Advertisement

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة 001



الكتاب: نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
المؤلف: المحسن بن علي بن محمد بن أبي الفهم داود التنوخي البصري، أبو علي (المتوفى: 384هـ)
عام النشر: 1391 هـ
عدد الأجزاء: 8
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[المقدمة]
مقدمة المحقق
القاضي أبو عليّ، المحسّن بن عليّ التنوخيّ «1» ، ووالده القاضي أبو القاسم، عليّ بن محمد «2» ، وولده القاضي أبو القاسم عليّ بن المحسّن «3» ، أسماء لامعة في عالم الأدب والشعر والقضاء.
وكتاب نشوار المحاضرة، تأليف القاضي أبي عليّ، المحسّن التنوخيّ، من الكتب النادرة المثال، في عالم الكتاب العربي.
قضى التنوخيّ، في تصنيف كتابه هذا، عشرين عاما «4» ، وأخرجه في أحد عشر مجلدا «5» ، واشترط فيه على نفسه، أن لا يضمّنه شيئا نقله من كتاب «6» .
وقدّم المؤلف، كتابه النشوار، للقرّاء، بأنّه «كتاب يشتمل على ما تناثر من أفواه الرجال، وما دار بينهم في المجالس» «7» .
وقال: إنّه سمّاه «نشوار المحاضرة «8» ، لأنّ النشوار ما يظهر من كلام
(المقدمة/5)

حسن. يقال: إنّ لفلان نشوارا حسنا، أي كلاما حسنا» .
وذكر عن سبب تأليفه الكتاب «إنّه اجتمع قديما مع مشايخ، قد عرفوا أخبار الدول، وشاهدوا كل غريب عجيب، وكانوا يوردون كلّ فنّ من تلك الفنون، فيحفظ ذلك، ويتمثل به. فلما تطاولت السنون، ومات أكثرهم، خشي أن يضيع هذا الجنس، فأثبته في هذا الكتاب» .
وقال: إنّه ألّف هذا الكتاب «ليستفيد منه العاقل اللبيب، والفطن الأريب، ويجد فيه ما يحثّه على العلم بالمعاش والمعاد، والمعرفة بعواقب الصلاح والفساد، وما تفضي إليه أواخر الأمور، وتساس به كافة الجمهور» .
وقال المؤلف مزهوّا بكتابه: «إنّه ما سبق إلى كتب مثل هذا الكتاب، ولم تخلّد بطون الصحف، بشيء من جنسه وشكله» . وإنّ كثيرا مما ورد في الكتاب «لا نظير له، ولا شكل، وهو وحده جنس وأصل» .
ثم تراجع عن زهوه، فختم المقدمة متواضعا، وقال: «إنّه يرجو أن لا يبور ما قد جمعه، ولا يضيع ما قد تعب فيه وكتبه، فلو لم يكن فيه إلّا أنّه خير من أن يكون موضعه بياضا، لكانت فائدة» .
بدأ تعلّقي بكتاب النشوار، عند مطالعتي ما أصدرته المطابع من أجزائه «1»
(المقدمة/6)

وكنت كلما أعدت مطالعة جزء من تلك الأجزاء، زاد تعلّقي به، وحاولت مرّات ومرّات، أن أبحث عن الأجزاء الضائعة، فأضمّها إلى المطبوعة، في طبعة جديدة، أبذل الجهد في تحقيقها، والعناية في إخراجها، ولكنّ انصرافي إلى عملي في المحاماة، كان يحول بيني وبين ذلك، ثم انفسح لي من بعد ذلك، وقت قصرته على تحقيق رغبتي السالفة، في البحث عن الأجزاء الضائعة من النشوار، وتحقيق ما طبع من تلك الأجزاء.
وبدأت، فجمعت أفلاما للنسخ المخطوطة من كتاب النشوار، فاجتمع عندي، فلم مخطوطة الجزء الأول، من المكتبة الوطنية بباريس «1» ، وفلم مخطوطة مجلّد يشتمل على الجزئين الأول والثاني، من مكتبة مراد ملا باصطنبول «2» ، وفلم مخطوطة تشتمل على أحد أجزاء النشوار، كانت من جملة كتب مكتبة العلامة أحمد تيمور رحمه الله في القاهرة «3» ، وفلم مخطوطة تشتمل على الجزء الثامن من النشوار، من مكتبة المتحف البريطاني في لندن «4» ، وفلم مخطوطة بعنوان «نشوان المحاضرة» بعث به إليّ أحد إخواني من مصر، حسبه أحد أجزاء النشوار، وتبيّن لي أنّه من تأليف سبط بن الجوزي المتوفى سنة 654، وتشتمل هذا المخطوطة على أقاصيص وحكايات، على غرار النشوار، ولم يخل اطّلاعي عليها من فائدة، فقد وقعت فيها على بعض حكايات النشوار الضائعة.
(المقدمة/7)

وقد أدرجت، بعد هذه المقدمة، وصفا مختصرا، لكل واحدة من هذه المخطوطات.
وتبيّن لي من المقارنة، بين مخطوطة باريس (ب) ، ومخطوطة اصطنبول (ط) ، أن مخطوطة باريس، وإن كان قد وصفت بأنّها الجزء الأول، إلا أنها قد اشتملت على أكثر ما ورد في مخطوطة اصطنبول التي ضمّت الجزئين الأول والثاني، وحيث أن المؤلف، رحمه الله، عيّن لنا، في مقدمة الجزء الأول، حجم كل جزء من أجزاء مؤلفه، بأنّه مائة ورقة، فقد رأيت أن هذا الوصف، ينطبق على ما ورد في مخطوطة اصطنبول، فاتخذت تلك المخطوطة أساسا للتفريق بين الجزئين، وأثبتّ ما انفردت به كلّ مخطوطة، مضافا إلى ما اتّفقتا في استيعابه، لئلا تضيع الفائدة من إيراد ما اشتملت عليه المخطوطتان، بصورة كاملة.
ولمّا كان الجزء الثاني من النشوار، قد تعيّن، بظهوره في مخطوطة اصطنبول، فقد اعتبرت جزءا ثالثا من النشوار، المخطوطة التي اشتملت عليها المكتبة التيمورية، وهي المخطوطة التي سبق أن طبعت بدمشق، باعتبارها جزءا ثانيا، ونشرت في أجزاء مجلة المجمع العلمي العربي.
ثم حاولت، من بعد ذلك، أن أتتبّع الفقرات الضائعة من النشوار، في ثنايا الكتب، فأعيد جمعها، وكان ذلك بدء عمل مضن، بذلت فيه وقتا، وجهدا، وصبرا، وراجعت مؤلّفات ابن الجوزي: المنتظم، والأذكياء، وأخبار الحمقى والمغفلين، وذم الهوى، وتلبيس إبليس، كما راجعت تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وتاريخ الوزراء للصابي، ومؤلّفي ياقوت الحموي: معجم الأدباء، ومعجم البلدان، ووفيات الأعيان، وغيرها من الكتب، فوجدت فيها ينبوعا ثرّا، من القصص التي تروى عن
(المقدمة/8)

مؤلف النشوار، غير أنّها وردت بأسماء مختلفة «1» ، ووجدت أن قسما من تلك القصص، قد أثبتت في الأجزاء المنشورة من النشوار «2» فتأيّد لي من ذلك،
(المقدمة/9)

أن القصص التي وردت مرويّة عن أصحاب تلك الأسماء، إنّما هي مرويّة عن صاحب النشوار، وإنّها قد اقتطعت من ذلك الكتاب، فاستللتها من مواضعها، وضممتها إلى بعضها، واعتبرتها من الفقرات الضائعة من النشوار، وسأعنى بتحقيقها، ونشرها، إن شاء الله، في أجزاء متتابعة.
(المقدمة/10)

وتبيّن لي من دراسة قصص النشوار، ما طبع منها، وما لم يطبع، أن المؤلف بدأ بجمع كتابه هذا في السنة 360 «1» ، ثم بدأ في السنة 373 أو بعدها، فاقتطع منه مجموعة من القصص التي تشتمل على أحاديث تتعلق بمن ابتلي، ثم سرّي عنه، وضمّها إلى قصص أخرى نقلها من الكتب، فأخرجها كتابا سمّاه «كتاب الفرج بعد الشدّة» «2» .
قال القاضي التنوخيّ: إنّه لم يسبقه أحد إلى كتب مثل هذا الكتاب، وأقول أنا: إنّه لم يسبقني أحد، إلى ما قمت به من استخلاص الفقرات الضائعة من النشوار، والبحث عنها في مظانّها، حتى تمكّنت، بعد الكد والتعب، أن أستخلص فقرات، قد تتّسع لها مجلدات أربعة، وإن مد الله في عمري، فسوف أخرج هذه المجلدات المشتملة على الفقرات الضائعة.
ولعلّ بعض القصص التي نقلتها، كانت من رواية أبي القاسم التنوخي، ابن المؤلف، ولعلّ بعض القصص، وإن كانت من رواية المؤلف، إلّا أنّه ليس ثمّة دليل قاطع، على أنّها مما اشتمل عليه كتاب النشوار، وردّي على من اعترض على إيرادها، عين ما كتبه المؤلف في خاتمة مقدمة الجزء
(المقدمة/11)

الأول من الكتاب، حيث قال: «لو كان في إيراد هذه القصص، وتسجيلها، خير من موضعها بياضا، لكانت فائدة» .
ولا بد لي، في موقفي هذا، من توجيه الشكر الوافر، والثناء العاطر، إلى كل من أعانني في عملي هذا، وفي مقدمتهم الأساتذة قاسم محمد الرجب، صاحب مكتبة المثنى، والدكتور إحسان عباس الأستاذ في الجامعة الأمريكية ببيروت، والسيد ميخائيل عواد، الباحث المحقق، والدكتور صالح أحمد العلي الأستاذ في جامعة بغداد، والذوات الكرام القائمين بإدارة مكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت، والذوات الكرام القائمين بإدارة المعهد الألماني للأبحاث الشرقية ببيروت، فقد كان لمعونتهم، الأثر البيّن في إخراج هذا السفر.
والله أسأل، أن يكلل مهمتي بالنجاح، وأن يعينني على إخراج الأجزاء الباقية من هذا الكتاب القيّم، وأن ينفع به طلاب العلم والمعرفة. إنّه سميع مجيب.
بحمدون في 2/3/1971 عبود الشالجي المحامي
(المقدمة/12)

وصف محطوطة باريس (ب)
تشتمل هذه المخطوطة على الجزء الأول من كتاب نشوار المحاضرة، ورقمها في المكتبة الوطنية بباريس 3482 عربي، وقد رمز إليها في هذا الكتاب بحرف (ب) .
تشتمل على 193 ورقة كل ورقة في صفحتين، في كل صفحة 17 سطرا.
الخط جيّد قديم.
في صدر الكتاب: «كتاب نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة تأليف القاضي أبي عليّ المحسّن بن علي بن محمد بن أبي الفهم التنوخي غفر الله له ولوالديه ولنا ولوالدينا ولجميع المسلمين» .
وقد أضاف ناسخ آخر، إلى ما تقدّم، بخطّ حديث، هذه الجملة:
«كتاب جامع التواريخ المسمى» ، وهذه الإضافة هي التي أدّت إلى الوهم الذي وقع فيه ناشر والأجزاء المطبوعة من النشوار، فسمّوه «جامع التواريخ» .
وفي آخر الكتاب، ورد ما يلي:
«وكان الفراغ من كتابته في يوم الجمعة مستهل رجب الفرد سنة ثلاثين وسبعمائة الحمد لله وصلواته على سيدنا محمد وآله وسلم» .
(المقدمة/13)

وصف مخطوطة اصطنبول (ط)
تشتمل هذه المخطوطة على الجزئين، الأول والثاني من النشوار، وهي محفوظة في مكتبة مراد ملا في اصطنبول، وقد رمزت إليها في هذا الكتاب بحرف (ط) .
الخط حسن قديم، وفيه تصحيف كثير.
تشتمل المخطوطة على 213 ورقة، كل ورقة، في صفحتين. في كل صفحة 17 سطرا.
الجزء الأول من 1 إلى 105، وصدر النسخة مدوّن فيه: «الجزء الأول من نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، للتنوخيّ.
وعلى النسخة أسماء أشخاص ملكوها، أحدهم: أبو بكر بن رستم بن أحمد الشيرواني.
وفي آخر النسخة: «تمّ الجزء الأول، ويتلوه في الجزء الثاني بمشيئة الله، قد قدمت في الجزء الأول الحمد لله والثناء عليه، وذكرت من الأخبار ما لم تدر، مما لم تجر العادة بكتب مثلها، ولا ما يكاد أن يتجاوز به الحفظ» .
الجزء الثاني من 106 إلى 213. وصدر النسخة مدوّن فيه: «الجزء الثاني من نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» .
وفي آخر النسخة: «الحمد لله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما» .
وبعد هذا مطالعة ورد فيها: أنهيته مطالعة.
أبو بكر بن رستم الشيرواني سنة 1097
(المقدمة/14)

وصف المخطوطة التيمورية
تشتمل هذه المخطوطة على 129 ورقة، في كلّ ورقة صفحتان، في كلّ صفحة 15 سطرا.
خطّها قديم، وسط، وفيه تصحيف كثير.
مخرومة الآخر.
وصف مخطوطة المتحف البريطاني
تشتمل هذه المخطوطة على الجزء الثامن من كتاب نشوار المحاضرة ورقمها في مكتبة المتحف البريطاني 9586 شرقي.
تشتمل على 110 ورقة، في كل ورقة صفحتان، في كل صفحة 15 سطرا.
الخط جيد وقديم، والتصحيف قليل.
جزء من المقدمة مخروم.
في آخر الكتاب، ورد: «تمّ الجزء الثامن ويتلوه التاسع، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين» .
(المقدمة/15)

وصف مخطوطة كتاب نشوان «1» المحاضرة تأليف سبط بن الجوزي
تشتمل هذه المخطوطة، على 180 ورقة، الورقة في صفحتين، الصفحة 19 سطرا.
وجه الكتاب: نشوان «2» المحاضرة للعلامة سبط بن الجوزي عفي عنه آمين وأول الكتاب: «الحمد لله الذي صرف أفكار قلوبنا إلى السراط المستقيم ونورها بنور الهداية إلى الدين القويم، وتوحد بالعزة والجبروت، وتفرّد بالملك والملكوت» .
وآخر الكتاب: «تم الكتاب بحمد الله وعونه، والحمد لله وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله» .
(المقدمة/16)

ترجمة المؤلف القاضي أبي عليّ المحسّن بن عليّ التنوخيّ
القاضي أبو عليّ، المحسّن بن عليّ التنوخيّ، وقد ساق ياقوت الحمويّ، نسبه إلى قضاعة «1» هو ابن القاضي أبي القاسم، عليّ بن محمد التنوخي «2» ، ولد الأب سنة 278 في أنطاكية، ونشأ بها، ولمّا زار الخليفة المعتضد أنطاكية في السنة 287 «3» ، كان التنوخيّ الأب، صبيّا في المكتب «4» ، وكان لأبيه- جدّ المحسّن- موقف محمود، مع المعتضد، إذ أقنعه بالرجوع عمّا صمّم عليه، من هدم سور المدينة.
قدم التنوخيّ الأب، بغداد، في حداثته «5» ، فأتمّ دروسه فيها، وتفقّه، وكان من الذكاء، والفطنة، وقوّة الحافظة، على جانب عظيم «6» .
وكان قاضي القضاة- إذ ذاك- أبو جعفر، أحمد بن إسحاق بن البهلول، وهو تنوخيّ، وأبو القاسم تنوخيّ، فصادفت لياقة أبي القاسم، وذكاؤه، وفهمه، هذه الصلة بينه وبين قاضي القضاة «7» ، فقلّده القضاء بعسكر مكرم، وتستر، وجنديسابور، والسوس، وأعمال ذلك، وكان ذلك في السنة 311، وكانت سنّ أبي القاسم إذ ذاك 33 سنة «8» .
ولمّا سلّم قاضي القضاة، إلى أبي القاسم التنوخيّ، عهده بالقضاء، أوصاه بتقوى الله، وبأشياء من أمور العمل، وسياسته في الدين والدنيا،
(المقدمة/17)

وبأمر جاريه، أي راتبه، فقد كان مسبّبا، أي مقرّرا، على خزينة الأهواز «1» .
ولم ينس قاضي القضاة، أن يشدّد على أبي القاسم التنوخيّ، في النصيحة، بأن يكتم عن الناس، حقيقة سنّه، كيلا ينسب إلى الحداثة، وقلّة الحنكة.
ويقول أبو القاسم التنوخيّ، إنّ الصدفة الحسنة، أطلعت له، خلال سفره إلى محلّ عمله، شعرة بيضاء في لحيته، فأخذ يتعمّل لإخراجها، ليراها الناس، متجّملا بها «2» .
وكان تقليد أبي القاسم التنوخيّ، القضاء في جنوبي العراق، مبدأ صلة ربطت هذه العائلة بتلك المنطقة.
تقلّد أبو القاسم التنوخيّ، القضاء بهذه المنطقة، سنين، ثم صرف، فقصد الأمير سيف الدولة الحمدانيّ، زائرا ومادحا، فأكرم سيف الدولة مثواه «3» ، وأحسن قراه، وكتب في معناه إلى الحضرة «4» ببغداد، فاعيد إلى عمله، وزيد في رزقه، وولي القضاء رئاسة، بعهد كتبه له الوزير أبو عليّ ابن مقلة، وشهد الشهود عنده، فيما حكم بين أهل عمله بالحضرة، والظاهر أنّه تقلّد القضاء بالكرخ من الحضرة «5» .
إنّ ذكاء أبي القاسم التنوخيّ، وألمعيّته، أيّام تقلّده القضاء في جنوب العراق، نبّهت إليه أبا عبد الله البريديّ، شيخ البريديّين، وكان إذ ذاك، عاملا من عمّال السلطان في تلك المنطقة، فلمّا علت منزلته، وقويت سطوته، اجتذب إليه أبا القاسم التنوخيّ، فألحقه بخدمته، ونصبه مستشارا له، وأناط به الترسّل في أموره البالغة الأهميّة، التي لا يمكن أن يعوّل فيها، إلّا على شخص مثل أبي القاسم التنوخيّ، وافر الذكاء، عظيم الحرمة.
فقد كان في السنة 324 رسول البريديّ إلى القائد ياقوت، حيث عقد
(المقدمة/18)

معه صلحا، وزوّج ابنة البريديّ من ابن ياقوت «1» .
وفي السنة 325 كان رسول البريدي إلى الأمير أبي بكر بن رائق «2» .
كما إنّه في السنة 326 كان رسول البريديّ إلى أمير الأمراء بجكم، حيث عقد بينهما مصالحة، توّجت بزواج بجكم من سارة ابنة أبي عبد الله البريديّ «3» .
وفي هذا الوقت، ولد للقاضي أبي القاسم التنوخيّ، في السنة 327، بالبصرة، غلام سمّاه المحسّن، وهو صاحب النشوار «4» .
ولد المحسّن، في بيت فقه وعلم، فنشأ منذ طفولته محبّا للدرس، وهو يحدّثنا عن ذكرياته في الكتّاب «5» ، كما إنّه سمع من أبي بكر الصولي، وهو حدث «6» ، وكان أوّل سماعه الحديث، وهو في السابعة من عمره «7» .
والمحسّن، يعتبر البصرة بلده، ويتحدّث عن نفسه، باعتباره بصريّا، فيقول في إحدى قصصه: ولي الجهنيّ «عندنا بالبصرة» الحسبة «8» ، كما إنّه يروي في نشواره كثيرا من القصص، عن حوادث وقعت بالبصرة، وعن أشخاص بصريّين، لا يتسنّى لغير البصريّ، أن يتحدّث عنهم.
وتوفّي أبو عبد الله البريدي، في السنة 332، فأقام أبو القاسم التنوخيّ بالبصرة، وانضاف إلى المهلّبيّ، صديقه القديم «9» ، الذي بدأ نجمه يلمع في سماء العراق، منذ أن ترك خدمة أبي زكريا، يحيى بن سعيد السوسيّ «10» ، واتّصل بالأمير أبي الحسين أحمد بن بويه، الذي أصبح بعد أن استولى على العراق، الأمير معزّ الدولة.
(المقدمة/19)

