Advertisement

عيون الأخبار 003

الجزء الثالث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
كتاب الإخوان
الحث على اتخاذ الاخوان واختيارهم
حدّثنا سهل بن محمد قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: أخبرنا العجليّ قال بعض الأدباء لابنه: يا بنيّ، إذا دخلت المصر فاستكثر من الصديق فأمّا العدوّ فلا يهمنّك؛ وإياك والخطب فإنها مشوار «1» كثير العثار «2» .
قال: وبلغني عن الأوزاعيّ «3» عن يحيى بن كثير: أنّ داود النبيّ عليه السلام قال لابنه سليمان عليه السلام: يا بنيّ، لا تستبدلنّ بأخ لك قديم أخا مستفادا ما استقام لك، ولا تستقلّنّ أن يكون لك عدوّ واحد، ولا تستكثرنّ أن يكون لك ألف صديق.
وكان يقال: أعجز الناس من فرّط في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم.
وفي الحديث المرفوع: «المرء كثير بأخيه» . وأنشد ابن الأعرابيّ «4» :
(3/3)

لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ... ولكنّ إخوان الثقات الذخائر
وقال أبو الجرّاح العقيلي: وجدت أعراض الدّنيا «1» وذخائرها بعرض المتالف «2» إلّا ذخيرة الأدب وعقيلة الخلّة، فاستكثروا من الإخوان واستعصموا بعرا الأدب.
وكان يقال: الرجل بلا إخوان كاليمين بلا شمال. وقال الشاعر:
[من طويل]
إذا لم يكن للقوم عزّ ولم يكن ... لهم رجل عند الإمام مكين
فكانوا كأيد أوهن الله بطشها ... ترى أشملا ليست لهنّ يمين
قال أيوب السّختيانيّ: إذا بلغني موت أخ لي فكأنّما سقط عضو منّي.
وقال القطاميّ «3» : [من الكامل] وإذا يصيبك- والحوادث جمّة-* حدث حداك إلى أخيك الأوثق «4» وقال آخر «5» : [من الطويل]
أخاك أخاك إنّ من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح «6»
وإنّ ابن عمّ المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح
(3/4)

وقال الثّقفيّ «1» : [من الطويل]
من كان ذا عضد يدرك ظلامته ... إنّ الذليل الذي ليست له عضد
تنبو يداه إذا ما قلّ ناصره ... ويأنف الضّيم إن أثرى له عدد «2»
وقال آخر: [من الوافر]
وبغضاء التقيّ أقلّ ضيرا ... وأسلم من مودّة ذي الفسوق «3»
ولن تنفكّ تحسد أو تعادى ... فأكثر ما استطعت من الصّديق
وكتب الفضل بن سيّار إلى الفضل بن سهل «4» : [من الرّمل]
يا أبا العباس إني ناصح ... لك والنصح لذي الودّ كبير
لا تعدّنّ ليوم صالح ... إنّ إخوانك في الخير كثير
وليكن للشرّ ما أعددتهم ... إنّ يوم الشرّ صعب قمطرير «5»
هذه السّوق التي آملها ... يا أبا العباس والعمر قصير
قال المأمون: الإخوان ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه، وطبقة كالدواء لا يحتاج إليه إلّا أحيانا، وطبقة كالداء لا يحتاج إليه أبدا.
قال حدّثني سعيد بن سليمان قال: حدّثنا إسماعيل بن زكريا عن سعيد ابن طريف عن عمير بن المأمون قال: سمعت الحسن بن عليّ يقول: من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب ثماني خصال: آية محكمة، وأخا مستفادا،
(3/5)

وعلما مستطرفا، ورحمة منتظرة، وكلمة تدلّه على هدى أو تردعه عن ردى، وترك الذنوب حياء أو خشية.
قال وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن أبيه قال: كان يقال: الصاحب رقعة في قميص الرجل، فلينظر أحدكم بم يرقع قميصه.
وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن أبيه أنه قال: كان يقال: ما وجدنا شيئا أبلغ في خير أو شرّ من صاحب.
وحدّثني الرياشيّ عن الأصمعيّ قال حدّثنا سليمان بن المغيرة قال: قال يونس «1» : اثنان ما في الأرض أقلّ منهما ولا يزدادان إلا قلّة: درهم يوضع في حقّ «2» ، وأخ يسكن إليه في الله.
وحدّثني شيخ لنا عن محمد بن مناذر عن سفيان بن عيينة «3» قال: قال علقمة بن لبيد العطارديّ لابنه: يا بنيّ، إذا نزغتك «4» إلى صحبة الرجال حاجة، فاصحب منهم من إن تحبّه زانك، وإن خدمته صانك، وإن أصابتك خصاصة مانك «5» ؛ وإن قلت صدّق قولك، وإن صلت شدّ صولك «6» ؛ وإن مددت يدك بفضل مدّها، وإن رأى منك حسنة عدّها؛ وإن سألته أعطاك، وإن سكتّ عنه آبتداك، وإن نزلت بك إحدى الملمّات آساك؛ من لا يأتيك منه
(3/6)

البوائق «1» ، ولا تختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق؛ وإن حاول حويلا آمرك «2» ، وإن تنازعتما منفسا «3» آثرك.
قال محمد بن كعب القرظيّ لعمر بن عبد العزيز: إنّ فيك عقلا وإنّ فيك جهلا، فداو بعض ما فيك ببعض، وآخ من الإخوان من كان ذا معلاة «4» في الدّين ونيّة في الحقّ، ولا تؤاخ منهم من تكون منزلتك عنده على قدر حاجته إليك، فإذا قضى حاجته منك ذهب ما بينك وبينه. وإذا غرست غراسا من المعروف فلا تبقين «5» أن تحسن تربيته.
وقال الأحنف بن قيس «6» : خير الإخوان من إن استغنيت عنه لم يزدك في المودّة، وإن احتجت إليه لم ينقصك منها، وإن عثرت عضدك، وإن احتجت إلى مؤونته رفدك. وقال الشاعر: [من الرجز]
إنّ أخاك الصّدق من لن يدعك ... ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن إذا ريب زمان صدعك «7» ... شتّت شمل نفسه ليجمعك
وإن رآك ظالما سعى معك
(3/7)

وقال حجيّة بن المضرّب «1» : [من الطويل]
أخوك الذي إن تدعه لملمّة ... يجبك وإن تغضب إلى السّيف يغضب
وكتب رجلّ إلى صديق له: أنت كما قال أعشى باهلة «2» : [من البسيط]
من ليس في خيره منّ فيفسده ... على الصّديق ولا في صفوه كدر «3»
وليس فيه إذا استنظرته عجل ... وليس فيه إذا ياسرته عسر «4»
وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: [من الطويل]
أخوك الذي إن أحوجتك ملمّة ... من الدّهر لم يبرح لها الدّهر واجما «5»
وليس أخوك الحقّ من إن تشعّبت ... عليك أمور ظلّ يلحاك لائما «6»
وقال آخر: [من الطويل]
إذا كان إخوان الرجال حرارة ... فأنت الحلال الحلو والبارد العذب
لنا جانب منه دميث وجانب ... إذا رامه الأعداء مركبه صعب «7»
وتأخذه عند المكارم هزّة ... كما اهتزّ تحت البارح الغصن الرطب «8»
وقال آخر: [من البسيط]
أبكي أخا يتلقّاني بنائله ... قبل السؤال ويلقى السّيف من دوني «9»
(3/8)

إنّ المنايا أصابتني مصائبها ... فاستعجلت بأخ قد كان يكفيني
وقرأت في كتاب للهند: رأس المودّة الاسترسال «1» .
وقال أكثم بن صيفيّ «2» : من تراخى تألّف «3» ، ومن تشدّد نفّر، والشرف التغافل. وقال حاتم: العاقل فطن متغافل.
وقرأت في كتاب للهند: من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقا ولعدوّ صديقه عدوّا. قال العتّابيّ في ذلك «4» : [من الطويل]
تودّ عدوّي ثم تزعم أنّني ... صديقك، إنّ الرأي عنك لعازب «5»
وليس أخي من ودّني رأي عينه ... ولكن أخي من صدّقته المغايب «6»
قيل لبزرجمهر: أخوك أحبّ إليك أم صديقك؟ قال: إنما أحبّ أخي إذا كان صديقا.
وقال بعضهم: إنّ أحبّ إخواني إليّ، من كثرت أياديه عليّ.
وقال رجل في أخ له: [من الوافر]
وكنت إذا الشدائد أرهقتني ... يقوم لها وأقعد لا أقوم
(3/9)

وقال آخر: [المتقارب]
أخ طالما سرّني ذكره ... فأصبحت أشجى لدى ذكره «1»
وقد كنت أغدو إلى قصره ... فأصبحت أغدو إلى قبره
وكنت أراني غنيّا به ... عن الناس لو مدّ في عمره
إذا جئته طالبا حاجة ... فأمري يجوز على أمره «2»
وصف أعرابيّ رجلا قال: كان والله يتحسّى مرارة الإخوان ويسقيهم عذبه. وقال أعرابي «3» : [من الوافر]
أخ لك ما تراه الدّهر إلّا ... على العلّات بسّاما جوادا «4»
سألناه الجزيل فما تلكّا ... وأعطى فوق منيتنا وزادا «5»
فأحسن ثم أحسن ثم عدنا ... فأحسن ثم عدت له فعادا
مرارا لا أعود إليه إلّا ... تبسّم ضاحكا وثنى الوسادا «6»
المودّة بالتشاكل «7»
بلغني عن ابن عيينة أنه قال: قال ابن عباس: القرابة تقطع والمعروف يكفر، ولم ير كتقارب القلوب.
(3/10)

قال رجل للعرجيّ «1» : جئتك أخطب إليك مودّتك؛ فقال: لا حاجة بك إلى الخطبة، قد جاءتك زنا فهو ألذّ وأحلى. وقال الكميت بن معروف «2» : [من الطويل]
وما أنا بالنّكس الدّنيء ولا الذي ... إذا صدّ عنه ذو المودّة يقرب «3»
ولكنّه إن دام دمت وإن يكن ... له مذهب عني فلي عنه مذهب «4»
ألا إنّ خير الودّ ودّ تطوّعت ... به النفس لا ودّ أتى وهو متعب
وقال الطائي «5» : [من البسيط]
ذو الودّ منّي وذو القربى بمنزلة ... وإخوتي أسوة عندي وإخواني
عصابة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرّقوا في الأرض جيراني
أرواحنا في مكان واحد وغدت ... أبداننا بشام أو خراسان
وقال عبد الله بن عبد الله بن عتبة لعمر بن عبد العزيز: [من الطويل]
أبن لي فكن مثلي أو ابتغ صاحبا ... كمثلك إنّي مبتغ صاحبا مثلي
عزيز إخائي، لا ينال مودّتي ... من القوم إلا مسلم كامل العقل
وما يلبث الإخوان أن يتفرّقوا ... إذا لم يؤلّف روح شكل إلى شكل
(3/11)

وقال الطائي: [من الطويل]
ولن تنظم العقد الكعاب لزينة ... كما ينظم الشمل الشّتيت الشمائل «1»
كتب بعض الكتّاب إلى صديق له: إني صادفت منك جوهر نفسي، فأنا غير محمود على الانقياد لك بغير زمام «2» ، لأن النفس يتبع بعضها بعضا.
قال حدّثني محمد بن داود قال حدّثنا يزيد بن خلف عن يعقوب بن كعب عن بقيّة عن صفوان بن عمرو عن شريح عن أبي عبيد قال: كتب أبو الدرداء إلى سلمان «3» : إن تكن الدار من الدار بعيدة فإنّ الرّوح من الرّوح قريب، وطير السماء على إلفه من الأرض يقع.
وقال أبو العتاهية: [من الهزج]
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هوّ ما شاه
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه
وللشّكل على الشّكل ... مقاييس وأشباه
وفي العين غنى للعي ... ن أن تنطق أفواه
وقال المساحقيّ: [من الطويل]
يزهّدني في ودّك ابن مساحق ... مودّتك الأرذال دون ذوي الفضل
وأنّ شرار النّاس سادوا خيارهم ... زمانك، إنّ الرّذل للزّمن الرّذل
(3/12)

باب المحبّة
قال حدّثني أحمد بن الخليل عن محمد بن بشار عن يحيى بن سعيد عن ثور بن يزيد عن حبيب بن عبيد عن المقدام بن معد يكرب «1» ، وكان أدرك النبيّ صلّى الله عليه وسلم، قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «إذا أحبّ أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبّه» .
وحدّثني محمد بن داود عن أبي الرّبيع عن حمّاد بن زيد عن ليث عن مجاهد «2» قال: ثلاث يصفين لك ودّ أخيك: أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحبّ أسمائه إليه. وثلاث من العيّ «3» : أن تعيب على الناس ما تأتي، وأن ترى من الناس ما يخفى عليك من نفسك، وأن تؤذي جليسك فيما لا يعنيك.
وكان يقال: لا يكن حبّك كلفا ولا بغضك تلفا. أي لا تسرف في حبك وبغضك. ونحوه قول الحسن: أحبّوا هونا «4» فإنّ أقواما أفرطوا في حب قوم فهلكوا. وكان يقال: من وجد دون أخيه سترا فلا يهتكه.
وقال عمر بن أبي ربيعة: [من الطويل]
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا فارغا فتمكّنا
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لطليحة الأسديّ: قتلت عكّاشة بن محصن! لا يحبّك قلبي! قال: فمعاشرة جميلة يا أمير المؤمنين، فإنّ الناس يتعاشرون على البغضاء.
(3/13)

وكتب رجل إلى صديق له: الشوق إليك وإلى عهد أيامك- التي حسنت بك كأنها أعياد، وقصرت بك حتى كأنها ساعات- يفوت الصفات؛ ومما جدّد الشوق وكثّر دواعيه تصاقب الدار، وقرب الجوار؛ تمم الله لنا النعمة المتجدّدة فيك بالنظر إلى الغرّة المباركة التي لا وحشة معها ولا أنس بعدها.
قال الحسن «1» : المؤمن لا يحيف «2» على من يبغض ولا يأثم فيمن يحبّ.
وقرأت في بعض الكتب: إنه ليبلغ من حسن شفاعة المحبة أنّ الحبيب يسيء فيظنّ به الغلط ويذنب فيحتجّ له بالدّالّة «3» ، وذنبه لا يحتمل التأويل ولا مخرج له في جواز العقول.
وفيه: كلّ ذنب إذا شئت أن تنساه نسيته وإن شئت أن تذكره ذكرته، فليس بمخوف. وليس الصغير من الذنب ما صغّره الحبّ، وإنما الصغير ما صغّره العدل. وليس الذنب إلا ما لا يصلح معه القلب ولا يزال حاضرا الدهر، وإلا ما كان من نتاج اللؤم ومن نصيب المعاندة، فأما ما كان من غير ذلك فإنّ الغفران يتغمّده والحرمة تشفع فيه.
وكتب رجل إلى صديق له في فصل من كتاب: لساني رطب بذكرك، ومكانك من قلبي معمور بمحبّتك. ونحوه قول معقل أخي أبى دلف لمخارق:
(3/14)

[من الطويل]
لعمري لئن قرّت بقربك أعين ... لقد سخنت بالبين منك عيون «1»
فسر وأقم، وقف عليك مودّتي ... مكانك من قلبي عليك مصون
وقال رجل لشبيب بن شيبة: والله أحبّك، قال: وما يمنعك من ذلك وما أنت لي بجار ولا أخ ولا قرابة «2» ! يريد أن الحسد موكّل بالأدنى فالأدنى.
قال رجل لشهر بن حوشب «3» ؛ إني لأحبّك قال: ولم لا تحبني وأنا أخوك في كتاب الله ووزيرك على دين الله ومؤنتي على غيرك! قال بشار:
[من البسيط]
هل تعلمين وراء الحبّ منزلة ... تدني إليك فإنّ الحبّ أقصاني
وقال غيره: [متقارب]
أحبّك حبّين لي واحد ... وحبّ لأنك أهل لذاكا
فأمّا الذي أنت أهل له ... فحسن فضلت به من سواكا
وأمّا الذي في ضمير الحشا ... فلست أرى الحسن حتى أراكا
وليس لي المنّ في واحد ... ولكن لك المنّ في ذا وذاكا
وقال المسيّب بن علس «4» : [من الوافر]
وعين السّخط تبصر كلّ عيب ... وعين أخي الرّضنا عن ذاك تعمى
(3/15)

ونحوه لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: [من الطويل]
فلست براء عيب ذي الودّ كلّه ... ولا بغض ما فيه إذا كنت راضيا
وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة ... ولكنّ عين السّخط تبدي المساويا «1»
وقال بعض الخلفاء لرجل: إني لأبغضك؛ قال: يا أمير المؤمنين، إنما يجزع من فقد الحبّ المرأة، ولكن عدل وإنصاف. وقال شريح «2» : [من الطويل]
خذي العفو منّي تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب «3»
فإنّي رأيت الحبّ في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب
وقال أعرابيّ: إذا ثبتت الأصول في القلوب نطقت الألسن بالفروع، ولا يظهر الودّ السليم إلا من القلب المستقيم.
وقال آخر: من جمع لك مع المودّة الصادقة رأيا حازما، فاجمع له مع المحبة الخالصة طاعة لازمة.
قال اليزيديّ: رأيت الخليل بن أحمد فوجدته قاعدا على طنفسة «4» ، فأوسع لي فكرهت التضييق عليه؛ فقال: إنه لا يضيق سمّ الخياط «5» على متحابّين ولا تسع الدنيا متباغضين. وقال أبو زبيد «6» للوليد بن عقبة:
(3/16)

[من الخفيف]
من يخنك الصفاء أو يتبدّل ... أو يزل مثلما تزول الظلال
فاعلمن أنّني أخوك أخو العه ... د حياتي حتى تزول الجبال
ليس بخل عليك منّي بمال ... أبدا ما استقلّ سيفا حمال «1»
فلك النّصر باللسان وبالك ... فّ إذا كان لليدين مصال «2»
كلّ شيء يحتال فيه الرجال ... غير أن ليس للمنايا احتيال
وقال المنخّل اليشكريّ «3» : [من مجزوء الكامل المرفّل]
وأحبّها وتجبّني ... ويحبّ ناقتها بعيري
وذكر أعرابيّ رجلا فقال: والله لكأنّ القلوب والألسن ريضت «4» له، فما تعقد إلا على ودّه، ولا تنطق إلا بحمده قال عبد الله بن الزّبير ذات يوم: والله لوددت أنّ لي بكلّ عشرة من أهل العراق رجلا من أهل الشام صرف الدينار بالدرهم؛ فقال أبو حاضر: مثلنا ومثلك كما قال الأعشى: [من البسيط]
علّقتها عرضا وعلّقت رجلا ... غيري وعلّق أخرى غيرها الرجل «5»
أحبّك أهل العراق وأحببت أهل الشّام وأحبّ أهل الشآم عبد الملك ابن مروان.
(3/17)

وقال عمر لأبي مريم السّلولي: والله لا أحبّك حتى تحبّ الأرض الدّم؛ قال: فتمنعني لذلك حقّا؟ قال: لا؛ قال: فلا ضير. وقال عمر أيضا لرجل همّ بطلاق امرأته: لم تطلّقها؟ قال: لا أحبّها؛ قال: أو كلّ البيوت بنيت على الحبّ! وأين الرعاية «1» والتذمّم!.
قال أعرابيّ: [من الطويل]
أحبّك حبّا ببعضه ... أصابك من وجد عليّ جنون «2»
لطيف مع الأحشاء أمّا نهاره ... فسبت وأما ليله فأنين «3»
وكتب رجل إلى صديق له: الله يعلم أنّني أحبّك لنفسك فوق محبتّي إياك لنفسي، ولو أني خيّرت بين أمرين: أحدهما لي وعليك والآخر لك وعليّ، لأثرت المروءة وحسن الأحدوثة بإيثار حظّك على حظّي؛ وإنّي أحبّ وأبغض لك، وأوالي وأعادي فيك.
وقال بعضهم: هوّن «4» فقد يفرط «5» الحبّ فيقتل ويفرط الغمّ فيقتل ويفرط السرور فيقتل؛ وينفتح القلب للسرور، ويضيق وينضمّ للحزن والحبّ.
وقالوا: العشق اسم لما فضل عن المحبة. وقال بعضهم: العشق مرض قلب ضعف. وقال بعض الشعراء «6» : [من الطويل]
فتمّ على معشوقة لا يزيدها ... إليه بلاء السّوء إلّا تحبّبا «7»
(3/18)

ما يجب للصديق على صديقه
حدّثنا أحمد بن الخليل قال حدّثنا عبد الله بن موسى عن إسرائيل عن ابن إسحاق عن الحارث عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «للمسلم على المسلم خصال ستّ: يسلّم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمّته إذا عطس «1» ، ويعوده إذا مرض، ويحضر جنازته إذا مات، ويحبّ له ما يحبّ لنفسه» .
قال حدّثني شبابة قال حدّثنا القاسم بن الحكم عن إسماعيل بن عيّاش عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أعن أخاك ظالما أو مظلوما، إن كان مظلوما فخذ له بحقه وإن كان ظالما فخذ له من نفسه» .
وحدّثني القومسيّ «2» قال: حدّثنا أبو بكر الطبريّ عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن بكير قال قال معاذ بن جبل: إذا آخيت أخا فلا تماره ولا تشاره «3» ولا تسأل عنه، فعسى أن توافق عدوّا فيخبرك بما ليس فيه فيفرّق بينكما.
وقال النّمر بن تولب «4» في هذا المعنى: [من الطويل]
جزى الله عنّا حمزة بنة نوفل ... جزاء مغلّ بالأمانة كاذب «5»
بما سألت عنّي الوشاة ليكذبوا ... عليّ وقد واليتها في النوائب «6»
(3/19)

قال حدّثني محمد بن داود قال حدّثني سعد بن منصور عن جرير عن عبد الحميد عن عنبسة قال قال ابن سيرين «1» : لا تكرم أخاك بما يكره، ولا تحملنّ كتابا إلى أمير حتى تعلم ما فيه.
وكان يقال: يستحسن الصبر عن كلّ أحد إلّا عن الصديق.
وقال بعض الشعراء: [من الوافر]
إذا ضيّقت أمرا ضاق جدّا ... وإن هوّنت ما قد عزّ هانا
فلا تهلك بشيء فات يأسا ... فكم أمر تصعّب ثم لانا
سأصبر عن رفيقي إن جفاني ... على كلّ الأذى إلّا الهوانا «2»
وقال ابن المقفّع: ابذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك، وللعامّة بشرك وتحيّتك، ولعدوّك عدلك، وضن «3» بدينك وعرضك عن كلّ أحد.
قال أبو اليقظان: ولي خالد بن عبد الله بن أبي بكرة قضاء البصرة فجعل يحابي «4» ، فقيل له في ذلك؛ فقال: وما خير رجل لا يقطع لأخيه قطعة من دينه!.
قالوا: وقف رسول الله صلّى الله عليه وسلم على عجوز، فقال: «إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإنّ حسن العهد من الإيمان» .
قال إبراهيم النّخعيّ «5» : إنّ المعرفة لتنفع عند الأسد الهصور والكلب
(3/20)

العقور فكيف عند الكريم الحسيب!. وقال الخليل بن أحمد: [من البسيط]
وفّيت كلّ صديق ودّني ثمنا ... إلا المؤمّل دولاتي وأيامي «1»
وقال عمر بن أبي ربيعة في مساعدة الصّديق: [من الوافر]
وخلّ كنت عين النّصح منه ... إذا نظرت ومستمعا سميعا
أطاف بغيّة فنهيت عنها ... وقلت له أرى أمرا شنيعا «2»
أردت رشاده جهدي فلمّا ... أبى وعصى أتيناها جميعا
وقال بعض الكوفيين: [من الوافر]
فإن يشرب أبو فرّوخ أشرب ... وإن كانت معتّقة عقارا «3»
وإن يأكل أبو فرّوخ آكل ... وإن كانت خنانيصا صغارا «4»
وقال رجل من الأعراب لأخ له: أما والله، ربّ يوم كتنّور الطّاهي رقّاص بشراره، قد رميت بنفسي في أجيج لهيبه فأحتمل منه ما أكره لما تحبّ.
وأنشد ابن الأعرابيّ: [من الوافر]
أغمّض للصديق عن المساوي ... مخافة أن أعيش بلا صديق
وقال كثّير «5» : [من الطويل]
ومن لا يغمّض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
(3/21)

ومن يتتبّع جاهدا كلّ عثرة «1» ... يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب
وقال آخر: [من الطويل]
إذا ما صديقي رابني سوء فعله ... ولم يك عمّا ساءني بمفيق
صبرت على أشياء منه تريبني ... مخافة أن أبقى بغير صديق «2»
ومن المشهور في هذا قول النابغة: [من الطويل]
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أيّ الرجال المهذّب «3»
وكان يقال: من لك بأخيك كلّه. وأنشدني الرّياشيّ: [من مجزوء الكامل المرفل]
اقبل أخاك ببعضه ... قد يقبل المعروف نزرا «4»
واقبل أخاك فإنّه ... إن ساء عصرا سرّ عصرا
ونحوه قول الآخر: [من الطويل]
أخ لي كأيام الحياة إخاؤه ... تلوّن ألوانا علّى خطوبها
إذا عبت منه خلّة فهجرته ... دعتني إليه خلّة لا أعيبها
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: [منسرح]
اصبر إذا عضّك الزمان، ومن ... أصبر عند الزمان من رجله
ولا تهن للصّديق تكرمه ... نفسك حتى تعدّ من خوله «5»
يحمل أثقاله عليك كما ... يحمل أثقاله على جمله
ولست مستبقيا أخا لك لا ... تصفح عما يكون من زلله
(3/22)

ليس الفتى بالذي يحول عن ال ... عهد ويؤتى الصديق من قبله «1»
وقيل لخالد بن صفوان: أيّ إخوانك أحبّ إليك؟ قال: الذي يغفر زللي، ويقبل عللي «2» ويسدّ خللي «3» .
وقال بشار: [من الطويل]
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه «4»
وقال الخريمي «5» لأبي دلف: [من المتقارب]
تملّك إن كنت ذا إربة ... من العالمين لشيخ وصيف «6»
الإنصاف في المودّة
كان يقال: لا خير لك في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له.
وقال جرير: [من الطويل]
وإنّي لأستحيي أخي أن أرى له ... عليّ من الحق الذي لا يرى ليا «7»
وله أيضا: [من الطويل]
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل
ويركب حدّ السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف معدل «8»
(3/23)

ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك، فانظر أيّ كفّ تبدّل
وقال آخر «1» : [من الكامل]
يا ضمر أخبرني ولست بمخبري ... وأخوك نافعك الذي لا يكذب
هل في القضيّة إن إذا استغنيتم ... وأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا الشدائد بالشدائد مرّة ... أشجينكم فأنا المحبّ الأقرب
عجبا لتلك قضيّة وإقامتي ... فيكم على تلك القضية أعجب
ولما لكم طيب البلاد ورعيها ... ولي الثّماد ورعيهن المجدب «2»
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب «3»
هذا لعمركم الصّغار بعينه ... لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب «4»
وقال ابن عيينة: سئل عليّ كرم الله وجهه عن قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
«5» ، فقال: العدل: الإنصاف، والإحسان: التفضّل.
وقال الشاعر: [من الكامل]
صبغت أميّة في الدماء رماحنا ... وطوت أميّة دوننا دنياها
ويقال: من سنّ سنة فليرض أن يحكم عليه بها، ومن سأل مسئلة فليرض بأن يعطى بقدر بذله.
وقال أبو العتاهية: [من الوافر]
إذا ما لم يكن لك حسن فهم ... أسأت إجابة وأسأت سمعا
(3/24)

ولست الدّهر متّسعا بفضل ... إذا ما ضقت بالإنصاف ذرعا
وقال حمّاد عجرد «1» : [مجزوء الرّمل]
ليت شعري أيّ حكم ... قد أراكم تحكمونا
أن تكونوا غير معط ... ين وأنتم تأخذونا
وقال آخر: [من الطويل]
إذا كنت تأتي المرء تعرف حقّه ... ويجهل منك الحقّ فالترك أجمل
وفي العيس منجاة وفي الهجر راحة ... وفي الأرض عمّن لا يؤاتيك مرحل «2»
وقال بشار: [من السّريع]
إن كنت حاولت هوانا فما ... هنت وما في الهون لي من مقام «3»
في الناس أبدال ولي مرحل ... عن منزل ناء ومرعى وخام «4»
لا نائل منك ولا موعد ... ولا رسول، فعليك السلام
وقال آخر «5» : [من الوافر]
له حقّ وليس عليه حقّ ... ومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقا ... عليه لغيره وهو الرسول
وقال أكثم بن صيفيّ: أحقّ من يشركك في النّعم شركاؤك في المكاره.
أخذه دعبل «6» فقال: [من البسيط]
(3/25)

وإنّ أولى البرايا أن تواسيه ... عند السرور لمن آساك في الحزن
إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن «1»
وانشد ابن الأعرابيّ: [من الطويل]
فإن آثرت بالودّ أهل بلادها ... على نازح من أهلها لا ألومها «2»
فلا يستوي من لا ترى غير لمّة ... ومن هو ثاو عندها لا يريمها «3»
وقال رجل لبعض السلطان: أحقّ الناس بالإحسان من أحسن الله إليه، وأولاهم بالإنصاف من بسطت القدرة بين يديه؛ فاستدم ما أوتيت من النعم بتأدية ما عليك من الحق.
قال المستهلّ بن الكميت لبني العباس: [من الطويل]
إذا نحن خفنا في زمان عدوّكم ... وخفناكم إنّ البلاء لراكد «4»
مداراة الناس وحسن الخلق والجوار
قال حدّثنا الحسين بن الحسن قال حدّثنا عبد الله بن المبارك عن وهيب قال: جاء رجل إلى وهب بن منبّه «5» فقال: إنّ الناس قد وقعوا فيما وقعوا فيه، وقد حدّثت نفسي ألّا أخالطهم؛ فقال له وهب: لا تفعل، فإنه لا بدّ للناس منك ولا بدّ لك منهم؛ لهم إليك حوائج، ولك إليهم حوائج، ولكن كن فيهم أصمّ سميعا، وأعمى بصيرا، وسكوتا نطوقا.
(3/26)

قال وحدّثنا حسين بن الحسن قال حدّثنا عبد الله بن المبارك «1» عن موسى بن عليّ بن رباح قال: سمعت أبي يحدّث عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أربع خلال إن أعطيتهنّ فلا يضرّك ما عدل به عنك من الدّنيا:
حسن خليقة، وعفاف طعمة «2» ، وصدق حديث، وحفظ أمانة.
قال: وبلغني عن وكيع عن مسعر عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الله ابن باباه قال: قال عبد الله بن مسعود: خالطوا الناس وزايلوهم «3» .
عن وكيع عن سفيان عن حبيب بن ميمون قال: قال صعصعة بن صوحان لابن أخيه: إذا لقيت المؤمن فخالطه، وإذا لقيت الفاجر فخالفه، ودينك فلا تكلمنّه «4» .
قال المسيح صلّى الله عليه: كن وسطا وامش جانبا.
وروى أبو معاوية عن الأحوص بن حكيم عن أبي الزاهريّة قال: قال أبو الدّرداء: إنّا لنكشر «5» في وجوه أقوام وإنّ قلوبنا لتلعنهم.
ودخل لبيدة العجليّ على عمر رضي الله عنه، فقال له عمر: أقتلت زيدا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قد قتلت رجلا يسمّى زيدا، فإن يكن أخاك فهو الذي أكرمه الله بيدي ولم يهنّي به؛ ثم لم ير من عمر بعد ذلك مكروها.
قال محمد بن أبي الفضل الهاشميّ: قلت لأبي: لم تجلس إلى فلان
(3/27)

وقد عرفت عداوته؟ فقال: أخبى «1» نارا وأقدح عن ود. وقال المهاجر بن عبد الله الكلابىّ «2» : [من الطويل]
وإنّي لأقصي المرء من غير بغضة ... وأدنى أخا البغضاء منّي على عمد
ليحدث ودّا بعد بغضاء أو أرى ... له مصرعا يردي به الله من يردي «3»
وقال عقال بن شبّة: كنت رديف أبي، فلقيه جرير على بغل فحيّاه أبي وألطفه؛ فلمّا مضى قلت: أبعد ما قال لنا ما قال! قال: يا بنيّ، أفأوسّع جرحي!.
قال ابن الحنفيّة: قد يدفع باحتمال مكروه ما هو أعظم منه.
قال الحسن: حسن السؤال نصف العلم، ومداراة الناس نصف العقل، والقصد في المعيشة نصف المؤونة.
مدح ابن شهاب شاعر فأعطاه، وقال: من ابتغى الخير اتقى الشرّ.
وفي الحديث المرفوع: «أوّل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن» .
وقال: «إنّ حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار» .
وقال: «من حسّن الله خلقه وخلقه كان من أهل الجنة» .
قال الشاعر: [من الرّجز]
فتى إذا نبّهته لم يغضب ... أبيض بسّام وإن لم يعجب
(3/28)

موكّل النفس بحفظ الغيّب ... أقصى رفيقيه له كالأجنب «1»
وقرأت في كتب العجم: حسن الخلق خير قرين، والأدب خير ميراث، والتّوفيق خير قائد.
وقالت عائشة رضي الله عنها: ما تبالي المرأة إذا نزلت بين بيتن من الأنصار صالحين ألّا تنزل من أبويها.
وقال جعفر بن محمد: حسن الجوار عمارة للدار، وصدقة السرّ مثراة للمال.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: ثلاثة من قريش أحسنها أخلاقا وأصبحها وجوها وأشدّها حياء، إن حدّثوك لم يكذبوك، وإن حدّثتهم بحقّ أو باطل لم يكذّبوك: أبو بكر الصدّيق، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وعثمان بن عفّان رضي الله عنهم.
وقال يزيد بن الطّثريّة «2» : [من الطويل]
وأبيض مثل السيف خادم رفقة ... أشمّ ترى سربا له قد تقدّدا «3»
كريم على علّاته لو تسبّه ... لفدّاك رسلا لا تراه مربّدا «4»
يجيب بلبّيه إذا ما دعوته ... ويحسب ما يدعى له الدهر أرشدا «5»
وقرأت في كتاب للهند: من تزوّد خمسا بلّغته وآنسته: كفّ الأذى، وحسن الخلق، ومجانبة الرّيب، والنبل في العمل، وحسن الأدب.
(3/29)

وقال المرّار «1» في مداراة القرابة: [من الطويل]
ألا إنّما المولى كعظم جبرته ... فلا يخرق المولى ولا جابر العظم «2»
وقال آخر في مداراة الناس: [من الطويل]
وأنزلني طول النّوى دار غربة ... إذا شئت لاقيت امرا لا أشاكله «3»
فحامقته حتى يقال سجيّة ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله «4»
وقال بشار: [من الطويل]
خليليّ إنّ العسر سوف يفيق ... وإنّ يسارا في غد لخليق
وما أنا إلّا كالزمان إذا صحا ... صحوت وإن ماق الزّمان أموق «5»
التلاقي والزيارة
حدّثنا محمد بن عبيد قال حدّثنا الفضل بن دكين عن طلحة بن عمر عن عطاء عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «زر غبّا تزدد حبّا» «6» .
وقال الأصمعيّ: دخل حبيب بن سويد على جعفر بن سليمان بالمدينة؛ فقال جعفر: حبيب بن سويد وادّ الصّديق، حسن الثّناء، يكره الزيارة المملّة، والقعدة المنسيّة.
وقرأت في كتاب للهند: ثلاثة أشياء تزيد في الأنس والثّقة: الزيارة في الرّحل «7» ، والمؤاكلة، ومعرفة الأهل والحشم.
(3/30)

وقال الطائيّ: [من الوافر]
وحظّك لقية في كلّ عام ... موافقة على ظهر الطريق
قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الصّواف عن موسى بن يعقوب السّدوسيّ عن أبي السّنان عن عثمان بن أبي سودة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من عاد مريضا أو زار أخا ناداه مناد من السماء: أن طبت وطاب ممشاك تبوّأت من الجنة منزلا» .
كتب رجل إلى صديق له: مثلنا، أعزّك الله، في قرب تجاوزنا وبعد تزاورنا ما قال الأوّل: [من المنسرح]
ما أقرب الدار والجوار وما ... أبعد مع قربنا تلاقينا
وكلّ غفلة منك محتملة، وكل جفوة مغفورة، للشّغف بك، والثّقة بحسن نيّتك، وسآخذ بقول أبي قيس «1» : [من الطويل]
ويكرمها جاراتها فيزرنها ... وتعتلّ عن إتيانهنّ فتعذر «2»
وقال أعرابية: [من الطويل]
فلا تحمدوني في الزّيارة إنّني ... أزوركم إذا لم أجد متعلّلا
وكتب رجل إلى صديق له يستزيره: طال العهد بالاجتماع حتى كدنا نتناكر عند التلاقي، وقد جعلك الله للسّرور نظاما، وللأنس تماما، وجعل المشاهد موحشة إذا خلت منك.
وقال سهل بن هارون «3» : [من الطويل]
(3/31)

وما العيش إلّا أن تطول بنائل ... وإلّا لقاء المرء ذي الخلق العالي
وقال بشار: [من الخفيف]
تسقط الطير حيث تلتقط الح ... بّ وتغشى منازل الكرماء
قال رجل لصديق له: قد تصدّيت للقائك غير مرّة فلم يقض ذلك، فقال له الآخر: كلّ برّ تأتيه فأنت تأتي عليه.
قال ابن الأعرابيّ: [من الطويل]
وأرمي إلى الأرض التي من ورائكم ... لترجعني يوما عليك الرواجع «1»
وقال آخر: [من الطويل]
رأيت أخا الدنيا وإن بات آمنا ... على سفر يسرى به وهو لا يدري
تثاقلت إلّا عن يد أستفيدها ... وزورة ذي ودّ أشدّ به أزري «2»
وقال آخر: [من الوافر]
أزور محمدا وإذا التقينا ... تكلمت الضمائر في الصدور
فأرجع لم ألمه ولم يلمني ... وقد رضي الضمير عن الضمير
كان سفيان بن عيينة يقول: لا تعفّروا «3» الأقدام إلا إلى أقدارها؛ وأنشد:
[من الكامل]
نضع الزيارة حيث لا يزري بنا ... شرف الملوك ولا تخيب الزّور
وكان يقال: امش ميلا وعد مريضا، وامش ميلين واصلح بين اثنين، وامش ثلاثة أميال وزر أخا في الله.
(3/32)

وقال بعض المحدثين: [من الطويل]
إذا شئت أن تقلى فرز متتابعا ... وإن شئت أن تزداد حبّا فزر غبّا «1»
وقال آخر: [مجزوء الكامل المرفّل]
أقلل زيارتك الصّدي ... ق يراك كالثوب استجدّه «2»
إنّ الصديق يملّه ... ألّا يزال يراك عنده
قال رجل لصديق له: ما أخلو وإن كان اللقاء قليلا من سؤال أو مطالعة لك، فقلبي يقوم مقام العيان «3» .
وقال آخر لصديق له: قد جمعتنا وإياك أحوال لا يزري بها بعد اللقاء ولا يخلّ بها تنازح الديار «4» .
وقال آخر: لولا ما في بديه اللقاء من الحيرة والتعرّض به قبل معرفة العين للجفوة، لم أتوقّف على مطالعة حتى أصير إليك.
وقال الشاعر: [من الطويل]
ومالي وجه في اللئام ولا يد ... ولكنّ وجهي في الكرام عريض
أصحّ إذا لاقيتهم وكأنّني ... إذا أنا لاقيت اللئام مريض
وقال عليّ بن الجهم «5» : [من البسيط]
أبلغ أخا ما تولّى الله صحبتنا ... أنّي وإن كنت لا ألقاه ألقاه
وأنّ طرفي موصول برؤيته ... وإن تباعد عن مثواي مثواه
(3/33)

الله يعلم أني لست أذكره ... وكيف أذكره إذ لست أنساه
المعاتبة والتجنّي
قال حدّثنا محمد بن داود عن المضاء عن فرج بن فضالة عن لقمان بن عامر قال قال أبو الدّرداء: معاتبة الأخ خير من فقده، ومن لك بأخيك كلّه!.
وكان يقال: التجنّي وافد الصّرم «1» .
وقرأت في الإنجيل: إن ظلمك أخوك فاذهب فعاتبه فيما بينك وبينه، فإن أطاعك فقد ربحت أخاك وإن هو لم يطعك فاستتبع رجلا أو رجلين يشهدان ذلك الكلام، فإن لم يستمع فأنه أمره إلى أهل البيعة «2» ، فإن لم يستمع من أهل البيعة فليكن عندك كصاحب المكس «3» .
وقال ابن أبي فنن «4» : [من المتقارب]
إذا كنت تغضب من غير ذنب ... وتعتب من غير جرم عليّا
طلبت رضاك فإن عزّني ... عددتك ميتا وإن كنت حيّا
قنعت وإن كنت ذا حاجة ... فأصبحت من أكثر الناس شيّا
فلا تعجبنّ بما في يديك ... فأكثر منه الذي في يديّا
وقال أبو نهشل «5» يعاتب صديقا له: [من الوافر]
عدلت عن الرّحاب إلى المضيق ... وزرت البيت من غير الطريق
(3/34)

وتظلم عند طاعتك الموالي ... وليس الظلم من فعل الصديق
تجود بفضل عدلك للأقاصي ... وتمنعه من الخلّ الشفيق
أما والراقصات بذات عرق ... وربّ البيت والرّكن الوثيق «1»
لقد أطلقت لي تهما أراها ... ستحملني على مضض العقوق «2»
وقال آخر: [من مجزوء الكامل المرفّل]
فدع العتاب فربّ شرّ هاج أوّله العتاب
وقال الجعديّ «3» : [من المتقارب]
وكان الخليل إذا رابني ... فعاتبته ثم لم يعتب «4»
هواي له وهوى قلبه ... سواي وما ذاك بالأصوب
فإنّي جرىء على صرمه ... إذا ما القرينة لم تصحب «5»
قال رجل لصديق له يعاتبه: ما أشكوك إلّا إليك، ولا استبطئك إلّا لك، ولا أستزيدك إلّا بك، فأنا منتظر واحدة من اثنتين: عتبى تكون منك، أو عقبى الغنى عنك.
وقال آخر: قد حميت جانب الأمل فيك وقطعت الرجاء لك، وقد أسلمني اليأس منك إلى العزاء عنك، فإن نزعت من الآن فصفح لا تثريب فيه «6» ، وإن تماديت فهجر لا وصل بعده.
(3/35)

وقال بعض الشعراء: [من الطويل]
ولا خير في قربى لغيرك نفعها ... ولا في صديق لا تزال تعاتبه
يخونك ذو القربى مرارا وربّما ... وفى لك عند الجهد من لا تناسبه
وقال آخر وهو أوس بن حجر: [من الطويل]
وقد اعتب ابن العمّ إن كان ظالما ... وأغفر عنه الجهل إن كان أجهلا
وكتب رجل إلى صديق له: الحال بيننا تحتمل الدّالّة «1» ، وتوجب الأنس والثّقة، وتبسط اللسان بالاستزادة.
وكتب رجل آخر إلى صديق له: قد جعلك الله ممن يحتمل الدّالّة الكبيرة لذي الحرمة اليسيرة، ورفعك عن أن تبلغ استزادة المستزيد بعنف الحميّة.
والعرب تقول لمن عوتب فلم يعتب «لك العتبى بأن لا رضيت» «2» .
ونحوه قول بشر بن أبي خازم «3» : [من الكامل]
غضبت تميم أن تقتّل عامر ... يوم النّسار فأعتبوا بالصّيلم «4»
وقال أوس بن حارثة لابنه: العتاب قبل العقاب. وهذا نحو قول الآخر:
ليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك.
(3/36)

وقال إياس بن معاوية «1» : خرجت في سفر ومعي رجل من الأعراب، فلمّا كان ببعض المناهل لقيه ابن عمّ له فتعانقا وتعاتبا وإلى جانبهما شيخ من الحيّ، فقال لهما الشيخ: أنعما عيشا، إنّ المعاتبة تبعث التجنّي، والتجنّي يبعث المخاصمة، والمخاصمة تبعث العداوة، ولا خير في شيء ثمرته العداوة، فقلت للشيخ: من أنت؟ قال: أنا ابن تجربة الدهر ومن بلا تلوّنه «2» ، فقلت له: ما أفادك الدّهر؟ قال: العلم به، قلت: فماذا رأيت أحمد؟ قال: أن يبقي المرء أحدوثة حسنة بعده، قال: فلم أبرح ذلك الماء حتى هلك الشيخ وصلّيت عليه.
وقال رجل لصديق له: أنا أبقي على موّدتك من عارض «3» يغيّره وعتاب يقدح فيه، وأؤمّل نائيا من رأيك يغني عن اقتضائك.
وقرأت في كتاب العتابيّ «4» : تأنينا إفاقتك من سكر غفلتك، وترقّبنا انتباهك من وسن رقدتك، وصبرنا على تجرّع الغيظ فيك حتى بان لنا اليأس من خيرك، وكشف لنا الصبر عن وجه الغلط فيك، فها نحن قد عرفناك حقّ معرفتك في تعدّيك لطويل حقّ من غلط في اختيارك.
وقال الشاعر: [من الطويل]
فأيّهما يا ليل إن تفعلي بنا ... فآخر مهجور وأوّل معتب
وكتب محمد بن عبد الملك إلى الحسن بن وهب «5» : يجب على
(3/37)

المرءوس إذا تجاوز به الرئيس حقّ مرتبته بعمله، وكان تفضيله إنما وقع له بخفته على القلب ومحلّه من الأدب، أن يقابل ذلك بمثله إن كان محاميا على محلّه، وإلا لن يؤمن عليه معنى بيت شريح: [من الطويل]
فإنّي رأيت الحبّ في الصّدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب
باب الوداع
قال حدّثني محمد بن خالد بن خداش قال حدّثنا مسلم حدّثنا سلم بن قتيبة عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن يزيد بن أمية عن نافع عن ابن عمر: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يقول «إذا ودّع رجلا أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم «1» عملك وآخر عمرك» .
قال وحدّثني محمد بن عبد العزيز قال حدثنا مسلم بن إبراهيم عن سعيد بن ابى كعب الأزديّ عن موسى بن ميسرة عن أنس بن مالك: أن رجلا أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلم فقال: إني أريد سفزا غدا فقال: «في حفظ الله وكنفه زوّدك الله التقوى وغفر ذنبك ووجّهك للخير حيث كنت» .
المعتمر عن إياس بن دغفل قال: رأيت الحسن ودّع رجلا وعيناه تهملان وهو يقول: [من الطويل]
وما الدّهر إلا هكذا فاصطبر له ... رزيئة مال أو فراق حبيب
قال وودّع رجل صديقا له وهو يقول: [من المتقارب]
(3/38)

وداعك مثل وداع الربيع ... وفقدك مثل افتقاد الدّيم «1»
عليك السلام فكم من وفاء ... نفارقه منك أو من كرم
وقال الطائي: [من الخفيف]
بيّن البين فقدها، قلّما تع ... رف فقدا للشمس حتى تغيبا «2»
وقال جرير: [من الكامل]
يا أخت ناجية السّلام عليكم ... قبل الرحيل وقبل لوم العذّل
لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
أو كنت أرهب وشك بين عاجل ... لقنعت أو لسألت ما لم يسأل
وبلغني عن بكر المازنيّ أنه قال: دخلت على الواثق حين أمر بحملي، فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: بكر، قال: من خلّفت وراءك؟، قلت: بنيّة، قال: ما قالت عند وداعك؟ قلت: قالت: [من المتقارب]
إذا غبت عنّا وخلّفتنا ... فإنّا سواء ومن قد يتم «3»
أبانا فلا رمت من عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم «4»
أبانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منّا الرّحم «5»
قال: فما قلت لها أنت؟ قال: قلت ما قال جرير: [من الوافر]
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنّجاح
كان لبني عقيل عبد رضيع بلبان بعضهم فباعوه، فقال حين شخص به مواليه شعرا: [من الطويل]
(3/39)

أشوقا ولمّا يمض بي غير ليلة ... فكيف إذا سار المطيّ بنا شهرا
وقال مسلم بن الوليد: [من الطويل]
وإني وإسماعيل عند وداعه ... لكالغمد يوم الرّوع زايله النّصل «1»
فإن أغش قوما بعدهم وأزورهم ... فكالوحش يدنيها من الأنس المحل «2»
وقال آخر عند توديعه: [من الطويل]
عجبت لتطويح النّوى من نحبّه ... وتدنو بمن لا يستلذّ له قرب «3»
وقال آخر: [من البسيط]
مالت تودّعني والقلب يغلبها ... كما يميل نسيم الريح بالغصن
ثم استمرت وقالت وهي باكية ... يا ليت معرفتي إيّاك لم تكن
وقال آخر لرجل ودّعه: بقي علينا أن نكفّ من غرب الشّؤون «4» ، ونستعين على فرقة الوحشة بالكتب، فإنها ألسن ناطقة، وعيون رامقة «5» .
وقال البحتريّ: [من مجزوء الكامل المرفّل]
الله جارك في انطلاقك ... تلقاء شامك أو عراقك
لا تعذلنّي في مسي ... ري يوم سرت ولم ألاقك
(3/40)

إنّي خشيت مواقفا ... للبين تسفح غرب ماقك «1»
وعلمت ما يلقى المو ... دّع عند ضمّك واعتناقك
فتركت ذاك تعمّدا ... وخرجت أهرب من فراقك
الهدايا
قال حدّثنا يزيد بن عمرو قال حدّثنا عمير بن عمران قال حدّثنا الحارث ابن عتبة عن العلاء بن كثير عن مكحول قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «تصافحوا فإنّ المصافحة تذهب غلّ الصدور، وتهادوا فإنّ الهديّة تذهب بالسّخيمة» «2» .
وحدّثني أبو الخطاب قال حدّثنا بشر بن المفضّل عن يونس عن الحسن قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لو أهديت لي ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع «3» لأجبت» .
وفي حديث آخر: «تهادوا تحابّوا فإن الهدية تفتح الباب المصمت «4» وتسلّ سخيمة القلب» .
قال حدّثنا عبد الرحمن بن عبد الله عن الأصمعيّ قال: سمعت نافعا يحدث قال: كان ابن عمر يقول: الهدايا من أمراء الفتنة.
وروى الزّبير بن بكّار عن عمه قال: كان الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة يجلس وعمرو بن عبيد الله بن صفوان، ما يكادان يفترقان، وكان عمرو يبعث إلى الحارث في كلّ يوم بقربة من ألبان إبله، فاختلف ما بينهما فأتى
(3/41)

عمرو أهله فقال: لا تبعثوا للحارث باللبن فإنا لا نأمن أن يردّه علينا؛ وانقلب الحارث إلى أهله فقال: هل أتاكم اللبن؟ قالوا: لا؛ فلما راح الحارث بعمرو قال: يا هذا لا تجمعنّ علينا الهجر وحبس اللبن؛ فقال: أمّا إذا قلت هذا فلا يحملها إليك غيري، فحملها من ردم «1» بني جمح إلى أجياد «2» .
وبعث النضر بن الحارث إلى صديق له يسكن عبّادان بنعلين مخصوفتين وكتب إليه: بعثت إليك بهما وأنا أعلم أنّ بك عنهما غنى، ولكني أحببت أن تعلم أنك مني على ذكر.
وقال بعض الشعراء: [من مجزوء الكامل المرفّل]
إنّ الهديّة حلوة ... كالسّحر تجتلب القلوبا
تدني البغيض من الهوى ... حتى تصيّره قريبا
وتعيد مضطغن العدا ... وة بعد نفرته حبيبا «3»
أهدى رجل إلى صديق له عبدا أسود؛ فكتب إليه: أمّا بعد، فلو علمت عددا أقلّ من واحد أو لونا شرّا من الأسود لبعثت به إليّ. وهذا نظير قول الآخر وقد سئل كم لك من الولد؟ قال: خبيث قليل؛ قيل: وكيف؟ فقال: لا أقلّ من واحد ولا أخبث من بنت.
أهدى رجل إلى بعض الأمراء هدية، فكتب إليه الأمير: قد قبلتها بالموقع ورددتها بالإبقاء.
(3/42)

وكان ابن عباس يقول: من أهديت إليه هديّة وعنده قوم فهم شركاؤه فيها؛ فأهدى إليه صديق ثيابا من ثياب مصر وعنده أقوام فأمر برفعها، فقال له رجل: ألم تخبرنا أنّ من أهديت له هديّة وعنده قوم فهم شركاؤه فيها! فقال:
إنّما ذلك فيما يؤكل ويشّرب ويشم، فأمّا في ثياب مصر فلا.
وقال خلف الأحمر «1» : [من الطويل]
أتاني أخ من غيبة كان غابها ... وكنت إذا ما غاب أنشده ركبا «2»
فجاء بمعروف كثير فدسّه ... كما دسّ راعي السّوء في حضنه الوطبا «3»
فقلت له هل جئتني بهديّة ... فقال بنفسي قلت أتحف بها الكلبا
هي النفس لا أرثى لها من بليّة ... ولا أتمنّى أن رأيت لها قربا
أهدى رجل إلى صديق له وكتب إليه: الأنس سهّل سبيل الملاطفة، فأهديت هديّة من لا يحتشم، إلى من لا يغتنم.
وحدّثنا أحمد بن الخليل قال حدّثنا أبو سلمة عن حبابة بنت عجلان عن أمّها أم حفص عن صفيّة بنت جرير عن أم حكيم بنت وداع الخزاعيّة قالت:
قلت للنبي صلّى الله عليه وسلم: ما جزاء الغنيّ من الفقير؟ قال؛ «النصيحة والدعاء قلت: يكره ردّ اللّطف؟ «4» . قال: ما أقبحه، لو أهديت إليّ ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت، تهادوا فإنه يضعف الحبّ «5» ويذهب بغوائل القلوب» «6» .
(3/43)

وحدّثني محمد بن سلّام الجمحيّ «1» قال حدّثني خلّاد بن يزيد الباهليّ قال: أهديت ليزيد بن عمر بن هبيرة في يوم المهرجان هدايا وهو أمير العراق فصفّت بين يديه؛ فقال خلف بن خليفة وكان حاضرا: [من المتقارب]
كأنّ شماميس في بيعة ... تسبّح في بعض عيداتها «2»
وقد حضرت رسل المهرجا ... ن وصفّوا كريم هديّاتها
علوت برأسي فوق الرءوس ... ، فأشخصته فوق هاماتها «3»
لأكسب صاحبتي صحفة ... تغيظ بها بعض جاراتها
فأمر له بجام «4» من ذهب، ثم أقبل يفرّق بين جلسائه تلك الهدايا وينشد: [من البسيط]
لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التبذير والسّرف «5»
فإن تولّت فأحرى أن تجود بها ... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف
كتب رجل من أصحاب السلطان إلى بعض العلماء يستهديه مهارة «6» من ناحية عمله. فكتب إليه العامل: أمّا المهارة فإن أهل عملنا يصونونها صيانة الأعراض، ويسترونها ستر الحرم، ويسومون «7» بها مهور العقائل «8» ؛ وأنا مستخلص لك منها ما يكون زين المربط وحملان «9» الصديق، إن شاء الله.
(3/44)

وقال بعضهم: الهدّية إذا كانت من الصغير إلى الكبير، فكلّما لطفت ودقّت كان أبهى لها، وإذا كانت من الكبير إلى الصغير، فكلّما عظمت وجلّت كان أوقع لها وأنجع.
وكتب أبو السّمط «1» : [من الوافر]
بدولة جعفر حسن الزمان ... لنا بك كلّ يوم مهرجان
ليوم المهرجان بك اختيال ... وإشراق ونور يستبان
جعلت هديّتي لك فيه وشيا ... وخير الوشي ما نسج اللسان «2»
أهدى حسام بن مصكّ إلى قتادة نعلا رقيقة، فجعل قتادة يزنها بيده، وقال: إنك تعرف سخف عقل الرجل في سخف هديّته.
وقال الشاعر: [من الوافر]
سقى حجّاجنا نوء الثريّا ... على ما كان من بخل ومطل «3»
هم جمعوا النعال وأحرزوها ... وسدّوا دونها بابفا بقفل
فإن أهديت فاكهة وجديا ... وعشر دجائج بعثوا بنعل
ومسواكين طولهما ذراع ... وعشر من ردىء المقل حسل «4»
فإن أهديت ذاك ليحملوني ... على نعل فدقّ الله رجلي
أناس تائهون لهم رواء ... تغيم سماؤهم من غير وبل «5»
إذا انتسبوا ففرع من قريش ... ولكنّ الفعال فعال عكل «6»
(3/45)

