Advertisement

معاهد التنصيص على شواهد التلخيص 001



الكتاب: معاهد التنصيص على شواهد التلخيص
المؤلف: عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن أحمد، أبو الفتح العباسي (المتوفى: 963هـ)
المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد
الناشر: عالم الكتب - بيروت
عدد الأجزاء: 2 في مجلد واحد
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

الْحَمد لله الَّذِي جعل الْعقل مِفْتَاح الْعُلُوم ومدرك مَعَاني الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم ومنشأ بَيَان الْمُحَقق والموهوم ومظهر بديع المنثور والمنظوم
أَحْمَده حمد من بجزيل نعمه اعْترف وأشكره شكر من ورد مناهل فَضله واغترف وَأشْهد أَنه الرب الرَّحْمَن الَّذِي خلق الْإِنْسَان وَعلمه الْبَيَان وَأشْهد أَن سيدنَا ومولانا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وحبيبه وخليله الَّذِي تلخص الدّين بإرشاده أحسن تَلْخِيص وتخلص مُتبع هَدْيه من الْجَحِيم أعظم تَخْلِيص فَكَانَت بعثته مِفْتَاح بَاب الْخيرَات وَالطَّرِيق الْموصل إِلَى مَنْهَج المبرات صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله الْكِرَام وَصَحبه الْأَئِمَّة الْأَعْلَام مَا أغرب مبتدئ ببديع النظام وأعجب منته بِحسن الختام وَبعد فَإِن الْفَقِير الحقير الْمُعْتَرف بِالْعَجزِ وَالتَّقْصِير نطر الله إِلَيْهِ بِعَين الْعَفو والغفران وَرَضي عَنهُ أتم الرضْوَان لما كَانَ متحلياً بحلية الْعلمَاء مستشعراً شعار الْفُضَلَاء وَبرد الشبيبة قشيب وغصن الصِّبَا رطيب ومربع الْأَمَانِي خصيب والسعادة تلحظه عيونها وتتوارد عَلَيْهِ أبكارها وعونها لم يزل فِي خدمَة الْعلم وتأليفه وترتيبه وتصنيفه بِقدر مَا يصل إِلَيْهِ
(1/1)

علمه الْقَاصِر وَحسب مَا ينفذ فِيهِ فهمه الفاتر وَكَانَ من جملَة مَا حفظه من الْمُتُون وعلق بخاطره من الْفُنُون كتاب تَلْخِيص الْمِفْتَاح الَّذِي هُوَ فِي بَابه رَاحَة الْأَرْوَاح تغمد الله مُؤَلفه برحمته ورضوانه وَأَسْكَنَهُ بحابح جنانه وَفِيه من الشواهد الشعرية مَا يعزى للأقدمين وَمَا ينْسب للمولدين إِلَّا أَن أَكْثَرهَا مَجْهُول الْأَنْسَاب مغفول الأحساب وَرُبمَا عزاهُ بعض شارحي الْكتاب لغير قائليه وَنسبه إِلَى غير أَبِيه إِمَّا لاشتباه فِي الأوزان أَو تماثل فِي المعان وَلم أر من عمل على تِلْكَ الشواهد شرحاً يشفي العليل أَو يروي الغليل غير أَن شَيخنَا المرحوم الْعَلامَة الْجلَال السُّيُوطِيّ سقى الله من صوب الرَّحْمَة ثراه وَأكْرم منزله ومثواه عمل على بَعْضهَا تَعْلِيقا لطيفاً لم يكمله وَلم يخرج عَن مسودته وَكَثِيرًا مَا كَانَت نَفسِي تنازعني للتصدي لذَلِك وَأَقُول لَهَا لست هُنَالك وأعللها بالمواعيد وَهِي تقرب إِلَى الْبعيد وتسول لي أَنه أقرب إِلَيّ من حَبل الوريد فيقوي الْعَزْم وَيسْتَعْمل الْجَزْم ويهمل الْأَخْذ بالحزم إِلَى أَن آن أَوَانه وحان إبانه فشمرت عَن ساعد الِاجْتِهَاد واستعملت الْجد فِي تَحْصِيل ذَلِك المُرَاد وسلكت فِيهِ مَنْهَج الِاخْتِصَار ومدرج الِاقْتِصَار ونصيت على أبحر تِلْكَ الشواهد العروضية وَوضعت فِي كل شَاهد مِنْهَا مَا يُنَاسِبه من نَظَائِره الأدبية وَذكرت تَرْجَمَة قَائِله إِلَّا مَا لم أطلع عَلَيْهِ بعد
(1/2)

التفتيش فِي كتب الْأَدَب والتحري وَالِاسْتِقْصَاء فِي الطّلب ومزجت فِيهِ الْجد بِالْهَزْلِ والحزن بالسهل
وسميته ب معاهد التَّنْصِيص على شَوَاهِد التَّلْخِيص
فجَاء بِحَمْد الله غَرِيب الابتداع عَجِيب الاختراع بديع التَّرْتِيب رائع التَّرْكِيب مُفردا فِي فن الْأَدَب كَفِيلا لمن تَأمله بالعجب وَهُوَ وَإِن كَانَ من جنس الفضول الَّذِي رُبمَا يستمل أَو هُوَ بقول الحسود دَاخل فِي قسم المهمل فَهُوَ أُمْنِية كَانَ الخاطر يتمناها وحاجةٌ فِي نفس يَعْقُوب قَضَاهَا على أَنه لَا يَخْلُو من فَائِدَة فريدة ونكتة عَن مواطنها شريدة ودرة مستخرجة من قاع البحور وشذرة تزين بهَا قلائد النحور وعجائب تحل لَهَا الحبا وغرائب يَقُول لَهَا الْعقل السَّلِيم مرْحَبًا مرْحَبًا وَلَئِن خالط هَذَا القَوْل هوى النَّفس أَو ظن المغالاة بِهِ صَادِق الحدس
(فالمرْءُ مَفتونٌ بِتأليفهِ ... ونَفسهُ فِي مَدْحهِ غَاويهْ)
(وَالفضلُ مِنْ ناظره أَن يَرى ... مَا قد حَوى بالمقلةِ الراضيهْ)
(وَإِنْ يَجدْ عيَباً يَكن ساتراً ... عَوارهُ بالمنَّةِ الْوافيهْ)
وَمن تَأمله بِعَين الْإِنْصَاف والرضى شهد بِصدق هَذَا الْوَصْف وبصحته قضى
وَحين سهل الله الْوُصُول ثَانِيًا إِلَى الممالك الرومية لَا زَالَت من المكاره محمية استوطن مِنْهَا قسطنطينة الْعُظْمَى لَا زَالَت من الله وقاية وَحمى
(1/3)

إِذْ هِيَ مَحل الْكَرم وموطن النعم ومحط الرّحال ومنتهى الآمال ومشرق السَّعَادَة وأفق السِّيَادَة وموسم الأدباء وحلبة الخطباء وَدَار الْإِسْلَام ومقر الْعلمَاء الْأَعْلَام وتخت الْملك الْمُعظم الشَّأْن وَمحل الدولة وَالسُّلْطَان لَا زَالَت دَار الْإِسْلَام وَالْإِيمَان ومستقر الْأَمْن والأمان مَا تعاقب الملوان بدوام حَيَاة سُلْطَان الْعَالم وَخير مُلُوك بني آدم سُلَيْمَان الزَّمَان وخاقان الْعَصْر والأوان ومفخر آل عُثْمَان لَا بَرحت دولته مخلدة خُلُود الْأَبْرَار فِي دَار الْقَرار وسعادته مُؤَبّدَة مسلسلة الأدوار مَا دَار الْفلك الْمدَار بتعاقب اللَّيْل وَالنَّهَار
وَكَانَ من أعظم خبايا السعد وعطايا الْجد أَن شملته الْعِنَايَة وحفته الرِّعَايَة بِنَظَر فَرد الدَّهْر وَوَاحِد الْعَصْر وَبكر عُطَارِد ونادرة الْفلك وتاريخ الْمجد وغرة الزَّمَان وينبوع الْخَيْر وَالْإِحْسَان الْعَالم الْعَلامَة والحبر الْبَحْر الفهامة جَامع أشتات المفاخر والمتفرد بغايات المآثر سيدنَا ومولانا سعدى قَاضِي الْقُضَاة بتخت الْملك قسطنطينية الْعُظْمَى فَهُوَ مولى تنخفض همم الْأَقْوَال عَن بُلُوغ أدنى فضائله ومعاليه ويقتصر جهد الْوَصْف عَن أيسر فواضله ومساعيه حَضرته مطلع الْجُود ومقصد الْوُفُود وقبلة الآمال ومحط الرّحال وَمجمع الأدباء وحلبة الشُّعَرَاء ذُو همة مَقْصُورَة على مجد يشيده وإنعام يجدده وفاضل يصطنعه وخامل وَضعه الدَّهْر فيرفعه فاق الأقران وساد الْأَعْيَان فَلَا يدانيه مدان وَلَو كَانَ من بني عبد المدان وَلَيْسَ يجاريه فِي مضمار جود جواد وَلَا يباريه فِي ارتياد السِّيَادَة مرتاد
(1/4)

(مَا كل من طلب الْمَعَالِي نافدا ... فِيهَا وَلَا كل الرِّجال فُحولا) لَا زَالَت آي مجده بألسن الأقلام متلوة وأبكار الأفكار بمديح معاليه مجلوة
وَحين أَنَاخَ مطايا قَصده بأفناء سعده صَادف مولى حفياً وظلا ضفيا ومرتعا رحيباً ومربعاً خصيباً وبشاشة وَجه تسر الْقُلُوب وطلاقة محياً تفرج الكروب وَتغْفر للدهر مَا جناه من الذُّنُوب مَعَ مَا يُضَاف لذَلِك من منظر وسيم ومخبر كريم وخلائق رقت وراقت وطرائف علت وفاقت وفضائل ضفت مدارعها وشمائل صفت مشارعها وسودد تثنى بِهِ عُقُود الخناصر وتثنى عَلَيْهِ طيب العناصر فَحَمدَ من صباح قَصده السرى وَعلم أَن كل الصَّيْد فِي جَوف الفرا
(إِن الكَريمَ إِذا قَصدتَ جَنابه ... تلَقاه طَلقَ الوَجِهِ رَحبَ المنزلِ)
وَهَا هُوَ فِي ظلّ عزه رخي البال متميز الْحَال آمن من صرفان الدَّهْر وحدثان الْقَهْر يرتع فِي رياض فَضله ويجرع من طل جوده ووبله قد عجز عَن الشُّكْر لِسَانه وكل عَن رقم الْحَمد بنانه لم يفقد من مُغنِي رأفته ظلالاً وَلم يقل لصيدح آماله انتجعي بِلَالًا وَبِه حقق قَول الْقَائِل من الْأَوَائِل
(ولمَا انْتجعنَا لائذينَ بظلهِ ... أعانَ وَمَا عَنَّي ومَنَّ وَمَا منَّا)
(ورَدَنَا عَليهِ مُقترِينَ فَراشنَا ... وردنانداه مُجدبينَ فأخصبنَا)
(1/5)

وَجُمْلَة مَا يَقُوله فِي الْعَجز عَن حَمده وشكره وَالثنَاء على جوده وبره
(أما وَجميل الصُّنعَ منِه وإنّها ... ألِيَّةُ برٍ مِثلها لَا يِكفّرُ)
(لَو اسْطعتُ حَوَّلتُ البريةَ ألسْناً ... وكنْتُ بهَا أُثني عَلَيْهِ وأشكرُ)
(ولَسْتُ أوفيِّ حَقِّ ذاكَ وإنّما ... قيَاما بِحَق الشُّكرِ جَهدِي أُشمِّرُ)
وَكَانَ من جملَة دواعي السعد وبواعث الْجد أَن شَمل هَذَا التَّأْلِيف نظره الشريف حِين وصل إِلَى حَضْرَة مجده المنيف فأظهر بِهِ إعجاباً رفع من مقَامه وَنصب فَوق متن المجرة خوافق أَعْلَامه جَريا على عَادَته النفيسة فِي جبر الْقُلُوب وَستر الْعُيُوب فحين طرق السّمع خبر استحسانه لذَلِك الْجمع أحب الْفَقِير أَن يخْدم حَضرته الْعلية وسدته السّنيَّة بنسخة مِنْهُ لتَكون مذكرة بِحَال الْفَقِير مَا دَامَ فِي قيد الْحَيَاة وسبباً باعثاً على الترحم عَلَيْهِ بعد الْمَمَات وعساه يكون وَسِيلَة للانتظام فِي سلكه وذريعة إِلَى الانحياز إِلَى ملكه وَإِلَّا فَهُوَ أقل من أَن يشاع ذكره أَو يشاد قصره وَكَيف يهدي الوشل إِلَى الْبَحْر أَو الطل إِلَى الْقطر غير أَن هواجس الْفِكر وخواطر الأمل متمسكة فِي قبُوله بأذيال عَسى وَلَعَلَّ وَالَّذِي يُقَوي فِي الظَّن بشيمه الزاكية تلقيه بالبشر ولمحة بالمقلة الراضية وَهُوَ يَرْجُو أَن يهب عَلَيْهِ نسيم قبُول الْقُلُوب ويؤمل أَن يسبل ستر الْعَفو عَمَّا فِيهِ من الْعُيُوب وَهَا هُوَ يرفع أكف التضرع والابتهال إِلَى ذِي العظمة والجلال أَن يبلغهُ من ذَلِك أقْصَى غَايَة الآمال بمنه ويمنه
(1/6)

شَوَاهِد الْمُقدمَة
(1/7)

1 - (غَدَا ثره مستشرزات إِلى العُلاَ ... )
قَائِله امْرُؤ الْقَيْس وَتَمَامه
(تَضلُ العِقاصُ فِي مِثنىُّ ومُرسِل ... )
وَهُوَ من الْبَحْر الطَّوِيل من القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِي هِيَ إِحْدَى المعلقات السَّبع وأولها
(قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بَين الدَّخُولِ فحَوملِ)
(فَتوضحَ فالمقراةِ لم يَعفِ رَسمها ... لما نَسجتها من جنوب وشمأل)
(وقوفا بهَا صحبي على مطيهم ... يَقُولُونَ لَا تهْلك أسى وتجمَّلِ)
(وبَيضَةِ خِدرٍ لَا يرامُ خِباؤها ... تمتعتُ مِنْ لَهو بهَا غيرَ مُعجلِ)
(تجاوزتُ أحْراساً إِلَيْهَا ومَعْشَراً ... عَليَّ حِراصاً لَو يُسِرُّون مَقْتِلي)
(إِذا مَا الثريا فِي السَّمَاء تعرضت ... تعرض أثْنَاء الوشاح المْفصلِ)
(فَجئتُ وقدْ نَضتْ لِنومٍ ثِيَابهَا ... لَدى السِّتر إلاَّ لِبسةَ المتفضلِ)
(فَقَالَت يَميُن اللهِ مَا لَك حِيلةٌ ... وَمَا إِنْ أَرى عَنْك الغوَاية تنَجلِي)
(خَرجتُ بهَا أَمْشِي تجرُّ وَرَاءَنَا ... عَلى إثرنا أذيال مرط مرحل)
(فَلَمَّا أجَزْنا ساحة الحيِّ وانْتحى ... بِنَا بطن خبت ذِي حِقاف عقَنْقل)
(هصرتُ بفوْدَىْ رأسِها فتمايلتْ ... عَليَّ هَضيمِ الكشح ريَّاً المُخلخَلِ)
(مُهفهفةٌ بَيضاءُ غَيرُ مُفاضةٍ ... تَرائبها مصقولةٌ كالسَّجنجلِ)
(تصد عَن وتبدي أسيلٍ وتَتقي ... بناظرةٍ من وَحْش وَجْرةَ مُطفلِ)
(1/8)

(وجِيد كجيد الرِّيم لَيْسَ بفاحش ... إِذا هِيَ نصته وَلَا بمُعَطَّلِ)
(وفَرعٍ يَزينُ المَتن أسودَ فَاحم ... أثيث كقنو النَّخْلَة المتعثكل) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت وَالْقَصِيدَة طَوِيلَة وَسَيَأْتِي طرف مِنْهَا فِي شَوَاهِد الْإِنْشَاء إِن شَاءَ الله تَعَالَى
والغدائر جمع غديرة الذوائب والاستشراز الرّفْع والارتفاع جَمِيعًا وَالْفِعْل مِنْهُ لَازم إِن كسرت زايه ومتعدٍّ إِن فتحت والعلا جمع علياء تَأْنِيث الْأَعْلَى وَأَرَادَ الْجِهَات الْعلَا والعقاص جمع عقيصة وَهِي الْخصْلَة من الشّعْر تأخذها الْمَرْأَة فتلويها ثمَّ تعقدها حَتَّى يبْقى فِيهَا التواء ثمَّ ترسلها والمثنى من الشّعْر وَغَيره مَا ثني والمرسل ضِدّه
وَمعنى الْبَيْت أَن حبيبته لِكَثْرَة شعرهَا بعضه مَرْفُوع وَبَعضه مثنى وَبَعضه مُرْسل وَبَعضه معقوص ملوي بَين الْمثنى والمرسل
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت التنافر وَهُوَ لَفْظَة مستشزرات لثقلها على اللِّسَان وعسر النُّطْق بهَا
وامرؤ الْقَيْس اسْمه حندج بن حجر بن عَمْرو الْمَقْصُور سمي بذلك لِأَنَّهُ اقْتصر بِهِ على ملك أَبِيه حندج والحندج فِي اللُّغَة رَملَة طيبَة تنْبت ألواناً وَأمه فَاطِمَة وَقيل تملك بنت ربيعَة بن الْحَرْث أُخْت كُلَيْب ومهلهل
(1/9)

وكنية امْرُؤ الْقَيْس أَبُو وهب وَأَبُو الْحَرْث ويلقب ذَا القروح لقَوْله
(وَبُدِّلتُ قَرحاً دَامياً بعدْ صِحَّةٍ ... لَعلَّ مَنايانْا تحولنَ أبؤُسا) // الطَّوِيل // ويلقب الذائد أَيْضا لقَوْله
(أذُودُ القوافيَ عَني ذيادا ... ) // المتقارب //
وَيُقَال لَهُ الْملك الضليل وَمعنى امْرِئ الْقَيْس رجل الشدَّة والقيس فِي اللُّغَة الشدَّة وَقيل الْقَيْس اسْم صنم وَلِهَذَا كَانَ الْأَصْمَعِي يكره أَن يروي قَوْله يَا امْرأ الْقَيْس فَانْزِل وَيَرْوِيه يَا امْرأ الله فَانْزِل وَهُوَ الَّذِي روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ فِيهِ أشعر الشُّعَرَاء وَقَائِدهمْ إِلَى النَّار وَقيل فِي تَأْوِيله إِن المُرَاد شعراء الْجَاهِلِيَّة وَالْمُشْرِكين
وَهُوَ أول من لطف الْمعَانِي وَمن استوقف على الطلول وَشبه النِّسَاء بالظباء والمها وَالْبيض وَشبه الْخَيل بالعقبان والعصي وَفرق بَين النسيب وَمَا سواهُ من القصيد وأجاد الِاسْتِعَارَة والتشبيه
وَكَانَ من حَدِيثه أَن أَبَاهُ طرده لما قَالَ الشّعْر وَإِنَّمَا طرده من أجل زَوجته وَهِي أم الحويريث الَّتِي كَانَ امْرُؤ الْقَيْس يشبب بهَا فِي شعره وَكَانَ
(1/10)

يتنقل فِي أَحيَاء الْعَرَب ويستتبع صعاليكهم وذؤبانهم وَالْعرب تطلق على اللُّصُوص الذؤبان تَشْبِيها بالذئاب وَكَانَ يُغير بهم وَكَانَ أَبوهُ ملك بني أَسد فعسفهم عسفاً شَدِيدا فتمالأوا على قَتله فَلَمَّا بلغه قتل أَبِيه وَكَانَ يشرب الْخمر قَالَ ضيعني صَغِيرا وحملني ثقل الثأر كَبِيرا الْيَوْم خمر وَغدا أَمر فأرسلها مثلا وَقيل بل قَالَ الْيَوْم قحاف وَغدا نقاف والقحاف من القحف وَهُوَ شدَّة الشّرْب والنقاف من نقف الْهَام إِذا قطعهَا
ثمَّ إِنَّه جمع جمعا من بني بكر بن وَائِل وَغَيرهم من صعاليك الْعَرَب وَخرج يُرِيد بني أَسد فَخَبرهُمْ كاهنهم بِخُرُوجِهِ إِلَيْهِم فارتحلوا وتبعهم امْرُؤ الْقَيْس فأوقع ببني كنَانَة وَكَانُوا بني أَسد قد لجأوا إِلَيْهِم ثمَّ ارتحلوا عَنْهُم فَقَتلهُمْ قتلا ذريعاً وَأَقْبل أَصْحَابه يَقُولُونَ يَا لثارات الْهمام فَقَالَت عَجُوز مِنْهُم وَاللات أَيهَا الْملك مَا نَحن بثأرك وَإِنَّمَا ثأرك بَنو أَسد وَقد ارتحلوا فَرفع الْقَتْل عَنْهُم وَقَالَ
(أَلا لَهْفَ نَفسي إِثْر قَومٍ ... هم كَانُوا الشفَاء فَلم يصُابوا)
(وَقاهمْ جَدُّهمُ ببني عَليٍّ ... وبالأشْقينَ مَا كانَ العقابُ)
(وأفلتهن عِلباء جَريضاً ... وَلَو أدركنهُ صَفِرَ الوِطابُ) // الوافر //
وَقيل إِن أَصْحَابه اخْتلفُوا عَلَيْهِ حِين أوقع ببني كنَانَة وَقَالُوا لَهُ أوقعت بِقوم بُرَآء وظلمتهم فَخرج إِلَى الْيمن إِلَى بعض مقاولة حمير واسْمه قرمل فاستجاشه
(1/11)

فثبطه قرمل فَذَلِك حَيْثُ يَقُول
(وكُنا أُناساً قَبلَ غَزوةِ قَرْمل ... وَرثنَا الغِنَى والمجدَ أكبر أكبرا) // الطَّوِيل //
ثمَّ خرج إِلَى قَيْصر بعد أَن أودع أدراعه وكراعه السموءل ابْن عادياء فَذَلِك حَيْثُ يَقُول
(بَكَى صَاحِبي لما رأى الدَّرْب دونه ... وأيقن أنَّا لاَحِقانِ بقيصرا)
(فَقلت لَهُ لَا تبك عَيْنك إِنَّمَا نحاول ملكا أَو نَموتَ فَنُعذرَا) // الطَّوِيل //
وَصَاحبه عَمْرو بن قميئة الشَّاعِر وَهُوَ من بني قيس بن ثَعْلَبَة وَكَانَ قد طوى عَنهُ الْخَبَر حَتَّى جَاوز الدَّرْب فَلَمَّا وصل إِلَى قَيْصر اسْتَغَاثَ بِهِ فوعده أَن يرفده بِجَيْش
وَكَانَ امْرُؤ الْقَيْس جميل الْوَجْه وَكَانَ لقيصر ابنةٌ جميلَة فَأَشْرَفت يَوْمًا من قصرهَا فرآها امْرُؤ الْقَيْس فِي دُخُوله إِلَى أَبِيهَا فَتعلق بهَا وراسلها فأجابته إِلَى مَا سَأَلَ فَذَلِك حَيْثُ يَقُول لما وصل إِلَيْهَا
(فَقلت يَمِين الله أبْرح قَاعِدا ... وَلَو قطعُوا رَأْسِي لديك وأوصالي) // الطَّوِيل //
وَقيل إِن أَبَاهَا زوجه إِيَّاهَا وَقد كَانَ سبق إِلَى قَيْصر رجل من بني أَسد يُقَال لَهُ الطماح فوشى بِهِ إِلَى قَيْصر فَوجه مَعَه جَيْشًا ثمَّ أتبعه رجلا مَعَه حلَّة مَسْمُومَة وَقَالَ لَهُ اقْرَأ عَلَيْهِ السَّلَام وَقل لَهُ إِن الْملك قد بعث إِلَيْك بحلة قد لبسهَا ليكرمك بهَا وَأدْخلهُ الْحمام فَإِذا خرج فألبسه إِيَّاهَا فَلَمَّا فعل تنفط بدنه وَكَانَ يحمل فِي محفة فَذَلِك حَيْثُ يَقُول
(لَقدْ طَمِحَ الطَّماحُ مِنْ بُعْدِ أرضهِ ... لِيْلُبسني مِنْ دائه مَا تلبسا) // الطَّوِيل //
(1/12)

وَكَانَ الطماح قبل ذَلِك قد عَبث بِامْرَأَة من قومه فسعى بِهِ فهرب فَأَرَادَ كَمَا سعى بِهِ أَن يسْعَى بِهِ
ثمَّ إِن امْرأ الْقَيْس لما بلغ أنقرة طعن فِي إبطه وَارْفض عَنهُ أَصْحَابه وَكَانَ نُزُوله إِلَى جَانب جبل وإِلى جَانِبه قبر لابنَة بعض الْمُلُوك فَسَالَ عَنهُ فَأخْبر فَقَالَ
(أجارتنا إِن الخطوب تَنوبُ ... وَإِنِّي مقُيمٌ مَا أقامَ عَسيبُ)
(أجَارتنَا إِنَّا غَريبانِ هَاهُنَا ... وكلُّ غَريبٍ للغريبِ نَسيبُ)
(فإِنْ تَصليني تسعدي بمَوَدَّتي ... وإنِ تَقطعيني فالغريب غَرِيب) // الطَّوِيل //
ثمَّ مَاتَ هُنَالك فَدفن بأنقرة وَكَانَ آخر مَا تكلم بِهِ
(رُبَ طَعنةٍ مُثْعَنجرَه ... وَخطُبةٍ مُسحنَفره)
(وَجفنةٍ مُدعترَه ... وَقصيدَةٍ مُحبَّرَهْ)
(تَبْقَى غَداً بأنْقَرهْ ... )
(1/13)

2 - (وفَاحماً وَمرْسِناً مُسَرَّجا ... )
قَائِله رؤبة بن العجاج وَهُوَ من بَحر الرجز من أرجوزة طَوِيلَة أَولهَا
(مَا هَاج أشْجاناً وَشجواً قد شجا ... مِنْ طَللٍ كالأتْحمُّى أنهجا)
(أَمْسَى لعافي الرَّامساتِ مَدْرَجَاً ... واتّخذتهُ الناثجات منأجا)
(مَنازلٌ هَيَّجنَ مَن تَهيجَا ... مِنْ آل لَيلى قد عَفونَ حِجَجَا)
(والشحطُ قَطاعٌ رَجاء مَن رَجا ... أزمانَ أبْدتْ وَاضحاً مُفلَّجَا)
(أغرَ برَّاقَاً وَطرفاً أبرجَا ... وَمقلةً وحاجباً مُزججَا) // الرجز //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(وكَفَلاً وَعْثَاً إِذا ترجرجَا ... )
الفاحم الْأسود وَأَرَادَ شعرًا فاحماً فَحذف الْمَوْصُوف وَأقَام الصّفة مقَامه والمرسن بِفَتْح السِّين وَكسرهَا الْأنف الَّذِي يشد بالرسن ثمَّ استعير لأنف الْإِنْسَان ومسرجاً مختلفٌ فِي تَخْرِيجه فَقيل من سَرْجه تسريجا بهجة وَحسنه وَقيل من قَوْلهم سيوف سريجية منسوبة إِلَى قين يُقَال لَهُ
(1/14)

سُرَيج شبه بهَا الْأنف فِي الدقة والاستواء وَقيل من السراج وَهُوَ قريب من قَوْلهم سرِج وَجهه بِكَسْر الرَّاء أَي حَسُنَ والزَّجَجُ دقة الحاجبين
وَالْمعْنَى أَن لهَذِهِ الْمَرْأَة الموصوفة مقلة سَوْدَاء وحاجبا مدققا مقوسا وشعرا اسود وأنفاً كالسيف السريجي فِي دقته واستوائه أَو كالسراج فِي بريقه وضيائه
وَالشَّاهِد فِيهِ الغرابة فِي مسرجا للِاخْتِلَاف فِي تَخْرِيجه
ورؤبة قَائِل هَذَا الْبَيْت هُوَ أَبُو مُحَمَّد رؤبة بن العجاج والعجاج لقبه واسْمه عبد الله بن رؤبة الْبَصْرِيّ التَّمِيمِي السَّعْدِيّ سمي باسم قِطْعَة من الْخشب يشعب بهَا الْإِنَاء وَهِي بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْهمزَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعدهَا هَاء سَاكِنة وَهُوَ وَأَبوهُ راجران مشهوران كلٌّ مِنْهُمَا لَهُ ديوَان رجز لَيْسَ فِيهِ شعر سوى الأراجيز وهما مجيدان فِي رجزهما وَكَانَ رؤبة هَذَا بَصيرًا باللغة قيمًا بحوشياً وغريبها
حكى يُونُس بن حبيب النَّحْوِيّ قَالَ كنت عِنْد أبي عَمْرو بن الْعَلَاء فجَاء شبيل بن عُرْوَة الضبعِي فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو عَمْرو وَألقى لَهُ لبد بغلته فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثمَّ أقبل عَلَيْهِ يحدثه فَقَالَ شبيل يَا أَبَا عَمْرو سَأَلت رؤبتكم عَن اشتقاق اسْمه فَمَا عرفه يَعْنِي رؤبة قَالَ يُونُس فَلم أملك نَفسِي عِنْد ذكره فَقلت لَعَلَّك تظن أَن معد بن عدنان أفْصح مِنْهُ وَمن أَبِيه أفتعرف أَنْت مَا الرُّوبَةُ والرُّوبة والرُّوبة والرُّوبة والرُّوبة وَأَنا غُلَام رؤبة فَلم يحر جَوَابا وَقَامَ مغضباً فَأقبل عَليّ أَبُو عَمْرو وَقَالَ هَذَا رجلٌ شرِيف يقْصد مجالسنا وَيَقْضِي حقوقنا وَقد أَسَأْت فِيمَا
(1/15)

وَفعلت مِمَّا واجهته بِهِ فَقلت لم أملك نَفسِي عِنْد ذكر رؤبة فَقَالَ أَبُو عَمْرو أَو سلطت على تَقْوِيم النَّاس ثمَّ فسر يُونُس مَا قَالَه فَقَالَ الروبة خميرة اللَّبن والروبة قِطْعَة من اللَّيْل والروبة الْحَاجة يُقَال فلَان مَا يقوم بروبة أَهله أَي بِمَا اسندوا إِلَيْهِ من حوائجهم والروبة جمام مَاء الْفَحْل والرؤبة بِالْهَمْز الْقطعَة الَّتِي يشعب بهَا الْإِنَاء والجميع بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْوَاو إِلَّا رؤبة فَإِنَّهُ بِالْهَمْز
وَقيل ليونس من أشعر النَّاس فَقَالَ العجاج ورؤبة فَقيل لَهُ لم نعن الرجاز قَالَ هما أشعر أهل القصيد وَإِنَّمَا الشّعْر كَلَام وأجوده أشعره قَالَ العجاج
(قد جبر الدّين الْإِلَه فجبر ... ) // الرجز //
فَهِيَ نحوٌ من مِائَتي بَيت مَوْقُوفَة القوافي وَلَو أطلقت قوافيها كلهَا لكَانَتْ مَنْصُوبَة وَكَذَلِكَ عَامَّة أراجيزهما
وَعَن ابْن قُتَيْبَة قَالَ كَانَ رؤبة يَأْكُل الفأر فعوتب فِي ذَلِك فَقَالَ هِيَ وَالله أنظف من دواجنكم ودجاجكم اللَّاتِي تَأْكُل الْعذرَة وَهل يَأْكُل الفأر إِلَّا نقي الْبر ولباب الطَّعَام
وَحدث أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ النَّحْوِيّ قَالَ دخل رؤبة بن العجاج السُّوق وَعَلِيهِ بركاني أَخْضَر فَجعل الصّبيان يعبثون بِهِ ويغرزون شوك النّخل فِي بركانه ويصيحون بِهِ يَا مردوم يَا مردوم فجَاء إِلَى الْوَالِي فَقَالَ أرسل معي الوزعة فَإِن الصّبيان قد حالوا بيني وَبَين السُّوق فَأرْسل مَعَه أعواناً فَشد عَليّ الصّبيان وَهُوَ يَقُول
(1/16)

(أنحى عَلَى أمّكَ بالمَردومِ ... أَعْورُ جَعدٌ من بني تَمِيم)
(شراب ألبان خلايا كوم ... )
قَالَ فَجعلُوا يعدون بَين يَدَيْهِ حَتَّى دخلُوا دَارا فِي الصيارفة فَقَالَ لَهُ الشرطي أَيْن هم قَالَ دخلُوا دَار الظَّالِمين فسميت إِلَى الْآن دَار الظَّالِمين لقَوْل رؤبة وَهِي فِي صيارفة سوق الْبَصْرَة
وَعَن الْمَدَائِنِي قَالَ قدم الْبَصْرَة راجز من رجاز الْمَدِينَة فَجَلَسَ إِلَى حَلقَة فِيهَا الشُّعَرَاء فَقَالَ أَنا أرجز الْعَرَب أَنا الَّذِي أَقُول
(مَروانُ يُعطِي وسَعيدٌ يَمنعُ ... مَروانُ نَبعٌ وَسَعِيد خروع) // الرجز //
وددت أَنِّي راهنت من أحب فِي الرجز يدا بيد وَالله وَالله لأَنا أرجز من العجاج فليت الْبَصْرَة جمعت بيني وَبَينه قَالَ والعجاج حَاضر وَابْنه رؤبة مَعَه فَأقبل رؤبة على أَبِيه فَقَالَ قد أنصفك الرجل فَأقبل عَلَيْهِ العجاج فَقَالَ هَا أَنا ذَا العجاج فَهَلُمَّ وزحف إِلَيْهِ فَقَالَ وَأي العجاجين أَنْت قَالَ مَا خلتك تَعْنِي غَيْرِي أَنا أَبُو عبد الله الطَّوِيل وَكَانَ يكنى بذلك فَقَالَ لَهُ الْمدنِي مَا عنيتك وَلَا أردتك قَالَ كَيفَ وَقد هَتَفت باسمي قَالَ أَو مَا فِي الدُّنْيَا عجاج سواك قَالَ مَا علمت قَالَ وَلَكِنِّي أعلم وإياه عنيت قَالَ فَهَذَا ابْني رؤبة قَالَ اللَّهُمَّ غفرا مَا بيني وبينكما عمل وَإِنَّمَا مرادي غيركما قَالَ فَضَحِك أهل الْحلقَة وكفا عَنهُ
وَعَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عَلْقَمَة قَالَ أخرج شاهين بن عبد الله الثَّقَفِيّ رؤبة مَعَه إِلَى أرضه فقعدوا يَلْعَبُونَ بالنرد فَلَمَّا أَتَوا بالخوان قَالَ رؤبة فِيهِ
(يَا إخْوتِي جَاء الخِوانُ فَارفعُوا ... حَنَّانةً كعَابُها تَقَعْقَعُ)
(لَم أدْرِ مَا ثَلاثُها والأربعُ ... ) قَالَ فضحكنا ورفعناها وَقدم الطَّعَام
وَكَانَ رؤبة مُقيما بِالْبَصْرَةِ فَلَمَّا ظهر بهَا إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن الْحسن بن عَليّ
(1/17)

ابْن أبي طَالب كرم الله وَجهه على الْمَنْصُور وَجَرت الْوَاقِعَة الْمَشْهُورَة خَافَ رؤبة على نَفسه وَخرج إِلَى الْبَادِيَة ليجتنب الْفِتْنَة فَلَمَّا وصل إِلَى النَّاحِيَة الَّتِي قَصدهَا أدْركهُ أَجله بهَا فَتوفي سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة
وَهَذَا يُخَالف مَا رَوَاهُ يَعْقُوب بن دَاوُد قَالَ لقِيت الْخَلِيل بن أَحْمد يَوْمًا بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله دفنا الشّعْر واللغة والفصاحة الْيَوْم فَقلت لَهُ كَيفَ ذَلِك قَالَ حِين انصرفت من جَنَازَة رؤبة بن العجاج وَكَانَ قد أسن رَحمَه الله
وَقد سمع أَبَاهُ وَأَبوهُ سمع أَبَا هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ وَقَالَ النَّسَائِيّ وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيّ وَقد روى رؤبة بن العجاج عَن أبي الشعْثَاء عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سفر وحاد يَحْدُو
(طافَ الخَيالانِ فَهاجا سَقماً ... خَيالُ لبُنْيَ وَخيالُ تَكُتماَ)
(قَامتْ تُريك خَشيةً أَن تَصْرما ... ساقاً بَخنْداةً وكعبا ادرما) // الرجز //
وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسمع وَلَا يُنكر
وَحدث أَبُو عُبَيْدَة الْحداد قَالَ حَدثنَا رؤبة بن العجاج قَالَ سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ يَقُول السِّوَاك يذهب وضر الطَّعَام وَهَذَا الْخَبَر يدل على أَنه سمع من أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ وَالله أعلم
وَمن شعره
(أَيهَا الشامت الْمُعير بالشّيب أقِلّنّ بالشبّابِ افْتخارّا ... )
(قَدْ لَبستُ الشّبابَ غَضَّاً طَريّا ... فَوجدتُ الشّبابَ ثوبا معارا) // الْخَفِيف //
3 - (الْحَمد لله الْعلي الأجْلَلِ ... )
قَائِله أَبُو النَّجْم وَهُوَ من بَحر الرجز من أرجوزة طَوِيلَة وَبعده
(الوَاهب الفَضلِ الوَهوب المُجزِل ... أعْطَى فَلمْ يَبخلْ وَلم يُبخَّلِ) // الرجز //
وَالشَّاهِد فِيهِ مُخَالفَة الْقيَاس اللّغَوِيّ فِي قَوْله الأجلل إِذْ الْقيَاس الْأَجَل بِالْإِدْغَامِ
(1/18)

وَأَبُو النَّجْم اسْمه الْفضل بن قدامَة بن عبيد الله الْعجلِيّ وَهُوَ من رجاز الْإِسْلَام والفحول الْمُتَقَدِّمين فِي الطَّبَقَة الأولى مِنْهُم
وَفد على هِشَام بن عبد الْملك وَقد طعن فِي السن فَقَالَ يَا أَبَا النَّجْم حَدثنِي قَالَ أَعنِي أَو عَن غَيْرِي قَالَ بل عَنْك قَالَ إِنِّي لما كَبرت عرض لي الْبَوْل فَوضعت عِنْد رجْلي شَيْئا أبول فِيهِ فَقُمْت من اللَّيْل أبول فَخرج مني صَوت فتشددت ثمَّ عدت فَخرج مني صَوت آخر فأويت إِلَى فِرَاشِي وَقلت يَا أم الْخِيَار هَل سَمِعت شَيْئا قَالَت لَا وَالله وَلَا وَاحِدَة مِنْهُمَا فَضَحِك هِشَام
وَعَن أبي عُبَيْدَة قَالَ مَا زَالَت الشُّعَرَاء تقصر بالرجاز حَتَّى قَالَ أَبُو النَّجْم
(الْحَمد لله الْعلي الأجلل ... )
وَقَالَ العجاج
(قد جبر الدّين الإلهُ فجبر ... )
وَقَالَ رؤبة
(وقاتم الأعماق خاوي المخترق ... ) فانتصفوا مِنْهُم
وَعَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ قَالَ قَالَ فتيانٌ من عجلٍ لأبي النَّجْم هَذَا رؤبة بالمربد يجلس فَيسمع شعره وينشد النَّاس ويجتمع إِلَيْهِ فتيَان بني تَمِيم قَالَ أَو تحبون ذَلِك قَالُوا نعم قَالَ فائتوني بِشَيْء من نَبِيذ فَأتوهُ بِهِ فشربه ثمَّ انتفض فَقَالَ
(إِذا اصطبحت أَرْبعا عَرفتني ... ثمَّ تَجَشمتُ الَّذِي جشمتني) // الرجز //
(1/19)

فَلَمَّا رَآهُ رؤبة أعظمه وَقَامَ لَهُ عَن مَكَانَهُ وَقَالَ هَذَا رجاز الْعَرَب وسألوه أَن ينشدهم فأنشدهم
(الحمدُ لله العليِّ الأجلل ... )
وَكَانَ من أحسن النَّاس إنشاداً فَلَمَّا فرغ مِنْهَا قَالَ لَهُ رؤبة هَذِه أتم الرجز ثمَّ قَالَ يَا أَبَا النَّجْم قربت مرعاها إِذْ جَعلتهَا بَين رجل وَابْنه يُوهم عَلَيْهِ أَنه حَيْثُ قَالَ
(تَبقَّلَتْ مِنْ أَوّلِ التبَّقِّلِ ... بَينَ رِماحَيْ مَالك ونهشل) // الرجز // أَنه يُرِيد نهشل بن مَالك بن حَنْظَلَة بن زيد بن مَنَاة فَقَالَ لَهُ أَبُو النَّجْم هَيْهَات الكمر تتشابه أَي إِنَّمَا أُرِيد مَالك بن ضبيعة بن قيس ونهشل قَبيلَة من ربيعَة
وَعَن أبي بَرزَة المربدي قَالَ خرج العجاج محتفلاً عَلَيْهِ جُبَّة من خَز وعمامة من خَز على نَاقَة لَهُ قد أَجَاد رَحلهَا حَتَّى وقف بالمربد وَالنَّاس مجتمعون عَلَيْهِ وأنشدهم
(قد جبر الدّين الإلهُ فَجَبرْ ... )
وَذكر فِيهَا ربيعَة فهجاهم فجَاء رجل من بني بكر بن وَائِل إِلَى أبي النَّجْم وَهُوَ فِي بَيته فَقَالَ أَنْت جَالس وَهَذَا العجاج يهجونا فِي المربد قد اجْتمع عَلَيْهِ النَّاس فَقَالَ صف لي حَاله وزيه الَّذِي هُوَ فِيهِ فوصف لَهُ فَقَالَ ابغني جملا طحاناً قد أَكثر عَلَيْهِ من الهناء فجَاء بالجمل فَأخذ سَرَاوِيل لَهُ فَجعل إِحْدَى
(1/20)

رجلَيْهِ فِي السَّرَاوِيل واتزر بِالْأُخْرَى وَركب الْجمل وَدفع خطامه إِلَى من يَقُودهُ فَانْطَلق حَتَّى أَتَى المربد فَلَمَّا دنا من العجاج قَالَ اخلع خطامه فخلعه وَأنْشد
(تذكرَّ القلبُ وجهلاً مَا ذكر ... )
فَجعل الْجمل يدنو من النَّاقة ويتشممها ويتباعد عَنهُ الْحجَّاج لِئَلَّا يفْسد ثِيَابه ورحله بالقطران حَتَّى بلغ قَوْله
(شَيْطَانه أُنْثَى وشيطاني ذكر ... )
فعلق النَّاس هَذَا الْبَيْت وهرب العجاج مِنْهُ
وَورد أَبُو النَّجْم على هِشَام بن عبد الْملك فِي الشُّعَرَاء فَقَالَ لَهُم هِشَام صفوا إبِلا فقيظوها وأوردوها وأصدروها حَتَّى كأنني أنظر إِلَيْهَا فأنشدوه وأنشده أَبُو النَّجْم
(الْحَمد لله الْعلي الأجْلِلِ ... )
حَتَّى إِذا بلغ إِلَى ذكر الشَّمْس فَقَالَ
(فِهيِ عِلى الأُفقِ كِعين ... . . ... )
فَأَرَادَ أَن يَقُول الْأَحول ثمَّ ذكر حول هِشَام فَلم يتم الْبَيْت وأرتج عَلَيْهِ فَقَالَ هِشَام أجز فَقَالَ كعين الْأَحول وَأمر القصيدة فَأمر هِشَام بوجء عُنُقه وإخراجه من الرصافة وَقَالَ لصَاحب شرطته يَا ربيع إياك وَأَن أرى هَذَا فَكلم وُجُوه النَّاس صَاحب شرطته أَن يقره فَفعل فَكَانَ يُصِيب من فضول أَطْعِمَة النَّاس ويأوي الْمَسَاجِد قَالَ أَبُو النَّجْم وَلم يكن بالرصافة أحد يضيف إِلَّا سليم بن كيسَان الْكَلْبِيّ وَعَمْرو بن بسطَام التغلبي فَكنت آتِي سليما فأتغذى عِنْده وَآتى عمرا فأتعشى عِنْده وَآتى الْمَسْجِد فأبيت قَالَ فاهتم هِشَام لَيْلَة وَأمسى لقس النَّفس وَأَرَادَ مُحدثا يحدثه فَقَالَ لخادم ابغني مُحدثا أَعْرَابِيًا أهوج شَاعِرًا يروي الشّعْر فَخرج الْخَادِم إِلَى الْمَسْجِد فَإِذا هُوَ بِأبي النَّجْم فَضَربهُ
(1/21)

بِرجلِهِ وَقَالَ قُم أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ إِنَّنِي رجل أَعْرَابِي غَرِيب فَقَالَ إياك أبغي هَل تروي الشّعْر قَالَ نعم وأقوله فَأقبل بِهِ حَتَّى أدخلهُ الْقصر وأغلق الْبَاب قَالَ فأيقن أَبُو النَّجْم بِالشَّرِّ ثمَّ مضى بِهِ فَأدْخلهُ على هِشَام فِي بَيت صَغِير بَينه وَبَين نِسَائِهِ ستر رَقِيق والشمع بَين يَدَيْهِ يزهر فَلَمَّا دخل قَالَ لَهُ هِشَام أَبُو النَّجْم قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ طريدك قَالَ اجْلِسْ فَسَأَلَهُ وَقَالَ لَهُ أَيْن كنت تأوي وَأَيْنَ مَنْزِلك فَأخْبرهُ قَالَ وَكَيف اجْتمعَا لَك قَالَ كنت أتغذى عِنْد هَذَا وأتعشى عِنْد الآخر قَالَ فَأَيْنَ كنت تبيت قَالَ فِي الْمَسْجِد حَيْثُ وجدني رَسُولك قَالَ وَمَا لَك من الْوَلَد وَالْمَال قَالَ أما المَال فَلَا مَال لي وَأما الْوَلَد فلي ثَلَاث بَنَات وَبني يُقَال لَهُ شَيبَان فَقَالَ هَل أخرجت من بناتك أحدا قَالَ نعم زوجت اثْنَتَيْنِ وَبقيت وَاحِدَة تجمز فِي أبياتها كَأَنَّهَا نعَامَة قَالَ وَمَا أوصيت بِهِ الأولى وَكَانَت تسمى برة بالبراء فَقَالَ
(أوِصيتُ مِنْ بِرِّةِ قِلباً حُرّا ... بِالكلبِ خِيراً وِالحماةِ شِرّا)
(لَا تِسأِمي ضِرباً لهِا وِجِرِا ... حِتى ترى حُلوِ الحياةِ مُرّا)
(وِإنْ كِستكِ ذِهباً وِدرّا ... وِالحيُّ عمُيِّهمْ بشرٍّ طُرّا) // الرجز //
فَضَحِك هِشَام وَقَالَ فَمَا قلت لِلْأُخْرَى قَالَ قلت
(سُبِّي الحِماةِ وابْهتيِ عِليها ... وِإنْ دِنتْ فازْدَلِفي إِليْهَا)
(وَأوْجعِي بالنَّهزِ رُكبتيهَا ... وَمِرفقيهَا واضْرِبي جَنبيهَا)
(1/22)

(وَظَاهري الْبَدِيِّ لَهَا عَلَيْهَا ... لَا تُخْبِرِي الدَّهرَ بِهِ ابْنتيهَا) // الرجز //
قَالَ فَضَحِك هِشَام حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه وَسقط على قَفاهُ وَقَالَ وَيحك مَا هَذِه وَصِيَّة يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام وَلَده فَقَالَ وَلَا أَنا كيعقوب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ فَمَا قلت للثالثة قَالَ قلت
(أوصِيكِ يَا بِنْتي فَإِنِّي ذَاهبُ ... أُوصِيكِ أَن تَحْمَدكِ الأقاربُ)
(والجارُ والضَّيفُ الكريمُ الساغب ... وَيرجع الْمِسْكِين وهوَ خائبُ)
(ولاَ تَني أظْفارُكِ السَّلاهبُ ... لَهن فِي وجهِ الحماة كاتبُ)
(والزوْجِ إنَّ الزوجَ بئس الصاحب ... ) // الرجز //
قَالَ فَكيف قلت هَذَا وَلم تتَزَوَّج وَأي شَيْء قلت فِي تَأَخّر تَزْوِيجهَا قَالَ قلت
(كَأَن ظَلاَّمةَ أخْتَ شَيبانْ ... يَتيمةٌ ووالداها حَيَّانْ)
(الرَّأسُ قملٌ كُلُّهُ وصِئْبان ... ولَيسَ فِي السَّاقين إِلَّا خَيطانْ)
(تِلكَ الَّتِي يَفْزَعُ مِنْهَا الشَّيطانْ ... ) // الرجز //
قَالَ فَضَحِك هِشَام حَتَّى ضحك النِّسَاء لضحكه وَقَالَ للخصي كم بَقِي من نَفَقَتك قَالَ ثَلَاثمِائَة دِينَار قَالَ أعْطه إِيَّاهَا ليجعلها فِي رجل ظلامة مَكَان الْخَيْطَيْنِ
(1/23)

وَدخل أَبُو النَّجْم يَوْمًا على هِشَام وَقد مَضَت لَهُ سَبْعُونَ سنة فَقَالَ لَهُ هِشَام مَا رَأْيك فِي النِّسَاء قَالَ إِنِّي لأنظر إلَيْهِنَّ شزراً وينظرن إِلَى حذرا فوهب لَهُ جَارِيَة وَقَالَ لَهُ اغْدُ عَليّ فَأَخْبرنِي مَا كَانَ مِنْك فَلَمَّا أصبح غَدا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مَا صنعت شَيْئا وَلَا قدرت على شَيْء وَقلت فِي ذَلِك أبياتاً
(نَظرتْ فأعجبها الذِي فِي دِرْعِها ... مِن حُسنه ونظرتُ فِي سرباليا)
(ظيقا يَعضُّ بكلِّ عَردٍ نَالهُ ... كالصدغِ أَو صدع يرى متجافيا)
(فرأت لَهَا كَفلاً ينوء بخَصْرها ... وَعْثاً رَوادفُه وأجثْمَ نابيا)
(وَرَأَيْت منتشر العَجانِ مُقلّصاً ... رخْواً مَفاصلهُ وجلداً باليَا)
(أُدِنى لهُ الرِّكبَ الحَليقَ كأنَّما ... أُدنى إِلَيْهِ عقَارباً وأفَاعيَا)
(إِن الندامة والسدامة فاعلمن ... لَو قد خبرتك للمواسي حاليا)
(مَا بالُ رأسكَ من ورائي طالعاً ... أظَننتَ أنَّ حِرَ الفَتاةِ وَرائِيا)
(فاذهبْ فإِنكَ مَيِّتٌ لَا تَرُتّجَي ... أبَد الأبيد وَلو عمرت لَياليَا)
(أنْتَ الْغرُور إِذا خبرت وربَّما ... كَانَ الْغرُور لمن رجاه شَافيَا)
(لَكنّ أيْرِي لَا يُرجَّى نَفعُه ... حَتَّى أعُودَ أخَا فتَاءٍ ناشيا) // الْكَامِل //
فَضَحِك هِشَام وَأمر لَهُ بجائزة أُخْرَى
وَحدث أَبُو الْأَزْهَر ابْن بنت أبي النَّجْم عَن أبي أمه أَنه كَانَ عِنْد عبد الْملك ابْن مَرْوَان وَيُقَال عِنْد سُلَيْمَان بن عبد الْملك يَوْمًا وَعِنْده جمَاعَة من
(1/24)

الشُّعَرَاء وَكَانَ أَبُو النَّجْم فيهم والفرزدق وَجَارِيَة واقفة على رَأس سُلَيْمَان أَو عبد الْملك تذب عَنهُ فَقَالَ من صحبني بقصيدة يفتخر فِيهَا وَصدق فِي فخره وهبته هَذِه الْجَارِيَة قَالَ فَقَامُوا على ذَلِك ثمَّ قَالُوا إِن أَبَا النَّجْم يغلبنا بمقطعاته يعنون الرجز فَقَالَ أَلا أَقُول إِلَّا قصيداً فَقَالَ من ليلته قصيدته الَّتِي فَخر فِيهَا وَهِي
(عَلقَ الْفُؤَاد حَبائِل الشعْثَاء ... ) // الْكَامِل //
ثمَّ أصبح وَدخل عَلَيْهِ وَمَعَهُ الشُّعَرَاء فأنشده حَتَّى بلغ إِلَى قَوْله
(منَّا الذِي رَبعَ الجيوشَ لِصُلبهِ ... عِشرونَ وَهْوَ يُعدُّ فِي الأحْياء)
قَالَ لَهُ عبد الْملك أَو سُلَيْمَان قف إِن كنت صدقت فِي هَذَا الْبَيْت فَلَا تزد مَا وَرَاءه فَقَالَ الفرزدق أَنا أعرف مِنْهُم سِتَّة عشر وَمن ولد وَلَده أَرْبَعَة كلهم قد ربع فَقَالَ عبد الْملك أَو سُلَيْمَان ولد وَلَده هم وَلَده ادْفَعْ إِلَيْهِ الْجَارِيَة يَا غُلَام قَالَ فَغَلَبَهُمْ يَوْمئِذٍ
وَحدث الْأَصْمَعِي قَالَ قَالَ أَبُو النَّجْم للعديل بن الفرخ أَرَأَيْت قَوْلك
(1/25)

(فَإِن تَكُ مِنْ شَيبانَ أمَّي فإنَّني ... لأَبْيضَ مجليّ عَريض المفارق) // الطَّوِيل //
أَكنت شاكاً فِي نسبك حَتَّى قلت مثل هَذَا فَقَالَ العديل أشككت فِي نَفسك أَو فِي شعرك حِين قلت
(أنَا أبُو النَّجم وَشِعرِي شِعرِي ... لله دَرّى مَا يِجنِّ صَدْرِي) // الرجز //
فَأمْسك أَبُو النَّجْم واستحيا وَكَانَت وَفَاته آخر دولة بني أُميَّة
4 - (كَريمُ الجِرِشَّي شَرِيفُ النَّسَبْ ... ) قَائِله أَبُو الطّيب المتنبي من قصيدة من بَحر المتقارب وَكَانَ سيف الدولة ابْن حمدَان صَاحب حلب قد أنفذ إِلَيْهِ كتابا بِخَطِّهِ إِلَى الْكُوفَة بِأَمَان وَسَأَلَهُ الْمسير إِلَيْهِ فَأَجَابَهُ بِهَذِهِ القصيدة
(فَهمتُ الكِتابَ أبَرَّ الكتَبْ ... فَسمعاً لأمْرِ أَمير العَربْ)
(وطَوعاً لَهُ وابتهاجاً بهِ ... وَإِن قَصَّرَ الفِعلُ عمَّا وَجبْ)
(وَمَا عَاقنِي غيَرُ خَوفِ الوُشاة ... فإِن الوشاة طريقُ الكِذبْ)
(وَتكثيرُ قومٍ وتَقليلهم ... وتقَريبهُم بَيْننَا والخَبَبْ)
(وَقَد كَانَ ينصرهم سَمعهُ ... وينصرُنِي قلبه والحَسبْ)
(وَمَا قُلتُ للبدر أنتَ اللجَينُ ... وَلَا قلتُ للشمس أنْتِ الذَهبْ)
(فَيقْلقَ مِنهُ البَعيدُ الأناةِ ... ويغَضبَ مِنْهُ البَطيءُ الغَضبْ)
(ومَا لاقنيِ بَعدكُم بَلدةُ ... وَلا اعتْضْتُ مِنْ رَبٍّ نُعماىَ رَب)
(1/26)

(ومنْ رَكبَ الثَّوْرَ بعد الْجواد ... أنكرَ أظلافهُ وَالغبَبْ)
(ومَا قِستْ كلَّ مُلوِك البلادِ ... فَدعْ ذِكرَ بَعضِ بِمنْ فِي حَلبْ)
(وَلو كنُتُ سَميّتهمْ باسمهِ ... لَكانَ الحديدَ وكانوُا الخشبْ)
(أَفِي الرَّأْي يُشْبَهُ أمْ فِي السخاء ... أمْ فِي الشجاعةِ أمْ فِي الأدبِّ)
(مُباركُ الاسِم أغرُّ اللقَّبْ ... كَريمُ الجرشيَّ شَريفُ النسبْ)
(أَخُو الحربِ يُخدمُ مِمَّا سَبَى ... قَناهُ وَيخْلعُ مِمَّا سَلبْ)
(إِذَا حازَ مَالا فَقدْ حَازهُ ... فَتى لَا يُسرُّ بِما لَا يهب) // المتقارب //
والجرشي بِكَسْر الْجِيم وَالرَّاء مَقْصُورا النَّفس وَأَشَارَ بقوله مبارك اللاسم إِلَى أَن اسْم الممدوح عَليّ وَهُوَ اسْم مبارك يتبرك بِهِ لمَكَان عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ وَلِأَنَّهُ مُشْتَقّ من الْعُلُوّ والعلو مبارك وَمعنى أغر اللقب مَشْهُور لِأَنَّهُ سيف الدولة والأغر من الْخَيل الَّذِي فِي وَجهه غرَّة وَهِي الْبيَاض استعير لكل وَاضح مَعْرُوف
وَالشَّاهِد فِيهِ كَرَاهَة السّمع للفظة تكون فِي الْبَيْت كالجرشي هُنَا
وَأَبُو الطّيب اسْمه أَحْمد بن الْحُسَيْن بن الْحسن بن عبد الصَّمد الْجعْفِيّ الْكِنْدِيّ الْكُوفِي المتنبي الشَّاعِر الْمَشْهُور وَإِنَّمَا قيل لَهُ المتنبي لِأَنَّهُ ادّعى النُّبُوَّة فِي بادية السماوة وَتَبعهُ خلق كثير من بني كلب وَغَيرهم فَخرج إِلَيْهِ لُؤْلُؤ
(1/27)

أَمِير حمص نَائِب الأخشيدية فَأسرهُ وتفرق أَصْحَابه وحبسه طَويلا ثمَّ استتابه وَأطْلقهُ
وَكَانَ قد قَرَأَ على الْبَوَادِي كلا مَا ذكر أَنه قُرْآن أنزل عَلَيْهِ فَمِنْهُ والنجم السيار والفلك الدوار وَاللَّيْل وَالنَّهَار إِن الْكَافِر لفي أخطار امْضِ على سننك وَاقِف أثر من كَانَ قبلك من الْمُرْسلين فَإِن الله قامع بك زيغ من ألحد فِي الدّين وضل عَن السَّبِيل
وَكَانَ إِذا جلس فِي مجْلِس سيف الدولة وَأَخْبرُوهُ عَن هَذَا الْكَلَام فينكره ويجحده
وَلما أطلق من السجْن الْتحق بالأمير سيف الدولة بن حمدَان ثمَّ فَارقه وَدخل مصر سنة سِتّ وَأَرْبَعين وثلاثمائة ومدح كافوراً الأخشيدي وأنوجور بن الأخشيد وَكَانَ يقف بَين يَدي كافور وَفِي رجلَيْهِ خفان وَفِي وَسطه سيف ومنطقة ويركب بحاجبين من مماليكه وهما بِالسُّيُوفِ والمناطق وَلما لم يرضه هجاه وفارقه لَيْلَة عيد النَّحْر سنة خمسين وثلاثمائة فَوجه كافور خَلفه عدَّة رواحل فَلم يلْحق وَقصد بِلَاد فَارس ومدح عضد الدولة بن بويه الديلمي فأجزل صلته وَلما رَجَعَ من عِنْده عرض لَهُ فاتك بن أبي جهل الْأَسدي فِي عدَّة من أَصْحَابه فقاتله فَقتل المتنبي وَابْنه محسد وَغُلَامه مُفْلِح بِالْقربِ من النعمانية فِي مَوضِع يُقَال لَهُ الصافية من الْجَانِب الغربي من سَواد بَغْدَاد وَيُقَال إِنَّه قَالَ شَيْئا فِي عضد الدولة فَدس عَلَيْهِ من قَتله لِأَنَّهُ لما وَفد عَلَيْهِ وَصله بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَثَلَاثَة أَفْرَاس مسرجة محلاة وَثيَاب مفتخرة ثمَّ دس عَلَيْهِ من سَأَلَهُ أَيْن هَذَا الْعَطاء من عَطاء سيف الدولة فَقَالَ هَذَا أجزل إِلَّا أَنه عَطاء متكلف وَسيف الدولة كَانَ يُعْطي طبعا فَغَضب عضد الدولة فَلَمَّا انْصَرف جهز عَلَيْهِ قوما من بني ضبة فَقَتَلُوهُ بعد أَن قَاتل قتالاً
(1/28)

شَدِيدا ثمَّ انهزم فَقَالَ لَهُ غُلَامه أَيْن قَوْلك
(الخيلُ واللَّيلُ وَالبَيدَاءُ تَعرفُنْيِ ... وَالطَّعنُ والضَّربُ والقرطاس والقلم) // الْبَسِيط //
فَقَالَ قتلتني قَتلك الله ثمَّ قَاتل فَقتل
وَيُقَال إِن الخفراء جَاءُوهُ وطلبوا مِنْهُ خمسين درهما ليسيروا مَعَه فَمَنعه الشُّح وَالْكبر فتقدموه فَوَقع لَهُ مَا وَقع
وَكَانَ قَتله يَوْم الْأَرْبَعَاء لست بَقينَ وَقيل لثلاث بَقينَ وَقيل لليلتين بَقِيَتَا من شهر رَمَضَان سنة أَربع وَخمسين وثلثمائة
ومولده كَانَ فِي سنة ثَلَاث وثلثمائة بِالْكُوفَةِ فِي محلّة تسمى كِنْدَة وَلَيْسَ هُوَ من كِنْدَة الَّتِي هِيَ قَبيلَة بل هُوَ جعفي
وَقيل إِن أَبَاهُ كَانَ سقاء بِالْكُوفَةِ وَكَانَ يلقب بعبدان ثمَّ انْتقل إِلَى الشَّام بولده وإِلى هَذَا أَشَارَ بعض الشُّعَرَاء فِي هجوه فَقَالَ
(أيُّ فَضلٍ لِشاعرٍ يطْلب الْفضل ... مِنَ النَّاسِ بُكرةً وَعشيَّا)
(عَاشَ حِيناً يَبيعُ فِي الكُوفةِ المَاء ... وَحيناً يَبيعُ ماءَ الْمحيا) // الْخَفِيف //
وَلَقَد أولع بعض شعراء عصره بهجوه حسداً لَهُ على فَضله وتمكنه من الْمُلُوك ومراعاة لتيهه وتكبره وَمِمَّنْ أفحش فِي ذَلِك ابْن حجاج فَقَالَ جَارِيا على عَادَته فِي السخف والمجون
(يَا ديمةَ الصَّفع صُبيٍّ ... علَى قَفا المُتنبُّي)
(وَيَا قَفاهُ تَقدَّمْ ... حَتَّى تَصيرَ بْجَنْبِي)
(وَأنتَ يَا ريحَ بَطنِي ... عَلَى سباليه هبي) // المجتث //
وَيَقُول فِيهَا
(إِنْ كُنت أنتَ نَبياً ... فَالقِرِدُ لَا شكَّ رَبيِّ)
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا من قصيدة
(1/29)

(قل لي وطر طورك هذَا الّذي ... فِي غَايةِ الحُسنِ شَوابيرهُ)
(مَا ضرهُ إِذْ جَاء فَصلُ الشِّتَا ... لَوْ أنَّ شَعَرَ استي سموره) // السَّرِيع //
وَلَقَد كَانَ المتنبي من المكثرين من نقل اللُّغَة والمطلعين على غريبها وحوشيها وَلَا يسال عَن شَيْء إِلَّا وَيسْتَشْهد فِيهِ بِكَلَام الْعَرَب من النّظم والنثر حَتَّى قيل إِن الشَّيْخ أَبَا عَليّ الْفَارِسِي قَالَ لَهُ يَوْمًا كم لنا من الجموع على وزن فِعْلى فَقَالَ المتنبي فِي الْحَال حِجلى وظربي قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ فطالعت كتب اللُّغَة ثَلَاث لَيَال على أَن أجد لهذين الجمعين ثَالِثا فَلم أجد وحسبك من يَقُول أَبُو عَليّ فِي حَقه هَذِه الْمقَالة
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح بن جني قَرَأت ديوَان المتنبي عَلَيْهِ فَلَمَّا بلغت إِلَى قَوْله فِي كافور الأخشيدي
(أَلاَ لَيتَ شِعري هَلْ أقُولُ قَصيدةً ... فَلاَ أَشْتكي فِيها وَلاَ أَتَعَتَّبُ)
(وَبيِ مَا يذُودُ الشِّعرَ عَنيِّ أقَلُّهُ ... وَلكنَّ قَلبي يَا ابنةَ الْقَوْم قلب) // الطَّوِيل //
قلت لَهُ يعز عَليّ كَون هَذَا الشّعْر فِي غير سيف الدولة فَقَالَ حذرناه وأنذرناه فَمَا نفع أَلَسْت الْقَائِل فِيهِ
(أخَا الجُودِ أعطِ النَّاسَ مَا أنتَ مالِكٌ ... وَلا تُعطينَّ النَّاسَ مَا أَنا قَائِله) // الطَّوِيل //
فَهُوَ الَّذِي أَعْطَانِي كافوراً بِسوء تَدْبيره وَقلة تَمْيِيزه
وَالنَّاس فِي شعره على طَبَقَات فَمنهمْ من يرجحه على أبي تَمام وَمن بعده وَمِنْهُم من يرجح أَبَا تَمام عَلَيْهِ ورزق فِي شعره السَّعَادَة واعتنى الْعلمَاء بديوانه
(1/30)

فشرحوه حَتَّى قيل إِنَّه وجد لَهُ مَا يزِيد على أَرْبَعِينَ شرحاً
وَمن شعره مِمَّا لَيْسَ فِي ديوانه بل رَوَاهُ الشَّيْخ تَاج الدّين الْكِنْدِيّ بِسَنَد صَحِيح مُتَّصِل بيتان وهما
(أَبِعَين مُفتقرٍ إِليكَ نَظَرْتَنِي ... فَأهنتني وَقذَفتني مِنْ حاَلقِ)
(لَستَ الملُومَ أَنا الملُومُ لأنني ... أنْزَلتُ آمَالي بِغَيْر الْخَالِق) // الْكَامِل //
وَلما قتل رثاه أَبُو الْقَاسِم المظفر بن عَليّ الطبسي بقوله
(لَا رعَى اللهُ سِربَ هَذا الزَّمان ... إِذ دَهانَا فِي مِثلِ ذاكَ اللَّسانِ)
(مَا رَأى النَّاسُ ثانيَ المُتنبيّ ... أَيُّ ثَانٍ يُرَى لبكْر الزّمانِ)
(كانَ مِنْ نَفسهِ الكَبيرة فِي جَيش ... وَفي كِبرياءِ ذِي سُلطانِ)
(هُوَ فِي شِعرهِ نَبيٌّ ولكنْ ... ظَهرتْ مُعجزاتهُ فِي الْمعَانِي) // الْخَفِيف //
ويحكى أَن الْمُعْتَمد بن عباد اللَّخْمِيّ صَاحب قرطبة وإشبيلية أنْشد يَوْمًا فِي مَجْلِسه بَيت المتنبي الَّذِي هُوَ من جملَة قصيدته الْمَشْهُورَة وَهُوَ
(إذَا ظَفَرْت مِنكَ العُيونُ بِنظرةٍ ... أثَابَ بهَا مُعيي المَطيِّ ورارمه) // الطَّوِيل //
وَجعل يردده اسْتِحْسَانًا لَهُ وَفِي مَجْلِسه أَبُو مُحَمَّد عبد الْجَلِيل بن وهبون الأندلسي فَأَنْشد ارتجالاً
(لَئِن جَادَ شِعُر ابْن الحُسينِ فَإِنَّمَا ... تُجيدُ العَطايَا واللُّها تَفتحُ اللَّهَا)
(1/31)

(تَنبأ عُجباً بالقَريض وَلَو درَى ... بأنَّكَ تَروِي شِعرهُ لَتألَّهَا) // الطَّوِيل //
وَهَذَا مثل قديم قَالَه أَبُو سعيد الْقصار فِي جَعْفَر بن يحيى
(لابْنِ يَحيى مآثرٌ ... بلغت بِي إِلَى السُّها)
(جادَ شِعرِي بجودهِ ... واللُّها تَفتحُ اللها) // من مجزوء الْخَفِيف //
واللها بِالضَّمِّ العطايا وبالفتح جمع لهاة الْحلق
ورثاه أَيْضا مُحَمَّد بن عبد الله الْكَاتِب النصيبي بقصيدة يستجيش فِيهَا عضد الدولة على مدحضي قدمه ومريقي دَمه فَمِنْهَا
(قَرتْ عُيونُ الأَعادي يَومَ مَصرعهِ ... وطالما سَخِنتْ فِيهِ مِنَ الْحَسَد) // الْبَسِيط //
وَمِنْهَا
(أبَا شُجاعٍ فتَى الهَيجا وَفَارسها ... وَمُشترِي الشُّكر بالإِنفاقِ والصفَّدِ)
(هذي بنَو أسدٍ جَاءَت بُمؤيدةٍ ... صَماء نائحة هَدَّت ذُرَى أحُد)
(سَطتْ عَلَى المتنبي مِنْ فوارسها ... سبَعونَ جَاءَتْهُ فِي مَوْج من الزَّردِ)
(حَتَّى أَتَت وَهُوَ فِي أمنٍ وَفِي دعةٍ ... يسيرُ فِي سِتَّة إِن تحص لم تزد)
(كَرَّتْ عَلَيْهِ سِراعاً غيرَ وانيةٍ ... فَغادرته قرينَ التُّرب والثَّأْدِ)
(من بعد مَا أعملت فيهم أسنَّتهُ
طَعنا يُفرق بَين الرَّوحِ والجسدِ)
(فَاطْلبْ بثأر فَتى مَا زِلتَ تَعضُدُهُ ... لله دَركَ منْ كَهفٍ وَمِنْ عَضُدِ)
(1/32)

(أزْكِ العُيون عَليهم أيَّةً سَلكوا ... وضَيَّقِ الأرضَ والأقْطارَ بالرَّصدِ)
(شَردْهمُ بجُيوش لَا قَوامَ لَهَا ... تَأتِي عَلى سَبدِ الأَقوامِ واللبد) // الْبَسِيط //
ورثاه أَيْضا ثَابت بن هَارُون الرقي النَّصْرَانِي بقصيدة يستشير فِيهَا عضد الدولة على فاتك وَبني أَسد يَقُول فِي أَولهَا
(الدهرُ أنْكى واللَّيالي أنْكَدُ ... مِنْ أَنْ تعيشَ لأهلهَا يَا أحمَدُ)
(قصَدَتْكَ لمَّا أَن رأتْكَ نَفيسها ... بُخْلاً بمثلكَ والنَّفائَسُ تُقصدُ)
(ذُقْتَ الكرِيهة بَغْتَةً وفقَدْتَها ... وكريهُ فقدِكَ فِي الوَرى لَا يفقدُ)
(قلْ لي إِن اسطعْتَ الْجَواب فإِنني ... صبُّ الفؤادِ إِلَى خطابِكَ مكمد) // الْكَامِل //
وَمِنْهَا
(أَتركْتَ بعدكَ شَاعِرًا وَالله لاَ ... لمْ يَبقَ بَعدَك فِي الزَّمانِ مُقصَّدُ)
(أَمَّا العُلومُ فإِنَّها يَا رَبَّهَا ... تَبكي عليكَ بأدَمُعٍ لَا تَجمُدُ)
(يَا أَيُّها الملكُ المؤيَّدُ دعْوَةً ... مِمَّن حَشاهُ بالأسى يتوقَّدُ)
(هذِي بَنو أَسد بضيفِكَ أوقعَتْ ... وحَوَتْ عطاءك إذَّ حَوَاهُ الفرقَدُ)
(وَلهُ عليكَ بقصدِهِ يَا ذَا العُلاَ ... حَقّ التحرَّمِ والذَّمامُ الأوكَدُ)
(فارع الذِّمامَ وكُنْ لضيفِكَ طالِباً ... إِنَّ الذّمامَ على الكرِيم مُؤبَّدُ) وأخبار المتنبي وَمَا جرى لَهُ كَثِيرَة وَسَيَأْتِي طرف مِنْهَا وَمن شعره فِي أثْنَاء هَذَا الْكتاب
(1/33)

5 - (وقَبْر حَرْبٍ بِمكَانٍ قَفْرِ ... ولَيْس قُرْبَ قبر حَرْب قبر)
الْبَيْت من الرجز وَلَا يعرف قَائِله وَيُقَال أَنه من شعر الْجِنّ قَالُوهُ فِي حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس لما قَتَلُوهُ بثأر حيةٍ مِنْهُم قَتلهَا القفل الَّذِي كَانَ فِيهِ وَدفن ببادية بعيدَة وَكَانَ حربٌ الْمَذْكُور مصافياً لمرداس السّلمِيّ أبي الْعَبَّاس الصَّحَابِيّ فَقَتَلَهُمَا الْجِنّ جَمِيعًا وَهَذَا شَيْء قد ذكرته الروَاة فِي أَخْبَارهَا وَالْعرب فِي أشعارها
ذكر أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ أَن حَرْب بن أُميَّة لما انْصَرف من حَرْب عكاظ هُوَ وإخواته مر بالقرية وَهِي إِذْ ذَاك غيضة شجر ملتف لَا يرام فَقَالَ لَهُ مرداس بن أبي عَامر أما ترى هَذَا الْموضع قَالَ بلَى فَمَا لَهُ قَالَ نعم المزدرع هُوَ فَهَل لَك أَن تكون شَرِيكي فِيهِ ونحرق هَذِه الغيضة ثمَّ نزرعه بعد ذَلِك قَالَ نعم فأضرما النَّار فِي الغيضة فَلَمَّا استطارت وَعلا لهبها سمع من الغيضة أنينٌ وضجيج كثير ثمَّ ظَهرت مِنْهَا حياتٌ بيض تطير حَتَّى قطعتها وَخرجت مِنْهَا فَقَالَ مرداس فِي ذَلِك
(إِنِّي انْتَخَبْتُ لَهَا حَرْباً وإِخوَتَهُ ... إنِّي بحبلٍ وَثيقِ العْهَدْ دسَّاسُ)
(إِنِّي أُقوِّمُ قبل الأَمرِ حُجَّتَهُ ... كَيما يُقَال وَلِيّ الْأَمر مرداس) // الْبَسِيط //
قَالَ فَسَمِعُوا هاتفاً يَقُول لما احترقت الغيضة
(وَيلٌ لحرْبٍ فارِسَا ... مُطاعِناً مُخالسَا)
(وَيلٌ لحرْبٍ فارِسَا ... إِذْ لبِسُوا القوانسَا)
(لنَقْتُلَنْ بقَتلهِ ... جَحاجِحاً عنَابِسَا) // من مجزوء الرجز //
وَلم يلبث حَرْب ابْن أُميَّة ومرداس أَن مَاتَا فَأَما مرداس فَدفن بالقرية ثمَّ ادَّعَاهَا بعد ذَلِك كُلَيْب بن عَمْرو السّلمِيّ ثمَّ الظفري فَقَالَ فِي ذَلِك عَبَّاس بن مرداس
(1/34)

(أكُلَيبُ مَالك كلَّ يومٍ ظَالماً ... وَالظُّلمُ أنكدُ وَجْههُ ملعُونُ)
(عجبا لقوْمِكَ يَحسبونك سيِّداً ... وَإِخالُ أَنَّك سيِّد مغيُونُ)
(فإِذا رَجعتَ إِلَى نسائكَ فادَّهنْ ... إِنَّ المسالمَ رَأسُه مَدهونُ)
(وَافعلْ بِقومكَ مَا أَرَادَ بوائلٍ ... يومَ الغَدير سَميُّكَ المطعونُ)
(وَإِخالُ أَنَّك سَوف تلقى مثلهَا ... فِي جانِبيكَ سنانها المسنونُ)
(إنَّ القرَّيةَ قد تبيَّنَ أَمرُهَا ... إنْ كَانَ ينفعُ عنْدك التبْيِينُ)
(حِينَ انْطَلَقت تخطها ظَالماً ... وَأبو يَزيدَ بجوها مدفون) // الْكَامِل //
وَقد روى الْبَيْت بِلَفْظ
(ومَا بقُربِ قبر حَرْب قبر ... )
وَيُقَال إِنَّه لَا يتهيأ لأحد أَن ينشده ثَلَاث مَرَّات مُتَوَالِيَات فَلَا يتتعتع
وَقرب وَقع خَبرا لليس وَكَانَ من حَقه أَن يَقُول قرب قَبره فَأتي بِالظَّاهِرِ مَوضِع الْمُضمر ليدل على لُزُوم التوجع
وَالشَّاهِد فِيهِ التنافر لما فِي هَذِه الْأَلْفَاظ من ثقل النُّطْق بهَا وَلذَلِك هرب أَرْبَاب الفصاحة من اللَّفْظَيْنِ المتقاربين إِلَى الْإِدْغَام لانتقال اللِّسَان فِيهِ إِلَيْهِمَا انتقالةً وَاحِدَة وشبهوا النُّطْق بالمتقاربين بمشي الْمُقَيد
6 - (كَرِيمٌ مَتّى أمْدَحْهُ أمْدَحْهُ والوَرَى ... )
قَائِله أَبُو تَمام الطَّائِي وَتَمَامه
(مَعِي وَإذَا مَا لمتهُ لمُتهُ وَحدِي ... )
(1/35)

وَهُوَ من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا أَبَا الْغَيْث مُوسَى بن إِبْرَاهِيم وَيعْتَذر إِلَيْهِ وأولها
(شهدتُ لقد أقْوتْ مَعالمكم بَعدِي ... ومَحْت كَمَا مَحتْ وشائعُ مِنْ بُرد)
(وأنجدتُمُ من بعد إتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على سَاكِني نجدِ)
(لعمري لقد أخلقتمُ جِدّةَ البكا ... بكاءَ وجَدَّدتم عليّ بِلَى الْوجدِ) إِلَى أَن قَالَ فِي مديحها
(أَتانِي مَعَ الركْبَان ظن ظننته ... نَكسْتُ لهُ رَأْسِي حَياءَ من المجدِ)
(لَقد نكب الْغدرُ الْوَفَاء بساحتي ... إِذا وَسرحتُ الذَمَّ فِي مَسرح الحْمدِ)
(وَهتَّكْتُ بالقولِ الخَنا حُرمةَ العلاَ ... وأسْلكت حُرَّ الشِّعر فِي مسلكِ الْبعد)
(نسيت إِذا كم من يَد لَك شاكلت ... يدَ الْقرب أعدت مستهاما على الْبعد)
(وَمنْ زَمنٍ ألْبستنيهِ كأنهُ ... إِذا ذُكرتْ أيَّامه زمنُ الوردِ)
(وَإنكَ أحكمتَ الَّذِي بينَ فِكرتِي ... وبَينَ القوافِي منْ ذِمامِ ومنْ عَهْدِ)
(وأصْلتَّ شِعرِي فَاعتلى رَونقَ الضُّحى ... ولولاكَ لم يَظهرْ زَماناً من الغِمدِ)
(وَكيفَ وَمَا أخْللتُ بَعدَك بالحِجا ... وَأنتَ فَلم تُخلِلْ بِمكرمةٍ بعدِي)
(أسَرْبِلُ هُجرَ القولِ مَنْ لوْ هَجوتهُ ... إِذاً لهجانِي عنهُ مَعروفهُ عِندِي)
(1/36)

وَبعده الْبَيْت وَبعده
(ولوْ لم يَزعنِي عنَكَ غَيركَ وَازعٌ ... لأعديتنِي بالحِلم إنَّ العُلا تُعدِي)
وَمعنى الْبَيْت هُوَ كريم إِذا مدحته وَافقنِي النَّاس على مدحه فيمدحونه لإسداء إحسانه إِلَيْهِم كإشسدائه إِلَيّ وَلَا أمدحه بِشَيْء إِلَّا صدقني النَّاس فِيهِ أَو أَن النَّاس وافقوني على وجود مَا يُوجب الْمَدْح للْإنْسَان من صِفَات الْكَمَال فِيهِ وَإِذا لمته لَا يوافقني أحد على لومه لعدم وجود الْمُقْتَضِي لَهُ فِيهِ
وَفِي مَعْنَاهُ قَول الآخر
(وَإذَا شكوتك لم أجد لي مُسعداً ... وَرُمِيتُ فِيمَا قُلتُ بالبهتان) // الْكَامِل //
وَقد نَاقض هَذَا الْمَعْنى ابْن أبي طَاهِر بقوله
(يَشركُنيِ الْعَالم فِي ذَمِّهِ ... لَكننِي أمدحُهُ وحدي) // السَّرِيع //
وطاهر العتابي الْمَعْرُوف بالمعتمد الْبَغْدَادِيّ بقوله
(مَدحتهمُ وَحدِي فلمَّا هَجوتهمْ ... هَجوتهمُ والنَّاسُ كلهم معي) // الطَّوِيل //
وَالشَّاهِد فِيهِ التنافر أَيْضا لما فِي قَوْله أمدحه من الثّقل لقرب مخرج الْحَاء من مخرج الْهَاء لِأَن المخارج كلما قربت كَانَت الْأَلْفَاظ مكدودة قلقة غير مُسْتَقِرَّة فِي أماكنها وَإِذا بَعدت كَانَت بعكس الأول وَلِهَذَا لم يُوجد فِي كَلَام الْعَرَب الْعين مَعَ الْغَيْن وَلَا مَعَ الْحَاء وَلَا مَعَ الْخَاء وَلَا الطَّاء مَعَ التَّاء حذرا مِمَّا مر وَأَيْضًا فِيهِ ثقل من جِهَة التّكْرَار فِي أمدحه ولمته
وَمن قَبِيح التّكْرَار قَول الشَّاعِر
(وأزورَّ مَنْ كَانَ لهُ زَائِرًا ... وعاف عافي العُرْفِ عرْفانهُ) // السَّرِيع //
(1/37)

وَأَبُو تَمام اسْمه حبيب بن أَوْس بن الْحَرْث بن قيس بن الْأَشَج بن يحيى ابْن مَرْوَان يَنْتَهِي إِلَى طَيء قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْحسن بن بشر الْآمِدِيّ وَالَّذِي عِنْد أَكثر النَّاس فِي نسب أبي تَمام أَن أَبَاهُ كَانَ نَصْرَانِيّا من أهل جاسم قَرْيَة من قرى الجيدور من أَعمال دمشق يُقَال لَهُ تدوس الْعَطَّار فجعلوه أَوْسًا وَولد أَبُو تَمام بالقرية الْمَذْكُورَة سنة تسعين وَقيل سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَقيل سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَنَشَأ بِمصْر وَقيل إِنَّه كَانَ يسْقِي المَاء بالجرة فِي جَامع مصر وَقيل كَانَ يخْدم حائكاً وَيعْمل عِنْده ثمَّ اشْتغل وتنقل إِلَى أَن صَار وَاحِد عصره فِي ديباجة لَفظه وفصاحة شعره وَحسن أسلوبه وَكَانَ لَهُ من المحفوظات مَا لَا يلْحقهُ فِيهِ غَيره حَتَّى قيل إِنَّه كَانَ يحفظ أَرْبَعَة عشر ألف أرجوزة للْعَرَب غير المقاطيع والقصائد وَله كتاب الحماسة الَّذِي دلّ على غزارة فَضله وإتقان مَعْرفَته وَحسن اخْتِيَاره وَله مَجْمُوع آخر سَمَّاهُ فحول الشُّعَرَاء جمع فِيهِ طَائِفَة كَثِيرَة من شعراء الْجَاهِلِيَّة والمخضرمين والإسلاميين وَله كتاب الاختيارات من شعر الشُّعَرَاء ومدح الْخُلَفَاء وَأخذ جوائزهم
وَكَانَ فِي لِسَانه حبسة وَفِي ذَلِك يَقُول ابْن المعذل أَو أَبُو العميثل
(1/38)

(يَا نبيَّ الله فِي الشِّعرِ ويَا عِيسَى ابْن مريَمْ ... )
(أنْتَ من أشعرِ خلْقِ الله مَا لم تَتَكَلَّم ... ) // من مجزوء الرمل //
وَهَذَا نوع من البديع يُسمى الهجاء فِي معرض الْمَدْح وَمن مليح مَا جَاءَ فِيهِ قَول ابْن سناء الْملك فِي قواد
(لي صاحبٌ أفْديه من صاحبٍ ... حُلْو التّأتِّي حسنِ الاحتيَالِ)
(لَو شاءَ منْ رقةِ ألفاظهِ ... ألَّفَ مَا بَين الهدَى والضلالِ)
(يكْفيكَ منهُ أنَّه ربُما ... قادَ إِلَى المهجورِ طيْفَ الخيال) // السَّرِيع //
وَمِنْه قَول ابْن أبي الإصبع يهجو فَقِيها ذَا ابْنة
(ابنُ فُلاَنِ أكرمُ النَّاس لاَ ... يَمنعُ ذَا الحاجةِ منْ فلْسهِ)
(وَهوَ فقيهٌٌ ذُو اجتهادٍ وقدْ ... نَصَّ على التَّقليدِ فِي دَرسهِ)
(يستحسنُ البحْثَ على وَجههِ ... ويوجبُ الفِعلَ على نَفسه) // السَّرِيع //
ووفد أَبُو تَمام إِلَى الْبَصْرَة وَبهَا عبد الصَّمد بن المعذل الشَّاعِر فَلَمَّا سمع بوصوله وَكَانَ فِي جمَاعَة من أَتْبَاعه وغلمانه خَافَ من قدومه أَن يمِيل النَّاس إِلَيْهِ ويعرضوا عَنهُ فَكتب إِلَيْهِ قبل دُخُوله الْبَلَد
(أَنْت بَين اثْنَتَيْنِ تبرز للنَّاس ... وتلقاهُم بوجهٍ مُذالِ)
(لَستَ تنفكُّ راجياً لوصَالِ ... منْ حَبيبٍ أَو رَاغِبًا فِي نَوال)
(أيُّ ماءٍ يَبْقَى لوَجهكَ هذَا ... بَعدَ ذلِّ الهوَى وذل السُّؤَال) // الْخَفِيف //
فَلَمَّا وقف على الأبيات أعرض عَن مقْصده وَرجع وَقَالَ قد شغل هَذَا مَا يَلِيهِ فَلَا حَاجَة لنا فِيهِ
وَقد تبعه الْأَمِير مجير الدّين بن تَمِيم بقوله
(1/39)

(أَنْت بَين اثْنَتَيْنِ يَا نجل يَعْقُوب ... وكِلتاهمَا مَقرُّ السِّيادهْ)
(لَستَ تنفكُّ رَاكِبًا أيْرَ عَبدٍ ... مُسبطِرّاً أَو حَامِلا خُفَّ غادهْ)
(أيُّ ماءٍ لحرِّ وَجهَكَ يَبقى ... بَينَ ذلِّ البغَا وذل القيادة) // الْخَفِيف //
وَلما أنْشد أَبُو تَمام أَبَا دلف الْعجلِيّ قصيدته البائية الَّتِي أَولهَا
(على مثلهَا من أَربع وملاعب ... أُذِيلتْ مَصونْاتُ الدُّموع السواكب) // الطَّوِيل //
استحسنها وَأَعْطَاهُ خمسين ألف دِرْهَم وَقَالَ وَالله إِنَّهَا لدوّنَ شعرك ثمَّ قَالَ وَالله مَا مثل هَذَا القَوْل فِي الْحسن إِلَّا مَا رثيت بِهِ مُحَمَّد بن حميد الطوسي فَقَالَ أَبُو تَمام وَأي ذَلِك أَرَادَ الْأَمِير قَالَ قصيدتك الرائية الَّتِي أَولهَا
(كَذَا فليجل الْخطب وليفدح الْأَمر ... وَلَيْسَ لعين لم يفض مَاؤُهَا عذر) // الطَّوِيل //
وددت وَالله أَنَّهَا لَك فيَّ فَقَالَ بل أفدي الْأَمِير بنفسي وَأَهلي وأكون الْمُقدم قبله فَقَالَ إِنَّه لم يمت من رثي بِهَذَا الشّعْر
وَحدث الرياشي قَالَ كَانَ خَالِد الْكَاتِب مغرماً بالغلمان المرد ينْفق عَلَيْهِم كل مَا يُفِيد فهوى غُلَاما يُقَال لَهُ عبد الله وَكَانَ أَبُو تَمام الطَّائِي يهواه أَيْضا فَقَالَ فِيهِ خَالِد
(قَضيبُ بَان جنَاهُ وَرْدُ ... يحملهُ وَجْنةٌ وَخَدُّ)
(أثْنِ طرْفِي إلَيهِ إِلاَّ ... مَاتَ عَزَاءٌ وَعاشَ وَجْدُ)
(مُلِّكَ طوْعَ النفوسِ حَتَّى ... عَلمه الزَّهوَ حِين يَبْدو)
(فَاجْتمع الصدُّ فِيه حَتَّى ... لَيْسَ لخلقٍ سواهُ صد) // من مخلع الْبَسِيط //
وَبلغ أَبَا تَمام ذَلِك فَقَالَ فِيهِ أبياتاً مِنْهَا قَوْله
(1/40)

(شعرُك هَذَا كُله مُفْرِطٌ ... فِي بَردِهِ يَا خالدُ البارِدُ) // السَّرِيع //
فعلقها الصّبيان وَلم يزَالُوا يصيحون بِهِ يَا خَالِد يَا بَارِد حَتَّى وسوس وَقد هجا أَبَا تَمام فِي هَذِه الْقِصَّة فَقَالَ فِيهِ
(يَا معشر المرْدِ إِنِّي ناصحٌ لَكُم ... والمرءُ فِي القَوْل بَين الصدْق وَالْكذب)
(لاَ ينكحنَّ حبيباً مِنْكُم أحدٌ ... فدَاء وَجْعائِهِ أعدى من الجَرَبِ)
(لَا تأمَنوا أَن تحولوا بعدَ ثالثةٍ ... فتركبوا عمُداً لَيستْ من الخَشبِ) // الْبَسِيط //
وَلما قصد أَبُو تَمام عبد الله بن طَاهِر بخراسان وامتدحه بالقصيدة الَّتِي أَولهَا
(أهُنَّ عوادي يُوسُف وصواحبه ... ) // الطَّوِيل //
أنكر عَلَيْهِ أَبُو العميثل وَقَالَ لَهُ لم لَا تَقول مَا يفهم فَقَالَ لَهُ لم لَا تفهم مَا يُقَال فَاسْتحْسن مِنْهُ هَذَا الْجَواب على البديهة
وَذكر الصولي أَنه امتدح أَحْمد بن المعتصم أَو ابْن الْمَأْمُون بقصيدة سينية فَلَمَّا انْتهى إِلَى قَوْله فِيهَا
(إقدام عمر وَفِي سماحةِ حاتمٍ ... فِي حِلم أحنْفَ فِي ذكاء إِيَاس) // الْكَامِل //
قَالَ لَهُ الْكِنْدِيّ الفيلسوف وَكَانَ حَاضرا الْأَمِير فَوق مَا وصفت فَأَطْرَقَ قَلِيلا ثمَّ رفع رَأسه وَأنْشد
(لَا تنُكروا ضربي لَهُ مَنْ دونه ... مَثلا شَروداً فِي الندى وَالباسِ)
(فاللُه قد ضَرب الأقَلَّ لنوره ... مثلا مِنَ الْمِشكاةِ والنِّبراسِ)
فعجبوا من سرعَة فطنته
وَمَا ذكر من أَنه أنْشد القصيدة للخليفة وَأَن الْوَزير قَالَ أَي شَيْء طلبه فأعطه فَإِنَّهُ لَا يعِيش أَكثر من أَرْبَعِينَ يَوْمًا لِأَنَّهُ قد ظهر فِي عَيْنَيْهِ الدَّم من
(1/41)

1 - 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 رَأى أسَدَ العَرينِ فَهالهُ ... حتىَّ إِذا وَلىَّ تولىَّ يَنهقُ)
(1/42)

(هَيْهاتَ غالك أَن تَنالَ مآثِرِي ... إِسْتٌ بهَا سَعةٌ وَباعٌ ضَيِّقُ)
(قُلْ مَا بدا لَكَ يَا ابْنَ برما فالصَّدَى ... بمهذب العقيان لَا يَتعلَّقُ)
(أنعشتَ حتىَّ عبْتَهُمْ قُلْ لي متىَ ... فَرْزنْتَ سُرْعة مَا أرى يَا بَيْدق)
(إياكَ يَعنِي الْقائِلوُنَ بِقولهمْ ... إِنَّ الشَّقِي بِكلِّ حَبْلٍ يخنْقُ)
(فلتعْلمنَّ حَريمَ مَنْ وَإهَابَ مَنْ ... وَقَديمَ مَنْ وَحَدِيثَ مَنْ يَتَمزَّقُ) // الْكَامِل //
وَقَوله من قصيدة أُخْرَى
(أَعوامُ وَصل كادَ يُنسِي طيبَهَا ... ذِكرُ النَّوَى فَكَأَنَّهَا أيامُ)
(ثُمَّ انبَرَتْ أيامُ هَجرٍ أردفَتْ ... نَحوي أسىً فَكَأَنَّهَا أَعوامُ)
(ثمَّ انقضتْ تِلكَ السِّنونَ وَأهلهُا ... فَكَأَنَّهَا وَكَأَنَّهُم احلام) // الْكَامِل //
وَقد اختصر معنى هَذِه الأبيات المتنبي فِي قَوْله
(قصُرَتْ مدةُ اللَّيَالِي المواضي ... فأطَالتْ بهَا اللَّيَالِي الْبَوَاقِي) // الْخَفِيف //
وَلابْن الفارض رَحمَه الله هَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه مَعَ الِاخْتِصَار المعجز وَهُوَ
(أعوامُ إقباله كَالْيَوْمِ فِي قِصَر ... ويومُ إعراضِه فِي الطول كالحجج) // الْبَسِيط //
وديوان نظمه مَشْهُور وَقد نثرت من لآلئه فِي أثْنَاء هَذَا الْمُؤلف مَا فِيهِ غنى إِن شَاءَ الله تَعَالَى
7 - (وَمَا مثله فِي النَّاسِ إِلاَّ مُملَّكاً ... أُبُو أُمَّهِ حَيٌّ أَبُوهُ يُقارِبُهْ) الْبَيْت للفرزدق من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا إِبْرَاهِيم بن هِشَام بن إِسْمَاعِيل المَخْزُومِي خَال هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان
وَالشَّاهِد فِيهِ التعقيد وَهُوَ أَن لَا يكون الْكَلَام ظَاهر الدّلَالَة على المُرَاد
(1/43)

إِمَّا لخلل فِي نظم الْكَلَام فَلَا يتَوَصَّل مِنْهُ إِلَى مَعْنَاهُ أَو لانتقال الذِّهْن من الْمَعْنى الأول إِلَى الْمَعْنى الثَّانِي الَّذِي هُوَ لَازمه وَالْمرَاد بِهِ ظَاهرا وَالْأول هُوَ الشَّاهِد فِي الْبَيْت
وَالْمعْنَى فِيهِ وَمَا مثله يَعْنِي الممدوح فِي النَّاس حيٌّ يُقَارِبه أَي أحد يُشبههُ فِي الْفَضَائِل إِلَّا مملكاً يَعْنِي هشاماً أَبُو أمه أَي أَبُو أم هِشَام أَبوهُ أَي أَبُو الممدوح فَالضَّمِير فِي أمه للمملك وَفِي أَبوهُ للممدوح ففصل بَين أَبُو أمه وَهُوَ مُبْتَدأ وَأَبوهُ وَهُوَ خَبره بأجنبي وَهُوَ حيٌّ وَكَذَا فصل بَين حَيّ ويقاربه وَهُوَ نَعته بأجنبي وَهُوَ أَبوهُ وَقدم المستثني على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فَهُوَ كَمَا ترَاهُ فِي غَايَة التعقيد وَكَانَ من حق النَّاظِم أَن يَقُول وَمَا مثله فِي النَّاس أحد يُقَارِبه إِلَّا مملك أَبُو أمه أَبوهُ
وَمن التعقيد قَول الفرزدق أَيْضا
(إِلى مَلكِ مَا أمه من محَارب ... أبُوه وَلا كانَتْ كُلَيْب تصاهره) // الطَّوِيل //
أَي إِلَى ملك أَبوهُ مَا أمه من محَارب أَي مَا أمه مِنْهُم
وَمثله قَول الشَّاعِر
(فَمَا من فَتى كُنا مِن النَّاسِ وَاحداً ... بهِ نَبتغي مِنْهُم عديلا نبادله) // الطَّوِيل //
أَي فَمَا من فَتى من النَّاس كُنَّا نبتغي وَاحِدًا مِنْهُم عديلا نبادله بِهِ
وَقَول الآخر
(وَمَا كنت أخْشَى الدَّهرَ إحلاس مُسلماً ... من النَّاس دينا جَاءهُ وَهُوَ مُسلم) // الطَّوِيل //
أَي وَمَا كنت أخْشَى الدَّهْر إحلاس مُسلم مُسلما من النَّاس دينا جَاءَهُ وَهُوَ أَي جاآه مَعًا
(1/44)

وَمثله قَول أبي تَمام
(كاثْنينِ فِي كَبدِ السماءِ وَلم يَكنْ ... كاثْنينِ ثانٍ إِذْ همَا فِي الغَارِ) // الْكَامِل //
والفرزدق رَحمَه الله اسْمه همام بن غَالب بن صعصعة التَّمِيمِي أَبُو فراس صَاحب جرير وَكَانَ أَبوهُ غالبٌ من جلة قومه وَمن سراتهم وكنيته أَبُو الأخطل لولد كَانَ لَهُ اسْمه الأخطل وَهُوَ شَاعِر أَيْضا وَوهم بَعضهم فِيهِ فَظَنهُ الأخطل التغلبي النَّصْرَانِي وَجعله أَخا للفرزدق وَهَذَا من أعجب الْعجب إِذْ الفرزدق مُسلم وَأَبوهُ وجده صعصعة صَحَابِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَكيف يتَصَوَّر أَن يكون الأخطل النَّصْرَانِي أَخا لَهُ وصعصعة رَضِي الله عَنهُ لَهُ صُحْبَة لكنه لم يُهَاجر وَهُوَ الَّذِي أَحْيَا الوئيدة وَبِه افتخر الفرزدق فِي قَوْله
(وجَدِّي الَّذِي مَنعَ الوَائدات ... فأحيا الوئيدَ فَلم توأد) // المتقارب //
قيل إِنَّه رَضِي الله عَنهُ أَحْيَا ألف موءودة وَحمل على ألف فرس
وَأم الفرزدق ليلى بنت حَابِس أُخْت الْأَقْرَع بن حَابِس رَضِي الله عَنهُ
روى الفرزدق رَحمَه الله عَن عَليّ بن أبي طَالب وَأبي هُرَيْرَة وَالْحُسَيْن
(1/45)

وَابْن عمر وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ
ووفد على الْوَلِيد وَسليمَان ابْني عبد الْملك ومدحهما قَالَ ابْن النجار وَلم أر لَهُ وفادة على عبد الْملك بن مَرْوَان وَقَالَ الْكَلْبِيّ رَضِي الله عَنهُ وَفد على مُعَاوِيَة وَلم يَصح روى مُعَاوِيَة بن عبد الْكَرِيم عَن أَبِيه قَالَ دخلت على الفرزدق فَتحَرك فَإِذا فِي رجلَيْهِ قيد قلت مَا هَذَا يَا أَبَا فراس قَالَ حَلَفت أَن لَا أخرجه من رجْلي حَتَّى أحفظ الْقُرْآن وَكَانَ كثير التَّعْظِيم لقبر أَبِيه فَمَا جَاءَهُ أحد واستجار بِهِ إِلَّا قَامَ مَعَه وساعده على بُلُوغ عرضه
وَقد اخْتلفت أهل الْمعرفَة بالشعر فِيهِ وَفِي جرير فِي المفاضلة بَينهمَا وَالْأَكْثَرُونَ على أَن جَرِيرًا أشعر مِنْهُ وَقد أنصف الْأَصْفَهَانِي فَقَالَ أما من كَانَ يمِيل إِلَى جودة الشّعْر وفخامته وَشدَّة أسره فَيقدم الفرزدق وَأما من كَانَ يمِيل إِلَى أشعار المطبوعين وإِلى الْكَلَام السَّمْح الْغَزل فَيقدم جَرِيرًا
وَكَانَ جرير قد هجا الفرزدق بقصيدة مِنْهَا
(وكنتُ إذَا نَزَلت بدار قوم ... رحَلْتَ بخَزْيةٍ وتَركتَ عارا) // الوافر //
فاتفق أَن الفرزدق بعد ذَلِك نزل بِامْرَأَة من أهل الْمَدِينَة وَجرى لَهُ مَعهَا قصَّة يطول شرحها وَمُلَخَّص الْأَمر أَنه راودها عَن نَفسهَا بعد أَن كَانَت أضافته وأحسنت إِلَيْهِ فامتنعت عَلَيْهِ وَبلغ الْخَبَر عمر بن عبد الْعَزِيز رَحمَه الله وَهُوَ يَوْمئِذٍ وَالِي الْمَدِينَة المنورة فَأمر بِإِخْرَاجِهِ مِنْهَا فأركب على نَاقَة لينفى فَقَالَ قَاتل الله ابْن المراغة يَعْنِي جَرِيرًا كَأَنَّهُ شَاهد هَذَا الْحَال حِين قَالَ وَذكر الْبَيْت السَّابِق
وَمن شعره لما كَانَ فِي الْمَدِينَة المنورة
(هُمَا دلَّتاني مِنْ ثَمَانِينَ قامةً ... كَمَا انْقَضَّ بازٍ أَقتم الرَّيش كاسرُه)
(فَلَمَّا استَوتِ رِجلايَ فِي الأَرْض قَالَتَا ... أحَيٌّ يُرجَّى أم قتيلٌ نحاذره)
(فَقُلتُ ارْفَعُوا الأسبْابَ لَا يَشعُروا بِنَا ... وأَقْبلتُ فِي أعجاز ليلٍ أبادرُه)
(1/46)

(أحَاذر بوَّابَيْنِ قد وكِّلاَ بِنا ... وأسْوَدَ مِن ساجِ تَصر مسامره) // الطَّوِيل //
فَقَالَ جرير لما بلغه ذَلِك
(لقَد وَلدَتْ أمُّ الفرزدق فاجِراً ... فجاءَتْ بوَزْوَازٍ قصير القوادمِ)
(يُوصِّلُ حِبْلَيِهِ إِذا جَنَّ ليلُهُ ... ليرْقى إِلَى جارَاته بِالسلاَلمِ)
(تدلَّيتَ تَزْنِي مِن ثمانينَ قامةً ... وقصَّرْت عَن باعِ العُلا وَالمكارمِ)
(هُو الرِّجس ُيا أهلَ الْمَدِينَة فاحذرُوا ... مدَاخِل رِجْس بالخبيثات عالمِ)
(لقدْ كانَ إِخراجُ الفَرْزدق عنكمُ ... طَهُوراً لما بَين الْمصلى وواقم) // الطَّوِيل //
فَأجَاب الفرزدق عَنْهَا بقصيدة طَوِيلَة مِنْهَا
(وَإِنَّ حَرَامًا أَن أسبَّ مقاعساً ... بآبائيَ الشُّم الكِرام الخَضارمِ)
(وَلكنَّ نصفا لَو سببْتُ وسبَّني ... بنُو عبدِ شمسٍ من منافٍ وَهاشمِ)
(أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئنِي بِمِثْلِهمْ ... وأعتدُّ أَن أهجو كليبا بدارم) // الطَّوِيل //
وَلما سمع أهل الْمَدِينَة أَبْيَات الفرزدق الأول جاؤا إِلَى مَرْوَان بن الحكم وَهُوَ وَالِي الْمَدِينَة من قبل مُعَاوِيَة فَقَالُوا مَا يصلح هَذَا الشّعْر بَين أَزوَاج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد أوجب على نَفسه الْحَد فَقَالَ مَرْوَان لست أحده وَلَكِن أكتب إِلَى من يجده وَأمره بِأَن يخرج من الْمَدِينَة وأجله ثَلَاثَة أَيَّام لذَلِك فَقَالَ الفرزدق
(توعدَّنِي وأجَّلني ثَلَاثًا ... كَمَا وُعِدَتْ لمُهلكِهَا ثَمُود) // الوافر //
(1/47)

ثمَّ كتب مَرْوَان إِلَى عَامله كتابا يَأْمُرهُ أَن يحده ويسجنه وأوهمه أَنه كتب لَهُ بجائزة ثمَّ نَدم مَرْوَان على مَا فعل فَوجه سفيراً وَقَالَ للفرزدق إِنِّي قد قلت شعرًا فاسمعه
(قُلْ للفرزدق والسَّفَاهةُ كاسْمهَا ... إِن كُنتَ تَاركَ مَا أمرْتك فاجلس)
(وَدَعِ المدينةَ إنهَّا مَرهوبة ... واقصدْ لِمكَّةَ أوْ لبيتِ الْمُقَدّس)
(وَإِن اجْتنبت من الأمورِ عَظيمةً ... فَخذنْ لِنفسك بالعظيم الأكيس) // الْكَامِل //
فَلَمَّا وقف الفرزدق عَلَيْهَا فطن لما أَرَادَ مَرْوَان فَرمى الصَّحِيفَة وَقَالَ
(يَا مَرْوُ إنَّ مَطيَتيِ مَحبوسَةٌ ... تَرجوُ الحِباءَ وَرَبُّها لم يَيأسِ)
(وَحبوتنِي بِصحيفةٍ مَخْتُومةٍ ... يُخشى عليّ بهَا حِباءُ النُّقْرِسِ)
(ألقِِ الصَّحيفةَ يَا فَرزدقُ لَا تكنْ ... نكدَاءَ مِثلَ صَحيفةِ المُتلمَسِ)
وأتى سعيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي وَعِنْده الْحسن وَالْحُسَيْن وَعبد الله تَعَالَى بن جَعْفَر رَضِي الله عَنْهُم فَأخْبرهُم الْخَبَر فَأمر لَهُ كل وَاحِد بِمِائَة دِينَار وراحلة وَتوجه إِلَى الْبَصْرَة فَقيل لمروان أَخْطَأت فِيمَا فعلت فَإنَّك عرضت عرضك
(1/48)