ولقي أبو القاسم التنوخيّ، من الوزير المهلّبيّ، كل رعاية وعناية، وكان يميل إليه جدا، ويتعصّب له، ويعدّه ريحانة الندماء «1» ، وكان من جملة القضاة الذين يجتمعون، مع الوزير المهلّبي، مرّتين في كل أسبوع، على اطّراح الحشمة، والتبسّط في القصف واللهو «2» .
وبلغ من وفاء المهلبيّ، لأبي القاسم التنوخيّ، انّه لما توفيّ التنوخيّ في السنة 342، صلى عليه المهلبيّ، وقضى ما عليه من الديون، وكان مقدارها خمسون ألف درهم «3» .
نشأ المحسّن التنوخيّ، بالبصرة، وسمع من أبي بكر الصولي، وأبي العبّاس الأثرم، والحسين بن محمد النسويّ، وطبقتهم «4» ، وشبّ، وتفقّه، وشهد عند القاضي أحمد بن سيّار، قاضي الأهواز»
، ولمّا نزل الوزير المهلبيّ بالسوس، قصده المحسّن التنوخيّ، للسلام عليه، وتجديد العهد بخدمته، فرحّب الوزير به، وطالبه بأن يلحق به في بغداد، ليقلّده القضاء «6» ، فأطاع، ولحق بالمهلبيّ الذي كلّم في أمره قاضي القضاة، فقلّده في السنة 349 قضاء القصر، وبابل، بسقي الفرات «7» ، ثم ولاه المطيع لله القضاء بعسكر مكرم وايذج ورامهرمز «8» .
واستقر المحسّن التنوخيّ ببغداد، وشملته عناية الوزير المهلبيّ، فأصبح من ملازمي مجلسه، وقد أثبت في نشواره، قصصا عدّة، عن مكارم أخلاق المهلبيّ، وشريف طباعه «9» .
إنّ استعراض القصص التي أدرجها التنوخيّ في النشوار، ينير لنا الطريق
(المقدمة/20)

من آجل معرفة المدّة التي قضاها ببغداد، وما صادفه فيها من حوادث.
فهو يروي، في إحدى قصصه، حديثا سمعه من الأمير جعفر بن ورقاء الشيباني، في السنة 349 «1» .
كما يروي لنا، في قصّة أخرى، حديثا سمعه في السنة نفسها من أبي أحمد بن أبي الورد، شيخ من أبناء القضاة «2» .
وهو في إحدى قصصه، يروي لنا، أنّه اجتمع في السنة 350 بأبي عليّ بن أبي عبد الله ابن الجصّاص، وسأله عن أخبار والده، وأثبت أجوبته التي أجاب بها «3» .
كما يروي لنا، في قصّة أخرى، حديثا بلغه في نفس السنة، وهو ببغداد عن صوفيّ، سمع، فطرب، فتواجد، فمات «4» .
وقد اشتملت بعض قصصه عن مجالس الوزير المهلبيّ، على حوادث نصّ التنوخيّ على وقوعها في السنة 350 «5» والسنة 351 «6» .
وأورد، في موضع آخر من كتابه، أنّه حضر مجلس أبي العبّاس بن أبي الشوارب «7» ، قاضي القضاة- إذ ذاك-، وأنّه، أي التنوخيّ، كان يكتب له، على الحكم والوقوف بمدينة السلام «8» ، مضافا إلى ما كان
(المقدمة/21)

يخلفه عليه، بتكريت «1» ودقوقا «2» ، وخانيجار «3» ، وقصر بن هبيرة «4» ، والجامعين «5» ، وسوراء «6» ، وبابل «7» ، والإيغارين «8» ، وخطرنية «9» .
وقد تقلّد أبو العبّاس هذا، قضاء القضاة، في النصف الثاني من السنة 350 «10» ، وعزل في النصف الأول من السنة 352 «11» .
وهو في إحدى القصص «12» يخبرنا بأنّه كان في السنة 352 ببغداد، وأنّه زار أبا الغنائم ابن الوزير المهلبيّ وهنّأه بحلول شهر رمضان.
قصّ التنوخيّ علينا، في إحدى قصصه، أنّه سأل أبا الطيّب المتنبي، عن نسبه، وأنّ المتنبي اعتذر عن الإفصاح من حقيقة نسبه «13» ، وكان المتنبّي.
قد مرّ ببغداد، في السنة 353.
وكان وجود التنوخيّ في بغداد، قد سهّل له الاتّصال بمجموعة من العلماء، والأدباء، والشعراء، فهو في قصصه يروي لنا، ما أملاه عليه أبو
(المقدمة/22)

إسحاق الصابي «1» ، وما سمعه من ابن سكّرة الهاشميّ «2» ، ومن ابن الحجّاج «3» ، وإليه بعث أبو العلاء المعريّ، قصيدته الشهيرة، «هات الحديث عن الزوراء أو هيتا» «4» .
وأورد التنوخيّ، في إحدى قصصه، أنّه شاهد بيع ضياع شخص من أهالي عمان، اغتاله نقيب ديلميّ، اسمه كردك، واستولى على أمواله ظلما «5» ، ويلوح لي أنّ ذلك وقع في السنة 354.
والظاهر، أنّ المحسّن التنوخيّ، قد بارح بغداد، ما بين السنة 355 والسنة 360، ويتّضح هذا من فقرة وردت، في مقدّمة الجزء الأول من النشوار، حيث قال: واتّفق أنّني حضرت بمدينة السلام، في السنة 360، بعد غيبتي عنها سنين، فوجدتها محيلة ممّن كانت به عامرة ... الخ، وأنّ ذلك هو الذي دفعه إلى تأليف كتابه النشوار، حيث بدأ به في السنة 360، وأنهاه في السنة 380، على ما رواه غرس النعمة «6» ، وأثبته ياقوت في ترجمته» .
واستقرّ التنوخيّ، ببغداد، منذ السنة 360، وكانت حرمته باقية، فهو في إحدى قصصه، يحدّثنا عن شعر سمعه من الشاعر ابن الحجّاج في السنة 360 وهو ينشده في مجلس الوزير أبي الفضل الشيرازيّ «8» .
(المقدمة/23)

وهو يروي لنا، في إحدى قصصه، أنّ أبا الحسن ابن الأزرق التنوخيّ، أخبره في السنة 361، بأنّ خاطف المغنّية التي تغنّي بالقضيب، قد توفيت بمنزلها في جواره، في تلك السنة «1» .
أمّا في السنة 363، فقد روى لنا التنوخيّ، أنّه كان متولّيا القضاء بواسط «2» ، وهو في إحدى قصصه، يحدّثنا عن شيخ لقيه بواسط، في ربيع الأول من السنة 363 «3» .
وفيما بعد السنة 363، لجأ التنوخيّ، إلى البطيحة «4» ، هاربا من ابن بقيّة «5» ، وزير عزّ الدولة، بختيار «6» ، بن معزّ الدولة، حيث ألفى هناك جماعة من معارفه، كانوا يجتمعون في الجامع هناك، ويتشاكون أحوالهم.
ولعلّ فساد الصلة بين التنوخيّ، وبين الوزير ابن بقيّة، كان من أهمّ الأسباب التي قوّت علاقته بعضد الدولة، فإنّ التنوخيّ، تقدّم في عهد عضد الدولة، تقدّما عظيما، وتقلّد القضاء في أماكن عدّة، وأثبته عضد الدولة نديما له، وخصّص له كرسيا يجلس عليه في مجلس شرابه، وكثير من الندماء قيام «7» .
(المقدمة/24)

ويقصّ التنوخيّ علينا في إحدى قصصه «1» ، أنّه كان، ذات يوم، يماشي عضد الدولة، في دار المملكة بالمخرّم، وأنّ الملك حدّثه عن مقدار ما صرف على البستان والمسنّاة.
وفي السنة 367، كان التنوخيّ، في صحبة عضد الدولة «2» ، في حملته التي قام بها لاستئصال أبي تغلب بن حمدان، وقد قلّد التنوخيّ، جميع ما فتحه ممّا كان في يد أبي تغلب، مضافا إلى ما كان قد تقلّده من قبل، وهو:
حلوان وقطعة من طريق خراسان.
وهو في إحدى قصصه «3» يروي لنا، كيف ورد محمد بن ناصر الدولة، يحجل في قيوده، حتى دخل على عضد الدولة في الموصل، فأمر بقيوده ففكّت، وبالخلع فأفيضت عليه، وبالجنائب فقيدت معه.
وقيام التنوخيّ في السنة 369 بالخطبة في الاحتفال الذي جرى عند عقد زواج الخليفة الطائع، على ابنة الملك عضد الدولة «4» ، يدلّنا، على قوّة صلته، في ذلك الحين، ببلاطي الخليفة والملك.
وهو في إحدى قصصه «5» يروي لنا حديثا، حدّثه به، في السنة 370 الملك عضد الدولة، عن شقيق له اعتبط، وعن حلم حلمت به أمّه، ممّا
(المقدمة/25)

لا يتحدّث به أحد، إلّا لأخصّ الأصدقاء.
وبلغت الصلة بين التنوخيّ وعضد الدولة، من القوّة، بحيث أصبح يرافقه في أسفاره، وكانت هذه المرافقة، من أهمّ الأسباب التي جرّت عليه المصائب، فقد كان في همذان في السنة 371 «1» ، في معسكر الملك، وزار صديقه أبا بكر بن شاهويه، فحدّثه أبو بكر، حديثا، أخطأ التنوخيّ في الإفضاء به إلى أبي الفضل بن أبي أحمد الشيرازيّ، الذي نقله بنصّه وفصّه إلى عضد الدولة، فغضب عضد الدولة على التنوخيّ «2» ، غير أنّ غضبه ما برح أن انفثأ، وعاد معه إلى بغداد.
وكان عضد الدولة، قد زوّج ابنته من الخليفة الطائع لله، مؤمّلا أن تلد له حفيدا، يكون وليّ عهد الخلافة، وتصبح الخلافة في بيت بني بويه، ويصير الملك والخلافة، مشتملين على الدولة الديلميّة «3» .
ولكنّ الخليفة الطائع لله «4» الذي أحسّ بما أضمره عضد الدولة، أبعد هذه الابنة عن فراشه، فاهتمّ والدها بالأمر، ولم يجد خيرا من القاضي التنوخيّ، يتوسّط في القضية، بالنظر لعلاقته الطيّبة بالبلاطين، ولأنّه هو الذي خطب خطبة عقد النكاح «5» .
(المقدمة/26)

فطلب من التنوخيّ «أن يمضي إلى الخليفة، وأن يقول له عن والدة الصبيّة، إنّها مستزيدة لإقبال مولانا عليها» «1» .
وكأنّ التنوخي خشي مغبّة الدخول في هذا الحديث، أو كأنّه استشعر أن لا فائدة من التحدّث فيه، فقد أحسّ بأنّه أصبح بين نارين، إن كلّم الخليفة أغضبه، وإن اعتذر أغضب عضد الدولة، وهما أمران أحلاهما مرّ، فاختار لنفسه أن يتمارض، وحبس نفسه في داره، متعلّلا بالتواء ساقه، وأنّه لا يطيق مبارحة فراشه.
ولكنّ عضد الدولة، أحسّ بأنّ التنوخيّ متمارض، فبعث إليه من كشف أمره، وعندئذ صبّ جام غضبه عليه، فعزله من جميع أعماله، ونصب بدلا منه، قضاة ستّة، يقومون بالعمل الذي كان منوطا به وحده، كما أنّه أصدر إليه أمره، بأن يظلّ في داره حبيسا، لا يبارحها «2» ، وظلّ التنوخيّ على حاله هذه، حتى توفّي عضد الدولة في السنة 372.
وليس فيما بين أيدينا من قصص النشوار، ما نستطيع أن نتبيّن منه، كيفيّة حياة القاضي المحسّن التنوخي، بعد وفاة عضد الدولة، والذي يلوح لنا، أنّه لم يتقلّد عملا من أعمال السلطان. وأنّه قصر وقته، على إتمام كتابه «النشوار» ، الذي بدأ به في السنة 360، وعلى تأليف كتاب «الفرج بعد الشدة» ، الذي بدأ به في السنة 373 «3» ، وقد استخلص أكثر أخباره من النشوار، وعلى تربية ولده أبي القاسم عليّ، الذي ولد في السنة 370.
وكما أنّ المحسّن التنوخيّ، كان وحيد والديه، على ما يظهر، وقد ولد،
(المقدمة/27)

وأبوه كهل في الخمسين، فكذلك أبو القاسم عليّ بن المحسّن، كان وحيد والديه، وقد ولد، وأبوه كهل عبر الأربعين، والعجيب أنّ أبا القاسم، عليّ بن المحسن، قد ولد له ولد، سمّاه محمدا، وهو وحيده أيضا، وقد ولد له، والأب شيخ قد تجاوز السبعين «1» .
وهؤلاء الثلاثة، الجدّ، والأب، والابن، يشبه أحدهم الآخر، في الفضل، وفي الذكاء، وفي كرم النفس، وفي انخراطهم في سلك القضاء، وفي تمذهبهم بمذهب أبي حنيفة، وفي تمسّكهم بالاعتزال، والدفاع عنه.
ويتضح تعصّب المحسّن للمعتزلة، من القصص التي أوردها في النشوار، فهو يثني عليهم، كلّما ورد ذكرهم «2» .
وقد أضاف المحسّن التنوخيّ، إلى تعلّقه بالاعتزال، تعرّضه للتصوّف والصوفيّة «3» .
كما أنّ القصص التي أوردها عن الحنابلة، وعن رئيسهم البر بهاري «4» ، تدلّ على مقدار ضيقه بهم، وانزعاجه من تصرّفاتهم، وعلى عنف رئيسهم البر بهاري، واستهانته بالأنفس والأرواح «5» .
اتّهم ابن الأثير، في كتابه الكامل في التاريخ «6» ، المحسّن التنوخيّ،
(المقدمة/28)

بأنّه كان شديد التعصّب على الشافعيّ، يطلق لسانه فيه. وهذه تهمة لم يقم عليها دليل، وهذه مؤلّفات التنوخيّ، ما تيسّر لنا منها، تنفي عنه هذه التهمة، والمحسّن التنوخي، اتقى لله، من أن يعرض للشافعيّ بسوء.
ويلاحظ، أنّ التنوخي، قد أدرج في نشواره، قصصا عدة، دلّت على اعتقاده بالتنجيم «1» ، ولعلّ عدم الاستقرار الذي رافق القرن الرابع الهجريّ، كان من الأسباب التي دفعت التنوخيّ، وأباه، إلى الاعتقاد بالتنجيم، والعيافة، والزجر، وغيرها، مما يتمسّك به الإنسان، رغبة منه في الفرار من الحقيقة المرّة، إلى خيال يبشّر بمستقبل أطيب من حاضر لا خير فيه.
وفي النشوار، قصص لا تحصر، عن القضاة، وأخبارهم، وعمّا قام به بعضهم من أفعال كريمة في رفع المظالم، وردع المعتدي الظالم، بل إنّ هذا الموضوع، هو الموضوع الرئيسي الذي اشتمل عليه هذا الكتاب، بالنظر لاختصاص المؤلف واطّلاعه على خباياه «2» ، اطّلاعا تاما.
ولما كانت المنافسة، بين أبناء الصناعة. الواحدة، أمر مترقّب منتظر، فالذي لا شكّ فيه، أنّ التنوخي المؤلّف، ووالده، وبعض أقربائه من التنوخيّين، من قضاة وشهود، قد حصلت بين بعضهم، وبين بعض القضاة، منافرة، ولذلك، فإنّ التنوخيّ، لم يتأخّر عن إثبات القدح في أولئك القضاة، ولكنّه لكمال عقله، لم يشتم أحدا من هؤلاء القضاة بلسانه، وإنّما شتمهم بلسان غيره، فهو يورد شعرا للشاعر الفلاني، هجا به القاضي الفلاني، أو يثبت قولا قاله الفقيه الفلاني، في القاضي الفلاني «3» .
(المقدمة/29)

إنّ كثيرا من القصص الواردة في النشوار، تؤيّد علاقة التنوخيّين أبي القاسم، وولده أبي عليّ المحسّن، بالأهواز، هذه المنطقة، التي سمّاها هارون الرشيد «سرة الدنيا» «1» ، وسماها عبد الله المأمون «سلّة الخبز» »
، فقد كان لهما أقارب في الأهواز «3» ، وكان لكلّ منهما فيها ضيعة «4» ، وقد تقلّد أبو القاسم الأب القضاء في الأهواز «5» ، كما تقلّده أبو عليّ المحسّن أيضا «6» .
بقيت ملاحظة، يجدر بي أن أثبتها هنا، وهي أنّ التنوخيّ، اختار في نشواره، شعرا لشعراء مفلقين، كأبي فراس الحمداني مثلا، ثم قرن بشعرهم شعرا لا يتعدى درجة النظم، وليس التنوخيّ، بالذي يصعب عليه التمييز بين الشعر الجيّد والشعر الرديء، ولكنّه أثبت بعض الرديء، لأنّه قيل في مدحه، أو مدح أبيه، ولعمري، إنّ حبّ الإنسان نفسه، يدفعه إلى إثبات ما قيل في مدحه، حتى ولو لم يكن من جيّد الشعر «7» .
وللمحسّن التنوخيّ شعر، مجموع في ديوان، قال عنه أبو نصر، سهل ابن المرزبان «8» إنّه رآه في بغداد، وإنّ حجمه كان أكبر من حجم ديوان
(المقدمة/30)

أبي القاسم والده، وإنّ بعض العوائق حالت بينه وبين تحصيله، فاشتدّ أسفه عليه «1» . ونحن نشارك أبا نصر، في أسفه، فإن ديوان التنوخيّ، معتبر الآن، في جملة الدواوين الضائعة.
وقد أورد الثعالبي «2» ، في اليتيمة، شعرا في مدح المحسّن التنوخيّ من نظم أبي عبد الله بن الحجّاج «3» . كما روى في ترجمة المحسّن، أبياتا من شعره، قال إنّه مرتاب في نسبتها إليه، لفرط جودتها «4» . والثعالبيّ على حقّ في ارتيابه، فإنّ الباقي المتوفّر لدينا من شعر التنوخيّ، لا يرتفع إلى مستوى تلك الأبيات.
أمّا مؤلفات المحسّن التنوخيّ، فإنّ أشهرها نشوار المحاضرة، الذي أسلفنا إنّه ألّفه في عشرين سنة، في أحد عشر مجلدا.
وله: كتاب الفرج بعد الشدّة، في ثلاث مجلدات، ألّفه بعد كتاب النشوار «5» .
وله أيضا: كتاب المستجاد من فعلات الأجواد، وقد طبع بدمشق، حقّقه الأستاذ محمد كرد علي، وفي المطبوع مآخذ كنت أتمنّى لو أشار إليها المحقّق رحمه الله، منها: أنّ بعض القصص الواردة في الكتاب «6» جاءت على لسان «القاضي أبي القاسم عليّ بن المحسّن مؤلف كتاب الفرج بعد الشدة» .
(المقدمة/31)

مع أنّ مؤلّف الكتاب هو والده المحسّن. ومنها: أنّ بعض القصص «1» ، جاء فيها: «قال القاضي أبو القاسم عليّ بن المحسّن التنوخي، حدثني أبو الفرج الأصبهاني من حفظه ... الخ» ، مع أنّ أبا الفرج الأصبهاني توفيّ في السنة 356 والقاضي أبو القاسم عليّ بن المحسّن ولد سنة 370.
وللمحسّن التنوخي أيضا: مجموعة أقوال في الحكمة، سمّاها «عنوان الحكمة والبيان» ؛ ذكر ذلك المستشرق مرجليوث، في مقدمة الترجمة الإنكليزية للجزء الأول من النشوار «2» .
توفّي أبو عليّ، المحسّن التنوخيّ، في السنة 384، عن 57 عاما، وخلّف ولده أبا القاسم عليّ بن المحسّن، صبيّا في الرابعة عشرة، وقد صاحب التوفيق هذا الصبيّ، فجرى على سنن والده، ودرس الفقه، وقبلت شهادته عند الحكّام في حداثته «3» ، وتقلّد القضاء والإشراف على دار الضرب «4» .
ولأبي القاسم هذا، ترجمة في معجم الأدباء جديرة بالمطالعة «5» .
هذا ما أمكنني استخلاصه، عن حياة القاضي التنوخيّ، ممّا تيسّر لديّ من القصص التي قصّها علينا، ولو تيسّر لديّ عدد من القصص أكثر لكان ما استخلصته أوفر.
ولعلّ الحظ الحسن، يقود أحدا في مستقبل الأيّام، إلى العثور على بعض الأجزاء الضائعة من النشوار، فيضيف بنشرها، إلى الكتاب العربيّ، ثروة عظيمة.
بحمدون في 2/3/1971 عبود الشالجي المحامي
(المقدمة/32)

الجزء الأول
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
اللهم يسّر وأعن الحمد لله الواحد العدل، وصلى الله على محمد نبيه خاتم الرسل، وعلى آله الطيّبين ذوي الطهارة والفضل.
هذه ألفاظ تلقّطتها من أفواه الرجال، وما دار بينهم في المجالس، وأكثرها ممّا لا يكاد يتجاوز به الحفظ في الضمائر، إلى التخليد في الدفاتر، وأظنّها ما سبقت إلى كتب مثله، ولا تخليد بطون الصحف بشيء من جنسه وشكله، والعادة جارية في مثله، أن يحفظ إذا سمع ليذاكر به إذا جرى ما يشبهه ويقتضيه، وعرض ما يوجبه ويستدعيه.
ولعلّ قارئها والناظر فيها أن يستضعفها إذا وجدها خارجة عن السّنن «1» المعروفة في الأخبار، والطريق المألوف في الحكايات والآثار، الراتبة «2» في الكتب، المتداولة بين أهل الأدب، ولا سيّما ما لم يعلم السبب الذي رغّبني في كتبها، وهو أنّي اجتمعت قديما مع مشايخ فضلا، علماء أدباء «3» ، قد عرفوا أحاديث الملل، وأخبار الممالك والدول، وحفظوا مناقب الأمم ومعايبهم، وفضائلهم ومثالبهم، وشاهدوا كل فنّ غريب، ولون «4» طريف
(1/1)