كتب رجل إلى صديق له: لولا أنّ البضاعة قصّرت بي عن بلوغ الهمة لأتعبت المسابقين إلى برّك. وكرهت أن تطوى صحيفة البرّ، وليس لي فيها ذكر، فبعثت إليك بالمبتدأ بيمنه وبركته، والمختوم بطيبه ورائحته: جراب ملح، وجراب أشنان «1» .
أهدى الطائيّ إلى الحسن بن وهب قلما وكتب إليه: [من الخفيف]
قد بعثنا إليك أكرمك الل ... هـ بشيء فكن له ذا قبول
لا تقسه إلى ندى كفّك الغم ... ر ولا نيلك الكثير الجزيل «2»
واغتفر قلّة الهديّة منّي ... إنّ جهد المقلّ غير قليل
وبعث أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع بنعل وكتب معها: [من لكامل]
نعل بعثت بها لتلبسها ... تسعى بها قدم إلى المجد
لو كان يمكن أن أشرّكها ... جلدي جعلت شراكها خدّي «3»
وقال بعض الشعراء في نحو ذلك: [من الكامل]
أو ما رأيت الورد أتحفنا به ... إتحاف من خطر الصديق بباله
لو كان يهدى لامرىء ما لا يرى ... يهدى لعظم فراقه وزياله «4»
لرددت تحفته عليه وإن علت ... عن ذاك واستهديت بعض خصاله
وقال المهديّ «5» : [من السّريع]
تفّاحة من عند تفّاحة ... جاءت فماذا صنعت بالفؤاد
(3/46)

والله ما أدري أأبصرتها ... يقظان أم أبصرتها في الرّقاد
قال: وكتب بعض العمال إلى صديق له: إنّي تصفّحت أحوال الأتباع الذين يجب عليهم الهدايا إلى السّادة في مثل هذا اليوم والتأسّي بهم في الإهداء، وإن قصّرت الحال عن قدرك، فرأيتني إن أهديت نفسي فهي ملك لك لا حظّ فيها لغيرك، ورميت بطرفي إلى كرائم مالي فوجدت أكثرها منك، فكنت إن أهديت شيئا منه كالمهدي مالك إليك ومنفق نفقتك عليك؛ وفزعت إلى مودّتي وشكري فوجدتهما خالصين لك قديمين غير مستحدثين، ورأيت إن أنا جعلتهما هديّتي لم أجدّد لهذا اليوم الجديد برّا ولا لطفا. ولم أقس منزلة من شكري بمنزلة من نعمتك إلّا كان الشكر مقصّرا عن الحق، وكانت النعمة زائدة على ما تبلغه الطاقة؛ ولم أسلك سبيلا ألتمس بها برّا أعتدّ به أو لطفا أتوصّل إليه، إلا وجدت رضاك قد سبقني إليه، فجعلت الإعتراف بالتقصير عن حقّلك هدّية إليك؛ وقد قلت في ذلك: [من السّريع]
إن أهد نفسي فهي من ملكه ... أو أهد مالي فهو من ماله
لمّا قدم معاوية المدينة منصرفا من مكة، بعث إلى الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزّبير وعبد الله بن صفوان ابن أميّة بهدايا من كسى وطيب وصلات من المال، ثم قال لرسله: ليحفظ كلّ رجل منكم ما يرى ويسمع من الردّ. فلما خرج الرّسل من عنده، قال لمن حضر: إن شئتم أنبأناكم بما يكون من القوم؛ قالوا: أخبرنا يا أمير المؤمنين؛ قال: أمّا الحسن فلعله ينيل نساءه شيئا من الطّيب وينهب «1» ما بقي من حضره ولا ينتظر غائبا. وأما الحسين فيبدأ بأيتام من قتل مع أبيه بصفّين،
(3/47)

فإن بقي شيء نحر به الجز وسقى به اللبن. وأما عبد الله بن جعفر فيقول: يا بديح «1» ! أقض به ديني، فإن بقي شيء فأنفذ به عداتي «2» . وأما عبد الله بن عمر فيبدأ بفقراء عديّ بن كعب، فإن بقي شيء ادّخره لنفسه ومان «3» به عياله.
وأما عبد الله بن الزبير فيأتيه رسولي وهو يسبّح فلا يلتفت إليه ثم يعاوده الرسول فيقول لبعض كفاته «4» : خذوا من رسول معاوية ما بعث به، وصله الله وجزاه خيرا، لا يلتفت إليها وهي أعظم في عينه من أحد، ثم ينصرف إلى أهله فيعرضها على عينه ويقول: ارفعوا، لعلّي أن أعود على ابن هند يوما ما.
وأما عبد الله بن صفوان فيقول: قليل من كثير، وما كلّ رجل من قريش وصل إليه هكذا، ردّوا عليه؛ فإن ردّ قبلناها. فرجع رسله من عندهم بنحو ممّا قال معاوية؛ فقال معاوية: أنا بن هند! أعلم بقريش من قريش.
قال يونس بن عبيد: أتيت ابن سيرين «5» فدعوت الجارية، فسمعته يقول: قولوا له: إنّي نائم- يريد: سأنام-؛ فقلت: معي خبيص «6» ؛ فقال:
مكانك حتى أخرج إليك.
قال رجل لأبي الدّرداء: إن فلانا يقرئك السلام؛ فقال: هدّية حسنة ومحمل خفيف.
وبعث رجل إلى جارية يقال لها «راح» براح «7» ، وكتب إليها:
(3/48)

[من مجزوء الخفيف]
قل لمن يملك الملو ... ك وإن كان قد ملك
قد شربناك فاشربي ... وبعثنا إليك بك
أهدى رجل إلى عبيد بن الأخطل شاة مهزولة «1» ، فكتب إليه عبيد:
[من المتقارب]
وهبت لنا يا أخا منقر ... وعجل وأكرمها أوّلا «2»
عجوزا أضرّ بها دهرها ... وأنزلها الذّلّ دار البلى
سلوحا حسبت بأن الرّعاء ... سقوها الغريقون والحنظلا «3»
وأجدب من ثور زرّاعة ... أصاب على جوعه سنبلا «4»
وأزهد من جيفة لم تدع ... لها الشمس من مفصل مفصلا
فأهوت يميني إلى جنبها ... فخلت حراقيقها جندلا «5»
وأهوت يساري لعرقوبها ... فخلت عراقيبها مغزلا «6»
فقلت أبيع فلا مشربا ... تؤدّى إليّ ولا مأكلا
أم اجعل من جلدها حنبلا ... فأقذر بحنبلها حنبلا «7»
إذا هي مرّت على مجلس ... من العجب كبّر أو هلّلا
رأوا آية خلفها سائق ... يحثّ وإن هرولت هرولا
(3/49)

فكنت أمرت بها ضخمة ... بشحم ولحم قد استكملا
ولكنّ روحا عدا طوره ... وما كنت أحسب أن يفعلا «1»
فعضّ الذي خانني حاجتي ... بإست امّه بظرها الا غرلا «2»
فلولا مكانك خضّبتها ... وعلّقت في جيدها جلجلا «3»
فجاءت لكيما ترى حالها ... فتعلم أنّي بها مبتلى
سألتك لحما لصبياننا ... فقد زدتني فيهم عيّلا «4»
فخذها وأنت بها محسن ... وما زلت بي محسنا مجملا
وبعث رجل إلى دعبل بأضحيّة «5» ، فكتب إليه: [متقارب]
بعثت إليّ بأضحيّة ... وكنت حريّا بأن تفعلا
ولكنّها خرجت غثّة ... كأنك أرعيتها حرملا «6»
فإن قبل الله قربانها ... فسبحان ربّك ما أعدلا
قيل لرجل قدم من مكة: كيف أثمان النّعال بمكة؟ قال: أثمان الجداء «7» بالعراق.
وقال مسلم بن الوليد: [طويل]
جزى الله من أهدى التّرنج تحية ... ومنّ بما يهوى عليه وعجّلا «8»
(3/50)

أتتنا هدايا منه أشبهن ريحه ... وأشبه في الحسن الغزال المكحّلا
ولو أنّه أهدى إليّ وصاله ... لكان إلى قلبي ألذّ وأوصلا
وكتب رجل إلى صديق له شرب دواء: [وافر]
تأنّق في الهديّة كلّ قوم ... إليك غداة شربك للدواء
فلمّا أن هممت به مدلا ... لموضع حرمتي بك والإخاء
رأيت كثير ما أهدي قليلا ... لعبدك فاقتصرت على الدّعاء
وكتب رجل إلى صديق له: وجدت المودّة منقطعة ما كانت الحشمة عليها متسلّطة، وليس يزيل سلطان الحشمة إلا المؤانسة، ولا تقع المؤانسة إلا بالبرّ والملاطفة.
العيادة
قال حدّثنا يزيد بن عمرو قال حدّثنا يزيد بن هارون قال حدّثنا شريك عن أبي نصير عن أنس بن مالك، قال: عاد رسول الله صلّى الله عليه وسلم رجلا من الأنصار من رمد كان بعينه. ومن حديث أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يعادون صاحب الدّمّل والرمد والضرس» .
وحدّثني القاسم بن الحسن عن ابن الأصبهانيّ عن إسماعيل بن عيّاش عن أرطأة بن المنذر: أن أبا الدرداء عاد جارا له نصرانيا.
قال الشّعبيّ «1» : عيادة النّوكى «2» أشدّ على المريض من وجعه.
(3/51)

وعن شيبان عن أبي هديّة عن أبي هلال قال: قال بكر بن عبد الله لقوم عادوه فأطالوا عنده: المريض يعاد، والصحيح يزار.
عاد قوم عليلا فأطالوا عنده، فقال لهم: إن كان لكم في الدار حقّ فخذوه وانصرفوا.
عاد رجل رقبة، فنعى رجالا اعتلّوا مثل علّته، فقال له رقبة: إذا دخلت على مريض فلا تنع إليه الموتى، وإذا خرجت من عندنا فلا تعد إلينا.
عاد أعرابيّ أعرابيّا فقال: بأبي أنت! بلغني أنك مريض، فضاق والله عليّ الأمر العريض، وأردت إتيانك فلم يكن بي نهوض؛ فلما حملتني رجلان، وليستا تحملان؛ أتيتك بجرزة «1» شيح ما مسّها عرنين قطّ «2» ، فاشممها واذكر نجدا، فهو الشفاء بإذن الله.
قال كثيّر: [متقارب]
ألا تلك عزّة قد أقبلت ... تقلّب للبين طرفا غضيضا «3»
تقول مرضت وما عدتنا ... فقلت لها لا أطيق النهوضا
كلانا مريضان في بلدة ... وكيف يعود مريض مريضا «4»
وقال آخر «5» : [بسيط]
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
(3/52)

وقال بشّار: [سريع]
لو كانت الفدية مقبولة ... لقلت بي لا بك حمّاكا «1»
وكتب آخر إلى عليل: [بسيط]
نبّئت أنّك معتلّ فقلت لهم ... نفسي الفداء له من كلّ محذور
يا ليت علّته بي غير أنّ له ... أجر العليل وأني غير مأجور
وكتب آخر إلى عليل: [طويل]
أقول بحقّ واجب لك لازم ... وإخلاص شكر لا يغيّره الدهر
بي السوء والمكروه لا بك كلّما ... أراداك كانا بي وكان لك الأجر
وقال آخر في مثله: [طويل]
فإن تك حمّى الغبّ شفّك وردها ... فعقباك منها أن يطول لك العمر «2»
وقيناك! لو نعطى المنى فيك والهوى ... لكان بي الشكوى وكان لك الأجر
وفي الحديث المرفوع «حصّنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا البلايا بالدعاء» . وفي آخر أنه صلّى الله عليه وسلم قال يوما لأصحابه: «من أصبح منكم صائما؟ قال عمر: أنا، قال: فمن شيّع جنازة؟ قال عمر: أنا؛ قال: فمن عاد مريضا؟ قال عمر: أنا؛ قال: فمن فيكم تصدّق بصدقة؟ قال عمر: أنا؛ فقال صلّى الله عليه وسلم: «وجبت وجبت وجبت» . وفي حديث آخر: أنه صلّى الله عليه وسلم قال:
إتمام عيادتكم المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على رأسه، أو يده، «في يده ويسأله كيف هو، وتمام تحياتكم المصافحة» .
(3/53)

وقال الشاعر: [طويل]
إن كنت في ترك العيادة تاركا ... حظّي فإني في الدّعاء لجاهد
فلربما ترك العيادة مشفق ... وأتى على غلّ الضمير الحاسد «1»
أبو حاتم قال حدّثنا العتبيّ عن أبيه قال: كان يقال: إذا اشتكى الرجل ثم عوفي ولم يحدث خيرا ولم يكفّ عن سوء، لقيت الملائكة بعضها بعضا وقالت: إن فلانا داويناه فلم ينفعه الدواء.
وقال أبو حاتم «2» حدّثنا القحذميّ قال: أطلع «3» معاوية في بئر بالأبواء «4» فأصابته لقوة «5» ، فاعتمّ بعمامة سوداء وسدلها على الشقّ الذي أصيب فيه، ثم أذن للناس فقال: أيّها الناس؛ إنّ ابن آدم بعرض بلاء: إمّا معاتب ليعتب، وإمّا معاقب بذنب، أو مبتلى ليؤجر، فإن عوتبت فقد عوتب الصالحون قبلي، وإنّي لأرجو أن أكون منهم؛ وإن عوقبت فقد عوقب الخطّاءون قبلي، وما آمن أن أكون منهم؛ وإن مرض عضو منّي فما أحصي صحيحي ولما عوفيت أكثر، ولو أن أمري إلى ما كان لي على ربّي أكثر مما أعطاني. وإنّي وإن كنت عاتبا على خاصّ منكم فإنّي حدب «6» على جماعتكم، أحبّ صلاحكم. وقد أصبت بما ترون، فرحم الله امرأ دعا لي بعافية! فرفعوا أصواتهم بالبكاء والدعاء.
(3/54)

مرض أبو عمرو بن العلاء «1» مرضة، فأتاه أصحابه وأبطأ عنده رجل منهم؛ فقال: ما يبطىء بك؟ قال: أريد أن أساهرك؛ قال: أنت معافى وأنا مبتلى، فالعافية لا تدعك تسهر والمرض لا يدعني أنام، فاسأل الله أن يسوق إلى أهل العافية الشكر، وإلى أهل البلاء الصبر والأجر.
حدّثني عبد الرحمن عن الأصمعيّ قال: اشتكى رجل من الأعراب، فجعل الناس يدخلون عليه فيقولون: كيف أصبحت وكيف كنت؟ فلما أكثروا عليه قال: كما قلت لصاحبك.
قال: وقع رجل من أهل المدينة فوثئت «2» رجلاه، فجعل الناس يدخلون عليه ويسألونه، فلما أكثروا عليه وأضجر كتب قصّته في رقعة، فكان إذا دخل عليه عائد وسأله دفع إليه الرقعة.
الهيثم بن عديّ قال: كان رجل من أهل السّواد محدودا «3» لا يقصد في شيء إلا انصرف عنه، فغاب مرّة فأطال، فلما قدم أتاه الناس فجعلوا يسألونه عن حاله وما كان فيه، وكان فيه برم «4» ، فأخذ رقعة فكتب فيها: [متقارب]
وما زلت أقطع عرض الفلاة ... من المشرقين إلى المغربين
وأطوي الفيافي أرضا فأرضا ... وأستمطر الجدي والفرقدين «5»
وأطوي وأنشر ثوب الهموم ... إلى أن رجعت بخفّي حنين «6»
(3/55)

فقيرا وقيرا أخا عسرة ... بعدا من الخير صفر اليدين «1»
كئيب الصّديق بهيج العدوّ ... طويل الشّقا زاني الوالدين
وطرحها في مجلسه، فكلّ من سأله عن حاله دفع إليه الرقعة.
قال حدّثنا عبد الرحمن عن عمه أن نبطيّا «2» وقع من موضع عال، فدخلوا يسألونه، كيف وقعت؟ فلما أكثروا عليه أخذ جرّة وألقاها من يده وقال: هكذا وقعت.
أبو الخطاب قال: كان عندنا رجل أحدب فسقط في بئر فذهبت حدبته فصار آدر «3» ، فدخلوا يسألونه ويهنئونه بذهاب حدبته، فجعل يقول: الذي جاء شرّ من الذي ذهب.
المدائنيّ قال: سقط ابن شبرمة القاضي عن دابّته فوثئت رجله، فدخل يحيى بن نوفل الحميريّ عليه فقال: [متقارب]
أقول غداة أتاني الخبير ... فدسّ أحاديثه الهينمه «4»
لك الويل من مخبر ما تقول؟ ... أبن لي وعدّ عن الجمجمه «5»
فقال خرجت وقاضي القضا ... ة مثقلة رجله مؤلمه
فقلت وضاقت عليّ البلاد ... وخفت المجلّلة المعظمه
فغزوان حرّ وأمّ الوليد ... إن الله عافى أبا شبرمه
جزاء لمعروفه عندنا ... وما عتق عبد له أو أمه؟
(3/56)

قال: وفي المجلس جار ليحيى بن نوفل يعرف منزله، فلما خرج تبعه وقال: يا أبا معمر، من غزوان وأم الوليد؟ فضحك وقال: أو ما تعرفهما؟ هما سنّوران في البيت.
قال حدّثنا الرّياشيّ عن أبي زيد قال دخلنا على أبي الدّقيش وهو شاك «1» ، فقلنا له: كيف تجدك؟ قال: أجدني أجد ما لا أشتهي وأشتهي ما لا أجد، ولقد أصبحت في شرّ زمان وشرّ أناس: من جاد لم يجد ومن وجد لم يجد.
قيل: لعمرو بن العاص وقد مرض مرة: كيف تجدك؟ قال أجدني أذوب ولا أثوب، وأجد نجوي «2» أكثر من رزئي «3» ، فما بقاء الشيخ على هذا!.
سئل عليل عن حاله فقال: أنا مبلّ «4» غير مستقلّ، ومتماثل غير متحامل.
وقيل لآخر: كيف تجدك؟ قال أجدني لم أرض حياتي لموتي.
وقيل لرجل من العجم: ما حالكم؟ قال: ما حال من يريد سفرا طويلا بلا زاد! وينزل منزلا موحشا بلا أنيس! ويقدم على جبّار قد قدّم العذر بلا حجّة!.
قيل لعكرمة: كيف حالك؟ قال: بشرّ، أصبحت أجرب مبسورا «5» .
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: قيل لشيخ من العبّاد: كيف أنت، وكيف أحوالك؟ فقال: ما كلّها كما أشتهي.
(3/57)

قيل لآخر: ما تشتكي؟ قال: تمام العدّة وانقضاء المدّة.
وبلغني عن معاوية بن قرّة قال: مرض أبو الدّرداء، فعاده صديق له فقال: أيّ شيء تشتكي؟ قال: ذنوبي؛ قال: فأيّ شيء تشتهي؟ قال: الجنّة؛ قال: فندعو لك بالطبيب؟ قال: هو أمرضني.
سئل رجل عن حاله فقال: [رجز]
كنّا إذا نحن أردنا لم نجد ... حتى إذا نحن وجدنا لم نرد
أرجف «1» الناس بعلّة معاوية وضعفه، فدخل عليه مصقلة بن هبيرة، فأخذ معاوية بيده ثم قال يا مصقل: [مجزوء الكامل المرفّل]
أبقى الحوادث من خلي ... لك مثل جندلة المراجم «2»
قد رامني الأقوام قب ... لك فامتنعت من المظالم
فقال مصقلة: أمّا قول أمير المؤمنين: «أبقى الحوادث من خليللك» ، فقد أبقى الله منك جبلا راسيا وكلا مرعيا لصديقك وسمّا ناقعا لعدوّك. وأمّا قولك: «قد رامني الأقوام قبلك» ، فمن ذا يرومك أو يظلم! فقد كان الناس مشركين فكان أبو سفيان سيّدهم، وأصبح الناس مسلمين وأصبحت أميرهم؛ فأعطاه معاوية فخرج؛ فسئل عنه فقال: والله لغمزني غمزة «3» كاد يكسر منها يدي وأنتم تزعمونه مريضا.
وقال المدائنيّ: دخل كثيّر عزّة على عبد الملك بن مروان، فقال: يا أمير المؤمنين، لولا أنّ سرورك لا يتمّ بأن تسلم وأسقم لدعوت الله أن يصرف
(3/58)

ما بك إليّ، ولكن أسأل الله لك أيها الأمير العافية ولي في كنفك النعمة؛ فضحك وأمر له بمال؛ فقال: [كامل]
ونعود سيّدنا وسيّد غيرنا ... ليت التّشكّي كان بالعوّاد
لو كان يقبل فدية لفديته ... بالمصطفى من طارفي وتلادي «1»
وقال آخر: [منسرح]
لا تشكون دهرا صحت به ... إنّ الغنى في صحة الجسم
هبك الخليفة، كنت منتفعا ... بلذاذة الدنيا مع السّقم؟
إعتلّ المسور «2» فجاءه ابن عباس يعوده نصف النهار؛ فقال المسور: يا أبا عباس «3» هلّا ساعة غير هذه! قال ابن عباس: إنّ أحبّ الساعات إليّ أن أؤدّي فيها الحقّ أشقّها عليّ.
وكتب رجل إلى صديق له: كيف أنت؟ بنفسي أنت! وكيف كنت؟ لا زلت! وكيف قوتك ونشاطك؟ لا عدمتهما ولا عدمناهما منك، وأعادك الله إلى أحسن ما عوّدك! لولا عوائق يوجب العذر بها تفضّلك لم أدع تعرّف خبرك بالعين، فإنها أشفى للقلب وأنقع للغليل «4» وأشدّ تسكينا للأعج الشوق «5» .
وقرأت فصلا في كتاب: لئن تخلّفت عن عيادتك بالعذر الواضح من العلّة لما أغفل قلبي ذكرك ولا لساني فحصا عن خبرك في ممساك ومصبحك
(3/59)

وتنقّل الحال بك تبعث من تقسم جوارحه وصبك «1» وزاد في ألمها ألمك ومن تتصّل بك أحواله في السراء والضراء. ولما بلغتني إفاقتك كتبت مهنئا بالعافية مخبرا بالعذر، معفيا من الجواب إلا بخبر السلامة إرسالا.
وقال عبد بني الحسحاس «2» : [طويل]
تجمّعن من شتّى ثلاث وأربع ... وواحدة حتّى بلغن ثمانيا
سليمى وسلمى والرّباب وزينب ... وهند ودعد والمنى وقطاميا
وأقبلن من بعض الخيام يعدنني ... ألا إنّ بعض العائدات دوائيا
وقال عبد الله بن مصعب الزّبيريّ: [كامل]
ما لي مرضت فلم يعدني عائد ... منكم ويمرض كلبكم فأعود
فسمّي «عائد الكلب» وولده الآن يسمّون «بني عائد الكلب» .
التعازي وما يتمثّل به فيها
وحدّثني محمد بن داود عن غسّان بن الفضل قال قال عبد الوهاب الثّقفيّ: أتاني ابن جريج بمكة يعزّيني عن بعض أهلي، فقال: إنه من لم يسل «3» أهله إيمانا واحتسابا سلا كما تسلوا البهائم.
كتب إبراهيم بن يحيى الأسلميّ «4» إلى المهديّ يعزّيه عن ابنته: أما بعد، فإن أحقّ من عرف حقّ الله فيما أخذ منه من عظّم حقّ الله عليه فيما
(3/60)

ابقى له. واعلم أنّ الماضي قبلك هو الباقي بعدك، وأنّ أجر الصابرين فيما يصابون به أعظم عليهم من النعمة فيما يعافون منه.
ونحوه قول سهل بن هارون: التهنئة على آجل الثواب، أولى من التّعزية على عاجل المصيبة.
وقال بعض الشعراء: [كامل]
كم من يد لا يستقلّ بشكرها ... لله في ظلّ المكاره كامنه
وسقطت مقاديم فم معاوية فشقّ ذلك عليه، فقال له يزيد بن معمر السّلميّ: والله يا أمير المؤمنين، ما بلغ أحد سنّك إلا أبغض بعضه بعضا، ففوك أهون علينا من سمعك وبصرك.
وقال صالح المرّي «1» لرجل يعزّيه: إن لم تكن مصيبتك أحدثت في نفسك موعظة فمصيبتك بنفسك أعظم. ونحوه: شرّ من المرزئة سوء الخلف عنها. ومثله قول الشاعر: [خفيف]
إن يكن ما به أصبت جليلا ... فلفقد العزاء فيه أجلّ
عزى شبيب بن شيبة المهديّ عن بانوقة «2» ، فقال: يا أمير المؤمنين، ما عند الله خير لها مما عندك، وثواب الله خير لك منها.
عزّى رجل عبد الله بن طاهر «3» عن ابنته فقال: أيها الأمير، ممّ تجزع؟: [بسيط]
(3/61)

الموت أكرم نزّال على الحرم
وقال جرير: [طويل]
وأهون مفقود إذا الموت ناله ... على المرء من أصحابه من تقنّعا
وقال آخر: [من الوافر]
ولم أر نعمة شملت كريما ... كنعمة عورة سترت بقبر
وعزّى رجل رجلا فقال: لا أراك الله بعد هذه المصيبة ما ينسيكها.
وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: [طويل]
تعزّ أمير المؤمنين فإنّه ... لما قد ترى يغذى الصغير ويولد
هل ابنك إلّا من سلالة آدم ... لكلّ على حوض المنّية مورد
عزّى أبو بكر عمر رضي الله عنهما عن طفل أصيب به، فقال: عوّضك الله منه ما عوّضه منك.
وقال محمود الوراق «1» : [متقارب]
يمثّل ذو اللبّ في نفسه ... مصائبه قبل أن تنزلا
فإن نزلت بغتة لم ترعه ... لما كان في نفسه مثّلا
رأى الهمّ يفضي إلى آخر ... فصيّر آخره أوّلا
وذو الجهل يأمن أيامه ... وينسى مصارع من قد خلا «2»
فإن بدهته صروف الزمان ... ببعض مصائبه أعولا «3»
ولو قدّم الحزم في أمره ... لعلّمه الصبر عند البلا
عزّى موسى بن المهديّ سليمان بن أبي جعفر عن ابن له، فقال:
أيسرّك وهو بليّة وفتنة، ويحزنك وهو صلاة ورحمة!.
(3/62)

وعزّى رجل موسى بن المهديّ عن ابن له فقال: كان لك من زينة الحياة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات.
توفّي سهيل بن عبد العزيز بن مروان، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز بعض عمّاله وأطنب في كتابه؛ فكتب إليه عمر: [طويل]
حسبي حياة الله من كلّ ميّت ... وحسبي بقاء الله من كلّ هالك
إذا ما لقيت الله عني راضيا ... فإنّ شفاء النفس فيما هنالك
كتب ابن السّمّاك «1» إلى الرشيد يعزّيه بابن له: أما بعد، فإن استطعت أن يكون شكرك لله حين قبضه أكثر من شكرك له حين وهبه، فإنّه حين قبضه أحرز لك هبته، ولو سلم لم تسلم من فتنته؛ أرأيت حزنك على ذهابه وتلهّفك لفراقه! أرضيت الدار لنفسك فترضاها لابنك! أمّا هو فقد خلص من الكدر، وبقيت أنت معلّقا بالخطر. واعلم أن المصيبة مصيبتان إن جزعت، وإنما هي واحدة إن صبرت، فلا تجمع الأمرين على نفسك.
كتب عبد الله بن طاهر إلى أبي دلف «2» : المصائب حالّة لا بدّ منها، فمنها ما يكون رحمة من الله ولطفا بعبده، وآية ذلك أن يوفّقه للصبر ويلهمه الرضا ويبسط أمله فيما عنده من الثواب الآجل والخلف العاجل. ومنها ما يكون سخطا وانتقاما، أوّله حزن وأوسطه قنوط وآخره ندامة، وهي المصيبة حقّا الجامعة لخسران الدنيا والآخرة. ولم تزل عادة الله عندك الإخلاف والإتلاف. وإن يك ما نالك الآن أعظم مما أتى عليك في مواضي الأيام،
(3/63)

فالأجر المأمول على قدر ذلك.
وكتب أبو دلف إليه: إن تكن المصيبة جلّت، فإنّ فيما أكرمني الله به من جميل رأي الأمير وما وضح للناس من فضل عنايته وابتدائه إيّاى بكتبه، ما عجّل العوض من المفقود.
وفي كتاب آخر: لئن كانت المصيبة جلّت، إن فيما أبقى الله ببقاء الأمير عوضا وافيا وخلفا كافيا. وحقيق بمن عظمت النعمة عليه فيما أبقى الله أن يحسن عزاؤه عما أخذ منه. وأحقّ ما صبر عليه ما لا يستطاع دفعه.
وقرأت في كتاب لبعض الكتّاب في تعزية: أسأل الله أن يسدّ بك ما ثلمت «1» الأيام من مكانه، ويعمّر ما أخلت من مشاهده وأوطانه حتى لا يعفو الداثر «2» ، وأن يستقبل لكم أيّامكم بأحسن ما أمضاها لمن مضى منكم، فيجعلكم الخلف الذي لا وحشة معه ولا وحشة عليه، ويتولّاكم ويتولانا فيكم بما هو أهله ووليّه.
وقرأت في كتاب تعزية: لا لوم على دمعة لا تملك أن تسفحها «3» ، ولا على ألم في القلب لا يدفع أن يظهر فيك، ولا عذر في سواهما مما أحبط أجرك وأشمت عدوّك وضعّف رأيك، ولم يرجع إليك فائتا ولا إلى شقيقك بمكانه روحا ولا إلى من خلّف حفظا. واعلم أن فرق ما بين ذي العقل وذي الجهل في مصيبتيهما تعجّل العاقل من الصبر ما يتأجّل الجاهل.
وقرأت في كتاب تعزية: لو كانت النوائب مدفوعة عن أحد بكثرة من يقيه ذلك من إخوانه ويفديه منه بالأخصّ من أعزّته والأنفس من ماله، سلمت
(3/64)

من ملمّها، وكان سبقي إلى ذلك أبرز سبق، وحظّي بالتقدّم فيه أوفر حظّ.
وقرأت في كتاب: مصيبتك لي مصيبة، وما نالك من ألمها لي موجع.
ولو كان في الوسع أن أعلم كنه ما خامر قلبك من ألمها لحملت مثله على نفسي، فإني أحبّ أن أكون أسوتك في كل سارّ وغامّ، وألّا أتمتّع بأيام غمومك، ولا أقصّر فيها عن مقدار حالك.
وقرأت في كتاب: نسأل الله حسن الاستعداد لما نتوكّفه «1» ونتوقّع حلوله، وألّا يشغلنا بما يقلّ الانتفاع به وتعظم التّبعة فيه عمّا نحتاج إليه يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تودّ لو أنّ بينها وبينه أمدا بعيدا، وأن يجعل ما وهب لنا من الصبر والعزاء إيمانا وإيقانا، ولا يجعله ذهولا ونسيانا.
قال أسماء بن خارجة إذا قدمت المصيبة تركت التعزية، وإذا قدم الإخاء قبح الثناء.
قيل لأعرابية مات ابنها: ما أحسن عزاءك! فقالت: إن فقدي إياه أمّنني من المصيبة بعده. ونحوه قول الشاعر «2» : [طويل]
وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذر
ومثله: [طويل]
وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر
وقال أبو العتاهية: [كامل]
(3/65)

وكما تبلى وجوه في الثّرى ... فكذا يبلى عليهنّ الحزن
وفي الحديث: «من يرد الله به خيرا «1» يصب منه» .
ويقال: المصيبة الموجعة تدرّ «2» ذكر الله في قلب المؤمن.
قال الأصمعيّ: مررت بأعرابيّة وبين يديها فتى في السّياق «3» ، ثم رجعت ورأيت في يدها قدح سويق «4» تشربه، فقلت لها: ما فعل الشابّ؟ فقالت:
واريناه؛ فقلت: فما هذا السّويق؟ فقالت: [طويل]
على كلّ حال يأكل القوم زادهم ... على البؤس والبلوى وفي الحدثان
قيل لأعرابيّ: كيف حزنك اليوم على ولدك؟ فقال: ما ترك حبّ الغداء والعشاء لي حزنا.
وقال عمر بن عبد العزيز: إنما الجزع قبل المصيبة، فإذا وقعت فاله عمّا أصابك.
اشتكى بعض أهل محمد بن عليّ بن الحسين فجزع عليه، ثم أخبر بموته فسرّي «5» عنه؛ فقيل له في ذلك، فقال: ندعو الله فيما نحبّ، فإذا وقع ما نكره لم نخالف الله فيما أحبّ.
لما مات عتبة بن مسعود قال عبد الله: إذا ما قضى الله فيه ما قضى فما أحبّ أني دعوته فأجابني.
قال رجل من طيّء: [طويل]
(3/66)

فلولا الأسى «1» ما عشت في الناس ساعة ... ولكن إذا ما شئت أسعدني مثلي
وقال آخر: [طويل]
إذا أنت لم تسل اصطبارا وحسبة ... سلوت على الأيام مثل البهائم «2»
عزّى محمد بن الوليد بن عتبة الوليد بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، ليشغلك ما أقبل من الموت إليك، عمّن هو في شغل مما دخل عليك، وأعدد لنزوله عدّة تكون لك حجابا من الجزع وسترا من النار. فقال يا محمد، أرجو ألا تكون رأيت غفلة تنبّه عليها ولا جزعا يستتر منه، وما توفيقي إلا بالله. فقال محمد: يا أمير المؤمنين، إنه لو استغنى أحد عن موعظة بفضل لكنته، ولكنّ الله يقول: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
«3» .
وقال الطائي: [طويل]
ويفرح بالشيء المعار بقاؤه ... ويحزن لمّا صار وهو له ذخر
عليك بثوب الصبر إذ فيه ملبس ... فإنّ ابنك المحمود بعد ابنك الصّبر
وقال أيضا: [طويل]
أمالك إنّ الحزن أحلام نائم ... ومهما يدم فالوجد ليس بدائم
تأمّل رويدا هل تعدّنّ سالما ... إلى آدم أم هل تعدّ ابن سالم
وقال آخر: [كامل]
اصبر لكلّ مصيبة وتجلّد ... واعلم بأن الدهر غير مخلّد
أو ما ترى أنّ الحوادث جمّة ... وترى المنية للعباد بمرصد
وإذا أتتك مصيبة تشجى بها ... فاذكر مصابك بالنبيّ محمّد
(3/67)

عزّى رجل الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين، كان لك الأجر لا بك، وكان العزاء منك لا عنك.
يعزّى أهل نجران بعضهم بعضا بهذا الكلام: لا يحزنكم الله ولا يفتنكم، أثابكم الله ثواب المتّقين وأوجب لكم الصلاة والرحمة.
عزّى بعض الزّبيريّين رجلا فقال: لا يصفر ربعك «1» ، ولا يوحش بيتك، ولا يضع أجرك، رحم الله متوفّاك، وأحسن الخلافة عليك.
قال بعض الشعراء: [طويل]
أسكّان بطن الأرض لو يقبل الفدى ... فدينا وأعطينا بكم ساكن الظهر «2»
فيا ليت من فيها عليها وليت من ... عليها ثوى فيها مقيما إلى الحشر
وقاسمني دهري بنيّ بشطره ... فلما توفّى شطره مال في شطري «3»
فصاروا ديونا للمنايا ومن يكن ... عليه لها دين قضاه على عسر
كأنّهم لم يعرف الموت غيرهم ... فثكل على ثكل وقبر على قبر
وقد كنت حيّ الخوف قبل وفاتهم ... فلما توفّوا مات خوفي من الدهر «4»
فلله ما أعطى ولله ما جزى ... وليس لأيام الرّزيّة كالصبر
فحسبك منهم موحشا فقد برّهم ... وحسبك منهم مسليا طلب الأجر
عزّى شبيب بن شيبة «5» رجلا من اليهود فقال: أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطى أحدا من أهل ملّتك.
(3/68)

وقال العتبيّ: [منسرح]
ما عالج الحزن والحرارة في ال ... أحشاء من لم يمت له ولد «1»
فجعت با بنيّ ليس بينهما ... إلّا ليال ليست لها عدد «2»
وكلّ حزن يبلى على قدم ال ... دّهر وحزني يجدّه الأبد «3»
وقال أيضا: [متقارب]
لا يزجر الدهر عنا المنونا ... يبقّي البنات ويفني البنينا «4»
وأنحى علّي بلا رحمة ... فلم يبق لي في جفوني جفونا «5»
وكنت أبا سبعة كالبدور ... أفقّي بهم أعين الحاسدينا
فمرّوا على حادثات الزمان ... كمرّ الدراهم بالناقدينا
فأفنتهم واحدا واحدا ... إلى أن أبادتهم أجمعينا
وألقين ذاك إلى ضارح «6» ... وألقين هذا إلى دافنينا
وما زال ذلك دأب الزما ... ن يفني الأوائل فالأولينا
وحتّى بكى لي حسّادهم ... فقد أقرحوا بالدموع الجفونا
وحسبك من حادث بامرىء ... ترى حاسديه له راحمينا
وكانوا على ظهرها أنجما ... فأضحوا إلى بطنها ينقلونا
فمن كان يسليه مرّ السنين ... فحزني يجدّده لي السّنونا
وممّا يسكّن وجدي بهم ... بأنّ المنون ستلقى المنونا
كان أبو بكر رضي الله عنه إذا عزّى رجلا قال: ليس مع العزاء مصيبة
(3/69)

ولا مع الجزع فائدة؛ الموت أهون مما قبله وأشدّ مما بعد؛ اذكروا فقد رسول الله صلّى الله عليه وسلم تصغر مصيبتكم؛ وعظّم الله أجركم.
وكان علي رضي الله عنه إذا عزّى رجلا يقول: إن تجزع فأهل ذلك الرّحم، وإن تصبر ففي الله عوض من كل فائب؛ وصلّى الله على محمد، وعظّم الله أجركم.
وقال أعرابيّ: [طويل]
أيغسل رأسي أو تطيب مشاربي ... ووجهك معفور وأنت سليب
نسيبك من أمسى يناجيك طرفه ... وليس لمن وارى التراب نسيب
وإني لأستحيي أخي وهو ميّت ... كما كنت أستحييه وهو قريب
وقال أعرابيّ: [طويل]
وما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلا بعدهم وتقدّموا
وقال آخر: [طويل]
وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر
وأجزع أن ينأى به بين ليلة ... فكيف ببين صار ميعاده الحشر
وقال آخر: [طويل]
وإنّا وإخوانا لنا قد تتابعوا ... لكالمغتدي والرائح المتهجّر «1»
وقال سليمان الأعجميّ: [مديد]
ربّ مغروس يعاش به ... عدمته كفّ مغترسه «2»
(3/70)

وكذاك الدّهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه
وتمثّل معاوية بن أبي سفيان يوما فقال: [طويل]
إذا سار من خلف امرىء وأمامه ... وأوحش من جيرانه فهو سائر
وقال آخر: [خفيف]
وإذا قيل مات يوما فلان ... راعنا ذاك ساعة ما نحير «1»
نذكر الموت عند ذاك وننسا ... إذا غيّبته عنّا القبور
وقال آخر: [وافر]
نراع من الجنائز قابلتنا ... ونلهو حين تخفى ذاهبات
كروعة ثلّة لمغار سبع ... فلما غاب ظلّت راتعات «2»
وقال أبو نواس: [مجزوء الخفيف]
سبقونا إلى الرّحي ... ل وإنّا لبالأثر
وكتب رجل إلى بعض الأمراء في تعزية: الأمير أذكر لله من أي يذكّر به، وأعلم بما قضاه على خلقه من أن يدلّ عليه، وأسلك لسبيل الراشدين في التسليم لأمره والصبر على قدره والتنجّز لوعده، من أن ينبّه من ذلك على حظّه، أو أن يحتاج معزّيه عند حادث المصيبة إلى أكثر من الدعاء في قضاء حقّه. فزاده الله توفيقا إلى توفيقه، وأحضره رشده، وسدّد للصواب غرضه، وتولّاه بالحسنى في جميع أموره، إنه سميع قريب. وقد كان من حادث قضاء الله في المتوفّى ما أنقض وأرمض «3» ، وفجع وأوجع، علما بما دخل على الأمير
(3/71)

من النقص، وعلى سروره من اللوعة، وعلى أنسه من الوحشة، إلى ما خصّني منه بماسّ الرّحم وأوشج القرابة. فأعظم الله للأمير الأجر، وأجزل له الذّخر، وعصمه باليقين، وأنجز له ما وعد الصابرين؛ ورحم المتوفّى ولقّاه الأمن والرّوح، وفسح له في المضجع، وجمعه وإيّاه بعد العمر الطويل في الدار التي لا خوف عليهم فيها ولا هم يحزنون.
وفي كتاب: نحن نحمد الله أيّها الأمير إذ أخذ على ما أبقى منك، وإذ سلب على ما وهب بك؛ فأنت العوض من كل فائت، والجابر لكلّ مصيبة، والمؤنس من وحشة كلّ فقد؛ وحقّ لمن كنت له وليّا وعضدا أن يشغله حمد الله على النعمة بك عن الجزع على غيرك.
وكتب سعيد بن حميد إلى محمد بن عبد الله: ليس المعزّى على سلوك السبيل التي سلكها الناس قبله والمضيّ على السنّة التي سنّها صالحوا السلف له؛ وقد بلغني ما حدث من قضاء الله في أمّ الأمير، فنالني من ألم الرّزيّة وفاجع المصيبة ما ينال خدمه الذين يخصّهم ما خصّه من النعم، ويتصرفون معه فيما تناوله الله به من المخن. فأعظم الله للأمير الأجر، وأجزل له المثوبة والذخر، ولا أراه في نعمة عنده نقصا، ووفّقه عند النعم للشكر الموجب للمزيد، وعند المحن للصبر المحرز للثواب، إنه هو الكريم الوهاب. ورحم الله الماضية رحمة من رضى سعيه وجازاه بأحسن عمله. ولو كانت السبيل إلى الشخوص «1» إلى باب الأمير سهلة، لكان الله قد أجلّ الأمير عن أن يعزّيه مثلي بالرسول دون اللقاء، وبالكتاب دون الشّفاه، ولكن الكتاب لقاء من لا سبيل له إلى الحركة، وقبول العذر عمّن حيل بينه وبين الواجب.
ولابن مكرم: وممّا حرّكني للكتاب تعزيتك بمن لا ترميك الأيام بمثل
(3/72)

الحادث فيه، ولا تعتاض ممّا كان الله جمعه لك عنده من الميل إليك والصبر على مكروه جفائك، مع ما كان الله أعاره من قوّة العقل وأصالة الرأي، ومدّ له من عنانه «1»
إلى قصوى الغايات، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أفاتتنا الأيام منه حين تمّ واستوى، وغالى في المروءة وتناهى، وعند الله يحتسب المصاب به؛ وعظّم الله لك فيه الأجر، ومهّل «2» لك في العمر، وأجزل لك العوض والذّخر. فكلّ ماض من أهل فأنت سداد ثلمته «3» وجابر رزيّته. وقد خلّف من أنت أحقّ الناس به من عجوز وليت تربيتك وحياطتك في طبقات سنّك، وولد ربوا في حجرك ونبتوا بين يديك، ليس لهم بعد الله مرجع سواك، ولا مقيل «4» إلا في ذراك؛ فأنشدك الله فيهم فإنه أخرب أحوالهم بعمارة مروءته، وقطعهم بصلة فضله، والله يجزيه بجميل أثره ويخلفه فيهم بما هو أهله.
وفي فصل من كتاب: وقد جرى قضاء الله في هذه النازلة «5» ما نطق عمّا نالك وأبقى عندك، وهو حقّ مثلها وقدر ملمّها «6» .
وفي فصل آخر: لو كان ما يمسّك من أذى يشترى أو يفتدى، رجوت أن أكون غير باخل بما تضنّ به النفوس، وأن أكون سترا بينك وبين كل ملمّ ومحذور. فأعظم الله أجرك، وأجزل ذخرك، ولا خذل صبرك ولا فتنك؛ ولا جعل للشيطان حظّا فيك ولا سبيلا عليك.
المدائني قال: قدم رجل من عبس، ضرير محطوم الوجه «7» ، على
(3/73)

الوليد؛ فسأله عن سبب ضرّه، فقال: بتّ ليلة في بطن واد ولا أعلم على الأرض عبسيّا يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيل فأذهب ما كان لي من أهل ومال وولد إلا صبيا رضيعا وبعيرا صعبا، فندّ «1» البعير والصبيّ معي فوضعته واتّبعت البعير لأحبسه، فما جاوزت إلّا ورأس الذئب في بطنه قد أكله، فتركته وأتبعت البعير، فاستدار فرمحني رمحة حطم بها وجهي وأذهب عيني، فأصبحت لا ذا مال ولا ذا ولد. فقال الوليد: اذهبوا به إلى عروة ليعلم أنّ في الناس من هو أعظم بلاء منه؛ وكان عروة بن الزّبير أصيب بابن له وأصابه الداء الخبيث في إحدى رجليه فقطعها، فكان يقول: كانوا أربعة- يعني بنيه- فأبقيت ثلاثة وأخذت واحدا، وكنّ أربعا- يعني يديه ورجليه- فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثا. أحمدك، لئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت أبقيت لقد عافيت.
وشخص إلى المدينة فأتاه الناس يبكون ويتوجّعون؛ فقال: إن كنتم تعدّونني للسّباق والصّراع فقد أودى «2» ، وإن كنتم تعدّونني للّسان والجاه فقد أبقى الله خيرا كثيرا.
وقال عليّ بن الجهم: [سريع]
من سبق السّلوة بالصبر ... فاز بفضل الحمد والأجر
يا عجبا من هلع جازع ... يصبح بين الذمّ والوزر
مصيبة الإنسان في دينه ... أعظم من جائحة الدهر «3»
وقال بعض الشعراء «4» : [مجزوء الرمل]
ليت شعري ضلّة ... أيّ شيء قتلك «5»
(3/74)

والمنايا رصد ... للفتى حيث سلك
كلّ شيء قاتل ... حين تلقى أجلك
ليت نفسي قدّمت ... للمنايا بدلك
أيّ شيء حسن ... للفتى لم يك لك
وقال آخر: [مجزوء الكامل المرفّل]
غرّ امرؤ منّته نف ... س أن تدوم له السلامه
هيهات! أعيا الأوّلي ... ن دواء دائك يا دعامه
وقالت صفيّة الباهليّة في أخيها: [بسيط]
كنّا كغصنين في جرثومة سموا ... حينا بأحسن ما تسمو له الشجر «1»
حتّى إذا قيل قد طالت فرزعهما ... وطاب قنواهما واستنظر الثمر «2»
أخنى على واحدي ريب الزمان ولا ... يبقي الزمان على شيء ولا يذر «3»
كنّا كأنجم ليل وسطنا قمر ... يجلو الدّجى فهوى من بيننا القمر
ومن هذا أخذ الطائيّ قوله: [طويل]
كأنّ بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خرّ من بينها البدر
وقال آخر: [طويل]
لكلّ أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد «4»
وما إن يزال رسم دار قد اخلقت ... وبيت لميت بالفناء جديد
هم جيرة الأحياء أمّا جوارهم ... فدان وأمّا الملتقى فبعيد
(3/75)

وقال آخر: [بسيط]
لا يبعد الله أقواما لنا ذهبوا ... أفناهم حدثان الدهر والأبد
نمدّهم كلّ يوم من بقيّتنا ... ولا يؤوب إلينا منهم أحد «1»
وقال النابغة: [بسيط]
حسب الخليلين أنّ الأرض بينهما ... هذا عليها وهذا تحتها بالي
وقال آخر: [طويل]
وقد كنت أرجو أن أملّاك حقبة ... فحال قضاء الله دون رجائيا «2»
ألا ليمت من شاء بعدك إنما ... عليك من الأقدار كان حذاريا
وقال آخر: [طويل]
لعمرك ما وارى التراب فعاله ... ولكنه وارى ثيابا وأعظما «3»
فضالة بن شريك: [وافر]
رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بفادحة سمدن لها سمودا «4»
فردّ شعورهنّ السود بيضا ... وردّ وجوههن البيض سودا
وقال آخر: [كامل]
أمّا القبور فإنّهنّ أوانس ... بجوار قبرك والديار قبور
عمّت مصيبته فعمّ هلاكه ... فالناس فيه كلّهم مأجور
ردّت صنائعه عليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور «5»
(3/76)

منصور النّمري «1» : [طويل]
فإن يك أفنته الليالي فأوشكت ... فإنّ له ذكرا سيفني اللياليا
وقال طفيل «2» يذكر الموت: [طويل]
مضوا سلفا قصد السبيل عليهم ... وصرف المنايا بالرجال تقلّب
وقال هشام أخو ذي الرّمّة: [طويل]
تعزّيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاء وجفن العين ملآن مترع «3»
ولم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع «4»
وفي فصل من كتاب لبعض الكتّاب: لست أحتاج مع علمك بما في الصبر عند نازل المصيبة من الفضيلة، وما في الشكر عن حادث النعمة من الحظ، إلى أكثر من الدعاء في قضاء الحقّين، ولا إلى إخبارك عمّا أنا عليه من الارتماض «5» لضرّائك والجذل «6» بسرائك، لمعرفتك بشركتي لك واتصال حالك بى في الأمرين.
التهاني
حدّثني زيد بن أخزم قال حدّثنا أبو قتيبة قال حدّثنا ميمون قال حدّثنا أبو عبد الله النّاجي قال: كنت عند الحسن، فقال رجل: ليهنئك الفارس؛ فقال:
(3/77)

لعله يكون بغّالا «1» ، ولكن قال: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب، وبلغ أشدّه، ورزقت برّه.
قال مجاهد: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا دعا لمتزوّج قال: «على اليمن والسعادة والطير الصالح والرزق الواسع والموّدة عند الرحمن» .
قال أبو الأسود لرجل يهنّئه بتزويج: باليمن والبركة، وشدّة الحركة، والظفر في المعركة.
وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم ينهى أن يقال: «بالرّفاء والبنين» «2» .
وكان يقال: إن أوّل من هنّأ وعزّى في مقام واحد عطاء بن أبي صيفىّ الثّقفيّ، عزّى يزيد بن معاوية بأبيه وهنّأه بالخلافة، ففتح للناس باب الكلام، فقال: أصبحت زرئت خليفة وأعطيت خلافة الله. قضى معاوية نحبه، فغفر الله ذنبه؛ ووليت الرياسة، وكنت أحقّ بالسياسة؛ فاحتسب عند الله أعظم الرزيّ، واشكر الله على أعظم العطيّة. وعظّم الله في أمير المؤمنين أجرك، وأحسن على الخلافة عونك.
وقالت أعرابيّة للمنصور في طريق مكة بعد وفاة أبي العبّاس: أعظم الله أجرك في أخيك؛ لا مصيبة على الأمة أعظم من مصيبتك، ولا عوض لها أعظم من خلافتك.
قال الحجّاج لأيّوب بن القرّيّة: اخطب عليّ هند بنت أسماء، ولا تزد على ثلاث كلمات. فأتاهم فقال: أتيتكم من عند من تعلمون، والأمير معطيكم ما تسألون، أفتنكحون أم تردّون؟ قالوا: بل أنكحنا وأنعمنا. فرجع
(3/78)

ابن القرّيّة إلى الحجّاج فقال: أقرّ الله عينك، وجمع شملك، وأنبت ريعك؛ على الثبات والنبات، والغنى حتى الممات؛ جعلها الله ودودا ولودا، وجمع بينكما على البركة والخير.
كتب بعض الكتّاب إلى رجل يهنئه بدار انتقل إليها: بخير منتقل، وعلى أيمن طائر، ولأحسن إبّان «1» ، أنزلك الله عاجلا وآجلا خير منازل المفلحين.
وقال ابن الرّقاع «2» لمتزوّج: [كامل]
قمر السماء وشمسها اجتمعا ... بالسّعد ما غابا وما طلعا
ما ورات الأستار مثلهما ... فيمن رأيناه ومن سمعا
دام السّرور له بها ولها ... وتهنّا طول الحياة معا
وكتب رجل إلى صديق له يهنئه بالدخول على أهله: قد بلغني ما هيّأ الله لك من اجتماع الشّمل، بضمّ الأهل؛ فشركتك في النعمة، وكنت أسوتك في السرور، وشاهدك بقلبي، ومثّلت ما أنت فيه لعيني، فحللت بذلك محلّ المعاين للحال وزينتها، فهنيئا هنأك الله ما قسم لك، وبالرّفاء والبنين، وعلى طول التعمير والسنين.
وكتب آخر من الكتّاب إلى عامل: نحن من السرور، بما قد استفاض من جميل أثرك فيما تلي من أعمالك، وخطمك «3» وزمّك إيّاها بحزمك وعزمك، وانتياشك أهلها من جور من وليهم قبلك، وسرورهم بتطاول
(3/79)

أيّامك والكون في ظلّ جناحك، في غاية من تخصّه وتعمّه نعمك، وتجول به الحال حيث جالت بك. فالحمد لله الذي جعل العاقبة لك، ولم يردد علينا آمالنا منكوسة فيك، كما ردّها على غيرنا في غيرك. وهنيئا هنأك الله نعمه خاصّها وعامّها، وأوزعك شكرها، وأوجب لك بالشكر أحسن المزيد فيها.
وكتب رجل من الكتّاب إلى نصرانيّ قد أسلم يهنئه: الحمد لله الذي أرشد أمرك، وخصّ بالتوفيق عزمك، وأوضح فضيلة عقلك، ورجاحة رأيك؛ فما كانت الآداب التي حويتها، والمعرفة التي أوتيتها؛ لتدوم بك على غواية وديانة شائنة «1» لا تليق بلبّك، ولا يبرح ذوو الحجا من موجبي حقّك ينكرون إبطاءك عن حظّك وتركك البدار «2» إلى الدّين القيّم الذي لا يقبل الله غيره ولا يثيب إلا به، فقال: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
«3» ، وقال:
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
«4» . والحمد لله الذي جعلك في سابق علمه ممن هداه لدينه، وجعله من أهل ولايته، وشرّفه بولاء خليفته. وهنأك الله نعمته، وأعانك على شكره؛ فقد أصبحت لنا أخا ندين بمودّته وموالاته بعد التأثّم من خلطتك «5» ومخالفة الحقّ بمشايعتك؛ فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ
«6» .
وكتب رجل من الكتّاب تهنئة بحجّ: الحمد لله على تمام مهاجرك، وسلامة بدأتك ورجعتك، وإعظامه المنّة بأوبتك؛ وشكر الله سعيك،
(3/80)

وبرّحجّك، وتقبّل نسكك؛ وجعلك ممّن قلبه مفلحا منجحا، قد ربحت صفقته، ولم تبر تجارته «1» ، ولا أعدمك نية تفضل عملك، وتوفيقا يحوط دينك، وشكرا يرتبط نعمتك؛ فهنأكم الله النعمة، وجمعكم في دار الخلافة، وجعلكم ساسة الأمّة والمتقدّمين عند الإمام- أيده الله بالطاعة والنصيحة- فإنّكم زين السلطان، وعمدة الإخوان، وأضداد أكثر أهل الزمان.
وكتب إلى رجل عن صديق له يهنّئه بفطام مولود: أنا- أعزّك الله- لما حمّلني الله من أياديك، وأودعني من إحسانك، وألزمني من شكرك، آخذ نفسي بمراعاة أمورك، وتفقّد أحوالك، وتعرّف كلّ ما يحدثه الله عندك، لأقابله بما يلزمني، وأقضي الحقّ فيه عنّي بمبلغ الوسع ومقدار الطاقة، وإن كانا لا يبلغان واجبك، ولا يستقلّان بثقل عارفتك. وكلّ ما نقّل الله الفتى وبلّغه من أحوال البلوغ ورقّاه فيه من درجات النموّ، فنعمة من الله حادثة تلزم الشكر، وحقّ يجب قضاؤه بالتهنئة. وكتب إليّ وكيلي المقيم ببابك يذكر ما وهبه الله من سلامته عند الفطام، وصلاح جسمه عند الطعام، وسلوته عن أوّل الغذاء، وسرورك ومن يليك بما وهب الله في هذه الحال من عافيته وحسن المدافعة عنه؛ فأكثرت لله الحمد، وأسهبت «2» في الدعاء والرغبة، وتصدّقت عنه بما أرجو أن يتقبّله؛ وكتبت مهنّئا بتجدّد النعمة عندكم فيه. فالحمد لله المتطوّل «3» علينا قبله بما هو أهله، والمجري لنا فيما يوليك على حسن عادته. وهنأك الله النعم، وصانها عندك من الغير «4» ، وحرسها بالشكر، وبلغ
(3/81)