لشاعر مُضر فَوجه إِلَيْهِ رَسُولا وَمَعَهُ مائَة دِينَار وأرحله خوفًا من هجائه
وَنزل يَوْمًا فِي بني منقر والحي خلوف فَجَاءَت أَفْعَى فَدخلت مَعَ جَارِيَة فراشها فصاحت فاحتال الفرزدق فِيهَا حَتَّى انسابت ثمَّ ضم الْجَارِيَة إِلَيْهِ فزبرته ونحته عَنْهَا فَقَالَ
(وأهْوَنُ عَيْبٍِ المِنْقَريَّةِ أنَّها ... شَدِيدٌ ببَطنِ الحنظليّ لُصُوقها)
(رَأَتْ مِنقراً سُودًا قِصاراً وأبْصرَت ... فَتَى دارميّاً كالهلال يَروقُها)
(وَمَا أَنا هجْتُ المِنقريةَ للصِّبا ... وَلكنهَا اسْتَعصتْ عَليّ عروقها) // الطَّوِيل //
فَمَا هجاها استعدت عَلَيْهِ زياداً فهرب إِلَى مَكَّة المشرفة فأظهر زِيَاد أَنه لَو أَتَاهُ لحباه فَقَالَ الفرزدق
(دَعانِي زِيادٌ لِلعطاء وَلم أكن ... لأقربَهُ مَا سَاق ذُو حَسبٍ وَقرَا)
(وَعندَ زِيادٍ لَو يُريدُ عَطاءهمْ ... رِجالٌ كَثيرٌ قَدْ يَرَى بِهمُ فَقْرَا)
(وإِنِّي لأخشى أنْ يَكون عطَاؤه ... إِذا هَمَّ سُوداً أَو مُحدرجةً سُمْراً) // الطَّوِيل //
قَالَ ابْن قُتَيْبَة سُودًا يَعْنِي السِّيَاط والمحدرجة الْقُيُود وَهَذِه الْجَارِيَة يُقَال لَهَا ظمياء وَهِي عمَّة اللعين الشَّاعِر الْمنْقري
وَدخل الفرزدق مَعَ فتيَان من آل الْمُهلب فِي بركَة يتبردون فِيهَا وَمَعَهُمْ ابْن أبي عَلْقَمَة الماجن فَجعل يتفلت إِلَى الفرزدق وَيَقُول دَعونِي أنكحه فَلَا يهجونا أبدا وَكَانَ الفرزدق من أجبن النَّاس فَجعل يستغيث وَيَقُول لَا يمس جلده جلدي فَيبلغ ذَلِك جَرِيرًا فَيُوجب عَليّ أَنه قد كَانَ مِنْهُ إِلَيّ الَّذِي يَقُول فَلم يزل يناشدهم حَتَّى كفوه عَنهُ
وَركب يَوْمًا بغلته وَمر بنسوة فَلَمَّا حاذاهن لم تتمالك البغلة ضراطاً فضحكن مِنْهُ فَالْتَفت إلَيْهِنَّ وَقَالَ لَا تضحكن فَمَا حَملتنِي أُنْثَى إِلَّا ضرطت فَقَالَ إِحْدَاهُنَّ مَا حملك أَكثر من أمك فأراها قد قاست مِنْك ضراطاً عَظِيما فحرك بغلته وهرب
(1/49)

وَيُقَال إِنَّه مر وَهُوَ سَكرَان على كلاب مجتمعة فَسلم عَلَيْهِم فَلَمَّا لم يسمع الْجَواب أنشأ يَقُول
(فَمَا ردّ السَّلامَ شيوخُ قَومٍ ... مَررتُ بهم على سِكَك البريدِ)
(ولاَ سيمَا الذِي كانتْ عَليهِ ... قطيفة أرجُوَانٍ فِي الْقعُود) // الوافر //
وَقَالَ مَا أعياني جوابٌ قطّ إِلَّا جَوَاب دهقان مرّة قَالَ لي أَنْت الفرزدق الشَّاعِر قلت نعم قَالَ إِن هجوتني تخرب ضيعتي قلت لَا قَالَ فتموت عيشونة ابْنَتي قلت لَا قَالَ فرجلي إِلَى عنقِي فِي حر أمك فَقلت وَيحك لم تركت رَأسك قَالَ حَتَّى أنظر أَي شَيْء تصنع يَا ابْن الزَّانِيَة
وَكَانَ الفرزدق يَقُول خير السّرقَة مَا لَا يقطع فِيهِ يَعْنِي بذلك سَرقَة الشّعْر
وَقَالَ قد علم النَّاس أَنِّي أفحل الشُّعَرَاء وَرُبمَا أَتَت عَليّ السَّاعَة وَقلع ضرس من أضراسي أَهْون عَليّ من قَول بَيت
وَمن جيد شعره قَوْله
(قَالَت وَكَيف يميلُ مِثلكَ لِلصِّبا ... وعَليكَ مِنْ سِمةِ الحَليم وقارُ)
(والشَّيبُ يَنهضُ فِي الشَّبابِ كأنهُ ... لَيلٌ يَصيحُ بجانبيهِ نَهَار) // الْكَامِل //
وَقيل للعين الْمنْقري اقْضِ بَين جرير والفرزدق فَقَالَ
(سأقضي بَين كلب بَني كليْبٍ ... وبينَ القَينِ قَينِ بني عِقال)
(فإنَّ الكلبَ مَطعمُهُ خَبيثٌ ... وإنَّ القَينَ يَعملُ فِي سِفال)
(فَمَا بُقْيَا عَليَّ تركْتماني ... ولكنْ خِفتُما صرد النِّبال) // الوافر //
وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء حضرت الفرزدق وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ فَمَا رَأَيْت أحسن ثِقَة مِنْهُ بِاللَّه تَعَالَى
توفّي سنة عشر وَمِائَة وَقيل سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَقيل سنة أَربع عشرَة ورثاه جرير بِأَبْيَات مِنْهَا قَوْله
(1/50)

(فَلاَ وَلدتْ بعَدَ الفَرزدقِ حامِلٌ ... وَلا ذاتُ بَعلٍ من نِفَاس تعلت)
(هُوَ الوَافدُ الميمونُ والراتِقُ الثَّأَي ... إِذا النَّعلُ يَوْمًا بالعشيرةِ زلَّتِ) // الطَّوِيل //
ورثاه أَيْضا بِغَيْر ذَلِك
وَقَالَ ابْنه لبطة: رَأَيْت أبي فِي الْمَنَام فَقلت مَا فعل الله بك قَالَ نفعتني الْكَلِمَة الَّتِي نازعت فِيهَا الْحسن عِنْد الْقَبْر وَذَلِكَ أَن الْحسن الْبَصْرِيّ لما وقف على قبر النوار زَوْجَة الفرزدق والفرزدق وَاقِف مَعَه وَالنَّاس ينظرُونَ فَقَالَ الْحسن مَا للنَّاس فَقَالَ الفرزدق ينظرُونَ خير النَّاس وَشر النَّاس فَقَالَ إِنِّي لست بخيرهم وَلست بشرهم وَلَكِن مَا أَعدَدْت لهَذَا المضطجع فَقَالَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله مُنْذُ سبعين سنة
ورؤي فِي النّوم فَقيل لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ غفر لي بإخلاصي يَوْم الْحسن وَقَالَ لَوْلَا شيبتك لعذبتك بالنَّار
وقصته فِي تزَوجه بالنوار ابْنة عَمه شهيرةٌ ورزق مِنْهَا أَوْلَادًا وهم لبطه وسبطة وكلطة وَلَيْسَ لوَاحِد مِنْهُم عقب 8
(سَأطلُبُ بعد الدَّار عَنْكُم لتقربوا ... وتسكب عَيْنَايَ الدُّمُوع لتجمدا) // الطَّوِيل // الْبَيْت للْعَبَّاس بن الْأَحْنَف من أبياتٍ من الطَّوِيل
وَالشَّاهِد فِيهِ السَّبَب الثَّانِي الْحَاصِل بِهِ التعقيد وَهُوَ الِانْتِقَال فَإِن معنى الْبَيْت أطلب وَأُرِيد الْبعد عَنْكُم أَيهَا الْأَحِبَّة لتقربوا إِذْ من عَادَة الزَّمَان الْإِتْيَان بضد المُرَاد فَإِذا أُرِيد الْبعد يَأْتِي الزَّمَان بِالْقربِ وَأُرِيد وأطلب الْحزن الَّذِي هُوَ لَازم الْبكاء ليحصل السرُور بِمَا هُوَ من عَادَة الزَّمَان فَأَرَادَ
(1/51)

أَن يكني عَمَّا يُوجِبهُ دوَام التلاقي من السرُور بالجمود لظَنّه أَن الجمود هُوَ خلو الْعين من الْبكاء مُطلقًا من غير اعْتِبَار شَيْء آخر وَأَخْطَأ فِي مُرَاده إِذْ الجمود هُوَ خلو الْعين من الْبكاء حَالَة إِرَادَة الْبكاء مِنْهَا كَقَوْل أبي عَطاء يرثي ابْن هُبَيْرَة
(أَلاَ إنَّ عَيْناً لم تَجُدْ يَومَ وَاسِطٍ ... عَلَيْكَ بِجَارِي دمعها لجمود) // الطَّوِيل //
وَقَول كثير عزة
(وَلم أدْرِ أنَّ العَيْنَ قَبْلَ فِرَاقِهَا ... غَدَاة الشبا مِنْ لاّعِجِ الوَجْدِ تَجْمُدُ) // الطَّوِيل // فَلَا يكون الجمود كِنَايَة عَن السرُور بل عَن الْبُخْل فَيكون الِانْتِقَال من جمود الْعين إِلَى بخلها بالدموع لَا إِلَى مَا قَصده من السرُور وَلَو كَانَ فِي الجمود صلاحيةٌ لِأَن يُرَاد بِهِ عدم الْبكاء حَال المسرة لجَاز أَن يُقَال فِي الدُّعَاء لَا زَالَت عَيْنك جامدة كَمَا يُقَال لَا أبكى الله عَيْنك وَهَذَا غير مَشْكُوك فِي بُطْلَانه وَعَلِيهِ قَول أهل اللُّغَة سنةٌ جماد أَي لَا مطر فِيهَا وناقة جماد أَي لَا لبن فِيهَا
وَقد فسر الْمبرد فِي الْكَامِل هَذَا الْبَيْت بِغَيْر هَذَا فَقَالَ هَذَا رجل فَقير يبعد عَن أهل ويسافر ليحصل مَا يُوجب لَهُم الْقرب وتسكب عَيناهُ الدُّمُوع فِي بعده عَنْهُم لتجمدا عِنْد وُصُوله إِلَيْهِم وَأنْشد
(تقَولُ سُلَيْمى لَو أقمتَ بِأرضنا ... وَلم تَدْرِ أَنِّي للِمُقَامِ أَطُوف) // الطَّوِيل //
وَمِنْه قَول الرّبيع بن خَيْثَم وَقد صلى طول ليلته حَتَّى أصبح وَقَالَ لَهُ رجل أَتعبت نَفسك فَقَالَ راحتها أطلب وَمثله قَول روح بن حَاتِم بن قبيصَة ابْن الْمُهلب وَنظر إِلَيْهِ رجل وَاقِفًا بِبَاب الْمَنْصُور فِي الشَّمْس فَقَالَ لَهُ الرجل قد طَال وقوفك فِي الشَّمْس فَقَالَ روح ليطول قعودي فِي الظل
وَقَالَ الزّجاج فِي أَمَالِيهِ أخبرنَا أَبُو الْحسن الْأَخْفَش قَالَ كنت يَوْمًا يحضرة
(1/52)

ثَعْلَب فأسرعت الْقيام قبل انْقِضَاء الْمجْلس فَقَالَ لي إِلَى أَيْن مَا أَرَاك تصبر عَن مجْلِس الْخُلْدِيِّ يَعْنِي الْمبرد فَقلت لَهُ لي حَاجَة فَقَالَ لي إِنِّي أرَاهُ يقدم البحتري على أبي تَمام فَإِذا أَتَيْته فَقل لَهُ مَا معنى قَول أبي تَمام
(أآلِفةَ النَّحيبْ كم افْتراقٍ ... أظلَّ فكانَ دَاعِيَة اجْتِمَاع) // الوافر //
قَالَ أَبُو الْحسن فَلَمَّا صرت إِلَى أبي الْعَبَّاس الْمبرد سَأَلته عَنهُ فَقَالَ معنى هَذَا أَن المتحابين والمتعاشقين قد يتصارمان ويتهاجران دلالاً لَا عزماً على القطيعة فَإِذا حَان الرحيل وأحسا بالفراق تراجعا إِلَى الوداد وتلاقيا خوف الْفِرَاق وَأَن يطول الْعَهْد بالالتقاء بعده فَيكون الْفِرَاق حِينَئِذٍ سَببا للاجتماع كَمَا قَالَ الآخر
(مُتِّعا بالفِراقِ يَومَ الفراقِ ... مُستجيرَيْنِ بالبُكا والعناقِ)
(وأَظَلَّ الفِراقُ فَالْتَقَيَا فِيهِ ... فِراقٌ أتاهُمَا باتَّفاقِ)
(كَيفَ أَدْعُو على الفراقِ بحَتْفٍ ... وَغدَاةً الفِراق كَانَ التلاقي) // الْخَفِيف //
قَالَ فَلَمَّا عدت إِلَى مجْلِس ثَعْلَب سَأَلَني عَنهُ فَأَعَدْت عَلَيْهِ الْجَواب والأبيات فَقَالَ مَا أَشد تمويهه مَا صنع شَيْئا إِنَّمَا معنى الْبَيْت أَن الْإِنْسَان قد يُفَارق محبوبه رَجَاء أَن يغنم فِي سَفَره فَيَعُود إِلَى محبوبه مستغنياً عَن التَّصَرُّف فَيطول اجتماعه مَعَه أَلا ترَاهُ يَقُول فِي الْبَيْت الثَّانِي
(ولَيستْ فَرحةُ الأوْباتِ إلاَّ ... لِمَوقوفٍ عَلى تَرح الوَدَاعِ)
وَهَذَا نَظِير قَول الآخر بل مِنْهُ أَخذ أَبُو تَمام
(سَأْطلبُ بُعدَ الدَّار عَنْكُم لتقربوا ... وتسكب عَيْنَايَ الدُّمُوع لِتجمُدَا)
هَذَا ذَاك بِعَيْنِه
وَذكرت بِمَا تقدم آنِفا من أَن عَادَة الزَّمَان الْإِتْيَان بضد المُرَاد أَي وَإِن كَانَ على وفْق الْإِرَادَة الإلهية قَول الباخرزي
(ولَطالمَا اخترتُ الفراقَ مُغالِطاً ... واحتْلتُ فِي اسثمار غَرسِ ودادي)
(1/53)

(ورَغِبتُ عَن ذِكِر الوصَالِ لِأَنَّهَا ... تُبنَى الأمُورُ على خِلافِ مرادي) // الْكَامِل //
وَالْعَبَّاس بن الْأَحْنَف هُوَ خَال إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الصولي وَهُوَ حَنَفِيّ يمامي وَكَانَ رَقِيق الْحَاشِيَة لطيف الطباع وَله مَعَ الرشيد أَخْبَار قَالَ بشار مَا زَالَ غُلَام من بني حنيفَة يدْخل نَفسه فِينَا ويخرجها حَتَّى قَالَ
(أبْكِي الذينَ أذاقوني مودَّتَهمُ ... حَتَّى إِذا أيْقظونِي لِلهوى رقدُوا)
(وَاستنهضوني فَلَمَّا قُمتُ مُنتصباً ... بثقل مَا حمَّلوني مِنهمُ قعدُوا)
(لأخْرجنَّ من الدُّنيا وحبُّهم ... بَين الجَوانح لم يَشعرْ بِهِ أحد) // الْبَسِيط //
وَكَانَ فِي الْعَبَّاس آلَات الظّرْف كَانَ جميل المنظر نظيف الثَّوْب فاره الْمركب حسن الْأَلْفَاظ كثير النَّوَادِر شَدِيد الِاحْتِمَال طَوِيل المساعدة
طلبه يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي يَوْمًا فَقَالَ إِن مَارِيَة هِيَ الْغَالِبَة على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإنَّهُ جرى بَينهمَا عتب فَهِيَ بعزة دَالَّة المعشوق تأبى أَن تعتذر وَهُوَ بعز الْخلَافَة وَشرف الْملك وَالْبَيْت يَأْبَى ذَلِك وَقد رمت الْأَمر من قبلهمَا فأعياني وَهُوَ أَحْرَى أَن تستفزه الصبابة فَقل شعرًا تسهل بِهِ عَلَيْهِ هَذِه الْقَضِيَّة وَأَعْطَاهُ دَوَاة وقرطاساً فَطَلَبه الرشيد فَتوجه إِلَيْهِ ونظم الْعَبَّاس قَوْله
(العاشقانِ كِلاهما مُتغضِّبُ ... وكِلاهما مُتوجِّدٌ مُتجنِّبُ)
(1/54)

(صَدَّتْ مُغاضِبةً وصَدّ مُغاضِباً ... وكِلاهما مِمَّا يُعالج مُتعَبُ)
(رَاجعْ أحبتَّكَ الذينَ هجرتهمْ ... إنّ المُتيَّم قَلما يتجنَّبُ)
(إنْ التجنُّبَ إنْ تَطاولَ مِنكما ... دبّ السُّلُوُّلهُ فَعزَّ الْمطلب) // الْكَامِل //
ثمَّ قَالَ لأحد الرُّسُل أبلغ الْوَزير إِنِّي قد قلت أَرْبَعَة أَبْيَات فَإِن كَانَ فِيهَا مقنع وجهت بهَا إِلَيْهِ فَعَاد الرَّسُول وَقَالَ هَاتِهَا فَفِي أقل مِنْهَا مقنع فَكتب الأبيات وَكتب تحتهَا أَيْضا
(لاَ بدَّ لِلعاشقِ مِنْ وَقفةٍ ... تَكونُ بَين الوَصلِ وَالصَّرْمِ)
(حَتَّى إذَا الهجرُ تَمادى بهِ ... رَاجعَ مَنْ يَهوَى على رغم) // السَّرِيع //
فَدفع يحيى الرقعة إِلَى الرشيد فَقَالَ وَالله مَا رَأَيْت شعرًا أشبه بِمَا نَحن فِيهِ من هَذَا الشّعْر وَالله لكَأَنِّي قصدت بِهَذَا فَقَالَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَنت الْمَقْصُود بِهِ فَقَالَ الرشيد يَا غُلَام هَات نَعْلي فإنني وَالله أرَاجعهَا على رغم فَنَهَضَ وأذهله السرُور أَن يَأْمر للْعَبَّاس بِشَيْء ثمَّ إِن مَارِيَة لما علمت بمجيء الرشيد إِلَيْهَا تَلَقَّتْهُ وَقَالَت كَيفَ ذَلِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأَعْطَاهَا الشّعْر وَقَالَ هَذَا الَّذِي جَاءَ بِي إِلَيْك قَالَت فَمن قَالَه قَالَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف قَالَت فَبِمَ كوفئ قَالَ مَا فعلت بعد شَيْئا فَقَالَت وَالله لَا أَجْلِس حَتَّى يكافأ فَأمر لَهُ بِمَال كثير وَأمرت هِيَ لَهُ بِدُونِ ذَلِك وَأمر لَهُ يحيى بِدُونِ مَا أمرت بِهِ وَحمل على برذون ثمَّ قَالَ لَهُ الْوَزير من تَمام النِّعْمَة عنْدك أَن لَا تخرج من الدَّار حَتَّى نؤثل لَك بِهَذَا المَال ضَيْعَة فَاشْترى لَهُ ضيَاعًا بجملة من ذَلِك المَال وَدفع إِلَيْهِ بَقِيَّته
وَحدث أَبُو بكر الصولي عَن أبي زَكَرِيَّا الْبَصْرِيّ قَالَ حَدثنِي رجل من قُرَيْش قَالَ خرجت حَاجا مَعَ رفْقَة لي فعرجنا عَن الطَّرِيق لنصلى فجاءنا غُلَام
(1/55)

فَقَالَ لنا هَل فِيكُم أحد من أهل الْبَصْرَة فَقُلْنَا كلنا من أهل الْبَصْرَة فَقَالَ إِن مولَايَ من أَهلهَا ويدعوكم إِلَيْهِ فقمنا إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ نَازل على عين مَاء فَجَلَسْنَا حوله فأحس بِنَا فَرفع طرفه وَهُوَ لَا يكَاد يرفعهُ ضعفا وَأَنْشَأَ يَقُول
(يَا بَعيدَ الدَّارِ عَنْ وَطنهْ ... مُفرداً يَبكي على شَجنهْ)
(كلمَّا جَدَّ الرَّحيلُ بِهِ ... زادتِ الأسْقَام فِي بدنه) // الرمل //
ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ طَويلا وَنحن جُلُوس حوله إِذْ أقبل طَائِر فَوَقع على أعالي شَجَرَة كَانَ تحتهَا وَجعل يغرد فَفتح عَيْنَيْهِ وَجعل يسمع تغريد الطَّائِر ثمَّ أنشأ يَقُول
(ولَقدْ زَادَ الفُؤادَ شَجًى ... طائرٌ يَبكي على فَنَنِهْ)
(شَفَّهُ مَا شَفّنِي فَبكى ... كُلنا يَبكي على سَكنهْ)
ثمَّ تنفس نفسا فاضت مَعَه نَفسه فَلم نَبْرَح عِنْده حَتَّى غسلناه وكفناه وتولينا الصَّلَاة عَلَيْهِ فَلَمَّا فَرغْنَا من دَفنه سَأَلنَا الْغُلَام عَنهُ فَقَالَ هَذَا الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف
وَكَانَت وَفَاته سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة وَقيل سنة اثْنَتَيْنِ وَمَا ذكر من أَنه مَاتَ هُوَ وَالْكسَائِيّ وَإِبْرَاهِيم الْموصِلِي وهشيمة الخمارة فِي يَوْم وَاحِد وَأَن الرشيد أَمر الْمَأْمُون أَن يُصَلِّي عَلَيْهِم وَأَنه قدم الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف رَحمَه الله لقَوْله
(وسَعَى بهَا قَومٌ وَقَالُوا إنَّها ... لَهيَ الَّتِي تَشقىَ بِها وتُكابِدُ)
(فَجَحدتُهمْ ليكونَ غَيركَ ظَنُّهم ... إِنِّي لَيُعجبني المحِبُّ الجاحِدُ) // الْكَامِل //
(1/56)

فَفِيهِ نظر لِأَن الْكسَائي مَاتَ سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة على خلاف فِيهِ وَمَا كَانَ الْمَأْمُون مِمَّن يقدم الْعَبَّاس على مثل الْكسَائي وَأَيْضًا فقد روى الصولي أَنه رأى الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف بعد موت الرشيد بمنزله بِبَاب الشَّام وَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ
وَمن شعره
(وحَدَّثْنَي يَا سَعْدُ عَنْهُم فزدني ... جنونا فودني مِنْ حدَيثكَ يَا سَعْدُ)
(هَواها هَوىً لم يَعرِفِ القَلبُ غَيره ... فَليسَ لَهُ قَبلٌ ولَيسَ لَهُ بعد) // الطَّوِيل //
وَمِنْه أَيْضا
(إِذا أَنْت لم تَعطفْكَ إِلَّا شفَاعةٌ ... فَلَا خير فِي وُدٍّ يَكونُ بِشافعِ)
(وأقسِمُ مَا تَركى عِتابَكَ عَنْ قِلًى ... وَلكنْ لِعلمي أَنه غيرُ نافعِ)
(وإنِّيَ إِن لم ألزَمِ الصَّبرَ طَائعاً ... فَلَا بدَّ مِنه مُكرهاً غير طائع) // الطَّوِيل //
وَمن رَقِيق شعره قَوْله من جملَة قصيدة
(يَا أَيهَا الرِّجلُ المعذِّب نَفسهُ ... أقْصر فَإِن شِفاءكَ الإِقصارُ)
(نزف البكاءُ دُموع عَينكَ فَاسْتَعِرْ ... عَيناً يُعينكَ دَمعُها المِدرارُ)
(من ذَا يُعيركَ عَينه تبْكي بهَا ... أَرَأَيْت عَيناً للبكاء تعار) // الْكَامِل //
وشعره كُله جيد وجميعه فِي الْغَزل لَا يكَاد يُوجد فِيهِ مديح رَحمَه الله تَعَالَى
(1/57)

9 - (سبوح لَهَا مِنْهَا عَليْهَا شَوَاهِدُ ... )
قَائِله أَبُو الطّيب المتنبي من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا سيف الدولة ابْن حمدَان أَولهَا
(عَواذلُ ذَات الخالِ فيَّ حواسِدُ ... وإنَّ ضَجيعَ الخودِ منِّي لَماجدُ)
(يَرُدُّ يدا عنْ ثوبها وهُو قادرٌ ... ويَعصي الهوَى فِي طَيفها وهُو رَاقدُ)
(مَتى يَشتفي من لاعج الشَّوق فِي الحشا ... مُحبٌّ لَهَا فِي قُرْبهِ مُتباعدُ)
(إِذا كُنت تخشى العارَ فِي كلِّ خلْوَة ... فَلم تتصباك الحِسانُ الخرائدُ)
(أَلحَّ عَليَّ السُّقُم حَتَّى ألفتُهُ ... ومَلَّ طَبيبي جَانِبي والعوائدُ)
(أهُمَّ بِشيءِ والليالي كَأَنَّهَا ... تُطاردني عَن كَونهِ وأطَاردُ)
(وحِيدٌ منَ الخِلاَّنِ فِي كل بَلدَة ... إِذا عَظُمَ المطْلوبُ قَلَّ المسَاعدُ)
(وتُسعدُني فِي غَمرة بَعْدَ غَمرة ... سَبوح لَهَا مِنْهَا عَلَيْهَا شَوَاهِد) // الطَّوِيل //
وَمِنْهَا قَوْله فِي المديح
(خَليليِّ إِنِّي لَا أرى غير شاعرٍ ... فَكم منهمُ الدَّعْوَى ومني القصائد)
(فَلَا تَعَجبا إِن السيوف كَثِيرَة ... وَلَكِن سيف الدولة الْيَوْم واحِدُ)
وَهِي طَوِيلَة
والسبوح الْفرس الْحسن الجري يُقَال فرسٌ سابح وسبوح وخيل سوابح
(1/58)

لسبحها بِيَدَيْهَا فِي مسيرها وسبوح اسْم فرس لِرَبِيعَة بن جشم وَهُوَ مَرْفُوع على أَنه فَاعل تسعدني
وَالْمعْنَى وتعينني على توارد الغمرات فِي الحروب فرس سبوح يشْهد بكرمها خِصَال هِيَ لَهَا مِنْهَا أَدِلَّة عَلَيْهَا
وَالشَّاهِد فِيهِ كَثْرَة التّكْرَار وتتابع الإضافات وَهِي قَوْله لَهَا مِنْهَا عَلَيْهَا وَالله تَعَالَى أعلم
10 - (حَمَامَةَ جَرْعَا حَوْمَةِ الجَنْدَلِ اسْجَعي ... )
قَائِله ابْن بابك الشَّاعِر الْمَشْهُور من قصيدة من الطَّوِيل وَتَمَامه
(فَأنْتِ بِمَرأى من سُعادَ ومَسمع ... )
والجرعاء هِيَ الرملة الطّيبَة المنبت لَا وعوثة فِيهَا أَو الأَرْض ذَات الحزونة تشاكل الرمل أَو الدعص لَا ينْبت أَو الْكَثِيب جانبٌ مِنْهُ حِجَارَة وجانب رمل وحومة الْقِتَال معظمه وَكَذَلِكَ من المَاء والرمل وَغَيره والجندل الْحِجَارَة والسجع هدير الْحمام وَنَحْوه
وَالْمعْنَى يَا حمامة جرعاء هَذَا الْموضع اسجعي وترنمي طريا فَأَنت بمرأى من الحبيبة ومسمع فجدير لَك أَن تطربي إِذْ لَا مَانع لَك مِنْهُ
وَالشَّاهِد فِيهِ تتَابع الإضافات فَإِنَّهُ أضَاف حمامة إِلَى جرعا وحومة إِلَى الجندل وَهُوَ من عُيُوب الْكَلَام
قَالَ الْقزْوِينِي وَفِيه نظر لِأَن ذَلِك إِن أفْضى بِاللَّفْظِ إِلَى الثّقل على اللِّسَان فقد حصل الِاحْتِرَاز عَنهُ بِمَا تقدم أَي بقوله من تنافر الْكَلِمَات مَعَ فصاحتها وَإِلَّا فَلَا يخل بالفصاحة كَيفَ وَقد جَاءَ فِي التَّنْزِيل {مثل دَاب قوم نوح} وَقد
(1/59)

قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم
قيل لَا نسلم وجود تتَابع الإضافات فِي الحَدِيث الشريف إِذْ لَفْظَة الابْن صفة لما قبلهَا وَلَيْسَ مَا قبلهَا مُضَافا إِلَيْهَا
وَعَن الصاحب بن عباد إياك والإضافات المتداخلة فَإِنَّهَا لَا تحسن
وَذكر الشَّيْخ عبد القاهر أَنَّهَا تسْتَعْمل فِي الهجاء كَقَوْل الْقَائِل
(يَا عَليّ بن حَمْزَة بن عُمارهْ ... أنتَ وَالله ثَلجةٌ فِي خِيَاره) // الْخَفِيف //
قَالَ وَلَا شكّ فِي ثقل ذَلِك لكنه إِذا سلم من الاستكراه ملح وظرف وَمِمَّا حسن فِيهِ قَول ابْن المعتز
(وظَلَّتْ تُديرُ الراحَ أَيدي جآذرٍ ... عِتاقِ دَنانيرِ الوجُوهِ مِلاحِ) // الطَّوِيل //
(وَقَول الخالدي
(ويَعرفُ الشِّعرَ مِثلَ مَعْرِفتي ... وهْوَ على أَن يزِيد مُجْتَهد)
(وصَيرفِيُّ القَريضِ وزَّانُ دِينَار ... المعاتي الدِّقاق مُنتقدُ) // المنسرح //
وَهَذَانِ البيتان لسَعِيد بن هِشَام الخالدي الشَّاعِر الْمَشْهُور من قصيدة يصف فِيهَا غُلَاما لَهُ وَهِي بديعة فَأَحْبَبْت ذكرهَا وَهِي
(مَا هُوَ عَبدٌ لكنَّهُ ولدُ ... خولنيه المهين الصَّمدُ)
(وَشدَّ أزرِي بحُسن خِدمتهِ ... فَهْو يَدِي والذراعُ وَالعضُدُ)
(صَغيرُ سِنٍّ كَبيرُ مَنفعةٍ ... تَمازجَ الضعفُ فِيه وَالجلَدُ)
(فِي سنِّ بَدِر الدُّجا وَصوُرَتِه ... فَمثلهُ يَصطفَى وَيُعتَقدُ)
(1/60)

(مُعشَّقُ الطْرفِ كُحله كَحَلٌ ... مُعَطّلُ الْجيدِ حَلْيهُ الجَيَدُ)
(وَوردُ خَدَّيْهِ والشقائِقُ وَالتفاحُ ... والجُلّنارُ مُنتضدُ)
(رِياضُ حُسنٍ زَواهرٌ أبدا ... فِيهنَّ مَاءُ النَّعيم مُطّردُ)
(وَغصنُ بَانٍ إِذا بَدا وَإِذا ... شَدَا فَقُمْرِيُّ بَانةٍ غَرِدُ)
(مُبارك الوجِهِ مُذْ حَظيتُ بهِ ... بَالي رَخيٌّ وَعيشتي رَغدُ)
(أُنْسى وَلهوِي وَكلُّ مَأرَبَتي ... مجتمعٌ فِيه لِي وَمُنفرِدُ)
(مُسامرِي إِنْ دَجَا الظَّلامُ فَلي ... مِنهُ حَدِيثٌ كَأنهُ الشَّهدُ)
(ظريفُ مَزْحٍ مَليحُ نَادرَةٍ ... جَوْهرُ حسنٍ شَرارهُ يَقدُ)
(خازنُ مَا فِي دارِي وَحَافظهُ ... فَليسَ شيءٌ لَديُّ مُفتقَدُ)
(وَمنفقٌ مُشفقٌ إِذا أنَا أَسْرفتُ ... وَبذَرْتُ فهْو مُقتصدُ)
(يَصون كُتبي فكلُّها حَسنٌ ... يَطوي ثِيَابِي فَكلُّها جَدُد)
(وَأبصرُ النَّاس بالطبيخ فكالمسك ... القلايا والعنبر الثردُ)
(وْهو يُديرُ المدامَ إنْ جُليتْ ... عَروسُ دَنً نقابها الزَّبد)
(يَمنح كأسي يدا أناملهُا ... تَنْحلُّ منْ لِينها وتنعقدُ)
(ثَقَّفهُ كَيسهُ فَلَا عِوجٌ ... فِي بعض أخلاقهُ وَلَا أود)
وَبعده البيتان وبعدهما أَيْضا
(وَكاتبٌ تُوجدُ البلاغةُ فِي ... ألفاظهِ والصوابَ وَالرشَدُ)
(وَواجدٌ بِي من المحبةِ وَالرأفةِ ... أضعافَ مَا بِهِ أجدُ)
(إِذا تَبسَّمتُ فَهوَ مُبتهجٌ ... وَإِن تَنمردتُ فَهوَ مُرتعدُ)
(1/61)

(ذَا بَعضُ أوْصافهِ وَقدْ بَقيتْ ... لهُ صِفاتٌ لمْ يحوها أحدُ)
وَقد عارضها الشهَاب مَحْمُود بقصيدة يذم فِيهَا غُلَاما لَهُ وَهِي
(مَا هُوَ عبد علا ولاَ ولدُ ... إلاَّ عناءٌ تَضنى بِهِ الكبِدُ)
(وَفرط سقمٍ أَعْيا الأساةَ فلاَ ... جِلْدٌ عليهِ يَبقى وَلَا جَلَدُ)
(أقبحُ مَا فِيهِ كلُّه وَلقدْ ... تَساوتِ الروحُ مِنْهُ والجسدُ)
(أشبهُ شيءٍ بالقردِ فهوَ لهُ ... إنْ كَانَ لِلقرد فِي الْورى ولدُ)
(ذُو مُقلةٍ حشوُ جَفنها عَمَصٌٌ ... تَسيلُ دَمعاً وَما بهَا رَمدُ)
(وَوجنةٍ مِثل صبغةِ الوَرْسِ ... لكنْ ذاكَ صافٍ وَلونها كمِدُ)
(كَأَنَّمَا الخدُّ فِي نَظافتهِ ... قدْ أكِلَتْ فَوق صَحنهِ غُدَدُ)
(يقطر سُمّاً فَضحكهُ أبدا ... شرّ بُكاءٍ وَبِشرهُ حَرَدُ)
(يجمعُ كَفّيهِ مِنْ مَهانتهِ
كَأَنَّهُ فِي الهّجيرِ مُرتعدُ)
(يُطرِق لاَ مِنْ حَيا وَلا خَجلٍ ... كأنّهُ لِلترابِ مُنتقدُ)
(ألَكنُ إِلاَّ فِي الشتمِ يَنبحُ كالْكلبِ ... وَلوْ أنَّ خَصمهُ الأَسدُ)
(يَشتمني الناسُ حِينَّ يَشتمهمْ ... إذْ لَيْسَ يرضى بشمته أحدُ)
(كَسلانُ إلاَّ فِي الأ كل فَهُوَ إِذا ... مَا حضر الأ كل جَمَرةٌ تَقِدُ)
(كَالنارِ يَوْمَ الرِّياحِ فِي الْحطب اليابسِ ... تأتِي على الَّذِي تجدُ)
(يَرفُلُ فِي حُلةٍ منبته ... من قمله رقم طرزها طرد)
(أجملُ أوْصافهِ النميمةُ وَالْكذب ... وَنقل الْحديثِ وَالحَسدُ)
(كُلُّ عُيوب الورَى بِهِ اجْتَمعتْ ... وَهو بأضعافِ ذَاكَ مُنفردُ)
(إِنْ قُلتُ لَمْ يَدرِ مَا أقولُ وَإنْ ... قالَ كِلَانَا فِي الْفَهم مُتحد)
(كأنّ مَا لي إِذا تَسلّمَهُ ... مَاءٌ قَرَاحٌ وَكَفُّهُ سرد)
(1/62)

(حَملتهُ لِي دُوَيَّة حَسنتْ ... كُنتُ عَليها فِي الظَّرفِ أعْتمدُ)
(كَمثلِ زَهرِ الرِّياضِ مَا وَجدَتْ ... عَيني لهَا مُشبهاً وَلا تجدُ)
(فمرَّ يَوْماً بهَا عَلى رَجُلٍ ... لَديهِ عِلمُ اللُّصوصِ يَستندُ)
(أوْدَعها عنِدهُ فَفرَ بهَا ... وَما حَواهُ مِنْ بَعدها الْبلدُ)
(فَجاء يَبكي فَظَلْتُ أضحكُ مِنْ ... فِعلي وَقلبي بِالغيظِ يَتْقدُ)
(وَقالَ لِي لَا تَخفْ فحليتهُ ... مَسهورةُ الشكل حِينَ يُفتقدُ)
(عَليه ثَوبٌ وَعمةٌ ولهُ ... ذَقنٌ وَوجهٌ وَساعدٌ ويدُ)
(وَقائلٍ بعهُ قُلتُ خُذهُ وَلاَ ... وَزنٌ تُجازِي بِهِ وَلَا عددُ)
(فَفي الذِي قَدْ أضاعهُ عِوضٌ ... وَهُوَ على أَن يزِيد مُجْتَهد) // المنسرح //
وَمثله قَول رَاشد الْكَاتِب فِي غُلَام لَهُ قد بَاعه وَكَانَ اسْمه نفيساً فَسَماهُ خسيسا
(بعْنا خَسيسْاً فَلم يحزن لَهُ أحد ... وَغابَ عَنا فَغابَ الهمُّ والنكدُ)
(أهْونْ بهِ خَارِجا منْ بَين أظْهرنا ... لم نَفتقده وكلبُ الدَّارِ يُفتقدُ)
(قَدْ عَرِّيتْ مِنْ صُنوفِ الخَير خِلقتهُ ... فَلَا رُواءٌ ولاَ عَقلٌ ولاَ جلدُ)
(يَدعُو الفحولَ إِلى مَا تَحتَ مِئزره ... دُعاء منْ فِي استه النيرانُ تتقد) // الْبَسِيط //
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا
(عَرضنا خَسيساً فاحتمى كلُّ تاجرٍ ... شِراهُ وأعْيا بَيْعهُ كلَّ دَلالِ)
(وَمَا باتَ فِي قَومٍ يَحبُّونَ قُربهُ ... فأصبحَ إلاَّ وَالمحبُّ لهُ قالي)
(فَمَا فِي يديهِ خِدمةٌ يُشتهى لهَا ... ولاَ عِندهُ مَعنىً يُرادُ على حالِ)
(بَلى لَيس يَخلو من مَعايبِ أهلهِ ... وَإنْ أَصبْحوا فِي ذِروةِ الشَّرفِ العالي)
(1/63)

(إِذا لم يجدْ فيهمْ مقَالا رَماهمُ ... بِبعض عيوبِ النَّاسِ فِي الزَّمنِ الْخَالِي)
(وَيحتالُ فِي اسْتخراجِ مَا فِي بُيوتهمْ ... بِما قَصرتْ عَنهُ يَدا كلِّ مُحتال)
(وَإِن حملوه سر أَمرٍ أذاعَهُ ... وكادَهُمُ فِيهِ كِيادةَ مغُتالِ)
(ويَعبثُ بالجيرانِ حَتَّى يُملَّهمْ ... وَيُبرِمُ أهلَ الدَّار بالقِيلِ والقَالِ)
(يُريهمْ صُروفَ الدَّهرِ مِن حَمقاته ... أعاجيِبَ لم تَخْطر بوَهِم وَلَا بَال)
(أَقولُ وَقدْ مَروا بِهِ يَعرضونهُ ... إِلَى النَّار فاذهبْ لَا رَجَعْتَ وَلَا مَالِي) // الطَّوِيل //
وَقَالَ الْعَلامَة ابْن الوردي رَحمَه الله يهجو عبدا لَهُ اسْمه بهادر
(بَهادرُ عَبدٌ لَا بَهاءٌ وَلَا دُرُّ ... فَما أَنا حرٌ يومَ قوَلي لَهُ حر) // الطَّوِيل //
وَأما ابْن بابك فَهُوَ عبد الصَّمد بن مَنْصُور بن الْحسن بن بابك الشَّاعِر الْمَشْهُور أحد الشُّعَرَاء المجيدين المكثرين وَهُوَ بغدادي وَله ديوَان كَبِير وأسلوب رائق فِي نظم الشّعْر طَاف الْبِلَاد ومدح الأكابر كعضد الدولة والصاحب بن عباد وَغَيرهمَا وأجزلوا لَهُ الجوائز وَذكر صَاحب الْيَتِيمَة أَنه كَانَ يشتو فِي حَضْرَة الصاحب بن عباد ويصيف فِي وَطنه وَقد ذكر ذَلِك فِي بعض قصائده قَالَ وقرأت للصاحب فصلا فِي ذكره فاستملحته وَهُوَ أما ابْن بابك وَكَثْرَة غشيانه بابك فَإِنَّمَا تغشي منَازِل الْكِرَام والمنهل العذب كثير الزحام
وَمن شعره فِي وصف الْخمر من قصيدة
(1/64)

(عُقارٌ عَليها منْ دَم الصَّبِّ نُقطةٌ ... ومنْ عَبراتِ المستهام فواقع)
(معودة غضب الْعُقُول كَأَنَّمَا ... لَهَا عِند ألبابِ الرِّجال وَدائعُ)
(تَحَيَّرَ دَمعُ المزنِ فِي كأسها كَمَا ... تحيرُ فِي وَردِ الخدودِ الْمدامعُ) // الطَّوِيل //
وَله من أُخْرَى فِي وصف إضرام النَّار فِي بعض غِيَاض طَرِيقه إِلَى الصاحب
(وَمقلةٍ فِي مَجرّ الشَّمْس مَسحبها ... أرْعيتها فِي شباب السُّدفة الشهُّبا)
(حَتَّى أرَتني وعينُ الشَّمْس فاترةٌ ... وجهَ الصَّباح بذيل اللَّيْل منتقبا)
(وَلَيْلَة بتُّ أَشْكُو الهمَّ أوَلها ... وَعدتُ آخرِهَا أستنجد الطَّربا)
(فِي غَيضةٍ مِنْ غِياضِ الْحسن دَانيةٍ ... مَدَّ الظَّلامُ على أرْواقها طُنبا)
(يُهدِي إِلَيْهَا مُجاج الخمرِ ساكِنُها ... وكلمَّا دبَّ فِيهَا أثمرت لهبا)
(حَتى إِذا النَّار طاشتْ فِي ذَوائِبها ... عادَ الزُّمردُ مِن عيدانِها ذَهبا)
(مَرقتُ مِنها وَثغرُ الصُّبح مُبتسم ... إِلَى أغرَّ يرَى المذْخورَ مَا وَهبا) // الْبَسِيط //
وَله أَيْضا
(أحببته أسودَ الْعَينَيْنِ والشعره ... فِي عَيْنَيْهِ عِدةٌ لِلوصل مُنتظَرَهْ)
(لدنَ المقلَّد مَخطوف الحشا ثَملاً ... رَخصَ العظامِ أشمَّ الأنفِ وَالقَصَرَهْ)
(لِلظبي لَفتتهُ والغصنِ قامتَهُ ... وَالرَّوضِ مَا بثَّه وَالرَّمل مَا سَتَرهْ)
(تكادُ عَيني إِذا خاضتْ محاسنَهُ ... إليهِ تَشربهُ منْ رِقةِ الْبشرهْ)
(حَتَّى إِذا قلت قد أمْلَلْتُها شَرهتْ ... شَوقاً إليهِ وَفِي عَينِ المحبِّ شَرهْ) // الْبَسِيط //
(1/65)

وَمِنْه
(زَمرُ الغروبِ وأصواتُ النَّواعيرِ ... والشَّربُ فِي ظلّ أكواخِ المناظيرِ)
(وَصرعة بينَ إِبريقٍ وباطية ... ونقرة بينَ مِزمارٍ وطَنبورِ)
(أشهى إِلَيّ من البَيْدَاء أعسْفِهُا ... ومِنْ طُلوع الثَّنايا الشُّهبِ والقورِ)
(يَا رُبَّ يَوْمٍ على القَاطُولِ جَاذْبني ... صُبح الزُّجاجةِ فيهِ فَضلَةُ النُّور)
(صَدَعْتُ طُرتهُ والشَّمسُ قاصِدَة فِي يَلمق مِن ضَبابِ الدجْنِ مَزرُورِ)
(كأنَّ مَا انْهَلّ مِنْ أهْدَاب مُزْنتهِ ... دَمعٌ تَساقَطَ مِن أجفانِ مَهجورِ)
(فَمِنْ رشاشٍ عَلى الرِّيحانِ مُقتحمٍ ... ومِنْ رَذاذٍ على المنْثور منثور) // الْبَسِيط //
وَمن شعره أَيْضا
(وغدير مَاء أفغمت أطْرَافهُ ... كالدَّمع لما ضَاقَ عَنهُ مَجالُ)
(قَمرُ الرياض إِذا الغُصُونُ تَعَدَّلت ... وإِذا الغُصونُ تهَدَّلت فهِلاَلُ) // الْكَامِل //
وَمِنْه وَهُوَ غَرِيب التَّشْبِيه
(وافى الشِّتاءُ فَبزَّ النَّوْرُ بهجته ... فِعلَ المشيب بشَعر اللِّمَّةِ الرجِلِ)
(وَرْدٌ تفتَّحَ ثُمَّ ارتَدَّ مُجتمِعاً ... كمَا تجمَّعَتِ الأَفْوَاه للقبل) // الْبَسِيط //
وَقد أَخذه الْأَمِير مجير الدّين بن تَمِيم مَعَ بن زِيَادَة التَّضْمِين فَقَالَ
(سِيقَتْ إلَيْكَ مِنَ الحَدَائق ورْدَة ... وأتتْكَ قبل أوانها تطفلا)
(طَمعت بِلثمِكَ إذْ رأتك فَجمَّعت ... فَمَها إِلَيْك كطالب تقبيلا) // الْكَامِل //
وَهَذَا التَّضْمِين من بَيت للمتنبي فِي وصف النَّاقة وَهُوَ
(ويُغيرُني جذْبُ الزِّمام لقلبها ... فَمها إليكِ كطالب تقبيلا) // الْكَامِل //
فنقله ابْن تَمِيم إِلَى وصف زر الْورْد فَأحْسن غَايَة الْإِحْسَان وَهُوَ من قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(1/66)

(وَالعيسُ عَاطفةُ الرؤسِ كَأَنَّمَا ... يَطلبنَ سرّ محدثٍ فِي المجلسِ) // الْكَامِل //
وَفِي مثل قَول ابْن تَمِيم قَول الخباز الْبَلَدِي دوبيت
(ووردة تحكي بسبق الْورْد ... طَلِيعَة تسرعتْ من جنُد)
(قَد ضمَها فِي الْغُصْن قرص الْبرد ... ضم فمٍ لقُبلةٍ من بُعْدِ)
وَذكرت بِهَذَا مَا قَالَه صاعد اللّغَوِيّ صَاحب كتاب الفصوص يصف باكورة ورد حملت إِلَى أبي عَامر مُحَمَّد بن أبي عَامر الملقب بالمنصور
(أتَتكَ أَبا عَامر وَردةٌ ... يُحاكِي لكَ الْمسك أنفاسها)
(كعذراء أبصرهَا مبصر ... فغطت بأكمامها راسها) // المتقارب //
فَاسْتحْسن الْمَنْصُور مَا جَاءَ بِهِ فحسده الْحُسَيْن بن العريف فَقَالَ هِيَ للْعَبَّاس ابْن الْأَحْنَف فناكره صاعد فَقَامَ ابْن العريف إِلَى منزله وَوضع أبياتاً وأثبتها فِي صفح دفتر وَقد نقض بعض أسطاره وأتى بهَا قبل افْتِرَاق الْمجْلس وَهِي
(عَشوتُ إِلَى قَصرِ عَباسةٍ ... وَقدْ جَدْلَ النَّومُ حُراسَهَا)
(فألْفيتها وَهيَ فِي خِدْرها ... وَقدْ صَدَعَ السكر أنَّاسها)
(فَقالتْ أسارٍ على هَجَعة ... فَقلتُ بَلى فَرمتْ كاسها)
(ومدَّت إِلَى وردةٍ كَفَّها ... يُحاكي لَك الْمسك أنفاسها)
(كعذراء أبصرهَا مبصر ... فغطت بأكمامِها رَاسها)
(وقالَتْ خَفِ الله لَا تَفضحنِّ ... فِي ابْنةِ عَمك عبَاسَها)
(فَوليت عَنها على غفَلةٍ ... وَلَا خنُتُ ناسي وَلَا ناسها) // المتقارب //
قَالَ فَخَجِلَ صاعد وَحلف فَلم يقبل مِنْهُ وافترق الْمجْلس على أَنه سَرَقهَا
(1/67)

وتمكنت فِي صاعد لِأَنَّهُ كَانَ يُوصف بِغَيْر الثِّقَة فِيمَا يَنْقُلهُ
وَمن شعر أبن بابك يصف زِمَام النَّاقة وَهُوَ معنى جيد
(ولَقدْ أتَيتُ إِليكَ تحملُ بزَّتي ... حَرفٌ يُسكَّنُ طَيشهَا الذأَلانُ)
(يَنفِي الزَّفيرُ خُطامهَا فكأنهُ ... غَارٌ يُحاول نقبه ثعبان) // الْكَامِل //
وَقد زَاد فِيهِ على المتنبي وَقد ذكر الْخَيل
(نجاذبُ فِيهَا لِلصباحِ أعِنَّةً ... كأنَّ على الأعناقِ مِنْهَا أفاعيَا
وَهُوَ من قَول ذِي الرمة // من الطَّوِيل //
(رَجيعة أسْقَامٍ كَأنَّ زِمامَها ... شُجاعٌ على يُسرَي الذِّراعَيْنِ مطرق) // الطَّوِيل //
على أَن ذَا الرمة لم يزدْ على التَّشْبِيه شَيْئا والمتنبي أَتَى بِهِ فِي عرض بَيته وَزَاد مقصداً آخر وَهُوَ أَن الْخَيل لَا تتْرك إِلَّا عنة تَسْتَقِر فِي أَيدي فرسانها لما فِيهَا من سُورَة المرح وَحسن الْبَقِيَّة بعد طول السرى فَكَأَنَّمَا الأعنة أفاع تلدغ أعناقها إِذا باشرتها فتجاذبها الفرسان الأعنة وَهِي تجاذبهم إِيَّاهَا وَهَذَا لم يَقْصِدهُ ذُو الرمة وَلَا يُؤْخَذ من بَيته
وَمن شعر أبن بابك بَيت من قصيدة فِي غَايَة الرقة وَهُوَ
(ومَرَّ بيَ النَّسيمُ فَرقَّ حتَّى ... كَأَنِّي قد شَكوتُ إليهِ مَا بِي) // الوافر //
وَنقل بَعضهم أَن ابْن بابك لما وَفد على الصاحب بن عباد وأنشده مدائحه فِيهِ طعن عَلَيْهِ بعض الْحَاضِرين وَذكر أَنه منتحل وَأَنه ينشد قصائد قد قَالَهَا ابْن نباتة السَّعْدِيّ فَأَرَادَ الصاحب ابْن عباد أَن يمتحنه فاقترح عَلَيْهِ أَن يَقُول قصيدة يصف فِيهَا الْفِيل على وزن قَول عَمْرو بن معدي كرب
(أَعدَدْت للحدثان سابغة ... وعداء علندي) // الْكَامِل //
فَقَالَ
(قَسماً لَقَدْ نَشر الحيا ... بمنَاكب العَلَميْنِ بُرْدا)
(1/68)

(وتَنفّستْ يمَنِيةٌ ... تَستضْحك الزّهر المنَدّى)
(وجريحَة اللَّبّاتِ تَنْثُرُ ... مِنْ سَقيطِ الدَّمعِ عقدَا)
(نازعتها حلب الشؤن ... وقلّما استَعَبرْتُ وجْدَا)
(ومُسَاجِلٍ لِي قَدْ شَقَقْتُ ... لِدَائهِ فِي فيّ لَحْدَا)
(لَا تَرْم بِي فَأَنا الَّذِي ... صيرت حُرّ الشِّعرِ عَبْدَا)
(بشوارد شمس القياد ... يَزِدن عِنْدَ القُربِ بُعدَا)
(ومُمَسّكِ البُرْديْنِ فِي ... شِبهِ النّقا شِيةً وقَدَّا)
(وكأنما نَسَجَتْ عَلَيْهِ ... يَدُ الغمامَ الجَون جلْدَا)
(وَإذا لَوَتْكَ صِفاته ... أعْطاك نَسَّ الرّوم نَقْدَا)
(فكأنّ مِعصم غادة ... فِي مَا ضغيه إِذا تَصَدّى)
(وَكأنّ عودا عَاطلاً ... فِي صَفحتيهِ إذَا تَبدَّى)
(يَحدُو قَوائمَ أَرْبعاً ... يَتركنَ بالتلعاتِ وَهدَا)
(جأبُ المطوق قد تفرد ... بالكراهةِ واسْتبدَّا)
(فَإِذا تَجللَ هَضبةً ... فكأنّ ظِلّ اللَّيلِ مَدَّا)
(وَإذا هَوَى فكانَّ رُكنا ... منْ عُمانٍ قدْ تردّى)
(وَإذا اسْتقلَّ رَأيتَ فِي ... أعْطافهِ هَزلاً وَجِدَا)
(مُتقرطاً أذنا تَعي ... زَجرَ العسوفِ إِذَا تَعدّى)
(خَرقاء لاَ يجد السرَار ... إِذا تَوَلَّجَهَا مَردّا)
(أوطأته صرعى بسيفي ... وَاجتنيتُ وِصال سَعُدَي)
(مَلك رَأى الإِحسانَ مِنْ ... عُدَدِ النَّوائبِ فَاستْعدّا)
(كَافِي الكُفاةِ إِذا انثنتْ ... مُقلُ القنا الخطَّارِ رُمدَا)
(1/69)

(تَكسوهُ نَشَر العرفِ كَفٌّ ... منْ جُفونِ الطَّلِّ أنْدَى)
(لاَ زْلتَ يَا أملَ العفاة لفارطِ الإِملاقِ وِردّا)
(فَالقَ اللَّيالِي لابساً ... عَيشاً بَرودَ الظِّلِّ رغدا) // الْكَامِل //
فاستحسنها الصاحب وَلَام الطاعن عَلَيْهِ على كذبه وادعائه أَنه انتحل شعر غَيره فَقَالَ يَا مَوْلَانَا هَذَا وَالله مَعَه سِتُّونَ فيلية كلهَا على هَذَا الْوَزْن لِابْنِ نباتة فَضَحِك مِنْهُ
وَكَانَ الصاحب قد برز أمره لِابْنِ بابك وَغَيره من الشُّعَرَاء الَّذين بِحَضْرَتِهِ أَن يصفوا الْفِيل على هَذَا الْوَزْن فَمن قصيدة لأبي الْحسن الْجَوْهَرِي
(يَزهو بِخُرْطومٍ كَمثلِ ... الصَّولجانِ يردّ رَدّا)
(متمدد كالأفعوان ... تَمدُّهُ الرّمضاء مدَّا)
(أَوْ كمِّ رَاقصةٍ تُشيرُ ... بهِ إِلَى الندْمانِ وَجدَا)
(وكأنهُ بوق يحركه ... لينفح فيهِ جدّا)
(يَسطو بِصارِمَتي لحيّ ... يحطمان الصخر هدّا)
(أذُناهُ مِروحتانِ أسندتا ... إِلَى الفودينِ غمدا)
(عَيناه غائرتانِ ضيقتا ... لجمع الضّوء عمدَا)
وَمن قصيدة لأبي مُحَمَّد الخازن
(وَكأنما خُرطومهُ ... رَاووُق خَمر مدّمدّا)
(أوْ مثلُ كمٍّ مُسبلٍ ... أرْخته لِلّتوديع سُعدَى)
(وَإِذا التوى فَكأنه الثعبانُ ... منْ جَبلٍ تَردَّى)
(وَكأنما انْقلبتْ عَصا ... مُوسى غَداة بهَا تحدَّى)
وَكَانَت وَفَاته فِي سنة عشر وَأَرْبَعمِائَة بِبَغْدَاد رَحمَه الله تَعَالَى
شَوَاهِد الْفَنّ الأول وَهُوَ علم الْمعَانِي
(1/70)

11 - (جَاءَ شَقِيق عارضا رُمْحَهُ ... إِنَّ بَنِي عمك فيهم رماح)
الْبَيْت لحجل بن نَضْلَة من السَّرِيع وَبعده
(هَلْ أحدْثَ الدّهرُ لنَا ذِلَّةً ... أَمْ هَلْ رَمتْ أُمُّ شَقيقٍ سلَاح) // السَّرِيع //
شَقِيق هُنَا اسْم رجل
وَالْمعْنَى جَاءَ هَذَا الرجل وَاضِعا رمحه عرضا مفتخراً بتصريف الرماح مدلاً بشجاعته دَالا ذَلِك على إعجاب شَدِيد مِنْهُ واعتقادٍ بِأَنَّهُ لَا يقوم إِلَيْهِ أحد من بني أَعْمَامه كَأَنَّهُمْ كلهم عزلٌ لَيْسَ مَعَ أحد مِنْهُم رمح فَقيل لَهُ تنكب وخل لَهُم طريقهم لِئَلَّا تتزاحم عَلَيْك رماحهم وتتراكم عَلَيْك أسنتها إِن بني عمك فيهم رماح كَثِيرَة
وَالشَّاهِد فِيهِ تَنْزِيل غير الْمُنكر للشَّيْء منزلَة الْمُنكر لَهُ إِذا ظهر عَلَيْهِ شَيْء من أَمَارَات الْإِنْكَار وَقد تقدم مَعْنَاهُ
وَمَا أحسن قَول ابْن جَابر الأندلسي مُشِيرا إِلَى شطر الْبَيْت الأول
(سَامحَ بالوَصلِ عَلى بُخلهِ ... وقالَ لِي أنْتَ بِوصلِيَ حَقيقْ)
(فَقلتُ مَا رَأيكَ فيِ نُزهةٍ ... مَا بَينَ كَاسَاتٍ وَروضٍ أَنِيقْ)
(فَقالَ يَعني خَدَّه واللَّما ... هَذَا هُوَ الرَّوضُ وَهَذَا الرَّحيقْ)
(فَبتُّ مِنْ دَمعي وَمِنْ خَدِّه ... مَا بينَ نُعمانَ وَبَين العقيق)
(وَإِذ تَدللَّتُ عَلى حُبِّهِ ... فَقال مَا تَخشى أمَا تَستفيقْ)
(قَدِّي وَخَدِّي خَفْهمَا يَا فَتى ... هَذَا هُوّ الرُّمُح وَهذا شَقيقْ) // السَّرِيع //
وَقد ضمنه أَبُو جَعْفَر الأندلسي أَيْضا فَقَالَ
(أَبدَتْ لنا الصُّدْغَ على خدِّها ... فأطْلَعَ الليلُ لنا صبحَهُ)
(فخدها مَعْ قدِّها قَائِل ... هذَا شَقِيق عَارض رمحه) // السَّرِيع //
وَقد ضمنه ابْن الوردي أَيْضا فَقَالَ
(لما رأى الزَّهرُ الشقيقَ انثنى ... مُنهزماً لم يَستطعْ لَمْحَهُ)
(1/72)

(وَقَالَ مَنْ جَاءَ فقُلنا لهُ ... جاءَ شَقِيق عارضا رمحه) // السَّرِيع //
وَأما حجل بن نَضْلَة فَهُوَ أحد بني عَمْرو بن عبد قيس بن معن بن أعصر
12 - (أشَابَ الصّغيرَ وأفْنَى الكَبيرَ ... كَرُّ الْغَداةِ ومَرُّ العَشِيّ)
الْبَيْت للصلتان الْعَبْدي الحماسي من قصيدة من المتقارب وَنسب الْحَافِظ فِي كتاب الْحَيَوَان هَذِه الأبيات للصلتان السَّعْدِيّ وَقَالَ هُوَ غير الصلتان الْعَبْدي وَبعد الْبَيْت
(إِذا لَيلةٌ أهرَمت يَوْمها ... أَتَى بعدَ ذلكَ يَوْم فَتى)
(نرُوحُ ونغدو لحاجاتنا ... وحاجةُ مَنْ عَاشَ لَا تَنْقَضِي)
(تموتُ معَ الْمرء حاجاتُهُ ... وتَبْقَى لَهُ حاجةٌ مَا بَقِي)
(إِذا قُلتَ يَوْمًا لمنْ قدْ تَرَى ... أَرُوني السَّريَّ أرَوكَ الْغنى)
(بُنيَّ بداخِبُّ نجْوَى الرِّجال ... فكنْ عنْدَ سرِّك خبَّ النجي)
(فسرُّك مَا كَانَ عِنْد امرئٍ ... وسرُّ الثلاثةِ غيرُ الْخَفي)
(1/73)

(فَكُنْ كَابْن لَيلٍ على أسْودٍ ... إِذا مَا سَوادٌ بِلَيْلٍ خشِي)
(فكلُّ سوادٍ وَإِن هِبْته ... من اللَّيْل يُخْشى كَمَا تختشي)
(أرد مُحكم الشّعْر وَإِن قُلْته ... فإنّ الْكَلَام كثيرُ الروي)
(كَمَا الصمت أدنى لبَعض اللَّسان ... وَبعض التكَلُّم أدنى لعي) // المتقارب //
وَمعنى الْبَيْت أَن كرور الْأَيَّام ومرور اللَّيَالِي يَجْعَل الصَّغِير كَبِيرا والطفل شائباً وَالشَّيْخ فانياً
وَالشَّاهِد فِيهِ حمل إِسْنَاد الافناء إِلَى كرور الْأَيَّام ومرور اللَّيَالِي على الْحَقِيقَة لكَون إِسْنَاده إِلَى مَا هُوَ لَهُ عِنْد الْمُتَكَلّم فِي الظَّاهِر
والصلتان الْعَبْدي هُوَ قثم بن خبية بن عبد الْقَيْس وَهُوَ شَاعِر مَشْهُور قيل لَهُ اقْضِ بَين جرير والفرزدق فَقَالَ
(1/74)

(أَنا الصَّلتانُ الَّذْ بهِ قَدْ عَلمْتُمو ... مَتى مَا يُحكَّمْ فَهُوَ بالْحَقِّ صادعُ)
(أَتَتني تَمِيم حِينَ هابتْ قُضاتُها ... وَإِنِّي لبِالفَصل المُبيِّن قاطعُ)
(كَمَا أنفَذَ الأعْشى قَضيّة عامِر ... وَمَا لتميم فِي قَضائي رَواجعُ)
(سَأقضي قَضاءَ بَينهُمْ غيْرَ جَائِر ... فَهلْ أنْتَ للْحكم المُبيِّن سامعُ)
(قَضَاء امرىء لَا يتَّقي الشتمَ منْهمُ ... وليْسَ لَهُ فِي المدْح مِنْهُم منافعُ)
(فَإن كُنتما حكَّمتُماني فأنصتَا ... وَلَا تَجزعا ولَيرضَ بالحقِّ قَانِع)
(فَإِن يستويك بحْرُ الحَنظليين وَاحِدًا ... فَمَا تَستوي حيتانُهُ والضفادعُ)
(وَمَا يَستوي صَدْرُ القناةِ وزُجُّهَا ... وَمَا يَستوي شُمُّ الذرى والأرجاع)
(وَلَيْسَ الذبابي كالقُدَامي وَريشِهِ ... وَما تَستوي فِي الكفِّ مِنْك الأصابعُ)
(أَلاَ إِنما تحظى كليبٌ بِشعرها ... وَبالمجدِ تحظى دَارمٌ والأقارعُ)
(1/75)

(أرى الخطفى الفرزدقَ شعره ... وَلكنْ خيرا من كليبٍ مُجاشُعُ)
(فَيا شَاعِرًا لَا شاعرَ اليومَ مِثلهُ ... جَريرٌ وَلكنْ فِي كليبٍ تواضعُ)
(وَيرفعُ منْ شِعر الْفرزدقِ أَنه ... لَهُ باذخٌ لِذي الخسيسةِ رافعُ)
(وَقدْ يُحمدُ السّيفُ الرَّديء بغمدِه ... وَتلقاهُ رَثَّا جَفنُهُ وهَوَ قَاطع)
(يُناشدني النصرَ الفرزدقُ بَعدما ... أناختْ عَليهِ منْ جَريرٍ صَواقعُ)
(فَقلتُ لَهُ إِنِّي ونَصرَكَ كالذِي ... يُثبِّتُ أنفًا كشمته الجوادع) // الطَّوِيل //
وَفِي ذَلِك يَقُول جرير رَحمَه الله تَعَالَى
(أَقولُ وَلم أملك سَوابقَ عَبرةٍ ... مَتى كانَ حكم الله فِي كَرب النَّخْلِ)
(1/76)

13 - (مَيَّزَ عَنْه قُنْزُعاً عَنْ قُنْزُعِ ... جَذْبُ اللَّيَالِي أبطئ أوْ أسْرعي)
(أفْنَاهُ قِيلُ اللهِ للشَّمْسِ اطْلُعِي ... )
هَذِه الأبيات لأبي النَّجْم الْعجلِيّ من قصيدة من الرجز أَولهَا
(قدْ أَصبَحت أم الْخِيَار تَدعِي ... عَليّ ذَنبا كُله لم أصنع)
(من أَن رَأَتْ رَأْسِي كرأس الأصلع) // الرجز //
وَبعده الأبيات وَبعدهَا
(حَتَّى إذَا وَاراكِ أفقٌ فارجعي)
والقنزعة الْخصْلَة من الشّعْر تتْرك على رَأس الصَّبِي أَو هِيَ مَا ارْتَفع من الشّعْر وَطَالَ أَو الشّعْر حوالي الرَّأْس وَجَمعهَا قنازع وقنزعات وجذب اللَّيَالِي هُوَ مضيها واختلافها وَيُقَال جذب الشَّهْر إِذا مضى عامته وأبطئ أَو أرعى أسرعي صفة اللَّيَالِي أَي الْمَقُول فِيهَا أبطىء أَو أسراعي وَقيل حَال مِنْهَا أَي اللَّيَالِي مقولاً فِيهَا أبطئ أَو أسرعي والصلع انحسار شعر مقدم الرَّأْس لنُقْصَان مَادَّة الشّعْر فِي تِلْكَ الْبقْعَة وقصورها عَنهُ واستيلاء الْجَفَاف عَلَيْهَا ولتطامن الدِّمَاغ عَمَّا يماسه من القحف فَلَا يسْقِيه سقيه إِيَّاه وَهُوَ ملاق لَهُ والمواراة السّتْر
وَمعنى الأبيات أَن هَذِه الحبيبة يَعْنِي أم الْخِيَار زَوجته أَصبَحت تَدعِي عَليّ ذنوباً لم أرتكب شَيْئا مِنْهَا لرؤيتها رَأْسِي كرأس الأصلع لكبري وشيخوختي ميز وَفصل مر الْأَيَّام ومضي اللَّيَالِي الشّعْر الَّذِي بَقِي حوالي الرَّأْس وجوانبه ثمَّ قَالَ أفناه قيل الله وَأمره للشمس بالطلوع والغروب
(1/77)

وَالشَّاهِد فِيهَا هُوَ أَن حمل إِسْنَاد تَمْيِيز الشّعْر إِلَى جذب اللَّيَالِي مجَاز بِقَرِينَة قَوْله أفناه إِلَى آخِره
وَأَبُو النَّجْم تقدم التَّعْرِيف بِهِ فِي شَوَاهِد الْمُقدمَة
14 - (يَزيدُكَ وَجْهُهُ حسنا ... إِذا مَا زِدْتَهُ نَظَرَا)
الْبَيْت لأبي نواس من قصيدة من الوافر يهجو فِيهَا الْأَعْرَاب والأعرابيات ويذم عيشهم وأولها
(دَع الرَّسْم الَّذِي دثَرا ... يُقاسي الرِّيحَ والمطرَا)
(وَكُن رجلا أضاع الْعرض ... فِي اللذَّاتِ والخَطَرا)
(ألمْ تَرَ مَا بنى كسْرَى ... وسابور لمن غَبَرَا)
(مَنازل بَين دِجْلة ... والفُرَات أحَفَّهَا شَجرا)
(بِأرضِ باعَدَ الرحمنُ ... عَنها الطَّلحُ والعُشَرَا)
(وَلم يَجْعَل مصاينها ... يَرابِيعاً وَلَا وَحَرَا)
(1/78)

(وَلكن حُورَ غِزلانٍ ... تُراعى بالمَلاَ بَقرَا)
(وَإِن شيئنا أحشَنا الطيرَ ... من حافاتها زمرا) // الوافر //
إِلَى أَن قَالَ
(أما وَالله لَا أشَرَا ... حَلفتُ بِهِ وَلا بطرَا)
(لَو أَن مُرقَّشاً حَيُّ ... تعلقَ قَلبهُ ذكرَا)
(كَأَن ثِيابهُ أطلَعنَ ... من أزْرارِه قَمَرا)
(ومَرّ بِهِ بِدِيوانِ الْخَراجِ ... مُضمخاً عَطرا)
(بِوَجهٍ سَابريّ لَو ... تَصوَّبَ ماؤْه قَطرا)
(وقَدْ خَطّتْ حَوَاضنه ... لَهُ من عَنبرِ طُررا)
(بِعين خَالطَ التَّفتيرُ ... فِي أجْفانها حَوَرا)
(يزيدكَ وجهْهُ حسنا ... إِذا مَا زدتَهُ نَظرا)
(لأيْقَنَ أَن حب المرد ... يُلفي سهَلهُ وَعَرا)
(1/79)

(وَلَا سِيَمَا وَبعضهُم ... إِذا حَييتُه انتهرا) // الوافر //
وَالْمعْنَى فِي الْبَيْت أَن وَجهه لما فِيهِ من نِهَايَة الْحسن وَغَايَة الْكَمَال كلما كررت النّظر فِيهِ زَاده الله عنْدك حسنا وبهاء مَعَ أَن تكْرَار النّظر إِلَى الشَّيْء قَلما يحلو
وَفِي مَعْنَاهُ قَول الآخر
(كُلمَا زِدتَ إليهِ نَظراً ... زَاد حُسناً عِنَد تَكرارِ النّظَرْ) // الرمل //
وَقَول ابْن الرُّومِي
(لَا شَيْء إِلَّا وَفِيه أحسَنُهُ ... فالْعيْن مِنهُ إِلَيْهِ تَنتقلُ)
(فَوَائد الْعين فيهِ طارفةٌ ... كَأَنَّمَا أخرياتُها أول) // المنسرح //
وَقَول المتنبي
(وَهُوَ المُضاعَفُ حُسنُهُ إِن كررا ... ) // الْكَامِل //
وَقَول عَبدُوس المغربي
(يَا غزالاً وهِلاَلاً ... خُلِقَاً خَلْقاً عجيبا)
(وقَضيباً وكثيباً ... جَمَعا قدّاً غريبَا)
(قَدْ غضضنا دُونك الألحاظ ... خوفًا أَن تذُوبَا)
(كُلما زدْناكَ لَحْظاً ... زِدتنَا حُسناً وطيبا) // من مجزوء الرمل //
(1/80)

وَقَول ابْن الخيمي
(مَا يَنتهي نَظري مِنْهُم إِلَى رُتَبٍ ... فِي الْحسن إِلَّا ولاَحتْ فَوقها رُتبُ) // الْبَسِيط //
وَقَول قوام الدّين الْمَعْرُوف بِابْن الطراح
(وَعْدُكَ لاَ يَنقضي لهُ أمَدُ ... وَلاَ لِليلِ المِطالِ مِنكَ غَدُ)
(عَللتني بِالْمنا غَدا فغداً ... إنَّ غَدا سَرمداً هُوَ الأبدُ)
(تَضحكُ عَنْ وَاضحٍ مُقبَّلهُ ... عَذْبٌ بَرودٌ كأنَّهُ البَرَدُ)
(أحومُ مِنْ حَوْلهِ وَبي ظَمأ ... إِلَى جَنيَ رِيقهِ وَلاَ أرِدُ)
(وَكلما زِدتُ وَجههُ نَظراً ... بَدَتْ عَليهِ مَحاسنٌ جدُدُ) // المنسرح //
وَقَرِيب مِنْهُ قَول ابْن الْمُطَرز
(يَا حبيباً كلهُ حَسنٌ ... لمحبٍّ كلهُ نَظرُ)
(وَجههُ مِنْ كلِّ ناحيةٍ ... حَيثما قابلته قمر) // المديد //
وَمن ظريف مَا يذكر هُنَا أَن يَعْقُوب بن الدقاق مستملي أبي نصر صَاحب الْأَصْمَعِي قَالَ كُنَّا يَوْم جُمُعَة بقبة الشُّعَرَاء فِي رحبة مَسْجِد الْمَنْصُور نتناشد وَكنت أعلاهم صَوتا إِذْ صَاح بِي صائح من ورائي يَا منتوف فتغافلت كَأَنِّي لم أسمع شَيْئا فَقَالَ وَيلك يَا أعمى يَا أعمى لم لَا تَتَكَلَّم فَقلت من هَذَا فَقَالُوا أَبُو دانق الموسوس فَالْتَفت إِلَيْهِ فَقَالَ وَيلك هَل تعرف أحسن من هَذَا الْبَيْت أَو أشعر من قَائِله وَهُوَ
(1/81)

(مَا تَنظرُ العَينُ مِنهُ نَاحيَة ... إِلَّا أقامتْ مِنهُ على حسن) // المنسرح //
فَقلت كالمحاجر لَهُ لَا فَقَالَ لَا أم لَك هلا قلت نعم قَوْله
(يزيدك وَجهه حسنا ... إِذا مَا زِدْته نظرا) // من مجزوء الوافر //
ثمَّ وثب وثبة فَجَلَسَ إِلَى جَانِبي وَأَقْبل عَليّ وَقَالَ لي يَا أعمى صف لي صُورَتك السَّاعَة وَإِلَّا أخرجتك من بزتك ثمَّ أقبل عَليّ من كَانَ حَاضرا فَقَالَ ظلمناه ظلمناه وَهُوَ ضَرِير لم ير وَجهه فَمن أحسن منا أَن يصفه فليصفه وَكَانَ على الْحَقِيقَة أقبح النَّاس وَجها وَكَانَ يحلق شعر رَأسه وَشعر لحيته وَشعر حاجبيه ويدهن قَالَ فَلم يتَكَلَّم أحد فَقَالَ اكتبوا صفته فِي رَأسه وَأنْشد
(أُشَبِّهُ رَأَسَهُ لَولَا وجار ... بِعَيْنيهِ ونضنضة اللِّسَان)
(بأضحم قَرعةٍ عظَمتْ وَتمْت ... فَليسَ لَهَا لَدى التَّمْيِيز ثانِ)
(إِذا عليت أسَافلها أمَالتْ ... دَعائمَ رَأَسِها نَحو اللَّبَانِ)
(فكانَ لَهَا مكانَ الجيدِ مِنها ... إِذا اتَّصلتْ بمُمسِكة الجرانِ)
(لَهَا فِي كل شَارِقَةٍ وَبيضٌ ... كَأَن بريقَها لمع الدِّهانِ)
(فَلَا سُلِّمْتَ من حَذَري وخوفي ... مَتى سَلِمَتْ صَفاتُكَ من بنانى) // الوافر //
ووثب إِلَيّ فحالت الْأَيْدِي بيني وَبَينه
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت معرفَة حَقِيقَة الْمجَاز الْعقلِيّ الْخفية الَّتِي لَا تظهر إِلَّا بعد نظر وَتَأمل
وَمثله قَول مُحَمَّد اليزيدي
(أتَيتُكَ عائذاً بك مِنْك ... لمّا ضَاقَتِ الحِيَلُ)
(وصير ني هواكَ وَبِي ... لَِحْيِني يُضرَبُ المثَلُ)
(1/82)

(فَإِن سَلِمَتْ لكم نَفسي ... فَمَا لاقيتُهُ جَلَلُ)
(وَإِن قتل الْهوى رجلا ... فَإِنِّي ذَلِك الرجل) // من مجزوء الوافر //
أَي صيرني الله بهواك وحالي هَذِه وَهِي أَن يضْرب الْمثل بِي لحيني أَي أهلكني الله ابتلاءً بِسَبَب هَوَاك
وَالْبَيْت الْأَخير مَأْخُوذ من قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(مَتى مَا تَسمعي بِقتيِل أَرض ... أُصيبَ فإنني ذَاك القتيلُ)
وَأَبُو نواس هُوَ أَبُو عَليّ الْحسن بن هَانِئ بن عبد الأول بن الصَّباح الْحكمِي الشَّاعِر الْمَشْهُور كَانَ جده مولى الْجراح بن عبد الله الْحكمِي وَالِي خُرَاسَان ونسبته إِلَيْهِ قيل إِنَّه ولد بِالْبَصْرَةِ وَنَشَأ بهَا ثمَّ خرج إِلَى الْكُوفَة مَعَ والبة بن الْحباب ثمَّ صَار إِلَى بَغْدَاد وَقيل إِنَّه ولد بالأهواز وَقيل إِنَّه ولد بكورة من كورخوزستان فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة وَنقل إِلَى الْبَصْرَة فَنَشَأَ بهَا ثمَّ انْتقل إِلَى بَغْدَاد وَقد زَاد سنة على الثَّلَاثِينَ وَلم يلْحق بهَا أحدا من الْخُلَفَاء قبل الرشيد وَكَانَ أول مَا قَالَه من الشّعْر وَهُوَ صبي قَوْله
(حَامِلُ الهَوَى تَعِبُ ... يَستخِفُّهُ الطَّربُ)
(إِنْ بَكَى يحقَ لَهُ ... لَيسَ مَا بهِ لَعِبُ)
(تَضحكينَ لاهيةً ... وَالمحبُّ يَنتحِبُ)
(كُلَّما انْقَضى سَببٌ ... منكِ جَاءَنِي سَببُ)
(1/83)

(تَعْجَبينَ مِنْ سَقَمي ... صِحَّتِي هِيَ العجبُ) // المقتضب //
وَهِي أَبْيَات مَشْهُورَة
وَرُوِيَ أَن الخصيب صَاحب مصر سَأَلَ أَبَا نواس عَن نسبه فَقَالَ أغناني أدبي عَن نسبي
وَمَا زَالَ الْعلمَاء والأشراف يروون شعر أبي نواس ويتفكهون بِهِ ويفضلونه على أشعار القدماء
قَالَ مُحَمَّد بن دَاوُد الْجراح كَانَ أَبُو نواس من أَجود النَّاس بديهةً وأرقهم حَاشِيَة لسناً بالشعر يَقُوله فِي كل حَال والردى من شعره مَا حفظ عَنهُ فِي سكره
قَالَ الجاحظ لَا أعرف بعد بشار مولداً أشعر من أبي نواس وَقَالَ الْأَصْمَعِي مَا أروي لأحد من أهل الزَّمَان مَا أرويه لأبي نواس وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة أَبُو نواس للمحدثين كامرئ الْقَيْس للأولين لِأَنَّهُ الَّذِي فتح لَهُم بَاب هَذِه الفطن ودلهم على هَذِه الْمعَانِي وَقَالَ ذهبت الْيمن بجد الشّعْر وهزله فامرؤ الْقَيْس بجده وَأَبُو نواس بهزله وَقَالَ أَبُو الْحسن الطوسي شعراء الْيمن ثَلَاثَة امْرُؤ الْقَيْس وَحسان وَأَبُو نواس
وَكَانَ لخلف الْأَحْمَر وَلَاء فِي الْيمن فِي الأشاعرة وَكَانَ عصبياً وَكَانَ من أميل خلق الله إِلَى أبي نواس وَهُوَ الَّذِي كناه بِهَذِهِ الكنية لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ أَنْت من أهل الْيمن فتكن باسم من أسامي الذوين ثمَّ أحصى لَهُ أَسْمَاءَهُم وخيره فَقَالَ ذُو جدن وَذُو كلال وَذُو يزن وَذُو كلاع وَذُو نواس فَاخْتَارَ ذَا نواس فكناه أَبَا نواس فسارت لَهُ وعلبت على أبي عَليّ كنيته الأولى
وَكَانَ أَبُو نواس يُعجبهُ شعر النَّابِغَة ويفضله على زُهَيْر تَفْضِيلًا شَدِيدا ثمَّ يَقُول الْأَعْشَى لَيْسَ مثلهمَا وَكَانَ يتعصب لجرير على الفرزدق وَيَقُول هُوَ أشعر ويأتم ببشار وَيَقُول هُوَ غزير الشّعْر كثير الافتنان وَيَقُول أدمنت قِرَاءَة شعر الْكُمَيْت فَوجدت قشعريرة ثمَّ قَرَأت شعر الخريمي فتشققت عَليّ حمى مبردة
(1/84)

ثمَّ قَالَ يَوْمًا شعري أشبه بِشعر جرير فَقيل لَهُ فَمَا تَقول فِي الأخطل قَالَ إمامي فِي الْخمر فَقيل الفرزدق قَالَ ذَاك الْأَب الْأَكْبَر
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي قد ختمت بِشعر أبي نواس فَمَا رويت لشاعر بعده
وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ لَوْلَا مَا أَخذ فِيهِ أَبُو نواس من الأرفاث لاحتججنا بِشعرِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُحكم القَوْل لَا يخلط
وَقَالَ ابْن دُرَيْد سَأَلت أَبَا حَاتِم عَن أبي نواس فَقَالَ إِن جد حسن وَإِن هزل ظرف وَإِن وصف بَالغ يلقِي الْكَلَام على عواهنه لَا يُبَالِي من حَيْثُ أَخذه
وَقَالَ أَبُو الْغَيْث بن البحتري سَأَلت أبي لما حَضرته الْوَفَاة من أشعر النَّاس فَقَالَ اعن الْمُتَقَدِّمين تسال أم عَن الْمُحدثين فَقلت عَن الْمُحدثين فَقَالَ يَا بني لَو قسم إِحْسَان أبي نواس على جَمِيع النَّاس لوسعهم وَإِن لأشجع السّلمِيّ لإحساناً وَمَا علم الشُّعَرَاء أكل الْخبز بالشعر إِلَّا أَبُو تَمام فَقلت لَهُ أَنْت أشعر أم أَبُو تَمام فَقَالَ سَأَلت عَمَّا لَا يزَال يسال عَنهُ جيد أبي تَمام خير من جيدي وردئيي خير من رديئه
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي بعث إِلَيّ الْمَأْمُون فسرت إِلَيْهِ وَهُوَ مَعَ يحيى بن أَكْثَم يطوفان فِي حديقة فَلَمَّا نظر أَنِّي ولياني ظهورهما فَجَلَست فَلَمَّا أَقبلَا قُمْت فَقَالَ الْمَأْمُون يَا مُحَمَّد بن زِيَاد من أشعر الشُّعَرَاء فِي نعت الْخمر فَجعلت أنْشدهُ للأعشى وَقلت هُوَ الَّذِي يَقُول
(تريك القَذَى من دونهَا وَهِي فوقهُ ... إِذا ذَاقها من ذاقها يتمطق) // الطَّوِيل //
ثمَّ أنشدته للأخطل فَلم يحفل بِشَيْء مِمَّا أنشدته ثمَّ قَالَ يَا ابْن زِيَاد اشعر النَّاس فِي نعتها الَّذِي يَقُول
(فتمشت فِي مفاصلهم ... كتمشي الْبُرْء فِي السَّقمِ)
(فَعلتْ فِي اللّب إِذْ مزجت ... مِثلَ فِعلِ النَّار فِي الظُّلم)
(فاهتدى ساري الظلام بهَا ... كاهتداء السَّفْرِ بالعَلَم) // المديد //
(1/85)

وَعَن عَمْرو بن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ قَالَ جَاءَ أَبُو الْعَتَاهِيَة وَمُسلم وَأَبُو نواس إِلَى أبي فأنشده أَبُو الْعَتَاهِيَة
(وعَظّتْكَ أجْداثٌ صْمُتْ ... ونعتك أزمته خُفُتْ)
(وأرَتك قَبرَكَ فِي القُبور ... وأنْتَ حيّ لم تمت)
(وتَكلَّمت عَن أعين تَبْلى ... وَعَن صُوَر شتت)
(وحَكَتْ لَك السَّاعَات سَاعَات ... أتيات بَغت) // الْكَامِل //
وأنشده شعرًا آخر يَقُول فِيهِ
(على سرعَة الشَّمْس فِي مرها ... دَبِيب الخلوقة فِي الْجدّة) // المتقارب //
قَالَ وَانْصَرفُوا فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام عَاد إِلَيْهِ مُسلم وَأَبُو نواس فأنشده مُسلم
(أجررت حَبل خليع فِي الصِّبَا غزل ... ) // الْبَسِيط //
حَتَّى بلغ قَوْله
(ينَال بالرفق مَا يَعيا الرِّجالُ بِه ... كالموت مستعجلا يَأْتِي على مَهل)
فَقَالَ أَبُو عَمْرو أَحْسَنت إِلَّا أَنَّك أخذت قَول أبي الْعَتَاهِيَة
(وحكت لَك السَّاعَات سَاعَات ... أتيات بَغت)
قَالَ ثمَّ أنْشدهُ أَبُو نواس قَوْله
(يَا شَقِيق النَّفس من حكم ... ) // المديد //
إِلَى أَن بلغ إِلَى قَوْله
(فَتمشتْ فِي مفاصلهم ... كتمشي الْبُرْء فِي السقم)
قَالَ لَهُ أَحْسَنت إِلَّا أَنَّك أَخَذته أَيْضا من قَول أبي الْعَتَاهِيَة
(على سرعَة الشَّمْس فِي مرها ... دَبِيب الخلوقة فِي الجِدةِ)
وَقد ذكر بعض أهل الْعلم أَن بَيت أبي نواس هَذَا مَأْخُوذ من قَول بعض
(1/86)

الهذليين يصف قانصاً ظفر بصيد بِسُرْعَة مَشى
(فتمشى لَا يحس بِه ... كَتمشِّي النّارِ فِي الضرم) // المديد //
وَيُقَال إِن أَبَا نواس أنْشد بَيته هَذَا بعض الشُّعَرَاء فَقَالَ لَهُ أما كَفاك أَن سرقت حَتَّى أحلّت فَقَالَ وَمن أَيْن سرقت فأنشده بَيت الْهُذلِيّ فَقَالَ كَيفَ أحلّت فَقَالَ بِقَوْلِك كتمشي الْبُرْء فِي السقم وهما جَمِيعًا عرضان وَالْعرض لَا يدْخل على الْعرض فَانْقَطع أَبُو نواس ثمَّ غير بَيته بعد ذَلِك بِأَن قَالَ
(كتمشي النَّار فِي الفَحَمِ ... )
وَهَذَا بَيت الْهُذلِيّ بِعَيْنِه وَمَعْنَاهُ
وَعَن الْأَصْمَعِي أَن أَبَا نواس سرق بَيته من قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(تجْرِي محبتها فِي قَلبِ وَامقها ... جَرَىَ السَّلامَة أَعْضَاء منتكس) // الْبَسِيط //
وَهُوَ أَخذه من قَول عمر بن أبي ربيعَة حَيْثُ يَقُول
(لَقدْ دَبَّ الهوَى لَك فِي فؤادِي ... دَبيبَ دَم الحياةِ إِلَى الْعُرُوق) // الوافر //
وَهُوَ أَخذه من قَول بعض العدويين حَيْثُ يَقُول
(وأُشْربَ قَلبي حُبها وَمشى بِهِ ... كمشي حُمَيّاً الكأسِ فِي عَقلِ شَارب)
(ودَبّ هَواها فِي عِظامي وَحُبُّهَا ... كَمَا دَبَ فِي الملسوعِ سُم العقارب) // الطَّوِيل //
وَهُوَ أَخذه من أَسْقُف نَجْرَان حَيْثُ يَقُول
(منع الْبَقَاء ثَقَلُّبُ الشَّمْس ... وطلوعها من حَيْثُ لَا تمسي)
(وَطلوعها حَمراء صَافِيَة ... وَغروبها صَفراء كالورسِ)
(تجْرِي على كبد السَّمَاء كَمَا ... يجْرِي حمام الْمَوْت فِي النَّفس) // الْكَامِل //
ذكرت بِهَذِهِ الأبيات مَا قَالَ الْأَعْشَى وَهُوَ أعشى قيس فِي سَكرَان
(فَراحَ ملسا كأنّ الذُّبابَ ... يَدِبُّ على كلِّ عُضوٍ دَبيبا) // المتقارب //
(1/87)

وَقد أَخذ أَبُو الشيص قَول عمر بن أبي ربيعَة فَقَالَ
(لَقدْ جَرى الحُبُّ مِني ... مَجرَى دَمي فِي عروقي) // المجتث // وَأَخذه أَبُو الطّيب فَقَالَ
(جَرَى حُبها مَجرَى دَمى فِي مَفاصلي ... فأصبحَ لي عَنْ كلِّ شُغلٍ بهَا شغل) // الطَّوِيل //
وَقَالَ أَبُو الْفرج بن هندو
(فَتمشتْ فِي قْلبيَ المْهمومِ ... كتَمشَّي الدِّرياقِ فِي المسموم) // الْخَفِيف //
وأتى عبد الله بن الْحجَّاج بِهَذَا الْمَعْنى من غير تَشْبِيه فَقَالَ
(فَبِتُّ أسَقَّاها سُلافاً مُدامَةً ... لهَا فِي عِظام الشَّاربين دَبيبُ) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم
(وَفي الظّعائنِ مَهضومُ الحَشا غَنِجٌ ... يَخطو بأعطْافِ كَسلان الخُطا ثَملِ)
(ظَبيٌ مَشيَ الوردُ مِنْ لحظي بوجنتهِ ... مَشْيَ اللواحظِ مِنْ عينيهِ فِي أجلى) // الْبَسِيط //
وَقَالَ أَبُو حَاتِم لَوْلَا أَن الْعَامَّة ابتذلت هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وهما لأبي نواس لكتبتهما بِالذَّهَب وهما قَوْله
(وَلوْ أنيِّ استزدتك فَوقَ مَا بيِ ... منَ الْبلوى لأعْجزَكَ الْمزيدُ)
(وَلو عُرِضَتْ عَلَى المَوْتَى حَياةٌ ... بِعيشٍ مِثْلِ عيشي لم يُرِيدُوا) // الوافر //
وَكَانَ الْمَأْمُون يَقُول لَو وصفت الدُّنْيَا نَفسهَا لما وصفت بِمثل قَول أبي نواس
(ألاَ كلُّ حيٍّ هَالكٌ وابْنُ هالكٍ ... وَذُو نسب فِي الْهالكين عَريقِ)
(1/88)

(إِذا متحن الدُّنيا لَبيبٌ تَكشَّفَتْ ... لهُ عَنْ عَدُوٍّ فِي ثِيابِ صَديِقِ) // الطَّوِيل //
وَالْبَيْت الأول ينظر إِلَى قَول امْرِئ الْقَيْس
(فَبعضَ اللَّومِ عَاذِلتي فإِنِّي ... سَيكفيني التَّجاربُ وَانْتسَابي)
(إِلى عِرْقِ الثرى وَشجَتْ عُرُوقي ... وَهذا الْموتُ يَسلبني شَبَابِي) // الوافر //
وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة لرجل من أهل الْبَصْرَة أَنْشدني لأبي نواسكم فَأَنْشد
(مَا هَوى إلاَّ لَهُ سَبَب ... يَبتدِى مِنهُ وَينشعبُ) // المديد //
فَقَالَ سُفْيَان آمَنت بِاللَّه الَّذِي خلقه
وَاجْتمعَ أَبُو نواس مَعَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف فِي مجْلِس فَقَامَ الْعَبَّاس فِي حَاجَة فَسئلَ أَبُو نواس عَن رَأْيه فِيهِ وَفِي شعره فَقَالَ لَهو أرق من الْوَهم وأنفذ من الْفَهم وأمضي من السهْم ثمَّ عَاد الْعَبَّاس وَقَامَ أَبُو نواس كَذَلِك فَسئلَ الْعَبَّاس عَنهُ وَعَن رَأْيه فِيهِ وَفِي شعره فَقَالَ إِنَّه لأقر للعين من وصل بعد هجر ووفاء بعد غدر وإنجاز وعد بعد يأس فَلَمَّا صَارا إِلَى النَّبِيذ أعلم كل وَاحِد قَول الآخر فِيهِ فَقَالَ أَبُو نواس
(إِذَا ارْتدتَ فَتى الْكاس ... فَلا تَعدلْ بِعباس)
(فَنعَم المرْءُ إنْ أرْضعتَ ... يَوماً درة الكاس) // الهزج //
فَقَالَ الْعَبَّاس
(إِذَا نازعتَ صَفَو الكاس يَوماً ... أخاثقةٍ فَمثلَ أبي نُواس)
(فَتى يَشتدُّ حَبلُ الوُدّ مِنهُ ... إِذا مَا خُلَّةٌ رَثتْ لناس) // الوافر //
فَتَنَاول أَبُو نواس قدحا وَقَالَ
(أَبا الفضلِ اشربنْ كاسكْ ... فإِني شاربٌ كاسى) // الهزج //
فَقَالَ الْعَبَّاس
(نَعمْ يَا أوْحد النّاس ... على العينينِ والراس)
(1/89)

فَقَالَ أَبُو نواس
(فَقَدْ حُفَّ لنا المجلسُ ... بالنِّسرين والآسِ)
فَقَالَ الْعَبَّاس
(وَإخوانٍ بَهاليلَ ... سَراةٍ سَادة الناسِ)
فَقَالَ أَبُو نواس
(وَخَوْدٍ لذِة المسموع ... مِثْلِ الغُصُنِ الكاسِي)
فَقَالَ الْعَبَّاس
(وقَدْ ألبسها الرَّحْمَن ... أحْسنِ إِلباس)
فَقَالَ أَبُو نواس
(وَقد زِينَتْ بإكليلِ ... يَواقيتَ على الرَّأْس)
فَقَالَ الْعَبَّاس
(فَلَا تَحْبِسْ أخي كاسي ... فإِني غْيرُ حبَّاس)
فَكَانَ مَا نسي من معارضتهما فِي ذَلِك الْمجْلس أَكثر مِمَّا حفظ إِلَّا أَنه انْصَرف الْعَبَّاس وَبَقِي أَبُو نواس فَسئلَ عَن العتابي وَالْعَبَّاس فَقَالَ العتابي يتَكَلَّف وَالْعَبَّاس يتدقق طبعا وَكَلَام هَذَا سهل عذب وَكَلَام ذَاك متدقق كزٌّ وَفِي شعر هَذَا مَاء ورقة وحلاوة وَفِي شعر ذَاك جساوة وفظاظه
وَكَانَ لأبي نواس مَعَ أهل عصره مناقضات ومعارضات يطول شرحها فنورد
(1/90)

مِنْهَا مَا خف ذكره
حضر أَبُو نواس مَعَ جمَاعَة سطحاً عَالِيا يطْلبُونَ هِلَال الْفطر وَكَانَ سُلَيْمَان ابْن أبي سهل فِي عينه سوء فَقَامَ أَبُو نواس بإزائه ثمَّ قَالَ يَا أَبَا أَيُّوب كَيفَ ترى الْهلَال من بعد وَأَنت لَا تراني من قرب فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان قد رَأَيْتُك تمشي الْقَهْقَرِي حَتَّى تدخل فِي رحم جلبان يَعْنِي أمه فأحفظ ذَلِك أَبَا نواس فَقَالَ فِي سُلَيْمَان
(قُلْ لسُليمانَ وَمَا شِيمتي ... أَن أُهْدِىَ النُّصحَ لَهُ مُخْلصا)
(مَا أَنت بِالْحرِّ فأَلْحىَ وَلَا ... بالعَبْدِ أسْتَعْتِبُهُ بِالعَصا)
(فَرحَمةُ الله عَلى آدم ... رَحمةَ من عَمَّ وَمن خَصَّصا)
(لَو كَانَ يدْرِي أَنه خارجٌ ... مِثلُكَ من إحليله لاختصى) // السَّرِيع //
فَأَجَابَهُ سُلَيْمَان فَقَالَ
(إِن ابْن هاني سِفْلَةٌ خَالص ... مَا وَحَّدَ الله وَلَا أخْلَصا)
(أَغْلى بِذِكرى شِعره فاغْتَدى ... بالقرض فِي أشباهه مُرخصا)
(وَكان فِي شِعري وتغريده ... لخوف مَنْ يأتيهِ قد قَلَّصا)
(كَالْكَلْبِ هرّ الليْثَ حَتَّى إِذا ... أهدي إِلَيْهِ مِخْلباً بصيصا)
(1/91)

وَكَانَ لأبي الشمقمق ضريبة على الشُّعَرَاء فجَاء يَوْمًا إِلَى أبي نواس فَقَالَ هَات ضريبتك فَدخل الْمنزل وَأخرج إِلَيْهِ رقْعَة فِيهَا
(أخَذْت بأيرِ بَغلٍ حِينَ أدْلى ... فُوَيقَ الباعِ كالجذْعِ المطوّقْ)
(فَمَا إنْ زِلتُ أمرسُهُ بكفي ... إِلَى أنْ صارَ كالسَّهم المفوقْ)
(فَلما أَن طَمى ونما وأنْدى ... جلدت بِهِ حرأم أبي الشمقمق) // الوافر //
فَوَقَعت هَذِه الأبيات فِي أَفْوَاه الصّبيان وأجابه أَبُو الشمقمق بِأَبْيَات فَلم تسر لَهُ
وَحدث الجمان قَالَ اجْتمعت أَنا وَأَبُو نواس وَالرَّقَاشِيُّ فِي بعض متنزهات الْبَصْرَة فنفذ شرابنا فَقُلْنَا هَلُمَّ فَلْيقل كل وَاحِد منا بَيْتا فِي السقيا لنبعث بِهِ إِلَى عبد الْملك بن إِبْرَاهِيم فابتدأ أَبُو نواس فَقَالَ
(يَا ابْن إبراهيمَ يَا عَبْدَ الملكْ ... واثِقاً أقْبلتُ بِاللَّه وبِكْ)
(أَنْت لِلْمَالِ إِذا أصلَحتُه ... فَإِذا أنْفقتُه فَالْمَال لَك)
وَقَالَ الرقاشِي
(اسْقني الخَمر ودع من لاَمني ... فِي هَوَى نَفْسي فغَيري مَنْ نَسَكْ)
(وَنِكِ المُرْدَ فَمَا من لذةٍ ... نِلْتَها إِن لم تَنكهم وتُنَكْ)
فَوَقع الْبَيْت الرَّابِع بموافقته وَبعث إِلَيْنَا بِمَا كفانا
وَاجْتمعَ أَبُو نواس يَوْمًا مَعَ الرقاشِي فِي مجْلِس فتذاكرا الشّعْر فَقَالَ لَهُ أَبُو نواس لقد سبقتني إِلَى أَبْيَات وددت أَنَّهَا لي بِجَمِيعِ شعري قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ قَوْلك
(نبهت نَدْمَانِي الموفي بذمّتهِ ... مِن بَعدِ إيْعَاب طاساتٍ وأقداح)
(1/92)

(فَقَالَ خُذ واسقني واشرب وغَنِّ لنا ... يَا دارَ مَثَواي بالقاعين فالساح)
(فَمَا حَسَا ثَانِيًا أَو بعضَ ثالثةٍ ... حَتَّى اسْتَدارَ وَرَدَّ الراح بِالرَّاحِ) // الْبَسِيط //
فَقَالَ لَهُ الرقاشِي لكنك أَنْت سبقتني ببيتين وددت أَنَّهُمَا لي بِكُل شعري فَقَالَ أَبُو نواس وَمَا هما قَالَ قَوْلك
(ومُستطيلٍ على الصَّهباء باكَرها ... فِي فِتيةٍ باصْطباحِ الرَّاحِ حُذَّاقِ)
(فَكلُّ شَيْء رَآهُ ظَّنهُ قَدحا ... وكل شخصٍ رَآهُ قَالَ يَوْمًا ذَا ساقي) // الْبَسِيط //
وَاجْتمعَ يَوْمًا أَبُو نواس مَعَ عنان فاقبل عَلَيْهَا وَقَالَ
(إِنَّ لي أيْراً خبيثاً ... عارِمَ الرَّأْس فلوتا)
(لوْ َرأى فِي الجوِّ فَرْجاً ... لنزَا حَتَّى يَموتا)
(أَو رأى فِي السّقف دبراً ... لتحول عنكبوتا)
(أَوْ رَآهُ جَوْف بحرٍ ... صَار للإنغاظ حوتا) // من مجزوء الرمل //
فَقَالَت عنان
(زَوَّجوا هَذَا بألفٍ ... وأظُنُّ الألفَ قوتا)
(إِنَّنِي أخْشَى عَليه ... دَاء سُوء أَن يَموتا)
(قَبْلَ أَن ينقلبَ الدَّاء ... فَلَا يأتِي ويُوتى)
فَقَالَ أَبُو نواس
(ألمَ تَرِقِّى لصبٍّ ... يَكْفِيهِ مِنكِ قُطَيْره) // المجتث //
فَقَالَت عنان
(إِيّايَ تَعني بهذَا ... عَليك فَاجلدْ عُميرهْ)
فَقَالَ أَبُو نواس
(أخافُ إِن رُمتُ هذَا ... عَلى يَدِي مِنكِ غَيرهْ)
(1/93)

فَقَالَت عنان
(عَليكَ أمَّكَ نِكُها ... فَإنها كندفيرة)
وَدخل أَبُو نواس يَوْمًا على الناطفي وعنان جالسة تبْكي وخدها على رزة بَاب فَقَالَ
(بَكَتْ عنانٌ فَجرى دَمعُها ... كَاللُّؤْلُؤِ المرفَضِّ من خيطه) // السَّرِيع //
فَقَالَت عنان وَالْعبْرَة تخنقها
(فَليتَ مَنْ يَضربُها ظَالِما ... تَجفُّ يُمناهُ على سَوطهِ)
وَكَانَ الرشيد قد هم بشرَاء عنان جَارِيَة الناطفي فَقيل لَهُ إِن أَبَا نواس قد هجاها بقوله
(إنَّ عِنانَ النطاف جاريةٌ ... قد صارَ حرهَا للأير مَيْدانا)
(لَا يَشْتَرِيهَا إلاَّ ابنُ زانيةٍ ... أَو قُلْطُبان يكونُ من كَانَا) // المنسرح //
فَقَالَ لَعنه الله لَا حَاجَة لنا فِيهَا فأجابته عنان عَن هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فَقَالَت
(عَجباً مِنْ حَلقيٍّ ... يَدَّعى أصلَ اللواط)
(فَإِذا صَار إِلَى الْبَيْت ... وَخسف عَن تواطي)
(فَالَّذِي يَعلم يَدْري ... مَنْ يَلِي وَجه الْبسَاط) // من مجزوء الرمل //
فَقَالَ أَبُو نواس
(فتحت حرِها عِنانٌ ... ثمَّ نَادَت مَنْ ينيك)
(ثُمَّ أبدَتْ عَن مشق ... مِثلِ صَحراء العتيك)
(فِيهِ دراح وَبطّ ... ودَجاجات وَدِيكْ) // من مجزوء الرمل //
فَقَالَت عنان
(إِن ابْن هَانِئ بِدَائهِ كَلفٌ ... يَبيتُ عَن نَفسه يخادِعُها)
(1/94)

(أمسي بروس الحملان يُعرَف فِي النَّاس ... ومضماره كوارعها) // المنسرح //
ووجهت عنان مرّة إِلَى أبي نواس بوصيفة لَهَا مَعَ رقْعَة فِيهَا
(زرنا لتأكُلَ مَعْنا ... وَلَا تَغيبَنّ عَنَّا)
(فَقدْ عزمنا على الشّرْب ... صُحْبَة واجتمعنا) // المجتث //
فَلَمَّا وَردت الوصيفة على أبي نواس قَرَأَ رقعتها ثمَّ تأملها فاستحلاها فخدعها وَقضى وطره مِنْهَا ثمَّ كتب فِي جَوَاب الرقعة
(نكنا رسولَ عنانٍ ... والرأيُ فِيمَا فَعلْنا)
(فَكَانَ خبْزًا بملحٍ ... قَبل الشِّواء أكلْنا)
(جذبِتها فتجافَتْ ... كالغُصْن لما تَثنىَّ)
(فقلتُ لَيْسَ عَليّ ذَا الفعال ... كُنَّا افْترقنا)
(قَالَت فكم تتجنىّ ... طوَّلْتَ نكنا وَدْعنا) // المجتث //
فَلَمَّا قَرَأت عنان الرقعة قَالَت إِن كَانَ صَادِقا فقد زنى وهجرته
وَلَقَد ظرف ابْن الْأَبَّار بمتابعته أَبَا نواس فِي هَذَا الْمَعْنى حَيْثُ قَالَ
(زَارني خِيفةَ الرَّقِيب مريباً ... يتَشكَّى القضيبُ مِنْهُ الكثيبا)
(رَشَاْ رَاش لي سِهَام المنايا ... من جُفونٍ يُصمِي بِهن القلوبا)
(قَالَ لي مَا تَرَى الرقيبَ مُطلاًّ ... قلت ذره أَتَى الجنابَ الرحيبا)
(عاطِهِ أكؤس المدَامِ دِراكاً ... وأدِرها عَليه كوباً فكوبا)
(واسقنيها بخَمرِ عينيكَ صِرفاً ... واجعَلِ الكأس مِنْك ثغرا شنيبا)
(نم لما نامَ الرقِيبُ سَريعاً ... وتَلَقَّى الكَرى سَمِيعاً مُجِيبا)
(قالَ لَا بُد أَن تَدِبَّ إِلَيْهِ ... قُلتُ أبغي رَشَّاَ وآخذ ذيبا)
(قَالَ فابدأ بِنَا وثَنِّ عَليه ... قلت كلا لقد دَفَعت قَرِيبا)
(1/95)

