Advertisement

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء 002

الجزء الثانى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحدّ الثاني عشر في الإخوانيّات
(1) حدود الأخوّة
سئل بعضهم عن الأخوة فقال: هي الموافقة في التشاكل. وقال إبراهيم الموصلي: قلت لاسباط الشيباني: صف لي الأخوّة وأوجز فقال: أغصان تغرس في القلوب فتثمر على قدر العقول.
قيل لبعض الحكماء: ما الأصدقاء؟ قال: نفس واحدة في أجساد متفرقة.
* الترغيب في اقتناء الإخوان
قال أمير المؤمنين رضي الله عنه: عليكم باقتناء الإخوان فهم عدّة في الدين والدنيا. ألا ترى إلى قول الله عزّ وجل في حكاية عن أهل النار في النار: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ
«1» .
قيل أغبط الناس من لا يزال رحله من صالح الإخوان موطأ، وقيل: المرء كثير بأخيه. وقيل لأبقراط «2» : ما أفضل ما يقتني الإنسان؟ فقال: الصديق المخلص، وقال عمرو بن إبراهيم:
إن السرور إذا بلغ ... ت بوصفه كنه النّهايه «3»
خلّ تؤانسه ودو ... د والرّجوع إلى الكفايه
قال شاعر:
أخاك أخاك إنّ من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح «4»
(2/5)

وقد أحسن الذي قال: إن الأخ الصالح خير لك من نفسك لأن النفس أمارة بالسوء والأخ لا يأمرك إلا بالخير.
* الحثّ على الإكثار منهم
قال محمود الوراق:
تكثّر من الإخوان ما استطعت إنهم ... عماد إذا استنجدتهم وظهور «1»
فما بكثير ألف خلّ وصاحب ... وإنّ عدوّا واحدا لكثير
* تفضيل الصديق على النسيب
قيل لعبد الله ابن المقفع «2» : أصديقك أحب إليك أم نسيبك؟ فقال: إنما أحب النسيب إذا كان صديقا. وقال: الأخ نسيب الجسم والصديق نسيب الروح. قال أبو فراس:
نسيبك من ناسبت بالودّ قلبه ... وجارك من صافيته لا المصاقب «3»
وقال آخر:
أخو ثقة يسير بحسن حال ... وإن لم تدنه منّي قرابه
أحبّ إليّ من ألفي قريب ... تبيت صدورهم لي مسترابه «4»
قال بعضهم: الصديق الموافق خير من الشقيق المنافق.
قال بشّار «5» :
يخونك ذو القربى مرارا وربّما ... وفى لك عند الجهل من لا تقاربه «6»
وفي المثل: ربّ أخ لك لم تلده أمّك.
(2/6)

* إجراء الصديق مجرى الشقيق
قال أبو تمّام «1» :
وإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيّهما ذوو الأرحام
وقال رجل من خثعم «2» :
ذو الود منّي وذو القربى بمنزلة ... وإخوتي أسوة عندي وإخواني «3»
* مدح مصاحبة الأخيار وتجنب الأشرار
قيل: صحبة الأخيار تورث الخير وصحبة الأشرار تورث الشرّ، كالريح إذا مرّت على النتن حملت نتنا وإذا مرّت على الطّيب حملت طيبا.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: مثل الجليس الصالح كمثل الذي إن لا يجدك من عطره يعلقك من ريحه. ومثل الجليس السوء كمثل التّبن إن لم يحرقك بشرره يؤذك بدخانه.
* الحثّ على مصاحبة من ينتفع به
قيل: لا تصاحب إلا رجلا ترجو نواله أو تخاف يده أو تستفيد من علمه أو ترجو بركة دعائه. وقال أبو جعفر بن محمد: عليك بصحبة من إن صحبته زانك، وإن خدمته صانك، وإن نزلت حاجة ما بك أعانك، وإن سألته أعطاك، وإن تركته بداك، إن رأى حسنة أظهرها أو سيئة سترها.
وقال بعض من سمع ذلك لابن عيينة: ما أراه إلا أمره أن لا يصحب أحدا، فقال:
بلى إنه أدرك الناس وهذه الأخلاق فيهم، فأوصى بقدر ما عرف.
* كون الإنسان مصاحبا شكله
«4» قال النبي صلّى الله عليه وسلم: المرء على دين خليله فلينظر امرؤ من يخالل. وقال إياس: قدمنا بلدكم فعرفنا خياركم من شراركم في يومين. قيل له: كيف؟ قال: كان معنا خيار وشرار فلحق خيارنا بخياركم، وشرارنا بشراركم، فألّف كل شكله. قال شاعر:
وكلّ امرئ يصبو إلى من يجانس
وقال آخر:
فإنّما الناس أشكال وألّاف
(2/7)

وقيل: اغلب المحبة ما كان عن تشاكل. بالمشاكلة دوام المواصلة. قال شاعر:
ولا يصحب الإنسان إلا نظيره ... وإن لم يكونا من قبيل ولا بلد
ومما يؤكد ذلك:
وإنّ البزاة البيض لا تألف القطا «1»
وقال آخر:
لكلّ امرئ شكل من الناس مثله ... وأكثرهم شكلا أقلّهم عملا
وقيل: الشدّ بالقد أهون من مصاحبة الضدّ.
* اعتبار المرء بإخوانه وأنّ من يصاحب صاحبا ينسب إليه
قال شاعر:
ومن يصاحب صاحبا ... ينسب إلى مستصحبه
وربما عرّ صحي ... حا جرب بجربه
وأخذ جماعة من اللصوص فقال أحدهم: أنا كنت مغنيا لهم فقيل له: غنّ، فغنّى:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدى «2»
قيل له: صدقت وأمر بقتله. قال شاعر:
يقاس المرء بالمر ... ء إذا ما هو ماشاه
وللنّاس على النّا ... س مقاييس وأشباه
وقيل: انظر من تجانس، فقلّ حصاة طرحت مع حصاة إلا أشبهتها. قال مسكويه:
يقولون لي إن الرئيس محمدا ... يؤول إلى رأي كريم المناسب «3»
فقلت دعوني قد عرفت اختياره ... بطلعة منصور وخطّ ابن كاتب
* الحثّ على مصاحبة العقلاء
قيل: جالس العقلاء أعداء كانوا أم أصدقاء، فالعقل يقع على العقل.
وقيل: العاقل بخشونة العيش مع العقلاء أشبه منه بلين العيش مع الجهّال، وقيل: آخ الكريم واسترسل إليه وعليك أن تصحب العاقل وإن لم يكن كريما لتنتفع بعقله، واهرب كل الهرب من اللئيم الأحمق.
وقيل: من صبر مع الأحمق فهو مثله، وقد مضى في فضل العقل باب مثل هذا.
(2/8)

* صنوف الإخوان
قال لقمان: الإخوان ثلاثة: مخالب ومحاسب ومراغب، فالمخالب الذي ينال من معروفك ولا يكافئك، والمحاسب الذي ينيلك بقدر ما يصيب منك، والمراغب الذي يرغب في مواصلتك بغير طمع.
وقال المأمون: الإخوان ثلاثة: أخ كالغذاء لا يحتاج إليه كل وقت، وأخ كالدواء يحتاج إليه أحيانا، وأخ كالداء لا يحتاج إليه أبدا.
* اختبار الصديق عند الغضب
قيل: إذا أردت مصافاة رجل فأغضبه، فإن ملك نفسه فصاحبه، وإلا فلا تصاحبه.
قال الشاعر:
لا تحمدنّ امرأ يرضيك ظاهره ... وأخبر مودّته في العتب والغضب «1»
وقيل: كان بين حاتم طيئ وبين أوس بن حارثة ألطف ما كان بين اثنين. فقال النعمان لجلسائه: لأفسدّن ما بينهما فدخل على أوس، فقال: إن حاتما يزعم أنه أفضل منك، فقال: أبيت اللعن صدق ولو كنت أنا وأهلي وولدي لحاتم لوهبنا في يوم واحد.
وخرج فدخل على حاتم، فقال له: مثل ذلك، فقال: صدق وأين أقع من أوس وله عشرة ذكور دونهم أفضل منّي؟ فقال النعمان: ما رأيت أفضل منكما.
اعتبار من تريد مصادقته بصديقه قبلك
قيل: إذا أردت أن تعرف صاحبا كيف يكون لك، فانظر كيف كان من قبلك، فإن أحمدته فاستخلصه لك وإن ذممته فتنكّبه.
* الأعتبار بالعين والاعتماد على ما في القلب
قيل: اعتبر ما في قلب أخيك بعينه، فالعين عنوان القلب. وقيل: شاهد الحب والبغض اللحظ، فاستنطق العيون تعلم المكنون. قال شاعر:
تقلّب أحوال الفتى في أموره ... تبيّن عمّا تقتضيه ضمائره
وفي لحظ عينيه وفي حركاته ... دليل على ما تحتويه سرائره
قال إسحاق:
ستور الضّمائر مهتوكة ... إذا ما تلاحظت الأعين «2»
(2/9)

وقال ابن بسام «1» :
ألا إنّ عين المرء عنوان قلبه ... تخبّر عن أسراره شاء أم أبى
وقال كشاجم:
ويأبى الذي في القلب ألا تبيّنا ... وكلّ إناء بالذي فيه يرشح «2»
* متابعة الصديق في رشده دون غيّه
استشهد ابن الفرات أيام وزارته علي بن عيسى بغير حقّ، فلم ينصره، فلّما رجع كتب إليه لا تلمني على نكوصي في نصرتك بشهادة زور، فإنه لا بقاء لاتفاق على نفاق ولا وفاء لذي مين واختلاق، وأحرى بمن تعدّى الحق في مسرتك إذا رضي أن يتحرى الباطل في مساءتك إذا غضب، وقد تقدم هذا الخبر. قال شاعر:
ألم تعلمي أنّي إذا الإلف قادني ... إلى الجور لا أنقاد والإلف جائر
ودعا أعرابي فقال: اللهمّ أني أعوذ بك ممّن لا يلتمس خالص مودّتي إلا بالتأتّي لمواقع شهوتي.
* متابعته في غيّه ورشده
قال عروة «3» :
وخلّ كنت عين الرشد منه ... إذا نظرت، ومستمعا سميعا
أطاف بغية فنهيت عنها ... وقلت له أرى أمرا فظيعا
أردت رشاده جهدي فلمّا ... أبى وعصى عصيناه جميعا
قال بشّار:
وما كنت إلا كالزّمان فإن صحا ... صحوت وإن ماق الزمان أموق «4»
قال أحمد بن صالح:
أنا كالمرآة ألقى كلّ وجه بمثاله
وقال رجل لصديقه: ما رأيك في كذا؟ فقال: أنا من غزيّة. يريد أني تابع لك إشارة إلى قول دريد:
وهل أنا إلا من غزيّة إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد «5»
(2/10)

* الحثّ على نصرة الصديق على جميع الأحوال
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: انصر أخاك ظالما أو مظلوما. وقيل: حافظ على الصديق ولو على الحريق.
وقيل: أفضل الكرم أن يكون الرجل عند النائبة أكرم وفاء وأمحض صفاء ولتكن معاونتك أخاك بمهجتك عند البلاء، أكثر منها عند الرخاء.
* مماراة «1» الصّديق والحثّ على تركها
قيل: مع الاختلاف طمع في الائتلاف ورب مخالفة دعت إلى محالفة ومعاسرة «2» تحمل على المعاشرة. وقيل بإحياء الملاطفة تستمال القلوب العارفة. وقيل: إستدم مودّة أخيك بترك الخلاف عليه، ما لم تكن عليك منقصة أو غضاضة. وقال يموت بن مزروع:
سمعت أبي يقول قرأت خمسين ألف بيت وما وقع لي مثل قوله:
وما أنا بالشيء الذي ليس نافعي ... ويغضب منه صاحبي بقؤول
* الأمر بالإغضاء على عيب الصديق
قيل إن جعفرا الصادق كان يقول: لا تفتّش على عيب الصديق، فتبقى بلا صديق.
وأحسن ما قيل في هذا المعنى قول بشّار:
إذا كنت في كلّ الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدا أو صل أخاك فإنّه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه «3»
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأيّ النّاس تصفو مشاربه؟ «4»
وقال آخر:
ومن لا يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتتبع جاهدا كلّ عثرة ... يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب
وقيل: لا يجد رفيقا من لم يزدرد ريقا. وقيل: من عاتب في كل وقت أخاه فجدير أن يملّه ويقلاه «5» . وعلى عكس ذلك قال الشافعي- رحمه الله-: ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته.
(2/11)

* محافظة من يوفى بمحاسنه على مقابحه
قال لقمان: إذا أردت مصاحبة رجل فانظر، فإن كانت محاسنه أكثر فارتبطه، وقال ابن المقفع: إنّ في الناس طبائع أربعا فارتبط من رجحت محاسنه.
وقيل لبزرجمهر: هل صديق لا عيب فيه؟ فقال: الذي لا عيب فيه يجب أن لا يموت. قال شاعر:
وحيث اختبرت النّاس حقّ اختبارهم ... رجعت إلى وصلي وأنت ذميم
ونحوه:
وترجعني إليك وإن نأت بي ... ديار عنك، تجربة الرجال
* الإغضاء على إساءة الصديق المحسن
قال ابن المقفع، وقد بلغه عن رجل شيء يكرهه: ينبغي للرجل أن يكذّب سوء الظن بصديقه ليكون ذا ودّ صحيح وقلب مستريح. قال منصور التيمي:
إذا ما الصّديق أسا مرّة ... وقد كان من قبلها مجملا «1»
حفظت المقدّم من فعله ... ولم يفسد الآخر الأولا
وقيل: احتمل لأخيك ثلاثة: الغضب والدالة والهفوة. وقيل من صحّت مودته احتملت جفوته.
* حمد المعاتبة بين الإخوان وذمّها
قيل: ترك المعاتبة دليل على قلّة الأكتراث بالصديق. المعاتبة تزيل الموجدة. أفضل المحبة ما كان بعد المعتبة. قال شاعر:
ويبقى الودّ ما بقي العتاب ... العتاب حدائق الأحباب
وقال ابن المعتز «2» :
نعاتبكم يا أمّ عمرو لحبّكم ... ألا إنّما المقلي من لا يعاتب «3»
ولآخر:
علامة كلّ اثنين بينهما هوىّ ... عتابهما في كلّ حقّ وباطل
وقيل: العتاب ضربان: عتاب يحيي المودّة، وهو ما كان في نفس الودّ
(2/12)

وعتاب يميتها وهو ما كان في ذنب وموجدة «1» .
التقى أعرابيان فتعاتبا وإلى جنبيهما شيخ، فقال: انعما عيشا، إن العتاب يبعث التجنّي والتجني ذرء «2» المخاصمة والمخاصمة أخت العداوة فانتهيا عمّا ثمرته العداوة. وقال العبّاس:
إن بعض العتاب يدعو إلى البغض ويؤذي به المحبّ الحبيبا وقيل: التجنّي وافد القطيعة. قال شاعر:
ودع العتاب فربّ أمر هاج أوّله العتاب
وقال الآخر:
وبدء الصّرم من ملل العتاب «3»
وقيل: العتاب بدء العقاب.
* النهي عن تضييع حقوق الإخوان
قيل: أقلّ الناس عقلا من فرّط في اكتساب الإخوان. وأقلّ منه عقلا من ظفر بأخي صدق فضيّعه. وقال عمر: إذا رزقك الله ودّا من رجل فتمسّك به.
وقيل: لا يقطع الرجل أخاه إلا لواحد من اثنين لا خير فيهما: لملاله أو لسوء اختياره للصداقة.
* الحثّ على المصافاة وترك المداجاة
«4» قال سفيان لرجل: لا تكوننّ صديق عين وعدوّ غيب «5» . وسئل خالد بن صفوان عمّا يجب للإخوان، قال: تجنّب طريق النفاق ولا تقصر عن الاستحقاق قال إبراهيم بن عباس:
خلّ النفاق لأهله ... وعليك فانتهج الطريقا
واذهب بنفسك أن ترى ... إلّا عدوا أو صديقا
وفي مدح من يحفظ أخاه بظهر الغيب، قال بعضهم:
موكل النّفس بظهر المغيب ... أقصى رفيقيه له كالقريب
قال المثقّب العبدي:
فإمّا أن تكون أخي بصدق ... فأعرف منك غثّي من سميني
وإلّا فاجتنبني واتخذني ... عدوّا أتّقيك وتتّقيني
(2/13)

وقال آخر:
ولا تك ممّن إن نأى عنه صاحب ... فغاب عن العينين غاب عن القلب
* الحثّ على مداجاة العدوّ
قيل: إذا صافاك عدوّك رياء فتلقّى مصافاته بأوكد مودة، فإنه إذا ألف ذلك اعتاده وخلصت مودّته. وقال ابن السماك: لن لمن يجفو فقلّ من يصفو.
وقال ابن الحنفية: ليس بحكيم من لم يعاشر من لم يجد عن معاشرته بدّا حتى يجعل له فرجا ومخرجا. قال التنوخي:
ألقى العدوّ بوجه لا قطوب به ... يكاد يقطر من ماء البشاشات «1»
فأحزم الناس من يلقى أعاديه ... في جسم حقد وثوب من موّدات
* وصف أخوّة صادقة
مدح أعرابي صديقا فقال: مجالسته غنيمة وصحبته سليمة ومؤاخاته كريمة، هو كالمسك إن بعته نفق وإن تركته عبق «2» .
وعاتب رجل خليله فقال: لو علمت أن يومي أهنأ من يومك لاخترت أن أوثرك به.
قال شاعر:
وذي لطف لو كان يعلم أنّه ... شفائي دم من جوفه لسقاني
وقال آخر:
قد تخللت مسلك الرّوح منّي ... وبذا سمّي الخليل خليلا
وقيل: لم يسمع بأطيب وأعذب من قول البحتري «3» :
وجدت نفسك من نفسي بمنزلة ... هي المصافاة بين الماء والرّاح «4»
وقال يصف خليلا:
أخ وأب لي ثم أمّ شفيقة ... تفرّق في الأحباب ما هو جامعه
سلوت به عن كلّ من كان قبله ... وأذهلني عن كائن هو تابعه
ولآخر:
ونحن كروح بين جسمين قسّما ... فجسماهما جسمان والروح واحد
(2/14)

* متآخيان اختلف مذهباهما
قال الجاحظ «1» : لم ير أعجب حالا من الكميت والطرمّاح، فإن الكميت كان عدنانيا شيعيا يتعصب لأهل الكوفة، والطرماح كان قحطانيا خارجيا يتعصب لأهل الشام، وكان بينهما من المخالطة ما لم يكن بين اثنين قط ولم تجر بينهما جفوة ولا قطيعة ولا اعتراض.
وقيل لهما: كيف اتفقتما مع الخلاف بينكما؟ فقالا: اتفقنا على بغض العامة. ووصفهما جعفر المصري فقال:
فنحن من ودّ وحبّ كما ... كان كميت والطّرمّاح
وكان عبد الله الأباضي وهشام بن الحكم شريكين في البزّ وبينهما من الخلاف ما لم يكن بين اثنين، كان الأباضي يزعم أن عليا لم يزل مستسّرا بالكفر حتى أظهره يوم التحكيم وهشام يثبت الإمامة لعلي رضي الله عنه. قال هشام: ما خالفني إلا مرة: اشترينا جارية فقلت: أجعلها لي، فقال: أنت عندي كافر وهذا فرج، ولا أحبّ أن أبيحه لك. قال العباس بن الأحنف وهو مما يتمثّل به ههنا:
زاوج حيتانها الضّباب بها ... فهذه كنّة وذا ختن «2»
* اصطحاب نذلين
في المثل: وافق شنّ طبقة. وافقه فاعتنقه. قال شاعر:
كأنس الخنافيس بالعقرب
ولأبي الحسن:
كلاكما بالمجد مستهتر ... وبابتناء المجد مفتون
وفرّق ما بينكما واحد ... أنت رقيع وهو مأفون «3»
وأنت لوطيّ على ظنّه ... وذاك بالإجماع مأبون «4»
* استبقاء الإخوان بالإفضاء «5» عليهم
قيل: إذا سرّك أن يثبت لك الصديق، فليكن لك عليه الفضل. قال شاعر:
إذا أنت لم تفضل على ذي مودّة ... وكنت وإيّاه بمنزلة سوا
(2/15)

فلاتك ذا عتب عليه وإنّما ... يعاقب بالذّنب المثيب على الرّضا
* الحثّ على مشاركة الصديق في سرّائه دون ضرّائه
قالت امرأة يحيى بن طلحة له: أما ترى أصحابك إذا أيسرت لزموك وإذا أعسرت تركوك؟ فقال: هذا من كرمهم يأتوننا في حال القوة منّا على الإحسان إليهم ويتركوننا في الضعف عنهم:
يعرف الأبعد إن أثرى ولا ... يعرف الأقرب إن يفتقر
ولآخر:
أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه
وقيل: فلان يتحسى المرّ ويسقي إخوانه العذب.
* الحثّ على مشاركة الصديق في ذات اليد
رأى بعض الحكماء رجلين لا يفترقان فسأل عنهما فقيل: هما صديقان. قال: ما بال أحدهما غني والآخر فقير؟ وقيل: لا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه.
وقال محمد بن علي: أيدخل أحدكم يده في كمّ أخيه فيأخذ حاجته؟ قالوا: لا.
قال: فلستم إذا بإخوان.
* الحثّ على أن تشارك في السرّاء من يشاركك في الضرّاء
قال أكثم بن صيفي: حقّ أن تشارك في النعم من يشاركك في المكاره. قال أبو تمّام:
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن «1»
وقال جحظة البرمكي:
قل للوزير أدام الله دولته ... أذكر منادمتي والخبز خشكار «2»
إذا ليس بالباب برذون لنوبتكم ... ولا غلام ولا بالباب طيّار «3»
وقال آخر:
شركناك في مرّ الزّمان فكن لنا ... إذا الحلو منه درّ غير شريك
* ذمّ من أعرض عنك في حال يساره
صبغت أميّة في الدماء رماحنا ... وطوت أميّة دوننا دنياها
(2/16)

وقال آخر:
رأيتك لما نلت مالا وعضبا ... زمان نرى في حدّ أنيابه شغبا
جعلت لنا ذنبا لتمنع نائلا ... فأمسك ولا تجعل غناك لنا ذنبا
قال محمود:
وكنت أخي أيام عودك يابس ... فلمّا اكتسى واخضرّ صرت مع الدّهر
ولآخر:
ابتاع ودّي وهو ذو عسرة ... حتّى إذا نال الغنى باعه
وكتب المعروف بالزغل إلى بعض السلاطين:
رآني بعين النّقص أن صار ذا غنى ... وأغفل قبل اليوم نقص يديه
وما نال إلا حظّه غير أنّه ... توهّم أن الرزق صار إليه
فكله إلى مرّ الليالي وصرفها ... ستأتي على ما عنده وعليه
وقال آخر:
صديقك من يرعاك عند شديدة ... فكلّ تراه في الرّخاء مراعيا
وقال آخر:
فلا يغرّنك إخوان تعدّهم ... أنت العدوّ لمن كلّفته حاجه
* ذمّ من تكبّر على أصدقائه لغناه وسلطانه
قال صالح بن عبد القدوس «1» :
تاه على إخوانه كلّهم ... فصار لا يطرف من كبره
أعاده الله إلى حاله ... فإنّه يصلح في فقره
قال الخوارزمي «2» :
وصلتك بالسّلطان حتّى إذا اعتلى ... مكانك واستمكنت لم تملك الحقدا
كمقتدح نارا بزند لحاجة ... فلما تلظّت ناره أحرق الزّندا
* تغيّر الإخوان في حال العلاء
قال زياد: إذا كان لك صديق فولى ولاية وبقى لك واحد من عشرة، فليس بصديق سوء.
(2/17)

وقال بعضهم: إذا كان لك أخ صافي الودّ فلا تتمنّى له منزلة، ففي ذلك تغيّر له عن الوداد.
قال شاعر:
وكلّ إمارة إلا قليلا ... مغيّرة الصديق عن الصديق
وقال آخر:
إذا ما أردت وداد امرئ ... فلا تدعونّ له بارتقاء
* نهي من بلغ صديقه منزلة من التدلّل عليه
قال منصور:
إذا رأيت امرأ في حال عسرته ... صافي المودّة ما في ودّه وغل «1»
فلا تمنّ له حالا يسّر بها ... فإنّه بانتقال الدهر ينتقل
قيل: لا تنظر إلى صديقك إذا بلغ منزلة بعينك الذي نظرت إليه بها قبل، وإذا جعلك أبا فاتخذه ربّا. وقيل: ذو الحرمة ملوم على الإفراط في الدالة كما أن المحترم له ملوم على تناسي المودّة والحرمة.
وقال أبو عباد يوما لأبي بكر المقري: إيّاك والدالّة في غير مكانها فنحن بالليل إخوان وبالنهار ذوو سلطان. فرط الادلال يدعو إلى الملال.
* مدح من لم يتغيّر لمنزلة نالها
فتى زاده السلطان في الحمد رغبة ... إذا غيّر السلطان كلّ خليل
وقال الموسوي:
وغيري إذا ما طار خلّف صحبه ... دوين المعالي واقعين وحلّقا
ولما بشّر هشام بالخلافة سجد من حوله شكرا لذلك، غير الأبرش الكلبي فقال له هشام: ما منعك أن تسجد معي؟ قال: إني معك ليلا ونهارا وغدا ترقى إلى السماء فتنكرني. قال: بل أصعد بك، فقال: أما الآن فإني أسجد عشرين سجدة.
* مدح من نزّه إخوانه عن استخدامهم في سلطانه
كان هشام يعتمّ فقام إليه الأبرش ليسوّي عمامته، فقال: مه «2» فإنّا لا نتخذ الإخوان خولا «3» .
وقام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بنفسه فأصلح سراجه، فقال واحد من جلسائه: ألا أمرتني، فكنت أكفيك. قال: ليس من المروءة أن يستخدم الرجل جليسه.
(2/18)

الحثّ على خدمة الإخوان ومدح ذلك
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: سيد القوم خادمهم. وفي المثل: إذا عزّ أخوك فهن.
قال ابن المعتمر:
إذا أنت رافقت الرجال فكن فتى ... كأنّك مملوك لكلّ رفيق
وكن مثل طعم الماء غضّا وباردا ... على الكبد الحرّى لكلّ صديق
وقال آخر:
كأنّه عبد لإخوانه ... وليس فيه خلق العبد
ونحوه:
وعبد للصحابة غير عبد
* النّهي عن ذلك
قال بعضهم: إنّ لكل قوم كلبا فلا تكن كلب إخوانك. قال عبد الله بن معاوية:
لا تهيننّ للصديق مكرمة ... نفسك، حتى تعدّ من خوله
يحمل أثقاله عليك كما ... يحمل أثقاله على جمله
* احتمال أذى الصديق ما لم يكن فيه هوان
قال صالح:
أرضى عن المرء يصفيني مودّته ... وليس شيء من البغضاء يرضيني «1» «2»
وقال آخر:
سأصبر عن رفيقي إن جفاني ... على كلّ الأذى إلا الهوان
قال جحظة:
تذلّل لمن إن تذلّلت له ... يرى ذاك للفضل لا للبله
وجانب صداقة من لا يزال ... على الأصدقاء يرى الفضل له
* كون الناس أصدقاء ذي المال
قيل لبعض الفضلاء: كم لك من صديق؟ قال: لا أعلم لأن الدنيا مقبلة عليّ والأموال موجودة لديّ، وإنما أعرف ذلك لو ولّت الدنيا. ألم تسمع إلى قول طريح:
النّاس أعداء لكل مدقع ... صفر اليدين وإخوة للمكثر «3»
(2/19)

ولما نكب علي بن عيسى لم يطر بناحيته أحد، فلما ردّت إليه الوزارة رأى الناس حوله، فأنشد:
ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها ... فأينّما انقلبت يوما به انقلبوا
وقال عبد الملك لأصحابه: أيّكم يصف لي عامّة الناس؟ فقال الوليد ابنة: إخوان طمع وأعداء نعم.
وقيل: إذا احتاج إليك عدوك أحبّ بقاءك، وإذا استغنى عنك وليّك هان عليه موتك.
الإخوان عند الجفان كثير وعند الحقائق قليل.
* ذمّ المودّة التي يجلبها الطمع
كلّ مودة عقدها الطمع حلّها اليأس. وقيل: إياك ومن مودّته لك لحاجة.
قال إبراهيم بن العباس:
وكنت أخي كالدّهر حتى إذا نبا ... نبوت فلّما عاد عدت مع الدّهر «1»
فلا يوم إقبالي عددتك طائلا ... ولا يوم إدباري عددتك من أمري
* حمد الغيرة على الإخوان
سأل الرشيد رجلا عن بني أمية فقال: كانوا يتغايرون على الإخوان كتغايرهم على القيان «2» . وقيل: لتكن غيرتك على صديقك كغيرتك على صديقتك.
وقال شاعر:
وكن عالما أني أغار على أخي ... وخلّي كما أنّي أغار على عرسي «3»
ووفّر عليّ الحظّ منك فإنّني ... خصصتك بالحظّ الموفّر من نفسي
* ذمّ من يصاحب من أصدقائك أعداءك
في كتاب الهند: من علامة الصديق أن يكون لصديقه صدوقا ولعدوه عدوا. قال شاعر:
تؤاخي عدوّي ثم تزعم أنّني ... صديقك إنّ الرأي منك لعازب
وقيل: ليس من المروءة أن تحبّ ما يبغضه حبيبك. وقيل: لا يحبّك من يحبّ عدوّك.
وقال أيوب بن جعفر للمأمون: أنا أودّك مودّة حرة وأبغض أعداءك بغضة مرّة، فقال:
إنك تقول فتحسن وتحضر فتزين وتغيب فتؤمن.
(2/20)

قال السريّ:
وليس يكون المرء سلم صديقه ... إذا لم يكن حرب العدوّ المخالف
* حمد من يصاحب منهم أعداءك
قال ابن المقفع: إذا رأيت صديقك مع عدوّك فلا يوحشنّك ذلك، فإنما هو أحد رجلين إذا كان من إخوان الثقة فانفع مواطنه قربه من عدوّك شرّ يلفّه وعورة يسترها وغائبة يطلع عليها، وإن كان غير ثقة فهو أولى «1» به فهبه له.
* مدح رفض الحشمة بين الأصدقاء
قال علي رضي الله عنه: شرّ الإخوان من يحتشم منه ويتكلّف له. قال العرجيّ الصوفي: إذا صحّ الود سقطت شروط الأدب. وقال الحسن بن وهب: إعلم أن المودة لا تتم ما دامت الحشمة عليها مسلّطة.
وقال بعضهم: أسقط عن نفسي نصف همّ الدنيا بعشرة من لا أحتشمه، وقال الجنيد رضي الله عنه لا تصحب من تحتاج أن تكتمه ما يعرف الله منك.
* ذمّ فرط الانبساط
قيل: صن الاسترسال منك حتى تجد له مستحقا، واجعل أنسك آخر ما تبذل من ودّك. وقال جعفر بن محمد: إيّاك وسقطة الاسترسال فإنها لا تستقال.
في كتاب كليلة ودمنة: بعض المقاربة حزم وكل المقارنة عجز، كالخشبة المنصوبة في الشمس تمال فيزيد ظلّها وتفرط في الإمالة فيرتد ظلّها.
وقال أكثم: الانقباض «2» عن الناس مكسبة للعداوة والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء، أخذه الحارث. فقال:
إذا ما عممت النّاس بالأنس لم تزل ... لصاحب سوء مستفيدا أو كاسبا
فإن تقصهم أرموك عن ظهر بغضة ... فكن خلطا إن شئت أو كن مجانبا «3»
ولا تنتبذ عنهم ولا تدن منهم ... ولكنّ أمرا بين ذاك مقاربا «4»
وقال: إذا أقبل عليك مقبل بودّه فسرّك أن لا يدبر عنك، فلا تكثر الإقبال عليه، فالإنسان من شأنه التباعد ممن قرب منه، والدنوّ ممّن يتباعد منه.
مباسطة الكرام والانقباض عن اللئام
وما لي وجه في اللئام ولا يد ... ولكنّ وجهي في الكرام عريض
(2/21)

أهشّ إذا لاقيتهم وكأنّني ... إذا أنا لاقيت اللئام مريض
وقال ابن كناسة:
فيّ انقباض وحشمة فإذا ... أبصرت أهل الوقار والكرم
أرسلت نفسي على سجيّتها ... وقلت ما قلت غير محتشم
النهي عن فرط «1» المودّة والعداوة
قيل: من أحببت فلا تأمنه ومن أبغضت فلا تهجره. وقيل خالط الناس وزايلهم وقال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: لا يكن حبّك كلفا ولا بغضك تلفا.
قال زياد بن زيد:
وإن امرأ قد جرّب الدهر لم يخن ... تقلّب عصريه لغير لبيب
فلا تيأسنّ الدهر من حبّ كاشح ... ولا تأمننّ الدهر صرم حبيب «2»
وقال آخر:
فهونك في حبّ وبغض فربّما ... بدا جانب من صاحب بعد جانب
ذمّ الاستكثار من الأصدقاء
قيل: لتكن الإخوان عندك كالنار قليلها متاع وكثيرها بوار «3» . وقال الفضيل: من سخافة عقل المرء كثرة معارفه. وقال حفص بن حميد: من لم ينقص كل يوم صديقا لا يفلح «4» أبدا:
عدوّك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرنّ من الصّحاب «5»
فإنّ الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
إعواز صديق صادق
قال الفضيل لسفيان رحمهما الله: دلّني على صديق أركن إليه إذا غبت وآمن معه إذا حضرت، فقال تلك ضالة لا توجد.
وقيل لرجل: من أبعد الناس سفرا؟ فقال: من كان سفره في طلب أخ صالح وسمع المأمون أبا العتاهية ينشد:
وإني لمحتاج إلى ظلّ صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه
فقال خذ منّي الخلافة وأعطني هذا الصاحب.
(2/22)

وقيل لفيلسوف ما الصديق؟ فقال: اسم على غير معنى. قال أبو فراس «1» :
نعم دعت الدنيا إلى الغدر دعوة ... أجاب إليها عالم وجهول
فيا حسرتي من لي بخلّ موافق ... أقول بشجوي مرّة ويقول
قال الصابئ «2» :
أيا ربّ كلّ الناس أولاد علّة ... أما تغلط الدنيا لنا بصديق
وجوه بها من مضمر الغلّ شاهد ... ذوات أديم في النّفاق صفيق «3»
التخويف من دغل الإخوان
قال أعرابي: اللهمّ اكفني بوائق «4» الثقات والاغترار بظاهر المودّات. وقال آخر: اللهم احفظني من الصديق. فقيل: كيف؟ قال: لأني متحرّز من العدوّ. قال علي بن عيسى:
إحذر عدوّك مرّة ... واحذر صديقك ألف مرّة
فلربّما انقلب الصديق ... فكان أعلم بالمضرّة
وقيل: احذر من تأمنه، فودائع الناس لا تضيع إلا عند الثقات. وقيل: قلّ من يؤذيك إلا من تعرفه.
ذمّ من يستعدّ حين الصداقة للعداوة
ذمّ العبّاس رجلا فقال هو يترصّد في صداقته ما يتوثّب به في عداوته. قال شاعر:
احذر أخوّة كلّ من ... شاب المرارة بالحلاوه
يحصي الذنوب عليك ... أيام الصداقة للعداوه
قلّة نفع مودة مكرهة
فلا خير في ودّ امرئ متكاره ... عليك ولا في صاحب لا توافقه
وقال آخر:
ألا إنّ خير الودّ ودّ تطّوعت ... به النفس لا ودّ أتى وهو متعب
ذم من يضمر عداوة ويظهر صداقة
قال بعضهم: تظن فلانا يضحك لك وهو يضحك منك فإن لم تتخذه عدوا في
(2/23)

علانيتك فلا تتخذه صديقا في سريرتك. وقيل: من عاشر الإخوان بالمكر كافأه بالغدر.
قال يزيد الحكمي:
لسانك لي أري وقلبك علقم ... وشرّك مبسوط وخيرك ملتوي «1»
وقال آخر:
زعمت صديقى طاب مرأى ومسمعا ... صدقت ولكنّ المغيب معيب «2»
وقال آخر:
إذا أنت فتّشت القلوب وجدتها ... قلوب أعاد في جسوم أصادق
تأسّف من تكدّر ودّه بعد الصفاء
أخ كنت آوي منه عند ادّكاره ... إلى ظلّ آباء من العزّ شامخ
سعت نوب الأيام بيني وبينه ... فأقلعن منّا عن عدوّ وصارخ «3»
وقال أعرابي: يا حسرتي فقد صفرت من فلان عياب «4» ودّي بعد امتلائها واكفهرت «5» وجوه كانت بمائها. فأدبر ما كان مقبلا وأقبل ما كان مدبرا.
ذمّ من يتجنّى على صديقه طلبا لصرمه
إن الملول إذا أراد قطيعة ... ملّ الوصال وقال كان وكانا «6»
وقال آخر:
زماني كلّه غضب وعتب ... وأنت عليّ والأيام إلب «7»
وقال ابن المقفع: ينبغي للعاقل أن يكذب سوء الظن بصديقه ليكون ذا ودّ صحيح وقلب مستريح. وقال ابن سيرين: إذا بلغك عن صديقك ما تكرهه فالتمس له عذرا، فإن لم تجد فقل: لعلّ له عذرا وأنت تلوم.
معاتبة من أساء الظنّ بصديقه
قيل لرجل ما ظنك بأخيك؟ قال: ظني بنفسي. قال المتنبيّ:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توّهم
(2/24)

وعادى محبّيه بقول عداته ... فاصبح في داج من الشكّ مظلم
وله:
ومن يك ذا فم مرّ مريض ... يجد مرّا به الماء الزلالا «1»
قال الموسوي:
من ساء ظنّا بما يهواه فارقه ... وحرّضته على إبعاده التهم
معاتبة من سلا عن صديقه
مالي جفيت وكنت لا أجفى ... ودلائل الهجران لا تخفى
وأراك تشربني فتمزجني ... ولقد عهدّتك شاربي صرفا
من كفّ عنك أذاه فهو صديق صدق. خير ما في اللئيم أن يكفّ ضرره.
قال المتنبيّ «2» :
إنّا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر النّاس إحسان وإجمال
وقال آخر:
لي صديق لديه نصح وودّ ... غير أنّ الدماغ فيه مرمّه
فإذا ما سعى ليدفع عنه ... في الملمّات صار عون الملمّه
ليته كفّ خيره وأذاه ... ورعى لي بذاك حقّا وحرمه
وقال آخر:
قد جناها أخ عليّ كريم ... وعلى أهلها براقش تجني «3»
ذمّ من يعادي أصدقاءه
قال السري الكندي:
رأيتك تبري للصّديق نوافذا ... عدوّك من أوصابها الدّهر آمن «4»
وقال آخر:
لنا أخ يطلب غير ثاره ... يطوي العدا وينتحي لجاره
والكلب لا ينبح من في داره
(2/25)

تفضيل صداقة من قدم إخاؤه
قال معاوية لكاتب له: عليك بصاحبك الأقدم فإنّك تجده على مودّة واحدة وإن قدم العهد وبعدت الدار. وإيّاك وكلّ مستحدث فإنه يجري مع كل ريح. وقيل لا تستبدلنّ بأخ لك قديم، أخا مستفادا ما استقام لك. قال شاعر:
كيف يبقى لك الجديد من النا ... س إذا كنت تطرح الخلقانا «1»
قال أبو الشّيص «2» :
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل «3»
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأوّل منزل
عكس ذلك
قيل: عليك بمستظرف الإخوان تستفيد منهم مستطرف الإحسان، وتأمن منهم بوائق «4» الشقاق:
فللعين ملهىّ في التّلاد ولم يفد ... هوى النفس شيء كافتياد الظرائف
ولهذا الباب وما تقدّم نظير في حدّ الغزل.
العتب على المتلوّن وذمّه
قيل: مودّته متنقلة كتنقل الأفياء وأخوّته متلونة كلون الحرباء. قال صالح:
قل للذي لست أدري من تلوّنه ... أنا صح أم على غشّ يداجيني
تغتابني عند أقوام وتمدحني ... في آخرين وكلّ منك يأتيني
وقال آخر:
أخ لي كأيّام الحياة إخاؤه ... تلوّن ألوانا على خطوبها
إذا عبت منه عيبة فتركته ... دعتني إليه خلّة لا أعيبها
وكتب عبد الله بن معاوية: قد عاقني الشكّ في أمرك عن عزيمة الرأي فيك، فإنك ابتدأتني بلطف من غير خبرة، وأعقبتني بجفاء من غير ذنب، فأطمعني أوّلك في أخائك وأيأسني آخرك من وفائك. فسبحان من لو شاء كشف الغطاء، فأقمنا على ائتلاف أو افترقنا
(2/26)

على اختلاف.
وقيل لئن أبتلى بمائة جموح لجوج أحبّ إليّ من أن ابتلى بمتلوّن.
قال إبراهيم بن العباس:
يا أخا لم أر في الناس خلّا ... مثله أسرع هجرا ووصلا
كنت لي في صدر يومي صديقا ... فعلى عهدك أمسيت أم لا؟
وقال بعضهم لمغنية:
مرحبا ثم مرحبا ... بحبيب تغضّبا
فأجابته:
أنت كالريح لا تدو ... م جنوبا ولا صبا «1»
عتب من ترعاه وهو يجفوك
وأعجب من جفائك لي وصبري ... على طول ارتفاعك وانخفاضي
سروري أن تدوم لك الليالي ... بما تهوى كأنّي عنك راضي
الحثّ على مصارمة من تبغضه
قال رجل لآخر: لي أخ إذا كلّمته آذاني وأثمت، وإذا كرهته أراحني وسلمت فأنشده:
وفي البعد مسلاة وفي الصّرم راحة ... وفي النّاس أبدال سواه كثير «2»
وقال آخر:
ودّ ما لا تشتهيه النفس تعجيل الفراق
المسرّة بفراق من لا تحبّه
قال منصور الفقيه:
ومستوجب شكري بإعراضه عنّي ... أجلّ يد عندي له بعده عنّي
تلافى بهجري بعض ما كان جرّه ... عليّ بوصلي قبل إعراضه عنّي «3»
واعتذر رجل إلى آخر بتأخّره عنه فقال: ما رأيت إحسانا يعتذر منه سوى هذا. وقال إسحاق الموصلي: ذكرت للعبّاس العلوي رجلا فقال: دعني أتذوّق طعم فراقه فهو والله لا تشجى له النفس ولا يدمى لفراقه الجفن. قال شاعر:
كلانا غنيّ عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا
(2/27)

الحثّ على مصارمة من رثّ حبل ودّه
في المثل: خلّ سبيل من وهى سقاؤه. وقيل: لا تصحب من لا يرى لك في الودّ مثل ما ترى له. وقيل: شغل المرء بمشتغل عنه مسقطة من العيون، وإقباله على معرض عنه معرضة به لسوء الظنون. وقيل: جدعا لمن أعطى الرغبة من أعطاه الزهادة وما أدري أيهما ألأم. قال شاعر:
من لم يردك فلا ترده ... هبه كمن لم تستفده
قال البحتري:
شرّق وغرّب تجد من معرض عوضا ... فالأرض من تربة والنّاس من رجل
وقال آخر:
أرى الغبن كلّ الغبن وصلي صارما ... وإن كان ذا فضل ويرى جافيا
وقال آخر:
ولرّبّ مصحوب ترفت بلونه ... فلفظته قبل التطعّم عاجلا
المجاملة في إعراض من رام صرم حبالك
يستحسن في ذلك قول الأقرع بن حابس:
أصدّ صدود امرئ مجمل ... إذا حال ذو الودّ عن حاله
ولست بمستعتب صاحبا ... إذا جعل الهجر من باله
ولكنّني قاطع حبله ... وذلك فعلي بأمثاله
وما أن أدلّ بحقّ له ... عرفت له حقّ إدلاله
وإنّي على كلّ حال له ... من إدبار ودّ وإقباله
لراض لأحسن ما بيننا ... بحفظ الأخاء وإجلاله
فصل إيثار الوحدة والحثّ عليه
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: أحبّ العباد إلى الله الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا شهدوا لم يقربوا، أولئك أمة الهدى ومصابيح الظّلم.
وقال مالك بن دينار لراهب: عظني، فقال: إن استطعت أن تجعل بينك وبين الناس سورا من حديد فافعل. وقيل لسقراط: ألا تشاهد الملوك؟ فقال: وجدت الإنفراد بالخلوة أجمع لدواعي السلوة. وقيل لآخر: ما تجد في الخلوة؟ قال: الراحة من مداراة الناس والسلامة من شرّهم:
وقالوا لقاء الناس أنس وراحة ... ولو كنت أرضي الناس ما عشت خاليا
(2/28)

وقيل: العزلة توفر العرض وتستر الفاقة، وترفع ثقل المكافأة. وقيل: ما احتنك أحد قطّ إلا أحبّ الخلوة.
وقيل توحّد ما أمكنك فمن وطئته الأعين وطئته الأرجل.
وقال حكيم: العاقل مستوحش من زمانه منفرد عن إخوانه. وقيل: استوحش من النّاس كما تستوحش من السبع.
وقال الجنيد دخلت على السري فقلت أوصني فقال: لا تكن مصاحبا للأشرار ولا تشتغل عن الله بمجالسة الأخيار.
وقيل لذي النون رحمه الله: متى أقوى على عزلة الأخيار؟ فقال: إذا قويت على عزلة النفس. قيل: ومتى يصح الزهد؟ قال: إذا كنت زاهدا في نفسك هاربا من جميع ما يشغلك.
من أنس في الخلوة بالعبادة والقراءة
قال حاتم الأصم: إلزم بيتك فإذا أردت الصاحب فالله يكفيك، وإن أردت الرفيق فرفيقاك رقيباك، وأن أردت أنيسا فالقرآن يؤنسك، وذكر الموت يعظك:
تركت الأنس بالأنس ... فما في الأنس من أنس
وأقبلت على القرآ ... ن درسا أيّما درس
عسى يؤنسني ذاك ... إذا استوحشت في رمسي
ذمّ الخلوة والوحدة
قيل: أجهل الناس من استأنس بالوحدة واستكثر من الخلوة. وقيل: إيّاكم والعزلة فإن في ملاقاة الناس معتبرا نافعا ومتعظا واسعا، فإن البيت رمس ما لزمته.
وحدة الإنسان خير ... من جليس السوء عنده
وجليس الخير خير ... من جلوس المرء وحده
وفي الحديث: المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس.
الشكوى من ذهاب النّاس
دخل عبيد الله بن شبرمة على معاوية وقد أتت عليه مائتان وعشرون سنة، فقال له: يا عبيد ما شهدت من الزمان وما أدركت؟ فقال: أدركت الناس يقولون ذهب الناس ذهب الناس فلا مرتع ولا مفزع، وقيل ما بقي من الناس إلا كلب نابح أو حمار رامح أو أخ فاضح.
وكانت عائشة تنشد قول لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلد كجلد الأجرب
(2/29)

فقال ابن عباس: لئن شكت في زمانها فقد شكت قوم عاد في زمانهم إذ قد وجدوا في خزائنهم سهما مكتوبا عليه:
بلاد بها كنّا ونحن نحبّها ... إذ الناس ناس والبلاد بلاد
قال أبو الدرداء: كان الناس ورقا لا شوك فيه، فقد صاروا شوكا لا ورق فيه إن نافرتهم نفروك، وإن تركتهم ما تركوك.
وقال عدي بن حاتم لمعاوية: معروفك الذي نعده اليوم منكرا معروف لم يأت. وعن أبي صالح في قول الله تعالى: وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى
«1» أي بسراة الناس.
قال شاعر:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضا ليدفع معور عن معور
قال بعضهم: كأنّ الله تعالى ما عنى بقوله-: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
«2» في البخل والجهل- إلا أهل زماننا فإنهم ما تفاوتوا في البخل والجهل.
ذمّ النّاس
لما قدم محمد بن عبد الله بن طاهر مدينة السلام كتب إلى أخيه وهو بخراسان يشكو إليه قلّة الأنيس وتأذّيه بمضرة الجليس، فكتب إليه:
طب عن الأمة نفسا ... وارض بالوحدة أنسا
لست بالواجد خلّا ... أو تردّ اليوم أمسا
ما رأينا أحدا سا ... وى على الخبرة فلسا
وقيل: خير الناس من لم تجرّبه. إخبر الناس تقليهم «3» .
قال المتنبيّ:
وصرت أشكّ فيمن أصطفيه ... لعلمي أنه بعض الأنام
وقال الآخر:
ليس في الدنيا وفاء ... لا ولا في النّاس خير
قد بلوت الناس فالنا ... س كسير وعوير
وقال الآخر:
بلوناهم واحدا واحدا ... فكلّهم ذلك الواحد
(2/30)

وقيل لسفيان: دلّنا على رجل نجلس إليه. فقال تلك ضالة لا توجد. وقال بعضهم:
الناس كلاب فإذا وجدت سلوقيّا فاحتفظ به.
وكتب بعضهم: أما بعد فإني أحمد الله إلى الناس وأذم الناس إلى الله. وقال الحكيم:
من لم يستطع مزايلة الناس بجسده فليزايلهم بقلبه.
قال المتنبيّ:
كلما أنبت الزمان قناة ... ركّب الدهر في القناة سنانا «1»
قلّة الاستغناء عن النّاس والأمر بمداراتهم
قال رجل لابن عبّاس: ادع الله أن يغنيني عن الناس. فقال: إن حوائج الناس. تتصل بعضها ببعض كاتصال الأعضاء فمتى يستغني المرء عن بعض جوارحه. ولكن قل: إغنني عن شرار الناس.
وقيل: كان بعضهم يطوف ويقول: من يشتري مني بضائع بعشرة آلاف درهم؟ فدعاه بعض الملوك وبذل له المال، فقال له: اعلم أن الله لم يخلق خلقا شرا من الناس وإن لم يكن لك بدّ من الناس فانظر كيف تحتاج أن تعامل ما لا بد منه، ولا غنى بك عنه. ثم قال: هل يساوي هذا الكلام عشرة آلاف درهم؟ قال: دونك المال ولم يأخذه.
أصناف الناس
قال معاوية للأحنف: صف لي الناس وأوجز. فقال: رؤوس رفعها الحظّ وكواهل عظمهم التدبير، وأعجاز شهّرهم المال، وأذناب أتحفهم الأدب ثم الناس بعدهم بهائم إن جاعوا ساموا وإن شبعوا ناموا.
وقال سلمان: الناس أربعة أصناف: آساد وذئاب وثعالب وضأن. فأما الآساد فالملوك وأما الذئاب فالتجار، وأما الثعالب فالقراء المخادعون، وأما الضأن فالمؤمن ينهشه كل من يراه.
وقال أمير المؤمنين: الناس ثلاثة: عالم ومتعلم وما سواهما همج.
قال امرؤ القيس:
عصافير وذباب ودود ... وآخر من مجلجلة الذئاب
وقال علان العتابي: رأيت كلثوما يأكل خبزا في الطريق، فقلت له: أما تستحي؟
تأكل بحضرة الناس، فقال: أرأيت لو كنت في دار فيها بقور أما كنت تأكل بحضرتهم قلت: فهؤلاء بقور؟ ثم قال: إن شئت أريتك دلالة ذلك ثم قام ووعظ وجمع قوما. ثم قال: روي عن غير وجه أنّ من بلغ لسانه أرنبة أنفه أدخله الله الجنّة فلم يبق أحد إلا أخرج لسانه ينظر هل يبلغ.
(2/31)

وقال رجل للشاعر: أين سكة الحمير؟ فقال اسلك أي سكة شئت فكلها دروب الحمير. وقال بعض العرب طلبت الراحة فلم أجد أروح لنفسي من تركها ما لا يعنيها، وتوحشت في البادية فلم أر أوحش من قرين السوء.
(2) وممّا جاء في محبّة المعاشرين وبغضهم
المحبوب إلى الناس
قيل: فلان مودود في الورى مخصوص بالهوى.
كأنّ قلوب الناس في حبّه قلب.
وقال التنوخي:
كأنّك في كلّ القلوب محبّب ... فأنت إلى كلّ القلوب حبيب
وقال الرفاء:
ودّ البريّة أن عمرك دائم ... وكذا الربيع يحبّ منه دوامه
وقال آخر:
محبّب في جميع الناس إن ذكرت ... أخلاقه الغرّ حتّى في أعاديه
وقال آخر:
محبب في قلوب الناس كلهم ... فكلّ قلب إليه مائل كلف
اعتبار مودّة صاحبك بما عندك
في الأثر الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. وقال بعضهم لآخر: إني أحبك. فقال: رائد ذلك عندي. وقال: رجل لعبد الله بن جعفر: إن فلانا يقول إنه يحبني فبماذا أعلم صدقه؟ قال: امتحن قلبه بقلبك فإن كنت تودّه فإنه يودّك، وشاهد ذلك قول بكر بن النطاح:
وعلى القلوب من القلوب دلائل ... بالودّ قبل تشاهد الأرواح
وقال آخر:
قل للتي وصفت مودّتها ... للمستهام بذكرها الصبّ
ما قلت إلا الحق أعرفه:
إنّ الدليل عليه من قلبي ... قلبي وقلبك بدعة خلقا
يتجاريان بصادق الحب
(2/32)

وقال آخر:
لعمري لقد زعم الزاعمون ... بأن القلوب تجاري القلوبا
فلو كان حقّا كما تعلمون ... لما كان يجفو حبيب حبيبا
المدّعي محبّة صديقه
قال المتنبّي:
أحبّك يا بدر الزمان وشمسه ... وإن لامني فيك السّها والفراقد
وذاك لأن الفضل عندك باهر ... وليس لأن العيش عنك بارد
وإن قليل الحبّ بالعقل صالح ... وإنّ كثير الحبّ بالجهل فاسد
وقال إبراهيم بن العباس:
وأنت هوى النفس من بينهم ... وأنت الحبيب وأنت المطاع
وما بك إن بعدوا وحشة ... ولا معهم إن بعدت اجتماع
وقال آخر:
فيا ليت ما بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب
وليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب
النهي عن فرط الحبّ والبغض
قال رجل لأرسطاطاليس: عظني، قال: لا يملأن قلبك محبة شيء ولا يستولينّ عليك بغضه، واجعلهما قصدا. فالقلب كاسمه يتقلّب، وفي الأثر: أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما وابغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما.
قلة المبالاة ببغض من لا يقصد ضرّك
قال عمر بن الخطاب «1» رضي الله عنه لطليحة الأسدي: قتلت عكاشة فقلبي لا يحبك أبدا. قال: فما عشرة جميلة، فإن الناس يتعاشرون على البغضاء. وقال الوليد لرجل: إني أبغضك. فقال: إنما تجزع النساء من فقد المحبّة، ولكن عدل وانصاف يا أمير المؤمنين.
وقال ابن أبي الحواري لأبي سليمان: إن فلانا لا يقع من قلبي، فقال: ولا من قلبي، ولكنّا لعلنا أتينا من قبل أنه ليس فينا خير فلسنا نحب الصالحين.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرجل هم بطلاق امرأته: لم تطلقها؟ قال: لا أحبها. قال: أَوَكلّ بيت يبنى على المحبة، أين الرعاية والذمم؟
(2/33)

أسباب المحبة والبغض ومضرتهما ونفعهما
روي في الخبر أن الله إذا أحب عبدا ألقى محبته في الملأ، فلا يمرّ به أحد إلا أحبه.
وقالت عائشة رضي الله عنها: جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها.
وقال يحيى بن خالد: إذا كرهتم الرجل من غير سوء أتاه إليكم فاحذروه وإذا أحببتم الرجل من غير خير سبق منه إليكم فارجوه.
كون المبغض معيبا
قيل لما أراد أنوشروان «1» أن يصير ابنه ولي عهده استشار وزراءه فكلّ ذكر عيبا:
فقال بعضهم: إنه قصير وذلك لا يصلح للملك. فقال أنوشروان محتجا له، إنه لا يكاد يرى ألا راكبا أو جالسا.
فقال آخر: إنّه ابن رومية، فقال: الأبناء ينسبون إلى الآباء وإنما الأمّهات أوعية.
فقال الموبذ: إنّه مبغض إلى الناس، فقال: حينئذ هذا هو العيب. فقد قيل إن من كان فيه خير ولم يكن ذلك الخير محبّة الناس له فلا خير فيه، ومن كان فيه عيب ولم يكن ذلك العيب بغض الناس فيه، فلا عيب فيه.
وقال الأحنف يوما: فقير صدوق خير من غنيّ كذوب. وقال بعض مجالسيه:
ووضيع محبّب، خير من شريف مبغّض. فقال الأحنف: هذه مثل هذه.
وصف بغيض
قيل: فلان لا تحبّه النّاس حتى تحبّ الأرض الدم، وذلك لأن الأرض لا تشرب الدم.
قال الشاعر اليتامي:
يا بغيضا زاد في البغض على كلّ بغيض ... أنت عندي قدح اللباب في كفّ المريض «2»
وقال آخر:
رمينا بأقلى من جهنّم منظرا ... وأقبح آثارا من الحدثان «3»
وأكره في الأبصار من طالع الردى ... وأنحس آثارا من الدبران «4»
وقال آخر:
ولو أن ذا فضل لجا في حرامه ... لجاء نفيل في الحرام يزاحمه
وقد مرّ من ذلك كثير.
(2/34)

التعريض بثقيل أو بغيض
كان أبو هريرة إذا رأى ثقيلا قال: اللهم اغفر له وأرحنا منه. وقال ثقيل لمريض ما تشتهي؟ قال: أشتهي أن لا أراك. وقيل أن ثقيلا قال لأعمى إنّ الله لم يأخذ من عبد كريمتيه إلا عوضه عنهما شيئا فما الذي عوضك؟ قال: أن لا أرى أمثالك وكان لابن سيرين خاتم منقوش عليه أبرمت فقم، فإذا استثقل إنسانا دفعه إليه. وقيل من ثقل عليك بنفسه وغمك بسؤاله فوّله أذنا صمّاء وعينا عمياء.
(3) وممّا جاء في الزيارة
وصف الزيارة بأنها تغرس المحبة
في كتب الهند ثلاثة تزيد في الأنس: الزيارة والمؤاكلة والمحادثة.
ما قيل في استزارة المحبوب
قال بشّار:
يا رحمة الله حلّي في منازلنا ... وجاورينا فدتك النفس من جار
وقال آخر:
واسقط علينا كسقوط النّدى ... ليلة لا ناه ولا آمر
وقال بشّار:
قد زرتنا مرّة في الدّهر واحدة ... ثنّي ولا تجعليها بيضة الديك «1»
وقال بعضهم: إذا رأيت أن تحدّد لي ميعادا لزيارتك أتقوّته إلى وقت زيارتك فعلت.
وكتب ابن المعتز إلى صديق له: طالت علتك أو تعاللك، وقد اشتد شوقنا إليك فعافاك الله من المرض في بدنك أو أخائك، فإنك إن أتيت فبارّ مشكور، وإن تأخرت عنّا فجاف غير معذور.
وقال إبراهيم الصولي: لا أعرف شعرا أحسن من قول العبّاس:
تعالي نجدّد دارس الوصل بيننا ... كلانا على طول البعاد ملوم
وكتب الصاحب إلى أبي إسماعيل بجرجان:
يا أبا بشر تأخرت عنّا ... قد أسأنا لبعد عهدك ظنّا
كم تمنيت لي صديقا صدوقا ... فإذا أنت ذلك المتمنّى
(2/35)

فبغصن الشباب لما تثنّى ... وبعهد الصبا وإن بان عنّا
كن جوابي لكي تردّ شبابي ... لا تقل للرسول كان وكنّا
المسرّة بزيارة الصاحب
فالوا تجشّم زائرا من بينه ... فأجبتهم والنّجم بين سعودي «1»
لو كان ملّكني الكرام خدودهم ... لفرشت أرضا تحته بخدود
وقال ثعلب:
الفتح علقمة البكريّ خبّرنا ... أنّ الوزير أبا مروان قد حضرا
فقلت للنفس هذي منية قدرت ... وقد يوافق بعض المنية القدرا
وقال البحتري:
حبيب سرى في خفية وعلى ذعر ... يجوب الدّجى حتّى التقينا على قدر
فشككت فيه من سرور وخلته ... خيالا سرى في النّوم من طيفه يسري
وله:
فرحت حتّى استخصّني فرحي ... فشبّت عين اليقين بالوهم
أمسح عيني مستثبتا نظري ... أخالني نائما ولم أنم
وقال:
وما زارني إلّا ولّهت صبابة ... إليه وإلا قلت أهلا ومرحبا «2»
البشارة بورود الحبيب
قال الخبزارزي:
ومبشّري بقدوم من أهواه ... لا زال وهو مبشّر بمناه
عندي له بشرى ولو ملكته ... روحي وقلبي قلّ عن بشراه
زيارة من لا يزورك
كتب بعضهم إلى آخر: كلّ جفوة منك مغفورة للثقة بك وسنأخذ بقول قيس بن الأسلت:
ويكرمها جاراتها فيزرنها ... وتغفل عن إتيانهنّ فتعذر
وقال ابن الحجّاج:
وإنّي لزوّار لمن لا يزورني ... إذا لم يكن في ودّه بمريب
(2/36)

وقال ابن ميّادة:
فإن هو لم يهمم بنا اليوم قادما ... قدمنا عليه نحن في داره غدا «1»
الاعتذار إلى من قللت زيارته
لئن عاق جسمي عن لقائك مانع ... فما عاق قلبي عن لقائك عائق
فإن ظهرت منّي دلائل جفوة ... فما أنا إلّا مخلص الودّ صادق
وقال أبو حكيمة:
فلا تنكر فدتك النفس أني ... أغبّك في اللقاء وفي المزار
فإنّي حيث كنت فليس ودّي ... بممنوح سواك ولا معار
وقال جحظة:
فإن يك عن لقائك غاب وجهي ... فلم تغب المودة والإخاء
ولم يزل الثناء عليك يترى ... بظهر الغيب يتبعه الثناء «2»
وقال الخوارزمي:
وما بي فيك من زهد ولكن ... أخفّف عنك أعباء الملال «3»
وقال:
إن كنت في ترك الزيارة تاركا ... حظّي فإني في الدّعاء لجاهد
ولربّما ترك الزيارة مشفق ... وأنّى على غلي الضمير الحاسد «4»
اعتذر بعض الأدباء إلى أخ له في تأخره فأجابه:
إذا صحّ الضمير فكل هجر ... وإعراض يكون له انقضاء
وقال:
إن محض الودّ لا يز ... رى به طول تناء «5»
وانقطاع من كتاب ... وتراخ من لقاء
إنما الوامق من يحمل أثقال الجفاء ... والذي تضجره الجفوة مدخول الأخاء «6»
وقال آخر:
أغيب عنك بودّ لا بغيره ... نأي المحل ولا صرف من الزّمن «7»
(2/37)

الشكوى ممّن يقلّل الزيارة
في المثل أنت كبارح الأروى قلّما يرى. قال شاعر:
وحظك لقية في كلّ عام ... موافقة على ظهر الطريق
سلاما خاليا عن كلّ شيء ... يعود به الصديق على الصديق
قال أبو الجهم:
زائر يهدي إلينا ... نفسه في كلّ عام
استقراب الطريق في زيارة الحبيب
وكنت إذا ما جئت سعدى أزورها ... أرى الدار تطوى لي ويدنو بعيدها
وقال ابن ميادة:
تقرّب لي دار الحبيب وإن نأى ... وما دار من أبغضته بقريب
وقال العبّاس:
يقرّب الشّوق دارا وهي نازحة ... من عالج الشوق لم يستبعد الدار «1»
وقال العبّاس:
ترى الرجل قد تسعى إلى من تحبّه ... وما الرجل إلا حيث يسعى بها القلب
من حثه شوقه نحو محبوبه
قال الموصلي:
يحثّ مطاياه تذكرّكم ... وليس ينساكم إن حلّ أو سارا «2»
وقال آخر:
يعتادني طربى إليك ويعتلي ... وجدي ويدعوني هواك فأتبع
وقال عمرو بن شاس:
إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا ... كفى لمطايانا بذكراك حاديا «3»
وقال العباس:
لا يهتدي قلبي إلى غيركم ... كأنّما سدّ عليه الطريق
(2/38)

متابعة المحبوب
قال أعرابي:
وإن تدعي نجدا أدعه ومن به ... وإن تسكني نجدا فيا حبّذا نجد «1»
وقال المهلّبي:
إن كنت أزمعت الرحيل ... فإنّ رأيي في الرحيل «2»
أو كنت قاطنة أقمت ... وإن منعت دنوّ سولي
كالنّجم يصحب في المسير ... ولا يزور لدى النزول
معاتبة من ذكر شوقه
يا من شكا عبثا إلينا شوقه ... فعل المشوق وليس بالمشتاق
لو كنت مشتاقا إليّ تريدني ... ما طبت نفسا ساعة بفراق
وحفظتني حفظ الخليل خليله ... ووفيت لي بالعهد والميثاق
تفضيل التزاور على التجاور
قال عمر رضي الله عنه: زاوروا ولا تجاوروا وقال: إدمان اللقاء سبب الجفاء. وفي المثل: من يتجمّع يتقعقع، أي تقع الخصومة بين المتجاورين.
الحثّ على تقليل الزيارة وكراهة مداومتها
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: زر غبا تزدد حبا.
قال شاعر:
اغبب زيارتك الصديق ... يراك كالشّيء استجدّه «3»
إنّ الصديق يملّ من ... أن لا يزال يراك عنده
وقيل: قلّة الزيارة أمان من الملالة وكثرة التعاهد سبب التباعد.
قال أبو تمّام:
وطول مقام المرء في الحيّ مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدّد «4»
فإنّي رأيت الشمس زادت محبّة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد «5»
(2/39)

وقال آخر:
عليك باغباب الزّيارة إنّها ... تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا
فإني رأيت الغيث يسأم دائما ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
شكوى من خفف الزيارة
قال كشاجم:
بأبي وأمّي زائر متقّنع ... لم يخف ضوء الشمس تحت قناعه
لم أستتمّ عناقه لقدومه ... حتى ابتدأت عناقه لوداعه
فمضى وأبقى في فؤادي حسرة ... تركته موقوفا على أوجاعه
وقال آخر:
وزائر زار وما زارا ... كأنّه مقتبس نارا
ألمّ بالباب أخا نجوة ... ما ضرّه لو دخل الدارا
نفسي فدا لك من زائر ... ما حلّ حتّى قيل قد سارا
وقال ابن أبي البغل:
حبيب إذا ما زارنا قلّ لبثه ... وإن هو عنّا غاب طال جفاؤه
وفي عذر تخفيف الزيارة قال أبو العيناء: سلام معظّم، وجلوس مخفّف وانصراف متأسف.
شكاية من تأخّر عنك
حاذرت إذ واصلت إملالنا ... فخف إذا ما غبت أن نسلو
وقال إسحاق: كنت أزور العبّاس بن الحسن فتأخرت عنه مدة مديدة فقال لي أذقتنا نفسك فلما استعذبناك لفظتنا.
وكان بعضهم يختلف إلى الأعشى فتأخّر عنه أياما فلقيه، فأنشده:
ولجّ بك الهجران حتّى كأنّما ... ترى الموت في البيت الذي كنت تألف
قال العبّاس بن الأحنف:
من ساءل بدر الدجا ... ما باله ترك الطلوعا
وقال ابن الرومي «1» :
يعتلّ بالشغل عنّا ما يزاورنا ... والشغل للقلب ليس الشغل للبدن «2»
(2/40)

شكوى من قلّ الإلتقاء معه
قال ابن سكّرة «1» :
إن أغب لم تغب وإن لم تغب غبت ... كأن افتراقنا باتّفاق
قال الصنوبري «2» :
إذا حضرنا غبت أو لم تغب ... نحضر فنحن الورد والنرجس
لم يجمعا للعين في روضة ... قطّ ولم يجمعهما مجلس
قال منصور الفقيه:
هجرت المسجد الجام ... ع والهجر له ريبه
فأخبارك تأتينا ... على الأعلام منصوبه «3»
فإن زدت من الغي ... بة زدناك من الغيبة «4»
زيارة من لا تحبّه
قالت أعرابية:
فلا تحمدوني في الزّيارة إنّني ... أزوركم إن لم أجد متعلّلا
وبعث عمرو بن مسعدة إلى أبي العتاهية فاستزاره فقال:
كسّلني اليأس منك عنك فما ... أرفع عيني إليك من كسلي
إنّي إذا ما الصّديق أو حشني ... قطعت منه حبائل الأمل
وقال آخر:
يقولون زرنا واقض واجب حقّنا ... وقد أسقطت حالي حقوقهم عنّي
إذا أبصروا حالي ولم يأسفوا لها ... ولم يأنفوا منها أنفت لهم منّي «5»
(2/41)

وقال آخر:
إذا ما تقاطعنا ونحن ببلدة ... فما فضل قرب الدار منّا على البعد
القيام للصديق الزائر
كان الأحنف مستندا إلى سارية في المسجد وحده، فأقبل بعض إخوانه فتنحّى له عن مجلسه، فقال: يا أبا بحر ما عندك من أحد ولا مجلسك ضيق فلم تنحّيت؟ قال: كرهت أن تظن أني لم أهشّ لزيارتك ومجيئك فشكرت ذلك بأقرب ما حضرني من الإكرام. وقال محمد بن يزيد. حضر بعض الناس مجلس كبير فنهض له فقال له في ذلك، فقال:
لئن قمت ما في ذاك عندي غضاضة ... لديّ لأني للشريف مذلّل «1»
على أنه منّي لغيرك هجنة ... ولكنّه مثلي لمثلك يجمل «2»
وقال غيره:
فلما بصرنا به ماثلا ... حللنا الحبا وابتدرنا القياما «3»
فلا تنكرنّ قيامي له ... فإنّ الكريم يجلّ الكراما
كراهة القيام
أقبل معاوية وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر جالسان، فقام ابن عامر ولم يقم ابن الزبير، فقال معاوية سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ أمقعده من النار، وقال صلّى الله عليه وسلّم: لا يقومنّ الرجل لغيره من مجلسه ثم يجلسه فيه.
وقيل: الكراهة في أن يقعد الرجل ويقيم الناس بين يديه.
(2/42)

الحدّ الثالث عشر في الغزل وما يتعلّق به
(1) ما جاء في أوصاف الهوى وأحوال العشّاق
ماهية العشق
سئل بعض الفلاسفة عن العشق فقال: جنون إلهي، لا محمود ولا مذموم. وسئل عنه آخر فقال: حركة النفس الفارغة. قال شاعر:
هل الحبّ الأزفرة بعد زفرة ... وحرّ على الأحشاء ليس له برد
وفيض دموع العين ياميّ كلّما ... بدا علم من أرضكم لم يكن يبدو
وقال بعض الصوفية: الهوى محنة امتحن الله بها خلقه يستدل به على طاعة خالقهم ورازقهم. وقيل لبعضهم: ما العشق؟ فقال: ارتياح في الخلقة وفرح يجول في الروح وسرور ينساب في أجزاء القوى.
وقال العيني: سألت أعرابيا عن الهوى فقال: هو أظهر من أن يخفى، وأخفى من أن يرى، كامن كمون النار في الحجر، إنّ قدحته أورى وإن تركته توارى. وسئل يحيى بن معاذ عن حقيقته فقال: الذي لا يزيده البرّ ولا ينقصه الجفاء.
أحوال فروع الهوى وأنواعه
قال العلماء: الهوى أنواع أوّله العلاقة وهو الشيء يحدثه النظر والسمع فيخطر بالبال، ثم ينمو فيقوى فيصير محبّة، والحبّ اسم مشترك يجمع ضروبا من ميل النفس كحب الولد والمال، ثم الهوى ثم المودة ثم الصبابة ثم العشق ثم الوله والهيام والتتيّم وهو أرفع درجات الحب لأنه التعبّد. «1»
(2/43)

قال شاعر:
ثلاثة أحباب فحب علاقة ... وحبّ تملاق وحبّ هو القتل «1»
وسئل بعض الصوفية عن الحب والهوى فقال: الهوى يحلّ في القلب والمحبة يحلّ فيها القلب. وقيل: العشق اسم لما يفضل من المحبة، كما أن السخاء اسم لما جاوز الجود، والبخل اسم لما قصر عن الاقتصاد، والهوج اسم لما فضل عن الشجاعة.
وقال بعض الفلاسفة: الحب والعشق والهوى من جنس، لكن العشق اشتهار وتضرع، والوجد هو الحب الساكن الذي إذا رأى صاحبه شغف به وإذا غاب لهج بذكره، والهوى ما تتبعه النفس «2» غيا كان أم رشدا حسنا كان أو قبيحا ولذلك ذمّه الله تعالى بقوله:
وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
«3» .
الأسباب المولّدة للعشق
زعم بعض المفلسفين أن الله تعالى خلق الأرواح كلّها كهيئة كرة ثم قطعها أنصافا فجعل في كل جسد نصفا «4» . فكل جسد لقي الجسد الذي فيه نصفه حصل بينهما عشق وتفاوت حالهما في القوّة والضعف على حسب رقة الطبائع.
وزعم بعضهم أن الصداقة على ثلاثة أنواع: إمّا لاتفاق الأرواح فيكون لاتفاق الشمس والقمر في المولّدين في برج واحد، فلا يجد أحدهما بدّا من حب صاحبه، وإمّا لمنفعة تحصل فتولد ذلك، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها وإما لإلفة تجتمع مواد الحرص إليها، ولهذا قال المتنبيّ:
وما العشق إلا غرّة وطماعة ... يعرّض قلب نفسه فتصاب
وقال الصمد المري:
وما العشق إلا النار توقد في الحشا ... وتذكى إن انضمت عليه الحوائج «5»
(2/44)

شدّة معاناة العشق
قال أعرابي: ما أشدّ جولة الرأي عند الهوى وفطام النفس عند الصبا، ولقد تصدّعت كبدي للمحبين فلوم العاذلين قرطة في آذانهم ونار مؤجّجة في أبدانهم، لهم دموع على المغاني كغروب «1» السواقي.
وقيل: كلّ شهوة تخطر فمداواتها سهلة ما خلا العشق.
ما يولّده العشق من الأخلاق الحميدة
شكا معلم سعيد بن مسلمة ولده إليه، فقال: إنه مشتغل بالعشق فقال: دعه فإنه يلطف وينظف ويظرف. وكان ذو الرياستين «2» يبعث أحداث أهله إلى شيخ يعلّمهم الحكمة، فقال لهم يوما: هل فيكم عاشق؟ قالوا: لا. قال: اعشقوا وإياكم والحرام فالعشق يفصح الفتى ويذكي ويسخي البخيل ويبعث على التنظيف وتحسين الملبس، فلما انصرفوا قال لهم ذو الرياستين: ما استفدتم اليوم؟ قالوا: كذا وكذا. قال: نعم. وإنّما أخذه ممّا روي أن بهرام جور كان له ابن أهّله للملك بعده، وكان ساقط الهمة رديء النفس سيء الخلق فغمّه ذلك، ووكل به من يعلّمه، فلم يكن يتعلّم. فقال معلمه: كنا نرجوه على حال فحدث منه ما أيأسنا وهو أنه عشق بنت المرزبان «3» فقال: الآن رجوت فلاحه.
ثم دعا أبا الجارية فقال: إنّي مستسر إليك سرا، فلا يعدونّك «4» . اعلم أنّ ابني عشق ابنتك وأريد أن أزوّجها منه فمرها بأن تطمعه من غير أن يراها فإذا استحكم طمعه فيها أعلمته أنها راغبة عنه لقلّة أدبه.
ثم قال للمعلم: خوّفه بي وشجّعه على مراسلة المرأة ففعلت المرأة ما أمرت به.
فقال الغلام في نفسه: أنا أجتهد في تحصيل ما أصل إليها به فأخذ في التأدّب وتعلم الشجاعة ثم قال أبوه للمؤدب شجّعه على أن يرفع أمرها، ويسألني أن أزوجها منه، ففعل فزوّجها من ابنه. وقال لا تزدرينّ بها في مراسلتها إليك فإني أمرتها بذلك وإنّ من صار سببا لعقلك فهو أعظم الناس بركة عليك.
قال العرجيّ «5» :
تجشّم المرء هولا في الهوى كرم
(2/45)

وقال آخر:
لا عار في الحبّ إن الحبّ مكرمة ... لكنّه ربما أزرى بذي الخطر «1»
وقيل: لو لم يكن في العشق إلا أنه يشجع الجبان ويصفّي الأذهان ويبعث حزم العاجز لكفاه شرفا. قال شاعر:
الحبّ شجّع قلب كلّ فروقة ... والحبّ حمّل عاجزا فأطاقا «2»
ذمّ من لا يعشق وكدر حياته
قال أعرابي: من لا يعشق فهو ردئ التركيب جافي الطبع كزّ «3» المعاطف. كان ابن أبي مليكة يؤذّن فسمع غناء فطرب وقال:
إذا أنت لم تعشّق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا
وقال:
من عاش في الدنيا بغير حبيب ... فحياته فيها حياة غريب
ما تنظر العينان أحسن منظر ... من طالب إلفا ومن مطلوب
ما كان في حور الجنان لآدم ... لو لم تكن حواء من مرغوب
قد كان في الفردوس يشكو وحشة ... فيها ولم يأنس بغير حبيب
ذكر من عشق من الكبار
قد علم ما كان من داود عليه السلام وعشقه امرأة أوريا والتحاكم إليه وقوله تعالى:
إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً
«4» الآية حتى فطن للقصة فاستغفر ربّه (الآية) . وخبر يوسف وامرأة العزيز وقوله تعالى: قَدْ شَغَفَها حُبًّا
«5» وخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم مع زينب امرأة زيد قال العبّاس بن الأحنف:
أستغفر الله إلّا من محبّتكم ... فإنها حسناتي يوم ألقاه
فإن زعمت بان الحبّ معصية ... فالحبّ أحسن ما يعصى به الله
من قهره الهوى عن عزّه
كان للرشيد ثلاث جوار اشتد شغفه بهنّ فقال:
ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكلّ مكان
مالي تطاوعني البريّة كلّها ... وأطيعهنّ وهنّ في عصياني
(2/46)

ما ذاك إلا أنّ سلطان الهوى ... وبه قوين أعزّ من سلطاني
قال عروة «1» :
وكم من كريم قد أضرّ به الهوى ... فعوّده ما لم يكن يتعوّد
قال كثيّر:
ضعائف يقتلن الرجال بلا دم ... فيا عجبا للقاتلات الضعائف
وقال الخبزارزي:
ولربّ عبد في الهوى ... يستعبد الحرّ المطاعا
قيل لرجل: إنّ ابنك قد عشق، فقال: عذّب قلبه وأبكى عينه وأطال سقمه قال بعض الفلاسفة: لم أر حقا أشبه بباطل من العشق، هزله جدّ وجدّه هزل، أوله لعب وآخره عطب «2»
إن الهوان هو الهوى جزم اسمه ... فإذا لقيت هوى لقيت هوانا
وقال آخر:
وما كيّس في النّاس يحمد رأيه ... فيوجد إلا وهو في الحبّ أحمق «3»
حمد تحمّل المذلّة في الهوى
قال شاعر:
أن التذلّل في حكم الهوى شرف
وقال آخر:
لا تأنفنّ من الخضوع لذي الهوى ... واخضع لإلفك كائنا من كانا
وقيل: التذلّل للحبيب من شيم الأريب «4» .
ونقشت ظريفة على خاتمها:
قصيرة من طويله ... نفس المحبّ ذليله
قال الأصمعي: غضب الفضل بن يحيى على جارية فبعثت إلي تسألني أن أسترضيه فسألته فقال: الذنب ذنبها فقلت وكيف موقعها من قلبك أيها الأمير. قال أحسن موقع وإنما أريد بهذا الهجر تهذيبها. قلت: فاستعمل فيها وصية العبّاس بن الأحنف قال: وما هي؟
(2/47)

قلت:
تحمّل عظيم الذنب ممّن تحبّه ... وإن كنت مظلوما فقل أنا ظالم
فإنك إن لم تغفر الذنب في الهوى ... تفارق من تهوى وأنفك راغم «1»
وصف الهوى بأنه جنون
وصف أعرابي الهوى فقال: هو طرف من الجنون، إن لم يكن عصارة السحر وعليه:
أداء عراني من جنابك أم سحر؟ «2»
وقال غيلان بن عقبة:
هو السحر إلّا أنّ للسحر رقية ... وإنّي لا ألقى من الحب راقيا
وقال ابن الرومي:
أهوى الهوى كلّ ذي لبّ فلست ترى ... إلا صحيحا له أفعال مجنون
من شغف بقبيح ليس فيه موضع للعشق
تيّقن من رآك تحبّ قينا ... بأنّ الحبّ ضرب من جنون «3»
مغالبة الهوى
قيل: مغالب الهوى كمغالب الدنيا. قال شاعر:
قد كنت أعلو الحبّ حينا فلم يزل ... بي النقض والإبرام حتّى علانيا
وقال آخر:
فو الله ما أدري أيغلبني الهوى ... إذا جدّ جدّ البين أم أنا غالبه «4»
فإن أستطع أغلب فإن يغلب الهوى ... فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه
استعظام المحبوب وجلالته في عين المحّب
يستحسن في ذلك قول بعضهم:
أهابك إجلالا وما بك قدرة ... عليّ ولكن ملء عين حبيبها
وقال آخر:
تمنيته حتّى إذا ما رأيته ... بهتّ فلم أعمل لسانا ولا طرفا
وأطرقت إجلالا له ومهابة ... وحاولت أن يخفى الذي بي فلم يخفا
(2/48)

فلو أنّني ملكت من ثغره الذي ... تمكّن فيه الدرّ قبّلته ألفا «1»
وصف حبّ تمكّن في الحشا
قال كثيّر «2» :
أباحت حمىّ لم ترعه الناس قبلها ... وحلّت تلاعا لم تكن قبل حلّت «3»
قال العباس بن الأحنف:
لا تحسبنّي ماذقا في الهوى ... إنّي على حبّك مطبوع «4»
قال عبيد الله بن طاهر:
شققت القلب ثم ذررت فيه ... هواك فليم فالتأم الفطور «5»
تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرور
قيل لأبي العتاهية: أي شعرك أعجب إليك؟ قال قولي:
قال لي أحمد ولم يدر ما بي ... أتحبّ الغداة عتبة حقّا «6»
فتنفست ثم قلت: نعم حب ... اجرى في العروق عرقا فعرقا
قال رجل لمحبوبه: حبك متولّ على فؤادي وذكرك سميري، فقال له محبوبه: أما أنا فلا أحب أن يقع طرفي على سواك.
قال عمر بن أبي ربيعة «7» :
فمن كان لا يعدو هواه لسانه ... فقد سار في قلبي هواك وخيّما
وليس بتزويق اللسان وصوغه ... ولكنّه قد خالط اللحم والدّما
قال المهلّبي:
وصرنا في محبّتنا حديثا ... يهجّن شرحه قيسا ولبنى
(2/49)

من ذكر أن قلبه ناصر محبوبه عليه
قال العباس بن الأحنف:
قلبي إلى ما ضرّني داعي ... يكثر أسقامي وأوجاعي
كيف احتراسي من عدوّي إذا ... كان عدوّي بين أضلاعي
أخذ ذلك من قول النبي صلّى الله عليه وسلّم أعدي عدويك نفيسة بين جنبيك. قال شاعر:
يوازره قلبي عليّ وليس لي ... يدان على قلبي عليه توازره
وقال آخر:
أقامت على قلبي رقيبا وناظري ... فليس يؤدّي عن سواها إلى قلبي
قتيل الهوى شهيد
روي في الخبر: من عشق فعفّ فمات، مات شهيدا.
وقال الخبزارزي:
وحبّك ما استحسنت خير مجرّب ... عليك إذا لم تنتهك فيه محرّما
وقال الفتح بن خاقان:
زفرة في الهوى أحطّ لذنب ... من غزاة وحجّة مبروره
وقال المهلّب:
أشتهي الآن أن أصلّي على نعش محبّ قد مات في الحبّ وجدا قيل: ذنوب العشّاق ذنوب اضطرار لا اختيار، وما كان كذلك لم يستحق عقوبة.
كون قتيل الهوى هدرا
قال عبد الله بن جندب: خرجت فرأيت فساقا فيهن امرأة كأنها منحوتة من فضّة فتمثلت بقول قيس بن ذريح «1» :
خذوا بدمي إن مت كلّ خريدة ... مريضة جفن العين والطرف فاتر «2»
فقالت المرأة: يا ابن جندب إن قتيلنا لا يودى «3» وأسيرنا لا يفدى. وقال ابن عبّاس: قتيل الهوى هدر ولا عقل ولا قود. وقال أبو حية النميري:
رمين فأقصدن القلوب ما نرى ... دما مائرا إلا جرى في الحيازم
(2/50)

ولكن لعمر الله ماطل مسلما ... كغرّ الثنايا واضحات الملاغم «1»
وإن دما لو تعلمين جنيته ... على الحيّ جاني مثله غير سالم
قال مسلم بن الوليد:
أديرا عليّ الكأس لا تشربا قبلي ... ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي «2»
من أمر أن يقتصّ من محبوبه
قال شاعر:
خليليّ إن حانت وفاتي فاطلبا ... دمي من سليمى واطلبا بجميل
وقال الحسين بن الضحّاك:
غزال ما اجتلاه الطرف إلّا ... تحيّر في ملاحة وجنتيه
خذوا بدمي محاسنه وخصّوا ... مقبّله وبرد ثنيّتيه «3»
الاشفاق من أن يلحق المحبوب إثم في قتله
وقال أحمد بن يوسف:
وفي الموت لي من لوعة الحبّ راحة ... ولكنّني أخشى ندامتها بعدي
استطابة الأذى في معاناة الهوى
قال المجنون:
يقولون ليلى عذبّتك بحبّها ... ألا حبّذا ذاك الحبيب المعذّب
وقال آخر:
تشكّى المحبوب الصبابة ليتني ... تحملت ما ألقاه من بينهم وحدي
فكانت لنفسي لذة الحبّ كلّها ... فلم يلقها قبلي محبّ ولا بعدي
وقال آخر:
دع الحبّ يصلى بالأذى من حبيبه ... فكلّ أذى ممّن تحب سرور
تراب قطيع الشاملي عين ذئبها ... إذا ما تلا آثارهنّ ذرور
قال المتنبيّ:
سهاد أتانا منك في العين عندنا ... رقاد وقلام رعى سربكم ورد «4»
(2/51)

وقال:
ضنى في الهوى كالسمّ في الشهد كامنا ... لذذت به جهلا وفي لذّتي حتف
وقال:
والعشق كالمعشوق يعذب قربه ... للمبتلي وينال من حوبائه «1»
لو قلت للدنف الحزين فديته ... ممّا به لأغرته بفدائه
التبرّم بالهوى
قال محمّد بن عبد الله بن طاهر:
ليت الهوى لم يكن بيني وبينكم ... وليت معرفتي إيّاك لم تكن
وقال البحتري:
رحلوا فأيّة عبرة لم تسكب ... أسفا وأيّ عزيمة لم تغلب
لو كنت شاهدنا وما صنع الهوى ... بقلوبنا لحسدت من لم يحبب
التلذّذ بالهوى عند المواصلة والتبرّم به لدى المعارضة
قال الخوارزمي:
وهذا الهوى عيش المحبّ إذا صفا ... ولكن إذ لم يصف كان له حتفا
وقال وهب الهمداني:
ولي بين هجران الحبيب ووصله ... مصيران موت تارة ونشور «2»
التعبّد للمحبوب وتذليل النفس فيه
قد أجمع الأدباء على تفضيل قول أبي الشّيص:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخّر عنه ولا متّقدّم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم
أشبهت أعدائي فصرت أحبّهم ... إذ كان حظّي منك حظّي منهم
وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... ما من يهون عليك ممّن يكرم
ويستعذب قول المتنبيّ حتى ما من أديب إلا وهو يرويه ولا مغن إلا وهو يغنّيه:
يا من يعزّ علينا أن نفارقهم ... وجداننا كلّ شيء بعدكم عدم
(2/52)

إن كان سرّكم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم
المتبرّم بمحبوبه عمّن عداه والمتبرم عند فقده بسواه
قال إبراهيم بن العباس:
وأنت هوى النفس من بينهم ... وأنت الحبيب وأنت المطاع
ومالي إن بعدوا وحشة ... ولا معهم إن بعدت اجتماع
قال أبو فراس:
فيا ليت ما بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب
وليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب
وقال آخر:
وكنت إذا داري بطيبك أسعفت ... رضيت على الدنيا فما أستزيدها «1»
قال الماهر:
النّاس أنت فأين عنك معرجي ... والأنس فيك فأين عنك أيمّم
وقال آخر:
فكلّ حياة مع سواك منيّة ... وكلّ ضحىّ في أرض غيرك غيهب «2»
قالت أعرابية:
فما أحسن الدنيا وعندي خالد ... وأقبحها لما تجهّز غازيا
وقال رجل لامرأة: قد أخذت بمجامع قلبي «3» فلست استحسن سواك. فقالت: إن لي أختا هي أحسن منّي وها هي خلفي، فالتفت الرجل فقالت: يا كذّاب تدّعي هوانا وفيك فضل لسوانا.
الاستغناء بالحبيب عن كلّ خير وطيب
قال بعضهم:
ولو جاوزتنا لعام آخر لم نبل ... على جدبنا أن لا يصوب ربيع «4»
وقال كشاجم:
ما أرتجي بالرياض فيك غنىّ ... عنهنّ لي منظر وحسن غنا
(2/53)

أدير طرفي فلا أرى حسنا ... إلا أرى فيك ذلك الحسنا
إجابة الهوى إذا دعا
قال بعض بني أسد:
إذا أمرتك النفس أن تتّبع الهوى ... فقل: سامع للأمر منك سميع
وهذا خلاف قول الآخر:
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال
ولهذا باب في أول الكتاب، ولثوبة:
ولو أنّ ليلى الأخيلية سلّمت ... عليّ ودوني جندل وصفائح «1»
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
فيقال: لما مات ثوبة ومضى على ذلك زمان وتزوجت ليلى مرّت مع زوجها يوما بقبر ثوبة فقال: ألا تسلمين عليه لننظر هل صدق في قوله ولو أن ليلى (البيتين) . فسلمت عليه فندّت هامة «2» من ناحية قبره وصرخت، فنفر جملها وسقطت فاندقّ عنقها فماتت فدفنت بجانبه.
جهل المحب بمقابح محبوبه
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: حبّك الشّيء يعمي ويصمّ، أي يعمي عن الرشد ويصمّ عن سماع المواعظ على ذلك قال معاوية: لولا يزيد لأبصرت رشدي. قال شاعر:
يا عتب ما أنا عن فعالك بي ... أعمى ولكنّ الهوى أعمى
وقال آخر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أنّ عين السخط تبدي المساويا «3»
قال المتنبيّ:
ويقبح من سواك الفعل عندي ... وتفعله فيحسن منك ذاكا
قال علي بن عبد الله بن جعفر:
ولائم لام فيه ... يبغى بذلك شيني «4»
(2/54)

فقلت إذ لام فيه ... هلّا نظرت بعيني «1»
وقال الأصمعي: سألني الرشيد عن حقيقة العشق فقلت: أن يكون البصل منها أطيب من المسك من غيرها.
عذر من أحبّ قبيحا
قيل لرجل: لم اخترت من جواريك أقبحّهنّ؟ فقال: لأن الهوى ليس نخّاسا «2» فيختار أثمنهنّ. وقال رجل للجماز: ابتلاك الله بحب فلانة وإنّها لامرأة قبيحة. فقال يا أحمق لو ابتلاني الله بحبها لكانت كالحور العين عندي، ولكن ابتلاك بأن تكون في بيتك وأنت تبغضها ولا يمكنك التخلّص منها. وقيل لرجل: اخترت فلانة مع قبحها فقال: لو صحّ لذي الهوى اختيار لاختار أن لا يعشق وقيل: العين إذا أبصرت الهوى عميت عن الاختيار.
من جعل محبوبه كمعبوده
مذهب الحلوليين «3» معروف فيما يدّعونه- تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- قال شاعر:
لما رآه النصارى لا شبيه له ... وشاهدوه بأسماع وأبصار
خرّوا سجودا وقالوا حلّ ثانية ... في صورة الأنس ذاك الواحد الباري
وقال آخر:
أفدي بنفسي من بدر على غصن ... تكاد تأكله عيناي بالنظر
إذا تفكّرت فيه عند رؤيته ... صدّقت قول الحلوليين في الصور
هوى ثبت في الصغر وبقي على حالته في الكبر
كل هوى ثبت في الصغر فهو كالنّقش في الحجر، لا تغيّره الأحوال ولا تبدّله الأعوام. قال ابن الطثريّة:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكّنا
وقال:
وعلقت ليلى وهي ذات ذوائب ... تردّ علينا بالعشيّ المراميا «4»
(2/55)

فشبّ بنو ليلى وشبّ بنو ابنها ... وأعلاق ليلى في الفؤاد كما هيا «1»
من ذكر أنّ هواه لا يزول إلا بموت
قال شاعر:
ستبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ودّ يوم تبلى السرائر
وقال آخر:
يهيم فؤادي ما حييت بذكرها ... ولو أنّني قدمتّ جاوبها الصدى «2»
المفاضلة بين قديم الهوى وحديثه
قال الأصمعي: رأيت في طريق الحج جاريتين كفلقتي القمر، فلما كانت السنة الثانية رأيت إحداهما فسألتها عن أختها فقالت تزوج بها ابن عم لها، فقلت: لو أدركتها لتزوجتها فقالت ما يمنعك من شقيقتها في حسبها ونسبها وشريكتها في حسنها فقلت: قول كثير:
إذ واصلتنا خلّة كي تزيلها ... عرضنا وقلنا الحاجبيّة أوّل
فقالت بيننا كثير أليس هو القائل:
هل وصل عزّة إلا وصل غانية ... في وصل غانية عن وصلها خلف «3»
وحدّث يحيى بن أكثم المأمون أن كثيّرا اجتمع مع عزّة فتنكرت له متنقّبة وقالت:
من أنت؟ قال كثير فقالت: وهل تركت عزّة فيك نصيبا لغيرها؟ فقال: لو أن عزة كانت أمة لي لجعلتها لك، فكشفت البرقع وقالت: أهذا أيضا كذب الوشاة؟ فاستحيا، فقال:
المأمون لقد استحييت له وأنا على سريري.
وقال جعفر بن سليمان: قصدت المهدي يوما فقال: دخلت إلى جارية يقال لها حسناء ودخلت أخرى يقال لها ملكة، وأردت القيلولة فقلت: عند أيكما أقيل؟ فقالت حسناء: إن الله تعالى يقول: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
«4» فقالت ملكة لا تعجّل فإن الله تعالى يقول: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى
«5» فقلت لو أن شريكا حضرهما لم يقدر أن يقضي بينهما. قال بشار:
سبقت بالحب سلمى غيرها ... وأحقّ النّاس عندي من سبق
قال أبو تمّام:
نقلّ فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأوّل منزل
(2/56)

ونقضه ديك الجن فقال:
نقّل فؤادك حيث شئت فلن ترى ... كهوى جديد أو كوصل مقبل
من جعل لكلّ من قديم الهوى وحديثه نصيبا
قال شاعر:
أنا مبتلىّ ببليتين من الهوى ... شوقي إلى الثاني وذكر الأول
قسم الفؤاد لحرمة وللذة ... في الحبّ من ماض ومن مستقبل
قال كثيّر:
وللعين ملهىّ في البلاد ولم يقد ... هوى النفس شيء كاقتياد الطّرائف
قال أبو تمّام:
وقالت أنيسي البدر قلت تجلّدا ... إذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر
من ذكر كثرة من يهواهم
قال ابن أبي طاهر:
عدمت فؤادي من فؤاد فما أشقى ... وأكثر من يهوى وأعظم ما يلقى
فلو كان يهوى واحدا لعذرته ... ولكنّه من جهله يعشق الخلقا
ثمانون لي في كلّ يوم أحبّهم ... وما في فؤادي واحد منهم يبقى
وقال آخر:
قالوا بغانية واصلت غانية ... فقلت: حزم ورود الماء بالماء «1»
مساعفة المحبوب إذا ساعف والإعراض عنه إذا أعرض
هذه طريقة يختارها قوم فيطيب عيشهم وإن كان لا يرضاها من يتكلم في العشق من حكام أربابه. قال شاعر:
تمتّع بها ما ساعفتك ولا يكن ... عليك شجىّ في الصّدر حين تبين
تأسّف من بحبّه من لا يحبه
قال شاعر:
إن كان ذا قدر أنعطيك نافلة ... منّا وتحرمنا ما أنصف القدر
وقال أبو الطحان:
أفي الحقّ أنّي مغرم بك هائم ... وأنّك لا خلّ هواك ولا خمر
(2/57)

وقال أشجع:
وموت الفتى خير له من حياته ... إذا كان ذا حالين يصبو ولا يصبى
ويستظرف للمتنبي:
أنت الحبيب ولكنّي أعوذ به ... من أن أكون محبّا غير محبوب
قال بعضهم: وجدت بمكة شابا مصفرا ناحلا فسألته عن حاله فقال: بليت بوصيفة فذهب رأس مالي في ثمنها ونفقتها وليست تحبني، فقلت استمتع بها وعدها بعض نعم الدنيا والآخرة هل تحبك العافية هل تحبك الصحة هل يحبك المال هل تحبك الجنة؟
فقال: لا. فقلت: أليس تحب كل ذلك وتتمتع به مع أنه لا يحبك، فهبها بعض نعيم دنياك وآخرتك فقام كالمسرور وأوجع إليها وساهلها في سوء خلقها حتى رجع الله تعالى بقلبها إليه وطاب عيشه معها.
تأسف من يزداد صفاء بجفاء محبوبه
قال إبراهيم بن العباس:
بنفسي من إساءته اعتماد ... ومن إحسانه من غير عمد
ومن أصفيته في الودّ جهدي ... فعارض في الجفاء بمثل جهدي
وقال أبو العتاهية «1» :
ولي فؤاد إذا طال العذاب به ... هام اشتياقا إلى لقيا معذّبه
يفديك بالنّفس صبّ لو يكون له ... أعزّ من نفسه شيء فداك به «2»
من ذكر مساواة محبوبه في المحبّة
إنّ التي زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
قال إبراهيم بن المهدي:
وتخبرني عن قلبها فكأنّها ... إذا صدقت عنه تحدّث عن قلبي
قال أبو عنبسة:
كلانا سواء في الهوى غير أنّها ... تجلّد أحيانا وما بي تجلّد
قال الرفاء:
شكوت الذي تشكو إليّ كأنّما ... تجنّ ضلوعي ما تجنّ ضلوعها
(2/58)

قال بعض الصوفية «1» :
روحه روحي وروحي روحه ... إن يشا شئت وإن شئت يشأ
تعارف القلوب مودّات الأحباب
قال صلّى الله عليه وسلّم الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف. وما تناكر منها اختلف. قال بكر بن النطاح:
وعلى القلوب من القلوب دلائل ... بالودّ قبل تشاهد الأشباح
قال العبّاس بن الأحنف:
قل للّتي وصفت مودّتها ... للمستهام بذكرها الصّب
ما قلت إلا الحقّ أعرفه ... إنّ الدليل عليه من قلبي
قلبي وقلبك بدعة خلقا ... يتجاريان بصادق الحبّ
ثم نقض هذا بقوله:
فلو كنّ حقّا كما يزعمون ... لما كان يجفو حبيب حبيبا
محبة من لا يعرف الهوى
قال العبّاس بن الأحنف:
وجاهلة بالحبّ لم تبل طعمه ... وقد تركتني أعلم النّاس بالحّب
وقال ابن المعتز:
قد كان غرا بقتلي ليس محسنه ... فالآن يبدع في قتلي على البدع «2»
محبة كل من مات بالمحبوب
أحبّ بني القوام طرّا لحبّها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا «3»
قال قيس بن ذريح:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من مني ... فهيّج أشجان الفؤاد وما يدري «4»
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أهاج بليلى طائرا كان في صدري
(2/59)

وقال المتنبيّ:
لولا ظباء عديّ ما شقيت بهم ... ولا بربربهم لولا جآذره «1»
من هانت نفسه عليه لاستخفاف محبوبه بها
قال أبو الشيص:
أشبهت أعدائي فصرت أحبّهم
وقال البيتين آخر:
إن الذين بخير كنت تذكرهم ... قد أهلكوك وعنهم كنت أنهاكا
لا تطلبن حياة عند غيرهم ... فليس يحييك إلا من توفّاكا
المدعي عشقا من غير عيان
وقال بشار:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا بمن لا ترى تهذي، فقلت لهم: ... الأذن كالعين تؤتي القلب ما كانا «2»
قال ابن الرومي:
هويتك ناشئا قبل التّلاقي ... هوى حدثا تكهّل باكتهالي «3»
وكلّ مودة قبل اختبار ... فتلك هوى طبائع لا انتحال «4»
تأذّي المحبوب بحبّه
قيل: المرأة إذا أحبتك آذتك وإذا أبغضتك خانتك. وقال رجل ليوسف الصديق:
إني أحبّك، فقال: لا حاجة لي بمن يحبني فقد أحبني أبي فطرحت لأجله في الجبّ وأحبتني امرأة العزيز فحبست لأجلها في السجن بضع سنين.
من فقدته العين ولم يفقده القلب
قال بعض المحدثين:
والله ما شطّت نوى ظاعن ... إلّا عن العين إلى القلب «5»
وقال آخر:
بنتم عن العين القريحة فيكم ... وسكنتم منّي الفؤاد الواله
(2/60)

قال ابن قتير:
إن كنت لست معي فالذكر منك سوى ... قلبي القريح وإن غيّبت عن بصري
العين تبصر من تهوى وتحرمه ... وإنّما القلب لا يخلو من الفكر
وقال آخر:
يجدّ النأي ذكرك في فؤادي ... إذا ذهلت على النّأي القلوب «1»
وقال البحتري:
إن جرى بيننا وبينك هجر ... وتناءت منّا ومنك الديار
فالغليل الذي عهدت مقيم ... والدّموع التي عهدت غزار «2»
تذكّر المحبوب في جميع الأحوال
وقال شاعر:
تذكّر نيك الخير والشرّ والذي ... أخاف وأرجو والذي أتوقّع
قال عمر بن أبي ربيعة:
إذا طلعت شمس النهار ذكرتها ... وأحدث ذكراها إذا الشمس تغرب
قالت الخنساء «3» :
يذكّرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكلّ غروب شمس
من لم يوجعه بعد محبوبه لتصوره
إن التباعد لا يضرّ إذا تقاربت القلوب
قال ابن المعتز:
ما أبالي بظنون ... وعيون أتّقيها
لي من ذكراك مرآ ... ة أرى وجهك فيها
(2) تذكّر المحبوب في اليقظة والنوم
لعليّ بن الجهم، قوله:
آخر شيء أنت في كل هجعة ... وأوّل شيء أنت عند هبوبي «4»
(2/61)

قال ابن ميّادة:
فما مسّ جنبي الأرض إلا ذكرتها ... وإلا وجدت ريحها في ثيابيا
تذكّر المحبوب في الخفض والشدّة
وقال بعضهم:
أسجنا وقيدا واشتياقا وعبرة ... ونأي حبيب إنّ ذا لعظيم
وأن أمرأ دامت مواثيق عهده ... على مثل ما قاسيته لكريم
قال بعض الصوفية:
ولقد ذكرتك والذي أنا عبده ... والسيف عند ذؤابتي مسلول
تذكره بضرب من المشابهة من طيب
كتب بعض البلغاء:
يذكرناك ريح الشمول وريح الشمال «1»
قال بشّار:
إذا لاح الصوار ذكرت سعدى ... وأذكرها إذا نفخ الصوار «2»
قال الخبزارزي:
نصبا لعينك لا ترى حسنا ... إلا ذكرت به لها شبها
قال البحتري:
كأس تذكرّني الحبيب بلونها ... وبشمّها وبطعمها وحبابها «3»
قال بعض المحدثين:
إذا ما ظمئت إلى ريقه ... جعلت المدامة منه بديلا
وأين المدامة من ريقه ... ولكن أعلّل قلبا عليلا
تعسر نسيان المحبوب
قال المهدي يوما لأصحابه: أي بيت أغزل؟ فقال بعضهم قول كثيّر:
أريد لأنسى ذكرها فكأنّما ... تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
فقال ماله يريد أن ينسى. فقيل: قول امرئ القيس في اعشار قلب مقتل فقال هذا جاف، فقال ابن بزيع عندي غرضك:
إذا قلت إنّي مشتّف بلقائها ... وحم التلاقي بيننا زادني وجدا
(2/62)

فقال: أصبت.
الاستحياء من المحبوب بظهر الغيب لتصوّره
قال جميل «1» :
وأني لأستحييك حتى كأنّما ... عليّ بظهر الغيب منك رقيب
قال أشجع:
ويمنعني من لذّة العيش أنّني ... أخاف إذا قارفت لهوا ترانيا
ذكره في الصلاة
قال المجنون:
أصلّي فما أدري إذا ما ذكرتها ... اثنتين صلّيت الضّحى أم ثمانيا
قال الخبزارزي:
ألفت هواك حتّى صرت أهذي ... بذكرك في الرّكوع وفي السّجود «2»
التلذّذ بذكره
اشرب على ذكرهم إن حيل بينهم ... عساك منهم على ذكر إذا شربوا
قال محمد بن أمية:
أقول لهم كرّوا الحديث الذي مضى ... وذكراك من بين الأنام أريد
أناشده ألا أعاد حديثه ... كأنّي بطيء الفهم حين يعيد
قيل لأبي المجنون: لو خرجت إلى مكة لتكون بعيدا عن ليلى، فعساه يتسلّى ففعل.
فسمع يوما إنسانا يقول يا ليلى فغشي عليه فلما أفاق قيل له مالك؟ فقال:
وداع دعا بالخيف إذ نحن من منى
وقال:
وإنّي تعروني لذكراك هزة ... لها بين جلدي والعظام دبيب «3»
من خطّ صورة محبوبه وشكا إليها
قال أبو نواس «4» :
إذا ما الشّوق أقلقني إليه ... ولم أطمع بوصل من لديه
(2/63)