بالفتى أقصى مبالغ الشرف، وجعلك من الأمل فيه والرجاء له على العيان واليقين، بمنّه وفضله.
وكتب بعض الكتّاب تهنئة بحجّ إلى صاحبه: الحقّ للسادة عند ما يجدّده الله لهم من نعمه في الدعاء، من جلائل حقوقهم على أوليائهم. وقد خصّ الله حقّك بما لا يسعني معه ادّخار مجهود في تعظيمه وشكره. ولولا أنّ الطاعة من حدوده، لم أنتظر إذنك لي في تلقّيك راجلا بالأوبة، إذ كان الكتاب بها دون السعير بأبلغ نصيب من التقصير. وأنا أسأل الله الذي أوفدك إلى بيته الحرام، وعمر بك مشاهده العظام؛ وأوردك حرمه سالما، وأصدرك «1» عنه غانما؛ ومنّ بك على أوليائك وخدمك، أن يهنئك بما أنعم به عليك في بدأتك ورجعتك؛ بتقبّل السعي ونجح الطّلبة وتعريف الإجابة.
وكتب بعض الكتّاب تهنئة بولاية: فإنه ليس من نعمة يجدّدها الله عندك، والصنع الجميل تحدثه لك الأيّام، إلّا كان ارتياحي له واستبشاري به واعتدادي بما يهب الله لك من ذلك، حسب حقّك الذي توجبه، وبرّك الذي أشكره، وإخائك الذي يعزّ ويجلّ عندي موقعه؛ فجعل الله ذلك فيه وله، ووصله بتقواه وطاعته. وبلغني خبر الولاية التي وليتها، فكنت شريكك في السرور وعديلك «2» في الارتياح، فسألت الله أن يعرّفك يمنها وبركتها، ويرزقك خيرها وعادتها، ويحسن معونتك على صالح نيّتك في الإحسان إلى أهل عملك والتألّف لهم، واستعمال العدل فيهم، ويرزقك محبتهم وطاعتك، ويجعلهم خير رعيّة.
وكتب رجل إلى معزول: فإنّ أكثر الخير فيما يقع بكره العباد، لقول الله
(3/82)

عزّ وجلّ: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ
«1» . وقال أيضا: فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
«2» . وعندك بحمد الله من المعرفة بتصاريف الأمور، والاستدلال بما كان منها على ما يكون، مغنى عن الإكثار في القول. وقد بلغني انصرافك عن العمل على الحال التي انصرفت عليها من رضا رعيّتك ومحبّتهم وحسن ثنائهم وقولهم، لما بقيت من الأثر الجميل عند صغيرهم وكبيرهم، وخلّفت من عدلك وحسن سيرتك في الداني منهم والقاصي من بلدهم؛ فكانت نعمة الله عليك في ذلك علينا، نعمة جلّ قدرها ووجب شكرها. فالحمد لله على ما أعطاك، ومنح فيك أولياءك وأرغم به أعداك، ومكّن لك من الحال عند من ولّاك؛ فقد أصبحنا نعتدّ صرفك عن عملك منحا مجدّدا، يجب به تهنئتك، كما يجب التوجّع لغيرك.
وكتب رجل من الكتاب في تهنئة بحجّ: لولا أنّ عوائق أشغال يوجب العذر بها تفضّلك ويبسطه احتمالك، لكنت مكان كتابي هذا مهنّئا لك بالأوبة، ومجدّدا بك عهدا، ومحييا نفسي بالنظر إليك. وأنا أسأل الله أن يشكر سعيك، ويتقبّل حجّك، ويثبت في علّيين أثرك، ولا يجعله من الوفادة «3» إليه آخر عهدك.
وكتب بعض الكتّاب: لا مهنّىء أولى ما يكون مهنّئا، تعظيما لنعمه فيما جدّد الله لك يا مولاي بالولاية، منّي؛ إذ كنت أرجو بها انضمام نشري، وتلافي الله بعنايتك المتشتّت من أمري. فهنأك الله تجدّد النعم، وبارك لك
(3/83)

في الولاية، وافتتحها لك بالصّنع الجميل، وختمها لك بالسلامة، إنه سميع قريب.
باب شرار الإخوان
ذكر خالد بن صفوان شبيب بن شيبة فقال: ذاك رجل ليس له صديق في السرّ ولا عدوّ في العلانية.
وقال الشاعر: [طويل]
وإنّ من الخلّان من تشحط النّوى ... به وهو داع للوصال أمين «1»
ومنهم صديق العين أمّا لقاؤه ... فحلو وأمّا غيبه فظنون «2»
أقبل عيينة بن حصن إلى المدينة قبل إسلامه، فلقيه ركب خارجون منها؛ فقال: أخبروني عن هذا الرجل (يعني النبي صلّى الله عليه وسلّم) ، فقالوا: الناس فيه ثلاثة رجال: رجل أسلم فهو معه يقاتل قريشا وأفناء العرب «3» ، ورجل لم يسلم فهو يقاتله، ورجل يظهر الإسلام إذا لقي أصحابه ويظهر لقريش أنه معهم إذا لقيهم؛ فقال: ما يسمّى هؤلاء؟ قالوا: المنافقون؛ قال: فاشهدوا أنّي منهم، فما فيمن وصفتم أحزم من هؤلاء.
وكان رجل يدعو فيقول: اللهم اكفني بوائق «4» الثقات، واحفظني من الصّديق.
وكتب رجل على باب داره: جزى الله من لا يعرفنا ولا نعرفه خيرا، فأمّا
(3/84)

أصدقاءنا فلا جزوا ذلك، فإنا لم نؤت قطّ إلا منهم «1» .
وكتب إبراهيم بن العبّاس «2» إلى محمد بن عبد الملك الزّيات:
[متقارب]
وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حربا عوانا «3»
وقد كنت أشكو إليك الزمان ... فأصبحت فيك أذمّ الزمانا
وكنت أعدّك للنائيات ... فها أنا أطلب منك الأمانا
وقال محمد بن مهديّ: [منسرح]
كان صديقي وكان خالصتي ... أيّام نجري مجاري السّوق
حتى إذا راح والملوك معا ... عدّ اطّراحي من صالح الخلق «4»
خلّيت ثوب الفراق في يده ... وقلت هذا الوداع فانطلق
لبسته لبسة الجديد على ال ... قرّ وفارق فرقة الخلق «5»
وقال آخر: [بسيط]
إذا ما رأيت امرأ في حال عسرته ... مواصلا لك ما في ودّه خلل «6»
فلا تمنّ له أن يستفيد غنى ... فإنه بانتقال الحال ينتقل
وكتب رجل إلى صديق أعرض عنه: لولا أني أشفقت من أشتات ظنّي في إجابتك إلى ما يعلم الله براءتي منه فيك ولك لمعجبك «7» ولكفيتك مؤنتي،
(3/85)

ثقة بأنّ ازديادك من معرفة الناس ستردّك إليّ؛ فإن رجعت قبلت وتمسّكت واغتبطت، وإن أصررت لم أتبع مولّيا، ولم آس «1» على مدبر، ولم أسامح نفسي على تعلّقها بك، ولم أساعدها على نزاعها إليك. فكم من زمان تركتك فيه وسومك «2» ثم أبى قلبي ذلك، فكررت وعطفت أسى على أيّامي معك وما توكّد بيني وبينك. وما من كرّة لي إليك إلا وهي داعية إلى ما أكرهه من استخفافك ونفورك. ولو فهمت ما استحققت به عليك ما أشكوه لخفّ محمل ما يكون منك عليّ ولأجبت في عتباك ورضاك.
وفي جواب كتاب: وقد وزعني «3» ما ضربته لي من الأمثال في كتابك عن استبطائك. على أنّي لا أستزيد إلا من أحتاج إلى صلاحه وأرغب في بقيّته؛ وقد قيل: [سريع]
يأبين إلّا جفوة وظلما ... من كثرة الوصل تجنّى الجرما «4»
وفي كلّ ما أجبتني ظلمت في معارضتي عن مسخي جوابك بإيحاشي «5» ، وفي اعتدادك عليّ بما أنت جانيه وعليك الحجة فيه. وما أنكر الخلاف بين الأب وابنه والأخ وشقيقه إذا وقعت المعاملة، ولذلك سبب لا أعرفه بيني وبينك قطّ، فإني لم أخالفك ولم أشاححك «6» ولم أنازعك ولم أعارض نعمك بلا ولا أمرك بنهي.
(3/86)

وقال الحسن بن وهب: [طويل]
سأكرم نفسي عنك حسب إهانتي ... لها فيك إذ قرّت وكفّ نزاعها «1»
هي النّفس ما كلّفتها قطّ خطّة ... من الأمر إلّا قلّ منه امتناعها
صدقت لعمري أنت أكبر همّها ... فأجهدها إذ قلّ منك انتفاعها
هب انّي أعمى فأتت الشمس طرفه ... وغيّب عنه نورها وشعاعها
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: [طويل]
رأيت فضيلا كان شيئا ملفّفا ... فكشّفه التمحيص حتى بدا ليا «2»
فأنت أخي ما لم تكن لي حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا
فلا زاد ما بيني وبينك بعد ما ... بلوتك في الحاجات إلّا تماديّا
فلست براء عيب ذي الودّ كلّه ... ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا
فعين الرضا عن كلّ عيب كليلة ... ولكنّ عين السّخط تبدي المساويا
كلانا غنيّ عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا
وكتب أيضا إلى بعض إخوانه: أما بعد: فقد عاقني الشكّ فيك عن عزيمة الرأي في أمرك؛ ابتدأتني بلطف عن غير خبرة، ثم أعقبتني جفاء من غير ذنب، فأطمعني أوّلك في إخائك، وآيسني «3» آخرك من وفائك؛ فلا أنا في غير الرجاء مجمع لك اطّراحا، ولا أنا في غد وانتظاره منك على ثقة؛ فسبحان من وشاء كشف بإيضاح الرأي في أمرك عن عزيمة الرأي فيك، فأقمنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف.
وكتب رجل إلى صديق له: نحن نستكثرك باعتزالك، ونستديم صلتك،
(3/87)

بجفائك، ونرى الزيادة في الغمّ أدوم لجميل رأيك. ومثله قول كثيّر: [الطويل]
وإن سحطت يوما بكيت وإن دنت ... تدلّلت واستكثرتها باعتزالها «1»
ونحوه قول الكميت «2» :
وقد يخذل المولى دعائي ويجتذي ... أذاتي وإن يعدل به الضيم أغضب
فأونس من بعض الصّديق ملالة ال ... دنوّ- فأستبقيهم- بالتجنّب «3»
وقال آخر: [السريع]
إنّك ما أعلم ذو ملّة ... يذهلك الأدنى عن الأقدم
وقال عبد الرحمن بن حسّان «4» : [البسيط]
لا خير في الودّ ممّن لا تزال له ... مستشعرا أبدا من خيفة وجلا «5»
إذا تغيّب لم تبرح تسيء به ... ظنّا وتسأل عمّا قال أو فعلا
وقال مرّة بن محكان «6» : [متقارب]
ترى بيننا خلقا ظاهرا ... وصدرا وعدوّا ووجها طليقا
ونحوه قول المرّار: [الطويل]
كذب تخرّصه عليّ لقومه ... سلم اللسان محارب الإسرار «7»
(3/88)

وحثّني أبو حمزة الأنصاريّ قال: حدّثنا العتبيّ قال: قالت أعرابية لابنها: يا بنيّ، إياك وصحبة من مودّته بشره فإنه بمنزلة الريح.
وكان يقال: الإخوان ثلاثة؛ أخ يخلص لك ودّه، ويبلغ في محبتك جهده. وأخ ذونيّة يقتصر بك على حسن نيّته، دون رفده ومعونته. وأخ يلهوق لك لسانه «1» ، ويتشاغل عنك بشأنه، ويوسعك من كذبه وأيمانه.
وقال المثقبّ العبدي «2» : [الوافر]
فإمّا أن تكون أخي بصدق ... فأعرف منك غثّى من ثميني «3»
وإلّا فاجتنبني واتّخذني ... عدوّا أتّقيك وتتّقيني
وقال أوس بن حجر: [الطويل]
وليس أخوك الدائم العهد بالذي ... يسوءك إن ولّى ويرضيك مقبلا
ولكنّ أخوك النائيّ ما دمت آمنا ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا «4»
وقال آخر: [الطويل]
لعمرك ما ودّ اللسان بنافع ... إذا لم يكن أصل المودّة في القلب
وقال أبو حارثة المدييّ: ليس لمملول صديق، ولا لحسود غنّى، والنظر في العواقب تلقيح العقول.
(3/89)

قال العباس بن الأحنف «1» : [بسيط]
أشكو الذي أذاقوني مودّتهم ... حتى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا
واستنهضوني فلمّا قمت منتهضا ... بثقل ما حمّلوني في الهوى قعدوا
ونحوه قول المجنون «2» : [طويل]
وأدنيتني حتى إذا ما سبيتني ... بقول يحلّ العصم سهل الأباطح «3»
تجافيت عنّي حين لا لي حيلة ... وخلّفت ما خلّفت بين الجوانح «4»
وقال آخر: [طويل]
ولا خير في ودّ إذا لم يكن له ... على طول مرّ الحادثات بقاء
وأنشد ابن الأعرابيّ: [طويل]
لحا الله من لا ينفع الودّ عنده ... ومن حبله إن مدّ غير متين «5»
ومن هو إن يحدث له الغير نظرة ... يقطّع بها أسباب كلّ قرين «6»
ويقال: صاحب السوء جذوة من النار.
وقال عليّ عليه السلام: لا تؤاخ الفاجر فإنه يزيّن لك فعله ويحبّ لو
(3/90)

أنك مثله ويزيّن لك أسوأ خصاله، ومدخله عليك ومخرجه من عندك شين «1» وعار. ولا الأحمق فإنه يجتهد، بنفسه لك ولا ينفعك وربما أراد أن ينفعك فيضرّك، فسكوته خير من نطقه، وبعده خير من قربه، وموته خير من حياته.
ولا الكذّاب فإنّه لا ينفعك معه عيش، ينقل حديثك وينقل الحديث إليك حتى إنه ليحدّث بالصدق فما يصدّق.
قال أبو قبيل: أسرت ببلاد الروم فأصبت على ركن من أركانها: [هزج]
ولا تصحب أخا الجهل ... وإيّاك وإيّاه
فكم من جاهل أردى ... حليما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه
وللشيء على الشيء ... مقاييس وأشباه
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه «2»
وقال عديّ بن زيد «3» : [طويل]
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فإنّ القرين بالمقارن مقتدى
وأنشد الرّياشيّ «4» : [سريع]
إن كنت لا تصحب إلا فتى ... مثلك لم تؤت بأمثالكا
(3/91)

إنّ لك الفضل على صحبتي ... والمسك قد يستصحب الرّامكا «1»
هبني امرأ جئت أريد الهدى ... فجد على ضعفي بإسلامكا
وكتب يحيى بن خالد: أحبّ أن تكون على يقين أنّي بك ضنين، أريدك ما أردتني، وأريدك أن تنوب عنّي ما كان ذلك بي وبك جميلا يحسن عند إخواننا، وإن وقعت المقادير بخلاف ذلك لم أعد ما يجب. والذي هاجني على الكتاب أنّ أبا نوح معروف بن راشد سألني أن أبوح له بما عندي، والله يعلم أنّي ما تبدّلت وما حلت عن عهد، فجمعنا الله وإيّاك على طاعته ومحبّة خليفته.
وقرأت في كتاب للهند: ثق بذي العقل والكرم واطمئنّ إليه؛ وواصل العاقل غير ذي الكرم، واحترس من سيّء أخلاقه وانتفع بعقله؛ وواصل الكريم غير ذي العقل وانتفع بكرمه وانفعه بعقلك؛ واهرب من اللئيم الأحمق.
وقال حمّاد عجرد «2» : [طويل]
كم من أخ لك لست تنكره ... ما دمت من دنياك في يسر
متصنّع لك في مودّته ... يلقاك بالتّرحيب والبشر
يطرى الوفاء وذا الوفاء ويل ... حى الغدر مجتهدا وذا الغدر «3»
فإذا عدا، والدهر ذو غير، ... دهر عليك عدا مع الدهر «4»
فارفض بإجمال أخوّة من ... يقلي المقلّ ويعشق المثري «5»
(3/92)

وعليك من حالاه واحدة ... في العسر إمّا كنت واليسر
لا تخلطنّهم بغيرهم ... من يخلط العقيان بالصّفر! «1»
وقال سويد بن الصامت «2» : [كامل]
ألا ربّ من تدعو صديقا ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري «3»
مقالته كالشّحم ما كان شاهدا ... وبالغيب مأثور على ثغرة النّحر
تبين لك العينان ما هو كاتم ... من الضّغن والشّحناء بالنّظر الشّزر «4»
فرشني بخير طالما قد بريتني ... وخير الموالي من يريش ولا يبري «5»
وقال آخر: [منسرح]
وصاحب كان لي وكنت له ... أشفق من والد على ولد
كنّا كساق تسعى بها قدم ... أو كذراع نيطت إلى عضد «6»
حتى إذا دانت الحوادث من ... خطوي وحلّ الزمان من عقدي «7»
احولّ عنّي وكان ينظر من ... عيني ويرمي بساعدي ويدي
وكان لي مؤنسا وكنت له ... ليست بنا وحشة إلى أحد
حتى إذا استرفدت يدي يده ... كنت كمسترفد يد الأسد
وقال بعض الأعراب: [منسرح]
(3/93)

إخوان هذا الزّمان كلّهم ... إخوان غدر عليه قد جبلوا
طووا ثياب الوفاء بينهم ... وصار ثوب الرّياء يبتذل «1»
أخوهم المستحقّ وصلهم ... من شربوا عنده ومن أكلوا
وليس فيما علمت بينهم ... وبين من كان معدما عمل
قال رجل لآخر: بلغني عنك أمر قبيح، فقال: يا هذا، إنّ صحبة الأشرار ربما أورثت سوء ظنّ بالأخيار.
وقال دعبل: [طويل]
أبا مسلم كنّا حليفي مودّة ... هوانا وقلبانا جميعا معا معا
أحوطك بالودّ الذي لا تحوطني ... وأرأب منك الشّعب أو يتصدّعا «2»
فلا تلحينّي لم أجد فيك حيلة ... تخرّفت حتى لم أجد فيك مرقعا «3»
فهبك يميني استأكلت فاحتسبتها ... وجشّمت قلبي قطعها فتخشّعا «4»
وقال يزيد بن الحكم الثّقفيّ «5» : [طويل]
تكاشرني كرها كأنّك ناصح ... وعينك تبدي أنّ قلبك لي دوي «6»
لسانك ما ذيّ وقلبك علقم ... وشرك مبسوط وخيرك منطوي «7»
(3/94)

عدوّك يخشى صولتي إن لقيته ... وأنت عدوّي ليس ذاك بمستوي «1»
أراك إذا لم أهو أمرا هويته ... وليست لما أهوى من الأمر بالهوي «2»
أراك اجتويت الخير منّي وأجتوي ... أذاك فكلّ يجتوي قرب مجتوي «3»
وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلّة النّيق منهوي «4»
ويقال: إيّاك ومن مودّته على قدر حاجته فعند ذهاب الحاجة ذهاب المودّة وقال الحكيم: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن: لا يعرف الحليم إلّا عند الغضب، ولا الشجاع إلّا في الحرب، ولا الأخ إلّا عند الحاجة إليه.
قال جرير: [طويل]
فأنت أخي ما لم تكن لي حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا
تعرّضت فاستمررت من دون حاجتي ... فحالك إنّي مستمرّ لحاليا
وإنّي لمغرور أعلّل بالمنى ... ليالي أرجو أنّ ما لك ماليا
بأيّ نجاد تحمل السيف بعدما ... نزعت سنانا من قناتك ماضيا «5»
ألا لا تخافا نبوتي في ملمّة ... وخافا المنايا أن تفوتكما بيا «6»
وقال أبو العتاهية: [مجزوء الرّمل]
أنت ما استغنيت عن صا ... حبك الدّهر أخوه
(3/95)

فإذا احتجت إليه ... ساعة مجّك فوه «1»
وقال آخر: [وافر]
موالينا إذا افتقروا إلينا ... وإن أثروا فليس لنا موالي
والعرب تقول فيمن شركك في النّعمة وخذلك عند النائبة: يربض حجرة «2» ويرتع وسطا.
قال المدائنيّ: لحن الحجاج يوما، فقال الناس: لحن الأمير، فأخبره بعض من حضر، فتمثّل بشعر قعنب بن أمّ صاحب «3» : [بسيط]
صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا «4»
فطانة فطنوها لو تكون لهم ... مروءة أو تقى لله ما فطنوا «5»
إن يسمعوا سيّئا طاروا به فرحا ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا
باب القرابات والولد
حدّثني زيد بن أخزم قال حدّثنا أبو داود قال حدّثنا إسحاق بن سعيد القرشي من ولد سعيد بن العاص قال أخبرني أبي قال: كنت عند ابن عبّاس، فأتاه رجل فمتّ إليه برحم بعيدة، فلان له وقال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم فإنه لا قرب بالرّحم إذا قطعت وإن كانت قريبة ولا بعد بها إذا وصلت وإن كانت بعيدة» .
(3/96)

حدّثني شبابة قال حدّثني القاسم بن الحكم عن إسماعيل بن عيّاش عن عبد الله بن دينار قال: احذروا ثلاثا، فإنهنّ معلّقات بالعرش: النعمة تقول يا ربّ كفرت، والأمانة تقول يا ربّ أكلت، والرّحم تقول يا ربّ قطعت.
حدّثني الزّياديّ قال حدّثنا عيسى بن يونس قال قال محارب بن دثار:
إنما سمّوا أبرارا لأنهم برّوا الآباء والأبناء، وكما أنّ لوالدك عليك حقّا، فكذلك لولدك عليك حقّ.
حدّثني أبو سفيان الغنويّ عن عبد الله بن يزيد عن حيوة بن شريح عن الوليد بن أبي الوليد عن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «أبرّ البرّ أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه» .
حدّثني القومسيّ قال حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدّثنا كثير بن زيد عن أبيه عن جدّه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ابن أخت القوم من أنفسهم ومولى القوم من أنفسهم وحليف القوم من أنفسهم» .
وحدّثني أيضا عن خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم صلّى الله عليه وسلّم: «الرّحم شجنة «1» من الرحمن قال لها من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته» .
حدّثني الزّياديّ قال حدّثنا حمّاد بن زيد عن حبيب عن ابن سيرين قال قال عثمان: كان عمر يمنع أقرباءه ابتغاء وجه الله، وأنا أعطي قراباتي لوجه الله، ولن يرى مثل عمر.
حدّثني أحمد بن الخليل قال حدّثنا إبراهيم بن موسى قال حدّثنا محمد
(3/97)

ابن ثور عن معمر «1» عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن عليّ عليه السلام عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من سرّه أن يمدّ له في عمره ويوسّع له في رزقه فليصل رحمه» .
حدّثني أحمد بن الخليل قال حدّثنا أبو نعيم قال حدّثنا سفيان عن عبد الله بن عيسى عن عبيد بن أبي الجعد قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يزيد في العمر إلا البرّ ولا يردّ القدر إلّا الدعاء وإنّ الرجل ليحرم الرزق بالذّنب يصيبه» .
حدّثني محمد بن يحيى القطعيّ قال حدّثنا عبد الأعلى قال حدّثنا سعيد عن مطر عن الحكم بن عتيبة عن النّخعي عن ابن عمر «2» قال: أتى رجل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: إنّ والدي يأخذ مني مالي وأنا كاره؛ فقال: «أو ما علمت أنّك وما لك لأبيك» .
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله عن الأصمعيّ قال: أخبرني بعض العرب: أن رجلا كان في زمن عبد الملك بن مروان، وكان له أب كبير، وكان الشابّ عاقّا بأبيه، وكان يقال للشابّ منازل «3» فقال الشيخ «4» : [طويل]
جزت رحم بيني وبين منازل ... جزاء كما يستنجز الدّين طالبه
تربّت حتى صار جعدا شمردلا ... إذا قام ساوى غارب الفحل غاربه «5»
تظلّمني مالي كذا ولوى يدي ... لوى يده الله الذي لا يغالبه
(3/98)

وإنّي لداع دعوة لو دعوتها ... على جبل الرّيّان لا نقضّ جانبه «1»
فبلغ ذلك أميرا كان عليهم، فأرسل إلى الفتى ليأخذه، فقال له الشيخ:
اخرج من خلف البيت، فسبق رسل الأمير، ثم ابتلي الفتى بابن عقّه في آخر عمره فقال: [طويل]
تظلّمني مالي خليج وعقّني ... على حين كانت كالحنيّ عظامي «2»
تخيّرته وازددته ليزيدني ... وما بعض ما يزداد غير عرام «3»
وقال يحيى بن سعيد مولى تيم كوفيّ لابنه: [طويل]
غذوتك مولودا وعلتك يافعا ... تعلّ بما أجني عليك وتنهل «4»
إذا ليلة نالتك بالشكو لم أبت ... لشكواك إلّا ساهرا أتململ
كأنّي أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني وعيني تهمل
فلمّا بلغت الوقت في العدّة التي ... إليها جرى ما أبتغيه وآمل
جعلت جزائي منك جبها وغلظة ... كأنك أنت المنعم المتفضّل «5»
فليتك إذ لم ترع حقّ أبوّتي ... كما يفعل الجار المجاور تفعل «6»
قال القاسم بن محمد: قد جعل الله في الصديق البارّ عوضا من الرّحم المدبرة.
(3/99)

كتب عمر إلى أبي موسى: مر ذوي القرابات أنّ يتزاوروا ولا يتجاوروا.
وقال أكثم بن ضيفيّ: تباعدوا في الدّيار تقاربوا في المودّة.
قيل لأعرابيّ: ما تقول في ابن عمك؟ قال: عدوّك وعدوّ عدوّك.
وقال قيس بن زهير: [وافر]
شفيت النّفس من حمل بن بدر ... وسيفي من حذيفة قد شفاني
قتلت بإخوتي سادات قومي ... وقد كانوا لنا حلي الزّمان «1»
فإن أك قد بردت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلّا بناني
قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، حين تصفّح القتلى يوم الجمل: شفيت نفسي وجدعت أنفي. وفي مثل ذلك قول القائل «2» : [كامل]
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
ولئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن قرعت لأوهنن عظمي «3»
قتل رجل من العرب ابن أخيه فدفع إليه ليقيده «4» ، فلمّا أهوى بالسيف أرعدت يداه، فألقي السيف من يده وعفا عنه وقال: [بسيط]
أقول للنّفس تأساء وتعزية ... إحدى يديّ أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
وقال بعضهم: [وافر]
بكره سراتنا يا آل عمرو ... نفاديكم بمرهفة النّصال
فنبكي حين نذكركم عليكم ... ونقتلكم كأنّا لا نبالي
(3/100)

وقال عديّ بن زيد: [طويل]
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهنّد «1»
وقال غيره «2» : [طويل]
سآخذ منكم آل حزن لحوشب ... وإن كان مولاي وكنتم بني أبي
إذا كنت لا أرمى وترمى عشيرتي ... تصب جائحات النّبل كشحي ومنكبي «3»
وقال حدّثنا أبو الخطاب قال حدّثنا الوليد بن مسلم عن محمد بن السائب البكريّ عن سعيد بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «حقّ كبير الإخوة على صغيرهم كحقّ الوالد على ولده» .
والعرب تقول في العطف على القرابة وإن لم يكن وادّا: أنفك منك وإن ذنّ «4» . ومثله: عيصك «5» منك وإن كان أشبا.
وقال النّمر بن تولب «6» : [طويل]
إذا كنت من سعد وأمّك فيهم ... غريبا فلا يغررك خالك من سعد
فإن ابن أخت القوم مصغى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأب جلد «7»
(3/101)

وقال أميّة بن أبي عائذ «1» لإياس بن سهم: [طويل]
أبلغ إياسا أنّ عرض ابن اختكم ... رداؤك فاصطن حسنه أو تبدّل «2»
فإن تك ذا طول فإني ابن أختكم ... وكلّ ابن أخت من مدى الخال معتلي «3»
فكن أسدا أو ثعلبا أو شبيهه ... فمهما تكن أنسب إليك وأشكل «4»
وما ثعلب إلا ابن أخت ثعالب ... وإن ابن أخت اللّيث رئبال أشبل «5»
وكتب بشر بن المغيرة بن أبي صفرة إلى عمّه بهذه الأبيات: [طويل]
جفاني الأمير والمغيرة قد جفا ... وأمسى يزيد لي قد أزورّ جانبه «6»
وكلّهم قد نال شبعا لبطنه ... وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه
فيا عمّ مهلا واتّخذني لنوبة ... تنوب، فإنّ الدّهر جمّ عجائبه «7»
أنا السيف إلّا أنّ للسيف نبوة ... ومثلي لا تنبوا عليك مضاربه «8»
دخل رجل من أشراف العرب على بعض الملوك، فسأله عن أخيه، فأوقع به يعيبه ويشتمه، وفي المجلس رجل يشنؤه «9» فشرع معه في القول؛ فقال له: مهلا! إنّي لآكل لحمي ولا أدعه لآكل.
(3/102)

ويقال: القرابة محتاجة إلى المودّة، والمودّة أقرب الأنساب. والبيت المشهور في هذا:
فإذا القرابة لا تقرّب قاطعا ... وإذا المودّة أقرب الأنساب
وقيل لبزرجمهر: أخوك أحبّ إليك أم صديقك؟ فقال: إنما أحبّ أخي إذا كان صديقا.
وقال خداش بن زهير «1» : [طويل]
رأيت ابن عمّي باديا لي ضغنه ... وواغره في الصدر ليس بذاهب «2»
وأنشدنا الريّاشيّ: [طويل]
حياة أبي السّيار خير لقومه ... لمن كان قد ساس الأمور وجرّبا
ونعتب أحيانا عليه ولو مضى ... لكنّا على الباقي من الناس أعتبا
وقال الشاعر: [طويل]
ولم أر عزّا لامرىء كعشيره ... ولم أر ذلّا مثل نأي عن الأهل «3»
ولم أر مثل الفقر أوضع للفتى ... ولم أر مثل المال أرفع للرّذل
ولم أر من عدم أضرّ على الفتى ... إذا عاش وسط الناس من عدم العقل
كان مهلهل «4» صار إلى قبيلة من اليمن يقال لهم جنب، فخطبوا إليه فزوّجهم وهو كاره لاغترابه عن قومه، ومهروا ابنته أدما «5» ؛ فقال: [منسرح]
(3/103)

أنكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الحباء من أدم «1»
لو بأبانين جاء يخطبها ... رمّل ما أنف خاطب بدم «2»
وقال الأعشى: [طويل]
ومن يغترب عن قومع لا يزل يرى ... مصارع مظلوم مجرّا ومسحبا «3»
وتدفن منه الصالحات وإن يسيء ... يكن ما أساء النار في رأس كبكبا»
وربّ يقيع لو هتفت بجوّه ... أتاني كريم ينغض الرأس مغضبا «5»
وقال رجل من غطفان: [طويل]
إذا أنت لم تستبق ودّ صحابة ... على دخن أكثرت بثّ المعاتب «6»
وإنّي لأستبقي امرأ السّوء عدّة ... لعدوة عرّيض من الناس عائب «7»
أخاف كلاب الأبعدين ونبحها ... إذا لم تجاوبها كلاب الأقارب
قال رجل لعبيد الله بن أبي بكرة: ما تقول في موت الوالد؟ قال: ملك حادث؛ قال: فموت الزوج؟ قال: عرس جديد؛ قال: فموت الأخ؟ قال:
قصّ الجناح؛ قال: فموت الولد؟ قال: صدع في الفؤاد لا يجبر.
وكان يقال: العقوق ثكل من لم يثكل.
(3/104)

شكا عثمان عليّا إلى العباس رضي الله عنهم؛ فقال: أنا منه كأبي العاق، إن عاش عقّه وإن مات فجعه.
وقال رجل لأبيه: يا أبت، إن عظيم حقّك عليّ لا يذهب صغير حقّي عليك، والذي تمتّ به إليّ أمتّ بمثله إليك، ولست أزعم أنّا على سواء.
وقال زيد بن علي بن الحسن لابنه يحيى: إن الله لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فلم يوصني بك.
غضب معاوية على يزيد ابنه فهجره؛ فقال له الأحنف: يا أمير المؤمنين، أولادنا ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا، ونحن لهم سماء ظليلة، وأرض ذليلة، فإن غضبوا فأرضهم، وإن سألوا فأعطهم، ولا تكن عليهم قفلا «1» فيملّوا حيتك ويتمنّوا موتك.
قيل لأعرابيّ: كيف ابنك؟ - وكان عاقّا- فقال: عذاب رعف «2» به الدّهر، فليتني قد أودعته القبر، فإنه بلاء لا يقاومه الصبر، وفائدة لا يجب فيها الشكر.
قيل لبعضهم: أيّ ولدك أحبّ إليك؟ قال: صغيرهم حتى يكبر، ومريضهم حتى يبرأ، وغائبهم حتى يقدم.
ناول عمر بن الخطاب رجلا شيئا؛ فقال له: خدمك بنوك؛ فقال عمر:
بل أغنانا الله عنهم.
وولد للحسن غلام، فقال له بعض جلسائه: بارك الله لك في هبته، وزادك من أحسن نعمته؛ فقال الحسن: الحمد لله على كلّ حسنة، ونسأل الله
(3/105)

الزيادة في كل نعمة، ولا مرحبا بمن إن كنت عائلا أنصبني «1» ، وإن كنت غنيا أذهلني، لا أرضى بسعيي له سعيا، ولا بكدّي له في الحياة كدّا، حتى أشفق له من الفاقة «2» بعد وفاتي، وأنا في حال لا يصل إليّ من غمّه حزن ولا من فرحه سرور.
قال الأصمعيّ: عاتب أعرابيّ ابنه في شرب النبيذ، فلم يعتب «3» وقال:
[طويل]
أمن شربة من ماء كرم شربتها ... غضبت عليّ! الآن طاب لي الخمر
سأشرب فاغضب لا رضيت، كلاهما ... إليّ لذيذ: أن أعقّك والسّكر
وقال الطّرمّاح «4» لابنه صمصامة: [طويل]
أصمصام إن تشفع لأمّك تلقها ... لها شافع في الصدر لم يتبّرح «5»
هل الحبّ إلّا أنّها لو تعرّضت ... لذبحك يا صمصام قلت لها اذبحي
أحاذر يا صمصام إن متّ أن يلي ... تراثي وإيّاك امرؤ غير مصلح
إذا صكّ وسط القوم رأسك صكّة ... يقول له الناهي ملكت فأسجح «6»
وأنشد ابن الأعرابيّ: [وافر]
أحبّ بنيّتي ووددت أني ... دفنت بنيّتي في قعر لحد
وما بي أن تهون عليّ لكن ... مخافة أن تذوق البؤس بعدي
(3/106)

ونحوه قول الآخر: [بسيط]
لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أجب في الليالي حندس الظّلم «1»
وزادني رغبة في العيش معرفتي ... ذلّ اليتيمة يجفوها ذوو الرّحم
أحاذر الفقر يوما أن يلمّ بها ... فيهتك السّتر من لحم على وضم «2»
تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا ... والموت أكرم نزّال على الحرم
وقال أعرابيّ في ابنته: [بسيط]
يا شقّة النفس إنّ النفس والهة ... حرّى عليك ودمع العين منسجم «3»
قد كنت أخشى عليها أن تقدّمني ... إلى الحمام فيبدي وجهها العدم «4»
فالآن نمت فلا همّ يؤرّقني ... تهدا العيون إذا ما أودت الحرم
وقال أعشى سليم «5» : [متقارب]
نفسي فداؤك من وافد ... إذا ما البيوت لبسن الجليدا
كفيت الذي كنت أرجي له ... فصرت أبا لي وصرت الوليدا
وقال أعشى همدان «6» في خالد بن عتّاب بن ورقاء: [طويل]
فإن يك عتّاب مضى لسبيله ... فما مات من يبقى له مثل خالد
(3/107)

وفي الحديث المرفوع: «ريح الولد من ريح الجنّة. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأحد ابني بنته: «إنّكم لتجبّنون وإنكم لتبخّلون وإنكم لمن ريحان الله» .
وقالت أعرابية: [مجزوء الرّجز]
يا حبّذا ريح الولد ... ريح الخزامى بالبلد «1»
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: هذا يدلّك على تفضيلهم الخزامى.
وكان يقال: ابنك ريحانك سبعا، وخادمك سبعا، ثم عدوّ أو صديق.
مرّ أعرابيّ ينشد «2» ابنا له بقوم، فقالوا: صفه؛ فقال: دنينير، قالوا: لم نره؛ فلم يلبث القوم أن جاء على عنقه بجعل «3» ؛ فقالوا؛ ما وجدت ابنك يا أعرابيّ؟ قال: نعم هو هذا؛ قالوا: لو سألت عن هذا لأخبرناك، ما زال منذ اليوم بين أيدينا.
قال الشاعر في امرأة: [منسرح]
نعم ضجيع الفتى إذا برد ال ... ليل سحيرا وقرقف الصّرد «4»
زيّنها الله في العيون كما ... زيّن في عين والد ولد
وفي الحديث: «من كان له صبيّ فليستصب له» .
وقال الزبير وهو يرقّص ابنا له: [رجز]
أبيض من آل أبي عتيق ... مبارك من ولد الصدّيق
ألذّه كما ألذّ ريقي
(3/108)

وقال أعرابي: [سريع]
لولا بنيّات كزغب القطا ... حططن من بعض إلى بعض «1»
لكان لي مضطرب واسع ... في الأرض ذات الطّول والعرض
وإنّما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض
لو هبّت الريح على بعضهم ... لامتنعت عيني من الغمض
أنزلني الدهر على حكمه ... من مرقب عال إلى خفض «2»
وابتزّني الدهر ثياب الغنى ... فليس لي مال سوى عرضي
قال بعض النّسّابين: إنما قيل: سعد العشيرة، لأنه كان يركب في عشرة من ولده، فكأنهم عشيرة.
وقال ضرار بن عمرو الصّبيّ، وقد رئى له ثلاثة عشر ذكرا قد بلغوا: من سرّه بنو ساءته نفسه.
قال بشر بن أبي حازم «3» : [طويل]
إذا ما علوا قالوا أبونا وأمّنا ... وليس لهم عالين أمّ ولا أب «4»
وقال آخر: [بسيط]
أنا ابن عمّك إن نابتك نائبة ... وليس منك إذا ما كعبك اعتدلا «5»
وأنشدنا الرّياشيّ: [سريع]
الرّحم بلّها بخير البلّان ... فإن فيها للدّيار العمران «6»
(3/109)

وأمر المال وبنت الصّغران ... وإنّما اشتقّت من اسم الرحمن «1»
وقال المعلوط: [طويل]
ومن يلق ما ألقى وإن كان سيّدا ... ويخش الذي أخشى يسر سير هارب
مخافة سلطان عليّ أظنّه ... ورهطي، وما عاداك مثل الأقارب «2»
دخل عثمان بن عفّان على ابنته وهي عند عبد الله بن خالد بن أسيد، فقال: يا بنيّة: ما لي أراك مهزولة؟ لعلّ بعلك يغيرك «3» ؛ فقالت: لا، ما يغيرني؛ فقال لزوجها: لعلّك تغيرها! قال: فأفعل، فلغلام يزيده الله في بني أميّة أحبّ إليّ منها.
قال النعمان بن بشير «4» : [طويل]
وإني لأعطي المال من ليس سائلا ... وأدرك للمولى المعاند بالظلم
وإني متى ما يلقني صارما له ... فما بيننا عند الشدائد من صرم «5»
فلا تعدد المولى شريكك في الغنى ... ولكنما شريكك في العدم «6»
إذا متّ ذو القربى إليك برحمه ... وغشّك واستغنى فليس بذي رحم
ولكنّ ذا القربى الذي يستخفّه ... أذاك ومن يرمي العدوّ الذي ترمي
وقال بعض الشعراء: [وافر]
لقد زاد الحياة إليّ حبّا ... بناتي أنّهن من الضّعاف
(3/110)

مخافة أن يرين البؤس بعدي ... وأن يشربن رنقا بعد صافي «1»
وأن يعرين إن كسي الجواري ... فتنبو العين عن كرم عجاف «2»
قيل لعليّ بن الحسين: أنت من أبرّ الناس ولا نراك تؤاكل أمّك؛ قال:
أخاف أن تسير يدي إلى ما قد سبقت عينها إليه فأكون قد عققتها.
قيل لعمر بن ذرّ: كيف كان برّ ابنك بك؟ قال: ما مشيت نهارا قط إلا مشى خلفي، ولا ليلا إلا مشى أمامي، ولا رقي سطلحا وأنا تحته.
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن زائدة عن عطاء بن السائب عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت عند عمر فأتاه رجل فأنشده:
[وافر]
تركت أباك مرعشة يداه ... وأمّك ما تسيغ لها شرابا «3»
إذا غنّت حمامة بطن وجّ ... على بيضاتها ذكرت كلابا «4»
فقال عمر: ممّ ذاك؟ قال: هاجر إلى الشام وترك أبوين له كبيرين، فبكى عمر وكتب إلى يزيد بن أبي سفيان في أن يرحّله، فقدم عليه، فقال: برّ أبويك وكن معهما حتى يموتا. قال أبو اليقظان: مربّعة كلاب بالبصرة إليه تنسب، والعوامّ تقول مربّعة الكلاب.
(3/111)

قال أبو عليّ الضّرير «1» : [متقارب]
أتيتك جذلان مستبشرا ... لبشراك لما أتاني الخبر
أتاني البشير بأن قد رزقت ... غلاما فأبهجني ما ذكر
وأنّك، والرشد فيما فعل ... ت، أسميته باسم خير البشر
وطهّرته يوم أسبوعه ... ومن قبل في الذّكر ما قد طهر «2»
فعمّرك الله حتى ترا ... هـ قد قارب الخطو منه الكبر
وحتى ترى حوله من بنيه ... وإخوته وبنيهم زمر «3»
وحتى يروم الأمور الجسام ... ويرجى لنفع ويخشى لضرّ
وأوزعك الله شكر العطاء ... فإن المزيد لعبد شكر «4»
وصلّى على السّلف الصالحي ... ن منكم وبارك فيمن غبر «5»
وهذا قد وقع في باب التهانىء أيضا.
قال المأمون: لم أر أحدا أبرّ من الفضل بن يحيى بأبيه، بلغ من برّه به أن يحيى كان لا يتوضّأ إلا بماء مسخّن وهما في السجن، فمنعهما السجّان من إدخال الحطب في ليلة باردة، فقام الفضل حين أخذ يحيى مضجعه إلى قمقم «6» كان يسخّن فيه الماء، فملأه ثم أدناه من منار المصباح، فلم يزل قائما وهو في يده حتى أصبح.
(3/112)

رقّص أعرابيّ ابنه وقال: [رجز]
أحبّه حبّ الشّحيح ما له ... قد كان ذاق الفقر ثم ناله
إذا يريد بذله بدا له
دخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ابنته عائشة، فقال: من هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه تفّاحة القلب؛ فقال: انبذها عنك «1» ؛ قال: ولم؟
قال: لأنهنّ يلدن الأعداء، ويقرّبن البعداء، ويورثن الضغائن؛ فقال: لا تقل ذاك يا عمرو، فو الله ما مرّض المرضى ولا ندب الموتى ولا أعان على الأحزان مثلهن، وإنك لواجد خالا قد نفعه بنو أخته؛ فقال له عمرو: ما أعلمك إلا حبّبتهنّ إليّ.
الاعتذار
كان يقال: الاعتراف يهدم الاقتراف.
كتب بعض الكتّاب إلى بعض العمال: لو قابلت حقّك عليّ بمتقدّم المودّة ومؤكّد الحرمة إلى ما جدّده الله لك بالسلطان والولاية، لم أرض في قضائه بالكتاب دون تجسّم الرّحلة ومعاناة السفر إليك، لا سيما مع قرب الدار منك؛ غير أن الشغل بما ألفيت عليه أموري من الانتشار وعلائق الخراج وغير ذلك مما لا خيار معه، أحلّني في الظاهر محلّ المقصّرين؛ وإن وهب الله فرجة من الشغل وسهّل سبيلا إليك، لم أتخلّف عمّا لي فيه الحظّ من مجاورتك والتنسّم بريحك والتيمّن بالنظر إليك، غاديا ورائحا عليك، إن شاء الله تعالى.
كتب ابن الجهم «2» إلى نجاح من الحبس: [منسرح]
(3/113)

إن تعف عن عبدك المسيء ففي ... فضلك مأوى للصّفح والمنن
أتيت ما استحقّ من خطأ ... فعد لما تستحقّ من حسن
وكتب الحسن بن وهب «1» : [سريع]
ما أحسن العفو من القادر ... لا سيّما عن غير ذي ناصر
إن كان لي ذنب، ولا ذنب لي، ... فما له غيرك من غافر
أعوذ بالودّ الذي بيننا ... أن يفسد الأوّل بالآخر
كتب رجل إلى جعفر بن يحيى يستبطئه، فوقّع في ظهر كتابه: أحتجّ عليك بغالب القضاء، وأعتذر إليك بصادق النيّة.
قال بعض الشعراء: [متقارب]
وتعذر نفسك إمّا أساءت ... وغيرك بالعذر لا تعذر
وتبصر في العين منه القذى ... وفي عينك الجذع لا تبصر «2»
وقال بعض الشعراء: [كامل]
يا ذا المميّز للإخاء ولل ... إخوان في التفضيل والقدر
لا يقبضنّك عن معاشرتي ... بالأنس أن قصّرت في برّي
إني إذا ضاق امرؤ بجدا ... عنّي استعنت عليه بالعذر «3»
وفي الحديث المرفوع: «من لم يقبل من معتذر صادقا كان أو كاذبا لم يرد عليّ الحوض. وفيه: أقيلوا ذوي الهنات عثراتهم» «4» .
(3/114)

اعتذر رجل إلى أبي عبيد الله الكاتب فقال: ما رأيت عذرا أشبه باستئناف ذنب من عذرك.
وكان يقال: أعجل الذنوب عقوبة العذر، واليمين الفاجرة، وردّ التائب وهو يسأل العفو خائبا.
وقال مطرّف «1» : المعاذر مكاذب «2» .
اعتذر رجل إلى إبراهيم «3» فقال له: قد عذرتك غير معتذر، إن المعاذير يشوبها الكذب.
ويقال. ما اعتذر مذنب إلا ازداد ذنبا.
وقال الشاعر: [مجزوء الكامل المرفّل]
لا ترج رجعة مذنب ... خلط احتجاجا باعتذار
اعتذر رجل إلى سلم بن قتيبة «4» ، فقبل منه وقال: لا يدعونّك أمر تخلّصت منه إلى أمر لعلك لا تتخلص منه.
وقال الشاعر: [طويل]
فلا تعذراني في الإساءة إنّه ... شرار الرجال من يسيء فيعذر
وقال ابن الطّثرية: [طويل]
هبيني امرأ إمّا بريئا ظلمته ... وإما مسيئا تاب بعد وأعتبا «5»
(3/115)

وكنت كذي داء تبغّى لدائه ... طبيبا فلما لم يجده تطبّبا «1»
كتب بعض الكتّاب معتذرا: توهّمت، أعزك الله، نفرتك عند نظرتك إلى عنوان كتابي هذا باسمي، لما تضمّنته من السّخيمة «2» عليّ، فأخليته منه؛ وانتظرت باستعطافك من طويّتك فيّ عاقبة امتداد العهد، وأمنت اضطغانك لنفي الدّين الحقد، واختصرت من الاحتجاج المنتسب إلى الإصرار، والاعتذار المتعاود بين النّظراء، والإقرار المثبّت للأقدام، الاستسلام لك.
على أنك إن حرمتني رضاك اتّسعت بعفوك، وإن أعدمنيهما توغّر صدرك «3» لم تضق من الرّقة عليّ من مصيبة الحرمان؛ وإن قسوت رجعت بك عواطف من أياديك عندي نازعة «4» بك إلى استتمامها لديّ. ومن حدود فضائل الرؤساء مقابلة سوء من خوّلوا بالإحسان. ولا نعمة على مجرم إليه أجزل من الظفر، ولا عقوبة لمجرم أبلغ من الندم؛ وقد ظفرت وندمت. كتبت وأنا على ما تحبّ بشرا إن تغمّدت زلّتي، وكما تحب ضرّا إن تركت إقالتي «5» ، وبخير في كلتا الحالتين ما بقيت.
وكتبت في كتاب اعتذار واستعطاف: وكم عسى أن يكون تماديك في عتبك؛ لولا أني مضطرّ إلى وصلك وأنت مطبوع على هجري. لقد استحييت واستحييت من ذليّ وعزّك، وخفضي جناحي ونأي بجانبك.
وفي كتاب آخر: قد أودعني الله من نعمك ما بسطني في القول مدلّا به
(3/116)

عليك، ووكّد من حرمتي بك ما شفع لي في الذنوب إليك، وأعلقني من أسبابك ما لا أخاف معه نبوات الزمان عليّ فيك، وأمّنتني بحلمك وأناتك بادرة غضبك؛ فأقدمت ثقة بإقالتك إن عثرت، وبتقويمك إن زغت. وبأخذك بالفضل إن زللت.
وفي كتاب اعتذار: أنا عليل منذ فارقتك؛ فإن تجمع عليّ العلّة وعتبك أفدح «1» . على أن ألم الشوق قد بلغ بك في عقوبتي؛ وحضرني هذا البيت على ارتجال فوصلت به قولي: [طويل]
لك الحقّ إن تعتب عليّ لأنّني ... جفوت وإمّا تغتفر فلك الفضل
أنهيت عذري لأنتهي إلى تفضّلك بقبوله «2» وإن قبولك «3» يمح إفراطي في البرّ بك تفريطي فيه، وإلى ذلك ما أسألك تعريفي خيرك لأراح إليه، وأستزيد الله في أجره «4» لك.
وفي فصل آخر:
أنا المقرّ بقصوري عن حقّك، واستحقاقي جفاءك؛ وبفضلك من عذلك أعوذ، فو الله لئن تأخّر كتابي عنك، ما أستزيد نفسي في شكر مودّتك، ولطيف عنايتك. وكيف يسلاك أو ينساك أخ مغرم بك يراك زينة مشهده ومغيبه!: [بسيط]
(3/117)

وكيف أنساك لا أيديك واحدة ... عندي ولا بالذي أوليت من نعم «1»
وفي آخر الكتاب: [وافر]
إذا اعتذر الصّديق إليك يوما ... من التقصير عذر أخ مقرّ
فصنه عن عتابك واعف عنه ... فإن الصفح شيمة كلّ حرّ
وقال الخليل بن أحمد: [بسيط]
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت أجهل ما تقول عدلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنّك جاهل فعذرتكا
قيل لبزرجمهر: ما بالكم لا تعاتبون الجهلة، قال: لأنا لا نريد من العميان أن يبصروا.
وقال ابن الدّمينة «2» : [طويل]
بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب
ولم يعتذر عذر البريء ولم تزل ... به ضعفة حتى يقال مريب «3»
وكتب رجل إلى صديق له يعتذر: أنا من لا يحاجّك عن نفسه، ولا يغالطك عن جرمه، ولا يلتمس رضاك إلّا من جهته، ولا يستعطفك إلّا بالإقرار بالذنب، ولا يستمليك إلّا بالاعتراف بالزّلّة.
وقرأت في كتاب: لست أدري بأيّ استجزت تصديق ظنّك حتى أنفذت عليّ به حكم قطيعتك، فو الله ما صدق عليّ ولا كاد، ولا استجزت ما توهّمته
(3/118)

فيمن لا يلزمني حقّه. وأعيذك بالله من بدار «1» إلى حكم يوجب الاعتذار، فإنّ الأناة «2» سبيل أهل التّقى والنّهى؛ والظنّ والإسراع إلى ذوي الإخاء ينتجان الجفاء، ويميلان عن الوفاء إلى اللّفاء «3» .
قال إسماعيل بن عبد الله وهو يعتذر إلى رجل في آخر يوم من شعبان:
والله فإنّي في غبّر «4» يوم عظيم، وتلقاء ليلة تفترّ «5» عن أيام عظام، ما كان ما بلغك.
وقرأت في كتاب معتذر: إنك تحسن مجاورتك للنعمة، واستدامتك لها، واجتلابك ما بعد منها بشكر ما قرب، واستعمالك الصفح لما في عاقبته من جميل عادة الله عندك؛ ستقبل العذر على معرفة منك بشناعة الذنب، وتقيل العثرة «6» وإن لم تكن على يقين من صدق النيّة، وتدفع السيئة بالتي هي أحسن.
اعتذر رجل إلى جعفر بن يحيى البرمكي، فقال له جعفر: قد أغناك الله بالعذر منّا عن الاعتذار، وأغنانا بالمودّة لك عن سوء الظن بك.
وقال بعض الشعراء: [طويل]
إذا ما امرؤ من ذنبه جاء تائبا ... إليك فلم تغفر له فلك الذنب
كان الحسن بن زيد بن الحسن واليا للمنصور على المدينة، فهجاه ورد
(3/119)

ابن عاصم المبرسم فقال: [وافر]
له حقّ وليس عليه حقّ ... ومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقا ... عليه لأهلها وهو الرسول
فطلبه الحسن فهرب منه، ثم لم يشعر إلا وهو ماثل بين يديه يقول:
[وافر]
سيأتي عذري الحسن بن زيد ... وتشهد لي بصفّين القبور
قبور لو بأحمد أو عليّ ... يلوذ مجيرها حفظ المجير
هما أبواك من وضعا تضعه ... وأنت برفع ما رفعا جدير
فاسخفّ الحسن كرمه، فقام إليه فبسط له رداءه وأجلسه عليه.
وفي كتاب لمعتذر: علوّ الرّتبة واتّساع القدرة وانبساط اليد بالسّطوة، ربما أنست ذا الحنق المحفظ «1» من الأحرار فضيلة العفو وعائدة الصّفح وما في إقالة المذنب واستبقائه من حسن السماع وجميل الأحدوثة، فبعثته على شفاء غيظه، وحرّكته، على تبريد غلّته، وأسرعت به إلى مجانبة طباعه وركوب ما ليس من عادته. وهمّتك تجلّ عن دناءة الحقد، وترتفع عن لؤم الظّفر.
وفي فصل: نبت «2» بي عنك غرّة الحداثة «3» فردّتني إليك الحنكة، وباعدتني عنك الثقة بالأيام فأدنتني إليك الضرورة، ثقة بإسراعك إليّ وإن كنت أبطأت منك، وقبولك العذر وإن كانت ذنوبي قد سدّت عليك مسالك الصّفح؛ فأيّ موقف هو أدنى من هذا الموقف لولا أن المخاطبة فيه لك! وأيّ خطّة هي أودى بصاحبها من خطّة أنا راكبها لولا أنها في رضا لك!.
أوقع «4» الحجّاج يوما بخالد بن يزيد يعيبه وينتقصه وعنده عمرو بن عتبة:
(3/120)

فقال عمرو: إن خالدا أدرك من قبله وأتعب من بعده بقديم غلب عليه وحديث لم يسبق إليه؛ فقال الحجّاج معتذرا: يا بن عتبة، إنا لنسترضيكم بأن نغضب عليكم، ونستعطفكم بأن ننال منكم، وقد غلبتم على الحلم، فوثقنا لكم به، وعلمنا أنكم تحبون أن تحلموا، فتعرّضنا للذي تحبّون.
قال المنصور لرجل أتاه نائبا معتذرا من ذنب: عهدي بك خطيبا فما هذا السكوت! فقال: يا أمير المؤمنين؛ لسنا وفد مباهاة «1» وإنما نحن وفد توبة، والتوبة تتلقّى بالاستكانة «2» .
وقع بين أبي مسلم وبين قائد له كلام، فأربى «3» عليه القائد إلى أن قال له: يا لقيط! فأطرق أبو مسلم، فلما سكتت عنه فورة الغضب ندم وعلم أنه قد أخطأ واعتذر وقال: أيها الأمير، والله ما انبسطت حتى بسطتني ولا نطقت حتى أنطقتني فاغفر لي؛ قال: قد فعلت؛ فقال: إني أحبّ أن أستوثق لنفسي؛ فقال أبو مسلم: سبحان الله! كنت تسيء وأحسن، فلما أحسنت أسي!.
قال الطّائي: [طويل]
وكم ناكث للعهد قد نكثت به ... أمانيه واستخذى بحقّك باطله «4»
فحاط له الإقرار بالذنب روحه ... وجثمانه إذ لم تحطه قبائله «5»
(3/121)