(فوثبنا على الغزال ركوباً ... ودَبَبْنا إِلَى الرَّقِيب دبيبا)
(فهلَ أبْصَرت أَو سَمِعت بصَبّ ... نَاكَ مَحْبوبه وناك الرقيبا) // الْخَفِيف //
قَالَ ابْن بسام وَلَقَد ظرف ابْن الْأَبَّار واستهتر مَا شَاءَ وَأَظنهُ لَو قدر على إِبْلِيس الَّذِي تولى لَهُ نظم هَذَا المسلك لدب إِلَيْهِ ووثب أَيْضا عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ وَأَبُو نواس سهل للنَّاس هَذَا السَّبِيل حَيْثُ يَقُول وَذكر الأبيات انْتهى
وَمن أناشيد الثعالبي فِي هَذَا الْمَعْنى
(ليَ أير أرَاحْني الله مِنْهُ ... صَار همي بِهِ عَريضاً طَويلا)
(نَام إِذْ زارني الحبيبُ عناداً ... ولعهدي بِهِ ينيك الرسولا)
(حسبت زورةً لشِقْوَةٍ جَدى ... فافترقنا وَمَا شفينا غليلا) // الْخَفِيف //
رَجَعَ إِلَى أَخْبَار أبي نواس
وأشرف يَوْمًا أَبُو نواس من دَار على منزل عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ وَقد مَاتَ بعض أَهله وَعِنْدهم مأتم وجنان جَارِيَة عبد الْوَهَّاب واقفة مَعَ النِّسَاء تلطم وَفِي يَديهَا خضاب وَكَانَت حسناء أديبة عَاقِلَة ظريفة وَكَانَ أَبُو نواس يهواها فَقَالَ
(يَا قَمراً أبرَزَه مأتم ... ينْدب شجوا بَين أترابِ)
(يَبكي فيذري الدمع من نرجسٍ ... ويلطم الْورْد بعُنابِ)
(لاَ تَبْكِ مَيتا حَلَّ فِي حُفرةٍ ... وابك قَتِيلا لكِ بالبابِ)
(أبرَزَه المأتم لي كَارِهًا ... بَرَغْمِ داياتٍ وحُجَّابِ)
(لَا زالَ دَأَباً موتُ أَصْحَابه ... ودابُ أَن أبصرِهُ دَابيَ) // السَّرِيع //
وَذكرت بِالْبَيْتِ الأول وَالثَّانِي مَا عَكسه بَعضهم مِنْهُمَا فِي هجاء أَعور وَهُوَ
(1/96)

(يَا أعْوَراً أبرزه مأتم ... ينْدب شجوا بتخاليط)
(يَبكي فَيذري الدمع من كُوةٍ ... ويلطم الشَّوكَ ببلُّوطِ) // السَّرِيع //
وَحدث أَبُو نواس قَالَ رَأَيْت النَّابِغَة الذبياني فِي مَنَامِي فَقَالَ لي بِمَاذَا حَبسك الرشيد فَقلت لَهُ بِقَوْلِي
(اهْجُ نزاراً وَأفْرِ جِلْدَتها ... وَهتِّكِ السِّترَ عَن مثاليها) // المنسرح //
فَقَالَ لي أهل ذَاك أَنْت يَا ابْن الزَّانِيَة فقد استوحيت من كل نزاري عُقُوبَة مثلهَا بِمَا ارتكبت مِنْهَا فَقلت وَأَنت بِمَاذَا حَبسك النُّعْمَان قَالَ بِبَيْت قلته ستره النُّعْمَان عَن النَّاس قلت بِقَوْلِك
(سقط النصيف وَلم ترد إِسْقَاطه ... فتناولته واتقتنا بِالْيَدِ) // الْكَامِل //
فَقَالَ أَو هَذَا مَسْتُور قلت فبقولك
(وإِذا لَمستَ لَمستَ أَضخمَ جاثماً ... مُتحيزاً بِمكانهِ مِلء الْيدِ) // الْكَامِل //
قَالَ اللَّهُمَّ غفرا قلت فَمَاذَا قَالَ بِقَوْلِي
(فملكت عُلياها وَأسْفلها مَعًا ... وأخذتها قَسراً وَقلتُ لَهَا اقعدي) // الْكَامِل //
فَحدثت بِهَذَا الحَدِيث اليزيدي فَألْحق الْبَيْت بقصيدة النَّابِغَة
وَحكى الْأَصْمَعِي قَالَ رَأَيْت أَبَا نواس بعد مَوته فِي الْمَنَام فَقلت هَل نسي من خمرياتك شَيْء قَالَ أَجودهَا قلت فاذكره فَقَالَ
(أَذكى سِرَاجًا وساقي الشّرْب يمزجها ... فَلاَحَ فِي البيتِ كالمصباحِ مِصباحُ)
(كِدنْا على عِلمنا بالشّك نَسألهُ ... أرَاحنا نارُنا أمْ نارنا الراح) // الْبَسِيط //
وَحكى عَن عبد الله بن المعتز أَنه قَالَ رَأَيْت أَبَا نواس فِي الْمَنَام فَقلت لَهُ لقد أَحْسَنت فِي قَوْلك
(جاءتْ بإبريقها مِنْ بَيتِ تاجرها ... رُوحاً مِنَ الخمرِ فِي جِسمٍ مِنَ النّارِ) // الْبَسِيط //
(1/97)

فَقَالَ لَا بل أَحْسَنت فِي قولي
(يَا قَابض الرّوح مِنْ جِسم أسى زَمنا ... وَغافَر الذنبِ زحزحني عَن النَّار) // الْبَسِيط //
وَقد أحسن أَبُو نواس ظَنّه بربه حَيْثُ يَقُول
(تَكثَّرْ مَا اسْتطعْتَ مِنَ الْخَطَايَا ... فإنّكَ بالِغٌ رَبَّاً غَفورَا)
(سَتُبْصر إِن وَردْتَ عَلَيْهِ عَفواً ... وَتلْقي سيِّداً مَلكاً كَبِيرا)
(تَعضُّ نَدامة كَفيكَ مِمَّا ... تَركتَ مخافةَ النَّار السرورا) // الوافر //
وَمن شعره
(سُبحانَ ذِي المْلكوتِ أيّة ليلةٍ ... مخضَتْ صَبيحتها بيومِ الموقِفِ)
(لوْ أنّ عَيناً وهمتها نَفسهَا ... مَا فِي المعادِ مُحَصلاً لم تطرف) // الْكَامِل //
وَمِنْه
(خلِّ جَنبيك لرامِ ... وامْضِ عَنهُ بسلامِ)
(مُتْ بداءِ الصمتِ خيرٌ ... لكَ من دَاء الكلامِ)
(إِنما العاقلُ مَنْ ألْجَمَ ... فَاهُ بِلجِامِ)
(شِبْتَ يَا هَذَا ومَا ... تَتركُ أخلاقَ الغُلامِ)
(والمْنَايا آكِلاتٌ ... شارباتٌ للأنام) // من مجزوء الرمل //
وأخباره كَثِيرَة وديوان شعره مُخْتَلف التَّرْتِيب لاخْتِلَاف جامعيه
وَكَانَت وَفَاته سنة خمس وَقيل سِتّ وَقيل ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة بِبَغْدَاد وَدفن فِي مَقَابِر الشونيزي رَحمَه الله تَعَالَى
(1/98)

شَوَاهِد الْمسند إِلَيْهِ
(1/99)

15 - (قَالَ لي كَيفَ أَنْت قلت عليل ... )
هُوَ من الْخَفِيف وَلَا أعرف قَائِله وَتَمَامه
(سَهرٌ دَائِمٌ وَحُزْن طَوِيلُ ... )
وَمَعْنَاهُ ظَاهر وَالشَّاهِد فِيهِ حذف الْمسند إِلَيْهِ للِاحْتِرَاز عَن الْعَبَث مَعَ ضيق الْمقَام وَهُوَ قَوْله عليل أَي أَنا عليل فَحذف الْمُبْتَدَأ لما مر
وَمثله قَول أبي الطمحان القيني الشَّاعِر الجاهلي وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة الصَّحِيح أَنه للقيط بن زُرَارَة
(أَضاءت لَهُم أحْسابُهم وَوجوههُمْ ... دُجى اللَّيلِ حَتَّى نظم الْجزع ثاقبهْ)
(نُجومُ سماءٍ كلما انْقضّ كَوكبٌ ... بَدا كوكبٌ تأوِي إِلَيْهِ كواكبه) // الطَّوِيل //
أَي هم نُجُوم سَمَاء فَحذف الْمسند إِلَيْهِ
16 - (إِنَّ الَّذينَ تَرونَهم إخوانُكمْ ... يَشفي غليلَ صُدُورِهم أَن تُصرعوا)
الْبَيْت لعبدة بن الطَّبِيب من قصيدة من الْكَامِل يعظ فِيهَا بنيه ويوصيهم بِمَا هُوَ المرضى شرعا وأولها
(أَبنيّ إِنِّي قد كبرتُ وَرابَني ... بَصرِي وَفىَّ لِمُصلحٍ مستمتَعُ)
(فَلئنْ هَلكتُ لقد بَنيتُ مَساعياً ... تَبقى لكمْ مِنْهَا مآثرُ أربعُ)
(ذِكرٌ إِذا ذُكِرَ الكرامُ يَزينكمْ ... وَوراثة الحسبِ المُقدَّمِ تنفعُ)
(وَمقامَ أيامِ لهُنَّ فَضيلةٌ ... عِندَ الحفيظةِ والمجامعُ تَجمعُ)
(وَلهُاً مِنَ الكسبِ الَّذِي يُغنيكمُ ... يَوماً إِذا احتضرَ النفوسَ المطمعُ)
(أوصِيُكمْ بِتُقَى الإِله فَإنَّهُ ... يُعطي الرَّغائِبَ مَنْ يَشاء ويمنعُ)
(1/100)

(وَبْبرّ وَالدِكمْ وَطاعةِ أمْرهِ ... إِنَ الأبَرّ منَ البنينَ الأطوَعُ)
(إِنّ الكبيرَ إِذا عصاهُ أهلُهُ ... ضاقتْ يَدَاهُ بأمرهِ مَا يُصنعُ)
(ودَعوا الضغائنَ لَا تكنْ مِنْ شأنكمْ ... إنَّ الضغائنَ للقرابةِ توضعُ)
(يُزجِي عقارِبَهُ ليبعثَ بينكمْ ... حَربًا كَمَا بَعثَ العروقَ الأخدعُ)
(وَإذا مَضيتُ إِلَى سبيلي فَابْعَثُوا ... رَجُلاً لهُ قلبٌ حديدٌ أصمعُ)
(إِن الْحَوَادِث تخترمن وَإنَّما ... عمُرُ الفَتى فِي أهْلهِ مُستودَعُ) يَسْعَى ويَجمعُ جاهِداً مُستهتراً ... جِدّاً وليسَ بآكِلِ مَا يَجمعُ) // الْكَامِل //
وترونهم من الإراءة المتعدية إِلَى ثَلَاثَة مفاعيل وَجرى مجْرى الظَّن لبنائه للْمَفْعُول وانتصب إخْوَانكُمْ على أَنه مفعول ثَان لترونهم والغليل بِالْمُعْجَمَةِ الحقد والضغن وَأَن تصرعوا فِي مَحل رفع على أَنه فَاعل يشفي والصرع الطرح على الأَرْض كالمصرع وَهُوَ مَوْضِعه
وَالْمعْنَى يَا بني إِن الْقَوْم الَّذين تظنونهم إخْوَانكُمْ وتعتمدون عَلَيْهِم فِي الشدائد بِمَا ظننتم يشفى مَا فِي صُدُورهمْ من غليل الْعَدَاوَة وحرقتها أَن تصرعوا وتصابوا بالحوادث فإياكم واستئمانهم والاعتماد عَلَيْهِم وَفِيه إِشْعَار بقَوْلهمْ الحزم سوء الظَّن والثقة بِكُل أحد عجز
(1/101)

وَالشَّاهِد فِيهِ تَنْبِيه الْمُخَاطب على الْخَطَأ فِي ظَنّه إِذْ فِي قَوْله إِن الَّذين من التَّنْبِيه على الْخَطَأ مَا لَيْسَ فِي قَوْلك إِن الْقَوْم الفلانيين
وَعَبدَة بن الطَّبِيب شَاعِر مجيد لَيْسَ بالمكثر والطبيب لقب لِأَبِيهِ واسْمه يزِيد بن عَمْرو وَيَنْتَهِي نسبه لتميم وَهُوَ مخضرم أدْرك الْإِسْلَام فَاسْلَمْ وَكَانَ فِي جَيش النُّعْمَان بن مقرن الَّذين حَاربُوا مَعَه الْفرس بِالْمَدَائِنِ وَقد ذكر ذَلِك فِي قصيدته الَّتِي أَولهَا
(هَل حَبل خَولةَ بَعدَ الهجر مَوصولُ ... أم أنتَ عنْهَا بَعيدُ الدَّارِ مشغولُ)
(حَلتْ خُويلة فِي دَارٍ مُجاورةً ... أهل الْمَدِينَة فِيها الديكُ وَالفيلُ)
(يقارِعونَ رُؤْس الْعَجم ضاحيةً ... منهمْ فوارس لَا عُزْلٌ وَلَا مِيلُ) // الْبَسِيط //
وَقَالَ الْأَصْمَعِي أرثي بَيت قالته الْعَرَب بَيت عَبدة بن الطَّبِيب
(ومَا كَانَ قيسٌ هلكهُ هلكُ وَاحدٍ ... ولكنهُ بنيانُ قوم تهدما) // الطَّوِيل //
وَقَالَ رجل لخَالِد بن صَفْوَان كَانَ عَبدة بن الطَّبِيب لَا يحسن أَن يهجو فَقَالَ لَا تقل ذَلِك فوَاللَّه مَا تَركه من عيٍ وَلكنه كَانَ يترفع عَن الهجاء وَيَرَاهُ ضعة كَمَا يرى تَركه مُرُوءَة وشرفا وَأنْشد
(1/102)

(وأجرأ منْ رَأيتُ بِظهر غَيبٍ ... علىَ عيبِ الرِّجَال أَخُو الْعُيُوب) // الوافر //
وَعَن ابْن الْأَعرَابِي أَن عبد الْملك بن مَرْوَان قَالَ يَوْمًا لجلسائه أَي المناديل أشرف فَقَالَ قَائِل مِنْهُم مناديل مصر كَأَنَّهَا غرقئ الْبيض وَقَالَ آخَرُونَ مناديل الْيمن كَأَنَّهَا نور الرّبيع فَقَالَ عبد الْملك مناديل أخي بني سعد عَبدة بن الطَّبِيب حَيْثُ يَقُول
(لما نَزَلنَا ضربنَا ظِلَ أخبيةٍ ... وفار للقومِ بِاللَّحْمِ المراجيلُ)
(وَرْد وأشقرُ مَا يؤنيهِ طابخهُ ... مَا غيرَ الغليُ مِنْهُ فَهو مأكولُ)
(ثُمّتَ قمنا إلىَ جُرْدٍ مسوّمَةٍ ... أَعرافُهنَّ لأيدينا مناديلُ) // الْبَسِيط //
يَعْنِي بالمراجيل المراجل فَزَاد فِيهَا الْيَاء ضَرُورَة
17 - (إِن الَّذي سمك السَّمَاء بنى لنَا ... بَيْتا دعائمهُ أعزُّ وأطولُ)
الْبَيْت للفرزدق وَهُوَ أول قصيدة طَوِيلَة من الْكَامِل تزيد على مائَة بَيت وَبعده
(بَيْتا بناهُ لنَا المليكُ وَمَا بنىَ ... ملكُ السماءِ فَإِنَّهُ لَا ينقلُ)
(1/103)

(بَيْتا زُرَارَة محتب بفنائه ... ومجاشع وَأَبُو الفوارِس نهشلُ)
(يلجونَ بَيتَ مجاشع فَإِذا احتبوْا ... برزوا كأنهمُ الْجبَال المئل) // الْكَامِل //
يُقَال سمك الشَّيْء سمكًا إِذا رَفعه وَمعنى الْبَيْت ظَاهر
وَالْمرَاد بِالْبَيْتِ فِيهِ الْكَعْبَة أَو بَيت الْمجد والشرف
وَالشَّاهِد فِيهِ جعل الْإِيمَاء إِلَى وَجه الْخَبَر وَسِيلَة إِلَى التَّعْرِيض بالتعظيم لشأنه وَذَلِكَ لقَوْله إِن الَّذِي سمك السَّمَاء فَفِيهِ إِيمَاء إِلَى أَن الْخَبَر الْمَبْنِيّ عَلَيْهِ أَمر من جنس الرّفْعَة وَالْبناء بِخِلَاف مَا لَو قيل إِن الله أَو الرَّحْمَن أَو غير ذَلِك ثمَّ فِيهِ تَعْرِيض بتعظيم بِنَاء بَيته لكَونه فعل من رفع السَّمَاء الَّتِي لَا بِنَاء أرفع مِنْهَا وَلَا أعظم
حدث سَلمَة ابْن عَبَّاس مولى بني عَامر بن لؤَي قَالَ دخلت على الفرزدق فِي السجْن وَهُوَ مَحْبُوس وَقد قَالَ قصيدته
(إنَّ الَّذِي سمك السَّمَاء بنى لنا ... بَيْتا دعائمهُ أعزُّ وأطولُ)
وَقد أفحم وأجبل فَقلت لَهُ أَلا أرفدك فَقَالَ وَهل ذَاك عنْدك فَقلت نعم ثمَّ قلت
(بَيْتا زُرَارَة محتب بفنائه ... ومجاشع وَأَبُو الفوارس نهشلُ)
فاستجاد الْبَيْت وغاظه قولي فَقَالَ لي مِمَّن أَنْت قلت من قُرَيْش قَالَ من أَيهَا قلت من بني عَامر بن لؤَي فَقَالَ لئام وَالله رضعةٌ جاورتهم بِالْمَدِينَةِ فَمَا أحمدتهم فَقلت ألام وَالله مِنْهُم وأوضع قَوْمك جَاءَك رَسُول مَالك بن الْمُنْذر وَأَنت سيدهم وشاعرهم فَأخذ بأذنك يقودك حَتَّى حَبسك فَمَا اعْتَرَضَهُ أحد وَلَا نصرك فَقَالَ قَاتلك الله مَا أمكرك وَأخذ الْبَيْت وَأدْخلهُ فِي قصيدته
ذكرت بقوله بَيْتا زوارة محتب بفنائه الْبَيْت مَا ذكره بعض أهل الْأَدَب قَالَ مَا شبهت تَأْوِيل الرافضة فِي قبح مَذْهَبهم إِلَّا بِتَأْوِيل بعض مجانين
(1/104)

أهل مَكَّة فِي الشّعْر فَإِنَّهُ قَالَ يَوْمًا مَا سَمِعت بأكذب من بني تَمِيم زَعَمُوا أَن قَول الْقَائِل
(بَيْتا زوارة محتب بفنائه ... ومجاشع وَأَبُو الفوارس نهشل)
أَن هَذِه أَسمَاء رجال مِنْهُم قلت وَمَا عنْدك أَنْت فِيهِ قَالَ الْبَيْت بَيت الله والزرارة الْحجر زرت حول الْبَيْت ومجاشع زَمْزَم جشعت بِالْمَاءِ وَأَبُو الفوارس هُوَ أَبُو قبيس جبل مَكَّة قلت لَهُ فنهشل ففكر فِيهِ سَاعَة ثمَّ قَالَ قد أصبته هُوَ مِصْبَاح الْكَعْبَة طَوِيل أسود فَذَاك نهشل
وَذكرت أَيْضا هُنَا مَا حَدثهُ أَبُو مَالك الراوية قَالَ سَمِعت الفرزدق يَقُول أبَقَ غلامان لرجل منا يُقَال لَهُ النَّضر فَحَدثني قَالَ خرجت فِي طلبهما وَأَنا على نَاقَة لي عيساء كوماء أُرِيد الْيَمَامَة فَلَمَّا صرت فِي مَاء لبني حنيفَة يُقَال لَهُ الصرصران ارْتَفَعت سَحَابَة فأرعدت وأبرقت وأرخت عزاليها فعدلت إِلَى بعض دِيَارهمْ وَسَأَلت الْقرى فَأَجَابُوا فَدخلت دَارا لَهُم وأنخت النَّاقة وَجَلَست تَحت ظلة لَهُم من جريد النّخل وَفِي الدَّار لَهُم جوَيْرِية سَوْدَاء إِذْ دخلت جَارِيَة كَأَنَّهَا سبيكة فضَّة وَكَأن عينيها كوكبان دريان فسالت الْجَارِيَة لمن هَذِه العيساء تَعْنِي نَاقَتي فَقيل لضيفكم هَذَا فعدلت إِلَيّ فَقَالَت السَّلَام عَلَيْكُم فَرددت عَلَيْهَا السَّلَام فَقَالَت مِمَّن الرجل فَقلت من بني حَنْظَلَة فَقَالَت من أَيهمْ قلت من بني نهشل فتبسمت وَقَالَت أَنْت إِذا مِمَّن عناه الفرزدق بقوله وَذكرت الأبيات السَّابِقَة قَالَ فَقلت نعم جعلت فدَاك وأعجبني مَا سَمِعت مِنْهَا فَضَحكت وَقَالَت إِن ابْن الخطفي تَعْنِي جَرِيرًا قد هدم عَلَيْكُم بَيتكُمْ هَذَا الَّذِي قد فخرتم بِهِ حَيْثُ يَقُول
(أخزَى الَّذِي رَفعَ السَّماء مجاشعاً ... وَبنىَ بِناهُ بالحضيضِ الْأَسْفَل)
(1/105)

(بَيتاً يحمِّمُ قَينكم بِفنائهِ ... دنساً مقاعدهُ خَبيثَ المدخلِ)
قَالَ فوجمت فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِك فِي وَجْهي قَالَت لَا بَأْس عَلَيْك فَإِن النَّاس يُقَال فيهم وَيَقُولُونَ ثمَّ قَالَت أَيْن تؤم قلت الْيَمَامَة فتنفست الصعداء ثمَّ أنشأت تَقول
(تُذكرنِي بِلاداً خَيرُ أهلِي ... بِها أهلُ المروءةِ وَالكرامهْ)
(أَلا فسقَى الإلهُ أجشَّ صَوبٍ ... يَسحُّ بَدرِّه بلد اليمامه) // الوافر //
قَالَ فأنست بهَا ثمَّ قلت أذات خدرٍ أم ذَات بعل فأنشأت تَقول
(إِذا رَقدَ النِّيامُ فَإِن عَمراً ... تَؤرقهُ الهمومُ إلىَ الصَّباح)
(تُقطعُ قلبهُ الذكرى وَقلبي ... فلَا هُوَ الخلي وَلَا بِصاحي)
(سَقىَ اللُه اليمامةَ دَارَ قوم ... بهَا عمر ويحن إِلَى الرواح) // الوافر //
قَالَ فَقلت لَهَا من عَمْرو هَذَا فأنشأت تَقول
(سَألتَ ولوْ عَلمتَ كففْتَ عنهُ ... وَمَنْ لَك بالجوابِ سوَى الخبيرِ)
(فإنْ تَكُ ذَا قبُول إنَّ عمرا ... لكالقمر المُضيء المستنيرِ)
(وَما لِي بالتَّبعُّلِ مُسترَاحٌ ... وَلَو رد التبعُّلُ لي أسيرِي) // الوافر //
قَالَ ثمَّ سكتت سكتةً كَأَنَّهَا تسمع إِلَى كَلَامه ثمَّ تهافتت وأنشأت تَقول
(يُخيَّلُ لي أيا عَمْرو بن كَعْب ... بأنكَ قد حُمِلْتَ على سَريرٍ)
(يَسيرُ بِكَ الهوَيْنا القومُ لمَّا ... رماك الحبُّ بالقلقِ اليَسيرِ)
(فإنْ تَكُ هَكذا يَا عَمْرو وإنيِّ ... مُبكِّرةٌ عَلَيْك إِلَى القُبورِ)
ثمَّ شهقت شهقة فخرت ميتَة فَقلت لَهُم من هَذِه فَقَالُوا هَذِه عقيلة بنت
(1/106)

الضَّحَّاك بن عَمْرو بن محرق بن النُّعْمَان بن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء فَقلت لَهُم فَمن عَمْرو هَذَا فَقَالُوا ابْن عَمها عَمْرو بن كَعْب بن محرق فارتحلت من عِنْدهم فَلَمَّا دخلت الْيَمَامَة سَأَلت عَن عَمْرو هَذَا فَإِذا هُوَ قد دفن فِي ذَلِك الْوَقْت الَّذِي قَالَت فِيهِ مَا قَالَت
والفرزدق قد تقدم ذكره فِي شَوَاهِد الْمُقدمَة
18 - (هَذا أَبُو الصَّقْرِ فرْداً فِي مَحاسِنِهِ ... )
قَائِله ابْن الرُّومِي وَتَمَامه
(مِنْ نَسْلِ شَيبَانَ بَيْنَ الضَّالِ والسَّلم ... ) وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة من الْبَسِيط وشيبان بن ذهل وشيبان بن ثَعْلَبَة قبيلتان والضال وَالسّلم شجرتان من شجر الْبَادِيَة وفرداً مَنْصُوب على الْمَدْح أَو الْحَال
وَالْمعْنَى هَذَا الْمشَار إِلَيْهِ صَاحب الِاسْم الْمَشْهُور إِذا ذكر رجلا فَردا فِي محاسنه وفضائله من نسل شَيبَان وَأَوْلَاد هَذِه الْقَبِيلَة المقيمين بالبادية وَالْإِقَامَة بهَا مِمَّا تتمدح بِهِ الْعَرَب لِأَن فقد الْعِزّ فِي الْحَضَر
وَالشَّاهِد فِيهِ تَعْرِيف الْمسند إِلَيْهِ بإيراده اسْم إِشَارَة مَتى صلح الْمقَام لَهُ واتصل بِهِ غَرَض وصلاحيته بِأَن يَصح إِحْضَاره فِي ذهن السَّامع بِوَاسِطَة الْإِشَارَة إِلَيْهِ حسا ثمَّ الْغَرَض الْمُوجب لَهُ أَو الْمُرَجح تَفْصِيل يَأْتِي ضمن الشواهد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وتعريفه بِالْإِشَارَةِ هُنَا لتمييزه أكمل تَمْيِيز وَذَلِكَ فِي قَوْله هَذَا أَبُو الصَّقْر لصِحَّة إِحْضَاره فِي ذهن السَّامع بِوَاسِطَة الْإِشَارَة حسا
(1/107)

وَمثله قَول المتنبي
(أولئكَ قَوْم إِن بَنْوا أحْسَنوا البِنا ... وَإِن عاهَدوا أوْفَوْا وَإِن عَقَدوا شَدُّوا) // الطَّوِيل //
وَقَول مادح حَاتِم الطَّائِي
(وَإذا تأمَّل شَخْصَ ضَيفٍ مُقبلٍ ... مُتسربلٍ سِربالَ لَيلٍ أغْبرِ)
(أَوْمَأ إِلى الكَوماءِ هَذَا طارِقٌ ... نَحرَتْنَي الأَعداءُ إِن لم تنحري) // الْكَامِل //
وَابْن الرُّومِي هُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن الْعَبَّاس بن جريج وَقيل هُوَ أَبُو جرجيس الشَّاعِر الْمَشْهُور صَاحب النّظم العجيب والتوليد الْغَرِيب يغوص على الْمعَانِي النادرة فيستخرجها من مَكَانهَا ويبرزها فِي أحسن قالب وَكَانَ إِذا أَخذ الْمَعْنى لَا يزَال يستقصي فِيهِ حَتَّى لَا يدع فِيهِ فضلَة وَلَا بَقِيَّة ومعانيه غَرِيبَة جَيِّدَة
وَحكى ابْن درسْتوَيْه وَغَيره أَن لائماً لامه فَقَالَ لَهُ لم لَا تشبه كتشبيهات ابْن المعتز وَأَنت اشعر مِنْهُ فَقَالَ لَهُ أَنْشدني شَيْئا من قَوْله الَّذِي استعجزتني عَن مثله فأنشده قَوْله فِي الْهلَال
(انْظُر إليهِ كَزورقٍ من فضَّة ... قد أثقلته حمولة من عنبر) // الْكَامِل //
فَقَالَ لَهُ زِدْنِي فأنشده قَوْله فِي الآذريون وَهُوَ زهر أصفر فِي وَسطه خمل أسود وَلَيْسَ بِطيب الرَّائِحَة وَالْفرس تعظمه بِالنّظرِ إِلَيْهِ وفرشه فِي الْمنزل
(كَأَن آذَْريونَها ... والشمسُ فيهِ كالِيَهْ)
(مَدَاهِنٌ من ذهبٍ ... فِيهِ بقايا غاليه) // من مجزوء الرجز //
فصاح واغوثاه تالله لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا ذَاك إِنَّمَا يصف ماعون
(1/108)

بَيته لِأَنَّهُ ابْن خَليفَة وَأَنا أَي شَيْء اصف وَلَكِن انْظُر إِذا أَنا وصفت مَا أعرف أَيْن يَقع قولي من النَّاس هَل لأحد قطّ قَول مثل قولي فِي قَوس الْغَمَام وَأنْشد
(وَسَاقٍ صَبيح للصَّبُوح دَعَوتُهُ ... فَقامَ وَفِي أجْفانِه سِنَة الغَمْضِ)
(يطوفُ بكاساتِ العُقارِ كأْنجم ... فمِن بَين مُنقَضّ علينا ومنُفض)
(وَقد نَشَرت أَيدي الجَنوبِ مَطارفاً ... على الجو دكنا والحواشي على الأَرْض)
(يطَرِّزُها قَوس السحابِ بأخضرٍ ... على أحمرٍ فِي اصفرٍ إثرَ مبيض)
(كأذيال خوذ أقبَلَتْ فِي غلائِل ... مُصبَّغة والبَعضُ أقصرُ من بعض) // الطَّوِيل //
وَبَعْضهمْ ينسبها لسيف الدولة ابْن حمدَان مِنْهُم صَاحب الْيَتِيمَة وَقَوْلِي فِي صانع الرقَاق
(إِن أنسَ لَا أنسَ خَبَّازاً مررتُ بِهِ ... يَدْحو الرُّقاقَةَ مِثْلَ اللمح بالبصر)
(مَا بَين رُؤيتها فِي كَفهِ كُرةً ... وَبَين رؤيتها قَوراء كالقَمر)
(إِلَّا بِمِقْدَار مَا تَنْداحُ دائِرة ... فِي لُجَّةِ المَاء يُلْقى فِيه بِالْحجرِ) // الْبَسِيط //
وَقَوْلِي فِي قالي الزلابية
(وَمْستقِرٍ على كرسيِّهِ تَعبِ ... رُوحي الْفِدَاء ُله من منصبٍ نصب)
(رَأيتهُ سَحراً يقلي زَلابيةً ... فِي رقةَ القشر والتجويف كالقصب)
(كَأَنَّمَا زَيتُهُ المقليُّ حينَ بدَا ... كالكيمياء الَّتِي قَالُوا وَلم تصبِ)
(1/109)

(يُلقيِ العَجينَ لُجَيْناً من أنامِلهِ ... فَيستحيلُ شبابيكا مِنَ الذهبِ) // الْبَسِيط //
وَمن مَعَانِيه البديعة قَوْله
(وإِذا امْرؤٌ مدح امرَءَاً لنوالِهِ ... وَأطالَ فِيهِ فقد أرادَ هِجاءهُ)
(لوْ لم يُقدّرْ فِيهِ بُعد المستقَى ... عِندَ الورودِ لما أطالَ رِشاءهُ) // الْكَامِل //
وَقد كرر ابْن الرُّومِي هَذَا الْمَعْنى فِي نظمه فَقَالَ
(إِذا عَزَّ رِفدٌ لُمسترْفِدٍ ... أطالَ المديحَ لَهُ المادحُ)
(وَقِدْ مَا إِذا استبعدَ المُستقِي ... أطالَ الرشاءَ لَهُ المانح) // المتقارب //
وَقد أَخذه السراج الْوراق فَقَالَ
(سامِحْ بِفضلك عَبداً ... مُقصراً فِي الثَّناءِ)
(رأى قلبيا قَرِيبا ... فَلمْ يُطِلْ فِي الرشاء) // المجتث //
وعَلى ذكر أبياته الْمَارَّة فِي صانع الرقَاق ذكرت مَا حُكيَ عَن الأديب أبي عَمْرو النميري أَن هَذِه الأبيات أنشدت فِي حلقته فَقَالَ بعض تلامذته مَا أَظن أَن يقدر على الزِّيَادَة فِيهَا فَقَالَ
(فَكدتُ أضرُطُ إعجاباً لرؤيتها ... وَمَنْ رأى مثلَ مَا أبصرتُ مِنهُ خزي)
فَضَحِك من حضر وَقَالُوا الْبَيْت لَائِق بالقطعة لَوْلَا مَا فِيهِ من ذكر الرجيع فَقَالَ
(إِنْ كانَ بَيتَي هَذَا لَيسَ يُعجبكم ... فَعجلوا محوهُ أوْ فالعقوه طرِي)
وَمن مَعَاني ابْن الرُّومِي البديعة قَوْله يهجو
(لِخَالدٍ شاعرِنا زَوجةٌ ... لَهَا حِرٌ يَبلغُ مِثليها)
(قَوَّامة باللَّيلِ لَكِنَّهَا ... تستغفر الله برجليها) // السَّرِيع //
(1/110)

(وَقَوله فِي هَذَا الْمَعْنى أَيْضا
(مَرفوعة تحتَ الدُّجا رِجلاها ... كَأَنَّمَا يَستغفرانِ الله) // الرجز //
وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى أَبُو مُحَمَّد الْبَصْرِيّ فَقَالَ من أَبْيَات
(وَلا تَتزوجنَّ لهمْ بِبنتٍ ... فلَلسودانِ عِندهمُ مراحُ)
(بأرْجلهنَّ يَستغفرنَ دأبا ... فأرْجلهنَّ لِلدعواتِ رَاح) // الوافر //
رَجَعَ إِلَى شعر ابْن الرُّومِي فَمِنْهُ قَوْله
(طامن حشاك فَلَا محالةِ وَاقع ... بِكَ مَا تُحبُّ منَ الأمورِ وتَكرهُ)
(وَإذا أتاكَ منَ الأمورِ مُقدْرٌ ... وهربتَ مِنهُ فنحوه تتَوَجَّه) // الْكَامِل //
وَمِنْه قَوْله يهجو
(غضِبت وظلت من سفه وطيش ... تهزهز لحية فِي قدر رقش)
(فَمَا افْتَرَقت لغضبتك الثريا ... وَلَا اجْتمعت لذاك بَنَات نعش) // الوافر //
وَمِنْه قَوْله أَيْضا
(إِنْ كُنتَ مِن جهَل حَقي غَيْرَ معتذرٍ ... وكنتَ عنْ ردِّ مدحي غيرَ مُنقلب)
(فأعطِني ثمنَ الطِّرسِ الَّذِي كُتبتْ ... فِيهِ القصيدةُ أوْ كَفَّارَة الْكَذِب) // الْبَسِيط //
وَقد تبعه الْفَاضِل عَليّ بن مليك الْحَمَوِيّ وَأخذ غَالب أَلْفَاظه فَقَالَ
(مَدحتكمْ طَمَعا فِيما أؤملهُ ... فَلم أنلْ غيرَ حَظّ الْإِثْم والوصبِ)
(إِن لم تكن صِلةٌ مِنْكُم لذِي أدبِ ... فأجرةُ الْخط أَو كفارةُ الْكَذِب) // الْبَسِيط //
وَلابْن الرُّومِي فِي مثله
(رُدوا عَليّ صَحائفاً سودتها ... فِيكُم بِلا حقٍّ وَلَا اسْتِحْقَاق) // الْكَامِل //
وَقد سبق إِلَى هَذَا الْمَعْنى أَبُو تَمام بقوله فِي الْمطلب الْخُزَاعِيّ
(أقولُ عدْلاً فيكَ فِيمَا أرىَ ... إنكَ لَا تقبلُ قولَ الكذبْ)
(1/111)

(مَدحتكمْ كذبا فجَازيتنِي ... بُخلاً لقد أنصفتَ يَا مطلب) // السَّرِيع //
وَقَالَ ابْن زيدون
(قُل للوزيرِ وَقد قطعتُ بمدحه ... عُمري فكانَ السجنُ منهُ ثوابي)
(لَا تخش لائمتي بِما قدْ جئتهُ ... مِنْ ذاكَ فيَّ وَلَا تَوَقِّ عتابي)
(لَم تُخْطِ فِي أمرِي الصَّوابَ مَوفَّقاً ... هَذَا جزَاءُ الشَّاعِر الْكذَّاب) // الْكَامِل //
وَلابْن مليك وَقد مدح بعض رُؤَسَاء الْعَصْر بقصيدة فريدة فقوبلت بالحرمان
(قَالوا قَصيدكَ بالحرمانِ لِمْ رَجعَتْ ... باللهِ باللهِ خَبرنا عَن السببِ)
(فَقلتُ مَا قُوبلتْ بالمنعِ عنْ خَطإٍ ... إِلَّا لِكثرةِ مَا فِيهَا من الْكَذِب) // الْبَسِيط //
وَمن شعر أبن الرُّومِي يهجو إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وَهُوَ قريب من هَذَا الْمَعْنى
(رَددتَ إليّ شِعري بَعدَ مَطلٍ ... وَقَدْ دنَّست مَلبسهُ الجديدَا)
(وَقلتَ امدحْ بهِ منْ شِئتَ بَعدِي ... وَمنْ ذَا يَقبلُ المدْحَ الرديدَا)
(وَلا سيمَا وَقدْ أعلقت فيهِ ... مَخازيكَ اللواتي لنْ تَبيدَا)
(وَهلْ للحيِّ فِي أثْوابِ مَيتٍ ... لَبوسٌ بَعدَ مَا امْتلأت صَديدَا) // الوافر //
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر بن وضاح فِي أبي الْوَلِيد بن مَالك وَقد قعد عَن بره
(أبلغْ لديْكَ المالِكيَّ رِسالةً ... مَشحوذةٌ مِثلَ السِّنانِ اللهَّذِم)
(ألبِسْتَ أمدَاحي كأزهارِ الرُّبا ... وجزيتني بقطيعة وتجهم)
(فارْددْ عليِّ مَدائحي مَوفورةً ... هذَا السِّوار لِغير ذاكَ المِعصَمِ) // الْكَامِل //
ولطيف قَول أبي المظفر الأبيوردي
(وَمدائحِ تحكي الرِّياضَ أضعتها ... فِي باخل أعْيَتْ بهِ الأحسابُ)
(فَإِذا تناشدها الروَاة وأبْصرُوا الممدوحَ ... قَالُوا سَاحر كَذَّاب) // الْكَامِل //
(1/112)

وَقَول أبي بكر بن مجير الأندلسي
(وَقائلةٍ تقُول وَقدْ رأتني ... أُقاسِي الجدْبَ فِي المرْعى الخصيبِ)
(أَما عَطف الفقيهُ وَأنتَ تشكوُ ... لهُ شَكوى العليل إِلَى الطَّبيب)
(وَقدْ مَرَّ الثناءُ بمعطفيهِ ... كَمَا مر النسيمُ على القضيبِ)
(فَقلتُ عليَّ شُكرٌ وامتداحٌ ... وليسَ عليَّ تقليب الْقُلُوب) // الوافر //
وَمَا أحسن قَول بشار وَكَانَ قد مدح الْمهْدي بقصيدة فحرمه الثَّوَاب فَقيل لَهُ حَرمك أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ وَالله لقد مدحته بِشعر لَو مدح بِهِ الدَّهْر مَا خشِي صرفه على أحد ولكنني كذبت فِي الْعَمَل فَكَذبت فِي الأمل
ولطيف قَول ابْن جكينا الْبَغْدَادِيّ
(تَفضلوا وَاعْذروهُ فِي مُماطلتي ... أَنا أحقُّ وحقِّ اللهِ مَنْ عتبا)
(وَلاَ تَلوموهُ فِي وَعدٍ يُرددُهُ ... فِي وَقتٍ مدحي لَهُ عَلَّمتُهُ الكذبا) // الْبَسِيط //
وَلابْن جكينا الْمَذْكُور يعْتَذر عَن بخل الممدوحين لغَرَض عرض لَهُ
(قدْ بانَ لي عُذْرُ الْكِرَام فصدّهم ... عَنْ أَكثر الشعَرَاء ليسَ بِعارِ)
(لم يسأموا بَذْلَ النوال وإنَّما ... جمَدَ الندى لبرودة الْأَشْعَار) // الْكَامِل //
وَقَالَ بَعضهم فِي تمهيد عذر الهجائين
(تدانتْ طُرُقُ اليأسِ ... فَطالتْ طُرقُ النُّجْح)
(وأجدي مكسبُ الغشِّ ... فأكدى مكسبُ النصح)
(1/113)

(وكانَ الإثمُ فِي الهجوِ ... فصارَ الإثمُ فِي الْمَدْح) // الهزج //
وَمن هَذَا الْمَعْنى قَول ابْن جحظة
(تساوى الناسُ فِي فِعْلَ المساوِي ... فمَا يستحسنونَ سوىَ الْقَبِيح)
(وصَارَ الجودُ عندهمُ جُنوناً ... فمَا يستعقلونَ سِوَى الشحيح)
(وَكانوا يَهربونَ مِنَ الأهاجِي ... فصاروا يَهربونَ مِنَ المديح) // الوافر //
وَمِنْه قَول الآخر
(كانَ الكرامُ وَأبناءُ الْكِرَام إِذا ... تسامعُوا بِكريمٍ مَسَّهُ عدمُ)
(تَسابقوا فَيواسيهِ أخُو كرم ... مِنهمْ وَيرجعُ بَاقيهمْ وَقدْ نَدموا)
(وَاليومَ لَا شكّ قَدْ صَارَ النَّدى سَفهاً ... وَينكرونَ عَلى الْمُعْطِي إِذا علمُوا) // الْبَسِيط //
ومدح أَبُو الْحُسَيْن بن الْفضل أحد الوزراء بمراكش وَكَانَ أَقرع فَلم يثبه فَقَالَ
(أهديتُ مَدحِي لِلوزير الَّذِي ... دَعا بِهِ المجدُ فلمْ يسمعِ)
(فَحامِلُ الشعرِ إليهِ كَمنْ ... يُهدِي بهِ مُشطاً إِلىَ أقرَعِ) // السَّرِيع //
وَمَا أحذق قَول أبي رياش فِي الْوَزير المهلبي وَقد مدحه وتأخرت صلته وَطَالَ تردده إِلَيْهِ
(وَقائلةٍ قدْ مَدْحتَ الوَزِيرَ ... وَهوَّ المؤملُ وَالمستماحُ)
(فَمَاذَا أفادكَ ذاكَ المدِيح ... وَهذا الغدوُّ وَهذا الرواحُ)
(فَقلت لهَا ليسَ يدْرِي امْرُؤ ... بِأي الأمورِ يَكونُ الصلاحُ)
(1/114)

(عَليَّ التقلُّب وَالاضطرابُ ... بجهدِي وَليسَ علَى النجاح) // المتقارب //
وَهُوَ قريب من معنى أَبْيَات ابْن مجير السَّابِقَة قَرِيبا
وَلابْن الرُّومِي فِي ذمّ الخضاب وَهُوَ من مَعَانِيه المخترعة
(إِذا رَئمَ المرءُ الشبابَ وَأخلقتْ ... شَبيبتهُ ظَنَّ السوادَ خِضابَا)
(وَكيفَ يَظنُّ الشيْخُ أنَّ خِضابَه ... يُظن سَواداً أَو يخالُ شبَابًا) // الطَّوِيل //
وَقد ذكرت بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ اعتذار عَبْدَانِ الْمَعْرُوف بالحوزي عَن الخضاب وَهُوَ أحسن شَيْء رَأَيْته فِي مَعْنَاهُ
(فِي مَشيبي شماتةٌ لِعداتي ... وَهوَ ناع منُغَّصٌ لِحَياتي)
(وَيعيبُ الخضابَ قومٌ وَفِيه ... ليَ أنْسٌ إِلَى حُضُور
(لَا وَمنْ يَعلمُ السَّرائرَ مِنِّي ... مَا بهِ رُمتُ خُلَّةَ الغاتيات)
(إِنما رُمتُ أَن ْأغيِّبَ عني ... مَا تُرينيهِ كلّ يَومٍ مِرَاتِي)
(هُوَ ناعٍ إليّ نَفسي وَمنْ ذَا ... سَرّه أنْ يَرَى وُجوهَ النُّعاةِ) // الْخَفِيف //
وعَلى ذكر عَبْدَانِ هَذَا فقد كَانَ مَعَ فَضله وجزالة شعره خَفِيف الْحَال متكلف الْمَعيشَة قَاعِدا تَحت قَول أبي الشيص
(لَيْسَ الْمقل عَن الزَّمَان براض ... ) // الْكَامِل //
(1/115)

وَهُوَ الْقَائِل
(قُلتُ للدَّهر مِنْ فُضوليَ قَولاً ... وَحداني عَليهِ طيبُ الْأَمَانِي)
(أترَاني بخلعةٍ أَنا أُحْبى ... ذَات يَوم وَفاخِرِ الحُمْلانِ)
(قالَ هيهاتَ أَنْت والنَّحسُ تربان ... وَقدْ كنتما رَضيعَيْ لِبانِ)
(لَا تُؤملْ رُكوب شَيء سِوَى النعشِ ... ولاَ خِلعةً سوى الأكفان ... ) // الْخَفِيف //
وَله من أَبْيَات
(يكلفني التَّصبر والتَّسلي ... وَهلْ يُسطاعُ إلَّا المُستطاعُ)
(وَقالوا قِسمة نَزلتْ بِعدلٍ ... فَقلنا لَيتهُ جور مشَاع) // الوافر //
وَكَانَ أَبُو الْعَلَاء الْأَسدي عرضه لأهاجيه فَمن ملحه فِيهِ قَوْله
(أَبا الْعَلَاء اسْكتْ وَلاَ تُؤذَنا ... بِشينٍ هَذا النسبِ الباردِ)
(وَتدَّعِي مِنْ أسدٍ نِسْبَة ... لاَ تثبُت الدَّعْوَى بِلاَ شَاهدِ)
(أَقمْ لنا وَالِدَة أَولا ... وَأنتَ فِي حِل من الْوَالِد) // السَّرِيع //
وَقَوله أَيْضا
(قابْل هُدِيتَ أَبَا الْعَلَاء نصيحتي ... بِقبولها وبواجب الشُّكْر)
(لَا تهجونَّ أسنَّ مِنْك فَرُبمَا ... تهَجو أباكَ وأنتَ لَا تدرِي) // الْكَامِل //
وَقَوله
(أَضحىَ الملومُ أبَا العلاءِ يَسبنِي ... وأنَا أبوهُ يَعقني وَيعادِي)
(وَالمنتمونَ إليهِ مِنْ أولادهِ ... الله يَعلمُ أَنهم أَوْلَادِي) // الْكَامِل //
ولنرجع إِلَى شعر ابْن الرُّومِي
قَالَ فِي بَغْدَاد وَقد غَابَ عَنْهَا فِي بعض أَسْفَاره وَهُوَ معنى جيد
(بلد صَحبتُ بهَا الشبيبة والصبَا ... وَلبستُ ثَوبَ اللَّهْو وَهوَ جَديدُ)
(1/116)

(فإِذا تَمثَّلَ فِي الضميرِ رَأيتهُ ... وَعَلِيهِ أغصانُ الشبابِ تميدُ)
ومحاسنه كَثِيرَة وديوان شعره رتبه الصولي على الْحُرُوف وَكَانَ كثير التطير جدا وَله فِيهِ أَخْبَار غَرِيبَة وَكَانَ أَصْحَابه يعبثون بِهِ فيرسلون إِلَيْهِ من يتطير من اسْمه فَلَا يخرج من بَيته أصلا وَيمْتَنع من التَّصَرُّف سَائِر يَوْمه وَأرْسل إِلَيْهِ بعض أَصْحَابه يَوْمًا بِغُلَام حسن الصُّورَة اسْمه حسن فطرق الْبَاب عَلَيْهِ فَقَالَ من قَالَ حسن فتفاءل بِهِ وَخرج وَإِذا على بَاب دَاره حَانُوت خياط قد صلب عَلَيْهَا درفتين كَهَيئَةِ اللَّام ألف وَرَأى تحتهَا نوى تمر فتطير وَقَالَ هَذَا يُشِير بِأَن لَا تمر وَرجع وَلم يذهب مَعَه
وَكَانَ الْأَخْفَش عَليّ بن سُلَيْمَان قد تولع بِهِ فَكَانَ يقرع عَلَيْهِ الْبَاب إِذا أصبح فَإِذا قَالَ من القارع قَالَ مرّة بن حَنْظَلَة وَنَحْو ذَلِك من الْأَسْمَاء الَّتِي يتطير بذكرها فَيحْبس نَفسه فِي بَيته وَلَا يخرج يَوْمه أجمع فَكتب إِلَيْهِ ينهاه ويتوعده بالهجاء فَقَالَ
(قثولوا لِنحوِّينَا أبي حَسنٍ ... إنّ حُسامِي مَتى ضَربتُ مَضى)
(وَإِنّ نَبلِي إِذا هَممتُ بِهِ ... أرْمي غَدا نَصلها بجمر غَضا)
(لَا تحسبنَّ الهجاء يَخمده الرفعُ ... ولاَ خَفضُ خافض خفَضا) // المنسرح //
وَمِنْه
(عِندي لهُ السَّوْطُ إِن تَلاءمَ فِي السّير ... وَعندِي اللِّجامُ إنْ رَكضا)
وَكَانَ الْوَزير الْقَاسِم بن عبيد الله بن سُلَيْمَان بن وهب وَزِير المعتضد يخَاف
(1/117)

هجوه وفلتات لِسَانه فَدس عَلَيْهِ ابْن فراس فأطعمه خشكنانجة مَسْمُومَة فَلَمَّا أكلهَا أحس بالسم فَقَامَ فَقَالَ لَهُ الْوَزير إِلَى أَيْن تذْهب فَقَالَ إِلَى الْموضع الَّذِي بعثت بِي إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ سلم على وَالِدي فَقَالَ لَيْسَ طريقي على النَّار وَخرج من مَجْلِسه وأتى منزله وَأقَام أَيَّامًا وَمَات
وَكَانَ الطَّبِيب يتَرَدَّد إِلَيْهِ ويعالجه بالأدوية النافعة للسم فَزعم أَنه غلط عَلَيْهِ فِي بعض العقاقير قَالَ نفطويه النَّحْوِيّ رَأَيْت ابْن الرُّومِي وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ فَقلت مَا حالك فَأَنْشد
(غَلطَ الطَّبيبُ عليَّ غَلطةَ مُوردٍ ... عَجزتْ مَواردُهُ عنِ الإِصدار)
(والنَّاسُ يَلْحَوْنَ الطبيبَ وَإِنَّمَا ... غَلطُ الطبيبِ إِصَابَة الأقدار) // الْكَامِل //
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الناحم الشَّاعِر دخلت على ابْن الرُّومِي أعوده فَوَجَدته يجود بِنَفسِهِ فَلَمَّا قُمْت من عِنْده قَالَ
(أَبا عُثْمَان أنتَ حَمِيدُ قَوِمكْ ... وَجُودُكَ للعشيرة دون لُؤمِكْ)
(تَزود من أخيكَ فَلَا أرَاهُ ... يَراكَ وَلَا نرَاهُ بعد يَوْمك) // الوافر //
وَكَانَت وِلَادَته بِبَغْدَاد بعد طُلُوع فجر يَوْم الْأَرْبَعَاء لليلتين خلتا من رَجَب سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَتُوفِّي فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء لليلتين بَقِيَتَا من جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَقيل أَربع وَثَمَانِينَ وَقيل وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَدفن فِي مَقْبرَة بَاب الْبُسْتَان رَحمَه الله
(1/118)

19 - (أَولَئِكَ آبَائِي فَجِئنِي بِمِثْلِهمْ ... إِذَا جَمَعتنا يَا جَريرُ المجَامعُ)
الْبَيْت للفرزدق من قصيدة من الطَّوِيل يفتخر بهَا على جرير أَولهَا
(مِنَّا الَّذِي اختيرَ الرِّجالَ سماحَةً ... وَخيراً إِذَا هَبَّ الرِّياحُ الزعازع)
(وَمنا الَّذِي أعْطَى الرَّسولُ عَطيَّةً ... أُسَارَى تَمِيم والعُيون دَوامُع)
(وَمنا الَّذِي يُعطي المِئينَ وَيشَتْري الغَوالي ويعَلو فضْلهُ مَنْ يُدافِعُ ... )
(وَمنا خَطيبٌ لَا يعابُ وحاملٌ ... أغَرُّ إِذا التفَّتْ عَلَيْهِ المجامِعُ)
(وَمنا الَّذِي أحْيا الوَئِيدَ وَغالِبٌ ... وَعَمْرو وَمنا حاجِبٌ والأقارع)
(وَمنا غَدَاة الروع فتيَان غَارة ... إِذا امْتنعت بعد الزّجاج الأشاجع)
(وَمنا الَّذِي قاد الجيَاد على الوجى ... لِنَجران حَتَّى صبَّحتُه الترائع) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت وَهِي طَوِيلَة
وَمعنى الْبَيْت التَّعْجِيز لِأَنَّهُ قد تحقق عِنْده أَن لَيْسَ للمخاطب مثل آبَائِهِ
(1/119)

وَالشَّاهِد فِيهِ إِيرَاد الْمسند إِلَيْهِ اسْم إِشَارَة للتعريض بغباوة السَّامع حَتَّى كَأَنَّهُ لَا يدْرك غير المحسوس وَذَلِكَ ظَاهر فِي الْبَيْت
20 - (هَوَاي مَع الركبِ اليمانينَ مُصعِدْ ... )
قَائِله جَعْفَر بن علبة من أَبْيَات من الطَّوِيل قَالَهَا وَهُوَ مسجون وَتَمَامه (جَنيبٌ وَجُثْماني بِمَكة مُوثَقُ ... )
والأبيات
(عَجبتُ لِمسراها وأنَّي تخلصتْ ... إليَّ وبابُ السجْن بالقُفْل مُغلقُ)
(ألمتْ فحّيتْ ثمَّ ولت فودعتْ ... فَلَمَّا تولَّتْ كَادَت النفسُ تَزهقُ)
(فَلا تحسبي أنِّي تخشَّعتُ بَعدكمْ ... لِشيء وَلَا أنِّي مِنَ الموتِ أفرقُ)
(وَلا أنّ قلبِي يَزدهيه وَعيدُكمْ ... وَلا أنني بِالْمَشْيِ فِي القَيد أخرقُ)
(وَلكنْ عَرَتْني من هواكِ ضمانة ... كَمَا كنتُ ألْقى منكِ إِذْ أَنا مُطلق) // الطَّوِيل //
والركب ركبان الْإِبِل اسْم جمع أَو جمع وهم الْعشْرَة فَصَاعِدا وَقد يكون
(1/120)

للخيل وَيجمع على أركب وركوب والأركوب بِالضَّمِّ أَكثر من الركب وَالركبَة محركة أقل ومصعد من أصعد أَي ذهب فِي الأَرْض وَأبْعد وجنيب أَي مجنوب مستتبع والجثمان الْجِسْم والشخص والجسمان جمَاعَة الْبدن والأعضاء من النَّاس وَسَائِر الْأَنْوَاع الْعَظِيمَة الْخلق وَذكر الْخَلِيل أَنَّهُمَا بِمَعْنى وَاحِد والموثق الْمُقَيد
وَالْمعْنَى فِيهِ هواي منضم إِلَى ركبان الْإِبِل القاصدين إِلَى الْيمن لكَون الحبيب مَعَهم وبدني مأسور مُقَيّد بِمَكَّة
وَالشَّاهِد فِيهِ تَعْرِيف الْمسند إِلَيْهِ بإضافته إِلَى شَيْء من المعارف إِذْ هِيَ أخصر طَرِيق إِلَى إِحْضَاره فِي ذهن السَّامع وَهُوَ فِي الْبَيْت قَوْله هواي أَي مهويي وَهُوَ أخصر من قَوْلهم الَّذِي أهواه أَو غير ذَلِك والاختصار مَطْلُوب لضيق الْمقَام وفرط السَّآمَة لكَونه فِي السجْن وحبيبه على الرحيل
وجعفر بن علبة هُوَ ابْن ربيعَة بن عبد يَغُوث بن مُعَاوِيَة بن صَلَاة بن المعقل بن كَعْب بن الْحَرْث بن كَعْب ويكنى أَبَا عَارِم وعارم ابْن لَهُ وَقد ذكره فِي شعره وَهُوَ من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية شَاعِر مقل غزل فَارس مَذْكُور فِي فوارس قومه وَكَانَ أَبوهُ علبة بن ربيعَة شَاعِرًا أَيْضا وَمَات جَعْفَر هَذَا مقتولاً فِي قصاص أختلف فِي سَببه
فَقيل إِن جَعْفَر بن علبة وَعلي بن جعدب الْحَارِثِيّ القناني وَالنضْر بن مضَارب المعاوي خَرجُوا فَأَغَارُوا على بني عقيل وَإِن بني عقيل خَرجُوا فِي طَلَبهمْ وافترقوا عَلَيْهِم فِي الطّرق وَوَضَعُوا عَلَيْهِم الأرصاد فِي المضايق فَكَانُوا كلما
(1/121)

أفلتوا من عصبَة لقيتهم أُخْرَى حَتَّى انْتَهوا إِلَى بِلَاد بني نهد فَرَجَعت عَنْهُم بَنو عقيل وَقد كَانُوا قتلوا فيهم فاستعدت عَلَيْهِم بَنو عقيل السّري بن عبد الله الْهَاشِمِي عَامل مَكَّة لأبي جَعْفَر الْمَنْصُور فَأرْسل إِلَى أَبِيه علبة بن ربيعَة فَأَخذه بهم وحبسه حَتَّى دفعهم وَسَائِر من كَانَ مَعَهم إِلَيْهِ فَأَما النَّضر فاستقيد مِنْهُ بجراحة وَأما عَليّ بن جعدب فَأَفلَت من السجْن وَأما جَعْفَر بن علبة فأقامت عَلَيْهِ بَنو عقيل قسَامَة أَنه قتل صَاحبهمْ فَقتل بِهِ
وَذكر ابْن الْكَلْبِيّ أَن الَّذِي أثار الْحَرْب بَين جَعْفَر بن علبة وَبني عقيل أَن إِيَاس بن يزِيد الْحَارِثِيّ وَإِسْمَاعِيل بن أَحْمد الْعقيلِيّ اجْتمعَا عِنْد أمة لشعيب ابْن صَامت الْحَارِثِيّ وَهِي فِي إبل لمولاها فِي مَوضِع يُقَال لَهُ صمعر من بِلَاد بلحرث فتحدثا عِنْدهَا فمالت إِلَى الْعقيلِيّ فدخلتهما مؤاسفة حَتَّى تخانقا بالعمائم فَانْقَطَعت عِمَامَة الْحَارِثِيّ وخنقته الْعقيلِيّ حَتَّى صرعه ثمَّ تفَرقا وَجَاء العقيليون إِلَى الحارثيين فحكموهم فوهبوا لَهُم ثمَّ بَلغهُمْ بَيت قيل وَهُوَ
(ألم تَسألِ العبدَ الزِّيادي مَا رَأَى ... بِصَمْعَرَ والعبدُ الزيَادي قَائِم) // الطَّوِيل //
فَغَضب إِيَاس من ذَلِك فلقي هُوَ وَابْن عَمه النَّضر بن مضَارب ذَلِك الْعقيلِيّ وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن أَحْمد فَشَجَّهُ شجتين وخنقه فَصَارَ الحارثيون إِلَى العقيليين فحكموهم فوهبوا لَهُم ثمَّ لقى العقيليون جَعْفَر بن علبة الْحَارِثِيّ فَأَخَذُوهُ فضربوه وخنقوه وربطوه وقادوه طَويلا ثمَّ أَطْلقُوهُ فَبلغ ذَلِك إِيَاس بن زيد فَقَالَ يتوجع لجَعْفَر
(1/122)

(أَبَا عارِم كَيفَ اغتْررتَ وَلم تكن ... تَغَرُّ إِذا مَا كَانَ أمرٌ تحاذره)
(فَلا صُلْحَ حَتَّى يخفِقَ السَّيفُ خفقةً ... بكفِّ فَتى جرَّت عَلَيْهِ جرائره) // الطَّوِيل //
ثمَّ إِن جَعْفَر بن علبة تَبِعَهُمْ هُوَ وَابْن أَخِيه جعدب وَالنضْر بن مضَارب وَإيَاس بن يزِيد فَلَقوا الْمهْدي بن عَاصِم وَكَعب بن مُحَمَّد بخبرة وَهُوَ مَوضِع بالقاعة فضربوهما ضربا مبرحاً ثمَّ انصرفوا فضلوا عَن الطَّرِيق فوجدوا العقيليين وهم تِسْعَة نفر فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا فَقتل جَعْفَر بن علبة رجلا من عقيل يُقَال لَهُ خشينة فاستعدى العقيليون إِبْرَاهِيم بن هِشَام المَخْزُومِي عَامل مَكَّة فرع الحارثيين وهم أَرْبَعَة من نَجْرَان حَتَّى حَبسهم بِمَكَّة ثمَّ أفلت مِنْهُم رجل فَخرج هَارِبا فأحضرت عقيل قسَامَة حلفوا أَن جعفراً قتل صَاحبهمْ فأقاده إِبْرَاهِيم بن هِشَام وَقَالَ إِيَاس وَهُوَ مَحْبُوس الأبيات السَّابِقَة وَقَالَ لِأَخِيهِ يحرضه
(قلْ لأبِي عَوْنٍ إِذا مَا لقيتهُ ... ومِن دونه عَرْضُ الفلاةِ يحولُ)
(تَعلَّم وَعَدَّ الشكَّ أنِّي تشفُّني ... ثلاثةُ أحراسٍ مَعًا وكُبولُ)
(إِذا رُمتُ مشياً أَو تَبوأتُ مضجعاً ... تَبيتُ لَهَا فوقَ الكعاب صَليلُ)
(وَلَوْ بِكَ كَانَت لَا بتعثت مطيتي ... يَعودُ الحفا أخفْافهَا ويجوُلُ)
(إِلى العدلِ حَتى يَصدُر الأَمر مَصدرا ... وتَبرأ مِنكمْ قالةٌ وعُدولُ) // الطَّوِيل //
وَفِي رِوَايَة أَن جَعْفَر بن علبة كَانَ يزور نسَاء من عقيل بن كَعْب وَكَانُوا
(1/123)

متجاورين هم وَبَنُو الْحَرْث بن كَعْب فَأَخَذته عقيل فكشفوا دبر قَمِيصه وربطوه إِلَى جمته وضربوه بالسياط وكتفوه ثمَّ أَقبلُوا بِهِ وأدبروا على النسْوَة اللَّاتِي كَانَ يتحدث إلَيْهِنَّ على تِلْكَ السَّبِيل ليفظوهن ويفضحوه عِنْدهن فَقَالَ لَهُم يَا قوم لَا تَفعلُوا فَإِن هَذَا الْفِعْل مثلَة وَأَنا أَحْلف لكم بِمَا يثلج صدوركم أَن لَا أَزور بُيُوتكُمْ أبدا وَلَا ألجها فَلم يقبلُوا مِنْهُ فَقَالَ لَهُم فَإِن لم تَفعلُوا ذَلِك فحسبكم مَا قد مضى ومنوا على بالكف عني فَانِي أعده نعْمَة لكم ويداً لَا أكفرها أبدا أَو فاقتلوني وأريحوني فَأَكُون رجلا آذَى قومه فِي دَارهم فَقَتَلُوهُ فَلم يَفْعَلُوا وَجعلُوا يكشفون عَوْرَته بَين أَيدي النِّسَاء ويضربونه ويغرون بِهِ سفهاءهم حَتَّى شفوا أنفسهم مِنْهُ ثمَّ خلوا سَبيله فَلم تمض إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى عَاد جَعْفَر وَمَعَهُ صاحبان لَهُ فَدفع رَاحِلَته حَتَّى أولجها الْبيُوت ثمَّ مضى فَلَمَّا كَانَ فِي نقرة من الرمل أَنَاخَ هُوَ وصاحباه وَكَانَت عقيل أقفى خلق الله للأثر فتبعوه حَتَّى انْتَهوا إِلَيْهِ وَإِلَى صَاحِبيهِ وَكَانَ العقيليون مغترين لَيْسَ مَعَ أحد مِنْهُم عَصا وَلَا سلَاح فَوَثَبَ عَلَيْهِم جَعْفَر وصاحباه بِالسُّيُوفِ فَقتلُوا مِنْهُم رجلا وجرحوا آخر وافترقوا فاستعدت عَلَيْهِم عقيل السّري بن عبد الله الْهَاشِمِي عَامل الْمَنْصُور على مَكَّة فأحضرهم وحبسهم وأقاد من الْجَارِح ودافع عَن جَعْفَر بن علبة وَكَانَ يحب أَن يدْرَأ عَنهُ الْحَد لخؤلة السفاح فِي بني الْحَرْث وَلِأَن أُخْت جَعْفَر كَانَت تَحت السّري بن عبد الله وَكَانَت حظية عِنْده إِلَى أَن أَقَامُوا عِنْده قسَامَة أَنه قتل صَاحبهمْ وتوعدوه بِالْخرُوجِ إِلَى أبي جَعْفَر الْمَنْصُور والتظلم إِلَيْهِ فَحِينَئِذٍ دَعَا بِجَعْفَر فأقاد مِنْهُ وأفلت عَليّ بن جعدب من السجْن فهرب فَلَمَّا أخرج جَعْفَر للقود قَالَ
(1/124)

لَهُ غُلَام من قومه أسقيك شربة من مَاء بَارِد فَقَالَ اسْكُتْ لَا أم لَك إِنِّي إِذا لمهياف وَانْقطع شسع نَعله فَوقف فأصلحه فَقَالَ لَهُ رجل أما يشغلك عَن هَذَا مَا أَنْت فِيهِ فَقَالَ
(أشدُّ قَبالَ نَعلي أَن يراني ... عَدُوي للحوادث مستكينا) // الوافر //
وَكَانَ الَّذِي ضرب عنق جَعْفَر بن علبة نخبة بن كُلَيْب أَخُو الْمَجْنُون وَهُوَ أحد بني عَامر بن عقيل فَقَالَ فِي ذَلِك
(شَفي النفسَ مَا قَالَ ابنُ عُلبةَ جعفرٌ ... وقَوْلي لَهُ اصبر ليسَ يَنفعكَ الصَّبْر)
(هَوى رأسهُ من حيثُ كَانَ كَمَا هَوى ... عُقابٌ تَدلَّى طَالبا خانهُ الوكرُ)
(أبَا عَارم فينَا عُرامٌ وشِدّةٌ ... وبَسْطةُ أيمانِ سَواعدها شُعُْر)
(هُمُو ضَربوا بِالسَّيْفِ هَامَةَ جَعفرٍ ... وَلم يُنْجهِ برٌّ عَريضَ وَلَا بَحرْ)
(وقدناه قَود الْبِكر قَسراً وَعنوةً ... إِلَى الْقبر حَتَّى ضمّ أثوابه الْقَبْر) // الطَّوِيل //
وَقَالَ علبة يرثي ابْنه جعفرا
(لَممركَ إِنِّي يَومَ أسلمتُ جَعفراً ... وَأصحابه لِلموت لمَّا أقاتِل)
(لمجتنبٌ حُبّ المَّنايا وَإنِما ... يَهيجُ الْمنايا كلُّ حقٍّ وَباطل)
(فَراحَ بهمْ قَومٌ وَلا قَومَ عِندهمْ ... مُغللة أيديهمُ فِي السُّلاَسل)
(وَربٍّ أخٍ لي غابَ لَو كانَ شَاهدا ... رآهُ التّباليونَ لي غير خاذل) // الطَّوِيل //
وَقَالَ علية أَيْضا لامْرَأَته أم جَعْفَر قبل أَن يقتل جَعْفَر
(لَعمركِ إنَّ الَّليلَ يَا أمَّ جَعفرٍ ... عليَّ وَإِنْ عَللتنِي لَطويلُ)
(1/125)

(أحاذرُ أخْباراً مِنَ الْقَوْم قَدْ دَنتْ ... ورَجعةً أنْقاض لهنَّ دَلِيل) // الطَّوِيل //
فأجابته امْرَأَته فَقَالَت
(أَبا جَعفرٍ سَلَّمتَ لِلقومِ جعفراً ... فَمُتْ كمداً أَوْ عِشْ وأنْتَ ذليلٌ)
وَذكر شَدَّاد بن إِبْرَاهِيم أَن بِنْتا ليحيى بن زِيَاد الْحَارِثِيّ حضرت الْمَوْسِم فِي ذَلِك الْعَام لما قتل فكفنته واستجادت لَهُ الْكَفَن وبكته وَجَمِيع من كَانَ مَعهَا من جواريها وجعلن يندبنه بأبياته الَّتِي قَالَهَا قبل قَتله وَهِي
(أَحقّاً عبادَ الله أَنْ لَستُ رائياً ... صحارى والرياح بِنَجْد َالذوارِيا)
(وَلَا زَائِراً شم العرانينِ أنتْمى ... إِلَى عامرٍ يَحلْلنَ رَملاً معاليا)
(إِذا مَا أتيتَ الحارثيات فانعني ... لَهُنّ وَخبرّهُنّ أَن تَلاقِيا)
(وَقوُّد قُلوصِي بَينهُنَّ فَإِنَّهَا ... ستُبرد أكباداً وَتُبكي بَواكِيا)
(أوصيكم إِن مُتُّ يَوْمًا بِعارم ... لَيُغني شيَئاً أَو يكون مكانيا)
(وَلم أتَّرِكْ لي رِيبَة غيرَ أنني ... ودِدتُ مُعَاذاً كَانَ فِيمَن أتانيا) // الطَّوِيل //
أَرَادَ وددت أَن معَاذًا كَانَ أَتَانِي مَعَهم فَقتلته
فَقَالَ معَاذ يجِيبه عَنْهَا بعد قَتله ويخاطب أَبَاهُ ويعرض لَهُ أَنه قتل ظلما لأَنهم أَقَامُوا قسَامَة كَاذِبَة عَلَيْهِ حَتَّى قتل وَلم يَكُونُوا عرفُوا الْقَاتِل من الثَّلَاثَة بِعَيْنِه إِلَّا أَن غيظهم على جَعْفَر حملهمْ على أَن ادعوا الْقَتْل عَلَيْهِ
(أَبا جعفرٍ سَلَّم بِنَجرانَ واحتَسب ... أَبَا عَارِم والمسنَماتِ العواليا)
(1/126)

(وقود قَلُوصاً أتلف السيفُ رَبهَا ... بِغير دم فِي القَوم إِلَّا تماربا)
(إِذا ذَكرتْهُ مُعصرٌ حارثية ... جَرى دَمعُ عينيها على الخدِّ صافيا)
(فَلَا تَحْسبن الدَّين يَا عُلْبَ مُنسأ ... وَلَا الثَّائَرَ الحران يَنْسي التقاضِيا)
(سَنقتلُ مِنْكُم بالقَتيل ثَلَاثَة ... ونُغلي وَإِن كَانَت دمانا غَواليا)
(تَمَّنيتَ أَن تَلْقي مُعاذاً سَفاهة ... سَتلقى مُعاذاً والقضيبَ اليمانيا) // الطَّوِيل //
وَعَن أبي عُبَيْدَة قَالَ لما قتل جَعْفَر بن علبة قَامَ نسَاء الْحَيّ يبْكين عَلَيْهِ وَقَامَ أَبوهُ إِلَى كل نَاقَة وشَاة فَنحر أَوْلَادهَا وَأَلْقَاهَا بَين أيديها وَقَالَ ابكين مَعنا على جَعْفَر فَمَا زَالَت النوق ترغو والشياه تثغو وَالنِّسَاء يصحن ويبكين وَهُوَ يبكي مَعَهُنَّ فَمَا رُؤِيَ يَوْم أوجع وأحرق مأتماً فِي الْعَرَب من يَوْمئِذٍ
21 - (لَهُ حاجبٌ عَنْ كل أمرٍ يَشينهُ ... وَليسَ لهُ عَنْ طالبِ العُرفِ حاجبُ)
الْبَيْت لِابْنِ أبي السمط من أَبْيَات من الطَّوِيل مِنْهَا
(فَتىً لَا يُبالي المدْلجونَ بنورِه ... إِلَى بابِهِ أَن لَا تُضيءَ الكواكبُ)
(يصمّ عَن الْفَحْشَاء حَتَّى كَأَنَّهُ ... إِذا ذُكِرَتْ فِي مَجلِس الْقَوْم غَائِب) // الطَّوِيل //
وَالشَّاهِد فِيهِ تنكير الْحَاجِب الأول للتعظيم وَالثَّانِي للتحقير أَي لَيْسَ لَهُ حَاجِب حقير فَكيف بالعظيم وَمثله قَول الشَّاعِر
(وَللَّه مِني جانبٌ لاَ أضيعُهُ ... وللَّهوِ مني والخلاعة جاجب) // الطَّوِيل //
وَابْن أبي السمط
(1/127)

22 - (الأَلمعيُّ الَّذِي يَظنُّ بك الظنَّ كأنْ قد رأى وَقد سمِعَا ... )
الْبَيْت لأوس بن حجر من قصيدة من المنسرح قَالَهَا فِي فضَالة بن كلدة يمدحه بهَا فِي حَيَاته ويرثيه بعد وَفَاته أَولهَا
(أيَّتها النَّفسُ أجْملِي جَزعا ... إِنَّ الَّذِي تحذرينَ قَدْ وَقعا)
(إِنَّ الَّذِي جَمَّع السَّماحةَ والنَّجدةَ وَالبرَّ وَالتُّقى جُمَعا ... ) // المنسرح //
وَبعد الْبَيْت وَبعده
(المُخلفَ المُتلفَ المُرزَّأ لمْ ... يَمنعُ بِضعفٍ وَلم يَمتْ طَبعا)
(والحافظَ النَّاسَ فِي تحوطَ إِذا ... لمْ يُرسلوا تحتَ عَائِذ رُبعا)
(وَعزتِ الشمألُ الرِّياحَ وقدْ ... أَمْسَى كميع الْقَنَاة فلتفا) // المنسرح //
الألمعي واليلمعي الذكي المتوقد ذكاء وَسُئِلَ الْأَصْمَعِي عَن معنى الألمعي فَأَنْشد
(1/128)

الْبَيْت وَلم يزدْ عَلَيْهِ وَهُوَ إِمَّا مَرْفُوع خبر إِن أَو مَنْصُوب صفة لاسمها أَو بِتَقْدِير أَعنِي وخبرها فِي قَوْله بعد أَبْيَات
(أوْدَى فَمَا تَنفعُ الإِشاحةُ مِنْ ... أَمْرٍ لمنْ قَدْ يُحاولُ البِدَعا)
وَالشَّاهِد فِيهِ كَون جملَة قَوْله الَّذِي يظنّ بك الظَّن وَصفا كاشفاً عَن معنى الألمعي لَا كَونه وَصفا للمسند إِلَيْهِ
وَبَيت أَوْس هَذَا تداول مَعْنَاهُ الشُّعَرَاء قَالَ أَبُو تَمام
(ولذاك قيل مِنَ الظنونِ جِبلةً ... عِلْمٌ وَفِي بعض القلوبِ عُيُون) // الْكَامِل //
وَقَالَ المتنبي
(مَاضي الجَنَانِ يُريهِ الحزمُ قبل غدٍ ... بِقلبهِ مَا ترى عَيناهُ بعد غدِ) // الْبَسِيط //
وَقَالَ أَيْضا
(ذكيٌّ تظنِّيهِ طليعةُ عينهِ ... يَرى قَلبهُ فِي يومهِ مَا يرى غَدا) // الطَّوِيل //
وَقَالَ أَيْضا
(وَيعرفُ الأمرَ قَبلَ موقعهِ ... فمالهُ بعْد فغله نَدم) // المنسرح // وَقَالَ أَيْضا
(مُستنبطٌ من علمه مَا فِي غَد ... فكأنَّ مَا سيكونُ فِيهِ دونا) // الْكَامِل //
وَهَذَا الْمَعْنى يقرب مِنْهُ قَول أبي نواس
(مَا تنطوي عَنهُ القلوبُ بنجوةٍ ... إِلاَّ تُحدِّثهُ بِهِ العينانِ) // الْكَامِل //
(وَقَول عَليّ بن الْخَلِيل
(كَلَّمني لحظُكَ عَن كلِّ مَا ... أضمرهُ قلبُكَ من غدِر) // السَّرِيع //
وَقَول الخليع
(1/129)

(أما تقرأُ فِي عينيَّ عُنوانَ الَّذِي عِنْدِي ... ) // الهزج //
وَقد سبق إِلَيْهِ المتقدمون قَالَ الثَّقَفِيّ
(تُخَبِّرُني العينانِ مَا القلبُ كاتمٌ ... وَلَا حُبَّ بالبغضاءِ وَالنَّظَر الشزر) // الطَّوِيل //
وَقَالَ يزِيد بن الحكم الثَّقَفِيّ
(تُكاشِرُني كرْهاً كَأَنَّك نَاصح ... وعينكَ تُبدي أنَّ قلبكَ لي دوِي) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَوْله بعده
(عَدُوِّيَ يَخشى صَولتي إِن لقيتهُ ... وأنتَ عَدُوِّي لَيْسَ هَذَا بُمستوي)
(تُصافحُ مَنْ لاقَيتَه ذَا عَدَاوَة ... صفاحا وعني بينَ عَيْنَيْك مُنْزَوِي)
وَقَالَ المتنبي فِي مَعْنَاهُ
(تُخفِي العداوةَ وَهِي غيرُ خفيةٍ ... نَظرُ العدوُّ بِمَا أسرّ يبوح) // الْكَامِل //
وَقَالَ غَيره
(عَيناكَ قد دلَّتا عينيَّ مِنْك على ... أَشْيَاء لَوْلَا هما مَا كنتُ أدُّرِيها)
(والعينُ تعلمُ من عَيْنَيْ محدِّثِها ... إِن كَانَ من حِزْبِها أَو من أعاديها) // الْبَسِيط //
ولمؤلفه من أَبْيَات
(ويُظهُر وُداً تشهدُ العينُ زُوَرهُ ... وَيَقْضِي بِذَاكَ القلبُ وَالْقلب اخبر) // الطَّوِيل //
وَله فِي مَعْنَاهُ
(من كَانَ فِي لُقياهُ لَا يتودَّدُ ... فَأَنا الَّذِي فِي وُدِّهِ أَتَردّدُ)
(فالقلْبُ عَما قد أجنَّ ضَميرُهُ ... لصديقهِ عِندَ التلاقي يُرشدُ)
(وإِذا خَفِي حالٌ وأشكل أمرُه ... فالعينُ تُخبر بالخفي وَتشهد) // الْكَامِل //
(1/130)

وَمَا أحسن قَول أبي نصر بن نَبَاته
(أَلا إنّ عينَ الْمَرْء عُنوانُ قلبهِ ... تُخِّبرُ عَن أسرارِه شَاءَ أمْ أبىَ) // الطَّوِيل //
وبديع قَول عمَارَة بن عقيل
(تُبدي لَك العينُ مَا فِي نَفسِ صَاحبهَا ... مِن الشَّناءةِ والْوُدّ الذَّي كَانَا)
(إنَّ البغيضَ لهُ عينٌ يَصُدُّ بهَا ... لَا يستطيعُ لِما فِي القلبِ كِتْمَانا)
(وعينُ ذِي الوُدِّ لَا تنفكُّ مقبلةً ... تَرى لَهَا محجراً بَشّاً وإِنسانا)
(وَالعينُ تنطقُ والأفواهُ صامتةٌ ... حَتَّى ترى من ضمير الْقلب تِبيانا) // الْبَسِيط //
وَقَول الآخر
(تُريكَ أعينُهُم مَا فِي صُدُورهمْ ... إِن الصُّدور يُؤَدِّي غَيبَها الْبَصَر) // الْبَسِيط //
وَقَول الْمُعْتَمد بن عباد صَاحب الأندلس
(تَمَيَّزُ البغضَ فِي الألفاظِ إِن نطقوا ... وتعرفُ الحقدَّ فِي الألحاظِ إِن نظرُوا) // الْبَسِيط //
وَقَول الآخر
(ستُبدي لَك العينان فِي اللحظ مَا الَّذِي ... يُجنُّ ضميرُ المرءِ والعينُ تَصدُقُ) // الطَّوِيل //
وَقَول مُحَمَّد بن أيدمر صَاحب كتاب الدّرّ الفريد
(صديقُك مِن عَدوك لَيْسَ يخفي ... وعنوانُ الدعاوَى فِي الْعُيُون)
(تُخبرُك العيونُ بِمَا أجَنَّتُ ... ضمائرها من السِّرّ المصون) // الوافر //
وَقَول مُحَمَّد بن شبْل من قصيدة
(فالعينُ تقْرَأ من لِحاظِ جليسها ... مَا خُطَّ مِنه فِي ضمير الخاطرِ)
(وَلكم قُطوبٍ عَن وِدادِ خالصٍ ... وتبسمٍ عَن غل صدرٍ واغرِ) // الْكَامِل //
(1/131)

وَمَا أحسن قَوْله فِيهَا
(مَا إِن أريدُ بصدقِ قولي شَاهدا ... حسبي بِسرِّك عَالما بسرائرِي)
(وَإِذا تعارفَت القلوبُ تألفت ... ويصُدّ مِنْهَا نافرٌ عَن نافِرِ)
(فَتَوَقّ منْ يأباه قلبْك إنَّهُ ... سيَبْينُ باطنُه بأمرٍ ظاهرِ)
وَقَول الْعَيْنِيّ
(كَأَنَّك مُطَّلعٌ فِي القلوبِ ... إِذا مَا تناجتْ بأسرارِها)
(فكرَّاتُ طرْفِكَ مُرْتَدَةٌ ... إِلَيْك بغامض أَخْبَارهَا) // المتقارب //
وَمثله قَول المتنبي
(كَأنك ناظرٌ فِي كل قلبٍ ... فَمَا يخفى عَلَيْك محلُّ غاش) // الوافر //
وَقد قَالَ مُضرس بن ربعي فِي عكس ذَلِك
(كَأن على ذِي الظَّن عينا بَصِيرَة ... بمنطقهِ أَو منظرٍ هُوَ ناظرُه)
(يحاذِر حَتَّى يحسَبَ الناسَ كلهُمْ ... من الخوفِ لَا تخفى عَلَيْهِم سرائره) // الطَّوِيل //
وبديع قَول المتنبي فِي معنى مَا سبق
(ووكل الظنَّ بالأسرارِ فَانْكَشَفَتْ ... لَهُ ضمائر أهل السهلِ والجبلِ) // الْبَسِيط //
وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ الأول وَإِنَّمَا فرق بَينهمَا أَن ذَلِك فِي العواقب وَهَذَا فِي الْأَسْرَار والضمائر وَالْمرَاد مِنْهُمَا صِحَة الحدس وجودة الظَّن
وبديع قَول الآخر فِي مَعْنَاهُ
(كَأَنَّمَا رأيهُ فِي كل مُشْكلة ... عينٌ على كل مَا يخفى ويستتر) // الْبَسِيط //
وَأَوْس بن حجرٍ هَذَا هُوَ ابْن مَالك بن حزن بن عقيل بن خلف بن نمير
(1/132)

يَنْتَهِي نسبه لتميم بن مرّة مَعَ اخْتِلَاف فِيهِ وَكَانَ من شعراء الْجَاهِلِيَّة وفحولها وَعَن أبي عَمْرو قَالَ كَانَ أَوْس بن حجر شَاعِر مُضر حَتَّى أسْقطه النَّابِغَة وَزُهَيْر فَهُوَ شَاعِر بني تَمِيم فِي الْجَاهِلِيَّة غير مدافع وَقَالَ الْأَصْمَعِي أَوْس أشعر من زُهَيْر وَلَكِن النَّابِغَة طاطأ مِنْهُ قَالَ أَوْس
(ترى الأرضَ مِنَّا بالفضاءِ مَرِيضَة ... مُعَضِّلةً مِنَّا بجميعِ عَرَمْرَمِ) // الطَّوِيل // وَقَالَ النَّابِغَة
(جيشٌ يَظَلُّ بِهِ الفضاءُ مُعضّلاً ... يَدَعُ الإكامَ كأنهنّ صحارِي) // الْكَامِل //
فجَاء بِمَعْنَاهُ وَزَاد وَقَالَت الشُّعَرَاء فِي نفار النَّاقة وفزعها فَأَكْثَرت وَلم تعد ذكر الهر المقرون بهَا وَابْن آوى وَقَالَ أَوْس
(كأنَّ هرّاً جنيباً عِنْد غُرْضَتِها ... والتفَّ ديكٌ برجليها وخِنْزيرُ) // الطَّوِيل //
قَالُوا وَجمع ثَلَاثَة أَلْفَاظ أَعْجَمِيَّة فِي بَيت وَاحِد فَقَالَ
(وفارَقَت وهْيَ لم تَجْرَب وَبَاعَ لَهَا ... من الفَصَافِص بالنُّمِّيِّ سِفْسِيرُ)
الفصافص الرّطبَة وَهِي بِالْفَارِسِيَّةِ أسبست والنمي الْفُلُوس بالرومية والسفسير السمسار
وَعَن أبي عُبَيْدَة قَالَ كَانَ أَوْس بن حجر غزلاً مغرماً بِالنسَاء فَخرج فِي سفر
(1/133)

حَتَّى إِذا كَانَ بِأَرْض بني أَسد بَين شرج وناظرة فَبينا هُوَ يسير ظلاماً إِذْ جالت بِهِ نَاقَته فصرعته فاندقت فَخذه فَبَاتَ مَكَانَهُ حَتَّى إِذا أصبح غَدَتْ جواري الْحَيّ يجتنين الكمأة وَغَيرهَا من نَبَات الأَرْض وَالنَّاس فِي ربيع فَبَيْنَمَا هن كَذَلِك إِذْ أبصرن نَاقَته تجول وَقد علق زمامها بشجرة وأبصرنه ملقى ففزعن مِنْهُ وهربن فَدَعَا بِجَارِيَة مِنْهُنَّ فَقَالَ لَهَا من أَنْت قَالَت أَنا حليمة بنت فضَالة بن كلدة وَكَانَت أصغرهن فَأَعْطَاهَا حجرا وَقَالَ لَهَا اذهبي إِلَى أَبِيك فَقولِي إِن ابْن هَذَا يُقْرِئك السَّلَام فَأَتَتْهُ فَأَخْبَرته فَقَالَ يَا بنية لقد أتيت أَبَاك بمدح طَوِيل أَو هجاء طَوِيل ثمَّ احْتمل هُوَ وَأَهله حَتَّى بني عَلَيْهِ بَيْتا حَيْثُ صرع وَقَالَ لَا أتحول أبدا حَتَّى تَبرأ وَكَانَت حليمة تقوم عَلَيْهِ حَتَّى اسْتَقل فَقَالَ أَوْس فِي ذَلِك
(خذلتَ عَليّ لَيْلَة ساهرة ... بصحراء شَرْج إِلَى نَاظرَهْ)
(تُزَادُ لياليَّ مِنْ طولهَا ... فليستْ بِطَلقٍ وَلَا شاكرهْ)
(أنُوءُ بِرجلٍ بهَا وهيْهُا ... وأعْيتْ بِها أخْتها العاثره) // المتقارب //

وَقَالَ فِي حليمة
(لَعمْرُك مَا ملَّتْ ثواء ثويها ... حليمة إِذْ أَلْقَت فِرَاشِي ومقعدي)
(ولكنْ تلقتْ باليدينِ ضمانتي ... ومل بشرج مالقبائل عودي)
(وَلَو تُلهها تِلْكَ التكاليفُ إنَّها ... كَمَا شِئتَ من أكرومةٍ وتخرد)
(سأجزيك أَو يجْزِيك عني مثوّب ... وقصرك أَن يثني عَلَيْك وتحمدي) // الطَّوِيل //
ثمَّ مَاتَ فضَالة بن كلدة وَكَانَ يكنى أَبَا دليجة فَقَالَ فِيهِ أَوْس يرثيه
(يَا عينُ لَا بدَّ منْ سكبٍ وتَهمال ... على فضالةَ جَلَ الرُّزءُ والعالي) // الْبَسِيط //
(1/134)

وَهِي طَوِيلَة وَله فِيهِ عدَّة قصائد وَمِمَّا يستجاد من شعره قَوْله
(وإنّي رأيتُ الناسَ إِلَّا أقلهمْ ... خفافَ العهود يُكثرون التنقلا)
(بَني أمِّ ذِي المالِ الْكثير يَرونهُ ... وَإِن كانَ عَبداً سَيدَ الْأَمر جحفلا)
(وهم لِمُقلّ المالِ أوْلادُ عَلَّةِ ... وَإِن كَانَ مَحْضاً فِي العمومةِ مُخْوِلا)
(وَلَيْسَ أَخُوك الدَّائِم الْعَهْد بِالَّذِي ... يَسوءك إِن ولّى ويرضيك مُقبلا)
(وَلَكِن أخوكَ النَّاِء مَا كنتَ آمِناً ... وصاحبُكَ الْأَدْنَى إِذا الْأَمر أعضلا) // الطَّوِيل //
ويستجاد لَهُ من هَذِه القصيدة قَوْله فِي السَّيْف
(كَأَن مَدَبَّ النَمل تَتَّبعُ الرُّبا ... ومَدْرَجَ ذَرٍّ خَافَ بَرْداً فأسْبَلا)
23 - (والَّذِي حَارَتِ البريةُ فِيه ... حَيَوانٌ مُسْتَحدَثٌ من جَمَادِ)
الْبَيْت لأبي الْعَلَاء المعري من قصيدة من الْخَفِيف يرثي بهَا فَقِيها حنفياً أَولهَا
(غَيرُ مُجْدٍ فِي ملَّتي واعتقادي ... نَوحُ باكٍ وَلا ترنُّم شادي)
(وشبيهٌ صَوْتُ النَّعيُّ إِذا قيسَ بصوتِ البشير فِي كل نَادِي ... )
(أبكَتْ تلكمُ الْحَمَامَة أم غَنَّتْ عَلى فرع غُصنُها الميَّاد ... )
(صاحِ هدى قُبورُنا تملأُ الرُّحبَ فَأَيْنَ القُبورُ من عهَد عَاد ... )
(خَفِّفِ الْوَطْء مَا أَظن أَدِيم الأَرْض ... إِلَّا من هَذِه الأجْساد)
(وقَبيحٌ بِنَا وَإِن قَدُم العَهْدُ هَوانُ الآباءِ والأجداد)
(سِرْ إنِ اسْطَعْتَ فِي الْهَوَاء رُوَيداً ... لَا اخْتيالاً على رفات الْعباد)
(رُبَّ لحدٍ قد صارَ لحداً مرَارًا ... ضاحِكٍ من تَزاحُم الأضداد)
(وَدفينٍ عَليّ بقايا دفينٍ ... فِي طَوِيل الْأَزْمَان والآباد)
(فاسألِ الفَرقدين عَمَّن أحسَّا ... من قَبيلٍ وآنسا من بِلَاد)
(1/135)

(كم أَقَامَا على زَوالِ نَهارٍ ... وَأنارَا لِمُدلج فِي سَواد)
(تَعبٌ كلُّها الحَياةُ وَمَا أعْجبُ إِلاَّ مِنْ رَاغبٍ فِي ازْدياد ... )
(إنَّ حُزناً فِي ساعةِ الْمَوْت أَضْعَاف ... سُرورٍ فِي ساعةِ المِيلاد)
(خُلقَ النَّاسُ لِلبقاء فَضلَّتْ ... أمُةٌ يَحسبونهمْ لِلنفاد)
(إِنَّمَا ينقلون من دَار أَعمال ... إِلَى دَار شقوة أَو رشاد) // الْخَفِيف //
وَهِي طَوِيلَة وَمِنْهَا
(بانَ أمْر الإِلهِ وَاخْتلف النَّاس ... فَدَاعِ إِلَى ضَلاَلٍ وَهادِي)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(فاللَّبيبُ اللَّبيبُ مَنْ لَيسَ يَغترُّ ... بِكونٍ مَصيرهُ لِلفسادِ)
يَقُول تحيرت الْبَريَّة فِي الْمعَاد الجسماني والنشور الَّذِي لَيْسَ بنفساني وَفِي أَن أبدان الْأَمْوَات كَيفَ تحيا من الرفات وَبَعْضهمْ يَقُول بِهِ وَبَعْضهمْ يُنكره وَبِهَذَا تبين أَن المُرَاد بِالْحَيَوَانِ المستحدث من الجماد لَيْسَ آدم عَلَيْهِ السَّلَام وَلَا نَاقَة صَالح وَلَا ثعبان مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام إِذْ لَا يُنَاسب السِّيَاق وَقَالَ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد بن السَّيِّد البطليوسي حِين شرح سقط الزند فِي هَذَا الْبَيْت يُرِيد أَن الْجِسْم مواتٌ بطبعه وَإِنَّمَا يصير حساساً متحركاً باتصال النَّفس بِهِ فَإِذا فارقته عِنْد الْمَوْت عَاد إِلَى طبعه فالحياة للنَّفس جوهرية وللجسم عرضية فَلذَلِك يعْدم الْجِسْم الْحَيَاة إِذا فارقته النَّفس وَلَا تعدمها النَّفس
وَالشَّاهِد فِيهِ تَقْدِيم الْمسند إِلَيْهِ على الْمسند لتمكن الْخَبَر فِي ذهن السَّامع لِأَن فِي المبتدإ تشويقاً إِلَيْهِ
وَأَبُو الْعَلَاء هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن سُلَيْمَان المعري التنوخي من أهل
(1/136)

معرة النُّعْمَان الْعَالم الْمَشْهُور صَاحب التصانيف الْمَشْهُورَة ولد يَوْم الْجُمُعَة عِنْد مغيب الشَّمْس لثلاث بَقينَ من شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلثمائة بالمعرة وجدر فِي السّنة الثَّالِثَة من عمره فَعميَ مِنْهُ وَكَانَ يَقُول لَا أعرف من الألوان إِلَّا الْأَحْمَر لِأَنِّي ألبست فِي الجدري ثوبا مصبوغاً بالعصفر لَا أَعقل غير ذَلِك
وَعَن ابْن غَرِيب الأيادي أَنه دخل مَعَ عَمه على أبي الْعَلَاء يزوره فَوَجَدَهُ قَاعِدا على سجادة لبد وَهُوَ شيخ فانٍ قَالَ فَدَعَا لي وَمسح على رَأْسِي قَالَ وَكَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ السَّاعَة وَإِلَى عَيْنَيْهِ إِحْدَاهمَا نادرة وَالْأُخْرَى غائرة جدا وَهُوَ مجدور الْوَجْه نحيف الْجِسْم
وَعَن المصِّيصِي الشَّاعِر قَالَ لقِيت بمعرة النُّعْمَان عجبا من الْعجب رَأَيْت أعمى شَاعِرًا ظريفاً يلْعَب بالشطرنج والنرد وَيدخل فِي كل فن من الْهزْل وَالْجد يكنى أَبَا الْعَلَاء وسمعته يَقُول أَنا أَحْمد الله على الْعَمى كَمَا يحمده غَيْرِي على الْبَصَر
وَهُوَ من بَيت علم وَفضل ورياسة لَهُ جمَاعَة من أَقَاربه قُضَاة وعلماء وشعراء قَالَ الشّعْر وَهُوَ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة أَو اثْنَتَيْ عشرَة سنة ورحل إِلَى بَغْدَاد ثمَّ رَجَعَ إِلَى المعرة وَكَانَ رحيله إِلَيْهَا سنة ثَمَان وَتِسْعين وثلثمائة وَأقَام بهَا سنة وَسَبْعَة أشهر وَدخل على المرتضى أبي الْقَاسِم فعثر برجلٍ فَقَالَ من هَذَا الْكَلْب فَقَالَ أَبُو الْعَلَاء الْكَلْب من لَا يعرف للكلب سبعين اسْما وسَمعه المرتضى وَأَدْنَاهُ واختبره فَوَجَدَهُ عَالما مشبعاً بالفطنة والذكاء فَأقبل عَلَيْهِ إقبالاً كثيرا وَله مَعَه نُكْتَة تَأتي فِي التلميح إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(1/137)

وَلما رَجَعَ المعري إِلَى بَلَده لزم بَيته وَسمي نَفسه رهين المحبسين يَعْنِي حبس نَفسه فِي منزله وَحبس بَصَره بالعمى
وَكَانَ عجيبا فِي الذكاء المفرط والحافظة ذكر تِلْمِيذه أَبُو زَكَرِيَّا التبريزي أَنه كَانَ قَاعِدا فِي مَسْجده بمعرة النُّعْمَان بَين يَدي أبي الْعَلَاء يقْرَأ شَيْئا من تصانيفه قَالَ وَكنت قد أَقمت عِنْده سِنِين وَلم أر أحدا من أهل بلدي فَدخل الْمَسْجِد بعض جيراننا للصَّلَاة فرأيته فعرفته وتغيرت من الْفَرح فَقَالَ لي أَبُو الْعَلَاء أَي شَيْء أَصَابَك فحكيت لَهُ أَنِّي رَأَيْت جاراً لي بعد أَن لم ألق أحدا من أهل بلدي سِنِين فَقَالَ لي قُم فَكَلمهُ فَقلت حَتَّى أتمم النسق فَقَالَ لي قُم وَأَنا انْتظر لَك فَقُمْت وكلمته بِلِسَان الأذربيجانية شَيْئا كثيرا إِلَى أَن سَأَلت عَن كل مَا أردْت فَلَمَّا رجعت وَقَعَدت بَين يَدَيْهِ قَالَ لي أَي لِسَان هَذَا قلت هَذَا لِسَان أذربيجان فَقَالَ لي مَا عرفت اللِّسَان وَلَا فهمته غير أَنِّي حفظت مَا قلتما ثمَّ أعَاد عَليّ اللَّفْظ بِعَيْنِه من غير أَن ينقص مِنْهُ أَو يزِيد عَلَيْهِ بل جَمِيع مَا قلت وَمَا قَالَ جاري فتعجبت غَايَة الْعجب من كَونه حفظ مَا لم يفهمهُ
وَلِلنَّاسِ حكايات يضعونها فِي عجائب ذكائه وَهِي مَشْهُورَة وغالبها مُسْتَحِيل وَكَانَ قد رَحل أَولا إِلَى طرابلس وَكَانَ بهَا خَزَائِن كتب مَوْقُوفَة فَأخذ مِنْهَا مَا أَخذ من الْعلم واجتاز باللاذقية وَنزل ديراً كَانَ بِهِ رَاهِب لَهُ علم بأقاويل الفلاسفة فَسمع كَلَامه فَحصل لَهُ شكوك وَكَانَ إطلاعه على اللُّغَة وشواهدها أمرا باهراً
وَالنَّاس مُخْتَلفُونَ فِي أمره وَالْأَكْثَرُونَ على إلحاده وإكفاره وَأورد لَهُ الرَّازِيّ فِي الْأَرْبَعين قَوْله
(قُلْتُمْ لنَا صَانعٌ قَديم ... قُلنا صَدقتمْ كَذَا تَقولُ)
(ثُمَّ زَعمتمْ بِلاَ مَكانٍ ... وَلاَ زَمانِ أَلاَ فقَولوا)
(1/138)

(هذَا كلامٌ لَهُ خَبِئٌ ... مَعناهُ لَيستْ لنا عقول) // من مخلع الْبَسِيط //
ثمَّ قَالَ الرَّازِيّ وَقد هذي هَذَا فِي شعره وَقَالَ ياقوت كَانَ مُتَّهمًا فِي دينه يرى رَأْي البراهمة لَا يرى إِفْسَاد الصُّورَة وَلَا يَأْكُل لَحْمًا وَلَا يُؤمن بالرسل وَلَا الْبَعْث وَلَا النشور انْتهى
وَمكث مُدَّة خمس وَأَرْبَعين سنة لَا يَأْكُل اللَّحْم تديناً وَلَا مَا تولد من الْحَيَوَان رَحْمَة لَهُ وخوفاً من إزهاق النُّفُوس وإِلى ذَلِك أَشَارَ عَليّ بن همام حِين رثاه فَقَالَ من قصيدة طَوِيلَة
(إِنْ كنتَ لم تُرِقِ الدِّمَاء زَهادةً ... فَلَقَد أرقْتَ اليومَ مِن عَيني دَما)
(سَيرتَ ذِكرك فِي الْبِلَاد كأنهُ ... مِسكٌ فسامِعةَ يُضَمِّخُ أَو فَمَا)
(وَأرى الحجيجَ إِذا أرادُوا لَيْلَة ... ذِكراكَ أوْجبَ فِديةً من أحرما) // الْكَامِل //
ولقيه رجل فَقَالَ لَهُ لم لم تَأْكُل اللَّحْم فَقَالَ أرْحم الْحَيَوَان قَالَ فَمَا تَقول فِي السبَاع الَّتِي لَا طَعَام لَهَا إِلَّا لُحُوم الْحَيَوَان فَإِن كَانَ كَذَلِك خَالق فَمَا أَنْت بأرأف مِنْهُ وَإِن كَانَت الطبائع المحدثة لذَلِك فَمَا أَنْت بأحذق مِنْهَا وَلَا أتقن فَسكت
وَقَالَ القَاضِي أَبُو يُوسُف عبد السَّلَام الْقزْوِينِي قَالَ لي المعري لم أهج أحدا قطّ قلت لَهُ صدقت إِلَّا الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام فَتغير لَونه أَو قَالَ وَجهه
وَدخل عَلَيْهِ القَاضِي المنازي فَذكر لَهُ مَا يسمعهُ عَن النَّاس من الطعْن عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ مَالِي وَلِلنَّاسِ وَقد تركت دنياهم فَقَالَ لَهُ القَاضِي وأخراهم فَقَالَ
(1/139)

يَا قَاضِي وأخراهم وَجعل يكررها
وَعَن أبي زَكَرِيَّا الرَّازِيّ قَالَ قَالَ لي المعري مَا الَّذِي تعتقد فَقلت فِي نَفسِي الْيَوْم يتَبَيَّن لي اعْتِقَاده فَقلت لَهُ مَا أَنا إِلَّا شَاك فَقَالَ لي وَهَكَذَا شيخك
وَحكي عَن الشَّيْخ كَمَال الدّين الزملكاني أَنه قَالَ فِي حَقه هُوَ جَوْهَرَة جَاءَت إِلَى الْوُجُود وَذَهَبت
وَعَن الشَّيْخ فتح الدّين بن سيد النَّاس أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد كَانَ يَقُول فِي حَقه هُوَ فِي حيرة
قَالَ الصّلاح الصَّفَدِي وَهَذَا أحسن مَا يُقَال فِي أمره لِأَنَّهُ قَالَ
(خلق النَّاس للبقاء فَضلَّتْ ... أمُةٌ يَحسبونهمْ لِلنفاد)
(إِنَّمَا يُنقلونَ من دَار أَعمال ... إِلَى دَار شقوة أَو رشاد) // الْخَفِيف //
ثمَّ قَالَ
(ضَحكنا وَكَانَ الضِّحك مِنا سفاهةً ... وحقَّ لِسكانِ البسيطةِ أَن يَبكوا)
(تُحطِّمنا الأيامُ حتىَّ كأنَّنا ... زُجاج ولكنّ لَا يُعادُ لناسبك) // الطَّوِيل //
وَهَذِه الْأَشْيَاء كَثِيرَة فِي كَلَامه وَهُوَ تنَاقض مِنْهُ وإِلى الله ترجع الْأُمُور
قَالَ السلَفِي وَمِمَّا يدل على صِحَة عقيدته مَا سَمِعت الْحَافِظ الْخَطِيب حَامِد ابْن بختيار النميري يحدث بالسمسمانية مَدِينَة بالخابور قَالَ سَمِعت القَاضِي أَبَا الْمُهَذّب عبد الْمُنعم بن أَحْمد السرُوجِي يَقُول سَمِعت أخي القَاضِي أَبَا الْفَتْح يَقُول دخلت على أبي الْعَلَاء التنوخي بالمعرة ذَات يَوْم فِي وَقت خلْوَة بِغَيْر علم مِنْهُ وَكنت أتردد إِلَيْهِ وأقرأ عَلَيْهِ فَسَمعته ينشد من قيلة
(كم بُودرتْ غادةٌ كعَابٌ ... وَعمِّرَتْ أمُّها الْعجوزُ)
(1/140)

(أحْرَزها الوَالدانِ خَوفاً ... والقبرُ حِرزٌ لَهَا حريز)
(يَجوزُ أنْ تُبْطئَ المنايا ... وَالْخُلْد فِي الدّهرِ لَا يَجوزُ) // من مخلع الْبَسِيط //
ثمَّ تأوه مَرَّات وتلا إِن فِي ذَلِك لآيَة لمن خَافَ عَذَاب الْآخِرَة ذَلِك يَوْم مَجْمُوع لَهُ النَّاس وَذَلِكَ يَوْم مشهود وَمَا نؤخره إِلَّا لأجل مَعْدُود يَوْم يَأْتِي لَا تكلم نفس إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمنهمْ شقي وَسَعِيد ثمَّ صَاح وَبكى بكاء شَدِيدا وَطرح وَجهه وَقَالَ سُبْحَانَ من تكلم بِهَذَا فِي الْقدَم سُبْحَانَ من هَذَا كَلَامه فَصَبَرت سَاعَة ثمَّ سلمت عَلَيْهِ فَرد عَليّ وَقَالَ مَتى أتيت فَقلت السَّاعَة ثمَّ قلت يَا سَيِّدي أرى فِي وَجهك أثر غيظ فَقَالَ لَا يَا أَبَا الْفَتْح بل أنشدت شَيْئا من كَلَام الْمَخْلُوق وتلوت شَيْئا من كَلَام الْخَالِق فلحقني مَا ترى فتحققت صِحَة دينه وَقُوَّة يقينه
وَقَالَ السلَفِي أَيْضا سَمِعت أَبَا المكارم بأبهر وَكَانَ من أَفْرَاد الزَّمَان ثِقَة مالكي الْمَذْهَب قَالَ لما توفّي أَبُو الْعَلَاء اجْتمع على قَبره ثَمَانُون شَاعِرًا وَختم عِنْد قَبره فِي أُسْبُوع وَاحِد مِائَتَا ختمة
وَعَن أبي الْيُسْر المعري أَن أَبَا الْعَلَاء كَانَ يرْمى من أهل الْحَسَد لَهُ بالتعطيل وَيعْمل تلامذته وَغَيرهم على لِسَانه الْأَشْعَار يضمنونها أقاويل الملحدة قصدا لهلاكه وإيثاراً لإتلاف نَفسه وَفِي ذَلِك يَقُول
(حاوَلَ إهوانيَ قَوْمٌ فَمَا ... وَاجَهتْهُمْ إِلَّا بأهْوَان)
(يحرّشوني بِسعَاياتِهمْ ... فَغَيَّروا نِيَّة إِخوانِي)
(لوِ اسْتطاعوا الوَشَوْا بِي إِلَى المرِّيخِ والشهب وكيوان ... ) // السَّرِيع //