عجيب، من أخبار الملوك والخلفاء، والكتّاب والوزراء، والسادة والأمراء، والرؤساء والفضلاء، والمحصّلين والعقلاء، والأجواد والبخلاء، وذوي الكبر والخيلاء «1» ، والأشراف والظرفاء «2» ، والمخرّفين والجلساء «3» ، والمحادثين والندماء، والأذكياء والفهماء، والأسخياء والكرماء، والسفهاء والحلماء، والفلاسفة والحكماء «4» ، والمتكلّمين والعلماء «5» ، والمحدّثين والفقهاء «6» ، وأهل الآراء والأهواء «7» ، والمتأدبين والأدباء، والمترسّلين والفصحاء، والرّجّاز والخطباء، والعروضيّين والشعراء، والنسّابين والرواة، والحفّاظ والدراة «8» ، واللّغويين والنحاة، والشهود والقضاة «9» ، والأمناء والولاة «10» ، والمتصرّفين والكفاة، والفرسان والأمجاد، والشجعان والأنجاد، والجند والقوّاد،
(1/2)

وأصحاب القنص والاصطياد، والجواسيس والمتخبّرين»
، والسعاة والغمّازين «2» ، والورّاقين «3» والمعلّمين، والحسّاب والمحرّرين «4» ، والعمّال وأصحاب الدواوين «5» ، والتنّاء «6» والمزارعين، وأرباب الخراج والأرضين، والأكرة «7» والفلّاحين، والمتكلمين على الطرق «8» ، [وأصحاب الحادور والحلق] «9» ، والواعظين والقصّاص «10» ، وذوي التّنمّس والإخلاص «11» ، وأهل الصوامع والخلوات، والسيّاح في الجبال والفلوات، والنسّاك والصالحين، والأبدال والمتفرّدين، «12»
(1/3)

والمريدين والمخبتين «1» ، والعبّاد والمتبتّلين «2» ، والزهّاد والمتوحّشين «3» ، والصوفيّة «4» والمتواجدين «5» ، والأئمّة والمؤذّنين، والقرّاء والملحّنين، [2 ب] والرّجحاء والمبرّزين، وأهل النقص والمقصّرين، [والأغنياء والمملقين] «6» والأغبياء والمتخلّفين، والفطناء والمتقدّمين، والشطّار والمتّقين «7» ، وأصحاب العصبيّة والسكاكين «8» ، وقطّاع الطّريق والمتلصّصين، والجيران والمتغرّبين، وأهل الخسارة والعيّارين «9» ، ولعّاب النرد والشطرنجيّين «10» ، والملاح والمتطايبين «11» ،
(1/4)

[والمسامرين والمضاحكين] «1» وأصحاب النادرة والمضحكين، والمورثين والمبذّرين «2» ، والطفيليّة والمتطرّحين «3» ، والأكلة والمواكلين، والشرّاب [2 ط] والمعاقرين، والمغنّيات والمغنّين، والرقّاصين والمخنّثين «4» ، وأصحاب الستائر «5» والمقيّنين «6» ، والمتقاينين «7» والمستمعين «8» ، وأهل الهزل والمتخالعين، والمجّان والمجانين «9» ، والبله والمغفّلين، والمفكّرين والموسوسين «10» ، وأهل المذهب والسوداويّين «11» ، والمشعبذين والمحتالين «12» ،
(1/5)

والملحدة والمتنبّين «1» ، والأطبّاء والمنجّمين «2» ، والكحّالين والفصّادين «3» ، والأساة والمجبّرين «4» ، ومعالجي الجرائح والقمائحيّين «5» ، وأصحاب الزجر «6» ، والزّراقين «7» ، وأهل القرعة «8» والمقالين «9» ، والطوّاف بالسهام «10» والمفسّرين «11» ، والشحّاذين والمجتدين «12» ، والمجدودين والمحدودين «13» ، والسعاة
(1/6)

والمسافرين «1» والمشاة والمتغرّبين، والسبّاح والغوّاصين، [والبانانية والملّاحين] «2» ، وسلّاك البحار والمفازات «3» ، وأهل المهن والصناعات، والمياسير والفقراء، والتجّار والأغنياء، والفواضل من النساء، وحرايرهنّ والإماء، وخواصّ الأحجار والحيوانات، وغريب الأدوية والعلاجات، والرقى «4» والنيرنجيّات «5» ، والأحاديث المفردات، وشاذّ الاتفاقات، وطريف المنامات، وشريف الحكايات، وغير ذلك من ضروب أحاديث أهل الخير والشرّ، والنفع والضرّ، وسكّان المدر والوبر «6» ، والبدو والحضر، شرقا وغربا، وبعدا وقربا، وكان القوم الذين استكثرت منهم، وأخذت ذلك عنهم، يحكونه في أثناء «7» مذاكراتهم، وفي عرض مجاراتهم، وبعد انقضاء ملحهم «8» وآدابهم،
(1/7)

والخوف من ملل يلحق السامعين لعلومهم وحكمهم، نفيا للمساكنة، واجترارا للمثافنة «1» ، وصلة للمجالسة، وفتحا للمؤانسة، وسبرا «2» لأحاديث الدنيا ماضيها وباقيها، وتواصفا لسير أهلها وما جرى فيها، وتمثيلا بين ما شاهدوه منها، وسمعوه عنها، [وعابوه من فعلها] «3» وعانوه من تقلّبها، وقاسوه من تصرّفها، وأخبروا به من عجائبها، ويوردون كل فنّ من تلك الفنون على حسب ما تقتضيه المحادثة، وتبتغيه المفاوضة، فأحفظ عنهم ذلك في الحال وأتمثّل به وأستفيده في أحوال.
فلمّا تطاولت السنون، ومات [أكثر أولئك] «4» المشيخة الذين كانوا مادّة هذا الفنّ، ولم يبق من نظرائهم إلّا اليسير الذي إن مات ولم يحفظ عنه ما يحكيه، مات بموته ما يرويه، ووجدت أخلاق ملوكنا [3 ب] ورؤسائنا لا تأتي من الفضل، بمثل ما تحتوي عليه تلك الأخبار من النّبل، فيستغنى بما يشاهد من نظيره، عن حفظ ما سلف وتحبيره، بل هي مضادّة لما تدلّ عليه تلك الحكايات من أخلاق المتقدّمين وضرائبهم، وطبائعهم ومذاهبهم، حتى إنّ من بقي من هؤلاء الشيوخ إذا ذكر ما يحفظه من هذا الجنس بحضرة أرباب الدولة، ورؤساء الوقت، خاصّة ما كان منه متعلّقا بالكرم، ودالا على حسن الشيم، ومتضمّنا ذكر وفور النعم، وكبر الهمم، وسعة الأنفس، وغضارة الزمان «5» ، ومكارم الأخلاق، كذّبوا به ودفعوه، وحصّلوه في أقسام الباطل واستبعدوه، ضعفا عن إتيان مثله، واستعظاما منهم لصغير ما وصلوا إليه، بالإضافة إلى كبير
(1/8)

ما احتوى أولئك عليه، وقصورا عن [3 ط] أن تنتج خواطرهم أمثال تلك الفضائل والخصال، وأن تتسع صدورهم لفعل ما يقارب تلك المكارم والأفعال هذا مع أن في زمانهم هذا من العلماء المحتسبين «1» في التعليم، [والحكماء] «2» والأدباء المنتصبين للتأديب والتفهيم، وأهل الفضل والبراعة، في كلّ علم وأدب، وجدّ وهزل وصناعة، من يتقدّم بجودة الخاطر، وحسن الباطن والظاهر، وشدّة الحذق فيما يتعاطاه، والتبريز فيما يعانيه ويتولّاه، كثيرا ممن تقدّمه في الزمان، وسبقه بالمولد في ذلك الأوان، ويقتصر منهم على الأكرام دون الأموال، وقضاء الحاجات دون المغارم والأثقال، فما يرفعون به رأسا، ولا ينظرون إليه الّا اختلاسا، لفساد هذا العصر، وتباعد حكمه من ذلك الدهر، وإنّ موجبات الطبائع فيه متغيّرة متنقّلة، والسنن دارسة متبدّلة، والرغبة في التعلّم معدومة، والهمم باطلة مفقودة، والاشتغال من العامّة بالمعاش قاطع، ومن الرؤساء بلذّاتهم البهيميّة مانع «3» ، فنحن حاصلون فيما روي من الخبر إنّ الزمان لا يزداد إلّا صعوبة، ولا الناس إلّا شدّة، ولا تقوم الساعة إلّا على شرار الخلق، وما أحسن ما أنشدني أبو الطيّب المتنبّي لنفسه من قصيدة، في وصف صورتنا:
أتى الزّمان بنوه في شبيبته ... فسرّهم وأتيناه على الهرم «4»
(1/9)

واتّفق أيضا، أنّني حضرت المجالس بمدينة السلام، في سنة ستين وثلاثمائة، بعد غيبتي عنها [4 ب] سنين، فوجدتها مختلّة ممّن كانت به عامرة، وبمذاكرة آهلة ناظرة، ولقيت بقايا من نظراء أولئك الأشياخ، وجرت المذاكرة، فوجدت ما كان في حفظي من تلك الحكايات قديما قد قلّ، وما يجري من الأفواه في معناها قد اختلّ، حتى صار من يحكي كثيرا ممّا سمعناه يخلطه بما يحيله ويفسده، ورأيت كلّ حكاية ممّا أنسيته لو كان باقيا في حفظي لصلح لفنّ من المذاكرة، ونوع من نشوار المحاضرة «1» فأثبتّ ما بقي على ما كنت أحفظه قديما، واعتقدت إثبات كلّ ما أسمعه من هذا الجنس، وتلميعه بما يحثّ على قراءته من شعر لمتأخّر من المحدثين، أو مجيد من الكتّاب والمتأدّبين، أو كلام منثور لرجل من أهل العصر، أو رسالة أو كتاب بديع المعنى أو حسن النظم والنثر «2» ، ممّن لم يكن في الأيدي شعره ولا نثره، ولا تكرّر نسخ ديوانه، ولا تردّدت معاني إحسانه، وما فيه من مثل طريّ، أو حكمة جديدة، أو نادرة حديثة، أو فائدة قريبة المولد، ليعلم أنّ الزمان قد بقّى من القرائح والألباب، في ضروب العلوم
(1/10)

والآداب، أكثر ممّا كان قديما أو مثله، ولكن تقبّل أرباب تلك الدول [4 ط] للأدب أظهره ونشره «1» ، وزهد هؤلاء الآن في هذا الأدب غمره وستره، ولهذه الحال ما انطمست المحاسن في هذه الدول، وردّت أخبار هؤلاء الملوك، وخلت التواريخ من عجائب ما يجري في هذا الوقت، لأنّ ذوي الفضل لا يفنون أعمارهم بتشييد مفاخر غيرهم، وإنفاق نتائج خواطرهم، مع بعدهم عن الفائدة، وخلوّهم من العائدة، وأكثر الملوك وذوي الأحوال، والرؤساء وأرباب الأموال، لا يجودون عليهم فيجيد هؤلاء لهم نسج الأشعار والخطب، وحوك الرسائل والكتب التي تبقى فيها المآثر، ما أقام الدهر الغابر، فقد بخل هؤلاء، وغفل هؤلاء، ورضي كلّ واحد من الفريقين بالتقصير فيما يجده، والنقص فيما يعتمده، وإلّا فقد خرج في أعمارنا وما قاربها من السنين، من مكنون أسرار العلم، وظهر من دقيق الخواطر والفهم، ما لعلّه كان معتاصا «2» على الماضين، وممتنعا على كثير من المتقدمين، وجرت في هذه المدّة من الحوادث الكبار، والوقائع العظام [والانقلابات العجيبة] «3» ، والاتّفاقات الغريبة، والحيل الدقيقة، والأمور المحكمة الوثيقة، التي لا يوجد مثلها سالفا. في أضعاف هذه السنين مضاعفا، ما لو قيّد بتأليف الكتب، وحفظ بتصنيف الأشعار فيه والخطب، أو خلّد على شرحه في تواريخ السنين والحقب، لأوفى على ما سلف، وتقدّم في علوّ الرتب.
وقد أثبتّ من هذا أيضا طرفا طفيفا، ونبذا موجزا [5 ب] خفيفا، لئلّا تخرج هذه الأخبار عن سبيلها، ولا تخلو مع ذلك من فنون لا توجد
(1/11)

إلّا فيها، وليستفيد منها العاقل اللبيب، والفطن الأريب، إذا طرقت سمعه، وخالطت فهمه، من آداب النفس، ولطافة الذهن والحسّ، ما يغنيه عن مباشرة الأحوال، وتلقّي مثله من أفواه الرجال، ويحثّه على العلم «1» بالمعاش والمعاد، والمعرفة بعواقب الصلاح والفساد، وما تفضي إليه أواخر الأمور، ويساس به كافة الجمهور، ويجنّبه من المكاره حتى لا يتوغل في أمثالها، ولا يتورّط بنظائرها وأشكالها، ولا يحتاج معها إلى إنفاد «2» عمره في التجارب، وانتظار ما تكشفه له السنون من العواقب.
فأوردت ما كتبته ممّا كان في حفظي سالفا، مختلطا بما سمعته آنفا، من غير أن أجعله أبوابا مبوّبة، ولا أصنّفه أنواعا مرتّبة، لأن فيها أخبارا تصلح أن يذاكر بكلّ واحد منها في عدّة معاني «3» وأكثرها ما لو شغلت نفسي فيه، بالنظم والتأليف، والتصنيف والترتيب، لبرد واستثقل، وكان إذا وقف قارئه على خبر من أوّل كلّ باب فيه، علم أن مثله باقيه، فقلّ لقراءة جميعه ارتياحه ونشاطه، وضاق فيه توسّعه وانبساطه، ولكان ذلك أيضا يفسد ما في أثنائه من الفصول والأشعار، والرسائل والأمثال، والفصول التي إن رتّبت على الأبواب وجب أن توصل بما تقدّم من أشباهها، وتردّد في الكتب من أمثالها، فينتقض ما شرطناه، ويبطل [5 ط] ما ذكرناه، من أنّ هذه الأخبار جنس لم يسبق إلى كتبه «4» ، وأنا إنّما تلقّطتها من الأفواه دون الأوراق، ويخرج بذلك عن القصد والمراد، والغرض
(1/12)

المطلوب في الاستقامة والسداد، إذ ليست الفائدة فيها التنويع، ولا المغزى التأليف، بل لعلّ كثيرا ممّا فيها لا نظير له ولا شكل، وهو وحده جنس وأصل، واختلاطها أطيب في الآذان وأدخل، وأخفّ على القلوب والأذهان وأوصل.
وعلى أنّي وإن كنت أتجنّب بجهدي أن أثبت فيها شيئا قد كتب قبلي، أو تنبّه على الفائدة في إثباته سواي، إلّا الشعر فإنّه غير داخل في هذا الأمر، فإنّي في الأوّل ربما كتبت شيئا أعلم أنّه موجود في الدفاتر عقيب شيء يوجبه ويدعو إليه، ولأجل فائدة تحبّبه وتحضّ عليه «1» ، واعتمادا لترصيع هذه الأخبار، بما يحبّبها إلى أكثر طلّاب الآثار، وقد جعلت كلّ واحد من أجزائها، وهو مائة ورقة، واحدة «2» قائما بنفسه، مستغنيا عن الباقي من جنسه، لا يخلّ بفائدة لقارئه دون غيره [6 ب] ، ولا يضطرّه إلى سواه مع حضوره، وإن كان في غيره ضروب أخر من الفوائد لا تعلم إلّا منه، وصدّرت كلّ جزء برسالة تدلّ على جنس الأخبار الموردة في جميع الأجزاء، والغرض منها، والسبب الباعث على جمعها، مختصرة لهذا الشرح الطويل، وموجزة في جملة هذا الكلام الكثير، وأوردت في كلّ خبر ما اتّفق إيراده مختلطا بما ربّما كان في الأجزاء الأخر ما هو في معناه داخل، ومن نوعه وفنّه حاصل، وممّا ليس فيها أخ له على حسب ما سنح وتيسّر، واتّفق ولم يتعذّر.
وأرجو أن لا يبور ما جمعته، ولا يضيع ما تعبت فيه وكتبته، وأثبتّه
(1/13)

من ذلك وصنعته، فلو لم يكن فيه، إلّا أنّه خير من أن يكون موضعه بياضا، لكانت فائدة إن شاء الله تعالى.
وإيّاه أسأل التوفيق في المقال، والتسديد في جميع الأفعال، والعصمة من الزلل، والحفظ من الخطإ والوهل «1» ، إنّه بذلك وليّ، وبالمرجوّ فيه منه مليّ، وهو حسبي، وإليه في كلّ أمر مرجعي، وعليه توكّلي، ولا حول لي ولا قوّة إلّا به، إنّه نعم المولى والوكيل.
(1/14)

1 لماذا لا يكذبون على الوزير أعزّه الله
حدّثني أبو العبّاس هبة الله بن محمد بن يوسف، المعروف بابن المنجّم النديم، وهو أحد بني يحيى بن أبي منصور المنجّم «1» ، صاحب المأمون، ومحلّ أهله وسلفه وبيته في منادمة الخلفاء والوزراء والأمراء مشهور، وموضعهم من الكلام والنجوم والعلم والأدب وقول الشعر وتصنيف الكتب في أنواع ذلك معروف، ومكانهم من المنزلة في خدمة السلطان وعظم النعمة والحال متعالم، ومحلّ أبي العبّاس في نفسه أشهر من أن يجهل في العلم والأدب وقول الشعر والمعرفة بالجدل والفقه، وغير ذلك مما يقوم به، وقد نادم أبا محمد المهلّبي «2» رحمه الله، واختصّ به ونفق عليه [6 ط] سنين كثيرة، ومن بعده من الوزراء، وغيرهم من الرؤساء، وهو أحد بقايا [رجال] «3» أهل بيته، قال:
(1/15)

كنت بحضرة أبي مخلد عبد الله بن يحيى الطبريّ صاحب معز الدولة «1» فجرى ذكر الكرم والكرام، والجود والأجواد، وما كانت البرامكة وغيرها تأتيه من الأفضال على الناس، فأخذ أبو مخلد يدفع هذا ويبطله، حتى قال:
هذه حيل نصبها الشحّاذون على دراهم الناس، لا أصل لها.
فقلت له: أيها الشيخ إن قلت ذلك، فقد قال صاعد «2» مثله، فأجيب.
فقال: ما قال؟
فقلت له: حكي له جود البرامكة، فقال: هذا من موضوعات الورّاقين وكذبهم، وكان أبو العيناء «3» حاضرا، فقال له: فلم لا يكذب على الوزير أعزّه الله [مثل هذا] «4» وهو [حيّ] «5» يرجى ويخاف، وأولئك موتى مأيوس من خيرهم وشرّهم مثل هذا الكذب؟
قال: فخجل أبو مخلد.
(1/16)

2 الوزير ابن الزيات يذكر البرامكة وهو في التنور
وفي معنى هذا [7 ب] ما أذكره، وإن كان موجودا في الكتب، ولكنّه على سبيل الاستعادة، وهو حسن.
حدّثني أبو محمد يحيى بن محمد الأزديّ، قال: بلغني أنّ ابن الزيّات «1» لمّا حصل «2» في التنّور قال له بعض خدمه: لهذا وشبهه كنّا نشير عليك بفعل الإحسان، وتقليد رقاب الرجال بالامتنان، واتّخاذ الصنائع في حال القدرة لتجازى بها الآن عند الحاجة.
فقال: لو كنت فعلت هذا، ما حصلت منه على طائل، لما في نفوس الناس من ضعف الإخاء، وكثرة الغدر، وقلّة الوفاء، وتراني كنت أفعل أكثر من أفعال البرامكة؟ ما نفعهم لمّا حصلوا في مثل حالي من إسلام الزمان وجور السلطان؟
فقال له الخادم: لو لم ينفعهم إلّا ذكرك لهم في مثل هذه الحال التي أنت فيها لكان ذلك أكبر نفع.
(1/17)

3 أبو الشبل يقارن في الكرم بين البرامكة وبين عبيد الله بن يحيى بن خاقان
وحدّثني أبو الفرج عليّ بن الحسين [بن محمد المعروف] «1» بالأصبهانيّ الكاتب «2» ، قال: حدّثني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني أبو الشبل عاصم بن وهب البرجميّ، قال:
حضرت مجلس عبيد الله بن يحيى بن خاقان «3» ، وكان إليّ محسنا، وعليّ مفضلا، فجرى ذكر البرامكة «4» ، ووصف الناس لهم بالجود، وما قالوا
(1/18)