وقال آخر: [منسرح] وقال آخر: [منسرح]
حتى متى لا تزال معتذرا ... من زلّة منك ما تجانبها
لا تتّقي عيبها عليك ولا ... ينهاك عن مثلها عواقبها
لتركك الذنب لا تقارفه ... أيسر من توبة تقاربها «1»
قال أعرابيّ لابن عمّ له: سأتخطى ذنبك إلى عذرك، وإن كنت من أحدهما على يقين ومن الآخر على شك؛ ليتمّ المعروف منّي إليك، ولتقوم الحجّة منّي عليك.
عتب الإخوان والتباغض والعداوة
حدّثني الزّياديّ قال حدّثنا عبد الوارث عن يزيد بن القاسم عن معاذة أنها سمعت هشام بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «لا يحلّ لمسلم أن يصارم «2» مسلما فوق ثلاث، وأيّهما فعل فإنهما ناكثان «3» عن الحقّ ما داما على صرمهما وإن ماتا لم يدخلا الجنة» .
قال بعض الشعراء: [بسيط]
سنّ الضّغائن آباء لنا سلفوا ... فلن تبيد وللآباء أبناء
هذا مثل قول أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه: العداوة تتوارث.
وقرأت في كتاب للهند: إذا كانت الموجدة عن علّة كان الرضا مرجوّا، وإذا كانت عن غير علة كان الرضا معدوما. ومن العجب أن يطلب الرجل رضا أخيه فلا يرضى، وأعجب من ذلك أن يسخطه عليه طلبه رضاه.
(3/122)

قال بعض المحدثين: [متقارب]
فلا تله عن كسب ودّ العدوّ ... ولا تجعلنّ صديقا عدوّا
ولا تغترر بهدوّ امرىء ... إذا هيج فارق ذاك الهدوّا
وقال آخر: [من مجزوء الكامل المرفّل]
احذر مودّة ما ذق ... شاب المرارة بالحلاوه «1»
يحصي العيوب عليك أي ... ام الصداقة والعداوه
وقال أبو الأسود الدّؤليّ: [طويل]
إذا المرء ذو القربى وذو الضّغن أجحفت ... به سنة حلّت مصيبته حقدي «2»
وقال محمد بن أبان اللاحقي «3» لأخيه إسماعيل: [وافر]
تلوم على القطيعة من أتاها ... وأنت سننتها في الناس قبلي
وقال آخر: [طويل]
وروّعت حتى ما أراع من النّوى ... وإن بان جيرانّ عليّ كرام
فقد جعلت نفسي على اليأس تنطوي ... وعيني على هجر الصديق تنام
قال أحمد بن يوسف «4» الكاتب: [خفيف]
ما على ذا كنّا افترقنا بسندا ... دولا بيننا عقدنا الإخاء «5»
(3/123)

نطعن الناس بالمثقّفة السّم ... ر على غدرهم وننسى الوفاء «1»
قيل لأفلاطون: بماذا ينتقم الإنسان من عدوّه؟ قال: بأن يزداد فضلا في نفسه.
وكان يقال: احذر معاداة الذليل، فربما شرق «2» بالذّباب العزيز.
كتب رجل من الكتّاب إلى صديق له تجنّى عليه: [متقارب]
عتبت عليّ ولا ذنب لي ... بما الذنب فيه ولا شكّ لك
وحاذرت لومي فبادرتني ... إلى اللوم من قبل أن أبدرك
فكنّا كما قيل فيما مضى ... خذ اللّصّ من قبل أن يأخذك
وقال آخر: [طويل]
رأيتك لمّا نلت مالا، ومسّنا ... زمان ترى في حدّ أنيابه شغبا «3»
جعلت لنا ذنبا لتمنع نائلا ... فأمسك ولا تجعل غناك لنا ذنبا
وقال آخر: [طويل]
تريدين أن أرضى وأنت بخيلة ... ومن ذا الذي يرضي الأخلّاء بالبخل
وجدّك لا يرضى إذا كان عاتبا ... خليلك إلّا بالمودّة والبذل
متى تجمعي منّا كثيرا ونائلا ... قليلا يقطّع ذاك باقية الوصل
كتب رجل إلى صديق له: [طويل]
(3/124)

لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرّني أنّي خطرت ببالك «1»
وقال آخر: [بسيط]
إذا رأيت ازورارا من أخي ثقة ... ضاقت عليّ برحب الأرض أوطاني
فإن صددت بوجهي كي أكافئه ... فالعين غضبى وقلبي غير غضبان
وقال إبراهيم بن العباس «2» : [بسيط]
وقد غضبت فما باليتم غضبي ... حتى انصرفت بقلب ساخط راضي
وقال زهير «3» : [وافر]
وما يك في عدوّ أو صديق ... تخبّرك العيون عن القلوب
وقال دريد «4» : [وافر]
وما تخفى الضغينة حيث كانت ... ولا النظر الصحيح من السقيم
وقال ابن أبي خازم: [من مجزوء الخفيف]
خذ من الدهر ما كفى ... ومن العيش ما صفا
لا تلحّنّ بالبكاء ... على منزل عفا «5»
خلّ عنك العتاب إن ... خان ذو الودّ أو هفا
عين من لا يحبّ وص ... لك تبدي لك الحفا
وقال أعرابيّ يذكر أعداء: [بسيط]
(3/125)

يزمّلون جنين الضّغن بينهم ... والضّغن أشوه أو في وجهه كلف «1»
إن كاتمونا القلى نمّت عيونهم ... والعين تظهر ما في القلب أو تصف «2»
وقال ابن أبي أميّة «3» : [سريع]
كم فرحة كانت وكم ترحة ... تخرّصتها لي فيك الظنون «4»
إذا قلوب أظهرت غير ما ... تضمره أنبتك عنها العيون
وقال آخر: [هزج]
أما تبصر في عين ... يّ عنوان الذي أبدي
وقال آخر: [طويل]
ومولى كأنّ الشمس بيني وبينه ... إذا ما التقينا ليس ممّن أعاتبه
يقول: لا أقدر أن أنظر إليه، فكأن الشمس بيني وبينه. ومثله: [وافر]
إذا أبصرتني أعرضت عنّي ... كأنّ الشمس من قبلي تدور
وقال النّمر بن تولب في الإعراض «5» : [طويل]
فصدّت كأنّ الشمس تحت قناعها ... بدا حاجب منها وضنّت بحاجب
أخذه أبو نواس فقال: [سريع]
يا قمرا للنّصف من شهره ... أبدى ضياء لثمان بقين
(3/126)

يريد أنه أعرض بوجهه فبدا له نصفه.
وقال آخر في الضغينة: [طويل]
وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاغن ... كما طرّ أوبار الجراب على النّشر «1»
وقال آخر في نحوه «2» : [طويل]
وقد ينبت المرعى على دمن الثّرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا «3»
وقال الأخطل: [بسيط]
إنّ الضغينة تلقاها وإن قدمت ... كالعرّ يكمن حينا ثم ينتشر «4»
شمس العداوة حتى يستفاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا «5»
وقرأت في كتاب للهند: ليس بين عداوة الجوهريّة صلح إلا ريثما ينتكث، كالماء إن أطيل إسخانه فإنه لا يمتنع من إطفاء النار إذا صبّ عليها.
قال سعد بن أبي وقّاص لعمّار بن ياسر: إن كنا لنعدّك من أكابر أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلم، حتى إذا لم يبق من عمر إلا ظمء «6» الحمار فعلت
(3/127)

وفعلت؛ قال: أيّما أحبّ إليك: مودّة على دخل «1» أو مصارمة جميلة؟ قال:
مصارمة جميلة؛ قال: لله عليّ ألّا أكلّمك أبدا.
وقال بعض الشعراء في صديق له تغيّر: [منسرح]
إحولّ عنّي وكان ينظر من ... عيني ويرمي بساعدي ويدي «2» .
وقال المثتقّب العبدي «3» : [وافر]
ولا تعدي مواعد كاذبات ... تمرّ بها رياح الصيف دوني
فإني لو تعاندني شمالي ... عنادك ما وصلت بها يميني
إذا لقطعتها ولقلت بيني ... كذلك أجتوي من يجتويني «4»
وقال الكميت: [طويل]
ولكنّ صبرا عن أخ عنك صابر ... عزاء إذا ما النفس حنّ طروبها «5»
رأيت عذاب الماء إن حيل دونها ... كفاك لما لا بدّ منه شروبها «6»
وإن لم يكن إلا الأسنّة مركب ... فلا رأي للمجهود إلا ركوبها «7»
وقرأت في كتاب للهند: العدوّ إذا أحدث صداقة لعلة ألجأته إليها فمع ذهاب العلة رجوع العداوة، كالماء يسخن فإذا رفع عاد باردا.
وقال محمد بن يزداد الكاتب: إذا لم تستطع أن تقطع يد عدوّك فقبّلها.
قال الشاعر: [طويل]
(3/128)

لقد زادني حبّا لنفسي أنني ... بغيضّ إلى كلّ امرىء غير طائل
إذا ما رآني قطّع الطرف دونه ... ودوني فعل العارف المتجاهل
ملأت عليه الأرض حتّى كأنّها ... من الضّيق في عينيه كفّة حابل «1»
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اعتزل عدوّك واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من خشي الله.
الهيثم عن ابن عيّاش قال: أخبرني رجل من الأزد قال: كنا مع أسد بن عبد الله بخراسان، فبينا نحن نسير معه وقد مدّ نهرفجاء «2» بأمر عظيم لا يوصف، وإذا رجل بضربه الموج وهو ينادي: الغريق الغريق! فوقف أسد وقال: هل من سابح؟ فقلت: نعم، فقال: ويحك! الحق الرجل! فوثبت عن فرسي وألقيت عنّي ثيابي ثم رميت بنفسي في الماء، فما زلت أسبح حتى إذا كنت قريبا منه قلت: ممن الرجل؟ قال: من بني تميم؟ قلت: إمض راشدا، فو الله ما تأخّرت عنه ذراعا حتى غرق: فقال ابن عياش: فقلت له: ويحك! أما اتقيت الله! غرّقت رجلا مسلما! فقال: والله لو كانت معي لبنة لضربت بها رأسه.
طاف رجل من الأزد بالبيت «3» وجعل يدعو لأبيه؛ فقيل له: ألا تدعو لأمّك؟
فقال: إنها تميميّة.
وقرأت في كتاب للهند: جانب الموتور وكن أحذر ما تكون له ألطف ما يكون بك، فإنّ السلامة بين الأعداء توحّش بعضهم من بعض، ومن الأنس والثقة حضور آجالهم.
(3/129)

أراد الملك قتل بزرجمهر وأن يتزوّج ابنته بعد قتله؛ فقال: لو كان ملككم حازما ما جعل بينه وبين شعاره موتورة «1» .
قال أبو حازم: لا تناصبنّ رجلا حتى تنظر إلى سريرته؛ فإن تكن له سريرة حسنة فإن الله لم يكن يخذله بعداوتك إياه، وإن كانت سريرته رديئة فقد كفاك مساويه، لو أردت أن تعمل بأكثر من معاصي الله لم تقدر.
قال رجل: إني لأغتنم في عدوّي أن ألقي عليه النملة وهو لا يشعر لتؤذيه.
وقال الأفوه الأوديّ «2» : [وافر]
بلوت الناس قرنا بعد قرن ... فلم أر غير خلّاب وقالي «3»
وذقت مرارة الأشياء جمعا ... فما طعم أمرّ من السؤال
ولم أر في الخطوب أشدّ هولا ... وأصعب من معاداة الرجال
وقال آخر: [وافر]
بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين
يبيحك منه عرضا لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون
شماتة الأعداء
بلع عمرو بن عتبة شماتة قوم به في مصائب؛ فقال: والله، لئن عظم
(3/130)

مصابنا بموت رجالنا لقد عظمت النعمة علينا بما أبقى الله لنا: شبّانا يشبّون «1» الحروب، وسادة يسدون المعروف، وما خلقنا ومن شمت بنا إلا للموت.
قيل لأيوب النبيّ عليه السلام: أيّ شيء كان أشدّ عليك في بلائك؟
قال: شماتة الأعداء.
إشتكى يزيد بن عبد الملك شكاة شديدة وبلغه أنّ هشاما سرّ بذلك، فكتب إلى هشام يعاتبه، وكتب في آخر الكتاب: [طويل]
تمنّى رجال أن أموت، وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
وقد علموا، لو ينفع العلم عندهم، ... متى متّ ما الداعي عليّ بمخلد
منيّته تجري لوقت وحتفه ... يصادفه يوما على غير موعد
فقال للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تهيّأ لأخرى مثلها فكأن قد «2»
وقال الفرزدق: [وافر]
إذا ما الدّهر جرّ على أناس ... حوادثه أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
أغير على رجل من الأعراب فذهب بإبله فقال: [وافر]
لا والذي أنا عبد في عبادته ... لولا شماتة أعداء ذوي إحن «3»
ما سرّني أنّ إبلي في مباركها ... وأنّ شيئا قضاه الله لم يكن
وقال عديّ بن زيد العباديّ: [خفيف]
أرواح مودّع أم بكور ... لك فانظر لأيّ حال تصير
(3/131)

وابيضاض السواد من نذر المو ... ت فهل بعده لإنس نذير
أيّها الشامت المعيّر بالدّه ... ر أأنت المبرّأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأي ... ام أم أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلّدن أم من ... ذا عليه من أن يضام مجير
أين كسرى كسرى الملوك أنو شر ... وان أم أين قبله سابور «1»
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور «2»
شاده مرمرفا وجلّله كل ... سا فللطّير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور
وتبيّن ربّ الخورنق إذ أش ... رف يوما وللهدى تفكير «3»
سرّه حاله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرضا والسّدير «4»
فارعوى قلبه فقال وما غب ... طة حيّ إلى الممات يصير «5»
ثم بعد الفلاح والملك والنّع ... مة وارتهم هناك القبور
ثم أضحوا كأنهم ورق جفّ ... فألوت به الصبّا والدّبور «6»
قال ابن الكلبي «7» : لما قبض النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سمع بموته نساء من كندة وحضر موت فخضبن أيديهنّ وضربن بالدفوف، فقال رجل منهم: [كامل]
(3/132)

أبلغ أبا بكر إذا ما جئته ... أنّ البغايا رمن أيّ مرام
أظهرن من موت النبيّ شماتة ... وخضبن أيديهنّ بالعلّام «1»
فاقطع، هديت، كفّهنّ بصارم ... كالبرق أومض من متون غمام «2»
فكتب أبو بكر إلى المهاجر عامله، فأخذهنّ وقطّع أيديهنّ.
وقرأت في كتاب ذكر فيه عدوّ: فإنه يتربّص بك الدوائر، ويتمنّى لك الغوائل، ولا يؤمّل صلاحا إلا في فسادك، ولا رفعة إلا في سقوط حالك والسلام.
وجد بالأصل في آخر هذا الكتاب ما نصّه:
آخر كتاب الإخوان، وهو الكتاب السابع من عيون الأخبار، تأليف أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدّينوريّ رحمة الله عليه. وكتبه الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن عمر بن محمد بن علي الواعظ الجزريّ، وذلك في شهور سنة أربع وتسعين وخمسمائة. وصلّى الله على سيدنا محمد النبيّ وآله الطاهرين.
وفي هذه الصفحة عينها وجد ما يأتي- وهو من زيادة الناسخ-:
قيل قدم المهديّ أمير المؤمنين، وقيل الرشيد «3» ، فتلقّاه الناس، وتلقّاه أبو دلامة «4» في جملة الناس، فأنشده: [كامل]
(3/133)

إنّي نذرت لئن رأيتك سالما ... بقرى العراق وأنت ذو وفّر
لتصلّينّ على النبيّ محمد ... ولتملأن دراهما حجرى
فقال له أمير المؤمنين: أما الأولى فنعم. اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، وأما الأخرى فلست أفعل، فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين ما نذرت إلا الاثنين، فضحك وأمر حتى ملؤا حجره دراهم.
وقال شاعر «1» : [كامل]
ولقد تنسّمت الرياح لحاجتي ... فإذا لها من راحتيك نسيم
ولربّما استيأست ثم أقول لا ... إنّ الذي ضمن النجاح كريم
(3/134)

كتاب الحوائج
استنجاح الحوائج
حدّثني أحمد بن الخليل قال حدّثنا محمد بن الخصيب قال حدّثني أوس ابن عبد الله بن بريدة عن أخيه سهل بن عبد الله بن بريدة عن بريدة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «استعينوا على الحوائج بالكتمان فإنّ كلّ ذي نعمة محسود» .
قال خالد بن صفوان: لا تطلبوا الحوائج في غير حينها، ولا تطلبوها إلى غير أهلها، ولا تطلبوا ما لستم له بأهل فتكونوا للمنع خلقاء.
قال شبيب بن شيبة: إني لأعرف أمرا لا يتلاقى به اثنان إلّا وجب النّجح بينهما؛ فقال له خالد بن صفوان: ما هو؟ قال: العقل، فإنّ العاقل لا يسأل ما لا يجوز ولا يردّ عما يمكن، فقال له خالد: نعيت إليّ نفسي! إنّا أهل بيت لا يموت منا أحد حتى يرى خلفه.
أبو اليقظان قال: كان بنو ربيعة- وهم من بين عسل بن عمرو بن يربوع- يوصون أولادهم فيقولون: استعينوا على الناس في حوائجكم بالتثقيل عليهم، فذاك أنجح لكم.
قال الشاعر: [مديد]
هيبة الإخوان مقطعة ... لأخي الحاجات عن طلبه
(3/135)

فإذا ما هبن ذا أمل ... مات ما أمّلت من سببه
وقال أبو نواس: [طويل]
وما طالب الحاجات ممّن يرومها ... من الناس إلا المصبحون على رجل
تأنّ مواعيد الكرام فربّما ... أصبت من الإلحاح سمحا على بخل
والبيت المشهور في هذا: [بسيط]
إنّ الأمور إذا انسدّت مسالكها ... فالصبر يفتح منها كلّ ما ارتتجا «1»
أخلق بذي الصبر أن يحظي بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا «2»
لا تيأسنّ وإن طالت مطالبة ... إذا استعنن بصبر أن ترى فرجا
وقال آخر: [بسيط]
إنّي رأيت، وللأيّام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقلّ من جدّ في أمر يطالبه ... واستصحب الصبر إلّا فاز بالظّفر
والعرب تقول: «ربّ عجلة تهب ريثا» . يريدون أن الرجل قد يخرق ويعجل في حاجته فتتأخّر أو تبطل بذلك. وتقول: «الرّشف أنقع» . يريدون أن الشراب الذي يترشّف رويدا رويدا أقطع للعطش وإن طال على صاحبه.
وقال عامر بن خالد بن جعفر ليزيد بن الصّعق: [رجز]
إنّك إن كلّفتني ما لم أطق ... ساءك ما سرّك منّي من خلق
وكانوا يستنجحون حوائجهم بركعتين يقولون بعدهما: اللهم إنّي بك أستفتح، وبك أستنجح، وبمحمّد نبيك إليك أتوجّه، اللهم ذلّ لي صعوبته،
(3/136)

وسهّل لي حزونته «1» ، وارزقني من الخير أكثر مما أرجو، واصرف عنّي من الشرّ أكثر مما أخاف.
وقال القطاميّ: [بسيط]
قد يدرك المتأنّي بعض جاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل «2»
عمرو بن بحر «3» عن إبراهيم بن السّنديّ قال: قلت في أيام ولايتي الكوفة لرجل من وجوهها، كان لا يجفّ لبده ولا يستريح قلمه ولا تسكن حركته في طلب حوائج الرجال وإدخال المرافق على الضعفاء وكان رجلا مفوّها، خبّرني عن الشيء الذي هوّن عليك النّصب وقوّاك على التعب ما هو؟
قال: قد والله سمعت تغريد الطير بالأسحار، في أفنان الأشجار؛ وسمعت خفق أوطار العيدان، وترجيع أصوات القيان الحسان؛ ما طربت من صوت قطّ طربى من ثناء حسن بلسان حسن على رجل قد أحسن، ومن شكر حرّ لمنعم حرّ، ومن شفاعة محتسب لطالب شاكر. قال إبراهيم: فقلت: لله أبوك لقد حشيت كرما فزادك الله كرما، فبأيّ شيء سهلت عليك المعاودة والطلب؟
قال: لأني لا أبلغ المجهود ولا أسأل ما لا يجوز، وليس صدق العذر أكره إليّ من إنجاز الوعد، ولست لإكداء «4» السائل أكره منّي للإجحاف «5» بالمسؤول، ولا أرى الراغب أوجب عليّ حقّا للذي قدمّ من حسن ظنه من المرغوب إليه الذي احتمل من كلّه «6» . قال إبراهيم: ما سمعت كلاما قطّ أشدّ موافقة
(3/137)

لموضعه ولا أليق بمكانه من هذا الكلام.
وقال مصعب: [كامل]
في القوم معتصم بقوّة أمره ... ومقصّر أودى به التقصير
لا ترض منزلة الذليل ولا تقم ... في دار معجزة وأنت خبير
وإذا هممت فأمض همّك إنما ... طلب الحوائج كلّه تغرير «1»
وكان يقال: إذا أحببت أن تطاع، فلا تسأل ما لا يستطاع.
ويقال: الحوائج تطلب بالرجاء، وتدرك بالقضاء.
الاستنجاح بالرّشوة والهديّة
حدّثني زيد بن أخزم عن عبد الله بن داود قال: سمعت سفيان الثوريّ يقول: إذا أردت أن تتزوّج فأهد للأمّ. والعرب تقول: «من صانع «2» لم يحتشم من طلب الحاجة» .
قال ميمون بن ميمون: إذا كانت حاجتك إلى كاتب فليكن رسولك الطمع.
وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: نعم الشيء الهديّة أمام الحاجة.
وقال رؤبة «3» : [رجز]
لما رأيت الشّفعاء بلّدوا ... وسألوا أميرهم فأنكدوا «4»
(3/138)

نامستهم برشوة فأقردوا ... وسهّل الله بها ما شدّدوا «1»
وقال آخر «2» : [طويل]
وكنت إذا خاصمت خصما كببته ... على الوجه حتى خاصمتني الدراهم
فلما تنازعنا الخصومة غلّبت ... عليّ وقالوا قم فإنك ظالم
والعرب تقول في مثل هذا المعنى: «من يخطب الحسناء يعط مهرا» يريدون من طلب حاجة مهمّة بذل فيها.
وقال بعض المحدثين: [بسيط]
ما من صديق وإن تمّت صداقته ... يوما بأنجح في الحاجات من طبق «3»
إذا تلثّم بالمنديل منطلقا ... لم يخش نبوة بوّاب ولا غلق
لا تكذبنّ فإنّ الناس مذ خلقوا ... لرغبة يكرمون الناس أو فرق «4»
وقال آخر: [سريع]
ما أرسل الأقوام في حاجة ... أمضى ولا أنجح من درهم
يأتيك عفوا بالذي تشتهي ... نعم رسول الرجل المسلم
الاستنجاح بلطيف الكلام
حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ «5» : دخل أبو بكر الهجريّ على
(3/139)

المنصور فقال: يا أمير المؤمنين نغض فمي «1» وأنتم أهل بيت بركة، فلو أذنت لي فقبّلت رأسك لعل الله يشدّد لي منه! فقال أبو جعفر: اختر منها ومن الجائزة؛ فقال: يا أمير المؤمنين، أهون عليّ من ذهاب درهم من الجائزة ألّا تبقى في فمي حاكّة «2» .
قال أبو حاتم: وحدّثنا الأصمعيّ عن خلف قال: كنت أرى أنّه ليس في الدنيا رقية إلا رقية الحيّات، فإذا رقية الخبز أسهل. يعني ما يتكلّفه الناس من الكلام لطلب الحيلة.
قال رجل للفضل بن سهل يسأله: الأجل آفة الأمل، والمعروف ذخيرة الأبد، والبرّ غنيمة الحازم، والتفريط مصيبة أخي القدرة؛ فأمر وهبا كاتبه أن يكتب الكلمات. ورفع إليه رقعة فيها: يا حافظ من يضيّع نفسه عنده، ويا ذاكر من ينسى نصيبه منه، ليس كتابي إذا كتبت استبطاء، ولا إمساكي إذا أمسكت استغناء؛ لكنّ كتابي إذا كتبت تذكرة لك، وإمساكي إذا أمسكت ثقة بك.
وقال رجل لآخر: ما قصّرت بي همّة صيّرتني إليك، ولا أخّرني ارتياد دلّني عليك، ولا قعد بي رجاء حداني إلى بابك. وبحسب معتصم بك ظفر بفائدة وغنيمة، ولجء إلى موئل وسند.
دخل الهذيل بن زفر «3» على يزيد بن المهلّب «4» في حمالات «5» لزمته،
(3/140)

فقال له: قد عظم شأنك عن أن يستعان بك أو يستعان عليك، ولست تصنع شيئا من المعروف إلّا وأنت أكثر منه، وليس العجب أن تفعل، وإنما العجب من ألّا تفعل.
قال الحمدوني «1» في الحسين بن أيوب والي البصرة: [بسيط]
قل لابن أيّوب قد أصبحت مأمولا ... لا زال بابك مغشيّا ومأهولا
إن كنت في عطلة فالعذر متّصل ... وصل إذا كنت بالسلطان موصولا
شرّ الأخلّاء من ولّى قفاه إذا ... كان المولّى وأعطى البشر معزولا
من لم يسمّن جوادا كان يركبه ... في الخصب قام به في الجدب مهزولا
افرغ لحاجاتنا ما دمت مشغولا ... لو قد فرغت لقد ألفيت مبذولا
وقال آخر: [طويل]
ولا تعتذر بالشّغل عنّا فإنما ... تناط بك الآمال ما اتّصل الشّغل
وأتى رجل بعض الولاة، وكان صديقه، فتشاغل عنه، فتراءى له يوما؛ فقال: اعذرني فإنّي مشغول؛ فقال: لولا الشغل ما أتيتك.
وكتب رجل إلى صديق له: قد عرضت قبلك حاجة، فإن نجحت بك فالفاني منها حظّي والباقي حظّك، وإن تعتذر فالخير مظنون بك والعذر مقدّم لك.
وفي فصل آخر: قد عذرك الشّغل في إغفال الحاجة وعذرني في إنكارك.
(3/141)

وفي فصل آخر: قد كان يجب ألّا أشكو حالي مع علمك بها، ولا أقتضيك عمارتها بأكثر من قدرتك عليها؛ فلربّما نيل الغنى على يدي من هو دونك بأدنى من حرمتي. وما أستصغر ما كان منك إلا عنك، ولا أستقلّه إلا لك.
وقال آخر: إن رأيت أن تصفّد يدا «1» بصنيعة باق ذكرها جميل في الدهر أثرها، تغتنم غرّة الزمان «2» فيها وتبادر فوت الإمكان بها، فافعل.
قدم على زياد «3» نفر من الأعراب فقام خطيبهم فقال: أصلح الله الأمير! نحن، وإن كانت نزعت بنا أنفسنا إليك وأنضينا «4» ركائبنا نحوك التماسا لفضل عطائك، عالمون بأنه لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع؛ وإنما أنت ايّها الأمير خازن ونحن رائدون، فإن أذن لك فأعطيت حمدنا الله وشكرناك، وإن لم يؤذن لك فمنعت حمدنا الله وعذرناك، ثم جلس؛ فقال زياد لجلسائه:
تالله ما رأيت كلاما أبلغ ولا أوجز ولا أنفع عاجلة منه، ثم أمر لهم بما يصلحهم.
دخل العتّابيّ على المأمون، فقال له المأمون: خبّرت بوفاتك فغمّتني، ثم جاءتني وفادتك فسرتني؛ فقال العتابيّ: لو قسمت هذه الكلمات على أهل الأرض لوسعتهم؛ وذلك أنه لا دين إلا بك ولا دنيا إلا معك؛ قال: سلني، قال: يداك بالعطيّة أطلق من لساني.
(3/142)

قال نصيب «1» لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، كبرت سنّي ورقّ عظمي، وبليت ببنيّات نفضت عليهنّ من لوني فكسدن عليّ؛ فرقّ له عمر ووصله.
سأل رجل أسد بن عبد الله فاعتلّ عليه؛ فقال: إني سألت الأمر من غير حاجة؛ قال: وما حملك على ذلك؟ قال: رأيتك تحبّ من لك عنده حسن بلاء، فأحببت أن أتعلّق منك بحبل مودّة.
لزم بعض الحكماء باب بعض ملوك العجم دهرا فلم يصل إليه، فتلطّف للحاجب في إيصال رقعة ففعل، وكان فيها أربعة أسطر:
السطر الأوّل الأمل والضّرورة أقدماني عليك.
والسطر الثاني والعدم لا يكون معه صبر على المطالبة.
والسطر الثالث الانصراف بلا فائدة شماتة للأعداء.
والسطر الرابع فإمّا نعم مثمرة، وإمّا لا مريحة. فلما قرأها وقّع في كلّ سطر: زه «2» ؛ فأعطي ستّة عشر ألف مثقال فضّة.
دخل محمد بن واسع «3» على قتيبة بن مسلم «4» ، فقال له: أتيتك في حاجة رفعتها إلى الله قبلك، فإن تقضها حمدنا الله وشكرناك، وإن لم تقضها حمدنا الله وعذرناك؛ فأمر له بحاجته. وقال له أيضا في حاجة أخرى: إنّي
(3/143)

أتيتك في حاجة، فإن شئت قضيتها وكنّا جميعا كريمين، وإن شئت منعتها وكنّا جميعا لئيمين.
أتى رجل خالد بن عبد الله في حاجة، فقال له: أتكلّم بجرأة اليأس أم بهيبة الأمل؟ قال: بل بهيبة الأمل؛ فسأله حاجته فقضاها.
وقال أبو سمّاك لرجل: لم أصن وجهي عن الطّلب إليك، فصن وجهك عن ردّي، وضعني من كرمك بحيث وضعت نفسي من رجائك.
قال المنصور لرجل: ما بالك؟ قال: ما يكفّ وجهي ويعجز عن برّ الصّديق فقال: لقد تلطّفت للسؤال، ووصله.
وقال المنصور لرجل أحمد منه أمرا: سل حاجتك فقال: يبقيك الله يا أمير المؤمنين؛ قال: سل، فليس يمكنك ذلك في كلّ وقت؛ فقال: ولم يا أمير المؤمنين! فوالله لا أستقصر عمرك ولا أرهب بخلك ولا أغتنم ما لك وإنّ سؤالك لزين، وإنّ عطاءك لشرف، وما على أحد بذل وجهه إليك نقص ولا شين، فأمر حتّى مليء فوه درّا.
قال أبو العبّاس لأبي دلامة: سل حاجتك. قال: كلب؛ قال: لك كلب. قال: ودابّة أتصيد عليها؛ قال: ودابة. قال: وغلام يركب الدابّة ويصيد؛ قا: وغلام. قال: وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه؛ قال:
وجارية. قال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء عيال ولا بدّ من دار؛ قال: ودار. قال:
ولا بدّ من ضيعة لهؤلاء؛ قال: قد أقطعتك مائة جريب عامرة ومائة جريب غامرة. قال: وأيّ شيء الغامرة؟ قال: ليس فيها نبات. قال: فأنا أقطعك ألفا وخمسمائة جريب من فيافى بني أسد؛ قال: قد جعلتها كلّها لك عامرة. قال:
أقبلّ يدك؛ قال: أمّا هذه فدعها. قال: ما منعت عيالي شيئا أهون عليهم فقدا منها.
(3/144)

قال عبد الملك لرجل: ما لي أراك واجما «1» لا تنطق؟ قال: أشكو إليك ثقل الشّرف؛ قال: أعينوه على حمله.
رأى زياد على مائدته رجلا قبيح الوجه كثير الأكل، فقال له: كم عيالك؟ قال: تسع بنات؛ قال: أين هنّ منك؟ قال: أنا أجمل منهنّ وهنّ آكل منّي؛ قال: ما أحسن ما تلطّفت في السؤال وفرض له وأعطاه.
وقفت عجوز على قيس بن سعد فقال: أشكو إليك قلّة الجرذان؛ قال:
ما أحسن هذه الكناية! املؤا بيتها خبزا ولحما وسمنا وتمرا.
وقال بعض القصّاص في قصصه: اللهم أقلّ صبياننا وأكثر جرذاننا.
كان سليمان بن عبد الملك يأخذ الوليّ بالوليّ والجار بالجار؛ فدخل عليه رجل وعلى رأسه وصيفة روقة «2» ، فنظر إليها: فقال سليمان: أأعجبتك؟
قال: بارك الله لأمير المؤمنين فيها! قال: هات سبعة أمثال في الاست وخذها؛ فقال: «صرّ عليه الغزو استه» «3» . قال: واحد. قال: «است البائن أعلم» «4» ؛ قال اثنان. قال: «است لم تعوّد المجمر تحترق» «5» ؛ قال: ثلاثة.
(3/145)

قال: الحرّ يعطي والعبد يبجع باسته» «1» ؛ قال: أربعة. قال: «استي أخبثى» «2» » ! قال: خمسة. قال: «عاد سلاها في استها» «3» ؛ قال: ستة. قال:
«لا ماءك أبقيت ولا حرك أنقيت» «4» ؛ قال: ليس هذا من ذاك؛ قال: أخذت الجار بالجار كما يفعل أمير المؤمنين! قال: خذها.
قال يزيد بن المهلّب لسليمان في حمالة «5» كلّمه فيها: يا أمير المؤمنين، والله لحمدها خير منها، ولذكرها أحسن من جمعها، ويدي مبسوطة بيدك فابسطها لسؤالها.
قطع عبد الملك بن مروان عن آل أبي سفيان أشياء كان يجريها عليهم، لتباعد كان بينه وبين خالد بن يزيد بن معاوية؛ فدخل عليه عمرو بن عتبة فقال: يا أمير المؤمنين، أدنى حقّك متعب وتقصّيه فادح، ولنا مع حقّك علينا حقّ عليك، لقرابتنا منك وإكرام سلفنا لك؛ فانظر إلينا بالعين التي نظروا بها إليك، وضعنا بحيث وضعتنا الرّحم منك، وزدنا بقدر ما زادك الله؛ فقال:
أفعل، وإنما يستحقّ عطيّتي من استعطاها، فأمّا من ظنّ أنه يستغني بنفسه فسنكله إليها «6» ، يعرّض بخالد؛ فبلغ ذلك خالدا، فقال: أمّا عمرو فقد أعطى
(3/146)

من نفسه أكثر مما أخذ، أو بالحرمان يتهدّدني! يد الله فوق يده مانعة، وعطاؤه دونه مبذول.
أتى رجل يزيد بن أبي مسلم برقعة يسأله أن يرفعها إلى الحجّاج؛ فنظر فيها يزيد فقال: ليست هذه من الحوائج التي ترفع إلى الأمير؛ فقال له الرجل: فإني أسألك أن ترفعها، فلعلّها توافق قدرا فيقضيها وهو كاره؛ فأدخلها وأخبره بمقالة الرجل؛ فنظر الحجاج في الرّقعة، وقال ليزيد: قل للرجل: إنها وافقت قدرا وقد قضيناها ونحن كارهون.
دخل بعض الشعراء «1» على بشر بن مروان فأنشده: [كامل]
أغفيت عند الصّبح نوم مسهّد ... في ساعة ما كنت قبل أنامها
فرأيت أنك رعتني بوليدة ... مغنوجة حسن عليّ قيامها
وببدرة حملت إليّ وبغلة ... دهماء مشرفة يصلّ لجامها «2»
فدعوت ربي أن يثيبك جنّة ... عوضا يصيبك بردها وسلامها
فقال له بشر: في كل شيء أصبت إلا في البغلة فإني لا أملك إلّا شهباء «3» : فقال: إني والله ما رأيت إلّا شهباء.
قال رجل لمعاوية: أقطعني البحرين، قال: إني لا أصل إلى ذلك.
قال: فاستعملني على البصرة؛ قال: ما أريد عزل عاملها. قال: تأمر لي بألفين؛ قال: ذاك لك. فقيل له: ويحك! أرضيت بعد الأوليين بهذا! قال:
اسكتوا لولا الأوليان ما أعطيت هذه.
جاء أعرابيّ إلى بعض الكتّاب فسأله. فأمر الكاتب غلامه بيمينه أن
(3/147)

يعطيه عشرة دراهم وقميصا من قمصه؛ فقال لأعرابيّ: [خفيف]
حوّل العقد بالشمال أبا الأص ... بغ واضمم إلى القميص قميصا
إن عقد اليمين يقصر عنّي ... وأرى في قميصكم تقليصا
يقول: حوّل عقد اليمين وهو عشرة إلى عقد الشمال وهو مائة «1» .
سأل أعرابيّ فقال في مسألته: لقد جعت حتى أكلت النّوى المحرق ولقد مشيت حتى انتعلت الدّم وحتى سقط من رجلي بتخص «2» لحم وحتى تمنّيت أنّ وجهي حذاء لقدمي، فهل من أخ يرحمنا؟.
وسأل آخر قوما فقال: رحم الله امرأ لم تمجج أذناه كلامي، وقدّم لنفسه معاذا من سوء مقامي، فإنّ البلاد مجدبة، والحال مصعبة، والحياء زاجر يمنع من كلامكم، والعدم عاذر يدعو إلى إخباركم، والدعاء أحد الصدقتين فرحم الله امرأ أمر بمير «3» ، ودعا بخير، فقال له رجل من القوم: ممّن الرجل؟
فقال: اللهم غفرا ممن لا تضرّك جهالته، ولا تنفعك معرفته؛ ذلّ الإكتساب، يمنع من عزّ الانتساب.
سأل أعرابيّ رجلا فحرمه؛ فقال: علام تحرمني! فو الله ما زلت قبلة لأملي لا تلقتني عنك المطامع، فإن قلت: قد أحسنت بدءا، فما ينكر لمثلك أن يحسن عودا!.
(3/148)

قال ابن أبي عتيق «1» : دخلت على أشعب وعنده متاع حسن وأثاث، فقلت له: ويحك! أما تستحي أن تسأل وعندك ما أرى! فقال: يا فديتك! معي والله من لطيف السؤال ما لا تطيب نفسي بتركه.
قال الصّلتان العبديّ «2» : [متقارب]
نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا ننقضي
تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقي
إذا ليلة هرّمت يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتي
وقال آخر: [بسيط]
وحاجة دون أخرى قد سنحت بها ... جعلتها للّتي أخفيت عنوانا «3»
كتب دعبل إلى بعض الأمراء: [منسرح]
جئتك مستشفعا بلا سبب ... إليك إلّا بحرمة الأدب
فاقض ذمامي فإنّني رجل ... غير ملحّ عليك في الطلب
من يعتمد في الحاجة ويستسعى فيها
روى هشيم عن عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عبد الرحمن عن أبي مصعب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: اطلبوا الحوائح إلى حسان الوجوه» .
(3/149)

وفي حديث آخر: «اعتمد لحوائجك الصّباح الوجوه، فإنّ حسن الصورة أوّل نعمة تتلقّاك من الرجل» .
قالت امرأة من ولد حسّان بن ثابت: [طويل]
سل الخير أهل الخير قدما ولا تسل ... فتى ذاق طعم العيش منذ قريب «1»
ومن المشهور قول بعض المحدثني: [خفيف]
حسن ظنّ إليك أكرمك الل ... هـ دعاني فلا عدمت الصّلاحا
ودعاني إليك قول رسول الل ... هـ إذا قال مفصحا إفصاحا
إن أردتم حوائجا عند قوم ... فتنقّوا لها الوجوه الصّباحا «2»
وقال آخر: [كامل]
إنّا سألنا قومنا فخيارهم ... من كان أفضلهم أبوه الأوّل
أعطى الذي أعطى أبوه قبله ... وتبخّلت أبناء من يتبخّل
وقال خالد بن صفوان: فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها، وأشدّ من المصيبة سوء الخلف «3» منها.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: مسلم بن قتيبة: لا تطلبنّ حاجتك إلى كذّاب فإنه يقرّبها وهي بعيد ويبعّدها وهي قريب»
، ولا إلى أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرّك، ولا إلى رجل له عند من تسأله الحاجة مأكلة «5» ، فإنه لا يؤثرك على نفسه.
(3/150)

أنشدنا الرّياشيّ لأبي عون: [وافر]
ولست بسائل الأعراب شيئا ... حمدت الله إذ لم يأكلوني
وقال ميمون بن ميمون: لا تطلبنّ إلى لئيم حاجة، فإن طلبت فأجّله حتى يروض نفسه.
هارون بن معروف عن ضمرة عن عثمان بن عطاء، قال: عطاء الحوائج عند الشباب أسهل منها عند الشيوخ؛ ثم قرأ قول يوسف: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ
«1» وقول يعقوب: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
«2» .
وقال بشار: [متقارب]
إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبّه لها عمرا ثم نم
فتى لا يبيت على دمنة ... ولا يشرب الماء إلا بدم «3»
يلذّ العطاء وسفك الدّماء ... فيغدو على نعم أو نقم
وقال أبو عبّاد الكاتب: لا تنزل مهمّ حوائجك بالجيّد اللسان، ولا المتسرّع إلى الضمان، فإنّ العجز مقصور على المتسرّع؛ ومن وعد ما يعجز عنه فقد ظلم نفسه وأساء إلى غيره؛ ومن وثق بجودة لسانه ظنّ أنّ في فصل بيانه ما ينوب عن عذره وأن وعده يقوم مقام إنجازه. وقال أيضا: عليك بذي الحصر البكيّ «4» ، وبذي الخيم «5» الرضيّ، فإنّ مثقالا من شدّة الحياء والعيّ،
(3/151)

أنفع في الحاجة من قنطار من لسان سليط ذكيّ، وعليك بالشّهم النّدب «1» الذي إن عجز أيأسك، وإن قدر أطعمك.
قال بعض الشعراء: [كامل]
لا تطلبنّ إلى لئيم حاجة ... واقعد فإنك قائما كالقاعد
يا خادع البخلاء عن أموالهم ... هيهات! تضرب في حديد بارد
وقال آخر: [طويل]
إذا الشافع استقصى لك الجهد كلّه ... وإن لم تنل نجحا فقد وجب الشّكر
وقال آخر «2» : [كامل]
وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنّها من ماله «3»
ذكر أعرابيّ رجلا، فقال: كان والله إذا نزلت به الحوائج قام إليها ثم قام بها، ولم تقعد به علّات النفوس «4» .
قال الشاعر: [بسيط]
ما إن مدحتك إلّا قلت تخدعني ... ولا استنتك إلا قلت مشغول
ابن عائشة «5» قال: كان شبيب بن شيبة رجلا شريفا يفزع إليه أهل البصرة في حوائجهم، فكان إذا أراد الركوب تناول من الطعام شيئا ثم ركب؛ فقيل له. إنك تباكر الغداء! فقال: أجل! أطفىء به فورة جوعي، وأقطع به
(3/152)

خلوف «1» فمي، وأبلع به قضاء حوائجي، فخذ من الطعام ما يذهب عنك النّهم؛ ويداوي من الخوى «2» .
قال بعض المحدثين: [طويل]
لعمرك ما أخلقت وجها بذلته ... إليك ولا عرّضته للمعاير «3»
فتى وفرت أيدي المحامد عرضه ... وخلّت لديه ماله غير وافر
وقال آخر: [طويل]
أتيتك لا أدلي بقربى ولا يد ... إليك سوى أنّي بجودك واثق
فإن تولني عرفا أكن لك شاكرا ... وإن قلت لي عذرا أقل أنت صادق «4»
وقال رجل لآخر في كلامه: أيدينا ممدودة إليك بالرغبة، وأعناقنا خاضعة لك بالذّلّة، وأبصارنا شاخصة إليك بالشكر؛ فافعل في أمورنا حسب أملنا فيك، والسلامه.
الإجابة إلى الحاجة والردّ عنها
قال رجل للعبّاس بن محمد: إنّي أتيتك في حاجة صغيرة؛ قال: اطلب لها رجلا صغيرا. وهذا خلاف قول عليّ بن عبد الله بن العبّاس لرجل قال له: إني أتيتك في حاجة صغيرة، فقال له عليّ بن عبد الله: هاتها، إنّ الرجل لا يصغر عن كبير أخيه ولا يكبر عن صغيره.
(3/153)

قال رجل للأحنف «1» : أتيتك في حاجة لا تنكيك ولا ترزؤك «2» ، قال:
إذا لا تقضى! أمثلي يؤتى في حاجة لا تنكي ولا ترزأ!.
جاء قوم إلى رجل يكلّمونه في حاجة لهم ومعهم رقبة، فقال لرقبة:
تضمنونها؟ فقال له رقبة: جئناك نطلب منك فضل التوسّع «3» فأدخلت علينا همّ الضّمان.
أتى عمرو بن عبيد حفص بن سالم، فلم يسأله أحد من حشمه شيئا إلا قال: لا؛ فقال عمرو: أقلّ من قول: «لا» فإن لا ليست في الجنة.
كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا سئل ما يجد أعطى، وإذا سئل ما لا يجد قال:
«يصنع الله» .
قال عمر بن أبي ربيعة: [خفيف]
إنّ لي حاجة إليك فقالت ... بين أذني وعاتقي ما تريد
أي قد تضمّنته لك فهو في عنقي.
سأل رجل قوما؛ فقال له رجل منهم: اللهمّ هذا سائلنا ونحن سؤّالك، وأنت بالمغفرة أجود منّا بالعطاء: ثم أعطاه.
سأل رجل رجلا حاجة؛ فقال: اذهب بسلام؛ قال السائل: أنصفنا من ردّنا في حوائجنا إلى الله عزّ وجلّ.
قال رجل لثمامة: إن لي إليك حاجة؛ قال ثمامة: ولي إليك حاجة؛
(3/154)

قال: وما هي؟ قال: لا أذكرها حتى تتضمّن قضائها؛ قال: قد فعلت؛ قال:
حاجتي ألّا تسألني هذه الحاجة؛ قال: رجعت عما أعطيتك؛ قال ثمامة «1» : لكنّي لا أردّ ما أخذت.
قال الجاحظ: تمشّى قوم إلى الأصمعيّ مع رجل اشترى منه ثمرة نخله، فناله فيها خسران وسألوه حسن النظر له؛ فقال الأصمعيّ: أسمعتم بالقسمة الضّيزى «2» ! هي ما تريدون شيخكم عليه، اشترى منّي على أن يكون الخسران عليّ والربح له! اذهبوا فاشتروا لي طعام السّواد «3» على هذا الوجه والشرط. ثم قال: هاهنا واحدة هي لكن دوني، ولا بدّ من الاحتمال لكن إذا لم تحتملوا لي، هذا ما مشيتم معه إلا وأنتم توجبون حقّه وتحبّون رفده، ولو كنت أوجب له مثل الذي توجبون لقد كنت أغنيته عنكم، ولكن لا أعرفه ولا يضرّنني بحقّ؛ فهلمّ فلنتوزّع هذا الخسران بيننا بالسوء؛ فقاموا ولم يعدوا، وأيس التاجر فخرج له من حقّه.
قال يزيد بن عمير الأسيّدي لبنيه: يا بنيّ، تعلّموا الردّ فإنه أشدّ من الإعطاء، ولأن يعلم بنو تميم أن عند أحدكم مائة ألف درهم أعظم له في أعينهم من أن يقسمها فيهم، ولأن يقال لأحدكم: بخيل وهو غني خير له من أن يقال: سخيّ وهو فقير.
(3/155)

وقال إسحاق بن إبراهيم «1» : [كامل]
النصر يقرئك السلام وإنّما ... أهدى السلام تعرّضا للمطمع
فاقطع لبانته بيأس عاجل ... وأرح فؤادك من تقاضي الأضلع «2»
ذكر ثمامة محمد بن الجهم فقال: لم يطمع أحدا قطّ في ماله إلا ليشغله بالطمع فيه عن غيره، ولا شفع لصديق ولا تكلّم في حاجة متحرّم به، إلا ليلقّن المسؤول حجّة منع، وليفتح على السائل باب حرمان.
كتب سهل بن هارون «3» إلى موسى بن عمران: [كامل]
إنّ الضمير إذا سألتك حاجة ... لأبي الهذيل خلاف ما أبدي «4»
فامنعه روح اليأس ثم امدد له ... حبل الرجاء لمخلف الوعد
وألن له كنفا ليحسن ظنه ... في غير منفعة ولا رفد
حتى إذا طالت شقاوة جدّه ... وعناؤه فاجبهه بالردّ «5»
قيل لحبّي المدينيّة: ما الجرج الذي لا يندمل؟ قالت: حاجة الكريم إلى اللئيم ثم يردّه. قيل لها: فما الذلّ؟ قالت: وقوف الشريف بباب الدنيء ثم لا يؤذن له. قيل: فما الشرف؟ قالت: اعتقاذ المنن في رقاب الرجال.
قال معن بن زائدة «6» : ما سألني قطّ أحد حاجة فرددته إلا رأيت الغنى
(3/156)

في قفاه.
روى عليّ بن مسهر عن هشام عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أعلمتم أن الطمع فقر، وأن اليأس غنى، وأن المرء إذا يئس من شيء استغنى عنه.
وقال آخر في كلام له: كلّ ممنوع مستغنى عنه بغيره، وكلّ مانع ما عنده ففي الأرض غنى عنه.
وقد قيل: أرخص ما يكون الشيء عند غلائه.
وقال بشار: والدرّ يترك من غلائه.
قال شريح «1» : من سأل حاجة فقد عرض نفسه على الرقّ، فإن قضاها المسؤول استعبده بها، وإن ردّه عنها رجع حرّا وهما ذليلان: هذا بذلّ البخل، وهذا بذلّ الردّ.
وقال بعضهم: من سألك لم يكرم وجهه عن مسألتك، فأكرم وجهك عن ردّه.
وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «لا يردّ ذا حاجة إلا بها أو بميسور من القول» .
وقال أسماء بن خارجة: ما أحبّ أن أردّ أحدا عن حاجة؛ فإنه لا يخلوا من أن يكون كريما فأصونه، أو لئيما فأصون منه نفسي.
وقال أعرابيّ سأل حاجة فردّ عنها: [بسيط]
ما يمنع الناس شيئا كنت أطلبه ... إلّا أرى الله يكفي فقد ما منعوا
(3/157)

أتى رجل الحسن بن عليّ رضي الله عنهما يسأله؛ فقال الحسن: إن المسألة لا تصلح إلا في غرم فادح أو فقر مدقع أو حمالة مفظعة؛ فقال الرجل: ما جئت إلا في إحداهنّ، فأمر له بمائة دينار، ثم أتى الرجل الحسين ابن علي رضي الله عنهما فسأله، فقال له مثل مقالة أخيه، فردّ عليه كما ردّ على الحسن؛ فقال: كم أعطاك؟ قال مائة دينار، فنقصه دينارا. كره أن يساوي أخاه. ثم أتى الرجل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فسأله فأعطاه سبعة دنانير ولم يسأله عن شيء؛ فقال الرجل له: إني أتيت الحسن والحسين، واقتصّ كلامهما عليه وفعلهما به؛ فقال عبد الله: ويحك! وأنّي تجعلني مثلهما! إنهما غرّا العلم غرّا المال «1» .
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: جاء شيخ من بني عقيل إلى عمر ابن هبيرة، فمتّ بقرابة وسأله فلم يعطه شيئا؛ فعاد إليه بعد أيام فقال: أنا العقيليّ الذي سألك منذ أيام؛ فقال عمر: وأنا الفزاريّ الذي منعك منذ أيام؛ فقال: معذرة إلى الله! إني سألتك وأنا أظنك يزيد بن هبيرة المحاربيّ؛ فقال:
ذاك الأم لك، وأهون بك عليّ، نشأ في قومك مثلي ولم تعلم به، ومات مثل يزيد ولا تعلم به! يا حرسيّ اسفع «2» بيده.
أتى عبد الله بن الزبير أعرابيّ «3» يسأله، فشكا إليه نقب»
ناقته واستحمله «5» ؛ فقال له ابن الزبير: ارقعها بسبت «6» واخصفها بهلب «7» وافعل
(3/158)

وافعل ... ؛ فقال الأعرابيّ: إني أتيتك مستوصلا «1» ولم آتك مستوصفا، فلا حملت ناقة حملتني إليك! فقال: إنّ «2» وصاحبها.
والعرب تقول لمن جاء خائبا ولم يظفر بحاجته: «جاء على غيراء الظهر» «3» .
وتقول هي والعوامّ: «جاء بخفّى حنين» و «جاء على حاجبه صوفه» .
وقال أبو عطاء السّنديّ «4» في عمر بن هبيرة: [وافر]
ثلاث حكتهنّ لقرم قيس ... طلبت بها الأخوة والثناء «5»
رجعن على حواجبهن صوف ... فعند الله أحتسب الجزاء
والأصل في قولهم: «جاء بخقّى حنين» أن إسكافا من أهل الحيرة ساومه أعرابيّ بخفّين، فاختلفا حتى أغضبه، فازداد غيظ الأعرابيّ؛ فلما ارتحل أخذ حنين أحد خفّيه فألقاه على طريقه ثم ألقى الآخر في موضع آخر؛ فلما مرّ الأعرابيّ بأحدهما قال: ما أشبه هذا بخفّ حنين! ولو كان معه الآخر لأخذته، ومضى؛ فلما انتهى إلى الآخر ندم على تركه الأوّل، وأناح راحلته فأخذه ورجع إلى الأوّل، وقد كمن له حنين فعمد إلى راحلته وما عليها فذهب به؛ وأقبل الأعرابيّ ليس معه غير الخفّين؛ فقال له قومه: ما الذي أتيت به؟
قال: بخفي حنين.
قالوا: فإن جاء وقد قضيت حاجته قيل: «جاء ثانيا من عنانه» . فإن جاء
(3/159)

ولمّا تقض حاجته وقد أصيب ببعض ما معه، قالوا: «ذهب يبتغى قرنا فلم يرجع بأذنين» . يقول بشار: [سريع]
فكنت كالعير غدا يبتغي ... قرنا فلم يرجع بأذنين «1»
سأل أعرابيّ قوما، فقيل له: بورك فيك! فقال: وكلكم الله إلى دعوة لا تحضرها نيّة.
أرسل الوليد خيلا في حلبة، فأرسل أعرابيّ فرسا له فسبقت الخيل؛ فقال له الوليد: احملني عليها؛ فقال: إنّ لها حرمة، ولكني أحمل على مهر لها سبق الخيل عام أوّل وهو ريّض «2» .
وتقول العرب فيمن يشغله شأنه عن الحاجة يسألها: «شغل الحلى أهله أن يعارا» بنحصب الحلى، ويعار: من العارية. فأمّا قولهم: «أحقّ الخيل بالركض المعار» . فإنّ المعار «3» : المنتوف الذّنب وهو المهلوب؛ يريدون أنه أخفّ من الذيّال الذنب «4» ، يقال: أعرت الفرس إذا نتفته.
وتقول العرب لمن سئل وهو لا يقدر فردّ: «بيتي يبخل لا أنا» ؛ يريدون أنه ليس عنده ما يعطي.
ووعد رجل رجلا فلم يقدر على الوفاء بما وعده؛ فقال له: كذبتني؛ قال: لا، ولكن كذبك مالي.
وتقول العرب فيمن اعتذر بالمنع بالعدم وعنده ما سئل: «أبى الحقين
(3/160)

العذرة» «1» . قال أبو زيد: وأصله أن رجلا ضاف قوما فاستسقاهم لبنا، وعندهم لبن قد حقنوه في وطب «2» ، فاعتذروا أنه لا لبن عندهم؛ فقال: أبى الحقين العذرة. ويقال: العذرة طرف البخل» .
وقال الطائي يذكر المطل «3» : [وافر]
وكان المطل في بدء وعود ... دخانا للصنيعة وهي نار
نسيب البخل مذ كانا وإن لم ... يكن نسب فبينهما جوار
لذلك قيل بعض المنع أدنى ... إلى جود وبعض الجود عار
قال إسماعيل القراطيسيّ «4» في الفضل بن الربيع: [هزج]
لئن أخطأت في مدح ... ك ما أخطأت في منعي
لقد أحللت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع
غزا المنذر بن الزّبير في البحر ومعه ثلاثون رجلا من بني أسد بن عبد العزّى؛ فقال له حكيم بن حزام «5» : يا بن أخي، إني قد جعلت طائفة من مالي لله عزّ وجلّ، وإني قد صنعت أمرا ودعوتكم له، فأقسمت عليك لا يردّه عليّ أحد منكم؛ فقال المنذر: لاها الله إذا «6» ، بل نأخذ ما تعطي، فإن نحتج إليه
(3/161)

نستعن به ولا نكره أن يأجرك الله، وإن نستغن عنه نعطه من يأجرنا الله فيه كما أجرك.
سأل أعرابيّ رجلا يقال له: الغمر فأعطاه درهمين، فردّهما وقال:
[طويل]
جعلت لغمر درهميه ولم يكن ... ليغني عنّي فاقتي درهما غمر «1»
وقلت لغمر خذهما فاصطرفهما ... سريعين في نقض المروءة والأجر
أتمنع سؤّال العشيرة بعد ما ... تسمّيت غمرا واكتنيت أبا بحر «2»
اختلف أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع في حاجة له زمانا فلم يقضها له، فكتب: [منسرح]
أكلّ طول الزّمان أنت إذا ... جئتك في حاجة تقول غدا!
لا جعل الله لي إليك ولا ... عندك ما عشت حاجة أبدا!
وقال آخر: [بسيط]
إن كنت لم تنو فيما قلت لي صلة ... فما انتفاعك من حبسي وترديدي
فالمنع أجمله ما كان أعجله ... والمطل من غير عسر آفة الجود
وقال آخر: [طويل]
بسطت لساني ثم أوثقت نصفه ... فنصف لساني في امتداحك مطلق
(3/162)