قَالَ الصّلاح الصَّفَدِي أما الْمَوْضُوع على لِسَانه فَلَعَلَّهُ لَا يخفى على ذِي لب وَأما الْأَشْيَاء الَّتِي دونهَا وَقَالَهَا فِي لُزُوم مَا يلْزم وَفِي اسْتغْفر واستغفري فَمَا فِيهِ حِيلَة وَهُوَ كثير من القَوْل بالتعطيل واستخفافه بالنبوات وَيحْتَمل أَنه أرعوي
(1/141)

وَتَابَ بعد ذَلِك كُله وَكَانَ أكله العدس وحلاوته التِّين ولباسه الْقطن وفراشه اللباد وحصيره برديه وتصانيفه كَثِيرَة جدا وشعره كثير إِلَى الْغَايَة وَأحسنه سقط الزند
وَمن نظمه فِي الْغَزل
(يَا ظَبْيَة عَلِقَتْني فِي تصيدها ... أشراكُها وَهِي لم تعلق بأشراكي)
(رَعيتِ قَلبي ومَا رَاعيِت حُرمتهُ ... فَلِمْ رَعيتِ ومَا رَاعيت مَرعاكِ)
(أتحرقينَ فُؤاداً قَدْ حَللتِ بهِ ... بِنار حُبكِ عمدا وَهْوَ مأواكِ)
(أسكنتهِ حَيثْ لمْ يَسكنْ بهِ سَكنٌ ... وَليسَ يحسنُ أنْ تَسخَيْ بِسكناكِ)
(مَا بالُ دَاعي غَرامي حِينَ يأمُرني ... بأنْ أكابدَ حُرَّ الْوجِد يَنهاكِ)
(وَكم غدَا الْقلبُ ذَا يأسٍ وَذَا طَمع ... يَرجوكِ أنْ تَرحميهِ وَهْوَ يخشاك) // الْبَسِيط //
وَمن شعره قَوْله
(إِلَى الله أَشْكُو أنني كلَّ لَيلةٍ ... إذَا نِمتُ لمْ أعْدم خَواطرَ أوْهامِ)
(فإِن كانَ شَرّاً فَهوَ لاَ شَكَّ وَاقعٌ ... وإنْ كانَ خَيراً فَهوَ أَضغاثُ أَحْلَام) // الطَّوِيل //
وَمِنْه قَوْله
(اضربْ وَليدكَ تَأديباً على رَشدٍ ... ولاَ تَقُلْ هُوَ طِفلٌ غيرُ مُحتلم)
(فَربَّ شقّ برأَسٍ جَرْ مَنْفَعَة ... وَقسْ على شِقِّ رأسِ السَّهم والقلم) // الْبَسِيط //
وَمن شعره وَقد أهْدى كتابا من تصانيفه
(قَبولُ الْهَدَايَا سُنةٌ مستحبةٌ ... إِذَا هِيَ لمْ تَسلكْ طَريقَ تحابي)
(ومَا أَنا إلاَّ قَطرةٌ منْ سَحابةٍ ... وَلو أنني صنَّفتُ ألفَ كِتابِ) // الطَّوِيل //
وَمن شعره المؤاخذ بِهِ قَوْله
(إِذا مَا ذَكرنا آدما وفِعالهُ ... وَتزْويجَهُ بنتيه لابْنَيْهِ فِي الخَنا)
(1/142)

(عَلمنا بأنَّ الخَلقَ مِنْ نَسل فاجرٍ ... وَأنَّ جَميعَ الخَلق منْ عُنصر الزِّنى) // الطَّوِيل //
فَأَجَابَهُ القَاضِي أَبُو مُحَمَّد الْحسن اليمني بقوله
(لَعَمْرِيَ أمَّا فِيكَ فالْقولُ صَادقٌ ... وتَكذبُ فِي الباقِينَ منْ شَطَّ أَوْدنا)
(كَذلكَ إِقرارُ الْفَتى لاَزمٌ لَهُ ... وَفي غَيرهِ لَغْوٌ كَذا جَاءَ شرعنا) // الطَّوِيل //
وَمِنْه قَوْله
(يدٌ بِخمْس مِئينَ عَسجدٍ وُدِيَتْ ... مَا بالُهَا قُطعتْ فِي رُبعِ دِينارِ)
(تَحكُّمٌ مَا لنا إِلَّا السَّكوتُ لهُ ... وَأنْ نَعُوذ بِمولانا منَ النَّار) // الْبَسِيط //
فَأَجَابَهُ علم الدّين السخاوي بقوله
(عِزُّ الأمانةِ أغْلاها وَأرْخصها ... ذُلُّ الخِيانةِ فافْهمْ حِكمةَ الْباري) // الْبَسِيط //
وَمِنْه قَوْله
(هَفت الحنيفةُ وَالنّصارى مَا اهْتدتْ ... وَمجوسُ حارتْ وَاليهودُ مُضَللَّه)
(اثْنَان أهل الأَرْض ذُو عَقلٍ بلَا ... دينٍ وَآخرُ دَيِّنٌ لاَ عَقل لهْ) // الْكَامِل //
فَقَالَ ذُو الْفَضَائِل الاخسيكتي راداً عَلَيْهِ
(الدِّين آخذهُ وَتاركهُ ... لمْ يَخفَ رُشدُهما وَغيهما)
(اثْنَانِ أهْلُ الأَرْض قُلتَ فَقلْ ... يَا شَيخَ سُوءٍ أَنْت أَيهمَا) // الْكَامِل //
وَمِنْه أَيْضا قَوْله
(دِينٌ وَكفرٌ وأنْباء تقال وفرقان ... يُنصُّ وَتوراة وَإنجيلُ)
(فِي كل جِيلٍ أباطيلٌ يُدَان بهَا ... فَهلْ تَفردَ يَوْماً بِالْهدى جيل) // الْبَسِيط //
فَأَجَابَهُ شيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ الذَّهَبِيّ بقوله
(نعمْ أَبُو القاسمِ الْهَادِي وأمتُهُ ... فَزَادكَ الله ذُلاًّ يَا دُجَيْجِيلُ) // الْبَسِيط //
(1/143)

وَمِنْه أَيْضا قَوْله وَهُوَ الطامة الْكُبْرَى
(قِرانُ المُشتري زُحَلاً يُرَجىّ ... لإيقاظ النَّواظرِ مِن كرَاها)
(تَقَضَّي النَّاس حيلا بعد جيل ... وخلقت النجومُ كَمَا تَرَاها)
(تَقدمَ صاحبُ التوراةِ مُوسَى ... وأوقعَ فِي الخسارِ مَنِ اقْتراها)
(فقالَ رِجالهُ وحْيٌ أتاهُ ... وقالَ الآخرونَ بلِ افتراها)
(ومَا حَجِّي إِلى أَحْجَار بَيت ... كؤوس الْحمر تُشربُ فِي ذَراهَا)
(إِذا رَجعَ الحكيمُ إِلَى حِجاهُ ... تَهاوَن بالشرائع وازدراها) // الوافر //
لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم اللَّهُمَّ إِنِّي أستغفرك من نَظِير هَذِه الأباطيل الَّتِي تشمئز مِنْهَا الْقُلُوب وتنفر عَنْهَا الخواطر وَأَسْأَلك التَّوْفِيق لي ولسائر الْمُسلمين
وَمن جيد شعره قَوْله
(رَدَدْتُ إِلَى مليك الْخلق أَمْرِي ... فَلم أسألْ مَتى يقعُ الكسوفُ)
) وَكم سلم الجهولُ مِنَ المُنايا ... وعُوجِلَ بالحِمامِ الفيلسوفُ) // الوافر //
وَهُوَ أَخذه من قَول أبي الطّيب المتنبي
(يَموتُ راعي الضأنِ فِي جهلِه ... ميتةَ جالينوسَ فِي طِبِّهِ)
(ورُبَّما زَادَ على عُمْرِهِ ... وَزَاد فِي الأمْنِ على سِربِهِ) // السَّرِيع //
وَقد تلاعب الشُّعَرَاء بهجائه وَمِمَّنْ هجاه أَبُو جَعْفَر البجائي الزوزني بقصيدة أَولهَا
(كلبٌ عَوَى بِمَعرَّةِ النعمانِ ... لما خلا عَنْ ربقةِ الإيمانِ)
(أمَعرةَ النُّعمانِ مَا انْجبتِ إذْ ... أخْرجْتِ مِنْكِ مَعرةَ العُميانِ) // الْكَامِل //
وقصته مَعَ وَزِير مَحْمُود بن صَالح صَاحب حلب شهيرة فَلَا حَاجَة إِلَى التَّطْوِيل بذكرها
وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة ثَالِث وَقيل ثَانِي شهر ربيع الأول وَقيل ثَالِث عشره سنة تسع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة
قَالَ ابْن غرس النِّعْمَة وأذكر عِنْد وُرُود الْخَبَر بِمَوْتِهِ وَقد تَذَاكرنَا إلحاده ومعنا غُلَام يعرف بَابي غَالب بن نَبهَان من أهل الْخَيْر والعفة فَلَمَّا كَانَ من الْغَد حكى لنا قَالَ رَأَيْت فِي مَنَامِي البارحة شَيخا ضريرا وعَلى عَاتِقه أفعيان متدليان إِلَى فخديه وكل مِنْهُمَا يرفع فَمه إِلَى وَجهه فَيقطع مِنْهُ لَحْمًا يزدرده وَهُوَ يستغيث فَقلت وَقد هالني من هَذَا فَقيل لي هَذَا المعري الملحد
وَقَالَ القفطي أتيت قَبره سنة خمسين وسِتمِائَة فَإِذا هُوَ فِي ساحة فِي دور أَهله وَعَلِيهِ بَاب فَدخلت فَإِذا الْقَبْر لَا احتفال بِهِ وَرَأَيْت عَلَيْهِ خبازى يابسة والموضع على غَايَة مَا يكون من الشعث والإهمال
قَالَ الذَّهَبِيّ وَقد رَأَيْت أَنا قَبره بعد مائَة سنة من رُؤْيَة القفطي فَرَأَيْت نَحوا مِمَّا حكى انْتهى
وَقَالَ إِنَّه أوصى أَن يكْتب على قَبره
(هَذَا جناه أبي عَليّ وَمَا جنيت على أحد ... ) // من مجزوء الْكَامِل //
وَهُوَ أَيْضا مُتَعَلق باعتقاد الْحُكَمَاء فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِيجَاد الْوَلَد وإخراجه إِلَى الْعَالم جِنَايَة عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يعرض للحوادث والآفات وَالله تَعَالَى أعلم بأَمْره
24 - (مَا كلُّ مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكُهُ ... )
قَائِله المتنبي من قصيدة من الْبَسِيط يمدح بهَا كافوراً الأخشيدي صَاحب مصر وَلم ينشدها لَهُ وَكَانَ اتَّصل بِهِ أَن قوما نعوه فِي مجْلِس سيف الدولة وأولها
(بِمَ التعّللُ لَا أهلٌ وَلَا وطنُ ... وَلَا نديمٌ وَلَا كأسٌ وَلَا سكنُ)
(1/144)

(أريدُ من زَمني ذَا أَن يبلغَني ... مَا ليسَ يبلغُهُ فِي نَفسه الزمنُ)
(لَا تلقَ دهرَكَ إِلَّا غيرَ مكترثٍ ... مَا دَامَ يَصْحَبُ فِيهِ رُوحَكَ البدنُ)
(فَمَا يدومُ سرورُ مَا سُرِرْتَ بِهِ ... وَلَا يَرُدُّ عليكَ الفائتَ الحزَنُ)
(مِمَّا أضرَّ بِأَهْل العشقِ أنهمُ ... هَوَوْا وَمَا عرَفوا الدُّنْيَا وَمَا فطِنوا)
(تفني عيونُهُم دمعاً وأنفُسُهم ... فِي إثِر كلِّ قَبِيح وجهُه حسَنُ)
(تحمّلوا حملتكم كل ناجيةٍ ... فكلٌّ بَيْنٍ عليّ اليومَ مؤتمنُ)
(مَا فِي هَوادجكم من مُهجتِي عِوَض ... إِن مُتُّ شوقاً وَلَا فِيهَا لَهَا ثمنُ)
(يَا من نُعِيتُ على بعدٍ بمجلسه ... كلٌّ بِما زعم الناعوْنَ مرتَهَنُ)
(كم قد قُتِلت وَكم قد مت عنْدكُمْ ... ثمَّ انتفضت فَزَالَ الْقَبْر والكفنُ)
(قد كَانَ شاهَدَ دفني قبل قَوْلهم ... جماعةٌ ثمَّ مَاتُوا قبل مَنْ دَفنوا)
(مَا كل مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكهُ ... تَجري الرِّياحُ بِما لَا تشْتَهي السفنُ) // الْبَسِيط //
وَهِي طَوِيلَة بديعة
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت أَن كل إِذا تَأَخَّرت عَن أَدَاة النَّفْي سَوَاء كَانَت معمولة لَهَا أَولا وَسَوَاء كَانَ الْخَبَر فعلا كَمَا فِي الْبَيْت أَو غير فعل توجه النَّفْي إِلَى الشُّمُول خَاصَّة لَا إِلَى اصل الْفِعْل وَأفَاد الْكَلَام ثُبُوت الْفِعْل أَو الْوَصْف لبَعض مَا أضيف إِلَيْهِ كل إِن كَانَت فِي الْمَعْنى فَاعِلا للْفِعْل أَو الْوَصْف الَّذِي حمل عَلَيْهَا أَو عمل فِيهَا أَو تعلق الْفِعْل أَو الْوَصْف بِبَعْض إِن كَانَت كل فِي الْمَعْنى مَفْعُولا للْفِعْل أَو الْوَصْف الْمَحْمُول عَلَيْهَا أَو الْعَامِل فِيهَا
وَمعنى شطر الْبَيْت مَأْخُوذ من قَول طرفَة بن العَبْد الْبكْرِيّ
(فيا لَك من ذِي حاجةٍ حِيلَ دونهَا ... وَمَا كل مَا يهوى امْرُؤ هُوَ نائله) // الطَّوِيل //
وَقد أَخذه بَعضهم وَضَمنَهُ فِي قصيدة مدح بهَا يزِيد بن حَاتِم فَخرج إِلَيْهِ وَهُوَ بِمصْر ليَأْخُذ جائزته فَوَجَدَهُ قد مَاتَ فَقَالَ
(1/146)

(لَئن مِصرُ فاتتني بِمَا كنتُ أرتجي ... وأخلفني مِنْهَا الَّذِي كنت آمل)
(فيالك مِنْ ذِي حاجةٍ حيل دونهَا ... وَمَا كل مَا يهوى امرُؤ هُوَ نائِل)
(وَمَا كَانَ بَيني لوْ لَقيتُكَ سالما ... وبينَ الغِنى إِلَّا لَيَال قَلَائِل) // الطَّوِيل //
وَهَذَا الْبَيْت بِعَيْنِه للحطيئة فِي عَلْقَمَة بن علاثة وَالظَّاهِر أَنه ضمنه أَيْضا
وَقد تقدم ذكر أبي الطّيب المتنبي فِي شَوَاهِد الْمُقدمَة
25 - (قد أَصبَحت أم الْخِيَار تَدعِي ... عَليّ ذَنبا كُله لم أصنع)
الْبَيْت لأبي النَّجْم الْعجلِيّ الْمُتَقَدّم ذكره وَهُوَ أول أرجوزته السَّابِقَة وَأم الْخِيَار هَذِه زَوجته
وَالشَّاهِد فِيهِ أَن كل إِذا تقدّمت على النَّفْي لفظا وَلم تقع معمولة للْفِعْل الْمَنْفِيّ عبد علم النَّفْي كل فَرد مِمَّا أضيف إِلَيْهِ كل وَأفَاد نفي أصل الْفِعْل عَن كل فَرد وَمن ثمَّ أَتَى بِكُل مَرْفُوعَة عادلاً عَن نصبها الْغَيْر الْمُحْتَاج إِلَى تَقْدِير ضمير لِأَنَّهُ لَا يُفِيد نفي عُمُوم مَا ادَّعَتْهُ أم الْخِيَار عَلَيْهِ وَالله أعلم
26 - (كم عَاقل عَاقل أعْيتْ مذاهبهُ ... وجاهل جَاهِل تلقاهُ مَرْزوقا)
(هَذَا الَّذِي تركَ الأوهامَ حائرةً ... وصَّبر الْعَالم النِّحريرَ زِنديقاً)
البيتان لِابْنِ الراوندي من الْبَسِيط وقبلهما
(1/147)

(سُبحان مَنْ وضع الْأَشْيَاء مَوضِعَها ... وفَرقَ العزَّ والإذْلال تفريقا) // الْبَسِيط //
وعاقل الثَّانِي صفة لعاقل الأول بِمَعْنى كَامِل الْعقل متناهٍ فِيهِ كَمَا يُقَال مَرَرْت بِرَجُل رجل أَي كَامِل فِي الرجولية وَمعنى أعيت مذاهبه أَعْجَزته وصعبت عَلَيْهِ طرق معايشه والنحرير بِكَسْر النُّون الحاذق الماهر الْعَاقِل المجرب المتقن الفطن الْبَصِير بِكُل شَيْء لِأَنَّهُ ينْحَر الْعلم نحراً والزنديق بِكَسْر الزَّاي من الثنوية أَو الْقَائِل بِالنورِ والظلمة أَو من لَا يُؤمن بِالآخِرَة وبالربوبية أَو من يبطن الْكفْر وَيظْهر الْإِيمَان أَو هُوَ مُعرب زن دين أَي دين الْمَرْأَة
وَالشَّاهِد فِيهِ وضع الْمظهر الَّذِي هُوَ اسْم الْإِشَارَة مَوضِع الْمُضمر لكَمَال الْعِنَايَة بتمييز الْمسند إِلَيْهِ لاختصاصه بِحكم بديع عَجِيب الشَّأْن وَهُوَ هُنَا جعل الأوهام حاثرة والعالم المتقن زنديقاً
وَمَا أحسن قَول الْغَزِّي فِي معنى الْبَيْتَيْنِ
(كم عَالم لم يلج بالقرع بَاب منى ... وجاهل قبل قرع الْبَاب قد ولجا) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول الْحَكِيم أبي بكر الخسروي السَّرخسِيّ وَهُوَ كالرد على قَول ابْن الراوندي
(عجبت من ربّي وربي حَكِيم ... أَن يَحرِم الْعَاقِل فضل النعيمْ)
(مَا ظلَم الْبَارِي وَلكنه ... أَرَادَ أَن يُظْهِرَ عجز الْحَكِيم) // السَّرِيع //
وَقَول أبي الطّيب غَايَة فِي هَذَا الْبَاب وَهُوَ
(وَمَا الْجمع بَين المَاء وَالنَّار فِي يدٍ ... بأصْعَبَ من أَن أجمع الجدّ والفهما) // الطَّوِيل //
وَهُوَ ينظر إِلَى قَول أبي تَمام
(وَلم يجْتَمع شَرق وَغرب لقاصدٍ ... وَلَا الْمجد فِي كف امْرِئ وَالدَّرَاهِم) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول أبي تَمام أَيْضا
(ينَال الْفَتى من دهره وَهْوَ جاهلٌ ... ويُكْدِي الْفَتى من دهره وَهُوَ عَالم)
(1/148)

(وَلَو كَانَت الأرزاق تَأتي على الحِجَا ... إذَنْ هلكتْ من جهلهن الْبَهَائِم) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول أبي الْخَيْر الْمروزِي الضَّرِير
(تنافى العقلُ والمالُ ... فَمَا بَينهمَا شكلُ)
(هما كالورد والنرجس لَا يحويهما فصل ... )
(فعقلٌ حَيْثُ لَا مالٌ ... ومالٌ حَيْثُ لَا عقل) // الهزج //
وَمثله قَول أبي إِسْحَاق الصابي
(إِذا جَمَعتْ بَين امرأيْنِ صِناعَةٌ ... فأحببتَ أَن تَدْرِي الَّذِي هُوَ أحْذَقُ)
(فَلَا تَتَفقَّدْ مِنْهُمَا غيرَ مَا جَرَتْ ... بِهِ لهُما الأرزاق حِين تُفَرَّقُ)
(فحيثُ يكون الجَهلُ فالرزق واسِعٌ ... وحيثُ يكونُ الْعلم فالرزق ضيق) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول عبد الْجَلِيل بن وهبون المرسي
(يَعِزُّ عَليّ العَلياءِ أنيَ خَاملٌ ... وَأَن أبصَرَت مني خُمُودَ شِهابي)
(وَحيثُ ترى زَندَ النجابةِ وارِياً ... فَثَمَّ ترى زند السَّعَادَة كابي) // الطَّوِيل //
ولطيف قَول بَعضهم أَيْضا
(كم من غَبّيٍ غَنيٌ ... وَمن فَقيهٍ فَقير) // المجتث //
وبديع قَول أبي بكر بن مُحَمَّد الْمَازِني
(ثنْتَانِ من سِيَرِ الزَّمَان تحيرتْ ... لهُما عُقُول ذَوي التَّفلُسفِ وَالنَّهْي)
(مُثْرٍ مِن الْأَمْوَال مَبخوس الحِجا ... ومُوفَّر الآدابِ منقُوص الْغنى) // الْكَامِل //
وَمَا أحسن قَول ابْن لنكك
(فعاقل مَا تُبَلُّ أنملُهُ ... وجاهلٌ باليدين يغترف) // المنسرح //
وَقَول الآخر
(1/149)

(زمَان تَحيرتُ فِي أمره ... كثيرُ التَّعدي على حُرهِ)
(فَللوغْدِ مَا شِئْت من نَفعهِ ... وللحُر مَا شِئْت من ضُرهِ)
(وأعجبُ مَا فِي تصاريفه ... صيالُ البعوضِ على صقره) // المتقارب //
وَقَول الآخر
(وَغْدٌ لَهُ نِعمةٌ مُؤثَّلة ... وَسَيدٌ لإَ يزَال يقترض) // المنسرح //
ومدار ذَلِك جَمِيعه على الْحَظ وَعَدَمه وَمَا أحسن قَول ابْن الْخياط الدِّمَشْقِي فِيهِ أَيْضا
(وَما زَالَ شُؤمُ الحْظِّ منْ كلِّ طَالبٍ ... كَفيلاً بِبعدِ المْطلبِ المْتَدَاني)
(وَقد يُحرَمُ الجَلْدُ الحَريصُ مَرامهُ ... وَيُعطَى مُناهُ الْعَاجِز المتواني) // الطَّوِيل //
وَقَول الآخر
(قَد يُرزقُ المْرءُ لَا مِنْ حُسنِ حِيلتهِ ... وَيُصرَف المَال عَنْ ذِي الحيلةِ الداهي) // الْبَسِيط //
وَقَول الآخر
(إِن الْمَقَادِير إِذا ساعدت ... ألحقت الْعَاجِز بالقادر) // السَّرِيع //
وَمَا أحسن قَول عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر
(يَا مِحْنَةَ الدَّهْر كُفِّي ... إِنْ لَمْ تكُفِّي فخفيِّ)
(مَا آنَ أَنْ تَرحَمِينَا ... مِنْ طول هَذَا التَّشفّي)
(فَلَا عُلومِيَ تُجْدِي ... ولاَ صناعَة كفيِّ)
(ثَورٌ ينَال الثريَّا ... وعَالِمٌ متحفيِّ)
(ذَهَبْتُ أطلبُ بخْتِي ... فَقيل لي قد توفّي) // المجتث //
وَمن الغايات فِي هَذَا الْبَاب قَول الإِمَام الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى
(لَوْ أنَّ بالحيلِ الْغَنِيّ لوجدتنيِ ... بنجومِ أفلاكِ السَّمَاء تعلُّقي)
(لكنَّ من رُزِق الحجا حُرِمَ الْغنى ... ضدّان مفترقان أَي تفرُّق)
(1/150)

(فَإِذا سمعتَ بأنَّ محروماً أَتَى ... مَاء ليشربه فغاضَ فصدِّق)
(أَو أنّ محظوظاً غَدا فِي كَفه ... عُودٌ فأورَقَ فِي يَدَيْهِ فحقِّقِ)
(ومنَ الدَّلِيل على الْقَضَاء وَكَونه ... بُؤسُ اللبيب وطيبُ عَيْش الأحمق) // الْكَامِل //
ولبعضهم فِي مَعْنَاهُ
(لَو وردتُ البحارَ أطلبُ مَاء ... جفَّ عِنْد الْوُرُود ماءُ البحارِ)
(أَو رُمى باسميَ النجومُ الدراري ... لانزوى ضؤوها عَن الْأَبْصَار)
(أَو لمستُ العودَ النضيرَ بكفي ... لذَوي بعدَ نعمةٍ واخضرارِ)
(وَلَو أَنِّي بعتُ القناديلَ يَوْمًا ... أُدْغمَ الليلُ فِي بياضِ النهارِ) // الْخَفِيف //
وَمثله قَول بَعضهم
(وَلما لمستُ الرزق فانجد حبلهُ ... وَلم يصفْ لي من بحره العذب مشربُ)
(خطبت إِلَى الإعدام إِحْدَى بَنَاته ... فزّجنيها الفقرُ إِذْ جئتُ أخطبُ) فأولدتها الحزنَ الشقيّ فمالهُ ... على الأَرْض غَيْرِي والدٌ حِين ينسبُ)
(فَلَو تهتُ فِي الْبَيْدَاء والليلُ مسبلٌ ... عليّ جناحيه لما لَاحَ كوكبُ)
(وَلو خفتُ شِراً فاستترتُ بظلمةٍ ... لأقبلَ ضوءُ الشَّمْس من حَيْثُ تغربُ)
(وَلو جادَ إنسانٌ عليّ بِدرهمٍ ... لَرُحْتُ إِلَى رحلي وَفِي الْكَفّ عقربُ)
(وَلو يُمْطَر الناسُ الدَّنَانِير لم يكنْ ... بشيءٍ سوى الْحَصْبَاء رأسيَ يُحْصَبُ)
(وَإِن يَقْترف ذَنبا ببرقةً مذنبٌ ... فإنَّ برأسي ذَلِك الذنبَ يُعْصَبُ)
(وَإِن أرَ خيرا فِي الْمَنَام فنازحٌ ... وَإِن أرَ شرا فَهْوَ مِنِّي مقرَّبُ)
(أَمَامِي من الحرمان جيشٌ عرمرمٌ ... وَمِنْه ورائي جحفل حينَ أركب) // الطَّوِيل //
وَقَول الآخر
(وَلَو ركبتُ البحارَ صَارَت فجاجاً ... لَا ترَى فِي متونها أمواجَا)
(وَلَو أَنِّي وضعتُ ياقوتةً حَمْرَاء فِي راحتي لَصَارَتْ زجاجّاً ... )
(1/151)

(وَلَو أَنِّي وردْتُ عذباً فراتاً ... عَاد لاَ شكَّ فِيهِ ملحا أجاجا) // الْخَفِيف //
وَمَا أحسن قَول أبي الْأسود الدؤَلِي
(الْمَرْء يحمد سَعْيه من جده ... حَتَّى يُزَيَّن بِالَّذِي لم يَعملِ)
(وَترى الشقي إِذا تكامَلَ جده ... يَرْمِي ويقذفُ بِالَّذِي لم يفعل) // الْكَامِل //
وبديع قَول أبي الْعَلَاء المعري
(سيطلبني رِزْقِي الَّذِي لَو طلبتهُ ... لما زَاد وَالدُّنْيَا حظوظ وإقبالُ)
(إِذا صدقَ الجدُّ افترى العمُّ للفتى ... مَكَارِم لَا تكري وَإِن كذب الْخَال) // الطَّوِيل //
الْجد هُنَا الْحَظ وَالْعم الْجَمَاعَة وتكرى من كرى الزَّاد إِذا نقص افترى كذب وَالْخَال المخيلة
وظريف هُنَا قَول ابْن شرف القيرواني
(إِذا صحبَ الْفَتى سعدٌ وجَدٌّ ... تحامته المكاره والخطوبُ)
(ووافاه الحبيب بغيرِ وعدٍ ... طُفيْليّاً وقادَ لَهُ الرقيبُ)
(وعدّ النَّاس ضرطته غناء ... وَقَالُوا إِن فسا قد فاح طيب) // الوافر //
وَقد أَخذه ابْن النَّقِيب فَقَالَ
(لَو لَحَنَ الْمُوسر فِي مجْلِس ... لقيل عَنهُ إِنَّه يُعْرب)
(وَلَو فَسا يَوْمًا لقالوا لَهُ ... من أينَ هَذَا النَّفَسُ الطّيب) // السَّرِيع //
وَقَول أبي الْعَلَاء المعري غَايَة هُنَا وَهُوَ
(لَا تطلبنّ بآلةٍ لَك رُتْبَة ... قلم البليغ بغيرِ حَظٍ مغزل)
(سكن السما كَانَ السَّمَاء كِلَاهُمَا ... هَذَا لَهُ رمحٌ وَهَذَا أعزل) // الْكَامِل //
وَقد أَخذ أَبُو إِسْحَاق الْغَزِّي هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ
(الْحسن والقبح قد تحويهما صفةٌ ... شان الْبيَاض وزان الشيب والشنبا)
(1/152)

(ظُبّا الْمُحَارَفِ أقلامٌ مكسرةٌ ... رؤوسهنّ وَأَقْلَام السعيد ظبا) // الْبَسِيط //
وَله أَيْضا
(لَا تعتبنّ الزَّمَان إِن ذهبت ... نيوب لَيْث العَرين منْ نُوَبه)
(فالحول لَوْلَا الجدود مَا قصرت ... أيْدِي جُمَاداه عَن عُلا رجبه) // المنسرح //
وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى الصّلاح الصَّفَدِي فَقَالَ
(لئنْ رُحْتُ مَعْ فضلي منَ الْحَظ خَالِيا ... وغيرِي على نقض بِهِ قد غَدا حَالي)
(فَإِنِّي كشهر الصَّوْم أصبح عاطلاً ... وطَوْقُ هِلَال الْعِيد فِي جيد شَوَّال) // الطَّوِيل //
بل رُبمَا أَخذه من قَول ابْن قلاقس فَإِنَّهُ أصرح مِنْهُ حَيْثُ قَالَ
(إِن تأخَّرْتُ فالمحرم عطل ... من حُلي العيدِ وَهِي فِي شَوَّال) // الْخَفِيف //
وَقَالَ ابْن قلاقس أَيْضا
(لَوْلَا الجُدودُ لما نمت لمسافر ... كفُّ الغنَى وتَعلقت بمقُيم)
(والحظُّ حَتَّى فِي الحُروف مُؤثر ... يُختصُّ بالترقيق والتفخيم) // الْكَامِل //
وَقَالَ مهيار الديلمي
(لَا تْحسَبِ الهمَّةَ العَلياءَ موجِبةً ... رزقا على قِسمةِ الأرزاق لم يجب)
(لَو كانَ أفضَلُ مَا فِي النَّاس أسْعَدَهم ... مَا انحطَّتِ الشَّمْس عَن عالٍ من الشهب)
(أَو كَانَ أيسرُ مَا فِي الْأُفق أسلَمَه ... دامَ الهلالُ فَلم يُمحق وَلم يغب) // الْبَسِيط //
وَقَالَ الطغرائي
(وأعْظَم مَا بِي أنَّني بِفضائلي ... حُرمتُ وَمَالِي غَيرهنَّ ذَرَائع)
(إِذا لم يزدني مَوردِي غَيْرَ عِلَّةٍ ... فَلا صَدَرتْ بالوارِدين مَشارِعُ) // الطَّوِيل //
(1/153)

وَقَالَ القَاضِي الْفَاضِل
(مَا ضَر جَهلُ الجاهلينَ وَلَا انْتفعتُ أَنا بحِذْقي ... )
(وزيادتي فِي الحِذقِ فَهْيَ زيادةٌ فِي نقص رِزْقِي ... ) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقَالَ ابْن دانيال
(قد عَقلنا والعقْلُ أيُّ وثاقِ ... وصَبرنا والصَّبر مُرُّ المذَاقِ)
(كل من كانَ فاضِلاً كَانَ مثلي ... فَاضلا عندَ قسْمَة الأرزاق) // الْخَفِيف //
وَقَالَ ابْن عنين
(كأنِّي فِي الزَّمَان اسْم صَحيحٌ ... جَرى فَتحكمت فيهِ العواملْ)
(مَزيدٌ فِي بَنِيهِ كواو عَمْرو ... ومُلْغَي الْحَظ فِيهِ كِرَاء وَاصل) // الوافر //
وَقَالَ السراج الْوراق
(يمنَعُنْي باخِلٌ وسمحٌ ... وليسَ لي مِنْهُمَا نَصير)
(وغايتي أَن ألومَ حظي ... وحظَّيَ الْحَائِط الْقصير) // من مخلع الْبَسِيط //
وَقَالَ ابْن سناء الْملك
(وربَّ مليحٍ لَا يُحَبُّ وضدُّه ... تُقَبَّلُ مِنْهُ العَينُ والخد والفُم)
(هوَ الجَدُّ خُذْهُ إِن أردتَ مَسلماً ... وَلَا تَطلب التعليلَ فالأمرُ مُبهم) // الطَّوِيل //
وَمَا أرشق قَول ابْن رَشِيق
(أشْقى لعَقلك أَن يكون أدِيباً ... أَو أَن يرى فِيكَ الوَرى تهذيبا)
(مَا دمتَ مستويا فغعلك كلُّه ... عِوَجٌ وَإِن أخطأتَ كنت مصيبا)
(1/154)

(كالنَّقشِ لَيسَ يصحُّ معنى خَتمه ... حَتَّى يكونَ بناؤُهُ مَقلوبَا) // الْكَامِل //
وَمَا ألطف قَول السراج الْوراق
(الباءُ والخَاءُ من بخْتي قد اقترَنا ... بالباءِ والخاءِ من بخلٍ لإنْسانِ)
(واللامُ والتاءُ من هَذَا وَذاكَ هما ... لتَّ المسائلِ عَن أسبابِ حرماني) // الْبَسِيط //
وَهَذَا الْبَاب وَاسع جدا والاختصار فِيهِ أولى
وَابْن الراوندي هُوَ أَحْمد بن يحيى بن إِسْحَاق أَبُو الْحُسَيْن من أهل مرو الروذ وراوند بِفَتْح الرَّاء وَالْوَاو بَينهمَا ألف وَسُكُون النُّون وَبعدهَا دَال مُهْملَة قَرْيَة من قرى قاسان بِالسِّين الْمُهْملَة بنواحي أَصْبَهَان وَهِي غير قاشان الَّتِي بِالْمُعْجَمَةِ الْمُجَاورَة لقم سكن الْمَذْكُور بَغْدَاد وَكَانَ من متكلي الْمُعْتَزلَة ثمَّ فارقهم وَصَارَ ملحداً زنديقاً وَقَالَ القَاضِي أَبُو عَليّ التنوخي كَانَ أَبُو الْحُسَيْن ابْن الراوندي يلازم أهل الْإِلْحَاد فَإِذا عوتب فِي ذَلِك قَالَ إِنَّمَا أُرِيد أَن أعرف مذاهبهم ثمَّ أَنه كاشف وناظر وَيُقَال إِن أَبَاهُ كَانَ يَهُودِيّا فَاسْلَمْ وَكَانَ بعض الْيَهُود يَقُول لبَعض الْمُسلمين ليفسدن عَلَيْكُم هَذَا كتابكُمْ كَمَا أفسد أَبوهُ التَّوْرَاة علينا وَيُقَال عَن أَبَا الْحُسَيْن قَالَ للْيَهُود قُولُوا إِن مُوسَى قَالَ لَا نَبِي بعدِي
وَذكر أَبُو الْعَبَّاس الطَّبَرِيّ أَن ابْن الراوندي كَانَ لَا يسْتَقرّ على مَذْهَب وَلَا يثبت على حَال حَتَّى أَنه صنف للْيَهُود كتاب البصيرة ردا على الْإِسْلَام لأربعمائة دِرْهَم أَخذهَا فِيمَا بَلغنِي من يهود سامراً فَلَمَّا قبض المَال رام نقضهَا حَتَّى أَعْطوهُ مائَة دِرْهَم أُخْرَى فَأمْسك عَن النَّقْض
(1/155)

وَحكى الْبَلْخِي فِي كتاب محَاسِن خُرَاسَان أَن ابْن الراوندي هَذَا كَانَ من الْمُتَكَلِّمين وَلم يكن فِي زَمَانه أحذق مِنْهُ بالْكلَام وَلَا أعرف بدقيقه وجليله وَكَانَ فِي أول أمره حسن السِّيرَة حميد الْمَذْهَب كثير الْحيَاء ثمَّ انْسَلَخَ من ذَلِك كُله لأسباب عرضت لَهُ وَكَانَ علمه أَكثر من عقله فَكَانَ مثله كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(وَمن يُطيقُ مُزكي عِنْد صَبوته ... وَمن يَقومُ لمستورٍ إِذا خلعا) // الْبَسِيط //
قَالَ وَقد حكى جمَاعَة أَنه تَابَ عِنْد مَوته مِمَّا كَانَ مِنْهُ وَأظْهر النَّدَم واعترف بِأَنَّهُ إِنَّمَا صَار إِلَيْهِ حمية وأنفة من جفَاء أَصْحَابه لَهُ وتنحيتهم إِيَّاه من مجَالِسهمْ
وَأكْثر كتبه الكفريات ألفها لأبي عِيسَى الْيَهُودِيّ الْأَهْوَازِي وَفِي منزله هلك وَمِمَّا أَلفه من كتبه الملعونة كتاب التَّاج يحْتَج فِيهِ لقدم الْعَالم وَكتاب الزمردة يحْتَج فِيهِ على الرُّسُل ويبرهن على إبِْطَال الرسَالَة وَكتاب الفريد فِي الطعْن على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكتاب اللؤلؤة فِي تناهي الحركات وَقد نقض هُوَ أَكْثَرهَا وَغَيره وَلأبي عَليّ الجبائي وَغَيره ردود عَلَيْهِ كَثِيرَة فمما قَالَه فِي كتاب الزمردة أَنه إِنَّمَا سَمَّاهُ بالزمردة لِأَن من خاصية الزمرد أَن الْحَيَّات إِذا نظرت إِلَيْهِ ذَابَتْ وسالت أعينها فَكَذَلِك هَذَا الْكتاب إِذا طالعه الْخصم ذاب وَهَذَا الْكتاب يشْتَمل على إبِْطَال الشَّرِيعَة الشَّرِيفَة والازدراء على النبوات المنيفة فمما قَالَه فِيهِ لَعنه الله وأبعده إِنَّا نجد فِي كَلَام أَكْثَم بن صَيْفِي شَيْئا أحسن من إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر وَإِن الْأَنْبِيَاء كَانُوا يستعبدون النَّاس بالطلاسم وَقَالَ قَوْله يَعْنِي نَبينَا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لعمَّار رَضِي الله عَنهُ تقتلك الفئة الباغية كل المنجمين يَقُولُونَ مثل هَذَا وَلَقَد كذب لَعنه الله وأخزاه
(1/156)

وَجعل النَّار مستقره ومثواه فَإِن المنجم إِن لم يسْأَل الْإِنْسَان عَن اسْمه وَاسم أمه وَيعرف طالعه لَا يقدر أَن يتَكَلَّم على أَحْوَاله وَلَا يُخبرهُ بِشَيْء من متجدداته وَخَطأَهُ أَكثر من صَوَابه وَقد كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخبر بالمغيبات من غير أَن يعرف طالعاً أَو يسْأَل عَن اسْم أَو نسب وَلم يعْهَد عَنهُ غير مَا ذكر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَبَان الْفرق وَقَالَ فِي كتاب الدامغ إِن الْخَالِق سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَيْسَ عِنْده من الدَّوَاء إِلَّا الْقَتْل فعل الْعَدو الحنق الغضوب فَمَا حَاجته إِلَى كتاب وَرَسُول قَالَ وَيَزْعُم أَنه يعلم الْغَيْب فَيَقُول وَمَا تسْقط من ورقه إِلَّا يعلمهَا ثمَّ يَقُول وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا إِلَّا لنعلم وَقَالَ فِي وصف الْجنَّة فِيهَا أَنهَار من لبن لم يتَغَيَّر طعمه وَهُوَ الحليب وَلَا يكَاد يشتهيه إِلَّا الجائع وَذكر الْعَسَل وَلَا يطْلب صرفا والزنجبيل وَلَيْسَ من لذيذ الْأَشْرِبَة والسندس يفترش وَلَا يلبس وَكَذَلِكَ الإستبرق وَهُوَ الغليظ من الديباج وَمن تخايل أَنه فِي الْجنَّة يلبس هَذَا الغليظ وَيشْرب الحليب والزنجبيل صَار كعروس الأكراد والنبط ولعمري لقد أعمى الله بَصَره وبصيرته عَن قَوْله تَعَالَى وفيهَا مَا تشْتَهي الْأَنْفس وتلذ الْأَعْين وَعَن قَوْله عز وَجل {وَلحم طير مِمَّا يشتهون} وَمَعَ ذَلِك فَفِيهَا اللَّبن وَالْعَسَل وَلَيْسَ هُوَ كلبن الدُّنْيَا وَلَا عسلها وغليظ الْحَرِير يُرِيد بِهِ الصفيق الملتحم النسج وَهُوَ أَفْخَر مَا يلبس وَلَو ذهبت أورد مَا ذكره هَذَا الملعون وتفوه بِهِ من الْكفْر والزندقة والإلحاد لطال الْأَمر والاشتغال بِغَيْرِهِ أولى وَالله تَعَالَى منزه سُبْحَانَهُ عَمَّا يَقُول الْكَافِرُونَ والملحدون علوا كَبِيرا وَكَذَلِكَ كِتَابه وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَقَد سرد ابْن الْجَوْزِيّ من زندقته أَكثر من ثَلَاث وَرَقَات وَأَنا أعوذ بِاللَّه من هَذَا القَوْل وأستغفره مِمَّا جرى بِهِ قلمي مِمَّا لَا يرضاه وَلَا يَلِيق بجنابه وجناب رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكتابه الْحَكِيم
وَاجْتمعَ ابْن الراوندي هُوَ وَأَبُو عَليّ الجبائي يَوْمًا على جسر بَغْدَاد فَقَالَ لَهُ
(1/157)

يَا أَبَا عَليّ أَلا تسمع شَيْئا من معارضتي لِلْقُرْآنِ ونقضي لَهُ فَقَالَ أَنا أعلم بمخازي علومك وعلوم أهل دهرك وَلَكِن أحاكمك إِلَى نَفسك فَهَل تَجِد فِي معارضتك لَهُ عذوبة وهشاشة وتشاكلاً وتلازماً ونظماً كنظمه وحلاوةً كحلاوته قَالَ لَا وَالله قَالَ قد كفيتني فَانْصَرف حَيْثُ شِئْت
وَمن شعره
(مِحَنُ الزَّمانِ كَثيرَةٌ لَا تَنْقَضي ... وَسرورُهُ يأتِيكَ كالأعيَادِ)
(مَلَكَ الأكارِمَ فاستَرقّ رِقابَهُمُ ... وَترَاه رِقّاً فِي يَد الأوغاد) // الْكَامِل //
وَمِنْه وَقيل أنْشدهُ لغيره
(أَلَيسَ عَجيباً بأنّ امرَءاً ... لطيفَ الخصَام دَقيقَ الكلمْ)
(يَموتُ وَمَا حَصَّلَتْ نفْسهُ ... سِوَى عِلمهِ أَنهُ مَا علم) // المتقارب //
وَذكر أَبُو عَليّ الجبائي أَن السُّلْطَان طلب ابْن الراوندي وَأَبا عِيسَى الْوراق فَأَما أَبُو عِيسَى فحبس حَتَّى مَاتَ وَأما ابْن الراوندي فهرب إِلَى ابْن لاوى الْيَهُودِيّ وَوضع لَهُ كتاب الدامغ فِي الطعْن على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى الْقُرْآن الْكَرِيم ثمَّ لم يلبث إِلَّا أَيَّامًا يسيرَة حَتَّى مرض وَمَات
وَذكر أَبُو الْوَفَاء بن عقيل أَن بعض السلاطين طلبه وَأَنه هلك وَله سِتّ وَثَلَاثُونَ سنة مَعَ مَا انْتهى إِلَيْهِ من المخازي
وَذكر ابْن خلكان أَنه هلك فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ برحبة مَالك ابْن طوق وَقيل بِبَغْدَاد وَتَقْدِير عمره أَرْبَعُونَ سنة وَيُقَال إِنَّه عَاشَ اكثر من ثَمَانِينَ سنة وَقيل إِنَّه هلك سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ ابْن النجار بَلغنِي إِنَّه هلك سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ لَعنه الله وأخزاه إِن كَانَ مَاتَ على اعْتِقَاده هَذَا
(1/158)

27 - (تعَالَلْتِ كَيْ أشْجَى ومَا بِكِ عِلَّةٌ ... تُرِيدينَ قتلِي قَدْ ظَفِرْتِ بذلِكِ)
الْبَيْت لِابْنِ الدمينة من قصيدة من الطَّوِيل أَولهَا
(قِفي يَا أميم القلبِ نقضِ لبانةً ... وَنشكُو الهَوى ثمَّ افعلِي مَا بدالك)
(سَلِي البانةَ الغنَّاء بالأجْرَعِ الَّذِي ... بهِ المَاء هلْ حيَّيتُ أطلالَ دارِكِ)
(وَهلْ قمتُ فِي أطلاَلِهنَّ عَشيَّةَ ... مقامَ أخِي البأساء واخترتُ ذلِكِ)
(وَهَل كَفْكَفَت عينايَ بِالدَّار عَبرةً ... فُرَادَى كنظم اللؤلؤُ المتسالك) // الطَّوِيل //
ويروى أَن أَولهَا
(قفي قبلَ وشْك البينِ يَا ابنةَ مالكِ ... وَلَا تحرمِينا نظرَةً من جمالك)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(وقولكِ للعوّاد كيفَ تروْنه ... فَقَالُوا قَتِيلا قلتِ أيسرُ هَالك)
(لَئِن سَاءنِي أَن نلتني بمساءةٍ ... لقد سرَّني أَنِّي خطرتُ ببالكِ)
(لِيَهنك إمساكي بكفيِّ على الحشا ... ورقْراق دمعي رَهبةً من مطالكِ)
(فَلَو قلتِ طأ فِي النارِ أعلمُ أَنه ... رِضاً لَك أَو مُدنٍ لنا من وِصالكِ)
(لقدَّمْتُ رجْلي نَحْوهَا فَوطئتَها ... هُدى منكِ لي أَو ضلَّة من ضلالك)
(أَرى الناسَ يرجونَ الربيعَ وَإِنَّمَا ... رَجائي الَّذِي أرجوهُ خير نوالكِ)
(أبْيني أَفِي يُمنى يَديك جَعَلتني ... فأفرحَ أمْ صَيَّرتِني فِي شمالكِ) // الطَّوِيل //
وَمعنى أشجى أَحْزَن من شجى يشجى وَمَا شجا يشجو فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَإِنَّمَا قَالَ قد ظَفرت بذلك وَلم يقل بقتلي لادعائه أَن قَتله ظهر ظُهُور المحسوس بالبصر الْمشَار إِلَيْهِ باسم الْإِشَارَة
وَالشَّاهِد فِيهِ وضع اسْم الْإِشَارَة مَوضِع الْمُضمر لادعاء كَمَال ظُهُوره وَإِن كَانَ من غير بَاب الْمسند إِلَيْهِ
(1/159)

وَابْن الدمينة اسْمه عبد الله بن عبيد الله أحد بني عَامر بن تيم الله والدمينة أمه وَهِي سَلُولِيَّة ويكنى ابْن الدمينة أَبَا السّري وَهُوَ شَاعِر مَشْهُور لَهُ غزل رَقِيق الْأَلْفَاظ دَقِيق الْمعَانِي وَكَانَ النَّاس فِي الصَّدْر الأول يسْتَحلُّونَ شعره ويتغنون بِهِ حدث إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي قَالَ كَانَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف إِذا سمع شَيْئا يستحسنه أطرفني بِهِ وَأَنا أفعل مثل ذَلِك فَجَاءَنِي يَوْمًا فَوقف بَين النَّاس وَأنْشد لِابْنِ الدمينة
(ألاَ يَا صبَا نَجْدٍ مَتى هِجْتِ من نجدِ ... لقدْ زادني مَسْرَاكِ وجدا على وجد)
(إِن هَتفتْ وَرْقَاء فِي رونق الضُّحَى ... على فنن عض النَّبَات من الرَّندِ)
(بكيتَ كَمَا يبكي الوليدُ وَلم تَكُنْ ... جَزُوعاً وأبديتَ الَّذِي لم تكن تُبْدِي)
(وقدْ زَعَمُوا أنَّ المحبَّ إِذا دنا ... يملُّ وَأَن النأي يشفي من الوجد)
(بِكُل تَدَاوينا فَلم يُشْفَ مَا بنَا ... على أَن قرب الدّار خيرٌ من الْبعد)
(على أَن قربَ الدَّار لَيسَ بِنافعٍ ... إِذا كَانَ منْ تهواهُ ليسَ بِذِي ود) // الطَّوِيل //
ثمَّ ترنح سَاعَة ترنخ النشوان ودبح أُخْرَى ثمَّ قَالَ أنطح العمود رَأْسِي من
(1/160)

حسن هَذَا فَقلت لَا ارْفُقْ بِنَفْسِك
وَحدث ابْن ربيح راوية ابْن هرمة قَالَ لَقِي ابْن هرمة بعض أَصْحَابه بالبلاط فَقَالَ لَهُ من أَيْن أَقبلت قَالَ من الْمَسْجِد فَقَالَ فَأَي شَيْء صنعت هُنَاكَ قَالَ كنت جَالِسا مَعَ إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد المَخْزُومِي قَالَ فَأَي شَيْء قَالَ قَالَ أَمرنِي أَن أطلق امْرَأَتي قَالَ فَأَي شَيْء قلت لَهُ قَالَ مَا قلت شَيْئا قَالَ فوَاللَّه مَا قَالَ لَك هَذَا إِلَّا لأمر أظهرته عَلَيْهِ وكتمتنيه أَفَرَأَيْت لَو أَمرته بِطَلَاق امْرَأَته أَكَانَ يطلقهَا قَالَ لَا وَالله قَالَ فَابْن الدمينة كَانَ أنصف مِنْك كَانَ يهوى امْرَأَة من قومه فَأرْسلت إِلَيْهِ إِن أَهلِي قد نهوني عَن لقائك ومراسلتك فَأرْسل إِلَيْهَا يَقُول
(أريت الْآمِر يَك بِقطع حبلي ... مريهم فِي أحبتهم بِذَاكَ)
(فَإِن هم طاوعوك فطاوعيهم ... وَإِن عاصوك فاعصي من عصاك)
(أَما وَالرَّاقصاتِ بِكُل فجٍ ... وَمَنْ صلى بنُعْمانِ الأرَاكِ)
(لقد أضمرْتُ حبَّك فِي فُؤَادِي ... وَما أضمرْتُ حبّاً مِن سواكِ) // الوافر //
وَمثل هَذَا الْخَبَر مَا حَكَاهُ الْأَصْمَعِي قَالَ مَرَرْت بِالْكُوفَةِ وَإِذا أَنا بِجَارِيَة تطلع من جِدَار إِلَى الطَّرِيق وفتى وَاقِف وظهره إِلَيّ وَهُوَ يَقُول أسهر فِيك وتنامين عني وتضحكين مني وأبكي وتستريحين وأتعب وأمحضك الْمحبَّة وتمذقينها وأصدقك وتنافقيني ويأمرك عدوي بهجري فتطيعينه ويأمرني
(1/161)

نصيحي بذلك فأعصيه ثمَّ تنفس وأجهش باكياً فَقَالَت لَهُ إِن أَهلِي يمنعونني مِنْك وينهونني عَنْك فَكيف أصنع فَقَالَ لَهَا
(أريت الْآمِر يَك بِقطع حبلي ... مريهم فِي أحبتهم بِذَاكَ)
(فَإِن هم طاوعوك فطاوعيهم ... وَإِن عاصوك فاعصي من عصاك) // الوافر //
ثمَّ الْتفت فرآني فَقَالَ يَا فَتى مَا تَقول أَنْت فِيمَا قلت فَقلت لَهُ وَالله لَو عَاشَ ابْن أبي ليلى مَا حكم إِلَّا بِمثل حكمك
وَحدث ابْن أبي السرى عَن هِشَام قَالَ هوى ابْن الدمينة امْرَأَة من قومه يُقَال لَهَا أُمَيْمَة فهاج بهَا مُدَّة فَلَمَّا وصلته تجنى عَلَيْهَا وَجعل يَنْقَطِع عَنْهَا ثمَّ زارها ذَات يَوْم فتعاتبا طَويلا ثمَّ أَقبلت عَلَيْهِ فَقَالَ وَالشعر لَهَا
(وأنْتَ الَّذِي أخلفتني مَا وَعَدتَنْي ... وأشمَتَّ بِي من كَانَ فِيكَ يَلومُ)
(وأبرزتني للنَّاس ثمَّ تَركتَنْي ... لَهُم غَرضاً أُرْمَى وَأَنت سليمُ)
(فَلوْ أَن قَوْلاً يَكْلَمُ الْجِسْم قد بَدَا ... بجسميَ من قولِ الوشاة كلوم) // الطَّوِيل //
قَالَ فأجابها ابْن الدمينة فَقَالَ
(وأنتِ الَّتِي كَلَّفْتِني دَلَجَ السُّرى ... وَجُونُ القَطا بالجَلهَتين جُثُومُ)
(1/162)

(وأنْتِ الَّتِي قَطَّعتِ قلبِي حَرَارةً ... ومزقت جُرْحَ الْقلب فهوَ كليمُ)
(وَأَنت الَّتِي أحْفَظت قومِي فَكلُّهم ... بعيد الرِّضَا داني الصدود كظيم) // الطَّوِيل //
قَالَ ثمَّ تزَوجهَا بعد ذَلِك وَقتل وَهِي عِنْده كَمَا سَيَأْتِي
وَحدث أَبُو الْحسن الينبعي قَالَ بَينا أَنا وصديق لي من قُرَيْش نمشي بالبلاط لَيْلًا فَإِذا بِظِل نسْوَة فِي الْقَمَر فالتقينا فَإِذا بِجَمَاعَة نسْوَة فَسمِعت وَاحِدَة مِنْهُنَّ تَقول أهوَ هُوَ فَقَالَت الْأُخْرَى نعم وَالله إِنَّه لَهو هُوَ فدنت مني ثمَّ قَالَت يَا كهل قل لهَذَا الَّذِي مَعَك
(ليسَتْ لياليكَ فِي خَاخ بِعَائدةٍ ... كَمَا عَهدتَ وَلَا أيامُ ذِي سلم) // الْبَسِيط //
فَقلت لَهُ أجب فقد سَمِعت فَقَالَ قد وَالله قطع بِي وأرتج عَليّ فأجب عني فَالْتَفت إِلَيْهَا ثمَّ قلت
(فَقلت لَهَا يَا عز كل مُصِيبَة ... إِذا وطنت يَوْمًا لَهَا النَّفس ذلت) // الطَّوِيل //
فَقَالَت الْمَرْأَة أَواه ثمَّ مَضَت ومضينا حَتَّى إِذا كُنَّا بمفرق طَرِيقين مضى الْفَتى إِلَى منزله ومضيت إِلَى منزلي فَإِذا بِجَارِيَة تجذب طرف رِدَائي فَالْتَفت إِلَيْهَا فَقَالَت الْمَرْأَة الَّتِي كلمتك تدعوك فمضيت مَعهَا حَتَّى دخلت دَارا ثمَّ صرت إِلَى بَيت فِيهِ حَصِير وثنيت لي وسَادَة فَجَلَست ثمَّ جَاءَت جَارِيَة بوسادة مثنية فطرحتها ثمَّ جَاءَت الْمَرْأَة فَجَلَست عَلَيْهَا وَقَالَت لي أَأَنْت الْمُجيب قلت نعم قَالَت مَا كَانَ أفظ جوابك وأغلظه قلت وَالله مَا حضرني غَيره فَبَكَتْ ثمَّ قَالَت لي وَالله مَا خلق الله خلقا أحب إِلَيّ من إِنْسَان كَانَ مَعَك قلت وَأَنا الضَّامِن عَنهُ
(1/163)

لَك مَا تحبين قَالَت أَو تفعل قلت نعم فوعدتها أَن آتيها بِهِ فِي اللَّيْلَة الْقَابِلَة وانصرفت فَإِذا الْفَتى ببالي فَقلت مَا جَاءَ بك قَالَ علمت أَنَّهَا سترسل إِلَيْك وَسَأَلت عَنْك فَلم أجدك فَعلمت أَنَّك عِنْدهَا فَجَلَست أنتظرك فَقلت لَهُ قد كَانَ كل مَا ظَنَنْت ووعدتها أَن آتيها بك فِي اللَّيْلَة الْقَابِلَة فَمضى ثمَّ أَصْبَحْنَا فتهيأنا ورحنا فَإِذا الْجَارِيَة تنتظرنا فمضت أمامنا حَتَّى دَخَلنَا الدَّار فَإِذا برائحة الطّيب وَجَاءَت فَجَلَست مَلِيًّا ثمَّ أَقبلت عَلَيْهِ فعاتبته طَويلا ثمَّ ذكرت الأبيات الَّتِي أنشدتها امْرَأَة ابْن الدمينة ثمَّ سكتت فَسكت الْفَتى هنيهة ثمَّ قَالَ
(غَدَرتِ وَلم أغدر وخُنْتِ وَلم أخُنْ ... وَفِي دونِ هَذَا للمُحِبِّ عزاءُ)
(جَزيتُكِ ضِعفَ الوُد ثمَّ صَرَمتنِي ... فحبكِ فِي قلبِي إِلَيْك أداءُ) // الطَّوِيل //
فالتفتت إِلَيّ وَقَالَت أَلا تسمع مَا يَقُول قد أَخْبَرتك قَالَ فغمزته فَكف ثمَّ قَالَت
(تجاهَلْتَ وَصْلي حِين لَّجتْ عَمايتي ... فَهَلا صَرَمْتَ الحبْلَ إِذْ أَنا مُبصرُ)
(ولي من قُوَي الحبْلِ الَّذِي قد قَطعتهُ ... نَصيبٌ وَإِذ رَأْيِي جَميع مُوَفِّرُ)
(وَلكنَّما آذنْتُ بِالصبرِ بَغتةً ... ولسْتُ على مثل الَّذِي جئتَ أقدِر) // الطَّوِيل //
فَقَالَ الْفَتى مجيباً لَهَا
(لقد جَعَلَتْ نَفسِي وَأَنت اجتَرمتِه ... وكنْتِ أحَبَّ النَّاس عنكِ تَطيبُ)
فَبَكَتْ ثمَّ قَالَت أَو قد طابت نَفسك لَا وَالله مَا فِيك خير بعْدهَا فَعَلَيْك السَّلَام ثمَّ التفتت إِلَيّ وَقَالَت قد علمت أَنَّك لَا تفي بضمانك عَنهُ وانصرفنا
وَكَانَ السَّبَب فِي قتل ابْن دمينة أَن رجلا من سلول يُقَال لَهُ مُزَاحم بن عَمْرو كَانَ يَرْمِي بِامْرَأَة ابْن الدمينة وَكَانَ اسْمهَا حماء وَقيل حمادة فَكَانَ
(1/164)

يَأْتِيهَا ويتحدث إِلَيْهَا حَتَّى اشْتهر ذَلِك فَمَنعه ابْن الدمينة من إتيانها وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا فَقَالَ مُزَاحم يذكر ذَلِك
(يَا ابْن الدمينة والأخبارُ يرفَعها ... وَخْدُ النجائب والمحقور يخفيها
(يَا ابْن الدمينة إِن تغْضب لما فَعَلَتْ ... فَطالَ خِزْيُكَ أَو تَغضبْ مَوْاليها)
(أَو تُبغضوني فكم من طعنةٍ نَفَذَتْ ... يَغذو خِلال اختْلاج الجوْفِ غاذيها)
(جاهَدْتُ فِيهَا لكمُ إِنِّي لكم أبدا ... أبغي معايبَكم عَمْداً فآتيها)
(فَذَاك عِنْدِي لكم حَتَّى تُغَيِّبَنِي ... غَبراء مظلمَةٌ هارٍ نَوَاحِيهَا)
(أَغْشى نِساءَ بني تَمِيم إِذا هَجَعَتْ ... عنِّي العُيُونُ وَلَا أبغي مقاريها)
(كم كاعِبٍ من بني تَمِيم قَعَدْتُ لَهَا ... وعانسٍ حِين ذاق النومَ حامِيها)
(كقعدةِ الأعسر العُلفوف منتحياً ... مَتينة مِنْ متين النبل يَرميها)
(علامةٌ كَيَّةٌ مَا بينَ عانَتها ... وَبينَ سُبتها لَا شلّ كلويها)
(وشَهقةٌ عِنَد حِس الماءِ تشهقُها ... وقولُ رُكبتها قِضْ حِين تثنيها)
(1/165)

(وَتعدلُ الأير إنْ زَاغَتْ فتبعثهُ ... حتىَّ يُقيمَ برِفقٍ صدْرَهُ فِيها)
(بَين الصفوقين فِي مُستهدف وَمِدٍ ... ذِي حَرّة ذاق طعمَ الموتِ صاليها)
(مَاذَا تَرى يَا عبيد الله فِي امْرَأةٍ ... ليستْ بِمُحصنةٍ عَذراء حاويها)
(أيامَ أنتَ طَريدٌ لَا تُقاربُها ... وَصادفَ القوسَ فِي الغرَّاتِ باريها)
(ترَى عَجوزَ بَني تَمِيم مُلفعةً ... شُمطاً عوارِضُها رُبْداً دَواهيها)
(إِذ تجْعَل الدفنس الورهاء عذرتها ... قشارة من أدِيم الأرضِ تفريها)
(حتىَّ يظل هَذَانِ الْقَوْم يحسبها ... بكر أَو قبل هوى فِي الدَّار هاويها) // الْبَسِيط //
وَلما بلغ ابْن الدمينة شعر مُزَاحم أَتَى امْرَأَته فَقَالَ لَهَا قد قَالَ فِيك هَذَا الرجل مَا قَالَ وَقد بلغك قَالَت وَالله مَا رأى مني ذَلِك قطّ قَالَ فَمن أَيْن لَهُ العلامات قَالَت وصفتهن لَهُ النِّسَاء قَالَ هَيْهَات وَالله أَن يكون ذَلِك كَذَلِك ثمَّ أمسك مُدَّة وصبر حَتَّى ظن أَن مزاحماً قد نسي الْقِصَّة ثمَّ أعَاد عَلَيْهَا القَوْل وأعادت الْحلف أَن ذَلِك مِمَّا وَصفه لَهُ النِّسَاء فَقَالَ لَهَا وَالله لَئِن لم تمكنيني مِنْهُ لأَقْتُلَنك فَعلمت أَنه سيفعل ذَلِك فَبعثت إِلَيْهِ وواعدته لَيْلًا وَقعد لَهُ ابْن الدمينة وَصَاحب لَهُ فَجَاءَهَا للموعد فَجعل يكلمها وَهِي مَكَانهَا فَلم تكَلمه فَقَالَ لَهَا يَا حماء مَا هَذَا الْجفَاء اللَّيْلَة قَالَ فَتَقول لَهُ هِيَ بِصَوْت ضَعِيف ادخل فَدخل فَأَهوى بِيَدِهِ ليضعها عَلَيْهَا فوضعها على ابْن الدمينة فَوَثَبَ عَلَيْهِ هُوَ وَصَاحبه وَقد جعل لَهُ حصاً فِي ثوب فَضرب بن كبده حَتَّى قَتله وَأخرجه فطرحه مَيتا فجَاء أَهله فاحتملوه وَلم يَجدوا بِهِ أثر السِّلَاح فَعَلمُوا أَن ابْن الدمينة قَتله وَقد قَالَ ابْن الدمينة فِي تَحْقِيق ذَلِك
(1/166)

(قَالُوا هَجتكُ سَلولُ الْيَوْم مخيفة ... فاليومَ أهجو سَلولاً لَا أخافِيها)
(قَالُوا هَجاكَ سَلوليٌّ فقلتُ لهمْ ... قد أنصفَ الصَّخْرَة الصماء رامِيها)
(رِجَالهمْ شرُّ مَنْ يَمشي ونسوتُهم ... شرُّ البريَّةِ اسْتَاذلّ حامِيها)
(يَحككْنَ بالصخر أستاها لَهَا نَقبٌ ... كَمَا يَحك نقابَ الجرْبِ طاليها) // الْبَسِيط //
وَقَالَ أَيْضا يذكر دُخُول مُزَاحم وَوضع يَده عَلَيْهِ
(لكَ الخيرُ إِن وَاعدت حماء فالقها ... نَهَارا وَلَا تُدْلج إِذا الَّليلُ أظْلما)
(فإنَّكَ لَا تَدري أبَيْضَاء طَفْلةً ... تُعانقُ أَمْ ليثاً مِنَ الْقَوْم قَشْعمَا)
(فَلما سرى عَن ساعِديَّ ولحيتي ... وَأيقنَ أنِّي لست حماء جمجما) // الطَّوِيل //
ثمَّ أَتَى ابْن الدمينة امْرَأَته فَطرح على وَجههَا قطيفة ثمَّ جلس عَلَيْهَا حَتَّى قَتلهَا فَلَمَّا مَاتَت قَالَ
(إِذا قَعدْتُ على عِرْنينِ جاريةٍ ... فوقَ القطيفةِ فَادعوا ليَ بحفار) // الْبَسِيط //
فَبَكَتْ بنت لَهُ مِنْهَا فَضرب بهَا الأَرْض فَقَتلهَا أَيْضا وَقَالَ متمثلاً
(لَا تغدوا مِنْ كَلْبِ سَوْءِ جَرْوَا ... )
فَخرج جنَاح أَخُو الْمَقْتُول إِلَى أَحْمد بن إِسْمَاعِيل فاستعداه على ابْن الدمينة فَبعث إِلَيْهِ فحبسه وَقَالَت أم أبان وَالِدَة مُزَاحم الْمَقْتُول وَهِي من بني خثعم ترثي ابْنهَا وتحرض مصعباً وجناحا أَخَوَيْهِ
(1/167)

(بأهلي وَمَالِي بَل بِجُلِّ عَشيرتي ... قَتِيل بني تَمِيم بِغيرِ سِلاح)
(فَهلاَّ قتلتُمْ بِالسِّلَاحِ ابْنَ أختِكم ... فتظهرَ فيهِ للشهودِ جِراحُ)
(فَلَا تطمعوا فِي الصُّلْح مَا دُمت حيَّةً ... وَما دَامَ حيّاً مُصعبٌ وَجناحُ)
(أَلمْ تعلمُوا أنَّ الدوَائِر بَيْننَا ... تَدور وَأَن الطالبين شحاح) // الطَّوِيل //
وَلما طَال حبس ابْن الدمينة وَلم يجد عَلَيْهِ أَحْمد بن إِسْمَاعِيل سَبِيلا وَلَا حجَّة خلاه وَقتلت بَنو سلول من خثعم رجلا مَكَان الْمَقْتُول وَقتلت خثعم بعد ذَلِك نَفرا من سلول وَلَهُم قصَص وأخبار كَثِيرَة ثمَّ إِن ابْن الدمينة أقبل حَاجا بعد مُدَّة فَنزل بتبالة فَعدا عَلَيْهِ مُصعب أَخُو الْمَقْتُول لما رَآهُ وَكَانَت أمه حرضته وَقَالَت لَهُ اقْتُل ابْن الدمينة فَإِنَّهُ قتل أَخَاك وهجا قَوْمك وذم أختك وَقد كنت أعذرك قبل هَذَا لِأَنَّك كنت صَغِيرا والآن قد كَبرت فَلَمَّا أكثرت عَلَيْهِ خرج من عِنْدهَا وبصر بِابْن الدمينة وَاقِفًا ينشد النَّاس فغدا إِلَى جزار فَأخذ شفرته وَعدا على ابْن الدمينة فجرحه بهَا جراحتين فَقيل إِنَّه مَاتَ لوقته وَقيل بل سلم من تِلْكَ الدفعة وَمر بِهِ مُصعب بعد ذَلِك وَهُوَ فِي سوق العبلاء ينشد أَيْضا فعلاه بِسَيْفِهِ حَتَّى قَتله وَعدا وَتَبعهُ النَّاس حَتَّى اقتحم دَارا وأغلقها عَلَيْهِ فَجَاءَهُ رجل من قومه فصاح بِهِ يَا مُصعب إِن لم تضع يدك فِي يَد السُّلْطَان قتلتك الْعَامَّة فَاخْرُج فَلَمَّا عرفه قَالَ لَهُ أَنا فِي ذِمَّتك حَتَّى تسلمني إِلَى السُّلْطَان فقذفه السُّلْطَان فِي سجن تبَالَة قَالَ وَمكث ابْن الدمينة جريحاً لَيْلَة ثمَّ مَاتَ فِي غَد وَقَالَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة يحرض قومه ويوبخهم
(1/168)

(هتفتَ بأكلبٍ ودعوتَ قيسا ... فَلَا خُذُلاً دَعوْتَ وَلَا قليلاَ)
(ثَأرْتَ مُزاحِما وَسررت قيسا ... وَكنتَ لِما هممْتَ بِهِ فَعولاَ)
(فَلَا تَشْلَلْ يدَاكَ وَلا تَزَالا ... تُفيدانِ الغنائِمَ وَالجزيلا)
(فلوْ كَانَ ابْن عبدِ اللهِ حيّاً ... لَصبَّحَ فِي منازِلِها سَلولَا) // الوافر //
وَبلغ مصعباً أَخا الْمَقْتُول أَن قوم ابْن الدمينة يُرِيدُونَ أَن يقتحموا عَلَيْهِ سجن تبَالَة فيقتلوه فَقَالَ يحرض قومه
(لقيتُ أَبَا السَّريّ وَقد تكالا ... لهُ حقُّ العداوةِ فِي فُؤَادِي)
(فكادَ الغيظُ يَفْرِطُني إليهِ ... بطعنٍ دُونهُ طعنُ الشدادِ)
(إِذا نبحَتْ كِلابُ السجْن حَولي ... طمعت هَشاشةً وَهفا فُؤَادِي)
(طماعاً أنْ يدُقّ السجنَ قومِي ... وَخوفاً أَن تُبَيِّتني الأعادي)
(فَمَا ظَنِّي بِقومي شرّ ظنّ ... وَلا أَن يُسلموني فِي البلادِ)
(وَقدْ جدَّلتُ قاتلَهمْ فأمسى ... يَمجُّ دَمَ الوتين على الوساد) // الوافر //
فَجَاءَت بَنو عقيل إِلَيْهِ لَيْلًا فكسروا السجْن وأخرجوه مِنْهُ فهرب إِلَى صنعاء
وَمن شعر أبن الدمينة الأبيات الْمَشْهُورَة
(1/169)

(أَقضي نَهاري بالحديثِ وبالمنى ... ويَجْمعُنْي وَالهمَّ بِاللَّيْلِ جامعُ)
(نَهاري نَهارُ النَّاس حَتَّى إِذا بدا ... ليَ الليلُ شاقتني إليكِ المضاجعُ)
(لَقدْ ثَبتَتْ فِي القلبِ مِنكِ مَحَبة ... كَمَا ثبتَتْ فِي الراحتينِ الأصابِع) // الطَّوِيل //
وَهِي من قصيدة طَوِيلَة يخلطها النَّاس كثيرا بقصيدة لمَجْنُون ليلى لِأَنَّهَا توافقها فِي الْوَزْن والقافية
28 - (إِلهي عَبْدُكَ العَاصيِ أتَاكاَ ... )
هُوَ من الوافر وَلَا أعلم قَائِله وَتَمَامه
(
(مُقِرّاً بالذنُوبِ وقدْ دَعاكَا ... )
(فإنْ تغفرْ فأنتَ لِذاكَ أهلٌ ... وَإنْ تطرُدْ فمنْ يَرْحَمْ سواكا) // الوافر //
والطرد الأبعاد
وَالشَّاهِد فِيهِ وضع الْمظهر وَهُوَ عَبدك مَوضِع الْمُضمر وَهُوَ أَنا للاستعطاف وَهُوَ طلب الْعَطف وَالرَّحْمَة إِذْ لَيْسَ فِيهِ مَا فِي الْمظهر من اسْتِحْقَاق الرَّحْمَة وترقب الرأفة وَإِن كَانَ من غير بَاب الْمسند إِلَيْهِ أَيْضا
29 - (تَطَاوَلَ لَيلَك بِالأثمُدِ ... )
قَائِله امْرُؤ الْقَيْس الْكِنْدِيّ الصَّحَابِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهُوَ أول
(1/170)

قصيدة من المتقارب وَتَمَامه
(ونامَ الخلِيُّ وَلمْ تَرْقُدِ ... )
وَبعده
(وباتَ وَباتَتْ لهُ لَيلةٌ ... كلَيْلَةِ ذِي العَائِرِ الأَرْمَد)
(وذلكَ مِنْ نبأ جاءنِي ... وأنبئتُهُ عَن أبي الأسوَدِ)
(ولوْ عنْ نَثَا غيرهِ جَاءنِي ... وَجُرْحُ اللسانِ كَجُرْحِ الْيَد)
(لَقُلْتُ مِنَ القَوْل مَالا يزَال ... يُؤْثَرُ عني يَدَ المسنَدِ)
(بِأَيّ عَلاقتنَا ترْغبونَ ... أعَنْ دَمِ عَمْرٍو على مَرْثَدِ)
(فإنْ تَدْفنوا الدَّاء لَا نُخفهِ ... وإنْ تَبْعَثوا الدَّاء لَا نَقعُدِ)
(وَإِن تَقتُلونَا نُقاتِلكُمْو ... وإِنْ تقصدوا لدمٍ نَقصدِ)
(مَتىَ عهدنا بطعان الكماة ... والمَجدِ والحمدِ والسودَدِ)
(وَبني القباب وملء الجفان ... والنَّارِ والحَطَبِ المُوَقَدِ) // المتقارب //
والأثمد بِفَتْح الْهمزَة وَضم الْمِيم وَرُوِيَ بكسرهما اسْم مَوضِع والعائر بِالْمُهْمَلَةِ هُوَ القذي يَقع فِي الْعين وَقيل هُوَ نفس الرمد
وَالشَّاهِد فِيهِ الِالْتِفَات وَهُوَ فِي قَوْله ليلك لِأَنَّهُ خطاب لنَفسِهِ وَمُقْتَضى الظَّاهِر ليلى بالتكلم
(1/171)

وامرؤ الْقَيْس هُوَ ابْن عانس بنُون وسين مُهْملَة ابْن الْمُنْذر ابْن امرىء الْقَيْس بن السمط بن عَمْرو بن مُعَاوِيَة بن الْحَرْث يَنْتَهِي نسبه لكندة الْكِنْدِيّ الشَّاعِر لَهُ صُحْبَة وَشهد رَضِي الله عَنهُ فتح النُّجَيْر بِالْيمن وَهُوَ حصن قرب حَضرمَوْت ثمَّ حضر الكنديين حِين ارْتَدُّوا فَثَبت على إِسْلَامه وَلم يكن فِيمَن ارْتَدَّ ثمَّ نزل الْكُوفَة وَلما خَرجُوا ليقتتلوا وثب على عَمه فَقَالَ لَهُ وَيحك يَا امْرأ الْقَيْس أتقتل عمك فَقَالَ لَهُ أَنْت عمي وَالله عز وَجل رَبِّي وَهُوَ الَّذِي خَاصم إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ربيعَة بن عيدَان بِكَسْر الْعين وَالْيَاء التَّحْتِيَّة وَيُقَال فِيهِ عَبْدَانِ بِالْبَاء الْمُوَحدَة مَكْسُورَة مَعَ تَشْدِيد الدَّال وَيُقَال بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء وَكَانَت الْمُخَاصمَة فِي ارْض فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بينتك قَالَ لَيْسَ لي بَيِّنَة فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَمِينه وَهُوَ الْقَائِل رَضِي الله عَنهُ
(قف بالديار وقُوف حَابِسْ ... وَتأنَّ إنّكَ غيرُ آيِسْ)
(لَعبتْ بِهن العاصفات ... الرائحَاتُ إِلَى الروامِس)
(مَاذَا عَلَيْك من الْوُقُوف ... بهَامِدِ الطللينِ دَارسْ)
(يَا رُبَّ باكيةٍ عَليَّ ... وَمُنْشِدٍ لِي فِي المجالِسْ)
(أوْ قَائِلٍ يَا فَارِسًا ... مَاذَا رُزِئتَ مِنَ الفَوارسْ)
(لاَ تَعجبوا أنْ تسمعُوا ... هَلكَ امْرُؤ الْقَيْس بن عانس) // من مجزوء الْكَامِل //
(1/172)

وَفِي الصَّحَابَة أَيْضا امْرُؤ الْقَيْس بن أبي الْأصْبع الْكلابِي وامرؤ الْقَيْس ابْن الفاخر بن الطماع الْخَولَانِيّ
30 - (طَحَا بِكَ قلب فِي الحسان طروب ... بعيد الشَّبَاب عصر حَان مشيب)
(يُكلّفنِي لَيلىَ وقدْ شطّ ولْيُهَا ... وعَادَتْ عَوَادٍ بينَنَا وخُطُوبُ)
البيتان لعلقمة بن عَبدة الْفَحْل من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا الْحَارِث بن جبلة بن أبي شمر الغساني وَكَانَ أسر أَخَاهُ شاساً فَرَحل إِلَيْهِ يطْلب فكه وَبعد الْبَيْتَيْنِ
(منعَّمةٌ لَا يستطَاعُ كلامَهَا ... على بابهَا من أَن تزارَ رَقيبُ)
(إِذا غابَ عنهَا البعْلُ لم تفش شَره ... وتُرْضى إيابَ البعل حِين يؤبُ)
(فَلا تَعْدلِي بيني وَبَين مُغَمّرٍ ... سقتك روايَا المزنِ حِين تصوبُ)
(سقاك يمانِ ذُو حنينٍ وعارضٍ ... تروحُ بِهِ جنْحَ الْعشي جَنوبُ)
(وَمَا أنتَ أمْ مَا ذكرُها رَبعَيةً ... يخط لَهَا من ثَرمدَاء قليبُ)
(فَإِن تسألولني بالنساءِ فإنني ... خبيرٌ بأدواء النِّسَاء طبيبُ)
(1/173)

(إِذا شابَ رأسُ المَرء أَو قل مالُهُ ... فَليسَ لَهُ مِنْ وُدهِنَّ نصيبُ)
(يُرِدْنَ ثراء المَال حَيْثُ عَلمته ... وشَرْخُ شبابٍ عِنْدهن عَجِيب) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة يَقُول فِي غَرَضه مِنْهَا
(وَفِي كل حَيّ قد خبَطْتَ بِنِعْمَة ... فَحق لشَاسٍ من ندَاكَ ذَنوبُ)
فَلَمَّا سمع الْحَارِث هَذَا الْبَيْت قَالَ نعم وأذنبه وَلما سمع قَوْله فِي وصف النِّسَاء قَالَ صدق فوك لله أَبوك أَنْت طبيبهن والخبير بأدوائهن وَقد أَخذه من قَول امرىء الْقَيْس
(أراهن لَا يحببن من قل مَاله ... وَلَا من رأين الشيب فِيهِ وقوَّسَا) // الطَّوِيل //
وَمن لطيف مَا يذكر من كَرَاهَة النِّسَاء للشيب قَول مُحَمَّد بن عِيسَى المَخْزُومِي
(قالتْ أحبك قلتُ كَاذِبَة ... غُرى بذا مَنْ لَيْسَ ينتقدُ)
(لَو قلتِ لي أشناكَ قلتُ نعمْ ... الشيب لَيْسَ يحبُّهُ أحد) // الْكَامِل //
وَمعنى طحابك أَي اتَّسع وَذهب بك كل مَذْهَب وطروب مَأْخُوذ من الطَّرب وَهُوَ استخفاف الْقلب فِي الْفَرح أَي لَهُ طرب فِي طلب الحسان ونشاط فِي مراودتهن وَمعنى بعيد الشَّبَاب حِين ولي وَكَاد ينصرم وَمعنى عصر حَان مشيب أَي زمَان قرب المشيب وإقباله على الهجوم وَمعنى شط بعد وَالْوَلِيّ الْقرب والعوادي الصوارف وعوادي الدَّهْر عوائقه والخطوب جمع خطب وَهُوَ الْأَمر الْعَظِيم
وَالشَّاهِد فِيهِ الِالْتِفَات من الْخطاب فِي طحابك إِلَى التَّكَلُّم فِي يكلفني وفاعله ضمير الْقلب وليلى مَفْعُوله الثَّانِي وَرُوِيَ بِالتَّاءِ الفوقانية على أَنه مُسْند إِلَى ليلى وَالْمَفْعُول مَحْذُوف أَي تكلفني شَدَائِد فراقها أَو على أَنه خطاب للقلب فَفِيهِ الْتِفَات آخر من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب وَفِي طحابك الْتِفَات آخر عِنْد السكاكي لَا عِنْد الْجُمْهُور
(1/174)

وَأَشَارَ عَلْقَمَة بصدر الْبَيْت الَّذِي قبل الْأَخير هُنَا إِلَى أَن المَال يستر شين الشيب وَيحسن قبيحه كَمَا قَالَ بَعضهم
(وخودٌ دعَتني إِلَى وصْلها ... وعصرُ الشَّبيبةِ مني ذَهَبْ)
(فقلتُ مشيي مَا يَنطلي ... فَقَالَت بَلى يَنْطلي بالذَّهبْ) // المتقارب //
وَذكرت بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وَاقعَة ظريفة وَهِي أَنَّهُمَا أنشدا فِي مجْلِس كَانَ فِيهِ بعض ظرفاء الأدباء فَقَالَ مَا أعرف القافية فِي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ إِلَّا بِحرف الرَّاء فَقَالَ لَهُ المنشد كَيفَ فَقَالَ وعصرُ الشَّبيبةِ مني سرى فَقَالَ وَكَيف تصنع فِي الْبَيْت الثَّانِي فَقَالَ فَقَالَت بلَى ينطلي بالخرا فاستحى المنشد وَانْصَرف من الْمجْلس خجلاً
وعلقمة بن عَبدة بن عبد الْمُنعم النعماني يَنْتَهِي نسبه إِلَى نزار وَكَانَ يُقَال لَهُ الْفَحْل لِأَنَّهُ خلف على امْرَأَة امرىء الْقَيْس لما حكمت لَهُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أشعر مِنْهُ وَكَانَ من خبر ذَلِك مَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدَة قَالَ كَانَ تَحت امرىء الْقَيْس امْرَأَة من طييء تزَوجهَا حِين جاور فيهم فَنزل بهم عَلْقَمَة الْفَحْل التَّمِيمِي فَقَالَ كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه أَنا أشعر مِنْك فتحا كَمَا إِلَيْهَا فأنشدها امْرُؤ الْقَيْس قَوْله
(1/175)

(خليلي مرا بِي على أم جُنْدُب ... لنَقضي لُباناتِ الْفُؤَاد المعذب) // الطَّوِيل //
حَتَّى مر بقوله مِنْهَا
(فللسوطِ أُلهُوبٌ وللساقِ درَّةٌ ... وَللزَّجْرِ مِنهُ وَقْعُ أهوجَ مِنْعَب)
وأنشدها عَلْقَمَة قَوْله
(ذَهبتَ مِنَ الهجرانِ فِي غير مَذْهَبِ ... ) // الطَّوِيل //
حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله
(فأدركهن ثَانِيًا من عنانه ... يَمُرّ كغيثٍ رائح مُتَحَلِّبِ)
فَقَالَت لَهُ عَلْقَمَة أشعر مِنْك قَالَ وَكَيف قَالَت لِأَنَّك زجرت فرسك وحركته بساقك وضربته بسوطك وَإنَّهُ جَاءَ هَذَا للصَّيْد ثَانِيًا من عنانه فَغَضب امْرُؤ الْقَيْس وَقَالَ لَيْسَ كَمَا قلت وَلَكِنَّك هويته فَطلقهَا فَتَزَوجهَا عَلْقَمَة بعد ذَلِك فَسمى عَلْقَمَة الْفَحْل وَمَا زَالَت الْعَرَب تسميه بذلك قَالَ الفرزدق
(والفحلُ علقمةُ الَّذِي كانتْ لهُ ... حُلَلُ الْمُلُوك كلامَهُ نتنحَّلُ) // الْكَامِل //
وَعَن حَمَّاد الراوية قَالَ كَانَت الْعَرَب تعرض أشعارها على قُرَيْش فَمَا قبلوا
(1/176)

مِنْهُ كَانَ مَقْبُولًا وَمَا ردوا مِنْهُ كَانَ مردوداً فَقدم عَلَيْهِم عَلْقَمَة بن عَبدة فأنشدهم قصيدته الَّتِي أَولهَا
(هلْ مَا عَلمتَ وَمَا استْودعْتَ مَكْتُوم ... أمْ حَبلها إِذْ نأتْكَ الْيَوْم مصروم) // الْبَسِيط //
فَقَالُوا هَذَا سمط الدَّهْر ثمَّ عَاد إِلَيْهِم فِي الْعَام الْقَابِل فأنشدهم قَوْله
(طحا بك قلب فِي الحسان طروب ... بعيد الشَّبَاب عصر حَان مشيب) // الطَّوِيل //
فَقَالُوا هَذَانِ سمطا الدَّهْر
وَعَن حَمَّاد بن إِسْحَاق قَالَ سَمِعت أبي يَقُول سرق ذُو الرمة قَوْله
(يطفو إِذا مَا تَلَقَّتْهُ الجراثيم ... ) // الْبَسِيط //
من قَول العجاج
(إِذا تلقتهُ العقاقيلُ طفا ... ) // الرجز //
وَسَرَقَهُ العجاج أَيْضا من عَلْقَمَة بن عَبدة حَيْثُ يَقُول
(يطفو إِذا مَا تَلَقَّتْهُ العرانين ... ) // الْبَسِيط //
وَحدث الْعمريّ عَن لَقِيط قَالَ تحاكم عَلْقَمَة بن عَبدة التَّمِيمِي والزبرقان ابْن بدر السَّعْدِيّ والمخبل وَعَمْرو بن الْأَهْتَم إِلَى ربيعَة بن جدان الْأَسدي فَقَالَ أما أَنْت يَا زبرقان فشعرك كلحم لَا أنضج فيؤكل وَلَا ترك فينتفع بِهِ وَأما أَنْت يَا عَمْرو فشعرك كبرد حبرَة يتلألأ فِيهِ الْبَصَر فَكلما أعدته نقص وَأما أَنْت
(1/177)

يَا مخبل فَإنَّك قصرت عَن الْجَاهِلِيَّة وَلم تدْرك الْإِسْلَام وَأما أَنْت يَا عَلْقَمَة فَإِن شعرك كمزادة أحكم خرزها فَلَيْسَ يقطر مِنْهَا شَيْء
31 - (ومَهْمَةٍ مُغْبرة أرْجاؤهُ ... كأنَّ لونَ أرضه سَماؤهُ)
الْبَيْت لرؤبة بن العجاج من الرجز
والمهمة الْمَفَازَة الْبَعِيدَة والبلد المقفر وَالْجمع مهامة والمغبرة المتلونة بالغبرة والأرجاء الْأَطْرَاف والنواحي جمع رجا مَقْصُورا
وَالشَّاهِد فِيهِ الْقلب وَهُوَ أَن يَجْعَل أحد أَجزَاء الْكَلَام مَكَان الآخر وَالْآخر مَكَانَهُ وَهُوَ هُنَا فِي المصراع الثَّانِي وَمَعْنَاهُ كَأَن لون سمائه لغبرتها لون أرضه وَفِيه من الِاسْتِعَارَة مَا لَيْسَ فِي تَركه لإشعاره بَان لون السَّمَاء قد بلغ من الغبرة إِلَى حَيْثُ يشبه بِهِ لون الأَرْض فِيهَا
وَمن الْقلب قَول الشَّاعِر
(كَانَت فَريضَة مَا تقُولُ كَمَا ... كانَ الزِّناءُ فريضةَ الرَّجْم) // الْكَامِل //
وَمِنْه قَول أبي تَمام يصف قلم الممدوح
(لُعابُ الأفاعي القاتِلات لُعابهُ ... وأرْىُ الجَني اشْتارتْهُ أيْدٍٍ عواسِلُ) // الطَّوِيل //
وَقَول الآخر
(فَدَيت بنَفسه نَفسِي وَمَالِي ... ) // الوافر //
وَقَول الآخر
(يمشي فَيُقْعِسُ أَو يكب فيعثر ... ) // الْكَامِل //
ورؤبة بن العجاج تقدم ذكره فِي شَوَاهِد الْمُقدمَة
(1/178)

32 - (كَمَا طينت بالفدن السَّياعا ... )
قَائِله الْقطَامِي من قصيدة من الوافر يمدح بهَا زفر بن الْحَارِث الْكلابِي حِين أحاطت بِهِ قيس بنواحي الجزيرة وَأَرَادُوا قَتله فحال زفر بَينه وَبينهمْ وحماه وَمنعه وكساه وَأَعْطَاهُ مائَة نَاقَة وخلى سَبيله فَقَالَ يمدحه وَأول القصيدة
(قفي قَبلَ التَّفرق يَا ضُباعا ... وَلَا يَكُ موْقِفٌ مِنْك الوَداعا)
(قفي فافْدي أسيرَكِ إِن قومِي ... وقوْمَكِ لَا أرَى لهُم اجتماعا) // الوافر //
إِلَى أَن قَالَ يمدح زفر بن الْحَارِث
(وَمن يَكُنِ استَلاَم إِلَى ثَويٍّ ... فَقَدْ أحسنْتَ يَا زُفَرُ المتاعا)
(أكُفراً بعد ردِّ الموتِ عني ... وبعْدَ عَطائك المائَةَ الرِّتاعا)
(فَلما أَن جرَى سِمَنٌ عَلَيْهَا ... كَمَا طينت بالفدن السياعا)
(أمَرْتُ بهَا الرِّجَال ليأخُذُوها ... ونحنُ نظُن أَن لن تُستَطاعا)
(فَلأْياً بعد لأيٍ أَدرَكوها ... على مَا كَانَ إِذ طَرَحُوا الرِّقاعا)
(فَلَو بِيَدَيْ سِواكَ غَدَاةً زلَّتْ ... بِيَ القدمانِ لم أرجُ اطِّلاعا)
(1/179)

(إِذن لَهلكتُ لَو كَانَت صغَارًا ... من الْأَخْلَاق تُبْتَدعُ ابتداعا)
(فَلم أرَ مُنْعِمِينَ أقلَّ منا ... وأكرَمَ عِنْدَمَا اصطنعوا اصطناعا)
(مِنَ البيضِ الوجوهِ بني نُفَيْلٍ ... أبَتْ أخْلاقُهُمْ إِلَّا اتساعا) // الوافر //
وَهِي طَوِيلَة
والفدن محركة الْقصر المشيد والسياع بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة الطين بالتبن يطين بِهِ
وَالشَّاهِد فِيهِ الْقلب أَيْضا وَمَعْنَاهُ كَمَا طينت الفدن بالسياع وَهَذَا من قبيل الْقلب الْمَرْدُود لِأَن الْعُدُول عَن مُقْتَضى الظَّاهِر من غير نُكْتَة تَقْتَضِيه خُرُوج عَن تطبيق الْكَلَام لمقْتَضى الْحَال
والقطامي بِفَتْح الْقَاف وَضمّهَا اسْمه عُمَيْر بن شييم والقطامي لقب غلب عَلَيْهِ وَكَانَ نَصْرَانِيّا وَأسلم قَالَه ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخ دمشق وَهُوَ شَاعِر إسلامي مقل فَحل مجيد
وَعَن الشّعبِيّ رَحمَه الله قَالَ قَالَ عبد الْملك وَأَنا حَاضر للأخطل يَا أَبَا مَالك أَتُحِبُّ أَن لَك بشعرك شعر شَاعِر من الْعَرَب قَالَ اللَّهُمَّ لَا إِلَّا شَاعِرًا منا مغدف القناع خامل الذّكر حَدِيث السن إِن يكن فِي أحد خير فسيكون فِيهِ ولوددت أَنِّي سبقته إِلَى قَوْله
(1/180)

(وَإِنِّي لَصبَّارٌ على مَا ينوبني ... وحسبك أَن الله أثنى على الصَّبْر) // الطَّوِيل //
وَرَوَاهُ صَاحب الدّرّ الفريد لأبي سعيد المَخْزُومِي يُخَاطب بِهِ امْرَأَته وَأول الأبيات
(ثِقِي بجميل الصبرِ مني على الهجر ... وَلَا تثقي بِالصبرِ مني على الهجر) // الطَّوِيل //
وَأَرَادَ بالغنى مسببه أَعنِي الرَّاحَة وبالفقر المحنة يَعْنِي أَن السِّيَادَة مَعَ التَّعَب وَالْمَشَقَّة أحب إِلَيْهِ من الرَّاحَة والدعة بِدُونِهَا
وَالشَّاهِد فِيهِ وَصفه بالإطناب بِالنِّسْبَةِ إِلَى مصراع أبي تَمام لِأَنَّهُ مساوٍ لَهُ فِي أصل الْمَعْنى مَعَ قلَّة حُرُوفه
وَمثل ذَلِك قَول الشماخ
(إِذَا مَا رايةٌ رُفِعَتْ لمجدٍ ... تلقَاهَا عرابة بِالْيَمِينِ) // الوافر //
وَقَول بشر بن أبي خازم
(إِذا مَا المكرماتُ رُفعن يَوْمًا ... وقصَّرَ مُبْتَغُوها عَن مَداهَا)
(وَضاقَتْ أذرُعُ الْمُثْرِينَ فِيهَا ... سما أوسٌ إِلَيْهَا فاحتواها) // الوافر //
والمعذل هُوَ ابْن غيلَان بن الحكم بن البحتري وَكَانَ أَبوهُ غيلَان شَاعِرًا أَيْضا
حدث عمَارَة قَالَ مر المعذل بن غيلَان بِعَبْد الله بن سوار الْعَنْبَري القَاضِي فاستنزله عبد الله وَكَانَ من عَادَة المعذل أَن ينزل عِنْده فَأبى وأنشده
(أمِنْ حق الْمَوَدَّة أَن نُقضِّي ... ذِمامكُم وَلَا تقضوا ذِمامَا)
(1/180)

(يقتلنني بحديثٍ ليسَ يُعلمهُ ... من يتقين وَلَا مكنونه بَادِي)
(فهن ينبذن من قَول يصبن بِهِ ... مواقع المَاء من ذِي الْغلَّة الصادي) // الْبَسِيط //
وَحدث مُحَمَّد بن صَالح بن النطاح قَالَ الْقطَامِي أول من لقب صريع الغواني بقوله
(صريعُ غَوَانٍ راقَهُنّ ورُقنَهُ ... لَدُنْ شبّ حَتَّى شَابَ سُودُ الذوائب) // الطَّوِيل //
وَنزل الْقطَامِي فِي بعض أَسْفَاره بِامْرَأَة من محَارب قيس فنسبها فَقَالَت أَنا من قوم يشتوون الْقد من الْجُوع قَالَ وَمن هَؤُلَاءِ وَيحك قَالَت محَارب وَلم تقره فَبَاتَ عِنْدهَا بأسوإ لَيْلَة فَقَالَ فِيهَا قصيدة أَولهَا
(نَأتْكَ بليلي نيةٌ لم تقاربِ ... وَمَا حُبُّ ليلى من فُؤَادِي بذاهب) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن قَالَ فِيهَا
(وَلَا بدْ أَن الضيفَ يُخبرُ مَا رأى ... مُخَبِّرُ أهْلٍ أَو مخبرُ صاحبِ)
(سأخبرْكَ الأنباء عَن أُمّ منزِلٍ ... تَضيفْتُهَا بَين العُذَيْبِ فَراسبِ)
(تَلفَّفْتُ فِي طلّ وريح تلفني ... وَفِي طِرْ مِسَاء غيرِ ذاتِ كواكِبِ)
(إِلى حَيزَبونٍ تُوقدُ النَّار بَعْدَمَا ... تلفَّعَتِ الظلمَاء من كل جَانبِ)
(تصلى بهَا بردَ العشاءِ وَلم تكن ... تخالُ وميض النَّار يَبْدُو لراكبِ)
(1/181)

(فَمَا راعهَا إِلَّا بغُامُ مطيةٍ ... تريح بمحسور من الصَّوْت لاغبٍ)
(تقولُ وَقد قَرِّبتُ كُوري وناقتي ... إليكَ فَلَا تَذْعَرْ عَليّ ركائيي)
(فَلَمَّا تنازعنا الحَدِيث سألتُهَا ... مَنِ الحيّ قالتْ مَعشرٌ من محَاربِ)
(مِنَ المشتَويِنَ القِدَّ مِمَّا تراهُمُ ... جِيَاعاً وريفُ النَّاس لَيْسَ بعَازبِ)
(فَلما بدَا حرمَانُهَا الضيفَ لم يكن ... عليَّ مناخُ السوء ضَرْبَة لازبِ)
(أَلا إِنَّمَا نيرانُ قيس إِذا اشْتَوَوْا ... لِطارق ليل مثل نَار الحباحب) // الطَّوِيل //
وَإِلَى هَذِه الْعَجُوز أَشَارَ عبد الصَّمد بن المعذل فِي هجاء أَخِيه أَحْمد إِذْ يَقُول
(لَيْتَ لِي منكَ يَا أخي ... جَارةً من محَاربٍ)
(نارُها كلَّ شَتْوَةٍ ... مثلُ نَار الحبَاحِبِ)
(وَسَيَأْتِي ذكر عبد الصَّمد بن المعذل وأخيه عِنْد تَرْجَمَة أَبِيهِمَا المعذل فِي شَوَاهِد الْأَطْنَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى
قَالَ أَبُو عَمْرو رَحمَه الله أول مَا حرك من الْقطَامِي فَرفع ذكره أَنه قدم فِي خلَافَة الْوَلِيد بن عبد الْملك دمشق ليمدحه فَقيل لَهُ إِنَّه بخيل لَا يُعْطي الشُّعَرَاء وَقيل بل قدمهَا فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز فَقيل لَهُ إِن الشّعْر لَا ينْفق عِنْد هَذَا وَلَا يُعْطي عَلَيْهِ شَيْئا وَهَذَا عبد الْوَاحِد بن سُلَيْمَان فامدحه
(1/182)

فمدحه بقصيدته الَّتِي أَولهَا
(إنّا محيُّوكَ فاسلْم أَيهَا الطللُ ... وَإِن بليتَ وَإِن طَالَتْ بك الطيل) // الْبَسِيط //
فَقَالَ لَهُ كم أملت من أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أملت أَن يعطيني ثَلَاثِينَ نَاقَة قَالَ قد أمرت لَك بِثَلَاثِينَ نَاقَة موقورة برا وَتَمْرًا وثياباً ثمَّ أَمر بِدفع ذَلِك إِلَيْهِ
وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ لَو قَالَ الْقطَامِي بَيته
(يمشينَ زهواً فَلَا الأعجاز خاذلةُ ... وَلَا الصدورُ على الأعجاز تتكل) // الْبَسِيط //
فِي صفة النِّسَاء لَكَانَ أشعر النَّاس وَلَو قَالَ كثير عزة
(فَقلت لَهَا يَا عز كل مُصِيبَة ... إِذا وطنت يَوْمًا لَهَا النَّفس ذلت) // الطَّوِيل //
فِي مرثية أَو صفة حزن لَكَانَ أشعر النَّاس
وَقَالَ رجل كَانَ يديم الْأَسْفَار سَافَرت مرّة إِلَى الشَّام على طَرِيق الْبر فَجعلت أتمثل بقول الْقطَامِي
(قد يدْرك المتأني بعض حَاجته ... وَقد يكون مَعَ المستعجل الزلل) // الْبَسِيط //
وَمعنى أَعْرَابِي قد اسْتَأْجَرت مِنْهُ مركبي فَقَالَ مَا زَاد قَائِل هَذَا الشّعْر على أَن ثبط النَّاس عَن الحزم فَهَلا قَالَ بعد قَوْله هَذَا
(وَرُبمَا ضرَّ بعضَ النَّاس حزمُهمُ ... وَكان خيرا لَهُم لَو أَنهم عجلوا)
(1/183)

والقطامي أَخذ معنى بَيته هَذَا من قَول عدي بن زيد الْعَبَّادِيّ
(قَد يدركُ المبطئ من حظِّهِ ... وَالْخَيْر قد يسْبق جهد الْحَرِيص) // السَّرِيع //
وعدي نظر إِلَى قَول جمانة الْجعْفِيّ
(ومستعجل والمكثُ أدنى لرشدهِ ... وَلم يدرِ فِي استعجاله مَا يُبَادر) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول ابْن هِنْد ورحمه الله
(تأنَّ فالمرءُ إنْ تأنى ... أدْرك لَا شكّ مَا تمنى)
(وَمَا لمستوفِزٍ عَجُولٍ ... حظّ سوى أَنه تعَنَّى) // من مخلع الْبَسِيط //
وَمن أحسن مَا قيل فِي عيب الأناة قَول ابْن الرُّومِي
(عيبُ الأناة وَإِن سرَّت عواقبُهَا ... أَن لَا خلودَ وَأَن لَيْسَ الْفَتى حجرَا) // الْبَسِيط //
وللقطامي عدَّة قصائد فِي مدح زفر بن الْحَرْث الْكلابِي سَيَأْتِي مِنْهَا شَيْء فِي أثْنَاء الْكتاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(1/184)

شَوَاهِد الْمسند
(1/185)

33 - (فَانِي وقيار بهَا لغريب ... )
قَائِله ضابئ بن الْحَارِث البرجمي وَهُوَ من قصيدة من الطَّوِيل قَالَهَا وَهُوَ مَحْبُوس فِي الْمَدِينَة المنورة فِي زمن عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ وَهِي
(وَمن يَك أمْسى بالمدينةِ رحلُهُ ... فَانِي وقيار بهَا لَغريُب)
(وربَّ أُمُور لَا تَضيرُكَ ضَيرَةً ... وللقلب من مَخْشاتهن وجِيب)
(وَمَا عاجلاتُ الطيرُ تُدني من الْفَتى ... نجاحاً وَلَا عَن رَيْثِهِنَّ يخيب)
(وَلَا خَيرَ فِيمن لَا يُوَطن نَفسهُ ... على نائبات الدَّهرِ حِين تنَوب)
(وَفِي الشَّك تَفْريط وَفِي الحزْم فَتْرَة ... ويُخطئُ فِي الْحَدْس الْفَتى ويُصيب)
(ولَسْتَ بمستبْقٍ صَديقاً وَلَا أَخا ... إِذا لم تُعِدَّ الشيءَ وَهُوَ مُريب) // الطَّوِيل //
وَمعنى الْبَيْت التحسر على الغربة والرحل السكن وَمَا يستصحبه من الأثاث وقيار جمل ضابئ أَو فرسه
وَالشَّاهِد فِيهِ ترك الْمسند وَهُوَ غَرِيب وَالْمعْنَى إِنِّي لغريب وقيار أَيْضا لقصد الِاخْتِصَار والاحتراز عَن الْعَبَث فِي الظَّاهِر مَعَ ضيق الْمقَام بِسَبَب التحسر ومحافظة الْوَزْن
وَلَا يجوز أَن يكون غَرِيب خَبرا عَنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ لِامْتِنَاع الْعَطف على
(1/186)

مَحل اسْم إِن قبل مضى الْخَبَر وقيار مَرْفُوع إِمَّا عطفا على مَحل اسْم إِن أَو بِالِابْتِدَاءِ والمحذوف خَبره والسر فِي تَقْدِيم قيار على خبر إِن قصد التَّسْوِيَة بَينهمَا فِي التحسر على الاغتراب كَأَنَّهُ أثر فِي غير ذَوي الْعُقُول أَيْضا إِذْ لَو أخر لجَاز أَن يتَوَهَّم مزيته عَلَيْهِ فِي التأثر عَن الغربة لَان ثُبُوت الحكم أَولا أقوى
وضابئ بالضاد الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة ثمَّ همزَة ابْن الْحَرْث البرجمي يَنْتَهِي نسبه إِلَى تَمِيم وَذكر فِيمَن أدْرك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ إِنَّه جنى جِنَايَة فِي زمن عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ فحبسه فجَاء ابْنه عُمَيْر وَأَرَادَ الفتك بعثمان رَضِي الله عَنهُ ثمَّ جبن عَنهُ وَفِي ذَلِك يَقُول
(هَمَمْت وَلم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عُثْمَان تبْكي حلائله) // الطَّوِيل //
وَيَقُول فِيهَا أَيْضا
(وقائلِةٍ لَا يُبعدِ الله ضابِئاً ... وَلَا تَبَعدَنْ أخلاقه وشمائله)
إِلَى أَن يَقُول فِيهَا أَيْضا
(1/187)