في كرمهم وجوائزهم، فأكثروا.
فقمت في وسط المجلس، وقلت: أيّها الوزير، قد حكمت في هذا الخطب حكما نظمته في بيتي شعر، لا يقدر أحد أن يردّه عليّ، وإنّما جعلته شعرا ليبقى ويدور، أفيأذن الوزير في إنشادهما؟
فقال: قل، فربّ صواب قلت «1» ، فقلت:
رأيت عبيد الله أندى أناملا ... وأكرم من فضل ويحيى وخالد «2»
ورواه لنا مرّة أخرى فقال فيه:
[رأيت عبيد الله] «3» أفضل سؤددا ... وأكرم من فضل ويحيى وخالد «4»
أولئك جادوا والزمان مساعد ... وقد جاد ذا والدهر غير مساعد «5»
(1/19)

4 الحسن المنجم عامل معزّ الدولة على الأهواز وحبّه للعمارة
حضرت مجلس الحسن بن عليّ بن زيد المنجّم، غلام أبي نافع، وهو إذ ذاك عامل معزّ الدولة رحمه الله على الأهواز وقطعة من كورها، ومحلّه عنده كمحلّ [7 ط] وزرائه، وكان قد خدم أبي رحمه الله قديما، بعد مفارقته خدمة القاسم بن دينار عامل الأهواز «1» ، وتوكّل له في داره وضيعته، وخلفه على العيار في دار الضرب بسوق الأهواز، ثمّ خلطه بخدمة أبي عبد الله البريديّ «2» ، فعلت منزلته «3» ، ثم بلغت به الحال ما ذكرته، فكنت
(1/20)

إذا جئته، وهو إذ ذاك على غاية الجلالة، وأنا في حد الأحداث، اختصّني.
وكان يعجبه أن يقرّظ في وجههه، فأفاض قوم في مدحه، وذكر عمارته للوقوف، والسقايات، وإدراره الماء في ذنابة المسرقان «1» وتفريقه مال الصدقات على أهلها، وذنّبت معهم في ذلك.
فقال لي هو: يا بنيّ، أرباب هذه الدولة إذا حدّثوا عنّي بهذا وشبهه، قالوا: المنجّم إنّما يفعل هذا رياء، وما أفعله إلّا لله تعالى، وإن كان رياء فهو حسن أيضا، فلم لا يراؤون هم [8 ب] بمثل هذا الرياء؟ ولكنّ الطباع خسّت «2» ، حتى في الحسد أيضا، كان الناس قديما إذا حسدوا رجلا على يساره، حرصوا على كسب المال حتى يصيروا مثله، وإذا حسدوه على علمه، تعلّموا حتى يضاهوه، وإذا حسدوه على جوده، بذلوا حتى يقال إنّهم أكرم منه، وإذا ... وعدّد أشياء كثيرة، فالآن لما ضعفت الطبائع، وصغرت النفوس، وعجزوا أن يجعلوا أنفسهم مثل من حسدوه، في المعنى الذي حسدوه عليه، عدلوا إلى تنقّص المبرّز، فإن كان فقيرا شنّعوا «3» على فقره، وإن كان عالما خطّأوه، وإن كان جوادا قالوا هذا متاجر بجوده وبخّلوه، وإن كان فعّالا للخير، قالوا هذا مراء.
(1/21)

5 الوزير حامد بن العباس يرى قشر باقلاء في دهليز داره
حدّثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشميّ [رحمه الله] «1» ، قال:
كان حامد بن العبّاس «2» من أوسع من رأيناه نفسا، وأحسنهم مروءة، وأكثرهم نعمة، وأشدّهم سخاء، وتفقّدا لمروءته.
وكان ينصب في داره كلّ يوم عدّة موائد، ولا يخرج من الدار أحد من الجلّة والعامّة والحاشية وغيرهم إذا حضر الطعام، أو يأكل، حتى غلمان الناس، فربما نصب في داره في يوم واحد أربعين مائدة.
وكان يجري على كل من يجرى عليه الخبز لحما، وكانت جراياته كلّها الحوّارى «3» .
فدخل يوما إلى دهليز داره «4» ، فرأى فيها قشر باقلاة، فأحضر وكيله، وقال: ويلك يؤكل في داري الباقلا «5» ؟
(1/22)

قال: هذا من فعل البوّابين.
قال: أو ليست لهم جرايات لحم؟
قال: بلى.
قال: فسلهم عن السبب، فسألهم، فقالوا: لا نتهنّأ بأكل اللحم دون عيالنا، فنحن ننفذه إليهم لنأكله معهم ليلا، ونجوع بالغدوات فنأكل الباقلّا، فأمر حامد أن يجرى عليهم جراية لعيالاتهم، تحمل إلى منازلهم، وأن يأكلوا جراياتهم في الدهليز، ففعل ذلك.
فلمّا كان بعد أيّام، رأى قشر باقلّاة في الدهليز أيضا، فاستشاط، وكان حديدا، سفيه اللسان، فشتم وكيله، وقال: ألم أضعف الجرايات، فلم في دهليزي قشور الباقلّا؟
فقال: إنّ الجرايات لمّا تضاعفت [8 ط] ، جعلوا الأوّلة «1» لعيالاتهم في كلّ يوم، وصاروا يجمعون الثانية عند القصّاب، فإذا خرجوا من النوبة ومضوا نهارا إلى منازلهم، في نوبة «2» استراجاتهم فيها، أخذوا ذلك مجتمعا من القصّاب فتوسّعوا به.
فقال: فلتكن الجرايات بحالها، ولتتّخذ «3» مائدة في كلّ يوم، تنصب غدوة قبل نصب موائدنا، يطعم عليها هؤلاء، ووالله، لئن وجدت بعدها في دهليزي قشر باقلّاة، لأضربنّك وجميعهم بالمقارع.
ففعل ذلك، وكان ما زاد من نفقة الأموال، أمرا عظيما.
(1/23)

6 الوزير حامد بن العباس يخبىء أربعمائة ألف دينار في بئر مستراح
حدّثني القاضي أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن الحارث «1» [9 ب] ابن عيّاش «2» الجوهريّ البغداديّ، وأبو الحسن بن المأمون الهاشميّ:
أنّه وجد لحامد في نكبته التي قتل فيها، في بئر لمستراح له، أربعمائة ألف دينار عينا، دلّ عليها لمّا اشتدّت به المطالبة.
وأخبرني غيرهما: أنّ حامدا كان عمل حجرة، وجعل فيها مستراحا، وكان يتقدّم إلى وكيله أن يبتاع له الدنانير، ويجيء بها، فكلّما حصل له كيس، أخذه تحت ثيابه، وقام كأنّه يبول، فدخل ذلك المستراح، فألقى الكيس في البئر، وخرج من غير أن يصبّ فيها ماء ولا يبول، ويوهم الفرّاش أنّه فعل ذلك، فإذا خرج أقفل المستراح، ولم يدخله غيره، على رسم مستراحات السراة التي يختصّونها، وإذا أراد الدخول، فتحه له الخادم الموسوم بالوضوء، وذلك الخادم أيضا لا يعلم السرّ في ذلك، فلمّا تكامل ذلك المال، قال: هذا المستراح ضيّق البناء، قبيح، فسدّوه لأغيّره، فسدّ البئر، وعطّل المستراح، فحصل «3» ذلك المال مصونا في الموضع، لا يعرف خبره غيره.
فلما اشتدّت به المطالبة، دلّ عليه، فأخرج وما ذهب منه شيء، ولا عرف خبره إلّا من جهته.
(1/24)

7 مصادرة التاجر ابن الجصاص في زمن المقتدر زادت على ستّة ملايين دينار
وحدّثني أبو الحسين بن عيّاش: أنّه سمع جماعة من ثقات الكتّاب يقولون: إنّهم حصّلوا ما ارتفعت به مصادرة أبي عبد الله بن الجصّاص «1» في أيّام المقتدر، فكانت ستّة آلاف ألف دينار، سوى ما قبض من داره، وبعد الذي بقي له من ظاهره.
(1/25)

8 ابن الجصاص التاجر يبقى له من بعد المصادرة مليون دينار
سمعت الأمير أبا محمد، جعفر بن ورقاء، بن محمد بن ورقاء الشيبانيّ «1» ، يحدّث في سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، قال:
اجتزت بابن الجصّاص، بعد إطلاقه إلى داره من المصادرة بأيّام، وكانت بيننا مودّة ومصاهرة، فرأيته على روشن داره، على دجلة، في وقت حار، من يوم شديد الحرّ، وهو حاف حاسر، يعدو من أوّل الروسن إلى آخره، [كالمجنون] «2» .
فطرحت طيّاري «3» إليه، وصعدت بغير إذن، فلما رآني استحيا، وعدا إلى مجلس له.
فقلت له: ويحك ما لك، ما الذي قد أصابك؟.
(1/26)

فدعا بطست وماء، فغسل وجهه ورجليه، ووقع ساعة كالمغشيّ عليه، ثم قال: أولا يحقّ لي أن يذهب عقلي، وقد خرج من يدي كذا، وأخذ منّي كذا، وجعل يعدّد أمرا عظيما ممّا خرج منه، فمتى أطمع في خلفه، ولم لا يذهب عقلي أسفا عليه؟ [9 ط] فقلت له: يا هذا إنّ نهايات الأموال غير مدركة، وإنّما يجب أن تعلم أنّ النفوس لا عوض لها، والعقول والأديان، فما سلم لك ذلك، فالفضل معك، وإنّما يقلق هذا القلق، من يخاف الفقر، والحاجة إلى الناس، أو فقد العادة في مأكول ومشروب وملبوس، وما جرى مجرى ذلك، أو النقصان في جاه، فاصبر، حتى أواقفك «1» أنّه ليس ببغداد اليوم، بعد ما خرج منك، أيسر منك من أصحاب [10 ب] الطيالس.
فقال: هات.
فقلت: أليس دارك هذه، هي التي كانت قبل مصادرتك، ولك فيها من الفرش والأثاث ما فيه جمال لك، وإن لم تكن في ذلك الكبر المفرط؟
فقال: بلى فقلت: وقد بقي لك عقارك بالكرخ، وقيمته خمسون ألف دينار.
فقال: بلى.
[فقلت: ودار الحرير وقيمتها عشرة آلاف دينار.
قال: بلى] «2» .
فقلت: وعقارك بباب الطاق، وقيمته ثلاثون ألف دينار.
(1/27)

فقال: بلى.
فقلت: وبستانك الفلانيّ، وضيعتك الفلانيّة، وقيمتهما كذا وكذا.
فقال: بلى.
فقلت: وما لك بالبصرة وقيمته مائة ألف دينار.
فقال: بلى.
فجعلت أعدّد عليه، من عقاراته، وضياعه، إلى أن بلغت القيمة سبعمائة ألف دينار.
فقلت: وأصدقني عمّا سلم لك من الجوهر والأثاث والقماش والطيب والجواري والعبيد والدوابّ، وعن قيمة ذلك، وقيمة دارك؟
فأخذ يصدقني، ويقوّم، وأحصي، إلى أن بلغت القيمة لذلك، ثلاثمائة ألف دينار.
فقلت له: يا هذا، من ببغداد اليوم من يحتوي ملكه على ألف ألف دينار؟ وجاهك عند الناس الجاه الأوّل، وهم يظنون أنّ الذي بقي لك ضعف هذا «1» ، فلم تغتمّ؟
قال: فسجد لله، وحمده، وبكى، ثم قال: والله، لقد غلب الفكر عليّ حتى نسيت جميع هذا أنّه لي، وقلّ في عيني، لإضافتي إياه إلى ما أخذ منّي، ولو لم تجئني الساعة، لزاد الفكر عليّ حتى يبطل عقلي، ولكنّ الله تعالى أنقذني بك، وما عزّاني أحد، بأنفع من تعزيتك، وما أكلت منذ ثلاث شيئا، فأحبّ أن تقيم عندي، لنأكل ونتحدّث ونتفرّج.
فقلت: أفعل، فأقمت يومي عنده وأكلنا، وتحدّثنا بقيّة يومنا.
(1/28)

9 حكاية تدل على دهاء التاجر أبي عبد الله بن الجصّاص
وكنت أنا، اجتمعت ببغداد، في سنة [نيّف و] «1» خمسين وثلاثمائة، مع أبي عليّ بن أبي عبد الله بن الجصّاص «2» ، فرأيت شيخا طيّبا، حسن المحاضرة، فسألته عن الحكايات التي تنسب إلى أبيه، مثل قوله خلف إمام قد قرأ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
، فقال: إي لعمري، بدلا من آمين «3» .
ومثل قوله للخاقانيّ الوزير: أسهرني البارحة صوت كلاب في الحارة «4» على بابي، كلّ كلب مثلي ومثل الوزير.
وقوله له، وأراد تقبيل رأسه، فقال: إنّ فيه دهنا فلا تفعل، فقال:
لو كان في رأس الوزير خرا لقبّلته «5» .
ومثل قوله: قمت البارحة في الظلمة إلى الخلاء فما زلت اتلحّظ المقعدة حتى وقعت [10 ط] عليها «6» .
(1/29)

ومثل قوله وقد وصف مصحفا بالعتق، فقال: هو كسرويّ «1» ، وأمثال هذا على كثرته عنه، وتواتر الرواية له.
فقال لي: أمّا أمر المقعدة، وإي لعمري، وما كان من هذا الجنس، فكذب، وما كانت فيه سلامة «2» تخرجه [11 ب] إلى هذا، وما كان إلّا من أدهى الناس وأخبثهم «3» ، ولكنّه كان يطلق بحضرة الوزراء قريبا ممّا حكي عنه، بسلاسة طبع «4» كانت فيه، ولأنّه كان يحبّ أن يصوّر نفسه عندهم بصورة الأبله، ليأمنه الوزراء، لكثرة خلواته بالخلفاء، فيسلم عليهم، وأنا أحدّثك عنه بحديث حدّثنا به، لتعلم معه إنّه كان في غاية الحزم، وإنّ فاعله لا يجوز عليه مثل ما حكي عنه.
فقلت: أحبّ أن تفعل.
قال: حدّثنا أبي قال: إنّ أبا الحسن بن الفرات «5» ، لما ولي بعض
(1/30)

وزاراته قصدني قصدا قبيحا، لشيء كان في نفسه عليّ، فأنفذ العمّال إلى ضياعي، وأمر بنقض معاملاتي، وبسط لسانه بثلبي وتنقّصي في مجالسه، وأدام الغضّ منّي إذا دخلت إليه.
فوسّطت بيني وبينه جماعة، وبذلت له أشياء توجب صلاح ما بيننا، فما نجعت، وأقام على قصدي، وأنا محتمل، طامع في رجوعه «1» .
فدخلت يوما داره، فسمعت حاجبه يقول وقد وليّت عنه: أيّ بيت مال يمشي على وجه الأرض؟ ألفا ألف دينار تمشي وليس لها من يأخذها؟
فعلمت أنّ هذا من كلام صاحبه، وأنّي منكوب، وكان عندي في ذلك الوقت سبعة آلاف ألف دينار، عينا وجوهرا، سوى غيرهما ممّا يحتوي عليه ملكي.
فضاقت عليّ الدنيا، وسهرت ليلتي بأسرها أفكّر في أمري معه، فوقع لي الرأي في الثلث الأخير، فركبت في الحال إلى داره، فوجدت الأبواب مغلقة، فطرقتها.
فقال البوّابون: من هذا؟
فقلت: ابن الجصّاص.
فقالوا: ليس هذا وقت وصول، والوزير نائم.
فقلت: عرّفوا الحجّاب أنّي حضرت لمهمّ، فعرّفوهم، فخرج إليّ أحدهم، فقال: إنّه إلى ساعة ينتبه، فتجلس وتنتظر.
فقلت: الأمر أهمّ من ذلك، فأنبهه وعرّفه عنّي هذا.
(1/31)

فدخل، فأبطأ ساعة، ثم خرج، فأدخلني من دار إلى أخرى، حتى انتهيت إلى مرقده، وهو على سرير وحواليه نحو خمسين فراشا لغلمان له، كأنّهم حفظة، وقد قاموا، وبعض الفرش تنقل، وهو جالس في فراشه، مرتاعا، قد ظنّ أنّ حادثة حدثت، أو أنّي جئته برسالة الخليفة، وهو متوقّع لما أورده.
فرفعني، وقال: ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟
فقلت: خير، ما حدثت حادثة، ولا معي رسالة، وما جئت إلّا في أمر يخصّ الوزير ويخصّني، لم تصلح مفاوضته فيه إلّا على خلوة شديدة.
فسكن، ثم قال لمن حوله: انصرفوا، فمضوا.
وقال: هات.
فقلت: أيّها الوزير إنّك قد قصدتني أقبح قصد، وشرعت في هلاكي، وإزالة نعمتي، وفي إزالتها خروج نفسي، وليس من النعمة والنفس عوض، ولعمري انّي قد أسأت في خدمتك، وقد كان في بعض هذا التقويم بلاغ [12 ب] عندي، وقد جهدت في استصلاحك بكلّ ما قدرت عليه، ووسّطت [11 ط] بيني وبينك فلانا، وبذلت كذا، وقلت «1» كذا، فأبيت إلّا الإقامة على أذاي، وليس شيء أضعف من السنّور، وإذا عاثت في دكّان بقّال، فظفر بها، ولزّها إلى الزاوية ليخنقها، وثبت عليه، فخدشت وجهه وبدنه، ومزّقت ثيابه، وطلبت الحياة بكلّ ما يمكنها، وقد وجدت نفسي معك في مثل هذه الصورة، ولست أضعف بطشا من السنّور، وقد جعلت هذا الكلام عذرا بيننا، فإن نزلت تحت حكمي في الصلح، وإلّا فعليّ وعليّ، وحلفت له بأيمان غليظة، لأقصدنّ الخليفة الساعة،
(1/32)

ولأحوّلنّ إليه من خزانتي ألفي ألف دينار عينا وورقا «1» ، ولا أصبح إلّا وهي عنده، وأنت تعلم قدرتي عليها، وأقول له: خذ هذا المال، وسلّم ابن الفرات إلى فلان، واستوزره، وأذكر له أقرب من يقع في نفسي أنّه يجيب إلى تقليده، ممّن له وجه مقبول، ولسان عذب، وخطّ حسن، [ومخرقة حادّة] «2» ، ولا أعتمد إلّا بعض كتّابك، فإنّه لا يفرّق بينك وبينهم إذا رأى المال حاضرا، فيسلمك في الحال لهم، ويراني المتقلّد بعين من أخذه وهو صغير، فجعله وزيرا، وغرم عنه هذا المال الكثير، ويعتقد أنّي ربّه، ووليّ نعمته، فيخدمني، ويتدبّر بتدبيري، في جميع أمره، فأسلمك إليه، فيفرغ عليك العذاب، حتى يأخذ منك الألفي ألف دينار بأسرها، وأنت تعلم أنّ حالك تفي بها، ولكنّك تفتقر بعدها، ويرجع إليّ المال، ولا يذهب عليّ منه دانق، وأكون قد أهلكت عدوّي، وشفيت غيظي، واسترجعت مالي، وصنت نعمتي، وازداد محلّي عظما بصرف وزير، وتقليد وزير.
فلمّا سمع هذا أسقط في يده «3» ، وقال: يا عدوّ الله أو تستحلّ هذا؟
فقلت: لست عدوّ الله، بل عدوّ الله من استحلّ منّي ما أحوجني إلى الفكر في مثل هذا، ولم لا أستحلّ مكروه من يريد هلاكي وزوال نعمتي؟
فقال: أو أيش؟.
قلت: أو أن تحلف الساعة بما أستحلفك به من الأيمان المغلظة، أنّك تكون لي لا عليّ، في صغير أمري وكبيره، ولا تنقض لي رسما، ولا تغيّر
(1/33)

معاملة، ولا تضع منّي، وتزيد في رفعتي، وذكري بالجميل، ولا تبغي لي الغوائل، ولا تدسّس عليّ المكاره، ولا تشرع لي في سوء ولا نكبة أبدا، ظاهرا ولا باطنا، وتفعل ... وتفعل ... ، فاشترطت عليه الأمن من كلّ ما كنت أخافه منه.
فقال: وتحلف أنت أيضا بمثل هذه اليمين على جميل النيّة، وحسن الطاعة، والمؤازرة.
فقلت: أفعل.
فقال: لعنك الله فما أنت إلّا إبليس، سحرتني والله.
واستدعى دواة، وعملنا [13 ب] نسخة اليمين، فأحلفته بها أوّلا، ثم حلفت له.
فلما أردت القيام، قال: يا أبا عبد الله لقد عظمت في نفسي وخففّت ثقلا عنّي، فو الله ما كان المقتدر «1» يفرّق بيني مع كفايتي وغنائي وموقعي، وبين أخسّ كتّابي- كما ذكرت- مع المال الحاضر، فليكن ما جرى مطويّا.
فقلت: سبحان الله.
(1/34)

