Advertisement

معاهد التنصيص على شواهد التلخيص 002

2 - الْجُزْء الثَّانِي
شَوَاهِد الْفَنّ الثَّانِي وَهُوَ علم الْبَيَان
(2/3)

73 - (وكأنَّ مُحْمرَّ الشَّقيقِ إِذا تصَوَّبَ أَو تَصَعَّدْ ... )
(أعلامُ ياقوتٍ نشرن ... عَلى رماح من زَبَرْجَدْ)
البيتان من الْكَامِل المجزوء المرفل وَلم أَقف على اسْم قائلهما وَرَأَيْت بعض أهل الْعَصْر نسبهما فِي مُصَنف لَهُ إِلَى الصنوبري الشَّاعِر
والشقيق أَرَادَ بِهِ شقائق النُّعْمَان وَهُوَ النُّور الْمَعْرُوف وَيُطلق على الْوَاحِد وَالْجمع وَسمي بذلك لحمرته تَشْبِيها بشقيقة الْبَرْق وأضيف إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَهُوَ آخر مُلُوك الْحيرَة لِأَنَّهُ خرج إِلَى ظهر الْحيرَة وَقد اعتم نبته مَا بَين أصفر وأحمر وأخضر وَإِذا فِيهِ من هَذِه الشقائق شَيْء كثير فَقَالَ مَا أحْسنهَا احموها فَكَانَ أول من حماها فنسبت إِلَيْهِ
وَكَانَ أَبُو العميثل يَقُول النُّعْمَان اسْم من أَسمَاء الدَّم وَلذَلِك قيل شقائق النُّعْمَان نسبت إِلَى الدَّم لحمرتها قَالَ وَقَوْلهمْ إِنَّهَا منسوبة إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر لَيْسَ بِشَيْء قَالَ وَحدثت الْأَصْمَعِي بِهَذَا فنقله عني انْتهى وَالَّذِي قدمْنَاهُ هُوَ الَّذِي ذكره أَرْبَاب اللُّغَة
وَالشَّاهِد فيهمَا التَّشْبِيه الخيالي وَهُوَ الْمَعْدُوم الَّذِي فرض مجتمعاً من أُمُور كل واحدٍ مِنْهَا مِمَّا يدْرك بالحس فَإِن الْأَعْلَام الياقوتية المنشورة على الرماح الزبرجدية مِمَّا لَا يُدْرِكهُ الْحس إِنَّمَا يدْرك مَا هُوَ مَوْجُود فِي الْمَادَّة حَاضر عِنْد الْمدْرك على هيآت محسوسة مَخْصُوصَة لَكِن مادته الَّتِي تركب مِنْهَا كالأعلام والياقوت والرماح والزبرجد كل مِنْهَا محسوس بالبصر
وَقَرِيب من هَذَا النَّوْع قَول بَعضهم
(كلنا باسِطُ اليدِ ... نَحْو نيلو فرندي)
(كَدَبابيسِ عسْجَدٍ ... قُضْبُها من زبرجد) // المقتضب //
وَمثله قَول أبي الْغَنَائِم الْحِمصِي
(2/4)

(خود كأنَّ بنانَها ... فِي خُضْرَةِ النْقشِ المزَرَّدْ)
(سمَكٌ من البلورِ فِي ... شَبك تكَوَّنَ من زبرجد) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقد تفنن الشُّعَرَاء فِي وصف الشقائق فمما ورد من ذَلِك قَول ابْن الرُّومِي أَو الأخيطل الْأَهْوَازِي
(هذي الشَّقَائِقُ قد أبْصَرْتَ حُمْرَتها ... معَ السوَاد على قُضبانها الذُّبُلِ)
(كَأَنَّهَا أدمُعٌ قد غسلت كُحُلاً ... جَادَتْ بهَا وَقْفَة فِي وَجْنَتَيْ خَجِلِ) // الْبَسِيط //
وَقَول سيدوك الوَاسِطِيّ
(انْظُر إِلَى مُقَلِ العقيق تَضَمَّنت حدق السبج ... )
(من فَوق قاماتٍ حَسُنّ وَمَا سَمجْنَ من العوَجْ ... ) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقَول الخباز الْبَلَدِي من أَبْيَات
(إِلَى الرَّوْض الَّذِي قد أضْحَكتْهُ ... شآبيبُ السَّحائِبِ بالبكاءِ)
(كَأَن شقائق النعمانِ فِيهِ ... ثيابٌ قد رَوِينَ من الدِّمَاء) // الوافر //
وَقَول ولد القَاضِي عِيَاض رحمهمَا الله تَعَالَى
(انْظُر إِلَى الزَّرع وخاماتهِ ... تحكي وَقد وَلّتْ أَمَام الرياحْ)
(كتَيبَةً خضراء مَهزومةً ... شقائق النُّعْمَان فِيهَا جراح) // السَّرِيع //
وَقَول الخالدي أَيْضا
(وصبغ شقائق النُّعْمَان يحْكى ... يواقيتاً نُظِمْنَ على اقترانِ)
(وَأَحْيَانا تُشَبِّهها خدُوداً ... كساها الرَّاحُ ثوبا أرجُواني)
(شقائق مثلُ أقداح مِلاءٍ ... وخَشخاشٌ كفارِغَةِ القَناني)
(وَلما غازَلّتنا الرِّيح خِلْنا ... بهَا جَيشَىْ وغيً يتقاتلانِ) // الوافر //
وَقَول الصنوبري
(2/5)

(وجوهُ شقائِقٍ تَبدو وتَحفى ... على قُضبٍ تميسُ بهِنَّ ضعفا)
(ترَاهَا كالعذارى مسبات ... عَلَيْهَا من حميم الشَّعْر سِجفا)
(إِذا طَلعت أرَتكَ السُّرجَ تذكى ... وَإِن غَرَبَت أرتك السرج تُطْفَا)
(تخَالُ إِذا هِيَ اعتَدَلت قَواماً ... زُجاجاتٍ ملئنَ الراحَ صِرفا)
(تَنازعتِ الخدودَ الْحمر حُسناً ... فَمَا قد أخطأتْ مِنْهُنَّ وَصفا) // الوافر //
وَقَول ابْن الدويدة
(كَأَن الشقائق والأقْحُوانَ ... خُدُود تقَبِّلُهنَّ الثُّغُور)
(فهاتيكَ أخْجَلَهن الحياءُ ... وهاتيك أضحكن السرُور) // المتقارب //
وَقَول أبي الْحسن بن وَكِيع من أرجوزة
(يضْحك فِيهَا زَهَرُ الشَّقِيق ... كَأَنَّهُ مَدَاهِنُ العقيقِ)
(مُضَمَّنات قطعا من السَّبَجْ ... فأشرَقت بَين احمرار ودَعَجْ)
(كَأَنَّمَا المحمَرُّ فِي المسْوَدِّ ... منهُ إِذا لَاحَ عيونُ الرَّمْدِ) // الرجز //
وَقَول أبي الْفضل الميكالي
(تَصوغُ لنَا أَيدي الرَّبيع حدائقاً ... كَعِقد عقيقٍ بينِ سْمطِ لآلِ)
(وفيهن أنوارُ الشقائق قد حَكَتْ ... خدودَ عذارَى نُقِّطَتْ بغوالي) // الطَّوِيل //
وَقَول الخبرأرزي أَيْضا
(ورَوضَةٍ راضَها النَّدى فَغَدَتْ ... لَهَا من الزَّهْرِ أنجُمٌ زُهْرُ)
(تنشر فِيهَا أَيدي الرّبيع لنا ... ثوبا من الوَشْيِ حاكه القَطْرُ)
(كأنمَا شُقّ من شقائِقهَا ... علىَ رُباها مطارفٌ خُضْرُ)
(ثمّ تبدَّتْ كَأَنَّهَا حَدَقٌ ... أجفانُهَا منْ دمائها حمر) // المنسرح //
(2/6)

74 - (وَمَسْنُونة زُرْق كأنياب أغوالِ ... )
هُوَ من الطَّوِيل وصدره
(أيَقْتُلنِي والمشْرَفيُّ مضَاجِعِي ... )
وقائله امْرُؤ الْقَيْس الْكِنْدِيّ من قصيدة أَولهَا
(أَلا عَم صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي ... وَهل يعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الخَالِي)
(وهلْ يَعِمَنْ إِلا َسعيدٌ مُخَلَّدُ ... قليلُ همُومٍ مَا يبيتُ بأوجالِ)
(وهلْ يعمن من كَانَ آخرُ عهِدِه ... ثلاثينَ شهرا أَو ثلاثةَ أحوالِ)
(دِيارٌ لسلمَى عافيَاتٌ بِذِي الخالِ ... ألَحَّ عَلَيْهَا كلُّ أسْحَمَ هَطّالِ)
(وتحسبُ سَلمَى لَا تزَال كعهدنَا ... بِوَادي الخُزَامىَ أَو على رأسِ أوعالِ)
(ألاَ زَعمَتْ بَسباسةُ اليومَ أنني ... كبرْتُ وأَن لَا يشهَدَ اللهوَ أمثالي)
(بَلَى رُبّ يومٍٍ قدْ لهوتُ وليلةٍ ... بآنسَةٍ كأنهَا خطُّ تمثَالِ)
(يُضيء الْفراش وَجْهُهَا لضجيعها ... كمصباح زَيْتٍ فِي قناديل ذَبْالِ)
(إذَا مَا الضجيعُ ابتَزَّهَا منْ ثيابهَا ... تميلُ عليهِ هَونةً غيرَ مِعطالِ)
(كدعصِ النقَا يمشي الوَليدَانِ فوقهُ ... لما احتسبَا من لين مسّ وتسهْالِ)
(2/7)

(إذَا مَا اسْتَحَمَّتْ كانَ فيضُ حميمهَا ... على مَتنتَيهَا كالجُمان لدَى الجالِي)
(تَنوّرْتها من أَذْرُعَات وَأَهْلهَا ... بِيَثْرِب أدنى دارها نظرٌ عالِي)
(نَظرُت إِلَيْهَا والنجومُ كَأَنَّهَا ... مصابيحُ رُهبانٍ تُشَبُّ لِقُفَّالِ)
(سَمَوْتُ إِلَيْهَا بعدَ مَا نامَ أهلُها ... سُمُوّ حَبابِ المَاء حَالا على حالِ)
(فَقَالَت سباكَ اللهُ إِنكَ فاضِحِي ... أَلَسْت ترى السُّمَّارَ والناسَ أحوَالِي)
(فقلتُ يمينُ اللهِ لَا أَنا بارحٌ ... وَلَو قطعُوا رَأْسِي لديك وأوصالِي)
(فَلَمَّا تَنازَعنا الحديثَ وأسمَحَتْ ... هصرْتُ بغصنٍ ذِي شَمارِيخَ ميالِ)
(فصرْنا إِلَى الحُسنى ورقّ كلامُنا ... ورُضْتُ فَذَلت صعبة أيّ إذلال)
(حَلفتُ لَهَا بِاللَّه حَلفَةَ فاجرٍ ... لنامُوا فَمَا إِن من حديثٍ وَلَا صالِي)
(فأصبَحْتُ معشوقاً وأصبحَ بعلهُا ... عليهِ قَتامٌ كاسفُ اللونِ والبالِ)
(يَغُطُّ غَطيطَ البكرِ شُدَّ خِناقهُ ... ليقتْلَني والمرء ليسَ بقتالِ) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(وليسَ بِذِي سيف فَيَقْتُلنِي بهِ ... وليسَ بِذِي رُمحٍ وليسَ بنبَّالِ)
(أيَقتلني وَقدْ قطرْتُ فؤادها ... كَمَا قَطرَ المَهْنوَّةَ الرَّجلُ الطالي)
(2/8)

(وَقد علمت سلمى وَإِن كَانَ بَعْلهَا ... بِأَن الْفَتى يهذي وَلَيْسَ بفَعَّالِ)
(وماذَا عَلَيْهِ إِن ذكرتُ أوَانساً ... كغزلان رملٍ فِي مَحاريب أقوالِ) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة
والمشرفي بِفَتْح الْمِيم وَالرَّاء نِسْبَة إِلَى مشارف الشَّام وَهِي قرى من أَرض الْعَرَب تَدْنُو من الرِّيف مِنْهَا السيوف المشرفية والمسنون المحدد المصقول وَوصف النصال بالزرقة للدلالة على صفائها وَكَونهَا مجلوة وَأَرَادَ بقوله أَنْيَاب أغوال أَي شياطين وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يهول قَالَ أَبُو نصر سَأَلت الْأَصْمَعِي عَن الغول فَقَالَ همرجة من همرجة الْجِنّ
وَالشَّاهِد فِيهِ التَّشْبِيه الوهمي وَهُوَ الْغَيْر الْمدْرك بِإِحْدَى الْحَواس وَلكنه بِحَيْثُ لَو أدْرك لَكَانَ مدْركا بهَا فَإِن أَنْيَاب الغول مِمَّا لَا يُدْرِكهُ الْحس لعدم تحققها مَعَ أَنَّهَا لَو أدْركْت لم تدْرك إِلَّا بحس الْبَصَر
وَذكرت بِأول القصيدة مَا حَكَاهُ ناشب بن هِلَال الْحَرَّانِي الْوَاعِظ البديهي وَكَانَ يلقب بِهِ لقَوْله الشّعْر بديهاً قَالَ قصدت ديار بكر متكسباً بالوعظ فَلَمَّا نزلت قلعة ماردين دَعَاني بهَا صَاحبهَا تمرداس بن المغان بن أرتق للإفطار عِنْده فِي شهر رَمَضَان فَحَضَرت إِلَيْهِ فَلم يرفع مجلسي وَلم يكرمني وَقَالَ بعد الْإِفْطَار لغلام عِنْده إئتنا بِكِتَاب فجَاء بِهِ فَقَالَ لَهُ ادفعه إِلَى الشَّيْخ ليقْرَأ فِيهِ فازداد غيظي لذَلِك وَفتحت الْكتاب فَإِذا هُوَ ديوَان امرىء الْقَيْس وَإِذا أول مَا فِيهِ
(ألاَ عَم صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي ... وَهل يعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الْخَالِي)
(2/9)

فَقلت فِي نَفسِي أَنا ضيف وغريب وأستفتح مَا أقرأه على سُلْطَان كَبِير وَقد مضى هزيع من اللَّيْل أَلا عَم صباحاً فَقلت
(أَلاَ عِمْ مسَاء أَيهَا الملكُ العالِي ... ولاَ زلْتَ فِي عز يدومُ وإقبالِ)
ثمَّ أتممت القصيدة فتهلل وَجه السُّلْطَان لذَلِك وَرفع مجلسي وأدناني إِلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك سَبَب حظوتي عِنْده
75 - (وكأنَ النُّجُومَ بينَ دُجاها ... سُنن لاحَ بينهُنَّ ابتداعُ)
الْبَيْت للْقَاضِي التنوخي من أَبْيَات من الْخَفِيف أَولهَا
(رُبّ ليلٍ قطعْتُهُ بِصدُودٍ ... أَو فراقٍ مَا كانَ فِيهِ وَدَاعُ)
(موحشٍ كالثقيلِ تقذَى بِهِ العَينُ وتأبى حَدِيثه الأسماع ... ) // الْخَفِيف //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(مُشْرِقاتٌ كأنهنّ حجاجٌ ... تقطعُ الخصمَ والظلامَ انقطاعُ)
(وكأنّ السَّمَاء خيمة وَشْيٍ ... وكأنّ الجوزاء فِيهَا شراعُ) // الْخَفِيف //
والدجى جمع دجية وَهِي الظلمَة وَالضَّمِير رَاجع إِلَى اللَّيَالِي أَو النُّجُوم والابتداع الْحَدث فِي الدّين بعد الْكَمَال أَو مَا استحدث بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْأَهْوَاء والأعمال
وَالشَّاهِد فِيهِ التَّشْبِيه التخييلي وَهُوَ أَن لَا يُوجد فِي أحد الطَّرفَيْنِ أَو فِي كليهمَا إِلَّا على سَبِيل التخييل والتأويل وَوَجهه فِي هَذَا الْبَيْت هُوَ الْهَيْئَة
(2/10)

الْحَاصِلَة من حُصُول أَشْيَاء مشرقة بيض فِي جَوَانِب شَيْء مظلم أسود فَتلك الْهَيْئَة غير مَوْجُودَة فِي الْمُشبه بِهِ إِلَّا على طَرِيق التخييل وَذَلِكَ أَنه لما كَانَت الْبِدْعَة وكل مَا هُوَ جهل تجْعَل صَاحبهَا كمن يمشي فِي الظلمَة فَلَا يَهْتَدِي للطريق وَلَا يَأْمَن أَن ينَال مَكْرُوها شبهت بالظلمة وَلزِمَ بطرِيق الْعَكْس أَن تشبه السّنة وكل مَا هُوَ علم بِالنورِ لِأَن السّنة وَالْعلم تقَابل الْبِدْعَة وَالْجهل كَمَا أَن النُّور يُقَابل الظلمَة
وَالْقَاضِي التنوخي هُوَ عَليّ بن مُحَمَّد بن دَاوُد أَبُو الْقَاسِم التنوخي قدم بَغْدَاد وتفقه على مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ حَافِظًا للشعر ذكياً وَله عرُوض بديع وَولي الْقَضَاء بعدة بلدان وَهُوَ وَالِد أبي عَليّ الْحسن التنوخي صَاحب نشوار المحاضرة وَكتاب الْفرج بعد الشدَّة وَغَيرهمَا وَكَانَ أَبُو الْقَاسِم هَذَا بَصيرًا بِعلم النُّجُوم قَرَأَ على الْكسَائي المنجم وَيُقَال إِنَّه كَانَ يقوم بِعشْرَة عُلُوم وَكَانَ يحفظ للطائيين سَبْعمِائة قصيدة ومقطوعة سوى مَا يحفظ لغَيرهم من الْمُحدثين وَغَيرهم وَكَانَ يحفظ من النَّحْو واللغة شَيْئا كثيرا وَكَانَ فِي الْفِقْه والفرائض والشروط غَايَة واشتهر بالْكلَام والمنطق والهندسة وَكَانَ فِي الْهَيْئَة قدوة
وَقَالَ الثعالبي فِي حَقه رحمهمَا الله تَعَالَى هُوَ كَمَا قرأته فِي فصل للصاحب إِن أردْت فَإِنِّي سبْحَة ناسك أَو أَحْبَبْت فَإِنِّي تفاحة فاتك أَو اقترحت فَإِنِّي مدرعة رَاهِب أَو آثرت فَإِنِّي نخبة شَارِب
وَكَانَ الْوَزير المهلبي وَغَيره من وزراء الْعرَاق يميلون إِلَيْهِ جدا ويتعصبون لَهُ ويعدونه رَيْحَانَة الندماء وتاريخ الظرفاء ويعاشرون مِنْهُ من تطيب عشرته
(2/11)

وتلين قشرته وتكرم أخلاقه وتحسن أخباره وتسير أشعاره ناظمة حاشيتي الْبر وَالْبَحْر وناحيتي الشرق والغرب
ويحكى أَنه كَانَ من جملَة الْقُضَاة الَّذين ينادمون الْوَزير المهلبي ويجتمعون عِنْده فِي الْأُسْبُوع لَيْلَتَيْنِ على أطراح الحشمة والتبسط فِي القصف والخلاعة وهم ابْن قريعة وَابْن مَعْرُوف والأيذحي وَغَيرهم وَمَا مِنْهُم إِلَّا أَبيض اللِّحْيَة طويلها وكذاك كَانَ المهلبي فَإِذا تَكَامل الانس وطاب الْمجْلس ولذ السماع وَأخذ الطَّرب مِنْهُم مأخذه وهبوا أَثوَاب الْوَقار للعقار وتقلبوا فِي أعطاف الْعَيْش بَين الخفة والطيش وَوضع فِي يَد كل مِنْهُم طاس من ذهب ألف مِثْقَال مَمْلُوء شرابًا قطربليا أَو عكبرياً فيغمس لحيته فِيهِ بل ينقعها حَتَّى تتشرب أَكْثَره ثمَّ يرش بهَا بَعضهم على بعض ويرقصون بأجمعهم وَعَلَيْهِم المصبغات ومخانق الْبرم وإياهم عني السرى الرفاء بقوله
(مَجَالسٌ ترقُصُ القضاةُ بهَا ... إِذا انتَشَوْا فِي مخانِقِ البُرَمِ)
(وصاحبٌ يخلط المجونَ لنا ... بِشيمَة حُلوَةٍ من الشِّيمِ)
(تخْضِبُ بِالرَّاحِ شَيبُه عَبَثاً ... أَناملٌ مثل حمرَة العنم)
(حَتَّى تخَالَ العيونُ شيبتَهُ ... شيبةَ عُثمانَ ضرجت بِدَم) // المنسرح //
فَإِذا أَصْبحُوا عَادوا لعادتهم من الْتِزَام التوقر والتحفظ بأبهة الْقَضَاء وحشمة الْمَشَايِخ الكبراء
وَكَانَ لَهُ غُلَام يؤثره على غَيره من غلمانه يُسمى نسيماً فَكتب إِلَى القَاضِي التنوخي بعض أَصْحَابه
(هَل عليٌّ لامُهُ مُدْغمةٌ ... لاضطرار الوَزنِ فِي ميمِ نَسيم) // الرمل //
(2/12)

فَوَقع تَحْتَهُ نعم وَلم لَا
وَقَالَ مَنْصُور الخالدي كنت ذَات لَيْلَة عِنْد التنوخي فِي ضِيَافَة فأغفى إغْفَاءَة فَخرج مِنْهُ ريح فَضَحِك بعض الْقَوْم فانتبه بضحكه وَقَالَ لَعَلَّ ريحًا فسكتنا من هيبته فَمَكثَ سَاعَة ثمَّ قَالَ
(إِذَا نَامَتْ العينانِ من مُتيَقِّظٍ ... تراخَتْ بِلَا شكٍ تشاريجُ فَقحتهْ)
(فَمن كَانَ ذَا عقلٍ فيعذر نَائِما ... وَمن كَانَ ذَا جهل فَفِي جَوفِ لحيته) // الطَّوِيل //
وَهَذِه نبذة من شعره
قَالَ من قصيدة كَثِيرَة الْعُيُون وَكَانَ الصاحب بن عباد يفضلها على سَائِر شعره ويروي أَنَّهَا من أُمَّهَات قلائده وَهِي
(أحْبب إليَّ بنهر مَعْقلٍ الَّذِي ... فيهِ لقَلبي من همومي معقِلُ)
(عَذْبٌ إِذا مَا عبَّ منهُ ناهلٌ ... فَكَأَنَّهُ من ريق حِبّ يَنْهَلُ)
(مُتَسَلسلٌ وكأنهُ لِصَفائه ... دمْعٌ بخدَّي كاعبٍ يتسلسلُ)
(وَإِذا الرِّياح جَرين فَوق متونه ... فَكَأَنَّهُ دِرْعٌ جلاها صقيل)
(وكأنّ دجلةَ إِذْ تغطغط مَوْجها ... ملك يُعظِّم خيفةً ويبجل)
(وَكَأَنَّهُ ياقوتة أَو أعين ... زرق يلاءم بَينهَا ويوصل)
(2/13)

(عذبت فَمَا نَدْرِي أماء مَاؤُهَا ... عِنْد المذاقة أم رَحيقٌ سَلْسَل)
(وَلها بمدٍّ بعد جَزْر ذاهبٍ ... جيشان يُدْبر ذَا وَهَذَا يُقْبل)
(وَإِذا نظرت إِلَى الأبْلَّةِ خلتها ... من جنَّة الفردوس حِين تخيَّلُ)
(كم منزل فِي نهرها آلى السرُور ... بِأَنَّهُ فِي غَيره لَا ينزل)
(وكأنما تِلْكَ الْقُصُور عرائس ... وَالرَّوْض حَلْى فَهِيَ فِيهِ تَرْفُل)
(غَنَّتْ قِيان الوُرْق فِي أرجائها ... هَزَجاً يقلّ لَهُ الثقيلُ الأولُ)
(وتعانقت تِلْكَ الغصون فأذكرت ... يومَ الْوَدَاع وعِيرُهُمْ تترحَّلُ)
(ربع الرّبيع بهَا فحاكت كفُّه ... حللاً بهَا عُقَدُ الهمومِ تحلل)
(فمدَّبج وموشح ومدنر ... ومعمد ومحبر ومهلهل)
(فتخال ذَا عَيْناً وَذَا ثغراً وَذَا ... خَدّاً يعضض مرّة وَيقبل) // الْكَامِل //
وَمن شعره أَيْضا قَوْله
(كَأَنَّمَا المرِّيخُ والمشْترِي ... أمامَهُ فِي شامِخ الرِّفعه)
(مُنْصَرف بِاللَّيْلِ عَن دَعوة ... قد أوقدَتْ قُدامَه شمعه) // السَّرِيع //
وَمثله قَول أبي عَتيق السفار
(وكأنّ البدرَ والمرّيخ إِذْ وافى إليهِ ... )
(ملكٌ توقدُ لَيْلًا ... شَمْعةٌ بَين يَدَيْهِ) // الرمل //
رَجَعَ إِلَى شعر القَاضِي التنوخي رَحمَه الله قَالَ
(2/14)

(وَلَيْلَة مشتاق كأنّ نجومها ... قد اغتصبت عَيْني الْكرَى فَهِيَ نُوّمُ)
(كأنّ سَوَادَ الليلِ والفجرُ ضاحكٌ ... يلوحُ وَيخْفى أسودٌ يبتسم) // الطَّوِيل //
وَله أَيْضا فِي غور الْكَوَاكِب عِنْد الصَّباح
(عَهْدِي بهَا وضياء الصُّبْح يُطْفئها ... كالسُّرْج تُطْفأ أَو كالأعينِ العورِ)
(أعجبْ بهَا حينَ وافىَ وَهيَ نَيرةٌ ... فظلَّ يطمسُ مِنْهَا النَورُ بالنورِ) // الْبَسِيط //
وَكتب إِلَى الْوَزير المهلبي وَقد مَنعه الْمَطَر من خدمته
(سَحابٌ أَتَى كالأمن بعد تخوفِ ... لهُ فِي الثرى فعلُ الشِّفَاء بُمدْنَفِ)
(أكبّ على الْآفَاق إطراقَ مطرقٍ ... يفكرُ أَو كالنادِمِ المتلهف)
(ومدّ جناحيه على الأَرْض جانحاً ... فراحَ عَلَيْهَا كالغراب المرَفْرِفِ)
(غَدَا الْبر بحرا زاجرا وانثَنَى الضُّحَى ... بظلمَته فِي ثوب ليلٍ مُسَجِّفِ)
(يعبسُ عَن برْقٍ بِهِ مُتبسمٍ ... عبُوُسً بخيلٍ فِي تَبَسم مُعتفي)
(تُحَاولُ منهُ الشمسُ فِي الجوّ مخرَجاً ... كَمَا حَاولَ المغلوبُ تجريدَ مرهف) // الطَّوِيل //
أَيْن هَذَا من قَول ابْن المعتز رَحمَه الله
(تحاول فتْقَ غيم وهوَ يَأْبَى ... كَعنينٍ يريدُ نكاحَ بكرِ)
(فأفرَغَ مَاء قَالَ حَوْضه واردُ حَوْضه ... أسَلْسال مَاء أمْ سُلافةُ قَرْقفِ)
(2/15)

أَتَى رَحْمَة للنَّاس غَيْرِي فإِنهُ ... عليّ عَذَاب مَاله من تَكَشُّفِ)
(سَحَاب عَدَا بِي عَن سَحَاب وعارضٌ ... مُنعتُ بِهِ من عَارض متكفكِفِ) // الوافر //
أَخذه من قَول الْحسن بن وهب لمُحَمد بن عبد الْملك الزيات
(لستُ أدرى مَاذَا أذمّ وأشكو ... مِنْ سمَاء تعوقني عَن سَمَاء) // الْخَفِيف //
وَمن شعر القَاضِي التنوخي أَيْضا
(أَما ترَى البردَ قد وافتْ عساكرُهُ ... وعسكر الحرّ كَيفَ انصاع منطلقَا)
(فالأرض تَحت ضريب الثَّلج تحسبُهَا ... قد أُلبستْ حُبكاً أَو غُشيت ورقَا)
(فانهض بِنَار إِلَى فَحم كَأَنَّهُمَا ... فِي الْعين ظلمٌ وإنصافٌ قد اتفقَا)
(جاءَتْ وَنحن كقلب الصب حِين سلا ... بردا فصرنا كقلب الصب إِذْ عشقا) // الْبَسِيط //
وَمِنْه أَيْضا
(رضاكَ شبابٌ لَا يَلِيهِ مشيبُ ... وسخطك دَاء لَيْسَ مِنْهُ طبيبُ)
(كَأَنَّك من كل النُّفُوس مُركبٌ ... فَأَنت إِلَى كل النُّفُوس حبيب) // الطَّوِيل //
وَله فِي معذر
(قلتُ لِأَصْحَابِي وَقد مرّ بِي ... منتقباً بعد الضياءِ بالظُّلَم)
(باللهِ يَا أَهْلَ ودادِي قفُوا ... كي تبصروا كَيفَ زَوَال النعم) // السَّرِيع //
ومحاسنه رَحمَه الله كَثِيرَة وَهَذَا الأنموذج كافٍ فِيهَا وَكَانَت وَفَاته سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثلثمائة
(2/16)

76 - (وَقد لَاحَ فِي الصُّبْح الثريا لمن رأى ... كعنقود ملاحية حِين نَوْرَا)
الْبَيْت لأبي الْقَيْس بن الأسلت من الطَّوِيل
والملاحي بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف اللَّام وَقد تشدد عِنَب أَبيض فِي حبه طول وَمعنى نور تفتح نوره والثريا مصغرة قيل تَصْغِير تَعْظِيم وَقيل تَصْغِير تقريب إعلاماً بِأَن نجومها قريب بَعْضهَا من بعض ومكبرها ثروي وَهِي الْكَثْرَة وَسميت هَذِه النُّجُوم المجتمعة بِالثُّرَيَّا لِكَثْرَة نورها وَقيل لِكَثْرَة نجومها مَعَ صغر مرآها فَكَأَنَّهَا كَثِيرَة الْعدَد بِالْإِضَافَة إِلَى ضيق الْمحل وَعدد نجومها سَبْعَة أنجم سِتَّة ظَاهِرَة وَوَاحِد خَفِي تختبر بِهِ النَّاس أَبْصَارهم وَذكر القَاضِي عِيَاض رَحمَه الله تَعَالَى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَرَاهَا أحد عشر نجماً
وَالشَّاهِد فِيهِ الْمركب الْحسي فِي التَّشْبِيه الَّذِي طرفاه مفردان الْحَاصِل من الْهَيْئَة الْحَاصِلَة من تقارن الصُّور الْبيض الصغار الْمَقَادِير فِي المرأى وَإِن كَانَت كبارًا فِي الْوَاقِع على الْكَيْفِيَّة الْمَخْصُوصَة منضمة إِلَى الْمِقْدَار الْمَخْصُوص وَالْمرَاد بالكيفية الْمَخْصُوصَة أَنَّهَا لَا مجتمعة اجْتِمَاع التضام والتلاصق وَلَا هِيَ شَدِيدَة الِافْتِرَاق بل لَهَا كَيْفيَّة مَخْصُوصَة من التقارب والتباعد على نِسْبَة قريبَة مِمَّا نجده فِي رأى الْعين بَين تِلْكَ الأنجم والطرفان المفردان هما الثريا والعنقود
وَمِمَّا جَاءَ فِي وصف الثريا أَيْضا قَول امرىء الْقَيْس
(إِذا مَا الثريا فِي السَّمَاء تعرضت ... تعرض أثْنَاء الوشاح الْمفصل) // الطَّوِيل //
(2/17)

وَقد أبدعَ الْمُتَأَخّرُونَ فِي وصفهَا فَمن ذَلِك قَول ابْن المعتز
(قَدِ انقَضَتْ دولةُ الصّيام وقَدْ ... بَشَّرَ سُقْمُ الهلالِ بالعيدِ)
(يَتلوُ الثريا كفَاغِرٍ شَرِهٍ ... يفتحُ فاهُ لأكل عنقود) // المنسرح //
وَمثله قَوْله أَيْضا
(زَارَني والدُّجى أحمُّ الحوَاشي ... والثريا فِي الغْربِ كالعُنقُودِ)
(وهلاَلُ السَّمَاء طوقُ عَرُوسٍ ... باتَ يُجْلَي على غلائل سود) // الْخَفِيف //
وَقَول ابْن بابك
(وليلةٍ جوْزَاؤها ... مثلُ الخِباء المنهَتِكْ)
(قَطعتُها والبدرُ عنْ ... سَمْتِ الثريا مُنفركْ)
(كأنهَا فِي عُرْضِهِ ... بازٍ على كفّ مَلكْ) // من مجزوء الرجز //
وَقَول سهل بن الْمَرْزُبَان
(كمْ لَيْلَة أحييتها ومُؤَانسي ... طُرَفُ الحَدِيث وَطيب حثّ الأكؤُسِ)
(شَبَّهتُ بَدْرَ سمائها لما دَنتْ ... منهُ الثريا فِي قميصٍ سندُسي)
(مَلِكاً مَهيباً قَاعِدا فِي روضةٍ ... حيَّاهُ بعضُ الزائرينَ بنرجس) // الْكَامِل //
وَمثله قَول ابْن المعتز أَيْضا
(أتانيَ والإِصباحُ يَرْفُلُ فِي الدُّجى ... بِصفرَاء لم تفسدْ بطبْخٍ وإحراقِ)
(2/18)

(فناوَلَنِيها والثريا كَأَنَّهَا ... جَنىَ نرجسٍ حيّا الندَامى بِهِ الساقِي) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول النَّاشِئ الْأَصْغَر
(وليلٍ تَوارى النجمُ من طُولِ مُكثهِ ... كَمَا ازْوَرَ محبوبٌ لخوف رقيبهِ)
(كأنّ الثريا فِيهِ باقةُ نرجسٍ ... يُحيّى بهَا ذُو صبوةٍ لحبيبهِ) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي الْفَرح الببغاء من أَبْيَات
(تَرى الثريا والبدر فِي قَرَنٍ ... كَمَا يُحَيَّا بنرجسٍ مَلكْ) // المنسرح //
وَقَول الْوَزير أبي الْعَبَّاس الضَّبِّيّ
(خلت الثريا إِذا بَدَتْ ... طالعةً فِي الحِندِسِ)
(مُرْسلَة من لؤلؤٍ ... أَو باقةً من نرجس) // من مجزوء الرجز //
وَقَوله أَيْضا
(إِذا الثريا اعترضتْ ... عندَ طلوعِ الفجرِ)
(حَسبْتَها لامعةً ... سَبيكةً من در) // من مجزوء الرجز //
ونفيس قَول ابْن حمديس أَيْضا من قصيدة
(فاسْقِني عَن إِذن سُلطانِ الْهوى ... لَيْسَ يَشْفي الرُّوحَ إِلَّا كاسُ راحْ)
(وانتَظر للحلم مني كَرَّةً ... كم فَسادٍ كانَ عُقباهُ صَلاحْ)
(فالقَضيبُ اهتزّ والبَدرُ بدا ... والكَثيبُ ارْتَجّ والعَنبرُ فاحْ)
(والثرَيا زجج الجو بهَا ... كابنِ مَاء ضَمَّ للوَكْرِ جَناحْ)
(وكأَنَّ الغَرْبَ مِنْهَا نَاشِقٌ ... باقَةً من ياسمينٍ أَو أفاح) // الرمل
وَقَول الصاحب بن عباد
(تُنيرُ الثريا وَهِي قُرْطٌ مُسَلسلٌ ... وَيَعقلُ مِنْهَا الطرْفَ دُرٌّ مبدد) // الطَّوِيل //
وَمَا ألطف قَول ابْن حُصَيْن
(2/19)

(عَليَّ أَن أَتَذَلَّلْ ... لهُ وأنْ يتَدَلَّلْ)
(خَدّ كأَن الثريا ... عَليهِ قُرْط مُسلسل) // المقتضب //
وَقَول أبي الْفرج الببغاء
(خُذُوا من الْعَيْش فالأعمارُ فانِيةٌ ... والدهر منصَرِفٌ والعيشُ منقرضُ)
(فِي حامِلِ الكأس من بدرِ الدجَى خلف ... وَفِي المدَامَةِ من شمس الضُّحى عِوضُ)
(كَأَن نجم الثريا كفُّ ذِي كرم ... مَبسوطَة للعطايا لَيْسَ تنقبض) // الْبَسِيط //
وَقَول ابْن سكرة الْهَاشِمِي
(ترى الثريا والغربُ يجذبها ... والبدر يَسري والفجرُ يَنفجرُ)
(كَفَّ عروسِ لاحَتْ خواتمهُا ... أَو عِقْدَ دُرٍّ فِي الجو يَنتثرُ) // المنسرح //
وَمثله قَول أبي الْقَاسِم عَليّ بن جلبات
(وَخِلتُ الثريا كف عَذراءَ طفلةٍ ... مختَّمةٍ بالدر مِنْهَا الأنامِلُ)
(تخيلتُها فِي الْأُفق طُرَّةَ جعبة ... مُكوكَبة لم تَعْتَلقها حَبَائِلُ) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي الْقَاسِم بن هَانِئ الأندلسي
(وَوَلَّتْ نُجُوم للثريا كَأَنَّهَا ... خَوَاتِم تبدو فِي بنان يَد تخفى) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول محيي الدّين بن عبد الظَّاهِر
(مَلأتَ اللَّيَالِي من عُلاً وخَتَمْتَهَا ... فقد أصبَحَتْ محشُوَّةً من مَكارمكْ)
(خَتمت عَلَيْهَا بِالثُّرَيَّا فَقُلْ لنا ... أَهَذا الَّذِي فِي كَفِّها من خواتِمكْ) // الطَّوِيل //
وَقد أحسن الصنوبري فِي تشبيهه الثريا فِي جَمِيع أحوالها حَيْثُ يَقُول من أَبْيَات
(قُم فاسقني والظلام مُنْهَزِمُ ... والصُّبح بادٍ كأنهُ عَلمُ)
(والطَيرُ قد طرَّبَتْ فأفصحت الألحان طُرّاً وكلُّها عجم ... )
(2/20)

(ومَيَّلت رَأسهَا الثريا لاسرارٍ إِلَى الغَرْبِ وَهِي تحْتَشمُ ... )
(فِي الشرق كأس وَفِي مَغاربها ... قُرط وَفِي أوْسَطِ السما قدم) // المنسرح //
وَقد وصفهَا الوأواء الدِّمَشْقِي فِي حالتي الشروق والغروب فَقَط فَقَالَ
(قد تأمَّلْتُ الثريا ... فِي شروق وغروب)
(فَهِيَ كأس فِي شروق ... وَهِي قرط فِي غرُوب) // من مجزوء الرمل //
وَمَا أبدع قَول بَعضهم أَيْضا
(وكأنما نجم ... إِذْ تَعَرَّضَ كالوِشاحْ ... )
(كأس بكَف خَرِيدَةٍ ... تَسقى الْمَسَابِيَدِ الصَّباح) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقَول الوأواء الدِّمَشْقِي
(وجَلا الثريا فِي ملاءة ... نُورِهِ بدرُ التمامْ)
(فَكَأَنَّهَا كأسٌ ليَشْربها الدجَى والبدرُ جامْ ... )
(وَكَأن زُرْقَ نجومها ... حدق مفتحة نيام) // من مجزوء الْكَامِل //
وبديع قَول عبد الْوَهَّاب الْأَزْدِيّ الْمَشْهُور بالمثقال
(يَا ساقيَ الكأس اسْقِ صحبي ... وأسقني إِنَّنِي أُوَاسِي)
(وَانْظُر إِلَى حيرةِ الثريا ... والليلُ قد سُدَّ باندماسِ)
(مَا بَين بَهْرامِها المُلاحي ... وَبَين مرِّيخها المواسِي)
(كَأَنَّهَا رَاحَةٌ أشارَتْ ... لأخذِ تفاحة وكاس) // من مخلع الْبَسِيط //
وَقَوله أَيْضا
(رَأَيْت بهْرَام والثريا ... والمُشْتري فِي القِران كرَّهْ)
(كراحَةٍ حَيَّرتْ يداها ... مَا بَين ياقوتة ودره) // من مخلع الْبَسِيط //
(2/21)

قَالَ عبد الْوَهَّاب الْمَذْكُور هذَيْن الْبَيْتَيْنِ لما أنْشدهُ ابْن رَشِيق قَوْله
(والثريا قُبَالَةَ الْبَدْر تحكي ... باسطاً كفَّه ليَأْخُذ جَاما) // الْخَفِيف //
وللوأواء الدِّمَشْقِي
(رُبَّ ليلٍ مَا زلتُ ألثم فِيهِ ... قمراً لابساً غُلالَةَ وردِ)
(والثريا كَأَنَّهَا كفُّ خَوْدٍ ... داخلتها للبين رِعْدَةُ وَجدِ) // الْخَفِيف //
وَمثله قَول بَعضهم
(كَأَن الثريا بَين شَرْقٍ ومغرب ... وَقد سَلْمَتّ للصبح طَوعاً عِنانها)
(مُرَوَّعة بالبينِ نحوَ أليفِها ... تُقَلب من خوف الْفِرَاق بنانها) // الطَّوِيل //
وَقَول الآخر
(والليلُ قد ولىَّ يُقَلصُ بُردَهُ ... كدّاً ويَسحب ذيله فِي الْمغرب)
(وكأنما نجم الثريا سُحْرَةً ... كفٌّ تمسّحُ عَن مَعَاطِفِ أَشهب) // الْكَامِل //
ولإبراهيم بن الْعَبَّاس الصولي فِي اقتران الثريا والهلال
(وليلةٍ من ليَالِي النس بتُّ بهَا ... والرَّوضُ مَا بيَن منظوم ومنضودِ)
(والنسرُ قد حام فِي الظلماءِ من ظمإِ ... وللمَجَرَّةِ نهرٌ غيرُ مَوْرودِ)
(وَابْن الغَزَالَةِ فَوق النَّجْم منعطفٌ ... كَمَا تأوَّدَ عُرجُونٌ بعنقود) // الْبَسِيط //
وَلأبي عَاصِم الْبَصْرِيّ فِي اقتران الْهلَال والثريا والزهرة
(رأيتُ الْهلَال وَقد أحدقته ... نُجُوم السَّمَاء لكَي تَسْبقْه)
(فشبَّهته وَهُوَ فِي إثْرهَا ... وَبَينهمَا الزهرة المشرقة)
(ِبقوْسٍ لرامٍ رمى طائراً ... فأتبعَ فِي إثره بندقه) // المتقارب //
وَلأبي الْحسن الْكَرْخِي فِي مثله
(2/22)

(كأنّ الهلالَ المستنيرَ وَقد بدَا ... وَنجم الثريا واقفٌ فوقَ هَالَتهْ)
(مليكٌ على أعلاهُ تاجٌ مرصَّعٌ ... ويُزْهى على من دونه بجلالته) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول ابْن طَبَاطَبَا الْعلوِي
(أمَا والثريا والهلال جلتْهُما ... لِيَ الشمسُ إِذْ ودّعت كُرْهاً نهارَها)
(كأسماء إِذْ زارت عشيا وغادَرَتْ ... دَلالاً لدينا قُرْطهَا وسوارها) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي عَليّ الْحَاتِمِي
(وليلٍ أَقَمْنَا فِيهِ نُعملُ كأسنا ... إِلَى أَن بَدَا للصبح فِي اللَّيْل عسكرُ)
(ونجمُ الثريا فِي السَّمَاء كأنهُ ... على حُلةٍ زرقاء جَيْبٌ مدنر) // الطَّوِيل //
وَمن بديع أَوْصَاف الثريا قَول البديع القليوبي الْكَاتِب
(وصافية باتَ الغلامُ يديرُها ... على الشرْبِ فِي جنحٍ من اللَّيْل أدعجِ)
(كأنَ حَبابَ المَاء فِي وَجنَاتها ... فرائدُ دُرّ فِي عقيق مُدَحرجِ)
(ولاَ ضوء إلاّ من هلالٍ كَأَنَّمَا ... نفرق عَنهُ الغيمُ عَن نصف دُملجِ)
(وقدْ حَالَ دونَ المشتريْ من شعاعهِ ... ومِيضٌ كمثْلِ الزئبقِ المُتَرجرجِ)
(كَأَن الثريا فِي أواخرِ ليلِها ... نجيةُ وَرْدٍ فَوقَ زَهرِ بنفسج) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول ابْن فضال
(كأنّ بهرَامَ وَقد عارضَتْ ... فِيهِ الثريا نظرَ المبصرِ)
(ياقوتةٌ يعرضهَا بائعٌ ... فِي كَفه والمشتَري المشترِي) // السَّرِيع //
وبديع قَول الشهَاب مَحْمُود فِي تَشْبِيه الثريا والهلال والدارة
(كأنّ الثريا والهلالَ ودارَةً ... حوَتهُ وَقد زَان الثريا التئامُهَا)
(حَبابٌ طَفا من فوقِ زورقِ فضةٍ ... بكَفِّ فتاة طَاف بِالرَّاحِ جامها) // الطَّوِيل //
وَقد أغرب ابْن عون بقوله
(2/23)

(رُبَّ ليلٍ لم أنمهُ ... ونجوم اللَّيْل تَشْهَدْ)
(والثريا فِي مَدَاها ... حِين تَنْحَط وتَصْعَدْ)
(عقْرَبٌ يسعَى من الدّرّ ... على صحن زَبْرجد)
(خَلْفها طالبُ نَار ... وشهاب لَيْسَ يخمد)
(فَهِيَ حَيرَى مَا أَرَاهَا ... من سَبِيل الغي ترشد) // من مجزوء الرمل //
وبديع قَول ظافر الْحداد
(كَأَن الثريا تَقْدُم الفجرَ والدجى ... يَضُمُّ حَوَاشِي سِجْفِهِ للمغاربِ)
(مُقَّدَم جَيش الرومِ أَوْمَأ بكفِّه ... لتَبديدِ جَيش من بني الزنج هارب) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
(كَأَن نُجُوم اللَّيْل لما تَنَحَّلت ... تَوقُّدَ جمرٍ فِي سَوادٍ رَمَادِ)
(حكى فوقَ ممتَدُّ المجرَة شكلُها ... فواقعَ تَطفو فَوق لجةِ وادِ)
(وَقد سَبَحَتْ فِيهِ الثريا كَأَنَّهَا ... بَقيةُ وشْي فِي قَمِيص حِدَادِ)
(ولاحَتْ بتو نَعْش كتنقيط كاتِبٍ ... بيُسْراه للتعليم هيئةَ صادِ)
(إِلى أَن بدا وَجه الصَّباح كأنهُ ... رِدَاء عَروسٍ فِيهِ صِبْغ مداد) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
(وليلةٍ مثلِ عين الظَبي داجيةٍ ... عَسَفتها ونجوم اللَّيْل لم تَقِدِ)
(كَأَن أنْجمَهَا فِي اللَّيْل زاهرةً ... دَرَاهِم والثريا كفّ منتَقِدِ) // الْبَسِيط //
وظريف قَول بَعضهم فِي شكاية طول اللَّيْل
(كَأَن الثريا راحَة تَشبْرُ الدجى ... لتعلم طَال اللَّيْل أم لي تَعَرَّضا)
(عجبت لليلٍ بَين شَرق ومغرب ... يُقَاسُ بشبرٍ كَيفَ يُرْجى لَهُ انقضا) // الطَّوِيل //
(2/24)

ولبعضهم
(والثريا كَأَنَّهَا رأَسُ طِرْفٍ ... أدهم زين باللجام الْمحلى) // الْخَفِيف //
وَمثله قَول ابْن المعتز
(أَلا فاسقنيها والظلام مُقَوَّض ... وَنجم الدجى فِي لجةِ اللَّيْل يركضُ)
(كَأَن الثريا فِي أَوَاخِر لَيْلهَا ... مفتحُ نورٍ أَو لجام مفضض) // الطَّوِيل //
واالاطلاع على تفنن الأدباء فِي أَوْصَاف الثريا يغتقر الإطالة هُنَا
وَأَبُو قيس لم يَقع لي إِلَى الْآن اسْمه والأسلت لقب أَبِيه واسْمه عَامر بن جشم بن وَائِل يَنْتَهِي نسبه لِلْأَوْسِ وَهُوَ شَاعِر من شعراء الْجَاهِلِيَّة وَأسلم ابْنه عقبَة بن أبي قيس رَضِي الله عَنهُ وَاسْتشْهدَ يَوْم الْقَادِسِيَّة وَكَانَ يزِيد بن مرداس السّلمِيّ أَخُو عَبَّاس بن مرداس السّلمِيّ الشَّاعِر قتل قيس بن أبي قيس فِي بعض حروبهم فَطلب بثأره هَارُون بن النُّعْمَان بن الأسلت حَتَّى تمكن من يزِيد ابْن مرداس فَقتله بقيسٍ ابْن عَمه ولقيس يَقُول أَبوهُ أَبُو قيس بن الأسلت الْمَذْكُور
(أقيسٌ إِن هلكتُ وَأَنت حيّ ... فَلَا تَعْدَم مواصلَةَ الْفَقِير) // الوافر //
وَقَالَ هِشَام الْكَلْبِيّ كَانَت الْأَوْس قد أسندوا أَمرهم فِي يَوْم بغاث إِلَى
(2/25)

أبي قيس بن الأسلت الوائلي فَقَامَ بِحَرْبِهِمْ وآثرها على كل أَمر حَتَّى شحب وَتغَير ولبث أشهراً لَا يقرب امْرَأَته ثمَّ إِنَّه جَاءَ لَيْلَة فدق على امْرَأَته وَهِي كَبْشَة بنت ضَمرَة بن مَالك من بني عَمْرو بن عَوْف ففتحت لَهُ فَأَهوى بِيَدِهِ إِلَيْهَا فأنكرته ودفعته فَقَالَ أَنا أَبُو قيس فَقَالَت وَالله مَا عرفتك حَتَّى تَكَلَّمت فَقَالَ فِي ذَلِك أَبُو قيس
(قالتْ وَلم تقصِدْ مقَال الْخَنَا ... مَهلاً فقد أبلَغْتَ أسماعي)
(استَنكرتْ لوناً لَهُ شاحباً ... وَالْحَرب غولٌ ذاتُ أوجاع)
(مَنْ يَذُقِ الْحَرْب يجد طعمها ... مُرّاً وتتركْهُ بجمجاع)
(لَا نألم الْقَتْل ونجزي لَهُ الْأَعْدَاء كيلَ الصَّاع بالصاع ... ) // السَّرِيع //
وَلما قتل عبد الْملك بن مَرْوَان مُصعب بن الزبير رَضِي الله عَنْهُمَا خطب النَّاس بالنخيلة فَقَالَ فِي خطبَته أَيهَا النَّاس دعوا الْأَهْوَاء المضلة والآراء المشتتة وَلَا تكلفونا أَعمال الْمُهَاجِرين وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ بهَا فقد جاريتمونا إِلَى السَّيْف برأيتم كَيفَ صنع بكم وَلَا أعرفنكم بعد الموعظة تزدادون جَرَاءَة فَإِنِّي لَا أزداد فَعَدهَا إِلَّا عُقُوبَة وَمَا مثلي ومثلكم إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو قيس بن الأسلت
(2/26)

(مَنْ يَصْلَ نَارِي بِلَا ذَنبٍ وتِرَلاةٍ ... يصلَ بنارِ كريمٍ غيرِ غَدّارِ)
(أَنا النذيرُ لكمْ مني مُجَاهرةً ... كيلاَ أُلامَ عَلى نَهْيٍ وإِعذارِ)
(فإِن عصيتم مقالي اليومَ فاعترِفُوا ... أنْ سوفَ تَلقون خزياً ظاهرَ العارِ)
(لتُتْرَكُنّ أحاديثاً وملعبةً ... عندَ المقيمِ وَعند المُدْلِجِ السارِي)
(وصاحبُ الْوتر ليسَ الدهْرَ يدركهُ ... عِنْدِي وإِني لَطَلاَّبٌ لأوتارِ)
(أقيم عَوْجتهُ إِن كَانَ ذَا عِوَج ... كَمَا يُقوّمُ قدحَ النَّبْعَةِ الْبَارِي)
وَعَن الْهَيْثَم بن عدي قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْد صَالح بن حسان فَقَالَ لنا أنشدوني بَيْتا خفراً فِي امْرَأَة خفرة فَقُلْنَا قَول حَاتِم
(يُضيءُ بهَا البيتُ الظليلُ خَصاصُهُ ... إِذا هِيَ يَوْمًا حاولَتْ أَن تبسما) // الطَّوِيل //
فَقَالَ هَذِه من الْأَصْنَام أُرِيد أحسن من هَذَا فَقُلْنَا قَول الْأَعْشَى
(كأنّ مشيتهَا من بَيت جارتها ... مرُّ السحابة لَا رَيْثٌ وَلَا عجل) // الْبَسِيط //
فَقَالَ هَذِه خراجة ولاجة كَثِيرَة الِاخْتِلَاف فَقُلْنَا مَا عندنَا شَيْء فَقَالَ قَول أبي الْقَيْس بن الأسلت
(ويُكرمُها جارَاتُهَا فيزُرْنها ... وتعتلّ عَن إتيانهنّ فتُعْذَرُ)
(وليسَ لَهَا أَن تستهينَ بجارةٍ ... وَلكنهَا منهنّ تَحْيا وتخفر) // الطَّوِيل //
(2/27)

ثمَّ قَالَ انشدوني أحسن بَيت وصفت بِهِ الثريا فَقُلْنَا بَيت الزبير الْأَسدي وَهُوَ
(وَقد لَاحَ فِي الْغَوْر الثريا كَأَنَّمَا ... بِهِ رايةٌ بيضاءُ تخفق لِلطَّعْنِ) // الطَّوِيل //
فَقَالَ أُرِيد أحسن من هَذَا فَقُلْنَا بَيت امرىء الْقَيْس
(إِذا مَا الثريا فِي السَّمَاء تعرضت ... تعرض أثْنَاء الوشاح الْمفضل) // الطَّوِيل //
قَالَ أُرِيد أحسن من هَذَا قُلْنَا بَيت ابْن الطثرية
(إِذا مَا الثريا فِي السَّمَاء كَأَنَّهَا ... جمان وَهِي من سلكه فتسرعا) // الطَّوِيل //
قَالَ أُرِيد أحسن من هَذَا قُلْنَا مَا عندنَا شَيْء قَالَ قَول أبي قيس ابْن الأسلت
(وَقد لَاحَ فِي الصُّبْح الثريا لمن رأى ... كعنقود ملاحية حِين نورا) // الطَّوِيل //
قَالَ فَحكم لَهُ بالتقدم عَلَيْهِم فِي هذَيْن الْمَعْنيين وَالله أعلم
77 - (كأنّ مُثارَ النَّقعِ فوقَ رُؤُّوسنا ... وأسيافَنا ليلٌ تهاوى كواكبُه)
الْبَيْت لبشار بن برد من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا ابْن هُبَيْرَة وأولها
(جَفا ودّه فازْورَّ أَو مَلَّ صاحبهْ ... وأزرى بِهِ أَن لَا يزَال يعاتبهُ)
(خليليَّ لَا تستكثر الوعة الهوىَ ... وَلَا سلوةَ المحزون شَطَّتْ حبائبهْ) // الطَّوِيل //
(2/28)

يَقُول فِيهَا
(إِذا كنتَ فِي كل الْأُمُور معاتباً ... صديقكَ لم تلقَ الَّذِي لَا تعاتبهْ)
(فعش وَاحِدًا أَو صِلْ أخاكَ فإِنهُ ... مُقارفُ ذنبٍ مرّة ومُجَانبهْ)
(إِذا أَنْت لم تشرب مرَارًا على القَذَى ... ظمئتَ وأيُّ النَّاس تصفو مشاربه)
(رُوَيداً نصاهل بالعراق جيادنا ... كَأَنَّك بِالضحاكِ قد قَامَ نادبُهْ) // الطَّوِيل //
وَمِنْهَا
(وَسامٍ لمروان وَمن دونه الشَّجا ... وهولٌ كلُجّ الْبَحْر جَاشَتْ غواربه)
(أخلت بِهِ أمُّ المنايا بنانها ... بأسيافنا إِنَّا رَدَى مَنْ نحاربه)
(وَكُنَّا إِذا دبّ العدوِّ لسخطنا ... وراقبنا فِي ظاهرٍ لَا نراقبهْ)
(رَكبنا لَهُ جَهرا لكل مثقَّفٍ ... وأبيضَ تستسقي الدماءَ مضاربُهْ)
(وجيشٍ كجنح اللَّيْل يزحف بالحصا ... وبالشوك والْخطىِّ حمرا ثعالبه) // الطَّوِيل //
وَمِنْهَا
(غدونا لَهُ والشمسُ فِي خِدْر أمهَا ... تطالعها والطلّ لم يجر ذائبُهْ)
(بِضرب يذوقُ الموتَ من ذاق طعمه ... وتدركُ من نَجيَّ الفرارُ مثالبهْ)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(بعثنَا لَهُم موت الفُجَاءة إننا ... بَنو الْمَوْت خَفَّاقٌ علينا سبائبهْ)
(فراحوا فريقٌ فِي الأسَارَى ومثلهُ ... قتيلٌ ومثلٌ لَاذَ بالبحر هاربُهْ)
(إِذا الْملك الْجَبَّار صغر خدَّهُ ... مشينا إِلَيْهِ بِالسُّيُوفِ نعاتبه) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة فوصله ابْن هُبَيْرَة بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَكَانَت أول عَطِيَّة سنية أعطيها بشار بالشعر وَرفعت من ذكره
(2/29)

وَالنَّقْع الْغُبَار وَمعنى تهاوى كواكبه يتساقط بَعْضهَا فِي إِثْر بعض وَالْأَصْل تتهاوى فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ
وَالشَّاهِد فِيهِ الْمركب الْحسي فِي التَّشْبِيه الَّذِي طرفاه مركبان الْحَاصِل من الْهَيْئَة الْحَاصِلَة من هوى أجرام مشرقة مستطيلة متناسبة الْمِقْدَار مُتَفَرِّقَة فِي جَوَانِب شَيْء مظلم فَوجه الشّبَه مركب كَمَا ترى وَكَذَا طرفاه كَمَا فِي أسرار البلاغة
يرْوى أَنه قيل لبشار وَقد أنْشد هَذَا الْبَيْت مَا قيل أحسن من هَذَا التَّشْبِيه فَمن أَيْن لَك هَذَا وَلم تَرَ الدُّنْيَا قطّ وَلَا شَيْئا مِنْهَا فَقَالَ إِن عدم النّظر يُقَوي ذكاء الْقلب وَيقطع عَنهُ الشّغل بِمَا ينظر إِلَيْهِ من الْأَشْيَاء فيتوفر حسه وتذكو قريحته وأنشدهم قَوْله
(عميتُ جَنِينا والذكاءُ من الْعَمى ... فَجئْت عَجِيب الظَّن للْعلم موئلا)
(وغاضَ ضياءُ الْعين للْعلم رافداً ... لقلب إِذا مَا ضيعَ الناسُ حَصَّلا)
(وشعرٍ كنَوْر الرَّوْض لاءَمْت بينهُ ... بقول إِذا مَا أَحْزَن الشعرُ أسهلا) // الطَّوِيل //
وَحدث أَبُو يَعْقُوب الخريمي الشَّاعِر أَن بشاراً قَالَ لم أزل مُنْذُ سَمِعت قَول امرىء الْقَيْس فِي تشبيهه شَيْئَيْنِ بشيئين فِي بَيت وَاحِد حَيْثُ يَقُول
(كَأَن قُلُوب الطير رطبا ويابسا ... لَدَى وَكرها الْعنَّاب والحشف الْبَالِي) // الطَّوِيل //
أعمل نَفسِي فِي تَشْبِيه شَيْئَيْنِ بشيئين حَتَّى قلت
(كأنَّ مُثار النَّقْع ... الْبَيْت ... )
وَقد كَرَّرَه بشار فَقَالَ
(خلقت سَمَاء فَوْقنَا بنجومها ... سيوفاً ونقعاً يقبض الطّرف أقْتَمَا) // الطَّوِيل //
(2/30)

وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى مَنْصُور النمري فَقَالَ وَأحسن
(ليلٌ من النَّقْع لَا شمسٌ وَلَا قمرٌ ... إِلَّا جَببنُكَ والمذروبة الشَّرْع) // الْبَسِيط //
وَمُسلم بن الْوَلِيد أَيْضا حَيْثُ يَقُول
(فِي عَسكر تُشْرق الأَرْض الفضاء بِهِ ... كالليل أنْجُمُه القضبانُ والأسل) // الْبَسِيط //
ولمؤلفه رَحمَه الله من قصيدة عثمانية مظفرية
(وَالنَّقْع ليلُ سَمَاء لَا نجومَ لَهُ ... إِلَّا الأسِنَّهُ والهِنْدِيةُ البتر) // الْبَسِيط //
وَله فِي مَعْنَاهُ من قصيدة مظفرية أَيْضا مَعَ زِيَادَة مخترعة فِيمَا يظنّ
(يَعقُد النقُع فوقَها سحباً كالليل فيهِ السيوفُ أضحَتْ نجومَا ... )
(فَمَتَى مَا رَأَتْ سَواد شَيَاطينِ بُغاةِ الحروب عَادَتْ رجومَا ... ) // الْخَفِيف //
وَابْن المعتز حَيْثُ قَالَ
(إِذا شئتُ أوقَرْتُ الْبِلَاد حَوافِراً ... وسارت ورائي هاشمٌ ونزارُ)
(وعمَّ السَّمَاء النقعُ حَتَّى كَأَنَّهُ ... دُخانٌ وأطرافُ الرِّماح شَرَارُ) // الطَّوِيل //
وَبَعْضهمْ أَيْضا حَيْثُ قَالَ
(نَسجَتْ حوافرُهَا سَمَاء فَوْقهَا ... جعلَتْ أَسِنَّتَها نُجُوم سمائها) // الْكَامِل //
وَأَبُو الطّيب المتنبي حَيْثُ قَالَ
(فَكَأَنَّمَا كُسِىَ النَّهَار بهَا دجى ... ليلٍ وأطلَعَت الرماحَ كواكبا) // الْكَامِل //
وَقد نَقله إِلَى مِثَال آخر فَقَالَ
(تزور الأعادي فِي سماءِ عجاجةٍ ... أسنَّتُها فِي جانبيها الكواكبُ) // الطَّوِيل //
(2/31)

وَقد ضمنه سيف الدّين بن المشد فَقَالَ
(كَأَن دُخان الْعود والنَّد بَيْننَا ... وأقداحنا ليل تهاوى كواكبه)
(ولاحَتْ لنا شمسُ العُقارِ فمزّقت ... دُجى اللَّيْل حَتَّى نظم الْجزع ثاقبه) // الطَّوِيل //
والبرهان القيراطي ضمن المصراع الْأَخير وَإِن كَانَ من غير هَذِه القصيدة بقوله وأجاد
(وَلما بدَا والليلُ أسْوَدُ فاحمٌ ... قدْ انْتَشَرت فِي الخافقَينِ ذَوائبهْ)
(أَضَاء ببَدْر الثغر عنْدَ ابتسامهِ ... دجى اللَّيْل حَتَّى نظم الْجزع ثاقبه) // الطَّوِيل //
78 - (والشَّمْسُ كَالمرْآةِ فِي كف الأشل ... )
هُوَ من الرجز وَاخْتلف فِي قَائِله فَقيل الشماخ وَقيل ابْن أَخِيه وَقيل أَبُو النَّجْم وَقيل ابْن المعتز
والأشل هُوَ الَّذِي يَبِسَتْ يَده أَو ذهبت
وَالشَّاهِد فِيهِ مَجِيء الْمركب الْحسي فِي الهيآت الَّتِي تقع عَلَيْهَا الْحَرَكَة من الاستدارة والاستقامة وَغَيرهَا وَيعْتَبر فِيهَا التَّرْكِيب وَيكون مَا يَجِيء فِي تِلْكَ الهيآت على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يقرن بالحركة غَيرهَا من أَوْصَاف الْجِسْم كالشكل
(2/32)

واللون وَالثَّانِي أَن تجرد هَيْئَة الْحَرَكَة حَتَّى لَا يُرَاد غَيرهَا فَالْأول كَمَا فِي الْبَيْت وَوجه الشّبَه من الْهَيْئَة الْحَاصِلَة من الاستدارة مَعَ الْإِشْرَاق وَالْحَرَكَة السريعة الْمُتَّصِلَة مَعَ تموج الْإِشْرَاق واضطرابه بِسَبَب تِلْكَ الْحَرَكَة حَتَّى يرى الشعاع كَأَنَّهُ يهم بِأَن ينبسط حَتَّى يفِيض من جَوَانِب الدائرة ثمَّ يَبْدُو لَهُ فَيرجع من الانبساط إِلَى الانقباض فالشمس إِذا أحد الْإِنْسَان النّظر إِلَيْهَا ليتبين جرمها وجدهَا مؤدية إِلَى هَذِه الْهَيْئَة وَكَذَلِكَ الْمرْآة إِذا كَانَت فِي كف الأشل
وَمَا أعدل قَول المعوج الشَّاعِر فِي مَعْنَاهُ
(كَأَن شُعَاعَ الشمسِ فِي كل غُدْوةٍ ... على ورَقِ الْأَشْجَار أول طالع)
(دنانيُر فِي كف الأشل يضمنهَا ... لقَبْضٍ فتَهْوِى من فروج الْأَصَابِع) // الطَّوِيل //
وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول أبي الطّيب المتنبي
(وَألقى الشرق مِنْهَا فِي ثِيَابِي ... دنانيراً تَفِرُّ من البَنَان) // الوافر //
وَأَخذه أَيْضا القَاضِي عبد الرَّحِيم الْفَاضِل فَقَالَ
(والشمسُ من بَين الأرائِكِ قد حكَتْ ... سَيْفا صَقيلاً فِي يدرعشاء) // الْكَامِل //
وَمَا أبدع قَول الشهَاب التلعفري
(أفدي الَّذِي زارني فِي اللَّيْل مُستتراً ... أحلى من الأَمْنِ عندَ الخائِفِ الدهِشِ)
(ولاحَتِ الشَّمْس تحكي عِنْد مَطْلعها ... مرآةَ تبرٍ بَدَتْ فِي كف مرتعش) // الْبَسِيط //
وبديع قَول إِدْرِيس بن اليماتي الْعَبْدي
(قُبلةٌ كانَتْ على دهَشٍ ... أُذهَبَتْ مَا بِي من العَطَش)
(وَلها فِي القَلْبِ مَنزلةٌ ... لَو عَدَتها النفسُ لم تَعِشِ)
(طَرَقَتني والدجى لابِسٌ ... خِلَعاً من جِلَدةِ الحَبَش)
(وكأنَّ النجمَ حِين بدا ... درْهمٌ فِي كف مرتعش) // المديد //
(2/33)

وَقَول النامي
(سَمَاء غصُونٍ تحْجُبُ الشمسَ أَن تُرَى ... على الأرضِ إِلَّا مثلَ نثرِ الدراهِمِ) // الطَّوِيل //
79 - (وكأنَّ الْبَرْق مصحفُ قارٍ ... فَانْطِبَاقاً مرةَ وانفتاحا)
الْبَيْت لِابْنِ المعتز من قصيدة من المديد وأولها
(عَرَفَ الدَّار فحيَّا وناحا ... بَعْدَمَا كَانَ صَحا واسترَاحَا)
(ظَلَّ يَلحاه العَذُولُ ويأبى ... فِي عِنَان العَذْلِ إِلَّا جِمَاحا)
(عَلِّموني كَيفَ أسْلُو وَإِلَّا ... فَخُذُوا من مُقْلَتيَّ الملاحَا)
(من رأى بَرْقاً يُضيءُ التماحا ... ثَقَبَ الليلَ سَنَاهُ فلاحا) // المديد //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(لم يزل يلمعُ بِاللَّيْلِ حَتَّى ... خِلْتُه نَبه فِيهِ صَبَاحَا)
(وَكَأن الرَّعْدَ فحلُ لِقَاح ... كلما يُعْجِبُهُ الْبَرْق صاحا) // المديد //
(2/34)

والبرق وَاحِد بروق السَّحَاب أَو هُوَ ضرب ملك السَّحَاب وتحريكه إِيَّاه لينساق فترى النيرَان
وَالشَّاهِد فِيهِ الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ تجرد الْحَرَكَة عَن غَيرهَا من الْأَوْصَاف مَعَ اخْتِلَاط حركات كَثِيرَة للجسم إِلَى جِهَات مُخْتَلفَة لَهُ كَأَن يَتَحَرَّك بعضه إِلَى الْيَمين وَبَعضه إِلَى الشمَال وَبَعضه إِلَى الْعُلُوّ وَبَعضه إِلَى السّفل ليتَحَقَّق التَّرْكِيب وَإِلَّا لَكَانَ وَجه الشّبَه مُفردا وَهُوَ الْحَرَكَة لَا مركبا فحركة الْمُصحف الشريف فِي انطباقه وانفتاحه فِيهَا تركيب لِأَن الْمُصحف يَتَحَرَّك فِي الْحَالَتَيْنِ إِلَى جِهَتَيْنِ فِي كل حَالَة إِلَى جِهَة
وَمثله قَول القلعي المغربي
(والسحب تلعبُ بالبروق كَأَنَّهَا ... قار على عجلٍ يقلبُ مصحفَا)
(قد قلدت بالنَّوْر أجيادَ الرُّبا ... حَلْياً وألبست الخمائل مُطْرفَا) // الْكَامِل //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم فِي وصف الْبَرْق
(عارضٌ أقبلَ فِي جنح الدُّجى ... يتهادى كتهَادي ذِي الوجَى)
(أتلفتْ ريحُ الصِّبَا لؤلؤهُ ... فانبرَى يُوقد عَنْهَا سُرُجَا)
(وكأنَّ الرَّعْد حادِي مُصْعَبٍ ... كلما صالَ عَلَيْهِ وشجا)
(وكأنّ البرقَ كأسٌ سكبتْ ... فِي لهاه المزنُ حَتَّى لهجا)
(وكأنَّ الجوَّ ميدان وغىً ... رَفعتْ فِيهِ المذاكي رهجا) // الرمل //
وَمَا أحسن قَول ابْن المعتز فِيهِ أَيْضا
(رأيتُ فِيهَا برقها منذُ بدتْ ... كَمثل طرف الْعين أَو قلبٍ وجبْ)
(2/35)

(ثمَّ حدا بهَا الصِّبَا حَتَّى بدا ... فِيهَا لِيَ البرقُ كأمثال الشُّهْبُ)
(تحسبه فِيهَا إِذا مَا انصدعتْ ... أحشاؤها عَنهُ شجاعاً يضطرب)
(وَتارَة تحسبهُ كَأَنَّهُ ... أبلقُ مالَ جُلُّه حِين وثبْ)
(حَتَّى إذَا مَا رَفعَ الْيَوْم الضُّحَى ... حسبته سلاسلاً من الذَّهَب) // الرجز //
وَقد ولد أَبُو الْعَبَّاس بن أبي طَالب الْعَرَبِيّ من تَشْبِيه الْبَرْق بالسلاسل توليداً بديعاً فَقَالَ يصف ممدوحه بِسُرْعَة البديهة إِذا كتب
(لَهُ قلم لَو يجاري البروقَ ... لخلتَ السلَاسِل فِيهِ قيودَا) // المتقارب //
وللأديب أبي حَفْص أَحْمد بن برد فِي السَّحَاب والبرق
(وَيَوْم تفنن فِي طيبهِ ... وجاءَت مواقيته بالعجبْ)
(تجلَّى الصَّباح بِهِ عَن حَياً ... قد أسْقى وَعَن زَهَر قد شرب)
(وَمَا زلت أَحسب فِيهِ السَّحَاب ... ونار بوارِقه تلتهبْ)
(بخاتيَّ تُوضِع فِي سَيرهَا ... وَقد فُزِّعَتْ بسياط الذَّهَب) // المتقارب //
وَلأبي عُثْمَان الخالدي فِي مثله
(أدْنِ من الدَّنِّ لي فداكَ أبي ... واشربْ وأُسق الْكَبِير وانتخب)
(أما ترى الطَّلَّ وَهُوَ يلمع فِي ... عُيُون نَوْرٍ تَدْعُو إِلَى الطربِ)
(2/36)

(وَالصُّبْح قد جُرِّدَتْ صَوَارمهُ ... وَاللَّيْل قد همّ مِنْهُ بالهَربِ)
(والجوُّ فِي حُلَّةٍ ممسَّكةٍ ... قدْ كتبتها البروق بِالذَّهَب) // المنسرح //
وللسري الرفاء فِي مثله
(غيومٌ تمسِّك أفقَ السَّمَاء ... وبرقٌ يكتِّبها بِالذَّهَب) // المتقارب //
وَله أَيْضا وينسب للخالدي
(وبرقٍ مِثلُ حاشيتي رداءٍ ... جديدٍ مُذْهَبٍ فِي يَوْم ريحِ) // الوافر //
وللخالدي فِيهِ أَيْضا وأجاد
(أَلا فاسقني وَاللَّيْل قد غابَ نوره ... لغيبة بدر فِي الظلام غريق)
(وَقد فَضَحَ الظلماء برقٌ كَأَنَّهُ ... فؤاد مشوق مولع بخفوق) // الطَّوِيل //
وَقد سَرقه من قَول ابْن المعتز
(أمنك سرى يَا بشر طيفٌ كَأَنَّهُ ... فؤاد مشوق مولع بخفوق) // الطَّوِيل //
وَسَرَقَهُ السّري الرفاء أَيْضا فَقَالَ من قصيدة
(أما ترى الصُّبْح قد قَامَت عساكرهُ ... فِي الشرق تنشر أعلاماً من الذَّهَب)
(والجوُّ يختال فِي حُجْبٍ ممسكة ... كَأَنَّمَا الْبَرْق فِيهَا قلبُ ذِي رعب) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَوْله فِيهِ أَيْضا
(وَحَدَائِق يَسبيكَ وشيُ برودها ... حَتَّى تشبهها سَبائبَ عَبْقَرِ)
(يجْرِي النسيمُ خلالها فَكَأَنَّمَا ... غُمِسَتْ فُضُولُ رِدائه فِي عنبرِ)
(باتتْ قُلُوب الْمَحْلِ تخفقُ بَينهَا ... بخفوقِ رايات السَّحَاب الممطرِ)
(من كل نائي الحجزتين مولعٍ ... بالبرق دَانى الظلتين مُشَهَّرِ)
(2/37)

(تُحْدَى بألسنة الرعود عشاره ... فتيسير بَين مُغَرّدٍ ومُزَمُجِرِ)
(طارتْ عقيقةُ برقه فَكَأَنَّمَا صَدَعَتْ ممسكَ غيمه بمعصفر) // الْكَامِل //
وَلأبي الْقَاسِم الزاهي فِيهِ أَيْضا
(الريحُ تعصفُ والأغصان تعتنقُ ... وَالمزنُ باكيةٌ والزهرُ معتبقُ)
(كَأَنَّمَا الليلُ جفنٌ والبروقُ لهُ ... عينٌ من الشَّمْس تبدو ثمَّ تنطبق) // الْبَسِيط //
ولبعضهم
(برقٌ أطارَ القلبَ لما استطارْ ... أنارَ جَنحَ اللَّيْل لما استنارَ)
(ذابَ لجينُ المزنِ لما رَمى ... معدنه مِنْهُ بمقياس نَار) // السَّرِيع //
وَابْن المعتز هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد وَقيل الزبير المعتز بِاللَّه ابْن المتَوَكل بن المعتصم بن الرشيد العباسي الْأَمِير الأديب صَاحب النّظم البديع والنثر الْفَائِق أَخذ الْأَدَب والعربية عَن الْمبرد وثعلب ومؤدبه أَحْمد بن سعيد الدِّمَشْقِي ومولده فِي شعْبَان سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ أول من صنف فِي صَنْعَة الشّعْر وضع كتاب البديع وَهُوَ أشعر بني هَاشم على الْإِطْلَاق وأشعر النَّاس فِي الْأَوْصَاف والتشبهات وَكَانَ يَقُول إِذا قلت كَأَن وَلم آتٍ بعْدهَا بالتشبيه ففض الله فاي
(2/38)

وَحدث جَعْفَر بن قدامَة قَالَ كنت عِنْد ابْن المعتز يَوْمًا وَعِنْده سَرِيَّة وَكَانَ يُحِبهَا ويهيم بهَا فَخرجت علينا من صدر الْبُسْتَان فِي زمن الرّبيع وَعَلَيْهَا غلالةٌ معصفرة وَفِي يَدهَا جنابي من باكورة باقلاء والجنابي لعبة للصبيان فَقَالَت لَهُ يَا سَيِّدي تلعب معي جنابي فَالْتَفت إِلَيْنَا وَقَالَ على بديهته غير متفكر وَلَا مُتَوَقف
(فديتُ من مر يمشي فِي معصفرةٍ ... عَشِيَّة فسقاني ثمَّ حياني)
(وَقَالَ تلعب جنابي فَقلت لهُ ... من جَدَّ بالوصل لم يلْعَب بهجران) // الْبَسِيط //
وَأمر فغنى بِهِ
وَحدث جَعْفَر قَالَ كَانَ لعبد الله بن المعتز غُلَام يُحِبهُ وَكَانَ يُغني غناء صَالحا وَكَانَ يدعى بنشوان فجدر فجزع عبد الله لذَلِك جزعاً شَدِيدا ثمَّ عوفي وَلم يُؤثر الجدري فِي وَجهه أثرا قبيحاً فَدخلت عَلَيْهِ ذَات يَوْم فَقَالَ لي يَا أَبَا الْقَاسِم قد عوفي فلَان بعْدك وَخرج أحسن مِمَّا كَانَ وَقلت فِيهِ بَيْتَيْنِ وغنت زرياب فيهمَا رملاً ظريفاً فاسمعهما إنشاداً إِلَى أَن تسمعهما غناء فَقلت يتفضل الْأَمِير أبده الله بإنشادي إيَّاهُمَا فأنشدني
(بِي قمرٌ جدِّرَ لما اسْتَوى ... فَزَادهُ حُسناً وزالت هُمُومْ)
(أظُنُّه غَنَّى لشمس الضُّحى ... فَنَقطَتهُ طَرباً بالنجوم) // السَّرِيع //
فَقلت أَحْسَنت وَالله أَيهَا الْأَمِير فَقَالَ لَو سمعته من زرياب كنت أَشد اسْتِحْسَانًا لَهُ وَخرجت زرياب فغنته لنا فِي طَريقَة الرمل غناء شربنا عَلَيْهِ عَامَّة يَوْمنَا
قَالَ وَغَضب هَذَا الْغُلَام عَلَيْهِ فجهد أَن يترضاه فَلم تكن لَهُ فِيهِ حِيلَة وَدخلت عَلَيْهِ فأنشدني فِيهِ
(2/39)

(بِأبي أنتَ قد تماديت ... فِي الهجْر والغَضَبْ)
(واصطباري على صدودك ... يَوْمًا من العَجَبْ)
(ليسَ لي إِن فَقَدْت وجهَكَ فِي الْعَيْش من أرب ... )
(رحم الله من أعَان ... على الصُّلْح واحتَسبْ) // من مجزوء الْخَفِيف //
قَالَ فمضيت إِلَى الْغُلَام وَلم أزل أداريه وأرفق بِهِ حَتَّى ترضيته لَهُ وجئته بِهِ فَمر لنا يَوْمئِذٍ أطيب يَوْم وَأحسنه وغنتنا زرياب فِي هَذَا الشّعْر رملاً عجيباً
وَحدث عبد الله بن مُوسَى الْكَاتِب قَالَ دخلت على عبد الله بن المعتز وَفِي دَاره طَبَقَات من الصناع وَهُوَ يبنيها ويبيضها فَقلت لَهُ مَا هَذِه الغرامة الجادة والكلفة فَقَالَ السَّيْل الَّذِي جَاءَ من لَيَال أحدث فِي دَاري مَا أحْوج إِلَى هَذِه الغرامة الجادة والكلفة فَقلت
(أَلا من لنفسٍ وأحزانها ... وَدَار تدَاعَى بحيطانها)
(أظلُّ نهاريَ فِي شمسهَا ... شَقيّاً مُعنًّى ببنُيانها)
(أُسَوِّدِ وَجْهي بتَبييضها ... وأَهدمُ كيسي بعُمرانها) // المتقارب //
(2/40)

وَمن هُنَا أَخذ أَبُو الْحُسَيْن الجزار قَوْله
(أُكلِّفُ نَفسِي كلَّ يَوْم وَلَيْلَة ... شروراً على من لَا أفوز بخيرهِ)
(كَمَا سَوَّدَ القصَّار فِي الشَّمْس وجههُ ... ليَجْهدَ فِي تَبْييض أَثوَاب غَيره) // الطَّوِيل //
وَحدث جَعْفَر بن قدامَة قَالَ كنت عِنْد عبد الله بن المعتز ومعنا النميري فَحَضَرت الصَّلَاة فَقَامَ النميري فصلى صَلَاة خَفِيفَة جدا ثمَّ دَعَا بعد انْقِضَاء صلَاته وَسجد سَجْدَة طَوِيلَة جدا حَتَّى استثقله جَمِيع من حضر بِسَبَبِهَا وَعبد الله ينظر مُتَعَجِّبا ثمَّ قَالَ
(صَلاتُكَ بَين الملا نَقْرَةٌ ... كَمَا اخْتَلس الجرْعَة الوالغُ)
(وتسجُدُ من بعْدِها سجْدةً ... كَمَا خُتمَ المزودُ الفارغ) // المتقارب //
وَقَالَ كُنَّا عِنْد عبد الله بن المعتز يَوْمًا ومعنا النميري وَعِنْده جَارِيَة لبَعض بَنَات المعتز تغنيه وَكَانَت محسنة إِلَّا أَنَّهَا كَانَت فِي غَايَة الْقبْح فَجعل عبد الله يجمشها ويتعاشق فَلَمَّا قَامَت قَالَ لَهُ النميري أَيهَا الْأَمِير سَأَلتك بِاللَّه أتعشق هَذِه الَّتِي مَا رَأَيْت قطّ أقبح مِنْهَا فَقَالَ وَهُوَ يضْحك
(قَلبيَ وثَّابٌ إِلَى ذَا وَذَا ... ليسَ يرى شَيْئا فَيأباهُ)
(يهيمُ بالْحسنِ كَمَا ينبَغي ... ويرْحَم القبحَ فيهواه) // السَّرِيع //
وَقَالَ كنت أشْرب مَعَ عبد الله بن المعتز فِي يَوْم من أَيَّام الرّبيع بالعباسية وَالدُّنْيَا كالجنة المزخرفة فَقَالَ عبد الله
(حَبَّذا آذارُ شَهراً ... فيهِ للنور انتشارُ)
(يَنقص الليلُ إِذا حَلَّ ويمتَدُّ النهارُ ... )
(2/41)

(وعَلى الأَرْض اصفرارٌ ... واخضرارٌ واحمرارُ)
(فكأنَّ الرَّوضَ وَشْيٌ ... بالَغَتْ فِيهِ التَّجَارُ)
(نَقْشه آسٌ ونَسْرينٌ ووَرْدٌ وبهار ... ) // من مجزوء الرمل //
وَكتب ابْن المعتز إِلَى عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر وَقد اسْتخْلف مؤنس ابْنه مُحَمَّد بن عبيد الله على شرطة بَغْدَاد
(فَرحْتُ بِمَا أضعَافُهُ دون قَدْركمْ ... وقلتُ عَسى قد هَبَّ من نَومه الدهرُ)
(فترجعُ فِينَا دَولةٌ طاهِرِيَّة ... كَمَا بدَأت والأمرُ من بعده الأمرُ)
(عَسى الله إِنَّ اللهَ ليسَ بغافِلٍ ... وَلَا بدَّ من يُسْرٍ إِذا مَا انْتهى العُسْرُ) // الطَّوِيل //
فَكتب إِلَيْهِ عبيد الله قصيدة مِنْهَا
(وَنحن لكم إِن نالنا مَسَّ جَفْوة ... فمنَّا على لأوائها الصَّبْرُ والعُذْرُ)
(فَإِن رَجَعت من نعمةِ الله دَولَةٌ ... إِلَيْنَا فمنا عندَها الْحَمد وَالشُّكْر) // الطَّوِيل //
وَجَاء مُحَمَّد بن عبيد الله الْمَذْكُور بعقب هَذَا شاكراً لتهنئته وَلم يعد إِلَيْهِ مُدَّة طَوِيلَة فَكتب إِلَيْهِ ابْن المعتز يَقُول
(قد جئتنا مرّة وَلم تكد ... وَلم تزُرْ بعدَها وَلم تَعُدِ)
(لست تُرَى واجداً بِنَا عِوضاً ... فاطلب وجَرِّبْ واستقص واجتهِدِ)
(ناولَنِي حَبل وصْلِه بيَدِ ... وهجْرُهُ جاذبٌ لَهُ بيَدِ)
(فَلم يكن بينَ ذَا وَذَا أمَدٌ ... إِلَّا كَمَا بَين لَيْلَة وغد) // المنسرح //
وَلم يزل فِي طيب عَيْش ودعة من عوادي الزَّمَان إِلَى أَن قَامَت الدولة ووثبوا على المقتدر وخلعوه وَأَقَامُوا ابْن المعتز فَقَالَ بِشَرْط أَن لَا يقتل بِسَبَب مُسلم ولقبوه المرتضى بِاللَّه وَقيل الْمنصف وَقيل الْغَالِب وَقيل الراضي
فَحدث الْمعَافي بن زَكَرِيَّا الْجريرِي قَالَ لما خلع المقتدر وبويع ابْن المعتز
(2/42)

دخلُوا على شَيخنَا مُحَمَّد بن جرير رَحمَه الله فَقَالَ مَا الْخَبَر فَقيل لَهُ بُويِعَ ابْن المعتز قَالَ فَمن رشح للوزارة فَقيل مُحَمَّد بن دَاوُد قَالَ فَمن ذكر للْقَضَاء قيل الْحسن بن الْمثنى فَأَطْرَقَ ثمَّ قَالَ هَذَا الْأَمر لَا يتم قيل وَكَيف قَالَ كل وَاحِد مِمَّن سميتم فَتقدم فِي مَعْنَاهُ على الرُّتْبَة وَالدُّنْيَا مولية وَالزَّمَان مُدبر وَمَا أرى هَذَا إِلَّا لاضمحلال وَمَا أرى لمدته طولا
وَبعث ابْن المعتز إِلَى المقتدر يَأْمُرهُ بالتحول إِلَى دَار مُحَمَّد بن طَاهِر لكَي ينْتَقل هُوَ إِلَى دَار الْخلَافَة فَأجَاب وَلم يكن بَقِي مَعَه غير مؤنس الْخَادِم ومؤنس الخازن وغريب خَاله وَجَمَاعَة من الخدم فباكر الْحُسَيْن بن حمدَان دَار الْخلَافَة فقاتلها فَاجْتمع الخدم فدفعوه عَنْهَا بعد أَن حمل مَا قدر عَلَيْهِ من المَال وَسَار إِلَى الْموصل ثمَّ قَالَ الَّذين عِنْد المقتدر يَا قوم نسلم هَذَا الْأَمر وَلَا نجرب أَنْفُسنَا فِي دفع مَا نزل بِنَا فنزلوا فِي الزوارق وألبسوا جمَاعَة مِنْهُم السِّلَاح وقصدوا المخرم وَبِه عبد الله بن المعتز فَلَمَّا رَآهُمْ من حوله أوقع الله فِي قُلُوبهم الرعب فانصرفوا منهزمين بِلَا حَرْب وَخرج ابْن المعتز فَركب فرسا وَمَعَهُ وزيره مُحَمَّد بن دَاوُد وحاجبه يمن وَقد شهر سَيْفه وَهُوَ يُنَادي معاشر الْعَامَّة ادعوا لخليفتكم وأشاروا إِلَى الْجَيْش ليتبعوهم إِلَى سامرا ليثبتوا أَمرهم فَلم يتبعهُم أحد فَنزل ابْن المعتز عَن دَابَّته وَدخل دَار بن الْجَصَّاص الْجَوْهَرِي واختفى الْوَزير ابْن دَاوُد وَالْقَاضِي الْحسن بن الْمثنى ونهبت دُورهمْ وَوَقع النهب وَالْقَتْل فِي بَغْدَاد وَقبض المقتدر على الْأُمَرَاء والقضاة الَّذين خلعوه وسلمهم إِلَى مؤنس الخازن فَقَتلهُمْ واستقام الْأَمر للمقتدر واستوزر ابْن الْفُرَات ثمَّ بعث جمَاعَة فكبسوا دَار ابْن الْجَصَّاص وَأخذُوا ابْن المعتز وَابْن الْجَصَّاص فصودر ابْن الْجَصَّاص وَحبس ابْن المعتز ثمَّ أخرج فِيمَا بعد مَيتا ورثاه عَليّ بن مُحَمَّد بن بسام بقوله
(لله دَرك من مَلْكٍ بمضيعة ... ناهيكَ فِي الْعقل والآداب والحسب)
(2/43)

(مَا فِيهِ لَوٌّلا وَلَا ليتٌ تنقصهُ ... وَإِنَّمَا أَدركتهُ حِرْفَة الْأَدَب) // الْبَسِيط //
وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول أبي تَمام الطَّائِي
(مَا زلتُ أرمي بآمالي مطالبها ... لم يخلقِ العرضَ مني سوءُ مُطَّلَبِي)
(إِذا قصدتُ لشأوٍ خِلتُ أنِّي قَدْ ... أَدركته أدركتني حِرْفَة الْأَدَب) // الْبَسِيط //
وَقد تلاعب الشُّعَرَاء بِهَذَا الْمَعْنى فَقَالَ ابْن الساعاتي
(عِفتُ القريضَ فَلَا أسمو لَهُ أبدا ... حَتَّى لقد عِفتُ أَن أرويه فِي الْكتب)
(هجرْتُ نظمي لهُ لاَ من مهانتهِ ... لَكِنَّهَا خيفةٌ من حرفةِ الأدبِ) // الْبَسِيط //
وَقَالَ ابْن قلاقس
(
(لَا أقتضيكَ لتقديمِ وعدْتَ بهِ ... من عادَةِ الْغَيْث أَن يَأْتِي بِلَا طلبِ)
(عيونُ جاهكَ عني غيرُ نائمةٍ ... وَإِنَّمَا أَنا أخْشَى حرْفةَ الْأَدَب) // الْبَسِيط //
وَذكرت بِهَذَا مَا أنشدنيه بعض أدباء الْعَصْر متسلياً حِين قعدت الْأَحْوَال وَقَامَت الْأَهْوَال وَهُوَ الشهَاب ابْن مَحْمُود النابلسي رَحمَه الله تَعَالَى
(عبدَ الرّحيم أضاعُوا ... بدَولة ضَيَّعَتْهُ)
(مَا فِيهِ لَو وَلَا لَيْت ... إِنَّمَا أَدْرَكته) // المجتث //
رَجَعَ إِلَى أَخْبَار ابْن المعتز رَحمَه الله
قَالَ بعض من كَانَ يَخْدمه إِنَّه خرج يَوْمًا يتنزه وَمَعَهُ ندماؤه وَقصد بَاب الْحَدِيد وبستان الناعورة وَكَانَ ذَلِك آخر أَيَّامه فَأخذ خزقة وَكتب على الجص
(2/44)

