعد القدرة: [مجزوء الكامل]
أسد على أعدائه ... ما إن يلين ولا يهون
فإذا تمكّن منهم ... فهناك أحلم ما يكون
(1/410)

وقال آخر «1» في مالك بن أنس: [كامل]
يأبى الجواب فما يراجع هيبة ... والسائلون نواكس الأذقان
هدي التّقّي وعزّ سلطان التّقى ... فهو المطاع وليس ذا سلطان
وقال آخر «2» : [كامل]
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرّقاب نواكس «3» الأبصار
وقال أبو نواس: [سريع]
أضمر في القلب عتابا له ... فإن بدا أنسيت من هيبته
المدائني قال: قال ابن شبرمة القاضي لابنه: يا بنيّ، لا تمكّن الناس من نفسك، فإنّ أجرأ الناس على السباع أكثرهم لها معاينة. قيل لأعرابيّ:
كيف تقول: استخذأت أو استخذيت؟ قال: لا أقوله، قيل: ولم؟ قال: لأن العرب لا تستخذي. وكان يقال: إصفح أو اذبح.
باب المروءة
في الحديث المرفوع: قام رجل من مجاشع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ألست أفضل قومي؟ فقال: «إن كان لك عقل فلك فضل، وإن كان لك خلق فلك مروءة، وإن كان لك مال فلك حسب، وإن كان لك تقى فلك
(1/411)

دين» وفيه أيضا: «إن الله يحبّ معالي الأمور ويكره سفسافها» . روى كثير بن هشام عن الحكم بن هشام الثّقفيّ قال: سمعت عبد الملك بن عمير يقول:
إن من مروءة الرجل جلوسه ببابه. قال الحسن: لا دين إلا بمروءة. قيل لابن هبيرة: ما المروءة؟ قال: إصلاح المال، والرّزانة في المجلس، والغداء والعشاء بالفناء. قال إبراهيم: ليس من المروءة كثرة الالتفات في الطريق ولا سرعة المشي. ويقال: سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن.
قال معاوية: المروءة ترك اللذة. وقال لعمرو: ما ألذّ الأشياء؟ فقال عمرو: مر أحداث قريش أن يقوموا، فلما قاموا قال: إسقاط المروءة. قال جعفر بن محمد عن أبيه: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ورّوا لذوي المروءات عن عثراتهم، فوالذي نفسي بيده إنّ أحدهم ليعثر وإنّ يده لفي يد الله. كان عروة ابن الزبير يقول لولده: يا بنيّ، إلعبوا، فإنّ المروءة لا تكون إلا بعد اللعب.
قيل للأحنف. ما المروءة؟ فقال: العفّة والحرفة. قال محمد بن عمران التّيمي: ما شيء حملا عليّ من المروءة، قيل: وأيّ شيء المروءة؟ قال: لا تعمل شيئا في السرّ تستحي منه في العلانية. وقال زهير في نحو هذا: [كامل]
السّتر دون الفاحشات، ولا ... يلقاك دون الخير من ستر
وقال آخر: [طويل]
فسرّي كإعلاني، وتلك خليقتي ... وظلمة ليلي مثل ضوء نهاريا
قال عمر بن الخطاب: تعلّموا العربية فإنها تزيد في المروءة، وتعلّموا النسب فربّ رحم مجهولة قد وصلت بنسبها. قال الأصمعيّ: ثلاثة تحكم
(1/412)

لهم بالمروءة حتى يعرفوا: رجل رأيته راكبا، أو سمعته يعرب، أو شممت منه رائحة طيبة. وثلاثة تحكم عليهم بالدناءة حتى يعرفوا: رجل شممت منه رائحة نبيذ في محفل، أو سمعته يتكلم في مصر عربيّ بالفارسية، أو رأيته على ظهر الطريق ينازع في القدر. قال ميمون ابن ميمون: أوّل المروءة طلاقة الوجه، والثاني التودّد، والثالث قضاء الحوائج. وقال: من فاته حسب نفسه لم ينفعه حسب أبيه. قال مسلمة بن عبد الملك: مروءتان ظاهرتان: الرّياسة والفصاحة. وقال عمر بن الخطاب: المروءة الظاهرة الثياب الطاهرة. قالوا:
كان الرجل إذا أراد أن يشين جاره طلب الحاجة إلى غيره. وقال بعض الشعراء: [بسيط]
نوم الغداة وشرب بالعشيّات ... موكّلان بتهديم المروءات
باب اللباس
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس، قال: كل ما شئت والبس ما شئت إذا ما أخطأك شيئان: سرف أو مخيلة.
قال: حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثنا المنهال بن حمّاد عن خارجة ابن مصعب عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه، قال: كانت ملحفة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يلبس في أهله مورّسة «1» حتى إنها لتردع «2» على جلده.
حدّثني أبو الخطّاب قال: حدّثنا أبو عتّاب قال: حدّثنا المختار بن نافع عن إبراهيم التيميّ عن أبيه عن عليّ قال: رأيت لعمر بن الخطاب، رضي الله
(1/413)

عنه، إزارا فيه إحدى وعشرون رقعة من أدم ورقعة من ثيابنا.
حدّثنا الزّياديّ قال: حدّثنا عبد الوارث بن سعيد عن الجريريّ عن ابن عباس، قال: رأيت عمر بن الخطاب يطوف بالبيت وإزاره مرقوع بأدم. نظر معاوية إلى النخّار العذريّ الناسب في عباءة فازدراه في عباءة، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباءة لا تكلّمك وإنما يكلّمك من فيها. قال سحيم «1» بن وثيل: [طويل]
ألا ليس زين الرّحل قطعا يمزّق ... ولكنّ زين الرّحل يا ميّ راكبه
وقال آخر [منسرح]
إيّاك أن تزدري الرجال فما ... يدريك ماذا يكنّه الصّدف
نفس الجواد العتيق باقية ... يوما وإن مسّ جسمه العجف
والحرّ حرّ وإن ألمّ به الض ... رّ وفيه العفاف والأنف
وقال آخر من المحدثين: [بسيط]
تعجّبت درّ من شيبي فقلت لها ... لا تعجبي قد يلوح الفجر في السّدف «2»
وزادها عجبا أن رحت في سمل «3» ... وما درت درّ أنّ الدّرّ في الصّدف
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ أنّ ابن عون اشترى برنسا من عمر بن أنس بن سيرين فمرّ على معاذة العدويّة، فقال: أمثلك يلبس هذا! قال:
فذكرت ذلك لابن سيرين فقال: ألا أخبرتها أن تميما الداريّ اشترى حلّة بألف يصلّي فيها؟
حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثنا مصعب بن عبد الله من ولد عبد
(1/414)

الله بن الزبير عن أبيه قال: أخبرني إسماعيل بن عبد الله بن جعفر عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه ثوبان مصبوغان بالزعفران: رداء وعمامة.
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا علي بن عاصم قال: أخبرنا أبو إسحاق الشّيباني قال: رأيت محمد بن الحنفية واقفا بعرفات على برذون «1» عليه مطرف خزّ أصفر.
حدّثني الريّاشيّ عن الأصمعيّ عن حفص بن الفرافصة قال: أدركت وجوه أهل البصرة، شقيق بن ثور فمن دونه وانيتهم في بيوتهم الجفان والعسسة فإذا قعدوا بأفنيتهم لبسوا الأكسية وإذا أتوا السلطان ركبوا ولبسوا المطارف.
قدم حمّاد بن أبي سليمان البصرة فجاءه فرقد السّبخيّ وعليه ثياب صوف فقال حماد: ضع نصرانيتك هذه عنك، فلقد رأيتنا ننتظر إبراهيم فيخرج علينا وعليه معصفرة ونحن نرى أن الميتة قد حلّت له.
وروى زيد بن الحباب عن الثّوريّ عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سليمان أن ابن عباس كان يرتدي رداء بألف. قال معمر: رأيت قميص أيوب يكاد يمسّ الأرض، فكلمته في ذلك فقال: إن الشهرة فيما مضى كانت في تذييل القميص وإنها اليوم في تشميره.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: أخبرني بعض أصحابنا قال: جاء سيّار أبو الحكم إلى مالك بن دينار في ثياب اشتهرها «2» مالك، فقال له مالك:
ما هذه الشّهرة؟ فقال له سيّار: أتضعني عندك أم ترفعني؟ قال: بل تضعك، قال: أراك تنهاني عن التواضع، فنزل مالك فقعد بين يديه.
(1/415)

قال أبو يعقوب الخريميّ: أراد جعفر بن يحيى يوما حاجة كان طريقه إليها على باب الأصمعيّ فدفع إلى خادم كيسا فيه ألف دينار وقال: إني سأنزل في رجعتي إلى الأصمعيّ وسيحدّثني ويضحكني فإذا ضحكت فضع الكيس بين يديه، فلما رجع ودخل عليه رأى حبّا «1» مكسور الرأس وجرّة مكسورة العنق وقصعة مشعّبة وجفنة أعشارا ورآه على مصلّى بال وعليه برّكان «2» أجرد فغمز غلامه ألّا يضع الكيس بين يديه ولم يدع الأصمعيّ شيئا مما يضحك الثّكلان إلا أورده عليه فما تبسّم وخرج، فقال لرجل كان يسايره: «من استرعى الذئب ظلم» ، ومن زرع سبخة «3» حصد الفقر، فإني والله لو علمت أن هذا يكتم المعروف بالفعل لما حفلت نشره له باللسان، وأين يقع مدح اللسان من مدح آثار الغنى؛ لأن اللسان قد يكذب والحال لا تكذب. ولله درّ نصيب «4» حيث يقول: [طويل]
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب «5»
ثم قال له: أعلمت أن ناووس أبرويز أمدح لأبرويز من شعر زهير لآل سنان.
قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: رأيت مشيخة بالمدينة في زيّ الفتيان لهم الغدائر وعليهم المورّد والمعصفر «6» وفي أيديهم المخاصر وبها أثر الحنّاء، ودين أحدهم أبعد من الثريّا إذا أريد دينه. ذمّ ابن التوءم رجلا فقال: رأيته
(1/416)

مشحّم النعل درن الجورب «1» مغضّن الخفّ دقيق الخزامة. أنشد ابن الأعرابي «2» : [طويل]
فإن كنت قد أعطيت خزّا تجرّه ... تبدّلته من فروة وإهاب
فلا تأيسن أن تملك الناس إنّني ... أرى أمّة قد أدبرت لذهاب
قال أيوب: يقول الثوب: أطوني أجمّلك. هشام بن عروة عن أبيه قال:
يقول المال: أرني صاحبي أعمّر، ويقول الثوب: أكرمني داخلا أكرمك خارجا. ويقال: لكل شيء راحة، فراحة البيت كنسه، وراحة الثوب طيّه. قيل لأعرابيّ: إنك تكثر لبس العمامة، فقال: إن عظما فيه السّمع والبصر لجدير أن يكنّ من الحرّ والقرّ. ويقال: حبى العرب حيطانها، وعمائمها تيجانها.
وذكروا العمامة عند أبي الأسود الدؤلي فقال: جنّة في الحرب، ومكنّة في الحرّ والقرّ، وزيادة في القامة، وهي بعد عادة من عادات العرب. وقال طلحة ابن عبيد الله: الدّهن يذهب البؤس، والكسوة تظهر الغنى، والإحسان إلى الخادم مما يكبت الله به العدوّ.
أبو حاتم قال: حدّثنا العتبيّ قال: سمعت أعرابيا يقول: لقد رأيت بالبصرة برودا كأنما نصحت «3» بأنوار الربيع وهي تروع، واللّابسوها أروع. قال يحيى بن خالد للعتّابيّ في لباسه- وكان لا يبالي ما لبس-: يا أبا عليّ، أخزى الله امرأ رضي أن يرفعه هيئتاه من جماله وماله، فإنما ذلك حظّ الأدنياء من الرجال والنساء، لا والله حتى يرفعه أكبراه: همّته ونفسه، وأصغراه: قلبه
(1/417)