خططت مثاله في بطن كفّي ... وقلت لمقلتي فيضي عليه
قال بشار:
خططت مثالها وجلست أشكو ... إليها ما لقيت على انتحاب
كأنّي عندها أشكو همومي ... إليها والشكاة على التّراب
الاستقاء لماضي الزمن
سقى الله أياما لنا ولياليا ... مضين فلا يرجى لهنّ طلوع
إذ العيش صاف والأحبّة جيرة ... جميع وإذ كلّ الزمان ربيع
وإذ أنا أما للعواذل في الهوى ... فعاص وأما للهوى فمطيع
قال الصاحب في هذا الشعر: إن شئت كان أعرابيا في شملته وإن شئت فعراقي في حلّته. وقال البحتريّ:
والعيش غضّ والحياة لذيذة ... والحادثات عن الزّمان بمعزل
وقال آخر:
سقيا لأيام تولّت بها ... أحسن ما كانت صروف الزمن
ولّت فما الدنيا بأقطارها ... لليوم والساعة منها ثمن
تمنّي عود الأيام السالفة
قال بعضهم:
ولو أنني أعطيت من دهري أنني ... وما كلّ ما يعطى المنى بمسدّد
لقلت لأيام مضين ألا ارجعي ... وقلت لأيّام أتين ألا ابعدي
وقال آخر:
خليليّ ما بالعيش عتب لو أننا ... وجدنا لأيام الحمى من يعيدها
وقال جحظة:
ألا ليت عيشا أولا كرّ راجعا ... وإلا فعيش آخر مثل أوّل
التلهف على أحوال سالفة
قال منصور النميري:
ومجالس لك بالحمى ... وبها الخليط نزول «1»
أيامهن قصيرة ... وسرورهنّ طويل
المالكيّة والشا ... ب وقينة وشمول «2»
(2/64)

وقال آخر:
لولا ثلاث هنّ عيش الدهر ... المال والخبز وأمّ عمرو
من هيّجه الحمام بتغريده
أنشد ابن أبي طاهر وقال هو أحسن ما قيل في بكاء الحمام:
وقلبي أبكى كلّ من كان ذا هوى ... هتوف البواكي والديار البلاقع «1»
ومرّ على الأطلال من كلّ جانب ... نوائح ما تخضّل منها المدامع
مزبرجة الأعناق غرّ بطونها ... مخطّمة بالدرّ خضر روائع «2»
ترى طررا بين الخوافي كأنّما ... حواشي برود أحكمتها الوشائع «3»
ومن قطع الياقوت صيغت عيونها ... خواضب بالحنّاء منها الأصابع
قال حميد بن ثور:
وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... دعت ساق حرّ ترحة وترنّما
بكت شجو ثكلى قد أصيب حميمها ... مخافة بين يترك الحبل أجذما «4»
فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها ... ولا عربيا شاقه صوت أعجما
وقال آخر:
يا ويح قمرية غنّت لنا هزجا ... ممّا تغنّي بنظم جدّ متزن
قد كنت واقعة دهرا على فنن ... فصرت في جوف منحوت من القنن
فخبّرينا وما ألقاك مخبرة ... أتسجعين للهو منك أم شجن
وفي الفؤاد هموم لست مظهرها ... خوف الوشاة وإشفاقا من الزّمن
التذكر بنار موقدة
نظر أعرابي إلى نار بأرض محبوبه فقال:
أنار بدت يا عبد في ساكن الغضا ... مع الليل أم برق تلألأ ناضب «5»
(2/65)

فاحبب بتلك النّار والموقد الذي ... له عند جرعاء النميرة حاطب «1»
وقال:
يا موقد النار أوقدها فإنّ بها ... سنا يهيج فؤاد العاشق السّدم
التذكر بالبرق
قال أبو سعيد بن فوقة:
أقول وقد شمت البروق فلم أجد ... كبرق بدا من أصبهان فأومضا «2»
سقى الرائح الغادي بلادا رفضتها ... ولم تك إلا أن نبت بي لترفضا
وهل هي إلا موطن لي محبّب ... إليّ أعادته الخطوب مبغضا
وقال:
إذا أومض البرق من أرضها ... تمثّل لي أنّها تبتسم
وأذكرها في المحلّ الجديب ... فيخصب من دمعي المنسجم
التذكر والشوق بهبوب الريح
قال شاعر:
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... لقد زادني مسراك وجدا على وجد «3»
وقال عبد الله بن أمية:
هبّت شمالا فقيل من بلد ... أنت بها طاب ذلك البلد
فقبّل الريح من صبابته ... ما قبّل الريح قبله أحد
وقال:
إذا هبّ علويّ الرياح وجدتني ... كأنّي لعلويّ الرّياح كثيب
تذكر المحبوب بالاختلاج العارض
العرب تزعم أن من خدرت رجله فذكر محبوبه ذهب خدرها. قال عمر بن أبي ربيعة:
إذا خدرت رجلي أبوح بذكره
وقال:
إذا مذلت رجلي دعوتك أشتفي ... بذكراك من مذل بها فيهون «4»
ويقولون من اختلجت عينه أبصر محبوبه، قال إبراهيم الصّولي:
اختلجت عيني فأبصرته ... كأن عيني تعلم الغيبا
(2/66)

قال ابن المعتز:
مرحبا باختلاج أجفان عين ... بشّرت نفسها برؤية خير
قال العباس:
ظلّت تبشّرني عيني إذا اختلجت ... بأن أراك وما زالت على خطر
فقلت للعين أما كنت صادقة ... إني ببشراك لي من أسعد البشر
فما جزاؤك عندي لست أعرفه ... بلى جزاؤك أن تخلبن بالنظر
وأحجب المقلة الأخرى وأمنعها ... وجه الحبيب كما لم تأت بالخبر
(3) وممّا جاء في التوديع والفراق
وقال لبعضهم:
تمتّع من حبيب بالوداع ... فما بعد الفراق من اجتماع
فلم أر في الذي لاقيت شيئا ... أمرّ من الفراق بلا وداع
قال بشّار:
إن الوداع من الأحباب نافلة ... للظّاعنين إذا ما يمّموا بلدا
ولست أدري إذا شطّ المزار بهم ... هل تجمع الدار أم لا نلتقي أبدا
قال الموسوي:
وأفجع النّاس من سارت حبائبه ... ولا عناق ولا ضمّ ولا قبل
التوديع بالإشارة
قال الأصمعي سمع أعرابيا يخاطب آخر يقول: شيعنا الحي وفيهم أدوية السقام فاشرنا بالحدق إلى السلام وجمدت الألسن عن الكلام. خرج رجل في سفر وكانت له ابنة عم يحبّها فقال:
ولما تبدّت للرحيل جمالنا ... وجدّ بنا سير وفاضت مدامع
أشارت بأطراف البنان وسلّمت ... وأومت بعينيها متى أنت راجع
فقلت لها والقلب فيه حرارة ... فديتك ما علمي بما الله صانع
استطابة التوديع طمعا في لقاء الحبيب
قال شاعر:
وسهّل التوديع يوم النّوى ... ما كان قد وعّره الهجر «1»
(2/67)

وقال:
ليس عندي خطب النوى بعظيم ... فيه روح وفيه كشف غموم
إنّ فيه اعتناقة لوداع ... وانتظار اعتناقة لقدوم
وقال:
ولو فهم النّاس التّلاقي وحسنه ... لحبّب من أجل التّلاقي التفرّق
فيا حسننا والدّمع بالدمع واشج ... نمازجه والخدّ بالخدّ ملصق «1»
فلم تر إلا مخبرا عن صبابة ... بشكوى وإلا عبرة تترقرق
ومن قبل قبل التلاقي وبعده ... نكاد بها من شدّة اللثم نشرق «2»
عذر نارك توديع محبوبه
كتب بعضهم: ما أعرضت عن تشييعك إلا استفظاعا لتوديعك وما كرهت توديعك إلا كراهة تجديد العهد بفراقك. قال البحتري:
لا تعذلني في مسي ... رك يوم سرت ولم ألاقك
أني عرفت مواقفا ... للبين تسفع غرب ماقك «3»
وعلمت أن لقاءنا ... سبب اشتياقي واشتياقك
قال الصنوبري:
بأبي من هربت من توديعه ... وبعثت الدموع في تشييعه
البكاء عند التوديع
لما أراد عبد الملك الخروج إلى مصعب بن الزبير تعلقت به امرأته عاتكة فبكت وأبكت جواريها، فقال عبد الملك: قاتل الله ابن أبي جمعة حيث قال:
إذا ما أراد الغزو لم يثن عزمه ... حصان عليها نظم درّ يزينها «4»
نهته فلمّا لم تر النهي عاقه ... بكت فبكى ممّا دهاها قطينها «5»
وقال:
وممّا دهاني أنّها يوم أعرضت ... تولّت وماء العين في الجفن حائر «6»
(2/68)

فلمّا أعادت من بعيد بنظرة ... إليّ التفاتا أسلمته المحاجر
وقال آخر:
سقى الله ركبا ودّعوا يوم ودّعوا ... وعيرهم شوقي وحاديهم وجدي «1»
غداة مضت واستوثقتني عبرة ... أسائل في سعد عن القمر السعدي
إظهار التوجع لوداع الحبيب
قال شاعر:
وداعك مثل وداع الربيع ... وقدّك مثل انفقاد الدّيم «2»
عليك السلام فكم من وفا ... نفارقه منك أو من كرم
قال أبو تمّام:
النّاس غيرك ما تغيّر خيرتي ... لفراقهم هل أنجدوا أم أغاروا «3»
صعوبة لقاء الإبل للفراق
لو تعلم العيس ما في يوم بينهم ... أبت على السائق الحادي فلم تسر
كأنّ أيدي مطاياهم إذا وخذت ... يقعن في حرّ وجهي أو على بصري
قال المتنبيّ:
كأنّ العيس كانت فوق جفني ... مناخات فلما ثرن سالا «4»
وقد ذم بعضهم الإبل لما كانت سببا للفراق فقال:
وما غراب البين إلا ناقة أو جمل
ونقضه جران العود فقال:
بأخفافها يدنو الفتى من حبيبه ... وتنقذه إن أذهلته الشّدائد «5»
ارتحال القلب بارتحال المحبّ
قيل: إن بان أخوك بان شطرك. قطيعة الوصال قطع الأوصال. قال الصنوبري:
ذكروا أنّ الفراق غدا ... وفراق النّفس بعد غد
قال أبو تمّام:
قالوا الرحيل فما شككت بأنّه ... نفسي عن الدنيا تريد رحيلا
(2/69)

قال التنوخي:
كأنّما كان عمري في اقترانك بي ... عارية فاستردته يد البعد «1»
وكتب بعضهم يوم توديعك ودّعت قلبي فهو يتصرف بتصرفك وينصرف بمنصرفك.
قال ابن الحجاج «2» :
رحلت وما علمت بأنّ قلبي ... على بعض الزوامل في الرحال «3»
وقال آخر:
لئن بعدت عنك أجسادنا ... لقد سافرت معك الأنفس
قال السلامي:
ما تنشدون وقلبي في رحالكم ... هو الصواع وبعض العير سرّاق «4»
قال أبو تمّام:
تكاد تنتقل الأرواح لو تركت ... من الجسوم إليها حين تنتقل
من ارتحل فخلّف قلبه عند حبّه.
قال الخبزارزي:
أنا غائب والقلب عندك حاضر ... سافرت عنك وما الفؤاد مسافر
وقال آخر:
وإن يرتحل جسمي مع الركب مكرها ... يقم عنده قلبي وأمضي بلا قلب
قال المتنبيّ:
فجد لي بقلب إن رحلت فإنّني ... أخلفّ قلبي عند من فضله عندي «5»
ولو فارقت جسمي إليك حياته ... لقلت أصابت غير مذمومة العهد
شدّة الفرقة
قيل لبعض الصوفية: لم تصفرّ الشمس عند الغروب؟ فقال: خوفا من الفراق وبه ألم. قال الأستاذ الرئيس:
لا تركننّ إلى الودا ... ع وإن سكنت إلى العناق
(2/70)

فالشمس عند غروبها ... تصفرّ من خوف الفراق
وقيل: ما أشد صدع الفراق بين الرفاق. وقيل بكف الفرقة نقدح نار الحرقة، كبدي بيد الشوق مخطوفة وعيني بقذى الفراق مطروفة. أنتن من ريح الفراق وأزكى من نسيم التلاق:
وما الدّهر إلا هكذا فاصطبر له ... رزيّة مال أو فراق خليل «1»
الحذر من الفراق
قال أشجع:
ومحاذر للبين قد ... وقع الذي يخشى حذاره «2»
وقال آخر:
كفى حزنا أنّ زوارنا ... لوقت الرّواح أرادوا الغروبا
فلو كنت بالشمس ذا طاقة ... لطال على النّاس حتّى تغيّبا
وقال:
وأشفق من وشك الفراق وإنّني ... أظنّ كمحمول عليه مراكبه
شدّة سماع الفرقة
وقال أبو نواس:
طرحتم من التّرحال أمرا فغمّنا ... فلو قد فعلتم صبّح الموت بعضنا
كون الفرقة كالمنيّة
قيل: لكل جليلة دقيقة ودقيقة الموت الفراق. قال النميريّ:
أن المنيّة والفراق لواحد ... أو توءمان تراضعا بلبان «3»
في فرقة الأحباب شغل شاغل ... والثكل حقا فرقة الإخوان «4»
وقال أبو تمّام:
لو حار مرتاد المنيّة لم يجد ... إلا الفراق على النّفوس دليلا
وقال المتنبيّ:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
(2/71)

بغض الوقت الذي يعرض في الفراق
وقال أبو تمام:
أن يوم الفراق يوم عبوس ... أيّ سيل تسيل فيه النفوس
لم أزل أبغض الخميس ولم أد ... ر لماذا حتّى دهاني الخميس «1»
استقباح الحياة بعد ارتحال الحبيب
وقال التنوخي:
إذا بان محبوب وعاش محبّه ... فذاك كذوب في الهوى غير صادق
وقال:
أو ليس من إحدى العجائب أنّني ... فارقته وحييت بعد فراقه
اعتراض الفراق
قال ابن الرومي:
أخرجت من جنّتي مفاجأة ... آمن ما كنت في حدائقها
بينا استماعي هديل هادلها ... إذ راع قلبي نعيق ناعقها «2»
وأنشد المأمون قول العبّاس بن الأحنف:
هم كتموني سرّهم ثمّ أزمعوا ... وقالوا اتعدنا للرّواح فبكّروا
فقال سخروا بابي أفضل أعزّه الله.
وقال إبراهيم بن العباس:
وزالت زوال الشّمس عن مستقرّها ... فمن مخبري في أيّ أرض غروبها
مفارقة المحبوب قبل التمتّع به
قال الخبزارزي:
استودع الله أحبابا فجعت بهم ... بانوا فما زوّدوني غير تعذيبي «3»
بانوا ولم يقض زيد منهم وطرا ... وما انقضت حاجة في نفس يعقوب «4»
وقال ابن الأحنف:
سألونا عن حالنا كيف أنتم ... فقرنّا وداعهم بالسّؤال
ما أناخوا حتّى ارتحلنا فما نف ... رّق بين النّزول والارتحال
(2/72)

وقال محمد بن أمية:
يا فراقا أتى بعيد تلاق ... واتّفاقا جرى بغير اتّفاق
حين حطّت ركابنا لتلاق ... زمّت العيس منهم لفراق «1»
إنّ نفسي بالشام إذ أنت فيها ... ليس نفسي نفسي التي بالعراق
أشتهي أن يرى فؤادي فيدري ... كيف وجدي بهم وكيف احتراقي
كون من تباعد عن محبوبه في غربة
فلا تحسبي أنّ الغريب الذي نأى ... ولكنّ من تنأين عنه غريب
وقال الخبزارزي:
أني لفي غربة مذ غبت يا سكني ... وإن ظللت أرى في الأهل والوطن «2»
قال المتنبيّ:
إذا ترحّلت عن قوم وقد قدّروا ... أن لا تفارقهم فالرّاحلون هم
التلفّت إلى المحبوب بعد الارتحال عنه
قال شاعر:
ما سرت ميلا ولا جاوزت مرحلة ... إلا وذكرك يلوي دائما عنقي
وقال المتنبيّ:
أفدي المودّعة التي أتبعتها ... نظرا فرادى بين زفرات ثنا «3»
قال ابن المعتزّ:
لست أنسى التفاته حين ولّى ... والتفاتي وقد نظرت إليه
وكلانا من التأسّف والوج ... د على إلفه يعضّ يديه
تسلّط أيام البين على وصل الأحباب
قال شاعر:
أرّق العين أن قرّة عيني ... دخلت بينه الليالي وبيني
قال جحظة:
جرت نوب الأيّام بيني وبينه ... فلم يبق إلا ما أعيد من الذّكر
وقال أبو تمّام:
عبث الفراق بعينه وبقلبه ... عبثا يروح الجدّ فيه ويغتدي
(2/73)

وصف الدهر والنوى
قال محمد بن وهب:
إذا ما سموت إلى وصله ... تعرّض لي دونه عائق
وحاربني فيه ريب الزمان ... كأنّ الزّمان له عاشق
قال شاعر:
ملام النّوى في بعدها غاية الظلم ... كأنّ بها مثل الذي بي من اللوم
فلو لم تعز لم تزوعنّي لقاءكم ... ولو لم تردّكم لم تكن فيكم خصمي «1»
وقال المتنبيّ:
أبى خلق الدنيا حبيبا تديمه ... فما طلبي منها حبيبا تردّ
التحيّر لتفرّق الأحباب فرقتين
قال أبو العتاهية:
أيا كبدا عادت عشيّة غرّب ... من الشوق إثر الظاعنين تصدع
عشيّة ما فيمن أقام يغرّب ... مقام ولا فيما مضى متشرّع
تفرّق أهلانا مقيما وظاعنا ... فلله درّي أيّ قومي أتبع
ينازعني شوقي أمامي وحاجتي ... ورائي فما أدري بها كيف أصنع
الرغبة في حفظ المودة عند الغيبة
خرج عبد الملك بن صالح مشيّعا لجعفر بن يحيى فاستعرض حاجاته فقال: قصارى كل مشيّع الرجوع، ولكني أريد من الأمير أن يكون كما قال ابن الدمينة «2» :
فكوني على الواشين لدّاء شغبة ... كما أنا للواشي ألدّ شغوب «3»
فقال جعفر: أقول كما قال جميل: معاتبة القلب لاشتياقه إذا نأى وتلوّنه على الحبيب إذا دنا. قال بعضهم:
وخبّرتني يا قلب أنّك ذو هوى ... بليلى فذق ما كنت قبل تقول
ومنّيتني حتّى إذا ما تقطّعت ... قوى من قوى أعولت كلّ عويل؟
وقال الخوارزمي:
ولما سرت عنك رأيت نفسي ... وبين الرجل والقلب اختصام
(2/74)

فذاك يقول منك السير عنه ... وتلك تقول منك الاعتزام «1»
التحذير من مفارقة الحبيب
أترحل طوع النفس عمّن تحبّه ... وتبكي كما يبكي المفارق عن قهر
أقم لا تسر والحزن عنك بمعزل ... ودمعك باق في مآقيك لا يجري
الندم على مفارقته
قال المهلّبي:
من ذا ألوم أنا جنيت فراق من أبكي عليه
وقال قيس بن ذريح «2» :
ندمت على ما فات منّي فقدتني ... كما ندم المغبون حين يبيع
فقدتك من قلب شعاع فإنّني ... نهيتك عن هذا وأنت جميع «3»
قال المجنون:
فإن ترجع الأيام بيني وبينها ... بذي الأثل صيفا مثل صيفي ومربعي «4»
أشدّ بأعناق النّوى بعد هذه ... مرائر إن جاذبتها لم تقطع «5»
من ارتحل عنه فأسرع العود شوقا إليه
قيل لجميل: أما سمعت قول ابن عمك زهير بن حباب:
إذا ما شئت أن تسلو خليلا ... فأكثر دونه عدد الليالي
فما سلى حبيبا مثل نأي ... ولا أبلى جديدا كابتذال «6»
قيل: فلو نأيت عنها لسلوت فخرج عنها ليلة ثم رجع وهو يقول:
أشوقا ولمّا تمض لي غير ليلة ... رويد الهوى حتّى تغبّ لياليا «7»
لحا الله أقواما ما يقولون إنّنا ... وجدنا طوال النّأي للحبّ شافيا
خرج المهدي يريد منزل حسنة، فلما بلغ دارها وترفعت أستارها اشتاق إلى
(2/75)

الخيزران فكرّ راجعا وقال: وسوتاه من حسنة فإني والله أصابني كما أصاب من يقول:
بينما نحن بالبلاكث فالقا ... ع شراعا والعيس تهوي هويّا «1»
خطرت خطرة على القلب من ذكراك ... وهنا فما استطعت مضيّا
قلت لبيك إذ دعاني يد الشو ... ق وللحاديين كرّا المطيّا «2»
الشوق بعد الارتحال
كان لأعرابي مملوك فاشتراه عراقيّ فلما ارتحل به بكى وأنشد:
أشوقا ولمّا تمض لي غير ليلة ... فكيف إذا سار المطيّ بنا عشرا
أخوكم ومولاكم وصاحب سركم ... ومن قد نشا فيكم وعاشركم دهرا
فقال له المشتري الحق بأهلك.
وقال المتنبيّ:
أرى أسفا وما سرنا قليلا ... فكيف إذا غدا السير ابتراكا «3»
فهذا الشوق قبل البين سيف ... وها أنا ما ضربت وقد أحاكا «4»
قال أشجع:
فها أنت تبكي وهم جيرة ... فكيف تكون إذا ودّعوا
قال أبو فراس:
حملت هواك لا جلدا ولكن ... صبرت على اختيارك واضطراري
المفارقة كرها
قال الماني:
لا تنكرنّ رحيلي عنك في عجل ... فإنّني لرحيل غير مختار
وربّما فارق الإنسان مهجته ... يوم الوغا غير قال خيفة العار
كراهة فراق من صحبته كرها
قال شاعر:
أقمنا كارهين لها فلمّا ... ألفناها خرجنا مكرهينا
وما شعف البلاد بنا ولكن ... أمرّ العيش فرقة من هوينا «5»
خرجت أقرّ ما قد كنت عينا ... وخلّفت الفؤاد بها رهينا
(2/76)

وقال:
وكم من زائر بالكره منّي ... كرهت فراقه بعد المزار
من عمّ الغم بفراقه
قال نفيلة الأشجعي:
فلمّا أن دنا منّا ارتحال ... وقرّب ناجيات السير كوم «1»
تحاسر واضحات اللون غرّ ... على ديباج أوجهها النّعيم
فقائلة ومثنية علينا ... تدور ومالنا فيها حميم
وقال المتنبيّ:
رحلت فكم باك بأجفان شادن ... عليّ وكم ران بأجفان ضيغم
وما ربّة القرط المليح مكانه ... بأجزع من ربّ الحسام المصمّم «2»
من لم يبال بالفراق لكثرة ما دهاه
قال المتنبيّ:
وفارقت حتّى ما أبالي من النّوى ... وإن بان جيران عليّ كرام
فقد جعلت نفسي على النّأي تنطوي ... وعيني على فقد الصديق تنام
وقال:
روّعت بالبين حتّى ما أراع له ... وبالمصائب في أهلي وجيراني
وقال:
وما أنا بالمستنكر البين إنّني ... بذي لطف الجيران قدما مفجّع
الشاكي كثرة ما يعرض له من فرقة الأحباب
قال الشاعر:
كأنّا خلقنا للنّوى فكأنّنا ... حرام على الأيّام أن نجتمعا
وقال علي بن عبد العزيز:
كأنّ البين محتوم علينا ... فليس سوى التّلاقي والوداع
(2/77)

(4) وممّا جاء في الهجران
الهجران سبب التسلّي
الهجر مفتاح السلوّ وطول العهد يقدح في القلوب قال بشّار:
ولا يلبث الهجران أن يقطع النّوى ... إذا لم تطالع آلفا أو يطالع
وقال العبّاس:
راجع أحبّتك الذين هجرتهم ... إن المتّيم قلّما يتجنّب
إنّ الصدود إذا تمكّن منكما ... دبّ السلوّ له وعزّ المطلب «1»
تعظيم الهجران
قال ابن الجهم:
بما بيننا من حرمة هل رأيتما ... أرقّ من الشّكوى وأقسى من الهجر
وقال آخر:
وموت الفتى خير له من حياته ... إذا كان ذا حالين يصبو ولا يصبي «2»
إلا أن هجران الحبيب هو الأثم
إظهار الندم على هجران الحبيب
قال شاعر:
هجرتك أيّاما على الغمر إنّني ... على هجر أيام بذي الغمر نادم «3»
وإنّي وذاك الهجر لو تعلمينه ... كعازبة عن طّفلها وهي رائم «4»
الحاسد لمن يواصله محبوبه
قال أبو صخر الهذليّ:
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الدّهر
وقال آخر:
فيا ليت أنّ الله إذا لم ألاقها ... قضى بين كلّ اثنين أن لا تلاقيا
(2/78)

وقال ابن العميد:
لا يهنأ العاشقين أنّي ... منفرد بالغرام وحدي
من لا يلتّذ بالوصل خيفة الهجر
قال العبّاس:
إذا رضيت لم يهنني ذلك الرّضا ... لعلمي يوما أن سيتبعه عتب
وقيل: لا تغتر بصفاء الألفة فإنها منكشفة عن كدر الفرقة. وقيل إذا ساعدك الدهر بوصل محبوب، فاعلم أنه قد غرّ وضرّ. وقال سعيد الكاتب:
ما كنت أيام كنت راضية ... عنّي بذاك الرضا بمغتبط
علما بأن الرّضا سيتبعه ... منك التجنّي وكثرة السخط «1»
نفي الانتفاع بقرب الدار مع الهجران
قال إبراهيم:
دنت بأناس عن تناء زيارة ... وشطّ بليلى عن دنوّ مزارها
وإن مقيمان بمنقطع اللوى ... لا قرب من ليلى وهاتيك دارها «2»
وقال آخر:
رأيت دنوّ الدار ليس بنافع ... إذا كان ما بين القلوب بعيد
قال العبّاس:
كفى حزنا أن التباعد بيننا ... وقد جمعتنا والأحبّة دار
قال عبد الوهاب:
البعد منهم على رجائهم ... أنفع من هجرهم إذا حضروا
الإعراض عن الحبيب خشية الرقيب
قال الشاعر:
وما هجرتك النفس أنّك عندها ... قليل وإن قد قلّ منك نصيبها
ولكنّهم يا أملح الناس أولعوا ... بقول إذا مازرت، هذا حبيبها
وقال:
ولما رأيت الكاشحين تتبّعوا ... هوانا وأبدوا دوننا نظرا شزرا «3»
جعلت وما بي من جفاء ولا قلى ... أزوركم يوما وأهجركم شهرا «4»
(2/79)

وقال الأحوص:
يا بيت عاتكة التي أتغزّل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكّل
وقال:
أمرّ مجانبا عن بيت ليلى ... ولم ألمم به وبه القليل
وقال آخر:
أزور بيوتا لا صقات ببيتها ... ونفسي في الدّار التي لا أزورها
الهجران لرضا الحبيب
وقال مسلم:
إن كان هجراننا يطيب لكم ... فليس للوصل عندنا ثمن
قال المتنبّي:
إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم «1»
وقال آخر:
سررت بهجرك لمّا علمت ... بأنّ لقلبك فيه سرورا
وأني أرى كلّ ما ساءني ... إذا كان يرضيك سهلا يسيرا
استطابة قليل الهجر بين المتحابين
قال الخثعمي:
ولم أر مثل الصدّ أحسن منظرا ... إذا كان ممّن لا يخاف على الوصل
وقال المتنبّي:
وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربّه ... وفي الهجر فهو الدّهر يرجو ويتّقي «2»
وقال:
إذا لم يكن في الحبّ سخط ولا رضا ... فأين حلاوات الرسائل والكتب
هجران الحبيب صيانة للنفس
قال أحمد بن يوسف:
تركتك والهجران لا عن ملالة ... ورددت يأسا من إخائك في صدري
وألزمت نفسي من فراقك خطّة ... حملت لها نفسي على مركب وعر «3»
(2/80)

وإنّي وإن رقّت عليك ضمائري ... فما قدر حبّي أن أذلّ لها قدري
قال الخبزارزي:
إذا لم يكن في الوصل روح وراحة ... هجرت وكان الهجر أشفى وأسلما
وقال آخر:
ومن لم يطق صبرا على النأي يستعن ... بهجر وبعض الشر يدفع بالشّر
كما لا يرى أوفى من الوصل في الهوى ... كذا لا يرى في القدر أسلى من الهجر
المعتقد رضا حبيبه في الباطن وإن سخط في الظّاهر
قال مسلم بن الوليد:
وراضي القلب غضبان اللسان ... له خلقان ما يتشابهان
يسرّ مودّتي ويطيل هجري ... ويمزج لي المودّة بالهوان «1»
وقال:
ودّه ودّ صحيح ... وهو عنّي ذو انقباض
فعلى الظاهر غضبا ... ن وفي الباطن راضي
تضجر من يواصله بغيض ويصارمه حبيب
أعاشر في ذي الدّار من لا أودّه ... وفي الرّمل مهجور إلى حبيب
قال الحطيئة «2» :
يبغض منّا من نحبّ لقاءه ... ويجمع منّا بين أهل الضغائن «3»
قال المتنبّي:
أفجع بالعلق الضّنين وإنّني ... بمن لا أبالي هلكه لممتّع
وله:
ما تغلط الأيام فيّ بأن أرى ... بغيضا تناءى أو حبيبا يقرب
وقال:
تباعد ممّن واصلت فكأنّها ... لآخر ممّن لا تودّ صديق
(2/81)

وقال الزبير:
جبلوا على إكرام مبغضهم ... وعلى التّهاون بالذي يهوى
تأسّف من هجر محبوبه
قال شاعر:
لو كنت عاتبة لسكّن عبرتي ... أملي رضاك وزرت غير مجانب
لكن مللت فلم تكن لي حيلة ... صدّ الملول خلاف صدّ العاتب
قال البحتري:
وكنت أرى أنّ الصّدود الذي مضى ... دلال فما أن كان إلا تجنّبا
فوا أسفي حتى م اسأل مانعا ... وآمن خوّانا وأعتب مذنبا
عدم الثقة بالمحبوب
قال المجنون:
فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابع
وله:
فأصبحت من ليلى الغداة كناظر ... مع الصّبح في أعقاب نجم مغرب
شكوى الحبيب لهجرانه بعد ذهابه
: أبكى الذين أذاقوني مودّتهم ... حتّى إذا أيقظوني للهوى رقدوا
قال ابن الجهم:
أزحن رسيس القلب عن مستقرّه ... وألهبن ما بين الجوانح والصدر «1»
ألا قبل أن يبدو المشيب بدأنني ... بيأس مبين أو جنحن إلى الغدر
وقال جرير «2» لبعض من صحبه: من أشعر العرب؟ قال: كثيّر في قوله:
وأدنيتني حتّى إذا ما ملكتني ... بقول يحلّ العصم سهل الأباطح «3»
تناءيت عنّي حين لا لي حيلة ... وغادرت ما غادرت بين الجوانح «4»
قال بل قول هشام:
أشرعت لي موردا أعيت مصادره ... فلست أدري أأمضي فيه أم أقف
(2/82)

شكوى بخل المحبوب
قال شاعر:
لقد بخلت حتّى لوانّي سألتها ... قذى العين من سافي التّراب لضنّت
كأنّي أنادي صخرة حين أعرضت ... من الصمّ لو تمشي بها العصم زلّت «1»
وإنّي وتهيامي بعزّة بعد ما ... تخلّيت ممّا بيننا وتخلّت
لكالمبتغي ظلّ الغمامة كلّما ... تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت
وقال البحتري:
ألف الصدود فلو يمرّ خياله ... بالصبّ في سنة الكرى ما سلّما
التلوّن بما يسلي المحب
تمثل شريح لامرأته بقول مالك بن أسماء:
خذي العفو منّي تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورة حين أغضب «2»
فأنّي رأيت الحبّ في الصّدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب
وقال:
يراك ويهوى من يقلّ خلافه ... وليس بمحبوب حبيب يخالف
التواء المحبوب على محبّه ومخالفته له في أحواله
قال شاعر:
شكوت فقالت كلّ هذا تبرّما ... بحبّي أراح الله قلبك من حبّي
فلمّا كتمت الحبّ قالت لشدّ ما ... صبرت وما هذا بفعل شجيّ القلب
وأدنو فتقصيني فأبعد طالبا ... رضاها فتعتدّ التباعد من ذنبي
فشكواي يؤذيها وصبري يؤودها ... وتجزع من بعدي وتنفر من قربي «3»
وقال:
إن التي عذّبتني في محبّتها ... كلّ العذاب فما أبقت وما تركت
عاتبتها فبكت فاستعبرت جزعا ... عيني فلما رأتني باكيا ضحكت
فعدت أضحك مسرورا بضحكتها ... منّي فلمّا رأتني قد ضحكت بكت
تهوى خلافي كما حثّت براكبها ... يوما قلوص فلمّا حثّها بركت «4»
(2/83)

المتأسف لقلى حبيبه له
قال النميري:
رأيت صدودا وانقباض مودّة ... ونكراء من هجرانهم حدثت بعدي «1»
أما لو يطيع القلب أو يصفح الهوى ... لنا عنك جازيناك بالهجر والصدّ
وقال آخر:
وما سعدى وإن كرمت علينا ... وكان لذكر سعدى يستطار «2»
بأقرب في المودّة من سهيل ... وفي وجهيه للنجم ازورار
يفرّ من النّجوم لغير شيء ... لعمر أبيك طال به الفرار
وصف الحبيب بالتلون
قال بعضهم لأن أبتلى بألف لجوج جموح أحبّ إليّ من أن أبتلى بمتلوّن. قال دعبل:
أني وجدتك في الهوى ذوّاقّة ... لا تصبرين على طعام واحد
وقال آخر:
يا عتب لم أهجركم لملالة ... عرضت ولا لمقال واش حاسد
لكنّني جرّبتكم فوجدتكم ... لا تصبرون على طعام واحد
(5) وممّا جاء في البكاء والدموع
وصف قطرات الدموع:
كاللؤلؤ المسحور أغفل في ... سلك النّظام فخانه النّظم
قال الأعشى:
كما فرّق السّلك من نظمه ... لآلئ منحدرات صغارا
وقال:
وكأنّ الدمع درّ جامد ... والدّم الجاري عقيق قد جمد «3»
وقال:
فدمعتي ذوب ياقوت على ذهب ... ودمعه ذوب درّ فوق ياقوت
(2/84)

دخل أبو نواس على جارية الناطفي وكان قد ضربها مولاها فقال:
إنّ عنانا أسبلت دمعها ... كالدرّ إذ ينسلّ من خيطه
فليت من يضربها ظالما ... تيبس يمناه على سوطه
قال خالد الكاتب:
ما زلت أنكر ما ألقى وأجحده ... فاستشهد العاذلون الدمع والنفسا
أنشد أبو السائب القاضي قول جرير:
أنّ الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلّا بعينك لا يزال معينا «1»
غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
فحلف أن لا يرد على أحد سلامه يومه إلا بالبيتين ونحوه.
ولبعضهم:
ولمّا تلاقينا جرت من عيوننا ... دموع كففنا غربها بالأصابع «2»
رأى الرشيدي كتابة في جدار قصر دجلة:
ومالي لا أبكي بعين حزينة ... وقد قربت للظاعنين حمول
وتحته مكتوب: ايه ايه ايه. فجعل يسأل أصحابه عن المكتوب تحته فلم يعرفوه فقال الربيع إنما أراد حكاية البكاء.
وقال آخر:
فلو أن خدّا كان من فيض عبرة ... يرى معشبا لا خضرّ خدّي وأعشبا
قالت فاطمة بنت الأحجم:
كأنّ عيني لمّا أن ذكرتهم ... غصن يراح من الطّرفاء ممطور «3»
وقال آخر:
نبيت كأنّ العين أفنان سدرة ... عليها سقيط من ندى الطلّ ينطف «4»
جعل البكاء كسحاب وقطر
قال كثيّر:
كأنّ إنسانها في لجّة غرق
وقال ابن الحاجب:
كأنّ السحاب الغرّ حشو جفونه ... إذا انهملت من عينه عبراتها
(2/85)

وقال الدمشقي:
علّمت إنسان عيني أن يعوم فقد ... حارت سباحته في ماء دمعته
تشبيه الدمع بماء يتصبّب
قال شاعر:
فعيناك غربا جدول في مفاضه ... كمرّ خليج في صفيح منصب
وقال علقمة:
للماء والنّار في قلبي وفي كبدي ... من قسمة الشّوق ساعور وناعور «1»
وصف الدمع بأنه يستغنى به عن الماء لكثرته
لا أبتغي سقيا السحاب لها ... في مقلتي خلف عن السقيا
وقال ابن المعتمر:
مررت على الفرات وليس تجري ... سفائنه لنقصان الفرات
فلمّا أن ذكرتك فاض دمعي ... فأجراهنّ جري العاصفات
قال ابن طباطبا:
فما مدّ واديكم ولان أديمه ... ولكنّني أمددته بدموعي
الدموع المؤثرة في الخدود
قال إبراهيم بن المهدي:
فلو أن خدّا كان من فيض عبرة ... يرى معشبا لاخضرّ خدي وأعشبا
قال ابن حاجب:
وقد راح خدّي من دماء مدامعي ... كأنّ عليه هدب ثوب معصفر «2»
دموع مؤثرة في العين
قال بعضهم:
استبق دمعك لا يودي البكاء به ... واكفف مدامع من عينيك تستبق
ليس الشؤون على هذا بباقية ... ولا الجفون على هذا ولا الحدق
قال المتنبّي:
كأن جفوني على مقلتي ... ثياب شققن على ثاكل «3»
(2/86)

دمعه ممزوج بالدم
قال شاعر:
مزجت دموع العين منّي يوم بانوا بالدّماء ... وكأنّما مزجت بخدّي مقلتي خمرا بماء
استحسان الدمع على خدّ المحبوب
قال المتنبّي:
جرت عبرات في الخدود بأثمد ... فعاد به الورد الجنيّ شقائقا «1»
وقال آخر:
فكأنّها والدّمع يقطر فوقها ... ذهب بسمطي لؤلوء قد رصّعا «2»
استجلاب البكاء بذكر المحبوب
قال العبّاس بن الأحنف «3» :
وإذا عصاني الدّمع في ... إحدى ملمّات الخطوب
أجريته بتذكّري ... ما كان من هجر الحبيب
قال أبو حيّة النمري:
آمل أن أراه لعلّ جفني ... يعاوده برؤيته كراه
ويمنع ناظري نظري إليه ... فعال موارب لي من هواه
الاستعانة في البكاء بالغير
نزف البكاء دموع عينك فاستعر ... عينا لغيرك دمعها مدرار
من ذا معيرك عينه تبكي بها ... أرأيت عينا للبكاء تعار
ومثله:
فهل من معير طرف عين جليّة ... فإنسان عين العامريّ كليم «4»
أخذه من ملح الهذلي:
ولتلتمس عينا سوى العين إذ ... ذهبت بجاري دمعك المترقرق
وقال آخر:
ولي كبد مقروحة من يبيعني ... بها كبدا ليست بذات قروح
أباها على النّاس لا يشيرونها ... ومن يشتري ذا علّة بصحيح
(2/87)

وقال آخر:
خليليّ ألّا تبكيا لي أستعن ... خليلا إذا انزفت دمعا بكى ليا
الشكاية من انقطاع الدم
قال كثيّر:
أقول لدمع العين أمعن لأنّه ... بما لا يرى من غائب الدّمع يشهد
قال عليّ بن جميلة:
ولم أر مثل العين ضنّت بمائها ... عليّ ولا مثلي على الدّمع يحسد
قال آخر:
نزفت دمعي وأزمعت الرحيل غدا ... إذا رحلت ودمع العين مكفوف
ومما يقرب من هذا الباب في الاعتذار للدمع قول الوزير أحمد بن إبراهيم:
لا تحسبين دموعي البيض غير دمي ... وإنمّا نفسي الحامي يصعّده
اعتذار من أظهر البكاء
قال بعضهم:
أتتني تؤنّبني بالبكاء ... فأهلا بها وبتأنيبها
وقالت وفي قولها حشمة ... أتبكي بعين تراني بها
فقلت إذا استحسنت غيركم ... أمرت الدموع بتأديبها
وقال آخر:
ردّ الجموح الصّعب أيسر محملا ... من ردّ دمع قد أراد مسيلا
وقال كشاجم:
أظنّ دمعي مثلي به كلفا ... مستأسرا في يدي محبّته «1»
ستر البكاء
قال بشّار لأبي العتاهية: أنا والله أستحسن قولك في اعتذارك للدمع:
كم من صديق لي أس ... ارقه البكاء من الحياء
فإذا تفطّن لامني ... فأقول ما بي من بكاء
لكن ذهبت لارتدى ... فطرفت عيني بالرّداء
فقال أبو العتاهية ما لذت إلا بمعناك حيث تقول:
وقالوا: قد بكيت فقلت: كلا ... وهل يبكي من الطّرب الجليد
ولكن قد أصيب سواد عيني ... بعود قذى له طرف حديد
(2/88)

فقالوا ما لدمعهما سواء ... أكلتي مقلتيك أصاب عود
وقال:
ولما أبت عيناي أن تكتما البكى ... وأن تحبسا فيض الدّموع السّواكب «1»
تثاءبت كي لا ينكر الدمع منكر ... ولكن قليلا ما بقاء التثاؤب «2»
إفصاح الدمع بالسرّ
قال البحتري:
وحقّ الذي في القلب منك فإنّه ... عظيم لقد حصّنت سرّك في سرّي
ولكنما أفشاه دمعي وربما ... أتى المرء ما يخشاه من حيث لا يدري
قال المخزومي:
فإن يك سرّ قلبك أعجميا ... فإنّ الدمع نمّام فصيح
وقد استحسن للمتنبي قوله:
ونتّهم الواشين والدّمع منهم
وقوله:
وصاحب الدّمع لا تخفى سرائره
وقوله:
ومن سرّه في جفنه كيف يكتم؟
قال أبو عيسى بن الرشيد:
كتمت هواه حتّى فاض دمعي ... فصيّره حديثا مستفاضا
وقال آخر:
ولولا الدّموع كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لي دموع
قال أبو الفرج الدّمشقي:
أني لأخفي اشتياقي وهو مشتهر ... من أين يخفى ودمعي صاحب الخبر
سيلان الدّموع من الوجد
قال بعضهم:
ماء المدامع نار الشّوق تحدره ... فهل سمعتم بماء فاض من نار
قال ابن الرومي:
لا تعجبا أنّ دمعا فاض عن حرق ... ماء أفاضته نار من مراجله
(2/89)

الاستحسان للدمع من دفع الجزع
من أبدع ما فيه قول بشار:
وجدت دموع العين تجري غروبها ... أخفّ على المحزون والصّبر أجمل «1»
قال الرقاشي:
نعم معون الكمد البكاء
وبكى أعرابي فقيل له: في ذلك فقال: أما علمتم أن الدموع خفراء القلوب. قال الحسين بن وهب:
إبك فما أكثر نفع البكا ... والحبّ إشفاق وتعليل
فهو إذا أنت تأملته ... حزن على الخدّين محلول
قال ابن عباس كنت إذا خرجت أمتنع من البكاء حتى سمعت قول ذي الرمة:
لعلّ انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجيّ البلابل «2»
فصرت أشتفي من الوجد به. قال الموسوي:
الدمع عون لمن ضاقت به الحيل
وقال آخر:
وغصّة وجد أظهرتها فرفّهت ... حرارة حرّ في الجوانح والصّدر
قصور الأدمع في دفع الجزع
قال ديك الجنّ «3» :
في قلبه نار شوق ليس يخمدها ... بحر أحاط به للدمع مسجور «4»
وقال:
فوق خدّي لجّة من دموع ... يغرق الوجد بينها والسّلام «5»
كان بين الواثق وبين بعض جواريه عتاب فبكى وضحكت فقال: قاتل الله العباس بن الأحنف حيث قال:
عدل من الله أبكاني وأضحككم ... الحمد لله عدل كلّما صنعا
إزدياد الوجد بالبكاء
قال أبو تمّام يردّ على من زعم أنّ البكاء يخفّف الوجد:
أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها ... بالدّمع أن تزداد طول وقود
(2/90)

قال المتنبّي:
وكلّما فاض دمعي غاض مصطبري ... كأن ما فاض من جفنيّ من جلدي
وله:
وإذا حصلت من السّلاح على البكا ... فحشاك رعت به وخدّك تقرع
قال محمد بن أبي زرعة:
فبدت تشبّ بدمعها نار الهوى ... من ذا رأى نارا تشّب بماء
نفع البكاء وحمده
قدم رجل من الخوارج إلى عبد الملك ليقتله فدخل على عبد الملك ابن له صغير وهو يبكي لضرب معلمه، فقال الخارجي: دعوه يبكي فهو أفتح لحزمه وأنفع لبصره فقال له عبد الملك: ما شغلك ما أنت فيه عن هذا؟ فقال ينبغي للمسلم أن يشغله عن الخير شيء فعفا عنه.
قيل لصفوان كثرة الكباء تورث العمى فقال: ذاك لهما سهادة. قال ابن نباتة:
تستعذب العين دمعي في مودّتها ... كأنّما تمتريه العين من فيها «1»
كثرة البكاء واحمرار الدّمع بالدم
سمع أبو السائف قول جرير:
أن الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا «2»
غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
فقال: أتدرون ما التبغيض؟ قالوا: لا، فأشار بأصبعه إلى جفنه كأنه يأخذ الدمع لينضحه.
الاستدلال بالدمع على فرط الهوى
قال محمد بن وهب:
يدلّ على أنني عاشق ... من الدمع مستشهد ناطق
قال ديك الجن:
زعمتم بأني قد سلوت وصالكم ... فلم ذرفت عيني ولم شاب مفرقي؟
وقال:
سمة الصّبابة زفرة أو عبرة ... متكّفل بهما حشا وشؤون «3»
(2/91)

قال أبو تمّام:
أليس دمعي وفرط شوقي ... وطول سقمي شهود حبّي
وفي كتاب التمليّ في أخبار العشاق قال رجل لامرأة: أنا والله أحبك، فقالت: ما حجتك؟ قال تدفعين لي قفير «1» دقيق فأعجنه بدمع عيني. قالت: فالخبز لمن؟ قال: في حرام عشق لا يساوي أرغفة، فضحكت منه وواصلته.
ما قيل فيمن يتباكى
قال المتنبّي:
إذا اشتبهت دموع في خدود ... تبيّن من بكى ممّن تباكى «2»
قال ديك الجن:
وقائلة وقد بصرت بدمع ... على الخدّين منحدر سكوب
أتكذب في البكاء وأنت خلو ... قديما ما جسرت على الذنوب «3»
قميصك والدموع تجول فيه ... وقلبك ليس بالقلب الكئيب
شبيه قميص يوسف حين جاؤوا ... على لباته بدم كذوب
(6) وممّا جاء في الشوق والحنين والنحول
احتراق القلب وحصول نار فيه
قال أبو الطمحان:
هل الوجد إلا أن قلبي لو دنّا ... من الجمر قيد الرمح لاحترق الجمر
قال العباس:
يا قابس النار قد أعيت قوادحه ... إقبس إذا شئت من قلبي بمقباس «4»
قال الخبزارزي:
بقلبي جمر من هواه فإن أكن ... شكوت فهذا الوجد من ذلك الجمر
وقال:
وحقّ الهوى إنّي أحسّ من الهوى ... على كبدي جمرا وفي أعظمي رضّا
(2/92)

قال المتنبّي:
جرّبت من حرّ الهوى ما تنطفي ... نار الغضا وتكلّ عمّا تحرق «1»
شدّة النفس
قال خالد الكاتب:
نفس تدّعي مسالكه ... وأنين لست أملكه
قال ذو الرمّة:
تعتادني زفرات حين أذكرها ... تكاد تنقدّ منهنّ الحيازيم «2»
قال المتوكل:
إذا زفرات الحب صعدن في الحشا ... وردن ولم يوجد لهنّ طريق
الاستدلال بالنفس على الحال
وقال مسلم:
وإذا بعثت إلى الهوى بعث الهوى ... نفسا يكون على الضمير دليلا
قال يعقوب: قد كتمت الهوى فنمّ علي التنفس.
خفقان القلب
قال بعضهم: رأيت في بني عذرة شيخا يتهادى فقلت: هل بقي من بحبّك بقية؟
فقال:
كأن قطاة علقت بجناحها ... على كبدي من شدّة الخفقان
وأنشد لثوبة وقيل للمجنون:
كأن القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامريّة أو يراح
قطاة غرّها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح
قال بشّار:
كأن فؤاده كرة تترى ... حذار البين لو نفع الحذار «3»
وقال آخر:
كأنّ فؤادي في يد عبثت به ... محاذرة أن يقضب الحبل قاضبه «4»
قال ديك الجن:
كأن قلبي إذا تذكّرها ... فريسة بين ساعدي أسد
(2/93)

ضيق القلب
قال أبو الشيص:
كأنّ بلاد الله في ضيق خاتم ... عليّ فما تزداد طولا ولا عرضا
قال العباس:
كأن جميع النّاس عند صدودكم ... تصوّر في عيني سود العقارب
أخذ الكبد باليد من خشية التقطّع
قال بعضهم:
واذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تقطّعا
قال عبد الصمد بن المعدل:
مكتئب ذو كبد حرّى ... تبكي عليه مقلة عبرى «1»
يرفع يمناه إلى ربّه ... يدعو وفوق الكبد اليسرى
تصدّع الكبر
قال الأعشى:
وبانت وفي الصّدر صدع لها ... كصدع الزجاجة لا يلتئم
قال الخضري:
وأنك لو نظرت فدتك نفسي ... إلى كبدي وجدت بها صدوعا
افنقاد القلب
قال الخبزارزي:
فلو كان لي قلبان عشت بواحد ... وأفردت قلبا في هواك يعذّب
ولي ألفاوجه قد عرفت مكانه ... ولكن بلا قلب إلى أين أذهب؟
قال خالد الكاتب:
كان لي قلب أعيش به ... فاصطلى بالحب فاحترقا «2»
البهوت لفرط الوجد
قال بعضهم:
يوم ارتحلت برحلي قبل برذعتي ... والعقل مثله والقلب مشغول «3»
(2/94)

ثم انصرفت إلى نضوي لأبعثه ... إثر الحدوج الغوادي وهو معقول «1»
قال الماني:
تحسبه مستمعا منصتا ... وقلبه في أمة أخرى
قال ذو الرمة:
عشيّة مالي حيلة غير أنّني ... بلقط الحصى والجرّ في الأرض مولع
كثرة سقم العاشق
قال كشاجم:
دموعي فيك أنواء غزار ... وقلبي ما يقرّ له قرار
وكلّ فتى عليه ثوب سقيم ... فذاك الثوب مني مستعار
المستدّل بالجمادات والبهائم على الوجد
قال كثيّر:
سلي البانة الغنّاء بالأجرع الذي ... به البان هل حيّيت أطلال دارك «2» ؟
وهل قمت في أفيائهن عشية ... قيام أخي البأساء واخترت ذلك؟
قال جميل:
يقولون ما أبلاك والمال غامر ... عليك وضاحي الجلد منك كنين «3»
فقلت لهم لا تعذلوني وانظروا ... إلى النازع المقصور كيف يكون
ونقل ذلك أبو تمّام فقال:
إن شئت أن لا ترى صبر المصطبر ... فانظر إلى أيّ حال أصبح الطلل
المتحمّل من الوجد ما تعجز عنه الجبال
قال الحارثي:
لاقيت من حبّها ما لو على جبل ... يلقى لطارت شقافا منه أفلاق «4»
قال عمرو بن براق:
ولو أن ما بي بالحصى فلق الحصى ... وبالرّيح لم يسمع لهنّ هبوب
(2/95)

شجو العاشق
يقال للعاشق هو أسخن عينا ممن بات بين قبرين، واسوأ حالة ممن طوى يومين وليلتين، ذكر أعرابي عاشقا فقال:
يثني طرف عين قد قرّحت مآقيها ... ويحنو على كبد قد أعيت مداويها «1»
شكوى أحد المتحابين مقاساة شدّة من صاحبه
كان بعض القسس يمر فسمع كلاما خفيا من زقاق فإذا جارية تشكو إلى صديق لها ما لقيت فيه فقالت: أوعدوني وضربوني ومزّقوا ثيابي وفعلوا وصنعوا وهو ساكت لا يتكلم فقال القسيس خذوه فأخذ وخلى عن المرأة ثم قال للرجل: إنّها تقص عليك ما لاقت فيك فلم كنت ساكتا؟ فقال: أصلحك الله لم ألق فيها شكوى ولم أكذب فأمر به فضرب خمسين درة وقال: ارجع فاشك إليها ما لاقيته فيها. قال المجنون:
أعدّ الليالي ليلة بعد ليلة ... وقد عشت دهرا لا أعدّ الليالي
الخجل ممّن حصل منه اليأس
قال بعضهم:
وأني لا يغول النأي ودّي ... ولو كنا بمنقطع التراب
قال المتنبّي:
أحنّ إلى أهلي وأهوى لقاءهم ... وأين من المشتاق عنقاء مغرب «2»
إظهار التشوق في القرب والبعد
كتب عبد الله بن عباس إلى أحمد بن يوسف: جعلت فداك لا أدري كيف أصنع أغيب فاشتاق ثم نلتقي فلا أشتفي يجدد لي اللقاء الذي يدفع به الشقاء حرقة مثل لوعة الفرقة. سأل المهدي عن أنسب بيت فقيل له:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي بي ... بسهميك في أعشار قلب مقتّل «3»
فقال هذا أعرابي قح، فقيل:
أريد لأنسى ذكرها فكأنّما ... تمثل لي ليلى بكلّ سبيل
فقال: ما هذا بشيء ولم يريد أن ينسى ذكرها؟ فقيل قول الأحوص:
إذا قلت أني مشتف بلقائها ... فحم التّلاقي بيننا زادني وجدا
(2/96)

فقال: أحسنت. قال المتنبّي:
وبين الرّضا والسخط والقرب والنّوى ... مجال لدمع العاشق المترقرق
وهذا اختصار قول الآخر:
وما في الدّهر أشقى من محبّ ... ولو وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيا في كلّ حين ... مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقا إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق
فتسخن عينه عند التّنائي ... وتسخن عينه عند التلاقي
وقال بعض الكتاب: تفكّري في مرارة البين يمنعني التمتع بحلاوة الوصل، وتكره عيني أن تقرّ بقربك مخافة أن تسخن ببعدك، فلي عند الاجتماع كبد ترجف، وعند التلاقي مقلة تكفّ.
إظهار الشوق في حال الوصل
قال شاعر:
قالوا ظفرت بمن تهوى فقلت لهم ... الآن أشرف ما كانت صباباتي «1»
لا عذر للصبّ أن تهدى جوارحه ... فقد تطعم فوه بالمواتاة
متطبّب داؤه الهوى
أنشد لعروة بن حزام:
جعلت لعرّاف اليمامة حكمة ... وعرّاف نجد إن هما شفياني «2»
فما تركا لي رقية يعرفانها ... ولا سقية إلا وقد سقياني
فقالا شفاك الله والله مالنا ... بما ضمنت منك الضّلوع يدان
قال ديك الجن:
جسّ الطبيب يدي جهلا فقلت له: ... إنّ المحبّة في قلبي فخلّ يدي
وقال آخر:
وقالوا به من أعين الجنّ نظرة ... ولو صدقوا قالوا به نظرة الأنس
وقال آخر:
قال الطبيب لأهلي حين أبصرني ... هذا فتاكم وحقّ الله مسحور
فقلت ويحك قد قاربت في صفتي ... وجه الصواب فهلّا قلت مهجور.
(2/97)

فقال مالي بعلم الغيب معرفة ... فقلت: إن دليل الحبّ مشهور
فيض الدّموع وأنفاس مصعّدة ... وضربة في الحشا والقلب مأسور
افتقاد الصّبر في الهوى
قال الصنوبري:
وما صبري أمامة عنك إلا ... كصبر الحوت عن ماء الفرات
قال أحمد بن أبي فنن:
لئن ظلّ من وجده مثريا ... لقد ظلّ من صبره مفلسا
وقال:
لم أقبل الصّحة بالشّكر ... عبثت بالحبّ ولم أدر
حتّى إذا باشرت أهواله ... وصرت مغلوبا على أمري
عذت بصبر فوجدت الهوى ... قد غلب الحبّ على صبري
متصبّر كرها
قال أبو العتاهية:
صبرت ولا والله مالي جلادة ... على الصبر لكنّي صبرت على الرغم
استقباح الصبر في الهوى
قال أبو تمّام:
الصبر أجمل غير أن تلذّذا ... بالحبّ أحرى أن يكون جميلا
أتظنّني أجد السبيل إلى العزا ... وجد الحمام إذا إليّ سبيلا
قال عمر بن أبي ربيعة:
وإنّ كثير الحزن ما لم أرد به ... حياض المنايا بعده لقليل
وقال آخر:
الصّبر إلّا في هواك جميل
معاتبة من لم يضنه الهوى
روي أن رجلا مرّ ببشار وهو مستلق على قفاه بدهليزه كأنه فيل، فقال: يا أبا معاذ إنك تقول أن في بردي جسما باليا، لو توكأت عليه لانهدم وأنك لو أرسل الله الريح التي أهلكت عادا عليك ما زعزعتك ونحوه وإن لم يكن من بابه أن أعرابيا مرّ برجل فقال: من هذا؟ فقيل: عابد فرأى رقبة غليظة وكدنة متناهية فقال: إنّ له رقبة ما أرى العبادة وقصتها ونحوه رأت أعرابية رجلا بضّ البدن فقالت: أرى وجها لم يؤثر فيه وضوء الصلاة.
(2/98)

الناحل الجسم في الهوى
قال بعضهم:
سلبت عظامي لحمها فتركتها ... مجرّدة تضحي إليك وتحضر
وأخليتها من مخّها فكأنّها ... قوارير في أجوافها الريح تصفر «1»
قال المتنبّي:
فبلحظها نكرت قناتي راحتي ... ضعفا وأنكر خاتماي الخنصرا «2»
وقال آخر:
خذي بيدي ثم انهضي بي تبيّني ... بي الضرّ إلّا أنّني أتستّر
من تناهى في الهزال حتى صار كخلال أو هلال
قال المتنبّي:
بجسمي من برته فلو أصارت ... وشاحي ثقب لؤلؤة لجالا «3»
ولولا أنني في غير نوم ... لكنت أظنني منّي خيالا
وقال:
دون التعانق ناحلين كشكلتي ... نصب أطالهما ودق الكاتب
ونحوه لابن المعتز:
كأنّما جسمي إلى جسمها ... غصنان ذا غضّ وذا ذابل
قال آخر:
فلو أنّ ما أبقيت منّي معلّق ... بعود ثمام ما تأوّد عودها
قال الخبزارزي:
وذبت حتّى صرت لو زجّ بي ... في مقلة النّائم لم يتنبّه
قد كان لي قبل الهوى خاتم ... والآن لو شئت تمنطقت به
من تسقطه الريح لنحافته
قال ماني:
ها أنا ذا يسقطني للبلى ... عن فرشي أنفاس عوّادي «4»
(2/99)

قال المجنون:
ألا إنّما غادرت يا أمّ مالك ... صدى أينما تذهب به الريح يذهب
قال ديك الجن:
ألست تري الضنّى لم يبق منّي ... سوى شبح يطير بكلّ ريح
من لم يبق إلا حركاته وكلامه قال العباس:
لولا الكلام لمّا اهتدت ... عين الجليس إلى مكاني
وقال آخر:
أنظر إلى جسم أضرّ به الهوى ... لولا تقلّب طرفه دفنوه
من لا يستبان لنحافته
قال بعضهم:
شبح قلّ فما يشغل قطراه مكانا
قال أبو نواس:
تركت جسمي قليلا ... من القليل أقلا
يكاد لا يتجزا ... أقلّ في اللفظ من لا «1»
قال أبو الفضل بن العميد:
لو أنّ ما أبقيت من جسدي قذى ... في العين لم يمنع من الإغفاء «2»
قال ديك الجن:
ولو أن أحداث الزّمان أردنني ... بخير وشرّ ما عرفن مكاني
الشّاكي ذهاب علّته لذهاب جسمه
قال المتنبّي:
وشكيّتي فقد السّقام لأنّه ... قد كان لمّا كان لي أعضاء
وله:
وخيال جسم لم يخل له الهوى ... لحما فينحله السّقام ولا دما
استطابة المرض والسهر لكونهما من الحبيب
قال ديك الجن:
لا أوحشنّك ما استحملت من سقمي ... فإنّ منزله بي أحسن النّاس
قال الأخيطل:
إنّ من أسهرت ليلته ... لقرير العين بالسّهر
(2/100)

قال الرستمي:
وأنّي لأهوى الشيب من أجل أنّه ... وإن نفرت عيني له من فعاله
(7) وممّا جاء في السهر وطول الأزمنة
وجوب السهر لمن كان عاشقا
يستحسن في هذا المعنى قول أبي سعيد بن فوقة:
نسيت الهجود لذكراكم ... وما للمشوق وذكر الهجود «1»
ومن الكبائر عائق يغفي
قال منصور النميري:
الحزن منفاة لضيف الرقاد
المتقلّب على فراشه
قال أشجع:
إذا اللّيل ألبسني ثوبه ... تقلّبت فيه فتى موجع
قال ديك الجن:
ألست ترى الضّنا لم يبق منّي ... سوى شبح يطير بكلّ ريح
قال أبو العتاهية:
أبيت كأنّي في الفراش على مقلي «2»
من لا ينطبق جفنه من السهر
قال المتنبّي:
بعيدة ما بين الجفون كأنّما ... عقدتم أعالي كلّ هدب بحاجب
أخذ ذلك من بشّار حيث يقول:
جفت عيني عن التغميض حتّى ... كأن جفونها عنها قصار «3»
كأنّ جفونها حزمت بشوك ... فليس لنومة فيها قرار
(2/101)

ونحوه لجميل:
كأن المحبّ قصير الجفون ... لطول النّهار ولم تقصر
ويستحسن للمتنبي:
كأن الجفون على مقلتي ... ثياب شققن على ثاكل «1»
من فارقه النوم حتى نسيه
قال العباس بن الأحنف:
قفا خبراني أيّها الرجلان ... عن النّوم إن الهجر عنه نهاني
وكيف يكون النوم أم كيف طعمه ... صفا النّوم لي إن كنتما تصفان
وأني لمشتاق إلى النوم فاعلما ... ولا عهد لي بالنوم منذ زمان
وقال آخر:
حدّثوني عن النهار حديثا ... أوضحوه فقد نسيت النهارا
من ذكر أن ليله كأنما وصل بليل لطوله
قال بشار:
وطال عليّ الليل حتى كأنّه ... بليلين موصول فلا يتزحزح
وقال سربلة بن كاهل:
وإذا قلت ظلام قد مضى ... عطف الأول منه فرجع
قال أبو كثير:
وأني إذا ما الصبح آنست ضوءه ... يعاودني قطع عليّ ثقيل
وقال آخر:
في الليل طول تناهى العرض والطّول ... كأنّما ليله بالليل موصول
لا فارق الصّبح كفّي إن ظفرت به ... وإن بدت غرّة منه وتحجيل «2»
لساهر طال في صول تململه ... كأنه حيّة بالسّوط مقتول
مراقبة النجوم من السهر
قيل لام الهيثم بنت الأسود ما حالك؟ فقالت:
تجافى مضجعي وثبا سهاري ... وليلي ما يقرّ من السهاد «3»
أراقب في السماء بنات نعش ... ولو أسطيع كنت لهنّ حادي «4»
(2/102)

قال ابن دريد:
لقد ألفت دهم النّجوم رعايتي ... فإن غبت عنها فهي عني تسائل
يقابل بالتسليم منهنّ طالع ... ويومئ بالتوديع منهنّ آفل
المستشهد بالنجوم لسرّه
قال الناشئ:
سل الليل عنّي كيف أرعى نجومه ... فإنّ الليالي يطّلعن على سرّي
وقال:
سل الليل عنّي ما لقيت وما لقي ... يخبركم أني بحبّكم أشقى
تحيّر النجوم وامتناعها من الغيب
قال النابغة «1» :
وليل أقاسيه بطيء الكواكب
قال امرؤ القيس «2» :
فيا لك من ليل كأنّ نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل «3»
قال المتنبّي:
ما بال هذي النجوم حائرة ... كأنها العمى ما لها قائد
وقال:
أكابد هذا الليل حتّى كأنّه ... على نجمه أن لا يغور يمين
وقال قدامة أنشدني عبد الله بن المعتز:
عسى شمسه مسخت كوكبا ... فقد طلعت في عداد النجوم
فقلت: غيرت في وجه امرئ القيس إذ يقول وليل البيت فقال: لا ولا في وجه ابن طباطبا إذ يقول:
كأنّ نجوم اللّيل سارت نهارها ... وعادت عشاء وهي أنضاء أسفار «4»
(2/103)

فخيمن حتى يستريح ركابها ... فلا فلك جار ولا كوكب سار
تباطؤ الصبح
قال جحظة البرمكي:
وليلي في كواكبه حران ... فليس لطوله منه انقضاء
عدمت محاسن الإصباح فيه ... كأن الليل جود أو رفاء «1»
مقاساة الهم باللّيل والاستراحة بالنهار
قال ابن الدمينة:
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهمّ بالليل جامع
قال الموصلي:
إن في الصبح راحة لمحبّ ... ومع اللّيل ناشئات الهموم
وأصله للنابغة:
وصدر أراح اللّيل عازب همّه ... تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب «2»
قلة المبالاة بطوله لدوام الهمّ
قال امرؤ القيس:
ألا أيّها اللّيل الطويل ألا أنجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
قال الصولي:
وطولت ليلي لو دريت بطوله ... ولكنّه يمضي لما بي ولا أدري
تشابه ليلي واستمرّ بي الهوى ... فمن لي بنفس تستريح إلى الغدر
الجهل بحاله في ليله
قال خالد الكاتب:
لست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتقلّى
لو تفرغت لاستطالة ليلي ... ولرعي النجوم كنت مخلّى
من ذكر طول ليله وقصر ليل محبوبه
قال العبّاس:
نام من أهدى لي الأرقا ... مستريحا سامني قلقا
(2/104)

لو يبيت الناس كلّهم ... بسهادي بيّضوا الحدقا
أنا لم أرزق مودّتكم ... إنما للعبد ما رزقا
وقال:
كلّ من نام لعمري ... يحسب النّاس نياما
وقال:
شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا ... فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا
من ذكر أن الهموم طولت ليله
قال بشّار:
كأنّ الدجى طال وما طال الدّجى ... ولكن أطال اللّيل همّ مبرّح
وقال:
أقول في الليل وفي طوله ... قول امرئ باللّيل طبّ بصير
يطوّل الليل مراعاته ... فكلّ أمر لا يراعى قصير
قال ابن بسّام:
لا أظلم الليل ولا أدّعي ... أن نجوم اللّيل ليست تغور
ليلي كما شاءت فإن لم تزر ... طال وإن زارت فليلي قصير
قال المتنبّي:
لياليّ بعد الظاعنين شكول ... طوال وليل العاشقين طويل
يبين لي البدر الذي لا أريده ... ويخفين بدرا ما إليه سبيل
استقصار وقت الفرح واستطالة ضدّه
قال العبّاس:
ألا إن أيام البلاء على الفتى ... طوال وأيّام السّرور قصار
قال بشار:
وللدّهر أيام قصار إذا سرت ... بخير ويوم الحزن منه طويل
استطالة النهار
قال شاعر:
يا طول يومي بالكثيب فلم تكد ... شمس الظهيرة تتّقى بحجاب
قال أبو تمام:
بيوم كطول الدّهر في عرض مثله ... ووجدي من هذا وذيّاك أطول
(2/105)

وقال:
يكون كالشهر عندي في تطاوله ... اليوم لم أره فيه ولم يرني
قال الأصمعي لأصحابه: أتعرفون شاعرا استطال يوم اللقاء؟ قالوا: لا. قال هو ثوبة حيث يقول:
لكلّ لقاء تلتقيه بشاشة ... وإن كان حولا كلّ يوم أزورها «1»
فسكتوا فقال: يريد يوما يقوم مقام حول في السرور:
المستقصر ليله لكونه في السرور
قال الكادوسي:
نهار كشبر الذر أو هو دونه ... وليل كإبهام القطاة قصير «2»
قال ابن طباطبا:
يا لذّتي بعناق من ... روّى فمي رشفا ولثما «3»
في ليلة ضمّت على ... جناحها الغربيب ضمّا
فلو استطعت جعلت بي ... ن ظلامها والصبح ردما «4»
قال علي بن عاصم:
سقيا لأيام لنا وليال ... قصّر الحبائب طولها بوصال
ما كان طول سرورها لما انقضت ... إلّا اكتحال متيّم بخيال
قال إبراهيم بن العباس:
وليلة إحدى الليالي الزهر ... قابلت فيها بدرها ببدر «5»
حتّى تولّت وهي بكر الدهر
وقال:
ليلة كاد يلتقي طرفاها ... قصرا وهي ليلة الميلاد
مدح السهر باللّيل وترك النوم
قد أثنى الله تعالى على قوم فقال: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وقال لنبيه صلّى الله عليه وسلّم ومن الليل فتهجد به نافلة لك، قال كشاجم:
وليلك شطر عمرك فاغتنمه ... ولا تذهب بشطر العمر نوما
(2/106)

وقال:
تركت النوم للنوّا ... م إشفاقا على عمري
قال ابن نباتة:
فتى يتجافى قلّة النوم جفنه ... كأنّ لذيذ النوم في جفنه قذى
أطرفك ساه أم فؤادك عاشق ... يغار على عينيك من سنة الكرى «1»
ومن سهرت في المكرمات جفونه ... رعى طرفه في جوفها أنجم العلى
ولبعض القدماء:
يبيت مسهرا يرعى الهوينا ... إذا ما النوم عانقه الدثور «2»
ابن المعتز:
أنا من تعلمون أسهر للمجد ... إذا غطّ في الفراش لئيم
وفي تركه أي النوم، قال شاعر:
ولذ كطعم الصبر خدي طرحته ... عشية خمس القوم والعين عاشقه
وقيل سورة النوم والجوع والعطش ساعة فإذا صبرت تجاوزتك. وضدّه قلة النعاس تذهب بالعقل والنوم يزيد فيه.
الممدوح بقلّة النوم
قال شاعر في ابنه:
أعرف منه قلّة النّعاس ... وخفة في رأسه من راسي
وفي الذئب:
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
المستولى عليه النوم
قيل أنوم من فهد:
ومعرّس نبهته من نومه ... فكأنّما نبّهت فهد البيد
أبو نواس:
كأنّ أرؤسهم والنوم واضعها ... على المناكب لم تعمد بأعناق
وقيل: أصل النوم كثرة الشرب وكثرة الشرب من كثرة الأكل.
(2/107)

من دلت عينه على سهره
قال إبراهيم بن العباس:
عيناك قد حكما مبي ... تك كيف كنت وكيف كانا
ولربّ عين قد أر ... تك ضمير صاحبها عيانا
وقال:
جفونك مقبلة بائخة ... تخبّر عن ليلة صالحه
ونومك بعد صلاة الغداة ... دليل على سهر البارحه
(8) وممّا جاء في الوشاية والعذل
النهي عن الإصغاء إلى الواشي
قال بعضهم:
من جعل النمّام عينا هلكا ... من بلغ السوء كباغيه لكا
وقال الحارث المخزومي:
إن الوشاة قليل إن أطعتهم ... لا يرقبون بنا إلّا ولا ذمما «1»
وهو كقولهم من شتمك؟ فقال: الذي بلّغك.
بغض المتصلين بالحبيب
قال الحارثي:
فيا بعل ليلى كم وكم بأذاتها ... عدمتك من بعل تطيل أذاتي
بنفسي حبيب حال بابك دونه ... تقطع نفسي أثره حسراتي
قال عبد الصمد:
لي حبيب أضرّ بي ما أقاسي ... من فتوني به وبغض أخيه
لي موتان من هوى ذا ومن ... بغضي لهذا فليس لي من شبيه
قلة المبالاة بالناس في تعاطي الشهوات
قال بشار:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطّيبات الفاتك اللهج «2»
(2/108)

ولمّا قال سلم الخاسر:
من راقب الناس مات غمّا ... وفاز باللذة الجسور «1»
قال بشار: ذهب والله بيتي فهو أخف منه وأعذب لا أكلت اليوم ولا شربت، ولما ولي يزيد بن عبد الملك بن مروان الخلافة أراد أن يتشبه بعمر بن عبد العزيز فشق على حبابة فأرسلت إلى الأحوص وقالت أنشده:
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا
فلما بلغ:
هل العيش إلا ما تلذ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشّنار وفنّدا «2»
قام يزيد وهو يقول: هل العيش (البيت) حتى دخل على حبابة.
من تشكك رقيبه في غير محبوبه
قال العباس بن الأحنف:
قد سحب الناس أذيال الظّنون بنا ... وفرّق الكلّ فينا قولهم فرقا
فكاذب قد رمى بالظنّ غيركم ... وصادق ليس يدري أنّه صدقا
وقال آخر:
قوم رموا غير من أهوى بظنّهم ... وآخرون أصابوه وما شعروا
المسّرة بغيبة الرقيب والتمكّن من الحبيب
غاب الأمير أدام الله نعمته ... وغاب همّ كفاني الله هيبته
غابا وقد غادرا لصّ الهوى فرحا ... بنيل ما كان يشكو منه خيبته
لمّا تمكنت من بزّ لأسرقه ... هربت خوفا وما حركت عيبته «3»
الندم على الإصغاء إلى العذّال
تكنفني الوشاة فأزعجوها ... فيالله للواشي المطاع
فأصبحت الغداة ألوم نفسي ... على شيء وليس بمستطاع
كمغبون يعضّ على يديه ... تبيّن غبنه بعد البياع «4»
قال تاج الكتاب:
وإنّي غداة سكوني إلى ... مقال الرقيب وهجر السكن
كمن شرب السمّ جهلا به ... ولم يدر ما فعله في البدن
(2/109)

من كذب الواشي فيما ادّعى عليه من الهوى وصدقه
قال ثوبة «1» :
رماني وليلى الأخيليّة قومها ... بأشياء لم تخلق ولم أدر ماهيا
وقال:
وماذا عسى الواشون أن يتحدّثوا ... سوى أن يقولوا إنني لك عاشق «2»
نعم صدق الواشون أنت كريمة ... علينا وإن لم تصف منك الخلائق
الدعاء على العاذل
قال مورق العقيلي:
فمن لامني في أن أهيم بذكرها ... فكلف من وجدي بها ما أكلف
قال كثيّر:
وسعى إليّ بعيب عزّة نسوة ... جعل الإله خدودهنّ نعالها
قال ابن طباطبا:
هو الحبيب الذي نفسي الفداء له ... ونفس كلّ نصيح لامني فيه
خليّ يلوم شجّيا
قال النميري:
أصبحت تلحاني ولا تدري ... كيف اعتراني الهمّ في صدري
لو كنت في صدري وباشرت ما ... يلقى لسارعت إلى عذري
وقال آخر:
وو الله لو أصبحت من ملّة الهوى ... لأقصرت عن عذلي وأسرعت في عذري
ولكن بلائي منك أنّك ناصح ... وأنّك لا تدري بأنّك لا تدري
مخالفة العذال
قال أحمد بن سليمان بن وهب: قال لي أبي: يا بني قد عزمت على معاتبة عمك الحسن بن وهب في هواه فلانة فقد اشتهر بها وافتضح فأعنّي عليه. فوافيناه فكان من جملة ما قال له أبي: الهوى ألذّ وأمتع، والرأي أصوب وأنفع فقال عمّي متمثلا:
إذا عذلتني العاذلات على الهوى ... أبت كبد عمّا يقلن صريع «3»
(2/110)

وكيف أطيع العاذلات وحبّها ... يؤرّقني والعاذلات هجوع «1»
فالتفت إلى أبي يريد المساعدة فقلت:
وإني ليلحاني على طول حبّها ... رجال ترى منهم قلوب صحائح
فقال أبي: قم فأنت مثله أو شرّ منه، قال أحمد بن أبي فنن:
أعاذل إنّ لومك لي عناء ... فحسبك قد سمعت وقد عصيت
قال المتنبّي:
إلام طماعية العاذل ... ولا رأى في الحبّ للعاقل
يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطّباع على النّاقل
وهبت سلوى لمن لامني ... وبتّ في الشوق في شاغل
أنشد عبد الله بن طاهر قول من يقول:
أطعت الآمريك بصرم حبلي ... مريهم في أحبّتهم بذاك
فإن هم طاوعوك فطاوعيهم ... وإن عاصوك فاعصي لمن عصاك
فقال طعنة في كبده هلا قال كما قلت:
قولي لناهيك عن ودّي وعن صلتي ... يهجر أحبّته والترب في فيه
فإن عصاك فردّيه بمعصية ... وإن أطاعك فاعصيه وأقصيه
وقال:
وربّ لوم أتاني من أخي سفه ... على ارتماضي فلم أرفع له أذني «2»
من ذكر سرور عاذله بصرم محبوبه
قال محمد بن أبي عيينة:
لقد شمت الواشون أن حيل بيننا ... وسرّوا ألا للشامتين بنا العقبي
وقال التمّار:
صدّ من أهواه عنّي ... فاشتفى العاذل منّي
استطابة الملامة
قال أبو نواس:
إذا غاديتني بصبوح عذل ... فشوببه بتسمية الحبيب
فإني لا أعدّ اللوم فيه ... عليّ إذا فعلت، من الذنوب
(2/111)

وقال:
كفى الأحاديث عن ليلى إذا ذكرت ... أن الأحاديث عن ليلى تلهيني
قال بشّار:
لا أحمل اللوم فيها والغرام بها ... لا كلّف الله نفسا فوق ما تسع
ازدياد الوجد بالعذل
قيل: النهي عن الشيء داع إلى تعاطيه كآدم وحواء حين نهيا عن الشجرة وقال صلّى الله عليه وسلّم:
لو نهى الناس عن فت البعر فتوّه، وقالوا: ما نهينا عنه إلا وفيه شيء، قال أبو دلف:
هل رأينا وسمعنا من نهى ... رجلا عن سوء فعل فانتهى
بل إذا عوتب في سيئة ... لم يدعها أو تعاطى أختها
قال أبو نواس:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء
قال ابن الحجاج:
دع اللوم إن اللوم يغري وربّما ... أراد صلاحا من يلوم فأفسدا
وأصله لقيس:
وما زادها الواشون إلّا كرامة ... عليّ وودا في القلوب موفّرا
وقيل: من عذل عاشقا كمن زمر في إست ميت ليطرب.
السكوت عن مجاوبة العاتب
قال بعضهم:
أعذر أخاك فإنّه رجل ... صمّت مسامعه على العذل
قال جحظة:
ذراني من ملامكما ذراني ... فقد أسرفتما إذ لمتماني
فلست بضامن لكما جوابا ... ولست بسامع ممّن لحاني
التّبرم بالوشاة
قال مجنون ليلى:
ولو أن واش باليمامة داره ... وداري بأعلى حضر موت اهتدى ليا «1»
وماذا عليهم أحسن الله حالهم ... من الحظّ في تصريم ليلى حباليا
(2/112)

قال الخبزارزي:
موكل طرفه بطرفي ... كأنّه كاتب الذنوب
وقال:
أمنا أناسا كنت قد تأمنينهم ... فزادوا علينا في الحديث وأوهموا
وقالوا لنا ما لم نقل ثم كثّروا ... علينا وباحوا بالذي كنت أكتم
قال الصاحب:
خلّ يصدّ وعاذل متنصح ... ومناصح يؤذي ونمّام يسي «1»
قال أحمد بن أبي سلمة:
يعذلني فيه جميع الورى ... كأنّي جئت بأمر عجيب «2»
التبرّم بكثرة اللوم
قال ابن المعتز:
أظنّ نفسي لو تعشقتها ... بليت فيها بملام الرقيب
وقال:
واعنائي بمحضر ومغيب ... وحبيب نأى بعيد قريب
لم ترد ماء وجهه العين إلا ... شرقت قبل ريّها برقيب «3»
وقال:
إن لامني من لا رآه فقد ... جار على الغائب في الحكم
وإن لحاني من رآه فقد ... أضلّه الله على علم
المرتدع عاذله بحسن محبوبه
قال الله تعالى قالت امرأة العزيز وقال نسوة في المدينة (الآيتين) إلى قوله: إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ
«4» قال محمد بن بكار:
عذلاني على هواه فلمّا ... أبصرا حسن وجهه عذراني
وقال:
فلما رآها العاذلات عذرنني ... وصدقنني فيما شكوت من الوجد
(2/113)

معاتبة من يلوم ولا يعرف العذر
قال الأفوه:
إن الملامة لا تزال بلا ... عذر أمام تفهّم العذر
(9) وممّا جاء في إبداء الهوى وإخفائه
المتبجج بإخفائه محبوبه عن الناس
قال شاعر:
فما أنس ما الأشياء لا أنس موقفي ... وموقفها وهنا بقارعة النخل
فلما توافقنا عرفت الذي بها ... كمثل الذي بي حذوك النعل بالنّعل
فقالت وأرخت بجانب الستر إنما ... معي فتحدث غير ذي رقبة أهلي
وقلت لها ما بي لهم من ترقب ... ولكنّ سرّي ليس يحمله مثلي
وقال العباس:
لأخرجنّ من الدنيا وحبّكم ... بين الجوانح لم يشعر به أحد «1»
قال الخبزارزي:
إذا سألوني عنك موّهت قصّتي ... ولجلجت لجلاج الضّفادع في البحر «2»
الكاتم هواه عن ظواهر نفسه
قال سواد بن عبد الله:
خشيت لساني أن يكون خؤونا ... فأودعته قلبي وكان أمينا
وقلت ليخفى بين سمعي وناظري ... أيا حركاتي كنّ فيّ سكونا
فما إن رأت عيني لعيني نظرة ... ولا سمعت أذني لفيّ حنينا
قال بعض المحبّين:
عندي سرائر للحبيب طويتها ... منّي الضمير بأنّها في طيّه
وقال آخر:
فلو أنّ شيئا كاتم الحبّ قلبه ... لمتّ ولم يعلم بحبّكما قلبي
أخذه من جميل:
ولو أنّ امرأ أخفى الهوى عن ضميره ... لمتّ ولم يعلم بذاك ضميري
(2/114)

وقال أبو نوح:
قلبي رقيب على طرفي من الحذر ... فليس يتركه يلتذّ بالنظّر
بعضي يكاتم بعضي ما يحاذره ... فلو سألت إذا لم أدر ما خبري
التستر بإظهار الهوى في غير المحبوب
قال شاعر:
اسمّيك لبنى في نسيبي تارة ... وآونة سعدى وآونة ليلى «1»
حذارا من الواشين أن يفطنوا بنا ... وإلا فمن لبنى فدتك ومن ليلى
وقال أحمد بن أبي فنن:
لساني لليلى والفؤاد لغيرها ... وفي لحظ عيني مكذب للسانيا
وقال ابن المعتز:
ألقيت غيرك في ظنونهم ... فسترت وجه الحبّ بالحبّ
ستر الهوى بالوقيعة في المحبوب
قال الخبزارزي:
قل للّذي ينكر سبّي له ... والله ما خنتك في الغيب
وإنّما أحببت ستر الهوى ... فعبت ما ليس بذي عيب
وسله لي عن مثل قد مضى ... لم رقع البزاز في الثّوب؟
إظهار الهوى قصد إلى إخفائه
قال أبو حفص الشطرنجي:
ولقد أمازحه بإظهار الهوى ... عمدا ليكتم سرّه إعلانه
ولربّما كتم الهوى إظهاره ... ولربّما فضح الهوى كتمانه
كتمان الهوى عن المحبوب
قال الزبير بن بكار «2» :
استر هواك من الذي تهوى ... لا تفضينّ إليه بالشّكوى «3»
فلقلّما تبدي هواك له ... إلا تلوى وامتلا زهوا «4»
(2/115)

إسقاط الجوى بإظهار الشكوى
قال أبو العتاهية:
إن المحبّ إذا ترادف همّه ... يلقى المحبّ فيستريح إليه
وقال:
وأبثثت عمرا بعض ما في جوانحي ... وجرّعته من مرّ ما أتجرّع «1»
الاستراحة بإظهار الهوى
ولا بدّ من شكوى إلى ذي حفيظة ... إذا جعلت أسرار نفس تطلع
وقال بعضهم: ما رأيت أظرف وأغزل وأهجن من صاحبة يوسف عليه السلام حيث قالت: أنا راودته عن نفسه، ثم قالت ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب، قال محمد بن أبي عيينة:
تجنّب مؤنات التدمّث والعقل ... بعينك فانظر ما تلذّ وتستحلي «2»
قال المتنبّي:
وألذّ شكوى عاشق ما أعلنا
قال الصاحب:
صرّحت في حبّي عن مشكله ... ولم أحتيج فيه إلى عذله
وبحت للعالم باسم الهوى ... فليقعد المغتاب في منزله
إظهار الهوى وامتناعه من أن يخفى
قال شاعر:
من كان يزعم أن سيكتم حبّه ... حتّى يشكك فيه فهو كذوب
وإذا بدا سرّ اللبيب فإنّه ... لم يبد إلا والفتى مغلوب
الحبّ أغلب للفؤاد بقهره ... من أن يرى للسرّ فيه نصيب
قال محمد بن طاهر:
يا كاتمي خيفة الواشي محبته ... إنّي وحقّك أقراه من النظر «3»
قال سلم الخاسر:
ولي عند رؤيته روعة ... تحقّق ما ظنّه المتهم
قال إسحاق الموصلي:
إنّ المحبّ يرى التوقّر سترة ... فإذا تحيّر في الهوى لم يبصر
(2/116)

ظهور الهوى بالدمع
قال أبو عيسى بن الرشيد:
لساني كتوم لأسراركم ... ودمعي نموم لسرّي مذيع
ولولا الدموع كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لي دموع
قال أبو حكيمة:
كأن مجال الطرف من كلّ ناظر ... على حركات العاشقين رقيب
ظهوره بتحوّل الجسم
قال المتنبّي:
أمر الفؤاد لسانه وجفونه ... فكتمنه وكفى بجسمك مخبرا
وقال الصنوبري:
اكفّ لسان الدمع أن أشكو الهوى ... كأنّ لسان السّقم لا يحسن الشكوى
مبانة العاشق معشوقة في هواه
قال شاعر:
فتعلمي أن قد كلفت بكم ... ثم افعلي ما شئت عن علم
قال العباس:
لا تحسبيني ماذقا في الهوى ... إنّي على حبّيك مطبوع «1»
قال البحتري:
أعيدي فيّ نظرة مستتيب ... توخّى الهجر أو كره الأثاما «2»
تري كبدا محرّقة وعينا ... مؤرّقة وقلبا مستهاما «3»
وقال رجل لامرأة رآها مرهاء «4» : هلا اكتحلت؟ فقالت: خشيت أن أشغل جزأ من أجزاء عيني عن النظر إليك.
الحثّ على إظهار الجوى للمحبوب
قيل: لا شيء أصيد لامرأة ولا أذهب لعفتها من أن يحيط علمها بأن رجلا يحبّها فإذا رأت أنه أدمع عينه ولو كان أنسك ما يكون لذهب عقلها، وقال بشّار:
عرضن للذي تحبّ بحبّ ... ثم دعه يروضه إبليس
وقيل المرأة تكتم الحب أربعين سنة ولا تكتم البغض والكراهة يوما واحدا.
(2/117)

(10) وممّا جاء في مراسلة الحبيب ومكاتبته
الإرسال إلى المحبوب
قال كثيّر: لقيني جميل فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من عند بثينة فقال: لا بد أن ترجع عودك إلى بدئك فتأخذ لي موعدا من بثينة. فقلت: عهدي بأبيها الساعة. فقال:
بدّ فقلت وأين عهدتهم؟ قال بالدوم يرحضون ثيابهم فرجعت فقال أبوها: ما ردّك يا ابن أخي قلت أبيات خطرت لي أردت أن أنشدها ثم أنشدته:
فقلت لها يا عزّ أرسل صاحبي ... على نأي دار والموكل مرسل
بأن تجعلي بيني وبينك موعدا ... وأن تأمريني بالذي شئت أفعل
فآخر عهد منك يوم لقيتني ... بأسفل وادي الدوم والثّوب يغسل «1»
قال: فضربت بثينة جانب خبائها بعمود وقالت أخسأ، فقال أبوها ما هو؟ قالت:
كلب يأتينا من وراء الرابية. فعدت إليه وقلت قد وعدتني أن تجيء من وراء الرابية.
قال شاعر:
يا صاحبي فدت نفسي نفوسكما ... وحيثما كنتما لقيتما رشدا
إن تحملا حاجة لي خفّ محملها ... تستوجبا نعمة عندي بها ويدا
إن تقرئا منزل الأحباب ويحكما ... منّي السلام وأن لا تخبرا أحدا
قال آخر:
وقد أرسلت في السرّ أن قد فضحتني ... ونوّهت باسمي في النّسيب ولم تكن «2»
من عاد رسوله بمكروه
قال ديك الجن:
أبطأ الرسول فظلت أنتظر ... لا النوم يأخذني ولا السهر
ردّ الجواب بكلّ معضلة ... إن شمّروا للهجر واتّزروا
أزجر فؤادك أن يهيم بهم ... إن العصا لك قد أرى قشروا «3»
(2/118)

إرسال الريح إليه
قال البحتري:
ألا يا نسيم الريح بلّغ رسالتي ... سليمي وعرّض بي كأنّك مازح «1»
فإن سألت عنّي سليمي فقل لها ... به غبّر من دائه وهو صالح «2»
وقال:
لي إلى الريح حاجة إن قضتها ... كنت للريح ما بقيت غلاما
حجبوها عن الرّياح لأني ... قلت للريح بلّغيها السّلاما
وقال:
فلو أنّ ريحا أبلغت وحي مرسل ... خفيّ لناجيت الجنوب على الجنب
وقلت لها أدّي إليهم تحيّتي ... ولا تخلطيها طال سعدك بالترب
فإني إذا هبّت شمالا سألتها ... هل ازداد صداح النميرة من قرب
من حسد رسوله لتمتعه بالنظر إلى محبوبه
عشق المأمون جارية لبعض المتكلمين المتّصلين به وكان يراسلها ببعض من أفشى إليه سره فقال يوما وقد بعث إليها:
ألا ليتني كنت الرسول وكأنّني ... فكان هو المقصى وكنت أنا المدنى «3»
بعثتك مشتاقا ففزت بنظرة ... وأغفلتني حتّى أسأت بك الظنّا
وسرّحت طرفا في محاسن وجهها ... ومتّعت باستمتاع نغمتها الأذنا
أرى أثرا منها بعينك لم يكن ... لقد سرقت عيناك من عينها حسنا
قال محمد بن أمية:
أن تشق عيني بها فقد سعدت ... عين رسولي وفزت بالخبر
خذ مقلتي يا رسول عارية ... فانظر بها واحتكم على بصري
تأسف من خلفه رسوله على محبوبه
قال شاعر:
بعثت رسولا فأضحى خليلا ... على الرغم منّي فصبرا جميلا
وكنت الخليل وكان الرسول ... فصار الخليل وصرت الرسولا
كذا من يوجّه في حاجة ... إلى من يحبّ رسولا نبيلا
(2/119)

قال المتنبّي:
ما لنا كلّنا جوى يا رسول ... أنا أهوى وقلبك المتبول
كلما عاد من بعثت إليها ... غار منّي وخان فيما يقول
التعرّض لرسول محبوبه
بعثت عنان جارية الناطفي وصيفة لها إلى أبي نواس تدعوه فاحتال فقضى منها وطرا «1» وكتب إليها:
نكنا رسول عنان ... والرأي ما قد فعلنا
فكان خبزا بملح ... قبل الشّواء أكلنا
وبعثت أخرى جاريتها فعادت وبوجهها أثر ريبة فسألتها فزعمت أنه خمشها فعاتبته فقال:
زعم الرسول بأنّني خمشته ... كذب الرسول وفالق الإصباح
شغلي بحبّك عن سواك وليس لي ... قلبان مشتغل وآخر صاح
قال النوفلي:
وقد زعمت يمن بأنّي أردتها ... على نفسها تبّا لذلك من فعل «2»
سلوا عن قميصي مثل شاهد يوسف ... فإنّ قميصي لم يكن قدّ من قبل «3»
الراغب إلى حبيبه أن يكاتبه
قال شاعر:
يا زين من ولدت حوّاء من رجل ... لولاك لم تحسن الدنيا ولم تطب
أما اللقاء فشيء لست آمله ... فما يضرّك لو ناجيت بالكتب
وقال:
فإن لم تكونوا مثلنا في اشتياقنا ... فكونوا أناسا تحسنون التحمّلا
وماذا عليكم لو سمحتم بأحرف ... فأوجبتم فيها علينا التفضّلا
(2/120)

قال ابن طباطبا:
أنا راضي يا منى ... نفسي بنيل منك نزر «1»
فكتاب بل بسطر ... بل بحرف دون سطر
المسرّة بورود الكتاب
قال شاعر:
أتاني كتاب فيه ذكر زيارة ... وقد كان قلبي قبل ذلك يخفق
فقبّلته مستبشرا بوروده ... وأهديته للقلب لا يتفرّق
قال المهلّبي:
طلع الفجر من كتابك عندي ... فمتى باللّقاء يبدو الصّباح
ذاك إن تمّ لي فقد عذب العي ... ش ونيل المنى وريش الجناح
قال محمد بن طاهر:
علامة من بودّك أن تراه ... يطيل إليك إن غبت الكتابا
إذا قصّر الكتاب فأيّ ودّ ... ترجّى من حبيبك حين غابا
(11) وممّا جاء في مزاورة الحبيب وملاقاته والنظر إليه
المتنبّي:
كم زورة لك في الأعراب خافية ... أدعى وقد رقدوا من زورة الذّيب
أزورهم وسواد اللّيل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي «2»
وله:
وكم لظلام اللّيل عندي من يد ... تخبر أنّ المانوية تكذب «3»
وقال ابن المعتز:
وجاءني في قميص اللّيل مستترا ... يستعجل الخطو من خوف ومن حذر
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدّت عن الظّفر «4»
(2/121)

فقمت أفرش خدّي في الطريق له ... ذلّا وأسحب أذيالي على الأثر
وكان ما كان مما لست أذكره ... فظنّ خيرا ولا تسأل عن الخبر
قال جحظة:
زارني خائفا وقد جثم اللّي ... ل ونام الحراس الرصد «1»
جرّه سكره وساوره الخو ... ف فوافى سكران يرتعد
قال سعيد النصراني:
وعد البدر بالزيارة ليلا ... فإذا ما وفى قضيت نذوري «2»
قلت يا سيدي ولم تؤثر اللي ... ل على بهجة النّهار المنير
قال لا أستطيع تغيير رسمي ... هكذا الرسم في طلوع البدور
من صار الطيب والحلى واشيا عند زورته
قال البحتري:
وزارت على عجل فاكتسى ... لزورتها أبرق الحزن طيبا «3»
فكان العبير بها واشيا ... وجرس الحليّ عليها رقيبا
قال بشار:
أملي لا تأت في قمر ... لحديث واتّق الذرعا «4»
وتوقّ الطيب ليلتنا ... إنه واش إذا سطعا «5»
قال العباس:
قامت تثنى وهي مرعوبة ... تود أنّ الشمل مجموع
بكى وشاحاها فلم يسكتا ... وإنّما أبكاهما الجوع
فانتبه الهادون من أهلها ... وصار للموعد مرجوع
لا تستلق أبدا بعدها ... إلا ونمّامك منزوع
ما بال خلخالك ذا خرسة ... لسان خلخالك مقطوع
امتناع المحبوب
قال شاعر:
قلت زورّينا فقالت عجبا ... أتراني يا فتى قاضي منى
(2/122)

إذ يصلي وعليه دينهم ... أنت تهواني وآتيك أنا
قال أبو دهم:
لما رأيت معذّبي ... ألفيته كالمحتشم
فطلبت منه زورة ... تشفي السّقيم من السّقم
فأبى عليّ وقال لي ... في بيته يؤتى الحكم
من سأل رفيقه أن يزور به صديقه
قال شاعر:
خليليّ عوجا بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجازنا ... ولكنّنا جزنا لنلقاكم عمدا
وقال نصيّب:
بزينب ألمم قبل أن يظعن الركب ... وقل أن تملّينا فما ملك القلب
وقال:
خليليّ من عوف عفا الله عنكما ... ألمّا بها إن كان مرخى ظلامها
فإنّ مقيلي عند ظمياء ساعة ... لنا خلف من نومة سنامها «1»
النهي عن كثرة النظر وذمّه
قال الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ
«2» . وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست الآخرة وقال: زناء العين النظر. وقال عيسى عليه السلام: لا يزني فرجك ما غضضت طرفك. وقيل: من كثرت لحظاته دامت حسراته. فضول المناظرة من فضول الخواطر. قيل: نظر رجل إلى امرأة فقالت لم تنظر إلى ما يقيم أيرك وينفع غيرك؟ وقال أبو الفيض: خرجت حاجا فمررت بحي فرأيت جارية كأنها فلقة قمر فغطت وجهها، فقلت يرحمك الله أنا سفر وفينا أجر، فمتعينا برؤية وجهك فقالت:
وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كلّه أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر
ومرت أعرابية بجماعة من بني نمير فأداموا لها النظر فقالت: يا بني نمير ما فعلتم بقول الله: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ولا بقول الشاعر:
فغضّ الطّرف إنّك من نمير ... فلا سعدا بلغت ولا كلابا «3»
(2/123)

فأطرقوا حياء وقال العبّاس بن الأحنف:
ومستفتح باب البلاء بنظرة ... تزوّد منها شغله آخر الدهر
قال أبو تمام:
إنّ لله في العباد منايا ... سلطتها على القلوب العيون
النهي عن تمكين المرأة من النظر إلى الرجل
قال بعضهم: لإن يرى ألف رجل امرأتي أسهل عندي من أن ترى امرأتي رجلا، قال ذو الرمة:
لا تأمننّ على النّساء ولو أخا ... ما في الرجال على النّساء أمين
إن الأمين وإن تحفظ جهده ... لا بدّ أن بنظرة سيخون
الرخصة في النظر
قال الحسن: النظر إلى الوجه الحسن عبادة معناه إن الرائي يقول: سبحان خالقه ومنه قيل النظر إلى عليّ عبادة ورؤي شريح بقارعة الطريق فقيل له ما وقوفك؟ قال: عسى أن أنظر إلى وجه حسن أتقوى به على العبادة. وقال ابن الدمينة:
يقولون لا تنظر وتلك بليّة ... ألا كل ذي عينين لا بدّ ناظر
وليس اكتحال العين بالعين ريبة ... إذا عفّ فيما بينهنّ الضمائر
وقال مصعب بن الزبير وكان جميلا لصوفي رآه يحد النظر إليه: لم تحدّ النظر إليّ؟
فقال: لا تنكر نظري فإنك من زينة الله في بلاده. أما سمعت قول أبي دلف.
ما لمن تمّت محاسنه ... أن يعادي طرف من رمقا «1»
لك أن تبدي لنا حسنا ... ولنا أن نعمل الحدقا «2»
قال آخر:
أبرزوا وجهه الجمي ... ل ولاموا من افتتن
لو أرادوا عفافة ... نقبوا وجهه الحسن
قال التمار:
لا تمنعني إن نظر ... ت فلا أقلّ من النّظر
دع مقلتي تنظر إلي ... ك فقد أضرّ بها السّهر
النظر الشديد
نظر أشعب إلى ابنه وهو يحادث امرأة فقال: يا بني نظرك هذا يحبل. وغنّى
(2/124)

مخارق في مجلس الواثق بقول عمر بن أبي ربيعة:
نظرت إليها بالمحصب من منى ... ولي نظر لولا التحرّج عارم «1»
فقال ما تحفظون في هذا؟ فقال ابن أبي دؤاد أحفظ فيه شيئا ظريفا وهو:
ولي نظر لو كان يحبل ناظر ... بنظره أنثى فقد حبلت عنّي «2»
فإن ولدت ما بين تسعة أشهر ... إلى نظري شيئا فذاك إذا منّي
فقال أشد منه للأخطل:
فلا تقرب بيوت بني كليب ... ولا تقرب لهم أبدا رحالا
ترى فيها لوامع مبرقات ... يكدن ينكن بالحدق الرجالا
قيل لعاشق تمكن من لقاء محبوبه: هل اشتفيت؟ فقال:
وفي نظري الصّادي إلى الماء حسرة ... إذا كان ممنوعا سبيل الموارد
وقال آخر:
يرنو وينظر حسرة ... نظر الحمار إلى القضيم
من تمنّى النظر إلى محبوبه والاستشفاء بلقائه
قال الخبزارزي:
مفتاح كلّ لذاذة ... نظر المحب إلى الحبيب
طوبى لعين بصرت ... وجه الحبيب بلا رقيب
قال ابن قنبر:
رمدت في الحبّ عيني ... فاكحلوها بالحبيب
قال العباس:
إذا ما التقينا كان أكثر حظّنا ... وغاية ما نرضى به النظر الشزر
إزدياد الوجد بالنظر
قال وهب الهمداني:
زوّدت العين من لواحظها ... زادا فكان الحمام في النظر
قال الأحوص:
إذا قلت إني مشتف بلقائها ... فحمّ التّلاقي بيننا زادني وجدا
(2/125)

قال إبراهيم الموصلي:
ولو أني نظرت بكلّ عين ... لما استقصت محاسنه العيون «1»
تورك الذنب على العين والقلب
. قيل:
قال الصولي:
فمن كان يؤتى من عدوّ وصاحب ... فإني من عيني أتيت ومن قلبي
هما اعتوراني نظرة ثم فكرة ... فما أبقيا لي من رقاد ومن لبّ «2»
وقال:
إذا لمت عينيّ اللتين أضرّتا ... بجسمي يوما قالتا لي لم القلبا
فإن لمت قلبي قال عيناك قادتا ... إليك البلايا ثم تجعل لي الذنبا
قال أبو القاسم المصري:
ألوم قلبي وناظري فهما ... تعاونا والنوى على قلبي
تورك الذنب على العين دون القلب
. قال أبو تمام:
لأعذّبن جفون عيني إنّما ... بجفون عيني جلّ ما أتعذّب
قال ابن المعتز:
عيني أشاطت بدمي في الهوى ... فأبكوا قتيلا بعضه قاتله
قال العطوي:
فلا عجب ولا أمر بديع ... جنايات العيون على القلوب
توركه على القلب دون العين
كفى بكون القلب مذنبا وداعيا إلى فعل الشر أنّ النفس لأمّارة بالسوء وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم أعدى عدوك نفيسة بين جنبيك، قال شاعر:
ألا إنّما العينان للقلب رائد
قال الموسوي:
النفس أعدى عدوّ أنت حاذره ... والقلب أعظم ما يبلى به الرجل «3»
قلّة شبع العين من النظر
قيل: لا تشبع عين من نظر، ولا أذن من خبر ولا أرض من مطر ولا أنثى من ذكر.
(2/126)

قال أبو العباس:
ليتني إذ أراه كلّي عيون ... فبعينين لست أشبع منه
اختلاس النظر خشية الرقباء
قال أبو الشيص:
ونظرة عين تعللتها ... حذارا كما نظر الأحول
تقسمتها بين وجه الحبيب ... وطرف الرقيب متى يغفل
ونحوه:
إذا ما التقينا والوشاة بمجلس ... فليس لنا رسل سوى الطرف للطرف «1»
فإن غفل الواشون فزت بنظرة ... وإن نظروا نحوي نظرت إلى السقف
وقال:
حمدت إلهي إذ بلاني بحبّها ... على حول أغنى عن النظر الشزر
نظرت إليها والرقيب يظنّني ... نظرت إليه فاسترحت من العذر
التخاطب بالنظر
قال معقل بن عيسى:
إذا نحن خفنا الكاشحين ولم نطق ... كلاما تكلّمنا بأعيننا شزرا «2»
قال علي بن هشام:
فسلمت إيماء وودّعت خفية ... فكان جوابي كسر عين وحاجب «3»
قال ابن أبي طاهر:
وفي غمز الحواجب مستراح ... لحاجات المحّب إلى الحبيب
وقال:
ومجلس لذّة لم نقو فيه ... على شكوى ولا عدّ الذنوب
فلمّا لم نطق فيه كلاما ... تكلمت العيون على القلوب
وقالت الهند: للحظ ترجمان القلب واللسان ترجمان البدن.
(2/127)

كون نظر المحبوب إلى محبّه قاتلا
قال ابن الرومي:
نظرت فأقصدت الفؤاد بسهمها ... ثم انثنت عنه فكاد يهيم
ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليم
تحيّر العاشق بالنظر إلى معشوقه
قال أحمد بن أبي ظاهر:
عتابا كأيام الحياة أعدّه ... لألقى به بدر السّماء إذا حضر
فإن أخذت عيني محاسن وجهه ... دهشت لما ألقى فيملكني الحصر «1»
السهل اللقاء الصعب المنال
: قال شاعر:
فقلت لأصحابي هي الشّمس ضوؤها ... قريب ولكن في تناولها بعد
قال أبو نواس:
مبذولة للعيون وجنته ... ممنوعة من أنامل الجاني «2»
وليس لي فيه ما خلا نظر ... يشركني فيه كلّ إنسان
قال العباس:
هي الشمس منزلها في السّماء ... فعّز الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع إليها الصعود ... ولن تستطيع إليك النزولا
من سهل بالكلام وصعب بالمنال
قال إبراهيم بن المهدي:
وقد يلين ببعض القول يبذله ... والوصل في وزر صعب مراقيه «3»
فالخيزران منيع منك مكسره ... وقد يرى ليّنا في كفّ لاويه «4»
(2/128)