فقال: وإذا كان غدا، فصر إلى المجلس [العامّيّ] «1» لترى ما أعاملك به.
فنهضت، فقال: يا غلمان، بأسركم بين يدي أبي عبد الله، فخرج بين يديّ مائتا غلام، فعدت إلى داري وما طلع الفجر، فاسترحت [12 ط] .
وجئته في وقت المجلس، فرفعني فوق جميع من كان بحضرته، وقرّظني التقريظ التام، وعاملني بما علم منه الحاضرون، رجوعه لي، وأمر بإنشاء الكتب إلى عمّال النواحي، بإعزاز وكلائي، وصيانة أسبابي وضياعي وتقدّم إلى كتّاب الدواوين بإخراج كل ما كانوا أدخلوه إليها من تغيير رسومي، والزيادة عليّ، وأن أجرى على الرسوم القديمة.
فشكرته، وقمت، فقال: يا غلمان بين يديه، فخرج الحجّاب يجرّون سيوفهم بين يديّ، والناس يشاهدون ذلك، ويعجبون منه، وقد رجع جاهي، ولم يعلم أحد سبب صلاح ما بيننا، فما حدّثت بذلك إلّا بعد القبض عليه.
ثم قال لي أبو عليّ ابنه: فهل كان هذا فعل ورأي من يليق به ما حكي من تلك الحكايات عنه؟
فقلت لا.
(1/35)

10 حكاية تدل على ذكاء التاجر أبي عبد الله بن الجصّاص
حدّثني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن بكر بن داسة، قال: حدّثني بعض شيوخنا قال:
كنّا بحضرة أبي عمر القاضي «1» ، فجرى ذكر ابن الجصّاص وغفلته، فقال أبو عمر: معاذ الله ما هو كذلك، ولقد كنت عنده منذ أيّام مسلّما، وفي صحنه سرادق «2» مضروب، فجلسنا بالقرب منه نتحدّث، فإذا بصرير نعل من خلف السرادق فصاح: يا غلام جئني بمن مشت خلف السرادق الساعة، فأخرجت إليه جارية سوداء.
فقال: ما كنت تعملين هاهنا؟
قالت: جئت إلى الخادم أعرّفه أنّي قد فرغت من الطبيخ، وأستأذن في تقديمه. فقال: انصرفي لشأنك.
فعلمت أنّه أراد أن يعرّفني أنّ ذلك الوطء وطء سوداء مبتذلة، وأنّها ليست من حرمه ولا ممّن يصونه، فيزيل عنّي أن أظنّ به مثل ذلك في حرمه، فكيف يكون هذا مغفّلا؟
(1/36)

11 مروءة التاجر ابن الجصاص واتّساع حاله
حدّثني أبو العبّاس هبة الله بن المنجّم، أنّ جدّه حدّثه:
أنّه لما قبض المقتدر على ابن الجصّاص، أنفذ إلى داره من يحصي ما فيها ويحمله.
فقال لي الذي كتب الإحصاء: إنّا وجدنا له في جملة قماشه سبعمائة مزمّلة «1» خيازر «2» ، فما ظنّك بمروءة وقماش يكون هذا في جملته؟
(1/37)

12 ثلاثون جاما في تركة يأنس الموفقي ثمنها ثلاثة ملايين دينار
كنت بحضرة الوزير أبي محمّد الحسن بن محمّد بن هارون المهلّبي «1» رحمه الله ببغداد وقد دخل إليه أبو إسحق القراريطي «2» بعد وروده [14 ب] من مصر، وأبو القاسم الجهنيّ «3» حاضر.
(1/38)

فقال له: يا سيّدي تسل أبا إسحق عن الحكاية التي كنت حكيتها لك في أمر الجامات البجاذيّ «1» ؟ فإنّي كنت ذكرت لك أنّه كان حاضرا لأمرها [وما علمت أنّه قدم من مصر فأواطئه] «2» .
فقال له أبو محمد: ما بك إلى هذا حاجة.
فقال: بلى يا سيّدي، ثم التفت إلى القراريطيّ، فقال: إنّي حكيت لسيّدنا الوزير أنّ المقتدر أنفذني أيّام تقلّدي له المواريث لقبض تركة فلان، فذكر أميرا جليلا، قد أنسيت اسمه على الحقيقة، وأظنّه قال: يأنس «3» الموفّقي، وأنفذك مستظهرا بك لتحصي التركة، وإنّها كانت هائلة عظيمة، وإنّا وجدنا فيها ثلاثين جامة بجاذيّ، كلّ جامة فتحها شبر وكسر، في غلف من لبّ الخيازر، مبطّنة بالحرير والديباج، مضرّبة بالنبات، محلّاة بالذهب، فأثبتناها، وحملناها إلى المقتدر، فهاله حسنها، وأحضر ابن الجصّاص، وأمره بتقويمها، فقال: ما أعرف لها قيمة، ولا رأيت مثلها قط، ولولا أنّي شاهدتها [13 ط] ، لكذّبت بوجود مثلها، ولو قلت إنّ قيمة كل واحدة مائة «4» ألف دينار، ما خشيت البعد.
وإنّي لمّا حدّثت سيّدنا الوزير أيّده الله، بهذا الحديث، كذّبني
(1/39)

جماعة من ندمائه، وكنت أنت يا سيّدي بمصر، فإن رأيت أن تقيم الآن لي الشهادة.
فقال القراريطيّ: قد صدق- أيّد الله الوزير- أبو القاسم، أنا رأيت هذه الجامات، وقبضتها للمقتدر من هذه التركة وسمعت ابن الجصّاص يقول هذا، وقد نسي أبو القاسم شيئا جرى «1» لم يذكره.
فقال أبو محمد: ما هو؟
فقال: سألنا خازن الرجل عن هذه الجامات وسببها، فقال: لا أعلم من أين وصلت إليه، ولكن كان عنده منها، ثمانون جامة، فأهدى إلى جماعة من الملوك منها وبقي هذه البقيّة.
فاستطرف أبو محمّد المهلّبي الحكاية واستحسنها.
(1/40)

13 مروءة الوزير حامد بن العباس ومكارم أخلاقه
حدّثني أبو العبّاس هبة الله بن محمد بن يوسف بن يحيى بن عليّ بن يحيى ابن أبي منصور المنجّم، قال: حدّثني جدّي، قال:
وقفت امرأة لحامد بن العبّاس على الطريق، فشكت إليه الفقر، وطلبت منه البرّ، ورفعت إليه قصّة «1» كانت معها، فلمّا جلس، وقّع لها بمائتي دينار.
فأنكر الجهبذ «2» دفع هذا القدر إلى مثلها، فراجعه. فقال حامد:
والله ما كان في نفسي أن أهب لها إلّا مائتي درهم، ولكنّ الله أجرى لها على يدي مائتي دينار، فلا أرجع في ذلك، أعطها، فدفع إليها.
فلما كان بعد أيّام رفع إليه رجل قصّة يذكر فيها: إنّ امرأتي وإيّاي كنّا فقيرين، فرفعت امرأتي قصّة إلى الوزير، فوهب لها مائتي دينار، فاستطالت بها عليّ، وتريد الآن إعناتي لأطلّقها، فإن رأى الوزير أن يوقّع لي إلى من يكفّها عنّي، فعل.
قال: فضحك حامد، ووقّع له بمائتي دينار، وقال: أعطوه [15 ب] إيّاها، وقولوا له: قد صار الآن مالك مثل مالها، فهي لا تطالبك بالطلاق.
فقبضها الرجل وانصرف غنيّا.
(1/41)

14 الوزير علي بن عيسى وصاحب ديوان السواد
حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول «1» الأنباريّ التنوخيّ المعروف والده بأبي بكر الأزرق، قال:
كان أبو عيسى أخو أبي صخرة «2» جارنا ببغداد، وكان عظيم الحال، كثير المال، تامّ الجاه، شيخا من شيوخ الكتّاب، قد تقلّد كبار الأعمال، وخلف إسماعيل بن بلبل «3» قديما على الوزارة، فلما ولي محمد بن عبيد الله الخاقاني «4» [الوزارة] «5» قلّده ديوان السواد، فلما صرف بأبي الحسن عليّ
(1/42)

ابن عيسى»
وورد أبو الحسن من اليمن والشام، لمّا كان نفي إليه عقيب قصّة ابن المعتز، وتقلّد الوزارة، لم يره أهلا لديوان السواد، ولأنّ صنعته لم تكن بالتامّة التي تفي بهذا الديوان، ولم يمكنه صرفه لمكانة كانت له في الدار «2» ، فكان يقصده بالغضّ في المجالس، ولا يرفعه الرفعة التي يستحقّها صاحب ديوان السواد، [وإذا أراد عملا من الديوان أو خراجا أو حسابا وقّع إلى كتّاب الديوان، واستدعاهم، وخاطبهم وهو حاضر، لا يكلّمه في ذلك، فيغضّ منه بهذا، الغضّ الشديد] «3» ، فإذا أراد عملا يعلم أنّ صناعة أبي عيسى لا تفي به وأنّه لا يمكنه الكلام عليه، خاطبه فيه على رؤوس الأشهاد، ليبين نقصه ويفتضح،، وإذا أراد مهمّا أحضر كتّاب الديوان فخاطبهم فيه، ليكون ذلك نهاية الغضّ منه.
فلمّا طال ذلك على أبي عيسى، جلس عنده يوما حتى لم يبق في مجلسه غيره [14 ط] ، وغير إبراهيم بن عيسى أخي الوزير «4» .
فقال له عليّ بن عيسى: هل من خاجة؟
فقال: نعم، إذا خلا مجلس الوزير.
(1/43)

قال: فأخبرت عن إبراهيم إنّه قال: لما سمعت هذا قمت وانصرفت.
فلما كان من الغد جئت إلى أخي، فوجدت أبا عيسى في صدر المجلس، حيث يستحقّ صاحب الديوان أن يكون وهو يأمر، وينهى، وينبسط، ويتكلّم، والخطاب معه في الأعمال دون الكتّاب، وقد صار في السماء.
فدعتني نفسي إلى مسألة الوزير عن ذلك، فجلست إلى أن لم يبق في مجلسه غيري، فقال: شيء تقوله يا بنيّ؟
[فقلت: شيء من الفضول أريد أن أسأل الوزير عنه] «1» .
فقال: إن كان فضولا فلا تسل عنه.
قال: قلت لا بدّ.
فقال: هات.
قلت: استخلاك أمس أبو عيسى فأخليته، ثم رأيتك اليوم تعامله بضدّ ما كنت تعمله قبل هذا، فما سبب ذلك؟
فقال: نعم، إنّه خاطبني بخطاب عظم به في عيني، وكبر به في نفسي، وعلمت صدقه فيه، فرجعت له، قال لي، وقد خلا بي: أيّها الوزير، أنا رجل شيخ من شيوخ الكتّاب، عارف بمقدار ما أحسنه من صناعة [16 ب] الكتابة، وتقصيري فيها عن الغاية، وليس يخفى عليّ ما يعاملني به الوزير من الغضّ والهتك والتعريض للفضيحة في الصناعة، ومخاطبة الكتّاب في الديوان إذا أراد مهمّا، ومخاطبتي إذا نزل معضل، ويجب أن يعلم الوزير أيّده الله، أنّ حالي، ومالي، وباطني، أكثر ممّا يقع له، ويعرفه من ظاهري على كثرته، وأنّي ما أتصرّف طلبا للفائدة، ولا خوفا
(1/44)

من الفقر، وإنّما أريد الزيادة في الجاه، واتّصال نفوذ الأمر والنهي، وقد عشت طول هذه السنين، آمرا، ناهيا، مستورا في صناعتي، ما تعرّض لي أحد من الوزراء، ولا تعرّضت لهم، وسلمت عليهم، وسلموا عليّ، ومهما عمله الوزير فيّ من الغضّ فليس يمكنه أن يزيل من نفوس الخاصّة والعامّة، أنّي خلفت إسماعيل بن بلبل على الوزارة، وتقلّدت كذا وكذا، وأخذ يعدّد كبار الأعمال التي وليها، وأنّ مثل هذا لا يناط بعاجز، ولا أن يستخرج من النفوس عظم محلّي فيها، مع سعة الحال، وكثرة الضياع والمال، ولا يمكنه في طمس محلّي أكثر مما قد عمله، وأنا بين أمور، إمّا توصّلت إلى إزالة ذلك عنّي بما لعلّه يثقل على الوزير، أو آثرت صفاء نيته فاستعفيت من العمل، ولزمت بيتي، فلم أكن فيه خاملا ولا ساقطا، ثم حصلت حيث أختار، من الكون في جملة أولياء الوزير أو أعدائه، فإمّا أعفاني ممّا يستعمله معي، وردّني إلى العادة التي يستحقّها من نصب في مثل منصبي، أو أعفاني من العمل لألزم بيتي.
فقلت له: يا أبا عيسى، لن ترى بعد هذا شيئا تنكره، ولن أكون لك إلّا على أفضل محبّتك، فبكّر إليّ ليبين لك مصداق ذلك.
فلمّا جاءني اليوم، عاملته بما رأيته.
(1/45)

15 حكايات عن وقار الوزير علي بن عيسى وزماتته
ويشبه قول عليّ بن عيسى لأخيه: إن كان فضولا فلا تسل عنه، ما كان يبلغنا عنه من الزماتة الشديدة، والوقار العظيم، ومطالبة نفسه باحتشام الخلق، واستعمال ذلك مع أهله وولده.
حدّثني أبو الحسن بن الأزرق، قال: بلغني عن بعض أكابر ولده [15 ط] أنّه دخل إليه في آخر عمره، وهو مستلق، فلمّا رأى ابنه جلس منتصبا.
وأخبرني أبي رحمه الله، وأبو الحسين بن عيّاش: أنّهما كانا يشاهدان أبا الحسن في آخر الأوقات في المجالس الحافلة، يجلس عند باب مفتوح، وبين البابين مسورة «1» يستند إليها، وعلى الباب ستر قد أرخي حتى بلغ الأرض وغطّى المسورة، وصار حجابا بين الناس وبينها، وهو ملتزق بالسّتر احتشاما للناس أن يستند بحضرتهم، وما زال الناس على هذا. «2»
(1/46)

16 حكاية عن تزمت القاضي أبي جعفر بن البهلول
حدّثني أبو الحسن بن أبي طالب بن أبي جعفر بن البهلول «1» ، قال:
كنت وأنا صبيّ، أجيء، وألعب، بحضرة جدّي «2» ، فيصيح [17 ب] عليّ.
قال: ما دخلت إليه قط، وهو مكشوف الرأس، إلّا أخذ القلنسوة من خلف مسورته، ولبسها، وجلس متزمّتا «3» عليّ [وسنّي إذ ذاك عشر سنين، أو حواليها] «4» ، إلى أن أنصرف، فأراه إذا بعدت، وقد وضعها [عن رأسه] «5» .
(1/47)

17 بين الوزير علي بن عيسى والوزير أبي عليّ بن مقلة
ويشبه فعل أبي الحسن عليّ بن عيسى بأبي عيسى أخي أبي صخرة، ما أخبرني به الثقة، قال:
أخبرني جماعة من الكتّاب، أنّه بلغه «1» أنّ المقتدر قد عمد «2» على صرفه بأبي عليّ بن مقلة «3» ، وكان يخلفه إذ ذاك على عدّة دواوين، فاستدعاه، وطالبه بأعمال يعملها له من الدواوين، فوعده بإحضارها.
فلما كان بعد أيّام، خاطبه بحضرة الناس يريد الغضّ منه، فقال له:
طلبت منك أعمالا فما أحضرتها، وأنا أعلم تعذّرها عليك، فإن كان الأمر كذلك، فأفصح عن نفسك.
فقال ابن مقلة: قد أحضرتها، ووضعها بين يديه.
فأخذ يقرؤها، ويعجّب مشايخ الكتاب الحضور من خطائه فيها، ويواقفه على ضعف صناعته، ويفضحه في موضع موضع يخرّجه، ويقول له في عرض الخطاب؛ هذه حياكة: ليست كتابة، ويضرب
(1/48)

على عمل عمل، ويرسم في أضعافه، كيف يجب أن يعمل، والكتّاب الحاضرون يعجبون من حسن ما يورده أبو الحسن، وضعف ما أورده أبو عليّ، إلى أن ضرب على جميع الأعمال، ثم قال له: قم فاعملها على هذا، وحرّرها، وجئني بها، فقام أبو عليّ [يجرّ رجله] «1» .
فلمّا ولّى عن حضرة أبي الحسن، قال: إنّ أمرا عجز عنه عليّ بن محمد بن الفرات، ونحن فيه مرتبكون، تقوم به أنت؟ لشيء عجيب «2» .
قال: فلما كان في اليوم الرابع أو الخامس من هذا الحديث، قبض على عليّ بن عيسى، وسلّم إلى أبي عليّ، وقلّد الوزارة، فاعتمد الغضّ من أبي الحسن، فما قدر على ذلك بأكثر من المكاره، والمخاطبة له في وجهه بما يرتفع عنه أرباب المروءات.
فمن ذلك، انّ هذا المخبر أخبرني، قال: حدّثني أبو أحمد الشيرازيّ الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر «3» قال:
كنت بحضرة أبي عليّ بن مقلة يوما في وزارته وقد دخل عليه عليّ بن عيسى فجلس بين يديه، وكان أبو عبد الله العلويّ الموسويّ حاضرا «4» ، وأبو
(1/49)

عليّ الحسن بن هارون «1» .
فقال أبو عليّ بن مقلة للحسن بن هارون: اكتب رقعة عن أبي عبد الله يصف فيها اختلال ضيعته، ويسأل فيها الاحتساب له بمظلمة، وإطلاق معونة له.
ففعل الحسن بن هارون ذلك في الحال، وعرض الرّقعة، فوقّع بإخراج الحال، وأنفذ إلى الكاتب بأن أخرج الحال [16 ط] مصدقا [18 ب] لما في الرقعة. ففعل ذلك.
فوقّع تحت إخراج الحال بإطلاق عشرين كرّا حنطة وعشرين كرّا شعيرا معونة له، والاحتساب بما ذكر مبلغه في المظلمة، وقال لأبي عليّ الحسن ابن هارون: سلّمه إلى أبي عبد الله.
قال، فاستحسن الحاضرون كرمه في ذلك على رجل علويّ، وأخذ أبو الحسن عليّ بن عيسى يشكر له ذلك ويصوّبه له.
فقال له مجيبا: فلم لم تفعل مثل هذا يا أبا الحسن في وزارتك؟
قال، فنهض أبو الحسن، وقال: استودع الله الوزير، ولم يجب بحرف واحد.
(1/50)

18 تزمت الوزير علي بن عيسى وتخشنه
ومن زماتة أبي الحسن عليّ بن عيسى وتخشّنه «1» ، انّه كان يحبّ أن يبين فضله في هذا على كلّ أحد، أخبرني به غير واحد:
إن أبا عمر القاضي «2» دخل إليه يوما في بعض وزاراته، وعلى أبي عمر قميص دبيقيّ ششتريّ فاخر «3» ، فأراد أبو الحسن أن يخجله فقال له: يا أبا عمر بكم اشتريت شقّة هذا القميص؟
فقال: بمائتي دينار «4» .
فقال أبو الحسن: ولكنّي اشتريت لي هذه الشقّة التي قطعت منها هذه الدرّاعة وهذا القميص الذي تحتها بعشرين دينارا.
فقال له أبو عمر مسرعا كأنّه قد أعدّ له الجواب: الوزير أعزّه الله يجمّل الثياب، ولا يحتاج إلى المبالغة فيها، [ونحن نتجمّل بالثياب، فنحتاج إلى المبالغة فيها] «5» لأنّا نلابس العوام، ومن نحتاج إلى التفخيم عليه، وإقامة الهيبة في نفسه بها، والوزير أيّده الله يخدمه الخواصّ، أكثر من خدمة العوام، ونعلم أنّه يدع هذا عن قدرة.
قال: فكأنّما ألقم أبا الحسن حجرا، وسكت عنه.
(1/51)

19 الوزير علي بن عيسى يفرض على ملك الروم أن يحسن معاملة الأسارى المسلمين
حدّثني القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن «1» ، قال حدّثني مكرّم ابن بكران، عن «2» أبي يحيى بن مكرّم القاضي «3» ، قال:
كنت خصيصا بأبي الحسن عليّ بن عيسى، وربما شاورني في شيء من أمره، قال: دخلت عليه يوما وهو مغموم جدّا، فقدّرت أنّه بلغه عن المقتدر أمر كرهه، فقلت هل حدث شيء؟ وأومأت إلى الخليفة.
فقال: ليس غمّي من هذا الجنس، ولكن ممّا هو أشدّ منه.
فقلت: إن جاز أن أقف عليه فلعلّي أقول فيه شيئا.
فقال: نعم، كتب إليّ عاملنا بالثّغر، أنّ أسارى المسلمين في بلد الروم، كانوا على رفق وصيانة إلى أن ولي آنفا، ملك الروم، حدثان،
(1/52)