ولسانه. وفي الحديث المرفوع: «إن الله إذا أنعم على عبد نعمة أحبّ أن يرى أثرها عليه» . قال حبيب بن أبي ثابت: أن تعزّ في خصفة خير لك من أن تذلّ في مطرف «1» ، وما اقترضت من أحد خير من أن أقترض من نفسي. قال عمرو «2» بن معد يكرب: [مجزوء الكامل]
ليس الجمال بمئزر ... فاعلم وإن ردّيت «3» بردا
إن الجمال معادن ... وموارث أورثن مجدا
وقال ابن هرمة «4» [منسرح]
لو كان حولي بنو أميّة لم ... ينطق رجال إذا هموا نطقوا
إن جلسوا لم تضق مجالسهم ... أو ركبوا ضاق عنهم الأفق
كم فيهمو من أخ وذي ثقة ... عن منكبيه القميص منخرق
تجهّمن «5» عوّذ النساء إذا ... ما احمرّ تحت القوانس «6» الحدق
فريحهم عند ذاك أندى من ال ... مسك وفيهم لخابط ورق
قال: حدّثني أحمد بن إسماعيل قال: رأيت على أبي سعد المخزوميّ الشاعر كردوانيا مصبوغا بسواد، فقلت له: يا أبا سعد، هذا خزّ؟ فقال: لا، ولكنه دعيّ على دعيّ، وكان أبو سعد دعيّا في بني مخزوم، وفيه يقول أبو البرق:
(1/418)

[مجزوء الهزج]
لما تاه على الناس ... شريف يا أبا سعد
فته ما شئت إذ كنت ... بلا أصل ولا جدّ
وإذا حظّك في النسب ... ة بين الحرّ والعبد
وإذ قاذفك المفح ... ش في أمن من الحدّ
قال عمر بن عبد العزيز لمؤدّبه: كيف كانت طاعتي إياك وأنت تؤدّبني؟
قال: أحسن طاعة، قال: فأطعني الآن كما كنت أطيعك، خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك، ومن ثوبك حتى يبدو عقباك. وكيع قال: راح الأعمش إلى الجمعة وقد قلب فروة جلدها على جلده وصوفها إلى خارج، وعلى كتفيه منديل الخوان «1» مكان الرّداء. قال: حدّثني أبو الخطاب عن أبي داود عن قيس عن أبي حصين قال: رأيت الشعبي يقضي على جلد. قال الأحنف:
استجيدوا النّعال فإنها خلاخيل الرجال. أبو الحسن المدائنيّ قال: دخل محمد بن واسع على قتيبة بن مسلم في مدرعة صوف فقال له قتيبة: ما يدعوك إلى لبس هذه؟ فسكت، فقال له قتيبة: أكلّمك فلا تجيبني! قال: أكره أن أقول زهدا فأزكي نفسي، أو أقول فقرا فأشكو ربّي. قال ابن السّمّاك لأصحاب الصوف: والله إن كان لباسكم هذا موافقا لسرائركم لقد أحببتم أن يطّلع الناس عليها، وإن كان مخالفا لها فقد هلكتم. وقال بعض المحدثين يعتذر من أطمار عليه: [طويل]
فما أنا إلا السّيف يأكل جفنه «2» ... له حلية من نفسه وهو عاطل
(1/419)

التّختّم
قال: حدّثني أبو الخطاب زياد بن يحيى الحسّانيّ قال: حدّثنا عبد الله ابن ميمون قال: حدّثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم تختّم في يمينه.
قال: حدّثنا أبو الخطّاب قال: حدّثنا سهل بن حماد قال: حدّثنا أبو خلدة خالد بن دينار قال: سألت أبا العالية ما كان نقش خاتم النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ قال:
«صدق الله» قال: فألحق الخلفاء بعد «صدق الله» «محمد رسول الله» .
قال أبو الخطاب: حدّثنا أبو عتّاب «1» قال: حدّثنا سالم بن عبد الأعلى عن نافع عن ابن عمر: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يذكر الشيء أوثق في خاتمة خيطا.
حدّثني أبو الخطاب: قال حدّثنا عبد الله بن ميمون قال: حدّثنا جعفر ابن محمد عن أبيه أنّ خاتم عليّ كان من ورق نقشه «نعم القادر الله» كان على خاتم عليّ بن الحسين بن عليّ «علمت فاعمل» . كان نقش خاتم صالح بن عبيد الله بن عليّ «تبارك من فخري بأني له عبد» ونقش خاتم شريح «الخاتم خير من الظن» . ونقش خاتم طاهر «وضع الخدّ للحقّ عزّ» . وكان لأبي نواس خاتمان: أحدهما عقيق مربع وعليه: [طويل]
تعاظمني ذنبي فلما عدلته ... بعفوك ربّي كان عفوك أعظما
والآخر حديث صينيّ مكتوب عليه: «الحسن يشهد أن لا إله إلا الله مخلصا» فأوصى عند موته أن يقلع الفصّ ويغسل ويجعل في فمه.
(1/420)

باب الطّيب
قال: حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن عاصم الأحول عن أبي عثمان النّهديّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه» .
حدّثنا القطعيّ قال: حدّثنا بشر عن ابن لهيعة قال: حدّثني بكير عن نافع أن ابن عمر كان يستجمر بعود غير مطرّى ويجعل معه الكافور ويقول:
هكذا كان رسول الله يستجمر.
قال: حدّثنا زياد بن يحيى قال: حدّثنا زياد بن الربيع عن يونس قال:
قال أبو قلابة: كان ابن مسعود إذا خرج إلى المسجد عرف جيرانه ذاك بطيب ريحه.
حدّثني القومسيّ قال: حدّثنا أبو نعيم عن شقيق عن الأعمش قال: قال أبو الضّحى: رأيت على رأس ابن الزبير من المسك ما لو كان لي كان رأس مال.
قال: حدّثني أبو الخطاب قال: حدّثنا أبو قتيبة وأبو داود عن الحسن بن زيد الهاشميّ عن أبيه قال: رأيت ابن عباس حين أحرم والغالية على صلعته كأنها «1» الرّب.
قال: حدّثني أحمد بن الخليل عن عمرو بن عون عن خالد عن عمرو ابن يحيى عن محمد بن يحيى بن حبّان قال: كان عبد الله بن زيد يتخلّق بالخلوق «2» ثم يجلس في المجلس.
(1/421)

وحدّثني أيضا عن سويد بن سعيد عن ضمام بن إسماعيل عن عمار بن غزيّة قال: لما أولم عمر بن عبد العزيز بفاطمة بنت عبد الملك أسرج في مسارجه تلك الليلة الغالية.
قال: وحدّثني عن أبي عبد الرحمن المقرىء عن سعيد بن أبي أيوب عن عبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج قال: قال أبو هريرة: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:
«لا تردّوا الطّيب فإنه طيّب الريح خفيف المحمل» .
قال: حدّثني زيد بن أخزم قال: حدّثنا أبو داود قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: حدّثنا عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة قالت: كأني أنظر إلى وبيص «1» الطّيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم. إبراهيم بن الحكم عن أبيه قال: قال عكرمة: كان ابن عباس يطلي جسده بالمسك فإذا مرّ بالطريق قال الناس: أمرّ ابن عباس أم مرّ المسك؟. قال المسيّب «2» بن علس يمدح بني شيبان: [متقارب]
تبيت الملوك على عتبها ... وشيبان إن غضبت تعتب
وكالشّهد بالراح أحلامهم ... وأحلامهم منهما أعذب
وكالمسك ترب «3» مقاماتهم ... وترب قبورهمو أطيب
أخذه العباس «4» بن الأحنف فقال: [متقارب]
وأنت إذا ما وطئت الترا ... ب صار ترابك للناس طيبا
(1/422)

وقال كعب «1» بن زهير يمدح قوما: [بسيط]
ألمطعمون إذا ما أزمة أزمت ... والطّيبون ثيابا كلّما عرقوا
وأنشد ابن الأعرابي «2» : [طويل]
خود «3» يكون بها القليل تمسّه ... من طيبها عبقا يطيب ويكثر
شكر الكرامة جلدها فصفا لها ... إنّ القبيحة جلدها لا يشكر
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: ذكر لأيوب هؤلاء الذين يتقشّفون فقال: ما علمت أن القذر من الدّين.
باب المجالس والجلساء والمحادثة
قال: حدّثني أحمد بن الخليل عن حبّان بن موسى قال: حدّثنا ابن المبارك عن معمر عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرجل أحقّ بمجلسه إذا قام لحاجة ثم رجع» .
وحدّثني أيضا عن سعيد بن سليمان عن إسحاق بن يحيى عن المسيّب ابن رافع عن عبد الله بن يزيد الخطميّ عن عبد الله بن الغسيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المرء أحقّ بصدر بيته وصدر دابتّه وصدر فراشه، وأحقّ أن يؤمّ في بيته» .
قال: حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر محمد بن علي قال: ألقي لعليّ وسادة فجلس عليها وقال: إنه لا يأبى الكرامة إلا حمار. وفي الحديث المرفوع عن أبي موسى قال: قال
(1/423)

رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الجليس الصالح مثل الدّاريّ «1» إن لم يحذك «2» من طيبه علقك من ريحه، ومثل الجليس السوء مثل الكير «3» إن لم يحرقك بشرار ناره علقك من نتنه» . قال أبو إدريس الخولانيّ: المساجد مجالس الكرام. قال الأحنف: أطيب المجالس ما سافر فيه البصر واتّدع «4» فيه البدن، فأخذه عليّ ابن الجهم «5» فقال: [متقارب]
صحون «6» تسافر فيها العيون ... وتحسر عن بعد أقطارها
وقال المهلب: خير المجالس ما بعد فيه مدى الطّرف وكثرت فيه فائدة الجليس. قيل للأوسيّة: أيّ منظر أحسن؟ فقالت: قصور بيض في حدائق خضر. ونحوه قول عديّ «7» بن زيد: [خفيف]
كدمى العاج في المحاريب أو كال ... بيض في الرّوض زهره مستنير
حدّثنا سهل بن محمد قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: كان الأحنف إذا أتاه إنسان أوسع له، فإن لم يجد موضعا تحرّك ليريه أنه يوسع له. وكان آخر لا يوسع لأحد ويقول «ثهلان ذو الهضبات ما يتحلحل» «8» .
(1/424)