فإن أنت لم تنجز عداتي تركتني ... وباقي لسان الشكر باليأس موثق «1»
وقال آخر: [خفيف]
يا جواد اللسان من غير فعل ... ليت جود اللسان في راحتيكا
المواعيد وتنجّزها
ذكر جبّار بن سلمى عامر بن الطّفيل «2» فقال: كان والله إذا وعد الخير وفى، وإذا أوعد بالشرّ أخلف وعفا.
وأنشد أبو عمرو بن العلاء في مثل هذا المعنى: [طويل]
ولا يرهب ابن العمّ ما عشت صولتي ... ويأمن منّي صولة المتهدّد
وإنّي إن أوعدته أو وعدته ... ليكذب إيعادي ويصدق موعدي «3»
وكان يقال: وعد الكريم نقد، ووعد اللئيم تسويف «4» .
وقال عبد الصّمد بن الفضل الرّقاشي (أبو الفضل والعباس الرّقاشيّين البغداديين) لخالد بن ديسم عامل الرّيّ: [طويل]
أخالد إنّ الرّيّ قد أجحفت بنا ... وضاق علينا رحبها ومعاشها
وقد أطعمتنا منك يوما سحابة ... أضاء لنا برق وكفّ رشاشخا «5»
فلا غيمها يصحو فيؤيس طامع ... ولا ماؤها يأتي فتروى عطاشها
(3/163)

وقال رجل في الحجاج: [طويل]
كأنّ فؤادي بين أظفار طائر ... من الخوف في جوّ السماء محلّق
حذار امرىء قد كنت أعلم أنّه ... متى ما يعد من نفسه الشرّ يصدق
قال عمر بن الحارث: كنت متى شئت أجد من يعد وينجز، فقد أعياني من يعد ولا ينجز. قال: وكانوا يفعلون ولا يقولون، فقد صاروا يقولون ويفعلون، ثم صاروا يقولون ولا يفعلون، ثم صاروا لا يقولون ولا يفعلون.
قال بشار: [بسيط]
وعدتني ثم لم توفي بموعدتي ... فكنت كالمزن لم يمطر وقد رعدا
هذا مثل قول العرب لمن يعد ولا يفي: «برق خلّب» «1» .
وقال آخر: [مجزوء الرمل]
قد بلوناك بحمد الل ... هـ إن أغنى البلاء
فإذا جلّ مواعي ... دك والجحد سواء
وقال آخر: [طويل]
لها كلّ عام موعد غير ناجز ... ووقت إذا ما رأس حول تجرّما «2»
فإن أوعدت شرّا أتى دون وقته ... وإن وعدت خيرا أراث وأعتما «3»
وعد عبد الله بن عمر رجلا من قريش أن يزوّجه ابنته؛ فلما كان عند موته أرسل إليه فزوّجه إياها، وقال كرهت أن ألقى الله عز وجلّ بثلث اتّفاق.
وقال الطائيّ: [بسيط]
(3/164)

تقول قول الذي ليس الوفاء له ... خلقا وتنجز إنجاز الذي حلفا
وأثنى الله تبارك وتعالى على نبيّه إسماعيل صلّى الله عليه وسلّم فقال: إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا
«1» .
وقال بشّار يمدح: [متقارب]
إذا قال تمّ على قوله ... ومات العناء بلا أو نعم
وبعض الرجال بموعوده ... قريب وبالفعل تحت الرّجم «2»
كجاري السّراب ترى لمعه ... ولست بواجده عندكم «3»
وقال العبّاس بن الأحنف: [كامل]
ما ضرّ من قطع الرجاء ببخله ... لو كان علّلني بوعد كاذب
وقال آخر: [طويل]
عسى منك خير من نعم ألف مرّة ... من آخر غال الصّدق منه غوائله
وقال نصيب: [وافر]
يقول فيحسن القول ابن ليلى ... ويفعل فوق أحسن ما يقول
وقال زياد الأعجم»
: [مجزوء الكامل]
لله درّك من فتى ... لو كنت تفعل ما تقول
لا خير في كذب الجوا ... د وحبّذا صدق البخيل
(3/165)

والعرب تضرب المثل في الخلف بعرقوب. قال ابن الكلبيّ «1» عن أبيه:
كان عرقوب رجلا من العماليق؛ فأتاه أخ له فسأله شيئا؛ فقال له عرقوب: إذا أطلع نخلي «2» . فلما أطلع أتاه. قال: إذا أبلح. فلما أبلح أتاه، فقال: إذا أزهى «3» . فلما أزهى أتاه، قال: إذا أرطب «4» . فلما أرطب أتاه، قال: إذا صار تمرا. فلما صار تمرا جدّه «5» من الليل ولم يعط أخاه شيئا.
قال كعب بن زهير: [بسيط]
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلّا الأباطيل
وقال الأشجعيّ «6» : [طويل]
وعدت وكان الخلف منك سجيّة ... مواعيد عرقوب أخاه بيترب «7»
هكذا قرأته على البصريين في كتاب سيبويه بالتاء وفتح الراء.
وقال الشاعر: [طويل]
متى ما أقل يوما لطالب حاجة ... نعم، أقضها قدما وذلك من شكلي
وإن قلت لا، بيّنتها من مكانها ... ولم أوذه منها بجرّ ولا مطل
وللبخلة الأولى أقلّ ملامة ... من الجود بدءا ثم يتبع بالبخل
(3/166)

وقال أبو نواس لامرأة: [بسيط]
أنضيت أحرف لا ممّا لهجت بها ... فحوّلي رحلها عنها إلى نعم «1»
أو حوّليها إلى «لا» فهي تعدلها ... إن كنت حاولت في ذا قلّة الكلم
فستم علينا فعارضنا قياسكم ... يا من تناهى إليه غاية الكرم
وفي هذا معنا لطيف.
كتب رجل إلى صديق له: قد أفردتك برجائي بعد الله، وتعجّلت راحة اليأس ممن يجود بالوعد ويضنّ بالإنجاز، ويحسد أن يفضل، ويزهد أن يفضل، ويعيب الكذب ولا يصدق.
وقال آخر: [وافر]
وذي ثقة تبدّل حين أثرى ... ومن شيمي مراقبة الثّقات
فقلت له عتبت عليّ إثما ... فرارا من مؤونات العدات
فعد لمودّتي وعليّ نذر ... سألتك حاجة حتّى الممات «2»
وقال آخر في أصحاب النبيذ: [طويل]
مواعيدهم ربح لمن يعدونه ... بها قطعوا برد الشتاء وقاطوا «3»
وقال مسلم «4» : [طويل]
لسانك أحلى من جنى النحل موعدا ... وكفّك بالمعروف أضيق من قفل
تمنّي الذي يأتيك حتّى إذا انتهى ... إلى أجل ناولته طرف الحبل
وسأل خلف بن خليفة أبان بن الوليد أن يهب له جارية، فوعده وأبطأ
(3/167)

عليه؛ فكتب إليه: [طويل]
أرى حاجتي عند الأمير كأنّما ... تهمّ زمانا عنده بمقام
وأحصر من إذكاره إن لقيته ... وصدق الحياء ملجم بلجام «1»
أراها إذا كان النهار نسيئة ... وبالليل تقضى عند كلّ منام «2»
فيا ربّ أخرجها فإنك مخرج ... من الميت حيّا مفصحا بكلام
فتعلم ما شكري إذا ما قضيتها ... وكيف صلاتي عندها وصيامي
وإن حاجتي من بعد هذا تأخرّت ... خشيت لما بي أن أزور غلامي
والعرب تقول: «أنجز حرّ ما وعد» .
وقال أميّة بن أبي الصّلت لعبد الله بن جدعان: [وافر]
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إنّ شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرّضه الثناء «3»
وقال الطائيّ: [خفيف]
وإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التّقاضي
وقال الزّهريّ: حقيق على من أورق بوعد، أن يثمر بفعل.
وقال المغيرة: من أخرّ حاجة رجل فقد تضمّن قضاءها.
وقال الشاعر: [وافر]
كفاك مذّكّرا وجهي بأمري ... وحسبي أن أراك وأن تراني
وكيف أحثّ من يعنى بشأني ... ويعرف حاجتي ويرى مكاني
(3/168)

وقال الشاعر: [مجزوء الكامل المرفّل]
يا صاح قل في حاجتي ... أذكرتها فيما ذكرتا
إنّ السّراح من النجا ... ح إذا شقيت بما طلبتا «1»
وقال آخر: [خفيف]
في تصدّيك للمطالب إذكا ... ر بوعد جرى به المقدار
وكتب بعض الكتاب إلى صديق له: إن من العجب إذكار معنيّ، وحث متيقّظ، واستبطاء ذاكر، إلّا أن ذا الحاجة لا يدع أن يقول في حاجته، حلّ بذلك منها أو عقل. وكتابي تذكرة والسلام.
وقال الطّرمّاح: [كامل]
ألحسن منزلتي تؤخّر حاجتي ... أم ليس عندك لي بخير مطمع
وقال حمزة بن بيض «2» لمخلد بن يزيد بن المهلّب: [متقارب]
أتيناك في حاجة فاقضها ... وقل مرحبا يجب المرح
ولا تكلنا إلى معشر ... متى يعدوا عدة يكذبوا
وقال بعض المحدثين: [منسرح]
حوائج الناس كلّها قضيت ... وحاجتي لا أراك تقضيها
أناقة الله حاجتي عقرت ... أم نبت الحرف في نواحيها «3»
(3/169)

وقال جرير لعمر بن عبد العزيز: [بسيط]
أأذكر الضّرّ والبلوى التي نزلت ... أم تكتفي بالذي بلّغت من خبري
وقال آخر: [طويل]
أروع لتسليم عليك وأغتدي ... وحسبك بالتّسليم منّي تقاضيا
كفى بطلاب المرء ما لا يناله ... عناء وباليأس المصرّح ناهيا «1»
وقال آخر: [كامل]
ما أنت بالسّبب الضّعيف وإنما ... نجح الأمور بقوّة الأسباب
فاليوم حاجتنا إليك وإنّما ... يدعى الطبيب لكثرة الأوصاب «2»
كتب بعض الكتّاب إلى بعض السلطان: أنا أنزّهك عن التجمّل لي بوعد يطول به المدى ويعتزله الوفاء، وأحبّ أن يتقرّر عندك أن أملي فيك أبعد من أن أختلس الأمور منك اختلاس من يرى في عاجلك عوضا من آجلك، وفي الراهن من يومك بدلا من المأمول في غدك، وألّا تكون منزلتي في نفسك منزلة من يصرف الطرف «3» عنه وتستكره النفس عليه ويتكلّف ما فوق العفو له، وأن تختار بين العذر والشكر؛ فالله يعلم أنّ آثر الحظّين عندي أحقّهما عليك، وأصوبهما لحالي عندك.
وفي كتاب: ذو الحرمة ملوم على فرط الدّالّة، كما أنّ المتحرّم به مذموم على التناسي والإزالة. ومن مذهبي الوقوف بنفسي دون الغاية التي يقدّمني إليها حقّي، لأمرين: أحدهما ألّا أرضى بدون الحقّ أزيد في الحقّ.
(3/170)

والثاني أن أرى النفيس من الحظّ زهيدا إذا أتى من جهة الإرهاق. ولي ذمام المودّة الصادقة التي كلّ حرمة تبع لها، وحق الشكر الذي جعله الله وفاء بالنعم وإن جلّ قدرها؛ وأنت مراعي المعالي وحافظ بقيّة الكرم؛ فأيّ سبيل للعذر، بل أيّ موضع للإكداء بين حرمتي ورعايتك، وذمامي وكرمك!.
قال أحمد بن يوسف: أوّل المعروف مستخفّ، وآخره مستثقل؛ يكاد أوّله يكون اللهوى دون الرأي، وآخره للرأي دون الهوى. ولذلك قيل: ربّ «1» الصّنيعة أشدّ من ابتدائها.
قال أبو عطاء السّنديّ في يزيد بن عمر بن هبيرة: [وافر]
ثلاث حكتهنّ لقرم قيس ... رجعن إليّ صفرا خائبات «2»
أقام على الفرات يزيد شهرا ... فقال الناس أيّهما الفرات «3»
فيا عجبا لبحر فاض يسقي ... جميع الناس لم يبلل لهاتي «4»
حال المسؤول عند السؤال
قال الشاعر «5» : [وافر]
سألناه الجزيل فما تلكّا ... وأعطى فوق منيتنا وزادا «6»
مرارا ما أعود إليه إلّا ... تبسّم ضاحكا وثنى الوسادا
وقال آخر: [كامل]
(3/171)

قوم إذا نزل الغريب بدارهم ... تركوه ربّ صواهل وقيان «1»
وإذا دعوتهم ليوم كريهة ... سدّوا شعاع الشمس بالفرسان
لا ينقرون الأرض عند سؤالهم ... لتلمّس العلّات بالعيدان «2»
بل يبسطون وجوههم فترى لها ... عند السؤال كأحسن الألوان «3»
وقال آخر: [مديد]
يجعل المعروف والبرّ ذخرا ... ويعدّ الحمد خير التّجاره
وإذا ما جئته تجتديه ... خلته بشّرته ببشاره «4»
فترى في الطّرف منه حياء ... وترى في الوجه منه استناره
وقال آخر: [سريع]
إذا غدا المهديّ في جنده ... أو راح في آل الرسول الغضاب
بدا لك المعروف في وجهه ... كالضوء يجري في ثنايا الكعاب «5»
وأنشدني العتبيّ: [طويل]
له في ذرى المعروف نعمى كأنها ... مواقع ماء المزن في البلد القفر
إذا ما أتاه السائلون توقّدت ... عليه مصابيح الطلاقة والبشر
والمشهور في هذا قول زهير: [كامل]
تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنّك تعطيه الذي أنت سائله
(3/172)

وسأل رجل من الأعراب»
رجلا فلم يعطه شيئا؛ فقال: [طويل]
كدحت بأظفاري وأعملت معولي ... فصادفت جلمودا من الصّخر أملسا
تشاغل لما جئت في وجه حاجتي ... وأطرق حتى قلت قد مات أو عسى
وأجمعت أن أنعاه حين رأيته ... يفوق فواق الموت ثم تنفّسا
فقلت له لا بأس، لست بعائذ ... فأفرخ تعلوه الكآبة مبلسا «2»
وقال مسلم: [منسرح]
أطرق لما أتيت ممتدحا ... فلم يقل لا فضلا على نعم
فخفت إن مات أن أقاد به ... فقمت أبغى النّجاء من أمم «3»
لو أنّ كنز البلاد في يده ... لم يدع الإعتدلال بالعدم «4»
وقال الحارث الكنديّ: [وافر]
فلما أن أتيناه وقلنا ... بحاجتنا تلوّن لون ورس «5»
وآض بكفّه يحتكّ ضرسا ... يرينا أنّه وجع بضرس «6»
فقلت لصاحبي أبه كزاز ... وقلت أسرّه أتراه يمسي «7»
وقمنا هاربين معا جميعا ... نحاذر أن مزنّ بقتل نفس «8»
قال الأصمعيّ:
دخل أعرابيّ على المساور الضّبّيّ وهو بندار الرّيّ «9» ، فسأله فلم يعطه
(3/173)

شيئا، فأنشأ يقول:
أتيت المساور في حاجة ... فما زال يسعل حتى ضرط
وحكّ قفاه بكر سوعه ... ومسّح عثنونه وامتخط «1»
فأمسكت عن حاجتي خيفة ... لأخرى تقطّع شرج السّفط «2»
فأقسم لو عدت في حاجتي ... للطّخ بالسّلح وشي النّمط «3»
وقال غلطنا حساب الخراج ... فقلت من الضّرط جاء الغلط
قال: فكان العامل كلّما ركب صاح به الصّبيان: «من الضرط جاء الغلط فهرب من غير عزل إلى بلاد أصبهان.
وقال نهار بن توسعة «4» في قتيبة بن مسلم: [بسيط]
كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها ... وكلّ باب من الخيرات مفتوح
فبدّلت بعده قردا نطيف به ... كأنّما وجهه بالخلّ منضوح «5»
وقال جرير: [طويل]
يزيد يغضّ الطّرف دوني كأنّما ... زوى بين عينيه عليّ المحاجم «6»
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ... ولا تلقني إلا وأنفك راغم
وقال آخر: [منسرح]
لا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد من الخبر
(3/174)

حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن الأبج عن التتّيّ قال قال محمد بن واسع: إنك لتعرف فجور الفاجر في وجهه.
قال أبو العتاهية: [متقارب]
مالي أرى النّاس قد أبرقوا ... بلؤم الفعال وقد أرعدوا «1»
إذا جئت أفضلهم للسلا ... م ردّ وأحشاؤه ترعد
كأنّك، من خشية للسّؤا ... ل، في عينه الحيّة الأسود
وقال آخر: [وافر]
إذا ما الرّزق أحجم عن كريم ... فألجأه الزمان إلى زياد «2»
تلقّاه بوجه مكفهرّ ... كأنّ عليه أرزاق العباد
وقال آخر: [منسرح]
ولي خليل ما مسّني عدم ... مذ نظرت عينه إلى عدمي
بشّرني بالغنى تهلّله ... وقبل هذا تهلّل الخدم
ومحنة الزائرين بيّنة ... تعرف قبل اللقاء في الحشم
العادة من المعروف تقطع
كان يقال: انتزاع العادة ذنب محسوب.
وقال أبو الأسود الدّؤلي: [مديد]
ليت شعري عن أميري ما الذي ... غاله في الودّ حتى ودّعه «3»
لا تهنّي بعد إذ أكرمتني ... وشديد عادة منتزعه
(3/175)

اذكر البلوى التي أبليتني ... وكلاما قلته في المجمعه «1»
لا يكن برقك برقا خلّبا ... إنّ خير البرق ما الغيث معه
والمشهور في هذا قول الأعشى: [كامل]
عوّدت كندة عادة فاصبر لها ... واغفر لجاهلها وروّ سجالها «2»
سأل أعرابيّ قوما، فرقّ له رجل منهم فضمّه إليه وأجرى له رزقا أياما ثم قطع عنه؛ فقال الأعرابيّ: [طويل]
تسرّى فلمّا حاسب المرء نفسه ... رأى أنّه لا يستقيم له السّرو «3»
وقدم أبو زياد الكلابيّ مع أعراب سنة القحمة «4» ، فأجرى عليهم رجل رغيفا لكل رجل ثم قطعه؛ فقال أبو زياد: [طويل]
إن يقطع العبّاس عنّا رغيفه ... فما يأتيني من نعمة أكثر «5»
والحكماء تقول: «العادة طبيعة ثانية» .
وفي الحديث: «الخير عادة والشّرّ لجاجة» «6» .
وقال بعض الشعراء لرجل من الأشراف: [كامل]
ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحدا سواك إلى المكارم ينسب
فاصبر لعادتك التي عوّدتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب
وتقول العرب فيمن اصطنع معروفا ثم أفسده بالمنّ أو قطعه حين كاد
(3/176)

يتمّ: «شوى أخوك حتى إذا أنضج رمّد» «1» .
قال أبو كعب القاصّ: كان رجل يجري عليّ رغيفا في كلّ يوم، وكان يقول إذا أتاه الرغيف: لعنك الله ولعن من بعث بك، ولعنني إن تركتك حتى أصيب خيرا منك.
والعرب تقول في مثل هذا: «خذ من الرّضفة ما عليها» «2» .
وقال الشاعر: [كامل]
وخذ القليل من اللئيم وذمّه ... إنّ اللئيم بما أتى معذور
ومعذور: موسوم في موضع العذار، وليس هو من العذر.
الشكر والثناء
حدّثني شيخ لنا عن وكيع عن سفيان عن منصور عن هلال بن أساف «3» قال قال صلّى الله عليه وسلّم: «إذا صلّى أحدكم فليدن عليه من ستر بيته فإنّ الله عزّ وجلّ يقسم الثناء كما يقسم الرزق» .
وحدّثني أيضا عن وكيع عن سعيد عن أبي عمران الجوني عن عبد الله ابن الصّامت قال قال أبو ذرّ: قلت للنبي صلّى الله عليه وسلّم: الرجل يعمل العمل ويحبّه الناس؟ قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن. وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إذا أردتم أن تعلموا ما للعبد عند الله فانظروا ماذا يتبعه من الثّناء» .
(3/177)

حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: كان يقال: الثناء يضاعف كما تضاعف الحسنات؛ يكون الرجل سخيّا فيزيد الله في سخائه، ويكون شجاعا فيزيد الله في شجاعته.
وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن العمريّ قال: قال رجل لعمر بن الخطّاب رضي الله عنه: إنّ فلانا رجل صدق؛ قال: سافرت معه؟ قال لا.
قال: فكانت بينك وبينه خصومة؟ قال لا. قال: فهل ائتمنته على شيء؟ قال لا. قال: فأنت الذي لا علم لك به، أراك رأيته يرفع رأسه ويخفضه في المسجد!.
قال بعض الحكماء: إذا قصرت يدك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر.
وقال آخر: حقّ النّعمة أن تحسن لباسها، وتنسبها إلى وليّها، وتذكر ما تناسى عندك منها.
وقال بعض الحارثيين: [بسيط]
عثمان يعلم أنّ الحمد ذو ثمن ... لكنّه يشتهي حمدا بمجّان «1»
والناس أكيس من أن يحمدوا أحدا ... حتى يروا قبله آثار إحسان
وقال حمّاد عجرد: [بسيط]
قد ينقضي كلّ ما أوليت من حسن ... إذا أتى دون ما أوليت يومان
تنأى بودّك ما استغنيت عن أحد ... وإن طمعت فأنت الواصل الدّاني
الشّهد أنت إذا ما حاجة عرضت ... وحنظل كلّما استغنيت خطبان «2»
(3/178)

وقال عمران بن حطّان «1» : [طويل]
وقد عرضت لي حاجة وأظنّني ... بأنّي إذا أنزلتها بك منجح
فإن أك في أخذ العطيّة مربحا ... فإنك في بذل العطيّة أربح
لأنّ لك العقبى من الأجر خالصا ... وشكري في الدنيا، فحظّك أرجح
وقال معاوية بن أبي سفيان يعاتب قريشا: [طويل]
إذا أنا أعطيت القليل شكوتم ... وإن أنا أعطيت الكثير فلا شكر
وما لمت نفسي في قضاء حقوقكم ... وقد كان لي فيما اعتذرت به عذر
وأمنحكم ما لي وتكفر نعمتي ... وتشتم عرضي في مجالسها فهر «2»
إذا العذر لم يقبل ولم ينفع الأسى ... وضاقت قلوب منهم حشوها الغمر «3»
فيكف أداوي داءكم ... يزيدكم غيّا! فقد عظم الأمر
سأحرمكم حتى يذلّ صعابكم، ... وأبلغ شيء في صلاحكم الفقر
وقال طريح الثّقفيّ»
: [طويل]
سعيت ابتغاء الشكر فيما صنعت بي ... فقصّرت مغلوبا وإنّي لشاكر
ومثله قول الخريميّ «5» : [طويل]
لأنك تعطيني الجزيل بداهة ... وأنت لما استكثرت من ذاك حاقر
(3/179)

ومثله قوله أيضا: [رمل]
زاد معروفك عظما ... أنّه عندك محقور صغير
تتناسه كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور كبير
قال رجل لبعض السلطان: المواجهة بالشكر ضرب من الملق «1» ، منسوب من عرف بها إلى التخلّق «2» ؛ وأنت تمنعني من ذلك وترفع الحال بيننا عنه، ولذلك تركت لقاءك به. غير أنّي من الاعتراف بمعروفك ونشر ما تطوي منه والإشادة بذكره عند إخوانك والانتساب إلى التقصير مع الإطناب في وصفه، على ما أرجو أن أكون قد بلغت به حال المحتمل للصّنيعة، الناهض بحقّ النعمة.
قال ابن عنقاء الفزاريّ «3» : [طويل]
رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ما له حالي أسرّ كما جهر
دعاني فآساني ولو صدّ لم ألم ... على حين لا بدو يرجّى ولا حضر
فقلت له خيرا وأثنيت فعله ... وأوفاك ما أسديت من ذمّ أو شكر «4»
وقال آخر «5» : [طويل]
سأشكر عمرا إن تراخت منيّتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلّت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذ النعل زلّت
رأى خلّتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلّت «6»
(3/180)

وقرأت في كتاب للهند: أربعة ليست لأعمالهم ثمرة: مسارّ الأصمّ، والباذر في السّبخة «1» ، والمسرج في الشمس، وواضع المعروف عند من لا شكر له.
وقال بعض الشعراء المحدثين، وقيل: إنه للبحتريّ. فبعثت إليه أسأله عنه فأعلمني أنه ليس له: [متقارب]
فلو كان للشكر شخص يبين ... إذا ما تأمّله النّاظر
لبيّنته لك حتّى تراه ... فتعلم أنّي امرؤ شاكر
ولكنه ساكن في الضمير ... يحرّكه الكلم السائر
وقال آخر: [طويل]
فلو كان يستغني عن الشّكر سيّد ... لعزّة ملك أو علوّ مكان
لما أمر الله الجليل بشكره ... فقال اشكروني أيّها الثّقلان «2»
وقال آخر: [طويل]
فأثنوا علينا لا أبا لأبيكم ... بإحساننا إنّ الثناء هو الخلد
وقال رجل من غنيّ «3» : [كامل]
فإذا بلغتم أهلكم فتحدّثوا ... ومن الثناء مهالك وخلود
وكانت عائشة رضي الله عنها تتمثّل بقول الشاعر:
يجزيك أو يثني عليك وإنّ من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جرى
وقال الحارث بن شدّاد في عليّ بن الربيع الحارثيّ: [بسيط]
(3/181)

النّاس تحتك أقدام وأنت لهم ... رأس وكيف يسوّى الرأس والقدم
فحسبنا من ثناء المادحين إذا ... أثنوا عليك بأن يثنوا بما علموا «1»
وقال آخر: [وافر]
بأيّ الخصلتين عليك أثني ... فإنّي عند منصرفي مسول «2»
أبى الحسنى وليس لها ضياء ... عليّ فمن يصدّق ما أقول
أم الأخرى ولست لها بأهل ... وأنت البحر من ذهب يسيل
وقال بشّار: [بسيط]
أثني عليك ولي حال تكذّبني ... فيما أقول فأستحيي من الناس
قد قلت إنّ أبا حفص لأكرم من ... يمشي فخاصمني في ذاك إفلاسي
وكتب بعض الكتّاب إلى وزير: لست تشبه حالنا في الحرمة، ولا نشبه حالك في الجاه والقدرة، ولا ظاهر ما نحن عليه الباطن. وليس بعد حرمتي حرمة، ولا فوق سببي سبب، ولا بعد حالك حال يرتجى، ولا بعد منزلتك منزلة تتمنّى، ولا تنتظر شيئا ولا أنتظره؛ ولا أتوقّع حقّا أزيده في حقوقي، ولا تتوقّع فائدة تزيدها في ذات يدك. وكم تحتال بالألفاظ، وتموّه «3» بالمعاني، والناس يحتجّون بالعمل ويقضون بالعيان.
وقال بعض الشعراء: [طويل]
وزهّدني في كلّ خير صنعته ... إلى الناس ما جرّبت من قلّة الشكر
وقال أبو الهول في أبي المراء عتبة بن عاصم: [طويل]
(3/182)

إذا فاخرتنا من معدّ عصابة ... فخرنا عليها بابن عتبة عاصم «1»
يجرّ رياط الحمد في دار قومه ... ويختال في عرض من الذمّ سالم «2»
وقال رجل لبعض السلطان: مثلك اوجب حقّا لا يجب عليه، وسمح بحقّ يجب له، وقبل واضح العذر، واستكثر قليل الشكر. لا زالت أياديك فوق شكر أوليائك، ونعمة الله عليك فوق آمالهم فيك.
وكتب آخر:
ما أنتهي إلى غاية من شكرك، إلا وجدت وراءها غاية من معروفك يحسروني «3» بلوغها. وما عجز الناس عنه فالله من ورائه. فلا زالت أيامك ممدودة بين أمل لك تبلغه، وأمل فيك تحقّقه، حتى تتملّى من الأعمار أطولها، وتنال من الهبات أفضلها.
ونحو هذا قول آخر:
كان لي فيك أملان: أحدهما لك، والآخر بك. فأمّا الأمل لك فقد بلغته، وأمّا الأمل بك فأرجو أن يحقّقه الله ويوشكه.
وفي كتاب آخر:
أيّام القدرة وإن طالت قصيرة، والمتعة بها وإن كثرت قليل، والمعروف وإن أسدي إلى من يكفره مشكور بلسان غيره.
وفي كتاب بعض الكتّاب:
وما ذكرت- أعزّك الله- من ذلك قديما ولا جدّدت منه حديثا، إلّا
(3/183)

وأصغر أملي فيك فوقه وإن كان استحقاقي دونه. فإن أقض واجب حقّ الله علىّ في شكر نعمك فبتوفقه وعونه، وإن أقصّر عن كنهه فعن غير تقصير في بلوغ الجهد فيه.
وفي هذا الكتاب:
أمّا ما بذل الأمير من ماله، فذلك ما قد سبق الرجاء بل اليقين إليه، معرفة منّي بطوله وكرمه، وليس ينكر أياديه ولا بدع صنائعه. وما يرشدني أملي بعد الله إلّا إليه، ولا أفزع «1» لحادثة إلى غيره، ولا أتضاءل لنائبة معه. ولو عجزت عن النّهضة لما حاولت الإستقلال والانتعاش إلّا به. ومال الأمير الكثير المذخور عند انقطاع الحيل، لا معنّف طالبه، ولا مخوّف على الردّ عنه واهبه، ولا عائق منع دونه، ولا تنغيص من ورائه؛ ولا كنز أولى بالصون وأن يجعل وقفا على النوائب والعواقب من كنز من هذه حاله.
قالت بنو تميم لسلامة بن جندل «2» : مجّدنا بشعرك؛ فقال: افعلوا حتّى أثني. ونحوه قول عمرو بن معد يكرب «3» : [طويل]
فلو أنّ قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكنّ الرّماح أجرّت «4»
قال رجل من قريش لأشعب: والله ما شكرت معروفي عندك؛ فقال: إنّ معروفك كان من غير محتسب، فوقع عند غير شاكر.
(3/184)

وقال أبو نواس: [كامل]
أنت امرؤ أوليتني نعما ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا «1»
فإليك بعد اليوم تقدمة ... والتك بالتصريح منكشفا «2»
لا تحدثنّ إليّ عارفة ... حتّى أقوم بشكر ما سلفا «3»
وقال أبو نخيلة «4» : [طويل]
شكرتك إنّ الشكر حبل من التّقى ... وما كلّ من أقرضته نعمة يقضى
فأحييت من ذكري وما كان ميّتا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض
آخر: [طويل]
لأشكرنّك معروفا هممت به ... إنّ اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف
وقال رجل لسعيد بن جبير: المجوسيّ يوليني خيرا فأشكره، ويسلّم عليّ فأردّ عليه؛ فقال سعيد: سألت ابن عبّاس عن نحو هذا، فقال لي: لو قال لي فرعون خيرا لرددت عليه مثله.
أنشد ابن الأعرابيّ: [رمل]
أهلكتني بفلان ثقتي ... وظنون بفلان حسنه
ليس يستوجب شكرا رجل ... نلت خيرا منه من بعد سنه
(3/185)

وقال بعضهم: لا تثق بشكر من تعطيه حتى تمنعه؛ فإنّ الصابر هو الشاكر، والجازع هو الكافر «1» .
وقال أوس بن حجر «2» : [طويل]
سأجزيك أو يجزيك عنّي مثوّب ... وقصدك أن يثنى عليك وتحمدي
والعرب تقول: فلان أشكر من البروق وهو نبت ضعيف ينبت بالسحاب إذا نشأ وبأدنى مطر.
وقال الشاعر: [طويل]
لئن طبت نفسا عن ثنائي فإنّني ... لأطيب نفسا عن نذاك على عسري
فلست إلى جدواك أعظم حاجة ... على شدّة الإعسار منك إلى شكري «3»
وقال آخر: [كامل]
حسب امرىء إن فاتني غرض ... من برّه أن فاته شكري
إنّي إذا ضاق امرؤ بجدا ... عنّي اتّسعت عليه بالعذر «4»
وقال الطائيّ لإسحاق بن إبراهيم: [كامل]
ومحجّب حاولته فوجدته ... نجما عن الركب العفاة شسوعا «5»
أعدمته لمّا عدمت نواله ... شكري فرحنا معدمين جميعا
(3/186)

وقال: [طويل]
فإن يك أربى عفو شكري على ندى ... أناس فقد أربى نداه على جهدي «1»
وقال:
وكيف يجور عن قصد لساني ... وقلبي رائح برضاك غادي
وممّا كانت العلماء قالت ... لسان المرء من خدم الفؤاد
وقال:
أبا سعيد وما وصفي بمتّهم ... على الثّناء وما شكري بمخترم «2»
لئن جحدتك ما أوليت من نعم ... إنّي لفي الشّكر أحظى منك في النّعم»
أنسى ابتسامك والألوان كاسفة ... تبسّم الصّبح في داج من الظّلم «4»
رددت رونق وجهي في صفيحته ... ردّ الصّقال بهاء الصّارم الخذم «5»
وما أبالي، وخير القول أصدقه، ... حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي
وقال: [وافر]
فلا تكدر حياضك لي فأني ... أمتّ إليك آمالا طوالا «6»
وفرجاهي عليّ فإنّ جاهي ... إذا ما غبّ يوم كان مالا «7»
وقال: [بسيط]
يا منّة لك لولا أخفّفها ... به من الشكر لم تحمل ولم تطق
(3/187)

بالله أدفع عنّي ثقل فادحها ... فإنني خائف منه على عنقي «1»
وقال بشار في عمر بن العلاء: [متقارب]
دعاني إلى عمر جوده ... وقول العشيرة بحر خضمّ
ولولا الذي زعموا لم أكن ... لأمدح ريحانة قبل شمّ
ويقال: الشكر ثلاث منازل: لمن فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإفضال عليه.
قال إبراهيم بن المهديّ «2» يشكر المأمون: [بسيط]
رددت ما لي ولم تمنن عليّ به ... وقبل ردّك ما لي قد حقنت دمي
فأبت منك وقد جلّلتني نعما ... هي الحياتان من موت ومن عدم
فلو بذلت دمي أبغي رضاك به ... والمال حتى أسلّ النعل من قدمي
ما كان ذاك سوى عاريّة رجعت ... إليك لو لم تعرها كنت لم تلم «3»
وقام علمك بي فاحتجّ عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متّهم
وقال آخر، وبلغني أنه الخثعميّ «4» : [خفيف]
فاذهبا بي إن لم يكن لكما عق ... ر إلى جنب قبره فاعقراني «5»
وانضحا من دمي عليه فقد كا ... ن دمي من نداه لو تعلمان «6»
(3/188)

وفد رجل على سليمان بن عبد الملك في خلافته؛ فقال له: ما أقدمك؟ قال: ما أقدمني عليك رغبة؛ قال: وكيف ذاك؟ قال: أما الرّغبة فقد وصلت إلينا وفاضت في رحالنا وتناولها الأقصى والأدنى منّا، وأما الرّهبة فقد أمنّا بعدل أمير المؤمنين علينا وحسن سيرته فينا من الظلم، فنحن وفد الشكر.
وقال الفرزدق في عمرو بن عتبة: [بسيط]
لولا ابن عتبة عمرو والرّجاء له ... ما كانت البصرة الحمقاء لي وطنا
أعطاني المال حتى قلت يودعني ... أو قلت أودع لي مالا رآه لنا
فجوده متعب شكري ومنّته ... وكلّما زدت شكرا زادني مننا
يرمي بهمّته أقصى مسافتها ... ولا يريد على معروفه ثمنا
هذا مثل قول الأعرابيّ: ما زال فلان يعطيني حتى ظننت أنه يودعني ماله. وما ضاع مال أورث المحامد.
ويقال: خمسة أشياء ضائعة: سراج يوقد في شمس، ومطر جود في سبخة «1» ، وحسناء تزفّ إلى عنّين «2» ، وطعام استجيد وقدّم إلى سكران، ومعروف صنع إلى من لا شكر له.
وكان يقال: الشكر زيادة في النّعم وأمان من الغير.
وقال أسماء بن خارجة «3» : إذا قدمت المصيبة تركت التّعزية، وإذا قدم الإخاء قبح الثناء.
بعث روح بن حاتم «4» إلى كاتب له بثلاثين ألف درهم، وكتب إليه: قد
(3/189)

بعثت بها إليك، ولا أقلّلها تكبّرا، ولا أكثّرها تمنّنا، ولا أستثيبك عليها ثناء، ولا أقطع عنك بها رجاء.
وفي كتاب للهند: لا ثناء مع كبر. وفيه: ستّة أشياء لا ثبات لها: ظلّ الغمام، وخلّة الأشرار، وعشق النساء، والمال الكثير، والسّلطان الجائر، والثناء الكاذب.
والعرب تقول: «لا تهرف قبل أن تعرف» أي لا تطنبنّ في الثّناء قبل الاختبار.
وكتب أبو نواس من الحبس إلى الفضل بن الربيع: [كامل]
ما من يد في الناس واحدة ... كيد أبو العباس مولاها
نام الثّقات على مضاجعهم ... وسرى إلى نفسي فأحياها
قد كنت خفتك ثم آمنني ... من أن أخافك خوفك الله
فعفوت عنّي عفو مقتدر ... وجبت له نقم فألغاها
والبيت المشهور في هذا قول النّجاشيّ «1» : [بسيط]
لا تحمدنّ امرأ حتى تجرّبه ... ولا تذمّنّ من لم يبله الخبر «2»
وقال آخر في الاختبار: [كامل]
إنّ الرجال إذا اختبرت طباعهم ... ألفيتهم شتّى على الأخبار
لا تعجلنّ إلى شريعة مورد ... حتى تبيّن خطّة الإصدار «3»
وقال الرّياشيّ: أنشدني أبو العالية «4» : [طويل]
(3/190)

إذا أنا لم أشكر على الخير أهله ... ولم أذمم الجبس اللئيم المذمّما «1»
ففيم عرفت الخير والشرّ باسمه ... وشقّ لي الله المسامع والفما
قال ابن التّوءم: كلّ من كان، جوده يرجع إليه؛ ولولا رجوعه إليه لما جاد عليك، ولو تهيّأ له ذلك المعنى في سواك لما قصد إليك، فليس يجب له عليك شكر. وإنما يوصف بالجود في الحقيقة ويشكر على النفع في حجّة العقل، الذي إن جاد عليك فلك جاد، ونفعك أراد، من غير أن يرجع إليه جوده بشيء من المنافع على جهة من الجهات، وهو الله وحده لا شريك له.
فإن شكرنا الناس على بعض ما جرى لنا على أيديهم، فلأمرين: أحدهما التعبّد؛ وقد أمر الله تعالى بتعظيم الوالدين وإن كانا شيطانين وتعظيم من هو أسنّ منّا وإن كنّا أفضل منه. والآخر: لأن النفس ما لا تحصّل الأمور وتميّز المعاني، فالسابق إليها حبّ من جرى لها على يديه الخير وإن كان لم يردها ولم يقصد إليها. ألا ترى أنّ عطيّة الرجل صاحبه لا تخلو أن تكون لله أو لغير الله؛ فإن كانت لله فثوابه على الله؛ وكيف يجب في حجّة العقل شكره وهو لو صادف ابن سبيل غيري لما أعطاني؛ وإما أن يكون إعطاؤه إياي للذكر؛ فإن كان كذلك فإنما جعلني سلّما إلى حاجته وسببا إلى بغيته؛ أو يكون إعطاؤه إياي طلبا للمكافأة؛ فإنما ذلك تجارة؛ أو يكون إعطاؤه لخوف يدي أو لساني أو اجترار معونتي ونصرتي، وسبيل هذا معروف؛ أو يكون إعطاؤه للرحمة والرّقة ولما يجد في فؤاده من العصر «2» والألم، فإنّما داوى بتلك العطيّة من دائه ورفّه من خناقه «3» .
(3/191)

وكان محمد بن الجهم يقول: نحو هذا قول الشاعر: [متقارب]
لعمرك ما النّاس أثنوا عليك ... ولا عظّموك ولا عظّموا
ولا شايعوك على ما بلغ ... ت من الصالحات ولا قدّموا
ولو وجدوا لهم مطعنا ... إلى أن يعيبوك ما جمجموا «1»
ولكن صبرت لما ألزموك ... وجدت بما لم يكن يلزم
وكان قراك إذا ما لقوك ... لسانا بما سرّهم ينعم «2»
وخفض الجناح ووشك النجاح ... وتصغير ما عظّم المنعم «3»
فأنت بفضلك ألجاتهم ... إلى أن يجلّوا وأن ينعموا
وقال خلف بن خليفة الأقطع «4» : [طويل]
وفي اليأس من أن تسأل الناس راحة ... تميت بها عسرا وتحيي بها يسرا
وليس يد أوليتها بغنيمة ... إذا كنت تبغي أن يعدّ شكرا
غنى النفس يكفي النفس ما سدّ فاقة ... فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
قال ابن عائشة: بلغني أنّ عبد الرحمن بن حسّان سأل بعض الولاة حاجة فلم يقضيها له، فسألها آخر فقضاها له؛ فقال: [طويل]
ذممت ولم تحمد وأدركت حاجتي ... تولّى سواكم أجرها واصطناعها
(3/192)

أبى لك كسب الحمد رأيّ مقصّر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها «1»
إذا هي حثّته على الخير مرّة ... عصاها وإن همّت بشرّ أطاعها
وقال ابن عائشة: قال رجل يوما لابن عيينة: ما شيء تحدثونه يا أبا محمد؟ قال: ما هو؟ قال: يقولون إن الله تعالى يقول: أيّما عبد كانت له إليّ حاجة فشغله الثناء عليّ عن سؤال حاجته، أعطيته فوق أمنيّته؛ فقال له: يابن أخي، وما تنكر من هذا! أما سمعت قول أميّة بن أبي الصّلت في عبد الله بن جدعان: [وافر]
إذا أثنى عليه المرء يوما ... كافه من تعرّضه الثناء
فكيف بأكرم الأكرمين!.
وكان يقال: في طلب الرجل الحاجة إلى أخيه فتنة: إن هو أعطاه حمد غير الذي أعطاه، وإن منعه ذمّ غير الذي منعه.
حدّثنا الرّياشيّ قال: أنشدنا كيسان لدكين الراجز «2» : [طويل]
إذا المرء لم يدنس من اللّؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل «3»
إذا المرء لم يصرع عن اللؤم نفسه ... فليس إلى حسن الثناء سبيل «4»
وكان يقال: أوّل منازل الحمد السلامة من الذمّ.
(3/193)

قال عروة بن أذينة اللّيثيّ «1» : [منسرح]
لا تتركن، إن صنيعة سلفت ... منك وإن كنت لا تصغّرها
إلى امرىء، إن تقول إن ذكرت ... عندك في الجدّ لست أذكرها
فإنّ إحياءها إماتتها ... وإنّ منّا بها يكدّرها
وإن تولّى امرؤ بشكر يد ... فالله يجزي بها ويشكرها
ويقال: أحيوا المعروف بإماتته.
أبو سفيان الحميريّ قال: كان مسعدة الكاتب أبو عمرو بن مسعدة مولى لخالد القسريّ، وكان في ديوان الرسائل بواسط، وكان موجزا في كتبه، فكتب إلى صديق له: أما بعد، فإنه لن يعدمك من معروفك عندنا أمران: أجر من الله وشكر منّا. وخير مواضع المعروف ما جمع الأجر والشكر. والسلام.
وكتب بعض الكتّاب إلى بعض العمّال: وما أتأمّل في وقت من الأوقات ولا يوم من الأيّام آثار أياديك لديّ، ومواقع معروفك عندي، إلّا نبّهني التأمّل على ما يحسر «2» الشكر ويثقل الظهر، لأنك أنعشت من عثرة، وأنهضت من سقطة، وتلافيت نعمة كانت على شفا زوال ودروس»
، وتلقّيت ما ألقيت عليك من الكلّ بوجه طليق وباع رحيب. والسلام.
الترغيب في قضاء الحاجة واصطناع المعروف
حدّثني محمد بن عبيد قال حدّثنا داود بن المحبّر عن محمد بن الحسن الهمداني عن أبي حمزة عن عليّ بن الحسين عن أبيه عن جدّه عليّ بن أبي
(3/194)

طالب رضوان الله عليه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من ترك معونة أخيه المسلم والسّعي معه في حاجته قضيت أو لم تقض كلّف أن يسعى في حاجة من لا يؤجر في حاجته. ومن ترك الحجّ لحاجة عرضت له لم تقض حاجته حتى يرى رءوس المحلّقين» .
حدّثني محمد بن عبيد قال حدّثنا ابن عيينة عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبيه عن جدّه عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اشفعوا «1» إليّ ويقضي الله على لسان نبيّكم ما شاء» .
بلغني عن جعفر بن أبي جعفر المازنيّ عن ابن أبي السّريّ عن إبراهيم بن أدهم عن منصور بن المعتمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن أحببت أن يحبّك الله فازهد في الدنيا وإن أحببت أن يحبّك الناس فلا يقع في يدك من حطامها شيء إلا نبذته إليهم» «2» .
حدّثني محمد بن داود عن محمد بن جابر قال: قال ابن عيينة: ليس أقول لكم إلّا ما سمعت: قيل لابن المنكدر: أيّ الأعمال أفضل؟ قال:
إدخال السرور على المؤمن. وقيل: أيّ الدنيا أحبّ إليك؟ قال: الإفضال على الإخوان.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا زرير العطارديّ قال: صلّى بنا أبو رجاء العطارديّ العتمة ثم أوى إلى فراشه، فأتته امرأة فقالت: أبا
(3/195)

رجاء، إنّ لطارق الليل حقّا، وإنّ بني فلان خرجوا إلى سفوان «1» وتركوا كتبهم وشيئا من متاعهم؛ فانتعل أبو رجاء وأخذ الكتب وأدّاها وصلّى بنا الفجر، وهو مسيرة ليلة للإبل، والناس يقولون: إنها أربعة فراسخ.
حدّثني أحمد بن الخليل عن محمد بن سعيد قال حدّثنا ابن المبارك عن حميد عن الحسن قال: لأن أقضي حاجة لأخ أحبّ إليّ من أن أعتكف سنة.
قال ابن عائشة: كان عمرو بن معاوية العقيليّ يقول: اللهم بلّغني عثرات الكرام.
قال المأمون لمحمد بن عبّاد المهلّبيّ: أنت متلاف؛ فقال: يا أمير المؤمنين، منع الموجود سوء ظنّ بالله، يقول الله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
«2» .
وكان ابن عبّاس يقول: صاحب المعروف لا يقع، فإن وقع وجد متّكأ.
هذا نحو قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «المعروف يقي مصارع السّوء» .
وكان ابن عبّاس يقول أيضا: ما رأيت رجلا أوليته معروفا إلّا أضاء ما بيني وبينه، ولا رأيت رجلا أوليته سوءا إلّا أظلم ما بيني وبينه.
قال جعفر بن محمد: إنّ الحاجة تعرض للرجل قبلي فأبادر بقضائها مخافة أن يستغني عنها أو تأتيه وقد استبطأها فلا يكون لها عنده موقع.
وقال الشاعر: [طويل]
وبادر بسلطان إذا كنت قادرا ... زوال اقتدار أو غنى عنك يعقب «3»
(3/196)

وقال آخر في مثله: [متقارب]
بدا حين أثرى بإخوانه ... ففكّك عنهم شباة العدم «1»
وذكّره الحزم غبّ الأمور ... فبادر قبل انتقال النّعم «2»
وقرأت في كتاب للهند: من صنع المعروف لعاجل الجزاء، فهو كملقي الحبّ ليصيد به الطير لا لينفعه.
قال ابن عباس: ثلاثة لا أكافئهم: رجل بدأني بالسلام، ورجل وسّع لي في المجلس، ورجل اغبرّت قدماه في المشي إليّ إرادة التسليم عليّ؛ فأما الرابع فلا يكافئه عنّي إلا الله جلّ وعزّ؛ قيل: ومن هو؟ قال: رجل نزل به أمر فبات ليلته يفكّر بمن ينزله، ثم رآني أهلا لحاجته فأنزلها بي.
وقال سلّم بن قتيبة: ربّ المعروف أشدّ من ابتدائه «3» .
ويقال: الابتداء بالمعروف نافلة، وربّه فريضة.
قيل لبزرجمهر: هل يستطيع أحد أن يفعل المعروف من غير أن يرزأ «4» شيئا؟ قال: نعم، من أحببت له الخير وبذلت له الودّ، فقد أصاب نصيبا من معروفك.
قال جعفر بن محمد: ما توسّل إليّ أحد بوسيلة هي أقرب به إلى ما يحبّ من يد سلفت منّي إليه، أتبعتها أختها لأحسن ربّها وحفظها؛ لأن منع الأواخر يقطع شكر الأوائل.
(3/197)

قال رجل من مجلس خالد بن عبد الله القسريّ؛ فقال خالد: إني لأبغض هذا الرجل وما له إليّ ذنب، فقال رجل من القوم: أوله أيّها الأمير معروفا ففعل، فما لبث أن خفّ على قلبه وصار أحد جلسائه.
قال ابن عباس: لا يتمّ المعروف إلا بثلاث: تعجيله وتصغيره وستره، فإنه إذا عجّله هنّأه، وإذا صغّره عظّمه وإذا ستره تمّمه.
وقال الخريميّ في نحو هذا: [رمل]
زاد معروفك عندي عظما ... أنّه عندك محقور صغير
تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور كبير
وقال الطائيّ: [كامل]
جود مشيت به الضّراء تواضعا ... وعظمت عن ذكراه وهو عظيم «1»
أخفيته فخفيته وطويته ... فنشرته والشخص منه عميم «2»
وكان يقال: ستر رجل ما أولى، ونشر رجل ما أولي.
وقال رجل لبنيه: إذا اتخذتم عند رجل يدا فانسوها. وقالوا: المنّة تهدم الصنيعة. قال الشاعر: [بسيط]
أفسدت بالمنّ ما أسديت من حسن ... ليس الكريم إذا أسدى بمنّان
قال رجل لابن شبرمة (3) : فعلت بفلان كذا وفعلت به كذا؛ فقال: لا خير في المعروف إذا أحصي.
وفي بعض الحديث: كلّ معروف صدقة وما أنفق الرجل على أهله ونفسه وولده صدقة وما وقى «3» المرء به عرضه فهو صدقة وكلّ نفقة «4» أنفقها فعلى
(3/198)

الله خلفها مثلها إلا في معصية أو بنيان. وفي الحديث المرفوع «فضل جاهك تعود به على أخيك صدقة منك عليه ولسانك تعبّر به عن أخيك صدقة منك عليه وإماطتك «1» الأذى عن الطريق صدقة منك على أهله.
وكان يقال: بذل الجاه زكاة الشرف.
وقال بعض الشعراء: [طويل]
وليس فتى الفتيان من راح واغتدى ... لشرب صبوح أو لشرب غبوق «2»
ولكن فتى الفتيان من راح واغتدى ... لضرّ عدوّ أو لنفع صديق
قال ابن عباس: لا يزهّدنّك في المعروف كفر من كفره، فإنه يشكرك عليه من لم تصطنعه إليه.
وقال حمّاد عجرد: [بسيط]
إنّ الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيّا وهو مجهود «3»
إذا تكرّمت أن تعطي القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
أورق بخير ترجي للنوال فما ... ترجى الثّمار إذا لم يورق العود «4»
بثّ النوال ولا تمنعك قلته ... فكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود «5»
والعرب تقول: من حقر حرم.
حدّثني عبد الرحمن عن عمه قال: قال سلّم بن قتيبة «6» : أحدهم يحقر
(3/199)

الشيء فيأتي ما هو شرّ منه، يعني المنع.
وقال الشاعر: [بسيط]
وما أبالي إذا ضيف تضيّفني ... ما كان عندي إذا أعطيت مجهودي
جهد المقلّ إذا أعطاك مصطبرا ... ومكثر من غنى سيّان في الجود
وفي الحديث المرفوع «أفضل الصّدقة جهد المقلّ» .
وقال البريق الهذليّ «1» : [متقارب]
أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه
وكان خالد بن عبد الله يقول على المنبر: أيها الناس عليكم بالمعروف، فإنّ فاعل المعروف لا يعدم جوازيه «2» ، وما ضعف الناس عن أدائه قوي الله على جوازيه، والبيت المشهور في هذا قول الحطيئة: [بسيط]
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس «3»
ويقال: إنه في بعض كتب الله عزّ وجلّ.
قال وهب بن منبّه: إن أحسن الناس عيشا من حسن عيش الناس في عيشه، وإنّ من ألّذ اللّذّة الإفضال على الإخوان وفي الحديث المرفوع «إنّما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو أعطيت فأمضيت «4» وما سوى ذلك فهو ملك الوارث» .
وقال بشار: [رمل]
أنفق المال ولا تشق به ... خير ديناريك دينار نفق «5»
(3/200)

قال بزرجمهر: إذا أقبلت عليك الدنيا فأنفق فإنها لا تفنى وإذا أدبرت عنك فأنفق فإنها لا تبقى. أخذه بعض المحدثين فقال:
فأنفق إذا أنفقت إن كنت موسرا ... وأنفق على ما خيّلت حين تعسر «1»
فلا الجود يفني المال والجدّ مقبل ... ولا البخل يبقي المال والجدّ مدبر
وفي كتاب كليلة: لا يعدّ عائشا من لا يشارك في غناه.
مرّ الحسن برجل يقلّب درهما؛ فقال له: أتحبّ درهمك هذا؟ قال:
نعم، قال: أما إنه ليس لك حتى يخرج من يدك.
قال الربيع بن خيثم لأخ له: كن وصيّ نفسك ولا تجعل أوصياءك الرجال.
وقال بعض الشعراء: [متقارب]
سأحبس مالي على حاجتي ... وأوثر نفسي على الوارث
أعاذل عاجل ما أشتهي ... أحبّ من المبطيء الرّائث «2»
قال عبيد الله بن عكراش: زمن خؤون «3» ، ووارث شفون «4» ؛ فلا تأمن الخؤون وكن وارث الشّفون.
وقال أبو ذرّ: لك في مالك شريكان إذا جاءا أخذا ولم يؤامراك:
الحدثان «5» والقدر، كلاهما يمرّ على الغثّ والسمين، والورثة ينتظرون متى
(3/201)

تموت فيأخذون ما تحت يديك وأنت لم تقدّم لنفسك؛ فإن استطعت ألّا تكون أخسّ الثلاثة نصيبا فافعل.
وقال سعيد بن العاص في خطبة له: من رزقه الله رزقا حسنا فليكن أسعد الناس به فإنه إنما يترك لأحد رجلين: إمّا مصلح فلا يقلّ عليه شيء، وإمّا مفسد فلا يبقي له شيء. فقال معاوية: جمع أبو عثمان طرفي الكلام.
وقال حطائط بن يعفر: [طويل]
ذريني أكن للمال ربّا ولا يكن ... لي المال ربّا تحمدي غبّه غدا «1»
أريني جوادا مات هزلا لعلّتي ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلّدا
وقلت ولم أعي الجواب تبيّني ... أكان الهزال حتف زيد وأربدا «2»
قال أعرابيّ: الدراهم ميسم تسم حمدا أو ذمّا؛ فمن حبسها كان لها، ومن أنفقها كانت له، وما كلّ من أعطي مالا أعطي حمدا، ولا كلّ عديم ذميم.
وقال بعض المحدثين: [رمل]
أنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك
حدّثني يزيد بن عمرو عن يزيد بن مروان قال: حدّثنا النعمان بن هلال عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تنزل المعونة على قدر الموونة» .
قال معاوية لوردان مولى عمرو بن العاص: ما بقي من الدنيا تلذّه؟
قال: العريض الطويل؛ قال: وما هو؟ قال: الحديث الحسن أو ألقى أخا قد
(3/202)