(سيقا لِظلّ زَماني ... ودهريَ المحمودِ)
(وَلَّي كليلةِ وصلٍ ... قدّامَ يومِ صدود) // المجتث //
قَالَ وَضرب الدَّهْر ضرباته ثمَّ عدت بعد قَتله فَوجدت خطه خفِيا وَتَحْته مَكْتُوب
(أفٍّ لظلّ زَمانِي ... وعيشيَ المنكودِ)
(فارَقتُ أَهلِي وإلفي ... وصاحبي ووَدُودي)
(وَمن هَويتُ جفاني ... مطاوعاً لِحَسودي)
(يَا ربّ موتا وَإِلَّا ... فراحةً من صدود) // المجتث //
وَيُقَال إِنَّه لما سلم لمؤنس الْخَادِم ليهلكه أنْشد
(يَا نفسُ صبرا لَعَلَّ الخيرَ عقباكِ ... خانتك من بعد طول الْأَمْن دنياكِ)
(مرّتْ بِنَا سحَراً طيرٌ فقلتُ لَهَا ... طُوباكِ يَا لَيْتَني إياكِ طوباكِ)
(إِن كانَ قصْدُكِ شوقاً بِالسَّلَامِ عَلَى ... شاطئ الْفُرَات ابلغي إِن كَانَ مثواكِ)
(مِنْ موثَقٍ بالمنايا لَا فكاكَ لهُ ... يبكي الدِّمَاء على إلفٍ لَهُ باكي) // الْبَسِيط //
إِلَى أَن قَالَ
(أظنهُ آخرَ الْأَيَّام من عُمُرِي ... وأوشَكَ الْيَوْم أَن يبكي لَهُ الباكي)
وَمن نثره الْجَارِي مجْرى الحكم والأمثال من تجَاوز الكفاف لم يغنه الْإِكْثَار رُبمَا أورد الطمع وَلم يصدر من ارتحل الْحِرْص أضناه الطّلب
(2/45)

الْحَظ يَأْتِي من لَا يَأْتِيهِ أَشْقَى النَّاس أقربهم من السُّلْطَان كَمَا أَن أقرب الْأَشْيَاء إِلَى النَّار أسرعها إِلَى الاحتراق من شَارك السُّلْطَان فِي عز الدُّنْيَا شَاركهُ فِي ذل الْآخِرَة يَكْفِيك للحاسد غمه بسرورك
وَمن شعره
(وَإِنِّي لمعذورٌ على طولِ حبها ... لِأَن لهَا وَجها يدلّ على عُذْرِي)
(إِذا مَا بدَتْ والبدرُ ليلةَ تِمِّهِ ... رأَيتَ لَهَا فضلا مُبينًا على البدرِ)
(وتهتز من تَحت الثِّيَاب كَأَنَّهَا ... قضيبٌ من الريحان فِي الْوَرق الخضرِ)
(أَبى الله إِلَّا أَن أَمُوت صبَابَة ... بِساحرةِ الْعَينَيْنِ طيبَة النشر) // الطَّوِيل //
وَمِنْه
(من لي بقَلبٍ صيغَ من صخرةٍ ... فِي جسدٍ من لُؤْلُؤ رطب)
(جرجت حديه بلحظي فَمَا ... برحتُ حَتَّى اقْتصّ من قلبِي) // السَّرِيع //
وَمِنْه ويعزى لغيره
(تفقد مساقط الخظ المريبِ ... فإِنَ العيونَ وُجُوه القلوبِ)
(وطالعْ بوادرهُ فِي الْكَلَام ... فإِنكَ تجني ثمار الغيوب) // المتقارب //
وَمِنْه
(سابقْ إِلَى مالِكَ وُرّاثهُ ... مَا المرءُ فِي الدُّنْيَا بلَبَّاثِ)
(كم صَامت تحفق أكياسهُ ... قدْ صاحَ فِي ميزَان ميراثِ) // السَّرِيع //
وَمِنْه
(يَا طارقي فِي الدُّجى والليلُ مُنبسطُ ... على الْبِلَاد بهيم ثابتُ الدَّعَمِ)
(طرقت بَاب غنى طابتْ مواردهُ ... ونائلاً كانهمال الْعَارِض السجم)
(2/46)

(حكم الضيوف بِهَذَا الرّبع أنفَذُ من ... حكم الخلائف آبَائِي على الْأُمَم)
(فَكل مَا فِيهِ مبذولٌ لطارقهِ ... وَلَا زِمَام لهُ إِلَّا على الْحرم) // الْبَسِيط //
وَمِنْه قَوْله فِي الْقَلَم
(قلم مَا أرَاهُ أم فَلكٌ يجْرِي بِمَا شَاءَ قاسمٌ ويسيرُ ... )
(راكعٌ ساجدٌ يقبل قرطاسا ... كَمَا قبل البساطَ شكور) // الْخَفِيف //
وَمِنْه قَول ابْن طَبَاطَبَا
(قلم يُدورُ بكفه فكأنهُ ... فَلكٌ يَدورُ بنحسِهِ وسعوده) // الْكَامِل //
وَقَوله فِيهِ أَيْضا وأجاد
(أَقسَمْتُ بالقَلم الحسام فَلَمْ يزلْ ... يَرْدَى بِهِ حَيٌّ ويَنْتَاش الرَّدِي)
(وَإِذا رَضيتَ فريقُهُ أرَبى وَإِن ... أَضْمَرت سُخطا مجَّ سَمِعت الأُسْوَدِ)
(فَكَأَنَّهُ فلك بكفك دائرٌ ... يُجري النُّجُوم بأنحُسٍ وبأسعُدِ) // الْكَامِل //
وَمَا أحسن قَول الآخر فِيهِ
(قلم يفل الْجَيْش وَهُوَ عرمْرَمٌ ... وَالْبيض مَا سُلَّت من الأغماد)
(وهبت لَهُ الآجام حِين نشا بهَا ... كرمَ السُّيُول وصولةَ الآساد) // الْكَامِل //
وَقَول التهامي فِيهِ أَيْضا
(قلم يقلِّم ظُفْرَ كل ملمةٍ ... ويكفّ كفَّ حوادث الْأَيَّام) // الْكَامِل //
وَقَول أبي سعيد بن بوقة
(قلم يمجُّ على العداة سمامهُ ... لكنه للمرتجين سَمَاء)
(كم قد أسَلتَ بِهِ لعبدك ريقةً ... سوداءَ فِيهَا نعمةٌ بيضاءُ) // الْكَامِل //
ومحاسن ابْن المعتز كَثِيرَة وَكَانَ قَتله فِي ربيع الآخر سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ رَحمَه الله وسامحه
(2/47)

80 - (يُقْعِي جلوسَ البَدَويِّ المُصْطَلى ... )
قَائِله المتنبي من أرجوزة قَالَهَا ارتجالاً فِي مَجْلِسه يصف كَلْبا أَخذ ظَبْيًا وَحده بِغَيْر صقر وأولها
(ومنزل ليسَ لنا بمنزل ... وَلَا لِغَير الغَادياتِ الهُطَّلِ)
(نَدى الخزامىَ ذَفرِ القَرَنفُل ... مُحَلَّلٍ مِلْوَحْشِ لم يَحلَّلِ)
(عَنَّ لنا فِيهِ مُرَاعِي مُغْزلِ ... مُحَيَّنُ النَّفس بعيدُ الموْئِل)
(كأنّه مُضَمَّخٌ بصَنْدَلِ ... مُعْتَرضًا بِمثل قَرْنِ الأيِّل)
(يحول بَين الْكَلْب والتأمُّل ... فحلَّ كلاَّبي وثَاق الأحْبلِ)
(عنْ أشدقٍ مُسَوْجَرٍٍ مُسلسلٍ ... أقبّ ساطٍ شَرِسٍ شَمَرْدلٍ)
(مِنها إِذا يُثْغَ لَهُ لَا يغزل ... مؤجِّد الفِقْرَةِ رخو الْمفصل)
(لَهُ إِذا أدبر لحظُ المقبِلِ ... يعدو إِذا أَحْزَن عَدْوَ المُسْهِلِ)
(إِذا تلاَ جَاءَ المدَى وقدْ تُلِي ... )
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(2/48)

(بأرْبع مَجْدُولة لم تُجدَلِ ... فُتْلِ الأيادي رَبِذَاتِ الأرجُلِ)
(آثارُها أَمثالُها فِي الجندَلِ ... يكادُ فِي الوثبِ من التفتُّلِ)
(يجمعُ بَين متنهِ والكلْكَلِ ... وَبَين أعلاهُ وَبَين الأسفلِ)
وَهِي طَوِيلَة
والإقعاء الْجُلُوس على الأليتين والمصطلى المتدفئ بالنَّار
وَالشَّاهِد فِيهِ وُقُوع التَّرْكِيب فِي هَيْئَة السّكُون لوجه الشّبَه من الْهَيْئَة الْحَاصِلَة من موقع كل عُضْو من الْكَلْب فِي إقعائه فَإِنَّهُ يكون لكل عُضْو مِنْهُ موقع خَاص وَالْمَجْمُوع صُورَة خَاصَّة مؤلفة من تِلْكَ المواقع وَكَذَلِكَ صُورَة جُلُوس البدوي عِنْد الاصطلاء بالنَّار الموقدة على الأَرْض
وَفِي مثل ذَلِك قَول الأخيطل الْأَهْوَازِي يصف مصلوبا
(كَأَنَّهُ عاشقٌ قد مدَّ صفحتهُ ... يومَ الْفِرَاق إِلَى توديع مُرتحلِ)
(أَو قَائِم من نُعاس فِيهِ لُوثَتهُ ... مُواصلٌ لتمطِّيهِ من الكسل) // الْبَسِيط //
شبهه بالمتمطي المواصل لتمطيه مَعَ التَّعَرُّض لسببه وَهُوَ اللوثة والكسل فَنظر إِلَى الْجِهَات الثَّلَاث فلطف بِحَسب التَّرْكِيب وَالتَّفْصِيل بِخِلَاف تشبيهه بالمتمطي فَإِنَّهُ قريب التَّنَاوُل يَقع فِي نفس الرَّائِي للمصلوب لكَونه أمرا جلياً
وَقد أحسن ابْن الرُّومِي فِي وصف المصلوب بقوله
(كَأَن لَهُ فِي الجوّ حبلاً يَبُوعُهُ ... إِذا مَا انْقَضى حبْلٌ أُتيح لَهُ حبلُ)
(يُعانقُ أنفاسَ الرياحِ مُودَّعاً ... وَدَاعَ رحيلٍ لَا يحطّ لَهُ رَحل) // الطَّوِيل //
(2/49)

وللبحتري فِيهِ
(فتراهُ مطرداً على أعوادهِ ... مثلَ اطرادِ كواكبِ الجوزاء)
(مستشرفاً للشمس منتصباً لَهَا ... فِي أخريات الجذعِ كالحرباء) // الْكَامِل //
وَلابْن المعتز فِيهِ
(أرَانيكَ الإلهُ قرينَ جذعٍ ... يضمكَ غيرَ ضم الِالْتِزَام)
(كلُوطِيٍّ لهُ أيرٌ طَويلٌ ... يفخد للمواجر منْ قيامِ) // الوافر //
ولإبراهيم بن الْمهْدي فِيهِ
(كأنهُ شِلوُ كبشٍ والهجيرُ لهُ ... تَنُّورُ شاويةٍ والجذعُ سَفُّودُ) // الْبَسِيط //
وَلابْن حمديس فِيهِ
(ومُرتفعٍ فِي الْجذع إِذ حُطَّ قدرُهُ ... أَساء إِلَيْهِ ظالمٌ وَهُوَ محسنُ)
(كذي غَرَقٍ مدَّ الذرَاعين سابِحاً ... من الجوّ بحراً عومُهُ لَيْسَ يمكنُ)
(وتحسبهُ من جنَّة الْخلد دانياً ... يعانقُ حوراً لَا تراهن أعين) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول ابْن الْأَنْبَارِي فِي ابْن بَقِيَّة الْوَزير لما صلب من أَبْيَات
(كأنَّ النَّاس حولكَ حينَ قامُوا ... وُفُودُ يديكَ أيامَ الصِّلاتِ)
(كأنكَ قائمٌ فيهمْ خَطِيبًا ... وكلهُّمُ قيامٌ للصَّلَاة) // الوافر //
وَقد أَخذ معنى الْبَيْت الأول من قَول ابْن المعتز
(وصلَّوْا عليهِ خاشعين كأنهمْ ... وُفُودٌ وُقوفٌ للسلام عَلَيْهِ) // الطَّوِيل //
(2/50)

ولعمر الْخَرَّاط فِيهِ
(انظرْ إليهِ كَأَنَّهُ فِي وَصفه ... متظلم لَحَظَ السَّمَاء بطرفهِ)
(بسطَ الْيَدَيْنِ كأنهُ يدعوُ على ... من قد أشارَ على الْأَمِير بحتفه) // الْكَامِل //
وللفقيه عمَارَة اليمني فِيهِ
(ومَدَّ على صَليبٍ الصَّلبِ منهُ ... يَمِينا لَا تَطولُ إِلَى شمالِ)
(ونكَّسَ رأسَهُ لعتابِ قَلب ... دَعاهُ إِلَى الغَوايةِ والضَّلاَلِ) // الوافر //
وَمن العجيب أَنه صلب بعد قَوْله هَذَا بِقَلِيل صلبه الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب فَكَانَت هَذِه الْكَلِمَات كالفأل عَلَيْهِ وَله فِي مَعْنَاهُ أَيْضا
(وَرَأَتْ يَدَاهُ عظيمَ مَا جَنَتا ... فَفَرَرنَ ذِي شَرْقاً وَذي غَرْبا)
(وأمالَ نحوَ الصدرِ منهُ فَمَا ... ليَلومَ فِي أفْعَالهِ القلبا) // الْكَامِل //
81 - (كَمَا أبرقت قوما عِطَاشاً غَمَامَةٌ ... فلمَّا رَأوْهَا أقْشَعَتْ وتجَلَّتِ)
الْبَيْت من الطَّوِيل وَلَا أعرف قَائِله
وَالْمعْنَى أبرقت الغمامة للْقَوْم فَحذف الْجَار وأوصل الْفِعْل وَمعنى أقشعت وتجلت تَفَرَّقت وانكشفت
وَالشَّاهِد فِيهِ الْمركب الْعقلِيّ من وَجه الشّبَه وَأَنه قد ينْزع من مُتَعَدد فَيَقَع الْخَطَأ لوُجُوب انْتِزَاعه من أَكثر كَمَا إِذا انتزع وَجه الشّبَه من الشّطْر الأول من الْبَيْت فَإِنَّهُ يكون خطأ لوُجُوب انْتِزَاعه من جَمِيعه فَإِن المُرَاد تَشْبِيه الْحَالة
(2/51)

الْمَذْكُورَة فِي الأبيات السَّابِقَة على هَذَا الْبَيْت بِظُهُور الغمامة لقوم عطاش ثمَّ تفرقها وانكشافها بِوَاسِطَة اتِّصَال مطمع بانتهاء مؤنس لِأَن الْبَيْت مثل فِي أَن يظْهر للْمُضْطَر إِلَى الشَّيْء الشَّديد الْحَاجة إِلَيْهِ أَمارَة وجوده ثمَّ يفوتهُ وَيبقى تحسره وَزِيَادَة ترجيه
وَفِي مَعْنَاهُ قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(وشمْتُكَ إِذْ أَقبلت فِي عارِض الغِنَى ... فأقْلَعْتَ لم تَنْبض بِرِيٍّ وَلَا مَحْلِ) // الطَّوِيل //
وَقَول بشار بن برد
(أظَلَّتْ علينا منكَ يَوْمًا سَحابةٌ ... أضاءَت لنا برقا وأبْطَا رَشاشُهَا)
(فَلَا غَيْمُها يُجْلي فيَيْأَسَ طامعٌ ... وَلَا غيْثها يَأْتِي فَيرْوَي عِطاشهُا) // الطَّوِيل //
وَقَوله
(لمروان مواعد كاذبات ... كَمَا برق الْحيَاء وَمَا استهلا) // الوافر //
وَالْأَصْل فِيهِ قَول الْأَحْوَص
(وكنْتُ وَمَا أمَّلْتُ مِنْك كَبارقٍ ... لوى قطره من بعد مَا كَانَ غيما) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم
(أَلا إِنَّمَا الدُّنْيَا كَظِلِّ غَمَامَةٍ ... إِذَا مَا رَجاها المسْتَهِلُّ اضمَحَلَّتِ)
(فَلَا تكُ مِفْرَاحاً إِذا هِيَ أقْبلَتْ ... وَلَا تَكُ مْحِزَاناً إِذا مَا تولت) // الطَّوِيل //
وَلابْن الطراوة النَّحْوِيّ فِي معنى الْبَيْت وَقد خَرجُوا ليستسقوا على إِثْر قحط فِي يَوْم غامت سماؤه فَزَالَ ذَلِك عِنْد خُرُوجهمْ
(خَرَجوا ليَسْتَسْقُوا وَقد نَشأت ... بَحْريَّةٌ قَمِنٌ بهَا السَّحُّ)
(حَتَّى إِذا اصْطَفُّوا لدعوتهم ... وبدا لأعينُهم بهَا نَضْحُ)
(كُشِف الغمامُ إِجَابَة لهمُ ... فكأنهم خَرجُوا ليستصحوا) // الْكَامِل //
وَقد سبقه إِلَى ذَلِك أَبُو عَليّ المحسن التنوخي فَقَالَ
(2/52)

(خرجنَا لنستسقي بيُمْنِ دُعائهِ ... وَقد كَاد هُدْبُ الْغَيْم أَن يلبس الأرضا)
(فَلَمَّا بدا يَدْعُو تَقَشَّعت السما ... فَمَا تمّ إِلَّا والغمامُ قد ارفضا) // الطَّوِيل //
وَمِنْه قَول بَعضهم
(لما بدا وجهُ السَّمَاء لهمْ ... مُتَجهِّماً لم يُبْدِ أنَواءَ)
(قَامُوا ليَستسقوا الإلهَ لَهُم ... غَيْثاً فَلم يسقيهم المَاء) // الْكَامِل //
82 - (فَإِن تَفُقِ الأنامَ وأنتَ مِنهُمْ ... فإنَّ الْمسك بعض دم الغَزَالِ)
الْبَيْت لأبي الطّيب المتنبي من قصيدة من الوافر يرثي بهَا وَالِدَة سيف الدولة بن حمدَان أَولهَا
(نُعِدُّ المْشَرفيَّة والعَوالي ... وتَقْتلنا المنُونُ بِلَا قِتَالِ)
(ونرْتَبطُ السَّوابِقَ مُقرَبَاتٍ ... وَمَا يُنْجينَ من خبب اللَّيَالِي) // الوافر // وَهِي طَوِيلَة وَقبل الْبَيْت قَوْله يُخَاطب سيف الدولة
(رَأيتُكَ فِي الَّذين أرى ملُوكاً ... كأَنكَ مُستقيمٌ فِي مَحالِ)
حكى أَن المتنبي قيل لَهُ إِن الْمحَال لَا يُطَابق الاسْتقَامَة وَلَكِن القافية ألجأتك إِلَى ذَلِك فَلَو فرض أَنَّك قلت كَأَنَّك مُسْتَقِيم فِي اعوجاج كَيفَ كنت تصنع فِي الثَّانِي فَقَالَ وَلم يتَوَقَّف فَإِن الْبيض بعض دم الدَّجَاج فَاسْتحْسن هَذَا من بديهته
وَالشَّاهِد فِيهِ بَيَان أَن الْمُشبه أَمر مُمكن الْوُجُود وَذَلِكَ فِي كل أَمر غَرِيب يُمكن أَن يُخَالف فِيهِ وَيَدعِي امْتِنَاعه فَإِنَّهُ أَرَادَ أَن يَقُول إِن الممدوح
(2/53)

قد فاق النَّاس بِحَيْثُ لم يبْق بَينه وَبينهمْ مشابهة بِوَجْه بل صَار أصلا بِرَأْسِهِ وجنساً بمفرده وَهَذَا فِي الظَّاهِر كالممتنع لاستبعاد أَن تتناهى بعض آحَاد النَّوْع فِي الْفَضَائِل الْخَاصَّة بذلك النَّوْع إِلَى أَن يصير كَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا فاحتج لهَذِهِ الدَّعْوَى وَبَين إمكانها بِأَن شبه حَاله بِحَال الْمسك الَّذِي هُوَ من الدِّمَاء ثمَّ إِنَّه لَا يعد مِنْهَا لما فِيهِ من الْأَوْصَاف الشَّرِيفَة الَّتِي لَا تُوجد فِي الدَّم وَيُسمى مثل هَذَا تَشْبِيها ضمنياً أَو مكنياً عَنهُ لدلَالَة الْبَيْت عَلَيْهِ ضمنا
وَقد أحسن السراج الْوراق تَضْمِينه بقوله
(وأصْيَدَ ظلَّ يدركُ يومَ صَيْدِ ... طَرائدَهُ بجُردٍ كالسِّعَالي)
(فَإِن عَبَقَتْ لنا يمناهُ مسكا ... فَإِن الْمسك بعض دم الغزال) // الوافر //
والشهاب ابْن بنت الْأَعَز بقوله
(وَقَالُوا بالعِذَارِ تَسَلَّ عَنهُ ... وَمَا أَنا عَن غزالِ الحْسنِ سَالي)
(وإنْ أبْدَتْ لنا خَدَّاهُ مسكاً ... فَإِن الْمسك بعض دم الغزال) // الوافر //
وَيُشبه قَول أبي الطّيب المتنبي هُنَا فِي سيف الدولة قَوْله فِي عضد الدولة
(وَلَوْلَا كَونكم فِي الناسِ كَانُوا ... هُرَاءَ كَالْكَلَامِ بِلَا معانِ) // الوافر //
وَمثله قَول يحيى بن بَقِي
(هَل يَسْتَوي النَّاس قَالُوا كلُّنا بَشَرٌ ... فالمنْدَلُ الرطبُ والطرفاءُ أَعْوَاد) // الْبَسِيط //
وللغزي فِي مثله
(فلاَ غروَ إِن كنتَ بَعضَ الورَى ... فإِنَّ اليَلَنْجُوجَ بعضُ الْحَطب) // المتقارب //
(2/54)

وَمِنْه قَول خلف بن عبد الْعَزِيز النَّحْوِيّ
(مَا أنتَ بعضَ النَّاس إلاَّ مثل مَا ... بعضُ الْحَصَا الياقوتة الْحَمْرَاء) // الْكَامِل //
وللحصري فِيهِ
(أَبَا بكرٍ أَن أَصبَحت بعضَ ملوكهمْ ... فإِن اللَّيَالِي بعضُها لَيْلَة الْقدر) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول ابْن قلاقس وأجاد
(أنشرْتَ من آبائكَ الصيدِ الأولى ... ذكرا لسانُ الدَّهْر ناشر نَشْرهِ)
(كرُمُوا فزدتَ عليهمُ فكأنهمْ ... شهرُ الصّيام وأنتَ ليلةُ قدره) // الْكَامِل //
وَمثله قَول التهامي
(لقدْ شرّفَ الرحمنُ قدرَكَ فِي الورى ... كَمَا فِي اللَّيَالِي شُرِّفَتْ ليلةُ القدرِ)
(وَإِن كنتَ من جنس البرايا وفقتهُمْ ... فللمسك نشرٌ لَيْسَ يوجَدُ فِي العطرِ) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول شيخ الشُّيُوخ رَحمَه الله
(فَاقَتْ بيوسفُها الدُّنْيَا وفاحَ لَهَا ... طيبٌ طوى المسكَ من نشرٍ لَهَا أرجِ)
(فَإِن يُشارِكْهُ فِي اسْم الْملك طائفةٌ ... فَإِن شمس الضُّحَى من جملَة السُّرُجِ) // الْبَسِيط //
وَمثله قَول عبد الصَّمد بن بابك
(تقاعسَ عنكَ الفاخرون فأحجموا ... وخيْلُ المغاني غيرُ خيل المواكبِ)
(فَإِن زَعمَ الأملاكُ أنَّكَ منهُمُ ... فَخاراً فَإِن الشَّمْس بعضُ الْكَوَاكِب) // الطَّوِيل //
وَمن البديع فِي مَعْنَاهُ قَول ابْن شرف القيرواني
(سَلكَ الورى آثَار فضلكَ فانثنى ... متكلف عَن مسلكٍ مطبوعِ)
(أبناءُ جنسكَ فِي الحلى لَا فِي العُلاَ ... وأقولُ قولا لَيْسَ بالمدفوع) // الْكَامِل //
أبدا ترى الْبَيْتَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي المعني ويتفقان فِي التقطيع
(2/55)

وَفِي مقلوب معنى الْبَيْت قَول الصاحب بن عباد يهجو
(أبوكَ أَبُو عليّ ذُو اعتلاءٍ ... إِذا عُدَّ الكرَامُ وأنتَ نَجْلُهْ)
(وَإِن أباكَ إِذْ تُعُزَى إليهِ ... لكالطَّاووس تقبُحُ منهُ رجلهْ) // الوافر //
83 - (وَلَا زور دِيَة تزهو برُرْقتِها ... وسْطَ الرياض على حُمْر اليواقيت)
(كَأَنَّهَا وضعافُ القضب تحملهَا ... أوائلٌ النَّار فِي أَطْرَاف كبريتِ)
البيتان لِابْنِ الرُّومِي يصف البنفسج وقبلهما
(بنفسجٌ جُمِعَتْ أوْرَاقُهُ فحكىَ ... كُحلاً تَشَرِّبَ دَمعاً يَوْم تشتيتِ)
وَهِي من قصيدة من الْبَسِيط
وَالشَّاهِد فيهمَا كَون الْمُشبه بِهِ نَادِر الْحُضُور فِي الذِّهْن عِنْد حُضُور الْمُشبه فَإِن صُورَة اتِّصَال النَّار بأطراف الكبريت ينْدر حُضُورهَا فِي الذِّهْن عِنْد حُضُور صُورَة البنفسج فيستطرف لمشاهدة عنَاق بَين صُورَتَيْنِ متباعدتين غَايَة التباعد فَإِنَّهُ أَرَاك شبها لنبات غض يرف وأوراق رطبَة من لَهب نَار استولى عَلَيْهِ اليبس ومبنى الطبائع على أَن الشَّيْء إِذا ظهر من مَوضِع لم يعْهَد ظُهُوره مِنْهُ كَانَ ميل النُّفُوس إِلَيْهِ أَكثر وَهِي بالشغف بِهِ وأجدر
وَهَذَا البيتان من نَادِر التَّشْبِيه وغريبه وَلَيْسَ يعدلهما إِلَّا قَول النميري
(2/56)

(بَنفسجٌ بذكِيِّ الْمسك مخصوصُ ... مَا فِي زمانكَ إِن وافاكَ تنغيص)
(كَأَنَّمَا شغل الكبريت منظره ... أوخد أغيدَ بالتخميش مَقْروصُ) // الْبَسِيط //
وَقَول الآخر
(مَا زلتُ من شغفي ألمعُ كفهَا ... وذراعها بالقَرْص والآثارِ)
(حَتَّى جعلتُ أدِيمَهَا وكأنما ... غُرِسَ البنفسجُ فِي نقَا الجمارِ) // الْكَامِل //
وَقد لطف ابْن كيغلغ فِي اسْتِعَارَة الْمَعْنى فَقَالَ
(لما الْتَقَيْنَا للودَاعِ وأعرَبتْ ... عبراتُنا عَنَّا بِدمعِ ناطقِ)
(فرْقنَ بينَ محاجرٍ ومعاجرٍ ... وجمعنَ بينَ بَنفسجٍ وشقائق) // الْكَامِل //
واستعارة أَبُو تَمام فِي قَوْله
(لَهَا من لوعة البينِ التدامٌ ... يُعيدُ بنفسجاً ورْدَ الخدودِ) // الوافر //
وَقَوله التدام مِمَّا أَخذ عَلَيْهِ بِهِ فِي جملَة مَا أَخذ
84 - (وبَدَا الصباحُ كأنَّ غُرَّتهُ ... وَجْهُ الْخَلِيفَة حِين يُمتدحُ)
الْبَيْت لمُحَمد بن وهيب الْحِمْيَرِي من قصيدة من الْكَامِل يمدح بهَا الْمَأْمُون أَولهَا
(العذرُ إِن أنصفتَ متضحُ ... وشهودُ حبكَ أدمُعٌ سفُحُ)
(2/57)

(وَإِذا تكلمتِ العيونُ علىَ ... إعْجامها فالسرُّ مفتضحُ)
(فضحتْ ضميرَكَ عَن ودَائعهِ ... إِن الجفون نواطقٌ فُصُحُ)
(رُبَمَا أبيتُ مُعانقي قمرٌ ... لِلْحسنِ فِيهِ مخايلٌ تَضِحُ)
(نشرّ الجمالُ على مَحَاسنهِ ... بِدَعاً وأذهَبَ همهُ الْفَرح)
(يختال فِي حُلَلِ الشبابِ بِه ... مَرَحٌ وَدَاؤُكَ أَنه مرح)
(مَا زَالَ يُلْثمني مَرَاشفهُ ... ويعلّني الإِبريقُ والقدحُ)
(حَتَّى استردَّ الليلُ خِلعتَهُ ... ونشَا خِلاَل سَوادِهِ وضح) // الْكَامِل //
وَبعده الْبَيْت ثمَّ إِنَّه يَقُول فِيهَا
(نشرَتْ بكَ الدُّنيا محاسنها ... وتزَينتْ بصفاتكَ المِدَحُ)
(وكأنَّ مَا قد غابَ عنكَ لهُ ... بإِزاء طرفكَ عارضاً شبَحُ)
(وإِذا سَلمْتَ فكلُّ حَادِثَة ... جَلَلٌ فلاَ بُؤْسٌ وَلَا تَرحُ)
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت إِيهَام أَن الْمُشبه بِهِ أتم من الْمُشبه وَيُسمى التَّشْبِيه
(2/58)

المقلوب فَإِنَّهُ قصد إِيهَام أَن وَجه الْخَلِيفَة أتم من الصَّباح فِي الوضوح والضياء وَفِي قَوْله حِين يمتدح دلَالَة على اتصاف الممدوح بِمَعْرِِفَة حق المادح وتعظيم شَأْنه عِنْد الْحَاضِرين بالإصغاء إِلَيْهِ والارتياح لَهُ وعَلى كَونه كَامِلا فِي الْكَرم يَتَّصِف بالبشر والطلاقة عِنْد اسْتِمَاع المديح
وَفِي مَعْنَاهُ قَول البحتري
(كَأَن سَنَاها بالعَشِيِّ لصبُحها ... تبَسُّمُ عِيسَى حِين يلفظُ بالوعْدِ) // الطَّوِيل //
وَتقدم ذكر ابْن وهيب فِي شَوَاهِد الْمسند
85 - (تَشَابَهَ دَمْعِي إِذْ جَرَى وَمُدَامَتي ... فمِنْ مِثْل مَا فِي الكأسِ عَيْنَي تَسْكبُ)
(فوَاللَّه مَا أَدْري أَبالخمر أسْبَلَتْ ... جُفونيَ أمْ من عَبْرَتي كُنْتُ أشْرَبُ)
البيتان لأبي إِسْحَاق الصابي من الطَّوِيل وَرَأَيْت فِي الْيَتِيمَة الْبَيْت الأول بِلَفْظ تورد بدل تشابه
وَالشَّاهِد فيهمَا ترك التَّشْبِيه والعدول إِلَى الحكم بالتشابه ليَكُون كل وَاحِد من الشَّيْئَيْنِ مشبهاً ومشبهاً بِهِ احْتِرَازًا من تَرْجِيح أحد المتساويين فِي وَجه الشّبَه فَإِن الشَّاعِر لما اعْتقد التَّسَاوِي بَين الْخمر والدمع وَلم يعْتَقد أَن أَحدهمَا زَائِد فِي الْحمرَة وَالْآخر نَاقص يلْحق بِهِ حكم بَينهمَا بالتشابه وَترك التَّشْبِيه
وَفِي مَعْنَاهُ قَول الصاحب بن عباد
(2/59)

(رقَّ الزجاجُ ورَاقَتِ الخمرُ ... وتَشَابها فَتشاكلَ الْأَمر)
(فَكَأَنَّمَا خمرٌ وَلَا قَدَحٌ ... وكأنما قدح وَلَا خمر) // الْكَامِل //
وَقَوله أَيْضا من أَبْيَات
(مُتغايرات قد جمِعْنَ وكلُّها ... مُتشاكلٌ أشْباحُها أرْواحُ)
(وَإِذا أرَدتَ مُصَرَّحاً تَفسيرها ... فالرَّاحُ والمِصباحُ والتُّفاحُ)
(لم يَعلم السَّاقي وَقد جُمِّعَن لي ... من أَي هذي تملأ الأقداح) // الْكَامِل //
وَمثله مَا كتب بِهِ أَبُو الْوَلِيد بن زيدون إِلَى الْمُعْتَمد بن عباد صَاحب إشبيلية مَعَ تفاح أهداه إِلَيْهِ
(يَا من تَزينت السِّيَادَة ... حِين أُلْبسَ ثوبهَا)
(جاءتك جامدة المدام ... فَخذ عَلَيْهَا ذَوْبهَا) // من مجزوء الْكَامِل //
وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الخليع
(الرَّاحُ تفاحٌ جرى ذائباً ... كَذَلِك التُّفْاحُ راحٌ جمَدْ)
(فاشْرَب على جامده ذُوْبَهُ ... وَلَا تَدَعْ لَذَّة يَوْم لغد) // السَّرِيع //
وللسري الرفاء فِي مَعْنَاهُ
(وَقد أَضَاءَت نجومُ مَجْلِسنَا ... حَتَّى اكتسى غرَّة وأوضاحا)
(لَو جمَدَتْ راحُنا اغتدت ذَهَبا ... أَو ذابَ تفاحنا اغتدى رَاحا) // المنسرح //
ولطاهر العتابي فِي هَذَا الْمَعْنى
(أيا لَيْلَة قد بت أهزمُ بردَها ... بجيشين من خمر عَتيق وَمن جَمْرِ)
(2/60)

(فطوراً أَظن الْخمر من ذوب جمرها ... وطوراً أَظن الْجَمْر من جَمِدَ الْخمر) // الطَّوِيل //
والصابي هُوَ إِبْرَاهِيم بن هِلَال بن هَارُون الْحَرَّانِي قَالَ فِي حَقه أَبُو مَنْصُور الثعالبي هُوَ أوحد الْعرَاق فِي البلاغة وَمن بِهِ تثنى الخناصر فِي الْكِتَابَة وتتفق الشَّهَادَات لَهُ ببلوغ الْغَايَة من البراعة فِي الصِّنَاعَة وَكَانَ قد بلغ التسعين فِي خدمَة الْخُلَفَاء وَخِلَافَة الوزراء وتقلد الْأَعْمَال الجلائل مَعَ ديوَان الرسائل وحلب الدَّهْر أشطره وذاق حلوه ومره ولابس خَيره ومارس شَره ورئس وَرَأس وخدم وخدم ومدحه شعراء الْعرَاق فِي جملَة الرؤساء وشاع ذكره فِي الْآفَاق وَدون لَهُ من الْكَلَام الْبَهِي النقي الْعلوِي مَا تناثرت درره وتكاثرت غرره وَفِيه يَقُول بعض أهل الْعَصْر
(أصبحْتُ مُشتاقاً حَليفَ صَبابةٍ ... برَسائلِ الصابي أبي إِسحَاقِ)
(صَوبُ البلاغَة وَالحلاوَةِ والحِجَى ... ذَوْبُ البراعةِ سَلوةُ العُشاقِ)
(طَوْراً كَمَا رَقَّ النسيمُ وتارَةً ... يحْكى لنا الأطواقَ فِي الأعْنَاقِ)
(لَا يَبْلُغ البُلغاءُ شأوَ مبرز ... كتبت بدائعه على الأحداق) // الْكَامِل //
وَيَقُول أَيْضا
(يَا بؤس من يُمْنَى بدمع ساجم ... يَهْمِي على حُجُبِ الْفُؤَاد الوجم)
(لَوْلَا تعللهُ بكأسِ مُدَامَةٍ ... ورَسائل الصَّابي وَشعر كشاجم) // الْكَامِل //
(2/61)

ويحكى أَن الْخُلَفَاء والملوك والوزراء راودوه كثيرا على الْإِسْلَام وأداروه بِكُل حِيلَة وتمنية جميلَة حَتَّى إِن السُّلْطَان بختيار عرض عَلَيْهِ الوزارة إِن أسلم فَلم يهده الله تَعَالَى لِلْإِسْلَامِ كَمَا هداه إِلَى محَاسِن الْكَلَام وَكَانَ يعاشر الْمُسلمين أحسن عشرَة ويخدم الأكابر أوقع خدمَة ويساعدهم على صِيَام شهر رَمَضَان ويحفظ الْقُرْآن الْكَرِيم حفظا يَدُور على طرف لِسَانه وَسن قلمه وَكَانَ فِي أَيَّام شبابه واقتباله أحسن حَالا وأرخى بالأمنه فِي أَيَّام استكماله وَفِي زمن اكتهاله أورى زنداً وأسعد جدا مِنْهُ حِين مَسّه الْكبر وَأخذ مِنْهُ الْهَرم فَفِي ذَلِك يَقُول من قصيدة فِي فنها فريدة كتب بهَا إِلَى الصاحب يشكو بثه وحزنه ويستمطر سَحَابَة وحزنه بعد أَن كَانَ يخاطبه بِالْكَاف وَلَا يرفعهُ عَن رُتْبَة الْأَكفاء
(عجبا لحظي إِذْ أرَاهُ مُصالحي ... عَصْرَ الشَّبَاب فِي المشيب مغاضبي)
(أمنَ الغَواني كانَ حَتَّى خانني ... شَيخا وكانَ لَدَى الشبيبَةِ صَاحِبي)
(أمَعَ التَضعضع مَلَّنِي متجنباً ... وَمَعَ التَّرَعرع كَانَ غير مجانبي)
(يَا لَيْت صَبْوَته إلىَّ تأخَّرَت ... حَتَّى تكون ذخيرةً لعواقبي) // الْكَامِل //
وَكَانَ المهلبي لَا يرى الدُّنْيَا إِلَّا بِهِ ويحن إِلَى براعته وَتقدم قدمه ويصطنعه لنَفسِهِ ويستدعيه فِي أَوْقَات أنسه فَلَمَّا مَاتَ المهلبي وَأَبُو إِسْحَاق
(2/62)

يَلِي ديوَان الرسائل والخلافة على ديوَان الوزارة اعتقل فِي جملَة عُمَّال المهلبي وَأَصْحَابه فَمن قَوْله فِي ذَلِك الاعتقال من قصيدة
(يَا أَيهَا الرُّؤساءُ دعوةَ خَادِمٍ ... أَوْفَتْ رَسائلهُ على التعديدِ)
(أيجوزُ فِي حكمِ المُرُوءةِ عندكَمْ ... حبسي وَطول تهدودي وَوعيدي)
(أَنسيتمُ كتبا شحنت فُصولَهَا ... بفصول دُرّ عنكمُ منضودِ)
(ورسائلاً نَفَذَتْ إِلَى أطرافكمْ ... عبدُ الحميد بهنّ غيرُ حميدِ)
(يهتزُّ سامعُهنّ من طَرَبٍ كَمَا ... هزّ النديمَ سمَاعُ صوتِ العودِ) // الْكَامِل //
وَمِنْهَا
(قصرَتْ خُطاهُ خلاَخلٌ من قَيده ... فتراه فِيهَا كالفتاة الرُّودِ)
(يمشي الهوَيْني ذِلةً لَا عزة ... مشيَ النزيفِ الخائفِ المزؤدِ)
وَلما خلى عَنهُ وأعيد إِلَى عمله لم يزل يطير وَيَقَع وينخفض ويرتفع إِلَى أَن دفع فِي أَيَّام عضد الدولة إِلَى النكبة الْعُظْمَى والطامة الْكُبْرَى إِذْ كَانَ فِي صَدره حزازات كَثِيرَة من إنشا آتٍ لَهُ عَن الْخَلِيفَة وَعَن بختيار نقمها مِنْهُ واحتقدها عَلَيْهِ قيل كَانَ من أقوى أَسبَاب تغير عضد الدولة على أبي إِسْحَاق بعد ميله إِلَيْهِ وضنه بِهِ فصلٌ لَهُ من كتاب أنشأه عَن الْخَلِيفَة فِي شَأْن بختيار وَهُوَ وَقد جدد لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ مَعَ هَذِه المساعي السوابق والمعالي
(2/63)

السوامق الَّتِي يلْزم كل دَان وَقاص وعام وخاص أَن يعرف لَهُ حق مَا أكْرم بِهِ مِنْهَا ويتزحزح عَن رُتْبَة الْمُمَاثلَة فِيهَا فَإِن عضد الدولة أنكر هَذِه اللَّفْظَة أَشد إِنْكَار وَلم يشك فِي التَّعْرِيض بِهِ وأسرها فِي نَفسه إِلَى أَن ملك بَغْدَاد وَسَائِر الْعرَاق وَأمر أَبَا إِسْحَاق بتأليف كتاب فِي أَخْبَار الدولة الديلمية يشْتَمل على ذكر قديمَة وحديثة وَشرح سيره وحروبه وفتوحه فامتثل أمره وافتتح كِتَابه المترجم بالتاجي واشتغل بِهِ فِي منزله وَأخذ يتأنق فِي تصنيفه وترصيفه وَينْفق من روحه على تقريظه وتشنيفه فَرفع إِلَى عضد الدولة أَن صديقا للصابي دخل إِلَيْهِ فَرَآهُ فِي شغل شاغل من التَّعْلِيق والتسويد والتبديل والتبيض فَسَأَلَهُ عَمَّا يعْمل من ذَلِك فَقَالَ أباطيل أنمقها وأكاذيب ألفقها فانضاف تَأْثِير هَذِه الْكَلِمَة فِي قلب عضد الدولة إِلَى مَا كَانَ فِي نَفسه من أبي إِسْحَاق وتحرك من ضغنه السَّاكِن وثار من سخطه الكامن فَأمر أَن يلقى تَحت أرجل الفيلة فأكب جمَاعَة من أَرْبَاب الدولة على الأَرْض يقبلونها بَين يَدَيْهِ ويشفعون إِلَيْهِ فِي أمره ويتلطفون فِي استيهابه إِلَى أَن أَمر باستحيائه مَعَ الْقَبْض عَلَيْهِ وعَلى أَسبَابه واستصفاء أَمْوَاله فَبَقيَ فِي ذَلِك الاعتقال بضع سِنِين إِلَى أَن تخلص فِي آخر أَيَّام عضد الدولة وَقد رزحت حَاله وتهتك ستره
وَكَانَ الصاحب ابْن عباد يُحِبهُ أَشد الْحبّ ويتعصب لَهُ ويتعهده على بعد الدَّار بالمنح والصابي يخْدم حَضرته بالمدح وَكَانَ الصاحب يتَمَنَّى انحيازه إِلَيْهِ وقدومه عَلَيْهِ وَيضمن لَهُ الرغائب على ذَلِك إِمَّا تشوقاً أَو تشرفاً وَكَانَ هُوَ يحْتَمل ثقل الْخلَّة وَسُوء أثر العطلة وَلَا يتواضع للاتصال بجملة الصاحب بعد كَونه من نظرائه وتحليه بالرياسة فِي أَيَّامه
وَكَانَ الصاحب كثيرا مَا يَقُول كتاب الدُّنْيَا وبلغاء الْعَصْر أَرْبَعَة
(2/64)

الْأُسْتَاذ ابْن العميد وَأَبُو الْقَاسِم عبد الْعَزِيز بن يُوسُف وَأَبُو إِسْحَاق الصابي وَلَو شِئْت لذكرت الرَّابِع يَعْنِي نَفسه
فَأَما التَّرْجِيح بَين هذَيْن الصادين أَعنِي الصاحب والصابي فقد خَاضَ فِيهِ الخائضون وخب فِيهِ المخبون وَمن أشف مَا سمعته من ذَلِك أَن الصاحب كَانَ يكْتب كَمَا يُرِيد والصابي يكْتب كَمَا يُؤمر أَي كَمَا يُرَاد وَبَين الْحَالين بونٌ بعيد وَكَيف جرى الْأَمر فهما هما وَلَقَد وقف فلك البلاغة بعدهمَا
ولنذكر نبذا من نثره ونظمه لتَكون كالعنوان على محاسنه
فَمن ذَلِك فصل لَهُ من كتاب إِلَى عضد الدولة فِي التهنئة بتحويل سنة أسأَل الله مبتهلاً لَدَيْهِ مَادًّا يَدي إِلَيْهِ أَن يحِيل على مَوْلَانَا هَذِه السّنة وَمَا يتلوها من أخواتها بالصالحات الْبَاقِيَات والزيادات الغامرات ليَكُون كل دهر يستقبله وأمد يستأنفه موفياً على الْمُتَقَدّم لَهُ قاصراً عَن الْمُتَأَخر عَنهُ ويوفيه من الْعُمر أطوله وأبعده وَمن الْعَيْش أعذبه وأرغده عَزِيزًا منصوراً محمياً موفوراً باسطاً يَده لَا يقبضهَا إِلَّا على نواصي أَعدَاء وحساد سامياً طرفه فَلَا يعضه إِلَّا على لَذَّة غمض ورقاد مستريحة ركابه فَلَا يعملها إِلَّا لاستضافة عز وَملك فائزة قداحه فَلَا يجيلها إِلَّا لحيازة مَال وَملك حق ينَال أقْصَى مَا تتَوَجَّه إِلَيْهِ أُمْنِية صَالِحَة وتسمو لَهُ همة طامحة
فصل من رسَالَته فِي وصف المتصيد وَالصَّيْد وخيلنا كالأمواج المتدفقة والأطواد الموثقة متشوقة عاطية مستبقة جَارِيَة تشتاق الصَّيْد وَهِي لَا تطعمه وتحن إِلَيْهِ كَأَنَّهُ قضيم تقضمه وعَلى أَيْدِينَا جوارح مؤللة المخالب والمناسر
(2/65)

مذربة النصال والخناجر طامحة الألحاظ والمناظر بعيدَة المرامي والمطارح ذكية الْقُلُوب والنفوس قَليلَة القطوب والعبوس سابغة الأذناب كَرِيمَة الْأَنْسَاب صلبة الأعواد قَوِيَّة الأوصال تزيد إِذا طعمت شَرها وقرماً وتتضاعف إِذا شبعت كَلْبا ونهماً فَبينا نَحن سائرون وَفِي الطّلب ممعنون إِذْ وردنا مَاء زرقاً جمامه طامية أرجاؤه يبوح بأسراره صفاؤه وتلوح فِي قراره حصباؤه وأفانين الطير بِهِ محدقة وغوائبه عَلَيْهِ وَاقعَة مُتَغَايِرَة الألوان وَالصِّفَات مختلفات الْأَصْوَات واللغات فَمن صَرِيح خلص وتهذب نَوعه وَمن مشوب تهجن أَو أقرف عرقه فَلَمَّا أوفينا عَلَيْهَا أرسلنَا الْجَوَارِح إِلَيْهَا كَأَنَّهَا رسل المنايا أَو سِهَام القضايا فَلم نسْمع إِلَّا مسمياً وَلم نر إِلَّا مذكياً ثمَّ عدنا لشأننا دفعات وأطلقنا مَرَّات
وَمن فصل مِنْهَا ثمَّ عدلنا عَن مطارح الْخيام إِلَى مسارح الآرام نستقرئ ملاعبها ونؤم مجامعها حَتَّى أفضينا إِلَى أسراب لاهية بأطلائها راتعة بأكلائها ومعنا فهود أخطف من البروق وألقف من الليوث وأمكر من الثعالب وأدب من العقارب وأنزى من الجنادب خمص الخصور قب الْبُطُون رقش الْمُتُون حمر الآماق خزر الأحداق هرت الأشداق عراض الجباه غلب الرّقاب كاشرة عَن أَنْيَاب كالحراب
وَله فصل فِي ذكر الأقدار لله تَعَالَى أقدار ترد فِي أَوْقَاتهَا وقضايا تجْرِي إِلَى غاياتها لَا يرد شَيْء مِنْهَا عَن شأوه ومداه وَلَا يصددون مطلبه ومنحاه فَهِيَ كالسهام الَّتِي لَا تثبت إِلَّا فِي الْأَغْرَاض وَلَا ترجع بالاعتراض وَالنَّاس
(2/66)

فِيهَا بَين عَطِيَّة يجب الشُّكْر عَلَيْهَا ورزية يوثق بِالْعِوَضِ عَنْهَا
وَله من فصل عَن بختيار إِلَى سبكتكين الغزنى لَيْت شعري بِأَيّ قدم توافينا وراياتنا خافقة على رَأسك ومماليكنا عَن يَمِينك وشمالك وخيلنا الموسومة بأسمائنا تَحْتك وثيابنا المنسوجة فِي طرزنا على جسدك وَسِلَاحنَا المشحوذ لأعدائنا فِي يدك
وَمن فصل فِي ذكره هُوَ أرق دنيا وَأَمَانَة وأخفض قدرا ومكانة وَأتم ذلاً ومهانة وَأظْهر عَجزا وزمانة من أَن تستقل بِهِ قدم فِي مطاولتنا أَو تطمئِن لَهُ ضلوع على منابذتنا وَهُوَ فِي نشوره عَنَّا وطلبنا إِيَّاه كالضالة المنشودة وَفِيمَا نرجو من الظفر بِهِ كالظلامة الْمَرْدُودَة
وَمن ملح شعره قَوْله فِي الْغَزل وَهُوَ فِي معنى الْبَيْتَيْنِ المستشهد بهما
(جَرَتِ الدُّمُوع دَماً وكأسِي فِي يَدي ... شَوْقاً إِلَى من لَجِ فِي هِجْرَاني)
(فَتَخالفَ الفعلانِ شَارِب قَهْوَةٍ ... يبكي دَمًا وتَشابهَ اللوْنانِ)
(فَكَأَن مَا فِي الجِفن من كأسي جرى ... وَكَأن مَا فِي الكأس من أجفاني) // الْكَامِل //
وَقَالَ
(لَسْت أَشْكُو هواكَ يَا من هَواهُ ... كلَّ يومٍ يَرُوعُني مِنْهُ خطبُ)
(مُرُّ مَا مر بِي منَ أَجلك حلوٌ ... وعذابي فِي مثل حبك عذب) // الْخَفِيف //
وَقَالَ
(إِنْ نحنُ قِسناكَ بالغُصْنِ الرَّطيب فقدْ ... حفْنَا عليكَ بِهِ ظلما وعُدْوانَا)
(الغُصْنُ أحسنُ مَا نلقاهُ مكتسياً ... وأنتَ أحسنُ مَا نلقاكَ عُرْيانا) // الْبَسِيط //
(2/67)

وَقَالَ
(مَرِضتُ منَ الهَوى حَتَّى إِذا مَا ... بَدَا مَا بِي لإِخواني الحُضُورِ)
(تكنَفَني ذَوُو الإشفاق منهمْ ... ولاَذُوا بِالدُّعَاءِ وبالنذُورِ)
(وَقَالُوا للطبيبِ أشِرْ فإنَّا ... نُعِدُّكَ للمهمّ منَ الأمورِ)
(فقالَ شفَاؤهُ الرُّمانُ مِمَّا ... تضمنَهُ حشاهُ منَ السعيرِ)
(فقلتُ لُهمْ أصابَ بغيرِ عَمدٍ ... ولكنْ ذَاكَ رُمانُ الصُّدُور) // الوافر //
وَقَالَ
(مَا أنسَ لَا أنسَ لَيلةَ الأحدِ ... والبدرُ ضَيْفي وأَمرهُ بيدِي)
(قبَّلتُ منهُ فَمَا مُجَاجَتُهُ ... تجمعُ بينَ المدَامِ والشُّهُدِ)
(كأنَّ مجرَى سِوَاكِه بَرَدٌ ... وَريقهُ ذَوْبُ ذَلِك الْبرد) // المنسرح //
وَقَالَ فِي شمامة كافور
(وشَمَّامةٍ كالبدرِ عندَ اعتراضهِ ... وكالكوكبِ الدريّ عندَ انقضاضهِ)
(يَودُّ سوَادُ الْعين من شغفٍ بهَا ... لَو اعتاضهَا مُسْتَبْدِلاً ببياضهِ) // الطَّوِيل //
وَقَالَ
(وحرورة الأحشاء تحسبُ أنهَا ... مُتيمةٌ تَشْكُو منَ الْحبّ تبريجا)
(تُناجيك نجوَى يسمعُ الأنفُ وَحيْها ... وتجهله الْأذن السمعية إِذْ يُوحَى)
(تحرق فِيهَا الندَّ عَوْداً وبَدْأة ... فتأخذهُ جسماً وتنفثه روحا) // الطَّوِيل //
وَقَالَ فِي غُلَام لَهُ أسود اسْمه رشد
(أَبصرتُ فِي رُشْدٍ وَقد أحببتهُ ... رُشدي وَلم أَحفل بِمن قَدْ يُنكرُ)
(2/68)

(يَا لائمي أَعلَى السوَاد تَلومني ... من لونهِ وبهِ عليكَ المفخرُ)
(دَعْ لي السوادَ وَخذ بياضكَ إِنَّنِي ... أدْرَي بِمَا آتِي وَمَا أتخيَّرُ)
(مثوى البصيرةِ فِي الْفُؤَاد سوَادُه ... والعينُ بالمسودّ مِنْهَا تُبْصرُ)
(فالدينُ أنتَ مُناظرٌ فِيهِ بذَا ... وكذاكَ فِي الدُّنْيَا بِهذِي تنظرُ)
(بسواد ذَيْنِك تستضيء ولوهما ابْيضَّا تَغَشَّاكَ الظلامُ الأكدرُ ... )
(فغدَا بياضُكَ وَهُوَ ليلٌ دامسٌ ... وغدَا سوَادِي وَهُوَ فجر أنور) // الْكَامِل //
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا
(قد قَالَ رشدٌ وَهُوَ أَسودُ للَّذي ... ببياضه يَعْلُو علوّ الخاتن)
(مَا فحر خَدِّكَ بالبياض وَهل ترى ... أَن قد أفدت بِهِ مُرِيد محاسنِ)
(لَو أنّ مني فِيهِ خالاً زانهُ ... وَلَو أَن منهُ فيّ خالاً شانني) // الْكَامِل //
وَلَقَد تفنن الشُّعَرَاء فِي مدح السودَان وَأَكْثرُوا فَمن ذَلِك قَول ابْن الرُّومِي من قصيدة طَوِيلَة
(أكسبها الحبُّ أَنَّهَا صُبِغَتْ ... صِبْغَةَ حَبِّ الْقُلُوب والحدق) // المنسرح //
وَقَول ابْن خفاجة الندلسي أَيْضا
(وأَسودٍ يسبحُ فِي لجةٍ ... لَا تكتمُ الْحَصْبَاء غُدْرانُهَا)
(كَأَنَّهَا فِي شكلها مقلة ... زرقاء والأسودُ إنسانها) // السَّرِيع //
وَقَول الآخر
(يَا أسودا يسبح فِي بركةٍ ... فقتَ الورى حسنا وإحسانَا)
(2/69)

(كنت لحسن الخدِّ خالاً وقدْ ... صرتَ لعين الْعين إنسانَا) // السَّرِيع //
وَقَول شرف الدّين بن عنين
(وماذَا عَلَيْهِم أَن كلفتُ بأسودٍ ... محلَّتهُ بِالْقَلْبِ وَالْعين منهمُ)
(وَقد عابني قوم بتقبيل خَدّه ... وَمَا ذاكَ عيبٌ أسودُ الركنِ يُلْثْمُ)
(وَمَا شأنهُ ذاكَ السوادُ لأنهُ ... لغير الثنايا وَالْخَلَائِق معلم) // الطَّوِيل //
وَقَالَ ابْن ريَاح الملقب بالحجام
(يَا لُعبةً بذوي الْأَلْبَاب لاعبةً ... فِي أصلِ حسنكَ معنى غير متفقِ)
(خُلِقْتِ بَيْضَاء كالكافور ناصعَةً ... فصرت سَوْدَاء من مثواك فِي الحدق) // الْبَسِيط //
وَقَالَ أَحْمد بن بكر الْكَاتِب
(يَا من فؤاديَ فِيهَا ... متيما لَا يزالُ)
(إِن كَانَ لِليْل بدرٌ ... فأنتَ للصبح خَال) // المجتث //
وَقَالَ الْوَزير المغربي
(يَا رُبَّ سَوْدَاء تيمتني ... يَحْسُن فِي مثلهَا الغرامُ)
(كالليل تستهل الْمعاصِي ... فِيهِ ويستعذبُ الْحَرَام) // من مخلع الْبَسِيط //
وَقَرِيب مِنْهُ قَول ابْن أبي الجهم
(غُصْنٌ من الآبنوس أهْدَى ... من مسك دَارِينَ لي ثمارَا)
(ليلُ نعيمٍ أظلُّ فِيهِ ... للطيب لَا أشتهي نَهَارا) // من مخلع الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم مضمنا
(وسوداءِ الْأَدِيم إِذا تَبَدَّتْ ... ترى مَاء النَّعيم جَرَى عليهِ)
(رَآهَا ناظري فَصَبَا إِلَيْهَا ... وشِبْهُ الشيءِ منجذب إِلَيْهِ) // الوافر //
(2/70)

وَقَالَ نجم الدّين يَعْقُوب بن صابر
(وَجاريةٍ من بَنَات الحُبوش ذَات جفون صِحَاح مراض ... )
(تعشقها للتصابي فشِبْتُ ... غراماً وَلم أك بالشيب راضي)
(وكنتُ أعَيِّرُها بِالسَّوَادِ ... فَصَارَت تعيرني بالبياض) // المتقارب //
وَقد أغرب ابْن دفتر خوان بقوله
(إِن لمعتْ لَيْلًا نجومُ السما ... بيضًا على أدهم مُرْخَي الإِزارْ)
(وأوجبَ العكسُ مِثَالا لَهَا ... فِي الأَرْض فالسودُ نجومُ النَّهَار) // السَّرِيع //
رَجَعَ إِلَى شعر الصابي
قَالَ يرثي ابْنه سِنَانًا
(أَسعداني بالدمعةِ الحمراءِ ... جلُّ مَا حلّ بِي عَن الْبَيْضَاء)
(يُؤلم القلبَ كلُّ فقدٍ ولاَ مِثْلَ افْتقاد الآباءِ للأبناء ... )
(كُنتَ مِني وكُنتُ مِنكَ اتِّفَاقًا ... والتئَاماً مِثلَ الْعَصَا واللِّحاءِ)
(كُنتَ لِليُتْم فيَّ أجملَ مِنِّي ... فيكَ للثُّكلِ فِي أوَانِ فنائي)
(ولئنْ كَانَ من أَخِيك وأولادكما ... مَا يَغُضُّ منْ بُرحائي)
(فَلَعَمْري لرُبما هيجوا الشوق ... فزادوا فِي لَوْعَتي وبكائي) // الْخَفِيف //
ألم فِيهِ بقول ابْن الرُّومِي وَلم يحسن إحسانه
(2/71)

(وإِنِّي وإِنْ مُتِّعْتُ بِابنىَّ بعدهُ ... لذاكِرُهُ مَا حَنَّتِ النَّيبُ فِي نَجدِ)
(وأوْلادنا مِثل الجوارحِ أيُّما ... فقدناه كانَ الفاجعَ البينَ الفَقْدِ)
(لكٍّل مكانٌ لَا يسدّ اختلالَه ... مَكانُ أخيهِ منْ جزوع ومنْ جَلْدِ)
(هلِ العينُ بعد السمعِ تَكْفِي مَكَانَهُ ... أمِ السمعُ بعدَ الْعين يَهدِي كَمَا تهدي) // الطَّوِيل //
وَقَالَ الصابي مفتخراً من قصيدة
(وَقد علم السُّلطان أنِّي أمِينُه ... وكاتبهُ الْكَافِي السِّديدُ الموفّق)
(أوازره فِيما عرَى وأمدّه ... بِرأى يُريهِ الشمسَ وَاللَّيْل أغسقُ)
(يُجدِّد بِي نَهجَ الْعلَا وهْوَ دارسٌ ... وَيفتح بِي بابَ الهدَى وَهْوَ مُغْلَق)
(فَيمنايَ يُمناه ولَفظيَ لفظُه ... وعيني لَهُ عينٌ بهَا الدَّهرَ يَرْمُقُ)
(ولِي فِقرٌ تُضْحِي الْمُلُوك فقيرةً ... إِلَيْهَا لدَى أحداثِها حينَ تطرق)
(أرد بِها رأسَ الجَموحِ فينثني ... وأجعلُها سَوْط الحرون فيُعْنِقُ)
(فإِنْ حاولتْ لطفاً فماء مُرَوَّقٌ ... وإِنْ حاولَتْ عُنفاً فَنارٌ تألق)
(يسلم لِي قُسٌّ وسحبانُ وائلٍ ... ويَرْضَى جريرٌ مَذْهبي والفرزْدق)
(فيغضي لنثرِي خاطبٌ وهوَ مِصْقَعٌ ... ويعنو لنظمي شاعرٌ وهوَ مُفْلقُ)
(مَعالٍ لَو الْأَعْشَى رآهنُّ لم يَقُلْ ... وباتَ على النارِ الندَي والمحلق) // الطَّوِيل //
(2/72)

وَقَالَ فِي المهلبي الْوَزير
(قلْ للوزير أبي محمدٍ الَّذِي ... قدْ أعجزَتْ كلّ الوَرَى أوْصافُهُ)
(لكَ فِي المحافلِ منطقٌ يشفي الجوَى ... ويسوغ فِي أذُنِ الأديب سُلاَفُهُ)
(فكأنَّ لفظكَ لُؤْلُؤ متنخَّلٌ ... وكأنما آذاننا أصدافه) // الْكَامِل //
وَقَالَ أَيْضا
(تلوح نواجذِي والكأس شربي ... وأشربُها كَأَنِّي مستطيب)
(وَفَوق السرِّ لي جهرٌ ضحوك ... وتحتَ الجهرِ لي سرٌّ كئيب)
(سأثبتُ إِذْ يُصادمني زَماني ... بِركنيه كَمَا ثبتَ النحيب)
(وأرْقب مَا تجيءُ بِهِ اللَّيَالِي ... فَفِي أثنائهِ فرجٌ قريب) // الوافر //
وَقَالَ أَيْضا فِي عضد الدولة
(لَا تحسبِ المُلكَ الَّذِي أوتيتَهُ ... يُفْضِي وإِنْ طالَ الزّمان إِلَى مَدَى)
(كالدَّوْحِ فِي أفق السَّمَاء فروعهُ ... وعروقه متولِّجَاتٌ فِي الندَى)
(فِي كل عامٍ يستجدّ شبيبةً ... فَيَعُود ماءُ العُودِ فيهِ كَمَا بَدا)
(حَتَّى كأنكَ دائر فِي حلقةٍ ... فلكيةٍ فِي مُنْتَهَاهَا المبتدا) // الْكَامِل //
وَكتب إِلَى عضد الدولة فِي يَوْم مهرجان مَعَ اصطرلاب أهداه إِلَيْهِ
(أهدَى إليكَ بَنو الأَمَوالِ وَاخْتلفُوا ... فِي مِهرجانٍ جديدٍ أَنْت مُبْليهِ)
(لكنَّ عبدكَ إبراهيمَ حِين رَأى ... علوَّ قدركَ عنْ شَيْء يُدَانيهِ)
(2/73)

(لم يرضَ بالأرضِ مُهْدَاة إليكَ فقدْ ... أهدَى لكَ الفلكَ الْأَعْلَى بِمَا فيهِ) // الْبَسِيط //
وَمن لطيف شعره قَوْله
(دفتري مؤنسي وفكري سميري ... ويدِي خادِمي وحِلْمي ضجيعي)
(ولسانِي سَيْفي وبطشي قَريضي ... ودَوَاتِي غَيثي ودرجي ربيعي) // الْخَفِيف //
وَمثله قَول أبي مُحَمَّد الخازن
(فدفتري رَوضتي ومحبرَتي ... غديرُ عِلمي وصارمِي قَلَمِي)
(ورَاحتي فِي قَرَار صَوْمَعَتِي ... تُعْلمني كيفَ موقعُ النعم) // المنسرح //
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الصابي وَهُوَ فِي الْحَبْس
(إِذا لم يكن للمرء بدٌّ من الرّدى ... فأسهلُه مَا جَاءَ والعيشُ أنكد)
(وأصعبهُ مَا جَاءَهُ وهْوَ راتِعٌ ... تطيف بهِ اللذّات والحظّ مُسْعِد)
(فإِن أك سوءَ العيشتينِ أعيشُها ... فإِني إِلَى خيرِ المماتينِ أقصد)
(وسيَّانِ يَوْمًا شقوةٍ وسعادةٍ ... إِذا كانَ غبّاً وَاحِدًا لَهما الْغَد) // الطَّوِيل //
وَقَالَ
(لقدْ أخلقتْ جدَّتِي الحادثاتُ ... ومَنْ عاشَ فِي رَيْبها يَخلق)
(وبذلني صَلَعاً شَامِلًا ... من الشَّعَرِ الفاحم الأغْسَقِ)
(2/74)

(وَقد كنْتُ أمْرَدَ من عارضني ... فَقد صرت أَمْرَد من مفرقي) // المتقارب //
وَكتب إِلَى قَاضِي الْقُضَاة ابْن مَعْرُوف وَكَانَ قد زَارَهُ فِي معتقله رقْعَة نسختها
قوى دُخُول قَاضِي الْقُضَاة إِلَى نَفسِي وجدد أنسي وَأغْرب نحسي ووسع حبسي فدعوت الله لَهُ بِمَا قد ارْتَفع إِلَيْهِ وسَمعه فَإِن لم اكن أَهلا لِأَن يُسْتَجَاب مني فَهُوَ أيده الله تَعَالَى أهلٌ لِأَن يُسْتَجَاب فِيهِ وَأَقُول مَعَ ذَلِك
(دخلتَ حَاكم حكام الزَّمان إِلَى ... صَنيعةٍ لَك رَهْنِ الْحَبْس ممتَحَنِ)
(أخْنتْ علَيه خطوبٌ جارَ جائرُها ... حَتَّى توفاهُ طولُ الْهم والحَزَنِ)
(فَعاشَ عَن كلماتٍ مِنكَ كنَّ لهُ ... كالرُّوح عائِدَةً منهُ إِلى الْبدن) // الْبَسِيط //
وَكتب إِلَى بعض الرؤساء عرفت أَن سيدنَا الْأُسْتَاذ الْجَلِيل أَطَالَ الله بَقَاءَهُ يشتكي الثنايا
(فَلَو اسْتَطَعْت أخذت علَّةَ جِسمهِ ... فَقَرنتُها مني بعِلِةِ حَالي)
(وجَعلتُ صحَّتَي الَّتِي تَصْفُ لي ... صَفواً لَهُ معَ صِحَة الإقْبَالِ)
(فَتكونُ عِنْدِي العَّلتانِ كِلاَهُمَا ... والصِّحَّتانِ لَهُ بغيرِ زَوالِ) // الْكَامِل //
وَقَالَ
(عهدِي بشعري وكلَّه غَزَلُ ... يضحكُ عنهُ السرُور والجذَلُ)
(أيامَ همِّي أحبةٌ بِهمُ القلبُ عَن النَائباتِ يشتغلُ ... )
(والآنَ شِعري فِي كلِّ داهيةٍ ... نِيرانُها فِي الضلوعِ تشتعل)
(أَخرجُ منْ نكبةِ وأدخلُ فِي ... أُخرَى فنحسي بهنَّ متصلُ)
(2/75)

(كأنَّها سُنَّةٌ مؤكدةٌ ... لَا بُد من أَنْ تقُيمَهَا الدولُ)
(فالعيشُ مرٌّ كأنهُ صَبِرٌ ... والموتُ حُلْو كَأَنَّهُ عسل) // المنسرح //

وَقَالَ يهجو
(أيُّها النابحُ الذِي يتَصَدَّى ... بقبيح يَقُوله لجَوابي)
(لَا تؤمَّلْ أنِّي أقولُ لكَ اخْسَأْ ... لستُ أسخو بهَا لكلِّ الكلابِ) // الْخَفِيف //
وَحكى أَبُو الْقَاسِم بن برهَان قَالَ دخلت على أبي إِسْحَاق الصابي وَكَانَ قد لحقه وجع المفاصل وَقد أبل والمجلس عِنْده حافل وَأَرَادَ أَن يُرِيهم أَنه قَادر على الْكِتَابَة فَفتح الدواة ليكتب فتطاولوا بِالنّظرِ إِلَى كِتَابَته فَوضع الْقَلَم وَقَالَ بديها
(وجعُ المفاصل وهوَ أيسرُ مَا لقيتُ منَ الأذَى ... )
(جعل الذِي استحسنتهُ ... واليأسَ منْ حظي كذَا)
(والعمرُ مثلُ الكاسِ يرسب ... فِي أواخرهِ القذَى) // الْكَامِل //
وَقد ألم بِهَذَا الْمَعْنى أَمِين الدولة سبط التعاويذي وَزَاد فِيهِ فَقَالَ
(فَمن شَبَّه الْعُمر كأساً يقرَّ ... قَذَاهُ ويرسب فِي أسفلِهْ)
(فَإِنِّي رأيتُ القَذَى طافياً ... على صفحة الكاس من أَوله) // المتقارب //
والأمير سيف الدّين بن المشد بقوله
(إِن ترقى إِلَى الْمَعَالِي أولو الْفضل وَساخت تَحت الثرى السفهاءُ ... )
(فَحَبابُ المدام يَعْلُو على الكأس ... محلاًّ وترسب الأقذاء) // الْخَفِيف //
(2/76)

وَمَا أحسن قَول ابْن زِيَاد فِيهِ أَيْضا
(باضطراب الزَّمَان ترتفعُ الأنذالُ فِيهِ حَتَّى يعم البلاءُ ... )
(وَكَذَا المَاء راكداً فَإِذا حرّكَ ثارت من قَعْره الأقذاء ... ) // الْخَفِيف //
وَقَول الآخر
(بَادر إِلَى الْعَيْش فالأيام راقدةٌ ... وَلَا تكن لصروف الدَّهْر تنتظرُ)
(فالعمر كالكأس يَبْدُو فِي أَوَائِله ... صفواً وآخِرُه فِي قَعْره كدر) // الْبَسِيط //
وَلما مَاتَ أَبُو إِسْحَاق الصابي رثاه الشريف أَبُو الْحسن الموسوي بقوله
(أَعلمتَ من حَمَلوا على الأَعْوادِ ... أرأيتَ كَيفَ خَبَا ضِياء النادِي)
(جَبلٌ هوى لَو خَرَّ فِي البَحر اغتَدَى ... من وَقعِه مُتَتابعَ الإِزبادِ)
(مَا كنت أعلم قبلَ حطكَ فِي الثرى ... أَن الثرَى يَعْلُو على الأطْوَاد) // الطَّوِيل //
وَمِنْهَا
(بَعْداً ليومكَ فِي الزمانِ فإِنهُ ... أقْذَى العُيُونَ وفَتَّ فِي الأعْضَادِ)
(لَا تطلبي يَا نفسُ خِلاًّ بعدهُ ... فلمثلُهُ أعيا على المرتادِ)
(فُقِدتْ ملاءمةُ الشكولِ بفقدهِ ... وبقيتُ بينَ تباينِ الأضدادِ)
(مَا مَطْعمُ الدُّنيا بحلوٍ بعدهُ ... أبدا وَمَا مَاء الْحَيَاة ببادي)
(لكَ فِي الحشا قبرٌ وإنْ لم تأوِهِ ... ومنَ الدُّموعِ روائحٌ وغوادي)
(سَلُّوا منَ الأبرادِ جسمك فانثنى ... جِسمي يُسلّ عليكَ فِي الأبراد)
(2/77)

وَمِنْهَا
(الفضلُ ناسبَ بَيْننَا إِذْ لم يكنْ ... شَرَفي مناسبهُ وَلَا ميلادِي)
(إنْ لم تكن من أسرتي وعشيرتي ... فلأنت أعقلهمْ يدا بفؤادي)
(أولاَ تكنْ عالي الأصولِ فقدْ وَفَى ... عظمُ الجدود بِسودَد الأجداد) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة ورثاه بِغَيْر ذَلِك أَيْضا وَقَالَ وَقد ليم على رثائه لَهُ إِنِّي رثيت علمه وَكَانَ سنه أَرْبعا وَثَمَانِينَ سنة وَمَات ابْنه المحسن على كفره أَيْضا وَابْن ابْنه هِلَال أسلم بآخرة وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة
86 - (يَا صَاحِبيّ تَقَصَّيَا نَظَرَيكما ... تَرَيا وجُوهَ الأرْضِ كَيْف تُصَوَّرُ)
(تَرَيا نَهاراً مُشْمِساً قَدْ شَابَهُ ... زَهْرُ الرُّبا فَكأنَّما هُوً مُقْمِرُ)
البيتان لأبي تَمام الطَّائِي من قصيدة من الْكَامِل يمدح بهَا المعتصم أَولهَا
(رقَّتْ حَوَاشي الدهرِ فَهِيَ تَمَرْمَرُ ... وَغدا الثرى فِي حَلْيهِ يتكسرُ)
(2/78)

(بذلتْ مُقَدّمَة المصيف حميدةً ... وَيَد الشتَاء جَدِيدَة لَا تكفر)
(لولاَ الَّذِي غرس الشتَاء بكفِّهِ ... قاسي المصيفُ هشائماً لَا تُثْمرُ)
(كم ليلةٍ آسى الْبِلَاد بِنَفسِهِ ... فِيهَا وَيَوْم وبلُهُ متفجرُ)
(مطرٌ يذوب الصخرُ مِنْهُ وبعدُه ... صَحْوٌ يكَاد من الغضارة يقطر)
(غثيان فالأنواء غيثٌ ظاهرٌ ... لكَ وَجهه والصَّحو غيث مضمرُ)
(ونَدَى إِذا ادَّهَنتْ بهِ لممُ الثرى ... خلتَ السَّحَاب أَتَاهُ لَهُ وَهو معذرُ)
(أربيعنا فِي تسع عشرَة حجَّة ... حَقًا لَوَجْهكَ لَلرَّبيعُ الأَزهر)
(مَا كَانَت الأَيامُ تسلب بهجةً ... لَو أَن حسن الرَّوْض كَانَ يُعَمَّرُ)
(أَولا ترى الْأَشْيَاء إِن هِيَ غيرتْ ... سمُجتْ وَحسن الأَرْض حِين تغيرُ) // الْكَامِل //
وَبعده البيتان وبعدهما
(دنيا مَعاش للورى حَتَّى إِذا ... حَلَّ الربيعُ فَإِنَّمَا هيَ منظرُ)
(أضْحَتْ تصُوغُ بطونُها لظُهُورِها ... نَوْراً تكادُ لَهُ القلوبُ تُنَوِّرُ)
(من كل زَاهرةٍ ترقرَقُ بالنَّدى ... فَكَأَنَّهَا عينٌ لديكَ تحدر) // الْكَامِل //
وَهِي طَوِيلَة
(2/79)

وَمعنى تقصيا نظريكما ابلغا أقْصَى نظريكما وَغَايَة مَا تبلغانه واجتهدا فِي النّظر وتصور أَصْلهَا تتَصَوَّر فَحذف إِحْدَى التَّاءَيْنِ
وَالشَّاهِد فيهمَا تَشْبِيه الْمركب بالمفرد فَإِنَّهُ شبه المشمس الَّذِي اخْتَلَط بِهِ أزهار الربوات فنقصت باخضرارها من ضوء الشَّمْس حَتَّى صَار يضْرب إِلَى السوَاد بِاللَّيْلِ المقمر فالمشبه مركب والمشبه بِهِ مُفْرد قيل وَلَا يَخْلُو هَذَا من تسَامح
87 - (كَأَن قُلُوب الطير رطبا ويابسا ... لَدَى وَكرها الْعنَّاب والحشف الْبَالِي)
الْبَيْت من الطَّوِيل وقائله امْرُؤ الْقَيْس من قصيدته السَّابِقَة فِي أول هَذَا الْفَنّ وَقَبله
(كَأَنِّي بفتْخَاءِ الجناحين لِقْوَةٍ ... على عجَلٍ مِنْهَا أطأطئ شمَالي)
(تخطَّفُ خِزَّان الأُنَيْعِمِ بالضحى ... وَقد حجرت مِنْهَا ثعالبُ أورال)
(2/80)

وَبعده الْبَيْت وَبعده
(فَلَو أَن مَا أسْعَى لأدنى مَعِيشَةٍ ... كفاني وَلم أطلب قليلٌ من المالِ)
(ولكنما أسْعَى لمجدٍ مُؤثَّلٍ ... وَقد يُدْركُ الْمجد المؤثل أمثالي)
(وَمَا المرْءُ مَا دَامَتْ حُشَاشةُ نَفسه ... بمُدْرِكِ أطرافِ الخطوب وَلَا آلي) // الطَّوِيل //
والحشف أردأ التَّمْر والضعيف الَّذِي لَا نوى لَهُ أَو الْيَابِس الْفَاسِد
وَالشَّاهِد فِيهِ التَّشْبِيه الملفوف وَهُوَ أَن يُؤْتى على طَرِيق الْعَطف أَو غَيره بالمشبهات أَولا ثمَّ بالمشبه بهَا فَهُنَا شبه الرطب الطري من قُلُوب الطير بالعناب وبالبابس الْعَتِيق مِنْهَا بالحشف الْبَالِي إِذْ لَيْسَ لاجتماعهما هَيْئَة مَخْصُوصَة يعْتد بهَا ويقصد تشبيهها وَلذَا قَالَ الشَّيْخ عبد القاهر أَنه إِنَّمَا يتَضَمَّن الْفَضِيلَة من حَيْثُ اخْتِصَار اللَّفْظ وَحسن التَّرْتِيب فِيهِ لَا أَن للْجمع فَائِدَة فِي عين التَّشْبِيه
وَذكرت بِهَذَا الْبَيْت مَا ضمنه الْجمال ابْن نباتة مجونا وَهُوَ
(دنَوْت إِلَيْهَا وهوَ كالفرخ رَاقِد ... فواخجلتي لما دَنَوْت وإذلالي)
(وقلْتُ امْعَكيه بالأنامِل فالْتَقى ... لَدَي وَكرها الْعنَّاب والحشف الْبَالِي) // الطَّوِيل //
88 - (النَّشْر مِسْكٌ والوجُوهُ دَنَانِير ... وأطْرَافُ الأكُفِّ عَنمْ)
الْبَيْت لمرقش الْأَكْبَر من قصيدة من السَّرِيع قَالَهَا فِي مرثية عَم لَهُ أَولهَا
(هَل بالديار أَن تجيبَ صَمَمْ ... لَو أَن حيَّاً ناطِقاً كلَّمْ)
(2/81)

(الدارُ وحْشٌ والرسُوم كَمَا ... رَقَّشَ فِي ظَهْر الْأَدِيم قَلْم)
(ديارُ أسمَاءَ الَّتِي سَلَبَتْ ... قلبِي فَعَيني مَاؤُهَا يَسْجُمْ)
(أضحَتْ خلاءٌ نبْتُها ثَئِدٌ ... نوَّرَ فِيهَا زهرُه فَاعْتَمَّ)
(بل هَل شجَتك الظُّعْنُ باكرةً ... كأنهن النَّخْلُ من مَلهَم) // السَّرِيع //
وَبعده الْبَيْت وَمِنْهَا
(لسنا كأقْوَام خَلائقُهُمْ ... نَثُّ الحديثِ ونَهْكة المحَرمْ)
(إِن يُخْصِبُوا يَبْغُوا بخصبهمُ ... أَو يُجْدِبوا فهمْ بِهِ ألأم) // السَّرِيع //
وَهِي قصيدة طَوِيلَة لَيست بصحيحة الْوَزْن وَلَا حَسَنَة الروي وَلَا متخيرة اللَّفْظ وَلَا لَطِيفَة الْمَعْنى قَالَ ابْن قُتَيْبَة وَلَا أعلم فِيهَا شَيْئا يستحسن إِلَّا قَوْله النشر مسك ... الْبَيْت
ويستجاد مِنْهَا أَيْضا قَوْله
(لَيْسَ على طولِ الحياةِ نَدَم ... وَمن وَرَاء المرْءِ مَا يعْلَمْ)
(2/82)

النشر الرّيح الطّيبَة أَو أَعم أَو ريح فَم الْمَرْأَة وأعطافها بعد النّوم والعنم شجر لين الأغصان يشبه بنان الْجَوَارِي وَقيل هِيَ أَطْرَاف الخروب الشَّامي عَن أبي عُبَيْدَة وَقيل هُوَ شجر لَهُ أَغْصَان حمر وَقيل هُوَ ثَمَر العوسج يكون أَحْمَر ثمَّ يسود إِذا عقد ونضج
وَالشَّاهِد فِيهِ التَّشْبِيه المفروق وَهُوَ أَن يُؤْتى بمشبه ومشبه بِهِ ثمَّ آخر وَآخر وَهُوَ وَاضح فِي الْبَيْت
وَنَظِيره قَول المتنبي
(بَدَتْ قمراً ومالَتْ خُوطَ بانٍ ... وفاحَتْ عنبراً ورنَتْ غَزَالا) // الوافر //
وَتَبعهُ أَبُو الْقَاسِم الزاهي فَقَالَ
(سَفَرْنَ بدوراً وانتَقَبَْن أهلَّةً ... ومِسْنَ غصوناً والتَفَتْنَ جآذرا)
(وأطْلَعْنَ فِي الأجياد بالدرِّ أنجماً ... جعلن لحبَّاتِ الْقُلُوب ضرائرا) // الطَّوِيل //
وَمِمَّنْ نسج على هَذَا المنوال إِسْمَاعِيل الشَّاشِي فَإِنَّهُ قَالَ من قصيدة
(رأيْت على أكْوارنا كلَّ ماجدٍ ... يرى كل مَا يَبْقَى من المَال مَغْرما)
(ندوم أسيافا ونعلو قَوَاضباً ... وننْقَضُّ عقباناً ونطلع أنجما) // الطَّوِيل //
وَقَالَ أَبُو الْحسن الْجَوْهَرِي فِي وصف الْخمر إِلَّا أَنه ثلث التَّشْبِيه
(يقولونَ بغدادُ الَّتِي اشْتَقْتَ نزهةٌ ... تباكِرُها والعبقَريَّ المقيَّرَا)
(إِذا فُضَّ عَنهُ الخْتُم فاحَ بَنفسجاً ... وأشرق مصباحاً ونوَّرَ عُصفُرا) // الطَّوِيل //
ولبعض الشُّعَرَاء فِي غُلَام مغن
(2/83)

(فَدَيتكَ يَا أتَمَّ النَّاس ظَرْفاً ... وأصلحهُم لمتَّخذٍ حبيبا)
(فوجْهُك نُزهة الأَبْصَارِ حسنا ... وشَدْوكَ مُتعةُ الأسماع طيبا)
(وسائَلةٍ تسائل عَنْك قُلْنَا ... لَهَا فِي وصفك الْعجب العجيبا)
(رنا ظَبْيًا وغَنَّى عَنْدَليباً ... ولاح شقائقاً ومَشَى قَضِيبًا) // الوافر //
وَلابْن الْأَثِير الْجَزرِي
(منوَّع الْحسن يُبْدِي من محاسنه ... لأعْيُنِ النَّاس أوْصافاً وأشكالا)
(فلاح بَدْراً ووافى دُمْيَةً وذكا ... مسكاً وعلَّ طلاً وازورَّ رئبالا)
(وافتر دُرَّاً وغَنَّى بلبَلاً وسطا ... عَضْبَا وماس نقاً واهتز عسالا) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَوْله أَيْضا
(إنَّ الَّتِي ملكتني فِي الْهوى ملكت ... مجامع الْحسن حَتَّى لم تَدَعْ حَسَنَا)
(رنت غزالاً وفاحت رَوْضةً وبدتْ ... بَدْرًا وَمَاجَتْ غديرا وانثنت غصنا) // الْبَسِيط //
وَلابْن سكرة الْهَاشِمِي أَيْضا
(فِي وَجه إنسانة كلفت بهَا ... أَرْبَعَة مَا اجْتَمعْنَ فِي أحدِ)
(الخدُّ وردٌ والصدغ غَالِيَة ... والريق خمر والثغر من برد) // المنسرح //
والمرقش اسْمه عَمْرو وَقيل عَوْف بن سعد بن مَالك يَنْتَهِي نسبه لبكر بن وَائِل وَهُوَ أحد من قَالَ شعرًا فلقب بِهِ وَهُوَ أحد المتيمين كَانَ يهوى ابْنة عَم لَهُ وَهِي أَسمَاء بنت عَوْف بن مَالك وَكَانَ المرقش الْأَصْغَر ابْن أخي
(2/84)

المرقش الْأَكْبَر واسْمه ربيعَة وَقيل عَمْرو وَهُوَ عَم طرفَة بن العَبْد وَهُوَ أَيْضا أحد المتيمين كَانَ يهوى فَاطِمَة بنت الْمُنْذر الْملك ويشبب بهَا وَكَانَ للمرقشيين جَمِيعًا موقع فِي بكر بن وَائِل وحروبها مَعَ بني تغلب وبأسٌ وشجاعة ونجدة وَتقدم فِي الْمشَاهد ونكاية فِي الْعَدو وَحسن أثر
وَكَانَ من خبر المرقش الْأَكْبَر أَنه عشق ابْنة عَمه أَسمَاء بنت عَوْف وَهُوَ غُلَام فَخَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا فَقَالَ لَا أزَوجك إِيَّاهَا حَتَّى تعرف بالبأس وَكَانَ يعده فِيهَا المواعيد الكاذبة ثمَّ انْطلق مرقش إِلَى ملك من الْمُلُوك وَكَانَ عِنْده زَمَانا ومدحه فَأَجَازَهُ وَأصَاب عوفاً زمانٌ شَدِيد فَأَتَاهُ رجل من مُرَاد فأرغبه فِي المَال فَزَوجهُ أَسمَاء على مائَة من الْإِبِل ثمَّ تنحى عَن بني سعد ابْن مَالك وَرجع مرقش فَقَالَ إخْوَته لَا تخبروه إِلَّا أَنَّهَا مَاتَت فذبحوا كَبْشًا وأكلوا لَحْمه ودفنوا عِظَامه ولفوها فِي ملحفة ثمَّ قبروها فَلَمَّا قدم مرقش عَلَيْهِم أَخْبرُوهُ أَنَّهَا مَاتَت وَأتوا بِهِ مَوضِع الْقَبْر فَنظر إِلَيْهِ وَصَارَ بعد ذَلِك يعتاده ويتردد إِلَيْهِ ويزوره فَبينا هُوَ ذَات يَوْم مُضْطَجع وَقد تغطى بِثَوْبِهِ وابنا أَخِيه يلعبان بكعبين لَهما إِذْ اخْتَصمَا فِي كَعْب فَقَالَ أَحدهمَا هَذَا كعبي أعطانيه أبي من الْكَبْش الَّذِي دفنوه وَقَالُوا إِذا جَاءَ مرقش أخبرناه أَنه قبر أَسمَاء فكشف مرقش عَن رَأسه ودعا الْغُلَام وَكَانَ قد ضنى ضنى شَدِيدا فَسَأَلَهُ عَن الحَدِيث فَأخْبرهُ بِهِ وبتزوج الْمرَادِي أَسمَاء فَدَعَا مرقش وليدة لَهُ وَلها زوج من عقيل كَانَ عشير المرقش فَأمرهَا بِأَن تَدْعُو لَهُ زَوجهَا فدعته وَكَانَ لَهُ رواحل فَأمره بإحضارها ليطلب المرادى فَأحْضرهُ إِيَّاهَا فركبها وَمضى فِي طلبه فَمَرض فِي الطَّرِيق حَتَّى مَا يحمل إِلَّا معروضا ثمَّ إنَّهُمَا نزلا كهفاً بِأَسْفَل نَجْرَان وَهِي أَرض مُرَاد وَمَعَ الْعقيلِيّ امْرَأَته وليدة مرقش فَسمع مرقش زوج الوليدة يَقُول لَهَا اتركيه فقد هلك سقماً وهلكنا مَعَه ضراً وجوعاً فَجعلت الوليدة تبْكي من ذَلِك فَقَالَ لَهَا زَوجهَا أطيعيني وَإِلَّا فَإِنِّي
(2/85)

تاركك وذاهب قَالَ وَكَانَ مرقش يكْتب كَانَ أَبوهُ دَفعه وأخاه حَرْمَلَة وَكَانَا أحب وَلَده إِلَيْهِ إِلَى نَصْرَانِيّ من أهل الْحيرَة فعلمهما الْخط فَلَمَّا سمع مرقش قَول الْعقيلِيّ للوليدة كتب مرقش على مُؤخر الرحل هَذِه الأبيات
(يَا صَاحِبي تلَبّثَا لَا تعجَلاَ ... إنَّ الروَاحَ رَهينْ أَن لَا تفعلا)
(فلعلَّ لُبْثَكما يفرْط سَيِّئاً ... أَو يحدث الإسراعُ سيْباً مُثقلًا)
(يَا رَاكباً إِمَّا وصلتَ فبلغنْ ... أنس بن سعد إِن لقِيت وحرملاَ)
(للهِ دَرُّكما ودرُّ أبيكما ... إِن أفلتَ العبدان حَتَّى يُقتَلاَ)
(من مبلغُ الأقوام أنَّ مرقَّشاً ... أضحى على الْأَصْحَاب عبئا مُثقلاَ)
(وكأنما تَردُ السباعُ بشِلْوهِ ... إِذْ غَابَ جمع بني ضبيعة منهلا) // الْكَامِل //
قَالَ فَانْطَلق الْعقيلِيّ وَامْرَأَته حَتَّى رجعا إِلَى أهليهما فَقَالَا مَاتَ المرقش وَنظر حَرْمَلَة إِلَى الرحل وَجعل يقلبه وَقَرَأَ الأبيات فدعاهما وخوفهما وَأَمرهمَا أَن يصدقاه فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَر فَقَتَلَهُمَا وَكَانَ الْعقيلِيّ قد وصف لَهُ الْموضع فَركب فِي طلب المرقش حَتَّى أَتَى الْمَكَان فَسَأَلَ عَن خَبره وَعرف أَن مرقشاً كَانَ فِي الْكَهْف وَلم يزل فِيهِ حَتَّى إِذا هُوَ بِغنم تنزو على الْغَار الَّذِي هُوَ فِيهِ وَأَقْبل
(2/86)