قال ابن عباس: لجليسي عليّ ثلاثّ: أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأن أوسع له إذا جلس، وأصغي إليه إذا تحدّث. وقال الأحنف: ما جلست مجلسا فخفت أن أقام عنه لغيري. وكان يقول: لأن أدعي من بعيد فأجيب أحبّ إليّ من أن أقصى من قريب.
كان القعقاع بن شور إذا جالسه رجل فعرفه بالقصد إليه جعل له نصيبا في ماله، وأعانه على عدوّه، وشفع له في حاجته، وغدا إليه بعد المجالسة شاكرا. وقسم معاوية يوما آنية فضة ودفع إلى القعقاع حظّه منها، فآثر به القعقاع أقرب القوم إليه فقال: [وافر]
وكنت جليس قعقاع «1» بن شور ... ولا يشقى بقعقاع جليس
ضحوك السنّ إن نطقوا بخير ... وعند الشرّ مطراق عبوس
كان يقال: إياك وصدر المجلس فإنه مجلس قلعة. قيل لمحمد بن واسع: ألا تجلس متّكئا! فقال: تلك جلسة الآمنين. قال عمرو بن العاص:
ثلاثة لا أملّهم: جليسي ما فهم عنّي، وثوبي ما سترني، ودابتي ما حملت رجلي. وزاد آخر: وامرأتي ما أحسنت عشرتي.
ذكر رجل عبد الملك بن مروان فقال: إنه لآخذ بأربع، تارك لأربع:
آخذ بأحسن الحديث إذا حدّث، وبأحسن الاستماع إذا حدّث، وبأحسن البشر إذا لقي، وبأيسر المؤونة إذا خولف. وكان تاركا لمحادثة اللئيم، ومنازعة اللّجوج، ومماراة السفيه، ومصاحبة المأبون.
كان رجل من الأشراف إذا أتاه رجل عند انقضاء مجلسه قال: إنك
(1/425)

جلست إلينا على حين قيام منّا أفتأذن؟. قال الفضيل بن عياض للثوريّ:
دلّني على من أجلس إليه، قال: تلك حالة لا توجد. قال مطرّف: لا تطعم طعامك من لا يشتهيه، يريد: لا تقبل بحديثك على من لا يقبل عليك بوجهه. وقال سعيد بن سلم: إذا لم تكن المحدّث أو المحدّث فانهض.
ونحوه قول ابن مسعود: حدّث القوم ما حدّجوك «1» بأبصارهم.
قال زياد مولى عيّاش بن أبي ربيعة: دخلت على عمر بن عبد العزيز، فلما رآني زحل عن مجلسه وقال: إذا دخل عليك رجل لا ترى لك عليه فضلا فلا تأخذ عليه شرف المجلس. وقال ابن عباس: ما أحد أكرم عليّ من جليسي، إن الذباب يقع عليه فيشقّ عليّ. ذكر الشّعبيّ قوما فقال: ما رأيت مثلهم أشدّ تناوبا في مجلس ولا أحسن فهما عن محدّث.
قال سليمان بن عبد الملك: قد ركبنا الفاره «2» ووطئنا الحسناء ولبسنا اللين وأكلنا الطّيب حتى أجمنا «3» ، ما أنا اليوم إلى شيء أحوج منّي إلى جليس أضع عنّي مؤونة التحفّظ فيما بيني وبينه.
روى ابن أبي ليلى عن حبيب بن أبي ثابت عن يحيى بن جعدة قال: قال عمر بن الخطاب: لولا أن أسير في سبيل الله أو أضع جبهتي في التراب لله أو أجالس قوما يلتقطون طيّب الحديث كما يلتقط طيّب الثمر لأحببت أن أكون قد لحقت بالله. قال عامر بن عبد قيس: ما اسى على شيء من العراق إلا على ظمأ الهواجر، وتجاوب المؤذنين، وإخوان لي منهم الأسود بن كلثوم. وقال آخر ما آسى من البصرة إلا على ثلاث: قصب السّكر، وليل الخرير، وحديث ابن
(1/426)

أبي بكرة. وقال المغيرة: كان يجالس إبراهيم صيرفيّ ورجل متّهم برأي الخوارج، فكان يقول لنا: لا تذكروا الرّبا إذا حضر هذا، ولا الأهواء إذا حضر هذا. وكان إمام مسجد الحرام لا يقول: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
إلا عند ختم القرآن في شهر رمضان من أجل اللهبيّين.
كان يقال: محادثة الرجال تلقح ألبابها. وكان بعض الملوك في مسير له ليلا فقال لمن حوله: إنه لا يقطع سرى الليل بمثل الحديث فيه فلينفض كل رجل منكم بناجوشا «1» منه. قال معاوية لعمرو بن العاص: ما بقي من لذة الدنيا تلذّه؟ قال: محادثة أهل العلم، وخبر صالح يأتيني من ضيعتي. قال أبو مسهر: ما حدّثت رجلا قطّ إلا حدّثني إصغاؤه: أفهم أم ضيّع.
باب الثّقلاء
قال إبراهيم: إذا علم الثقيل أنه ثقيل فليس بثقيل. كان يقال: من خاف أن يثقل لم يثقل. قيل لأيوب: ما لك لا تكتب عن طاووس؟ فقال: أتيته فوجدته بين ثقيلين: ليث بن أبي سليم، وعبد الكريم بن أبي أميّة.
قال الحسن: قد ذكر الله الثقل في كتابه قال: فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا
«2» . كان أبو هريرة إذا استثقل رجلا قال: اللهمّ اغفر له وأرحنا منه.
وكتب رجل على خاتمه: أبرمت فقم، فكان إذا جلس إليه ثقيل ناوله إياه. قال بختيشوع «3» للمأمون: لا تجالس الثقلاء فإنا نجد في الطب: مجالسة الثقيل حمّى الروح. قال بعض الشعراء:
(1/427)

[مجزوء الكامل]
إنّي أجالس معشرا ... نوكى «1» أخفّهمو ثقيل
قوم إذا جالستهم ... صدئت بقربهم العقول
لا يفهموني قولهم ... ويدقّ عنهم ما أقول
فهمو كثير بي وأع ... لم أنّني بهمو قليل
أخبرنا النّوشجانيّ عن عمر بن سعيد بن القرشي قال: حدّثني صدقة بن خالد قال: أتيت الكوفة فجلست إلى أبي حنيفة، فقام رجل من جلسائه فقال: [متقارب]
فما الفيل تحمله ميّتا ... بأثقل من بعض جلّاسنا «2»
فما حملت عنه شيئا.
مرّ رجل بصديق له ومعه رجل ثقيل، فقال له: كيف حالك؟
فقال: [منسرح]
وقائل كيف أنت؟ قلت له ... هذا لبسي فما ترى حالي؟
وقال بشّار «3» : [خفيف]
ربّما يثقل الجليس وإن كا ... ن خفيفا في كفّة الميزان
ولقد قلت حين وتّد في الأر ... ض ثقيل أربى على ثهلان «4»
(1/428)

كيف لم تحمل الأمانة أرض ... حملت فوقها أبا سفيان! «1» !
وقال آخر: [منسرح]
هل غربة الدار منك منجيتي ... إذا اغتدت بي قلائص ذمل «2»
وما أظنّ الفلاة منجيتي ... منك ولا الفلك أيها الرجل
ولو ركبت البراق «3» أدركني ... منك على نأي دارك الثّقل
هل لك فيما ملكت نافلة ... تأخذه جملة وترتحل
وقال أعرابيّ: [وافر]
كأني عند حمزة في مقامي ... ألا حيّيت عنّا يا مدينا
بلينا عنده حتى كأنّا ... ألا هبّي بصحنك فاصبحينا «4»
وقال آخر: [متقارب] «5»
ثقيل يطالعنا من أمم ... إذا سرّه رغم أنفي ألم
لطلعته وخرة في الحشا ... كوخز المشارط في المحتجم
أقول له إذ بدا طالعا ... ولا حملته إلينا قدم
فقدت خيالك لا من عمى ... وأذني كلامك لا من صمم
قال سهيل بن عبد العزيز: من ثقل عليك بنفسه وغمّك في سؤاله فألزمه
(1/429)

أذنا صمّاء وعينا عمياء.
وكتب بعض الكتّاب في فصل من كتابه: ما آمن نزغ مستميح حرمته، وطالب حاجة وددته، ومثابر ثقيل حجبته، أو منبسط ناب قبضته، ومقبل بعنانه عليّ لويت عنه، فقد فعلت هذا بمستحقين وبتعذر الحال، فتثبت رحمك الله، ولا تطع كلّ حلّاف مهين.
وقال بعض المحدثين للخليل: [متقارب]
خرجنا نريد غزاة لنا ... وفينا زياد أبو صعصعه
فستّة رهط به خمسة ... وخمسة رهط به أربعه
باب البناء والمنازل
الهيثم بن عديّ عن مجالد عن الشّعبيّ قال: قال السائب بن الأقرع لرجل من العجم: أخبرني عن مكان من القرية لا يخرب حتى أستقطع ذلك الموضع، فقال له: ما بين الماء إلى دار الإمارة، فاختطّ لثقيف ذلك الموضع، قال الهيثم بن عديّ: فبتّ عندهم فإذا ليلهم بمنزلة النهار.
وقال قائل في الدار: ليكن أوّل ما تبتاع وآخر ما تبيع.
وقال يحيى بن خالد لابنه جعفر حين اختط داره ليبنيها: هي قميصك فإن شئت فوسّعه، وإن شئت فضيّقه. وأتاه وهو يبني داره التي ببغداد بقرب الدور، وإذا هم يبيضون حيطانها فقال: إعلم أنك تغطّي الذهب بالفضة، فقال جعفر: ليس في كلّ مكان يكون الذهب أنفع من الفضة، ولكن هل ترى عيبا؟ قال: نعم، مخالطتها دور السّوقة.
دخل ابن التوءم على بعض البصريين وهو يبني دارا كثيرة الذرع،
(1/430)

واسعة الصحن، رفيعة السّمك، عظيمة الأبواب، فقال: إعلم أنك قد ألزمت نفسك مؤنة لا تطاق، وعيالا لا يحتمل مثلهم، ولا بد لك من الخدم والسّتور والفرش على حسب ما ابتليت به نفسك، وإن لم تفعل هجّنت رأيك.
وقرأت في كتاب الآيين أنه كان يستقبل بفراش الملك ومجلسه المشرق، أو يستقبل بهما مهبّ الصّبا، وذلك أن ناحية المشرق وناحية الصّبا يوصفان بالعلوّ والارتفاع، وناحية الدّبور وناحية المغرب يوصفان بالفضيلة والانخفاض، وكان يستقبل بصدور إيوانات الملك المشرق أو مهبّ الدبور، ويستقبل بصدور الخلاء وما فيه من المقاعد مهبّ الصّبا، لأنه يقال: إنّ استقبال الصبّا في موضع الخلاء آمن من سحر السّحرة ومن ريح الجنّة.
وكان عمر يقول: على كلّ خائن أمينان: الماء والطين. ومرّ ببناء يبنى بآجرّ وجصّ فقال: لمن هذا؟ قالوا: لفلان، فقال: تأبى الدراهم إلا أن تخرج أعناقها، وشاطره ماله.
أبو الحسن قال: لما بلغ عمر أنّ سعدا وأصحابه قد بنوا بالمدر «1» قال:
قد كنت أكره لكم البنيان بالمدر، فأمّا إذ قد فعلتم فعرّضوا الحيطان، وأطيلوا السّمك، وقاربوا بين الخشب. وقيل ليزيد بن المهلب: لم لا تبني بالبصرة دارا؟ فقال: لأني لا أدخلها إلا أميرا أو أسيرا، فإن كنت أسيرا فالسجن داري، وإن كنت أميرا فدار الإمارة داري. وقال: الصواب أن تتّخذ الدّور بين الماء والسّوق، وأن تكون الدور شرقية والبساتين غربية.
قال بعض الشعراء: [سريع]
بنو عمير مجدهم دارهم ... وكلّ قوم لهمو مجد
(1/431)