(وَلَا تَقربنَ أَمرَ الصَّريمةَ بامرئ ... إِذا رَام أمرا عوَّفَتْهُ عواذلُهْ)
(فَلَا الفَتْكُ مَا أمّرتَ فِيهِ وَلَا الَّذِي ... تحدت مَنْ لاقيتَ أَنَّك قَاتله)
(وَمَا الفتك إِلَّا لامرئ ذِي حَفيظةٍ ... إِذا هَّم لم تُرْعَدْ عَلَيْهِ مفاصِلُهْ)
ثمَّ لما قتل عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ وثب عَلَيْهِ عُمَيْر الْمَذْكُور فَكسر ضلعين من أضلاعه ثمَّ إِن الْحجَّاج قَتله كَمَا سَيَأْتِي مشروحاً فِي شَوَاهِد الإيجاز عِنْد قَوْله أَنا ابْن جلا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَكَانَ السَّبَب فِي حبس عُثْمَان لضابئ أَنه كَانَ اسْتعَار من بعض بني حَنْظَلَة كَلْبا يصيد بِهِ فطالبوه بِهِ فَامْتنعَ من إِعْطَائِهِ فَأَخَذُوهُ مِنْهُ قهراُ فَغَضب وَرمى أمّهم بالكلب وهجاهم بقوله
(تَجشّمَ نحوي وفْدُ قُرحانَ شُقة ... تَظَل بِهِ الوَجناءُ وَهِي حَسيرُ)
(فأردَفتهُم كلْباً فراحوا كَأَنَّمَا ... حَباهْم بتاج الهُرمزانِ أميرُ)
(وقلَدْتهم مَا لَو رميْت مُتالِعاً ... بِهِ وَهْوَ مُغْبر لكاد يَطير)
(فَيا رَاكباً إِمَّا عرضت فبلغن ... أسامَةَ عني والأمورُ تدورُ)
(فأمُّكمُ لَا تترُكُوها وكلْبَكم ... فَإِن عقوقَ الْوَالِدين كَبير)
(فَإنَّك كلبٌ قد ضَرِيتَ بِمَا ترى ... سَميع بِمَا فوقَ الفِراشِ بَصِير)
(إذَا عَبَقَتْ مِن آخر اللَّيْل دُخْنةٌ ... يَبيت لَهُ فوْقَ الفِراشِ هرير) // الطَّوِيل //
فَاسْتَعدوا عَلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فحبسه وَقَالَ وَالله لَو أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ حَيا لنزلت فِيك آيَة وَمَا رَأَيْت أحدا رمى قوما بكلب قبلك
(1/188)

وَحدث أَبُو بكر بن عَيَّاش قَالَ كَانَ عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ يحبس فِي الهجاء فهجا ضابئ قوما فحبسه عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ ثمَّ استعرضه فَأخذ سكيناً فَجَعلهَا فِي أَسْفَل نَعله فَأعْلم عُثْمَان بذلك فَضَربهُ ورده إِلَى الْحَبْس
34 - (نَحنُ بِمَا عِنْدَنا وأَنْتَ بِما ... عِنْدِكَ راضٍ وَالرأي مُخْتَلِفُ)
الْبَيْت لقيس بن الخطيم من قصيدة من المنسرح أَولهَا
(رَدَّ الخليطُ الجِمالَ فانصرفوا ... مَاذَا عَلَيْهِم لَو أَنَّهم وَقَفوا)
(لَو وقفُوا سَاعَة نُسائِلُهم ... رَيْثَ يُضحي جِمَاله السلَفُ)
(فيهم لَعوبٌ لَعْساءُ آنسةُ الدَّل عَروبٌ يَسوءها الخلُفُ ... )
(بَين شُكولِ النساءِ خِلقُتها ... قَصْدٌ فَلَا جثلة وَلَا قَضَفُ)
(تَنامُ عَن كُبْرِ شَأْنهَا فَإِذا ... قَامَت رُويْداً تكَاد تنع طف) // المنسرح //
(1/189)

إِلَى أَن قَالَ مِنْهَا أَيْضا
(أَبْلِغْ بني مَذْحِج وقَومَهمُ ... خَطيم أَنا وَراءهم أُنُفُ)
(إِنَّا وَإِن قَلَّ نَصْرُنا لهُم ... أكبادُنا من وَرائِهم تجِفُ)
(وإننا دون مَا يسومهم الْأَعْدَاء ... من ضيم خُطةٍ نُكْفُ)
(الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة لَا ... يأتِيهُم من وَرَائِنَا وَكفُ)
(يَا مالِ وَالسَّيِّد المعَمَّم قد ... يَطرأ فِي بعض رَأْيه السَّرَفُ)
(نحنُ المكيثونَ حيثُ يحمَدُ بالمُكثِ وَنحن المصالِتُ الأنُفُ ... )
(يَا مَال والحقُّ إِن قَنعت بِهِ ... فَالْحق فِيهِ لأمرنا نَصَفُ)
(خَالفْتَ فِي الرَّأْي كلَّ ذِي فَخَرٍ ... والْبَغْيُ يَا مَال غير مَا تَصِفُ)
(إِنّ بُجيراً مولى لقومكم ... وَالْحق نوفي بِهِ ونعترف) // المنسرح //
والرأي الِاعْتِقَاد وَيجمع على آراء وأرآء
وَالشَّاهِد فِيهِ ترك الْمسند وَهُوَ راضون فَقَوله رَاض خبر الْمُبْتَدَأ الثَّانِي وَخبر الأول مَحْذُوف على عكس الْبَيْت السَّابِق
وَمثله قَول الشَّاعِر
(رماني بِأَمْر كنت مِنْهُ ووالدي ... بريّاً وَمن أجل الغوي رماني) // الطَّوِيل //
وَقَول المتنبي
(قَالَت وَقد رَأَتْ اصفراري من بِهِ ... وتنهدت فأجبتها المتنهد) // الْكَامِل //
(1/190)

أَي المتنهد هُوَ المطالب بِهِ
وَقيس بن الخطيم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة شَاعِر جاهلي وَابْنه ثَابت رَضِي الله عَنهُ مَذْكُور فِي الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وَشهد مَعَ عَليّ كرم الله وَجهه صفّين والجمل والنهروان
وَقيس هَذَا قتل أَبوهُ وَهُوَ صَغِير فَلَمَّا بلغ قتل قَاتل أَبِيه ونشأت بِسَبَب ذَلِك حروب بَين قومه وَبَين الْخَزْرَج فِي خبر يطول ذكره
وَكَانَ قيس بن الخطيم مقرون الحاجبين أدعج الْعَينَيْنِ أَحْمَر الشفتين براق الثنايا كَأَن بَينهمَا برقاً مَا رَأَتْهُ حَلِيلَة رجل قطّ إِلَّا ذهب عقلهَا
وَقَالَ حسان بن ثَابت رَضِي الله عَنهُ للخنساء اهجي قيس بن الخطيم فَقَالَت لَا أهجو أحدا حَتَّى أرَاهُ فَجَاءَتْهُ يَوْمًا فرأته فِي مشربَة ملتفاً بكساء لَهُ فنخسته برجلها وَقَالَت قُم فَقَامَ فَقَالَت أقبل فَأقبل ثمَّ قَالَت أدبر فَأَدْبَرَ ثمَّ قَالَت أقبل فَأقبل قَالَ وَالله لكأنها والية تعترض عبدا تشتريه ثمَّ عَاد إِلَى حَاله نَائِما فَوَلَّتْ وَقَالَت وَالله لَا أهجو هَذَا أبدا
وَقَالَ حسان بن ثَابت رَضِي الله عَنهُ قدم النَّابِغَة السُّوق فَنزل عَن رَاحِلَته ثمَّ جثا على رُكْبَتَيْهِ وَاعْتمد على عَصَاهُ ثمَّ أنشأ يَقُول
(عرَفتُ منازلاً بعُريتناتٍ ... فأعلى الجزعِ للحَيّ المبن) // الوافر //
فَقلت هلك الشَّيْخ ورأيته تبع قافية مُنكرَة قَالَ وَيُقَال إِنَّه
(1/191)

قَالَهَا فِي مَوْضِعه فَمَا زَالَ ينشد حَتَّى أَتَى على آخرهَا ثمَّ قَالَ أَلا رجل ينشد فَتقدم قيس بن الخطيم فَجَلَسَ بَين يَدَيْهِ وَأنْشد
(أتعرف رسما كاطراد الْمذَاهب ... ) // الطَّوِيل //
حَتَّى فرغ مِنْهَا فَقَالَ لَهُ أَنْت أشعر النَّاس يَا ابْن أخي قَالَ حسان رَضِي الله عَنهُ فدخلني مِنْهُ من ذَلِك وَإِنِّي مَعَ ذَلِك لأجد الْقُوَّة فِي نَفسِي عَلَيْهِمَا ثمَّ تقدّمت فَجَلَست بَين يَدَيْهِ فَقَالَ أنْشد فوَاللَّه إِنَّك لشاعر قبل أَن تَتَكَلَّم قَالَ وَكَانَ يعرفنِي قبل ذَلِك فَأَنْشَدته فَقَالَ أَنْت أشعر النَّاس
وَعَن أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ قَالَ جلس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مجْلِس لَيْسَ فِيهِ إِلَّا خزرجي فاستنشدهم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قصيدة قيس بن الخطيم وَهِي
(أتعرفُ رسماً كاطراد الْمذَاهب ... لِعَمْرَةَ وحشاً غيرَ موقف راكبِ)
فأنشده بَعضهم إِيَّاهَا فَلَمَّا وصل إِلَى قَوْله مِنْهَا
(أَجالِدُهمْ يَوْم الحديقةِ حاسراً ... كأنَّ يَدي بالسيفِ مِخْرَاق لاعبِ)
فَالْتَفت إِلَيْهِم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ هَل كَانَ كَمَا ذكر فَشهد ثَابت بن قيس بن شماس قَالَ وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ يَا رَسُول الله لقد خرج إِلَيْنَا يَوْم سَابِع عرسه عَلَيْهِ غلالة وَمِلْحَفَة مورسة فجالدنا كَمَا ذكر هَذَا فِي هَذِه الرِّوَايَة
وَهَذِه القصيدة من غرر القصائد وبيتها هُوَ قَوْله
(1/192)

(تبدّتْ لنَا كَالشَّمْسِ تحتَ غمّامةٍ ... بدَا حاجبٌ مِنْهَا وضَنَّتْ بحاجِبِ)
وَعَن الْمفضل أَن حَرْب الْأَوْس والخزرج لما هدأت تذكرت الْخَزْرَج قيس بن الخطيم ونكايته فيهم فتآمروا وتواعدوا على قَتله فَخرج عَشِيَّة من منزله فِي ملاءتين يُرِيد مَالا لَهُ بِالشَّوْطِ قلت وَهُوَ حَائِط عِنْد جبل أحد فَلَمَّا مر بأطم بني حَارِثَة رمى من الأطم بِثَلَاثَة أسْهم فَوَقع أَحدهَا فِي صَدره فصاح صَيْحَة سَمعهَا رهطه فجاؤه فَحَمَلُوهُ إِلَى منزله فَلم يرَوا لَهُ كفوا إِلَّا أَبَا صعصعة يزِيد بن عَوْف بن مبذول النجاري فاندس إِلَيْهِ رجل حَتَّى اغتاله فِي منزله فَقتله بِأَن ضرب عُنُقه وَاحْتمل رَأسه وأتى بِهِ قيسا وَهُوَ بآخر رَمق فَأَلْقَاهُ بَين يَدَيْهِ وَقَالَ يَا قيس قد أدْركْت بثارك فَقَالَ عضضت بأير أَبِيك إِن كَانَ غير أبي صعصعة قَالَ هُوَ أبي صعصعة وَأرَاهُ الرَّأْس فَلم يلبث قيسٌ بعد ذَلِك أَن مَاتَ وَكَانَ مَوته على كفره قبل قدوم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة المنورة
وَمن شعره من قصيدة
(ومَا بعضُ الإقَامةِ فِي ديارٍ ... يُهَانُ بهَا الْفَتى إِلَّا عناءُ)
(وبعضُ خلائقِ الأقوامِ داءٌ ... كداء الْمَوْت ليسَ لَهُ دَوَاء)
(يُرِيد الْمَرْء أَن يُعْطَي مُناهُ ... ويأْبَى اللهُ إِلاَّ مَا يشاءُ)
(وَكلّ شَدِيدَة نزلتْ بِقومٍ ... سَيَأْتِي بعد شِدَّتهَا رخَاءُ)
(وَلا يُعطى الْحَرِيص غنى بِحِرْصٍ ... وَقَدْ ينمي على الْجُود الثراءُ)
(1/193)

(غنَاء النفسِ مَا عمرتْ غناءٌ ... وفقرُ النَّفس مَا عمرت شقَاءُ)
(وَلَيْسَ بِنافع ذَا الْبُخْل مالٌ ... ولاَ مُزْرٍ بِصاحبه السخَاءُ)
(وبعضُ القَوْل ليسَ لهُ عنَاجٌ ... كمخص المَاء لَيْسَ لَهُ إتاءُ)
(وبعضُ الدَّاء مُلْتَمَسٌ شِفَاهُ ... وداءُ النَّوْكِ لَيْسَ لَهُ دَوَاء) // الوافر //
35 - (إِن محلا وَإِن مرتحلا ... )
قَائِله الْأَعْشَى الْأَكْبَر من قصيدة من المنسرح يمدح بهَا سَلامَة ذَا فايش واسْمه سَلامَة بن يزِيد الْيحصبِي وَكَانَ يظْهر للنَّاس فِي الْعَام مرّة مبرقعاً
حدث سماك بن حَرْب قَالَ قَالَ الْأَعْشَى أتيت سَلامَة ذَا فايش فأطلت الْمقَام بِبَابِهِ حَتَّى وصلت إِلَيْهِ بعد مُدَّة طَوِيلَة فَأَنْشَدته
(إِن محلا وَإِن مرتحلا ... وَإِن فِي شِعْرِ مَنْ مضى مَثَلاَ)
(1/194)

(استأثرّ اللُه بِالْوَفَاءِ وبالعدلِ وأوْلى الملامةَ الرجلاَ ... )
(والأرضُ حمالَة لما حملَ اللهُ وَمَا إِنْ يُردُّ مَا فعلا ... )
(يَوْمًا تَراهَا كشبه أرديةِ العَصبِ وَيَوْما أَديمُهَا نَغِلاَ ... )
(الشّعْر قلدُتهُ سَلامَة ذَا ... فايش والشيءُ حَيْثُمَا جُعلاَ)
فَقَالَ صدقت الشَّيْء حَيْثُمَا جعل وَأمر لي بِمِائَة من الْإِبِل وكساني حللا وَأَعْطَانِي كرشاً مدبوغة مَمْلُوءَة عنبراً وَقَالَ لي إياك أَن تخدع عَمَّا فِيهَا قَالَ فَأتيت الْحيرَة فبعتها بثلثمائة نَاقَة حَمْرَاء
وَالْمحل بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة الْمنزل والمرتحل بِالْفَتْح أَيْضا الْمَكَان المرتحل عَنهُ
وَالشَّاهِد فِيهِ حذف الْمسند الَّذِي هُوَ هُنَا ظرف
وَالْمعْنَى إِن لنا فِي الدُّنْيَا حلولا وَلنَا عَنْهَا إِلَى الْآخِرَة ارتحالا
وَقد اخْتلف فِي حذف خبر إِن فَأَجَازَهُ سِيبَوَيْهٍ إِذا علم سَوَاء كَانَ الِاسْم معرفَة أَو نكرَة وَهُوَ الصَّحِيح وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ إِن كَانَ الِاسْم نكرَة وَقَالَ الْفراء لَا يجوز معرفَة كَانَ أَو نكرَة إِلَّا إِذا كَانَ بالتكرير كَهَذا الْبَيْت
(1/195)

والأعشى اسْمه مَيْمُون بن قيس بن جندل بن شرَاحِيل يَنْتَهِي نسبه لنزار وَكَانَ يُقَال لِأَبِيهِ قَتِيل الْجُوع سمي بذلك لِأَنَّهُ دخل غاراً ليستظل فِيهِ من الْحر فَوَقَعت صَخْرَة من الْجَبَل فَسدتْ فَم الْغَار فَمَاتَ فِيهِ جوعا وَفِيه يَقُول جهنام واسْمه عَمْرو وَكَانَ يتهاجى هُوَ والأعشى
(أَبوك قتيلُ الْجُوع قيس بن جندل ... وخالك عبدٌ من خماعة راضع) // الطَّوِيل //
وَكَانَ الْأَعْشَى يكنى أَبَا بَصِير وَهُوَ أحد الْأَعْلَام من شعراء الْجَاهِلِيَّة وفحولها
وَسُئِلَ يُونُس النَّحْوِيّ من أشعر النَّاس فَقَالَ لَا أومئ إِلَى رجل بِعَيْنِه وَلَكِنِّي أَقُول امْرُؤ الْقَيْس إِذا ركب والنابغة إِذا رهب وَزُهَيْر إِذا رغب والأعشى إِذا طرب
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة من قدم الْأَعْشَى احْتج بِكَثْرَة طواله الْجِيَاد وتصرفه فِي المديح والهجاء وَسَائِر فنون الشّعْر وَلَيْسَ ذَلِك لغيره وَيَقُول هُوَ أول من سَالَ بِشعرِهِ وانتجع بِهِ أقاصي الْبِلَاد وَكَانَ يُغني بِشعرِهِ فَكَانَت الْعَرَب تسميه صناجة الْعَرَب
(1/196)

وَحدث يحيى بن سليم الْكَاتِب قَالَ بَعَثَنِي أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور بِالْكُوفَةِ إِلَى حَمَّاد الراوية أسأله من أشعر النَّاس قَالَ فَأتيت حماداً فاستأذنت وَقلت يَا غُلَام فَأَجَابَنِي إِنْسَان من أقْصَى بَيت فِي الدَّار فَقَالَ من أَنْت فَقلت يحيى بن سليم رَسُول أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ ادخل رَحِمك الله فَدخلت أتسمت الصَّوْت حَتَّى وقفت على بَاب الْبَيْت فَإِذا حَمَّاد عُرْيَان وعَلى سوءتيه شاهشفرم قلت وَهُوَ الريحان فَقلت لَهُ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَسْأَلك عَن أشعر النَّاس قَالَ نعم ذَلِك الْأَعْشَى صناجها
وَحدث رجل من أهل الْبَصْرَة أَنه حج فَقَالَ إِنِّي لأسير فِي لَيْلَة أضحيانة إِذْ نظرت إِلَى رجل شَاب رَاكب على ظليم قد زمه وخطمه وَهُوَ يذهب عَلَيْهِ وَيَجِيء قَالَ وَهُوَ مَعَ ذَلِك يرتجز وَيَقُول
(هَل يُبْلغَنِّيهم إِلَى الصَّباحْ ... هِقلٌ كَأَن رَأسه جماح) // الرجز //
فَعلمت أَنه لَيْسَ بإنسي فاستوحشت مِنْهُ فتردد عَليّ ذَاهِبًا وراجعاً حَتَّى أنست بِهِ فَقلت من أشعر النَّاس قَالَ الَّذِي يَقُول
(1/197)

(وَمَا ذَرَفَتْ عيناكِ إِلا لتضربي ... بِسَهْمَيْك فِي أعشار قلب مقتل) // الطَّوِيل //
فقتلت وَمن هُوَ قَالَ امْرُؤ الْقَيْس قلت وَمن الثَّانِي قَالَ الَّذِي يَقُول
(تَطردُ القُرّ بحرٍّ ساخن ... وعَكيكَ القَيْظِ إِن جَاءَ بِقُر) // الرمل //
قلت وَمن يَقُوله قَالَ طرفَة قلت وَمن الثَّالِث قَالَ الَّذِي يَقُول
(وَتبْرُدُ بَرْدَ زداء الْعَرُوس ... بالصيف رَقْرَقْتَ فِيهِ العبيرا) // المتقارب //
قلت وَمن يَقُوله قَالَ الْأَعْشَى ثمَّ ذهب
وَقَالَ الشّعبِيّ رَحمَه الله الْأَعْشَى أغزل النَّاس فِي بَيت وَاحِد وأخنث النَّاس فِي بَيت وَاحِد وَأَشْجَع النَّاس فِي بَيت وَاحِد فَأَما أغزل بَيت فَقَوله
(غَرَّاءُ فَرعاءُ مصقولٌ عوارضها ... تَمشي الهُوينا كَمَا يمشي الوجى الوجل) // الْبَسِيط //
وَأما أخنث بَيت فَقَوله
(قَالَت هُريرة لما جِئتُ زائِرها ... ويلي عَلَيْك وويلي مِنْك يَا رجل) // الْبَسِيط //
وَأما أَشْجَع بَيت فَقَوله
(قَالُوا الطِّرادُ فَقُلْنَا تِلْكَ عادَتُنَا ... أَو تَنْزلونَ فَإنَّا مَعْشر نزل) // الْبَسِيط //
(1/198)

وَهَذِه الأبيات من قصيدة للأعشى طنابة مطْلعهَا
(وَدَّعْ هريرةَ إِن الركب مرتحل ... وَهل تُطيقُ وداعاً أَيهَا الرَّجُلُ)
وَقد ذكرت بهَا مَا أنْشدهُ السراج الْوراق مداعباً لشخص يدعى النَّجْم وَكَانَ اشْترى جَارِيَة اسْمهَا زبيدة من سيد لَهَا جميل الْوَجْه يُسمى فَخر الدّين بن عُثْمَان فَحملت سَيِّدهَا النَّجْم على أَن أزارها بَيت سَيِّدهَا الأول
(ذَابتْ زُبَيدة من شَوقٍ لسَيدها ... عثمانَ والنَّجم بالنيرانِ مشتعلُ)
(وَمَا تلام ونيل الْفَخر يعجبها ... وبالزيارة لم يبرح لَهَا شغل)
(فقُل لِطائر عقَل قد أتاهُ بهَا ... ويلي عَلَيْك وويلي مِنْك يَا رجل)
(لَو كنْتَ يَا سَطْلُ ذَا أذْنٍ تُصيخ إِلَيّ ... عَذْلٍ عذلتُك لَو يجدي لَك العَذَلُ)
(تَقود ظَبْيَة آرام إِلَى أسَدٍ ... لَو التقى لمَضَتْ أنيابهُ العُصلُ)
(وَمن يرى ذَلِك الوجهَ الجميلَ وَلَا ... يَوَدُّ من قَبحكَ الْمَشْهُور ينفَصلُ)
(هذي بُثينةُ وَالْمَجْنُون قائدُها ... إِلَى جَميلٍ أَجَاد المح يَا جمل)
(وهبهُ عَفَّ أما تبقى محا سنّهَا ... فِي قلبه يَا لَكَاع الْوَقْت يَا زُحَل)
(أفٍٍّ لعقلكَ يَا مَتبوعُ إِنَّك ذُو ... رَأس خفيفٍ وذَاك الطودُ والجبل)
(وَالويلُ وَيلك إِن ذاقَتْ عُسَيلته ... وَبَات يَجْتَمِعَانِ الزبدُ والعَسلُ)
(لأنشِدَنك إِن ودعتها سَفهاً ... ودِّع هُرَيْرَة إِن الركب مرتحل)
(وَإِن يكن ذَاك أعشي كُنتَ أَنْت إِذا ... أعمى فَلَا اتَّضحت يَوْمًا لَك السبل) // الْبَسِيط //
رَجَعَ إِلَى أَخْبَار الْأَعْشَى
قدم الأخطل الْكُوفَة فَأَتَاهُ الشّعبِيّ يسمع من شعره قَالَ فَوَجَدته يتغدى
(1/199)

فدعاني إِلَى الْغذَاء فأبيت فَقَالَ مَا حَاجَتك قلت أحب أَن أسمع من شعرك فأنشدني
(صرمت أُمامة حبلها ورعوم ... ) // الْكَامِل //
فَلَمَّا انْتهى إِلَى قَوْله
(وَإِذا تَعاوَرت الأكف ختامها ... نفخت فَنالَ رياحهَا المزكُومُ) // الْكَامِل //
قَالَ لي يَا شعبي ناك الأخطل أُمَّهَات الشُّعَرَاء بِهَذَا الْبَيْت فَقلت الْأَعْشَى فِي هَذَا أشعر مِنْك يَا أَبَا مَالك قَالَ وَكَيف قلت لِأَنَّهُ قَالَ
(من خَمْر عانةَ قد أَتَى لختامِهِ ... حَوْلٌ تَسُل غمامةَ المزكوم) // الْكَامِل //
فَقَالَ وَضرب بالكأس الأَرْض هُوَ والمسيح أشعر مني ناك وَالله أُمَّهَات الشُّعَرَاء إِلَّا أَنا
وَحدث هِشَام بن الْقَاسِم الْغَزِّي وَكَانَ عَلامَة بِأَمْر الْأَعْشَى أَنه وَفد
(1/200)

إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد مدحه بقصيدته الَّتِي أَولهَا
(ألم تكتحلْ عَيْنَاك ليْلةَ أرمَدَا ... وعادَك مَا عادَ السليمَ المسهَّدا)
(وَمَا ذاكَ من عِشق النساءِ وَإِنَّمَا ... تَناسيت قبلَ الْيَوْم خُلَّةً مَهْدَدا) // الطَّوِيل //
وفيهَا أَيْضا يَقُول لناقته
(فآليتُ لَا أرثي لَهَا من كلالةٍ ... وَلَا من حَفىً حَتى تزورَ مُحَمَّدًا)
(نَبيٌّ يرى مَا لَا ترَوْن وذكرهُ ... أَغارَ لعمري فِي الْبِلَاد وأَنجَدَا)
(مَتى مَا تُناخى عِنْد بَاب ابْن هَاشم ... تُراحِي وتَلْقَىْ من فواضلِهِ نَدَى)
فَبلغ خَبره قُريْشًا فرصدوه على طَرِيقه وَقَالُوا هَذَا صناجة الْعَرَب مَا يمدح أحدا قطّ إِلَّا رفع من قدره فَلَمَّا ورد عَلَيْهِم قَالُوا أَيْن أردْت يَا أَبَا بَصِير قَالَ أردْت صَاحبكُم هَذَا لأسلم على يَدَيْهِ قَالُوا إِنَّه ينهاك عَن حَلَال ويحرمها عَلَيْك وَكلهَا بك رافق وَلَك مُوَافق قَالَ وَمَا هن قَالَ أَبُو سُفْيَان بن حَرْب الزِّنَى قَالَ لقد تركني الزِّنَى وَمَا تركته قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ الْقمَار قَالَ لعَلي إِن لَقيته أصبت مِنْهُ عوضا من الْقمَار قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ الرِّبَا قَالَ مَا دنت وَمَا أدنت قطّ قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ الْخمر قَالَ أوه أرجع إِلَى صبَابَة بقيت لي فِي المهراس فأشربها فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَان فَهَل لَك فِي شَيْء خير لَك مِمَّا هَمَمْت بِهِ قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ نَحن وَهُوَ الْآن فِي هدنة فتأخذ مائَة من الْإِبِل وَترجع إِلَى بلدك سنتك هَذِه حَتَّى تنظر مَا يصير إِلَيْهِ أمرنَا فَإِن ظهرنا عَلَيْهِ كنت قد أخذت خلفا وَإِن ظهر علينا أَتَيْته قَالَ مَا أكره ذَاك قَالَ
(1/201)

أَبُو سُفْيَان يَا معشر قُرَيْش هَذَا الْأَعْشَى فوَاللَّه لَئِن أَتَى مُحَمَّدًا وَاتبعهُ ليضرمن عَلَيْكُم نيران الْعَرَب بِشعرِهِ فاجمعوا لَهُ مائَة من الْإِبِل فَفَعَلُوا فَأَخذهَا وَانْطَلق إِلَى بَلَده فَلَمَّا كَانَ بقاع منفوحة رَمَاه بعيره فَقتله
وَحدث مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن سُلَيْمَان بن أبي حَفْصَة قَالَ قبر الْأَعْشَى بمنفوحة وَأَنا رَأَيْته فَإِذا أَرَادَ الفتيان أَن يشْربُوا خَرجُوا إِلَى قَبره فَشَرِبُوا عِنْده وَصبُّوا عَلَيْهِ فضلات الأقداح انْتهى وَالله أعلم
36 - (لِيبْكَ يزِيد ضارع لخصومة ... )
قَائِله ضرار بن نهشل يرثي أَخَاهُ يزِيد من قصيدة من الطَّوِيل أَولهَا
(لَعمرِي لَئنْ أَمْسى يَزيدُ بنُ نَهشلٍ ... حَشا جَدثٍ تَسفي عَليهِ الرَّوائحُ)
(لَقد كانَ ممنْ يَبسُطُ الكفَّ بالنَّدى ... إِذَا ضَنَّ بِالخيرِ الأكفُّ الشَّحائحُ)
(فَبعدكَ أبْدَى ذُو الضَّغينةِ ضِغنهُ ... وسَدَّد لي الطَّرفَ الْعيونُ الْكواشحُ)
(ذَكرتُ الذِي ماتَ النَّدَى عِندَ مَوْتِهِ ... بِعافيةٍ إِذْ صَالحُ الْقومِ صَالحُ)
(1/202)

(إِذَا أَرَقِي أَفْنَى مِنَ اللَّيلِ مَا مَضى ... تَمطَّي بهِ ثِنيٌ مِنَ اللَّيلِ رَاجحُ)
(لِيبكَ يَزيدُ ضَارعٌ لخُصومةٍ ... وَمُختبطٌ مِمَّا تُطيحُ الطَّوائحُ)
(عَرى بَعد مَا جَفَّ الثَّرَى عَنْ نِقابهِ ... بِعصماءَ تَدْري كَيفَ تَمشي المنَائحُ) // الطَّوِيل //
والضارع الخاضع المستكن من الضراعة وَهِي الخضوع والتذلل وَالْجَار وَالْمَجْرُور مُتَعَلق بضارع وَإِن لم يعْتَمد على شَيْء لِأَن الْجَار وَالْمَجْرُور تكفيه رَائِحَة الْفِعْل أَي يبكيه من يذل لأجل خُصُومَة لِأَنَّهُ كَانَ ملْجأ وظهيراً للأذلاء والضعفاء وتعليقه بيبكي لَيْسَ بِقَوي والمختبط الَّذِي يَأْتِيك للمعروف من غير وَسِيلَة وَأَصله من الْخبط وَهُوَ ضرب الشّجر ليسقط وَرقهَا لِلْإِبِلِ والطوائح جمع مطيحة وَهِي القواذف على غير قِيَاس كلواقح جمع ملقحة يُقَال طوحته الطوائح أَي نزلت بِهِ المهالك وَلَا يُقَال المطوحات وَهُوَ نَادِر
وَالشَّاهِد فِيهِ وُقُوع الْكَلَام جَوَابا لسؤال مُقَدّر مُشْتَمل على الْمسند وَعدل عَن بنائِهِ للْمَفْعُول لتكرير الْإِسْنَاد إِجْمَالا وتفصيلاً إِذْ هُوَ أوكد وَأقوى فِي النَّفس وَالله أعلم
(1/203)

37 - (أوَ كلما وَرَدَتْ عُكاظَ قَبِيلةٌ ... بَعثُوا إِليَّ عَريفَهُمْ يَتَوَسَّمُ)
الْبَيْت لطريف بن تَمِيم الْعَنْبَري من أَبْيَات من الْكَامِل وَبعده
(فَتَوَّسموني إِنَّنِي أَنا ذَلِكمْ ... شَاكي سلاَحي فِي الحَوادثِ مُعَلمُ)
(تَحتي الأغَرُّ وَفوقَ جِلدي نَثرةٌ ... زعف تَرُدُّ السَّيفَ وَهوَ مُثْلَّمُ)
(حَوْلي أسَيِّدُ والهجيمُ وَمازنٌ ... وَإذا حَللتُ فَحْولَ بَيتي خضم) // الْكَامِل //
وعكاظ سوق بصحراء بَين نَخْلَة والطائف كَانَت تقوم هِلَال ذِي الْقعدَة وتستمر عشْرين يَوْمًا تَجْتَمِع فِيهَا قبائل الْعَرَب فيتعاكظون أَي يتفاخرون ويتناشدون وَمِنْه الْأَدِيم العكاظي والقبيلة بَنو أَب وَاحِد والعريف رَئِيس الْقَوْم لِأَنَّهُ عرف بذلك أَو النَّقِيب وَهُوَ دون الرئيس والتوسم التخيل والتفرس
وَالْمعْنَى إِن لي على كل قَبيلَة جِنَايَة فَمَتَى وردوا عكاظ طلبني الْقيم بأمرهم وَكَانَت فرسَان الْعَرَب إِذا كَانَ أَيَّام عكاظ فِي الشَّهْر الْحَرَام وَأمن بَعضهم
(1/204)

بَعْضًا تقنعوا حَتَّى لَا يعرفوا وَذكر عَن طريف هَذَا وَكَانَ من الشجعان أَنه كَانَ لَا يتقنع كَمَا يتقنعون فَوَافى عكاظ سنة وَقد حشدت بكر ابْن وَائِل وَكَانَ طريف هَذَا قبل ذَلِك قد قتل شرَاحِيل الشَّيْبَانِيّ فَقَالَ حصيصة بن شرَاحِيل أروني طريفا فاروه إِيَّاه فَجعل كلما مر بِهِ طريف تَأمله وَنظر إِلَيْهِ حَتَّى فطن لَهُ طريف فَقَالَ لَهُ مَا لَك تنظر إِلَيّ مرّة بعد مرّة فَقَالَ أتوسمك لأعرفك فَللَّه عَليّ لَئِن لقيتك فِي حَرْب لأَقْتُلَنك أَو لتقتلني فَقَالَ طريف عِنْد ذَلِك الأبيات الْمَارَّة
وَالشَّاهِد فِيهِ مجي الْمسند فعلا ليُفِيد حُدُوث التجدد حَالا بعد حَال وَهُوَ هُنَا يتوسم أَي يتفرس الْوُجُوه ويتصفحها يحدث مِنْهُ ذَلِك شَيْئا فَشَيْئًا ولحظة فلحظة
ثمَّ إِن بني عائذة حلفاء بني ربيعَة من ذهل بن شَيبَان خرج مِنْهَا رجلَانِ يصيدان فَعرض لَهما رجل من بني شَيبَان فذعر عَلَيْهِمَا صيدهما فوثبا عَلَيْهِ فقتلاه فثارت بَنو مرّة بن ذهل بن شَيبَان يُرِيدُونَ قَتلهمَا فَأَبت بَنو ربيعَة عَلَيْهِم ذَلِك فَقَالَ هَانِئ بن مَسْعُود وَهُوَ رئيسهم يَا بني ربيعَة إِن إخْوَانكُمْ قد أَرَادوا ظلمكم فانحازوا عَنْهُم ففارقوهم فَسَارُوا حَتَّى نزلُوا بمبايض مَاء لَهُم فأبق عبد لرجل من بني ربيعَة وَسَار إِلَى بِلَاد تَمِيم فَأخْبرهُم أَن حَيا جريداً من بني بكر بن وَائِل نزل على مبايض وهم بَنو ربيعَة والحي الجريد المنتقي من قومه فَقَالَ طريف بن
(1/205)

الْعَنْبَري هَؤُلَاءِ ثَأْرِي يَا آل تَمِيم إِنَّمَا هم أَكلَة رَأس وَأَقْبل فِي بني عَمْرو بن تَمِيم فأنذرت بهم بَنو ربيعَة فانحاز بهم هَانِئ بن مَسْعُود رئيسهم إِلَى علم مبايض وَأَقَامُوا عَلَيْهِ وسرحوا بالأموال والسرح وصحبتهم تَمِيم فَقَالَ لَهُم طريف افرغوا من هَؤُلَاءِ الْأَكْلُب يصف لكم مَا وَرَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ بعض رُؤَسَاء قومه أنقاتل أكلباً أحرزوا أنفسهم ونترك أَمْوَالهم مَا هَذَا بِرَأْي وأبوا عَلَيْهِ وَقَالَ هَانِئ لأَصْحَابه لَا يُقَاتل رجل مِنْكُم فلحقت تَمِيم بِالنعَم والعيال فَأَغَارُوا عَلَيْهِمَا فَلَمَّا ملأوا أَيْديهم من الْغَنِيمَة قَالَ هَانِئ لأَصْحَابه احملوا عَلَيْهِم فهزموهم وَقتل يَوْمئِذٍ طريف بن الْعَنْبَري قَتله حصيصة الشَّيْبَانِيّ بن شرَاحِيل وَقَالَ فِي ذَلِك
(وَلقدْ دَعوتَ طَريفُ دَعوةَ جاهلٍ ... سَفهاً وَأنت بُمعلمٍ قَدْ تَعلم)
(وَأتيتَ حَيّاً فِي الْحروبِ مَحلهمْ ... والجيشُ باسمِ أبِيهمُ يُستهزمُ)
(فوجدتَ قَوماً يمنعونَ ذِمارهمْ ... بُسْلاً إذَا هابَ الفوارسُ أقْدموا)
(وَإِذا دَعوْا بِبني رَبيعةَ شمرُوا ... بِكتائبٍ دُونَ النِّساءِ تَلَمْلَمُ)
(حَشدُوا عَليك وَعجلوا بِقراهمُ ... وَحموْا ذِمارَ أَبيهمُ أنْ يُشتمُوا)
(سَلبوكَ دِرعكَ وَالأغرّ كليهمَا ... وَبنُو أسَيِّدٍ أسْلموك وخَضَّمُ)
(1/206)

38 - (لاَ يألَفُ الدَّرْهمُ المضْرُوبُ صُرَّتَنَا ... لكِنْ يَمُرُّ عَلَيهَا وَهْوَ منطلق)
الْبَيْت للنضر بن جؤية أَو جؤية بن النَّضر من أَبْيَات من الْبَسِيط وَقَبله
(قالتْ طَريفةُ مَا تَبقى دَراهِمنا ... ومَا بِنا سَرفٌ فِيها وَلَا خُرقُ)
(إِنا إِذا اجْتمعتْ يَوْماً دَراهِمنا ... ظَلْتْ إِلى طُرقِ الْمَعْرُوف تستبق) // الْبَسِيط //
وبعدهما الْبَيْت وَبعده
(حَتى يَصيرَ إِلَى نَذْلٍ يُخلِّدهُ ... يَكادُ مِنْ صَرِّهِ إِيَّاهُ ينمزق) // الْبَسِيط //
وَنسبه صَاحب الْمغرب لملك إفريقية يزِيد بن حَاتِم بن قبيصَة بن الْمُهلب الْأَزْدِيّ
وَالشَّاهِد فِيهِ مَجِيء الْمسند اسْما لإِفَادَة الثُّبُوت والدوام لَا التَّقْيِيد والتجدد يَعْنِي أَن الانطلاق ثَابت لَهُ من غير اعْتِبَار تجدّد
وَفِي معنى الْبَيْت قَول المتنبي
(وكلمّا لقَى الدينارُ صاحبهُ ... فِي مِلْكهِ افترَقَا من قبلِ يصْطحبَا)
(مالٌ كأنّ غرابَ البينِ يرقبهُ ... فَكلما قيلَ هَذَا مجتد نعبا) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول ابْن النَّقِيب فِي مَعْنَاهُ
(ومَا بَين كفي وَالدَّرَاهِم عَامر ... ولستُ لَهَا دونَ الورى بخليل)
(وَمَا استَوْطَنَتْهَا قطُّ يَوْمًا وَإِنَّمَا ... تمرُّ عَلَيْهَا عابراتِ سَبِيل) // الطَّوِيل //
(1/207)

وَمَا ألطف قَول السراج الْوراق
(إِنّ الدراهمَ مسُّهَا ... أَلمٌ يشق على الكرامِ)
(الضربُ أول أمرهَا ... والحبسُ فِي أَيدي اللئام)
(مَاذَا على شُؤْم الدارهم ... من مقاساةِ الأنَامِ)
(ولخَوْفها مِنْ ذَا وَذَاكَ ... تفرُّ من أَيدي الْكِرَام) // من مجزوء الْكَامِل //
ولطيف قَول بَعضهم
(رَأَيْت الدَّرَاهِم أبغضنني ... كَأَنِّي قتلتُ أَبَا الدِّرْهَم) // المتقارب //
39 - (لَهُ همم لَا مُنْتَهى لِكِبَارِهَا ... )
قَائِله حسان بن ثَابت الْأنْصَارِيّ رَضِي الله عَنهُ يمدح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قصيدة من الطَّوِيل وَتَمَامه
(وهْمتُهُ الصُّغْرَى أَجلُّ من الدهرِ ... )
وَذكر بَعضهم أَنه لبكر بن النطاح فِي أبي دلف الْعجلِيّ وَلَعَلَّ الْحَامِل لَهُ على هَذَا مَا حكى أَن أَبَا دلف لحق أكراداً قطعُوا الطَّرِيق فِي عمله وَقد أرْدف فارش مِنْهُم رَفِيقًا لَهُ خَلفه فطعنهما جَمِيعًا فأنفذهما فَتحدث النَّاس أَنا أنفذ بطعنة وَاحِدَة فارسين فَلَمَّا قدم من وَجهه دخل عَلَيْهِ ابْن النطاح فأنشده قَوْله فِيهِ
(قَالُوا وينظمُ فارسين بطعنةٍ ... يومَ اللقَاء وَلَا يراهُ جليلاَ)
(لَا تعجبُوا فلوَ أَن طولَ قناتهِ ... مِيلٌ إذَن نظم الفوارس ميلًا) // الْكَامِل //
(1/208)

فَأمر لَهُ أَبُو دلف بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم فَقَالَ بكر فِيهِ أَيْضا
(لَهُ رَاحَة لَو أَن معشار جودها ... على الْبر كَانَ البرُّ أندى من الْبَحْر)
(وَلَو أَن خلقَ اللهِ فِي جسمِ فارسٍ ... وبارَزَهُ كَانَ الخليَّ من الْعُمر)
(أَبَا دُلَفٍ بوركْتَ فِي كل بَلْدَة ... كَمَا بوركت قي شهرها ليلةُ القدرِ) // الطَّوِيل //
فَلَمَّا كَانَت هَذِه الأبيات مُوَافقَة لذَلِك الْبَيْت فِي الْوَزْن والقافية نسب لبكر بن النطاح الْمَذْكُور وَالَّذِي يقوى أَنه لَيْسَ لبكر بن النطاح أَنه لم يُوجد فِي أخباره إِلَّا الأبيات الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة وَهَذَا الْبَيْت جليل بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا فَلَو كَانَ مِنْهَا لنَصّ عَلَيْهِ بِالذكر وَنقل بَعضهم أَن أَعْرَابِيًا دخل على أَمِير فَقَالَ يمدحه
(فَتى تهرْبُ الأموالُ مِن جود كفِّهِ ... كَمَا يهرُبُ الشَّيطانُ من لَيْلَة القدرِ)
(لَهُ همم لَا مُنْتَهى لكبارهَا ... وهْمتُهُ الصُّغْرَى أَجلُّ مْن الدَّهرِ)
(لهُ رَاحة لَو أَن معشار جودها ... على الْبر كَانَ البرُّ أندى من الْبَحْر) // الطَّوِيل //
فَقَالَ لَهُ الْأَمِير احتكم أَو فوض إِلَيّ الحكم فَقَالَ الْأَعرَابِي بل أحتكم بِكُل بَيت ألف دِرْهَم فَقَالَ الممدوح لَو فوضت إِلَيْنَا الحكم لَكَانَ خيرا لَك فَقَالَ لم يكن فِي الدُّنْيَا مَا يسع حكمك فَقَالَ أَنْت فِي كلامك أشعر من شعرك وَأمر مَكَان كل ألف بأَرْبعَة آلَاف
والهمم وَاحِدهَا همة بِالْكَسْرِ وتفتح وَهِي مَا هم بِهِ من أَمر ليفعل
وَالشَّاهِد فِيهِ تَقْدِيم الْمسند وَهُوَ لَهُ للتّنْبِيه من أول وهلة على أَنه خبر لهمم لَا نعت لَهُ إِذْ لَو تَأَخّر لتوهم أَنه نعت لَهُ لَا خبر
وَحسان بن ثَابت بن الْمُنْذر بن حرَام الخزرجي رَضِي الله عَنهُ وَأمه
(1/209)

الفريعة ويكنى أَبَا الْوَلِيد وَهُوَ من فحول الشُّعَرَاء وَقد قيل إِنَّه أشعر أهل المدن وَكَانَ أحد المعمرين المخضرمين عمر مائَة وَعشْرين سنة مِنْهَا سِتُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَسِتُّونَ فِي الْإِسْلَام
وَعَن سُلَيْمَان بن يسَار قَالَ رَأَيْت حسان بن ثَابت رَضِي الله عَنهُ وَله نَاصِيَة قد سد لَهَا بَين عَيْنَيْهِ
وَعَن مُحَمَّد النَّوْفَلِي رَحمَه الله قَالَ كَانَ حسان بن ثَابت يخضب شَاربه وعنفقته بِالْحِنَّاءِ وَلَا يخضب سَائِر لحيته فَقَالَ لَهُ ابْنه عبد الرَّحْمَن يَا أَبَت لم تفعل هَذَا قَالَ لأَكُون كَأَنِّي أَسد ولغَ فِي دم
وَعَن أبي عبَادَة قَالَ فضل حسان بن ثَابت الشُّعَرَاء بِثَلَاثَة كَانَ شَاعِر الْأَنْصَار فِي الْجَاهِلِيَّة وشاعر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النُّبُوَّة وشاعر الْيمن كلهَا فِي الْإِسْلَام
وَعَن سعيد بن الْمسيب رَحمَه الله قَالَ جَاءَ حسان رَضِي الله عَنهُ إِلَى نفر فيهم أَبُو هُرَيْرَة فَقَالَ أنْشدك الله أسمعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول أجب عني ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أيده بِروح الْقُدس قَالَ أَبُو هُرَيْرَة اللَّهُمَّ نعم
وَحدث سماك بن حَرْب قَالَ قَامَ حسان فَقَالَ يَا رَسُول الله إيذن لي فِيهِ يَعْنِي أَبَا سُفْيَان بن حَرْب وَكَانَ يهجو النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأخرج لَهُ لِسَانا أسود وَقَالَ يَا رَسُول الله لَو شِئْت لفريت بِهِ المزاد
(1/210)

إيذن لي فِيهِ قَالَ اذْهَبْ إِلَى أبي بكر ليحدثك حَدِيث الْقَوْم وأيامهم وأحسابهم ثمَّ اهجهم وَجِبْرِيل مَعَك فَأتى أَبَا بكر فَأعلمهُ بِمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ كف عَن فُلَانَة وَاذْكُر فُلَانَة وكف عَن فلَان وَاذْكُر فلَانا فَقَالَ
(هجوت مُحَمَّدًا فأجبت عنهُ ... وَعند الله فِي ذاكَ الجزاءُ)
(فَإِن أَبى ووالدتي وعرضي ... لعرض مُحَمَّد مِنْكُم وقاءُ)
(أتهجوهُ ولستَ لهُ بند ... فشركما لخيركما الفداءُ) // الوافر //
وَحدث جوَيْرِية بن أَسمَاء قَالَ بَلغنِي أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أمرت عبد الله بن رَوَاحَة فَقَالَ وَأحسن وَأمرت كَعْب بن مَالك فَقَالَ وَأحسن وَأمرت حسان بن ثَابت فشفى وأشفى
وَعَن جَابر رَضِي الله عَنهُ قَالَ لما كَانَ عَام الْأَحْزَاب ورد الله الَّذين كفرُوا بغيظهم لم ينالوا خيرا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من يحمي أَعْرَاض الْمُسلمين فَقَالَ كَعْب رَضِي الله عَنهُ أَنا يَا رَسُول الله وَقَالَ عبد الله بن رَوَاحَة أَنا يَا رَسُول الله وَقَالَ حسان بن ثَابت أَنا يَا رَسُول الله قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام نعم اهجهم أَنْت فَإِنَّهُ سيعينك الله بِروح الْقُدس
وَعَن سعيد بن جُبَير رَحمَه الله قَالَ جَاءَ رجل إِلَى ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فَقَالَ قد جَاءَ اللعين حسان من الشَّام فَقَالَ ابْن عَبَّاس مَا هُوَ بلعين لقد نصر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلِسَانِهِ وَنَفسه
وَعَن مَسْرُوق قَالَ دخلت على عَائِشَة وَعِنْدهَا حسان وَهُوَ يَقُول
(حصان رزان مَا تزن بريبة ... وتصبح غَرْتَي من لحومِ الغوافل) // الطَّوِيل //
(1/211)

فَقَالَت لَهُ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا لَكِن أَنْت لست كَذَلِك فَقلت لَهَا أَيَدْخُلُ هَذَا عَلَيْك وَقد قَالَ الله عز وَجل {وَالَّذِي تولى كبره مِنْهُم لَهُ عذابٌ عَظِيم} فَقَالَت أما ترَاهُ فِي عَذَاب عَظِيم وَقد ذهب بَصَره
وَحدث مَالك بن عَامر قَالَ بَينا نَحن جُلُوس عِنْد حسان بن ثَابت وَحسان مضطجعٌ مسندٌ رجلَيْهِ إِلَى فارع قد رفعهما عَلَيْهِ إِذْ قَالَ مَه مَا رَأَيْتُمْ مَا مر بكم السَّاعَة قَالَ مَالك فَقُلْنَا لَا وَالله وَمَا هُوَ فَقَالَ حسان فاخته مرت بكم السَّاعَة بيني وَبَين فارع فصدمتني أَو قَالَ فزحمتني قَالَ فَقُلْنَا وَمَا هِيَ قَالَ
(ستأتيكُمُ غَدا أحاديثُ جمةٌ ... فأصغوا لَهَا آذانكم وتسمعوا) // الطَّوِيل // قَالَ مَالك بن عَامر فصبحنا من الْغَد حَدِيث صفّين
وَحدث الْعَلَاء بن جُزْء الْعَنْبَري قَالَ بَينا حسان بن ثَابت بالخيف وَهُوَ مكفوف إِذْ زفر زفرَة ثمَّ قَالَ
(وكأنَّ حافرها بِكُل خميلة ... صَاع يكيلُ بِهِ شحيحٌ معِدمُ)
(عاري الأشاجع من ثَقِيف أَصله ... عبدٌ ويزعمُ أنهُ من يقدم) // الْكَامِل //
قَالَ والمغيرة بن شُعْبَة الثَّقَفِيّ جَالس قَرِيبا فَسمع مَا يَقُول فَبعث إِلَيْهِ
(1/212)

بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم فَقَالَ من بعث إِلَيّ بِهَذِهِ فَقَالُوا الْمُغيرَة بن شُعْبَة سمع مَا قلت فَقَالَ واسوأتاه وَقبلهَا
وَحدث الْأَصْمَعِي قَالَ جَاءَ الْحَارِث بن عَوْف إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أجرني من شعر حسان فَلَو مزج الْبَحْر بِشعرِهِ لمزجه وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن الْحَارِث بن عَوْف أَتَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ ابْعَثْ معي من يَدْعُو إِلَى دينك فَإِنِّي لَهُ جَار فَأرْسل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَه رجلا من الْأَنْصَار فغدرت بِالْحَارِثِ عشيرته فَقتلُوا الْأنْصَارِيّ فَقدم الْحَارِث على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يؤنب أحدا فِي وَجهه فَقَالَ ادعوا لي حسان فَلَمَّا رأى الْحَارِث أنْشدهُ
(يَا حارِ مَنْ يَغدرْ بِذمَّةِ جارِه ... مِنكمْ فإِن مُحمداً لمْ يَغدِر)
(إنْ تَغدرُوا فالْغدرُ مِنكم شَيمة ... وَالغدرُ يَنبتُ فِي أصُولِ السَّخبر) // الْكَامِل // فَقَالَ الْحَارِث اكففه عني يَا مُحَمَّد وأؤدي إِلَيْك دِيَة الخفارة فَأدى إِلَيّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سبعين عشراء وَكَذَلِكَ كَانَت دِيَة الخفارة وَقَالَ يَا مُحَمَّد إِنِّي عَائِذ بك من شعره فَلَو مزج الْبَحْر بِشعرِهِ لمزجه
وَحدث يُوسُف بن مَاهك عَن أمه قَالَت كنت أَطُوف مَعَ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فَذكرت حسان فسببته فَقَالَت بئس مَا قلت تسبينه وَهُوَ الَّذِي يَقُول
(فَإِن أَبى ووالدتي وعرضي ... لعرض مُحَمَّد مِنْكُم وقاء) // الوافر // فَقَالَت أَلَيْسَ مِمَّن لَعنه الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بِمَا قَالَ فِيك قَالَت لم يقل شَيْئا وَلكنه الَّذِي قَالَ
(حصان رزان مَا تزن بريبة ... وتصبح غَرْتَي من لحومِ الغوافلِ)
(فإِنْ كانَ مَا قدْ جَاءَ عنيْ قلتهُ ... فَلاَ رَفعتْ سَوطِي إِليَّ أناملي) // الطَّوِيل //
وَكَانَ حسان رَضِي الله عَنهُ جَبَانًا حدث عبد الله بن الزبير رَضِي الله عَنْهُمَا
(1/213)

قَالَ كَانَت صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب فِي فارع حصن حسان بن ثَابت يَوْم الخَنْدَق قَالَت وَكَانَ حسان مَعنا فِيهِ مَعَ النِّسَاء وَالصبيان فَمر بِنَا رجل من الْيَهُود فَجعل يطوف بالحصن وَقد حَارَبت بَنو قُرَيْظَة وَقطعت مَا بَينهَا وَبَين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَيْسَ بَيْننَا وَبينهمْ أحد يدْفع عَنَّا وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والمسلمون فِي نحور عدوهم لَا يَسْتَطِيعُونَ أَن ينصرفوا إِلَيْنَا إِن أَتَانَا آتٍ قَالَت فَقلت يَا حسان إِن هَذَا الْيَهُودِيّ كَمَا ترى يطوف بالحصن وَإِنِّي وَالله مَا آمنهُ أَن يدل على عوراتنا من وَرَاءَنَا من يهود وَقد شغل عَنَّا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَانْزِل إِلَيْهِ فاقتله فَقَالَ يغْفر الله لَك يَا ابْنة عبد الْمطلب لقد عرفت مَا أَنا بِصَاحِب هَذَا قَالَت فَلَمَّا قَالَ ذَلِك وَلم أر عِنْده شَيْئا اعتجزت ثمَّ أخذت عموداً وَنزلت إِلَيْهِ من الْحصن فضربته بالعمود حَتَّى قتلته فَلَمَّا فرغت مِنْهُ رجعت إِلَى الْحصن فَقلت يَا حسان أنزل إِلَيْهِ فاسلبه فَإِنَّهُ لم يَمْنعنِي لم من سلبه إِلَّا أَنه رجل قَالَ مَالِي إِلَى سلبه حَاجَة يَا ابْنة عبد الْمطلب
وَرُوِيَ أَن حسان أنْشد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(لَقَدْ غَدَوْتُ أمامَ القَوْمِ مُنْتَطقاً ... بِصَارمٍ مِثلِ لونِ المِلْحِ قطّاعِ)
(تحفِزُ عني نجاد السَّيْف سابغة ... فَضْفَاضةٌ مثلُ لونِ النَّهْي بالقاع) // الْبَسِيط //
فَضَحِك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَظن حسان أَنه ضحك من صفته نَفسه مَعَ جبنه
(1/214)

وَكَانَت وَفَاته بِالْمَدِينَةِ المنورة سنة أَربع وَخمسين من الْهِجْرَة رَضِي الله عَنهُ
40 - (ثَلَاثَة تشرق الدُّنْيَا ببهجتها ... شمس الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاق وَالْقَمَر)
الْبَيْت لمُحَمد بن وهيب من الْبَسِيط يمدح المعتصم وَأَبُو إِسْحَاق كنيته واسْمه مُحَمَّد
حدث أَبُو محلم قَالَ اجْتمع الشُّعَرَاء على بَاب المعتصم فَبعث إِلَيْهِم مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات فَقَالَ لَهُم إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول لكم من كَانَ مِنْكُم يحسن أَن يَقُول مثل قَول النميري فِي الرشيد
(خليفةَ الله إِن الجودَ أَوديَة ... أحلَّكَ الله مِنْهَا حيثُ تجتمعُ)
(من لم يكن ببني الْعَبَّاس معتصماً ... فَلَيْسَ بالصلوات الْخمس ينتفعُ)
(إِن أخلف القَطْر لم تخلف مخايلهُ ... أَو ضَاقَ أَمر ذكرناهُ فيتسع) // الْبَسِيط //
فَلْيدْخلْ وَإِلَّا فلينصرف فَقَامَ مُحَمَّد بن وهيب فَقَالَ فِينَا من يَقُول مثله قَالَ وَأي شَيْء قلت فَقَالَ
(ثَلَاثَة تشرق الدُّنْيَا ببهجتها ... شمس الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاق وَالْقَمَر)
(فالشمس تحكيه فِي الْإِشْرَاق طالعةً ... إِذا تقطَّعَ عَن إِدْرَاكهَا النظرُ)
(والبدرُ يحكيه فِي الظلمَاء منبلجاً ... إذَا استنارت لياليه بِهِ الغررُ)
(يَحْكِي أفاعيَلهُ فِي كل نائبةٍ ... الغيثُ وَاللَّيْث والصمصامة الذَّكرُ)
(فالغيث يَحْكِي نَدَى كفَّيْه منهمرا ... إِذا استهلَّ بصَوْب الديمةِ المطرُ)
(وَرُبمَا صالَ أَحْيَانًا على حنقِ ... شبيهُ صولتهِ الضرغامة الهصر)
(والهندُوانيُّ يَحْكِي من عزائمهِ ... صريمةَ الرَّأْي منهُ النقُض والمرَرُ)
(1/215)

(وكلُّهَا مشبهٌ شَيْئا على حدةٍ ... وَقد تخَالف فِيهَا الفعلُ والصُّوَرُ)
(وأنتَ جامعُ مَا فيهنّ من حسنٍ ... فقد تَكَامل فِيك النفُع والضررُ)
(فالخلْقُ جسمٌ لَهُ رأسٌ يدبِّرُهُ ... وأنتَ جارحتَاهُ السمعُ والبصرُ) // الْبَسِيط //
فَأمر بإدخاله وَأحسن جائزته
وَمِمَّا يشبه ذَلِك قَول الْقَاسِم بن هَانِئ يمدح جعفراً صَاحب المسيلة
(المدنَفانِ من البريَّة كلهَا ... جسمي وطَرفٌ بابليٌّ أحْوَرُ)
(والمُشرقاتُ النَّيرات ثَلَاثَة ... الشَّمْس والقمرُ المنيرُ وجَعْفَرُ) // الْكَامِل //
وَمثله فِي الْحسن قَول مُحَمَّد بن شمس الْخلَافَة
(شَيْئَانِ حَدِّث بالقَساوة عَنْهُمَا ... قلْبُ الْفَتى يهواهُ قلبِي وَالْحجر)
(وثلاثةٌ بالجودِ حدِّث عنُهُم ... البحرُ وَالْملك الْمُعظم والمطر) // الْكَامِل //
وَيقرب مِنْهُ قَول ابْن مطروح فِي النَّاصِر دَاوُد
(ثَلَاثَة ليسَ لَهُم رَابعٌ ... عليهمُ مُعتمدُ الجودِ)
(الغيْثُ وَالْبَحْر وعَزِّزْهما ... بالمَلِكِ النَّاصِر دَاوُد) // السَّرِيع //
وَقَول أبي مُحَمَّد اليافي
(ثلاثةٌ مَا اجتمعْنَ فِي رَجُلٍ ... إلاَّ وأسلمنهُ إِلَى الأجَلِ)
(ذُلُّ اغترابٍ وفاقَة وَهوى ... وكُلها سائقٌ على عجلِ)
(1/216)

(يَا عاذِلَ العاشِقين إِنَّك لَو ... عذَرتهم كنْتَ تبت من عذل) // المنسرح //
وَقَول ابْن سكرة
(فِي وَجه إنسانة كلفت بهَا ... أَرْبَعَة مَا اجْتَمعْنَ فِي أحَدِ)
(الوَجهُ بَدر والصدغ غَالِيَة ... والريق خمر والثغر من برد) // المنسرح //
وَمَا أصدق قَول السراج الْوراق
(ثلاثَة إِن صَحِبَتْ ثَلَاثَة ... أعُيَتْ علاج بَدْوها والحضَرِ)
(عَدَاوَة مَعْ حَسدٍ وفاقةٌ ... مَعَ كَسلٍ وَعلة مَعَ كبر) // الرجز //
وبديع قَول ابْن نَبَاته الْمصْرِيّ
(تناسَبَتْ فِيمَن تعشَّقتُهُ ... ثلاثَةَ تُعجب كل البَشَرْ)
(من مُقلةٍ سهمٌ وَمن حاجِبٍ ... قَوْسٌ وَمن نَغْمة صَوت وتر) // السَّرِيع //
وَمِمَّا يُنَاسب هَذَا الْمقَام مَا حَكَاهُ المدايني قَالَ بَينا سكينَة بنت الْحُسَيْن رَضِي الله عَنْهُمَا تسير ذَات لَيْلَة إِذْ سَمِعت حَادِيًا يَحْدُو وَيَقُول
(لَوْلَا ثَلاثٌ هُنَّ عَيْش الدَّهْر ... ) // الرجز //
فَقَالَت لقائد قطارها الْحق بِنَا هَذَا الرجل حَتَّى نسْمع مِنْهُ مَا هَذِه الثَّلَاثَة فطال طلبه لذَلِك حَتَّى أتعبها فَقَالَت لغلام لَهَا سر أَنْت حَتَّى تسمع مِنْهُ فَرجع إِلَيْهَا فَقَالَ سمعته يَقُول
(الماءُ والنومُ وَأم عَمْرو ... )
فَقَالَت قبحه الله أتعبني مُنْذُ اللَّيْلَة
(1/217)

وَمِمَّا يجْرِي من ذَلِك مجْرى الْملح مَا أنْشدهُ الْخَلِيل فِي كتاب الْعين وَهُوَ
(أَن فِي دَارنَا ثَلَاث حَبَالي ... فوَدِدنا لَو قد وَضَعن جَمِيعًا)
(جارتي ثمَّ هِرَّتي ثمَّ شاتي ... فإِذا مَا وَلَدْنَ كُنَّ رَبيعا)
(جارتي للرَّضاع والهِرُّ للفار ... وشاتي إِذا اشْتَهَيْنا مجيعا) // الْخَفِيف //
وَمن هَذَا الْبَاب قَول جرجيس يهجو طَبِيبا
(عَليله الْمِسْكِين من شُؤمهِ ... فِي بَحر هُلْكِ مَا لَهُ ساحِلُ)
(ثلاثةٌ تدخلُ فِي دَفعَةٍ ... طلعَتُه والنعش والغاسل) // السَّرِيع //
وَقَول الآخر
(ثَلَاثَة طَابَ بهَا المجلِسُ ... الوَردُ والتفاح والنرجس) // السَّرِيع //
وَقَول الآخر
(ثَلَاثَة طَابَ بهَا الْعُمر ... وجْهُكَ والبستانُ وَالْخمر) // السَّرِيع //
وَقَول الآخر
(ثَلَاثَة عَن غَيرهَا كافيْه ... هِيَ المُنَا والأمن والعافية) // السَّرِيع //
وَقَول أبي بكر الْبَلْخِي
(ثَلَاثَة فَقْدُها كبيرُ ... الخبزُ واللحمُ والشعَّيرُ)
(والبيتُ من كلِّها خلاءٌ ... فَجُد بهَا أَيهَا الْأَمِير) // من مخلع الْبَسِيط //
(1/218)

وَقَول الآخر
(ثَلَاثَة ليسَ بهَا اشتراكُ ... المُشطُ وَالْمَرْأَة والسواك) // الرجز //
وَقَول أبي الْحسن الْعلوِي
(ثَلَاثَة مَوْصوفَةٌ تجلو البَصرْ ... الماءُ والوجهُ الْجَمِيل وَالْخضر) // الرجز //
وَقَول الآخر
(ثَلَاثَة تُذْهِبُ عَن قلبِي الحزَنْ ... الماءُ والخضرةُ والوجهُ الحسَنِ) // الرجز //
وَقَول ابْن لنكك بديع هُنَا
(أعدَّ الورى للبَردِ جُنْداً من الصِّلا ... ولاقيتُهُ من بينهْم بجنودْ)
(ثلاثةُ نيرانٍ فنارُ مُدامةٍ ... ونارُ صَباباتٍ ونار وَقُود) // الطَّوِيل //
وَفِي مَعْنَاهُ قَول الصنوبري
(نَار راحٍ ونار خَدٍّ ونار ... لحشا الصّبِّ بينهُنَّ استِعارُ)
(مَا أُبَالِي مَا كانَ ذَا الصَّيْفُ عِنْدِي ... كَيفَ كَانَ الشتَاء والأمطار) // الْخَفِيف //
وظريف قَول بَعضهم
(ثَلَاثَة يَمْنَةً تَدور ... الطَّستُ والكأس والبَخور) // من مخلع الْبَسِيط //
وَقَول غَانِم المالقي
(ثَلَاثَة يُجهَلُ مقدارُها ... الْأَمْن والصِّحةُ والقوتُ)
(فَلَا تَثِقْ بِالْمَالِ من غيرِها ... لَو أَنه درٌّ وياقوتُ) // السَّرِيع //
وظريف قَول عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الوَاسِطِيّ
(مَا العيشُ إِلَّا خمسةٌ لَا سادس ... لهُم وَإِن قَصرت بهَا الأعمارُ)
(زمَنُ الرَّبيع وشَرْخُ أَيَّام الصِّبَا ... والكأس والمعشوقُ وَالدِّينَار) // الْكَامِل //
وَأنْشد ثَعْلَب النَّحْوِيّ
(1/219)

(ثَلَاث خلال للصديق جَعلتهَا ... مضارعة للصَّوْم والصلوات)
(مواساته والصفح عَن كل زلَّة ... وَترك ابتذال السِّرّ فِي الخلوات) // الطَّوِيل //
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت تَقْدِيم الْمسند وَهُوَ ثَلَاثَة للتشويق إِلَى ذكر الْمسند إِلَيْهِ وَهُوَ شمس الضُّحَى وَمَا عطف عَلَيْهِ.
وَمثله قَول أبي الْعَلَاء المعري
(وكالنارِ الحياةُ فمِنْ رَمادٍ ... أواخرُها وأوَّلُها دُخان) // الوافر // فتقديم كالنار وَمن رماد كِلَاهُمَا للتشويق
وَمُحَمّد بن وهيب حميري شَاعِر من أهل بَغْدَاد من شعراء الدولة العباسية وَأَصله من الْبَصْرَة وَكَانَ يستميح النَّاس بِشعرِهِ ويتكسب بالمديح ثمَّ توصل إِلَى الْحسن بن سهل برجاء بن أبي الضَّحَّاك ومدحه فأوصله إِلَيْهِ وَسمع شعره فأعجب بِهِ واقتطعه إِلَيْهِ وأوصله إِلَى الْمَأْمُون حَتَّى مدحه وشفع لَهُ فأسنى جائزته ثمَّ لم يزل مُنْقَطِعًا إِلَيْهِ حَتَّى مَاتَ وَكَانَ يتشيع وَله مراثٍ فِي أهل الْبَيْت رضوَان الله عَلَيْهِم وَهُوَ متوسط بَين شعراء طبقته
حدث عَن نَفسه قَالَ لما تولي الْحسن بن رَجَاء بن أبي الضَّحَّاك الْجَبَل قلت فِيهِ شعرًا وأنشدته أَصْحَابنَا دعبل بن عَليّ الْخُزَاعِيّ وَأَبا سعيد المَخْزُومِي وَأَبا تَمام الطَّائِي فاستحسنوا الشّعْر وَقَالُوا هَذَا لعمري من الْأَشْعَار الَّتِي تلقى بهَا الْمُلُوك فَخرجت إِلَى الْجَبَل فَلَمَّا صرت إِلَى همذان أخبرهُ الْحَاجِب بمكاني فَأذن لي فَأَنْشَدته الشّعْر فَاسْتحْسن مِنْهُ قولي
(أجارَتنا إنَّ التَّعففَ بالياس ... وَبرا على اسْتدرارِ دُنيا بإِبساسِ)
(1/220)

(حَرَّيان أنْ لَا يقَذفا بمذلةٍ ... كَريماً وَأَن لَا يُحوجاهُ إِلَى النَّاسِ)
(أَجارَتنا إِن القداح كواذب ... وَأكْثر أَسبَاب النجاح مَعَ الياس) // الطَّوِيل //
فَأمر حَاجِبه بإضافتي فأقمت بِحَضْرَتِهِ كلما دخلت إِلَيْهِ لم أنصرف إِلَّا بحملان وخلعة وجائزة حَتَّى انصرم الصَّيف فَقَالَ لي يَا مُحَمَّد إِن الشتَاء عندنَا علج فأعد يَوْمًا للوداع فَقلت خدمَة الْأَمِير أحب إِلَى فَلَمَّا كَاد الشتَاء أَن يشْتَد قَالَ لي هَذَا يَوْم الْوَدَاع فأنشدني الثَّلَاثَة الأبيات فَلَقَد فهمت الشّعْر كُله فَلَمَّا أنشدته
(أَجارَتنا إِنَّ القداح كواذب ... وَأكْثر أَسبَاب النجاح مَعَ الياس) // الطَّوِيل //
قَالَ صدقت ثمَّ قَالَ عدوا أَبْيَات القصيدة وَأَعْطوهُ بِكُل بَيت ألف دِرْهَم فعدت فَكَانَت اثْنَيْنِ وَسبعين بَيْتا فَأمر لي بِاثْنَيْنِ وَسبعين ألف دِرْهَم وَكَانَ فِيمَا أنشدته فِي مقَامي وَاسْتَحْسنهُ قولي
(دِمَاءُ المحِبِّينَ مَا تَعقلُ ... أما فِي الهَوى حَكمٌ يَعدِلُ)
(تَعبَّدني حَورُ الْغانياتِ ... وَدانَ الشَّبابُ لهُ الأخضلُ)
(وَنظرة عَينٍ تَعللتها ... غِراراً كَمَا يَنظرُ الأحولُ)
(مُقَسَّمة بَينَ وَجهِ الحَبيبِ ... وَطرفِ الرَّقيبِ مَتى يغْفل) // المتقارب //
وَحدث خَال أبي هفان قَالَ كنت عِنْد أبي دلف فَدخل عَلَيْهِ مُحَمَّد بن وهيب الشَّاعِر فأعظمه جدا فَلَمَّا انْصَرف قَالَ معقل أَخُوهُ يَا أخي فعلت بِهَذَا مَا لم يستأهله مَا هُوَ فِي بَيت من الشّرف وَلَا فِي كَمَال من الْأَدَب وَلَا بِموضع من السُّلْطَان فَقَالَ بلَى يَا أخي إِنَّه لحقيق بذلك أَولا يسْتَحقّهُ وَهُوَ الْقَائِل
(1/221)

(يدل على أَنه عاشقُ ... مِنَ الدَّمعِ مُستشهدَ ناطقُ)
(وَلي مالكٌ أَنا عَبدٌ لهُ ... مُقرٌّ بِأَنِّي لهُ وَامقُ)
(إِذا مَا سَموتُ إِلَى وصَلهِ ... تَعرضَ لي دُونهُ عائقُ)
(وَحاربني فِيهِ رَيبُ الزَّمانِ ... كأنَّ الزمانَ لهُ عاشق) // المتقارب //
وَحدث الْحسن بن رَجَاء قَالَ كَانَ مُحَمَّد بن وهيب الْحِمْيَرِي لما قدم الْمَأْمُون من خُرَاسَان مضاعاً مطرحاً إِنَّمَا يتَصَدَّى للعامة وأوساط الْكتاب والقواد بالمديح ويسترفدهم ويحظي باليسير فَلَمَّا هذأت الْأُمُور واستقرت واستوثقت جلس أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن سهل يَوْمًا مُنْفَردا بأَهْله وخاصته وَذَوي مودته وَمن يقرب من أنسه فتوسل إِلَيْهِ مُحَمَّد بن وهيب بِأبي حَتَّى أوصله إِلَيْهِ مَعَ الشُّعَرَاء فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهِ القَوْل استأذنه فِي الإنشاد فَأذن لَهُ فَأَنْشد قصيدته الَّتِي أَولهَا
(وَدائعُ أسْرارٍ طَوتها السَّرائرُ ... وَباحتْ بمَكتوماتهنَّ النَّواظرُ)
(تمكنَ فِي طَيِّ الضَّمير وَتَحْته ... شبا لوْعةٍ عَضبُ الغِرارين باتر)
(فأعجمَ عَنْهَا ناطقٌ وَهوَ مُعربٌ ... وَأعربت العجمُ الجفون النواظر) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن قَالَ فِيهَا
(تُعَظِّمهُ الأوهامُ قَبلَ عِيانهِ ... وَيصدرُ عَنهُ الطَّرفُ وَالطرفُ حاسر)
(بهِ تجتدَي النُّعما وَيستدركُ المُني ... وَتستكملُ الحُسنى وتُرْعَى الأواصرُ)
(أصات بِنَا دَاعي نَوالكَ مُؤذناً ... بِجودكَ إِلَّا أنَّهُ لاَ يُحاور)
(1/222)

(قسمت صروف الدَّهْر بَأْسا ونائلا ... فمالك موتور وسيفك واتر)
إِلَى أَن قَالَ فِي آخرهَا
(وَلوْ لم تَكنْ إِلاَّ بنفسكَ فاخراً ... لما انْتسبتْ إلاَّ إِليكَ المفاخرُ)
قَالَ فطرب أَبُو مُحَمَّد حَتَّى نزل عَن سَرِيره إِلَى الأَرْض وَقَالَ أَحْسَنت وَالله وأجملت وَلَو لم تقل قطّ وَلَا قلت فِي بَاقِي دهرك غير هَذَا لما احتجت إِلَى القَوْل وَأمر لَهُ بِخَمْسَة آلَاف دِينَار فأحضرت واقتطعه إِلَى نَفسه فَلم يزل فِي كنفه أَيَّام ولَايَته وَبعد ذَلِك إِلَى أَن مَاتَ مَا تصدى لغيره
وَحدث مَيْمُون بن هَارُون قَالَ كَانَ مُحَمَّد بن وهيب الشَّاعِر قد مدح عَليّ بن هِشَام وَتردد إِلَى بَابه دفعات فحجبه ولقيه يَوْمًا فِي طَرِيق فَسلم عَلَيْهِ فَلم يرجع إِلَيْهِ طرفه وَكَانَ فِيهِ تيه شَدِيد فَكتب إِلَيْهِ رقْعَة يعاتبه فِيهَا فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ مزقها وَقَالَ أَي شَيْء يُرِيد هَذَا الثقيل السَّيئ الْأَدَب فَقيل لَهُ ذَلِك فَانْصَرف مغضباً وَقَالَ وَالله مَا أردْت مَاله وَإِنَّمَا أردْت التوسل بجاهه وسيغني الله عَنهُ وَالله ليذمن مغبة فعله وَقَالَ يهجوه
(أزْرَتْ عَلَيْهِ لجود خيفةَ العدمِ ... فصدَّ مُنْهَزِمًا عَن شأوٍ ذِي الهممِ)
(لَو كَانَ من فارسٍ فِي بيتِ مكرُمةٍ ... أَو كَانَ من ولد الأملاكِ والعجمِ)
(أَو كَانَ أولهُ أهْلَ البطاح أَو الركبَ الملبِّين إهلالاً إِلَى الحرمِ ... )
(أَيامَ تنخذ الْأَصْنَام آلِهَة ... فَلَا نرى عاكفاً إِلَّا على صنمِ)
(لشجعتهُ على فعلِ الملوكِ لهمْ ... طبائعٌ لمْ تَرُعهَا خيفةُ العدمِ)
(لم تند كَفاك من بذل النوال كَمَا ... لم يند سَيْفك مذ قلدته بِدَم)
(كنت امْرأ رفعته فتْنَة فعلاَ ... أَيَّامهَا غادراً بالعهد والذممِ)
(1/223)

(حَتَّى إِذا انكشفَتْ عَنَّا عمايتها ... ورتب الناسُ بِالْأَحْسَابِ والقدمِ)
(ماتَ التخلق وارتادتك مرتجعاً ... طبيعةٌ نذلةُ الْأَخْلَاق والشيمِ)
(كذاكَ من كانَ لَا رَأْسا وَلَا ذَنبا ... كدَّ الْيَدَيْنِ حديثَ العهدِ بالنعمِ)
(هيهاتَ ليسَ بحمال الدياتِ وَلَا ... معطي الجزيل وَلَا المرهوب ذِي النقم) // الْبَسِيط //
فَلَمَّا بلغت الأبيات عَليّ بن هِشَام نَدم على مَا كَانَ مِنْهُ وجزع لَهَا وَقَالَ لعن الله اللجاج فَإِنَّهُ شَرّ خلق تخلقه النَّاس ثمَّ أقبل على أَخِيه الْخَلِيل بن هِشَام وَقَالَ الله يعلم إِنِّي لأدخل على الْخَلِيفَة وَعلي السَّيْف وَأَنا مستحي مِنْهُ أذكر قَول مُحَمَّد بن وهيب فِي
(لم تند كَفاك من بذل النوال كَمَا ... لم يند سَيْفك مذ قلدته بِدَم)
وَسمع ابْن الْأَعرَابِي وَهُوَ يَقُول: أهجي بَيت قَالَه المحدثون قَول مُحَمَّد ابْن وهيب وَأنْشد الْبَيْت
وَحدث الْحسن بن رَجَاء عَن أَبِيه قَالَ: لما قدم الْمَأْمُون ولقيه أَبُو مُحَمَّد الْحسن ابْن سهل دخلا جَمِيعًا فعارضهما ابْن وهيب فَقَالَ
(اليومَ جُدِّدتِ النعماء ُوالمِننُ ... فالحمدُ لله حلّ العقدةَ الزمنُ)
(1/224)

(اليومَ أظهرتِ الدُّنْيَا محاسنَهَا ... للنَّاس لما التقى المأمونُ والحسنُ) // الْبَسِيط //
قَالَ: فَلَمَّا جلسا سَأَلَهُ الْمَأْمُون عَنهُ فَقَالَ: هَذَا رجل من حمير شَاعِر مطبوع اتَّصل بِي متوسلاً إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وطالباً الْوُصُول مَعَ نظرائه فَأمر الْمَأْمُون بإيصاله مَعَ الشُّعَرَاء فَلَمَّا وقف بَين يَدَيْهِ وَأذن لَهُ فِي الإنشاد أنْشد قَوْله
(طللان طَال عَلَيْهِمَا الأمد ... داثرا فَلَا عَلَمٌ وَلَا نضدُ)
(لبسَا البَلَى فَكَأَنَّمَا وجدَا ... بعدَ الأحبةِ مثلَ مَا أجدُ)
(حُيِّيتما طَللين حالُهمَا ... بعدَ الأحبَّة غيرُ مَا عهدُوا)
(إمّا طواكَ سُلوّ غانيةٍ ... فهواكَ لَا مللٌ وَلَا فندُ)
(إِنْ كنتِ صادقةَ الْهوى فَرِدِي ... فِي الحبِّ منهلُهُ الَّذِي أردُ)
(أدْمى أرقتِ وأنتِ آمِنَة ... أَن ليسَ لي عَقْلٌ وَلَا قودُ)
(إِنْ كنت فتّ وخانني نشب ... فلربما لم يحظ مُجْتَهد) // الْكَامِل //
حَتَّى انْتهى إِلَى مدح الْمَأْمُون فَقَالَ
(يَا خيرَ منتسب لمكرمةٍ ... فِي الْمجد حَيْثُ تنحنح العددُ)
(فِي كل أنملةٍ لراحتهِ ... نَوْء يَسحُّ وعارضٌ حشدُ)
(1/225)

(وَإِذا القنا رَعفت أسنَّتها ... علقاً وصمٌّ كعوبها قِصَدُ)
(فَكَأَن ضوء جَبينه قمرٌ ... وَكَأَنَّهُ فِي صولةٍ أسدُ)
(وكأنهُ روحٌ تُدَبرنا ... حَرَكاتهُ وكأننا جسدُ)
فاستحسنها الْمَأْمُون وَقَالَ لأبي مُحَمَّد احتكم لَهُ فَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ أولي بالحكم وَلَكِن إِن أذن لي فِي الْمَسْأَلَة سَأَلت فَأَما الحكم فَلَا فَقَالَ سل فَقَالَ تلْحقهُ بجوائز مَرْوَان بن أبي حَفْصَة فَقَالَ ذَلِك وَالله أردْت وَأمر أَن تعد الأبيات فَكَانَت خمسين فاعطاه خمسين ألف دِرْهَم
وَعَن أَحْمد بن أبي كَامِل قَالَ كَانَ مُحَمَّد بن وهيب تياهاً شَدِيد الزهاء بِنَفسِهِ فَلَمَّا قدم الأفشين وَقد قتل بابك مدحه بقصيدته الَّتِي أَولهَا
(طلُولٌ ومغانيهَا ... تنَاجيهَا وتبكيها) // الهزج //
يَقُول فِيهَا
(بعثتُ الخيلَ والخيرُ ... عقيدٌ بنواصيهَا)
وَهِي من جيد شعره فأنشدنا إِيَّاهَا ثمَّ قَالَ مَا بهَا عيب سوى أَنَّهَا لَا أُخْت لَهَا قَالَ وَأمر المعتصم للشعراء الَّذين مدحوا الأفشين بثلثمائة ألف دِرْهَم جرت تفرقتها على يَد ابْن أبي دوادٍ فَأعْطى مِنْهَا مُحَمَّد بن وهيب ثَلَاثِينَ أَلا ألفا وَأعْطى أَبَا تَمام عشرَة آلَاف قَالَ ابْن أبي كَامِل فَقلت لعلى بن يحيى ابْن المنجم أَو لَا تعجب من هَذَا الْحَظ يعْطى أَبُو تَمام عشرَة آلَاف دِرْهَم وَابْن وهيب ثَلَاثِينَ ألفا وَبَينهمَا كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَقَالَ لذَلِك عِلّة
(1/226)

لَا تعرفها كَانَ ابْن وهيب مؤدب الْفَتْح بن خاقَان فَلذَلِك وصل إِلَى هَذَا الْحَال
وَحدث أَحْمد بن أبي كَامِل أَيْضا قَالَ كُنَّا فِي مجْلِس ومعنا أَبُو يُوسُف الْكِنْدِيّ وَأحمد بن أبي فنن فتذاكرنا شعر مُحَمَّد بن وهيب فطعن عَلَيْهِ ابْن أبي فنن وَقَالَ هُوَ متكلف حسود إِذا أنْشد شعرًا لنَفسِهِ قرظه وَوَصفه فِي نصف يَوْم وشكا أَنه مظلوم منحوس الْحَظ وَأَنه لَا يقصر بِهِ عَن مَرَاتِب القدماء حَال وَإِذا أنْشد شعر غَيره حسد وَإِن كَانَ على نَبِيذ عربد عَلَيْهِ وَإِن كَانَ صَاحِيًا عَادَاهُ واعتقد فِيهِ كل مَكْرُوه فَقلت لَهُ كلا كَمَا لي صديق وَمَا أمتنع من وصفكما جَمِيعًا بالتقدم وَحسن الشّعْر فَأَخْبرنِي عَمَّا أَسأَلك عَنهُ إِخْبَار منصف أيعد متكلفاً من يَقُول
(أَبى ليَ إغضَاء الجفُونِ على القَذَى ... يقينِيَ أنْ لَا عُسْرَ إِلا مُفَرّجُ)
(أَلاَ ربمَا ضَاقَ الفضَاءُ بأَهْله ... فيظهرُ مَا بينَ الأسنةِ مخرج) // الطَّوِيل //
أَو يعد متكلفاً من يَقُول
(رَأَيْت وَاضحا فِي مفرقِ الرَّأْس راعها ... شريجين مبيض بِهِ ويهيم) // الطَّوِيل //
فَأمْسك ابْن أبي فنن واندفع الْكِنْدِيّ فَقَالَ كَانَ ابْن وهيب ثنوياً فَقلت لَهُ من أَيْن علمت ذَلِك أُكَلِّمك على مَذْهَب الثنويه قطّ قَالَ لَا وَلَكِنِّي استدللت من شعره على مذْهبه فَقلت مَاذَا قَالَ حَيْثُ يَقُول
(طَلَلاَنِ طَال عَلَيْهِمَا الأمد ... )
وَحَيْثُ يَقُول
(تَفْترُّ عنْ سِمْطينِ منْ ذَهبٍ ... )
إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يَسْتَعْمِلهُ فِي شعره من ذكر الِاثْنَيْنِ فشغلني وَالله
(1/227)

الضحك عَن جَوَابه وَقلت لَهُ يَا أَبَا يُوسُف مثلك لَا يَنْبَغِي أَن يتَكَلَّم فِيمَا لم ينفذ فِيهِ علمه
وَدخل مُحَمَّد بن وهيب على أَحْمد بن هِشَام يَوْمًا وَقد مدحه فَرَأى بَين يَدَيْهِ غلماناً روقة مردا وخدما بيضًا فرهاً فِي غَايَة الْحسن وَالْجمال والنظافة فدهش لما رأى وَبَقِي متحيراً متبلبلاً لَا ينْطق حرفا وَاحِدًا فَضَحِك أَحْمد مِنْهُ وَقَالَ لَهُ وَيحك مَالك تكلم بِمَا تُرِيدُ فَقَالَ
(قدْ كانتِ الأصنامُ وَهِي قديمةٌ ... كسرَتْ وجَدّعَهُنّ إِبراهيمُ)
(ولديكَ أصنامٌ سلمنَ من الْأَذَى ... وصفَتْ لَهُنّ نضَارةٌ ونعيمُ)
(وَبنَا إِلَى صنمٍ نلوذُ بركنهِ ... فقرٌ وأنتَ إِذا هُززتَ كريمُ) // الْكَامِل //
فَقَالَ لَهُ اختر من شِئْت فَاخْتَارَ وَاحِدًا مِنْهُم فَأعْطَاهُ إِيَّاه وَقَالَ يمدحه
(فضلَتْ مكارمُهُ عَلى الأقوامِ ... وعَلاَ فحازَ مكارمَ الأيامِ)
(وعلتهُ أبهةُ الجمَالِ كأنهُ ... قمرٌ بدَا لكَ منْ خِلاَلِ غَمامِ)
(إِنّ الأميرَ على البريةِ كلهَا ... بعدَ الخليفةِ أحمدُ بنُ هِشَام) // الْكَامِل //
وَحدث مُحَمَّد بن وهيب قَالَ جَلَست بِالْبَصْرَةِ إِلَى عطار فَإِذا أعرابية سَوْدَاء قد جَاءَت فاشترت من الْعَطَّار خلوقاً فَقلت لَهُ تجدها اشترته لابنتها وَمَا ابْنَتهَا إِلَّا خنفساء فالتفتت إِلَى متضاحكة وَقَالَت لَا وَالله إِلَّا مهاةٌ جيداء إِن قَامَت فقناة وَإِن قعدت فحصاة
(1/228)

وَإِن مشت فقطاة أَسْفَلهَا كثيب وأعلاها قضيب لَا كفتياتكم اللواتي تسمنونهن بالقتوت ثمَّ انصرفت وَهِي تَقول
(إِن القتوت للفتاة مضرطة ... يكربها فِي الْبَطن حَتَّى تثلطه) // الرجز //
فَلَا أعلم أَنِّي ذكرتها إِلَّا أضحكني ذكرهَا
وَبلغ مُحَمَّد بن وهيب أَن دعبلاً الْخُزَاعِيّ قَالَ أَنا ابْن قولي
(لَا تعجبي يَا سلم من رجل ... ضحك المشيب بِرَأْسِهِ فَبكى) // الْكَامِل //
وَأَن أَبَا تَمام قَالَ أَنا ابْن قولي
(نَقِّلْ فُؤَادك حيثُ شِئْت من الْهوى ... مَا الْحبّ إِلَّا للحبيبِ الأولِ)
(كم منزلٍ فِي الأَرْض يألَفُه الْفَتى ... وحنينُهُ أبدا لأوّل منزل) // الْكَامِل //
فَقَالَ ابْن وهب وَأَنا ابْن قولي
(مَا لمن تمَّتْ محاسنُهُ ... أَن يعادي طَرْفَ من رَمقَا)
(لَك أَن تُبدي لنا حُسناً ... وَلنَا أَن نُعملَ الحدَقا) // المديد //
وَحدث أَبُو ذكْوَان فَقَالَ حَدثنِي من دخل إِلَى مُحَمَّد بن وهيب يعودهُ وَهُوَ عليل قَالَ فَسَأَلته عَن خَبره فتشكى مَا بِهِ ثمَّ قَالَ
(نفوس المنايا بالنفوس تَشَعَّبَتْ ... وكلّ لَهُ من مْذهبِ الموتِ مذهبُ)
(نُراع لذكرِ الموْتِ ساعةَ ذكرِهِ ... وتَعترضُ الدُّنْيَا فنلهو ونلعبُ)
(وآجالنُا فِي كلِّ يَوْم وليلَةٍ ... إِلينا على غرّاتنا تتقرب
(1/229)

(أأيقن أَن الشيب ينقي حَيَاته ... وهُوَّ لأخلاق الْخَطِيئَة يذهب)
(يَقِين كَأَن الشَّك أغلب أمره ... عَلَيْهِ وعِرفانٌ إِلَى الْجَهْل يُنسُب)
(وَقد ذَمَّتِ الدُّنْيَا إِليَّ نَعيمها ... وخاطبني إِعجامُهَا وَهُوَ مُعْرِبُ)
(ولكنني مِنْهَا خُلِقْتُ لغَيْرهَا ... وَمَا كنُت منهُ فَهُوَ عِنْدِي محبب) // الطَّوِيل //
وَسَأَلَ مُحَمَّد بن وهيب مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات حَاجَة فَأَبْطَأَ فِيهَا فَوقف عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ لَهُ
(طُبِعَ الكريمُ على وفائهِ ... وعَلى التَّفضلِ فِي إخائهْ)
(تغني عنايتُهُ الصديقَ عَن التَّعرُّضِ لاقتِضائه ... )
(حَسْبُ الْكَرِيم حياؤه ... فَكِلِ الْكَرِيم إِلَى حيائه) // الْكَامِل //
فَقَالَ لَهُ حَسبك فقد بلغت إِلَى مَا أَحْبَبْت وَالْحَاجة تسبقك إِلَى مَنْزِلك وَمن شعره الْجيد قَوْله
(أيُّ خير يَرْجُو بَنو الدهرِ ... وَمَا زالَ قَاتلا لِبَنِيهِ)
(من يُعمَّرْ يُفجع بفقدِ الأحباء ... وَمن مَاتَ فالمصيبة فِيهِ) // الْخَفِيف //
وَمثله قَول الآخر
(من يتَمَنَّ العمرَ فليدَّرعْ ... صبرا على فَقْدِ أحبائهِ)
(ومنْ يُعمَّرْ يلْقَ فِي نفسهِ ... مَا يتمنَّاهُ لأعدائه) // السَّرِيع //
(1/230)

شَوَاهِد أَحْوَال متعلقات الْفِعْل
(1/231)

5 - 41
(شَجوُ حُسَّادِهِ وغَيْظُ عِدَاهُ ... أَنْ يَرى مُبْصِرٌ وَيَسْمَعَ واعِي)
الْبَيْت للبحتري من قصيدة من الْخَفِيف يمدح بهَا المعتز بِاللَّه بن المتَوَكل على الله ويعرض بالمستعين بِاللَّه أَحْمد بن المعتصم أَولهَا
(لَكِ عهْدٌ لَدَيَّ غيرُ مُضاع ... باتَ شوقي طَوعاً لَهُ ونزَاعي)
(وهَوىً كلما جرى مِنْهُ دَمعٌ ... أيِسَ العاذِلونَ من إقلاعي)
(لَو تَوليتُ عنهُ خيفَ رُجوعي ... أَو تجوَّزتُ فِيهِ خيف ارتجاعي) // الْخَفِيف //
إِلَى أَن يَقُول فِي مديحها
(يبهت الوفدُ فِي أسرة وَجْهٍ ... سَاطِع الضوءِ مُستنيرِ الشُّعاع)
(من جَهير الخطابِ يُضعف فَضلاً ... عندَ حالَيْ تأمَّلٍ واستماع)
وَبعده الْبَيْت وَهِي طَوِيلَة
وَالشَّاهِد فِيهِ جعل الْفِعْل مُطلقًا كِنَايَة عَنهُ مُتَعَلقا بمفعول مَخْصُوص وَهُوَ هُنَا يرى وَيسمع فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى نزلهما منزلَة اللَّازِم أَي تصدر مِنْهُ الرُّؤْيَة وَالسَّمَاع من غير تعلق بمفعول مَخْصُوص ثمَّ جَعلهمَا كنايتين عَن الرُّؤْيَة وَالسَّمَاع المتعلقين بمفعول مَخْصُوص هُوَ محاسنه وأخباره بادعاء الْمُلَازمَة بَين مُطلق الرُّؤْيَة ورؤية آثاره ومحاسنه وَكَذَلِكَ بَين مُطلق السماع وَسَمَاع أخباره للدلالة على أَن آثَار وأخباره بلغت من الْكَثْرَة والاشتهار إِلَى حَيْثُ يمْتَنع خفاؤها فيبصرها كل رَاء ويسمعها كل واع بل لَا يبصر الرَّائِي
(1/232)

5 - إِلَّا آثاره وَلَا يسمع الواعي إِلَّا أخباره فَذكر الْمَلْزُوم وَأَرَادَ اللَّازِم على مَا هُوَ طَرِيق الْكِنَايَة وَلَا يخفى فَوَات هَذَا الْمَعْنى عِنْد ذكر الْمَفْعُول وَتَقْدِيره لما فِي التغافل عَن ذكره والأعراض عَنهُ من الإيذان بِأَن فضائله يَكْفِي فِيهَا أَن يكون ذُو بصر وَسمع حَتَّى يعلم أَنه الْمُنْفَرد بِالْفَضْلِ
وَمثله قَول عَمْرو بن معدي كرب الزبيدِيّ
(فَلَو أَن قوْمي أنْطَقتني رماحهُمُ ... نَطَقتُ ولكنّ الرِّماح أجَرَّتِ) // الطَّوِيل //
يُرِيد أَن يثبت أَنه كَانَ من الرماح إجرار وَحبس للألسن عَن النُّطْق بمدحهم والافتخار بهم حَتَّى يلْزم مِنْهُ بطرِيق الْكِنَايَة مَطْلُوبه وَهِي أَنَّهَا أجرته أَي شقَّتْ لِسَانه
وَمثله قَول طفيل الغنوي
(جزى الله خيرا جِيرةً حِين أزْلَقت ... بِنَا نعلنَا فِي الواطئينَ فَزَلتِ)
(أبَوا أَن يَملُّونا وَلَو أَن أمّنا ... تُلاقى الَّذِي يَلقَوْن منا لَملّت)
(هُم خَلَطونا بالنفوس وألجأوا ... الى حجراتٍ أدفأتْ وأظَلَّتِ) // الطَّوِيل //
(1/233)

وَقد شرح المعري دواوين الثَّلَاثَة فَسمى شرح ديوَان أبي تَمام ذكر حبيب وَشرح ديوَان البحتري عَبث الْوَلِيد وَشرح ديوَان المتنبي معجز أَحْمد
وَحدث مُحَمَّد بن يحيى قَالَ سَمِعت عبد الله بن الْحُسَيْن يَقُول للبحتري وَقد اجْتمعَا فِي دَار عبد الله بالخلد وَعِنْده الْمبرد وَذَلِكَ فِي سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَقد أنْشد شعرًا لنَفسِهِ قد كَانَ أَبُو تَمام قَالَ فِي مثله أَنْت وَالله أشعر من أبي تَمام فِي هَذَا الشّعْر قَالَ كلا وَالله إِن أَبَا تَمام الرئيس والأستاذ وَالله مَا أكلت الْخبز إِلَّا بِهِ فَقَالَ لَهُ الْمبرد لله دَرك يَا أَبَا الْحسن وَكَانَ يكنى بِهِ أَيْضا فَإنَّك تأبى إِلَّا شرفاً من جَمِيع جوانبك
وَحدث البحتري قَالَ كَانَ أول أَمْرِي فِي الشّعْر ونباهتي أَن صرت إِلَى أبي تَمام وَهُوَ بحمص فعرضت عَلَيْهِ شعري وَكَانَ الشُّعَرَاء يعرضون عَلَيْهِ أشعارهم فَأقبل عَليّ وَترك سَائِر من حضر فَلَمَّا تفَرقُوا قَالَ لي أَنْت أشعر من أَنْشدني فَكيف حالك فشكوت إِلَيْهِ خلة فَكتب إِلَى أهل معرة النُّعْمَان وَشهد لي بالحذق فِي الشّعْر وشفع لي إِلَيْهِم وَقَالَ امتدحهم فسرت إِلَيْهِم فأكرموني بكتابه ووظفوا لي أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم فَكَانَت أول مَال أصبته
وَحدث البحتري قَالَ أول مَا رَأَيْت أَبَا تَمام أَنِّي دخلت على أبي سعيد مُحَمَّد بن يُوسُف وَقد مدحته بقصيدتي الَّتِي مطْلعهَا
(1/235)

(أأفاق صبٌّ من هوى فأفيقا ... أَو خانَ عهدا أَو أطَاع شفيقَا)
فسر بهَا أَبُو سعيد وَقَالَ أَحْسَنت وَالله يَا فَتى وَكَانَ فِي مَجْلِسه رجل نبيل رفيع الْمجْلس مِنْهُ فَوق كل من حضر فِي مَجْلِسه تكَاد تمس ركبته ركبته فَأقبل عَليّ وَقَالَ يَا فَتى أما تَسْتَحي مني هَذَا شعري وتنتحله وتنشده بحضرتي فَقَالَ لَهُ أَبُو سعيد أحقاً مَا تَقول قَالَ نعم وَإِنَّمَا علقه مني فَسَبَقَنِي بِهِ إِلَيْك وَزَاد فِيهِ ثمَّ انْدفع فَأَنْشد أَكثر القصيدة حَتَّى شككني علم الله فِي نَفسِي وَبقيت متحيراً فَأقبل عَليّ أَبُو سعيد فَقَالَ لي يَا فَتى لقد كَانَ فِي قرابتك منا وودك لنا مَا يُغْنِيك عَن هَذَا فَجعلت أَحْلف بِكُل محرجة من الْأَيْمَان أَن الشّعْر لي وَمَا سبقني إِلَيْهِ أحد وَلَا سمعته وَلَا انتحلته فَلم ينفع ذَلِك شَيْئا وأطرق أَبُو سعيد وَقطع بِي حَتَّى تمنيت أَنِّي سخت فِي الأَرْض فَقُمْت منكسر البال أجر رجْلي فَخرجت فَمَا هُوَ إِلاَّ أَن بلغت بَاب الدَّار حَتَّى خرج الغلمان فردوني فاقبل على الرجل فَقَالَ الشّعْر لَك يَا بني وَالله مَا قلته قطّ وَلَا سَمِعت بِهِ إِلَّا مِنْك ولكنني ظَنَنْت أَنَّك تهاونت بموضعي فأقدمت على الإنشاد بحضرتي من غير معرفَة كَانَت بَيْننَا تُرِيدُ بذلك مضاهاتي ومكاثرتي حَتَّى عرفني الْأَمِير نسبك وموضعك ولوددت أَن لَا تَلد طائية إِلَّا مثلك وَجعل أَبُو سعيد يضْحك فدعاني أَبُو تَمام فضمني إِلَيْهِ وعانقني وَأَقْبل يقرظني وَلَزِمتهُ بعد ذَلِك وَأخذت عَنهُ واقتديت بِهِ
ثمَّ إِن البحتري اخْتصَّ بِأبي سعيد وَكَانَ مداحاً لَهُ طول أَيَّامه ولابنه من بعده ورثاهما بعد مقتلهما وأجاد ومرائية فِيهَا أَجود من مدائحه وروى أَنه قيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ من تَمام الْوَفَاء أَن تفضل المراني المدائح لَا كَمَا قَالَ الآخر وَقد سُئِلَ عَن ضعف مراثيه فَقَالَ كُنَّا نعمل للرجاء وَنحن الْآن نعمل
(1/236)

للوفاء وَبَينهمَا بعد
وَكَانَ البحتري من أوسخ خلق الله ثوبا وَآلَة وأبخلهم على كل شَيْء وَكَانَ لَهُ أَخ وَغُلَام مَعَه فِي دَاره فَكَانَ يقتلهما جوعا فَإِذا بلغ مِنْهُمَا الْجُوع أَتَيَاهُ يَبْكِيَانِ فَيَرْمِي إِلَيْهِمَا بِثمن أقواتهما مضيقاً مقتراً وَيَقُول كلا أجاع الله أكبادكما وأعرى أجلادكما وَأطَال اجتهادكما
وَحدث مُحَمَّد بن بَحر الْأَصْبَهَانِيّ الْكَاتِب قَالَ دخلت على البحتري يَوْمًا فاحتبسني عِنْده ودعا بِطَعَام لَهُ وَدَعَانِي إِلَيْهِ فامتنعت من أكله وَعِنْده شيخ شَامي لَا اعرفه فَدَعَاهُ إِلَى الطَّعَام فَتقدم فَأكل مَعَه أكلا عنيفاً فَغَاظَهُ ذَلِك ثمَّ إِنَّه الْتفت إِلَيّ فَقَالَ لي أتعرف هَذَا الشَّيْخ قلت لَا قَالَ هَذَا شيخ من بني الهجيم الَّذين يَقُول فيهم الشَّاعِر
(وبَنُو الهُجيم قبيلةٌ ملعونةٌ ... حُمْرُ اللحى متناسبو الألوانِ)
(لَو يسمعُونَ بأكلة أَو شربة ... بعمان أضحى جمعهم بعمان) // الْكَامِل //
قَالَ فَجعل الشَّيْخ يشتمه وَنحن نضحك
وَمن شعره يهجو إنْسَانا فِي لِسَانه حبسة
(أَنْت كَمَا قد علمت مُضْطَرب الْهَيْئَة وَالْقد ظاهرُ الْخلف ... )
(1/237)

وَحدث أَبُو الْغَوْث ابْن البحتري قَالَ كتبت إِلَى أبي يَوْمًا أطلب مِنْهُ نبيذاً فَبعث إِلَيّ بِنصْف قنينة دردى وَكتب إِلَيّ دونكها يَا بني فَإِنَّهَا تكشف الْقَحْط وتقوت الرَّهْط
وَحدث جحظة قَالَ سَمِعت البحتري يَقُول كنت أتعشق غُلَاما من أهل منبج يُقَال لَهُ شقران فاتفق لي سفر فَخرجت فِيهِ وأطلت الْغَيْبَة ثمَّ عدت وَقد التحى فَقلت فِيهِ وَكَانَ أول شعر قلته
(نَبتَت لحية شقران ... شَقِيق النَّفس بَعْدِي)
(حُلقت كَيفَ أتتهُ ... قبل أَن ينجز وعدي) // من مجزوء الرمل //
وَحدث جحظة قَالَ كَانَ نسيم غُلَام البحتري الَّذِي يَقُول فِيهِ
(دَعَا عَبْرتِي تجْرِي على الْجور وَالْقَصْد ... أظنُّ نسيماً فارقَ الهجر من بعدِي)
(خلا ناظري من طيفه بعد شخصه ... فوا عجبا للدهر فقداً على فقد) // الطَّوِيل //
غُلَاما رومياً لَيْسَ بِحسن الْوَجْه وَكَانَ قد جعله بَابا من أَبْوَاب الْحِيَل على النَّاس فَكَانَ يَبِيعهُ ويعتمد أَن يصير إِلَى ملك بعض أهل المروءات وَمن ينْفق عِنْده الْأَدَب فَإِذا حصل فِي ملكه شَبَّبَ بِهِ وتشوقه ومدح مَوْلَاهُ حَتَّى يَهبهُ لَهُ فَلم يزل ذَلِك دأبه حَتَّى مَاتَ نسيم فكفي النَّاس أمره
وَقد قَالَ ابْن نباتة الْمصْرِيّ مُشِيرا إِلَى ذَلِك
(وغانِيَةٍ توافقني إِذا مَا ... صبوت لَهَا بِذا العقلِ السَّلِيم)
(وأعذرُ إِن بسكيت على رياضٍ ... بكاءَ البُحترِيِّ على نَسيمِ) // الوافر //
(1/239)

وَحدث الْأَخْفَش قَالَ كتب البحتري إِلَى مُحَمَّد بن الْقَاسِم القمي يستهديه نبيذاً فَبعث إِلَيْهِ مَعَ غُلَام لَهُ أَمْرَد فخمشه البحتري فَغَضب الْغُلَام غَضبا شَدِيدا ظن البحتري أَنه سيخبر مَوْلَاهُ بِمَا جرى فَكتب إِلَيْهِ
(أَبَا جعفرٍ كَانَ تَخْميشُنَا ... غلامَكَ إِحْدَى الهَنَات الدَّنيهْ)
(بَعْثتَ إِلَيْنَا بشمس المُدَامِ ... تُضيءُ لنا مَعَ شمسِ البريَّهْ)
(فَليْتَ الهديَةَ كَانَ الرسولَ ... وليت الرسولَ إِلَيْنَا الْهَدِيَّة) // المتقارب //
فَبعث مُحَمَّد بن الْقَاسِم بالغلام إِلَيْهِ هَدِيَّة فَانْقَطع البحتري بعد ذَلِك عَنهُ مُدَّة خجلاً مِمَّا جرى فَكتب إِلَيْهِ مُحَمَّد بن الْقَاسِم
(هجَرت كَأَن البِرَّ أعقَبَ حشْمَةً ... وَلم أرَ بِرَّاً قبْلَ ذَا أعقب الهجرا) // الطَّوِيل //
فَقَالَ فِيهِ قصيدة يمدحه
(إِنِّي هجرتُكَ إذْ هجرتك حشمةً ... لَا العَوْدُ يُذهِبُها وَلَا الإِبداءُ)
(أخجَلْتني بنَدَي يَديك فسودت ... مَا بَيْننَا تِلْكَ الْيَد البيضاءُ)
(وَقَطَعتني بِالْبرِّ حَتَّى إِنَّنِي ... مُتوهِّمٌ أَن لَا يكونَ لقاءُ)
(صلِةٌ غَدَتْ فِي النَّاس وَهِي قطيعة ... عجب وبر رَاح وَهُوَ جَفاءُ)
(ليُوَاصلنَّكَ رَكب شعر سائرٍ ... يَرويه فِيك لحسنه الْأَعْدَاء)
(1/240)