فعسفا الأسارى، وأجاعاهم، وأعرياهم، وعاقباهم، وطالباهم بالتنصّر، وأنّهم في جهد جهيد، وبلاء شديد، وليس هذا ممّا لي فيه حيلة، لأنّه أمر لا يبلغه سلطاننا، والخليفة لا يطاوعني، فكنت أنفق الأموال، وأجتهد، وأجهّز الجيوش حتى تطرق القسطنطينية.
فقلت [19 ب] أيّها الوزير، هاهنا رأي أسهل ممّا وقع لك، يزول به هذا.
فقال: قل يا مبارك.
فقلت: إنّ بانطاكية عظيما للنصارى يقال له البطرك «1» ، وببيت المقدس آخر يقال له القاثليق «2» ، وأمرهما ينفذ على ملك الروم، [حتى انّهما ربّما حرما الملك فيحرم عندهم، ويحلّانه فيحلّ] «3» . وعند الروم انّه من خالف منهم هذين فقد كفر، وانّه لا يتمّ جلوس الملك ببلد الروم إلّا برأي هذين، وان يكون الملك قد دخل إلى بيعتهما، وتقرّب بهما، والبلدان في سلطاننا [17 ط] ، والرجلان في ذمّتنا، فيأمر الوزير بأن يكتب إلى عاملي البلدين بإحضارهما، وتعريفهما ما يجري على الأسارى، وانّ هذا خارج عن الملك، وانّهما إن لم يزيلا هذا، لم يطالب بجريرته غيرهما، وينظر ما يكون من الجواب.
قال: فاستدعى كاتبا، وأملى عليه كتابين في ذلك «4» ، وأنفذهما في الحال، وقال: سرّيت عنّي قليلا، وافترقنا.
فلما كان بعد شهرين وأيّام، وقد أنسيت الحديث، جاءني
(1/53)

فرانق «1» من جهته يطلبني، فركبت وأنا مشغول القلب بمعرفة السبب في ذلك، حتى وصلت إليه، فوجدته مسرورا، فحين رآني قال: يا هذا، أحسن الله جزاءك عن نفسك ودينك وعنّي.
فقلت: ما الخبر؟
قال: كان رأيك في أمر الأسارى أبرك رأي وأصحّه، وهذا رسول العامل قد ورد بالخبر، وأومأ إلى رجل كان بحضرته، وقال له: خبّرنا بما جرى.
فقال الرجل: أنفذني العامل مع رسول البطرك والقاثليق، برسالتهما إلى قسطنطينية «2» وكتبا إلى ملكيها: إنّكما قد خرجتما عن ملّة المسيح بما فعلتماه بالأسارى وليس لكما ذلك، فإنّه حرام عليكما، ومخالف لما أمرنا به المسيح من كذا وكذا، وعدّدا أشياء في دينهما، فإمّا زلتما عن هذا، واستأنفتما الإحسان إلى الأسارى، وتركتما مطالبتهم بالتنصّر، وإلّا لعنّا كما على هذين الكرسيّين وحرمنا كما.
قال: فمضيت مع الرسول، فلما صرنا بقسطنطينية، حجبت عن الملكين أيّاما، وخليا بالرسول «3» ، ثمّ استدعياني إليهما، فسلّمت عليهما، فقال لي ترجمانهما: يقول لك الملكان، إنّ الذي بلغ ملك العرب من فعلنا بالأسارى، كذب وتشنيع، وقد أذنّا في إدخالك دار البلاط لتشاهد أساراكم، فترى أحوالهم بخلاف ما بلغكم، وتسمع من شكرهم لنا، ضدّ ما اتّصل بكم.
(1/54)

قال: ثم حملت إلى دار البلاط، فرأيت الأسارى، وكأنّ وجوههم قد أخرجت من القبور، تشهد بالضرّ [الشديد والجهد الجهيد] «1» وما كانوا فيه من العذاب [إلى حين قدومنا] «2» إلّا أنّهم مرفّهون في ذلك الوقت، وتأمّلت ثيابهم، فإذا جميعها [20 ب] جدد، فعلمت أنّي منعت من الوصول تلك الأيّام حتى غيّر زيّ الأسارى [وأصلح أمرهم] «3» .
وقال لي الأسرى: نحن للملكين شاكرون، فعل الله بهما وصنع، وأو مأوا إليّ: إنّ الأمر كان كما بلغكم، ولكنّه خفّف عنّا، وأحسن إلينا، بعد حصولك هاهنا.
وقالوا لي كيف عرفت حالنا؟ ومن تنبّه علينا، وأنفذك بسببنا؟
فقلت لهم: ولي الوزارة عليّ بن عيسى فبلغه ذلك، فأنفذ من بغداد، وفعل كذا وكذا.
قال: فضجّوا بالدعاء إلى الله تعالى للوزير، وسمعت امرأة منهم تقول: مرّ يا عليّ بن عيسى لا نسي الله لك هذا الفعل «4» .
قال: فلما سمع ذلك عليّ بن عيسى أجهش بالبكاء، وسجد حمدا لله سبحانه وتعالى، وبرّ الرسول، وصرفه.
فقلت له: أيّها الوزير، أسمعك دائما تتبرّم بالوزارة، وتتمنى الانصراف عنها في خلواتك خوفا من [18 ط] آثامها، فلو كنت في بيتك، هل كنت تقدر أن تحصّل هذا الثواب ولو أنفقت فيه أكثر مالك؟ فلا تفعل، ولا تتبرّم بهذا الأمر فلعلّ الله يمكّنك ويجري على يديك أمثال هذا الفعل، فتفوز بثوابه في الآخرة، كما تفرّدت بشرف الوزارة في الدنيا.
(1/55)

20 ابن رزق الله، التاجر البغدادي يوقف في بلاد الروم أكسية لتدفئة أسارى المسلمين
حدّثني أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن داسه البصريّ، قال: حدّثني عليّ بن إبراهيم بن حمّاد القاضي: إنّ بعض مشايخ العرب «1» أخبره عن رجل من المسلمين، أسر، ثم رجع إلى دار الإسلام، قال:
لما حملنا إلى بلد الروم مرّت بنا شدائد، فحصلنا عدّة ليال لا ننام من البرد، وكدنا نتلف، ثم دخلنا قرية، فجاءنا راهب فيها بأكسية وقطف «2» ثقيلة دفيّة، فغطّى جميع الأسارى، كلّ واحد بواحدة، فعشنا تلك الليلة، فأقامونا في تلك القرية أيّاما، فكانت سبيلنا هذه، ثم نقلونا إلى أخرى، فعادت حالنا في العري والبرد إلى الأولى.
فسألنا عن السبب في ذلك، فقالوا: إنّ رجلا ببغداد من التجّار يقال له ابن رزق الله، صهر ابن أبي عوف «3» ، توصّل إلى أن حصلت له هذه الأكسية والقطف عند الراهب، بغرامات مال جليل، وسأله أن يغطّي بها من يحصل في قريته من أسارى المسلمين، وضمن له أن ينفق على بيعة في بلد الإسلام بإزاء هذا في كل سنة شيئا ما دامت الأكسية محفوظة للأسارى، فالراهب يفعل ذلك في هذه القرية، وما قبلها وما بعدها ليس فيها شيء من هذا. فأقبلنا ندعو لابن رزق الله كلما نفحنا البرد، ولحقتنا الشدّة، ونحن لا نعرفه.
(1/56)

21 شخص متعطل زوّر كتابا عن لسان الوزير ابن الفرات، إلى عامل مصر
حدّثني أبو الحسين، عبد الله بن أحمد بن عيّاش القاضي:
إنّ رجلا دامت عطلته، فزوّر كتبا عن عليّ بن محمد بن الفرات «1» ، وهو وزير، إلى أبي زنبور «2» [21 ب] عامل مصر، وخرج إليه، ولقيه بها فأنكرها أبو زنبور، لإفراط التأكيد فيها، وكثرة الدعاء للرجل، وأنّ محلّه عنده لم يكن يقتضي ذلك الترتيب، واستراب بالخطاب أيضا.
فوصل الرجل بصلة يسيرة، وأمر له بجراية، وقال: تأخذها إلى أن أنظر في أمرك.
وأنفذ الكتب في خاصّ كتبه إلى ابن الفرات، وشرح له الصورة، وكان فيها: إنّ للرجل حرمة وكيدة بالوزير، وخدمة قديمة.
قال: فوصلت الكتب إلى أبي الحسن بن الفرات، وأصحابه بين يديه فعرّفهم الصورة، وعجّبهم منها، وقال: ما الرأي في أمر الرجل؟
فقال بعضهم: تقطع يده لتزويره على الوزير.
(1/57)

وقال بعضهم: يقطع إبهامه.
وقال بعضهم: يضرب ويحبس.
وقال بعضهم: يكشف لأبي زنبور أمره، ويتقدم إليه بطرده، ويقتصر به على الحرمان مع بعد الشقّة «1» .
فقال ابن الفرات: ما أبعد طباعكم عن الجميل، وأنفرها من الحرّية «2» ، رجل توسّل بنا، وتحمّل المشقّة إلى مصر، وأمّل بجاهنا الغنى، ولعلّه كان لا يصل [19 ط] إلينا، ولا حرمة له بنا فيأخذ كتبنا، فخفّف عنّا بأن كتب لنفسه ما قدّر أنّ به صلاحه، ورحل ملتمسا للرزق، وجعلنا سببه، يكون أحسن أحواله عند أجملكم محضرا الخيبة؟
ثم ضرب بيده إلى الدواة، وقلب الكتاب المزوّر، ووقّع عليه «3» بخطه:
هذا كتابي، ولا أعلم لأيّ سبب أنكرته. ولا كيف استربت به، كأنّك عارف بجميع من خدمنا في النكبة، وأوقات الاستتار، وقديم الأيّام، وقد أحطت علما بجميعهم، فأنكرت أبا فلان هذا- أعزّه الله- من بينهم، وحرمته بي أوكد ممّا في هذا الكتاب، وسببه عندي أقوى ممّا تظنّ، فأجزل عطيّته، وتابع برّه «4» ووفّر حظّه من التصرّف فيما يصلح له، وافعل به واصنع، وأصدر الكتاب في الحال.
فلما كان بعد مدّة طويلة، دخل عليه رجل جميل الهيئة، حسن الزيّ والغلمان، فأقبل يدعو له، ويبكي، ويقبّل الأرض بين يديه،
(1/58)

وابن الفرات لا يعرفه، ويقول: يا بارك الله عليك- وكانت هذه كلمته- ما لك؟
فقال له: أنا صاحب الكتاب المزوّر إلى أبي زنبور، الذي حقّقه تفضّل الوزير، فعل الله به وصنع.
قال: فضحك ابن الفرات، وقال: فبكم وصلك؟
قال: وصل إليّ من ماله، وبتقسيط قسّطه لي، وبتصرّف صرّفني فيه، عشرون ألف دينار.
قال ابن الفرات: الحمد لله، الزمنا، فإنّنا ننفعك بأضعافها.
قال: فلزمه وفاتشه، فوجده كاتبا، فاستخدمه، وأكسبه مالا عظيما، وصار ذلك سببا لحرمة الرجل به.
(1/59)

22 أبو عمر القاضي يعامل بالجميل رجلا زوّر عنه رقعة بطلب التصرّف
حدّثني أبو أحمد بن أبي الورد [شيخ من أبناء القضاة لقيته سنة تسع وأربعين وثلاثمائة ببغداد] «1» ، قال حدّثني أبي [22 ب] وكان خصيصا بأبي عمر القاضي «2» .
إنّ رجلا زوّر عنه رقعة إلى أبي القاسم ابن الحواريّ «3» ، يسأله تصريفه وكانت بينهما مودّة.
وصار الرجل بالرقعة إلى أبي القاسم، فأخذت منه وحجب، فجلس يتوقّع الجواب.
فاتّفق أن جاء القاضي أبو عمر وأنا معه ليسلّم على ابن الحواريّ، ودخلنا، فوجد القاضي الرقعة بحضرته مشبهة بخطه، فوجم لذلك، وتشوّف «4» لمعرفة الخبر، وكان فيه من الوقار والرصانة والفضل المشهور الذي ضرب به المثل، [ما لم يتبين لابن الحواريّ معه ذلك عليه، وفطنت أنا لدربتي بأخلاقه] «5» .
وحانت لابن الحواريّ التفاتة، فرأى الرقعة في يده، فقال: أيّها القاضي الساعة وصلت، وأنا أفعل ما التمسته في معنى الرجل.
(1/60)

فشكره أبو عمر، وخاطبه بما أو همه فيه انّها رقعته، من غير أن يطلق ذلك، وكان أفعل الناس لهذا، وأقدرهم على أن يتكلّم دائما في الأمور بما يحتمل معنيين، ويحتاج إلى تفسير للمقصد، توقّيا منه، ودهاء.
وقال أبو عمر: فليطلب الرجل، إن كان حاضرا ويدخل، فطلبوه وأدخلوه، وقد امتقع لونه.
فقال له ابن الحواريّ: أنت الموصل لرقعة القاضي أعزّه الله؟
فقال: نعم.
فقال له أبو عمر: إنّه أعزّه الله قد وعد بتصريفك والإحسان إليك، فالزمه.
قال: وتحدّثا ساعة، ونهض أبو عمر، وقال لي سرّا: [20 ط] جئني به. فتأخّرت وونّسته «1» ، وحملته إليه، فدخلت عليه به وهو خال ينتظرنا وحده.
فقال له: ويلك، أتزوّر على خطّي، وأنا حاكم، وخطّي ينفذ في الأموال والفروج والدماء؟ ما كان يؤمنك أن أعرّف أبا القاسم أمرك فتصير نكالا.
فبكى الرجل وقال: والله، أيّها القاضي، ما حملني على ذلك إلّا عدم القوت، وشدة الفقر، وأنّي وثقت بكرمك ففعلت ذلك، إذ كان غير متّصل بحكم ولا شهادة، وقدّرت أيضا أنّ ذلك ينستر عنك، وأنتفع أنا من حيث لا يضرّك.
فقال له أبو عمر: الله إنّ الفقر حملك على هذا؟
فقال: إي والله، فبكى أبو عمر، وسارّ خادما له، فغاب الخادم قليلا،
(1/61)

ثم جاء بصرّة فيها مائة دينار، ومنديل فيه دست ثياب، فسلّمه إلى الرجل.
فقال له أبو عمر: اتّسع بهذا، والبس هذا، والزم أبا القاسم فإنّي أؤكّد عليه أمرك، واحلف لي أن لا تزوّر على خطّي أبدا.
فحلف له الرجل على ذلك وانصرف.
فلما كان بعد شهور جاءنا مسلّما على أبي عمر بمركوب حسن وثياب فاخرة، فأخذ يشكر أبا عمر ويدعو له، وهو لا يعرفه، وقد ذكرته أنا.
فقال له أبو عمر: يا هذا على أيّ شيء تشكرني؟
فقال: أنا صاحب الرقعة إلى أبي القاسم ابن الحواريّ، الذي [23 ب] وصلني القاضي بماله، وأحياني بجاهه، وقد صرّفني أبو القاسم طول هذه المدة، فبلغت حالي إلى هذا، وأنا أدعو الله للقاضي أبدا.
فقال أبو عمر: الحمد لله على حسن التوفيق.
(1/62)

23 أراد أن يزوّر على رجل مرتعش اليد
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش القاضي، قال:
رأيت صديقا لي على بعض زواريق الجسر ببغداد، جالسا في يوم ريح شديد، وهو يكتب.
فقلت ويحك في مثل هذا الموضع، ومثل هذا الوقت؟
فقال: أريد أن أزوّر على رجل مرتعش، ويدي لا تساعدني، فتعمدت الجلوس هاهنا لتحرّك الزورق بالموج في هذه الريح، فيجيء خطّي مرتعشا، فيشبه خطّه.
(1/63)

24 الوزير ابن مقلة يزوّر عليه أخوه
حدّثني أبو الحسين «1» ، قال:
حضرت أبا عليّ بن مقلة، وقد عرضت عليه، وهو وزير، عدّة تسبيبات، وتوقيعات، قد زوّرها عليه أخوه أبو عبد الله «2» ، وارتفق عليها «3» ، وكان أبو عبد الله حاضرا، فاستقبح أن يفضحه فيها.
فلمّا كثرت عليه، التفت إليه، فقال: يا أبا عبد الله، قد خفّفت عنّا، حتى ثقّلت، وخشينا أن نثقّل عليك، فأحبّ أن تخفّف عن نفسك هذا التعب.
قال: فضحك أبو عبد الله، وقال السمع والطاعة للوزير.
(1/64)

25 عمران المملكة أساس صلاح الرعية
حدّثني القاضي أبو الحسن عليّ بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخيّ قال:
استتر في دورنا عند أبي، أبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، المعروف بابن حنزابة «1» ، وكنت حدثا، فكان يستدعيني دائما، ونتحدّث، وألعب معه الشطرنج.
فقال لي يوما، وقد جرى حديث نقصان [21 ط] دخل المقتدر عن خرجه: نظرت، فإذا دخل المملكة كذا وكذا، وخرجها كذا وكذا، وإذا دخل ضياع عمّي أبي الحسن، وما قبض معها من ضياعنا، كان في وقت قبضها، كذا وكذا، وهو اليوم ثلث ذلك، ولو مكّنت من ضياعنا وحدها، لعمّرتها، فعاد ارتفاعها إلى ما كان عليه، فوفر ما بين الارتفاعين يعمّر الدنيا كلها، وإنّما أملاكنا شقص «2» يسير من الأرض، فكيف لو كان للدنيا من يهتمّ بعمارة جميعها؟
قال القاضي أبو الحسن: وما سمعت أعظم من هذا، وذلك قبل تقلّد أبي الفتح الوزارة.
وكان أبو الحسن، يحفظ مبلغ المال، وأخبرني به، فذهب عنّي.
(1/65)

26 الوزير ابن الفرات يحسن إلى خياط
حدّثني أبي رضي الله عنه، قال:
بلغني أنّ أبا الحسن بن الفرات، اجتاز وهو متوسّط الحال، في بعض الدروب الضيّقة «1» راكبا، وبين يديه غلامان، فسال عليه ميزاب من دار فصيّره آية ونكالا.
فقال لأحد غلمانه: اطلب لي موضعا أدخله.
فدقّ على قوم بابهم، وكان صاحب الدار خيّاطا، فلما رأى شارة أبي الحسن، وهيأته، أعظمه وخدمه، وأدخله وأجلسه، وأخذ ثيابه فدفعها إلى زوجته لتغسلها [24 ب] ، وجلس يحادثه، وبادر الغلام الآخر إلى دار أبي الحسن فجاءه بخلعة ثياب قبل أن يفرغ من غسل ذلك القماش، فلبسها، وأمر بترك تلك الثياب على القوم، وانصرف.
وضرب الدهر ضربه، وولي الوزارة الأوّلة «2» .
فاجتاز يوما راكبا في موكب عظيم، فقام الناس ينظرونه، وقام الخيّاط، فلما رآه عرفه، فقال لأهل سوقه: إنّ لي مع هذا الرجل قصّة طريفة، وأخبرهم بها.
فقالوا له: إنّه كريم، ولو قصدته لانتفعت.
فلمّا كان من غد قصده الخيّاط، فصادف مصيره إلى بابه ركوب ابن الفرات، فدعا له، وقال: لي بالوزير حرمة.
(1/66)

فتأمّله ابن الفرات، فعرفه، وتذكّر قصّته، فأمر بإجلاسه.
فلما عاد استحضره وسأله عن خبره، وخبر زوجته، وأولاده.
فأخبره [ووصف خلّة] «1» .
فقال له: أيّما أحب إليك الجائزة أو الخدمة لنا؟
فقال: بل خدمة الوزير.
فأمر له بألف دينار، وأن يجعل رئيسا على الخيّاطين في داره، ففعل به ذلك.
فما مضت عليه مديدة حتى صار صاحب عشرات ألوف «2» .
(1/67)

27 الوزير المهلبي يحسن إلى كوّاز
وقد شاهدت أنا، قريبا من هذا، من الوزير أبي محمد، الحسن بن محمد المهلّبي رحمه الله، وذلك: إنّ أبا محمد عبد الرحمن بن نصر السكّريّ البصريّ، صاحب البريديّين، وتقلّد شرطة البصرة دفعات، دعاه في وزارته، فجاء إليه إلى داره في شارع المربد.
فلمّا أراد الرجوع من داره إلى مسماران «1» - وكان أبو محمد المهلّبي رحمه الله، قد نزلها- استقبح الاجتياز بالجامع مع أنّه شارب، فعدل في الأزقّة إلى سيحان «2» ، ليركب منها طيّاره.
فلما بلغ حيث تعمل الكيزان، حقنه بوله، فدخل دار قوم ضعفاء، فبال، فدعا له صاحب الدار.
فقال له: هذه الدار لك؟ قال: لا، هي بأجرة معي.
قال: كم أجرتها؟ قال: خمسة دراهم في الشهر.
قال: وكم تساوي؟ قال: خمسمائة درهم.
قال: وكم رأس مالك في عمل الكيزان؟ قال: مائة درهم.
فدفع إليه في الحال ألف درهم، وقال: اشتر منها الدار، وردّ [22 ط] الباقي في رأس مالك، وركب.
(1/68)

28 من مكارم أخلاق الوزير أبي محمد المهلبي
وكان رحمه الله «1» ، من بقايا الكرام، ولقد شاهدت له مجلسا في شهر رمضان، سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، كأنّه من مجالس البرامكة، ما شهدت مثله قط قبله ولا بعده، وذلك:
إنّ كاتبه على ديوان السواد، أبو الحسين عبد العزيز بن إبراهيم، المعروف بابن حاجب «2» النعمان، سقط من روشن «3» في دار أبي محمّد على دجلة، فمات في اليوم الثامن من السقطة.
فجزع عليه أبو محمد، وجاء من غد إلى أولاده، لأنّهم كانوا دفنوه «4» عشيّا، وكنت معه [وحضر، وقد أعدّوا له دستا يجلس فيه، فلما دخل عدل عنه ولم يجلس فيه] «5»
، فعزّاهم بأعذب لسان، وأحسن بيان [25 ب] ، ووعدهم الإحسان، وقال: أنا أبوكم، وما فقدتم من ماضيكم غير شخصه.
ثم قال لابنه الأكبر أبي عبد الله: قد ولّيتك موضع أبيك، ورددت
(1/69)