وقال آخر لأبي محمد اليزيدي: [سريع]
قومي خيار غير ما أنّهم ... صولتهم منهم على جارهم
ليس لهم مجد سوى مسجد ... به تعدّوا فوق أطوارهم
لو هدم المسجد لم يعرفوا ... يوما ولم يسمع بأخبارهم
وقال رجل من خزاعة: [مجزوء الكامل]
فخر المسيّب بالمناره ... ومناره برحا «1» عماره
فإذا تفاخرت القبا ... ئل من تميم أو فزاره
حفلت عليك شيوخ ضب ... بة بالمسيّب والمناره
مرّ رجل من الخوارج بدار تبنى فقال: من هذا الذي يقيم كفيلا؟.
وقالوا: كلّ مال لا يخرج بخروجك ولا يرجع برجوعك ولا ينتقل في الوجوه بانتقالك فهو كفيل.
وقالت الحكماء من الروم: أصلح مواضع البنيان أن يكون على تلّ أو كبس «2» وثيق ليكون مطلّا، وأحقّ ما جعلت إليه أبواب المنازل وأفنيتها وكواؤها المشرق واستقبال الصّبا، فإن ذلك أصلح للأبدان لسرعة طلوع الشمس وضوئها عليهم.
ومن حسن التشبيه في البناء قول عليّ بن الجهم: [متقارب]
صحون تسافر فيها العيون ... وتحسر عن بعد أقطارها
وقبّة ملك كأن النجو ... م تصغي إليها بأسرارها
(1/432)

وفوّارة ثأرها في السماء ... فليست تقصّر عن ثارها
إذا أوقدت نارها بالعراق ... أضاء الحجاز سنا نارها
تردّ على المزن ما أنزلت ... على الأرض من صوب أقطارها
لها شرفات كأن الربيع ... كساها الرياض بأنوارها
فهنّ كمصطحبات خرجن ... لفصح النصارى وإفطارها
فمن بين عاقصة شعرها ... ومصلحة عقد زنّارها
وقال الوليد بن كعب «1» : [طويل]
بكت دار بشر شجوها أن تبدّلت ... هلال بن عياد ببشر بن غالب
وما هي إلا مثل عرس «2» تنقّلت ... على رغمها من هاشم في محارب
وقال آخر: [وافر]
ألم تر حوشبا أمسى يبنّي ... قصورا نفعها لبني بقيله
يؤمّل أن يعمّر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كلّ ليله «3»
كان ملك بن أسماء يهوى جارية من بني أسد وكانت تنزل خصّا «4» وكانت دار مالك مبنية بآجرّ فقال: [كامل]
يا ليت لي خصّا يجاورها ... بدلا بداري في بني أسد
الخصّ فيه تقرّ أعيننا ... خير من الآجرّ والكمد
حدّثنا محمد بن خالد بن خداش عن أبيه قال: حدّثنا إسحاق بن
(1/433)

الفرات قاضي مصر عن الأوزاعيّ عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان بن داود لابنه: يا بنيّ، إنّ من ضيق العيش شراء الخبز من السوق، والنقلة من منزل إلى منزل.
بلغني أن رجلا من الزّهاد مرّ في زورق، فلما نظر إلى بناء المأمون وأبوابه صاح: واعمراه! فسمعه المأمون فدعا به فقال: ما قلت؟ قال: رأيت بناء الأكاسرة فقلت ما سمعت، قال المأمون: أرأيت لو تحوّلت من هذه المدينة إلى إيوان كسرى بالمدائن هل كان لك أن تعيب نزولي هناك؟ قال:
لا، قال: فأراك إنما عبت إسرافي في النفقة، قال: نعم، قال: فلو وهبت قيمة هذا البناء لرجل أكنّت تعيب ذلك؟ قال: لا، قال: فلو بنى هذا الرجل بما كنت أهب له بناء أكنت تصيح به كما صحت بي؟ قال: لا، قال: فأراك إنما قصدتني لخاصّتي في نفسي لا لعلة هي في غيري، ثم قال له: هذا البناء ضرب من مكايدنا نبنيه ونتّخذ الجيوش ونعدّ السلاح والكراع وما بنا إلى أكثره حاجة، فلا تعودنّ إليّ فتمسّك عقوبتي، فإن الحفيظة ربما صرفت ذا الرأي إلى هواه، فاستعمله.
باب المزاح والرّخص فيه
قال: حدّثنا محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن هشام بن عروة عن أبي سلمة قال: أخبرتني عائشة أنها سابقت رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فسبقته في سفر آخر فسبقها وقال: «هذه بتلك» .
حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي رافع قال: كان أبو هريرة على المدينة خليفة لمروان، فربما ركب حمارا قد شدّ عليه برذعة «1» وفي رأسه حلية فيلقى
(1/434)

الرجل فيقول: الطريق، قد جاء الأمير، وربما دعاني إلى عشائه بالليل فيقول:
دع العراق «1» للأمير، فأنظر فإذا هو ثريد «2» لزيت؟؟؟.
قال: حدّثني محمد بن مرزوق عن زاجر بن الصّلت الطاحى عن سعيد ابن عثمان قال: قال الشعبيّ لخياط مرّ به: عندنا حبّ مكسور تخيطه؟ فقال الخياط: إن كان عندك خيوط من ريح.
حدّثني بهذا الإسناد قال: دخل رجل على الشعبيّ ومعه في البيت امرأة فقال: أيكم الشعبيّ؟ قال الشعبيّ: هذه. وسئل الشعبيّ عن لحم الشيطان فقال: نحن نرضى منه بالكفاف، قال: فما تقول في الذّبّان؟ قال: إن اشتهيته فكله.
قال خالد بن صفوان للفرزدق وكان يمازحه: ما أنت يا أبا فراس بالذي لمّا رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن، قال: ولا أنت يا أبا صفوان بالذي قالت فيه الفتاة «3» لأبيها: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ
«4» .
حماد بن زيد عن غالب أنه سأل ابن سيرين عن هشام بن حسان قال:
توفّي البارحة، أما شعرت؟ فجزع واسترجع، فلما رأى ابن سيرين جزعه قرأ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها
«5»
(1/435)

مرّ بالشعبيّ حمّال على ظهر دنّ خلّ، فلما رآه وضع الدنّ وقال: ما كان اسم امرأة إبليس؟ فقال الشعبيّ: ذاك نكاح ما شهدناه.
حدّثني محمد بن عبد العزيز عن الأصبهانيّ عن يحيى بن أبي زائدة عن الأعمش قال: عادني إبراهيم فنظر إلى منزلي فقال: أمّا أنت فتعرف في منزلك أنك لست من أهل القريتين عظيم.
وروى وكيع عن ربيعة عن الزهريّ عن وهب بن عبد بن زمعة قال:
قالت أم سلمة: خرج أبو بكر في تجارة ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة، وكانا شهدا بدرا «1» ، وكان نعيمان على الزاد فقال له سويبط وكان مزّاحا: أطعمني، فقال: حتى يجيء أبو بكر، فقال: أما والله لأغيظنّك، فمرّوا بقوم فقال لهم سويبط: أتشترون مني عبدا لي؟ قالوا: نعم، قال: إنه عبد له كلام وهو قائل لكم: إني حرّ، فإن كنتم إذا قال لكم هذه المقالة تركتموه فلا تفسدوا عليّ عبدي، فقالوا: بل نشتريه منك بعشر قلائص»
، ثم جاءوا فوضعوا في عنقه حبلا وعمامة واشتروه، فقال نعيمان: إن هذا يستهزىء بكم وإني حرّ، قالوا: قد أخبرنا بخبرك، وانطلقوا به، وجاء أبو بكر فأخبروه فأتبعهم فردّ
(1/436)

عليهم القلائص وأخذه، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه فضحك هو وأصحابه منهما حولا.
حدّثني محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبيّ عن أبي عوانة عن قتادة أنّ عديّ بن أرطاة تزوّج بالكوفة وشرط لها دارها فأراد أن ينقلها فخاصمته إلى شريح، فقال: أين أنت أصلحك الله؟
قال: بينك وبين الحائط، قال: إني رجل من أهل الشام، قال: بعيد سحيق، قال: إني تزوّجت امرأة، قال: بالرّفاء والبنين، قال: وولدت غلاما، قال:
فليهنئك الفارس، قال: وشرطت لها دراها، قال: الشرط أملك، قال: إقض بيننا، قال: قد قضيت، قال: بمه؟ قال شريح: «حدّث امرأة حديثين فإن أبت فاربع «1» » قال لي المحدّث: فأربعة، وإنما هو فأربع أي كفّ وأمسك.
وتقدّم رجلان إلى شريح في خصومة فأقرّ أحدهما بما يدّعي الآخر عليه وهو لا يعلم، فقضى عليه شريح، فقال الرجل: أتقضي عليّ بغير بينة؟ فقال:
قد شهد عندي ثقة، قال: ومن هو؟ قال: ابن أخت خالتك.
كان ابن سيرين ينشد: [بسيط]
نبّئت أنّ فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطّول
وقال أيضا: [طويل]
لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزا ... ولو رضيت رمح استه لاستقرّت
وكان ابن سيرين يضحك حتى يسيل لعابه.
(1/437)

المدائني قال: قال عمرو بن العاص لمعاوية: إني رأيت البارحة في المنام كأن القيامة قد قامت ووضعت الموازين وأحضر الناس للحساب، فنظرت إليك وأنت واقف قد ألجمك العرق، وبين يديك صحف كأمثال الجبال، فقال معاوية: فهل رأيت شيئا من دنانير مصر؟.
كان معن بن زائدة ظنينا في دينه، فبعث إلى ابن عيّاش المنتوف بألف دينار، وكتب إليه: قد بعثت إليك بألف دينار اشتريت بها دينك، فاقبض المال واكتب إليّ بالتسليم، فكتب إليه: قد قبضت الدنانير وبعتك بها ديني خلا التوحيد لما عرفت من زهدك فيه.
قال الرشيد ليزيد بن مزيد: ما أكثر الخلفاء من ربيعة! فقال يزيد:
أجل، ولكن منابرهم الجذوع.
قال بلال بن أبي بردة لابن أبي علقمة: إنما دعوتك لأسخر منك، فقال له ابن أبي علقمة: لئن قلت ذاك لقد حكّم المسلمون رجلين سخر أحدهما من الآخر.
كان يقال: السّباب مزاح النّوكى «1» . وقال الشاعر: [طويل]
أخو الجدّ إن جاددت أرضاك جدّه ... وذو باطل إن شئت ألهاك باطله
وقال مسعر «2» بن كدام لابنه: [كامل]
ولقد حبوتك يا كدام نصيحتي ... فاسمع لقول أب عليك شفيق
(1/438)

أمّا المزاحة والمراء فدعهما ... خلقان لا أرضاهما لصديق
ولقد بلوتهما فلم أحمدهما ... لمحاور جار ولا لرفيق
وقال الكميت «1» : [طويل]
وفي الناس أقذاع ملاهيج بالخنا ... متى يبلغ الجدّ الحفيظة يلعبوا
ومما يقارب هذا قول بعض المحدثين: [طويل]
أراني سأبدي عند أوّل سكرة ... هواي لفضل في خفاء وفي ستر
فإن رضيت كان الرضا سبب الهوى ... وإن غضبت حمّلت ذنبي على السّكر
وقال الراعي «2» - في نحو هذا يصف نساء-: [طويل]
يناجيننا بالطّرف دون حديثنا ... ويقضين حاجات وهنّ موازح
عرض بعض الأمراء على رجل عملين ليختار أحدهما فيوليه، فقال:
«كلاهما وتمرا» ، فقال: أعندي تمزح! لا وليت لي عملا.
وقال عمر بن الخطاب: من كثر ضحكه قلّت هيبته. وقال عليّ: إذا ضحك العالم ضحكة مجّ من العلم مجّة. وقال أكثم: «المزاحة تذهب المهابة» .
الهيثم عن عوانة الكلبيّ قال: دخل الأخطل على عبد الملك بن مروان وهو مغموم وعنده رجل كان يحسده الأخطل ويقارضه، فقال الأخطل: يا أمير المؤمنين، عهدي بأبي هذا الفتى وهو سيدنا معشر بني جشم، وشيخنا الذي نصدر عن رأيه، فاهتزّ لها الفتى وقال: يا أمير المؤمنين، هو أعلم بنا قديما
(1/439)