(حَتَّى يتم لَك الثنَاء مُخَلداً ... أبدا كَمَا تمت لَك النَّعْماء)
(فتظل تحسُدُكَ الملوكُ الصِّيد بِي ... وأظل تحسدني بك الشُّعَرَاء) // الْكَامِل //
وَحدث البحتري قَالَ أنشدت أَبَا تَمام شَيْئا من شعري فتمثل بِبَيْت أَوْس ابْن حجر
(إِذا مُقْرِمٌ منا ذَرَى حدُّ نابِهِ ... تخمَّطَ منا نابُ آخر مقرم) // الطَّوِيل //
ثمَّ قَالَ لي نعيت وَالله إِلَى نَفسِي فَقلت أُعِيذك بِاللَّه من هَذَا القَوْل فَقَالَ إِن عمري لن يطول وَقد نَشأ فِي طَيئ مثلك أما علمت أَن خَالِد بن صَفْوَان رأى شبيب بن شيبَة وَهُوَ بَين رهطه يتَكَلَّم فَقَالَ يَا بني لقد نعى إِلَى نَفسِي إحسانك فِي كلامك لأَنا أهل بَيت مَا نَشأ فِينَا خطيب قطّ إِلَّا مَاتَ الَّذِي من قبله قلت بل يبقيك الله ويجعلني فدَاك قَالَ وَمَات أَبُو تَمام رَحمَه الله بعد سنة
وَحدث أَبُو عَنْبَس الصَّيْمَرِيّ قَالَ كنت عِنْد المتَوَكل والبحتري ينشده قَوْله
(عَن أَي ثغر تبتسم ... وَبِأَيِّ طرف تحتكم) // من مجزوء الْكَامِل //
حَتَّى بلغ إِلَى قَوْله فِيهِ
(قلْ للخَليفةِ جعفَرِ المُتوكل بن المُعتصم ... )
(والمجتَدَي ابْن المجتدَي ... والمُنعِم ابْن المنْتقم)
(اسْلَمْ لدين مُحَمَّد ... فَإِذا سلمتَ فقد سلم) // من مجزوء الْكَامِل //
(1/241)

قَالَ وَكَانَ البحتري من أبْغض النَّاس إنشاداً يتشادق ويتزاور فِي مشيته مرّة جائياً وَمرَّة الْقَهْقَرَى ويهز رَأسه مرّة ومنكبه أُخْرَى وَيُشِير بكمه وَيقف عِنْد كل بَيت وَيَقُول أَحْسَنت وَالله ثمَّ يقبل على المستمعين فَيَقُول مَا لكم لَا تَقولُونَ لي أَحْسَنت هَذَا وَالله مِمَّا لَا يحسن أحد أَن يَقُول مثله فضجر المتَوَكل من ذَلِك وَأَقْبل عَليّ فَقَالَ أما تسمع مَا يَقُول يَا صيمري فَقلت بلَى يَا سَيِّدي فمرني فِيهِ بِمَا أَحْبَبْت فَقَالَ بحياتي أهجه على هَذَا الروي الَّذِي أنشدنيه فَقلت تَأمر ابْن حمدون أَن يكْتب مَا أَقُول فَدَعَا بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس وحضرني على البديهة
(أدخلت رَأسك فِي الرَّحِم ... وَعلمت أَنَّك تنهَزم)
(يَا بحْتِريُّ حذار ويْحكَ من قضاضة ضغم ... )
(فَلَقَد أسَلْتَ بوالدَيْك من الهِجَا سَيْلَ العرم ... )
(فَبِأَي عِرْضٍ تَعتصم ... وبهتكه جَفَّ الْقَلَم)
(وَالله حِلفةَ صادقٍ ... وبقبرِ أَحْمد وَالْحرم)
(وبحق جَعْفَر الإِمَام ... ابْن الإِمَام المُعْتَصِمْ)
(لأصيرنك شهرة ... بَين المَسيل إِلَى العَلم) // من مجزوء الْكَامِل //
فِي أَبْيَات أخر من هَذَا النمط قَالَ فَخرج مغضباً يعدو وَجعلت أصيح بِهِ
(أدخلت رَأسك فِي الرَّحِم ... وَعلمت أَنَّك تنهزم)
(1/242)

والمتوكل يضْحك ويصفق بيدَيْهِ حَتَّى غَابَ عَنهُ وَأمر لي بالصلة الَّتِي أعدت للبحتري
وَقَالَ أَحْمد بن يزِيد حَدثنِي أبي جَاءَنِي البحتري فَقَالَ لي يَا أَبَا خَالِد أَنْت عشيرتي وَابْن عمي وصديقي وَقد رَأَيْت مَا جرى عَليّ أفترى أَنِّي أخرج إِلَى منبج بِغَيْر إِذن فقد ضَاعَ الْعلم وَهلك الْأَدَب فَقلت لَهُ لَا تفعل من هَذَا شَيْئا فَإِن لي علما بِأَن الْمُلُوك تمزح بِأَكْثَرَ من هَذَا ومضيت مَعَه إِلَى الْفَتْح بن خاقَان فَشَكا إِلَيْهِ ذَلِك فَقَالَ لَهُ نَحوا من قولي وَوَصله وخلع عَلَيْهِ وَسكن مِنْهُ فسكن إِلَى ذَلِك
وَقد ذكرت بِحَال البحتري فِي إنشاده فصلا ذكره الصاحب بن عباد فِي وصف أبي الْحسن المنجم الشَّاعِر فَأَحْبَبْت إثْبَاته وَهُوَ
لما قتل المتَوَكل قَالَ أَبُو العنبس الصَّيْمَرِيّ يرثيه
(يَا وَحَشة الدُّنْيَا على جَعْفَر ... على الْهمام الْملك الْأَزْهَر)
(على قَتِيل من بني هَاشم ... بَين سَرِير الْملك والمنبر)
(وَالله رب الْبَيْت والمشْعَر ... وَالله لَو أَن قتل البُحتري)
(لثارَ بِالشَّام لَهُ ثائرٌ ... فِي ألف بغل من بني عض خرى)
(يَقْدُمُهُمْ كلُّ أخي ذلة ... على حمارٍ دبِرٍ أَعور) // السَّرِيع //
(1/243)

فشاعت الأبيات حَتَّى بلغت البحتري فَضَحِك ثمَّ قَالَ هَذَا الأحمق الأعوريري أَنِّي أُجِيبهُ عَن مثل هَذَا وَلَو عَاشَ امْرُؤ الْقَيْس فَقَالَ مثل هَذَا القَوْل لم أجبه
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس بن طومار كنت أنادم المتَوَكل ومعنا البحتري وَبَين يَدَيْهِ غُلَام اسْمه رَاح حسن الْوَجْه فَقَالَ المتَوَكل يَا فتح إِن البحتري يعشق رَاحا فَنظر إِلَيْهِ الْفَتْح وأدمن النّظر فَلم يره ينظر إِلَيْهِ فَقَالَ الْفَتْح يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أرى البحتري فِي شغل عَنهُ فَقَالَ ذَاك دَلِيل عَلَيْهِ يَا رَاح خُذ قدحاً بلوراً واملأه شرابًا وناوله إِيَّاه فَلَمَّا نَاوَلَهُ بهت البحتري ينظر إِلَيْهِ فَقَالَ المتَوَكل كَيفَ ترى ثمَّ قَالَ يَا بحتري قل فِي رَاح شعرًا وَلَا تصرح باسمه فَقَالَ
(جَازِ بالودّ فَتى أَمْسَى رهيناً بك مُدْنَفْ ... )
(اسمُ من أهواهُ فِي شعريَ مقلوب مصحف ... ) // من مجزوء الرمل //
وَقَالَ الصولي سَمِعت عبد الله بن المعتز يَقُول لَو لم يكن للبحتري إِلَّا قصيدته السينية فِي وصف إيوَان كسْرَى فَلَيْسَ للْعَرَب سينية مثلهَا وقصيدته فِي وصف الْبركَة لَكَانَ أشعر النَّاس فِي زَمَانه وَالْقَصِيدَة السينية أَولهَا
(صنتُ نَفسِي عَمَّا يدنِّسُ نَفسِي ... وَترفعتُ عَن جَدَا كل جبس) // الْخَفِيف //
إِلَى أَن قَالَ فِيهَا
(1/244)

(وَكأن الإيوان من عجب الصَّنْعَة ... جوبٌ فِي جنب أرعن جلس)
(يتظنيّ من الكآبة أَن يَبْدُو ... لعَيْنِي مصبح أَو ممسي)
(مزعجاً بالفراق عَن أنس إلفٍ ... عزَّ أَو مرهقاً بتطليق عرس)
(عكست حَظه اللَّيَالِي وَبَات المُشْتَرِي ... فِيهِ وَهُوَ كَوْكَب نحس)
(فَهو يُبْدي تجلداً وَعليهِ ... كلكل من كلاكل الدهرِ مرْسي)
(لم يعبهُ أنْ بُزَّمِنْ بُسَطِ الديباج ... واستلّ من ستور الدمقس)
(مُشْمَخرّاً تعلو لَهُ شرُفاتٌ ... رُفعت فِي رُؤُوس رضوى وقدسِ)
(ليسَ يُدْرَي أصنعُ إنسٍ لجنٍّ ... سكنوه أم صنع جنّ لانسِ)
(غيرَ أَنِّي أراهُ يشْهد أنْ لمْ ... يكُ بانيه فِي الْمُلُوك بنكسِ) // الْخَفِيف //
وَحدث الْأَخْفَش قَالَ سَأَلَني الْقَاسِم بن عبيد الله عَن خبر البحتري وَقد كَانَ أسكت وَمَات بِتِلْكَ الْعلَّة فَأَخْبَرته بوفاته وَأَنه مَاتَ بالسكتة فَقَالَ ويحه رمى فِي أحْسنه
وَقد جمع الصولي ديوانه ورتبه على الْحُرُوف وَجمعه ابْن حَمْزَة ورتبه على الْأَنْوَاع وَقد جمع البحتري كتاب الحماسة كَمَا فعل أَبُو تَمام وَله كتاب مَعَاني الشّعْر وعاش ثَمَانِينَ سنة وانتقل فِي آخر عمره إِلَى الشأم وَتُوفِّي بمنبج
(1/245)

سنة ثَلَاث وَقيل أَربع وَقيل خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ رَحمَه الله تَعَالَى
42 - (وَلَو شِئْت أَن أبْكِي دَمًا لبكيتهُ ... عَلَيْهِ وَلَكِن ساحة ُالصبر أوسعُ)
الْبَيْت للخريمي من قصيدة من الطَّوِيل يرثي بهَا أَبَا الهيذام وأولها
(قضى وَطراً مِنْك الحبيب المودِّعُ ... وحلَّ الَّذِي لَا يُسْتَطَاع فَيدْفَع) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن قَالَ فِيهَا
(وأعددتهُ ذخْرا لكل ملمَّةٍ ... وسهمُ الرزايا بالذخائر مُولَعُ)
(وَإِنِّي وَإِن أظهرتُ مني جلادةً ... وصانعتُ أعدائي عَلَيْهِ لموجعُ)
(ملكتُ دموعَ الْعين حَتَّى رَددتهَا ... إِلَى ناظري إِذْ أعينُ الْقلب تَدْمَع) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت
والساحة الفضاء بَين الدّور
وَالشَّاهِد فِيهِ ذكر الْمَفْعُول وَهُوَ دَمًا لكَون تعلق فعل الْمَشِيئَة بِهِ غَرِيبا
وَقد تفنن الشُّعَرَاء فِي بكاء الدَّم وتشعبت مسالكهم فِي إِيرَاده فَمن ذَلِك قَول أبي الْقَاسِم بن كيكس
(بكيتُ دَمًا حَتَّى بقيتُ بِلَا دمٍ ... بكاء فَتى فردٍ على سكنٍ فردِ)
(1/246)

(أأبكي الَّذِي أهواه بالدمعِ وحدهُ ... لقد جَلَّ قَدر الدمع فِيهِ إِذا عِنْدِي) // الطَّوِيل //
وَقَول الشريف الرضي
(وَيَوْم وقفنا للوداع فكلُّنا ... يَعُدُّ مطيعَ الشوق من كَانَ أحزمَا)
(فصرتُ بقلب لَا يعنفُ فِي الْهوى ... وعينٍ مَتى استمطرتها أمطرَتْ دَمَا) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول مهيار الديلمي
(بكيتُ على الْوَادي فحرَّمتُ مَاءَهُ ... وَكَيف يَحِلُّ الماءُ أكثرهُ دم) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي الْحُسَيْن الباخرزي
(عجبت من دمعتي وعيني ... من قبل بَيْنٍ وبعدِ بَيْنِ)
(قد كَانَ عَيْني بِغَيْر دمع ... فَصَارَ دمعي بِغَيْر عين) // من مخلع الْبَسِيط //
وَمثله قَول مُؤَلفه فِي مطلع قصيدة
(أوّاهُ من دمع بِلَا عينٍ ... يجْرِي على الْخَدين من عَيْني) // السَّرِيع //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم
(وَلما الْتَقَيْنَا للوداع عَشِيَّة ... وَقد راعها صبري لَدَى موقف الْبَين)
(أَتَت بصِحَاح الْجَوْهَرِي دموعها ... فعارضت من دمعي بمختصر الْعين) // الطَّوِيل //
وَلأبي الْفَتْح البكتمري
(قَالُوا بكيتَ دَمًا فَقلت مسحت من خدي خَلُوقاً ... )
(أبصرتُ لُؤْلُؤ ثغرهِ ... فنثرتُ من جفني عقيقاً)
(لَوْلَا التَّمَسُّك بالهوى ... لحملتُ من دمعي غريقا) // من مجزوء الْكَامِل //
وَلابْن حمديس
(1/247)

(غشِيتْ حِجْرَهَا دموعيَ حُمْراً ... وَهْيَ من لوعة الْهوى تتحدّرْ)
(فانزوتْ بالشهيق خوفًا وَظنتْ ... حَبَّ رمَّانِ صدرِها قد تنثرْ)
(قلتُ عِند اختبارها بِيَدَيْهَا ... ثمراً صانهن جيب مزرَّرْ)
(لم يكن مَا ظننتِ حَقًا وَلَكِن ... صبغة الوجد صبغ دمعِيَ أَحْمَر) // الْخَفِيف //
وَهُوَ ينظر إِلَى قَول المنازي يصف وَاديا
(وقانا لفحة الرمضاء وادٍ ... سقاهُ مضاعف الْغَيْث العميمِ)
(نزلنَا دَوْحَهُ فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم)
(وأرشَفَنَا على ظمإِ زلالاً ... أرقّ من المدامة للنديمِ)
(يصدّ الشمسَ أنَّي واجهتْنَا ... فيحجبها ويأذَنُ لِلنسيم)
(يروع حَصَاه حَالية العذارى ... فَتلْمسُ جانبَ العقد النظيم) // الوافر //
أردْت الْبَيْت الْأَخير
وَقد قلب الشَّيْخ بدر الدّين بن الصاحب غَالب هَذِه الأبيات هجواً فِي حمام فَقَالَ
(وحمَّامٍ قليلِ المَاء داجٍ ... وفيهِ ألفُ شيطانٍ رجيمِ)
(وَلَا غير الْمُزَاحم من رفيقٍ ... وَلَا غير الْمُدَافع من حَمِيمِ)
(طلبنا ماءَهُ فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم)
(ونقَّطنا برَشْحٍ بعد رشح ... كمصِّ من أَبَارِيق النديم)
(يصدّ الحرّ عَنَّا فِي شتاء ... فيحجبهُ ويأذنُ للنسيمِ)
(يروعُ بهولهِ مَنْ حلّ فِيهِ ... فيحسب أنهُ هولُ الْجَحِيم) // الوافر //
رَجَعَ إِلَى وصف الدمع
وَلأبي بكر الخالدي فِيهِ
(1/248)

(بَكَى إليَّ غداةَ الْبَين حِين رأى ... دمعي بفيض وحالي حالُ مبهوت)
(فدمعتي ذَوْبُ ياقوت على ذهب ... ودمعهُ ذَوْبُ دُرّ فَوق ياقوت) // الْبَسِيط //
وللوأواء الدِّمَشْقِي فِي مَعْنَاهُ
(كلُّ دمع فبالتكلف يَجْرِي ... غيرَ دمع المحبِّ والمهجور)
(وَرَّدَ البينُ دمع عَيْني فاضحى ... كعقيق أذيب فِي بلور) // الْخَفِيف //
وَله أَيْضا فِي مثل ذَلِك
(فامزج بمائك نَار كأسك وَاسقني ... فَلَقَد مزجتُ مدامعي بدمائي) // الْكَامِل //
وَلابْن نباتة الْمصْرِيّ
(يَا غزالا رنا وغصناً تثنى ... وهلالاً سما وَصبحاً أنارا)
(كَانَ دمعي على هَوَاك لجيناً ... فاحالته نارُ قلبِي نُضارا) // الْخَفِيف //
وَمَا أبدع قَوْله بعده مَعَ حسن التَّضْمِين
(حلِيةٌ لَا أُعيرُها لمحِبٍّ ... شَغلَ الحَليُ أَهلَهُ أَن يعارا)
وَلابْن قلاقس
(مضى مَعَهم قلبِي فَللَّه دَرُّهُ ... لقد سَرَّني إِذْ مر مَعَ من يَسُرُّهُ)
(وأطوَلُ من هجرِ الحبيبِ وصَبْوتي ... وَيَوْم النَّوَى ليلِي وهمِّي وشَعْرُه)
(وَلَيْسَ دَماً مَاء الجُفونِ وَإِنَّمَا ... فُؤَادِي بِمَاء الدَّمع قد ذابَ جَمْرُهُ) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول أسعد بن إِبْرَاهِيم بن اِسْعَدْ بن بليطة
(ظَلْتُ بِهِ والدموعُ جاريةٌ ... أقَبِّلُ الخدَّ مِنْهُ والليتا)
(تقطرُ دُراً حَتَّى إِذا وَرَدَتْ ... روْضَة خديه عُدْنَ ياقوتا) // المنسرح //
وَقَوله أَيْضا
(ليسَ ليَوْم البْينِ عِنْدِي سوى ... مدامعٍ نَجيعُها سَكْبُ)
(1/249)

(كَأَنَّمَا فَضَّ بأجفانها ... رُمَّانةً فانْتَثَر الحَّبُّ) // السَّرِيع //
وللمطوعي أَيْضا
(لما استقلَّتْ بهم عِيرُ النَّوَى أُصُلاً ... وشتتتهم صروف الْبَين تشتيتا)
(جعلْتُ أنظِم فِي وصف النَّوَى درراً ... والعينُ تنثر من دمعي يواقيتا) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول المَسْعُودِيّ
(قَالَت عهدتك تنبكي ... دَمًا حذار التنأي)
(فَمَا لعينك جادتْ ... بعد الدِّمَاء بِمَاء)
(فَقلت مَا ذَاك مني ... لسَلْوَةٍ وَعَزَاءِ)
(لَكِن دموعيَ شابت ... من طول عُمْرِ بُكَائِي) // المجتث //
وَهُوَ يشبه قَول الْقَائِل أَيْضا
(قَالُوا ودمعي قد صفا لفراقهم ... إِنَّا عَهِدْنَا مِنْك دمعاً أحمرا)
(فأجبتهم إِن الصبابة عُمِّرَتْ ... فِيكُم وشاب الدمع لما عمرا) // الْكَامِل //
وَأحسن مِنْهُ قَول الآخر
(وقائلةٍ مَا بالُ دمعك أبيضاً ... فَقلت لَهَا يَا ميُّ هَذَا الَّذِي بَقِي)
(ألم تعلمي أَن النَّوَى طَال عمره ... فشابت دموعي مثل مَا شَاب مَفْرقِي) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول أَيْضا ابْن الغويرة
(كَانَت دموعيَ حمراً قبل بينهمُ ... فمذ نَأوْا قَصَّرَتْهَا لوعةُ الحرق)
(قطفت للحظ وردا من خدودهم ... فاستقطر البعدُ ماءَ الْورْد من حدقي) // الْبَسِيط //
وَمثله قَول مُحَمَّد بن هبة الله الشهير بِأبي دلف الْكَاتِب ويروي لعبد الْكَافِي الْيَهُودِيّ الهاروني
(يَا من يقرِّب وَصْلي مِنْهُ موعدُهُ ... لَوْلَا عوائق من خُلْفٍ تُباعدهُ)
(1/250)

(لَا تحسبن دموعي البيضَ غير دَمِي ... وَإِنَّمَا نَفَسي الحامي يَصْعَدهُ) // الْبَسِيط //
وَقَول أبي الْقَاسِم بن الْعَطَّار بديع وَهُوَ
(مَا أدمُعي تنهلُّ سجا إِنَّمَا ... هِيَ مُهجتي سالَتْ من الآماق) // الْكَامِل // وَهَذَا الْبَاب وَاسع جدًّا وَفِيمَا أوردناه مقنع
وَأَبُو الهيذام المرثي هُنَا هُوَ عَامر بن عمَارَة بن خريم وَهُوَ وَالِد الْمُحدث مُوسَى بن عَامر صَاحب الْوَلِيد بن مُسلم وراوي كتبه وَكَانَ أَمِير عرب الشَّام وزعيم قيس وفارسها الْمَشْهُور وَهُوَ قَائِد الْعَرَب المضرية فِي الْفِتْنَة الْعُظْمَى الكائنة بِدِمَشْق بَين القيسية واليمانية فِي دولة الرشيد وَهِي الَّتِي من أجلهَا قَالَ الرشيد لجَعْفَر بن يحيى الْبَرْمَكِي لَيْسَ لهَذَا الْأَمر إِلَّا أَنا وَأَنت فإمَّا أَن تتَوَجَّه أَو أتوجه أَنا فَمضى جَعْفَر إِلَى الشَّام وأخمد الْفِتَن وَكَانَ قد خرج على الرشيد لكَونه قتل أَخَاهُ فظفر بِهِ وَحمل إِلَيْهِ مُقَيّدا فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ أنْشدهُ أبياتاً يستعطفه بهَا مِنْهَا
(فَأحْسن أميرَ المؤمنينَ فإنهُ ... أبي الله إِلَّا أَن يكون لَك الْفضل) // الطَّوِيل //
فَمن عَلَيْهِ وَعَفا عَنهُ
وَمن شعره فِي أَخِيه
(سأبكيك بالبيض الرِّقاق وبالقَنا ... فإنَّ بهَا مَا يطلُبُ الماجِدُ الوَترا)
(ولستُ كمن يبكي أخاهُ بعبرةٍ ... يُعَصِّرها فِي جَفْنِ مُقلتِه عَصَرَا)
(1/251)

(وَإِنَّا أناسٌ مَا تفيضُ دموعُنا ... على هالكٍ منا وَإِن قَصم الظهرا) // الطَّوِيل //
وَقيل إِنَّه توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة
والخريمي هُوَ إِسْحَاق بن حسان ويكنى بِأبي يَعْقُوب وَهُوَ من الْعَجم وَكَانَ مولى ابْن خريم الَّذِي يُقَال لِأَبِيهِ خريم الناعم وَهُوَ خريم بن عَمْرو من بني مرّة بن عَوْف بن سعيد بن ذيبان وَكَانَ لخريم ابْن يُقَال لَهُ عمَارَة ولعمارة ابْنَانِ يُقَال لَهما عُثْمَان وَأَبُو الهيذام وَفِي عُثْمَان هَذَا يَقُول الخريمي
(جَزَى اللُه عُثمانَ الخُريميّ خَيرَ مَا ... جَزَى صَاحباً جَزْلَ الْمَوَاهِب مُفْضِلاَ)
(كَفى جَفوةَ الإِخوان طُولَ حَياتهِ ... وَأوْرثَ ممَّا كانَ أعْطى وأخْولا) // الطَّوِيل //
وَكَانَ عَظِيم الْقدر وَأحد القواد وعمى الخريمي بَعْدَمَا أسن وَكَانَ يَقُول فِي ذَلِك فَمِنْهُ قَوْله
(فإنْ تَكُ عَيني خبا نورُها ... فَكم قَبلها نورُ عيَنٍ خبَا)
(فلمْ يَعَم قَلبي وَلكنما ... أرَى نورَ عَيْني إليهِ سرَى)
(فأسْرَجَ فيهِ إِلَى نورهِ ... سِراجاً مِنَ الْعلمِ يَشفي الْعَمى) // المتقارب //
وَأخذ هَذَا من قَول حبر الْأمة عبد الله ابْن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَكَانَ عمي فَقَالَ
(إنْ يأخُذِ اللهُ مِنْ عَينيَّ نورَهُما ... فَفي لِسانِي وقَلبي مِنهما نورُ)
(قَلبي ذكيٌّ وعَقْلي غَيرُ ذِي دَخلٍ ... وَفي فَمي صارمٌ كالسَّيفِ مأثور) // الْبَسِيط //
(1/252)

وَكَانَ أَبُو يَعْقُوب الخريمي مُتَّصِلا بِمُحَمد بن مَنْصُور بن زِيَاد كَاتب البرامكة وَله فِيهِ مدائح جِيَاد ثمَّ رثاه بعد مَوته فَقيل لَهُ يَا أَبَا يَعْقُوب مراثيك لآل مَنْصُور بن زِيَاد أحسن من مدائحك وأجود فَقَالَ كُنَّا يَوْمئِذٍ نعمل على الرَّجَاء وَنحن الْآن نعمل على الْوَفَاء وَبَينهمَا بون بعيد
وَهُوَ الْقَائِل فِي عمى عَيْنَيْهِ
(أُصْغي إِلَى قائِدِي لخبرني ... إِذا الْتَقينا عمَّنْ يُحييني
(أريدُ أَن أعدل السَّلام وَأَن ... أفْصِلَ بَين الشريفِ والدونِ)
(أسمعُ مالاَ أرَى فأكرهُ أَن ... أخطئَ والسمعُ غيرُ مأمونِ)
(لله عينِي الَّتِي فُجِعتُ بهَا ... لَو أنَّ دَهراً بهَا يواتيني)
(لَو كنتُ ُخِّيرت مَا أخذتُ بهَا ... تَعْمير نوح فِي ملك قارونِ)
(حقٌّ أخِلاَّيَ أَن يعودوني ... وَأَن يُعزُّوا عَيْني ويبكونِي) // المنسرح //
وَهُوَ الْقَائِل أَيْضا
(إِذا مَا مَاتَ بعضك فابك بَعْضًا ... فَإِن الْبَعْض من بعضٍ قريبُ)
(يمنِّيني الطبيبُ شِفَاء عَيْني ... وهلْ غير الإلهِ لَهَا طَبِيب) // الوافر //
وَمن جيد شعره قَوْله
(النَّاس أحلامُهم شَتَّى وَإِن جُبِلوُا ... عَلى تشابهِ أرواحٍ وأجسادِ)
(للخيرِ والشرِّ أهلٌ وكُّلوُا بهمَا ... كلٌّ لهُ من دوَاعي نَفسه هادِي)
(منهمْ خليلُ صفاءِ ذوُ محافظةٍ ... أرْسى الْوَفَاء أوَاخيهِ بأوتادِ)
(ومُشعرُ الْغدر محنيٌّ أَضالعهُ ... علَى سَريرَةٍ غِمر غلُّها بادِي)
(مُشاكِسٌ خدع جمٌّ غوائلهُ ... يُبْدِي الصفاءَ ويُخفي ضَربة الْهَادِي)
(يأتيكَ بالبغِي فِي أهل الصفاء وَلَا ... ينفكُّ يسْعَى بإصلاح لإفساد) // الْبَسِيط //
(1/253)

وَمن جيد شعره أَيْضا قَوْله
(أضاحكُ ضَيْفِي قبل إِنْزَال رَحْله ... ويخضب عِندي والمحلُّ جديب)
(ومَا الخصبُ للأضْيافِ أنْ يكثرْ الْقرى ... وَلكنما وَجهُ الْكريم خصيب) // الطَّوِيل //
وَهُوَ الْقَائِل
(وَإنَّ أشدَّ النَّاسِ فِي الحَشر حَسرةَ ... لمُورثُ مالٍ غَيرَهُ وَهوَ كاسِبُهْ)
(كَفى سَفهاً بِالكهل أنْ يتبعَ الصبَا ... وَأن يأتِيّ الأمرَ الذِي هُوَ عائبه) // الطَّوِيل //
وَهُوَ الْقَائِل أَيْضا
(مَا أحَسنَ الغيرةَ فِي حِينها ... وَأقبحَ الغيرةَ فِي كلِّ حِينْ)
(مَنْ لمْ يزَلْ مُنْهماً عرسهُ ... مناصباً فِيهَا لرِيب الظُّنونْ)
(أوْشك أنْ يُغريها بِالذِي ... يَخافُ أنْ يُبرزها لِلعيونْ)
(حَسبكَ مِنْ تحصينها وَضْعُها ... مِنكَ إِلَى عِرضٍ صَحيح وَدينْ)
(لاَ تَطَّلعْ مِنكَ على رِيبةٍ ... فيتبعَ المقرونُ حَبل القرين) // السَّرِيع //
43 - (وَلمْ يُبْقِ مِنِّي الشوق غير تفكري ... فَلَو شِئْت أَن أبْكِي بَكَيْتُ تَفَكُّرا)
الْبَيْت لأبي الْحسن عَليّ بن أَحْمد الْجَوْهَرِي من قصيدة من الطَّوِيل
والشوق نزاع النَّفس وحركة الْهوى
وَالشَّاهِد فِيهِ أَن عدم حذف الْمَفْعُول فِيهِ لانْتِفَاء الْقَرِينَة لَا لغرابة الْمَفْعُول لِأَن المُرَاد بالبكاء الأول فِي الْبَيْت الْبكاء الْحَقِيقِيّ لَا الفكري فَكَأَنَّهُ يَقُول أفناني الشوق فَلم يبْق مني غير التفكر فَلَو شِئْت الْبكاء وعصرت عَيْني ليسيل دمعها لم يخرج مِنْهَا دمع وَخرج بدله التفكر فالبكاء الَّذِي أَرَادَ إِيقَاع الْمَشِيئَة عَلَيْهِ بكاء مُطلق مُبْهَم غير معدي إِلَى الْفِكر الْبَتَّةَ والبكاء الثَّانِي مُقَيّد معدي إِلَى
(1/254)

التفكر فَلَا يصلح تَفْسِيرا للْأولِ وبياناً كَذَا قَالَه التَّفْتَازَانِيّ نقلا عَن دَلَائِل الأعجاز
والجوهري هُوَ
44 - (وَكَمْ ذُدْتَ عَنِّي من تحامل حَادث ... وَسورَة أيَّامٍ حَزَزْنَ إِلَى الْعَظْمِ)
الْبَيْت للبحتري من قصيدة من الطَّوِيل يمدح أَبَا الصَّقْر وأولها
(أعَنْ سَفهٍ يوْمَ الأبيْرِقِ أمْ حلمِ ... وُقوفٌ بربعٍ أَو بكاءٌ على رسمِ)
(وَمَا يُعْذَرُ الموسومُ بالشَّيبِ أَن يُرَى ... مُعارَ لباسٍ للتصابي وَلا وَسْم)
(تخبِّر أيامِي الحديثاتُ أننِي ... تركتُ السرُورَ عِندَ أياميَ القُدْمِ)
(وَأَولعتُ بِالْكِتْمَانِ حَتَّى كأنني ... طُويتُ على ضِغنٍ من الدْينِ أَو وغم)
(فإنْ تلقني نِضوَ العظامِ فَإِنَّهَا ... جريرَة قلبِي مُنْذُ كنتُ على جسمي) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة فَمِنْهَا فِي المديح
(كَأَنَّك من جِذْمٍ من الناسِ مفردٍ ... وسائرُ من يَأْتِي الدَّنِيَّات من جِذم)
(كأنا عَدُوّاً مُلْتَقي مَا تقاربتْ ... بِنَا الدارُ إِلَّا زادَ غرمكَ فِي غُنمي)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(أحاربُ قوما لَا أسَرُّ بسُوئِهم ... ولكنني أرمي منَ النَّاس من ترْمى)
(1/255)

والذود الطَّرْد وَالدَّفْع والتحامل تَكْلِيف الْأَمر الْمشق يُقَال تحامل عَليّ فلَان إِذا كلفه مَا لَا يُطَاق وَسورَة الْأَيَّام شدتها وصولتها واعتداؤها والحز الْقطع
وَالشَّاهِد فِيهِ حذف الْمَفْعُول لدفع توهم إِرَادَة غير المُرَاد من الْكَلَام ابْتِدَاء وَهُوَ هُنَا اللَّحْم إِذْ لَو ذكر لتوهم قبل ذكر الْعظم أَن الحز لم ينْتَه إِلَيْهِ فَترك دفعا لهَذَا الْوَهم
وَتقدم ذكر البحتري قَرِيبا
45 - (قَدْ طَلَبْنَا فَلم نجد لَك فِي السؤدد ... وَالمجد والمكارِم مِثْلا)
الْبَيْت للبحتري من قصيدة من الْخَفِيف يمدح بهَا المعتز لدين الله وأولها
(إِن سير الخليطِ حِين اسْتَقَلاَّ ... كانَ عَوْناً للدمع لما اسْتَهلا)
(فالنَّوى خُطَّة من الهجر مَا يَنْفَكُّ يَشْجَي بهَا المُحبُّ ويَبلْى ... )
(فأقلاَّ فِي غُلوَة اللوم إِنِّي ... زائدٌ فِي الغرام إِن لم تقلا) // الْخَفِيف //
وَهِي طَوِيلَة فَمِنْهَا فِي المديح
(لم يزَلْ حقُّكَ المُقَدَّم يمحو ... باطِلَ المستعارِ حَتَّى اضْمَحَلاَ)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(أنتَ أندى كَفَّاً وأشرفُ أَخْلَاقًا ... وأزكى قولا وَأكْرم فِعلاً)
يعرض بذم المستعين
(1/256)

والسؤدد بِالْهَمْز السِّيَادَة وَالْمجد نيل الشّرف وَالْكَرم أَو لَا يكون إِلَّا بِالْآبَاءِ والمكارم فعل الْكَرم والمثل الشّبَه
وَالشَّاهِد فِيهِ حذف الْمَفْعُول لإِرَادَة ذكره ثَانِيًا على وَجه يتَضَمَّن إِيقَاع الْفِعْل على صَرِيح لفظ الْمَفْعُول إِظْهَارًا لكَمَال الْعِنَايَة بِوُقُوع الْفِعْل عَلَيْهِ وترفعاً عَن إِيقَاعه على ضَمِيره وَإِن كَانَ كِنَايَة عَنهُ لِأَنَّهُ لَو قَالَ قد طلبنا لَك مثلا لناسب أَن يَقُول فَلم نجده وَفِيه تَفْوِيت غَرَض إِيقَاع نفي الوجدان على صَرِيح لفظ الْمثل لكَمَال الْعِنَايَة بِعَدَمِ وجدانه وَلِهَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه عكس ذُو الرمة فِي قَوْله
(وَلم أمدح لأرْضِيَهُ بشعِرْي ... لئيماً أَن يكون أصَاب مَالا) // الوافر //
فَإِنَّهُ أعمل الْفِعْل الأول الَّذِي هُوَ أمدح فِي صَرِيح لفظ اللَّئِيم لَا الثَّانِي الَّذِي هُوَ أرْضى إِذْ كَانَ غَرَضه إِيقَاع نفي الْمَدْح على اللَّئِيم صَرِيحًا دون الإرضاء
وَيجوز أَن يكون سَبَب حذف الْمَفْعُول ترك مُوَاجهَة الممدوح بِطَلَب مثل لَهُ مُبَالغَة فِي التأدب إِذْ التَّصْرِيح بِطَلَب الْمثل يجوز وجوده لِأَن طلب الْعَاقِل مبنيٌّ عَلَيْهِ
(1/257)

شَوَاهِد الْقصر
(1/258)

45 - (أنَا الذّائدُ الحامي الذِّمارَ وَإِنَّمَا ... يدافع عَن أحسابهم أنَا أَو مثلي)
الْبَيْت للفرزدق من قصيدة من الطَّوِيل وسببها أَن نسَاء بني مجاشع بلغهن فحش جرير بِهن فَأَتَيْنَ الفرزدق وَهُوَ مُقَيّد وَقد تقدم فِي تَرْجَمته أَنه قيد نَفسه لحفظ الْقُرْآن فَقُلْنَ قبح الله قيدك وَقد هتك جرير عورات نِسَائِك فلحيت شَاعِر قومٍ فأحفظنه ففك الْقَيْد وَقَالَ
(أَلا استهزأت مني سُوَيدة إِذْ رأتْ ... أَسِيرًا يداني خطوه حلُق الحجل)
(وَلَو علمتُ أَن الْوَثَاقَ أشدُّهُ ... إِلَى النَّار قَالَت لي مقَالَة ذِي عقل)
(لعمري لَئِن قَيَّدْتُ نَفسِي لطالما ... سعيت وأوْضَعْتُ المطية فِي الْجَهْل)
(ثَلَاثِينَ عَاماً مَا أرى من عَمَاية ... إِذا برقتْ إِلَّا أشُدُّ لَهَا رَحْلي)
(أَتَتْنِي أحاديثُ الْبَعِيثِ ودونهُ ... زرود فشاماتُ العقيق من الرمل)
(فَقلت أظنَّ ابنُ الخبيثة أَنني ... غفلتُ عَن الرَّامِي الكنانةَ بِالنَّبلِ)
(فإنْ يكُ قيدي كَانَ نذرا نذرتهُ ... فماليَ عَن أَحْسَاب قوميَ من شغل) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(1/260)

(ولوْ ضَاعَ مَا قَالُوا ارْعَ منَّا وجدتُهمْ ... شِحَاحاً على الغالي من الْحسب الجزلِ)
وَهِي طَوِيلَة
والذمار بِكَسْر الْمُعْجَمَة مَا يلزمك حفظه وحمايته والأحساب جمع حسب وَهُوَ مَا يعد من مفاخر الْآبَاء أَو هُوَ المَال أَو الدّين أَو الْكَرم أَو الشّرف فِي الْفِعْل أَو الشّرف الثَّابِت فِي الْآبَاء وَقد يكون الْحسب وَالْكَرم لمن لَا آبَاء لَهُ شرفاءً بِخِلَاف الْمجد كَمَا تقدم
وَمثل قَول الفرزدق قَول عَمْرو بن معدي كرب
(قدْ علمَتْ سلمى وجاراتها ... مَا قَطَّرَ الفارسَ إِلَّا أَنا) // السَّرِيع //
وَالشَّاهِد فِيهِ صِحَة انْفِصَال الضَّمِير مَعَ إِنَّمَا إِلَّا أَنه لما كَانَ غَرَضه أَن يخص المدافع لَا المدافع عَنهُ فصل الضَّمِير وَهُوَ أَنا وأخره إِذْ لَو قَالَ وَإِنَّمَا أدافع عَن أحسابهم لَصَارَتْ المدافعة مَقْصُورَة على أحسابهم دون غَيرهَا وَلَيْسَ هَذَا مَعْنَاهُ بل مَعْنَاهُ أَن المدافع عَن أحسابهم هولاً غَيره
(1/261)

شَوَاهِد الْإِنْشَاء
(1/263)

46 - (أَلاَ أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل ألاَ انجلي ... )
قَائِله امْرُؤ الْقَيْس بن حجر الْكِنْدِيّ من قصيدته الْمَشْهُورَة السَّابِقَة فِي شَوَاهِد الْمُقدمَة وَقَبله
(وليلِ كموج الْبَحْر أرْخى سدولهُ ... عَليّ بأنواع الهموم ليبتلي)
(فقلتُ لهُ لما تَمَطَّى بصُلبهِ ... وأردفَ أعجازاً وناء بكلكل)
(أَلاَ أيُّهَا اللَّيْل الطَّوِيل أَلا انجلي ... بصبحٍ وَمَا الإصباح مِنْك بأمثل)
(فيالك من ليلٍ كأنّ نجومه ... بِكُل مُغَار الفَتْل شُدَّتْ بيَذْبُلِ)
والإصباح الصُّبْح وَهُوَ الْفجْر أَو أول النَّهَار والانجلاء الانكشاف وَمَعْنَاهُ أَنه تمنى زَوَال ظلام اللَّيْل بضياء الصُّبْح ثمَّ قَالَ وَلَيْسَ الصُّبْح بأمثل مِنْك عِنْدِي لِاسْتِوَائِهِمَا فِي مقاساة الهموم أَو لِأَن نَهَاره يظلم فِي عَيْنَيْهِ لتوارد الهموم فَلَيْسَ الْغَرَض طلب الانجلاء من اللَّيْل لِأَنَّهُ لَا يقدر عَلَيْهِ لكنه يتمناه تخلصاً مِمَّا يعرض لَهُ فِيهِ ولاستطالته تِلْكَ اللَّيْلَة كَأَنَّهُ لَا يرتقب انجلاءها وَلَا يتوقعه فَلهَذَا يحمل على التَّمَنِّي دون الترجي
وَالشَّاهِد فِيهِ اسْتِعْمَال صِيغَة الْأَمر لِلتَّمَنِّي
وَقد أَخذ الطرماح هَذَا الْبَيْت وَغير قافيته فَقَالَ
(أَلا أَيهَا اللَّيْل الطويلُ ألاَ اصبحِ ... بيومٍ وَمَا الإصباحُ مِنْك بأروح) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول أبي الْعَلَاء المعري فِي طول اللَّيْل
(وليْلينِ حالٍ بالكواكب جَوْزُهُ ... وآخَرُ من حَلْى الْكَوَاكِب عاطلُ)
(كأنَّ دجاهُ الهجرُ والفجرُ موعدٌ ... بوصلٍ وضوءُ الصُّبْح حِبٌّ مماطلُ)
(قطعْتُ بِهِ بحراً يعبُّ عُبابُهُ ... وليسَ لهُ إِلَّا التبلج سَاحل) // الطَّوِيل //
وللوأواء الدِّمَشْقِي فِيهِ أَيْضا
(1/264)

(أطالَ لَيلُ الصُّدودِ حَتَّى ... أيِستُ مِنْ غُرةِ الصَّباحِ)
(كأنهُ إذْ دَجا غُرابٌ ... قَدْ حَضَنَ الأرضَ بالجناح) // من مخلع الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول الخطيري
(شابتْ ذَوائبُ صَبري يَا مُعذِّبتي ... فِي لَيلتي وَعِذَارُ اللَّيلِ لمْ يَشبِ)
(وَدونَ صُبحَي سِترٌ مِنْ زُمردَةٍ ... مُسمرٌ بِمساميرٍ من الذَّهَب) // الْبَسِيط //
ولبعضهم فِيهِ من قصيدة وَأحسن مَا شَاءَ
(تَراهُ كمَلكِ الزَّنج مِنْ فَرطِ كفرهِ ... إذَا رَامَ مَشياُ فِي تَبخترهِ أبْطا)
(مُطِلاًّ عَلى الآفاقِ والْبدرُ تاجهُ ... وَقَدْ عَلّقَ الجَوزاء فِي أُذُنه قرطا) // الطَّوِيل //
ولشرف الدّين بن منقذ فِيهِ أَيْضا
(ولرُبَّ لَيلٍ تاهَ فِيه نجمهُ ... فقَطعتهُ سهَراً فَطالَ وعسَعسا)
(وَسألتهُ عَنْ صُبحهِ فَأَجَابَنِي ... لوْ كانَ فِي قيد الْحَيَاة تنفسا) // الْكَامِل //
وَمثله قَول الآخر
(ماتَ الصبَّاحُ بِليْلٍ ... أحْييتهُ حِينَ عَسعسْ)
(لوْ كانَ لِلَّيلِ صبُحٌ ... يَعيشُ كانَ تنفس) // المجتث //
وَلابْن منقذ أَيْضا
(لما رَأيتُ النّجمَ ساه طرفه ... أَو القطب قَدْ ألْقى عَليهِ سُباتا)
(وَبناتُ نَعْشٍ فِي الحِداد سَوافراً ... أيْقنتُ أنَّ صَباحهمْ قد مَاتَا) // الْكَامِل //
وللوأواء الدِّمَشْقِي
(وليلٍ مثل يومِ البينِ طولا ... إِذا أفَلَتْ كواكبهُ تعودُ)
(بدائعُ نومِها فِيهِ انتباهٌ ... فأعيُنُها مُفَتَّحَةٌ رقود) // الوافر //
وَله أَيْضا
(1/265)

(وليلٍ مثل يومِ الحشرِ طولا ... كأنَّ ظلامَهُ لونُ الصدُودِ)
(بياضُ هلالهِ فيهِ سَواد ... كإثر الْعلم فِي يَقِقِ الخُدودِ) // الوافر //
وَمَا أحسن اعتذار الأرجاني عَن طول اللَّيْل
(لَا أدَّعي جَوْر الزَّمان وَلَا أَرَى ... ليْلي يزيدُ على اللَّيَالِي طُولا)
(لكنَّ مرْآة الصباحِ تنفُّسي ... للهمِّ أصدأ وَجْهَهَا المصقولا) // الْكَامِل //
وَقد أَخذه من قَول عَليّ بن هِشَام
(لَا أظلم اللَّيْل وَلَا أَدعِي ... أَن نُجُوم اللَّيْل لَيست تغورْ)
(ليلِي كَمَا شاءتْ فَإِن لم تَجُدْ ... طالَ وإنْ جادَت فليلي قَصيرْ) // السَّرِيع //
وَأورد ابْن الصولي لِابْنِ الْخَلِيل أَيْضا قَوْله
(يَقولونَ طالَ اللَّيلُ واللَّيلُ لم يَطلْ ... وَلكنَّ مَنْ يَهوَى مِنَ الشَّوقِ يَسهرُ)
(أنامُ إذَا مَا اللَّيلُ مَهَّدَ مَضجعي ... وَأفقدُ نومي حِينَ أُجْفَى وَأهْجَرُ)
(فَكم لَيلةٍ طالتْ عليَّ لِصدِّها ... وَأخرَى ألاَقيها بوصل فتقصر) // الطَّوِيل //
وَفِي مَعْنَاهُ قَول الأديب الْحَرَّانِي
(جاءتْ تُسائلُ عَنْ لَيلي فَقلتُ لَهَا ... وَسوْرةُ الهمِّ تَمحو سِيرةَ الجَذلِ)
(لَيلي بكفيك فاغني عَنْ سُؤالكِ لي ... إنْ بِنتِ طالَ وَإنْ وَاصلتِ لمْ يطلّ) // الْبَسِيط //
وَقَول بعض الْمُتَأَخِّرين
(لَيلي ولَيلى نَفى نَومي خِلاَفُهما ... حَتَّى لَقدْ صَيَّرَاني فِي الهوَى مَثلاَ)
(يَجودُ بالطَّول لَيلي كلمَّا بَخلتْ ... بِالطَّوْل لَيلي وَإنْ ~ جادتْ بهِ بخلا) // الْبَسِيط //
(1/266)

وَقَول ابْن أبي حَصِينَة
(يَا لَيلُ مَا طُلتَ عمَّا كُنتُ أعْرِفهُ ... وَإنما طالَ بِي فِيكَ الذِي أجد) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم فِيهِ
(سَهرتُ لَيلاتِ وَصلي فَرحةً بِهمُ ... وَليلةُ الهجر كم قضيها سَهرا)
(إِذَا تَقضَّى زَماني كلُّهُ سَهراً ... فَما أُبَالِي أطالَ اللَّيلُ أم قَصُرَا) // الْبَسِيط //
وَمثله قَول الآخر
(فِي الهجْرِ والوصلِ مَا تَذوقُ كَرَى ... عَيني فَما يَنقضي تَسهُّدُهَا)
(فَليلةُ الهجرِ لاَ رُقادَ بهَا ... وَليلة الْوصلِ كَيفَ أرقدها) // المنسرح //
وَقَول أبي الْحسن الْبَصْرِيّ
(وَلما تعرَّضَ لي زَائِرًا ... وَمَا كانَ عِندِي لَهُ مَوْعِدُ)
(سَهِرت اغتناماً لِلَيل الْوِصَال ... لِعلمي بِهِ أَنه يَنفَدُ)
(فقالَ وَقد رقَّ لي قلبُهُ ... وأيقن أَنِّي بِهِ مكمد)
(إِذا كنتَ تسهر الوِصالِ ... ولَيْلَ النَّوى فَمَتَى ترقد) // المتقارب //
وَقد أَكثر الشُّعَرَاء فِي هَذَا الْمَعْنى وَفِيمَا أوردته مقنع
(1/267)

شَوَاهِد الْوَصْل والفصل
47 - (لَا وَالَّذِي هُوَ عَالم أنَّ النَّوى ... مُرٌّ وَأَن أَبَا الحُسَينِ كَريمُ)
الْبَيْت لأبي تَمام الطَّائِي من قصيدة من الْكَامِل يمدح بهَا أَبَا الْحُسَيْن مُحَمَّد بن الْهَيْثَم وأولها
(أسْقَى طُلولَهمُ أجَشُّ هَزِيمُ ... وغَدَتْ عَلَيْهِم نَضْرَةٌ ونَعيمُ)
(جَادَتْ معاهدَهم عِهَادُ سحابةٍ ... مَا عهدُها عِنْد الديارِ ذَميمُ)
(سَفِهَ الفراقُ عَلَيْك يَوْم تحَمَّلوا ... رُبمَا أرَاهُ وَهُوَ عَنك حَليمُ)
(ظلمتك ظالمة البريء ظَلومُ ... وَالظُّلم من ذِي قُدْرة مَذْمُوم)
(زَعمَتْ هَوَاك عَفا الغداةَ كَمَا عفَا ... مِنْهَا طُلولٌ باللوى ورسوم) // الْكَامِل //
لَا وَالَّذِي هُوَ عَالم ... . . الْبَيْت وَبعده
(مَا حُلْتُ عَن سنَن الوفاءِ وَلَا غَدَتْ ... نَفسِي على إلفٍ سواكِ تَحُومُ)
والنوى الْفِرَاق
وَالشَّاهِد فِيهِ أَن شَرط عطف جملَة على جملَة أَن يكون بَينهمَا جِهَة خَاصَّة وَلَا كَذَلِك فِي هَذَا الْبَيْت إِذْ لَا مُنَاسبَة بَين كرم أبي الْحُسَيْن ومرارة النَّوَى سواءٌ كَانَ نَوَاه أَو نوى غَيره فَهَذَا الْعَطف غير مَقْبُول سَوَاء جعل عطف مُفْرد على مُفْرد كَمَا هُوَ الظَّاهِر أَو عطف جملَة على جملَة بِاعْتِبَار وُقُوعه مَوضِع مفعول الْعلم لِأَن وجود الْجَامِع شَرط فيهمَا وَلِهَذَا عيب على أبي تَمام كَمَا سَيَأْتِي فِي أحسن التَّخَلُّص إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(1/270)

(وهِمتُ بالأوْطان وجدا بهَا ... وبالغوانِي أينَ مِني الغوان)
(فقرِّباني بِأبي أَنْتُمَا ... مِنْ وطني قبلَ اصفرار البنان)
(وقبلَ مَنْعايَ إِلَى نِسوةٍ ... مَسكَنُها حرَّان والرَّقتان)
(سقى قُصُور الشاذياخ الحَيا ... منْ بعدِ عهدِي وقصورَ الميان)
(فكم وَكم منْ دَعوةٍ لي بهَا ... أنْ تتخطاها صُروفَ الزَّمَان) // السَّرِيع //
والترجمان يُقَال بِضَم تائه وجيمه وفتحهما وَفتح التَّاء وَضم الْجِيم وَهُوَ الْمُفَسّر للسان يُقَال تَرْجمهُ وَعنهُ وَالْفِعْل يدل على أَصَالَة التَّاء
وَلَقَد أَجَاد الْغَزِّي فِي تَضْمِينه صدر الْبَيْت بقول
(طول حَيَاة مَالهَا طائل ... تغض عندِي كلَّ مَا يُشتهي)
(أَصبحتُ مثلَ الطِّفل فِي ضعفهِ ... تشابهَ المبدأُ والمُنتهى)
(فلاَ تَلُمْ سَمعي إِذا خانني ... إنّ الثَّمَانِينَ وبلغتها) // السَّرِيع //
ولطيف قَول الشهَاب المنصوري رَحمَه الله
(نَحْو ثمانينَ منَ الْعُمر قدْ ... قَطعْتها مثلَ عُقُود الجمانْ)
(مَا أَحوجتْ يَوْمًا يَمِيني إِلَى ... عَصا وَلَا سَمْعي إِلَى ترجمان) // السَّرِيع //
وَالشَّاهِد فِيهِ الِاعْتِرَاض وَيُسمى الِالْتِفَات وَهُوَ أَن يُؤْتى فِي أثْنَاء الْكَلَام أَو بَين كلامين متصلين معنى بجملة أَو أَكثر لَا مَحل لَهَا من الْأَعْرَاب لنكتة سوى دفع الْإِيهَام وَهُوَ هُنَا الدُّعَاء فِي قَوْله وبلغتها لِأَنَّهَا جملَة مُعْتَرضَة بَين اسْم إِن وخبرها وَالْوَاو فِيهِ اعتراضية لَيست عاطفة وَلَا حَالية
(1/270)

48 - (وَقَالَ رَائِدُهم أرْسُوا نُزَاوِلُهَا ... )
هُوَ من الْبَسِيط وقائله الأخطل كَذَا ذكره سِيبَوَيْهٍ وَلَيْسَ هُوَ فِي ديوانه وَتَمَامه
(وكل حَتْفِ امرِئِ يجْرِي بمقدارِ ... )
وَبعده
إِمَّا نموتُ كراماً أَو نَفوز بهَا ... فواحد الدَّهْر من كدٍّ وأسفار) // الْبَسِيط //
والرائد الْمُرْسل فِي طلب الْكلأ وأرسوا بِقطع الْهمزَة من رست السَّفِينَة ترسو رسوا إِذا وقفت على الأنجر مُعرب لنكر وَهُوَ مرساة السَّفِينَة وَهِي خشبات يفرغ بَينهَا الرصاص الْمُذَاب فَتَصِير كصخرة إِذا رست رست السَّفِينَة أَو هُوَ من رست أَقْدَامهم فِي الْحَرْب أَي ثبتَتْ ونزاولها من المزاولة وَهِي المحاولة والمعالجة فِي تَحْصِيل الشَّيْء وَالضَّمِير للسفينة وَقيل للحرب وَقيل للخمر وَهُوَ لَا يُنَاسب ظَاهر الْبَيْت الَّذِي بعده
وَالشَّاهِد فِي قَوْله نزاولها فَإِنَّهُ فَصله عَن قَوْله أرسوا لِأَن الأول أَمر وَالثَّانِي خبر فَامْتنعَ الْعَطف بَينهمَا لاختلافهما خَبرا وطلباً لفظا وَمعنى
وَمن هَذَا الضَّرْب قَول اليزيدي أَو إِبْرَاهِيم بن الْمُدبر
(ملكتهُ حبلي ولكنهُ ... ألقَاه من زُهْدٍ على غاربي)
(1/271)

(وقالَ إِنِّي فِي الْهوى كاذبٌ ... انتقمَ اللهُ من الكاذبِ) // السَّرِيع //
وَحمله الشَّيْخ عبد القاهر على الِاسْتِئْنَاف بِتَقْدِير قلت قَالَ الشِّيرَازِيّ وَهُوَ أنسب بالْمقَام
والأخطل هُوَ غياث بن غوث بن الصَّلْت بن الطارقة يَنْتَهِي نسبه لتغلب ويكنى أَبَا مَالك والأخطل لقبه عَن أبي عُبَيْدَة أَن السَّبَب فِيهِ أَنه هجا رجلا من قومه فَقَالَ لَهُ يَا غُلَام إِنَّك لأخطل والأخطل السَّفِيه وَكَانَ نَصْرَانِيّا من أهل الجزيرة وَمحله فِي الشّعْر أكبر من أَن يحْتَاج إِلَى وصف وَهُوَ وَجَرِير والفرزدق طبقَة وَاحِدَة جعلهَا ابْن سَلام أول طَبَقَات الْإِسْلَام وَلم يَقع إجماعٌ على أحدهم انه أفضلهم وَلكُل وَاحِد مِنْهُم عصبَة تفضله على الْجَمَاعَة
وَقَالَ أَبُو عَمْرو لَو أدْرك الأخطل يَوْمًا وَاحِدًا من الْجَاهِلِيَّة مَا قدمت عَلَيْهِ أحدا
وَقَالَ الْأَصْمَعِي إِنَّمَا أدْرك جرير الأخطل وَهُوَ شيخ قد تحطم وَكَانَ الأخطل أسن من جرير وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يشبه الأخطل بالنابغة لصِحَّة شعره وَكَانَ حَمَّاد يفضل الأخطل على جرير والفرزدق فَقَالَ لَهُ الفرزدق إِنَّمَا تفضله لِأَنَّهُ فَاسق مثلك فَقَالَ لَو فضلته بِالْفِسْقِ لفضلتك وَقَالَ الأخطل لعبد الْملك ابْن مَرْوَان يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ زعم ابْن المراغة يَعْنِي جَرِيرًا أَنه يبلغ مدحتك فِي ثَلَاثَة أَيَّام وَقد أَقمت فِي مدحتك
(1/272)

(خف القطين فراحوا مِنْك أَو بَكرُوا ... )
سنة فَمَا بلغت مَا أردْت فَقَالَ عبد الْملك أسمعناها يَا أخطل فَلَمَّا أنشدها قَالَ لَهُ عبد الْملك أَتُرِيدُ أَن أكتب إِلَى الْآفَاق أَنَّك أشعر الْعَرَب قَالَ اكْتفي بقول أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأمر لَهُ بِجَفْنَة كَانَت بَين يَدَيْهِ فملئت لَهُ دَرَاهِم وألقيت عَلَيْهِ خلع وَخرج بِهِ مولى لعبد الْملك على النَّاس وَهُوَ يَقُول هَذَا شَاعِر أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا أشعر الْعَرَب
وَأنْشد لعبد الْملك قَول كثير فِيهِ
(فَمَا تركوها عنْوَة عَن مودّةٍ ... ولكنْ بحدِّ المشرفي استقالها) // الطَّوِيل //
فأعجب بِهِ فَقَالَ لَهُ الأخطل مَا قلت لَك وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أحسن مِنْهُ قَالَ وَمَا قلت قَالَ قلت
(أهَلّوا من الشهرِ الحرامِ فَأَصْبحُوا ... مَوَاليَ مُلْكٍ لَا طَريفٍ وَلَا غصب) // الطَّوِيل //
جعلته لَك حَقًا وَجعله لَك غصبا قَالَ صدقت
وَأصْبح عبد الْملك يَوْمًا فِي غَدَاة بَارِدَة فتمثل بقول الأخطل
(1/273)

(إِذا اصطَبحَ الْفَتى مِنْهَا ثَلَاثًا ... بِغَيْر المَاء حاوَل أَن يطولاَ)
(مَشى قرشيَّةً لَا شكّ فِيهَا ... وأرْخى من مآزرِهِ فضولا) // الوافر //
ثمَّ قَالَ كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ السَّاعَة مُحَلل الْإِزَار مُسْتَقْبلا للشمس فِي حَانُوت من حوانيت دمشق ثمَّ بعث رجلا يَطْلُبهُ فَوَجَدَهُ كَذَلِك
وَقدم الأخطل مرّة على عبد الْملك بن مَرْوَان فَنزل على سرجون كَاتبه فَقَالَ لَهُ على من نزلت فَأخْبرهُ فَقَالَ لَهُ قَاتلك الله مَا أخْبرك بِصَالح الْمنَازل فَمَا تُرِيدُ أَن ننزلك قَالَ فِي درمك من درمككم هَذَا وَلحم وخمر من بَيت رَأس فَضَحِك عبد الْملك وَقَالَ وَيلك وعَلى أَي شَيْء اقتتلنا إِلَّا على هَذَا ثمَّ قَالَ لَهُ أَلا تسلم فنفرض لَك أَلفَيْنِ فِي عطائك وتوصل بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم قَالَ فَكيف بِالْخمرِ قَالَ وَمَا تصنع بهَا وَإِن أَولهَا لمر وَإِن آخرهَا لسكر قَالَ أما إِن قلت ذَاك فَإِن بَينهمَا لمنزلة مَا ملكك فِيهَا إِلَّا كلعقة من مَاء الْفُرَات بالإصبع فَضَحِك عبد الْملك ثمَّ قَالَ أَلا تزور الْحجَّاج فَإِنَّهُ كتب يستزيرك فَقَالَ أطائع أم كَارِه قَالَ بل طائع قَالَ مَا كنت لأختار نواله على نوالك ولاقربة على قربك إِنِّي إِذا لَكمَا قَالَ الشَّاعِر
(كَمُبتاعٍ لمركبهِ حِماراً ... يُغيرهُ من الْفرسِ الْكَرِيم) // الوافر //
فَأمر لَهُ بِعشر آلَاف دِرْهَم وَأمره أَن يمدح الْحجَّاج فمدحه بقوله
(1/274)

(صَرمَتْ حِبالَكَ زَينبٌ وَرعومُ ... وَبدَا المُجمجمُ مِنْهُمَا المكتوم) // الْكَامِل //
وَوجه بالقصيدة مَعَ ابْنه إِلَيْهِ
وَدخل الأخطل على بشر بن مَرْوَان وَعِنْده الرَّاعِي الشَّاعِر فَقَالَ لَهُ بشر أَأَنْت أشعر أم هَذَا قَالَ أَنا أشعر مِنْهُ وَأكْرم فَقَالَ لِلرَّاعِي مَا تَقول فَقَالَ أما اشعر مني فَعَسَى وَأما اكرم مني فَإِن كَانَ فِي أمهاته من ولدت مثل الْأَمِير فَنعم فَلَمَّا خرج الأخطل قَالَ لَهُ رجل أَتَقول لخال الْأَمِير أَنا أكْرم مِنْك فَقَالَ وَيحك إِن أَبَا نسطوس قد وضع فِي رَأْسِي أكؤساً ثَلَاثًا وَالله لَا أَعقل مَعهَا
وَحدث قُحَافَة المري قَالَ دخل الأخطل على عبد الْملك فاستنشده فَقَالَ قد يبس حلقي فَمر من يسقيني فَقَالَ اسقوه مَاء فَقَالَ هُوَ شراب الْحمار وَهُوَ عندنَا كثير قَالَ فاسقوه لَبَنًا قَالَ عَن اللَّبن فطمت قَالَ فاسقوه عسلاً قَالَ شراب الْمَرِيض قَالَ فتريد مَاذَا قَالَ خمرًا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أَو عهدتني أَسْقِي الْخمر لَا أم لَك لَوْلَا حرمتك بِنَا لفَعَلت وَفعلت فَخرج فلقي فراشا لعبد الْملك فَقَالَ وَيلك إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ استنشدني وَقد صَحِلَ صوتي فاسقني شربة خمر فَسَقَاهُ رطلا فَقَالَ أعدله بآخر فَسَقَاهُ رطلا آخر فَقَالَ تركتهما يعتر كَانَ فِي بَطْني فاسقني ثَالِثا فَسَقَاهُ ثَالِثا فَقَالَ تَرَكتنِي أَمْشِي على وَاحِدَة اعْدِلْ ميلي برابع فَسَقَاهُ رَابِعا فَدخل على عبد الْملك فأنشده
(خفَّ الْقطينُ فراحوا مِنْك أَو بَكرُوا ... )
فَقَالَ لَا بل مِنْك وَتَطير من قَوْله قَالَ وَمر فِي القصيدة حَتَّى بلغ إِلَى قَوْله
(1/275)

(شمس الْعَدَاوَة حَتَّى يُسْتَقَادَ لَهُم ... وأعظَمُ النَّاس أحلاماً إِذا قَدرُوا)
فَقَالَ عبد الْملك خُذ بيدَيْهِ يَا غُلَام فَأخْرجهُ ثمَّ ألق عَلَيْهِ من الْخلْع مَا يغمره وَأحسن جائزته ثمَّ قَالَ إِن لكل قوم شَاعِرًا وَإِن شَاعِر بني أُميَّة الأخطل
وَقَالَ أَبُو عبد الْملك كَانَت بكر بن وَائِل إِذا تشاجرت فِي شَيْء رضيت بالأخطل وَكَانَ يدْخل الْمَسْجِد فَيقومُونَ إِلَيْهِ ورأيته بالجزيرة وَقد شكى إِلَيّ القس وَقد أَخذ بلحيته وضربه بعصاه وَهُوَ يصئ كَمَا يصئ الفرخ فَقلت لَهُ أَيْن هَذَا مِمَّا كنت عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ فَقَالَ يَا ابْن أخي إِذا جَاءَ الدّين ذللنا
وَحدث إِسْحَاق بن عبد الله المطلبي قَالَ قدمت الشَّام وَأَنا شَاب مَعَ أبي فَكنت أَطُوف فِي كنائسها ومساجدها فَدخلت كَنِيسَة دمشق فَإِذا الأخطل فِيهَا مَحْبُوس فَسَأَلَ عني فَأخْبر بنسبي فَقَالَ يَا فَتى إِنَّك رجل شرِيف وَأَنا أَسَالَك حَاجَة فَقلت حَاجَتك مقضية فَقَالَ إِن القس قد حَبَسَنِي هُنَا فتكلمه ليخلي عني فَأتيت القس فانتسبت لَهُ فَرَحَّبَ بِي وَعظم فَقلت إِن لي إِلَيْك حَاجَة قَالَ وَمَا حَاجَتك فَقلت الأخطل تخلى عَنهُ فَقَالَ أُعِيذك بِاللَّه من هَذَا فَإِن مثلك لَا يتَكَلَّم فِيهِ فَإِنَّهُ فَاسق يشْتم أَعْرَاض النَّاس ويهجوهم فَلم أزل أطلب إِلَيْهِ حَتَّى مضى مُتكئا على عَصَاهُ فَوقف عَلَيْهِ وَرفع عَصَاهُ وَقَالَ يَا عَدو الله أتعود تَشْتُم النَّاس وتهجوهم وتقذف الْمُحْصنَات وَهُوَ يَقُول لست بعائد وَلَا أفعل ويستخزي لَهُ فَقلت يَا أَبَا مَالك النَّاس يهابونك والخليفة يكرمك وقدرك فِي النَّاس رفيع وَأَنت تخضع لهَذَا هَذَا الخضوع وتستخزي لَهُ قَالَ فَجعل يَقُول لي إِنَّه الدّين
وَحدث الْهَيْثَم قَالَ كَانَت امْرَأَة الأخطل حَامِلا وَكَانَ متمسكاً بِدِينِهِ فَمر
(1/276)

بِهِ الأسقف يَوْمًا فَقَالَ لَهَا الحقيه فتمسحي بِهِ فعدت وَرَاءه فَلم تلْحق إِلَّا ذَنْب حِمَاره فتمسحت بِهِ وَرجعت فَأَخْبَرته فَقَالَ لَهَا هُوَ وذنب حِمَاره سَوَاء
وَسمع هِشَام الأخطل وَهُوَ يَقُول
(وَإِذا افتقرتَ إِلَى الذَّخائِرِ لم تَجِد ... ذُخْراً يكون كصالح الْأَعْمَال) // الْكَامِل //
فَقَالَ لَهُ هَنِيئًا لَك يَا أَبَا مَالك هَذَا الْإِسْلَام فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا زلت مُسلما فِي ديني
وَحدث أَبُو مُحَمَّد اليزيدي قَالَ خرج الفرزدق يَوْمًا يؤم بعض مُلُوك بني أُميَّة فَرفع لَهُ فِي طَرِيقه بَيت أَحْمَر من أَدَم فَدَنَا مِنْهُ وَسَأَلَ فَقيل لَهُ الأخطل فاستقرى فَقيل لَهُ انْزِلْ فَقَامَ إِلَيْهِ الأخطل وَهُوَ لَا يعرف إِلَّا أَنه ضيف فَجَلَسَا يتحادثان فَقَالَ لَهُ الأخطل مِمَّن الرجل قَالَ من تَمِيم قَالَ فَأَنت إِذن من رَهْط أخي الفرزدق فَهَل تحفظ من شعره شَيْئا قلت نعم كثيرا فَمَا زَالا يتناشدان ويتعجب الأخطل من حفظه شعر الفرزدق إِلَى أَن عمل فِيهِ الشَّرَاب وَقد كَانَ الأخطل قَالَ لَهُ قبل ذَلِك أَنْتُم معشر الحنيفية لَا ترَوْنَ أَن تشْربُوا من شرابنا فَقَالَ الفرزدق
(خَفِّضْ عَلَيْك قَليلاً ... وهاتِ لي من شرابك) // المجتث //
فَلَمَّا عملت الراح فِيهِ قَالَ وَالله أَنا الَّذِي أَقُول فِي جرير وأنشده فَقَامَ الأخطل وَقبل رَأسه وَقَالَ لَا جَزَاك الله عني خيرا لم كتمتني نَفسك مُنْذُ الْيَوْم وأخذا فِي شرابهما وتناشدا إِلَى أَن قَالَ لَهُ الأخطل وَالله إِنَّك وإياي لأشعر من جرير وَلكنه أُوتِيَ من سير الشّعْر مَا لم نؤته قلت أَنا بَيْتا مَا أعلم أحدا
(1/277)

قَالَ أهجى مِنْهُ قلت وَمَا هُوَ قَالَ الأخطل قلت
(قَومٌ إِذا اسْتَنْبَحَ الأضيافُ كلبهُمُ ... قَالُوا لأمِّهُم بولِي على النَّار) // الْبَسِيط //
فَلم يروه إِلَّا حكماء أهل الشّعْر وَقَالَ هُوَ
(والتَّغْلَبيُّ إِذا تَنحنَح للقِرى ... حَكَّ استْهُ وتمثل الامثالا) // الْكَامِل //
فَلم تبْق سفلَة وَلَا أَمْثَالهَا إِلَّا رَوَوْهُ قَالَ فقضوا لَهُ أَنه أَسِير شعرًا مِنْهُمَا
وَعَن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ قيل إِنَّه لما حضرت الأخطل الْوَفَاة قيل لَهُ يَا أَبَا مَالك أَلا توصي قَالَ بلَى ثمَّ قَالَ
(أُوَصِّي الفَرزدقَ عِنْد المماتِ ... بِأم جَريرٍ وأعْيارِها)
(وزارَ القبورَ أَبُو مالكٍ ... برغم العداة واوتارها) // المتقارب //
49 - (أقولُ لَهُ ارحَلْ لَا تقيمن عندنَا ... وَإِلَّا فكُنْ فِي السِّر والجهرِ مُسلِما)
الْبَيْت من الطَّوِيل وَلَا أعرف قَائِله وَكَذَلِكَ ذكر الْعَيْنِيّ فِي شواهده
وَمَعْنَاهُ إِن لم ترحل فَكُن على مَا يكون عَلَيْهِ الْمُسلم من اسْتِوَاء الْحَالين فِي السهر والجهر
وَالشَّاهِد فِيهِ كَون الجملتين بَينهمَا كَمَال الِاتِّصَال لكَونه الثَّانِيَة أوفى بتأدية المُرَاد من الأولى فَنزلت منزلَة بدل الاشتمال فَلم تعطف عَلَيْهَا وهما هَهُنَا قَوْله ارحل وَقَوله لَا تقيمن عندنَا لِأَن فِي قَوْله ارحل كَمَال إِظْهَار الْكَرَاهَة لإِقَامَة الْمُخَاطب وَقَوله لَا تقيمن عندنَا أَو فِي بتأدية المُرَاد لدلالته على إِظْهَار الْكَرَاهَة لإقامته بالمطابقة مَعَ التَّأْكِيد الْحَاصِل من اللَّفْظَيْنِ
(1/278)

50 - (أقسَمَ بِاللَّه أَبُو حَفْصٍ عمر ... )
هُوَ من الرجز قَائِله أَعْرَابِي وَبعده
(مَا إِن بهَا من نَقبٍ وَلَا دَبَرْ ... اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ إِن كَانَ فجر) الرجز
يرْوى أَن هَذَا الْأَعرَابِي جَاءَ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ إِن أَهلِي ببادية بعيدَة وَإِنِّي على نَاقَة دبراء عجفاء نقباء واستحمله فَظَنهُ كَاذِبًا فَلم يحملهُ فَانْطَلق الْأَعرَابِي فَحل نَاقَته ثمَّ اسْتقْبل الْبَطْحَاء وَجعل يَقُول الأبيات وَعمر رَضِي الله عَنهُ مقبل من أَعلَى الْوَادي فَجعل إِذا قَالَ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ إِن كَانَ فجر قَالَ اللَّهُمَّ صدق حَتَّى التقيا فَأخذ بِيَدِهِ وَقَالَ لَهُ ضع عَن راحلتك فَوضع فَإِذا هِيَ كَمَا وصف فَحَمله على بعير وزوده وكساه
والنقب رقة الأخفاف والدبر قرحَة الدَّابَّة
وَالشَّاهِد فِيهِ جعل عمر بَيَانا وتوضيحاً لأبي حَفْص
51 - (وتَظُنُّ سَلمى أنني أبغي بهَا ... بَدَلاً أَرَاهَا فِي الضلال تهيمُ)
الْبَيْت من الْكَامِل وَلَا أعرف قَائِله وَكَذَلِكَ ذكر الْعَيْنِيّ أَيْضا والضلال ضد الْهدى
(1/279)

وَالشَّاهِد فِيهِ عدم عطف الْجُمْلَة الثَّانِيَة لكَونه موهماً لَهُ على غَيرهَا لِأَن بَين الجملتين الخبريتين وهما وتظن سلمى واراها مُنَاسبَة ظَاهِرَة لاتحادهما فِي الْمسند لِأَن معنى أَرَاهَا أظنها والمسند إِلَيْهِ فِي الأولى مَحْبُوب وَفِي الثَّانِيَة محب فَلَو عطف أَرَاهَا على تظن لتوهم أَنه عطف على أبغى وَهُوَ أقرب إِلَيْهِ فَيكون من مظنونات سلمى وَلَيْسَ كَذَلِك
(قَالَ لي كَيفَ أَنْت قُلتُ عَليلُ ... سَهرٌ دَائِم وحزن طَوِيل)
الْبَيْت من الْخَفِيف وَتقدم فِي شَوَاهِد الْمسند إِلَيْهِ
وَالشَّاهِد فِيهِ هُنَا وُقُوع الْجُمْلَة الثَّانِيَة مستأنفة جَوَابا عَن الْجُمْلَة الأولى المتضمنة للسؤال عَن سَبَب مُطلق أَي مَا بَال علتك فَقَالَ سهر وَذَلِكَ لِأَن الْعَادة جرت بِأَنَّهُ إِذا قيل فلَان عليل أَن يسْأَل عَن سَبَب علته لَا أَن يُقَال هَل سَبَب علته كَذَا وَكَذَا لَا سِيمَا السهر والحزن فَإِنَّهُ قَلما يُقَال هَل سَبَب مَرضه السهر والحزن لِأَنَّهُ أبعد أَسبَابه فَعلم أَن السُّؤَال عَن السَّبَب الْمُطلق دون السَّبَب الْخَاص وَعدم التوكيد يشْعر بِهِ
وَمثله قَول أبي الْعَلَاء المعري
(وَقد غَرِضْتُ من الدُّنْيَا فَهَل زمني ... مُعط حَياتِي لِغرٍّ بَعْدَمَا غَرضَا)
(جرَّبتُ دهري وأهْليهِ فَمَا تَركَتْ ... لِيَ التجاربُ فِي وُدِّ امْرِئ غَرضا) // الْبَسِيط //
(1/280)

أَي لم تَقول هَذَا وَمَا ألجأك إِلَيْهِ فَقَالَ جربت إِلَخ
52 - (زعَمَ العَواذلُ أنني فِي غَمْرَةٍ ... صَدَقوا وَلَكِن غْمَرتي لَا تَنْجَلي)
الْبَيْت من الْكَامِل وَلَا أعرف قَائِله
والعواذل جمع عاذلة بِمَعْنى جمَاعَة عاذلة لَا امْرَأَة عاذلة بِدَلِيل قَوْله صدقُوا وغمرة الشَّيْء شدته ومزدحمه
وَالشَّاهِد فِيهِ وُقُوع الْجُمْلَة المستأنفة جَوَابا للسؤال عَن غير سَبَب مُطلق أَو خَاص كَأَنَّهُ قيل اصدقوا فِي هَذَا الزَّعْم أم كذبُوا فَقَالَ صدقُوا وفصله عَمَّا قبله لكَونه استئنافاً
وَمِنْه قَول جُنْدُب بن عمار
(زعمَ العواذِلُ أَن ناقةَ جُندَبٍ ... بجَنوب خَبْتٍ عُرَّيَتْ وأُجِمَّتِ)
(كذبَ العواذل لَو رأينَ مُناخنَا ... بالقادسيَّةِ قُلْنَ لَجَّ وذلت) // الْكَامِل //
وَمثله قَول لبيد
(عَرَفْتُ الْمنزل الْخَالِي ... عَفا من بعْدِ أحوالِ)
(1/281)

(عفاه كل هَتّان ... عَسوف الوبْلِ هَطَّالِ) // الهزج //
وَقَول أبي الطّيب المتنبي
(وَمَا عفتِ الرياحُ لَهُم مَحَلاً ... عفاه مَن حدا بهمُ وساقا) // الوافر //
53 - (زعمتم أَن إخوتكم قُرَيْشٌ ... لَهُمْ إِلْفٌ وَلَيْسَ لكم إلاف)
الْبَيْت لمساور بن هِنْد بن قيس بن زُهَيْر من الوافر يهجو بني أَسد وَبعده
(أُولَئِكَ أومِنُوا جُوعاً وخَوْفاً ... وَقد جاعتْ بَنو أَسد وخافوا) // الوافر //
والزعم ادِّعَاء الْعلم وَمِنْه قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (زَعَمُوا مَطِيَّة الْكَذِب) وَعَن شُرَيْح رَحمَه الله لكل شَيْء كنية وكنية الْكَذِب زَعَمُوا لَكِن سِيبَوَيْهٍ رَحمَه الله يكثر فِي كِتَابه من قَول زعم الْخَلِيل لَا يُرِيد بذلك إبِْطَال قَوْله وَقَالَ أَبُو طَالب للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(ودعوتَنِي وزعمْتَ أَنَّك صادقٌ ... وَلَقَد صدقتَ وكنتَ ثَمَّ أمينَا) // الْكَامِل //
وقريش هِيَ الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة سموا بذلك لتجمعهم فِي الْحرم أَو لأَنهم كَانُوا يتقرشون المبتاعات فيشترونها أَو لَان النَّضر بن كنَانَة اجْتمع فِي ثَوْبه فَقيل تقرش أَو لِأَنَّهُ جَاءَ إِلَى قومه فَقَالُوا كَأَنَّهُ جملٌ قُرَيْش أَي شَدِيد أَو سموا بمصغر القرش وَهُوَ دَابَّة بحريّة تخافها دَوَاب الْبَحْر كلهَا والإلف
(1/282)

والإيلاف الْعَهْد وَشبه الْإِجَازَة بالخفارة وَأول من أَخذهَا هَاشم من ملك الشَّام فَكَانَ هَاشم يولف إِلَى الشَّام وَعبد شمس إِلَى الْحَبَشَة وَالْمطلب إِلَى الْيمن وَنَوْفَل إِلَى فَارس وَكَانَ تجار قُرَيْش يتخلفون إِلَى هَذِه الْأَمْصَار بحبال هَذِه الْإِخْوَة فَلَا يتَعَرَّض لَهُم أحد وَكَانَ كل أَخ مِنْهُم قد أَخذ حبلاً من ملك نَاحيَة سَفَره أَمَانًا لَهُ
وَالشَّاهِد فِيهِ حذف الِاسْتِئْنَاف وَقيام شَيْء مقَامه فكأنهم قَالُوا أصدقنا فِي هَذَا الزَّعْم أم كذبنَا فَقيل كَذبْتُمْ فَحذف هَذَا الِاسْتِئْنَاف وأقيم قَوْله لَهُم إلْف وَلَيْسَ لكم إلاف مقَامه لدلالته عَلَيْهِ
ومساور بن هِنْد بن قيس بن زُهَيْر الْعَبْسِي شَاعِر وَكَانَ جده قيس مَشْهُورا فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا سِيمَا فِي حَرْب داحس والغبراء وَذكر الْأَصْمَعِي مَا يدل على أَن لَهُ إدراكاً للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ وَكَانَ نَحْو أبي عَمْرو بن الْعَلَاء رحمهمَا الله فِي السن وَقَالَ حَدثنِي من رأى مساور بن هِنْد أَنه ولد فِي حَرْب داحس والغبراء قبل الْإِسْلَام بِخَمْسِينَ عَاما وَذكره المرزباني فِي مُعْجم الشُّعَرَاء وَذكر لَهُ قصَّة مَعَ عبد الْملك بن مَرْوَان وَفِي حِكَايَة الْأَصْمَعِي أَنه لما عمر صغرت عَيناهُ وَكَبرت أذنَاهُ فَجعلُوا فِي بَيت صَغِير ووكلوا بِهِ امْرَأَة فَرَأى ذَات
(1/283)

يَوْم غَفلَة فَخرج فَجَلَسَ فِي وسط الْبَيْت وكوم كومة من تُرَاب ثمَّ أَخذ بعرتين فَقَالَ هَذِه فُلَانَة وَهَذِه فُلَانَة ثمَّ أحس بِالْمَرْأَةِ فَقَامَ وهرب وَقَالَ الْأَصْمَعِي بَلغنِي أَنه أَتَى بِهِ إِلَى الْحجَّاج فَقَالَ لَهُ مَا تصنع بِقَوْلِك الشّعْر وَقد كَبرت فَقَالَ أَسْقِي بِهِ المَاء وأرعى بِهِ الْكلأ وتقضي لي بِهِ الْحَاجة فَإِن كفيتني ذَلِك تركته
وَقَالَ المرزباني كَانَ أَعور وَهُوَ من الْمُتَقَدِّمين فِي الْإِسْلَام هُوَ وَأَبوهُ وجده أَشْرَاف من بني عبس شعراء فرسَان وَهُوَ الْقَائِل
(جزى الله خيرا غَالِبا من قَبيلَةٍ ... إِذا حَدَثانُ الدَّهْر نابت نوائِبهْ)
(إِذا أخذت بُزْلُ الْمَخَاض سِلاحَها ... تجرد فيهم مُتْلفَ المالِ كاسبه) // الطَّوِيل //
يُقَال أخذت الْإِبِل سلاحها إِذا استحياها صَاحبهَا فَلم يذبحها
(ثَلَاثَة تشرق الدُّنْيَا بِبَهْجَتِهَا ... )
هُوَ من الْبَسِيط وَتَمَامه
(شمسُ الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاق والقمرُ ... )
وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي شَوَاهِد الْمسند
وَالشَّاهِد فِيهِ هُنَا بَيَان أَن الْجَامِع بَين الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة فِيهِ وهمي وَهُوَ مَا بَينهَا من شبه التَّمَاثُل حمل الْوَهم على أَن يحتال فِي اجتماعها فِي المفكرة وإبرازها فِي معرض الْأَمْثَال مُتَوَهمًا أَنَّهَا من نوع وَاحِد وَإِنَّمَا اخْتلفت بالعوارض والمشخصات بِخِلَاف الْعقل فَإِنَّهُ إِذا خلى وَنَفسه حكم بِأَن كلا مِنْهَا من نوع
(1/284)

آخر وَإِنَّمَا اشتركت فِي عَارض هُوَ إشراق الدُّنْيَا ببهجتها على أَن ذَلِك فِي أبي إِسْحَاق مجَاز
وَنَظِيره قَول الآخر
(إِذا لم يكن للمرءِ فِي الْخلق مطمعٌ ... فذو التَّاج والسقَّاءُ والذَرُّ واحدُ) // الطَّوِيل //
54 - (فَلَمَّا خَشِيتُ أظَافِيرَهُمْ ... نَجَوْتُ وَأَرْهَنُهُمْ مَالِكَا) الْبَيْت لعبد الله بن همام السَّلُولي من المتقارب وَبعده
(عريفاً مُقيما بدَارِ الهوان ... أهوِنْ عليَّ بِهِ هَالكا) // المتقارب // وَهَذَانِ البيتان من جملَة أَبْيَات مِنْهَا
(فقلتُ أجرْني أَبَا خالدٍ ... وإلاّ تجدني امْرأ هَالكا) // المتقارب //
يُرِيد بَابي خَالِد هُنَا يزِيد بن مُعَاوِيَة وَالَّذِي خشيه عبيد الله بن زِيَاد وَكَانَ قد توعده فهرب إِلَى الشَّام واستجار بِيَزِيد فَأَمنهُ وَكتب إِلَى عبيد الله يَأْمُرهُ بالصفح عَنهُ وَمَالك الْمَذْكُور هُوَ عريفه والأظافير جمع ظفر وأظفور وَيجمع أَيْضا على أظفار
وَالْمعْنَى لما خشيت حَملته وإنشاب أَظْفَاره ونجوت وخليت بَينه وَبَين مَالك
وَالشَّاهِد فِيهِ دُخُول وَاو الْحَال على الْمُضَارع الْمُثبت الْمُمْتَنع دُخُولهَا عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَة الفعلية الْوَاقِعَة حَالا من ضمير صَاحبهَا الْغَيْر الخالية مِنْهُ إِذْ قد قيل إِنَّه عَليّ حذف الْمُبْتَدَأ أَي وَأَنا أرهنهم فَتكون اسميه فَيصح دُخُولهَا وَعَلِيهِ
(1/285)

قَوْله تَعَالَى {لم تؤذونني وَقد تعلمُونَ أَنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم} أَي وَأَنْتُم قد تعلمُونَ وَقيل ضَرُورَة وَقَالَ عبد القاهر هِيَ فِيهِ للْعَطْف وَالْأَصْل ورهنتهم عدل إِلَى الْمُضَارع لحكاية حَال مَاضِيَة وَمَعْنَاهُ أَنه يفْرض مَا كَانَ فِي الزَّمن الْمَاضِي وَاقعا فِي هَذَا الزَّمَان فَعبر عَنهُ بِلَفْظ الْمُضَارع كَمَا فِي قَول الشَّاعِر
(وَلَقَد أمرَ عَليّ اللَّئِيم يسبني ... ) // الْكَامِل //
أَي مَرَرْت وروى وأرهنتهم وَالْأول رِوَايَة الْأَصْمَعِي وَاسْتَحْسنهُ ثَعْلَب
وَعبد الله هُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السَّلُولي الْكُوفِي من بني مرّة بن صعصعة
(1/286)

من قيس عيلان وَبَنُو مرّة يعْرفُونَ ببني سلول وَهِي أمّهم وَهِي بنت ذهل ابْن شَيبَان بن ثَعْلَبَة وهم رَهْط أبي مَرْيَم السَّلُولي وَكَانَت لَهُ صُحْبَة وَعبد الله هُوَ الْقَائِل فِي الفلاقس
(أقليّ عليَّ اللومَ يَا ابْنة مالكٍ ... وذُمِّي زَمَانا سادَ فِيهِ الفلاقسُ)
(وساعٍ مِن السلطانِ ليسَ بِناصحٍ ... ومحترسٍ من مثلهِ وهِو حارسُ)
وَهُوَ الْقَائِل ليزِيد بن مُعَاوِيَة لما مَاتَ أَبوهُ رَضِي الله عَنهُ
(اصبرْ يزيدُ فقدْ فَارَقت ذامقة ... واشكرُ حباءَ الَّذِي بالملكِ ردّاكَا)
(لاَ رُزْءَ أعظمُ بالأقوام إذْ عَلمُوا ... ممّا رُزِئْتَ وَلَا عُقبىَ كعقبَاكَا)
(أصبحتَ راعيَ أهلِ الدّين كلهمُ ... فأنتَ ترعاهمُ واللهُ يرعَاكَا)
(وَفِي مُعاويةَ الْبَاقِي لنَا خلَفٌ ... إِذَا نُعِيتَ وَلَا نسْمع بمنعاكا) // الْبَسِيط //
55 - (خرجت مَعَ الْبَازِي عَلىَّ سَوَادُ ... ) قَائِله بشار بن برد من أَبْيَات من الطَّوِيل قَالَهَا فِي خَالِد بن برمك
(1/287)

وَكَانَ قد وَفد عَلَيْهِ وَهُوَ بِفَارِس فأنشده قَوْله
(أخَالدُ لمْ أهبطْ عليكَ بذِمّةِ ... سِوَى أنني عَافٍ وأنْتَ جَوَادُ)
(أخَالدُ إِنَّ الأجرَ والحمدَ حَاجَتي ... فأيَّهمَا تَأتي فأنْتَ عِمَادُ)
(فإِن تعطني أُفرغْ عَليكَ مدائحي ... وإنْ تأبَ لم تُضرَبْ عليَّ سدادُ)
(رِكَابي على حرْفِ وقلبي مشيع ... وَمَالِي بِأَرْضِ البَاخلينَ بلادُ)
(إِذَا أنْكرَتني بَلدةٌ أوْ نكرتهَا ... خَرَجْتُ مَعَ الْبَازِي على سَوَادُ)
فَدَعَا خَالِد بأَرْبعَة آلَاف فِي أَرْبَعَة أكياس فَوضع وَاحِدًا مِنْهَا عَن يَمِينه وَآخر عَن شِمَاله وَأخر بَين يَدَيْهِ وَآخر من وَرَائه وَقَالَ يَا أَبَا معَاذ هَل اسْتَقل الْعِمَاد فلمس الأكياس بيدَيْهِ ثمَّ قَالَ اسْتَقل وَالله أَيهَا الْأَمِير
وَمعنى الْبَيْت إِذا لم يعرف قدري أهل بَلْدَة وَلم أعرفهم خرجت عَنْهُم وفارقتهم متنكراً مصاحباً للبازي الَّذِي هُوَ أبكر الطُّيُور مُشْتَمِلًا على شَيْء من ظلمَة اللَّيْل غير منتظر لإسفار الصُّبْح فَقَوله عَليّ سَواد أَي بَقِيَّة من اللَّيْل
وَالشَّاهِد فِيهِ كَونه حَالا ترك فِيهِ الْوَاو
وَمثله قَول أُميَّة بن أبي الصَّلْت يمدح ابْن ذى يزن
(اشرَبْ هَنِيئًا عَلَيْك َالتاجُ مرتفقاً ... فِي رَأَس غمْدَانَ دَارا منكَ محلالا)
(1/288)

وَالشَّاهِد فِي قَوْله عَلَيْك التَّاج وغمدان اسْم قصر بِالْيمن مَبْنِيّ على أَرْبَعَة أوجه أَحْمَر وأبيض وأصفر وأخضر وَفِي دَاخله قصر مَبْنِيّ بسبعة سقوف بَين كل سقفين أَرْبَعُونَ ذِرَاعا وَيرى ظله إِذا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس من ثَلَاثَة أَمْيَال والمحلال بِمَعْنى الْمنزل صِيغَة مُبَالغَة
وَمثله قَول الآخر يهجو خَطِيبًا
(لَقَدْ صبَرتْ للدُّلّ أعوادُ مِنْبرِ ... تَقُومُ عَلَيها فِي يَديكَ قَضيبُ)
وبشار بن برد بن يرجوخ يَنْتَهِي نسبه للهراسف وَكَانَ يرجوخ من طخارستان من سبي الْمُهلب بن أبي صفرَة ويكنى بشار أَبَا معَاذ وَمحله فِي الشّعْر وتقدمه طَبَقَات الْمُحدثين فِيهِ بِإِجْمَاع الروَاة ورياسته عَلَيْهِم من غير اخْتِلَاف فِي ذَلِك يُغني عَن وَصفه والإطالة بِذكرِهِ
وَهُوَ من شعراء مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية وَقد اشْتهر فيهمَا ومدح وهجا وَأخذ سني الجوائز مَعَ الشُّعَرَاء
وَعَن يحيى بن الجون الْعَبْدي رِوَايَة بشار بن برد قَالَ قَالَ بشار لما دخلت على الْمهْدي قَالَ لي فِيمَن تَعْتَد يَا بشار فَقلت أما اللِّسَان والزي فعربي وَأما الأَصْل فعجمي كَمَا قلت فِي شعري يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
(ونُبئتُ قوما بهمْ جِنّةٌ ... يقولونَ مَنْ ذَا وكنتُ العَلمْ)
(1/289)

(أَلا أَيهَا السائلي جَاهِلا ... لِيعرَفني أَنا أنفُ الكرمْ)
(نَمتْ فِي الكرَامِ بني عامرٍ ... فُرُوعي وأصلي قُريشُ العجمْ)
(وَإِنِّي لأغني مقامَ الْفَتى ... وأصبي الفتاةَ فَمَا تعتصم) // المتقارب //
قَالَ وَكَانَ أَبُو دلامة حَاضرا فَقَالَ كلا لوجهك أقبح من ذَلِك ووجهي مَعَ وَجهك فَقلت كلا وَالله مَا رَأَيْت رجلا أصدق على نَفسه وأكذب على جليسه مِنْك وَالله إِنِّي لطويل الْقَامَة عَظِيم الهامة تَامّ الألواح أسجح الْخَدين ولرب مسترخي المذروين للعين مِنْهُ مُرَاد مثلك قد جلس من الفتاة حجزةً وَجَلَست مِنْهَا حَيْثُ أُرِيد فَأَنت مثلي يَا مرقعان قَالَ فَسكت عني ثمَّ قَالَ لي الْمهْدي فَمن أَي الْعَجم أصلك قلت من أَكْثَرهَا فِي الفرسان وأشدها على الأقران أهل طخارستان فَقَالَ بعض الْقَوْم أُولَئِكَ الصغد فَقلت لَا الصغد تجار فَلم يردد ذَلِك الْمهْدي
وَكَانَ يلقب بالمرعث لقَوْله
(قَالَ ريم مرعت ... ساحِرُ الطرْف والنظرْ)
(لستَ وَالله نائلي ... قلت أَو يغلبَ القَدَرْ)
(1/290)

(أَنْتَ إِن رمْتَ وصلَنَا ... فَانْجُ هلْ يدْرك الْقَمَر) // من مجزوء الْخَفِيف //
وَقيل لقب بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لقميصه جيبان جيب عَن يَمِينه وجيب عَن شِمَاله فَإِذا أَرَادَ لبسه ضمه عَلَيْهِ من غير أَن يدْخل رَأسه فِيهِ وَإِذا أَرَادَ نَزعه حل أزراره وَخرج مِنْهُ فشبهت تِلْكَ الْجُيُوب بالرعاث لاسترسالها وتدليها وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة لقب بالمرعث لِأَنَّهُ كَانَت فِي آذانه وَهُوَ صَغِير رعاث وَاحِدهَا رعثة وَهِي القرط ورعثة الديك اللَّحْم المتدلي تَحت حنكه
وَقَالَ الْأَصْمَعِي كَانَ بشار ضخماً عَظِيم الْخلق وَالْوَجْه مجدوراً طَويلا جاحظ الحدقتين قد تغشاهما لحم أَحْمَر فَكَانَ أقبح النَّاس عمى وأفظعهم منْظرًا وَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن ينشد صفق بيدَيْهِ وتنحنح وبصق عَن يَمِينه وشماله ثمَّ ينشد فَيَأْتِي بالعجب
وَقَالَ ولد بشار أعمى فَمَا نظر إِلَى الدُّنْيَا قطّ وَكَانَ يشبه الْأَشْيَاء فِي شعره بَعْضهَا بِبَعْض فَيَأْتِي بِمَا لَا يقدر البصراء أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة قَالَ بشار الشّعْر وَلم يبلغ عشر سِنِين ثمَّ بلغ الْحلم وَهُوَ يخْشَى معرة اللِّسَان قَالَ وَكَانَ بشار يَقُول هجوت جَرِيرًا فَأَعْرض عني واستصغرني وَلَو أجابني لَكُنْت أشعر النَّاس
وَكَانَ بشار وَهُوَ صَغِير إِذا هجا قوما جاؤا إِلَى أَبِيه فشكوه إِلَيْهِ فيضربه ضربا مبرحاً فَكَانَت أمه تَقول كم تضرب هَذَا الصَّبِي الصَّغِير الضَّرِير أما ترحمه فَيَقُول بلَى وَالله إِنِّي لأرحمه وَلكنه يتَعَرَّض للنَّاس فيشكونه إِلَيّ فَسَمعهُ بشار فطمع فِيهِ فَقَالَ يَا أَبَت إِن هَذَا الَّذِي يشكونه إِلَيْك مني هُوَ قولي الشّعْر وَإِنِّي إِن أتممت عَلَيْهِ أغنيتك وَسَائِر أَهلِي فَإِذا شكوني فَقل لَهُم أَلَيْسَ الله عز وَجل يَقُول {لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج} فَلَمَّا أعادوا شكواه قَالَ لَهُم ذَلِك فانصرفوا وهم يَقُولُونَ فقه برد أَغيظ لنا من شعر بشار
وَحكى الْأَصْمَعِي أَن بشاراً كَانَ من أَشد النَّاس تبرماً بِالنَّاسِ وَكَانَ يَقُول
(1/291)

الْحَمد لله الَّذِي حجب بَصرِي فَقيل لَهُ وَلم يَا أَبَا معَاذ قَالَ لِئَلَّا أرى من أبْغض
وَكَانَ بِالْبَصْرَةِ رجل يُقَال لَهُ حمدَان الْخَرَّاط فَاتخذ جَاما لإِنْسَان وَكَانَ بشار عِنْده فَسَأَلَهُ بشار أَن يتَّخذ لَهُ جَاما فِيهِ صُورَة طير يطير فاتخذه لَهُ وَجَاء بِهِ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مَا فِي هَذَا الْجَام قَالَ صُورَة طير يطير فَقَالَ لَهُ قد كَانَ يَنْبَغِي أَن تتَّخذ فَوق هَذَا الطير طيرا من الْجَوَارِح كَأَنَّهُ يُرِيد صَيْده فَإِنَّهُ كَانَ أحسن قَالَ لم أعلم قَالَ بلَى قد علمت وَلَكِنَّك قد علمت أنني أعمى لَا أبْصر شَيْئا وتهدده بالهجاء فَقَالَ لَهُ حمدَان لَا تفعل فَإنَّك تندم قَالَ أَو تهددني أَيْضا قَالَ نعم قَالَ وَأي شَيْء تصنع بِي إِن هجوتك قَالَ أصورك على بَاب دَاري فِي صُورَتك هَذِه وَأَجْعَل من خَلفك قرداً ينكحك حَتَّى يمر بك الصَّادِر والوارد فَقَالَ بشار اللَّهُمَّ أخزه أَنا أمازحه وَهُوَ يَأْبَى إِلَّا الْجد
وَحدث مُحَمَّد بن الْحجَّاج السوادي قَالَ كُنَّا عِنْد بشار وَعِنْده رجل ينازعه فِي اليمانية والمضرية إِذْ أذن الْمُؤَذّن فَقَالَ لَهُ بشار رويداً تفهم قَوْله فَلَمَّا قَالَ الْمُؤَذّن أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله قَالَ لَهُ بشار أَهَذا الَّذِي نُودي باسمه مَعَ اسْم الله عز وَجل من مُضر هُوَ أم من صداء وعك وحمير فَسكت الرجل
وَحدث حَمَّاد عَن أَبِيه قَالَ كَانَ بشار جَالِسا فِي دَار الْمهْدي وَالنَّاس ينتظرون الْإِذْن فَقَالَ بعض موَالِي الْمهْدي لمن حضر مَا عنْدكُمْ فِي قَول الله عز وَجل {وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل أَن اتخذي من الْجبَال بُيُوتًا} فَقَالَ لَهُ بشار النَّحْل الَّتِي يعرفهَا النَّاس قَالَ هَيْهَات يَا أَبَا معَاذ النَّحْل بَنو هَاشم وَقَوله تَعَالَى {يخرج من بطونها شراب مُخْتَلف ألوانه فِيهِ شِفَاء للنَّاس} يَعْنِي الْعلم فَقَالَ لَهُ بشار أَرَانِي الله شرابك وطعامك وشفاءك مِمَّا يخرج من بطُون بني هَاشم فقد أوسعتنا
(1/292)

غثاثة فَغَضب وَشتم بشاراً فَبلغ الْمهْدي الْخَبَر فَدَعَا بهما وسألهما عَن الْقِصَّة فحدثه بشار بهَا فَضَحِك حَتَّى أمسك على بَطْنه ثمَّ قَالَ للرجل أجل فَجعل الله طَعَامك وشرابك مِمَّا يخرج من بطُون بني هَاشم فَإنَّك بَارِد غث
وَدخل يزِيد بن مَنْصُور الْحِمْيَرِي على الْمهْدي وبشار بَين يَدَيْهِ ينشده قصيدة امتدحه بهَا فَلَمَّا فرغ مِنْهَا أقبل عَلَيْهِ يزِيد بن مَنْصُور وَكَانَت فِيهِ غَفلَة فَقَالَ لَهُ يَا شيخ مَا صناعتك فَقَالَ لَهُ أثقب اللُّؤْلُؤ فَضَحِك الْمهْدي ثمَّ قَالَ لبشار اعزب وَيلك أتتنادر على خَالِي قَالَ وَمَا أصنع بِهِ يرى شَيخا أعمى قَائِما ينشد الْخَلِيفَة شعرًا يسْأَله عَن صناعته
ووقف بعض المجان على بشار وَهُوَ ينشد شعرًا فَقَالَ لَهُ اسْتُرْ شعرك هَذَا كَمَا تستر عورتك فَصَفَّقَ بشار بيدَيْهِ وَغَضب وَقَالَ لَهُ من أَنْت وَيلك قَالَ أَنا أعزّك الله رجلٌ من باهلة وأخوالي من سلول وأصهاري من عكل واسمي كلب ومولدي بأضاخ ومنزلي بنهر بِلَال فَضَحِك بشار وَقَالَ اذْهَبْ وَيلك فَأَنت عَتيق لؤمك قد علم الله أَنَّك استترت مني بحصون من حَدِيد
وَحدث رجل من أهل الْبَصْرَة مِمَّن كَانَ يتَزَوَّج النهاريات قَالَ تزوجت امْرَأَة
(1/293)

مِنْهُنَّ فاجتمعت مَعهَا فِي علو بَيت وبشار تحتنا أَو كُنَّا فِي اسفل بَيت وبشار فِي علوه مَعَ امْرَأَة فنهق حمَار فِي الطَّرِيق فجاوبه حمَار آخر فِي بَيت الْجِيرَان وحمار فِي الدَّار فارتجت النَّاحِيَة بنهيقها وَضرب الْحمار الَّذِي فِي الدَّار بِرجلِهِ الأَرْض وَجعل يدقها دقاً شَدِيدا فَسمِعت بشاراً يَقُول للْمَرْأَة نفخ يعلم الله فِي الصُّور وَقَامَت الْقِيَامَة أما تسمعين كَيفَ يدق على أهل الْقُبُور حَتَّى يخرجُوا مِنْهَا وَلم تلبث أَن فزعت شَاة كَانَت فِي السَّطْح فَقطعت حبلها وعدت فَأَلْقَت طبقًا من نُحَاس فِيهِ غضارة إِلَى الدَّار فَانْكَسَرت فتطاير حمام ودجاج كَانَ فِي الدَّار لصوت الغضارة والطبق وَبكى من ذَلِك صبي فِي الدَّار فَقَالَ بشار صَحَّ يعلم الله الْخَبَر وَنشر أهل الْقُبُور من قُبُورهم أزفت يشْهد الله الآزفة وزلزلت الأَرْض زِلْزَالهَا فعجبت من كَلَامه وغاطنى فسالت من الْمُتَكَلّم فَقيل لي بشار فَقلت قد علمت أَنه لَا يتَكَلَّم بِمثل هَذَا الْكَلَام غَيره
وَمر بشار بِرَجُل قد رمحته بغلته وَهُوَ يَقُول الْحَمد لله شكرا فَقَالَ لَهُ بشار استزده يزدك
وَمر قوم يحملون جَنَازَة وَهُوَ يسرعون الْمَشْي بهَا فَقَالَ مَا لَهُم مُسْرِعين أَترَاهُم قد سرقوها فهم يخَافُونَ أَن يلْحقُوا فتؤخذ مِنْهُم
وَرفع غُلَامه إِلَيْهِ فِي حِسَاب نَفَقَته جلاء مرْآة عشرَة دَرَاهِم فصاح بِهِ بشار وَقَالَ وَالله مَا فِي الدُّنْيَا أعجب من جلاء مرْآة أعمى بِعشْرَة دَرَاهِم وَالله لَو صدأت عين الشَّمْس حَتَّى بَقِي الْعَالم فِي ظلمَة مَا بلغت أُجْرَة من يجلوها عشرَة دَرَاهِم
وَعَن خَلاد قَالَ قلت لبشار إِنَّك لتجيء بالشي المهجر المتفاوت قَالَ
(1/294)

وَمَا ذَاك قلت لَهُ تَقول شعرًا تثير بِهِ النَّقْع وتخلع بِهِ الْقُلُوب مثل قَوْلك
(إِذَا مَا غَضِبنا غَضبةً مُضَريَّةَ ... هَتكنا حجابَ الشَّمْس أَو قطَرَت دَمًا)
(إِذَا مَا أعرَنا سيداً من قبيلةٍ ... ذُرى مِنبر صلَّى علينا وسلما) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن تَقول
(ربابَةُ رَبْةُ البيتِ ... تصُبُّ الْخلّ فِي الزَّيْت)
(لَهَا عَشرُ دجاجاتٍ ... وديكٌ حَسنُ الصَّوْت) // من الوافر المجزوء //
فَقَالَ لكل شَيْء وجهٌ وَمَوْضِع فَالْقَوْل الأول جد وَهَذَا قلته فِي جاريتي ربابة وَأَنا لَا آكل الْبيض من السُّوق فربابة هَذِه لَهَا عشر دجاجات وديك فَهِيَ تجمع الْبيض وَتَحفظه فَهَذَا عِنْدهَا أحسن من قَول قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... عنْدك
وَقَالَ هِلَال لبشار وَكَانَ صديقا لَهُ يمازحه إِن الله عز وَجل لم يذهب بصر أحد إِلَّا عوضه مِنْهُ شَيْئا فَمَا الَّذِي عوضك قَالَ الطَّوِيل العريض قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ لَا أَرَاك وَلَا أمثالك من الثُّقَلَاء ثمَّ قَالَ لَهُ يَا هِلَال أتطيعني فِي نصيحة أخصك بهَا قَالَ نعم قَالَ إِنَّك كنت تسرق الْحمير زَمَانا ثمَّ تبت وصرت رَافِضِيًّا فعد إِلَى سَرقَة الْحمير فَهِيَ وَالله خير لَك من الرَّفْض
وَعَن أبي دهمان العلائي قَالَ مَرَرْت ببشار يَوْمًا وَهُوَ جَالس على بَاب
(1/295)