نكبه الدهر فأجبره»
؛ قال: نحن أحقّ بهما منك؛ قال: إن أحقّ بهما منك من سبقك إليهما.
وقال اعرابيّ: [طويل]
وما هذه الأيام إلّا معارة ... فما استطعت من معروفها فتزوّد «2»
فإنك لا تدري بأيّة بلدة ... تموت ولا ما يحدث الله في غد
يقولون لا تبعد، ومن يك بعده ... ذراعين من قرب الأحبّة يبعد
وقال آخر: [سريع]
إن كنت لا تبذل أو تسأل ... أفسدت ما تعطي بما تفعل
قال بعضهم: مضى لنا سلف أهل تواصل، اعتقدوا مننا، واتّخذوا أيادي ذخيرة لمن بعدهم: كانوا يرون اصطناع المعروف عليهم فرضا، وإظهار البرّ حقّا واجبا، ثم حال الزمان بنشء اتخذوا مننهم صناعة، وبرّهم مرابحة، وأياديهم تجارة واصطناع المعروف مقارضة كنقد السّوق خذ منّي وهات.
قال العتبيّ: وقع ميراث بين ناس من آل أبي سفيان وبني مروان، فتشاحّوا «3» فيه، فلما انصرفوا أقبل عمرو بن عتبة على ولده، فقال لهم: إن لقريش درجا تزلق «4» عنها أقدام الرجال، وأفعالا تخشع لها رقاب الأموال، وألسنا تكل معها الشّفار «5» المشحوذة، وغايات تقصر عنها الجياد المنسوبة؛
(3/203)

ولو كانت الدنيا لهم ضاقت عن سعة أحلامهم، ولو احتفلت ما تزيّنت إلا بهم. ثم إنّ ناسا منهم تخلّقوا بأخلاق العوامّ، فصار لهم رفق باللؤم وخرق «1» في الحرص، لو أمكنهم قاسموا الطير أرزاقها، إن خافوا مكروها تعجّلوا له الفقر، وإن عجّلت لهم نعمة أخّروا عليها الشكر، أولئك أنضاء «2» فكر الفقر وعجزة حملة الشكر.
قال بعض الحجازيّين: [متقارب]
فلو كنت تطلب شأو الكرام ... فعلت كفعل أبي البختري «3»
تتّبع إخوانه في البلاد ... فأغنى المقلّ عن المكبثر
القناعة والاستعفاف
حدّثني شيخ لنا عن وكيع عن ابن أبي ذئب عن محمد بن قيس عن عبد الرحمن ابن يزيد عن ثوبان «4» قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من يتقبّل لي بواحدة وأتقبّل له بالجنة فقال ثوبان: أنا يا رسول الله، قال: لا تسأل الناس شيئا فكان ثوبان إذا سقط سوطه من يده نزل فأخذه ولم يسأل أحدا أن يناوله إياه.
وحدّثني أيضا عن عبد الرحمن المحاربيّ عن الأعمش عن مجاهد قال:
قال عمر رضي الله عنه: ليس من عبد إلا وبينه وبين رزقه حجاب، فإن اقتصد أتاه رزقه وإن اقتحم هتك الحجاب ولم يزد في رزقه.
(3/204)

وحدّثني أيضا عن وكيع عن سفيان عن أسامة بن زيد عن أبي معن الإسكندرانيّ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الصّفا الزّلّال «1» الذي لا تثبت عليه أقدام العلماء الطمع» . وقال عليه السلام: «إن روح القدس نفث في روعي «2» أنّ نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا «3» في الطلب» .
قال ابن حازم: [بسيط]
للنّاس مال ولي مالان ما لهما ... إذا تحارس أهل المال أحراس
ما لي الرضا بالذي أصبحت أملكه ... وما لي اليأس ممّا يملك الناس
أخذ هذا من قول أبي حازم المدنيّ، وقال له بعض الملوك: ما مالك؟
قال: الرضا عن الله، والغنى عن الناس.
وقال بشّار بن بشر «4» : [طويل]
وإنّي لعفّ عن فكاهة جارتي ... وإني لمشنوء إليّ اغتيابها «5»
إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها ... زءورا ولم تأنس إليّ كلابها «6»
ولم أك طلّابا أحاديث سرّها ... ولا عالما من أيّ حوك ثيابها
وإنّ قراب البطن يكفيك ملؤه ... ويكفيك سوءآت الأمور اجتنابها
إذا سدّ باب عنك من دون حاجة ... فذرها لأخرى ليّن لك بابها
وقال ابن أبي حازم: [مخلع البسيط]
(3/205)

أوجع من وخزة السّنان ... لذي الحجا وخزة اللسان «1»
فاسترزق الله واستعنه ... فإنه خير مستعان
وإن نبا منزل بحرّ ... فمن مكان إلى مكان «2»
لا يثبت الحرّ في مكان ... ينسب فيه إلى الهوان
الحرّ حرّ وإن تعدّت ... عليه يوما يد الزّمان
حدّثني محمد بن داود عن جابر بن عثمان الحنفيّ عن يوسف بن عطية قال حدّثني المعلّى بن زياد القردوسي: أن عامر بن عبد قيس العنبريّ كان يقول: أربع آيات من كتاب الله إذا قرأتهنّ مساء لم أبال على ما أمسي، وإذا تلوتهنّ صباحا لم أبال على ما أصبح: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ
«3» . وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
«4» . وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
«5» . سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً
«6» .
حدّثني عبد الرحمن عن بشر بن مصلح قال قال إبراهيم بن أدهم «7» : لا تجعل بينك وبين الله منعما عليك، وعدّ النّعم منه عليك مغرما «8» .
حدّثني الرّياشيّ عن الأصمعيّ قال: أبرع بيت قالته العرب بيت أبى
(3/206)

ذؤيب الهذليّ «1» : [كامل]
والنّفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع
قال أبو حاتم عن الأصمعيّ قال حدّثنا أبو عمرو الصّفّار عن الحجاج بن الأسود قال: احتاجت عجوز من العجز القدم، قال: فجزعت إلى المسألة، ولو صبرت لكان خيرا لها. ولقد بلغني أن الإنسان يسأل فيمنع، ويسأل فيمنع، والصّبر منتبذ ناحية يقول: لو صرت إليّ لكفيتك.
وكان يقال: أنت أخو العزّ ما التحفت القناعة، ويقال: اليأس حرّ والرّجاء عبد.
وقال بعض المفسّرين في قول الله عزّ وجلّ: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
«2» قال: بالقناعة.
وقال سعد بن أبي وقّاص لابنه عمر: يا بنيّ إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، فإن لم تكن لك قناعة فليس يغنيك مال.
وقال عروة بن أذينة «3» : [بسيط] لقد علمت- وما الإسراف في طمع-* أنّ الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعنّيني تطلّبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنّيني «4»
وقال أبو العتاهية: [رجز]
إن كان لا يغنيك ما يكفيكا ... فكلّ ما في الأرض لا يغنيكا
(3/207)

وقال بعضهم: الغنى والفقر يجولان في طلب القناعة فإذا وجداها قطناها «1» .
حجّت أعرابية على ناقة لها، فقيل لها: أين زادك؛ قلت: ما معي إلا ما في ضرعها. وقال الشاعر: [كامل]
يا روح من حسمت قناعته ... سبب المطامع من غد وغد
من لم يكن لله متّهما ... لم يمس محتاجا إلى أحد
وقال أردشير: خير الشّيم القناعة، ونماء العقل بالتعلّم.
وقال النّمر بن تولب: [كامل]
ومتى تصبك خصاصة فارج الغنى ... وإلى الذي يهب الرّغائب فارغب
لا تغضبنّ على امرىء في ماله ... وعلى كرائم صلب مالك فاغضب «2»
وقال أبو الأسود: [طويل]
ولا تطمعن في مال جار لقربه ... فكلّ قريب لا ينال بعيد
وقال كعب بن زهير «3» . [بسيط]
قد يعوز الحازم المحمود نيّته ... بعد الثّراء ويثري العاجز الحمق
فلا تخافي علينا الفقر وانتظري ... فضل الذي بالغنى من فضله نثق
وشكا رجل إلى قوم ضيقا فقال له بعضهم: شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك.
(3/208)

وقال هشام بن عبد الملك لسالم بن عبد الله ودخلا الكعبة: سلني حاجتك، قال: أكره أن أسأل في بيت الله غير الله. ورأى رجلا يسأل في الموقف فقال: أفي مثل هذا الموضع تسأل غير الله عز وجلّ!.
وقال ابن المعذّل «1» : [طويل]
تكلّفني إذلال نفسي لعزّها ... وهان عليها أن أهان لتكرما
تقول سل المعروف يحيى بن أكثم ... فقلت سليه ربّ يحيى بن أكثما «2»
وقال ابن عباس: المساكين لا يعودون مريضا ولا يشهدون جنازة، وإذا سأل الناس الله سألوا الناس.
وكان الحسن يطرد السّؤّال يوم الجمعة، ولا يرى لهم جمعة.
وقال بعض الشعراء: [بسيط]
حبّ الرياسة داء لا دواء له ... وقلّ ما تجد الراضين بالقسم»
وقال محمود الورّاق: [كامل]
شاد الملوك قصورهم وتحصّنوا ... عن كلّ طالب حاجة أو راغب
غالوا بأبواب الحديد لعزّها ... وتنوّقوا في قبح وجه الحاجب «4»
وإذا تلطّف للدّخول إليهم ... راج تلقّوه بوعد كاذب
فارغب إلى ملك الملوك ولا تكن ... يا ذا الضّراعة طالبا من طالب
(3/209)

وجد على ميل «1» في طريق مكّة: [هزج]
ألا يا طالب الدّنيا ... دع الدنيا لشانيكا
إلى كم تطلب الدنيا ... وظلّ الميل يكفيكا «2»
قال مطرّف بن عبد الله لابن أخيه: إذا كانت لك إليّ حاجة فاكتب بها رقعة فإني أضنّ بوجهك عن ذلّ السؤال.
وقال أبو الأسود:
وإنّ أحقّ الناس إن كنت مادحا ... بمدحك من أعطاك والوجه وافر «3»
وكان معاوية يتمثّل بهذين البيتين: [مجزوء الكامل المرفّل]
وفتى خلا من ماله ... ومن المروءة غير خالي
أعطاك قبل سؤاله ... فكفاك مكروه السؤال
وقال آخر: [طويل]
أبا مالك لا تسأل الناس والتمس ... بكفّيك سيب الله فالله أوسع «4»
فلو تسأل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قلت هاتوا أن يميلوا فيمنعوا
والمشهور في هذا قول عبيد «5» : [مخلع البسيط]
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
قال سليمان لأبي حازم: سل حوائجك؛ فقال: قد رفعتها إلى من لا
(3/210)

تخذل الحوائج دونه.
قال بعض المفسّرين في قول الله عزّ وجلّ: وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
«1» أي المخلوق يرزق فإذا سخط قطع رزقه، والله عزّ وجل يسخط ولا يقطع.
وقال الشاعر: [بسيط]
لا تضرعنّ لمخلوق على طمع ... فإنّ ذلك وهن منك بالدّين «2»
واسترزق الله رزقا من خزائنه ... فإنّما هو بين الكاف والنون «3»
وقال الخليل بن أحمد «4» : [بسيط]
أبلغ سليمان أنّي عنه في سعة ... وفي غنى غير أنى لست ذا مال «5»
شحّا بنفسي، إنّي لا أرى أحدا ... يموت هزلا ولا يبقى على حال «6»
فالرزق عن قدر لا الضّعف يمنعه ... ولا يزيدك فيه حول محتال «7»
وقال المعلوط: [طويل]
متى ما ير الناس الغنيّ وجاره ... فقير يقولوا عاجز وجليد «8»
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن حظوظ قسّمت وجدود «9»
وقال آخر: [طويل]
(3/211)

يخيب الفتى من حيث يرزق غيره ... ويعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه
وقال أبو الأسود «1» : [منسرح]
ليتك آذنتني بواحدة ... تجعلها منك سائر الأبد
تحلف ألّا تبرّني أبدا ... فإنّ فيها بردا على كبدي
إن كان رزقي إليك فارم به ... في ناظري حيّة على رصد «2»
وقال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: حرفة يقال فيها خير من مسألة الناس.
وقال سعيد بن العاص: موطنان لا أستحيي من العيّ «3» فيهما: عند مخاطبتي جاهلا، وعند مسألتي حاجة لنفسي.
حدّثني محمد بن عبيد عن أبي عبد الله عن محمد بن عبد الله بن واصل قال: جاء رجل إلى شريح يستقرض دراهم؛ فقال له شريح: حاجتك عندنا فأت منزلك فإنّها ستأتيك، إنّي لأكره أن يلحقك ذلّها.
حدّثني الرّياشيّ عن الأصمعيّ عن حكيم بن قيس بن عاصم عن أبيه أنه أوصى بنيه عند موته فقال: إيّاكم والمسألة، فإنها آخر كسب الرجل.
وقال بعض المحدثين: [طويل]
عوّدت نفسي الضّيق حتى ألفته ... وأحرجني حسن العزاء إلى الصّبر
ووسّع قلبي للأذى الأنس بالأذى ... وقد كنت أحيانا يضيق به صدري
وصيّرني يأسي من الناس راجيا ... لسرعة لطف الله من حيث لا أدري
(3/212)

وقال آخر: [مجزوء الرجز]
حسبي بعلمي لو نفع ... ما الذّلّ إلّا في الطّمع
من راقب الله نزع ... عن قبح ما كان صنع «1»
ما طار شيء فارتفع ... إلّا كما طار وقع
الحرص والإلحاح
لما قتل كسرى بزرجمهر وجد في منطقته كتابا: إذا كان القدر حقّا فالحرص باطل، وإذا كان الغدر في الناس طباعا فالثّقة بكلّ أحد عجز، وإذا كان الموت لكل أحد راصدا فالطمأنينة إلى الدنيا حمق.
وقال بعض الشعراء: [كامل]
من عفّ خفّ على الصّديق لقاؤه ... وأخو الحوائج وجهه مملول
وفي كتاب للهند: لا يكثر الرجل على أخيه الحوائج؛ فإنّ العجل إذا أفرط في مصّ أمه نطحته ونحّته.
وقال عديّ بن زيد: [سريع]
قد يدرك المبطىء من حظّه ... والرزق قد يسبق جهد الحريص
وقال ابن المقفّع: الحرص محرمة، والجبن مقتلة، فانظر فيما رأيت وسمعت أمن قتل في الحرب مقبلا أكثر أم من قتل مدبرا، وانظر من يطلب إليك بالإجمال والتكرم أحقّ أن تسخو نفسك له بالعطيّة أم من يطلب ذلك
(3/213)

بالشّره «1» والحرص.
وقال الشاعر: [بسيط]
كم من حريص على شيء ليدركه ... وعلّ إدراكه يدني إلى عطبه «2»
وقال آخر: [متقارب]
وربّ ملحّ على بغية ... وفيها منيّته لو شعر «3»
والعرب تقول في الرجل الملحّ في الحوائج الذي لا تنقضي له حاجة إلا سأل أخرى: [بسيط]
لا يرسل السّاق إلّا ممسكا ساقا
وأصل المثل في الحرباء، إذا اشتدّ عليه حرّ الشمس لجأ إلى شجرة ثم توقّى في أغصانها، فلا يرسل غصنا حتّى يقبض على آخر.
وقال الشاعر: [بسيط]
أنّى أتيح له حرباء تنضبة ... لا يرسل الساق إلّا ممسكا ساقا «4»
وفي كتاب كليلة: لا فقر ولا بلاء كالحرص والشّره، ولا غنى كالرّضا والقناعة، ولا عقل كالتّدبير، ولا ورع كالكفّ، ولا حسب كحسن الخلق.
قال ابن المقفع: الحرص والحسد بكرا الذنوب «5» وأصل المهالك؛ أمّا الحسد فأهلك إبليس، وأما الحرص فأخرج آدم من الجنّة.
(3/214)

وفي كتاب كليلة: خمسة حرصاء، المال أحبّ إليهم من أنفسهم:
المقاتل بالأجرة، وحفّار القنيّ «1» والأسراب، والتّاجر يركب البحر، والحاوي يلسع يده الحيّة، والمخاطر على شرب السمّ.
دخل مالك بن دينار على رجل محبوس قد أخذ بمال عليه وقيّد، فقال له: يا أبا يحيى، أما ترى ما نحن فيه من هذه القيود! فرفع مالك رأسه فرأى سلّة، فقال: لمن هذه؟ قال: لي، قال: فأمر بها أن تنزل، فأنزلت فوضعت بين يديه، فإذا دجاج وأخبصة «2» ، فقال مالك: هذه وضعت القيود في رجلك.
كان أشعب يقول: أنا أطمع وأمّي تيقن «3» فقلّ ما يفوتنا.
وقال النابغة «4» : [كامل]
واليأس عمّا فات يعقب راحة ... ولربّ مطعمة تعود ذباحا «5»
وقال أبو عليّ الضرير: [وافر]
فإنّي قد بلوتكم جميعا ... فما منكم على شكري حريص
وأرخصت الثّناء فعفتموه ... وربّتما غلا الشيء الرّخيص
فعفت نوالكم ورغبت عنه ... وشرّ الزاد ما عاف الخصيص «6»
وقال أعرابيّ: [خفيف]
أيّها الدّائب الحريص المعنّى ... لك رزق وسوف تستوفيه
(3/215)

قبح الله نائلا ترتجيه ... من يدي من تريد أن تقتضيه
إنّما الجود والسّماح لمن يع ... طيك عفوا وماء وجهك فيه «1»
لا ينال الحريص شيئا فيكفي ... هـ وإن كان فوق ما يكفيه
فسل الله وحده ودع النا ... س وأسخطهم بما يرضيه
لا ترى معطيا لما منع الل ... هـ ولا مانعا لما يعطيه
وجد بالأصل بآخر هذا الجزء ما يأتي:
آخر كتاب الحوائج، وهو الكتاب الثامن من عيون الأخبار لابن قتيبة رحمة الله عليه. وكتبه الفقير إلى رحمة الله تعالى إبراهيم بن عمر بن محمد ابن عليّ الواعظ الجزريّ وذلك في شهور سنة أربع وتسعين وخمسمائة.
والحمد لله ربّ العالمين، وصلاته وسلامه على سيّدنا محمد النبيّ وآله أجمعين. ويتلوه الكتاب التاسع وهو كتاب الطعام، والله الموفّق للصّواب.
وفيه كذلك- وهو من زيادات النسّاخ-:
في الاستعفاف: [سريع]
عليك باليأس من الناس ... إنّ غنى نفسك في اليأس
كم صاحب قد كان لي وامقا ... إذ كان في حالة إفلاس»
أقول لو قد نال هذا الغنى ... صيّرني منه على الرّاس
حتى إذا ما صار فيما اشتهي ... وعدّه النّاس من النّاس
قطّع بالصدّ حبال الصّفا ... منّي ولمّا يرض بالقاسي «3»
وقال آخر وقد أحسن «4» : [مجزوء الرّمل]
(3/216)

إنّ للمعروف أهلا ... وقليل فاعلوه
أهنأ المعروف ما لم ... تبتذل فيه الوجوه
أنت ما استغنيت عن صا ... حبك الدّهر أخوه
فإذا احتجت إليه ... ساعة مجّك فوه
إنما يعرف الفض ... ل من الناس ذووه
لو رأى الناس نبيّا ... سائلا ما وصلوه
وكتب أبو العيناء «1» إلى أبي القاسم بن عبيد الله بن سليمان رقعة يقول فيها: أنا- أعزّك الله- وولدي وعيالي زرع من زرعك، إن سقيته راع «2» وزكا، وإن جفوته ذبل وذوى. وقد مسّني منك جفاء بعد برّ وإغفال بعد تعهّد، فشمت عدوّ، وتكلّم حاسد، ولعبت بي ظنون؛ وانتزاع العادة شديد. ثم كتب في آخرها: [رمل]
لا تهنّي بعد إكرامك لي ... فشديد عادة منتزعه
وقال آخر: [بسيط]
ما لي معاش سوى ضدّ المعاش فلا ... أغدو إلى عمل إلّا بلا أمل
وليس لي شغل يجدي عليّ إذا ... فكرت فيه وما أنفكّ من شغل
كلّ امرىء رائح غاد إلى عمل ... وما أروح ولا أغدو إلى عمل
ولست في الناس موجودا كبعضهم ... وإنّما أنا بعض الناس في المثل
وقال آخر: [سريع]
المرء بعد الموت أحدوثة ... يفنى وتبقى منه آثاره
(3/217)

يطويه من أيّامه ما طوى ... لكنّه تنشر أسراره
وأحسن الحالات حال امرىء ... تطيب بعد الموت أخباره
يفنى ويبقى ذكره بعده ... إذا خلت من شخصه داره
وقال حبيب الطائي: [بسيط]
وما ابن آدم إلّا ذكر صالحة ... أو ذكر سيّئة يسري بها الكلم
أما سمعت بدهر باد أمّته ... جاءت بأخبارها من بعدها أمم
في البخل: [متقارب]
طرقت أناسا على غرّة ... فذقت من العيش جهد البلاء «1»
فأمّا القديد وأشباهه ... فذاك مفاتيحه في السماء «2»
وأما السّويق ففي عيبة ... يشمّ ويدعى له بالبقاء «3»
ومن حاول الخبز قالوا له ... أتذكر شيئا خبي للدّواء «4»
(3/218)

كتاب الطعام
صنوف الأطعمة
قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدّينوريّ رحمة الله عليه: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للأحنف: أيّ الطعام أحبّ إليك؟ قال: الزّبد والكماة «1» ؛ فقال عمر: ما هما بأحبّ الأطعمة إليه، ولكنه يحبّ الخصب للمسلمين.
قال الأصمعيّ: قال رجل في مجلس الأحنف: ليس شيء أبغض إليّ من التمر والزّبد: فقال الأحنف: ربّ ملوم لا ذنب له.
عن أبي عمرو بن العلاء قال: قال الحجّاج لجلسائه: ليكتب كلّ رجل في رقعة أحبّ الطعام إليه ويجعلها تحت مصلّاى؛ فإذا في الرّقاع كلّها الزّبد والتمر.
عن الأصمعيّ قال قال مدنيّ: الكبادات «2» أربع: العصيدة «3» والهريسة والحيسة «4» والسّميذة «5» .
(3/219)

عن الأصمعيّ عن حزم قال: قال مالك بن حقبة لحسّان بن الفريعة: ما تزوّدت إلينا؟ قال: الحيس؛ قال: ثلاثة أسقية في وعاء.
قال الأصمعيّ: قال بعض الأعراب: أشتهي ثريدة «1» دكناء من الفلفل، رقطاء «2» ، من الحمّص، ذات حفافين «3» من اللحم، لها جناحان من العراق «4» ، أضرب فيها ضرب وليّ السّوء في مال اليتيم.
وقال ابن الأعرابيّ: يقال: أطيب اللحم عوّذه، أي أطيبه ما ولي العظم، كأنه عاذ به.
عن أبي عبيدة قال: مرّ الفرزدق بيحيى بن الحصين بن المنذر الرّقاشيّ، فقال له: هل لك يا أبا فراس في جدي سمين ونبيذ زبيب جيّد؟
فقال الفرزدق: وهل يأبى هذا إلا ابن المراغة «5» ! يعني جريرا.
وقال الأحوص «6» لجرير: ما تحبّ أن يعدّلك؟ قال: شواء وطلاء «7» وغناء؛ قال: قد أعدّت لك.
وقال مدني لصديق له: والله أشتهي كشكيّة «8» ، ومدّ بها صوته فخرجت
(3/220)

منه ريح؛ فقال له: ما أسرع ما لفحتك يابن عمّ.
وعن الأصمعيّ قال: قال شيخ من أهل المدينة: أتيت فلانا فأتاني بمرقة كان فيها مسقّى «1» ، فلم أر فيها إلا كبدا طافية، فغمست يدي فوجدت مضغة «2» ، فمددتها فلامتدّت حتى كأني أزمر في ناي.
أدخل أعرابيّ على كسرى ليتعجّب من جفائه وجهله؛ فقال له: أيّ شيء أطيب لحما؟ قال: الجمل. قال: فأيّ شيء أبعد صوتا؟ قال: الجمل.
قال: فأيّ شيء أنهض بالحمل الثقيل؟ قال: الجمل. قال كسرى: كيف يكون لحم الجمل أطيب من البطّ والدّجاج والفراخ والدّرّاج «3» والجداء؟ قال:
يطبخ لحم الجمل بماء وملح، ويطبخ ما ذكرت بماء وملح حتى يعرف فضل ما بين الطعمين. قال: كيف يكون الجمل أبعد صوتا ونحن نسمع الصوت من الكركيّ «4» من كذا وكذا ميلا؟ قال الأعرابيّ: ضع الكركيّ في مكان الجمل وضع الجمل في مكان الكركيّ حتّى تعرف أيّهما أبعد صوتا. قال كسرى: كيف تزعم أنّ الجمل أحمل للحمل الثقيل والفيل يحمل كذا وكذا رطلا؟ قال: ليبرك الفيل ويبرك الجمل وليحمل على الفيل حمل الجمل، فإن نهض به فهو أحمل للأثقال.
عن جعفر بن سليمان قال: شيئان لا يزيدهما كثرة النفقة طيبا: الطّيب والقدر، ولكن تطيّبهما إصابة القدر.
وفيما أجاز لنا عمرو بن بحر الجاحظ من كتبه «5» قال: كان أبو عبد
(3/221)

الرحمن الثوريّ يعجب بالرءوس ويصفها ويسمّي الرأس عرسا لما تجمّع فيه من الألوان الطيّبة وكان يسميه مرّة الجامع ومرّة الكامل، ويقول: الرأس شيء واحد وهو ذو ألوان عجيبة وطعوم مختلفة، وكلّ قدر وكلّ شواء فإنما هو شيء واحد، والرأس فيه الدّماغ وطعمه مفرد، والعينان وطعمهما مفرد وفيه الشحمة التي بين أصل الأذن ومؤخر العين وطعمها على حدة، على أنه هذه الشّحمة خاصّة أطيب من المخّ وأنعم من الزّبد وأدسم من السّلاء «1» ، ثم يعدّ أسقاطه «2» كلها. ويقول: الرأس سيّد البدن، وفيه الدّماغ وهو معدن العقل، ومنه يتفرّق العصب الذي فيه الحس، وبه قوام البدن، وإنما القلب باب العقل؛ كما أنّ النفس هي المدركة والعين هي باب الألوان، والنفس هي السامعة الذائقة وإنما الأنف والأذن بابان. ولولا أنّ العقل في الرأس لما ذهب العقل من الضربة تصيبه؛ وفي الرأس الحواسّ الخمس. وكان ينشد:
همو ضربوا رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثمّ سائري «3»
وكان لا يشتري الرأس إلا في زيادة الشهر لمكان زيادة الدماغ، ولا يشتريه إلا يوم السبت لأن الرءوس يوم السبت أكسد، للفضلات التي تبقى في منازل التجار عن يوم الجمعة. وكان إذا فرغ من غدائه يوم الرأس، عمد إلى القحف «4» والى اللّحيين «5» فوضعه قرب بيوت النمل والذرّ، فإذا اجتمعن عليه أخذه ونفضه في طست فيه ماء، ولا يزال يعيد ذلك على تلك المواضع حتى
(3/222)

يقلع النمل والذرّ من داره، فإذا فرغ من ذلك ألقاه من الحطب فاستوقده في التّنّور.
الأصمعيّ قال: قال أبو صوّارة أو ابن دقّة: الأرز الأبيض بالسّمن المسليّ بالسكر الطّبرزد»
، ليس من طعام أهل الدنيا.
قال: وقال أبو صوّارة أو ابن دقّة: أطول الليالي ثلاث: ليلة العقرب، وليلة الهريسة، وليلة جدّة إلى مكة.
الأصمعيّ عن جعفر بن سليمان قال: قال أبو كامل مولي عليّ رضي الله عنه: أطعموني حفنة زبد ثم اختموا سراويلي ثلاثا.
وقال رجل للثّوريّ في الحديث: إن الله يبغض البيت اللّحم؛ فقال:
ليس هو الذي يؤكل فيه اللحم، وإنما هو الذي يؤكل فيه لحوم الناس.
عن أبي الصّدّيق «2» الناجي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «خير تمراتكم البرني «3» يذهب بالداء ولا داء فيه» .
وعن ابن عمر عن عمر أنه قال: يا غلام أنضج العصيدة تذهب حرارة الزيت.
وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «بيت ليس فيه تمر جياع أهله» .
شيخ من أهل البادية قال: أضافنا فلان فأتانا بحنطة كأنها مناقير الغربان، وتمر كأنه أعناق الوزّ يوحل «4» فيه الضّرس.
(3/223)

الأصمعيّ قال: قال أعرابيّ: تمرنا جرد «1» فطس «2» يغيب فيه الضّرس، كأن نواه ألسن الطير، تضع التمرة في فيك فتجد حلاوتها في كعبيك.
الأصمعيّ عن أبيه قال: أسر رجل رجلين في الجاهلية فخيّرهما بم بعشّيهما، فاختار أحدهما اللحم واختار الآخر التمر، فعشّيا وألقيا في الفناء وذلك في شتاء شديد، فأصبح صاحب اللحم خامدا وأصبح صاحب التمر تزرّ «3» عيناه.
وقال غير الأصمعيّ: قيل لأعرابيّ: ما رأيك في أكل الجرّيّ «4» ؟ قال:
تمرة نرسيانة «5» غرّاء الطّرف صفراء السائر عليها مثلها زبدا أحبّ إليّ منها، ثم أدركه الورع فقال: وما أحرّمهما.
وقال بعض الأعراب: [طويل]
ألا ليت لي خبزا تسربل رائبا ... وخيلا من البرنيّ فرسانها الزّبد «6»
قال: ورأى أعرابيّ دقيقا وتمرا فاشترى التمر؛ قيل له: كيف وسعر الدقيق والتمر واحد! قال: إنّ في التمر أدمه «7» وزيادة حلاوة.
عن زياد النّميريّ قال: قالت عائشة: من أكل التمر وترا «8» لم يضرّه.
(3/224)

الأصمعيّ قال: حدّثني شيخ عالم قال: أطيب التمر صيحانيّة «1» مصلّبة.
الأصمعي قال: حدثني رجل من آل حزم قال: كان يقال: من خلا «2» على التمر فالعجوة، ومن أكله على ثقل فالصّيحاني.
الأصمعيّ قال: قال أعرابيّ يفضّل الرّطب على العسل: أتجعل عسلة في أخثاء «3» البقر كعسلة في جوّ السماء لها محارس من جريد «4» وذوائب «5» من زمرّد!.
وقال الأصمعيّ: قيل لابن القدّاح: التمر أطيب؟ فدعا بأنواع التمر، فلمّا أكلوا قال: انظروا أيّ النوى أكثر؟ قالوا: نوى الصيحانيّ، قال: هو أطيب.
وقال الأصمعيّ: العرب تقول للبخيل الأكول: أبرما قرونا «6» أي لا يخرج مع أصحابه شيئا ويأكل تمرتين تمرتين.
وقال النابغة يصف تمرا: [طويل]
صغار النوى مكنوزة ليس قشرها ... إذا طار قشر التمر عنها بطائر
سمع الحسن رجلا يعيب الفالوذج «7» فقال: فتاب البرّ بلعاب النحل
(3/225)

بخالص السّمن! ما عاب هذا مسلم. وقال لفرقد السّبخيّ: يا أبا يعقوب، بلغني أنك لا تأكل الفالوذج؛ فقال: يا أبا سعيد، أخاف ألّا أؤدّي شكره؛ فقال: يا لكع «1» ! وهل تؤدّي شكر الماء البارد «2» في الصيف والحارّ في الشتاء! أما سمعت قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
«3» .
الأصمعيّ قال: اختصم روميّ وفارسيّ في الطعام، فحكّما بينهما شيخا قد أكل طعام الخلفاء، فقال: أمّا الروميّ فذهب بالحشو والأحشاء، وأما الفارسيّ فذهب بالبارد والحلواء.
وعن الأصمعيّ قال: كنا عند الرشيد فقدّمت إليه فالوذجة، فقال: يا أصمعيّ حدّثنا بحديث مزرّد، فقلت: إنّ مزرّدا أخا الشمّاخ «4» كان غلاما جشعا وكانت أمّه تؤثر عيالها بالطعام عليه وكان ذلك يحفظه «5» ، فخرجت أمّه ذات يوم تزور بعض أهلها، فدخل مزرّد الخيمة وعمد إلى صاعي دقيق وصاع من تمر وصاع من سمن فجمعه ثم جعل يأكله وهو يقول: [طويل]
ولمّا غدت أمّي تمير بناتها ... أغرت على العكم الذي كان يمنع «6»
(3/226)

لبكت بصاعي حنطة صاع عجوة ... إلى صاع سمن فوقه يتربّع «1»
ودبّلت أمثال الأثافي كأنها ... رءوس نقاد قطّعت يوم تجمع «2»
وقلت لبطني أبشر اليوم إنّه ... حمى أمّنا ممّا تحوز وترفع
فإن كنت مصفورا فهذا دواؤه ... وإن كنت غرثانا فذا يوم تشبع «3»
فضحك الرشيد حتى استلقى على ظهره، ثم قال: كلوا باسم الله، هذا يوم تشبع (يا أصمعىّ) «4» .
قال: وكتب الحجاج إلى عامله بفارس: ابعث إليّ عسلا من عسل خلّار «5» ، من النّحل الأبكار، من الدّستفشار «6» ، الذي لم تمسّه النار.
وقال الأصمعيّ: كتب بعض الخلفاء إلى عامله بالطائف: أن أرسل إليّ بعسل أخضر في سقاء، أبيض في الإناء، من عسل النّدغ «7» والسّحاء «8» ، من حداب بني شبابة «9» .
والعرب تصف العسل بالبرودة.
وفي حديث ابن عباس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سئل عن أفضل الشراب قال:
«الحلواء البارد يعني العسل» . وقال الأعشى: [هزج]
كما شيب بماء با ... رد من عسل النحل «10»
(3/227)

ويقال: أجود العسل الذهبيّ الذي قطرت منه قطرة على وجه الأرض أستدار كما يستدير الزئبق ولم ينفش ولم يختلط بالأرض والتراب.
والروم تقول: أجوده ما يلطخ على فتيلة ثم تشعل فيه النار فيعلق.
وسئل ديمقراطيس العالم عما يزيد في العمر فقال: من أدام أكل العسل ودهن جسمه به زاد الله بذلك في عمره.
والعسل إن جعل فيه اللحم الطريّ بقي كهيئته حتى لا ينتن. ويقال:
من كان به داء قديم فليأخذ درهما حلالا وليشتر به عسلا ثم يشربه بماء سواء فإنه يبرأ بإذن الله تعالى. وكان الحسن يعجبه إذا استمشى «1» الرجل أن يشرب اللبن والعسل.
ويزعم أصحاب الطبائع أن العسل إذا ديف «2» بالماء وخلط معه زيت أو دهن سمسم نافع لمن شرب السّموم والأدوية القاتلة يتقيّأ به.
ميمون بن مهران عن ابن عبّاس قال- ولا أعلمه إلّا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم- أنه قال: «أكرموا الخبز فإنّ الله سخّر له السموات والأرض» .
الأصمعيّ قال: كانت امرأة من بكر بن وائل تنزل الطّفاوة «3» وكانت قد أدركت بعض أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلم، وكان العبّاد يغشونها في منزلها؛ فعاب عائب عندها السّويق، فقالت: لا تفعل! إنه طعام المسافر، وطعام العجلان «4» ، وغذاء المبكّر، وبلغة المريض «5» ، ويشدّ فؤاد الحزين، ويردّ من
(3/228)

نفس الضّعيف؛ وهو جيّد في التّسمين ونقاوة البلغم، ومسمونه «1» يصفّي الدم، إن شئت كان ثريدا، وإن شئت كان خبيصا، وإن شئت كان خبزا.
وكان غسّان بن عبد الحميد كاتب سليمان بن عليّ يقول لجاريته:
خوّضي «2» لنا سيوقا فأخثريه «3» ، فإنّ الرجل لا يستحي أن يزداد ماء فيرقّقه، ويستحي أن يزداد سويقا فيخثره به.
مرّ عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بعبد الحميد بن علّي وهو في مزرعته وقد عطش، فاستسقاه فخاض له سويق لوز فسقاه إياه؛ فقال عبد الله: [وافر]
شربت طبرزذا «4» بغريض مزن ... ولكنّ الملاح بكم عذاب
وما هو بالطّبرزذ طاب لكن ... بمسّك إنّه طاب الشراب
وأنت إذا وطئت تراب أرض ... يطيب إذا مشيت به التراب
لأن نداك ينفي المحل عنها ... وتحييها أياديك الرّطاب
وقال الحسن: لا تسقوا نساءكم السّويق، فإن كنتم لا بدّ فاعلين فاحفظوهنّ.
وقال الرّقاشيّ: السّمنة للنّساء غلمة «5» وهي للرجال غفلة.
عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا تردّ: اللّبن والسّواك «6» .
(3/229)

والدّهن» .
الرّياشيّ قال: سمعت أبا يزيد يقول: رأيت رجلا كأنّ أسنانه الذّهب لشربه اللّبن حارا.
الأصمعيّ عن ذي الرّمّة أنه قال: إذا قلت للرّجل: أيّ اللّبن أطيب؟
فإن قال: قارص «1» ، فقل: عبد من أنت «2» ؟ وإن قال: الحليب، فقل: ابن من أنت؟.
مرّ رجل من قريش بامرأة من العرب في بادية، فقال: هل من لبن يباع؟ فقالت: إنك لئيم أو قريب عهد بقوم لئام وكان يقال: اللبن أحد اللّحمين.
وقال بعض المدنيين: من تصبّح «3» بسبع موزات وبقدح من لبن إبل أوارك «4» تجشّأ «5» بخور الكعبة.
وقف معاوية على امرأة فقال: هل من قرى؟ فقالت: نعم، قال: وما هو؟ قالت: خبز خمير ولبن فطير «6» وماء نمير «7» ، والعرب تقول: إنّ الرّثيئة تفثأ الغضب. والرّثيئة: اللبن الحامض يحلب عليه الحليب، وهو أطيب اللبن.
قال بعض الأعراب:
وإذا خشيت على الفؤاد لجاجة ... فاضرب عليه بجرعة من رائب
(3/230)

وعن مطر الورّاق: أنّ نبيّا من الأنبياء شكا إلى الله تعالى الضعف، فأوحى الله إليه: أن اطبخ اللبن باللحم، فإنّ القوّة فيهما.
وصف أعرابيّ خصب البادية فقال: كنت أشرب رثيئة «1» تجرّها الشّفتان جرّا، وقارصا إذا تجشّأت جدع أنفي، ورأيت الكمأة «2» تدوسها الإبل بمناسمها، وخلاصة «3» يشمّها الكلب فيعطس.
وتقول الأطّباء: إنّ اللبن إذا سخّن بالنار وسيط «4» بعدود من عيدان شجر التّين راب من ساعته. وقالوا: وإن أراد صاحبه ألّا يروب وإن كان فيه روبة جعل فيه شيئا من الحبق، وهو الفوذنج «5» النهريّ، فإنه يبقى كهيئته.
أخبار من أخبار العرب في مآكلهم ومشاربهم
المعلّى الرّبعيّ قال: مكثت ثلاثا لا أذوق طعاما ولا أشرب فيهنّ شرابا فدعوت الله تعالى، وإذا دعا العبد الله بقلب صادق كانت معه من الله عين بصيرة، فدفعت إلى ذئبين في جفر «6» ، فرميتهما فقتلتهما، ثم أتيت جفرا فيه ماء فاستقيت، ثم أتيتهما وإذا هما على مهيد يتيهما «7» ، وإذا لهما نخفة- يعني شبه الزّفير- فاشتويت واحتذيت «8» وادّهنت.
(3/231)

قال ابن قرفة (شيخ من سليم) : أضافني رجل من الأعراب فجاءني بقدر جماع «1» ضخمة ليس فيها شيء من طعام إلا قطع لحم، فإذا بضعة «2» تنماتّ «3» في فمي، وبضعة كأنّها بضع ساق، وبضعة كأنها شحم زخم «4» ؛ فقلت: ما هذا؟ فقال: إني رجل صيّاد، جمعت بين ذئب وظبي وضبع.
قال مدنيّ لأعرابيّ: ما تأكلون وما تدعون؟ قال: نأكل ما دبّ ودرج إلا أمّ حبين؛ فقال المدنيّ: ليهنىء أمّ حبين «5» العافية.
قعد على مائدة الفضل بن يحيى «6» رجل من بني هلال بن عامر، فذكروا الضّبّ ومن يأكله، فأفرط الفضل في ذمّه وتابعه القوم، فغاظ الهلاليّ ما سمع منهم، ولم يكن على المائدة عربيّ غيره، ثم لم يلبث أن أتي الفضل بصحفة فيها فراخ الزّنابير، فلم يشكّ الأعرابيّ أنها ذبّان البيوت، فقال حين خرج: [طويل]
وعلج يعاف الضبّ لؤما وبطنة ... وبعض إدام العلج هام ذباب «7»
ولو أنّ ملكا في الملا ناك أمّه ... لقالوا لقد أوتيت فصل خطاب
وقال أبو الهندي «8» (رجل من العرب] : [متقارب]
(3/232)

أكلت الضّباب فما عفتها ... وإنّي لاشهى قديد الغنم «1»
ولحم الخروف حنيذا وقد ... أتيت به فاترا في الشّبم «2»
فأمّا البهطّ وحيتانكم ... فما زلت منها كثير السّقم «3»
وقد نلت منها كما نلتم ... فلم أر فيها كضبّ هرم
ولا في البيوض كبيض الدّجاج ... وبيض الدجاج شفاء القرم «4»
ومكن الضّباب طعام العريب ... ولا تشتهيه نفوس العجم «5»
وقال بعض الأعراب: [سريع]
وأنت لو ذقت الكشى بالأكباد ... لما تركت الضّبّ يعدو بالواد «6»
ونزل رجل من العرب برجل من الأعراب فقدّم إليه جرادا؛ فقال:
لحى الله بيتا ضمّني بعد هجعة ... إليه دجوجيّ من الليل مظلم «7»
فأبصرت شيخا قاعدا بفنائه ... هو العنز إلّا أنه يتكلّم
أتانا ببرقان الدّبى في إنائه ... ولم يك برقان الدّبى لي مطعم «8»
فقلت له غيّب إناءك واعتزل ... فهل ذاق هذا، لا أبالك، مسلم
وقال بعض العباسيين: [خفيف]
(3/233)

ليت شعري متى تخبّ بي النا ... قة نحو العذيب فالصّنين «1»
محقبا زكرة وخبز رقاق ... وجبينا وقطعة من نون «2»
وقال بعض الأعراب: [طويل]
أقول له يوما وقد راح صحبتي ... ترى أبتغي من صيده وأخاتله «3»
فلما التقت كفّي على فضل ذيله ... وشالت شمالي زايل الضّبّ باطله «4»
فأصبح محنوذا نضيجا وأصبحت ... تمشّى على القيزان حولا حلائله «5»
شديد اصفرار الكشيتين كأنما ... تطلّى بورس بطنه وشواكله «6»
فذلك أشهى عندنا من نتاجكم ... لحى الله شاريه وقبّح آكله «7»
وبنو أسد تعيّر بأكل الكلاب؛ قال الفرزدق: [طويل]
إذا أسديّ جاع يوما ببلدة ... وكان سمينا كلبه فهو آكله
وتعيّر أيضا بأكل لحوم الناس، كما قال الشاعر «8» : [وافر]
إذا ما ضفت ليلا فقعسيّا ... فلا تأكل له أبدا طعاما
فإنّ اللحم إنسان فدعه ... وخير الزاد ما منع الحراما
(3/234)

قال رجل: كنت بالبادية، فرأيت ناسا حول نار، فسألت عنهم فقالوا:
صادوا حيّات فهم يشتوونها ويأكلونها، فأتيتهم فرأيت رجلا منهم قد أخرج حيّة من الجمر ليأكلها فامتنعت عليه، فجعل يمدّها كما يمدّ عصيب «1» لم ينضج، فما صرفت بصري عنه حتّى لبج «2» به فمات، فسألت عن شأنه فقيل لي:
عجل عليها قبل أن تنضج وتعمل في سمّها النار.
قال رجل من الأعراب لولده: اشتروا لي لحما، فاشتروه فطبخه حتى تهرّى «3» ، وأكل منه حتى انتهت نفسه، وشرعت إليه عيون ولده فقال: ما أنا بمطعمه أحدا منكم إلا من أحسن وصف أكله: فقال الأكبر منهم: آكله يا أبت حتى لا أدع لذرّة فيه مقيلا؛ قال: لست بصاحبه. فقال الآخر: آكله حتى لا يدرى ألعامه هو أم لعام أوّل؛ قال: لست بصاحبه. فقال الأصغر: أدقّه يا أبت دقا وأجعل إدامه المخّ؛ قال: أنت صاحبه، هو لك.
بينا أعرابيّ يسير وهو يوضع «4» بعيره إذ سقط بعيره فنحره وأكله، فأنشأ يقول: [رجز]
إنّ السّعيد من يموت جمله ... يشبع لحما ويقلّ عمله
ومرّ رجل من سلول بفتيان يشربون فشرب معهم؛ فلما أخذ منه الشراب قام إلى بعيره فنحره، وقال: [رمل]
علّلاني إنّما الدّنيا علل ... ودعاني من ملام وعذل
وانشلا ما اغبرّ من قدريكما ... واسقياني أبعد الله الجمل «5»
(3/235)

آداب الأكل والطعام
عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «الأكل في السّوق دناءة» . وعن عبد الرحمن بن عراك قال: بلغني أنه من غسل يده قبل الطعام كان في سبعة من الرّزق حتى يموت.
عن الحسن أنه قال: الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللّمم «1» .
وعنه قال: قيل لسمرة بن جندب: إنّ أباك أكل طعاما كاد يقتله؛ قال:
لو مات ما صلّيت عليه.
وعن شرحبيل بن مسلم قال: قال أبو الدّرداء: بئس العون على الدّين قلب نخيب «2» ، وبطن رغيب «3» ، ونعظ شديد «4» .
أكل الجارود «5» مع عمر طعاما، ثم قال: يا جارية هات الدّستورد «6» ؛ فقال عمر: امسح باستك أو ذر «7» .
قال جعفر: كنّا نأتي فرقدا السّبخيّ ونحن شببة «8» فيعلّمنا: إنّ من
(3/236)

ورائكم زمانا شديا، فشدّوا الأزر «1» على أنصاف البطون، وصغّروا اللّقم، وشدّدوا المضغ، ومصّوا الماء مصّا. وإذا أكل أحدكم فلا يحلّنّ إزاره فتتّسع أمعاؤه. وإذا جلس أحدكم ليأكل فليقعد على أليتيه، وليلزق بطنه بفخذيه، وإذا فرغ فلا يقعد وليجىء وليذهب؛ واحتموا «2» فإنّ من ورائكم زمانا شديدا.
وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ساقي القوم آخرهم شربا» .
وعن الجارود بن أبي سبرة قال: قال لي بلال بن أبي بردة: أتحضر طعام هذا الشيخ- يعني عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر-؛ فقلت: إيها «3» والله؛ فقال: حدّثني عنه. فقلت: نأتيه وكان سكّيتا «4» ، إن حدّثنا أحسن الحديث، وإن حدّثناه أحسن الاستماع، فإذا حضر الغداء جاء خبّازه فمثل بين يديه؛ فيقول: ما عندك؟ فيقول: بطّة بكذا، ودجاجة بكذا وكذا. قال: وما يريد بذاك؟ قلت: كي يحبس «5» كلّ إنسان نفسه إلى ما يشتهي، فإذا وضع الخوان «6» خوّى «7» تخوية الظليم «8» فما له إلا موضع متّكئه فيجدّ ويهزل، حتى إذا رآهم قد فتروا وكلّوا «9» أكل معهم أكل الجائع المقرور «10» حتى ينشّطهم بأكله.
(3/237)

وكان يقال: إذا اجتمع للطعام أربع كمل: أن يكون حلالا، وأن تكثر عليه الأيدي، وأن يفتتح باسم الله، ويختتم بحمد الله.
وكان يقال: سمّوا إذا أكلتم ودنّوا وسمّتوا «1» .
قال أپرويز لصاحبي طعامه وشرابه: إني سلّطتكما على المعشية، وأشركتكما في الحياة، وجعلتكما أمينين على نفسي، وولّيتكما من طعامي وشرابي ما التوسعة فيه مروءة والتضييق فيه دناءة؛ فاجعلاه في فضله على ما سواه كفضلي على من سواي، وفي كثرته ككثرة من معي على من مع غيري. ولا يشهدنّ طعامي الذي آكل عين تراه ولا نفس تحسّه ولا يد تداوله خلا نفسا واحدة؛ وإنما أفردته بذلك لتستحكم الحجّة فيه على من أضاع، وتنقطع الشبهة فيه عمن غفل، ولأجعل صاحب ذاك رهنا بدم نفسه إن هو قصّر في صنعه أو أوقع بغائلة «2» .
الأصمعيّ قال حدّثني ابراهيم بن صالح: أنه كان له جام «3» من حبّ رمّان مدقوق يسفّ منه بين كل لونين ملعقة حتى يعرف اختلاف الألوان.
وفيما أجاز لنا عمرو بن بحر من كتبه قال: كان أبو عبد الرحمن الثّوريّ يقعد ابنه معه على خوانه يوم الرأس، ثم يقول: إياك ونهم الصبيان وأخلاق النوائح، ودع «4» عنك خبط الملّاحين والفعلة، ونهش الأعراب والمهنة، وكل من بين يديك؛ فإنّ حظّك الذي وقع وصار إليك. واعلم أنه إذا كان في الطعام شيء طريف أو لقمة كريمة أو بضعة شهيّة «5» ، فإنما ذلك للشيخ
(3/238)

المعظّم والصبيّ المدلّل، ولست واحدا منهما. وأنت قد تأتي الدعوات، وتجيب الولائم، وتدخل منازل الإخوان، وعهدك باللحم قريب، وإخوانك أشدّ قرما «1» إليه منك، وإنما هو رأس واحد فلا عليك أن تتجافى عن بعض وتصيب بعضا. وأنا بعد أكره لك الموالاة بين اللحم؛ فإن الله يبغض أهل البيت اللّحمين «2» .
وكان يقال: مدمن اللحم كمدمن الخمر.
ورأى رجل رجلا يأكل لحما، فقال: لحم يأكل لحما، أفّ لهذا عملا!.
وكان عمر يقول: إيّاكم وهذه المجازر، فإنّ لها ضرواة كضراوة الخمر «3» .
يا بنيّ عوّد نفسك الأثرة «4» ومجاهدة الهوى والشهوة، ولا تنهش نهش السّباع، ولا تخضم خضم البراذين «5» ، ولا تدمن الأكل إدمان النّعاج، ولا تلقم لقم الجمال؛ فإن الله تعالى جعلك إنسانا وفضّلك، فلا تجعل نفسك بهيمة ولا سبعا. واحذر سرعة الكظّة وسرف البطنة «6» .
قال بعض الحكماء: إذا كنت بطينا فعدّ نفسك من الزّمني «7» . وقال الأعشى: [خفيف]
(3/239)

والبطنة ممّا تسفّه الأحلاما «1»
واعلم أنّ الشّبع داعية البشم «2» ، وأنّ البشم داعية السّقم، وأنّ السقم داعية الموت، فمن مات بهذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة، وهو مع هذا قاتل نفسه، وقاتل نفسه الأم من قاتل غيره.
يا بنيّ، والله ما أدّى حقّ الركوع والسجود ذو كظّة، ولا خشع لله ذو بطنة، والصوم مصحّة، والوجبات «3» عيش الصالحين.
أي بنيّ، لأمر مّا طالت أعمار الهند، وصحّت أبدان الأعراب. فلله درّ الحارث ابن كلدة «4» حيث يزعم أنّ الدواء هو الأزم «5» ، وأنّ الداء إدخال الطعام إثر الطعام.
أي بنيّ، لم صفت أذهان الأعراب، وصحّت أبدان الرّهبان، مع طول الإقامة في الصوامع حتى لم تعرف النّقرس «6» ولا وجع المفاصل ولا الأورام، إلّا لقلّة الرّزء «7» وخفّة الزاد. وكيف لا ترغب في تدبير يجمع لك صحّة البدن، وذكاء الذهن، وصلاح المعي»
وكثرة المال، والقرب من عيش الملائكة!.
(3/240)

أي بنيّ، لم صار الضبّ أطول شيء ذماء «1» إلّا لأنّه يتبلّغ بالنسيم؛ ولما قال الرسول صلّى الله عليه وسلم «إنّ الصوم وجاء» «2» إلّا ليجعله حجازا «3» دون الشهوات. افهم تأديب الله، فإنه لم يقصد به إلّا إلى مثلك.
أي بني، قد بلغت تسعين عاما نغض «4» لي سنّ، ولا انتشر «5» لي عصب ولا عرفت ذنين أنف «6» ، ولا سيلان عين، ولا سلس «7» بول؛ ما لذلك علّة إلّا التخفيف من الزاد. فإن كنت تحبّ الحياة فهذه سبيل الحياة، وإن كنت تريد الموت فار يبعد الله إلّا من ظلم نفسه.
وقال أبو نهشل «8» : كانت لي ابنة تجلس معي على المائدة فتبرز كفّا كأنها طلعة «9» ، في ذراع كأنه جمّارة «10» ، فلا تقع عينها على أكلة نفيسة. إلّا خصّصتني بها، فزوّجتها وصرت أجلس معي على المائدة ابنا لي فيبرز كفّا كأنها كرنافة «11» ، في ذراع كأنه كربة «12» ، فو الله ما إن تسبق عيني إلى لقمة طيّبة إلّا سبقت يده إليها.
وقال بعضهم: غلبت بطنتي فطنتي.
(3/241)

قال عمرو بن العاص لمعاوية يوم تحكّم الحكمان: أكثروا الطعام، فو الله ما بطن «1» قوم قطّ إلا فقدوا بعض عقولهم، وما مضت عزمة رجل بات بطينا.
وكان يقال: أقلل طعاما تحمد مناما.
الأصمعيّ قال: كان يقال: ليس لشبعة خير من جوعة تحفزها «2» .
دعا عبد الملك بن مروان إلى الغداء رجلا فقال: ما فيّ فضل؛ فقال عبد الملك: ما أقبح بالرجل أن يأكل حتى لا يبقى فيه فضل! فقال: يا أمير المؤمنين، عندي مستزاد، ولكن أكره أن أصير إلى الحال التي استقبحها أمير المؤمنين.
وقال لشيخ: ما أحسن أكلك؟ قال: عملي منذ ستين سنة.
وقال الحسن: إنّ ابن آدم أسير الجوع، صريع الشبع.
وسأل عبد الملك أبا الزعيرة فقال: هل اتّخمت قطّ؟ قال لا؛ قال:
وكيف ذاك؟ قال: لأنا إذا طبخنا أنضجنا، وإذا مضغنا دقّقنا، ولا نكظّ «3» المعدة ولا نخليها.
وقال الأحنف: جنّبوا مجلسنا ذكر النساء والطعام، فإني أبغض الرجل أن يكون وصّافا لبطنه وفرجه، وإنّ من المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو يشتهيه.
(3/242)

الأصمعيّ قال: بلغني أنّ أقواما لبسوا المطارف «1» العتاق، والعمائم الرّقاق؛ وأوسعوا دورهم، وضيقّوا قبورهم؛ وأسمنوا دوابّهم، وهزّلوا دينهم؛ طعام أحدهم غصب، وخادمه سخرة، يتّكىء على شماله، ويأكل من غير ماله؛ حتى إذا أدركته الكظّة قال: يا جارية هاتي حاطوما «2» ؛ ويلك! وهل تحطم إلا دينك! أين مساكينك! أين يتاماك! أين ما أمرك الله به! أين أين!.
قال بعض الحكماء: مدار صلاح الأمور في أربع: الطعام لا يؤكل إلّا على شهوة، والمرأة لا تنظر إلا إلى زوجها، والملك لا يصلحه إلا الطاعة، والرعيّة لا يصلحها إلا العدل.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول صلّى الله عليه وسلّم: «من أكل من سقط المائدة عاش في سعة وعوفي في ولده وولد ولده من الحمق» .
وقيل لأعرابيّ: أتحسن أن تأكل الرأى؟ قال: نعم، أبخص عينيه «3» ، وأسحي «4» ، خدّيه، وأفكّ لحييه، وأرمي بالدماغ إلى من هو أحوج منّي إليه.
وكانوا يكرهون أكل الدماغ؛ ولذلك يقول قائلهم: أنا من قبيلة تبقى المخّ في الجماجم.
دعبل قال: يا بنيّ، لا تأكل ألية الشاة لأنها طبق الاست وقريب من الجواعر «5» .
قال بعض الشعراء: [طويل]
إذا لم أرى إلّا لآكل أكلة ... فلا رفعت يمنى يديّ طعامي
فما أكلة إن نلتها بغنيمة ... ولا جوعة إن جعتها بغرام «6»
(3/243)