راعيها إِلَيْهَا فَلَمَّا أبْصر بِهِ قَالَ لَهُ من أَنْت وَمَا شَأْنك فَقَالَ لَهُ مرقش أَنا رجل من مُرَاد وَقَالَ لَهُ فراعي من أَنْت قَالَ راعي فلَان فَإِذا هُوَ راعي زوج أَسمَاء فَقَالَ لَهُ مرقش أتستطيع أَن تكلم أَسمَاء امْرَأَة صَاحبك قَالَ لَا وَلَا أدنو مِنْهَا وَلَكِن تَأتِينِي جاريتها كل لَيْلَة فأحلب لَهَا عَنْزًا فتأتيها بلبنها فَقَالَ لَهُ خُذ خَاتمِي هَذَا فَإِذا حلبت فألقه فِي اللَّبن فَإِنَّهَا ستعرفه وَإنَّك مصيبٌ بِهِ خيرا لم يصبهُ رَاع قطّ إِن أَنْت فعلت ذَلِك فَأخذ الرَّاعِي الْخَاتم وَفعل ذَلِك وَلما راحت الْجَارِيَة بالقدح وحلب لَهَا العنز طرح الْخَاتم فِيهِ فَانْطَلَقت الْجَارِيَة بِهِ وَتركته بَين يَديهَا فَلَمَّا سكنت الرغوة أَخَذته فَشَربته وَكَذَلِكَ كَانَت تصنع فقرع الْخَاتم ثنيتها فَأَخَذته واستضاءت بالنَّار فعرفته فَقَالَت لِلْجَارِيَةِ مَا هَذَا الْخَاتم قَالَت مَالِي بِهِ علم فأرسلتها إِلَى مَوْلَاهَا وَهُوَ فِي شرف بِنَجْرَان فَأقبل فَزعًا فَقَالَ لَهَا لم دعوتني فَقَالَت لَهُ ادْع عَبدك راعي غنمك فَدَعَاهُ فَقَالَت سَله أَيْن وجد هَذَا الْخَاتم فَقَالَ وجدته مَعَ رجل فِي كَهْف خبان وَقَالَ لي اطرَحهُ فِي اللَّبن الَّذِي تشربه أَسمَاء فَإنَّك تصيب بِهِ خيرا وَمَا أَخْبرنِي من هُوَ وَلَقَد تركته بآخر رَمق فَقَالَ لَهَا زَوجهَا وَمَا هَذَا الْخَاتم قَالَت خَاتم مرقش فاعجل السَّاعَة فِي طلبه فَركب فرسه وَحملهَا على فرس آخر وسارا حَتَّى طرقاه من ليلتهما فاحتملاه إِلَى أهليهما فَمَاتَ عِنْد أَسمَاء فَدفن فِي أَرض مُرَاد
وَحدث التوزي قَالَ كَانَ مساور الْوراق وَحَمَّاد عجرد وَحَفْص بن أبي بردة مُجْتَمعين على شراب وَكَانَ حَفْص مرمياً بالزندقة وَكَانَ أعمش أفطس
(2/87)

أغضف مقبح الْوَجْه فَجعل حَفْص يعيب شعر المرقش ويلحفه فَأقبل عَلَيْهِ مساور فَقَالَ
(لقد كَانَ فِي عَيْنَيْك يَا حفصُ شاغلٌ ... وأنفٍ كثيل العَوْد عَمَّا تتبعُ)
(تَتَبَّعْتَ لحناً فِي كَلَام مرقشِ ... ووجهك مبنيٌّ على اللّحن أجمعُ)
(فأذناك إِقواءٌ وأنفك مُكفأ ... وعيناك إيطاءٌ فَأَنت المرقعُ) // الطَّوِيل //
فَقَامَ حَفْص من الْمجْلس خجلاً وهجره مُدَّة
89 - (صُدغُ الحبيبِ وحالي ... كِلَاهُمَا كالليالي)
هُوَ من المجتث وَلَا أعرف قَائِله
وَالشَّاهِد فِيهِ تَشْبِيه التَّسْوِيَة وَهُوَ تعدد طرف الْمُشبه وَهُوَ هُنَا الصدغ وَالْحَال دون الْمُشبه بِهِ وَهُوَ اللَّيَالِي
وَمثله قَول أبي مُحَمَّد المطراني
(مُهفهفةٌ لَهَا نصفٌ قصيفٌ ... كخُوط البان فِي نصف رداحِ)
(حكتْ لوناً وليناً واعتدالاً ... ولحظاً قَاتلا سمر الرماح) // الوافر //
90 - (كَأَنَّمَا يبسمُ عَن لؤلؤٍ ... مُنَضُّدٍ أَو برد أَو أقاح)
الْبَيْت للبحتري من قصيدة من السَّرِيع يمدح بهَا أَبَا نوح عِيسَى ابْن إِبْرَاهِيم أَولهَا
(بَات نديماً ليَ حَتَّى الصباحْ ... أغيدُ مجْدولُ مَكَان الوِشَاحْ)
(كَأَنَّمَا يضحكُ عَن لُؤْلُؤ ... منظَّمٍ أَو بردٍ أَو أقاح) // السَّرِيع //
(2/88)

هَكَذَا وجدت الْبَيْت فِي ديوانه
(تحسبهُ نَشْوانَ أنِّي رَنَا ... للفتر من أجفانه وَهُوَ صاحْ)
(بِتُّ أفَدِّيه وَلَا أرْعوِي ... لنَهْيِ ناه عنهُ أَو لَحْيِ لاحْ)
(أمزج كأسي يجني رِيقه ... وَإِنَّمَا أمزج رَاحا براح)
(يساقطُ الوردَ علينا وَقد ... تبلَّج الصبحُ نسيمُ الرِّيَاح)
(أغضيت عَن بعض الَّذِي يُتَّقى ... من حَرَج فِي حبه أَو جُناحْ)
(سحرُ الْعُيُون النُّجْل مستهلكٌ ... لُبّي وتوريدُ الخُدود الملاحْ)
والمنضد المنظم وَالْبرد حب الْغَمَام والأقاح جمع أقحوان وَهُوَ ورد لَهُ نور
وَالشَّاهِد فِيهِ تعدد طرف الْمُشبه بِهِ وَهُوَ هُنَا اللُّؤْلُؤ وَالْبرد والأقاح دون الْمُشبه وَهُوَ الثغر
وَقد جَاءَ تَشْبِيه الثغر بِخَمْسَة فِي قَول الحريري
(يفترُّ عَن لُؤْلُؤ رطبٍ وَعَن بَرَدٍ ... وَعَن أقاح وَعَن طَلْع وَعَن حَبَبِ) // الْبَسِيط //
وَمثل الْبَيْت المستشهد بِهِ قَول امرىء الْقَيْس
(كَأَن المدام وَصوب الْغَمَام ... وريح الخزامي وَنشر الْعطر)
(يُعَلّ بِهِ بردُ أنيابها ... إِذا غَرَّدَ الطائرُ المستحر) // المتقارب //
وَمن محَاسِن تعدد التَّشْبِيه قَول الصاحب ابْن عباد فِي وصف أَبْيَات أهديت إِلَيْهِ
(أَتَتْنِي بالْأَمْس أبياتهُ ... تُعلِّل روحي برَوْح الجِنانِ)
(2/89)

(كبُرْد الشَّبَاب وبَرْد الشَّرَاب ... وظِلَّ الْأمان ونيل الْأَمَانِي)
(عهد الصِّبا ونسيم الصُبا ... وصَفْو الدِّنان ورَجْع القيان) // المتقارب //
وَقَول الثعالبي فِي الْأَمِير أبي الْفضل الميكالي
(لكَ فِي المحاسن معجزاتٌ جَمَّةٌ ... أبدا لغيرك فِي الورى لم تجمعِ)
(بحران بحرٌ فِي البلاغة شابَهُ ... شِعرُ الْوَلِيد وحسنُ لفظ الْأَصْمَعِي)
(كالنورِ أَو كالسحرِ أَو كالدُّرّ أَو ... كالوشي فِي بُرْدِ عَلَيْهِ موشع) // الْكَامِل //
91 - (صَدَفْتُ عنهُ وَلم تَصْدِف مواهبهُ ... عني وعاوَدَهُ ظَنِّي فَلم يخبِ)
(كالغيثِ إنْ جئتهُ وافاكَ رَيِّقُهُ ... وَإِن ترحَّلْتَ عنهُ لج فِي الطّلب)
البيتان لأبي تَمام من قصيدة من الْبَسِيط يمدح بهَا الْحسن بن رَجَاء ابْن الضَّحَّاك أَولهَا
(أَبدَتْ أسىً أَن رَأتني مُخْلَس القصبِ ... وآلَ مَا كَانَ من عُجْب إِلَى عَجَبِ)
(ستّ وعشرونَ تَدعُونِي فأتبعها ... إِلَى المشيبِ وَلم تظلم وَلم تجب)
(يَوْمي من الدَّهْر مثلُ الدَّهْر تجربةً ... حزما وعزما مِنْهُ وساعي كالحِقْبِ)
(وأصغري أنَّ شيباً لاحَ لي حَدثا ... وأكبري أنني فِي المهد لم أشبِ)
(ولاَ يؤرّقْكِ إيماضُ القتير بهِ ... فَإِن ذَاك ابتسام الرَّأْي وَالْأَدب) // الْبَسِيط //
(2/90)

يَقُول فِي مديحها
(ستصبحُ العيسُ بِي وَاللَّيْل عندَ فَتىً ... كثير ذكر الرّضى فِي سَاعَة الْغَضَب)
وَبعده البيتان
وَمعنى صدفت أَعرَضت وربق كل شَيْء أَوله وَأَصله وَالرِّوَايَة فِي ديوَان أبي تَمام مروءته بدل مواهبه وَكَانَ بدل لج
وَذكرت بقول فَإِن ذَاك ابتسام الرَّأْي وَالْأَدب قَول أبي الْحسن عَليّ بن طَاهِر بن مَنْصُور
(أعرَضَتْ حينَ أبصرَتْ شعراتٍ ... فِي عِذَارِى كأنهنَّ الثُّغَامُ)
(قلتُ هَذَا تبسمُ الدّهرِ قالتْ ... قد سعى فِي صدُودِكَ الابتسامُ) // الْخَفِيف //
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْتَيْنِ التَّشْبِيه الْمُجْمل الْمَذْكُور فِيهِ وصف الْمُشبه والمشبه بِهِ فَإِنَّهُ وصف الممدوح بِأَن عطاياه فائضة عَلَيْهِ أعرض أَو لم يعرض وَكَذَا وصف الْغَيْث بِأَنَّهُ يصيبك جِئْته أَو ترحلت عَنهُ وَهَذَانِ الوصفان مشعران بِوَجْه الشّبَه أَعنِي الْإِفَاضَة فِي حالتي الطّلب وَعَدَمه وحالتي الإقبال عَلَيْهِ والإعراض عَنهُ
92 - (وثَغْرُه فِي صفَاءٍ ... وأدْمُعِيَ كاللآلي)
الْبَيْت من المجتث وَهُوَ كالبيت السَّابِق
وَالشَّاهِد فِيهِ التَّشْبِيه الْمفصل وَهُوَ مَا ذكر فِيهِ وَجه الشّبَه وَهُوَ هُنَا الصفاء
(2/91)

93 - (حَمَلْتُ رُدَيْنِيّاً كَأَن سنانَهُ ... سنَا لَهبٍ لم يَتَّصِلْ بدْخانِ)
الْبَيْت لامرىء الْقَيْس من قصيدة من الطَّوِيل أَولهَا
(لمن طلل أبصرته فشجاني ... كخظ زبور فِي عسيب يمانِي)
(دِيار لهندٍ والرّباب وفَرْتَنَى ... ليَالينا بالنَّعْفِ من بدَلانِ)
(ليالِيَ يدعوني الصِّبَا فأجيبهُ ... وأعيُنُ مَنْ أَهْوى إلىَّ رَوَاني)
(فإِنْ أمْسِ مكرُوباً فيارب بهمةٍ ... كشفتُ إِذا مَا اسودّ وجهُ جبان)
(وَإِن أمس مكروبا فيارب قينةٍ ... مُنعمةٍ أعملتها بكرَانِ)
(لهَا مِزْهرٌ يَعْلُو الخميسَ بصوتهِ ... أجشّ إذَا مَا حركته يدان) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة
والرديني الرمْح نِسْبَة إِلَى امْرَأَة كَانَ تعْمل الرماح اسْمهَا ردينة
وَالشَّاهِد فِيهِ تَفْصِيل التَّشْبِيه وَهُوَ على وُجُوه أعرفهَا أَن يَأْخُذ بَعْضًا من الْأَوْصَاف ويدع بَعْضًا كَمَا فعل امْرُؤ الْقَيْس هُنَا حَيْثُ عزل الدُّخان عَن السنا وجرده
(2/92)

وَذكرت بِأَبْيَات امرىء الْقَيْس هَذِه تضمين أبي الْحُسَيْن الإشبيلي لبعضها وَكَانَ قد تنَاول من يَد معذرٍ الْأَشْعَار السِّتَّة فَأول مَا وَقعت عينه على قصيدة امرىء الْقَيْس هَذِه قَالَ
(وذى صَلَفٍ خَطَّ العذارُ بخدّه ... كخطّ زبور فِي عسيب يماني)
(فقلتُ لَهُ مستفهماً كُنْهَ حالهِ ... لمن طلل أبصرته فشجاني)
(فقالَ وَلم يملك عزاءَ لنفسهِ ... تمتّع من الدُّنْيَا فَإنَّك فَإِنِّي)
(فَمَا كانَ إِلَّا برْهةً إِذْ رَأيتهُ ... كتيسِ ظِباء الحُلبِ العَدَوَانِ) // الطَّوِيل //
94 - (لم تلق هَذَا الْوَجْه شمس نهارنا ... إِلَّا بِوَجْه لَيْسَ فيهِ حياءُ)
الْبَيْت للمتنبي من قصيدة من الْكَامِل يمدح بهَا هَارُون بن عبد الْعَزِيز الأوارجي وأولها
(أمنَ ازدِيارَكِ فِي الدُّجى الرُّقباءُ ... إِذْ حَيْثُ كنتِ مِنَ الظلام ضِيَاء)
(قلق المليحة وَهِي مسك هتكها ... ومَسيرُها فِي اللَّيْل وهيَ ذُكاء)
(أسَفي على أسَفِي الَّذِي دَلّهْتِنِي ... عَن علمه فبِهِ عليَّ خَفاء)
(وشَكيتي فَقدُ السَّقَام لأنُه ... قد كانَ لمَّا كَانَ لي أعْضَاء)
(مَئَلت عَينك فِي حَشَايَ جِرَاحَة ... فتشابها كلتاهما نَجْلاء)
(نَفَذَتْ عليَّ السابريَّ وَرُبمَا ... تندق فِيهِ الصَّعْدة السمراء)
(أَنا صَخْرَةُ الْوَادي إِذا مَا زُوحَمتْ ... فَإِذا نَطَقْتُ فإِنني الجوْزاءُ)
(2/93)

(وإِذا خَفيتُ على الغبي فَعاذرٌ ... أَن لَا ترانيَ مُقلةٌ عمياء) // الْكَامِل //
وَمِنْهَا
(فَإِذا سُئِلْتَ فَلَا لأنَّكَ محوِجٌ وَإِذا كُتِمت وشَتْ بك الآلاء)
(وَإِذا مدحت فَلَا لتكسب رفعَةً ... للشاكرينَ على الإِله ثَنَاء)
(وَإِذا مُطرتَ فَلَا لِأَنَّك مُجْدِبٌ ... يُسْقَى الخصيبُ وتمطر الدَّأَماءُ)
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت التَّصَرُّف فِي التَّشْبِيه الْقَرِيب المبتذل بِمَا يَجعله غَرِيبا ويخرجه عَن الابتذال فَإِن تَشْبِيه الْوَجْه بالشمس قريب مبتذل لَكِن حُدُوث الْحيَاء عَنهُ قد أخرجه عَن الابتذال إِلَى الغرابة لاشْتِمَاله على زِيَادَة دقة وخفاء ثمَّ إِن كَانَ قَوْله لم تلق من لَقيته بِمَعْنى أبصرته فالتشبيه فِيهِ مكني غير مُصَرح وَإِن كَانَ بِمَعْنى قابلته وعارضته فَهُوَ فعل يُنبئ عَن التَّشْبِيه أَي لم تقابله وَلم تعارضه فِي الْحسن والبهاء إِلَّا بِوَجْه لَيْسَ فِيهِ حَيَاء
وَمثله قَول الآخر
(إِن السَّحَابَ لتَسْتَحْيِي إذَا نَظَرَت ... إِلَى نَدَاكَ فَقاستُه بِمَا فِيهَا) // الْبَسِيط //
95 - (عَزَماتهُ مِثْلُ النُّجُوم ثَواقِباً ... لَو لم يكن للثَّاقِبَاتِ أفُولُ)
الْبَيْت لرشيد الدّين الوطواط من قصيدة من الْكَامِل
والثواقب جمع ثاقب وَهُوَ النَّجْم الْمُرْتَفع على النُّجُوم والأفول الْغَيْبَة
وَالشَّاهِد فِيهِ كَمَا فِي الْبَيْت الَّذِي فان قبله تَشْبِيه الْعَزْم بِالنَّجْمِ مبتذل لَكِن الشَّرْط الْمَذْكُور أخرجه إِلَى الغرابة وَيُسمى هَذَا التَّشْبِيه الْمَشْرُوط وَهُوَ
(2/94)

أَن يُقيد الْمُشبه أَو الْمُشبه بِهِ أَو كِلَاهُمَا بِشَرْط وجودي أَو عدمي يدل عَلَيْهِ بِصَرِيح اللَّفْظ أَو سِيَاق الْكَلَام
وَسَيَأْتِي ذكر الوطواط فِي شَوَاهِد التَّفْرِيق إِن شَاءَ الله تَعَالَى
96 - (والرِّيحُ تَعْبَثُ بالغُصُونِ وقَدْ جَرَى ... ذَهَبُ الأصيلِ على لُجَيْنِ الماءِ)
الْبَيْت من الْكَامِل وَلَا أعرف قَائِله
وعبث الرّيح بالغصون عبارَة عَن إمالتها إِيَّاهَا والأصيل هُوَ الْوَقْت من بعد الْعَصْر إِلَى الْغُرُوب ويوصف بالصفرة قَالَ الشَّاعِر
(ورُبَّ نهارٍ للفراق أصيلُهُ ... ووجهي كلا لونيهما متناسب) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول الْخَطِيب أبي الْقَاسِم بن مُعَاوِيَة فِيهِ
(كأنَّ الموج فِي عُبْرَيْهِ تُرْسٌ ... تُذَهِّبُ مَتْنَهُ كفُّ الْأَصِيل) // الوافر //
وَقَوله ايضا
(فَجدْولهُ فِي سَرْحَةِ المَاء مُنْصُلٌ ... وَلكنه فِي الْجذع عطْفُ سِوارِ)
(وأمَوْاجُه أردافُ غيدٍ نواعِمٍ ... تَلَفَّعْنَ بالآصال رَيْطَ نُضَار) // الطَّوِيل //
(وَمثله لِابْنِ الْأَبَّار
(ونهرٍ كَمَا ذابَتْ سبائكُ فضَّةٍ ... حكى بَمحَانيهِ انْعِطَافَ الأراقِمِ)
(إِذا الشَّفَقُ استولى عَلَيْهِ احمِرارُهُ ... تَبَدَّى خَضيباً مثلَ دامي الصوارم) // الطَّوِيل //
وَلابْن قلاقس فِي تَشْبِيه الشَّمْس وَقت الْأَصِيل
(وَالشَّمْس فِي وَقت الْأَصِيل بَهارَةٌ لفت بورد ... ) // من مجزوء الْكَامِل //
وَله أَيْضا فِي معنى مَا سبق
(كَأَن الشعاعَ على مَتنه ... فرِندٌ بصفحة سَيْفٍ صَدِي)
(2/95)

(وأشْبَهَ إِذْ درَّجَتْه الصَّبا ... بُرادَةَ تِبْرٍ على مبرد) // المتقارب //
وَمن بديع مَا وَقع لشاعر فِي وصف نهر جعده النسيم قَول ابْن حمديس وَقد جلس فِي متنزه بإشبيلية وَمَعَهُ جمَاعَة من الأدباء وَقد هبت ريح لَطِيفَة صنعت من المَاء حبكاً جميلَة فَأَنْشد
(حاكتِ الرِّيحُ من المَاء زردْ ... )
واستجاز الْحَاضِرين فَأتوا بِمَا لم يرض إِلَى أَن قَالَ الشَّاعِر الْمَشْهُور بالحجام مجيزاً لَهُ
(هُوَ دِرْعٌ لقِتَالٍ لَو جَمَدْ ... )
وَمن الأندلسيين من ينْسب هَذَا الْبَيْت إِلَى أبي الْقَاسِم بن عباد
وَلابْن حمديس الْمَذْكُور مطلع قصيدة من وزن هَذَا الْبَيْت وَقَرِيب من مَعْنَاهُ وَهُوَ
(نَشَرَ الجوُّ على التُّرْبِ برَدْ ... هُوَ درٌّ لنُحُورٍ لَو جمَدْ)
(لُؤْلُؤ أصْدَافُهُ السُّحْبُ الَّتِي ... أنْجز البارقُ فِيهَا مَا وعد) // الرمل //
وَمن بديع مَا وَقع لَهُ فِيهَا من التَّشْبِيه أَيْضا قَوْله
(وَكَأن الصبحَ كفٌّ حَلَّلَتْ ... من ظلام اللَّيْل بِالنورِ عُقَدْ)
(وَكَأن الشَّمْس تجْرِي ذَهَبا ... طائراً من جيده فِي كل يَد) // الرمل //
وَمن بديع مَا يذكر فِي معنى الْبَيْت المستشهد بِهِ قَول عبد الْعَزِيز بن المنفتل الْقُرْطُبِيّ أَو ابْن الْحداد
(إِنِّي أرى شمس الْأَصِيل عليلةً ... ترتاد من بَين المغارب مَغْرِبَا)
(مَالَتْ لتحجُبَ شخصها فَكَأَنَّهَا ... مَدَّتْ على الدُّنْيَا بساطاً مذهبا) // الْكَامِل //
وَمَا أحسن قَول ابْن لؤلؤة الذَّهَبِيّ
(2/96)

وَمَا ذَهَبَتْ شمسُ الْأَصِيل عَشِيَّة ... إِلَى الغرب حَتَّى ذَهْبَتْ فضَّة النَّهر) // الطَّوِيل //
وَمَا أبدع قَول الآخر أَيْضا
(ونهْرٍ إِذا مَا الشمْسُ حَان غروبُها ... عليهِ ولاحت فِي ملابسها الصُّفْرِ)
(رَأينا الَّذِي أبقتْ بِهِ من شعاعهَا ... كأنا أرَقْنَا فِيهِ كأساً من الْخمر) // الطَّوِيل //
وَقَول إِبْرَاهِيم بن خفاجة أَيْضا
(وقدْ غَشِيَ النبتُ بطحاءهُ ... كبدو العذَارِ بخدٍّ أسيلِ)
(وَقد ولَّتِ الشمسُ مُحْتَثَّةً ... إِلَى الغرب تَرْنُو بطَرْف كحيل)
(كأنّ سناهَا على نهْرهِ ... بقايا نجيعٍ بسيْفٍ صقيل) // المتقارب //
وبديع أَيْضا قَول ابْن سارة هُنَا
(النهرُ قدْ رَقتْ غلالةُ صَفوه ... وَعَلِيهِ من صِبْغ الْأَصِيل طرازُ)
(تترَقرَقُ الأمواجُ فِيهِ كَأَنَّهَا ... عُكَنُ الخصور تهزها الأعجازُ) // الْكَامِل //
وَمَا أعذب قَول الْحسن بن سراح فِيهِ
(عمْري أَبَا حسنٍ لقد جئتَ الَّتِي ... عطفَتْ عليكَ ملامةَ الإخوانِ)
(لما رأيتُ اليومَ ولّي عمرهُ ... وَاللَّيْل مُقْتَبِل الشبيبة داني)
(والشمسُ تنفضُ زَعفراناً بالرُّبا ... وثَّغْتُ مسكتها على الْغِيطَان)
(أطلعتها شمساً وأنتَ صَباحها ... وحففتها بكواكب النُّدمان)
(وأتيت بِدْعاً فِي الْأَنَام مخلداً ... فِيمَا قرَنتَ ولاتَ حِين قرَان) // الْكَامِل //
وَمَا أبدع قَول عِيسَى بن لبون أَيْضا
(لَو كنتَ تشهدُ يَا هَذَا عشيَّتَنَا ... والمزنُ يسكبُ أَحْيَانًا وينحدرُ)
(والأرضُ مصفرةٌ بالمزن كاسية ... أبصرتَ تبراً عَلَيْهِ الدّرّ ينتثر) // الْبَسِيط //
وبديع أَيْضا قَول أبي الْعَلَاء المعري
(2/97)

(ثمَّ شابَ الدُّجى وَخافَ من الهَجرِ فَغطّى المشيبَ بالزعفرانِ ... ) // الْخَفِيف //
وَقَول أسعد بن إِبْرَاهِيم بن اِسْعَدْ بن بليطه
(لَو كنتَ شاهدنا عَشِيَّة أُنْسُهَا ... والمزنُ يبكينا بعينَيْ مُذْنبِ)
(والشمسُ قد مدّتْ أديمَ شعاعها ... فِي الأَرْض تَجْنحُ غيرَ أنْ لم تذهبِ)
(خِلتَ الرَّذَاذَ بُرَادةً من فضَّة ... قد غربلتْ من فَوق نطع مَذْهَب) // الْكَامِل //
وَلابْن حمديس فِي وصف نهر أَلْقَت الشَّمْس عَلَيْهِ حمرتها عِنْد الشروق من أَبْيَات
(ومشرقٍ كِيميَاءُ الشَّمْس فِي يدهِ ... ففضةُ المَاء من إلقائها ذهب) // الْبَسِيط //
وَمثله أَيْضا قَول أبي الْعَلَاء المعري
(يُظَنُّ بِهِ ذوبُ اللجين فإِن بَدَتْ ... لَهُ الشمسُ أجرت فوقَهُ ذوب عَسجدِ) // الطَّوِيل //
وبديع قَول الشريف أبي الْقَاسِم شَارِح مَقْصُورَة حَازِم
(وغريبة ِالإنشاء سرنا فَوْقهَا ... والبحرُ يسكن تَارَة ويموج)
(عَجنا نؤمُّ بهَا معاهدَ طَالمَا ... كرمَتْ فعاج الحسنُ حِين تعوجُ)
(وامتدَّ من شمس الْأَصِيل أمامنا ... نورٌ لَهُ مرأى هناكَ بَهيجُ)
(فكأنَّ مَاء الْبَحْر ذائبُ فضةٍ ... قد سالَ فِيهِ من النضار خليج) // الْكَامِل //
وبديع قَول ابْن الْعَطَّار وَهُوَ فِي معنى قَول ابْن حمديس السَّابِق وَهُوَ
(مرَرْنا بِشاطئ النهرِ بينَ حدائقٍ ... بهَا حدقُ الأزهار تستوقف الحدقْ)
(وَقد نسَجت كفُّ النسيم مُفَاضةً ... عَلَيْهِ وَمَا غيرُ الْحباب لَهَا حلقْ) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
(هَبَّتِ الرّيح بالعشيِّ فحاكتْ ... زَرَداً للغديرِ ناهيكَ جُنَّهْ)
(2/98)

(فانجلى البَدْر بعد هَدْءٍ فصاغتْ ... كَفه لِلْقِتَالِ فِيهِ أسِنّهْ) // الْخَفِيف //
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت حذف أَدَاة التَّشْبِيه وَيُسمى التَّشْبِيه الْمُؤَكّد وَهُوَ هُنَا تَشْبِيه صفرَة الْأَصِيل بِالذَّهَب وَبَيَاض المَاء وصفائه باللجين وَهُوَ الْفضة
وَمن محَاسِن التَّشْبِيه من غير أداته قَول الواواء الدِّمَشْقِي
(قَالُوا وَقد فتكتْ فِينَا لواحظُهَا ... مهلا أما لقتيل الْحبّ من قَوَدِ)
(وأسبَلَتْ لؤلؤاً من نرجسٍ وسقتْ ... وَرْداً وعضَّتْ على العُنَّاب بالبردِ) // الْبَسِيط //
وَمثله قَول الحريري
(سَأَلتهَا حينَ زَارتْ نَضْو برقعها القاني وإيداعَ سَمْعِي أطيب الخبرِ ... )
(فزحزَحت شفقاً غشّى سنا قمرٍ ... وساقطتْ لؤلؤاً من خَاتم عطر) // الْبَسِيط //
وَقَوله أَيْضا
(وَأَقْبَلت يَوْم حد الْبَين فِي خلل ... سودٍ تَعَضُّ بنان النادم الْحَصِر)
(فلاحَ ليلٌ على صبح أقلهما ... غضن وضَرَّست البَلُّورَ بالدُّررِ) // الْبَسِيط //
وَقَول الْغَزِّي الشَّاعِر
(وَمَا نسيتُ وَمَا أنسى تبسُّمَهَا ... وملبسُ الجوْ غفلٌ غيرُ ذِي علم)
(حَتَّى إِذا طاح عَنْهَا المِرْط من دَهَشٍ ... وانحلَّ بِالضَّمِّ عقدُ السلك فِي الظُّلم)
(تبسمتْ فأضاء الجوّ فالتقطتْ ... حبَّات منتثر فِي ضوء مُنْتَظم) // الْبَسِيط //
وَقَول أبي طَالب المأموني
(عزماتهم قُضُبٌ وفيضُ أكفهم ... سحبٌ وَبِيضُ وُجُوههم أقمار) // الْكَامِل //
وَقَول صردر
(الباذلي العرفِ والأنواء باخلَةٌ ... والمانعي الجارِ والأعمارُ تُخْتَرمُ)
(حَيْثُ الدجى النَّقْع وَالْفَجْر الصوارم والأسد ... الغوارس والخطية الأجم) // الْبَسِيط //
(2/99)

وَقَول مُحَمَّد بن حمدون القنوع من قصيدة فِي شبْل الدولة بن صَالح لما هزم ملك الرّوم
(لبسوا دروعا من ظباكَ تقيهمُ ... كَانَت عَلَيْهِم للحتوف شِباكا)
(نَالَتْ بك العربُ الْغنى من مَالهم ... وتقاسمت أتراكك الأتراكا)
(لَو لم يَفرّ جعلت صفحة خَدّه ... نعلا وقوسَىْ حاجبيه شراكا) // الْكَامِل //
أردْت الْبَيْت الْأَخير وَمِنْه قَول أبي حَفْص عمر المطوعي
(ومعسولِ الشَّمَائِل قامَ يسْعَى ... وَفِي يَده رحيقٌ كالحريق)
(فأسقاني عقيقاً حَشْوَ درّ ... ونقّلني بدُرٍّ فِي عقيق) // الوافر //
وَمَا أبدع قَول أبي الْحسن الْعقيلِيّ
(وللأقاحي قصورٌ كلهَا ذَهبٌ ... من حولهَا شُرُفاتٌ كلهَا دُرَرُ) // الْبَسِيط //
ولنذكر هُنَا طرفا من التشبيهات على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا وغريب أسلوبها واختراعها فَمن ذَلِك قَول مَنْصُور بن كيغلغ وَهُوَ
(عادَ الزمانُ بِمن هويتُ فأعتبَا ... يَا صاحبيّ فأسقياني واشربا)
(كم ليلةٍ سامرتُ فِيهَا بدرَها ... من فَوق دجلة قبل أَن يتغيبا)
(قامَ الغلامُ يُديرها فِي كفهِ ... فحسبت بدر التم يحمل كوكبا)
(والبدر يَجنح للغروب كَأَنَّهُ ... قد سلَّ فَوق المَاء سَيْفاً مذهبا) // الْكَامِل //
وَأحسن مَا سمع فِي هَذَا الْمَعْنى قَول التنوخي
(أحسنْ بدجلةَ والدُّجى متصوب ... والبدر فِي أفق السَّمَاء يغرب)
(فَكَأَنَّهَا فِيهِ بِساطٌ أزرَقٌ ... وَكَأَنَّهُ فِيها طِرَازٌ مَذْهَب) // الْكَامِل //
وَلأبي فراس فِي وصف الجلنار
(وجلنَارٍ مُشرق ... عَلى أعالي شَجَرَة)
(2/100)

(كأنَّ فِي رُؤُوسهِ ... أحْمَرهُ وأصفرهْ)
(قُراضةً من ذهبٍ ... فِي خرق معصفرة) // من مجزوء الرجز //
وَلأبي الْفرج الببغاء فِي وصف كانون نَار من أَبْيَات وتعزى إِلَى السرى الرفاء
(وَذي أرْبعٍ لَا يُطيقُ النُّهوض ... وَلَا يألَّفُ السَّيْر فيمَنْ سَرَى)
(تُحمِّلُهُ سَبجاً أسْودَاً ... فيَجعلُهُ ذَهَبا أحمرا) // المتقارب //
وَله فِي مَعْنَاهُ أَيْضا
(وأحدقنا بأزهر خافقات ... حَوْله العَذَبُ)
(فَمَا يَنْفكَ عَنْ سَبَج ... يعود كَأَنَّهُ ذهب) // من مجزوء الوافر //
وَله أَيْضا فِيهِ أَيْضا
(والتهبت نارنا فمنظرنا ... يُغْنِيك عَن كل منظَر عجبِ)
(إِذا رَمَت بالشَّرارِ واضطرَمتْ ... على ذرَاها مطارفُ اللَّهَبِ)
(رأيتَ ياقوتَةً مُشبكَةً ... تَطيرُ منْها قراضة الذَّهَب) // المنسرح //

وَلأبي مُحَمَّد الخالدي فِي مَعْنَاهُ
(ومُقعدٍ لَا حِراك يُنهضُه ... وهْو على أَربع قد انتصبا)
(مُصفِّر مُحْرق تنفُّسُه ... تخالُه العيْنُ عَاشِقًا وصِبَا)
(إِذا نَظمْنا فِي جِيدهِ سَبجاً ... صيَّرهُ بَعد ساعةٍ ذَهَبا) // المنسرح //
وَلأبي بكر الخالدي فِي وصف الصَّباح من هَذِه القصيدة أَيْضا
(طوَى الظلامُ البنودَ مُنصَرفاً ... حِين رأى الفَجْر يَنْشُرُ العذَبا)
(واللَّيلُ مِن فتْكَةِ الصَّباح بِهِ ... كرَاهِبٍ شقّ جيْبَهُ طَربا)
وللسرى الرفاء فِي مثله
(2/101)

(كَرَاهِبِ جُنّ لِلْهوى طَرباً ... فَشقَّ جِلبَابهُ من الطَّرب) // المنسرح //
وَله فِي مَعْنَاهُ أَيْضا
(والفَجْرُ كالرّاهِب قد مُزِّقتْ ... منْ طَرَب عَنهُ الجلابيب) // السَّرِيع //
وَمَا أحسن قَول ابْن حَيَّان الْكَاتِب أَيْضا
(كَأَنَّمَا الفَحْمُ والزنادُ وَمَا ... تَفْعَلهُ النارُ فيهمَا لَهبَا)
(شيْخٌ مِنَ الزّنْج شابَ مَفْرِقُهُ ... عَليْه دِرْع منسوجة ذَهَبا) // المنسرح //
وَقَول مجير الدّين بن تَمِيم
(وكأنما النَّارُ الَّتِي قد أوقِدَّت ... مَا بينَنَا ولَهيبُها المُتضرِّمُ)
(سَوداءُ أُحرِقَ قلبُها فلسانُها ... بسفاهةٍ لِلحَاضرين يكلم) // الْكَامِل //
وَقَوله أَيْضا
(كَأَنَّمَا نارُنا وَقد خمِدَتْ ... وَجمْرها بالرَّمادِ مَستُورُ)
(دَمٌ جَرى مِنْ فواخِتٍ ذُبحَتْ ... من فَوْقهَا ريشُهنّ منشور) // المنسرح //
وَقَوله أَيْضا
(كَأَنَّمَا النَّار فِي تلَهُّبها ... والفَحْمُ مِنْ فَوْقها يغطِّيها)
(زَنجيَّة شبَّكتْ أنامِلَهَا ... من فَوق نارنْجةٍ لتخفْيها) // المنسرح //
وَقَول الآخر
(كَأَن كانونَنَا سَماءٌ ... والجمر فِي وَسْطِهِ نجَوم)
(ونَحْن جنٌّ بخافَتَيْهِ ... والشَّرَر الطائِرُ الرجوم) // من مخلع الْبَسِيط //
وبديع أَيْضا قَول ابْن مكنسة
(إِبْريقنَا عَاكِف عَلى قدحٍ ... كأنَّهُ الأُمُّ ترضِع الْوَلدَا)
(أَو عَابِد مِنْ بَني الْمَجُوس إِذا ... توَهَّمَ الكأسَ شُعَلةً سَجَدَا) // المنسرح //
(2/102)

وَفِي معنى الْبَيْت الثَّانِي قَول القَاضِي أبي الْفَتْح بن قادوس
(وليلةٍ كاغتِماض الجفن قصَّرها ... وصْلُ الحبيب وَلم تَقْصُر عَن الأمل)
(وكلَّما رام نطقاً فِي مُعَاتَبتي ... سَدَدْت فَاه بنظم اللَّثْم والقُبل)
(وباتَ بَدْر تَمام الحسْن مُعْتنقى ... والشمْس فِي فلكِ الكاسَات لم تفل)
(فبتُّ مِنْها أرى النَّار الَّتِي سَجَدَت ... لَهَا المجوسُ مِن الأبريق تسْجدُ لي) // الْبَسِيط //
وَمن بديع التَّشْبِيه وغريبه قَول ابْن حمديس من أَبْيَات
(حَمراء تَشْرَبُ بالأنوفِ سلافها ... لطْفاً مَع الأسماع والأحدَاق)
(بزُجاجةٍ صور الفوارس نَقشها ... فترى لَهَا حربأً بكفِّ السّاقي)
(وكأنما سفكتْ صوارُمهَا دَمًا ... لبستْ بِهِ عرفا إِلَى الْأَعْنَاق)
(وكأنّ لِلْكاساتِ حُمْر غلائلٍ ... أزْرارها دُرَرٌ على الأطواق) // الْكَامِل //
وَمَا أحسن قَول ابْن عَطِيَّة أَيْضا
(بتنَا نُديرُ الرَّاح فِي شَاهِق ... لَيْلًا على نَغمةِ عودَين)
(والنّار فِي الأَرْض الَّتِي دوننَا ... مثْلُ نُجُوم الجوِّ فِي العيْن)
(فيا لَهُ مِنْ مَنظَر مونِق ... كأننا بَين سماءين) // السَّرِيع //
وَمَا أحسن قَول الخالدي من قصيدة أَولهَا
(لَو أشْرَقتْ لَك شَمْسُ ذَاك الهوْدجِ ... لأرَتكَ سالفَتي غَزَال أدْعج)
(أرْعَى النجومَ كأنَّها فِي أُفْقِها ... زَهرُ الأقاحي فِي رياض بَنفْسج)
(والمُشتَري وَسط السَّماءِ تَخالُهُ ... وسَنَاهُ مِثْلُ الزِّئبق المتَرجرج)
(مِسمارَ تِبْرٍ أصفَر ركبتَهُ ... فِي فَصِّ خاتَم فضةٍ فيْرُوزَج)
(وتَمايلُ الجوْزاءِ يحْكي فِي الدُّجى ... مَيلانَ شاربِ قَهوةٍ لم تُمْزَج)
(وتنقّبت بخفيفِ غَيْم أبْيض ... هِيَ فيهِ بَين تَخفُّر وتبَرُّج)
(2/103)

(كتَنَفسِ الحسْنَاءِ فِي الْمرْآة إِذ ... كمَلَتْ محاسنُهَا وَلم تَتَزَوََّج) // الْكَامِل //
وَهَذَا تَشْبِيه بديع لم يسْبق إِلَيْهِ وَمثله قَول أبي حَفْص بن برد
(والبدْرُ كالمرآةِ غيَّرَ صَقْلَها ... عبَثُ الغواني فِيهِ بالأنفاس) // الْكَامِل //
وَقَول ابْن طَبَاطَبَا الْعلوِي
(مَتى أبْصَرْتَ شمساً تحتَ غَيم ... ترى المرآةَ فِي كفِّ الحسُودِ)
(يُقَابلُها فيلبسهُا غِشَاءً ... بأنفاسِ تزايَدُ فِي الصعُود) // الوافر //
وللخالدي فِي وصف النُّجُوم
(كَأَنَّمَا أنجُمُ السماءِ لمن ... يرمُقُهَا والظلامُ منطَبقُ)
(مالُ بخيلٍ يظلُّ يجمعهُ ... من كل وجهٍ فَلَيْسَ يفْتَرق) // المنسرح //
ولأخيه أبي عُثْمَان الخالدي فِي وصف النُّجُوم أَيْضا
(وليلةٍ ليلاء فِي اللونِ كلَوْنِ المفرِقِ ... )
(كَأَنَّمَا نجومُهَا ... فِي مغرب ومشرق)
(دَرَاهِم منثورة ... على بساطٍ أَزْرَق) // من مجزوء الرجز //
وَمن التَّشْبِيه النفيس قَول ابْن حمديس فِي وصف خضاب الشيب
(وكأَنَّ الخِضَّابُ دْهمُة ليلٍ ... تحتَهُ للمشيب غرَّة صبح) // الْخَفِيف //
وَقَوله أَيْضا فِي تَشْبِيه العذار من أَبْيَات
(أَو دبَّ بالْحسنِ فَوْقَ عَارضه ... نَمْلٌ أصابَ المدادُ أرجلهَا) // المنسرح //
وَقَوله أَيْضا فِي وصف الشمعة
(كَأَنَّهَا راقصَةٌ بيننَا ... لم تَنْتَقِل بالرَّقص مِنْهَا قَدمْ)
(2/104)

(قَائِمَة فِي مَلْبسٍ أَصفَر ... قد حَرَّكت مِنْهُ لنا فَرْدكمْ) // السَّرِيع //
وبديع قَوْله أَيْضا فِي وصف الشيب
(ولى شَبَابِي وراعَ شَيْبي ... منيَ سِرْبُ المَهَا وفَضَّهْ)
(كَأَنَّمَا المُشْطُ فِي يَمِيني ... يجُرُّ منهُ خيوط فضَّة) // من مخلع الْبَسِيط //
وللوأواء الدِّمَشْقِي
(ولربَّ ليلٍ ضَلَّ عنهُ صَباحهُ ... وكأنَّه بك خَطْرَة المتَذكرِ)
(والبدْر أوَّلَ مَا بدا متلَثَّما ... يبدِي الضياء لنا بخدٍ مُسْفِر)
(فَكَأَنَّمَا هوَ خوذَة من فضةٍ ... قد ركِّبَتْ فِي هَامَةٍ من عنْبرِ) // الْكَامِل //
وَلأبي طَالب الرفاء فِي وصف أترجة مقنعة
(مُصْفَرَّة الظَّاهِر بيضاءُ الحشَى ... أبدَعَ فِي صنعتها ربُّ السما)
(كَأَنَّهَا كَفُّ مُحِبٍّ دنِفٍ ... مبَّعد يحسُب أَيَّام الجفا) // الرجز //
وَلابْن لنكك الْبَصْرِيّ
(ورَوْضٍ عَبْقَريِّ الوَشي غَضٍّ ... يُشَاكل حِين زُخْرِفَ بالشَّقيق)
(سَمَاء زَبرْجَدٍ خَضْرَاء فِيهَا ... نجومٌ طالِعَات من عقيق) // الوافر //

وللنفري الْكَاتِب فِي الباقلاء الْأَخْضَر
(فُصُوصُ زبرجد فِي غلْفِ دُرٍّ ... بأقْماع حكت تقْليمَ ظُفْرِ)
(وَقد صاغَ الإِله لَهَا ثيابًا ... لَهَا لوْنانِ من بيضٍ وخضر) // الوافر //
ولعبدان الخوذي فِي قينة
(لنا قَينَة تَحْمِي من الشُّرْب شَرْبنَا ... فقد أمِنوا سكرا وخَوْفَ خُمَارِ)
(تكَشِّرُ عَن أنيَّابهَا فِي غنائهَا ... فتحكى حمارا شمَّ بوْلَ حمارِ) // الطَّوِيل //
وَمَا ألطف قَول عبد الله بن النطاح فِي أحدب
(2/105)

(وقُصَيِّرٍ قد جمِّعَتْ أعضاؤهُ ... ليكونَ فِي بَاب الخلاعَةِ أطبعا)
(قَصُرَتْ أخادعهُ وغاصَ قَذَالهُ ... فكأنهُ متوقِّع أَن يُصْفَعَا)
(وَكَأَنَّهُ قد ذاقَ أوَّلَ صَفْعةٍ ... وأحَسَّ ثَانِيَة لَهَا فتجمعا) // الْكَامِل //
وبديع قَول السراج المحار يهجو امْرَأَة سَوْدَاء زامرة
(ولربَّ زامرة تهيج بزَمْرِهَا ... ريحَ البطونِ فليتهَا لم تزمرَ)
(شَبَّهتُ أُنملها على صرنابها ... وقبيح مَبْسَمِها الشَّنيع الأبخر)
(بخَنَافس قصدت كنيفاً واغتَدَتْ ... تسْعَى إِلَيْهِ على خيارِ الشنبر) // الْكَامِل //
وَهُوَ من قَول الأول يهجو زامراً اسود أَيْضا
(فَكَأَنَّهَا فِي حالةِ العِيَانِ ... خَنَافس دبت على ثعبان) // الرجز //
وَقَول مُحَمَّد بن الْحسن الْمصْرِيّ الْكَاتِب
(رَأَيْت يحيى إِذْ أفادَ الْغنى ... هاجَ بِهِ ذكر ووسْوَاس)
(كَأَنَّهُ كلب على جيفةٍ ... يخَاف أَن يطرده النَّاس) // السَّرِيع //
وَقَول البسامي فِي رجل لبس خلعة تطول عَلَيْهِ وَيقصر عَنْهَا
(كَأَنَّهُ لما بدا طالعاً ... فِي خلعة يقصر عَن لبسهَا)
(جاريةٌ رعْناء قد قدَّرتْ ... ثِيَاب مَوْلَاهَا على نَفسهَا) // السَّرِيع //
ولطيف قَول ابْن قلاقس فِي عواد اسْمه حسن
(حسن ملاوي عوده ... مَهْما تناولهُ مساوي)
(وَكَأَنَّهُ إِن جَّسَّهُ ... من بَعْدِ تحريرِ الملاوي)
(كلبٌ تجاذبُ كفُّه ... أنْشوطَة وَالْكَلب عاوي) // الْكَامِل //
وَلأبي طَالب المأموني فِي رمانة تفت
(رمانةٌ مَا زلت مستخرجاً ... فِي الْجَام من خقتها جوْهرا)
(2/106)

(فالجام أَرض وبناني حَيا ... يُمْطر مِنْهَا ذَهَبا أحمرا) // السَّرِيع //
وللصادع بِالْحَقِّ الواثقي وأجاد
(وليلةٍ شَاب بهَا المفرِقُ ... بل جمَدَ النَّاظر والمنطقُ)
(كَأَنَّمَا فحمُ الغضا بَيْننَا ... وَالنَّار فِيهِ ذهبٌ محرق)
(أَو سبج فِي ذهب أَحْمَر ... بَينهمَا لينوفر أَزْرَق) // السَّرِيع //
وَللْإِمَام أبي عَامر التَّمِيمِي رَحمَه الله تَعَالَى
(يَا رُب كَوْماء خَضَبْتُ نحْرَها ... بِمدية مثل الْقَضَاء السَّابق)
(كَأَنَّهَا والدمُ حبس حولهَا ... سَوْسَنُة زرقاءُ فِي شقائق) // الرجز //
وَله فِي وصف الرُّمَّان
(خُذُوا صفة الرُّمان عني فإنَّ لي ... لِسَانا عَن الْأَوْصَاف غيرَ قصيرِ)
(حِقَاق كأمثالِ الكُرَاتِ تضمنتْ ... فصوصَ بلخش فِي غشاء حَرِير) // الطَّوِيل //
وَله فِي النرجس
(يَا نرجسَاً لم تَعْدُ قامتُه ... سهم الزمرذ حِين تنتسب)
(فرصافُهُ عظم وقدَّتهُ ... قطع اللجينِ وفوقه ذهب) // الْكَامِل //
وَلأبي مَنْصُور الْبَغَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى
(تراءت لنا من خدْرِها بسوالفٍ ... كَمَا لاحَ بدرٌ من خلالِ سَحَاب)
(وهز الصِّبَا صدغاً لَهَا فوقَ خدِّها ... كَمَا روَّحت نارٌ بريش غراب) // الطَّوِيل //
ولنصر بن بشار الْهَرَوِيّ فِي تفاحة معضوضة
(تفاحة قد عَضَّها قمر ... عمدَا ومَسَّك مَوضِع العضَهْ)
(وَكَأن عضّته ممسكة ... صَدغٌ أحَاط بوجنة غضة)
(وكأنما نونان قد كتبا ... بالمسك فِي كرةٍ من الفِضة) // الْكَامِل //
(2/107)

وَله أَيْضا
(وبدَا لنا بدر الدجى وَاللَّيْل قد ... شَمِلَ الْأَنَام بفاضل الجلباب)
(غطى الْكُسُوف عليهِ إِلَّا لمْعَة ... فَكَأَنَّهُ حسناء تحتَ نقاب) // الْكَامِل //
وَله فِي النرجس
(ونرجسٍ غادرني ... مَا بَين عُجْب وَعجَبْ)
(كطبقٍ من فضةٍ ... عَلَيْهِ كأس من ذهب) // الرجز //
وَمَا أبدع قَول أسعد بن إِبْرَاهِيم بن بليطة
(أحببْ بنَوْر الأقاح نوَّارا ... عسجدُه فِي لُجينه حارا)
(كَأَن مَا اصفرَّ من مُوَسَّطه ... عليلُ قوم أَتَوْهُ زوّارا)
(كَأَن مُبْيَضَّه صقالبة ... كَانُوا مجوساً فَاسْتَقْبلُوا نَارا)
(كَأَنَّهُ ثغر مَنْ هَويت وَقد ... وضعت فِيهِ بِفيَّ دِينَارا) // المنسرح //
وَمن بديع مَا قيل فِيهِ قَول ابْن عباد الإسكندراي أَيْضا
(كَأَن شمعته من فضةٍ حُرِست ... خَوف الْوُقُوع بمسمارٍ من الذَّهَب) // الْبَسِيط //
وَقَول ظافر الْحداد الإسكندراي أَيْضا
(والأقحوانة تحكي ثَغْر غانيةٍ ... تبسمت فِيهِ من عُجْب وَمن عَجَب)
(كشمسة من لجيْن فِي زبرجدة ... قد شرفت تَحت مِسْمَار من الذَّهَب)
(وللشقائق جَمْر فِي جوانبها ... بقيةُ الفحم لم تستره باللهب) // الْبَسِيط //
وَمن لطيف التَّشْبِيه قَول مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر فِي الْورْد
(أما ترى شجرات الْورْد مظهرة ... مِنْهَا بَدَائِع قد رُكبن فِي قضب)
(أوراقها حمر أوساطها جمم ... صفر وَمن حولهَا خضر من الشطب)
(كأنهن يَوَاقِيت يطِيف بهَا ... زمرُّد وَسطه شذر من الذَّهَب) // الْبَسِيط //
(2/108)

وَلأبي الحكم مَالك بن المرحل يصف قصر اللَّيْل وأجاد
(وعشيةٍ سبق الصباحُ عشاءها ... قِصَراً فَمَا أمسيت حَتَّى أسفرا)
(مسكيَّة لبست حُلَّىً ذهبيةً ... وجلا تبسُّمُهَا نقاباً أحمرا)
(وَكَأن شُهْبَ الرجمِ بعضُ حليها ... عثرت بِهِ من سرعةٍ فتكسرَا) // الْكَامِل //
وَمَا أحسن قَول صَفْوَان بن إِدْرِيس من أَبْيَات
(والورْدُ فِي شطِّ الخليج كَأَنَّهُ ... رَمد أَلَّم بمقلَةٍ زرقاء) // الْكَامِل //
وَمَا ألطف قَول بَعضهم
(وشادنٍ أبصرتهُ رَاكِبًا ... فِي كَفه جوكانه يلْعَب)
(كالبدر فَوق الْبَرْق فِي كَفه ... هلالةَ والكرة الْكَوْكَب) // السَّرِيع //
وَمثله قَول الصفي الْحلِيّ وَلم أدر أَيهمَا أَخذ من الآخر
(ملك بروضٍ فَوق طرف ضَارِبًا ... كرة بجوكان حناه ضرابا)
(فَكَأَن بَدْرًا فِي سَمَاء رَاكِبًا ... برقاً يزحزح بالهلال شهابا) // الْكَامِل //
وَمن بديع التَّشْبِيه قَول الْأُسْتَاذ عَليّ بن الْحسن بن عَليّ بن سعد الْخَيْر فِي دولاب
(لله دولابٌ يفيضُ بسلسل ... فِي رَوْضَة قد أينَعتْ أفنانا)
(قد طارحَتْهُ بهَا الحمائم شَجْوَها ... فيجيبهَا وَيرجِّع الألحانا)
(فَكَأَنَّهُ دَنِفٌ يَدُور بمعهدٍ ... يبكي وَيسْأل فِيهِ عَمَّنْ بانا)
(ضَاقَتْ مجاري طَرْفه عَن دمعه ... فتفتحت أضلاعه أجفانا) // الْكَامِل //
وَبَاب التَّشْبِيه وَاسع جدا تضيق الطَّاقَة عَن حصره وَهَذَا الْقدر كَاف فِيهِ
(2/109)

شَوَاهِد الاستعاره
97 - (لَدَى أشدٍ شاكي السِّلَاح مُقَذَّفِ ... )
قَائِله زُهَيْر بن أبي سلمى من قصيدته السَّابِقَة فِي شَوَاهِد الإيجاز وَسَيَأْتِي كَامِلا فِيمَا بعد وَقَبله
(لعمري لِنعْمَ الحيُّ جَرَّ عليهمُ ... بِمَا لَا يوايتهم حُصَيْنُ بن ضَمْضمِ)
(وكانَ طوَى كشحاً على مُسْتكنةٍ ... فَلَا هُوَ أبداها وَلم يتقدَّمِ)
(وَقَالَ سأقضِي مأربي ثمَّ أتفي ... عدوّى بألفٍ من ورائيَ مُلجِمِ)
(فشدَّ وَلم ينظر بيوتَّاً كَثِيرَة ... لدي حَيْثُ ألقَتْ رَحْلها أم قَشْعَمِ)
وَبعده الْبَيْت وَالْقَصِيدَة طَوِيلَة يَقُول مِنْهَا أَيْضا
(سئمت تكاليفَ الْحَيَاة وَمن يَعِشْ ... ثَمَانِينَ عَاما لَا أبالكَ يَسْأمِ)
(رَأَيْت المنايا خَبْطَ عَشْواء من تُصِب ... تُمِتْهُ وَمن تُخْطئ يعمر فيهرم)
(وَمهما تكن عِنْد امْرِئ خَلِيقَة ... وَإِن خالها تخفي على النَّاس تُعْلَمِ)
وشاكي السِّلَاح وشاكه وشائكه حديده والمقذف الَّذِي يقذف بِهِ كثيرا إِلَى الوقائع أَو الَّذِي رمى بِاللَّحْمِ رميا
وَالشَّاهِد فِيهِ الِاسْتِعَارَة التحقيقية فالأسد هُنَا مستعار للرجل الشجاع وَهُوَ أَمر مُتَحَقق حسا
(2/112)

98 - (قَامَت تظللني من الشَّمْس ... نفس أعز عَليّ من نَفسِي)
(قَامَت تظللني وَمن عجب ... شمس تظللني مِنَ الشَّمْسِ)
البيتان لِابْنِ العميد وهما من الْكَامِل قالهما فِي غُلَام حسن قَامَ على رَأسه يظلله من الشَّمْس وَقَالَ ابْن النجار فِي تَارِيخه قَرَأت على إِسْمَاعِيل بن سعد الله أَنبأَنَا بكر بن عَليّ التَّاجِر قَالَ أنشدنا رزق الله بن عبد الْوَهَّاب التَّمِيمِي الْوَاعِظ فِي وَلَده أبي الْعَبَّاس لِأَنَّهُ كَانَ يقوم إِذا جَاءَت عَلَيْهِ الشَّمْس ويظله فَقَالَ
(قَامَت تظللني من الشَّمْس ... نفس أعز عَليّ من نَفسِي)
(قَامَت تظللني وَمن عجب ... شمس تظللني من الشَّمْس)
(لمَّا رَأيْتُ الشمسَ بارزةً ... ستَّرتُ عين الشمسِ بالْخَمْسِ)
(ثمَّ اسْتَعنتُ على الَّتِي اختلست ... منى الْفُؤَاد بِآيةِ الكرْسي)
وَقَالَ ياقوت فِي مُعْجم الأدباء كَانَ أَبُو إِسْحَاق الصابي وَاقِفًا بَين يَدي عضد الدولة وعَلى رَأسه غُلَام تركي جميل فَكَانَ إِذا رأى الشَّمْس عَلَيْهِ حجبها عَنهُ فَقَالَ للصابي هَل قلت شَيْئا يَا إِبْرَاهِيم فَقَالَ
(وَقَفتْ لتحجبُني عَن الشَّمْس ... نفسٌ أعز عَليّ من نَفْسي)
(ظلَّتْ تظللني وَمن عجب ... شمس تُغيِّبني عَن الشَّمْس)
فسُرَّ بذلك
وَالشَّاهِد فيهمَا أَن إِطْلَاق الْمُشبه بِهِ على الْمُشبه إِنَّمَا يكون بعد ادِّعَاء دُخُوله فِي جنس الْمُشبه بِهِ وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيكون اسْتِعْمَال الِاسْتِعَارَة فِي الْمُشبه
(2/113)

اسْتِعْمَالا فِيمَا وضعت لَهُ فَهُنَا لَوْلَا أَنه ادّعى لَهُ معنى الشَّمْس الْحَقِيقِيّ وَجعله شمساً لما كَانَ لهَذَا التَّعَجُّب معنى إِذْ لَا تعجب فِي أَن إنْسَانا حسانا يظلل إنْسَانا آخر
وَقَرِيب من معنى الْبَيْتَيْنِ مَا حكى أَن سيماء التركي غُلَام المعتصم كَانَ أحسن تركي على وَجه الأَرْض فِي وقته وَكَانَ المعتصم لَا يُفَارِقهُ وَلَا يصبر عَنهُ محبَّة لَهُ ووجداً بِهِ فاتفق أَن المعتصم دَعَا أَخَاهُ الْمَأْمُون ذَات يَوْم إِلَى دَاره فأجلسه فِي بَيت على سقفه جامات فَوَقع ضوء الشَّمْس من وَرَاء تِلْكَ الجامات على وَجه سيماء فصاح الْمَأْمُون لِأَحْمَد بن مُحَمَّد اليزيدي فَقَالَ انْظُر وَيلك إِلَى ضوء الشَّمْس على وَجه سيماء أَرَأَيْت أحسن من هَذَا قطّ وَقد قلت
(قد طَلَعت شمسٌ على شَمْس ... وزَالَتِ الوحشة بالأنس) // السَّرِيع //
فأجز فَقَالَ البزيدي بعده
(قد كُنْتُ أشنْا الشَّمْسَ من قبل ذَا ... فصِرْتُ أرتاحُ إِلَى الشَّمْس)
قَالَ وفطن المعتصم فعض شَفَتَيْه لِأَحْمَد قَالَ أَحْمد لِلْمَأْمُونِ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَئِن لم يعلم الْأَمِير حَقِيقَة الْأَمر مِنْك لأقعن مِنْهُ فِيمَا أكره فَدَعَاهُ الْمَأْمُون فَأخْبرهُ الْخَبَر فَضَحِك المعتصم فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون كثر الله يَا أخي فِي غلمانك مثله
وَيقرب من هَذَا مَا حُكيَ أَن الْمُعْتَمد بن عباد صَاحب إشبيلية جلس يَوْمًا وَبَين يَدَيْهِ جَارِيَة تسقيه فخطف الْبَرْق فارتاعت مِنْهُ فَقَالَ ابْن عباد فِي ذَلِك
(روَّعها البرقُ وَفِي كفِّها ... برقٌ من الْقَهْوةَ لَمَّاعُ)
(عجبت مِنْهَا وهْيَ شمس الضُّحَى ... من مثل مَا تحمل ترتاعُ) // السَّرِيع //
(2/114)

ثمَّ أنْشد الأول لعبد الْجَلِيل بن وهبون المرسي واستجازه فَقَالَ
(ولَنْ ترى أعجب من آنسٍ ... من مثل مَا يُمْسِكُ يرتاع)
وَابْن العميد هُوَ أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن الْحُسَيْن عين الْمشرق ولسان الْجَبَل وعماد ملك آل بويه وَصدر وزرائهم قَالَ فِي حَقه أَبُو مَنْصُور الثعالبي كَانَ أوحد الْعَصْر فِي الْكِتَابَة وَكَانَ يدعى الجاحظ الآخر والأستاذ والرئيس وَيضْرب بِهِ الْمثل فِي البلاغة وَيَنْتَهِي إِلَيْهِ فِي الْإِشَارَة بالفصاحة والبراعة مَعَ حسن الترسل وجزالة الْأَلْفَاظ وسلاستها مَعَ براعة الْمعَانِي ونفاستها وَمَا أحسن وأصدق مَا قَالَه الصاحب وَقد سَأَلَهُ عَن بَغْدَاد عِنْد مُنْصَرفه عَنْهَا بَغْدَاد فِي الْبِلَاد كالأستاذ فِي الْعباد وَكَانَ يُقَال بدئت الْكِتَابَة بِعَبْد الحميد وختمت بِابْن العميد وَقد أجْرى ذكرهمَا مَعًا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد الخازن فِي قصيدة مدح بهَا الصاحب بن عباد حَيْثُ وصف بلاغته فَقَالَ
(دعوا الأقاصيصَ والأنباء نَاحيَة ... فَمَا على ظهرهَا غير ابْن عبَّادِ)
(وَإِلَى بَيانٍ مَتى يُطْلق أعِنَّتَه ... يدَعْ لِسَان إِيادٍ رهْنَ أقْيادِ)
(ومُورِدٌ كَلمَاتِ عَطَّلَتْ زهراً ... على رياضٍ ودرَّاً فوقَ أجْيادِ)
(وتاركٌ أَولا عبدَ الحميدِ بهَا ... وابنَ العميد أخيراً فِي أبي جاد) // الْبَسِيط //
(2/115)

وَلم يَرث ابْن العميد الْكِتَابَة عَن كَلَالَة بل كَانَ كَمَا قَالَ ذُو الرمة فِي وصف صائد حاذق
(أَلفى أَبَاهُ بِذَاكَ الْكسْب يكْتَسب ... ) // الْبَسِيط //
لِأَن أَبَاهُ أَبَا عبد الله الملقب بكله كَانَ فِي الرُّتْبَة الْكُبْرَى من الْكِتَابَة وَكَانَ قد تقلد ديوَان الرسائل للْملك نوح بن نصر وَكَانَ يحضر ديوَان الرسائل فِي محفة لسوء أثر النقرس فِي قدمه وَفِيه يَقُول أَبُو الْقَاسِم الإسكافي وَكَانَ يكْتب فِي ديوانه إِذْ ذَاك وَيرى نَفسه أَحَق مِنْهُ برتبته ويتمنى زَوَال أمره ليقوم مقَامه
(يَا ذَا الَّذِي ركب المحفة ... جَامعا فِيهَا جهازهْ)
(أَتَرَى الإِله يُعِيشُني ... حتَّى يرينيها جنازهْ) // الْكَامِل //
وَلم تطل الْأَيَّام حَتَّى أَتَت على أبي عبد الله منيته ووافت أَبَا الْقَاسِم أمْنِيته وَتَوَلَّى ديوَان الرسائل فَسبق من قبله وأتعب من بعده وَلم يزل أَبُو الْفضل هَذَا فِي حَيَاة أَبِيه وَبعد وَفَاته بِالريِّ وكورة الْجَبَل وَفَارِس يتدرج إِلَى الْمَعَالِي ويزداد فضلا وبراعة على الْأَيَّام والليالي حَتَّى بلغ مَا بلغ وَاسْتقر فِي الذرْوَة من وزارة ركن الدولة ورياسة الْجَبَل وخدمة الكبراء وانتجعه الشُّعَرَاء وَورد عَلَيْهِ أَبُو الطّيب المتنبي عِنْد صدوره من حَضْرَة كافور الأخشيدي فمدحه بِتِلْكَ القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِي مِنْهَا يَقُول
(من مبلغ الأعرابِ أنيَ بَعدها ... شاهدت رسطاليس والاسكندرا)
(ومللت نحر عشارها فأضافني ... من ينْحَر البِدَرَ النُّضار لمن قرى)
(وسمعتُ بطليموس دَارِسَ كتبِهِ ... مُتملكاً متبدياً متحضرَا)
(2/116)

(ولقيتُ كلَّ الفاضلين كَأَنَّمَا ... رَدَّ الإِلهُ نُفُوسهم والأعصرا) // الْكَامِل //
وَمِنْهَا
(نسقوا لنا نسق الْحساب مقدما ... وأنى فَذَلِك إِذْ أتيت مؤخَّرَا)
(بِأبي وَأمي ناطقٌ فِي لفظهِ ... ثمن تباعُ لَهُ الْقُلُوب وتشترَى)
(قطفَ الرجالُ القولَ قبلَ نَّبَاتهِ ... وقطفتَ أنتَ القَوْل لما نوَّرَا) // الْكَامِل //
ومدحه الصاحب بن عباد بقصائد كَثِيرَة استفرغ فِيهَا جهده فَمِنْهَا قَوْله فِيهِ
(من الْقلب يهيم فِي كل وَادي ... وقتيلٍ للحب من غير وَادي)
(إِنَّمَا أذكر الغوانيَ والمقصدُ سعدى تكثُّراً للسوَادِ ... )
(وَإِذا مَا صدقتُ فَهْيَ مرامي ... ومُرَادي وَرَوْضتي ومَرَادي)
(ونَدَى ابنِ العميد إِنِّي عميدٌ ... من هَواهَا أليةَ الأمجادِ)
(لوْ دَرَى الدَهرُ أَنه من بنيهِ ... لازَدْرى قدرَ سَائِر الْأَوْلَاد)
(أورأي الناسُ كَيفَ يهتزُّ للجود ... لما عدَدوهُ فِي الأطواد) // الْخَفِيف //
(2/117)

وَله أَيْضا
(قَالُوا رَبيعك قد قَدِمْ ... فلكَ البشارةُ بالنَّعَمْ)
(قلتُ الربيعُ أَخُو الشتَاء ... أم الرّبيع أَخُو الْكَرم)
(قَالُوا الَّذِي بنواله ... يَغْنَي المقلّ من العَدَمْ)
(قلتُ الرئيسُ ابنُ العميد إِذا فَقَالُوا لي نعم ... ) // الْكَامِل //
ولبعضهم فِيهِ عِنْد انْتِقَاله إِلَى قصر جَدِيد قد بناه وَهُوَ مستبدع
(لَا يعجبنَّكَ حسنُ الْقصر تنزلهُ ... فَضِيلَة الشَّمْس ليستْ فِي منازلها)
(لَو زِيدتِ الشمسُ فِي أبراجها مائَة ... مَا زَاد ذَلك شَيْئا فِي فضائلها)
وَهَذِه نبذة من محَاسِن نثره
فصل من رِسَالَة كتب بهَا إِلَى أبي الْعَلَاء السروي كتابي جعلني الله تَعَالَى فدَاك وَأَنا فِي جد وتعب مُنْذُ فَارَقت شعْبَان وَفِي جهد وَنصب من رَمَضَان وَفِي الْعَذَاب الْأَدْنَى دون الْعَذَاب الْأَكْبَر من ألم الْجُوع وَوَقع الصَّوْم ومرتهن بتضاعف حر لَو أَن اللَّحْم يُصَلِّي بِبَعْضِه غريضا أَتَى أَصْحَابه وَهُوَ منضج وممتحن بهواجر يكَاد أوراها يذيب دماغ الضَّب وَيصرف وَجه الحرباء عَن التحنف ويزويه عَن التنصر وَيقبض يَده عَن إمْسَاك سَاق وإرسال سَاق
(وَيتْرك الجأبَ فِي شغل عَن الحقب ... ويقدح النارَ بَين الْجلد والعصب)
(2/118)

ويغادر الْوَحْش قد مَالَتْ هواديها
(سجوداً لدَى الأرطي كأنَّ رؤسها ... عَلاَها صداعٌ أَو فواقٌ يصورها) // الطَّوِيل //
كَمَا قَالَ الفرزدق
(ليَوْم أَتَى دون الظلال شموسه ... تظل المها صُوراً جماجمُهَا تغلى) // الطَّوِيل //
وكما قَالَ مِسْكين الدَّارمِيّ
(وهاجِرَةٍ ظلت كأنَّ ظباءها ... إِذا مَا اتقتها بالقُرون سجودُ)
(تلوذ بشؤْبوب من الشَّمْس فَوْقهَا ... كَمَا لاذَ من وَخْزِ السنان طريد) // الطَّوِيل //
وممنو بأيام تحاكي ظلّ الرمْح طولا وليال كإبهام القطاة قصرا ونوم كلا وَلَا قلَّة وكحسو الطَّائِر من المَاء الثماد دقة وكتصفيقة الطَّائِر المستحرخفة
(كَمَا أبرقت قوما عِطَاشاً غَمَامَةٌ ... فلمَّا رَأها أقشعتْ وَتجلتِ)
وكنقر العصافير وَهِي خائفة من النواطير يَانِع الْعِنَب وَأحمد الله تَعَالَى على كل حَال وأسأله أَن يعرفنِي بركته ويلقيني الْخَيْر فِي أَيَّامه وخاتمته وأرغب إِلَى الله أَن يقرب على الْقَمَر دوره وَيقصر سيره ويخفف حركته ويعجل نهضته وَينْقص مَسَافَة فلكه ودائرته ويزيل بركَة الطول من ساعاته وَيرد على غرَّة شَوَّال فَهِيَ أسر سَائِر الْغرَر عِنْدِي وأقرها لعَيْنِي ويسمعني النعرة فِي قفا شهر رَمَضَان ويعرض عَليّ هلاله أخْفى من السِّرّ وأظلم من الْكفْر وأنحف من مَجْنُون بني عَامر وأضنى من قيس
(2/119)

ابْن ذريح وأبلى من أَسِير الهجر ويسلط عَلَيْهِ الْحور بعد الكور وَيُرْسل على رقاقته الَّتِي يغشى الْعُيُون ضوءها ويحط من الْأَجْسَام نوءها كلفا يغمرها وكسوفاً يَسْتُرهَا ويرينيه مغمور النُّور مقمور الظُّهُور قد جمعه وَالشَّمْس برجٌ وَاحِد ودرجة مُشْتَركَة وَينْقص من أَطْرَافه كَمَا تنقص النَّار من أَطْرَاف الزند وَيبْعَث إِلَيْهِ الأرضة وَيهْدِي إِلَيْهِ السوس ويغري بِهِ الدُّود ويبليه بالفأر ويخترمه بالجراد ويبيده بالنمل ويجتحفه بالذر ويجعله من نُجُوم الرَّجْم وَيَرْمِي بِهِ مسترق السّمع ويخلصنا من معاودته ويريحنا من دوره ويعذبه كَمَا عذب عباده وخلقه وَيفْعل بِهِ فعله بالكتان ويصنع بِهِ صَنِيعه بالألوان ويقابله بِمَا تَقْتَضِيه دَعْوَة السَّارِق إِذا افتضح بضوئه وتهتك بطلوعه وَيرْحَم الله عبدا قَالَ آمينا وَأَسْتَغْفِر الله جلّ وَجهه مِمَّا قلته إِن كرهه وأستعفيه من توفيقي لما يذمه وأسأله صفحاً يفيضه وعفواً يسبغه وحالي بعد مَا شَكَوْت صَالِحَة وعَلى مَا تحب وتهوى جَارِيَة وَللَّه الْحَمد تقدست أسماؤه وَالشُّكْر
وَمن فصوله الْقصار الْجَارِيَة مجْرى الْأَمْثَال قَوْله مَتى خلصت للدهر حَال من اعتوار أَذَى وَصفا فِيهِ شرب من اعْتِرَاض قذى خير القَوْل مَا أَغْنَاك جده وألهاك هزله الرتب لَا تبلغ إِلَّا بتدرج وتدرب وَلَا تدْرك إِلَّا بتجشم كلفة وتصعب الْمَرْء أشبه شئ بِزَمَانِهِ وَصفه كل زمَان منتسخة من سجايا سُلْطَانه الْمَرْء يبْذل مَاله فِي إصْلَاح أعدائه فَكيف يذهل الْعَاقِل عَن حفظ
(2/120)

أوليائه هَل السَّيِّد إِلَّا من يهابه إِذا حضر وتغتابه إِذا أدبر اجْتنب سُلْطَان الْهوى وَشَيْطَان الْميل المرح والهزل بَابَانِ إِذا فتحا لم يغلقا إِلَّا بعد الْعسر وفحلان إِذا لقحا لم ينتجا غير الشَّرّ
وَمِمَّا أخرج لَهُ من الشّعْر قَوْله
(آخ الرجالَ من الأباعد ... والأقاربَ لَا تُقَارب)
(إِن الْأَقَارِب كالعقارب ... بل أضرّ من العقارب) // الْكَامِل //
وَكتب إِلَى الْعلوِي
(يَا من تخلى وَولى ... وصدّ عني وملاَّ)
(وأوسع الْعَهْد نَكْثاً ... وأتبع العقد حلاَ)
(مَا كَانَ عَهْدك إِلَّا ... عهد الشبيبة ولى)
(أوْ طَائِفًا منْ خيالٍ ... ألَمَّ ثُمَّ تَولَّى)
(أَو عَارضاً لاحَ حَتّى ... إِذا دَنا فتَدلى)
(ألوَتْ بهِ نَسمات ... من الصِّبا فَتجلَّى)
(أهْلاً بِما تَرْتضيهِ ... فِي كلّ حالٍ وسَهلاَ)
(ليَجزيَنّكَ وُدّي ... بمثْل فعْلِكَ فعْلاَ)
(إنْ شِئتَ هَجْراً فهَجراً ... أَو شئتَ وَصْلاً فوَصلا)
(صَبَرْتَ عنَّيَ فانظْر ... ظفرِتَ بالصَّبر أمْ لَا)
(2/121)

(إِني إِذا الخِلُّ ولَّى ... ولَّيْتُهُ مَا تولى) // المقتضب //
وَكتب إِلَى أبي الْحسن بن هندو وأرسلها إِلَيْهِ صَبِيحَة عرسه
(أنعمْ أَبَا حَسَن صباحاً ... وازْدَدْ بَزوْجتِكَ ارتياحَا)
(قَدْ رضْتَ طرْفَكَ خَالِيا ... فَهل استَلنتَ لَهُ جِمَاحَا)
(وقدَحتَ زَنْدَك جاهِداً ... فَهل استبَنْتَ لهُ انقِدَاحَا)
(وطَرَقتَ منغَلقاً فهلْ ... سَنَّ الآله لَهُ انْفِتَاحَا)
(قَدْ كنت أرْسلت الْعُيُون ... صَباحَ يوْمِكَ والرَّوَاحَا)
(وبعَثتُ مُصغيةً تبيت ... لدَيْكَ تَرْتقِبُ النَّجَاحا)
(فَغَدْت عليّ بجُملةٍ ... لم تُولني إِلاَ افتِضاحَا)
(وشَكتْ إِليّ خلاخلاً ... خرْساً وأوشجةً فِصاحا)
(مَنعت وساوسُها المسامع ... مَعَ أَن تُحسَّ لكم صباحا) // الْكَامِل //
وللصاحب ابْن عباد فِي هَذَا الْمَعْنى إِلَّا أَنه أقرب فِي التَّصْرِيح
(قلبِي على الجمرَة يَا أَبَا الْعلَا ... فَهَل فتَحتَ الموْضع المقفلا)
(وَهل فَككت الْخَتْم عَن كيسه ... وَهل كحلت النَّاظر الأكحلا)
(إِن قُلت يَا هَذَا نعم صَادِقا ... أبْعث نثاراً يمْلَأ المنْزلا)
(وإنْ تُجبني مِنْ حياءَ بِلاَ ... أبعَثْ إليْكَ الْقطن والمغزلا) // السَّرِيع //
وَلابْن العميد فِي المغنى الْقرشِي
(إِذا غناني الْقرشِي يَوْمًا ... وعنَّاني برؤيتهِ وضربهْ)
(وَدِدْتُ لَوَ أنّ أُذني مثْلُ عَيْني ... هنَاكَ وأنّ عيْني مثلُ قلبِهْ) // الوافر //
(2/122)

وللوزير المهلبي فِيهِ أَيْضا
(إِذا غناني الْقرشِي ... دعوْتُ الله بالطَّرش)
(وَإِنْ أبصرْتُ طَلعتهُ ... فَوالهفي على العَمَش) // من مجزوء الوافر //
وَاجْتمعَ عِنْد ابْن العميد يَوْمًا أَبُو مُحَمَّد بن هندو وَأَبُو الْقَاسِم بن أبي الْحُسَيْن وَأَبُو الْحُسَيْن بن فَارس وَأَبُو عبد الله الطَّبَرِيّ وَأَبُو الْحسن البديهي فحياه بعض الزائرين بأترجة حَسَنَة فَقَالَ لَهُم تَعَالَوْا نتجاذب أهداب وصفهَا فَقَالُوا إِن رأى سيدنَا أَن يَبْتَدِئ فعل فابتدأ وَقَالَ
(وأَتُرجَّةٍ فِيهَا طبائعُ أَربع ... ) // الطَّوِيل //
فَقَالَ أَبُو مُحَمَّد
(وفيهَا فُنونُ اللَّهْو وَالشرب أجْمَعُ ... ) فَقَالَ أَبُو الْقَاسِم
(يُشبهُها الرَّائي سبيكةَ عَسجَدٍ ... )
فَقَالَ أَبُو الْقَاسِم بن أبي الْحُسَيْن
(على أَنَّهَا منْ فَأرةِ المِسْكِ أضْوَعُ ... )
فَقَالَ أَبُو عبد الله
(وَمَا اصفَرَّ منْها اللَّوْنُ للْعشق والهوى ... )
فَقَالَ أَبُو الْحسن
(وَلَكِن أَرَاهَا لِلْمحبِّين تجْمَعُ ... )
وَكَانَ ابْن العميد متفلسفاً مُتَّهمًا بِرَأْي الْأَوَائِل وَيُقَال إِنَّه كَانَ مَعَ فنونه لَا يدْرِي الشَّرْع فَإِذا تكلم أحد بِحَضْرَتِهِ فِي أَمر الدّين شقّ عَلَيْهِ وخنس ثمَّ
(2/123)

قطع على الْمُتَكَلّم فِيهِ وَكَانَ قد ألف كتابا سَمَّاهُ الْخلق والخلق وَلم يبيضه وَلم يكن الْكتاب بِذَاكَ وَلَكِن جعس الرؤساء خبيص وصنان الْأَغْنِيَاء ند
وَتُوفِّي فِي سنة ثلثمِائة وَسِتِّينَ
وَقَامَ ابْنه عَليّ أَبُو الْفَتْح ذُو الكفايتين مقَامه إِذْ هُوَ ثَمَرَة تِلْكَ الشَّجَرَة وشبل ذَلِك القسوره وَحقّ على ابْن الصَّقْر أَن يشبه الصقرا وَمَا أصدق قَول الشَّاعِر
(إِنَّ السَّرىّ إِذا سراره فبنَفْسِه ... وابُن السَّرىِّ إِذا سرا أسراهما) // الْكَامِل //
وَكَانَ نجيباً ذكياً لطيفاً سخياً رفيع الهمة كَامِل الْمُرُوءَة تأنق أَبوهُ فِي تأديبه وتهذيبه وجالس بِهِ أدباء عصره وفضلاء وقته وَخرج حسن الترسل مُتَقَدم الْقدَم فِي النّظم آخِذا من محَاسِن الْأَدَب بأوفر الْحَظ وَلما قَامَ مقَام أَبِيه قبل الاستكمال وعَلى مدى بعيد من الاكتهال وَجمع تَدْبِير السَّيْف والقلم لركن الدولة بن بويه لقب بِذِي الكفايتين وَعلا شَأْنه وارتفع قدره وطاب ذكره وَجرى أمره أحسن مجْرى إِلَى أَن توفّي ركن الدولة وأفضت حَال أبي الْفَتْح إِلَى مَا سَيذكرُ إِلَى قَرِيبا بِمَشِيئَة الله تَعَالَى وعونه
وَمن طرف أخباره أَن أَبَاهُ كَانَ قد قيض جمَاعَة من ثقاته فِي السِّرّ يشرفون على وَلَده الْأُسْتَاذ أبي الْفَتْح فِي منزله ومكتبه ويشاهدون أَحْوَاله ويعدون أنفاسه وأفعاله وَينْهَوْنَ إِلَيْهِ جَمِيع مَا يَأْتِيهِ ويذره ويقوله ويفعله
(2/124)

فَرفع إِلَيْهِ بَعضهم أَن أَبَا الْفَتْح اشْتغل لَيْلَة بِمَا يشْتَغل بِهِ الْأَحْدَاث المترفون من عقد مجْلِس أنس واتخاذ الندماء وتعاطي مَا يجمع شَمل اللَّهْو فِي خُفْيَة شَدِيدَة واحتياط تَامّ وَأَنه فِي تِلْكَ الْحَال كتب رقْعَة إِلَى بعض أصدقائه فِي استهداء الشَّرَاب فَحمل إِلَيْهِم مَا يصلح لَهُم من المشروب وَالنَّقْل والمشموم فَدس أَبوهُ إِلَى ذَلِك الْإِنْسَان من أَتَاهُ بالرقعة فَإِذا فِيهَا بِخَطِّهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قد اغتنمت اللَّيْلَة أَطَالَ الله بقاك يَا سَيِّدي ومولاي رقدة من عين الدَّهْر وانتهزت فرْصَة من فرص الْعُمر وانتظمت مَعَ أَصْحَابِي فِي سمط الثريا فَإِن لم تحفظ علينا النظام باهداء المدام عدنا كبنات نعش وَالسَّلَام فاستطير الْأُسْتَاذ فَرحا وإعجاباً بِهَذِهِ الرقعة البديعة وَقَالَ الْآن ظهر لي أَمر براعته ووثقت بجريه فِي طريقي ونيابته منابي وَوَقع لَهُ بألفي دِينَار
وَحكى أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس قَالَ كنت عِنْد الْأُسْتَاذ أبي الْفَتْح فِي يَوْم شَدِيد الْحر فرمت الشَّمْس بجمرات الهاجرة فَقَالَ لي مَا قَول الشَّيْخ فِي قلبه فَلم أحر جَوَابا لِأَنِّي لم أفطن لما أَرَادَ وَلما كَانَ بعد هنيَّة أقبل رَسُول وَالِده الْأُسْتَاذ يستدعيني إِلَى مَجْلِسه فَلَمَّا مثلت بَين يَدَيْهِ تَبَسم ضَاحِكا إِلَيّ وَقَالَ مَا قَول الشَّيْخ فِي قلبه فبهت وَسكت وَمَا زلت متفكراً حَتَّى تنبهت أَنه يُرِيد الخيش وَكَأن من يشرف على أبي الْفَتْح من جِهَة أَبِيه أَتَاهُ بِتِلْكَ اللَّفْظَة فِي تِلْكَ السَّاعَة فأفرط اهتزازه لَهَا وقرأت صحيفَة السرُور فِي وَجهه ثمَّ أخذت أتحفه بنكت نظمه ونثره فَكَانَ مِمَّا أعجب بِهِ واستضحك لَهُ رقْعَة لَهُ وَردت عَليّ وصدرها وصلت رقْعَة الشَّيْخ أَصْغَر من عنفقة بقة وأقصر من أُنْمُلَة نملة
قَالَ أَبُو الْحُسَيْن وَجرى فِي بعض أيامنا ذكر أَبْيَات اسْتحْسنَ الرئيس الْأُسْتَاذ وَزنهَا واستحلى رويها وَأنْشد كل من الْحَاضِرين مَا حَضَره على ذَلِك وَهُوَ قَول الْقَائِل
(2/125)

(لَئِن كَفَفْتَ وَإلاَّ ... شققتُ مِنْك ثِيَابِي) // المقتضب //
فأصغى الْأُسْتَاذ أَبُو الْفَتْح ثمَّ أنْشد فِي الْوَقْت وَقَالَ
(يَا مولَعاً بعذابي ... أما رحمتَ شَبَابِي)
(تركت قلبِي قريحاً ... نهب الأسى والتصابي)
(إِن كنتَ تُنْكِر مَا بِي ... من ذِلّتي واكتئابي)
(فارفعْ قَلِيلا قَلِيلا ... عَن العظامِ ثِيَابِي)
وَله من نوروزيه
(أبْشر بنورُوزٍ أتاكَ مبشراً ... بسعادةٍ وزيادةٍ ودوامِ)
(واشرَبْ فقد حلَّ الربيعُ نقابَهُ ... عَن منظرٍ متهللٍ بَسَّامِ)
(وهديَّتي شعر عَجِيب نظمُهُ ... ومديحهُ يبْقى على الأيامِ)
(فاقبلْهُ وَأَقْبل عذرَ منْ لم يستطعْ ... إهداءَ غير نتيجة الأفهام) // الْكَامِل //
وَمن بدائعه الْمَشْهُورَة قَوْله من قصيدة
(عُودي وماءُ شبيبتي فِي عودي ... لَا تَعمدي لِمقَاتِل المعمودِ)
(وِصليهِ مَا دامتْ أَصائلُ عيشهِ ... تُؤويه فِي ظلٍّ لهَا ممدودِ)
(مَا دَامَ من ليلِ الصِّبا فِي فاحمٍ ... رجل الذرى متهدلِ العُنقودِ)
(قبلَ المشيب وطارقاتُ جنُودِه ... يُبْدِلْنَهُ يَققا بسحم سود) // الْكَامِل //
وَمن شعره
(2/126)

(أَيْن لي من يَفِي بشكر اللَّيَالِي ... إِذْ أضافتْ خيالهَا وخيالي)
(لم يكنْ لي على الزمانِ اقتراحٌ ... غيرَها منية فجاد بهَا لِي) // الْخَفِيف //
وَمِنْه
(إِذا أَنا بُلِّغتُ الَّذِي كنت أشتهي ... وأضعافَهُ ألفا فكِلْنِي إِلَى الْخمر)
(وَقل لنديمي قمْ إِلَى الدَّهْر واقترح ... عَلَيْهِ الَّذِي يهوى وكلني إِلَى الدَّهْر) // الطَّوِيل //
يحْكى أَنه سر يَوْمًا وَطلب الندماء وهيأ مَجْلِسا عَظِيما بآلات الذَّهَب وَالْفِضَّة والمغاني والفواكه وَشرب بَقِيَّة يَوْمه وَعَامة ليلته ثمَّ عمل شعرًا وغنوه بِهِ وَهُوَ هَذَا
(دعوتُ الغِنا ودعوت المنى ... فَلَمَّا أجابا دعوتُ القَدَحْ)
(إِذا بلغ المرءُ آمالَهُ ... فَلَيْسَ لَهُ بعْدهَا مقترح) // المتقارب //
وَكَانَ ذَلِك بعد تَدْبيره على الصاحب وإبعاده عَن ركن الدولة وانفراده بالدست كَمَا سَنذكرُهُ ثمَّ طرب بالشعر وَشرب إِلَى أَن سكر وَقَالَ غطوا الْمجْلس لأصطبح عَلَيْهِ غَدا وَقَالَ لندمائه باكروني ثمَّ نَام فَدَعَاهُ مؤيد الدولة فِي السحر وَقبض عَلَيْهِ وَأخذ مَا يملكهُ ثمَّ قَتله وَكَانَ من خبر ذَلِك أَنه لما توفّي ركن الدولة وَقَامَ بعده وَلَده مؤيد الدولة مقَامه خَليفَة لِأَخِيهِ عضد الدولة أقبل من أَصْبَهَان إِلَى الرّيّ وَمَعَهُ الصاحب أَبُو الْقَاسِم بن عباد فَخلع على أبي الْفَتْح هَذَا خلع الوزارة وَألقى إِلَيْهِ مقاليد المملكة والصاحب على حَالَته فِي الْكِتَابَة لمؤيد الدولة والاختصاص بِهِ وَشدَّة الحظوة لَدَيْهِ فكره أَبُو الْفَتْح مَكَانَهُ وأساء بِهِ الظَّن فَبعث الْجند على أَن يشغبوا عَلَيْهِ وهموا بِمَا لم ينالوا مِنْهُ فَأمره مؤيد الدولة بمعاودة أَصْبَهَان وَأسر فِي نَفسه الموجدة على أبي الْفَتْح وانضاف إِلَى ذَلِك تغير عضد الدولة واحتقاده عَلَيْهِ أَشْيَاء كَثِيرَة فِي أَيَّام أَبِيه وَبعدهَا مِنْهَا ممايلته عز الدولة بختيار وَمِنْهَا ميل القواد إِلَيْهِ بل غلوهم فِي موالاته ومحبته وَمِنْهَا ترفعه عَن التَّوَاضُع لَهُ فِي مكاتباته وَاجْتمعَ رَأْي الْأَخَوَيْنِ على اعتقاله وَأخذ أَمْوَاله وَلما قبض عَلَيْهِ بدرت مِنْهُ كَلِمَات
(2/127)