المؤثر للمواقعة
قال شاعر:
لم يصف حبّ لمعشوقين لم يذقا ... حبّا يحلّ على من ذاقه الغسل «1»
قال الخبزارزي:
إذا ما قنعنا بالتّواصل في الهوى ... فلا أنت معشوق ولا أنا عاشق
فلا وصل إلا أن يكون تباذل ... ولا بذل إلا أن يكون تعانق
إذا لم يتمّ الوصل والبذل في الهوى ... فأمّ الهوى من بعد هذين طالق
قال أبو تمّام:
وقالوا نكاح الحبّ يفسد شكله ... وكم نكحوا حبّا وليس بفاسد
وقال أبو القيس: مرّ بي إدريس بي أبي حفصة فوقف عليّ وأنشدني:
ولما التقينا قالت الحكم فاحتكم ... سوى خصلة هيهات منك مرامها
فقلت معاذ الله من تلك خصلة ... نموت ويبقى بعد ذاك أثامها «2»
وكان عندنا شيخ من فرغانة فقال ما تفسير هذا؟ ففسرته له فقال: أما نحن فمتى عشقنا واحدا نكناه في إسته ليس هذا عشقا أو لا يقوم عليه.
استحسان التقاء المتحابين
قال مسلم العنبري:
لا شيء أحسن في الدنيا وساكنها ... من وامق قد خلا فردا بموموق «3»
قال العباس:
لم يخلق الرحمن أحسن منظرا ... من عاشقين على فراش واحد
المعانقة
قال إبراهيم الصولي:
ساعدنا الدهر فبتنا معا ... نحمل ما نجني على السّكر
فكنت كالماء له قارعا ... وكان في الرقّة كالخمر «4»
قال الأخطل:
وإنّي وإياها إذا ما لقيتها ... لكالماء من صوب الغمامة والخمر
(2/129)

قال الجاحظ:
كم بين قول امرئ القيس ... تقول وقد مال الغبيط بنا معا «1»
وبين قول علي بن الجهم:
سقى الله ليلا ضمنا بعد هجعة ... وأدنى فؤادا من فؤاد معذّب
فبتنا جميعا لو تراق زجاجة ... من الراح فيما بيننا لم تسرّب
وقال:
فبتنا على رغم الحسود كأنّنا ... خليطان من ماء الغمامة والخمر
قال البحتري:
وربت ليلة قد بت أسقى ... بعينيها وكفّيها المداما
قطعنا الوصل لثما واعتناقا ... وأفنيناه ضمّا والتزاما
قال ابن المعتز:
كأنني عانقت ريحانة ... تنفّست في ليلها البارد
فلو ترانا في قميص الدجا ... حسبتنا من جسد واحد «2»
قال ابن طباطبا:
وضيّقت فيه من عناق معانقي ... فظنّ وشاتي أنني نائم وحدي
من ذكر تمكّنه من محبوبه
قال جحظة:
حبيب جاد لي ... بالرّيق والظلماء معتكفه
وسامحني بما أهوا ... هـ بعد التيه والأنفه
ستشكر فعله نفس ... بعجز الشكر معترفه
قال المأمون:
يا ليلة فزنا بها حلوة ... جامعة في ظلّها الشمل
شرابنا وكاساتنا ... شفاهنا والقبل النقل «3»
(2/130)

تمني تقبيل الحبيب والاقتصار منه عليه
قال شاعر:
والله لو نلتك إذ نلتقي ... عينا لقبّلتك ألفين
قال الصنوبري:
نويت تقبيل نار وجنته ... فخفت أدنو منه فأحترق
قال محمد بن أبي أمية:
فما نلت منها محرّما غير أنّني ... أقبّل بسّاما من الثغر أفلجا «1»
وألثم فاها تارة بعد تارة ... وأترك حاجات النفوس محرجا
تقبيل الحبّ إعتراضا
قال ابن المعتز:
وكم عناق لنا وكم قبل ... مختلسات حذار مرتقب
نقر العصافير وهي خائفة ... من النّواطير يانع الرطب «2»
قال أبو نواس:
وعاشقين التفّ خداهما ... عند التثام الحجر الأسود
فاشتفيا من غير أن يأثما ... كأنّما كانا على موعد
لولا دفاع النّاس إيّاهما ... لما استفاقا آخر المسند
نفعل في المسجد ما لم يكن ... يفعله الأبرار في المسجد
قال ابن أبي ربيعة:
فمررت مختفيا أمرّ ببيتها ... حتّى ولجت على خفاء المولج
قالت وعيش أخي وحرمة والدي ... لأنبهنّ الحيّ إن لم تخرج
فخرجت خيفة قولها فتبسّمت ... فعلمت أن يمينها لم تحرج
فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النزيف لبرد ماء الحشرج «3»
استطابة تقبيله اختلاسا واختفاء
قال كشاجم:
ما لذة أبلغ في طيبها ... من لذّة في إثرها عضّه
(2/131)

خلّصتها بالكره من شادن ... يعشق منه بعضه بعضه
قال ابن سكرة:
سألته في صحوه قبلة ... فردّني والموت في ردّه
حتّى إذا السّكر ثنى جيده ... قبّلته ألفا بلا حمده «1»
وقال الحسن بن وهب قبلتها فوجدت بين شفتيها ريحا لو نام فيها المخمور لصحا.
قال المتنبّي:
شاميّة طال ما خلوت بها ... تبصر في ناظري محيّاها
فليتها لا تزال آوية ... وليته لا يزال مأواها
قال الصاحب:
قال إذا قبلني خدّه ... إنّما القبلة عنوان الصّلة
قال الصابئ:
أقبلت ثم قبّلت ظهر كفّي ... قبلة تنقع الغليل وتشفي «2»
فتلظّى فمي عليها وودّت ... شفتي أنّها هنالك كفي
فعضضّت اليد التي قبّلتها ... بفم حاسد يريد التشفّي «3»
قال الصاحب:
أو ما لتقبيل يدي ... فقلت لا بل شفتي
قال الموسوي:
ومقبّل كفى وددت بأنّه ... أوما إلى شفتيّ بالتّقبيل
موضع التقبيل
قيل: قبلة المؤمن المصافحة وقبلة الرجل زوجته الفم وقبلة الوالد الولد الرأس وقبلة الأم الابن الخد. قال أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه: قبلة الولد رحمة وقبلة المرأة شهوة وقبلة الوالدين عبادة وقبلة الأخ الأخ رقة وزاد فيه الحسن وقبلة الإمام العادل طاعة.
من سأل محبوبه الوصل
وقال الواواء الدمشقي:
أيا من هو الفوز لي بالمنى ... ومن هو بالودّ منّي حقيق «4»
(2/132)

تغنم بنا غفلات الزمان ... فوجه الحوادث وجه صفيق «1»
وقال:
تعال بنا نعص الوشاة ونشتفي ... من الوصل قبل الموت ثم نتوب
كتب إبراهيم الموصلي إلى قينة:
دعي الوصل لا أسمع بيومك إنّما ... سألت شيئا ليس يعري لكم ظهرا
فأجابته لكن يملأ لنا بطنا، قال شاعر:
يا قضيبا مخصره ... وكثيبا مؤزره «2»
ليت شعري متى تجو ... د بما لا نفسّره
سؤاله عوذة النائل
قال المتنبّي:
أمنعمة بالعودة الظّبية التي ... بغير وليّ كان نائلها الوسميّ «3»
قال بشار:
يا رحمة الله حلّي في منازلنا ... حسبي برائحة الفردوس من فيك «4»
قد زرتنا مرّة في الدهر واحدة ... ثنّي ولا تجعليها بيضة الديك «5»
المستكثر قليل الوصل من حبيبته
قال بعضهم:
بحرمة ما قد كان بيني وبينكم ... من الوصل إلا عدتم بجميل
وإنّي ليرضيني قليل نوالكم ... وإن كنت لا أرضى لكم بقليل
قال آخر:
قفي ودّعينا يا مليح بنظرة ... فقد حان منّا يا مليح رحيل
أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل
قال ابن المعتز:
قل لمن حيّا فأحيا ... ميّتا حييت حيّا
ما الذي ضرّك لو أبقي ... ت لي في الكاس شيّا
(2/133)

هل تراني كنت إلا ... مثل من قبّل فيّا
الرضا بأن حبيبه يخطره في قلبه
قال ابن الدمينة:
لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرّني أنّي خطرت ببالك
وقال:
رضيت بسعي الوهم بيني وبينه ... وإن لم يكن في الوصل منه نصيب
الرضا بأن ينظر أرض حبيبه
يقرّ بعيني أن أرى من مكانها ... ذرا عقدات الأبرق المتقاود «1»
وأن أرد الماء الذي شربت به ... سليمي وقد ملّ السرى كلّ واحد «2»
وألصق أحشائي ببرد ترابه ... وإن كان مخلوطا بسمّ الأساود
الرضا بكونه مع الحبيب في الدّنيا
قال أبو نواس أرضى الناس قيس بن ذريح في قوله:
أليس اللّيل يجمعني وليلى ... ألا يكفي بذلك من تدان
ترى وضح النهار كما أراه ... ويعلوها الظلام كما علاني
وقال:
ويقر عيني وهي نازحة ... ما لا يقرّ بعين ذي الحلم
أنّي أرى وأظنّها سترى ... وضح النهار وعالي النجم
رجاء لقاء المحبوب
قال الحارثي:
أرانا به الله ما لم تزل ... تبشّرنا حسنات الظنون
وقال:
ما أقدر الله أن يدني على شحط ... من داره الحزن ممّن داره صول «3»
الله يطوي بساط الأرض بينهما ... حتى يرى الربع منه وهو مأهول
من حبيبه مناه
قال شاعر:
ولما نزلنا منزلا طلّه النّدى ... أنيقا وبستانا من النّور حاليا «4»
(2/134)

أجدّ لنا طيب المكان وحسنه ... منىّ فتمنّينا فكنت الأمانيا
تمنّي مجاورته
قال شاعر:
تمنيت في عرض الأماني وربّما ... تمنى الفتى أمنية ثم نالها
ألا ليت سعدى جاورتني حياتها ... فتعلم ما حالي وأعلم حالها
قال الفرزدق:
ألا ليتنا نمنا ثمانين حجّة ... تنام معي عريانة وأنامها
ضجيعين مستورين والأرض تحتنا ... يكون طعامي شمّها والتزامها
قال جميل:
أقول والركب قد مالت عمائمهم ... وقد سقى القوم كأس النعسة السهر
يا ليت أني بأثوابي وراحلتي ... عبد لقومك هذا الشهر مؤتجر
من أحبّ أن يجتمع مع حبيبه وإن كان في شقاء
قال كثيّر:
ألا ليتنا يا عزّ من غير ريبة ... بعيران نرعى في الخلاء ونعزب «1»
كلانا به عرّ فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدي وأجرب «2»
إذا ما وردنا منهلا صاح أهله ... علينا فلا ننفكّ نرمي ونضرب
نكون بعيري ذي غنى فيضيعنا ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
فلما سمعت عزّة ذلك قالت لقد تمنى لي وله الشقاء الطويل.
قال ديك الجن
ألا ليتنا كنّا جميعين في الهوى ... تضمّ علينا جنّة أو جهنّم
قال ابن حجّاج:
قلت ستّي كلّميني ... قبل أن أحصل مثله «3»
اضربي من طين باب است ... تك خرطومي بكتله
قد طلبنا منك ما لا ... تكره الحرة بذله
ليتني أمسيت في عق ... صة شعر إستك قمله
(2/135)

الرضا من حبيبه بالأماني والمواعيد الكاذبة
قال كثيّر:
وإني لأرضى منك يا عزّ بالذي ... لو أبصره الواشي لقرّت بلابله «1»
بلا وبان لا أستطيع وبالمنى ... وبالوعد والتسويف قد ملّ آمله «2»
وبالنظرة العجلى وبالحول ينقضي ... أواخره لا تنقضي وأوائله
قال جميل:
فصلى بحبلك يا بثين حبائلي ... وعدي مواعد منجز أو ماطل «3»
قال الموسوي:
وما ضرّهم إذ لم يجودوا بمقنع ... من النّيل لو منّوا قليلا وسوّفوا «4»
قال كشاجم:
ضنّت بموعدها فقلت لها ... يا هذه فعدي بأن تعدي
انتظار وعد الكاذب
قال جحظة:
يا كاذبا في وعده بلسانه ... من لي بمصّ لسانك الكذّاب
ما زلت منتظرا لوعدك مفردا ... بالبيت مرتقبا لقرع الباب
قطع الأوقات بالأماني
قال ابن المعتز:
يا مانع العين طيب رقدتها ... ومانح الجسم كثرة العلل
علّمني حبّك المقام على الضّي ... م وقطع الأيّام بالأمل
وقال:
منى أن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
أمانيّ من سعدى حسان كأنّما ... سقتك بها سعدى على ظمأ بردا
(2/136)

(12) وممّا جاء في الطيف
من يسمح بخياله ويضنّ بوصاله
قال البحتري:
أهلا بزائرة الملمّ لو أنّه ... عرف الذي يعتاد من إلمامه «1»
جذلان يسمح في الكرى بعناقه ... ويضنّ في غير الكرى بسلامه «2»
وقال:
بنفسي من تنأى ويدنو ادّكارها ... ويبذل عنها طيفها ويمانع «3»
وقال:
وإذا ما أبى الحبيب مواتا ... تي تبلّغت بالخيال المسلّم
قال أحمد بن أبي طاهر:
فبتّ بها ضيفا مقيما برحله ... وباتت بنا طيفا تقيم ولا تدري
وزارت وما زارت وجادت ولم تجد ... وواصل عنها الطيف وهي على الهجر
قال ابن المعتز:
شفاني الخيال بلا حمده ... وأبدلني الوصل من صدّه
وكم نومة لي قوّادة ... أتت بالحبيب على بعده
وقال كشاجم:
قد جاد طيفك لي بوعدك ... وأجارني من طول صدّك
ودنا إليّ معانقا ... ومصافحا خدّي بخدّك
فظفرت منك بما هوي ... ت بحمد طيفك لا بحمدك
من منع خياله بتسليط السّهاد على محبّه
قال شاعر:
فكان يزورنا منه خيال ... فلمّا أن جفا منع الخيالا
قال علي بن يحيى المنجم:
بأبي أنت لم جفاني خيال ... لك قد كنت أستريح إليه
(2/137)

أرشدني إلى خيالك كيما ... أتقاضاه موعدا لي عليه «1»
وقال:
إنّ فقد النّوم أعدمني ... رؤية الأحباب في الحلم
قال أبو نواس:
كيف السبيل إلى طيف يزاوره ... والنّوم في جملة الأحباب هاجره
بغض طيف ذي هجران
قال أبو دلف:
لا تحمدنّ على نوال في الكرى ... من ليس في غير الكرى بمنول
قال المتنبّي:
إنّي لأبغض طيف من أحببته ... إن كان يهجرنا زمان وصاله
قال المهلّبي:
إنّما الطّيف الملمّ ... فرح يتلوه هم
قلّما يحمد أمر ... ليس فيه ما يذمّ
قالت عابدة المهلبية:
خطبت خياله فإذا خيال ... مطول مثل صاحبه بخيل «2»
فإن توقّعي طيفا جوادا ... وصاحبه بخيل مستحيل
من ذكر الخيال بات الفكر إزاره
قال أبو تمام:
نم فما زارك الخيال ولكن ... نك بالفكر زرت طيف الخيال
قال المتنبّي:
لا الحلم جاء به ولا بمثاله ... لولا ادّكار وداعه وزياله «3»
إن المعيد لنا المنام خياله ... كانت عبارته خيال خياله
بتنا يناولنا المدام بكفّه ... من ليس يخطر أن نراه بباله
فدنوتم ودنوّكم من عنده ... وسمحتم وسماحكم من ماله
من أسهره خيال حبيبه
قال علي بن يحيى:
زارني طيف الخيال فما ... زاد أن أغرى بي الأرقا
(2/138)

قال الفرزدق:
شبت لعينك سلمى عند مقفاها ... فبتّ منزعجا من بعد مرآها «1»
وقلت أهلا وسهلا ما هداك لنا ... إن كنت تمثالها أو كنت إيّاها
قال ابن الرومي:
طرد الكرى عنّي وراح بحاجتي ... وقضى عليّ بأجرة الحمّام
من تمنّى المنام لأجل لقاء الخيال
قال قيس بن ذريح:
وإنّي لأهوى النوم من غير نفسه ... لعلّ لقاء في المنام يكون
تخبرني الأحلام إنّي أراكم ... فيا ليت أحلام المنام يقين
من ذمّ الصبح لمفارقة الخيال
قال البحتري:
وليلة هوّمنا على العيس أرسلت ... بطيف خيال يشبه الحقّ باطله
فلولا بياض الصّبح طال تشبّثي ... بعطفي غزال بتّ وهنا أغازله «2»
وكم من يد للّيل عندي حميدة ... وللصّبح من خطب تذمّ غوائله «3»
المخافة من تهديد الطيف
قال شاعر:
رجا راحة في النّوم حتّى إذا غفا ... أتى طيف من يهوى يهدّد بالهجر
فقام ينادي والدموع بوادر ... أيا طيف من أهوى قتلت ولا تدري
(13) وممّا جاء في السلوّ
من ذكر تسلّيه عن محبوبه بما لا يسلى به
قال كثيّر:
ولما أبى إلا جماحا فؤاده ... ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل
(2/139)

تسلّى بأخرى غيرها فإذا الّتي ... تسلّى بها تغري بليلي ولا تسلي
قال البحتري:
وقالوا تجنبها تفسق فاجتنبتها ... زمانا فما أسلى فؤادي التجنب
وقالوا تقرّب يخلق الحبّ أو تجد ... علالة قلب فاختلاني التقرّب
من بغى له بعد ما تسلى علالة من الهوى
قال معاوية:
صرمت سفاهتي وأرحت حلمي ... وفي علمي تحمّلي اعتراض «1»
على أنّي أجيب إذا دعتني ... إلى حاجاتها الحدق المراض
قال البحتري:
إني إذا جانبت بعض بطالتي ... وتوهّم الواشون أنّي مقصر
ليشوقني سحر العيون المجتلى ... ويروقني ورد الخدود الأحمر
من قرب سلوّه من عشقه
قال محمد بن بشير:
سريع العلوق إذا ما هوى ... سريع النّزوع إذا ما علق
فبينا يرى عاشقا إذ سلا ... وبينا يرى قاليا إذ عشق «2»
رأيت الوصال وهجرانه ... يكونان منه معا في نسق
وقيل لأعرابية كم تعشقين؟ فقالت:
ثلاثين ألفا كلّ يوم أحبّهم ... وما في فؤادي واحد منهم يبقى
امتناع النفس من الرجوع إلى من أبغضته
قال العباس:
ردّ الجبال الرواسي عن أماكنها ... أخفّ من ردّ نفس حين تنصرف
وقال:
إذا انصرفت نفسي عن الشّيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل
وقال آخر:
إنّ قلبي أعزّ من أن تراه ... في محلّ الهوى لقلبك عبدا
(2/140)

الراغب عن محبوبه
قال أبو عيينة:
لقد جعلت تعرض لي سعاد ... تعرّض من يريد ولا يراد
فقلت لها: كسدت فلا تعني ... بنا فلكلّ نافقة كساد «1»
فما لك إن أقمت عليّ رزق ... ولا لك إن ظعنت عليّ زاد
وكتب أبو نواس لما خرج من بغداد:
ألا قل لأخلّائي ... ومن همت بهم وجدا «2»
شربنا ماء بغ ... داد فأنساناكم جدّا
خذوا منّا فإنا قد ... وجدنا منكم بدّا
ولا ترعوا لنا عهدا ... فما نرعى لكم عهدا
قال كثير:
فإن سأل الواشون فيم هجرتها ... فقل: نفس حرّ سليت فتسلّت»
التسلّي عمّن رغب في غيرك
قال الخبزارزي:
إذهب وهبتك للذين اخترتهم ... هبة الكريم فإنّه لا يرجع
وقال:
ولمّا بدا لي منك ميل مع العدا ... سواي ولم يحدث سواك بديل
صددت كما صدّ الرزي تطاولت ... به مدّة الأيام وهو قتيل «4»
قال ابن المعتز:
القلب لا يجمع إثنين ... والغمد لا يجمع سيفين
تاه فأفضيت إلى غيره ... خار إلهي للفريقين
قال ابن الرومي:
يا ذا الذي منك التن ... كر والتغيير والنبوّ «5»
إن كان أدركك الملا ... ل فقد تداركني السّلوّ
(2/141)

وقال:
كلانا واجد في النّا ... س ممّن ملّه خلفا
قال أبو الشيص:
إذا لم تكن طرق الهوى لي ذليلة ... تنكّبتها وانحزت للجانب السّهل
ومالي أرضى منه بالجور في الهوى ... ولي مثله ألف وليس له مثلي
المتبجّح بالغدر مع أحبابه
قال بعضهم:
يا ربّ مثلك في النّساء عزيزة ... بيضاء قد متعتها بطلاق
لم تدر ما تحت الضلوع وغرّها ... منّي تحمّل شيمتي وخلاقي
من ذكر قلّة توفره على الهوى
يقال رجل عزهاة إذا لم يكن غزلا وقيل في ضده زير نساء، قال البستي:
وللخود منّي ساعة ثم بيننا ... فلاة إلى غير الوفاء تجاب «1»
وغير فؤادي للغواني رمية ... وغير بناني للزجاج ركاب «2»
استدعاء القلب إلى التسلي
قال المتنبّي:
وأعلم أن البين يشكيك بعده ... فلست فؤادي إن رأيتك شاكيا «3»
قال بشّار:
وقد رابني قلبي يكلّفني الصّبا ... وما كلّ حين يتبع القلب صاحبه
وقال آخر:
كلّ اللذاذات والتّصّابي ... قبل الثلاثين تستطاب «4»
(2/142)

وقال آخر:
كفى سفها بالشّيب أن يأتي الصّبا ... وأن يأتي الأمر الذي هو عائبه
(14) وممّا جاء في فنون مختلفة من الغزل
قال شاعر:
إذا اجتمع الجوع المبرّح والهوى ... على الرجل المسكين كاد يموت
قال ابن ميّادة:
فيا أهل ليلى أكثر الله فيكم ... من أمثالها حتّى تجودوا لنا بها
وقال جميل:
أتوني وقالوا يا جميل تبدّلت ... بثينة إبدالا لا فقلت لعلّها
وعلّ حبالا كنت أحكمت عقدها ... أتيح لها واش رقيق فحلّها
وقال البحتري:
رأيتك إن منّيت منّيت موعدا ... جهاما وإن أبرقت أبرقت خلّبا «1»
وقال شاعر:
طلبنا دواء الحبّ يوما فلم نجد ... من الحبّ إلا من يريد مداويا
وقال عبد الله بن طاهر:
وكلّ محبّ جفا من يحبّ ... جفته السّلامة والعافيه
وله:
أيام لم تلج النّوى ... بين العصا ولحائها
وقال الخبزارزي:
ظبي تفلّت من حبلي فأوقعني ... في حبله إنّ في عينيه لي شركا «2»
(2/143)

استفتاء فقيه في الهوى
قال أعرابيّ:
إلا استفتيا المكّي ذا الفقه ما الذي ... يحلّ من التقبيل في رمضان
فقال لي المكّيّ أمّا لزوجة ... فسبع وأما خلّة فثمان
وقال أبو العالية:
سل المفتي المكيّ هل في تزاور ... وضمّة مشتاق الفؤاد جناح «1»
فقال معاذ الله أن يذهب التّقى ... تلاصق أحشاء بهنّ جراح
من سلكوا في تصرفاتهم مسلك مذاهبهم في صناعاتهم
قلت لا أستطيع هجرك قالت ... صرت بعدي تقول بالإجبار «2»
ما تخيلت من مقالة بشر ... بن غياث ومذهب النّجار
قال السعيد بن حميد:
قد قلت بالعذل ولكنّني ... عدلت في الحبّ عن العذل
فقلت بالإجبار مستغفرا ... لله من قولي ومن فعلي
قال جعفر الخياط:
فتقت بالهجران درز لهوي ... إذا وخزتني إبرة الصّد
قال بعض الزّراعين:
زرعت هواه في كراب من الهوى ... وأسقيته ماء الدّوام على العهد
وسرقنته بالوصل لم آل جاهدا ... ليحرزه السرقين من آفة الصّد «3»
فلمّا تعالى النبت واخضرّ يانعا ... جرى يرقان البين في سنبل الود «4»
وقال حلّاج:
حلجت قطن فؤادي بالهوى فغدا ... في الصدّ تندفه الأحزان بالنّد
وقال حجّام:
حلقت بموسى الغدر ناصية العهد ... وأجريت مشط الهجر في لحية الوجد
(2/144)

وقصّت بمقراض القلي طرّة الهوى ... فجبهة رأس الوصل مكشوفة الجلد
وقال الحسن بن أبي قماش وكان بقالا:
أصبح قلبي بربخا للهوى ... تسلح فيه فقحة الهجر «1»
وهذا فصل توجد فيه أشعار كثيرة ولكن لا معنى في إفناء الوقت فيما ليس فيه كبير معنى.
ومما قيل في كثرة العتاب
وكلّ عتاب كان صعبا وضيقت ... مسالكه ألجا إلى الكذب السهل
وقد تصقل الأسياف وهي صديئة ... وما كلّ يوم يبذل السيف بالصقل
وقال:
لولا كراهية العتاب وأنني ... أخشى القطيعة إن ذكرت، عتابا
لذكرت من عثراتكم وذنوبكم ... ما لو يمرّ على الفطيم لشابا
(2/145)

الحدّ الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها
(1) ما جاء في الشّجاعة وأحوالها، حقيقة الشجاعة
حقيقة الشجاعة
قيل: الشجاعة صبر ساعة، وكتب زياد إلى ابن عباس: صف لي الشجاعة والجبن والجود والبخل فقال: الشجاع من يقاتل من لا يعرفه والجبان يفر من عرسه والجواد يعطي من لا يلومه حقه والبخيل يمنع من نفسه، قال شاعر:
يفرّ جبان القوم عن أم نفسه ... ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه
وسئل فيلسوف عن الشجاعة فقال: جبلة «1» نفس أبية وقيل: الرجال ثلاثة: فارس وشجاع وبطل. فالفارس الذي يشد إذا شدوا والشجاع الداعي إلى البراز، والمجيب داعية والبطل الحامي لظهورهم إذا انهزموا.
الأسباب المشجعة
قال الجاحظ: الأسباب المشجعة قد تكون عن الغضب والشراب والهوج والغيرة والحمية. وقد تكون من قوة النفخ «2» وحب الأحدوثة وربما كان طبعا كطبع الرحيم والسخي والبخيل والجزوع والصبور وربما كان للدين، ولكن لا يبلغ الرجل للدين ما لم يشيعه بعض ما تقدم لأن الدين مجتلب مكتسب ولا يكاد يبلغ الطبيعة.
وقيل: لا يصدق القتال إلا ثلاثة: متديّن وغيران وممتعض من ذلّ.
الوصية بالإقدام وترك الفشل
قيل: قد جمع الله تعالى في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً
«3» ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا
(2/146)

إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
«1» في جميع ما يحتاج إليه في الحرب، استشير أكثم بن صيفي في حرب أرادوها فقال: أقلوا الخلاف لامرائكم واعلموا أن كثرة الصياح من الفشل، والمرء يعجز لا محالة. وادّرعوا الليل فإنّه أخفى الويل.
وكان عظماء الترك يقولون: ينبغي للقائد في الحرب أن يكون فيه أخلاق من البهائم: شجاعة الديك وقلب وقلب الأسد وحملة الخنزير وروغان الثعلب وصبر الكلب على الجراحة وحراسة الكركي وحذر الغراب وغارة الذئب وقال قميصة بن مسعود يوم ذي قار «2» يحذّر بكر بن وائل: الجزع لا يغني من القدر، والصبر من أبواب الظفر، والمنية ولا الدنية «3» واستقبال الموت خير من استدباره والطعن في الثغر أكرم منه في الدبر. وهالك معذور خير من ناج فرور.
وقال أبو مسلم لبعض قواده: إذا عرض لك أمر نازعك فيه منازعان أحدهما يبعث على الإقدام والآخر على الإحجام فأقدم فإنه أدرك للثار وأنفى للعار.
الحثّ على استعمال الخدعة والحيلة والتحرّز في الحرب
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم الحرب خدعة وقيل إذا لم تغلب فأخلب وقال بعضهم: كن بحيلتك أوثق منك بشدّتك، وبحذرك أفرح منك بنجدتك، فإن الحرب حرب للمتهوّر وغنيمة للمتحذّر.
وقيل: المكر أبلغ من النجدة، ومما كتب معاوية إلى مروان لما بلغه قتل عثمان رضي الله تعالى عنه: إذا قرأت كتابي فكن كالفهد لا يصطاد إلّا بغليلة ولا يناور إلا عن حيلة وكالثعلب لا يغلب إلا روغانا. وأخف نفسك عنهم إخفاء القنفذ رأسه عن لمس الأكف وامتهن نفسك إمتهان من ييأس القوم من نصره وأبحث على أخبارهم بحث الدجاجة عن حب الدخن «4» عند نفاسها وقيل حازم في الحرب خير من ألف فارس.
لأن الفارس يقتل عشرة وعشرين، والحازم قد يقتل جيشا بحزمه وتدبيره.
حث من دعي إلى المبارزة على الإجابة
قال أمير المؤمنين رضي الله عنه لبعض بنيه: لا تدعونّ أحدا إلى البراز ولا يدعونّك أحد إلّا أجبته، فالداعي باغ والباغي مصروع.
وقال طرفة:
إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني ... دعيت فلم أكسل ولم أتبّلد «5»
(2/147)

وقال:
إن كان في الألف منّا واحد فدعوا ... من فاز خالهم إيّاه يعنونا
قال دعبل:
من معشر إن تدعهم لملمّة ... وصلوا الحياة إلى العلا بحديد «1»
المنازل وقت المنازلة
قال المهلهل:
لم يطيقوا أن ينزلوا فنزلنا ... وأخو الحرب من يطيق النزولا
وقال:
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اعتنقوا ... ضارب حتّى إذا ما ضاربوا اعتنقا
وقال:
جعلت يدي وشاحا له ... وبعض الفوارس لا يعتنق
الحثّ على الثبات والنهي عن الإحجام والفكر في العواقب
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ
«2» وقال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا
«3» وقيل: السلامة في الإقدام والحمام في الأحكام، قال قطري:
لا يركننّ أحد إلى الأحكام ... متخوفا يوم الوغى لحمام
قال الكلبي:
إذا المرء لم يغش الكريهة أو شكت ... حبال الهوينا بالفتى أن تقطعا «4»
وقال أبو بكر لخالد بن الوليد رضي الله عنهما: لما أخرجه لقتال أهل الردّة: أحرص على الموت توهب لك الحياة. وقيل: من تفكر في العواقب لم يشجع، ولما أحست امرأة ربيعة بن مكدم بهر به قالت:
مساءة ترك الفتى نساءه ... حتّى يبلّ من دم أنسائه
الحثّ على التفكر قبل التقدم
قيل: الإتيان بالتندم لا يغني بعدم التقدم. وقيل: من قاتل بغير نجدة وخاصم
(2/148)

بغير حجة وصارع بغير قوة فقد أعظم الخطر وأكبر الغرر:
إذا ما أردت الأمر فاذرعه كلّه ... وقسه قياس الثوب قبل التقدّم
لعلّك تنجو سالما من ندامة ... فلا خير في أمرأتى بالتندّم
المتبجّح بثباته
قيل: لأمير المؤمنين رضي الله عنه أنت محرب مطلوب فلو اتخذت طرفا. فقال: لا أفرّ عمن كرّ ولا أكرّ على من فرّ، فالبغلة تكفيني.
وقيل لعباد بن الحصين: إن جالت الخيل فأين نطلبك؟ قال: حيث تركتموني.
وقيل لبعض بني المهلب بن نلتم؟ ما نلتم قال بصبر ساعة، وقال هدبة:
أخو الحرب من لا يجتويها إذا اجتوت ... ولا يظهر الشكوى وإن كان موجعا «1»
وقال:
قوم إذا نزلوا الوغى لم يسألوا ... حذر المنيّة عن طريق الهارب
وقال آخر:
ولا يرتقي من خشية الموت سلّما
قال أبو فراس:
صبور ولو لم تبق منّي بقية ... قؤول ولو أن السيوف جواب «2»
وقور وأحداث الليالي تنوشني ... وللموت حولي جيئة وذهاب
المبادر إلى الحرب غير مبال بها
وصف أعرابي قوما فقال ما سألوا قط كم القوم، وإنما يسألون أين هم؟ سأل رجل يزيد بن المهلب فقال: صف لي نفسك، فقال: ما بارزت أحدا إلا ظننت أن روحه في يدي.
ولما بلغ قتيبة حدّ الصين قيل له قد أوغلت في بلاد الترك والحوادث بين أجنحة الدهر تقبل وتدبر، فقال بثقتي بنصر الله توغّلت وإذا انقضت المدة لم تنفع العدة فقال الرجل أسلك حيث شئت فهذا عزم لا يفلّه إلا الله، قال السلامي:
أتى القدر المتاح فلا اصطبار ... يرد شباة عنك ولا فرار
وليس تقدّمي خرقا ولكن ... لغير الحرب يدّخر الوقار
(2/149)

وقال:
إذا فاجأته الخيل لم ينتظر بها ... لحاق الرجال واجتماع المقاتب
وقيل لعبد الملك: من أشجع العرب في شعره؟ فقال: عباس بن مرداس حيث يقول:
أشدّ على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها
وقيس بن الحطيم حيث يقول:
وإنّي في الحرب العوان موكل ... بإقدام نفس لا أريد بقاءها «1»
والمزيّني حيث يقول:
دعوت بني قحافة فاستجابوا ... فقلت ردّوا فقد طاب الورود
قالت أم الهيثم التميميّة:
تمشي إلى أسل الرماح وقد ترى ... سبب المنيّة مشيّة المختال
وأخذه بعض المحدثين فقال:
شبهت مشيتها بمشية ظافر ... يختال بين أسنّة وسيوف
كلف تناهت نفسه عن نفسه ... لما انثنى بسنانه المرعوف «2»
وقال البحتري:
تسرّع حتّى قال من شهد الوغى ... لقاء أعاد أم لقاء حبائب «3»
المتوصل إلى الشدة بالرخاء
قيل: نيل المعالي هول العوالي، ودرك الأحوال في ركوب الأهوال. بالصبر على لبس الحديد تتنعم في الثوب الجديد، في الصبر على النوائب إدراك الرغائب ربّ قعدة تمنع قعدات وأكلة تمنع أكلات، قال الطائي:
ولم تعطني الأيام يوما مسهّدا ... ألذّ به إلا بنوم مشرّد
وقال يزيد بن المهلب يوما لجلسائه: أراكم تعنّفوني في الإقدام فقالوا: أي والله أنك لترمي نفسك. فقال إليك عنّي فو الله لم آت الموت من حبّه ولكني آتيه من بغضه ثم تمثّل:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة قبل أن أتقدّما «4»
(2/150)

المخوف منه
قيل: كانت قريش إذا رأت أمير المؤمنين في كتيبة تواصت خوفا منه. ونظر إليه رجل وقد شقّ العسكر فقال: قد علمت أن ملك الموت في الجانب الذي فيه عليّ.
تأثير الجيش
بعث أمير في طلب قوم رجلا، فما لبث أن جاءه برجل أطول ما يكون فقال: كيف تمكنت منه؟ فقال: وقع في قلبي أن آخذه ووقع في قلبه أنه مأخوذ فنصرني عليه خوفه وجراءتي. وقيل لأمير المؤمنين بم غلبت الأقران؟ قال: بتمكّن هيبتي في قلوبهم.
المؤتمر له الوغى والردى
قال كلثوم
قداح المنايا في يديه يجيلها
قال الفرزدق:
أظلّه منك حتف ظلّ يرقبه ... حتّى يؤامر فيه رأيك القدر
وقال دعبل:
هم المتخيّرون على المنايا ... نفوس ذوي الرياسة باقتراح
قال سلم الخاسر:
كأن المنايا جاريات بأمره
وقال المتنبّي:
ويستعظمون الموت والموت خادمه
الموفي على جماعة والغالب لهم
قيل: للإسكندر إن في عسكر دارا»
ألف مقاتل فقال: إن القصاب «2» الحاذق وإن كان واحدا لا يهوله كثرة الغنم.
فواحدهم كالألف بأسا ونجدة ... وألفهم للعجم والعرب قاهر
وقيل لجنيّة بنت رباح: أعشرة هذرة «3» أحب إليك أم ثلاثة كعشرة فقالت: ثلاثة كعشرة فولدت بني جعفر قال الموسوي:
قلّوا على كثرة العدوّ لهم ... كم عدد لا يعدّ في العدد
(2/151)

هو من قول أبي تمام:
قلّوا ولكنّهم طابوا فأنجدهم ... جيش من الصبر لا يحصى لهم عدد
قال الحسن: ما ظننت أن رجلا يفضل ألفا حتى رأيت عباد بن الحصين، فإنه حاصر مدينة بكابل فثلمها ثلمة وكان يقاتل عليها ألف فقاتلهم وحده ليله حتى أصبحوا ومنعهم من حفظها وسدها.
وبعث بنو حنيفة بالفند حين طلب بنو ثعلبة نصرة وقالوا قد بعثنا إليكم ألف فارس وكان يقال له عديد الألف فلما ورد قالوا له أين الألف؟ قال: أنا فلما كان الغد وبرز وأحمل على ألف فارس مردف فانتظمهم.
المشبه بالأسد
هو أشد صولة «1» من أسد وأبلغ منعة من الحصن الحصين:
كالليث لا يثنيه عن إقدامه ... خوف الأذى وقعاقع الأعداء «2»
وقال ابن الأعرابي أحسن بيت في الحرب قول الشاعر:
كأنّ الجوّ محفوف بنار ... وتحت النار آساد تزور
وقال زهير:
ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما الليث كذب عن أقرانه صدقا
وصف أعرابي آخر فقال: هو أشد إقداما من أسد وتوثبا من فهد، واختطافا من حدأة ومن عقاب ملاح.
جلد ابتلي بمثله
في المثل:
إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا
وقيل:
إن الحديد بالحديد يفلح «3»
المتشمر في الشدائد
قال علقمة:
فلا يغرّنك منّي الثوب أسحبه ... إني امرؤ فيّ عند الجدّ تشمير «4»
(2/152)

وقال:
طيّات طاوي الكشح لا ... يرخي لمظلمة إزاره «1»
المتحمّل للشدائد الصابر لها
وصف رجل آخر فقال: كان ركوبا للأهوال غير ألوف للظلال. قال أعرابي لوال:
اجعلني زماما من أزمتك التي تجرّبها العدو فإني ممن يتخذ الليل جملا في أثر العدو وأتدرع ظلامه لا نكول ولا أكول. وقيل فلان شديد الحجزة أي الصبر على الشدة، قال الأقرع:
ونكبة لو رمى الرامي بها حجرا ... أصمّ من حجر الصوّان لانصدعا «2»
مرت عليّ فلم أطرح لها سلبي ... ولا استكنت لها وهنا ولا جزعا
وقال الموسوي:
وكم عجموني فانسللت مهذّبا ... وأثّر عودي في نيوب الأعاجم «3»
الموصوف بالقوة
أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجل يستحمله فقال له: خذ لك بعيرا فأخذ بذنب بعير من إبل الصدقة فجذبه فاقتلعه فتعجب من قوّته، وقال: هل رأيت أقوى منك؟
قال: نعم خرجت بامرأة من أهلي أريد بها زوجها فنزلنا منزلا أهله خلوف، فأقبل رجل ومعه ذود «4» ، فضرب إلى الحوض فساورها «5» فنادتني فما انتهيت إليها حتى خالطها فجئت لأدفعه عنها، فأخذ برأسي بين جنبه وعضده فما استطعت حراكا حتى قضى حاجته ثم استلقى. فقالت المرأة: أي فحل هذا لو كان لنا منه سخلة «6» فأمهلته حتى امتلأ نوما فقمت إليه بالسيف فضربت ساقه فأبنتها فانتبه فتناول رجله فرماني بها فأشواني وأصاب رأس بعيري فقتله. فقال عمر: ما فعلت المرأة؟ فقلت: هذا حديث الرجل. فكرر السؤال عليه فلم يزده على هذا فظن أنه قتلها.
وكان الوليد شديد القوة وكان يؤتى بسلسلة من حديد وفيها حبل فيشده في رجله ويؤتى بالدابة فيثب عليها وثبة واحدة ولا يمسها بيده فيقطع السلسلة. فقال لأصحابه يوما:
هل تعلمون من هو أصرع مني؟ قالوا: نعم رجل بخراسان. فأحضره وقال: أريد أن تصارعني وإن حابيتني قتلتك فصارعه فحمله ووضعه فوق دسته، وقال أنت ههنا أحسن دع رعيتك يتصارعون بين يديك ولا تدخل معهم فيما لك عنه مندوحة.
(2/153)

قال شاعر:
وما ولدت أمّي من القوم عاجزا ... ولا كان ريشي من ذنابى ولا لغب «1»
الممدوح بقوة نفسه دون جسمه
قيل: الكرام اصبر نفوسا واللئام أصبر أبدانا. ومنه أخذ أبو تمام قوله:
والصّبر بالأرواح يعرف فضله ... صبر الملوك وليس بالأجسام
وقال:
وإني لأقوى على المعالي ... وما أنا بالقويّ على الصّراع
وقال:
لا قوّتي قوّة الرّاعي قلائصه ... يأوي فيأوي إليه الكلب والربع «2»
وقال معاوية رضي الله عنه: ما كان في الشبان شيء إلا وكان في منه مستمتع إلا أني لم أكن نكحة ولا صرعة.
من لا يتألم من شدّة
قال:
لا يألم الشرّ حتى يألم الحجر
المتبرم للحرب
قال شاعر:
يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا
وقال:
ما ذاق همّا كالشّجاع ولا خلا ... بمسرّة كالعاجز المتواني
وقال سيف الدولة:
كأنّما لغزو مفروض على سرى ... من يملك الأرض أوساطا وأطرافا
فرسان العرب
قال أبو عبيد: فرسان العرب المجمع عليهم: دريد بن الصمة وعنترة العبسي وعمرو بن معدي كرب.
وقد عد من أكابرهم عامر بن الطفيل وعتيبة وعنبسة بن الحارث وزيد الفوارس والحراث بن ظالم وعباس بن مرداس وعروة بن الورد.
(2/154)

ومن فتّاك «1» الجاهلية: الحارث بن ظالم والبراض بن قيس وتأبط شرا وحنظلة بن فاتك الأسدي.
ومن رجالاتهم أوفى بن مطر المازني وسليك بن السلكة والمنتشر بن وهب الباهلي.
وكل واحد منهم كان أشد عدوا من الظبي وربما جاع أحدهم فيعدو إلى الطبي فيأخذ بقرنه ولا يحملون زادا. وكان أحدهم يأخذ بيض النعام في الربيع فيجعل فيه ماء ويدفنه في الفلاة حيث يغزو، حتى يكون له في الصيف إذا سلك ذلك الطريق. ومنهم الشنفرى.
المتفادى من التعرض له
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: فلان مضغني فلما ضرسته لفظني
طوال قنى تطاعنها قصار ... وقطرك في وغى وندى بحار
وقال:
إنّ الرماح وإن طالت ذوائبها ... من العدى تتواصى عنه بالقصر «2»
من لا يخضع في شدة
قيل لأعرابي اشتد به المرض: لو ثبت. قال: لست أعطي على الذلّ إن عافاني الله تبت، وإلا أموت هكذا:
لا يخرج القسر منّي غير معصية ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني «3»
وقال شدّاخ:
أبينا فلا نعطي مليكا ظلامة ... ولا سوقة إلا الوشيج المقوّما «4»
وسأل عمر بن عبد العزيز ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير فقال: ما رأيت نفسا أثبت من نفسه، مر حجر من المنجنبق وهو قائم يصلّي بين جنبه وصدره فما خشع له بصره ولا قطع قراءته ولا ركع دون الركوع. وعن أمه أنّها دخلت عليه في بيته وهو قائم يصلّي فسقطت حية فتطوّقت بابنه هاشم فتصايح أهل البيت بها حتى قتلوها وعبد الله قائم يصلّي فما التفت ولا عجّل. فلما فرغ قال: ما بالكم؟
المتأنّي
قال خارجة:
قوم إذا شومسوا لجّ الشماس بهم ... ذات العناد وإن ياسرتهم يسروا «5»
(2/155)

الموثر الموت في العز على الحياة في الذلّ
هيم إلى الموت إذا خيّروا ... ما بين تبعات وتقتال «1»
ولما وقعت الهزيمة على مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية أهاب بالناس ليرجعوا فلم يلووا فانتضى سيفه وقاتل قتال مستقتل، فقيل له: لا تهلك نفسك ولك الأمان. فتمثل بأبيات قالها الحسين رضي الله عنه يوم قتل وهي:
أذلّ الحياة وذلّ الممات ... وكلّا أراه طعاما وبيلا «2»
فإن كان لا بدّ إحداهما ... فسيري إلى الموت سيرا جميلا
وقال أبو تمام:
يرى العلقم المأدوم بالعزّ أرية ... يمانيّة، والأري بالذلّ علقما «3»
وقال المتنبّي:
فأطلب العزّ في لظى وذر الذ ... لّ ولو كان في جنان الخلود «4»
وقال الموسوي:
فعاف المنايا وامتطى الموت شامخا ... بمارن أنف لا يذلّ لخاصم «5»
وقال منصور بن باذان:
فعش ما تعيش عزيز البقاء ... فعزّك خير وإن قيل بل
فطول الحياة على ذلّة ... لعمرك عندي حياة السفل
وكلّ مساع له همّة ... من النّاس إلا قصير الأجل
النهي عن مخافة القتل والحثّ على تصوّر الموت والتمدّح بذلك
قيل لعلي رضي الله عنه: أتقاتل أهل الشأم بالغداة وتظهر في العشيّ في ثوب ورداء؟
فقال: أبالموت أخوّف؟ والله ما أبالي أسقطت على الموت أم سقط الموت عليّ. وقد أحسن المتنبّي في قوله:
إذا غامرت في أمر مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم
(2/156)

وفي قوله:
ترى الجبناء أنّ العجز عقل ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
وقوله:
فلو أن الحياة تبقى لحيّ ... لعددنا أضلّنا الشجعانا
وإذا لم يكن من الموت بدّ ... فمن العجز أن تموت جبانا
قال أبو فراس:
تهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن خطب العلياء لم يغله المهر «1»
قوم تسلّط عليهم القتل فلم يفنهم
قال المهلّب: ليس شيء أنمى من سيف. فوجد الناس تصديق ذلك فما نال السيف أنمى عددا وأكرم ولدا منهم قال الله تعالى ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب. وقال الحجاج لامرأة من الخوارج: والله لأحصدّنكم حصدا فقالت: أنت تحصد والله يزرع.
فأنظر أين قدرة المخلوق مع قدرة الخالق. ولم يظهر من عدد القتلى ما ظهر في آل أبي طالب وآل المهلب وفيهم من الكثرة ما ترى. قال شاعر:
إذا فرّج القتل عن غيظهم ... أبى ذلك الغيظ إلا التقافا «2»
وقيل: أربعة يسرع الخلف إليها الحرق والقتل والتزويح والحج.
من لم يبال بأن يقتل
قال عبد الله بن مسعود: عثرت بأبي جهل في الجرحى وقد قطعت يده ورجله، فقلت: يا عدو الله وعدو رسوله. فقال: سيفك كهام «3» فهاك سيفي فحزّ رأسي «4» من عريشي فإنه أهون عند من يراه.
وأسرت أمّ علقمة الخارجيّة وأتي بها إلى الحجّاج فقيل لها: وافقيه في المذاهب فقد يظهر الشرك بالمكر فقالت: قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. فقال لها: قد خبطت الناس بسيفك يا عدوة الله خبط العشواء فقالت لقد خفت الله خوفا صيّرك في عيني أصغر من ذباب وكانت منكسة فقال: إرفعي رأسك وانظري إليّ فقالت أكره أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه. فقال: يا أهل الشأم ما تقولون في دم هذه؟ قالوا: حلال. فقالت: لقد كان جلساء أخيك فرعون أرحم من جلسائك حيث استشارهم في أمر موسى فقالوا أرجئه وأخاه، فقتلها.
(2/157)

وكان حكيم بن حنبل قطعت رجله يوم الجمل فأخذها وزحف بها على قاطعها فقتله، وقال:
يا نفس لا تراعي ... إن قطعت كراعي «1»
إنّ معي ذراعي
وقال أعرابي لابنه وقد قدم للقتل: يا بني أصفف قدميك وأصرر أذنيك ودع ذكر الله تعالى في هذا الموضع فإنه فشل.
الجواد بنفسه في الحرب المستعد للموت
قال بعض بني نهشل:
أنّا لنرخص يوم الرّوع أنفسنا ... ولو نسام بها في الأمن أغلينا «2»
وقالت الخنساء:
نهين النفوس وهون النفوس ... يوم الكريهة أوفى لها «3»
ونحوه للموسوي:
ولا تبذلنّ النفس حتّى أصونها ... وغيري في قيد من الذلّ يرسف «4»
وقال آخر:
رخيص عنده المهج الغوالي ... كأنّ الموت في فكيّه شهد «5»
وقال أبو تمام:
يستعذبون مناياهم كأنّهم ... لا يخرجون من الدنيا إذا قتلوا «6»
وقال عبد الله بن أبي عيينة:
وإني لمن قوم كأنّ نفوسهم ... بها أنف أن تسكن اللحم والعظما «7»
تصبّر النفس في الحرب
قال شريح العبسي:
أقول لنفس لا يجاد بمثلها ... أقلّي نزاعا إنّني غير مدبر
(2/158)

وقال الفرزدق وقد لقيه أسد:
لما سمعت له هماهم أجهشت ... نفسي إليّ تقول أين فراري؟
فربطت نفرتها وقلت لها: إصبري ... وشددت في ضنك المقام إزاري «1»
وقال أبو تمّام:
وحنّ للموت حتّى ظنّ مبصره ... بأنه حنّ مشتاقا إلى وطن
لو لم يمت تحت أسياف العدا كرما ... لمات إذ لم يمت من شدّة الحزن
وقال البحتري:
تسرع حتّى ظنّ من شهد الوغى ... لقاء أعاد أم لقاء حبائب
المستأنف من موته حتف أنفه
قال بكر بن عبد العزيز:
إنّ موت الفراش ذلّ وعار ... وهو تحت السيوف فضل شريف
وقال عبد الملك الحارثي وأجاد:
وما مات منّا سيد حتف أنفه ... ولا طلّ منّا حيث كان قتيل «2»
تسيل على حدّ السيوف نفوسنا ... وليس على غير السيوف تسيل
وقال أبو فراس:
متى ما يدن من أجل كتابي ... أمت بين الأسنّة والأعنّه «3»
وقال الموسوي:
ويستحسنون الموت والموت راحة ... وأتعب ميت من يموت بداء
مخاوض الحرب مقتول لا محالة
قال تأبّط شرا:
ومن يغرّ بالأعداء لا بدّ أنّه ... سيلقى بهم من مصرع الموت مصرعا «4»
وقال آخر:
ومن يكثر التطواف في جند خالد ... لدى الروم مصبوبا عليه دروعها
(2/159)

فلا بدّ يوما أن تحدث عرسه ... إذا حدثت يوما حديثا يروعها «1»
قال ابن الرومي:
ومن لا يزل ستين يوما فريسة ... يرى قمنا أن لا يرى منه سالما
وقال آخر:
إن الشجاعة مقرون بها العطب
قصد العدا مجاهرة
أشار على الإسكندر أصحابه أن يبيت الفرس، فقال: ليس من الإنصاف أن أجعل غلبتي سرقة.
قال المتنبّي:
إذا انتقموا أعلنوا أمرهم ... وإن أنعموا أنعموا باكتتام «2»
وقال السريّ:
ويجعل بشره نذر الأعادي ... فيبعثها يمينا أو شمالا
ولم ينذرهم مقة ولكن ... ترفّع أن ينالهم اغتيالا «3»
الفتك
وما أنفكّ ما شاورت فيه ولا الذي ... تخبر من لاقيت أنّك فاعله
قال الحارث بن ظالم:
علوت بذي الحيّات مفرق رأسه ... وهل يركب المكروه إلا الأكارم
فتكت به لمّا فتكت بخالد ... وكان سلاحي يحتويه الجماجم
المتعوّد ملازمة الحرب والأمكنة
قال أبو تمّام:
لحياضها متورّد ولخبطها ... متعوّد وبدرّها ملبون «4»
قال ربيعة بن مقروم:
وثغر مخوف أقمنا به ... يخاف به غيرنا أن يقيما «5»
(2/160)

الضاحك في الحرب والعابس فيها
توصف الحرب تارة ببشاشة الوجه وطلاقته نحو قول النميري:
يفتّر عند لقاء الحرب مبتسما ... إذا تغيّر وجه الفارس البطل
وقول صاحب البصرة:
كأنّ دنانيرا على قسماتهم ... إذا الموت للأبطال كان نخّاسا «1»
وقال الموسوي:
إذا عصفر الخوف ماء الوجوه ... تراها من الخوف حمر الوسام «2»
وتوصف تارة بالعبوس، قال أبو تمّام:
قد قلصت شفتاه من حفيظته ... فخيّل من شدّة التعبيس مبتسما «3»
المقاتل عن حريمه
ليم الاسكندر في مباشرته الحرب بنفسه فقال: ى ليس من الإنصاف أنيقتل قومي عني وأترك المقاتلة عنهم وعن أهلي ونفسي، قال عنترة:
ومرقصة رددت الخيل عنها ... وقد همّت بإلقاء الزمام
وقيل للحسن: ما تقول فيمن سبي امرأة ولها زوج؟ وكان عنده الفرزدق، فقال: هل قلت في هذا شيئا؟ قال نعم:
وذات حليل أنكحتها رماحنا ... جهارا بأيدينا ولمّا تطلّق «4»
فقال الحسن: أصبت كنت أرى أنك أشعر مني فإذا أنت أفقه، قال شاعر:
يا رب من يبغض أذوادنا ... رحن على بغضائه واغتدين
لو نبت المرعى على أنفه ... لرحن منه أصلا قد رعين
قال سلم الخاسر:
يرمي الفجاج به أغرّ محجّلا ... جعل السيوف مناكحا وطلاقا «5»
أخذه من مسلم:
إذا ما نكحنا الحرب بالبيض والقنا ... جعلنا المنايا والرماح طلاقا
(2/161)

قال زياد الأعجم:
صفّان مختلفان، حين تلاقيا ... آبا بوجه مطلق أو ناكح
سدّ الثغور
قال دعبل:
هو الجاعل البيض القواطع والقنا ... كعاما لأفواه الثغور الفواغر «1»
قصد الغارات بالإبل والإفراس
كان العرب إذا قصدوا غارة ركبوا الإبل وجنبوا الخيل فإذا انتهوا إلى المعركة ركبوا الخيل، قال شاعر:
أولى فأولى بامرئ القيس بعد ما ... خصفن بآثار المطيّ الحوافر
وذكر أعرابي قوما تبعوا ناسا أغاروا عليهم فقال: احتثوا كل جمالية عيرانة.
فما زالوا يخصفون أخفاف المطيّ بحوافر الخيل حتى أدركوهم بعد ثلاثة فجعلوا المران أرشية الموت فاستقوا به أرواحهم، قال الشريف الموسوي:
إذا مشق الحتف فوق البطا ... ح وقع فيهنّ بالحافر
المعاود للغارات الجاني للحروب
قال الحارث بن أبي شمر:
ما إن تجفّ لبودها من غارة ... حتّى تعاود للحروب غوائرا
وقيل: فلان يلقح الحرب الكشاف ويمتري من درّها السمّ الرعاف.
قال بشّار:
إذا الحرب قامت بهم شمّروا ... وكانوا أسنّة خرصانها «2»
المستنكف من السلب
قال أعشى همدان:
وأرى مغانم لو أشاء حويتها ... فيصدّني عنها حيا وتعفّف «3»
وقتل أمير المؤمنين رجلا فأراد قنبر أن يأخذ سلبه فقال: يا غلام لا تعر فرائسي، قال عنترة:
أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم
(2/162)

وقال آخر:
يغشى العوالي ولا يلوي على سلب «1»
قال أبو تمام:
إن الأسود أسود الغاب همّتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب «2»
العاجز أعاديه عن إصلاح ما أفسده وعكسه
قال علي بن جبلة:
يأسو الذي يجرح أعداؤه ... وما لهم من جزحه آس
قال الكميت:
لا يهدم الناس ما تبني أكفّهم ... من الفعال ولا يبنون ما هدموا
قال المتنبّي:
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره «3»
قال أشجع:
ولا يرفع الناس من حطّه ... ولا يضع الناس من يرفع «4»
وصف الشبان والكهول في الحرب
قال رجل لرجل: لأغزونّك بمرد على جرد، فقال: لألقينّك بكهول على فحول
تفضيل الشبان في الحرب
قال طاهر بن الحسين:
هيب إذا لم يكن جرب بمكتهل ... مجرب قوله يكفي من العمل «5»
واغشى اللقاء إذا كان اللقاء به ... سفك الدما بحديث السنّ مقتبل
فإنّ ذا السنّ يلقى حتفه أبدا ... ممثّلا بين عينيه من الوجل «6»
وذو الشباب له شأو يماطله ... فلا يزال بعيد الهمّ والأمل «7»
الخيول السريعة في الحرب
قال بعضهم:
جنّ الرجال على ظهور سعالي «8»
(2/163)

قال كثيّر:
صقور على أثباج جرد قوابس ... وأسد إذا ما كان يوم نزولها «1»
وقال المتنبّي:
إيّاهم جثوا العجاجة والقنا ... سنابكها تحشو بطون الحمالق «2»
تعويد الفرس في حبسه في المعركة
قال النابغة:
ونحن أناس لا نعود خيلنا ... إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا
وتنكر يوم الرّوع ألوان خيلنا ... من الطعن حتّى تحسب الجون مشقرا
فلا نحن معروفّ لنا أن نردّها ... صحاحا ولا مستنكر أن تعقرا
وقال أبو تمّام:
تقاسمنا بها الجرد المذاكي ... سجال الكرّ والدأب العتيد
إذا خرجت من الغمرات قلنا ... خرجت حبائسا إن لم تعودي «3»
كثرة الجيش
كجنح الليل أردف بالغيوم ... آخر بجمهور يحار الطّرف فيه
يظل معضلا فيه الفضاء
قال صاحب البصرة:
بجمع مثل سدل الليل منظوم من الربد «4»
وقال المتنبّي:
بجيش لهام يشغل الأرض جمعه ... عن الطير حتّى ما يجدن منازلا
وقال السريّ:
ومثلومة الأقطار حشو فجاجها ... عناق المذاكي والوشيج المقوّم
قال المتنبّي:
قشير وبلعجلان فيها خفية ... كراءين في ألفاظ ألثغ ناطق «5»
(2/164)

وقيل: زحف ككرّ العارض «1» المنهلّ وكدفاع الاتيّ «2» المرسل فهو يتطالع من غور «3» وأنجاد ويظهر من اقتراب وابتعاد
وكالسيل أو كاللّيل أو عدد الحصى ... سالت بطاحهم بالجرد اللهاميم «4»
كثرة الجيش والأسلحة
بذي لجب أزبّ من العوالي
قال النجاشي:
وعراصة برّاقة ضوؤها دم ... يكشف عن برق لها الأفقان
وقال قيس بن الحطيم:
إنك تلقى حنظلا فوق بيضنا ... تدحرج عن ذي ساحة المتقارب
وقال المتنبّي:
يمنعها أن يصيبها مطر ... شدّة ما قد تضايق الأسل «5»
(2) وممّا جاء في التهديد
من هدّده السلطان فاستعان بالله
لقي الحجّاج محمد بن الحنفية فقال له: نفسك فلأريقنّ دمك، فقال محمّد: إنّ لله في كل يوم كذا كذا ألف نظرة يقضي في كل نظرة كذا كذا ألف أمر فعسى أن يشغلك بأمره.
من هدده سلطان فاعتذر وأظهر المخافة
كتب ذو الرياستين إلى طاهر بن الحسين: يا نصف إنسان، والله لئن أمرت لأنفذنّ، ولئن أنفذت لأبرمنّ، ولئن أبرمت لأبلغنّ. فأجابه طاهر: أنا أعزّك الله كالأمة السوداء إن حمل علينا تدمدمت وإن رفّه عنها أشرت، وإن عوقبت فباستحقاق، وإن عفي عنها فبإحسان.
تهديد سلطان شديد الوطأة
خطب الحجاج فقال: أيّها الناس من أعياه داؤه ومن استعجل أجله، فعلّي أن أعجله
(2/165)

إن الحزم والجد ألبساني سوء ظنّي وجعلا سيفي سوطي، فنجاده في عنقي وقائمه في يدي.
وقطع بنو عمرو بن حنظلة الطريق فكتب إليهم: أمّا بعد فإنكم استنكحتم السمن فنسلتم الفتن، وإني أقسم بالله لئن عاودتم الظلم وسعيتم في الإثم لأبعثنّ إليكم خيلا تدع نساءكم أيامى وأولادكم يتامى. فأيما رفقة وردت ماء قوم لكم فأهل الماء ضامنون لها إن تجاوزتهم إلى ماء غيرهم تقدمة مني إليكم وإنذارا لكم فالانتقام يعقب العفو والإنذار لا بقية معه والسلام.
وأحضر عبد الملك بن صالح للرشيد من حبسه فلما مثل بين يديه أنشد الرشيد:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
والله لكأني أنظر إلى شبوبها وقد همع، وإلى عارضها وقد لمع، وكأني بالوعيد وقد أورى نارا فأقلع عن براجم «1» بلا معاصم، ورؤوس بلا غلاصم «2» . مهلا بني هاشم فبي سهل الوعر وصفا الكدر وألقت إليكم الأمور آنفا أزمتها، فحذار من حلول داهية خبوط باليد، لبوط بالرجل. فقال عبد الملك: اتّق الله فيما ولاك، وراقبه فيما استرعاك ولا تجعل الكفر موضع الشكر، والعقاب موضع الثواب ولا تقطع رحمك بعد صلتها وقد جمعت القلوب على محبتك، وأذللت همم الرجال لطاعتك، وكنت كما قال:
ومقام ضيق فرجته ... بلسان وبيان وجدل «3»
ولو يقوم الفيل أو فياله ... زلّ عن مثل مقامي وزحل
حثّ من تعرض لك أن يجر بك
قال جرير يخاطب عياش بن الزرقاني:
أعياش قد ذاق المنون مرارتي ... وأوقدت ناري فادن ويلك فاصطل «4»
قال ابن أبي عيينة:
سيعلم إسماعيل أنّ عداوتي ... لها ريحق أفعى لا يصاب دواؤها
قال سنان بن أبي حارثة:
قل للمقوم وابن هند بعده ... إن كنت رائم عزّنا فاستقدم «5»
تلقى الذي لاقى العدوّ وتصطبح ... كأسا صبابتها كسمّ العلقم «6»
(2/166)

من أوعد وقدّم الأنذار
كتب إبراهيم بن العباس الصولي إلى أهل حمص: أما بعد فإنّ أمير المؤمنين يرى من حق الله تعالى استعمال ثلاث تقوم بعضهن على بعض: الأولى تقديم تنبيه وتوقيف ثم ما يستظهر به من تحذير وتخويف، ثم التي لا ينفع لحسم الداء غيرها:
أناة فإن لم تغن عقب بعدها ... وعيد فإن لم يجد أغنت عزائمه
وقال آخر:
لئن عدت والله الذي أنا عبده ... منحتك مصقول الغرارين أبرقا «1»
فإن دواء الجهل أن تضرب الطلى ... وأن يغمس العريض حتّى يغرقا «2»
قال الموسوي:
فهذا دواء سطوتي من ورائه ... وعنوان ناري أن يبين دخاني
من أوعد صاحبه على أن يحمله على حالة صعبة
قال سنان بن أبي حارثة:
وإنّي لشرّ النّاس إن لم أبثّهم ... على آلة حدباء ناتئة الظهر «3»
قال ابن أبي عيينة:
دعني وأبا خالد ... فلأقطعن عرى نياطه «4»
قال عبد المدان:
ولست لحرّة إن لم تروني ... أمرّ لكم قوى أمر جسيم
وقال آخر:
ذروني ذروني ما كففت فإنّني ... متى ما تهيجوني تميد بكم أرضي «5»
وأنهض في سرد الحديد عليكم ... كتائب سودا طالما انتظرت نهضي
من يناوبه من لا يبالي به
أبرق رجل لآخر وأرعد فلما زاد أنشد:
قد هبّت الريح طول الدّهر واختلفت ... على الجبال فما نالت رواسيها «6»
(2/167)

وقال الفرزدق:
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران
وقال:
وكان ككلب حين ينبح كوكبا
وقال ابن المعتز:
وكنت كرامي كوكب ببصاقه ... فردّ عليه وبله ومواطره «1»
تهدّد من لا يبالي بتهدّده
قال مقاتل بن مسمع لعباد بن الحصين: لولا شيء لأخذت رأسك. فقال: أجل ذلك الشيء سيفي. وقال:
تواعدني لتقتلني نمير ... متى قتلت نمير من هجاها «2»
قال ابن أبي عيينة:
فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذّباب يضير «3»
قال جرير:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع «4»
وقال آخر:
تعرّض لي ذبيان من لو لقمته ... بيوم براز لم يسدّ لهاتي
لو ان هبوب الريح يجعلكم قذى ... لأعيننا ما كنتم بقذاة
واجتمع قوم على قدري بنعالهم فقال: والله لأملأنّها عليكم خيلا. فقال له أبوه:
رجالك أنا وخيلك حمارك فبم تصول؟
وكتب بعض الكتاب: أتهذر بي ومالك من المقدار ما كوطأة ذرّة على صلد صخرة؟ ومن فصل لابن أبي البغل وما الذباب وما مرقبه ومتى ساءت الجماء ناطحت القرناء والفراش لعبت بالنار والسانح قابلت الدبور والمهيج تعرض لريب المنون، والأعناق مالت إلى السيوف، والآجال اغترت بالحتوف ومتى ساء أبو الفضل تعرض لابن أبي البغل.
(2/168)

من يتهدّد بظهر الغيب ولا يغني غناء
وقال عنترة:
وموعدين بظهر الغيب من شمس ... إذا التقينا نبت عنّي مكاويها «1»
وقال آخر:
كالصّدى يسمع منه صوته ... فإذا طلبته لم يستبن
وقال بعض الندماء:
مالك أصرة إلا وعيد ... وهمهمة كما رعد الخريف
وقال عنترة:
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ... للحرب دائرة على ابني ضمضم «2»
الشاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لقيتهما دمي
وحكي عن أبي عمرو بن العلاء قال: انصرفت من الجامع في الهاجرة فلقيني عيّار قد جرد سكينا فوضعها اتجاه قلبي وقال: كيف تروي بيتي عنترة فأنشدتهما كما تقدم فقال: والله لولا أخشى أن أفجع فيك أهل الأرض لقتلتك ما كان عنترة يستجدي هذا الاستجداء إنما قال الطائيّ:
الشّاتمي عرضي بما هو فيهما ... والناذرين إذا لقيتهما دمي «3»
وقال أبو زيد:
تبادروني كأنّي في أكفّهم ... حتّى إذا ما رأوني خاليا فزعوا
وقال القرمطيّ:
تتمانى إذا لم ترني ... فإذا جئت قطعت القنطره
يا بني عبّاس من ينصركم ... أصبيّ أم خصيّ أم مره
قلّة غناء الوعيد
قيل: الصدق ينبئ عنك لا الوعيد، قال شاعر:
مهلا وعيدي مهلا لا أبا لكم ... إنّ الوعيد سلاح العاجز الحمق
قال النجاشي:
أبلغ شجاعا أبا خولان مألكة ... أنّ الكتائب لا يهزمن بالكتب «4»
(2/169)

وقيل: من علامات العاقل ترك التهدد قبل إمكان الفرص وعند إمكانها الوثوب مع الثقة بالظفر.
(3) وممّا جاء في فضل الأسلحة والمتسلحة
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: إعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف. وقيل: السيف حرز إذا جرّد وهيبة إذا أغمد. وقيل: الشرف مع السيف.
وقال جعفر بن محمد السيف مفتاح الجنة والنار، ووصفه بعضهم فقال: رئيس لهوه قطف الرؤوس ضحوك عبوس وهزله خطف النفوس، قال أبو تمّام:
وليس يجلي الكرب رأي مسدد ... إذا لم تؤانسه بسيف مهنّد «1»
قال المتنبّي:
ومن طلب الفتح الجليل فإنّما ... مفاتيحه البيض الخفاف الصوارم «2»
وقال:
والمشرفيّة- لا زالت مشرفة-* دواء كلّ كريم داؤه الوجع «3»
تفضيل السيف على القلم
قال المتنبّي:
حتّى رجعت وأسيافي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم «4»
أكتب بنا أبدا بعد الكتاب به ... فإنّما نحن للأسياف كالخدم
قال أبو تمّام:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب «5»
وفي ضده قيل للكاتب: إلى م تدل بهذه القصبة فقال: هو قصب ولكنه يقطع العصب إن القلم يرد قضاء السيف ويفسخ حكم الحيف ويؤمن مسالك الحوف.
(2/170)

من في سيفه ورمحه الموت
قال صاحب البصرة:
حسام غداة الرّوع ماض كأنّه ... من الموت في قبض النّفوس رسول «1»
وقال ابن حاجب:
لو قيل للموت انتسب لم ينتسب ... يوم الوغى إلّا إلى صمصامه «2»
قيل في وصف رجل: سيفه تؤمن ثنايا الموت إليه ويعوّل في قبض الأرواح عليه:
سيوفهم يوم الوغى ... يلعبن بالأرواح
وقال ربيعة بن مقرم:
وإني لمن قوم تكون رماحهم ... لأعدائهم في الحرب سمّا مقشبا
وقال ابن المعتز:
لنا صارم فيه المنايا كوامن ... فما ينتضى إلّا لسفك دماء «3»
السيوف الماضية
قيل: كيف وجدت سيفه؟ فقال: هو على الأرواح كالأجل المتاح.
قال إسحاق بن خلف:
ألقى بجانب أخضر ... أمضى من الأجل المتاح
وكأنّما ذرّ الهبا ... ء عليه أنفاس الرّياح
وقال يعقوب الأخطل:
بكلّ حسام كالعقيقة صارم ... إذا قدّ لم يعلق بصفحته دم
قال المتنبّي:
قواض مواض نسج داود عندها ... إذا وقعت فيه كنسج الخزرنق «4»
قال البحتري:
يغشى الوغى والترس ليس بجنّة ... من حدّه والدرع ليس بمعقل
مصغ إلى حكم الردى فإذا مضى ... لم يلتفت وإذا قضى لم يعدل
وإذا أصاب فكلّ شيء مقتل ... وإذا أصيب فما له من مقتل
(2/171)

السيوف المصقولة
قال بعضهم:
وإذا ما سللته بهر الشمس ... شعاعا فلم تكد تستبين
وكأنّ الفرند والرونق البا ... دي على صفحتيه ماء معين «1»
غير المصقولة
كأنّ في متنه ملحا وقد نثرا
وقال آخر:
كأن على مواقعه غبارا
السيوف اللامعة المهتزة
قال قيس:
بسيف كأنّ الماء في جنباته ... محادير غيم أو قرون جنادب «2»
وقال المتنبّي:
فكأنّ برقا في متون غمامة ... هنديّة في كفّه مسلولا «3»
وقال ابن هرمة:
شهاب زهته الريح في كفّ قابس
وقال سلم الخاسر:
وكأن السيوف والنّقع عال ... شهب نار في ساطع ودخان «4»
وقال ابن المعتز:
في كفّه عضب إذا هزّه ... حسبته من خوفه يرتعد «5»
السيوف المتفللة من الضرب
قال النابغة:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب «6»
قال دعبل:
إذا النّاس جلوا باللجين سيوفهم ... رددت السيوف بالدّماء حواليا «7»
(2/172)

وبضدّه هجاء عمارة بن عقل:
ولا عيب فيه غير أن جياده ... مسلمة ليست بهنّ كلوم «1»
وأسيافه لم تدر ما طعم ضربة ... فهنّ صحاح ما بهنّ ثلوم
السيوف المتضرّجة بالدم
قال علي بن عاصم:
سمر وبيض إن عرّين تسربلت ... بدل الجفون جماجم الأبطال
أوردتهنّ تواضعا لجج الرّدى ... فصدرن في قمص من الجريال «2»
السيوف المتضرجة بدم المحارب المترشّحة مسكا من يد المحارب
وقال بشّار:
وبيض بها مسك للمسن أكفّهم ... على أنّها ريح الدّماء تضوّع «3»
وقال ابن المعتز:
مقابضها مسك وسائرها دم
وقال آخر:
بسيفه مسك وتامور «4»
وقال الرفاء:
يكسوه من دمه ثوبا ويسلبه ... ثيابه فهو كاسيه وسالبه
مشاهير السيوف
قال عبد الملك بن عمير: أهدت بلقيس إلى سليمان عليه السّلام سبعة أسياف: ذا الفقار وذا النون، وضرس الحمار، والكشوح، والصمصامة، ومخذما، ورسوبا. فأمّا ذو الفقار فصار لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكان لمنبه بن حجّاج، فقتل يوم بدر فاصطفاه النبي صلّى الله عليه وسلّم.
والصمصامة وذو النون لعمرو بن معدي كرب، ومخذم ورسوب، للحارث بن جبلة الغساني ولم يذكر الكشوح.
طول الرماح
قال طرفة:
كأنّ رماحهم أشطان بئر ... بعيد بين حاليها صرور «5»
(2/173)

وقال امرؤ القيس:
ومطّرد كرشاء الحزوّ ... ر من خلب النخلة الأجرد «1»
وقال عدي:
رشاء دم على أنابيبه دم
صلابة الرماح ولدونتها
قال ابن أحمر:
فهزّ ردينيا كأنّ كعوبه ... نوى القسب نقى التمر عند العواجم «2»
وقال المزرّد:
ومطرد لدن الكعوب كأنّما ... تغشّاه منباع من الزيت سائل
وقالت عابدة المهلبية، ويروى للخوارزمي:
كأن السمر والزانات فيه ... نخيل قد نحلن من الفسيل «3»
الرمح المتأطر
ويستجاد للمتنبي قوله:
ولربّما أطر القناة بفارس ... وثنى فقوّمها بآخر منهم «4»
أخذه من قول ابن الرومي:
همام إذا اعوجّت صدور قناته ... غدت بين أحناء الضّلوع تقوّم
وقال يزيد بن أبان:
يكره الرمح مقدما فتراه ... راعف الأنف واهي الأنبوب «5»
الرمح المتكسر
قال عمرو بن معدي كرب:
ومنزلة فيها العوالي كأنّها ... هشيم شجار كسرتها الحواطب «6»
وقال الرفاء:
ينثر بالطّعن أنابيب القنا ... كما وهى سلك الفريد المنتظم
وقال المتنبّي:
ورمح تركت مبادا مبيدا
(2/174)

هو من قول الطائيّ:
وربّ يوم كأيّام تركت به ... متن القناة ومتن القرن منتصفا
الرمح المتكسر في المطعون
وقال الموسوي:
وتقعقعت بين الكلى قصد القنا ... فكأنّ كلّ حشار بابة ميسر «1»
وقال ابن نباتة:
يجرّ العوالي والسهام بجسمه ... كمحتطب للحمل ليس يطيق
الرماح اللامعة الأسنة
قال امرؤ القيس:
دفعت ردينيّا كأنّ سنانه ... سنا لهب لم يستعر بدخان
وقال النميري:
تحكي أسنته النّجوم أو الذبالا
وقيل أيضا:
كأنّ هلالا فوق قناته
وقد أحسن المتنبّي ما شاء في قوله:
تهدي نواظرها والحرب قائمة ... من الأسنّة نار والقنا شمع «2»
الكتابة بالطعن والضرب
قال بعض الكتّاب: جبينه طرس بالصفّاح منمّق مجندر «3» ، وبالرماح معجم محبّر.
وقال آخر:
خطّ ينمّقمه الحسام على جبينه
وقال أبو تمّام:
كتبت أوجههم مشقا ونمنمة ... طعنا وضربا ففات الهام والصّلفا «4»
فإن ألظوا بإنكار فقد تركت ... وجوههم بالذي أوليتهم صحاف «5»
(2/175)

وقال المتنبّي:
وكنت إذا كاتبته قبل هذه ... كتبت إليه في قذال الدمستق «1»
وقال غيره:
الكاتبون إلى الأعداء في قل ... ل الأعداء كتبا نرى الأمي والفهما
أمسى الرّدى أصلها والدهر ممليها ... والسيف كاتبها والكاغد القمما «2»
وقالت عابدة المهلبية ويروى للخوارزمي:
كتبت على وجوههم سطورا ... غرائب حبّرهنّ دم هتول «3»
يترجمها الأعادي للأعادي ... ويقرأها على الحيّ القتيل
وما لك غير جمجمة رسول ... وما لك غير صاحبها رسيل «4»
تناول الرؤوس بالرماح
قال البحتري:
قوم إذا شهدوا الكريهة صيّروا ... ضمّ الرماح جماجم الفرسان
وقد أخذه من مسلم:
يكسو السيوف رؤوس الناسكين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذّبل
وقال جرير:
كأنّ رؤوس القوم فوق رماحنا ... غداة الوغى تيجان كسرى وقيصر
طعن الأحداق والفؤاد
قال أبو تمّام:
سنان بحبّات القلوب ممتّع
وأجاد المتنبّي:
كأنّ الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد «5»
وقد صغت الأسنّة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد
وقال ابن معدي:
الضاربين بكلّ أبيض مرهف ... والطّاعنين مجامع الأضغان «6»
(2/176)

وقال آخر:
قوم ترى أرماحهم تحت الوغى ... مشغوفة بمواطن الكتمان
وقال الشريف أبو الحسين علي بن الحسين الحسني:
فأصبح أغماد السيوف عيونهم ... وأكبادهم حلى الرماح الذّوابل
ضرب وطعن تبين منهما الرأس ويجلب عنهما الممات
وقال عنترة:
فشككت بالرّمح الطّويل ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرّم «1»
وقال آخر:
وضربته ضربا أضا ... ع له المقادم والعرى
وقال راشد بن شهاب:
علوت بذي الحيّات مفرق رأسه ... وإنّ حسامي تحتويه الجماجم
بدأت بهذي ثمّ أثني بمثلها ... وثالثة تبيضّ منها المقادم
وقال ابن المعتز:
وكأنّ أيدينا تنفّر عنهم ... طيرا على الأوكار كنّ وقوعا
وقال الرفّاء:
إذا ركع القنا الخطيّ صلّوا ... صلاة جلّ واجبها السّجود «2»
وقال البحتري:
وصاعقة من نصله ينكفي بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب
وله:
نثرت على الخليج الهام حتّى ... كأنّ حصى الخليج طلىّ وهام «3»
أخذه الموسوي وزاد فقال:
خطبنا بالظّبا مهج الأعادي ... فزفّت والرؤوس لها نثار «4»
وقال الحارثي:
إذا ما عصينا بأسيافنا ... جعلنا الجماجم أغمادها
(2/177)

وقالت عابدة المهلبية ويروى للخوارزمي:
فصادرهم على الأرواح خرق ... إذا ابتاعوا الحياة فلا يقيل
شدّة الطعن والضرب وسعتهما
قال شاعر:
هم الدعو هم حماة الرّماح ... ولدّوهم بالظّبا البيض لدّا «1»
وقال بعضهم:
وطعن كأفواه المزاد المخرّق «2» وقال أبو كثيّر الهذلي:
عجلت يداك لخيرهم بمرشّة ... كالعطّ وسط مزادة المستخلف «3»
قال امرؤ القيس:
كجيب الدفنس الورها ... ء ريعت وهي تستغلي «4»
وقال آخر:
وطعن كأذيال القباء المفرج
وقال ضرار في وصف ضربة:
دفوع لأطراف الرماح كأنّها ... إذا سيّروها فرخ خرقاء دعبل «5»
وقال المتنبّي:
كأنّما تتلقاهم لتسلكهم ... فالطعن يفتح في الأجواف ما يسع
وسمع بعضهم قول الشاعر:
لها نفذ لولا الشّعاع أضاءها ...
فقال: هذا درب لا طعن.
ويروى لخلف الأحمر:
وأطعن السحساحة المسلسله ... على عشاش دهش وعجله «6»
وأضرب الحدباء ذات الرعله ... تردّ في نحر النّيب قتله «7»
(2/178)

الحاذق بالطعان والضرب
قال عبد يغوث:
ليبق بتصريف القناة بانيا
وقال المتنبّي:
يضع السّنان بحيث شاء مجاولا ... حتّى من الآذان في أخراتها
وقال الموسوي:
وأسمر يهتّز في راحتي ... كما هزّت القلم الأصبع
سقى الرماح والصفاح دم الأعداء
قال شاعر:
وعامل الرمح أرويه من العلق «1»
وقال آخر:
نهلت قناتي من مطاه وعلّت
قال يحيى بن علي المنجم:
يروي السيوف دما إذا شكت الصدى ... يوم الوغى بأسا وصدق ضراب «2»
فتمجّ إن خفضت على أعقابنا ... وتمجّ إن رفعت على الأعقاب «3»
قال دعبل:
فأصبحت تستحيى القنا أن تردّها ... وقد وردت حوض المنايا صواديا «4»
قال السري:
إذا الحسام غدا سكران منتشيا ... من الدّماء سقوه أنفسا فصحا
الجاعل قواضبه بدل المعاتبة
قال عمرو بن إبراهيم:
ليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكلى وضرب الرّقاب
وقال آخر:
دلفت له بأبيض مشرفيّ ... كما يدنو المصافح للسلام «5»
وقال بعض البغليين:
نزلوا منزل الضيافة منّا ... فقرى القوم غلمة الأعراب «6»
(2/179)

وصل السيوف بالخطا
يروى أن فتى من الأزد دفع إلى المهلّب بن أبي صفرة سيفا له وقال: كيف ترى سيفي يا عم؟ فقال المهلب: سيفك جيد إلا أنه قصير. فقال: أصله بخطوة، فقال: يا ابن عم المشي إلى الصين على أنياب الأفاعي أسهل من تلك الخطوة. ولم يقل المهلّب هذا جبنا وإنما أراد توجيه الصورة.
قال شاعر:
نصل السيوف إذا قصّرن بخطونا ... قدما ونلحقها إذا لم تلحق
وقال آخر:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب
وصف شجاع ذي رماح
سئل أعرابي عن قوم فقال: أسود الغاب يحمل غابها.
قال البحتري:
إذا بدوا في حرجات القنا ... ترى أسود الأرض في غابها «1»
قال الرّفّاء:
أسد لها من بيضها أو سمرها ... جداول مطّردات بأجم «2»
من جعل معاقله الأسلحة والخيول
قال شاعر:
إن السيوف معاقل الأشراف
وقال أبو الغمر:
إذا لاذ منه بالحصون عدوّه ... فليس له إلّا السيوف حصون
وقال آخر:
إن الخيول معاقل الأشراف
وقال آخر:
وليس لنا إلا الأسنّة معقل
من لاذ بالقواضب واستعان بها
أبي قومنا أن ينصفون فأنصفت ... قواضب في أيماننا تقطر الدّما
وقال آخر:
ترى السيف أدنى من أقاربه رحمي «3»
(2/180)

وقال الشنفري:
وإنّي كفاني فقد من ليس جازيا ... بحسنى ولا في قربه متعلّل
ثلاثة أصحاب: فقلب مشيع ... وابيض إصليت وصفراء عيطل
وقال الموسوي:
ألف الحسام فلو دعاه لغارة ... عجلان لبّاه بغير نجاد «1»
وقال:
ربّ ليل جعلته طيلساني ... مؤنسي صارمي وقلبي مجنّي «2»
وقال طاهر بن الحسين:
سيفي رفيقي ومسعدي فرسي ... والكاس أنسي وقينتي خدني «3»
من استطاب تناول الأسلحة
قال البحتري:
ملوك يعدّون الرمح خواصرا ... إذا زعزعوها والدروع مخاصرا «4»
وقال المتنبّي:
متعوّدا لبس الدروع يخالها ... في البرد خزّا والهواجر لاذا «5»
وقال أبو الغمر:
واعتاد حمل القنا لا الراح راحته ... وضاجع البيض لا البيض الرعابيبا «6»
الأبقع الوجه من صدأ الحديد
وقال الفرزدق:
يمشون في حلق الحديد كما مشت ... جرب الجمال بها الكحيل المشعل «7»
طيب صدر المغفر
وطيبهم صدأ المغفر «8»
(2/181)

وقال سلم بن قحفان:
فطيب الصدا المسود أطيب عندنا ... من المسك ذافته كفّ ذوائف «1»
النابي سيفه عن الضريبة
قال ورقاء بن زهير وقد ضرب فنبا سيفه:
رأيت زهيرا تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادر «2»
فشلّت يميني يوم أضرب خالدا ... ويحصّنه منّي الحديد المظاهر
وكان الفرزدق قد دفع له سيف بحضرة سليمان بن عبد الملك ليقتل به روميا فضربه فلم يعمل فيه، فقال جرير:
بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
فهل ضربة الروميّ جاعلة لكم ... أبا ككليب أو أخا مثل دارم
فأجابه:
فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد «3»
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحيانا مناط القلائد «4»
عذر من يكثر لبس الدرع في الحرب
رؤي الجراح بن عبد الله وقد لبس در عين في بعض الحروب فأكثر ناظره النظر إليه فقال له: والله يا هذا ما أقي بدني وإنما أقي صبري. فأخبر بذلك سعيد بن عمرو وكان من فرسان الشام فقال: صدق لأن لامة «5» الإنسان حظيرة نفسه. عوتب يزيد بن يزيد في إحكامه الدرع، فقال: إن الله تعالى مع قضائه الأمور المحتّمة أمر بالحذر، وذكر ما في صنعة اللبوس، وكان صلّى الله عليه وسلّم والى يوم أحد بين درعين.
أنشد كثير عبد الملك:
علي ابن أبي العاصي دلاص حصينة ... أجاد المسدي سردها فأزالها
فقال له: هلّا قلت كما قال الأعشى:
وإذا تكون كتيبة ملمومة ... خرساء تغشى من يذود نصالها «6»
(2/182)

كنت المقدّم غير لابس جنّة ... بالسّيف تضرب معلما أبطالها «1»
فقال: كثير ذاك وصفه بالجهل والتهور وأنا وصفتك بالحزم. قال البحتري:
تراه في الأمن في درع مضاعفة ... لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل
قلّة غناء الدرع عند حضور الأجل
سئل ابن الحسين: في أي الجنن تحب أن تلقى عدوك؟ قال في أجل مستأخر وقيل لبعضهم: أي الجنن أوقى؟ قال: العافية. وقيل لآخر: لو احترست فقال: كفى بالأجل حارسا.
وصف الدروع
قال شاعر:
كسيل الأتيّ على الحديد
وقال آخر:
ومفاضة كالنهي ينسجه الصّبا «2»
وقال آخر:
كأنّ قتيرها حدق الجراد «3»
وقال المتنبّي:
يخطّ فيها العوالي ليس ينفذها ... كأن كلّ سنان فوقها قلم
وقال مزرّد:
ومنسوجة فضفاضة تبعية ... وآها القتير تجتويها المعابل «4»
ويستحسن لابن المعتز:
كأنّها ماء عليه جرى ... حتّى إذا غاب فيه جمد
قال كلثوم:
كأن سنا الماذي فوق متونهم ... مواقد نار لم تشب بدخان «5»
المستغني بجلادته عن التدرّع والتقنّع
قال أبو تمّام:
إذا رأوا للمنايا عارضا لبسوا ... من اليقين دروعا ما لها زرد
وقال مسلمة:
على درع تلين المرهفات له ... من الشّجاعة لا من نسج داود
(2/183)

إنّ الذي صور الأشياء صوّرني ... نارا من البأس في بحر من الجود
وصف المغتفر والمغفر
قال بشر:
كأن سنا قوانسهم ضرام ... مرته الريح في أعلى يفاع «1»
وقال أبو تمّام:
كأنّ نعام الدوّ باض عليهم
وله:
مثل النجوم تضيء إلا أنّهم ... قد قلنسوا من بيضهم بنجوم «2»
وقال أبو قيس:
قد حصّت البيضة رأسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع «3»
القسيّ
دخل أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه على النبي صلّى الله عليه وسلّم متقلّدا قوسا عربية فقال: هكذا جاءني جبريل عليه السلام اللهم من استطعمك بها فأطعمه ومن استنصرك بها فانصره ومن استرزقك بها فارزقه. وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم ما مدّ الناس أيديهم إلى شيء من السلاح إلا وللقوس فضل عليه. وقيل في وصفه:
طروح مروح تعجل الظبي أن يروح
قال أعرابي في وصف قوس رمي عنها ذئبا:
وفي شمالي سمحة من النّشم ... يفجّ في الكفّ إذا الرامي اهتزم «4»
وتهزم الفارس في أخرى النّعم
وقال آخر:
صفراء تبع خطموها بوتر ... لام ممر مثل حلقوم النّغر «5»
حدب ظباها أسهم مثل الشرر
وقال آخر:
ومقابلا ضلع الظّباء كأنّها ... جمر بمهلكة تشبّ لمصطلي
نحفا بذلت لها حوافي ناهض ... حشر القوائم كاللفاع الأكحل
وإذا تسلّ تخشخشت أرياشها ... خشّ الجنوب بيابس من أسحل «6»
(2/184)

النحف النصال العراض والأكحل الذي يضرب لونه إلى الغبرة.
المجيد من الرماة
قيل: خرج بهرام إلى الصيد ومعه جارية فعرض له ظبي فسألته الجارية أن يجمع ظلف الظبي وأذنه بنشابة واحدة فرمى أصل أذن الظبي ببندقة فأهوى الظبي بيده إلى أذنه ليحتك فرماه بنشابة فوصل ظلفه بإذنه، وهذا إن كان صحيحا فعجيب.
قال امرؤ القيس:
فهو لا تنمي رميّته ... ماله لا عدّ من نفره «1»
وقال إسماعيل بن عليّ:
إذا تمطّى قائما ثمّ انثنى ... ومدّها أحسن مدّ وانثنى
أرسل منها نافذا مسنا ... سيّان منه ما نأى وما دنا «2»
يسوق أسباب النّحوس والفنا
وقد أوغل المتنبّي في قوله:
إذا نكبت كنانته استبنّا ... بأنصلها لأنصلها ندوبا «3»
يصيب ببعضها أفواق بعض ... فلولا الكسر لاتّصلت قضيبا
الرديء الرمي
نظر فيلسوف إلى رام سهامه تذهب يمينا وشمالا فقعد في موضع الهدف وقال: لم أر موضعا أسلم من هذا. ورمى المتوكل عصفورا فأخطأه فقال له ابن حمدون: أحسنت فقال تهزأ بي؟ فقال: أحسنت إلى العصفور. قال كشاجم:
مستهتر بالرّمي واه عضده ... أحسن شيء حين يرمي طرده
كأنّه فؤاده أو كبده
المجنّ
قال شاعر:
يريك شعاع الشمس في جنّة الدّجى
قال أبو فراس:
أواقد لا آلوك إلا مهنّدا ... وجلد أبي عجل وثيق القبائل
وصف جماعة الأسلحة
سأل عمر بن الخطاب عمرو بن معدي كرب فقال: ما تقول في الرمح؟ قال أخوك
(2/185)

وربما خانك. قال: فالنبل؟ قال: منايا تخطئ وتصيب. قال: فالدرع قال مشغلة للفارس متعبة للراجل، وإنّها لحصن حصين. قال فالترس؟ قال: مجن وعليه تدور الدوائر. قال:
فالسيف؟ قال: عنده ثكلتك أمك. قال عمر: بل أنت.
الاستنكاف من المحاربة بالحجر والرخصة فيه
قال أبو النجم:
إنّي وجدّك لا يكون سلاحنا ... حجر الأكام ولا عصا الطرفاء «1»
أوصى بعض الأعراب ابنه وقد أرسله إلى محاربة بعض أقرانه فقال: يا بني كن بذّا لأصحابك على ما فاتك وإياك والسيف فإنّ ظله الموت، وألق الرمح فإنه رسول المنية ولا تقرب السهام فإنها رسل لا تؤامر مرسلها قال: فيم أقال؟ قال: بما قال الشاعر:
جلاميد أملاء الأكفّ كأنّها ... رؤوس رجال حلقت في المواسم
قال الحنفي:
فوادخ بذا الصخر الأصم رؤوسهم ... إذا القلع الهنديّ عنها تثلّما «2»
أصوات الأسلحة
يقال للطعن الشفشفة وللضرب هيعقة وللقسي أزملة وغمغمة.
قال الحارث بن حلّزة:
وحسبت وقع سيوفنا برؤوسهم ... وقع السّحاب على الطّراف المشرج «3»
وقال هلال:
تصيح الرّدينيّات فينا وفيهم ... صياح بنات الماء أصبحن جوّعا «4»
وقال آخر:
تنقّ عواليهم نقيق الضّفادع
إيجاب المحاربة على المتسلّح وتبكيته لتقصيره فيها
قال ابن مرداس:
فعلام إن لم أشف نفسا حرّة ... يا صاحبي أحيد حمل سلاحي
وقال جرير:
تصف السيوف وغيركم يعصى بها ... يا ابن القيون وذاك فعل الصيقل «5»
(2/186)

قال ابن الرومي:
رأيتكم تبدون في الحرب عدّة ... ولا يمنع الأسلاب منكم مقاتل «1»
فأنتم كمثل النخل يسرع شوكه ... ولا يمنع الجرام ما هو حامل «2»
قال المتنبّي:
إذا كنت ترضى أن تعيش بذلّة ... فلا تستعدنّ الحسام اليمانيا «3»
ولا تستطيلنّ الرماح لغارة ... ولا تستجيدنّ العتاق المذاكيا
الاستظلال بالأسلحة
قال امرؤ القيس:
ففئنا إلى بيت بعلياء، مردح ... سماوية منها الحمى معصب «4»
فأوتاده ماذيّة وعماده ... ردينيّة فيها أسنّة قعضب «5»
وقال أعرابي من بني أسد:
وفتيان ثنيت لهم ردائي ... على أسيافنا وعلى القسيّ
وقال:
وما اتّخذوا إلا الرماح سرادقا ... وما استتروا إلا بضوء اللهاذم «6»
ذمّ العزل في الحرب
في المثل: عند النطاح يغلب الكبش الأجم
فمن يك معزال اليدين فإنّه ... إذا كشّرت عن نابها الحرب حامل «7»
وقال ابن الحطيم:
نبّهت زيدا ولم أفزع إلى وكل ... رثّ السلاح ولا في الحرب مكثور «8»
من صاحبته الطيور والسباع
أول من وصف ذلك النابغة الذبياني فقال:
إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب «9»
(2/187)

وقال أبو تمّام:
وقد ظلّلت عقبان أعلامه ضحّى ... بعقبان طير في الدّماء نواهل «1»
أقامت مع الرايات حتّى كأنّها ... من الجيش إلا أنّها لم تقاتل
وقال بشّار:
إذا ما غزا بشّرت طيره ... بفتح وبشّرنا بالنّعم «2»
وقال المتنبّي:
وأنبتّ فيهم ربيع السّباع ... فأثنت بإحسانك الشامل
وقال عمرو بن مامة:
إذا ألحمت قيس لحرب تباشرت ... ضباع الفيافي والنّسور الكواسر «3»
وقالت جنوب أخت عمرو:
تمشي النسور إليها وهي لاهية ... مشي العذارى عليهنّ الجلابيب
المتزيّن بالجراحات
قال يعقوب بن يوسف:
وخيل تعجز الأرسال عنها ... مزينة بأنواع الجراح
وقال سلم الخاسر:
ولا خير في الغازي إذا آب سالما ... إلى الحيّ لم يجرح ولم يتحدّد «4»
المتضرّج بالدم
قال البحتري:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرّة فكأنّهم لم يسلبوا
وقال آخر:
تضرّج منهم كلّ خدّ معفّر ... وعفّر منهم كلّ خدّ مضرّج «5»
المتلطّخ بالدم المتسربل بالغبار
قال السريّ:
مفقودة شية الجواد عليهم ... وحجول أربعة لخوض دمائه «6»
(2/188)

وقال المتنبّي:
وعجاجة ترك الحديد سوادها ... زنجا تبسّم أو قذالا شائبا «1»
الغبار
قال الحجّاج: اتّقوا الغبار فإنه سريع الدخول بطيء الخروج، وقال:
غفار كما فارت دواخن غرقد
وقال أوس:
فانقضّ كالدرّى يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا «2»
يخفى وآونة يلوح كما ... رفع المنير بكفّه لهبا
الحروب المشهورة
الحروب ثلاثة لم يكن للعرب أعظم منهن: حرب بعاث بين الأوس والخزرج وكانت متصلة إلى أن بعث الله تعالى النبي صلّى الله عليه وسلّم فلما أسلموا اصطلحوا. وحرب بني وائل بكر وتغلب في مقتل كليب اتصلت أربعين سنة، وحرب ابني بغيض عبس وذبيان في مجرى داحس والغبراء بقيت أربعين سنة لم تحمل فيها الحمالات فبعث الله تعالى النبي صلّى الله عليه وسلّم وبقي من دمائهم شيء على الحارث بن عوف فاهتدي للإسلام.
وأيام العرب ثلاثة في الجاهلية لم يكن أعظم منهن: يوم جبلة ويوم كلاب الأخير ويوم ذي قار.
وقال سفيان بن عيينة: السيوف أربعة: سيف لمشركي العرب وهو قوله تعالى:
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً
«3» ، وسيف لأهل الردّة على يد أبي بكر رضي الله عنه «وهو تقاتلونهم أو يسلمون» وسيف لأهل الكتاب على يد عمر رضي الله عنه قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. وسيف لأهل القبلة والصلاة على يد عليّ رضي الله عنه وهو «وأن طائفتين من المؤمنين اقتتلوا» ولولاه ما عرفنا قتال أهل القبلة.
العصا
تسمى المنسأة «4» : قال الله تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ
«5» وعصا موسى حالها ظاهرة. وقيل ألقى فلان عصاه إذا نزل، وشقّ العصا إذا خرج عن الطاعة، وعبيد العصا أي ينقادون بالعصا وسمى الصغير الرأس رأس العصا
(2/189)

وهو صلب العصا أي قوي. وقولهم: أنك خير من تفاريق العصا، فالعصا تقطع ساجورا ثم يجعل الساجور أوتادا، والأوتاد شظاظا، والشظاظ مهار البخاتي، أو تشق العصا فتجعل قوسا للبندق، وتجعل القوس سهاما والسهام حظاء والحظاء مغازل، والمغازل قداحا.
الكرة والصولجان
وقال أبو قريش بن أسوط، وكان من بطارقة أرمينية يصف كرة:
يحبّ دنوّها إذا ما ... دنت منه بكدّ أي كدّ
قلاها ثم أتبعها بضرب ... وأعقب قربها منه ببعد
وقال بشّار:
كأنّ فؤاده كرة تترى ... حذار البين لو نفع الحذار
وقال السيّد الحيمري:
وكأنّها كرة بكفّ حزور ... عبل الذراع دحا بها في ملعب «1»
البوق
: قال الببغا:
ومسمع ليس بذي لسان ... محكم في صمم الآذان
سرّ يؤدّيه إلى إعلان
(4) وممّا جاء في طلب الثأر والدية والرخصة في الاقتصاص
قال الله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
«2» وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ
«3» فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ
«4» وقال صلّى الله عليه وسلّم لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده. وسوّى بين الصريح والهجين وكانت العرب تهدر دم السيد وهو الملصق الدعي وإذا قتل الرجل ملكا أو رجلا من أهل بيت القاتل لم يرضوا حتى يقتلوا رهط القاتل ويحرقوهم بالنار وإذا كان القاتل هو الملك أو أحد من أهل بيته أهدروا الدم فقالوا لا عقل ولا قود. قال الجاحظ: كانت الدية والصدقة مما عند الرجل إن تمرا فتر وإن شاء فشاء وكانوا يعيرون من ديته التمر قال:
ألا أبلغ بني وهب رسولا ... بأنّ التمر حلو في الشّتاء
(2/190)

فعيّرني هذا بشيئين بأخذ الدية وبأن ديتهم التمر وكانت دية العربي المعمّ المخول من التمر مائة وسق ومن الإبل مائة بعير ودية الهجين على النصف ودية المولى على الربع.
والملك ومن هو من بيته ألف وسق. والإسلام سوّى بين الكلّ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم.
التعيير بترك الثأر والحثّ على أخذه
قيل لأعرابي: أيسرك أنك من أهل الجنة وأنك لا تدرك ثارا قط؟ قال: بل يسرني إن أدرك الثار وأنفى العار وأدخل مع فرعون النار.
قدم هدبة بن الخشرم العذريّ ليقتاد بابن عمه فأخذ ابن المثؤر به السيف فضو عفت له الدية حتى بلغت مائة ألف، فأبت أم الغلام أن يقبل الدية وقالت: أعطى الله عهدا لئن لم تقتله لأتزوجنه فيكون قد قتل أباك وناك أمك. قال عبد الرحمن بن شافع:
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم ... فكونوا نساء للخلوق وللكحل «1»
ويبيعوا الردينيّات بالحلى واقعدوا ... على الذلّ وابتاعوا المغازل بالنبل
ونحوه، قول عمرة بنت وقدان:
فإن أنتم لم تطلبوا بأخيكم ... فذروا السلاح ووحشوا بالأبرق «2»
وخذوا المكاحل والمجاسد والبسوا ... نقب النساء فبئس رهط المرهق
التعيير يأخذ الدية وعدمه
قال شاعر:
وإن الذي أصبحتم تحلبونه ... دمّ غير أن اللون ليس بأحمرا
إذا سكبوا في القعب من ذي أنائهم ... رأوا لونه في القعب وردا وأشقرا
قال آخر وكان أخذ من ابن عمه دية أبيه:
إذا صبّ ما في القعب فاعلم بأنّه ... دم الشيخ فأشرب من دم الشيخ أو دعا «3»
قال آخر:
خذوا العقل إن أعطاكم العقل قومكم ... وكونوا كمن سيم الهوان فلم ينل
كان لعتبة الأعرابية غلام شديد العرامة «4» ، كثير التلفت إلى البأس فواثب فتى من الإعراب فقطع الفتى أنفه فأخذت أمه ديته فحسن حالها ثم واثب آخر فقطع أذنه فأخذت ديتها ثم آخر فقطع شفته فأخذت ديته فلما رأت ما صار إليها من قبل ابنها أنشدت:
أقسم بالمروة حقا والصّفا ... أنّك خير من تفاريق العصا
(2/191)

وروي أن أعرابيين أصابهما قحط فانحدرا إلى العراق جائعين فوطئت رجل أحدهما فرس لفارس فأدمتها وكان يسمى حيدان فتعلقا به وأخذا الدية وكانا جائعين فقصدا السوق وابتاعا طعاما فأكلا فقال الآخر:
فلا غرس ما دام في النّاس سوقهم ... وما بقيت في رجل حيدان إصبع
تحريم الملاهي على المحارب وطالب الثأر
روي أن بعض عمّال عبد الملك بعث إليه بجارية اشتراها بعشرة آلاف دينار فلما استحضرها وأنس بها دخل إليه رسول الحجّاج بأن عبد الرحمن بن الأشعث خلعه، فأجاب عن كتابه وجعل يقلّب كفيه وقال لها: إن ما دونك منية المتمني فقالت: وما يمنعك؟ قال بيت الأخطل:
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بإظهار
فمكث ثلاث سنين وخمسة أشهر لا يقرب امرأة حتى أتاه خبر قتل ابن الأشعث فكانت أول امرأة تمتّع بها. وكانت العجم إذا حزبهم أمر أمروا إن ترفع الموائد ويقتصرون على الخبز والملح والبقل حتى يفرغوا. وقال معاوية: ما ذقت أيام صفّين لحما ولا حلواء بل اقتصرت على الخبز حتى فرغت، وأتت امرأة المهلب بمجمرة، فقالت له: ضع هذه تحتك فكان ذلك تعريضا لما أبطأ عن مناهضة الأزد فقال: است المرأة أحق بالمجمرة.
قال قيس بن الحطيم:
حرام علينا الخمر إن لم نضارب
وقال الجراح الغطفاني:
لله درّك ما ظننت بثائر ... حران ليس على التراث براقد
أحددته ثم اضطجعت ولم ينم ... أسفا عليك وكيف نوم الحاقد
من حلّ له الطيبّات لإدراكه الثأر
قال شاعر:
اليوم حلّ لي الشراب وما ... كان الشراب يحلّ لي قبل
قال جابر:
وحل لي التدهين والخمر بعد ما ... شفيت غليلي من ثويد المراثد
المبجّح بإدراك ثأره
قال المهلهل في إدراك ثأر كليب:
فلو نبش المقابر عن كليب ... فتخبر بالذنائب أيّ زير «1»
(2/192)

بأنّي قد تركت بواردات ... بحيرا في دم مثل العبير
هتكت به بيوت بني عبيد ... وبعض القول أشفى للصدور
قالت صفية بنت الجذع:
وقد قتلنا شفاء النفس لو قنعت ... وما قتلنا به إلا امرأ دونه
قال زبان وكانت قد هجاه بعض أعاديه فقتله وقطع لسانه ودسّه في إسته:
وإن قتيلا بالهباءة في إسته ... صحيفته إن عاد للظلم ظالم
متى تقرؤها تهدكم من ضلالكم ... وتعرف إذا ما فضّ عنها الخواتم
من نزع ثوب العار وانطلق لسانه
قال أخو ساف بن عباد اليشكري:
ألم يأتها أنّي صحوت وأنّني ... شفاني من دائي المخامر شاف
فأصبحت ظبيا مطلقا من أديمه ... صحيح الأديم بعد داء أساف
وكنت مغطّى في قناعي خيفة ... كشفت قناعي وأعتطفت عطافي
قال غالب:
وقد كنت محرور اللسان ومفحما ... فأصبحت أدري اليوم كيف أقول
من لا يفوته الثأر
قال عبد الله بن العتابي:
وقد ضمنت أسيافهم ورماحهم ... لمن جاوروا أن لا يضيع لهم وتر «1»
قال البحتري:
تذم الفتاة الرود شيمة بعلها ... إذا بات دون الثأر وهو ضجيعها «2»
حمية شعب جاهلي وغيرة ... كليبية أعيا الرجال خضوعها
وقال المتنبّي:
إذا طلب النيل لم يثأه ... وإن كان دينا على ماطل
من يفيت الثأر ولا يفوته
قال الحرعي:
وإذا طلبت الوتر لم تسبق به ... وتفوت مطلوبا به فتبرح
(2/193)