وحديثا، قال الأخطل: إن أباه أمرنا ذات يوم وقد نوّرت الرياض أن نخرج إلى روضة في ظهر بيوت الحيّ فنتحدّث فيها، فخرجنا وانبسطنا لعبا، وخرج الرجل منا بالبكرة الكوماء «1» وبالخروف والجدي، وقام الفتيان فاجتزروا واشتووا ودارت السّقاة علينا، فبينما نحن كذلك رعف أبوه فما تركنا في الحيّ روثة حمار إلا نشقناه إياها فلم يرقأ «2» دمه، فقال لنا شيخ: شدّوا خصي الشيخ عصبا، ففعلنا ذلك فرقأ الدم، فوالله ما دارت الكأس إلا دورة حتى أتانا الصريخ عن أمّه أنها قد رعفت، فبادرنا إليها، فوالله ما درينا ما نعصب منها حتى خرجت نفسها، وعبد الملك يفحص برجليه ضحكا، والفتى يقول:
كذب والله، فقال عبد الملك: ألم تزعم أنه أعلم الناس بقديمكم وحديثكم!.
حدّثني أحمد بن عمرو وقال: كان رجل من الفقهاء في طريق مكة، فرأى، وهو محرم، يربوعا «3» فرماه بعصا كانت في يده فقتله، فقال الجمّال:
ألست محرما؟ قال: بلى وما كانت بي إلى رميه حاجة إلا أن تعلم أنّ إحرامي لا يمنعني من ضربك.
قال: وكان الأعمش يقول: من تمام الحج ضرب الجمّال.
المدائنيّ قال: كان نعيمان رجلا من الأنصار وشهد بدرا وجلده النبيّ عليه السلام في الخمر أربع مرات، فمرّ نعيمان بمخرمة بن نوفل وقد كفّ بصره فقال: ألا رجل يقودني حتى أبول، فأخذ بيده نعيمان، فلما بلغ مؤخّر المسجد قال: هاهنا
(1/440)

فبل، فبال فصيح به، فقال: من قادني؟ قيل: نعيمان، قال: لله عليّ أن أضربه بعصاي هذه، فبلغ نعيمان فأتاه فقال له: هل لك في نعيمان؟ فقال: نعم، فقال:
قم، فقام معه فأتى به عثمان بن عفان وهو يصلي، فقال: دونك الرجل، فجمع يديه في العصا ثم ضربه، فقال الناس: أمير المؤمنين، فقال: من قادني؟ قالوا: نعيمان، قال: لا أعود إلى نعيمان أبدا.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن ابن أبي الزّناد عن أبيه قال: قلت لخارجة بن زيد: هل كان الغناء يقام في العرسات؟ «1» قال: قد كان ذاك، ولا يحضر بما يحضر اليوم من السّفه، دعانا أخوالنا بنو نبيط في مدعاة لهم فشهد المدعاة حسّان بن ثابت وابنه عبد الرحمن وأنا، وجاريتان تغنّيان: [منسرح]
أنظر خليلي بباب جلّق «2» هل ... تؤنس دون البلقاء من أحد؟
فبكى حسان وقد كفّ بصره، وجعل عبد الرحمن يومىء إليهما أن زيدا، فلا أدري ماذا يعجبه من أن تبكيا أباه، ثم جيء بالطعام، فقال حسان:
أطعام يد أم طعام يدين؟ فقالوا: طعام يد، يريدون الثريد «3» فأكل، ثم أتي بطعام آخر فقال: أطعام يد أم طعام يدين؟ قالوا: طعام يدين، يعنون الشّواء فكفّ.
حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: كان طويس يتغنّى في عرس،
(1/441)

فدخل النعمان ابن بشير العرس وطويس «1» يقول: [متقارب]
أجدّ بعمرة «2» غنيانها ... فتهجر أم شأنها شانها
وعمرة أم النعمان، فقيل له: أسكت أسكت، فقال النعمان: إنه لم يقل بأسا وإنما قال: [متقارب]
وعمرة من سروات النّسا ... تنفح بالمسك أردانها «3»
حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثنا الحجاج بن نصير قال: حدّثنا شعبة عن قتادة عن أبي العالية أنه كان مع ابن عباس وهو محرم، فقال ابن عباس: [رجز]
وهنّ يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطير ننل «4» لميسا
فقالوا: تقول الرفث «5» وأنت محرم يا ابن عباس! فقال: إنما الرّفث عند النساء.
قال جابر الجعفيّ: رأيت الشعبيّ خارجا من الكوفة فقلت له: أين؟
قال: انظر إلى الفيل.
حدّثني أبو الخطاب قال: حدّثنا سلم بن قتيبة قال: حدّثنا شريك عن جابر الجعفيّ عن عكرمة فقال: ختن ابن عباس بنيه فأرسلني فدعوت اللعّابين فلعبو فأعطاهم أربعمائة درهم.
(1/442)

حدّثني شيخ لنا من أهل المدينة قال: ولي الأوقص المخزوميّ قضاء مكة فما رئي مثله في العفاف والنّبل، فبينا هو نائم ذات ليلة في جناح له مرّ به سكران يتغنّى، فأشرف عليه فقال له: يا هذا، شربت حراما، وأيقظت نوّاما، وغنّيت خطأ، خذ عني فأصلحه له. وقال الأوقص قالت لي أمي: يا بنيّ، إنك خلقت خلقة لا تصلح معها لمجامعة الفتيان في بيوت القيان، إنك لا تكون مع أحد إلّا تخطّتك إليه العيون، فعليك بالدّين فإنه يرفع الخسيسة ويتمّ النقيصة، فنفعني الله بكلامها فبلغت القضاء.
قال عبد الله بن جعفر لرجل: لو غنّتك فلانة جاريتي صوت كذا ما أدركت زكاتك «1» .
حدّثني شيخ لنا عن سلم بن قتيبة عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: مرّ بي عمر، وأنا وعاصم بن عمر نتغنّى غناء النّصب، فقال: أعيدا، فأعدنا، فقال: مثلكما مثل حماري العباديّ، قيل له: أيّ حماريك أشرّ؟ قال: هذا ثم هذا.
وحدّثني أيضا عن ابن عاصم عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن القراءة على ألحان الغناء والحداء فقال: وما بأس، لقد حدّثني عبيد بن عمير الليثيّ قال: كانت لداود نبيّ الله معزفة يضرب بها إذا قرأ الزّبور، فكان إذا قرأ اجتمع إليه الإنس والجنّ والطير فبكى وأبكى من حوله. وقال لي غيره: ولهذا قيل: مزامير داود، كأنه أغاني داود.
خرج أبو معاوية الضرير يوما على أصحابه فقال:
(1/443)

[مجزوء الرمل]
وإذا المعدة جاشت ... فارمها بالمنجنيق
بثلاث من نبيذ ... ليس بالحلو الرقيق
النّوشجانيّ قال: حدّثني محمد بن سابق قال: حدّثنا مالك بن مغول عن أبي حصين قال: شرب الأسود فقال: لو سقيتموني آخر لغنّيت.
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا أبو أسامة عن مجالد عن الشعبيّ عن عمه قال: صحبت ابن مسعود حولا من رمضان إلى رمضان لم يصم يوما واحدا، فأهمّني ذلك وسألت عنه، ولم أره صلّى الضّحى حتى خرج من بين أظهرنا.
قال: حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم عن مهديّ ابن ميمون قال: كان أبو صادق لا يتطوّع من السّنة بصوم يوم، ولا يصلي ركعة سوى الفريضة قبلها ولا بعدها، وكان به من الورع شيء عجيب.
حدّثني الزّياديّ قال: قال حماد بن زيد عن أيوب قال: دخلت على رجل من الفقهاء وهو يلعب بالشّطرنج.
وحدّثني الزّياديّ قال: حدّثنا حماد بن زيد عن هشام بن حسان قال:
سئل ابن سيرين عن اللّعب بالشّطرنج فقال: لا بأس به هو رفق.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن معتمر قال: قال أبي: ترون أن الشّطرنج «1» وضعت على أمر عظيم؟.
قال: وحدّثنا الأصمعيّ عن ابن أبي زائدة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: كان قيس بن أبي حازم في مدعاة فقال لصاحب المنزل: طيّر.
(1/444)

حدّثني شبابة قال: حدّثني القاسم بن الحكم العرنيّ قال: حدّثني سليم مولى الشعبيّ أنّ الشعبيّ كان إذا اختضب غرض «1» لاعب ابنته بالنّرد حتى يعلق الخضاب.
حدّثنا إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا النّضر بن شميل قال؛ حدّثنا شعبة عن عبد ربه قال: سمعت سعيد بن المسيب وسئل عن اللعب بالنّرد فقال: إذا لم يكن قمارا فلا يأس.
حدّثنا إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا الفضل بن موسى عن رشدين بن كريب قال: رأيت عكرمة أقيم قائما على اللعب بالنّرد. قال إسحاق: إن كان لعبه على غير معنى القمار يريد به التعليم والمكايدة فهو مكروه، ولا يبلغ ذلك إسقاط شهادته.
وروى عبد الملك بن عمير عن إبراهيم بن محمد قال: أخبرني أبي قال: رأيت أبا هريرة يلعب مع أبي بأربعة عشر على ظهر المسجد.
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثني عليّ بن عاصم عن أبي إسحاق الشّيباني عن خوّات التميميّ عن الحارث بن سويد قال: أتى عبد الله بن مسعود رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنّ لي جارا يربي وما يتورّع من شيء أصابه، وإني أعسر فأستسلفه، ويدعوني فأجيبه، فقال: كل فلك مهنؤه وعليه وزره.
كان أبو فضاله أسنّ وشقّت عليه الصلاة، فكان يقول: مشقية منصبة، مقيمة مقعدة، لا تزال بصاحبها حتى يضع أكرمه ويرفع أفحشه.
(1/445)

قال عبد الله بن القعقاع «1» الأسديّ: [طويل]
أتانا بها صفراء يزعم أنها ... زبيب، فصدّقناه وهو كذوب
فهل هي إلا ليلة غاب نحسها ... أصلّي لربّي بعدها وأتوب؟
وقال آخر: [بسيط]
من ذا يحرّم ماء المزن خالطه ... في جوف آنية ماء العناقيد
إني لأكره تشديد الرّواة لنا ... فيها ويعجبني قول ابن مسعود
وعيون الأخبار ومتخيّر الشعر في الشراب يقع في كتابي المؤلف في الأشربة، ولذلك تركت ذكرها.
وكتب بعض الكتّاب إلى صديق له في فصل: ونحن نحمد الله إليك فإنّ عقدة الإسلام في قلوبنا صحيحة، وأواخيّه ثابتة، ولقد اجتهد قوم أن يدخلوا قلوبنا من مرض قلوبهم، وأن يلبسوا يقيننا بشكّهم، فمنعتنا عصمة الله منهم، وحال توفيقه دونهم، ولنا بعد مذهب في الدّعابة جميل، لا يشوبه أذى ولا قذى، يخرج إلى الأنس من العبوس، وإلى الاسترسال من القطوب، ويلحقنا بأحرار الناس وأشرافهم الذين ارتفعوا عن لبسة الرياء والتصنّع.
التوسّط في الأشياء وما يكره من التقصير فيها والغلوّ. باب التوسط في الدّين
حدّثني الزّياديّ قال: حدّثنا عبد العزيز الدّراورديّ قال: حدّثني محمد ابن طحلاء عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:
(1/446)