أَيْضا نقلت إِلَى عضد الدولة فزادت فِي استيحاشه مِنْهُ وأنهض من حَضرته من طَالبه بالأموال وعذبه بأنواع الْعَذَاب وَيُقَال إِنَّه سمل إِحْدَى عَيْنَيْهِ وَقطع أَنفه وجز لحيته
وَفِي تِلْكَ الْحَال يَقُول وَقد أيس من نَفسه وَاسْتَأْذَنَ فِي صَلَاة رَكْعَتَيْنِ ودعا بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس وَكتب
(بدِّلَ من صُورَتيَ المنظَرُ ... لكنَّهُ مَا غُيرَ المخبرُ)
(ولسْتُ ذَا حُزْنٍ على فائتٍ ... لَكِن على من باتَ يَسْتَعْبِرُ)
(وواله الْقلب لما مسني ... مُسْتَخبرٌ عني وَلَا يخبر) // السَّرِيع //
وَحدث أَبُو جَعْفَر الْكَاتِب قَالَ كَانَ أَبُو الْفَتْح قبل النكبة الَّتِي أَتَت على نَفسه قد لهج بإنشاد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فِي أَكثر أوقاته وَلست أَدْرِي أهماله أم لغيره وهما
(سكنَ الدُّنيا أناسٌ قبلنَا ... رَحلوا عَنْهَا وخلوها لنا)
(ونزلناها كَمَا قد نزلُوا ... ونُخَلِّيهَا لقومٍ بَعدنَا) // الرمل //
وَلما تَيَقّن بهلاكه وَأَنه لَا ينجو مِنْهُم ببذل المَال مد يَده إِلَى جيب جُبَّة كَانَت عَلَيْهِ ففتقه عَن رقْعَة فِيهَا مَكْتُوب مَا لَا يُحْصى من ودائعه وكنوز أَبِيه وذخائره وَأَلْقَاهَا فِي كانون كَانَ بَين يَدَيْهِ ثمَّ قَالَ للْمُوكل بِهِ الْمَأْمُور بقتْله اصْنَع مَا أَنْت صانع فوَاللَّه لَا يصل من أَمْوَالِي المستورة إِلَى صَاحبك الدِّرْهَم الْوَاحِد فَمَا زَالَ يعرضه على الْعَذَاب ويمثل بِهِ حَتَّى تلف
وَفِيه يَقُول بعض الشُّعَرَاء المتعصبين لَهُ
(آلَ العميدِ وَآل برمك مالكم ... قَلّ المُعينُ لكُمْ وقَلّ النَاصِرُ)
(كَانَ الزَّمَان يحبكم فبداله ... إِنَّ الزَّمَان هُوَ المحبُّ الغادرُ)
ورثاه كثير من الشُّعَرَاء بغرر القصائد
(2/128)

99 - (لاَ تْعَجبوا مِنْ بلَى غِلاَلَتهِ ... قَدْ زُرَّ أزْرارهُ عَلَى القَمرِ)
الْبَيْت لأبي الْحسن بن طَبَاطَبَا الْعلوِي من المنسرح وَقَبله
(يَا منْ حكى فرطَ رِقَّتِهِ ... وقلبهُ فِي قساوة الحجرِ)
(يَا ليتَ حظي كحظِّ ثوبكَ منْ ... جسمكَ يَا وَاحِدًا من الْبشر) // المنسرح //
وَبعده الْبَيْت ورأيته بِلَفْظ
(قد زُرّ كِتَّانُهَا علىَ القمرِ ... )
وَلَعَلَّه أبلغ فِي المُرَاد والغلالة بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة شعار يلبس تَحت الثَّوْب
وَالشَّاهِد فِيهِ مَا فِي الْبَيْت الَّذِي قبله لِأَنَّهُ لَو لم يَجعله قمرا حَقِيقِيًّا لما كَانَ للنَّهْي عَن التَّعَجُّب معنى لِأَن الْكَتَّان إِنَّمَا يسْرع إِلَيْهِ البلى بِسَبَب ملازمته للقمر الْحَقِيقِيّ لَا بِسَبَب مُلَابسَة إِنْسَان كَالْقَمَرِ حسنا ورد كَون الِاسْتِعَارَة مجَازًا عقلياً بَان ادِّعَاء دُخُول الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ لَا يَقْتَضِي كَونهَا مستعملة فِيمَا وضعت لَهُ للْعلم الضَّرُورِيّ بِأَنَّهَا مستعملة فِي الرجل الشجاع مثلا والموضوع لَهُ هُوَ السَّبَب الْمَخْصُوص وَأما التَّعَجُّب وَالنَّهْي عَنهُ فِي الْبَيْت وَالَّذِي قبله فللبناء على تناسي التَّشْبِيه قَضَاء لحق الْمُبَالغَة وَدلَالَة على أَن الْمُشبه بِحَيْثُ لَا يتَمَيَّز عَن الْمُشبه بِهِ أصلا حَتَّى إِن كل مَا يَتَرَتَّب على الْمُشبه بِهِ من التَّعَجُّب وَالنَّهْي عَنهُ يَتَرَتَّب على الْمُشبه أَيْضا
وَأَبُو الْحسن ابْن طَبَاطَبَا اسْمه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم طَبَاطَبَا بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَهُوَ شَاعِر مفلق وعالم مُحَقّق مولده بأصبهان وَبهَا مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة وَله عقب كثير بأصبهان فيهم عُلَمَاء
(2/129)

وأدباء ومشاهير وَكَانَ مَذْكُورا بالفطنة والذكاء وصفاء القريحة وَصِحَّة الدّهن وجودة الْمَقَاصِد
وَله من المصنفات كتاب عيار الشّعْر وَكتاب تَهْذِيب الطَّبْع وَكتاب الْعرُوض وَلم يسْبق إِلَى مثله
وَمن شعره قصيدة تِسْعَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا لَيْسَ فِيهَا رَاء وَلَا كَاف أَولهَا
(يَا سيداً دَانتْ لهُ السادَاتُ ... وَتَتَابَعَتْ فِي فعله الحسناتُ) // الْكَامِل //
يَقُول مِنْهَا فِي وصف القصيدة
(ميزانها عندَ الخليلِ مُعَدَّلٌ ... متفاعلنْ متفاعلن فَعَلاَتٌ)
(لَو واصلُ بنُ عطاءِ الْبَانِي لَهَا ... تُليَتْ تُوُهِّم أَنَّهَا آياتُ)
وَمن شعره يهجو أَبَا عَليّ الرستمي ويرميه ... بالدعوة والبرص
(أنتَ أعطيتَ من دَلَائِل رُسل الله آياً بهَا علوتَ الرُّؤسَا ... )
(جئتَ فردَاً بِلَا أَب وبيمناك ... بياضٌ فأنتَ عِيسَى ومُوسَى) // الْخَفِيف //
وَمَا أحسن قَول أبي المطاوع نَاصِر الدولة ابْن حمدَان فِي معنى الْبَيْت المستشهد بِهِ
(ترَى الثيابَ من الْكَتَّان يلمحها ... نُورٌ من الْبَدْر أَحْيَانًا فيُبْليها)
(فكيفَ تُنْكر أَن تَبْلَى معاجرُها ... والبدرُ فِي كل وقتٍ طالعٌ فِيهَا) // الْبَسِيط //
وَقَالَ مَنْصُور البستي الْمَعْرُوف بالغزال فِيهِ من قصيدة يصف الساقي
(وَمَشى بكتانٍ فخلتُ عناكبا ... نسجت على الْيَاقُوت ثوب قَتَامٍ)
(أعجِبْ ببدرٍ سالمٍ كتانُهُ ... وَبِه يحرق أنفس الأقوام) // الْكَامِل //
(2/130)

وَمثله قَول الآخر
(كيفَ لَا تَبْلَي غلائلهُ ... وَهْوَ بَدْرٌ وَهِي كتَّان) // المديد //
100 - (فَإِن تعافُوا العدلَ والإِيمانَا ... فإنَّ فِي إيمَانِنَا نِيرَاناً)
قَائِله بعض الْعَرَب من الرجز
وَالشَّاهِد فِيهِ ذكر الْقَرِينَة فِي الِاسْتِعَارَة لِأَنَّهَا مجَاز وَلَا بُد لَهَا من قرينَة مَانِعَة من إِرَادَة الْمَعْنى الْمَوْضُوع لَهُ وَهِي إِمَّا أَمر وَاحِد أَو أَكثر وَهُوَ هُنَا قَوْله تعافوا فَإِن تعلقه بِكُل من الْعدْل وَالْإِيمَان قرينَة دَالَّة على أَن المُرَاد بالنيران السيوف أَي سيوفاً تلمع كشعل النيرَان لدلالته على أَن جَوَاب هَذَا الشَّرْط تحاربون وتلجئون إِلَى الطَّاعَة بِالسُّيُوفِ
101 - (وصاعقةٍ من نَصْله تَنْكَفي بهَا ... على أرْؤُسِ الأقران حمسُ سَحائِبِ)
الْبَيْت للبحتري من قصيدة من الطَّوِيل أَولهَا
(هَبِيهِ لمنهلِّ الدُّمُوع السواكِبِ ... وهَبَّاتِ شوقٍ فِي حَشَاه لَوَاعِبِ)
(وَإِلَّا فَرُدِّى نَظرَة فِيهِ تَعْجَبِي ... لما فِيهِ أَولا تحفلي بالعجائب) // الطَّوِيل // وَهِي طَوِيلَة وَالرِّوَايَة فِيهِ وصاعقة فِي كَفه كَمَا فِي الدِّيوَان وَبعده
(2/131)

(يكَاد الندى مِنْهَا يفِيض على العدَا ... لَدَى الْحَرْب فِي ثنيتي قِنَا وقَوَاضبِ)
والصاعقة الْمَوْت وكل عَذَاب مهلك وصيحة الْعَذَاب والمحراق الَّذِي بيد الْملك سائق السَّحَاب وَلَا يَأْتِي على شَيْء إِلَّا أحرقه أَو نَار تسْقط من السَّمَاء والانكفاء الانقلاب والأرؤس جمع رَأس والأقران جمع قرن وَهُوَ الْكُفْء
وَالشَّاهِد فِيهِ مَجِيء الْقَرِينَة مَعَاني ملتئمة مربوطة بَعْضهَا بِبَعْض يكون الْجَمِيع قرينَة لَا كل وَاحِد فههنا أَرَادَ بِخمْس سحائب أنامل الممدوح الْخمس الَّتِي هِيَ فِي الْجُود وَعُمُوم الْعَطاء سحائب أَي يصبهَا على أكفائه فِي الْحَرْب فيهلكهم بهَا وَأَرَادَ بأرؤس الأقران جمع الْكَثْرَة بِقَرِينَة الْمَدْح لِأَن كلا من صِيغَة جمع الْقلَّة وَالْكَثْرَة يستعار للْآخر فههنا لما اسْتعَار السحائب لأنامل الممدوح ذكر أَن هُنَاكَ صَاعِقَة وَبَين أَنَّهَا من نصل سَيْفه ثمَّ قَالَ على أرؤس الأقران ثمَّ قَالَ خمس فَذكر الْعدَد الَّذِي هُوَ عدد الأنامل فَظهر من جَمِيع ذَلِك أَنه أَرَادَ بالسحائب الْخمس الأنامل
102 - (وإذَا احْتَبَى قَرَبُوسهُ بِعِنَانِهِ ... )
قَائِله يزِيد بن مسلمة بن عبد الْملك بن مَرْوَان من قصيدة من الْكَامِل يصف فرسا لَهُ بِأَنَّهُ مؤدب وَأَنه إِذا نزل عَنهُ وَألقى عنانه فِي قربوس سَرْجه وقف مَكَانَهُ إِلَى أَن يعود إِلَيْهِ وَتَمَامه
(عَلكَ الشَّكيم إِلَى انْصِرَافِ الزائِرِ ... )
والقربوس بِفَتْح الرَّاء وَلَا تسكن إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر وَهُوَ حنو السرج وهما قربوسان والعنان بِكَسْر الْعين سير اللجام الَّذِي تمسك
(2/132)

بِهِ الدَّابَّة والشكيم والشكيمة الحديدة المعترضة فِي فَم الْفرس فِيهَا الفأس وَأَرَادَ بالزائر نَفسه بِدَلِيل مَا قبله وَهُوَ
(عودته فِيمَا أَزور حبائبي ... إهماله وكذاك كل مخاطر) // الْكَامِل //
وَالشَّاهِد فِيهِ الِاسْتِعَارَة الْخَاصَّة وَهِي الغريبة والغرابة قد تكون فِي نفس الشّبَه كَمَا فِي الْبَيْت فَإِنَّهُ شبه هَيْئَة وُقُوع الْعَنَان فِي موقعه من قربوس السرج ممتداً إِلَى جَانِبي فَم الْفرس بهيئة وُقُوع الثَّوْب موقعه من ركبة المحتبي ممتداً إِلَى جَانِبي ظَهره وساقيه بِثَوْب أَو غَيره كوقوع الْعَنَان فِي قربوس السرج فَجَاءَت الِاسْتِعَارَة غَرِيبَة كغرابة الْمُشبه
وَمن الاستعارات الغريبة قَول طفيل الغنوي
(وجَعَلْتُ كُوري فَوقَ ناجِيةٍ ... يقْتَاتَ شَحْمَ سنامها الرحل) // الْكَامِل //
وَكَذَا قَول الْأُسْتَاذ ابْن المعتز
(حَتَّى إِذا مَا عَرَفَ الصَّيْدَ انْصَارْ ... وأذنَ الصُّبحُ لنا بالأبصار) // الرجز //
وَقَول جرير
(تُحْيِي الرَّوَامِسُ رَبْعَهَا فَتُجِدُّهُ ... بعدَ البِلَى وتميته الأمطار) // الْكَامِل //
وَقَول أبي نواس
(بِصَحْنِ خد لم يغض مَاؤُهُ ... وَلم تخضه أعين النَّاس) // السَّرِيع //
وَقَوله أَيْضا
(2/133)

(فَإِذا بدا اقتادت محاسنه ... قسرا إِلَيْهِ أعنه الحدق) // الْكَامِل //
103 - (وسالت بأعناق الْمطِي الأباطِحُ ... )
قَائِله كثير عزة من قصيدة من الطَّوِيل وصدره
(أَخذنَا بأطراف الْأَحَادِيث بينَنَا ... )
وَقَبله
(وَلما قضينا من منى كل حَاجَة ... وَمسح بالأركان من هُوَ ماسحُ)
(وشُدَّتْ على حُدْبِ المَهَارى رحالُنَا ... وَلم ينظر الغادي الَّذِي هُوَ رائحُ)
وَقيل الأبيات لِابْنِ الطثرية وَذكر الشريف الرضي فِي كِتَابه غرر الفرائد قَالَ أَنْشدني ابْن الْأَعرَابِي للمضرب وَهُوَ عقبَة بن كَعْب بن زُهَيْر بن أبي سلمى رَحِمهم الله تَعَالَى
(وَمَا زلْتُ أَرْجُو نَفْعَ سَلْمى ووُدَّها ... وتبْعُدُ حَتَّى ابْيَضَّ مني المسائحُ)
(وَحَتَّى رأيْتُ الشَّخْصَ يَزْدَادُ مِثْلُهُ ... إليهِ وَحَتَّى نصْفُ رأسيَ واضحُ)
(2/134)

(عَلاَ حاجبَيَّ الشيبُ حَتَّى كأنُهُ ... ظباءٌ جَرَتْ مِنْهَا سَنيحٌ وبارحُ)
(وهَزَّةَ أظْعَانٍ علَيهِنَّ بهجَةٌ ... طَلَبْتُ ورَيْعَانُ الصِّبَا بِي جامحُ)
(فَلَمَّا قضينا من منى كل حَاجَة ... وَمسح بالأركان من هُوَ ماسح)
(أَخذنَا بأطراف الْأَحَادِيث بَيْننَا ... وسالت بأعناق الْمطِي الأباطحُ)
(وشُدِّت على حُدْبِ المَهَارى رِحَالهَا ... وَلم ينظر الغادي الَّذِي هُوَ رائحُ)
(قَفَلْنا على الخوصِ الْمَرَاسِيل وارْتَمَتْ ... بِهِنَّ الصَّحَارى والصِّفَاح الصَّحَاصحُ)
والأباطح جمع بطح وَهُوَ مسيل وَاسع فِيهِ دقاق الْحَصَى
وَالْمعْنَى لما فَرغْنَا من أَدَاء مَنَاسِك الْحَج ومسحنا أَرْكَان الْبَيْت الشريف عِنْد طواف الْوَدَاع وشددنا الرّحال على المطايا وارتحلنا وَلم ينظر السائرون فِي الْغَدَاة السائرين فِي الرواح للاستعجال أَخذنَا فِي الْأَحَادِيث وَأخذت المطايا فِي سرعَة السّير
وَالشَّاهِد فِيهِ حُصُول الغرابة فِي الِاسْتِعَارَة العامية بِتَصَرُّف فِيهَا فَإِنَّهُ اسْتعَار سيلان السُّيُول الْوَاقِعَة فِي الأباطح لسير الْإِبِل سيراً عنيفاً حثيثاً فِي غَايَة السرعة الْمُشْتَملَة على لين وسلاسة والشبه فِيهَا ظَاهر عَامي لكنه تصرف فِيهِ بِمَا أَفَادَ اللطف والغرابة حِين أسْند الْفِعْل وَهُوَ سَالَتْ إِلَى الأباطح دون الْمطِي أَو أعناقها حَتَّى أَفَادَ أَنه امْتَلَأت الأباطح من الْإِبِل وَأدْخل الْأَعْنَاق فِي السّير لِأَن السرعة والبطء فِي سير الْإِبِل يظهران غَالِبا فِي الْأَعْنَاق ويتبين أَمرهمَا فِي الهوادي وَسَائِر الْأَجْزَاء يسْتَند إِلَيْهَا فِي الْحَرَكَة ويتبعها فِي الثّقل والخفة
وَمثل هَذِه الِاسْتِعَارَة فِي الْحسن وعلو الطَّبَقَة فِي هَذِه اللَّفْظَة بِعَينهَا قَول ابْن المعتز رَحمَه الله تَعَالَى حَيْثُ يَقُول
(سَالَتْ عَلَيْهِ شِعَابُ الحيِّ حِين دَعَا ... أنصارهُ بوُجوهٍ كالدَّنانيرِ) // الْبَسِيط //
(2/135)

أَرَادَ أَنه مُطَاع فِي الْحَيّ وَأَنَّهُمْ يسرعون إِلَى نصرته كالسيل وكما أَن إِدْخَال الْأَعْنَاق فِي السّير أكد كلا من الرقة والغرابة فِي الأول أكده هُنَا تَعديَة الْفِعْل إِلَى ضمير الممدوح بعلى لِأَنَّهُ يُؤَكد مَقْصُوده من كَونه مُطَاعًا فِي الْحَيّ
وَكثير عزة هُوَ كثير بن عبد الرَّحْمَن بن أبي جُمُعَة الْأسود بن عَامر ابْن عُوَيْمِر أَبُو صَخْر الْخُزَاعِيّ الشَّاعِر الْمَشْهُور أحد عشاق الْعَرَب وَإِنَّمَا صغروه لِأَنَّهُ كَانَ شَدِيد الْقصر حدث الوقاصي قَالَ رَأَيْت كثيرا يطوف بِالْبَيْتِ فَمن حَدثَك أَنه يزِيد على ثَلَاثَة أشبار فَلَا تصدقه وَكَانَ إِذا دخل على عبد الْملك ابْن مَرْوَان أَو أَخِيه عبد الْعَزِيز رحمهمَا الله تَعَالَى يَقُول لَهُ طأطئ رَأسك لِئَلَّا يُصِيبهُ السّقف وَكَانَ يلقب زب الذُّبَاب
وَعَن أبي عُبَيْدَة قَالَ كَانَ الحزين الْكِنَانِي قد ضرب على كل رجل من قُرَيْش دِرْهَمَيْنِ فِي كل شهر مِنْهُم ابْن أبي عَتيق فَجَاءَهُ لأخذ درهميه على حمَار لَهُ أعجف قَالَ وَكثير مَعَ ابْن أبي عَتيق فَأمر ابْن أبي عَتيق للحزين بِدِرْهَمَيْنِ فَقَالَ الحزين لِابْنِ أبي عَتيق من هَذَا الَّذِي مَعَك قَالَ أَبُو صَخْر كثير بن أبي جُمُعَة قَالَ وَكَانَ قَصِيرا دميماً فَقَالَ لَهُ الحزين أتأذن لي فِي أَن أهجوه بِبَيْت من الشّعْر قَالَ لعمري لَا آذن لَك أَن تهجو جليسي وَلَكِنِّي أَشْتَرِي عرضه مِنْك بِدِرْهَمَيْنِ ودعا لَهُ بهما فَأَخذهُمَا وَقَالَ لَا بُد لي من هجائه بِبَيْت قَالَ وأشترى ذَلِك مِنْك بِدِرْهَمَيْنِ آخَرين فَدَعَا لَهُ بهما فَأَخذهُمَا أَيْضا وَقَالَ مَا أَنا بتاركه حَتَّى أهجوه قَالَ وأشترى ذَلِك مِنْك بِدِرْهَمَيْنِ أَيْضا فَقَالَ لَهُ كثير
(2/136)

ايذن لَهُ وَمَا عَسى أَن يَقُول فِي بَيت وَاحِد قَالَ فَأذن لَهُ ابْن عَتيق فَقَالَ
(قَصيرُ القَميصِ فاحِشٌ عندَ بَيْتِهِ ... يَعَضُّ القُرَادُ باسْتِهِ وَهُوَ قَائِم) // الطَّوِيل //
قَالَ فَوَثَبَ إِلَيْهِ كثير فلكزه فَسقط عَن الْحمار فخلص ابْن أبي عَتيق بَينهمَا وَقَالَ لكثير قبحك الله أتأذن لَهُ وتسفه عَلَيْهِ فَقَالَ كثير وَأَنا مَا ظَنَنْت أَن يبلغ بِي فِي بَيت وَاحِد هَذَا كُله
وَكَانَ كثير يَقُول بتناسخ الْأَرْوَاح وَكَانَ يدْخل على عمَّة لَهُ يزورها فتكرمه وتطرح لَهُ وسَادَة يجلس عَلَيْهَا فَقَالَ لَهَا يَوْمًا لَا وَالله مَا تعرفينني وَلَا تكرمينني حق كَرَامَتِي قَالَت بلَى وَالله إِنِّي لأعرفك قَالَ فَمن أَنا قَالَت فلَان بن فلَان وَابْن فُلَانَة وَجعلت تمدح أَبَاهُ وَأمه فَقَالَ قد علمت أَنَّك لَا تعرفينني قَالَت فَمن أَنْت قَالَ أَنا يُونُس بن مَتى وَكَانَ يقْرَأ {فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك} وَكَانَ يُؤمن بالرجعة وَدخل عَلَيْهِ عبد الله بن حسن بن حسن ين عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنْهُم يعودهُ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ لَهُ كثير أبشر فكأنك بِي بعد أَرْبَعِينَ لَيْلَة قد طلعت عَلَيْك على فرس عَتيق فَقَالَ لَهُ عبد الله بن حسن رَضِي الله عَنهُ مَالك عَلَيْك لعنة الله فوَاللَّه لَئِن مت لَا أشهدك وَوَاللَّه لَا أعودك وَلَا أُكَلِّمك أبدا وَكَانَ شِيعِيًّا غالياً فِي التَّشَيُّع وَكَانَ يَأْتِي ولد حسن بن حسن رَضِي الله عَنْهُم إِذا أَخذ الْعَطاء فيهب لَهُم الدَّرَاهِم وَيَقُول بِأبي الْأَنْبِيَاء
(2/137)

الصغار
وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز رحمهمَا الله تَعَالَى إِنِّي لأعرف صَالح بني هَاشم من فاسدهم بحب كثير من أحبه مِنْهُم فَهُوَ فَاسد وَمن أبغضه فَهُوَ صَالح لِأَنَّهُ كَانَ خشبياً يُؤمن بالرجعة
وَحدث رجل من مزينة قَالَ ضفت كثيرا لَيْلَة وَبت عِنْده ثمَّ تحدثنا وَنِمْنَا فَلَمَّا طلع الْفجْر تضور ثمَّ قُمْت فَتَوَضَّأت وَصليت وَكثير نَائِم فِي لِحَافه فَلَمَّا طلع قرن الشَّمْس تضور ثمَّ قَالَ يَا جَارِيَة اسجري لي مَاء أَي سخني قَالَ فَقلت تَبًّا لَك سَائِر الْيَوْم وَبعده وَركبت رَاحِلَتي وَتركته
وَكَانَ كثير عاقاً لِأَبِيهِ وَكَانَ أَبوهُ قد أَصَابَته قرحَة فِي أصْبع من أَصَابِع يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ كثير أَتَدْرِي لم أصابتك القرحة فِي أصبعك قَالَ لَا أَدْرِي قَالَ مِمَّا ترفعها إِلَى الله فِي يَمِين كَاذِبَة
وَعَن طَلْحَة بن عبيد الله قَالَ مَا رَأَيْت أَحمَق من كثير دخلت عَلَيْهِ فِي نفر من قُرَيْش وَكُنَّا كثيرا مَا نهزأ بِهِ وَكَانَ يتشيع تشيعاً قبيحاً فَقلت لَهُ كَيفَ تجدك يَا أَبَا صَخْر وَهُوَ مَرِيض فَقَالَ أجدني ذَاهِبًا فَقلت كلا فَقَالَ هَل سَمِعْتُمْ النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا قلت نعم يتحدثون بأنك الدَّجَّال قَالَ أما إِذْ قلت ذَاك فَإِنِّي لأجد فِي عَيْني هَذِه ضعفا مُنْذُ أَيَّام
(2/138)

وَعَن عبد الْعَزِيز بن عمر رحمهمَا الله أَن أُنَاسًا من أهل الْمَدِينَة المنورة كَانُوا يهزأون بِكَثِير فَيَقُولُونَ وَهُوَ يسمع إِن كثيرا لَا يلْتَفت من تيهه فَكَانَ الرجل يَأْتِيهِ من وَرَائه فَيَأْخُذ رِدَاءَهُ فَلَا يلْتَفت من الْكبر ويمضي فِي قَمِيص
وَكَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان معجباً بِشعرِهِ قَالَ لَهُ يَوْمًا كَيفَ ترى شعري يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أرَاهُ يسْبق السحر ويغلب الشّعْر
وَقَالَ عبد الْملك لَهُ يَوْمًا من أشعر النَّاس يَا أَبَا صَخْر قَالَ من يروي أَمِير الْمُؤمنِينَ شعره فَقَالَ لَهُ عبد الْملك إِنَّك لمنهم
وَحدث كثير قَالَ مَا قلت الشّعْر حَتَّى قولته قيل لَهُ وَكَيف ذَاك قَالَ بَينا أَنا نصف النَّهَار أَسِير على بعير لي بالغميم أَو بقاع حمْرَان إِذْ رَاكب قد دنا إِلَيّ حَتَّى صَار إِلَى جَنْبي فتأملته فَإِذا هُوَ من صفر وَهُوَ يجر نَفسه فِي الأَرْض جراً فَقَالَ لي قل الشّعْر وألقاه عَليّ قلت من أَنْت قَالَ قرينك من الْجِنّ فَقلت الشّعْر
وَكَانَ أول أمره مَعَ عزة الَّتِي يتعشقها أَنه مر بنسوة من بني ضَمرَة وَمَعَهُ جلب غنم فأرسلن إِلَيْهِ عزة وَهِي صَغِيرَة فَقَالَت لَهُ يقلن لَك النسْوَة بعنا كَبْشًا من هَذِه الْغنم وأنسئنا بِثمنِهِ إِلَى أَن ترجع فَأَعْطَاهَا كَبْشًا وأعجبته فَلَمَّا رَجَعَ جَاءَتْهُ امْرَأَة مِنْهُنَّ بدراهمه فَقَالَ وَأَيْنَ الصبية الَّتِي أخذت مني الْكَبْش قَالَت وَمَا تصنع بهَا هَذِه دراهمك قَالَ لَا آخذ دراهمي إِلَّا مِمَّن دفعت إِلَيْهِ وَولى وَهُوَ يَقُول
(قَضى كلُّ ذِي دَينِ فَوَفَّى غَريمَهُ ... وعَزةُ ممطُولٌ مُعنَّى غريمها) // الطَّوِيل //
فَقُلْنَ لَهُ أَبيت إِلَّا عزة وأبرزنها لَهُ وَهِي كارهة ثمَّ إِنَّهَا أحبته بعد ذَلِك أَشد من حبه لَهَا
(2/139)

وَعَن الْهَيْثَم بن عدي أَن عبد الْملك سَأَلَ كثيرا عَن أعجب خبر لَهُ مَعَ عزة فَقَالَ حججْت سنة من السنين وَحج زوج عزة بهَا وَلم يعلم أحد منا بِصَاحِبِهِ فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْض الطَّرِيق أمرهَا زَوجهَا بابتياع سمن يصلح بِهِ طَعَاما لأجل رفقته فَجعلت تَدور الْخيام خيمة خيمةً حَتَّى دخلت إِلَيّ وَهِي لَا تعلم أَنَّهَا خَيْمَتي وَكنت أبري سَهْما لي فَلَمَّا رَأَيْتهَا جعلت أبري وَأنْظر إِلَيْهَا وَلَا أعلم حَتَّى بريت ذراعي وَأَنا لَا أشعر بِهِ وَالدَّم يجْرِي فَلَمَّا تبينت ذَلِك دخلت إِلَيّ فَأَمْسَكت بيَدي وَجعلت تمسح الدَّم بثوبها وَكَانَ عِنْدِي نحيٌ من سمن فَحَلَفت لتأخذنه فَجَاءَت بِهِ إِلَى زَوجهَا فَلَمَّا رأى الدَّم سَأَلَهَا عَن خَبره قَالَ فكاتمته حَتَّى حلف عَلَيْهَا لتصدقنه فَلَمَّا أخْبرته ضربهَا وَحلف لتشتمني فِي وَجْهي فوقفت عَليّ وَهُوَ مَعهَا فَقَالَت لي يَا ابْن الزَّانِيَة وَهِي تبْكي ثمَّ انصرفا فَذَلِك حَيْثُ أَقُول
(أسِيئِي بِنا أَو أحسني لاَ مَلومةً ... لدَينا وَلَا مَقْليَّةً إِن تَقَلّت)
(هَنِيئاً مَريئاً غيْرَ داءٍ مخامرٍ ... لعَزَّةَ منْ أعراضنا مَا استحلتِ) // الطَّوِيل //
وَمِنْه قَوْله فِيهَا أَيْضا
(وددْت وحَقَّ الله أَنَّك بكْرَةٌ ... وأنِّي هَجانٌ مُصْعَبٌ ثمّ نَهْرب)
(كِلَانَا بِه عرٌّ فَمن يرَنا يقلْ ... على حسنِها جرباء تُعْدِى وأجْرَب)
(نَكُون لذِي مالٍ كثير مغَفّلٍ ... فَلاَ هوَ يرعانا وَلَا نَحْنُ نُطْلَب)
(إِذا مَا وردْنا منْهلاً صَاح أَهله ... علينا فَمَا ننفك نرمى ونضرب) // الطَّوِيل //
يحْكى أَن عزة لما بلغَهَا ذَلِك وَحضر إِلَيْهَا أنشدته الأبيات وَقَالَت لَهُ وَيحك لقد أردْت بِي الشَّقَاء أما وجدت أُمْنِية أوطأ من هَذِه فَخرج من عِنْدهَا خجلاً
وأسوأ من هَذِه الأمنية أُمْنِية الْفَزارِيّ حَيْثُ قَالَ
(2/140)

(منْ حبَّها أتمنّى أنْ يُلاقَيِنِي ... منْ نَحْو بلدنها ناعٍ فيَنْعاها)
(كَيْمَا أَقُول فراقٌ لَا لِقَاء لَهُ ... وتضمرَ النفْس يأساً ثمَّ تَسلاها) // الْبَسِيط //
وَلكنه استدرك بعد ذَلِك فَقَالَ
(وَلَو تَموتُ ورَاعتْني لَقلت لَهَا ... يَا بؤْسِ للمْوت لَيتَ الدَّهر أبقاها) // الْبَسِيط //
وَقَالَ الآخر
(تمَنّيت من حبيِّ بثينةَ أننا ... وئِدْنا جَمِيعًا ثمَّ تَحيا وَلَا أَحْيَا)
(فَترْجع دنياها عَلَيْهَا وإنني ... بساعة ضَمِّيها رَضيتُ من الدُّنْيَا) // الطَّوِيل //
وكل امْرِئ أمانيه تلِيق بمعاليه قيل للْإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ مَا تتمنى قَالَ سنداً عَالِيا وبيتاً خَالِيا وَقيل لبَعض الوراقين مَا تتمنى قَالَ قَلما مشاقاً وحبراً براقاً وجلوداً وأوراقا وَقيل لبَعض الصُّوفِيَّة مَا تتمنى قَالَ دقنا ودلقا وَلَا أُرِيد رزقا وَقَالَ بَعضهم
(لَو قَالَ لي خَالِقي تَمنى ... قلْت لهُ سَائِلاً بصِدْق)
(أُريدُ فِي صُبحِ كلِّ يوْمٍ ... فُتُوحَ خيْر يَأْتِي برزْقِ)
(كف حشيش وَرِطل لحم ... ومَنّ خبز ونيك علق) // من مخلع الْبَسِيط //
وَقَول الآخر
(لَو قيل مَا تَتَمَنَّى قلت فِي عجَل ... أَخا صدُوقا أَمينا غيرَ خوّان)
(إِذا فَعَلت جَميلاً ظلّ يشكرني ... وَإن أسأتُ تَلَقّاني بغفران) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول ابْن سارة فِي الْأَمَانِي
(أمانِيّ منْ ليلى حسان كَأَنَّمَا ... سقني بهَا ليلِي على ظمإِ برْدَا)
(2/141)

(مُنىً إِن تكن حقّاً تكن أحسَنَ المنى ... وَإِلَّا فَقَدْ عِشْنَا بهَا زَمنا رغدا) // الطَّوِيل //
وبديع قَول الْوَزير مؤيد الدّين الطغرائي رَحمَه الله تَعَالَى
(أعَلِّلَ النفسَ بالآمال أَرْقبها ... مَا أَضيَقَ العَيْشَ لوْلا فُسْحَةُ الأمل) // الْبَسِيط //
وَقد أَخذه الْعِمَاد الْكَاتِب فَقَالَ
(وَمَا هذِهِ الْأَيَّام إلاَّ صحائفٌ ... نؤرخُ فِيهَا ثمَّ تُمْحَى وَتُمْحق)
(وَلم أرَ عَيْشًا مِثلَ دَائرَةِ المنى ... توسِّعُها الآمالُ والعيش ضيق) // الطَّوِيل //
وَقَالَ الْعَفِيف إِسْحَاق بن خَلِيل كَاتب الْإِنْشَاء للناصر دَاوُد
(لَوْلَا مواعيدُ آمالٍ أعيشُ بهَا ... لُمتُّ يَا أهلَ هَذَا الحيِّ من زَمنِ)
(وَإِنَّمَا طِرْفُ آمالي بِهِ مرحٌ ... يَجْرِي بِوَعد الْأَمَانِي مطلقَ الرسن) // الْبَسِيط //
وَقَالَ آخر
(فِي المنى راحةٌ وَإِن عللتنا ... مِنْ هَوَاها بِبَعْض مَا لَا يكون) // الْخَفِيف //
وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد بن زيدون أَيْضا
(أمَّا مُنَى قلبِي فأنتِ جميعُهُ ... يَا لَيْتَني أصبحتُ بعضَ مُناكِ)
(يُدني مزارَك حِين شط بِهِ النَّوَى ... وهْمٌ أكادُ بِهِ أقبلُ فاكِ) // الْكَامِل //
وَمن هُنَا أَخذ الحاجري قَوْله
(يمِّثُلَك الشوقُ الشديدُ لناظري ... فَأَطْرَقَ إجلالا كَأَنَّك حَاضر) // الطَّوِيل //
وَقَالَ ابْن رزين من شعراء الذَّخِيرَة
(لأسَرِّحَنَّ نواظري ... فِي ذَلِك الروضِ النَّضِير)
(ولآكلنَّكَ بالمنى ... ولأشْرَبَنَّكَ بالضمير) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقَالَ علم الدّين أيدمر المحيوي
(كم لَدَيْنَا أمانياً ... قد حَوَتْ مُحكم العملْ)
(فارغاتٍ من الدَّنا ... نيرِ مَلأى من الأمل) // من مجزوء الْخَفِيف //
(2/142)

وَهُوَ عكس قَول الآخر
(وإنَّ رَجَاء كامناً فِي نواله ... لكالمالِ فِي الأكياسِ تَحت الْخَوَاتِم) // الطَّوِيل //
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الجزار
(لَيْت شعري مَا العذرُ لَوْلَا قَضَاء الله فِي رزقِهِ وَفِي حرماني ... )
(وَلَقَد كدت أَن أهيمَ بِحمْل الْهم لَوْلَا تعللي بالأماني ... ) // الْخَفِيف //
وَله أَيْضا
(حَسْبُ الْفَتى حسن الْأَمَانِي إِنَّه ... لَا يَعْتَرِيه مدى الزَّمَان زَوَال) // الْكَامِل //
وَقَالَ أَبُو البركات مُحَمَّد بن الْحسن الخاتمي
(لي حبيب لَو قيل مَا تتمنى ... مَا تعدَّيْتُه وَلَو بالمنوِن)
(أشتهي أَن أحلَّ فِي كل طَرْفٍ ... فَأرَاهُ بِلحظ كل الْعُيُون) // الْخَفِيف //
وَقَالَ غَيره
(أُعلل بالمنى قلبِي لِأَنِّي ... أُفرجُ بالأماني الهمَّ عني)
(وَأعلم أَن وصلك لَا يرجَّى ... وَلَكِن لَا أقل من التَّمَنِّي) // الوافر //
وَقَالَ الآخر وَهُوَ أصرح مِمَّا قبله
(إِذا مَا عَن ذكرك فِي ضميري ... وقابلني محيَّاكَ الجميلُ)
(أصير لفرط أشواقي أيوراً ... لِعلمي أنَّ نيكك مُسْتَحِيل) // الوافر //
وَهُوَ يشبه قَول الصفي الْحلِيّ أَيْضا
(إِذا صدَّ الحبيب لغير ذنبٍ ... وقاطعني وَأعْرض عَن وصالي)
(أمثله وأنكسح عِنْد صلحي ... بأيْرِ الْفِكر فِي ثقُب الخيال) // الوافر //
وَقد سد ابْن المعتز بَاب المنى بقوله
(لَا تأسفنَّ من الدُّنْيَا على أمل ... فَلَيْسَ بَاقِيه إِلَّا مثل ماضيه) // الْبَسِيط //
وَتَابعه الخالدي فَقَالَ
(2/143)

(وَلَا تكن عبد المنى فالمني ... رُءُوس أَمْوَال المفاليس) // السَّرِيع //
وَقَالَ الآخر
(من نَالَ من دُنْيَاهُ أُمْنِية ... أسقطت الْأَيَّام مِنْهَا الْألف) // السَّرِيع //
وَقَالَ شرف الدّين القيرواني أَيْضا
(غلف تمنوا فِي الْبيُوت أمانياً ... وجميعُ أعمارِ اللئامِ أمانِي) // الْكَامِل //
وَقَالَ الآخر
(أَلا يَا نفسُ إِن تَرْضَي بقوتٍ ... فَأَنت عزيزة أبدا غنيَّهْ)
(دعِي عَنْك المطامع والأماني ... فكم أمنيةٍ جلبت مَنِيَّهْ) // الوافر //
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الجزار
(أَنا فِي راحةٍ من الآمال ... أيْنَ من همتي بلوغُ الْمَعَالِي)
(ليَ عجز أراح قلبِي من الْهم وَمن طول فكرتي فِي الْمحَال ... )
(مَا لِبَاس ُالحرير مِمَّا أرجيِّه فيُرْجَى وَلَا ركوبُ البغال ... )
(رَاحَة السِّرّ فِي التَّخَلُّف عَن كل محلٍّ أضحى بعيدَ المنال ... ) // الْخَفِيف //
وَقَالَ بَعضهم
(وَأكْثر مَا تلقى الْأَمَانِي كواذبا ... فإِن صدقت جَازَت بصاحبها القدرا) // الطَّوِيل //
(وَقَالَ آخر
(ولي من تمنِّي النفسِ دُنْيَا عريضةٌ ... ومستفتيح يَغْدُو عليَّ ويَطْرُقُ)
(فقدت المنى لَا النفسُ تلهو عَن المنى ... لتجربةٍ مِنْهَا وَلَا هِيَ تصدُقُ) // الطَّوِيل //
وَقَالَ الصّلاح الصَّفَدِي
(أَلا فاطَّرِح عَنْك التَّمَنِّي وَلَا تَبِتْ ... بكاساته نَشْوَان غير مُفيقِ)
(فإنْ كَانَ مِمَّا لَا غِنَى عَنهُ فَلْيَكُن ... وفاةَ عدوٍّ أَو حياةَ صديق) // الطَّوِيل //
(2/144)

وَقد أكثرنا فِي طول الأمل وضده فلنرجع إِلَى أَخْبَار كثير عزة
يحْكى أَنه خرج فِي الْحَج بجمل يَبِيعهُ فَمر بسكينة بنت الْحُسَيْن رَضِي الله عَنْهُمَا وَمَعَهَا عزة وَهُوَ لَا يعرفهَا فَقَالَت لَهَا سكينَة هَذَا كثير سوميه بالجمل فسامته فاستام بِمِائَتي دِرْهَم فَقَالَت ضع عَنَّا كَذَا وَكَذَا لشَيْء قَلِيل فَأبى فدعَتْ لَهُ بِتَمْر وزبد فَأكل فَقَالَت لَهُ ضع عَنَّا كَذَا وَكَذَا لشَيْء قَلِيل فَأبى أَيْضا فَقَالَتَا لَهُ قد أكلت بِأَكْثَرَ مِمَّا نَسْأَلك فَقَالَ مَا أَنا بواضع شَيْئا فَقَالَت سكينَة اكشفوا فكشفوا عَنْهَا وَعَن عزة فَلَمَّا رَآهَا استحيا وَانْصَرف وَهُوَ يَقُول هُوَ لكم هُوَ لكم
وَحدث مُحَمَّد بن سَلام قَالَ كَانَ كثير يتقول وَلم يكن عَاشِقًا وَكَانَ جميلا صَادِق الصبابة والعشق وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة كَانَ جميل يصدق فِي حبه وَكَانَ كثير يكذب فِي حبه
ويروى أَنه نظر ذَات يَوْم إِلَى عزة وَهِي تميس فِي مشيتهَا فَلم يعرفهَا فاتبعها وَقَالَ لَهَا يَا سيدتي قفي لي أُكَلِّمك فَإِنِّي لم أر مثلك قطّ فَمن أَنْت قَالَت وَيحك وَهل تركت عزة فِيك بَقِيَّة لأحد فَقَالَ بِأبي أَنْت لَو أَن عزة أمة لوهبتها لَك قَالَت فَهَل لَك فِي المخاللة قَالَ وَكَيف لي بذلك قَالَت وَكَيف بِمَا قلته فِي عزة قَالَ أقلبه كُله وأحوله إِلَيْك فَكشفت عَن وَجههَا وَقَالَت أغدراً يَا فَاسق وَإنَّك لهكذا فَأبْلسَ وَلم ينْطق وبهت فَلَمَّا مَضَت أنشأ يَقُول
(أَلا لَيْتَني قبل الَّذِي قلتُ شِيبَ لي ... من السم جرعاتٌ بِمَاء الذَّرارحِ)
(
(فمتُّ وَلم تعلم عليَّ خِيَانَة ... وَكم طَالب للربح لَيْسَ برابحِ)
(أبوءُ بذنبي إِنَّنِي قد ظلمتُها ... وَإِنِّي بباقي سِرِّها غير بائح) // الطَّوِيل //
وَكَانَ كثير بِمصْر وَعزة بِالْمَدِينَةِ المنورة فاشتاق إِلَيْهَا فسافر ليلقاها فصادفها فِي الطَّرِيق وَهِي متوجهة إِلَى مصر فَجرى بَينهمَا كَلَام طَوِيل الشَّرْح ثمَّ إِنَّهَا
(2/145)

انفصلت عَنهُ وقدمت مصر ثمَّ عَاد كثير إِلَى مصر فوافاها توفيت وَالنَّاس منصرفون عَن جنازتها فَأتى قبرها وأناخ رَاحِلَته وَمكث سَاعَة ثمَّ رَحل وَهُوَ يَقُول أبياتاً مِنْهَا قَوْله
(أقولُ ونِضْوي وَاقِف عِنْد قبرها ... عَلَيْك سَلام الله والعينُ تسفحُ)
(وَقد كنت أبْكِي من فراقك حَيَّة ... فأنتِ لعَمري الْآن أنأى وأنزحُ) // الطَّوِيل //
وَقَالَ لَهُ عبد الْملك بن مَرْوَان يَوْمًا بِحَق عَليّ بن أبي طَالب هَل رَأَيْت أحدا أعشق مِنْك قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو أنشدتني بحقك لأخبرتك بَيْننَا أَنا أَسِير فِي بعض الفلوات إِذْ أَنا بِرَجُل قد نصب حبالته فَقلت لَهُ مَا حَبسك هَا هُنَا فَقَالَ أهلكني وَأَهلي الْجُوع فَنصبت حبالتي هُنَا لأصيب لَهُم شَيْئا يكفينا ويعصمنا يَوْمنَا هَذَا قلت أَرَأَيْت إِن أَقمت مَعَك فَأَصَبْت صيدا تجْعَل لي جُزْءا مِنْهُ قَالَ نعم فَبينا نَحن كَذَلِك وَقعت ظَبْيَة فِي الحبالة فخرجنا نَبْتَدِر فبدرني إِلَيْهَا قحلها وأطلقها فَقلت مَا حملك على هَذَا قَالَ دخلتني لَهَا رقة لشبهها بليلى وَأَنْشَأَ يَقُول
(أيا شِبه ليلى لَا تُرَاعِي فإنني ... لَكِ الْيَوْم من وحشَّيةٍ لصديقُ)
(أقولُ وَقد أطلقتُها من وِثاقِها ... فَأَنت لليلىَ مَا حييت طليقُ) // الطَّوِيل //
وَحدث عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الزُّهْرِيّ قَالَ بَكَى بعض آل كثير عَلَيْهِ حِين نزل بِهِ الْمَوْت فَقَالَ لَهُ كثير لَا تبك فَكَأَنِّي بك بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا تسمع خشفة نَعْلي من تِلْكَ الشعبة رَاجعا إِلَيْكُم
وَحدث يزِيد ين عُرْوَة رَحِمهم الله تَعَالَى قَالَ مَاتَ كثير وَعِكْرِمَة رَحمَه الله تَعَالَى فِي يَوْم وَاحِد فَقيل مَاتَ الْيَوْم أعلم النَّاس وأشعر النَّاس وَلم تتخلف امْرَأَة وَلَا رجل عَن جنازتيهما وَغلب النِّسَاء على جَنَازَة كثير يبكينه ويذكرن عزة فِي ندبهن فَقَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ افرجوا لي عَن جَنَازَة كثير لأرفعها
(2/146)

قَالَ فَجعلنَا ندفع عَنْهَا النِّسَاء وَجعل مُحَمَّد بن عَليّ رَضِي الله عَنْهُمَا يضربهن بكمه وَيَقُول تنحين يَا صويحبات يُوسُف فانتدبت لَهُ امْرَأَة مِنْهُنَّ فَقَالَت يَا ابْن رَسُول الله لقد صدقت إننا لصويحباته وَقد كُنَّا خيرا مِنْكُم لَهُ فَقَالَ أَبُو جَعْفَر لبَعض موَالِيه احتفظ بهَا حَتَّى تجيئني بهَا إِذا انصرفنا فَلَمَّا انْصَرف أَتَى بِتِلْكَ الْمَرْأَة كَأَنَّهَا شرر النَّار فَقَالَ لَهَا أَيَّة أَنْت القائلة إنكن ليوسف خيرٌ منا قَالَت نعم تؤمنني غضبك يَا ابْن رَسُول الله قَالَ أَنْت آمِنَة من غَضَبي فأبيني قَالَت نَحن يَا ابْن رَسُول الله دعوناه إِلَى اللَّذَّات من الْمطعم وَالْمشْرَب والمتمتع والمتنعم وَأَنْتُم معاشر الرِّجَال ألقيتموه فِي الْجب وبعتموه بأبخس الْأَثْمَان وحبستموه فِي السجْن فأينا كَانَ عَلَيْهِ أحن وَبِه أرأف فَقَالَ لَهَا مُحَمَّد لله دَرك لن تغالب امْرَأَة إِلَّا غلبت ثمَّ قَالَ أَلَك بعل فَقَالَت لي من الرِّجَال من أَنا بعله فَقَالَ لَهَا مَا أصدقك مثلك من تملك زَوجهَا وَلَا يملكهَا فَلَمَّا انصرفت قَالَ رجل من الْقَوْم هَذِه ربيبة فُلَانَة بنت معيقب الْأَنْصَارِيَّة
وَكَانَت وَفَاة كثير سنة خمس وَمِائَة فِي ولَايَة يزِيد بن عبد الْملك رَحِمهم الله تَعَالَى
104 - (قَتَلَ البُخْلَ وَأَحْيَا السَّماحا ... )
هُوَ لِابْنِ المعتز من قصيدته السَّابِقَة فِي التَّشْبِيه وصدره
(جُمع الحقُّ لنا فِي إمامِ ... )
وَبعده قَوْله
(إِن عَفا لم يُلْغِ لله حقَاً ... أَو سَطَا لم يخْش مِنْهُ جنَاحا)
(2/147)

(ألف الهيجاء طفْلا وكهلاً ... يحسبُ السيفَ عَلَيْهِ وشاحا)
وَالشَّاهِد فِيهِ مدَار قرينَة الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة على الْمَفْعُول فَإِن الْقَتْل والإحياء الحقيقيين لَا يتعلقان بالبخل والجود
105 - (نَقْرِيهُمُ لَهْذَمِيَّاتِ)
قَائِله الْقطَامِي وَلَفظه
(نقريهمُ لهذميات نَقُدُّ بهَا ... مَا كانَ خاطَ عَلَيْهِم كلُّ زَرَّادِ)
وَهُوَ من قصيدة من الْبَسِيط يمدح بهَا زفر بن الْحَارِث الْكلابِي أَولهَا
(مَا اعْتادَ حُبُّ سُلَيْمَى غير مُعتادِ ... وَلَا تَقَضَّى بوافي دْينهْا الطَّادِي)
(بَيْضَاء مَحْطُوطَةٌ المتْنَينِ بهْكَنَةٌ ... ريَّا الرَّوادِف لم تمغلْ بأولادِ)
(مَا للكَواعِبِ ودَّعْنَ الحياةَ كَمَا ... ودَّعْنَني واتَّخَذْنَ الشَّيب ميعادِي)
(أبصارُهُنَّ إِلَى الشبانِ مائِلةٌ ... وَقد أراهُنَّ عني غيرَ صُدَّادِ)
(إِذْ باطلِيِ لم تَقَشَّعْ جاهِلِيَّتهُ ... عني وَلم يترُكِ الخُلاَّنُ تَقْوادِي)
(كَنِيَّةِ الحيِّ مِنْ ذِي اليَقْظَة احْتملوا ... مُسْتَحْقبينَ فؤاداً مَا لَهُ فادي)
(2/148)

(باتوا وَكَانَت حَيَاتي فِي اجتماعِهِمُ ... وَفِي تَفَرُّقهمْ قَتْلِي وإقصَادِي)
(يَقْتُلْنَنا بحديثٍ ليسَ يُعلمهُ ... من يتقين وَلَا مكنونه بَادِي)
(فهن ينبذن من قَول يصبن بِهِ ... مواقع المَاء من ذِي الْغلَّة الصادي) // الْبَسِيط //
وَهِي طَوِيلَة
واللهذم الْقَاطِع من الأسنة وَأَرَادَ بلهذميات طعنات منسوبة إِلَى الأسنة القاطعة أَو أَرَادَ نفس الأسنة والتشبيه للْمُبَالَغَة وَالْقد الْقطع والزراد صانع الدروع
وَالشَّاهِد فِيهِ أَن مدَار قرينَة الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة فِي الْفِعْل وَمَا يشتق مِنْهُ على الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول كَمَا هُنَا فَإِن الْمَفْعُول الثَّانِي وَهُوَ اللهذميات قرينَة على أَن نقريهم اسْتِعَارَة
وَقد تقدم ذكر الْقطَامِي فِي شَوَاهِد الْقلب وَالله أعلم
106 - (غمْرُ الرِّداء إِذا تَبَسم ضَاحِكا ... )
هُوَ من الْكَامِل وَتَمَامه
(غلِقَتْ لضحْكَتِهِ رقابُ المالِ ... )
وَهُوَ من قصيدة لكثير عزة وَأَرَادَ بغمر الرِّدَاء كثير الْعَطاء
وَالشَّاهِد فِيهِ الِاسْتِعَارَة الْمُجَرَّدَة وَهِي مَا قرنت بملائم الْمُسْتَعَار لَهُ فَإِنَّهُ اسْتعَار الرِّدَاء للعطاء لِأَنَّهُ يصون عرض صَاحبه كَمَا يصون الرِّدَاء مَا يلقى عَلَيْهِ ثمَّ وَصفه بالغمر الَّذِي يلائم الْعَطاء دون الرِّدَاء تجريداً للاستعارة والقرينة سِيَاق
(2/149)

الْكَلَام وَهُوَ قَوْله إِذا تَبَسم ضَاحِكا أَي شَارِعا فِي الضحك آخِذا فِيهِ غلقت لضحكته رِقَاب المَال يُقَال غلق الرَّهْن فِي يَد الْمُرْتَهن إِذا لم يقدر على انفكاكه وَهُوَ يُرِيد فِي الْبَيْت أَن ممدوحه إِذا تَبَسم غلقت رِقَاب أَمْوَاله فِي أَيدي السَّائِلين
وَمن اسْتِعَارَة الرِّدَاء قَوْله
(يُنَازعني رِدَائي عَبْدُ عمرٍو ... رُويْدَكَ يَا أَخا عمرِو بن بكرِ)
(لِيَ الشطْرُ الَّذِي مَلَكت يَمِيني ... فدونك فاعتجز مِنْهُ بِشَطْر) // الوافر //
فَإِنَّهُ اسْتعَار الرِّدَاء للسيف وَأثبت لَهُ الاعتجاز وَهُوَ من صفة الرِّدَاء
وَمَا أحسن اسْتِعَارَة الرِّدَاء فِي قَول أبي الْوَلِيد بن الْجنان الشاطبي وَهُوَ
(فَوقَ خَدِّ الوَرْدِ دَمْعٌ ... من عيونِ السُّحْبِ يَذْرِفْ)
(برداء الشَّمْس أضْحَى ... بعدَ مَا سالَ يُجَفَّفْ) // من مجزوء الرمل //
وَفِي معنى عجز الْبَيْت قَول امرىء الْقَيْس
(غلقن بَرَهْنٍ من حَبيبٍ بِهِ ادَّعَتْ ... سُليمى فأضْحَى حَبلُها قد تبترا) // الطَّوِيل //
وَقَول زُهَيْر
(وفارَقَتكَ برَهنٍ لَا فكاكَ لَهُ ... يومَ الوداعِ فأمْسَى الرهنُ قد غلقا) // الْبَسِيط //
وَقَول الْوَلِيد
(وَمن يَكُ رهنا للحوادث يغلق ... ) // الطَّوِيل //
وَقَول عمر بن أبي ربيعَة
(وَكم من قَتيلٍ لَا يُبَاءُ بهِ دَمٌ ... وَمن غلق رهن إِذا ضمه مبْنى) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي جَعْفَر بن مسلمة بن وضاح يُخَاطب ساجع حمام من أَبْيَات
(وهاجَ مَبْكاك ببُسْتَان إبراهيمَ للنَّجْدِيِّ ذكْرَ القَطِينْ ... )
(2/150)

(فرج فَساعِدْني على لوْعتي ... فإنَّ رهني غَلِقٌ فِي الرهونْ) // السَّرِيع //
وَقَول أبي نصر السَّاجِي
(تَشْكُو إِلَيْك جُمْلتي مَا نالها ... فيا لهَا إِن صَبَرَتْ ويالها)
(لِأَنَّهَا مرْهونْةٌ بحُبكم ... طُوبَى لَهَا إِن غَلِقَتْ طُوبَى لَهَا) // الرجز //
وَمَا ألطف قَول الصّلاح الصَّفَدِي مَعَ زِيَادَة إِبْهَام وإيهام الطباق
(سهامُ لحظِكِ أصْمَتْ ... قَلبي وَلم تَتَرفَّقْ)
(مَا تَفتحُ الجفن إِلاَّ ... وَرهن قلبِي يغلق) // المجتث //
(لَدَى أَسد شاكي السِّلاحِ مُقذَّفِ ... لَهُ لبد أظْفَارُهُ لم تقُلَم)
تقدم قَرِيبا أَن قَائِله زُهَيْر بن أبي سلمى من قصيدة من الطَّوِيل
واللبد بِالْكَسْرِ شعر زبرة الْأسد وكنيته أَبُو لبد والتقليم مُبَالغَة الْقَلَم وَهُوَ قطع الْأَظْفَار
وَالشَّاهِد فِيهِ اجْتِمَاع التَّجْرِيد والترشيح فِي الِاسْتِعَارَة فالتجريد قد عرف قبله والترشيح هُوَ مَا قرن بملائم الْمُسْتَعَار مِنْهُ فَقَوله هُنَا لَدَى أَسد شاكي السِّلَاح تَجْرِيد لِأَنَّهُ وصف يلائم الْمُسْتَعَار لَهُ وَهُوَ الرجل الشجاع وَبَاقِي الْبَيْت ترشيح لِأَنَّهُ وصف يلائم الْمُسْتَعَار مِنْهُ وَهُوَ الْأسد الْحَقِيقِيّ
وَمعنى الْبَيْت أَخذه زُهَيْر من قَول أَوْس بن حجر حَيْثُ قَالَ
(2/151)

(لَعَمْرُكَ إِنَّا والأحاليفَ هؤلا ... لفي حِقْبَةِ أظفارها لم تُقَلم) // الطَّوِيل //
أَي نَحن فِي حَرْب وَكَذَلِكَ أَخذه النَّابِغَة حَيْثُ قَالَ أَيْضا
(وَبَنُو قُعَينِ لَا محَالة إِنَّهُم ... آتوكَ غير مُقَلمي الأظفارِ) // الْكَامِل //
107 - (ويَصْعَدُ حَتَّى يَظُنَّ الجَهُولُ ... بأنَّ لهُ حاجَةً فِي السَّمَاء)
الْبَيْت لأبي تَمام الطَّائِي من قصيدة من المتقارب يرثي بهَا خَالِد بن يزِيد الشَّيْبَانِيّ وَيذكر أَبَاهُ وأولها
(نَعَاِء إِلَى كلِّ حَيٍّ نَعاء ... فَتى العَرَب اخْتَطَّ ربْعَ الفناءِ)
(أُصِبْنا جَمِيعًا بسهمِ النِّضال ... فَهلا أصبنَا بِسَهْم الغِلاَءِ)
(أَلا أَيهَا الموْتُ فَجْعَتنا ... بماءِ الحياةِ وماءِ الحياءِ)
(فَمَاذَا حَبَوتَ بِهِ حَاضرا ... وماذا خَبأتَ لأهلِ الخِباء)
(نعاء نعاء شَقيقَ النِّدَى ... إِلَيْهِ نعيَّاً قَليلَ الجَدَاءِ)
(وَكَانَا زَماناً شريكَيْ عِنانٍ ... رضيعى لبان خليلى صفاء) // المتقارب //
إِلَى أَن قَالَ يُخَاطب وَلَده
(2/152)

(أَبَا جَعْفَر ليعزك الزَّمَان ... عزّاً ويكْسُكَ طول البَقاء)
(فَمَا مُزْنُكَ المرْتَجَى بالجَهَام ... وَلَا ريحنُا منكَ بالجِرْبِيَاء)
(فَلاَ رجعَتْ فِيك تِلْكَ الظنون ... حيارَى وَلَا انْسَدَّ شِعْبُ الرَّجَاء)
(وَقد نُكِسَ الثُغْر فَابْعَثْ لهُ ... صُدُور القنا فِي ابْتِغَاء الشَّقَاء)
(فقَدْ ماتَ جَدُّك جد الملوكِ ... ونجمُ أبيكَ حَدِيثُ الضياء)
(وَلم يَرْض قَبضَتهُ للحسام ... وَلَا حَمْل عَاتِقه لِلِّواء)
(فَمَا زَالَ يقرع تِلْكَ العُلاَ ... مَعَ النَّجْم مرتديا بالعماء) // المتقارب //
وَبعده الْبَيْت وَهِي قصيدة طَوِيلَة وَهَذَا الْبَيْت فِي مدح أَبِيه وَذكر علوه
وَالشَّاهِد فِيهِ أَن مبْنى الترشيح على تناسي التَّشْبِيه حَتَّى إِن المرشح يبْنى على علو الْقدر الَّذِي يستعار لَهُ علو الْمَكَان مَا يبْنى على علو الْمَكَان والارتقاء إِلَى السَّمَاء فلولا أَن قَصده أَن يتناسى التَّشْبِيه ويصر على إِنْكَاره فَيَجْعَلهُ صاعداً فِي السَّمَاء من حَيْثُ الْمسَافَة المكانية لما كَانَ لهَذَا الْكَلَام وَجه
وَمثله قَول بشار
(أتَتني الشمسُ زائرَةً ... وَلم تَكُ تبرَحُ الفلكا) // من مجزوء الوافر //
وَقَول ابْن الرُّومِي يمدح بِهِ بني نوبخت
(شافهتمُ البدرَ بالسؤال عَن الْأَمر ... إِلَى أنْ بلغتمُ زحلا) // المنسرح //
وَقَول أبي الطّيب المتنبي أَيْضا
(كبَرْتُ حَوْلَ ديارهمْ لما بدَتْ ... مِنْهَا الشموس وَلَيْسَ فِيهَا الْمشرق) // الْكَامِل //
(2/153)

وَقَول الآخر
(وَلم أرَ قبلي مَنْ مشي البدرُ نحوهُ ... وَلَا رَجلاً قامتْ تعْانقُهُ الأسْدُ) // الطَّوِيل //
وَقد اتّفق عُلَمَاء البديع على تَقْدِيم الِاسْتِعَارَة المرشحة على غَيرهَا فِي هَذَا الْبَاب وَأَنه لَيْسَ فَوق رتبتها رُتْبَة ولنذكر نبذة مِنْهَا وَمن غَيرهَا فَمن محَاسِن مَا ورد فِيهَا قَول أبي جَعْفَر الشقري
(يَا هلْ ترَى أظرَفَ منْ يَوْمنا ... قلدَ جِيدَ الأفقِ طَوْقَ العقيقْ)
(وأنقَ الْوَرق بِعِيدانِهِ ... مُرْقصةً كل قضيبٍ وَريقْ)
(والشمسُ لَا تشرَبُ خمرَ الندَى ... فِي الرَّوْض إِلَّا بكؤوس الشَّقِيق) // السَّرِيع //
وَمثله فِي الرشاقة قَول ابْن رَشِيق
(باكِرْ إِلَى اللَذَات واركَبْ لَهَا ... سَوَابقَ اللهوِ ذواتِ المزَاحْ)
(من قبل أَن ترْشفَ شمسُ الضُّحَى ... رِيقَ الغَوادي من ثغور الأقاح) // السَّرِيع //
ولطيف قَول بَعضهم أَيْضا
(شَرَابُنَا الرَيقُ وكاساتُنا ... شفاهُنا والقُبَلُ النَّقْلُ) // السَّرِيع //
وَيقرب من الْبَيْت الأول من قَول ابْن رَشِيق قَول ابْن المعتز
(وقدْ رَكضتْ بِنَا خيلُ الملاَهي ... وَقد طِرْنا بأجنحةِ السُّرُورِ) // الوافر //
وبديع أَيْضا قَول ابْن وَكِيع
(غَرّدَ الطيرُ فَنَبُهْ من نعَسْ ... وأدِرْ كأسكَ فالعيشُ خُلسْ)
(سُلْ سيفُ الْفجْر من غِمْد الدجى ... وتعرّى الصبحُ من ثَوب الغَلَسْ)
(وانجَلي عنْ حُلَلٍ فضَّيةٍ ... نالها من ظُلَم اللَّيْل دنس) // الرمل //
وَقَول أبي نواس
(2/154)

(بِصَحْنِ خد لم يغض مَاؤُهُ ... وَلم تخصه أعين النَّاس) // السَّرِيع //
وَقَوله أَيْضا
(فَإِذا بدا اقتادت محاسنه ... قسرا إِلَيْهِ أَعِنَّة الحدق) // الْكَامِل //
وَقَوله أَيْضا وَهُوَ عَجِيب هُنَا
(مَا زلتُ أستَلُّ رُوحَ الزْقّ فِي لَطَفٍ ... وأستقي دَمَهُ من جَفنِ مجْروحِ)
(حَتَّى انثنيت ْولي رُوحانِ فِي جَسَدِي ... وَالزِّقّ مُنطرحٌ جسم بِلَا روح) // الْبَسِيط //
وَقَول الْبَدْر الذَّهَبِيّ وأجاد
(مَا نظرت مُقلتي عجيباً ... كاللوز لما بدَا نَوّارُهُ)
(اشتعلَ الرأسُ منهُ شيباً ... واخضَرَّ من بعد ذَا عذاره) // من مخلع الْبَسِيط //
وَقَول ابْن خفاجة الأندلسي
(وَقد جالَ من حولِ الغمامة أدهمٌ ... لهُ البرقُ سوطٌ والشَّمالُ عِنانُ)
(وضمخَ درعُ الشَّمْس نحرَ حديقةٍ ... عَلَيْهِ من الطلّ السقيط جُمَانُ)
(ونَمّتْ بأسرار الرياض خميلةٌ ... لَهَا النَّوْرُ ثغرٌ والنسيم لسانُ) // الطَّوِيل //
وَقَول ابْن قرناص
(قد أَتَيْنَا الرياضَ حِين تجلَّتْ ... وتحلَّتْ من الندى بجُمَانِ)
(ورأَينا خواتمَ الزهر لما ... سقطتْ من أنامل الأغصان) // الْخَفِيف //
وبديع أَيْضا قَول ابْن نباتة السَّعْدِيّ
(خرَقنا بأطراف القنا لظهورهم ... عيُونا لَهَا وقعُ السيوف حواجبُ)
(لقوا نبلنَا مرْدَ الْعَوَارِض وانْثَنَوا ... لأوجُههم مِنْهَا لحي وشوارب) // الطَّوِيل //
وَقَول الشريف أبي الْحسن الْعقيلِيّ
(2/155)

(وفرّق تيجانَ نَوْارهِ ... فَلم ينسَ من غُصْن مفرقا) // المتقارب //
وَقَوله أَيْضا
(إِذا أبدَى مُؤامرَةَ التجني ... أقمتُ لهُ وُجوه الاحتمالِ)
وَقَوله أَيْضا
(خَلَصْ بجاه الوصلِ قلب متيم ... غمر الصّدُودُ عَلَيْهِ أعوانَ الضنى) // الْكَامِل //
وَقَوله أَيْضا
(كلما لاحَ وَجههُ بمكانٍ ... كثرت زحمةُ الْعُيُون عَلَيْهِ) // الْخَفِيف //
وَقَوله أَيْضا
(فَلَمَّا تبدّى لنا وَجهه ... نبهنا محاسنه بالعيون) // المتقارب //
وَقَول السّري الرفاء فِي يَوْم بَارِد من أَبْيَات
(متلون يبدى لنا ... طرفا بأطراف النهارِ)
(فهواه منكسب الرِّدَاء ... وغيمهُ جافي الإِزارِ)
(يبكي فيجمدُ دمعهُ ... والبرقُ يكحله بنارِ) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقَول أبي الْقَاسِم الدينَوَرِي
(من عذيري من بديع الْحسن ... ذِي قدٍّ رشيقِ)
(أنبتَتْ فِي فمهِ اللُّؤْلُؤ ... أرضٌ من عقيقِ) // من مجزوء الرمل //
وَمَا ألطف قَول أبي زَكَرِيَّاء المغربي من قصيدة أَولهَا
(نامَ طفلُ النبتِ فِي حجرِ النعامى ... لاهتزاز الطلّ فِي مهد الخزامى) // الرمل //
يَقُول فِيهَا
(كحّلَ الفجرُ لَهُم جفنَ الدّجى ... وغدَا فِي وجنة الصُّبْح لثامَا)
(تحسبُ البدرَ مُحَيَّا ثَمِلٍ ... قد سقتهُ راحةُ الْفجْر مدامَا)
وَقَول السلَامِي وَهُوَ بديع
(والكأسْ للسََّكِر التبريِّ صائغةٌ ... وَالماء للحَبَبِ الدرّي نَظَّامُ)
(2/156)

(بتنا نكفكفُ بالكاسات أدمُعَنا ... كأننا فِي حجور الرَّوْض أيتامُ) // الْبَسِيط //
وَمَا أبدع قَوْله أَيْضا
(تبسطنا عَلى الآثامِ لمّا ... رأيْنَا العَفْوَ مِنْ ثَمَر الذُّنُوبِ) // الوافر //
قيل كَانَ الصاحب بن عباد يستحسن هَذَا الْبَيْت وَكَانَ يستشهد بِهِ كثيرا وَيَقُول مَا درى قَائِله أَي درة رمى بهَا وَأي غرَّة سَيرهَا وخلدها
وَقَول التنوخي وَهُوَ من غَرِيب الاستعارات
(وَريَاضٍ حَاكَتْ لَهُنّ الثُّرَيا ... حُلَلاً كانَ غَزْلُها لِلرُّعودِ)
(نثَرَ الغَيْثُ دُرَ دَمْع عَلَيْهَا ... فتخلت بمِثْل دُرّ العُقُودِ)
(أقحوانُ مُعانقُ لشقيقٍ ... كثغورٍ تعض ورد الخدود)
(وعيونٌ من نرجسٍ تتراأى ... كعيونٍ مَوْصُولَة التسهيد)
(وَكَأن الشَّقِيق حِين تبدّى ... ظلمةُ الصدغ فِي خدود الغيدِ)
(وكأنّ الندَى عَلَيْهَا دموعٌ ... فِي عيونٍ مفجوعةٍ بفقيد) // الْخَفِيف //
وَقَول السَّيِّد أبي الْحسن عَليّ بن أبي طَالب الْبَلْخِي من أَبْيَات
(وكَمْ قد مضى ليلٌ على أبرُقِ الحِمَى ... مُضِيء ويومٌ بالمشذرق مُشْرِقُ)
(تسرَّقْتُ فِيهِ اللهوَ أَملس نَاعِمًا ... وأطيَبُ أنس الْمَرْء مَا يتسرَّقُ)
(وَيَا حُسْنَ طيفٍ قد تعرَّض مَوْهناً ... وقلبُ الدُّجى من صَوْلَةٍ الصُّبْح يخْفق) // الطَّوِيل //
وَقَول ابْن الساعاتي
(وَلَوْلَا وُشاةٌ بل رُواةٌ تَخَرَّصوا ... أحاديثَ ليستْ فِي سماعِ وَلَا نقلِ)
(لثْمتُ ثغورَ النَّوْر فِي شَنَب الندَى ... خلالَ جبين النَّهر فِي طرر الظل) // الطَّوِيل //
وَقَول القَاضِي كَمَال الدّين بن النبيه
(2/157)

(تبسّمَ ثغرُ الروضِ عَن شَنبِ القَطْرِ ... وَدَبّ عِذارُ الظلّ فِي وَجْنَةِ النهرِ) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
(والنهرُ خدٌّ بالشعاعِ مُوَرّدُ ... قد دَبّ فِيهِ عذارُ ظلّ البَانِ)
(وَالْمَاء فِي سُوقِ الغصون خلاخلٌ ... من فضةٍ والزهرُ كالتيجان) // الْكَامِل //
وَقَول ابْن قرناص أَيْضا
(لقد عقدَ الربيعُ نطاقَ زهرٍ ... يضمُّ بغصنه خصراً نحيلاَ)
(ودبَّ مَعَ العشيّ عذارُ ظلّ ... على نهرٍ حكى خَدَّاً أسيلا) // الوافر //
وَكلهمْ قد أخذُوا الْوَجْه والعذار من ابْن خفاجة حَيْثُ قَالَ
(وَإِنِّي وَإِن جئتُ المشيبَ لمولعٌ ... بطُرَة ظلّ فَوق وَجه غَدِير) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول الشهَاب مَحْمُود الْوراق
(إِذا الْكرَى ذرَّ فِي أجفاننا سِنَةً ... من النعاس نفضناها عَن الهدب) // الْبَسِيط //
وَقَول ابْن نباتة الْمصْرِيّ أَيْضا
(وَلما جنى طرفى رياضَ جمَالكمْ ... جعلتُ سُهادي فِي عُقُوبَة مَنْ جَنَى)
(أأحبابَنَا إِن عفتمُ السفحَ منزلا ... وأخليتمُ من جَانب الْجذع موطنّا)
(فقد حزتم دمعي عقيقاً ومهُجتي ... غَضىً وسكنتم من ضلوعي منحنى) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
(هذِي الحمائم فِي مَنَابِر أيكها ... تُمْلي الْغِنَا والطلُّ يكتبُ فِي الورَقْ)
(والقَضبُ تخْفض للسلام رُؤوسها ... والزهرُ يرفعُ زائريه على الحدق) // الْكَامِل //
وَهُوَ أحسن من قَول الْأَمِير مجير الدّين بن تَمِيم
(إِنِّي لأشهدُ للحِمَى بفضيلةٍ ... من أجلهَا أصبحتُ من عشاقهِ)
(2/158)

(مَا زارَهُ أيامَ نرجسهِ فَتى ... إِلَّا وأجلسهُ على أحداقهِ) // الْكَامِل //
وَقَول مجد الدّين الأربلي
(أصْغِي إِلَى قَول العذولِ بجملتي ... مستفهماً عَنْكُم بِغَيْر ملالِ)
(لتلقُّطِي زهرات وَردٍ حديثكمْ ... من بَين شوك مَلامةِ العذّالِ) // الْكَامِل //
وَقَول ماني الموسوس
(دعتني إِلَى وَصلهَا جَهْرَةً ... وَلم تدر أَنِّي لَهَا أعشقُ)
(فقمتُ وللسكر من مفرقي ... إِلَى قدمي ألسنٌ تنطق) // المتقارب //
وَمَا أَجود قَول أبي طَاهِر الْبَغْدَادِيّ فِي نَار الْقرى
(خطرتْ فكادَ الوُرقُ تَسْجَعُ فَوْقهَا ... إِن الحمامَ لمولعٌ بالبانِ)
(من معشرٍ نَشَرُوا على تَاج الريا ... للطارقين ذوائبَ النيرانِ) // الْكَامِل //
وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الأول
(يبيتُونَ فِي المَشْتَى خِماصاً وعندُهمْ ... من الزَّاد فضلاَتٌ تعدُّ لمن يقْرَى)
(إِذا ضلَّ عَنْهُم طارقٌ رفعوا لَهُ ... من النَّار فِي الظلماء ألوية حمرا) // الطَّوِيل //
وَقَول صر در فِيهَا
(قومٌ إِذا حَيا الضيوفُ جفانَهُمْ ... رَدَّتْ عَلَيْهِم ألسنُ النيرَان) // الْكَامِل //
وَمِنْه قَول التهامي
(نادَته ُنارُكَ وهيَ غيرُ فصيحةٍ ... وَهنا بخَفْقٍ ذوائب النيرَان) // الْكَامِل //
وَقد بَالغ مهيار الديلمي فِي قَوْله
(ضرَبوا بمَدْرَجة الطريقِ قِبَابهمْ ... يتقارعونَ على قرِى الضيفانِ)
(ويكادُ موقدُهمْ يَجُودُ بنفسهِ ... حُبّ القرَى طَرَباً على النيرَان) // الْكَامِل //
(2/159)

وَمَا أحسن قَول ابْن سكرة وَهُوَ صَاحب الْبَيْتَيْنِ الجامعين لكافات الشتَاء
(قيلَ مَا أعددتَ للبرد ... فقد جَاءَ بشدّهْ)
(قلتُ دُرّاعةَ عُرْيٍ ... تحتهَا جُبة رعْدَهْ) // من مجزوء الرمل //
وَمَا ألطف قَول ابْن عمار
(أدرِ الزجاجة فالنسيم قد انبرَى ... والنجمُ قد صرف العِنَانَ عَن السُّرَى)
(والصبحُ قد أهْدى لنا كافورهُ ... لما اسْتردَّ الليلُ منَّا العنبرا) // الْكَامِل //
وَمن بديع الِاسْتِعَارَة على سخفه ومجونه قَول سعيد بن سناء الْملك
(يَا هَذِه لَا تَسْتَحي ... مني قد انْكَشَفَ المُغَطَّى)
(إِن كَانَ كُسُّكِ قد تثاءب ... إِن أبري قد تمطى) // من مجزوء الْكَامِل //
فاستعارة التثاؤب والتمطي هُنَا من أحسن الاستعارات قَالَ ابْن جبارَة أَنْشدني هَذَا ابْن سناء الْملك وَزَاد فِي الْإِعْجَاب بِهِ فَلَمَّا عدت إِلَى الْبَيْت أخذت جُزْءا من البصائر والذخائر لأبي حَيَّان التوحيدي فَوجدت فِيهِ أَن بغدادية قَالَت لأخرى خرجت الْيَوْم إِلَى الْعِيد قَالَت إِي وحياتك قَالَت لَهَا فَمَا رَأَيْت قَالَت أحراحاً تتثاءب وأيوراً تتمطى فَلَمَّا اجْتمعت بِهِ قلت لَهُ قد عرفت وعثرت على الْكَنْز الَّذِي انتهبته وحكيت لَهُ الْحِكَايَة قَالَ سيدنَا يفتش عَن أَمْرِي
وَمن ظريف الاستعارات قَول الْأَمِير مجير الدّين بن تَمِيم
(كيفَ السبيلُ لأنْ أُقَبلَ خَدَّ مَنْ ... أَهوى وَقد نَامَتْ عيونُ الحرّسِ)
(وأَصابعُ المنثور تُومِي نحوَنا ... حسداً وتغمزها عُيُون النرجس) // الْكَامِل //
وبديع قَول السلَامِي أَيْضا فِي وصف الْحَرْب
(2/160)

(وَالنَّقْع ثوبٌ بالنُّسُورِ مُطَرَّزٌ ... والأرضُ فَرْشٌ بالجياد مخيلِ)
(وسطورُ خيلكَ إِنَّمَا ألفِاتهَا ... سمْرٌ تنقط بالدماء وتشكل) // الْكَامِل //
وأجاد الْبَدْر بن يُوسُف الذَّهَبِيّ بقوله
(هلمّ يَا صَاح إِلَى روضةٍ ... يجلو بهَا العاني صداهمه)
(نسيمها يَعثر فِي ذيلهِ ... وزَهرها يضحكُ فِي كمه) // السَّرِيع //
وَمن ظريف الِاسْتِعَارَة أَيْضا قَول ابْن الغويرة
(عاينتُ حبةَ خالهِ ... فِي رَوضةٍ من جُلَّنارِ)
(فغدا فؤادِي طائراً ... فاصطاده شركُ العذار) // من مجزوء الْكَامِل //
وَمَا أبدع أَيْضا قَول الشريف الرضي الموسوي
(أرسى النسيمُ بواديكمْ وَلَا برِحتْ ... حواملُ المزنِ فِي أجداثكم تضعُ)
(وَلَا يزالُ جَنِين النبت ترْضِعه ... على قبوركُمُ العرَّاضةُ الهمع) // الْبَسِيط //
وَقد أَخذه ابْن أسعد الْموصِلِي فَقَالَ من قصيدة يتشوق فِيهَا إِلَى دمشق
(سقى دمشقَ وأياماً مضتْ فِيهَا ... حواملُ السُّحب باديهَا وعادِيهَا)
(وَلَا يزَال جَنِين النبت تُرضعهُ ... حواملُ المزن فِي أحشا أراضيها) // الْبَسِيط //
ومحاسن هَذَا الْبَاب كَثِيرَة والاقتصار على هَذِه النبذة أولى
108 - (هيَ الشَّمْسُ مَسكنها فِي السَّمَاء ... فعزِّ الفؤادَ عَزاءَ جميلاَ)
(فلنْ تستطيعَ إِلَيْهَا الصُّعودَ ... ولنْ تستطيعَ إليكَ النزولاَ)
البيتان للْعَبَّاس بن الْأَحْنَف من المتقارب
(2/161)

وَالشَّاهِد فيهمَا جَوَاز الْبناء على الْفَرْع وَهُوَ الْمُشبه بِهِ مَعَ جحد الأَصْل وَهُوَ الْمُشبه لِأَنَّهُ هُنَا طوى ذكر الأَصْل وَجعل الْكَلَام خلوا مِنْهُ وَيُسمى هَذَا الْمجَاز الْمُفْرد وَمِنْه قَول الفرزدق
(أَبى أحمدُ الغيثين صعصعة الَّذِي ... مَتى تبخلِ الجوزاءُ والدَّلْو يُمْطِرِ) // الطَّوِيل //
وَقَول عدي بن الرّقاع يصف حِمَارَيْنِ وحشيين
(يتعاوَرانِ من الغبارِ مُلاَءةً ... بَيْضَاء محكمَة إِذا نسجاهَا)
(تُطوَى إِذا وَرَدَا مَكَانا محزناً ... وَإِذا السنابكُ أسهلت نشراها) // الْكَامِل //
وَقَول سعيد الْكَاتِب التسترِي النَّصْرَانِي
(قلتُ زوري فأرسلتْ ... أَنا آتِيك سُحرَهْ)
(قلتُ فالليلُ كَانَ أخْفى وَأدنى مسرّه ... )
(فأجَابتْ بحجةٍ ... زَادتِ القلبَ حسرَهْ)
(أَنا شمْسٌ وإِنَما ... تطلعُ الشَّمْس بكرَة) // من مجزوء الْخَفِيف //
وَله فِي مَعْنَاهُ أَيْضا
(وعدَ البدرُ بالزيارة لَيْلًا ... فَإِذا مَا وفى قضيتُ نذورِي)
(قلت يَا سَيِّدي فَلِمْ تُؤثر الليلَ على بهْجةٍ النَّهَار المنيرِ ... )
(قَالَ لي لَا أحبُّ تَغْيِير رسمي ... هَكَذَا الرَّسمُ فِي طُلُوع البدور) // الْخَفِيف //
وَقَالَ فِي مَعْنَاهُ أَيْضا
(قلتُ للبدر حينَ أعتبَ زرني ... واشمت الوصلَ بالقلا والتجافي)
(قالَ إِنِّي معَ الْعشَاء سآتي ... فانتظرني وَلَا تخفْ من خلافِ)
(قلتُ يَا سَيِّدي فزرني نَهَارا ... فَهُوَ أدنى لقربةِ الإيلافِ)
(قالَ لَا أستطيعُ تغييرَ رسمي ... إِنَّمَا البدرُ فِي الظلام يوافي) // الْخَفِيف //
(2/162)

وَقد جمع أَبُو الْعَلَاء المعري الْمَعْنيين فِي قَوْله
(هِيَ قَالَت لما رَأَتْ شيبَ رَأْسِي ... وأرادتْ تنكراً وازورارَا)
(أَنا بدرٌ وَقد بدا الصبحُ من شيبكَ وَالصُّبْح يطرد الأقمارَا ... )
(قلتُ لَا بل أراكِ فِي الْحسن شمساً ... لَا تَرَى فِي الدُّجى وتبدو نَهَارا) // الْخَفِيف //
109 - (وَإِذا الْمنية انشبت أظفارَهَا ... ألفيتَ كل تميمةٍ لَا تنفعُ)
الْبَيْت لأبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ من قصيدة من الْكَامِل قَالَهَا وَقد هلك لَهُ خمس بَنِينَ فِي عَام وَاحِد وَكَانُوا فِيمَن هَاجر إِلَى مصر فرثاهم بِهَذِهِ القصيدة وأولها
(أمنَ المنونِ وَرَيبها تتوجَعُ ... والدهر لَيْسَ بمعتب مَنْ يَجْزعُ)
(قالتْ أُمامةُ مَا لجسمكَ شاحباً ... منذُ ابتذلتَ ومثلُ مالكَ ينفعُ)
(أَمْ مَا لجسمكَ لَا يلائم مضجعاً ... إِلَّا أقضَّ عليكَ ذَاك المضجعُ)
(فأجبتها أمّا لجسميَ أنهُ ... أودَى بَنِيّ من الْبِلَاد فودّعُوا)
(أوَدى بَنِيّ فأعقبوني حسرةً ... عِنْد الرّقاد وعَبْرةً لَا تُقْلعُ)
(فالعينُ بعدُهمُ كأنّ حداقَهَا ... كحلت بشوك فَهِيَ عور ثدمع)
(2/163)

(فَغَبَرْتُ بعدهمْ بعيش ناصبٍ ... وإِخالُ أَنِّي لَاحق مستتبع)
(سبقوا هَوَىّ وأعنقوا لهواهمُ ... فتُخُرّموا وَلكُل جنبٍ مَصْرعُ)
(وَلَقَد حرصتُ بِأَن أُدافعَ عنهمُ ... فإذَا الْمنية أقبلتْ لَا تُدْفَعُ)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(وتجلُّدِي للشامتين أُريهُم ... أَنِّي لريب الدهرِ لَا أتضعضعُ)
(حَتَّى كَأَنِّي للحوادث مَرْوَةٌ ... بصفا المشِّرق كلَّ يومِ تُقْرعُ)
(والدّهرُ لَا يبْقى على حَدثانهِ ... جَونُ السّراةِ لَهُ جدائد أربعُ) // الْكَامِل //
يرْوى أَن عبد الله ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا اسْتَأْذن على مُعَاوِيَة فِي مرض مَوته ليعوده فادهن واكتحل وَأمر أَن يقْعد ويسند وَقَالَ ائذنوا لَهُ وليسلم قَائِما ولينصرف فَلَمَّا سلم عَلَيْهِ وَولى أنْشد مُعَاوِيَة قَول الْهُذلِيّ فِي هَذِه القصيدة وتجلدي للشامتين ... الْبَيْت فَأَجَابَهُ ابْن عَبَّاس على الْفَوْر وَإِذا الْمنية أنشبت ... . . الْبَيْت ثمَّ مَا خرج من دَاره حَتَّى سمع الناعية عَلَيْهِ
وَالشَّاهِد فِيهِ الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ والاستعارة التخييلية فَهُوَ هُنَا شبه فِي نَفسه الْمنية بالسبع فِي اغتياله النُّفُوس بالقهر وَالْغَلَبَة من غير تَفْرِقَة بَين نفاع وَضِرَار وَلَا رقة لمرحوم فَأثْبت لَهَا الْأَظْفَار الَّتِي لَا يكمل الاغتيال فِي السَّبع بِدُونِهَا تَحْقِيقا للْمُبَالَغَة فِي التَّشْبِيه فتشبيه الْمنية بالسبع اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ وَإِثْبَات الْأَظْفَار لَهَا اسْتِعَارَة تخييلية
(2/164)

وَأَبُو ذُؤَيْب اسْمه خويلد بن خَالِد بن محرث بن زبيد بن مَخْزُوم يَنْتَهِي نسبه لنزار وَهُوَ أحد المخضرمين مِمَّن أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَلم تثبت لَهُ رُؤْيَة
وَحدث أَبُو ذُؤَيْب قَالَ بلغنَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عليل فاستشعرت حزنا وَبت بأطول لَيْلَة لَا ينجاب ديجورها وَلَا يطلع نورها فظللت أقاسي طولهَا حَتَّى إِذا كَانَ قرب السحر أغفيت فَهَتَفَ بِي هاتفٌ وَهُوَ يَقُول
(خطبٌ أجلَ أناخَ بِالْإِسْلَامِ ... بَين النخيل ومغقدِ الآطامِ)
(قبضَ النبيُّ محمدٍ فعيوننَا ... تُذْرِي الدُّموعَ عَلَيْهِ بالتسجام) // الْكَامِل //
قَالَ أَبُو ذُؤَيْب فَوَثَبت من نومي فَزعًا فَنَظَرت إِلَى السَّمَاء فَلم أر إِلَّا سعد الذَّابِح فتفاءلت بِهِ ذبحا يَقع فِي الْعَرَب وَعلمت أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد قبض فركبت نَاقَتي وسرت فَلَمَّا أَصبَحت طلبت شَيْئا أزْجر بِهِ فَعَن لي شيهمٌ يَعْنِي الْقُنْفُذ قد قبض على صل يَعْنِي الْحَيَّة فَهِيَ تلتوي عَلَيْهِ والشيهم يقضمها حَتَّى أكلهَا فزجرت ذَلِك وَقلت شيهم شَيْء مُهِمّ والتواء الصل التواء النَّاس عَن الْحق على الْقَائِم بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ أولت أكل الشيهم إِيَّاهَا غَلَبَة الْقَائِم بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْأَمر فحثثت نَاقَتي حَتَّى إِذا كنت بِالْغَابَةِ زجرت الطَّائِر فَأَخْبرنِي بوفاته وَنهب غراب سانح فَنَطَقَ بِمثل ذَلِك فتعوذت بِاللَّه من شَرّ مَا عَن
(2/165)

لي فِي طريقي وقدمت الْمَدِينَة المنورة وَلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إِذا انطوى بِالْإِحْرَامِ فَقلت مَه قَالُوا قبض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَجئْت إِلَى الْمَسْجِد فَوَجَدته خَالِيا فَأتيت بَيت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَصَبْت بَابه مرتجاً وَقيل هُوَ مسجي وَقد خلا بِهِ أَهله فَقلت أَيْن النَّاس فَقيل فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة صَارُوا إِلَى الْأَنْصَار فَجئْت إِلَى السَّقِيفَة فَوجدت أَبَا بكر وَعمر وَأَبا عُبَيْدَة بن الْجراح وسالماً وَجَمَاعَة من قُرَيْش وَرَأَيْت الْأَنْصَار فيهم سعد بن عبَادَة وَفِيهِمْ شعراؤهم حسان بن ثَابت وَكَعب بن مَالك وملأ مِنْهُم فأويت إِلَى قُرَيْش وتكلمت الْأَنْصَار فَأَطَالُوا الْخطاب وَأَكْثرُوا الصَّوَاب وَتكلم أَبُو بكر فَللَّه دره من رجل لَا يُطِيل الْكَلَام وَيعلم مَوَاضِع فصل الْخِصَام وَالله لقد تكلم بِكَلَام لَا يسمعهُ سامع إِلَّا مَال إِلَيْهِ وانقاد لَهُ ثمَّ تكلم عمر بعده بِكَلَام دون كَلَامه وَمد يَده فَبَايعهُ وَبَايَعُوهُ وَرجع أَبُو بكر وَرجعت مَعَه فَشَهِدت الصَّلَاة على سيدنَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَشهِدت مدفنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ أنشأ أَبُو ذُؤَيْب يبكي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(لما رأيتُ النَّاس فِي عسلاَنهم ... مَا بَين ملحودٍ لَهُ ومُضَرَّحِ)
(متنابذين لشرجع بأكفهمْ ... نصّ الرّقاب لفقد أَبيض أروحِ)
(فهناك صرتُ إِلَى الهموم ومَنْ يبتْ ... جَار الهموم يبيتُ غير مروّحِ)
(2/166)