دَاره وَحده وَلَيْسَ مَعَه أحد وَبِيَدِهِ مخصرة يلْعَب بهَا وقدامه طبق فِيهِ تفاح وأترج فَلَمَّا رَأَيْته وَلَيْسَ عِنْده أحد تاقت نَفسِي إِلَى أَن أسرق مِمَّا بَين يَدَيْهِ فَجئْت من خَلفه قَلِيلا قَلِيلا وَهُوَ كافٌ يَده حَتَّى مددت يَدي لأتناول مِنْهُ فَرفع الْقَضِيب وَضرب بِهِ يَدي ضَرْبَة كَاد يكسرها فَقلت لَهُ قطع الله يدك يَا ابْن الفاعلة أَنْت الْآن أعمى فَقَالَ يَا أَحمَق فَأَيْنَ الْحس
وَقعد إِلَى بشار رجلٌ فاستثقله فضرط عَلَيْهِ بشار ضرطة فَظن الرجل أَنَّهَا أفلتت مِنْهُ ثمَّ ضرط أُخْرَى فَقَالَ أفلتت ثمَّ ضرط ثَالِثَة فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا معَاذ مَا هَذَا فَقَالَ مَه أَرَأَيْت أم سَمِعت قَالَ لَا بل سَمِعت صَوتا قبيحاً فَقَالَ لَهُ لَا تصدق حَتَّى ترى
وَحدث مُحَمَّد بن الْحجَّاج قَالَ جَاءَنَا بشار يَوْمًا وَهُوَ مُغْتَم فَقُلْنَا لَهُ مَا لَك مغتماً فَقَالَ مَاتَ حماري فرأيته فِي النّوم فَقلت لَهُ لم مت ألم أكن أحسن إِلَيْك فَقَالَ
(سَيِّدي خُذ بِي أَتَانَا ... عِنْد بابِ الإِصبهاني)
(تَيَّمتني ببنانٍ ... وبِدَلٍّ قد شجاني)
(تَيَّمتني يَوْم رحنا ... بثناياها الحسان)
(وبِغَنْجٍ وَدلالٍ ... سلَّ جسمي وبراني)
(وَلها خدٌّ أَسيلٌ ... مثلُ خدِّ الشَّنْفَرَانِي)
(فَلِذَا مُتُّ وَلَو عِشْت إِذاً طَال هواني ... ) // من مجزوء الرمل //
(1/296)

فَقلت لَهُ مَا الشنفراني قَالَ مَا يدريني هَذَا من غَرِيب الْحمار فَإِذا لَقيته فَاسْأَلْهُ عَنهُ
وَقَالَ الجاحظ كَانَ بشارٌ يدين بالرجعة وَيكفر جَمِيع الْأُمَم ويصوب رَأْي إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة فِي تَقْدِيم عنصر النَّار على الطين وَذكر ذَلِك فِي شعره فَقَالَ
(الأرضُ مظلمةٌ والنارُ مشرقةٌ ... والنارُ معبودةٌ مذ كانتِ النارُ) // الْبَسِيط //
وَكَانَ الشَّرّ قد نشب بَين بشار وَحَمَّاد عجرد لأمور يطول ذكرهَا فَكَانَا يتقارضان الهجاء فأجمع عُلَمَاء الْبَصْرَة أَنه لَيْسَ فِي هجاء حَمَّاد عجرد لبشار شَيْء جيد إِلَّا أَرْبَعِينَ بَيْتا مَعْدُودَة ولبشار فِيهِ من الهجاء أَكثر من ألف بَيت جيد وكل وَاحِد مِنْهُمَا هُوَ الَّذِي هتك صَاحبه بالزندقة وأظهرها عَلَيْهِ وَكَانَا يَجْتَمِعَانِ عَلَيْهَا فَسقط حَمَّاد عجرد وتهتك بِفضل بلاغة بشار وجودة مَعَانِيه وَبَقِي بشار على حَاله لم يسْقط وَعرف مذْهبه فِي الزندقة فَقتل بِهِ
وَكَانَ رجل من أهل الْبَصْرَة يدْخل بَين حَمَّاد وبشار على اتِّفَاق مِنْهُمَا وَرَضي بِأَن ينْقل إِلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا يَقُول الآخر من الشّعْر فَدخل يَوْمًا على بشار فَقَالَ لَهُ بشار إيه يَا فلَان مَا قَالَ ابْن الزَّانِيَة فِي من الشّعْر فأنشده
(إِن تاه بَشَّار عَلَيْكُم فقد ... أمكنتْ بَشَّاراً من التِّيهِ) // السَّرِيع //
فقاق بشار بِأَيّ شَيْء وَيحك فَقَالَ
(وَذَاكَ إِذْ سميتُه باسمِهِ ... وَلم يكن حُرٌّ يُسَمِّيهِ)
فَقَالَ سخنت عينه فَبِأَي شَيْء كنت أعرف إيه فَقَالَ
(فَصَارَ إنِساناً بِذِكْرِي لهُ ... مَا يَبْتَغِي من بعدِ ذِكْرِيه)
(1/297)

فَقَالَ مَا صنع شَيْئا إيه وَيحك فَقَالَ
(لم أهْجُ بَشَّاراً ولكنني ... هجوْتُ نَفسِي بِهِجَائِيهِ)
فَقَالَ على هَذَا الْمَعْنى دَار وَحَوله حام إيه أَيْضا وَأي شَيْء قَالَ فأنشده
(أَنت ابنَ بُرْدٍ مثل برد ... فِي النذالةِ والرَّذالَهْ)
(مَن كَانَ مثلَ أبيكَ يَا ... أعمى أبوهُ فَلَا أبَاً لَهُ) // من مجزوء الْكَامِل //
وَحدث خالدٌ الأرقط قَالَ أنْشد بشاراً رِوَايَته قَول جماد عجرد فِيهِ
(دُعِيتَ إِلَى بُرْدٍ وَأنت لغيرِهِ ... فَهَبْكَ لِبُرْدٍ نكت أمّك من برد) // الطَّوِيل //
فَقَالَ بشار لروايته هَا هُنَا أحد قَالَ لَا فَقَالَ أحسن وَالله مَا شَاءَ ابْن الزَّانِيَة
وَقَالَ بشار يَوْمًا لراوية حَمَّاد مَا هجاني بِهِ الْيَوْم حَمَّاد فأنشده
(أَلاَ مَنْ مُبْلِغٌ عني الَّذِي والِدُهُ برد ... ) // الهزج //
قَالَ صدق ابْن الفاعلة فَمَا قَالَ بعده فأنشده
(إذَا مَا نُسِبَ الناسُ ... فَلَا قبلٌ وَلَا بعدُ)
فَقَالَ كذب أَيْن الفاعلة وَأَيْنَ هَذِه العرضات من عقيل فَمَا قَالَ فأنشده
(وأعمَى قلْطُبَانٌ مَا ... على قاذِفِهِ حَدُّ)
فَقَالَ كذب ابْن الفاعلة بل ثَمَانُون جلدَة عَلَيْهِ هِيهِ فَقَالَ
(وأعمى يُشْبِهُ القِرْدَ ... إِذا مَا عَمِىَ الْقِرْدُ)
(1/298)

فَقَالَ وَالله مَا أَخطَأ ابْن الزَّانِيَة حِين شبهني بقرد حَسبك حَسبك ثمَّ صفق بيدَيْهِ وَقَالَ مَا حيلتي يراني فيشبهني وَلَا أرَاهُ فأشبهه
وَفِي حَمَّاد عجردٍ يَقُول بشار
(مَا لُمْتُ حمّاداً على فسْقِهِ ... يَلومُهُ الجَاهلُ والْمَائِقُ)
(وَمَا هُمَا مِنْ أيره واسته ... مَلَّكَهُ إِيّاهُمَا الخالِقُ)
(مَا بَات إِلَّا فْوقَهُ فاسقٌ ... يَنيكه أَو تَحْتَهُ فَاسق) // السَّرِيع //
قَالَ ابْن أبي سعيد وأبلغ مَا هجا بِهِ حَمَّاد عجرد بشاراً قَوْله
(نَهارُه أخبثُ من ليلهِ ... ويومُهُ أَخبثُ مِنْ أمْسِهِ)
(وَلَيْسَ بالْمُقْلِع عَن غَيِّهِ ... حَتَّى يُوارَي فِي ثرى رمسه) // السَّرِيع //
قَالَ وَكَانَ أغْلظ على بشار من ذَلِك كُله وأوجعه لَهُ قَوْله فِيهِ
(لوْ طُليَتْ جِلدَتُهُ عنَبراً ... لأفْسَدَتْ جِلدَتُهُ العنبرا)
(أوْ طُلِيَتْ مِسكاً ذَكِياً إذَا ... تحوّلَ المسكُ عليهِ خرا) // السَّرِيع //
قَالَ وَكَانَ حَمَّاد عجردٍ قد اتَّصل بِالربيعِ يُؤَدب وَلَده فَكتب إِلَيْهِ بشار رقْعَة فأوصلت إِلَى الرّبيع فَإِذا فِيهَا مَكْتُوب
(يَا أَبَا الْفضل لَا تَنمْ ... وقعَ الذئبُ فِي الغنمْ)
(إنَّ حَمَّادَ عَجرَدٍ ... إِن رَأى غفَلةً هجمْ)
(بَينَ فَخذَيهِ حربةٌ ... فِي غِلاَف منَ الأدمْ)
(إِنْ خَلاَ الْبَيْتُ سَاعَةً ... مَجْمَجَ المِيمَ بالقَلَمْ) // من مجزوء الْخَفِيف //
فَلَمَّا قَرَأَهَا الرّبيع قَالَ صيرني حَمَّاد دريئة الشُّعَرَاء أخرجُوا عني حماداً فَأخْرج
(1/299)

وَقد فعل مثل هَذَا بِعَيْنِه حَمَّاد عجرد بقطرب حِين اتخذ مؤدباً لبَعض ولد الْمهْدي وَكَانَ هُوَ يطْمع فِي ذَلِك فَلم يتم لَهُ لشهرته فِي النَّاس بِمَا قَالَه فِيهِ بشار فَلَمَّا تمكن قطرب فِي مَوْضِعه صَار حَمَّاد كالملقي على الرصد فَجعل يقوم وَيقْعد بقطرب فِي النَّاس ثمَّ أَخذ رقْعَة فَكتب فِيهَا
(قُلْ لِلإمام جزَاكَ اللهُ صَالِحَة ... لَا تَجْمَعِ الدهرَ بينَ السخل والذِّيبِ)
(السَخْلُ غِرٌّ وهمُّ الذئبِ فرْصته ... والذئبُ يعلمُ مَا فِي السخل من طيب) // الْبَسِيط //
فَلَمَّا قَرَأَ الْمهْدي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ قَالَ انْظُرُوا لَا يكون هَذَا الْمُؤَدب لوطياً ثمَّ قَالَ انفوه عَن الدَّار فَأخْرج عَنْهَا وَجِيء بمؤدب غَيره ووكل بولده تسعون خَادِمًا بنوابها يَحْفَظُونَهُ فَخرج قطرب هَارِبا مِمَّا شهر بِهِ إِلَى الكرج فَأَقَامَ هُنَالك إِلَى أَن مَاتَ
وَكَانَ بشار بلغه أَن حماداً عليلٌ ثمَّ نعى إِلَيْهِ قبل مَوته فَقَالَ بشار
(لَو عَاشَ حَمّادٌ لَهْونَا بهِ ... لَكنهُ صارَ إِلَى النَّارِ) // السَّرِيع //
فَبلغ هَذَا الْبَيْت حماداً قبل مَوته وَهُوَ فِي السِّيَاق فَقَالَ يرد عَلَيْهِ
(نُبئتُ بشاراً نعانِي وللموْتِ بِرَاني الخَالقُ البارِي ... )
(يَا لَيْتَني مِتُّ وَلم أهْجُهُ ... نَعمْ ولوْ صرتُ إِلَى النَّارِ)
(وأيُّ خِزْيٍ هُوَ أخْزَى من أَن ... يُقَال لي يَا سِبّ بشار) // السَّرِيع //
وَكَانَ حَمَّاد قد نزل بالأهواز على سليم بن سَالم فَأَقَامَ عِنْده مُدَّة مستتراً من
(1/300)

مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ثمَّ خرج من عِنْده يُرِيد الْبَصْرَة فَمر بشيراز فِي طَرِيقه فَمَرض بهَا فاضطر إِلَى الْمقَام بهَا بِسَبَب علته وَاشْتَدَّ مَرضه فَمَاتَ هُنَاكَ وَدفن على تلعة
ثمَّ إِن الْمهْدي لما قتل بشاراً بالبطيحة اتّفق أَنه حمل إِلَى منزله مَيتا فَدفن مَعَ حَمَّاد على تِلْكَ التلعة فَمر بهما هِشَام الْبَاهِلِيّ الشَّاعِر الْبَصْرِيّ الَّذِي كَانَ يهاجي بشاراً فَوقف على قبريهما وَقَالَ
(قدْ تبعَ الأعمَى قَفَا عَجْرَدٍ ... فأصبحَا جارَين فِي دَار)
(قالتْ بقَاعُ الأَرْض لَا مَرْحباً ... بقُرْبِ حَمَادٍ وبشارِ)
(تجاوَرَا بعدَ تنائِيهمَا ... مَا أبغضَ الجارَ إِلَى الجارِ)
(صارَا جَمِيعًا فِي يَدي مالكٍ ... فِي النارِ والكافِرُ فِي النَّار) // السَّرِيع //
وَكَانَ السَّبَب فِي قتل الْمهْدي بشاراً أَنه كَانَ نَهَاهُ عَن التشبيب فمدحه بقصيدة فَلم يحظ مِنْهُ بِشَيْء فهجاه فَقَالَ من قصيدة
(خَليفةٌ يَزْني بعمّاتِهِ ... يَلْعَبُ بالدّبُّوقِ والصَّولجَانْ)
(أَبدَلنَا الله بهِ غيرَهُ ... ودسَّ مُوسَى فِي حِرِ الخيزُرَانْ) // السَّرِيع //
وأنشدها فِي حَلقَة يُونُس النَّحْوِيّ فسعى بِهِ إِلَى يَعْقُوب بن دَاوُد الْوَزير وَكَانَ بشار قد هجاه بقوله
(1/301)

(بنِي أميةَ هُبّوا طَالَ نوْمُكْمُ ... إنّ الخليفةَ يعقوبُ بنُ دَاوُد)
(ضاعتْ خلافَتُكُمْ يَا قومُ فالْتَمِسُوا ... خَليفةَ الله بَين الزق وَالْعود) // الْبَسِيط //
فَدخل يَعْقُوب على الْمهْدي فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن هَذَا الْأَعْمَى الملحد الزنديق قد هجاك قَالَ بِأَيّ شَيْء قَالَ بِمَا لَا ينْطق بِهِ لساني وَلَا يتوهمه فكري فَقَالَ بحياتي أَنْشدني إِيَّاه فَقَالَ وَالله لَو خيرتني بَين إنشادي إِيَّاه وَضرب عنقِي لاخترت ضرب عنقِي فَحلف عَلَيْهِ الْمهْدي بالأيمان الَّتِي لَا فسحة لَهُ فِيهَا فَقَالَ أما لفظا فَلَا ولكنني أكتب ذَلِك فَكَتبهُ وَدفعه فكاد ينشق غيظاً وَعمل على الانحدار إِلَى الْبَصْرَة لينْظر فِي أمرهَا وَمَا فِي فكره غير بشار فانحدر فَلَمَّا بلغ إِلَى البطيحة سمع أذاناً فِي وَقت إضحاء النَّهَار فَقَالَ انْظُرُوا مَا هَذَا الْأَذَان فَإِذا بشار سَكرَان فَقَالَ لَهُ يَا زنديق يَا عاض بظر أمه عجبت أَن يكون هَذَا من غَيْرك أتلهو بِالْأَذَانِ فِي غير وَقت صَلَاة وَأَنت سَكرَان ثمَّ دَعَا بِابْن نهيك فَأمره بضربه بِالسَّوْطِ فَضَربهُ بَين يَدَيْهِ على صدر الحراقة سبعين سَوْطًا أتْلفه فِيهَا فَكَانَ إِذا أَصَابَهُ السَّوْط يَقُول حس وَهِي كلمة تَقُولهَا الْعَرَب للشَّيْء إِذا أوجع فَقَالَ انْظُر إِلَى زندقته يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول حس وَلَا يَقُول بِسم الله فَقَالَ وَيلك أطعام هُوَ فأسمي عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ آخر أَفلا قلت الْحَمد لله فَقَالَ أَو نعْمَة هِيَ فَأَحْمَد الله عَلَيْهَا فَلَمَّا استوفى السّبْعين بَان الْمَوْت فِيهِ فألقي فِي سفينة حَتَّى مَاتَ ثمَّ رمى بِهِ فِي البطيحة فجَاء بعض أَهله فَحَمَلُوهُ إِلَى الْبَصْرَة فدفنوه إِلَى جَانب حَمَّاد عجرد كَمَا قدمْنَاهُ
وَقَالَ أَبُو هِشَام الْبَاهِلِيّ فِيهِ
(يَا بؤس ميتٍ لم يبكه أحدُ ... أجلْ وَلم يفتقدهُ مُفتَقِدُ)
(1/302)

(لَا أمُّ أَوْلَاده بَكتهُ وَلم ... يَبْكِ عَلَيْهِ لفُرقةٍ أحَدُ)
(وَلَا ابنُ أختٍ يبكي وَلَا ابْن أَخ ... وَلَا حَميمٌ رَقَّتْ لَهُ كَبِدُ)
(بَلْ زَعَمُوا أَن أهَلُه فَرحا ... لما أَتَاهُم نَعِيُّه سجدوا) // المنسرح //
وَكَانَ بشار يُعْطي أَبَا الشمقمق فِي كل سنة مِائَتي دِرْهَم فاتاه فِي بعض السنين فَقَالَ لَهُ هَلُمَّ الْجِزْيَة يَا أَبَا معَاذ فَقَالَ وَيحك أوجزية هِيَ أَيْضا قَالَ هُوَ مَا تسمع فَقَالَ لَهُ بشار يمازحه أَنْت أفْصح مني قَالَ لَا قَالَ فَأعْلم مني بمثالب النَّاس قَالَ لَا قَالَ فأشعر مني قَالَ لَا قَالَ فَلم أُعْطِيك قَالَ لِئَلَّا أهجوك فَقَالَ لَهُ إِن هجوتني هجوتك فَقَالَ لَهُ أَبُو الشمقمق أَو هَكَذَا هُوَ قَالَ نعم فَقل مَا بدا لَك فَقَالَ أَبُو الشمقمق
(إِني إِذا مَا شاعِرٌ هَجانيهْ ... ولَجَّ فِي القَوْلِ لَهُ لِسانِيهْ)
(أدخَلْتُه فِي أسْتِ أمه علانيهْ ... بشارُ يَا بشار ... ... . .) // الرجز //
وَأَرَادَ أَن يَقُول يَا ابْن الزَّانِيَة فَوَثَبَ بشار فَأمْسك فَاه وَقَالَ أَرَادَ وَالله أَن يَشْتمنِي ثمَّ دفع إِلَيْهِ مِائَتي دِرْهَم وَقَالَ لَا يسمعن مِنْك هَذَا الصّبيان
وَحدث الْأَصْمَعِي قَالَ أَمر عقبَة بن سلم لبشار بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم فَأخْبر أَبُو الشمقمق بذلك فَوَافى بشاراً فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا معَاذ إِنِّي مَرَرْت بصبيان فَسَمِعتهمْ ينشدون
(هللينه هللينه ... طعْنُ قِثَّاةٍ لتينَهْ)
(إِن بشار بن برد ... تَيْس أعمى فِي سفينة) // من مجزوء الرمل //
فَأخْرج لَهُ بشار مِائَتي دِرْهَم وَقَالَ خُذ هَذِه وَلَا تكن رِوَايَة للصبيان يَا أَبَا الشمقمق
(1/303)

وَلما ضرب بشار وَطرح فِي السَّفِينَة قَالَ لَيْت عين أبي الشمقمق تراني حَيْثُ يَقُول
(إِن بشار بن برد ... تَيْس أعمى فِي سفينة)
وَكَانَ قَتله سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة وَقد بلغ نيفاً وَتِسْعين سنة
وَمن شعره قَوْله
(طالَبْتُها دَيْناً فَضّنت بِهِ ... وأمسَكت قَلبي مَعَ الدينِ)
(فَرُحتُ كالْعَيْرِ غَدا يَبْتَغِي ... قَرْناً فَلم يرجع بأذنينِ)
(أعتقتُ مَا أمْلِكُ إِن لم أكُنْ ... أحب أَن ألقاكِ فالقَيْني)
(وَالله لَو نِلْتُكِ لَا أتَّقي ... عينا لقَبَّلتُكِ أَلفَيْنِ) // السَّرِيع //
قَوْله فرحت كالعير الْبَيْت مثل قَول بَعضهم
(ذهبَ الحمارُ ليَستفيدَ لنفسهِ ... قرنا فآب وَمَاله أذنان) // الْكَامِل //
وَمن شعره قَوْله
(خيرُ إخوانِكَ المُشارك فِي المرِّ وأينَ الشَّريكُ فِي المر أيناش ... )
(الَّذِي إِن شَهِدْتَ سَرَّك فِي الحيِّ وَإِن غِبْتَ كانَ أذنا وعَينا ... )
(مثلُ سرِّ الياقوتِ إِن مسَّه النَّار جَلاهُ البلاءُ فازدادَ زَينَا ... )
(أَنْت فِي مَعشرٍ إِذا غبتَ عَنْهُم ... بَدَّلوا كل مَا يزينُكَ شيْنَا)
(وَإِذا مَا رأَوْكَ قَالُوا جَميعاً ... أَنْت من أكْرم البَرَايا عَلَينا)
(مَا أرَى للأنام وُدَّاً صَحِيحا ... عادَ كل الوِداد زوراً ومَيْنَا) // الْخَفِيف //
56 - (فَقُلْتُ عَسى أَن تُبْصِريني كَأَنَّمَا ... بَنِىَّ حوالَيَّ الأسودُ الحوارِدُ)
الْبَيْت من الطَّوِيل قَائِله الفرزدق من جملَة أَبْيَات قَالَهَا مُخَاطبا لزوجته النوار
(1/304)

وَكَانَ قد مكث زَمَانا لَا يُولد لَهُ فَعَيَّرْته بذلك وَأول الأبيات
(وَقَالَت أراهُ وَاحِدًا لَا أَخا لَهُ ... يُؤَمِّلُهُ يَوْمًا هُوَ وَالِد) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(فَإِن تَميماً قبلَ أَن يلد الْحَصَا ... أقامَ زَمَانا وَهُوَ فِي النَّاس واحدُ) // الطَّوِيل //
والحوارد من حرد إِذا غضب
وَالشَّاهِد فِيهِ ترك الْوَاو فِي الْجُمْلَة الإسمية الحالية لدُخُول حرف على الْمُبْتَدَأ أيحصل بِهِ نوع من الارتباط وَهُوَ هُنَا كَأَن إِذْ لَو لم تدخل لما حسن الْكَلَام إِلَّا بِالْوَاو وَبني إِلَخ جملَة اسمية وَقعت حَالا من مفعول تبصرني وَمعنى حوالي فِي أكنافي وجوانبي وَهُوَ حَال من بنى لما فِي حرف التَّشْبِيه من معنى الْفِعْل
57 - (وَالله يُبْقيك لنَا سالما ... بُردَاكَ تبجيلٌ وتَعظيمُ)
الْبَيْت لِابْنِ الرُّومِي من قصيدة من السَّرِيع مِنْهَا قبل الْبَيْت
(قَلَّ لَهُ الملْكُ وَلَو أَنه ... مجموعَةٌ فِيهِ الأقاليم) // السَّرِيع //
والتبجيل التَّعْظِيم
وَالشَّاهِد فِيهِ ترك الْوَاو فِي الْجُمْلَة الإسمية الحالية وَهِي برداك إِلَخ لوقوعها بعقب حَال مُفْرد وَهُوَ سالما إِذْ لَو لم يتقدمها لم يحسن فِيهَا ترك الْوَاو والحالان أَعنِي الْجُمْلَة وسالماً يجوز أَن يَكُونَا من الْأَحْوَال المترادفة وَهِي أَن تكون أَحْوَال المتداخلة وَهِي أَن يكون صَاحب الْحَال الْمُتَأَخِّرَة الِاسْم الَّذِي يشْتَمل عَلَيْهِ الْحَال السَّابِقَة مثل أَن يَجْعَل قَوْله برداك تَعْظِيم حَالا من الضَّمِير فِي سالما
وَابْن الرُّومِي تقدم ذكره فِي شَوَاهِد الْمسند إِلَيْهِ
(1/305)

شَوَاهِد الإيجاز والإطناب والمساواة
58 - (والعَيْشُ خَيرٌ فِي ظلال ... النوك مِمَّن عاشَ كَداً)
الْبَيْت لِلْحَارِثِ بن حلزة الْيَشْكُرِي من الْكَامِل الْمُضمر المرقل وَقَبله
(فَعش بجَدٍّ لَا يَضرك ... النَّوْكُ مَا أوُلِيتَ جدا) // الْكَامِل // ... والنوك بِضَم النُّون وَفتحهَا الْحمق وَمعنى كداً مكدوداً متعوبا
وَالشَّاهِد فِيهِ الْإِخْلَال لكَونه غير واف بالمراد إِذْ أصل مُرَاده أَن الْعَيْش الناعم فِي ظلال النوك خير من الْعَيْش الشاق فِي ظلال الْعقل وَلَفظه غير واف بذلك
وَمَا أحسن قَول ابْن المعتز
(وحَلاوَةُ الدُّنْيَا لِجَاهِلها ... ومَرَارة الدُّنْيَا لمن عقلا) // الْكَامِل //
وَلأبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْفضل السّلمِيّ المرسي
(عابوا الجَهَالةَ وازدَروا بحقُوقِها ... وتَهاوَنوا بحديثها فِي المجلِسِ)
(وَهِي الَّتِي يَنْقَادُ فِي يَدِها الْغنى ... وتجيئُها الدُّنْيَا برَغم المعطسِ)
(إنّ الْجَهَالَة للغنِي جَذَّابَةٌ ... جَذْبَ الحديدِ حِجارَةَ المغنطيس) // الْكَامِل //
وَلأبي مُحَمَّد اليزيدي من أَبْيَات
(عِشْ بجد وَلَا يصرك نوكٌ ... إِنَّمَا عَيْش من ترى بالجُدُودِ)
(عَاشَ بجد وَكن هَبَنَّقَةَ العَبْسِيَّ نوكاً أَو شيْبةَ بن الوليدِ ... ) // الْخَفِيف //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم
(1/308)

(إِن الْمَقَادِير إِذا ساعدت ... ألحقت الْعَاجِز بالقادر) // السَّرِيع //
وبديع قَول بَعضهم
(بالجد يَسعى الفَتّى وإلاَّ ... فَلَيْسَ يُغني أبٌ وجَدُّ)
(وَلَيْسَ يُجدي عَلَيك كَدٌّ ... مَا دَامَ يُكْدِي عَلَيْك جد) // من مخلع الْبَسِيط //
وَمَا أحذق قَول ابْن لنكك
(دنياكَ باتَتْ على الأحرارِ غاضِبَةً ... وطاوَعت كل صَفْعانٍ وضَرَّاطِ) // الْبَسِيط //
وَقَوله أَيْضا
(كن ساعياً ومُصافعاً ومُضارطاً ... تَنلِ الرغائب فِي الزَّمان وتَنْفُقِ) // الْكَامِل //
ولمؤلفه من أَبْيَات
(من يَبغ بالفَضل معاشاً يمت ... جوعَاً وَلَو كانَ بَديعَ الزمانِ)
(وَمن يَقُدْ أَو يتَمسخَرْ يَعِشْ ... عَيْشًا رَخِيّاً فِي ظلال الأمانِ)
(تبغي الحجا ثمَّ تروم الْغَنِيّ ... يَا قَلما تَجْتَمِع الضرتان) // السَّرِيع //
ولطيف قَول بَعضهم
(قد يُحَدُّ اللَّبيبُ عَن سَعَة الرزق ... وَقد يَسعدُ الضعيفُ بجده)
(رُبَّ مَال أَتَى بأهوَنِ سَعي ... وكَدُودٍ لم يُغْنِه طول كده) // الْخَفِيف //
وَلابْن نباتة السَّعْدِيّ
(مَا بالُ طَعْم الْعَيْش عِنْد مَعاشِرٍ ... خلو وَعند معاشر كالعَلْقَم)
(من لي بعيش الأغبياء فَإِنَّهُ ... لَا عيشَ إِلَّا عيشُ مَنْ لم يعلم) // الْكَامِل //
(1/309)

والْحَارث بن حلزة هُوَ من بني يشْكر من بكر بن وَائِل وَكَانَ أبرص وَهُوَ الْقَائِل
(آذنَتنا بِبَينها أسماءُ ... رب ثاو يمل مِنْهُ الثواء) // الْخَفِيف //
وَيُقَال إِنَّه ارتجلها بَين يَدي عَمْرو بن هِنْد ارتجالاً فِي شَيْء كَانَ بَين بكر وتغلب فِي الصُّلْح وَكَانَ ينشده من وَرَاء السجف للبرص الَّذِي كَانَ بِهِ فَأمر بِرَفْع السجف بَينه وَبَينه اسْتِحْسَانًا لَهُ وَكَانَ الْحَارِث متوكئاً على عنزة فأثرت فِي جسده وَهُوَ لَا يشْعر وَكَانَ لَهُ ابْن يُقَال لَهُ مذعور ولمذعور ابْن يُقَال لَهُ شهَاب ابْن مذعور وَكَانَ ناسباً وَفِيه يَقُول مِسْكين الدَّارمِيّ
(هَلم إِلَى ابْن مَذْعورٍ شِهابٍ ... يُنَبئُ بالسفال وبالمعالي) // الوافر //
قَالَ الْأَصْمَعِي قد أقوى الْحَارِث بن حلزة فِي قصيدته الَّتِي ارتجلها
(فَمَلكْنا بذلك النَّاس إِذْ مَا ... مَلكَ المنذرُ بن مَاء السَّمَاء)
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلنْ يضر ذَلِك فِي هَذِه القصيدة لِأَنَّهُ ارتجلها فَكَانَت كالخطبة
59 - (وألْفى قَولهَا كَذِباً وَمَيْنا ... ) هُوَ من الوافر وصدره
(1/310)

(وقدَّدَت الْأَدِيم لراهشيه ... )
وقائله عدي بن زيد الْعَبَّادِيّ من قصيدة طَوِيلَة أَولهَا
(أبُدِّلَتِ المنازلُ أم عنينا ... بقادم عهدِهنَّ فقد بَلِينَا)
يَقُول فِيهَا يُخَاطب النُّعْمَان بن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء
(أَلا يَا أَيهَا المُثري المرَجَّى ... ألم تَسمع بخطب الأولينا)
وَمِنْهَا وَيذكر غدر الزباء بجذيمة الأبرش
(دَعَا بالبَّقَّةِ الأمراءَ يَوْمًا ... جذَيمةُ عَصْرَ يَنجوهمْ ثُبينا)
(فطاوَع أمرَهم وعَصَى قَصيراً ... وكانَ يقولُ لَو تَبِع اليقينا)
(ودسَّتْ فِي صحيفتها إِلَيْهِ ... ليمْلكَ بُضعَها وَلِأَن تَدِينا)
(ففاجأها وَقد جَمعت فيوجاً ... على أبوابِ حِصْنٍ مُصْلِتينا)
(فأرْدَتهُ ورُغْبُ النَّفس يُرْدِي ... ويبدي للفتى الحينَ المُبينا)
(وحَدثتِ العَصا الأنباءَ عَنهُ ... وَلم أرَ مثلَ فارِسها هجينا)
وَبعده الْبَيْت المستشهد بعجزه وَبعده
(1/311)

(وَمن حّذَر الملاوِم والمخازي ... وهنَّ المنْدِياتُ لمن منينا)
(أطَفَّ لأنفه الموسَى قَصيرٌ ... لِيَجدعهُ وَكَانَ بِهِ ضنينا)
(فأهواهُ لما رنه فأضحى ... طِلابَ الوِترِ مَجْدوعاً مَشِيناً)
(وصادَفت امْرأ لم تخشَ مِنْهُ ... غوائِلهُ وَمَا أمِنَت أَمينا)
(فَلَمَّا ارْتَدَّ مِنْهَا ارتَدَّ صُلباً ... يجُرُّ المالَ والصدرَ الضَّغينا)
(أتتها العِيسُ تحملُ مَا دهاها ... وقنع فِي المسُوح الدارِعينا)
(ودسَّ لَهَا على الأنْفَاق عَمراً ... بِشكَّته وَمَا خَشيت كمينا)
(فَجَلَّلها قديمَ الأَثْرِ عَضْبا ... يَصكُّ بِهِ الحواجبَ واتجبينا)
(فأضحَتْ من خزائنها كأنْ لم ... تكن زبَّاء حاملةً جَنِينا)
(وأبرزها الْحَوَادِث والمنايا ... وَأي معمر لَا يبتلينا)
(إِذا أمهلْنَ ذَا جَدٍّ عَظِيم ... عطفن عَلَيْهِ وَلَو فرَّطن حينا)
(وَلم أجد الْفَتى يلهو بِشَيْء ... وَلَو أثرى وَلَو ولد البنينا) وَكَانَ من خبر جذيمة والزباء أَن جذيمة كَانَ من الْعَرَب الأولى من بني إياد كَمَا ذكره ابْن الْكَلْبِيّ وكنيته أَبُو مَالك وَكَانَ فِي أَيَّام مُلُوك الطوائف وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة كَانَ جذيمة بعد عِيسَى صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ بِثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ قد ملك شاطئ الْفُرَات إِلَى مَا وإِلى ذَلِك إِلَى السوَاد سِتِّينَ سنة وَكَانَ بِهِ برص فهابت الْعَرَب أَن تصفه بذلك فَقَالُوا الأبرش والوضاح وَقيل سمي بذلك لِأَنَّهُ أَصَابَهُ حرق نَار فَبَقيَ أَثَره نقطاً سُودًا وحمراً وَكَانَ الْملك قبله أَبَاهُ وَهُوَ أول من ملك الْحيرَة وَكَانَ جذيمة هَذَا يُغير على مُلُوك الطوائف حَتَّى غلبهم
(1/312)

على كثير مِمَّا فِي أَيْديهم وَهُوَ أول من أوقد الشمع وَنصب المجانيق للحرب وَأول من اجْتمع لَهُ الْملك بِأَرْض الْعرَاق وَكَانَ قد قتل أَبَا الزباء وَغلب على غَالب ملكه وَأَلْجَأَ الزباء إِلَى أَطْرَاف مملكتها وَكَانَت عَاقِلَة أريبة فَبعثت إِلَيْهِ تخطبه لنَفسهَا ليتصل ملكه بملكها فدعته نَفسه إِلَى ذَلِك وَقيل هُوَ الَّذِي بعث إِلَيْهَا يخطبها فَكتبت إِلَيْهِ إِنِّي فاعلة وَمثلك يرغب فِيهِ فَإِذا شِئْت فاشخص إِلَيّ فَشَاور وزراءه فكلٌّ أَشَارَ عَلَيْهِ أَن يفعل إِلَّا قصير بن سعد فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ أَيهَا الْملك لَا تفعل فَإِن هَذِه خديعة ومكر فَعَصَاهُ وأجابها إِلَى مَا سَأَلت فَقَالَ قصير عِنْد ذَلِك لَا يطاع لقصير رأى وَقيل أَمر فأرسلها مثلا وَلم يكن قَصِيرا وَلَكِن كَانَ اسْما لَهُ ثمَّ إِنَّه قَالَ لَهُ أَيهَا الْملك أما إِذْ عَصَيْتنِي فَإِذا رَأَيْت جندها قد أَقبلُوا إِلَيْك فَإِن ترجلوا وحيوك ثمَّ ركبُوا وتقدموا فقد كذب ظَنِّي وَإِن رَأَيْتهمْ إِذا حيوك طافوا بك فَإِنِّي معرض لَك الْعَصَا وَهِي فرس لجذيمة لَا تدْرك فاركبها وانج فَلَمَّا أقبل جيشها حيوه ثمَّ طافوا بِهِ فَقرب قصير إِلَيْهِ الْعَصَا فشغل عَنْهَا فركبها قصير فنجا فَنظر جذيمة إِلَى قصير على الْعَصَا وَقد حَال دونه السراب فَقَالَ مَا ذل من جرت بِهِ الْعَصَا فأرسلها مثلا وَأدْخل جذيمة على الزباء وَكَانَت قد ربت شعر عانتها حولا فَلَمَّا دخل تكشفت لَهُ وَقَالَت أمتاع عروس ترى يَا جذيمة فَقَالَ بل مَتَاع أمة بظراء فَقَالَت إِنَّه لَيْسَ من عدم المواسي وَلَا من قلَّة الأواسي وَلكنهَا شِيمَة مَا أقاسي وَأمرت فأجلس على نطع ثمَّ أمرت برواهشه فَقطعت وَكَانَ قد قيل لَهَا احْتَفِظِي بدمه فَإِنَّهُ إِن أصَاب الأَرْض قَطْرَة من دَمه طلب بثأره فقطرت قَطْرَة من دَمه فِي الأَرْض فَقَالَت
(1/313)

لَا تضيعوا دم الْملك فَقَالَ جذيمة دعواد مَا ضيعه أَهله فَلم يزل الدَّم يسيل إِلَى أَن مَاتَ
ثمَّ إِن قَصِيرا أَتَى عمرا ابْن أُخْت جذيمة وَأخْبرهُ الْخَبَر وحرضه على أَخذ الثأر واحتال لذَلِك بِأَن قطع أَنفه وَأُذُنَيْهِ وَلحق بالزباء وَزعم أَن عمرا فعل بِهِ ذَلِك وَأَنه اتهمه بممالأته لَهَا على خَاله وَلم يزل يخدعها حَتَّى اطمأنت لَهُ وَصَارَت ترسله إِلَى الْعرَاق بِمَال فَيَأْتِي إِلَى عَمْرو فَيَأْخُذ مِنْهُ ضعفه وَيَشْتَرِي بِهِ مَا تطلبه وَيَأْتِي إِلَيْهَا بِهِ إِلَى أَن تمكن مِنْهَا وسلمته مَفَاتِيح الخزائن وَقَالَت لَهُ خُذ مَا أَحْبَبْت فَاحْتمل مَا أحب من مَالهَا وأتى عمرا فانتخب من عسكره فُرْسَانًا وألبسهم السِّلَاح وَاتخذ غَرَائِر وَجعل أشراجها من دَاخل ثمَّ حمل على كل بعير رجلَيْنِ مَعَهُمَا سلاحهما وَجعل يسير النَّهَار حَتَّى إِذا كَانَ اللَّيْل اعتزل عَن الطَّرِيق فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى شَارف الْمَدِينَة فَأَمرهمْ فلبسوا الْحَدِيد ودخلوا الغرائر لَيْلًا وَعرف أَنه مصبحها فَلَمَّا أصبح عِنْدهَا دخل عَلَيْهَا وَسلم وَقَالَ هَذِه العير تَأْتِيك السَّاعَة بِمَا لم يأتك قطّ مثله فَصَعدت فَوق قصرهَا وَجعلت تنظر العير وَهِي تدخل الْمَدِينَة فأنكرت مشيها وَجعلت تَقول
(مَا للجِمَالِ مشيُها وئِيدا ... أجَندلاً يحملن أم حَديدا)
(أم صَرَفاناً بَارِدًا شَدِيدا ... أم الرِّجالَ جثَّماً قعُودا) // الرجز //
فَلَمَّا توافت العير الْمَدِينَة حلوا أشراجهم وَخَرجُوا فِي الْحَدِيد وأتى قصير بِعَمْرو فأقامه على سرب كَانَ لَهَا إِذا خشيت خرجت مِنْهُ فَأَقْبَلت لتخرج من السرب فاتاها عَمْرو فَجعلت تمص خَاتمًا وَفِيه سم وَتقول بيَدي لَا بيد عَمْرو وَفَارَقت الدُّنْيَا والراهشان عرقان فِي بَاطِن الذراعين
وَالشَّاهِد فِيهِ التَّطْوِيل وَهُوَ أَن يكون اللَّفْظ زَائِدا على أصل المُرَاد لَا لفائدة وَاللَّفْظ الزَّائِد غير مُتَعَيّن إِذْ جمعه بَين الْكَذِب والمين فِي الْبَيْت لَا فَائِدَة فِيهِ
(1/314)

لِأَنَّهُمَا بِمَعْنى وَاحِد
وعدي هُوَ ابْن زيد بن حَمَّاد بن أَيُّوب يَنْتَهِي نسبه لنزار وَكَانَ أَيُّوب هَذَا فِيمَا يزْعم ابْن الْأَنْبَارِي أول من سمي من الْعَرَب أَيُّوب وَكَانَ عدي شَاعِرًا فصيحاً من شعراء الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ نَصْرَانِيّا وَكَذَلِكَ كَانَ أَبوهُ وَأَهله وَلَيْسَ مِمَّن يعد من الفحول إِذْ هُوَ قروي وَقد أَخذ عَنهُ أَشْيَاء عيب بهَا وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة والأصمعي يَقُولَانِ عدي بن زيد فِي الشُّعَرَاء بِمَنْزِلَة سُهَيْل فِي النُّجُوم يعارضها وَلَا يجْرِي مَعهَا مجْراهَا وَكَذَلِكَ عِنْدهم أُميَّة بن أبي الصَّلْت الثَّقَفِيّ وَمثلهمَا عِنْدهم من الإسلاميين الْكُمَيْت والطرماح وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة كَانَ يسكن الْحيرَة وَيدخل الأرياف فثقل لِسَانه وَاحْتمل عَنهُ شَيْء كثير جدا وعلماؤنا لَا يرَوْنَ شعره حجَّة
وَله أَربع قصائد غرر إِحْدَاهُنَّ أَولهَا
(أرَواحٌ مودِّع أم بكُورُ ... لَك فاعمدِ لأي حالٍ تَصيرُ) // الْخَفِيف //
وفيهَا يَقُول
(أَيهَا الشَّامتُ المُعير بالدَّهرِ أأنتَ المبرَّأُ الموفورُ ... )
(أم لديكَ العهدُ الوثيقُ من الأيَّام أم أنتَ جاهلٌ مغرورُ ... )
(من رأيتَ المنونَ جازَتهُ أم من ... ذَا عَلَيْهِ من أَن يُضامَ خَفيرُ)
(أَيْن كِسرَى كسْرَى الملوكِ أنوشِرْ ... وانُ أم أَيْن قبلَهُ سابورُ)
(1/315)

(وَبَنُو الأصْفَرِ الكِرام مُلُوك الرّوم ... لم يبْقَ منهُمُ مَذكُورُ)
(وأخو الْحَضَر إِذْ بَناهُ وَإِذ دجْلَةُ تُجْبَى إليهِ والخابورُ ... )
(شادَهُ مَرمراً وَجلَلهُ كلْساً فللطَّيرِ فِي ذَراهُ وُكورُ ... )
(وَتَبَيَّنَ ربَّ الخَوْرَنقِ إِذْ أشْرَفَ يَوْمًا وللهدى تفكيرُ ... )
(سرَّه حالُهُ وَكثرةُ مَا يَملِكُ ... والبحرُ مُعرِضاً والسديرُ ... )
(فارعَوَى قلبُهُ وقالَ وَمَا غِبْطَةُ حيٍّ إِلَى المماتِ يصيرُ ... )
(ثمَّ بعدَ الْفَلاح والملكِ والأمَّةِ وارَتهُم هناكَ القبورُ ... )
(ثمَّ أضْحَوْا كَأَنَّهُمْ ورَقٌ جَفَّ فألوَتْ بِهِ الصَّبا والدَّبورُ ... ) الْحسن
وَالثَّانيَِة أَولهَا
(أتَعرف رسمَ الدَّار من أم مَعبدِ ... نعم فَرَماكَ الشوقُ قبل التجَلدِ)
(أعاذلَ مَا يُدريكِ أَن مَنِيَّتي ... إِلَى ساعةٍ فِي الْيَوْم أَو فِي ضُحَى الْغَد)
(ذَرِينِي فَإِنِّي إِنَّمَا لِيَ مَا مضى ... أمامِيَ من مَالِي إِذا خَفَّ عُوَّدي)
(وَحَّمت لميقاتٍ إلىَّ منيتي ... وغُودِرتُ قد وسِّدتُ أَو لم أوَسَّد)
(وللوارثِ الْبَاقِي من المالِ فاتركي ... عتابي فَإِنِّي مُصلحٌ غيرُ مُفسد) // الطَّوِيل //
وَالثَّالِثَة أَولهَا
(لم أرَ مثلَ الفِتيانِ فِي غَبَنِ الْأَيَّام ... ينْسَوْنَ مَا عواقبُهَا) // المنسرح //
وَالرَّابِعَة أَولهَا
(طالَ ليلِي أراقبُ التنويرا ... ارقُبُ الليْلَ بالصباح بَصيرًا) // الْخَفِيف //
انْتهى مَا قَالَه ابْن قُتَيْبَة
(1/316)

وَكَانَ جده أَيُّوب منزله بِالْيَمَامَةِ فَأصَاب دَمًا فِي قومه فهرب فلحق بأوس ابْن قلام أحد بني الْحَرْث بن كَعْب بِالْحيرَةِ وَكَانَ بَينهمَا نسب من قبل النِّسَاء فَأَقَامَ بِالْحيرَةِ واتصل بالملوك الَّذين كَانُوا بهَا وَعرفُوا حَقه وَحقّ بنيه وَلما ولد عدي وأيفع طَرحه أَبوهُ فِي الْكتاب حَتَّى إِذا حذق أرْسلهُ مرزبان الْحيرَة مَعَ ابْنه شاهان مرد إِلَى كتاب الفارسية فَكَانَ يخْتَلف مَعَ ابْنه ويتعلم الْكِتَابَة وَالْكَلَام بِالْفَارِسِيَّةِ حَتَّى خرج من افهم النَّاس بهما وأفصحهم بِالْعَرَبِيَّةِ وَقَالَ الشّعْر وَتعلم الرَّمْي وبالنشاب فَخرج من الأساورة الرُّمَاة وَتعلم لعب الْعَجم على الْخَيل بالصوالجة وَغَيرهَا ثمَّ إِن الْمَرْزُبَان وَفد على كسْرَى وَمَعَهُ ابْنه شاهان مرد فَبَيْنَمَا هما واقفان بَين يَدَيْهِ إِذْ سقط طائران على السُّور فتطاعما كَمَا يتطاعم الذّكر وَالْأُنْثَى يَجْعَل كل وَاحِد مِنْهُمَا منقاره فِي منقار الآخر فَغَضب كسْرَى من ذَلِك وَلَحِقتهُ غيرَة شَدِيدَة فَقَالَ للمرزبان وَابْنه ليرم كل وَاحِد مِنْكُمَا وَاحِدًا من هذَيْن الطائرين فَإِن قتلتماهما أدخلتكما بَيت المَال وملأت أَفْوَاهكُمَا بالجوهر وَمن أَخطَأ مِنْكُمَا عاقبته فاعتمد كل وَاحِد مِنْهُمَا طائراً مِنْهُمَا ورميا فَقَتَلَاهُمَا جَمِيعًا فَبعث بهما إِلَى بَيت المَال فملئت أفواههما جوهراً وَأثبت شاهان مرد وَسَائِر أَوْلَاد الْمَرْزُبَان فِي صحابته فَقَالَ عِنْد ذَلِك للْملك إِن عِنْدِي غُلَاما من الْعَرَب مَاتَ أَبوهُ وَخَلفه فِي حجري فربيته وَهُوَ أفْصح النَّاس وأكتبهم بِالْعَرَبِيَّةِ والفارسية وَالْملك مُحْتَاج إِلَى مثله فَإِن رأى الْملك أَن يُثبتهُ فِي وَلَدي فعل فَقَالَ ادْعُه فَأرْسل إِلَى عدي بن زيد وَكَانَ جميل الْوَجْه فائق الْحسن وَكَانَت الْفرس تتبرك بالجميل فَلَمَّا كَلمه وجده أظرف النَّاس وأحضرهم جَوَابا فَرغب فِيهِ وأثبته مَعَ ولد الْمَرْزُبَان فَكَانَ عدي أول من كتب بِالْعَرَبِيَّةِ فِي ديوَان كسْرَى فَرغب أهل الْحيرَة إِلَى عدي ورهبوه فَلم يزل بِالْمَدَائِنِ فِي ديوَان
(1/317)

كسْرَى يُؤذن لَهُ عَلَيْهِ فِي الْخَاصَّة وَهُوَ معجب بِهِ قريب مِنْهُ وَأَبوهُ زيد بن حَمَّاد حيٌّ إِلَّا أَن ذكر عدي قد ارْتَفع وخمل ذكر أَبِيه فَكَانَ عدي إِذا دخل على الْمُنْذر قَامَ لَهُ هُوَ وَجَمِيع من عِنْده حَتَّى يقْعد عدي فعلا لَهُ بذلك صيت عَظِيم وَكَانَ إِذا أَرَادَ الْمقَام فِي الْحيرَة مَعَ أَبِيه وَأَهله اسْتَأْذن كسْرَى فَأَقَامَ فيهم الشَّهْر والشهرين وَأكْثر وَأَقل ثمَّ إِن كسْرَى أرْسلهُ إِلَى ملك الرّوم بهدية من طرف مَا عِنْده فَلَمَّا أَتَاهُ عدي بهَا أكْرمه وَحمله إِلَى أَعماله على الْبَرِيد ليريه سَعَة أرضه وَعظم ملكه وَكَذَلِكَ كَانُوا يصنعون فَمن ثمَّ وَقع عدي بِدِمَشْق وَقَالَ بهَا الشّعْر فمما قَالَه بِالشَّام وَهُوَ أول شعر قَالَه فِيمَا ذكر
(رُبَّ دارٍ بأسفَلِ الْجزع من دومة ... أشهى إِلَيّ من جيرُون)
(وَنَدامَى لَا يفرحون بِمَا نالوا ... وَلَا يَتْقُونَ صرفَ المُنونِ)
(قَدْ سُقِيتْ الشمُولَ فِي دَار بشرٍ ... قَهْوَةً مُرَةً بِمَاء سخين) // الْخَفِيف //
ثمَّ إِن عديا قدم الْمَدَائِن على كسْرَى بهدية قَيْصر فصادف أَبَاهُ والمرزبان الَّذِي رباه قد هلكا جَمِيعًا فَاسْتَأْذن كسْرَى فِي الْمقَام بِالْحيرَةِ فَتوجه إِلَيْهَا وَبلغ الْمُنْذر خَبره فَخرج فَتَلقاهُ وَرجع مَعَه وعدي أنبل أهل الْحيرَة فِي أنفسهم وَلَو أَرَادَ أَن يملكوه لملكوه وَلكنه كَانَ يُؤثر الصَّيْد وَاللَّهْو واللعب على الْملك فَمَكثَ سِنِين يَبْدُو فِي فَصلي السّنة فيقم فِي الْبر صيفاً ويشتو
(1/318)

بِالْحيرَةِ وَيَأْتِي الْمَدَائِن فِي خلال ذَلِك فيخدم كسْرَى فَمَكثَ بذلك سِنِين ثمَّ إِن الْمُنْذر هلك وَقَامَ ابْنه النُّعْمَان مقَامه بمعاونة عدي فِي خبر طَوِيل ثمَّ لم يزل الحسدة يوقعون بَينه وَبَين عدي إِلَى أَن حَبسه فَقَالَ فِي ذَلِك أشعاراً كَثِيرَة مِنْهَا
(طالَ ذَا الليلُ علينا واعْتَكَر ... وَكَأَنِّي بادِرُ الصبْحِ شَمَرْ)
(مِنْ نجىَ الهمّ عِندِي ثاوياً ... فوقَ مَا أُعلنُ منهُ وأسرّ)
(وكأنْ الليلَ فِيهِ مثلُه ... ولَقِدْماً ظُنّ بِاللَّيْلِ الْقصر)
(لَمْ أغمَّضّ طولَهُ حَتَّى انْقَضى ... أتمنَّى لَو أرَى الصبحَ حَشَرْ)
(غيرَ مَا عشق ولكنْ طارقٌ ... خَلَسَ النومَ وأجداني السهر) // الرمل //
وَقَالَ يُخَاطب النُّعْمَان بن الْمُنْذر أَيْضا
(أبلِغ النعمانَ عني مَالُكاً ... أنهُ قدْ طالَ حبسي وانتظارْ)
(لَو بِغَيْر المَاء حلقي شرِقٌ ... كنت كالغَصَّانِ بِالْمَاءِ اعتصارْ)
(ليتَ شعري مَنْ دخيلٌ يعترى ... حينما أدركَ ليْلي ونهَارْ)
(قَاعِدا يكربُ نَفسِي بثهَا ... وَحرَام كانَ سجني واختصار) // الرمل //
(1/319)

فِي قصائد كَثِيرَة كَانَ يَقُولهَا وَيكْتب بهَا إِلَيْهِ فَلَا تجدي عِنْده شَيْئا
وَلَقَد تداول الشُّعَرَاء معنى بَيت عدي لَو بِغَيْر المَاء حلقي شَرق إِلَخ بعد عدي فَقَالَ أَبُو نواس
(غصصْتُ منكَ بِمَا لَا يدفعُ الماءُ ... وصحّ حبكَ حَتَّى مَا بِهِ داءُ) // الْبَسِيط //
وَقَالَ الآخر
(من غصّ داوَى بِشرب المَاء غصته ... فَكيف يصنعُ من قدْ غص بِالْمَاءِ) // الْبَسِيط //
وَقَالَ الخزأرزي
(بِالْمَاءِ أدفعُ شَيْئا إِن غَصصتُ بهِ ... فَمَا احتيالي وغصِّي مِنْك بِالْمَاءِ) // الْبَسِيط //
ثمَّ لما طَال سجن عدي كتب إِلَى أَخِيه أبي وَهُوَ مَعَ كسْرَى يُعلمهُ بِحَالهِ فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابه قَامَ إِلَى كسْرَى فَكَلمهُ فِي أمره وعرفه بِخَبَرِهِ فَكتب إِلَى النُّعْمَان يَأْمُرهُ بِإِطْلَاقِهِ وَبعث مَعَه رجلا وَكتب خَليفَة النُّعْمَان إِلَيْهِ إِنَّه قد كتب إِلَيْك فِي أمره فَأتى النُّعْمَان أَعدَاء عدي وَقَالُوا اقتله السَّاعَة فَأبى عَلَيْهِم وَجَاء الرَّسُول وَقد كَانَ أَخُو عدي تقدم إِلَيْهِ ورشاه وَأمره أَن يبْدَأ بعدِي فَيدْخل عَلَيْهِ وَهُوَ مَحْبُوس بالصنين فَقَالَ لَهُ ادخل عَلَيْهِ وَانْظُر مَاذَا يَأْمُرك بِهِ فامتثله فَدخل الرَّسُول على عدي فَقَالَ لَهُ إِنِّي قد جِئْت بإرسالك فَمَا عنْدك قَالَ عِنْدِي الَّذِي تحب ووعده عدَّة سنية وَقَالَ لَا تخرجن من عِنْدِي وَأَعْطِنِي الْكتاب حَتَّى أرْسلهُ إِلَيْهِ فَإنَّك وَالله لَئِن خرجت من عِنْدِي لأقتلن فَقَالَ لَا أَسْتَطِيع إِلَّا أَن آتِي الْملك بِالْكتاب فأوصله إِلَيْهِ فَانْطَلق بعض من كَانَ هُنَاكَ من أَعدَاء عدي فَأخْبر النُّعْمَان أَن رَسُول كسْرَى دخل على عدي وَهُوَ ذَاهِب بِهِ وَإِن فعل وَالله لم يستبق منا أحدا أَنْت وَلَا غَيْرك فَبعث إِلَيْهِ النُّعْمَان أعداءه فغموه حَتَّى مَاتَ ثمَّ دفنوه وَدخل الرَّسُول إِلَى النُّعْمَان فأوصل الْكتاب إِلَيْهِ فَقَالَ حبا وكرامة وَأمر لَهُ بأَرْبعَة آلَاف
(1/320)

مِثْقَال ذهب وَجَارِيَة حسناء وَقَالَ لَهُ إِذا أَصبَحت فَادْخُلْ أَنْت بِنَفْسِك الْحَبْس فَأخْرجهُ فَلَمَّا أصبح ركب فَدخل السجْن فَأخْبرهُ الحارس أَنه قد مَاتَ مُنْذُ أَيَّام وَلم نجترئ على إِخْبَار الْملك بذلك خوفًا مِنْهُ وَقد عرفنَا كراهيته لمَوْته فَرجع إِلَى النُّعْمَان فَقَالَ إِنِّي قد كنت أمس دخلت على عدي وَهُوَ حَيّ وَجئْت الْيَوْم فجحدني السجان وبهتني وَذكر لي أَنه قد مَاتَ مُنْذُ أَيَّام فَقَالَ لَهُ النُّعْمَان أيبعث بك الْملك إِلَيّ فَتدخل إِلَيْهِ قبلي كذبت وَلَكِنَّك أردْت الرِّشْوَة والخبث وتهدده ثمَّ زَاد جائزته وأكرمه وتوثق مِنْهُ أَن لَا يخبر كسْرَى إِلَّا أَنه قد مَاتَ قبل أَن يقدم عَلَيْهِ فَرجع الرَّسُول إِلَى كسْرَى وَقَالَ إِنِّي قد وجدت عديا قد مَاتَ قبل أَن أَدخل عَلَيْهِ وَنَدم النُّعْمَان على قَتله وَعلم أَنه قد احتيل عَلَيْهِ فِي قَتله واجترأ أعداؤه عَلَيْهِ وهابهم هَيْبَة شَدِيدَة
وَكَانَ لعدي ولد اسْمه زيد فسيره النُّعْمَان إِلَى كسْرَى وَوَصفه بأوصاف جميلَة فَوَقع من كسْرَى الْموقع فَمَا زَالَ يعْمل الْحِيلَة إِلَى أَن غير كسْرَى على النُّعْمَان وَأرْسل إِلَيْهِ أَن أقبل علينا فَحمل سلاحه وَمَا قوي عَلَيْهِ ثمَّ لحق بجبل طَيئ ثمَّ بعث إِلَى كسْرَى بخيل وحلل وجواهر وطرف فقبلها كسْرَى وَأظْهر لَهُ الرِّضَا وَأمره بالقدوم فَعَاد الرَّسُول وَأخْبرهُ بذلك وَأَنه لم ير لَهُ عِنْد كسْرَى سوءا فَمضى إِلَيْهِ حَتَّى إِذا وصل إِلَى ساباط لقِيه زيد بن عدي عِنْد قنطرة ساباط فَقَالَ لَهُ انج نعيم إِن اسْتَطَعْت النجَاة فَقَالَ لَهُ أفعلتها يَا زيد أما وَالله إِن عِشْت لَك لأَقْتُلَنك قتلة لم يَقْتُلهَا عَرَبِيّ قطّ ولألحقتك بأبيك فَقَالَ لَهُ زيد امْضِ لشانك نعيم فقد وَالله أخيت لَك أخية لَا يقطعهَا الْمهْر
(1/321)

الأرن فَلَمَّا بلغ كسْرَى أَنه بِالْبَابِ بعث إِلَيْهِ فقيده وَبعث بِهِ إِلَى سجن لَهُ بخانقين فَلم يزل فِيهِ حَتَّى وَقع الطَّاعُون هُنَالك فَمَاتَ فِيهِ وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ أَلْقَاهُ تَحت أرجل الفيلة فوطئته حَتَّى مَاتَ وَأنكر هَذَا من زعم أَنه مَاتَ بخانقين وَقَالُوا لم يزل مَحْبُوسًا مُدَّة طَوِيلَة وَإِنَّمَا مَاتَ بعد ذَلِك بِحِين قبيل الْإِسْلَام وغضبت لَهُ الْعَرَب حِينَئِذٍ وَكَانَ قَتله سَبَب وقْعَة ذِي قار
وَكَانَ عدي يهوى هِنْد بنت النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَلها يَقُول
(عَلقَ الأحْشاء مِنْ هندَ عُلقْ ... مُستسِرّ فِيهِ نَصْبٌ وَأرقْ) // الرمل //
وفيهَا يَقُول أَيْضا
(مَنْ لِقلب دَنفٍ أوْ مُعتمدْ ... قَد عَصى كلَّ نَصيحٍ ومفد) // الرمل //
وفيهَا يَقُول أَيْضا
(يَا خَليليّ يَسِّرَا التَعسيرَا ... ثمَّ رُوحا فَهجِّرَا تهَجيرَا)
(عَرَّجا بِي على دِيارٍ لِهندٍ ... لَيسَ أَن عُجتما الْمطِي كَبيرا) // الْخَفِيف //
وَقد تزَوجهَا عدي فِي خبر طَوِيل فَمَكثت مَعَه حَتَّى قَتله النُّعْمَان فترهبت وحبست نَفسهَا فِي الدَّيْر الْمَعْرُوف بدير هِنْد فِي ظَاهر الْحيرَة وَكَانَ هلاكها بعد الْإِسْلَام بِزَمن طَوِيل فِي ولَايَة الْمُغيرَة بن شُعْبَة الْكُوفَة وخطبها الْمُغيرَة فَردته
(1/322)

وَقَالَت والصليب لَو علمت أَن فِي خصْلَة من جمال أَو شباب رغبتك فِي لأجبتك وَلَكِنَّك أردْت أَن تَقول فِي المواسم ملكت مملكة النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَتَزَوَّجت ابْنَته فَبِحَق معبودك أَهَذا أردْت قَالَ إِي وَالله قَالَت فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ
60 - (وَلاَ فَضْلَ فيهَا لِلشجَاعَةِ وَالنَّدَى ... وَصَبرِ الفَتى لَوْلاَ لِقَاءُ شَعُوبِ)
الْبَيْت لأبى الطّيب المتنبي من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا سيف الدولة ابْن حمدَان ويعزيه بغلامه يماك التركي وأولها وَفِيه الخرم وَهُوَ حذف الْحَرْف الأول من الوتد الْمَجْمُوع
(لاَ يُحزنِ اللهُ الأميرَ فإِنني ... لآخُذُ مِنْ حالاتهِ بنصيبِ)
(وَمنْ سَرَّ أَهْلَ الأَرْض ثمَّ بَكَى أسىً ... بَكى بُعيونٍ سرَّها وَقلوب)
(وَإني وَإِنْ كانَ الدَّفينُ حَبيبهُ ... حَبيبٌ إِلَى قلبِي حَبيبُ حَبيبي)
(وقَدْ فارَقَ النَّاسُ الأحبَّةَ قبلنَا ... وَأَعيا دَواءُ الموْت كلَّ طَبيب)
(سُبقنا إِلَى الدُّنيا فَلوْ عاشَ أهْلها ... مُنعنا بِها مِنْ جَيئةٍ وذُهوب)
(تَملكها الآتِي تملُّكَ سالب ... وفارقها الْمَاضِي فِرَاق سليب) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(وأؤفي حَياةِ الغابرينَ لِصاحبٍ ... حَياةُ امْرِئ خانتهُ بعدَ مَشيب)
(لأبقي يَماك فِي حَشايَ صَبابة ... إِلَى كلِّ تركيِّ النِّجار جَليب)
(وَمَا كلُّ وَجهٍ أبْيضٍ بِمباركٍ ... ولاَ كلُّ جَفنٍ ضَيِّق بنجيب)
(لئنْ ظَهرتْ فِينا عَليهِ كآبةٌ ... لقدْ ظَهرتْ فِي حَدِّ كل قَضيب)
(1/323)

(وَفي كلّ قَوْسٍ كلّ يَوْمِ تَناضلٍ ... وَفي كلِّ طِرفٍ كلّ يَوْم رُكوب)
(يَعزُّ عَليه أنْ يُخلَّ بِعادةٍ ... وَتدعو لأمرٍ وَهوَ غيرُ مُجيب)
(وَكنتُ إذَا أبْصرتُهُ لكَ قَائِما ... نَظرتُ إِلَى ذيِ لِبدَتين أريب)
(فإِنْ يكن العلق النّفيسَ فَقدتَهُ ... فَمن كَفِّ مِتلافٍ أغَرَّ وَهوب)
(لأنَّ الردَي عادٍ على كل ماجدٍ ... إذَا لمْ يُعوِّذْ مَجدهُ بِعيوب)
(وَلوْلاَ أيادِي الدَّهر فِي الجَمع بَيننا ... غَفلنا فَلمْ نَشعرْ لَهُ بذنوب) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة
وشعوب اسْم للمنية غير منصرف للعلمية والتأنيث وَصَرفه للضَّرُورَة سميت النتية بذلك لِأَنَّهَا تشعب أَي تفرق
وَالشَّاهِد فِيهِ الحشو الزَّائِد الْمُفْسد وَهُوَ هُنَا لَفْظَة الندى لِأَن الْمَعْنى أَن الدُّنْيَا لَا فضل فِيهَا للشجاعة وَالعطَاء وَالصَّبْر على الشدائد على تَقْدِير عدم الْمَوْت وَهَذَا إِنَّمَا يَصح فِي الشجَاعَة وَالصَّبْر دون الْعَطاء فَإِن الشجاع إِذا تَيَقّن الخلود هان عَلَيْهِ الاقتحام فِي الحروب لعدم خَوفه من الْهَلَاك فَلم يكن فِي ذَلِك فضل وَكَذَلِكَ الصابر إِذا تَيَقّن زَوَال الشدائد والحوادث وَبَقَاء الْعُمر هان عَلَيْهِ صبره على الْمَكْرُوه لوثوقه بالخلاص مِنْهُ بل مُجَرّد طول الْعُمر يهون على النُّفُوس الصَّبْر على المكاره وَلِهَذَا يُقَال هَب أَن لي صَبر أَيُّوب فَمن أَيْن لي عمر نوح بِخِلَاف الْبَاذِل مَاله فَإِنَّهُ إِذا تَيَقّن الخلود شقّ عَلَيْهِ بذل المَال لاحتياجه إِلَيْهِ فَيكون بذله حِينَئِذٍ أفضل أما إِذا تَيَقّن الْمَوْت فقد هان عَلَيْهِ بذله وَلِهَذَا قَالَ طرفَة
(1/324)

(فَإِن كنت لَا أَسْتَطِيع دفع منيتي ... فذرني أبادرها بِمَا ملكت يَدي) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول مهيار الديلمي
(فَكلْ إنْ أكلتَ وَأطعمْ أخاكَ ... فَلاَ الزَّادُ يَبقى وَلا الْآكِل) // المتقارب //
وَقيل المُرَاد بالندى بذل النَّفس لَا المَال كَمَا قَالَ مُسلم بن الْوَلِيد
(يجود بِالنَّفسِ إِن ضن الْجواد بهَا ... والجود بِالنَّفسِ أقْصَى غَايَة الْجُود) // الْبَسِيط //
ورد بِأَن لفظ الندى لَا يكَاد يسْتَعْمل فِي بذل النَّفس وَإِن اسْتعْمل فعلى وَجه الْإِضَافَة وَالْأَقْرَب مَا ذكره ابْن جني وَهُوَ أَن فِي الخلود وتنقل الْأَحْوَال فِيهِ من عسر إِلَى يسر وَمن شدَّة إِلَى رخاء مَا يسكن النُّفُوس ويسهل الْبُؤْس فَلَا يظْهر لبذل المَال كثير فضل
61 - (وَأعْلَم عِلْمَ الْيَوْم والأمس قبله ... )
هُوَ من الْبَحْر الطَّوِيل وَتَمَامه
(وَلكنني عَن علم مَا فِي غَدٍ عَمِ ... )
وقائله زُهَيْر بن أبي سلمى وَهُوَ من آخر قصيدة قَالَهَا فِي الصُّلْح الْوَاقِع بَين عبس وذبيان وأولها
(أَمِنْ أمِّ أوفى دِمنةٌ لم تَكلم ... بِحوْمانةِ الدَّرَّاج فالمُتثلم)
(1/325)

(ودَارٌ لَهَا بالرَّقمتين كَأَنَّهَا ... مَراجِيعُ وَشمٍ فِي نَواشر مِعصم)
(بهَا الْعينُ والآرامُ يَمشينَ خِلفةً ... وَأطلاؤها يَنهضنَ من كلِّ مجثم) // الطَّوِيل //
وَمعنى الْبَيْت أَن علمي قد يُحِيط بِمَا مضى وَبِمَا هُوَ حَاضر ولكنني عمي الْقلب عَن الْإِحَاطَة بِمَا هُوَ منتظر متوقع يُرِيد لَا أَدْرِي مَاذَا يكون غَدا
وَالشَّاهِد فِيهِ الحشو الْغَيْر مُفسد للمعنى وَهُوَ لَفْظَة قبله
وَمثله قَول عدي الْمُتَقَدّم
(نحْنُ الرؤسُ وَما الرؤسُ إذَا سمتْ ... فِي المَجدِ لِلأقْوَام كالأذناب) // الْكَامِل //
فَقَوله للأقوام حَشْو وَفِيه نظر لِأَن اسْتِعْمَال الرَّأْس فِي الْمُقدم والرائس مجَاز وَذكر الأقوام كالقرينة
وَقَول الآخر
(ذكَرْتُ أخي فَعاودِني ... صداع الرَّأْس والوءصب) // من مجزوء الوافر //
فلفظة الرَّأْس حَشْو فَإِن الصداع لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي الرَّأْس
وَمن الحشو الْمُفْسد قَول ديك الْجِنّ
(فتنفست فِي الْبَيْت إذْ مُزجتْ ... بِالماء وَاسْتلتْ سَنا اللهب)
(كتنفُّسِ الريحانِ خالطهُ ... منْ وردِ جور ناضر الشّعب) // الْكَامِل //
فَذكره المزاج يُغني وَالْمَاء فضل لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَقد قصر عَن قَول أبي نواس
(1/326)

(سلوا قنَاعَ الطينِ عَن رَمقٍ ... حيّ الحياةِ مُشَارف الحتف)
(فتنفستْ فِي الْبَيْت إِذْ مُزِجتْ ... كتنفس الريحانِ فِي الْأنف) // الْكَامِل //
وَزُهَيْر بن أبي سلمى هُوَ أَبُو كَعْب وبجير وَاسم أبي سلمى ربيعَة بن رَبَاح بن قُرَّة يَنْتَهِي نسبه لنزار وَهُوَ أحد الثَّلَاثَة المقدمين على سَائِر الشُّعَرَاء وَإِنَّمَا الْخلاف فِي تَقْدِيم أحد الثَّلَاثَة على صَاحِبيهِ فَأَما الثَّلَاثَة فَلَا اخْتِلَاف فيهم وَهُوَ امْرُؤ الْقَيْس وَزُهَيْر والنابغة الذبياني
وَعَن عمر بن عبد الله اللَّيْثِيّ قَالَ قَالَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ لَيْلَة فِي مسيره إِلَى الْجَابِيَة أَيْن ابْن عَبَّاس قَالَ فَأَتَيْته فَشَكا إِلَيّ تخلف عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ فَقلت أَو لم يعْتَذر إِلَيْك قَالَ بلَى قلت هُوَ مَا اعتذر بِهِ ثمَّ قَالَ إِن أول من ريثكم عَن هَذَا الْأَمر أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ إِن قومكم كَرهُوا أَن يجمعوا لكم بَين الْخلَافَة والنبوة ثمَّ ذكر رَضِي الله عَنهُ قصَّة طَوِيلَة قَالَ ثمَّ قَالَ لي هَل تروي لشاعر الشُّعَرَاء قلت وَمن هُوَ قَالَ الَّذِي يَقُول
(وَلَو أنَّ حمداً يخلدُ الناسَ خُلدوا ... ولكنَّ حَمْد النَّاس لَيْسَ بمخلد) // الطَّوِيل //
قلت ذَاك زُهَيْر بن أبي سلمى قَالَ هُوَ شَاعِر الشُّعَرَاء قلت وَبِمَ كَانَ شَاعِر الشُّعَرَاء قَالَ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يعاظل فِي الْكَلَام وَكَانَ يتَجَنَّب وَحشِي الشّعْر وَكَانَ لَا يمدح أحدا إِلَّا بِمَا هُوَ فِيهِ
(1/327)

وَفِي رِوَايَة أَنه قَالَ لَهُ أَنْشدني لَهُ فَأَنْشَدته حَتَّى برق الْفجْر فَقَالَ حَسبك الْآن اقْرَأ الْقُرْآن قلت وَمَا أَقرَأ قَالَ الْوَاقِعَة فقرأتها وَنزل فَأذن وَصلى
وَسَأَلَ مُعَاوِيَة الْأَحْنَف بن قيس عَن أشعر الشُّعَرَاء فَقَالَ زُهَيْر قَالَ وَكَيف ذَاك قَالَ كف عَن المادحين فضول الْكَلَام قَالَ بِمَاذَا قَالَ بقوله
(فَمَا يَكُ من خيرٍ أتوْهُ فإِنما ... توارثه آبَاء آبَائِهِم قبل) // الطَّوِيل //
ويروى أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نظر إِلَى زُهَيْر بن أبي سلمى وَله مائَة سنة فَقَالَ اللَّهُمَّ أعذني من شَيْطَانه فَمَا لاك بَيْتا حَتَّى مَاتَ
وَعَن الْأَصْمَعِي قَالَ قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ لبَعض ولد هرم بن سِنَان أَنْشدني مدح زُهَيْر أَبَاك فأنشده فَقَالَ عمر إِن كَانَ ليحسن القَوْل فِيكُم فَقَالَ وَنحن وَالله إِن كُنَّا لنحسن لَهُ الْعَطاء فَقَالَ ذهب مَا أعطيتموه وَبَقِي مَا أَعْطَاكُم
قَالَ وَبَلغنِي أَن هرم بن سِنَان كَانَ قد حلف أَن لَا يمدحه زُهَيْر إِلَّا أعطَاهُ وَلَا يسْأَله إِلَّا أعطَاهُ وَلَا يسلم عَلَيْهِ إِلَّا أعطَاهُ غرَّة عبدا أَو وليدة أَو فرسا فاستحيا زُهَيْر مِمَّا كَانَ يقبل مِنْهُ فَكَانَ إِذا رَآهُ فِي مَلأ قَالَ انعموا صباحاً غير هرم وخيركم استثنيت
وَعَن عمر بن شيبَة قَالَ قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ لِابْنِ زُهَيْر مَا فعلت بالحلل الَّتِي كساها هرم أَبَاك قَالَ أبلاها الدَّهْر قَالَ لَكِن الْحلَل الَّتِي كساها أَبوك هرماً لم يبلها الدَّهْر
وَقَالَ أَبُو زيد الطَّائِي أنْشد عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَول زُهَيْر
(1/328)

(وَمهما يكنْ عندَ امْرِئ من خَلِيقَة ... وَإِن خالها تخفي على النَّاس تعلم) // الطَّوِيل //
فَقَالَ أحسن زُهَيْر وَصدق وَلَو أَن رجلا دخل بَيْتا فِي جَوف بَيت لتحدث بِهِ النَّاس قَالَ وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا تعْمل عملا تكره أَن يتحدث النَّاس بِهِ عَنْك) وَمِنْه قَول عَمْرو بن الْأَهْتَم
(إِذا الْمَرْء لم يجببك إِلَّا تكرهاً ... بدَا لَك من أخلاقه مَا يغالب) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي الطّيب المتنبي
(وللنفسِ أخلاقٌ تدلّ على الْفَتى ... أكَانَّ سخاءً مَا أَتَى أم تساخيا) // الطَّوِيل //
وَعَن الْمَدَائِنِي أَن عُرْوَة بن الزبير رَضِي الله عَنهُ لحق بِعَبْد الْملك بن مَرْوَان رَضِي الله عَنْهُمَا فَكَانَ إِذا دخل عَلَيْهِ مُنْفَردا أكْرمه وَإِذا دخل عَلَيْهِ وَعِنْده أهل الشَّام استخف بِهِ فَقَالَ لَهُ يَوْمًا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بئس المزور أَنْت تكرم ضيفك فِي الخلا وتهينه فِي الملا ثمَّ قَالَ لله در زُهَيْر حَيْثُ يَقُول
(فَحُلى من دِيَارك إنّ قوما ... مَتى يَدعُوا ديارهمُ يهونوا) // الوافر //
ثمَّ استأذنه فِي الرُّجُوع إِلَى الْمَدِينَة المنورة فَقضى حَوَائِجه وَأذن لَهُ
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي كَانَ لزهير فِي الشّعْر مَا لم يكن لغيره كَانَ أَبوهُ شَاعِرًا وَهُوَ شَاعِر وخاله شَاعِر وابناه كَعْب وبجيرٌ شاعران وَأُخْته سلمى شاعرة وَأُخْته الخنساء شاعرة وَهِي القائلة ترثيه
(وَمَا يُغني توَقِّي المرءِ شَيْئا ... وَلَا عقدُ التميم وَلَا الغضارُ)
(إِذا لَاقَى منيتهُ فأمسى ... يساقُ بِهِ وَقد حق الحذارُ)
(ولاقاهُ من الأيامِ يومٌ ... كَمَا من قبلُ لم يخلد قدار) // الوافر //
وَكَانَ زُهَيْر يضْرب بِهِ الْمثل فِي التَّنْقِيح فَيُقَال حوليات زُهَيْر لِأَنَّهُ كَانَ يعْمل القصيدة فِي لَيْلَة ثمَّ يبْقى حولا ينقحها
(1/329)

وَمِمَّا يعد من محاسنه قَوْله
(وأَبيض فياض نداهُ غمامةٌ ... على مقتفيه مَا تُغِبّ فواضله)
(ترَاهُ إِذا مَا جِئْته متهللا ... كَأَنَّك تعطيه الَّذِي أَنْت سائله) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
(كمْ زرتهُ وظلامُ الليلَ منسدلٌ ... مسهم راقَ إعجاباً بأنجمه)
(وأُبتُ وَالصُّبْح منحور بكوكبهِ ... وسائق الشَّفق المحمر من دمهِ) // الْبَسِيط //
ومحاسنه ومحاسن أَوْلَاده كَثِيرَة وغرتها قصيدة كَعْب وَهِي
(بَانَتْ سعادُ فقلبي اليومَ متبولُ ... )
المشرفة بِمن قيلت فِيهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم 62
(فإِنكَ كالليل الَّذِي هُوَ مدركي ... وَإنْ خلتُ أَن المنتأى عَنْك واسعُ)
الْبَيْت للنابغة الذبياني من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا أَبَا قَابُوس وَهُوَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْحيرَة وأولها
(عفاذ وحسا من فرتني فالفوارعُ ... فجنبا أريك فالتلاع الدوافع)
(فمجتمع الأشراج غيَّرَ رسمَها ... مصايفُ قد مرتْ بِنَا ومرابع)
(توهمْتُ آيَات لَهَا فعرفتهَا ... لستةِ أعوامِ وذَا الْعَام سَابِع) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن قَالَ فِيهَا
(وَقد حَال همّ دون ذَلِك شاغلٌ ... مَكَان الشغاف تبتغيه الأصابعُ)
(وَعيدُ أبي قابوسَ فِي غير كهنه ... أَتَانِي ودوني راكسٌ فالضواجِعُ)
(1/330)

(فَبت كَأَنِّي ساورتني ضَئيلةٌ ... من الرُّقْش فِي أنيابها السم ناقعُ)
(يُسهَّدُ من ليل التَّمام سليمها ... لحَلى النِّسَاء فِي يَدَيْهِ قَعَاقعُ)
(تَناذَرها الراقونَ من سوءِ سمها ... تُطَلقِّهُ طَوْراً وطَوْراً تراجعُ)
(أَتَانِي أبَيْت اللعنَ أنكَ لمتني ... وَتلك الَّتِي تَستْكَ مِنْهَا المسامعُ)
(مقالةُ أَن قد قلت سَوف أنالُهُ ... وذلكَ من تلقاءِ مثلك رائع) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن قَالَ فِيهَا
(فَإِن كنتَ لَا ذُو الضَّغِن عني مُكذَّب ... وَلَا حَلفِي على البرَاءَةِ نافُع)
(وَلَا أَنا مأمونٌ بشيءِ أقوُلهُ ... وَأَنت بِأمرٍ لَا محالةَ واقعُ)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(خَطاطيفُ حُجْنٌ فِي حِبالٍ متينة ... تمدُّ بهَا أيدٍ إلَيكَ نوازُع)
(سَتبلُغ عذرا أَو نجاحاً من امرِئ ... إِلَى رَبّهِ ربّ البريةِ رَاكِع)
(أتوعِدُ عبدا لم يخُنكَ أَمَانَة ... وَيتْرك عبدٌ ظَالِم وَهُوَ ظالعُ)
(وَأَنت رَبيعٌ يُنعش الناسَ سيبْهُ ... وَسَيفٌ أُعيرَتهُ المنيةُ قاطعُ)
(أبي الله إِلَّا عَدْلَهُ ووفاءَهُ ... فَلَا النكر معروفٌ وَلَا الْعرف ضائع)
(1/331)

(وتُسقي إِذا مَا شِئْت غيرَ مُصَرَّد ... بزَورَاءَ فِي حافاتها الْمسك كانع) // الطَّوِيل //
والمنتأى اسْم مَوضِع من انتأى عَنهُ أَي بعد وَشبهه بِاللَّيْلِ لِأَنَّهُ وَصفه فِي حَال سخطه وهوله
وَالْمعْنَى أَنه لَا يفوت الممدوح وَإِن أبعد فِي الْهَرَب وَصَارَ إِلَى أقْصَى الأَرْض لسعة ملكه وَطول يَده وَلِأَن لَهُ فِي جَمِيع الْآفَاق مُطيعًا لأَمره يرد الهارب إِلَيْهِ
وَقد اعْترض الْأَصْمَعِي على النَّابِغَة فَقَالَ أما تشبيهه الْإِدْرَاك بِاللَّيْلِ فقد تساوى اللَّيْل وَالنَّهَار فِيمَا يدركانه وَإِنَّمَا كَانَ سَبيله أَن يَأْتِي بِمَا لَا قسيم لَهُ حَتَّى يَأْتِي بِمَعْنى مُنْفَرد فَلَو قَالَ قَائِل إِن قَول النميري فِي ذَلِك أحسن مِنْهُ لوجد مساغاً إِلَى ذَلِك حَيْثُ يَقُول
(فَلَو كنتُ كالعَنقاءِ أَو كسموها ... لَخِلْتكَ إِلَّا أَن تَصدَّ تراني) // الطَّوِيل //
وَالشَّاهِد فِيهِ مُسَاوَاة اللَّفْظ للمعنى المُرَاد
وَفِي معنى بَيت النَّابِغَة قَول عَليّ بن جبلة
(وَمَا لامرئ حاوَلْتُه منكَ مَهَربٌ ... وَلَو رَفَعتهُ فِي السماءِ المطالعُ)
(بَلى هاربٌ لَا يَهْتَدِي لمكانه ... ظلامٌ وَلَا ضوءٌ من الصُّبْح سَاطِع) // الطَّوِيل //
وَأكْثر الأدباء يرجحه على بَيت النَّابِغَة وَفِي هَذَا الْمَعْنى أَيْضا قَول سلم الخاسر
(فأنْتَ كالدهر مَبثوثاً حبائُلُه ... والدهرُ لَا ملْجأ منهُ وَلَا هربُ)
(وَلَو مَلَكتُ عنانَ الرّيح أصْرِفها ... فِي كل نَاحيَة مَا فاتَكَ الطلَبُ) // الْبَسِيط //
وتناوله البحتري أَيْضا فَقَالَ
(وَلَو أَنهم ركبُوا الْكَوَاكِب لم يكن ... ينجيهمُ من خوفِ بأسك مهرب) // الْكَامِل //
(1/332)

وَمَا أبدع قَول أبي الْقَاسِم بن هَانِئ فِيهِ
(أَيْن المفر وَلَا مفَرَّ لهاربٍ ... ولكَ البسيطانِ الثرَي والماءُ) // الْكَامِل //
وَقَول الآخر
(فَلَو كُنْتُ فوقَ الرّيح ثمَّ طَلَبتني ... لَكُنْت كمن ضَاقَتْ عَلَيْهِ المذاهِبُ) // الطَّوِيل //
وبديع قَول أبي الْعَرَب الصّقليّ
(كَأَن بلادَ الله كفَّاكَ إِن يَسِرْ ... بهَا هاربٌ تجمعْ عَلَيْهِ الأنامِلُ)
(وأبن يَفِرُّ المرءُ عَنْك بجرمِهِ ... إِذا كَانَ تُطْوَي فِي يديكَ المراحل) // الطَّوِيل //
والنابغة اسْمه زِيَاد بن مُعَاوِيَة بن ضباب يَنْتَهِي نسبه إِلَى ذبيان ثمَّ لمضر ويكنى أَبَا أُمَامَة وَإِنَّمَا سمي النَّابِغَة لقَوْله
(وَقد نَبَغَتْ لَهُم منَّا شُؤون ... )
وَهُوَ أحد الْأَشْرَاف الَّذين غض مِنْهُم الشّعْر وَهُوَ من الطَّبَقَة الأولى المقدمين على سَائِر الشُّعَرَاء
عَن ربعي بن خرَاش قَالَ قَالَ لنا عمر رَضِي الله عَنهُ يَا معشر غطفان من الَّذِي يَقُول
(أتَيتكَ عَارِيا خَلَقاً ثِيَابِي ... على خوفٍ تُظن بيَ الظنونُ) // الوافر //
قُلْنَا النَّابِغَة قَالَ ذَاك أشعر شعرائكم
وَعَن جرير بن يزِيد بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ قَالَ كُنَّا عِنْد الْجُنَيْد
(1/333)

أَرَادَ لملتنا وأدفأتنا وأظلتنا إِلَّا أَنه حذف الْمَفْعُول من هَذِه الْمَوَاضِع ليدل على مَطْلُوبه بطرِيق الْكِنَايَة
والبحتري هُوَ الْوَلِيد بن عبيد بن يحيى يَنْتَهِي نسبه إِلَى طَيئ ويكنى أَبَا عبَادَة وَهُوَ شَاعِر فصيح فَاضل حسن المشرب وَالْمذهب نفي الْكَلَام مطبوع وَله تصرف فِي ضروب الشّعْر سوى الهجاء فَإِن بضاعته فِيهِ نزرة وجيده مِنْهُ قَلِيل وَكَانَ ابْنه أَبُو الْغَوْث يزْعم أَن السَّبَب فِي قلَّة بضاعته فِي هَذَا الْفَنّ أَنه لما حَضَره الْمَوْت دَعَا بِهِ وَقَالَ لَهُ اجْمَعْ كل شَيْء قلته فِي الهجاء فَفعل فَأمره بإحراقه
وَكَانَ البحتري يتشبه بِأبي تَمام فِي شعره ويحذو حَذْو مذْهبه وينحو نَحوه فِي الْبَدَائِع الَّتِي كَانَ أَبُو تَمام يستعملها وَيَرَاهُ صاحباً وإماماً ويقدمه على نَفسه وَيَقُول فِي الْفرق بَينه وَبَينه قَول منصف إِن جيد أبي تَمام خير من جيده ووسطه ورديئه خير من وسط أبي تَمام وردئيه وَكَذَا هُوَ حكم لنَفسِهِ
وَسُئِلَ أَبُو الْعَلَاء المعري أَي الثَّلَاثَة أشعر أَبُو تَمام أم البحتري أم المتنبي فَقَالَ هما حكيمان والشاعر البحتري
(1/334)

ابْن عبد الرَّحْمَن بخراسان وَعِنْده بَنو مرّة وجلساؤه من النَّاس فتذاكروا شعر النَّابِغَة حَتَّى أنشدوا قَوْله
(فَإنَّك كالليل الَّذِي هُوَ مدركي ... )
الْبَيْت فَقَالَ شيخ من بني مرّة وَمَا الَّذِي رأى فِي النُّعْمَان حَتَّى يَقُول مثل هَذَا وَهل كَانَ النُّعْمَان إِلَّا على منظرة من مناظر الْحيرَة وَقَالَت ذَلِك القيسية أَيْضا فَأَكْثَرت فَنظر إِلَيّ الْجُنَيْد فَقَالَ يَا أَبَا خَالِد لَا يهولنك قَول هَؤُلَاءِ الأعاريب وَأقسم بِاللَّه لَو عاينوا من النُّعْمَان مَا عاين صَاحبهمْ لقالوا أَكثر مِمَّا قَالَ وَلَكنهُمْ قَالُوا مَا تسمع وهم آمنون
وَقَالَ عمر بن الْمُنْتَشِر الْمرَادِي وفدنا على عبد الْملك بن مَرْوَان فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَقَامَ رجل فَاعْتَذر إِلَيْهِ من أَمر وَحلف عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عبد الْملك مَا كنت حرياً أَن تفعل وَلَا تعتذر ثمَّ أقبل على أهل الشَّام فَقَالَ أَيّكُم يروي من اعتذار النَّابِغَة إِلَى النُّعْمَان
(حَلَفت فَلم أترك لنَفسك رِيبَة ... وَلَيْسَ وَرَاء الله للمرء مَذْهَب) // الطَّوِيل //
فَلم يجد فيهم من يرويهِ فَأقبل عَليّ فَقَالَ أترويه قلت نعم فَأَنْشَدته القصيدة كلهَا فَقَالَ هَذَا أشعر الْعَرَب
وَعَن أبي عُبَيْدَة وَغَيره أَن النَّابِغَة كَانَ خَاصّا بالنعمان وَكَانَ من ندمائه وَأهل أنسه فَرَأى زَوجته المتجردة يَوْمًا وَقد غشيها شَيْء شَبيه بالفجاءة فَسقط نصيفها فاستترت بِيَدَيْهَا وذراعيها فَكَادَتْ ذراعها تستر وَجههَا لعبالتها
(1/334)

وغلظها فَقَالَ قصيدته الَّتِي أَولهَا
(من آلِ مَيَّةَ رائحٌ أَو مُغتدي ... عَجْلان ذَا زادٍ وغيرَ مُزوَّدِ)
(زعم البَوارحُ أَن رحْلَتَنا غَدا ... وبذاك تَنْعاب الغرابِ الأسودِ)
(لَا مرْحَبًا بغد وَلَا أَهلا بهِ ... إِن كانَ تفريقُ الأحبةِ فِي غدِ)
(أزفَ الترحُّلُ غيرَ أَن ركابَنا ... لما نزل برحالِنا وَكَأن قد)
(فِي إنرغانية رَمَتك بِسهمها ... فَأصَاب قلْبَكَ غيرَ أَن لم تقصِد)
(بالدُّر والياقوت زُيْنَ نحرُها ... ومُفَصَّلٍ مِن لؤلؤٍ وزبرجَدِ)
(سقط النصيف وَلم ترد إِسْقَاطه ... فتناولته واتَّقتنا باليَدِ)
(بُمخَضَّبٍ رَخْصٍ كَأَن بَنَانَهُ ... عنمٌ على أغصانه لم يُعقَدِ)
(وبفاحِمٍ رَجْلٍ أثيثٍ نَبْتُهُ ... كالكرم مَال على الدِّعام المسَندِ)
(نَظرتْ إليكَ لحَاجةٍ لم تَقضها ... نَظرَ السَّقيم إِلَى وُجوهِ الْعودِ) // الْكَامِل //
وَهِي طَوِيلَة فأنشدها النَّابِغَة مرّة بن سعد القريعي فأنشدها مرّة النُّعْمَان فَامْتَلَأَ غَضبا وأوعد النَّابِغَة وتهدده فهرب فَأتى قومه ثمَّ شخص إِلَى مُلُوك غَسَّان بِالشَّام فامتدحهم
وَقد اعْترض الْأَصْمَعِي على الْبَيْت الْأَخير من هَذِه الأبيات فَقَالَ أما تشبيهه مرض الطّرف فَحسن إِلَّا أَنه هجنه بِذكر الْعلَّة وتشبيهه الْمَرْأَة بالعليل
(1/335)

وَأحسن مِنْهُ قَول عدي بن الرّقاع العاملي
(وَكَأَنَّهَا بَين النِّساءِ أَعارَها ... عَينيهِ أحْوَر مِنْ جآذِر جاسم)
(وسْنانُ أقْصدهُ النُّعاسُ فرنقت ... فِي عَيْنَيْهِ سِنَةٌ ولَيسَ بِنائم) // الْكَامِل //
وَأما قَوْله سقط النصيف الْبَيْت فيروى أَن عبد الْملك بن مَرْوَان قَالَ يَوْمًا لجلسائه أتعلمون أَن النَّابِغَة كَانَ مخنثاً قَالُوا وَكَيف ذَلِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أَو مَا سَمِعْتُمْ قَوْله يَعْنِي هَذَا الْبَيْت وَالله مَا عرف هَذِه الْإِشَارَة إِلَّا مخنث
وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى أَبُو حَيَّة النميري فَقَالَ
(فألقتْ قناعاً دُونهُ الشَّمسُ واتقتْ ... بأحْسن مَوْصولين كفٍّ ومِعصمِ) // الطَّوِيل //
ثمَّ أَخذه الشماخ فَقَالَ
(إذَا مَرَّ مَنْ تخشى اتَّقته بِكفها ... وَسِبٍّ بنضْحِ الزَّعفران مُضرَّج) // الطَّوِيل //
وأظرف مَا يعرف من هَذَا الْمَعْنى مَا أنْشدهُ القَاضِي التنوخي لنَفسِهِ
(لم أنسَ شمسَ الضُّحى تُطالعني ... وَنحنُ فِي رَوضةٍ على فَرقِ)
(وَجفنُ عَيني بِمائهِ شَرِقٌ ... وَقدْ بَدَت فِي مُعصفرٍ شرِق)
(كَأَنَّهُ دَمعتي وَوجنتها ... حِين رَمتنا العيونُ بِالحدقِ)
(ثمَّ تَغطَّتْ بِكمها خَجلاً ... كالشمسِ غابتْ فِي حمرَة الشَّفق) // المنسرح //
رَجَعَ إِلَى أَخْبَار النَّابِغَة
عَن الْمفضل أَن مرّة الَّذِي وشى بالنابغة كَانَ لَهُ سيف قَاطع يُقَال لَهُ ذُو الريقة من كَثْرَة فرنده وجودته فَذكره النَّابِغَة للنعمان فاضطغن من ذَلِك مرّة حَتَّى وشى بِهِ إِلَى النُّعْمَان وحرضه عَلَيْهِ
وَقيل إِن الَّذِي من أَجله هرب النَّابِغَة من النُّعْمَان أَنه كَانَ هُوَ والمنخل بن عبيد ابْن عَامر الْيَشْكُرِي جالسين عِنْده وَكَانَ النُّعْمَان دميماً أبرش قَبِيح المنظر وَكَانَ
(1/336)

المنخل من أجمل الْعَرَب وَكَانَ يَرْمِي بالمتجردة زَوْجَة النُّعْمَان وتتحدث الْعَرَب أَن ابنى النُّعْمَان مِنْهَا كَانَا من المنخل فَقَالَ النُّعْمَان للنابغة يَا أَبَا أُمَامَة صف المتجردة فِي شعرك فَقَالَ قصيدته هَذِه وَوصف فِيهَا بَطنهَا وروادفها وفرجها فلحق المنخل من ذَلِك غيرةٌ فَقَالَ للنعمان مَا يَسْتَطِيع أَن يَقُول هَذَا الشّعْر إِلَّا من جرب فوقر ذَلِك فِي نفس النُّعْمَان وَبلغ النَّابِغَة فخافه فهرب فَصَارَ إِلَى غَسَّان فَنزل بِعَمْرو بن الْحَارِث الْأَصْغَر ومدحه ومدح أَخَاهُ النُّعْمَان وَلم يزل مُقيما مَعَ عَمْرو حَتَّى مَاتَ وَملك أَخُوهُ النُّعْمَان فَصَارَ مَعَه إِلَى أَن استعطفه النُّعْمَان فَعَاد إِلَيْهِ
وَعَن أبي بكر الْهُذلِيّ قَالَ قَالَ حسان بن ثَابت رَضِي الله عَنهُ قدمت على النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَقد امتدحته فَأتيت حَاجِبه عِصَام بن شهير فَجَلَست إِلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي أرى عَرَبيا أَفَمَن الْحجاز أَنْت قلت نعم قَالَ فَكُن قحطانياً قلت فَإِنِّي قحطاني قَالَ فَكُن يثربياً قلت فَإِنِّي يثربي قَالَ فَكُن خزرجياً قلت فَإِنِّي خزرجي قَالَ فَكُن حسان بن ثَابت قلت فَأَنا هُوَ قَالَ أجئت بمدحة الْملك قلت نعم قَالَ فَإِنِّي سأرشدك إِذا دخلت عَلَيْهِ فَإِنَّهُ سيسألك عَن جبلة بن الْأَيْهَم ويسبه فإياك أَن تساعده على ذَلِك وَلَكِن أمرر ذكره إمراراً لَا توَافق فِيهِ وَلَا تخَالف وَقل مَا دُخُول مثلي أَيهَا الْملك بَيْنك وَبَين جبلة وَهُوَ مِنْك وَأَنت مِنْهُ فَإِن دعَاك إِلَى الطَّعَام فَلَا تواكله فَإِن أقسم عَلَيْك فأصب مِنْهُ الْيَسِير إِصَابَة مبر قسمه متشرف بمواكلته لَا أكل جَائِع سغب وَلَا تبدأه بأخبار عَن شَيْء حَتَّى يكون هُوَ السَّائِل لَك وَلَا تطل الْإِقَامَة فِي مَجْلِسه فَقلت أحسن الله رفدك قد أوصيت واعياً وَدخل ثمَّ خرج إِلَيّ فَقَالَ ادخل فَدخلت وحييت بِتَحِيَّة الْملك فجاراني فِي أَمر جبلة مَا قَالَه لي عِصَام كَأَنَّهُ كَانَ حَاضرا فأجبت بِمَا أَمرنِي ثمَّ استأذنته فِي الإنشاد فَأذن لي فَأَنْشَدته ثمَّ دَعَا بِالطَّعَامِ فَفعلت مثل ذَلِك فَأمر لي بجائزة سنية وَخرجت فَقَالَ لي عِصَام بقيت عَلَيْك وَاحِدَة لم أوصك بهَا بَلغنِي أَن النَّابِغَة الذبياني
(1/337)

(وَرَنَّة تَحت غنة قدرتْ ... من هَالك الرَّاء ذامر الألفِ)
(كَأَن فِي فِيهِ لقْمَة عقلت ... لِسَانه فالتوى على حنفِ)
(محركٌ رأسَهُ توهمهْ ... قدْ قامَ من عطسة على شرف) // المنسرح //
وَهُوَ بليغ التَّشْبِيه فِي مَعْنَاهُ
وَأنْشد البحتري شَيْئا من شعر أبي سهل بن نوبخت فَجعل يُحَرك رَأسه فَقيل لَهُ مَا تَقول فِيهِ فَقَالَ هُوَ يشبه مضغ المَاء لَيْسَ لَهُ طعم وَلَا معنى
وَقد نظمت هَذَا لغَرَض عرض لي فَقلت
(ربّ خُذ للشعر من زُمَرِ ... أسمعونا مِنْهُ مَا أضني)
(مثلُ طعم المَاء لَيْسَ لَهُ ... فِي فمٍ طعمٌ وَلَا معنى) // المديد //
وَرَأَيْت بعد ذَلِك بَيْتا آخر فِي الْمَعْنى وَهُوَ
(حَدِيث مثلْ لعق المَاء بحتاً ... وَلَيْسَ للعق بحت المَاء طعم) // الوافر //
والبحت بِالْمُثَنَّاةِ فَوق الصّرْف
وَذكرت بِأَبْيَات البحتري فِي الحبسة مَا نظمته قَدِيما وَهُوَ
(إِن قالَ شعرًا خلته ... علكاً قَوِيا يعلك)
(وإنَ شدا فصوتهُ ... صَوت دَجَاج يمسك) // الرجز //
واجتازت جاريةٌ بالمتوكل مَعهَا كوز مَاء وَهِي أحسن من الْقَمَر فَقَالَ مَا اسْمك قَالَت برهَان قَالَ وَلمن هَذَا المَاء قَالَت لستي قبيحة قَالَ صَبِيه فِي حلقي فشربه عَن آخِره ثمَّ قَالَ للبحتري قل فِي هَذَا شَيْئا فَقَالَ
(مَا قهوةٌ من رحيق كأسها ذهبٌ ... جَاءَت بهَا الْحور من جنَّات رضوانِ)
(يَوْمًا بأطيب من مَاء بِلَا عطشٍ ... شربته عَبَثا من كف برهانِ) // الْبَسِيط //
(1/338)

قادم عَلَيْهِ وَإِذا قدم عَلَيْهِ فَلَيْسَ لأحد مِنْهُ حَظّ سواهُ فَاسْتَأْذن حِينَئِذٍ وَانْصَرف مكرماً خير من أَن تَنْصَرِف مجفوا قَالَ فأقمت بِبَابِهِ شهرا ثمَّ قدم عَلَيْهِ خَارِجَة ابْن سِنَان ومنظور بن زبان الفزاريان وَكَانَ بَينهمَا وَبَين النُّعْمَان دخلل أَي خَاصَّة وَكَانَ مَعَهُمَا النَّابِغَة قد استجار بهما وسألهما مسالة النُّعْمَان أَن يرضى عَنهُ فَضرب عَلَيْهِمَا قبَّة وَلم يشْعر أَن النَّابِغَة مَعَهُمَا فَدس النَّابِغَة قينة تغنية بِشعرِهِ
(يَا دارمية بالْعلياء فالسَّندِ ... )
فَلَمَّا سمع الشّعْر قَالَ أقسم بِاللَّه إِنَّه لشعر النَّابِغَة وَسَأَلَ عَنهُ فَأخْبر أَنه مَعَ الفزاريين وَكَلَّمَاهُ فِيهِ فَأَمنهُ ثمَّ خرج فِي غب سَمَاء فعارضه الفزاريان والنابغة بَينهمَا قد خضب بحناء وأقنى خضابه فَلَمَّا رَآهُ النُّعْمَان قَالَ هِيَ بِدَم كَانَت أَحْرَى أَن تخضب فَقَالَ الفزاريان أَبيت اللَّعْن لَا تَثْرِيب قد أجرناه وَالْعَفو أجمل قَالَ فَأَمنهُ واستنشده أشعاره فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ حسان بن ثَابت فحسدته على ثَلَاث لَا أَدْرِي على أيتهن كنت أَشد لَهُ حسداً على إدناء النُّعْمَان لَهُ بعد المباعدة ومسايرته لَهُ وإصغائه إِلَيْهِ أم على جودة شعره أم على مائَة بعير من عصافيره أَمر لَهُ بهَا
قَالَ وَكَانَ النَّابِغَة يَأْكُل وَيشْرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة من عطايا النُّعْمَان وَأَبِيهِ وجده لَا يسْتَعْمل غير ذَلِك
وَقيل إِن السَّبَب فِي رُجُوع النَّابِغَة إِلَيْهِ بعد هربه مِنْهُ أَنه بلغه أَنه عليل لَا يُرْجَى فأقلقه ذَلِك وَلم يملك الصَّبْر على الْبعد عَنهُ مَعَ علته وَمَا خافه عَلَيْهِ وأشفق من حُدُوثه بِهِ فَصَارَ إِلَيْهِ فألفاه مَحْمُولا على سَرِير ينْقل مَا بَين الْعمرَان وقصور الْحيرَة فَقَالَ لعصام حَاجِبه
(1/338)

(ألم أقسمْ عَليكَ لَتخبرنِّي ... أمحمولٌ على النَّعش الهمامُ)
(فإِني لاَ ألامُ على دُخولي ... وَلكنْ مَا وَراءكَ يَا عِصامُ)
(فإِنْ يَهلكْ أَبو قابوسَ يَهلك ... رَبيعُ النَّاسِ والشَّهرُ الحَرامُ)
(ونُمْسِكْ بَعدُه بذناب عَيش ... أجْبِّ الظَّهرِ لَيسُ لهُ سَنامُ) // الوافر //
وَمَات النَّابِغَة الذبياني على جاهليته وَلم يدْرك الْإِسْلَام
63 - (أنَا ابْنَ جَلاَ ... ... . ... ) هُوَ أول بَيت لسحيم بن وثيل الريَاحي وَلَفظه
(أَنا ابنُ جلا وطلاع الثنايا ... مَتى أَضَع الْعِمَامَة تَعرفونِي)
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة من الوافر أَولهَا
(أفاطِمَ قبل بَيْنك متعيني ... ومنعُكِ مَا سألتُ كَأَن تبيني) // الوافر //
يَقُول فِيهَا أَيْضا
(فإنَّ عُلالتي وجرَاء حَولي ... لذُو شقّ عَلى الضَّرع الظَّنونِ)
(أَنا ابنُ الغرّ من سلفي رياحٍ ... كنصلِ السيفِ وضاح الجبين) // الوافر //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(وإنَّ مكانَنا من حِميرِيّ ... مكانُ الليثِ من وَسطِ العرينِ)
(1/339)

(وإِن قَناتنا مَشِظٌ شَظاها ... شديدٌ مدّها عنقَ القرِين)
(وَإِنِّي لَا يعودُ إليَّ قِرني ... غداةَ الغبِّ إِلَّا فِي قَرين)
(بِذِي لِبَدٍ يَصُدُّ الرَّكبَ عنهُ ... وَلَا تُؤتي فريستهُ لحينِ)
(عذرت البُزلَ إِذْ هيَ صاوَلتني ... فَمَا بالي وبالُ ابنْي لَبون)
(وماذا يَبْتَغِي الشعراءُ مني ... وَقد جاوزتُ حدَّ الْأَرْبَعين)
(أَخو الْخمسين مجتمعٌ أشِدّي ... ونَجَّذَنِي مُداوَرَةُ الشؤونِ)
(سأجني مَا جنيتُ وإنَّ ظَهْري ... لذُو سندٍ إِلَى نضد أَمِين) // الوافر //
وَكَانَ السَّبَب فِي قَوْله هَذِه الأبيات أَن رجلا أَتَى الأبيرد الريَاحي وَابْن عَمه الْأَحْوَص وهما من ردف الْمُلُوك من بني ريَاح يطْلب مِنْهُمَا قطراناً لإبله فَقَالَا لَهُ إِن أَنْت أبلغت سحيم بن وثيل الريَاحي هَذَا الشّعْر أعطيناك قطراناً فَقَالَ قولا فَقَالَا اذْهَبْ فَقل لَهُ
(1/340)