«اكلفوا من العمل ما تطيقون فإنّ الله لا يملّ حتى تملّوا، وإنّ أفضل العمل أدومه وإن قلّ» .
حدّثني محمد بن يحيى القطعيّ قال: حدّثنا محمد بن علي بن مقدّم عن معن الغفاريّ عن المقبريّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ هذا الدّين يسر ولن يشادّ الدّين أحد إلا غلبه، فسدّدوا وقاربوا وأبشروا» .
حدّثني القومسيّ عن أحمد بن يونس عن زهير عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدّين الحسن والسّمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوّة» .
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن خالد الحذّاء عن أبي قلابة عن مسلم بن يسار أنّ رفقة من الأشعريين كانوا في سفر، فلما قدموا قالوا: يا رسول الله، ليس أحد بعد رسول الله أفضل من فلان، يصوم النهار، فإذا نزلنا قام يصلّي حتى نرتحل، قال: «من كان يمهن له أو يكفيه أو يعمل له؟» قالوا: نحن، قال: «كلّكم أفضل منه» .
وروى أبو معاوية عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن عليّ عليه السلام قال: خياركم كلّ مفتّن توّاب. وقال علي أيضا: خير هذه الأمة النّمط الأوسط، يرجع إليهم الغالي ويلحق بهم التالي.
وروى وكيع عن محمد بن قيس عن عمرو بن مرّة قال: قال حذيفة:
خياركم الذين يأخذون من دنياهم لآخرتهم، ومن آخرتهم لدنياهم. وكان يقال: دين الله بين المقصّر والغالي. وقال المطرّف لابنه: يا بنيّ، الحسنة بين
(1/447)

السيئتين، يعني بين الإفراط والتقصير، وخير الأمور أوساطها، وشرّ السّير الحقحقة «1» .
وفي بعض الحديث المرفوع: ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ولا الآخرة للدنيا ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه» . وقال: «إنّ الله بعثني بالحنيفيّة السهلة، ولم يبعثني بالرّهبانية المبتدعة، سنّتي الصلاة والنّوم، والإفطار والصوم، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» . وفي الحديث: إنّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» .
وكان يقال: طالب العلم وعامل البرّ كآكل الطعام إن أخذ منه قوتا عصمه، وإن أسرف في الأخذ منه بشمه «2» ، وربما كانت فيه منيّته، وكآخذ الأدوية التي قصدها شفاء، ومجاوزة القدر فيها السّمّ المميت.
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن سالم بن أبي حفصة أنّ ابن أبي نعم كان يهلّ من السنة إلى السنة ويقول في تلبيته:
لبّيك «3» ، لو كان رياء لاضمحلّ.
حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثنا موسى بن مسعود عن سفيان عن أبي إسحاق قال: قال عمر بن ميمون: لو أدرك أصحابنا محمد بن أبي نعم لرجموه، كان يواصل كذا وكذا يوما ويهلّ بالحج إذا رجع الناس من الحج.
وقال سلمان: القصد والدوام وأنت السّابق الجواد. وفي بعض الحديث أنّ عيسى بن مريم لقي رجلا فقال: ما تصنع؟ قال: أتعبّد. قال: من يعود عليك؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك.
(1/448)

روح بن عبادة عن الحجاج بن الأسود قال: من يدلّني على رجل بكّاء بالليل بسّام بالنهار؟.
وروى أبو أسامة عن حماد بن زيد عن إسحاق بن سويد قال: قال مطرّف: أنظروا قوما إذا ذكروا ذكروا بالقراءة فلا تكونوا منهم، وانظروا قوما إذا ذكروا ذكروا بالفجور فلا تكونوا منهم. كونوا بين هؤلاء وهؤلاء.
باب التوسّط في المداراة والحلم
قرأت في كتاب للهند: بعض المقاربة حزم، وكلّ المقاربة عجز، كالخشبة المنصوبة في الشمس تمال فيزيد ظلّها، ويفرط في الإمالة فينقص الظلّ. ومن أمثال العرب في هذا: «لا تكن حلوا فتسترط «1» ولا مرّا فتلفظ» وأبو زيد يقول: ولا مرّا فتعقى «2» ، يقال: أعقى الشيء إذا اشتدّت مرارته.
وقال الشاعر: [طويل]
وإنّي لصعب الرأس غير جموح
وقال آخر في صفة قوس: [رجز]
في كفّه معطية منوع
وقال آخر: [رجز]
شريانة تمنع بعد اللّين
وقال أبرويز لابنه: إجعل لاقتصادك السلطان على إفراطك، فإنك إذا
(1/449)

قدّرت الأمور على ذلك وزنتها بميزان الحكمة وقوّمتها تقويم الثّقاف، ولم تجعل للندامة سلطانا على الحلم.
وقال النابغة «1» الجعديّ: [طويل]
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
وقال آخر: [طويل]
ولا خير في عرض امرىء لا يصونه ... ولا خير في حلم امرىء ذلّ جانبه
وقال أكثم بن صيفيّ: الانقباض من الناس مكسبة للعداوة، وإفراط الأنس مكسبة لقرناء السّوء.
باب التوسّط في العقل والرأي
روي في الحديث أن زياد بن أبي سفيان كان كاتبا لأبي موسى الأشعري فعزله عمر عن ذلك، فقال له زياد: أعن عجز عزلتني يا أمير المؤمنين أم عن خيانة؟ فقال: لا عن ذاك ولا عن هذا، ولكنّي كرهت أن أحمل على العامّة فضل عقلك. ويقال: إفراط العقل مضرّ بالجدّ «2» . ومن الأمثال المبتذلة:
إستأذن العقل على الجدّ فقال: إذهب لا حاجة بي إليك. وقال الشاعر: [وافر]
فعش في جدّ أنوك حالفته ... مقادير يساعدها الصواب
وقال آخر: [سريع]
إنّ المقادير إذا ساعدت ... ألحقت العاجز بالحازم «3»
(1/450)

وقال آخر: [طويل]
أرى زمنا نوكاه أسعد أهله ... ولكنّه يشقى به كلّ عاقل
وقال الحسن: تشبّه زياد بعمر وأفرط، وتشبّه الحجاج بزياد فأهلك الناس. وقال الحكماء: فضل الأدب في غير دين مهلكة. وفضل الرأي إذا لم يستعمل في رضوان الله ومنفعة الناس قائد إلى الذنوب، والحفظ الزاكي الواعي لغير العلم النافع مضرّ بالعمل الصالح، والعقل غير المورّع عن الذنوب خازن الشيطان.
تنازع اثنان: أحدهما سلطانيّ والآخر سوقيّ، فضربه السلطانيّ فصاح:
واعمراه! ورفع خبره إلى المأمون فأمر بإدخاله عليه، قال: من أين أنت؟ قال:
من أهل فامية «1» ، إن عمر بن الخطاب كان يقول: من كان جاره نبطيا واحتاج إلى ثمنه فليبعه، فإن كنت تطلب سيرة عمر فهذا حكمه فيكم، وأمر له بألف درهم.
باب ذمّ فضل الأدب والقول
قيل لبعض الحكماء: متى يكون الأدب شرّا من عدمه؟ قال: إذا كبر الأدب ونقص العقل. وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله.
ويقال: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خصال الخير عليه. وقال الشاعر: [متقارب]
رأيت اللسان على أهله ... إذا ساسه الجهل ليثا مغيرا
(1/451)

وقال سليمان بن عبد الملك: زيادة منطق على عقل خدعة، وزيادة عقل على منطق هجنة، وأحسن من ذاك ما زيّن بعضه بعضا.
قال ضرار بن عمرو لابنته حين زوّجها: أمسكي عليك الفضلين: فضل الغلمة وفضل الكلام.
وقال عمر بن الخطاب رحمه الله: رحم الله امرأ أمسك فضل القول وقدّم فضل العمل.
نزل المنذر بن المنذر في كتيبة موضعا، فقال له رجل: أبيت «1» اللّعن إن ذبح رجل هاهنا، إلى أيّ موضع يبلغ دمه من هذه الرابية؟ فقال المنذر:
المذبوح والله أنت، ولأنظرنّ أين يبلغ دمك، فقال رجل «2» ممن حضر: «ربّ كلمة تقول لصاحبها دعني» .
قال زياد على المنبر: إن الرجل ليتكلّم بالكلمة لا يقطع بها ذنب عنز مصور ولو بلغت إمامه سفكت دمه. وقال أكثم بن صيفيّ: مقتل الرجل بين فكّيه. وقال الأحنف: حتف الرجل مخبوء تحت لسانه.
باب التوسّط في الجدة
كان دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهمّ إني أعوذ بك من غنى مبطر ومن فقر ملبّ أو مربّ «3» ، وكذلك اللهمّ لا غنى يطغي ولا فقرا ينسي.
وقال أبو المعتمر السّلميّ: الناس ثلاثة أصناف: أغنياء وفقراء وأوساط،
(1/452)

فالفقراء موتى إلا من أغناه الله بعزّ القناعة، والأغنياء سكارى إلا من عصمه الله بتوقّع الغير، وأكثر الخير مع أكثر الأوساط وأكثر الشرّ مع الفقراء والأغنياء لسخف الفقر وبطر الغنى. ومن أمثال العرب في هذا: «بين الممخّة «1» والعجفاء» .
باب الإقتصاد في الإنفاق والإعطاء
قال الله عز وجل: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
«2» ، وقال عز وجل: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
«3» .
حدّثني أحمد بن الخليل عن مسلم بن إبراهيم عن سكين بن عبد العزيز عن إبراهيم بن مسلم عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما عال «4» مقتصد.
وحدّثني أيضا عن مسلم قال: حدّثنا أبو قدامة الحارث بن عبيد قال:
حدّثنا برد بن سنان عن الزّهري قال: قال أبو الدّرداء: حسن التقدير في المعيشة أفضل من نصف الكسب، ولقط حبّا منثورا وقال: إنّ فقه الرجل رفقه في معيشته.
قال أبو الأسود لولده: لا تجاودوا الله فإنه أجود وأمجد، وإنه لو شاء أن
(1/453)

يوسّع على الناس كلّهم حتى لا يكون محتاج لفعل، فلا تجهدوا أنفسكم في التوسعة فتهلكوا هزلا.
قيل لمحمد بن عمران قاضي المدينة- وهو من ولد طلحة بن عبيد الله-: إنك تنسب إلى البخل، فقال: والله إني لا أحمد في الحق ولا أذوب في الباطل. وكان يقال: لا تصن كثيرا عن حقّ ولا تنفق قليلا في باطل. ومن أمثال العرب في ذلك «لا وكس ولا شطط» «1» و «إذا جدّ السؤال جدّ المنع» .
وقال الشاعر: [طويل]
إلّا أكن كلّ الجواد فإنّني ... على الزاد في الظّلماء غير لئيم
وإلّا أكن كلّ الشجاع فإنني ... أردّ سنان الرمح غير سليم
وقد علمت عليا هوازن أنني ... فتاها وسفلى عامر وتميم
قال معاوية: ما رأيت سرفا «2» قطّ إلا وإلى جانبه حقّ مضيّع.
أفعال من أفعال السادة والأشراف
حدّثني الرّياشيّ قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: حدّثنا ابن عمران قاضي المدينة أن طلحة كان يقال له: طلحة الخير، وطلحة الفيّاض، وطلحة الطّلحات وأنه فدى عشرة من أسارى بدر وجاء يمشي بينهم، وأنه سئل برحم فقال: ما سئلت بهذه الرحم قبل اليوم، وقد بعت حائطا لي بتسعمائة ألف درهم وأنا فيه بالخيار، فإن شئت ارتجعته وأعطيتكه، وإن شئت أعطيتك ثمنه.
(1/454)

حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ قال: أخبرني شيخ من مشيختنا،- وربما قال: هارون الأعور- أن قتيبة بن مسلم قال: أرسلني أبي إلى ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة فقال: قل له قد كان في قومك دماء وجراح، وقد أحبّوا أن تحضر المسجد فيمن يحضر، قال: فأتيته فأبلغته فقال يا جارية: غدّيني، فجاءت بأرغفة خشن فثردتهنّ في مريس «1» ثم برقتهنّ «2» فأكل. قال قتيبة: فجعل شأنه يصغر في عيني ونفسي، ثم مسح يده وقال:
الحمد لله، حنطة الأهواز وتمر الفرات وزيت الشام، ثم أخذ نعليه وارتدى، ثم انطلق معي وأتى المسجد الجامع فصلّى ركعتين ثم احتبى، فما رأته حلقة إلا تقوّضت إليه، فاجتمع الطالبون والمطلوبون فأكثروا الكلام، فقال: إلى ماذا صار أمرهم؟ قالوا: إلى كذا وكذا من إبل، قال: هي عليّ، ثم قام.
الهيثم عن ابن عباس قال: كان معد يكرب بن أبرهة جالسا مع عبد العزيز بن مرون على سريره فأتي بفتيان قد شربوا الخمر، فقال: يا أعداء الله، أتشربون الخمر! فقال معد يكرب: أنشدك الله أن لا تفضح هؤلاء، فقال:
إنّ الحق في هؤلاء وفي غيرهم واحد، فقال معديكرب: يا غلام صبّ من شرابهم في القدح، فصبّ له فشربه وقال: والله ما شرابنا في منازلنا إلا هذا.
فقال عبد العزيز: خلّوا عنهم، فقيل له حين انصرفوا: شربت الخمر! فقال:
أما والله إن الله ليعلم أنّي لم أشربها قطّ في سرّ ولا علانية، ولكنّي كرهت أن يفضح مثل هؤلاء بمحضري.
وحدّثني شيخ لنا قال: مدح شاعر الحسن بن سهل فقال له: احتكم، وظنّ أنّ همّته قصيرة، فقال: ألف ناقة، فوجز الحسن ولم يمكنه، وكره أن
(1/455)

يفتضح وقال: يا هذا إنّ بلادنا ليست بلاد إبل، ولكن ما قال امرؤ القيس:
[وافر]
إذا ما لم يكن إبل فمعزى ... كأنّ قرون جلّتها العصيّ
قد أمرت لك بألف شاة، فالق يحيى بن خاقان، فأعطاه بكلّ شاة دينارا.
قال: وقدم زائر على أبي دلف فأمر له بألف دينار وكسوة ثم قال: [كامل]
أعجلتنا فأتاك عاجل برّنا ... قلّا ولو أمهلتنا لم يقلل
فخذ القليل وكن كأنك لم تقل ... شيئا، ونحن كأننا لم نفعل
وقال بعض الشعراء: [خفيف]
ليس جود الفتيان من فضل مال ... إنما الجود للمقلّ المواسي
وقال دعبل «1» في نحوه: [طويل]
لئن كنت لا تولي يدا دون إمرة ... فلست بمول نائلا آخر الدّهر
فأيّ إناء لم يفض عند ملئه! * وأيّ بخيل لم ينل ساعة الوفر!
وليس الفتى المعطي على اليسر وحده ... ولكنه المعطي على العسر واليسر
ابن الكلبيّ قال: أخبرني غير واحد من قريش قالوا: أراد عبد الله وعبيد الله ابنا العباس أن يقتسما ميراثهما من أبيهما بمكة، فدعي القاسم ليقسم، فلما مدّ الحبل قال له عبد الله: أقم المطمر «2» . فقال له عبيد الله: يا أخي، الدار دراك لا يمدّ والله فيها اليوم مطمر. وكان يقال: من أراد العلم
(1/456)

والسخاء والجمال فليأت دار العباس، كان عبد الله أعلم الناس، وعبيد الله أسخى الناس، والفضل أجمل الناس.
باع عبد الله بن عتبة أرضا بثمانين ألفا، فقيل له: لو اتخذت لولدك من هذا المال ذخرا! فقال: أنا أجعل هذا المال ذخرا لي عند الله، وأجعل الله ذخرا لولدي، وقسم المال.
ويقال: إنّ أوّل ما عرف به سؤدد خالد بن عبد الله القسري أنه مرّ في بعض طرق دمشق وهو غلام فأوطأ فرسه صبيّا فوقف عليه، فلما رآه لا يتحرّك أمر غلامه فحمله، ثم انتهى به أوّل مجلس مرّ به فقال: إن حدث بهذا الغلام حدث الموت فأنا صاحبه، أو طأته فرسي ولم أعلم.
قال عديّ بن حاتم لابن له حدث: قم بالباب فامنع من لا تعرف وأذن لمن تعرف، فقال: لا والله، لا يكون أوّل شيء وليته من أمر الدنيا منع قوم من الطعام.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: ضاف بني زياد العبسيّين ضيف، فلم يشعروا إلا وقد احتضن أمّهم من خلفها، فرفع ذلك إلى ربيع بن زياد الكامل فقال: لا يضارّ الليلة عائذ أمّي، أنه عاذ بحقويها «1» .
المدائنيّ قال: أحدث رجل في الصلاة خلف عمر بن الخطاب، فلما سلّم عمر قال: أعزم على صاحب الضرطة إلا قام فتوضأ وصلّى، فلم يقم أحد، فقال جرير بن عبد الله: يا أمير المؤمنين، إعزم على نفسك وعلينا أن نتوضّأ ثم نعيد الصلاة، فأمّا نحن فتصير لنا نافلة، وأما صاحبنا فيقضي
(1/457)

صلاته، فقال عمر: رحمك الله، إن كنت لشريفا في الجاهلية فقيها في الإسلام.
كان عبد الله بن جدعان التيميّ حين كبر أخذ بنو تيم عليه ومنعوه أن يعطي شيئا من ماله، فكان الرجل إذا أتاه يطلب منه قال: أدن منّي، فإذا دنا منه لطمه ثم قال: إذهب فاطلب بلطمتك أو ترضى، فترضيه بنو تيم من ماله.
وفيه يقول ابن قيس «1» الرّقيّات: [خفيف]
والذي إن أشار نحوك لطما ... تبع اللّطم نائل وعطاء
وابن جدعان «2» هو القائل: [بسيط]
إنّي وإن لم ينل مالي مدى خلقي ... وهّاب ما ملكت كفّي من المال
لا أحبس المال إلّا ريث أتلفه ... ولا تغيّرني حال عن الحال
الهيثم عن حمّاد الراوية عن مشايخ طيء قالوا: كانت عتبه «3» بنت عفيف أمّ حاتم لا تليق «4» شيئا سخاء وجودا، فمنعها إخوتها من ذلك فأبت، وكانت موسرة فحبسوها في بيت سنة يطعمونها قوتها رجاء أن تكفّ، ثم أخرجوها بعد سنة وظنّوا أنها قد أقصرت ودفعوا إليها صرمة «5» ، فأتتها امرأة من هوازن فسألتها فأعطتها الصّرمة وقالت: والله لقد مسّني من الجوع ما آليت معه ألّا أمنع سائلا شيئا. وقالت:
(1/458)

[طويل]
لعمري لقدما عضّني الجوع عضّة ... فآليت ألّا أمنع الدّهر جائعا
فقولا لهذا اللّائمي الآن أعفني ... فإن أنت لم تفعل فعضّ الأصابعا
فماذا عساكم أن تقولوا لأختكم ... سوى عذلكم أو عذل من كان مانعا
ولا ما ترون الدّهر إلا طبيعة ... فكيف بتركي يا ابن أمّ الطبائعا «1»
ابن الكلبيّ عن أبيه عن رجالات طيء قالوا: كان حاتم جوادا شاعرا، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان ظفرا إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا ضرب بالقداح سبق، وإذا أسر أطلق، وكان أقسم بالله: لا يقتل واحد أمّه.
أبو اليقظان قال: أخذ عبيد الله بن زياد عروة «2» بن أديّة أخا أبي بلال فقطع يديه ورجليه وصلبه على باب داره، فقال لأهله: أنظروا هؤلاء الموكّلين بي فأحسنوا إليهم فإنهم أضيافكم.
سفيان بن عيينة قال: كان سعيد بن العاص إذا أتاه سائل فلم يك عنده ما سأل قال: أكتب عليّ بمسألتك سجلّا إلى أيام يسري.
باع أعرابيّ ناقة له من مالك بن أسماء، فلما صار الثمن في يده نظر إليها فذرفت عيناه، ثم قال: [طويل]
وقد تنزع الحاجات يا أمّ معمر ... كرائم من ربّ بهنّ ضنين
فقال له مالك: خذ ناقتك وقد سوّغتك الثمن. اشترى عبيد الله بن أبي
(1/459)

بكرة جارية نفيسة فطلبت دابة تحمل عليها فلم توجد، فجاء رجل بدابّة فحملها، فقال له عبيد الله: إذهب بالجارية إلى منزلك. باع ثابت بن عبيد الله ابن أبي بكرة دار الصّفاق «1» من مقاتل بن مسمع نسيئة ثم اقتضاه فلزمه في دار أبيه، فرآه عبيد الله فقال: ما لك؟ قال: حبسني ابنك. قال: بم؟ قال: بثمن دار الصّفاق، قال: يا ثابت، أما وجدت لغرمائك محبسا إلّا داري؟ إدفع إليه صكّه وأعوّضك. قيل لرجل: ما لك تنزل في الأطراف؟ فقال: منازل الأشراف في الأطراف يتناولون ما يريدون بالقدرة ويتناولهم من يريدهم بالحاجة. لمّا كبر عديّ بن حاتم آذاه برد الأرض وكان رجلا لحيما «2» فنهشت الأرض فخذيه فجمع قومه فقال: يا بني ثعل «3» ، إني لست بخيركم إلا أن تروا ذلك فقد كان أبي بمكان لم يكن به أحد من قومه، بنى لكم الشرف ونفى عنك العار فأصبح الطائيّ إذا فعل خيرا قال العرب: من حيّ لا يحمدون على الجود ولا يعذرون على البخل، وقد بلغت من السنّ ما ترون وآذاني برد الأرض فأذنوا لي في وطاء «4» فوالله ما أريده فخرا عليكم ولا احتقارا لكم، وسأخبركم: ما على من وضع طنفسة «5» وقعد حوله إلا أنّ الحقّ عليه أن يذلّ في عرضه وينخدع في ماله ولا يحسد شريفا ولا يحقر وضيعا، فقال القوم: دعنا اليوم، ثم غدوا عليه فقالوا: يا أبا طريف ضع الطّنفسة والبس التاج، فبلغ ابن دارة «6» الشاعر فأتاه
(1/460)