وقال آخر:
تحف أغرّ لا قود عليه ... ولا دية تساق ولا اعتذار
من قتل بعض ذويه اقتصاصا
قال قيس بن زياد:
شفيت النفس من قيس بن بدر ... وسيفي من حذيفة قد شفاني
فإن أك قد برّدت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلّا بناني «1»
ونحوه للحارث بن وغلة:
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فلئن رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفونّ جللا ... ولئن سطوت لأوهننّ عظمي
قال البحتري:
تقتل من وتر أعز نفوسها ... عليها بأيد ما تكاد تطيعها
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها
وقال أعرابي:
أقول للنفس تعزاء وتسلية ... إحدى يديّ أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف عن فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
(5) وممّا جاء في التحذير من الحرب وطلب الصلح
التحذير من تهييج الحرب والحثّ على الصلح
قال الله تعالى وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما
«2» وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
«3» . كان سويد بن متحرق خطب خطبة طويلة لصلح أمة، فقال له رجل: أنت مذ اليوم ترعى في غير مرعاك أفلا أدلك على المقال. فقال نعم. فقال: أما بعد فإن الصلح بقاء الآجال وحفظ الأموال والسلام. فلما سمع القوم ذلك تعانقوا وتواهبوا الديات. وقيل: الحرب صعبة مرة والصلح أمن ومسرّة. كتب سلم بن قتيبة إلى سعيد المهلبي لما تحاربا بالبصرة:
خذوا حظّكم من سلمنا إنّ حربنا ... إذا زينته الحرب نار تسعر
(2/194)

فإنّي وإيّاكم على ما يسوؤكم ... لمثلان أو أنتم إلى الصلح أفقر
وقال عبد الله بن الحسين: إياك والمعادات فإنك لن تعدم مكر حكيم أو مفاجأة لئيم. وقال زيد بن حارثة: لا تستثيروا السباع من مرابضها فتندموا، وداروا الناس في جميع الأحوال تسلموا.
وقيل الفتنة نائمة فمن أيقظها فهو طعامها، قال زهير:
وما الحرب إلّا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرّجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتضرم أن أضرمتموها فتضرم «1»
ومن يعص أطراف الزّجاج فإنّه ... يطيع العوالي ركّبت كلّ لهذم «2»
قال كثير:
رميت بأطراف الزّجاج فلم يفق ... من الجهل حتّى كلّمته نصالها
التحذير من صغير يفضي إلى كبير
من أقوالهم: ربّ خطوة يسيرة عادت همّة كبيرة. قال شاعر:
ذروا الأمر الصّغير وزمّلوه ... فتلقيح الجليل من الدقيق «3»
وكتب نصر بن سيّار إلى مروان بن محمد في أمر أبي مسلم صاحب الدولة أبيات أبي مهيم
أرى خلل الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون له ضرام «4»
فإنّ النار بالزندين تورى ... وإن الحرب أوّلها كلام
أقول من التعجّب ليت شعري ... أأيقاظ أميّة أم نيام
فإن يك قومنا أمنوا رقودا ... فقل هبّوا فقد آن القيام
ورأى أبو مسلم بن بحر في منشأ دولة الديلم هذه الأبيات مكتوبة على ظهر كتاب فكتب تحتها:
أرى نارا تشبّ بكلّ واد ... لها في كلّ منزلة شعاع
وقد رقدت بنو العبّاس عنها ... فأضحت وهي آمنة تراع
كما رقدت أميّة ثم هبّت ... لتدفع حين ليس بها دفاع
وقال آخر:
إن الأمور دقيقها ... مما يهيج به العظيم
(2/195)

وقال آخر:
وقد يملأ القطر الإناء فيفعم «1»
وقال آخر:
وأول الغيث قطر ثم ينسكب
وقال آخر:
كم بذي الأثل دوحة من قضيب
من الحبة تنبت الشجرة العميمة ومن الجمرة تكون النار العظيمة. التمرة إلى التمرة تمر، والذود إلى الذود إبل. قال صالح:
قد يحقر المرء ما يهوى فيركبه ... حتّى يكون إلى توريطه سببا
وحرب البسوس كانت في ضرب ناب وحرب غطفان بسبب دابة.
وصف الحرب بالشدة
قال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه لعمرو بن معدي كرب: أخبرني عن الحرب.
فقال هي مرّة المذاق إذا شمّرت عن الساق، من صبر فيها عرف ومن ضعف عنها تلف.
كما قال:
الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى ببزتها لكل جهول
حتّى إذا اشتعلت وشبّ ضرامها ... عادت عجوزا غير ذات حليل
شمطاء جزّت رأسها وتنكّرت ... مكروهة للشمّ والتقبيل
وقيل: موطنان تذهب فيهما العقول المباشرة والمسابقة. ووصف رجل الحرب فقال: أولها شكوى وآخرها بلوى وأوسطها نجوى. قال الفرزدق:
وجامعة أعناقها بعد ما التوت ... جوامعها ما كان سيق لها مهر
إذا ما ابنها لاقى أخاها تعاوروا ... عيونا من الأعداء أبصارها خزر
وقال أبو تمّام:
ومشهد بين حكم الذلّ منقطع ... حباله بحبال الموت تتّصل
ضنك إذا خرست أبطاله نطقت ... فيه الصّوارم والخطيّة الذبل «2»
وقال المتنبّي:
ومبتسمات هيجاوات عصر ... عن الأسياف ليس عن الثّغور
وقال السريّ:
تضايق حتّى لو جرى الماء فوقهم ... حماه ازدحام البيض أن يتسرّبا
(2/196)

إصابة الحرب جانيها وغير جانيها
العرب تقول: الحرب غشوم لأنها قد تنال غير جانيها، قال شاعر:
لم أكن من جناتها علم الله ... وإنّي لحرّها اليوم صال
وقال آخر:
وليس يصلى بحرّ الحرب جانيها
وقال آخر:
وأصبح من لم يجن فيها كذي الذنب
قال أبو حيّة:
أصابوا رجالا آمنين وربّما ... أصاب بريئا من يكن غير ذا ذنب
قال ابن الرومي:
رأيت جناة الحرب غير كفّانها ... إذا اختلفت فيها الرماح الشواجر «1»
كذاك زناد الحرب عنها بنجوة ... ولكنّما يصلى صلاها المشاعر
التفادي من محاربة الأنذال
قصد الإسكندر موضعا فحاربته النساء فكفّ عنهن فقيل له في ذلك، فقال: هذا جيش إذا غلبناه فما لنا به من فخر وإن غلبنا فتلك فضيحة الدهر. قال شاعر:
قبيل لئام إن ظفرنا عليهم ... وأن يغلبونا يوجدوا شرّ غالب
الممتنع من الصلح
قال عبد الرحمن بن سليمان:
فلا صلح حتّى تخبط الخيل في القنا ... وتوقد نار الحرب في الحطب الجزل «2»
وقال آخر:
فلا صلح ما دامت هضاب أبان «3»
قال حرملة بن المنذر:
طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء
فلحا الله طالب الصلح منّا ... ما أطاف الميس بالدهماء
وقال عمرو بن الأهيم:
ليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكلى وضرب الرّقاب
وقال الزبرقان:
فلن أصالحهم ما دمت ذا فرس ... واشتدّ قبضا على الأسياف إبهامي
(2/197)

تبكيت من عرض عليه صلح فلم يقبله واستوخم عاقبته
قال ابن قيس:
ومولىّ دعاه الغيّ والغيّ كاسمه ... وللجبن أسباب تصدّ عن الحزم «1»
أتاني يشبّ الحرب بيني وبينه ... فقلت له لا بل هلمّ إلى السّلم
ولما أبى أرسلت فضلة ثوبه ... إليه فلم يرجع بحزم ولا عزم
فكان صريع الجهل أوّل مرة ... فيا لك من مختار جهل على علم
ضارع يطلب الصلح
قال المتنبّي:
من أطاق التماس شيء طلابا ... واغتصابا لم يلتمسه سؤالا
(6) وممّا جاء في الهزيمة والخوف وأنّ الفرار لا يقي من الموت
قال الله تعالى: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ
... أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ
«2» وقال أمير المؤمنين يوم الجمل: إن الموت طالب حثيث لا يعجزه المقيم ولا يفوته الهارب، وإن لم تقتلوا تموتوا وإن أشرف الموت القتل. والعرب تقول: أجرأ من خاصي خصّاف وكان جبارا فشهد حربا فوقف حجزه فجاء سهم فغرز في الأرض وجعل يهتز فبحث فرآه قد أصاب يربوعا «3» ، فقال:
لا المرء في شيء ولا اليربوع «4»
ولا أقتل إلا بأجلي. ثم حمل فخرق الصف، فأنكى «5» في القوم. قال شاعر:
إن الفرار لا يزيد في الأجل
تفضيل القتل على الهرب
قال سقراط لرجل هرب من الحرب: الهرب من الحرب فضيحة. فقال الرجل: شر من الفضيحة الموت. فقال سقراط: الحياة إذا كانت صالحة فسلم فإذا كانت رديئة فالموت أفضل منها. ولما قتل الإسكندر ملك الهند قال لحكمائه: لم منعتم الملك من الطاعة؟
قالوا: ليموت كريما ولا يعيش تحت الذلّ.
(2/198)

الممتنع من الفرار
قالت امرأة من عبد القيس:
أبوا أن يفرّوا والقضاء في نحورهم ... ولم يرتقوا من خشية الموت سلّما
ولو أنهم فرّوا لكانوا أعزّة ... ولكن رأوا صبرا على الموت أحزما
تعيير من أثار الحرب فهرب
قال عمارة بن عقيل:
ما في السويّة أن تجرّ عليهم ... وتكون في الهيجاء أول صادر
وقال هدبة بن الخشرم:
وليس أخو الحرب ثم الغليظة بالذي ... إذا زيّنته الحرب للسلم أخضعا
قال الحصيفي:
جنيتم علينا الحرب ثم ضجعتم ... إلى السلم لمّا أصبح الأمر مبهما
المعيّر بانهزامه
قال الحجاج في كلامه: ولّيتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها النوازع إلى أعطانها ألا يلوي الشيخ على بنيه ولا يسأل المرء عن أخيه، قال شاعر:
شرّده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره جرد العلا
قال خراش بن الحارث:
ما أنت إلا كعير خاف ميسمه ... قد يضرط العير والمكواة في النّار
وقال آخر:
فولّيت عنه يرتمي بك سابح ... وقد قابلت أذنيه منه الأخادع «1»
وقال المنصور لبعض الخوارج: عرّفني من أشدّ أصحابي إقداما. فقال: لا أعرفهم بوجوههم فإني لم أر إلا أقفاءهم.
وقال ابن الرومي:
لا يعرف القرن وجهه ويرى ... قفاه من فرسخ فيعرفه
وقال آخر:
وولّى كما ولّى الظليم من الذّعر
قال المتنبّي:
أشدّ سلاحهم فيه الفرار
(2/199)

وقال آخر:
قد عاذ بالإقبحين الذل والفشلا
قال أبو تمّام:
موكل بيفاع الأرض يشرفه ... من خفة الروع لا من خفّة الطّرب
قال البحتري:
تخطأ عرض الأرض راكب وجهه ... ليمنع عنه البعد ما يبذل القرب
من وصف قوما هزمهم
قال قيس بن عطية:
وتكرّ أولاهم على أخراهم ... كرّ المخلى عن حياض المصدر
وقال منحناهم الهزيمة ونفضنا عليهم العزيمة. قال بكر بن النطاح:
ولقيتهم لقي الأعا ... جم كالجراد المرتدف
فقطعت أصلهم وقط ... ع الأصل أقطع للطّرف
قال الموسوي:
إذا ما لقيت الجيش أفنيت جلّه ... ردى ورددت الفاصلين نواعيا
ويقال تركت لهم شقّ الشمال إذا هزمتهم. وقيل ذلك لأجل أن المنهزم يأخذ طريق الشمال. قال شاعر:
إذ حاربوا لم ينظروا عن شمالهم ... ولم يمسكوا فوق القلوب الخوافق
ترك أنباع المنهزم
أوصى الإسكندر صاحب جيش له فقال: حبب إلى أعدائك الهرب قال: كيف أصنع؟ قال: إذا ثبتوا جد في قتالهم وإذا انهزموا لا تتبعهم.
وقيل لأمير المؤمنين: أنت رجل محرب «1» وتركب بغلة فلو اتخذت الخيل. فقال أنا لا أفرّ ممن كرّ ولا أكرّ على من فرّ. وعاتب المهلب الحجّاج في تركه أتباع الخوارج لما انهزموا فكتب إليه: أما علمت أن الكلب إذا أحجر «2» عقر «3» .
المتأسف على من نجا ولم يؤسر
قال عوف بن عطية:
ولولا علالة أفراسنا ... لزادكم القوم خزيا وعارا
قال امرؤ القيس:
وأفلتهن علباء جريضا ... ولو أدركته صفر الوطاب
(2/200)

قال أبو تمّام:
لولا الظلام وعلّة علقوا بها ... باتت رقابهم بغير قلال
فليشكروا جنح الظلام ودرودا ... فهم لدرود والظلام موال «1»
قال عنترة الكلبي:
فلولا الله والمهر المفدّى ... لابت وأنت غربال الإهاب
الفارّ في وقت الفرار والثابت في وقت الثبات
قال يوما معاوية رضي الله عنه: لقد علم الناس أن الخيل لا تجري بمثلي فكيف؟
قال النجاشي:
ونجّى ابن حرب سابح ذو علالة ... أجشّ هزيم والرماح دواني
فقال عمر: وأعياني أشجاع أنت أم جبان؟ فقال: شجاع إذا ما أمكنتني فرصة وإن لم تكن لي فرصة فجبان. وقيل: الهرب في وقته خير من الصبر في غير وقته وقيل: من هرب من معركة فعرف مصيره إلى مستقره فهو شجاع.
تفضيل الإحجام حيث يكون أوفق على الإقدام
قال المهلّب: الإقدام على الهلكة تضييع كما أن الإحجام عن الفرصة عجز. وقال المتوكل لأبي العيناء: إني لأفرق من لسانك. فقال: يا أمير المؤمنين الكريم ذو فرق وإحجام واللئيم ذو وقاحة وإقدام. قال مالك الأنصاري:
أقاتل حتّى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا غمّ الجبان من الكرب
من هرب لمّا علم قلّة غنائه
قال هبيرة القرشي:
لعمرك ما وليت ظهرا محمدا ... وأصحابه جبنا ولا خشية القتل
ولكنّني قلّبت أمري فلم أجد ... لسيفي غناء إن ضربت ولا نبلي
وقفت فلّما لم أجد لي مقدما ... صدرت كضرغام هزبر إلى الشبل
ثنى عطفه عن قرنه حيث لم يجد ... ما غاله عند التّصرّف والختل
وقال آخر:
أعاذل ما ولّيت حتّى تبددت ... رجال وحتّى لم أجد لي مقدما
وحتّى رأيت الوريد يدمى لبانه ... وقد هزم الأبطال وانتثل الدّما «2»
(2/201)

اعتذار هارب زعم أن هربه نبوة أو قدر
قال شاعر:
أيذهب يوم واحد إن أسأته ... بصالح أيامي وحسن بلائيا
ولم تبد منّي نوبة قبل هذه ... فراري وتركي صاحبي ورائيا
قال عبد الله بن غلفاء:
وليس الفرار اليوم عارا على الفتى ... إذا عرفت منه الشجاعة بالأمس
وسمع بعض الفرس قول الشاعر:
ألم تر أن الورد عرّد صدره ... وحاد عن الدعوى وضوء البوارق «1»
فقال: عذره أشدّ من ذنبه فمن قصّر عن إمساك مركوبه كيف يرجى منه أن يهزم جماعة عدوّه، قال نعيم التميمي:
فإن يك عارا يوم فلج أتيته ... فرادى فذاك الجيش قد فرّ أجمع
قال ثعلبة الباهلي:
فلا تعذلاني في الفرار فإنّني ... فرارى لمّا قد فرّ قبلي عامر
فإن لم أعوّد نفسي الكرّ بعدها ... فلا وألت نفسي عليها أحاذر «2»
وقال الوليد لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: مالك جفوت عثمان رضي الله عنه؟ فقال: أبلغه أني لم أفر يوم أحد ولا تخلفت يوم بدر. فأخبرته بذلك. فقال: أمّا فراري يوم أحد فقال يعيرني به وقد عفا الله عنّي حيث يقول: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا
«3» ولقد عفا الله عنهم. وأما تخلفي يوم بدر فإني كنت أمرّض بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى ماتت. أخبره عنّي بذلك.
المتفادي من حضور الحرب
قيل لبعضهم لم لا تغزو؟ فقال: إني أكره الموت على فراشي فكيف أسعى إليه برجلي. ورأى المعتصم في بعض منتزهاته أسدا فنظر إلى رجل أعجبه زيه وقوامه وسلاحه فقال له: أفيك خير؟ فعلم الرجل مراده فقال: لا. فقال: لا قبّح الله سواك وضحك.
واجتاز كسرى في بعض حروبه برجل قد استظل بشجرة وألقى سلاحه وربط دابّته.
فقال له: يا نذل نحن من الحرب وأنت بهذه الحالة، فقال: أيها الملك إنما بلغت هذا السن بالتوقي، فقال: زه وأعطاه مالا.
(2/202)

وصف المحتجّ لانهزامه بخوفه من القتل
قيل لرجل: إنّك انهزمت. فقال غضب الأمير عليّ وأنا حيّ خير من أن يرضى وأنا ميت. قال زفر بن الحارث:
ألا لا تلوماني على الجبن إنّني ... أخاف على فخارتي أن تحطما
ولو أنّني أبتاع في السوق مثلها ... إذا شئت ما باليت أن أتقدّما
وقال آخر:
يقول لي الأمر بغير نصح ... تقدم حين جدّ بنا المراس
ومالي إنّ أطعتك من حياة ... ومالي بعد هذا الرأس راس
وهرب الوليد من الطاعون فقيل له: قل: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا. فقال: ذلك القليل أطلب. وقيل لرجل يوم صفّين، قد انهزم ما خبر الناس؟ فقال: من صبر أخزاه الله ومن انهزم نجّاه الله. قال محمد بن موسى القاضاني وله أشعار كثيرة في الدلالة على جوده:
أنا المحصون من كتب المغازي ... إذا قرئت سرى فيها قراني
أرى في النّوم سيفا أو سنانا ... فأسلح في الفراش على المغاني
قال أبو الغمر:
باتت تشجّعني عرسي وقد علمت ... أن الشجاعة مقرون بها العطب
للحرب قوم أضلّ الله سعيهم ... إذا دعتهم إلى مكروهها وثبوا
ولست منهم ولا أهوى فعالهم ... لا الجدّ يعجبني منهم ولا اللعب
قالت بنت الطرماح:
فتنة يسعى لها جهّالها ... أكلب النار فدعها تقتتل
المؤثر الدّعة على الحرب
قال أبو العتاهية: دخلت أنا وأبان على عنان وهي في خيش، فقلت: إن العيش خيش، فقالت: لا قتال وجيش.
قال زيد الخيل
تذكر حصنه لما رآني ... أقلّب آلة مثل الهلال
قال الهذلي:
عقوا بسهم فلم يشعر به أحد ... ثم استفاؤوا وقالوا حبّذا الوضح «1»
(2/203)

الهارب من قومه
قيل: الشجاع يقاتل من لا يعرفه، والجبان يفرّ من عرسه، والجواد يعطي من لا يسأله، والبخيل يمنع من نفسه.
قال شاعر:
يفرّ جبان القوم عن أمّ نفسه ... ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه
قال حسّان بن ثابت رضي الله تعالى عنه:
إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبّة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام
قال أبو تمّام:
أجدى قرابيسه صرف الردى ونجا ... بحيث أنجى مطاياه من الهرب
وله:
ونجا ابن خانية البعولة لو نجا ... بمهفهف الكشحين والآطال
ترك الأحبّة ساليا لا ناسيا ... عذر النسيّ خلاف عذر السالي «1»
من نجا وقد استولى عليه الخوف
قال شاعر:
فإن ينج منها الباهليّ فإنّه ... قطيع نياط القلب دامي المقاتل
وقال أبو تمّام:
من مشرق دمه في وجهه بطل ... أو ذاهل دمه في الرعب قد نزفا
فذاك قد سبقت منه القنا جرعا ... وذاك قد سبقت منه القنا نطفا
وقال غيره:
وما نجا من شفار البيض منفلت ... نجا ومنهنّ في أحشائه فزع
وقيل لمنهزم: كيف فلان؟ قال: قتل. قيل: ففلان؟ قال قتل. قيل: هل لك في سويق تشربه؟ فقال: السويق قتل.
وقيل لرجل تعرض له الأسد فأفلت منه كيف حالك؟ قال: سلمت غير أن الأسد خرئ في سراويلي. قالت عابدة المهلبيّة:
فإن ثبتوا فعمرهم قصير ... وإن هربوا فويلهم طويل
(2/204)

المتبجّح بإثارة الحرب والانهزام
قال شاعر:
وكتيبة لبستها بكتيبة ... حتّى إذا التبست نفضت لها يدي
فتركتهم نفض الرماح ظهورهم ... من بين منجدل وآخر مسند
فقال أبو القاسم الدميري: هذا كقول الله سبحانه وتعالى: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ
«1» الآية
المتبجّح بأنه عدا لما رأى العدى
قال تميم بن أسد الخزاعي:
لما رأيت بني نفاسة أقبلوا ... يغشون كلّ وتيرة وحجاب
ونشيت ريح الموت من تلقائهم ... وخشيت وقع مهنّد قرضاب «2»
رفعت رجلا لا أخاف عثارها ... ونبذت بالمتن العراء ثيابي
تسلية المنهزم
لما انهزم أمية بن عبد الله لم يدر الناس كيف يهنئونه أو يعزّونه فدخل عبد الله بن الأهتم فقال: الحمد لله الذي نظر لنا عليك، ولم ينظر لك علينا فقد تقدمت للشهادة بجهدك ولكن علم الله حاجة الإسلام إليك فأبقاك له.
قال المتنبّي يعتذر عن سيف الدولة في هزيمة وقعت له:
قل للدمستق إنّ المسلمين لكم ... خافوا الأمير فجازاهم بما صنعوا
لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق ... فليس تأكل إلا الميت الضبع
وإنّما عرض الله الجنود لكم ... لكي يكونوا بلا فشل إذا رجعوا
فكلّ غزو إليك بعد ذا فله ... وكلّ غاز لسيف الدولة التبع
المظهر الشجاعة خارج الحرب والجبن فيها
قيل: فلان يتثعلب في الهيجاء ويتنمّر في الرخاء. قال شاعر:
يفرّ بحيث تختلف العوالي ... وإن يأمن فذو كبر وتيه
وقال دعبل:
أسود إذا ما كان يوم كريهة ... ولكنّهم يوم اللقاء ثعالب
(2/205)

وله:
عير رأى أسد العرين فراعه ... حتّى إذا ولّى تولّى ينهق
الخائف من أعدائه الجسور على أوليائه
قيل لبعضهم: ما النذالة؟ قال: الجراءة على الصديق، والنكول عن العدو ولهذا باب في غير هذا الموضع.
الجبن
في المثل: هو أجبن من صفرد «1» ومن صافر. قيل: هو طائر يتعلق برجليه في شجرة خشية أن ينام فيؤخذ، وأحذر من عقعق «2» وأشرد من ظليم «3» .
قال عبد قيس بن خفاف:
وهم تركوك أسلح من حباري ... رأت صقرا وأشرد من ظليم
وأجبن من المتروف ضرطا، هو رجل كان إذا نبهته امرأته للصبوح يقول لو نبّهتني لغارة، فجاءته يوما تنبهته وقالت: الخيل فجعل يقول الخيل ويضرط حتى مات. قال الله تعالى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ
«4» . فهذا مبالغة في وصف الفزع.
وسأل عبد الملك محمد بن عميرة عن بعض الأمراء فقال تركته مشفقا على حياته محتاجا إلى طولها. قال آخر:
قطيع نياط القلب دامي المقاتل
قال أبو تمّام:
حيران يحسب سجف النقع من دهش ... طودا يحاذر أن ينقضّ أو جرفا «5»
من ذكر خور نفسه
أتى الحجاج برجل من أصحاب ابن الأشعث فقال له: أسألك أن تقتلني وتخلّصني.
فقال له الحجاج: لم؟ فقال: إني أرى كل ليلة في المنام أنك تقتلني وقتلة واحدة خير فضحك وخلّى سبيله. قال شاعر:
لقد خفت حتّى لو تمرّ حمامة ... لقلت عدو أو طليعة معشر
قال آخر:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوّت إنسان فكدت أطير
(2/206)

ولما قال عرابة بن سلامة:
وددت مخافة الحجّاج أنّي ... من الحيتان في لجّ أعوم
قيل له: أقويت فقال الإقواء بين عقلي ونفسي أكبر من ذلك
من ضاقت عليه الدنيا من المخافة
قال لبيد:
كأنّ بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل
قال دعبل:
كأنّ نفسه من طول حيرتها ... منها على نفسه يوم الوغى رصد
المغلوب
كتب مروان إلى بعض الخوارج إني وإياك لك الزجاجة والحجر إن وقع عليها رضّها وإن وقعت عليه قضّها. قال: واستضعف ابن شبرمة رجلا، فقال: أنت حجة خصمك وسلاح عدوك وفريسة قرنك.
المتكلّح من المخافة
الخائف إذا أفرط به خوفه تقلّصت شفته. قال الأعشى:
وإذا العوالي أخرجت أقصى ألم ... كلح الفتى جزعا ولم يتبسّم
شيوع المخافة في الناس
قال الله تعالى: يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ
«1» (الآية) ، وقال حسّان:
تشيب الناهد العذراء منها ... ويسقط من مخافتها الجنين
(7) وممّا جاء في التلصّص وما يجري مجراه
السرقة
قيل: فلان أسرق من ذبابة ومن عقعق ومن شظاظ «2» وهو رجل موصوف بالسرقة.
وقيل: فلان لو خلا بالكعبة لسرقها. وقيل: لص شص «3» على الإتباع.
(2/207)

ومن الموصوف بالسرقة شيبان بن شهاب كان يجمع القراد «1» في دبة فيأتي بها عطن الابل إذا استقرت فيه فيفتحها ثم يرسلها فتتبدد الإبل فيسرقها، ومنه قال الشاعر:
وأوصى جحدر قدما بنيه ... بإرسال القراد على البعير
أصناف اللصوص
قال عثمان الخياط: السارق في الحضر والسفر خمسة: المحتال، وصاحب ليل وصاحب طريق، والنبّاش والخنّاق. فالمحتال إسم لمن لا يعمل إلا بحيلة ولا يقتل فهو لا يعرف بالصبر والنجدة، واللصوص يبهرجونهم ولا يستصحبونهم.
وأما صاحب الليل فالنقّاب والمتسلّق والمكابر وأشباه ذلك. والنبّاش معروف وأما الخنّاق فما منهم واحد إلا وهو صاحب بعج ورضخ. والرضخ إنما يكون في الأسفار ويصحب الرجل المنفرد من الرفقة ومعه حجران أملسان ملمومان قدر ملء الكف فإن قدر عليه ساجدا أو نائما وإلا فقائما فيعمد إلى صماخه ولا يخطئ وأكثرهم لا يرضى إلا بالقتل مخافة المطالبة.
وتعيّن «2» ناس منهم شيخا معه مال وكان لا ينزل إلا بين القوم، فلما أعياهم أمره وكادوا يبلغون المنزل وخافوا الفوت وجدوا تشاغلا من القوم فألقى أحدهم الوتر في عنقه وغطاه بثوبه وأذن في أذنه فأخذ المخنوق يخور فاجتمع القوم، فقالوا: ما لكم والرجل خلّوا عنه. فقالوا: سلوا ربكم العافية وتباعدوا عنه فإنه إذا أفاق ورآكم استحيا فلّما رأوه قد برد قالوا: دعوه قد نام وفي النوم راحته ولما تفرق القوم أخذوا المال وتركوه.
ومن الخنّاقين من يحمل الرجل إلى داره بحيلته فإذا ألقى الوتر في عنقه ضرب أصحابه الطبل والصنج وتصايحوا كما يفعل النساء في البيوت ليخفى صوته.
عونة «3» اللصوص
العين والمؤتى والشاغل والطراز. فالعين الذي يلزم الصيارف يتأمل كل مال محمول يأتي السفن فيتعرف موضع الحرز، ويأتي دار قوم يتطلب أنه يتوضأ فيتعرّف خزائنهم، والموضع الذي يقصدون منه.
والمؤتي الذي يتولي البيع والابتياع لهم ويجعل عند ذلك كأنه أمير قرية أو زعيم محلّة.
والشاغل هو الذي يشغل القوم عن اللص. والطراز إذا ظفروا به يجيء اللص فيضربه ما لا يضربه السلطان. ويقول هذا والله صاحبي هو الذي ذهب بمالي ويضربه ويحتال بذلك حتى يتشاغل عنه القوم فإذا تشاغلوا عنه أفلته وتأسّف مع القوم.
(2/208)

المتبجّح بالتصعلك والمتشوّق إليه
قال عروة بن الورد:
أقيموا بني لبنى صدور مطيّكم ... فإنّ منايا القوم شرّ من الهزل
لعل انطلاقي في البلاد وبغيتي ... وشدّي حيازيم المطيّة بالرحل «1»
سيدفعني يوما إلى رب هجمة ... يدافع عنها بالعقوق وبالبخل
وقال آخر:
وإني لأستحي من الله أن أرى ... أطوف بحبل ليس فيه بعير
واسأل ذيّاك البخيل بعيره ... وبعران ربّي في البلاد كثير
وقال بعض اللصوص:
وكم بيت دخلت بغير إذن ... وكم مال أكلت بغير حلّ
وقال آخر:
وعيّابة للجود لم تدر أنّني ... بإنهاب مال الباخلين موكل
غدوت على ما احتازه فحويته ... وغادرته ذا حيرة يتململ
وقيل لأعرابي أتسرق بالنهار فقال:
معاذ الله من سرق بليل ... ولكنّي أجاهر بالنّهار
وقال بعض الخراب، والخارب سارق الإبل خاصة:
أيذهب بارح الجوزاء عنّي ... ولم أذعر هوامل بالستار
وإنما قال ذلك لأن البارح يعفي الأثر فيأمن أن يقتصّ أثره فيؤخذ، ولبعض لصوص التمر:
ألا يا جارنا باباض إنا ... وجدنا الريح خيرا منك جارا
يخبرنا إذا هبّت علينا ... وتملأ وجه ناظركم غبارا
تحسين التلصّص والتبجّح به
قال عثمان الخيّاط: لم تزل الأمم يسبي بعضهم بعضا ويسمون ذلك غزوا وما يأخذونه غنيمة وذلك من أطيب الكسب وأنتم في أخذ مال الغدر والفجرة أغدر فسمّوا أنفسكم غزاة كما سمّى الخوارج أنفسهم سراة وأنشد:
سأبغي الفتى إما جليس خليفة ... يقوم سواء أو مخيف سبيل
(2/209)

وأسرق مال الله من كلّ فاجر ... وذي بطنة للطيّبات أكول
وقالوا: اللص أحسن حالا من الحاكم المرتشي، والقاضي الذي يأكل أموال اليتامى.
التجسير على التلصص
قال عثمان الخياط: جسّروا «1» صبيانكم على المحارجات «2» وعلّموهم الثقافة وأحضروهم ضرب الأمراء أصحاب الجرائم لئلا يجزعوا إذا ابتلوا بذلك وخذوهم برواية الأشعار من الفرسان وحدّثوهم بمناقب الفتيان وحال أهل السجون، وإياكم والنبيذ فإنها تورث الكظة «3» وتحدث الثقل وتدعو إلى البول والنوم ولا سيما بالليل ولا بد لصاحب هذه الصناعة من جراءة وحركة وفطنة وطمع، وينبغي أن يخالط أهل الصلاح ولا يتزيّا بغير زيّه.
إستعمال الظرف في التلصّص
حكي عن عثمان الخياط أنه إنما سمّي خياطا لأنه نقب على أحذق الناس وأبعدهم في صناعة التلصّص، وأخذ ما في بيته وخرج وسدّ النقب كأنه خاطه. فسمّي بذلك.
وحكي أنه قال: ما سرقت جارا وإن كان عدوا، ولا كريما، ولا كافأت غادرا بغدره.
وقال لأصحابه إضمنوا إليّ ثلاثا أضمن لكم السلامة. لا تسرقوا الجيران، واتقوا الحرم ولا تكونوا أكثر من شريك مناصف، وإن كنتم أولى بما في أيديهم لكذبهم وغشّهم وتركهم إخراج الزكاة وجحودهم الودائع.
وخرج سليمان وكان من أجلد هذه العصابة ليلة بأصحابه إلى دار بعض الصيارفة فاختفوا فلما أرادوا الإنصراف، قال بعض أصحابه: دعنا نقم على مفارق الطرق لنأخذ من بعض المارّة نفقة يومنا. فقال: على أن لا تبطشوا بهم فقالوا: وهل يفعل ذلك إلا الجبان.
فبينما هم كذلك إذ مرّ شاب ذو هيئة فلما قرب سلّم عليهم فردّ عليهم بعضهم السلام فقام إليه بعضهم فقال رئيسم دعه فإنّه سلّم ليسلم، وأجابه بعضكم فصار له ذمّة بذلك. قالوا:
فنخلي سبيله. قال: أخاف عليه غيركم ليذهب مع ثلاثة يوصلونه إلى منزله ففعلوا. فلما بلغ دفع لهم مالا وقال لأحوطنكم بمالي وجاهي لما عاملتموني به. فلما عادوا بالدراهم، قال رئيسهم: هذا أقبح من الأول تأخذون مالا على قضاء الذمام والوفاء بالعهد لا أبرح أو تردّوا إليه المال، فقالوا: قد افتضحنا بالصبح فقال لئن نفتضح بالصبح خير من تضييع الذمام، وقال ما خنت ولا كذبت منذ تفتّيت «4» .
(2/210)

المتبجّح منهم بالصبر على الضرب
قال أبو معن الزنجي: وكان النظّام يقول لو ادعى النبوّة وأن معجزته الصبر على الضرب بالسياط لأدخل عليهم به شبهة عظيمة.
وقال عثمان الخياط: ضربته يوما بشمراخ «1» رطب فالتوى إلتواء الحية وكاد يواثبني.
فقلت: أهذا صبرك؟ فقال: إنك لم تتعمد أحسبت أن صبري على السياط طبيعة إنما هو الكظم والصبر على قدر النظارة ألا ترى أنه قيل: أصبر الناس من ضرب في السجن خمسين سوطا لأنه إذا لم يكن من يمدحه تألم وإذا كان بين الناس بحيث يرونه فهو العزم والمروءة والقيام بالفتوّة.
وقال بعضهم ضربت بالمدينة ثلاثين حدا على ثلاثين سكرا فما قلت: حس، وإن أحدكم ليتألّم من دون حد.
قيل لبعضهم: من أصبر من رأيت؟ قال: عرفت صبر الهند على النيران وصبر الأعراب على مدّ الأعناق لسيوف السلطان وصبر السند على قطع الآذان وجدع الأنوف ولم أر أصبر من الفتيان تحت الضرب والثاني ربما يزهق في ألف درهم وعنده عشرة آلاف فيضرب سوطا أو سوطين فيخرج عن أهله وعشيرته.
فعل الطرّارين
«2» أتى بعضهم بزازا «3» في غدوة وهو فارس مع غلام فقال: إئتني بجراب بلخيّ وجراب مرويّ وعجل وخذ الثمن فأخرج ذلك وساومه وأطمع التاجر. وقال: ائتني بآخر فلما دخل الحانوت قال: ما أضيع متاعكم وأنتم تسخرون بالناس لو أن إنسانا أخذ متاعك هذا وقفل الباب هكذا ما كنت تفعل. فحرك التاجر الباب يظن أنه يلعب فإذا هو قد مرّ إلى الساعة.
ودخل آخر على قوم فقال أحدهم: ما في الدنيا أعجب من فلان ترمي بخاتمك في الهواء فإن شئت أتاك به وإن شئت بغيره. فقال أنا أريكم ما هو أعجب من هذا. هاتوا خواتيمكم فأخذها كلّها فجعلها في أصابعه وجعل يمشي القهقرى ويصفر، وينظر إلى عين الشمس حتى غاب عن أعينهم فطلبوه فلم يجدوه. فقالوا: هذا والله أعجب.
وصلّى بعضهم مع قوم فلما سجدوا تناول نعلا كأنه يريد أن يقتل عقربا فضرب بها ثم الآخر بيساره كأنّه يريد أن يتناولها فيرمي بها ويعود إلى الصلاة فمرّ بالنعل.
واكترت امرأة دارا ثم أظهرت أنها تريد تجصيصها لأنها تريد أن تزوج فيها ابنها، فأكترت أجراء وأخذت من الجيران آلات وجمعت متاع الاجراء والآلات في بيت ثم ذهبت.
(2/211)

وقال بعضهم: دخلت مسجدا مع صاحب لي فنام صاحبي ووضع عنده عمامته فإذا أنا برجل قد دخل فأخذ العمامة وجعل يضحك في وجهي وهو واضع سبّابته على فمه كأنه يقول: أسكت وجعل يتراجع القهقرى وأرى أنه يلاعبنا فمرّ فانتبه صاحبي. فقلت: كان كذا، فطلبناه فلم نجده.
المفتخر بصعود المراقب
قال ربيعة بن مقروم:
قال ربيعة بن مقروم:
ومزبأة أوفيت جنح أصيله ... عليها كما أومى القطامي مرقبا «1»
ربيبة جيش أو ربيبة مقنب ... إذا لم يقد وغد من القوم مقنبا «2»
قال أبو نواس:
ربّ فتيان ربأتهم ... مسقط العيّوق من سحره «3»
فاتّقوا بي ما يريبهم ... إنّ تقوى الشرّ من حذره
نوادر لمن سرق له شيء
سرق لرجل درهم فقيل له: إنه في ميزانك، فقال: قد سرق مع الميزان. وسرق لآخر خرج، فقيل له لو قرأت عليه آية الكرسي لم يسرق، فقال: إنه كان فيه مصحف تام وسرق لبعضهم بغل فقال أحد أصحابه: الذنب لك في إهماله. وقال بعضهم: الذنب للسايس، فقال هو: يا قوم واللص ماله ذنب.
وسئل بعضهم إلى أين؟ فقال: إلى الكناسة لأشتري حمارا. فقال له رجل: قل إن شاء الله، فقال: وما وجه الاستثناء الدراهم في كمّي والحمير في الكناسة فلما ذهب سرقت منه الدراهم، فعاد فقيل له: ما الذي فعلت؟ قال: سرقت الدراهم إن شاء الله.
وطرق لص عجوزا فلما دخل خباءها وأحسّت به قالت رافعة صوتها: يا نفس لو تزوجت زوجا فأولدك ثلاث بنين فسميت أحدهم عمرا والآخر بكرا والآخر صقرا، يا نفس ما أصنع بهم؟ وأخشى أن يموتوا فأندبهم فأقول واعمراه وابكراه واصقراه ورفعت صوتها وكان لها جيران يسمّون بهذه الأسماء فجاؤها، فقالت: دونكم اللص.
وسرق بعضهم حمارا وذهب ليبيعه فسرق منه، فقيل بكم بعته؟ فقال: برأس المال.
ودفع بعضهم- وكان قفّافا- دراهم إلى بعض الصيارف فقفّ منه الصيرفي شيئا، فقال:
عجبت عجيبة من ذئب سوء ... أصاب فريسة من ليث غاب
وإن أخدع فقد يخدع ويؤخذ ... عناق الطير من جوّ السحاب
(2/212)

فقفّ بكفّه سبعين منها ... من البيض المنقشة الصلاب
حدّ السرقة
قال الله تبارك وتعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
«1» وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم:
يقطع السارق في ربع دينار. وروي لا قطع إلّا في عشرة وقال أيضا لا قطع في ثمر ولا كثر «2» . وروى جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: ليس على المختلس والمنتهب والخائن.
وأتى صفوان حضرة النبي صلّى الله عليه وسلّم برجل قد سرق رداءه فأمر بقطعه قال صفوان أتقطعه في ردائي؟ قال: نعم. قال: قد تصدقت به عليه. قال: هلا قبل أن تأتيني به.
وأتى معاوية رضي الله عنه بسارق فأمر بقطعه فجاءته أمه وسألته أن يعفو عنه فقالت:
هو واحدي وكاسبي فقال إنّه حدّ من حدود الله تعالى لا نقدر على إبطاله. فقالت: اجعله بعض ذنوبك التي تستغفر الله منها فأمر بتخليته.
ردّ ذاعر بحيلة
أقبل واصل في رفقة فأحسوا بخوارج، فقال لأصحابه: دعوهم لي. فخرج إليهم فقالوا له: ما أنتم؟ قال: مشركون مستجيرون بكم يا قوم. قالوا: قد أجرناكم. فقالوا:
علّمونا فعلّموهم الأحكام. فقال: إن الله تعالى يقول: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ
«3» فأبلغونا مأمنا. فقالوا: هذا لكم فساروا معهم حتى أبلغوهم. وكان الخوارج حين دخلوا الكوفة فانتهوا إلى أبي حنيفة رضي الله عنه فانتضوا سيوفهم، فقالوا: يا عدوّ الله ما أحد منا إلّا وقتلك عنده أحب إليه من عبادة سبعين سنة قد جئناك بمسألتين إن أجبت عنهما وإلا أرقنا دمك. فقال: أنصفوني اغمدوا السيوف فإن بريقها يهولني، فأبوا. فقال: تكلموا. فقالوا: جنازتان على باب المسجد إحداهما جنازة شارب خمر شربها فمات فيها غرقا، والأخرى جنازة زانية حبلت وشربت دواء فقتلت جنينها وماتت. فقال: أمن النصارى كانا أم من اليهود؟ قالوا: لا. قال: فمن أي الملل كانا؟ قالوا: ممّن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. قال: فما يشهدان به أمن الكفر أم من الإيمان؟ قالوا: من الإيمان. قال: أقول كما قال نوح عليه السلام في قوم كانوا أعظم جرما منهم، وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربّي. أو ما قال إبراهيم: فمن تبعني فإنه منّي ومن عصاني فإنك غفور رحيم أو ما- قال عيسى: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم.
وأقول ما قال نبينا صلّى الله عليه وسلّم ولا أعلم الغيب ولا أقول أني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم أني إذا لمن الظالمين. فألقى القوم
(2/213)

أسلحتهم وقالوا: تبرّأنا مما كنا عليه.
ولقي خارجي شيطان الطاق فقال له: ما تقول في علي وعثمان؟ فقال: أنا من علي ومن عثمان بريء يعني أن عليا بريء من عثمان، وكان شيعيا.
من تخلّص بسخف أو رقاعة
خرج داود المصاب وكان معه دراهم فتبعه قوم فصاحوا به: ألق ما معك يا مجنون فقال نعم فجلس وخرىء وقال ما معي وحياتكم غير هذا. وأخذ لصوص قوما في طريق فقالوا أنتم بعلتم الدنانير فاجلسوا وأخرؤا فأعجز أحدهم الخراء فرأى سرقينا «1» يابسا فجلس عليه فقالوا له أنت تخرأ سرقينا فقال الغريب مسكين أيش يمكنه أن يخرأ الأمثل هذا فضحكوا وخلوا سبيله.
ومما يدخل في الفصل قول جرير بن عبد الحميد: سرقت من شيخ أوزة فشكا ذلك إلى سليمان بن داود عليهما السلام فخطب الناس فقال ما بال أحدكم يسرق أوزة جاره وريشها على رأسه فمد رجل يده إلى رأسه كأنه يمسحه فدعاه وقال له: أدّ أوزّة صاحبك.
(8) وممّا جاء في الحبس والقيد والضرب وغيرها
السجن وضيقه والتشديد فيه
كتب بعضهم على باب السجن هذه قبور الاحياء وتجربة الأصدقاء وشماتة الأعداء.
وكتب تحته ما يدخل أحدهم السجن إلا إذا قيل لهم فيم حبستم لقالوا مظلومين. وأمر بحبس ابن أبي علقمة في دعوى، فقال: دعني آتي البيت لحاجة فلم يترك. فتمثّل بقول الله تعالى فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون. فدخل السجن فقال: ما سلككم في سقر؟ قالوا: لم نك من المصلين. فالتفت فرأى المهلب فقال من فعل هذا بآلهتنا؟
ودخل أعرابي إلى السجن فوجد على بابه تنزّ وتليّن فقال:
ولما دخلت السجن كبّر أهله ... وقالوا أبو ليلى الغداة حزين
وفي الباب مكتوب على صفحاته ... بأنّك تنزو وثمّ سوف تلين
وقال شاعر:
وبتّ بأخصنها منزلا ... ثقيلا على عنق السالك
ولست بصيف ولا في كراء ... ولا مستعير ولا مالك
(2/214)

وقال في السجن:
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... ولسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
إذا طلع السجّان وقتا لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
وسمع السجّان محبوسا يقول: اللهم إحفظني. فقال: قل اللهمّ ضيّعني فإن حفظه لك أن يبقيك فيه.
من شدّد عليه من المحبسين
خرج الحجاج يوما إلى الجامع فسمع ضجة عظيمة فقال: ما هذا؟ قالوا: أهل السجن يضجّون من الحر فقال: قولوا لهم إخسئوا فيها ولا تكلّموا. وأحصي من قتلهم الحجاج سوى من قتل في بعوثه وعساكره فوجد مائة وعشرين ألفا وجد في حبسه مائة ألف وأربعة عشر ألف رجل وعشرون ألف امرأة، منهنّ عشرة آلاف امرأة مخدرة.
وكان حبس الرجال والنساء في مكان واحد ولم يكن في حبسه سقف ولا ظلّ وربما كان الرجل يستتر بيده من الشمس فيرميه الحرس بالحجر وكان أكثرهم مقرنين في السلاسل. وكانوا يسقون الزعاف ويطعمون الشعير المخلوط بالرماد.
ولبّى رجل في الحبس في زمن المأمون فرفع إليه خبره، فوقّع أظن هذا قصد خلاف نيته وأظهر ضد عزيمته وقد أخطأت إسته الحفرة، وإذا حرم الحج بسوء تدبيره فلن يقدم فتوى صادقة من فريضة محكمة وهو محضر، وعليه الهدى فليؤخذ بتعجيله ولا يرخص له في تأخيره.
قال يعقوب بن داود: حبسني المهدي في مكان لا أعرف فيه الليل من النهار في بئر واسعة وفيها بئر أخرى أتغوط فيها وأعطى في كل يوم ماء وخبزا حتى عفا شعري وصار أطول من شعر البهائم حتى مضت إحدى عشرة سنة فأتاني آت في منامي فقال جنى على يوسف رب فأخرجه من قعر جبّ فحمدت الله فأتى على ذلك سنة ثم أتاني ذلك الآتي، فقال:
عسى فرج يأتي به الله إنّه ... له كلّ يوم في خليقته أمر
ثم مكثت حولا آخر فأتاني ذلك الآتي فأنشدني:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويفكّ عان ... ويأتي أهله النّائي الغريب
فلما أصبحت دلى لي مرس فشددت به وسطي فخرجت ما أبصر أحدا فقلت: السلام على أمير المؤمنين قيل ومن أمير المؤمنين؟ قلت: المهدي. قالوا: رحم الله المهدي.
قلت: الهادي قالوا: رحم الله الهادي. قلت: فمن؟ قالوا الرشيد قلت السلام على أمير المؤمنين الرشيد فقال وعليك السلام وأمر لي بخمسمائة ألف وردّ علي ضياعي. فعولجت حتى عاد ضوء عيني فاستأذنته في الحج فأذن لي فمضى إلى الحج ومكث حتى توفي.
(2/215)

تصبّر المحبوس وانتظاره الفرج
لما حبس يحيى وقيّد قال:
وإنّي من القوم الذين يزيدهم ... علوّا وفخرا شدة الحدثان
فقيل: في هذا الوقت تقول هذا؟ فقال: من مات قبل أجله حتى أكونه؟
وكتب رجل من السجن إلى الرشيد: ما مرّ يوم من نعيمك إلا ومرّ يوم من بؤسي والأمر قريب والسلام. وأن خلاخيل الرجال قيودها.
قال عوام بن حوشب صبّحنا إبراهيم التميمي إلى سجن الحجاج فقلنا: ما حاجتك؟ فقال: حاجتي أن تذكروني إلى الربّ الذي فوق الربّ الذي أمر يوسف أن يذكر عنده.
ولما حبس المأمون إبراهيم بن المهدي في يد أحمد بن أبي خالد، أخذ في الصلاة والعبادة فدخل عليه أحمد فقال: أمجنون تريد أن يقول المأمون هو يتصنع للناس فيقتلك؟
فقال: فما الرأي؟ قال: أن تشرب وتطرب وتحضر القيان. فأخذ في ذلك ثم دخل أحمد على المأمون فقال له: ما خبر النادر؟ قال أصون سمع أمير المؤمنين أن أخبره بما هو فيه فقال ما هو؟ قال: مكب على الشرب والجواري وتعاطي الجسارة. فقال: والله لقد شوقتني إليه فكان ذلك سببا لرضاه عنه. وقال علي بن الجهم:
قالوا حبست فقلت ليس بضائري ... حبسي وأيّ مهنّد لا يغمد «1»
أو ما رأيت الليث يألف غيله ... كبرا وأوباش السباع تردد «2»
والبدر يدركه السّرار فينجلي ... أيامه وكأنّه متجدّد
ولكلّ حال معقب ولربّما ... أجلى لك المكروه عمّا يحمد
والحبس ما لم تغشه لدنيئة ... شنعاء نعم المنزل المتودّد
بيت يجدد للكريم كرامة ... ويزار فيه ولا يزور ويحمد
قال أبو فراس:
ولله عندي في الإسار وغيره ... مواهب لم يخصص بها أحد قبلي
فقل لبني عمّي وأبلغ بني أبي ... بأنّي في نعماء يشكرها مثلي
وما شاء ربّي غير نشر محاسني ... وأن يعرفوا ما قد عرفت من الفضل
وقال أعرابي حبس:
ولا تحسبا حبس اليمامة دائما ... كما لم يدم عيش بحزن أبان
(2/216)

وقال المكبّل الهزلي:
ويمرّ في العرقات من لم يقتل «1» وقال أبو تمام:
وللحديد سخاب في مقلّده ... وفي مخلد ساقبه خلاخيل
وقيل: فلان راكب أدهم يرسف فيه إذا قيد.
الشماتة بمقيّد
قال المعدل:
وقد سرّني أن بات في الكبل راسفا ... تغنيه في داجي الظّلام صلاصله
فإن يظفر الإسلام منه بثأره ... فقدما إلى الإسلام دبّت غوائله
معرفة أهل السجون بالأخبار
حكي أن يوسف عليه السلام دعا لأهل السجون، فقال: اللهم اعطف عليهم قلوب الأخيار ولا تخف عليهم الأخبار، فببركته عليه السلام هم أعلم الناس بكل خير في كل بلد.
الهارب من السجن
كان الكميت في سجن بني أمية فلما هرب قال:
خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل ... على الرغم من تلك النوائح والمسلي
على ثياب الغانيات وتحتها ... عزيمة رأي أشبهت سكة النّصل
قال الفرزدق في ابن هبيرة حين نقب سجن خالد بن عبد الله:
ولما رأيت الأرض قد سدّ ظهرها ... ولم تر إلا بطنها لك مخرجا
دعوت الذي ناداه يونس بعد ما ... نوى في ثلاث مظلمات ففرّجا
خرجت ولم تمنن عليك شفاعة ... سوى ربد التقريب من آل أعوجا «2»
استطلاق أسير أو محبوس والرغبة في الحبس
قال الحطيئة لما حبسه عمر رضي الله عنه في سبب الزبرقان وهجائه إياه:
ماذا تقول لأفراخ بذي طلح ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر «3»
حبست كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
وقال الحارثيّ:
أفكك أسيرك والتمس بفكاكه ... حسن الجزاء بصالح الأعمال
(2/217)

وقال الصّابي في المطهر لما قيّد وحبس:
لساني في نشر المدائح مطلق ... وساقي في قبر المحابس موثق
وحلمك يأبى الجمع ما بين ذا وذا ... فحتّى متى بين الفريقين أفرق
وأتى المنصور برجل جان فأمر بقتله فقال: إن الله أعظم سلطانا منك وعاقب بالخلود لا بالفناء، فأمر بحبسه.
كتب أبو ثوابة إلى قوقارة يقول: ما رأيك أبقاك الله في المصير إلى الحبس موفق إن شاء الله فكتب قوقارة تحته لا رأي لي في ذلك.
تهنئة مطلق من الحبس
قال البحتري:
وما هذه الأيام إلا مراحل ... فمن منزل رحب إلى منزل ضنك
وقد هذّبتك النائبات وإنّما ... صفا الذهب الأبريز قبلك بالسبك
أما لك في الصّديق يوسف إسوة ... لمثلك محبوس على الظلم والإفك
أقام جميل الصبر في السجن برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك
المصلوب
مرت امرأة بجعفر بن يحيى وقد صلب. فقالت: لئن صرت اليوم راية لقد كنت بالأمس غاية. وقيل لأعرابي إنّ الخليفة صلب فلانا فقال: من طلق الدنيا فالآخرة صاحبته ومن فارق الخز فالجذع راحلته. قال أبو تمام:
بكّروا وأسروا في متون ضوامر ... قيّدت لهم من مربط النجار
سود الثياب كأنّما نسجت لهم ... أيدي السموم مدارعا من قار «1»
لا يبرحون ومن رآهم خالهم ... أبدا على سفر من الأسفار
وقال ابن سلكة:
كأنّه شلو شاة والهواء له ... تنّور شاوية والجذع سفّود
وقال آخر:
يظلّ في منزل أناف به ... مستضحكا لا يطيق ضمّ فمه
تنتابه الطير والنسور وما ... يبخل عنها بلحمه ودمه
عوفي من ضمّة الضريح ومن ... ثقل الثّرى والثواء في رحمه
(2/218)

وقال أعرابي وقد صلب صاحب له:
من مبلغ الحسناء أن خليلها ... بأرض الأعادي فوق إحدى الرواحل
على ناقة لم يضرب الفحل أمّها ... مشذبة أطرافها بالمناجل
وقال الأخيطل:
كأنّه عاشق قد مدّ بسطته ... يوم الفراق إلى توديع مرتحل
أو قائم من نعاس فيه لوثته ... مداوم لتمطّيه من الكسل
قال أبو تمام:
سام كأن العزّ يجذب ضبعه ... وسموّه من ذلّة وسفال
قال مسلم:
جعلته حيث ترتاب الظنون به ... وتحسد الطير فيه أضبع البيد
تعدو السباع فترميه بأعينها ... يستنشق الجو أنفاسا بتصعيد
قالت جارية محمود الورّاق وقد أكثرت في وصف ذلك في بابك:
على مركب خشن ظهره ... طويل الوقوف بطيء المسير
تظلّ الذئاب وعرج الضباب ... بعقوته حسدا للطيور
فأسفله مأتم للسباع ... وذروته عرس للنسور
المضروب بالسياط
قال الفرزدق:
لعمري لقد صبّت على ظهر خالد ... شآبيب ما استهللن من سبل القطر
وقال آخر:
كأنّما جلده والسوط يأخذه ... قطن تطاير عن قضبان ندّاف
قال الببغا في لصّ جعل على رأسه برنس فطوق به:
وبدّل من تاج العمامة برنسا ... يبالغ في تقويمه وهو مائل
أمال به طولا سوى الجسم وهو من ... زيادته في طوله متضائل
(2/219)

الحدّ الخامس عشر في التزويج والأزواج والطلاق والعفة والتديّث
(1) ممّا جاء في النكاح والطلاق وأحوال الأزواج وسياستهن
حثّ الرجل على التزوّج
قال الله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
«1» . وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما مطلاقا مذواقا، فقيل له في ذلك فقال: إن الله تعالى علق بهما الغنى فقال وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله. وقال: وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته فأنا أتزوج للغنى وأطلق للغنى.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لرجل: ألك زوج؟ قال: لا، قال: وأنت صحيح سليم؟ قال: نعم.
قال: إنك إذا من إخوان الشياطين إن شراركم عزّابكم وإن أراذل موتاكم عزّابكم. إن المتزوجين هم المبرأون من الخنا والذي نفسي بيده ما للشيطان سلاح في الصالحين من الرجال والنساء أبلغ من ترك النكاح.
قال شاعر وأجاد:
إذا لم يكن في منزل المرء حرّة ... تدبّره ضاعت مصالح داره
وفي رواية
رأى ضيعة فيما تولى الولائد
الحثّ على التزوج أيام الشباب
مر ملك من ملوك العجم بشيخ يعمل في أرض فقال له: أيها الشيخ هلا أدلجت فيكون من ذلك ما يكفيك؟ فقال: أدلجت ولكن القضاء لم يدلج فقال: أكتم كلامنا هذا حتى تراني ثم انصرف الملك فأحضر وزيره وقال: ما معنى كلام الشيخ؟، قيل له كذا فأجاب بذا وقد أنظرتك حولا. فجعل الوزير يسأل الناس ولا يجيبه أحد حتى وقع بالشيخ فسأله فقال له: إن الملك استكتمني الأمر حتى أراه فبذل له عشرة آلاف درهم فقال: إنه
(2/220)

قال لي لم لا تزوجت أيام الشباب؟ فقلت له: قد تزوّجت ولكن لم يأتني أولاد. فجاء الوزير فأخبر الملك فقال له: عليّ بالشيخ فدعاه فلما حضر قال له: ألم أقل لك أكتم أمرنا حتى تراني، قال: قد رأيتك عشرة آلاف مرة، فعلم أنّ الوزير دفع إليه عشرة آلاف درهم وأنه رأى اسمه مكتوبا على كل درهم منها وصورته، فقال: زه ودفع إليه أربعة آلاف درهم أخرى وقال:
إنّ بني صبية صيفيّون ... أفلح من كان له ربيعيّون
الألفة بين الزوجين
قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً
«1» . وقال رجل للنبي صلّى الله عليه وسلّم: يتزوّج الرجل المرأة الغريبة فتقع بينهما الإلفة، فتلا قوله تعالى: وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً
«2» وقال تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ
«3» فبدأ بهنّ لقربهنّ من القلوب.
الرغبة عن التزوّج
استشار رجل الشعبي في التزوج فقال: إن صبرت عن الباه فاتق الله، ولا تتزوج. فإن لم تصبر، فاتق الله وتزوج. وقيل: لمالك بن دينار لو تزوجت، فقال: إني طلقت الدنيا ثلاثا فلا رجعة لي فيها. وقيل: ما فكر فيلسوف إلا ورأى العزبة أجمع لهمه وأجود لخاطره.
وسئل حكيم عن التزويج فقال: بقل شهر وشوك دهر. وقال آخر: مكابدة العزبة أيسر من الاحتيال لمصالح العيال. وقال أعرابي وقد عرضت عليه دلالة امرأة:
أقول لها لمّا أتتني تدلّني ... على امرأة موصوفة بجمال
أصبت لها والله زوجا كما اشتهت ... إن اغتفرت منه ثلاث خصال
فمنهنّ شخص لا ينادي وليدة ... ورقة إسلام وقلّة مال
فإن رضيت هذي الخصال فشأنها ... وإن تكن الأخرى فلست أبالي
وقال رجل لآخر: كنا في أملاك فلان فقال: لا تقل في أملاكه ولكن في أهلاكه ثم أنشد:
يقولون تزويج وأعلم أنّه ... هو الرقّ إلا أنّ من شاء يكذب
التزوج بأكثر من واحدة
(2/221)

قال المغيرة بن شعبة: صاحب المرأة الواحدة إن مرضت مرض وإن حاضت «1» حاض. وصاحب الثنتين بين جمرتين أيتهما أدركته أحرقته. وصاحب الثلاث في رستاق يبيت كل ليلة في قرية. وصاحب الأربع عروس في كل ليلة. وروي أنه قال: أحصنت مائة امرأة وقيل: إن الحسن بن علي رضي الله عنهما تزوّج خمسا وتسعين امرأة.
وقال أعرابي لآخر: لا تتزوج بأربعة فكل تأخذك بحمتها وأنت كال ولا بثلاث فإنهنّ كالأثافي تصير بينهن كالقدر، فيكوينك. ولا باثنتين فإنهما يكونان كجمرتين. ولا واحدة فإنك تمرض إذا مرضت، وتحيض إذا حاضت. وتلد إذا ولدت. فقال له: قد نهيت عن كل ما أمر الله به فما الذي أصنع؟ قال: كوزان وطمران وعبادة الرحمن. وخرجت جارية من دار الرشيد معها مروحة مكتوب عليها الحر إلى أيرين أحوج من الأير إلى حرين.
الحثّ على اختيار ذوات الأحساب والأنساب والترغيب عن لئام ذوات المال
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: احتفظوا لنطفكم فإن العرق نزّاع. وقال: إياكم وخضراء الدّمن- أي المرأة الحسنة في المنبت السوء- وقال: أكثم لا يفلتنكم جمال النساء عن صراحة النسب فإن المناكح الكريمة مدرجة الشرف. وقال عثمان بن أبي العاص لأولاده: المناكح مغترس فلينظر المرء حيث يضع غرسه فإن عرق السوء يعدي ولو كان يعد حين، قال شاعر:
لا تنكحنّ لئيمة لمعيشة ... تبقى اللئيمة والمعيشة تذهب
إختيار ذوات الدين والعفة
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: تنكح المرأة لدينها ولمالها وحسبها وحسنها، فعليك بذات الدين تربت يداك. وقال: خير النساء التي إذا أعطيت شكرت وإذا حرمت صبرت. تسرك إذا نظرت وتطيعك إذا أمرت.
وقال محمد بن علي: اللهم أرزقني امرأة تسرّني إذا نظرت، وتطيعني إذا أمرت، وتحفظني إذا غبت. وقال خالد بن صفوان. إنما الدنيا متاع وليس من متاعها أفضل من زوجة صالحة.
وقال علي رضي الله عنه خير النساء العفيفة في فرجها المغتلمة لزوجها. وقيل لعائشة رضي الله عنها: أي النساء أفضل؟ فقالت: التي لا تعرف عيب المقال ولا تهتدي لمكر الرجال فارغة القلب إلا من الزينة لبعلها والإبقاء في الصيانة على أهلها. وقيل: إياك والحمقاء فنكاحها قدر وولدها ضائع.
إختيار الحسان والنهي عن القباح
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: إنما النساء لعب فمن اتخذ لعبة فليستحسنها. وقال: أعظم النساء بركة أحسنهن وجوها وأرخصهنّ. مهورا وجاءت امرأة إلى الحسن وقالت: يا أبا الحسن أتفتي
(2/222)

الرجال أن يتزوجنّ على النساء، قال: نعم، فقالت: أعلى مثلي؟ وكشفت قناعها عن وجه كالقمر، فقال الحسن لما ولّت: ما على رجل مثل هذه في زاوية بيته ما أقبل عليه من الدنيا وما أدبر. وقيل لرجل أي النساء أشهى؟ قال: التي تخرج من عندها كارها وترجع إليها والها. وقال: إياك وكل ذكرة مذكرة شوهاء فوهاء تبطل الحق بالبكاء لا تأكل من قلّة ولا تعذر من علّة.
التحذير من الحسان
شاور رجل حكيما في التزوج فقال له: إيّاك والجمال.
فلن تصادف مرعى ممرّعا أبدا ... إلا وجدت به آثار مأكول
وقال: الجمال للرجال مطمع وأنشد:
لا تطلب الحسن إن الحسن آفته ... أن لا يزال طوال الدّهر مطلوبا
وما تصادف يوما لؤلؤا حسنا ... بين اللآلئ إلا كان مثقوبا
وقيل لحكيم تزوج بقبيحة: هلا تزوجت بحسناء؟ فقال: اخترت من الشر أقلّه.
الإستدلال عليها بذويها
قال علي بن عبيد الله: إذا أردت أن تتزوج بامرأة فانظر إلى أبيها وأخيها فإنها رابطة بطنب أحدهما، وأنشد للعجير:
إذا كنت تبغي للجهالة أيّما ... من النّاس فانظر من أبوها وخالها
فإنّهما من شكلها وهي منهما ... كما جذبت يوما بنعل مثالها
اختيارهنّ في الطول والقصر
قال الربيع بن زياد: من أراد النجابة فعليه بالطوال ومن أراد اللذّة في القصار فإنهن لذيذات النكاح. وقال الحجّاج: من تزوج قصيرة فلم يجدها على الموافقة فعلى مهرها.
ويستحسن فيه ما قال ابن عجلان:
ومخملة باللحم من دون ثوبها ... تطول القصار والطوال تطولها
الرغبة عن العجائز
قيل لرجل تزوج: كيف المرأة التي تزوجتها؟ قال: نصف. قال: شرّ نصفيها حصل في يدك ثم أنشد:
لا تنكحنّ عجوزا إن أتوك بها ... واخلع ثيابك منها ممعنا هربا
فإن أتوك وقالوا إنّها نصف ... فإن أحسن نصفيها الذي ذهبا
وقال حكيم: إن خير نصفي الرجل آخرهما يذهب جهله ويثوب حلمه ويجتمع رأيه، وشر نصفي المرأة آخرهما يسوء خلقها ويحدّ لسانها ويعقم رحمها. وقال: لا تأكل
(2/223)

ولا تركب ولا تنك إلا فتيا. وقيل: مضاجعة العجوز يخلف منها موت الفجأة.
قال شاعر:
ولا تنكحنّ الدّهر ما دمت أيّما ... مجربة قد ملّ منها وملّت
وقال لبعض من فضّل العجائز: إن اختيار الكبيرة على الصغيرة لعدم اللبّ واسترخاء الزب ورين على القلب والتماس سهولة العلاج للعجز عن الإيلاج فقال: كلا العجوز أقنع باليسير وأصبر على تقلب الدهور وأقل مشاغبة ومجاذبة، تؤثر التذلل وتجتنب التدلل، تصبر على الإقلال وتؤمن من ولادتها الزيادة في العيال إن اتسع بعلها صانت ماله وإن ضاق سترت حاله. نعم قعدة الغيور ومطيّة ذي الأير العثور. لا تسبق إليها الظنون ولا تثبت معها القرون، ألوف عروف غير غروف ولا عيوف.
إختيار الأبكار والثيبات
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: عليكم بالأبكار فإنهنّ أطيب أفواها وأنتق «1» أرحاما. قال علي رضي الله عنه: إن المرأة لا تنسني أبا عذرتها.
وقال حكيم لمن استشاره: أما البكر فلك لا عليك وأما الثيب فلك وعليك وأما ذات الولد فعليك لا لك.
وقيل: إيّاك والحنّانة والمنانة والأنّانة والحدّاقة وذات الدايات فالحنّانة التي تحن إلى ولدها من غيرك والمنّانة التي تمنّ بمالها على زوجها والأنّانة التي تئن من غير وجع والحدّاقة التي تحدّق إلى كل شيء فتقول ليته لي وذات الدايات التي عندها عجوز تقول هي دايتي. وقيل إياك والرقوب الغصوب القطوب العلياء الرقياء الحنّانة والمنّانة. وقيل: إن لم تتزوج بكرا فتزوج مطلقة ولا تتزوج مميتة فإن المطلّقة تقول لها لو كان فيك خير لما طلقك زوجك والمميتة تقول لك: رحم الله فلان قد كان لي خيرا منك بكذا وقال علي بن الجهم أنشدت امرأة:
قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطيّ إليّ ما لم يركب
كم بين حبّة لؤلؤ مثقوبة ... نظمت وحبّة لؤلؤ لم تثقب
فأجابتني:
إن المطيّة لا يلذّ ركوبها ... حتى تذلّل بالزمام وتركبا
والدّر ليس بنافع أربابه ... حتّى يجمع في النّظام ويثقبا
وكانت عند الأحنف امرأة فطلقها وتزوجها ابن عم لها فكتب إلى الأحنف:
إن كنت أزمعت أمرا فأمضينّ له ... إن الغزال الذي ضيّعت مشغول
فكتب إليه الأحنف يقول:
(2/224)

إن كان مشتغلا فالله يصلحه ... فقد لهونا بأمر منه موصول
ولن تصادف مرعى مونقا أبدا ... إلا وجدت به آثار مأكول
وقيل للأحنف: فلان تزوج بالمرأة التي كانت تحتك فقال: أما أنا فقد كفيته الصيحة وسهلت عليه العورة.
إختيار أجناس النساء
قال عبد الملك: من أراد النجابة فعليه بقيّنات فارس، ومن أراد النباهة فقينات بربر ومن أراد الخدمة فبنات الروم. قال المتنبيّ في تفضيل البدويات:
أين المعير من الآرام ناظره ... أو غير ناظره في الحسن والطّيب
قال سعيد الرستمي:
فدت غازلات الشعر أبكار فارس ... وإن وكلت بي هجرها وبعادها
إذا نصّت التيجان فوق رؤوسها ... وأرسلن من تلك الرؤوس جعادها
من اللائي لم تزجر ببيداء هجمة ... ولم تتلفع بالعشي بجادها «1»
ولم أتبع سمر العراب وأدمها ... ولم أتشوف جملها وسعادها
مدح الولود وذمّ العقيم
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: سوداء ولود خير من حسناء عقيم. وقيل: مثل الحسناء العاقر كشجرة يكثر زهرها ويقل ثمرها.
وذم أعرابي امرأة فقال: ما بطنها بوالد ولا ثديها بناهد ولا فوها ببارد ولا شعرها بوارد.
وقيل لأعرابي: أي النساء أكرم؟ فقال: التي في بطنها غلام وفي حجرها غلام ولها مع الغلمان غلام.
من خطب امرأة فخدعها على الجماع
خطب معلم امرأة وابنها في مكتبه فامتنعت عليه فضرب الابن وقال له: لم لا قلت:
لأمك أير المعلم كبير؟ فعاد الصبي إليها شاكيا فوقع في قلبها وبعثت إليه أحضر شهودا وتزوج بي على بركة الله.
وقال رجل لامرأة خطبها: والله لأملأن بيتك خيرا وحرك أيرا فتزوجته كما ظنت فلم تجده كذلك، فقالت:
قد رأيناك فما أعجبتنا ... وبلوناك فلم نرض الخبر
(2/225)

وقال رجل لامرأة: هل لك في ابن عم كاس من الحسب عار من النسب يتصلصل معك في دارك ويقلبك يمينك لشمالك، يواصل ثلاثة في واحد، يدخل الحمام طرفي النهار؟ فقالت: لا يسمعنّ هذا الخبر منك أحد. وخطب رجل امرأة فقالت: لي شروط من المهر ألف دينار ومن النفقة كل يوم كذا ومن الثياب كذا فقال: نعم، ولكن لي عيوب إن احتملتها. فقالت: وما هي قال أناشره بالجماع أستكثر منه وأبطئ الفراغ وأسرع الإفاقة فقالت المرأة يا جارية إحضري أهل المحلة تشهد على بركة الله، فالرجل سارح لا يعرف الخير من الشر.
من توسل إلى خطبة امرأة بما لا ينفق
. قال أبو العيناء خطبت امرأة فلمّا رأتني استقبحتني فكتبت إليها:
ونبئتها لما رأتني تنكّرت ... وقالت دميم لا رواء ولا جسم
فإن تنفري من قبح وجهي فإنّني ... أديب أريب لا عيّ ولا فدم
فقالت: يا ماص بظر أمه لديوان الرسائل أريدك. وقال نحوي: يا خريدة قد كنت أحسبك عروبا فقالت: يا ابن الخبيثة أتجشّمني بالهمز والغريب. ونظرت امرأة زوجها وهو يجيد الطعن في الحرب فقالت: رب أفن تحت اللواء، فقالوا لها: أليس يجيد الطعن؟
فقالت: أمّا الطعن الذي ينفعني فلا.
الحثّ على تزويج الأيّم
«1» قال الله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ
«2» . وقال حكيم: عليك بتزويج حرمتك إذا جاء كفوؤها فليس بعد منعها من الإكفاء إلّا تعريضها للأدنياء ومن حظّك تنفيق أمك. وقال الأحنف: لأفعى يحترس في جوانب بيتي أحب إليّ من أيم أودعتها كفأها. ورؤي في سوق بغداد قمطر فيه صبي وعند رأسه كيس فيه مائة دينار مكتوب هذا الشقي ابن الشقية بن القدح والرطلية رحم الله من اشترى له جارية بهذه الدنانير فهذا جزاء من عضل أيّمة.
إظهار المرأة الرغبة في النكاح
كان لهمّام بن مرة بنات لا يزوجهنّ من شدّة الغيرة فاجتمعن يوما وتشاكين فقالت الصغرى: أنا لكن فقالت لأبيها:
أهمام بن مرّة حنّ قلبي ... إلى ما تحت أثواب الرّجال
فقال: تريدين سراويلا؟ فقالت:
أهمام بن مرة حن قلبي ... إلى حمراء مشرقة القذال
(2/226)

فقال تريدين ناقة؟ فقالت:
أهمّام بن مرة حنّ قلبي ... إلى أير أسدّ به مبالي
فقال: قاتلكن الله وزوّجهن.
عجوز راغبة في النكاح
مرضت عجوز فأتاها ابنها بطبيب فرآها الطبيب متزينة بأثواب مصبوغة فعرف ما بها.
فقال الطبيب: ما أحوجها إلى زوج. فقال الابن: ما أحوج العجائز للأزواج. فقالت:
ويحك الطبيب أعلم منك على كل حال.
ورغبت عجوز إلى أولادها أن يزوّجوها وكان لها سبع بنين، فقالوا: لا إلا أن تصبري على البرد متعريّة لكل واحد منا ليلة ففعلت. فلما كانت السابعة ماتت فسميت أيام العجوز. وقالت امرأة لبنيها:
أيا بني إنّني لناكحه ... وإن أبيتم إنني لجامحه
هان عليكم ما لقيت البارحه ... من الحكاك والعروق الطامحه
وقال حكيم لامرأة تعرضت له:
وضاحكة إليّ من النقاب ... تلاحظني بطرف مستراب
فما زالت تجشّمني طويلا ... وتأخذ في أحاديث التّصابي
فقلت لها حللت بشرّ واد ... كريه المجتني قحط الجناب
متى تشفى العجوز إذا استناكت ... بأير لا يقوم على الشّباب
إحتيال المرأة في التزوّج من رجل
كان لرجل ابنة ولها ابن عم مشغوف بها، وهو يرجو أن يتزوج بها. فجاءه رجل فأرغبه في الصداق فقالت الجارية لأمها. ما أحسب أبي يربي ابن أخيه صغيرا ويقطعه كبيرا. فقالت: كان ذلك قدرا مقدورا. فقالت الجارية: أنا حبلى من ابن عمّي فقالت أمها:
ما تقولين؟ ويحك، فقالت: أتكذب الحرة على نفسها. فأخبرت أباها فزوجها من ابن عمها فلما وقع العقد قالت الجارية: برئت من الإسلام إن رأى وجهي إلى سنة ليعلم أني متقولة فيما ادعيت.
اختيارها الكهول من الرجال وذوي الشعور
قالت امرأة: لا يعجبني الشاب يمعج «1» معج المهر طلقا أو طلقين ثم يربض بناحية الميدان. ولكن أين أنت من شيخ يضع قب إسته بالأرض ثم سحبا وجرا.
(2/227)

ولما تزوج عثمان رضي الله عنه بنت الفرافصة قال: لا تكرهين ما ترين من الشيب فإن وراءه ما تحبّين. فقالت: إني من نسوة خير أزواجهن الكهول. فقال: إني قد جاوزت حد الكهول إلى الشيخوخة فقالت: أفنيت عمرك في خير ما يفني فيه العمر. وقيل لامرأة:
أما تكرهين شيب زوجك؟ فقالت إنّه نشأ فينا وإنما تكره المرأة الرجل الشائب إذا كان غريبا ورأته بديهة.
إختيارهنّ الشبان والمرد
قالت جارية لأخرى: التحفت على غلام معفوج «1» . فقالت: بذلك العفج كبر أيره وكثر خيره. ولكن من شؤمك أنك عشقت من يغطيك بلحيته ويغرزك بشعرته.
قال أبو تمّام:
أحلى الرجال من النّساء مواقعا ... من كان أشبههم بهنّ خدودا
وقال الأعشى:
وأرى الغواني لا يواصلن امرأ ... فقد الشباب وقد يصلن الأمردا
وقال أعرابي:
يروق الغواني مجدب الخدّ خالع
ميلها إلى ذي المال
قال امرؤ القيس:
أراهن لا يجبن من قلّ ماله
قيل لابن سيابة: قد كرهت امرأتك شيبك فمالت عنك فقال: إنما مالت إلى الأنذال لقلة المال، والله لو كنت في سن نوح وشيبة إبليس وخلقة منكر ونكير ومعي مال لكنت أحب إليها من مقتّر في جمال يوسف وخلق داود وسن عيسى وجود حاتم وحلم أحنف بن قيس.
اختيار الأخيار
قال صلّى الله عليه وسلّم: من زوّج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها. وقال الحسن لرجل استشاره في تزويج بنته: زوّجها من تقيّ فإنه إن أحبها أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها. وقيل لعبد الله بن جعفر: أتنكح ابنتك الحجّاج؟ فقال: أنكحتموه دينكم والدين أجلّ من بضع المرأة.
الكفاءة
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء. وقال عمر رضي الله عنه: لأمنعنّ
(2/228)

فروج ذوي الأحساب إلا من الأكفاء. وقال أبو يوسف: الكفء على الحقيقة المساوي في النسب والمال والدين.
وقال بعضهم: الناس أكفاء إلا حائكا أو حجّاما.
وقال المنصور: أعداؤنا أكفاؤنا يعني بني أمية. وقيل لماجن: فلان المؤذن تزوج بابنة فلان المقري فقال: إنهما سيلدان مصحفا
من خطب امرأة فلم يتزوجها
خطب زياد إلى سعيد بن العاص ابنته فكتب إليه سعيد كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
«1» ولما انتهى المغيرة إلى دار هند بنت النعمان بن المنذر قال: قد جئتك خاطبا.
قالت: والله ما جئتني لمالي وجمالي وإنما أردت أن يقال في محافل العرب نكح بنت النعمان. وإلا فأيّ خير في أعور وعمياء؟ فقال لها: كيف كان أمركم؟ فقالت أصبحنا وما في العرب إلا من يرهبنا وأمسينا وما فيهم إلا من نرهبه.
وكانت في دار ابن عبّاس يتيمة فخطبها رجل فقال له: لا أرضاها لك، قال: قد رضيت بها، فقال: الآن لا أرضاك لها.
وامتنعت امرأة من رجل خطبها فقيل لها في ذلك، فقالت: لأنهم يقلّون الصداق ويعجلون الطلاق.
وكتب عبادة بن الصامت إلى معاوية لما خطب إليه:
فلو أنّ نفسي طاوعتني لأصبحت ... لها حفد مما تعدّ كثير
ولكنّها نفس عليّ كريمة ... عيوف لإصهار الرجال قذور
قال دعبل:
فلا تنكح كريمك نهشليا ... فتخلط صفو مائك بالغثاء «2»
وخطب قرشي ابنة الكميت فجعل يتبجح عليه فرده الكميت وقال له: أقلل فإنا إن زوّجناك لم نبلغ السماء وإن رددناك لم نبلغ الماء.
تأسف من خطب امرأة فلم يتفق تزوجه بها
خطب رجل امرأة فوعد بها ثم تزوج بها غيره فقال:
لئن كان أدلى خاطبا فتعذرت ... عليه وفاتت رائدا فتخطّت
فما تركته رغبة عن جماله ... ولكنّها كانت لآخر خطّت
(2/229)

وفي المعنى ليهودي:
سلا ربة الخدر ما شأنها ... ومن أيّ ما فاتنا تعجب
فلسنا بأول من فاته ... على رغمه بعض ما يطلب
وكائن ترى النّاس من خاطب ... تزوّج غير الذي يخطب
وزوّجها غيره دونه ... وكانت له قبله تخطب
وقال المغيرة: ما خدعني أحد ما خدعني غلام من بني الحارث فإني ذكرت له امرأة أريد أن أتزوج بها، فقال لا تفعل: فإني رأيت رجلا يقبّلها ثم ذهب فتزوج. بها فقلت له في ذلك فقال: رأيت أباها يقبلها.
تمنّى طلاق امرأة مرغوب فيها
قال شاعر:
فما أكثر الأخبار أن قد تزوّجت ... فهل يأتينّي بالطّلاق بشير
وشكا رجل إلى قراص الأزدي تزويج امرأة كان يريد أن يتزوجها فقال:
تربّص بها ريب المنون لعلّها ... تطلّق يوما أو يموت حليلها
توجع من صاهر غير كفئه
دخلت هاشمية على معاوية فقال لها: من زوجك؟ فذكرت مجهولا. فقال: أمثلك ينكح من لا يعرف؟ فأنشدت:
إن القيوم تنكح الأيامى ... النسوة الأرامل اليتامى
المرء لا يبقى له سلامى
قال مهلهل:
أنكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الخباء من أدم
لو باء بانين جاء يخطبها ... ضرج مانف خاطب بدم
ولما ظفر قتيبة بابنة يزدجرد وتزوج بها قال لندمائه: أترون ابنها يكون هجينا فقالت:
هي نعم من قبل الأب وقالت هند بنت النعمان في زوجها ابن زنباع:
وهل هند إلا مهرة عربيّة ... سليلة أفراس تحللها بغل
فإن نتجت مهرا كريما فبالحرى ... وإن يك إفراق فجاء به الفحل «1»
وقال:
بكى النسب الصافي بعين سخينة ... من النسب الموصوم أن يجمعا معا
(2/230)

وجاء رجل إلى سعيد بن المسيب فقال: رأيت حدأة على شرف مسجد الرسول صلّى الله عليه وسلّم فقال: إن صدقت رؤياك فسيتزوج الحجّاج من أهل البيت، فتزوج بأم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر.
المتزوجة من ذي زي قبيح
قال شاعر:
الزوج زوجان ذو مال يعاش به ... وذو شباب شديد المتن كالمرس
فلا شبابا ولا مالا ظفرت به ... لكنّ ما شئت من لؤم ومن دنس
قال علي بن المنجم:
لم يرض إلا بالكريمة مركبا ... ولربّما امتنعت عليه أتان
ولما مات عمر بن عبد العزيز تزوج بامرأته فاطمة بنت عبد الملك سليمان بن داوف بن مروان وكان أعور فاجرا فقال الناس: هذا النذل الأعور يعنون قول جميل:
نذل لعمرك من يزيد أعور وقال آخر: فيمن طلقها سري وتزوجها دنيء:
وكنت كذى النّبل الذي راش نبله ... بريش الخوافي ثم بدّلها لغبا «1»
ذمّ متشرف بتزويج كريمة
رأوا رفعة الآباء أعيا مرامها ... عليهم فراموا رفعة بالحلائل
إذا ما أعالي الأمر لم تعطك المنى ... فلا بأس باستنجاحها بالأسافل
(2) وممّا جاء في قلّة الصداق وكثرته
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: أعظم النساء بركة أحسنهنّ وجوها وأرخصهنّ مهورا. وقيل: لا تغالوا بمهور النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولى بكثرتها.
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وما أصدق امرأة من نسائه ولا من بناته أكثر من إثنتي عشرة أوقية وذلك أربعمائة وثمانون درهما.
وقال عمر رضي الله عنه: لا يبلغني أن أحدا تجاوز بصداقه صداق النبي صلّى الله عليه وسلّم إلا استرجعت منها. فقامت امرأة فقالت: ما جعل الله ذلك إليك يا ابن الخطاب، فإنه يقول وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا فقال عمر ألا تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت، ناضلت أمامكم فنضلته.
(2/231)

وصية الختن بها وإكرامه لها
قال عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان: أرسلني أبي إليّ عمّي عتبة لأخطب إليه ابنته فأقعدني جنبه وقال: مرحبا بابن لم ألده أقرب قريب خطب إلي أحب حبيب لا أستطيع له ردّا ولا أجد من تشفيعه بدّا، قد زوجتكها وأنت أعزّ عليّ منها وهي ألوط بقلبي، فأكرمها يعذب على لساني ذكرك، ولا تهنّها فيصغر عندي قدرك. وقد قربتك من قربك فلا تباعد قلبي من قلبك.
وكتب الصابئ عن عزّ الدولة إليّ أبي تغلب وقد نقل ابنته إليه: قد وجهت الوديعة وإنما نقلت من وطن إلى سكن ومن مغرس إلى مغرس ومن مأوى عزّ وانعطاف إلى مأوى برّ وإلطاف، ومن منبت درّت لها نعماؤه إلى منشأ تعود عليها سماؤه. وهي بضعة منّي انفصلت إليك، وتمرة من جنى قلبي حصلت لديك. ولا ضياع على من تضمه أمانتك ويشتمل عليه حفظك ورعايتك. وكان الحسن إذا دخل ختنه يقول: مرحبا بمن كفى المؤنة وستر العورة ثم يتنحّى له عن مكانه:
حثّ الرجل على كفاية المرأة
قال الله تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
«1» وخطب رجل إلى قوم فقال أحدهم: إن عرفت حق المرأة زوّجناك. فقال: حقّها أن لا ينسى ذكرها ولا يهتك سترها ولا يحوجها إلى أهلها. فقالت المرأة: زوّجوه.
وصية الأبوين البنت بحسن معاشرة الزوج
زوجت امرأة بنتها فقالت: يا بنية لو تركت الوصيّة لأحد لحسن أدب أو لكرم حسب لتركتها لك، ولكنها تذكرة للغافل ومعونة للعاقل. يا بنيّة إنك قد خلّفت العش الذي منه درجت والموضع الذي منه خرجت إلى وكر لم تعرفيه وقرين لم تألفيه، كوني له أمة يكن لك عبدا، واحفظي عني خصالا عشرا تكن لك دركا وذكرا. أما الأولى والثانية فحسن الصحابة بالقناعة وجميل المعاشرة بالسمع والطاعة ففي حسن المصاحبة راحة القلب وفي جميل المعاشرة رضا الرب والثالثة والرابعة التفقد لموضع عينه والتعاهد لموضع أنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشمّ أنفه منك خبيث ريح. واعلمي أن الكحل أحسن الحسن المودود، وأن الماء أطيب الطيب الموجود، والخامسة والسادسة فالحفظ لماله والرعاية لحشمه وعياله، واعلمي أن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير، والإرعاء على الحشم حسن التدبير. والسابعة والثامنة التعاهد لوقت طعامه، والهدوء عند منامه، فحرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة. والتاسعة والعاشرة لا تفشين له سرا، ولا تعصين له أمرا. فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره.
(2/232)

وقال أبو الأسود لابنته: إياك والغيرة، فإنها مفتاح الطلاق. وأمسكي عليك الفضلين:
فضل النكاح وفضل الكلام، وكوني كما قيل:
خذي العفو منّي تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
وصيّة الأبوين بقبح معاشرة الزوج
زوجت امرأة بنتها فقالت: يا بنية إقلعي زج «1» رمح زوجك أولا، فإن أقرّ فاقلعي سنانه. فإن أقر، فاكسري العظام بسيفه، فإن أقر فاقطعي اللحم وضعيه على ترسه، فإن أقر فضعي الأكاف على ظهره فإنه حمار. قال شاعر:
عليك يا سيّدة البنات ... معصية الزوج إلى الممات
وقال وداوامي غيرته وشتمه ... وقاتلي في كلّ يوم أمّه
وباعدي ما بينها وبينه ... وعينها فاسخني وعينه
التهنئة بالزفاف والدعاء للزوجين
قال خالد بن صفوان لرجل من باهلة: باليمن والبركة وشدة الحركة والظفر عند المعركة.
إستعلام حال الزوج في افتضاض امرأته
قيل لسليمان: كيف وجدت امرأتك؟ قال ولم أرخين الستر إذا؟
قال شاعر:
أبا حسن قل لي وأنت المصدق ... هل انجاب ذاك العارض المتفالق
وهل غاب ذاك الحوت في قعر لجّة ... رأيتك منها تستعنّ وتغرق
فقد قيل إن الباب دونك مغلق ... وإنّ عليك الرحب منه مضيق
وكتب الصاحب إلى أبي العلاء الحسين بن محمد بن سهلوية لما تزوج بابنة أبي الحسن بن إسحاق:
قلبي على الجمرة يا أبا العلا ... فهل فتحت الموضع المقفلا
وهل فضضت الكيس عن ختمه ... وهل كحلت النّاظر الأحولا
إن كان قد قلت نعم صادقا ... فابعث نثارا يملأ المنزلا
وأن تجبني من حياء بلا ... أنفذ إليك القطن والمغزلا
الرخصة في تزويج الأم
روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم خطب إلى سلمة بن هشام أمة ضباعة بنت عامر وزوج علي بن
(2/233)

الحسين أمه سلافة الكابليّة مولى له ليحيى سنة في الإسلام. وممن زوّج أمه عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد.
المستنكف من تزويج أمه
تزوج مروان أم خالد بن يزيد فلاحاه يوما، فقال له: يا ابن الرطبة. فقال: مخبر.
مختبر ثم دخل على أمه فقال: أنت جلبت عليّ هذا، وأنشدها هجاء فيه:
أما رأيت خالدا يهمه ... إن سلب الملك ونيكت أمّه
فقالت: دعه لي. فلما علمت أن مروان قد امتلأ نوما عمدت إلى مخدة فوضعتها على أنفه فمات.
وكان رجل قاعد على باب داره وعنده صديق له ورجل يدخل الدار ويخرج فقال له:
من هذا؟ فقال: زوج أخت خالتي:
المعيب بتزويج أمّه
قيل لأعرابي: إن فلانا زوج أمه وأخذ مهرها فأيسر به. فقال: أعوذ بالله من بعض الرزق وقال الجاحظ معنى قول القائل يا ماص بظر أمه يعني يا آكلا مهر أمه من غير أبيه قال شاعر:
ربّ حلال أكله ... أقبح من نجس الدبر
من ظنّ مهر أمه ... جبرا له فلا جبر
وعاتب الصاحب رجلا قد زوّج أمه فقال له: ما في الحلال بأس، فقال: كذا أحب أن تكون لغة كل من أحب أن تناك أمه، ثم قال فيه:
زوجت أمك يا أخي ... إلى الرجال على طبق
وقال:
عذلت بتزويجه أمه ... فقال فعلت حلالا يجوز
فقلت حلالا كما قد زعمت ... ولكن سمحت بصدع العجوز
قال ابن طباطبا:
قل للمزوج أمّه ... يا أكبر الناس همّه
أجلّ مجد تحامي ... عليه تسكين علمه
كفيت أمّك أمرا ... من الأمور المهمّه
جواز المتعة
عيّر عبد الله بن الزبير عبد الله بن عباس بتحليله المتعة فقال له: سل أمك كيف سطعت المجامر بينها وبين أبيك. فسألها فقالت: ما ولدتك إلا في المتعة. وسئل عن المتعة فقال:
(2/234)

الذئب يكنى أبا حيدة أي ذلك حسن الإسم قبيح الفعل. وقال يحيى بن أكثم لشيخ بالبصرة:
بمن اقتديت في جواز المتعة؟ قال: بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: كيف وعمر كان أشد الناس فيها؟ قال: لأن الخبر الصحيح أنه صعد إلى المنبر فقال: إن الله ورسوله قد أحلالكما متعتين وإني محرمهما عليكم، وأعاقب عليهما. فقبلنا شهادته ولم نقبل تحريمه.
وقال رجل لآخر زوّجني أمك متعة فقال: يا أحمق إذا زوجتكها فما معنى المتعة إنما المتعة أن تزوج نفسها.
وقالت امرأة:
أقول للشيخ إذا طالت عزوبته ... يا شيخ هل لك في فتيا ابن عباس
معاداة الزوجة للإصهار
نحر أعرابي جزورا فقال لامرأته: أطعمي أميّ فقالت: أيّها أطعمها؟ قال: الورك فقالت:
التي ظهرت بلحمة وبطنت بشحمة لا لعمري قال: الفخذ. قالت: الكثيرة اللحم الطيبة المخّ، لا لعمري قال: الكتف قالت: الحاملة اللحم من كل مكان. قال: فما تطعمينها؟ قالت: اللحى التي ظهرت بالجلد وبطنت بالعظم. قال: تزوّدي إلى أهلك فأنت طالق.
موافقة زوجين قبيح وحسن؟
نظرت امرأة عمران بن خطان في المرآة وكانت جميلة وزوجها قبيح، فقالت له: أنا وأنت في الجنّة قال: ولم؟ قالت: لأنك رزقتني فشكرت وأنا ابتليت بك فصبرت والصابر والشاكر في الجنّة.
وقال رجل لامرأته: ما خلق أحب إليّ منك. فقالت: ولا أبغض إليّ منك. فقال:
الحمد لله الذي أولاني ما أحب وابتلاك بما تكرهين.
موافقة قبيحين
خطب أسدي قبيح الوجه امرأة قبيحة فقيل لها: إنه قبيح وقد تعمّم لك. فقالت: إن كان قد تعمم لنا فإنّا قد تبرقعنا له. استقبح رجل امرأة فقال: ويل لمن هذه ضجيعته فلّما رأى زوجها وكان في القبح مثلها قال:
وافق شنّ طبقه ... وافقه واعتنقه
وأنشد:
نزلت سلمى بسلمى ... منزلا ذا عدواء
وصف الفوارك
تزوج رجل امرأة فاجتمع معها في بيت ففركته فرمت ببصرها للكوة فرأت الصبح فقالت:
وأنقذني بياض الصبح منه ... لقد أنقذت من شرّ طويل
(2/235)

وقال الجماز لامرأته في يوم غيم: ما يطيب في هذا اليوم؟ قالت: الطلاق قال شاعر:
لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزا ... ولو رضيت ريح إسته لاستقرّت
وفي ضد ذلك قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: خير نسائكم التي إذا خلعت ثوبها خلعت معه الحياء وإذا لبسته لبست معه الحياء يعني مع زوجها
الحثّ على حفظهنّ من الخمر والكتابة
قيل: لا تسمعهنّ الغناء فإنه داعية الزنا. وذاقت أعرابية الخمر فقالت: نساؤكم يشربن هذا؟ قالوا: نعم قالت زنين إذا ورب الكعبة. ورأى فيلسوف جارية تتعلم الكتابة فقالت:
ليت شعري لمن يصقل هذا السيف؟ وقال: لا تسق السهم سما لترميك به يوما ما. وقال عمر: جنبوهنّ الكتابة ولا تسكنوهن الغرف. وقيل: علموهنّ سورة النور وجنبوهنّ سورة يوسف. وقال رجل: إيّاك أن تترك حرمتك تصغي إلى قول أبي ربيعة:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجّر
فإنه يحل السراويلات ويطرب الغانيات.
الحثّ على شقائهنّ بالمغزل والمهنة
قيل: ألزموا النساء المهرة. قال شاعر:
ونعم لهو المرأة المغزل
وقيل لهند بنت المهلب زوجة الحجاج: تغزلين وزوجك أمير؟ فقالت: سمعت أبي يقول قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أطولكن طاقة أعظمكن أجرا والمغزل يطرد الشيطان ويذهب بحديث النفس.
الحثّ على سترهنّ ومنعهنّ من الخروج
ودخل ابن أم مكتوم على النبي صلّى الله عليه وسلّم وعنده بعض نسائه فأقامها فقالت: إنه أعمى فقال: أعمى أنتن. وقال سلمان: النساء عيّ وعورة فداووا العي بالسكوت والعورة بالبيوت.
وقال سعيد بن سلمان: لأن يرى حرمي مائة رجل مكشوفات خير من أن ترى حرمتي رجلا غير منكشف.
وقيل للحطيئة: ما تركت على بناتك؟ قال العري فلا يرحن، والجوع فلا يمرحن.
وقيل لآخر: فقال: الحافظين العرى والجوع.
ميل الزوج إلى زوجته أو إلى أبويه
روى نافع أن ابن عمر جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: إنّ أبي أمرني أن أطلق امرأتي.
(2/236)

فقال: طلقها يا عبد الله. وروي أن رجلا أتى أبا الدرداء فقال: أمي أمرتني أن أطلق امرأتي. فقال: سأحدثك بشيء سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: الوالدة وسط باب الجنة فاحفظ ذلك الباب إن شئت أو ضيّعه. قال: بل أحفظه فطلقها. تزوج ابن الفرزدق فمال إلى امرأته وتحامل على أبيه فقال فيه:
ولمّا رآني قد كبرت وأنّه ... أخو الجنّ واستغنى عن المسح شاربه
أصاخ لعريان النجى فإنّه ... لا زورّ عن بعض المقالة جانبه
وكان صخر طعن فمكث زمانا عليلا فسمع امرأته تقول لأخرى وقد سألتها عنه:
كيف أصبح؟ فقالت لا حي فيرجى ولا ميت فينسى. ورأى تحرّق أمّه عليه فقال:
أرى أمّ صخر ما تملّ عيادتي ... وملّت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك ومن يغترّ بالحدثان
أهمّ بأمر الحزم لو استطيعه ... وقد حيل بين العير والنّزوان
فأي امرئ ساوى بأمّ حليلة ... فلا عاش إلا في أذى وهوان
لعمري لقد نبهت من كان نائما ... وأيقظت من كانت له أذنان
وللموت خير من حياة كأنّها ... مغرس يعسوب برأس سنان
ثم برأ من علّته فطلقها. قال محرر بن النعمان:
إذا سويت صاحبتي بأمّي ... فقام عليّ قبل الصبح ناعي
فأمّ المرء باكية عليه ... وخلّته تصدّى بالقناع
المؤتمر لامرأته والممتنع من ذلك
كان الأحنف مطيعا لجاريته زبراء فقيل له في ذلك فقال: كيف لا أطيع من لي إليه في كل يوم حاجة. قال شاعر:
أقامت زوجها مرّة ... وقامت موضع الرجل
قال أبو تمّام:
مرأته نفّذت أمرها ... حتّى ظننّا أنّه امرأتها
قال الشنفرى:
إذا ما جئت ما أنهاك عنه ... ولم أنكر عليك فطلّقيني
فأنت البعل يومئذ فقومي ... بسوطك لا أبا لك فاضربيني
فتنتهنّ
قال صلّى الله عليه وسلّم: ما تركت بعد فتنة أضرّ على الرجال من النساء. وقال: أوثق سلاح إبليس النساء. وقال: النساء حبائل الشيطان. ونظر بقراط إلى رجل يكلم امرأة فقال له: تنحّ عن
(2/237)

هذا الفخ لا تقع فيه. وقال لقمان: كن من خيار النساء على حذر، فأنت من شرارهنّ على يقين. وقال رجل: ما دخل داري شرّ قط. فقال له حكيم: ومن أين دخلت امرأتك؟
وصفهنّ بغلبة الرجال
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ما من ناقصة العقل والدين أغلب للرجال ذوي الأمر من النساء. وقال معاوية في وصفهن: يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام. قال شاعر:
ويجمعن ضعفا واقتدارا على الفتى ... أليس عجيبا ضعفها واقتدارها
قال الرشيد:
ما لي تطاوعني البريّة كلّها ... وأطيعهنّ وهنّ في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه غلبن أعزّ من سلطاني
قال الموسوي:
معاداة الرجال على الليالي ... أطيق ولا معاداة النّساء
التحذير من الاعتماد عليهن وذمهنّ
قال أمير المؤمنين: لا تطيعوا النساء على حال ولا تأمنوهنّ على مال، ولا تذروهنّ يدّبرن العيال، فإنهن إن تركن وما يردن أو زدن المهالك وأزلن الممالك، لا دين لهنّ عند لذاتهنّ، ولا ورع لهنّ عند شهواتهنّ، ينسين الخير ويحفظن الشر، يتهافتن في البهتان ويتمادين في الطغيان، ويتصدين للشيطان. وقيل: من أطاع عرسه لم ينفع نفسه. وعارضت امرأة عمر في أمر يديره فقال: ما لكن وأمور الرجال أنما أنتن لعبة إن كانت لنا بكنّ حاجة دعوناكن- قال المتنبيّ:
وللخود منّي حاجة ثم بيننا ... فلاة إلى غير اللقاء تجاب
الحثّ على مخالفتهنّ
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: شاورهن وخالفوهنّ. وقيل: إيّاك ومشاورة النساء فإن رأيهن إلى أفن «1» وعزمهن إلى وهن. وقيل أكثروا لهنّ من لا فإن نعم تغريهنّ بالمسألة.
قال أجدع الهمداني:
تعيّرني بالغزو عرسي وما درت ... بانّي لها في كل ما أمرت ضدّ
ذمهنّ بالجهل والاعوجاج
قيل: إذا وصفت المرأة بالعقل فهي غير بعيدة من الجهل. وقيل: لا تدع المرأة تضرب صبيا فإنه أعقل منها. وفي الحديث: خلقت المرأة من ضلع معوج فلّما أرادت
(2/238)

تقويمه انصدع. وقال صلّى الله عليه وسلّم: النساء شر كلهنّ وشر ما فيهن قلّة الاستغناء عنهنّ. وقيل: تعوّذ من شرار النساء، وكن من خيارهن على حذر. ورأى سقراط امرأة تحمل نارا فقال: نار تحمل نارا، والحامل شرّ من المحمول. وقيل له: أي السباع شر؟ قال: المرأة. وروي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: النساء حبائل الشيطان. وقيل: شرّ أخلاق الرجال الجبن والبخل وهما خير أخلاق النساء. وقيل: المرأة إذا أبغضتك آذتك وإذا أحبتك خانتك فحبّها أذى وبغضها داء.
قال شاعر:
إن النساء وإن حسبن صوالحا ... فيما يحلّ من الأمور ويحرّم
لحم تطيف به كلاب جوّع ... إن لم يذدن فإنه متقسّم
النهي عن حمد النساء
قال لقمان: شيئان لا يحمدان إلا عند عاقبتهما: الطعام والمرأة، فالطعام لا يحمد حتى يستمرأ والمرأة لا تحمد حتى تموت. وفي المثل: لا تحمد أمة عام شرائها ولا حرة عام بنائها.
وصفهن بكونهنّ ناقصات
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: إنهنّ ناقصات دين وعقل. فقيل: وما نقصان دينهن وعقلهنّ؟ قال:
إن إحداهن تقعد نصف شهر لا تصلّي، وأما نقصان عقولهن فشهادة المرأتين تقوم مقام شهادة الرجل الواحد.
وقال وهب بن منبه: قد عاقب الله النساء بعشر خصال: بشدة النفاس والحيض وجعل ميراث إثنتين ميراث رجل وشهادتهما بشهادة رجل واحد، وجعلها ناقصة الدين والعقل لا تصلي أيام حيضها ولا يسلم عليها وليس عليها جمعة ولا جماعة ولا يكون منهن نبيّ، ولا يسافرن إلا بوليّ.
وصف الموافية للزوج الحسنة الخلق
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: خير النساء الهينة العفيفة المسلمة، تعين أهلها على العيش ولا تعين العيش على أهلها. وقال معاوية رضي الله عنه لصعصعة: أيّ النساء أشهى؟ قال: المواتية لما تهوى والمجانبة لما لا ترضى. وتزوّج رجل سيء الخلق امرأة فقال: أما أني سيء الخلق، فإن كان عندك شيء من الصبر على المكروه وإلا فلست أغرّك من نفسي فقالت:
أسوأ خلقا منك من أحوجك إلى سوء الخلق. فتزوّجها، فما جرى بينهما وحشة للموت.
وقال شريح: تزوجت امرأة صغيرة فلما بنيت بها قالت: عرفني خلقك لأعلم على مداراتك، فعرفتها فبقيت معها سنة لا أزداد فيها إلا شغفا فدخلت يوما فرأيت عندها عجوزا فقلت: من هذه؟ قالت أمي: فسلمت عليها فدعت لي وقالت: كيف رضاك عن صاحبتك؟
فشكرتها. فقالت: أسوأ ما تكون المرأة خلقا إذا حظيت عند الزوج وإذا ولدت فإن رابك
(2/239)

منها شيء، فعليك بالسوط فقلت: أشهد أنها بنتك فقد كفيتني الرياضة.
وصف المخالفة السيئة الخلق
قال الأصمعي: رأيت رجلا يطوف بالبيت يحمل شيئا كبيرا، يقول له: أعييتني صغيرا وكبيرا. فقلت له: أحسن إليه فطالما أحسن إليك. فقال: من تراه لي؟ فقلت: هو أبوك أو جدّك. فقال: بل هو ابني. فقلت: ما صيّره إلى ما أراه، قال: سوء خلق امرأته.
وقال رجل لأبيه تزوجت امرأة سيئة الخلق فقال: عجّل طلاقها فإنها تهرمك قبل الهرم، وتذهب عنك بجماع الكرم. وروي أن حكيما زوج ثلاث بنين، فلما كان رأس الحول سأل الأول عن امرأته فقال: هي امرأة من خير النساء إلا أنها خرقاء لا تعمل شيئا فقال: أنزلها في بني فلان فإن نساءهم صناع لتتعلّم. وسأل الثاني فقال: إنها لا تدفع يد لامس فقال: أنزلها في بني فلان فإن نساءهم عفيفات. وسأل الثالث فقال: سيئة الخلق، فقال: طلقها فهذا شيء لا حيلة له.
شكر أحد الزوجين الآخر
قيل لامرأة: كيف زوجك؟ قالت: إذا دخل فهد وإذا خرج أسد. وقيل للأخرى:
فقالت: جمل ظعينة وليث عرينة، وقيل للأخرى. فقالت: هو سكوت خارجا ضحوك والجا. وسئل رجل عن امرأة فقال: أفنان أثلة «1» ، وجنى نحلة، ومس رملة «2» ، وكأني قادم في كل ساعة من غيبة.
وطلق رجل امرأة فلما أرادت الإرتحال قال لها: إسمعي وليسمع من حضر إنّي والله اعتمدتك رغبة، وعاشرتك محبة، ولم يوجد مكاني منك زلّة، ولم يدخلني منك ملّة، ولكن القضاء كان غالبا. فقالت المرأة جزيت من صحوب خيرا، فما استربت خيرك، ولا شكوت خيرك ولا تمنيت غيرك وليس لقضاء الله مدفع، ولا من حكمه ممنع ثم تفرقا.
ذمّ أحد الزوجين الآخر
شكت امرأة زوجها فقالت: هو قليل الغيرة سريع الطيرة، كثير العتاب، شديد الحساب إسترخى ذكره وأقبل زفره وبخره وطمحت عيناه، واضطربت رجلاه، يأكل همسا ويمشي خلسا، ويصبح رجسا، إن جاع جزع، وإن شبع خشع. وقالت امرأة:
زوجي قصير الشبر، ضيق الصدر، لئيم النجر، عظيم الكبر، كثير الفخر، وقالت امرأة لرجل: إنك لضيق الفناء صغير الإناء قبيح الثناء فقال: وأنت واهية العقد قليلة الرفد، مجانبة للرشد.
وقال امرؤ القيس لامرأته وقد فركته: ما تكرهين مني؟ قالت: إنك سريع الإراقة،
(2/240)