عبد الملك بن عمير عن عمه عن الأصمعيّ قال: لا تخرج يا بنيّ من منزلك حتى تأخذ حلمك «1» . يعني حتى تتغذّى. وقال هلال بن جشم «2» : [طويل]
وإنّ قراب البطن يكفيك ملؤه ... ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها
وقرأت في الآيين «3» : أن رجلا من خدم دار المملكة أوصى ابنه فقال:
إذا أكلت فضمّ شفتيك، ولا تتلفّتنّ يمينا وشمالا. ولا تتّخذنّ خلالك قصبا «4» .
ولا تلقمنّ بسكين أبدا، وإذا كان في يدك سكّين وأردت التقاما فضعها على مائدتك ثم التقم. ولا تجلس فوق من هو أسنّ منك وأرفع منزلة. ولا تتخلّل بعود آس «5» . ولا تمسح بثياب بدنك. ولا ترق ماء وأنت قائم. ولا تحفر أرضا بأظفارك. ولا تجلس على حائط أو باب أو تكتب عليهما فتلعن، ولا تسترح على أسكفّة «6» فتجهّل، ولا تستنج بمدر «7» فيورثك البواسير، ولا تمتخط حيث يسمع امتخاطك، ولا تبصق في الأماكن المنظّفة.
وأجلس معاوية على مائدته رجلا يؤاكله، فأبصر في لقمته شعرة، فقال:
خذ الشعرة من لقمتك؛ فقال له الرجل: وإنك لتراعيني مراعاة من يبصر الشعرة في لقمتي! والله لا أكلت معك أبدا ثم خرج الأعرابيّ وهو يقول:
[طويل]
(3/244)

وللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
وكان سعيد بن جبير إذا فرغ من طعامه قال: اللهمّ أشبعت وأرويت فهنئنا، وأكثرت وأطبت فزدنا.
الجوع والصوم
قيل لبعض الحكماء: أيّ الطعام أطيب؟ قال: الجوع أعلم.
وكان يقال: نعم الإدام الجوع، ما ألقيت إليه قبله.
قال لقمان لابنه: يا بنيّ، كل أطيب الطعام، ونم على أوطأ «1» الفراش.
يقول: أكثر الصيام، وأطل بالليل القيام.
اشتاق أعرابيّ بالبصرة إلى البادية فقال: [بسيط]
أقول بالمصر لمّا ساءني شبعي ... ألا سبيل إلى أرض بها جوع
ألا سبيل إلى أرض بها عرس ... جوع يصدّع منه الرأس برقوع «2»
وقال آخر: [بسيط]
وعادة الجوع فاعلم عصمة وغنى ... وقد يزيدك جوعا عادة الشّبع
العتبيّ قال: قلت لرجل من أهل البادية: يا أخي، إني لأعجب من أن فقهاءكم أظرف من فقهائنا، وعوامّكم أظرف من عوامّنا، ومجانينكم أظرف من مجانيننا، قال: وما تدري لم ذاك؟ قلت لا؛ قال: من الجوع؛ ألا ترى أن العود إنما صفا صوته لخلوّ جوفه!.
(3/245)

وقيل لبعض حكماء الرّوم: أيّ وقت الطعام فيه أطيب وأفضل؟ قال:
أمّا لمن قدر فإذا جاع، وأمّا لمن لم يقدر فإذا وجد.
ونظر أعرابيّ إلى قوم يلتمسون هلال شهر رمضان، فقال: أما والله لئن أثرتموه لتمسكنّ منه بذنابي عيش أغبر «1» .
وقيل لآخر: ألا تصوم البيض من شعبان! فقال: بين يديها ثلاثون كأنها القباطيّ» .
وقيل لمدني: بم تتسحّر الليلة؟ فقال: باليأس من فطور القابلة.
الرّياشيّ قال: قيل لأعرابيّ: اشرب، فقال: إنى لا أشرب على ثميلة «3» . وقال: [طويل]
إذا لم يكن قبل النبيذ ثريدة ... مبقّلة صفراء شحم جميعها «4»
فإنّ نبيذ الصّرف إن كان وحده ... على غير شيء أوجع الكبد جوعها «5»
قدم أعرابيّ على ابن عمّ له بالحضر، فأدركه شهر رمضان؛ فقيل له:
أبا عمرو لقد أتاك شهر رمضان؛ قال: وما شهر رمضان؟ قالوا: الإمساك عن الطعام؛ قال: أبالليل أم بالنهار؟ قالوا: لا، بل بالنهار؛ قال: أفيرضون بدلا من الشهر؟ قالوا: لا؛ قال: فإن لم أصم فعلوا ماذا؟ قالوا: تضرب وتحبس؛ فصام أياما فلم يصبر، فارتحل عنهم وجعل يقول: [طويل]
يقول بنو عمّي وقد زرت مصرهم ... تهيّأ أبا عمرو لشهر صيام
فقلت لهم هاتوا جرابي ومزودي ... سلام عليكم فاذهبوا بسلام «6»
(3/246)

فبادرت أرضا ليس فيها مسيطر ... عليّ ولا منّاع أكل طعام
وأدرك أعرابيّا شهر رمضان فلم يصم؛ فعذلته «1» امرأته في الصوم، فزجرها وأنشأ يقول: [طويل]
أتأمرني بالصّوم لا درّ درّها ... وفي القبر صوم يا أميم طويل
دعا عبد الله بن الزبير الحسين فحضر وأصحابه، فأكلوا ولم يأكل؛ فقيل له: ألا تأكل! فقال: إنّي صائم، ولكن تحفة الصائم «2» ؛ قيل: وما هي؟ قال:
الدّهن والمجمر «3» .
أخبار من أخبار الأكلة
الأصمعيّ قال: قال رجل: أحبّ أن أرزق ضرسا طحونا، ومعدة هضوما، وسرما نثورا «4» .
عن إسحاق بن عبد الله قال: سمعت أنس بن مالك يقول: رأيت عمر يلقى إليه الصاع من التمر فيأكله حتى حشفه «5» .
وقال بعض الشعراء: [بسيط]
همّ الكريم كريم الفعل يفعله ... وهمّ سعد بما يلقي إلى المعده
وقيل لرجل رئي سمينا: ما أسمنك؟ قال: أكلي الحارّ، وشربي القارّ «6» ، واتكائي على شمالي، وأكلي من غير مالي.
(3/247)

وقيل لآخر: ما أسمنك؟ قال: قلّة الفكرة، وطول الدّعة «1» ، والنّوم على الكظّة «2» .
قال الحجّاج للغضبان بن القبعثري في حبسه: ما أسمنك؟ قال: القيد والدّعة «3» ، ومن كان في ضيافة الأمير سمن.
وقال آخر لرجل رآه سمينا: أرى عليك قطيفة «4» من نسج أضراسك.
وقيل لآخر: إنك لحسن الشّحمة ليّن البشرة؛ فقال: آكل لباب البرّ بصغار المعز، وأدّهن بدهن البنفسج، وألبس الكتّان.
قيل لميسرة الأكول وأنا أسمع: كم تأكل في كلّ يوم؟ قال: من مالي أو من مال غيري؟ قالوا: من مالك؛ قال: دونان «5» ؛ قالوا: فمن مال غيرك؟
قال: اخبز واطرح.
والعرب تقول: «العاشية تهيج الآبية» «6» . يريدون أنّ الذي لا يشتهي أن يأكل، إذا نظر إلى من يأكل هاجه ذلك على الأكل.
قال جرير: [كامل]
وبنو الهجيم سخيفة أحلامهم ... ثطّ اللّحى متشابهوا الألوان «7»
لو يسمعون بأكلة أو شربة ... بعمان أصبح جمعهم بعمان
(3/248)

متأبّطين بنيهم وبناتهم ... صعر الأنوف لريح كل دخان «1»
قعد رجل على مائدة المغيرة، وكان منهوما، وجعل ينهش ويتعرّق؛ فقال المغيرة: ناولوه سكّينا؛ فقال الرجل: كلّ امرىء سكّينه في رأسه وقيل لأعرابيّ: ما لكم تأكلون اللحم وتدعون الثريد؟ فقال: لأن اللحم ظاعن «2» والثريد باق.
وقيل لآخر: ما تسمّون المرق؟ قال: السّخين؛ قال: فإذا برد؟ قال: لا ندعه يبرد.
قال أبو اليقظان «3» : كان هلال بن أسعر التّميميّ، من بني دارم بن مازن، شديدا أكولا؛ يزعمون أنه أكل جملا إلا ما حمل على ظهره منه. وأكل مرّة فصيلا «4» ، وأكلت امرأته فصيلا، فلما ضاجعها لم يصل إليها؛ فقالت:
كيف تصل إليّ وبيننا بعيران!.
الأصمعيّ قال: دعا عبّاد بن أخضر هلال بن أسعر إلى وليمة، فأكل مع الناس حتى فرغوا، ثم أكل ثلاث جفان تصنع كلّ جفنة لعشرة أنفس؛ فقال له: شبعت؟ قال لا؛ فأتوه بكل خبز في البيت فلم يشبع، فبعثوا إلى الجيران؛ فلمّا اختلفت ألوان الخبز علم أنه قد أضرّ بهم فأمسك؛ فقالوا: هل لك في تمر شهريز «5» بلبن؟ فأتوه به فأكل منه قواصر «6» ؛ فقالوا له: أشبعت؟ قال: لا؛
(3/249)

قالوا: فهل لك في السّويق؟ قال: نعم؛ فأتوه بجراب ضخّم مملوء؛ فقال:
هل عندكم نبيذ؟ قالوا: نعم؛ قال: أعندكم تور «1» تغتسلون فيه من الجنابة؟
فأتي به فغسله وصبّ السّويق وصبّ عليه النبيذ، فما زال يفعل ذلك حتى فني.
الشّمردلّ وكيل آل عمرو بن العاص قال: قدم سليمان بن عبد الملك الطائف وقد عرفت شجاعته، فدخل هو وعمر بن عبد العزيز وأيوب ابنه بستانا لعمرو؛ قال: فجال في البستان ساعة ثم قال: ناهيك بمالكم هذا مالا لولا جرار فيه! فقلت: يا أمير المؤمنين، إنها ليست بجرار ولكنها جرب الزّبيب؛ فجاء حتى ألقى صدره على غصن، ثم قال: ويلك يا شمردل! أما عندك شيء تطعمني؟ قلت: بلى والله! إن عندي لجديا تغدو عليه بقرة وتروح أخرى؛ قال: اعجل به؛ فأتيته به كأنه عكّة «2» ، وتشمّر فأكل ولم يدع ابنه ولا عمر حتى أبقى فخذا. فقال: يا أبا حفص هلمّ؛ قال: إنّي صائم؛ ثم قال: ويلك يا شمردل! أما عندك شيء؟ فقلت: بلى والله! دجاجات ست كأنهنّ رئلان «3» النّعام، فأتيته بهنّ، فكان يأخذ رجل الدجاجة حتى يعري عظمها ثم يلقيها بفيه «4» حتى أتى عليهنّ. ثم قال: ويلك! أما عندك شيء؟ فقلت: بلى والله! إن عندي لحريرة كقراضة الذّهب «5» ، فقال: اعجل بها؛ فأتيته بعسّ «6» يغيب فيه الرأس، فجعل يتلقّمها «7» بيده ويشرب، فلما فرغ تجشّأ كأنه صاح في
(3/250)

جبّ «1» ؛ ثم قال: يا غلام، أفرغت من غدائنا؟ قال: نعم، قال: وما هو؟ قال:
نيّف وثمانون قدرا؛ قال: فأتني بها قدرا قدرا؛ فأتاه بها وبقناع»
عليه رقاق؛ فأكثر ما أكل من قدر ثلاث لقم وأقلّ ما أكل لقمة، ثم مسح يده واستلقى على فراشه، وأذن للناس ووضعت الخوانات فجعل يأكل مع الناس.
الخطّابيّ عن الدّيرانيّ أنه قال: إني لأعرف الطعام الذي يأكله سليمان؛ قال: لما استخلف سليمان «3» قال لي: تقطع عنّي ألطافك التي كنت تلطفني بها قبل أن أستخلف؛ فأتيته بزنبيلين أحدهما بيض والآخرتين؛ فقال:
لقّمنيه، فجعلت أقشر البيضة وأقرنها بالتينة حتى أكل الزّنبيلين.
العننيّ عن أبيه قال: كان عبيد الله بن زياد يأكل كلّ يوم أربع جرادق أصبهانية «4» وجبنا قبل غدائه.
وعن سلّم بن قتيبة قال: عددت للحجاج أربعا وثمانين لقمة في كلّ لقمة رغيف من خبز «5» الماء فيه ملء كفّه سمك طريّ.
وكان لعبد الرحمن بن أبي بكرة ابن أكول؛ فقال له معاوية «6» : ما فعل ابنك التّلقامة؟ قال «7» : اعتلّ؛ قال: مثله لا يعدم علّة.
(3/251)

أكل أبو الأسود الدؤليّ وأقعد معه أعرابيا فرأى له لقما منكرا؛ فقال له.
ما اسمك؟ قال: لقمان؛ قال: صدق أهلك، إنك لقمان.
ولد لابن أبي ليلى غلام فعمل الأخبصة للجيران، فلما أكلوا قام مساور الورّاق «1» فقال: [كامل]
من لا يدسّم بالثريد سبالنا ... بعد الثّريد فلا هناه الفارس «2»
وقال العجيف «3» في أمّه: [بسيط]
يا ليتما أمّنا شالت نعامتها ... إمّا إلى جنّة إمّا إلى نار «4»
ليست بشبعى وإن أسكنتها هجرا ... ولا بريّا ولو حلّت بذي قار «5»
تلهّم الوسق مشدودا أشظّته ... كأنّما وجهها قد طلي بالقار «6»
خرقاء في الخير لا تهدى لوجهته ... وهي صناع الأذى في الأهل والجار «7»
رأى أبو الحارث جمّيز سلّة بين يدي رجل من الملوك، فقال له:
جعلت فداك، أيّ شيء في تلك السّلّة؟ فقال: بظر أمّك، قال: فأعضّني «8» به.
(3/252)

قيل للحارثيّ: لم لا تؤاكل الناس؟ فقال: لو لم أترك مؤاكلتهم إلا لنزوعي عن الأسواريّ لتركتها، ما ظنّكم برجل نهش بضعة لحم بقر فانقلع ضرسه وهو لا يدري. وكان إذا أكل ذهب عقله وجحظت «1» عيناه وسكر وسدر «2» وتربّد «3» وجهه وغضب ولم يسمع ولم يبصر، فلما رأيته وما يعتريه ويعتري الطعام منه صرت لا آذن له إلا ونحن نأكل الجوز والتمر والباقلّى «4» ؛ ولم يفجأني قطّ وأنا آكل تمرا إلا استفّه «5» سفّا وزدا «6» به زودا، ولا وجده كنيزا «7» إلا وتناول القطعة منه كجمجمة الثّور كدمها «8» كدما، ونهشها طولا وعرضا، ورفعا وخفضا، حتى يأتي عليها؛ ثم لا يقع عضّه إلا على الأنصاف والأثلاث؛ ولا رمى بنوان قطّ، ولا نزع قمعا «9» ، ولا نفى عنه قشرا، ولا فتّشه مخافة السوس والدود.
وقال بعض الشعراء: [وافر]
تبيت تدهده القرّان حولي ... كأنّك عند رأسي عقربان «10»
فلو أطعمتني حملا سمينا ... شكرتك والطعام له مكان
وقال بعض الأعراب: [طويل]
وإنّ طعاما ضمّ كفّي وكفّها ... لعمرك عندي في الحياة مبارك
(3/253)

فمن أجلها أستوعب الزاد كلّه ... ومن أجلها أهوي يدي فأدارك
وقال آخر: [متقارب]
عريض البطان جديد الخوان ... قريب المراث من المرتع «1»
فنصف النهار لكرياسه ... ونصف لمأكله أجمع «2»
الأصمعيّ قال: قيل لأعرابيّ: ما يعجبك من هذا القند «3» ؟ قال: يعجبني خضده وبرده. قال الأصمعيّ: الخضد: المضغ والأكل الشديد.
قال خالد بن صفوان يوما لجاريته: يا جارية، أطعمينا جبنا، فإنه يشهّي الطعام ويهيج المعدة، وهو يعدّ من حمض العرب. قالت: ما عندنا منه شيء. قال: لأعلمك إنه والله، ما علمت، ليقدح في الأسنان ويستولي على البطن، وأنه من طعام أهل الذمّة.
كان يقال: إذا كثرت المقدرة، ذهبت الشهوة.
وقال بعض الظرفاء: [طويل]
زرعنا فلمّا سلّم الله زرعنا ... وأوفى عليه منجل بحصاد
بلينا بكوفيّ حليف مجاعة ... أضرّ علينا من دبى وجراد «4»
عن نافع عن ابن عمر قال: «قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: من دخل على غير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» .
عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا دعي أحدكم فجاء مع
(3/254)

الرسول فإنّ ذلك له إذن» . وعن مجاهد: أن ابن عمر كان إذا دعي إلى طعام وهو صائم يجيب، وكان يهيء اللقمة بيده ثم يقول: كلوا باسم الله فإني صائم. وعن أسماء بنت رفيد قالت: دخلنا على النبيّ صلّى الله عليه وسلم، فأتي بطعام فعرض علينا فقلنا: لا نشتهيه، فقال: «لا تجمعنّ كذبا وجوعا» .
دعا رجل عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه إلى الطعام، فقال: نأتيك على ألّا تتكلّف ما ليس عندك، ولا تدّخر عنا ما عندك.
وكان يقول: شرّ الإخوان من تكلّف له «1» .
دعا رجل رجلا إلى الغداء ثم قال له: هذه بكر زيارة ولم نستعدد، فلعل تقصيرا فيما أحبّ بلوغه؛ فقال الآخر: حرصك على كرامتي يكفيك مؤونة التكلّف.
قال إسحاق بن إبراهيم الموصليّ «2» : أتاني الزبير بن دحمان يوما فسألته أن يقيم عندي، فقال: قد أرسل إليّ الفضل بن الربيع وليس يمكنني التخلّف عنه؛ فقلت له: [طويل]
أقم يا أبا العوّام ويحك نشرب ... ونله مع اللّاهين يوما ونطرب
إذا ما رأيت اليوم قد جاء خيره ... فخذه بشكر واترك الفضل يغضب
وقال بعض المحدثين: [خفيف]
نحن قوم متى دعينا أجبنا ... ومتى ننس يدعنا التطفيل «3»
ونقل علّنا دعينا فغبنا ... وأتانا فلم يجدنا الرسول
(3/255)

كان طفيل العرائس الذي ينسب اليه الطّفيليّون يوصي أصحابه فيقول لأحدهم: إذا دخلت عرسا فلا تتلفّت تلفّت المريب، وتخيّر المجالس، وأجد ثيابك، واعمل على أنها العقدة التي تستغل «1» . وإن كان العرس كثير الزحام فمر وانه «2» . ولا تنظر في عيون أهل المرأة ولا عيون أهل الرجل، فيظنّ هؤلاء أنك من هؤلاء وهؤلاء أنك من هؤلاء. وإن كان البوّاب غليظا وقاحا «3» فابدأ به ومره وانهه من غير أن تعنّف عليه، وعليك بكلام بين النصيحة والإدلال.
عرض رجل على رقبة الغداء؛ فقال: إن أقسمت عليّ وإلّا فدعني.
ومن أشعار الطّفيليّين: [سريع]
دعوت نفسي حين لم تدعني ... فالحمد لي لا لك في الدّعوه
وقلت دا أحسن من موعد ... إخلافه يدعو إلى جفوه «4»
وقال آخر: [طويل]
إذا جاء ضيف جاء للضيف ضيفن ... فأودى بما تقرى الضيوف الضّيافن «5»
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلّي: [بسيط]
نعم الصديق صديق لا يكلّفني ... ذبح الدّجاج ولا شيّ الفراريج
يرضى بلونين من كشك ومن عدس ... وإن تشهّى فزيتون بطسّوج «6»
كان سعيد بن أسعد الأنصاري إمام الجامع بالبصرة طفيليّا، فإذا كانت وليمة سبق الناس إليها، فربما بسط معهم البسط وخدم. فقيل له في ذلك
(3/256)

فقال: إني أبادر برد الماء، وصفو القدور، ونشاط الخبّاز، وخلاء المكان، وغفلة الذّبّان، وجفاف المنديل.
وقيل لبعض الطفيليّين: كم اثنان في اثنين قال: أربعة أرغفة.
باب الضيافة وأخبار البخلاء على الطعام
عن المقدام «1» أبي كريمة أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «أيّما مسلم ضافه قوم فأصبح الضيف محروما كان له على كلّ مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله» .
روى ابن العجلان عن أبيه قال: قال أبو هريرة: إذا نزلت برجل ولم يقرك فقاتله. عن أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «الخير أسرع إلى مطعم الطّعام من الشّفرة في سنام «2» البعير» .
داود قال: قلت للحسن: إنك تنفق من هذه الأطعمة وتكثر، قال: ليس في الطعام سرف. وقال الثوريّ: ليس في الطعام ولا في النساء سرف.
عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «إنّ من السّنّة أن يمشي الرجل مع ضيفه إلى باب الدار» .
عن عبد الرحمن بن عباس قال: رأيت ابن عباس في وليمة فأكل وألقى للخبّاز درهما.
الأصمعيّ قال: سئل أقرى أهل اليمامة للضيف: كيف ضبطتم القرى؟
قال: بأنّا لا نتكلّف ما ليس عندنا.
(3/257)

عن بعض النّسّاك قال: قد أعياني أن أنزل على رجل يعلم أني لست آكل من رزقه شيئا.
عن عون بن عبد الله قال: ضلّ رجل صائم في عام سنة «1» ، فابتلي برجل عند فطره وقد أتي بقرصين فألقى إليه أحدهما، ثم قال: ما هذا بمشبعه ولا بمشبعي، ولأن يشبع واحد خير من أن يجوع اثنان، وألقى إليه الآخر. فلما أوى إلى فراشه أتاه آت فقال: سل؛ فقال: أسأل المغفرة؛ قال:
قد فعل ذلك بك؛ قال: فإني أسأل أن يغاث الناس.
عن الحسن: أنّ رجلا جهده الجوع، ففطن له رجل من الأعيان، فلمّا أمسى أتى به رحله «2» ، فقال لامرأته: هل لك أن نطوي ليلتنا هذه لضيفنا؟
قالت: نعم قال: فإذا قدّمت الطعام فأدني إلى السراج كأنك تصلحينه فأطفئيه، ففعلت وجاءت بثريدة كأنها قطاة «3» فوضعتها بين أيديهما، ثم دنت إلى السراج كأنّها تصلحه فأطفأته، فجعل الأنصاريّ يضع يده في القصعة ثم يرفعها خالية؛ فأطلع على ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ فلما أصبح الأنصاريّ صلّى مع الرسول صلّى الله عليه وسلم الفجر، فلما سلّم أقبل على الأنصاريّ وقال: «أنت صاحب الكلام الليلة؛ ففزع الأنصاريّ وقال: أيّ كلام يا رسول الله؟ قال: كذا وكذا:
قوله لامرأته؛ قال كان ذاك يا رسول الله؛ قال: فو الله لقد عجب الله من صنعكما الليلة» .
الأصمعيّ قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا قدم عليه بريد قال: هل رأيت في الناس العرسات؟ يعني الخصب للمسلمين.
(3/258)

وقيل لأعرابيّ كان في مجلس: فيم كنتم؟ قال: كنا في قدر تفور، وكأس تدور، وغناء يصور «1» ، وحديث لا يخور «2» .
بلغني أن محمد بن خالد بن يزيد بن معاوية كان نازلا بحلب على الهيثم بن يزيد التّنوخيّ، فبعث إلى ضيف له من عذرة فقال: حدّث أبا عبد الله ما رأيت في حاضرة المسلمين من أعاجيب الأعراس؛ قال: نعم، رأيت أمورا معجبة: منها أني رأيت قرية عاصم بن بكر الهلاليّ، فإذا أنا بدور متباينة، وإذا أخصاص «3» منظّم بعضها إلى بعض، وإذا بها ناس كثير مقبلون ومدبرون وعليهم ثياب حكوا بها ألوان الزّهر، فقلت لنفسي: هذا أحد العيدين الأضحى أو الفطر؛ ثم رجع إليّ ما عزب «4» عنّي من عقلي، فقلت: خرجت من أهلي في عقب صفر وقد مضى العيدان قبل ذلك؛ فبينما أنا واقف ومتعجّب أتاني رجل فأخذ بيدي فأدخلني دارا قوراء «5» وأدخلني بيتا قد نجّد «6» في وجهه فرش قد مهّدت وعليها شابّ ينال فروع شعره كتفيه، والناس حوله سماطان «7» ؛ فقلت في نفسي: هذا الأمير الذي يحكى لنا جلوسه وجلوس الناس حوله، فقلت وأنا ماثل بين يديه: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته؛ فجذب رجل بيدي وقال: اجلس فإن هذا ليس بالأمير؛ فقلت: ومن هو؟ قال: عروس؛ قلت؛ واثكل أمّاه! ربّ عروس رأيت بالبادية أهون على أصحابه من هن أمّه؛ فلم ألبث إذ دخلت الرجال عليها هنات «8» مدوّرات من
(3/259)

خشب وقضبان، أمّا ما خفّ فيحمل حملا، وأمّا ما ثقل فيدحرج، فوضعت أمامنا وتحلّق القوم حلقا حلقا، ثم أتينا بخرق بيض فألقيت بين أيدينا، فظننتها ثيابا وهممت عندها أن أسأل القوم خرقا أقطع منها قميصا، وذلك أني رأيت نسجا متلاحكا «1» لا تبين له سدى «2» ولا لحمة؛ فلما بسط القوم أيديهم إذا هو يتمزّق سريعا وإذا هو فيما زعموا صنف من الخبز لا أعرفه. ثم أتينا بطعام كثير من حلو وحامض وحارّ وبارد، فأكثرت منه وأنا لا أعرف ما في عقبه من التّخم والبشم «3» . ثم أتينا بشراب أحمر في عساس «4» ، فلما نظرت إليه قلت: لا حاجة لي فيه، أخاف أن يقتلني. وكان في جانبي رجل ناصح لي- أحسن الله جزاءه- كان ينصح لي من بين أهل المجلس، فقال: يا أعرابيّ، إنك قد أكثرت من الطّعام، وإن شربت الماء انتفخ بطنك- فلما ذكر البطن تذكرت شيئا كان أوصاني به أبي والأشياخ من أهلي: قالوا: لا تزال حيّا ما دام شديدا (يعني البطن) فإذا اختلف فأوص- فلم أزل أتداوى به ولا أملّ من شربه، فتداخلني- نالك الخير- صلف «5» لا أعرفه من نفسي، وبكاء لا أعرف سببه ولا عهد لي بمثله، واقتدار على أمر أظن معه أني لو أردت نيل السقف لبلغته ولو ساورت «6» الأسد لقتلته، وجعلت ألتفت إلى الرجل الناصح لي فتحدّثني نفسي بهتم أسنانه «7» وهشم أنفه، وأهمّ أحيانا بأن أقول له: يابن
(3/260)

الزانية؛ فبينما نحن كذلك إذ هجم علينا شياطين أربعة: أحدهم قد علّق في عنقه جعبة فارسية مشنّجة «1» الطرفين دقيقة الوسط قد شبحت «2» بالخيوط شبحا منكرا، وقد ألبست قطعة فرو كأنهم يخافون عليها القرّ. ثم بدر الثاني فاستخرج من كمّه هنة سوداء كفيشلة الحمار فوضع طرفها في فيه فضرط فيها فاستتمّ بها أمرهم، ثم حسب «3» على حجرة فيها فاستخرج منها صوتا ملائما مشاكلا بعضه بعضا كأنه- علم الله- ينطق. ثم بدر الثالث عليه قميص وسخ وقد غرق شعره بالدّهن ومعه مرآتان فجعل يمري «4» إحداهما على الأخرى مريا. ثم بدر الرابع عليه قميص قصير وسراويل قصير وخفّان أجذمان «5» لا ساقين لهما، فجعل يقفز كأنه يثب على ظهور العقارب، ثم التبط بالأرض، فقلت: معتوه وربّ الكعبة! ثم ما برح مكانه حتى كان أغبط «6» القوم عندي، ورأيت الناس يحذوفونه بالدارهم حذفا منكرا. ثم أرسلت إلينا النساء أن أمتعونا من لهوكم، فبعثوا بهم إليهن. وبقيت الأصوات تدور في آذاننا. وكان معنا في البيت شابّ لا آبه له، فعلت الأصوات له بالدعاء، فخرج فجاء بخشبة عينها في صدرها فيها خويطات أربعة، فاستخرج من جنبها عودا فوضعه على أذنه، ثم زمّ الخيوط الظاهرة، فلما أحكمها وعرك آذانها حرّكها بمجسّة «7» في يده، فنطقت وربّ الكعبة! وإذا هي أحسن قينة «8» رأيتها قطّ وغنّى عليها
(3/261)

فاستخفّني «1» في مجلسي حتى قمت فجلست بين يديه، فقلت: بأبي أنت وأمّي! ما هذه الدابّة؟ «2» فلست أعرفها للأعراب وما خلقت إلّا حديثا! فقال: يا أعرابيّ.
هذا البربط «3» الذي سمعت به؛ فقلت: بأبي أنت وأمي! فما هذا الخيط الأسفل؟
قال: زير؛ قلت: فما الذي يليه؟ قال: مثنى؛ قلت: فالثالث؟ قال: المثلث؛ قلت: فالرابع؟ قال البمّ؛ قلت: آمنت بالله أوّلا وبالبمّ ثانيا.
وقال الخريميّ: [طويل]
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ويخصب عندي والمحلّ جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنّما وجه الكريم خصيب
وقال أرطاة بن سهيّة «4» : [طويل]
وإنّي لقوّام إلى الضيف موهنا ... إذا أغدف السّتر البخيل المواكل «5»
دعا فأجابته كلاب كثيرة ... على ثقة منّي بما أنا فاعل
وما دون ضيفي من تلاد تحوزه ... لي النفس إلا أن تصان الحلائل «6»
وقال آخر «7» : [طويل]
إذا نزل الأضياف كان عذوّرا ... على الأهل حتى تستقلّ مراجله «8»
(3/262)

يقول: يسوّىء خلقه حتى يطعم أضيافه، لإعجاله إياهم ولخوف تقصير يكون منهم.
وقال دعبل: [طويل]
وإنّي لعبد الضيف من غير ذلّة ... وما فيّ إلّا تلك من شيمة العبد
وقال آخر «1» : [طويل]
لحافي لحاف الضّيف والبيت بيته ... ولم يلهني عنه الغزال المقنّع «2»
أحدّثه، إن الحديث من القرى ... وتعلم نفسي أنّه سوف يهجع «3»
وقال الفرزدق في العذافر: [طويل]
لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالها ... بأكثر خيرا من خوان عذافر «4»
ولو ضافه الدّجّال يلتمس القرى ... وحلّ على خبّازه بالعساكر «5»
بعدّة يأجوج ومأجوج كلّهم ... لأشبعهم يوما غداء العذافر «6»
وقال مسكين الدارميّ «7» : [كامل]
ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي تنزل القدر
ما ضرّ جارا لي أجاوره ... ألّا يكون لبابه ستر
(3/263)

ضاف رجل من كلب أبا الرّمكاء الكلبيّ، ومع الرجل فضلة من حنطة، فراحت معزى أبي الرّمكاء، فحلب وشرب، ثم حلب وسقى ابنه، ثم حلب وسقى امرأته؛ فقال الرجل: ألا تسقون ضيفكم؟ فقال أبو الرّمكاء: ما فيها فضل؛ فاستخرج الرجل ما في عكمه «1» من طعام وقال: هل من رحى؟
فأسرعوا بها نحوه، فطحن وعجن وأوقد خبزته وأخرجها فنفضها، فإذا رسول أبي الرمكاء يقول: يقول لك أبو الرمكاء: لا عهد لنا بالخبز؛ فقال الرجل: ما فيها فضل، ثم أكل وارتحل، وقال: [طويل]
وبات أبو الرّمكاء لم يسق ضيفه ... من المحض ما يطوي عليه فيرقد «2»
فقمت إلى حنّانة فوق أختها ... ونار وباتت وهي تورى وتوقد
فلما نفضت الخبز بالعود أقبلت ... رسائل تشكي الجوع والحيّ سهّد
وقال أبو الرّمكاء بالخبز عهده ... قديم له حول كريب مطرّد «3»
فقلت ألا لا فضل فيها لباخل ... ولا مطمع حتى يلوح لنا الغد
فبات أبو الرّمكاء من فرط ريحها ... يئنّ كما أنّ السليم المسهّد «4»
ذكر أعرابيّ قوما فقال: ألغوا من الصلاة الأذان، مخافة أن تسمعه الآذان، فيهلّ عليهم الضّيفان.
وقال بعضهم في ذلك: [وافر]
أقاموا الدّيدبان على يفاع ... وقالوا لا تنم للدّيدبان «5»
فإن أبصرت شخصا من بعيد ... فصفّق بالبنان على البنان
(3/264)

تراهم خشية الأضياف خرسا ... يصلّون الصلاة بلا أذان
وقال زياد الأعجم: [طويل]
وتكعم كلب الحيّ من حشية القرى ... وقدرك كالعذراء من دونها ستر «1»
وقال آخر: [طويل]
وإنّي لأجفو الضيف من غير عسرة ... مخافة أن يضرى بنا فيعود «2»
وقال آخر: [كامل]
أعددت للضّيفان كلبا ضاريا ... عندي وفضل هراوة من أرزن «3»
ومعاذرا كذبا ووجها باسرا ... متشكيّا عضّ الزمان الألزن «4»
رأى رجل الحطيئة وبيده عصا؛ فقال: ما هذه؟ قال: عجراء «5» من سلم، قال: إنّي ضيف، قال: للضّيفان أعددتها.
وقال آخر: [بسيط]
وأبغض الضيف ما بي جلّ مأكله ... ألّا تنفّخه حولي إذا قعدا
ما زال ينفخ جنبيه وحبوته ... حتى أقول لعلّ الضيف قد ولدا «6»
وقال حميد الأرقط «7» يذكر ضيفا: [طويل]
إذا ما أتانا وراد المصر مرملا ... تأوّب ناري أصفر العقل قافل «8»
(3/265)

فقلت لعبديّ اعجلا بعشائه ... وخير عشاء الضيف ما هو عاجل
فقال وقد ألقى المراسي للقرى ... أبن لي ما الحجّاج بالناس فاعل «1»
فقلت لعمري ما لهذا طرقتنا ... فكل ودع الأخبار ما أنت آكل
تجهّز كفّاه فيحدر حلقه ... إلى الزّور ما ضمّت عليه الأنامل «2»
أتانا ولم يعدله سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل «3»
فما زال منه اللّقم حتى كأنّه ... من العيّ لمّا أن تكلّم باقل «4»
وقال أيضا في نحو ذلك: [بسيط]
ومرملين على الأقتاب برّهم ... حقائب وعباء فيه بعرين «5»
مقدمين أنوفا في عصائبهم ... هجنا، ألا جدعت تلك العرانين «6»
يسطّرون لنا الأخبار إذ نزلوا ... وكلّ ما سطّروا للّقم تمكين
باتوا وجلّتنا الصهباء بينهم ... كأنّ أظفارهم فيها سكاكين «7»
فأصبحوا والنّوى عالي معرّسهم ... وليس كلّ النوى تلقي المساكين «8»
وقال أيضا في نحو ذلك: [طويل]
(3/266)

وعاو عوى والليل مستحلس النّدى ... وقد ضجعت للغور تالية النجم «1»
فسلّم تسليم الصّديق ولم يكن ... صديقا لنا إلا ليأنس باللّقم
فقلت له والنار تأخذ صدره ... لقمت لسمت أو سريت على علم «2»
وقال بعض الرّجّاز:
برّح بالعينين خطّاب الكثب «3» ... يقول إنّي خاطب وقد كذب
وإنّما يطلب عسّا من حلب «4»
وقال آخر: [بسيط]
إنّي لمثلكم من سوء فعلكم ... إن زرتكم أبدا إلّا معي زادي
وقال حمّاد عجرد: [متقارب]
حريث أبو الصّلت ذو خبرة ... بما يصلح المعدة الفاسده
تخوّف تخمة أضيافه ... فعوّدهم أكلة واحده
عن قتادة قال: قال زياد لغيلان بن خرشة «5» : أحبّ أن تحدّثني عن العرب وجهدها وضنك عيشها «6» ، لنحمد الله على النّعمة التي أصبحنا بها؛ فقال غيلان: حدّثني عمّي قال: توالت على العبر سنون تسع في الجاهليّة
(3/267)

حطمت كلّ شيء «1» ، فخرجت على بكر «2» لي في العرب. فمكثت سبعا لا أطعم شيئا إلا ما ينال منه بعيري أو من حشرات الأرض، حتى دفعت في اليوم السابع إلى حواء عظيم «3» ، فإذا بيت جحش «4» عن الحيّ، فملت إليه فخرجت إليّ امرأة طوالة حسّانة (5) ؛ فقالت: من؟ قلت: طارق ليل يلتمس القرى؛ فقالت: لو كان عندنا شيء لآثرناك به، والدّالّ على الخير كفاعله، حسّ «5» هذه البيوت ثم انظر إلى أعظمها، فإن يك في شيء منها خير ففيه؛ ففعلت حتى دفعت اليه، فرحّب بي صاحبه وقال: من؟ قلت: طارق ليل يلتمس القرى؛ فقال: يا فلان، فأجابه، فقال: هل عندك طعام؟ فقال لا؛ فو الله ما وقر «6» في أذني شيء كان أشدّ منه. قال: فهل عندك شراب؟ قال لا، ثم تأوّه فقال: بلي! قد بقّينا في ضرع الفلانة «7» شيئا لطارق إن طرقك، قال: فأت به، فأتى العطن فابتعثها «8» . فحدّثني عمي أنه شهد فتح أصبهان وتستر ومهرجان وكور الأهواز وفارس وجاهه عند السلطان وكثرة ماله وولده، قال: فما سمعت شيئا قطّ كان أشدّ من شخب «9» تيك الناقة في تلك العلبة؛ حتى إذا ملأها وفاضت من جوانبها وارتفعت عليها شمكرة «10» كجمّة الشيخ «11» ، أقبل بها
(3/268)

يهوي نحوي، فعثر بعود أو حجر، فسقطت العلبة من يده، فحدّثني أنه أصيب بأبيه وأمّه وولده وأهل بيته فما أصيب بمصيبة أعظم من ذهاب العلبة. فلما رأى ذلك ربّ البيت خرج شاهرا سيفه فبعث الإبل ثم نظر إلى أعظمها سناما ودفع إليه مدية وقال: يا عبد الله اصطل واحتمل «1» . قال: فجعلت أهوي بالبضعة إلى النار فإذا بلغت إناها «2» أكلتها، ثم مسحت ما في يدي من إهالتها «3» على جلدي وقد كان قحل «4» على عظمي حتى كأنّه شنّ «5» . ثم شربت شربة ماء وخررت مغشيّا عليّ فما أفقت إلى السّحر. وقطع زياد الحديث وقال: لا عليك ألّا تخبرنا بأكثر من هذا، فمن المنزول به؟ قلت: أبو عليّ عامر بن الطّفيل.
قال بعض الشعراء يهجو قوما: [كامل]
وتراهم قبل الغداء لضيفهم ... يتخلّلون صبابة للزّاد «6»
وقال آخر «7» : [مجزوء الكامل المرفّل]
استبق ودّ أبي المقا ... تل حين تأكل من طعامه
سيّان كسر رغيفه ... أو كسر عظم من عظامه
فتراه من خوف النزي ... ل به يروّع في منامه
(3/269)

فإذا مررت ببابه ... فاحفظ رغيفك من غلامه
وقال آخر «1» : [بسيط]
صدّق أليّته إن قال مجتهدا ... لا والرغيف، فذاك البرّ من قسمه «2»
قد كان يعجبني لو أنّ غيرته ... على جراذقه كانت على حرمه «3»
إن رمت قتلته فافتك بخبزته ... فإنّ موقعها من لحمه ودمه
قلت لرجل كان يأكل مع أبي دلف: كيف كان طعامه؟ قال: كان على مائدته رغيفان بينهما نقرة جوزة؛ وقال: [وافر]
أبو دلف يضيّع ألف ألف ... ويضرب بالحسام على الرغيف
أبو دلف لمطبخه قتار ... ولكن دونه ضرب السيوف «4»
وقال أبو الشّمقمق «5» : [وافر]
رأيت الخبز عزّ لديك حتّى ... حسبت الخبز في جوّ السحاب
وما روّحتنا لتذبّ عنّا ... ولكن خفت مرزئة الذّباب
وقال دعبل: [خفيف]
إنّ من ضنّ بالكنيف على الضي ... ف بغير الكنيف كيف يجود! «6»
ما رأينا ولا سمعنا بحشّ ... قبل هذا لبابه إقليد «7»
(3/270)

إن يكن في الكنيف شيء تخبّا ... هـ فعندي إن شئت فيه مزيد
ولهذا الشعر قصة قد ذكرتها في باب الشعراء «1» .
قال أبو محمد: شوى لجعفر بن سليمان الهاشميّ دجاج ففقد فخذ من دجاجة، فأمر فنودي في داره: من هذا الذي تعاطى فعقر «2» والله لا أخبز في هذا التنّور شهرا أو يردّ! فقال ابنه الأكبر: أتؤاخذنا بما فعل السّفهاء منّا!.
قال بعض الشعراء «3» : [سريع]
يا تارك البيت على الضيف ... وهاربا منه من الخوف
ضيفك قد جاء بخبز له ... فارجع فكن ضيفا على الضيف
وقال أبو نواس «4» : [مجزوء الرّمل]
خبز إسماعيل كلوش ... ي إذا ما شقّ يرفا «5»
عجبا من أثر الصن ... عة فيه كيف يخفى
إن رفّاءك هذا ... أحذق الأمة كفّا
فإذا قابل بالنص ... ف من الجردق نصفا «6»
(3/271)

مثل ما جاء من التّن ... ور ما غادر حرفا
أحكم الصنعة حتى ... لا يرى موضع إشفى «1»
وله في الماء أيضا ... عمل أبدع ظرفا
مزجه العذب بماء ال ... بئر كي يزداد ضعفا
فهو لا يشرب منه ... مثل ما يشرب صرفا «2»
عن عبد العزيز بن عمران قال: نزلت ببيت ابن هرمة فقلت: انحروا لنا جزورا؛ فقالت: والله ما هي عندنا؛ فبقرة، قالت لا؛ قلت: فشاة، قالت لا؛ قلت: فدجاجة، قالت لا، فأين قول أبيك: [منسرح]
لأمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلّا قريبة الأجل «3»
قالت: ذاك أفناها. فبلغ ابن هرمة ما قالت، قال: أشهد أنها ابنتي، وأشهد أن داري لها دون الذكور من أولادي.
قال ابن أبي فنن «4» : [منسرح]
لا أشتم الضيف ولكنّني ... أدعو له بالقرب من طوق «5»
بقرب من إن زاره زائر ... مات إلى الخبز من الشوق
دخل على ابن لرجل من الأشراف داخل وبين يديه فراريج، فغطّى الطبق بمنديله وأدخل رأسه في جيبه وقال للداخل عليه: كن في الحجرة الأخرى حتى أفرغ من بخوري.
(3/272)

وفيما أجاز لنا عمرو بن بحر من كتبه قال: دخل رجل على رجل قد تغذّى مع قوم ولم ترفع المائدة قال لهم: كلوا وأجهزوا على الجرحى.
يريد: كلوا ما كسر ونيل منه ولا تعرضوا إلى الصحيح.
قال: وقال لقوم يؤاكلونه: يزعمون أن خبزي صغار! أيّ ابن زانية يأكل من هذا رغيفين!. قال: ويقول لزائره إذا أطال عنده المكث: تغدّيت اليوم؟
فإن قال نعم، قال: لولا أنك تغدّيت لغدّيتك بطعام طيّب. وإن قال لا، قال:
لو كنت تغدّيت لسقيتك خمسة أقداح. فلا يكون له على الوجهين لا قليل ولا كثير.
وحكي عن أبي نواس أنه قال: قلت لرجل من أهل خراسان: لم تأكل وحدك؟ قال: ليس عليّ في هذا الموضع سؤال؛ إنما السؤال على من أكل مع الجماعة، لأن ذاك تكلّف وأكلي وحدي هو الأكل الأصليّ.
وكنّا عند داود بن أبي داود بواسط أيام ولايته كسكر «1» ، فأتته من البصرة هدايا، وكان فيها زقاق دو شاب «2» ، فقسمها بيننا، فكلّنا أخذ ما أعطي، غير الحزاميّ، فأنكرنا ذلك وقلنا: إنما يجزع الحزاميّ من الإعطاء وهو عدوّه، فأما الأخذ فهو ضالّته وأمنيّته؛ فإنه لو أعطي أفاعي سجستان، وثعابين مصر، وجرّارات «3» الأهواز لأخذها، إذ كان اسم الأخذ واقعا عليها؛ فسألناه عن سبب ذلك، فتعسّر قليلا ثم باح بسرّه وقال: وضعته «4» أضعاف ربحه، وأخذه من أسباب الإدبار؛ قلت: أوّل وضائعه احتمال ثقل السّكر؛ قال: هذا لم يخطر
(3/273)

ببالي قطّ، ولكن أوّل ذاك كراء الحمّال «1» ، فإذا صار إلى المنزل صار سببا لطلب العصيدة والارزّة والستندفود «2» ، فإن بعته فرارا من هذا البلاء صيّرتموني شهرة «3» ، وإن أنا حبسته ذهب في العصائد وأشباهها، وجذب ذلك شراء السّمن، ثم جذب السمن غيره، وصار هذا الدّوشاب علينا أضرّ من العيال؛ وإن أنا جعلته نبيذا احتجت إلى كراء القدور وإلى شراء الحبّ «4» وإلى شراء الماء وإلى كراء من يوقد تحته؛ فإن ولّيت ذلك الخادم اسودّ ثوبها وغرّمتنا ثمن الأشنان «5» والصابون، وازدادت في الطّعم على قدر الزيادة في العمل؛ فإن فسد ذهبت النفقة باطلا ولم نستخلف «6» منها عوضا بوجه من الوجوه، لأن خلّ الدّاديّ «7» يخضب اللّحم ويغيّر الطّعم ويسوّد المرقة ولا يصلح إلا للاصطباغ. وإن سلم- وأعوذ بالله- وجاد وصفا لم نجد بدّا من شربه ولم تطب أنفسنا بتركه؛ فإن قعدت في البيت أشربه لم يمكن ذلك إلا بترك سلاف «8» الفارسيّ المعسّل، والدّجاج المسمّن، وجداء كسكر «9» وفاكهة الجبل والنّقل الهشّ والرّيحان الغضّ، عند من لا يغيض «10» ماله، ولا تنقطع مادّته، وعند من لا يبالي على أي قطريه «11» سقط مع فوت الحديث المؤنس والسّماع الحسن؛ وعلى أنّى إن جلست في البيت أشربه لم يكن بدّ من واحد، وذلك
(3/274)

الواحد لا بدّ له من لحم بدرهم، ونقل بطسّوج «1» ، وريحان بقيراط «2» ، ومن أبزار للقدر وحطب للوقود؛ وهذا كله غرم وشؤم وحرمان وحرفة «3» وخروج من العادة الحسنة. فإن كان النديم غير موافق فأهل السجن أحسن حالا مني، وإن كان موافقا فقد فتح الله على ما لي به بابا من التّلف، لأنه حينئذ يسير في مالي كسيري في مال غيري ممّن هو فوقي. فإذا علم الصديق أن عندي داذيّا «4» أو نبيذا دقّ على الباب دقّ المدلّ، فإن حجبناه فبلاء، وإن أدخلناه فشقاء. وإن بدا لي في استحسان حديث الناس كما يستحسنه مني من أكون عنده، فقد شاركت المسرفين، وفارقت إخواني الصالحين، وصرت من إخوان الشياطين؛ والله تقدّست أسماؤه يقول: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ
«5» ؛ فإذا صرت كذلك فقد ذهب كسبي من مال غيري، وصار غيري يكتسب منّي؛ وأنا لو ابتليت بأحدهما لم أقم به فكيف إذا ابتليت بأن أعطي ولا آخذ، وبأن أوكّل ولا آكل! أعوذ بالله من الخذلان بعد العصمة، ومن الحور بعد الكور «6» ؛ ولو كان هذا في الحداثة كان أهون. هذا الدّوشاب دسيس من الحرفة، وكيد من الشيطان، وخدعة من الحسود، وهو الحلاوة التي تعقب المرارة. ما أخوفني أن يكون أبو سليمان قد ملّني فهو يحتال لي الحيل!.
وحكي عن الحارثيّ أنه قال: الوحدة خير من جليس السوء، وجليس السوء خير من أكيل السوء؛ لأن كلّ أكيل جليس وليس كل جليس أكيلا؛ فإن
(3/275)

كان لا بدّ من المؤاكلة ولا بدّ من المشاركة فمع من لا يستأثر عليّ بالمخ، ولا ينتهز بيضة «1» البقيلة؛ ولا يلتقم كبد الدجاج، ولا يبادر إلى دماغ السّلّاءة «2» ، ولا يختطف كلية الجدي، ولا يزدرد قانصة الكركيّ «3» ، ولا ينتزع شاكلة «4» الحمل، ولا يبتلع سرّة السّمك، ولا يعرض لعيون الرءوس، ولا يستولى على صدور الدّرّاج «5» ، ولا يسابق إلى أسقاط الفراخ، ولا يتناول إلا ما بين يديه، ولا يلاحظ ما بين يدي غيره، ولا يمتحن الإخوان بالأمور الثمينة، ولا ينتهك أستار الناس بأن يشتهي ما عسى ألّا يكون موجودا؛ فكيف تصلح الدنيا ويطيب العيش بمن إذا رأى جزوريّة «6» التقط الأكباد والأسنمة «7» ، وإذا عاين بقريّة استولى على العراق «8» والقطنة «9» ، وإن عاين بطن سمكة اخترق كلّ شيء فيه، وإن أتوا بجنب شواء اكتسح ما عليه، ولا يرحم ذا سنّ لضعفه، ولا يرقّ على حدث لحدّة شهوته، ولا ينظر للعيال، ولا يبالي كيف دارت الحال.
وأشدّ من كل ما وصفنا أنّ الطبّاخ ربّما أتى باللون الظريف الطّريف، والعادة في مثل ذلك اللون أن يكون لطيف الشخص صغير الحجم، فيقدّمه حارّا
(3/276)

ممتنعا، وربما كان من جوهر بطيء الفتور، وأصحابنا في سهول ازدراد الحارّ عليهم في طبائع النّعام، وأنا في شدّة الحارّ عليّ في طباع السّباع، فإن نظرت «1» إلى أن يمكن أتوا على آخره، وإن أنا بادرت مخافة الفوت وأردت أن أشاركهم في بعضه لم آمن ضرره؛ والحارّ بما قتل وربما أعقم وربما أبال الدم. قال: وعوتب على تركه إطعام الناس معه وهو يتخذ فيكثر، فقال: أنتم لهذا أترك مني، فإن زعمتم أنني أكثر مالا وأعدّ، عدّة، فليس بين حالي وحالكم من التفاوت أن أطعم أبدا وتأكلوا أبدا، فإذا أتيتم من أموالكم من البذل على قدر احتمالكم، علمت أنكم الخير أردتم، وإلى تزييني ذهبتم، وإلا فإنّكم إنّما تحلبون حلبا لكم شطره «2» .
قال: كان أبو ثمامة أفطر ناسا وفتح بابه فكثر عليه الناس، فقال: إن الله لا يستحي من الحقّ، وكلّكم واجب الحق، ولو استطعنا أن نعمّكم بالبرّ كنتم فيه سواء ولم يكن بعضكم أولى به من بعض؛ كذلك أنتم إذا عجزنا أو بدا لنا، فليس بعضكم أحقّ بالحرمان والاعتذار إليه من بعض، ومتى قرّبت بعضكم وفتحت بابي لهم وباعدت الآخرين، لم يكن في إدخال البعض عذر، ولا في منع الآخرين حجّة؛ فانصرفوا ولم يعودوا.
قال: وكان محمد بن أبي المؤمّل يقول: قاتل الله رجلا كنّا نؤاكلهم، ما رأيت قصعة رفعت من بين أيديهم إلا وفيها فضل، وكانوا يعلمون أن إحضار
(3/277)

الجدى إنما هو شيء من آيين «1» الموائد الرّفيعة، وإنما جعل كالقافية وكالخاتمة وكالعلامة لليسر والفراغ، ولم يحضر للتفريق والتخريب، وأن أهله لو أرادوا به سوءا لقدّموه لتقع الحدّة به؛ ولذلك قال أبو الحارث جمّيز «2» حين رآه لا يمسّ: هذا المدفوع عنه.
ولقد كانوا يتحامون بيضة البقيلة «3» ، ويدعها كلّ واحد لصاحبه، وأنت اليوم إذا أردت أن تمتّع عينيك بنظرة واحدة منها ومن بيضة السّلّاءة «4» لم تقدر على ذلك.
وكان يقول: الآدام أعداء الخبز، وأعداها له المالح؛ فلولا أن الله أعان عليها بالماء وطلب آكله له لأتى على الحرث والنّسل.
وكان يقول: ما بال الرجل إذا قال: اسقني ماء أتاه بقلّة على قدر الرّيّ «5» أو أصغر، وإذا قال؛ أطعمني شيئا أو هات لفلان طعاما، أتاه من الخبز بما يفضل عن الجماعة، والطعام والشّراب أخوان. أما إنه لولا رخص الماء وغلاء الخبز لما كلبوا «6» على الخبز وزهدوا في الماء؛ والناس أشدّ شيء تعظيما للمأكول إذا كثر ثمنه وكان قليلا في منبته وعنصره. هذا الجزر الصافي والباقلاء الأخضر أطيب من كمّثرى خراسان والموز البستاني، وهذا
(3/278)

الباذنجان أطيب من الكمأة، ولكنهم لقصر هممهم وأذهانهم في التقليد والعادة لا يشتهون إلّا على قدر الثمن.
وكان يقول: لو شرب الناس الماء على طعامهم لما اتّخموا. وذلك أن الرجل لا يعرف مقدار ما أكل حتى ينال من الماء شيئا، لأنه ربما كان شبعان وهو لا يدري. وفي قول الناس: ماء دجلة أمرأ «1» من ماء الفرات، وماء مهران «2» أمرأ من ماء نهر بلخ «3» ؛ وفي قول العرب: هذا ماء نمير يصلح عليه المال دليل على أن الماء يمرىء؛ حتى قالوا: إن الماء الذي يكون عليه النّفاطات «4» أمرأ من الماء الذي تكون عليه القيّارات «5» . فعليكم بشرب الماء على الغداء فإنّ ذلك أمرأ «6» .
قال وكان الثّوريّ يقول لعياله: لا تلقوا نوى التمر والرّطب وتعوّدوا ابتلاعه، فإن النوى يعقد الشحم في البطن، ويدفىء الكليتين بذلك الشّحم؛ واعتبروا ذلك ببطون الصّفايا «7» وجميع ما يعتلف النّوى. والله ما حملتم أنفسكم على قضم الشّعير واعتلاف القتّ «8» لوجدتموها سريعة القبول، وقد يأكل الناس القتّ قدّاحا «9» ، والشّعير فريكا «10» ، ونوى البسر الأخضر1»
، ونوى
(3/279)

العجوة «1» ؛ وإنما بقيت عليكم الآن عقبة؛ أنا أقدر أن أبتلع النوى وأعلفه الشّاء، ولكن أقول هذا بالنظر لكم.
وكان يقول لهم: كلوا الباقلاء بقشوره، فإن الباقلاء يقول: من أكلني بقشوري فقد أكلني، ومن لم يأكلني بقشوري فأنا آكله؛ فما حاجتكم إلى أن تصيروا طعاما لطعامكم، وأكلا لما جعل أكلا لكم.
قال: وحمّ هو وعياله فلم يقدروا على أكل الخبز، فربح أقواتهم في تلك الأيام؛ ففرح وقال: لو كان في منزل سوق الأهواز ونطاة «2» خيبر رجوت أن أستفضل في كلّ سنة مائة دينار.
قال: ودعا موسى بن جناح جماعة من جيرانه ليفطروا عنده في [شهر رمضان] «3» ، فلما وضعت المائدة أقبل عليهم ثم قال لهم: لا تعجلوا، فإنّ العجلة من عمل الشيطان. ثم وقف وقفة ثم قال: وكيف لا تعجلون والله تعالى يقول: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
«4» . اسمعوا ما أقول لكم، فإن فيه حسن المؤاكلة والتبعّد من الأثرة، والعاقبة الرشيدة، والسيرة المحمودة: إذا مدّ أحدكم يده ليستقي ماء فأمسكوا أيديكم حتى يفرغ، فإنكم تجمعون عليه خصالا: منها أنكم تنغّصون عليه في شربه، ومنها أنه إذا أراد اللّحاق بكم فلعلّه يتسرّع إلى لقمة حارّة فيموت، وأدنى ذلك أن تبعثوه على الحرص وعلى عظم اللقم. ولهذا قال بعضهم وقد قيل له: لم تبدأ بأكل اللحم؟ قال: لأن اللّحم ظاعن والثريد مقيم. وأنا وإن كان الطعام طعامي فإني كذلك أفعل؛
(3/280)