(فَإِن بُداهتي وجراءَ حَولي ... لذُو شقّ على الحطمِ الحَرُون)
فَلَمَّا أَتَاهُ وأنشده الشّعْر أَخذ عَصَاهُ وَانْحَدَرَ فِي الْوَادي يقبل فِيهِ وَيُدبر ويهمهم بالشعر ثمَّ قَالَ اذْهَبْ فَقل لَهما وَأنْشد الأبيات قَالَ فَأتيَاهُ فاعتذرا فَقَالَ إِن أحد كَمَا لَا يرى أَنه صنع شَيْئا حَتَّى يقيس شعره بشعرنا وحسبه بحسبنا ويستطيف بِنَا استطافة الْمهْر الأزب فَقَالَا لَهُ فَهَل إِلَى النزع من سَبِيل فَقَالَ إِنَّا لم نبلغ أنسابنا
وَذكر ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشّعْر وَالشعرَاء مطلع هَذِه القصيدة فِي أَبْيَات أخر ونسبها للمثقب الْعَبْدي وَقَالَ لَو كَانَ الشّعْر كُله على هَذِه القصيدة لوَجَبَ على النَّاس أَن يتعلموه وَصُورَة مَا أوردهُ ابْن قُتَيْبَة
(أفاطمَ قبلَ بَيْنك متعيني ... ومنعك مَا سَأَلت كَأَن تبيني)
(وَلا تُبدي مواعدَ كاذبات ... تمرُّ بهَا رياحُ الصيفِ دوني)
(فَإِنِّي لَو تُخالفني شِمالي ... بنصرٍ لم تصاحبْها يَمِيني)
(إِذاً لقطعتُها ولقلتُ بيني ... كَذَلِك أجتوِي من يجتوِيني)
(فإِما أَن تكون احي بِحَق ... فأعرف مِنْك غثِّي مِن سَميني)
(وَإِلَّا فاطرحني واتركنني ... عدوا أتقيك وتتقيني)
(1/341)

(وَما أَدْرِي إِذا يمَّمت أَرضًا ... أُرِيد الْخَيْر أيُّهما يليني)
(أألخير الَّذِي أَنا أبتغيه ... أم الشرُّ الَّذِي هُوَ يبتغيني)
والأبيات الْمَارَّة تقَوِّي أَنَّهَا لسحيم الْمَذْكُور فَلَعَلَّ اتِّفَاقهمَا فِي المطلع من بَاب توارد الخواطر وَالله أعلم
وجلا هُنَا غير منون لِأَنَّهُ أَرَادَ الْفِعْل فحكاه مُقَدرا فِيهِ الضَّمِير الَّذِي هُوَ فَاعل وَالْفِعْل إِذا سمي بِهِ غير منتزع عَنهُ الْفَاعِل لم يكن إِلَّا حِكَايَة كَقَوْل تأبط شرا
(كَذبْتُمْ وبيتِ الله لَا تأخذونها ... بني شابَ قرناها تُصَرُّ وتحلب) // الطَّوِيل //
وكقول الشَّاعِر
(وَالله مَا زيدٌ ينَام صاحبهْ ... وَلَا مخالطِ النيام جَانِبه) // الرجز //
وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنا ابْن الَّذِي جلا وَبني الَّتِي يُقَال لَهَا شَاب قرناها وَوَاللَّه مَا زيد بِالَّذِي يُقَال فِيهِ نَام صَاحبه
وَابْن جلا يُقَال للرجل الْمَشْهُور أَي ابْن رجل قد انْكَشَفَ أمره أَو جلا الْأُمُور أَي كشفها والثنايا جمع ثنية وَهِي الْعقبَة يُقَال فلَان طلاع الثنايا أَي ركاب لصعاب الْأُمُور
وَالشَّاهِد فِيهِ إيجاز الْحَذف والمحذوف مَوْصُوف وَهُوَ هُنَا رجل من قَوْله أَنا ابْن جلا
وَهَذَا الْبَيْت تمثل بِهِ الْحجَّاج على مِنْبَر الْكُوفَة حِين دَخلهَا أَمِيرا حدث
(1/342)

عبد الْملك بن عُمَيْر اللَّيْثِيّ قَالَ بَيْنَمَا نَحن بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع بِالْكُوفَةِ وَأهل الْكُوفَة يَوْمئِذٍ ذَوُو حَالَة حَسَنَة يخرج الرجل مِنْهُم فِي الْعشْرَة وَالْعِشْرين من موَالِيه إِذْ أَتَانَا آتٍ فَقَالَ هَذَا الْحجَّاج قدم أَمِيرا على الْعرَاق وَإِذا بِهِ قد دخل الْمَسْجِد معتماً بعمامة قد غطى بهَا أَكثر وَجهه مُتَقَلِّدًا سَيْفا متنكباً قوساً يؤم الْمِنْبَر فَمَال النَّاس نَحوه حَتَّى صعد الْمِنْبَر فَمَكثَ سَاعَة لَا يتَكَلَّم فَقَالَ بعض النَّاس لبَعض قبح الله بني أُميَّة كَيفَ تسْتَعْمل مثل هَذَا على الْعرَاق حَتَّى قَالَ عُمَيْر بن ضابئ البرجمي أَلا أحصبه لكم فَقَالُوا أمْهل حَتَّى نَنْظُر فَلَمَّا رأى الْحجَّاج أعين النَّاس تَدور إِلَيْهِ حسر اللثام عَن وَجهه ونهض فَقَالَ أَنا ابْن جلا وَأنْشد الْبَيْت وَقَالَ يَا أهل الْكُوفَة إِنِّي لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وَإِنِّي لصَاحِبهَا وَكَأَنِّي أنظر إِلَى الدِّمَاء بَين العمائم واللحى
(هَذَا أَوان الشَّد فاشتدِّي زِيَمْ ... قد لفها اللَّيْل بسواق حُطَمْ)
(لَيْسَ براعي إبل وَلَا غنم ... وَلَا بجزَّار على ظهر وَضَمْ)
ثمَّ قَالَ
(قد لفَّا اللَّيْل بعصلبيِّ ... أروعَ خرَّاج من الدَّوِّيِّ)
(مُهاجر لَيْسَ بأعرابي ... معاودٍ لِلطَّعْنِ بالخطىّ)
ثمَّ قَالَ أَيْضا
(قد شمرت عَن سَاقيهَا فشدّوا ... وجَدَّتِ الْحَرْب بكم فجدّوا)
(والقوس فِيهَا وترٌ عُرُدٌّ ... مثل ذِرَاع الْبكر أَو أشدُّ)
إِنِّي وَالله يَا أهل الْعرَاق لَا يقعقع لي بالشنان وَلَا يغمر جَانِبي كتغماز التنين
(1/343)

وَلَقَد فَرَرْت عَن ذكاء وفتشت عَن تجربة وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ نثل كِنَانَته بَين يَدَيْهِ فعجم عيدانها عوداً عوداً فرآني أمرهَا عوداً وأصلبها مكسراً وأبعدها مرمى فرماكم بِي لأنكم طالما أوضعتم فِي الْفِتْنَة واضطجعتم فِي مراقد الضلال وَالله لأحزمنكم حزم السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الْإِبِل فَإِنَّكُم لكأهل قَرْيَة كَانَت آمِنَة مطمئنة يَأْتِيهَا رزقها رغداً من كل مَكَان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف بِمَا كَانُوا يصنعون وَإِنِّي وَالله مَا أَقُول إِلَّا وفيت وَلَا أهم إِلَّا أمضيت وَلَا أخلق إِلَّا فريت وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمرنِي بإعطائكم أعطياتكم وَأَن أجهزكم إِلَى عَدوكُمْ مَعَ الْمُهلب بن أبي صفرَة وَإِنِّي أقسم بِاللَّه لَا أجد رجلا تخلف بعد أَخذ عطائه ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا ضربت عُنُقه يَا غُلَام اقْرَأ عَلَيْهِم كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَرَأَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من عبد الله عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى من بِالْكُوفَةِ من الْمُسلمين سَلام عَلَيْكُم فَلم يقل أحد مِنْهُم شَيْئا فَقَالَ الْحجَّاج اكفف يَا غُلَام ثمَّ أقبل عَليّ النَّاس فَقَالَ أيسلم عَلَيْكُم أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلم تردوا عَلَيْهِ شَيْئا هَذَا أدب ابْن سميَّة أما وَالله لأؤدبنكم غير هَذَا الْأَدَب أَو لتستقيمن
(1/344)

اقْرَأ يَا غُلَام كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَمَّا بلغ إِلَى قَوْله سَلام عَلَيْكُم لم يبْق فِي الْمَسْجِد أحد إِلَّا قَالَ وعَلى أَمِير الْمُؤمنِينَ السَّلَام ثمَّ نزل فَوضع للنَّاس أعطياتهم فَجعلُوا يأخذونها حَتَّى أَتَاهُ شيخ يرعش كبرا فَقَالَ أَيهَا الْأَمِير إِنِّي من الضعْف على مَا ترى ولي ابْن هُوَ أقوى على الْأَسْفَار مني أفتقبله مني بَدَلا فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج نَفْعل أَيهَا الشَّيْخ فَلَمَّا ولي قَالَ لَهُ قَائِل أَتَدْرِي من هَذَا أَيهَا الْأَمِير قَالَ لَا قَالَ هَذَا عُمَيْر بن ضابئ البرجمي الَّذِي يَقُول أَبوهُ
(هَمَمْت وَلم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عُثْمَان تبْكي حلائُلهْ)
وَدخل هَذَا الشَّيْخ على عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ يَوْم الدَّار وَهُوَ مقتول فوطئ بَطْنه وَكسر ضلعين من أضلاعه وَهُوَ يَقُول أَيْن تركت ضابئاً يَا نعثل فَقَالَ ردُّوهُ فَلَمَّا ردُّوهُ قَالَ لَهُ الْحجَّاج أَيهَا الشَّيْخ هلا بعثت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بَدَلا يَوْم الدَّار إِن فِي قَتلك لصلاحاً للْمُسلمين يَا حرسي اضْرِب عُنُقه فَسمع الْحجَّاج ضوضاء فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا هَذِه البراجم جَاءَت لتنصر عُمَيْرًا فِيمَا ذكرت فَقَالَ أتحفوهم بِرَأْسِهِ فَرَمَوْهُمْ بِرَأْسِهِ فَوَلوا هاربين وَجعل الرجل يضيق عَلَيْهِ أمره فيرتحل وَيَأْمُر وليه أَن يلْحقهُ بزاده وازدحم النَّاس على الجسر للعبور إِلَى الْمُهلب بن أبي صفرَة وَفِي ذَلِك يَقُول عبد الله بن الزبير الْأَسدي
(أقولُ لإِبْرَاهِيم لما رأيتهُ ... أرى الْأَمر أَمْسَى داهياً متشعباً)
(تخير فإمَّا أَن تزور ابْن ضابئ ... عُمَيْرًا وَإِمَّا أَن تزور المهلبا)
(1/345)

(هما خطتا خسف نجاؤكَ مِنْهُمَا ... ركوبك حولياً من الثَّلج أشهبَا)
(فَأضحى وَلَو كانتْ خراسانُ دونهُ ... رَآهَا مَكَان السُّوق أَو هِيَ أقربا) // الطَّوِيل //
64 - (وإنّ صخراً لتأتمّ الهداةُ بهِ ... كَأَنَّهُ علم فِي رَأسه نارُ)
الْبَيْت للخنساء من مرثية فِي أَخِيهَا صَخْر وَهِي قصيدة من الْبَسِيط أَولهَا
(قذًى بعينكِ أم بِالْعينِ عُوَّارُ ... أم ذرّفت إِذْ خلتْ من أَهلهَا الدارُ)
(كأنَّ عَيْني لذكراهُ إِذا خطرَتْ ... فيضٌ يسيل على الخَدين مدرارُ)
(تبْكي خناسُ على صَخْر وحُق لَهَا ... إِذْ رأبها الدهرُ إنَّ الدَّهْر ضرِّارُ)
(تبْكي لصخر هِيَ العبرى وَقد ثكلت ... ودونهُ من جَدِيد الترب أستارُ)
(لَا بدّ من ميتةٍ فِي صرفهَا غيرٌ ... والدهرُ فِي صرفهِ حولٌ وأطوارُ)
(يَا صخرُ وَارد مَاء قدْ تنَاذرهُ ... أهلُ المواردِ مَا فِي وِردِهِ عارُ)
(مَشى السبنتيَ إِلَى هيجاء معضلة ... لهُ سِلاحان أَنْيَاب وأظفار)
(فَمَا عجول على بوٍّ تُطيفُ بهِ ... لهَا حَنينانِ إصغار وإكبَارُ)
(ترْعى إِذا نَسِيت حَتَّى إِذا ذكرتْ ... فَإِنَّمَا هِيَ إقبال وَإِدبارُ)
(1/346)

(لَا تسمنُ الدهرَ فِي أَرض وَإِن ربعت ... فَإِنَّمَا هِيَ تَحْنَان وتسجارُ)
(يَوْمًا بأوجدَ مني حينَ فارَقني ... صَخْر وللدهر إحلاء وإمرار)
(وإنّ صَخراً لوالينا وسيدُنا ... وإِنَّ صَخراً إِذا نشتو لنحَّارُ) // الْبَسِيط //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(لمْ ترَهُ جَارة يمشي بساحتها ... لريبةِ حينَ يُخلِي بيتَهُ الجارُ)
(وَلا ترَاهُ وَمَا فِي الْبَيْت يأكلهُ ... لكنهُ بارز بالصحن مِهمَارُ)
(مِثلُ الرديني لم تنفذ شبيبتهُ ... كَأَنَّهُ تحتَ طيِّ البرْدِ أسوارُ)
(فِي جَوف رمسٍ مُقيم قدْ تضمنهُ ... فيِ رمسهِ مقمَطرَّات وأحجار)
(طلق الْيَدَيْنِ بفعلِ الْخَيْر ذُو فجر ... ضخم الدسيعة بالخيرات أمار) // الْبَسِيط //
وَالْعلم الْجَبَل الطَّوِيل وَقيل هُوَ عَام فِي كل جبل
وَالشَّاهِد فِيهِ زِيَادَة الْمُبَالغَة فِي الإيغال وَهُوَ قَوْلهَا فِي رَأسه نَار
(1/347)

فَإِن قَوْلهَا علم واف بِالْمَقْصُودِ وَهُوَ تَشْبِيه بِمَا هُوَ مَعْرُوف بالهداية لَكِنَّهَا أَتَت بالتتمة إيغالاً وَزِيَادَة للْمُبَالَغَة
وَقد ضمن عز الدّين الْموصِلِي عجز الْبَيْت فِي سامري اسْمه نجم فَقَالَ
(وسامريّ أعارَ البدرَ فضلَ سنَا ... سَمَّوْهُ نجماً وذاكَ النجْمُ غَرَّارُ)
(تهتز قامَتهُ من تَحت عِمتهِ ... كَأَنَّهُ علم فِي رَأسه نَار) // الْبَسِيط //
والخنساء اسْمهَا تماضر بنت عَمْرو بن الْحَارِث بن الشريد يَنْتَهِي نَسَبهَا لمضر والخنساء لقب غلب عَلَيْهَا وفيهَا يَقُول دُرَيْد بن الصمَّة وَكَانَ خطبهَا فَردته وَكَانَ رَآهَا تهنأ بَعِيرًا
(حيُّوا تماضرَ وارْبَعُوا صحبي ... وقفُوا فإِنّ وقوفكم حسبي)
(أخُنَاسُ قد هامَ الفؤادُ بكم ... وأصابه تَبلٌ من الْحبّ)
(مَا إِنْ رأيتُ وَلَا سمعتُ بهِ ... كَالْيَوْمِ طالي أنيق جُرْبِ)
(متبذلاً تبدو مَحاسنهُ ... يضعُ الهناء مَوَاضِع النقب) // الْكَامِل //
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَمُحَمّد بن سَلام لما خطبهَا دُرَيْد بعثت خَادِمًا لَهَا وَقَالَت انظري إِلَيْهِ إِذا بَال فَإِن كَانَ بَوْله يخرق الأَرْض ويخد فِيهَا فَفِيهِ بَقِيَّة وَإِن كَانَ بَوْله يسيح على الأَرْض فَلَا بَقِيَّة فِيهِ فَرَجَعت إِلَيْهَا وأخبرتها أَن بَوْله ساح على وَجه الأَرْض فَقَالَت لَا بَقِيَّة فِي هَذَا وَأرْسلت إِلَيْهِ مَا كنت لأدع
(1/348)

بني عمي وهم مثل عوالي الرماح وأتزوج شَيخا فَقَالَ
(وقاكِ اللهُ يَا ابْنة آل عَمْرو ... منَ الفتيَان أشبَاهي وَنفسي)
(وقالَتْ إِنَّنِي شيخٌ كبيرٌ ... ومَا نبأتها أَنِّي ابنُ أمس)
(فَلَا تلدي وَلَا ينكحك مِثلي ... إذَا مَا ليلةٌ طرفت بنخس)
(تُرِيدُ شَرّ نبث الْقَدَمَيْنِ شَثناً ... يبَاشرُ بالعشية كل كرسِ) // الوافر //
فَقَالَت الخنساء
(مُعَاذَ الله ينكحني حَبَرْكَى ... يقَال أَبوهُ منْ جُشَم بن بكرِ)
(ولوْ أصبحتُ فِي جُشم هديّا ... إِذَا أصبحتُ فِي دنس وفقر) // الوافر //
وَكَانَت الخنساء فِي أول أمرهَا تَقول الْبَيْتَيْنِ وَالثَّلَاثَة حَتَّى قتل أَخَوَاهَا مُعَاوِيَة وصخر وَكَانَ صَخْر أخاها لأَبِيهَا وَكَانَ أحبهما إِلَيْهَا لِأَنَّهُ كَانَ حَلِيمًا جواداً محبوباً فِي الْعَشِيرَة
وَكَانَ من حَدِيث قَتله مَا ذكره أَبُو عُبَيْدَة قَالَ غزا صَخْر بن عَمْرو وَأنس ابْن عَبَّاس الرعلي بني أَسد بن خُزَيْمَة فَأَصَابُوا غَنَائِم وسبياً وَأخذ صَخْر يَوْمئِذٍ بديلة امْرَأَة من بني أَسد وأصابته يَوْمئِذٍ طعنة طعنة بهَا رجل يُقَال لَهُ ربيعَة بن ثَوْر ويكنى أَبَا ثَوْر فَأدْخل جَوْفه حلقا من الدرْع فاندمل عَلَيْهِ حَتَّى شقّ عَلَيْهِ بعد سِنِين وَكَانَ ذَلِك سَبَب مَوته وروى أَن صخرا مرض من تِلْكَ الطعنة قَرِيبا من حول
(1/349)

حَتَّى مله أَهله فَسمع صخرا امْرَأَة تسْأَل سلمى امْرَأَته كَيفَ بعلك فَقَالَت لَا حيٌ فيرجى وَلَا ميت فيسلى وَقد لَقينَا مِنْهُ الْأَمريْنِ فَقَالَ صَخْر فِي ذَلِك
(أَرى أمَّ صخرٍ لَا تمَلُّ عيادتي ... ومَلَّتْ سُلَيمى مِضْجَعي ومَكاني)
(وَما كنتُ أخشَى أَن أكونَ جَنَازَة ... عليكِ وَمن يَغترُّ بالحَدَثان)
(أهُمُّ بِأَمْر الحزم لَو أستطيعه ... وَقد حيلَ بينَ العْيرِ والنَّزَوان)
(لعمري بقد نَبُهْتَ من كَانَ نَائِما ... وأسمعت من كَانَت لَهُ أذُنان)
(وللموتُ خيرٌ من حَيَاة كَأَنَّهَا ... محلّة يَعسوبٍ بِرَأْس سِنان)
(وأيُّ امْرِئ سَاوَى بأمٍّ حَلِيلَة ... فَلَا عَاشَ إِلَّا فِي شقا وهوان) // الطَّوِيل //
وَزعم قوم أَن الَّتِي قَالَت هَذِه الْمقَالة بديلة الأَسدِية الَّتِي كَانَ سباها من بني أَسد واتخذها لنَفسِهِ وَأنْشد مَكَان الْبَيْت الأول
(أَلا تلكُمُ عرسي بديلةُ أوْجَسَتْ ... فراقي وملت مضجعي ومكاني)

قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فَمَا طَال عَلَيْهِ الْبلَاء وَقد نتأت قِطْعَة مثل الْيَد فِي جنبه من مَوضِع الطعنة فتدلت وَاسْتَرْخَتْ قَالُوا لَهُ لَو قطعتها لرجونا أَن تَبرأ فَقَالَ شَأْنكُمْ وَهِي فأشفق عَلَيْهِ بَعضهم فنهاهم فَأبى صَخْر وَقَالَ الْمَوْت أَهْون على مِمَّا أَنا فِيهِ فأحموا لَهُ شفرة ثمَّ قطعوها فيئس من نَفسه قَالَ وَسمع صَخْر أُخْته الخنساء وَهِي تَقول كَيفَ كَانَ صبره فَقَالَ صَخْر فِي ذَلِك
(أجارتنا إِن الخطوب تنوب ... على النَّاس كلِّ المخطئين تُصيبُ)
(1/350)

(فَإِن تسأليني هَل صَبرتُ فإنني ... صبورٌ على ريب الزَّمَان أريبُ)
(كَأَنِّي وَقد أدْنَوْا إلىَّ شِفارهم ... من الصَّبْر دامي الصفحتين ركُوب)
(أجارتنا لستُ الغداةَ بظاعنٍ ... وَلَكِن مقيمٌ مَا أَقَامَ عسيب) // الطَّوِيل //
فَمَاتَ فَدفن هُنَاكَ فقبره قريب من عسيب وَهُوَ جبل بِأَرْض بني سليم إِلَى جنب الْمَدِينَة المنورة
وروى أَنه لما طعن وَدخلت حلق الدرْع فِي جَوْفه ضجر مِنْهَا زَمَانا وَبعث إِلَى ربيعَة الْأَسدي الَّذِي طعنه إِنَّك أخذت خلقا من دِرْعِي بسنانك فَقَالَ لَهُ ربيعَة اطلبها فِي جوفك فَكَانَ ينفث الدَّم وَتلك الْحلق مَعَه فملته امْرَأَته وَكَانَ يكرمها ويعينها على أَهله فَمر بهَا رجل وَهِي قَائِمَة وَكَانَت ذَات كفل وأوراك فَقَالَ لَهَا أيباع هَذَا الكفل فَقَالَت عَمَّا قَلِيل وصخر يسمع ذَلِك فَقَالَ لَئِن اسْتَطَعْت لأقدمنك أَمَامِي ثمَّ قَالَ لَهَا ناوليني السَّيْف أنظر هَل تقله يَدي فَدَفَعته إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ لَا يقلهُ فَعندهَا أنْشد الأبيات السَّابِقَة ثمَّ لم يلبث أَن مَاتَ وَكَانَ أَخُوهُ مُعَاوِيَة قد قتل قبله ورثته الخنساء أَيْضا وَكَانَ صَخْر قد أَخذ بثأره وَقتل قَاتله
ثمَّ لما كَانَت وقْعَة بدر وَقتل عتبَة وَشَيْبَة ابْنا ربيعَة والوليد بن عتبَة أَقبلت هِنْد بنت عتبَة ترثيهم وَبَلغهَا تسويم الخنساء هودجها فِي الْمَوْسِم ومعاظمتها الْعَرَب بمصيبتها بأبيها وأخويها وَأَنَّهَا جعلت تشهد الْمَوْسِم وتبكيهم وَقد سومت هودجها براية وَأَنَّهَا تَقول أَنا أعظم الْعَرَب مُصِيبَة وَأَن الْعَرَب عرفت ذَلِك لَهَا فَقَالَت هِنْد بل أَنا أعظم الْعَرَب مُصِيبَة فَأمرت بهودجها قسوم براية أَيْضا وَشهِدت الْمَوْسِم بعكاظ وَكَانَت عكاظ سوقاً تَجْتَمِع فِيهِ الْعَرَب فَقَالَت
(1/351)

اقرنوا جملي بجمل الخنساء فَفَعَلُوا فَلَمَّا دنت مِنْهَا قَالَت لَهَا الخنساء من أَنْت يَا أخية قَالَت أَنا هِنْد بنت عتبَة أعظم الْعَرَب مُصِيبَة وَقد بَلغنِي أَنَّك تعاظمين الْعَرَب بمصيبتك فَبِمَ تعاظمينهم قَالَت بِأبي عَمْرو بن الشريد وأخوي صَخْر وَمُعَاوِيَة فَبِمَ تعاظمينهم أَنْت قَالَت بِأبي عتبَة وَعمي شيبَة وَأخي الْوَلِيد قَالَت الخنساء لسواهم عنْدك ثمَّ أنشأت تَقول
(أبكِّى أبي عمْراً بعينٍ غزيرةٍ ... قليلٍ إِذا نَام الخليُّ هُجودهَا)
(وَصِنَويَّ لَا أنسي مُعَاوِيَة الَّذِي ... لَهُ من سَرَاة الحرتين وفودُهَا)
(وصخراً وَمن ذَا مثلُ صَخْر إِذا غَدَا ... بسَلْهَبةِ الآطال قُبٍّ يقودُها)
(فَذلك يَا هِنْدُ الرَّزِيَّةُ فاعلمي ... ونيران حَرْب جين شب وقودها) // الطَّوِيل //
فَقَالَت هِنْد بنت عتبَة تجيبها
(أُبكِّي عَميدَ الأبْطَحينِ كليهمَا ... وحاميَهَا من كل بَاغ يريدُهَا)
(أبي عُتبةُ الْخيرَات ويحَكِ فاعلمي ... وشَيْبةُ والحامي الذمار وليدهَا)
(أُولَئِكَ آل الْمجد من آل غَالب ... وَفِي الْعِزّ مِنْهَا حِين يُنْمي عديدُهَا) // الطَّوِيل //
وَقَالَت الخنساء أَيْضا يَوْمئِذٍ
(من حس لي الْأَخَوَيْنِ كالغصنين أَو من رآهمَا ... )
(1/352)

(قرمين لَا يتظالمان ... وَلَا يُرام حماهُمَا)
(وَيلي على الْأَخَوَيْنِ والقبر ... الَّذِي وارَاهُما)
(لَا مِثلَ كهَلي فِي الكهول ... وَلَا فَتى كفتاهُما)
(رُمْحَيْنِ خطيين فِي ... كبد السَّمَاء سناهُما)
(مَا خَلَّفَا إِذْ ودَّعا ... فِي سؤود شرواهما)
(سَادًّا بغيرِ تَكلُّفٍ ... عَفواً يفِيض نداهما) // من مجزوء الرمل //
وَقد أجمع أهل الْعلم بالشعر أَنه لم تكن امْرَأَة قبلهَا وَلَا بعْدهَا أشعر مِنْهَا
ووفدت على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ قَومهَا من بني سليم فَأسْلمت مَعَهم وَذكروا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يستنشدهما وَيُعْجِبهُ شعرهَا وَكَانَت تنشده وَهُوَ يَقُول هيه يَا خناس ويومئ بِيَدِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَعَن أبي وجرة عَن أَبِيه قَالَ حضرت الخنساء بنت عَمْرو السليمية حَرْب الْقَادِسِيَّة وَمَعَهَا بنوها أَرْبَعَة رجال رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ فَقَالَت لَهُم من أول اللَّيْل يَا بني إِنَّكُم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين وَالله الَّذِي لَا إِلَه غَيره إِنَّكُم لبنو رجلٍ وَاحِد كَمَا أَنكُمْ بَنو امْرَأَة وَاحِدَة مَا خُنْت أَبَاكُم وَلَا فضحت خالكم وَلَا هجنت حسبكم وَلَا غيرت نسبكم وَقد تعلمُونَ مَا أعد الله تَعَالَى للْمُسلمين من الثَّوَاب الجزيل فِي حَرْب الْكَافرين وَاعْلَمُوا أَن الدَّار الْبَاقِيَة خير من الدَّار الفانية لقَوْله عز وَجل {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابطُوا وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون} فَإِذا أَصْبَحْتُم غَدا إِن شَاءَ الله سَالِمين فاغدوا إِلَى قتال عَدوكُمْ مستبصرين وَبِاللَّهِ على أعدائه مستنصرين فَإِذا رَأَيْتُمْ الْحَرْب قد شمرت عَن سَاقهَا واضطرمت لظى مساقها فَتَيَمَّمُوا وطيسها وجالدوا رئيسها عِنْد احتدام خميسها تظفروا بالغنم والكرامة فِي دَار الْخلد والمقامة فَخرج بنوها قابلين لنصحها عازمين على قَوْلهَا فَلَمَّا أَضَاء لَهُم الصُّبْح بَادرُوا مراكزهم وَأَنْشَأَ أَوَّلهمْ يَقُول
(1/353)

(يَا إِخوتي إنَّ العجوزَ الناصحَهْ ... قَدْ نَصحتنا إِذْ دَعَتْنا البارحهْ)
(بِقالةٍ ذَاتِ بَيانٍ وَاضحهْ ... فَباكُروا الحَربَ الضَّرُوس الكالحهْ)
(وَإِنما تَلقونَ عِندَ الصَّائحهْ ... منْ آل ساسان كِلابا نابحهْ)
(قدْ أيْقنوا مِنكم بوَقع الجَائحهْ ... وَأنْتمُ بينَ حَياةٍ صالحهْ)
(وَميتةٍ تورثُ غُنما رابحة ... ) // الرجز //
وَتقدم فقاتل حَتَّى قتل رَحمَه الله تَعَالَى ثمَّ حمل الثَّانِي وَهُوَ يَقُول
(إنَّ العجوزَ ذَاتُ حَزْم وَجَلَدْ ... والنَّظر الأوْفق والرُأي السَّدَد)
(قَدْ أمَرَتنْا بِالسَدَاد وَالرَّشدْ ... نَصيحةً مِنْها وَبِرَّاً بِالوَلدْ)
(فَباكرُوا الحَربَ كماةً فِي العُدَدْ ... إِمَّا بِفوز باردٍ على الْكبدْ)
(أَوْ مِيتةٍ تورثكم غُنْم الأبدْ ... فِي جَنة الفردَوْس والعيش الرغد) // الرجز //
وَقَاتل حَتَّى اسْتشْهد رَحمَه الله تَعَالَى ثمَّ حمل الثَّالِث أَيْضا وَهُوَ يَقُول
(واللهِ لَا نَعصي العجوزَ حَرْفاً ... قَدْ أمرتنا حَربًا وَعطف)
(نُصحاً وَبراً صَادِقا وَلطفاً ... فَبادِرُوا الحَربَ الضَّرُوس زَحفْا)
(حَتى تَلفُّوا آلَ كِسرَى لفّاً ... أوْ تكشفوهمْ عنْ حِماكم كَشفا)
(إِنا نَرى التَّقصيرَ مِنكم ضَعفاً ... والقَتلَ فِيكم نجْدَة وَعرفَا) // الرجز //
وَقَاتل أَيْضا حَتَّى اسْتشْهد رَحمَه الله ثمَّ حمل الرَّابِع وَهُوَ يَقُول
(1/354)

(لَسنا لخَنساء ولَا للأحَزمِ ... وَلاَ لعَمْرو ذِي السَّناء الأقدَم)
(إنْ لم أرَى فِي الجَيش جَيش الْأَعْجَم ... مَاض على هول خضم خِضرم)
(إِمَّا لِفوز عَاجل ومَغنم ... أوْ لوفاةٍ فِي السَّبيل الأكرم) // الرجز //
وَقَاتل حَتَّى قتل أَيْضا رَحْمَة الله عَلَيْهِ وعَلى إخْوَته فبلغها الْخَبَر رَضِي الله عَنْهَا فَقَالَت الْحَمد لله الَّذِي شرفني بِقَتْلِهِم وَأَرْجُو من رَبِّي أَن يجمعني مَعَهم فِي مُسْتَقر رَحمته
وَكَانَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ يُعْطِيهَا أرزاق أَوْلَادهَا الْأَرْبَعَة لكل وَاحِد مِنْهُم مِائَتي دِرْهَم إِلَى أَن قبض رَحمَه الله وَرَضي عَنهُ
وَكَانَت وفاتها فِي زمن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان نَحْو سنة خمسين من الْهِجْرَة
65 - (كأَنَّ عُيُونَ الوَحْشِ حَوْلَ خُبَائِنَا ... وَأرْحُلِنَا الجزَّعُ الَّذِي لم يِثَقَّبِ)
الْبَيْت لامرىء الْقَيْس من قصيدة من الطَّوِيل أَولهَا
(خليلي مرا بِي على أم جُنْدُب ... لِنقضيَ حاجاتِ الفؤادِ المُعذَّبِ)
(فإِنكما إنْ تَنظرانيَ سَاعَة ... مِنَ الدَّهر تَنفْعني لدَى أمِّ جُندبِ)
(1/355)

(ألم تريانِي كلَّما جِئتُ طَارِقًا ... وَجدتُ بِها طِيباً وَإِنْ لم تَطيَّبِ)
(عَقيلة أخذان لَهَا لاَ ذَميمةٌ ... وَلا ذَاتُ خَلْق إِن تأملتَ جَانِّب) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن يَقُول فِيهَا
(وَقلتُ لِفتيانٍ كِرَام ألَا انْزلوا ... فَعالوا عَلينا فَضلّ بُردٍ مُطنَّبِ)
(فَفِئْنا إِلَى بَيت بعلياء مُرْدَحٍ ... سماوتهُ منْ أتْحمىٍّ مُعَصَّبِ)
(وَأَوتادهُ عاديَّة وعِمادهُ ... رُدينية فِيها أسِنةُ قَعضبِ)
(فَلما دَخلناه أضَفنا ظُهورَنا ... إِلى كلِّ حاريٍّ جَدِيدٍ مُشطبِ)
(فَظَل لنَا يومٌ لذِيذٌ بِنعمةٍ ... فَقل فِي مَقيل نحْسُه متغيب) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(نمش بأعرافِ الجِياد أكُفَّنا ... إِذَا نحنُ قُمنا عنَّ شِواءِ مُضِّهبِ) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة
قَالَ الْأَصْمَعِي الظبي وَالْبَقَرَة إِذا كَانَا حيين فعيونهما كلهَا سود فَإِذا مَاتَا بدا بياضها وَإِنَّمَا شبهها بالجزع وَفِيه سَواد وَبَيَاض بعد مَا موتت وَالْمرَاد كَثْرَة الصَّيْد يَعْنِي مِمَّا أكلناه كثرت الْعُيُون عندنَا كَذَا فِي شرح ديوَان امرىء الْقَيْس وَبِه يتَبَيَّن بطلَان مَا قيل إِن المُرَاد أَنَّهَا قد طَالَتْ مسايرتهم حَتَّى ألفت الوحوش رحالهم وأخبيتهم
(1/356)

وَالشَّاهِد فِيهِ تَحْقِيق التَّشْبِيه فِي الإيغال لِأَنَّهُ شبه عُيُون الْوَحْش بالجزع وَهُوَ بِفَتْح الْجِيم وتكسر الخرز الْيَمَانِيّ الصيني فِيهِ سَواد وَبَيَاض تشبه بِهِ عُيُون الْوَحْش لكنه أَتَى بقوله لم يثقب إيغالاً وتحقيقاً للتشبيه لِأَن الْجزع إِذا كَانَ غير مثقوب كَانَ أشبه بالعيون
وَقد اشْتَمَل هَذَا الْبَيْت على نوع من أَنْوَاع البديع يُسمى التَّبْلِيغ والتتميم وَيُسمى الإيغال أَيْضا وَهُوَ أَن يتم قَول الشَّاعِر دون مقطع الْبَيْت ويبلغ بِهِ القافية فَيَأْتِي بِمَا يتمم بِهِ الْمَعْنى وَيزِيد فِي فَائِدَة الْكَلَام لِأَن للقافية محلا من الأسماع والخواطر فاعتناء الشَّاعِر بهَا آكِد وَلَا شَيْء أقبح من بنائها على فضول الْكَلَام الَّذِي لَا يُفِيد
وَمن الشواهد عَلَيْهِ قَول ذِي الرمة أَيْضا
(قِف الصَّبْر فِي أطْلاَل مَيَّة فأسألِ ... رُسوماً كأخلاقِ الرِّداء ... ... .) // الطَّوِيل // فتم كَلَامه ثمَّ احْتَاجَ إِلَى القافية فَقَالَ المسلسل فزاده شَيْئا ثمَّ قَالَ
(أظُن الذِي يُجدِي عَليكَ سؤالها ... دُموعاً كتبديد الجمان ... .)
فتم كَلَامه ثمَّ احْتَاجَ إِلَى القافية فَقَالَ الْمفصل فزاده شَيْئا
قيل وَكَانَ الرشيد يعجب بقول مُسلم بن الْوَلِيد
(إِذا مَا علت مِنَّا ذؤابةَ شاربٍ ... تَمشَّتْ بهِ مشي المُقيَّدِ فِي الوحلِ) // الطَّوِيل //
وَكَانَ يَقُول قَاتله الله أما كَفاهُ أَن يجمله مُقَيّدا حَتَّى جعله فِي وَحل
وَمِنْه قَول ابْن الرُّومِي
(لَهَا صَريحٌ كأنهُ ذَهبٌ ... وَرغوةٌ كاللآلئ الفلق) // المنسرح //
فَزَاد بقوله الفلق تمكيناً فِي التَّشْبِيه
وَمن أبدع مَا وَقع فِيهِ لمتأخر قَول أبي بكر بن مجير
(وَخَلِيفَة ابْن خَليفَة ابْن خَليفَة وَسَتَفْعَلُ ... ) // من مجزوء الْكَامِل //
(1/357)

فَقَوله وستفعل تَبْلِيغ بديع أَفَادَ بِهِ بِشَارَة الممدوح بِأَن سلسلة الْخلَافَة فِي عقبه
وَحكى أَن بعض الشُّعَرَاء قَالَ لأبي بكر بن مجير هَذَا إِنِّي نظمت قصيدة مَقْصُورَة الروي وأعجزني مِنْهَا رُوِيَ بَيت وَاحِد فَمَا أَدْرِي كَيفَ أتممه فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر أنشدنيه فانشده قَوْله
(سَليلُ الإِمَام وصنو الإِمام ... وعمُّ الإِمام ... ... . .) // المتقارب //
فَقَالَ لَهُ من غير تفكير وَلَا روية قل وَلَا مُنْتَهى فَوَضعه فِي قصيدته على مَا تممه لَهُ وَكَانَ أمكن قوافيه وأقواها
وَللسَّيِّد أبي الْقَاسِم شَارِح مَقْصُورَة حَازِم فِي هَذَا النَّوْع قَوْله
(لم يبرحِ المجدُ يسمو ذَاهِبًا بهمُ ... حَتَّى أجَاز الثريَّا وَهُوَ مَا قنعا) // الْبَسِيط //
فَقَوله وَهُوَ مَا قنعا من التَّبْلِيغ الَّذِي أَفَادَ زِيَادَة فِي الْمَعْنى ظَاهِرَة
66 - (وَلَسْتَ بمُسْتَبقٍ أَخاً لاَ تَلُمُهُ ... عَلى شَعَثٍ أَيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ)
الْبَيْت للنابغة الذبياني من قصيدة من الطَّوِيل يُخَاطب بهَا النُّعْمَان أَولهَا
(أَرسماً جَدِيدا من سعاد تجنب ... عفَت رَوْضَة الأجداد مِنْهَا فيثُقبُ)
(1/358)

(عَفا آيَهُ نسجُ الْجنُوب مَعَ الصَّبا ... وأُسحمُ دانٍ مزنُه متصوب) // الطَّوِيل //
يَقُول فِيهَا أَيْضا
(فَلَا تتركنِّي بالوعيد كأنني ... إِلَى النَّاس مطليٌّ بِهِ القارُ أَجرب)
(أَلم ترَ أَن الله أَعطاك سَوْرَةً ... يُرى كل مَلك دونهَا يتذبذب)
(فَإنَّك شمس والملوك كواكب ... إِذا طلعت لم يبد مِنْهُنَّ كَوْكَب) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(فإِن يكُ مَظْلُوما فعبدٌ ظلمتَهُ ... وإِن تكُ ذَا عُتْبي فمثلك يُعتبُ)
(أَتاني أبَيْت اللعنَ أنكَ لمتني ... وَتلك الَّتِي أهتم مِنْهَا وأنصبُ)
والشعث انتشار الْأَمر والمهذب المنقح الفعال المرضي الْخِصَال
وَالْمعْنَى لَا تقدر على اسْتِبْقَاء مَوَدَّة أَخ حَال كونك مِمَّن لَا تلمه وَلَا تصلحه على تفرق وذميم خِصَال
ذكرت هُنَا قَول الشَّاعِر مُعَارضا للنابغة فِي هَذَا الْبَيْت وَهُوَ
(ألومُ زياداً فِي ركاكة عقله ... وَفِي قَوْله أيُّ الرِّجَال الْمُهَذّب)
(وهلْ يحسنُ التهذيبُ منكَ خلائقاً ... أرقُّ من المَاء الزلَال وأَطيب)
(تكلمَ والنعمانُ شمسُ سمائه ... وكل مليك عِنْد نعمانَ كوكبُ)
(وَلَو أبصرتْ عَيناهُ شخصك مرّة ... لأبصرَ منهُ شمسَهُ وَهُوَ غيهَبُ) // الطَّوِيل //
وَهَذَا نوع من البديع يُسمى التوليد وَسَيَأْتِي الْكَلَام على شَيْء مِنْهُ فِي الْفَنّ الثَّالِث إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(1/359)

وَالشَّاهِد فِيهِ التذييل لتأكيد مَفْهُوم فصدر الْبَيْت دلّ بمفهومه على نفي الْكَامِل من الرِّجَال وعجزه تَأْكِيد لذَلِك وَتَقْرِير لِأَن الِاسْتِفْهَام فِيهِ إنكاري أَي لَا مهذب فِي الرِّجَال
وَفِي معنى الْبَيْت قَول أبي الْحسن مُحَمَّد الموقت الْمَكِّيّ
(إِذا الْمَرْء لم يبرحْ يُمَارِي صديقهُ ... وَلم يحْتَمل مِنْهُ فَكيف يعايشُهْ)
(وأنَى يدومَ الوُد والعهدُ بينهُ ... وَبَين أَخ فِي كل وَقت يناقشه) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول مؤيد الدّين الطغرائي
(أَخَاك أَخَاك فَهوَ أَجلُّ ذُخرٍ ... إِذا نابتك نائبة الزمانِ)
(فإِنْ رابَتْ إساءتهُ فهَبْها ... لما فِيهِ من الشَّيَم الحسانِ)
(تُرِيدُ مُهَذّباً لَا عيب فِيهِ ... وهلْ عُودٌ يفوحُ بِلَا دُخان) // الوافر //
وبديع قَول ابْن الْحداد أَيْضا
(واصلْ أخاكَ وَإِن أتاكَ بمنكر ... فخلوص شَيْء قَلما يتمكنُ)
(وَلكُل حُسْنٍ آفةٌ مَوجودة ... إِنَّ السِّرَاجَ على سناهُ يدخَّنُ) // الْكَامِل //
وَمَا أحسن قَول ابْن شرف أَيْضا
(لَا تسألِ النَّاس والأَيامَ عَن خبر ... هما يبُثَانِكَ الأخبارَ تفصيلاَ)
(وَلاَ تعاقِبْ على نقص الطباع أَخا ... فإِنَّ بدرَ السما لم يُعْطَ تكميلا) // الْبَسِيط //
وَمن النفيس قَول ابْن حمديس
(أَكرمْ صديقكَ عنْ سؤالك ... عنهُ واحفظ منْهُ ذِمَّهْ)
(فلربما استخبرتَ عَنهُ عدوّه فسمعتَ ذمه ... ) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقَول عمر الْخَرَّاط وَهُوَ رجل من القيروان
(لاَ تسألنّ عَن الصّديق وسل وسل فُؤَادك عَن فؤادهْ ... )
(1/360)

(فلربما بحث السُّؤَال ... على فسادكَ أَو فسادة) // من مجزوء الْكَامِل //
ولمؤلفه فِي مَعْنَاهُ
(لستُ عَن ود صديقي ساثلا ... غيرَ قلبِي فَهُوَ يدْرِي ودَّه)
(فَكَمَا أعلم مَا عِنْدِي لَهُ ... فَكَذَا أعلمُ مَالِي عِنْده) // الرمل //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم
(عتبي عليكَ مقارنُ الْعذر ... قدْ رَدَّ عَنكَ حفيظتي صبري)
(فَمَتَى هفوتَ فأنتَ فِي سَعَةٍ ... وَمَتى جفوتَ فأنتَ فِي عذرِ)
(تَركُ العتابِ إِذا اسْتحق أخٌ ... مِنكَ العتابَ ذريعةُ الهجر) // الْكَامِل //
وَقَول بَعضهم
(إِذا أَنْت لم تغْفر ذنوباً كَثِيرَة ... تَرِيبكَ لم يسلم لكَ الدهرَ صاحبُ)
(وَمن لم يغمِّضْ عينه عَن صديقهِ ... وَعَن بعض مَا فِيهِ يمتْ وَهُوَ عَاتب) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي الْفَتْح البستي
(تحمّلْ أخاكَ على مَا بهِ ... فَما فِي استقامته مطمعُ)
(وأنيَّ لهُ خُلُقٌ وَاحِد ... وَفِيه طبائعه الْأَرْبَع) // المتقارب //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم
(لَا تثقْ من آدميّ ... فِي وِدَادٍ بصفاءِ)
(كيفَ تَرْجُو مِنْهُ صفواً ... وَهْوَ مِنْ طين ومَاء) // من مجزوء الرمل //
وَهُوَ كَقَوْل الآخر
(ومنْ يكُ أصلهُ مَاء وطيناً ... بعيدٌ من جِبلَّتهِ الصفاءُ) // الوافر //
وَمَا أبدع قَول الْجمال بن نباتة
(يَا مشتكي الهمّ دعهُ وانتظرْ فرَجاً ... ودارِ وقتكَ من حِين إِلَى حِين)
(1/361)

(ولاَ تعانِدْ إِذا أمسيتَ فِي كدَر ... فإِنمَا أنتَ من مَاء وَمن طينِ) // الْبَسِيط //
وللصلاح الصَّفَدِي فِيهِ أَيْضا
(دع الإخوانَ إِن لم تَلْقَ مِنْهُم ... صفاءَ واستَعِنْ واسْتَغْنِ باللهْ)
(أَلَيس المرءُ من ماءٍ وَطينٍ ... وأيُّ صفا لهاتيك الجبلة) // الوافر //
وَمِمَّا ينظر إِلَى معنى الْبَيْت المستشهد بِهِ قَول بَعضهم
(إِذا أَنْت لم تتْرك أخاكَ وزلةً ... أرادَ لَهَا أوشكتما أَن تفَرقا) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
(صديقَكَ مهما جَنى غَطِّه ... وَلَا تُخْفِ شَيْئا إِذا أحسْنا)
(وَكن كالظلام معَ النَّار إِذْ ... يواري الدُّخانَ وَيبْدِي السنَّا) // المتقارب //
ولمؤلفه
(أَخاك اغتفر ذَنبه ... وسامِحْ إِذا مَا هفَا)
(وغطِّ على عَيبه ... يَدُمْ منهُ عهدُ الوفا)
(وَإِن رُمْتَ تقويمه ... تَجِد وُده قد عَفا) // من مجزوء المتقارب //
67 - (فَسَقى دِيارَكِ غيرَ مُفْسِدِهَا ... صَوْبُ الرّبيع وديمةٌ تَهْمِي)
الْبَيْت لطرفة بن العَبْد من قصيدة من الْكَامِل يمدح بهَا قَتَادَة بن مسلمة الْحَنَفِيّ وَكَانَ قد أصَاب قومه سنة فَأتوهُ فبذل لَهُم وأولها
(إِن امرَأُ سَرفَ الفَؤادِ يرى ... عَسَلاً بِمَاء سَحَابَة شَتْمِي)
(1/362)

(وَأَنا امْرُؤ أكوى من الْقصر البادي ... وأغشى الدُّهمَ بالدهم)
(وأصيبُ شاكلة الرَّمية إِذْ ... صدّت بصفحتها عَن السهْم)
(وأُجِرُّ ذَا الكفل القَناةَ على ... أنسائه فَيظل يَستدمي)
(وتَصد عَنْك مخيلة الرجل العريض ... موضِحةً عَن العَظمِ)
(بحُسام سَيْفك أَو لسَانك والكلم ... الأصيلُ كأرغَبِ الكَلْمِ)
(أبلغ قتادَةَ غيرَ سائلهِ ... مني الثوابَ وعاجل الشكم)
(أَبى حَمَدتُكَ للعشيرةِ إِذْ ... جَاءَت إِلَيْك مُرِقة العَظم)
(ألقوْا إِلَيْك بِكُل أرْمَلةٍ ... شعثاء تحمل مبقع الْبرم)
(وفتحْتَ بابكَ للمكارم حِين ... تواصَتِ الأبوابُ بالأزم) // الْكَامِل //
وَبعده الْبَيْت وَهُوَ آخرهَا
وَصوب الرّبيع نزُول الْمَطَر ووقعه فِي الرّبيع والديمة مطر يَدُوم فِي سُكُون بِلَا رعد وَلَا برق أَو يَدُوم خَمْسَة أَيَّام أَو سِتَّة أَو سَبْعَة أَو يَدُوم يَوْمًا وَلَيْلَة أَو أَقَله ثلث النَّهَار أَو اللَّيْل وَأَكْثَره مَا بلغت وَجَمعهَا ديم وديوم وَمعنى تهمى تسيل
وَالشَّاهِد فِيهِ التَّكْمِيل وَيُسمى الاحتراس أَيْضا وَهُوَ أَن يُؤْتى فِي كَلَام يُوهم خلاف الْمَقْصُود بِمَا يَدْفَعهُ وَهُوَ هُنَا قَوْله غير مفسدها فَإِن نزُول الْمَطَر قد يكون سَببا لخراب الدُّنْيَا وفسادها فَدفع ذَلِك بتوسط قَوْله غير مفسدها
(1/363)

وَفِي معنى الْبَيْت قَول جرير
(فَسقاكِ حيثُ حلَلتِ غير فقَيدةٍ ... هَزَجُ الرِّيَاح وديمةٌ لَا تقلع) // الْكَامِل //
وَمن الاحتراس قَول زُهَيْر بن أبي سلمى
(من يَلقَ يَوْمًا على علاَّته هرِماً ... يلق السماحَةَ منهُ والندى خلقا) // الْبَسِيط //
وَقَول امرىء الْقَيْس أَيْضا
(على هَيكلٍ يُعطيك قبلَ سؤالهِ ... أفانينَ جَري غير كزٍّ وَلَا واني) // الطَّوِيل //
وَقَول نَافِع بن خَليفَة الغنوي
(رجال إِذا لم يُقبلِ الْحق منهُمُ ... ويُعطوهُ عَادوا بالسيُّوفِ القواضب) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول عنترة الْعَبْسِي
(أثني عليَّ بِمَا علمت فإنني ... سَهلٌ محالفتي إِذا لم أظْلم) // الْكَامِل //
وَقَول الآخر
(فَإِنِّي إِن أفُتْكَ يفتُك مني ... فَلَا تُسْبَقْ بِهِ عِلْقٌ نَفِيس) // الوافر //
وَمن مليح الاحتراس قَول الرَّمَادِي فِي وصف فرس
(قامَتْ قوائمُه لنا بطعَامنا ... غضّا وَقَامَ الْعرف بالمنديل) // الْكَامِل //
فَقَوله غضا احتراس عَجِيب إِذْ لَو لم يذكر لتوهم أَنهم ينقلون عَلَيْهِ أَزْوَادهم
وطرفة بن العَبْد هُوَ ابْن سُفْيَان بن سعد بن مَالك بن عباد بن صعصعة ابْن قيس بن ثَعْلَبَة وَيُقَال إِن اسْمه عَمْرو وَسمي طرفَة بِسَبَب بَيت قَالَه
(1/364)

وَأمه وردة من رَهْط أَبِيه وفيهَا يَقُول لأخوالها وَقد ظلموها حَقّهَا
(مَا تنْظرُون بحقِّ وردَةَ فيكُمُ ... صَغُرَ البنونَ ورهط وردة غيب) // الْكَامِل //
وَكَانَ أحدث الشُّعَرَاء سنا وَأَقلهمْ عمرا قتل وَهُوَ ابْن عشْرين سنة فَيُقَال لَهُ ابْن الْعشْرين وَقيل قتل وَهُوَ ابْن سِتّ وَعشْرين سنة وإِلى ذَلِك تُشِير أُخْته حَيْثُ قَالَت ترثيه
(عدَدنا لَهُ سِتا وَعشْرين حِجَّةً ... فَلَمَّا تَوَفَّاها استوَى سيِّداً ضخْمَا)
(فُجِعنا بِهِ لما رَجونا إيابَهُ ... على خَير حالٍ لَا وليداً وَلَا فحما) // الطَّوِيل //
وَكَانَ السَّبَب فِي قَتله أَنه كَانَ ينادم عَمْرو بن هِنْد فَأَشْرَفت ذَات يَوْم أُخْته فَرَأى طرفَة ظلها فِي الْجَام الَّذِي فِي يَده فَقَالَ
(أَلا يَأْتِي ليَ الظبي الَّذِي ... يَبْرق شنفاه)
(وَلَوْلَا الْملك الْقَاعِد ... قد ألثَمني فاهُ) // الهزج //
فحقد عَلَيْهِ وَكَانَ قد قَالَ أَيْضا قبل ذَلِك
(وليتَ لنا مكانَ الملكِ عَمْرٍو ... رَغوثاً حول قُبَّتنا تخُورُ)
(لعَمرُك إِن قابوسَ بن هندٍ ... ليَخلطُ ملكَهُ نوك كثير) // الوافر //
وقابوس هَذَا هُوَ أَخُو عَمْرو بن هِنْد وَكَانَ فِيهِ لين وَيُسمى قينة الْفرس فَكتب لَهُ عَمْرو بن هِنْد إِلَى الرّبيع بن حوثرة عَامله على الْبَحْرين كتابا أَوْهَمهُ فِيهِ أَنه أَمر لَهُ بجائزة وَكتب للمتلمس بِمثل ذَلِك فَأَما المتلمس ففك كِتَابه
(1/365)

وَعرف مَا فِيهِ فبخا كَمَا سَيَأْتِي فِي خَبره وَأما طرفَة فَمضى بِالْكتاب فَأَخذه الرّبيع فَسَقَاهُ الْخمر حَتَّى أثمله ثمَّ فصد أكحله فقبره بِالْبَحْرَيْنِ وَكَانَ لطرفة أَخ يُقَال لَهُ معبد فطالب بديته فَأَخذهَا من الحواثر
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة مر لبيد بِمَجْلِس لنهدٍ بِالْكُوفَةِ وَهُوَ يتَوَكَّأ على عَصا فَلَمَّا جَاوز أمروا فَتى مِنْهُم أَن يلْحقهُ فيسأله من أشعر الْعَرَب فَفعل فَقَالَ لَهُ لبيد الْملك الضليل يَعْنِي امْرأ الْقَيْس فَرجع فَأخْبرهُم فَقَالُوا لَهُ إِلَّا سَأَلته ثمَّ من فَرجع فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ ابْن الْعشْرين يَعْنِي طرفَة فَلَمَّا رَجَعَ قَالُوا ليتك سَأَلته ثمَّ من فَرجع فَقَالَ صَاحب المحجن يَعْنِي نَفسه قَالَ أَبُو عُبَيْدَة طرفَة أجودهم وأجده لَا يلْحق بالبحور يَعْنِي امْرأ الْقَيْس وزهيراً والنابغة وَلكنه يوضع مَعَ أَصْحَابه الْحَارِث بن حلزة وَعَمْرو بن كُلْثُوم وسُويد بن أبي كَاهِل
وَمن شعر طرفَة وَهُوَ صبي قَوْله
(فَلولاَ ثَلاَث هنَّ من عيشة الْفَتى ... وَجدك لم أحفل مَتى قامَ عُوَّدِي)
(فمنهن سبقي العاذلات بشَرْبةٍ ... كمُيتٍ مَتى مَا تُغلَ بِالماء تزبد)
(وَكَرِّى إذَا نادَى المُضافُ مُحنبا ... كَسيد الْغضا نَبهتهُ المُتوردِ)
(وَتقصيرُ يَوم الدَّجن والدحن مُعجبٌ ... بِبهكنَةٍ تحتَ الخباء المعمد) // الطَّوِيل //
وَقد أَخذه عبد الله بن نهيك بن إساف الْأنْصَارِيّ فَقَالَ
(وَلَوْلَا ثلاثٌ هنَّ من عيشة الْفَتى ... وَجدك لم أحفل مَتى قامَ رامسُ)
(فمنهن سبقي العاذلات بشرْبةٍ ... كَأَن أخاها مطلعَ الشَّمْس ناعسُ)
(ومنهنَّ تَجْرِيد الكواعب كالدُّمى ... إِذا ابتُزَّ عَن أكفالهنَّ الملابسُ)
(1/366)

(ومنهنّ تقريطُ الجَواد عنانه ... إِذا استبق الشَّخْص الْقوي الفوارس) // الطَّوِيل //
وَقد نَاقض عبد الحميد بن أبي الْحَدِيد الْبَغْدَادِيّ أَبْيَات طرفَة السَّابِقَة فَقَالَ
(لَوْلَا ثَلَاث لم أخَفْ صرْعتي ... ليستْ كَمَا قَالَ فَتى العبدِ)
(أَن أنْصُرَ التوحيدَ والعدلَ فِي ... كل مكانٍ باذلاً جهدِي)
(وأنْ أُنَاجِي اللهَ مُستمتعاً ... بخلوةٍ أحلى منَ الشهدِ)
(وأنْ أتيهَ الدهرَ كِبراً على ... كلِّ لئيم أَصْغَر الخدِّ)
(لذاكَ أهوَى لَا فتاةٍ وَلَا ... خمرٍ وَلَا ذِي ميعة نهد) // السَّرِيع //
وَمِمَّا سبق إِلَيْهِ أَيْضا وَكَانَ يتَمَثَّل بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله
(ستبدِي لكَ الأيامُ مَا كنتَ جَاهِلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزَود) // الطَّوِيل //
وَقَالَ غَيره
(ويأتيك بالأخبار من لم تبعْ لهُ ... بتاتاً وَلم تضربْ لَهُ وقتَ موعدِ) // الطَّوِيل //
وَمِمَّا يستجاد من قصيدته الَّتِي مِنْهَا الْبَيْت السَّابِق على هَذَا قَوْله
(أَلا أيُّهاذا الزّاجري أحضرَ الوغى ... وأنْ أشهدَ اللَّذَّات هلْ أنتَ مُخلدِي)
(1/367)

(فَإِن كنت لَا تَسْتَطِيع دفع منيتي ... فذرني أبادرها بِمَا ملكت يدِي)
(أَرَى قبرَ نحَّام بخيلٍ بمالهِ ... كقبرِ غويٍٍّ فِي البطالةِ مُفسدِ)
(أَرَى العيشَ كنزاً نَاقِصا كلّ ليلةٍ ... وَمَا تنقصُ الأيامُ والدَّهرُ ينفدِ)
(لعمركَ إنَّ الموتَ مَا أَخطَأ الْفَتى ... لكالطَّوَلِ المُرْخَى وثنياه بِالْيَدِ) // الطَّوِيل //
وَمِمَّا يعاب من شعره قَوْله يمدح قوما
(أسدغيل فإِذا مَا شربوا ... وَهبوا كلَّ أمون وطمرّ)
(ثمّ راحوا عَبَقُ المسكِ بهمْ ... يُلْحفونَ الأرضَ أهدابَ الْأرز) // الرمل //
ذكر أَنهم يُعْطون إِذا سَكِرُوا وَلم يشْتَرط ذَلِك فِي صحوهم كَمَا قَالَ عنترة
(وإِذا شربتُ فإِنني مُستهلكٌ ... مَالِي وعِرضي وافرٌ لم يكلم)
(وَإِذا صحوتُ فَمَا أقصرُ عنْ نَدىً ... وَكما علمت شمائلي وتكرمي) // الْكَامِل //
قَالُوا والجيد هُوَ قَول زُهَيْر بن أبي سلمى
(أَخُو ثقةٍ لَا يُتْلِفُ الخمرُ مالَهُ ... ولكنهْ قدْ يُتلفُ المَال نائله) // الطَّوِيل //
وَقَالَ بعض الْمُحدثين
(فَتى لَا يلوكُ الخمرُ شحمةَ مالهُ ... ولكنْ عطاياهُ ندًى وبواد) // الطَّوِيل //
وَمَا ألطف قَول ابْن حمديس فِي معنى قَول عنترة
(يعيدُ عطايا سكرهِ عندَ صحوهِ ... ليُعلم أَنّ الجودَ منهُ على علم)
(وَيسلم فِي الإِنعام مِنْ قَول قَائِل ... تكرمَ لما خامرتهُ ابنةُ الْكَرم) // الطَّوِيل //
(1/368)

68 - (إِن الثَّمَانِينَ وبلغتها ... قَدْ أحْوَجَتْ سمْعي إِلى تَرْجُمَانْ)
الْبَيْت لعوف بن ملحم الشَّيْبَانِيّ من قصيدة من السَّرِيع قَالَهَا لعبد الله بن طَاهِر وَكَانَ قد دخل عَلَيْهِ فَسلم عَلَيْهِ عبد الله فَلم يسمع فَأعْلم بذلك فَدَنَا مِنْهُ ثمَّ ارتجل هَذِه القصيدة وأولها
(يَا ابنَ الذِي دانَ لَهُ المشرقانْ ... طُرّاً وقدْ دانَ لَهُ المغربان) // السَّرِيع //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(وبدَّلَتْني بالشّطاط انحنا ... وكنتُ كالصَّعدة تَحت السِّنانْ)
(وعوَّضتني منْ زماع الْفَتى ... وهمتي همَّ الجبان الْهِدَنْ)
(وقارَبتْ مني خُطاً لم تكن ... مقارباتٍ وثنتْ منْ عنانْ)
(وأنشأتْ بيني وَبَين الوَرَى ... سَحَابَة لَيستْ كنسجِ الْعَنَان)
(وَلم تدعْ فيَّ لِمُستمتعٍ ... إِلَّا لساني وبحبسي لِسان)
(أدْعو بهِ الله وأُثني بهِ ... على الْأَمِير المُصعَبِيِّ الهجان)
(1/369)

وَمن الِاعْتِرَاض أيضاُ قَول كثير عزة
(وَلَو أنّ عزة حاكَمَتْ شمسَ الضُّحَى ... فِي الْحسن عندَ موفَّقٍ لقضى لَهَا) // الْكَامِل //
وَهُوَ معترض إِذْ لَا بُد فِيهِ من ذكر موفق لِأَنَّهُ لَا يتم الْمَعْنى بِدُونِهِ وَمِنْه قَول كثير أَيْضا
(لَو أنّ الباخلينَ وأنتِ منهمْ ... رَأوكِ تعلَّموا منكِ المِطالاَ) // الوافر //
وَمن مليح مَا سمع فِيهِ قَول نصيب وَكَانَ أسود
(فكدتُ وَلم أُخْلَقْ من الطيرِ إِن بدَا ... سنَا بارق نَحْو الْحجاز أطير) // الطَّوِيل //
يرْوى أَن الَّتِي قيل فِيهَا هَذَا الْبَيْت لما سمعته تنفست نفسا شَدِيدا فصاح ابْن أبي عَتيق أوه قد وَالله أَجَابَتْهُ بِأَحْسَن من شعره وَالله لَو سَمعك لنعق وطار فَجعله غراباً لسواده
وَمن المستحسن فِيهِ أَيْضا قَول الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف
(قدْ كنتُ أبْكِي وأنتِ راضية ... حِذَارَ هَذَا الصدود والغضبِ)
(إِن تمَّ ذَا الهجرُ يَا ظلومُ وَلَا ... تَمَّ فَمَالِي فِي الْعَيْش من أرب) // المنسرح //
وَمَا أحسن قَول أبي الْفَتْح البستي
(أرَاحَ الله قلبِي من زَمان ... مَحَتْ يدهُ سروري بالإساءهْ)
(فإِنْ حَمِدَ الكريمُ صباح يَوْم ... وأنى ذاكَ لم يحمَدْ مساءه) // الوافر //
والمتأخرون يسمون هَذَا الِاعْتِرَاض حَشْو اللوزينج وَمَا أبدع قَول ابْن الساعاتي فِيهِ
(1/371)

(حالَ من دونكِ يَا أُخْت الكِللْ ... مُقَلُ الحيّ وفُرْسان الأسَلْ)
(ومواضٍ مُرْهَفاتٌ فتكتْ ... بِي وحاشاكِ وَلَا مثل الكَحَلْ) // الرمل //
وَقَول أبي الْحُسَيْن الجزار
(ويهتز للجدوى إِذا مَا مدحتهُ ... كَمَا اهتز حاشا وَصفه شاربُ الْخمر) // الطَّوِيل //
وَقد أَخذه من ابْن الساعاتي فَإِنَّهُ قَالَ
(يهزُّهُ الْمَدْح هز الْجُود سائلَه ... أَولا وحاشاهُ هزَّ الشَّارِب الثمل) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول الْفَقِيه عمَارَة اليمني
(لهُ راحةٌ ينهلُّ جوداً بنانُها ... وَوَجهٌ إِذا قابلتَه يتهلَّلُ)
(يرَى الْحق للزوار حَتَّى كأنهُ ... عَلَيْهِم وحاشا قدره يتطفلُ) // الطَّوِيل //
وَالْكل أخذُوا لَفْظَة حاشا من أبي الطّيب المتنبي حَيْثُ يَقُول
(ويحتقرُ الدُّنْيَا احتقارَ مجرِّبٍ ... يرَى كل مَا فِيهَا وحاشاه فانيا) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن أَيْضا قَوْله فِيهِ
(وخُفُوقُ قلبٍ لَو رأيتَ لهيبهُ ... يَا جنتي لَوَجَدْتَ فِيهِ جهنما) // الْكَامِل //
وللقاضي مهذب الدّين الغسساني
(وَمَالِي إِلَى ماءٍ سوى النّيل غلةٌ ... وَلَو أَنه أسْتَغْفر الله زَمْزَم) // الطَّوِيل //
وبديع قَول أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن يحيى بن حرم
(أتجزع من دمعي وأنتَ أسلتهُ ... وَمن نَار أحشائي ومنك لهيبها)
(وتزعمُ أنَّ النفسَ غَيرَك عُلِّقتْ ... وأنْتَ وَلَا منٌّ عَلَيْك حبيبها) // الطَّوِيل //
وَمن الحشو الَّذِي زَاد حلاوة قَول الْجمال بن نباتة
(لوْ ذُقتَ بَرْدَ رُضاب من مُقَبِّلِهِ ... يَا حارِ مَا لمتَ أعطافي الَّتِي ثملت) // الْبَسِيط //
(1/372)

وَقَول السراج الْوراق
(إنّ عَيْني وَهِي عُضْو دَنِفٌ ... مَا على مَا كابدَتْهُ جلدُ)
(مَا كفاها بُعدُها عَنْك إِلَى ... أَن دَهاهَا وكُفِيتَ الرمد) // الرمل //
وَمَا أحسن قَول ابْن اللبانة فِي نَاصِر الدولة صَاحب ميورقة
(وغمرْتَ بِالْإِحْسَانِ أهل ميورقة ... وبنيتَ فِيهَا مَا بنى الْإِسْكَنْدَر)
(فَكَأَنَّهَا بغدادُ أنتَ رَشيدهَا ... ووزيرها وَله السَّلامَة جَعْفَر) // الْكَامِل //
قَوْله وَله السَّلامَة من أَمْلَح الحشو وأحلاه قَالُوا وَهُوَ أَمْلَح وأوضح من قَول المتنبي ويحتقر الدُّنْيَا. . الْبَيْت الْمَار
وَمن المضحك فِيهِ قَول الجزار
(لئنْ قطعَ الغيثُ الطريقَ فبغلتي ... وحاشاكَ قبقابي وجوختيَ الدارُ)
(وَإِن قيلَ لي لَا تخش فَهُوَ عبورة ... خشيتُ على علمي بأنيَ جزار) // الطَّوِيل //
وَمَا ألطف قَوْله فِي معنى رقة الْحَال وَإِن لم يكن من هَذَا الْبَاب
(لي منَ الشمسِ حلَّة صفراءُ ... لَا أُبالي إِذا أَتَانِي الشتاءُ)
(ومنَ الزمْهريرِ إِن حدثَ الغَيمُ ثِيَابِي وطيلساني الهواءُ ... )
(بيتيَ الأرضُ والفضافيهِ سورٌ ... لي مدَار وسقفُ بَيْتِي السماءُ)
(شَنَّعَ الناسُ أنني جاهلي ... ثانوىّ وَمَا لَهُم أهواءُ)
(أخذُوني بظاهِرِي إِذْ رأوني ... عبدَ شمس تسوءُني الظلماءُ) // الْخَفِيف //
وَمَا ألطف قَول الْبَهَاء زُهَيْر فِي هَذَا الْمَعْنى
(أدرِكوني فَبِي منَ البردِ همّ ... ليسَ يُنْسَى وَفِي حشاي التهاب)
(كلما ازرق لونُ جسمي منَ الْبرد ... تخيَّلْتُ أَنه سِنجابُ) // الْخَفِيف //
(1/373)

رَجَعَ إِلَى الِاعْتِرَاض
وَمِنْه قَول أبي مُحَمَّد الميطراني وَكتب بِهِ إِلَى صديق لَهُ رأى عِنْده غُلَاما استخدمه
(رأيتُ ظَبْيًا يطوف فِي حَرَمكْ ... أغرَّ مستأنسا إِلَى كرَمكْ)
(أطمعني فِيهِ أنهُ رَشأ ... يرشي ليخشى وَلَيْسَ من خدمك)
(فاشَغْلُه بِي سَاعَة إِذا فرَغَتْ ... دَوَاتُهُ إِن رَأيت من قلمك) // المنسرح //
وَمن بديعه مَعَ الرقة والانسجام قَول ريسم بن شادلويه صَاحب أذربيجان
(سُعادُ تسُبُّني ذُكرَت بِخَير ... وتزعُم أنني مَلِقٌ خَبيثُ)
(وَأَن موَدَّتي كذبٌ ومَيْن ... وَأَنِّي بِالَّذِي أَهْوى بَثُوثُ)
(ولَيسَ كَذا وَلَا ردٌّ عَلَيْهَا ... ولكنَّ الملولَ هُوَ النكوثُ)
(رأَت شَغَفي بهَا ونحولَ جسمي ... فصَدَّت هَكَذَا كَانَ الحَدِيث) // الوافر //
وَمَا ألطف قَول الْبَهَاء زُهَيْر يهجو
(صديقٌ لي سأذكرهُ بخيرٍ ... وإِن عَرَّفتُ باطنهُ الخبيثا)
(وحاشا السامعينَ يُقالُ عَنْهُم ... وَبِاللَّهِ اكتموا هَذَا الحديثا) // الوافر //
وَبَالغ ابْن الساعاتي بقوله
(تودُّ نجُوم اللَّيْل لَو نَصَلت بهَا ... وَإِن لَقِيتْ بُؤساً ذوابلُ مُلدِهِ)
(وَلَو تملكُ الحكم الأهلَّةُ لم تكن ... وَيَا فخرها إِلَّا نعالاً لجرده) // الطَّوِيل //
(1/374)

وعَوْف بن ملحم الْخُزَاعِيّ أَبُو الْمنْهَال هُوَ أحد الْعلمَاء الأدباء الروَاة الفهماء الندماء الظرفاء الشُّعَرَاء الفصحاء وَكَانَ صَاحب نَوَادِر وأخبار وَمَعْرِفَة بأيام النَّاس واختصه طَاهِر بن الْحُسَيْن بن مُصعب لمنادمته ومسامرته فَلَا يُسَافر إِلَّا وَهُوَ مَعَه فَيكون زميله وعديله ويعجب بِهِ وَقَالَ مُحَمَّد بن دَاوُد إِن سَبَب اتِّصَاله بطاهر أَنه نَادَى على الجسر بِهَذِهِ الأبيات أَيَّام الْفِتْنَة بِبَغْدَاد وطاهرٌ منصرف فِي حراقة لَهُ بدجلة فَأدْخلهُ مَعَه وأنشده إِيَّاهَا وَهِي
(عجبتُ لحرَّاقَة ابْن الحسَين كيفَ تَعومُ وَلَا تغرقُ ... )
(وبحرانِ من تحتهَا واحدٌ ... وآخرُ من فَوْقهَا مُطْبقُ)
(وأعجَبُ من ذاكَ عيدانُها ... وَقد مَسَّها كَيفَ لَا تورق) // المتقارب //
وَأَصله من حران وَبَقِي مَعَ طَاهِر ثَلَاثِينَ سنة لَا يُفَارِقهُ وَكلما استأذنه فِي الِانْصِرَاف إِلَى أَهله ووطنه لَا يَأْذَن لَهُ فَلَمَّا مَاتَ ظن أَنه تخلص وَأَنه يلْحق بأَهْله فقر بِهِ عبد الله بن طَاهِر وأنزله مَنْزِلَته من أَبِيه وَأفضل عَلَيْهِ حَتَّى كثر مَاله وَحسنت حَاله وتلطف بِجهْدِهِ أَن يَأْذَن لَهُ فِي الْعود إِلَى أَهله فاتفق أَنه خرج عبد الله من بَغْدَاد إِلَى خُرَاسَان فَجعل عوفاً عديله فَلَمَّا شَارف الرّيّ سمع صَوت عندليب يغرد أحسن تغريد فأعجب ذَلِك عبد الله والتفت إِلَى عَوْف وَقَالَ يَا ابْن ملحم هَل سَمِعت بأشجى من هَذَا فَقَالَ لَا وَالله فَقَالَ عبد الله قَاتل الله أَبَا كَبِير حَيْثُ يَقُول
(أَلا يَا حمام الأيك إلفك حَاضر ... وغصنك مياد فَفِيمَ تَنوحُ)
(1/375)

(أفق لَا تنج من غير بَين فأنني ... بَكَيْتُ زَمَانا والفؤادُ صَحيحُ)
(وَلوعاً فَشَطَّتْ غُربةً دارُ زَيْنَب ... فها أَنا أبْكِي والفؤادُ قريحُ) // الطَّوِيل //
فَقَالَ عَوْف أحسن وَالله وأجاد أَبُو كَبِير إِنَّه كَانَ فِي الهذليين مائَة وَثَلَاثُونَ شَاعِرًا مَا فيهم إِلَّا مفلق وَمَا كَانَ فيهم مثل أبي كَبِير وَأخذ يصفه فَقَالَ لَهُ عبد الله أَقْسَمت عَلَيْك إِلَّا أجزت قَوْله فَقَالَ لَهُ قد كبر سني وفني ذهني وَأنْكرت كل مَا كنت أعرفهُ فَقَالَ عبد الله بِحَق طَاهِر إِلَّا فعلت فابتدر عَوْف فَقَالَ
(أَفِي كل عَام غُربَةٌ ونزُوحُ ... أما للنوى من ونْيَةٍ فتريحُ)
(لقد طَلَّحَ البينُ المشِتُّ ركائبي ... فَهَل أرَيَنَّ البينَ وَهُوَ طليحُ)
(وأَرَّقَني بالريِّ نوحُ حمامةٍ ... فَنُحتُ وَذُو اللبِّ الغريبُ ينوحُ)
(على أَنَّهَا ناحَتْ وَلم تُذْر دمْعَةً ... ونحتُ وأسْرابُ الدُّمُوع سُفوحُ)
(وناحت وفَرْخَاها بحيثُ تراهما ... وَمن دون أفراخي مهامه فيح)
(أَلا يَا حمام الأيك إلفك حَاضر ... وغصنك مياد فَفِيمَ تنوح)
(عَسى جُودَ عبد الله أَن يعكس النَّوَى ... فَتُلفَي عَصا التَّطواف وَهِي طَريحُ)
(فَإِن الغنِي يُدْني الْفَتى من صدِيقهِ ... وعُدْمُ الْفَتى بالمغربين طروح) // الطَّوِيل //
فاستعبر عبد الله ورق لَهُ وَجَرت دُمُوعه وَقَالَ وَالله إِنَّنِي لضنين بمفارقتك شحيح على الْفَائِت من محاضرتك وَلَكِن وَالله لَا أعملت معي خفاً وَلَا حافراً إِلَّا رَاجعا إِلَى أهلك وَأمر لَهُ بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم فَقَالَ عَوْف الأبيات الْمَشْهُورَة وَسَار رَاجعا إِلَى أَهله فَلم يصل إِلَيْهِم وَمَات فِي حُدُود الْعشْرين والمائتين
وَمن شعره رَحمَه الله تَعَالَى قَوْله
(وكنتُ إِذا صَحِبت رجالَ قوم ... صحبُتُهُم ونِيَّتَي الوفاءُ)
(1/376)

(فأحسِنُ حِين يحسنُ محسنوهم ... وأجتنب الإساءةَ إِن أَساءَوا)
(وأُبصر مَا يريبُهمُ بعينٍ ... عَلَيْهَا من عُيوبهِمُ غِطاءُ) // الوافر //
وَمِنْه قَوْله
(وصَغيرَةٍ عُلِّقتُها ... كَانَت من الفِتنِ الكِبارِ)
(بلْهاء لم تَعرف لغرتها ... اليمينَ من اليسارِ)
(كالبدرِ إلاَّ أَنَّهَا ... تبقى على ضوءِ النَّهَار) // من مجزوء الْكَامِل //
69 - (واعْلمْ فَعلمُ المرْءِ يَنْفَعهُ ... أَن سَوْفَ يآتي كل مَا قُدِرا)
الْبَيْت من السَّرِيع وأنشده أَبُو عَليّ الْفَارِسِي وَلم يعزه إِلَى أحد
وَأَن هُنَا مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة وَضمير الشَّأْن مَحْذُوف يَعْنِي أَن الْمَقْدُور آتٍ لَا محَالة وَإِن وَقع فِيهِ تَأْخِير وَفِي هَذَا تَسْلِيَة وتسهيل لِلْأَمْرِ
وَالشَّاهِد فِيهِ الِاعْتِرَاض بالتنبيه وَهُوَ قَوْله فَعلم الْمَرْء يَنْفَعهُ وَهُوَ جملَة مُعْتَرضَة بَين اعْلَم ومعموليه وَالْفَاء اعتراضية وفيهَا شَائِبَة من السَّبَبِيَّة
70 - (يَصُدُّ عَن الدُّنْيَا إِذا عَن سؤود ... )
هُوَ من الطَّوِيل وَتَمَامه
(وَلَو برزَتْ فِي زِيِّ عذراءَ ناهِدِ ... )
وقائله أَبُو تَمام من قصيدة يمدح بهَا أَبَا الْحُسَيْن مُحَمَّد بن الْهَيْثَم أَولهَا
(قفوا جدِّدوا من عهدكم بالمهاهد ... وَإِن هِيَ لم تَسمع لِنِشدان ناشِدِ)
(1/377)

(لقد أطرق الرّبع المحيلُ لفقدهم ... وبَيْنهمُ إطراقَ ثكْلان فَاقِد)
(وأبقَوْا لضيف الشوقِ منِّيَ بعدهمْ ... قرى من جَوًى سارٍ وطيفٍ معاود)
(سقته ذعاقا عَادة الدَّهْر فيهمُ ... وسم اللَّيَالِي فَوق سم الأساود)
(بِهِ عِلّة صماء للبين لم تُصخْ ... لبرءِ وَلم توجِبْ عيادةَ عَائِد)
(وَفِي الكِلَّةِ الورديَّةِ اللَّوْن جؤذر ... من العينِ وردي الخدود المجاسد)
(رمته بخلف بعد مَا عَاشَ حِقْبةً ... لَهُ رَسَفَانٌ فِي قيود المواعد)
(غدَتْ مُغْتَدَي الغضبي وأوصت خيالها ... بهجران نِضْوِ العيس نِضْو الخرائد)
(وقالتْ نكاحُ الْحبّ يفْسد شكلهُ ... وَكم نكحوا حبا وليسَ بفاسد) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة يَقُول فِي مديحها
(1/378)

(هُم حسدوهُ لَا مَلُومينَ مجدَهُ ... وَمَا حاسدٌ فِي المكرُمَات بحاسدِ)
(قرَاني اللُّهى والوُدَّ حَتَّى كَأَنَّمَا ... أفادَ الْغَنِيّ من نائلي وفوائدي)
(فأصبحتُ يلقاني الزمانُ مِنَ أجلهِ ... بإِعظام مَوْلُود وإشفاق والدِ)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(إِذا الْمَرْء لم يزهد وَقد صُبِغَتْ لهُ ... بعصفُرِها الدُّنْيَا فَلَيْسَ بزاهد)
(فواكبدي الحرى وواكبد النوَى ... لأيامهِ لَو كنَّ غيرَ بوائدِ)
(وَهيهاتَ مَا ريبُ الزمانِ بمِخْلِدٍ ... غَرِيبا وَلَا ريبُ الزَّمَان بِخَالِد)
والزي بِكَسْر الزَّاي الْهَيْئَة والعذراء الْبكر والناهد الَّتِي نهد ثديها أَي ارْتَفع
وَالشَّاهِد فِيهِ وَصفه بالإيجاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَلَام آخر مساوٍ لَهُ فِي أصل الْمَعْنى وَهُوَ الْبَيْت الْآتِي بعده وَهُوَ إِذا الْمَرْء لم يزهد إِلَخ
71 - (ولستُ بمَيَّالٍ إِلَى جانبِ الغنىَ ... إِذا كَانَت العَلْيَاءُ فِي جَانب الفقرِ)
الْبَيْت من الطَّوِيل وَهَكَذَا رويته وَإِن كَانَ فِي التَّلْخِيص بِلَفْظ نظار بدل ميال وقائله وقائله المعذل بن غيلَان أَبُو عبد الصَّمد أحد الشاعرين الْمَشْهُورين روى ذَلِك عَنهُ الْأَخْفَش عَن الْمبرد وَمُحَمّد بن خلف الْمَرْزُبَان عَن الربعِي وَبعد الْبَيْت
(1/379)

(وَقد قَالَ الأديب مقَال صدقٍ ... رآهُ الْآخرُونَ لَهُم إِمَامَا)
(إِذا كرمتكم وأهنتموني ... وَلم أغضبْ لذلكم فداما) // الوافر //
قَالَ وَانْصَرف فبكر إِلَيْهِ عبد الله بن سوار فَقَالَ لَهُ رَأَيْتُك أَبَا عبد الله مغضباً فَقَالَ أجل مَاتَت بنت أُخْتِي وَلم تأتني قَالَ مَا علمت ذَلِك قَالَ ذَنْبك أيسر من عذرك وَمَالِي أَنا أعرف خبر حقوقك وَأَنت لَا تعرف خبر حقوقي فَمَا زَالَ عبد الله يعْتَذر إِلَيْهِ حَتَّى رَضِي عَنهُ
وَحدث الجماز قَالَ هجا أبان اللاحقي المعذل بن غيلَان فَقَالَ
(كنتُ أَمْشِي مَعَ المعذل يَوْمًا ... ففسا فَسْوَةً فكدتُ أطيرُ)
(فتلفَّتُّ هَل أرَى ظَرِباناً ... من ورائي والأرضُ بِي تستديرُ)
(فإِذا ليسَ غَيره وَإِذا إعصارُ ذاكَ الفساءِ منهُ يفورُ ... )
(فتعجبتُ ثمَّ قلتُ لقدْ أعرقَ فِي ذَا فِيمَا أرى خِنْزِير ... ) // الْخَفِيف //
فَأَجَابَهُ المعذل بقوله
(صحَّفَتْ أُمُّكَ إِذْ سمتكَ ... فِي المهد أَبَانَا ... )
(صيرت بَاء مَكَان التاءِ ... فاللُه أعانَا)
(قطعَ اللُه وشيكاً ... من مسميكَ اللسانا) // الرمل //
وَقد روى عَن المعذل وَأَبِيهِ شَيْء من الْأَخْبَار والْحَدِيث واللغة لَيْسَ بالكثير وَمن شعره
(1/381)

(إِلَى الله أَشْكُو لَا إِلَى النَّاس أَنني ... أَرى صَالح الْأَعْمَال لَا أستطيعها)
(أَرى خَلَّةً فِي إخْوَة وقرابة ... وَذي رحم مَا كَانَ مثلي يضيعها)
(فَلَو ساعدتني فِي المكارم قدرَة ... لفاضَ عَلَيْهِم بالنوال ربيعها) // الطَّوِيل //
وَأما ابْن المعذل عبد الصَّمد فَكَانَ شَاعِرًا فصيحاً من شعراء الدولة العباسية وَكَانَ هجاء خَبِيث اللِّسَان شَدِيد الْمُعَارضَة وَكَانَ أَخُوهُ أَحْمد شَاعِرًا أَيْضا إِلَّا أَنه كَانَ عفيفاً ذَا مُرُوءَة وَدين وَتقدم عِنْد الْمُعْتَزلَة وجاه وَاسع فِي بَلَده وَعند سُلْطَانه لَا يُقَارِبه عبد الصَّمد فِيهِ وَكَانَ يحسده ويهجوه فيحلم عَنهُ وَعبد الصَّمد أشعرهما وَمن هجاء أَحْمد لِأَخِيهِ عبد الصَّمد قَوْله وَهُوَ فِي غَايَة الأذي مَعَ مَا فِيهِ من اللطافة
(قَالَ لي أَنْت أَخُو الْكَلْب وَفِي ... ظنَّهِ أَن قد هجاني واجتهدْ)
(أحمدُ الله تَعَالَى أنهُ ... مَا درى أَنِّي أَخُو عبد الصمدْ) // الرمل //
72 - (وتُنْكرُ إِن شئَنا على النَّاس قولهُمْ ... وَلَا يُنكرُونَ القولَ حِين نقولُ)
الْبَيْت للسموأل بن عادياء الْيَهُودِيّ من قصيدة من الطَّوِيل أَولهَا
(إِذا الْمَرْء لم يَدْنَسْ من اللؤم عرضُه ... فَكل رِدَاء يرتديه جميلُ)
(وإِنْ هُوَ لم يحمل على النَّفس ضَيْمَهَا ... فَلَيْسَ إِلَى حسن الثَّنَاء سبيلُ)
(تُعيِّرنا أَنا قَلِيل عديدُنا ... فَقلت لَهَا إِن الْكِرَام قليلُ)
(1/382)

(وَمَا قَلَّ مَنْ كَانَت بقاياه مثلنَا ... شباب تسامت للعلا وكهولُ)
(وَإِنَّا لَقَوْمٌ لَا نرى الْقَتْل سُبة ... إِذا مَا رَأَتْهُ عَامر وسلول)
(يقرب حب الْمَوْت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهمْ فتطولُ)
(وَمَا ماتَ منَّا سيِّدٌ فِي فِراشهِ ... وَلَا طُلَّ منّا حيثُ كانَ قتيلُ)
(تَسيلُ على حدِّ الظُّبات نفوسُنَا ... وَلَيْسَ على غير السُّيوف تسيلُ) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن يَقُول فِيهَا
(فنحنُ كماءِ المُزن مَا فِي نِصالنا ... كَهَامٌ وَلَا فِينا يعدُّ بخيلُ)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(إِذا سيدٌ منَّا خلاَ قامَ سيدٌ ... قؤولٌ لما قالَ الكرامُ فَعُولُ)
(وَما أُخمِدتْ نارٌ لنا دُون طَارق ... وَلَا ذمَّنا فِي النَّازلينَ نَزيلُ)
(وأيامُنا مشهورَةٌ فِي عدُونا ... لَهَا غُرَر معرُوفة وحُجُولُ)
(وأسْيافُنَا فِي كلِّ شرقٍ ومغربٍ ... بهَا منْ قِراع الدَّارعينَ فلولُ)
(مُعَوَّدة أنْ لَا تُسلَّ نِصالها ... فتغمدَ حَتَّى يُستباحَ قتيلُ)
(سلى إنْ جهلتِ النَّاسَ عنّا وعنهمُ ... فليسَ سواءَ عَالم وجهول) // الطَّوِيل //
وَمعنى الْبَيْت إِنَّا نغير مَا نُرِيد تَغْيِيره من قَول غَيرنَا وَلَا يَجْسُر أحد على الِاعْتِرَاض علينا انقيادا لهوانا واقتداء بحرمنا يصف رياستهم ونفاذ حكمهم وَرُجُوع النَّاس فِي الْمُهِمَّات إِلَى رَأْيهمْ
(1/383)

وَالشَّاهِد فِيهِ وَصفه بالإطناب بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَوْله تَعَالَى لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وَهُوَ يسْأَلُون وَوصف الْآيَات الْكَرِيمَة بالإيجاز بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ
وَفِي قَوْله من القصيدة وَإِنَّا لقوم لَا نرى الْقَتْل سبة ... الْبَيْت نوع من البديع يُسمى الاستطراد وَهُوَ أَن يرى الشَّاعِر أَنه يُرِيد وصف شَيْء وَهُوَ إِنَّمَا يُرِيد غَيره وَمِنْه قَول الفرزدق
(كأنّ فقاحَ الأزْد حَوْلَ ابْن مِسمعٍ ... إِذا اجْتمعوا أفْوَاهُ بكر بن وَائِل) // الطَّوِيل //
وَقَول جرير
(لما وضعتُ على الفرزْدق مِيسمى ... وضغا البعيثُ جدعتُ أنفَ الأخطل) // الْكَامِل //
ويروى أَن الفرزدق وقف على جرير بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ ينشد قصيدته الَّتِي هجا فِيهَا الرَّاعِي فَلَمَّا بلغ إِلَى قَوْله
(بهَا برصٌ بِأَسْفَل أسكَتيها ... )
وضع الفرزدق يَده على فِيهِ وغطى عنفقته فَقَالَ جرير
(كَعَنْفقَةِ الفرزْدقِ حِينَ شَابًّا ... )
فَانْصَرف الفرزدق وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ اخزه وَالله لقد علمت حِين بَدَأَ بِالْبَيْتِ أَنه لَا يَقُول غير هَذَا ولكنني طمعت أَن لَا يَأْتِي بِهِ فغطيت وَجْهي فَمَا أغْنى ذَلِك شَيْئا وَيُقَال إِن يُونُس كَانَ يَقُول مَا أرى جَرِيرًا قَالَ هَذَا المصراع إِلَّا حِين غطى الفرزدق عنفقته فَإِنَّهُ نبهه عَلَيْهِ بتغطيته إِيَّاهَا
وَمن الاستطراد قَول أبي تَمام فِي وصف فرس
(فَلَو ترَاهُ مشيخا والحَصا فِلقٌ ... تَحت السَّنابكِ مِنْ مَثْنَي ووُحدانِ)
(1/384)

(حَلَفْتَ إنْ لم تَثَبَّتْ أَنَّ حافِرهُ ... من صخْرِ تدْمُرَ أوْ منْ وجهِ عُثْمَان) // الْبَسِيط //
وَقَول بكر بن النطاح فِي مَالك بن طوق
(عرضتُ عَلَيْهَا مَا أَرَادَت منَ المُنى ... لتَرْضَى فقالتْ قمْ فجئني بِكوكبِ)
(فقلتُ لَهَا هذَا التَّعنُّتُ كلُّه ... كمَن يَشْتَهِي منْ لحم عنْقاء مُغربِ)
(سلى كلَّ أمرٍ يستقيمُ طِلاَبهُ ... وَلَا تذهبي يَا درتي كلَّ مذهبِ)
(فاقسمُ لَو أَصبَحت فِي عزِّ مالكٍ ... وقدرتهِ أعْيا بِما رُمتِ مطلبي)
(فَتى شقيَتْ أموالُه بعُفاتهِ ... كَمَا شقيتْ قيسٌ بأرماح تغلب) // الطَّوِيل //
وَقَول بَعضهم يمدح الْوَزير المهلبي
(بِأبي منْ إِذا أرادَ سِراري ... عَبَّرَتْ لي أنفاسهُ عنْ عبيرِ)
(وسبانِي ثغرٌ كُدرٍّ نظيم ... تحتهُ مَنْطقٌ كَدرٍّ نثيرِ)
(ولهُ طَلْعةٌ كنَيْلِ الْأَمَانِي ... أَو كشعر المهلبي الْوَزير) // الْخَفِيف //
وَقَول أبي الطَّاهِر الْخُزَاعِيّ
(وليل كوجه البرقعيدي ظُلمةً ... وبردِ أَغانيهِ وَطول قُرُونهِ)
(1/385)

(قَطَعْتُ دَياجيهِ بنوْمٍ مُشرَّدٍ ... كعقل سُليمانَ بن فَهْدٍ ودِينهِ)
(على أوْلَقٍ فيهِ التفاتٌ كأنهُ ... أَبُو جابرٍ فِي خبَّطه وجنونه)
(إِلَى أَن بدا ضوءُ الصَّباح كأنهُ ... سنا وجهِ قِرْواشٍ وضوء جَبينه) // الطَّوِيل //
وَقَول إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم يهجو أَحْمد بن هِشَام
(وصافيةٍ يغشى العُيونَ صفاؤها ... رَهينةِ عامٍ فِي الدِّنان وعامِ)
(أدرنابها الكأسَ الرَّوِيَّةَ مَوْهِناً ... منَ اللَّيل حَتَّى انجابَ كلُّ ظلامِ)
(فَمَا ذَر قرْنُ الشَّمس حَتَّى رأيتُنا ... منَ العيِّ نحكي أَحْمد بن هِشَام) // الطَّوِيل //
وَقَول الْحُسَيْن بن عَليّ القمي
(جاوزتُ أجبالاً كأنّ صخورها ... وَجنَاتُ نجم ذِي الْحيَاء الباردِ)
(والشَّوْكُ يعملُ فِي ثِيَابِي مِثلَ مَا ... عملَ الهجاءُ بِعرْض عبد الْوَاحِد) // الْكَامِل //
وَقَول أبي الْفرج الببغاء
(لنا روْضة فِي الدّار صيغَ لزهرها ... قلائدُ من حلي النَدَى وشُنوفُ)
(يطيفُ بِنَا مِنها إِذا مَا تنفستْ ... نسيمٌ كعقل الخالدِيّ ِضعيفُ) // الطَّوِيل //
وَمن ظريف الاستطراد وغريبه قَول بَعضهم
(اكْشفي وجهكِ الذِي أَو حلتني ... فيهِ منْ قبل كَشفهِ عيناكِ)
(1/386)

(غَلَطِي فِي هواكِ يشبه عندِي ... غَلطي فِي أبي عَليّ بن زاكي) // الْخَفِيف //
وَقَول أبي بكر الْخَوَارِزْمِيّ
(وصفراءَ كالدَّينار بنت ثلاثةٍ ... شَمَالٍ وأَنْهار ودهرٍ مُجرّمٍ)
(مَسَرْةِ محزونٍ وعُذْر مُعربدٍ ... وكنز مجوسيٍّ وفتنةِ مُسلمِ)
(مماتٌ لأحياء حياةٌ لميتٍ ... وعُدْمٌ لمن أثرَى ثراءٌ لمعدِم)
(يدورُ بِها ظبيٌ تدورُ عيونُنا ... على عينهِ مِنْ شَرط يِحيى بن أكْثم)
(ينزِّهنا من ثغرهِ ومُدَامه ... وخدّيه فِي شمسٍ وبدرٍ وأنجُم)
(نهضتُ إِلَيْهَا والظَّلاَم كأنهُ ... معاشُ فقيرٍ أَو فؤاد معلم) // الطَّوِيل //
وَقَوله
(ولقدْ بكيتُ عليكَ حَتَّى قدْ بدَا ... دَمعي يُحاكِي لفظكَ المنظوما)
(وَلَقَد حزنتُ عَلَيْك حَتَّى قد حكى ... قلبِي فؤادَ حسودك المحموما) // الْكَامِل //
وَمِنْه قَول ابْن رَشِيق وَكتب بِهِ إِلَى بعض الرؤساء
(إِنِّي لَقيتُ مَشقّهْ ... فَابْعَثْ إليَّ بشُقهْ)
(كَمثلِ وَجهك حسنا ... ومِثل دينيَ رِقهْ) // المقتضب //
فَقَالَ لَهُ الرئيس أما مثل دينك رقة فَلَا يُوجد بِوَزْن أَمْثَال رمال الرقة
ولشرف الدّين ابْن عنين الشَّاعِر على هَذَا الأسلوب فِي فقيهين كَانَا بِدِمَشْق يدعى أَحدهمَا بالبغل وَالْآخر بالجاموس
البَغلُ والجاموسُ فِي جَدَليهما ... قد أصبحا عظةً لكل مُناظرِ)
(برزَا عَشيَّة ليلةٍ فتباحثَا ... هَذَا بقَرْنَيْهِ وذَا بالحافرِ)
(مَا أتْقنا غيرَ الصِّياح كَأَنَّمَا ... لقيا جدالَ المرْتضى بن عساكرِ)
(لفظٌ طويلٌ تحتَ معنى قاصرٍ ... كالعقل فِي عبدِ اللَّطيف النَّاظرِ)
(1/387)

(اثْنَان مالَهُمَا وحقكَ ثالثٌ ... إْلاّ رَقاعة مدلوية الشَّاعِر) // الْكَامِل //
وَمِنْه قَول ابْن جَابر الأندلسي
(تطولُ بهِ للمجدِ أشرفُ هِمةٍ ... فَمَا باعهُ عنْ غايةٍ بقصير)
(سما لاقِتناص المكرُمات كَمَا سَمَا ... بعمرٍو إِلَى الزَبَّاء سعي قصير) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
(سراةٌ كِرامٌ من ذُؤابةِ هاشمٍ ... يقولونَ للأضيافِ أَهلا ومَرْحَبَا)
(ويفعلُ فِي فقر المُقلِّينَ جودهمْ ... كَفعل عليٍّ يومَ حاربَ مرْحَبًا) // الطَّوِيل //
والسموأل هُوَ ابْن غريض بن عادياء ذكر ذَلِك أَبُو خَليفَة عَن مُحَمَّد بن سَلام والسكري عَن الطوسي وَأبي حبيب وَذكر أَن النَّاس يدرجون غريضاً فِي النّسَب وينسبونه إِلَى عادياء جده وَقَالَ عَمْرو بن شيبَة هُوَ السموأل ابْن عادياء وَلم يذكر غريضاً وَقد قيل إِن أمه كَانَت من غَسَّان وَكلهمْ قَالَ إِنَّه صَاحب الْحصن الْمَعْرُوف بالأبلق بتيماء وَقيل بل هُوَ من ولد الكاهن بن هَارُون بن عمرَان وَكَانَ هَذَا الْحصن لجده عادياء واحتفر فِيهِ بِئْرا عذبة روية وَقد ذكرته الشُّعَرَاء فِي أشعارها قَالَ السموأل
(فبالأبلق الفردِ بَيْتِي بهِ ... وَبَيت النَّضِير سوى الأبلق) // المتقارب //
وَكَانَت الْعَرَب تنزل بِهِ فيضيفها وتمتار من حصنه وَيُقِيم هُنَاكَ سوقاً وَبِه يضْرب الْمثل فِي الْوَفَاء لِأَنَّهُ رَضِي بقتل ابْنه وَلم يخن أَمَانَته فِي أَدْرَاع أودعها وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك إِن امْرأ الْقَيْس بن حجر الْكِنْدِيّ لما سَار إِلَى الشَّام يُرِيد قَيْصر نزل على السموأل بن عادياء بحصنه الأبلق بعد إِيقَاعه ببني كنَانَة على أَنهم
(1/388)

بَنو أَسد وَكَرَاهَة من مَعَه لفعله وتفرقهم عَنهُ حَتَّى بَقِي وَحده وَاحْتَاجَ إِلَى الْهَرَب وَطَلَبه الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء وَوجه إِلَى طلبه جيوشاً وخذلته حمير وَتَفَرَّقَتْ عَنهُ فلجأ إِلَى السموأل بن عادياء وَكَانَ مَعَه خَمْسَة أَدْرَاع الفضفاضة والضافية والمحصنة والخريق وَأم الذيول وَكَانَت لبني آكل المرار يتوارثونها ملك عَن ملك وَمَعَهُ ابْنَته هِنْد وَابْن عَمه يزِيد بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة بن الْحَارِث وَسلَاح وَمَال وَكَانَ بَقِي مِمَّا كَانَ مَعَه رجل من بني فَزَارَة يُقَال لَهُ الرّبيع وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ امْرُؤ الْقَيْس
(بَكَى صَاحِبي لما رأى الدَّرْب دونه ... وأيقنَ أنَّا لَا حِقانِ بقيْصرَا)
(فقلتُ لَهُ لَا تبك عَيْنك إِنَّمَا ... نحاول ملكا أَو نموت فنعذرا) // الطَّوِيل //
فَقَالَ لَهُ الْفَزارِيّ قل فِي السموأل شعرًا تمدحه بِهِ فَإِن الشّعْر يُعجبهُ فَقَالَ فِيهِ امْرُؤ الْقَيْس قصيدته الَّتِي مطْلعهَا
(طَرَقَتْكَ هِنْد بعدَ طولِ تَجَنُّبٍ ... وَهْناً وَلم تكُ قبلَ ذَلِك تطرق) // الْكَامِل //
فَقَالَ لَهُ الْفَزارِيّ إِن السموأل يمْنَع مِنْهَا وَهُوَ فِي حصن حُصَيْن وَمَال كثير فَقدم بِهِ على السموأل وعرفه إِيَّاه وأنشده الشّعْر فَعرف لَهما حَقّهمَا وَضرب على هِنْد قبَّة من أَدَم وَأنزل الْقَوْم فِي مجْلِس لَهُ فأقاموا عِنْده مَا شَاءَ الله ثمَّ إِن امْرأ الْقَيْس سَأَلَهُ أَن يكْتب لَهُ إِلَى الْحَارِث بن أبي شمر الغساني
(1/389)

أَن يوصله إِلَى قَيْصر فَفعل واستصحب رجلا يدله على الطَّرِيق وأودع ابْنَته وَمَاله وأدراعه السموأل ورحل إِلَى الشَّام وَخلف ابْن عَمه مَعَ ابْنَته هِنْد
قَالَ وَنزل الْحَارِث بن ظَالِم فِي بعض غاراته بالأبلق وَيُقَال بل كَانَ الْمُنْذر وَجهه فِي خيل وَأمره بِأخذ مَال امرىء الْقَيْس من السموأل فَلَمَّا نزل بِهِ تحصن مِنْهُ وَكَانَ لَهُ ابْن قد يفع وَخرج إِلَى قنصٍ لَهُ فَلَمَّا رَجَعَ أَخذه الْحَارِث بن ظَالِم ثمَّ قَالَ للسموأل أتعرف هَذَا قَالَ نعم هَذَا ابْني فَقَالَ أفتسلم مَا قبلك أَو أَقتلهُ قَالَ شَأْنك بِهِ فلست أَخْفَر ذِمَّتِي وَلَا أسلم مَال جاري فَضرب الْحَارِث وسط الْغُلَام فَقتله وقطعه قطعتين وَانْصَرف عَنهُ فَقَالَ السموأل فِي ذَلِك
(وفيت بأدراع الكندِيِّ إِني ... إِذا مَا ذّم أقوامٌ وفيتُ)
(وأوْصى عادِياً يَوْمًا بِأن لَا ... تُهدِّمَ يَا سموألُ مَا بنيتُ)
(بنى لي عادِياً حِصناً حصينا ... وبئرا كلما شِئْت استقيت) // الوافر //
وَفِي ذَلِك يَقُول الْأَعْشَى وَكَانَ قد استجار بشريح بن السموأل من رجل كَلْبِي قد هجاه ثمَّ ظفر بِهِ فَأسرهُ وَهُوَ لَا يعرفهُ فَنزل بِابْن السموأل فَأحْسن ضيافته وَمر بالأسرى فناداه الْأَعْشَى من جملَة أَبْيَات
(كن كالسموأل إِذْ طافَ الهمامُ بهِ ... فِي عَسْكَر كسواد اللَّيْل جرار)
(إذَ سامهُ خُطَّتَيْ خَسْفٍ فقالَ لهُ ... قُل مَا تشاءُ فإِني سامعٌ حَار)
(فَقَالَ غَدْرٌ وثُكْلٌ أنتَ بَينهمَا ... فاخترْ وَمَا فِيهَا حَظٌّ لمختار)
(فشكَّ غيرَ طويلٍ ثمَّ قَالَ لهُ ... اقتلْ أسيركَ إِنِّي مانعٌ جاري)
(1/390)

(وسوف يُعْقبنيهِ إِنْ ظفرْتَ بهِ ... ربٌّ كريمٌ وبِيضٌ ذاتُ أطْهار)
(لَا سرُّهنّ لدَينا ذاهبٌ أبدا ... وحافظات إِذا استُودِعْنَ أَسراري) فاختارَ أَدْراعهُ كَيْلا يُسَبَّ بهَا ... وَلم يكنْ وعدهُ فِيهَا بختار) // الْبَسِيط //
فجَاء شُرَيْح إِلَى الْكَلْبِيّ فَقَالَ لَهُ هَب لي هَذَا الْأَسير المضرور فَقَالَ هُوَ لَك فَأَطْلقهُ وَقَالَ لَهُ أقِم عِنْدِي حَتَّى أكرمك وأجيزك فَقَالَ لَهُ الْأَعْشَى إِن تَمام صنيعك أَن تُعْطِينِي نَاقَة نَاجِية فَأعْطَاهُ نَاقَة نجية فركبها وَمضى من سَاعَته وَبلغ الْكَلْبِيّ أَن الَّذِي وهب لشريح هُوَ الْأَعْشَى فَأرْسل إِلَى شُرَيْح ابْعَثْ إِلَى الْأَسير الَّذِي وهبته لَك حَتَّى أحبوه وأعطيه فَقَالَ قد مضى فَأرْسل الْكَلْبِيّ وَرَاءه فَلم يلْحقهُ
وشعية بن غريض أَخُو السموأل شَاعِر أَيْضا وَمن شعره
(إِنا إِذا مالتْ دَواعِي الهوَى ... وأنصتَ السّامعُ للقائل)
(لَا نجعلُ الباطلَ حقّاًً وَلَا ... نُلِظُّ دُون الْحق بِالْبَاطِلِ)
(نَخَاف أنْ تَسْفَهَ أَحلامُنَا ... فنخملَ الدَّهرَ معَ الخامل) // السَّرِيع //
عَن الْعُتْبِي قَالَ كَانَ مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ كثيرا مَا يتَمَثَّل إِذا اجْتمع النَّاس فِي مَجْلِسه بِهَذَا الشّعْر
وَعَن يُوسُف بن الْمَاجشون قَالَ كَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان إِذا جلس للْقَضَاء بَين النَّاس أَقَامَ وصيفاً على رَأسه فأنشده هَذِه الأبيات ثمَّ يجْتَهد فِي الْحق بَين الْخَصْمَيْنِ
(1/391)

قد تمّ بعون الله تَعَالَى وَحسن تيسيره طبع الْجُزْء الأول من كتاب معاهد التَّنْصِيص على شَوَاهِد التَّلْخِيص للشَّيْخ عبد الرَّحِيم بن أَحْمد العباسي ويتلوه إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْجُزْء الثَّانِي مفتتحا بشواهد الْفَنّ الثَّانِي وَهُوَ علم الْبَيَان نسْأَل الَّذِي بِيَدِهِ مقاليد الْأُمُور أَن يعين على إكماله وييسر سَبِيل اختتامه آمين
(1/392)