بطيء الإفاقة، ثقيل الصدر، خفيف العجز فقال: وأنت حديدة الركبة، واسعة الثقبة، سريعة الوثبة قبيحة النقبة.
شؤم أحد الزوجين على الآخر
تزوج امرأة رجل قد مات عنها خمسة أزواج فمرض السادس فقالت: إلى من تكلني قال: إلى السابع الشقيّ. وتزوج أعرابي أربعة نسوة متن عنده، ثم تزوج امرأة مات عنها خمسة أزواج فقال:
بوازل أعوام أذاعت بخمسة ... وتعتدّني إن لم يق الله شائيا
ومن قبلها أهلكت بالشّؤم أربعا ... وواحدة أعتدّها في حسابيا
كلانا مظل مشرف لغنيمة ... ويقضي إله الخلق ما كان قاضيا
وقيل: رأت عائشة بنت الفرات ثلاثة ألوية كسرت على صدرها، فسألت أمّها ابن سيرين. فقال: يتزوجها ثلاثة من الأشراف يقتلون عنها، فتزوجها يزيد بن المهلّب، ثم عمرو بن يزيد الأسدي فقتلا، وتزوجها الحسن بن عثمان الزهري فجرى بينهما يوما كلام فقالت: والله لتقتلن وأخبرته فطلقها. وتزوجها العباس بن عبد العزيز فقتل.
وروي أن أم حبيب بنت قيس العدوية قالت: لا أنكح إلا العدويين المحمدين، فنكحت محمد بن عمرو بن العاص ففارقها، ثم محمد بن خليفة فقتل، ثم محمد بن أبي بكر فقتل، ثم محمد بن جعفر بن أبي طالب فمات، ثم محمد بن إياس فتوفيت معه.
وكان ابن عمر يقول: من أراد الشهادة الحاضرة فليتزوج بها.
إمتناع أحد الزوجين من التزويج بعد موت صاحبه
يقال: ما وفت امرأة لزوجها إلا قضاعيتان: نائلة بنت الفرافصة أرملة عثمان فإنها قلعت ثنيتها بعد عثمان مخافة أن يخطبها رجل، وامرأة هدبة العذري فإنها لما رأت زوجها يقاد للقتل، أنشدها
فلا تنكحي إن فرّق الدّهر بيننا ... أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
فعمدت إلى سكين فقطعت أنفها وقالت: كن آمنا من ذلك. فقال: الآن طاب ورود الموت. وتزوّج رجل بابنة عمّ له يقال لها رباب وتعاهدا على أن لا يتزوج أحدهما بعد موت الآخر فمات الرجل، وأكرهت المرأة على التزويج فلما كان ليلة الزفاف رأت في منامها أن ابن عمها آخذ بعضداتي الباب، فأنشد:
حييت سكان هذا البيت كلّهم ... إلا الرباب فإنّي لا أحيّيها
أمست عروسا وأمسى منزلي خربا ... ولم تراع حقوقا كنت أرعيها
فانتبهت مذعورة، وحلفت أن لا تجمع رأسها ورأس الرجل وسادة. وكان شيرويه لما قتل أباه سكرى أراد أن يتزوج بشيرين امرأة أبيه، فقالت له: على ثلاث شرائط: أن
(2/241)

تحضر الحكماء فأخطئهم في معاونتهم إياك على قتل أبيك حتى لا يجرؤا على مثله فيك، وأن تستحضر لي نساء الكبار لأشتفي بالبكاء عليه، وأن تأذن لي في حضور المكان الذي مات فيه مرة فقال كلّ ذلك لك. فلما خطأتهم، وبكت عليه، وحضرت المكان الذي مات فيه أخرجت فصا مسموما فمصّته فماتت مكانها، وكانت قد عمدت إلى سمّ فوضعته في بعض الخزائن وكتبت عليه: إن من تناول منه وزن دانق أعانه على الجماع فلما ظفر به تناول منه فمات في مكانه.
المتزّوج منهما بعد موت الآخر
ماتت امرأة لرجل وكان عاهدها أن لا يتزوج بعدها فخطب امرأة في جنازتها فعوتب في ذلك فقال:
خطبت كما لو كنت قد متّ قبلها ... لكانت بلا شك لأوّل خاطب
إذا غاب بعل جاء بعل مكانه ... ولا بدّ من آت وآخر ذاهب
ومات زوج امرأة فراسلها في ذلك اليوم رجل يخطبها فقالت: هلا سبقت فإني قد قاولت غيرك. فقال: إذا مات الثاني فلا تفوّتيني.
ذمّ التطليق وشدّته
قال صلّى الله عليه وسلّم: ما من حلال أبغض إلى الله من الطلاق، وقال صلّى الله عليه وسلّم: ما خلق الله شيئا أحب إليه من العتاق، وما خلق الله شيئا أبغض إليه من الطلاق. وروي عنه أيضا: لا تطلقوا النساء إلا من ريبة، فإن الله لا يحب الذوّاقين والذوّاقات. وقال عمر لرجل طلق امرأته: لم طلقتها؟ قال: لا أحبها. فقال: أكلّ البيوت بنيت على الحب. أين الرعاية والذمم؟ وقال الشاعر:
وما لذعت أنثى من الدّهر لذعة ... أشدّ عليها من طلاق تزود
مدح التطليق
كان الحسن رضي الله عنه مطلاقا وقال: إن الله علق بهما الغنى وتقدّم وقال عامر بن الظرف: أجمل القبيح الطلاق. وأملى أبو العجل خطبة للنكاح فقال: الحمد لله الذي جعل في الطلاق اجتلاب الأرزاق، فقال: وأن يتفرقا يغن الله كلا منه سعته. أوصيكم عباد الله بالسلوة والملالة والتجنّي والجهالة واحفظوا قول الشاعر:
إذهبي قد قضيت منك قضائي ... وإذا شئت أن تبيني فبيني
تعاهدوا نساءكم بالسبّ وعادوهنّ بالضرب، وكونوا كما قال الله تعالى: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ
«1» ثم إن فلانا في خمول نسبه ونقص أدبه خطب إليكم فازهدوا فيه فرّق الله ذات بينهما وقرّبهما من حينهما.
(2/242)

الحثّ على تطليق غير الموافقة
قال مرثد لرجل شكا إليه سوء خلق امرأته: بخّرها بمثلة. قال شاعر:
ودواء لا تشتهيه النفس تعجيل الفراق
أنشد دعبل يزيد بن مرثد قوله:
عكليّة جهم محيّاها
فقال: طلقها قال: ليس لي مال فدفع إليه مالا فقال: طلقتها ألف مرة.
المتبرّم بالمرأة المتمني طلاقها
قال أبو سراعة:
أيّ طير جرى بقربك حتّى ... يسّر الله للرماة جناحه
وقال:
أحرزت كفّاي منها ... حرّة غير سريّة
سنّها سنّ عجوز ... وهي في العقل صبيّه
حبّذا التطليق لولا ... خلة فيه رديّة
وقال:
لقد كنت محتاجا إلى موت زوجتي ... ولكنّ علق السوء باق معمر
فيا ليت أنّ اللحد قد صار بيتها ... وعذّبها فيه نكير ومنكر
ومرضت امرأة لبعض الاعراب فسمعها تقول: أموت فقال:
إذا متّ فالجرعاء منك قريبة ... وفي بيتنا للغانيات معاد
وقال جران العود يخاطب امرأة:
يقولون في البيت لي نعجة ... وفي البيت لو يعلمون النّمر
أحبّي لي الخير أو أبغضي ... كلانا لصاحبه ينتظر
من طلّق امرأته فسرّ بذلك
قال شاعر:
رحلت أميّة بالطّلاق ... وعتقت من رقّ الوثاق «1»
بانت فلم يألم لها ... قلبي ولم تبك المآق
لو لم أرح بفراقها ... لأرحت نفسي بالأباق
وخصيت لا أري ... د حليلة حتّى التلاق
(2/243)

وكان قتادة بن معروف تزوج امرأة ففركها من ليلة فطلّقها ولما أصبح قال:
تجهّزي للطّلاق واصطبري ... هذا دواء الجوامح الشّمس
لليلة البين إذ هممت به ... أطيب عندي من ليلة العرس
وتزوج رجل امرأة فلما دخل بها وجدها قبيحة سيئة الخلق، فقال:
إمضي إلى سقر فإنّك بائن ... ومطلّق وخلية وحرام «1»
والقول قول أبي حنيفة عندنا ... إذ ليس فيها رجعة ولمام
وكان رجل طلق زوجته ثلاثا وترافعا إلى القاضي فأخذ القاضي ينظر هل لقوله وجه فقال له: لا تتعب هي طالقه عشرين ألف مرة. فقال القاضي: قد خففت الأمر علينا.
من أمر بمصابرة امرأته
قالت أم التحف وكان ابنها تزوج امرأة على غير رضاهما وحمل نفسه ما لا طاقة له به ثم همّ بتطليقها تبرما بها:
لعمري لقد أخلفت ظنّا وسؤتني ... فخزت بعصياني الندامة فاصبر
ولا تك مطلاقا ملولا وسامح ال ... قرينة وافعل فعل حرّ مسهر
فقد حزت بالورهاء أخبث خشية ... فدع عنك ما قد قلت يا سعد واصبر
تربّص بها الأيام على صروفها ... سترمي بها في جاحم متسعّر «2»
من طلّق امرأته فندم
جاء أعرابي إلى ابن أبي ذؤيب في مسألة طلاق زوجته فافتاه بطلاقها، فقال:
أتيت ابن ذئب أبتغي الفقه عنده ... فطلق حبّي ليت بتّت أنامله
أطلق في فتوى ابن ذئب حليلتي ... وعند ابن ذئب أهله وحلائله
وقال راوية الفرزدق: قال لي الفرزدق: امض بي إلى حلقة الحسن فإني أريد أطلق نوار فقلت له: أخشى أن تتبعها نفسك. فقال: امض ولا تخف فمضيت معه فقال: السلام عليكم إعلم إني قد طلقت نوار ثلاثا. فقال: الحسن قد علمت فلما رجع، فقال: إني لأجد في نفسي شيئا من نوار ثم أنشأ يقول:
ندمت ندامة الكسعيّ لمّا ... غدت منّي مطلقة نوار «3»
(2/244)

وكانت جنّتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار «1»
ولو أني ملكت يدي ونفسي ... لكان عليّ للقدر الخيار
قرب تطليق امرأة من تزوجها
زوج بعضهم ابنته عمرو بن عثمان فلما مضت إليه طلقها على المنصّة فجاء أبوها إلى عبد الله بن الزبير فقال: إن عمرو بن عثمان طلّق ابنتي في المنصة وأخشى أن يظنّ الناس أن ذلك لعاهة، وأنت عمّه فعاتبه. فقال: أو خير من ذلك ائتنوني بالمصعب فزوجها منه وأقسم ليدخلنّ بها من ليلته فما رؤيت امرأة نصت على رجلين في ليله سواها. وتزوج الوليد في خلافته نيفا وسبعين امرأة فلما دخل بالآخرة وأراد أن يقوم أخذت بثوبه وقالت:
ما ترى؟ أقم لك كفيلا أن لا تأمر بتسريحي. فضحك واستملحها وأمسكها أربعة أشهر ثم طلقها بعد ذلك.
مراجعة المرأة بعد طلاقها
قال الله تعالى: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَ
«2» . وسبب ذلك أن أحدهم كان إذا أراد أذية امرأة طلّقها فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها، ثم طلّقها، ثم راجعها، طلبا لأذيّتها. وقيل: إن الحسن بن علي طلّق امرأتين قرشية وجعفية فأرسل إلى كل واحدة عشرين ألفا، وقال للرسول: إحفظ ما تقول كل واحدة. فقالت القرشية: جزاه الله خيرا وقالت الجعفية. متاع قليل من حبيب مفارق، فراجع الجعفية، وتزوج عبد الله بن أبي بكر عاتكة بنت زيد بن عمرو وقد ألفها حتى اشتغل بها عن كل شيء فقال له أبوه: طلقها، فطلقها. وقال:
فلم أر مثلي طلّق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير شيء يطلق
فقال أبوه راجعها يا بني فإنّي أراك محبّا لها.
تفويض الطلاق إليها
روي عن عائشة رضي الله عنها لما أنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ
«3» (الآية) دخل النبي صلّى الله عليه وسلّم وقال: إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي بشيء حتى تستشيري أبويك. قالت: وخشي النبي صلّى الله عليه وسلّم حداثة سنّي فقلت: يا رسول الله وما ذاك؟ قال: إني أمرت أن أخيركن ثم تلا الآية علينا فقلت. فيم استشير أبوي بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة. فسر صلّى الله عليه وسلّم بذلك نساءه فتواترن عليه.
كانت امرأة عند الحسن بن الحسين بن علي فضجرت عليه يوما فقال: أمرك في يدك.
(2/245)

فقالت: أما والله لقد كان في يدك عشرين سنة فحفظته وما ضيّعته أفأضيعه في ساعة واحدة صار في يدي، قد رددت عليك حقك، فأعجبه قولها.
طلاق السنة
قال الله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ
«1» . وقيل: طلاق السنة أن يطلقها وهي طاهر ثم يدعها حتى تنقضي عدتها أو يراجعها إذا شاء. وروي أن ابن عمر طلّق امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: مره فليراجعها، حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلقها قبل أن يراجعها، وإن شاء أمسكها، فإنها العدّة التي أمر الله بها.
الطلاق الثلاث
قال ابن عباس: كان الطلاق في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث. واحدة، فقال عمر: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم، وروى عكرمة عن ابن عبّاس قال: طلق ركانة امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا فسأله النبي صلّى الله عليه وسلّم كيف طلقتها؟ فقال: طلقتها ثلاثا فقال: في مجلس واحد؟ فقال: نعم. قال: فإنما تلك واحدة فإن شئت فراجعها. وقال ابن عباس: إنما الطلاق عند كل طهر فتلك السنة التي عليها الناس والتي أمر الله بها.
أحوال الطلاق
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ثلاث ليس فيهن لعب من تكلم بشيء منهن لاعبا فقد وجب عليه الطلاق والعتاق والنكاح. وأما طلاق المكره فغير واقع لقوله صلّى الله عليه وسلّم: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وقال صلّى الله عليه وسلّم: لا طلاق في إغلاق. وقال: لا طلاق لامرئ في ما لا يملك، ولا عتاق فيما لا يملك، وروي: من طلق ما لا يملك فلا طلاق له.
منع الزوج منها بعد الثلاث
إذا طلق الرجل المرأة ثلاثا، فلا يحلّ له أن يراجعها حتى تنكح زوجا غيره قال الله تعالى: فَلا تَحِلُّ لَهُ
«2» (الآية) وروي أن رفاعة القرظي طلق امرأته فبت طلاقها، فتزوجها بعد رفاعة عبد الرحمن بن الزبير، فجاءت إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله إني كنت عند رفاعة فطلّقني وإنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب فتبسّم النبي صلّى الله عليه وسلّم وقال: لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك. وأبو بكر جالس عند النبي صلّى الله عليه وسلّم وخالد بن سعيد بن العاص جالس على باب الحجرة لم يؤذن له، فطفق خالد يتأذى ويقول: ألا تزجر هذه عمّا تجاهر به الرسول صلّى الله عليه وسلّم. وروي أنها جاءت بعد فأخبرته أن قد مسّها فقال: اللهم إن كان ما بها إلا أن تحلها الرفاعة فلا تتم لها نكاحه مرة أخرى فلم يتفق
(2/246)

تزوجه بها. وسئل صلّى الله عليه وسلّم عن المحلل فقال: لا إلّا نكاح رغبة ولا مستهزئ بكتاب الله لعن الله المحلّل والمحلّل له، وفي حديث آخر المستحل والمستحل له.
مراجعة المرأة
روى عن أنس قال: طلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حفصة فرجعت إلى أهلها فأنزل الله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ
«1» . وقيل له: راجعها فإنها صوّامة قوّامة وأنها إحدى نسائك وأزواجك في الجنة.
ذمّ المريدة لطلاق زوجها والمختلعة
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: أيّما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس، حرم الله عليها رائحة الجنة وروي أن حبيبة كانت تحت ثابت بن قيس فكرهته، فجاءت إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالت: لا أنا ولا ثابت، ولولا مخافة الله لبصقت في وجهه. فقال: أتردين عليه الحديقة التي أصدقك؟ قالت:
نعم. فجمع بينهما فردت عليه الحديقة وفرّق بينهما. فكان أول خلع وقع في الإسلام.
العدّة
كانت المرأة إذا مات زوجها تعمد إلى أخشن ثيابها فتلبسه وتقعد في البيت سنة، فإذا كان رأس الحول خرجت ورمت ببعرة على حمار وقالت: قد حللت الآن. ثم أنزل الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً
«2» (الآية) وروى أن امرأة توفي عنها زوجها فشكت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنها اشتكت عينها فهل لها أن تكتحل؟ فقال: كانت إحداكنّ تمكث في بيتها في شر أحلاسها حولا، فإذا مر كلب رمته ببعرة ثم خرجت أفلا أربعة أشهر وأما عدة المطلقة فثلاثة قروء. وعند الشافعي رضي الله عنه القرء الطهر، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه الحيض. وأهل اللغة يعدون هذه اللفظة من الأضداد وقوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ
«3» في المطلقة والمتوفى عنها جميعا.
الظهار والإيلاء
كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: أنت عليّ كظهر أمي حرّمت عليه. وكان أول من ظاهر في الإسلام أوس ابن الصامت وكانت ابنة عم له تحته يقال لها خولة فظاهر منها فسقط في يده، وقال: ما أراك إلا قد حرمت عليّ فانطلقي إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فسليه فأتته صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا خولة ما أمرنا في أمرك بشيء فأنزل الله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها
«4» ، فقال لها ادعى زوجك فدعته فقال: هل تجد رقبة تعتقها؟ فقال: لا أملك رقبة غير هذه، وضرب بيده على عنقه فقال له: تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين، فقال إذا لم آكل في اليوم ثلاث
(2/247)

مرات غشي عليّ، فقال: أطعم ستين مسكينا فقال والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا وحشا ما لنا طعام. فدفع إليه خمسة عشر صاعا فقال ما بين لابنيها أحوج إليه منّي فقال: كله أنت وعيالك. والإيلاء هو أن يحلف أن لا يجامع امرأته أربعة أشهر وما كان دون ذلك فليس بإيلاء ومتى حلف كذلك فقد قال الله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ
«1» الآية.
(3) وممّا جاء في العفّة
قال صلّى الله عليه وسلّم: من حفظ ما بين لحييه ورجليه دخل الجنّة. وقال: من وقي شر لقلقه وقبقبه وذبذبه فقد وقى شرة الشباب.
وسئل عن أكثر ما يدخل الرجل النار فقال: الأجوفان الفم والفرج. وقيل لبطليموس: ما أحسن أن يصير الإنسان عما يشتهي؟ فقال: أحسن منه أن لا يشتهي إلا ما ينبغي، وقيل في قوله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
«2» قيل: هو الرجل يخلو بالمعصية فيتركها خوفا من الله رجاء ثوابه وخوف عقابه.
وقال ابن عباس: الشيطان من الرجال والنساء في ثلاثة منازل في النظر والقلب والفرج.
وقال صلّى الله عليه وسلّم: العينان تزنيان والرجلان تزنيان ويحقق كل ذلك الفرج. وكان طاوس تمثلت إليه امرأة تراوده فواعدها يوما إلى رحبة المسجد فلّما حضرت إليه قال: إنخضعي. قالت: ههنا قال: نعم إن الذي يرانا ههنا يرانا في الخلا فاقشعرت المرأة وانزجرت وتابت.
من تعفّف عند مشارفة بلوغ الشهوة
قال الله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها
«3» ، لولا أن رأى برهان ربه. واجتمع بعض الأعراب بامرأة فلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة ذكر معاده، فاستعصم وقام عنها، وقال: إن من باع جنّة عرضها السموات والأرض بمقدار فتر بين رجليك لقليل البصر بالمساحة.
وكان سليمان بن يسار مفتي المدينة من أحسن الناس وجها فدخلت إليه امرأة فسامته نفسه وقالت: إن لم تطاوع لأخبرنّ الناس أنك فعلت ولأفضحنك. قال: نعم وتركها في البيت وخرج وفرّ ثم رأى في منامه يوسف عليه السلام فقال له: يا يوسف أنت الذي هممت فقال له: وأنت الذي لم تهم.
وقال رجل لسقراط: إني تفرست فيك أنك تميل إلى الزنا فقال له صدقت فراستك إني أشتهيه ولكني لا أفعله. وقلت لبعض المتصوفة إنك لوطي فقال: ما تقول في لص لا
(2/248)

يسرق هل يلزمه القطع؟ ومرّ القس بسلامة المدنية وهي تغني فأعجبته وطرب وقال: والله إني أحبك. فقالت: نفسي بين يديك فما يمنعك؟ فقال: يمنعني قول الله تعالى الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين، وأخاف أن تكون خلتنا اليوم عداوة يوم القيامة.
امرأة تعرّض لها رجل فدعته إلى العفاف
قال أعرابي: خرجت في ليلة بهيمة فإذا أنا بجارية كأنها علم فراودتها فقالت: أما لك زاجر من عقل إن لم يكن لك ناه من دين؟ فقلت: أنه لا يرانا إلا الكواكب فقالت: وأين مكوكبها؟ ونزل أسدي بطائيّة في يوم صائف فاتته بقرى «1» ففتنته بعينيها من وراء البرقع فراودها «2» ، فقالت: أما يردعك الكرم والإسلام؟ كل وأقل وإن أردت غير ذلك فارتحل.
وروي أن أبرويز راود امرأة على الفجور، فقالت: أيها الملك إن المرأة طبعت على ثلاثة أجزاء من الإنسانية فإذا افتضت ذهب جزء، وإذا حبلت ذهب جزء وإذا ولدت ذهب جزء، وقد أبيت عن ذلك. فأنا أعيذ الملك أن يخرجني من حد الإنسانية.
وقيل: انقطع بعض أولاد الملوك عن أصحابه ودخل إلى منزل امرأة فراودها، فقالت: حتى نتغذى. فوضعت له خوانا عليه عشرون سكرجة «3» كلها كامخ فذاقها فرآها لونا واحدا، وطعما واحدا ففطن إلى أنها تشير إلى أن النساء لون واحد وأن الذي معها مع زوجته، فانكفّ عنها.
الممدوح بذلك
قال شاعر:
خلوت بها ليلا ولم أقض حاجة ... ولست على ذاك العفاف بنادم
قال المتنبيّ:
عفيف تروق الشمس صورة وجهه ... فلو نزلت يوما لحاد إلى الظلّ
وقال:
كم حبيب لا عذر في اللوم فيه ... لك فيه من التّقى لوّام
وسمعت امرأة رجلا ينشد:
وكم ليلة قد بتّها غير آثم ... بمهضومة الكشحين ريّانة القلب
قالت له: خزاك الله ألا تأثمت.
من تعفّف عن امرأة حراما فأوصله الله إليها حلالا
كان لأمير المؤمنين عليه السلام جارية وعلى بابها مؤذن إذا اجتازت به يقول لها: أنا
(2/249)

أحبّك فحكت الجارية لأمير المؤمنين فقال لها: قولي له وأنا أحبك، فماذا؟ فقالت له، فقال: نصبر إلى يوم يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب. فأخبرت أمير المؤمنين بذلك فدعاه وقال: خذ هذه الجارية فهي لك.
صعوبة الأمر على من اجتمع فيه العفّة والغزل
نظر محمد بن عبد الله بن الحسين إلى امرأة جميلة فأعجبته، فقال:
أهوى هوى الدين واللذّات تعجبني ... فكيف لي بهوى اللذات والدّين
فقالت يا هذا دع أحدهما تنل الآخر. قال المتنبيّ:
إذا كنت تخشى العار في كلّ خلوة ... فلم تتصبّاك الحسان الخرائد «1»
متى يشتفي من لاعج الشوق في الحشى ... محبّ له في قربه متباعد
المتعفّف عن الجارة
مرّ سفيان بن عيينة بدار فسمع قينة تغني:
ما ضرّ قوما كنت جارهم ... أن لا يكون لبيتهم ستر
ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي ينزل القدر
فدقّ الباب وقال مثل هذا علموا فتيتكم.
قال حاتم الطائي:
وما تشتكيني جارتي غير أنّني ... إذا غاب عنها زوجها لا أزورها
سيبلغها خيري فيرجع بعلها ... إليها، ولم ترسل عليها ستورها
وقال:
ربّ بيضاء فرعها يتثنّى ... قد دعتني لوصلها فأبيت «2»
لم يكن بي تحرّج غير أنّي ... كنت خدنا لزوجها فاستحيت «3»
قال أبو تمّام:
بيضاء كان لها من غيرها حرم ... ولم يكن يستحلّ الصيد في الحرم
التغازل بالنظر والقول دون الفعل
قيل لأعرابي: ما الزنا عندكم؟ فقال: الشمّة والضمّة والقبلة. فقيل: لكن أهل القرى يعدون ذلك المباضعة فقال: ليس ذلك زنا إنما هو طلب ولد. وقالت جارية لرجل:
إن كانت الغلمة هاجت بكم ... فعالج الغلمة بالصّوم
(2/250)

ليس بك الحبّ ولكنّما ... تدور من هذا على الكوم «1»
وقيل: إن عمر بن أبي ربيعة لما اشتدّ به المرض بكى أخوه فرفع طرفه وقال: لعلك تشفق مما قلته في شعري؟ قال: نعم. قال: عتق ما أملك أن وطئت امرأة حراما قط.
فقال: الحمد لله هوّنت عليّ.
وقال أبو زيد: كان الرجل إذا عشق جارية فراسلها سنة رضي بأن تمضغ علكا فتبعثه إليه، والآن لا يرضى ألا أن يشيل رجليها كأنه قد أشهد على نكاحها أبا هريرة وحزبه.
وقال أعرابي: خلوت الليلة بفلانة فكان القمر يرينيها فلّما غاب خلفته. قيل: فما جرى؟ قال: الإشارة بغير بأس والتقرب بلا مساس.
قال ابن طباطبا:
فطربت طربة فاسق متهتّك ... وعقدت حبوة ناسك متحرّج
والله يعلم كيف كانت عفّتي ... ما بين خلخال هناك ودملج
قال العباس بن الأحنف:
أتأذنون لصبّ في زيارتكم ... فعندكم شهوات السمع والبصر
لا يضمر السوء إن طال الجلوس به ... عفّ الضمير ولكن فاسق النّظر
وقال أبو عيينة:
إن تروني فاسق العينين فالفرج عفيف ... ليس إلا النظر الفاسق والشعر الظريف
وقال الحصين بن سهم:
وما في اكتحال العين بالعين ريبة ... إذا عفّ فيما بينهنّ السّرائر
امرأة شارفت شهوة فارتدعت لكرم أو ديانة
حكي أن امرأة عشقت فتى فدعاها يوما فأجابته فغنّى مغنّ عندهما:
من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها ستارا «2»
فلما سمعت ذلك أبت إلا الخروج ثم بعثت للرجل بألف دينار وقالت: هذا مهري، فإن أردتني فأخطبني من أبي.
واشترى عبد الملك جارية فلما خلا بها، قالت: يا أمير المؤمنين ما منزلة أرفع منزلة من منزلة هذه. ولكن القيامة لها خطر. إنّ ابنك فلانا كان قد اشتراني وخلا بي ليلة فلا يحلّ لك مسّي. فاستحسن قولها وولّاها أمر داره.
عفيفة ألقت بريبة عن نفسها
لما أكثر الأحوص التشبيب بأم جعفر الخطميّة جاءته يوما متنقبّة وهو في نادي قومه،
(2/251)

فقالت: إدفع لي ثمن الأغنام التي ابتعتها منّي فقال: والله ما ابتعت منك شيئا. فقالت لقومه: قولوا له لا يجحد الحق. فقالوا: إن كان حق فلا تجحدنّه. فقال والله ما عرفتها قط فتكشفت عن وجهها وقالت: لعلك لا تستثبتني، فقولوا له يستثبتني فقالوا له: فقال:
والله ما عرفتها قطّ ولا رأيتها ولا شاهدتها، فقالت: مالك تشبب بي وتفضحني؟ فخجل وانزجر ولم يعد وكذّبته عشيرته.
امرأة لطيفة القول بعيدة التناول
قال شاعر:
يحسبنّ من لين الحديث زوانيا ... ويصدّهنّ عن الخنا الإسلام
ومرّ عبد الله بن جعفر بامرأة مزيّنة مطيّبة جالسة على باب دارها وفي يدها سبحة، فقال: ما التسبيح بمشابه لحالك؟ فأنشدت:
ولله عندي جانب لا أضيعه ... وللهو منّي جانب ونصيب
ولست أبالي من رماني بريبة ... إذا كنت عند الله غير مريب
وقال علي بن الجهم:
وقلن لنا نحن الأهلّة إنّما ... نضيء لمن يسري بليل ولا نقري
فلا بذل إلا ما تزوّد ناظر ... ولا وصل إلا بالخيال الذي يسري
وزاد أبو سعيد الرستمي فقال:
وحسناء لم تأخذ من الشمس شيمة ... سوى قرب مسراها وبعد منالها
وقال المتنبيّ:
كأنّها الشمس تعي كفّ قابضها ... لبعدها ويراها الطرف مقتربا
مدح المرأة العفيفة
قال الشنفرى «1» :
لقد أعجبتني لا سقوط قناعها ... إذا ما مشت ولا بذات تلفّت
كأن لها في الأرض نسيا تقصّه ... على أمّها أو إن تكلمك تنكت
وقال جميل:
خود من الخفرات البيض لم يرها ... بسدّة البيت لا بعل ولا جار
(2/252)

وقال حسّان:
حصان رزان ما تزن بريبة
وقال الموسوي:
دون القباب عفاف مع خلائقها ... والصوت تحفيظ ما لا تحفظ الخيم
وكانت قرشية رأى شعرها رجل فحلقته وقالت: لا أريد شعرا اكتحل به نظر غير ذي محرم.
من تجنّب العفة فاستوخم عقبى «1» أمره
من ذلك خبر يسار الكواكب، وهو عبد تعرض لابنة سيده فقالت له: يا يسار شرب من هذا السمار وقل في ظل الأشجار وإيّاك وبنات الأحرار. فلما أبى دعته إلى نفسها، وكانت قد أعدت موسى فجبت به مذاكيره، فصار مثلا.
وكان أبرويز اختبر رجلا فرآه زانيا خائنا فوسمه بسمة الزناة ونفاه من المدائن فأخذ موسى وجب نفسه وقال: من أطاع عضوا صغيرا فسدت سائر أعضائه فمات من ساعته.
(4) وممّا جاء في الغيرة والتديث
«2» مدح الغيرة
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لا خير فيمن لا يغار. وقيل: كلّ حب بلا غيرة فهو حب كذاب.
وقيل: لا كرم في من لا يغار. وقال قيس بن زهير لما تزوّج في غير قومه لامرأته: أنا غيور فخور أنف ولكني لا آنف حتى أضار، ولا أخفر حتى أفاخر، ولا أغار حتى أرى.
وإنما عنى رؤية الإمارة لا رؤية المواقعة ودخول الليل في المكحلة.
الحثّ على حفظ النساء
إنّ الكريمة ربّما أزرى بها ... لين الحجاب وضعف من لا يحزم
وكذاك حوضك إن أضعت فإنه ... يوطأ ويشرب ماؤه ويهدم
مدح ترك الإفراط في الغيرة
قيل: كثرة الغيرة إضجار وقلتها اغترار. وقال معاوية رضي الله عنه من السؤدد الضلع واندحاق البطن وترك الإفراط في الغيرة، قال مسكين الدارمي:
ألا أيّها الغاير المستشيط ... على من تغار إذا لم تغر
فما خير عرس إذ خفتها ... وما خير بيت إذا لم يزر
(2/253)

يغار على النّاس أن ينظروا ... وهل يفتن الصالحات النظر
فإنّي سأخلي لها بيتها ... فتحفظ لي نفسها أو تذر
قال الخالدي: ما أراه إلا وكان يقول بالإباحة وإلا فلم يجوّز ما يأنف منه الأحرار.
وقيل: إتهام الرجل المرأة في غير موضع التهمة يدعوها إلى ارتكابها.
ترك الغيرة على القيان والتمدح بذلك
أتى معاوية رضي الله عنه بالفيل فصعد سطحا ليرى الفيل فلما أشرف رأى في خزانة رجلا مع جارية له، فقال لها: يا فلانة هذا أخوك الذي كنت تذكرينه؟ قالت: نعم فقال:
أصعد أيها الرجل فصعد، فقال: أعجزتك الأماكن كلها إلّا داري أتراك عائدا؟ قال: لا.
فقال معاوية وعلى من يخرج هذا الحديث لعنة الله.
قال شاعر:
لا تغارنّ على جارية ... إنما الغيرة من سوء الخلق
إقض أوطارك منها ثم قل ... إنما أنت لمرّار الطرق
وقيل لبعض عشاق قينة: ألا تغار عليها؟ فقال: إمنع الناس عن ورود الفرات، وأنشد:
وإذا ما أردت أن تمنع النا ... س ورود الفرات كنت بغيضا
وقال آخر:
أأمنع من وادي زبالة شربة ... وقد نهلت منه الكلاب وعلّت
وكتب باج إلى غلام يعشقه وكان قد تهدّده بمواصلة غيره، فقال:
لا تمنعنّ حمى إزارك سيدي ... خلقا من البيضان والسّودان
فليبلغنّك من جميل تغافلي ... ما لم تبلغ قطّ من كشحان
مالي أروّع بالقروع كأنّني ... في النّاس أول عاشق قرنان
قال الخبزارزي:
قالوا تحبّ فلا تغار فقل لهم ... لا يمنع الماعون عندي من عقل
إن مسّه دنس الإجارة مرّة ... فالماء يغسل عذر ذاك إذا اغتسل
منع المرأة من الاكتحال برؤية الرجل
قال عمر: ولأن يرى امرأتي ألف رجل أحب إليّ من أن ترى امرأتي رجلا واحدا، وحج الأشجعي بامرأته فنظر إلى الناس يوم التروية فهاله كثرتهم فقال: إن رجلا يدخل امرأته وسط هؤلاء لمجنون وضرب وجه راحلته وعاد ولم يحج، وقال:
وليس بحرّ من يوسّط زوجة ... له بين أهل الموسم المتقصد
(2/254)

وفيهم رجال كالبدور وجوههم ... فمن بين ذي ظرف كثير وأمرد
وفي غيرة النساء
روي في الخبر: أيما امرأة غارت فصبرت دخلت الجنة. وقيل: غيرة النساء أشد من غيرة الرجال. وقيل: هذا خطأ فليس ما ينال المرأة إذا رأت امرأة على فراش زوجها، من جنس ما ينال الرجل إذا رأى رجلا على فراش امرأته.
تزوّج رجل من همدان بنت عمه وكان محبا لها فلم يلبث أن ضرب عليه البعث إلى أذربيجان فأصاب بها خيرا واستفاد جارية تسمّى حبابة وفرسا يقال له الورد. فلما قفل القوم امتنع من القفول وقال أخشى أن امرأتي تمنع عليّ جاريتي، وإني لمشغوف بها، ثم قال:
ألا لا أبالي اليوم ما صنعت هند ... إذا بقيت عندي حبّابة والورد
شديد مناط المنكبين إذا جرى ... وبيضاء مثل الرّيم زيّنها العقد
فسمعت بذلك المرأة فكتبت إليه:
ألا فاقره منّي السلام قل له ... غنينا بفتيان غطارفة مرد «1»
إذا شاء منهم ناشئ مدّ كفّه ... إلى كفل ريّان أو كاعب نهد
فأرسل لنا منك السراح فإنّه ... منانا ولا ندعو لك الله بالردّ
إذا رجع الجند الذي أنت فيهم ... فزادك ربّ النّاس بعدا إلى بعد
فلّما وصل إليه الكتاب باع الجارية وبادر إليها فرآها معتكفة في مصلاها فقال: ما فعلت؟ فقالت: معاذ الله أن أركب محرّما ولكني أردت أذيقك طعم الغيرة كما أذقتني.
وكان رجل بالكوفة متزوجا بابنة عمه وله ضيعة بالبصرة يخرج إليها في كل سنة، فتزوج امرأة بالبصرة فسقط خبرها إلى ابنة عمه فكتبت يوما كتابا عن أم البصرية تعزّيه في ابنتها وتستعجله لقسمة ميراثها ودفعته إلى رجل غريب وأمرته أن يوصله إليه خفية فلما قرأه تجهّز، وقال: إنّ أمر ضيعتي بالبصرة قد تشعّث، ولا بد من أن ألم بها. فقالت المرأة: كم تقول البصرة؟ أحسبك ذا امرأة بالبصرة تشتاق إليها أحلف لي بطلاق كل زوجة لك بالبصرة. فقال الرجل في نفسه: وما يضرني ذلك وقد ماتت امرأتي بها؟ فحلف لها فقالت:
استقر الأمر فلا بأس بالضيعة وأخبرته بالخبر.
جواز نهي الرجل عن التزويج بغير زوجته وخطر ذلك عليه
روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم صعد المنبر يوما فقال: إن بني هشام بني المغيرة استأذنوني أن ينكحوا فتاتهم عليا ألا فلا آذن ثم لا آذن ثلاثا إلا أن يحب عليّ أن يطلق ابنتي وينكح فتاتهم. إن فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها، وقال صلّى الله عليه وسلّم: جدع الحلال أنف الغيرة.
(2/255)

الميل إلى كل ممنوع والرغبة عن كل مبذول
قال ابن الطثرية:
أعاف الذي لا هول دون لقائه ... وأهوى من الشّرب الحريز الممنّعا
قال أبو تمّام:
إني امرؤ أسم الصبابة وسمها ... وتغزّلي أبدا بغير المغزل
غالى الهوى ممّا يرقص هامتي ... ورويّتي الشفف التي لم تنهل
الرغبة عمّن يشركك فيه غيرك
قال شاعر:
تبعتك لمّا كنت عندي ممنّعا ... وأمسكت لمّا صرت نهبا مقسّما
ولا يلبث الحوض الجديد بناؤه ... إذا كثر الورّاد أن يتهدّما
قال دعبل:
قصر الغواية عن هوى قمر ... وجد السبيل إليه مشتركا
وقال:
كيف أصفي الودّ ممّن ... لا آمن الشركة فيه
وقال:
فإن تحملي ردفين لا آل فيهما ... فسيري رويدا لست ممّن يرادف
من غار على محبوبه من غيره
قال شاعر:
أغار عليك من الناظرين ... فلو أستطيع طمست العيونا
قال ابن المعتز:
أغار عليك من قبلي ... وإن أعطيتني أملي
وأشفق إن رأى خدّي ... ك نصب مواقع المقل
وقال جميل بن معمر: ما رأيت مصعب بن الزبير يمشي بالبلاط إلا لحقتني الغيرة على بثينة وهي بالجناب. وكان مالك ابن طوق شديد الغيرة تزوج بامرأة فلم يأذن لأخيها عليها إلا بعد سنة، قال عبد الرحمن بن أحمد بن يوسف:
أغار على قميصك حين تلبسه وأتهمه
قال شاعر:
أغار على نفس لها وتغار لي ... على نفسها إن الهوى لعجيب
على أننا لم ندن يوما لريبة ... ولا مثلنا فيمن يريب مريب
(2/256)

وقال الخبزارزي:
إنّي لأحسد ناظري عليكا ... حتّى أغضّ إذا نظرت إليكا
الصائن محبوبه عن ذكره عند الرّجال
وقال الحكيم بن نسير:
ولست بواصف أبدا خليلا ... أعرّضه لأهواء الرّجال
وما بالي أشوّق عين غيري ... إليه ودونه سجف الحجال
كأنّي أشتهي الشركاء فيه ... وآمن فيه تغيير الليالي
من رضي بميل محبوبه إلى غيره
قال علي بن عبد الله بن جعفر:
ولمّا بدا لي أنّها لا تحبّني ... وأنّ هواها ليس عنّي بمنجلي
تمنيت أن تهوى هواي لعلّها ... تذوق صبابات الهوى فترقّ لي
فعبر بهذا حتّى أنه كان يسمى المتديّث في شعره. قال: وكنت محبوسا في بعض الأحايين فجاء رجل إلى باب السجن، فقال أين المتديث في شعره؟ فقلت: لئن كان مني ذلك القول فإني أقول:
ربّما سرّني صدودك عنّي ... وإذا ما خلوت كنت التمنّي
وأنشد بحضرة عبد الملك بن مروان قول نصيّب:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فيا حربا ممن يهيم بها بعدي «1»
فقال بعض من حضر لقد أساء القول بل كان ينبغي أن يقول:
أوكل بدعد من يهيم بها بعدي
فقال هذا أشرّ من الأول، بل يقال:
فلا صلحت دعد لذي حلّة بعدي
حكم لقاء الرجل بحرمته منكرا
قال عبد الله كنا في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذ دخل رجل فقال: أرأيتم إن وجد الرجل مع امرأته رجلا فتكلم به جلد ظهره، وإن قتل قتل وإن سكت سكت على غيظه. فقال:
اللهم افتح فجعل يدعو فأنزل الله تعالى آية اللعان- وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ
«2» (الآية) فجاء هو وامرأته إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فتلاعنا، فلما التفت قال: أنظروا فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الإليتين خدلج الساقين فلا أحسب عويمر إلا وقد
(2/257)

صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أحسب عويمر إلّا وقد كذب.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لرجل سأله عمن رأى رجلا مع امرأته: كفى بالسيف شيئا، أراد شاهدا فسكت تفاديا من أن تسبق الغيرة إلى الغيرة فيرتكبوا من ذلك محظورا.
الرّضى بالتديّث
روي أن رجلا قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم إنّ امرأتي لا ترّد يد لامس. قال: طلّقها. قال إني أحبها قال: فأمسكها إذا. وقال الجاحظ: إن جماعة من الرافضة يقولون بالوقاية إذا اعتلت امرأة أحدهم، استعار امرأة غيره بشريطة أن لا يتعرض للفرج بل لما دونه. ولما ملك قباذ خرج مزدك فدعا الفرس إلى الزندقة فقال: تبادلوا النساء والأموال فأجابوه.
ودخل يوما مزدك فرأى أم أنو شروان فسأل قباذ أن يدفعها إليه فقبل قباذ وجلّه أن يتجافى عنها ففعل. فلما مات قباذ وتولى أنو شروان دخل مزدك فأمر أن يقتل. وقال: ما ذهبت ريح جورك من أنفي بعد فقتله وقتل مائة ألف من الزنادقة في غداة واحدة.
وقال رجل لآخر: امرأتك قد كثر نائكوها فقال لو ناكها أهل مني ما ازدادت إلا حظوة عندي. وقالت امرأة لزوجها: يا ديوث يا مفلس، فقال: واحدة من الله وواحدة منك فما ذنبي أنا.
في التزوّج برقيقة الحافر أو متّذوقة
قال أبو الشمقمق لمن أراد التزوج: تزوج بقحبة فقال: ما هذا؟ فقال: إسمع. القحبة تكون أملح وأحرى بأن تكون عالمة بما يحبه الرجال وتأخذ نفسها بالتنظيف، ومتى قلت لها يا زانية لم تأثم، ثم إنها تجتهد أن لا تأتيك بولد ثم أنها تعرف أنك تعرفها فلا تتكبر.
وفي أخبار أبرويز أنه انقطع يوما عن عسكره فدخل قرية، وكان بها له ابنة، يقال لها شيرين في نهاية الجمال، فتزوج بها ثم لحقه عسكره فتكلم فيه فصنع طعاما فأكلوا. ثم أحضر لهم شرابا ثخينا يطوف به غلمان سود فعافوه، فطاف بصاف مع حسان فشربوا، وعلموا أنه يشير أن شيرين إنما اصطفاها بعد الطهارة.
المغير بفساد الحرمة
. قال ابن طباطبا في أبي علي الرستميّ:
أغلق الرستميّ باب حديد ... حلقة الباب من قبيح اللقاء
إنّ دار الرجال وجهك يكفي ... ها فعلّقه باب دار النّساء
وكان بعض القضاة اتهم ابنته برجل فأخذه وضربه وحضر مجلس الوزير ابن الزيات، فقال:
فيا أهل ليلى كيف يجمع شملها ... وشملي وفيما بيننا شبّت الحرب
لها مثل ذنبي اليوم إن كنت مذنبا ... ولا ذنب لي إن كان ليس لها ذنب
(2/258)

فنكس القاضي رأسه وعلم أنه المعني.
قال بعضهم:
يا إخوتي إنّ القيامة دانيه ... زان يحدّ ولا تحدّ الزانيه
إن كان هذا في الحكومة جائزا ... مستعملا زنت النّساء علانيه
قال الخوارزمي:
زفّت إليك صديقة ... لفتى فصرت له شريكا
فعليك كلّ مؤنة ... وعلى شريكك أن ينيكا
قال أبو علي البصيري وهو من الغايات في هذا الباب:
أمست كشاحنة الدنيا بأجمعها ... بيادقا وغدوت الرخّ والشاها «1»
وقال آخر:
دهتك بعلّة الحمّام خود ... ومالت في الطّريق إلى سعيد
أرى أخبار بيتك عنك تطوى ... فكيف ولّيت ديوان البريد
قال عمر بن سعدان:
سألت زوجها الخروج إلى الح ... قّ ويا ربّ باطل في الحقوق
وأقامت بمأتم اللهو لا مأ ... تم شقّ الشّنوف والتمزيق
وقال ابن عبّاد:
أيا بدر تزوجت العفيفه ... سخيف قد تجمّع مع سخيفه
فتاة لو ينادي نائكوها ... لكانت، جيشها جيش الخليفه
إذا ما غاب يوما عن ذراها ... يبيت لها بن عمّ في القطيفه
المعروفة أن أولادها من غير زوجها
أبو عمر السراج في أبي العيناء:
جاد أبو العيناء فيما اشتهى ... من لذّة العيش بلا مرزيه
ينيك من يختار من أهله ... ويحصل الأعمى على التريبه «2»
وتزوج رجل بامرأة فأتت بولد من ستة أشهر فقال ما هذا؟ فقالت بنيت جدارك على أسّ غيرك. وقال بعضهم: رأيت رجلا ومعه ابن لا يشبهه فقلت له: إن ابنك هذا لا يشبهك، فقال: وهل تدع جيراننا أولادنا تشبهنا.
(2/259)

قال كشاجم:
ولدت ليلة الزفا ... ف إلى بعلها ذكر
قلت من أين ذا الغلا ... م وما مسّها بشر
قال لي بعلها ألم ... يأت في مسند الخبر
ولد المرء للفرا ... ش وللعاهر الحجر
قلت هنيته على ... رغم من خالف الأثر
قال عبدان:
والمنتمون إليه من أولاده ... الله يعلم أنّهم أولادي
وقال مثقال:
لك أنثى تزيف في كلّ عش ... وتربّي الفراخ في أعشاشك
وقال أبو تمّام وقد قلب المعنى:
لو كان حصنا بابه وجداره ... قلت بنوها عنده وبناتها
إن البلاد إذا السيول تعاورت ... ساحاتها عمّ الفضاء نباتها «1»
من رأى حرمته على مكروه فلم ينكره
دخل رجل على امرأته فرأى عندها رجلا كانت تعرف به. فقال له الزوج: أقلل الاجتماع معها فإن الناس يذكرونك بها. فقال له: لا يجوز لهم ذلك حتى يروا الميل في المكحلة.
وكان رجل يأتي امرأة فقالت له يوما وهو يواقعها: إن الناس يتهمونني بك، فقال لها: ما عليك أن تؤجري ويأثموا. ودخل رجل على امرأته فرآها تحت رجل فلما فرغ منها العشيق أخذ الزوج ينيكها ويقول له: أنظر إلى عشيقتك تحتي.
من حمل على امرأته وصديقته
قال الرقاشي في دعبل:
لدعبل حرمة يمت بها ... ولست حتّى الممات أنساها
أدخلنا داره فأكرمنا ... ودسّ لي امرأته فنكناها
قال فلما سمع دعبل قال لو قال: المتخلف: فعفناها كان أبلغ في الهجاء وأعفّ وقوله: فعفناها أقرب من قول الراعي:
فلما قضينا من رباب لبانة ... أرادت إلينا حاجة لا نريدها
(2/260)

قال دعبل في الرقاشي:
إن الرّقاشي من تكرّمه ... بلغه منه منتهى هممه
يبلغ من برّه ورأفته ... حملان إخوانه على حرمه
قال ابن الرومي:
يدخل في زوجته ... أير سواه بيده
قال ابن الحجّاج:
لي حرّيف أفديه في كلّ حال ... فهو والله من سراة الرّجال «1»
بتّ مع عرسه وكان هو الثا ... لث في ليلة تسود الليالي
فتكرهت قربها أي بأنّي ... رجل لا أريد غير الحلال
ورأى حشمتي فقال حبيبي ... ليس هذا طريق نيك عيالي
تشتهي أن تكون في صورة العب ... د وإلا في صورة الأنذال
فابق إني رأيت مثلك لا يح ... رز في صحفه طيور الرجال
من تعرّض لصاحبه فجاوبه بما فيه قذف حرمه
قال الفرزدق لكثيّر وأراد أن يعبث به: أكانت أمّك بالبصرة وأنا بها؟ قال: لا ولكنّ أبي كان فيها مع أمك، وكان يكثر الثناء عليها ويقول رحمها الله تعالى، فقال الفرزدق: هذه عاقبة من تكلّم فيما لا يعنيه.
وقال الفرزدق لزياد الأعجم أتكلمت يا أقلف «2» ؟ فقال: ما أسرع ما أخبرتك أمك رحمها الله تعالى.
وقال ابن سميّة للربيع بن قعنب:
لقد رأيتك عريانا ومؤتزرا ... فما علمت أأنثى أنت أم ذكر
فقال: لكن سمية قد علمت.
وقال إنسان لجرير: أنت تقذف المحصّنات، قال: لكن أمّك لا يصيبها من ذلك شيء.
وقال عمر بن عبيدة: متى عهدك بالزنا؟ فقال: مذ ماتت عرسك رحمها الله. وقال معاوية لعقيل بن أبي طالب رضي الله عنهما: إن فيكم لشبقا يا بني هاشم، فقال هو منّا في الرجال ومنكم في النساء. وقال مدني لمخنّث: مرّ بي ولا عبني كيف كنت يا أخي البارحة؟
فقال ما لقي إست أختك البارحة حتى تركت السوق وتمنيت الموت. ومرّ رجل بأكّار فقال:
لو أن هذه المزرعة تنبت أيورا أين كنت تقعد؟ قال كنت أعمد إلى حزمة فأجعلها في حر «3» أمك وأقعد مكانها.
(2/261)

التعيير بالأكل من كسب امرأته
قال شاعر:
جواريك أطعمنك السكّرا ... وأنزلنك المنزل الأكبرا
ولولا جواريك ما أطعمو ... ك على قبح وجهك إلا خرا
وكان رجل له امرأة تتكسب وتطعمه فطلقها وتزوج عفيفة فلم يجد ما كان يجده فذكر لها ذلك، فجاء يوما فوجد طعاما وشرابا فقال من أين هذا؟ فقالت: زارنا فلان فأكل وشرب وجامع وحمل إلينا طعاما وشرابا وحلواء وهذا نصيبك. فقال: إذا تعاطيت مثل هذا فإياك وإخباري وتفاصيل ما يجري فإني غيور.
من ذكر حظوته عند حرمة صاحبه
قال منصور بن باذان:
لئن كنت عندك لا قدر لي ... فعند عيالك في المخنقه
وإن كنت عندك ذا تهمة ... فإنّي بعرسك عين الثّقة
من قذف امرأته برجل فرأى حقيقة ذلك
وقع بين مزبد وبين رجل خصومة فقال الرجل: أتخاصمني وقد نكت امرأتك كذا كذا مرة. فرجع إلى إمرأته فقال: أتعرفين فلانا؟ فقالت: أبو فلان فقال: ناكك والله. وقال أبو عمرو بن العلاء أقبلت من مكة ومعي جمّال فجعل يقول:
يا ليت شعري هل بغت عليه
فسمع رجلا يقول:
نعم بغت وناكها حجيه
فرجع إلى إمرأته وقال لها أتعرفين فلانا؟ فقالت: ما زال لنا متعهدا وفي حاجاتنا سريعا فأحس بالشرّ فنظر فإذا الرجل في مقال: إذهبي فأنت طالق.
وصف المرأة الفاسدة
تقول هي رقيقة الجافر وهي واسعة الحبل، قال شاعر:
ألمّا على دار لواسعة الحبل ... ألوف تسوّي صالح القوم بالرذل
ولو شهدت حجّاج مكّة كلّهم ... لأمسوا وكلّ القوم منها على وصل
وقال:
وما هي إلا نظرة وتبسّم ... فتبذل رجلاها وتسقط للجنب
وقال:
فلا تكثري قولا منحتك ودّنا ... فقولك هذا للفؤاد مريب
(2/262)

تعدّين ما أوليتني منك نائلا ... وللقابس العجلان منك نصيب «1»
وقال:
تصاحب في اليوم القصير ثلاثة ... فإن زاد شيئا أكملتها برابع
وكنت أسمّيها النوار فأصبحت ... لديّ وقد كنّيتها أمّ جامع
نوع من ذلك
تشاجر رجلان من حمص في امرأتيهما أيتهما أحسن فرآهما القاضي فأقبل على أحدهما فقال نيك امرأتك في إستها أحب إليّ من نيك امرأة هذا في حرّها فأقبل المحكوم له على رفيقه وقال: ألم أقل لك وقال جرير للأحوص أنت القائل:
يقرّ بعيني ما يقرّ بعينها
قال: نعم. قال: إنه يقرّ بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر أفيقرّ بعينك ذلك؟
فأفحمه.
قيل: لا يمنع مرعى عرسه من أباح حمى نفسه. وقيل لأعرابيّ هل بامرأتك حبل؟
فقال: لا أدري والله ما لها ذنب فتشول به وإني لا آتيها إلا ضيعة تمّ الحد ولله الحمد.
(2/263)

الحدّ السادس عشر في المجون والسخف (*)
__________
(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: حذفتُه من النسخة الإلكترونية لفحشه
(2/264)

الحدّ السابع عشر في خلق الإنسان
(1) الخلقة المستحسنة عند العرب
قيل لأعرابي: ما الجمال؟ قال: ضخم الهامة وطول القامة ورحب الشدق وبعد الصوت. وممّا دل على حمد عظم الرأس ما قال جالينوس: إن الصغير الرأس لا عقل له.
وسئل آخر فقال: غور العينين وإشراق الحاجبين ورحب الشدقين.
وقال:
وصلع الرؤوس عظام البطون ... رحاب الشداق طوال القصر «1»
وقالت امرأة خالد: له إنك لجميل. فقال: كيف تقولين ذلك وما فيّ عمود الجمال ولا رداؤه ولا برنسه. إن عموده الطول ورداؤه البياض وبرنسه سواد الشعر وأنا قصير أسود أشمط، ولكن قولي إنك مليح.
الخلقة الدالة على النجابة أو غيرها
دخل أعرابي على محمد بن سليمان فقال: أكان لك ولد؟ قال: نعم المخش قال:
وما المخش؟ قال: خرطمانيا أشدق إذا تكلم سال لعابه، ينظر بمثل فلسين كأن صدره كركرة «2» بعير وكأنّ ترقوته خالفة، فقأ الله عيني إن رأيت قبله أو بعده مثله وقال رجل لسنان بن سلمة: ما أنت بأرسخ»
فتكون فارسا، ولا بعظيم الرأس فتكون سيدا.
قال شاعر:
تقلب رأسا لم يكن رأس سيّد ... وكفّا ككفّ الضّبّ أو هي أحقر
وقال الزبرقان: أبغض صبياننا الأقيعس «4» الذكر الذي كأنما يطلع في حجر، وإذا
(2/305)

سأله القوم: أين أبوك؟ هرّ في وجوههم. وأحب صبياننا الطويل الغزلة أي جلدة الذكر السبط الغرّة العريض الورك، الأبله الغفول الذي يطيع عمّه ويعصي أمه. إن سأله القوم أين أبوك؟ قال: معكم.
الموصوف بحسن الوجه وإشراقه
فلان كأنه شهاب في ظلمة الليل ساطع وكوكب في أفق السماء لامع، قال ابن عبدل الأسدي:
وكأنّما نظروا إلى قمر ... أو حيث علّق قوسه زحل
وقال ابن العنقاء:
كأن الثريّا علّقت فوق نحره ... وفي أنفه الشعرى وفي وجهه القمر
وقال أوس بن حجر:
يجرّد في السّربال أبيض صارما ... مبينا لعين النّاظر المتوسّم «1»
وقال آخر:
تراه كالبدر جلى ليلة الظّلم
وقال ابن الرومي:
كأنه الشمس إذا وافى المنيف بها ... على البريّة لا نار على علم
الموصوف بالقبح
يقال: أقبح من القبيحة في عين ضرّتها، كما يقال: أحسن من الحسناء في عين أمها، وأقبح من زوال النعمى وفوت المنى وطلعة الردى وأسمج من واو عمرو.
قال شاعر:
ووجهك من وجه يوم الفرا ... ق في مقلتي عاشق، أقبح
لما سمع بشّار قول حمّاد عجرد فيه:
شبيه الوجه بالقرد ... إذا ما عمي القرد
بكى وقال: ألم يكفه تشبيهي بالقرد حتى جعله أعمى. هو يراني فيصفني ولست أراه فأصفه، وقال المتنبّي:
وإذا أشار محدّثا فكأنّه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم
وقيل: أقبح من العزالى «2» ومن زوال النعمة، ومن الحدثان ومن سنة بلا نيل. ووقع
(2/306)

بين الأعمش وبين امرأته وحشة فسأل بعض أصحابه أن يرضيها ويصلح بينهما فدخل عليها وقال: إن أبا محمد شيخنا وفقيهنا فلا يزهدنّك فيه عمش عينيه وحموشة «1» ساقيه وضعف ركبتيه، وقزل «2» رجليه ونتن إبطيه وبخر «3» شدقيه. فقال الأعمش: قم عنا قبّحك الله فقد أريتها من عيوبي ما لم تكن تعرفه وتبصره.
قال ابن الرومي:
يفزّع الصبية الصّغار به ... إذا بكى بعضهم فلم ينم
يقال: هو قراعة في قراح، وخراة في مستراح، وجيء بعيّار إلى بعض الكبار فقال لغلامه: الطم حر وجهه فقال: يا سيدي ليس لوجهه حر لأنه كان قبيحا.
قال آخر:
وجه قبيح حامض ... لو عضّه الكلب ضرس
المعرّض بقبح غيره
رأى خالد بن صفوان الفرزدق فقال: يا أبا فراس ما أنت بالذي لما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن؟ فقال له: ولا أنت بالذي قالت الفتاة لأبيها يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين.
أخذ رجل من لحية آخر شيئا فلم يدع له فغضب فقال: لا تغضب فما منعني أن أقول صرف الله عنك السوء إلا خوفا أن يصرف عنك وجهك فإن السوء كلّه فيه.
وقيل لرجل كيف رأيت فلانا؟ فقال: لو اطلعت عليهم لو ليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا. وقال رجل للفرزدق: ما أقبح وجهك كأنما خلق من أحراح «4» فقال أنظر هل ترى حر أمك فيها.
ونظر رجل قبيح وجهه في المرآة فقال: الحمد لله الذي أحسن خلقي، فقال مخنّث:
أم من يبهت ربه زانية.
وقال ابن مكرم لأبي العيناء يا قرد فقال: وضرب لنا مثلا ونسي خلقه.
القبيح المتغازل
قال إسماعيل القراطيسي:
جارية أعجبها حسنها ... ومثلها في النّاس لم يخلق
قلت لها إنّي محبّ لها ... فأقبلت تضحك من منطقي
(2/307)

فالتفتت نحو فتاة لها ... كأنّها الربرب في القرطق
قالت لها قولي لهذا الفتى ... أنظر إلى وجهك ثم اعشق
وقال ابن الرومي:
أقبح بوجه أبي حفص وعفّته ... هذان أمران لا والله ما اجتمعا
وقال:
تيس تنفق بالدّلال ليشتهى ... فازداد مقتا بالدّلال وما نفق
فكأنّه من يبسه وسواده ... محراك تنّور تلوّى فاحترق
وقيل: للحظوة أين تذهبين؟ قالت: أفارق القباح.
المستقبح وجه نفسه
نظر أبو شراعة في المرآة وكان قبيحا فقال: الحمد لله الذي لا يحمد على المكروه سواه، ونظر بعضهم في المرآة وكان جدر فبدل خلقه، فقال: الحمد لله الذي خلقني فأحسن خلقي، ثم بدا له فشوّهني فأخذه سعيد بن نوقة فقال:
قد كان ربّي سوى خلقه فطغى ... فأحسن الله في تشويه خلقته
قال الحطيئة:
أرى لي وجها قبّح الله خلقه ... فقبّح من وجه وقبّح حامله
المعتذر بقبحه
قيل لحكيم: ما أقبح صورتك، فقال: ليس حسنك إليك فتحمد عليه ولا قبحي إليّ فأعاتب عليه، إنما ذلك صنع الباري تعالى من ذمه كفر.
ذمّ المجدور
«1» قال شاعر:
ووجهه بخر الذبّان منقوش
ويقال كأنّما ينظر من كرش. قال أبو جعفر: كنت أدور مع الصاحب فنظر إلى باب قلعت مساميره فقال:
وجه أبي جعفر تصاويره ... كالباب إذ قلعت مساميره
قال ابن طباطبا:
لنا صديق نفسه ... في مقته منهمكه «2»
ذو جدري وصفه ... يحكيه جلد السمكه
وهي أبيات كثيرة ذات أوصاف.
(2/308)

الموصوف بحسن الأنف
وصف رجل قوما بالشمم فقال ترد أنوفهم الماء قبل شفاههم، قال شاعر:
شمّ الأنوف من الطّراز الأول
الأنف القبيح
خطب رجل قبيح الأنف امرأة فقال: عندي احتمال للمكروه ووفاء عظيم. فقالت: ما أشك في احتمالك للمكروه لأنك تحمل هذا الأنف أربعين سنة. كأن أنفه كنيف مملوء شسوعا «1» .
قال بعض المحدثين:
سود الوجوه لئيمة أحسابهم ... ضخم الأنوف من الطّراز الآخر
هذا معارض لقوله:
بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل
الممدوح بطول القامة
قال شاعر:
كأن زرور القبطريّة علقت ... علائقها منه بجزع مقوّم «2»
قال أبو نواس:
أشمّ طويل الساعدين كأنّما ... يناط نجادا سيفه بلواء «3»
وقال آخر:
يمدّ ركابيه من الطّول ماتح «4»
قال عمرو الباهلي:
يطول على الرمح المدينيّ قامة ... ويقصر عنه باع كلّ نجاد
وفد على معاوية رضي الله عنه وفد الروم وفيهم رجل لم ير أتمّ خلقا منه وكتب ملك الروم مما فضل به الروم على العرب هذه الجسوم، فأحضر له قيس بن عبادة فرمى إليه سراويله فكانت إلى خلف الرومي فليم على نزع سراويله فقال:
أردت لكيما أعلم القوم أنّها ... سراويل قيس والوفود شهود
(2/309)

وأن لا يقول غاب قيس فهذه ... سراويل عاد قد نمته ثمود
المذموم بالطول
هو ظلّ الرمح وظلّ النعامة وظلّ الشيطان للمنكر الضخم، وأطول من السكاك أي الهوى.
قال ابن الرومي:
من رأيتم بعد طالو ... ت له علم وجسم
وقد مدح الله تعالى طالوت بقوله: وزاده بسطة في العلم والجسم.
نوادر في القصر
وقف رجل طويل على بائع رمّان فقال له: رمّانك صغير، فقال له: اقعد وانظر، فلو نظرت من ههنا إلى بطيخة لم ترها إلا عفصة «1» . كان قصّار يعمل كل يوم على نهر ويرى كركيّا يأخذ الدود فيأكله. فرأى الكركيّ صقرا قد انحط على حمامة فأخذها بمخالبه، فقال الكركيّ:
أنا أعظم جسما منه فمالي رضيت بأكل القاذورات فرأى حماما فانقض عليه فوقع في الماء ونشب في الوحل فأخذه القصار فكان يقول: لمن يسأله عنه هذا كركي تصقّر «2» فتصغّر.
المذموم بالقصر
أقصر من إبهام القطاة ومن فتر الضبّ ومن إبهامه ومن إبهام الحباري. قال شاعر:
رأيت خليلي من تقارب شخصه ... يعضّ القراد بإسته وهو قائم «3»
قال الناجم:
ألا يا بيدق الشطر ... نج في القيمة والقامه
لقد صغر منك ال ... كلّ غير الدبر والهامه
وقال:
أقصر من يأجوج في قدّه ... وقرفه أطول من عوج «4»
قال عباس المصيصي:
يقطع دوّاجا له سابغا ... وربقة من ورق التوت «5»
(2/310)

وقال:
كأنّه البرغوث لم يخطه ... في صغر الجثمان والقرص
ويوصف القصير بالمكر والخبث قيل: إن كسرى جلس للمظالم فتقدم إليه رجل قصير فأخذ يصبي أنا مظلوم وهو لا يلتفت إليه فقال: الموبذان أنصفة فقال: إن القصير لا يظلمه أحد. فقال الرجل: إن الذي ظلمني هو أقصر منّي فضحك وأشكاه.
وقيل: إن سقراط قال لا تجوز شهادة الأحدب والقصير وإن تزكيا لخبثهما فقيل:
ولم خبثا؟ فقال: لقرب دماغيهما من فؤاديهما كان يوسف بن عمر عامل هشام على العراق قصيرا وكان إذا خاط الخياط له ثوبا فقال له: تحتاج إلى خرقة لأن تفصيل الأمير طويل يعطيه ما يريد وإذا قال يكفيك أو يفضل يضربه ويشتمه.
المعتذر للقصر
قال المهلّب لرجل: ما أصغرك وأقلك. فقال: إن كثر عقلي فما تضرني قلّتي. وإن طال زهدي. فما يعيبني قصري. ولما استحضر النعمان ضمرة بن ضمرة قال: إن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه فقال: كل الرجال ليسوا بجزر إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه إن نطلق نطق ببيان وإن قاتل قاتل بجنان «1» :
وما عظم الرجال لهم بفخر ... ولكن فخرهم كرم وخير
الممدوح بالخفة والمعتذر للنحافة
قال العجيل السلولي:
فتى قد قدّ السيف لا متضائل ... ولا رهل لبّاته ومباذله «2»
قال الأشجعي:
وإني على ما تزدري من نحافتي ... تزيد موازيني على الرجل الضّخم
قال آخر:
بدن ناحل وعزم جسيم
قال حاتم:
تراني كأشلاء اللجام ولا ترى ... أخا الحرب إلا ساهم الوجه أغبرا
قال ابن نباتة:
إن كان يؤتي فؤاد من نحافته ... فإنّ قلبي لا يؤتى من الخور «3»
(2/311)

قال آخر:
لا تجزعنّ من الهزال فطالما ... ذبح السمين وعوفي المهزول
وقيل لأعرابي: ما أنحفك؟ فقال سوء الغذاء وجدب المرعى وتناجي الهموم في صدري.
ذمّ السمن
قيل السمنة عقلة. ونظر عمر رضي الله عنه إلى رجل بادن «1» فقال: ما هذا؟ قال بركة الله فقال: بل شخطه ثم قال إياكم والبطنة فإنها ثقل في الحياة ونتن في الممات. ورأى حكيم رجلا سمينا فقال ما أكثر عنايتك برفع سور جسمك وقال الشافعي ما رأيت سمينا ذكيا إلا محمد بن الحسن قال ابن الرومي:
ليس بالراجح م ... ن رجحانه لحم وشحم
من رأيتم بعد طالو ... ت له جسم وعلم
وقال:
أمير كلّه شحم ولحم ... وليس وراءه علم وفهم
وقال بعضهم محال أن يكون روح خفيف في جسم كثيف.
قال كشاجم:
كأنما قدامه بطنه ... رواية قد نقصت دلوا «2»
السبب المسمنّ
قيل لسمين: أي شيء سمنك؟ فقال أكلى الحار وشربي القار واتكائي على اليسار، وأكلي من مال كل ذي يسار. ولآخر لا تكائي على شمالي والأكل من غير مالي. وسئل آخر فقال: قلّة الفكرة وطول الدعة والنوم على الكظة «3» وقيل لمحبوس فقال القيد والرتعة، ومن يكن جار الأمير يسمن.
أعسر أيسر
حضر أبو العيناء علوية المغنى وكان يضرب بالعسر فقال: أسأل الله الذي جعل السرور بيسارك أن يعطيك كتابك بيمينك.
ذم القلح
«4» قال صلّى الله عليه وسلّم ما لكم تدخلون عليّ قلحا استاكوا «5» وقال نظفوا أفواهكم فإنها ممر القرآن.
(2/312)

قال جرير:
كأن مقالع أضراسهم ... إذا ضحكوا جيف الخنفس
قال عبد الصمد:
إذا افترّ أبرز قلح الأصول ... كما كشّر العير للنهقة
قال عبدان:
ومن رأى من شيخهم ... أبدانه ومقشره
تجيش منه نفسه ... حتّى يقيء العذره
ذمّ البخر
شكا أبخر ضرسه ففتح فاه للطبيب فشمّ منه رائحة كريهة فقال له: مر كناسا يكنسه فهذا كنيف. وقيل اشترى رجل أبرخ جارية فسأله صالح الخيّاط عن خبرها فقال: ما زالت تمص البارحة لساني. فقال: إن صدقت فإنها بنت وردان «1» .
وكان عبد الملك يسمى أبا الذباب لأن الذباب كان يسقط إذا قرب من فيه وسارّ سعيد بن حميد رجل به بخر فقال: مثلك لا يسار، وإنما يكاتب. قال ابن المعتز:
وإن امرأ يقوى على لثم ثغره ... على الضغط والتعذيب في قبره يقوى
وقال:
كلّمتني فقلت خيرا وخيرا ... جعل الله بين فكّيك دبرا
وقال:
إنما نحن في كنيف إذا ما ... جمع الريق والخرافي مكان
وقالت امرأة:
فما جيفة الخنزير عند ابن مقرب ... قتادة إلا ريح مسك وغاليه «2»
علّة طيب الفم والبخر
«3» قيل من كثر ريقه وسال لعابه لا يعرض له الخلوف ولذلك كانت الكلاب أطيب أفواها ويعرض بانطباق الفم الخلوف وأطيب الناس أفواها الزنج. والأسد والصقر موصوفان بالبخر.
طيب الرائحة
قال شاعر:
الطيبون ثيابا كلّما فرقوا
وقيل:
أطيب ريحا من المسك ومن نفحة النسيم
(2/313)

نتن الإبط والجسد
قال شاعر:
وإبطك قابض الأرواح يرمي ... بسهم الموت من تحت الثيّاب
قال الخبزارزي:
وكأن ريح صنانه من نتنه ... في أنف باكية سعوط ينشق «1»
وقيل لمخنّث: لم كان الإبط أنتن الأعضاء؟ قال: لأنه كان فقحة فنوّرت «2» :
ريحه ريح كلاب ... هارشت في يوم طلّ
وكأن الريق منه ... طعم صحناة بخلّ
وقال الخيّاط الشامري:
يا رحمتي لبخوره من نتنه ... كم في الكنيف يضيع ريح العنبر
وقيل أنتن من ريح الجورب.
الشاكي ضعف بصره
قال شاعر:
أشكو إلى الله أهوالا أكابدها ... إذا سرى القوم لم أبصر طريقهم
تسلّى من كفّ بصره
قيل لرجل قد ذهب بصره قد سلب حسن وجهك قال: لكنّي منعت النظر إلى ما يلهى وعوضت الفكرة فيما يجدي. فحكى ذلك لبعض البلغاء فقال: العفاء على التعزي إلا بمثل هذا الكلام.
وقال الجنيد حضرت أبا علي الأشناني وكان ضريرا فقرأ قارئ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فقال: سقط عنّي نصف العمل.
قال أبو يعقوب الجريمي:
فإن تك عيني خبا نورها ... فكم مثلها نور عين خبا
ولم يعم قلبي ولكنّما ... أرى نور عيني إليه سرى
قال محصن بن كنان:
يقولون ماء طيب خان عينه ... وما ماء عين خان عين بطيب
ولكنّه أزمان أنظر طيبا ... بعيني قطامي على ظهر مرقب»
(2/314)

كأن ابن حجل مدّ فضل جناحه ... علي بإنسانيهما المتغيّب
نوادر العميان في عماهم
كان أعمى يقول أرحموا ذا الزمانتين. فقيل: ما هما؟ قال العمى وقبح الصوت أما سمعتم:
فبي عيبان إن عدّا ... فخير منهما الموت
فقير ما له قدر ... وأعمى ما له صوت
وقال المتوكل يوما لجلسائه: لولا ذهاب بصر أبي العيناء لجعلته نديمي. فقال أبو العيناء لما بلغه ذلك: إن كان يريدني لقراءة نقش الخواتم وقراءة الأهلة لم أصلح.
فضحك واتخذه نديما.
وقال معاوية لابن عبّاس رضي الله عنهما: إنكم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم فقال: وأنتم يا بني أمية تصابون في بصائركم. وقيل لبشار: ما أذهب الله عيني امرئ إلا عوضه عنهما فما الذي عوضك؟ قال: أن لا أرى مثلك. وسأل رجل بشارا عن دار فهداه إليها فلم يكن يهتدي فقال:
أعمى يقود بصيرا لا أبا لكم ... قد ضلّ من كانت العميان تهديه
وتزوّج أعمى امرأة فقالت: لو رأيت بياضي وحسني لعجبت، فقال: إسكتي فلو كنت ما تقولين لما تركك البصراء لي. وقيل: الأعمى مكابر والأعور ظلوم والأحول تيّاه.
وقيل: في أعمى يدّعي العور:
أعمى يدلس نفسه في العور
وقال أعمى لآخر: فلان أقل حيلة من البصير فعندهم البصراء قليلو الحيلة.
العور
أصاب أعور أرمد فقال: يا رب ليس محله. وكتب الصاحب في أعور يريد أن يثبت اسمه في العميان هذا الفتى قد جبر عور عينه بعمى قلبه فألحقه بالعميان والسلام وقيل لأعور: ما أشد العمى؟ قال: عندي. نصف الخبر. وقيل لأعور: أعمى الله عينك قال: قد أجيبت نصف دعوتك.
وأصاب حجر عين أعور الصحيحة فوضع يده عليها وقال أمسينا وأمسى الملك لله.
وتجارى قوم في مجلس فقال أحدهم من كان أعور فهو نصف رجل ومن لا يحسن السباحة فهو نصف رجل، ومن لا يتزوج فهو نصف رجل، وكان معهم رجل اجتمعت فيه هذه كلها فقال: إني أحتاج إلى نصف رجل حتى أكون لا شيء. وقال أعور في نفسه وصاحب له أعور:
ألم ترني وعمرا حين نغدو ... إلى الحاجات ليس لنا نظير
(2/315)

أسايره على يمنى يديه ... وفيما بيننا رجل ضرير
ومثله:
هي عوراء باليمين وهذا ... أعور بالشمال وافق شنّا
بين شخصيهما ضرير إذا ما ... قعدت عن شماله تتغنّى
وما قيل في الحول
خرج هشام فتلقاه أعور فقال: إني تشاءمت بعورك، فقال له الرجل: شؤم الأعور على نفسه وشؤم الأحول على النّاس. وكان هشام أحول فخجل وعرض على أمير أثواب خزّ، وفي المجلس أعور وأحول، فقال الأعور للأحول: بهذا الثوب عيب فقال: يا صفعان إن بصرك بعين واحدة أجدّ من بصري بعينين، فقال الأعور: دريهم جيد خير من درهمين مزيّفين.
وفي وصف أحول:
ونجمين في برجين هاد وحائر ... متى طلعا حلّ الكسوف بواحد
لهذا على التقدير قوة زهرة ... وفي ذا على التشبيه ظرف عطارد
إذا أفل الهادي ووافاه برجه ... تراءى لنا المكسوف في زيّ قاصد
من الأنجم اللاتي جرت في بروجها ... ولم تدر ما معنى نجوم الفراقد
الصمم
قال المأمون لليزيدي: لم نرك مذ أيام، فقال حصل في سمعي ثقل فأنا أتعبك الآن إفهاما واستفهاما فقال الآن طبت أن تكون معنا ما شئنا أسمعناكه وما احتشمنا فيه أسررناه عنك فأنت غائب شاهد وانصرف أطروش «1» من الحلبة فلقيه رجل فقال هذا الرجل يسألني الآن من أين؟ فإذا قلت له من الحلبة فيقول من سبق فأقول الخليفة بالأدهم. فلمّا دنا الرجل سلّم على الأصم فقال: من الحلبة فقال: نكت أمك قال:
بالأدهم. وصلى أطروش بجنبه أبخر فلما سلّما، قال له الأبخر، أسها الإمام؟ قال:
لا بل فسا ألم تشم؟
عظم الأذن وصغرها
قيل: طول الاذن دليل على طول العمر. وقدّم رجل للقتل وكان طويل الأذن فقيل له: أليس زعموا أن طول الاذن دليل طول العمر؟ فقال: لو تركوني لطال، ولكن حالوا بيني وبينه وأحضر رجل طويل الاذن للقتل فجعل يلمس أذنيه ويقول: واضياع أمله وانقطاع رجاه.
(2/316)

الحدب
قال الجاحظ: من اعتراه الحدب طال أيره واشتد شقّه وكثر خبثه وظرفه. وأتى بعض الولاة بأحدب جنى جناية فقال: لأضربنك ضربا يقيم ظهرك فقال إنك إذا لعظيم البركة.
وقال شاعر:
تعدو الجياد بخالد ... فكأنّما تعدو بقربه «1»
تيس أنب من التي ... وس كأنّ لحيته مذبّه
العرج
قال بشر:
إذا غدوا وعصى الطلح أرجلهم ... كما ينصبّ وسط البيعة الصلب
وقال:
قد كنت أمشي على رجلين معتدلا ... فصرت أمشي على رجل من الشّجر
وقال:
وما بي من عيب الفتى غير أنّني ... جعلت العصا رجلا أقيم بها رجلي
وقال الغساني:
إذا ما تعدّت بي وسارت مخفّة ... لها أرجل يسعى بها رجلان
وما كنت من فرسانها غير أنّها ... وفت لي لما خانت القدمان
الاعتذار من سواد اللون ومدحه
وقال عبد بني الحسحاس:
إن كنت عبدا فنفسي حرّة كرما ... أو أسود اللون إني أبيض الخلق
وقال:
وما ضرّ أثوابي سوادي وتحته ... لباس من العلياء بيض نبائقه «2»
وقال المتنبّي:
فدى لأبي المسك الكرام فإنّها ... سوابق خيل يهتدين بأدهم
وقيل لنصيّب أيها العبد الأسود فقال: أما العبودية فإنّي ولدت حرا، وأما السواد فأنا كما قال:
فإن يك حائلا لوني فإنّي ... لعقل غير ذي سقط وعاء
(2/317)

هجاء السودان
قال كشاجم:
يا مشبها في لونه فعله ... لم تعد ما أوجبت القسمه
ظلمك من خلقك مستخرج ... والمظلم مشتق؟ من الظلمه
وهو مأخوذ من قول حكيم. وقيل له: ما تقول في الأسود قال خيره كلونه وسأل المتوكل رجلا لم ملت إلى السودان؟ فقال: لأنهن أسخن. فقال عبادة:- وكان حاضرا- نعم للعين.
وقال جرير في أسود عليه ثوب أبيض:
كأنّه لما بدا للنّاس ... أير حمار لفّ في قرطاس
نوادر في السودان
رأى مخنث زنجيا يفجر برومية فقال: يولج الليل في النهار. ورأى زنجيا يبكي فقال كأنه مطبخ يكف. ورأى سوداء متخمرة بأصفر، فقال: كأنها فحمة في رأسها نار.
البرص
كان جذيمة أبرص فكنّي عنه بالأبرش. ودخل عامر بن مالك وكان عمّ لبيد وكان شيخا، على النعمان فعبث به الربيع بن زياد، وأضحك منه الحاضرين، فخجل الشيخ وانصرف وشكاه إلى لبيد فقال: دعه لي. فدخل على النعمان وهو يؤاكل الربيع فقال:
مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه
فقال النعمان: لمه؟ فقال:
إن إسته من برص ملمّعه ... وأنه يدخل فيها إصبعه
يدخله حتّى يواري إشجعه ... كأنّه يطلب شيئا ضيّعه «1»
فأمسك النعمان ولم يأذن له بعد ذلك فأرسل إليه يقول: إنه كاذب فأرسل من يفتشني. فقال النعمان:
قد قيل ما قيل إن حقّا وإن كذبا ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا
وقال أمير المؤمنين رضي الله عنه: إن كنت كاذبا فرماك الله ببيضاء لا تواريها العمامة فصار به برص وجلس عمرو بن هذاب للشعراء فأنشده طريف بن سوادة أرجوزة فيه حتى انتهى إلى قوله:
أبرص فيّاض اليدين أكلف ... والبرص أندى باللها وأعرف
(2/318)

وكان عمرو أبرص فثار به بعض حاضريه: اسكت قطع الله لسانك فقال عمرو مه إن البرص من مفاخر العرب أما سمعت ابن حينا يقول:
لا تحسبن بياضا فيه منقصة ... إن اللهاميم في أقرابها بلق «1»
وقال جرير:
كأن بني طهية رهط سلمى ... حجارة خارئ يرمي كلابا
لها برص بأسفل اسكتيها ... كعنفقة الفرزدق حين شابا
ويقال لما أنشد صدر البيت وضع الفرزدق يده على عنفقته علما بما يؤول إليه صدر البيت.
القمل
كان أعرابي يفلّي كساءه فيأخذ البراغيث ثم يدع القمل فقيل له. فقال: أبدأ بالفرسان وأكر على الرجّالة. ورأى فيلسوف قملة تدبّ في رأس أقرع، فقال هذا لصّ في خربة.
وقال أبو نواس:
لله درّك من أخي ... قنص أظافره كلابه
رؤي أعرابي يأكل ويخرأ ويتفلّى فقيل له في ذلك، فقال: أخرج داء وأدخل دواء وأقتل عدوا.
وقال الصاحب:
أما ترى وجه أبي زيد ... أقبح من حبس ومن قيد
وحوشه ترتع في جيبه ... وظفره يركب للصّيد
وقال:
للقمل حول أبي العلاء مصارع ... ما بين مقتول وبين عقير
وكأنهنّ لدى دروع قميصه ... فذو توأم سمسم مقشور
قال كشاجم:
لو بدّل الله قملة غنما ... ما طمع الجار منه في صوفه
أنواع مختلفة متعلقة بهذا الفصل
دخل أكتم البطحاء ورأى بني عبد مناف فقال: كأنهم أبرجة الفضة وكأن عمائمهم فوق الرجال يلحفون بالخيرات الأرض، وقال يا بني تميم إذا أراد الله أن ينشئ دولة ثبت لها مثل هؤلاء هذا غرس الله لا غرس الرجال.
(2/319)

وقيل: من قصرت قامته وصغرت هامته وطالت لحيته كان حقيقا على المسلمين أن يقروه على قلّة عقله. وقال:
يلحن في المشي حين يفقدني ... وإن رآني مشى بإعراب
(2) وممّا جاء في محاسن المحبوب وميل النفوس إليه
رأت رابعة الحسن يقبل غلاما صغيرا مليحا فقالت: أما شغلك حب الله عن حبّ غيره؟ فقال: من حبّ الله حبّ من حسن خلقه:
الكامل الحسن
قال الشاعر:
ليس فيها ما يقال له ... كملت لو أنّ ذا كملا
قال آخر:
خلقن أحسن ممّا قال من يصف
قال الحكم بن أبي فنن:
لو قسم الله جزأ من محاسنه ... في النّاس طرّا تمّ الحسن في النّاس
الموصوف بإزالة الظلام
وأنه قائم مقام أقمار
قال آخر:
رأيت عليه مسحة الشمس والبدر
وقال آخر:
رأيت به من سنة البدر مطلعا
وقال آخر:
كأنّما البدر من إزراره طلعا
قال بكر بن النطاح يصف نسوة:
توزّعن فيما بينهنّ سنا البدر
قال البحتري:
أضرّت بضوء البدر والبدر طالع ... وقامت مقام البدر لمّا تغيّبا
وقال ابن الرومي:
يا شيبة البدر في الحسن وفي بعد المنال
(2/320)

ورأى بعضهم مليحا يمشي في الشمس فقال: اتّق ضرّتك لا تكسفك.
من هو كالشمس الطالعة والجانحة
قال قيس بن الحطيم:
فرأيت مثل الشمس عند طلوعها ... في الحسن أو كدنّوها لغروب
وقال البحتري يصف مرتحله:
دنت عند الوداع لوشك بين ... دنوّ الشمس تجنح للأصيل
الموفي على النيّرين
قال عليّ بن الجهم:
يا بدر كيف صنعت بالبدر ... وفضحته من حيث لا يدري
الدهر أنت بأسره قمر ... ولذاك ليلته من الشهر
قال عليّ بن الأصفهاني:
وقد خجلت شمس الضحى منك غدوة ... فكادت كما جاءت إلى الشرق ترجع
قال كثيّر:
لو أن عزة خاصمت شمس الضّحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها
فكمل المعنى بقوله عند موفق:
من يزداد حسنا بتزايد النظر إليه
قال شاعر:
لها النظرة الأولى عليهم وبسطة ... وإن كرّت الأبصار كان لها العقبى
قال أبو نواس:
يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا
من يهواه لحسنه من يراه
قال عليّ بن جبلة:
أغرّ توالد الشهوات منه ... فما تعدوه أهواء القلوب
وما أكتحلت به عين فتبقى ... مسلمة الضمير من الذنوب
وقال آخر:
كأن قلوب النسا في قلبه قلب
قال الصاحب:
وسألته من أنت يا ... شغل القلوب فقال أفه
(2/321)


من هو قيد النواظر لجماله
قيل هو قيد النواظر. قال أبو فراس:
فإذا بدا اقتادت محاسنه ... قسرا إليه أعنّة الحدق
قال ابن المعتز:
منظره قيد عيون الورى ... فليس خلق يتعدّاه
قال أبو نواس:
للحسن في وجناته بدع ... ما أن يملّ الدرس قاريها
من هو في الحسن كالنار أو كالثلج
قال أعرابي: رأيت جارية كأنها نار موقدة، وقال:
كجمر غضى هبّت له الريح ذاكيا «1»
قال ديك الجن:
إن بيتا أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السّرج
من أعطى من الحسن مشتهاه
قال أبو نواس:
خلّيت والحسن تأخذه ... تنتقي منه وتنتخب
فاكتسب منه طرائفه ... واستزادت فضل ما تهب
وقال المتنبّي:
حبيب كأن الحسن كان يحبّه ... فآثره أو جار في الحسن قاسمه
وقال محمد بن وهب:
قد خلع الحسن على وجهه ... سربال محمود ومحسود
حسن السافرة
قال بعضهم:
وجوه زهاها الحسن أن تتنقّبا
وقال الشماخ:
أطارت من الحسن الرداء المحبّرا
قال يزيد بن التترية:
فألقت قناعا دونه الشمس واتّقت ... بأحسن موصولين كفّ ومعصم
(2/322)

قال بعضهم:
لها حاجبان الحسن والقبح منهما ... كأنّهما نونان من كفّ عاشق
العين المكسرة
يستحسن في صفتها قول بشار:
حوراء إن نظرت إلي ... ك سقتك بالعينين خمرا «1»
وكأنّ تحت لسانها ... هاروت ينفث فيه سحرا «2»
وسمع ذو الرمّة إنسانا ينشد قوله:
وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر
فقال ذو الرّمة فعولان كأنه تورّع أن يقول فعولين فيكون ذلك بأمر الله تعالى.
العين الفاترة
وسنان أقصده النعاس فرنّقت ... في عينه سنّة وليس بنائم
قال البحتري:
وكأنّ في جسمي الذي ... في ناظريك من السّقم
وله:
ما بعيني هذا الغزال الغرير ... من فتون مستجلب من فتور
قال أبو عبيدة يعجبني من شعر أبي نواس قوله:
بعيدة كرّ الطرف تحسب أنّها ... قريبة عهد بالإفاقة من سقم
العين الجارحة
قال أشجع:
وتنال منك بحدّ مقلتها ... ما لا ينال بحدّ النصل
وقال أبو تمّام:
إن لله في العباد منايا ... سلطتها على القلوب العيون
وقال المتنبّي:
من طاعني ثغر الرّجال جآذر ... ومن الرّماح دمالج وخلاخل «3»
(2/323)

ولذا إسم أغطية العيون جفونها ... من أنّها عمل السيوف عوامل
وقال جعفر المصري:
نظرت إليها نظرة فكأنّما ... نظرت بتلك العين سكين شاطر
العين الساحرة
قال كشاجم
بالله يا متغرّدا في حسنه ... ومقلبا هاروت بين محاجره
وقال الصاحب:
ولو أن هاروتا رأى فتر عينه ... تعلّم كيف السحر من حدّ جفنه
العين الكحلاء
وقال صالح بن عبد القدوس:
كحل الجمال جفون أعينها ... فغنين عن كحل بلا كحل
وقال:
كأنّهما مكحولتان بأثمد ... وما بهما غير الملاحة من كحل
وقال المتنبّي:
ليس التكحّل في العينين كالكحل
العين الحولاء
قال الصاحب من بديع ما قيل في الحول:
نظرت إليها والرقيب يخالني ... نظرت إليه فاسترحت من العذل
العين الضيّقة
قال الخوارزمي:
بأبي من عينه أبدا ... في عدات وهي لا تعد
وقال:
يقارب ما بين الجفون كأنّما ... يلاحظ من شقّ على حرف درهم
حسن الأنف
وقال طريح بن إسماعيل:
ولين المنخرين معتدل ال ... مارن لا سابل ولا جعد
حسن الثغر
قيل: الثغر الحسن يحلّي الوجه القبيح قال البحتري:
كأنّما يفترّ عن لؤلؤ ... منضّد أو برد أو أقاح
(2/324)

وله:
لك من ثغره ومن خدّه ما ... شئت من أقحوان أو جلّنار «1»
ومن جيّده لبعض القدماء:
إذا ما اجتلى الراني إليها بطرفه ... غروب ثناياها أضاء وأظلما
الأسنان
قال المتنبّي:
ويبسمن عن درّ تقلّدن مثله ... كأنّ التراقي وشّحت بالمباسم
وقال طرفة:
برد أبيض مصقول الأشر
وقال البحتري:
لها مبسم كالبدر يضحك عن درّ
وقال الزاهر:
نونات درّ على دالات مرجان
وقال ذو الرمة:
جرى الأسحل الأحوى بطفل مطرّف ... على الغرّ من أنيابها فهي نصّع
طيب الفم
قال كشاجم:
تبسّم عن واضح برود ... تضيق عن طيبه الكؤوس
قال المتنبّي:
وأشنب معسول برد الثّنايا ... لذيذ المقبّل والمبتسم
ويقال: فمها أعذب من برد الشراب وجسمها أعجب من برد الشباب.
من ذكر طيب فم زعم أنّه لم يذقه
أول من قاله النابغة فقال:
زعم الهمام ولم أذقه، أنّه ... يشفى بريّا ريقها العطش الصّدي
قال بشّار:
يا أطيب النّاس ريقا غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك
طيب الفم وحسن المبتسم معا
قال ابن الرومي:
وقبّلت أفواها عذابا كأنّها ... ينابيع خمر حصبت لؤلؤ البحر
(2/325)

وقال:
ومبسم عذب الأشر ... ألّف من خمر ودرّ «1»
وقال:
أحاذر في الظّلمات أن يستشفني ... عيون الغيارى في وميض المضاحك «2»
وقال:
تبسّمن فاستضحكن طامسة الدّجى ... عن الأفق في الظلماء أوجهها طحل «3»
وقال:
كأنّ ابتسام البرق بيني وبينها ... إذا لاح في بعض البيوت ابتسامها
وقال آخر:
تبسّم إيماض الغمام المكلّل «4»
ولمسلم وهو نادر:
تبسّم عن مثل الأقاحي تبسّمت ... له مزنة صيفيّة فتبسّما «5»
وقال:
كأنّ درا إذا هي ابتسمت ... من ثغرها في الحديث ينتشر «6»
الحسن الحديث والكلام
قال أبو حيّة:
إذا هنّ ساقطن الحديث كأنّه ... سقاط حصى المرجان من سلك ناظم «7»
رمين فأقصدن القلوب ولم تجد ... دما مائرا إلّا جرى في الحيازم «8»
قال البحتري:
ولما التقينا والنّقا مواعد لنا ... تعجب رائي الدرّ حسنا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
قال آخر:
كأن حديثها سكر الشباب
(2/326)

وقال:
هي الدرّ منظوما إذا ما تكلّمت ... وكالدرّ مجموعا إذا لم تكلّم
وقال:
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ... ودّ المحدّث أنّها لم توجز
وقال:
كأنّما عسل رجعان منطقها ... إن كان رجع كلام يشبه العسلا «1»
الفرع الوارد والكثيف
قيل لأعرابي: أي النساء أحسن؟ فقال الغرّاء الفرعاء أي الحسنة المفترّة عن الثغر الوافرة الشعر، فمها بارد وشعرها وارد.
قال بعضهم في وصف ما حلقه عمر رضي الله تعالى عنه- من الشعر- وقيل هو أحسن ما قيل في الشعر:
لقد حلقوا منها غدافا كأنّها ... عناقيد كرم أينعت فأسكرت «2»
وقال:
عناقيد غربيب تدلّين عن كرم «3»
وقال المخبّل السعدي:
وتضلّ مدراها المواشط في ... جعد أغمّ كأنّه كرم «4»
قال ابن المعتز:
دعت خلاخيلها ذوائبها ... فجئن من رأسها إلى قدم «5»
وصف الشعر والوجه معا
قال بكر بن النطاح:
بيضاء تسحب من قيام فرعها ... وتغيب فيه وهو ليل أسحم «6»
وكأنّها فيه نهار ساطع ... وكأنّه ليل عليها مظلم
(2/327)

وقال آخر:
نشرت غدائر فرعها لتظلّني ... حذر الوشاة من الغيور المطرق
فكأنّني وكأنّه وكأنّها ... صبحان باتا تحت ليل مطبق
قال منصور النمري:
ودنت عناقيد الكرو ... م على الأهلّة والبدور «1»
السّوالف
قال امرؤ القيس:
وجيد كجيد الرّيم ليس بفاحش ... إذا هي نصّته ولا بمعطّل
وقال بكر بن النطاح:
ترى القرط منها في قناة كأنّها ... بمهلكة لولا العرى والمعاقل
وقيل: هي بعيدة مهوى القرط.
وقال ابن الرومي:
أساءني إعراضه ... عنّي ولكن سرّني
سالفتاه عوض ... من كلّ شيء حسن «2»
وقال الصنوبري:
للغصن أعطافها وقامتها ... وللرّشا جيدها وعيناها «3»
الصدغ
قال أبو نواس:
كأنّ مخطّ الصّدغ في حرّ وجهها ... بقيّة أنقاس بإصبع لائق «4»
وقال ابن المعتز:
ألم ترّني بليت بذي دلال ... خليّ ما يرقّ وما يبالي
غلالة خدّه ورد جني ... ونون الصدغ معجمة بخال «5»
وقال ديك الجن:
كأنّ قافا أديرت فوق وجنته ... واختطّ كاتبها من بعدها ألفا
(2/328)

وقال الصنوبري:
عقرب الصدغ لماذا ... سالمته وهو وحده «1»
تلدغ الناس جميعا ... ثمّ لا تلدغ خدّه
العذار والطرّة
قال أبو الفضل بن العميد:
من عذيري من عذاري قمر ... عرّض القلب لأسباب التّلف
علم الشعر الذي عاجله ... أنه جار عليه فوقف
وقال بعضهم:
رأيت وقد لاح العذار بخدّه ... على وجهه نملا يدبّ على عاج
وقال:
له شعر من رغبه في بياضه ... كمثل قطار النّمل دبّ على ثلج
وقال السلامي:
مددت طرّته كيما ألاعبه ... فأقبلت واستدارت كالخواتيم
الشارب
قال السلامي:
له من عيون الوحش عين مريضة ... ومن خضرة الريحان خضرة شارب
كأنّ غلاما ماهرا خطّه له ... فجاء كنصف الصّاد من خطّ كاتب
حسن الكف والأنامل
قال النابغة:
بمخضّب رخص كأنّ بنانه ... عنم يكاد من اللطافة يعقد «2»
وقال ابن المعتز:
أثمرت أغصان راحته ... لجناة الحسن عنّابا»
قال آخر:
أطرافه تعقد من لينه
(2/329)

وقال آخر:
عضّت العنّاب بالبرد «1»
وقال المتنبّي:
ويمسح الطلّ فوق الورد بالعنم
البنان المخضّبة
قال بعضهم:
أنابيب درّ قمعت بعقيق «2»
وقال الناشي:
كأن تطاريف الخضاب بكفّها ... فصوص عقيق فوق قضب زبرجد
وقال ابن الرومي:
وكفّ كأنّ الشمس أبدت بنانها ... إلى الليل مخضوبا فقمعها الليل «3»
ونقال دعبل يهجو:
كأنّما كفّها إذا اختضبت ... مخلب باز قد ضرّجت بدم
طول القامة
قال تميم:
يهززن للمشي أعطافا منعّمة ... هزّ الجنوب ضحى أغصان يبرينا «4»
أو كاهتزاز ردينيّ تداوله ... أيدي التجار فزادوا متنه لينا «5»
وقال آخر:
ويخجل الغصن من تثنّيه «6»
وقال أبو نواس:
طويلة خوط المتن عند قيامها ... ولي بالطويلات المتون ولوع
وأنشد بشار قول المجنون:
إلا إنّما ليلي عصا خيزرانة ... إذا غمزتها الكفّ فهي تلين
فقال: والله لو جعلها عصا مخ أو ثريد لكان قد هجن فكيف بذكر العصا هلا قال كما قلت:
وحوراء المدامع من معدّ ... كأنّ حديثها قطع الجمان «7»
إذا قامت لحاجتها تثنّت ... كأنّ عظامها من خيزران
(2/330)

وقال آخر:
كأنّه في اعتداله ألف ... ليس له في الكتاب تحريف
وقال آخر:
شبهتها حين قامت ... سارية من سواري
أنامل أخرجتها ... شبّهتها بالمداري
الربعة:
عبد الله بن عجلان:
ومخملة باللحم من دون ثوبها ... تطول القصار والطوال تطولها
قال بعضهم: أعلاها قضيب وأسفلها كثيب لم تذهب طولا في إفراط ولا قصرا في انحطاط «1» .
طول القامة مع عظيم العجيزة
قيل لبعضهم: كيف رأيت فلانة؟ قال: غصنا حاملا لكثيب.
قال عديّ بن الرقاع:
تساهم ثوباها ففي الدرع غادة ... وفي المرط لفّا وإن ردفها عبل «2»
قال الخبزارزي:
تراك سرقت قدّك من قضيب ... أم استوهبت ردفك من كثيب
وقال: فنصفا قناة ونصفا نقا.
عظم العجيزة
وصف بعضهم نسوة فقال: هن والله غير قبيحات الطول، إذا مشين انتعلن الذيول، وإذا ركبن أثقلن الحمول، تجاهد بالمشي أكفالها.
قال أبو النجم:
تأزّرن تحت الأزر: رمال عالج «3»
قال ابن أبي زرعة:
إذا ما نهض الخصر ... به أقعده الردف «4»
وقالت امرأة لأخرى: أتحتك وسادة فقالت: وسادة وسّدنيها الله.
(2/331)

دقّة الخصر
مخصّر الخصر هضيم الحشى ... صغير ثناء الوشاحين «1»
وقال آخر:
هضيم الكشح حاملة الوشاح
قال امرؤ القيس:
وكشح لطيف كالجديل مخصّر «2»
قال ابن الرومي:
ظبي كأنّ بخصره ... من ضمره ظمأ وجوعا
قال السريّ الرّفاء:
ضعفت معاقد خصره وعهوده ... فكأن عقد الخصر عهد وفائه
قال المتنبّي:
وخصر تثبّت الأبصار فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا
قال الرّفاء:
أحاطت عيون الناظرين بخصره ... فهنّ له دون النطاق نطاق
عظم المخلخل ودقّة الخصر
قال أعرابي: أقبلن وخصورهن تخنق وحجولهن تقلق فكنا بين أسير ومطلق قال عبّاس:
بكى وشاحاها فلم يسكتا ... وإنّما أبكاهما الجوع
ما بال خلخالك ذا خرسة ... لسان خلخالك مقطوع
وفيه:
خلخالها مشبع ... وشاحها مجوع
وقال عبيد الله بن طاهر:
وشاحها يحسد خلخالها ... كجائع يحسد شبعانا
وعكس ذلك دعبل فقال:
خلخالها يسحب في ساقها ... وقرطها في الجيد ما ينطق
وقال ابن أبي زرعة:
فاستكتمت خلخالها ومشت ... تحت الظّلام به فما نطقا
(2/332)

حتّى إذا ريح الصّبا نسمت ... ملأ العبير بسرّنا الطرقا
عظم الكفل مع دقّة الخصر
قال ابن الطثرية:
عقيليّة أما ملاة إزارها ... فدعص وأما خصرها فنبيل «1»
وقال المتنبّي:
كأنّما قدّها إذا انفتلت ... سكران من خمر طرفها ثمل «2»
يجذبها تحت خصرها عجز ... كأنّه من فراقها وجل «3»
وقال علي بن عاصم:
بيض سرقن من الصّريم عيونها ... ومن الصّريم مآكم الأكفال «4»
مدح عظم الثدي وتناهده
قيل: لا تحسن المرأة حتى يعظم ثدياها. وقيل: خير الثدي ما يدفئ الضجيع ويروي الرضيع. وقيل للنظّام: أي مقادير الثدي أحمد؟ فقال: وجدت الناس مختلفين في الشهوات، ولكن سمعت الله تعالى يقول في وصف الحور وكواعب أترابا ولم يقل فوالك ولا نواهد.
وقال مسلم:
فأقسمت أنسى الداعيات إلى الصّبا ... وقد فاجأتها العين والشرّ واقع
فغطّت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع
قال محمد بن الحسن الأزدي:
وقابلتني بفتور الجفون ... ومستوقرين على منبر
بحقّين من لبّ كافورة ... برأسيهما نقطتا عنبر
وقال ديك الجن:
وذات رمّانتين في طبق ... من فضّة فصصا بفصّين
تناهد الثدي مع عظم العجيزة
قال عروة بن الورد:
أبت الروادف والثّدي لقمصها ... مسّ البطون وأن تمسّ ظهورا
وإذا الرياح مع العشيّ تناوحت ... نبّهن حاسدة وهجن غيورا
وصف أعرابي امرأة فقال: بيضاء جعدة لا يمس الثوب إلا مشاشة منكبيها وحلمة
(2/333)

ثدييها أو رصاف ركبتيها وراتعة أليتيها.
طيب الرائحة
وصف رجل امرأة فقال: ملذّ كف ومشمّ أنف كنور يتبسّم في الأسحار، ونور يتبسم في الأشجار ولما أنشد كثيّر عبد الملك بن مروان قوله:
وما روضة بالحزن طيّبة الثّرى ... يمجّ الندى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عزّة موهنا ... إذا أوقدت بالعنبر اللدن نارها
قيل له: امرؤ القيس أشعر منك حيث يقول:
ألم ترياني كلّما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
وقال صالح اللخمي:
قسّم الأترج قسمين ... بنصفين سواء
فلي اللون صفاء ... ولك الريح ذكاء
وللبعيث:
إذا هي زارت بعد شحط من النّوى ... وشى نشرها لا مسكها وعبيرها
وقال العبّاس:
فكيف أصنع بالواشين لا سلموا ... والعنبر الورد يأتيهم بأخباري
وقال النونجي:
إذا كتمت زيارتها ... أذاع الطّيب ما كتمت
فأنطق ألسن الوا ... شين لا كانت ولا نطقت
من يطيب به ما يمسّه
قال عبد بني الحساس:
وبتنا وسادانا إلى علجانة ... وخقف تهاداها الرياح تهاديا
فما زال بردي طيّبا من ثيابها ... إلى الحول حتى يهيّج البرد باليا
من تطيب به الأمكنة
قال عبد الله بن محمد بن نمير:
تضوّع مسكا بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوة عطرات
وأنشد ثعلب:
واستودعت نشرها الديار فما ... تزداد طيبا إلا على القدم
وقال أبو عيينة
(2/334)

تطيب دنيانا إذا ما تنفّست ... كأن فتيت المسك في دورنا نهبا
التثني في المشي
قال أبو النجم:
إذا مشت سالت ولم تدحرج ... كما جرى الجدول بين الأفلج «1»
وقال امرؤ القيس:
وإذ هي تمشي كمشي النّزيف ... يصرعه بالكثيب البهر «2»
قال الشمّاخ:
تخامص عن برد الوشاح إذا مشى ... تخامص حافي الخيل الأمعز النوحى «3»
لو قاله في المرأة كان أبلغ.
قال ابن مقبل:
يهززن للمشي أعطافا منعّمة ... هزّ الرياح ضحى عيدان يبرينا
يمشين هيل النّقا مالت جوانبه ... ينهال حينا وينهال الثّرى حينا «4»
ويستحسن للسّعدي قوله:
مريضات أو بات التهادي كأنّما ... تخاف على أحشائها أن تقطّعا
تسيب أنسياب الأيم أحصره الندى ... فرفّع من أعطافه ما ترفّعا «5»
وقال البحتري:
لما مشين بذي الأراك تشابهت ... أعطاف قضبان به وقدود «6»
وقال آخر:
يطأن ولو أعنقن في جدد وحلا «7»
فهذا زاد بقوله أعنقن في جدد وحلا.
قال الموسوي:
وكأنّهنّ إذا أردن خطا ... يقلعن أرجلهنّ من وحل
(2/335)