إليك عمله، ووليّت أخاك أبا الحسين، وكان هذا صبيّا سنّه إذ ذاك عشر سنين أو نحوها [كتبة حضرة ابني أبي الغنائم] «1» ، وأجريت عليه كذا وكذا- رزقا كثيرا، وقد ذهب عنّي- فليلزمه، فإن سنيهما متقاربة، ليتعلّم بتعلّمه، وينشأ بنشأته، فيجب حقّه عليه.
ثم قال لأبي العلاء صاعد بن ثابت، خليفته على الوزارة «2» : اكتب عهدا لأبي عبد الله، واستدع كلّ من كان أبو الحسين رحمه الله، مستأجرا منه شيئا، فخاطبه في تجديد الإجارة للورثة، فإن أكثر نعمته، إنّما كانت دخالات وإجارات ومزارعات، وقد انحلّت الآن بموته، ومن امتنع فزده من مالي، واسأله، ولا تقنع إلّا بتجديد العقد كيفما جرت الحال.
ثم قال لأبي المكارم بن ورقاء، وكان سلف «3» الميت: إنّ ذيل أبي الحسن طويل، وقد كنت أعلم إنّه يجري على أخواته وأولادهنّ وأقاربه شيئا كثيرا في كلّ شهر، وهؤلاء الآن يهلكون بموته، ولا حصّة لهم في إرثه، فقم إلى ابنة أبي محمد المادرائي- يعني زوجة المتوفّى-، فعزّها عنّي، واكتب عنها جريدة «4» بأسماء جميع النساء اللواتي كان أبو الحسن يجري عليهنّ، وعلى غيرهنّ، من الرجال وضعفاء حاشيته.
وقال لأبي العلاء: إذا جاءك بالجريدة، فأطلقها عاجلا لشهر، وتقدّم
(1/70)

بإطلاقها على الإدرار، فبلغت الجريدة ثلاثة آلاف وكسرا في الشهر، وعملت في المجلس وأطلق مالها وامتثل جميع ما رسم به أبو محمد.
فلم يبق أحد إلّا بكى رقّة واستحسانا لذلك.
ولقد رأيت أبا عبد الله محمد بن الحسن الداعي العلويّ «1» رحمه الله، ذلك اليوم، وكان حاضرا المجلس، وقد أجهش بالبكاء، وأسرف في شكر أبي محمّد، وتقريظه، على قلّة كلامه إلّا فيما يعنيه، وعلى سوء رأيه- كان- في أبي محمد، ولكنّ الفضل بهره، فلم يمنعه ما بينهما، أن نطق بالحق.
وقلت أنا، لأبي محمد في ذلك اليوم: لو كان الموت يستطاب في وقت من الأوقات، لطاب لكل ذي ذيل طويل، في أيّام سيّدنا الوزير [أطال الله بقاءه] «2» ، فإنّ هذا الفعل، تاريخ الكرم، [وغاية تسامي الهمم] «3» [23 ط] وبه يتحقّق ما يروى عن الأسلاف من الأجواد، والماضين من الكرماء الأفراد، وغير ذلك، ممّا حضرني في الحال.
ثم نهض أبو محمّد رحمه الله، فارتفعت الضجّة من النساء، والرجال، وأهل الدار، والشارع، بالدعاء له، والشكر.
(1/71)

29 الوزير المهلبي وأبو عبد الله الأزدي الموصلي
حدّثني أبو محمد، يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزديّ الموصليّ:
إنّ أبا [26 ب] عبد الله، والده، رحمه الله «1» ، توسّط بين أبي محمد المهلّبي، وناصر الدولة، في مال يحمله إلى معزّ الدولة، من صلح الموصل، فأنفق من المال أربعين ألف درهم، لإضافة لحقته.
وسبّب عليه المهلّبيّ بالمال كاملا، وهو لا يعرف الخبر، وكانت بينهما مودّة وأنس، فصحّح أبو عبد الله الموجود، ودافع بما أنفق.
وجلس يوما في داره ليحتال العوض ويردّه، فجاءته رقعة أبي محمد يدعوه للشرب، فدافع، فعاوده، فركب، فأكلا، وجلسا للشراب.
فقال له أبو عليّ الأنباري «2» : أرى فيك يا سيّدي أبا عبد الله فتورا، وكانت بينهما مودّة، [وأبو عليّ- إذ ذاك- يخلف الوزير أبا محمد على الوزارة] «3» وعنده ابنته «4» ، فحدّثه أبو عبد الله بالحديث، وإن قلبه مشغول، إلى أن يتمّ له العوض ويردّه، وسأله كتمان ذلك.
وتبيّن المهلّبيّ في أبي عبد الله ذلك الفتور، فسأله عنه فورّى عن الصدق وكبرت نفسه عن إخباره بذلك، فأمسك عنه، وقام أبو عبد الله إلى البول،
(1/72)

فقال أبو محمد لأبي عليّ الأنباريّ: أما ترى فتور أبي عبد الله وهو صديقك، وقد رأيته يسارّك، وأظنه قد خرج إليك بسبب كسله، فما هو؟
فحدّثه أبو عليّ بالحديث.
فلما عاد، قال له أبو محمد: يا أبا عبد الله، أيّدك الله، ما أنصفتني في المودّة، ولا أنصفت نفسك في السياسة، تهتم بسبب أربعين ألف درهم، أملك إسقاطها عنك، فتكاتمني ذلك، حتى كأنّها عليك لغريب، أو بحقّ واجب.
وأخذ أبو عبد الله يجحد، ويقطّب في وجه أبي عليّ، ثم أخرج سرّه.
فقال المهلّبيّ، لأبي عليّ، يجب الساعة أن ينفذ إلى الجهبذ، أن يكتب له- أيّده الله- روزا بها «1» ، وأن تجعل أنت لها وجوها في الخرج، وتولّد بها نفقات واجبات- كما تعلم- على الأمير معزّ الدولة «2» ، لتسقط عن أبي عبد الله- أيّده الله- ولا نغرمها نحن.
قال: فاستدعى الجهبذ وأخذ روزه، وسلّمه إليه.
ثم قال له المهلّبيّ: أيّ شيء ضرّك أو ضرّني من هذا، سقط عنك همّ وثقل، وعنّي بقضائي بعض حقك، وخرج المال من مال الأمير، عد الآن إلى شربنا.
فما برح ليلته تلك من عنده، وسقط المال عنه.
(1/73)

30 عطايا الوزير المهلبي متواصلة
وقد أخبرني جماعة من ندماء أبي محمد:
إنّه فرّق في ليلة من اللّيالي عليهم، وعلى جماعة كانوا حضورا معهم، من مغنّين وملهين وغير ذلك، من الدراهم والثياب، ما يبلغ قيمة الجميع خمسة آلاف دينار.
ورأيته أنا، غير مرّة، قد وهب للجهنيّ «1» ولأبي الفرج الأصبهانيّ «2» خمسة آلاف درهم [وأربعة آلاف درهم] «3» ، ولغيرهما [27 ب] دائما.
(1/74)

31 الوزير القاسم بن عبيد الله يأمر أستاذه بالارتفاق
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال: حدّثني أبو إسحق إبراهيم بن السريّ الزجّاج «1» ، قال:
كنت أؤدّب القاسم بن عبيد الله «2» ، وأقول له: إن بلّغك الله مبلغ أبيك، ووليت الوزارة، ماذا تصنع بي؟ فيقول: ما أحببت. فأقول له: تعطيني عشرين ألف دينار «3» ، وكانت غاية أمنيتي، فيقول: نعم [24 ط] .
فما مضت إلّا سنون، حتى ولي القاسم الوزارة، وأنا على ملازمتي له، وقد صرت نديمه، فدعتني نفسي إلى إذكاره بالوعد، ثم هبته.
فلما كان في اليوم الثالث من وزارته، قال لي: يا أبا إسحق، لم أرك أذكرتني بالنذر؟.
فقلت: عوّلت على رعاية الوزير أيّده الله، وأنّه لا يحتاج إلى إذكار لنذر عليه، في أمر خادم واجب الحقّ.
فقال لي: إنّه المعتضد، ولولاه ما تعاظمني دفع ذلك إليك في مكان
(1/75)

واحد، ولكنّي أخاف أن يصير لي معه حديث، فاسمح لي بأخذه متفرّقا.
فقلت: يا سيّدي، أفعل.
فقال: اجلس للناس، وخذ رقاعهم، للحوائج الكبار، واستجعل عليها «1» ، ولا تمتنع عن مسألتي شيئا تخاطب فيه، صحيحا كان أو محالا، إلى أن يحصل لك مال النذر.
قال: ففعلت ذلك، وكنت أعرض عليه، كلّ يوم، رقاعا، فيوقّع فيها لي، وربّما قال: كم ضمن لك على هذا؟ فأقول: كذا وكذا، فيقول: غبنت «2» ، هذا يساوي كذا وكذا، ارجع فاستزد، فأراجع القوم، ولا أزال أماكسهم، ويزيدوني حتى أبلغ الحدّ الذي رسمه لي.
قال: وعرضت عليه شيئا عظيما، فحصلت عندي عشرون ألف دينار [وأكثر منها] «3» ، في مديدة.
فقال لي بعد شهور: يا أبا إسحق، حصل مال النذر؟
فقلت:. لا، فسكت.
وظللت أعرض، فيسألني في كل شهر أو نحوه، هل حصل المال؟
فأقول: لا، خوفا من انقطاع الكسب، إلى أن حصل عندي ضعف ذلك المال.
وسألني يوما، فاستحييت من الكذب المتّصل، فقلت: قد حصل ذلك ببركة الوزير.
فقال: فرّجت والله عني، فقد كنت مشغول القلب، إلى أن يحصل لك.
(1/76)

قال: ثمّ أخذ الدواة، فوقّع لي إلى خازنه بثلاثة آلاف دينار صلة فأخذتها، وامتنعت أن أعرض عليه شيئا، ولم أدر كيف يقع منه.
فلما كان من غد جئته، وجلست على رسمي، فأومأ إليّ، أن هات ما معك، يستدعي منّي الرقاع على الرسم.
فقلت: ما أخذت رقعة من أحد، لأنّ النذر قد وقع الوفاء به، ولم أدر كيف أقع من الوزير.
فقال: سبحان الله، أتراني كنت أقطع شيئا قد صار لك عادة [28 ب] ، وعلم به الناس، وصارت لك به منزلة عندهم وجاه، وغدوّ ورواح إلى بابك، ولا يعلم سبب انقطاعه، فيظن ذلك لضعف جاهك عندي، أو تغيّر رتبتك؟ أعرض عليّ على رسمك، وخذ بلا حساب.
فقبّلت يده، وباكرته من غد بالرقاع، وكنت أعرض عليه كل يوم شيئا إلى أن مات، [وقد تأثّلت حالي وكبرت] «1» .
(1/77)

32 الوزير عبيد الله بن سليمان يبيح جزءا من مال الدولة لأحد صنائعه
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال: حدّثني شيخ من شيوخنا، ذكره هو، وقد غاب «1» عنّي اسمه «2» ، قال: حدّثني أبو عبد الله بن أبي عوف «3» ، قال:
استتر عندي، عبيد الله بن سليمان «4» ، فدخلت إليه يوما، في حجرة كنت أفردتها له من داري، فقام إليّ، فقلت له ممازحا كما جرى على لساني: يا سيّدي اخبأ لي هذا، إلى وقت انتفع به فيه.
قال: فلمّا كان بعد مدّة، انتقل من عندي، فما مضت الأيّام حتى ولي الوزارة.
فقال لي أهلي: لو قصدته، وكانت حالي إذ ذاك صغيرة.
فقلت لهم: لا أفعل، أنا في ستر، وقصدي له الآن كأنّه اقتضاء
(1/78)

لثمن معروف أسديته إليه، وما أرضى لنفسي بهذا، ولو كان لي عنده [25 ط] خير لابتدأني به، فبتّ ليلتي تلك مفكرا، وكان هذا يوم الخلع.
فلما كان في السّحر جاءني فرانقه «1» برقعة بخطّه، يعاتبني على تأخّري عنه، ويستدعيني.
فصرت إليه، فإذا هو جالس، والخلق عنده، فلما صرت مع دسته، قام إليّ قياما تاما، وعانقني، وقال لي في أذني: هذا وقت تنتفع فيه بقيامي لك، وجلس، وأجلسني معه على طرف الدست، فقبّلت يده، وهنّأته ودعوت له.
ومضت ساعة، فإذا قد استدعاه المعتضد «2» ، فقام، وأمرني أن لا أبرح.
فجلست، وامتدّت العيون إليّ، وخوطبت في الوقت، بأجلّ خطاب، وعظّمت.
ثم عاد عبيد الله ضاحكا، وأخذ بيدي إلى دار الخلوة، فقال: ويحك إنّ الخليفة [الساعة] «3» استدعاني بسببك، وذلك انّه كوتب بخبر قيامي لك في مجلس الوزارة، فلمّا استدعاني الآن بدأ لينكر عليّ وقال: تبتذل مجلس الوزارة بالقيام لتاجر؟ ولو كان هذا لصاحب طرف كان محظورا «4» ، أو وليّ عهد كان كثيرا، وأخذ يتحاور في ذلك «5» .
فقلت: يا أمير المؤمنين، لم يذهب عنّي حقّ المجلس، وتوفية الرتبة
(1/79)

حقّها، ولكنّ لي عذرا، فإن رأى أمير المؤمنين أن يسمعه، ثم ينفذ حكمه فيّ، وأخبرته بخبري معك وقت استتاري عندك، فقال: أمّا الآن، فقد عذرتك، فلا تعاود، فانصرفت.
ثم قال لي عبيد الله: يا أبا عبد الله إنّي قد شهرتك شهرة، إن لم تكن معك مائة ألف دينار [29 ب] معدّة للنكبة، هلكت، فيجب أن نحصّلها لك لهذه الحال فقط، ثم نحصّل لك نعمة بعدها، تسعك وعقبك.
فقلت: أنا عبد الوزير، وخادمه، ومؤمّله.
فقال: هاتم «1» فلانا الكاتب، فجاء.
فقال: أحضر التجّار الساعة، وتقصّ «2» عليهم في تسعير مائة ألف كرّ «3» من غلّات السلطان بالسواد بما يساوي، وعرّفني.
فخرج، وعاد بعد ساعة، وقال: قد قرّرت ذلك معهم.
فقال له: بع على أبي عبد الله، هذه المائة ألف كر، بنقصان دينار واحد ممّا قرّرت به السعر مع التجّار، وبعه له عليهم بالسعر المقرّر معهم، وطالبهم بأن يعجّلوا له «4» فضل ما بين السعرين اليوم، وأخّرهم بالثمن إلى أن يتسلّموا الغلّات، واكتب إلى النواحي بتقبيضهم إيّاها.
قال: ففعل ذلك، فقمت عن المجلس، وقد وصل إليّ مائة ألف
(1/80)

دينار في بعض يوم، وما عملت شيئا.
ثم قال: اجعل هذه أصلا لنعمتك، ومعدّة للنكبة، ولا يسألنّك أحد من الخلق شيئا إلّا أخذت رقعته، وواقفته على أجرة لك عليها، وخاطبتني.
قال: فكنت أعرض عليه في كل يوم ما يصل إليّ فيه ألوف دنانير، وأتوسّط الأمور الكبار، وأداخل في المكاسب الجليلة، حتى بلغت النعمة إلى هذا الحد.
وكنت ربما عرضت عليه رقعة، فيقول لي: كم ضمن لك على هذه؟
فأقول: كذا وكذا.
فيقول: هذا غلط، هذا يساوي كذا وكذا، ارجع فاستزد.
فأقول له: إنّي أستحي.
فيقول: عرّفهم أنّي لا أقضي لك ذلك إلّا بهذا القدر، وأنّي رسمت لك هذا.
قال: فأرجع، فأستزيد ما يقوله، فأزاد.
(1/81)

33 الوزير عبيد الله بن سليمان ورقاع إسماعيل القاضي
حدّثني أبي رضي الله عنه، قال: سمعت القاضي أبا عمر، يقول:
عرض إسماعيل القاضي «1» ، وأنا معه، على [26 ط] عبيد الله بن سليمان، رقاعا في حوائج الناس، فوقّع فيها.
فعرض أخرى، وخشي أن يكون قد ثقّل عليه، فقال له: إن جاز أن يتطوّل الوزير أعزّه الله بهذا، فوقّع له.
فعرض أخرى، [وقال: إن أمكن الوزير أن يجيب إلى هذا، فوقّع، ثم عرض أخرى] «2» ، وقال: إن سهل على الوزير أن يفعل ذلك، فوقّع له، فعرض أخرى، وقال شيئا من هذا الجنس.
فقال له عبيد الله: يا أبا اسحق، كم تقول إن أمكن؟ وإن جاز؟
وإن سهل؟ من قال لك إنّه يجلس هذا المجلس، ثم يتعذّر عليه فعل شيء على وجه الأرض من الأمور، فقد كذبك، هات رقاعك كلّها، في موضع واحد.
قال: فأخرجها إسماعيل من كمّه، وطرحها بحضرته، فوقّع فيها، وكانت مع ما وقّع فيه قبل الكلام نحو ثمانين «3» رقعة.
(1/82)

34 الوزير ابن مقلة يتبرّم برقاع ذوي الحاجات
حدّثني الحسين [30 ب] بن الحسن الواثقيّ، قال:
كنت أرى دائما، أبا محمد جعفر بن ورقاء «1» ، يعرض على أبي عليّ ابن مقلة «2» ، في وزارته، الرقاع الكثيرة، في حوائج الناس، في مجالس حفله وخلوته، فربّما تجاوز ما يعرضه في يوم، مائة رقعة.
فعرض عليه يوما، في مجلس خال، شيئا كثيرا، فضجر أبو عليّ، وقال له: إلى كم يا أبا محمد؟
فغضب جعفر، وقال: أيّد الله الوزير، إن كان فيها شيء لي فخرّقه، إنّما أنت الدنيا ونحن طرق إليك، وعلى بابك الأرملة، والضعيف، وابن السبيل، والفقير، ومن لا يصل إليك، فإذا سألونا سألناك، فإن صعب هذا عليك، أمرنا الوزير- أيّده الله- أن لا نعرض عليه شيئا، ونعرّف الناس ثقل حوائجهم عليه، وضعف جاهنا عنده، ليعذرونا.
فقال له أبو عليّ: لم أذهب حيث ذهبت يا أبا محمد، وإنّما أردت أن تكون هذه الرقاع الكثيرة في مجلسين، أو مجلس يحضر فيه الكتّاب فيخفّفون عنّي بالتوقيعات فيها، ولو كانت كلّها حوائج تخصّك لقضيتها، وكان سروري بذلك أعظم، هاتها.
قال: فأخذها جميعها، ووقّع له فيها بما التمس أرباب الرقاع.
فشكره جعفر، وقبّل يده، وانصرف.
(1/83)

35 الوزير علي بن عيسى ورقاع أبي بكر الشافعيّ
حدّثني الفضل بن أحمد الحيّاني «1» ، قال: قال لي أبو بكر الشافعيّ «2» صاحب عليّ بن عيسى:
لما أفلتنا من مصادرة المحسّن بن الفرات، بعد ما جرى عليّ من مكروهه، ومصادرته، وإيقاعه بي بسبب صحبتي لعليّ بن عيسى، وأفضى الأمر إلى أبي الحسن عليّ بن عيسى، أردت الانتفاع بأمور أتكلّم فيها، أخلف بما آخذه منها، بعض ما صودرت عليه، فأخذت رقاعا كثيرة للناس، وكنت أعرضها على أبي الحسن فيوقّع فيها.
فعرضت عليه يوما شيئا كثيرا، فضجر مني، فقلت: أيها الوزير، إذا كان حظّنا من أعدائك، في أيّام نكبتك الصفع، ومنك، في أيّام ولايتك، المنع، فمتى- ليت شعري- وقت النفع؟
قال: فضحك، ووقّع لي في جميعها، وما تضجّر من شيء أعرضه عليه بعد ذلك.
(1/84)

36 الوزير علي بن عيسى ومحمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشميّ
حدّثني أبو السريّ، عمر بن محمد القارىء «1» ، قال: حدّثني أبو القاسم عيسى بن عليّ بن عيسى «2» ، قال: قال لي أبي:
عرض عليّ أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشميّ [27 ط] ، في بعض وزاراتي، رقعة التمس فيها محالا، وقبّل يدي، فعملت على إجابته إليه، وتركت الرقعة بحضرتي، أتفكّر كيف أعمل ذلك من غير عتب.
وعرض لي رأي في الركوب، فنهضت.
فقبض محمد بن الحسن على يدي، وقال: أنا نفيّ من العبّاس إن تركت الوزير يركب، إلا بعد أن يوقّع لي في رقعتي، أو يقبّل يدي كما قبّلت يده.
قال: فوقّعت له قائما [31 ب] ، وعجبت من سوء أدبه، وعظم وقاحته.
(1/85)