وقال: قد مدحتك، فقال: أمسك عليك حتى أنبئك بمالي فتمدحني على حسبه، لي ألف ضائنة «1» وألفا درهم وثلاثة أعبد، وفرسي هذا حبيس في سبيل الله، هات الآن فقال: [طويل]
تحنّ قلوصي «2» في معدّ وإنما ... تلاقي الربيع في ديار بني ثعل
وأبقى اللّيالي من عديّ بن حاتم ... حساما كلون الملح سلّ من الخلل
أبوك جواد ما يشقّ غباره ... وإن جواد لست تعذر بالعلل
فإن تفعلوا شرّا فمثلكم أتّقّى ... وإخ تفعلوا خيرا فمثلكمو فعل
فقال: أمسك عليك، لا يبلغ مالي أكثر من هذا، وشاطره ما له.
جاء رجل إلى معن فاستحمله عيرا فقال معن: يا غلام، أعطه عيرا «3» وبغلا وبرذونا وفرسا وبعيرا وجارية، ولو عرفت مركوبا غير هذا لأعطيتكه.
وكان يقال: حدّث عن البحر ولا حرج وعن بني إسرائيل ولا حرج وعن معن ولا حرج. قال رجل من كلب للحكم بن عوانة وهو على السّند: إنما أنت عبد، فقال الحكم: والله لأعطينّك عطيّة لا يعطيها العبد فأعطاه مائة رأس من السّبي. وقرأت في بعض كتب العجم أن جامات «4» كسرى التي كان يأكل فيها كانت من ذهب، فسرق رجل من أصحابه جاما وكسرى ينظر إليه، فلما رفعت الموائد افتقد الطبّاخ الجام فرجع يطلبها، فقال له كسرى: لا تتعنّ فقد أخذها من لا يردّها ورآه من لا يفشي عليه، ثم دخل عليه الرجل بعد ذلك وقد حلّى سيفه ومنطقته ذهبا، فقال له كسرى بالفارسية: يا فلان، هذا، يعني السيف، من
(1/461)

ذاك قال: نعم وهذا، وأشار إلى منطقته. قالوا: لم يكن لخالد بن برمك أخ إلّا بنى له دارا على قدر كفايته ووقف على أولاد الإخوان ما يعيشهم أبدا ولم يكن لإخوانه ولد إلا من جارية هو وهبها له.
بلغ ابن المقفع أن جارا له يبيع دارا له لدين ركبه وكان يجلس في ظلّ داره، فقال: ما قمت إدّا «1» بحرمة ظلّ داره إن باعها معدما وبتّ واجدا، فحمل إليه ثمن الدار وقال: لا تبع. قال أبو اليقظان: باع نهيك بن مالك بن معاوية إبله وانطلق بثمنها إلى منى فجعل ينهبه، والناس يقولون: مجنون، فقال: لست بمجنون ولكنّي سمح أنهبكم مالي إذا عزّ الفتح. قال: وأتى عبد الله بن جعفر قهرمانه بحسابه فكان في أوّله حبل بخمسين درهما، فقال عبد الله: لقد غلت الحبال، فقال القهرمان: إنه أبرق، فقال عبد الله: إن كان أبرق فأنا أجيزه، فهو الآن مثل مضروب بالمدينة. كان أبو سفيان إذا نزل به جار قال له: يا هذا، إنك قد اخترتني جارا فجناية يدك عليّ دونك، وإن جنت عليك يد فاحتكم عليّ حكم الصبيّ على أهله. وقال بعض الشعراء:
[طويل]
همو خلطوني بالنفوس ودافعوا ... ورائي بركن ذي مناكب مدفع
وقالوا تعلّم أنّ مالك إن يصب ... يعدك وإن تحبس يردك ويشفع
وروى عبد الله بن بكر السّهمي عن حاتم بن أبي صغيرة عن حبيب بن أبي ثابت أنّ الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وعيّاش بن أبي ربيعة خرجوا يوم اليرموك حتى انبتّوا، فدعا الحارث بن هشام بماء ليشربه، فنظر إليه عكرمة فقال: ادفعه إلى عكرمة فنظر إليه عيّاش فقال عكرمة: إدفعه إلى
(1/462)

عيّاش، فما وصل إلى عيّاش حتى مات ولا عاد إليه حتى ماتوا، فسمّي هذا حديث الكرام وهذا الحديث عندي موضوع لأن أهل السّيرة يذكرون أنّ عكرمة قتل يوم أجنادين وعيّاش مات بمكة، والحارث مات بالشام في طاعون عمواس.
أعطى رجل امرأة سألته مالا عظيما، فلاموه وقالوا: إنها لا تعرفك وإنما كان يرضيها اليسير، فقال: إن كانت ترضى باليسير فإنّي لا أرضى إلا بالكثير وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي.
قال بعض الشعراء: [طويل]
وما خير مال لا يقي الذمّ ربّه ... ونفس امرئ في حقّها لا يهينا
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله «1» بن جعفر: [وافر]
أرى نفسي تتوق إلى أمور ... ويقصر دون مبلغهنّ حالي
فنفسي لا تطاوعني ببخل ... ومالي لا يبلّغني فعالي
وقال أيضا: [بسيط]
ولا أقول نعم يوما فأتبعها ... منعا ولو ذهبت بالمال والولد
ولا اؤتمنت في سرّ فبحت به ... ولا مددت إلى غير الجميل يدي
وقال كعب «2» بن سعد الغنويّ: [طويل]
وذي ندب دامي الأظلّ «3» قسمته ... محافظة بيني وبين زميلي
(1/463)

وزاد رفعت الكفّ عنه تجمّلا ... لأوثر في زادي عليّ أكيلي
وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ... ويغضب منه صاحبي بقؤول
وقال زهير «1» : [طويل]
وأبيض فيّاض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغبّ «2» نوافله «3»
غدوت عليه غدوة فوجدته ... قعودا لديه بالصّريم عواذله
فأعرضن منه عن كريم مرزّا ... جموع على الأمر الذي هو فاعله
أخي «4» ثقة لا تذهب الخمر ماله ... ولكنه قد يذهب المال نائله
تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
المدائنيّ قال: أضلّ فيروز بن حصين سوطه يوما، فأعطاه رجل سوطا فأمر له بألف درهم، ثم أتاه بعد حول فقال: من أنت؟ قال: صاحب السوط فأمر له بألف درهم، ثم أتاه بعد حول فقال: من أنت؟ قال: صاحب السوط، قال: أعطوه ألف درهم ومائة سوط فانقطع عنه. قال الشاعر: [بسيط]
إنّي حمدت بني شيبان إذ خمدت ... نيران قومي فشبّت فيهم النار
ومن تكرّمهم في المحل أنّهم ... لا يحسب الجار فيهم أنه جار
وقال آخر: [طويل]
نزلت على آل المهلّب شاتيا ... بعيدا قصيّ الدار في زمن محل
فما زال بي إلطافهم وافتقادهم ... وإكرامهم حتى حسبتهمو أهلي
(1/464)

وقال آخر: [طويل]
إذا كان لي شيئان يا أمّ مالك ... فإنّ لجاري منهما ما تخيّرا
وقال عمرو «1» بن الأهتم: [طويل]
ذريني فإنّ الشّحّ يا أمّ هيثم ... لصالح أخلاق الرجال سروق
ذريني وحطّي «2» في هواي فإنّني ... على الحسب العالي الرّفيع شفيق
ومستمنح بعد الهدوء دعوته ... وقد كان من ساري الشتاء طروق
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ... فهذا مبيت صالح وصديق
أضفت فلم أفحش عليه ولم أقل ... لأحرمه إنّ الفناء مضيق
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكنّ أخلاق الرجال تضيق «3»
كان يقال: للعباس بن عبد المطلب ثوب لعاري بني هاشم، وجفنة لجاره ومقطرة «4» لجاهلهم. قال بكر «5» بن النّطّاح: [طويل]
لو خذلت أمواله جود كفّه ... لقاسم من يرجوه بعض حياته
ولو لم يجد في العمر قسما لزائر ... لجاد له بالشّطر من حسناته
وقال الفرزدق «6» : [كامل]
إنّ المهالبة الكرام تحمّلوا ... دفع المكاره عن ذوي المكروه
زانوا قديمهمو بحسن حديثهم ... وكريم أخلاق بحسن وجوه
(1/465)

كان يقال: الشّرف في السّرف. قال عامر «1» بن الطّفيل: [طويل]
إذا نزلت بالناس يوما ملمّة ... تسوق من الأيام داهية إدّا «2»
دلفنا لها حتى نقوّم ميلها ... ولم نهد عنها بالأسنّة أو تهدا
وكم مظهر بغضاءنا ودّ أنه ... إذا ما التقينا كان أخفى الذي أبدى
مطاعيم في الّلأواء مطاعين في الوغى «3» ... شمائلنا تنكي وأيماننا تندى
وقال حاتم طيء: [طويل]
أكفّ يدي من أن تنال أكفّهم ... إذا ما مددناها وحاجتنا معا
وإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
وقال جابر «4» بن حيّان: [طويل]
فإن يقتسم مالي بنيّ ونسوتي ... فلن يقسموا خلقي الكريم ولا فعلي
وما وجد الأضياف فيما ينوبهم ... لهم عند علّات النفوس أبا مثلي
أهين لهم مالي وأعلم أنّني ... سأورثه الأحياء سيرة من قبلي
كان سعيد بن عمرو مؤاخيا ليزيد بن المهلب، فلما حبس عمر بن عبد العزيز يزيد ومنع من الدخول عليه، أتاه سعيد فقال: يا أمير المؤمنين، لي
(1/466)

على يزيد خمسون ألف درهم وقد حلت بيني وبينه، فإن رأيت أن تأذن لي فأقتضيه؟ فإذن له فدخل عليه فسرّ به يزيد، وقال: كيف وصلت إليّ، فأخبره، فقال يزيد: والله لا تخرج إلا وهي معك فامتنع سعيد فحلف يزيد ليقبضنّها، فقال عديّ «1» بن الرّقاع: [طويل]
لم أر محبوسا من الناس واحدا ... حبا «2» زائرا في السجن غير يزيد
سعيد بن عمرو إذ أتاه أجازه ... بخمسين ألفا عجّلت لسعيد
وقال بعض الشعراء: [طويل]
وإنّي لحلّال بي الحقّ، أتّقي ... إذا نزل الأضياف أن أتجهّما
إذا لم تذد ألبانها عن لحومها ... حلبنا لهم منها بأسيافنا دما
دخل شاعر على المهديّ فامتدحه، فأمر له بمال فلما قبضه فرّقه على من حضر وقال: [طويل]
لمست بكفّي كفّه أبتغي الغنى ... وما خلت أنّ الجود من كفّه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فبدّدت ما عندي
أخبرني أبو الحسن علي بن هارون الهاشميّ قال: أخبرني وكيع قال:
حدّثني أبو العيناء قال: كان بالبصرة لنا صديق يهوديّ وكان ذا مال وقد تأدّب وقال الشعر وعرف شيئا من العلوم وكان له ولد ذكور، فلما حضرته الوفاة جمع ماله وفرّقه على أهل العلم والأدب ولم يترك لولده ميراثا فعوتب على ذلك فقال:
(1/467)

[منسرح]
رأيت مالي أبرّ من ولدي ... فاليوم لا نحلة ولا صدقه
من كان منهم لها فأبعده اللّ ... هـ ومن كان صالحا رزقه
وحدّثني الأخفش بهذا الخبر عن المبرّد عن الرّياشيّ والله أعلم.
أنجز الجزء الأول ويتلوه الجزء الثاني.
(1/468)