وفي الربيبة النعمة
قال عمر بن أبي ربيعة:
وأعجبها من عيشها ظلّ غرفة ... وملتفّ ريّان الحدائق الخصر
ووال كفاها كلّ شيء يهمّها ... فليس لشيء آخر اللّيل تسهر
وقال نصيب:
قليلة لحم الناظرين يزينها ... شباب ومخفوض من العيش بارد
وقال المرقش:
نواعم لا يرين لبؤس عيش ... أوانس لا تراع ولا تذاد «1»
تفضيل السوداء
قال العبّاس:
إن سعدى والله يكلأ سعدى ... ملكت بالسّواد رقّ سوادي
أشبهت مقلتي وحبّة قلبي ... وبها فهي ناظري وفؤادي «2»
قال ابن الرومي في سوداء:
كأنّها والمزاح يضحكها ... ليل تعرّى دجاه عن فلق «3»
وذكرت قصيدة ابن الرومي في وصف السوداء وأبو الحسن الموسوي حاضر فأسرف بعضهم في مدحها فقال أبو الحسن بديها:
أحبّك يا لون السّواد لأنني ... رأيتكما في العين والقلب توأما
سكنت سواد العين إذ كنت شبهه ... فلم أدر من عز من القلب منكما
(3) أوصاف مجموعة من الجمال
قيل لأعرابي: أي امرأة أحسن؟ فقال: التي لطفت كفّاها، وخذلت ساقاها، والتفت فخذاها، وعرضت وركاها، ونهد ثدياها، وعظمت إليتاها، وسال خدّاها. ويقال: كان وجهه البدر ليلة سعده وتمامه، قد ركب في غصن بان وقضيب ريحان أهيف القد، أدعج العين مقرون الحاجبين، أسيل الخدّين مسبل الذراعين، أرقّ من الهواء والماء وأحسن من
(2/336)

الدمى وأضوأ من النهار إذا استنار وأبهى من سرابيل «1» الأنوار. لا يجري بوصفه الوهم، ولا يبلغ نعته الفهم. كأنّ أنفه قصبة درّ وحدّ حسام وكأنّ فمه حلقة خاتم، وكأنّ جيده جيد ظبي قد أتلع «2» لرؤية قانص «3» ، سبط الأنامل، لين القصب دقيق الخصر حلو الشمائل، كأنما خلق من كل قلب. فكل طرف له فيه حظّ ولكل قلب إليه ميل.
وقيل في وصف جارية: وجهها كضوء البدر، وخدّها كجني الورد ولسانها ساحر، وطرفها فأتر. ضمّها بهيج اللوعة، ونطقها ينقع الغلة «4» تنهض بقدّ كالقضيب، وتدبر بكفل كالكثيب ثديها يرنو إلى ذقنها، ولا يطرف عكنها»
شعرها، لاحق بذيلها في مثل سواد ليلها، ثغرها كاللؤلؤ النظيم، يجلو دجا الليل البهيم، ريحها «6» كالراح المعتّق ختامه كالمسك المفتق، يستجمع صنوف النعيم مضاجعها، ولا يأسى على ما فاته مالكها، صحيحة الحدقة، مريضة الجفون كأنّ ساعدها طلعة، ومعصمها جمار، وأصابعها مداري فضة. وكأنّ نحرها من ساج وبشرتها من زجاج وسرتها من عاج ولينها من خز، ودثارتها من قز.
وقال أعرابي في وصف امرأة: عذب ثناياها «7» وسهل خدّاها ونهد ثدياها ولطف كفّاها ونعم ساعداها، وعرضت وركاها والتفّت خداها، وخدلت ساقها، فتلك هي النفس ومناها.
قال المرقش الأكبر:
النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكفّ عنم
وقال علي بن عاصم:
السيف مضحكه والقوس حاجبه ... والنّبل عيناه والأشفار أرماح «8»
وقال المتنبّي:
سهاد لأجفان وشمس لناظر ... وسقم لأبدان ومسك لناشق
ما يجب أن تكون عليه الحسان من حسن الجوارح
يجب أن يكون في المرأة، أربعة أشياء سود: شعر الرأس والحاجبان وأشفار العين والحدقة، وأربعة بيض: اللون وبياض العين والأسنان والساق، وأربعة حمر: اللسان
(2/337)

والشفتان والوجنتان واللثة، وأربعة مدوّرة: الرأس والعنق والساعد والعرقوب «1» . وأربعة طوال: الظهر والأصابع والذراعان والساقان. وأربعة واسعة: الجبهة والعين والصدر والوركان، وأربعة دقيقة: الحاجبان والأنف والشفتان والأصابع، وأربعة غليظة: العجز والفخذان والعضلتان والركبتان، وأربعة صغيرة: الأذنان والثديان واليدان والرجلان، وأربعة طيبة: الريح والعرق والفم والأنف والفرج، وأربعة عفيفة: الطرف والبطن واللسان واليد.
(4) وممّا جاء في مقابح خلق النسوة
قبح الوجه
قال دعبل:
ووجه كوجه الغول فيه سماجة ... مفوّهة شوهاء ذات مشافر «2»
وقال:
تحاكي نعيما زال في قبح وجهها
وقال:
في صورة الكلب إلّا أنّها بشر
وقال:
لها عينان من أقطّ وتمر ... وسائر خلقها بعد الثّريد «3»
النمش
قال ابن الرومي:
كأنّ الثآليل في وجهها ... إذا سفرت بدد الكشمش «4»
وقال:
رشت بخيلانها فجلدتها ... منقوشة مثل جلدة النّمر «5»
وقال:
ووجه كبيض القطا الأبرش
الفم
(2/338)

قال بعضهم:
رقطاء كيداء يبدي الكيد مضحكها ... تنوء بالعرض والعينان بالطّول «1»
لها فم ملتقى شدقيه نقرتها ... كأن مشفرها قد طرّ من فيل
وقال:
كانت ثناياها وما ذقت طعمها ... لبا نعجة سوّطته بدقيق «2»
وقال:
كأنّما نكهتها كامخ ... أو حزمة من حزم الثّوم
وقال:
وتفترّ عن ثلج عدمت حديثها ... وعن جبلي طيّ وعن هرمي مصر
اليد والرجل
كأنّ ذراعا على كفّها ... إذا حسرت ذنب الملعقة
وقال:
خنصراها كديبق القصّار «3»
وقال:
وساق مخلخلة حمشة ... كساق الجرادة أو أحمش «4»
وقال:
تمشي على قوائم عجاف ... كأنّما جمعن من خلاف «5»
وقال:
وتحفر الأرض إذا ما مشت ... كأنّما تحفر رجلاها
القامة القصيرة
قيل لرجل كيف رأيت فلانة؟ فقال:
دوّامة صغيره ... في زرقة المغيره
وقال ابن الرومي:
دحداحة الخلقة حدباؤها ... قامتها قامة فقّاعه «6»
لو أنها ملكي ولي ضيعة ... جعلتها للطّير فزّاعه «7»
(2/339)

وقال:
حدباء وقصاء صيغت عجبا ... وفي ترائبها عن صدرها زود «1»
الوطباء «2» الثدي
قال ابن مقلس الحنفي:
وثدي يجول على نحرها ... كقربة ذي التّلّة المعطش
وقال دعبل:
وثديان ثدي كبلّوطة ... وآخر كالقربة المدهقة «3»
المهزولة
قال بعض القدماء:
لقد لمست معراها فما وقعت ... ممّا لمست يدي إلا على وتد «4»
وقال:
وذات جسم مشبه الساجور ... وجؤجؤ كجؤجؤ الطنبور
وقال:
وصدر فسيح كثير العظام ... تقعقع من يبسه المخنقه «5»
شعر البدن
وقال شاعر:
خصباء لا نبت في قفاها ... ولم تزل في إستها ضفيره
وقال دعبل:
بظراء سوداء لها شعرة ... كأنّها نمل على مسح «6»
أوصاف مجموعة من المقابح
قال ابن الرومي:
صغرت عينها ووسّع فوها ... ومشق استها وثقب المبال
وقال الأسود بن يعفر:
لها وركا عنز وساقا نعامة ... وأسنان خنزير ومكشر أرنب
(2/340)

وقال ناصر العلوي:
يا قردة أبصرت في مأتم ... تندب شجوا بتخاليط
تبكي فتلقي البعر من عينها ... وتلطم الشوك ببلوط
(5) وممّا جاء في وصف اللحية والشّيب والخضاب وذكر المعمّرين
مدح اللحية وذمّ المرادة
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: الشعر الحسن من كسوة الله فأكرموه وكان من يمين عائشة رضي الله عنها: لا والذي زيّن الرجال باللحاء.
وقال الموسوي:
رأت شعرات في عذاري تبسّمت ... كما افترّ طفل الروض عن خلع الوسمي «1»
فقلت لها ما الشعر سال بعارضي ... ولكنّه نبت السيادة والحلم
يزيد به وجهي ضياء وبهجة ... وما تنقص الظّلماء من بهجة النّجم
قيل: لا تصافين من لا شعر على عارضيه وإن كانت الدنيا خربا إلا منه.
ذمّ اللحية
قيل: فلان سبخ الله أرضه من غير رضاه، وقيل: كساه أبو الحالك من نسيج أم سويد.
قال ابن طباطبا:
الموت أهون من سوا ... د العارضين لمن عرف
قال أبو العنتر:
أنّى تتيه وقد علا ... ك الشعر في الحدّ المحل «2»
وخرجت من حدّ الظّبا ... ء وصرت في حدّ الإبل
وصف لحية طويلة لم يصرخ لها بمدح ولا هجو
قال شاعر:
يا لحية سرّحتها ... فقعدت منها في جوالق
وقال ابن نوقة:
يا لحية أربعة في أربعة ... تنسج منها كلّ يوم مدرعه
(2/341)

قد ذهبت في الطول منها والسّعة ... وتحتشي من حافتيها بردعه
مدح اللحية والاعتذار لها
دخل رجل على قتيبة بن مسلّم وكان عظيم اللحية وقتيبة كان خفيف اللحية فقال:
لقد كبرت لحيتك فقال: والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا. فقال قتيبة: قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبتك كثرة الخبيث وقد أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بتوفير اللحية فقال: أحفوا الشوارب واعفوا اللحى.
ذم طول اللحية ومدح خفتها
قال الجاحظ: ما طالت لحية رجل إلا تكوسج «1» عقله.
قال شاعر:
ألم تر أنّ الله أعطاك لحية ... كأنّك منها بين تيسين قاعد
وقال مديني لرجل قد ملأت لحيته وجهه: خندق على وجهك قبل أن يجري الماء في العود فيصير وجهك كله رأسا. وقيل: ما زادت لحية عن قبضة إلا نقص بمقدار زيادتها من العقل.
قال شاعر:
إذا لحية خفّت وفا عقل ربّها ... وإن ضخمت لم يحظ إلا بها الصّدر
وقال ابن الرومي:
إذا عرضت للفتى لحية ... وطالت وصارت إلى سرّته
فنقصان عقل الفتى عندنا ... بمقدار ما زيد في لحيته
وعرض الرشيد خيل مصر فمر به أفراس كثيرة وسمها الجنيدي، فسأل عنه فقيل:
هو صاحب هذه الافراس. فاستحضره فإذا هو لحياني «2» أحمق. فقال الرشيد: ما أحسن هذه الأفراس فقال: هي للخليفة يقبلها. وقيل: اللحية الطويلة عش البراغيث ومزبلة التراب والغبار.
عذر من نتف من السخفاء
قيل لمخنّث لم تنتف لحيتك وهي من هبة الله؟ فقال: إن الله تعالى أمرني بذلك فقال: وإذا حييتم بتحية فحيوا بإحسن منها أو ردّوها ولم أجد بأحسن منها فرددتها. وقيل لآخر: لم تنتف لحيتك وقد زين الله بها وجهك؟ فقال أتحب أن يزين بها فقحتك؟ قال: لا قال: ما لا تحب أن يطلع في إستك كيف أستصلحه لوجهي؟
(2/342)

وكان لرجل ابن مخنث وكان يمنعه من نتف لحيته فنام أبوه يوما فحلقها وهو نائم فانتبه أبوه فقال: أين ذقنك؟ فقال: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ
«1» .
وقيل لأبي عبد الله المنتوف: لم تنتف لحيتك؟ فقال: وأنت لم لا تنتفها؟
وصف الناتف
كان بلال لا يجيز شهادة من ينتف اللحية أو يأكل الطين. قال ابن طباطبا في بعض من كان ينتفها:
يا من يزيل خ ... لة الرحمن عمّا خلقت
هل لك عذر عنده ... إذا الوحوش حشرت
في لحية إن سئلت ... بأيّ ذنب نتفت «2»
وفي حاذق بالنتف:
أنامله في عارضيه كأنّما ... تسبح بالمنقاش في خفّة النتف «3»
وقال:
إن كان بالمنقاش يحصد نبتها ... فيد الليالي من وراه تزرع
قصّ الشعرات البيض
قال أبو حنيفة رضي الله عنه للحجّام: التقط هذه الشعرات البيض، فقال الحجام لا تلتقطها فأنها تكثر، فقال: فإذا التقط السود فلعلها تكثر.
كان حجام يلتقط البيض من لحية رجل فلما كثر قال ما ترى في الحصاد فقد ذهب وقت الالتقاط، قال ابن طباطبا:
تاوّبني همّ لبيضاء نابته ... لها بغضة في مضمر القلب ثابته
ومن عجب أني إذا رمت قصّها ... قصصت سواها وهي تضحك شامته
وقال أبو دلف:
اشتعل الشيب فأخفيته ... وكلّ مقراضي فأعفيته
وكلّما عالجت قصاله ... وقلت في نفسي أخفيته «4»
طلعني من طرّتي طالع ... كأنّني بالأمس ربّيته «5»
أروم ما ليست له حيلة ... أعياني الشيب فخلّيته
(2/343)

وقال:
يا شعرة طلعت في الرأس طالعة ... كأنما طلعت في ناظر البصر
لئن قصصتك بالمقراض عن بصري ... فما قصصتك عن همّي وعن فكري
فما تلبّثت إن قهقهت ضاحكة ... تحت الخضاب كفعل الشامت الأشر
ظهور الشيب واختلاط البياض بالسواد
قال الفرزدق:
والشيب ينهض في السّواد كأنّه ... ليل يصيح بجانبيه نهار
قال مروان:
كالصبح أحدث للظّلام أفولا
وقال:
ليل تلفّع مدبرا بنهار
وقال البحتري:
مشيب كبث السرّعيّ بحمله ... محدثه أوصاف صدر مذيعه
وقال دعبل:
لا تعجبي يا هند من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
وقال تميم بن مقبل:
يا حرّ أمسى سواد الرأس خالطه ... شيب القذال اختلاط الصّفو بالكدر
وقال:
زمان على غراب غداف ... فطيّره القدر السّابق «1»
وصار على وكره عقعق ... من البلق ذو شية باعق»
وقال ابن الرومي:
شعرات في الرأس بيض ودعج ... حلّ رأسي خيلان روم وزنج «3»
طار على هامتي غراب شباب ... وعلاه كأنّه شاه مرج
حلّ في صحن هامتي منه لونا ... ن كما حلّ رقعة شطرنج
مبدأ ظهور الشيب
قال بعض الحكماء ظهور الشيب في الناصية كرم، وفي القفا لؤم، وفي الهامة وفاء، وفي الفودين شرف، وفي الصدغين شح وفي الشارب فحش.
(2/344)

نزل المشيب في وقته
قيل لرجل: أين ذهب شبابك؟ قال: ذهب به خصال طال أمده وكثر ولده وقلّ عدده وذهب جلده:
أفنى الشباب الذي حاولت جدّته ... مرّ الجديدين من آب ومنطلق «1»
لم يبقيا لي من طول اختلافهما ... شيئا أخاف عليه لذعة الحدق «2»
وقال البحتري:
إن كان قد عبث المشيب بلمّتي ... فلقد أخذت من الشّباب نصيبي
وقال:
ومن يطلع شرف الأربعين ... يحيى من الشّيب زورا غريبا
قال ابن الرومي:
أدرى غراب الشيب فوق مفارقي ... ركض السنين الراكضات أمامي
وقال:
وافتني الليالي أم عمرو ... وحلّي في النتايف وارتحالي
وتربيتي الصغير إلى مداه ... وتأميلي هلالا عن هلال
وقال:
ومن يك رهنا لليالي ومرّها ... تدعه كليل القلب والسمع والبصر
من شاب قبل أوانه
قال أبو نواس:
وإذا عددت سنّي كم هي لم أجد ... للشيب عذرا في النّزول برأس
وقال كشاجم:
إذا فكّرت في شيبي وسنّي ... عتبت عليه فيما نال منّي
كأنّ الشيب غار على الغواني ... فعرضهنّ للأعراض عنّي
وقال:
لو كان يمكنني سفرت عن الصبا ... فالشيب من قبل الأوان يلثم
ولقد رأيت الحادثات فلا أرى ... شيبا يميت ولا سوادا يعصم
وقال:
وهل أنا إلا ابن الثلاثين لم تشب ... لداتي ولكنّ الخطوب تضيم
وقال:
(2/345)

قد رأيناه بالعشيّ غلاما ... فغدونا نعدّه في الكهول
وقال الموسوي:
عجّلت يا شيب على مفرقي ... وأيّ عذر لك أن تعجلا
وكيف قدمت على عارض ... ما استغرق الشعر ولا استكملا
يا زائرا ما جاء حتّى مضى ... وعارضا ما غام حتّى انجلى
وما رأى الراؤون من قبلها ... زرعا ذوى من قبل أن يبقلا «1»
وقال:
وعارضني في عارضي منه أنجم ... ظلمن شبابي وهي في القلب أسهم
قال ابن المعتز:
يا هند ما شاخ الفتى ... وإنّما شاخ الشّعر
من شاب من الوقائع والشدائد
قال الحسن بن رجاء:
إن يشب رأسي فمن كرم ... لا يشيب المرء من كبره
وخطوب قد تحلّ به ... ومشيب الحرّ في صغره
وقال ابن المعتز:
قالت كبرت وشبت قلت لها ... هذا غبار وقائع الدّهر «2»
وله:
إن شيب الرأس نوار الهموم «3»
قال الموسوي:
وما شبت من طول السنين وإنّما ... غبار حروب الدّهر غطّى سواديا
من شاب من استعمال الطيب وهجر الحبيب
قال بعض الأقدمين:
جلا الأذفر الأحوى من الطيب فرقه ... وطيب الدهان رأسه فهو أنزع «4»
وقال:
إنما شيّبني الطيّ ... ب وأنفاس الغواني
(2/346)

واهتمامي بنزيل ... أو بضيف أو بعان
قصرت عن جانب الح ... ق له منّي اليدان
قال كشاجم:
لا تنكرين الشيب أنت جلبته ... بجناية وقطيعة وعتاب
لو لم تروّعي بالغرور وبالنّوى ... طورا لطال تمتّعي بشبابي
الشباب مقتض لارتكاب التصابي
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم إن الله يبغض ابن الستين في طرّة ابن العشرين. وقال أبو عمرو السلمي وقد رأى قوما يعذلون شابا. لا تعذلوه فقد رأيتني وأنا شائب أعضّ على الملام عضّ الجموح على اللجام حتى أخذ العيب بعنان شبابي وإن لم يكن الشيب شعبة من الجنون فإنه عصارته.
قال أبو نواس:
إن الشباب مطيّة الجهل ... ومزين الضّحكات والهزل
ومنه للنابغة:
فإن مطيّة الجهل الشباب
وقيل: اليد الفارغة والنفس المستريحة والشباب المقتبل «1» تكتسب الآثام وتستحل الحرام، ومنه:
إن الشباب والفراغ والجده ... مفسدة للمرء أي مفسده
قال الجريمي:
اللهو يحسن بالفتى ... ما لم يكن شيب يشينه «2»
وقال شبيب بن شبة:
رعى الله دهرا أخرس العذل عذره ... بشرخ شباب لم يشب صفوه كدر
وقال:
كلّ اللذاذات والتّصابي ... قبل الثلاثين تستطاب
المتذمّم لتعاطي ما تعاطاه في أيّام الصبا
قال الواسطي: حان حصادي ولم يصلح فسادي.
قال البحتري:
وأضللت حلمي والتفتّ إلى الصّبا ... سفاها وقد جزت الشّباب مراحلا
(2/347)

وقال ابن المعتز:
أنت في الأربعين مثلك في ... العشرين قل لي متى يكون الفلاح؟
قال المتنبي:
وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه ... ولو أنّ ما في الوجه منه خراب
يغير منّي الدهر ما شاء غيرها ... وأبلغ أقصى العمر وهي كعاب
قال أبو سعيد الرستمي:
قبيح بذي الشيب أن يطربا ... وما للمشيب وما للصّبا
أمن بعد خمسين ضاعت سدى ... وأودى بها اللهو أيدي سبا «1»
تشيم بروق الدمى دائما ... وقد شامت العارض الأشيبا
وأقبح بذي عارض أشيب ... إذا قابل العارض الأشنبا «2»
وأهلك واللّيل بادر به ... فقد كادت الشمس أن تغربا
قال علي بن عبد العزيز:
التّصابي بلا شباب محال
من أقلع لظهور شيبه
نظر إياس بن معاوية في المرآة فرأى شيبة في لحيته فقال: لا أراني سمير الحاجات بني تميم فلزم بيته ولم يدخل بعد ذلك على السلطان، وقال مسلمة بن عبد الملك: ما وعظني شعر ما وعظني ما قال عمرو بن حطان:
صبا ما صبا حتّى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل أبعد
وقال أعرابي: فلان وضع رداء مجونه لما بدا الفجر من ليالي قرونه. وقيل لرجل:
ألا تشرب؟ فقال: في شيب الرأس مطردة عن الكاس. وكان الرجل إذا بلغ أربعين طوى فرشه وجدّ في عمله.
وقيل: ثلاثة كل منها يقتضي تجنب الصبا: ظهور الشيب والتحصن بالتزوّج والحج إلى بيت الله الحرام.
وقالت امرأة لرجل: كان يخادنها ما فعل غزلك؟ فقال: أماته شيب العارضين.
قال أبو الفرج الببغاء:
لا عذر بعد عذار شاب أكثره ... فالشيب أوعظ أعذار وأنذار
(2/348)

وقال كثيّر: أتيت جميلا استنصحه هل أظهر الشعر، فأنشدته:
وكان الصبا خدن الشباب فأصبحا ... وقد تركاني في مغانيهما وحدي
فقال: حسبك أنت أشعر الناس.
قال أحمد بن أبي طاهر:
ركبت الصبا حتّى إذا ما ونى الصّبا ... نزلت من التّقوى بأكرم منزل «1»
ودين الفتى بين التنسّك والنهى ... ودنيا الفتى بين الصّبا والتغزّل
فيمن زعم أنه ترك التصابي لغير ملالة
قال إسحاق الموصلي:
سلام على سير القلاص مع الركب ... ووصل الغواني والمدامة والشرب
سلام امرئ لم تبق منه بقية ... سوى نظر العينين أو شهوة القلب
قال البحتري:
إنّي وإن جانبت بعض بطالتي ... وتوهّم الواشون إني مقصر
ليشوقني سحر العيون المجتلى ... ويروقني ورد الخدود الأحمر «2»
وقال:
قد رأيت الشيب إلّا أنّني ... لم يرعني الشيب عن وجه حسن
قال بشّار:
إن المشيب وما ترى بمفارقي ... صرف الغواية فانصرفت كريما
وصحوت إلا من لقاء محدّث ... حسن الحديث يزيدني تعليما
تارك الصبا قبل هجوم شيبه
ما كنت أول آخذ بعزيمة ... هجر الغواني والمفارق سود
وقال:
لا أجمع الحلم والصهباء، قد سكنت ... نفسي إلى الماء عن ماء العناقيد «3»
لم ينهني كبر عنه ولا فند ... لكن صحوت وغصني غير محصود «4»
الحثّ على مبادرة المشيب بتعاطي صلاح أو تصاب
قال هارون بن علي:
أعط الشباب نصيبه ... ما دمت تعذر في الشّباب
(2/349)

وقال ابن أبي السمط:
وبادر بأيام الشباب فإنّها ... تفوت وتمضي والغواية تنجلي
وأنشد أبو العتاهية قوله:
إن الشباب حجّة التّصابي ... روائح الجنّة في الشّباب
قال: كيف ترونه؟ فقالوا: حسن فقال: إن له جناحين يطير بهما في الجنة.
من تعاطى التصابي في مبدأ ظهور شيبه
قال ديك الجن:
وقالوا قد توشّح عارضاه ... فقلت الآن أوضع في الأثام «1»
وقال ابن طباطبا:
أقول وقد أوقظت من سنّة الهوى ... بعذل يحاكي لذعه لذعة الهجر
دعوني وليل اللهو في ليل لمّتي ... ولا توقظوني بالملام إلى الفجر
من استهان بالشيب فتعاطى بعده التصابي
قيل لخاسر: ما أكبر ما صنع بك الشيب؟ فقال: ما صنعت به أكبر والله ما هبته ولا رعيته ولا امتنعت له عن تعاطي محرم وارتكاب مأثم، ونظمه من قال:
لعمري لئن حلّ المشيب بلمّتي ... لقد كان ما أحللت بالشيب أعظما
سل الشيب عنّي هل عرفت وقاره ... وهل عفت حوبا أو تجنّبت مأثما «2»
وقال أبو نواس:
يقولون في الشيب الوقار بأهله ... وشيبي بحمد الله غير وقار
وقال ابن المعتز:
لمّا تولّى الشباب عنّي ... صفعت وجهي على المشيب
وقال بعض العلويين:
إن يكتهل منه القذال فحبّه ... في الغانيات وحبّهنّ غلام
همّ متعاطي التصابي ومشتاق إليه
حمل شاب غلاما إلى خربة فلما خلا به اطلع عليهما شيخ، فقال: فعل الله بكم فمن مثل فعلكم يغلو السعر وينزل البلاء. فعدا الشاب خوفا، فخلا الشيخ بالغلام فاطلع الشاب، فقال: يا عمّ الحمد لله قد رخص السعر وارتفع البلاء.
(2/350)

ودخل شيخ مسجدا فراود صبيا فعلم الإمام فعاتبه وعنّفه فلما أطال له قال له: كم ذا تعنفني كأن لم ير سفلة غيري. ورأى سفيان في مجلسه شيخا همّا يتخرّق صفوف النساء ويبكي فظنّ أن بكاه لما سلف من ذنوبه فاستقبلهنّ، ثم قال:
عليكنّ السلام فليس عندي ... لكن فدعنني غير السّلام
وكنّ إذا نظرن إليّ أمشي ... نقبن عليّ من خلل الخيام
وقيل: إن إبليس إذا رأى شيخا ذا طرة قال فديت من لا يفلح.
الحثّ على تعظيم المشايخ ومخالطتهم
روي أن رجلا أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: أصابتني خصاصة فقال: لعلّك مشيت أمام شيخ.
وقام وكيع لسفيان فأنكره وقال: ألست حدثتني عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن؟
وقال صلّى الله عليه وسلّم: ثلاثة لا يستخف بهم إلا منافق: إمام مقسط وذو شيبة في الإسلام وذو علم، وقال أزدشير لابنه وقّر المشايخ، فهم مواطن الوقار ومعادن الآثار ورواة الأخبار وحفظة الأسرار. إن رأوك في قبيح منعوك، أو جميل أيّدوك وإياك وأغمار الشباب فهم أهل الصبوة إلى الشهوات.
وأوصى يزيد بن المهلب إبنه فقال ليكن جلساؤك ذوي الأسنان فالشباب شعبة من الجنون ومرّ الحسن بفتيان فقال: شوبوا مجلسكم بشيخ. وقيل: من عرف حقّ من فوقه، عرف حقّه من دونه.
تفضيل الشيب في الرأي على الشباب
في المثل: جري المذكيات غلاء جرى المذاكي حسرت عنه الحمر. وقيل: الشيخ في رأيه كالجذل المحكك، لا يهدّه خطب ولا يزعزعه صرف، والشاب كالغصن الناعم الذي يستحيل بأيسر ريح وأيسر آفة.
وقيل: الشيخ كالبازل المستقل بما يحمل والشاب كابن اللبون لا ينهض بما يحتمل.
وقال:
وابن اللبون إذا ما لزّ في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس «1»
تفضيل الشبان فيه
قال صلّى الله عليه وسلّم: وسّعوا للشبان في المجالس وأفهموهم الحديث. وكان عمر رضي الله عنه، إذا نزل به معضل دعا الفتيان واستشارهم وقال هم أجدّ قلوبا. وقيل: الشيخ كالزند
(2/351)

الذي قد انثلم «1» ، ورأي الشبّان كالزند الصحيح الذي يورى بأيسر اقتداح.
مدح الشيب بالوقار والعفة
تأمل حكيم شيبة فقال: مرحبا بزهرة الحنكة وثمرة الهدى ومقدّمة العفة ولباس التقوى. وروي أن إبراهيم عليه السلام لما بدا الشيب بعارضيه قال: يا ربّ ما هذا؟ قال:
وقار. قال: يا ربّ زدني وقارا.
وعيّر حكيم بالشيب فقال: الشيب نور يورثه تعاقب الليالي والأيام، وحلم يفيده مرّ الشهور والأعوام، ووقار تلبسه مدة العمر ومضي الدهر.
قال دعبل:
أهلا وسهلا بالمشيب فإنّه ... سمة العفيف وحلية المتحرّج
ضيف ألمّ بمفرقي فقريته ... رفض الغواية واقتصاد المنهج
وقال أبو تمّام:
ولا يروعك إيماض القتير به ... فإنّ ذاك ابتسام الرأي والأدب «2»
مناقضة من مدح الشيب بالوقار
قال أبو تمّام:
حلمتني زعمتم وأراني ... قبل هذا التحليم كنت حليما
دقّة في الحياة تدعى جلالا ... مثل ما سمّي اللديغ سليما
قال المتنبّي:
ليت الحوادث باعتني الذي أخذت ... منّي بحلمي الذي أطعت وتجريبي «3»
فما الحداثة من حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشّيب
قال عبدان:
إن شيئا نعى إلى حياتي ... لبغيض وإن أفاد الرشاد
قال الموسوي:
غالطوني عن المشيب وقالوا ... لا ترع إنّه جلاء الحسام
قلت بل مرّ بي على الرأس منه ... صارم الجدّ في يد الأيام
(2/352)

(6) في حسن الشباب وطيبه وقبح الشّيب وعيبه
قال عكرمة في قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
«1» إلى الهرم، وللأخطل:
لا تحمدنّ شعرا تغشا ... هـ البياض فليس يحمد
قد كنت أبيض في القلو ... ب زمان كنت تراه أسود
قال أبو تمّام:
غرّة بهمة ألا إنّما كن ... ت أغرّا أيام كنت بهيما «2»
وقال:
إن قبح البياض في شعر الرأ ... س كقبح البياض في الأحداق «3»
وقال المتنبي:
متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السّواد
وقال أبو تمّام:
لو رأى الله أنّ في الشيب فضلا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا
وقال البحتري:
وددت بياض السيف يوم لقيتها ... كأنّ بياض الشيب كان بمفرقي
وقال المتنبي:
ضيف ألمّ برأسي غير محتشم ... والسيف أحسن فعلا منه باللمم
وقال الموسوي:
ما كان أضوا ذلك الليل في ... سواد عطفيه ولم يقمر
التسمية بما يدل على الكبر ذمّ
لو قيل لعجوز منحنية يا عجوز ويا جدة لغضبت واستوحشت ولو قيل يا جارية لقالت
(2/353)

لبيك وسعديك، وعلى ذلك يا شيخ ويا فتى. قال يزيد بن عتاب:
يا حرقة القلب بيا شيخ ويا ... برد الفؤاد حين يدعى يا فتى
وقال:
وإذا دعوتك عمّهن فإنّه ... نسب يزيدك عندهنّ خبالا «1»
وقد ظرف البحتري في قوله:
يتظرّفن للذليل المسمّى ... من تصاب دون العزيز المكنّى
وقال أبو حازم:
إذا ما دعوت الشيخ شيخا هجوته ... وحسبك مدحا للفتى قول يا فتى
إزورار النساء عن الشيب
قال بعض المشايخ: رأيت امرأة راقتني فقلت هل لك فيّ؟ فقالت: إن بي عيبا شيب رأسي فثنيت عناني. فصاحت أثبت وكشفت عن شعر كالحمم وقالت: إني أكره من الشيب ما كرهته. قال المتنبي:
أرى شيب الرجال من الغواني ... بموقع شيبهنّ من الرّجال
وقال ابن الرومي:
أعر طرفك المرآة وانظر فإن نبا ... بعينك منه الشيب فالبيض أعذر «2»
إذا شنأت عين الفتى شيب نفسه ... فعين سواه بالشناءة أجدر
وقال ابن المعتز:
لقد أبغضت نفسي في مشيبي ... فكيف يحبّني البيض الكعاب
قال الحكم الحضرمي:
قد كان يعجب بعضهنّ نزاعتي ... حتّى سمعن تنحنحي وسعالي
وقال الصاحب: قد سبق ابن المعتز كل من قال في رغبة النساء عن المشيب بقوله:
فظللت أطلب وصلها بتذلّل ... والشيب يغمزها بأن لا تفعلي
وقال:
الشيب أعظم ذنبا عند غايته ... من ابن ملجم عند الفاطمينا
(2/354)

رغبة الشيب عن النساء
قال بعض الشيوخ: كنت أخاف أني إذا شبت تزهد فيّ النساء فلما شبت كنت أزهد منهنّ فيّ. قال شاعر:
رمتني وستر الله بيني وبينها ... ونحن بأكناف الحطيم ذميم «1»
فلو أنني لما رمتني رميتها ... ولكنّ عهدي بالنضال قديم
معرفة فضل الشباب عند فقده
قال بعضهم: شيئان لا يعرف فضلهما إلا من فقدهما: الصحة والشباب. قال ابن الرومي:
لا تلح من يبكي شبيبته ... إلا إذا لم يبكها بدم «2»
لسنا نراها حقّ رؤيتها ... إلا زمان الشيب والهرم
كالشمس لا تبدو فضيلتها ... حتّى تغشّى الأرض بالظّلم
ولربّ شيء لا يبينه ... وجدانه إلا مع العدم
وقال ابن الأعرابي: لا أعرف في مدح الشباب وذمّ الشيب أحسن من قول محمد بن حازم:
لا تكذبنّ فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيوم واحد بدل
قال محمود الوراق:
سقيا لأيام تولّت به ... أحسن ما كانت صروف الزّمن
ولى فما الدنيا بأقطارها ... لليوم والساعة منه ثمن
غمّ من ذهب شبابه قبل تمتعه به
قال منصور النمري:
ما كنت أوفي شبابي كنه عزّته ... حتّى مضى فإذا الدنيا له تبع
وسمع ذلك الرشيد فقال وما خير دنيا لا يخطر فيها برداء الشباب قال عمر بن أبي ربيعة:
إن الشباب الذي كنّا نزن به ... مضى ولم نقض من لذّاته أملا
(2/355)

(7) البكاء على فقد الشباب والتأسف له
نظر رجل إلى شيبة في رأسه فجمع نساءه وقال: أندبنني فد مات بعضي.
قال الخزيمي:
إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فبعض الشيء من بعض قريب
وقال محمود الورّاق:
أليس عجيبا بأنّ الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه
فمن بين باك له موجع ... وبين معنى معز إليه
ويسلبه الدهر شرخ الشباب ... وليس يعزّيه خلق عليه «1»
وقال:
شيئان لو بكت الدماء عليهما ... عيناك حتّى يؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقّيهما ... فقد الشباب وفرقة الأحباب
ذمّ الشباب بقلّة الوفاء واللبث والتسلّي عنه
قال شاعر:
ما في يدي من الصّبا ... إلا الندامة والأسف
كان الشباب كزائر ... ملّ الزيارة وانصرف
قال بعضهم:
لم أقل للشباب في دعة ... الله وفي حفظه غداة تولّى
زائر زارني أقام قليلا ... سوّد الصحف بالذّنوب وولّى
قال منصور الفقيه:
ما كان أقصر أيام الشباب وما ... أبقى حلاوة ذكراه التي يدع
وقال المتنبّي:
مشيب الذي يبكي الشباب مشيبه ... فكيف توقّيه وبانيه هادمه
تمني عوده والدعاء له
(2/356)

قال أبو العتاهية:
ألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب
وقال النمري:
والله لو أعطى المنى ... لوددت أيّام الصّبا
ومعاتبات كنّ لي ... ومداعبات للدّمى
قال حميد:
فلا يبعد الله الشباب وقولنا ... إذا ما صبونا صبوة سنتوب «1»
ليالي سمع الغانيات وطرفها ... إليّ وإذ ريحي لهنّ جنوب
وقال ديك الجن:
لله درّي في الشبيب ... ة من أخي لهو أريب «2»
أيام يحملني الشبا ... ب على التهاون بالذّنوب
تولّي العيش بتولي الشباب
قال كثيّر:
وكان الصبا خدن الشباب فأصبحا ... وقد تركاني في مغانيهما وحدي»
وقال:
ولّى الشباب وولّى العيش والعمر ... وأقبل المدبران الشّيب والكبر
وقال رسبة بن الأبيض:
بان الشباب بكلّ ما ... تهوى النفوس وتطيب
طفئ السراج وكلّت الأض ... راس وانكسر القضيب «4»
قال عليّ بن جبلة:
ولما انقضى عصر الشباب وعهده ... ذوى ورق الدنيا وأغصانها الهدل «5»
كراهة ذهاب الشيب وكراهة نزوله
قال مسلم:
الشيب كره وكره أن يفارقني ... فأعجب لشيء على البغضاء مودود
يمضي الشباب ويأتي بعده خلف ... والشيب يذهب مفقودا بمفقود
(2/357)

قال البحتري:
تعيب الغانيات عليّ شيبي ... ومن لي أن أمتّع بالمعيب
وأنشد ابن دريد في وصفه:
ولي صاحب ما كنت أهوى لقاءه ... فلما التقينا كان أكرم صاحب
عزيز علينا أن يفارق بعدما ... تمنّيت دهرا أن يكون مجانبي
الشيب داء متمنى
قيل لأبي العيناء: كيف أنت؟ قال في الداء الذي يتمنّاه الناس يعني الهرم. وقيل لأعرابي وقد ضعف من الكبر لقد أذنب إليك الدهر، فقال: كثّر الله من ذنوبه عندي.
طول العمر يفضي إلى الهرم والمصائب
قيل: من أخطأ سهم المنية قيّده الهرم. ومن وطّن نفسه على طول العمر فليوطنها على كثرة المصائب. وقال ابن الحارث في وصيته لبنيه: من متّع بكبر بلي بعبر، ومن تأخّر يوما ملّه قومه.
وقال زهير:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم
وقيل: كفى بالسلامة داء، وقال:
فكيف ترى طول السلامة يفعل
من أضعفه كبره وهرمه
سأل الحجاج شيخا فقال: كيف طعمك؟ قال: إذا أكلت ثقلت، وإذا تركت ضعفت. قال: كيف نكاحك؟ قال: إذا بذل لي عجزت، وإذا منعت شرهت. قال: كيف نومك؟ قال: أنام في المجمع وأسهر في المضجع. قال: فكيف قيامك وقعودك؟ قال: إذا قعدت تباعدت عنّي الأرض، وإذا قمت لزمتني. قال: كيف مشيك؟ قال: تعقلني الشعرة وتعثرني البعرة.
وقيل لشيخ ما صنع بك الدهر؟ قال: فقدت المطعم وكان المنعم، وأجمت النساء وكن الشفاء. فنومي سنات، وسمعي خفات، وعقلي تارات.
وقيل لآخر: فقال: أدرج من العشاش، وأخرأ في الفراش، وأنبو عن القماش، وأنفر من لاش.
وقيل لآخر: فقال: ضعضع قناتي، وأوهى شواتي، وجرّ أعلى عداتي. وسئل ابن الفرية عن وصف الكبر فقال: إقبال البخر وإدبار الزفر، وانقباض الذكر. وقيل: الشيخوخة غمامة تمرض الأمراض.
قال أبو الطمحان:
(2/358)

حنتني حانيات الدهر حتّى ... كأنّي خاتل أدنو لصيد
قربت الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيدا أنّي بقيد
وهذا من قول شيخ مرّ به غلام فقال: يا عمّاه قد قصر قيدك، فقال: تركت الذي قيّدني يقتل قيدك.
وقال ديك الجن:
نهنهت الخمسون من شدّتي ... وضيقت خطوي بعد اتساع «1»
وأتحفتني خورا ظاهرا ... وكنت قبل الشيب عين الشّجاع «2»
تعترف النفس ببعض القوى ... فأمسك النفس ببعض الخداع
أذكر إنسان التي فوقها ... والموت قد يودي بمن في الرّضاع
وكان أبو محلم لما كبر ينشد:
إذا ما امرؤ أحصى ثمانين حجّة ... وعاش، تشكّى كلّ عضو ومفصل
وقد أحسن القائل:
قالوا أنينك طول اللّيل يسهرنا ... فما الذي تشتكي قلت الثّمانينا
المشيب مؤذن بالموت
قيل: المشيب تمهيد الحمام وتاريخه وعنوانه ورائده ونذيره. وقيل: الشيب مقوّض الخيام ومقيض الحمام. وقيل: هو أول مواعيد الفناء وقيل: هو واعظ نصيح ومنذر فصيح.
وقيل: هو لمحة من لمحات المنون ونوبة من نوب الدهر الخؤون. وقيل: في قوله تعالى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ
«3» والنذير الشيب.
وقيل: إذا ضحك الشيب في القذال «4» بكت الحياة للزوال.
ونظر حكيم إلى شيبه فقال أرى شيبة قد أينع ثمرها وحان قطافها.
وأظرف ما قيل في ذلك قول منصور:
من شاب قد مات وهو حيّ ... يمشي على الأرض وهو هالك
لو كان عمر الفتى حسابا ... لكان في شيبه فذالك
وقال:
الشيب والموت مقرونان في قرن
ونظر فضيل إلى رجل قد وخطه الشيب فقال: اتّق الله فإنّ الموت قد غرز أعلامه في
(2/359)

لحيتك. ولأبي الفضل بن العميد من فصل قد طرزت الأيام عارضيك بتاريخ، يفصح عما كتمته وينشر للناس من أمرك ما طويته، وكأنك تقول هو مقدمة الهرم والمؤذن بالخرف والعائد إليّ ولا أريد تطيرا من ذكره.
من مات أقرانه فقد آن أوانه
قال أبو عيينة:
واستحصد القرن الذي أنا منهم ... وكفى بذاك علامة لحصادي
وقال معاوية لجلسائه: ما تعدون الغريب فيكم؟ فقالوا: الذي لا أحد له فقال بل الغريب الذي مات نظراؤه الذين كان يأنس بهم قال أبو محمد التيمي:
إذا ذهب القرن الذي أنت منهم ... وخلفت في قرن فأنت غريب
قال ابن المعتز:
لأيّ غايات رجائي بعد ما ... رأيت أترابي وقد صاروا ترابا «1»
وقال أبو سعيد الرستمي:
جاوزت سنّي الأشدّ ومارس ... ت بنفسي من الخطوب الأشدّا
وتفانى الأقران دوني جميعا ... وتبقّيت في الكنانة فردا
وقال العلوي الكوفي:
أجالس معشر الأشكل فيهم ... وإشكالي قد اعتنقوا التجودا
المدة التي يخاف عندها الموت
قيل في قوله تعالى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ
«2» أنه الأربعون قال شاعر:
إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتي حياء ولا ستر
فدعه ولا تنفس عليه الذي مضى ... وإن مدّ أسباب الحياة له العمر
وقال رجل لعبد الملك: كم لك من السنين؟ فقال: أنا في معترك المنايا ابن ثلاث وستين. وكتب الحجّاج إلى قتيبة بن مسلم إني نظرت في سنّي فإذا أنا قد بلغت خمسين سنة وأنت تحومني في السن. وإن امرأ قد سار خمسين حجّة إلى منمهل لقمين أن يرده فأخذ ذلك أبو محمد التميمي فقال:
فإن أمرأ قد سار خمسين حجّة ... إلى منهل من ورده لقريب
فإن كانت الستون سنّك لم يكن ... لدائك إلا أن تموت طبيب
(2/360)

قال ابن المعتز:
إحدى وخمسون لو مرّت على حجر ... لكان من حكمها أن يفلق الحجر
جماعة سني العمر
تقول العرب: الغلام إذا بلغ عشرا قد رمى، وفي عشرين قد لوى أي لونى يد غيره، وفي ثلاثين قد غوى، وأربعين قد استوى، وفي خمسين قد حرى أي صار حريا بأن يظهر فضله.
وقيل ابن عشر طفل وابن عشرين فحل، وابن ثلاثين كهل وابن أربعين معتدل، وابن خمسين مترحل.
وحكي عن بزرجمهر أنه قال: في عقد العشرة دليل على أن الصبي إذا بلغ عشر سنين فقد انعقد فإذا صار إلى عشرين فقد توسط الخير والشر توسط الإبهام للسبابة والوسطى، فإذا صار إلى الثلاثين فقد كمل واستوى وإذا بلغ الأربعين فقد بلغ الأشد وشدّ الأزر وإذا بلغ الخمسين فقد انكسر وقعد، وإذا بلغ الستين فقد انضم، فإذا بلغ السبعين فقد عاد في أخلاق الصبيان، وأشبه ابن الثلاثين الكامل الشهوة وابن العشرة الصبي فإذا بلغ الثمانين فقد تقوّس عقد ما فإذا بلغ التسعين فقد صار في ضيق عيش كضيق عقدها، وإذا بلغ المائة انتقل عن الدنيا انتقال عقدها إلى اليد الأخرى. وقيل لرجل: كم أنت؟ قال: ابن قبضة يعني ثلاثا وتسعين.
في المتبرّم بحياته لضعفه
قال زهير:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
وقال زهير بن حباب:
الموت خير للفتى ... فليهلكن وبه بقيّة
من أن يرى الشيخ البجا ... ل وقد تهادى بالعشيّة «1»
وقال عبيد:
والمرء ما عاش في تكذّب ... طول الحياة له تعذّب
وقيل: أهون هالك شيخ يقاد به البعير وكان من عادتهم إذا تبرّموا بشيخ ربما أنهم تركوه إذا ارتحلوا ليموت أو يأكله الذئب أو يحملوه على بعير نفور يسقطه فيموت فيستريحوا منه وقيل: أهون هالك عجوز في سنة جدب.
(2/361)

(8) المعمّرون
عاش نوح ألف سنة وأربعمائة وخمسين سنة، بعث بعد مائتي سنة ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، بقي بعد الطوفان مائتي سنة وخمسين سنة فلما أتى ملك الموت قال له كيف رأيت الدنيا؟ قال: كدار لها بابان دخلت من هذا وخرجت من هذا.
وعاش لقمان خمسمائة وستين سنة عمر سبعة أنسر كل نسر ثمانون سنة ومنه قيل طال الأمد على لبد.
وعاش المستوغر بن زبيد ثلاثمائة وثلاثين سنة ولما بلغ ثلاثمائة قال:
ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وعمرت من بعد السنين مئينا
مائة جزتها بعدها مائتان لي ... ازددت من عدد الشهور سنينا «1»
هل ما بقي إلا كما قد فاتنا ... يوم يمرّ وليلة تحدونا
وعاش معدي كرب الحميري مائتين وخمسين سنة. وعاش عامر بن الظرب ثلاثمائة سنة وكذلك أكثم بن صيفي، وكانا من حكماء العرب. وأدرك أكثم الإسلام واختلف في إسلامه. وعاش قسّ بن ساعدة الأيادي ستمائة سنة، وكان من عقلاء العرب وحكمائهم، وهو أول من أقرّ منهم بالبعث وأول من قال في الخطبة: أما بعد. وعاش دريد بن الصمة دهرا طويلا حتى سقط حاجباه على عينيه ولم يسلم وشهد حنينا.
وعاش عبيد الجرهمي مائة سنة وعشرين سنة وكان معاوية رضي الله عنه حجّ من الشام فقال هل تعرفون أحدا بقي له علم بأيام العرب فنسأله، فقالوا: عبيد وهو على طريقك فدعاه فقال: ممن أنت؟ فانتسب إلى قبيلة، فقال: وهل بقي منهم أحد؟ قال:
نعم أنا قال وكم لك من السنين؟ فقال مائتان وعشرون سنة. فقال: من أين تعلم؟
فقال: أما قال الله تعالى وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصّلناه تفصيلا. فقال: أخبرني عمّا رأيت فقال تمت عليّ سنيهات بلاء وسنيهات رخاء ويوم في أثر يوم وليلة. في أثر ليلة. ومنهم لبيد بن ربيعة وخبره مشهور ومعاذ بن مسلم عاش مائة وخمسين سنة. صحب بني مروان وفيه يقول الشاعر:
قل لمعاذ إذا مررت به ... قد ضجّ من طول عمرك الأبد
(2/362)

قد أصبحت دار آدم خربت ... وأنت فيها كأنّك الوتد «1»
تسأل غربانها إذا نعبت ... كيف يكون الصداع والرّمد
فصل من ذلك
قيل: فلان أعمر من القراد وذلك أنه يعيش سبعمائة سنة، وأعمر من الضبّ. قال الأصمعي إن الحسل «2» يبلغ مائة سنة ثم يسقط.
قال:
فقلت لو عمرت عمر الحسل ... أو عمر نوح زمن الفحظل «3»
والصخر مبتل كطين الوحل ... صرت رهين هرم أو قتل
وقيل: أعمر من حيّة لأنّها لا تموت حتف أنفها فيما. يقال: واعمر من نسر وللفرس زيود هشتا دكور تيرست رهمنه مزواماري نه مريد خركش يوزينه مرد معناه يعيش العير ثمانين سنة وثلاثمائة والحية لا تموت إلا قتلا.
(9) الترغيب في الاختضاب والرغبة فيه
قال عمر رضي الله عنه: اختضبوا بالسواد فإنه أسكن للزوجة وأهيب للعدو وقيل لرجل إلام أخضب؟ فقال: ما قام أيرك. قال شاعر:
الشيب ضيفك فاقره بخضاب
وقال: إن الخضاب هو الشاب الثاني.
وقال:
إن الخضاب لحيلة ... في ردّ أيّام الشّباب
قال رستم بن محمود:
ولما رأيت الشيب قد شان أهله ... تقنّعت وابتعت الشباب بدرهم «4»
قال ابن المعتز وقد ناقض بذلك محمودا الوراق حيث قال:
يا خاضب الشيب الذي ... في كلّ ثالثة يعود
(2/363)

إن النصول إذا بدا ... فكأنّه شيب جديد «1»
فقال:
وقالوا النصول مشيب جديد ... فقلت الخضاب شباب جديد
إساءة هذا بإحسان ذا ... فإن عاد هذا فهذا يعود
الإعتذار لذلك
قال علي بن عيسى لإبراهيم بن إسماعيل يوما: الخضاب باطنه داء وظاهره غرور.
ثم لقيه وقد اختضب، فقال: أين كلامك؟ قال فكرت فإذا أمور الدنيا كلها مرمة وهذا من مرمتها. قال ابن الرومي:
فإن تسأليني ما الخضاب فإنّني ... لبست على فقد الشباب حدادي
من اختضب لمجيء الشيب في غير وقته
قال محمود الوراق:
إذا ما الشيب جار على الشباب ... فعالجه وغالط في الحساب
فقل لأمر لا مرحبا من نزيل ... وعذّبه بأنواع العذاب
بنتف أو بقصّ كلّ يوم ... وأحيانا بمكروه الخضاب
وإن هو لم يجر وأتى لوقت ... فقل في رحب دار واقتراب
الترغيب عن الخضاب والرغبة فيه
قيل لأفلاطون: لم اختضب فلان؟ فقال: كره أن يؤخذ بحنكة المشايخ.
قال ابن الرومي:
يا أيّها الرجل المسوّد وجهه ... كيما يعدّ به من الشّبان
أقصر فلو سوّدت كلّ حمامة ... بيضاء ما عدّت من الغربان
وقيل لأعرابي: لم لا تختضب لتصبوا إليك النساء؟ فقال أما نساؤنا فما يردن بنا بدلا، وأما غيرهن فلا نريد صبوتهن «2» .
قال كشاجم:
يا خاضب الشيب والأيام تظهره ... هذا شباب لعمر الله مصبوغ
وقيل لأعرابية: فلان يختضب. فقالت: لا ينال الشباب بالخضاب كما لا ينال الغنى بالمنى ولما وفد عبد المطلب على سيف بن ذي يزن ورأى لحيته بيضاء بعث إليه بجارية ومعها خطر ليخضب لحيته فأنشأ عبد المطلب:
وقائلة تخضّب فالغواني ... نوافر عن مصادقة القتير
(2/364)

فقلت لها المشيب نذير عمري ... ولست مسوّدا وجه النذير
وقال:
إذا ذهب الشباب فليس إلا ... غبار الشيب أو ذلّ الخضاب
مدح الصلع
قال الخليل: كان الشريف إذا لم يصلع نتفوا شعره تشبّها بذلك.
وأنشد العتبي:
قد حصّ رأسي فتيت المسك أخلطه ... بالعنبر الورد حتّى ما به شعر «1»
فقال لشتان ما بينه وبين أبي قيس بن الأسلت في قوله:
قد حصت البيضة رأسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع
ذمّ الصلع
دخل الأبرش الكلبي على هشام بن عبد الملك وحجّام يحجمه فمسّ رأسه فقال: يا أبرش ما صلع لئيم قط فكشف رأس الحجام فإذا هو أصلع، فقال: أمن كرم صلع هذا؟
وقالت امرأة لزوجها وكان أصلع لست أغبط إلا شعرك حيث فارقك فاستراح منك.
قال شاعر:
خفافان مثل القذّتين وهامة ... يزل الذباب النقف عنها فيصرع «2»
وقال:
إذا أبصرتهم صلعا وثطا ... فقبّح ذاك من صلع ومن هام
التأسف لذلك
قال بعضهم:
جزعت للشيب لما حلّ أوّله ... فجاءني حادث أنساني الجزعا
هبّ المشيب يداوي الخطر شائعه ... فكيف لي بدواء يذهب الصّلعا
قال أبو النجم:
قد ترك الدهر صفاتي صفصفا ... فصار رأسي جبهة إلى القفا
كأنما تلقّى به ضعفي عفا
الإعتذار عنه
قال بشر:
رأتني كأفحوص القطاة ذؤابتي ... وما مسّها من منعم يستشيبها «3»
(2/365)

قال ابن الرومي:
يعيّرني لبس العمامة سادرا ... ويزعم لبسيها بعيب مكتّم
فقولا له هبني كما أنا صلعة ... ألست حصين الخلف ماضي المقدّم
وأنّى تعيب الصلع والأير منهم ... وأنت بحبّ الأير عين المتيّم
نوادر للصلع
قيل لأصلع: إن الصلعة من نتن الدماغ. فقال: لو كان ذلك كذا لم يكن على حرامك طاقة شعر. وجلس أصلع بين يدي حجّام فحلق نصف رأسه وتماسكا في الأجرة، فقال الأصلع: حلق نصف رأسي فله نصف الأجرة فقال الحجّام حلقت له إبطين أربع أذرع كأنهما تنوران يشوى فيهما السالخ لنتنهما فحكم له بالأجرة تماما وقال أصلع لرجل رأى عليه جربا كثيرا أراك لابسا جوشنا «1» بلا بيضة.
(10) وممّا جاء في الأسماء والكنى والألقاب
الحثّ على تسمية الأبناء بأحسن الأسماء
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: إياكم وهذه الأسماء القبيحة، فما من مولود يولد إلا ويحضره ملك وشيطان، فيقول الملك سمّوه بكذا اسما حسنا، ويقول الشيطان سمّوه بكذا اسما قبيحا.
وقال: كنية الرجل أحد شواهد عقله واسمه أحد شواهد عقل أبيه. وقيل: أشيعوا الكنى فإنها منبّهة. وقال صلّى الله عليه وسلّم: من آتاه الله وجها حسنا وإسما حسنا وجعله في غير موضع شائن فهو من صفوة خلقه.
الميل إلى الأسماء الحسنة والتفاؤل بها
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أحبّكم إلينا أحسنكم أسماء، فإذا رأيناكم فأجملكم منظرا. فإذا اختبرناكم فأحسنكم مخبرا.
وخرج الرشيد يوما فرأى سعيد بن سلم فقال: من قال سعيد أسعدك الله؟ قال: ابن من قال ابن سلم سلمك الله قال: أبو من؟ قال: أبو عمر، وعمرك الله فقال بارك الله عليك وأكرمه.
المسمّى باسم حسن معناه موجود فيه
قال:
وقلّما أبصرت عيناك من رجل ... ألا ومعناه في اسم منه أو لقب
(2/366)

قال ابن الرومي:
أنت أبو الفضل وأنت ابنه ... فالفضل لا يعدوك في كلّ حال
وسأل رجل صبيا صبيحا ما اسمك؟ فقال: وصف وجهي، فقال: ما أراك تسمّى إلا حسنا فقال: كذلك. وفي ذلك لأبي نواس:
إن اسم حسنى لوجهها صفه ... وما أرى ذا لغيرها اجتمعا
فهي إذا سمّيت فقد وصفت ... قد يجمع الاسم معينين معا
ونظر المأمون إلى غلام فقال له: ما اسمك؟ قال: لا أدري؟ فقال: لم أر مثل هذا.
وأنشد:
تسميت لا أدري لأنّك لا تدري ... بما فعل الحبّ المبرّح في صدري
المسمّى باسم حسن معناه معدوم فيه
ولي رجل يقال له البحر أبو الغمر بعض كور خراسان فمدحه شاعر فأعطاه درهمين فقال:
تركت لبحر در همين ولم يكن ... ليدفع عنّي فاقتي درهما بحر
وقلت لبحر خذهما واصرفهما ... سريعين في نقص المروءة والفخر
وقالت غمرة بنت النعمان بن بشير:
سميت روحا وأنت الفم قد زعموا ... لا روّح الله عن روح بن زنباع
ومرّ صاعد ببشّار فقال: من هذا؟ قيل: صاعد. فقال: الصاعد اسما السافل فعلا.
ودفع أبو الفياض بن بحر رقعة إلى أبي الفضل بن العميد فكتب عليها بحر بن محمد بن بحر فكتب تحتها محمد مسكين غرق بين بحرين. قال ابن الرومي:
سميت أحمد مظلوما ولست به ... كلا ولكن من الأسماء مقلوب
عرضت على كشاجم جارية حسناء فقال: ما اسمك؟ قالت: مظلومة فقال:
مملوكة تملك أربابها ... ما شانها ذاك ولا عابها
قد سمّيت بالضدّ مظلومة ... وهي التي تظلم أصحابها
من عيّر بقبيح اسمه
قال بعضهم في رجل اسمه فضل:
هو فضل وفضلة الشيء لغو ... ثم أردفت قلّة التصغير
وأراد عمر رضي الله عنه أن يولّي رجلا فسأله عن اسمه فقال: ظالم بن سراق.
فقال: أنت تظلم وأبوك يسرق لا خير فيك ولم يولّه.
وقال معاوية رضي الله عنه لجارية بن قدامة: من هوانك على أهلك سموك جارية
(2/367)

فقالت: أنت كنت أهون على أهلك إذ سمّوك معاوية، وهي الأنثى من الكلاب.
ووقف رجل على ثلاثة نفر فسألهم عن أسمائهم، فقالوا: حافظ ومنيع ومحرز.
فقال: ما أظنكم من أسمائكم إلا كما قال أبو فراس:
إذا نسبوا لم يعرفوا غير ثعلب ... إلا أن أشرار السباع الثعالب
وقال العتابي لإبراهيم الموصلي عند المأمون وكان أغرى بينهما: ممّن وما اسمك؟
فقال: من الناس واسمي كل بصل. فقال: أما النسبة فمعروفة وأما الاسم فمنكر. فقال:
وما كلثوم من الأسماء، البصل على كل حال أطيب. وقيل لرجل: ما اسمك؟ قال:
شعيب، فقال: لا خير في اسم في أوله شه وفي آخر عيب. وهذا مثل قول الصاحب في قابوس نصف اسمه ضعف وآخره بوس، ونحوهما ما قال موسى بن عبد الملك في عيسى: أنّى يكون بليغا ونصف اسمه عي وما تأخر عنه ثلثا حروف مسيء.
وقيل في نفطويه:
أحرقه الله بنصف اسمه ... وصيّر الباقي نواحا عليه
ونحوه:
أبو رياش بغي والبغي مصرعه ... فشدّدوا العين ترموه بآبدته
عبد ذليل هجا للحين سيّده ... تصحيف كنيته في صدع والدته
أي أيور ناس.
وقال ابن أبي البغل: ولد لي سبط فما اسميه؟ فقيل له: لا تخرج من الاصطبل وسمه ما شئت.
ومن نوادر الصاحب أنه وقّع في قصة ابن حيلة: لا تترك استعمال أبيك وقال:
ابن عذاب إذا تغنّى ... فإنّني منه في عذاب
وقال ابن سوادة لعبدان: أبوك كان ثنويا ولذلك سماك عبدان، أي عبد النور وعبد الظلمة.
وقال الصاحب للبغلي: ما اسم أبيك؟ قال: موسى. قال: وابنك؟ قال موسى قال:
وهذه اللحية بين موسيين على خطر. وفيه:
حلقت لحية موسى باسمه ... وبهارون إذا ما قلبا «1»
من استحمق في اسمه
قال ابن أبي عتيق لرجل: ما اسمك؟ قال: وثّاب، قال وكلبك؟ قال: عمرو. فقال:
فلو كان من التوفيق ... قد أعطى أسبابا
(2/368)

لسمّى نفسه عمرا ... وسمي الكلب وثّابا
وقال رجل لآخر: ما اسمك؟ قال: وردان قال وفرسك، فقال: عمران. وذهب رجل إلى باب، فقيل عبد من الأرض جميعا قبضته والسموات مطويات بيمينه، فقال: إن نصف المصحف بالباب وسئل رجل عن كنيته، فقال: أبو الحسن وأبو الغمر. فقيل: ألم تكف واحدة؟ فقال: لا إن ضاعت واحدة بقيت الأخرى.
المتأوّل قبيح اسمه على تأويل حسن
كان بنو أنف الناقة يستنكفون من هذا الاسم حتى قال فيهم الشاعر:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوّي بأنف النّاقة الذّنبا
فصاروا يتبجّحون به.
واستقبح قوم اسم العجلان فقال بعضهم: وما سمّي العجلان إلا لقوله:
خذ الوطب واحلب أيّها العبد واعجل «1»
المعتذر لشناعة اسمه أو كنيته
قيل لأعرابي اسمه نعامة: أي شيء هذا الاسم؟ قال: الاسم علامة ولو كان كرامة لتشارك الناس كلهم في اسم واحد. وقال برصوما لأبيه: ألم تجد اسما أحسن من هذا؟
فقال: لو علمت أنك تجالس الخلفاء باسمك لسميتك يزيد بن مزيد.
وطلب الحسن بن سهل مؤدّبا لولده فأتى بمعاوية بن القاسم وكان ضئيلا فقال: ما اسمك قال: كنيتي أبو القاسم ولضرورة تكنيت فاستظرفه.
وقيل لحرم المخنث لم تسميت بذلك؟ فقال: حتى أندب فيقال واحرماه. وأتى ضرار المتكلم بمجوسي ليكلمه فقال: أبو من أنت؟ فقال: نحن أجل من أنت ننسب إلى أبنائنا إنما ننسب إلى آبائنا. فورد على ضرار ما لم يكن في حسابه فأطرق ساعة ثم قال: أبناؤنا أفعالنا وآباؤنا أفعال غيرنا. وسئل بعض الأعراب لم سمعوا أبناءهم بالأسماء القبيحة وعبيدهم بالحسنة فقال: لأن أبناءهم لأعدائهم وعبيدهم لأنفسهم.
مدح الكنية واللقب وذمّهما
قيل: الكنية للإبانة واللقب للتبجيل فلا يكون لله تعالى كنية لأنه بان بصفاته. واللقب على أوجه: لقب على سبيل الهزؤ، وذلك منهى عنه وربّما يخصّ الرجل على التعيين، وربّما يعمّ الجنس كقولهم للأحدب: أبو الغصن، وللقصير أبو الرماح والثاني على سبيل التخفيف يستغنى به عن الاسم والنسب وهو كثير كأبي فلان والثالث للتعظيم كلقب الخلفاء والأمراء، والرابع لفعل يختص به كهاشم لهشمه الثريد، وعدوان لعدوه على أخيه وقتله إياه، ودارم لدرمانه تحت المال.
(2/369)

المتفائل باسمه حسنا كان أو قبيحا
خرج عمر رضي الله عنه فلقي رجلا من جهينة فقال: ما اسمك؟ قال: شهاب قال:
أبو من؟ قال: أبو جمرة. فقال: ممن أنت؟ قال: من بني حرقة، ثم من بني ضرام. قال أين مسكنك؟ قال: ذات لظى. قال: أدرك أهلك وما أراك تدركهم إلا وقد احترقوا. فأتاهم وقد أحاطت بهم النار.
ولما حاصر قتيبة سمرقند أرسل إليه دهقانها «1» : لو حاصرتها الدهر الأطول لم تظفر بها فإنا نجد في كتبنا أنه لا يفتحها إلا بالآن فقال قتيبة الله أكبر أنا صاحبها لأن قتيبة تفسيره بالفارسية بالآن، فلما يئس من مكابرتها هيأ صناديق وجعل لها أبوابا تغلق من داخل وجعل فيها رجالا مستلئمين، وقال: أنا راحل عنكم ومعي أموال أريد أن أجعلها عندكم. فأمر دهقانها ففتح الباب وأدخلت الصناديق فخرجوا وقتلوا من فيها وفتحوها.
المتسمّي باسم لا يليق به
قال بكر بن النطاح:
وأعجب منك اليوم تسليم أمره ... عليك على طنز وأنك قابله
وقال عبدان:
هل رأيتم أو سمعتم ... بكياء أصفهان
وقال الصاحب:
الغضاري قال ادعى كياء ... لست أرضي بالشيخ والأستاذ
هل رأيتم يا سادتي أو سمعتم ... بكياء من أهل نصر أباذ
الحثّ على تعرف أسماء الأصدقاء:
وقد تلتقي الأسماء في النّاس والكنى ... كثيرا ولكن لا تلاقي الخلائق
وقال:
وكم من سميّ ليس مثل سميه ... وإن كان يدعى باسمه فيجيب
وقال:
لشتان ما بين اليزيدين في النّدى ... يزيد سليم والأغرّ بن حاتم
وفي فصل لأبي الفضل بن العميد إلى محمد بن يحيى: وما أحسبنا نشترك إلا في الاسم وشتان بين محمد، ومحمد فلو كنا السماكّين لكنت الرامح وكنت الأعزل أو النسرين لكنت الطائر وأنا الواقع، أو السعدين لكنت سعد السعود وكنت سعد الذابح.
(2/370)

الحثّ على تسمية الغير بأحسن الأسماء
قال الله تعالى: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ
«1» ، وقال ابن الخزاعي:
ولست بذي نيرب في الكرا ... م ومنّاع خير وسبابها
ولكن أطاوع ساداتها ... ولا أتعلّم ألقابها
وقيل ثلاثة تثبت لك الود عند أخيك: أن تبدأه بالسلام، وتوسّع له في الملجس وتناديه بأحب الأسماء إليه.
وقال الطائي:
لا يضمر الغدر للصديق ولا ... يخطو اسم ذي ودّه إلى لقبه
وقال:
أكنّيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقّبه والسوءة اللقب
وجرى بين أبي بكر بن فريعة القاضي وبين بعض القواد كلام في مجلس أبي الحسين بن بويه وكان أبو بكر يقول مرّة: يا إبراهيم، ومرة يا أبا إسحاق، غضب القائد من ذلك وقال: لم لا تقول كياء؟ فقال إنما نكياءك إذا أنصفتنا، فإذا ظلمتنا سحقناك وبرهمناك.
الاعتذار لمن سمّي بغير اسمه المشهور به
صاح أعرابي بعبد الله بن جعفر فقال: يا أبا الفضل. فقال: ليس هذا كنيتي، فقال:
إن لم يكن كنيتك فإنه وصفك.
وكان يحيى بن أكثم يناظر رجلا في إبطال القياس وكان الرجل يكنيه بأبي زكريا.
فقال له: يحيى إنّها ليست بكنيتي فقال إن كل يحيى يكنى بأبي زكريا. فقال: يحيى العجب أنك تكنيني بالقياس، وتناظرني في إبطاله. ودخل رجل على أمير يدعى إسحاق فقال له: يا أبا يعقوب، فقال: أخطأت أنا أبو الحسين، فقال إنما أخطأ الأمير لأنّ كل إسحاق يكنى أبا يعقوب.
المشاهير بأسماء لا يعرف بها غيرهم
إذا قيل أمير المؤمنين مطلقا فهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وابن عبّاس عبد الله، وابن عمر عبد الله. وكان لهما أولاد غيرهما. والحسن بالحسن البصري، والنابغة نابغة بني ذبيان. والأعشى أعشى بني قيس.
من سمّي من الكبار بأسماء وكنّى
النبي صلّى الله عليه وسلّم سمي محمدا ومحمودا وأحمد ولهذا باب طويل:
(2/371)

نوادر مختلفة في ذكر الأسماء
قيل لحائك أبو من؟ فقال أبو محمد عليه السلام وقال علي رضي الله عنه: ما اجتمع قوم في مشورة فلم يدخلوا من اسمه محمد إلا لم يبارك لهم فيها.
وقال ابن أبي ليلى: أحب الأسماء إلى الله تعالى ما فيه الإقرار بالعبودية له تعالى.
ودقّ باب الجاحظ رجل فقال من؟ قال: أنا. قال: لا يعرف من اسمه أنا. ودق آخر فقيل من؟ قال: أنا. قال: ما أفلح ذو أنا.
ودخل مجوسي على وال فقال: ما اسمك؟ قال: يزدان بآذان. قال: اسمان وجزية واحدة لا يكون ذلك وألزمه جزيتين.
وقال رجل للفرزدق: من أنت؟ قال: فرزدق. قال: لا نعرف فرزدقا إلا عجينا فتيتا تأكله نساؤنا. فقال: الحمد لله الذي جعلني في بطون نسائكم.
وقال أعرابي لرجل: ما اسمك؟ قال: عبد الله قال: ابن من؟ قال: ابن عبيد الله. قال:
أبو من؟ قال: أبو عبد الله الرحمن. فقال الأعرابي أشهد أنك تلوذ بالله لياذ لئيم جبان.
وجاءت عجوز إلى لحّام بالمدينة فدفعت له درهما وقالت ادفع لحما طيبا، واذكر اسمك لأدعو لك فدفع إليها أخبث لحم، وقال اسمي من يمد، فجعلت المرأة تأكل وتقول: لعن الله من يمد تلعن نفسها ولا تدري.
وكان بالبصرة شيخ يقال له أبو حفص اللوطي فدخل يعود جارا له فوجده كالمغمى عليه فقال له: أتعرفني؟ قال نعم أنت أبو حفص اللوطي فقال تجاوزت حد المعرفة لا رفع الله صرعتك.
من غضب على غيره لموافقة اسمه من لا يحبّه
من الشيعة قوم يبغضون ويقاتلون من كنّي بأبي بكر أو سمّي بعمر. وكانت قرية يقال لها يزداد وأهلها في الشيعة، مرّ بهم رجل فسألوه عن اسمه فقال: عمران فضربوه ضرب التلف، وقالوا في اسمه عمر وحرفان من اسم عثمان ألا يستحق القتل؟
المسمّى بفعل منه جدا أو هزلا
سمّي إبراهيم حنيفا لأنه حنف عن عبادة الأوثان، ومريم البتول لتبتلها أي انقطاعها إلى الله تعالى، وخطب وال باليمامة فقال: إن الله تعالى لا يقرّ على المعاصي فقد أهلك أمة في ناقة لا تساوي مائتي درهم فسمي مقوم الناقة.
وقال الخليل: كان قوم يلقبون كلّ من مر بهم فأتاهم رجل، فقال: إني أريد أن أتصل بكم بشرط أن تلقبوني أدعوني رأسا برأس فلقبوه رأسا برأس. والشعراء منهم كثيّر كالمرقش لقوله:
رقّش في ظهر الأديم قلم
(2/372)

وجران العود لقوله:
خذا حذرا يا جارتي فإنّني ... رأيت جران العود قد كان يصلح
والممزّق لقوله ولما أمزق.
ألقاب الخلفاء والولاة
أول من لقب من الخلفاء عبد الملك بن مروان لقب الموفق لأمر الله، ثم الوليد المنتقم لأمر الله.
وأول من قال يا أمير المؤمنين أول من قصد أبا بكر وهذا باب واسع. وقيل سمي طاهر ذا اليمينين لأن المأمون كتب إليه: إن أمير المؤمنين قد جعل يمينك يمينه ويسارك يساره فسمي ذا اليمينين.
وكان أصحاب السلطان في زمن التتابعة سبعة أقسام: التبابعة والعباهلة وهم الذين ليس فوقهم، والمقاول وقيل الأقيال والأقوال الواحد قيل وهم ستون رجلا من أهل بيت الملك يرشحون له ثم المثامنة ثمانون رجلا إذا مات التبع وضعوا رجلا من الأقيال تبعا، ووضعوا رجلا من الثمانين في الأقيال مكانه، ثم الصنائع وهم ثقات الملك يعدهم لنفسه ثم الوضائع وهم أصحاب المناظر والمسالح، والمقيمون في الثغور ثم العباد وهم خدم السلطان الذين يلزمون بابه ويختلفون في رسائله ثم الأخيار.
أسماء ملوك كلّ صقع وفرسانها
قد تقدم أسماء ملوك الأصقاع في السيادة فأما الفرسان فيقال المرازبة في فارس البطارقة في الروم البكاكرة في السند والهند والمقاول في اليمن والكبش في ترار وتبع في العرب.
من سماه أبوه باسم نفسه من الكبار
عبد الله بن عبد الله بن أبي بكر الصديق، الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، مسلم بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب، عبد الله بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عبد الله بن عبد الله بن عمر سعيد بن سعيد بن العاص عتاب بن عتاب بن أسيد.
شبه ألغاز بأسماء
قال المنصور لأبي بكر بن عياش: يا أبا بكر أخبرني عن عين فقأت عينا. يريد رجلا أول اسمه عين قتل رجلا أول اسمه عين وأراد أن يعلم هل تحدث الناس بما كان منه إلى عبد الله بن علي. فقال: نعم يا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قتله عبد الرحمن بن ملجم، وعبد الله بن الزبير قتله عبد الملك بن مروان وعبد الملك قتله ابن عمه عمرو بن سعيد، وسقط البيت على عبد الله في عهد أمير المؤمنين عبد الله المنصور، فقال: ويلك وذلك مني. وكان عبد الله بن علي خرج على المنصور فوجه إليه أبا مسلم فهزمه ثم صار إلى المنصور بأمان فقيل إنّه بنى له بيتا جعل في أساسه الملح
(2/373)

وأجرى الماء تحته فوقع فمات ولذلك قال ما قال.
وقال مروان نجد في كتبنا أن عين ابن عين ابن عين يقتل ميم، ابن ميم ابن ميم وأظن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز قاتلي، فأنا مروان بن محمد بن مروان قال:
يا أبا إسحاق اقلب ... نظم إسحاق وصحّف
واترك الحاء على حا ... ل فما للحال مصرف
المسمّى باسم أمّه وخاله
فمما عيّر به قول دعبل يهجو:
سألته عن أبيه ... فقال دينار خالي
فقلت دينار من هو ... فقال والي الجبال
قال أبو محمد اليزيدي:
قلت وأدغمت أبا خاملا ... أنا ابن أخت الحسن الحاجب
ونحو ذلك ما حكى أن أبا العيناء سأل ابن أخت أبي الوزير حاجة فلم يقضها له فقال: إنما ألوم نفسي في تأميلك وأنت مضاف إلى مضاف.
ولأبي سعيد الرستمي:
كفى حزنا فاسمع علي بن رستم ... لسبطك أن يدعى بسيط جنيد
وليس بحمد الله فيه مزلّة ... ولكن دعوا سعدا بلفظ سعيد
المنسوب إلى من يجالسه حتى صار كالعلم له
قال خالد الواسطي الطحان: ما كنت طحانا ولكن كنت أجلس إلى طحّان فسميت به. وكذلك خالد الحذاء تزوّج امرأة من الحذائين فنسب إليهم، وواصل الغزال إنما كان يجلس إلى غزال، وإسماعيل المكي كان يتّجر إلى مكّة، وهو من أهل البصرة وسمّي البتّي لبت «1» كان يعمله.
أنواع مختلفة
دق إنسان على بشّار فقال: من أنت؟ قال: أنا، فقال: انصرف يا أنا، قال أبو على النطاح كان المهدي يحب ابنه إبراهيم فقالت له شكلة أتراه يلي الخلافة؟ فقال: لا، ولا يليها من اسمه إبراهيم. إن إبراهيم الخليل أول من ألقى في النار وإبراهيم ابن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يعش وبويع إبراهيم بن الوليد فلم يتم له الأمر، وأحكم إبراهيم الإمام أمر الملك فقتل وتمّ لغيره. وطلب الخلافة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن فما تمّت له على جلالته وكثرة جيشه، وقد بايع المتوكل لابنه إبراهيم المؤيّد فلم يتم له وقتل.
(2/374)

الحدّ الثامن عشر في الملابس والطّيب
(1) الرّخصة في إجادة الملبس وعذر فاعله دينا ودنيا
قال الله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
«1» وقال تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
«2» وقال صلّى الله عليه وسلّم: إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويكره البؤس والتباؤس.
وبعث ملك الروم إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم جبّة ديباج فلبسها ثم كساها عثمان واشترى صلّى الله عليه وسلّم جبة بثمانين ناقة. وكان الحسن يلبس ثوبا بأربعمائة درهم وفرقد السنجي كان يلبس المسوح، فلقيه الحسن فقال: يا أبا سعيد ما ألين ثوبك، فقال الحسن: يا فريقد ليس لين ثيابي يباعدني من الله ولا خشونتها تقرّبك منه، إن الله جميل يحب الجمال.
وكان سعيد بن المسيّب يلبس الحلّة بألف درهم ويدخل المسجد ويقول: أجالس ربّي. ودخل الوليد بن يزيد على هشام وعليه عمامة وشي، فقال: بكم أخذتها؟ قال:
بألف درهم. قال: عمامة بألف درهم؟ قال: إني أخذتها لأشرف أعضائي، وأنت أخذت جارية بألف دينار لأخسّ أعضائك.
وقال ابن عباس: كل ما شئت وألبس ما شئت ما أخطأك اثنتان: إسراف ومخيلة. وقيل:
مروءتان ظاهرتان: الرياش والفصاحة. وقيل: المروءة الظاهرة الثياب الطاهرة وأنشد:
إذا النّفر السود اليمانون حاولوا ... له نسج برديه أدقّوا وأوسعوا
الحثّ على تغطية سوء الحال بإجادة الثّياب
قال بعض الحكماء: كن أحسن ما تكون في الظاهر حالا أقل ما تكون في الباطن مآلا فالكريم من كرمت عند الخصاصة «3» خلّته، واللئيم من لؤمت عند الحاجة طعمته.
وكان بعض القرشيين إذا اتسع لبس أرثّ ثيابه وإذا افتقر لبس أحسنها ويقول: إذا اتسعت تزيّنت بالهبة، وإذا افتقرت تزينت بالهيئة.
(2/375)

النهي عن الملابس المشهورة وما لا يليق بلابسه ومدح الاقتصاد
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب ذلّ يوم القيامة. وقال عمر رضي الله عنه: إياكم أن تلبسوا ألبسة مشهورة أو محقورة. وقال خالد: إلبسوا من الثياب ما تستحسنه الملوك والسوقة، فإن تغيرت بأحدكم حال لم يعلم به أحد. وقيل:
إلبس ما لا يزدريك به السفهاء ولا يعيبك به العلماء.
قال العلوي:
ليس لبس الطيالس ... من لباس الفوارس «1»
لا ولا حومة الوغا ... كصدور المجالس
نهي من يداخل السّلاطين عن الثّياب الفاخرة
قال دهقان «2» لابنه: إياك إذا نلت منزلة من السلطان أن تلبس ما يديم نظره إليك، واعلم أن الوشي لا يلبسه إلا أحمق أو ملك، وعليك بالبياض اللين فكل أبيض عندهم ثوب. وحكي أن الشيخ الأمين عبّاد بن العباس كان له جبّات كثيرة كلها عنّابي على لون واحد، يخدم بها ركن الدولة الحسن بن بويه، فقال يوما لحاشيته: أنظروا إلى نظافته يلبس جبّة كذا كذا سنة لا يغيّرها ولا يبليها.
وقيل: أراد عمرو بن مسعدة يوما الركوب إلى السلطان في ثياب وشي، فقال له نوح بن إبراهيم: لا تفعل، فقال: لم لا أفعل وغلتي كل شهر كذا؟ فقال إبراهيم غلّتك مسموعة وجبتك ملحوظة.
من لبس المعاوز من الصالحين
قيل: كان أويس يلتقط الخرق من المزابل فيخيطها ويلبسها. وعمر رضي الله عنه رؤي عليه قميص فيه اثنتا عشرة رقعة وهو يخطب. وقال أبو أويس الخولاني: قلب نقي في ثوب دنس أحب من قلب دنس في ثوب نقي. وكان لعمر رضي الله عنه قميص قيمته أربعة دراهم، فقال: إني أخشى أن أسأل عن لينه يوم القيامة، فبكى سالم غلامه وقال له:
رأيتك قبل الخلافة لبست ثوبا بأربعين دينارا فاستحسنته. فقال: يا سالم إني كنت لم أنل شيئا إلا طلبت ما فوقه فلما نلت الخلافة علمت أن ليس فوقها إلا الجنّة فدعني أطلبها.
وقال رجاء بن حيوة قوّمت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو خليفة بإثني عشر درهما قميصه وخفّه وعمامته وسراويله وقلنسوته.
حمد لبس المعاوز
قيل: ألبس من الثياب ما يخدمك ولا يستخدمك وقال عمرو بن العاص: لا أملّ
(2/376)

ثوبي ما ستر عورتي ولا دابّتي ما حملت رحلي. وكان خزيم الناعم لم يكن يلبس في الصيف إلا خلقا «1» ولا في الشتاء إلا جديدا.
عذر من لؤم لبسه وكرمت نفسه
دخل النجار العذري على معاوية فازدراه. فقال: يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك إنما يكلمك من فيها فملأ سمعه حكمة ثم نهض ولم يسأله شيئا فقال ما رأيت أحقر أولا ولا أكبر آخرا منه وعاتب يحيى بن خالد العتبي في خلق ثيابه، فقال: أخزى الله من ترفعه هيئتاه ثيابه وجماله ولم يرفعه أكبراه همته ونفسه إنما الهيئة للأبناء والنساء وقال حبيب بن أبي ثابت. لأن أعزّ في خميصة أحب إليّ من أن أذلّ في مطرف. وقيل: لا يسود الرجل حتى لا يبالي في أي ثوبيه ظهر. قال أبو هفّان:
تعجّبت درّ من شيبي فقلت لها: لا تعجبي فطلوع الشمس في السّدف «2»
وزادها عجبا أن رحت في سمل ... وما درت درّ أن الدرّ في الصّدف «3»
وقال:
أعاذل أن يكون برداي رثا ... فلا يعدمك بينهما كريم
وقال النمر بن تولب:
فإن يك أثوابي تمزّقن عن بلى ... فإني كمثل السيف في خلق الغمد «4»
ونظرت جارية لابن هبيرة وهو أمير العراق وعليه قميص مرقوع فضحكت، فأنشد:
هزئت أمامة أن رأتني مملقا ... ثكلتك أمّك أي ذاك يروع
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلق وجيب قميصه مرقوع
وقيل: لا يسود الرجل حتى لا يدري أي ثوبيه لبس.
وقال البحتري:
وليس العلى درّاعة ورداءها ... ولا جبّة موشية وقميصها
وفي صبيح الوجه عليه خلق:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زرّ أزراره على القمر
من عوتب في خلق ثيابه فاعتذر بالفقر
قال بعض الكبار لأبي الأسود عليه جبة خز خلقة طال صحبتها له: أما تمل لبسها؟
فقال: ربّ مملول لا يستطاع فراقه فأمر له بمال ودخل محمد بن كعب على سليمان فقال:
(2/377)

ما هذه الثياب الرثّة؟ فقال: أكره أن أقول الزهد فأطرى نفسي أو الفقر فأشكو ربي.
وقال الإسكندر لرجل رث تكلم بفصاحة: ليكن حسن ثيابك كحسن كلامك، فقال:
أما الكلام فأنا قادر عليه وأما الثياب فأنت تقدر عليها. فخلع عليه.
العريان
قيل: فلان أعرى من المغزل، وقيل لأعرابي: ما تلبس؟ قال: الليل إذا عسعس «1» والصبح إذا تنفس. قال أبو هفان:
عريان أعرى من فصوص النّرد ... كالسّيف ماض ماله من غمد
وأنشد رجل يحيى بن خالد:
إنّي امرؤ في أعالي بيت مكرمة ... إذا تمزّق ثوبي أرتدي حسبي
فقال يحيى: ما أقل غناء هذا الرداء في الكانونين. وقال الأصمعي: قلت لأعرابي في يوم بارد ألا تصلي، فقال: البرد شديد ومالي كسوة، وأنشد:
فإن يكسني ربّي قميصا وجبّة ... أصلّ واعبده إلى آخر الدهر
وإن لا يكن إلا بقايا عباءة ... مخرّقة مالي على البرد من صبر
من يصون ثوبه ويهين نفسه
قال ابن أبي الصمت:
أرى حلالا تصان على رجال ... وأعراضا تزال ولا تصان
وقال:
فترى خسيس القوم يترك عرضه ... دنسا ويمسح نعله وشراكها
عذر من يتشوّه لبسه
كان ابن أبي داود، مضطرب الطيلسان لا يحسن لبسه، فقال له أبو العلاء المعري:
لئن كنت لا تحسن أن تلبس الطيلسان إنك لتحسن أن تلبس نعمك جماعة الإخوان. وقال آخر وقيل له لا تحسن أن تلبس الثياب، فقال: لكني أحسن أن ألبسها.
وعوتب آخر فقال: من عظمت مؤنته في نفسه قلّ تفقده لأمر غيره، وقيل: من كان شغله بنفسه فقد مكر به. وقيل ما استوت عمامة على رأس كريم قط.
إعطاء الخلع
قيل: من راح منك في الثياب تغدو منه في الثناء.
قال البحتري:
وراح في ثنائي ... ورحت في ثيابه
(2/378)

وقيل: أحقّ الناس بحلتك أصدقهم في خلتك وقيل: ثوبك على أخيك باليا أحسن منه عليك جديدا وقال المهلب لأولاده: ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم.
من تزيّن به الثّياب ولا يتزيّن بها
كتب بعضهم: فلان تتزين به المطارف وتتشرف به المكارم.
قال بشّار:
زين الملابس حين يلبسها ... وإذا تسلّب زانه سلبه
وقال:
إنّ المليحة من تزيّن حليها ... لا من غدت بحليها تتزين
قال جميل:
إذا ابتزلت لم يزرها ترك زينة ... وفيها إذا ازدانت لدى نيقة حسب «1»
قال المتنبّي:
لبسن الوشي لا متجمّلات ... ولكن كي يصنّ به الجمالا
قال كشاجم:
قد تأمّلت في الغلالة منه ... جسد النّور في قميص الهواء
ذمّ من حسن لباسه ولؤم فعاله وخلقه
ذمّ أعرابي رجلا فقال: هو عبل البدن حسن الثياب عظيم الرواق صغير الأخلاق.
الدهر يرفعه ونفسه تضعه. ونظر أرسطاطاليس إلى رجل حسن اللباس سيء الكلام فقال له:
يا رجل تكلم على قدر لباسك أو ألبس على قدر كلامك. وقيل ثوب نظيف وجسم سخيف. قال شاعر:
إذا لبسوا دكن الخزوز وخضرها ... وراحوا فقد راحت عليك المشاجب «2»
قال الفرزدق:
بكى الخزّ من عوف وأنكر جلده ... وعجّت عجيجا من جذام المطارف «3»
وقال البسامي:
كأنّه لمّا بدا مقبلا ... في حلل يقصر عن لبسها
جارية رعناء قد قدّرت ... ثياب مولاها على نفسها
(2/379)

قال الخوارزمي:
أبو سعد له ثوب نفيس ... ولكن تحت ذاك الثوب عزبه «1»
فإن جاوزت كسوته إليه ... فليس وراء عبادان قربه «2»
وقال:
وما الثقفيّ إن جادت كساه ... وراعك شخصه إلّا خيال «3»
وقال آخر:
استجيدوا الثياب إنّ حمار السّوء ... تخفى عيوبه بالجلال «4»
وقال المتنبّي:
ولا يروق مضيما حسن بزّته ... وهل يروق دفينا جودة الكفن «5»
ذمّ ملابس التصوّف
قال ابن السماك الصوفي: إن كان لباسكم وفقا لسرائركم فقد أحببتم أن يطّلع الناس عليها، وإن كان مخالفا لها فقد نافقتم وهلكتم. وقال الحسن فيما أظن أن قوما جعلوا تواضعهم في ثيابهم وكبرهم في صدورهم حتى لصاحب المدرّعة بمدرعته أشد فرحا من صاحب المطرف بمطرفه.
حمد لبس الصّوف وذمّه
روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: من لبس الصوف وأكل خبز الشعير وركب الأتان فليس فيه شيء من الكبر. وقيل: من أحب أن يجد حلاوة الإيمان فليلبس الصوف. وقيل: لراهب لم تلبسون السواد؟ قال: لأنه أشبه بلباس المصيبة.
وقال ابن سيرين: كان عيسى عليه السلام يلبس الصوف ونبيّنا يلبس الكتان وهو أحب إلينا أن نقتدي به.
لبس الحرير والكتّان
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: إنما يلبس الحرير من لا خلاق له وروي أنه صلّى الله عليه وسلّم خرج وفي إحدى يديه حرير وفي الأخرى ذهب فقال: هذان على ذكور أمّتي حرامان حلالان على أناثهم.
وقال بعض الأمراء لحاجبه: أدخل إليّ رجلا عاقلا فأدخل رجلا فقال: من أين عرفت عقله؟ قال: رأيته لبس الكتان في الصيف والقطن في الشتاء والعتيق في الحرّ والجديد في
(2/380)

البرد. وقال أمير المؤمنين: لا يلبس الكتّان إلا غنيّ أو عني «1» .
ذمّ سحب الثّوب ومدحه
روي في الحديث: فضل الإزار في النار. وقال عمر بن عبد العزيز لمؤدّبه: كيف كانت طاعتي إليك؟ قال: أحسن طاعة. قال: فأطعني كما أطعتك خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك ومن ثيابك حتى تبدو قدماك.
وخلع الرشيد على يزيد بن مزيد وكان يجالسه رجل من اليمن، فقال المياني: أجرر فما عرق جبينك في نسجه فقال: عليكم نسجه وعلينا سحبه. ونظر سعيد بن سالم إلى أحمد إبنه وعليه ثوب طويل يجرّه فعاتبه، فقال: يا أبتي إني قصير وعادتي إذا لبست ثوبا مرة ومرتين أن أهبه وأكره أن أهبه لمن لا يصلح له فاحتملت قبح ذلك لما فيه من مصلحتهم.
الثوب الخلق
للحمدوني في ذلك أشعار كثيرة وله اختصاص يوصف ذلك، منها قوله في طيلسان كثر رفوه «2» :
يا ابن حرب أطلت فقري برفوي ... طيلسانا قد كنت عنه غنيّا
فهو في الرفو آل فرعون في العر ... ض على النّار بكرة وعشيّا
وقال:
طال ترداده إلى الرّفو حتّى ... لو بعثناه وحده لتهدّى «3»
وقوله:
عمرته الرّقاع فهو كمصر ... سكنته نزاع كلّ قبيله «4»
ولآخر في جبة:
دبّ فيها البلى فدقّت ورقّت ... فهي تقرا إذا السماء انشقّت «5»
قال البسّامي:
أرقع كمّيها وأرفو ذيولها ... فلا رفوها يجدي ولا رقعها يغني
إذا قمت فيها أو قعدت تنفّست ... تنفّس صبّ ما يقرّ من الحزن «6»
التعمّم
قال صلى الله عليه وسلم: اعتمّوا تزدادوا حلما. وقال عمر رضي الله عنه: العمائم تيجان العرب.
(2/381)

وقولهم سيّد معمّم معصب فيه تأويلان أحدهما هو المتعصب بجرائر قومه والآخر بمعنى الشرف، ومنه قول دريد:
عاري الأشاجع معصوب بلمّته ... أمر الزعامة في عرنينه شمم «1»
وقال أبو أمامة: إذا طولت الكمة وكورت العمة ووسعت الأكمة فقد هلكت الأمة وكان السيد يتعمّم بعمامة صفراء ومنه الزبرقان لصفرة عمامته.
وذكرت العمامة لأبي الأسود فقال: هي جنّة في الحرب ومكنة في الحر ومدفأة في القرّ، ووقار في الندى، وزيادة في القامة وتعظيم للهامة. وبعث صلّى الله عليه وسلّم أسامة بن زيد في بعض سراياه فعمّمه بيده، وسدل طرف عمامته.
قال شاعر:
إذا لبسوا عمائمهم طووها ... على كرم وإن سفروا أناروا
مدح التقنّع وذمّه
كان فرسان العرب يتقنعون إلا أبو تميم بن طريف لم يتقنّع قط، ولم يبال أن يعرف. وقيل: التقنّع بالليل ريبة وبالنهار مذلة. وكان التقنّع من شيم الأشراف يقصدون بذلك مباينة العامّة، ويقولون: عدم القناع يفضي إلى ملال وابتذال. فمن وطئته الأعين وطئته الأرجل.
التاج
كانت ملوك العجم وكثير من ملوك العرب يتتوجون ويقولون للملك: المتوّج.
وقالت الخزرج للنبي صلّى الله عليه وسلّم في عبد الله بن أبي بن سلول: لقد جئتنا حين نظما الخرز لتتويجه وكان السيف من قريش يتعصب في النادي ويفتخر.
وبنو أمية جلسوا على الأسرة ولم يتوّجوا. وكان الوليد الخليع بنى قبّة ليضعها فوق الكعبة، لتكون مجلسا له ونزهة، وانتظر بذلك مع وضع التاج على رأسه كيف احتمال الناس له.
الألوان
سئل بعض الأعراب عن ألوان الثياب فقال: الصفرة أشكل والحمرة أجمل والخضرة أنبل والسواد أهول والبياض أفضل.
وقال ابن عباس: لو كان البياض صبغا لتنوفس فيه. قال شاعر:
وتعرّضت لك في البياض كأنّه ... درّ تنظمه بغير فصول
قال العباس في سوداء، لبست قميصا موردا:
فحمة ألبست رداء من الجم ... ر ونارا تستنّ في حراق
(2/382)

وكان الأوزاعي يكره لبس السواد ويقول يلبس في المأتم وبمثله يعاقب المحرم، ولم أره على محرم ولا جليت فيه عروس، ولا كفن فيه ميت. قال أفلاطون: الصبغ الشقائقي والروائح الزعفرانية تسكن الغضب، والصبغ الياقوتي والروائح الوردية والنرجسية تحرك السرور، فإذا قرنت اللون الأحمر باللون الأصفر حركت القوّة العشقية، وإذا قرنت الأصفر بالأسود تحركت الشوقية، وإذا مزجت الحمرة بالصفرة تحركت القوة الغريزية، وإذا مزجت التفاحيّة بالخمرية تحركت الطبائع كلّها.
الحثّ على صيانة الثّوب
قيل: لكل شيء راحة وراحة الثوب طيبه وراحة البيت كنسه. وقيل: إن الثوب يقول: صنّي «1» بالليل أصنك بالنهار.
ذمّ من وسخ ثوبه
قال بعضهم:
وسخ الثّوب والعمامة والبر ... ذون والوجه والقفا والغلام
وقال بعضهم:
دنس القميص غليظه ... من غير لحمته سداه
وشعاره من شعره ... فكأنّه في مسك شاه «2»
ودخل دسته على بعض المياسير بخراسان يستميحه، وكان وسخ الثياب، فقال: لو غسلت قميصك، فقال:
أشرت بغسل كمّتنا علينا ... وقد أرعيتها أذنا سميعه
سأغسل كمّتي ويدي منكم ... وأنشر عنكم لوم الطبيعه
وذكر لأبي أيوب المتقشفة فقال: ما علمت أن القذر من الدين. ورأى أبو الفتح بن زنكلة صوفيا قذرا، فقال: ما علمت أن طريق الجنة على الكنيف «3» .
النّعل
قال عمر رضي الله عنه: ائتزروا وارتدوا وانتعلوا وتمدّدوا أي إفعلوا فعل معد.
وقيل: استجيدوا النعال فإنها خلاخيل الرجال. وألغز بعضهم فيه:
ومخزومة الأذنين ما تشتكيهما ... ومطعونة في الصّدر ما فجّرت دما
ودخل ابن سكرة الحمام فسرقت نعله، فقال:
ولست بداخل حمّام موسى ... وإن كان المنى طيبا وبشرا
(2/383)

تكاثفت اللصوص عليّ حتّى ... دخلت محمّدا وخرجت بشرا
أي كنت صاحب النعل فلما خرجت صرت بشرا الحافي. وقال هشام بن محمد:
مثل الذي يقعد ولا يخلع نعليه مثل الدابّة فلا يحلّ حملها.
قال شاعر:
يمسي ويغدو راجلا ... في خلق من الحذا
خفّك يمشي جانبا ... وأنت منه في حذا «1»
وفي المثل: كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع
أنواع من الثياب
قيل: ثلاثة من لباس البخلاء الخزّ والقومسية والأدم، وقيل: الدواويج من لباس القبط، والدراريع لباس الروم، والأقبية لباس الفرس، والفوط لباس الهند، والأزر لباس العرب.
وقيل: كان لأبرويز عمامة طولها خمسون ذراعا إذا اتسخت طرحت في النار فتأكل وسخها، وكان له ثوب قرمز يتلوّن كل ساعة بلون، وسراويل جوهر وتكّة أنابيب زبرجد في اللين كالغصن.
الخاتم
كان خاتمه صلّى الله عليه وسلّم حلقة فضّة وعليه فصّ عقيق وكان يتختّم به في يمينه وسبب اتخاذه أنه كتب إلى ملك الروم، فقيل له: إنه لا يقبل كتابا إلا مختوما، فاتّخذه حينئذ. وعنه صلّى الله عليه وسلّم: لا يلبس الخاتم إلا أمير أو ذو مال. وأوّل من تختّم في يساره معاوية رضي الله عنه، وقيل:
قالوا تختم في اليمين وإنّما ... مارست ذاك تشبّها بالصّادق
وتقرّبا منّي لآل محمد ... وتباعدا مني لكلّ منافق
الماسحين فروجهم بخواتم ... اسم النبي بهنّ واسم الخالق
إتخاذ الحلي
نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن اتخاذ أواني الذهب والفضة وقال: من شرب في إناء من فضة فكأنما تجرجر في جوفه نار جهنم. واتخذ الهادي لجاما من فضّة فقال له المهدي: أما تعلم الناس أنّ لك فضة ارجع إلى حالك.
محبّة الطّيب والحثّ على تناوله
قال صلّى الله عليه وسلّم: حبب إليّ من الدنيا النساء والطيب وجعلت قرّة عيني في الصلاة. وقال صلّى الله عليه وسلّم: حقّ على كل مسلّم الطّيب والغسل والسواك يوم الجمعة، وأن يلبس من أحسن ثياب أهله، وأن يمس الطيب إن وجد وإن لم يجد فالماء له طيب.
(2/384)

وقال الشعبي: الرائحة الطيبة تزيد في العقل. وقيل: من طاب ريحه زاد عقله ومن نظف ثوبه قلّ همه.
نهي من عرض عليه طيب فردّه والحثّ على عرضه
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: إذا أتى أحدكم بطيب فليمس منه وإذا أتى بحلواء فليمس منها. وروى أبو هريرة: لا تردّوا الطيب فإنه طيب الريح خفيف المحمل.
ما يستحبّ للرّجال والنّساء من الطّيب
كان ابن عمر يستجمر بالألوّة «1» غير مطراة وبكافورة معه. وقال صلّى الله عليه وسلّم: طيب الرجال ريح لا لون له وطيب النساء لون لا ريح له، يعني طيب النساء إذا خرجن. وروي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما: تحفة الصائم أن يدهن لحيته ويجمّر ثيابه، وتحفة الصائمة أن تذرر وتمشط رأسها وتجمر ثيابها «2» .
أنواع الطّيب
أوّل من سمى الغالية «3» معاوية، وذلك أن عبد الله بن جعفر اتخذها وأهداها له فسأله عن كلفتها فأخبره، فقال: هي غالية. وقال مالك بن أسماء لأخته وقد شم منها ريحا طيبة عليمني هذا الطّيب، فقالت: ما أخذته إلا من شعرك:
أطيب الطّيب طيب أم أبان ... فأرمسك بعنبر مسحوق «4»
فأدخل على الحجاج، فقال: ما الذي أسهرني فسمي الساهر به. وقال بعض النصارى:
دخنة مريم تبلغ رائحتها عنان السماء، فقال مخنث: فالندّ «5» إذا يبلغ تحت العرش.
الإستقصاء في التبخّر
قيل: من الظرف والكرم الإستقصاء في التبخّر، ووضعت مجمرة تحت رجل فاستعجله الواضع، وقال ألا تضجر منها، فقال: إني أقعد على المستراح ساعات فلا أضجر، أفأضجر من ثلث ساعة أتبخّر فيها.
المستغني عن الطّيب بطيب رائحته
قال شاعر:
الطيّبون ثيابا كلّما عرقوا
وقال آخر:
يا باسطا كفّه نحوي يطيّبني ... كفّاك أطيب في نفسي من الطّيب
(2/385)

وقال:
وما ضرّ من أمسيت جارة بيته ... وفي رحله أن لا يمسّ من الطّيب
البخور الطيّب
قال الخوارزمي:
بخور مثل أنفاس الحبيب ... وطيب قد أخلّ بكلّ طيب
يظلّ الذيل يستره ولكن ... تنمّ عليه أنفاس الجنوب «1»
إذا ما شمّ أنف حنّ قلب ... كأنّ الأنف جاسوس القلوب
وصف من رؤي متطيّبا
كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يعرف خروجه برائحة المسك، وكان يعجبه المسك.
قال الشاعر:
ويضوع مسكا ريح طيب ثيابه ... وكذاك ريح الماجد الوهّاب
وقال:
كأن تجارا تحمل المسك عرّسوا ... به ثمّ فضّوا ثم كل ختّام «2»
قال أبو ذهيل:
في كفه خيزران ريحه عبق ... من كفّ أروع في عرنينه شمم «3»
وكان الزهري يشم منه رائحة المسك حتى من علاقة سوطه. قال طرفة:
ثم راحوا يعبق المسك بهم ... يلحقون الأرض هداب الأزر «4»
قال أبو نواس:
وكأنّ القوم بهتى ... بينهم مسك ذبيح «5»
قال شاعر:
بأبي من بعضه من ... طيبه يعشق بعضا
حمل بخور إلى مجنون فحرق ثوبه فحلف لا يتبخر إلا عريانا.
(2/386)

(2) وممّا جاء في آلات الدار
قال الله تعالى في ذمّ قوم: الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ
«1» والمحلات عند العرب الدلو والمقدحة والفأس والقربة والقدر، وذاك أن من كان معه ذلك حلّ حيث أراد:
لا يعدلن إتاويون تضرّبهم ... نكباء صرّ بأصحاب المحلات «2»
وقيل: أشبه امرأ بعض بزه وكل سلعة لا تشبه صاحبها سرقة. وقيل: إستبن حزم الرجل بمتاع بيته. وأراد رجل أن يمدح رجلا عن خالد بن عبد الله، فقال: دخلت عليه فوجدته أثرى الناس دارا وآلة وأثاثا وفرشا، فقال خالد هذه حالة من لم تدع فيه شهوته للكرم والمعروف موضعا.
ودعا بعض الناس حكيما إلى داره وهي في غاية الفرش والرجل في غاية الجهل، فبزق الحكيم في وجهه فغضب الرجل، فقال الحكيم: طلبت موضعا في دارك أبزق فيه فلم أجد موضعا أقبح من نفسك فجعلتها موضعا لبزاقي، إذ كان من شرطه أن يقذف في أخس ما كان. قال شاعر في وسادة منقوشة:
ومكسورة حمرا كأن متونها ... نسور لدى جنب الخوان جموح
وقال:
ومكسورة باثنين وهي صحيحة ... حبيب إلى كلّ النفوس التزامها
وقيل: في الفراش الطبري فضيلتان برد صفحته ومجانسة لونه لون السماء فالنفس تسكن إليه من الجهتين.
الفرش المصوّرة
كان صلّى الله عليه وسلّم إذا رأى صورة في ثوب قصّه ونهى عن التصاوير. وبعث كسرى إلى أبي سفيان بوسادة مصورة فجعلها على رأسه فاستحمقه، وقال قد بعثتها إليك لتقعد عليها، قال: قد علمت ولكن رأيت عليها صورة الملك فوضعتها على أكرم أعضائي، قال الببغاء في فأرة مصورة:
أنظر إلى صورة لو أنها علمت ... بمن تشبه لم تظهر لبانيها
(2/387)

ترى الملوك وقوفا حول مالكها ... وعدّة الدولة المأمول يعليها
وقال الرّفاء:
صنعت فوقها التماثيل أيد ... عاجزات عن صنعة الخلّاق
ألبستها محاسن الخلق لما ... عجزت عن محاسن الأخلاق
حيوان بلا حياة فمنه ... حائد من منية وملاق «1»
وقال المتنبّي:
وأحسن من ماء الشبيبة كلّه ... حيا بارق في فازة أنا شائمه «2»
عليها رياض لم تحكها سحابة ... وأغصان دوح لم تغنّ حمائمه «3»
ترى حيوان البر منسرحا بها ... يحارب ضدّ ضدّه ويسالمه
إذا ضربته الرّيح ماج كأنّه ... تجول مذاكيه وتذأى ضراغمه «4»
وفي صورة الرومي ذي التاج ذلة ... لأبيض لا تيجان إلّا عمائمه «5»
وقال الببغاء في تمثال سبع في رمح:
وضيغم في ذابل يلوح ... مساور تسيل منه الروح «6»
جسم ولكن ليس فيه روح
في صورة أفعى:
ومارق معتدل الكعوب ... يقلّ أفعى مدّة التركيب
تدب في الجو بلا دبيب
اللّبد
قال أبو طالب المأموني:
وواضعة خدّها بالصّعيد ... لأربابها فلها حرمه «7»
منسجة من جلود النّعاج ... بغير سداء ولا لحمه
(2/388)