(كسفتْ لمصرعه النجومُ وبدرها ... وتضعضعت آطامُ بطن الأبطحِ)
(وتزعزعتْ أجبالُ يثرب كلُّها ... ونخيلها لحلول خطبٍ مفدحِ)
(ولقدْ زَجرتُ الطيرَ قبل وفاتهِ ... بمُصابهِ وزجرتُ سعد الأذبحِ)
(وزَجرتُ أَن نَعَبَ المشحجُ سانحاً ... متفائلاً فِيهِ بفألٍ أقبح) // الْكَامِل //
ثمَّ اصرف أَبُو ذُؤَيْب رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى باديته فَأَقَامَ بهَا
وَقَالَ مُحَمَّد بن سَلام كَانَ أَبُو ذُؤَيْب شَاعِرًا فحلاً لَا غميزة فِيهِ وَلَا وهق وَسُئِلَ حسان بن ثَابت من أشعر النَّاس قَالَ أَحْيَا أم رجلا قَالُوا حَيا قَالَ أشعر النَّاس حَيا هُذَيْل وأشعر هُذَيْل غير مدافع أَبُو ذُؤَيْب وَقَالَ مُحَمَّد بن معَاذ الْعمريّ فِي التَّوْرَاة مَكْتُوب أَبُو ذُؤَيْب مؤلف زوراء وَكَانَ اسْم الشَّاعِر بالعبرانية مؤلف زوراء فَأخْبرت بذلك بعض أَصْحَاب العبرانية وَهُوَ كثير بن إِسْحَاق فَعجب مِنْهُ وَقَالَ قد بَلغنِي ذَلِك
وَكَانَ أَبُو ذُؤَيْب يهوى امْرَأَة يُقَال لَهَا أم عَمْرو وَكَانَ يُرْسل إِلَيْهَا خَالِد ابْن زُهَيْر فخانه فِيهَا وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُو ذُؤَيْب فعل بِرَجُل يُقَال لَهُ عُوَيْمِر ابْن مَالك بن عُوَيْمِر وَكَانَ رَسُوله إِلَيْهَا فَلَمَّا علم أَبُو ذُؤَيْب بِمَا فعل خَالِد صرمها فَأرْسلت تترضاه فَلم يفعل وَقَالَ فِيهَا
(تُريدين كَيْمَا تجمعيني وخالداً ... وهلْ يُجمعُ السيفان ويحكِ فِي غمدِ)
(أخالدُ مَا راعيتَ من ذِي قرابةٍ ... فتحفظني بِالْغَيْبِ أَو بعض مَا تبدِى)
(دعاكَ إِلَيْهَا مقلتاها وجيدها ... قملت كَمَا مالَ المحبّ على عمدِ)
(2/167)

(وَكنت كرقراق السرابِ إِذا جرى ... لِقومٍ وَقد بَات المطيّ بهم تَخْدِى)
(فآليتُ لَا أنفكُّ أحذو قصيدةً ... تكون وَإِيَّاهَا لَهَا مثلا بعدِي) // الطَّوِيل //
وَقَالَ أَبُو زيد عَمْرو بن شيبَة تقدم أَبُو ذُؤَيْب جَمِيع شعراء هُذَيْل بقصيدته العينية يَعْنِي قصيدته المثبتة قَرِيبا
وَعَن ابْن عَيَّاش بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّة والشين الْمُعْجَمَة قَالَ لما مَاتَ جَعْفَر الْأَكْبَر بن مَنْصُور مَشى فِي جنَازَته من الْمَدِينَة إِلَى مَقَابِر قُرَيْش وَمَشى النَّاس أَجْمَعُونَ مَعَه حَتَّى دَفنه ثمَّ انْصَرف إِلَى قصره فَأقبل على الرّبيع فَقَالَ يَا ربيع انْظُر من فِي أَهلِي ينشدني
(أمنَ الْمنون وَرَيبها يتوجعُ ... )
حَتَّى أَتَسَلَّى عَن مصيبتي قَالَ الرّبيع فَخرجت إِلَى بني هَاشم وهم بأجمعهم حُضُور فسألتهم عَنْهَا فَلم يكن فيهم أحد يحفظها فَرَجَعت فَأَخْبَرته فَقَالَ وَالله لمصيبتي بِأَهْل بَيْتِي أَلا يكون فيهم أحد يحفظ هَذِه القصيدة لقلَّة رغبتهم فِي الْأَدَب أعظم وَأَشد عَليّ من مصيبتي بِابْني ثمَّ قَالَ انْظُر هَل فِي القواد والعوام من يعرفهَا فَإِنِّي أحب أَن اسمعها من إِنْسَان ينشدها فَخرجت فاعترضت النَّاس فَلم أجد أحدا ينشدها إِلَّا شَيخا مؤدباً قد انْصَرف من تأديبه فَسَأَلته هَل يحفظ شَيْئا من الشّعْر قَالَ نعم شعر أبي ذُؤَيْب فَقلت أَنْشدني
(2/168)

فابتدأ بِهَذِهِ القصيدة العينية فَقلت أَنْت بغيتي فأوصلته إِلَى الْمَنْصُور فأنشده إِيَّاهَا فَلَمَّا قَالَ
(والدَّهرُ لَيْسَ بمعتب من يجزعُ ... )
قَالَ صدق وَالله فأنشدني هَذَا الْبَيْت مائَة مرّة لتردد هَذَا المصراع عَليّ فأنشده ثمَّ مر فِيهَا فَلَمَّا انْتهى إِلَى قَوْله
(والدهر لَا يبْقى على حدثانِهِ إِلَخ. . ... )
قَالَ سلا أَبُو ذُؤَيْب عِنْد هَذَا القَوْل ثمَّ أَمر الشَّيْخ بالانصراف فاتبعته فَقلت أَمر لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ بِشَيْء قَالَ نعم وَأرَانِي صرة فِي يَده فِيهَا مائَة دِرْهَم
وَعَن الزبير بن بكار قَالَ حَدثنِي عمي قَالَ كَانَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذلِيّ خرج فِي جند عبد الله بن سعد بن أبي سرح أحد بني عَامر بن لؤَي إِلَى إفريقية سنة سِتّ وَعشْرين غازياً فِي زمن عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ وَبعث مَعَه نَفرا مِنْهُم أَبُو ذُؤَيْب فَفِي عبد الله يَقُول
(وصاحِبِ صِدقٍْ كَسِيدِ الضراء ... ينهضُ فِي الغزوِ نهضا نجيحا) // المتقارب //
فِي قصيدة لَهُ فَلَمَّا قدمُوا إِلَى مصر مَاتَ أَبُو ذُؤَيْب بهَا
وَعَن أبي عَمْرو عبد الله بن الْحَارِث الْهُذلِيّ من أهل الْمَدِينَة المنورة قَالَ خرج أَبُو ذُؤَيْب مَعَ ابْنه وَابْن أَخ لَهُ يُقَال لَهُ أَبُو عبيد حَتَّى قدمُوا على عمر
(2/169)

ابْن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ أَي الْعَمَل أفضل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله قَالَ قد فعلت فأيه أفضل بعده قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل الله قَالَ ذَلِك كَانَ عَمَلي وَلَا أَرْجُو جنَّة وَلَا أَخَاف نَارا ثمَّ خرج فغزا أَرض الرّوم مَعَ الْمُسلمين قَلما قَفَلُوا أَخذه الْمَوْت فَأَرَادَ ابْنه وَابْن أَخِيه أَن يتخلفا عَلَيْهِ جَمِيعًا فمنعهما صَاحب السَّاقَة وَقَالَ ليتخلف عَلَيْهِ أَحَدكُمَا وليعلم أَنه مقتول فكلاهما أَرَادَ أَن يتَخَلَّف عَلَيْهِ فَقَالَ لَهما أَبُو ذُؤَيْب اقترعاً فطارت الْقرعَة لأبي عبيد فَتخلف عَلَيْهِ وَمضى ابْنه مَعَ النَّاس فَكَانَ أَبُو عبيد يحدث قَالَ قَالَ لي أَبُو ذُؤَيْب يَا أَبَا عبيد احْفِرْ ذَلِك الجرف برمحك ثمَّ اعضد من الشّجر بسيفك ثمَّ اجررني إِلَى هَذَا النَّهر فَإنَّك لَا تفرغ حَتَّى أفرغ فاغسلني وكفني بكفني ثمَّ اجْعَلنِي فِي حفيرتي وانثل على الجرف برمحك وألق عَليّ الغصون وَالْحِجَارَة ثمَّ اتبع النَّاس فَإِن لَهُم رهجة ترَاهَا فِي الْأُفق إِذا أمسيت كَأَنَّهَا جهامة قَالَ فَمَا أَخطَأ مِمَّا قَالَ شَيْئا وَلَوْلَا نَعته لم أهتد لأثر الْجَيْش وَقَالَ وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ
(َأبا عُبيدٍ رُفعَ الكتابُ ... واقترَب الموعودُ وَالحسابُ)
(وعندَ رِجلي جملٌ نحاب ... أحمرُ فِي حارِكِه انْصِبَابُ) // الرجز //
ثمَّ مضيت حَتَّى لحقت بِالنَّاسِ فَكَانَ يُقَال إِن أهل الْإِسْلَام أبعدوا الْأَثر فِي بِلَاد الرّوم فَمَا كَانَ وَرَاء قبر أَبُو ذُؤَيْب قبر يعلم لأحد من الْمُسلمين وَهَذَا يُخَالف رِوَايَة الزبير بن بكار السَّابِقَة وَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ
110 - (وَلَئِن نطقتُ بشكرِ بِرِّكَ مفْصِحا ... فلسانُ حَالي بالشِّكايةِ أنطَقُ)
الْبَيْت من الْكَامِل وَلَا أعرف قَائِله
(2/170)

وَالشَّاهِد فِيهِ مَا فِي الْبَيْت قبله فَإِنَّهُ شبه الْحَال بِإِنْسَان مُتَكَلم فِي الدّلَالَة على الْمَقْصُود وَهَذَا هُوَ الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ فَأثْبت لَهَا اللِّسَان الَّذِي بِهِ قوام الدّلَالَة فِي الْإِنْسَان الْمُتَكَلّم وَهَذِه الِاسْتِعَارَة التخييلية
وَقَرِيب من مَعْنَاهُ قَول ابْن الخيمي
(أبدا أحِنُّ إِلَى محيَّاك الَّذِي ... يُصبي الْبعيد إِلَيْهِ نورٌ مشرقُ)
(وأرومُ شكوى موجعات الْحبّ لَا استحظا بهَا لَكِن لَعَلَّك تشفقُ ... )
(فَأرى لساني بالصبابة أخرساً ... ولسانُ حَالي بالشكاية ينطقُ)
(وأفوه بِاسْمِك والمسافة بَيْننَا ... قصوى فيضحي الجو طيبا يعبق) // الْكَامِل //
111 - (صَحا القلبُ عَن سلمى وأقصر باطلُهْ ... وعرّى أَفْرَاس الصِّبَا ورواحلُهْ)
الْبَيْت لزهير بن أبي سلمى وَهُوَ أول قصيدة من الطَّوِيل وَبعده
(وأقصرتُ عَمَّا تعلمين وُسدِّدتْ ... عليَّ سوى قصد السَّبِيل معادِ لَهُ) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن يَقُول فِيهَا
(فَقُلْنَا لَهُ أبْصر وسَدِّد طريقهُ ... وَمَا هُوَ فِيهِ عَن وَصاتيَ شاغلُه)
(وَقلت تعلم أَن فِي الصَّيْد غِرَّةً ... وَإِن لَا تضيعه فَإنَّك قاتلُه)
(فأتبع آثَار الشياه وليدُنا ... كشؤبوب غيث يحفش الأكْمَ وابلُه)
(2/171)

(نظرت إِلَيْهِ نظرة فرأيته ... على كل حَال مرّة وَهْوَ حامله) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة
يُقَال أقصر عَن الشَّيْء بِمَعْنى انْتهى أَو عجز عَنهُ
وَالشَّاهِد فِيهِ مَا فِي الْبَيْت قبله أَيْضا فَإِنَّهُ أَرَادَ أَن يبين أَنه ترك مَا كَانَ يرتكبه من الْمحبَّة زمن الْجَهْل والغي وَأعْرض عَن معاودته فبطلت آلاته فَشبه فِي نَفسه الصِّبَا بِجِهَة من جِهَات الْمسير كَالْحَجِّ وَالتِّجَارَة قضى مِنْهَا الوطر فأهملت آلاتها
وَوجه الشّبَه الِاشْتِغَال التَّام بِهِ وركوب المهامه والمسالك الصعبة غير مبال بمهلكة وَلَا متحرز عَن معركة
وَهَذَا التَّشْبِيه الْمُضمر فِي النَّفس اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ أثبت لَهُ بعض مَا يخْتَص بِتِلْكَ الْجِهَة وَهِي الأفراس والرواحل الَّتِي بهَا قوام السّير وَالسّفر فإثبات الأفراس والرواحل اسْتِعَارَة تخييلية وَالصبَا على هَذَا من الصبوة بِمَعْنى الْميل إِلَى الْجَهْل والفتوة وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ بالأفراس والرواحل دواعي النَّفس وشهواتها والقوى الْحَاصِلَة لَهَا فِي اسْتِيفَاء اللَّذَّات أَو أَرَادَ بهَا الْأَسْبَاب الَّتِي قَلما تتَّخذ فِي اتِّبَاع الغي إِلَّا أَوَان الصِّبَا وعنفوان الشَّبَاب فَتكون اسْتِعَارَة الأفراس والرواحل تحقيقية لتحَقّق مَعْنَاهَا عقلا إِذا أُرِيد بهَا الدَّوَاعِي وحساً إِذا أُرِيد بهَا اتِّبَاع أَسبَاب الغي
112 - (والطاعنينَ مَجَامعَ الأضغانِ ... )
هُوَ من الْكَامِل وَلَا أعرف قَائِله وصدره
(2/172)

(الضاربينَ بِكُل ابيض مخذمٍ ... )
والمخذم بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة السَّيْف والأضغان جمع ضغن وَهُوَ الحقد
وَالشَّاهِد فِيهِ الْقسم الأول من أَقسَام الْكِنَايَة وَهُوَ أَن يكون الْمَطْلُوب بهَا غير صفة وَلَا نِسْبَة وَتَكون لِمَعْنى وَاحِد كَمَا هُنَا وَتَكون لمجموع معَان فَقَوله بِمَجَامِع الأضغان معنى وَاحِد كِنَايَة عَن الْقُلُوب
وَنَحْوه قَول البحتري
(فأتبعتها أُخْرَى فأضْلَلْتُ نَصْلها ... بحيثُ يكون اللبُّ والرعب والحقد) // الطَّوِيل //
113 - (
(إِن السماحة والمروءة والندى ... فِي قبةٍ ضُرِبت على ابْن الحشرج)
الْبَيْت لزياد الْأَعْجَم من أَبْيَات من الْكَامِل قَالَهَا فِي عبد الله بن الحشرج وَكَانَ قد وَفد عَلَيْهِ وَهُوَ أَمِير على نيسابور فَأمر بإنزاله وألطفه وَبعث إِلَيْهِ بِمَا يَحْتَاجهُ فغدا إِلَيْهِ فأنشده الْبَيْت وَبعده
(ملك أغر متوجٌ ذُو نائلٍ ... للمعتفِينَ يمينُهَ لم تشنج)
(يَا خَيْرَ من صعد المنابر بالتُّقَى ... بعد النَّبِي الْمُصْطَفى المتحرِّج)
(لما أَتَيْتُك راجياً لنوالكم ... ألفَيْتُ بَاب نوالكم لم يرتج) // الْكَامِل //
فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم
والمروءة كَمَال الرجولية
وَالشَّاهِد فِيهِ الْقسم الثَّالِث من أَقسَام الْكِنَايَة وَهُوَ أَن يكون الْمَطْلُوب بهَا إِثْبَات أَمر لأمر أَو نَفْيه عَنهُ فَهُوَ هُنَا أَرَادَ أَن يثبت اخْتِصَاص ممدوحه بِهَذِهِ الصِّفَات وَترك التَّصْرِيح باختصاصه بهَا إِلَى الْكِنَايَة بِأَن جعلهَا فِي قبَّة ضربت
(2/173)

عَلَيْهِ تَنْبِيها على أَن محلهَا ذُو قبَّة وَهِي تكون فَوق الْخَيْمَة يتخذها الرؤساء قَالَ أَبُو تَمام
(لَوْلَا بَنو جُشَمَ بْن بكر فيكمُ ... كَانَت خيامكم بغيرِ قباب) // الْكَامِل //
وَإِنَّمَا احْتَاجَ فِي هَذَا الْبَيْت إِلَى هَذَا لوُجُود ذَوي قباب فِي الدُّنْيَا كثيرين فَأفَاد إِثْبَات الصِّفَات الْمَذْكُورَة لَهُ لِأَنَّهُ إِذا أثبت الْأَمر فِي مَكَان الرجل وحيزه فقد أثْبته لَهُ
وَفِي معنى الْبَيْت قَول زِيَاد أَيْضا فِي مرثية الْمُغيرَة بن الْمُهلب
(إِن السماحة والمروءة ضُمِّنَاً ... قبراً بمَرْوَ على الطَّرِيق الْوَاضِح) // الْكَامِل //
وَقَرِيب مِنْهُ قَول ابْن خَلاد يمدح ابْن العميد
(لقد شهدَتْ عقولُ الْخلق طراً ... وحسْبك بالبصائر من شُهُود)
(بِأَن محاسنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا ... بأفْنِيَةِ الرئيس ابْن العميد) // الوافر //
وَقَول الآخر
(والمجدُ يَدْعُو أَن يَدُوم بجيدِهِ ... عقدٌ مساعِي ابْن العميد نظامه) // الْكَامِل //
وَابْن الحشرج الممدوح اسْمه عبد الله وَكَانَ سيداً من سَادَات قيس وأميراً من أمرائها ولي كثيرا من أَعمال خُرَاسَان وَمن أَعمال فَارس وكرمان وَكَانَ جواداً ممدوحاً وَفِيه يَقُول زِيَاد أَيْضا
(إِذا كنت مرتاد السماحة والندى ... فسائل تُخَبَّرْ عَن ديار الأشاهب) // الطَّوِيل //
وَكَانَ عبد الله كثير الْعَطاء أعْطى بخراسان حَتَّى أعْطى فرَاشه ولحافه فَقَالَت لَهُ امْرَأَته لشد مَا تلاعب بك الشَّيْطَان وصرت من إخوانه مبذراً كَمَا قَالَ الله
(2/174)

تَعَالَى {إِن المبذرين كَانُوا إخْوَان الشَّيَاطِين} فَقَالَ عبد الله بن الحشرج لِرفَاعَة ابْن درى النَّهْدِيّ وَكَانَ أَخا لَهُ وصديقاً أَلا تسمع مَا تَقول هَذِه النوكى وَمَا تَتَكَلَّم بِهِ فَقَالَ لَهُ رِفَاعَة صدقت وَالله وبرت وَإنَّك لمبذر وَإِن المبذرين لإخوان الشَّيَاطِين فَقَالَ ابْن الحشرج فِي ذَلِك
(مَتى يأتنا الْغَيْث المغيث تجدْ لنا ... مَكَارِم مَا تعيي بِأَمْوَالِنَا التُّلْدِ)
(مَكَارِم قد جد نابها إِذْ تمنعت ... رجالٌ وضنت فِي الرخَاء وَفِي الْجهد)
(أردنَا بِمَا جُدْنَا بِهِ من تِلادنا ... خلافَ الَّذي يَأْتِي خِيَار بني نَهد)
(تلوم على إتلافيَ المَال خُلَّتي ... ويُسْعدها نهد بن زيد على الزّهْد)
(أنَهْدَ بن زيدٍ لست مِنْكُم فتُشْفقوا ... عليَّ وَلَا مِنْكُم غوائي وَلَا رشدي)
(أتيتُ صَغِيرا ناشئاً مَا أردتم ... وكهلاً وَحَتَّى تُبصرونيَ فِي اللَّحْد)
(سأبذل مَالِي إنَّ مَالِي ذخيرة ... لِعقْبي وَمَا أجني بِهِ ثَمَر الْخلد)
(وَلست بمبكاء على الزَّاد باسل ... يهر على الأزواد كالأسَدِ الوَرْدِ)
(ولكنَّني سَمْحٌ بِمَا حزت باذلٌ ... لما كلفت كفاي فِي الزَّمن الْجَحْدِ)
(بذلك أَوْصَانِي الرقاد وَقَبله ... أَبوهُ بِأَن أعْطى وأُوفِىَ بالعهد) // الطَّوِيل //
والرقاد كَانَ أحد عمومته وَكَانَ سيداً جواداً
(2/175)

شَوَاهِد الْفَنّ الثَّالِث وَهُوَ علم البديع
114 - (تردى ثِيَاب الْمَوْت حْمراً فَمَا أتىَ ... لَهَا الليلُ إِلَّا وَهِي من سندس خُضْرُ)
الْبَيْت لأبي تَمام الطَّائِي من قصيدة من الطَّوِيل يرثي بهَا أَبَا نهشل مُحَمَّد بن حميد حِين اسْتشْهد وأولها
(كَذَا فليجلّ الْخطب وليفدح الْأَمر ... وَلَيْسَ لعين لم يفض مَاؤُهَا عذر)
(تُوفيتِ الآمالُ بعد محمدٍ ... فَأصْبح فِي شعل عَن السفَرِ السفْر)
(وَمَا كَانَ إِلَّا مالَ من قلَّ مالهُ ... وذُخراً لمن أَمْسَى وليسَ لهُ ذُخرُ)
(وَمَا كانَ يدرى مَنْ بَلاَ يُسْرَ كفهِ ... إِذا مَا استهلَّتْ أنهُ خُلق العسرْ) // الطَّوِيل //
يَقُول فِيهَا
(غدَا غدْوَة والحمدُ نسجُ ردائهِ ... فَلم ينصرفْ إِلَّا وأكفانهُ الأجرْ)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(كأنَّ بني نَبهَان يومَ وفاتهِ ... نجومُ سَمَاء خرَّ من بَينهَا البدرُ)
(يُعَزَّوْنَ عَن ثاوٍ تُعَزَّى بهِ العلاَ ... ويبكِي عَلَيْهِ الْبَأْس والجود والنصرُ)
(وأنِّي لَهُم صَبر عَلَيْهِ وَقد مضى ... إِلَى الموتِ حَتَّى استشهَدَا هُوَ وَالصَّبْر) // الطَّوِيل //
وَمعنى الْبَيْت أَنه ارتدى الثِّيَاب الملطخة بِالدَّمِ فَلم ينْقض يَوْم قَتله وَلم
(2/178)

يدْخل فِي ليلته إِلَّا وَقد صَارَت الثِّيَاب خضرًا من سندس الْجنَّة
أَقُول وَلَو قَالَ أَبُو تَمام
(تردَّى ثِيَاب الْمَوْت حمرا فَمَا اختفى ... عَن الْعين إِلَّا وَهِي من سندسٍ خضرُ)
لَكَانَ أبلغ فِي الْقَصْد وأبدع فَإِنَّهُ جعل غَايَة تبديلها بالسندس دُخُوله فِي اللَّيْل وَهَذَا لَيْسَ بِمَعْلُوم فَإِن الْمَيِّت إِذا غيب بالدفن عَن الْأَعْين تبدلت أَحْوَاله إِلَى خير أَو شَرّ وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى وَيشْهد لذَلِك مَا ورد أَن الْمَيِّت بِمُجَرَّد ستره عَن الْأَعْين يَأْتِيهِ ملكا السُّؤَال
وَفِي معنى بَيت أبي تَمام قَول القَاضِي الْفَاضِل عبد الرَّحِيم رَحمَه الله
(لهفي لمقتول تلاحظه ... عيونُ الْبيض شَزْرَا)
(متضرّجاً بدَمٍ رَأَتْهُ ُالحورُ فِي الجناتَ عطرَا ... )
(متكفنٌ بملابسٍ ... حَمْرَاء وَهِي تعودُ خضرًا) // من مجزوء الْكَامِل //
يرْوى أَنه لما ورد نعي هَذَا المرثي غمس أَبُو تَمام طرف رِدَائه فِي مداد ثمَّ ضرب بِهِ كفيه وصدره وَأنْشد هَذِه القصيدة
وإِلى ذَلِك أَشَارَ ابْن زنجي الْكَاتِب المغربي فِي قَوْله يرثي الشَّيْخ أَبَا عَليّ ابْن خلدون
(لَوْلَا الحياءُ وَأَن أجيء بفعلةٍ ... تنْضَى عليَّ بهَا سيوفُ ملامِ)
(وأكون مُتبعا لأشنعِ سنةٍ ... قد سنّهَا فبلي أَبُو تمامِ)
(للبست لبس الثاكلات وَكنت فِي ... سود الوجوهِ كأنني من حام) // الْكَامِل //
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت الطباق الْمُسَمّى بالتدبيج وَهُوَ أَن يذكر الشَّاعِر أَو الناثر فِي معنى من الْمَدْح أَو غَيره ألواناً لقصد الْكِنَايَة أَو التورية وَيُسمى
(2/179)

تدبيج الْكِنَايَة أَيْضا فَإِنَّهُ هُنَا ذكر لون الْحمرَة والخضرة وَالْمرَاد من الأول الْكِنَايَة عَن الْقَتْل وَمن الثَّانِي الْكِنَايَة عَن دُخُول الْجنَّة
وَمن طباق التدبيج قَول عَمْرو بن كُلْثُوم
(بأنَّا نوردُ الراياتِ بيضًا ... ونصدرهن حمرا قد روينَا) // الوافر //
وَلَو اتّفق لَهُ أَن يَقُول
(منَ الأسل الظِّماء يردنَ بيضًا ... ونصدرهن حمرا قد روينَا)
لَكَانَ أبدع بَيت للْعَرَب فِي الطباق لِأَنَّهُ يكون قد طابق بَين الْإِيرَاد والإصدار وَالْبَيَاض والحمرة والظمأ والري وَقد تمّ لأبي الشيص فَقَالَ
(فأورَدها بِيضاً ظماءً صدورُها ... وأصدرَها بالريّ ألوانها حمرا) // الطَّوِيل //
فَصَارَ أَخذه مغفورا بِكَمَال مَعْنَاهُ وَمَا أحسن قَول ابْن حيوس
(وتملكِ العلياءَ بالسعي الَّذِي ... أغناكَ عَن متعالم الأنسابِ)
(ببياض عِرْضٍ واحمرار صوارمٍ ... وَسَوَاد نَقْع واخضرار رِحابِ)
(وأفخر بعمّ عمَّ جودُ نوالهِ ... وأبٍ لأفعال الدنيةِ آبي) // الْكَامِل //
وَقَوله أَيْضا
(إنْ تردْ عِلمَ حَالهم عَن يقينٍ ... فالْقَهُمْ فِي مكارمٍ أَو نزالِ)
(تلقَ بيضَ الْأَعْرَاض سمرَ مثار النَّقْع خضرَ الأكناف حمر النصال ... ) // الْخَفِيف //
وَقد أَخذه ابْن النبيه فقصر عَنهُ فِي قَوْله
(لهمْ بنانٌ طافحٌ بالندَى ... فهنَّ إِمَّا دِيَمٌ أوْ بِحارْ)
(بيضُ الأيادي خضرُ رَوض الرُّبا ... حُمْرُ المواضِي فِي العَجَاج المثار) // السَّرِيع //
وَقَول بَعضهم
(2/180)

(الغصنُ فوقَ المَاء تَحت شقائقٍ ... مثلُ الأسنة خُضِّبَتْ بدماءِ)
(كالصَّعْدةِ السمراءِ تحتَ الرَّايَة الْحَمْرَاء ... فوقَ الَّلأمة الخضراءِ) // الْكَامِل //
وَقَرِيب من لَفظه قَول الصّلاح الصَّفَدِي رَحمَه الله تَعَالَى
(مَا أبصرَتْ عيناكَ أحسنَ منْظرًا ... فِيمَا يُرَى من سَائِر الأشياءِ)
(كالشامةِ الخضراءِ فَوق الوجنة الْحَمْرَاء ... تحتَ المقلةِ السوداءِ) // الْكَامِل //
وَلابْن النبيه
(دَع النوحَ خلف حُدُوجِ الركائبْ ... وَسلّ فؤادكَ عَن كل ذاهبْ)
(ببيضِ السوالف حمر المراشف صفر الترائبِ سود الذوائبْ ... )
(فَمَا العيشُ إلاَّ إِذا مَا نظمتَ ... ثغر الْحَبَاب ثنايا الحبائبْ) // المتقارب //
وَلابْن الساعاتي
(من معشر ويجلُّ قدرُ علائهِ ... عَن أَن يقاَل لمثلهِ من معشرِ)
(بيض الْوُجُوه كَأَن زُرْقَ رماحهم ... سر يحلُّ سَواد قلب الْعَسْكَر) // الْكَامِل //
وَلابْن دبوقاء الْعِمَاد من أَبْيَات
(أرَى العقدَ فِي ثغره محكما ... يرينا الصِّحاح منَ الجوهرِ)
(وتكملَةُ الْحسن إيضاحُها ... روينَاهُ عَن وَجهك الأزهرِ)
(ومنثورُ دَمعي غدَا أحمرَا ... على آس عارضكَ الأخضرِ)
(وبعتُ رشادي بغيِّ الْهوى ... لأجلكَ يَا طلعة المُشْتَرِي) // المتقارب //
وَلأبي الْحسن مُحَمَّد بن القنوع من أَبْيَات
(ويخترمُ الْأَرْوَاح والموتُ أحمرُ ... بأبيضَ يتلوه لَدَى الطعْن أزرقُ) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن مَا قَالَ بعده
(وُيجْرِي عتاقَ الْخَيل قُبَّاً شوازباً ... تبارى هبوبَ الرّيح بل هِيَ أسبقُ)
(2/181)

(إِذَا حفرت مِنْهَا الحوافرُ فِي الصَّفَا ... محَاريبَ ظلتْ بالنجيع تخلق) // الطَّوِيل //
وَلأبي الْفَرح الببغاء فِي قريب من مَعْنَاهُ
(وكأنما نقشت حَوافرُ خيلهِ ... للناظرين أهلةً فِي الجلْمَد) // الْكَامِل //
وَمَا أحسن قَوْله بعده
(وَكَأن طَرْفَ الشَّمْس مطروفٌ وقدْ ... جعلَ الغبارُ لهُ مَكَان الأثمدِ)
وَلأبي سعيد الرستمي
(من النَّفر العالينَ فِي السّلم والوغى ... وأهلِ الْمَعَالِي والعواليَ واللُّهَا)
(إِذا نزلُوا اخضرَّ الثرَى من نُزُولهَا ... وَإِن نازلوا احمرَّ القنا منِ نزالها) // الطَّوِيل //
وَلابْن جَابر الأندلسي
(تَشْتَكِي الصفر من يَدَيْهِ وترضى السمر من راحتيه عِنْد الحروب ... )
(أحمرُ السَّيْف أخضرُ السيب حَيْثُ الأَرْض غبراء من سَواد الخطوب ... ) // الْخَفِيف //
وَلأبي الْقَاسِم عبد الصَّمد بن عَليّ الطَّبَرِيّ من قصيدة
(حَمِّر يَدي بالكأس فالروضُ مخضرُّ الرُّبا قبل اصفرار البنان ... ) // السَّرِيع //
وَلأبي بكر الخالدي
(ومدامة صفراءَ فِي قارورةٍ ... زَرقاء تحملهَا يدٌ بيضاءُ)
(فالراح ُشمسٌ والْحَبَاب كواكبٍ ... والكفّ قُطْبٌ والإناءُ سَمَاء) // الْكَامِل //
ولنجم الدّين الْبَارِزِيّ فِي وصف قلم
(ومثقف للخَطّ يحْكى فعلَ سمرِ الْخط إِلَّا أَن هَذَا أصغرُ ... )
(فِي رأسهِ المسودِّ إِن أجروه فِي المبيض للأعداء موت أَحْمَر ... ) // الْكَامِل //
وَمن المضحك فِيهِ قَول ابْن لنكك الْبَصْرِيّ يهجو أَبَا رياش وَكَانَ نهما شَرها على الطَّعَام
(2/182)

(يَطيرُ إِلَى الطَّعَام أَبُو رياشٍ ... مُبَادرةً وَلَو واراهُ قبرُ)
(أصابعهُ من الحَلَواء صُفْرٌ ... ولكنَّ الأخادِعَ مِنْهُ حمر) // الوافر //
وَكَانَ أَبُو رياش هَذَا باقعة فِي حفظ أَيَّام الْعَرَب وأنسابها وَأَشْعَارهَا غَايَة بل آيَة فِي هَذ دواوينها وسرد أَخْبَارهَا مَعَ فصاحة وَبَيَان وإعراب وإتقان وَلكنه كَانَ عديم الْمُرُوءَة وسخ اللبسة كثير التقشف قَلِيل التنظف وَفِيه يَقُول أَبُو عُثْمَان الخالدي
(كَأَنَّمَا قمْلُ أبي رياشٍ ... مَا بينَ صِئْبَان قَفَاهُ الفاشي)
(وَذَا وَذَا قد لج فِي انْتِفاشِ ... شهدانج يُذَرُّ فِي خشخاش) // الرجز //
وَفِيه يَقُول ابْن لنكك وَقد ولي عملا بِالْبَصْرَةِ
(قل للوَضيع أَبي رياش لَا تُبَلْ ... بِهِ كلُّ تِيهكَ بالولايةِ والعَمَلْ)
(مَا ازْدَدتَ حِين ولِيَت إِلَّا خِسّةً ... كَالْكَلْبِ أنجسُ مَا يكون إِذا اغْتسل) // الْكَامِل //
وَله فِيهِ أَيْضا
(نبئت أَن أَبَا رياش قَدْ حَوَى ... علم اللُّغَات وفاقَ فِيمَا يَدِّعى)
(مَنْ مُخْبري عنهُ فَإِنِّي سائلٌ ... من كَانَ حَنِّكهُ بإير الْأَصْمَعِي) // الْكَامِل //
وَله فِيهِ أَو فِي غَيره من الأدباء
(يَا مَنْ تَطَيَّبَ وَهُوَ من خَرْقِ اسْتِهِ ... قَلِقٌ يكابِد كل داءٍ مُعْضِلِ)
(فشل الصيال وَمَا عهدنا دبره ... مذ كَانَ بغشل عَن صيال الفيشل)
(وأراهُ فِي الكُتُبِ الجليلَةِ زاهداً ... لَا يَسْتَجيد سوى كتابِ المَدْخَلِ)
(قَبِّلتهُ ولثمتُ فاهُ مُسَلماً ... لثم الصّديقِ فَم الصّديق المجملِ)
(2/183)

(فدَنا إليَّ على المكانِ وقالَ لي ... أفديكَ من مُتَعَشِّقٍ متعزل)
(إِن كنتَ تلثمني بودٍّ فاشْفِني ... بلِسَانِ بطنِكَ فِي فمي من أسفلي) // الْكَامِل //
وَقد زاغ الْقَلَم وطاش بجريرة أبي رياش وَأَنا أسْتَغْفر الله من ذَلِك
115 - (لَا تعجبي يَا سلم من رجل ... ضحك المشيب بِرَأْسِهِ فَبَكى)
الْبَيْت لدعبل من قصيدة من الْكَامِل أَولهَا
(أينَ الشَّبَاب وأية سلكا ... لَا أَيْن يطلَبُ ضَلِّ بل هَلكا)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(يَا سَلْمَ مَا بالشيبِ مَنْقَصَةٌ ... لَا سوقَةً يُبْقِي وَلَا ملِكا)
(قَصَرَ الْغَوايةَ عَن هَوَى قَمرٍ ... أجِدُ السَّبيلَ إليهِ مُشتركا)
(يَا لَيْتَ شعري كَيْفَ نومكما ... يَا صاحِبَيَّ إِذا دمي سُفِكا)
(لَا تأخذا بِظُلاَمتي أحَداً ... قلبِي وطَرْفي فِي دمي اشْتَركَا) // الْكَامِل //
حدث أَبُو هفان قَالَ قَالَ مُسلم بن الْوَلِيد
(مُستَعبر يبكي على دِمْنَةٍ ... ورأسُهُ يضْحك فِيهِ المشيب) // السَّرِيع //
فسرقه دعبل فَقَالَ وأنشا الْبَيْت فجَاء بِهِ أَجود من قَول مُسلم فَصَارَ أَحَق بِهِ مِنْهُ
وَحدث أَبُو الْمثنى قَالَ كُنَّا فِي مجْلِس الْأَصْمَعِي فأنشده رجل لدعبل لَا تعجبي يَا سلم ... . الْبَيْت فاستحسناه فَقَالَ الْأَصْمَعِي إِنَّمَا سَرقه من قَول الْحُسَيْن
(2/184)

ابْن مطير الْأَسدي
(أَيْن أهلُ القِبابِ بالدَهْناء ... أَيْن جيرانُنا على الأحْسَاء)
(فارقونا وَالْأَرْض ملبسة نور ... الأقاحي تُجَادُ بالأنْوَاءِ)
(كلَّ يَوْم بأقْحُوَانٍ جديدٍ ... تضحَكُ الأرضُ من بكاء السَّمَاء) // الْخَفِيف //
وروى عَن أبي الْعَبَّاس الْمبرد أَنه قَالَ اخذ ابْن مطير قَوْله تضحك الأَرْض من بكاء السَّمَاء من قَول دُكَيْن الراجز

(جُنَّ النباتُ فِي ذُراها ورَكا ... وضَحِكَ المزنُ بِهِ حَتَّى بَكَى) // الرجز //
وَقَالَ أَبُو هفان أنشدت يَوْمًا بعض الْبَصرِيين الحمقاء قَول دعبل ضحك المشيب بِرَأْسِهِ فَبكى فَجَاءَنِي بعد أَيَّام فَقَالَ قد قلت أحسن من الْبَيْت الَّذِي قَالَه دعبل فَقلت يَا هَذَا وَأي شَيْء قلت فتمنع سَاعَة ثمَّ قَالَ
(قَهْقَه فِي رأسِهِ القتير ... ) // الرجز //
وَقد تداول الشُّعَرَاء معنى بَيت دعبل فَمِنْهُ قَول الراضي الْقُرْطُبِيّ
(ضحك المشيب بِرَأْسِهِ ... فَبَكى بأعينِ كأسِهِ)
(رجل تخونه الزَّمَان ... ببُوسِهِ وببأسِهِ)
(فجرَى على غُلَوَائِهِ ... طَلْقَ الجموحُ بفأسِهِ)
(أخذا بأوفَرِ حَظِّه ... لرجائه من يأسه) // من مجزوء الْكَامِل //
وَمِنْه أَيْضا قَول ابْن نباتة الْمصْرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى
(تَبسُّمُ الشيب بذقْن الْفَتى ... يوجِبُ سَحَّ الدمع من جَفْنهِ)
(حسبُ الْفَتى بعد الصبذلة ... أَن يضْحك الشيب على ذقنه) // السَّرِيع //
ولمؤلفه رَحمَه الله تَعَالَى أَيْضا فِي هَذَا الْمَعْنى
(2/185)

(ضحك الشيب برأسي ... فبكتْ عَيْني الشَّبَابا) // من مجزوء الرمل //
وَمن الْبكاء على الشَّبَاب وَهُوَ أبكى بَيت قيل فِي فَقده وينسب لأبي الْغُصْن الْأَسدي
(أتأَملُ رجْعَةَ الدُّنْيَا سَفَاهاً ... وَقد سَار الشبابُ إِلَى الذهابِ)
(فَلَيْتَ الباكياتِ بكلِّ أرضٍ ... جُمِعْنَ لنا فَنُحْن على الشبابِ) // الوافر //
وَمَا أحسن قَول أبي الْعَلَاء المعري فِيهِ أَيْضا
(وَقد تَعَوَّضْتُ عَن كلٍّ بمشْبهِهِ ... فَمَا وجدتُ لأيام الصِّبَا عوضا) // الْبَسِيط //
وَقَول الآخر
(شَيآنِ لَو بكَتِ الدماءَ عَلَيهمَا ... عينايَّ حَتَّى تُؤْذنا بذَهاب)
(لم تَبْلُغا المعشار من حَقِّيْهما ... فَقْدُ الشَّبَاب وفُرْقَة الأحبابِ) // الْكَامِل //
وَلأبي بكر بن مجير
(رَحَلَ الشَّبَاب وَمَا سمعْتُ بعَبرَةٍ ... تجْرِي لمثْلِ فِرَاقِ ذاكَ الرَّاحِلِ)
(قد كنت أُزْهَى بالشباب وَلم أخَلْ ... أَن الشَّبيبَةَ كالخِضَاب الناصل)
(ظِلٌّ صفا لي ثمَّ زَالَ بسرعةٍ ... يَا ويحَ مُغتُرٍ بِظِل زائل) // الْكَامِل //
وَلابْن حمديس فِي قريب من مَعْنَاهُ
(وَلم أرَ كالدنيا خَؤوناً لصَاحِبٍ ... وَلَا كمصابي بالشَّباب مُصَابا)
(فَقَدْتُ الصِّبا فابيَضَّ مُسْودُّ لمتى ... كأنَّ الصِّبَا للشيب كَانَ خضابا) // الطَّوِيل //
وَلأبي الْفَتْح البستي فِيهِ
(دعْ دموعي تَسيلُ سَيْلاً بدارا ... وضُلوعي يَصْلَينَ بالوَجْدِ نَارا)
(قد أعادَ الأسىَ نهاريَ لَيْلاً ... مذْ أعَاد المشيبُ ليلِي نَهَارا) // الْخَفِيف //
ولعلى بن مُحَمَّد الْكُوفِي فِي الْبكاء من المشيب والبكاء عَلَيْهِ
(2/186)

(بَكَى للشَّيْبِ ثمَّ بَكَى عَلَيه ... فكانَ أعَزَّ من فَقْدِ الشبابِ)
(فَقلْ للشيب لَا تبرَحْ حميدا ... إِذا نَادَى شَبَابِي بالذهاب) // الوافر //
وَمثله قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(الشيب كُرْهٌ وكُرهٌ أَن يُفارقني ... فاعجَبْ لشَيْء على البَغْضاء مَوْدُود)
(يمْضِي الشَّبَاب وَقد يَأْتِي لَهُ خَلفٌ ... والشيب يذهَبُ مفقودا بمفقود) // الْبَسِيط //
وَقد أعَاد مُسلم بن الْوَلِيد هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ
(لَا يرحل الشيبُ عَن دَار أَقَامَ بهَا ... حَتَّى يُرَحَّلُ عَنْهَا صاحِبُ الدَّار) // الْبَسِيط //
وَيُقَال إِن مُسلما أَخذ هَذَا الْمَعْنى من قَول بعض الْأَعْرَاب
(أسْتَغفر الله وأستَقِيله ... مَا أَنا مِمَّن شَيبُهُ يَهُولهُ)
(أعظَم من حُلُوله رحيله ... ) // الرجز //
وَمثل قَول مُسلم قَول البحتري
(يعيبُ الغانياتُ علىَ شيبي ... ومَنْ لي أَن أُمَّتَع بالمشيبِ)
(ووجْدِي بالشباب وَإِن تَقَضَّى ... حميدا دونَ وجدي بالمشيب) // الوافر //
وَمَا أحسن قَول كشاجم الْكَاتِب
(تَفَكرْتُ فِي شَيبِ الْفَتى وشبابه ... فأيقَنتُ أَن الْحق للشيب واجبُ)
(يصاحِبني شرخُ الشَّبَاب فَينْقَضي ... وشيبي إِلَى حِين المماتُ مصاحب) // الطَّوِيل //
وبديع قَول الْغَزِّي
(ذهبَ الشَّبَاب ذهابَ سهم مارِقٍ ... لَا يُسْتطاعُ مَعَ التأسُّفِ ردُّهُ)
(وأتى المشيب بقَضِّهِ وقَضيضهِ ... وأشَدُّ من وجدانِ ذَلِك فَقْدهُ)
(أَنا فِي السُّرى والسَّير كالطِّفل الَّذِي ... يجدُ السكونَ إِذا تحَرَّكَ مَهدُه)
(من يَقْتَدحْ زنداً بكف مَالهَا ... زنْدٌ فَكيف ترَاهُ يقْدَح زنده) // الْكَامِل //
(2/187)

وبديع أَيْضا قَول حسن بن النَّقِيب رَحمَه الله تَعَالَى
(لَا تأسَفَنَّ على الشَّبَاب وفَقْده ... فَعلى المشيب وفَقْده يُتأسَّف)
(هاذاك يخلُفه سواهُ إِذا انْقَضى ... ومَضَى وَهَذَا إِن مضى لَا يخلف) // الْكَامِل //
وَقَوله أَيْضا
(عجبت للشيب كنت أكرَههُ ... فأصبَحَ الْقلب وهوَ عاشقُهُ)
(وَكنت لَا أشْتَهي أرَاهُ وَقد ... أصْبَحْتُ لَا أشتهي أفارقه) // المنسرح //
وَمَا أحسن قَول الصفي الْحلِيّ
(لَو تَيَقَّنْتُ أَن شَينَ بَيَاض الشيب يبْقى لما كَرهت البياضا ... )
(غيرَ أنِّي علمت من ذلكَ الزائر ... مَا يَقْتَضِي وَمَا يتقاضى) // الْخَفِيف //
وَلأبي الْفَتْح البستي رَحمَه الله تَعَالَى فِيهِ
(يَا شَيْبتي دومي وَلَا تترحَّلي ... وتيَّقِني أَنِّي بوصلك مُولَع)
(قد كنت أجْزَعُ من حلولك مرّة ... والآن من خوف ارتحالك اجزع) // الْكَامِل //
وَلأبي الْيمن الْكِنْدِيّ فِيهِ أَيْضا
(عَفا الله عَمَّا جرَّه اللَّهْو وَالصبَا ... وَمَا مرَّ منْ قَالِ الشَّبَاب وقيله)
(زمانٌ صحبناه بأرغد عيشة ... إِلَى أَن مضى مستكرهاً لسبيلهِ)
(وأعقَبَنَا من بعدهِ غير مُشْتَهي ... مَشيباً نَفى عنَّا الكَرَى بحلُولهِ)
(لَئِن عَظَمتْ أحْزَانُنا بقُدومِهِ ... فأعْظَمُ مِنْهَا خَوْفُنا من رحيله) // الطَّوِيل //
وَقد خَالف ابْن الرُّومِي حَيْثُ يَقُول
(2/188)

(من كانَ يبكي الشبابَ من أسَفِ ... فَلَست أبْكِي عَلَيْهِ من أسَفِ)
(كيفَ وشَرْخُ الشَّبَاب عرَّضني ... يومُ حِسَابي لِمَوْقفِ التَّلَفِ)
(لَا صُوحِبَتْ شِرَّةُ الشَّبَاب وَلَا ... عدِمتُ مَا فِي المشيبِ مِنْ خَلَفِ) // المنسرح //
وَمثله قَول بَعضهم
(لم أقلْ للشباب فِي دعَة الله وَلَا حفظهِ غَدَاةَ اسْتَقَلاَّ ... )
(زائر زارنا أَقَامَ قَليلاً ... سَوَّدَ الصُّحْفَ بِالذنُوبِ وَولى) // الْخَفِيف //
وَمن الْجيد أَيْضا قَول الْعلوِي
(لَعَمْرُكَ لَلمشيبُ عليَّ مِمَّا ... فَقَدْتُ من الشَّبَاب أجَلُّ فوتا)
(تمَليتُ الشَّبَاب فصارَ شيباً ... ومُلِّيتُ المشيبَ فَصَارَ موتا) // الوافر //
وَمَا أحسن أَيْضا قَول الآخر
(والمرءُ إِن حَلَّ شَيْبٌ فِي مفارقه ... فَمَا يفارِقُه أَو يرحلان مَعًا) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول المعري فِي مدح الشيب
(خبرِيني مَاذَا كرِهْتِ من الشَّيْب فَلَا علم لي بذنبِ المشيب ... )
(أضيِاَء النهارِ أم وضح اللُّؤْلُؤ ... أم كونَهُ كثغر الحبيبِ)
(أَخْبِرِينِي فضلَ الشَّبَاب وماذا ... فِيهِ من مَنْظر يَسُرُّ وطيبِ)
(غَدْره بالخليل أم حبهُ للغي أم كونهُ كعيش الأديب ... ) // الْخَفِيف //
وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا أحسن قَول الْحَافِظ بن سهل بن غَانِم الْأَصْفَهَانِي وأصدقه
(من شابَ قد ماتَ وهوَ حَيٌّ ... يمشي على الأرضِ مَشْيَ هالِكِ)
(لَو كانَ عمرُ الْفَتى حِساباً ... لَكَانَ فِي شيْبه فَذَلِك) // من مخلع الْبَسِيط //
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت الْجمع بَين مَعْنيين غير مُتَقَابلين عبر عَنْهُمَا بلفظيين يتقابل معنياهما الحقيقيان فَإِنَّهُ هُنَا لَا تقَابل بَين الْبكاء وَظُهُور الشيب لكنه عبر
(2/189)

عَن ظُهُوره بالضحك الَّذِي يكون مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ مضاداً لِمَعْنى الْبكاء وَيُسمى إِيهَام التضاد لِأَن الْمَعْنيين الْمَذْكُورين وَإِن لم يَكُونَا مُتَقَابلين حَتَّى يكون التضاد حَقِيقِيًّا لكنهما قد ذكرا بلفظيين يوهمان التضاد نظرا إِلَى الظَّاهِر وَالْحمل على الْحَقِيقَة
وَمن الشواهد على إِيهَام التضاد قَول أبي تَمام الطَّائِي
(وتَنَظَّرِي خَبَبَ الركاب ينُّصها ... مُحْيي القريض إِلَى مميت المَال) // الْكَامِل //
فَلَيْسَ بَين محيي ومميت هُنَا تضَاد بِالْمَعْنَى إِلَّا بِمَا يتَوَهَّم من اللَّفْظ لِأَن محيي القريض هُنَا كِنَايَة عَن مجيده وَيَعْنِي بِهِ نَفسه ومميت المَال كِنَايَة عَن مفنيه فِي الْكَرم وَلَيْسَ بَينهمَا تضَاد
وَمِنْه قَول الشَّاعِر
(يُبْدِي وِشاحاً أبيضاً من سَيْفه ... والجوُّ قد لبس الرِّدَاء الأغبرا) // الْكَامِل //
فَإِن الْأَبْيَض لَيْسَ بضد الأغبر وَإِنَّمَا يُوهم بِلَفْظِهِ أَنه ضِدّه
ودعبل هُوَ ابْن على بن رزين بن سُلَيْمَان بن تَمِيم الْخُزَاعِيّ ويكنى أَبَا عَليّ وَهُوَ شَاعِر مطبوع مُتَقَدم هجاء خَبِيث اللِّسَان لم يسلم مِنْهُ أحد من الْخُلَفَاء وَلَا من وزرائهم وَلَا من أَوْلَادهم وَلَا ذُو نباهة أحسن إِلَيْهِ أَو لم يحسن وَلَا أفلت مِنْهُ كَبِير أحد
وَحدث أَبُو هفان قَالَ قَالَ لي دعبل قَالَ لي أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ مِم اشتق دعبل قلت لَا أَدْرِي قَالَ الدعبل النَّاقة الَّتِي مَعهَا أَوْلَادهَا
وَحدث مُحَمَّد بن أَيُّوب قَالَ دعبل اسْمه مُحَمَّد وكنيته أَبُو جَعْفَر ودعبل لقب لقب بِهِ
(2/190)

وَعَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ قَالَ الدعبل الْبَعِير المسن
وَحدث دعبل قَالَ كنت جَالِسا مَعَ بعض أَصْحَابنَا ذَات يَوْم فَلَمَّا قُمْت سَأَلَ الرجل وَلم يعرفنِي أَصْحَابِي عني فَقَالُوا هَذَا دعبل قَالَ قُولُوا فِي جليسكم خيرا كَأَنَّهُ ظن اللقب شتماً

وَقَالَ دعبل صرع مَجْنُون مرّة فَصحت فِي أُذُنه دعبل ثَلَاث مَرَّات فأفاق
وَكَانَ سَبَب خُرُوجه من الْكُوفَة أَنه كَانَ يتشطر ويصحب الشطار فَخرج هُوَ وَرجل من أَشْجَع فِيمَا بَين الْعشَاء وَالْعَتَمَة فَجَلَسَا على طَرِيق رجل من الصيارفة كَانَ يروح كل لَيْلَة بكيسه إِلَى منزله فَلَمَّا طلع مُقبلا عَلَيْهِمَا وثبا عَلَيْهِ وجرحاه وأخذا مَا فِي كيسه فَإِذا هِيَ ثَلَاث رمانات فِي خرقَة وَلم يكن كيسه مَعَه ليلتئذ وَمَات الرجل فِي مَكَانَهُ واستتر دعبل وَصَاحبه وجد أَوْلِيَاء الرجل فِي طلبهما وجد السُّلْطَان أَيْضا فِي ذَلِك فطال على دعبل الاستتار فاضطر إِلَى أَن يهرب من الْكُوفَة فَمَا دَخلهَا حَتَّى كتب إِلَيْهِ أَهله أَنه لم يبْق من أَوْلِيَاء الرجل أحد
وَحدث أَحْمد بن أبي كَامِل قَالَ كَانَ دعبل يخرج فيغيب سِنِين يَدُور الدُّنْيَا كلهَا وَيرجع وَقد أَفَادَ وأثرى وَكَانَت الشراة والصعاليك يلفونه فَلَا يؤذونه ويؤاكلونه ويشاربونه ويبرونه وَكَانَ إِذا لَقِيَهُمْ وضع طَعَامه وَشَرَابه ودعاهم إِلَيْهِ ودعا بغلاميه نفنف وشنغف وَكَانَا مغنيين فأقعدهما يغنيان وسقاهم وَشرب مَعَهم وأنشدهم فَكَانُوا قد عرفوه وألفوه لِكَثْرَة
(2/191)

أَسْفَاره وَكَانُوا يواصلونه ويصلونه قَالَ وأنشدني دعبل لنَفسِهِ فِي بعض أَسْفَاره
(حللتُ محلا يَقْصُر البرْقُ دونهُ ... ويعجز عَنهُ الطيفُ أَن يتجشما) // الطَّوِيل //
وَحدث مُحَمَّد بن عمر الْجِرْجَانِيّ قَالَ دخل دعبل الرّيّ فِي أَيَّام الرّبيع فَجَاءَهُمْ ثلج لم ير مثله فِي الشتَاء فجَاء شَاعِر من شعرائهم فَقَالَ شعرًا وَكتبه فِي رقْعَة وَهُوَ
(جاءَنا دِعبلٌ بثلج من الشّعْر فجادت سماؤنا بالثلوج ... )
(نزل الرّيّ بعد مَا سكن الْبرد ... وَقد أينعت رياضُ المروجِ)
(فكسانا بِبرْدِهِ لَا كَسَاه الله ثوبا من كرسفٍ محلوج ... ) // الْخَفِيف //
وَألقى الرقعة فِي دهليز دعبل فَلَمَّا قَرَأَهَا ارتحل عَن الرّيّ
وَحدث أَحْمد بن خَالِد قَالَ كُنَّا يَوْمًا عِنْد دَار رجل يُقَال لَهُ صَالح ابْن عَليّ ابْن عبد الْقَيْس بِبَغْدَاد ومعنا جمَاعَة من أَصْحَابنَا فَسقط على كَنِيسَة فِي سطحها ديك طَار من بَيت دعبل فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ قُلْنَا هَذَا صيد فأخذناه فَقَالَ صَالح مَا نصْنَع بِهِ قُلْنَا نذبحه فذبحناه وشويناه يَوْمنَا وَخرج دعبل فَسَالَ عَن الديك فَعرف أَنه سقط فِي دَار صَالح فَطَلَبه منا فجحدناه وشربنا يَوْمنَا فَلَمَّا كَانَ من الْغَد خرج دعبل فصلى الْغَدَاة ثمَّ جلس على بَاب الْمَسْجِد وَكَانَ ذَلِك الْمَسْجِد مجمع النَّاس يجْتَمع فِيهِ جمَاعَة من الْعلمَاء ونبهاء النَّاس فَجَلَسَ دعبل على بَاب الْمَسْجِد وَقَالَ
(أسَرَ المؤذِّنَ صالحٌ وضُيُوفُهُ ... أسْرَ الكمىِّ هفا خلالَ المأقط)
(2/192)

(بَعثُوا عليهِ بناتهمْ وبنيهمُ ... مَا بينَ ناتفةٍ وَآخر سامطِ)
(يتنازعون كَأَنَّهُمْ قد أوثقُوا ... خاقَان أَو هزموا كتائب ناعطِ)
(نهشوه فانتزعتْ لَهُ أسنانهمْ ... وتهشمتْ أقفاؤهمْ بِالْحَائِطِ) // الْكَامِل //
قَالَ فكتبها النَّاس عَنهُ ومضوا فَقَالَ لي أبي وَقد رَجَعَ إِلَى الْبَيْت وَيحكم ضَاقَتْ عَلَيْكُم المآكل فَلم تَجدوا شَيْئا تأكلونه سوى ديك دعبل ثمَّ أنشدنا الشّعْر وَقَالَ لي لَا تدع ديكاً وَلَا دجَاجَة تقدر عَلَيْهَا إِلَّا اشْتريت ذَلِك لدعبل وَبعثت بِهِ إِلَيْهِ وَإِلَّا أوقعتنا فِي لِسَانه فَفعلت ذَلِك
قَالَ وناعط قَبيلَة من هَمدَان وَأَصله جبل نزلُوا بِهِ فنسبوا إِلَيْهِ
وَقَالَ دعبل كُنَّا يَوْمًا عِنْد سهل بن هَارُون الْكَاتِب البليغ وَكَانَ شَدِيد الْبُخْل فأطلنا الحَدِيث واضطره الْجُوع إِلَى أَن دَعَا بغداء لَهُ فَأتى بقصعة فِيهَا ديك جاسٍ هرم لَا تخرقه سكين وَلَا يُؤثر فِيهِ ضرس فَأخذ كسرة خبز فَخَاضَ بهَا مرقته وقلب جَمِيع مَا فِي الْقَصعَة ففقد الرَّأْس فَبَقيَ مطرقا سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ للطباخ أَيْن الرَّأْس قَالَ رميت بِهِ فَقَالَ وَلم قَالَ ظننتك لَا تَأْكُله قَالَ بئس مَا ظَنَنْت وَالله إِنِّي لأمقت من يَرْمِي برجليه فَكيف من يَرْمِي بِرَأْسِهِ وَالرَّأْس رَئِيس وَفِيه الْحَواس الْأَرْبَع وَمِنْه يَصِيح وَلَوْلَا صَوته لما فضل وَفِيه فرقة الَّذِي يتبرك بِهِ وَفِيه عَيناهُ اللَّتَان يضْرب بهما الْمثل فَيُقَال شراب كعين الديك ودماغه عجب لوجع الكليتين وَلم ير عظم قد أهش من عظم رَأسه أَو مَا علمت أَنه خير من طرف الْجنَاح وَمن السَّاق وَمن الْعُنُق فَإِن كَانَ قد بلغ من نبلك أَنَّك لَا تَأْكُله فَإنَّا نأكله فَانْظُر أَيْن هُوَ قَالَ لَا أَدْرِي وَالله أَيْن هُوَ رميت بِهِ قَالَ لكني أَدْرِي أَيْن هُوَ رميت بِهِ فِي بَطْنك فَالله حسيبك
وَحدث إِبْرَاهِيم بن الْمُدبر قَالَ لقِيت دعبل بن عَليّ فَقلت لَهُ أَنْت
(2/193)

أخبر النَّاس عِنْدِي وأقدمهم حَيْثُ تَقول يَعْنِي فِي حق الْمَأْمُون
(إِنِّي من الْقَوْم الذينَ سيوفهمْ ... قتلتْ أخاكَ وشرَّفتكَ بمقعدِ)
(رفعوا مَحَلِّكَ بعد طول خُمولهِ ... واستنقذوكَ من الحضيض الأوهدِ) // الْكَامِل //
فَقَالَ لي يَا أَبَا إِسْحَاق أَنا أحمل خشبتي مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة فَلَا أجد من يصلبني عَلَيْهَا بعد
وَبَات دعبل لَيْلَة عِنْد صديق لَهُ من أهل الشأم وَبَات عِنْدهم رجل من أهل بَيت لهيان يُقَال لَهُ حوي بن عَمْرو السكْسكِي وَكَانَ جميل الْوَجْه فدب إِلَيْهِ صَاحب الْبَيْت وَكَانَ شَيخا كَبِيرا فانيا أَتَى عَلَيْهِ حِين فَقَالَ لَهُ دعبل
(لَوْلَا حويٌّ لبيت لهيان ... مَا قامَ أيرُ العزب الفاني)
(لهُ دَواةُ فِي سراويلهِ ... يليقها النازحُ والداني) // السَّرِيع //
وشاع هَذَا البيتان فهرب حوي من ذَلِك الْبَلَد وَكَانَ الشَّيْخ إِذا رأى دعبلاً سبه وَقَالَ فضحتني أخزاك الله
وَحدث مُحَمَّد بن الْأَشْعَث قَالَ سَمِعت دعبلاً يَقُول مَا كَانَت لأحد عِنْدِي منَّة قطّ إِلَّا تمنيت مَوته
وَكَانَ دعبل قد مدح مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات فأنشده مَا قَالَه فِيهِ وَهُوَ جَالس وَفِي يَده طومار قد جعله على فِيهِ كالمتكئ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالس فَلَمَّا فرغ أَمر لَهُ بِشَيْء قَلِيل لم يرضه فَقَالَ
(يَا منْ يقبلُ طوماراً ويلثمهُ ... مَاذَا بقلبكَ من حُبّ الطواميرِ)
(فِيهِ مَشَابهُ من شَيْء تُسَرُّ بهِ ... طولا بطولٍ وتدويراً بتدويرِ)
(2/194)

(لَو كنتَ تجمعُ أَمْوَالًا كجمعكها ... إِذا جمعتَ بُيُوتًا من دَنَانِير) // الْبَسِيط //
وَقَالَ دعبل فِي الْفضل بن مَرْوَان
(نصحت فأخلصت النصحية فِي الفضلِ ... وقلتُ فسيرت الْمقَالة فِي الفضلِ)
(أَلا إنّ فِي الْفضل بن سهلٍ لعبرةً ... إِذَا اعتبرَ الْفضل بن مروانَ بالفضلِ)
(وللفضلِ فِي الْفضل بن يحيى مواعظٌ ... إِذا فكرَ الفضلُ بن مَرْوَان فِي الفضلِ)
(فأبْقِ جميلاً من حديثٍ تَفزْ بهِ ... وَلَا تدعِ الإحسانَ والأخذَ بالفضلِ)
(فإنكَ قدْ أصبحتَ للملكِ قَيْماً ... وصرتَ مَكَان الفضلِ والفضلِ والفضلِ)
(وَلم أرَ أبياتاً منَ الشعرِ قبلهَا ... جميعُ قوافيها على الفضلِ والفضلِ)
(وليسَ لَهَا عيْبٌ إِذا هِيَ أنشدت ... سوى أنَّ نصحي الفضلَ كَانَ من الْفضل) // الطَّوِيل //
فَبعث إِلَيْهِ الْفضل بِدَنَانِير وَقَالَ لَهُ قد قبلت نصيحتك فَاكْفِنِي خيرك وشرك
وَحدث مُحَمَّد بن حَاتِم الْمُؤَدب قَالَ فيل لِلْمَأْمُونِ إِن دعبلاً قد هجاك فَقَالَ وَأي عجب فِي هَذَا هُوَ يهجو أَبَا عباد فَلَا يهجوني أَنا وَمن أقدم على جُنُون أبي عباد أقدم على حلمي ثمَّ قَالَ لجلسائه من كَانَ فِيكُم يحفظ شعره فِي أبي عباد فلينشده فأنشده بَعضهم
(أولىَ الأمورِ بضيعةٍ وفسادِ ... أمْرٌ يدبرُهُ أَبُو عبادِ)
(خرقٌ على جُلَسَائِهِ فكأنهمْ ... حَضَرُوا لملحمة وَيَوْم جلادِ)
(يَسْطُو على كِتَابه بدواتهِ ... فمضمخ بدمٍ ونضحِ مِدادِ)
(وَكَأَنَّهُ من دير هِرقل مفلت ... خرد يجرُّ سلاسلَ الأقيادِ)
(فاشددْ أَميرَ الْمُؤمنِينَ وثاقهُ ... فأصحُّ مِنْهُ بَقِيَّة الْحداد) // الْكَامِل //
قَالَ وَكَانَ بَقِيَّة هَذَا مَجْنُونا فِي المارستان فَضَحِك الْمَأْمُون وَكَانَ إِذا
(2/195)

نظر إِلَى أبي عباد يضْحك وَيَقُول لمن يقرب مِنْهُ وَالله مَا كذب دعبلٌ فِي قَوْله
وَحدث أَبُو نَاجِية قَالَ كَانَ المعتصم يبغض دعبلاً لطول لِسَانه وَبلغ دعبلاً أَنه يُرِيد اغتياله وَقَتله فهرب إِلَى الْجَبَل وَقَالَ يهجوه
(بَكَى لشتات الدّين مكتئبٌ صبٌّ ... وفاضَ بفرط الدمعِ من عينهِ غَرْبُ)
(وقامَ إمامٌ لم يكنْ ذَا هدايةٍ ... فليسَ لَهُ دينٌ وَلَيْسَ لهُ لبُّ)
(وَمَا كَانَت الأنباءُ تَأتي بمثلهِ ... يُمَلَّكُ يَوْمًا أَو تدينُ لَهُ العُرْبُ)
(وَلَكِن كَمَا قَالَ الَّذين تتابعوا ... من السّلف الْمَاضِي إِذا عظم الْخطب)
(ملوكُ بني العباسِ فِي الْكتب سبعةٌ ... وَلم تأتيا عَن ثامنٍ لهمُ كتبُ)
(كذلكَ أهلُ الْكَهْف فِي العدّ سبعةٌ ... خيارٌ إِذا عُدُّوا وثامنهم كلبُ)
(وَإِنِّي لأُعْلِي كلبهمْ عنكَ رفْعَة ... لأنكَ ذُو ذنبٍ وليسَ لهُ ذَنبُ)
(لقد ضَاعَ ملكُ النَّاس إِذْ سَاس ملكهمْ ... وصيفٌ وأشناسٌ وَقد عظم الكربُ)
(وفضلُ بنُ مَرْوان سيثلمُ ثلمةً ... يظلّ لَهَا الإسلامُ ليسَ لهُ شعب) // الطَّوِيل //
(2/196)

وَلما مَاتَ المعتصم قَالَ ابْن الزيات يرثيه
(قد قلت إِذْ غيبوه وَانْصَرفُوا ... فِي خير قبرٍ لخير مدفونِ)
(لنْ يجْبر الله أُمة فقدَتْ ... مثلك إِلَّا بِمثل هرون) // المنسرح //
فَقَالَ دعبل يُعَارضهُ
(قد قلت إِذْ غيبوه وَانْصَرفُوا ... فِي شرّ قَبرٍ لشرِّ مدفونِ)
(اذهبْ إِلَى النَّار وَالْعَذَاب فَما ... خلتكَ إِلَّا من الشياطينِ)
(مَا زلتُ حَتَّى عقَدْتَ بيعةَ منْ ... أضَرَّ بِالْمُسْلِمين وَالدّين) // المنسرح //
وَحدث مُحَمَّد بن جريرٍ قَالَ أَنْشدني عبد الله بن يَعْقُوب هَذَا الْبَيْت وَحده لدعبل يهجو بِهِ المتَوَكل وَمَا سَمِعت لَهُ غَيره فِيهِ
(ولستُ بقائلٍ بدعا ولكنْ ... لأمرٍ مَا تعبدك العبيد) // الوافر //
قَالَ يرميه فِي هَذَا الْبَيْت بالأبنة
وَحدث مُحَمَّد بن جرير قَالَ كنت مَعَ دعبل بالصيمرة وَقد جَاءَنَا نعي المعتصم وَقيام الواثق فَقَالَ لي دعبل أَمَعَك مَا تكْتب فِيهِ قلت نعم فأخرجت قرطاساً فأملى عَليّ بديها
(الْحَمد لله لَا صبرٌ وَلَا جلدُ ... وَلَا عزاءٌ إِذا أهلُ البلا رقدُوا)
(خليفةٌ ماتَ لم يحزن لَهُ أحد ... وَآخر قامَ لم يفرح بِهِ أحدُ) // الْبَسِيط //
وَكَانَ الْمَأْمُون قد تطلب دعبلاً وجد فِي ذَلِك وَهُوَ طَائِر على وَجهه حَتَّى دس إِلَيْهِ قَوْله
(علم وتحكيمٌ وشيب مَفَارق ... تطميسُ ريعان الشَّبَاب الرائقِ)
(وإمارةٌ فِي دولةٍ ميمونةٍ ... كَانَت على اللَّذَّات أَشغبَ عائقِ)
(2/197)

(نَعَوُا ابْن شكلةَ بالعراقِ وأهلهِ ... فَهَفَا إِلَيْهِ كلُّ أخرَقَ مائِق)
(أَنى يكونُ وَلَا يكونُ وَلم يكنْ ... يرثُ الخلافةَ فاسقٌ عَن فاسقِ)
(إِن كَانَ إِبْرَاهِيم مضطلعاً بهَا ... فلتصلُحَنْ من بعده الْمخَارِق) // الْكَامِل //
وَلما قَرَأَهَا الْمَأْمُون ضحك وَقَالَ قد صفحت عَن كل مَا هجانا بِهِ إِذْ قرن إِبْرَاهِيم بمخارق فِي الْخلَافَة وولاه عَهده ثمَّ إِنَّه كتب إِلَى دعبل أَمَانًا فَلَمَّا دخل وَسلم عَلَيْهِ تَبَسم فِي وَجهه وَقَالَ أَنْشدني
(مدارسُ آيَات خلت من تلاوةِ ... )
فجزع فَقَالَ لَهُ لَك الْأمان فَلَا تخف وَقد رويتها وَلَكِنِّي أحب سماعهَا من فِيك فأنشده إِيَّاهَا إِلَى آخرهَا والمأمون يبكي حَتَّى اخضلت لحيته بدمعه ثمَّ إِنَّه أحسن إِلَيْهِ وانسر بِهِ حَتَّى كَانَ أول دَاخل إِلَيْهِ وَآخر خَارج من عِنْده ثمَّ عَاد إِلَى خباثته وشاعت لَهُ أَبْيَات بعْدهَا أَيْضا يهجو بهَا الْمَأْمُون
وَحدث دعبل قَالَ دخلت على عَليّ بن مُوسَى الرضي فَقَالَ أَنْشدني مِمَّا أحدثت فَأَنْشَدته
(مدارس آيَات خلت مِنْ تِلاَوَةٍ ... ومنْزلُ وحْيٍ مُقْفرُ العَرَصاتِ) // الطَّوِيل //
(2/198)

حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى قولي فِيهَا
(إِذا وُتِرُوا مَدُّوا إِلَى واتِريهِمُ ... أكُفّاً عَن الأوْتَارِ مُنقَبِضَاتِ)
قَالَ فَبكى عِنْده حَتَّى أُغمي عَلَيْهِ فَأَوْمأ إِلَى خَادِم كَانَ على رَأسه أَن أسكت فَسكت فَمَكثَ سَاعَة ثمَّ قَالَ لي عد فَأَعَدْت حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى هَذَا الْبَيْت فَأَصَابَهُ مثل الَّذِي أَصَابَهُ فِي الْمرة الأولى وَأَوْمَأَ الْخَادِم أَيْضا إِلَيّ أَن أسكت فَسكت ثمَّ مكث سَاعَة أُخْرَى ثمَّ قَالَ لي أعد فَأَعَدْت حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى آخرهَا فَقَالَ أَحْسَنت أَحْسَنت ثَلَاث مَرَّات ثمَّ أَمر لي بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم مِمَّا ضرب باسمه وَلم تكن دفعت إِلَى أحد بعد وَأمر لي من فِي منزله بحلى كثير أخرجه إِلَى الْخَادِم فَقدمت الْعرَاق فَبِعْت كل دِرْهَم مِنْهَا بِعشْرَة اشْتَرَاهَا مني الشِّيعَة فَحصل لي مائَة ألف دِرْهَم فَكَانَ أول مَال اعتقدته
ثمَّ إِن دعبلا استوهب من عَليّ بن مُوسَى الرضي رَضِي الله عَنْهُمَا ثوبا قد لبسه ليجعله فِي أَكْفَانه فَخلع جُبَّة كَانَت عَلَيْهِ فَأعْطَاهُ إِيَّاهَا وَبلغ أهل قُم خَبَرهَا فَسَأَلُوهُ أَن يبيعهم إِيَّاهَا بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم فَلم يفعل فَخَرجُوا عَلَيْهِ فِي طَرِيقه فَأَخَذُوهَا غصبا وَقَالُوا لَهُ إِن شِئْت أَن تَأْخُذ المَال فافعل وَإِلَّا فَأَنت أعلم فَقَالَ لَهُم إِنِّي وَالله لَا أُعْطِيكُم إِيَّاهَا طَوْعًا وَلَا تنفعكم غصبا وأشكوكم إِلَى الرضي فَصَالَحُوهُ على أَن أَعْطوهُ ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم وفردكم من بطانتها فَرضِي بذلك
وَحدث دعبل قَالَ لما هربت من الْخَلِيفَة بت لَيْلَة بنيسابور وحدي وعزمت على أَن أعمل قصيدة فِي عبد الله بن طَاهِر فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَإِنِّي لفي ذَلِك إِذْ سَمِعت وَالْبَاب مَرْدُود عَليّ قَائِلا يَقُول السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته أَأَلِجُ يَرْحَمك الله فاقشعر بدني من ذَلِك ونالني أَمر عَظِيم فَقَالَ لي لَا ترع فَإِنِّي رجل من إخوانك من الْجِنّ من سَاكِني الْيمن طَرَأَ علينا طَارِئ من أهل الْعرَاق فأنشدنا قصيدتك مدارس آيَات ... إِلَى آخرهَا فَأَحْبَبْت أَن أسمعها مِنْك
(2/199)

قَالَ فَأَنْشَدته إِيَّاهَا فَبكى حَتَّى خر ثمَّ قَالَ يَرْحَمك الله أَلا أحَدثك بِحَدِيث فِي نيتك ويعينك على التَّمَسُّك بمذهبك قلت بلَى قَالَ مكثت حينا أسمع بِجَعْفَر بن مُحَمَّد رحمهمَا الله تَعَالَى فصرت إِلَى الْمَدِينَة المنورة فَسَمعته يَقُول حَدثنِي أبي عَن أَبِيه عَن جده رَضِي الله عَنْهُم أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (على وشيعته هم الفائزون) ثمَّ وَدعنِي لينصرف فَقلت يَرْحَمك الله إِن رَأَيْت أَن تُخبرنِي بِاسْمِك فافعل قَالَ أَنا ظبْيَان بن عَامر
وَحدث إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي قَالَ بُويِعَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي بِبَغْدَاد وَقد قل المَال عِنْده وَكَانَ قد لَجأ إِلَيْهِ أَعْرَاب من أَعْرَاب السوَاد وَغَيرهم من أوباش النَّاس وأوغادهم فاحتبس عَلَيْهِم الْعَطاء فَجعل إِبْرَاهِيم يسوفهم وهم لَا يرَوْنَ لوعده حَقِيقَة إِلَى أَن خرج رَسُوله إِلَيْهِم يَوْمًا وَقد اجْتَمعُوا وضجوا فَصرحَ إِلَيْهِم بِأَنَّهُ لَا مَال عِنْده فَقَالَ قوم من غوغاء أهل بَغْدَاد أخرجُوا إِلَيْنَا خليفتنا ليقي أهل هَذَا الْجَانِب ثَلَاثَة أصوات فَتكون عطاءهم وَلأَهل هَذَا الْجَانِب مثلهَا قَالَ إِسْحَاق فأنشدني دعبل بعد أَيَّام
(يَا مَعْشَر الأجْنَادِ لَا تَقْنَطُوا ... وارّضوْا بمَا كاَن وَلَا تَسْخَطُوا)
(فَسَوْفَ تُعْطَونَ حنينية ... يَلْتذَها الأمْرَدُ وَالأشْمَطُ)
(والمَعْبَدِيّاتُ لِقُوّادِكُمْ ... لَا تَدْخُلُ الكِيسَ وَلَا تُرْبَطُ)
(وهَكَذَا يرزُقُ قُوَّادَه ... خليفَةٌ مُصْحَفه البربط) // السَّرِيع //
وَدخل عبد الله بن طَاهِر على الْمَأْمُون فَقَالَ لَهُ أَي شَيْء تحفظ يَا عبد الله لدعبل قَالَ أحفظ أبياتاً لَهُ فِي أهل بَيت أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ هَاتِهَا فأنشده عبد الله قَوْله
(2/200)

(سقيا ورَعْياً لأيّام الصِّبَاباتِ ... أيامَ أرفُلُ فِي أثْوَاب لَذَّاتي)
(أَيَّام غُصني رَطيبٌ مِنْ ليانتهِ ... أصْبُو إِلَى غيْرِ جارَاتٍ وكنّاتِ)
(دعْ عنْكَ ذكر زمَانٍ فاتَ مطْلَبه ... واقْذِف برجْلِكَ عَنْ متن الجَهَالاَتِ)
(واقْصِدْ بِكلِّ مديح أنْتَ قائِلهُ ... نَحْوَ الهُدَاةِ بني بَيْتِ الكرامات) // الْبَسِيط //
فَقَالَ الْمَأْمُون إِنَّه وجد وَالله مقَالا فَقَالَ ونال بِبَعِيد ذكراهم مَا لَا يَنَالهُ فِي وصف غَيرهم ثمَّ قَالَ الْمَأْمُون لقد أحسن فِي وصف سفر سافره فطال ذَلِك السّفر عَلَيْهِ فَقَالَ فِيهِ
(ألم يأنِ لِلسّفْر الذِّينَ تَحَمّلوا ... إِلَى وطَنٍ قبْلَ المَماتِ رُجُوعُ)
(فَقُلْتُ ولمْ أملك سوابق عِبْرَة ... نَطَقْنَ بمَا ضُمّتْ عَلَيْه ضلُوعُ)
(تَبَّين فكَمْ دارٍ تَفَرَّقَ شَمْلُها ... وَشَمْلٍ شَتيتٍ عادَ وهْوَ جمِيعُ)
(كَذَاك اللَّيَالي صَرْفُهُنّ كَمَا تَرَى ... لِكلِّ أُناسِ جَدْبَةٌ وَرَبيعُ) // الطَّوِيل //
ثمَّ قَالَ الْمَأْمُون مَا سَافَرت قطّ إِلَّا كَانَت هَذِه الأبيات نصب عَيْني وهجيراى ومسليتي حَتَّى أَعُود
وَمن شعره يهجو
(رُفعَ الكلْبُ فاتَضَعْ ... لَيْسَ فِي الكلبِ مُصطَنعْ)
(بَلَغَ الغايَةَ الَّتي ... دُونَهَا كلُّ مَا ارْتفَعْ)
(إِنما قصر كل شَيْء ... إِذا طَارَ أنْ يَقَعْ)
(لَعَنَ اللهُ نَخْوَةً ... صارَ مِنْ بعْدهَا ضرع) // من مجزوء الْخَفِيف //
وَمن شعره يهجو أَيْضا
(2/201)

(سمت المَدِيحَ رجَالًا دون مَالهم ... رَدٌّ قَبيحٌ وقَوْلٌ لَيْسَ بالحَسَن)
(فَلم أفُزْ مِنْهُم إِلَّا بمَا حَمَلتْ ... رِجْلُ البَعُوضةِ مِنْ فَخَّاَرة اللَّبن) // الْبَسِيط //
وَمِنْه قَوْله فِيمَن استشفع بِهِ فِي حَاجَة فَاحْتَاجَ إِلَى شَفِيع يشفع لَهُ
(يَا عَجَباً لِلْمرتَجِي فَضْلَهُ ... لَقَدْ رَجا مَا لَيْسَ بالنْافع)
(جئْنا بِهِ يَشْفَعُ فِي حَاجَة ... فَاحْتَاجَ فِي الأذنِ إِلَى شَافِع) // السَّرِيع //
وَحدث دعبل قَالَ خرجت إِلَى الْجَبَل هَارِبا من المعتصم فَكنت أَسِير فِي بعض طريقي والمكاري يَسُوق بِي بغلاً تحتي وَقد أتعبني تعباً شَدِيدا فتغني المكاري بِقَوْلِي
(لَا تعجبي يَا سلم من رجل ... ضحك المشيب بِرَأْسِهِ فَبكى) // الْكَامِل //
فَقلت لَهُ وَأَنا أُرِيد أَن أَتَقَرَّب إِلَيْهِ ليكف مَا يَسْتَعْمِلهُ من الْحَث للبغل لِئَلَّا يتعبني تعرف لمن هَذَا الشّعْر يَا فَتى قَالَ لمن ناك أمه وَغرم دِرْهَمَيْنِ فَمَا أَدْرِي من أَي أُمُوره أعجب أَمن هَذَا الْجَواب أم من قلَّة الْغرم على عظم الْجِنَايَة
وَحدث على بن عبد الله بن مسْعدَة قَالَ قَالَ لي دعبل وَقد أنشدته قصيدة بكر بن خَارِجَة فِي عِيسَى بن الْبَراء النَّصْرَانِي
(زُنَّارُه فِي خَصْرِهِ مَعقُود ... كَأَنَّهُ مِنْ كَبِدِي مقدود) // الرجز //
وَالله مَا أعلم أَنِّي حسدت أحدا كَمَا حسدت بكرا على قَوْله كَأَنَّهُ من كَبِدِي مقدود وَكَانَ بكر هَذَا وراقاً ضيقا عيشه معاقراً للشراب فِي منَازِل الخمارين وحاناتهم وَكَانَ طيب الشّعْر مليحاً مطبوعاً حسنا مَاجِنًا خليعاً وَكَانَت الْخمْرَة قد أفسدت عقله فِي آخر عمره فَصَارَ يهجو ويمدح بالدرهم وَالدِّرْهَمَيْنِ وَنَحْو هَذَا فاطرح
وَحدث بعض الْكُوفِيّين قَالَ حَضَرنَا دَعْوَة ليحيى بن أبي يُوسُف القَاضِي وبتنا عِنْده ونمت فَمَا أنبهني إِلَّا صياح بكر يستغيث من الْعَطش فَقلت لَهُ مَالك قُم فَاشْرَبْ فالدار ملأى مَاء قَالَ أَخَاف قلت من أَي شَيْء قَالَ فِي الدَّار
(2/202)

كلب كَبِير فَأَخَاف أَن يظنني غزالاً فيثب عَليّ ويقطعني ويأكلني فَقلت لَهُ خرب الله بَيْتك أَنْت وَالله بالخنازير أشبه مِنْك بالغزلان قُم فَاشْرَبْ إِن كنت عطشانا وَأَنت آمن وَكَانَ عقله قد فسد من كَثْرَة الشّرْب
وَحدث أَحْمد بن عُثْمَان الطَّبَرِيّ قَالَ سَمِعت دعبل بن عَليّ يَقُول لما هاجيت أَبَا سعد المَخْزُومِي أخذت معي جوزاً ودعوت الصّبيان فأعطيتهم مِنْهُ وَقلت لَهُم صيحوا بِهِ قائلين
(يَا أَبَا سَعد قوصره ... زاني الأخْتِ والمَرَهْ)
(لَو ترَاهُ مجيباً ... خِلْتَهُ عقْدَ قَنْطرَهْ)
(أَو تَرَى الأير فِي استِهِ ... قلت سَاق بمقطره) // من مجزوء الْخَفِيف //
فصاحوا بِهِ فغلبته
وَلأبي سعد المخزمي يهجو دعبلاً وَكَانَ قد دَعَاهُ إِلَى بَيته وأضافه
(لدعْبلٍ مِنّةٌ يَمُنُّ بهَا ... فَلسْتُ حَتَّى الْمَمَات أَنْسَاهَا)
(أدخلنا بَيْتَهُ فَأَكْرَمَنَا ... ودَسّ امْرَأَته فنكناها) // المنسرح //
وَحدث أَبُو سعد المَخْزُومِي واسْمه عِيسَى بن خَالِد الْوَلِيد قَالَ أنشدت الْمَأْمُون قصيدتي الدالية الَّتِي رددت فِيهَا على دعبل قَوْله
(ويَسومني المأمونُ خُطّة عَاجز ... أَو مَا رأى بالْأَمْس رأسَ مُحَمَّد) // الْكَامِل //
وَأول قصيدتي
(أخَذَ َالمَشيبُ من الشَّبَاب الأغيد ... والنَّائِباتُ من الْأَنَام بِمرْصَدِ) // الْكَامِل //
ثمَّ قلت لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ائْذَنْ لي أَن أجيئك بِرَأْسِهِ فَقَالَ لَا هَذَا رجل قد فَخر علينا فافخر عَلَيْهِ كَمَا فَخر علينا فَأَما قَتله فَلَا حجَّة فِيهِ
وَكَانَ الرشيد قد غنى بقول دعبل
(2/203)

(لَا تعجبي يَا سلم من رجل ... ... . الأبيات)
فطرب لَهَا وَسَأَلَ عَن قَائِلهَا فَقيل لدعبل غُلَام نَشأ من خُزَاعَة فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وخلعة من ثِيَابه ومركب من مراكبه وجهز لَهُ ذَلِك مَعَ خَادِم من خدمه إِلَى خُزَاعَة فَأعْطَاهُ الْجَائِزَة وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ وَسلم أمره بِالْجُلُوسِ فَجَلَسَ واستنشده الشّعْر فأنشده إِيَّاه فَاسْتَحْسَنَهُ وَأمره بملازمته وأجرى عَلَيْهِ رزقا سنياً فَكَانَ أول من حرضه على قَول الشّعْر ثمَّ إِنَّه مَا بلغه أَن أَن الرشيد مَاتَ حَتَّى كافأه على فعله بأقبح مُكَافَأَة وَقَالَ فِيهِ من قصيدة مدح بهَا أهل الْبَيْت رَضِي الله عَنْهُم وهجا الرشيد
(وليْسَ حيٌّ من الْأَحْيَاء نَعلمه ... من ذِي يَمانٍ وَلَا بكرٍ وَلَا مُضَرِ)
(إِلَّا وهم شُرَكَاء فِي دِمَائِهِمْ ... كَمَا تشارك أيسارٌ على جُزُر)
(قتلٌ وأسْرٌ وتحريقٌ ومنهبة ... فعلُ الْغُزَاة بِأَرْض الرّوم والخَزَرِ)
(أرى أُمية مَعذُورين إِن قتلوا ... وَلَا أرَى لبني العَباس من عُذُرِ)
(أرْبع بطوس على القبْر الزِكي إِذا ... مَا كنْتَ تربع من دير إِلَى وطر)
(قبْران فِي طوس خيرُ النَّاس كلهم ... وقبر شرَّهم هَذَا من العِبَر)
(مَا ينفعُ الرِّجس من قرب الزكى وَلَا ... على الزكى بِقرب الرِّجس من ضَرَر)
(هَيْهَات كل امرىء رَهْنٌ بِمَا كسبت ... لَهُ يَدَاهُ فخُذْ مَا شِئْت أَو فذر) // الْبَسِيط //
يَعْنِي قبر الرشيد وقبر مُوسَى الكاظم ولعمري لقد هَذَا هَذَا ولنفسه ظلم وآذى
(2/204)

وَحدث أَبُو حَفْص النَّحْوِيّ مؤدب آل طَاهِر قَالَ دخل دعبل على عبد الله بن طَاهِر فأنشده وَهُوَ بِبَغْدَاد
(جئتُ بِلَا حُرْمةٍ ولاَ سَبَب ... إِلَيْك إِلَّا بحُرْمة الْأَدَب)
(فاقْضِ ذِمَامِي فإنني رَجُلٌ ... غيرُ مُلِحٍّ عَلَيْك فِي الطلبِ) // المنسرح //
قَالَ فانتقل عبد الله وَدخل إِلَى الْحرم وَوجه إِلَيْهِ بصرة فِيهَا ألف دِرْهَم وَكتب إِلَيْهِ مَعهَا
(أعجلْتَنا فأتاك عاجلُ برنا ... ولَو انتَظَرْتَ كثيرَهُ لم يقلل)
(فخُذِ القليلَ وَكن كأنّكَ لم تسل ... ونكُون نحْنُ كأننا لم نَفْعل) // الْكَامِل //
وَكَانَ دعبل قد قصد مَالك بن طوق ومدحه فَلم يرض ثَوَابه فَخرج عَنهُ وَقَالَ فِيهِ
(إنّ ابنَ طوْق وَبني تغلب ... لَو قُتلوا أَو جُرِحُوا قصره)
(لم يَأْخُذُوا من دِيَة درْهما ... يَوْمًا وَلَا من أرْشِهِمْ بعْرَهْ)
(دِمَاؤُهُمْ لَيْسَ لَهَا طالبٌ ... مطلولة مِثْل دم العذره)
(وجوهُهُم بيضٌ وأحسابهُمْ ... سودٌ وَفِي آذانهمْ صفره) // السَّرِيع //
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا
(سَأَلت عَنْكُم يَا بني مَالك ... فِي نازح الأرْضِينَ والدانيه)
(طرّاً فَلم نَعْرِف لكم نِسْبَة ... حَتَّى إِذا قلتُ بني الزّانيهْ)
(قَالُوا فَدعْ دَارا على يمنةٍ ... وَتلك هادارهم ثَانِيَة) // السَّرِيع //
فبلغت الأبيات مَالِكًا فَطَلَبه فهرب فَأتى الْبَصْرَة وَعَلَيْهَا إِسْحَاق بن الْعَبَّاس ابْن مُحَمَّد بن عَليّ العباسي وَكَانَ قد بلغه هجاء دعبل وَعبد الله بن عُيَيْنَة نزاراً فَأَما ابْن عُيَيْنَة فَإِنَّهُ هرب مِنْهُ فَلم يظْهر بِالْبَصْرَةِ طول أَيَّامه وَأما دعبل فَإِنَّهُ حِين دخل الْبَصْرَة بعث إِلَيْهِ فَقبض عَلَيْهِ ودعا بالنطع وَالسيف ليضْرب عُنُقه فَحلف
(2/205)