فإذا رأيتم فعلى يخالف قولي فلا طاعة لي عليكم. وقال بعضهم: فربما نسي بعضنا فمدّ يده وصاحبه يشرب، فيقول له: يدك يا ناسي، ولولا شيء لقلت لك: يا متغافل.
قال: فأتانا بأرزّة «1» أحدنا أن يعدّ حباتها لعدّها، لتفرّقها، وقلّتها، وهي مقدار نصف سكرّجة «2» ؛ فوقعت في فمي قطعة، وكنت إلى جنبه، فسمع صوتا حين مضغتها، فقال: اجرش يا أبا كعب.
قال: وكنا نسمع باللئيم الراضع، وهو الذي يرضع الحلب فلا يحلبه في الإناء لئلّا يسمع صوت الحلب- وقال بعضهم: لئلا يضيع من اللبن شيء- ثم رأيت أبا سعيد المدائني قد صنع أعظم من ذلك: ارتضع من دنّ خلّا حتى فني ولم يخرج منه شيء.
قال: وكان الكنديّ لا يزال يقول للساكن من سكّاننا-[وربما قال] «3» للجار- إنّ في داري امرأة بها حبل، والوحمى «4» ربما أسقطت من ريح القدر الطيّبة، فإذا طبختم فردوا شهوتها بغرفة أو بلعقة فإن النفس يردّها اليسير، وإن لم تفعل ذلك وأسقطت فعليك غرّة «5» : عبد أو أمة.
وقال بعضهم: نزلنا دارا بالكراء للكنديّ على شروط، فكان في شرطه
(3/281)

على السكّان أن يكون له روث الدابّة، وبعر الشاة، ونشوار «1» العلوقة؛ وألّا يخرجوا عظما ولا يخرجوا كناسة، وأن يكون له نوى التمر، وقشور الرمّان، والغرفة من كل قدر تطبخ للحبلى في بيته؛ وكان في ذلك يتنزّل «2» عليهم، فكانوا لطيبه وإفراط بخله يحتملون ذلك.
وقال دعبل: أقمنا يوما عند سهل بن هارون، فأطلنا الحديث حتى اضطّره الجوع إلى أن دعا بغدائه، فأتي بصحفة عدمليّة «3» فيها مرق لحم ديل عاس «4» هرم ليس قبلها ولا بعدها غيرها، لا تحزّ «5» فيه السكين، ولا تؤثّر فيه الأضراس، فاطّلع في القصعة وقلّب بصره فيها، فأخذ قطعة خبز يابس فقلب بها جميع ما في الصفحة ففقد الرأس، فبقي مطرقا ساعة، ثم رفع رأسه إلى الغلام وقال: أين الرأس؟ قال: رميت به؛ قال: ولم؟ قال: ما ظننت أنك تأكله ولا تسأل عنه «6» ! قال: ولأيّ شيء ظننت ذلك؟ فو الله إني لأمقت «7» من يرمي برجله فيكف من يرمي برأسه! والرأس رئيس، وفيه الحواسّ الخمس، ومنه يصيح الديك، ولولا صوته ما أريد، وفيه عرفه الذي يتبرّك به، وفيه عينه التي يضرب بها المثل فيقال: شراب كعين الديك «8» ودماغه عجب لوجع الكلية، ولن ترى عظما قطّ أهشّ من عظم رأسه؛ فإن كان من نبل أنك لا تأكله فإنّ عندنا من يأكله. أو ما علمت أنه خير من طرف الجناح ومن الساق
(3/282)

ومن العنق!. انظر أين هو. قال: لا والله لا أدري أين هو، رميت به؛ قال:
لكني أدري أنّك رميت به في بطنك، والله حسبك.
وحكي عن رجل أنه قال: مررت ببعض طرقات الكوفة، فإذا رجل يخاصم جارا له فقلت: ما بالكما تختصمان؟ فقال أحدهما «1» : لا والله إلّا أنّ صديقا لي زارني فاشتهى عليّ رأسا، فاشتريته وتغدّينا به وأخذت عظامه فوضعتها على باب داري أتجمّل بها «2» عند جيراني، فجاء هذا فأخذها وتركها على باب داره يوهم أنه اشتراه.
قال: وتناول رجل من بين يدي أمير من الأمراء بيضة وهو معه، فقال:
خذها فإنها بيضة العقر «3» ولم يأذن له بعد ذلك.
قال: وقدّمت مائدة لرجل عليها أرغفة على عدد الرءوس ورغيف زائد يوضع على الصّحاف، فلما أنفد القوم خبزهم التفت إلى رجل إلى جانبه فقال: اكسر هذا الرغيف وفرّقه بينهم، فتغافل، فأعاد عليه، فقال: يبتلى على يد غيري.
قال المدائنيّ: كان للمغيرة بن عبد الله الثّقفيّ وهو على الكوفة جدي يوضع على مائدته بعد الطعام لا يمسّه وهو ولا غيره، فقدم أعرابيّ يوما فأكل لحمه وتعرّق «4» عظامه؛ فقال، يا هذا، أتطالب هذا البائس بذحل «5» ؟! هل نطحتك أمّه! قال: وأبيك إنك لشفيق عليه! هل أرضعتك أمّه!.
(3/283)

قال المدائني: كان لزياد بن عبد الله الحارثيّ جدي لا يمسّه أحد، فعشّى في شهر رمضان قوما فيهم أشعب، فعرض أشعب يوما للجدي من بين القوم، فقال زياد حين رفعت المائدة: أما لأهل السجن إمام يصلّي بهم؟
قالوا: لا؛ قال: فليصلّ بهم أشعب؛ قال أشعب: أو غير ذلك أيها الأمير؟
قال: وما هو؟ قال: لا آكل لحم جدي أبدا.
قال: وكان المغيرة بن عبد الله الثّقفيّ يأكل وأصحابه تمرا فانطفأ السراج، وكانوا يلقون النّوى في طست، فسمع صوت نواتين؛ فقال: من ذا يلعب بالكعبتين؟ «1» .
قال الأعشى «2» : [طويل]
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم سغب يبتن خمائصا «3»
وقال آخر «4» [بسيط]
وضيف عمرو وعمرو ساهران معا ... فذاك من كظّة والضيف من جوع «5»
وقال آخر [بسيط]
وجيرة لا ترى في الناس مثلهم ... إذا يكون لهم عيد وإفطار
إن يوقدوا يوسعونا من دخانهم ... وليس يبلغنا ما تنضج النار
وقال سماعة بن أشول: [طويل]
نزلنا بسهم والسماء تلفّنا ... لحى الله سهما ما أدقّ وألأما «6»
(3/284)

فلما رأينا أنه عاتم القرى ... بخيل ذكرنا ليلة الهضب كردما «1»
فقمنا وحمّلنا على الأين والوجى ... جلالا بأوصال الرّديفين مرجما «2»
يدقّ خراطيم القنان كأنّما ... يدقّ بصوّان الجلاميد ختما «3»
فجئنا وقد باض الكرى في عيوننا ... فتى من عيون المعرقين مسلّما «4»
تناخ إليه هجمة واتكيّة ... رعت بالجواء البقل حولا مجرّما «5»
كأنّ بأحقيها إذا ما تنغّمت ... مزادا سقا فيه المزوّة معصما «6»
فبات رفيقي بعد ما ساء ظنّه ... بمنزلة من آخر الليل مكرما
ولو أنها لم يدفع العيس زمّها ... رأى بعضها من بعض أنسائها دما «7»
وقال حميد الأرقط: [طويل]
ومستنبح بعد الهدوء وقد جرت ... له حرجف نكباء والليل عاتم «8»
رفعت له مخلوطة فاهتدى بها ... يشبّ لها ضوء من النار جاحم «9»
فأطعمته حتى غدا وكأنّما ... تنازعه في أخدعيه المحاجم «10»
(3/285)

كزمهان يفطو المشي لو جعلت له ... رعايا الحمى لم يلتفت وهو قائم «1»
حريص على التسليم لو يستطيعه ... فلم يستطع لما غدا وهو عائم «2»
وقال الأعشى «3» : [وافر]
إذا حلّت معاوية بن عمرو ... على الأطواء خنّقت الكلابا «4»
وقال آخر «5» : [طويل]
أيا بنة عبد الله وابنة مالك ... ويابنة ذي البردين والفرس الورد «6»
إذا ما عملت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني غير آكله وحدي
بعيدا قصيّا أو قريبا فإنني ... أخاف مذمّا الأحاديث من بعدي
وكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعى بادي الخصاصة والجهد «7»
وللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
وقال مرّة بن محكان السّعدي «8» [بسيط]
فقلت لما غدوا أوصي قعيدتنا ... غدّي بنيك فلن تلفيهم حقبا «9»
أدعى أباهم ولم أقرف بأمّهم ... وقد هجعت ولم أعرف لهم نسبا «10»
وقال حمّاد عجرد: [سريع]
(3/286)

زرت امرأ في بيته مرّة ... له حياء وله خير «1»
يكره أن يتخم إخوانه ... إنّ أذى التّخمة محذور
ويشتهي أن يؤجروا عنده ... بالصوم والصائم مأجور
وقال بعض المحدثين: [وافر]
أبو نوح نزلت عليه يوما ... فغدّاني برائحة الطعام
وجاء بلحم لا شيء سمين ... فقدّمه على طبق الكلام
فلما أن رفعت يدي سفاني ... مداما بعد ذاك بلا مدام
فكان كمن سقى الظمآن آلا ... وكنت كمن تغدّى في المنام «2»
وقال عروة بن الورد «3» : [كامل]
إنّي امروؤ عافي إنائي شركة ... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد «4»
أتهزأ منّي أن سمنت وأن ترى ... بجسمي مسّ الحقّ والحقّ جاهد «5»
أقسّم جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء والماء بارد «6»
باب القدور والجفان
ذكر الفرزدق عقبة بن جبّار المنقري وقدره فقال [بسيط]
(3/287)

لو أن قدرا بكت من طول محبسها ... على الحفوف بكت قدر ابن جبّا «1»
ما مسّها دسم مذ فضّ معدنها ... ولا رأت بعد نار القين من نار «2»
وقال: [وافر]
كأنّ تطلّع التّرغيب فيها ... عذار يطّلعن إلى عذار «3»
وقال الكميت: [متقارب]
كأنّ الغطامط من غليها ... أراجيز أسلم تهجو غفارا «4»
وقال آخر «5» : [طويل]
وقدر كجوف الليل أحمشت غليها ... ترى الفيل فيها طافيا لم يفصّل «6»
وقال ابن الزّبير «7» يمدح أسماء بن خارجة: [طويل]
ترى البازل البختيّ فوق خوانه ... مقطّعة أعضاؤه ومفاصله «8»
وقال الرّقاشيّ: [طويل]
(3/288)

لنا من عطاء دهماء جونة ... تناول بعد الأقربين الأقاصيا «1»
جعلت ألالا والرّجام وطخفة ... لها فاستقلّت فوقهنّ الأثافيا «2»
مؤدّية عنّا حقوق محمد ... إذا ما أتانا يابس الجنب طاويا
أتى ابن يسير كي ينفّس كربه ... إذا لم يرح وافى مع الصبح غاديا
فأجابه ابن يسير: [طويل]
وثرماء ثلماء النّواحي ولا يرى ... بها أحد عيبا سوى ذاك باديا «3»
إذا انقاض منها بعضها لم تجد لها ... رءوبا لما قد كان منها مدانيا «4»
وإن حاولوا أن يشعبوها فإنها ... على الشّعب لا تزداد إلّا تداعيا «5»
معوّذة الإرجال لم توف مرقبا ... ولم تمتط الجون الثلاث الأثافيا «6»
ولا اجترعت من نحو مكة شقّة ... إلينا ولا جازت بها العيس واديا «7»
ولكنّها في أصلها موصليّة ... مجاورة فيضا من البحر جاريا
أتتنا تزجّيها المجاذيف نحونا ... وتعقب فيما بين ذاك المزاديا «8»
(3/289)

يقول لمن هذي القدور التي أرى ... تهيل عليها الرّيح تربا وسافيا «1»
فقالوا ولن يخفى على كلّ ناظر ... قدور رقاش إن تأمّل دانيا
فقلت متى باللحم عهد قدوركم ... فقالوا إذا ما لم يكنّ عواريا «2»
من اضحى إلى أضحى وإلّا فإنها ... تكون بنسج العنكبوت كما هيا
فلما استبان الجهد لي في وجوههم ... وشكواهم أدخلتهم في عياليا
ينادي ببعض بعضهم عند طلعتي ... ألا أبشروا هذا اليسيريّ جائيا
وقال أبو نواس: [طويل]
ودهماء تثفيها رقاش إذا شتت ... مركّبة الآذان أمّ عيال «3»
يغصّ بحيزوم البعوضة صدرها ... وتنزلها عفوا بغير جعال «4»
لو جئتها ملأى عبيطا مجزّلا ... لأخرجت ما فيها بعود خلال «5»
هي القدر قدر الشيخ بكر بن وائل ... ربيع اليتامى عام كلّ هزال «6»
وقال أيضا: [طويل]
رأيت قدور الناس سودا من الصّلى ... وقدر الرّقاشيّين زهراء كالبدر «7»
ولو جئتها ملأى عبيطا مجزّلا ... لأحرجت ما فيها على طرف الظّفر
يثبّتها للمعتفى بفنائهم ... ثلاث كحظّ الثاء من نقط الحبر «8»
(3/290)

تروح على حيّ الرّباب ودارم ... وسعد وتعروها قراضبة الفزر «1»
وللحيّ عمرو نفحة من سجالها ... وتغلب والبيض اللهاميم من بكر «2»
إذا ما بنادى بالرحيل سعى بها ... أمامهم الحوليّ من ولد الذّرّ «3»
وقال أبو عبيدة: كان لعبد الله بن جدعان جفنة يأكل منها القائم والراكب. وذكر غيره أنه وقع فيها صبيّ فغرق.
وقال الأشعر «4» : [متقارب]
وأنت مليخ كلحم الحوار ... فلا أنت حلو ولا أنت مرّ «5»
وقد علم الضيف والطارقون ... بأنّك للضيف جوع وقرّ «6»
سأل يحيى بن خالد أبا الحارث جمّيزا عن طعام رجل، فقال: أما مائدته فمقنة «7» وأما صحافه فمنقورة من حبّ الخشخاش، وبين الرغيف والرغيف نقرة جوزة «8» ، وبين اللون واللون فترة نبيّ «9» . قال: فمن يحضرها؟
قال: الكرام الكاتبون. قال: فيأكل معه أحد؟ قال: نعم، الذّباب. قال:
فلهذا ثوبك مخرّق ولا يكسوك وأنت معه وبفنائه؟! قال أبو الحارث: جعلت فداءك، والله لو ملك بيتا من بغداد إلى الكوفة مملوءا إبرا، في كل إبرة
(3/291)

خيط، ثم جاءه جبريل وميكائيل معهما يعقوب يضمنان «1» عنه إبر يخيط بها قميص يوسف الذي قدّ من دبر «2» ، ما أعطاهم.
وقال بعضهم [بسيط]
ولو عليك اتّكالي في الغذاء إذا ... لكنت أوّل مدفون من الجوع
سياسة الأبدان بما يصلحها من الطعام وغيره
قال الحجّاج لتياذوق «3» متطبّبه: صف لي صفة آخذ بها في نفسي ولا أعدوها، قال تياذوق: لا تتزوّج من النساء إلّا شابّة، ولا تأكل من اللحم إلا فتيّا، ولا تأكله حتى ينعم طبخه، ولا تشربنّ دواء إلا من علّة، ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها، ولا تأكل طعاما إلا أجدت مضغه، وكل ما أحببت من الطعام واشرب عليه، وإذا شربت فلا تأكل عليه شيئا، ولا تحبس الغائط والبول، وإذا أكلت بالنهار فنم، وإذا أكلت بالليل فتمشّ ولو مائة خطوة.
روى عبد العزيز بن عمران عن الحليس بن حيّان الأشجعيّ قال حدّثني أبي عن شيوخ من أشجع قال: سألمنا يهود خيبر: بم صححتم بخيبر؟ قالوا:
بشرب الخمر، وأكل الفوم، وسكون اليفاع «4» ، وتجنّب بطون الأودية، والخروج من خيبر عند طلوع الفجر وسقوطه.
قال الحجّاج للحكم بن المنذر بن الجارود: أخبرني عن صفاء لونك وغلظ قصرتك «5» ، أشرب اللبن فهو منه؟ قال: لا؛ قال: ولم؟ قال: لأنه منتنة
(3/292)

منفخة. قال: فما شرابك؟ قال: نبيذ الدّقل «1» في الصيف ونبيذ العسل في الشتاء.
قال عبد الملك لأعرابي: إنك حسن الكدنة «2» : قال: إني أدفىء رجليّ في الشتاء، وأغفل غاشية الغمّ»
، وآكل عند الشهوة.
عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: من ابتدأ غذاءه بالملح أذهب الله عنه سبعين نوعا من البلاء. ومن أكل كلّ يوم سبع تمرات عجوة قتلت كلّ داء في بطنه. ومن أكل كلّ يوم إحدى وعشرين زبيبة حمراء لم ير في بدنه شيئا يكرهه. واللحم ينبت اللحم. والثريد طعام العرب. ولحم البقر داء «4» ، ولبنها شفاء، وسمنها دواء. والشّحم يخرج مثليه من داء. ولم يستشف الناس بشيء أفضل من الرّطب. والسّمك يذيب الجسد، وقراءة القرآن «5» والسواك يذهب البلغم. ومن أراد البقاء- ولا بقاء- فليباكر الغداء، وليقلّل غشيان النّساء، ويخفّف الرداء، وليلبس الحذاء. قيل: وما خفّة الرّداء في البقاء؟ قال: قلّة الدّين.
قيل لرجل: إنك لحسن السّخنة «6» ؛ فقال: آكل لباب البرّ بصغار المعز، وأدّهن بحام «7» البنفسج، وألبس الكتّان.
(3/293)

ويقال: ثلاثة أشياء تورث الهزال: شرب الماء على الرّيق، والنوم على غير وطاء «1» ، وكثرة الكلام برفع الصوت.
ويقال: أربع خصال يهدمن العمر وربما قتلن: دخول الحمّام على بطنة، والمجامعة على الامتلاء، وأكل القديد «2» الجافّ، وشرب الماء البارد على الرّيق؛ وقيل: ومجامعة العجوز.
وفي الحديث: «ثلاثة أشياء تورث النّسيان أكل التّفّاح الحامض وسؤر الفأرة «3» ونبذ القملة «4» . وفي حديث آخر والحجامة في النّقرة «5» والبول في الماء الراكد» .
ويقال: أربعة أشياء تقصد إلى العقل بالإفساد: الإكثار من البصل، والباقلاء، والجماع، والخمار.
وقال النّظّام: ثلاثة أشياء تخلق «6» العقل وتفسد الذّهن: طول النّظر في المرآة، والاستغراب في الضّحك، ودوام النّظر إلى البحر.
وكان يقال: عشاء الليل يورث العشا «7» .
ويروى في الحديث: «ترك العشاء مهرمة» . والعرب تقول: ترك العشاء يذهب بلحم الأليتين.
(3/294)

باب الحمية
قال الحارث بن كلدة طبيب العرب: الدواء هو الأزم. يعني الحمية قال آخر: الحمية إحدى العلّتين.
وقيل لجالينوس: إنك تقلّ من الطّعام؛ قال: غرضي من الطّعام أن آكل لأحيا، وغرض غيري من الطعام أن يحيا ليأكل.
وقال العمّيّ «1» : من احتمى فهو على يقين من المكروه، وفي شكّ مما يأمل من العافية.
وكان يقال: ليس الطبيب من حمى الملك ومنعه الشهوات، إنّما الطبيب من خلّاه وما يريد وساس بدنه «2» .
وقال بعض الشعراء: [طويل]
وربّت حزم كان للسّقم علّة ... وعلّة برء الداء خبط المغفّل «3»
ويقال: الحمية للصحيح ضارّة كما أنها للعليل نافعة.
وفي الحديث: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم رأى صهيبا يأكل تمرا وبه رمد، فقال له: «أتأكل التمر وبك رمد؛ فقال: يا رسول الله، إنما أمضغ بهذه» «4» .
إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «لا تكرهوا مرضاكم على الطّعام والشّراب فإن الله يطعمهم ويسقيهم» .
(3/295)

باب شرب الدواء
قال عبد الله بن بكر السّهميّ: حدّثنا بعض أصحابنا يرفعه إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من استقلّ «1» بدائه فلا يتداوينّ، فإنّه ربّ يورث الداء» .
وكانت الحكماء تقول: إياك وشرب الدواء ما حملت صحّتك داءك.
وقالوا: مثل شرب الدواء مثل الصابون للثوب ينقيه، ولكنه يخلقه ويبليه.
عن يزيد بن الأصمّ قال: لقيت طبيب كسرى شيخا كبيرا قد أوثق حاجبيه بخرقة، وسألته عن دواء المشي «2» ؛ قال: سهم يرمى به في جوفك أخطأ أو أصاب.
قال أبقراط: الدواء من فوق، والدواء من تحت، والدواء لا فوق ولا تحت. وفسّره المفسّر فقال: من كان داؤه في بطنه فوق سرّته سقي الدواء، ومن كان داؤه تحت سرّته حقن، ومن لم يكن به داء لا من فوق ولا من تحت لم يسق الدواء، فإن الدواء إذا لم يجد داء يعمل فيه وجد الصحّة فعمل فيها.
قال أبو اليقظان: كان عبد العزّى بن عبد المطّلب «3» يشتكي عينه وهو مطرق أبدا؛ وكان يقول: ما بعيني بأس، ولكن كان أخي الحارث إذا اشتكت عينه يقول: اكحلوا عين عبد العزّى معي فيأمر من يكحلني معه ليرضيه بذلك فأمرض عيني.
قال ابن أحمر «4» حين شفي بطنه: [طويل]
(3/296)

شربت الشّكاعى والتددت ألدّة ... وأقبلت أفواه العروق المكاويا «1»
شربنا وداوينا وما كان ضارنا ... إذا الله حمّ المرء أن لا تداويا
وفي الحديث: «داووا مرضاكم بالصّدقة وحصّنوا أموالكم بالزّكاة واستقبلوا أنواع البلايا بالدعاء» .
الحدث والحقنة والتّخمة
عن وهب قال قال لقمان لابنه: إن طول الجلوس على الخلاء يرفع الحرارة إلى الرأس، ويورث الباسور وتيجع «2» له الكبد؛ فاجلس هوينى وقم هوينى. فكتبت حكمته على باب الحشّ «3» .
وكان يقال: إذا خرج الطعام قبل ستّ ساعات فهو مكروه، وإذا بقي أكثر من أربع وعشرين ساعة فهو مرض.
وكان أبو ذفافة الباهليّ اشتكى، فأشار عليه الأطبّاء بالحقنة فامتنع؛ فأنشأ أعرابيّ يقول: [طويل] لقد سرّني- والله وقّاك شرّها-* نفارك منها إذ أتاك يقودها
كفى سوءة ألّا تزال مجبّيا ... على شكوة وفراء في استك عودها «4»
وأشاروا على عبيد الله بن زياد بالحقنة فتفحّشها؛ فقالوا: إنما يتولّاها منك الطبيب؛ فقال: أنا بالصاحب آنس.
(3/297)

قال المدائنيّ: سأل الحجّاج جلساءه: ما أذهب الأشياء للإعياء؟ فقال بعضهم: أكل التّمر، وقال بعضهم: الحمام، وقال بعضهم: التّمريخ «1» .
وقال فيروز: أذهب الأشياء للإعياء قضاء الحاجة.
وحدّثني بعض الأطبّاء أن رجلا شرب خبث الحديد المعجون فبقي في جوفه، فاشتدّ عليه وجعه؛ فسحقت له قطعة من المغناطيس وسقي إيّاه، فتعلّق بالخبث وخرج مع الغائط.
قال: وقال تياذوق طبيب الحجّاج للحجّاج: إن اللحم على اللحم يقتل السّباع في البرّية. ثم قال لي جعفر: قالت جارية لنا: كان لي ظبيّ فمرّ بعجين قد هيّء للخشكنان «2» ، فأكل منه فحفس- والحفس: الحبط وانتفاخ البطن- فسلخ فوجد قد شرق بالدم. وقال يونس (طبيب لنا) : هكذا يصاب الإنسان إذا بشم «3» .
الأصمعيّ: قال بعض الأعراب: اللهمّ إني أسألك ميتة كميتة أبي خارجة، وأكل بذجا «4» ، وشرب معسّلا «5» ، ونام في الشمس، فلقي الله شبعان ريّان دفآن.
وقال آخر من الأعراب: اللهم اجعل التّخمة دائي وداء عيالي.
قال ابن شبابة مولى بني أسد: من بال ولم يضرط كتبت استه من الكاظمين الغيظ.
(3/298)

باب القيء
عن جعفر بن سليمان أنّه قال لإنسان أكول يقيء إذا أكل: لا تفعل، فإن المعدة تضفر «1» إلى القيء كما تضفر الدّابّة إلى العلف، فلا ينضج الطعام.
وأخذ مزبّد شاربا فاستنكه «2» ، فأتي به الوالي فاستنكهوه، فقالوا نكهته لا تنبىء عنه، قال مزبّد: إن لم أقيء نبيذا فمن يضمن لي عشاء.
رئي الجمّال يأكل فقيل له: ما تأكل؟ قال: قيء كلب في قحف «3» خنزير.
النّكهة
سئل تياذوق عن البخر»
فقال: دواؤه الزبيب يعجن بسعتر «5» ثم يؤكل أسبوعين أو ثلاثة. فجرّب فذهب.
وتقول الروم في الكرفس «6» : إنه يطيّب الفم ويذهب البخر؛ ويحتاج إلى أكله من يشاهد السلطان ومحافل الناس وكان أكثر كلامه السّرار «7» .
قالت الأطباء: الجزر المشويّ والخبز المقلوّ بالزيت أو بالسمن إذا مضغ ورمي بثفله «8» قاطع لرائحة البصل من الفم. والفوم إن أكله آكل فأحبّ أن يقطع رائحته مضغ ورق الزيتون الطّريّ وتمضمض «9» بعده بالخلّ.
(3/299)

والسّعد «1» قاطع لرائحة النبيذ من الفم. وحبّ الأترجّ «2» مطيّب للنّكهة.
والبخر لا يكاد يكون في الملّاحين لأكلهم الملّاح «3» .
وقرأت في الآيين «4» : أن رئيس الحرم أمر جواري الملك ألّا يأكلن الثّوم والبصل والكرّاث واللّفّاح «5» والحمّص الرّطب والمشمش؛ فإنه يورث البخر.
باب المياه والأشربة
قالت الأطبّاء: معرفة خفّة الماء بأن يكون سريع الغليان ويكون سريع البرد. وأحمد المياه ما كان قبالة المشرق ومجراه مجرى الشمال ومروره على الطين الأحمر وعلى الرمل. قالوا: وممّا يصفّي من الماء الكدر فيصفو سريعا أن يلقى فيه قطع من خشب السّاج «6» أو قطع من آجرّ جديد.
قال بعض المحدثين: [مخلع البسيط]
يمنع امّه بالشّمال ... وماؤها البارد الزّلال
يصيح فيها وقايتونا ... يجري به الثلج في مثال «7»
(3/300)

وقال صاحب الفلاحة: من أراد أن يعذب له الماء الزّعاق «1» جعله في قدر جديدة من خزف وغطّى فاها بأسحال «2» ثم أوقد تحتها حتى تغلي ويحصل فيها نصف ذلك الماء ثم صفّاه وتركه، فإنه يجده شروبا «3» .
وقالوا: ماء دجلة يقطع شهوة الرجال ويذهب بصهيل الخيل ونشاطها، ومن لم يأكل الدسم عليه انحلّ عظمه ويبس جلده، وهو مع هذا أهضم للطعام من غيره من المياه وأسرعها بردا.
قال: والنّيل يستقبل الشّمال وينضب في وقت زيادة الأودية ويزيد في وقت نقصانها. وزيادة أوّله وآخره معها؛ ولا تكون التماسيح إلا فيه؛ قال الشاعر [بسيط]
أضمرت للنّيل هجرانا ومقلية ... إذ قيل لي إنّما التمساح في النيل «4»
فمن رأى النيل رأيا العين من كثب ... فما أرى النيل إلا في البواقيل «5»
والسّقنقور «6» أيضا لا يخرج إلا منه.
وروى في الحديث عن الضحّاك بن مزاحم أنه قال قذف الفرات في
(3/301)

المدّ رمّانة كأنّها البعير البارك، وتحدّث أهل الكتاب أنها من الجنّة. «1»
وقال ابن ماسويه: ينبغي للماء الغليظ الذي ليس يعذب أن يطبخ حتى يذهب منه نصفه، ثم يطرح فيه السّويق أو الطين الأحمر فإنه يلطّفه ويذهب غائلته «2» ويعذبه ويمنع كدره.
قالت الأطباء: الفقّاع «3» المتّخذ من دقيق الشعير نافع من الجذام «4» .
والجلّاب «5» قاطع لكثرة دم الحيض، والسّكنجبين «6» نافع من الذّبحة إذا كانت من حرارة، يشرب ويتغرغر به.
باب اللّحمان وما شاكلها
قالت الأطباء: لحم الماعز يورث الهمّ، ويحرّك السوداء «7» ، ويورث النسيان، ويخبل الأولاد «8» ، ويفسد الدم؛ وهو ضارّ لمن سكن البلاد الباردة.
وأحمد اللّحمان ما خصي من المعز. والضأن نافع من المرّة السّوداء، إلا أن الممرورين الذين يصرعون، إذا أكلوا لحم الضأن اشتدّ بهم ذلك حتى يصرعوا في غير أوان الصّرع. وأوان الصّرع الأهلّة وأنصاف الشهور.
(3/302)

قال الشاعر «1» : [وافر]
كأنّ القوم عشّوا لحم ضأن ... فهم نعجون قد مالت طلاهم «2»
قالوا: واللحم أقلّ الطعام نجوا «3» . ولحم الدّجاج الهرم شرّ اللّحمان وأغلظها.
والبيض إن سلق بالخلّ ثم أكل بالسّمّاق «4» وحبّ الرمّان المفلّق والملح والمرّيّ «5» عقل الطبيعة.
والزبد إن طلي على منابت أسنان الطفل كان معينا على نباتها وطلوعها، والمخّ والدّماغ يفعلان ذلك.
مضارّ الأطعمة ومنافعها
الكمأة»
والفطر «7» - عن أبي هريرة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خرج عليهم وهم يذكرون الكمأة وبعضهم يقول جدريّ «8» الأرض، فقال: «الكمأة من المنّ «9» وماؤها شفاء للعين والعجوة من الجنّة وهي شفاء من السّقم» .
(3/303)

الأصمعيّ عن بعض مشايخه قال: ثلاثة أشياء ربّما صرعت أهل البيت عن آخرهم: الجراد، ولحوم الإبل، والفطر.
وتقول الأطبّاء: إنّ أردأ الفطر ما نبت تحت ظلال الشجر، وأردأ كلّه ما كان في ظلّ شجر الزيتون فإنّه قتّال.
قالوا: والكمّثري إذا طبخ مع الفطر أذهب ضرره.
قالوا: والفطر يورث الذّبحة «1» .
قدم أعرابيّ المصر فأكل فطرا، فأصابته ذبحة، فقيل له: إن الطبيب بعث أن يحلب في فيك، فقال: ما زلت أسمع باللئيم الرّاضع «2» ولا والله لا أكونه؛ قالوا: فتموت إذا؛ قال: وإن متّ.
وتقول الأطباء: إن أكل آكل الفطر فأضرّ به، سقي الكرنب «3» المعصور وسقي من خرء الدّجاج وزن درهمين مع خلّ وعسل مطبوخ وقيّء به.
قالوا: والكمأة تورث وجع القولنج «4» والسّكتة والفالج ووجع المعدة.
قالوا: والذباب لا يقرب قدرا فيه كمأة.
ومن أراد اتخاذ الكمأة اليابسة جعلها في الطين الحرّ يوما وليلة ثم غسلها واستعملها.
بلغني عن فتى من أهل الكتاب أنه قال: كنا في طريق مكّة بالخزيميّة «5» ، فأتانا أعرابيّ بكمأة في كساء قدر ما أطاق، فقلنا: بكم الكمأة؟
(3/304)

قال: بدرهمين، فاشتريناها منه ودفعنا الثمن إليه، فلما نهض قال له بعضنا:
«في است المغبون عود» «1» ؛ قال: بل عودان، وضرب الأرض برجله، فإذا نحن على الكمأة.
قال بعض الشعراء: [رجز]
جنيتها تملأ كفّ الجاني ... سوداء ممّا قد سقى السّواني «2»
كأنّها مدهونة بالبان «3»
وهذه صفة أجود الكمأة وأقلّها أذى.
البصل والثّوم
دخل داخل على نصر بن سيّار وحوله بنون له صغار، فقال: هل تدرون ما ولدي هؤلاء؟ هؤلاء بنو البصل؛ وكان يأكله نيئا ومشويّا ومطبوخا.
والأطبّاء تقول في البصل: إنه يشهّي إلى الطعام إن أكل مشويّا أو نيئا، ويشهّي إلى الجماع. وإن دقّ وشمّ عطّس وشهّى الطعام. وإن اكتحل بمائه مع العسل جلا البصر. وإن وضع مع الملح والسّذاب «4» على عضّة الكلب الذي ليس بكلب نفع. والإكثار منه يفسد العقل. والمسلوق منه يدرّ البول والدّمعة.
العصافير إن أكلت بالزّنجبيل والبصل هيّجت شهوة الجماع وأكثرت المنيّ.
(3/305)

عن طارق بن شهاب قال: بعث سليمان النبيّ عليه السلام بعض عفاريته وبعث معه رجلا وقال: ردّه إليّ وانظر إلى صنيعه. فمرّ على أهل بيت يبكون فضحك، ودخل إلى السوق ونظر إلى الناس فرفع رأسه إلى السماء وهزّه، ونظر إلى الثّوم وهو يكال كيلا والفلفل وهو يوزن وزنا، فضحك. فلما ردّه إلى سليمان عليه السلام وأخبره بما جرى منه، قال: لم ضحكت من أهل البيت؟ ولم هززت رأسك حين نظرت إلى السوق؟ ولم ضحكت من الثّوم والفلفل؟ قال: أمّا أهل البيت فإنّ الله أدخل ميّتهم الجنّة وهم يبكون عليه؛ ونظرت إلى الناس في السّوق والملائكة من فوق رؤوسهم، والناس يملون والملائكة سراعا يكتبون، فهززت رأسي؛ ونظرت إلى الثّوم وهو شفاء يكال كيلا، وإلى الفلفل وهو داء يوزن وزنا. وعن وهب «1» : أنّ سليمان عليه السّلام قال: مم كنت تضحك؟ قال إنّي مررت برجل يشتري خفّين ويقول لصاحبهما: شرطي عليك أن ألبسهما عشر سنين لا يتخرّقان «2» ؛ فعجبت كيف شرط أمله ونسي أجله. ومررت بعجوز دهريّة «3» تتكهّن وتخبر الناس بما لا يعلمون، والّذي سخّر لك الريح وأذلّ لك الجنّ وعبّد الشياطين إنيّ لأعلم في بيتها تحت فراشها مطمورة «4» فيها قناطير من ذهب وفضّة وهي لا تدري ما تحتها، وقد ماتت هزلا «5» وجوعا وحاجة. ومررت بأخرى دهريّة تتطبّب وكان بها مرّة داء، فأكلت البصل فصادفت منه برءا، فظنّت أنه حسم داءها وشفاها، فهي تصفه للناس من كل داء، وقد كانت في ظهرها ريح حبست منذ زمان
(3/306)

فأكلت الثّوم أحدا وعشرين يوما فشفيت منه؛ فعجبت لها كيف تدع أن تصفه.
ومررت برجل على شاطىء نهر يستقي منه في قلّة له ومعه بغلة، فلما سقى البغلة ملأ القلّة وربط البغلة بأذن القلّة وذهب لبعض حاجته، فنفرت البغلة وكسرت القلة؛ فجعل يلعن الشيطان، وبرّأ عقله ونسي فعله. ومررت بقوم يذكرون الله فاجتهدوا ونصبوا «1» وابتهلوا، فلما أظلّت الرحمة ملّة رجل منهم فقام، وجاء آخر لم ينصب معهم فجلس مجلسه، فنزلت الرحمة فدخل فيها معهم وحرمها الأوّل؛ فعجبت من سعادة هذا وشقاوة هذا.
وتقول الأطبّاء: إنّ الثّوم إذا شوي بالنار ووضع على الضّرس المأكول ودلكت به الأسنان التي يعرض فيها الوجع من الرطوبة والريح، أذهب ما فيها بإذن الله من الوجع.
قال: وهو ينفع من العطش الحادث من البلغم، ويقوم مقام التّرياق في لسع الهوامّ، والأمراض الباردة.
وتقول الروم في الثّوم: إنه دواء لمن أصابه وجع السّقي «2» في بطنه.
وإن أكله من ظهر فيه حرّة «3» من شرى «4» أو غيره أبرأه. وإن دقّ الثّوم يابسا فأغلي بسمن ولبن ثم جعله من يشتكي ضرسه في فيه سخنا فأمسكه ساعة، ذهب وجع ضرسه؛ وهو نافع لمن اجتوى «5» .
(3/307)

الكرّاث
قالت الأطباء: الكرّاث النّبطيّ إذا أدمن كانت فيه أحلام رديئة، وولّد بخارا في الرأس رديئا. وإن صبّ في مائه خلّ ودقاق كندر «1» واستعط «2» به سكّن الصّداع. وإن سلق أو طحن وأكل أو ضمّد به البواسير العارضة من الرطوبة نفع منها.
وماء الكرّاث إذا خلط بمثله من ألبان النساء ودهن الورد والكندر وكحّل به عين من أصابته غشاوة في عينه فلم يبصر ليلا نفعه. وأكل البصل نافع لذلك أيضا.
الكرنب والقنّبيط
قالوا: الكرنب معين على الإكثار من النبيذ إذا أكل، وهو مدرّ للبول.
وقالت الروم: بين الكرنب والكرم عداوة؛ ولا يكاد يصلح الكرم والكرنب إذا تجاورا. قالت الأطباء: إن احتملت المرأة بزر الكرنب بعد الحيض أسهل المنيّ وأفسده ولم يكن معه حمل، وشرب مائه مع الشّيح الأرمنيّ غير المطبوخ أو ماء التّرمس المنقع «3» مخرج لحبّ القرع «4» من البطن. والقسط «5» أيضا خاصّة بزره يفسد المنيّ إذا احتملته المرأة بعد طهرها؛ ومقدار ما يحتمل وزن درهمين.
وتقول الروم: الكرنب إن طبخ وخلط ماؤه بالحندقوق «6» وسقي المرأة
(3/308)

التي تأخّر حيضها حاضت لحينها.
قالوا: وإذا خلط ماء الكرنب بالبنج «1» كان نافعا للسّعال.
قال أبو محمد: سكوت إلى حنين الطبيب علّة كنت أجدها في حلقي لا أكاد أبتلع معها ريقي؛ فقال: هي بيّنة في عينك. فتغرغر بعقيد العنب مع خمير ثلاثة أيام في كل يوم ثلاث مرات؛ ففعلت ذلك يوما واحدا فذهب.
قالوا: وإذا دقّ الكرنب وخلط به شيء من زاج «2» الأساكفة وشيء من خلّ، فأوجف «3» ذلك بالخطميّ»
، ثم طلي به برص أو جرب نفع بإذن الله تعالى.
السّلجم «5» والفجل
تقول الأطباء في الفجل: إنّه مهيّج للجماع زائد في المنيّ، وبزره نافع من السموم قالوا: والفجل هاضم للطعام، فإن أكل بزره بعسل كان دواء من السّعال والفواق «6» ؛ وإذا شدخت «7» قطعة فجل فطرحت على عقرب ماتت؛ وماؤه وبزره للسموم بمنزلة التّرياق «8» . وإذا طلى أحد يده بمائه ثم قبض على
(3/309)

حيّة أو غيرها من الهوامّ لم يضارّ ذلك الموضع. قالوا: وإن دقّ بزره مع الكندر «1» وطلي به البهق الأسود «2» في الحمّام أذهبه. وإن شرب ماء ورقه نفع من الأرقان «3» الحادث من الطّحال.
الباذنجان
قالوا: والباذنجان مكلف «4» للوجه يورث داء السّرطان والأورام الصّلبة.
وحدّثني أبي عن أبي الحارث جمّيز أنه سمعه يقول في الباذنجان: لا آكله، لون العقرب وشبه المحجمة. قيل له: فقد رأيناك تأكله على خوان فلان! قال: كان ميتة وأنا مضطرّ.
الخيار والقثّاء
قالوا؛ شمّ الخيار نافع لمن أصابه الغشي «5» من الحرارة. وبزر القثّاء إذا شربه من به حمّى الأسى «6» نفعه. وإن أصابت رضيعا حمّى فألزقت به خيارتين تمسّان جلده إحداهما عن يمينه والأخرى عن شماله، أقلعت الحمّى عنه.
السّلق
قالوا: والسّلق إن دقّ مع أصله وعصر ماؤه وغسل به الرأس ذهب بالأتربة وأطال الشعر.
(3/310)

الهليون «1»
قالوا: والهليون مدرّ للبول، نافع من القولنج.
القرع
قالوا: إذا شوي القرع بالنار ثم عصر فجعل من مائه في أذن من اشتكى أذنه نفعه. وإن دهنت منابت شعر اللّحية بدهن القرع المرّ، وقثّاء الحمار «2» مذابا فيه شيح أرمنيّ أسرع فيها نبات الشّعر.
البقول
قالوا: والجرجير زائد في الباه «3» والإنعاظ «4» مدرّ للبول. وتذكر الروم أنّ من أكل الجرجير ثم ضرب بالسياط هوّن عليه بعض ذلك الجلد. قالوا: وهو ينفع من ذفر الإبطين «5» إذا أكل على الريق وطلي الإبطان بمائه. وتزعم الروم أنّ ماءه ينفع من عضّة ابن عرس.
وقال بعض الأطباء: إن ذرّ بزر الجرجير مدقوقا في البيض وحشي كان ذلك زائدا في الباه والإنعاظ زيادة بيّنة. قال أبو حاتم عن القحذميّ قال: أكله أعرابيّ فأنعظ شهرا، فقال الفرزدق يفخر به: [طويل]
ومنّا التميميّ الذي قام أيره ... ثلاثين يوما ثم زادهم عشرا
(3/311)

قالوا: والسّذاب «1» قاطع لشهوة الجماع. وقالت الروم: إن أكلت امرأة حامل أربعة مثاقيل كلّ يوم بماء سخن أو نبيذ خمسة عشر يوما أسقطت ولدها.
وقال بعض الشعراء: [مجتث]
كم نعمة للسّذاب ... جليلة في الرّقاب
الناس عنها غفول ... إلّا ذوي الألباب
فالحمد لله شكرا ... لولا مكان السّذاب
لغيّب الأرض نسل ال ... مغنّيات القحاب
قالوا: والبقلة الحمقاء «2» إذا مضغت أذهبت الطّرش، وإذا أكلت أذهبت شهوة الجماع. والروم تقول: إن نظر ناظر عند رؤية الهلال إلى الهندباء فحلف بإله القمر ألّا يأكل هندباء ولا لحم فرس، سلّم في كلّ شهر يحلف فيه من وجع الضرس.
قالت الأطباء: الخسّ إذا أكل على الريق نافع لتغيير الماء ومن يتأذّى باحتلام. وإذا شرب بزره بماء قطع شهوة الجماع.
قالوا: والخردل إن أكثر من أكله أورث ضعفا في البصر، وهو مكثّر للّبن مدرّ للبول، وهو نافع من الصّرع. وإن اكتحل بمائه بعد أن يغلى عليه
(3/312)

ويصفّى جلا البصر الضعيف من الرطوبة. وتزعم الروم أن ماءه يصلح للأطفال من الحمّى إذا أصابتهم. وهو يفسد الذهن ويورث النّسيان ويضعف البصر.
قالت الأطباء: النّعناع يسكّن القيء، وينفع من الفواق الحادث من البلغم إذا شرب مع النّمام «1» .
وتقول الروم: الحبق «2» الذي على شطوط الأنهار نافع للرّمد إذا دقّ ونخل واكتحل به، وإن مضغه ماضغ ووضعه على عينه نفعه.
وأما الفوذنج «3» النّهري- فإنه يدرّ الطّمث «4» . وإن أخذ من الفوذنج الجبليّ أوقيّة وطبخ بنصف رطل من ماء حتى يبقى الثلث ويشرب، سهّل السّوداء.
وقالت الأطباء: الحندقوق «5» يورث وجع الحلق، ويذهب بضرره من يأكل بعده الكزبرة الرّطبة والبقلة الحمقاء والهندباء.
والطّرخون «6» يؤكل مع الكرفس.
قالوا: والراسن «7» ينفع من قطار البول إذا كان من برد، ويقوّي المثانة.
(3/313)

قالوا: والكشوث «1» يذهب بالأرقان.
قالوا: وعنب الثعلب قاطع لدم الحيض إن شرب أو احتمل.
وقالوا؛ الكرفس «2» إذا طبخ وشرب كان دواء من وجع الكليتين ومن الأسر «3» .
باب الحبوب والبزور
تقول الأطبّاء في حبّ الفلفل: إذا خلط بالسّمسم وعجن بعسل الطّبرزذ «4» يزيد في الجماع.
والعرب تزعم أنّ الحبّة الخضراء وشرب ألبان الإيّل عليها تبعث الشّهوة.
قال جرير: [طويل]
أجعثن «5» قد لاقيت عمران شاربا ... على الحبّة الخضراء ألبان إيّل «6»
والحمّص زائد في الجماع، مكثر للمنيّ، محسّن للّون، زائد في لبن المرضع، يدرّ دم الحيض، وإن خلط بالباقلاء أسمن.
الأصمعيّ قال: قلت لابن أبي عطارد: بلغني أنّ أباك كان ذا منزلة من ابن سيرين، فما حفظت عنه؟ قال قال أبي: قال لي ابن سيرين: يا أبا عطارد، إن سويق العدس بارد وهو يدفع الدّم.
(3/314)

قالت الأطبّاء: إنّ الخردل نافع من حمّى الرّبع «1» والحميات المتقادمة ووجع الأرحام ويجفّف من البلغم، وينزل الرطوبة من الرأس، وإن أكل مع السّلق المسلوق نفع من الصّرع، وإن طلي البرص به زال.
وقالت الأطبّاء: الحرف «2» يخرج حبّ القرع من البطن، وينفع من عرق النّسا «3» ووجع الورك. وإن سخّن بالماء الحارّ وشرب منه وزن أربعة دراهم أو خمسة أسهل الطبيعة «4» ونفع من القولنج.
وقال رجل من قدماء الأطبّاء في الباقلاء: إنه إذا أدمن أكلّ «5» البصر، وأحال الأحلام أضغاثا «6» لا ينتفع بها ولا يجد عابر الرؤيا إلى تأويلها سبيلا.
ودهن الشّاهدانج «7» نافع لوجع الأذن العارض من البرد والعلل المتقادمة منها.
باب الفاكهة
عن معمر بن خثم عن جدّته قالت: سمعت عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: إذا أكلتم الرّمّان فكلوه بشحمه فإنه دباغ للمعدة، وذلك يوم الجمعة على المنبر.
(3/315)

الأصمعيّ: قيل لأعرابيّ: لم تبغض الرمّان؟ قال: لأنه مبخرة مجفرة مجعرة «1» .
قال: وقال يحيى بن خالد: شيئان يورثان القمل: التّين اليابس إذا أكل، وبخار اللّبان «2» إذا تبخّر به.
وقالت الأطبّاء: ورق الخوخ وأقماعه إن دقّ وعصر وشرب أسهل حبّ القرع والدّيدان والحيّات المتولّدة في البطن، وإن صبّ ماء ورقه في الأذن أمات الدّيدان فيها، وإن تدلّك بورقه بعد النّورة «3» قطع ريحها.
وحمّاض الأترجّ «4» إن لطخ به الكلف والقوب «5» أذهبه. وحبّ الأترجّ نافع من السّموم.
وورق التّفّاح الغضّ إن دقّ بالرّفق أيّاما خمسة أو ستة ثم ضمد به الوشم «6» قلعه من غير أن يقرح موضعه.
عن الزّهريّ قال: حدّثني رجل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من بات وفي بطنه جزرة أو جزرتان أو ثلاث أمن القولنج والدّبيلة «7» » .
والفستق: إن دقّ وشرب بالمطبوخ الشديد نفع من لسع الهوامّ.
(3/316)

واللّفّاح «1» : سمّ، وربما قتل آكله. وتدفع مضرّته بالقيء بالشّراب والعسل والإسهال وشمّ الفلفل والخردل والجندبادستر «2» والسّذاب والتّعطّس.
قال وحدّثني شيخ من الدّهاقين «3» عالم بأيام العجم: أن بزرجمهر قال لأهل الحبس: سلوا الملك أن يرزقكم مكان الأدم الأترجّ، ليكون القشر لطيبكم، ولحمته لفاكهتكم، والحمّاض لصباغكم، والحبّ لدهنكم. فكان ذلك أوّل ما عرفت به حكمته.
باب مصالح الطعام
قال رئيس من رؤساء الطبّاخين: العجين يملك. وفي الحديث المرفوع: «أملكوا «4» العجين فإنه أحد الرّيعين» .
السّويق: يغسل بالماء الحارّ مرّات ثم بالبارد ويشرب.
والملح: يتقبّل به الطبيخ.
والخلّ: ينضج العدس ويصلحه للأكل.
الباقلي: ينقع ثم يطبخ. ولا يؤكل من الفاكهة إلا ما نضج على شجره، ويلقى ثفله وعجمه «5» ، ويؤكل على ريق النّفس.
والعنب: يقطف ويمهل أيّاما ثم يؤكل. ولا يؤكل من القنّب «6» إلا لبّه.
(3/317)

ولا يؤكل من الرأس إلا أسنانه «1» وعيونه.
الباذنجان: يشقّ ويحشى بالملح، ويترك ساعة في الماء البارد، ثم يصبّ عنه ويعاد إلى الماء مرارا، ثم يسلق بعد ذلك.
الكبر «2» : يؤكل بالخلّ بعد غسله بالماء من الخلّ.
الزيتون: يؤكل وسط الطعام ويصبّ في الخل.
ويؤكل من الأشترغاز «3» خلّه ولا يعرض لجسمه.
والكمأة: تنصّف ويقشر عنها قشرها، وتسلق بالماء والملح ثم تستعمل بالسّعتر «4» والفلفل، وتقلى بالزّيت الرّكابي «5» ، وكذلك الفطر.
السّلق والكرنب: يسلقان بالماء والملح، ويصبّ ماؤها ثم يستعملان.
والبقول: تمسح ثم تؤكل ولا تغسل بالماء.
وأحمد التّمور الهيرون «6» . وأحمد البسور الجيسران «7» . وما اصفرّ أحمد مما اسودّ.
وخير السّمك الشّبّوط والبنانيّ والميّاح «8» . ولا يؤكل السمك الطّريّ إلا
(3/318)

حارّا بالخردل في الشتاء، وفي الصيف بالخلّ وبالأبازير «1» . وأقلّ السّمك أذى الممقور «2» . وشرّ السمك كباره السماريس «3» . وخير السماريس البيض، وأكلها خير من أكل الحمر، وشرّها السّود.
وخير البيض بيض الشّوابّ «4» من الدّجاج، ولا خير في بيض الهرمة.
وأخفّ البيض الرقيق، وأثقله البيض الصلب.
ولا يعرض من الرأس للدّماغ ولا للسان، ولا الغلصمة «5» ولا الخراطيم.
ولحم العنق خفيف سريع الإنهضام. وفي الحديث المرفوع: «العنق هادية «6» الشاة وهي أبعدها من الأذى» .
والفقّاع «7» : يشرب قبل الطّعام ولا يشرب بعده.
واللّبن: لا يؤكل ولا يشرب إلا بعد وضع الشاة بشهر ونحوه.
والباقليّ «8» ؛ يؤكل بعد الفوذنج «9» فإنه يذهب بنفخته.
اللوبياء: يؤكل بعده الخردل الرّطب، ويشرب بعده ماء الرّمّان
(3/319)

والسّكنجبين «1» المعمول بالسّكر.
الهريسة «2» : تؤكل بالفلفل الكثير والمرّيّ «3» ولا يجعل فيها السّمن.
والمضيرة «4» : تطبخ بالفوذنج والسّذاب والكرفس.
الزّيت الرّكابيّ: إذا خلط بالخلّ أو أغلي على النار ثم رفعت رغوته عاد كالمغسول. وفي الحديث: أن عمر رضي الله عنه قال: عليكم بالزّيت، فإن خفتم ضرره فأثخنوه بالماء فإنه يصير كالسّمن.
عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «عليكم بالشّجرة التي نادى الله منها موسى عليه السلام زيت الزّيتون ادّهنوا به فإنه شفاء من الباسور» .
الخردل: يعجن بالخلّ ويغسل بالماء ورماد البلّوط أو رماد الكرم مرارا بعد أن ينعم دقّه ونخله، ثم يغسل بالماء القراح ويرشّ بالماء حتى تخرج رغوته ويكثر خلّه، ويخلط معه اللّوز الحلو أو ماء الرّمان الحامض وماء الزّبيب.
صورة ما جاء بخاتمة الجزء التاسع من النسخة الخطية التي نقل عنها الأصل الفتوغرافي.
تمّ كتاب الطعام وهو الكتاب التاسع من عيون الأخبار لابن قتيبة، ويتلوه في الكتاب العاشر كتاب النساء. والحمد لله ربّ العالمين، وصلاته على خير خلقه محمد وآله أجمعين.
وكتبه الفقير إلى رحمة الله تعالى إبراهيم بن عمر بن محمد بن عليّ
(3/320)

الجزريّ الواعظ، في شهور سنة أربع وتسعين وخمسمائة هجرية.
نجز كتاب الطعام ويتلوه في الجزء العاشر كتاب النساء.
جاء بعد خاتمة الجزء التاسع من النسخة الخطية التي نقل عنه الأصل الفتوغرافي ما يأتي:
قال الأصمعيّ: دخلت على هارون الرشيد وبين يديه بدرة «1» ، فقال: يا أصمعيّ، إن حدّثتني بحديث في العجز «2» فأضحكتني وهبتك هذه البدرة؛ فقال: نعم يا أمير المؤمنين؛ بينا أنا في صحارى الأعراب في يوم شديد البرد والرّيح وإذا بأعرابيّ قاعد على أجمة «3» وهو عريان، قد احتملت الرّيح كساءه، فألقته على الأجمة؛ فقلت له: يا أعرابيّ؛ ما أجلسك هاهنا على هذه الحالة؟
فقال: جارية وعدتها يقال لها سلمى، أنا منتظر لها؛ فقلت: وما يمنعك من أخذ كسائك؟ فقال: العجز يوقفني عن أخذه، فقلت له: فهل قلت في سلمى شيئا؟ فقال: نعم؛ فقلت: أسمعني لله أبوك! فقال: لا أسمعك حتى تأخذ كسائي وتلقيه عليّ؛ قال: فأخذته فألقيته عليه، فأنشأ يقول: [وافر]
لعلّ الله أن يأتي بسلمى ... فيبطحها ويلقيني عليها
ويأتي بعد ذاك سحاب مزن ... تطهّرنا ولا نسعى إليها «4»
فضحك الرشيد حتى استلقى على ظهره، وقال: أعطوه البدرة، فأخذها الأصمعيّ وانصرف.
ويروى أن الحسن بن زيد لما ولي المدينة قال لابن هرمة: إني لست
(3/321)

كمن باعك دينه رجاء مدحك أو خوف ذمّك، فقد رزقني الله بولادة نبيّه عليه السلام الممادح وجنّبني المقابح، وإنّ من حقّه عليّ ألّا أغضي «1» على تقصير في حقّ ربّه. وأنا أقسم لئن أتيت بك سكران لأضربنّك حدّا للخمر وحدّا للسكر «2» ، ولأزيدنّ لموضع حرمتك بي. فليكن تركك لها لله تعن عليه، ولا تدعها للناس فتوكل إليهم؛ فنهض ابن هرمة «3» وهو يقول: [وافر]
نهاني ابن الرسول عن المدام ... وأدّبني بآداب الكرام «4»
وقال لي اصطبر عنها ودعها ... لخوف الله لا خوف الأنام
وكيف تصبّري عنها وحبّي ... لها حبّ تمكّن في عظامي
أرى طيب الحلال عليّ خبثا ... وطيب النفس في خبث الحرام
ذكر هذا الخبر أبو العباس المبرّد في كتاب الكامل.
(3/322)