تزف على الزفّ زفّ الرّئال ... وتربو على الخزّ في نعمه «1»
خركاة
قال أبو محمد الباوردي في خركاة عليها ثياب بيض وقد كشف بعضها:
رأيتك والبستان يحكي حسنه ... سماء وفيها حول حسنك مضرب
وقد كشفت للجوّ منه جوانب ... فنورك في آفاقه يتشعّب
كأنّك شمس من وراء غمامة ... يمزّقها عنه الشعاع المطنّب «2»
الكرسيّ
قال أبو طالب المأموني:
ومعتقد يعجب الناظرينا ... ويعجز عن وصفه الواصفونا
كأنّ دعائمه إذ حنينا ... صوالجة في يد اللاعبينا «3»
وقال:
ومستوقف بجلوس الحضور ... على أربع بالعرى موثقه
يمدّ على فرعه مفرشا ... ويظهر في خصره منطقه
فمن شاء صيّره مقعدا ... ومن شاء صيّره مرفقه
إذ ظل ينشر ما قد طواه ... أرى الحاضرين بما أوسقه «4»
صليبي حديد إزاءين في ... عمود وتعلوهما مشرقه
الشّمعة
قال أبو طالب المأموني:
وطاعنة جلباب كلّ دجنة ... بماضي سنان في ذؤابة ذابل «5»
تجود على أهل الندى بنفسها ... وما فوق بذل النفس جود لباذل
ويقرى عيون الناظرين ضياؤها ... وقد قيدت ألحاظهم بالأصائل «6»
وقال السري:
أغصان تبر عرّيت من الورق ... آثارها بين مصابيح الأفق
(2/389)

يغني الندامى ضوؤها عن الفلق ... شفاؤها إن مرضت ضرب العنق «1»
المنارة
وقال أبو طالب المأموني:
وقائمة بين الجلوس على سوى ... ثلاث فما تخطو بهنّ مكانا
على رأسها نجل لها لم تجنه ... حشاها ولا علته قط لبانا «2»
يسدّد في أعلاه كلّ عشيّة ... لشقّ جلابيب الظّلام سنانا «3»
قال ابن طباطبا في منارة وسخة:
ومنارة في زيّ صاحبها ... وسخا تراها رثّة قذره
سوداء منتنة فتحسبها ... ملطوخة بالكسب والعذره «4»
وله:
يسيل على صدره المنارة بزرها ... كمثل لعاب حين سال به أنف
وقال الصّنوبري في سراج مظلم:
لنا سراج نوره ظلمة ... كأنّما يوقد من قلبي
الحبّ أضناني فما باله ... نضو ولا يشكو جوى الحبّ «5»
الكوز
عاب عمرو بن عبيد قلّة الخزف فقال: ليست بصغيرة فيسقى بها ولا بكبيرة فيستقي منها، وهي ضيّقة الفم ويمنع ذلك من النظر إلى القذى فيها، وثخينة فلا يصل إليها الهواء، وثقيلة على اليد فاصلة عن الروي.
قال الخوارزمي في كوز فقاع:
وضيّقة الفم دحداحة ... عليها قميص ندى أخضر «6»
تثور إذا كشفوا رأسها ... وإن قبّلوا فمها تهدر
الزّجاج
قال الله تعالى في شأنه: صرح ممرّد من قوارير وضربه مثلا لنوره فقال: مَثَلُ نُورِهِ
(2/390)

كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ
«1» وسئل النظّام عن عيبه، فقال: يسرع إليه الكسر ويقصر عنه الجبر، فقال:
مثل الزجاجة صدعها لا يشعب
وقيل: الزجاج لا يألف الزهومات «2» ولا يقبل القاذورات قابل للألوان المحمرة والأشكال المرموقة. وقيل: الزجاج أنقى في التراب من الذهب.
قال كشاجم:
وجسم هواء وإن لم يكن ... يرى للهواء بكفّ شبح
يردّ على الشخص تمثاله ... وإن تتخذه مرآة صلح
المدخنة
قال بعضهم:
فقوّارة من أديم الصّخور ... تخيّم في فلك الخيزران «3»
تغذي قطاعا كعرف الحبيب ... وترقى وليس لها مسرجان «4»
وتنبع عن مثل حبّ القلوب ... من الجمر ليس لها من دخان
وقال الصنوبري:
مجمرة طاف بها الغلمان ... كأنّها فيما حكى العيان
فوّارة وماؤها الدّخان ... في بركة حصباؤها نيران «5»
المشط
قال كشاجم:
مشط من العود لم نعبه ولا ... مالت به خفّة ولا ثقل
يحبو اللّحى طيبها وزينتها ... فهو على المعنيين مشتمل «6»
وقال آخر يذم مشطا منتشر الأسنان:
مشط إذا سرّحت يوما به ... قطع لحييك بأسنانه
المنقاش
«7» قال أبو طالب المأموني:
لديّ ذو نابين أعضلين ... ينتزعان شعر الخدّين
(2/391)

حتّى ترى الوجنة كاللّجين ... كخصومة قد طويت طاقين «1»
المرآة
قال امرؤ القيس:
وعين كمرآة الصّناع تديرها ... لمحجرها تحت النّصيف المنقّب «2»
وقال الببغا:
كلّ فضل لكلّ نوع وجنس ... دون فضل المرآة من غير لبس
لطفت رقة وفاقت صفاء ... فهي كالماء في عيان ولمس
واستدارت بباهر النّور حتّى ... ظنّها الناظرون قطعة شمس
وهي أصفى أخ يكشف لي ... عنّي وأدنى خلّ يوفّر أنسي
وإذا ما نأى نديمي عنّي ... ظلّ طرفي بها ينادم نفسي
وفي ذمّها، قال بعض الشعراء:
مرآته سيان في لونها ... ولبنة من بعض حيطانه
المروحة
وذات وصف خصّ بالثناء ... من صفة الأرواح والأنداء
كأنّما صيغت من الهواء ... تطرفنا في الصّيف والشتاء
المذبة
قال كشاجم:
مذبّة تهدى إلى سيّد ... ما زال عن كل وليّ يذبّ «3»
ناصية الأدهم من عدوها ... لم تك من عرف ولا من ذنب «4»
وذاك فأل إن تأملته ... لما يرجى من نواصي الرّتب
الزّنبيل
قال أبو طالب المأموني:
وذي أذنين لا تعيان قولا ... وجوف للحوائج ذي احتمال
يكلّف شغل أهل البيت طرّا ... ويحمل فيه من قوت العيال
(2/392)

مطيع في الحوائج غير عاص ... ولا شاك إليك من الكلال «1»
تسرّ عليه في الأسواق سرا ... فلا يبديه إلا في الرّحال
التّفسرة
وهي قارورة الطبيب التي تعرض عليه. قال المأموني:
ركية تشفّ ذات طول ... من الزجاج الفائق المغسول «2»
تظهر ما في الجسم من فضول ... مفصحة للطبّ لا بقيل
عن كل داء غامض دخيل ... مرآة ما في جسد العليل
تبديه للعين على التفصيل ... مؤيّدا بواضح الدّليل
الأرجوحة
قال المأموني:
سفينة لا على ماء ملجلجة ... تجري براكبها في لجّة الرّيح «3»
إذا انتهت بي إلى أقصى نهايتها ... عادت كجري أنّى سال مسفوح
طرّادة
طائرة تسري بلاد براح ... حول العقاب في سنا الصّباح «4»
ناطقة بألسن الرّياح
أنواع
قال بعضهم يصف البطّ:
وبطّ لا يزال الما ... ء يسقاه ويسقيه
وقال شاعر:
ثلاثة ثمنية تدور ... الطشت والكاسات والبخور
رؤي على مقراض مكتوبا هذه الكلمة:
دبر مرارا ما هممت بقطعه ... فإذا استبان لك المقصّ فقصّه
(2/393)

الحدّ التاسع عشر في ذمّ الدنيا ونوبها
(1) أسماء الدّنيا
يسمّى الدهر أبا العجب والدنيا أم دفر وأم شميل. قال شاعر:
ما الدّهر في فعله إلا أبو العجب
وقيل: الدهر اسم لزمان متصل، والزمان اسم لدهر منفصل، وقال بندار الصوفي:
الدنيا ما دنا من القلب وشغل عن الحق.
قلّة لبث الإنسان في الدنيا
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: فيم أنا من الدنيا ومالي ولها وإنما مثلي ومثلها كراكب سار في يوم صائف، فرفعت له شجرة فقال تحتها ساعة من نهار ثم راح وتركها.
قال الموسوي:
وكأنّ طول العمر دوحة راكب ... قضى اللّغوب وجدّ في الإسراء «1»
وقال المسيح: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمّروها. وقال أمير المؤمنين: الدنيا دار ممر لا دار مقر، والناس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها ورجل ابتاع نفسه فأعتقها.
وقال أبو يعقوب:
لعمرك ما الدّنيا بدار إقامة ... ولكنّها دار انتقال لمن عقل
وقيل لنوح عليه السلام: كيف وجدت الدنيا؟ قال: كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر.
وكتب أبو زيد الطائي إلى صديق له: اجعل الدنيا كيوم صمته عن شهوتك، واجعل فطرك الموت.
قلّة متاع الدّنيا
(2/394)

قال الله تعالى: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
«1» وقال تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
«2» وقال المنصور لما حضرته الوفاة: بعنا الآخرة بنومة. وقال شاعر:
إنّما الدنيا كرؤيا ساعة ... من رآها فرّحته وانقضت
وقال آخر:
أراها وإن كانت تحبّ فإنها ... سحابة صيف عن قليل تقشع
وقال أعرابي: ما كانت الدنيا على بني فلان إلا طيفا لما انتبهوا ولى عنهم.
وقال العلوي الكوفي:
مررت بدور بني مصعب ... بدور السرور ودور الفرح
فشبّهت سرعة أيامهم ... بسرعة قوس يسمّى قزح
تلوّن معترضا في السّماء ... فلمّا تمكّن منها نزح
الماضي من الحياة والحاضر والمستقبل
قال حكيم: أمسك ماض ويومك ممثّل وغدك مبهم. وقال الحسن: أمس أجل واليوم عمل وغدا أمل.
وقال أبو العتاهية:
أرى الأمس قد فاتني ردّه ... ولست على ثقة من غد
وقال أبو حازم: بيني وبين الملوك يوم واحد أما أمس فلا يجدون لذّته ولا أجد شدته، وأما غد فإني وإياهم منه على خطر، وما هو إلا اليوم فما عسى أن يكون.
التحذير من تضييع الأيام
قال عبد الله بن المبارك في قوله تعالى: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا
«3» أي اعمل في الدنيا لآخرتك. وقيل: من لعب في عمره ضيّع أيام حرثه وإذا ضيع أيام حرثه ندم عند حصاده.
وقال الحسن: ما وعظني شيء مثل ما وعظني كلام الحجّاج في خطبته: إن امرأ ذهبت عنه ساعة من عمره في غير ما خلق له لحقيق أن تطول حسرته يوم القيامة. وقال حكيم: الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما وقال رجل لداوود الطائي: ما ترى أن أتعلم الرمي؟ فقال: حسن ولكن إنما هي أيامك فافنها فيما شئت.
مرور الأوقات هادم للحياة
(2/395)

قال حكيم: من كان الليل والنهار مطيّته سارا به وإن لم يسر.
وقيل:
رأيت أخا الدنيا وإن كان خافضا ... أخا سفر يسعى به وهو لا يدري «1»
وقيل: أنفاس المرء خطاه إلى أجله، وأمله خادعه عن عمله. لكلّ زمن فوت وفي كل طرفة موت. وقال:
ما ارتد طرف امرئ بلحظته ... إلا وشيء يموت من جسده
وقال أعرابي: كيف تفرح بعمر تقطعه بالساعات معرضا للآفات. قال أبو العتاهية:
تظلّ تفرح بالأيام تقطعها ... وكلّ يوم مضى يدني من الأجل
وقيل لأعرابي: أنظر إلى الهلال، فقال: ما أصنع به محل دين ومقرب حين. قال عبدة:
إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله ... كفى قاتلا سلخي الشهور وإهلالي «2»
وقال:
إلا أنّ الفتى رهن ... بذي لونين خذاع «3»
ومنه قول ابن قميئة:
رمتني صروف الدهر من حيث لا ترى ... فكيف بمن يرمي وليس برام
فلو أنّني لما رمتني رميتها ... ولكنّها ترمي بغير سهام
وقال:
فوّق الدهر إلينا نبله ... عللا يقصدنا بعد نهل «4»
فهو رامينا ولا نبصره ... مثل رام رام صيدا فختل «5»
البقاء في الدّنيا سبب الفناء
قال بعضهم: انصرفت من مجلس حمّاد الراوية فقال أبي ما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: لو لم يكسب ابن آدم إلا الصحة والسلامة لكفى بهما داء. فقال أبي: قاتل الله حميدا حيث قال:
أرى بصري قد رابني بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما «6»
وقال:
(2/396)

ودعوت ربّي بالسلامة جاهدا ... ليصحّني فإذا السلامة داء
وقال:
لو لم يوكل بالفتى ... إلا السلامة والنّعم
فتداولاه لا وشكا ... أن يسلماه إلى الهرم
قال معدي كرب:
أراني كلّما أبليت يوما ... أتاني بعده يوم جديد
يعود شبابه في كلّ فجر ... ويأبى لي شبابي ما يعود
وقال الصّلتان:
إذا ليلة هرمت يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتي
فرح الدّنيا مشوب بالترح ومعقب بالهموم
قيل: في كل جرعة شرطة ومع كل أكلة غصة. ونظر أنوشروان إلى ملكه فأعجبه، فقال: هذا ملك لولا أنه هالك ونعيم لولا أنه عديم، وغناء، لولا أنه عناء وسرور لولا أنه شرور، ويوم لو كان يوثق له بغد، قال المغيرة بن جيناء:
وكذاك الدهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه
وقال:
لا يغرّنّك عيش ساكن ... قد تولّى بالمنيات السّحر
وقال:
إنّ الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلّا أساءت إليه بعد إحسان
وقال بعضهم: ما من إنسان قيل له: طوباك إلا وقد هيأ له الدهر يوم سوء، قال المتنبّي:
ومن كان في السّراء في حال معجب ... فمحصوله منها على حال نادم
وقال ابن لنكك:
كلّ من حاز سرورا ... أو نعيما هو فيه
فالمنايا والرزايا ... عن قريب تقتضيه
وقال:
لم يشفع الدهر الخؤون لمهجة ... في العمر إلا عاد وهو خصيمها «1»
الدّنيا هموم وغموم
(2/397)

قال رجل لأمير المؤمنين: صف لي الدنيا، قال: ما أصف في دار أولها عناء وآخرها فناء حلالها حساب وحرامها عذاب، من أمن فيها سقم ومن مرض فيها ندم ومن استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن.
وقال بعض الصالحين: الدنيا دار غرست فيها الأحزان وذمّها الرحمن، وسلط عليها الشيطان يصل به الإنسان.
وسئل آخر عنها فقال: من نالها مات عنها ومن لم ينلها مات حسرة عليها.
وقال سفيان: الدنيا دار التواء لا الثواء من عرفها لم يفرح فيها برخاء، ولم يحزن بشقاء. وسمع حكيم رجلا يقول لآخر: لا أراك الله مكروها، فقال: دعوت عليه بالموت.
من عاش لا بدّ له من مكروه. وقال شاعر:
في كل دار ترحة وبلية ... وهموم دارك إن شكرت أقلها «1»
وقيل للنظام وفي يده قدح دواء: ما حالك؟ فقال:
أصبحت في دار بليّات ... أدفع آفات بآفات
وقال أبو علي كاتب بكر:
أفّ من الدنيا وأسبابها ... فإنّها للحزن مخلوقه
همومها ما تنقضي ساعة ... عن ملك فيها ولا سوقه «2»
وقال:
أمرّ الزمان لنا طعمه ... فما إن ترى ساعة عذبه
وقال:
مضى قبلنا قوم رجوا أن يقوّموا ... بلا تعب عيشا فلم يتقوّما
وقال المنصور:
كن موسرا إن شئت أو معسرا ... لا بدّ في الدنيا من الغمّ
وكلّما زادك من نعمة ... زاد الذي زادك في الهمّ
قلّة السرور وكثرة الغموم
روي عن الأمام الشافعي رضي الله عنه، قوله:
محن الزمان كثيرة لا تنقضي ... وسرورها يأتيك كالأعياد «3»
وقال:
(2/398)

تأتي المكاره حين تأتي جملة ... وترى السرور يجيء في الفلتات
وقال ابن نباتة:
وما خير عيش نصفه سنة الكرى ... ونصف به نعتلّ أو نتوجّع «1»
مع الوقت يمضي بؤسه ونعيمه ... كأن لم يكن والوقت عمرك أجمع
سرعة المكاره وتباطؤ المحاب
وقال شاعر:
ألم تر أنّ سير الخير ريث ... وإن الشرّ راكبه يطير «2»
وكان لسفيان جار مخنّث فمرض فعاده سفيان بأصحابه، فقال: كيف تجدك؟ فقال:
إن العلل والآفات تجيء في الدنيا باقات والعافية تجيء طاقات، فقال سفيان: ما خرجنا إلا بفائدة.
وقال الحارثيّ:
تقضّاك دهر ما سلفا ... وكدّر عيشك بعد الصّفا
فلا تنكرنّ فإنّ الزمان ... رهين بتشتيت ما ألفا
وقال أبو الوليد:
وليس الدهر مؤتمنا ... على تفريق ما جمعا
وقال:
إلا إنّما الدنيا مطيّة بلغة ... علا راكبوها فوق أعوج أحدبا «3»
شموس متى أعطتك طوعا زمامها ... فكن للأذى من عسفها مترقّبا «4»
التحذير من النّقصان عند التّمام
قيل: من بلغ غاية ما يحبّ فليتوقع غاية ما يكره. وقال الأصمعي: وجدت لبعض العرب بيتين كأنهما أخذا من قوله تعالى: حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
«5» وهما قول سعيد بن وهب:
أحسنت ظنّك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف غبّ ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر
(2/399)

ومن دعاء بعضهم: صرف الله عنك آفات التّمام.
وكتب الإسكندر إلى أرسطاطاليس: أكتب إليّ موعظة تردع وتقنع، فكتب إليه: إذا استوت بك السلامة فجدّد ذكر العطب وإذا اطمأنّ بك الأمن فاستشعر الخوف، وإذا بلغت نهاية أملك فاذكر الموت. وقال شاعر:
إذا تمّ أمر بدا نقصه ... توقّع زوالا إذا قيل تمّ
عرض الدنيا عارية
قال ابن مسعود: عرض الدنيا عارية ومن فيها ضيف، والعارية مؤداة والضيف مرتحل.
والمال في الأقوام مستودع ... عارية والشرط فيها الأداء «1»
وقال:
وما المال والأهلون إلّا ودائع ... ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع
وقال:
أبدا تستردّ ما تهب الدّني ... افيا ليت جودها كان بخلا
فكفى كون فرحة تورث اله ... مّ وخلّ يغادر الوجد خلا
وقال:
لم يظلم الدّهر ولكنّه ... أقرضني الإحسان ثم اقتضى
الدّنيا متقلّبة
من أمثالهم: الدنيا طرفة عين لا تثبت على حالة. دخل أعرابي عمّر مئة وعشرين سنة على معاوية فقال له: صف لي الدنيا. فقال: سنيات بلاء وسنيات رخاء يولد مولد ويهلك هالك، ولولا المولود باد الخلق ولولا الهالك ضاقت الأرض.
وقال شاعر:
هل الدهر إلا ضيقة وانكشافها ... وشيكا وإلا ترحة وانفراجها
وقال:
وحادثات أعاجيب خسا وذكا ... ما الدهر في فعله إلا أبو العجب «2»
وقال:
الدهر من شأنه أن لا يدوم له ... ما يحتويه الفتى منه وما يمق «3»
(2/400)

وقال:
وما حالة إلّا ستطرف حالها ... إلى حالة أخرى وسوف تزول
وقال آخر:
ومن عادة الأيام أنّ صروفها ... إذا ساء منها جانب سرّ جانب
وقال:
إنما الدنيا هبات ... وعوار مستردّه «1»
شدّة بعد رخاء ... ورخاء بعد شدّه
الدّنيا لا يدوم فيها فرح ولا ترح
قال شاعر:
وما اكتأبت نفس فدام اكتئابها ... ولا ابتهجت نفس فدام ابتهاجها
وقال آخر:
هل الدهر إلا ساعة ثم تنقضي ... بما كان فيها من بلاء ومن خفض
فهونك لا تحفل إساءة عارض ... ولا فرحة تأتي فكلتاهما تمضي «2»
ويروى عن أبي الفتح بن العميد لما قبض عليه، قال: الفلك أحد والدوار أجد من أن يبقي أحدا على أحد.
إعتبار الباقي بالماضي
قال الحجّاج: والله إن الذي بقي من عمري لأشبه بما مضى من التمرة بالتمرة ومن الماء بالماء.
الدهر آخره شبه بأوّله ... يوم بيوم وأيام بأيام
وقال حارثة بن بدر:
وما الدهر إلا مثل أمس الذي مضى ... ومثل الغد الجائي وكلّ سيذهب
وقال أعرابي: جعلنا الله ممّن يعتبر ممن يعبر الدنيا أي يعتبر بمن يقطعها.
وصف الدنيا بأنّها غرّارة
قال أمير المؤمنين: الدنيا تغرّ وتضرّ وتمرّ. وقيل الدنيا غرور حائل وزخرف زائل وظلّ آفل ومسند مائل. وقال يحيى: الدنيا جارية زانية وتتهم بمن يقرب منها:
يغرّ الفتى مرّ الليالي سليمة ... وهنّ به عما قليل عواثر «3»
(2/401)

وقال آخر:
وما زالت الأيام تستدرج الفتى ... وتملي له من حيث يدري ولا يدري
وقال آخر:
لقد غرّت الدنيا رجالا فأصبحوا ... بمنزلة ما بعدها متحوّل
وقال آخر:
يعللّنا هذا الزمان من الوعد ... ويخدع عمّا في يديه من النّقد
وقال آخر:
فذي الدار أخدع من مومس ... وأخون من كفّة الحابل «1»
وهذا مثل ما قيل: الدنيا قحبة، يوما عند عطار ويوما عند بيطار.
النهي عن الإغترار بأوقاتها
قيل: لا تغتر بصفاء الأوقات، فتحتها غوامض الآفات، وقيل: لا يغرّنك الإملاء فالإملاء من الإستدراج، والله تعالى يقول: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
«2» .
وقيل: مثل الدنيا مثل الحية ليّن مسّها وفي جوفها السم الناقع، يهوي إليها الصبي الجاهل ويحذرها الحازم العاقل.
وقال شاعر:
إنّ دنياك حيّة تنفث السّ ... مّ وإن كانت المجسّة لانت «3»
وقال أبو عمرو بن العلاء: كنت أدور في ضيعتي في شدّة الحر فسمعت هاتفا يقول:
وإن امرأ أدنياه أكبر همّه ... لمستمسك منها بحبل غرور
فنقشت ذلك على خاتمي.
وقال الشاعر:
يا واثقا بزمانه ... أخطر تصرفه ببالك
ووجد بخط نصر بن أحمد:
ولا تخدعنّك صروف الزمان ... فإن الزمان كثير الخدع «4»
(2/402)

تصوّر الدنيا يزيد الغموم
قال الشاعر:
ومن عرف الأيام لم ير خفضها ... نعيما ولم يعدد تصرّفها بلوى «1»
الدّنيا واعظة
قال أمير المؤمنين: أيها الذام الدنيا بم غرتك؟ بمصارع آبائك تحت الثرى، أم بمضاجع أمهاتك في البلى. كم مرّضت بيديك وغسلت بكفيك فلم يغن عنك. وقيل: ما ضمنت الدنيا لأحد المتاع بها، بل نادت فصرخت إنها ميراث الدول وصبابة الأزمنة وأوعية الفجائع ومفرقة الآلات.
وقال عبد الله بن عيينة:
إن الليالي والأيام لو بحثت ... عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا
وقال أبو تمّام:
عمري لقد نصح الزمان وأنه ... لمن العجائب ناصح لا يشفق
وقال أبو العتاهية:
نحن في دار تخبرنا ... ببلاء ناطق لسن
قال المسيح عليه السلام: الدنيا مزرعة إبليس وأهلها له حرّاث. وقيل: كل قتيل يقتص له يوم القيامة إلا قتيل الدنيا يقتص منه.
مدح الدنيا بأنّها يتوصّل بها إلى الآخرة
ذمّ رجل الدنيا بحضرة أمير المؤمنين فقال: أسكت فإن الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار غناء لمن تزوّد منها ودار عافية لمن فهم عنها، مسجد أبينا آدم ومهبط وحيه، متجر أوليائه فاكتسبوا منها الرحمة وادّخروا منها الجنة.
وقيل: الدنيا دار تجارة والويل لمن تزوّد منها الخسارة.
الدّنيا محبوبة وإن كانت معيوبة
قال الشعبي: ما أعلم لنا وللدنيا كقول كثيّر:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدنيا ولا مقليّة إن تقلّت «2»
وقال المأمون: لو نطقت الدنيا لم تصف نفسها بأجود مما قال أبو نواس:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشّفت ... له عن عدوّ في ثياب صديق
(2/403)

وقال:
يذمون دنيا لا يرجّون درّها ... ولم أر كالدنيا يذمّ ويحلب
وقال سابق البربري:
النفس تكلف بالدنيا وقد علمت ... أن السلامة منها ترك ما فيها
وقال أبو العتاهية:
كلّنا يكثر المذمّة للد ... نيا وكلّ بحبّها مفتون
وقال الموسوي:
دنيا تضرّ ولا تسرّ وذا الورى ... كلّ يجاذبها وكلّ عائب
الدّنيا ضارّة لأهلها
قيل: الدنيا تضرّ محبيها ما كرمت على أحد نفسه إلا هانت عليه الدنيا. وقيل: أوحى الله إلى الدنيا إن اخدمي من جفاك واستخدمي من يهواك.
وقال عمر بن عبد العزيز: الدنيا لا تضرّ إلا من أمنها ولا تنفع إلا من حذرها.
وقال عمر رضي الله عنه: ما كانت الدنيا هم امرئ إلا لزم قلبه خصال أربع، فقر لا يدرك غناه وهم لا ينقضي مداه وشغل لا ينفد أولاه وأمل لا يدرك منتهاه.
أرى الدنيا لمن هي في يديه ... عذابا كلّما كثرت لديه
تهين المكرمين لها بصغر ... وتكرم كلّ من هانت عليه
وقال المتنبّي:
وكلّ يعشق الدنيا قديما ... ولكن لا سبيل إلى الوصال
وقال ابن نباتة:
تملّ مآرب الأيام منّا ... ونعشقها لقد عظم البلاء «1»
وقال أبو العيناء:
مذمومة بالهمّ مخطوبة ... سم زعاف درّ أخلافها «2»
ولم تزل تقتل ألافها ... أفّ لمن تقتل ألّافها
تبكيت النّفس في الميل إلى الدّنيا مع المعرفة بها
قال شاعر:
ومن عجب الدنيا ركوني وصبوتي ... إليها على سنّي كأني وليدها
أجاري الليالي ليلة بعد ليلة ... مشيحا كأنّي تربها وطريدها «3»
(2/404)

وتنقصني في كلّ يوم وليلة ... ونفسي على نقصانها تستزيدها
وقال:
وإن امرأ يبتاع دنيا بدينه ... لمنقلب منها بصفقة خاسر
وقال الموسوي:
نرجو البقاء كأنّنا لم نختبر ... عادات هذا العالم المشهود
الدنيا غير مستغنى عنها
قال العتبيّ: كنت قاعدا في دهليزي عقب علّة فدخل مجنون يدعى بالغيث فقلت: أنا منه بين لطمة وشتمة فنظر إليّ ساعة، ثم أنشأ يقول:
نظرت إلى الدنيا بعين مريضة ... بفكرة مغرور وتأميل جاهل
فقلت هي الدار التي ليس مثلها ... ونافست فيها في عناء وباطل
وقال:
كفلت بنا الدّنيا ولا ... طفل يعيش بغير ظئر «1»
وذكر لأمير المؤمنين قوم يحبون الدنيا فقال: هم أبناؤها أفيلام الرجل على حب والديه؟
بنو الدّنيا غرض لأنواع البلاء
قيل للحسن: كيف أصبحت؟ فقال: كيف يصبح من هو غرض لثلاثة أسهم، سهم رزيّة وسهم بليّة وسهم منيّة.
وقال ابن المعتز:
أرى كلّ نفس للمنايا دريّة ... وللعيس يمسي كدحها ودؤبها «2»
تناضلها الآفات من كلّ جانب ... فتخطئها يوما ويوما تصيبها
وقال الربيع لأبي العتاهية كيف أصبحت؟ فقال:
أصبحت والله في مضيق ... فهل سبيل إلى طريق
أفّ لدنيا تلاعبت بي ... تلاعب الموج بالغريق
وقيل: من أخطأه سهم المنيّة لم يخطئه سهم الرزيّة.
إنكار ذمّ الدهر
قال صلّى الله عليه وسلّم: إذا قال الرجل لعن الله الدنيا قالت الدنيا: لعن الله أعصانا لربّه. وقال: لا
(2/405)

تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر أي الفاعل هو الله لا الدهر. قال الشيخ أبو القاسم الراغب:
ألمّ بهذا المعنى الخوارزمي، فقال:
وكم نكني وكم نهجو الليالي ... وليس بخصمنا إلا القضاء
وقال الناجم:
نعيب زماننا والعيب فينا ... ولو نطق الزمان بنا هجانا
وقال رجل للأصمعي: فسد الزمان، فقال:
إن الجديدين في طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد الناس «1»
وقال أبو عبد الرحمن الأصم لأبي العتاهية: أي خلق الله أصغر عنده؟ قال: الدنيا لا تساوي عنده جناح بعوضة، قال: أصغر منها محبّها.
لم يفسد الدهر لكنّ أهله فسدوا
وقال المتنبّي:
ألا لا أري الأحداث حمدا ولا ذمّا ... فما بطشها جهلا ولا كفّها حلما
الدّهر يتراذل
قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: معروف زماننا منكر زمان قد فات ومنكره معروف زمان لم يأت. وسمع زياد امرأة تقول: اللهم أعزل عنا زيادا، فقال لها: زيدي في دعائك وأبدي لنا خيرا منه فإن الأخير أبدا شر.
وقال بعض العلماء: آخر الناس شرارهم الذين تقوم عليهم القيامة.
حمد ماضي الزّمان وذمّ حاضره
كانت عائشة رضي الله عنها تنشد قول لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب «2»
وتقول: رحم الله لبيدا كيف لو عاش إلى زماننا. وكان ابن الزبير ينشده ويقول:
رحم الله عائشة كيف لو عاشت إلى زماننا. وقال بعضهم: كان الناس ورقا بلا شوك، فصاروا شوكا بلا ورق.
وقال شاعر:
لم أبك من زمن شكوت صروفه ... إلّا بكيت عليه حين يزول
وقال:
ننسى أيادي الزمان فينا وما ... نذكر من دهرنا سوى نوبه «3»
(2/406)

المسرّة من حيث تخشى المضرّة
قال الله تعالى: فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
«1» وقيل:
خف المضار من خلل المسار، وأرج النفع من موضع المنع. فأكثر ما يأتي الآمن من محل الفزع. وقال حكيم: أعناق الأمور تتشابه، فرب محبوب في مكروه ومكروه في محبوب ومغبوط بنعمة هي داؤه ومرحوم من داء فيه شفاؤه.
وقيل: ربّ سلامة تكون للتلف سببا ومكروه يكون للنجاة مفتاحا.
وقد يأسف المرء من فوت ما ... لعلّ السلامة من فوته «2»
وقال حكيم: لله مصالح في مكاره عباده. وقيل: العاقل لا يجزع لأول نكبة ولا يفرح بأول نعمة فربما أقلع المحبوب عما يضرّ وأسفر المكروه عما يسرّ.
كم مرة حفّت بك المكاره ... خار لك الله وأنت كاره «3»
وقال أبو عمرو بن العلاء خرجت هاربا من الحجّاج فسمعت أعرابيا ينشد:
ربّما تجزع النفوس من الأ ... مر لها فرجة كحلّ العقال
سبب البلاء سبب إتيان الرخاء. وقال صلّى الله عليه وسلّم: اشتدي أزمة تنفرجي. وقيل: إذا اشتد الأمر هان.
من أشرف على الهلاك ففرّج الله تعالى عنه
أتى يزيد بخارجي فأراد قتله، فقال:
عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كلّ يوم في خليقته أمر
فقال: والله لأضربنّ عنقك أقتلوه. فدخل الهيثم بن الأسود فقال أمسكوه قليلا، فدنا منه فقال: يا أمير المؤمنين هب مجرم قوم لوافدهم، فقال: هو لك، فخرج الخارجي وهو يقول: تأبّى على الله فأبى إلا أن يكذبه وغالبه فأبى إلا أن يغلبه.
وأحضر رجل ليقتل في أيام نازوك فدعا بطعام فأخذ يأكل ويضحك، فقيل: تضحك وأنت مقتول؟ فقال: من الساعة إلى الساعة فرج فسمعت صيحة فقيل: مات نازوك، فخلوا الرجل.
وشدّ بعض العمال رجلا إلى أسطوانة يريد ضربه، فقال: حلّني من هذه إلى هذه فحله فما حله إلا وقد عزل وشدّ إلى الاسطوانة بعينها.
(2/407)

مستضعف أعانه الله فقوّاه
قال الله تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
«1» وقال أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ
«2» .
(2) حثّ الممتحن على مصابرة الزمن إلى انقضاء زمن المحن
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: للمحن أوقات ولها غايات، واجتهاد العبد في محنته قبل إزالة الله لها زيادة فيها. قال تعالى: إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ
«3» . وقيل: الممتحن كالمختنق كلما ازداد اضطرابا إزداد اختناقا. وقيل: إذا أراد الله خلاص غريق عبر البحر على سارية. وقيل: حامل الدهر إلى أن يحمل وأقبل منه إلى أن يقبل.
من زال غمّه فنسى صنع الله تعالى
قال الله تعالى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
«4» ، وقال الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
«5» الآية، وقال الله تعالى: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
«6» الآية، شكا يوسف عليه السلام طول الحبس فأوحى الله تعالى إليه أنت حبست نفسك حيث قلت السجن أحب إليّ. وقيل: من سبح في النهر الذي فيه التمساح عرض نفسه للهلكة. وقيل: ما صاحب البلاء الذي طال بلاؤه بأحق بالدعاء من المعافى.
من ذكر إحسان الزمان إليه بعد إساءته
قال شاعر:
أيّها الدهر حبّذا أنت دهرا ... قف حميدا ولا تزول حميدا
كل يوم تزداد حسنا فما تب ... بعث يوما إلا حسبناه عيدا
وقال آخر:
رقّ الزمان لفاقتي ... ورثى لطول تحرّقي
(2/408)

فأنالني ما أرتجي ... وأجار ممّا أتّقي
فلأغفرنّ له الكبير ... من الذّنوب السّبق
حتّى جنايته بما ... فعل المشيب بمفرقي
وقال آخر:
ربّما أحسن الزما ... ن وإن كان قد أسا
وقال وهو الصدق:
وآخر إحسان الليالي إساءة ... على أنّها قد تتبع العسر باليسر
أصحاب الرّجاء والخوف
قال شاعر:
في كلّ شيء أرتجي مخافة ... في كلّ شيء أشتهيه آفه
فضل العافية وسلامة الدين
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا. وقيل: أراني غنيّا ما كنت سويّا. وقيل: من أوتي العافية فظنّ أن أحدا أوتي أكثر منه فقد قلّل كثيرا وكثرّ قليلا.
وقيل: صلاح الآخرة بخلّة واحدة وهي التقوى وصلاح الدنيا بثلاث: العافية والغنى والعمر.
وقيل: العافية الملك الخفيّ الهنيء. وقيل: الدنيا بحذافيرها الأمن والعافية.
لا تأس من دنيا على فائت ... وعندك الإسلام والعافيه
إن فات شيء كنت تسعى له ... ففيهما من خلف كافيه
معرفة فضل السلامة عند فوتها
قيل: لا يعرف طعم النعمة إلا من نالته يد العلّة والبلاء:
فبضدها تتميّز الأشياء
وقيل: شيئان لا يعرف فضلهما إلا من فقدهما الغنى والعافية. وقال أبو تمّام:
وليس يعرف طيب الوصل صاحبه ... حتى يصاب بنأي أو بهجران
وقلب المتنبّي هذا المعنى فقال:
ولولا أيادي الوصل في الجمع بيننا ... غفلنا فلم نشعر له بذنوب «1»
وقال حكيم: كم من نعمة عرفت ببليّة نزلت ونعمة جهلت بسلامة لبثت.
(2/409)

الحدّ العشرون في الديانات والعبادات
(1) الدّلالة على وحدانية الله تعالى
من قول الأوائل
قال أفلاطون لتلميذه أرسطو: ما الدليل على وحدانية الله تعالى؟ فقال: ليس شيء من خلقه بأدلّ عليه من شيء.
وقال لبيد:
فوا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كلّ شيء له آية ... تدلّ على أنّه واحد
ولله في كلّ تحريكة ... وتسكينة أبدا شاهد
وسئل سقراط عن دلالة الصانع، فقال: دلّ الجسم على صانعه فجمع بهذه اللفظة دلالة حدوث العالم، فإن صانعه حكيم. ونظر أعرابي إلى الناس في يوم الجمعة فقال:
صورة واحدة وخلق مختلف، ما هذا إلا صنع رب العالمين.
نفي الكيفية عن الله سبحانه وتعالى
قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
«1» . وسئل جعفر بن محمد عن كيفية الله تعالى، فقال: نور لا ظلمة فيه وعلم لا جهل فيه، وحياة لا موت فيها. وسأل رجل أمير المؤمنين: أين الله تعالى؟ فقال: هذا سؤال عن المكان، وكان الله ولا مكان وقال عثمان لأعرابي: أين ربك؟ قال: بالمرصاد.
وقال العتبي: من جعل الله في مكان فقد حدّه ومن حدّه فقد عدّه ومن عدّه فقد ثنّاه، تعالى الله عن ذلك.
حقيقة الإيمان
سئل الجنيد عن الإيمان فقال: ما أوجب الأمان. وأتى رجل إلى الحسن فقال له:
(2/410)

أمؤمن أنت؟ فقال له: إن كنت تريد قول الله تعالى: آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا
«1» فنعم به نتناكح وبه نتناسل وبه حقنا دماءنا، وإن كنت تريد قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
«2» ، فما أدري أنا منهم أم لا؟
وسئل الفضيل عن الورع فقال: اجتناب المحارم. وقيل لأبي هريرة: صف لنا التقوى، فقال: إذا دخلت أرضا فيها شرك كيف تصنع؟ فقال: أتوقى وأتحرز، فقال: فاتّق من الدنيا هكذا، فهذه التقوى. أخذه ابن المعتز، فقال:
كن مثل ماش فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرّن صغيرة ... إن الجبال من الحصى
وقيل: ليس الإيمان بالتحلّي ولا التمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، وأتى النبي صلّى الله عليه وسلّم بجارية فقيل له: هل تجزي هذه عن العتق؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: أين ربّك؟ فرفعت يدها إلى السماء فقال لها: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة.
حقيقة التقوى
قيل: هي الامتناع من المحرّمات. وقيل: تغيّب المولى في قلوب أوليائه يحثّهم على الخير ويمنعهم من الشر. وقال الحارث: هي انتهاء الجوارح عما نهى الله تعالى عنه إلى ما أمر به. قال الله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ
«3» . وقال عمر بن عبد العزيز: ليست التقوى قيام الليل ولا صيام النهار والتخليط فيما بين ذلك، ولكنّ التقوى ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق خيرا بعد ذلك فهو خير.
وسئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من آلك؟ فقال: كلّ تقي ألا أن أولياء الله هم المتّقون.
حقيقة المحبة وعلاماتها وأحوالها
قال يحيى بن معاذ رحمه الله: حقيقة المحبّة لا يزيدها البرّ ولا ينقصها الجفاء وقال صلّى الله عليه وسلّم: إذا أحب الله عبدا جعل له واعظا من نفسه وزاجرا من قلبه يأمره وينهاه. وقال إن الله تعالى يقول: ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ من أداء ما افترضت عليه وإنّ عبدي لا يزال يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته.
وقال جعفر إذا أحبّك الله سترك وإذا أحببته شهرك.
وقال: إذا أحبك أنامك وإذا أحببته أقامك، فهذا هو الفرق بين المريد والمراد.
(2/411)

وقال بعضهم: سمعت امرأة تطوف بالبيت وتقول: بحبك لي إلا ما غفرت لي.
فقلت لها: أما يكفيك أن تقولي بحبي لك؟ قالت: أما سمعت قوله تعالى يحبهم ويحبونه، فقدم محبته لهم.
وسأل فقير الشبلي عن قول الله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
«1» فزعق وقال:
إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعة ... فلا خير في ودّ يكون بشافع
حال التصوّف والمتصوّفة والمريد والمراد
قيل لأبي عبد الله الحضرمي وكان يعرف بالصامت لأنه صمت عشرين سنة وقد سئل عن المتصوّفة، فقال: رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فقيل: كيف صفتهم؟ قال: لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء. قيل: فأين محلهم؟
فقال: في مقعد صدق عند مليك مقتدر. قيل: زدنا. قال: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا.
وسئل بعضهم عن حدّ الصوفي فقال: الأكول الكسول الكثير الفضول، فحكى ذلك للإمام الشافعي، فقال: الأكول للحلال، الكسول عن المعاصي، الكثير الفضول بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقيل: الصوفي من لبس الصوف على الصفا وذاق طعم الهوى والجفا وترك الدنيا والعفا. وسئل أبو سهل الصعلوكي عن التصوّف فقال: الإعراض عن الاعتراض. وللجنيد: التصوّف ترك التصرف. وقال: أبو عبد الله بن خفيف: هو لائح لاح فاصطلم واستباح، وقال المحاسبي: الرضا بسكون القلب تحت جريان الحكم.
وأقبل أبو العباس وشريح على الجنيد رحمه الله تعالى فقال: يا أبا العباس في كتاب الله تعالى آية تدل على مذهبكم. فبرك جنيد على رجليه، وقال: بلى قال الله: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ
الآية وقال أبو العباس بن عطاء في كتاب الله تعالى آية هي صفتهم يعرف معناها من تلاها وهي ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ
«2» الآية.
وسئل أبو عبيد الله عن المراد والمريد فقال المريد الذي سأل ربه فقال اشرح لي صدري ويسرّ لي أمري، والمراد الذي قيل له ألم نشرح لك صدرك إلى آخرها. وقيل ما حقيقة الفقر؟ قال أن لا ترى مع الله في الدارين غيره.
حقيقة الذّكر
هي أن يكون القلب فارغا إلا منه. قال الله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ
«3» أي بذكر موسى من غير قصد منها إلى ذكره.
(2/412)

مدح الله تعالى باللسان
قال الله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ
«1» واذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً
«2» وقيل: أوجب الله الذكر في الصلاة في كثير من المواضع. وقيل: ما سمع صلّى الله عليه وسلّم أحدا ذكر الله إلا جاذبه الحمد. وقال معاذ: لا يتحسر أهل الجنة على شيء كتحسرهم على وقت مرّ عليهم ولم يذكروا الله تعالى فيه.
ذمّ ذكر الله تعالى باللّسان وتذكرّه عن النسيان
قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ
«3» . وقال تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
«4» قيل: السكران المذموم ههنا من تتعرّى أجزاء صلاته عن الحضور.
التحذير من الكلام فيما يؤثم
سمع حكيم رجلا يفحش فقال: يا هذا إنك تملي على حافظيك كتابا إلى ربك. وقال:
عمر رضي الله عنه: من علم أن الكلام عمل أمسك. وقال الجنيد: الرحمة تنزل على العارف في ثلاثة مواضع: عند الأكل، فإنه لا يأكل إلا عن جوع وعند الكلام، فإنه لا يتكلم إلا عن ضرورة. وعند السماع فإنه لا يسمع إلا من الله. ورأى إبراهيم بن أدهم رجلا يحدث بما لا يعنيه فوقف عليه، وقال: أكلاما ترجو منه الثواب، قال: لا، قال: أفتأمن عليه العقاب، قال:
لا، قال: فعليك بذكر الله ما تصنع بكلام لا ترجو منه ثوابا ولا تخاف عقابا.
ذمّ من خلا قلبه من حلاوة الوحدانية
قيل: أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء أما يستحي من يدّعي حبي وقلبه مملوء من غيري هذا علامة الخدام. قيل: وكان في بني إسرائيل حبر فقال في دعائه: يا ربّ كم أعصيك وأنت لا تعاقبني فأوحى الله تعالى إلى نبيّ ذلك الزمان: قل لعبدي كم أعاقبك ولا تدري، أسلبك حلاوة مناجاتي. وسئل الشبلي عن قول النبي: إذا رأيتم أهل البلاء فسلوا ربكم العافية من هم؟ قال: هم أهل الغفلة عن الله. وقيل: من لم يرتدع بأمر الله وذكر الموت ثم تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع.
قلّة المبالاة بما يفوت من عرض الدنيا
قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ
«5» الآية. وقيل: حق المؤمن أن لا يتحاشى ما به نجاة نفسه ألا ترى إلى السحرة لما آمنوا وهددهم فرعون، قالوا: اقض ما أنت قاض.
(2/413)

الحثّ على اعتبار الله دون غيره
قيل للشعبي: أوصني فقال: قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون. وقال أبو جعفر الجوهري: سمعت زنجيا يقول: هذا قلبي فتّشوه فإن وجدتم فيه غير واحد فانبشوه، وسئل عن قوله تعالى: وإبراهيم الذي وفّى قال: الذي رضي بإسقاط الوسائط فإنه لما جعل في المنجنيق، قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فلما صار في الجوّ أتاه جبريل عليه السلام فقال: ألك حاجة؟ قال: أمّا إليك فلا.
وكتب الجنيد إلى علي بن سهل: سل محمد بن يوسف ما الغالب عليك؟ فقال:
والله غالب على أمره. وقيل للشبلي: أنظر في الفقه لتفتي، فقال: خاطر يحرك سرّي أحب إليّ من سبعين قضية قضاها شريح.
الأنس بالله في الخلوة
قال عمرو بن عثمان: من كان في خلوته عينا الله على نفسه كفاه الله هم أمره في علانيته. وقال بنان الحمال: دخلت بادية فاستوحشت فهتف بي هاتف نقضت العهد أليس حبيبك معك. وقيل: من أنس بغير الله في الخلوة فهو أبدا في وحشة.
تعظيم الله تعالى
سمع الشبلي رجلا يكثر عند ذكر الله من قوله تعالى: عزّ وجل، فقال: أحب أن تجلّه عن هذا فإنه أجل من أن يجل. وقيل للجنيد: تقول الله ولا تقول لا إله إلا الله، فقال أخاف أن يدركني الحقّ في قولي لا وهو شأن الجحود. وقال عبد الله بن سهل: إن الله يطلع على القلوب فأيّ قلب رأى فيه غيره سلّط عليه العدو.
مراعاة الله في الشّدة والرّخاء
دخل حميد الطويل على سليمان بن علي والي البصرة فقال له: عظني، فقال حميد:
لئن كنت حين عصيت ربك ظننت أنه يراك فقد اجترأت على الله ولئن كنت ظننت أنه لا يراك فقد كفرت. وقال عمرو بن عثمان: قال عيسى: يا رب من أشرف الناس قال من إذا خلا علم أني ثانيه فأجلّ قدري عن أن يشهدني معاصيه. وقال رجل للحسين بن علي: من أشرف الناس؟ قال: من اتعظ قبل أن يوعظ واستيقظ قبل أن يوقظ، فقال: أشهد أن هذا هو السعيد. وسارّ سليمان عمر بن عبد العزيز، فقال: هل يرانا من أحد فقال: نعم عين لا تحتاج إلى تحديق وترميق. ومرّ عمر رضي الله عنه بمملوك يرعى غنما فقال: أتبيعني منها شاة؟ قال ليست لي، قال: فأين العلل؟ قال فأين الله؟ فاشتراه عمر وأعتقه، فقال المملوك:
اللهم قد رزقتني العتق الأصغر فارزقني العتق الأكبر، أعوذ بك من قلب غائب عنك.
وقال السري السقطي: بتصحيح الضمائر تغتفر الكبائر. وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، أي تعرف إليه في الرخاء بالشكر وذكر الآلاء يعرفك في الشدة بالعصمة.
(2/414)

الحثّ على مراعاة ما فيه رضا الله دون المخلوقين
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: من طلب رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن طلب رضا الناس بسخط الله وكله إلى الناس. وقيل: من خاف الله تعال أجلّ ومن خاف الناس ذلّ، وقال سهل بن عبد الله: أعجز الناس من خشي ما لا يضره ولا ينفعه والله تعالى يقول: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي
«1» . وقيل: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء. قال الشبلي: ولذلك دليل، خاف يعقوب على يوسف الذئب فمحن بما محن ولو خاف الله تعالى لمنع كيد الأخوة. وقال محمد بن السماك: إن قدرت أن لا تكون لغير الله عبدا ما وجدت للعبودية بدا فافعل، وقيل: ما أوطأ راحة الواثق بالله وآنس المطيع لله.
وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: عليك بما يبقى لك عند الله فإنه لا يبقى لك ما عند الناس، فبلغ ذلك الزهري فقال: لقد وعظه بالتوراة والإنجيل والفرقان. وقال أمير المؤمنين: من حاول دفع أمر بمعصية كان ذلك أبعد لما رجا وأقرب لمجيء ما اتقى.
وقال بندار بن الحسين الصوفي: من أقبل على الدنيا أحرقته بنارها وصار رمادا لا ينتفع به، ومن أقبل على الآخرة أحرقته بنورها وصار سبيكة ذهب ينتفع بها، ومن أقبل على الله تعالى أحرقه التوحيد وصار جوهرة لا قيمة لها.
الحثّ على إصلاح الضّمير
قال سفيان بن عيينة: لو لم ينزل الله تعالى علينا إلا قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ
«2» . لكان قد أعذر. وقال ذو النون: إذا فسدت النية وقعت البلية. وقال أبو سعيد الجزار: دخلت المسجد الحرام فرأيت فقيرا عليه خرقتان فقلت في نفسي هذا وأمثاله كلّ على الناس فناداني: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ
«3» ، فاستغفرت الله تعالى في نفسي، فناداني: وهُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ
«4» ، وغاب عني.
وسئل ذو النون عن قوله تعالى: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً
«5» فقال: القرية قلب المؤمن والملك المعرفة فإذا سكنت المعرفة القلب طردت ما فيه غير ذكر الله. وقال أبو علي السنوي: بلغني يا رسول الله إنك قلت شيبتني هود فما الذي شيبك منها، قال: قوله تعالى فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
«6» .
العفو عن حديث النفس
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: عفى عن أمتي الخطأ والنسيان. وقال: إن العبد إذا هم بمعصية لم تكتب عليه وسئل سفيان عن الهم هل يؤخذ به العبد، قال: نعم، إذا كان عزما قال الله تعالى وهموا بما لم ينالوا.
(2/415)

الحثّ على تقوى الله وطيب عيش فاعلها
قال الله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ
«1» الآية. وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: من سرّه أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن سرّه أن يكون أقواهم فليتوكل على الله، ومن سرّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه. وقال: من أراد عزا بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان، وغنى بلا مال فليخرج من ذل معصية الله تعالى إلى عز طاعته. وقال جعفر بن محمد: اتق الله بعض التقوى وإن قل، واجعل بينك وبين الله سترا وإن رقّ.
وقال بزرجمهر: من قوي فليقو على طاعة الله ومن ضعف فليضعف عن معصية الله.
وقال ابن المقفع: ليحرص البلغاء أن يزيدوا على هذه الكلمة حرفا. وقال عبد الملك لبنيه في مرضه: أوصيكم بتقوى الله فإنها أزين حلة وأحصن كهف، فقال مسلمة: وأقرب إلى الصواب وأنفع في المآب، فقال عبد الملك: هاتان لا الأوليان.
الحثّ على الإشتغال بالله عن النّفس
قيل لداوود الطائي: لو سرحت لحييك، قال: إن الرجل إذا اشتغل بنفسه نسي الله وإذا اشتغل بالله نسي نفسه. وقيل لقي داود محمد بن واسع فقال: يا أخي مالي لا أراك؟ قال:
لأني انقطعت إليه، فقال: الشأن في أن يقبلك فغشي عليه. وقال الهيثم الهاشمي: ذكر في مجلس أبي عبد الله بن خفيف أن جنيدا قال: لا تصحب من تحتاج أن تكتمه ما يعرف الله منك، فقال: أبو عبد الله أراد جنيد أن يشغل الخلق عن الخلق بالله. وقال الجنيد: من ذكر الله نسي نفسه ومن ذكر نفسه ذكر الخلق ومن ذكر الخلق فقد هلك. وقال الشبلي:
يا منية المتمنّي ... شغلتني بك عنّي
عجبت منك ومنّي
ونحو ذلك قيل لأبي يزيد البسطامي أين أبو يزيد؟ فقال: أنا في طلب أبي يزيد منذ عشرين سنة. وقال رجل لأبي الربيع: أوصني، فقال: إن الله لا يشغله عنك شيء فإن استطعت أن لا يشغلك عنه شيء فافعل.
الحثّ على الاهتمام بأمر الآخرة دون الدّنيا
قال ابن عباس: ما انتفعت بشيء بعده صلّى الله عليه وسلّم كانتفاعي بما كتب إلى أمير المؤمنين: أما بعد فإن المرء يسرّه درك ما لم يكن ليفوته ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك وأسفك على ما فاتك منها، وليكن همّك فيما بعد الموت والسلام.
وقيل: من كان بالآخرة اشتغاله حسنت في الدنيا حاله. وقال زيد بن علي بن
(2/416)

الحسين رضي الله تعالى عنهم: أطلب ما يعنيك ودع ما لا يعنيك. ففي تركه درك ما يعنيك فإنما تقدم على ما قدمت ولا تقدم على ما أخرت، فآثر ما تلقاه غدا على ما لا تلقاه أبدا. وقيل: الدنيا والآخرة في قلب المؤمن ككفتي الميزان إذا رجحت هذه خفت هذه. وقال يحيى بن معاذ: الناس ثلاثة، رجل يشغله معاده عن معاشه وتلك درجة العابدين ورجل يشغله معاشه عن معاده وتلك درجة الهالكين ومشتغل بهما وهي درجة المخاطرين. وقيل لعبد الله بن إبراهيم من أسخى الناس، فقال: من بذل دنياه في صلاح دينه. وقال صلّى الله عليه وسلّم: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني. وقال رجل: من جعل همه في الله هما واحدا جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا وجعل الغنى في قلبه وأتته الدنيا راغمة ومن شتت عليه همه شتت الله عليه ضيعته وجعل الفقر بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له ثم لا يبالي في أي واد هلك.
الحثّ على مراعاة الدين والدّنيا ومدح فاعل ذلك
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ليس خيركم من ترك دنياه لآخرته ولا من ترك آخرته لدنياه، ولكن من أخذ منهما جميعا. وكان محمد بن علي يقول: اللهم أعنّي على الدنيا بالغنى وعلى الآخرة بالتقوى. وقال بعض العلماء: لست آمركم بترك الدنيا فترك الدنيا فضيلة وترك الذنب فريضة وأنت إلى إقامة الفرائض أحوج منك إلى اكتساب الفضائل. وقيل لعمر بن عبد العزيز: لم لا تنام، قال: إن نمت بالليل أضعت نفسي وإن نمت بالنهار أضعت الرعية. وقالت امرأة:
ولله مني جانب لا أضيعه ... وللهو منّي والخلاعة جانب
وقال ابن أبي حفصة لعمارة أنشدت المأمون قولي:
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا ... بالدين والناس بالدنيا مشاغيل
فلم يهتم لذلك، فقال عمارة: ما زدت على أن صيرته عجوزا معتكفة في محرابها، فمن لأمور المسلمين هلّا قلت كجرير:
فلا هو في الدنيا مضيّع نصيبه ... ولا غرض الدنيا عن الدين شاغله
احتمال المضرة في العاجل رجاء المسرّة في الآجل
قال صلّى الله عليه وسلّم: لن تنالوا ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون ولا تبلغون ما تهوون إلا بترك ما تشتهون. وقال عليه الصلاة والسلام: حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات، احتمل مضرّة يومك لمسرّة غدك، العاقل يحتمل الضر في دار الفناء إيقانا بالنفع في دار البقاء. ولما تاب عتبة الغلام كان لا يتهنأ بطعام ولا شراب، فقالت له أمه: أرفق بنفسك، فقال: الرفق أطلب لها.
(2/417)

الحثّ على حفظ النفس من النّار
نظر أبو هريرة إلى رجل وضيء فقال: إني أرى لك قدمين لطيفتين فابتغ لهما موقفا صالحا يوم القيامة. وقال رجل لحكيم أوصني، فقال: إن استطعت أن لا تسيء إلى من تحب فافعل، فقال: وهل يسيء المرء إلى من يحب، قال: نعم. نفسك إن عصيت الله.
وقيل: المغبون من رأى الدنيا بحذافيرها لبدنه ثمنا. وقيل: كل قتيل يودي إلا قتيل نفسه.
النّهي عن التهافت في العبادة
قال صلّى الله عليه وسلّم: إن الدين متين فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: استبق نفسك ولا تكرهها فإنّك إن أكرهت القلب على شيء عمي. وقال صلّى الله عليه وسلّم: إن الله بعثني بالحنيفية السمحة ولم يبعثني بالرهبانية، فمن رغب عن سنتي فليس منّي. وقال المرعشي: من شغله الفرض عن الفضل فهو معذور، ومن شغله الفضل عن الفرض فمغرور.
التّوبة
قيل: التوبة النصوح ترك ما تنكره السنة في الظاهر والباطن. وقال أمير المؤمنين:
التوبة على أربعة دعائم، استغفار باللسان ونية بالقلب وترك بالجوارح وإضمار أن لا يعود وسئل السوسني عنها، فقال: الرجوع عن كل ما ذمه العلم إلى ما مدحه. وقيل: هي الإعتراف والندم والإقلاع. وقال عليه الصلاة والسلام: من تاب قبل موته بفواق ناقة حرم الله وجه على النار.
الحثّ على المبادرة إليها
قيل في قوله تعالى: بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئة، هو من مات على المعصية من غير توبة، وقال مجاهد: التوقف حسن إلا في التوبة. وقيل لرجل: أوص فقال: أحذركم سوف. قال شاعر:
والمرء مرتهن بسوف وليتني ... وهلاكه في سوفه واللّيت
وقال صلّى الله عليه وسلّم: إياكم ولو، فإن لو من أقوال المنافقين. وقيل: من وجد في قلبه التخويف فلا يطلبن لنفسه التسويف. وقيل في قوله تعالى: لِيَفْجُرَ أَمامَهُ
«1» أي يقول غدا أتوب وقال أبو حازم: نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب ولا نتوب حتى نموت. قال شاعر:
أسوّف توبتي خمسين عاما ... وظنّي أن مثلي لا يتوب
وقال:
متى يفلح من قدعا ... ش خمسين وما أفلح
(2/418)

وقال عمر بن عبيد الله لرجل: عظني، فقال: قد قطعت عامة سفرك فإن استطعت أن لا تضلّ في آخره فافعل. وقال المؤلف وأنا أقول: قد ضللت عامة سفري فإن لم يهدني الله فويل لي. ختم الله لي بخير ولمن كتب، وقرأ. وقال مصعب بن الزبير: إدفع سطوة الله بسرعة النزوع وحسن الرجوع ويوشك أن المنايا تسبق الوصايا.
الحثّ على الاستغفار واختلاط سيّء الأفعال بالحسن
قال صلّى الله عليه وسلّم: ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم خمسين مرة. وقال بعضهم: حق على المؤمن أن يقتدي بأبويه في قولهما: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا
«1» الآية، وبما قال نوح عليه السلام:
وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين. وقوله تعالى: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً
«2» الآية.
وقال أمير المؤمنين: العجب لمن يقنط ومعه النجاة الإستغفار. وقيل: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الإستغفار. وقال عمر رضي الله عنه: لم أر أشد طلبا وأسرع دركا من حسنة حديثة لذنب قديم. وقيل لرجل ألا تأتي إلى الحسن لتسمع منه؟ فقال: أنا مشغول بذنب أستغفر منه وبنعمة أشكر عليها فمتى أتفرغ لإتيانه. وسئل بعض المجان كيف أنت في دينك؟ قال: أخرقه بالمعاصي وأرقعه بالإستغفار. وقال بزرجمهر: أيها السلاطين لا بدّ لكم من المعاصي الكبار فافعلوا بإزائها طاعات عظيمة، أيها الأوساط يمكنكم الطاعات العظيمة كالمصالح التي لا يقدر عليها إلا السلطان فلا تركبوا المعاصي الكبيرة.
النّهي عن الإستغفار ما لم يصاحبه الفعل
سمع مطرف رجلا يقول: أستغفر الله وأتوب إليه فأخذ بذراعيه وقال: لعلك لا تفعل ومن وعد فقد أوجب. وقال أبو عبد الرحمن سمعني راهب أقول أستغفر الله فقال يا فتى سرعة اللسان بالإستغفار توبة الكذابين ويدل على ما قاله صلّى الله عليه وسلّم: المستغفر باللسان المصر على الذنب كالسمتهزئ بربه. وقيل: الإستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين، وقال الربيع بن خيثم:
لا يقولن أحدكم أستغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنبا جديدا إذا لم يفعل، ولكن ليقل: اللهم تب عليّ واغفر لي، فقيل لم. فقال: انته عما ينهاك عنه فإنّه يغفر لك.
تحذير من دنا أجله وساء عمله
اجتمع فيلسوف الروم وحكيم الهند وبزرجمهر عند كسرى فتذاكروا في شر الأشياء. فقال الرومي: الهم يقترن به العدم وقال الهندي: سقم البدن ودوام الحزن. وقال بزرجمهر: دنو أجل وسوء عمل، فحكم له. ودعا بعض الصالحين، فقال: اللهم اجعل خير عملي ما ولي أجلي وقال آخر: أعوذ بالله من وقوع المنية ولما أبلغ الأمنية، وقال ابن أبي البغل:
أستغفر الله من عمر أضعت به ... حظّي من الذكر في قال وفي قيل
(2/419)

أستغفر الله ربّ العرش من عمر ... أضعته في خسارات وتضليل
الحثّ على تجنّب فعل مذموم
قال حكيم: الأيام صحائف آجالكم فأودعوها أجمل أفعالكم. وقال علي بن الحسين رضي الله عنهما عجبت لمن يحتمي عن الطعام لمضرته ولا يحتمي عن الذنب لمعرته «1» فأخذ ذلك محمود الوراق حيث يقول:
عمرك قد أفنيته تحتمي ... فيه من البارد والحار
وكان أولى بك أن تحتمي ... من المعاصي خشية النّار
وقال بعضهم: حضرت مجلس الشبلي فقام إليه رجل من أصحابه، فقال له:
أوصني، فقال له: لقد أوصاك الشاعر بقوله:
قالوا توقّ ديار الحيّ إنّ لهم ... عينا عليك إذا ما نمت لم تنم
وقال يحيى بن معاذ: اجتناب السيئات أشد من اكتساب الحسنات.
النّهي عن تضييع الوقت
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: إغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك. وقال سفيان:
تذكر الماضي ورجاء الباقي ذهبا ببركة ساعاتك. وقال عمر بن ذر: الأيام إذا فكرت فيها ثلاثة، يوم مضى لا ترجوه ويوم أنت فيه ينبغي أن تغنمه ويوم في يدك أمله، فلا تغتر بالأمل فتخل بالعمل فإنما اليوم وأمس كأخوين نزل بك أحدهما فأسأت نزله وقراه فرحل عنك وهو ذام لك، ثم نزل بك أخوه فقال: إن أسأت إليّ كما أسأت إلى أخي فما أخلقك أن تعدم شهادتنا.
وسمع الحسن رجلا يقول: اللهم اجعلنا منك على حذر، فقال: إنه فعل ذلك، أليس قد ستر عنك أجلك فلست من حياة ساعة على يقين.
عتب من يتوب ثم يعود
قال شاعر:
كم قلت لست بعائد في توبة ... ونذرت فيها ثم صرت تعود
قال مالك بن دينار: دخلت على جار لي وهو مريض فقلت له عاهد الله أن تتوب فلعله أن يشفيك فقال: هيهات قد عاهدته فسمعت هاتفا من جانب البيت قد عاهدناك مرارا فوجدناك كذوبا.
(2/420)

حثّ الراجع عن التوبة إلى العودة
جاء حبيب بن الحارث إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: إني مقارف للذنوب فقال: تب فقال:
إني أتوب ثم أعود فقال: كلما أذنبت ذنبا فتب فعفو الله أكبر من ذنوبك. وقال صلّى الله عليه وسلّم: إن الرجل ليذنب الذنب فيدخل به الجنة. فقيل: كيف يا رسول الله؟ قال: يكون نصب عينه خائفا منه حتى يدخل الجنة.
قلّة من لا ذنب له من المكلّفين
قال الله تعالى: فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
«1» وذكر يونس عليه السلام فقال: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً
«2» الآية، وقصّ قصّة داوود عليه السلام وقد عوتب محمد عليه الصلاة والسلام بعبس وتولى: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا
ولَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ
«3» الآية، وقال: في جميع الناس، ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة.
جواز إظهار الكفر تقيّة
قال الله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
«4» . وكان عمار أظهر الرضا بفعل الكفار مع إنطواء قلبه على الإخلاص. وقال صلّى الله عليه وسلّم: إن عادوا فعد وأتى مسيلمة برجلين فقال لأحدهما: تعلم أني رسول الله. قال: بل محمد رسول الله فقتله. وقال للآخر فقال: أنت ومحمد رسول الله فخلّى سبيله فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: أما الأوّل فمضى على عزمه ويقينه، وأما الآخر فأخذ برخصة الله فلا تبعة عليه، وكالمضاد له.
من راقب الناس في مذاهبه ... أصمّه ربّه وأعماه
رجاء رحمة الله وغفرانه ومدح ذلك
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ما أحبّ أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
«5» وقال: إن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء. وقال ابن عباس لابن عمر رضي الله عنهما: أي آية أرجي؟ فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
«6» الآية، فقال: إن هذه لمرجوة وأرجى منها قوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ
. «7» . وقيل: أعظم من الذنب اليأس من الرحمة وأشد منه المماطلة بالتوبة. وقال أعرابي لابن عباس من يحاسب الخلق يوم القيامة؟ قال: يحاسبهم الله تعالى قال: نحونا ورب الكعبة فقال: كيف؟ قال إن الكريم إذا قدر غفر. ورؤي الشبلي
(2/421)

في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فأنشد:
حاسبونا فدقّقوا ... ثم منّوا فأعتقوا
وسمع أعرابي ابن عباس يقرأ قول الله تعالى: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها
«1» . قال: والله ما أنقذنا منها وهو يريد أن يلقينا فيها، فقال ابن عباس: خذوه من غير فقيه. ولقي يحيى عيسى عليهما السلام فعبس هذا وتبسم هذا، فقال: هذا لهذا مالك عابس كأنك قانط، وقال: هذا لهذا مالك ضاحك كأنك آمن، فأوحى الله تعالى إليهما: أن أحبكما إليّ أحسنكما ظنا بي. وقيل لرجل: كم تكون تاركا للتوبة؟ فقال:
رأيت الله تعالى وصف قوما فقال: وآخرون اعترفوا بذنوبهم إليّ عسى الله أن يتوب عليهم، وعسى من الله واجب. فقيل له: قد قال الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
«2» الآية وقال عمر بن عبد العزيز لعمر بن علقمة: أخاف عليك النار، فقال: لكني لا أخافها قال لم، قال لأن الله تعالى يقول: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى
«3» ، وأنا صدقت وأقبلت.
وقال أبو نواس:
يا كثير الذنب عف ... والله من ذنبك أكبر
وقال بعضهم: يا رب حجّتي حاجتي ووسيلتي فاقتي.
الحثّ على الجمع بين الرّجاء والخوف
قال الله تعالى في صفة المؤمنين: وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ
«4» وقال أمير المؤمنين: خف الله خوفا ترى أنك لو أتيت بحسنات أهل الأرض لم تقبل منك، وأرجه رجاء ترى أنك لو أتيت بسيئات أهل الأرض غفرها لك. وقيل: أرج إذا خفت وخف إذا رجوت، وكن كالمرأة الحامل ليس رجاؤها أن تلد ولدا ذكرا بأكثر من خوفها أن تلد أنثى.
وقال بعض الصالحين: لو أنزل الله كتابا إني معذب رجلا واحدا لخفت أن أكون، أو أنه راحم رجلا واحدا رجوت أن أكونه ولو أنزل الله أنه معذبي ما ازددت إلا اجتهادا لئلا أعود على نفسي بلائمة. وقال رجل لابنه: خف الله خوفا لا يمنعك من الرجا، وأرجه رجاء لا يمنعك من الخوف، فالمؤمن له قلبان يرجوه أحدهما ويخافه الآخر، وقال:
أنا بين الرجاء والخوف منه ... واقف بين وعده والوعيد
وقال أبو نواس:
لا تحظر العفو أن كنت أمرءا حرجا ... فإن حظركه بالدّين إزراء
(2/422)

ذمّ من يرجو الغفران من غير ترك ذنب
قال سعيد بن جبير: من الاغترار بالله المقام على الذنب ورجاء الغفران. وقال سليمان بن علي لعمرو بن عبيد: أخبرني عن هذا المال، فقال: إن أخذ من حله فوضع في حقه سلمت فقال: أنا أحسن ظنا بالله، قال: ما كان أحد أحسن ظنا بالله من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فما أخذ درهما إلا من حلّه ولا وضعه إلا في حقه.
وقيل في قوله تعالى بل يريد كل امرئ منه أن يؤتى صحفا منشرة. قال: يراه من الله من غير عمل يقدمه. ولقي زاهد أخا له فقال: أتاك اليقين أنك وارد جهنم، قال: نعم، قال: فهل أتاك اليقين بالصدر؟ قال: لا، قال: فما الانتظار والتناعس. وقال الثوري: قطع أطماع العباد آيتان: قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً
«1» وقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
«2» الآية، وقال محمود الوراق:
يا ناظرا يرنو بعيني راقد ... ومشاهدا للأمر غير مشاهد
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي ... درك الجنان بها وفوز العائد
ونسيت أن الله أخرج آدما ... منها إلى الدنيا بذنب واحد
تكذيب من ادّعى حسن ظنّه بربّه وفعله مناف لذلك
قال الحسن: إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم حسنة. يقول: إني أحسن الظن بربي وكذب لو أحسن الظن بربه لأحسن العمل ثم تلا وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ
«3» . وقال جعفر: رأيت ميسرة العابد وقد بدت أضلاعه من الاجتهاد فقلت له: إن رحمة الله قريب قال نعم من المحسنين.
ذمّ متمنّ غير عامل
قيل: إذا أبغض الله عبدا أعطاه ثلاثا يحبب إليه الصالحين ويمنعه القبول منهم ويحبب إليه الأعمال ويمنعه الإخلاص فيها ويجري الحكمة على لسانه ويمنعه الصدق بها. وكتب أبو عمير إلى صديق له: أما بعد فإنك تتمنى على الله بسوء فعلك إنما تضرب في حديد بارد.
التّحذير من الاغترار بالله تعالى في تأخير العقوبة
قال الله تعالى: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
«4» وقال ابن السماك: إن الله أمهلهم حتى كأنما أهملهم ولقد ستر حتى كأنه غفر، وخطب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه
(2/423)

فقال: لا يغرّنكم الإملاء فإن الإملاء من الإستدراج، والله تعالى يقول: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
«1» . وكتب أيضا إلى عامل له لا تغتر بتأخير العقوبة من الله فإنّما يعجل خائف الفوت.
عتب طالب الرّخص
قال الأصمعي: من التمس الرخص من الإخوان عند المشورة ومن الأطباء عند المرض ومن الفقهاء عند الشبهة تاه وازداد سقما واحتمل وزرا. وقيل: إذا رأيت الزاهد يتروح إلى طلب الرخص فاعلم أنه قد بدا له في الزهد.
تفضيل المذنب الخائف على الورع المعجب
الورع الوقوف مع الشرع. وقال بعضهم: الورع ترك ما حاك في صدرك. وقال بعض الصالحين: ضحك العبد وهو مشفق من ذنبه خير من بكائه وهو مدل بربه.
وقال أبو سليمان الداراني: ما عمل داوود عملا خيرا من خطيئته ما زال خائفا منها حتى لحق بربه، وقال مطرف: لأن أبيت نائما وأصبح نادما خير من أن أبيت قائما وأصبح معجبا. وقال القاسم بن محمد الصوفي: إذا كان الرجل لجوجا معجبا برأيه مماريا فقد استكمل الخسارة.
وقال رجل ليحيى بن معاذ: متى أتهم قلبي؟ قال إذا فارقه الخوف. وقال الخلدي:
سألت الجنيد عن الظرف، فقال: أن تعمل لله ولا ترى أنك عملت.
وقال عاجلة في قوله تعالى: يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
«2» يخاف أن لا يقبل منهم. وقال الحسين الحلاج: من نظر إلى العمل حجب عمن عمل له ومن نظر إلى من عمل له حجب عن رؤية العمل.
التّوقّي من الصّغائر
قال علي كرم الله تعالى وجهه: إياكم ومحقرات الذنوب فإن الصغير منها يدعو إلى الكبير. وقيل: من العود إلى العود ثقلت ظهور الحطابين ومن الهفوة إلى الهفوة كثرت ذنوب الخطائين. وقال بعض الأسديين:
ألا من لنفس بالذّنوب رهينة ... قليل على مسّ العذاب اصطبارها
كفى سقما بالمرء يا أم عاصم ... ركوب المعاصي عامدا واحتقارها
وسقط من يد بعض الصالحين دينار فوجده في الحال، فلم يأخذه، وقال لعله غير ديناري. وكان عمر أتي بالعشاء فأطفأ السراج، وقال: لا آكل على سراج العامة.
(2/424)

المتبيّن فيه مخافة الله تعالى
قيل: ما رؤي النبي صلّى الله عليه وسلّم ضاحكا بعد نزول قوله تعالى: أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ
«1» . وقال رجل ليونس بن عبيد: صف لي الحسن. قال: إذا أقبل فكأنما أقبل من دفن حبيبه، وإذا جلس فكأنما أمر بضرب عنقه وإذا ذكرت النار فكأنما خلقت له.
ووصف ابن عباس أبا بكر رضي الله عنهم فقال: كان كالطائر الحذر له في كل وجه جسد، وكان يعمل لكل يوم بما فيه وكان محمد بن المنكدر لا يرى إلا كئيبا، فقيل له في ذلك، فقال: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
«2» . وقال الفضيل من علامة الشقاء جمود العين وقساوة القلب وطول الأمل. وكان يقول: حقيق على من كان الموت موعده والقيامة مورده والوقوف والحساب مشهده أن يطول حزنه وبكاؤه. قال مالك بن دينار في التوراة إن الرجل إذا استكمل النفاق ملك عينيه.
المستكبر ذنب نفسه والمتذمّم لفعله
قال بعض الصالحين: كم لي من ذنب لو عرف به الصديق لمقتني ولو عرف به العدوّ لهتكني وقال مطرف: ما نزل بلاء فاستعظمته إلا ذكرت ذنوبي فأستصغره. قيل لحكيم كيف أصبحت؟ قال: آكل رزق ربي مطيعا عدوه. وقيل لحسان بن سنان كيف أصبحت؟ قال:
أصبحت قريبا أجلي بعيدا أملي سيئا عملي. وقال أبو العتاهية:
يظنّ الناس بي خيرا وإني ... لشرّ الناس إن لم تعف عنّي
وقال أبو محمد الخازن:
بنعمة الله وفي داره ... عصيته جهلا وسوء اختيار
إن لم يغثني عفوه عاجلا ... فإنّني والله في النّار جار
الممتنع من تناول المشتهيات والمباحات
عاد مالك بن دينار جارا له فقال له: أتشتهي شيئا فقال: نفسي تنازعني منذ أربعين سنة رغيفا أبيض ولبنا في زجاج فأتاه بهما فجعل ينظر إليهما ويقول: دافعت شهوتي عمري حتى لم يبق إلا مثل ظمأ الحمار، ومات بشهوته.
الحثّ على عبادة الله تعالى لا طلبا لثوابه ولا مخافة من عقابه
قال النباجي: لو لم يكن لله ثواب يرجى ولا عقاب يخشى لكان أهلا أن لا يعصى ويذكر فلا ينسى بلا رغبة في ثواب ولا رهبة من عقاب لكن لحبه وهو أعلى الدرجات، أما
(2/425)

تسمع قول موسى عليه السلام: وعجلت إليك ربّ لترضى. وإن من عمل لحبه أشرف ممن عمل لخوفه.
وقال حكيم: إني لأستحي من ربي أن أعبده رجاء الجنة فأكون كالأجير أو خوف النار فأكون كعبد السوء إن خاف عمل وإن لم يخف لم يعمل، لكن يستخرج مني حب ربّي ما لا يستخرجه غيره.
قال أبو يزيد البسطامي: الظالم الذي يعبده على العادة والمقتصد للرغبة والرهبة والسابق للمحبة. وقال الشبلي: من عبده رجاء الجنة فهو عبدها أو خوف النار فهو عبدها، لأن من خاف شيئا أو رجاه فهو معبوده. وقال بعضهم: من عبده الله بعوض فهو لئيم.
وقال علي بن الموفق: اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك خوفا من نارك فاحرقني أو طمعا في جنتك فاحرمنيها، وإن كنت تعلم أني أعبدك حبا لك وشوقا إلى لقائك فأبحنه.
وقال بعض الصوفية: حقيقة المحبة أن لا يزيدها البر ولا ينقصها الجفاء. وقيل لرابعة مالك لا تسألين الله الجنة في دعائك فقالت: الجار ثم الدار.
وقال سهل بن عبد الله وتلا إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ
«1» لو علموا عمن شغلوا ما اشتغلوا به. وقيل: في قوله صلّى الله عليه وسلّم أكثر أهل الجنة البله قال: لأنهم في شغل فاكهون شغلهم النعيم عن المنعم ومن رضي بالجنة عن الله فهو أبله. وقال البوشنجي:
الدنيا سجن المؤمن والجنة سجن العارف.
فضيلة من كان في كلاءة الله تعالى وحفظه
قال ممشاد الدينوري: من كان مع الله فقد هلك وإنما نجا من كان الله معه. وقال رجل للشبلي: متى يقرب العبد من ربه، فزعق ثم أنشد:
من لم يكن للوصال أهلا ... فكلّ إحسانه ذنوب
وقيل: أجلّ ما ينزل من السماء التوفيق وأجلّ ما يصعد من الأرض الإخلاص.
في ذمّ عالم غير عامل
قال أبو الدرداء: إن أخوف ما أخاف إذا وقفت على الحساب أن يقال لي قد علمت فما عملت فيما علمت. وقيل: ويل للذي لا يعلم مرة وويل للذي يعلم سبع مرات. وقال محمد بن واسع: إنّ قوما يشرفون على قوم يوم القيامة فيقولون قد نجونا بما أخذنا منك، فما لكم في العذاب فيقولون كنا نعلم ولا نعمل.
قلّة اليقين في الناس
قال الشعبي: لم يقسم الله بين الناس أقل من اليقين، وقال بعض أصحابنا: من الدلالة
(2/426)

على قلة اليقين إنك تخيّر يوما عن خير الدنيا بالسّيئة طمعا في الربح طفيف ربح مع ما فيه من الخطر وتأبى أن تقرض الله درهما بثمانمائة مع زعمك وقولك إنّ مستقرضه مليّ وفيّ.
ترغيب الله تعالى عباده في جنّته
قال الحسن: إن الله دعا كل قوم إلى الجنة، فقال للعرب يشوّقهم ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا لما كان أحب لأشياء إليهم ذلك، وقال للفرس يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيه حرير لما كان أحب الأشياء إليهم ذلك. وقيل: إنما ذكر الله تعالى درجة الخائفين ولم يذكر درجة المحبين، لأن القلوب لا تحتمل ذلك، كما أمسك عن ثواب النبيين وأظهر ثواب المتقين، فقال في النبيين وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ...
«1» الآية وأظهر ثواب المتقين فقال وإن للمتقين لحسن مآب. ومثال ذلك إن الشيء إذا عظم ثوابه لم يذكر مفصلا كصوم رمضان والزكاة. وقال: فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين.
وقال: ولدينا مزيد. وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وذكر الثواب في إماطة الأذى عن الطريق وعيادة المرضى ونحو ذلك.
فضيلة العبادة مع العلم
قال الله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
«2» وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: فقيه واحد أشد على إبليس من ألف عابد. وقال الحسن: أدركت قوما من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقولون من عمل بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه.
ذمّ الورع مع الجهل
روي عن أمير المؤمنين أنه قال: قصم ظهري رجلان، جاهل متنسك وعالم متهتك.
وروي عن الحسن: قسم ظهري عالم لا زهد معه وزاهد لا علم معه، هذا يدعو إلى جهله بزهده وهذا ينفر عن علمه بحرصه. وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: يكون في آخر الزمان قراء فسقة وعباد جهلة، وركعة من عالم أفضل من سبعين ركعة من عابد لا علم معه وكان لأبي سعيد الخراز ابن فمات فرآه في المنام، فقال: يا ولدي أوصني، فقال: يا أبت لا تعامل الله على الحمق، فقيل لإبراهيم، فقال: نعم لأنه لم يلبس القميص ثلاثين سنة. وقيل لأنوشروان: أي الناس أولاهم بالسعادة؟ فقال: أقلهم ذنوبا، قيل: ومن أقلهم ذنوبا؟ قال: أكملهم عقلا.
ذمّ متحامق رقيع في ورعه
حلق صوفيّ لحيته وقال: إنها نبتت على المعصية. ولطّخ رقيع شاربه بالعذرة فقيل له في ذلك، فقال: أردت التواضع لله. وأذّن مؤذن فقال: أشهد أن أبا القاسم رسول الله، وقال النبي: عندنا أعظم من أن نسميه ولا نكنيه. ورأى ابن أبي ليلى رجلا قد أخذ رمانة
(2/427)

من حمال وأعطاها مريضا، وقال: إن سيئة بسيئة وحسنة بعشرة فقد ربحت تسعة.
وكان رجل يحج عن حمزة بن عبد المطلب ويقول: قتل قبل فرض الحج. وآخر يضحي عن أبي بكر وعمر ويقول: أخطآ السنة في الأضحية. وكان أبو شعيب العلائي لا يصلي ولا يصوم ويقول من أنا حتى أصلي وأصوم، إنما يفعل ذلك الكبراء الذين أريد منهم التواضع.
وفضل اللخمي قبر إحدى عينيه، وقال: النظر بهما إسراف. وقال بعضهم: صحبني رجل في طريق يدعي أنه بلغ في التصوف منزلة الرضا، فجاءني يوما فقال إن فلانا دب عليّ البارحة فما قلت شيئا حتى فرغ وكرهت أن أخرج من منزلة الرضا فقلت هذا رضا مأبون أحمق.
وقال بعضهم: مررت برجل في يده سبحة أطول من باع وهو يقف في كل حبة مقدار عشر آيات فقلت له: ما تقول؟ قال: أقول أيري في حر أم المعتزلة سبع مرات، وأيري في إست القدرية عشر مرات، فقلت: لم زدت هؤلاء، قال: لأنهم خرجوا على أمير المؤمنين الحجاج بن مروان.
ذمّ مبالغ في نسكه إلى حدّ الرّقاعة
سأل الشعبي رجلا بم أفطر قال: أفطرت بزيتونة أو نصف زيتونة أو ربع زيتونة أو ما شاء الله من زيتونة ومر آخر بحمال معه شوك فشكت رجله، فقال للحمال: اجعلني في حل من هذه الشوكة فلا يمكنني إخراجها.
الحثّ على التّنظيف
قال الله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
«1» وقال صلّى الله عليه وسلّم: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويكره البؤس والتباؤس. وقال صلّى الله عليه وسلّم: إن الله جميل يحب الجمال. وقال عيسى عليه السلام: ألبسوا لباس الملوك وأميتوا قلوبكم بالخشية.
النّهي عن التماوت وفرط التّخشّع
روي أن عمر رضي الله عنه رأى رجلا متماوتا في إظهار النسك فعلاه بالدرة وقال: لا تمت علينا ديننا. ومرّ رجل بعائشة رضي الله عنها متماوتا فقالت: ماله؟ قالوا: متخشع.
قالت: هو أخشع من عمر، وكان إذا مشى أسرع وإذا قال أسمع وإذا ضرب أوجع.
من تورّع في الفسق
اجتمع جماعة على امرأة فقال أحدهم: خذي هذه الخمسة دراهم وقولي: قد فعل فقالت: أعوذ بالله أن أكذب جماعة بخمسة دراهم.
(2/428)

فسق بعضهم بغلام وكان عليه خف فقال: له إنزع خفك، فقال أخاف أن ينتقض وضوئي. وقال بعضهم: أدخلت قحبة على جماعة فشارطوها كل فرد بدرهم وواحد يصلي ويقول سبحان الله ويشير إني أريد فردين بدرهم.
ذمّ الرياء
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: إن أخوف ما أخاف على أمتي الرياء الظاهر والشهوة الخفية. وقال أمير المؤمنين: لا تفعل شيئا رياء ولا تتركه حياء. وقيل: أعظم الرياء حب المحمدة.
وقيل: إذا عمل الرجل العمل وكتمه وأحب إعلام الناس أنه كتمه فذلك أقبح الرياء.
وكان الشبلي إذا رأى من يدعي التصوّف يقول: ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب.
وقال أبو نواس:
وإذا نزعت عن الغواية فليكن ... لله ذاك النزع لا للنّاس «1»
وقال لقمان لابنه: اتق الله ولا تري الناس أنك تخشاه ليكرموك وكان الناس يراؤون بما يفعلون. فصاروا يراؤون بما لا يفعلون وقيل ما الدخان بادل على النار من ظاهر أمر الرجل على باطنه قال شاعر:
إن التخلّق يأبى دونه الخلق
وقيل:
له سمت أبي ذر ... على قلب أبي جهل «2»
ذمّ متنسّك طمعا في عرض الدنيا
قال صلّى الله عليه وسلّم: أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها. وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما: إن الناس عبيد المال والدين نعو على ألسنتهم يحوطونه ما درت به معايشهم فإذا فحص للإبتلاء قل الديانون. ويقال: إن بلال بن أبي بردة وفد على عمر بن عبد العزيز فجعل بديم الصلاة، فقال عمر: ذلك للتصنع، فقال له العلاء: أنا آتيك بخبره فجاءه وهو يصلي، فقال له: مالي عندك إن بعثت أمير المؤمنين على توليك العراق، قال: عمالتي سنة وكان مبلغه عشرين ألف درهم، فقال: أكتب به خطك فكتب إليه، فجاء العلاء إلى عمر فأخبره، فقال: أراد أن يغرنا بالله.
ودخل على المنصور رجل بين عينيه كركبة البعير يريد القضاء، فقال: إن كنت أبررت الله بهذا فما ينبغي لنا أن نشغلك عنه، وإن كنت أردت خداعنا فما ينبغي أن ننخدع لك.
قال شاعر:
لا تصحبنّ صحابة ... حلقوا الشوارب للطمع
(2/429)

يبكي وجلّ بكائه ... ما للفريسة لا تقع
ورأى المنصور رجلا واقفا ببابه وبين عينيه سجادة، فقال له: بين عينيك درهم مثل هذا وتقف ببابي فقال: إنه ضرب على غير سكة. وقال بعضهم في أصحاب السجادات:
أما ثقلت رؤوسهم أو خشنت الأرض. قال شاعر:
تصوّف فازدهى بالصّوف جهلا ... وبعض الناس يلبسه مجانه «1»
ولم يرد الإله به ولكن ... أراد به الطريق إلى الخيانه
وقال:
عمّروا مواضع التصنّع منهم ... فكأنّ الصّلاح منهم خراب
وقال:
تسبيحه ريح فلا تسكنوا ... من شفة الشيخ إلى الريح
وقال عبدان في أبي القاسم بن بحر وقد عاد من الحج:
تعنيت أبا القاسم ف ... ي السعي إلى الحجّ
بما سوّغت من سحت ... زمان الجور والهرج «2»
وما يصلح ما تن ... فق للثجّ وللعجّ «3»
ودخل المرء من سحت ... كذا يخرج في الخرج
من يخادع الله في زكاته وصدقته
قال الجاحظ: كان ببغداد لوطي موسر فإذا كان وقت الزكاة يدعو الغلام ويقول له:
ألك أم أو أخت تستحق الزكاة فيدفعه له؟ ويقول: خذ هذا من زكاة مالي وأنعم لي بواحد.
وبعض أصحابنا يبيع زكاته من الفقير ويسترجعها منه بدرهم أو درهمين يخادعون الله وهو خادعهم.
ذمّ من حسن مقاله وقبح فعاله
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: سيكون بعدي أقوام يعطون الحكمة على المنابر وقلوبهم أنتن من الجيفة. وقال سليمان بن عبد الملك لبلال بن أبي بردة: صف لي الحجّاج فقال: كان يتزين بزينة المومسة فإذا صعد المنبر تكلم بكلام القسيسين وينزل فيعمل بعمل الفراعنة، وقال شاعر:
إذا نصبوا للقول قالوا فأحسنوا ... ولكنّ حسن القول خالفه الفعل
(2/430)

وذمّوا لنا الدنيا وهم يرضعونها ... أفاويق حتّى ما يدرّ لها رسل «1»
وقال:
قلوبهم أمرّ من دفل ... ولفظهم أحلى من العسل «2»
المتبجّج بتقواه رقاعة
صلى رجل بحضرة الشعبي فأطال، فقال الشعبي: ما أحسن صلاته فلما سلّم الرجل، قال: وأنا مع هذا صائم. وقال ذو اليمينين لأبي بكر المروزي: مذ كم صرت إلى العراق؟ قال: مذ عشرين سنة وأنا أصوم مذ ثلاثين سنة.
تنسّك كلّ صنف من الناس
قال الجاحظ: لكل صنف من الناس نسك، فنسك الخصيّ غزو الروم، ونسك الخراساني الحج، ونسك المغنّي كثرة التسبيح والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم وشرب النبيذ، ونسك الرافضيّ ترك النبيذ وزيارة المشهد، ونسك السواديّ ترك شرب المطبوخ، ونسك المتكلم رمي الناس بالجبر والتعطيل والزندقة، ونسك المخنث أن يصير دلّال النسوة.
وقيل: إذا نسك الشريف تواضع أو الوضيع تكبر.
رقاعة الجهّال في زمن العلماء بالبدعة
رفع إلى المأمون سبعمائة قصة في بشر المريسي تشهد بكفره فجمعهم يوما وقال لهم: ما الذي ظهر من كفره؟ قالوا: قوله ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك، فقال المأمون: قد شهد الله بهذا. فقال شيخ منهم هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: وحاج موسى إبراهيم، فقال له: على من قرأت القرآن؟ قال على أبي وكان يقرأه بسبعة ألسن.
وسئل رجل كان يشهد على رجل بالكفر عند جعفر بن سليمان، فقال: إنه خارجي معتزلي ناصبي حرورويّ جبريّ رافضيّ يشتم علي بن الخطاب وعمر بن أبي قحافة وعثمان بن أبي طالب وأبا بكر بن عفان ويشتم الحجّاج الذي هدم الكوفة على أبي سفيان، فقال جعفر: ما أدراك على أي شيء أحسدك، أعلى علمك بالأنساب أم بالأديان أم بالمقالات.
وقال الصاحب: رأيت يوما جماعة مجتمعين على رجل يضربونه ويقولون يجب أن يقتل فسألتهم ما فعل، فقال كلّ: لا أدري. كان المنصور أمر أبا دلامة أن يلازم صلاة الجماعة ويترك البطالة، فقال:
ألم تعلمي أنّ الخليفة لزّني ... بمسجده والقصر مالي وللقصر «3»
(2/431)

يكلّفني من بعد ما شبت توبة ... يحطّ بها عنّي العظائم من وزري «1»
وما ضرّه والله يصلح أمره ... لو أن ذنوب العالمين على ظهري
وقال:
وجفاني الأمير كي أتقرّا ... فتقرأت مكرها لجفائه «2»
والذي أنطوي عليه المعاصي ... علم الله نيّتي من سمائه
التّجاسر على الذّنب إتّكالا على التوبة
حكي أن الأعشى لما مدح النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا
قصده بها فلقيه بعض الكفار فقال: ما تصنع عنده وقد حرم عليك الزنا وشرب الخمر؟ فقال أما الزنا فقد ضعفت عنه لكبري ولكن عندي دنّان فسأشربهما ثم أقصده قبل استيفاء شربهما. وقال جميل:
تعالي نبع في العام يا بثن ديننا ... بدنيا فإنّا قابلا سنتوب
وقال:
تعالي نبع دينا بدنيا نصيبها ... ونستغفر الرحمن فالله غافر
وقال:
سقى الله أيام الوصال وقولنا ... إذا ما صبونا صبوة سنتوب «3»
وقال:
نسرق هذا اليوم من دهرنا ... فربّما يعفى عن اللصّ
ذمّ خليع متمثّل بما اعتقد فيه الصّلاح
مرّ أبو حازم في بعض الليالي فسمع قائلا ينشد:
أسأت وقد أنبت فلا أعود «4»
فقال: اللهم إن الرحمة بيدك وعبدك هذا قد اعترف بذنبه، وقرع عليه الباب وقال:
سل ما تريد فإنه كريم يعطيك، فقال:
فعد للوصل قد مسج الصدود «5»
فقال أبو حازم: أنت من جند إبليس يا فاسق أتمزج الخبيث بالطيّب، أستغفر الله من دعائي. ومرّ سفيان برجل ينشد:
أتوب إلى الذي أمسى وأضحى ... وقلبي يرتجيه ويتّقيه
(2/432)

تشاغل كلّ مخلوق بشيء ... وقلبي من محبّته وفيه
فدنا منه وأخذ يبكي معه، ثم قال:
عسى قلب الممكّن من فؤادي ... يدقّ لذلّ طاعة عاشقيه
فقال سفيان: اللهم لا تضلّنا بعد إذ هديتنا. ومرّ ناسك بدار فيها أبو نواس ينشد:
إن في توبتي لفسخا لجرمي ... فاعف عنّي فأنت للعفو أهل
فرفع يده وقال: اللهم تب عليه، فقال:
لا تؤاخذ بما يقول على الس ... رّ فتى ماله لدى الصحو عقل
فقال: اللهم أرشدنا.
خليع تأوّل كلام صالح على اعتقاده
سرق لرجل دراهم فقيل له: تكون في ميزانك غدا، فقال: مع الميزان سرقت.
وسرق لآخر خرج فقيل: لو قرأت عليه آية الكرسي لما سرق، فقال: كان فيه مصحف.
وسرق أعرابي نافجة مسك فقيل له: من غل شيئا يأتي به يوم القيامة، فقال إذا والله آتي بها خفيفة المحمل طيبة الريح.
عكس ذلك
روي أن رجلا سأل بلالا وقد أقبل من الحلبة من سبق، فقال: المقربون فقال السائل: سألتك عن الخيل فقال: أنا أجبتك بالخير. قيل لعمرو بن عبيد ما البلاغة؟ فقال ما بلغ بك الجنة وعدل بك عن النار. وقيل لأبي الدرداء وكان مريضا: ما تشتكي؟ قال:
ذنوبي فقيل له: ما تشتهي؟ قال: الجنة، فقيل أندعو لك طبيبا قال: الطبيب أمرضني.
وجاز الشبلي بمن يقول السعتر البري فتواجد، فقيل له ما يقول؟ قال يقول الساعة ترى بري. وأمّ أبو العلا عمرا يوما فلما قال استووا غشي عليه. وقال: قد وقع بقلبي هل استوى معي طرفة عين.
أنواع مختلفة
قيل ليحيى بن معاذ: ما بال أبناء الدنيا يحبون الزاهدين وهم يفرون منهم، قال: ذلك كالدباغ يستروح إلى العطار والعطار يفر من ريحه. وقال ابن أبي الورد:
إبليس يقول من ظن أنه نجا مني فبجهله وقع في حبائلي. ومرّ داوود الطائي برطب فقال لبائعه انسئني بدرهم لغد فأبى فتبعه رجل وعرض عليه المال، فوجده يقول: يا نفس تريدين الجنة وأنت لا تساوين درهما، وأبى قبول المال، وقال: إنما أردت أن أعرف نفسي قدرها.
وقال راهب: إزهد في الدنيا ودع أهلها. وكن مثل النحلة إن أكلت أكلت طيبا وإن
(2/433)

أطعمت أطعمت طيبا وإن وقعت على عودة لم تنكسر. وقالت امرأة العزيز: الحمد لله الذي جعل العبيد بطاعته ملوكا والملوك بمعصيته عبيدا.
وقيل: المحسن في معاده كالغائب يرد إلى أهله مسرورا والمسيء كالآبق يرد مأسورا.
وقيل في قوله صلّى الله عليه وسلّم: نية المرء خير من عمله، أي خير يعد من عمله وليس من للتفصيل. وقال ابن عباس: كنا نحدث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل أن يركب الناس الصعب والذلول فلما ركبوهما أقلنا.
وقال الزهري: حدثني فلان وفلان قبل تلاطخ الأحاديث. وقال الحسن: يا ابن آدم تحب الصالحين وتفر من أعمالهم وتبغض الفجار وأنت منهم. وعن بعضهم أنه قال: ما معي من الصلاح غير حبي لأهله. وقال صلّى الله عليه وسلّم: المرء مع من أحب.
(2) وممّا جاء في المذاهب المختلفة
اختلاف أقوال غير أهل الكتاب في العالم
قال أهل الدهر جميعا: العالم كله قديم الطينة والصنعة وأهل هذه المقالة مختلفون، فمنهم من قال إنه أربعة أشياء حر وبرد ويبس وبلة ومعها روح سائح في جميعها يديرها ويصورها ولا أول له ولا آخر، وقال آخر: الأشياء صنعت نفسها وصنعت بعضها بعضا.
وقالت السمنية: لم تزل الأشياء منتقلة كانتقال البيضة من الدجاجة والدجاجة من البيضة.
وقال بلعام بن باعوراء: العالم قديم وله مدبر خلافه في جميع معانيه. وقال بعض الملحدة العالم جوهرة قديمة وهي في ذاتها واحدة لا اختلاف فيها ولكنها تختلف على قد الالتقاء والمماسة وعلى الحركات فتصير رطوبة وحر أو برد أو يبسا. وقال أرسطو: الهيولى أصل طينة العالم قديمة ومعناها أصل الشيء كالفضة أصل الدراهم. وقال الصابئون: النور قديم لم يزل وهو خالق الظلمة.
وقالوا: الشيطان كلمة الله لا خلقه وزعموا أن الظلمة تقب على النور امتزاجا فما كان من خبر فمن الله وعمله ومن شر فمن الشيطان. وقول المجوس مثله لكنهم تفردوا أنهم زعموا إن النور يخلق كل حسن والظلمة تخلف كل قبيح. وقالت الجرمية: أصل العالم النور فمسخ بعضه بعضا فاستحالت ظلمة. وقالت الثنوية بالنور والظلمة. وأن للنور خمسة أجناس، الضياء والنسيم والماء والنار والروح. والظلمة خمسة أشياء الدخان والحريق والظلمة والسموم والضباب، فخالط الدخان النسيم وخالط الحريق النار وخالط النور الظلمة وخالط الريح السموم وخالط الضباب الماء، فما كان محمودا منها فمن النور أو مذموما فمن الظلمة. وزعموا أن هذه
(2/434)

الأجناس من الظلمة لما خالطت أجناس النور عمد النور فبنى فيها عشر سموات وثمان أرضين وعمد إلى أكابر الشياطين فشدهم في السموات وكبس العفاريت تحت الأرض ووكل ملكا بإدارة السموات ليشد ما فيها فيمنعها من الصعود إلى النور، ووكل ملكا بحمل السماوات وآخر بحمل الأرضين ووكل الجو بأسفل الأرض إلى أعلى السموات.
وقالت المجوس: الأشياء شيئان قديمان سميعان بصيران، وزعموا أن الله كان وحده ولا شيء معه فلما طالت وحدته فكر فتولد من فكرته أهرمن وهو إبليس، فلما مثل بين يديه أراد قتله فامتنع عليه وسالمه إلى غايته، وزعموا أن العالم جوهر والظلمة والنور فيه غريب مجتاز، وزعموا أن للثلاثين يوما كل يوم ملائكة إلا أهرمن فإن الله تعالى قالوا وكل ما يقرب من أهرمن من الأيام فهو أقرب منه في المنزلة.
وعظموا النار لكونها من جنس النور وزعمواأن العذاب في الجحيم البرد لأنه لما جاء زردشت إلى بلخ وادعى بها النبوة كان البرد فيها يعظم. وزعموا أن كل مؤذ من خلق أهرمن وكل نافع من خلق الله. وقالوا الفأرة من خلق الله والهرة من خلق الشيطان.
وزعموا أن سنورا لو بال في البحر يقتل عشر آلاف سمكة والسمك أحق أن يكون من خلق الشيطان لأنه يأكل بعضه بعضا ويأكل من غرق من الناس، وشرّع لهم نيك الأمهات والتوضؤ ببول البقر لما رآهم في غاية الغباوة.
وقالت السوفسطائية الأشياء على الحسبان نظنها ظنا ولا نعرف لها حقيقة استدلالا بأنا نرى الأشياء في المنام كما نراها في اليقظة، فلا ندري العالم قديم أم محدث. وأما البراهمة فاختلفوا فمنهم من قال بقدم العالم، فقال: المدبرات هي النجوم، ومن قال محدثة. غير أنهم نفوا النبوات.
وأما عبدة الأصنام من العرب فقد أثبتوا الصانع قديما والأشياء محدثة وزعموا أن ذلك يقربهم إلى الله، وقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر. والفلاسفة يثبتون أشياء كثيرة ثم يسمون واحدا منها ملك الأملاك ويجعلونه رأسا على ما يعبدون.
اختلاف أهل الكتب غير الإسلام
فمنهم اليهود فعامتهم جعلوه لحما ودما كمقالة مقاتل بن سليمان. وقال أبيض الرأس واللحية، والسامرية لا يشبه شيئا والأصبهانية عزير ابن الله، وعامة اليهود تقول ذلك لا على معنى يعقل. وقالوا ذلك من أجل أن بختنصّر لما هدم بيت المقدس وقتل قراء التوراة كان عزير صغيرا فلم يقتله، ثم مات عزير ببابل ورجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس، ولم يكن معهم أحد ليجدد لهم التوراة، فلما بعث الله عزيرا أتاهم، وقال: أنا عزير فكذبوه، وقالوا:
إن كنت إياه فأمل علينا التوراة ففعل، فقال بعضهم أبي حدثني أن التوراة جعلت في خابية ودفنت في أصل كرم لنا فانطلقوا فاستخرجوها ونظروا فإذا هو لم يغادر منها شيئا، فقالوا:
ما قدر على هذا إلا وهو ابن الله تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
(2/435)

النّصارى
النسطورية واليعقوبية والملكانية واللاهوتية والصقالبة. فالنسطورية منسوبون إلى نسطور الاسكندراني «1» ، يقول: عيسى كلمة الله وروحه حلت في بطن مريم بطبيعة لاهوتية. ويقولون أنه ليس بجسم، وفي عيسى روحان قديم ومحدث. والملكانية وصاحبهم توقياس قالوا ليس في عيسى نفس مخلوقة والله إسم لثلاثة معان أب وابن وجوهر ثالث وهو روح القدس. واليعقوبية إلى يعقوب يقولون عيسى كلمة الله وكلمة الله لا لحم ولا دم، ثم نزل في بطن مريم عليها السلام فاتخذ من لحمها هيكلا فصارت الكلمة لحما ودما فذلك هو الابن اللاهوتي، وكان في مكان ثم صار في مكان وهم ينالون مذهبهم للفظة زعموها في الإنجيل. والصابئون هم قوم من النصارى الصقالبة يقرون بالخالق ويسمونه نعم، وكان له ولد فغرقت الدنيا ولم يبق إلا الله كأنهم يعنون نوحا.
المتبجّح بالتّعطيل
قال أبو نواس:
وأيسر ما أبثّك أنّ قلبي ... بتصديق القيامة غير صاف
وقال ديك الجن:
أأترك لذة الصهباء عمدا ... لما وعدوه من لبن وخمر «2»
حياة ثم موت ثم بعث ... حديث خرافة يا أم عمرو
وغضب الفضل بن الربيع على أبي نواس، وقال أنت القائل:
يا أحمد المرتجى في كل نائبة ... قم سيدي نعص جبار السماوات
فقال: نعم، فسأل جماعة الفقهاء عنه فكل قال بحل دمه، فقال أبو نواس إن كنتم قلتم ذلك من عقولكم فقبحا لها وتخمينا، فما أبعدكم من العقل هل للسماء من جبر أو كان بها كسر فاحتيج إلى أن تجبر. قال بعض الثنوية:
عجب لكسرى وإيوانه ... وغسل الوجوه ببول البقر
وقيصر لمّا ثوى عاكفا ... لما عملته أكفّ البشر
وعجب اليهود بربّ يسرّ ... بسفك الدماء وشمّ القذر
وعند النصارى طريق النجاة ... بشرب الخمور وترك الزّفر
وقوم يرومون بيت الحرام ... لرمي الجمار وحلق الشعر
(2/436)