بِالطَّلَاق على جَحدهَا وَبِكُل يَمِين تبرىء من الدَّم أَنه لم يقلها وَأَن عدوا لَهُ قَالَهَا إِمَّا أَبُو سعد المَخْزُومِي أَو غَيره ونسبها إِلَيْهِ ليغري بدمه وَجعل يتَضَرَّع إِلَيْهِ وَيقبل الأَرْض ويبكي بَين يَدَيْهِ فرق لَهُ فَقَالَ أما إِذا أعفيتك من الْقَتْل فَلَا بُد أَن أشهرك ثمَّ دَعَا لَهُ بِالْعِصِيِّ فَضَربهُ حَتَّى سلخ وَأمر بِهِ فألقي على قَفاهُ وَفتح فَمه فَرد سلحه فِيهِ والمقارع تَأْخُذ رجلَيْهِ وَهُوَ يحلف أَن لَا يكف عَنهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيه ويبلعه أَو يقْتله فَمَا رفعت عَنهُ حَتَّى بلع سلحه كُله ثمَّ خلاه فهرب إِلَى الأهواز وَبعث مَالك بن طوق رجلا حصيفاً مقداماً وَأَعْطَاهُ سما وَأمره أَن يغتاله كَيفَ شَاءَ وَأَعْطَاهُ على ذَلِك عشرَة آلَاف دِرْهَم فَلم يزل يَطْلُبهُ حَتَّى وجده فِي قَرْيَة من نواحي السوس فاغتاله فِي وَقت من الْأَوْقَات بعد صَلَاة الْعَتَمَة فَضرب ظهر قدمه بعكاز لَهَا زج مَسْمُوم فَمَاتَ من الْغَد وَدفن بِتِلْكَ الْقرْيَة وَقيل بل حمل إِلَى السوس فَدفن فِيهَا
وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة ووفاته فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ
وَلما مَاتَ وَكَانَ صديق البحتري وَكَانَ أَبُو تَمام قد مَاتَ قبله رثاهما البحتري بقوله
(قدْ زادَ فِي كلفي وأوقدَ لوعتي ... مَثْوَى حبيب يَوْم مَاتَ ودعبلِ)
(أخويّ لَا تزلِ السَّمَاء مخيلةَ ... تغشاكما بسماء مزنٍ مُسْبلِ)
(جدثٌ على الأهواز يبعدُ دُونهُ ... مسرَى النعيِّ ورمة بالموصل) // الْكَامِل //
ودعبل بِكَسْر الدَّال وَسُكُون الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة
(2/206)

116 - (مَا أحسن الدينَ والدُّنيا إِذا اجْتمعَا ... وأقبح الْكفْر والأفْلاَسَ بالرَّجُلِ)
الْبَيْت من الْبَسِيط ويعزى لأبي دلامة
يحْكى أَن أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور سَالَ أَبَا دلامة عَن أشعر بَيت قالته الْعَرَب فِي الْمُقَابلَة فَقَالَ بَيت يلْعَب بِهِ الصّبيان قَالَ وَمَا هُوَ على ذَاك قَالَ قَول الشَّاعِر وأنشده الْبَيْت
قَالَ ابْن أبي الْأصْبع لَا خلاف فِي أَنه لم يقل قبله مثله فَإِنَّهُ قَابل بَين أحسن وأقبح وَالدّين وَالْكفْر وَالدُّنْيَا والأفلاس وَهُوَ من مُقَابلَة ثَلَاثَة بِثَلَاثَة وَكلما كثر عدد الْمُقَابلَة كَانَت أبلغ
وَأحسن من بَيت أبي دلامة قَول المتنبي
(فَلَا الجودُ يفني المالَ والجدّ مقبلٌ ... وَلَا البخلُ يبقي المالَ والجدُّ مدبرِ) // الطَّوِيل //
وَمن الْمُقَابلَة قَول النَّابِغَة الْجَعْدِي
(فَتى تمّ فِيهِ مَا يَسْرُّ صديقَهُ ... على أَن فِيهِ مَا يسوء الأعاديا) // الطَّوِيل //
وَقَول الفرزدق
(وَإِنَّا لنمضي بالأكف رماحنَا ... إِذَا أُرعشتْ أَيْدِيكُم بالمعالق) // الطَّوِيل //
وَقَول عبد الله بن الزبير الْأَسدي
(فردّ شعورهنّ السودَ بيضًا ... وَرَدّ وُجوههن الْبيض سُودًا) // الوافر //
وَقَول لأبي تَمام
(يَا أُمةً كَانَ قبحُ الْجور يسخطها ... دَهراً فَأصْبح حسنُ الْعدْل يرضيها) // الْبَسِيط //
وَقَول البحتري
(فإِذا حَاربُوا أذلُّوا عَزِيزًا ... وإِذَا سالموا أعزوا ذليلا) // الْخَفِيف //
وَقَول يزِيد بن مُحَمَّد المهلبي لِسُلَيْمَان بن وهب
(فمنْ كانَ للآثامِ والذُلِّ أرضهُ ... فأرضكمُ للأجرِ والعزِّ مَعْقِلُ) // الطَّوِيل //
(2/207)

وَقَول الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف
(اليومُ مِثلُ الحولِ حَتَّى أرَى ... وَجهكَ والساعة كالشهر) // السَّرِيع //
لِأَن السَّاعَة من الْيَوْم كالشهر من الْحول جُزْء من اثْنَي عشر
ولمؤلفه من أَبْيَات
(لَو كَانَ ذَا الكاشحُ فِي بلدتي ... لم يستطعْ يُوِمضُنِي وَمْضاً)
(وكنتُ فِي العزِّ سماءَ لهُ ... وكانَ لي مِنْ ذلة أَرضًا) // السَّرِيع //
وحسنٌ فِي الْمُقَابلَة قَول الشريف الموسوي
(ومنظرٍ كانَ بالسَّرَّاء يضحكُنِي ... يَا قربَ مَا عادَ بالضرَّاء يبكيني) // الْبَسِيط //
وَقَول أبي عبد الله الغواص
(جَهْلُ الرئيسِ وحقّ الله يضحكنُا ... وفعلهُ وإلهِ الناسِ يبُكينَا) // الْبَسِيط //
وَقَول ابْن شمس الْخلَافَة
(طالتِ الشّقوَةُ للمرْءِ إذَا ... قَصُرَ الرزقُ وَطَالَ الْعُمر) // الرمل //
وَقَول السّري الرفاء
(وَصَاحب يقدَحُ لِي ... نارَ السرُورِ بالقدَح)
(فِي رَوْضَة قد لبستْ ... منْ لُؤْلُؤ الطلّ سبحْ)
(والجَوُّ فِي مُمسَّكٍ ... طرازُهُ قوسُ قزَحْ)
(يبكي بِلاَ حزنٍ كمَا ... يضْحك من غير فَرح) // من مجزوء الرجز //
وَقَوله وَقد شرب لَيْلَة فِي زورق
(ومعتدلٍ يسْعَى إليَّ بكأسهِ ... وَقد كادَ ضوءُ الصُّبْح بِاللَّيْلِ يفتكُ)
(2/208)

(وَقد حجبَ الغيمُ السَّمَاء كَأَنَّمَا ... يُزَرُّ عَلَيْهَا منهُ ثوبٌ ممسّكُ)
(ظَلِلنا نبثُّ فِي الوجدَ والكأسُ دائرٌ ... ونهتكُ أَسْتَار الْهوى فتهتَّكُ)
(ومجلسنا فِي المَاء يهوى ويَرْتقى ... وإبرِيقنا فِي الكأس يبكي ويضحك) // الطَّوِيل //
وَقَول التمتام الْحداد الْمصْرِيّ
(أَما ترى الغيثَ كلما ضحكتْ ... كمائمُ الزهرِ فِي الرياض بكىَ)
(كالحبّ يبكي لديهِ عاشقهُ ... وَكلما فاضَ دَمعهُ ضحكَا) // المنسرح //
وَمَا أحسن قَول الأرجاني وأرشقه
(شبتُ أَنا والتَحى حبيبِي ... حَتَّى برغمي سلوتُ عنهُ)
(وابيضّ ذَاكَ السوادُ مني ... واسودّ ذَاكَ البياضُ مِنْهُ) // من مخلع الْبَسِيط //
وَمَا أصفى قَول الصفي الْحلِيّ
(مليحُ يغيرُ الغصنَ عِنْد اهتزازهِ ... ويخجلُ بدرَ التمِّ عندَ شُروقهِ)
(فَمَا فيهِ معنى ناقصٌ غيرُ خَصرهِ ... وَلَا فيهِ شيءٌ باردٌ غيرُ رِيقه) // الطَّوِيل //
وَمَا أشرق قَول الشَّمْس التلمساني
(فكم يتجافى خصرُه وَهُوَ ناحلٌ ... وَكم يتحالى ريقهُ وَهُوَ باردُ)
(وَكم يَدعِي صَوتا وهذِي جفونهُ ... بفَتْرتها للعاشقين تواعد) // الطَّوِيل //
وَمن مُقَابلَة خَمْسَة بِخَمْسَة قَول المتنبي
(أزُورُهم وسوادُ اللَّيْل يشفعُ لي ... وأنثني وَبَيَاض الصُّبْح يغري بِي) // الْبَسِيط //
وَقد أَخذه بَعضهم أخذا مليحاً فَقَالَ
(أقلى النهارَ إِذا أَضَاء صَاحبه ... وأظَلُّ أنْتَظر الظلامَ الدامسَا)
(فالصبح يَشْمت بِي فيقبلُ ضَاحِكا ... والليلُ يَرثي لي فيدير عَابِسا) // الْكَامِل //
والمتنبي أَخذ معنى بَيته من مصراع بَيت لِابْنِ المعتز وَهُوَ قَوْله
(2/209)

(لَا تلقَ إِلَّا بليلٍ مَنْ تواعدُهُ ... فالشمسُ نَمَّامةٌ والليلُ قواد) // الْبَسِيط //
إِلَّا أَن ابْن المعتز هجن هَذَا الْمَعْنى بِذكر نمامة وقواد وَأَبُو الطّيب سبكه أحسن سبك وأبدعه فَصَارَ أَحَق بِهِ مِنْهُ
وَقَالَ عبد الله بن خَمِيس من شعراء المغاربة
(باتتْ لَهُ الْأَهْوَاء أدهم سَابِقًا ... وغدَتْ بِهِ الأيامُ أشهبَ كابي) // الْكَامِل //
فَأحْسن مَا شَاءَ لمقابلته الأدهم بالأشهب والسبق بالكابي على أَنه مَأْخُوذ من قَول ذِي الوزارتين أبي عبد الله بن أبي الْخِصَال رَحمَه الله تَعَالَى
(وَقد كنتُ أسرى فِي الظلام بأدهم ... فها أَنا أغدو فِي الصبَاح بأشهَبِ) // الطَّوِيل //
وَفِي بَيت كل مِنْهُمَا زِيَادَة على الآخر
وَمن مُقَابلَة سِتَّة بِسِتَّة مَا أوردهُ الصاحب شرف الدّين مُسْتَوْفِي إربل وَهُوَ
(على رَأس عبدٍ تاجُ عِزٍّ يزينهُ ... وَفِي رِجْلِ حرّ قيد ذُلٍّ يَشينهُ) // الطَّوِيل //
حكى غرس الدّين الأربلي أَن الصاحب الْمَذْكُور لما أنْشد لغيره هَذَا الْبَيْت قَالَ هُوَ بديهاً
(تسر لئيماً مكرماتٌ تزينهُ ... وتبكي كَرِيمًا حادثات تهينه) // الطَّوِيل //
وَمن مُقَابلَة خَمْسَة بِخَمْسَة قَول الْقَائِل فِي ذِي أبنة
(يَأْتِي إِلَى الْأَحْرَار يجلسُ فوقهمْ ... وينامُ من تَحت العبيد ويوتى) // الْكَامِل //
وَمن مُقَابلَة خَمْسَة بِخَمْسَة قَول النميري الغرناطي
(هنّ البدُورُ تغيرتْ لما رأتْ ... شعرَاتِ رَأْسِي آذنَتْ بتغيرِ)
(رَاحت تحبُّ دُجى شباب مظلم ... وغدَتْ تعاف ضحى مشيب نير) // الْكَامِل //
(2/210)

وَأَبُو دلامة اسْمه زند بن الجون وَأكْثر النَّاس يصحف اسْمه وَيَقُول زيد بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّة وَهُوَ خطأ وَإِنَّمَا هُوَ بالنُّون وَهُوَ كُوفِي أسود مولى لبني أَسد وَكَانَ أَبُو دلامة عبدا لرجل مِنْهُم يُقَال لَهُ قضاقض فَأعْتقهُ وَأدْركَ آخر أَيَّام بني أُميَّة وَلم يكن لَهُ فِيهَا نباهة ونبغ فِي أَيَّام بني الْعَبَّاس فَانْقَطع إِلَى السفاح والمنصور وَالْمهْدِي وَكَانُوا يقدمونه ويفضلونه ويستطيبون مُجَالَسَته ونوادره وَلم يصل لأحد من الشُّعَرَاء مَا وصل لأبي دلامة من الْمَنْصُور خَاصَّة وَكَانَ أَبُو دلامة فَاسد الدّين رَدِيء الْمَذْهَب مرتكباً للمحارم مجاهراً بذلك وَكَانَ يعلم هَذَا مِنْهُ وَيعرف بِهِ فيتجافى عَنهُ للطف مَحَله وَكَانَ أول مَا حفظ من شعره وأسنيت لَهُ الْجَائِزَة بِهِ قصيدة مدح بهَا أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور وَذكر قَتله أَبَا مُسلم وفيهَا يَقُول
(أَبَا مُسلم خوّفتني القتلَ فانْتَحَى ... عليكَ بِمَا خوفتني الأسدُ الوَرد)
(أَبَا مُسلم مَا غير اللهُ نعْمَة ... على عَبده حَتَّى يغيرها العبدُ) // الطَّوِيل //
وأنشدها الْمَنْصُور فِي محفل من النَّاس فَقَالَ لَهُ احتكم فَقَالَ لَهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم فَأمر لَهُ بهَا فَلَمَّا خلا بِهِ قَالَ لَهُ أما وَالله لَو تعديتها لقتلتك
وَكَانَ الْمَنْصُور قد أَمر أَصْحَابه بِلبْس السوَاد وقلانس طوال تدعم بعيدان من داخلها وَأَن يلْقوا السيوف فِي المناطق ويكتبوا على ظُهُورهَا {فَسَيَكْفِيكَهُم الله وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم} فَدخل عَلَيْهِ أَبُو دلامة فِي هَذَا الزي فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَر مَا حالك قَالَ شَرّ حَال وَجْهي فِي وسطي وسيفي فِي استي وَقد صبغت بِالسَّوَادِ ثِيَابِي ونبذت كتاب الله وَرَاء ظَهْري فَضَحِك مِنْهُ وأعفاه وحذره من ذَلِك وَقَالَ لَهُ إياك أَن يسمع مِنْك هَذَا أحد وَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو دلامة
(2/211)

(وَكُنَّا نرجِّى منحةً من إمامنَا ... فجاءتْ بطُولٍ زادهُ فِي القلانسِ)
(ترَاهَا على هام الرِّجَال كَأَنَّهَا ... دنانُ يهود جُلِّلتْ بالبرانس) // الطَّوِيل //
وَحدث الجاحظ قَالَ كَانَ أَبُو دلامة وَاقِفًا بَين يَدي الْمَنْصُور أَو السفاح فَقَالَ لَهُ سلني حَاجَتك قَالَ أَبُو دلامة كلب صيد قَالَ أَعْطوهُ إِيَّاه قَالَ ودابة أتصيد عَلَيْهَا قَالَ أَعْطوهُ قَالَ وَغُلَام يَقُود الْكَلْب قَالَ أَعْطوهُ غُلَاما قَالَ وَجَارِيَة تصلح لنا الصَّيْد وتطعمنا مِنْهُ قَالَ أَعْطوهُ جَارِيَة قَالَ هَؤُلَاءِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عِيَال فَلَا بُد من دَار يسكنونها قَالَ أَعْطوهُ دَارا تجمعهم قَالَ وَإِن لم يكن لَهُم ضَيْعَة فَمن أَيْن يعيشون قَالَ قد أقطعتك مائَة جريب عامرة وَمِائَة جريب غامرة قَالَ وَمَا الغامرة قَالَ مَا لَا نَبَات فِيهِ من الأَرْض قَالَ قد أقطعتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ خَمْسمِائَة ألف جريب غامرة من فيا فِي بني أَسد فَضَحِك وَقَالَ اجعلوا الْمِائَتَيْنِ كلهَا عامرة قَالَ فَأذن لي أَن أقبل يدك قَالَ أما هَذِه فدعها فَأنى لَا أفعل قَالَ وَالله مَا منعت عيالي شَيْئا أقل ضَرَرا عَلَيْهِم مِنْهَا
قَالَ الجاحظ فَانْظُر إِلَى حذقه بِالْمَسْأَلَة ولطفه فِيهَا حَيْثُ ابْتَدَأَ بكلب فسهل الْقَضِيَّة وَجعل يَأْتِي بِمَا يَلِيهِ على تَرْتِيب فكاهة حَتَّى نَالَ مَا لَو سَأَلَهُ بديهة لما وصل إِلَيْهِ
وَحدث الْهَيْثَم بن عدي قَالَ دخل أَبُو دلامة على الْمَنْصُور فأنشده قصيدته الَّتِي أَولهَا
(إنّ الخليط أجدَّ الْبَين فانتجعوا ... وزودوك خبالاً بئس مَا صَنَعُوا) // الْبَسِيط //
(2/212)

إِلَى أَن قَالَ فِيهَا يهجو زَوجته
(لاَ وَالَّذِي يَا أميرَ المؤمنينَ قَضىَ ... لَك بالخلافة فِي أَسبَابهَا الرَّفَعُ)
(مَا زلتُ أخلصها كسبي فتأكلهُ ... دوني وَدون عيالي ثمَّ تضطجعُ)
(شوهاء مَشْنِيَّة فِي بَطنهَا بجَرٌ ... وَفِي المفاصل من أوصالها فدعُ)
(ذكرتها بِكِتَاب الله حرمتنَا ... وَلم تكن بِكِتَاب الله ترتدعُ)
(فاخرَ نظمت ثمّ قالَتْ وَهِي مغضبةٌ ... أَأَنْت تتلو كتاب الله يَا لُكَعُ)
(أخرجْ لتبغِ لنا مَالا ومزرعةً ... كَمَا لجيراننا مالٌ ومُزْدَرَعُ)
(واخدعْ خليفتنا عَنَّا بمسألةٍ ... إنَّ الْخَلِيفَة للسؤَّالِ ينخدعُ) // الْبَسِيط //
فَضَحِك الْمَنْصُور وَقَالَ أرضوها عَنهُ واكتبوا لَهَا سِتّمائَة جريب عامرة وغامرة فَقَالَ أَنا أقطعك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَرْبَعَة آلَاف جريب غامرة فِيمَا بَين الْحيرَة والنجف وَإِن شِئْت زدتك فَضَحِك وَقَالَ اجْعَلُوهَا كلهَا عامرة
وَشهد أَبُو دلامة لجارة لَهُ عِنْد ابْن أبي ليلى القَاضِي على أتان نازعها فِيهِ رجلٌ فَلَمَّا فرغ من الشَّهَادَة قَالَ لِابْنِ أبي ليلى اسْمَع مَا قلت قبل أَن آتِيك ثمَّ اقْضِ بِمَا شِئْت قَالَ هَات فأنشده
(إِن النَّاسُ غطوني تغطَّيت عنهمُ ... وَإِن بَحثُوا عني ففيهم مَباحث)
(وَإِن حَفَروا بئري حفرت بئارهم ... ليعلم يَوْمًا كَيفَ تِلْكَ النبائت) // الطَّوِيل //
(2/213)

فَأقبل القَاضِي على الْمَرْأَة وَقَالَ أتبيعينني الأتان قَالَت نعم قَالَ بكم قَالَت بِمِائَة دِرْهَم قَالَ ادفعوها إِلَيْهَا فَفَعَلُوا وَأَقْبل على الرجل فَقَالَ قد وهبتها لَك وَقَالَ لأبي دلامة قد أمضيت شهادتك وَلم أبحث عَنْك وابتعت مِمَّن شهِدت لَهُ ووهبت ملكي لمن رَأَيْت أرضيت قَالَ نعم وَانْصَرف
وَدخل أَبُو عَطاء السندي يَوْمًا إِلَى أبي دلامة فاحتبسه ودعا بِطَعَام وشراب فأكلا وشربا وَخرجت إِلَى أبي دلامة صبية لَهُ فحملها على كتفه فبالت عَلَيْهِ فنبذها عَن كتفه ثمَّ قَالَ
(بَللْتِ عليّ لأحُيِّيتِ ثَوبِي ... فَبالَ علَيْكِ شيطانٌ رَجيمُ)
(فمَا وَلَدَتك مَرْيمُ أمُّ عيسىَ ... وَلَا ربَّاكَ لُقْمَان الْحَكِيم) // الوافر //
ثمَّ الْتفت إِلَى أبي عَطاء فَقَالَ لَهُ أجزيا أَبَا عَطاء فَقَالَ
(صَدقتَ أَبَا دُلامةَ لَمْ تَلدْها ... مُطهَّرَةٌ وَلَا فحلٌ كَريمُ)
(ولكِنْ قَدْ حَوَتهَا أمُّ سوءٍ ... إِلَى لَبَّاتها وأبٌ لئيمُ) // الوافر //
فَقَالَ لَهُ أَبُو دلامة عَلَيْك لعنة الله مَا حملك على أَن بلغت بِي هَذَا كُله وَالله لَا أنازعك بَيت شعر أبدا فَقَالَ لَهُ أَبُو عَطاء يكون الَّذِي من جهتك أحب إِلَيّ ثمَّ غَدا أَبُو دلامة إِلَى الْمَنْصُور فَأخْبرهُ بِقصَّة ابْنَته وأنشده الأبيات ثمَّ انْدفع فأنشده بعْدهَا
(لَو كَانَ يقْعد فوْقَ الشمسِ مِنْ كَرَم ... قَوْمٌ لَقيلَ اقْعُدُوا يَا آلَ عَبَّاسِ)
(ثمْ ارْتَقْوا فِي شُعاع الشّمسُ كلكُمُ ... إِلَى السماءِ فأنتُمْ أكرَمُ النّاسِ)
(وقَدّمُوا القائمِ المَنْصُورَ رأسَكُمُ ... فالعيْنُ والأنْف والأذنان فِي الراس) // الْبَسِيط //
فاستحسنها وَقَالَ بِأَيّ شَيْء تحب أَن أعينك على قبح ابْنَتك هَذِه
(2/214)

فَأخْرج خريطة قد خاطها من اللَّيْل وَقَالَ تملأ لي هَذِه دَرَاهِم فوسعت أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم
وَلما توفّي أَبُو الْعَبَّاس السفاح دخل أَبُو دلامة على الْمَنْصُور وَالنَّاس يعزونه فَأَنْشَأَ أَبُو دلامة يَقُول
(أمْسيتَ بالأنْبار يَا ابنَ مُحَمّدٍ ... لم تَستطعْ عَن عُقرِها تحويلا)
(وَيليَ عَليكَ وَوَيل أهْلي كلِّهم ... ويلاً وعَوْلا فِي الحَياةِ طَويلاَ)
(فلتَبكِيَنَّ لكَ السّماءُ بِعَبْرَةٍ ... ولتَبكيَنَّ لَكَ الرِّجالُ عويلا)
(ماتَ النَدى إِذْ مُتّ يَا ابنَ مُحَمّدٍ ... فجعَلْتَهُ لكَ فِي التُّرَابِ عَدِيلا)
(إنِّي سألْتُ النّاسَ بَعْدَك كلَّهُمْ ... فوَجَدْتُ أسمَحَ مَنْ سألتُ بخيلاَ)
(ألِشَقْوَتي أُخِّرْتُ بَعْدَكَ لِّلتي ... تَدَعُ العزِيزَ مِنَ الرِّجال ذليلاَ)
(فلأحْلِفَنَّ يَمينَ حَقٍّ بَرّةً ... بِاللَّه مَا أُعْطِيتُ بَعْدَكَ سولاَ)
فأبكى النَّاس قَوْله وَغَضب الْمَنْصُور غَضبا شَدِيدا وَقَالَ لَئِن سَمِعتك تنشد هَذِه القصيدة لأقطعن لسَانك فَقَالَ أَبُو دلامة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن أَبَا الْعَبَّاس كَانَ لي مكرماً وَهُوَ الَّذِي جَاءَنِي من البدو كَمَا جَاءَ الله عز وَجل بإخوة يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام إِلَيْهِ فَقل أَنْت كَمَا قَالَ يُوسُف {لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم يغْفر الله لكم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ} فسرى عَن الْمَنْصُور وَقَالَ قد أقلناك يَا أَبَا دلامة فسل حَاجَتك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد كَانَ أَبُو الْعَبَّاس أَمر لي بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَخمسين ثوبا
(2/215)

وَهُوَ مَرِيض وَلم أقبضها فَقَالَ الْمَنْصُور وَمن يعلم ذَلِك قَالَ هَؤُلَاءِ وَأَشَارَ إِلَى جمَاعَة مِمَّن حضر فَوَثَبَ سُلَيْمَان بن مجَالد وَأَبُو الجهم فَقَالَا صدق يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَنحْن نعلم ذَلِك فَقَالَ الْمَنْصُور لأبي أَيُّوب الخازن وَهُوَ مغيظ يَا سُلَيْمَان ادْفَعْ إِلَيْهِ وسيره إِلَى هَذَا الطاغية يَعْنِي عبد الله بن عَليّ وَكَانَ قد خرج بِنَاحِيَة الشَّام وَأظْهر الْخلاف فَوَثَبَ أَبُو دلامة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أُعِيذك بِاللَّه أَن أخرج مَعَهم فَإِنِّي وَالله لمشؤم فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور امْضِ فَإِن يمني يغلب شؤمك فَاخْرُج فَقَالَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا أحب لَك أَن تجرب ذَلِك مني على مثل هَذَا الْعَسْكَر فَإِنِّي لَا أَدْرِي أَيهمَا يغلب يمنك أَو شؤمي إِلَّا أَنِّي بنفسي أدرى وأوثق وَأعرف وأطول تجربة فَقَالَ دَعْنِي من هَذَا فَمَا لَك من الْخُرُوج بُد قَالَ فَإِنِّي أصدقك الْآن شهِدت وَالله تِسْعَة عشر عسكراً كلهَا هزمت وَكنت سَببهَا فَإِن شِئْت الْآن على بَصِيرَة أَن يكون عسكرك الْعشْرين فافعل فاستفرغ الْمَنْصُور ضحكاً وَأمره أَن يتَخَلَّف مَعَ عِيسَى بن مُوسَى بِالْكُوفَةِ
وَحدث أَبُو دلامة قَالَ أَتَى بِي إِلَى الْمَنْصُور أَو إِلَى الْمهْدي وَأَنا سَكرَان فَحلف ليخرجني فِي بعث حَرْب فَأَخْرجنِي مَعَ روح بن عدي بن حَاتِم المهلبي لقِتَال الشراة فَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ قلت لروح أما وَالله لَو أَن تحتي فرسك وَمَعِي سِلَاحك لأثرت فِي عَدوك الْيَوْم أثرا ترتضيه مني فَضَحِك وَقَالَ وَالله الْعَظِيم لأدفعن ذَلِك إِلَيْك ولآخذنك بِالْوَفَاءِ بشرطك وَنزل عَن فرسه وَنزع سلاحه ودفعهما إِلَيّ ودعا لَهُ بِغَيْرِهِمَا فاستبدل بِهِ فَلَمَّا حصل ذَلِك فِي يَدي وزالت عني حلاوة الطمع
(2/216)

قلت لَهُ أَيهَا الْأَمِير هَذَا مقَام العائذ بك وَقد قلت بَيْتَيْنِ فاسمعهما فَقَالَ هَات فَأَنْشَدته
(إنِّي استَجَرْتكَ أَنْ أقدم الوَغى ... لِتَطَاعُنٍ وتَنَازُل وَضِرَابِ)
(فَهَبِ السُّيُوفَ لما رَأَيْتُهَا مَشْهُورةً ... فَتَركتُهَا ومَضَيْتُ فِي الهُرَّابِ)
(ماذَا تَقُولُ لِمَا يَجِيءُ وَلَا يُرَى ... من وَاردَاتِ المَوْتِ فِي النشاب) // الْكَامِل //
فَقَالَ دع عَنْك هَذَا وستعلم فبرز رجل من الْخَوَارِج يطْلب المبارزة فَقَالَ اخْرُج إِلَيْهِ يَا أَبَا دلامة فَقلت أنْشدك الله أَيهَا الْأَمِير فِي دمي فَقَالَ وَالله لتخْرجن قلت أَيهَا الْأَمِير إِنَّه أول يَوْم من أَيَّام الْآخِرَة وَآخر يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا وَأَنا وَالله جَائِع مَا تنبعث مني جارحة من الْجُوع فَمر لي بِشَيْء آكله ثمَّ أخرج فَأمر لَهُ بِرَغِيفَيْنِ ودجاجة فَأخذت ذَلِك وبرزت من الصَّفّ فَلَمَّا رَآنِي الشاري أقبل نحوي وَعَلِيهِ فرو قد أَصَابَهُ الْمَطَر فابتل وأصابته الشَّمْس فاقفعل وَعَيناهُ تقدان فأسرع إِلَيّ فَقلت على رسلك يَا هَذَا كَمَا أَنْت فَوقف فَقلت أتقتل من لَا يقاتلك قَالَ لَا قلت أفتستحل أَن تقتل رجلا على دينك قَالَ لَا قلت أفتستحل ذَلِك قبل أَن تَدْعُو من يقاتلك إِلَى دينك قَالَ لَا فَاذْهَبْ عني إِلَى لعنة الله فَقلت لَا أفعل أَو تسمع مني قَالَ قل قلت هَل كَانَ بَيْننَا عَدَاوَة قطّ أوترة أَو تعلم بَين أَهلِي وَأهْلك وترا قَالَ لَا وَالله قلت وَلَا أَنا وَالله لَك إِلَّا على جميل وَإِنِّي لأهواك وأنتحل مذهبك وأدين بِدينِك
(2/217)

وَأُرِيد الشَّرّ لمن أَرَادَهُ لَك قَالَ يَا هَذَا جَزَاك الله خيرا فَانْصَرف قلت إِن معي زاداً وَأُرِيد أَن آكله وَأُرِيد مواكلتك لتتأكد الْمَوَدَّة بَيْننَا ونرى أهل العسكرين هوانهم علينا قَالَ فافعل فتقدمت إِلَيْهِ حَتَّى اخْتلفت أَعْنَاق دوابنا وجمعنا أَرْجُلنَا على معارفها وَجَعَلنَا نَأْكُل وَالنَّاس قد غلبوا ضحكاً فَلَمَّا اسْتَوْفَيْنَا وَدعنِي ثمَّ قلت لَهُ إِن هَذَا الْجَاهِل إِن أَقمت على طلب المبارزة ندبني لَك فتتعب وتتعبني فَإِن رَأَيْت أَن لَا تبرز الْيَوْم فافعل قَالَ قد فعلت ثمَّ انْصَرف وانصرفت فَقلت لروح أما أَنا فقد كفيتك قَرْني فَقل لغيري يَكْفِيك قرنه قَالَ ثمَّ خرج آخر يُرِيد البرَاز فَقَالَ اخْرُج إِلَيْهِ فَقلت
(إِني أعوذ بِروح أَن يُقدمني ... إِلَى القتَال فتَخْزَي بِي بَنو أَسد)
(إنَّ البرَاز إِلَى الأقْرَان أعلَمُهُ ... ممَّا يُفَرِّق بَين الرّوح والجسد)
(قَدْ حالَفَتْكَ المَنَايا إِذْ صَمَدْتَ لَهَا ... وأصبَحَتْ لجَمِيع الخَلْق بالرّصد)
(إِنَ المُهَّلبَ حُبّ المَوْت أوْرثكم ... وَمَا وِرثْتَ اختيارَ المَوت عَن أحد)
(لَو أَن لي مُهجةً أُخرى لجدتُ بهَا ... لكِنّها خُلقَتْ فَرْداً فَلم أجد) // الْبَسِيط //
فَضَحِك وأعفاني
وعزم مُوسَى بن دَاوُد على الْحَج فَقَالَ لأبي دلامة احجج معي وَلَك عشرَة آلَاف دِرْهَم فَقَالَ هَاتِهَا فَدفعت إِلَيْهِ فَأَخذهَا وهرب إِلَى السوَاد فَجعل ينفقها هُنَاكَ وَيشْرب الْخمر وَطَلَبه مُوسَى فَلم يقدر عَلَيْهِ وخشي فَوَات الْحَج فَخرج فَلَمَّا شَارف الْقَادِسِيَّة إِذا هُوَ بِأبي دلامة خَارِجا من قَرْيَة إِلَى قَرْيَة أُخْرَى وَهُوَ سَكرَان فَأمر بِأَخْذِهِ وتقييده وَطَرحه فِي الْمحمل بَين يَدَيْهِ فَفعل بِهِ ذَلِك فَلَمَّا سَار غير بعيد أقبل أَبُو دلامة على مُوسَى وناداه بقوله
(2/218)

(يَا أيُّها النّاس قُولوا أجْمَعينَ مَعًا ... صلّى الأله على مُوسَى بن دَاوُد)
(كَأَن ديباجتي خَدّيه منْ ذَهبٍ ... إِذا بَدَا لكَ فِي أثْوَابه السُّود)
(إنِّي أعوُذُ بدَاوُدٍ وأعظُمه ... مِنْ أَن أُكلَّفَ حجّاً يَا ابنَ دَاوُدِ)
(أنبِئْتُ أَن طَريق الحجِّ مَعْطَشَةٌ ... منَ الشّراب وَمَا شُرْبي بتصريدُ)
(وَالله مَا فيّ منْ أجرٍ فَتطلبهُ ... ولاَ الثّناء على ديني بمحمود) // الْبَسِيط //
فَقَالَ مُوسَى ألقوه لَعنه الله عَن الْمحمل وَدعوهُ ينْصَرف فَألْقى وَعَاد إِلَى قصفه بِالسَّوَادِ حَتَّى نفدت الْعشْرَة آلَاف
وَدخل أَبُو دلامة يَوْمًا على الْمَنْصُور فأنشده
(رَأَيْتُك فِي المنَام كسوت جلدي ... ثيَاباً جمَّةً وقَضَيْتَ دَيْني)
(وكانَ بنَفْسَجيُّ الْخَزّ فِيهَا ... وساجٌ ناعمٌ فأتَّم زَيني)
(فَصَدِّق يَا فَدَتكَ النّفْسُ رُؤيا ... رَأتهَا فِي المَنام كَذَاك عَيْني) // الوافر //
فَأمر بذلك وَقَالَ لَا عدت تتحلم عَليّ ثَانِيَة فَاجْعَلْ حلمك أضغاثاً وَلَا أحققه ثمَّ خرج من عِنْده وَمضى فَشرب فِي بعض الحانات فَسَكِرَ وَانْصَرف وَهُوَ ثمل فَلَقِيَهُ العسس فَأخذ فَقيل لَهُ من أَنْت وَمَا دينك فَقَالَ
(ديني عَلى دين بني العَبّاس ... مَا ختم الطينُ على القرْطاس)
(إِذا اصطَبَحْتُ أرْبعاً بالكاس ... فَقَدْ أدارَ شُرْبهُا براسي)
(فَهَلْ بمَا قُلْتُ لكُمْ من بَأْس ... ) // الرجز //
(2/219)

فَأَخَذُوهُ ومضوا بِهِ فخرقوا أثوابه وساجه وَأتوا بِهِ إِلَى الْمَنْصُور وَكَانَ يُؤْتى بِكُل من أَخذه العسس فحبسه مَعَ الدَّجَاج فِي بَيت فَلَمَّا أَفَاق جعل يُنَادي غُلَامه مرّة وجاريته مرّة فَلَا يجِيبه أحد وَهُوَ مَعَ ذَلِك يسمع صَوت الدَّجَاج وزقاء الديكة فَلَمَّا أَكثر قَالَ لَهُ السجان مَا شَأْنك قَالَ وَيلك من أَنْت وَأَيْنَ أَنا قَالَ فِي الْحَبْس وَأَنا فلَان السجان قَالَ وَمن حَبَسَنِي قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ وَمن خرق طيلساني قَالَ الحرس فَطلب مِنْهُ أَن يَأْتِيهِ بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس فَفعل فَكتب إِلَى الْمَنْصُور
(أميرَ المؤمنينَ فدَتكَ نَفسِي ... عَلى مَ حبستني وخَرَقْتَ ساجِي)
(أمِنْ صَهْباءَ صافيةِ المزَاجِ ... كأنَّ شُعاعها لهبُ السِّرَاجِ)
(وَقد طبختْ بنارِ الله حَتَّى ... لقد صارَتْ من النطفِ النضاجِ)
(تهشُّ لَهَا الْقُلُوب وتشتهيها ... إِذا بَرزت تَرقرَقُ فِي الزجاجِ)
(أقاد إِلَى السجون بِغير جُرْمٍٍ ... كأنِّي بعضُ عمالِ الخراجِ)
(وَلَو مَعَهم حُبستُ لكانَ سهلاً ... وَلَكِنِّي حُبستُ معَ الدجاجِ)
(وَقد كَانَت تُخبرنِي ذنوبِي ... بأنِّي من عقابكَ غيرُ نَاجِي)
(عَلَى أَنِّي وَإِن لاَقيُت شرَّاً ... لخيركَ بعْدَ الشَّرّ راجي) // الوافر //
فَدَعَا بِهِ وَقَالَ لَهُ أَيْن حبست يَا أَبَا دلامة فَقَالَ مَعَ الدَّجَاج قَالَ فَمَا كنت تصنع قَالَ أقوقىء مَعَهم حَتَّى أَصبَحت فَضَحِك وخلى سَبيله وَأمر لَهُ بجائزة فَلَمَّا خرج قَالَ لَهُ الرّبيع إِنَّه شرب الْخمر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أما سَمِعت قَوْله وَقد طبخت بِنَار الله يَعْنِي الشَّمْس فَأمر برده ثمَّ قَالَ لَهُ يَا خَبِيث شربت الْخمر قَالَ لَا قَالَ أفلم تقل طبخت بِنَار الله تَعْنِي الشَّمْس قَالَ لَا وَالله مَا عنيت إِلَّا نَار الله المؤصدة الَّتِي تطلع على فؤاد الرّبيع فَضَحِك وَقَالَ خُذْهَا يَا ربيع وَلَا تعاود التَّعَرُّض لَهُ
(2/220)

وَلما قدم الْمهْدي من الرّيّ دخل عَلَيْهِ أَبُو دلامة فَأَنْشَأَ يَقُول
(إِنِّي نذَرتُ لَئِن لقيتُكَ سالما ... بِقُرى العرَاق وأنتَ ذُو وفرِ)
(لتصليَنَّ عَلى النبيّ محمدٍ ... ولتملأنَّ دراهما حجري) // الْكَامِل //
فَقَالَ صلى الله على النَّبِي مُحَمَّد وَسلم وَأما الدَّرَاهِم فَلَا فَقَالَ لَهُ أَنْت أكْرم من أَن تفرق بَينهَا ثمَّ تخْتَار أسهلهما فَضَحِك وَأمر بِأَن يمْلَأ حجره دَرَاهِم
وَدخل أَبُو دلامة على أم سَلمَة زوج السفاح بعد مَوته فعزاها بِهِ وَبكى فَبَكَتْ مَعَه فَقَالَت أم سَلمَة لم أجد أحدا أُصِيب بِهِ غَيْرِي وَغَيْرك يَا أَبَا دلامة قَالَ وَلَا سَوَاء يَرْحَمك الله لَك مِنْهُ ولد وَمَا ولدت أَنا مِنْهُ قطّ فَضَحكت وَلم تكن ضحِكت مُنْذُ مَاتَ السفاح إِلَّا ذَاك الْوَقْت وَقَالَت لَهُ لَو حدثت الشَّيْطَان لأضحكته
وَدخل يَوْمًا على الْمهْدي وَهُوَ يبكي فَقَالَ لَهُ مَا لَك قَالَ مَاتَت أم دلامة وَأنْشد لنَفسِهِ فِيهَا
(وَكُنَّا كَزَوج من قَطاً فِي مفازةٍ ... لدَى خَفْض عيشٍ مونِقٍ ناضِرٍ رغدِ)
(فأفرَدَني رَيب الزَّمَان بصرفهِ ... وَلم أرَ شَيْئا قطُّ أوحشَ من فَرد) // الطَّوِيل //
فَأمر لَهُ بِطيب وَثيَاب ودنانير وَخرج فَدخلت أم دلامة على الخيزران وأعلمتها أَن أَبَا دلامة قد مَاتَ فأعطتها مثل ذَلِك وَخرجت فَلَمَّا التقى الْمهْدي والخيزران عرفا حيلتهما فَجعلَا يضحكان لذَلِك ويعجبان مِنْهُ
(2/221)

وَحدث الْمَدِينِيّ قَالَ دخل أَبُو دلامة على الْمهْدي وَعِنْده جمَاعَة من بني هَاشم فَقَالَ الْمهْدي لَهُ أَنا أعطي الله تَعَالَى عهدا لَئِن لم تهج وَاحِدًا مِمَّن فِي الْبَيْت لَأَضرِبَن عُنُقك فَنظر إِلَيْهِ الْقَوْم وغمزوه بِأَن عَلَيْهِم رِضَاهُ قَالَ أَبُو دلامة فَعلمت أَنِّي وَقعت وَأَنَّهَا عَزمَة من عزماته وَلَا بُد مِنْهَا فَلم أر أحدا أَحَق بالهجاء مني وَلَا أَدعِي إِلَى السَّلامَة من هجائي نَفسِي فَقلت
(إِلَّا أبلغْ لديكَ يَا أَبَا دلامة ... فَلَيْسَ من الْكِرَام وَلَا كرامهْ)
(إِذا لبس الْعِمَامَة قلت قردٌ ... وخنزيرٌ إِذا وضع العمامهْ)
(جمعت دمامةً وجمعت لؤماً ... كَذَاك اللؤم تتبعهُ الدمامهْ)
(فإِن تكُ قد أصبتَ نَعيم دُنيا ... فَلَا تفرحْ فقد دنت القيامهْ) // الوافر //
فَضَحِك الْقَوْم وَلم يبْق مِنْهُم أحد إِلَّا أجَازه
وَخرج الْمهْدي وَعلي بن سُلَيْمَان إِلَى الصَّيْد فسنح لَهما قطيع من ظباء فَأرْسلت الْكلاب وأجريت الْخَيل فَرمى الْمهْدي سَهْما فصرع ظَبْيًا وَرمى عَليّ بن سُلَيْمَان فَأصَاب كَلْبا فَقتله فَقَالَ فِي ذَلِك أَبُو دلامة
(قد رمى المهديُّ ظَبْيًا ... شكّ بِالسَّهْمِ فؤادهْ)
(وعليٌّ بن سُلَيْمَان ... رمى كَلْبا فصادهْ)
(فهنيئاً لَهما كلُّ امرىء يَأْكُل زَاده ... ) // من مجزوء الرمل //
فَضَحِك الْمهْدي حَتَّى كَاد يسْقط عَن سَرْجه وَقَالَ صدق وَالله أَبُو دلامة وَأمر لَهُ بجائزة ولقب عَليّ بن سُلَيْمَان بصائد الْكَلْب فعلق بِهِ
(2/222)

وَتوفيت حمادة بنت عِيسَى وَحضر الْمَنْصُور جنازتها فَلَمَّا وقف على حفرتها قَالَ لأبي دلامة مَا أَعدَدْت لهَذِهِ الحفرة قَالَ بنت عمك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ حمادة بنت عِيسَى يجاء بهَا السَّاعَة فتدفن فِيهَا فَضَحِك الْمَنْصُور حَتَّى غلب وَستر وَجهه
وَحدث الْهَيْثَم بن عدي قَالَ حجت الخيزران فَلَمَّا خرجت صَاح أَبُو دلامة جعلني الله فدَاك الله الله فِي أَمْرِي فَقَالَت من هَذَا قَالُوا أَبُو دلامة قَالَت اسألوه مَا أمره قَالَ أدنوني من محملها فأدنى فَقَالَ أَيهَا السيدة إِنِّي شيخ كَبِير وأجرك فِي عَظِيم قَالَت فَمه قَالَ تهبين لي جَارِيَة من جواريك تؤنسني وترفق بِي وتريحني من عَجُوز عِنْدِي قد أكلت رفدي وأطالت كدي فقد عاف جلدي جلدهَا وتمنيت بعْدهَا وتشوقت فقدها فَضَحكت وَقَالَت سَوف آمُر لَك بِمَا سَأَلت فَلَمَّا رجعت تلقاها وأذكرها وَخرج مَعهَا إِلَى بَغْدَاد وَأقَام حَتَّى سئم ثمَّ دخل على عُبَيْدَة حاضنة مُوسَى وَهَارُون فَدفع إِلَيْهَا رقْعَة قد كتبهَا إِلَى الخيزران فِيهَا
(أبلغي سيدتي بِاللَّه يَا أم عبيدَهْ ... )
(أَنَّهَا أرشدَها الله وَإِن كَانَت رَشيدهْ ... )
(وَعدتني قبلَ أَن تخرج ... لِلْحَجِّ وليدهْ)
(فتأتيت وَأرْسلت بِعشْرين قصيدهْ ... )
(كلما أخلقنَ أخلفت لَهَا أُخْرَى جديده ... )
(لَيْسَ فِي بَيْتِي لتمهيد فِرَاشِي من قعيدهْ ... )
(غيرُ عجفاء عَجُوز ... ساقُها مثل القديده)
(وَجههَا أقبح من حوت ... طريٍّ فِي عصيده)
(مَا حَياتِي مَعَ أُنْثَى ... مثل عِرْسِي بسعيده) // من مجزوء الرمل //
(2/223)

فَلَمَّا قُرِئت عَلَيْهَا الأبيات ضحِكت واستعادت قَوْله وَجههَا أقبح من حوت إِلَى آخِره وَجعلت تضحك ودعت بِجَارِيَة من جواريها فائقة فَقَالَت لَهَا خذي كل مَا لَك فِي قصري فَفعلت ثمَّ دعت بخادم وَقَالَت لَهُ سلمهَا إِلَى أبي دلامة فَانْطَلق الْخَادِم بهَا فَلم يصبهُ فِي منزله فَقَالَ لامْرَأَته إِذا رَجَعَ فادفعيها إِلَيْهِ وَقَوْلِي لَهُ تَقول لَك السيدة أحسن صُحْبَة هَذِه الْجَارِيَة فقد آثرتك بهَا فَقَالَت لَهُ نعم فَلَمَّا خرج دخل إِلَيْهَا ابْنهَا دلامة فَوجدَ أمه تبْكي فَسَأَلَهَا عَن خَبَرهَا فَأَخْبَرته وَقَالَت إِن أردْت أَن تبرني يَوْمًا من الدَّهْر فاليوم قَالَ قولي مَا شِئْت فَإِنِّي أَفعلهُ قَالَت تدخل عَلَيْهَا فتعلمها أَنَّك مَالِكهَا فتطؤها وتحرمها عَلَيْهِ وَإِلَّا ذهبت بعقله وجفاني وجفاك فَفعل وَدخل على الْجَارِيَة فَوَطِئَهَا ووافقها ذَلِك مِنْهُ وَخرج ثمَّ دخل أَبُو دلامة فَقَالَ لامْرَأَته أَيْن الْجَارِيَة فَقَالَت فِي ذَلِك الْبَيْت فَدخل إِلَيْهَا شيخ محطم ذَاهِب فَمد يَده إِلَيْهَا وَذهب ليقبلها فَقَالَت لَهُ مَا لَك وَيلك تَنَح عني وَإِلَّا لطمتك لطمة دققت بهَا أَنْفك فَقَالَ أَبِهَذَا أوصتك السيدة فَقَالَت إِنَّهَا بعثت بِي إِلَى فَتى من حَاله وهيئته كَيْت وَكَيْت وَقد كَانَ عِنْدِي آنِفا ونال مني حَاجته فَعلم أَنه قد دهى من أم دلامة وَابْنهَا فَخرج إِلَى دلامة فَلَطَمَهُ وتلبب بِهِ وَحلف أَنه لَا يُفَارِقهُ إِلَى الْمهْدي فَمضى بِهِ متلبباً حَتَّى وقف على بَاب الْمهْدي فَعرف خَبره وَأَنه قد جَاءَ بِابْنِهِ على تِلْكَ الْحَالة فَأمر بإدخاله فَلَمَّا دخل قَالَ لَهُ مَا لَك وَيلك قَالَ عمل هَذَا الْخَبيث ابْن الخبيثة مَا لم يعمله ولد بِأَبِيهِ وَلَا يرضيني إِلَّا أَن تقتله فَقَالَ وَيلك فَمَا فعل بك فَأخْبرهُ الْخَبَر فَضَحِك حَتَّى اسْتلْقى على قَفاهُ ثمَّ جلس فَقَالَ لَهُ أَبُو دلامة أعْجبك فعله فتضحك مِنْهُ فَقَالَ عَليّ بِالسَّيْفِ والنطع فَقَالَ لَهُ دلامة قد سَمِعت قَوْله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فاسمع حجتي قَالَ هَات قَالَ هَذَا الشَّيْخ أصفق النَّاس وَجها وَهُوَ ينيك أُمِّي مُنْذُ أَرْبَعِينَ مَا غضِبت نكت أَنا جَارِيَته مرّة وَاحِدَة فَغَضب وصنع بِي مَا ترى فَضَحِك الْمهْدي أَشد من ضحكه الأول ثمَّ قَالَ دعها لَهُ وَأَنا أُعْطِيك خيرا مِنْهَا قَالَ على أَن
(2/224)

تخبأها لي بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَإِلَّا ناكها وَالله كَمَا ناك هَذِه فتعهد الْمهْدي إِلَى أبي دلامة أَن لَا يعاود دلامة مثل فعله وَحلف أَنه إِن عاود قَتله وَأمر لَهُ بِجَارِيَة أُخْرَى كَمَا وعده
وَدخل أَبُو دلامة على الْمهْدي وَسَلَمَة الوصيف وَاقِف فَقَالَ إِنِّي قد أهديت لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مهْرا لَيْسَ لأحد مثله فَإِن رَأَيْت أَن تشرفني بقبوله فَأمر بإدخاله إِلَيْهِ فَخرج أَبُو دلامة وَأدْخل فرسه الَّذِي كَانَ تَحْتَهُ فَإِذا هُوَ برذون محطم أعجف هرم فَقَالَ لَهُ الْمهْدي أَي شَيْء وَيلك هَذَا ألم تزْعم أَنه مهر فَقَالَ لَهُ أَو لَيْسَ هَذَا سَلمَة الوصيف بَين يَديك قَائِما تسميه الوصيف وَله ثَمَانُون سنة وَهُوَ بعد عنْدك وصيفاً فَإِن كَانَ سَلمَة وصيفاً فَهَذَا مهر فَجعل سَلمَة يشتمه وَالْمهْدِي يضْحك ثمَّ قَالَ لسَلمَة وَيحك إِن لهَذِهِ مِنْهُ أَخَوَات وَإِن أَتَى بِمِثْلِهَا فِي محفل يفضحك فَقَالَ أَبُو دلامة إِي وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لأفضحنه فَلَيْسَ فِي مواليك أحد إِلَّا وَقد وصلني غَيره فَإِنِّي مَا شربت لَهُ المَاء قطّ قَالَ فقد حكمت عَلَيْهِ أَن يَشْتَرِي نَفسه مِنْك بِأَلف دِرْهَم حَتَّى يتَخَلَّص من يدك قَالَ قد فعلت عَليّ أَن لَا يعاود قَالَ أفعل وَلَوْلَا أَنِّي مَا أخذت مِنْهُ شئيا قطّ مَا اسْتعْملت مَعَه مثل هَذَا فَمضى سَلمَة فحملها إِلَيْهِ وَسلمهُ إِيَّاهَا
وَجَاء دلامة يَوْمًا إِلَى أَبِيه وَهُوَ فِي محفل من جِيرَانه وعشيرته جَالِسا فَجَلَسَ بَين يَدَيْهِ ثمَّ أقبل عَليّ الْجَمَاعَة فَقَالَ لَهُم إِن شَيْخي كَمَا ترَوْنَ قد كبر سنه ودق عظمه وبنا إِلَى حَيَاته حَاجَة شَدِيدَة وَلَا أَزَال أُشير عَلَيْهِ بالشَّيْء يمسك رمقه ويبقي قوته فيخالفني وَإِنِّي أسالكم أَن تسألوه قَضَاء حَاجَة لي أذكرها بحضرتكم فِيهَا صَلَاح جِسْمه وَبَقَاء حَيَاته فأسعفوني بمسألته معي فَقَالُوا نَفْعل وحباً وكرامة ثمَّ أَقبلُوا على أبي دلامة بألسنتهم فتناولوه بالعتاب حَتَّى رَضِي ابْنه وَهُوَ سَاكِت فَقَالَ قُولُوا لهَذَا الْخَبيث فَلْيقل مَا يُرِيد فستعلمون أَنه لم يَأْتِ إِلَّا ببلية فَقَالُوا قل فَقَالَ إِن أبي مَا يقْتله إِلَّا كَثْرَة الْجِمَاع
(2/225)

فتعاونوني عَلَيْهِ حَتَّى أخصيه فَلَنْ يقطعهُ عَن ذَلِك غير الخصاء فَيكون أصح لجسمه وأطول لعمره فعجبوا مِمَّا أَتَى بِهِ وَعَلمُوا أَنه أَرَادَ أَن يبْعَث بِأَبِيهِ ويخجله حَتَّى يشيع ذَلِك عَنهُ ويرتفع لَهُ بِهِ ذكر فضحكوا مِنْهُ ثمَّ قَالُوا لأبي دلامة قد سَمِعت فأجب قَالَ قد سمعتهم أَنْتُم وعرفتم أَنه لم يَأْتِ بِخَير قَالُوا فَمَا عنْدك فِي هَذَا قَالَ قد جعلت أمه حكما بيني وَبَينه فَقومُوا بِنَا إِلَيْهَا فَقَامُوا بأجمعهم ودخلوا إِلَيْهَا وقص أَبُو دلامة الْقِصَّة عَلَيْهَا وَقَالَ قد حكمتك فَأَقْبَلت على الْجَمَاعَة فَقَالَت إِن ابْني هَذَا أبقاه الله فد نصح أَبَاهُ وبره وَلم يأل جهداً وَمَا أَنا إِلَى بَقَاء أَبِيه بأحوج مني إِلَى بَقَائِهِ وَهَذَا أَمر لم تقع بِهِ تجربة وَلَا جرت بِمثلِهِ عَادَة وَلَا أَشك فِي مَعْرفَته بذلك فليبدأ بِنَفسِهِ أَولا فليخصها فَإِذا عوفي ورأينا ذَلِك قد أثر عَلَيْهِ أثرا مَحْمُودًا اسْتَعْملهُ أَيْضا فَجعل أَبوهُ يضْحك مِنْهُ وخجل ابْنه دلامة وَانْصَرف الْقَوْم يَضْحَكُونَ ويعجبون من خبثهمْ جَمِيعًا واتفاقهم فِي ذَلِك الْمَذْهَب
وَكَانَ عِنْد الْمهْدي رجل من بني مَرْوَان قد جَاءَهُ مُسلما فَأتى الْمهْدي بعلج فَأمر المرواني أَن يضْرب عُنُقه فَأخذ السَّيْف وَقَامَ فَضَربهُ فنبا عَنهُ فَرمى بِهِ المرواني وَقَالَ لَو كَانَ من سُيُوفنَا مَا نبا فَسَمعَهَا الْمهْدي فَغَاظَهُ حَتَّى تغير وَجهه وَبَان فِيهِ فَقَامَ يَقْطِين فَأخذ السَّيْف وحسر عَن ذِرَاعَيْهِ ثمَّ ضرب العلج فَرمى بِرَأْسِهِ ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن هَذِه السيوف سيوف الطَّاعَة وَلَا تعْمل إِلَّا فِي أَيدي الْأَوْلِيَاء وَلَا تعْمل فِي أَيدي أهل الْمعْصِيَة ثمَّ قَامَ أَبُو دلامة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد حضرني بيتان أفأقول قَالَ قل فأنشده
(أبهَذَا الإمامُ سيْفُك َماضٍ ... وَبِكَفِّ الوَليِّ غيْرُ كهَام)
(فإِذا مَا نبَا بِكَفٍّ عَلمْنَا ... أَنه كَفُّ مبغض للْإِمَام) // خَفِيف //
فَقَامَ الْمهْدي من مَجْلِسه وسرى عَنهُ وَأمر حجابه بقتل المرواني فَقتل وَقَالَ ابْن النطاح دخل أَبُو دلامة على الْمهْدي فأنشده قصيدته فِي بغلته
(2/226)

الْمَشْهُورَة يهجوها وَيذكر معايبها فَلَمَّا أنْشدهُ قَوْله
(أتَاني خائِبٌ يَستَامُ منِّي ... عريْقاً فِي الخَسارَةِ والضَّلال)
(فقالَ تبيعُهَا قُلْتُ ارتبِطْها ... بِحُكمِكَ إِن بَيْعي غَيْرُ غالي)
(فأقْبَلَ ضَاحِكا نَحْوِي سرُوراً ... وقالَ أراكَ سَهْلاً ذَا جَمَال)
(هَلُم إليَّ يخْلو بِي خِدَاعاً ... وَمَا يَدْري الشَّقي لِمَنْ يُخالي)
(فقلْتُ بأرْبعينَ فقَالَ أحْسِنْ ... إِليَّ فإنَّ مِثلكَ ذُو سِجَال)
(فأتْرُكُ خَمْسةً مِنْهَا لِعلْمي ... بِما فيهِ يَصيرُ مِنَ الخَبَالِ) // الوافر //
فَقَالَ لَهُ الْمهْدي لقد أفلت من بلَاء عَظِيم فَقَالَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لقد مكثت شهرا أتوقع صَاحبهَا أَن يردهَا عَليّ قَالَ ثمَّ أنْشدهُ
(فأبدِلني بِهَا يَا رَبِّ طِرْفاً ... يكُونُ جَمَالُ مَرْكبِهِ جَمَالي) // الوافر //
فَقَالَ الْمهْدي لصَاحب دوابه خَيره بَين مركبين من الاصطبل فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن كَانَ الِاخْتِيَار إِلَيّ وَقعت فِي شَرّ من البغلة وَلَكِن مره أَن يخْتَار لي فَقَالَ اختر لَهُ
وأخبار أبي دلامة كَثِيرَة وَقد أثبتنا مِنْهَا طرفا صَالحا
وَكَانَت وَفَاته سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة رَحمَه الله تَعَالَى
117 - (كَالْقِسِيِّ الْمُعَطِّفَاتِ بَلِ ... الأسْهُم مَبْرِيَّةً بَلِ الأوْتَار ... )
الْبَيْت للبحتري من قصيدة من الْخَفِيف يمدح بهَا أَبَا جَعْفَر بن حميد ويستوهبه غُلَاما وَمِنْهَا قَوْله
(أبُكَاءً فِي الدَّار بَعْدَ الدَّار ... وَسُلوَّاً بِزَينَبٍ عَنْ نَوَار)
(2/227)

(لَا هَنَاكَ الشغْلُ الجديدُ بحُزْوَي ... عَن رُسُوم برَامتين قفَارِ)
(مَا ظَنَنْتُ الْأَهْوَاء قَبلكَ تُمحي ... فِي صُدُور العُشَّاق مَحْوَ الديار) // الْخَفِيف //
إِلَى أَن قَالَ مِنْهَا فِي وصف النوق
(يَتَرقْرَقْنَ كالسّرَاب وقَدْ خُضْنَ غماراً من السّراب الجَاري ... )
وَبعده الْبَيْت وَالْقَصِيدَة طَوِيلَة يَقُول مِنْهَا فِي تشكيه من الْغُلَام الْأَجِير وَيسْأل مخدومه فِي هِبته غُلَاما ويصفه
(قَدْ مَللْنَاكَ يَا غلاَمُ فغَادٍ ... بِسلاَمِ أوْ رائحٌ أوْ سَاري)
(سَرقات منِّي خُصُوصا فَهَلا ... منْ عَدُو أوْ صاحبٍ أوْ جَار)
(أَنا مِنْ ياسرٍ وَسعْدٍ وَفتْح ... لَسْتُ من عامرٍ وَلاَ عَمْار)
(لَا أحبُّ النّظيرَ يُخْرِجهُ الشم ... إِلَى الاحتْجاِج والافْتخار)
(فإذَا رُعتَهُ بِناحيَةِ السَّوْط ... على الذنْبِ رَاعني بالفرار)
(مَا بأَرض العِرَاق يَا قَوْمُ حرٌّ ... يشترَيني منْ خِدمةِ الْأَحْرَار)
(هلْ جوَاد بأبْيض من بني الأصفَر محْض الجُدُود محْض النِّجار ... )
(لم يُرْم قَومهُ السِّرَايا وَلم يغْزُهُم غيْرُ جَحفَلٍ جرَّار ... )
(فحوته الرِّماح أغيَدَ مجدولا ... قصيرَ الزُّنار وافي الأزَار)
(فوْقَ ضعْفِ الصِّغار إِن وكِلَ الأمرْ إِلَيْهِ وَدون كبر الكِبار ... )
(2/228)

(لَك من ثَغْره وخَدّيه مَا شئتَ من الأقحوَان والجُلّنار ... )
(وكأنّ الذكاءَ يبْعَثُ مِنهُ ... فِي سَوادِ الأمُور شعلَةَ نَار)
(يَا أَبَا جَعْفَر وَما أنْتَ بالمَدْ ... عوِّ إِلَّا لِكلِّ أمرٍ كُبَار)
(ولعمْري للجود بِالنَّاسِ للنَّاس ... سِواهُ بالثّوْبِ والدِّينَار)
(وقليلٌ إِلَّا لَدَيكَ بهذَا الْفَج أخْذُ الغلمان بالأشعار ... ) // الْخَفِيف //
وَمعنى الْبَيْت أَنه يصف إبِلا أنحلها السرى بِحَيْثُ صَارَت من الهزال كالقسي بل السِّهَام بل الأوتار
وَقد تداول الشُّعَرَاء هَذَا الْمَعْنى وتجاذبوا أَطْرَافه فَمن ذَلِك قَول الشريف الموسوي
(هُنّ القسيُّ مِنَ النُّحُول فإنْ سمَا ... خَطْبٌ فهُنّ منَ النَّجَاء الأسهم) // الْكَامِل //
وَقد أَخذه ابْن قلاقس فَقَالَ أَيْضا
(خوض كأمثال القسيِّ نَوَاحلا ... وَإِذا سَمَا خَطبٌ فهن سِهَام) // الْكَامِل //
وَقَالَ أَيْضا
(طرحنا الْعَجز عَن أعجاز عيس ... توشحها على الحزم الحزاما)
(ونَدْفعُ بالسُّرَى مِنْها قِسياً ... فتَقْذِفُ بِالنّوَى مِنْهَا سهاما) // الوافر //
وَقَالَ ابْن خفاجة أَيْضا
(وقِدْ مَا برَتْ مِنْها قِسيّاً يدُ السُّرَى ... وفَوَّق منْها فَوْقَها المَجْدُ أسهُما) // الطَّوِيل //
وَقَالَ ابْن النبيه
(إنَ خَوْضَ الظَّلَماِء أطُيَبُ عنْدِي ... مِنْ مَطايا أمْسَتْ تَشكي كَلاَلَهْ)
(فَهْيَ مِثْلُ القِسيِّ شكْلاً ولكِنْ ... هيَ فِي السّبْق أسهُمٌ لَا مَحَالَهْ) // الْخَفِيف //
(2/229)

وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت مُرَاعَاة النظير وَيُسمى التناسب والتوافق والائتلاف والمؤاخاة وَهُوَ جمع أَمر وَمَا يُنَاسِبه مَعَ إِلْغَاء التضاد لتخرج الْمُطَابقَة فَهُوَ هُنَا قصد الْمُنَاسبَة بالأسهم والأوتار لما تقدم من ذكر القسي وَهَذِه الْمُنَاسبَة هُنَا معنوية لَا لفظية كَمَا فِي قَول مهيار
(ومُدبِر سيّانِ عيْنَاهُ والإبريقُ فَتْكاً ولحظُهُ والمدام ... ) // الْخَفِيف //
والإبريق هُنَا السَّيْف سمي بذلك لبريقه وَكَانَ يَصح أَن يُقَال سيان عَيناهُ والصمصام أَو الْهِنْدِيّ فَاخْتَارَ الإبريق لمناسبته لفظا للمدام إِذْ الإبريق يُطلق على إِنَاء الْخمر وَلَيْسَ هَذَا من الْمَعْنى فِي شَيْء وَإِنَّمَا هُوَ مُرَاعَاة مُجَرّد اللَّفْظ
وَمن أحسن مَا ورد فِي مُرَاعَاة النظير قَول ابْن خفاجة يصف فرسا وَهُوَ
(وأشْقَر تضرم منْهُ الوَغى ... بشُعْلةٍ مِنْ شُعِل البَاس)
(منْ جلّنار ناضر خدُّهُ ... وأذنُهُ مِنْ وَرَق الآسِ)
(تَطْلُعُ للغرِّةِ فِي وَجهه ... جبابة تَضحكُ فِي الكاس) // السَّرِيع //
فالمناسبة هُنَا بَين الجلنار والآس والنضارة
وَقَول ابْن الساعاتي من أَبْيَات فِي وصف الثَّلج
(السُّحْبُ راياتٌ ولمعُ بُرُوقها ... بيضُ الظُّبي والأرْضُ طِرْفُ أشهَبُ)
(والنَدُّ قَسطَلُه وَزَهرُ شمُوعنا ... صُمُّ القَنا والفحْمُ نَبْلٌ مُذْهَبُ) // الْكَامِل //
وَمَا أبدع قَول بَعضهم فِي آل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(أنتُمْ بنُو طهَ ونَ والضُّحى ... وبنوُ تَبارَك والكِتابِ المُحكَم)
(وَبَنُو الأبّاطِح والمَشاعرِ والصّفا ... والركْن والبَيتِ الْعَتِيق وزمزم) // الْكَامِل //
فَإِنَّهُ أحسن فِي الْمُنَاسبَة فِي الْبَيْت الأول بَين أَسمَاء السُّور وَفِي الثَّانِي بَين الْجِهَات الحجازية وَمَا أعجب قَول السلَامِي
(2/230)

(أَو مَا ترى البروق تَوسطَتْ ... أُفُقاً كأنَّ المُزنَ فِيهِ شُنُوفُ)
(واليَوْمُ مِنْ خَجَل الشَّقِيق مُضَرَّجٌ ... خَجلٌ ومنْ مَرَض النّسيم ضعيفُ)
(والأرْضُ طِرْس والرِّياض سطُورُه ... والزَّهْرُ شكْل بَيْنها وحروف) // الْكَامِل //
وَقَوله فِي وصف النارنج والسماريات فِي نهر طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس
(تَنَشطْ لِلصّبوح أَبَا عَليٍّ ... على حُكْم المُنَى وَرضَا الصّدِيق)
(بِنَهْر لِلرِّياح علَيْهِ دِرْعٌ ... يُذَهَّبُ بالغُرُوب وبالشُّرُوق)
(إِذا اصفَرّتْ علَيْهِ الشمْسُ صبَّتْ ... عَلى أمْوَاجه ماءَ الخلوق)
(وقفت بِعْ فكمْ خَدٍّ رَقِيق ... يُغازلُني على قَدٍّ رَشيق)
(وجَمْر شبّ فِي الأغْصان حَتَّى ... أضاعَ المَاء فِي وهج الْحَرِيق)
(فهم الْحل فِي ميدان تبْرٍ ... يُصاغ لَهَا كُراتٌ من عقيق) // الوافر //
وَقَوله أَيْضا فِي وصف الْحبّ
(الْحبّ كالدَهرْ يُعطينا ويرْتَجعُ ... لَا اليأسُ يَصرفُنا عنْهُ وَلَا الطّمَعُ)
(صَحِبتُهُ والصِّبا تعزى الصَّبابة بِي ... والوَصلُ طفْلٌ غريرٌ والهَوى يفَعُ)
(أيامَ لَا النّوْمُ فِي أجفَانِنا خلَسٌ ... وَلَا الزّيارَةُ منْ أحْبابنا لمَعُ)
(إِذْ الشبيبة سَيْفي والهَوَى فَرسي ... وَرايتي اللَهْوُ والَّلذاتُ لي شيع) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول السّري الرفاء
(وغيْمٍ مُرْهفَاتُ البَرْقِ فيهِ ... عَوَارٍ والرِّياضُ بِهَا كَوَاسي)
(وقَدْ سلت جيوش الفِطْر فِيهِ ... عَلى شَهْرِ الصِّيام سُيُوفَ باسِ)
(ولاحَ لنا الهِلاَلُ كَشَطْر طَوْقٍ ... على لَباتِ زَرقاء اللبَاس) // الوافر //
وبديع قَول أبي طَالب الْبَغْدَادِيّ النَّحْوِيّ من أَبْيَات
(ومَهْمَةٍ سِرْتُ فِيهِ والبِساطُ دمٌ ... والجَوُّ نَقْعٌ وهاماتُ الرِّجالِ رَبًّا) // الْبَسِيط //
(2/231)

وَقَول أبي حنيفَة الاسترابادي غَايَة هُنَا وَهُوَ
(هَلْ عثَرَتْ أقلاَمُ خَطِّ العذار ... فِي مشْقِها فالخَالُ نَضْخُ العِثَارْ)
(أَو استَدَارَ الخَطّ لما غَدَتْ ... نُقْطَتُه مركَزَ ذاكَ المدَارْ)
(وَريقُه الخَمْرُ فَهَلْ ثَغْرُهُ ... دُرُّ حباب نظمته الْعقار) // السَّرِيع //
وَقَوله وَهُوَ بديع
(إِذا الرميّ بسَهْم اللّحْظ إِذْ رشَقَا ... فَلم تدَرّع من أصْدَاغِهِ الحلقا) // الْبَسِيط //
وَقَول أبي عَليّ الْحسن الباخرزي وَالِد صَاحب دمية الْقصر
(وذِي زَجَلٍ وَالِي سِهامَ رُهامه ... وَولَّي فَألقَى قَوْسهُ فِي انهزامِهِ)
(ألم تَرَ خد الوَرْدِ مُدْمىَ لوَقعها ... وأنْصُلها مَخْضوبةٌ فِي كمامه) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول الْحُسَيْن بن عَليّ النميري من قصيدة
(رَوضٌ إذَا جَرَت الرياحُ مَرِيضَة ... فِي زهرهِ استشفتْ بهِ مرضاهَا)
(وَإِذا تقابلت الندامى وسطهُ ... سكر الصحَاة كَمَا صحَا سكراها) // الْكَامِل //
وَمَا أَزْهَر قَول بَعضهم يرثي فَقِيها حنفيا
(َروضة الْعلم قَطِّبي بعدَ بشرٍ ... والْبَسِي من بنفسج جِلبَابَا)
(وَهبي النائحات منثورَ دَمعٍ ... فشقيق النعمانِ بَان وغابا) // الْخَفِيف //
وَلأبي العصب الملحي
(ذَرَفتْ عينُ الغَمَامِ ... فاستهلت بِسجامِ)
(وَبكى الإبريق فِي الكأس ... بدمع من مدام)
(فاسقني دَمعاً بدمعٍ ... من مُدَام وغمَامِ)
(واعْصِ من لامك فيهِ ... لَيْسَ ذَا وَقت الملام) // من مجزوء الرمل //

وَلأبي الْعَلَاء المعري
(2/232)

(دَع اليراعَ لقومٍ يفخرون بهَا ... وبالطوال الرُّدَيْنِيَّاتِ فافتخرِ)
(فهن أقلامكَ اللَّاتِي إذَا كتبت ... مجداً أَتَت بمداد من دَم هدر) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول الوأواء الدِّمَشْقِي
(سقيا ليومٍ غَدا قوسُ الغمَام بهِ ... والشمسُ مشرقةٌ والبرقُ خلاسُ)
(كأنهُ قوسُ رَامٍ والبُرُوقُ لهُ ... رَشقُ السِّهَام وَعين الشَّمْس برجاس) // الْبَسِيط //
وَمَا أبدع قَول السلَامِي
(وَقد خالطَ الفجرَ الظلامُ كَمَا التقى ... علىَ رَوضةٍ خضراء وَردٌ وأدهمْ)
(وعهدي بهَا والليلُ ساقٍ ووصلنَا ... عُقارٌ وَفْوها الكأسُ أَو كأسهَا الْفَم) // الطَّوِيل //
ولبعض شعراء الذَّخِيرَة
(بدارٍ سقتها ديمةٌ إِثْر ديمةٍ ... فمالت بهَا الجدران شطراً على شطرِ)
(فَمن عارضٍ يسقى وَمن سقف مجلسٍ ... يُغني وَمن بيتٍ يميلُ من السكر) // الطَّوِيل //
وَمن الغايات فِي هَذَا الْبَاب قَول البديع الهمذاني من قصيدة يصف فِيهَا طول السرى
(لكَ الله من عزم أجوبُ جيوبهُ ... كأنيَ فِي أَجفان عين الردى كحلُ)
(كَأَن السرى ساقٍ كَأَن الْكرَى طلاً ... كأنَّا لَهَا شَربٌ كَأَن المنى نَقْلُ)
(كأنا جياعٌ والمطيُّ لنا فمٌ ... كَأَن الفلاَ زادٌ كَأَن السرى أكلُ)
(كَأَن ينابيع الثرى ثدىُ مرضعٍ ... وَفِي حجرها مِنِّي وَمن نَاقَتي طفلُ)
(كأَنا على أرجوحةٍ فِي مسيرنا ... لِغَورٍ بِنَا تَهْوِى ونجدٍ بِنَا تعلوُ) // الطَّوِيل //
وَمِنْهَا فِي المديح وَلم يخرج عَن حسن الْمُنَاسبَة
(كَأَن فمي قوسٌ لساني لهُ يدٌ ... مديحي لهُ نزعٌ بهِ أملي نبلُ)
((كَأَن دواتي مُطْفِلٌ حبشيةٌ ... بناني لَهَا بعلٌ ونقشي لَهَا نسلُ)
(2/233)

(كَأَن يَدي فِي الطِّرْس غَوَّاص لجةٍ ... بهَا كلمي دُرُّ بِهِ قيمتي تغلوُ) // الطَّوِيل //
وَله أَيْضا فِي قريب مِنْهُ يمدح الممدوح فِي القصيدة قبله وَهُوَ الْملك خلف ابْن أَحْمد صَاحب سجستان
(وليلٍ كذكراه كمعناه كاسمهِ ... كَدين ابْن عباد كأدبار فائقِ)
(شققنا بأيدي العيس بُرْدَ ظلامهِ ... وبتنا على وعدٍ من السّير صادقِ)
(تزجُّ بِنَا الأسفاُر فِي كل شاهقٍ ... وَتَرْمِي بِنَا الآمال فِي كل حَالقِ)
(كَأَن مطايانا شفار كَأَنَّمَا ... تمدُّ إليهنَّ الفلاَ كفّ سارقِ)
(كَأَن نُجُوم اللَّيْل نَظَّارةٌ لنا ... تعجب من آمالنا والعوائقِ)
(كَأَن نسيم الصُّبْح فرْصَة آيسٍ ... كَأَن سراب القيظ خجلةُ وامقِ) // الطَّوِيل //
وَمن الْغَرِيب هُنَا قَول ابْن الرُّومِي يصف أينقا
(تطوى الفلاَ وَكَأن الآلَ أرديةٌ ... وَتارَة وكأنَّ اللَّيْل سيجانُ)
(كَأَنَّهَا فِي ضَحَاضيح الضُّحَى سفنٌ ... وَفِي الغمار من الظلماء حيتان) // الْبَسِيط //
وَمَا أرشق قَول ابْن رَشِيق
(أصح وَأقوى مَا سمعناهُ فِي الندى ... من الْخَبَر الْمَأْثُور مُنْذُ قديمٍ)
(أَحَادِيث ترْوِيهَا السُّيُول عَن الحيا ... عَن الْبَحْر عَن كف الْأَمِير تَمِيم) // الطَّوِيل //
وَمن المستحسن فِي هَذَا النَّوْع قَول ابْن زيلاق فِي غُلَام مَعَه خَادِم يَحْرُسهُ
(وَمن عجَبٍ أَن يحرسوكَ بخادمٍ ... وخدّامُ هَذَا الْحسن من ذاكَ أكثرُ)
(عذاركَ ريحانٌ وثغرك جوهرٌ ... وخدُّكَ ياقوت وخَالكَ عنبر) // الطَّوِيل //
وَمَا أبدع قَول ابْن مطروح
(وَلَيْلَة وصلٍ خلَتْ ... فيا عاذلي لَا تسَلْ)
(2/234)

(لبسنا ثِيَاب العناقِ ... مزررة بالقبل) // من مجزوء المتقارب //
وَمثله قَول الْعِمَاد السلمامسي
(شَقَّتْ عليكَ يَد الأسىَ ... ثوبَ الدُّمُوع إِلَى الذيول) // من مجزوء الْكَامِل //
وَعَجِيب قَول ابْن الخشاب فِي المستضئ وأجاد
(وَرَدَ الورى سلسال جودكَ فارتَوَوْا ... وَوَقفت دون الوِرْد وَقفة حائمِ)
(ظمآن أطلبُ خفَّة من زحمةٍ ... والوِرد لَا يزدَاد غير تزاحم) // الْكَامِل //
وَقَول بن شرف فِي اجْتِمَاع البعوض والذباب والبراغيث فِي مجْلِس مُخَاطبا لصَاحبه يستهزىء بِهِ
(لكَ مجلسٌ كملتْ ستارتنَا بهِ ... للهو لَكِن تحتَ ذَاك حديثُ)
(غنَّى الذبابُ وظلّ يزمر حولهُ ... فِيهِ البعوض ويرقص البرغوث) // الْكَامِل //
وَمن النهايات هُنَا قَول القَاضِي عبد الرَّحِيم الْفَاضِل
(فِي خدّه فخّ كعطفة صُدْغهِ ... والخالُ حَبَّتهُ وقلبي الطائرُ) // الْكَامِل //
وَقَول مجير الدّين بن تَمِيم
(لَو كنت تَشْهَدُني وَقد حمىَ الوغَى ... فِي موقفٍ مَا الْمَوْت عَنهُ بمعزلِ)
(لتَرى أنابيبَ الْقَنَاة علىَ يَدي ... تجْرِي دَماً من تَحت ظلّ القسطل) // الْكَامِل //
وَقد أغرب الأديب بدر الدّين حسن الزغاري بقوله
(كَأَن السَّحَاب الغر لمَّا تجمعتْ ... وَقد فرقتْ عَنَّا الهمومَ بجمعهَا)
(نياقٌ ووجهُ الأَرْض قعبٌ وثلجها ... حَليبٌ وكف الرّيح حالب ضرْعهَا) // الطَّوِيل //
وَالْبَاب وَاسع وَلَا بُد من مُرَاعَاة الِاخْتِصَار هُنَا
(2/235)

118 - (إِذا لم تستطع شَيْئا فَدَعْهُ ... وجاوزه إِلَى مَا تَسْتَطِيع)
الْبَيْت لعَمْرو بن معدي كرب الزبيدِيّ من قصيدة من الوافر وأولها
(أمِنْ رَيحانةَ الدَّاعي السميعُ ... يُؤَرْقني وأصحَابي هُجُوعُ)
(سبَاهَا الصمَّةُ الجشميُّ غصبا ... كأنَّ بيَاضَ غرتها صديغ)
(وحَالت دونهَا فرسانُ قيسٍ ... تكشفُ عَن سواعدها الدروع) // الوافر //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(وصلهُ بِالزَّمَانِ فكلُّ أمرٍ ... سمَا لكَ أَو سمَوتَ لهُ ولوعُ)
وَهِي طَوِيلَة
قَالَ الْمَدَائِنِي حَدثنِي رجل من قُرَيْش قَالَ كُنَّا عِنْد فلَان الْقرشِي فَجَاءَهُ رجلٌ بِجَارِيَة فغنته
(بِاللَّه يَا ظبيَ بني الحارثِ ... هَلْ مَنْ وفى بالعهد كالناكث) // السَّرِيع // وغنته أَيْضا بغناء ابْن سُرَيج
(2/236)

(يَا طولَ ليلى وبتُّ لم أنمِ ... وساديَ الهمُّ مبُطنٌ سقمي) // المنسرح //
فَأَعْجَبتهُ واستام مَوْلَاهَا فاشتط عَلَيْهِ فَأبى شراءها وأعجبت الْجَارِيَة بالفتى فَلَمَّا امْتنع مَوْلَاهَا من البيع إِلَّا بشطط قَالَ الْقرشِي فَلَا حَاجَة لنا فِي جاريتك فَلَمَّا قَامَت الْجَارِيَة للانصراف رفعت صَوتهَا تَقول
(إذَا لم تستطع شَيْئا فَدَعْهُ) الْبَيْت
قَالَ فَقَالَ الْفَتى الْقرشِي أفأنا لَا أَسْتَطِيع شراءك وَالله لأشترينك بِمَا بلغت قَالَت الْجَارِيَة فَذَلِك أردْت قَالَ الْقرشِي إِنِّي لَا أخيبك وابتاعها من سَاعَته
وَالشَّاهِد فِيهِ الإرصاد ويسميه بَعضهم التسهيم وَهُوَ أَن يَجْعَل قبل الْعَجز من الْفَقْرَة أَو الْبَيْت مَا يدل على الْعَجز إِذا عرف الروي وَهُوَ الْحَرْف الَّذِي تبنى عَلَيْهِ أَوَاخِر الأبيات أَو الْفقر وَيجب تكراره فِي كل مِنْهَا فَإِنَّهُ قد يكون مِنْهَا مَا لَا يعرف مِنْهُ الْعَجز لعدم مَعْرفَته حرف الروي كَقَوْل البحتري
(أحَلَّت دمي من غير جرم وحَرَّمت ... بِلَا سَبَب يَوْم اللِّقَاء كَلَامي)
(فَلَيْسَ الَّذِي قد حللت بِمُحَلل ... وَلَيْسَ الَّذِي قد حرمت بِحرَام) // الطَّوِيل //
فَإِنَّهُ لَو لم يعرف أَن القافية مثل سَلام وَكَلَام لربما توهم أَن الْعَجز بحرم وَقَول جنوب أُخْت عمرٍو ذِي الْكَلْب
(وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكَّى الكلالا)
(فَكنت النَّهَار بِهِ شمسه ... وَكنت دجى اللَّيْل فِيهِ الهلالا) // المتقارب //
وَالْقَوْل فِيهِ كَالَّذي قبله
(2/237)

وَمِمَّا اختير من شَوَاهِد هَذَا النَّوْع قَول الرَّاعِي
(وَإِن وَزِنَ الْحَصَى فوزَنْتُ قومِي ... وجدتُ حَصى ضريبتهم وزينا) // الوافر //
وَقد حكى أَن عمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي جلس إِلَى ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فابتدأ ينشده
(تشطُّ غَدا دارُ جيرانِنا ... )
فَقَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ
(وللَدارُ بعدَ غدٍ أبعدُ ... )
وَكَانَ كَذَلِك وَلم يسمع غير الشّطْر الأول
وَكَذَلِكَ يحْكى عَن عدي بن الرّقاع أَنه أنْشد فِي صفة الظبية وَوَلدهَا
(تُزْجي أغَنَّ كَأَن إبرة روقه ... ) // الْكَامِل //
وغفل الممدوح عَنهُ فَسكت وَكَانَ جَرِيرًا حَاضرا فَقيل لَهُ مَا ترَاهُ يَقُول فَقَالَ جرير
(قلم أصابَ من الدواة مدادَها ... )
وَأَقْبل عَلَيْهِ الممدوح فَقَالَ كَمَا قَالَ جرير لم يُغَادر حرفا
وَمِنْه قَول الخنساء
(ببيض الصفاح وَسمر الرماح ... فبالبيض ضربا وبالسمر وخزا) // المتقارب //
وَقَول دعبل
(وَإِذا عاندنا ذُو قوةٍ ... غضب الرّوح عَلَيْهِ فعرجْ)
(فعلى أَيْمَاننَا يجْرِي النَّدَى ... وعَلى أسيافنا تجْرِي المهج) // الرمل //
وَمن جيده قَول بَعضهم
(وَلَو أنني أعطيتُ من دهريَ المنى ... وَمَا كل من يُعْطَى المنى بمسَدِّدِ)
(2/238)

(لَقلت لأيامِ مضيْنَ أَلا ارجعي ... وَقلت لأيام أتَيْنَ أَلا ابعدي) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول البحتري
(أبكيكما دمعاً وَلَو أَنِّي على ... قَدْرِ الجوى أبْكِي بكيتكما دَمَا) // الْكَامِل //
وَحدث إِبْرَاهِيم بن أبي مُحَمَّد اليزيدي قَالَ كنت عِنْد الْمَأْمُون يَوْمًا وبحضرته عريب فَقَالَت لَهُ على سَبِيل الولع يَا سلعوس وَكَانَت جواري الْمَأْمُون يلقبنني بذلك عَبَثا فَقلت
(وَقل لعريب لَا تَكُونِي مسلعسه ... وكوني كتعريف وكوني كمؤنسه) // الطَّوِيل //
فَقَالَ الْمَأْمُون
(فَإِن كثرت مِنْك الْأَقَاوِيل لم يكن ... هُنَالك شَيْء إِن ذَا مِنْك وسوسه)
فَقلت كَذَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أردْت أَن أَقُول وَعَجِبت من ذهن الْمَأْمُون وطبعه وفطنته
ولمؤلفه من أَبْيَات
(لَيْسَ التَّقَدُّم بِالزَّمَانِ مقدِّماً ... أحدا وَلَا التَّأْخِير فِيهِ يؤخِّرُ)
(فَلِكُل عصر مستجد تُبَّعٌ ... وَلكُل وَقت مقبل إسكندر) // الْكَامِل //
ومدح أَبُو الرَّجَاء الْأَهْوَازِي الصاحب ابْن عباد لما ورد الأهواز بقصيدة مِنْهَا
(إِلَى ابْن عبادٍ أبي الْقَاسِم الصاحب ... إِسْمَاعِيل كَافِي الكفاة) // السَّرِيع //
فَاسْتحْسن جمعه بَين اسْمه ولقبه وكنيته وَاسم أَبِيه فِي بَيت وَاحِد ثمَّ ذكر وُصُوله إِلَى بَغْدَاد وَملكه إِيَّاهَا فَقَالَ
(ويشربُ الجندُ هَنِيئًا بهَا ... )
فَقَالَ لَهُ ابْن عباد أمسك امسك أَتُرِيدُ أَن تَقول
(من بعد مَاء الرّيّ مَاء الفراة ... )
(2/239)

فَقَالَ هَكَذَا وَالله أردْت وَضحك
وَعَمْرو بن معدي كرب هُوَ أَبُو عبد الله وَقيل أَبُو ربيعَة بن عبد الله بن عَمْرو بن عَاصِم بن عَمْرو بن زبيد يَنْتَهِي نسبه لقحطان ويكنى أَبَا ثَوْر وَأمه وَأم أَخِيه عبد الله امْرَأَة من جرهم فِيمَا ذكر وَهِي مَعْدُودَة من المنجبات وَعَن أبي عُبَيْدَة قَالَ عَمْرو بن معدي كرب فَارس الْيمن وَهُوَ مقدم على زيد الْخَيل فِي الشدَّة والبأس
وَعَن زيد بن قحيف الْكلابِي قَالَ سَمِعت أشياخنا يَزْعمُونَ أَن عَمْرو بن معدي كرب كَانَ يُقَال لَهُ مائق بني زبيد فَبَلغهُمْ أَن خثعم تريدهم فتأهبوا لَهُم وَجمع معدي كرب بني زبيد فَدخل عَمْرو على أُخْته فَقَالَ لَهَا أشبعيني إِنِّي غَدا آتِي الكتيبة فجَاء معدي كرب فَأَخْبَرته ابْنَته فَقَالَ هَذَا المائق يَقُول ذَلِك قَالَت نعم قَالَ فسليه مَا يشبعه فَسَأَلته فَقَالَ فرق من ذرة وعنز ربَاعِية قَالَ وَكَانَ الْفرق يَوْمئِذٍ ثَلَاثَة آصَع فَصنعَ لَهُ ذَلِك وَذبح العنز وهيأ الطَّعَام قَالَ فَجَلَسَ عَمْرو عَلَيْهِ فسلته جَمِيعًا وأتتهم خثعم الصَّباح فلقوهم وَجَاء عَمْرو فَرمى بِنَفسِهِ ثمَّ رفع رَأسه فَإِذا لِوَاء أَبِيه قَائِم فَوضع رَأسه ثمَّ رَفعه فَإِذا هُوَ قد زَالَ فَقَامَ كَأَنَّهُ سرحة محرقة فَتلقى أَبَاهُ وَقد انْهَزمُوا فَقَالَ لَهُ انْزِلْ عَنْهَا فَقَالَ إِلَيْك يَا مائق فَقَالَ بَنو زبيد خله أَيهَا الرجل وَمَا يُرِيد فَإِن قتل كفيت مُؤْنَته وَإِن ظهر فَهُوَ لَك فَألْقى إِلَيْهِ سلاحه ثمَّ ركب فَرمى خثعم بِنَفسِهِ حَتَّى خرج من
(2/240)