يعيبون إذا أبصروا ساجدا ... لشمس النهار وضوء القمر
ذمّ المتبجّح بالميل إلى الزّندقة والتّمجّس
قال شاعر:
ليس بزنديق ولكنّما ... أراد أن يوسم بالظّفر
وقال:
تزندق معلنا ليقول قوم ... إذا ذكروه زنديق ظريف
فقد بقي التّزندق فيه وسما ... وما قيل الظريف ولا اللطيف
وقال:
إذا ذكر أشرك في مجلس ... أضاءت وجوه بني برمك «1»
فإن تليت عندهم آية ... أتوا بالأحاديث عن مزدك «2»
وقال:
يصيح لكسرى حين يسمع ذكره ... بصمّاء عن ذكر النبيّ صدوف
ويعجبه أخبار كسرى ورهطه ... وما هو في أعلاجهم بشريف «3»
وقال علي بن الحسين الكاتب في الكندي:
ما أرغب الكنديّ في الزّندقه ... تعسا ليعقوب فما أحمقه
لو علّق الكنديّ في حلقه ... قلفة ناء أبدا مخنقه
ما كان إلا مؤمنا مسلما ... لا غفر الله لمن زندقه
نوادر لمن أسلم عن كفر
قيل لمجوسي أسلم، وكان يتعاطى كل ما يتعاطاه في التمجس: ما أحسن ما عملت أسقطت عن نفسك الجزية؟ وأسلم نصراني فقالت أمه: سخنت عيناك، محمد لم يعرفك والمسيح تبرأ منك. ولمّا أسلم صاعد قصده أبو العيناء مرتين فوجده يصلّي، فقال: لكل جديد لذة. وأسلم رجل فقيل له صلّ اليوم فقال لا أبتدئ اليوم بالصلاة والقمر في المحاق.
نوادر من مال إلى الكفر
سئل زنديق عن الأضحى فقال: وباء كل سنة يقع في الأغنام والبقر. وختن رجل إبنه
(2/437)

فقال: أوه قتلتني، فقال: إنما قتلك أبوك إبراهيم. ولما أسر عيينة بن حصن دخل المدينة فقال له رجل: يا منافق فقال يا بارد متى كنت مسلما حتى أكون منافقا.
(3) نوادر في مناظرة النّصارى والمجوس واليهود
قال بعض المتكلمين لبعض النصارى: لم قلتم إن لله تعالى ولدا؟ فقال: لأن كل من لم يكن له ولد يكون عقيما وهو وصف نقص. قال: فهل للابن ابن؟ قال: لا، قال: فإذا يكون عقيما.
وجلس المأمون وبحضرته المتكلمون والجاثليق فأقبل الموبذ فقال: يا أمير المؤمنين أتحب أن أضحكك من الموبذ، فأقبل على الموبذ وقال: هذا يزعم أن باب الجنة في حرامه، فكما أكثر من جماعه كان أقرب إلى باب الجنة. فقال الموبذ: ما كنا نفعل ذلك حتى أخبرنا أن إلهكم خرج من ذلك، فأخجله، وضحك المأمون حتى فحص برجله.
وقيل: أول ما ظهر من كيس إياس بن معاوية أنه كان في المكتب فسمع عند المعلم نصارى يعيبون الإسلام، فقال: من العجب أنكم تقولون إنكم في الجنة تأكلون وتشربون ولا تتغوطون. فقال إياس: أفما علمتم أن الدنيا مرآة الآخرة قالوا: نعم. قال: أفكل ما يؤكل في الدنيا يخرج غائطا. قالوا: لا، قال: فأين يذهب؟ قالوا غذاء قال: فما يبعد أن يكون كل ما يؤكل في الجنة يكون غذاء، فقال المعلم: قاتلك الله منكرا.
وقال يهودي لمسلم: أنتم قريبو العهد بنبيكم وافتتنتم. فقال: أنتم ما جفت أقدامكم من البحر حتى قلتم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. وناظر المأمون ثنويا، فقال: أخبرني هل ندم مسيء على فعله قط؟ قال: نعم، قال: فالندم على الإساءة ما هو؟ قال: إحسان، لكني أقول إن الذي أحسن غير الذي أساء، قال: فهذا الذي ندم على فعله أو فعل غيره فأفحمه.
وغرق مجوسي في البحر فجعل يقول يا نار فارس يا نار أذربيجان، فقال قل يا رب النار فإنك لو وقعت موقعها لكنت أسوأ حالا منك.
وقال أبو الهذيل لمجوسي: ما تقول في النار؟ قال: بنية الله، قال: فالبقر، قال:
ملائكة الله تعالى، قال: فالماء، قال: نور الله، قال: فالجوع والعطش، قال: هما فقرا بهمن وفاقته، قال: فمن يحمل الأرض، قال: بهمن الملك، قال: بئسما عملتم، أخذتم الملائكة ذبحتموها ثم غسلتموها بنور الله ثم شويتموها ببنت الله ثم دفعتموها إلى فقر الشيطان وفاقته ثم سلحتموها على الملك.
المتبجّح بارتكاب المحظور المحتجّ له
قيل لأبي الطمحان: ما أدنى ذنوبك؟ قال: ليلة الدير نزلت على نصرانية فأكلت
(2/438)

عندها طنشيلا بلحم خنزير وشربت من خمرها وزنيت بها وسرقت كساءها. وقيل لرجل من أين؟ فقال من دير ليلى، وزنت درهمين وأكلت رغيفين وشربت رطلين وعملت فردين ولم أبع نقدا بدين. ورؤي شيخ بعفج أتانا يوم الجمعة وكلما ضرطت صلّى على النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقيل له: تنيك أتانا. فقال: عوّضني عنها أختك وأنا أترك الأتان، فقيل له في يوم الجمعة، فقال: تضمنها إلى يوم السبت. فقيل له: ولم تصلي على النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال لأير يضرط الأتان.
اختلاف الناس في القدر
قالت عامة المعتزلة: إن الله يقدر على فعل الظلم ولكن لا يفعل والدلالة على القدرة على ذلك قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
«1» ، وقوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ
«2» وإنما يتمدح بذلك من قدر على ضده. وقال بعضهم: لا يوصف بأنه قادر على الظلم. وقال بعضهم: لا يقدر على ذلك وقال جهم بن صفوان: إن الله تعالى يفعل ما نعتقده ظلما لكنه عدل. وقالت المعتزلة: قدرتنا تصلح للضدين. وقال جهم: تصلح لأحدهما فالكافر لم تجعل له قدرة على الإيمان والمؤمن لم تجعل له قدرة على الكفر.
من ذهب مذهب أحد الفريقين من الشّعراء
قال بعض العلماء: قد ذهب الأعشى مذهب المعتزلة في قوله:
استأثر الله بالوفاء وبالعد ... ل وولّى الملامة الرّجلا
وقال صالح بن عبد القدوس:
ولا أقول إذا ما جئت فاحشة ... إنّي على الذنب محمول ومجبور
وقال:
لم تخل أفعالنا اللاتي نذلّ بها ... إحدى ثلاث خصال في معانيها
إما تفرّد مولانا بصنعتها ... فاللوم يسقط عنّا حين نأتيها
فكان يشركنا فاللوم يلحقه ... إن كان يلحقنا من لائم فيها
ولم يكن لإلهى في جنايتها ... صنع فما الصنع إلا ذنب جانيها
وقال الصاحب:
اصفع المجبر الذي ... بقضا السوء قد رضى
فإذا قال لم فعلت ... فقل هكذا قضى
الزامات في المناظرة لمن ذهب مذهب المعتزلة
قال أبو العتاهية لثمامة: ألا ترضى من خلق المعاصي ربا قال لا ولا عبدا. وحضر
(2/439)

يوما عند الرشيد فحرك أبو العتاهية أصبعه، وقال لثمامة: من حرك هذا، قال ابن زانية، فقال أبو العتاهية أفتوني، فقال ثمامة: إن قلت إني حركتها فقد تركت المذهب وإن قلت حركها غيري فلم أشتمك وإنما شتمته.
إلزامات مخالفيهم
صحب مجوسي معتزليا فقال: ما بالك لا تسلم؟ فقال: حتى يشاء الله. قال: قد شاء الله ولكن الشيطان لا يدعك، فقال: أنا مع أقواهما.
النّهي عن الخوض في ذكر القدر
روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: آخر الكلام في القدر لشرار هذه الأمة.
وقال عمر بن عبد العزيز لرجل سأله عن القدر: إن الله لا يطالب بما قضى وقدر وإنما يطالب بما نهى وأمر. وقال الأصمعي: سألت أعرابيا عن القدر فقال: ذاك علم اعتصمت فيه الظنون واختلف فيه المختلفون فالواجب علينا أن نرد ما أشكل علينا من حكمه إلى ما سبق من علمه.
وذكر القدر عند أعرابي، فقال: الناظر في القدر كالناظر في ضوء الشمس يعرف ضوءها ولا يقف على حدودها. وقيل: اختصمت بنو إسرائيل في القدر خمسمائة سنة ثم صاروا إلى عالم فسألوه عنه، فقال: القدر حرمان للعاقل وظفر للجاهل ولم يعرف القدماء القدلر
حماقات لعوام المجبرة
قال أبو المنذر وكان من أجلّة القرّاء المصريين: ما كان موسى إلّا قدريا حيث قال وما أنسانيه إلا الشيطان. وقال: هذا من عمل الشيطان. وقال: لا أملك إلا نفسي وأخي فلم يرض أن ادعى أن يملك نفسه حتى ادعى أنه يملك أخاه. ووجد عامي رجلا يفجر بجاريته في دهليزه فأراد رفعه إلى السلطان فقال: اتّق الله فهذا قضاء الله عليّ فقال قد عفوت عنك لمعرفتك بالسنة.
ومر جعفر بن حرب برجل يقول ما سرق مالي بعد الله إلا فلان فاطلبوه، فقيل له:
قد ظفرت بأحد اللصين فكر وراء الآخر. وانكسرت رجل رجل فقيل له أطلب مجبرا يجبرها، فقال: معاذ الله أيكسره الله وأجبره أنا، إنّي إذا عاديته. وكان عبادة مجبرا فناظره الزيادي عند المتوكل، فقال: أترضى بقضاء الله، قال: نعم، قال: إن دخلت دارك ورأيت رجلا مع إمرأتك أليس ذلك بقضاء الله قال ما عندي جواب. فإني إن قلت رضيت أكون ديوثا وإن قلت لم أرض أكون قدريا فسقط المتوكل ضحكا.
حكايات عن الأوائل
حكى بعض الأوائل أن عبد الله بن الحسن قال لابنه محمد: يا محمد إن لامك
(2/440)

لائم في العزل فما يكون من جوابك قال: أقول أتلومني على ما أقدر على تركه أم على ما لا أقدر على تركه، فإن قال على ما لا تقدر على تركه قلت له: كيف أترك ما لا أقدر على تركه، وإن قال الأخرى، قلت له: صرت على قولي. قال: لله درك.
وقال موسى بن جعفر: ليس من العدل أن يشترك إثنان في فعل فيعذر القوي ويلام الضعيف، يعني ما يقوله الأشعرية ما من حركة ولا سكون إلا والله خالقه والعبد مكتسبه.
وقال بعضهم: لو كان الزنا مما قاضى الله لكان الرضا به خيرة لإجماع الناس على قولهم الخيرة فيما قضى الله. وقيل: إن الحسن لما بلغه قول الحجاج بعد قتله لسعيد بن جبير الله قتله، قال: لعن الله قوما باتوا وأقلامهم تجري بدماء المسلمين وأموالهم. يقولون إنما تجري بأقلام الله وكذبوا لأن أقلام الله تجري بالبر والتقوى وأقلامهم تجري بالإثم والعدوان فإن كذبوا زعموا أن الله قد أسر عندهم كتابا نهاهم عنه في العلانية، لقد اغتشوا ربهم واتهموه وقالوا عنه قولا عظيما.
وقال محمد بن سيرين لرجل كيف جارك النصراني؟ قال كما شاء الله، قال: قل كما علم الله إن الله لا يشأ المعاصي. وأتي عمر بسارق فقال له ما حملك؟ قال:
قضاء الله، فقطع يده وقال هذه للسرقة، وجلده وقال هذه لكذبك على الله. وسئل ابن خفيف: هل منع إبليس من السجود أو امتنع، فقال منع في لسان حكمه وامتنع في لسان ملكه.
وقيل ليحيى بن معاذ: إنّ الله ضمن أرزاقنا اضمنها حلالا أم حراما، فقال إن الله وعدنا شيئين فإن وفينا له وفى لنا. أوجب الطاعة على أن يجعل لنا الجنة وأوجب الصبر على أن يطعمنا الحلال فإن صبرنا أكلنا الحلال وإن لم نصبر وقعنا في الحرام.
الإيعاد والإستطاعة
قال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد: أتيأس لناس من عفو ربهم، والعرب تتمدح بإنجاز مواعيدها وتناسى وعيدها، وعلى ذلك قول الشاعر:
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وروي أن عمرا قال: إن الشاعر قد يذمّ بعض ما يمدح فأين أنت عن كتاب الله ما يبدل القول لدي وأن أبيت إلّا الشعر، فقل كما قال الأول:
إنّ أبا ثابت لمجتمع الرأ ... ي كريم الآباء والبيت
لا يثبت الوعد والوعيد ولا ... يثبت من ثاره على فوت
وقيل: ثلاثة ضمنهن الله على نفسه إن الله لا يضيع أجر المحسنين، إن الله لا يهدي كيد الخائنين، إن الله لا يصلح عمل المفسدين. ورأى محمد بن سويد بخاريا فقال
(2/441)

البخاري: أتقول لا استطاعة قبل الفعل وما من عامي إلا ويعلم خلاف قولك، فقال: بل يعلم خلاف قولك فانظر، فدعا بحمال فقال: إن هذا يزعم أنك لا تستطيع حمل هذا الكور. فقال: أم الذي يقول هذا ألف فاعلة.
خلق القرآن
قال الذهبي: سألت جعفر بن محمد عن القرآن فقال: لا أقول خالق ولا مخلوق. واحتج بهذا أحمد بن حنبل رضي الله عنه على المعتصم فقال ابن أبي داوود: أين حديث عمران بن حصين عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: ما خلق الله خلقا أعظم من آية الكرسيّ وكان الخليل يمنع أن يوصف الكلام بالمخلوق، فيقول: الكلام متى وصف بالخلق فالقصد به الكذب ولهذا يقال هذا كلام خلقه فلان أي تقوّله. وقال بعضهم:
أصفه بأنه محدث ولا أقول أنه مخلوق لقوله تعالى: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ
«1» . وسمع مخنث رجلا يقرأ قراءة قبيحة فقال أظن هذا القرآن الذي يزعم ابن أبي داوود أنه مخلوق. قال أبو العالية:
لو كان رأيك منسوبا إلى رشد ... وكان عزمك عزما فيه توفيق
لكان في الفقه شغل لو قنعت به ... عن أن تقول كلام الله مخلوق
ماذا عليك وأصل الدين يجمعكم ... ما كان في الفرع لولا الجهل والموق «2»
وكان بعض القصاص بأصبهان يتشدد في خلق القرآن، فسئل عن معاوية هل كان مخلوقا، فقال: نعوذ بالله من نهايات الجهالات.
رؤية الله تعالى وتقدّس
من نفى عنه الرؤية احتج بقوله تعالى: لَنْ تَرانِي
«3» وذلك مذكور على طريق التمدح فلا يختص به وقت دون وقت ومخالفوه احتجوا بقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
. «4» وقالت عائشة رضي الله عنها: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفريّة على الله، ولكنه قد رأى جبريل مرتين في صورته وخلقه سادا ما بين الأفق.
وقال ابن عباس لقد رأى من آيات ربه الكبرى أنه رأى جبرئيل على رفرف قد سد أفق السماء وروي أن أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه سمع رجلا يقول والذي احتجب بسبع سماوات، فقال: إن الله لا يحجبه شيء عن شيء، فقال هل أكفر عن يميني قال لا لأنك حلفت بغير الله ومن حلف بغيره لا تلزمه.
(2/442)

(4) وممّا جاء في الأنبياء والمتنبئين
أدلّة نبوّة النبي من القرآن
إعجاز العرب عن الإتيان بمثل القرآن، حيث قال الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
«1» فلم يقدروا مع فصاحتهم وبلاغتهم على الإتيان بمثله وإخباره عن غيوب تحققت نحو: الم غُلِبَتِ الرُّومُ
«2» فكان كما ذكر.
وقال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
«3» ، يعني فتح مكة فكان. وقال: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ ...
«4» الآية، فكان كما قال وقال: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ ... الْعِلْمِ
«5» الآية فوعدوه إلى وادي باهلة، فقال: والذي نفسي بيده إن باهلوا أضرم الله عليهم الوادي فامتنعوا. وقال: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
، «6» ، كانوا: الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث والأسود بن عبد المطلب والعاص بن وائل والحارث بن الطلاطلة فنزل جبريل عليه السلام وقال: إذا طافوا بالبيت فاسأل فيهم ما أحببت حتى أفعل، فمر به الأسود فرمى في وجهه بورقة خضراء. وقال اللهم أعم بصره وأثكله ولده ففعل، ومر بالأسود بن عبد يغوث فأومأ إلى بطنه فشق فمات، ومر به الوليد بن المغيرة فاندمل جرح ببطنه فمات، ومرّ به العاص فأشار إلى أخمص رجله فدخل به شوك فمات، ومر به الحارث فأومأ إليه فتفقأ قيحا فمات.
معجزاته المشهورة من فعلاته وأخباره الدالّة على صدقه
لما أصاب مضر الجهد ونهكهم الأزل سألوه أن يسأل الله تعالى الغيث لهم فسأل فأتاهم ما هدم بيوتهم، حتى قال صلّى الله عليه وسلّم حوالينا ولا علينا. فأمطر الله تعالى ما حولهم وأمسك عنهم.
وكتب عليه الصلاة والسلام إلى كسرى وبدأ باسمه فمزق كتابه، فقال: اللهم مزق ملكه كل ممزق، فجذّ الله تعالى أصله، فكل ملك له بقية إلا ملكه. وكتب كسرى إلى فيروز الديلمي أن أحمل إليّ رأس هذا العبد الذي بدأ باسمه قبل اسمي ودعاني إلى غير ديني فأباه فيروز، فقال: إن ربي أمرني أن أحملك إليه، فقال صلّى الله عليه وسلّم:
إن ربي أخبرني أنه قتل ربك البارحة فألبث، فإن جاءك ما دلّ على صدقي، وإلا فأنت
(2/443)

على رأس أمرك، فأتاه الخبر أن شيرويه قتل أباه في الليلة التي ذكرها صلّى الله عليه وسلّم فأسلم فيروز وحسن إسلامه، وهو الذي قتل مسيلمة وقال في زيد بن صوحان يسبقه عضو منه إلى الجنة فقطعت يده في يوم نهاوند.
وقال عمر رضي الله عنه: فلأنزعنّ ثنيتي سهيل بن عمرو فلا يقوم عليك خطيبا قال:
فعسى يقوم مقاما محمودا فكان منه ما بلغنا حين هاج أهل مكة عند موته صلّى الله عليه وسلّم وضلت ناقته، فقالت قريش: إن هذا يخبرنا عن السماء ولا يدري أين ناقته فصعد المنبر وخطب، فقال:
إني لا أعلم إلا ما علمني الله وقد أخبرني أنها في وادي كذا وتعلق زمامها بشجرة فوجدوها.
كذلك وأخبار الأمم بذلك كثيرة وكلمته الذراع المسمومة والذئب والبعير وأظلته غمامة وحنّ إليه عود المنبر وأطعم عشرا من ثريدة وسقى عالما ووضأهم بميضأة في جسم صاع وأمرّ يده على ضرع شاة حائل حتى عادت كالحامل، وما أرى أبا جهل حين أهوى بالصخرة نحو رأسه فهوى له فحل ليلقم رأسه فرمى الصخرة وعاد إلى أصحابه ممتقع اللون، فقال كان كذا وكذا.
ما دلّ على نبوّته من أخبار الفرس
قيل: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إرتجس إيوان كسرى فسقطت منه اثنتا عشرة شرفة، وخمدت نار فارس ولم تكن خمدت قبل بألف عام، وغارت بحيرة ساوة، فجمع كسرى الأكابر وأخبرهم. فقال الموبذان: وأنا قد رأيت الليلة إبلا صغارا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادنا، فقال وما هو قال: حادث يكون من العرب.
فكتب إلى النعمان بن المنذر أن أبعث إليّ عالما فبعث إليه بعبد المسيح بن عمرو بن نفيلة الغسّاني فلما أخبره، قال: علم ذلك عند خال لي يسكن مشارق الشأم فقال له: إذهب وائتني بخبره فذهب وقال له، أصم لم يسمع غطريف اليمن.
فلما رفع صوته رفع سطيح رأسه وقال عبد المسيح على جمل مشيح إلى سطيح وقد أوفى على الضريح بعثك ملك ساسان لارتجاج الإيوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان، ثم قال: يا عبد المسيح إذا بعث صاحب الهراوة وكثرت التلاوة وفاض وادي سماوه وغاضت بحيرة ساوه وخمدت نار فارس فليست الشام لسطيح شاما يملك منهم ملوك على عدد الشرافات وكل ما هو آت آت فأثار عبد المسيح راحلته وهو- يقول:
شمّر فإنك ماضي الأمر شمير ... لا يفزعنّك تفريق وتغيير
الخير والشر مقرونان في قرن ... والخير متبع والشرّ محذور
(2/444)

ما دلّ على نبوّته ممّا أنزل الله تعالى في الكتب الأول
قال الله تعالى: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ
«1» واسمه مشفع ومعناه محمد.
كثرة آيات الأنبياء وقلتها
قال العلماء رضي الله عنهم: إنما كثر أعلام موسى لأن عمله كان مع غباوة بني إسرائيل ونقصان أحلام القبط. قال الجاحظ: ومتى أردت ذلك فانظر إلى بقاياهم هل لهم حكمة أو مثل أو شعر. وانظر إلى أولادهم مع طول لبثهم معنا هل تغيرت بذلك أخلاقهم، ثم من غباوتهم ما حكى الله تعالى عنهم في قولهم: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
وأَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
وفَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
«2» وآياتهم انقطعت بموتهم وعرفها من بعدهم وجعل من معجزات نبينا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأشرك الله تعالى فيه السلف وجعله باقيا على مرور الأزمان.
من ادّعى النبوّة برقاعة غير حذق
قيل للأحنف وكان ممن زف سجاح إلى مسيلمة: ما وجدته؟ قال: ما هو بنبي صادق ولا متنبئ حاذق، وفيها يقول:
أضحت نبيتنا أنثى يطاف بها ... وأصبحت أنبياء الله ذكرانا
ولما تنبأت سجاح أتبعها ناس كثير من بني تغلب ومسيلمة باليمامة، وكان أصحاب سجاح يكذبون مسيلمة وأصحاب مسيلمة يكذبون سجاح، فقالت سجاح: نذهب إليه فإن كان نبيا أطعناه فذهبت بقومها فأغلق باب حصنه وشارطها على الدخول وحدها فلما خلت به قالت: ما أنزل عليك؟ قال إنه يحل لي أن أنكح المتزوجات وتصبو إليّ المرأة الفضيلة تجدها فيّ وتدع زوجها، قالت: فهل من آية غيرها؟ قال: لم أؤمر بآية فأقلع عنها حتى تقبل أو ترد. قالت: فقد ركنت إلى ذلك، قال فاسمعي:
ألا قومي إلى النيك ... فقد هيء لك المضجع
فإن شئت علقناك ... وإن شئت على أربع
وإن شئت ففي البيت ... وإن شئت ففي المخدع
وإن شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع
ثم واقعها فخرجت إلى قومها فقالت: إني وجدت نبوّته صادقة وتزوجته فقالوا لها: إنا نكره رجوعنا بها بلا صداق، قال: قد حططت عنكم صلاة الفجر والعشار الأخيرة. وقيل لنبي ما دليلك؟ قال القرآن، أما قال الله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
«3» ، واسمي الفتح قالوا، فينبغي أن يشركك في النبوّة من اسمه اسمك. قال كم
(2/445)

في الناس من محمد والله تعالى يقول: وما محمد إلا رسول.
ومن خرافات مسيلمة أنه كتب إلى رسول الله من مسيلمة إلى محمد أمّا بعد، فإن الأرض بيننا وبين قريش نصفان ولكن قريشا قوم يظلمون، فأجابه صلّى الله عليه وسلّم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
نوادر من تنبأ فقتل
تنبأ رجل في زمن ابن هبيرة فصلب فمرّ به خلف بن خليفة فقال: أما أنزل عليك قرآن؟ قال: نعم، إنّا أعطيناك الجماهر فصلّ لربك وجاهر إن عدوك هو الفاجر.
فقال ابن خليفة: إنا أعطيناك العمود فصلّ لربك على العود وأنا كفيلك أن لا تعود.
وادّعى رجل النبوة وادعى أنه نوح فصلب فمرّ به مجنون فقال: يا نوح لم تحصل من سفينتك إلا على دقل. وتنبأ آخر في زمن الرشيد فضربه بالسياط فأخذ يصيح، فقال له المأمون اصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، فاستطار الرشيد إعجابا بقوله وتنبأ رجل فأمر بضربه والطواف به، فجعل يقول:
أنا مالي والنبوّة ... ليس لي بالناس قوّه
تركوا بطني وظهري ... فيهما عشرون كوّه
متنبئ طالبه سلطان بمعجزته فتخلص
تنبأ رجل في زمن المأمون فقال أنا إبراهيم الخليل فأحضره وقال: إن إبراهيم ألقي في النار فصارت عليه بردا وسلاما، فهلمّ نلقيك في النار لنعرف معجزتك، فقال: هات غير هذا، قال: ائتني بمثل براهين موسى وعيسى عليهما السلام، قال جئتني بالطامة الكبرى.
قالوا: مالك معجزة، قال: سألتهم وقلت إنكم توجهونني إلى قوم شياطين فأعطوني حجة وإلّا لم أذهب، فقال جبريل: أخذت في الشؤم الساعة أذهب أولا وانظر ما يقولون فضحك المأمون، وقال: هذا هاجت به السوداء فخلّوا عنه.
وتنبأ آخر في زمن الواثق فأدخل عليه وهو على بركة، فقال له: اضرب بعصاك هذا الماء حتى ينفلق، فقال حتى تقول أنا ربكم الأعلى. وقيل لآخر: ما معجزتك؟
قال ائتنوني بجارية أحبلها حتى يكلمكم جنينها فقالوا هذه الشاة إن أحبلتها فأنت نبي، فقال أنتم تريدون تيسا لا نبيا. وقيل لآخر: ما نبوتك؟ فقال: في حرام من يشك في نبوتي، فقال: عبادة أشهد بنبوّتك. وتنبأ آخر في زمن المعتصم وقال: أحيي الموتى ائتني بسيف أضرب به عنق ابن أبي داود ثم أحييه، فقال ابن أبي داود آمنت بك. وأتى المأمون بآخر فقال له: ما تقول؟ قال: قال لي ربي لا تكلم المأمون بشيء واذهب إلى الهند فضحك وأطلقه. وأتى المهدي بمتنبئ فقال له إلى من بعثت؟
فقال: أو تركتموني بعثت بالغداة فحبست بالعشي؟
(2/446)

(5) ومما جاء في مبدأ القرآن ونزوله
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا فرفعت رأسي فإذا بالملك الذي جاءني على كرسي بين السماء والأرض، فجئت خديجة فقلت: زمّلوني زمّلوني فأنزل الله تعالى:
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
«1» وعن جابر أن ذلك أول ما نزل.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى اعنه أوّل ما نزل من الوحي: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
«2» ون وَالْقَلَمِ
«3» . وقال الزهري: أوّل آية نزلت في القتال: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا
«4» .
وقال علقمة: كل ما في القرآن من قوله تعالى: لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ
. فإنه نزل بالمدينة.
و (ظلموا الناس) فإنه نزل بمكة.
وقيل: نزل القرآن جملة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل في عشرين سنة، وذلك قوله تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ ...
«5» (الآية) .
وقال البراء: آخر آية نزلت: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ
«6» وقال ابن عبّاس: آخر آية نزلت: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ
«7» فمات صلّى الله عليه وسلّم بعد نزولها بليال.
وقيل: آخر القرآن عهدا بالعرش آية الربا والوالدين.
جمع المصاحف
كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا نزلت سورة قال: ضعوا هذه في الموضع الذي ذكر فيه كذا.
وروي أن عمر رضي الله عنه كان قد جمع القرآن في مصحف، كان عند حفصة وهو الذي أرسل مروان فيه وهو والي المدينة إلى عبد الله بن عمر يوم ماتت حفصة فأمر بإحراقه مخافة الاختلاف.
وقال أبو بكر إن عمر لما رأى القتل قد استحر بقراء القرآن يوم اليمامة قال: إني لأخشى أن يذهب قرآن كثير، وإني أرى أن يجمع القرآن. فقلت: كيف أفعل ما لم يفعله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فقال: إنه لخير. فشرح الله صدري ففعلت.
(2/447)

وقيل: أول من جمع القرآن بين لوحين أبو بكر رضي الله عنه. وقال زيد بن ثابت:
دعاني أبو بكر وقال: إنك رجل شاب وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاجمع القرآن واكتبه ففعلت.
قيل: أحرق عثمان رضي الله تعالى عنه مصحف ابن مسعود، وإن ابن مسعود كان يقول لو ملكت كما ملكوا لصنعت بمصحفهم كذلك، وأحرق مروان مصحف عمر رضي الله عنه. وقيل: القرآن ثلاثمائة ألف حرف وواحد وعشرون حرفا، وهو ستة آلاف وستمائة وتسع وتسعون آية.
ما ادّعى أنّه من القرآن ممّا ليس في المصحف وما ادّعى أنه منه وليس فيه
أثبت زيد بن ثابت سورتي القنوت في القرآن، وأثبت ابن مسعود في مصحفه لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.
وروي: أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: لولا أن يقال زاد عمر في كتاب الله تعالى لأثبت في المصحف، فقد نزلت: الشيخ والشيخة إذا زنيا فأرجموهما البتة نكالا من الله والله شديد العذاب.
وقالت عائشة: لقد نزلت آية الرجم ورضاع الكبير وكانتا في رقعة تحت سريري وشغلنا بشكاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فدخلت داجن فأكلته. وقال علقمة: أتيت الشأم فجاء رجل فقعد إلى جنبي فقيل لي: هو أبو الدرداء، فقال: ممن أنت؟ قلت: من الكوفة، قال: أولم يكن فيكم صاحب السواك والنعلين والمطهرة يعني ابن مسعود، قلت: نعم فقال: أتحفظ كيف كان يقرأ والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى؟
قلت: نعم هكذا أقرأنيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفوه إلى فيّ فما زال هؤلاء بي حتى كادوا يردونني عنهما.
وأثبت ابن مسعود بسم الله في سورة البراءة. وقالت عائشة: كانت الأحزاب تقرأ في زمن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مائة آية، فلما جمعه عثمان لم يجد إلا ما هو الآن. وكان فيه آية الرجم وأسقط ابن مسعود من مصحفه أم القرآن والمعوذتين.
قراءة تخالف صورة حروفها ما في المصحف أو ترتيبها
قرئ بدل كالعهن كالصوف، وبدّل فهي كالحجارة فكانت كالحجارة. وذكر بعض العلماء أن ابن عباس كان يجوز أن يقرأ القرآن بمعناه، واستدل بما روي عنه أنه كان يعلم رجلا طعام الأثيم فلم يكن يحسن الأثيم فقال: قل الفاجر. وليس ذلك بشيء فيما ذكره جلّ العلماء، لأن ابن عبّاس أراد أن يعرفه الأثيم فعرفه بمعناه لما أعياه، وقرئ بدل والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما فاقطعوا أيمانهما.
(2/448)

وكان عمر يقرأ غير المغضوب وغير الضالّين، وعبد الله بن الزبير صراط من أنعمت عليهم. وقرأ بعضهم: وضربت عليهم المسكنة والذلّ، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه وجاءت سكرة الحق بالموت.
ما روي فيه زيادة
قرئ: اصبروا وصابروا ورابطوا بعضهم. وقرأ بعضهم: وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم. وقرأ بعضهم إن هذا أخي له تسعة وتسعون نعجة أنثى. وقرئ: السارقون والسارقات فاقطعوا أيديهما.
وقرأ ابن عباس: أن لا يطوف وليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج عبد الله: فلا إثم عليه لمن اتقى. وعن أبي ذرّ: فان فأوافيهن فإن الله غفور رحيم. وقوله: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر. وقرأ سعد: فإن كان له أخ أو أخت من أبيه ومثل هذا كثير فلنقتصر على هذا القدر منه.
ما في القرآن من تغيير الكتابة
كان القوم الذين كتبوا المصحف لم يكونوا قد حذقوا الكتابة فلذلك وضعت أحرف على غير ما يجب أن تكون عليه. وقيل: لما كتبت المصاحف وعرضت على عثمان وجد فيها حروفا من اللحن في الكتابة، فقال: لا تغيّروها فإن العرب ستغيرها أو ستعبر بها، ولو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم يوجد فيه هذه الحروف.
ما سدّ منه لحنا
عن ابن عروة عن أبيه قال: سألت عائشة عن لحن القرآن عن قوله: إن هذان لساحران، وعن قوله: والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة، وعن قوله: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون، فقالت: يا ابن أختي هذا عمل الكتّاب اخطأوا في الكتابة.
الرخصة في اختلاف القراءات
كان عمر رضي الله عنه يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أقرأنيها فأخذت بثوبه فذهبت به إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت: إني سمعته يقرأ القرآن على غير ما أقرأتني فقال: إقرأ. فقرأت فقال صلّى الله عليه وسلّم:
هكذا أنزلت، ثم قال لهشام: إقرأ فقال صلّى الله عليه وسلّم: هكذا أنزلت. ثم قال: إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرؤا ما تيسر منه.
وفي خبر أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: إن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري، فقال جبريل: إقرأ القرآن على حرف فقال ميكائيل استزده حتى بلغ سبعة أحرف وكل حرف شاف كاف.
(2/449)

تعظيم القرآن
رأى عمر رضي الله عنه مصحفا بخطّ دقيق، فقال: ما هذا؟ فقيل: القرآن كله فضرب صاحبه، وقال: عظموا كتاب الله. وكان أمير المؤمنين يكره أن يكتب القرآن في الشيء الصغير.
وكان ابن عبّاس إذا رأى مصحفا قد فضض أو ذهّب يقول: أتغرون به السارق وزينته في جوفه. وقال أبو ذر: إذا حلّيتم مصاحفكم وزخرفتم مساجدكم فالدمار عليكم.
وقال مالك والشافعي رضي الله عنهما: لا يمس القرآن إلا طاهر. قال الله تعالى: لا يمسه إلا المطهرون. وكان الشعبي لا يرى بأسا أن يأخذ بغلافه وهو على غير وضوء. وقال صلّى الله عليه وسلّم: لا توسدوا القرآن واتلوه بالليل والنهار.
فضل قراءة القرآن
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: إن العبد إذا قرأ فحرف كتبه الملك كما أنزل وكان ابن مسعود يقول:
من ختم القرآن فله دعوة مستجابة. وقال الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ
«1» قال ابن عباس: يتبعونه حق اتباعه. وقال تعالى في ذم قوم: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ
«2» ، قال الشعبي: أما أنه كان بين أيديهم ولكن نبذوا العمل به. وقال صلّى الله عليه وسلّم:
قراءتك في المصحف تزيد على قراءتك ظاهرا كفضل المكتوبة على النافلة.
تعظيم قرّاء القرآن
قيل: عظموا من زيّنه الله بالقرآن، وقال صلّى الله عليه وسلّم: إنّ من تعظيم الله إجلال ثلاثة: الإمام المقسط وذي الشيبة وحامل القرآن لا الغالي فيه ولا الجافي فيه. وكان عمر رضي الله عنه يجري على كل حافظ قرآن مائة دينار.
فضل تعلّم القرآن وتعليمه
روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا مأدبته. وروي عنه: خياركم من تعلم القرآن وعلمه. وقال عقبة بن عامر: خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكنا في الصفة فقال:
أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو العقيق فيأخذ كل يوم ناقتين كوماوين زهراوين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ فقلنا: كلّنا يا رسول الله. قال: فلأن يغدو أحدكم كل يوم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين ومن ثلاث. وقيل: في قوله تعالى:
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ
«3» وبالإسلام والقرآن.
(2/450)

الرّخصة في أخذ الأجرة بتعليمه
ممّا يدل على الرخصة في ذلك ما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن نفرا من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم مروا بحيّ من أحياء العرب فلدغ رجل منهم، فقالوا: هل فيكم من راق فرقاه رجل بأم الكتاب فأعطي قطيعا من الغنم؟ فقدموا على النبي صلّى الله عليه وسلّم فأخبروه، فقال: من أخذ برقية باطل فقد أخذت برقية حق اضربوا معكم بسهم وقال صلّى الله عليه وسلّم: تعلموا القرآن وسلوا الله به من قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر: رجل يباهي به ورجل يستأكل به ورجل يقرأه لله. وأقرأ أبي رجلا من اليمن سورة فأعطاه فرسا، فقال: إن كنت تريد أن تقلّد سيفا من النار فخذها.
الجهر والمخافتة
مر صلّى الله عليه وسلّم بأبي بكر وهو يخافت وبعمر يجهر فسألهما فقال أبو بكر: إني أسمع من أناجي فقال صلّى الله عليه وسلّم: إرفع شيئا. وقال عمر: أطرد الشيطان وأوقط الوسنان فقال: أخفض شيئا كأنه ذهب إلى قوله تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا
«1» .
المدة التي يستحبّ فيها الختم
سأل قيس بن صعصعة النبي صلّى الله عليه وسلّم في كم أقرأ القرآن؟ قال: في كل خمس عشرة قال:
إني أجد فيّ أقوى من ذلك. قال: ففي كل جمعة. وقال سعد بن المنذر الأنصاري للنبي صلّى الله عليه وسلّم أقرأ القرآن في كل ثلاث، قال: نعم إن استطعت. وكان سليمان يقرأ القرآن في كل ليلة ثلاث مرات، يقعد في كل مرة ويجامع امرأته ويغتسل، فلما مات قالت رحمك الله إن كنت لترضي ربك وأهلك. وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقرأ القرآن في ركعة.
تحقيق القرآن والتّغنّي به
قال ابن مسعود رضي الله عنه: أعربوا القرآن فإنه عربي. وقال أبو بكر: لأن أعرب آية من القرآن أحب إليّ من أن أحفظ آية. وقال عمر: تعلموا إعراب القرآن كما تتعلمون حفظه. وقال صلّى الله عليه وسلّم: زينوا القرآن بأصواتكم ودخل صلّى الله عليه وسلّم المسجد فسمع صوت رجل فقال: من هذا؟ قيل عبد الله بن قيس فقال: لقد أوتي هذا من مزامير آل داود.
وكان عمر إذا رأى أبا موسى يقول: ذكرنا ربّنا فيقرأ عنده وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم ليس منا من لم يتغن بالقرآن، فقد تأوّلوه على هذا وعلى الإستغناء. وكره بعض الفقهاء التحدّث بهذا الحديث كراهة أن يتأوّل على الألحان المكروهة، فقد روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: أن قوما يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأفقههم وأعلمهم ليغنّيهم به غناء.
وقال الهيثم العلاف: قرأت عند المنصور فقال: ما لكم أهل البصرة أقرأ
(2/451)

البلاد، فقلت: إن أهل الحجاز قرأوا على النصب غناء العرب، وأهل الشأم قرأوا على قراءة الرهبان، وأهل الكوفة قرأوا على قراءة النبط، والبصرة على الخسرواني غناء فارس.
النّهي عن المراء فيه وعن تفسيره
قال صلّى الله عليه وسلّم: لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر. وسأل أبو بكر عن قوله تعالى وَفاكِهَةً وَأَبًّا
«1» ، فقال: أي سماء تظلّني وأي أرض تقلني؟، إن قلت في كتاب الله بما لا أعلم.
التّداوي بالقرآن
قالت عائشة: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا مرض يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث. وكان الحسن يكره أن يغسل القرآن ويسقى. وسئل إبراهيم عمّن حمّ فعلق عليه تعويذ فيه يا نارُ كُونِي بَرْداً
(الآية) ، فكرهه. وسئل عطاء عن الرجل يعلق عليه شيئا من القرآن فقال: ما سمعنا بكراهة ذلك إلا منكم معاشر أهل العراق.
الحذّاق بالقرآن
المشهور منهم ثلاثة: عبد الله بن مسعود وأبيّ وزيد. وقال صلّى الله عليه وسلّم: من أحب أن يقرأ القرآن غضا فليقرأه على قراءة ابن أم عبد. وقال ابن مسعود: كنّا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنزلت والمرسلات عرفا فأخذتها رطبة من فيه، وهو أول من جهر بقراءة القرآن بمكة. وأقرأ معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه. وروي أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: أقرأكم أبي وقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: أمرت أن أعرض عليك القرآن. فقال أبيّ: سمعاني لك ربك قال:
فبفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون. وقال له: أي آية في كتاب الله أعظم؟ فقال: الله لا إله إلا هو الحي القيّوم. فضرب في صدره، وقال:
ليهنك العلم أبا المنذر، وإنما أخذ الناس بقراءته لكونه كان آخر من يقرأ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنّا نأخذ بالآخر من قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفعله.
بيع المصاحف
بيعت المصاحف في زمن معاوية، وكره ابن عمر بيع المصاحف. وقال ابن عباس:
اشتر المصاحف ولا تبعها. وسئل بعض الفقهاء عن ذلك، فقال: كان حبرا هذه الأمة لا يريان ببيعها بأسا: الحسن والشعبي.
(2/452)

(6) وممّا جاء في العبادات
الطّهارة والوضوء
قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً
ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ
«1» . وسئل صلّى الله عليه وسلّم عن البحر فقال: الحلّ ميتته الطهور ماؤه. وقال: من لم يطهره البحر فلا طهارة له. وقال صلّى الله عليه وسلّم: خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غيّر طعمه ولونه.
دباغ الجلود
قال صلّى الله عليه وسلّم: أيّما إهاب دبغ فقد طهر، ومرّ بشاة لميمونة وقد ماتت فألقيت، فقال:
هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به. وقال صلّى الله عليه وسلّم: لا بأس بجلد الميتة إذا دبغ ولا بصوفها إذا غسل بالماء، واعتبر المزني الغسل في الشعر. وقال الشافعي: نجس غسل أو لم يغسل.
تحليل الأواني وتحريمها
قال صلّى الله عليه وسلّم وقد خرج على أصحابه وفي إحدى يديه حرير وفي الأخرى ذهب، فقال:
هذان حرامان على ذكور أمتي حلّ لأناثها. وقال صلّى الله عليه وسلّم: من شرب في آنية من فضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم.
السّواك
قال صلّى الله عليه وسلّم: مالكم تدخلون عليّ قلحا استاكوا. وقال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة. وقال: نظفوا أفواهكم فإنها ممر القرآن. وقيل: السواك مغسلة للفم، مجلبة لشهوة الطعام، جلاء للأسنان مطلق للسان، وعن ابن عباس: فيه عشر خصال مرضاة للرب ومسخطة للشيطان ومقربة للملائكة ومشد للثّة وذاهب بالحفر وجال للبصر ومطيب للفم ومقلّ للبلغم وهو من السنّة ومما يزيد في الحسنات.
التغوّط والإستنجاء
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط أو بول، ثم رؤي جالسا على لبنتين مستقبل بيت المقدس، فقيل: إن الإستدبار منسوخ. وقيل لم ينسخ وإنما النهي في الصحراء دون البيوت. وقال صلّى الله عليه وسلّم: إتقوا الملاعن وهو التغوط على قارعة الطريق. وقال:
من استجمر فليوتر ومن لا فلا حرج.
وقال سلمان رضي الله عنه: نهانا النبي صلّى الله عليه وسلّم أن نجتزي بأقل من ثلاثة أحجار نستطيب
(2/453)

بهن ونهى عن الروث والرمّة، وقال: إنه زاد إخوانكم من الجنّ. وقال: إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ولا يتمسّح بيمينه.
وأهدى أعرابي إلى عبد الملك شيئا فقال: كيف أقبله منك وأنت لا تحسن أن تطوف أي تقضي حاجتك؟ فقال: إني لأطيل المشي حتى أتوارى كراهة أن أرى ولا أستقبل الريح وأجتنب القبلة وأستتر بالموجود وأقدم رجلا وأؤخر أخرى وأفج إفجاج الثعلب وأتمسح بالحجر والمدر وأجتنب الروث والرمة، فقال عبد الملك: أنت نبيل أصيل فقيه، وقبل هديته وأجزل عطيته.
وكان صلّى الله عليه وسلّم إذا دخل الخلاء يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث. وروي:
أعوذ بك من الرجس النجس الشيطان الرجيم، ولم يكن يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض.
الوضوء
اعتبر الشافعي رضي الله عنه النيّة في الوضوء لقوله صلّى الله عليه وسلّم: الأعمال بالنيات، والتسمية مستحبة لقوله إذا تطهر أحدكم فليذكر اسم الله فإنه يطهر جسده وإن لم يذكر اسم الله لم يطهر إلا ما مرّ عليه الماء. وقال صلّى الله عليه وسلّم: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله وقال: بالغ في الإستنشاق إلا أن تكون صائما. وقال: خللوا الشعر وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة.
وتوضأ صلّى الله عليه وسلّم مرة مرة وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ومن توضأ مرتين فهو أفضل ثم ثلاث مرات وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي. ورأى صلّى الله عليه وسلّم قوما تلوح عراقيبهم ما يصيبها الماء فقال: ويل للعراقيب من النار. وكان عبد الله بن رواحة وقع على جارية له ورأته امرأته فأنكر، فأمرته أن يقرأ القرآن، فقال:
شهدت بأنّ وعد الله حق ... وأنّ النار مأوى الكافرينا
فقالت: صدق الله وكذب بصري ثم أخبر النبي عليه السلام فضحك ولم ينكره.
كراهة صبّ ماء الوضوء على الإنسان
كان الرضا عند المأمون فلما قرب وقت الصلاة رأى الخدم يأتونه بالطشت والماء فقال الرضا: لو توليت هذا من نفسك، لأن الله تعالى يقول: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
«1» فقال: سمعا وطاعة، وأمر الغلمان بانصرافهم وقد أجازوا ذلك. ووضع لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم وضوء فقال: من صنع هذا؟ فقيل ابن عبّاس فقال:
اللهم فقهه في الدين.
وضوء العرب والحمقى
كان أعرابي إذا توضأ قدم غسل وجهه على إسته، ويقول: لا أقدّم السوءة على
(2/454)

الوجه. وقال أبو مهدية: كنا نتوضأ وضوءة تكفينا الأسبوع والأسبوعين حتى جاءنا هذا الوالي يأمرنا أن نليق كل يوم استاهنا إلاقة الدواة فأفسد علينا ما كنا فيه، وانتفض أعرابي ثم أقبل فقيل له: ألا تمس ماء فتتنظف به، فقال هبوني غسلت ظاهرها فكيف أصنع بباطنها.
وقال أعرابي: إني لأسبغ الوضوء وما تقع على الأرض مني قطرة. وكان بعض الناس يعاتب ابنه في تركه الوضوء والصلاة، فلما أكثر عليه، قال: يا أبت إما أن أتوضأ ولا أصلّي أو أصلّي ولا أتوضأ.
نقض الوضوء
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجنّ من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا. وقع الخلاف بين الصحابة رضي الله عنهم في التقاء الختانين من غير إنزال، فقال بعضهم: لا يجب عليه الغسل لقوله صلّى الله عليه وسلّم إنما الماء من الماء. وقال بعضهم يجب. فبعث عمر إلى عائشة رضي الله عنها فقالت: قال صلّى الله عليه وسلّم إذا التقى الختانان وجب الغسل، فقال عمر: لئن بلغني عن أحد أنه فعل ذلك ولم يغتسل عاقبته.
سؤر الكلب
قال صلّى الله عليه وسلّم: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أولاهن أو أخراهن بالتراب.
التنزّه من البول وغسله
قال ابن عبّاس: مرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كثير.
أما أحدهما فكان لا يتنزه من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة فشقّها نصفين فغرز في كل قبر واحدة ثم قال لعلهما يخفف عنهما ما لم ييبسا.
المنيّ
قالت عائشة رضي الله عنها: كان صلّى الله عليه وسلّم إذا أصاب ثوبه المني غسله وكأني أنظر إلى البقع في ثوبه من أثر الغسل. ورآه صلّى الله عليه وسلّم في ثوب رجل فقال أمطه عنك بإذخرة «1» .
فضل من بات على الوضوء
قال صلّى الله عليه وسلّم: إذا أتيت مضجعك فتوضأ للصلاة ثم اضطجع على شقّك الأيمن، وقل:
اللهم أسلمت وجهي إليك وفوّضت أمري إليك والجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجأ منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيّك الذي أرسلت فإن متّ في ليلتك متّ على الفطرة.
(2/455)

الحيض
قالت عائشة: كنت إذا حضت يأمرني صلّى الله عليه وسلّم أن أتزر ثم يباشرني وأيّكم يملك أربه كما كان صلّى الله عليه وسلّم يملك أربه.
التيمّم
قال الله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً*
«1» . وقال صلّى الله عليه وسلّم: التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين وقال صلّى الله عليه وسلّم: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا. وجاء رجل إلى عمر بن الخطاب وقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر رضي الله عنهما: أما تذكر أنا كنا في سفر فأجنبت أنا وأنت فأما أنت فلم تصل وأنا تمعكت في التراب فصليت، فأتيت النبي صلّى الله عليه وسلّم فذكرت ذلك له فقال لي: إنما كان يكفيك هكذا. وضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه.
(7) وممّا جاء في الصلاة
الحثّ على عمارة المساجد
قال الله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
«2» . وقال صلّى الله عليه وسلّم: إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان، لأن الله تعالى قال: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله (الآية) .
وقال أبو بكر رضي الله عنه: من بنى مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنّة. وقال الحسن: مهور الحور العين في الجنّة كنس المساجد وعمارتها. وروي أن مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم في عهده كان مبنيا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل، فلم يزده أبو بكر، وبناه عمر كما كان في عهده صلّى الله عليه وسلّم، ثم غيّره عثمان وزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره من الحجارة المنقوشة والفضة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه من ساج.
وقال صلّى الله عليه وسلّم: جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ورفع أصواتكم وخصوماتكم وإقامة حدودكم وسلّ سيوفكم وشراءكم وبيعكم. ولما حصب عمر المسجد قال: هو أغفر للنّخامة «3» .
فضل القعود في المساجد
قال أبو الدرداء: لابنه ليكن المسجد بيتك فإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول:
(2/456)

المساجد بيوت المتقين. وقال صلّى الله عليه وسلّم: ترهب أمتي الجلوس في المساجد وقيل: المساجد مجالس الكرام.
وقال بعض الأنصار: من أتى المسجد وجد فيه ثماني خلال أخا مستفادا وعلما مستظرفا وآية محكمة ورحمة منتظرة وكلمة تردّ عن رديء وترك الذنوب حياء وحشمة.
وقال صلّى الله عليه وسلّم: الملائكة يصلّون على أحدكم ما دام في المسجد الذي صلّى فيه. يقولون: اللهم أغفر له اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه أو يحدث فيه.
أوقات الصلوات
قال الله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ
«1» . وقال صلّى الله عليه وسلّم: إذا زالت الشمس فصلّوا. وصلّى جبريل بالنبي صلّى الله عليه وسلّم لما صار ظل كل شيء مثله. وصلّى في اليوم الثاني لما صار ظل كل شيء مثليه، وقال: يا محمد ما بين هذين وقت. وقال صلّى الله عليه وسلّم: إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم. وروي أنا كنا نصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى أقصى المدينة والشمس حية. وقال: لا تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم فإذا غربت فقد وجبت الصلاة.
وقال: لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل. وعن أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخر العشاء الأخيرة إلى نصف الليل ثم صلّى بنا ثم قال: قد صلّى الناس وناموا أما أنكم أن تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها.
أوقات الضرورة للصلاة
قال صلّى الله عليه وسلّم: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، وروي: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر.
الأوقات المنهي فيها عن الصّلاة
نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس.
وقال صلّى الله عليه وسلّم: لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بين قرني شيطان. وقال: إذا بزغ حاجب الشمس فدعوا الصلاة وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغرب الشمس. وروت عائشة رضي الله عنها: ما ترك النبي صلّى الله عليه وسلّم ركعتين بعد الصلاة في بيتي قط.
(2/457)

(8) باب الأذان
روي عن بلال أنه قال: أمرني النبي صلّى الله عليه وسلّم أن أؤذن للفجر بالليل. وروي أنه غاب ليلة عن أصحابه ومعه أخو صدى فلما كان وقت السحر، قال: قم فأذن. فما زلنا ننتظر الصبح بعد ذلك حتى جاء بلال فأراد أن يقيم، فقال صلّى الله عليه وسلّم: إن أخا صدى قد أذّن وإنما يقيم من أذن.
وروي أنه صلّى الله عليه وسلّم أمر بلالا بالترجيع. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: كان الآذان على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مثنى مثنى والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول قد قامت الصلاة مرتين.
وكان عثمان رضي الله عنه يقول إذا سمع الآذان: مرحبا بالقائلين عدلا وبالصلاة مرحبا وأهلا. وروي أن المسلمين لمّا قدموا المدينة كانوا يجتمعون فيتحينون الصلاة وليس ينادى بها فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا كناقوس النصارى. وقال بعضهم قرنا كقرن اليهود، فقال عمر رضي الله عنه: أولا تبغون رجلا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فناد بالصلاة فأمره أن يشفع الأذان ويوتّر الإقامة.
السخف في الأذان
قيل: استؤجر رجل في قرية على أن يؤذن بعشرة دراهم، فاستزادهم، قالوا: ليس لنا ما نزيدك ولكن قد سامحناك في حيّ على الفلاح فلا معنى له مع قولك حي على الصلاة.
وقال بعضهم: مررت برجل يقول في أذانه أشهد أن لا إله إلا الله وهم يشهدون أن محمدا رسول الله فقلت: مالك لا تشهد شهادتهم؟ فقال: إنه يهودي مستأجر. وقال بعضهم: دخلت قرية فحان وقت الصلاة فدخلت مسجدها، فأذنت وأقمت وصليت بجماعة منها دخلوا المسجد، فلما سلمت ودعوت قال أحدهم: أمسلم أنت أم يهودي؟
فقلت: هل رأيت يهوديا صلّى بمسلمين؟ قال: إنما نقول لأن يهودكم خير من مسلمينا.
الواجب من الصلاة
قال أبو حنيفة رضي الله عنه: الوتر واجب ولم يوجبه غيره واستدلّ بما روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: إنّ الله تعالى زادكم صلاة ألا إنها هي الوتر فأوتروا. وروي أن أعرابيا أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فسأله عن الصلاة الواجبة عليه فذكرها له، فقال: هل على غيرها فقال لا إلا أن تتطوع. وروي أن أعرابيا قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم بعد أن علمه الصلاة: هل عليّ غيرها؟ قال:
لا، قال: والله لا أزيد فيها ولا أنقص، فقال: أفلح إن صدق. وروي الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله. وروي من ترك صلاة العصر فكأنما حبط عمله.
الحثّ على صلاة الجماعة
قال صلّى الله عليه وسلّم: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. وقول الله تعالى: إِنَّما
(2/458)

يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ
«1» أي بالسعي إليها والصلاة فيها.
الصّلاة في المطر
خطب ابن عباس في يوم جمعة، وكان ذا مطر، فأمر المؤذن أن يؤذن فلما قال: حي على الصلاة. قال: أمسك وأذّن، الصلاة في الرحال «2» ، فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقال: قد أنكرتم ذلك قد فعله خير مني ومنكم فإنها عزمة، وإني كرهت أن أخرجكم.
وقال صلّى الله عليه وسلّم: إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال.
القراءة في الصلاة
قال الله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
«3» ، قيل: عنى ذلك في الصلاة. وقال صلّى الله عليه وسلّم: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب. وروى أبو سعيد الخدري أنه صلّى الله عليه وسلّم قال في كل ركعة قراءة فمن لم يقرأ في جميع الركعات فلا صلاة له. وقال: إذا أمن الإمام فأمنوا.
رفع اليدين والذّكر
روى جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع. وقال: إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الجمل. وقال: مكّن وجهك من الأرض حتى تجد حجم الأرض. وقال: أمرت أن أسجد على سبعة آراب.
التشّهد والتسليم
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات إلى آخره. وروي أنه كان يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن. وقال صلّى الله عليه وسلّم: تحريمها التكبير وتحليلها التسليم.
ستر العورة في الصلاة
قال الله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
«4» . قيل المراد بها في الصلاة لإجماع الناس أن أخذ الزينة لأجل المكان لا يجب. وسأل سلمة بن الأكوع النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ربما أكون في الصيد وليس عليّ إلّا ثوب واحد وأريد الصلاة فقال: زره لو بشوك. ولما سئل عن جواز الصلاة في الثوب الواحد، قال: أو كلكم يجد ثوبين، وقال: غطّ فخذك فإنها عورة. وقال أمير المؤمنين رضي الله عنه: لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حيّ ولا ميت. وقال: إذا زوج أحدكم عبده من أمته فلا ينظر إلى ما بين سرتها وركبتها فإن ذلك عورة من كل مسلم ونهى النبي صلّى الله عليه وسلّم الرجل عن اشتمال الصماء وهو أن يجعل الثوب على أحد عاتقيه.
(2/459)

الكلام في الصلاة
روى أبو هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم تكلم بالمدينة فبنى، وروى زيد بن أرقم قال: كان الرجل منا يتكلم خلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيدخل الداخل فيقول بكم سبقت، حتى أنزل الله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ
«1» ، فأمرنا بالسكوت. وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين إنما هي قراءة وتسبيح.
إعادة الصلاة لمن حضر الجماعة
. روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم صلّى صلاة الفجر فلما فرغ رأى رجلين خلف الصف فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: كنا قد صلينا في رحالنا فقال إذا جئتما فصليا وإن كنتما قد صليتما تكون الأولى فريضة والثانية سنة.
إعادة الصلاة
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة إلا ذلك لقوله تعالى:
وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
«2» .
سجود التلاوة والشّكر
قيل: سجدات القرآن أربع عشرة. وقال مالك: ليس في المفصل سجود. وروى أبو هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يسجد في إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ
«3» واقرأ بِاسْمِ رَبِّكَ
«4» . وروى عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال صلّى الله عليه وسلّم: في الحج سجدتان فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما. وروى عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سجد فأطال السجود فقال: بشرني جبريل أن من صلّى عليك واحدة صليت عليه عشرا فسجدت هذه السجدة شكرا لله تعالى.
الشكّ في الصّلاة
قال صلّى الله عليه وسلّم: من شك في صلاته فلم يدر أثلاثا صلّى أم أربعا فليصل أخرى، فإن كانت رابعة فقد تمت صلاته وإن خامسة كانت الركعة والسجدتان ترغيما للشيطان. وروي عنه أنه صلّى الظهر خمسا فلما أن سلم قيل له: أحدث في الصلاة حدث؟ قال وما ذاك؟ فقيل له في ذلك فثنى رجله وسجد سجدتي السهو.
المرور بين يدي المصلي والاعتراض بينه وبين القبلة
روي أن أبا سعيد كان يصلي فمرّ رجل من آل أبي معيط بين يديه فمنعه، فأبى أن ينتهي، فمنعه فأبى فدفع في صدره. قال ومروان يومئذ على المدينة فشكا إليه، فقال مروان لأبي سعيد: فقال أبو سعيد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إذا مر بين يدي أحدكم شيء وهو يصلي
(2/460)

فليمنعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان. وإني كنت نهيته فأبى أن ينتهي. وروي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يصلّي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة على الفراش الذي ينامان عليه.
وذكر بعد ذلك عند عائشة أنّ الصلاة يقطعها الكلب والحمار والمرأة، فأنكرت ذلك لما كانت تعلم من حالها. وكان صلّى الله عليه وسلّم يحمل أمامة بنت زينب على عاتقة فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها.
التوجّه للقبلة
قال البراء: قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة فصلّى للقدس ستة عشر شهرا أو سبعة وكان صلّى الله عليه وسلّم يحب أن يتوجه نحو القبلة فأنزل الله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ...
«1»
(الآية) فمرّ رجل من الذين انحرفوا معه للقبلة بقوم من الأنصار يصلون للقدس، فقال:
أشهد لقد تحولت القبلة للكعبة، فانحرفوا في صلاتهم نحو الكعبة فقالت اليهود ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فقال تعالى: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ..
«2» الآية وكان صلّى الله عليه وسلّم يصلي على راحلته حيث توجهت فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل.
رمي البزاق في الصّلاة
رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم نخامة «3» في الصلاة، فشقّ ذلك عليه حتى رؤي في وجهه، فقام فحكه، وقال: إنّ أحدكم إذا قام في صلاته فإنما يناجي ربّه وإن ربّه بينه وبين القبلة فلا يبصقن في قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدمه ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه إلى بعضه فقال أو يفعل هكذا.
الصلاة خلف كلّ مسلم
قال صلّى الله عليه وسلّم: صلوا خلف كل برّ وفاجر. وكان ابن عمر رضي الله عنه يصلّي مع الحجاج فقيل له في ذلك، فقال: إذا دعونا إلى الصلاة أجبناهم وإذا دعونا إلى الشيطان تركناهم.
القصر في الصلاة
قال الله تعالى: لا عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ
«4» وسئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم. وروي: أنا سافرنا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم فمنا من أتم ومنا من قصر فلم يعب بعضنا بعضا.
غسل الجمعة وفضله
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما
(2/461)

قرب كبشا، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة.
وجوب الجمعة
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: إن الله فرض عليكم الجمعة في عامكم هذا في شهركم هذا في يومكم هذا إلا من تخلف عنها في حياتي أو بعد وفاتي، ألا لا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره. ألا لا صلاة له، ألا لا زكاة له، ألا لا حج له. وقال: الجمعة واجبة على كل مسلم إلا امرأة أو صبيا أو مملوكا. وقال: من ترك ثلاث جمعات متواليات طبع الله على قلبه.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه من علم أن الليل يؤوبه إلى أهله فليشهد الجمعة.
وقال: إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليصلّ ركعتين قبل أن يجلس.
النهي عن تأخير الصلاة عن وقتها
قال صلّى الله عليه وسلّم: الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي آخر الوقت عفو الله. وقال وكيع:
من لم يأخذ أهبة الصلاة قبل وقتها فما وقرها. وقال رجل لابنه وهو مسافر: إياك وتأخير الصلاة عن وقتها فإنك تصليها لا محالة فصلها وهي تقبل. وقام بشر المريسي من مجلس المأمون للصلاة، فقال له علي بن صالح: أتقوم وأمير المؤمنين جالس؟ فقال: هذا وقت ليس لمخلوق فيه طاعة، فقال المأمون: صدق. وكان الحجّاج يخطب فأطال، فقام إليه رجل، فقال: إن الوقت لا ينتظرك والرب لا يعذرك. وقال ثعلب: ما يكاد وقت الصلاة إلا تذكرت قول أبي تمّام:
وأحق الفتيان أن يقضي الد ... ين امرؤ كان للإله غريما
الحثّ على المحافظة على الصلوات
قال الله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى
«1» . قيل هي العصر، وقيل هي العشاء. وقال صلّى الله عليه وسلّم: الصلاة عماد الدين. وقال: أقرب ما يكون العبد من ربه وقت صلاته ولذلك أمر بالدعاء في عقبها. وقيل: إذا كان يوم الجمعة بعث إبليس شياطينه إلى الناس بالركائب أي يذكرونهم الحاجات.
بركة الصلاة وفضل التهجّد
كان صلّى الله عليه وسلّم إذا أصاب أهله خصاصة، أمرهم بالصلاة. ويقول: بهذا أمرني ربي. قال تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها
«2» لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى
«3» وقال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
«4» .
(2/462)

وقال صلّى الله عليه وسلّم: عليكم بقيام الليل فإنه توبة إلى الله وتكفير للسيئات ومنهاة عن الإثم ومطردة للداء عن الجسم.
وقال جعفر الخلدي: رأيت الحسن في المنام فقلت ما فعل الله بك؟ فقال: طاحت تلك العبارات وطارت تلك الإشارات وفنيت تلك العلوم ودرست الرسوم فما نفعنا إلا ركيعات كنا نركعها في السحر.
وقال يوسف بن أسباط: إذا أخلص الرجل التعبد لله أربعين صباحا أجرى الله على لسانه ينابيع الحكمة.
وقال صلّى الله عليه وسلّم: أذيبوا طعامكم بذكر الله والصلاة ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم. وقيل للربيع: لم لا تنام بالليل؟ فقال: أخاف البيات. وحكي عن بعض المتعبدين بمكة أنه افتتح الصلاة ورفع رجلا إلى نصف الليل ثم وضعها ورفع الأخرى إلى الصباح، فقيل له فقال:
لسعتني عقرب لما دخلت في الصلاة فرفعت الملسوعة، فلما كان نصف الليل لسعت عقرب الرجل الأخرى فرفعتها ووضعت الأخرى، واستحييت أن أنصرف من بين يدي الله تعالى للسعة عقرب.
وقال أبو ذر: صلوا في ظلمة الليل لوحشة القبور وصوموا في شدّة الحرّ لحرّ النشور.
التكاسل عن التهجّد
قال رجل للنبي صلّى الله عليه وسلّم: لست أقوى على قيام الليل، قال: فلا تعصه بالنهار، أي عجزك بالليل لعصيانك بالنهار. وقال رجل لسليمان: لا أستطيع قيام الليل فقال لعلك تفجر بالنهار.
عتب من يخفّف حتى يخلّ بالأركان
قال صلّى الله عليه وسلّم: أسوأ الناس سرقة من يسرق من صلاته. ونظر الشبلي إلى رجل يسرع في صلاته فقال له: إنك لتخون، وبعد الخيانة لا تقبل الأمانة. وقال بعضهم: إن الصلاة مكيال فمن وفى وفي له ومن طفف ف وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
«1» . وصلّى رجل صلاة خفيفة ثم قال:
اللهم زوجني من الحور العين، فقال أعرابي: بئس الخاطب أنت أعظمت الخطبة وأسأت النقد. ونظر الجماز إلى من يخففها فقال صلاتك رجز فأتى في التشبيه بما هو من صنعته.
عذر من صلّى صلاة خفيفة
صلّى رجل صلاة خفيفة فقيل له ما هذه الصلاة؟ قال: صلاة ليس فيها رياء. وصلّى بعض العلماء فخفّف وقال: أغالب شيطاني. ورأى أبو حنيفة رجلا يصلّي ولا يركع فقال ما
(2/463)

هذا؟ فقال: إني رجل عظيم البطن فإذا صليت وركعت ضرطت فأيما أحسن.
عتب إمام يطيلها
قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ رضي الله عنه: أفتان أنت يا معاذ. وقال عثمان بن أبي العاص:
آخر ما عهد إلينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: إذا أممت قوما فأخف بهم الصلاة. وقرأ إمام سورة طويلة فعاتبه من كان خلفه، فقال الإمام: قد قرأ أبو بكر البقرة وآل عمران في صلاة الصبح، فقال الرجل: قد رأيت ما فعل أهل الردة من هذا وأشباهه. وأطال إمام الصلاة فلما فرغ عاتبه من كان خلفه فقال: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، فقال الرجل: أنا رسول الخاشعين إليك، إنك ثقيل وإنهم لا يقدرون على احتمال بردك.
المعيّر بترك الصلاة
قال أبو العيناء لابن مكرم: قم وصلّ فقال قد جمعت بينهما، فقال: نعم بالترك. كان بأصبهان رجل يقال له الكناني في أيام أحمد بن عبد العزيز، وكان يتعلم أحمد منه الإمامة فاتفق أن تطلعت عليه أم أحمد يوما وقالت: يا فاعل جعلت ابني رافضيا، فقال الكناني: الرافضة تصلّي كل يوم إحدى وخمسين ركعة وابنك لا يصلي كل أحد وخمسين يوما ركعة.
المكره على الصلاة
أمر المنصور أبادلالة أن يلازم الصلاة، فقال:
ألم تعلموا أن الخليفة لزّني ... بمسجده والقصر مالي وللقصر
أصلّيهما كرها على غير نيّة ... فمالي في الأولى ولا العصر من أجر
ويحبسني عن مجلس أستلذّه ... أعلّل فيه بالغناء وبالخمر
وما ضرّه والله يصلح أمره ... لو أن ذنوب العالمين على ظهري
وله:
وجفاني الأمير كي أتقرأ ... فتقرأت مكرها لجفائه
والذي أنطوى عليه المعاصي ... علم الله نيتي من سمائه
وكانت امرأة تكره ابنها على الطهارة والصلاة وهو يأبى، فقال: أرضي بإحداهما فقالت: رضيت بالطهارة. فلما تطهّر قالت له: صلّ فالطهارة بلا صلاة ليست بشيء فضرط وقال: نقضت فنقضنا.
طرف من صلاة الأعراب
أقام أعرابي فقال: على العمل الصالح قد قامت الفلاح. ثم قام يصلّي فقال: اللهم حسبي ونسبي واردد ضالّتي واحفظ هملي والسلام عليكم. ودخل أعرابي الحضر فقام يصلّي في الصف الأول فقرأ الإمام ألم نهلك الأولين؟ فتأخر إلى الآخر، فقال ثم نتبعهم
(2/464)

الآخرين. فخرج من المسجد يقول: يا ابن الفاعلة أهلكت الفريقين.
وصلّى أعرابي مع قوم فلما سجدوا عدا وقال: قد صعق القوم ورب الكعبة. وصلّت أعرابية مع الجماعة فقرأ الإمام: وأنكحوا الأيامى وأرتج عليه، فجعل يرددها، فخرجت الأعرابية إلى أخيها فقالت يا أخي ما زال الإمام يأمرهم بنكاحنا حتى خفت أن يثبوا عليّ
المتبجّح بترك الصلاة
رؤي أبو نواس وهو يصلي في الجماعة فقيل له: ما هذا؟ فقال أردت أن يرتفع إلى السماء خبر ظريف. وقال السفّاح لأبي دلامة: الصلاة، فقال حتّى تذهب حمياها قال وما حمياها؟ قال: الركعتان الأولتان لأنهما أطول.
وقال بعضهم: تعلمت من أحاديث النبي صلّى الله عليه وسلّم ثلاث أحاديث ونصفا الأول إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال، الثاني ليس من البر الصيام في السفر، الثالث إذا حضرت الصلاة والعشاء فابدأوا بالعشاء. ونصف الحديث: حبب إليّ من دنياكم ثلاث النساء والطيب، وقد قال وجعلت قرة عيني في الصلاة.
المعتذر لتركه الصلاة
قال الأصمعي: رأيت أعرابيا في يوم بارد وقد عمد إلى أكمة فكنسها بشملته ثم توجه إلى القبلة، فقال:
إليك اعتذاري من صلاتي قاعدا ... على غير طهر مؤمنا نحو قبلة
فمالي ببرد الماء يا ربّ طاقة ... ورجلاي لا تقوى على ثني ركبتي
ولكنني أحصيه والله جاهدا ... واقضيكه يا ربّ في وجه صيفتي
فإن أنا لم أفعل فأنت مسلّط ... بما شئت من صفعي ومن نتف لحيتي
وقال ابن طباطبا:
وماطلت ربي بالصلاة ولم يزل ... يساهلني ربّي لحسن قضائي
المحرّض على ترك الصلاة
قال بعض الخاسرين لرجل كان يأتي الصلاة من أربع فراسخ ويكري حمارا بأربعة دراهم:
أنت تسير أربعة فراسخ وترجع أربعة وتضيع أربعة، وتغرم أربعة. ونظر بعض المعتزلة إلى رجل مغموم، فسأله فقال: فاتتني ركعة فقال إنما فاتك ما أدركته. وكان بعضهم يتباطأ عن الجمعة فرأى من يستعجل ويقول أخشى أن تفوتني الجمعة فقال: أنا أخشى أن أدركها.
صلاة الاستسقاء
خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاستسقى فقلب رداءه وكان يخطب يوم الجمعة، فدخل رجل المسجد، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطع النسل فادع الله أن يغيثنا، قال فرفع صلّى الله عليه وسلّم يديه وقال: اللهم أغثنا اللهم أغثنا.
(2/465)

قال أنس رضي الله عنه: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت أو دار. فطلعت سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المستقبلة فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يمسكها عنا، فرفع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الأشجار. وقال:
فانقلعت وخرجنا نمشي في الشمس.
(9) الزكاة
فضل التّصدّق ومدحه
في الخبر: الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء. وقال صلّى الله عليه وسلّم: ما تصدق أحد بصدقة إلا وقعت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، ثم قرأ: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ
«1» .
وقال: استنزلوا الرزق بالصدقة. وكان أهل الصفة إذا أمسوا ينطلق الرجل بالرجل والرجلين وسعد بن عبادة ينطلق بثمانين.
التداوي بالصدقة
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: الصدقة دواء منجح. وقال عليه الصلاة والسلام: حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا البلاء بالدعاء. وعاد حاتم الأصم بعض الأغنياء، فلما خرج، بعث إليه بمال، فقال: أهذا كان فعله في الصحة؟ فقيل: لا، فقال:
اللهم أدم حاله هذه فإنه صلاح الفقراء.
الحثّ على الصدقة بالقليل
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: اتقوا النار ولو بشق تمرة. وقال عليه الصلاة والسلام: لا يمنعكم من معروف صغره. وقال عليه السلام: لا تردوا السائل ولو بظلف محرق أوصلة حبل. وقال عليه السلام: لا تحقروا اللقمة فإنها تعود يوم القيامة كالجبل العظيم. ثم تلا: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ
«2» . وقال عليه الصلاة والسلام: مهور الحور العين فلق الخبز وقبصات التمر.
وقال صلّى الله عليه وسلّم: على كل مسلم صدقة. قيل: يا رسول الله أرأيت لو لم يجد. قال يعتمل بيده فينفع نفسه ويتصدق. قيل فإن لم يجد، قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قيل فإن لم يستطع، قال يأمر بالمعروف، قيل: فإن لم يستطع، قال: يمسك عن الشر فإن له صدقة.
(2/466)

وروي أن عائشة كانت تأكل العنب فتعرضت لها سائلة فأعطتها حبّة، فقيل لها في ذلك، فقالت: إن فيها مثاقيل ذر تعني بذلك قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ.
الحثّ على إخفاء الصدقة
قال الله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
«1» وقال: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ
«2» وقيل: لا خير في المعروف إذا ذكر، ولا في الصدقة إذا نشرت. وقال عليه السلام: ثلاث من كنوز الجنة، كتمان الصدقة والمرض والمصيبة. وقال جعفر بن أبي طالب: حسن الجوار عمارة الدار وصدقة السر مثراة للمال.
الحثّ على التصدّق أيام الصّحة
جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: أي الصدقة أعظم أجرا؟ فقال: أن تتصدق صحيحا تأمل العيش وتخاف الفقر، ولا تمهل حتى إذا كانت في الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا.
الحثّ على تطييب الصدقة
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لا يقبل الله صلاة بلا طهور ولا صدقة من غلول. وقال الله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
«3» فلما نزلت هذه الآية قام أبو طلحة فقال: أحب الأموال إليّ بئر ماء والصدقة لله تعالى أرجو ذكرها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال عليه السلام: بخ بخ إن ذلك مال رابح أرى أن تضعه في الأقربين، وقال بعضهم:
بنيت بما خنت الإمام سقاية ... فلا شربوا إلا أمرّ من الصّبر
فما كنت إلا مثل بائعة إستها ... تعود على المرضى به طلب الأجر
من يحبّ أن يتصدّق من غير ماله
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة فإن لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخادم مثل ذلك، ولا ينقص بعضهم أجر بعض.
ما يدلّ على وجوب الزكاة
قال الله تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ
«4» ، وقال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
«5» وقال: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها
«6» . وقال تعالى: وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
«7» . وقال تعالى:
(2/467)

وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
«1» . وقيل: الكنز هو كل ما لم تؤدّ زكاته بدلالة قوله عليه الصلاة والسلام: ما أدى زكاته فليس بكنز ولما منع الزكاة من منع من العرب. قال عمر لأبي بكر كيف تقاتل؟ وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله، فقال أبو بكر رضي الله عنه من حقّه أداء الزكاة والله لو منعوني عناقا لقاتلتهم على عنقها.
من يحب أن تدفع إليه الزكاة ومن لا يجوز دفعها إليه
قال الله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ
«2» وقال صلّى الله عليه وسلّم: إبدأ بمن تعول. وقال صلّى الله عليه وسلّم:
لا تردوا السائل ولو على فرس. وقال عليه السلام: قال رجل لا تصدقنّ بصدقة فخرج بصدقته فوقعت في يد سارق، وتصدق في اليوم الثاني فوقعت في يد زانية، وتصدق في اليوم الثالث فوقعت في يد غني فقيل له في ذلك، فساءه ذلك فأتى في منامه فقيل: إن الله قبل صدقتك فالزانية استعفت بصدقتك وكذلك السارق والغني اعتبر بصدقتك.
وقال أبو هريرة: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: كخ كخ ليطرحها، أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة. وقالت عائشة رضي الله عنها: أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم بلحم فقلنا هذا مما تصدق به على فلانة، فقال: هو لها صدقة وهو لنا هدية.
فرض الإبل
عن أنس بن مالك رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم التي أمر الله بها فمن سئلها على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطه في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم، وفي كل خمس شاة فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها ابنة مخاض فإن لم تكن ابنة مخاض، فابن لبون ذكر.
وإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون، وإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الفحل، فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها ابنا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقّتان طروقتا الفحل.
فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، ومن بلغت صدقته جذعة وعنده حقة، فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إذا استيسر أو عشرين درهما، فإذا بلغت صدقته الحقة وليست عنده حقة وعنده جذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المتصدق عشرين درهما أو شاتين.
(2/468)

صدقة البقر والغنم
روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر معاذا أن يأخذ من ثلاثين تبيعا ومن أربعين مسنة. وروي أنه أتى بدون ذلك فلم يأخذه وقال: لم أسمع من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيه شيئا حتى ألقاه فأسأله.
فتوفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل أن يقدم معاذ.
وقال عليه السلام: ليس في الغنم صدقة حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغتها ففيها شاة ولا شيء في زيادتها حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين، فإذا بلغتها ففيها شاتان وليس في زيادتها شيء حتى تبلغ مائتين وشاة، فإذا بلغتها ففيها أربع شياه ثم في كل مائة شاة.
وقال عمر رضي الله عنه: اعتد عليهم بالسخلة يروح بها الراعي ولا تأخذها ولا تأخذ الأكولة ولا الربي ولا الماخض ولا فحل الغنم وخذ الجذعة والثنية. وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ:
إياك وكرائم أموالهم.
صدقة الخلّيطين
في الحديث لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة. وما كان في الخليطين فإنهما متراجعان بالسوية، معناه لا يفرق بين ثلاثة خلطاء في عشرين ومائة شاة فإنما عليهم شاة وإذا كان لثلاثة كان فيها ثلاث شياه ولا يجمع بين متفرق رجل له مائة شاة ورجل له مائة شاة فإذا تركتا متفرقتين ففيهما شاتان وإذا جمعتا ففيهما ثلاث شياه.
فخشية الساعي أن تقل الصدقة وخشية رب المال أن تكثر فأمر كلا.
وفي حديثه عليه الصلاة والسلام: لا أخلاط ولا وراط. ومن أحبى فقد أربى وكل مسكر حرام.
وجوب الزّكاة في مال اليتيم لا المكاتب
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: اتجروا في مال اليتيم لا تأكله الصدقة. وروى جابر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لا زكاة في مال المكاتب وهو عبد ما لم يؤد كتابته بدلالة قوله صلّى الله عليه وسلّم المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
تعجيل الزكاة
روي أن العباس استأذن النبي صلّى الله عليه وسلّم في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فأذن له وشكوا خالدا والعبّاس وابن جميل فقال: أما العباس فإنا قد أسلفنا منه صدقة العام والعام المستقبل. وروي أنه عليه الصلاة والسلام استسلف بكرا من الصدقة.
ما لا تجب فيه الزكاة
قيل: لا تجب في عوامل الإبل صدقة بدلالة قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في سائمة الغنم زكاة، فدلالة خطابه دل أن لا زكاة في علوفتها. وقال عليه السلام: ليس في الكسعة ولا في الجبهة ولا في النحة صدقة. والأفراس عند الشافعي رضي الله عنه لا تحب فيها الزكاة،
(2/469)

وعند أبي حنيفة تلزم في إناثها ويستدل أن عمر رضي الله عنه جمع الصحابة واستشارهم حتى كتبوا إليه في الشأم أن أخرج المصدقين إليها فأوجب في كل فرس دينارا. وروى أصحابه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: في كل فرس سالم دينار وليس في المرابطة شيء.
زكاة الحبوب والثّمار
قال الله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ
«1» وروي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخذ الصدقة في الحنطة والشعير والذرة، وقال عليه السلام: فيما سقت السماء العشر. فلم يعتبر أبو حنيفة القدر وأوجب في القليل والكثير. والشافعي خصص هذا الخبر بقوله عليه السلام:
ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة فلم يوجب فيما دونها، وأما الخضراوات فقد أوجب أبو حنيفة رحمة الله عليه في جميعها الزكاة، بدلالة قوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ
. ومنع من إيجابه الشافعي استدلالا بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: ليس في الخضراوات صدقة.
خرص النّخل والكرم
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لليهود حين افتتح خيبر: ما أقركم إلا على أن التمر بيننا وبينكم؟ وكان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص عليهم ثم يقول: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي فكانوا يأخذونه. وقال عليه السلام في زكاة الكرم: تخرص كما تخرص النخل ثم يؤدي زكاته زبيبا كما يؤدي زكاة النخل تمرا وقال أبو حنيفة: لا يعتبر الخرص بدلالة ما روى جابر أنه نهى عن الخرص وعن المزابنة وهي بيع الثمار على رؤوس النخل بخرصه تمرا.
زكاة الذّهب والفضّة والعرض
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ليس فيما دون مائتي درهم شيء فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم وما زاد فبحسابه. وقال عليه السلام في الرقة ربع العشر، فأما الحلى فقد اختلف فيه. وروي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لامرأتين معهما حلى: أديا زكاتهما، وأنه قال: في الحلى زكاة. وروي عنه أنه قال: زكاة الحلى إعارتها.
وقال حماس: مررت على عمر بن الخطاب وعلى عنقي أدمة أحملها فقال: ألا تؤدي زكاتك يا حماس؟ فقلت: يا أمير المؤمنين مالي غير هذه راهت في القرظ. فقال:
ذاك مال فضع فوضعتها بين يديه فوجدها قد وجب فيها الزكاة فأخذها منها.
زكاة الفطر
روى ابن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر وعبد ذكرا وأنثى من المسلمين.
(2/470)

(10) وممّا جاء في الصوم
وجوب الصّوم
قال الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
«1» الآية وقال: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
«2» . وقال رجل للنبي صلّى الله عليه وسلّم أخبرني بما فرض الله من الصيام قال: شهر رمضان إلا أن تتطوع.
فضل شهر رمضان والصّوم
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر غفر له ما تقدم من ذنبه. وقال صلّى الله عليه وسلّم: إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وأغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين. وقال عليه السلام: يا معشر الشبان من استطاع منكم الباءة «3» فليتزوج فإنه أغضّ للبصر وأعف للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء.
وقال ابن عبّاس: ما صام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شهرا كاملا قط غير رمضان وكان يصوم إذا صام حتى يقول القائل لا يفطر، ويفظر حتى يقول القائل لا يصوم.
وقال ابن عبّاس رضي الله عنهما: أخبروا النبي صلّى الله عليه وسلّم إني أقول لأصومن النهار ولأقومن الليل ما غشت، فقال عليه السلام: إنك لا تستطيع ذلك، فصم وافطر ونم وقم وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر، فقلت: إني أطيق أكثر من ذلك قال: فصم يوما وأفطر يوما فذلك صيام داود وهو أعدل صيام فقلت إني أطيق أكثر من ذلك فقال عليه السلام: لا أفضل من ذلك.
النّيّة في الصوم
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل وروي من لم ينو الصوم قبل الفجر فلا صوم له. وروي أنه بعث إلى أهل العوالي وقد تعالى النهار إن من أكل فليمسك ومن لم يأكل فليصم. وتجوز النية للمتطوع في النهار عند الشافعي واستدل بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم دخل على بعض أزواجه فقال: هل عندكم غداء فقالوا لا، فقال: إني إذا صائم.
صوم عاشوراء
روى ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بصوم عاشوراء إلى أن فرض رمضان، وروي أن
(2/471)

معاوية دخل المدينة فخطب فقال: أين علماؤكم؟ سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: ما كتب الله عليهم صيامه فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر.
نفع الصوم وثوابه
سئل أبو عبد الله بن الحسين رضي الله تعالى عنه عن الصوم لم أوجبه الله تعالى؟
فقال: ليجد الغني الجوع فيعود بالفضل على الفقير وعن ابن مسعود رضي الله عنه: للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
وحدّث مجاهد: أيما رجل أكل عنده وهو صائم صلت عليه الملائكة ما دام ذلك الطعام يؤكل عنده. وعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا يصوم العبد يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه من النار خريفا.
رؤية هلال رمضان
قال صلّى الله عليه وسلّم: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم الهلال فعدوا ثلاثين. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: تراءينا الهلال فرأيته فأخبرته صلّى الله عليه وسلّم فصام وأمر الناس بالصيام. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: تراءينا الهلال على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فجاء أعرابي فشهد عنده أنه رأى الهلال، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أتشهد أن لا إله إلا الله وتمامه، فقال: نعم، فقال: يا بلال ناد في الناس أن يصوموا غدا.
وفي خبر آخر: لأن أصوم يوما من شعبان أحب إليّ من أن أفطر يوما من رمضان وروي أنه كان يقبل في هلال رمضان شهادة الواحد ولا يقبل في شهادة شوال إلا عدلين.
وأتى رجل في زمن عمر رضي الله عنه فشهد أنه رأى الهلال فقال: بأي عينيك رأيت الهلال؟ قال بشرهما وهي الباقية لأن الأخرى ذهبت مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في بعض غزواته، فأجاز شهادته.
كراهة رؤيته
نظر مخنث إلى قمر رمضان فقال أرانيك الله بالسل، فأخذه ابن المعتز فقال:
يا قمرا قد صار مثل الهلال ... من بعد ما صيّرني كالخلال
الحمد لله الذي لم أمت ... حتّى أرانيك بداء السلال
وطلبوا يوما هلال رمضان فقال لهم أبو مهدية: كفوا فما طلب أحد عيبا إلا وجده.
وصعد قوم لطلب هلال رمضان فلم يروه فلما أرادوا الانصراف رآه صبي فآراه القوم فقال له بعضهم: بشر أمك بالجوع المضني. وقيل لرجل: أما تنظر إلى الهلال فقال: ما أصنع به؟ محل دين ومقرب حين ومؤذن بالجوع.
(2/472)

ما يستحب للصائم تجنّبه
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: الصيام جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم. وقال صلّى الله عليه وسلّم: من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فلا حاجة لله أن يدع طعامه وشرابه.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقبّل وهو صائم ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإربه.
ما يفسد الصوم والكافرة المتعلّقة بإفطاره والرّخصة فيه
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: من ذرعه القيء لم يقض، ومن استقاء عامدا فليقض. وروي أن أعرابيا جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: هلكت وأهلكت فقال ما أهلكك؟ قال: واقعت امرأتي في نهار رمضان وأنا صائم، فقال: أعتق رقبة، فقال: لا أستطيع، فقال: صم شهرين متتابعين.
قال: لا أستطيع، قال فأطعم ستين مسكينا. قال: لا أستطيع. فأتى النبي صلّى الله عليه وسلّم بعرق من تمر فيه ثلاثون صاعا فقال: تصدّق به، فقال: ليس بين لابتيها أحوج إليه منّي فقال صلّى الله عليه وسلّم: كله أنت وعيالك. وقال: من أكل أو شرب في نهار رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة، وقال الله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ
«1» .
وقال صلّى الله عليه وسلّم في المرضع: إذا خافت على ولدها أفطرت ولزمها نصف صاع. وروى بعضهم إذا سافرنا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يعير المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر.
ما يفعل عن نسيان في الصوم مما ينافيه
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه. ومن النوادر في ذلك ما روي أن أبا هريرة أتاه رجل فقال: دخلت دارا فأطعموني ولم أدر فقال: الله أطعمك وسقاك، قال: ثم دخلت داري فجامعت، فقال ليس هذا فعل من تعوّد الصيام. وسئل عكرمة عن القبلة للصائم فقال هي كالخبز إذا وضعته على فمك.
الوقت المنهى عن الصوم فيه
نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن صوم يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق. وقال أيضا: ليس من البر الصيام في السفر. وقال: من صام في السفر فلا صام ولا أفطر. وهذا على مذهب الإمام أبي حنيفة، فأما الشافعي فمذهبه أنه مخير بين أن يصوم أو يفطر.
وروي أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أصوم في السفر، فقال: إن شئت فصم وإن شئت فافطر. وقال أنس رضي الله تعالى عنه: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصوم
(2/473)

يوم الجمعة فلا أكلم أحدا، فقال: لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها أو في شهر، ولأن تتكلم تأمر بمعروف وتنهى عن منكر خير من أن تسكت.
النهي عن المواصلة
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لا تواصلوا، قالوا: إنك لتواصل. قال: إني لست كأحد منكم إني أطعم وأسقي.
إباحة الأكل والجماع في ليالي الصوم
كان أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا كان أحدهم صائما فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها. وإن قيس بن صرمة كان صائما وكان يومه ذاك يعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك.
فغلبته عيناه فنام فجاءته امرأته فلّما رأته قالت: قد نمت، وذكر للنبي صلّى الله عليه وسلّم فنزل قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ
«1» إلى قوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ...
«2» الآية.
وقال عدي بن حاتم: لما نزلت هذه الآية عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لي الأبيض من الأسود تركت الأكل، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبرته فقال: إن كان وسادك لعريضا إنما ذاك بياض النهار وسواد الليل. وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم:
من أصبح جنبا أفطر ذلك النهار. فسألت عائشة عن ذلك فقالت: ليس كما قال: أشهد أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم إن كان ليصبح جنبا من جماع غير احتلام، ثم يصوم ذلك اليوم، ثم سئلت أم سلمة فقالت كقول عائشة، فلما رجع أبو هريرة قال: لا علم لي إنما أخبرنيه مخبر. وبعض الأخبار أنه قال أخبرنيه الفضل بن العباس.
ما يتّقوّى به على الصوم
قيل لرجل: كيف تقدر على الصوم في هذا الحر؟ فقال: من عرف قدر ما يسأله هان عليه ما يبذله. وقيل: قوام الصوم بثلاث من أطاقهن فقد ضبط الصوم: من تسحر وقال وأكل قبل أن يشرب وقيل: لا يقوى على الصوم إلا من كبر لقمه وطاب أدمه.
التسحّر والإفطار
في الخبر: من السنّة تعجيل الإفطار وتأخير السحور. وقال صلّى الله عليه وسلّم: لا تزال الناس بخير ما عجلوا الفطر. وقال أيضا: تسحروا فإن في السحور بركة.
(2/474)

الرّخصة في الإفطار عن التطوّع
روي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم آخى بين سلمان وأبي الدرداء. فرأى سلمان امرأة أبي الدرداء صيدلة، فقال لها: ما شأنك؟ فقالت: إن أخاك أبا الدرداء يقوم بالليل ويصوم بالنهار وليس له في شيء من الدنيا حاجة، فجاء أبا الدرداء فرحب به وقرب إليه طعاما فقال له سلمان:
أطعمه قال: إني صائم قال: أقسمت عليك لتفطرن، فقال ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل معه.
ثم بات عنده فلما كان من الليل أراد أبو الدرداء أن يقوم فسمعه سلمان فقال إن لجسدك عليك حقا، ولربك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، صم وافطر وصل وأت أهلك، وأعط كل ذي حق حقه. فلما كان وجه الصبح قال له: قم الآن إن شئت فقام وتوضأ ثم ركعا وخرجا إلى الصلاة، فدنا أبو الدرداء ليخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالذي أمره سلمان، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا أبا الدرداء إن لجسدك عليك حقا على ما قال سلمان.
المسّرة بإتيان الصوم
قال شاعر:
جاء الصيام فجاء الخير أجمعه ... ترتيل ذكر وتحميد وتسبيح
فالنفس تدأب في قول وفي عمل ... صوم النّهار وبالليل التراويح
أدعية الصّوم
كان صلّى الله عليه وسلّم يقول في شهر رمضان. اللهم سلمه لنا وتسلمه منا. وكان الربيع بن خيثم يقول: الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت. وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت.
التبرّم بالصوم في غير رمضان
. قيل لأعرابي: ألا تصوم البيض؟ قال: دعني منها فبين يديها ثلاثون كأنها القباطي.
وقيل لزيد: صوم يوم عرفة يعدل صوم سنة فصام إلى الظهر وقال يكفيني ستة أشهر فيها رمضان.
التبرّم بشهر رمضان
أسلم مجوسي فأطلّ عليه شهر رمضان فعجز عن الصوم. فقيل له: كيف ترى الإسلام فقال:
وجدنا دينكم سهلا علينا ... شرائعه سوى شهر الصيام
وقال ابن الرومي:
شهر الصيام وإن عظمت حرمته ... شهر ثقيل بطيء السير والحركة
(2/475)

يا صدق من قال أيام مباركة ... إن كان يكنى عن إسم الطول بالبركة
وقال آخر:
الغوث من شهر الصيام ... إذا صار لي مثل اللجام
ما إن أمتّع بالطعا ... م وبالمدام وبالغلام
وقال بعض الكتاب:
ثقل الصوم علينا ... أثقل الله عليه
زارني بالأمس خلّ ... كنت مشتاقا إليه
فمضى لم أقض منه ... حاجة كانت لديه
المسّرة بانقضاء شهر رمضان
قال أبو علي البصير:
أقول لصاحبي وقد بدا لي ... هلال الفطر من خلل الغمام
غدا نغدو إلى ما قد ظمئنا ... إليه من المدامة والغلام
ونسكر سكرة شنعاء جهرا ... وننقر في قفا شهر الصيام
وقال أبو نواس:
منّ شوال علينا ... وحقيق بامتنان
جاء بالقصف وبالعز ... ف وتغريد القيان «1»
أوفى الأشه ... ر لي أبعدها من رمضان
وقال السريّ:
تصرّم شهر الصوم شهر الزلازل ... وشال به شوال شهر الفضائل
ولاح هلال الفجر نضوا كأنه ... سنان لواه الطعن في رأس عامل
ودارت علينا الراح بين أهلّة ... تضيء وأغصان رطاب موائل «2»
فرحنا وفي أجسامنا سحر بابل ... يدبّ وفي أيمانا خمر بابل
التجاسر على ركوب المعاصي في رمضان
حكى بعض الناس أن ديك الجن رآه يوما في شهر رمضان. فقال له: هل لك في
(2/476)

سكباجة وشواء حنيذ وخمر صافية وغلام غرير يلهينا، فقلت: أفي هذا الوقت؟ فقال: أي والله، فأزريت به وأعرضت عنه، فقال:
وحياة ظبي لم أصم عن ذكره ... إلا عضضت تندما إبهامي
لا شافهنّ من الذنوب عظامها ... ينقد عنها جلد كلّ صيام
قال الخبزارزي:
أرى لي في شهر الصيام إذا أتى ... ليالي عيار وأيام عابد «1»
أناس بعلات الصيام تفرّجوا ... وكانت أمور باعتلال المساجد
صام أعرابي رمضان فلما اشتد به أفطر فقالت ابنته: ألا تصوم يا أبت؟ فقال:
أتأمرني بالصوم لا درّ درّها ... وفي القبر صوم يا أميم طويل
وقال:
طال ما عذبنا الصو ... م وقراء المصاحف
نوادر تارك صوم رمضان
قدم أعرابي إلى الوالي، فقيل له: إنه أفطر رمضان، فقال الأعرابي: إن الله يعلم أني صائم ولكني وجدت حماوة فؤادي فأردت أن أفثأها بشربة. وأسلم مجوسي يقال له مرزبان فأظله رمضان حار، فعجز عن الصوم فتناول خبزا واستتر في بيت يأكله، فرآه بعض أصحابه فقال له: من أنت؟ قال: أنا مرزبان آكل خبز نفسي من شؤمي في خفية. وقيل في مجلس عضد الدولة: إن الشيعة تعقد الصوم قبل وجوبه بيوم، وتخرج منه قبل رؤية الهلال بيوم.
وأهل السنة يعقدونه برؤية الهلال ويفارقونه. فقال: إنا نتسانن عند الدخول فيه ونتشيع عند الخروج منه ليحصل لنا يومان يوم من أوله ويوم من آخره.
الإعتكاف
قال الله تعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ
«2» . وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يعتكف في العشر الأواخر. وقال: التمسوها في العشر الأواخر يعني ليلة القدر. وكان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر.
وقال عمر: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال عليه السلام: أوف بنذرك.
(2/477)

(11) وممّا جاء في الحجّ والعمرة
وجوب الحج والعمرة
قال الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
«1» وقال صلّى الله عليه وسلّم:
الإستطاعة الزاد والراحلة. وقيل: لما أهبط آدم إلى الأرض أمره الله تعالى بحج البيت. وفي رواية أن الملائكة لقيت آدم بمكة عند باب زمزم فهنأنه على ذلك، وقالت له: يا آدم برّ حجك، فلقد حججناه قبلك بألفي عام. ثم أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام بالآذان بالحج فقال: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ
«2» الآية. فقال إبراهيم وأين يبلغ ندائي؟ فقال الله تعالى: عليك النداء وعلينا الإبلاغ فوقف إبراهيم على أبي قبيس أو بين البيت والمقام، فنادى فأجابه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء. وقال تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
«3» وقال صلّى الله عليه وسلّم: من وجد زادا وراحلة وأمكنه الحج ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا. وقال: حجوا قبل أن لا تحجوا. وقال: حجة مبرورة لا ثواب لها إلا الجنة. وقال: علامة الحجة المبرورة أن يكون صاحبها بعدها خيرا منه قبلها. وقال: الحج والعمرة فريضتان.
فضل الحج
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: من مات في هذا الطريق جائيا أو ذاهبا لقيه الله تعالى يوم القيامة ولم يحاسبه وأدخله الجنة. وقال: ما من أحد جاء يؤم البيت العتيق فركب بعيره ألا لم يرفع البعير خفا إلا كتبت له به حسنة ومحيت عنه سيئة. وقال: من حج هذا البيت أو اعتمر فلم يرفث ولم يفسق كان كمن ولدته أمه. وقال: من حجّ وعليه دين قضى الله دينه.
واستأذن رجل الجنيد في الحجّ فقال: جرّد قلبك من اللهو ونفسك من السهو ولسانك من اللغو.
فضيلة العمرة
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: العمرة إلى العمرة كفّارة ما بينهما. وقال: عمرة في رمضان تعدل حجة. وقال ابن عبّاس: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفر. ويقولون إذا وبر الوبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر.
(2/478)

فلما قدم النبي صلّى الله عليه وسلّم صبيحة رابع مهل ذي الحجة، أمرهم أن يحلوا، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: الحل كله وقال أيضا: لولا أني سقت الهدى لفعلت مثل الذي أمرتكم ولكن لا أتحلل من حرام حتى يبلغ الهدي «1» محله.
النيابة في الحجّ
روي أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع إن يستمسك على راحلته، فهل ترى أن أحج عنه؟ فقال: نعم، قالت: أفينفعه ذلك، قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان ينفعه؟ قالت: نعم فقال صلّى الله عليه وسلّم:
ودين الله أحق أن يقضى.
وروى ابن عباس: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سمع رجلا يلبي عن شبرمة فقال: ومن شبرمة؟
قال: أخ لي أو قريب لي، قال: وهل حججت عن نفسك؟ قال: لا قال: هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمتك.
كيفيّة حجّة النّبي صلّى الله عليه وسلّم
اختلفت الصحابة في حجّ النبي صلّى الله عليه وسلّم فمنهم من قال أفرد، ومنهم من قال قرن، ومنهم من قال تمتّع. والصحيح هو الأول عند الشافعي رضي الله تعالى عنه لما روى جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم مكث تسع سنين لم يحجج، ثم أذن في الناس بالحج، فخرج وأحرم صلّى الله عليه وسلّم ينتظر القضاء، ولم ينو أحد بهما فلما دخلنا مكة وسعينا بين الصفا والمروة نزل عليه القضاء بأن من ساق الهدى فليقم على إحرامه، ومن لم يسق فليجعلها عمرة.
وروى أنس رضي الله عنه أنه قرن، فقال نافع: دخلت على ابن عمر فأخبرته بما قال فقال: رحم الله أنسا، إن أنسا كان يتولج على النساء متكشفات الرؤوس لصغره في ذلك الوقت وأنا كنت تحت ناقة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصيبني لغامها أسمعه يلبّي بالحج، وقال صلّى الله عليه وسلّم:
لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة.
الإهلال بالحجّ وتقبيل الحجر والوقوف بعرفة
جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: ما بر الحج قال: العج والثج، فالعج الإهلال والثج النحر، وقال صلّى الله عليه وسلّم إن الله يحب الشعث الغبر والثجاج والعجاج. وكان عمرو بن معد يكرب يقول: الحمد لله لقد رأيتنا من قريب ونحن إذا حججنا نقول:
لبيك تعظيما إليك عمرا ... نغدو بها مضمرات شزرا «2»
قد تركوا الأوثان خلوا صفرا
(2/479)

ونحن نقول اليوم كما علمنا النبي صلّى الله عليه وسلّم: لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. وأتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحجر فقبله وقال: إني أعلم أنك حجر أسود لا تضرّ ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقبلك ما قبلتك. وقال عروة بن مضرس رأيت النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يجمع فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبلي طيء، لم أدع جبلا إلا وقفت عليه فهل لي من حج فقال صلّى الله عليه وسلّم: من صلّى هذه الصلاة معنا وقد وقف قبل ذلك بعرفة من ليل أو نهار فقد تم حجه وقضى تفثه «1» .
دخول البيت والخروج منه
لا يجوز لأحد دخول الحرم إلا محرما إلا الحطابين والرعاة، وحرّم على المشركين دخول الحرم. وقال البراء: كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها فجاء رجلا فدخل من بابه فقيل له في ذلك فنزلت هذه الآية: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها
«2» .
السّعي والطواف
قال عروة: قلت لعائشة رضي الله عنها أرأيت قول الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ
«3» (الآية) ما على أحد جناح أن لا يطوف بهما قالت: بئسما قلت، يا ابن أختي، لأنها لو كانت على ما أولتها عليه لكانت أن لا يطوف بهما ولكنما أنزلت هذه الآية إن هذا الحي من الأنصار كانوا قبل أن أسلموا يتحرجون أن يطوفوا بالصفا والمروة فلما أسلموا سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله هذه الآية، ولما قدم النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: قدم عليكم قوم قد وهنتهم الحمى فقعد لهم المشركون فأمرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يرملوا ثلاثة فصار ذلك سنة.
ما يجب للمحرّم تجنّبه
قال الله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
«4» ورأى النبي صلّى الله عليه وسلّم أعرابيا متضمخا بالحلوق فقال صلّى الله عليه وسلّم: إنزع الجبة واغسل الصفرة، وكان صلّى الله عليه وسلّم يتطيب لإحرامه. وروي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى النساء عن القفازين والنقاب ومس الورس والزعفران.
وقال صلّى الله عليه وسلّم: لا ينكح المحرم ولا ينكح. وحرم الله تعالى الصيد على المحرم في حال الإحرام، وأوجب فيه كفارة فقال تعالى: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ
«5» .
(2/480)

الرّمي والحلق
روى ابن عباس قال: قدمنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة المزدلفة أغيلمة بني المطلب على جمرات العقبة، وجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أبنيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس.
وقال ابن عمر: وقف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمنى في حجة الوداع للناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله نحرت قبل أن أرمي، فقال: إرم ولا حرج. قال: فما سئل يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال إفعل ولا حرج.
حرم مكة والمدينة
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من قطع شجرة من الحرم صوّب الله رأسه في جهنم. وقال يوم فتح مكة: إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا ينفر صيده ولا يعضد شوكة ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلي خلاه ولا يحل فيه القتال لأحد من بعدي. ولم يحلل إلا ساعة من نهار.
وقال صلّى الله عليه وسلّم: صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة فيما سواه. وقال عليه الصلاة والسلام: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدكم هذا والمسجد الأقصى. وحرم ما بين لأبتي المدينة ونهى عن الصيد فيه.
وقال: من أخذ رجلا يصيد فيه فله سلبه وسلب سعد بن أبي وقاص. من رآه يصيد في حرم المدينة فكلموه فيه، فقال: لا أرد عليكم طعمة أطعمنيها الله، ولكن إن شئتم أعطيتكم ثمن سلبه.
زيارة قبره صلّى الله عليه وسلّم
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة. وقال: من صلّى عليّ عند قبري سمعته ومن صلّى عليّ من البعد سمعته.
إباحة المبايعة وكراهتها للحجّاج
قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان ذو المجان وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
«1» . وقالوا: ما حج ولكن دج أي خرج للتجارة، وقيل فلان حاج أو داج.
وقال الفضيل رحمه الله: وضعت مكة للعبادة والتوبة والحج والعمرة والزهادة
(2/481)

وأعمال الآخرة ولم توضع للتجارة، ولا يغرنّك أقوام اتخذوا فيها حوانيت ويقولون نحن مجاورون وقد أعياهم الكسب في بلادهم فصاروا فيها تجارا، كذبوا ما هم بمجاورين إنما المجاور من هو مقيم بها للعبادة وعمل الآخرة، فينفق من فضل الله ما آتاه لله ولا يكسب فيها ولا يشغل نفسه بالكسب فيها، ولأن ترجع إلى بلدك فتشتري به وتبيع وتحج في كل عشرين سنة أحب إليّ من أن تكون مقيما بمكة تحج وتعتمر كل سنة وتبيع وتشتري فيها.
دخول البادية بلا راحلة ولا زاد
قال علي بن الموفق، وكان من كبار الصوفية متحققا مجتهدا: حججت ستين سنة فكنت سنة في محملي، فرأيت رجالة، فأحببت أن أمشي معهم، فنزلت ومشيت وتقدمت الناس ثم عدلنا إلى الطريق فنمت فرأيت في المنام جواري لم أر كحسنهنّ، معهنّ طسوت من ذهب وأباريق، فأقبلن على أولئك المشاة يغسلن أرجلهن حتى بقيت فأرادت واحدة أن تغسل رجلي، فقالت لها أخرى: ليس ذا منهم، هذا له محمل. فقالت: بلى أحبّ أن يماشيهم فغسلت رجلي فذهب عنّي كل تعب.
وسئل الجلاء عن رجال يدخلون البادية بلا زاد فقال: هم رجال ال