بَين أظهرهم ثمَّ كرّ عَلَيْهِم وَفعل ذَلِك مرَارًا وحملت عَلَيْهِم بَنو زبيد فانهزمت خثعم وقهروا فَقيل لَهُ يَوْمئِذٍ فَارس بَنو زبيد
وَكَانَ من خبر إِسْلَام عَمْرو بن معدي كرب الزبيدِيّ مَا حَكَاهُ الْمَدَائِنِي عَن أبي الْيَقظَان عَن جوَيْرِية بن أَسمَاء قَالَ أقبل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من غزَاة تَبُوك يُرِيد الْمَدِينَة فَأدْرك عَمْرو بن معدي كرب الزبيدِيّ فِي رجال من بني زبيد فَتقدم عَمْرو ليلحق برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأمْسك عَنهُ حَتَّى أودن بِهِ فَلَمَّا تقدم وَرَسُول الله يسير قَالَ حياك إلهك أَبيت اللَّعْن فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِن لعنة الله وَمَلَائِكَته وَالنَّاس أَجْمَعِينَ على الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَآمن بِاللَّه يُؤمنك الله يَوْم الْفَزع الْأَكْبَر) فَقَالَ عَمْرو ابْن معدي كرب وَمَا الْفَزع الْأَكْبَر قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَنه فزع لَيْسَ كَمَا تحسب وتظن إِنَّه يصاح بِالنَّاسِ صَيْحَة لَا يبْقى حَيّ إِلَّا مَاتَ إِلَّا مَا شَاءَ الله تَعَالَى من ذَلِك ثمَّ يصاح بِالنَّاسِ صَيْحَة لَا يبْقى ميت إِلَّا نشر ثمَّ تلج تِلْكَ الأَرْض بدوي تنهد مِنْهُ الأَرْض وتخر مِنْهُ الْجبَال وتنشق السَّمَاء انْشِقَاق الْقبْطِيَّة الجديدة مَا شَاءَ الله من ذَلِك ثمَّ تبرز النَّار فَينْظر إِلَيْهَا حَمْرَاء مظْلمَة قد صَار لَهَا لِسَان فِي السَّمَاء ترمي بِمثل رُؤُوس الْجبَال من شرر النَّار فَلَا يبْقى ذُو روح إِلَّا انخلع قلبه وَذكر ذَنبه أَيْن أَنْت يَا عَمْرو فَقَالَ إِنِّي أسمع أمرا عَظِيما فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (يَا عَمْرو أسلم تسلم) فَأسلم وَبَايع لِقَوْمِهِ على الْإِسْلَام وَذَلِكَ منصرف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من تَبُوك وَكَانَت فِي رَجَب سنة تسع
وَعَن أبي عُبَيْدَة قَالَ لما ارْتَدَّ عَمْرو ابْن معدي كرب مَعَ من ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام من مذْحج استجاش فَرْوَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَوجه إِلَيْهِم خَالِد
(2/241)

ابْن سعيد بن الْعَاصِ وخَالِد بن الْوَلِيد وَقَالَ لَهما إِذا اجْتَمَعْتُمْ فعلي بن أبي طَالب أميركم وَهُوَ على النَّاس وَوجه عليا رَضِي الله عَنهُ فَاجْتمعُوا بِكَسْر من أَرض الْيمن فَاقْتَتلُوا وَقتل بَعضهم وَنَجَا بعض فَلم تزل جَعْفَر وزبيد وأدد بَنو سعد الْعَشِيرَة بعْدهَا قَليلَة يرْوى أَنه لما بلغ عَمْرو ابْن معدي كرب قرب مكانهم أقبل فِي جمَاعَة من قومه فَلَمَّا دنا مِنْهُم قَالَ دَعونِي حَتَّى آتِي هَؤُلَاءِ الْقَوْم فَإِنِّي لم أسم لأحد قطّ إِلَّا هابنى فَلَمَّا دنا مِنْهُم نَادَى أَنا أَبُو ثَوْر أَنا عَمْرو ابْن معدي كرب فَابْتَدَرَهُ عَليّ وخَالِد وَكِلَاهُمَا يَقُول لصَاحبه خَلِّنِي وإياه ويفديه بابيه وَأمه فَقَالَ عَمْرو إِذْ سمع قَوْلهمَا الْعَرَب تفزع مني وَأرَانِي لهَؤُلَاء جزراً فَانْصَرف عَنْهُمَا ثمَّ رَجَعَ إِلَى الإٍسلام وَفِي هَذَا الْوَجْه وَقعت الصمصامة إِلَى آل سعيد وَكَانَ سَبَب وُقُوعهَا إِلَيْهِم أَن رَيْحَانَة بنت معدي كرب وَهِي المعنية أول القصيدة سبيت يَوْمئِذٍ فأفداها خَالِد وأثابه عَمْرو الصمصامة فَصَارَ إِلَى أَخِيه سعيد فَوجدَ سعيد جريحاً يَوْم قتل عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ حِين حصر أَي فِي الدَّار وَقد ذهب السَّيْف والغمد ثمَّ وجد الغمد فَلَمَّا قَامَ مُعَاوِيَة جَاءَهُ أَعْرَابِي بِالسَّيْفِ بِغَيْر غمد وَسَعِيد حَاضر فَقَالَ سعيد هَذَا سَيفي فَجحد الْأَعرَابِي مقَالَته فَقَالَ سعيد الدَّلِيل على أَنه سَيفي أَن تبْعَث إِلَى غمده فتغمده فَيكون كفافه فَبعث مُعَاوِيَة إِلَى الغمد فَأتى بِهِ من منزل سعيد فَإِذا هُوَ عَلَيْهِ فَأقر الْأَعرَابِي أَنه أَصَابَهُ يَوْم الدَّار فَأَخذه سعيد مِنْهُ وأثابه فَلم يزل عِنْدهم حَتَّى أصعد الْمهْدي من الْبَصْرَة
(2/242)

فَلَمَّا كَانَ بواسط فَأرْسل إِلَى آل سعيد فِيهِ فَقَالُوا إِنَّه للسبيل فَقَالَ خَمْسُونَ سَيْفا قَاطعا أغْنى من سيف وَاحِد فَأَعْطَاهُمْ خمسين ألف دِرْهَم وَأَخذه
وَعَن الشّعبِيّ أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ فرض لعَمْرو بن معدي كرب فِي الْفَيْء أَلفَيْنِ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ألف هَهُنَا وَأَوْمَأَ إِلَى شقّ بظنه الْأَيْمن وَألف هَهُنَا وَأَوْمَأَ إِلَى شقّ بَطْنه الْأَيْسَر فَمَا يكون هَهُنَا وَأَوْمَأَ إِلَى وسط بَطْنه فَضَحِك عمر من كَلَام عَمْرو رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِمَا وزاده خَمْسمِائَة
وَقَالَ أَبُو الْيَقظَان قَالَ عَمْرو بن معدي كرب لَو سرت بظعينة وحدي على مياه معد كلهَا مَا خفت أَن أغلب عَلَيْهَا مالم يلقني حراها وعبداها فَأَما الحران فعامر بن الطُّفَيْل وعتيبة بن الْحَارِث بن شهَاب وَأما العبدان فأسود بني عبس يَعْنِي عنترة والسليك بن السلكة وَكلهمْ لقِيت فَأَما عَامر بن الطُّفَيْل فسريع الطعْن على الصَّوْت وَأما عتيبة بن الْحَرْث فَأول الْخَيل إِذا غارت وَآخِرهَا إِذا آبت وَأما عنترة فقليل النُّبُوَّة شَدِيد الْكَلْب وَأما السليك فبعيد الْغَارة كالليث الضاري
وَعَن قيس أَن عمر رَضِي الله عَنهُ كتب إِلَى سعد بن أبي وَقاص إِنِّي قد أمددتك بألفي رجل عَمْرو بن معدي كرب وطليحة بن خويلد وَهُوَ طليحة الْأَسدي فشاورهما فِي الْحَرْب وَلَا تولهما شَيْئا
وَعنهُ قَالَ شهِدت الْقَادِسِيَّة وَكَانَ سعد على النَّاس فجَاء رستم فَجعل يمر بِنَا وَعَمْرو بن معدي كرب الزبيدِيّ يمر على الصُّفُوف ويحض النَّاس وَيَقُول يَا معشر الْمُهَاجِرين كونُوا أسداً أَعنِي عباساً فَإِنَّمَا الْفَارِسِي تَيْس بعد أَن
(2/243)

يلقى يبرك قَالَ وَكَانَ مَعَ رستم أسوار لَا تسْقط لَهُ نشابة فَقيل لَهُ يَا أَبَا ثَوْر اتَّقِ ذَلِك فَإنَّا لنقول لَهُ ذَلِك إِذْ رَمَاه رمية فَأصَاب فرسه وَحمل عَلَيْهِ عَمْرو فاعتنقه ثمَّ ذبحه وسلبه سوارى ذهبٍ كَانَا عَلَيْهِ وقباء ديباج قَالَ غير قيس وَرجع بسلبه وَهُوَ يَقُول
(أَنا أَبُو ثَوْر وسيفي ذُو النونْ ... أضربهم ضربَ غلامٍ مجنونْ)
(يالَ زَبيدٍ إِنَّهُم يموتون ... ) // الرجز //
وَفِي رِوَايَة عَن أبي زيد أَن عمرا شهد الْقَادِسِيَّة وَهُوَ ابْن مائَة وست سِنِين وَقيل بل ابْن مائَة وَعشر وَلما قتل العلج عبر نهر الْقَادِسِيَّة هُوَ وَقيس ابْن مكشوح الْمرَادِي وَمَالك بن الْحَارِث الأشتر وَكَانَ عَمْرو آخِرهم وَكَانَت فرسه ضَعِيفَة فَطلب غَيرهَا فَأتى بفرس فَأخذ بعكوة ذَنبه وأخلد بِهِ إِلَى الأَرْض فأقعى الْفرس فَرده وأتى بآخر فَفعل بِهِ مثل ذَلِك فتحلحل وَلم يَقع فَقَالَ هَذَا على كل حَال أقوى من ذَلِك وَقَالَ لأَصْحَابه إِنِّي حاملٌ وعابرٌ الجسر فَإِن أسرعتم بِمِقْدَار جزر الْجَزُور وجدتموني وسيعني بيَدي أقَاتل بِهِ تِلْقَاء وَجْهي وَقد عقرني الْقَوْم وَأَنا قَائِم بَينهم وَقد قتلت وجردت وَإِن أبطأتم وجدتموني قَتِيلا بَينهم وَقد قتلت وجردت ثمَّ انغمس فَحمل فِي الْقَوْم فَقَالَ بَعضهم يابني زبيد على م تدعون صَاحبكُم وَالله مَا نرى أَن تدركوه حَيا فحملوا فَانْتَهوا إِلَيْهِ وَقد صرع عَن فرسه وَقد أَخذ بِرَجُل فرس رجل من الْعَجم فَأَمْسكهَا وَإِن الْفَارِس
(2/244)

ليضْرب الْفرس فَلَا تقدر أَن تتحرك من يَده فَلَمَّا غشينا رمى الأعجمي بِنَفسِهِ وخلى فرسه فَرَكبهُ عَمْرو وَقَالَ أَنا أَبُو ثَوْر كدتم وَالله تفقدونني قَالُوا أَيْن فرسك قَالَ رمى بنشابة فشب فصرعني وعار
وَعَن أبان بن صَالح قَالَ قَالَ عَمْرو بن معدي كرب يَوْم الْقَادِسِيَّة ألزموا خراطيم الفيلة السيوف فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا مقتل إِلَّا خراطيمها ثمَّ شدّ على رستم وَهُوَ على الْفِيل فَضرب فيله فجذم عرقوبيه فَسقط وَحمل رستم على فرس وَسقط من تَحْتَهُ خرج فِيهِ أَرْبَعُونَ ألف دِينَار فحازه الْمُسلمُونَ وَسقط رستم بعد ذَلِك عَن فرسه فَقتله وَانْهَزَمَ الْمُشْركُونَ وَقيل إِن الخرج سقط عَلَيْهِ فَقتله
وَعَن الشّعبِيّ قَالَ جَاءَت زِيَادَة من عِنْد عمر يَوْم الْقَادِسِيَّة فَقَالَ عَمْرو بن معدي كرب لطليحة أما ترى أَن هَذِه الزعانف تزاد وَلَا نزاد انْطلق بِنَا إِلَى هَذَا الرجل حَتَّى نكلمه فَقَالَ هَيْهَات وَالله لَا أَلْقَاهُ فِي هَذَا أبدا فَلَقَد لَقِيَنِي فِي بعض فجاج مَكَّة فَقَالَ يَا طليحة أقتلت عكاشة فتوعدني وعيداً ظَنَنْت أَنه قاتلي وَلَا آمنهُ قَالَ عَمْرو ولكنني أَلْقَاهُ قَالَ أَنْت وَذَاكَ فَخرج إِلَى الْمَدِينَة فَقدم على عمر رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ يغدي النَّاس وَقد جفن لعشرة
(2/245)

عشرَة فأقعده عمر مَعَ عشرَة فَأَكَلُوا ونهضوا وَلم يقم عَمْرو فَأقْعدَ مَعَه تَكْمِلَة عشرَة حَتَّى أكل مَعَ ثَلَاثِينَ ثمَّ قَامَ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه كَانَت لي مآكل فِي الْجَاهِلِيَّة مَنَعَنِي مِنْهَا الْإِسْلَام وَقد صررت فِي بَطْني صرتين وَتركت بَينهمَا هَوَاء فسده فَقَالَ عَلَيْك حِجَارَة من حِجَارَة الْحرَّة فسده بهَا يَا عَمْرو إِنَّه بَلغنِي أَنَّك تَقول إِن لي سَيْفا يُقَال لَهُ الصمصامة وَعِنْدِي سيف اسْمه المصمم وَإِنِّي إِن وَضعته بَين أذنيك لم أرفعه حَتَّى يخالط أضراسك
وَحدث يُونُس وَأَبُو الْخطاب قَالَا لما كَانَ يَوْم فتح الْقَادِسِيَّة أصَاب الْمُسلمُونَ أسلحة وتيجاناً ومناطق ورقاباً فبلغت مَالا عَظِيما فعزل سعد الْخمس ثمَّ فض الْبَقِيَّة فَأصَاب الْفَارِس سِتَّة آلَاف والراجل أَلفَانِ وَبَقِي مَال دثر فَكتب إِلَى عمر رَضِي الله عَنهُ بِمَا فعل فَكتب إِلَيْهِ أَن رد على الْمُسلمين الْخمس وَأعْطِ من لحق بك مِمَّن لم يشْهد الْوَقْعَة فَفعل فأجراهم مجْرى من شهد وَكتب إِلَى عمر بذلك فَكتب إِلَيْهِ أَن فض مَا بَقِي على حَملَة الْقُرْآن فَأَتَاهُ عَمْرو بن معد كرب فَقَالَ بِهِ سعد مَا مَعَك من كتاب الله فَقَالَ عَمْرو إِنِّي أسلمت بِالْيمن ثمَّ غزوت فشغلت عَن حفظ الْقُرْآن قَالَ مَا لَك فِي هَذَا المَال نصيب وَأَتَاهُ بشر بن ربيعَة الْخَثْعَمِي وَصَاحب جباية بشر
(2/246)

فَقَالَ مَا مَعَك من كتاب الله قَالَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَضَحِك الْقَوْم وَلم يُعْطه شَيْئا فَقَالَ عَمْرو فِي ذَلِك
(إِذا قتلنَا وَلَا يبكي لنا أحد ... قَالَت قُرَيْش أَلا تِلْكَ الْمَقَادِير)
(نعطي السوية من طعن لَهُ نفذ ... وَلَا سوية إِذْ تُعْطى الدَّنَانِير) // الْبَسِيط //
وَقَالَ بشر بن ربيعَة
(أنخت بياب الْقَادِسِيَّة نَاقَتي ... وسعدُ بن وَقاص عليَّ أميرُ)
(وسعدٌ أميرٌ شرُّهُ دونَ خيرهِ ... وخيرُ أميرٍ بالعراق جَريرُ)
(وعندَ أَمِير الْمُؤمنِينَ نوافلٌ ... وعندَ المثَّنى فضةٌ وحَريرُ)
(تذكر هداكَ اللهُ وَقع سُيُوفنَا ... ببابِ قديس والمكرُّ عسيرُ)
(عشيةَ ودَّ القومُ لَو أَن بعضهمْ ... يُعار جناحَيْ طائرٍ فيطيرُ)
(إذَا مَا فَرغْنَا من قراع كتيبةٍ ... دَلفنا لأخرى كالجبال تسيرُ)
(ترَى الْقَوْم فِيهَا واجمين كَأَنَّهُمْ ... جمال بأجمال لَهُنَّ زفير) // الطَّوِيل //
فَكتب سعد إِلَى عمر رَضِي الله عَنهُ بِمَا قَالَ لَهما وَمَا ردا عَلَيْهِ وبالقصيدتين فَكتب أَن أعطهما على بلائهما فَأعْطى لكل وَاحِد مِنْهُمَا ألفي دِرْهَم
وَعَن ابْن قُتَيْبَة أَن سَعْدا كتب إِلَى عمر رَضِي الله عَنهُ يثني على عَمْرو ابْن معدي كرب فَسَأَلَ عمر عمرا عَن سعد فَقَالَ هُوَ لنا كَالْأَبِ أَعْرَابِي فِي نمرته أَسد فِي تامورته يقسم بِالسَّوِيَّةِ ويعدل فِي الْقَضِيَّة وينفر فِي السّريَّة وينقل إِلَيْنَا حَقنا كَمَا تنقل الذّرة فَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ لشد مَا تقارضتما الثَّنَاء
(2/247)

وَجَاء رجل وَعَمْرو بن معدي كرب وَاقِف بالكناسة على فرس لَهُ فَقَالَ لأنظرن مَا بَقِي من قُوَّة أبي ثَوْر فَأدْخل يَده بَين سَاقه وَبَين السرج فَفطن عَمْرو فَضمهَا عَلَيْهِ وحرك فرسه فَجعل الرجل يعدو مَعَ الْفرس لَا يقدر أَن ينْزع يَده حَتَّى إِذا بلغ مِنْهُ قَالَ يَا ابْن أخي مَا لَك قَالَ يَدي تَحت ساقك فخلى عَنهُ وَقَالَ يَا ابْن أخي إِن فِي عمك لبَقيَّة بعد
وَكَانَ عَمْرو مَعَ شجاعته ومواقفه مَشْهُورا بِالْكَذِبِ فَحدث الْمبرد قَالَ كَانَت الْأَشْرَاف بِالْكُوفَةِ يخرجُون إِلَى ظهرهَا يتناشدون الْأَشْعَار وَيَتَحَدَّثُونَ ويتذاكرون أَيَّام النَّاس فَوقف عَمْرو إِلَى جَانب خَالِد بن الصَّقْعَب النَّهْدِيّ فَأقبل عَلَيْهِ يحدثه وَيَقُول أغرت على بني نهد فَخَرجُوا إِلَى مسترعفين بِخَالِد بن الصَّقْعَب يقدمهم فطعنته طعنة فَوَقع وضربته بالصمصامة حَتَّى فاضت نَفسه فَقَالَ لَهُ الرجل يَا أَبَا ثَوْر إِن مقتولك الَّذِي تذكره هُوَ الَّذِي تحدثه فَقَالَ اللَّهُمَّ غفراً إِنَّمَا أَنْت مُحدث فاستمع إِنَّمَا نتحدث بِمثل هَذَا وأشباهه لنرهب هَذِه المعدية
وَقَالَ مُحَمَّد بن سَلام أَبَت الْعَرَب إِلَّا أَن عمرا كَانَ يكذب قَالَ وَقلت لخلف الْأَحْمَر وَكَانَ مولى للأشعريين وَكَانَ يتعصب لليمانية أَكَانَ عَمْرو يكذب قَالَ كَانَ يكذب بِاللِّسَانِ وَيصدق بالفعال
وَعَن زِيَاد مولى سعد قَالَ سَمِعت سَعْدا يَقُول وبلغه أَن عَمْرو بن معدي كرب وَقع فِي الْخمر وَأَنه قد دله لقد كَانَ لَهُ موطن صَالح يَوْم الْقَادِسِيَّة عَظِيم الْغناء شَدِيد النكاية لِلْعَدو فَقيل لَهُ فقيس بن مكشوح فَقَالَ هَذَا أبذل لنَفسِهِ من قيس وَإِن قيسا لشجاع
(2/248)

وَعَن أبي مُحَمَّد المرهبي قَالَ كَانَ شيخ يُجَالس عبد الْملك بن عُمَيْر فَسَمعته يحدث قَالَ قدم عُيَيْنَة بن حصن الْكُوفَة فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا ثمَّ قَالَ وَالله مَا لي بِأبي ثَوْر عهد مُنْذُ قدمنَا هَذَا الْغَائِط يَعْنِي بَابي ثَوْر عَمْرو بن معدي كرب أَسْرج لي يَا غُلَام فاسرج لَهُ فرسا أُنْثَى من خيله فَلَمَّا قربهَا إِلَيْهِ ليرْكبَهَا قَالَ لَهُ وَيحك أرأيتني ركبت أُنْثَى فِي الْجَاهِلِيَّة فأركبها فِي الْإِسْلَام فأسرج لي حصاناً فأسرجه فَرَكبهُ وَأَقْبل إِلَى محلّة بني زبيد فَسَأَلَ عَن محلّة عَمْرو بن معدي كرب فأرشد إِلَيْهَا فَوقف بِبَابِهِ ونادى أَي أَبَا ثَوْر اخْرُج إِلَيْنَا فَخرج عَلَيْهِ مؤتزراً كَأَنَّمَا كسر وجبر فَقَالَ انْعمْ صباحاً أَبَا مَالك قَالَ أَو لَيْسَ قد أبدلنا الله بِهَذَا السَّلَام عَلَيْكُم قَالَ دَعْنَا مِمَّا لَا نَعْرِف انْزِلْ فَإِن عِنْدِي كَبْشًا شناحاً فَنزل فَعمد إِلَى الْكَبْش فذبحه ثمَّ كشط جلده عَنهُ وعضاه وألقاه فِي قدر جماع وطبخه حَتَّى إِذا أدْرك جَاءَ بِجَفْنَة عَظِيمَة فثرد فِيهَا وَألقى الْقدر عَلَيْهَا فقعدا فأكلاه ثمَّ قَالَ لَهُ أَي الشَّرَاب أحب إِلَيْك اللَّبن أم مَا كُنَّا نتنادم عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة قَالَ أَو لَيْسَ قد حرمهَا الله عز وَجل علينا فِي الْإِسْلَام قَالَ أَنْت أكبر سنا أم أَنا قَالَ أَنْت قَالَ أفأنت اقدم إسلاماً أم أَنا قَالَ أَنْت قَالَ فَإِنِّي قد قَرَأت مَا بَين دفتي الْمُصحف فوَاللَّه مَا وجدت لَهَا تَحْرِيمًا إِلَّا أَنه قَالَ {فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ} فَقُلْنَا لَا فَسكت وسكتنا فَقَالَ لَهُ أَنْت أكبر سنا وأقدم ِإسلاماً فجَاء بهَا فَجَلَسَا يتنادمان ويشربان ويذكران أَيَّام الْجَاهِلِيَّة حَتَّى أمسيا فَلَمَّا أَرَادَ عُيَيْنَة
(2/249)

الِانْصِرَاف قَالَ عَمْرو بن معدي كرب وَلَئِن انْصَرف أَبُو مَالك بِغَيْر حباء إِنَّهَا لوصمة عَليّ فَأمر بِنَاقَة لَهُ أرحبية كَأَنَّهَا جبيرَة لجين فارتحلها وَحمله عَلَيْهَا ثمَّ قَالَ يَا غُلَام هَات المزود فجَاء بمزود فِيهِ أَرْبَعَة آلف دِرْهَم فوضعها بَين يَدَيْهِ فَقَالَ أما المَال فوَاللَّه لَا قبلته قَالَ فوَاللَّه إِنَّه لمن حباء عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ فَلم يقبله عُيَيْنَة وَانْصَرف وَهُوَ يَقُول
(جُزيتَ أَبَا ثورٍ جزَاء كرَامةٍ ... فنعمَ الْفَتى المُزْدَارُ والمتضيِّف)
(قَريتَ فأكرَمتَ القِرَى وأفدتنَا ... خَبيةَ عِلمٍ لم تكنْ قطُّ تُعرَفُ)
(وقلتَ حلالٌ أَن نُدِيرَ مدامةً ... كلونِ انعقاق البْرق والليلُ مسدفُ)
(وقدَّمتَ فِيهَا حجَّة عَرَبِيَّة ... ترد إِلَى الإنصَاف من لَيْسَ ينصفُ)
(وأنتَ لنا وَالله ذِي العرشِ قدوةٌ ... إِذا صدَّنا عَن شربهَا المتكلفُ)
(نقولُ أَبُو ثورٍ أحَلَّ حرامها ... وَقَول أبي ثَوْر أسَدُّ وأعرَفُ) // الطَّوِيل //
وغزا عَمْرو بن معدي كرب هُوَ وَأبي الْمرَادِي فَأَصَابُوا غَنَائِم فَادّعى أبي أَنه قد كَانَ مسانداً فَأبى عَمْرو أَن يُعْطِيهِ شَيْئا وَبلغ عمرا أَنه يتوعده فَقَالَ عَمْرو فِي ذَلِك قصيدة أَولهَا
(أعاذِل شكتي بدني ورُمحي ... وكل مقلِّص سَلسِ القيادِ)
(أعاذل إِنَّمَا أفنى شَبَابِي ... وأقرحَ عَاتِقي ثقلُ النِّجادِ)
(2/250)

(تَمَنَّاني ليلقانِي أبيٌّ ... وددت وأينما منى ودادي)
(وَلَو لاقيتني وَمَعِي سلاحي ... تكشَّفَ شحمُ قَلْبك عَن سَواد)
(أُرِيد حَيَاته وَيُرِيد قَتْلِي ... عذيرَك من خَلِيلك من مُرَاد) // الوافر //
وَهَذَا الْبَيْت كَانَ يتَمَثَّل بِهِ على بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ إِذا أعْطى النَّاس وَرَأى ابْن ملجم قَاتله الله
وَكَانَ سَبَب موت عَمْرو بن معدي كرب مَا حَكَاهُ ابْن قُتَيْبَة وَغَيره قَالُوا كَانَت مغازي الْعَرَب إِذْ ذَاك الرّيّ ودمستي فَخرج عَمْرو مَعَ شباب من مذْحج حَتَّى نزل الخان الَّذِي دون روذة فتعذى الْقَوْم ثمَّ نَامُوا وَقَامَ كل رجل مِنْهُم لقَضَاء حَاجته وَكَانَ عَمْرو إِذا أَرَادَ الْحَاجة لم يجترىء أحد أَن يَدعُوهُ وَإِن أَبْطَأَ فَقَامَ النَّاس للرحيل وترحلوا إِلَّا من كَانَ فِي الخان الَّذِي فِيهِ عَمْرو فَلَمَّا أَبْطَأَ صحنا بِهِ يَا أَبَا ثَوْر فَلم يجبنا وَسَمعنَا علزا شَدِيدا ومراساً فِي الْموضع الَّذِي دخله فقصدناه وَإِذا بِهِ محمرة عَيناهُ مائلا شدقه مفلوجاً فحملناه على فرس وأمرنا غُلَاما شَدِيد الذِّرَاع فارتدفه ليعدل ميله فَمَاتَ بروذة وَدفن على قَارِعَة الطَّرِيق فَقَالَت امْرَأَته الجعفية ترثية
(لقد غادر الركبُ الَّذين تحملوا ... بروذة شخصا لَا ضَعِيفا وَلَا غمرَا)
(فَقل لزبيد بل لمذحج كلِّها ... فقدْتُمْ أَبَا ثَوْر سنانكم عَمْرَا)
(فإِن تجزعوا لَا يُغْنِ ذَلِك عَنْكُم ... وَلَكِن سلوا الرَّحْمَن يعقبكم صبرا) // الطَّوِيل //
(2/251)

119 - (قَالُوا اقترح شَيْئا نجد لَك طبخه ... قلت اطبخوا لي جُبَّةً وقميصا)
الْبَيْت من الْكَامِل وقائله أَبُو الرقعمق يرْوى أَنه قَالَ كَانَ لي إخْوَان أَرْبَعَة وَكنت أنادمهم أَيَّام الْأُسْتَاذ كافور الإخشيدي فَجَاءَنِي رسولهم فِي يَوْم بَارِد وَلَيْسَت لي كسْوَة تحصنني من الْبرد فَقَالَ إخوانك يقرأون عَلَيْك السَّلَام وَيَقُولُونَ لَك قد اصطبحنا الْيَوْم وذبحنا شَاة سَمِينَة فاشته علينا مَا نطبخ لَك مِنْهَا قَالَ فَكتبت إِلَيْهِم
(إخواننَا قصدُوا الصبوحَ بسحرة ... فَأتى رسولُهُمُ إليَّ خُصُوصا)
(قَالُوا اقترح شَيْئا نجد لَك طبخه ... قلت اطبخوا لي جُبَّة وقميصا) // الْكَامِل //
قَالَ فَذهب الرَّسُول بالرقعة فَمَا شَعرت حَتَّى عَاد وَمَعَهُ أَربع خلع وَأَرْبع صرر فِي كل صرة عشرَة دَنَانِير فَلبِست إِحْدَى الْخلْع وصرت إِلَيْهِم
وَالشَّاهِد فِيهِ المشاكلة وَهِي ذكر الشَّيْء بِلَفْظ غَيره لوُقُوعه فِي صحبته تَحْقِيقا أَو تَقْديرا وَهِي هُنَا قَوْله اطبخوا فَإِنَّهُ أَرَادَ خيطوا فَذكر خياطَة الْجُبَّة والقميص بِلَفْظ الطَّبْخ لوقوعها فِي صُحْبَة طبخ الطَّعَام
وَمثل الْبَيْت قَول ابْن جَابر الأندلسي
(قَالُوا اتخذ دُهناً لقلبك يَشْفِهِ ... قلتُ ادهنوه بخدها المتوردِ) // الْكَامِل //
وَذكرت باشتهاء أبي الرقعمق قَول بَعضهم
(قَالَ لي عُوَّدي غَدَاة أَتَوْنِي ... مَا الَّذِي تشتهيه واجتهدوا بِي)
(قلتُ مُغْلًى فِيهِ لسانُ وشاةٍ ... قطعوه فِيهِ بضع عَجِيب)
(وَأُضيفت إِلَيْهِ كبْدُ حسودٍ ... فُقِئت فَوْقهَا عُيُون الرقيبِ) // الْخَفِيف //
وَقَول الآخر
(عِنْدِي لكم يَوْم التواصُل فرحةٌ ... يَا معشر الجلساء والندماء)
(2/252)

(أشوي قلوبَ الحاسدينَ بهَا وَألسنةَ الوشاة وأعين الرقباء ... ) // الْكَامِل //
وَمن أَمْثِلَة المشاكلة قَول عَمْرو بن كُلْثُوم فِي معلقته
(أَلا لَا يجهلنْ أحدٌ علينا ... فنجهل فَوقَ جهل الجاهلينَا) // الوافر //
أَرَادَ فنجازيه على جَهله فَجعل لَفْظَة فنجهل مَوضِع فنجازيه لأجل المشاكلة
وَمثل الأول مَا حُكيَ عَن عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر أَنه كَانَ يشرب فِي متنزه وَعِنْده ماني الموسوس فَقَالَ عبيد الله
(أرى غيما تؤلفه جنوبٌ ... وأحسب أَن ستأتينا بهطلِ)
(فحزمُ الرَّأْي أَن تَأتي برطلِ ... فتشربهُ وتأتيني برطل) // الوافر //
فَقَالَ مَا هَكَذَا قَالَ الشَّاعِر وَإِنَّمَا هُوَ
(أرَى غيماً تؤلفهُ جنوبٌ ... أرَاهُ على مساءتنا حَريصَا)
(فَحرم الرَّأْي أَن تَأتي برطلٍ ... فتشربهُ وتكسوني قميصَا)
وَأَبُو الرقعمق هُوَ أَحْمد بن مُحَمَّد الْأَنْطَاكِي الشَّاعِر الْمَشْهُور ذكره الثعالبي فِي الْيَتِيمَة فَقَالَ هُوَ نادرة الزَّمَان وَجُمْلَة الْإِحْسَان مِمَّن تصرف بالشعر الجزل فِي أنواح الْجد والهزل وأحرز قصبات الْفضل وَهُوَ أحد المداح المجيدين وَالشعرَاء الْمُحْسِنِينَ وَهُوَ بِالشَّام كَابْن حجاج بالعرق ومدح مُلُوك مصر ووزراءها فَمن غرر شعره قَوْله يمدح الْوَزير يَعْقُوب بن كلس
(2/253)

(قد سمعنَا مقالهُ واعتذارهُ ... وأقلناهُ ذنبهُ وعثارَهْ)
(والمعاني لمنْ عنيتُ ولكنْ ... بك عرَّضتُ فاسمعي يَا جَاره) // الْخَفِيف // مِنْهَا
(سَحَرتني ألحاظهُ وَكَذَا كلُّ مليحٍ عيونهُ سَحَّارهْ ... )
(مَا عَلىَ مؤثرِ التباعدِ والإعراض لَو آثرَ الرِّضَا والزيارَهْ ... )
وَهِي طَوِيلَة وَأكْثر شعره جيد على هَذَا الأسلوب مثل صريع الدلاء والقصار وَمن شعره على طَرِيق ابْن حجاج قَوْله
(كتبَ الحصيرُ إِلَى السرير ... أَن الفصيلَ ابنُ البعيرِ)
(فلأمنعنَّ حِمَارَتي ... سنتَيْن من أكل الشّعير)
(لاهم إِلَّا أَن تطير ... من الهزَال مَعَ الطُّيُور)
(ولأخبرَنكَ قصتِي ... فلقدْ سَقَطت على الخبيرِ)
(إنّ الَّذين تصافَعُوا ... بالقرعِ فِي زَمن القشُورِ)
(أسِفوا عَلَيَّ لأنهمْ ... حَضَرُوا وَلم أكُ فِي الحضورِ)
(لَوْ كنتُ ثمّ لقيل هَلْ ... منْ آخذٍ بيدِ الضريرِ)
(وَلَقَد دخلت على الصّديق الْبَيْت فِي الْيَوْم المطير ... )
(متشمراً متبختِراً ... للصفع بالدَّلوِ الْكَبِير)
(فأدرت حِين تبَادرُوا ... دلوي فَكَانَ على المدير)
(يَا للرجالِ تَصَافعوا ... فالصفعُ مفتاحُ السرورِ)
(2/254)

(هُوَ فِي الْمجَالِس كالبخور ... وكالقلائدِ فِي النحورِ) // من مجزوء الْكَامِل //
وَله قصيدة طَوِيلَة مَشْهُورَة أَولهَا
(وقوققى وقوققى ... هَدِيَّة فِي طبقِ)
(أما ترَوْنَ بَيْنكُم ... تيْساً طَوِيل الْعُنُق) // من مجزوء الرجز //
وَكَانَت وَفَاته سنة تسع وَتِسْعين وثلثمائة
120 - (إِذا مَا نهى النَّاهي فلَج بِي الْهوى ... أصاختْ إِلَى الواشي فلَجَّ بهَا الهجْرُ)
الْبَيْت للبحتري من قصيدة من الطَّوِيل فِي الْفَتْح بن خاقَان أَولهَا
(مَتى لَاحَ برقٌ أَو بدا طللٌ قفرُ ... جرى مُسْتَهِلٌّ لَا بطىء وَلَا نَزْرُ)
(وَمَا الشوق إِلَّا لوعةٌ بعد لوعةٍ ... وغُزْر من الآماق تتبعُها غزرُ)
(فَلَا تذكرا عهْدَ التصابي فَإِنَّهُ ... تقضَّي وَلم يشعرْ بِهِ ذَلِك الْعَصْر)
إِلَى أَن يَقُول فِيهَا
(هَل الْعَيْش إِلَّا أَن تساعفنا النَّوَى ... بوَصْل سُعَاد أَو يساعدَنا الدهرُ)
إِلَى أَن يَقُول فِيهَا
(2/255)

(على أَنَّهَا مَا عِنْدهَا لمُوَاصِلٍ ... وصالٌ وَلَا عَنْهَا لمصطبرٍ صبرُ)
وَبعده الْبَيْت وَهِي طَوِيلَة يَقُول مِنْهَا فِي المخلص
(لعمرَّكَ مَا الدُّنْيَا بناقصة الْجَدَا ... إِذا بقىَ الفَتحُ بن خاقَان والقطر) // الطَّوِيل //
وَمعنى أصاخت استمعت والواشي النمام الَّذِي يشي حَدِيثه ويزينه وَالشَّاهِد فِيهِ المزاوجة وَهِي أَن يزاوج الْمُتَكَلّم بَين مَعْنيين فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء فَهُنَا زواج بَين نهي الناهي وإصاختها إِلَى الواشي الواقعين فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء فِي أَن يَتَرَتَّب عَلَيْهِمَا لجاج شَيْء
وَمثله قَوْله أَيْضا
(إِذا احتربت يَوْمًا فَفَاضَتْ دماؤُها ... تذكرت الْقُرْبَى فَفَاضَتْ دموعُها) // الطَّوِيل //
فزاوج بَين الاحتراب وتذكر الْقُرْبَى الواقعين فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء فِي ترَتّب فيضان شَيْء عَلَيْهِمَا
وَمن المزاوجة قَول أبي تَمام
(وَكُنَّا جمعيا شَرِيكي عنان ... رضيعى لبان خليلى صفاء) // المتقارب //
وَفِي معنى صدر الْبَيْت قَول أبي نواس
(دَعْ عَنْكَ لومي فَإِن اللَّوْمَ إغراءُ ... ودَاوِنِي بِالَّتِي كَانَت هِيَ الدَّاء) // الْبَسِيط //
وَقَول ابْن زُرَيْق الْبَغْدَادِيّ
(لَا تَعْذِليه فإنَّ العذل يُولِعُه ... قد قلتِ حَقَّاً وَلَكِن لَيْسَ يسمعهُ) // الْبَسِيط //
وَقَول ابْن شرف القيرواني
(قلْ للعذول لَو اطَّلَعت على الَّذِي ... عاينتهُ لعناكَ مَا يعنيني)
(2/256)

(أتصدُّني أم للغرَام ترُدُّني ... وتلومني فِي الحبّ أمْ تُغْرِينِي)
(دَعنِي فلستَ مُعَاقباً بجنايتِي ... إِذْ ليسَ دينكَ لي وَلَا لَك ديني) // الْكَامِل //
وَقَول الصابي
(أَيهَا اللائم والمضيق صَدْرِي ... لَا تلمني فكثرةُ اللوم تُغْرِي)
(قَدْ أقامَ القَوَامُ حجَّة عشقي ... وأبانَ العذارُ فِي الحبّ عُذْري) // الْخَفِيف //
12 - (قِفْ بالديار الَّتِي لم يعفها القدمُ ... بلىَ وغيرَها الأرواحُ والدِّيَمُ)
الْبَيْت من الْبَسِيط وَهُوَ أول قصيدة لزهير بن أبي سلمى يمدح بهَا هرم بن سِنَان وَبعده
(لاَ الدارُ غيرَها بعد ُالأنيسُ ولاَ ... بالدارِ لَو كَلَّمَتْ ذَا حَاجَة صممُ)
(دارٌ لأسماء بالغمرَين ماثلةٌ ... كالوحي لي لَهَا من أَهلهَا أرِمُ)
يَقُول مِنْهَا فِي مدحه
(إِن الْبَخِيل ملوم حَيْثُ كَانَ ولكنّ ... الجوادَ على علاته هرم)
(2/257)

(هُوَ الجوادُ الَّذِي يعطيكَ نائلهُ ... عفوا ويظلمُ أَحْيَانًا فيظَّلِمُ)
(فإِن أتاهُ خليلٌ يومَ مسألةٍ ... يقولُ لَا غَائِب مَالِي وَلَا حرم) // الْبَسِيط //
وَهِي طَوِيلَة
والأرواح جمع ريح وَيجمع على أرياح أَيْضا ورياح وريح بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء والديم جمع دِيمَة وَهِي الْمَطَر الدَّائِم فِي سُكُون
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت الرُّجُوع وَهُوَ الْعود إِلَى الْكَلَام السَّابِق بِالنَّقْضِ والإبطال لنكتة فَهُنَا دلّ صدر الْبَيْت على أَن تطاول الزَّمَان وتقادم الْعَهْد لم يعف الديار ثمَّ عَاد إِلَيْهِ ونقضه فِي عجز الْبَيْت بِأَنَّهُ قد غيرتها الرِّيَاح والأمطار لنكتة وَهِي هُنَا إِظْهَار الكآبة والحزن والحيرة والدهش كَأَنَّهُ أخبر أَولا بِمَا لم يتَحَقَّق ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ عقله وأفاق بعض الْإِفَاقَة فنقض كَلَامه السَّابِق
وَمثله قَول الشَّاعِر
(فأفٍّ لهَذَا الدَّهْر لَا بلْ لأهلهِ ... ) // الطَّوِيل //
وَقَول ابْن الطثرية
(أليسَ قَلِيلا نظرةٌ إِن نظرتها ... إِلَيْك وكلاّ ليسَ مِنْك مِنْك قَلِيل) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي الْبَيْدَاء
(2/258)

(ووالي انتصارٌ إِن غدَا الدهرُ جائراً ... عليّ بلَى إِن كَانَ من عندكَ النصرُ) // الطَّوِيل //
وَقَول المتنبي
(لِجنِّيَّةٍ أم غادةٍ رُفعَ السجفُ ... لِوَحشيةٍ لاما لوحشية شنف) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول أبي بكر الْخَوَارِزْمِيّ فِي شمس الْمَعَالِي قَابُوس بن وشكمير صَاحب جرجان
(لم يبْق فِي الأَرْض من شَيْء أهابُ لهُ ... فَلِمْ أهاب انكسار الجفن ذِي السقمِ)
(أسْتَغْفر الله من قولي غلطتُ بلىَ ... أهابُ شمسُ الْمَعَالِي أمة الْأُمَم) // الْبَسِيط //
وَله فِيهِ أَيْضا
(إذَا مَا ظمئتُ إِلَى ريقهِ ... جعلتُ المدامَةَ منهُ بديلاَ)
(وأينَ المدامةُ من ريقهِ ... وَلَكِن أُعللُ قلبا عليلا) // المتقارب //
وبديع قَول السرواندي
(كالبدر بلْ كَالشَّمْسِ بلْ ككليهما ... كالليث بلْ كالغيث هطالِ الديم) // الْكَامِل //
وَمَا ألطف قَول ابْن سناء الْملك
(ومليةٍ بالْحسنِ يسخرُ وجههَا ... بالبدر يهزأ رِيقهَا بالقَرْقَفِ)
(لَا أرتضي بالشمس تَشْبِيها لَهَا ... والبدرِ بل لَا أكتفي بالمكتفي) // الْكَامِل //
وَهُوَ من قَول ابْن المعتز
(واللهِ لَا كلمتها لَو أَنَّهَا ... كالبدر أَو كَالشَّمْسِ أَو كالمكتفى) // الْكَامِل //
(2/259)

122 - (إِذا نزل السَّمَاء بِأَرْض قوم ... رعيناه وَإِن كَانُوا غضابا)
نسب غَالب شارخي التَّلْخِيص هَذَا الْبَيْت لجرير وَهُوَ من قصيدة من الوافر أَولهَا
(أقلي اللومَ عاذِلَ والعتابَا ... وَقَوْلِي إِن أصبتُ لَقد أصابَا)
(أجدَّك مَا تذكر عهدِ نجدٍ ... وحَيّاً طالما انتظروا الإيابَا)
(بلىَ فارفضَّ دمْعُكَ غير نَزْرٍ ... كَمَا عَيَّنْتَ بالسرَب الطبابَا)
(وهاجَ الْبَرْق ليلةَ أذرعاتٍ ... هوى مَا تَسْتَطِيع لهُ طلابا) // الوافر //
وَهِي طَوِيلَة وَالسَّمَاء الْغَيْث
وَنسبه الْمفضل فِي اختياراته لمعاوية بن مَالك بن جَعْفَر معود الْحُكَمَاء وَسَاقه فِي قصيدة طَوِيلَة أَولهَا
(أجدّ القلبُ من سلمى اجتنابَا ... وأقصرَ بعد مَا شابَتْ وشابَا)
(2/260)

(وشابَ لِدَاتهُ وعدلنَ عنهُ ... كَمَا أنضيتُ من لُبْسٍ ثيابَا)
(فَإِن يكُ نبلها طاشتْ ونبلي ... فقد نرمي بهَا حقباً صيابا)
(فتصطادُ الرجالَ إذَا رمتهمْ ... وأصطادُ المخبأةَ الكعابَا)
مِنْهَا
(وكنتُ إذَا الْعَظِيمَة أفزعَتْهُمْ ... نهضتُ وَلَا أدبُّ لَهَا دبابَا)
(بحمدِ الله ثمَّ عَطاء قَومٍ ... يفكونَ الغنائمَ والرقابَا)
(إذَا نزل السَّمَاء بِأَرْض قومٍ ... رَعيناهُ وَإِن كَانُوا غضابا)
(بِكلّ مُقَلصٍ عَبْلٍ شَوَاهُ ... إذَا وُضعتْ أعنتهنّ ثابا) // الوافر //
وَيدل على أَن هَذَا الْبَيْت من هَذِه القصيدة أَنه لم يُوجد فِي قصيدة جرير على اخْتِلَاف رُوَاة ديوانه
وَالشَّاهِد فِيهِ الِاسْتِخْدَام وَهُوَ أَن يُرَاد بلفظٍ لَهُ مَعْنيانِ أَحدهمَا ثمَّ يُرَاد بضميره الآخر أَو يُرَاد بِأحد ضميريه أَحدهمَا ثمَّ يُرَاد بِالْآخرِ الآخر فَالْأول كَمَا فِي الْبَيْت هُنَا فَإِنَّهُ أَرَادَ بالسماء الْغَيْث وبالضمير الرَّاجِع إِلَيْهِ من رعيناه النبت
(2/261)

وَجَرِير هُوَ ابْن عَطِيَّة بن الخطفي وَهُوَ لقبه واسْمه حُذَيْفَة بن بدر بن سَلمَة بن عَوْف بن كُلَيْب بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم ابْن مرّة يَنْتَهِي نسبه لنزار ويكنى أَبَا حزرة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي وَفتح الرَّاء وَبعدهَا هَاء سَاكِنة وَهِي الْمرة الْوَاحِدَة من الحزر
هُوَ والفرزدق والأخطل المقدمون على شعراء الْإِسْلَام الَّذين لم يدركوا الْجَاهِلِيَّة جَمِيعًا ومختلفٌ فِي أَيهمْ الْمُقدم وَلم يبْق أحد من شعراء عصرهم إِلَّا تعرض لَهُم فافتضح وَسقط
وَكَانَ أَبُو عَمْرو يشبه جَرِيرًا بالأعشى والفرزدق بزهير والأخطل بالنابغة
وَقد حكم مَرْوَان بن أبي حَفْصَة بَين الثَّلَاثَة بقوله
(ذهب الفرَزْدقُ بالفخار وَإِنَّمَا ... خلو الْكَلَام ومرهُ لجرير)
(وَلَقَد هجا فأمَضَّ أَخطلُ تغلبٍ ... وحَوَى الُّلهى بمديحه المشهورِ)
(كلُّ الثلاثةِ قد أبر بمدحه بمدحهِ ... وهجاؤُه قد سارَ كلَّ مسيرِ) // الْكَامِل //
فَهُوَ كَمَا ترَاهُ حكم للفرزدق بالفخار والأخطل بالمدح والهجاء وبجميع فنون الشّعْر لجرير
وَقَالَ أَبُو الْعَلَاء بن جرير الْعَنْبَري وَكَانَ شَيخا قد جَالس النَّاس إِذا لم يَجِيء الأخطل سَابِقًا فهر سكيتٌ والفرزدق لَا يَجِيء سَابِقًا وَلَا سكيتاً وَجَرِير يَجِيء سَابِقًا ومصلياً وسكيتاً
وَحدث مولى لبني هَاشم قَالَ امترى أهل الْمجْلس فِي جرير والفرزدق أَيهمَا
(2/262)

أشعر فَدخلت على الفرزدق فَمَا سَأَلَني عَن شَيْء حَتَّى نَادَى يَا نوار أدْركْت برنيتك يَا نوار قَالَت قد فعلت أَو كَادَت قَالَ فابعثي بدرهم فاشتري لَحْمًا فَفعلت وَجعلت تشرحه وتلقيه على النَّار وَيَأْكُل ثمَّ قَالَ هَات برنيتك فَشرب قدحاً ثمَّ ناولني وَشرب آخر ثمَّ ناولني ثمَّ قَالَ هَات حَاجَتك يَا ابْن أخي فَأَخْبَرته فَقَالَ أعن ابْن الخطفي تَسْأَلنِي ثمَّ تنفس حَتَّى انشقت حيازيمه ثمَّ قَالَ قَاتله الله فَمَا أحسن نَاجَيْته وأشرد قافيته وَالله لَو تَرَكُوهُ لأبكى الْعَجُوز على شبابها والشابة على أحبابها وَلَكنهُمْ هروه فوجدوه عِنْد الهراش نابحاً وَعند الْجد قادحاً وَلَقَد قَالَ بَيْتا لِأَن أكون قلته أحب إِلَيّ مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس وَهُوَ
(إِذا غضِبت عَلَيْك بَنو تَمِيم ... لقِيت القومَ كلهمُ غضابا) // الوافر //
وَقَالَ إِسْحَاق بن يحيى بن طَلْحَة قدم علينا جرير الْمَدِينَة فحشدنا لَهُ فَبينا نَحن عِنْده ذَات يَوْم إِذْ قَامَ لِحَاجَتِهِ فجَاء الْأَحْوَص فَقَالَ أَيْن هَذَا فَقُلْنَا قَامَ آنِفا مَا تُرِيدُ مِنْهُ قَالَ أخزيه وَالله إِن الفرزدق لأشعر مِنْهُ وأشرف فَأقبل جرير علينا وَقَالَ من الرجل قُلْنَا الْأَحْوَص بن مُحَمَّد بن عَاصِم بن ثَابت ابْن أبي الْأَفْلَح قَالَ هَذَا الْخَبيث بن الطّيب ثمَّ أقبل عَلَيْهِ فَقَالَ قد قلت
(يقر بعيني مَا يقر بِعَينهَا ... وَأحسن شَيْء مَا بِهِ الْعين قرت) // الطَّوِيل //
فَإِنَّهُ يقر بِعَينهَا أَن يدْخل فِيهَا مثل ذِرَاع الْبكر أفيقر ذَلِك بِعَيْنِك قَالَ وَكَانَ الْأَحْوَص يَرْمِي بالأبنة فَانْصَرف وَأرْسل إِلَيْهِ بِتَمْر وَفَاكِهَة
(2/263)

وَكَانَ راعي الْإِبِل الشَّاعِر يقْضِي للفرزدق على جرير ويفضله وَكَانَ راعي الْإِبِل قد ضخم أمره وَكَانَ من أشعر النَّاس فَلَمَّا أَكثر من ذَلِك خرج جرير إِلَى رجال من قومه فَقَالَ هَل تعْجبُونَ لهَذَا الرجل الَّذِي يقْضِي للفرزدق عَليّ وَهُوَ يهجو قومه وَأَنا أمدحهم قَالَ جرير فَضربت رَأْيِي فِيهِ ثمَّ خرج جرير ذَات يَوْم يمشي وَلم يركب دَابَّة وَقَالَ وَالله مَا يسرني أَن يعلم أحد وَكَانَ لراعي الْإِبِل والفرزدق وجلسائهما حَلقَة بالمربد بِالْبَصْرَةِ يَجْلِسُونَ فِيهَا قَالَ فَخرجت أتعرض إِلَيْهِ لعَلي أَلْقَاهُ على حياله حَيْثُ كنت أرَاهُ يمر إِذا انْصَرف من مَجْلِسه وَمَا يسرني أَن يعلم أحد حَتَّى إِذا هُوَ قد مر على بغلة لَهُ وَابْنه جندل يسير وَرَاءه على مهر لَهُ أحوى مَحْذُوف الذَّنب وإنسان يمشي مَعَه يسْأَله عَن بعض النسيب فَلَمَّا استقبلته قلت مرْحَبًا بك يَا أَبَا جندل وَضربت بشمالي على معرفَة بغلته ثمَّ قلت لَهُ يَا أَبَا جندل إِن قَوْلك يستمع وَإنَّك تفضل الفرزدق عَليّ تَفْضِيلًا قبيحا وَأَنا أمدح قَوْمك وَهُوَ يهجوهم وَهُوَ ابْن عمي دُونك وَيَكْفِيك عَن ذَلِك إِذْ ذكرنَا أَن تَقول كِلَاهُمَا شَاعِر كريم وَلَا تحْتَمل مني وَلَا مِنْهُ لائمة قَالَ فَبينا أَنا مَعَه وَهُوَ كَذَلِك وَاقِفًا عَليّ وَمَا رد عَليّ بذلك شَيْئا حَتَّى لحق ابْنه جندل فَرفع كرمانية مَعَه فَضرب بهَا عجز بغلته ثمَّ قَالَ لَا أَرَاك وَاقِفًا على كلب من كُلَيْب كَأَنَّك تخشى مِنْهُ شرا أَو ترجو مِنْهُ خيرا وَضرب البغلة ضَرْبَة فرمحتني رمحة وَقعت مِنْهَا قلنسوتي فوَاللَّه مَا عرج عَليّ الرَّاعِي فَيَقُول سَفِيه عوى يَعْنِي جندلاً ابْنه وَلَكِن لَا وَالله مَا عاج عَليّ فَأخذت قلنسوتي فمسحتها ثمَّ أعدتها على رَأْسِي ثمَّ قلت
(أجندلُ مَا تقولُ بَنو نميرٍ ... إِذا مَا الأيْرُ فِي استِ أبيكِ غابَا) // الوافر //
(2/264)

فَسمِعت الرَّاعِي قَالَ لِابْنِهِ أما وَالله لقد طرحت قلنسوته طرحة مشؤومة قَالَ جرير وَلَا وَالله مَا القلنسوة بأغيظ أمره لي لَو كَانَ عاج عَليّ فَانْصَرف جرير غَضْبَان حَتَّى إِذا صلى الْعشَاء ومنزله فِي علية لَهُ قَالَ ارْفَعُوا لي باطية من نَبِيذ وأسرجوا لي فأسرجوا لَهُ وأتوه بباطية من نَبِيذ قَالَ فَجعل يهينم فَسمِعت صَوته عَجُوز فِي الدَّار فاطلعت فِي الدرجَة فَنَظَرت إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ يحبو على الْفراش عُريَانا لما هُوَ فِيهِ فانحدرت فَقَالَت ضيفكم مَجْنُون رَأَيْت مِنْهُ كَذَا وَكَذَا فَقَالُوا لَهَا اذهبي لطيتك فَنحْن أعلم بِهِ وَبِمَا يمارس فَمَا زَالَ كَذَلِك حَتَّى كَانَ السحر ثمَّ إِذا هُوَ يكبر قد قَالَهَا ثَمَانِينَ بَيْتا يهجو بني نمير فَلَمَّا خَتمهَا بقوله
(فغض الطّرف إِنَّك من نمير ... فَلَا كَعْبًا بلغت وَلَا كلابا)
كبر ثمَّ قَالَ أخزيته وَرب الْكَعْبَة ثمَّ اصبح حَتَّى علم أَن النَّاس قد أخذُوا مجَالِسهمْ بالمربد وَكَانَ يعرف مَجْلِسه ومجلس الفرزدق دَعَا بدهن فادهن وكف رَأسه وَكَانَ حسن الشّعْر ثمَّ قَالَ يَا غُلَام أَسْرج لي فأسرج لَهُ حصاناً ثمَّ قصد مجلسهم حَتَّى إِذا كَانَ موقع السَّلَام قَالَ يَا غُلَام وَلم يسلم قل لِعبيد بَعَثْتُك نسوتك تكسبهن المَال بالعراق أما وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لترجعن إلَيْهِنَّ بميرة تسوءهن وَلَا تسرهن ثمَّ انْدفع فِيهَا فأنشدها فَنَكس الفرزدق وراعى الْإِبِل وأزم الْقَوْم حَتَّى إِذا فرغ مِنْهَا وَسَار وثب راعي الْإِبِل ساعتئذ فَركب بغلته وَبشر وعر وخلا الْمجْلس حَتَّى أوفى إِلَى الْمنزل الَّذِي ينزله ثمَّ قَالَ لأَصْحَابه ركابكم ركابكم فَلَيْسَ لكم هُنَا مقَام فضحكم وَالله جرير فَقَالَ لَهُ بعض الْقَوْم ذَاك شؤمك وشؤم ابْنك قَالَ فَمَا كَانَ إِلَّا ترحلهم فَسَارُوا إِلَى أهلهم سيراً مَا ساره أحد وهم بالشريف وَهُوَ أَعلَى دَار بني نمير فَيحلف بِاللَّه راعي الْإِبِل إِنَّا وجدنَا فِي أهلنا
(2/265)

(فغض الطّرف إِنَّك من نُميرٍ ... )
وَأقسم بِاللَّه مَا بلغه إنسي قطّ وَإِن لجرير لأشياعاً من الْجِنّ فتشاءمت بِهِ بَنو نمير وسبوه وَابْنه فهم يتشاءمون بِهِ إِلَى الْآن
وَحدث أَبُو عُبَيْدَة قَالَ التقى جرير والفرزدق بمنى وهما حاجان فَقَالَ الفرزدق لجرير
(فإِنك لاقٍ بالمنازل من مِنىً ... فَخَاراً فخبرني بمَنْ أنتَ فاخر) // الطَّوِيل //
قَالَ لَهُ جرير لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك قَالَ فَكَانَ أَصْحَابنَا يستحسنون هَذَا الْجَواب من جرير ويتعجبون مِنْهُ
وَعَن الْعُتْبِي قَالَ قَالَ جرير مَا عشقت قطّ وَلَو عشقت لنسبت نسيباً فتسمعه الْعَجُوز فتبكي على مَا فاتها من شبابها وَإِنِّي لأروي من الرجز أَمْثَال آثَار الْخَيل فِي الثرى وَلَوْلَا أَنِّي أَخَاف أَن يستفزغني لأكثرت مِنْهُ
وَعَن أبي عُبَيْدَة قَالَ رَأَتْ أم جرير وَهِي حَامِل بِهِ كَأَنَّهَا ولدت حبلاً من شعر أسود فَلَمَّا خرج مِنْهَا جعل ينزو فَيَقَع فِي عنق هَذَا فيقتله وَفِي عنق هَذَا فيخنقه حَتَّى فعل ذَلِك بِرِجَال كثيرين فانتبهت فزعة فأولت الرُّؤْيَا فَقيل لَهَا تلدين غُلَاما أسود شَاعِرًا ذَا شدَّة وَشر وشكيمة وبلاء على النَّاس فَلَمَّا وَلدته سمته جَرِيرًا باسم الْحَبل الَّذِي رَأَتْ أَنه خرج مِنْهَا قَالَ والجرير الْحَبل
وَحدث بِلَال بن جرير أَن رجلا قَالَ لجرير من أشعر النَّاس قَالَ قُم حَتَّى أعرفك الْجَواب فَأخذ بِيَدِهِ وَجَاء بِهِ إِلَى أَبِيه عَطِيَّة وَقد أَخذ عَنْزًا لَهُ فاعتقلها وَجعل يمص ضرْعهَا فصاح بِهِ اخْرُج يَا أَبَت فَخرج شيخ دميم رث الْهَيْئَة وَقد سَالَ لبن العنز على لحيته فَقَالَ أَتَرَى هَذَا قَالَ نعم قَالَ أَو تعرفه قَالَ لَا قَالَ هَذَا أبي أفتدري لم كَانَ يشرب لبن العنز قلت لَا قَالَ مَخَافَة أَن يسمع صَوت الْحَلب فيطلب مِنْهُ لبن ثمَّ قَالَ أشعر النَّاس
(2/266)

من فاخر بِمثل هَذَا الْأَب ثَمَانِينَ شَاعِرًا وقارعهم بِهِ فَغَلَبَهُمْ جَمِيعًا
وَحدث الْمَدَائِنِي قَالَ كَانَ جرير من أعق النَّاس بِأَبِيهِ وَكَانَ ابْنه بِلَال أعق النَّاس بِهِ فراجع جرير بِلَالًا الْكَلَام فَقَالَ لَهُ بِلَال الْكَاذِب مني ومنك ناك أمه فَأَقْبَلت أمه عَلَيْهِ فَقَالَت لَهُ يَا عَدو الله أَتَقول هَذَا لأَبِيك فَقَالَ جرير دعيه فوَاللَّه لكَأَنِّي أسمعها وَأَنا أقولها لأبي
وَنَظِير ذَلِك مَا حكى عَن يُونُس بن عبد الله الْخياط أَنه مر بِهِ رجل وَهُوَ يعصر حلق أَبِيه وَكَانَ عاقاً بِهِ فَقَالَ لَهُ وَيحك أتفعل هَذَا بأبيك وخلصه من يَده ثمَّ أقبل على الْأَب يعزيه ويسكنه فَقَالَ لَهُ الْأَب أخي لَا تلمه وَاعْلَم أَنه ابْني حَقًا وَالله لقد خنقت أبي فِي هَذَا الْموضع الَّذِي خنقني فِيهِ فَانْصَرف الرجل وَهُوَ يضْحك ولأبيه يَقُول
(مَا زَالَ بِي مَا زَالَ بِي ... طَعْنُ أبي فِي النسبِ)
(حَتَّى تربيتُ وَحَتَّى ... سَاءَ ظَنِّي بأبى) // الرجز //
وَنَشَأ ليونس ولد يُقَال لَهُ دُحَيْم فَكَانَ أعق النَّاس بِهِ فَقَالَ يُونُس فِيهِ
(جلا دُحيمٌ عماية الريبِ ... والشكَّ مني والظنَّ فِي نسبي)
(مَا زَالَ بِي الطن والتشكك حَتَّى عقتى مثل مَا عققت أبي ... ) // المنسرح //
وَقَالَ يُونُس بن عبد الله الْخياط جِئْت يَوْمًا إِلَى أبي وَهُوَ جَالس وَعِنْده أَصْحَاب لَهُ فوقفت عَلَيْهِم لأغيظه وَقلت أَلا أنْشدكُمْ شعرًا قلته بالْأَمْس قَالُوا بلَى فأنشدتهم
(يَا سائليَ مَن أَنا أَو مَن يناسبُني ... أَنا الَّذِي لَا لَهُ أصلٌ وَلَا نسبُ)
(الْكَلْب يختال فَخْراً حِين يُبْصرني ... وَالْكَلب أكرمُ مني حِين ينتسب)
(لَو قَالَ لي النَّاس طرّاً أَنْت أَلأمنا ... مَا وهمَ النَّاس فِي ذاكم وَلَا كذبُوا) // الْبَسِيط //
(2/267)

قَالَ فَوَثَبَ إِلَى أبي ليضربني وعدوت من بَين يَدَيْهِ فَجعل يَشْتمنِي وَأَصْحَابه يَضْحَكُونَ
رَجَعَ إِلَى بَقِيَّة أَخْبَار جرير
حدث أَبُو العراف قَالَ قَالَ الْحجَّاج لجرير والفرزدق وَهُوَ فِي قصره بجرين الْبَصْرَة ائتياني بلباس أبيكما فِي الْجَاهِلِيَّة فَلبس الفرزدق الديباج والخز وَقعد فِي قبَّة وشاور جرير دهاة بني يَرْبُوع فَقَالُوا لَهُ مَا لِبَاس آبَائِنَا إِلَّا الْحَدِيد فَلبس جرير درعاً وتقلد سَيْفا وَأخذ رمحاً وَركب فرسا لعباد بن الْحصين يُقَال لَهُ المنحاز وَأَقْبل فِي أَرْبَعِينَ فَارِسًا من بني يَرْبُوع وَجَاء الفرزدق فِي هيبته فَقَالَ جرير
(لبست سلاحي والفرزدق لعبة ... عَلَيْهِ وشاحاً كُرَّجٍ وجلاجلُهْ)
(أعِدَّ مَعَ الْحلِيّ المَلاَبَ فَإِنَّمَا ... جرير لكم بعل وانتم حلائله) // الطَّوِيل //
ثمَّ رجعا فَوقف جرير فِي مَقْبرَة بني حصن ووقف الفرزدق فِي المربد ونعى الفرزدق إِلَى المُهَاجر بن عبد الله وَجَرِير عِنْده فَقَالَ
(مَاتَ الفرزدق بَعْدَمَا جدعنه ... لَيْت الفرزدق كَانَ عَاشَ قَلِيلا) // الْكَامِل //
فَقَالَ لَهُ المُهَاجر بئس لعمر الله مَا قلت فِي ابْن عمك أتهجو مَيتا أما وَالله لَو رثيته لَكُنْت أكْرم الْعَرَب وأشعرها فَقَالَ إِن رأى الْأَمِير أَن يكتمها عَليّ فَإِنَّهَا سوءة ثمَّ قَالَ من وقته الْبَيْتَيْنِ السَّابِقين فِي تَرْجَمَة الفرزدق فِي شَوَاهِد نجمنا وَاحِدًا وكل وَاحِد منا مَشْغُول بِصَاحِبِهِ وقلما مَاتَ ضد أَو صديق إِلَّا تبعه صَاحبه فَكَانَ كَذَلِك مَاتَ بعد سنة
(2/268)

قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ مَاتَ سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَة وَكَانَت وَفَاته بِالْيَمَامَةِ وَعمر نيفاً وَثَمَانِينَ سنة وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي المعارف إِن أمه حملت بِهِ سَبْعَة أشهر
123 - (فَسقَى اْلغَضَا والساكِنِيهِ وَإِن هُمُ ... شبُّوهُ بينَ جوانِحٍ وقلوبِ)
الْبَيْت للبحتري وَهَكَذَا هُوَ فِي ديوانه وَإِن كَانَ فِي كثير من نسخ التَّلْخِيص بل وَفِي كثير من كتب هَذَا الْفَنّ بِلَفْظ بَين جوانحي وضلوعي وَهُوَ من قصيدة من الْكَامِل أَولهَا
(كم بالكثيب من اعْتِرَاض كثيبِ ... وقوام غصنٍ فِي الثِّيَاب رطيبِ)
(تأبى المنازلُ أَن تجيبَ ومِن جَوَى ... يَوْم الديارِ دعوتُ غير مُجيب) // الْكَامِل //
وَبعده الْبَيْت وَهِي طَوِيلَة
والغضا شجر مَعْرُوف واحدته غضاة وَأَرْض غضيانة كثيرته
وَالشَّاهِد فِيهِ الِاسْتِخْدَام أَيْضا فَإِنَّهُ أَرَادَ بِأحد الضميرين الراجعين إِلَى الغضا وَهُوَ الْمَجْرُور فِي الساكنيه الْمَكَان وَهُوَ ارْض لبني كلاب وواد بِنَجْد وبالآخر وَهُوَ الْمَنْصُوب فِي شبوه النَّار أَي أوقدوا فِي جوانحي نَار الغضا يَعْنِي نَار الْهوى الَّتِي تشبه نَار الغضا وَخص الغضا دون غَيره لِأَن جمره بطيء الانطفاء
وَقد استخدم كثير من الشُّعَرَاء لَفْظَة الغضا فَقَالَ ابْن أبي حَصِينَة
(2/269)

(أما وَالَّذِي حَجَّ الملَبُّونَ بَيتهُ ... فمِنْ ساجِدٍ لله فِيهِ وراكعِ)
(لقد جَرَّعتني كأس بَيْنٍ مَرِيرةً ... من البُعْد سلمى بَين تلكَ الأجارع)
(وحَلَّتْ بأكنافِ الغَضَا فَكَأَنَّمَا ... حَشَتْ نارهُ بَين الحشى والأضالع) // الطَّوِيل //
وَقَالَ ابْن جَابر الأندلسي
(إنَّ الغَضَا لسْتُ أنسى أهلَهُ فَهُمُ ... شَبُّوهُ بَين ضلوعي يومَ بيْنِهمِ)
(جَرَى العقيق بقلبي بَعْدَما رَحَلوا ... وَلَو جَرَى من دموع الْعين لم أُلَمِ) // الْبَسِيط //
وَقَالَ ابْن قلاقس الاسكندري
(حَلتْ مطاياهم بمُلْتَفِّ الغضا ... فَكَأَنَّمَا شَبُّوهُ فِي الأكباد) // الْكَامِل //
وبديع قَول الْبَدْر بن لُؤْلُؤ الذَّهَبِيّ
(أحمَّامَةَ الْوَادي بشَرْقيِّ الغضا ... إِن كْنِت مُسْعِدَة الكئيب فَرَجعِي)
(وَلَقَد تَقَاسمنا الغضا فَغُصُونُهُ ... فِي راحَتَيْكِ وجمْرُهُ فِي أضلُعي) // الْكَامِل //
ولمؤلفه من قصيدة
(وحقِّكِ إِنِّي للرِّياح لحاسِدٌ ... فَفِي كلِّ حِين بالأحبةِ تخطُرُ)
(تمرُّ الصَّبا عفوا على سَاكِني الغضا ... وَفِي أضلعي نيرانهُ تَتسَعَّرُ)
(فتذكِرني عهْدَ العقيق وأدمُعي ... تُسَاقطهُ وَالشَّيْء بالشَّيْء يذكَرُ)
(ويورِث عَيْني السَّفْحَ حَتَّى ترى بِهِ ... مَعَالم بالأحْبَابِ تزهو وتزهر) // الطَّوِيل //
وَمن الِاسْتِخْدَام البديع قَول المعري يرثي فَقِيها حنفيا
(وفقيهٌ ألفاظُهُ شِدْنَ للنُّعمان مَا لم يَشدْهُ شعرُ زيادِ ... ) // الْخَفِيف //
وَقَوله أَيْضا يصف درعا
(نثرةٌ من ضَمَانهَا للقنا الخطي عِنْد اللِّقَاء نثر الكعوب ... )
(مثل وَشَيْء الْوَلِيد لانت إِن كَانَت من الصُّنع مثلَ وشي حبيب ... )
(2/270)

(تِلْكَ ماذية وَمَا لذبابِ السيفِ والصيفِ عِنْدهَا من نَصيبِ ... ) // الْخَفِيف //
فاستخدم لفظ الذُّبَاب فِي معنييه الأول طرف السَّيْف وَالثَّانِي الطَّائِر الْمَعْرُوف
وَلابْن جَابر الأندلسي فِيهِ
(فِي القَلب من حبكُمْ بَدْرٌ أَقَامَ بِهِ ... فالطّرّفُ يزدادُ نورا حينَ يُبْصِرُهُ)
(تَشَابه العقد حُسْناً فَوقَ لَبتهِ ... والثَّغْرُ مِنْهُ إِذا مَا لَاحَ جوهره) // الْبَسِيط //
وَمن ظريف الِاسْتِخْدَام قَول السراج الْوراق
(دعِ الهَويني وانتَصبْ واكتَسبْ ... واكدَح فنَفسُ الْمَرْء كدَّاحهْ)
(وَكن عَن الراحةِ فِي مَعْزِلٍ ... فالصَّفْعُ مَوْجُود مَعَ الرَّاحَة) // السَّرِيع //
استخدم الرَّاحَة فِي معنييها الأول من الاسْتِرَاحَة وَالثَّانِي من الْيَد
وبديع قَول الصفى الحلى
(لَئِن لم أُبرقع بالحيا وجْهَ عفتي ... فَلَا أَشْبَهتهُ راحتي فِي التكرمِ)
(وَلَا كنت مِمَّن يكسر الجفن فِي الوغى ... إِذا أَنا لم أغضضه عَن رَأْي محرم) // الطَّوِيل //
وَمن الاستخدامات البديعة قَول ابْن نباتة الْمصْرِيّ يمدح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(إِذا لم تفض عَيْني العَقيقَ فَلَا رَأَتْ ... مَنازله بالقُرْبِ تبْهى وتبهرُ)
(وَإِن لم توَاصلْ عادَةَ السفح مُقلتي ... فَلَا عادها عيشٌ بمغناهُ أَخْضَر) // الطَّوِيل //
وَمِنْهَا
(سَقى الله أكنافَ الغضا سائلَ الحيا ... وَإِن كنتُ أُسْقي أدمعاً تَتَحَدّرُ)
(2/271)

(وعيشاً نَضَى عنهُ الزَّمَان بياضَهُ ... وخلّفهُ فِي الرَّأْس يزهر ويزهَرُ)
(تغيرَ ذَاك اللونُ مَعْ من أُحبُّهُ ... وَمن ذَا الَّذِي يَا عَزُّ لَا يتغيرُ)
(وَكَانَ الصِّبَا لَيْلًا وكنتُ كَحَالم ... فيا أسَفي والشيب كالصُّبْحِ يُسْفِرُ)
(يُعللني تحْتَ العمامَةِ كتْمَهُ ... فَيعتادُ قَلبي جسرة حِين أحْسِرُ)
(وتنكرني لَيْلَى وَمَا خِلتُ أَنه ... إِذا وضع الْمَرْء الْعِمَامَة ينكرُ)
وَمن الِاسْتِخْدَام أَيْضا قَول الْعَلامَة عمر بن الوردي رَحمَه الله تَعَالَى
(وَربَّ غَزالةٍ طَلعتْ ... بِقلبي وَهْوَ مَرعاهَا)
(نَصبتُ لهَا شِباكاً مِنْ ... لُجينٍ ثمّ صِدْناها)
(وقالتْ لِي وقدْ صِرْنا ... إِلَى عَينِ قَصَدْناها)
(بذلْتَ العْينَ فاكْحلها ... بِطلْعتها ومجراها) // من مجزوء الوافر //
وَمِنْه قَول ابْن مليك رَحمَه الله تَعَالَى
(فَكم ردّ مِنْ عَيْنٍ وجادَ بِمثلها ... ولوْلاهُ مَا ضاءَتْ ولمْ تكُ تَعذُبُ) // الطَّوِيل //
(2/272)

وَقَوله من قصيدة أُخْرَى نبوية
(كمْ ردَّ مِنْ عين وجاد بهاوكم ... ضاءَتْ بهِ وَسَقَى بِها منْ صادِي) // الْكَامِل //
وَمِنْه قَول الرشيد الفارقي
(إنَّ فِي عيْنيْكِ معْنَى ... حدَّثَ النَرْجِسُ عنهُ)
(ليتَ لِي منْ غُصنهِ سَهماً فَفِي قلبيَ مِنهُ ... ) // من مجزوء الرمل //
وَقد أَخذه الشهَاب مَحْمُود وَلم يحسن الْأَخْذ فَقَالَ
(نازَعتْ عيناهُ قلبِي حبّةً ... لم تكُنْ تقْبلُ قَبْلُ الإِنْقِساما)
(يالقومي هلْ عَلمتُم قبْلها ... أنَّ للأعينِ فِي الْقلب سهاما) // الرمل //
124 - (كَيْفَ أسْلُو وَأنْتِ حِقْفٌ وَغُصْنٌ ... وغزَالٌ لْحَظاً وقَدَّاً وَرِدْفَا)
الْبَيْت من الْخَفِيف وَهُوَ مَنْسُوب لِابْنِ حيوس وَلم أره فِي ديوانه وَلَعَلَّه ابْن حيوس الإشبيلي
والحقف بِكَسْر الْحَاء الرمل الْعَظِيم المستدير
وَالشَّاهِد فِيهِ اللف والنشر وَهُوَ ذكر مُتَعَدد على التَّفْصِيل أَو الْإِجْمَال ثمَّ ذكر مَا لكل وَاحِد من آحَاد المتعدد من غير تعْيين ثِقَة بِأَن السَّامع يرد مَا لكل من آحَاد المتعدد إِلَى مَا هُوَ لَهُ ثمَّ الَّذِي على سَبِيل التَّفْصِيل ضَرْبَان لِأَن النشر إِمَّا على تَرْتِيب اللف وَإِمَّا على غير ترتيبه كَمَا فِي الْبَيْت هُنَا وَهُوَ ظَاهر
وَمِمَّا جَاءَ على التَّرْتِيب قَول ابْن الرُّومِي
(2/273)

(آراؤُكمْ وَوُجوهُكمْ وَسيُوفُكمْ ... فِي الحادِثاتِ إذَا دَجوْنَ نُجومُ)
(فِيها مَعالِم لِلهدَى وَمصابحٌ ... تَجلو الدُّجَى والأُخْرَياتُ رجومُ)
وَقَول بَعضهم
(ألستَ أنتَ الَّذِي مِن ْوِرْدِ نعمتهِ ... وَوِرْدِ رَاحتهِ أَجني وأغترف) // الْبَسِيط //
وَمَا أبدع قَول ابْن شرف القيرواني
(جاوِرْ عَليّاً ولاَ تَحْفلْ بِحادثةٍ ... إذَا ادرعيت فلاَ تَسألْ عنِ الأسَلِ)
(سلْ عنهُ وانْطقْ بهِ وانْظرْ إليهِ تَجدْ ... مِلء الْمَسَامِع والأفوَاهِ والمُقلِ) // الْبَسِيط //
(وَقد أَخذه تَاج الدّين الذَّهَبِيّ فَقَالَ
(بدْرٌ سمَا للمُجتلي ثَمرٌ نَمَا ... للمُجتني بَحْرٌ طَما للمُجتدِي)
(سلْ عنهُ وادْنُ إليهِ واستْمسِكَ تَجدْ ... مِلءَ المسَامِع والنَّواظرِ وَالْيَد) // الْكَامِل //
وَمَا أَزْهَر قَول الْبَهَاء زُهَيْر
(ولي فيهُ قلبٌ بالغَرَامِ مقيدٌ ... لهُ خَبَرٌ يرويهِ طرفىَ مطلقَا)
(ومنْ فرط وجدى فِي لمَاهُ وثغرهِ ... أعللُ قلبِي بالعُذَيْبِ وبالنَّقَا) // الطَّوِيل //
وَمَا أحلى قَول ابْن نباتة الْمصْرِيّ مَعَ زِيَادَة التورية
(لَا تخَفْ عَيْلَةً وَلَا تخش فقرا ... يَا كثيرَ المحاسن المختالهْ)
(لكَ عينٌ وقامةٌ فِي البرايا ... تلكَ غَزَّالةٌ وذى عساله) // الْخَفِيف //
وَقَوله أَيْضا
(سألتهُ عَن قومهِ فانْثنى ... يعجبُ من إسرافِ دَمعي السخِي)
(وأبصَرَ المسكَ وبدرَ الدُّجى ... فقالَ ذَا خَالِي وَهَذَا أخي) // السَّرِيع //
وبديع قَول ابْن مكنسة
(والسكرُ فِي وجنتهِ وطرفهِ ... يفتحُ وَرْداً ويغض نرجسا) // الرجز //
(2/274)

وَقد جَاءَ اللف والنشر بَين ثَلَاثَة فَأكْثر فَمِنْهُ قَول ابْن حيوس
(ومُقَرْطقٍ يَغْنَى النديمُ بوجههِ ... عَن كأسهِ الملأى وَعَن إبريقهِ)
(فعلُ المدام ولونهَا ومذَاقُهَا ... من مقلتيهِ ووجنتيه وريقه) // الْكَامِل //
وَقَول حمدة الأندلسية
(وَلما أَبى الوشوان إلاّ فرَاقَنَا ... وَمَا لهُمُ عِنْدِي وعندكَ من ثارِ)
(وشَنّوا على أسماعنا كلّ غارَةٍ ... وقَلّ حُمَاتي عِنْد ذاكَ وأنصارِي)
(غَزَوْتُهُمُ من مقلتيكَ وأدمُعِي ... وَمن نَفَسي بِالسَّيْفِ والسيلِ والنارِ) // الطَّوِيل //
وَقَول ابْن نباتة وأجاد إِلَى الْغَايَة
(عَرْجَ عَلَى حرم المحبوب منتصباً ... لقبلة الحسنِ واعذرنِي على السهرِ)
(وَانْظُر إِلَى الْخَال فوقَ الثغْر دُونَ لمىً ... تَجِد بلاَلاً يُراعي الصبحَ فِي السحر) // الْبَسِيط //
وبديع قَول بَعضهم
(وَرْدٌ وَمسكٌ وَدُرٌّ ... خدٌّ وخالٌ وثغرُ)
(الْحَظ وجفنٌ وغنجٌ ... سيفٌ ونبل وسحر)
(غُصْن وَبدر وليل ... قد وَوجه وَشعر) // المجتث //
وَمِنْه بَين أَرْبَعَة وَأَرْبَعَة قَول الشَّاعِر
(ثغْرٌ وخدٌّ ونهدٌ واحمرَارُ يدٍ ... كالطلعِ والوَرد والرّمان والبلَحِ) // الْبَسِيط //
وَمثله قَول الشَّاب الظريف مُحَمَّد بن الْعَفِيف
(رَأى جَسَدِي والدّمعَ والقلبَ والحشى ... فأضنَى وأفنىَ واستمالَ وَتَيَّمَا) // الطَّوِيل //
(2/275)

وَلأبي جَعْفَر الأندلسي الغرناطي بَين خَمْسَة وَخَمْسَة
(ملكٌ يَجيءُ بِخَمْسَة من خمسةٍ ... لقى الحسودَ بهَا فماتَ لما بهِ)
(منْ وَجههُ وَوَقارهِ وجوادهِ ... وَحسامه بيديهِ يومَ ضِرَابهِ)
(قمرٌ على رضوى تسيرُ بهِ الصِّبَا ... وَالبرقُ يلمَعُ من خلال سحَابهِ) // الْكَامِل //
وَلابْن جَابر الأندلسي بَين سِتَّة وَسِتَّة
(إِن شئتَ ظَبْيًا أَو هلاَلاً أَو دُجى ... أَو زهرَ غُصْن فِي الْكَثِيب الأملدِ)
(فللَحظهَا ولِوَجههَا ولشَعْرهَا ... ولخدّها والقدّ والردف اقصد) // الْكَامِل //
ولنجم الدّين الْبَارِزِيّ بَين سَبْعَة وَسَبْعَة
(يُقَطِّعُ بالسكين بطيخةً ضحى ... على طبقٍ فِي مجلسٍ لأصَاحِبهْ)
(كبدرٍ ببرقٍ قَدَّ شمْساً أهِلَّةً ... لدَى هَالة فِي الْأُفق بَين كواكبه) // الطَّوِيل //
وَسَبقه إِلَى ذَلِك ابْن قلاقس فَقَالَ
(أتانَا الغلامُ ببطيخةٍ ... وسكينة أحكموها صقالاَ)
(فقسَّمَ بالبرْق شمسَ الضُّحَى ... وَأعْطى لكلّ هِلَال هلالا) // المتقارب //
وَمثله قَول محَاسِن الشواء وأجاد
(وَغُلَام يحزُّ بطيخةً فِي اللَّوْن مثلي وَفِي المذَاقة مثلَهْ ... )
(لأنَاسٍ غُرٍّ عَلى طبقٍ فِي ... مجلسٍ مشرقٍ يشابهُ أهلَهْ)
(قَدّ بدرٌ شمساً بأفقٍ شهدتُ الليلَ فِي هَالة ببرقٍ أَهله ... ) // الْخَفِيف //
وَقَول الآخر
(2/276)

(وَلما بدا مَا بَيْننَا منية النَّفس ... يحززُ بالسكين صفراء كالْوَرْسِ)
(توَّهْمُت بدر التِّمِّ قدّ أهلةً ... على أنجم بالبرق من كرَةِ الشمسِ) // الطَّوِيل //
وَقَول الآخر
(خلنَاهُ لما حزّزَ البطيخَ فِي ... أطباقه بصقيلةِ الصفحاتِ)
(بَدْرًا يقدُّ من الشموس أهلةً ... بالبرْقِ بَين الشُّهْبِ فِي الهالاتِ) // الْكَامِل //
وَقَول البديع الدِّمَشْقِي فِي غُلَام يقطع بطيخاً بسكين نصابها اسود
(انظرْ بعينكَ جوهراً متلالئاً ... سحرًا لفرط بَيَانه وجمالهِ)
(قمرُّ يقدُّ من الشموس أهلةً ... بظلامِ هجْرَته وفجر وصاله) // الْكَامِل //
وَالسَّابِق إِلَى فتح هَذَا الْبَاب العسكري حَيْثُ يَقُول
(وجامعةٍ لأصناف الْمعَانِي ... صلحنَ لوقت إكثارٍ وَقلَّهْ)
(فَمن أُدمٍ ورَيحانٍ ونَقْلٍ ... فَلم يُرَ مثلُها سَدّاً لخلَّهْ)
(فَمِنْهَا مَا تَشَبهُهُ بُدُوراً ... فإِن قَطَّعتها رجعت أهلهْ) // الوافر //
وَلابْن مقَاتل بَين ثَمَانِيَة وَثَمَانِية
(خدُودٌ وأصداغ وقدٌّ ومقلةٌ ... وثغرٌ وأرياقٌ ولحنٌ ومعربُ)
(وُرُودٌ وسوسانٌ وبانٌ ونرجسٌ ... وكأسٌ وجِرْيَالٌ وجَنكٌ ومطرب) // الطَّوِيل //
وللصفي الْحلِيّ
(وظبي بقفرٍ فوقَ طِرْفٍ مُفَوّقٌ ... بقوسٍ رمى النَّقْع وحشاً بأسهمِ)
(كَبدرٍ بأفقِ فوْقَ برْقٍ بكفهِ ... هلالٌ رمى فِي اللَّيْل جنا بأنجم) // الطَّوِيل //
ولبعضهم بَين عشرَة وَعشرَة
(شَعْرٌ جَبِينٌ محيّاً معطفٌ كَفَلٌ ... صدغٌ فمٌ وجناتٌ ناظرٌ ثَغْرُ)
(2/277)

(ليلٌ صباحٌ هلالٌ بانةٌ ونَقاً ... آسٌ أقاحِ شقيقٌ نرجسٌ در) // الْبَسِيط //
وَلابْن جَابر بَين اثْنَي عشر واثني عشر
(فرُوعٌ سنَا قدٌّ كلامٌ فمٌ لَمىً ... حُلىً عُنُقٌ ثغرٌ شَذاً مقلةٌ خَدُّ)
(دُجىً قمرٌ غصنٌ جَنىً خَاتم طلاً ... نجومٌ رشَاً دُرٌّ صبا نرجسٌ وردُ) // الطَّوِيل //
وَجل الْقَصْد هُنَا أَن يكون اللف والنشر فِي بَيت وَاحِد خَالِيا من الحشو وعقادة التَّرْكِيب جَامعا بَين سهولة اللَّفْظ والمعاني المخترعة
وَابْن حيوس بحاء مُهْملَة وياء تحتية مُشَدّدَة مَضْمُومَة وواو سَاكِنة بعْدهَا سين مُهْملَة هُوَ أَبُو الفتيان مُحَمَّد بن سُلْطَان بن مُحَمَّد بن حيوس الملقب بمصطفى الدولة الشَّاعِر الْمَشْهُور وَهُوَ أحد الشُّعَرَاء الشاميين الْمُحْسِنِينَ وفحولهم المجيدين وَله ديوَان شعر كَبِير لَقِي جمَاعَة من الْمُلُوك والأكابر ومدحهم وَأخذ جوائزهم وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى بني مرداس أَصْحَاب حلب وَله فيهم القصائد الفائقة وقصته مَعَ الْأَمِير جلال الدولة وصمصامها نصر بن مَحْمُود بن شبْل الدولة نصر بن صَالح بن مرداس مَشْهُورَة فَإِنَّهُ كَانَ قد مدح أَبَاهُ مَحْمُودًا فَأَجَازَهُ ألف دِينَار فَلَمَّا مَاتَ وَقَامَ مقَامه وَلَده نصرٌ الْمَذْكُور قَصده ابْن حيوس الْمَذْكُور بقصيدة رائية يمدحه بهَا ويعزيه عَن أَبِيه أَولهَا
(كفَى الدينَ عِزّاً مَا قضاهُ لكَ الدهرُ ... فَمن كَانَ ذَا نذرٍ فقد وَجب النّذر) // الطَّوِيل //
(2/278)

مِنْهَا
(صَبرنَا على حكم الزَّمَان الَّذِي سطَا ... على أنهُ لولاكَ لم يكنِ الصبرُ)
(غزَانا ببؤسي لَا يماثلها الأسى ... تقارنُ نعمى لَا يقومُ بهَا الشكرُ)
(تَباعدتُ عَنْكُم حِرْفَة لَا زهادةً ... وسرتُ إِلَيْكُم حِين مَسَّنِيَ الضرُّ)
(فلاَقيتُ ظلّ الْأَمْن مَا عنهُ حاجزٌ ... يصدّ وَبَاب الْعِزّ مَا دونهُ سترُ)
(وطَالَ مُقامي فِي إسار جميلكم ... فَدامت معاليكم ودام ليَ الأسْرُ)
(وأنجزَ لي ربُّ السَّمَوَات وعدهُ الكريمَ بأنَّ الْعسر يتبعهُ اليسرُ ... )
(فجاد أَبُو نصر بِأَلف تصرمت ... وَإِنِّي عليم أَن سيخلفها نصر)
(لقدْ كنتَ مأمولاً ترجى لمثلهَا ... فَكيف وطوعاً أَمرك النهيُ وَالأمرُ)
(وَمَا بِي إِلَى الإِلحاح والحرص حَاجَة ... وَقد عرف المبتاعُ وانفصل السعرُ)
(وَإِنِّي بآمالي لديكم مخيم مخيمٌ ... وَكم فِي الورى ثاوٍ وآمالهُ سَفْرُ)
(وعهدكَ مَا أبغي بِقَوْلِي تصنعاً ... بأيسرِ مَا توليهِ يستبعد الْحر) // الطَّوِيل //
فَلَمَّا فرغ من إنشادها قَالَ الْأَمِير نصر وَالله لَو قَالَ عوض قَوْله سيخلفها نصر سيضعفها لأضعفتها لَهُ وَأَعْطَاهُ ألف دِينَار فِي طبق فضَّة
وَكَانَ اجْتمع على بَاب الْأَمِير نصر جمَاعَة من الشُّعَرَاء وامتدحوه وتأخرت صلته عَنْهُم وَنزل بعد ذَلِك الْأَمِير نصر إِلَى دَار بولص النَّصْرَانِي وَكَانَت لَهُ عَادَة بغشيان منزله وَعقد مجْلِس الْأنس عِنْده فَأَتَت الشُّعَرَاء الَّذين تَأَخَّرت
(2/279)

جوائزهم إِلَى بَاب بولص وَفِيهِمْ ابْن الدويدة المعري الشَّاعِر الْمَعْرُوف فَكَتَبُوا ثَلَاثَة أَبْيَات اتَّفقُوا على نظمها وَقيل بل نظمها ابْن الدويدة المعري الْمَذْكُور وصيروا الورقة إِلَيْهِ وفيهَا الأبيات وَهِي
(عَلى بابِكَ المَحْرُوسِ مِنّا عِصَابةٌ ... مَفاليسُ فانْظُرْ فِي أُمُور المَفَاليس)
(وَقدْ قَنعتْ مِنك َالجَمَاعةُ كُلُّها ... بِعُشْرٍ الَّذِي أعطَيْتَهُ لِابْنِ حَيُّوس)
(وَمَا بَيْنَنا هذَا التَفَاوُتُ كُلُّهُ ... ولكِنْ سَعيدٌ لَا يُقاسُ بِمنحوس) // الطَّوِيل //
فَلَمَّا وقف عَلَيْهَا الْأَمِير نصر أطلق لَهُم مائَة دِينَار وَقَالَ وَالله لَو قَالُوا بِمثل الَّذِي أَعْطيته لِابْنِ حيوس لأعطيتهم مثله
وَكَانَ الْأَمِير نصر سخياً وَاسع الْعَطاء تملك حلب بعد وَفَاة أَبِيه مَحْمُود سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَلم تطل مدَّته حَتَّى ثار عَلَيْهِ جمَاعَة من جنده فَقَتَلُوهُ ثَانِي شَوَّال سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة
وَكَانَ ابْن حيوس الْمَذْكُور قد أثرى وحصلت لَهُ نعْمَة ضخمة من بني مرداس فَبنى دَارا بِمَدِينَة حلب وَكتب على بَابهَا من شعره
(دارٌ بَنيْنَاها وعِشْنا بِها ... فِي نِعمةٍ مِنْ آلِ مِرْداس)
(قَومٌ نَفواْ بُؤْسي وَلم يتْركُوا ... عَليّ للأَيام مِنْ باسِ)
(قُلْ لِبني الدُّنيا أَلا هكذَاَ ... فَليفْعِل الناسُ مَعَ الناسِ) // السَّرِيع //
وَقيل إِن الأبيات لِابْنِ أبي حَصِينَة الْحلَبِي وَهُوَ الصَّحِيح
وَحكى الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخ دمشق قَالَ أنشدنا أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن
(2/280)

إِبْرَاهِيم الْعلوِي من حفظه سنة سبع وَخَمْسمِائة قَالَ أَخذ الْأَمِير أَبُو الفتيان ابْن حيوس بيَدي وَقَالَ أروعني هَذَا الْبَيْت وَهُوَ فِي شرف الدولة مُسلم ابْن قُرَيْش
(أَأَنْت الَّذِي نفق الثنَاءُ بِسُوقهِ ... وَجَرَى النَّدَى بِعرُوقهِ قَبْلَ الدَّم) // الْكَامِل //
وَهَذَا الْبَيْت فِي غَايَة الْمَدْح
وَمن غرر قصائده السائرة قَوْله
(هُو ذاكَ رَبعُ العَامرية فارْبَعِ ... واسأَلْ مَصيفاً عافياً عَنْ مَرْبع)
(وَاستَسْقِ لِلدِّمَن الخَوالي بِالحمى ... غُرَّ السحَائب واعْتَذرْ عَن أَدْمُعِي)
(فَلَقد غدوتُ أمامَ دَانٍ هَاجرٍ ... فِي قُرْبه وَوَراءَ ناءٍ مُزْمع)
(لَوْ تُخبرُ الرُّكبَانُ عنِّي حدّثُوا ... عَنْ مُقلةٍ عَبْرَى وقَلبٍ مُوجعَ)
(رُدِّى لنا زَمنَ الكَثيبِ فإنّهُ ... زَمنٌ مَتى يَرْجع وصالُك يَرْجع)
(لوْ كنت عَالِمَة بأذني لَوْعتي ... لرَدَدْتِ أقْصَى نيلكِ المُسْتَرْجَعِ)
(بَل لوْ قَنعتِ منَ الغرَام بمُظْهر ... عَنْ مُضمر بينَ الحَشى والأضلُعِ)
(أُعْتَبْتِ إِثْرَ تعتُّبٍ وَوصلْتِ ... غِبَّ تجنُّبٍ وبذلْتِ بَعْدَ تمنّع)
(وَلَو أنني أنْصَفتُ نَفسِي صُنتُها ... عَنْ أَن أكُونَ كَطَالبٍ لم يَنْجَع)
(إِنِّي دعَوْتُ نَدَى الغرام فلَم يُجب ... فَلاَ شُكْرَنَّ نَدَى أجَاب وَمَا دُعى)
(2/281)

(ومنَ العَجَائبِ والعجائبُ جمَّةٌ ... شكْرٌ بَطيءٌ عَنْ ندَى مُتَسرّع)
وَمن شعره يمدح سَابق بن مَحْمُود
(يزْدادُ إِن قَصُرَ الخَطْىُّ عَن غَرض ... طُولاً وَيمضي إِذا حد الحسام نبا)
(حلّ السِّماكَ وَمَا حُلّتْ تَمائِمهُ ... عَنْ جِيدِه وحبَا العافِينَ مُنذُ حَبَا)
(حوَى منَ الفَضْل موْلوداً بِلَا طلب ... أَضْعَاف مَا أعجَزَ الطُّلاَّبَ مُكتَسبا)
(طلْقُ المحيّا إِذا مَا زُرْتَ مجْلِسهُ ... حُزْتَ الْغنى والعُلاَ والبأس والأدبا) // الْبَسِيط //
ومحاسنه كَثِيرَة
وَكَانَ أَحْمد بن مُحَمَّد الْخياط الشَّاعِر قد وصل إِلَى حلب سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَبهَا يَوْمئِذٍ ابْن حيوس الْمَذْكُور فَكتب إِلَيْهِ ابْن الْخياط يَقُول
(لم يبْقَ عِندِي مَا يُباعُ بدرْهَم ... وكَفَاكَ مِنِّي مَنظَري عنْ مَخْبَري)
(إِلاَ بَقيَّةُ ماءِ وَجهٍ صنتها ... عَن أَن تُبَاعَ وأينَ أينَ المُشْتَرِي) // الْكَامِل //
فَقَالَ لَو قَالَ وَنعم أَنْت المُشْتَرِي لَكَانَ أحسن
وَكَانَ مولد ابْن حيوس سنة أَربع وَتِسْعين وثلثمائة بِدِمَشْق وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة
وَابْن حيوس الإشبيلي ذكره ابْن فضل الله فَقَالَ لَا يخف لَهُ ضرع خاطر
(2/282)

وَلَا يجِف لَهُ نوء سَحَاب ماطر لَو مس بقريحته الصلد لتفجر أَو الجهام لَا ثعنجر وحسبك من مرمى غَرَضه الْبعيد مَا ذكره لَهُ ابْن سعيد وَأورد لَهُ فِي المرقص قَوْله فِي أشتر الْعين لَا تُفَارِقهُ الدمعة
(شترت فقُلنا زوْرقٌ فِي لُجَّةٍ ... مَالت بإِحدَى دفّتيهِ الرِّيحُ)
(فكأنمَا إنسانُهَا ملاّحهُا ... قد خافَ مِنْ غرقٍ فظل يميح) // الْكَامِل //
125 - (إِنَّ الشَّبَابَ والفَرَاغَ والْجِدَهْ ... مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أيُّ مَفْسَدَهْ)
الْبَيْت لأبي الْعَتَاهِيَة من أرجوزته المزدوجة الَّتِي سَمَّاهَا ذَات الْأَمْثَال يُقَال إِن لَهُ فِيهَا أَرْبَعَة آلَاف مثل فَمِنْهَا
(حسبُكَ مِمَّا تبتفيه القُوتُ ... مَا أكثَرَ القُوتَ لِمنْ يمُوتُ)
(الفقرُ فيمَا جاوزَ الكَفافا ... مِن اتّقى اللهَ رَجا وَخافا)
(هيَ المَقَاديُر فلُمني أَو فذرْ ... إِن كنْتُ أخطأتُ فَمَا أخطا القَدَر)
(لِكُلّ مَا يُؤذي وَإِن قَلّ ألم ... مَا أطوَل اللَّيْلَ على مَنْ لم ينم)
(مَا انتَفَعَ المرءُ بِمثلْ عقلهِ ... وخيْرُ ذُخْرِ المرءِ حُسْنُ فِعلهِ)
(إِن الفَساد ضدّهُ الصَلاَحُ ... ورُبّ جدٍّ جَرّهُ المُزَاحُ)
(مَنْ جعلَ النَّمَّامَ عبنأً هلكاَ ... مُبلغُكَ الشّرّ كباغيهِ لَكا)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(يُغْنِيك عَن كل قَبِيح تَركُهُ ... يرتهن الرأيَ الأصيلَ شكّهُ)
(مَا عَيْشُ مَنْ آفته بَقَاؤُهُ ... نغض عَيشاً كلَّهُ فناؤُهُ)
(يَا رب من أسخطنَا بِجْهدِهِ ... قد سرَّنا الله بغيرِ حَمْدِهِ)
(2/283)

(مَا تطلعُ الشَّمْسُ وَلَا تعيب ... إِلَّا لأمرٍ شأنهُ عَجيبُ)
(لِكلِّ شَيْء قدرٌ وجوهرُ ... وأوسط وأصغر وأكبرُ)
(فكلُّ شَيْء لاحقٌ بجوهرهْ ... أصغرهُ متّصِلٌ بأكبرهْ)
(مَنْ لكَ بالمحْضْ وكلُّ مُمتزجْ ... وساوسٌ فِي الصَّدْر مِنْك تختلج)
(مَا زالتِ الدُّنيا لنا دارَ أَذَى ... مَمزُوجةَ الصفوِ بأنواع القَذَى)
(الخيْرُ والشّرُّ بِها أزواجُ ... لذَا نتاجٌ ولِذَا نِتاجُ)
(مَنْ لكَ بالمحْضْ وَلَيْسَ مَحْضُ ... يخبُثُ بَعضٌ وَيطيبُ بعضُ)
(لِكُلِّ إنسانٍ طبيعتَانِ ... خيْرٌ وشَرٌّ وُهما ضِدَّانِ)
(والخيرُ والشرُّ إِذا مَا عُدّا ... بَينهُما بَوْنٌ بعيدٌ جدَّا)
(إنّكَ لَو تَستنشقُ الشحيحا ... وَجدتَهُ أنتنَ شَيءٍ ريحًا)
(عجِبْتُ حَتَّى ضمَّني السُّكوتُ ... صِرْتُ كأنِّي حائرٌ مَبْهُوتُ)
(كذَا قَضى اللهُ فكَيْفَ أصنعُ ... والصمْتُ إِن ضاقَ الكلامُ أوسعُ)
وَهِي طَوِيلَة جدا وَهَذَا الأنموذج كَاف مِنْهَا
وَالْجدّة الِاسْتِغْنَاء والمفسدة الْخلَّة الداعية إِلَى الْفساد
وَالشَّاهِد فِيهِ الْجمع وَهُوَ الْجمع بَين مُتَعَدد فِي حكم وَهُوَ ظَاهر فِي الْبَيْت وَمَا أحسن قَول الصفي الْحلِيّ فِيهِ
(أرَاؤُهُ وَعَطاياهُ ونِعمتُهُ ... وعفوُهُ رحمَةٌ للنَّاس كلهم) // الْبَسِيط //
وَمِنْه قَول ابْن حجَّة مَعَ تَسْمِيَة النَّوْع
(آدابهُ وعَطاياه ورأفَتُهُ ... سجيةٌ ضمن جَمْع فِيهِ ملتئم) // الْبَسِيط //
وَقَول ابْن جَابر الأندلسي
(قد أحْرَز السَّبق والإحسانَ فِي نَسقٍ ... والعِلم والحِلم قَبلَ الدَّرك للحلم) // الْبَسِيط //
(2/284)

وَأَبُو الْعَتَاهِيَة هُوَ إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم بن سُوَيْد بن كيسَان مولى عنزة وكنيته أَبُو إِسْحَاق وَأَبُو الْعَتَاهِيَة كنية غلبت عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ يحب الشُّهْرَة والمجون فكنى لعتوه بذلك وَقيل إِن الْمهْدي قَالَ لَهُ يَوْمًا أَنْت إِنْسَان متعته متحذلق فاستوت لَهُ من ذَلِك كنيته وَيُقَال للرجل المتحذلق عتاهية وَفِيه يَقُول أَبُو قَابُوس النَّصْرَانِي وَقد بلغه أَنه فضل عَلَيْهِ العتابي
(قُلْ لِلْمُكني نَفْسهُ ... مُتخيراً بِعتاهِيةْ)
(والمُرْسلِ الْكَلم القَبيح وعنهُ أذنٌ وَاعيهْ ... )
(إِن كنتَ سِرّاً سؤتني ... أَو كانَ ذَاكَ عَلاَنِيهْ)
(فَعليك لعنَةُ ذِي الْجلَال ... وأُمُّ زيدٍ زانيهْ) // الْكَامِل //
وَأم زيد هِيَ أم أبي الْعَتَاهِيَة ومنشأه بِالْكُوفَةِ وَكَانَ فِي أول أمره يتخنث وَيحمل زاملة المخنثين ثمَّ كَانَ يَبِيع الفخار بِالْكُوفَةِ ثمَّ قَالَ الشّعْر فبرع فِيهِ وَتقدم وَيُقَال أطبع النَّاس بالشعر بشار وَالسَّيِّد الْحِمْيَرِي وَأَبُو الْعَتَاهِيَة وَمَا قدر
(2/285)

أحد قطّ على جمع شعر هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة بأسره لكثرته وَكَانَ غزير الْبَحْر كثير الْمعَانِي لطيفها سهل الْأَلْفَاظ كثير الافتنان قَلِيل التَّكَلُّف إِلَّا أَنه كثير السَّاقِط المرذول مَعَ ذَلِك وَأكْثر شعره فِي الزّهْد والأمثال وَكَانَ قوم من أهل عصره ينسبونه إِلَى القَوْل بِمذهب الفلاسفة مِمَّن لَا يُؤمن بِالْبَعْثِ والنشور ويحتجون بِأَن شعره إِنَّمَا هُوَ فِي ذكر الْمَوْت والفناء دون النشور والمعاد
وَحدث الْخَلِيل بن أَسد النوشجاني قَالَ أَتَانَا أَبُو الْعَتَاهِيَة إِلَى منزلنا فَقَالَ زعم النَّاس أنني زنديق وَالله مَا ديني إِلَّا التَّوْحِيد فَقُلْنَا لَهُ قل شَيْئا نتحدث بِهِ عَنْك فَقَالَ
(أَلا إِنَّنَا كلَّنا بائدُ ... وأيُّ بني آدمٍ خالِدُ)
(وبَدؤُهُم كانَ من رَبِّهم ... وكُلٌّ إِلَى رَبِّهِ عَائدُ)
(فَيا عَجَباً كيفَ يُعصي الإلهُ أم كيفَ يجحدهُ الجاحد ... )
(وَفِي كلِّ شَيْء لَهُ آيةٌ ... تَدُلُّ على أَنهُ وَاحِد) // المتقارب //

وَكَانَ من أبخل النَّاس مَعَ يسَاره وَكَثْرَة مَا جمعه من الْأَمْوَال
وَحدث مُحَمَّد بن عِيسَى الْخرقِيّ قَالَ وقف عَلَيْهِ ذَات يَوْم سَائل من العيارين الظرفاء وَجَمَاعَة من جِيرَانه حواليه فَسَأَلَهُ دونهم فَقَالَ لَهُ صنع الله لَك فَأَعَادَ السُّؤَال فَرد عَلَيْهِ فَأَعَادَ الثَّالِثَة فَغَضب وَقَالَ لَهُ أَلَسْت الَّذِي يَقُول
(كلُّ حَيّ عِنْد ميتتهِ ... حظُّهُ من مَاله الْكَفَن) // المديد //
قَالَ نعم قَالَ فبالله عَلَيْك أَتُرِيدُ أَن تعد مَالك كُله لثمن كفنك قَالَ لَا قَالَ فبالله كم قدرت لكفنك قَالَ خَمْسَة دَنَانِير قَالَ فاعمل على أَن دِينَارا من الْخَمْسَة وضيعته قِيرَاط وادفع إِلَيّ قيراطاً وَاحِدًا وَإِلَّا فَوَاحِدَة أُخْرَى قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ الْقُبُور تحفر بِثَلَاث دَرَاهِم فَأعْطِنِي درهما وأقيم لَك كَفِيلا بِأَن أحفر لَك بِهِ
(2/286)

قبرك مَتى مت وتربح دِرْهَمَيْنِ لم يَكُونَا فِي حِسَابك فَإِن لم أحفر رَددته على وَرثتك أَو رده كفيلي عَلَيْهِم فَخَجِلَ أَبُو الْعَتَاهِيَة وَقَالَ اغرب لعنك الله وَغَضب عَلَيْك وَضحك جَمِيع من حضر وَمر السَّائِل يضْحك فَالْتَفت إِلَيْنَا أَبُو الْعَتَاهِيَة وَقد اغتاظ فَقَالَ من أجل هَذَا وَأَمْثَاله حرمت الصَّدَقَة فَقُلْنَا لَهُ وَمن حرمهَا وَمَتى حرمت فَمَا رَأَيْت أحدا ادّعى أَن الصَّدَقَة حرمت قبله وَلَا بعده
وَقَالَ قلت لأبي الْعَتَاهِيَة أتزكى مَالك فَقَالَ وَالله مَا أنْفق على عيالي إِلَّا من زَكَاة مَالِي فَقلت لَهُ سُبْحَانَ الله إِنَّمَا يَنْبَغِي لَك أَن تخرج زَكَاة مَالك للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين فَقَالَ لي لَو انْقَطَعت عَن عيالي زَكَاة مَالِي لم يكن فِي الأَرْض أفقر مِنْهُم
وَحدث أَيْضا قَالَ كنت جاراً لأبي الْعَتَاهِيَة وَكَانَ لَهُ جَار يلتقط النَّوَى ضَعِيف سيء الْحَال متجمل عَلَيْهِ ثِيَاب فَكَانَ يمر بِأبي الْعَتَاهِيَة طرفِي النَّهَار فَيَقُول أَبُو الْعَتَاهِيَة اللَّهُمَّ أعنه على مَا هُوَ بسبيله شيخ ضَعِيف سيءالحال عَلَيْهِ ثِيَاب متجمل اللَّهُمَّ اصْنَع لَهُ اللَّهُمَّ بَارك فِيهِ فَبَقيَ على هَذَا إِلَى أَن مَاتَ الشَّيْخ نَحوا من عشْرين سنة لَا وَالله إِن تصدق عَلَيْهِ بِدِرْهَمَيْنِ وَلَا دانق قطّ وَمَا كَانَ زَاده على الدُّعَاء شَيْئا فَقلت لَهُ يَا أَبَا إِسْحَاق إِنِّي أَرَاك تكْثر الدُّعَاء لهَذَا الشَّيْخ وتزعم أَنه فَقير معيل فَلم لَا تَتَصَدَّق عَلَيْهِ بِشَيْء فَقَالَ أخْشَى أَن يعْتَاد الصَّدَقَة وَهِي آخر مكاسب العَبْد وَإِن فِي الدُّعَاء خيرا كثيرا
وَقَالَ الجاحظ حَدثنِي ثُمَامَة بن أَشْرَس قَالَ دخلت يَوْمًا على أبي الْعَتَاهِيَة فَإِذا هُوَ يَأْكُل خبْزًا بِلَا شَيْء فَقلت لَهُ كالمنكر كَأَنَّك رَأَيْته يَأْكُل خبْزًا وَحده فَقَالَ لَا وَلَكِنِّي رَأَيْته يتأدم بِلَا شَيْء فَقلت وَكَيف ذَلِك فَقَالَ رَأَيْت قدامه خبْزًا يَابسا من دقاق فطير وَقَدحًا فِيهِ حليب فَكَانَ يَأْخُذ الْقطعَة من الْخبز فيغمسها فِي اللَّبن ويخرجها فَلم تتَعَلَّق مِنْهُ بِقَلِيل وَلَا كثير فَقلت لَهُ كَأَنَّك اشْتهيت أَن تتأدم بِلَا شَيْء وَمَا رَأَيْت أحدا قبله تأدم بِلَا شَيْء
(2/287)

وَقَالَ ثُمَامَة أَنْشدني أَبُو الْعَتَاهِيَة
(إِذا الْمَرْء لم يُعتِق منَ المَال نفسَهُ ... تمَلّكَهُ المالُ الَّذِي هُوَ مالكُهْ)
(أَلا إِنَّمَا مَالِي الَّذي أَنا مُنفِقٌ ... ولَيسَ ليَ المَالُ الَّذِي أَنا تاركُهْ)
(إِذا كُنتَ ذَا مَال فبادر بِهِ الَّذي ... يحقُّ وَلَا استهلكته مهالكه) // الطَّوِيل //

فَقلت لَهُ من أَيْن قضيت بِهَذَا قَالَ من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِنَّمَا لَك من مَالك مَا أكلت فأفنيت أَو لبست فأبليت أَو أَعْطَيْت فأمضيت) فَقلت أتؤمن بِأَن هَذَا قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنه الْحق قَالَ نعم قلت فَلم تحبس عنْدك سبعا وَعشْرين بدرة فِي دَارك لَا تَأْكُل مِنْهَا وَلَا تشرب وَلَا تزكي وَلَا تقدمها ذخْرا ليَوْم فقرك وفاقتك قَالَ يَا أَبَا معن وَالله إِن مَا قلت لحق وَلَكِنِّي أَخَاف الْفقر وَالْحَاجة إِلَى النَّاس قلت وَمَا يزِيد حَال من افْتقر على حالك وَأَنت دَائِم الْحزن لَا تَأْكُل وَلَا تشرب مِنْهَا دَائِم الْجمع شحيح على نَفسك لَا تشتري اللَّحْم إِلَّا من عيد إِلَى عيد فَترك جَوَاب كَلَامي كُله ثمَّ قَالَ لي وَالله لقد اشْتريت فِي يَوْم عَاشُورَاء لَحْمًا وتوابله وَمَا يتبعهُ بِخَمْسَة دَرَاهِم فَلَمَّا قَالَ لي هَذَا القَوْل أضحكني حَتَّى أذهلني عَن جَوَابه ومعاتبته وَأَمْسَكت عَنهُ وَعلمت أَنه لَيْسَ مِمَّن شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ
وَقيل لَهُ مَا لَك تبخل بِمَا رزقك الله تَعَالَى فَقَالَ وَالله مَا بخلت بِمَا رَزَقَنِي الله قطّ قيل لَهُ فَكيف ذَاك وَفِي بَيْتك من المَال مَا لَا يُحْصى قَالَ لَيْسَ ذَلِك رِزْقِي وَلَو كَانَ رِزْقِي لأنفقته
وَحدث أَبُو الْعَتَاهِيَة قَالَ أخرجني الْمهْدي مَعَه إِلَى الصَّيْد فوقعنا مِنْهُ على شَيْء كثير وتفرق أَصْحَابه فِي طلبه وَأخذ هُوَ فِي طَرِيق آخر غير طريقهم فَلم يلتفتوا وَعرض لنا وادٍ جرار عَظِيم وتغيمت السَّمَاء وبدأت بمطر فتحيرنا وأشرفنا على الْوَادي وَإِذا فِيهِ ملاح يعبر النَّاس فلجأنا إِلَيْهِ وسألناه
(2/288)

عَن الطَّرِيق فَجعل يضعف رَأينَا ويعجزنا فِي بذل أَنْفُسنَا فِي ذَلِك الْغَيْم والمطر للصَّيْد حَتَّى أبعدنا ثمَّ أدخلنا كوخا لَهُ وَكَانَ الْمهْدي يَمُوت بردا فَقَالَ لَهُ أغطيك بجبتي هَذِه الصُّوف فَقَالَ نعم فغطاه بهَا فتماسك قَلِيلا ونام وافتقده غلمانه وتبعوا أَثَره حَتَّى جاؤونا فَلَمَّا رأى الملاح كثرتهم على أَنه الْخَلِيفَة فهرب وتبادر الغلمان فنحوا الْجُبَّة عَنهُ وألقوا عَلَيْهِ الْخَزّ والوشي فَلَمَّا انتبه قَالَ لي وَيحك مَا فعل الملاح فوَاللَّه لقد وَجب حَقه علينا فَقلت وَالله هرب خوفًا مِمَّا خاطبنا بِهِ قَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَالله لقد أردْت أَن أغنيه وَبِأَيِّ شَيْء خاطبنا نَحن وَالله مستحقون لأضعاف مَا خاطبنا بِهِ بحياتي عَلَيْك إِلَّا مَا هجوتني فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَيفَ تطيب نَفسِي بِأَن أهجوك قَالَ وَالله لتفعلن فإنني ضَعِيف الرَّأْي مغرم بالصيد فَقلت
(يَا لابِسَ الوَشْي على ثَوبهِ ... مَا أقبَحَ الأشيب بِالرَّاحِ) // السَّرِيع //
فَقَالَ زِدْنِي بحياتي عَلَيْك فَقلت
(لَو شئتَ أَيْضا جُلْتَ فِي خامةٍ ... وَفِي وِشَاحَيْنِ وأوضاحِ)
فَقَالَ وَيلك هَذَا معنى سوء يرويهِ عَنْك النَّاس وَأَنا أستأهل زِدْنِي شَيْئا آخر فَقلت أَخَاف أَن تغْضب فَقَالَ لَا وَالله فَقلت
(كم من عَظِيم القَدْرِ فِي نَفْسهِ ... قد نامَ فِي جُبَّةِ مَلاَّحِ)
فَقَالَ معنى سوء عَلَيْك لعنة الله وقمنا فَرَكبْنَا وانصرفنا
وَعَن الْحسن بن عَابِد قَالَ كَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة يحجّ فِي كل سنة فَإِذا قدم أهْدى لِلْمَأْمُونِ بردا قطرياً ونعلاً سَوْدَاء ومساويك أراكٍ فيبعث إِلَيْهِ بِعشْرين ألف دِرْهَم فأهدى لَهُ مرّة كَمَا كَانَ يهدي كل سنة إِذا قدم فَلم يثبه وَلَا بعث إِلَيْهِ بالوظيفة فَكتب إِلَيْهِ أَبُو الْعَتَاهِيَة يَقُول
(خبروني أنّ مِنْ ضرب السّنة ... حددا بيضًا وصُفْراً حسنهْ)
(2/289)

(أحدثت لكني لم أرَها ... مثلَ مَا كنتُ أرى كل سنة) // الرمل //
قَالَ فَأمر الْمَأْمُون بِحمْل الْعشْرين ألفا إِلَيْهِ وَقَالَ أغفلناه حَتَّى أذكرنا
وَحدث أَبُو عِكْرِمَة قَالَ كَانَ الرشيد إِذا رأى عبد الله بن معن بن زَائِدَة يتَمَثَّل بقول أبي الْعَتَاهِيَة
(أُختُ بني شيبانَ مرّتْ بِنَا ... ممشوطة كوراً على بغلِ) // السَّرِيع //
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لأبي الْعَتَاهِيَة يهجو بهَا عبد الله الْمَذْكُور وَبعده
(تكنى أَبَا الْفضل وَمن ذَا رأى ... جَارِيَة تكنى أَبَا الْفضل)
(قد نقطت فِي وَجههَا نقطةً ... مخافةَ الْعين من الْكحل)
(إِن زُرتموها قَالَ حُجابها ... نحنُ عَن الزُّوَّار فِي شُغلِ)
(مولاَتُنَا مَشْغُولَة عندَها ... بعلٌ وَلَا إِذنَ على البعلِ)
(يَا بنتَ معنِ الخيرِ لَا تجهلِي ... وأينَ تقصيرٌ عَن الجهلِ)
(أتجلدُ الناسَ وأنتَ امرُؤٌ ... تُجلَدُ فِي دُبرِكَ والقبلِ)
(مَا يَنْبَغِي للناسِ أَن ينسُبُوا ... من كانَ ذَا جودٍ إِلَى البخلِ)
(يبذلُ مَا يمنعُ أهلُ الندَى ... هَذَا لعمرِي مُنْتَهَى البذلِ)
(مَا قلتُ هَذَا فيكَ إِلَّا وقَدْ ... جَفَّتْ بهِ الأقلامُ من قبلي) // السَّرِيع //
قَالَ فَبعث إِلَيْهِ عبد الله بن معن فَأتى بِهِ فَدَعَا بغلمان لَهُ ثمَّ أَمرهم أَن يرتكبوا مِنْهُ الْفَاحِشَة فَفَعَلُوا ذَلِك ثمَّ أجلسه وَقَالَ لَهُ قد جزيتك على قَوْلك فَهَل لَك بعد هَذَا فِي الصُّلْح وَمَعَهُ مركب وَعشرَة آلَاف دِرْهَم أَو تقيم على الْحَرْب وَمَا ترى قَالَ بل الصُّلْح قَالَ فأسمعني مَا تَقوله فِي معنى الصُّلْح فَقَالَ
(2/290)

(مَا لِعذالي ومالِي ... أمرُونِي بالضلاِل)
(عذَلوني فِي اغتفارِي ... لِابْنِ مَعنٍ واحتمالِي)
(إِن يكن مَا كانَ منهُ ... فَبجرْمِي وفعالِي)
(أَنا مِنْهُ كنتُ أسوا ... عِشْرَةً فِي كل حالِ)
(قل لمن يعجبُ من حسن ... رجوعي ومقالِي)
(رُبّ ودّ بعدَ صَدّ وَهوى بعدَ الرِّجَال ... )
(قد رَأينَا ذَا كثيرا ... جَارِيا بَين الرّجالِ)
(إِنما كَانَت يمينِي ... لطمتْ مِني شمَالي) // الرمل //
وَكَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة فِي حداثته يهوى امْرَأَة من أهل الْحيرَة نائحة لَهَا حسن ودماثة يُقَال لَهَا سعدى وَكَانَ مِمَّن يهواها أَيْضا عبد الله بن معن وَكَانَت مولاة لَهُم وَكَانَت صَاحِبَة حبائب وَكَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة مُولَعا بِالنسَاء فَقَالَ فِيهَا
(أَلا يَا ذَوَات السحق فِي الغرب والشرقِ ... أفقنَ فَإِن النيكَ أشهى من السحق)
(أفقنَ فإنّ الْخبز بِالْأدمِ يشتهَى ... وَلَيْسَ يسوغُ الْخبز بالخبز فِي الْحلق)
(أراكنَّ ترقعنَ الخرُوق بِمِثْلِهَا ... وأيّ لبيبٍ يرقعُ الْخرق بالخرقِ)
(وَهل يصلحُ المهراسُ إِلَّا بعودهِ ... إذَا احتيجَ مِنْهُ ذَاتَ يَوْم إِلَى الدقّ) // الطَّوِيل //
وَقَالَ فِيهَا أَيْضا
(قلتُ للقلب إِذْ طوى وصلَ سُعَدى ... لهواه الْبَعِيدَة الأسبابِ)
(2/291)

(أنتَ مثل الَّذِي يفرُّ من القَطرِ حِذَارَ الندى إِلَى الْمِيزَاب ... ) // الْخَفِيف // فَغَضب ابْن معن لسعدى فَضرب أَبَا الْعَتَاهِيَة مائَة فَقَالَ فِيهِ
(جَلَدَتْنِي بكفها ... بنتُ معن بن زَائِدَة)
(جلدتني بكفها ... بِأبي تِلْكَ جالدهْ)
(وتراها مَعَ الخصيِّ ... على الْبَاب قاعدهْ)
(تتكَنّى كني الرِّجَال ... لعمدٍ مُكايدهْ)
(جَلدَتْنِي وبالغت ... مائَة غير واحده)
(اجلديني اجلدي اجلدي ... إِنَّمَا أنتِ وَالِده) // من مجزوء الْخَفِيف //
وَقَالَ فِي ضربه إِيَّاه أَيْضا
(ضربتني بكفها بنتُ معنٍ ... أوجعت كفها وَمَا أوجعتني)
(ولعمري لَوْلَا أَذَى كفها إِذْ ... ضربتني بِالسَّوْطِ مَا تَرَكتنِي) // الْخَفِيف //
وَحدث أَحْمد بن أبي فنن قَالَ كُنَّا عِنْد ابْن الْأَعرَابِي فَذكر قَول يحيى بن نَوْفَل فِي عبد الْملك بن عُمَيْر القَاضِي وَهُوَ
(إِذا كلمتهُ ذاتُ دَلٍّ لحاجةٍ ... فهمَّ بِأَن يقْضِي تنحنح أَو سعل) // الطَّوِيل //
وَأَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ تركني وَالله وَإِن السعلة لتعرض لي فِي الْخَلَاء فأذكر قَوْله فأهاب أَن أسعل قَالَ فَقلت هَذَا ابْن معن بن زَائِدَة يَقُول لَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَة
(2/292)

(فصُغْ مَا كنت حَلَّيْتَ ... بِهِ سيفكَ خَلخالا)
(فَمَا تصنعُ بالسيفِ ... إِذا لم تَكُ قتالا) // الهزج //
فَقَالَ عبد الله مَا لبست السَّيْف قطّ فلمحني إِنْسَان إِلَّا قلت يحفظ شعر أبي الْعَتَاهِيَة فِي فَينْظر إِلَيّ بِسَبَبِهِ فَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي اعجبوا لهَذَا العَبْد يهجو مَوْلَاهُ وَكَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة من موَالِي بني شَيبَان
وَحدث الْمَدَائِنِي قَالَ اجْتمع أَبُو نواس وَأَبُو الشمقمق فِي بَيت ابْن أذين وَجَاء أَبُو الْعَتَاهِيَة وَكَانَ بَينه وَبَين أبي الشمقمق شَرّ فخبأه من أبي الْعَتَاهِيَة فِي بَيت وَدخل أَبُو الْعَتَاهِيَة فَنظر إِلَى غُلَام عِنْدهم فِيهِ تَأْنِيث فَظَنهُ جَارِيَة فَقَالَ لِابْنِ أذين مَتى استظرفت هَذِه الْجَارِيَة قَالَ قَرِيبا يَا أَبَا إِسْحَاق فَقل فِيهَا مَا حضر فَمد أَبُو الْعَتَاهِيَة يَده إِلَيْهِ وَقَالَ
(مددتُ كَفِّي نحوكم سَائِلًا ... مَاذَا تردُّون على السَّائِل) // السَّرِيع //
فَلم يلبث أَبُو الشمقمق حَتَّى ناداه من دَاخل الْبَيْت بِهَذَا الْبَيْت
نرد فِي كفك ذَا فَيْشَةٍ ... يشفي جَوّى فِي استك من دَاخل)
فَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة أَبُو الشمقمق وَالله وَقَامَ مغضبا
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة حَبَسَنِي الرشيد لما تركت قَول الشّعْر فأدخلت السجْن وأغلق الْبَاب عَليّ فدهشت كَمَا يدهش مثلي لذَلِك الْحَال فَإِذا أَنا بِرَجُل جَالس فِي جَانب الْحَبْس مُقَيّد فَجعلت أنظر إِلَيْهِ سَاعَة ثمَّ تمثل وَقَالَ
(تعوَّدْتُ مَسَّ الضّر حَتَّى ألفتُهُ ... وأسلمني حسنُ العزاء إِلَى الصَّبْر)
(وصيرني يأسي من النَّاسِ راجياً ... لحسن صَنِيع الله من حَيْثُ لَا أَدْرِي) // الطَّوِيل //
فَقلت لَهُ أعد أعزّك الله هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فَقَالَ لي وَيلك يَا أَبَا الْعَتَاهِيَة مَا أَسْوَأ أدبك وَأَقل عقلك دخلت عَليّ الْحَبْس فَمَا سلمت تَسْلِيم الْمُسلم على الْمُسلم
(2/293)

وَلَا سَالَتْ مَسْأَلَة الْحر للْحرّ وَلَا توجعت توجع المبتلي للمبتلي حَتَّى إِذا سَمِعت بَيْتَيْنِ من الشّعْر الَّذِي لَا فضل فِيك غَيره لم تصبر عَن استعادتهما وَلم تقدم قبل مسألتهما عذرا لنَفسك فِي طلبهما فَقلت يَا أخي إِنِّي دهشت لهَذَا الْحَال فَلَا تعذلني واعذرني متفضلاً بذلك فَقَالَ وَالله أَنا أولى بالدهش والحيرة مِنْك لِأَنَّك حبست فِي أَن تَقول الشّعْر الَّذِي بِهِ ارْتَفَعت وَبَلغت مَا بلغت فَإِذا قلت أمنت وَأَنا مَأْخُوذ بِأَن أدل على ابْن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليقْتل أَو أقتل دونه وَوَاللَّه لَا أدل عَلَيْهِ أبدا والساعة يدعى بِي فأقتل فأينا أَحَق بالدهش فَقلت أَنْت وَالله أولى سلمك الله وَكَفاك وَلَو علمت أَن هَذِه حالك مَا سَأَلتك فَقَالَ لَا نبخل عَلَيْك إِذن ثمَّ أعَاد الْبَيْتَيْنِ حَتَّى حفظتهما فَسَأَلته من هُوَ قَالَ أَنا حَاضر دَاعِيَة عِيسَى بن زيد وَابْنه أَحْمد وَلم نَلْبَث أَن سَمِعت صَوت الأقفال فَقَامَ فسكب عَلَيْهِ مَاء كَانَ عِنْده فِي جرة وَلبس ثوبا نظيفاً وَدخل الحرس والجند مَعَهم الشمع فأخرجنا جَمِيعًا وَقدم قبلي إِلَى الرشيد فَسَأَلَهُ عَن أَحْمد بن عِيسَى فَقَالَ لَا تَسْأَلنِي عَنهُ واصنع مَا أَنْت صانع فَلَو أَنه تَحت ثوبي هَذَا مَا كشفت عَنهُ فَأمر بِضَرْب عُنُقه فَضربت ثمَّ قَالَ لي أَظُنك ارتعت يَا إِسْمَاعِيل فَقلت دون مَا رَأَيْته تسيل مِنْهُ النُّفُوس فَقَالَ ردُّوهُ إِلَى محبسه فَرددت وانتحلت الْبَيْتَيْنِ وزدت فيهمَا
(إِذا أَنا لم أقبلْ من الدَّهْر كل مَا ... تَكَرَّهْتُ مِنْهُ طَال عَتْبي على الدَّهْر) // الطَّوِيل //
وَكَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة مشتهراً بحب عتبَة جَارِيَة الْمهْدي وَأكْثر نسيبه فِيهَا فَمن ذَلِك قَوْله وَكتب بِهِ إِلَى الْمهْدي يعرض بهَا
(2/294)

(نَفسِي بِشَيْء من الدُّنْيَا مُعَلَّقَةٌ ... وَالله والقائم المهديُّ يَكفْيها)
(إِنِّي لَا يأس مِنْهَا ثمَّ يُطْمعني ... فِيهَا احتقارك للدنيا وَمَا فِيهَا) // الْبَسِيط //
فهم الْمهْدي بِدفع عتبَة إِلَيْهِ فَخرجت وَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَعَ حرمتي وخدمتي أفتدفعني إِلَى قَبِيح المنظر بَائِع جرارٍ ومكتسب بالعشق فأعفاها وَكَانَ قد كتب الْبَيْتَيْنِ على حَوَاشِي ثوب مُطيب وَوَضعه فِي برنية ضخمة فَقَالَ الْمهْدي املأوا لَهُ البرنية مَالا فَقَالَ للْكتاب أَمر لي بِدَنَانِير قَالُوا مَا ندفع إِلَيْك ذَلِك وَلَكِن إِن شِئْت أعطيناك الدَّرَاهِم إِلَى أَن يفصح بِمَا أَرَادَ فَاخْتلف فِي ذَلِك حولا فَقَالَت عتبَة لَو كَانَ عَاشِقًا كَمَا يزْعم لم يكن يخْتَلف مُنْذُ حول فِي التَّمْيِيز بَين الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَقد أضْرب عَن ذكري صفحاً
وَجلسَ أَبُو الْعَتَاهِيَة يَوْمًا يعذل أَبَا نواس ويلومه على اسْتِمَاع الْغناء ومجالسته لأَصْحَابه فَقَالَ أَبُو نواس
(أَترَانِي يَا عتاهي ... تَارِكًا تِلْكَ الملاهي)
(أَترَانِي مُفْسِدا بالنُّسْكِ عِنْد الْقَوْم جاهي) // من مجزوء الرمل //
فَوَثَبَ أَبُو الْعَتَاهِيَة وَقَالَ لَا بَارك الله عَلَيْك وَجعل أَبُو نواس يضْحك
وَحدث مُخَارق قَالَ جَاءَنِي أَبُو الْعَتَاهِيَة يَوْمًا فَقَالَ لي قد عزمت على أَن أتزود مِنْك يَوْمًا تهبه لي فَمَتَى تنشط لذَلِك فَقلت مَتى شِئْت قَالَ أَنا أَخَاف أَن تقطع بِي فَقلت لَا وَالله وَلَو طلبني الْخَلِيفَة فَقَالَ يكون ذَلِك فِي غَد فَقلت افْعَل فَلَمَّا كَانَ من الْغَد باكرني رَسُوله فَجِئْته فَأَدْخلنِي بَيْتا لَهُ نظيفاً فِيهِ فرش نظيف ثمَّ دَعَا بمائدة وَعَلَيْهَا خبز سميد سميذ وخل وبقل وملح وجدي مشوي قَالَ فأكلنا مِنْهَا حَتَّى اكتفينا ثمَّ دَعَا بسمك مشوي فأصبنا مِنْهُ أَيْضا ثمَّ دَعَا بفراخ ودجاج وفراريج مشوية فأكلنا مِنْهَا حَتَّى اكتفينا ثمَّ أتونا بحلواء فأصبنا مِنْهَا وغسلنا أَيْدِينَا ثمَّ جَاءُونَا بفاكهة وَرَيْحَان وألوان من الأنبذة فَقَالَ
(2/295)

لي اختر مَا يصلح لَك فاخترت وشربت وصب قدحاً ثمَّ قَالَ غن لي قولي
(أحمدٌ قَالَ لي وَلم يَدْرِ مَا بِي ... أتحبُّ الفتاة عتبَة حَقًا) // الْخَفِيف //
فغنيته فَشرب أقداحاً وَهُوَ يبكي أحر بكاء ثمَّ قَالَ غَنِي فِي قولي
(ليسَ لمن ليستْ لهُ حيلةٌ ... موجودةٌ خيرٌ من الصبرِ) // السَّرِيع //
فغنيته وَهُوَ ينتحب ويبكي ثمَّ قَالَ غنني فديتك فِي قولي
(خليلي مَالِي لَا تزَال مُضرتِي ... تكونُ مَعَ الأقدار حَتْماً من الحتمِ) // الطَّوِيل //
فغنيته إِيَّاه وَمَا زَالَ يقترح عَليّ كل صَوت غَنِي بِهِ فِي شعره وَيَقُول غنني بِهِ فأغنيه وَيشْرب ويبكي ثمَّ صَارَت الْعَتَمَة فَقَالَ لي أحب أَن تصبر حَتَّى ترى مَا أصنع فَجَلَست فَأمر ابْنه وَغُلَامه فكسرا كل مَا كَانَ بَين أَيْدِينَا من النَّبِيذ وآلات الملاهي ثمَّ أَمر بِإِخْرَاج كل مَا كَانَ فِي بَيته من النَّبِيذ وآلاته فَمَا زَالَ يكسرهُ وَيصب النَّبِيذ وَهُوَ يبكي حَتَّى لم يبْق من ذَلِك شَيْء ثمَّ نزع ثِيَابه واغتسل وَلبس ثِيَاب بَيَاض من الصُّوف ثمَّ عانقني وَبكى وَقَالَ عَلَيْك السَّلَام يَا حَبِيبِي وفرحي من النَّاس كلهم سَلام الْفِرَاق الَّذِي لَا لِقَاء بعده وَجعل يبكي وَيَقُول هَذَا آخر عَهْدك بِي فِي حَال تعاشر أهل الدُّنْيَا فَظَنَنْت أَنَّهَا بعض حماقاته فَانْصَرَفت فَمَا لَقيته زَمَانا ثمَّ تشوقته قأتيته فاستأذنت عَلَيْهِ فَأذن لي فَدخلت فَإِذا هُوَ قد أَخذ قوصرتين وثقب إِحْدَاهمَا وَأدْخل رَأسه وَيَديه فِيهَا وأقامها مقَام الْقَمِيص وثقب أُخْرَى وَأخرج رجلَيْهِ مِنْهَا وأقامها مقَام السَّرَاوِيل فَلَمَّا رَأَيْته نسيت مَا كَانَ عِنْدِي من الْغم عَلَيْهِ والوحشة لعشرته وضحكت وَالله ضحكاً مَا ضحِكت مثله قطّ فَقَالَ لي من أَي شَيْء تضحك
(2/296)

لَا ضحِكت فَقلت اسخن الله عَيْنَيْك أَي شَيْء هُوَ من بلغك عَنهُ أَنه فعل مثل هَذَا من الْأَنْبِيَاء أَو الزهاد أَو الصَّحَابَة أَو التَّابِعين أَو المجانين انْزعْ عَنْك هَذَا يَا سخين الْعين فَكَأَنَّهُ استحيا مني ثمَّ بَلغنِي عَنهُ أَنه جلس حجاماً فجهدت أَن أرَاهُ بِتِلْكَ الْحَالة فَلم أره ثمَّ مرض فبلغني أَنه اشْتهى أَن أغنيه فَأَتَيْته عَائِدًا فَخرج إِلَى رَسُوله يَقُول إِن دخلت جددت لي حزنا وتاقت نَفسِي إِلَى سماعك وَإِلَى مَا قد غلبتها عَلَيْهِ وَأَنا أستودعك الله وأعتذر إِلَيْك من ترك الالتقاء ثمَّ كَانَ آخر عهدي بِهِ
وَقيل لأبي الْعَتَاهِيَة عِنْد الْمَوْت مَا تشْتَهي فَقَالَ أشتهي أَن يَجِيء مُخَارق فَيَضَع فَمه عِنْد أُذُنِي ثمَّ يغنيني
(ستعرضُ عَن ودي وتنسى مودتِي ... ويحدثُ بعدِي للخليل خليلُ)
(إِذا مَا انْقَضتْ عني من الدَّهْر مدّتي ... فإنَّ غَنَاء الباكيات قَلِيل) // الطَّوِيل //
وَحدث مُحَمَّد بن أبي الْعَتَاهِيَة قَالَ آخر شعر قَالَه أبي فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ
(إلهي لَا تعذبني فَإِنِّي ... مقرٌّ بِالَّذِي قد كانَ مني)
(فَمَا ليَ حيلةٌ إِلَّا رجائي ... لعفوكَ إِن عَفَوْت وحُسْنَ ظَنِّي)
(وَكم مِنْ زَلْةٍٍ لي فِي الْخَطَايَا ... وَأَنت عليَّ ذُو فضل ومَنِّ)
(إِذا فكرتُ فِي نَدَمي عَلَيْهَا ... عضضت أناملي وقَرَعْتُ سني)
(أجنُّ بزهرة الدُّنْيَا جنوناً ... وأقطعُ طولَ عمري بالتمني)
(وَلَو أنِّي صدقتُ الزهدَ عَنْهَا ... قلبتُ لأَهْلهَا ظهرَ المجنِّ)
(يظنُّ الناسُ بِي خيرا وَإِنِّي ... لَشَرُّ النَّاس إِن لم تعف عني) // الوافر //
ومحاسنه كَثِيرَة
وَكَانَ الْأَصْمَعِي يستحسن قَوْله
(2/297)

(أنتَ مَا استغنيتَ عَن صَاحبك ... الدهرَ أخوهُ)
(فَإِذا احتجتَ إِلَيْهِ ... سَاعَة مجك فوه) // من مجزوء الرمل //
وَحدث ابْن الْأَنْبَارِي أَبُو بكر قَالَ أرْسلت زبيدة أم الْأمين إِلَى أبي الْعَتَاهِيَة أَن يَقُول على لسانها أبياتاً بعد قتل الْأمين يستعطف بهَا الْمَأْمُون فَأرْسل إِلَيْهَا هَذِه الأبيات
(أَلا إنّ صرف الدَّهْر يُدْنِي ويُبْعِدُ ... ويمتع بالآلاف طوراً ويفقدُ)
(أصَابت بريبِ الدَّهْر مني يَدي يدِي ... فسلمتُ للأقدار واللهَ أَحمدُ)
(وقلتُ لريب الدّهر إنْ هلكَتْ يدٌ ... فقد بقيت والحمدُ لله لي يدُ)
(إذَا بَقِي المأمونُ لي فالرّشيدُ لي ... ولي جعفرٌ لم يفتقد ومحمدُ) // الطَّوِيل //
قَالَ فَلَمَّا قَرَأَهَا الْمَأْمُون استحسنها وَسَأَلَ عَن قَائِلهَا فَقيل لَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَة فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَعطف على زبيدة وَزَاد فِي تكرمتها وَقضى حوائجها جَمِيعًا
وَحدث عمر بن أبي شيبَة قَالَ مر عَابِد براهب فِي صومعة فَقَالَ لَهُ عظني قَالَ أعظك وَعَلَيْكُم نزل الْقُرْآن ونبيكم مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قريب الْعَهْد بكم قلت نعم قَالَ فاتعظ بِبَيْت من شعر شاعركم أبي الْعَتَاهِيَة حَيْثُ يَقُول
(تجرّد من الدُّنيا فَإنَّكَ إِنَّمَا ... وقعْتَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنت مُجَرّد) // الطَّوِيل //
وَمن شعر أبي الْعَتَاهِيَة قَوْله
(بَادر إِلَى اللذّات يَوْمًا أمكنت ... بحلولهنّ بَوَادِر الآفاتِ)
(كم من مُؤَخِّرِ لذةٍ قد أمكنتْ ... لغدٍ وَلَيْسَ غدٌ لهُ بِمُوَاتِ)
(حَتَّى إِذا فَاتَت وفاتَ طلابها ... ذَهبت عَلَيْهَا نفسهُ حسرَاتِ)
(2/298)

(تَأتي المكارهُ حِين تَأتي جملَة ... وَأرى السُّرور يَجِيء فِي الفلتات) // الْكَامِل //
وَمِنْه قَول بَعضهم
(أيُّ شَيْء يكونُ أعجبَ أمرا ... إِن تنكرتَ من صُرُوف الزمانِ)
(عارضاتُ السُّرُور توزنُ فيهِ ... والبلايَا تكال بالقفزان) // الْخَفِيف //
وَمن شعره أَيْضا قَوْله
(وإذَا انْقَضى هَمُّ امْرِئ فقد انْقَضى ... إنّ الهموم أشدُّهنّ الأحدث) // الْكَامِل //
ويومئ إِلَى هَذَا الْمَعْنى قَوْله أَيْضا وَهُوَ عَجِيب فِي مَعْنَاهُ
(إِنَّمَا أنتَ طولَ عمركَ مَا عمرتَ فِي السَّاعَة الَّتِي أَنْت فِيهَا ... ) // الْخَفِيف //
وَمن هَذَا قَول من قَالَ
(وكما تبلىَ وُجوهٌ فِي الثرَى ... فَكَذَا يبلىَ عليهنَّ الحَزَنْ) // الرمل //
وَمن شعره أَيْضا قَوْله
(كأنّ عائبكم يُبْدِي محاسنكمْ ... مِنْكُم فيمدحكمْ عِنْدِي فيغرينِي)
(إِنِّي لأعجبُ من حبِّ يقرِّبني ... مِمَّا يباعدني عَنهُ ويقصيني) // الْبَسِيط //
وَمثل الأول قَول عُرْوَة بن أذينة
(كَأَنَّمَا عائبها جاهداً ... زينها عِنْدِي يتزيين) // السَّرِيع //
وَكَذَا قَول أبي نواس
(كَأَنَّهُمْ أْثَنْوا وَلم يعلَمُوا ... عليكَ عِنْدِي بِالَّذِي عابوا) // السَّرِيع //
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة لابنته رقية فِي علته الَّتِي مَاتَ فِيهَا قومِي يَا بنية فارثي أَبَاك واندبيه بِهَذِهِ الأبيات فَقَامَتْ فندبته بقوله
(لعب البلا بمعالمي ورسومي ... وقُبِرْتُ حَيا تحتَ رَدم همومِي)
(لزمَ البلاَ جسمي فأوهى قوَّتي ... إنَّ البلاَ لموكَّلٌ بلزومي) // الْكَامِل //
(2/299)

وَكَانَ مولده سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة ووفاته فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ لثمان من جُمَادَى الأولى وَقيل لثلاث من جُمَادَى الْآخِرَة سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَقيل سنة ثَلَاث عشرَة وَدفن حِيَال قنطرة الزياتين فِي الْجَانِب الغربي بِبَغْدَاد وَأمر أَن يكْتب على قَبره
(إنَّ عَيْشًا يكونُ آخِره الْمَوْت ... لَعيشٌ معجَّلُ التنغيصِ) // الْخَفِيف //
وَقيل أوصى أَن يكْتب عَلَيْهِ
(أُذْنَ حَيٍّ تَسَمَّعِي ... واسمعي ثمَّ عِي وَعِي)
(أَنا رهنٌ بمضجعي ... فاحذروا مثل مَصْرَعي)
(عِشْت تسعين حِجَّةً ... أسلمَتْنِي لمضجعي)
(كم ترى الْحَيّ ثَابتا ... فِي ديار التزعزُع)
(لَيْسَ زادٌ سوى التقى ... فَخذي مِنْهُ أَو دَعِي) // من مجزوء الْخَفِيف //
وَلما مَاتَ رثاه ابْنه مُحَمَّد فَقَالَ
(يَا أبي ضَمَّكَ الثرى ... وطوى الموتُ أجْمَعَكْ)
(لَيْتَني متُّ يَوْم صرت ... إِلَى حُفْرَة مَعَك)
(رحم الله مصرعك ... بَرَّدَ الله مضجعك) // من مجزوء الْخَفِيف //
126 - (مَا نوالُ الْغَمَام وَقْتَ رَبيعٍ ... كنوالِ الْأَمِير يَوْم سخاءِ)
(فنوالُ الْأَمِير بدْرَةُ عَيْنٍ ... ونوالُ الْغَمَام قَطْرَةُ ماءِ)
البيتان لرشيد الدّين الوطواط الشَّاعِر من الْخَفِيف
والنوال الْعَطاء والبدرة كيس فِيهِ ألف دِينَار أَو عشرَة آلَاف دِرْهَم أَو سَبْعَة آلَاف دِرْهَم أَو سَبْعَة آلَاف دِينَار وَالْعين هُنَا المَال
(2/300)

وَالشَّاهِد فيهمَا التَّفْرِيق وَهُوَ إِيقَاع تبَاين بَين أَمريْن من نوع فِي الْمَدْح أَو فِي غَيره فَمن ذَلِك قَول بَعضهم
(حسبْتُ جمالَهُ بَدْرًا منيراً ... وَأَيْنَ الْبَدْر من ذَاك الْجمال) // الوافر //
وَقَول قَوْله الآخر
(قاسوك بالغصن فِي التَّثَنِّي ... قياسَ جهل بِلَا انتصاف)
(هذاك غُصْن الْخلاف يُدْعَى ... وَأَنت غُصْن بِلَا خلاف) // من مخلع الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول الْموصِلِي مَعَ تَسْمِيَة النَّوْع
(قَالُوا هُوَ الْبَحْر والتفريق بَينهمَا ... إِذْ ذَاك غَمٌّ وَهَذَا فَارق الغمم) // الْبَسِيط //
وَقد تلاعب الشُّعَرَاء بِمَعْنى الْبَيْتَيْنِ المستشهد بهما فللوأواء الدِّمَشْقِي
(من قَاس جدواك بالغمام فَمَا ... انصف فِي الحكم بَين شكلين)
(أَنْت إِذا جُدْتَ ضَاحِك أبدا ... وَهُوَ إِذا جاد باكي الْعين) // المنسرح //
ولبعضهم فِيهِ أَيْضا وأجاد جدا
(من قَاس جَدْوَاكَ يَوْمًا ... بالسُّحْب أَخطَأ مدحك)
(السحبُ تُعْطِي وتبكي ... وَأَنت تُعْطِي وتضحك) // المجتث //
وَلأبي الْفَتْح البستي وأجاد
(يَا سيد الْأُمَرَاء يَا مَنْ جُودُه ... أوْفَى على الْغَيْث الْمَطير إِذا هَمَى)
(الغيثُ يُعْطي باكياً متجهِّماً ... ونراك تُعْطِي ناصرا مُتَبَسِّمًا) // الْكَامِل //
وَمثله لأبي مَنْصُور البوشنجي
(وذلكَ ضاحكٌ أبدا بجُودٍ ... وَجودك لَيْسَ يمطرُ غيرَ باكي) // الوافر //
وَقَول الأديب يَعْقُوب النَّيْسَابُورِي فِي الْأَمِير أبي الْفضل الميكالي
(2/301)

(رأيتُ عُبيدَ الله يضحكُ معطياًُ ... ويبكي أخُوهُ الغيثُ عِنْد عطائهِ)
(وَكم بينَ ضَحُاكٍ يجُودُ بمالهِ ... وآخَرَ بكَّاءٍ يَجودُ بمائه) // الطَّوِيل //
ولشرف الدّين السنجاري فِي مَعْنَاهُ
(مَا قستُ بالغيث العطايا منكَ إِذْ ... يبكي وتضحك أَنْت إِذْ تُولى النّدَا)
(وَإِذا أَفَاضَ على الْبَريَّة جودُهُ ... مَاء تفيضُ لنا يَمِينك عسجدا) // الْكَامِل //
وَمَا أبدع قَول البديع الهمذاني مَعَ زِيَادَة الْمَعْنى وَالْمُبَالغَة فِي الغلو
(يكادُ يحكيكَ صوبُ الْغَيْث منسكباً ... لَو كَانَ طَلْقَ المحيَّا يمطرُ الذهَبَا)
(والدهرُ لَو لم يخنْ وَالشَّمْس لَو نطقتْ ... والليثُ لَو لم يُصَدْ والبحرُ لَو عذبا) // الْبَسِيط //
وَقَول ابْن بابك يمدح نظام الْملك
(يقولونَ إنّ المزن يحكيك صوبهُ ... مجاملةً هَا قد شهِدت وَغابَا)
(وَكم عزمةٍ عمّ البريةَ بؤسها ... فَهَل نَاب فِيهَا عَن نداك مَنابَا)
(هَمَتْ ذَهَبا فِيهَا يداك عَلَيْهِم ... وضنت يَدَاهُ أَن ترش ذَهَابًا) // الطَّوِيل //
وَقَول ابْن اللبانة فِي الْمُعْتَمد على الله بن عباد
(سألتُ أخاهُ الْبَحْر عنهُ فَقَالَ لِي ... شقيقيَ إِلَّا أَنه الباردُ العذبُ)
(لنا دِيمَتَاً مَاء وَمَال فديمتي ... تَمَاسَكُ أحيانَاً وديمَتُه سَكْبُ)
(إِذا نشأت بَرِّية فلهُ الندَى ... وَإِن نشأت بحريّة فلي السحبُ) // الطَّوِيل //
وَينظر إِلَى مَعَاني مَا مر وَلم يكن بَعيدا مِنْهَا قَول بَعضهم
(يَا عيونَ السَّمَاء دمعُكِ يفنى ... عَن قَريب وَمَا لدمعي فناءُ)
(أَنا أبْكِي طَوْعًا وتبكين كرها ... ودموعي دِماً ودمعك ماءُ) // الْخَفِيف //
(2/302)

وَلم أَقف على تَرْجَمَة الوطواط الشَّاعِر لَكِن رَأَيْت ابْن فضل الله ذكره فِي المسالك فِي معرض تراجم فَاثْبتْ مَا رَأَيْته قَالَ فِي تَرْجَمَة الشَّمْس بن دانيال إِنَّه كَانَ بَينه وَبَين الوطواط مَا يكون بَين الأدباء ويدب بَين الأحباء فعرضت للوطواط رمدة تكدر بهَا صفيحه وتكنى لَهُ فِيهَا صَرِيحه فَقيل لَهُ لَو طلبت ابْن دانيال فَقَالَ ذَاك لَا يسمح بذرة يَعْنِي من كحله فَبلغ ابْن دانيال فَقَالَ فِي ذَلِك
(وَلم أَقطع الوطواط بُخْلاً بِكَحْلِهِ ... وَلَا أَنا من يعييه يَوْمًا تردد)
(وَلكنه ينبو عَن الشَّمْس طرفه ... فَكيف بِهِ لي قدرَة وَهُوَ أرمد) // الطَّوِيل //
وَقَالَ فِي تَرْجَمَة شَافِع بن عَليّ بن عَبَّاس الْكَاتِب وَمن قَوْله فِي الوطواط الشَّاعِر
(كم على دِرْهَم يلوح حَرَامًا ... يَا لئيم الطباع سرّاً تواطى)
(دَائِما فِي الظلام تمشي مَعَ النَّاس ... وهذي عوائد الوطواط) // الْخَفِيف //
وَقَوله فِيهِ
(قَالُوا نرى الوطواط فِي شدَّة ... من تَعب الكد وَمن ويل)
(فَقلت هَذَا دأبه دَائِما ... يسْعَى من اللَّيْل إِلَى اللَّيْل) // السَّرِيع //
ثمَّ إِنِّي رَأَيْت المرحوم الْجلَال السُّيُوطِيّ ذكره فِي طَبَقَات النُّحَاة فَقَالَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الْجَلِيل بن عبد الْملك بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن يحيى بن مرْدَوَيْه بن سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ
(2/303)

الْمَعْرُوف بالرشيد الوطواط قَالَ ياقوت كَانَ من نَوَادِر الزَّمَان وعجائبه وأفراد الدَّهْر وغرائبه أفضل أهل زَمَانه فِي النّظم والنثر وَأعلم النَّاس بدقائق كَلَام الْعَرَب وأسرار النَّحْو وَالْأَدب طَار فِي الْآفَاق صيته وَسَار فِي الأقاليم ذكره وَكَانَ ينشئ فِي حَالَة وَاحِدَة بَيْتا بِالْعَرَبِيَّةِ من بَحر وبيتاً بِالْفَارِسِيَّةِ من آخر ويمليها مَعًا وَله من التصانيف حدائق السحر فِي دقائق الشّعْر أَسْفَاره رِسَالَة بالعربي ورسالة بالفارسي وَغير ذَلِك مولده ببلخ وَمَات بخوارزم سنة ثَلَاث وَسبعين وَخَمْسمِائة
فَتبين بِهَذَا أَن الَّذِي ذَكرْنَاهُ أَولا لَيْسَ هُوَ
وَمن رسائله مَا كتبه إِلَى الْعَلامَة جَار الله الزَّمَخْشَرِيّ ليستأذنه فِي حُضُور مَجْلِسه والاستفادات من سؤالاته
(لقد حَاز جَار الله دَامَ جماله ... فَضَائِل فِيهَا لَا يشق غُبَاره)
(تجدّدَ رسم الْفضل بعد اندراسه ... بأيام جَار الله فَالله جَاره) // الطَّوِيل //
أَنا مُنْذُ لفظتي الأقدار من أوطاني ومعاهد أَهلِي وجيراني إِلَى هَذِه الخطة الَّتِي هِيَ الْيَوْم بمَكَان جَار الله أدام الله جماله جنَّة للكرام وجنة من نكبات الْأَيَّام كَانَت قصوى منيتي وقصارى بغيتي أَن أكون أحد الملازمين لسدته الشَّرِيفَة الَّتِي هِيَ مجثم السِّيَادَة ومقبل أَفْوَاه السَّادة فَمن ألْقى بهَا عَصَاهُ حَاز فِي الدَّاريْنِ مناه ونال فِي المحلين مبتغاه وَلَكِن سوء التَّقْصِير أَو مَانع التَّقْدِير حرمني مُدَّة تِلْكَ الْخدمَة وَحرم تِلْكَ النِّعْمَة والآن أَظن وَظن الْمُؤمن لَا يُخطئ أَن آفل جدي هم بالإشراق وذابل إيراقي
(2/304)

تحرّك للإيراق فقد أجد فِي نَفسِي نورا مجددا يهديني إِلَى جنته وَمن شوق دَاعيا موفقاً يدعوني إِلَى عتبته ويقرع سَمْعِي كل سَاعَة لِسَان الدولة أَن اخلع نعلك واطرح بالواد الْمُقَدّس رحلك وَلَا تحفل بِقصد قَاصد وحسد حَاسِد فَإِن حَضْرَة جَار الله أوسع من أَن تضيق على رَاغِب فِي فَوَائده وَأكْرم من أَن تستثقل وَطْأَة طَالب لعوائده وَمَعَ هَذَا أَرْجُو إِشَارَة تصدر عَن مَجْلِسه المحروس إِمَّا بِخَطِّهِ الشريف فَإِن فِي ذَلِك شرفاً لي يَدُوم مدى الدَّهْر وَالْأَيَّام وفخراً يبْقى على مر الشُّهُور والأعوام وَإِمَّا على لِسَان من يوثق بِصدق مقَالَته ويعتمد على تَبْلِيغ رسَالَته من المنخرطين فِي سلك خدمته والراتعين فِي رياض نعْمَته ورأيه فِي ذَلِك أَعلَى وأصوب
وَكتب إِلَيْهِ يهنئه بالعيد الأعياد عرف الله سيدنَا جَار الله بركَة قدومها وورودها وَجعل لَهُ الْحَظ الْأَكْمَل والقسط الأجزل من ميامنها وسعودها فرائد قلائد الْأَيَّام وغرر جبهات الأعوام لَكِنَّهَا رَاحِلَة لَا تقوم وزائلة لَا تدوم ولقاء جَار الله أدام الله مجده لنا معشر خدمه والمرتضعين در فَضله وَكَرمه عيدٌ لَا زَالَ الْعِيد لَهُ كتصحيفه بَاقِيَة محاسنه دائمة ميامنه يهدي كل سَاعَة إِلَى أبصارنا نورا وَإِلَى أَرْوَاحنَا رَاحَة وسروراً فَكيف نهنئ عيداً هَذِه حَاله بعيد لَا يُؤمن زَوَاله
(2/305)

(أَتَى العيدُ جارَ الله وَهُوَ مجدّدٌ ... بخدمته عهدَ الْمُهَيْمِن تجديداً)
(فلستُ بعيدٍ لَا يدومُ مهنئاً ... لصدر محياه يدومُ لنا عيدا) // الطَّوِيل //
127 - (وَلَا يقيمُ على ضَيْمٍ يرادُ بهِ ... إِلَّا الأذلان غير الْحَيّ والْوَتِدُ)
(هَذَا على الخسفِ مربوطٌ برُمَّتِهِ ... وذَا يُشجُّ فَلَا يَرْثِي لهُ أحدُ)
البيتان من الْبَسِيط وقائلهما المتلمس من أَبْيَات وَهِي
(إنَّ الهوَانَ حمارُ الْأَهْل يعرفهُ ... وَالْحر ينكرهُ والرسلة الأجدُ)
(كونُوا كَسَامَة إِذْ ضنك منازلهُ ... إِذْ قيل جيشٌ وجيشٌ حافظٌ عتدُ)
(شدَّ المطية بالأنْسَاعِ فانْحَرَفَتْ ... عَرض التَّنُوفَةِ حَتَّى مَسهَا النَّجَدُ)
(كونُوا كبكر كَمَا قد كَانَ أولكم ... وَلَا تَكُونُوا كَعبد الْقَيْس إِذْ قعدُوا)
(يُعْطُونَ مَا سئلوا والبحرُ محتدُهم ... كَمَا أكبَّ على ذِي بَطْنِهِ الفهد) // الْبَسِيط //
(2/306)

وَبعده البيتان وبعدهما قَوْله
(وَفِي الْبِلَاد إِذا مَا خِفْتَ ثائرة ... مَشْهُودَة عَن وُلاة السوء تنتقدُ)
والضيم الظُّلم وَالْعير بِفَتْح الْمُهْملَة الْحمار وَغلب على الوحشي وَالْمُنَاسِب هُنَا الأهلي والخسف النقيصة والإذلال تحميل الْإِنْسَان مَا يكره وَحبس الدَّابَّة بِلَا علف والرمة بِضَم الرَّاء وتكسر قِطْعَة من حَبل والشج الْكسر والدق وَالِاسْتِثْنَاء فِي إِلَّا الأذلان اسْتثِْنَاء مفرغ وَقد أسْند إِلَيْهِ فعل الْإِقَامَة فِي الظَّاهِر وَإِن كَانَ مُسْندًا فِي الْحَقِيقَة إِلَى الْعَام الْمَحْذُوف
وَالشَّاهِد فيهمَا التَّقْسِيم وَهُوَ ذكر مُتَعَدد ثمَّ إِضَافَة مَا لكل إِلَيْهِ على التَّعْيِين فَإِنَّهُ ذكر العير والوتد ثمَّ أضَاف إِلَى الأول الرَّبْط مَعَ الْخَسْف وَإِلَى الثَّانِي الشج على التَّعْيِين
وَمِمَّا ورد فِي التَّقْسِيم قَول زُهَيْر بن أبي سلمى السَّابِق فِي شَوَاهِد الإيجاز والإطناب
(وَأعلم علم الْيَوْم والأمْس قبلهُ ... ولكنني عَن علم مَا فِي غَدِ عَمِي) // الطَّوِيل //
وَقد نقل أَبُو نواس هَذَا التَّقْسِيم من الْجد إِلَى الْهزْل فَقَالَ
(أمرُ غدٍ أنتَ منهُ فِي لَبْسِ ... وأمس قد فاتَ فالهُ عَن أمْسِ)
(وَإِنَّمَا الشأنُ شأنُ يَوْمك َذَا ... فبَاكِر الشَّمْس بابنةِ الشمسِ) // المنسرح //
وَقد نَقله بَعضهم أَيْضا فَقَالَ
(تمتّع من الدُّنْيَا بِساعتكَ الَّتِي ... ظفرتَ بهَا مَا لم تَعُقْكَ العوائقُ)
(2/307)

(فَلَا يومكَ الْمَاضِي عليكَ بعائدٍ ... وَلَا يومكَ الْآتِي بِهِ أَنْت واثق) // الطَّوِيل //
وَمن التَّقْسِيم قَول بشار بن برد
(وراحوا فريقٌ فِي الإسَارِ ومثلهُ ... قتيلٌ ومثلٌ لَاذَ بالبحر هاربه) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول الصفي الْحلِيّ
(أفنى جيوش العدا غزواً فلست ترى ... سوى قتيلٍ ومأسورٍ ومنهزم) // الْبَسِيط //
وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول عمر بن الْأَيْهَم
(اشربا مَا شربتما فَهُدَيلٌ ... من قتيلٍ أَو هاربٍ أَو أَسِير) // الْخَفِيف //
وَمِنْه وَزعم قومٌ أَنه أفضل بَيت وَقع فِيهِ تَقْسِيم قَول نصيب
(فقالَ فريقُ الْقَوْم لاَ وفريقهم ... نعم وفريقٌ أيمنُ الله مَا نَدْرِي) // الطَّوِيل //
وَزعم أَبُو العيناء أَن خير تَقْسِيم قَول عمر بن أبي ربيعَة
(تهيمُ إِلَى نعم فَلَا الشملُ جامعٌ ... وَلَا الحبلُ موصولٌ وَلَا القلبُ مُقْصِرُ)
(وَلَا قربُ نعم إِن دَنت لكَ نافعٌ ... وَلَا نأيها يُسْلِي وَلَا أَنْت تصبر) // الطَّوِيل //
وَاخْتَارَ آخَرُونَ قَول الحاركي وَقَالُوا إِنَّه أفضل
(فَلَا كمدى يفني وَلَا لَكِ رقةٌ ... وَلَا عَنْك إقصارٌ وَلَا فيكِ مطمعُ) // الطَّوِيل //
وبديع قَول الْأَمِير السُّلَيْمَانِي
(وصلتَ فَلَمَّا أَن مَلَكْتَ حُشَاشتي ... هجرت فجد وَارْحَمْ فقد مسني الضرُّ)
(فليت الَّذِي قد كَانَ لي منكَ لم يكن ... وليتكَ لَا وصلٌ لديكَ وَلَا هجرُ)
(فَلَا عَبْرَتِي ترقَا وَلَا فيكَ رقة ... وَلَا مِنْك إِلْمَام وَلَا عنكَ لي صَبر) // الطَّوِيل //
وَقد ألم بِنَحْوِ هَذَا التَّقْسِيم الشهَاب مَحْمُود حَيْثُ قَالَ
(وَإِنِّي لفي نَظَرِي نحوهَا ... وَقد ودَّعَتْنِي قُبَيْلَ الفراقِ)
(وَلَا صبرَ لي فأطيقَ الْهوى ... وَلَا طمعٌ إِن نأت فِي اللحاق)
(2/308)

(وَلَا أملٌ يرتَجى فِي الرُّجُوع ... وَلَا حكم فِي ردّ تِلْكَ النياقِ)
(كمُضْنيً يودّعُ رُوحاً غَدَتْ ... يَراها على رغمه فِي السِّيَاق) // المتقارب //
وَمن مليح التَّقْسِيم قَول دَاوُد بن مُسلم
(فِي بَاعه طولٌ وَفِي وجههِ ... نورٌ وَفِي العِرْنِينِ منهُ شمم) // السَّرِيع //
وَكَانَ مُحَمَّد بن مُوسَى المنجم يحب التَّقْسِيم فِي الشّعْر وَكَانَ معجباً بقول الْعَبَّاس ابْن الْأَحْنَف
(وصالكم صرمٌ وحبكم قِلاً ... وعطفكم صد وسلمكم حَرْب) // الطَّوِيل //
وَيَقُول أحسن وَالله فِيمَا قسم حَيْثُ جعل حِيَال كل شَيْء ضِدّه وَالله إِن هَذَا التَّقْسِيم لأحسن من تقسيمات إقليدس
وَمن جيد التَّقْسِيم قَول أبي تَمام
(فَمَا هُوَ إِلاَّ الْوَحْي أوحدُّ مرهفٍ ... تميلُ ظبَاهُ الحدَّ عَن كل مائلِ)
(فَهَذَا دواءُ الدَّاء من كل عالمٍ ... وَهَذَا دواءُ الدَّاء من كل جاهلِ) // الطَّوِيل //
وَذكر الجاحظ أَن قُتَيْبَة بن مُسلم لما قدم خُرَاسَان خطب النَّاس فَقَالَ من كَانَ فِي يَده من مَال عبد الله بن حَازِم شيءٌ فلينبذه وَإِن كَانَ فِي فَمه فليلفظه وَإِن كَانَ فِي صَدره فلينفثه قَالَ فَعجب النَّاس من حسن مَا فصل وَقسم
ووقف أَعْرَابِي على حَلقَة الْحسن فَقَالَ رحم الله من تصدق من سَعَة أَو واسى من كفاف أَو آثر من قوت
وَلَقَد أَجَاد ابْن حيوس فِي التَّقْسِيم بقوله
(ثمانيةٌ لم تَفْتَرِق مُذْ جمعتها ... فَلَا افْتَرَقت مَا ذبَّ عَن ناظرٍ شَفْرُ)
(ضَميرُك وَالتَّقوى وكفك والندى ... ولفظك وَالْمعْنَى وسيفك والنصر) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول أبي ربيعَة المَخْزُومِي
(وهَبْهَا كشيء لم يكن أَو كنازح ... عَنِ الدَّار أَو من غيبته الْمَقَابِر) // الطَّوِيل //
(2/309)

وَعَجِيب هُنَا قَول أبي تَمام فِي مَجُوسِيّ أحرق فِي النَّار
(صَلَّى لَهَا حيّاً وَكَانَ وقودَها ... مَيتا ويدخلها مَعَ الفجّارِ) // الْكَامِل //
وَمَا أعذب قَول الشَّيْخ شرف الدّين بن الفارض
(يَقُولُونَ لي صِفْهَا فأنتَ بوصفها ... خبيرٌ أجلْ عِنْدِي بأوصافها علمُ)
(صفاءٌ وَلَا ماءٌ ولُطْفٌ وَلَا هوَى ... ونورٌ وَلَا نَار وروحٌ وَلَا جسم) // الطَّوِيل //
وَقَول مُحَمَّد بن دراج القسطلي وأجاد
(عطاءٌ بِلَا منّ وَحكم بِلَا هوَى ... وَملك بِلَا كبرٍ وعزٌّ بِلَا عجب) // الطَّوِيل //
وَقَول الآخر أَيْضا
(بَنِي جعفرٍ أَنْتُم سَمَاء رياسةٍ ... مناقِبكمْ فِي أُفقها أنجمٌ زهرُ)
(طريقتكمْ مثلى وهديكمُ رِضىً ... ومذهبكم قصدٌ ونائلكم غَمْرُ)
(عطاءٌ وَلَا منٌّ وحكمٌ وَلَا هوى ... وحلمٌ وَلَا عجزٌ وعزٌ وَلَا كبرُ) // الطَّوِيل //
وبديع قَول بَعضهم أَيْضا
(قوسٌ وَلَا وتَرٌ سهمٌ وَلَا قودٌ ... عينٌ وَلَا نظر نحلٌ وَلا عسلُ) // الْبَسِيط //
وَقَول بَعضهم أَيْضا
(تسربْلَ وَشْياً من خُزُوزٍ تطرَّزتْ ... مطارفهَا طرزاً من الْبَرْق كالتبرِ)
(فوشْيٌ بِلَا رقمٍ ورقمٌ بِلَا يدٍ ... ودمعٌ بِلَا عينٍ وضحكٌ بِلَا ثغر) // الطَّوِيل //
وَقَول الرستمي
(فَتى خازرق المجدِ من كل جانبٍ ... إليهِ وخَلَّى كاهلَ الشكرِ ذَا ثُقْلٍ)
(بِعَفْوٍ بِلَا كدٍّ وصفوٍ بِلَا قَذىً ... ونقدٍ بِلَا وعدٍ ووعدٍ بِلَا مطل) // الطَّوِيل //
وَمَا أشرف قَول ابْن شرف
(لمختلفي الحاجاتِ جمعٌ ببَابهِ ... فَهَذَا لهُ فنٌّ وَهَذَا لهُ فنُّ)
(فللخامل العليَا وللمعدمٍ الغنىَ ... وللمذنبِ الْعُتْبِي وللخائف الْأَمْن) // الطَّوِيل //
(2/310)

وَقَول بَعضهم أَيْضا
(نرجو سُلُوا فِي رسُومٍ بَيْنها الأغصانُ ... سكْرَى والحمامُ مُتَيَّمُ)
(هَذِي تميلُ إِذا تَنَسَّمَتِ الصِّبَا ... والوُرقُ تذكُرُ شَجْوَها فترَنَّمُ) // الْكَامِل //
وَلابْن جَابر الأندلسي
(لقد عَطَفَتني على حُبِّهَا ... بوَجْهٍ تبدَّى على عَطْفِهِ)
(فَهَذَا هُوَ البدرُ فِي أُفْقِهِ ... وَهَذَا هُوَ الغُصْنُ فِي حِقْفِهِ) // المتقارب //
وَلأبي الْحُسَيْن الجزار
(وزيرٌ مَا تَقَلَد قطُّ وزْرَاً ... وَلَا داناهُ فِي مَثْوَى أنامُ)
(وجُلُّ فعالهِ صاداتُ برّ ... صِلاَتٌ أَو صَلاَةٌ أَو صِيَام) // الوافر //
ولشيخ شُيُوخ حماة
(لنا مَلِكٌ واجدٌ مَا اشْتَهَى ... ولكنهُ لم يجِدْ مثلَهُ)
(ملاذي بِهِ ومثولي لديهِ ... ومَيْلي إِلَيْهِ ومدحي لَهُ) // المتقارب //
وَمثله قَول بَعضهم مجونا
(وبديعُ الجمالِ مُعتَدِلُ الْقَامَة ... كالغصنِ حنَّ قلبِي إليهِ)
(أشتهى أَن يكونَ عنْدِي وَفِي بَيْتي وبَعْضي فيهِ وكلي عَلَيْهِ ... ) // الْخَفِيف //
وَمن المضحك فِيهِ قَول السراج الْوراق
(رأتْ حَالي وقَدْ حالَتْ ... وَقد غال الصِّبَا فَوْتُ)
(فَقَالَتْ إِذْ تَشاجَرْنا ... وَلم يُخْفَضْ لنا صَوْتُ)
(أشيخ مفلسٌ يهْوَى ... ويَعْشَقُ فاتكَ الفَوْتُ)
(فَلَا خيرٌ وَلَا ميرٌ ... وَلَا إيرٌ فَذا موت) // من مجزوء الوافر //
ولطيف قَول بَعضهم
(2/311)

(وَفِي أَربع منِّي حَلَتْ منكَ أرْبَعٌ ... فَمَا منهُ أَدْرِي أيُّها هاجَ لي كربي)
(أوجهنك فِي عَيْني أم الرِّيقُ فِي فمي ... أم النُّطْق فِي سمْعي أم الحُبُّ فِي قلبِي) // الطَّوِيل //
وَقد سمع يَعْقُوب بن إِسْحَاق الْكِنْدِيّ هَذَا فَقَالَ هُوَ تَقْسِيم فلسفي وَقد أَخذه الحمايني الْعلوِي فَجعله خَمْسَة فَقَالَ
(وَفِي خمسَةٍ مني حَلَتْ مِنْك خمسَةٌ ... فريقكَ مِنْهَا فِي فمي طَيِّبُ الرَّشْف)
(ووجهكَ فِي عَيْني ولمسكَ فِي يَدي ... ونُطْقكَ فِي سَمْعِي وعَرْفُك فِي أنفي) // الطَّوِيل //
والمتلمس أُسَمِّهِ جرير بن عبد الْمَسِيح الضبعِي وَهُوَ أحد الثَّلَاثَة المقلين الَّذين اتّفق الْعلمَاء بالشعر على أَنه أشعرهم وهم المتلمس وَالْمُسَيب بن علس وحصين بن الْحمام ولقب بالمتلمس لقَوْله
(وذاكَ أوانُ العِرْض طَنَّ ذبابُهُ ... زنابيرُهُ والأزرق المتلمس) // الطَّوِيل //
وَكَانَ هُوَ وطرفة بن العَبْد يتنادمان مَعَ عَمْرو بن هِنْد ملك الْحيرَة وَكَانَ سيء الْخلق شديده وَكَانَ قد حرق من تَمِيم مائَة رجل فهجوه وَكَانَ مِمَّا هجاه بِهِ المتلمس قَوْله
(إِن الخيانَةَ والمغَالةَ والخنا ... والغَدْرَ نترُكه ببَلَدةِ مُفْسِدِ)
(2/312)

(ملكٌ يلاعبُ أمهُ وقَطينَهَا ... رِخْوُ المفاصل بطْنُهُ كالمزْوَدِ)
(فَإِذا حَللتُ فَدُونَ بَيْتِي غَارةٌ ... فابرُقْ بأرْضِك مَا بدا لَك وأرعد) // الْكَامِل //
وهجاه طرفَة بِمَا تقدم فِي تَرْجَمته فِي شَاهد التَّكْمِيل فاستحيا أَن يقتلهما بِحَضْرَتِهِ وَبَينه وَبَينهمَا إدلال المنادمة فَكتب لَهما صحيفتين وختمهما لِئَلَّا يعلمَا مَا فيهمَا وَهُوَ أول من ختم الْكتاب وَقَالَ لَهما اذْهَبَا إِلَى عَامِلِي بِالْبَحْرَيْنِ فقد أَمرته أَن يصلكما بالجوائز فذهبا فمرا فِي طريقهما بشيخ يحدث وَيَأْكُل من خبز بِيَدِهِ ويتناول الْقمل من ثِيَابه فيقصعه فَقَالَ المتلمس مَا رَأَيْت شَيخا كَالْيَوْمِ أَحمَق من هَذَا فَقَالَ الشَّيْخ مَا رَأَيْت من حمقي أخرج الدَّاء وَأدْخل الدَّوَاء وأقتل الْأَعْدَاء ويروى أطرح خبيثاً وَأدْخل طيبا وأقتل عدوا أَحمَق وَالله مني من يحمل حتفه بِيَدِهِ فاستراب المتلمس بقوله فطلع عَلَيْهِمَا غُلَام من أهل الْحيرَة من كتاب الْعَرَب فَقَالَ لَهُ المتلمس أَتَقْرَأُ يَا غُلَام قَالَ نعم ففك حِينَئِذٍ الصَّحِيفَة فَإِذا فِيهَا إِذا أَتَاك المتلمس فاقطع يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وادفنه حَيا فَقَالَ لطرفة ادْفَعْ إِلَيْهِ صحيفتك فَإِن فِيهَا مثل هَذَا فَقَالَ طرفَة كلا لم يكن ليجترىء عَليّ وَكَانَ غراً صَغِير السن فقذف المتلمس بصحيفته فِي نهر الْحيرَة وَقَالَ
(قَذَفْتُ بهَا بالثني من جَنْبِ كافرٍ ... كَذَلِك أفتى كلَّ قِطٍّ مُضَلّلٍ)
(2/313)

4 - (رضيتُ بهَا لما رأيْتُ مدادها ... يجولُ بِهِ التيارُ فِي كل جدول) // الطَّوِيل //
وَأخذ نَحْو الشَّام وَقَالَ
(ألْقَي الصحيفَة كي يخفِّفَ رَحْلهُ ... والزَّادَ حَتَّى نعْلُه أَلْقَاهَا) // الْكَامِل //
يُرِيد أَنه تخفف للفرار وَألقى مَا يثقل وَمَا لَا بُد للسَّفر مِنْهُ
وَأما طرفَة فَإِنَّهُ وصل الى الْبَحْرين وَقتل كَمَا مر فِي تَرْجَمته وَهلك المتلمس فِي الْجَاهِلِيَّة وَقَالَ ابْن فضل الله فِي حَقه هُوَ رجل نبيه الذّكر مَعْرُوف بِصِحَّة الْفِكر وَهُوَ الَّذِي يضْرب الْمثل بصحيفته وَمن شعره
(ألم تَرَ أَن المرْءَ رَهْنُ مَنيةٍ ... صَرِيعاً لعافي الطّيرِ أَو سَوْفَ يرْمَسُ)
(فَلَا تقبلَنْ ضَيماً حِذاَر منيةٍ ... ومُوتَنْ بهَا خُرَّاً وجلدُك أملسُ)
(فَمن حذر الأوتار مَا حزَّ أنفهُ ... قصيرٌ وخاض الموْت بِالسَّيْفِ بيهسُ)
(وَمَا النَّاس إِلَّا مَا رأوْا وتحدثوا ... وَمَا الْعَجز إِلَّا أَن يُضاموا فيجلسوا)
(فَاتَ تُقْبِلوا بالود نُقْبِلْ بِمثلِهِ ... وإلاّ فَإنَّا نَحن آبى وأشمسُ) // الطَّوِيل //
وَمن شعره أَيْضا
(تعيرني أُمِّي رجال وَلَا أرى ... أَخا كَرَمٍ إِلَّا بِأَن يتكرما)
(2/314)

(أحارِثُ إنَّا لَو تُسَاط دماؤُنا ... تزَيَّلْنَ حَتَّى لَا يمسَّ دمٌ دَمًا)
(لذِي الْحلم قبل الْيَوْم مَا تُقْرَعُ الْعَصَا ... وَمَا عُلِّمَ الإنسانُ إِلَّا ليعلْمَا)
(وَمَا كُنتُ إِلَّا مثلَ قَاطع كفهِ ... بكَفٍّ لَهُ أُخْرَى فَأصْبح أجْذَما)
(يَدَاهُ أصابَتْ هَذِه حتْفَ هَذِه ... فَلم تجدِ الْأُخْرَى عَلَيْهَا مُقَدَّما)
(فأطْرَقَ إطراقَ الشُّجَاعِ وَلَو يرى ... مسَاغاً لنابهِ الشُّجاعُ لصممَا)
(إِذَا مَا أديمُ القومِ أنَهَجهُ البِلَى ... تفرِّي وَإِن كَتَّبْتَهُ وتخرما) // الطَّوِيل //
وَمِمَّا يتَمَثَّل بِهِ من شعره قَوْله
(وَأعلم عِلم حق غير ظنٍّ ... لَتقوَى اللهِ مِنْ خير العَتادِ)
(وَحِفظُ المالِ خيرٌ مِن ضَياع ... وضَرْبٍ فِي البِلاَد بِغَيْر زادِ)
(وإصلاَحُ القَليلِ يَزيدُ فيهِ ... وَلَا يبْقى الْكثير مَعَ الْفساد) // الوافر //
وَهَذِه الأبيات من قصيدة لَهُ مطْلعهَا
(صَبَا من بَعدِ سلوتِهِ فُؤادي ... وأسمَحَ للقَرِينةِ بِالقيادِ)
وَقد ضمنه بَعضهم فِي الهجاء فَقَالَ
(يُحصِّنُ زادهُ عَن كلِّ ضِرْس ... ويُعملُ ضِرسَهُ فِي كلِّ زَاد)
(وَلَا يَرْوى منَ الأشعارِ شَيْئا ... سِوى بيتٍ لأبْرَهة الإِيادي)
(قليلُ المالِ تُصلحُهُ فَيبقى ... وَلَا يبْقى الْكثير مَعَ الْفساد) // الوافر //
(2/315)

وَشطر هَذَا الْبَيْت رِوَايَة فِي شطر الْبَيْت السَّابِق وَأَخذه ابْن وَكِيع فَقَالَ
(مالٌ يخلفُهُ الْفَتى ... للشامتينَ منَ العِدَا)
(خيرٌ لَهُ مِنْ قَصْده ... إخوانهُ مُستَرْفدا) // من مجزوء الْكَامِل //
وَيُقَال إِن حاتماً الطَّائِي لما سمع قَول المتلمس هَذَا قَالَ مَاله قطع الله لِسَانه يحمل النَّاس على الْبُخْل والتباخل أَلا كَانَ يَقُول
(وَمَا البذْلُ يُفني المالَ قبلَ فنائهِ ... وَلَا البُخلُ فِي مَال الشحيح يَزيدُ)
(فلاَ تلتَمسْ فَقْراً بِعيْش فإِنهُ ... لكلِّ غدٍ رزْقٌ يَعُودُ جديدُ)
(ألم تَدْر أنَّ المالَ غادٍ ورَائحٌ ... وأنَّ الَّذِي يُعطيك لَيْسَ يبيدُ) // الطَّوِيل //
انْتهى
وَقد قَالَ البلغاء فِي معنى الأول إِن فِي إصْلَاح مَالك جمال وَجهك وَبَقَاء عزك ونقاء عرضك وسلامة دينك وَطيب عيشك وَبِنَاء مجدك فأصلحه إِن أردْت هَذَا كُله وَفِي الْمثل احفظ مَا فِي الْوِعَاء بشد الوكاء يضْرب فِي الْحَث على أَخذ الْأَمر بالحزم وَقيل من أصلح مَاله فقد صان الأكرمين الدّين وَالْعرض وَقيل التَّدْبِير يُثمر التَّيْسِير والتبذير يبرد الْكثير وَلَا جود مَعَ تبذير وَلَا بخل مَعَ اقتصاد والاعتدال فِي الْجُود أحسن من الاعتداء على الْمَوْجُود والرزق مقسوم مَحْدُود فمرزوق ومحدود وَالله أعلم بالوجود
قد تمّ بِحَمْد الله تَعَالَى وعونه الْجُزْء الثَّانِي من معاهد التَّنْصِيص ويليه إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْجُزْء الثَّالِث مفتتحا بشواهد الْجمع مَعَ التَّفْرِيق نَسْأَلهُ سُبْحَانَهُ الْإِعَانَة على إكماله والتوقيق إِلَى إِتْمَامه
(2/316)