37 الوزير أبو محمد المهلبيّ ومحمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشميّ
ولقد شاهدت «1» أبا بكر محمد بن الحسن، هذا، في سنة خمسين وثلاثمائة، وقد تقلّبت الأيّام به، وبأهل بيته، بحضرة أبي محمّد المهلّبيّ، وقد كان العيّارون ثاروا ببغداد، وأوقعوا فتنا عظيمة، كان أصلها بنو هاشم، وغلقوا الجامع بالمدينة «2» فلم تصلّ فيه تلك الجمعة.
وكان سبب ذلك، عربدة وقعت بين رجل عباسيّ وبين رجل علويّ، على نبيذ، في خندق طاهر «3» ، فقتل العلويّ، وثار أهله به، وثارت الفتنة ودخلت العامّة فيها، وعظم الأمر، حتى أجلس الديلم في الأرباع، وكان شيئا هائلا.
ولم تسكن الفتنة، فقبض أبو محمد، على أكثر بني العبّاس، الوجوه والمستورين، والعيّارين منهم والذعّار «4» ، حتى قبض في جملتهم على عدّة قضاة وشهود هاشميّين وصلحاء، وكان ممّن قبض عليه محمد بن الحسن ابن عبد العزيز.
وجلس لهم الوزير أبو محمد، يوما، ليناظرهم، وسامهم «5» أن يسمّوا
(1/86)

له العيّارين منهم، والأحداث، وحملة السكاكين، ليقبض عليهم، ويفرج عن الباقين، وأن يكفّل منه أهل الصلاح، لأهل الطلاح، ويأخذون على أيديهم، لتطفأ نائرة «1» الفتنة.
وكان القاضي أبو الحسن، محمد بن صالح الهاشميّ، حاضرا، فأخذ يتكلّم بكلام سديد، في دفع هذا، وترقيق المهلّبيّ، ويرفق به.
فاعترض ابن عبد العزيز الخطاب، وتكلّم بكلام فيه حراشة «2» وجفاء وخشونة.
فسمعت أبا محمد يقول له: يا ماصّ كذا وكذا، ما تدع جهلك، والخيوط «3» التي في رأسك، كأنّي لا أعرفك قديما وحديثا، وأعرف حمقك، وحمق أبيك، وتشنيعك لمجالس الوزراء، وشهوتك أن تقول: قال الوزير، فقلت له، وما تظن إلا أنّ المقتدر على السرير، وأنا أحد وزرائه، ولا تعلم أنّ صاحب السرير اليوم، هو الأمير معزّ الدولة الديلميّ، يرى أنّ في سفك دمك قربة إلى الله تعالى، وأنّ وزنك عنده كوزن الكلب، يا غلمان جرّوا برجله.
فجرّت رجله ونحن حاضرون، فرأيت قلنسوة كانت على رأسه، وقد سقطت.
ثم قال: طبّقوا عليه زورقا، وانفوه إلى عمان، فأجلس في الزورق، وحدر.
فقبّلت الجماعة يده، وراسله الخليفة المطيع لله في أمره، ولم تزل
(1/87)

المراسلات، إلى أن عفا عنه، وألزمه بيته، وأخذ خطّ أهله بجميع ما كانوا امتنعوا منه، ممّا سامهم إيّاه، وتلقّط خلقا من أحداث الهاشميّين، وغيرهم من العامّة، وأهل الذعارة والعصبيّة، فجعلهم في زواريق، وطبّقها عليهم، وسمّرها، وأنفذها إلى بصنّى «1» وبيروذ «2» ، فحبسهم في حبوس ضيّقة هناك، ودور تجري مجرى القلاع، فكانوا فيها [32 ب] إلى أن مات أبو محمّد، ومات منهم خلق في الحبس، ثم أطلق [28 ط] بقيّتهم، على قلّتها، بعد موته بسنين، وزالت الفتنة إلى الآن.
(1/88)

38 لو سلم من العشق أحد لسلم منه أبو خازم القاضي
حدّثني أبو القاسم الحسن بن بشر الآمديّ «1» ، كاتب القضاة من بني عبد الواحد بالبصرة، وله شعر جيّد حسن، واتّساع تام في الأدب، رواية «2» له وحفظ، وكتب مصنّفة فيه، قال: حدّثني أبو إسحاق الزجّاج، قال:
كنّا ليلة بحضرة القاسم بن عبيد الله «3» [يشرب] «4» ، وهو وزير، فغنّت [بدعة] «5» جارية [عريب] «6» .
أدلّ فأكرم به من مدلّ ... ومن ظالم لدمي مستحلّ
إذا ما تعزّز قابلته ... بذلّ وذلك جهد المقلّ
فأدّت فيه صنعة حسنة، فطرب القاسم عليه طربا شديدا، واستحسن الصنعة والشعر، وأفرط في وصف الشعر.
فقالت بدعة: يا مولاي، إنّ لهذا الشعر خبرا أحسن منه.
(1/89)

قال: ما هو؟
قالت: هو لأبي خازم القاضي «1» .
قال: فعجبنا من ذلك، مع شدّة تقشّف أبي خازم، وبغضه «2» ، وورعه، وتقبّضه.
فقال لي الوزير: بالله يا أبا إسحاق، بكّر إلى أبي خازم، وسله عن هذا الشعر وسببه.
فباكرته، وجلست حتى خلا وجهه، ولم يبق إلّا رجل بزيّ القضاة عليه قلنسوة، فقلت له: شيء أقوله على خلوة.
فقال: قل، فليس هذا ممّن أكتم.
فقصصت عليه الخبر، وسألته عن الشعر والسبب.
فتبسّم، وقال: هذا شيء كان في الحداثة، قلته في والدة هذا- وأومأ إلى القاضي الجالس، فإذا هو ابنه- وكنت إليها مائلا، وكانت لي مملوكة، ولقلبي مالكة، أمّا الآن فلا عهد لي بمثله منذ سنين، وما عملت شعرا منذ دهر طويل، وأنا أستغفر الله مما مضى.
قام: فوجم الفتى، وخجل، حتى ارفضّ عرقا.
وعدت إلى القاسم فأخبرته، فضحك من خجل الابن، [وقال: لو سلم من العشق أحد، لكان أبو خازم مع بغضه] «3» .
وكنّا نتعاود ذلك زمانا.
(1/90)

39 علويّ يفتخر بنفسه
أنشدني أبو إسحاق «1» ، إبراهيم بن عليّ النصيبينيّ المتكلّم، وأبو الفرج عبد الواحد بن نصر الببغاء «2» وغيرهما، قالوا:
أنشدنا أبو عبد الله ابن الأبيض العلويّ بالشام، لنفسه:
وأنا ابن معتلج البطاح تضمّني ... كالدرّ في أصداف بحر زاخر
ينشقّ عنّي ركنها وحطيمها ... كالجفن يفتح عن سواد الناظر
كجبالها شرفي ومثل سهولها ... خلقي ومثل ظبائهن مجاوري «3»
[وذكر أبو الحسن السلامي «4» : إنّ أبا الحسن الرامي مرّ على عليّ بن خلف القطّان البغداديّ، وأنشده هذه الأبيات لنفسه] «5» .
(1/91)

40 ابن قناش الجوهري يصف دجلة
أنشدني أبو جعفر طلحة بن عبيد الله الطائيّ البغداديّ، المعروف بابن قناش الجوهريّ لنفسه:
أنا ظام فاسقنيها ... إنّني حلف اختيال
ما ترى دجلة كالس ... احب أذيال الدلال
وهي تزهى بقصور ... عن يمين وشمال [29 ط]
وبماء قد حكى المدّ ... به ظهر غزال [33 ب]
41 في هجاء مغن طنبوري
[ص 34] أنشدني أبو الحسن، محمد بن عبد الواحد، في ابن طرخان «1» المغنّي الطنبوريّ، لنفسه، وله اتّساع في الأدب تام:
قل لابن طرخان «2» أما تستحي ... تقرن تطفيلك بالباس
يا أخرج الناس من إيقاعه ... وأدخل الناس إلى الناس
وقال:
يا من يصيح بحلق ما له طبقه ... ولا يوافق زيرا لان أو خرقه
فارقت بينك والإيقاع في قرن ... فأنت أطفل من كلب على مرقه
فإن دعيت ففي الأحيان عن غلط ... وإن حظيت بشيء فهو من صدقه
(1/92)

42 للكاتب بشر بن هارون في هجاء أحد خلفاء القضاة ببغداد
أنشدني أبو نصر بشر بن هارون، الكاتب النصرانيّ البغداديّ «1» ، لنفسه، في أبي رفاعة بن كامل، أحد خلفاء القضاة ببغداد، على بعض سوادها:
قضى شعري على القاضي بحكم ... أجاب إليه مصفوعا مذالا
ولو لم يستجب لنتفت منه ... سبالا إن وجدت له سبالا
ونتف سباله شيء محال ... لأنّ الحلق صيّره محالا
(1/93)

43 بشر بن هارون الكاتب يشكو من رئيسين صرف أحدهما بالآخر
وأنشدني «1» لنفسه في شعبان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، في رئيسين صرف أحدهما بالآخر، [وإنّما كتبتهما إذ ذاك، لأنهما كانا حينئذ قدّروهما في أبي الفضل الشيرازيّ «2» لمّا صرف عن الوزارة بأبي الفرج بن فسانجس] «3» :
مضى من كان يعطينا قليلا ... ووافى من يشحّ على القليل
وأحسب أن سيملكنا مكدّ «4» ... متى اطّرد القياس على الدليل
فقل للفاطميّ «5» لقد تمادت ... أناتك في الحلول وفي الرحيل
فحثّ السير علّ الله يهدي ... شفاء منك للبلد العليل
(1/94)

44 أبو نصر البنص في مجلس سيف الدولة، يعلّل سبب تسميته بالبنص
أخبرني أبو جعفر طلحة بن عبيد الله بن قناش، إنّه كان بحضرة سيف الدولة «1» ، وقد كان من ندمائه، قال:
كان يحضر معنا أبو نصر البنص، وكان هذا رجلا من أهل نيسابور، أقام ببغداد قطعة من أيّام المقتدر، وبعدها إلى أيّام الراضي، وكان من أصحابنا في المذهبين، يعني في الفقه مذهب أبي حنيفة، وفي الكلام مذهب أهل العدل والتوحيد «2» ، وكان مشهورا بالطيبة، والخلاعة، وخفّة الروح، وحسن المحاضرة، مع عفّة وستر، وتقلّد الحكم في عدّة نواح بالشام.
فقيل له يوما بحضرة سيف الدولة، لم لقّبت بالبنص؟
قال: ما هذا لقب، إنّما هو اشتقاق من كنيتي، كما انّنا لو أردنا أن نشتقّ من أبي عليّ مثل هذا، وأومأ إلى ابن البازيار، لقلنا ألبعل، ولو اشتققنا من أبي الحسن مثل هذا، وأومأ إلى سيف الدولة، لقلنا ألبحس.
فضحك منه، ولم ينكر عليه.
(1/95)

45 أبو نصر البنص في مجلس أبي بكر بن دريد
وخبّرني أبو جعفر، قال:
حضرت ببغداد مجلس أبي بكر بن دريد «1» ، وأبو نصر هذا يقرأ عليه قصيدته التي أوّلها [30 ط] :
أماطت لثاما عن أقاحي الدمائث ... بمثل أساريع الحقوف العثاعث
إلى أن بلغ إلى قوله:
إذا أنسوا ضبّا بجانب كدية «2» ... أحاطوا على حافاتها بالربائث «3»
[34 ب] فقطع القراءة، وقال: يا أبا بكر، أعزّك الله، ما الربائث «4» ؟
قال ابن دريد: العرب تسمي الحراب العراض الحدائد، ربائث «5» .
فقال له البنص: أخطأت يا أبا بكر أعزّك الله.
فعجبنا من جرأته على تخطئة أبي بكر في العلم، وتشوّفنا إلى ما يجري.
فقال له أبو بكر، وكان وطيء الخلق: فما هي يا أبا نصر، أعزّك الله؟
قال: جمع ربيثاء «6» ، هذه [التي تقدّم] «7» في السكرجات «8» .
وعاد يقرئنا في القصيد، محتدّا، فضحكنا منه.
(1/96)

46 أبو نصر البنص وصاحب الشرطة
حدّثني أبو حامد أحمد بن بشر بن عامر الخراسانيّ، القاضي الفقيه، قال: قال لي أبو نصر البنص هذا:
كنت في بعض المدن، وأنا غريب، فنزلت في خان، فكان يختلف إليّ أحداث ورجال، أقرئهم الفقه في غرفتي، وإذا انقضى الدرس، لعبنا ومزحنا.
فظنّ أهل الخان، أنّ اجتماعهم عندي، مع ما يسمعونه من المزح، لفساد، فاستعدوا عليّ إلى صاحب الشرطة، وقالوا إنّني قوّاد.
فأحضرت، فلما وقفت بين يديه، رأيت على رأسه غلاما أمرد حسن الوجه قائما، فأنعظت من شهوته، فقال لي الوالي: أنت قوّاد؟
قال: وكنت بلا سراويل، فكشفت عن أيري، وقلت: هذا، أصلحك الله، أير قوّاد؟
فضحك، وقال: لا، وفرّق القوم عني، وأخذني لعشرته، فكنت أختلف إليه، مدّة كوني في البلد، وأعاشره.
(1/97)

47 بين الأمير معزّ الدولة ووزيره أبي جعفر الصيمريّ
حدّثني أبو حامد القاضي، قال:
كنت قائما بين يدي معزّ الدولة «1» ، فقال لأبي جعفر الصيمريّ «2» وزيره، بالفارسيّة: يا أبا جعفر، أريد الساعة خمسمائة ألف دينار «3» ، لمهمّ لا يجوز تأخيره.
فقال له الصيمريّ: أيّها الأمير، رد ذلك، فإنّي أيضا أريد مثله.
فقال له: فإذا كنت أنت وزيري، فممّن أريد هذا إلّا منك؟
فقال له الصيمريّ: فإذا لم يكن في الدّخل فضل لذلك عن الخرج، فمن أين أجيئك به؟
قال: فحرد عليه معزّ الدولة وقال: الساعة والله أحبسك في الكنيف، حتى تجيء بذلك.
فقال: إذا حبستني في الكنيف، خريت لك نقرة «4» بهذا المال؟
فضحك منه، وأمسك عنه «5» .
(1/98)

48 المدائني يتماجن على شيخ صوفيّ
حدّثني أحمد بن محمد المدائنيّ، قال:
وقفت في جامع المدينة ببغداد على حلقة صوفيّة، يتحاورون على الخطرات والهواجس «1» ، ومسائل تشبه الوسواس، لم أفهمها.
وخطر لي أن أمجن بهم، فقلت: أيّها الشيخ المصدّر، مسألة.
فقال: هات.
فقلت: أخبرني إذا كنت شيخا في معناك، حلسا في ذات نفسك، فأصاب يافوخك تقطيع [بعضب خزري] «2» على سبيل العلم، وكنت تحت الإرادة، هل يضرّ أوصافك شيء، مع تعلّقك بحبل القدرة [35 ب] ، يا بطّال؟
قال: فوقع لمن حوله إنّها مسألة، وأخذوا يتعاطون الجواب.
وفطن الشيخ، فخفت أن يأمرهم بي، فانسللت.
(1/99)

49 أبو أحمد الحارثيّ وصوفيّ يترنّم بالرباعيّات
حضرني أبو أحمد عبد الله بن عمر الحارثيّ، وعندي صوفيّ يترنّم بشيء من [31 ط] الرباعيّات، فلم يستطبه أبو أحمد.
فقال له على البديهة: يا أخي لا أقطع حديثك إلّا بخير.
50 الشافعي وغلام الهرّاس
حدثني الفضل بن أحمد الحيّاني «1» ، قال: قال لي الشافعيّ، صاحب عليّ ابن عيسى «2» :
علق مرّة بلجام مركوبي، غلام هرّاس، بيده غضارة هريسة «3» ينادي عليها، وشالها «4» إلى أنفي، وقال: جمع اللوز والغنم، ثم نادى يمينه «5» .
فقلت أعزّك الله، هذا وجهي إلى الوزير، أخبره بهذا الخبر، فإن رأيت أن تطلقني، فعلت.
(1/100)

51 أبو محمد الواسطيّ والمغنّية التي يهواها
حدّثني أبو أحمد الحارثيّ، قال:
كان عندنا بواسط، رجل متخلّف موسر، يقال له: أبو محمد بن أبي أيّوب، وكان يعاشرنا بمغنّية يهواها، وكان من غنائها، صوت أوّله:
إنّ الخليط أجدّ منتقله ... ولوشك بين حمّلت إبله
وكانت تغني فيه لحنا صعبا حسنا، لا يفهمه أبو محمّد لتخلّفه، فاقترحه يوما عليها، فقال: بالله يا ستي غنّي لي:
إنّي خريت فجئت أنتقله فقالت: ويل لي، أنا أغنّي شيء من هذا؟
ففطنت لما يزيد، فقلت لها: إنّه يريد أن تغنّي له:
إنّ الخليط أجدّ منتقله فقالت له: قطع [الله] «1» ظهرك، أين ذا من هذا؟ وغنّت الصوت.
وكان من غنائها:
خليليّ هيّا نصطبح بسواد «2»
(1/101)

فقال لها يوما: بالله يا ستّي، غنّي:
خليليّ هيّا نصطبح بسماد
فقالت له: إذا عزمت على هذا، فوحدك «1» .
قال: ودخلت إلينا يوما على غفلة، ونحن نصافعه ويصافعنا بالمخادّ، فاستحيا، وسألنا أن ندعه، فتركناه.
فلما، جلسنا على الشرب، طلب منها صوتا له عليها «2» ، وهو:
أبيني «3» سلاحي لا أبا لك إنّني ... أرى الحرب لا تزداد إلّا تماديا
فأعطته مخدّة «4» .
(1/102)

52 أبو الفرج الببغاء يمدح سيف الدولة
أنشدني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزوميّ النصيبينيّ الكاتب المعروف بالببغاء «1» ، قصيدة له في سيف الدولة، يذكر وقعة كانت له مع بني كلاب، وعفوه عنهم:
إذا استلّك الجانون أغمدك الحلم ... وإن كفّك الإبقاء أنهضك العزم
وهي حقيقة بأن تورد كلّها، ولكنّي اخترت من شعره، ما يصلح للمكاتبة في الحوادث، أو الأمثال، أو معنى لم يسبق إليه، فتركت أكثر محاسن شعره، وحسن نظمه، وبلاغته، وعذوبة كلامه، وأكثر إحسانه، موكولا إلى من ينظر في ديوانه.
ومن هذه القصيدة، مثل:
ومن لم يؤدّ به لفرط عتوّه ... إذا ما جنى الإنصاف أدّبه الظلم [36 ب]
ومنها:
إذا العرب لم تجز اصطناع ملوكها ... بشكر تعاوت في سياستها العجم
أعدها إلى عادات عفوك محسنا ... كما عوّدتها قبل آباؤك الشمّ
فإن ضاق عنها العذر عندك في الذي ... جنته فما ضاق التفضّل والحلم [32 ط]
(1/103)

53 القاضي أبو بكر بن سيار وحساب الأصابع
حدّثني القاضي أبو بكر أحمد بن سيّار، قال «1» :
ضربوا مثلا للإنسان فقالوا:
ابن عشر سنين، قد دار في أهله، كما دارت هذه على هذه، وأومأ إلى ابهامه وسبّابته، وعقد عشرا.
(1/104)

وابن عشرين، قد التصب بين أمري الكسب والعيال، كما انتصبت هذه بين هاتين، وعقد بأصابعه عشرين.
وابن ثلاثين، قد استوى، كما استوت هذه على هذه، وعقد ثلاثين بأصابعه.
وابن أربعين، قد قام كما قامت هذه، وعقد بأصابعه.
(1/105)

وابن خمسين قد انحنى، كما انحنت هذه، وعقد خمسين بأصابعه.
وابن ستين، وعقدها بأصابعه، قد انحطّ في عمره وقوّته، كما انحطّت هذه على هذه.
وابن سبعين، قد اضطجع، كما اضطجعت هذه على هذه.
(1/106)

وابن ثمانين، وعقدها، قد احتاج إلى ما يتوكّأ عليه، كما توكّأت هذه على هذه.
وابن تسعين، قد ضاق عمره وأمعاؤه، كما ضاقت هذه.
وابن مائة، قد انتقل عن الدنيا إلى الأخرى، كما انتقل العقد من اليمين إلى الشمال.
(1/107)

54 هنديّ يقتل فيلا بحيلته من غير سلاح
وحدّثني القاضي أبو بكر أحمد بن سيّار «1» ، قال: حدّثني شيخ من أهل اليمن، وذكر أنّ اسمه نعمان، وجدتهم يذكرون ثقته، ومعرفته بأمر البحر، وأنّه دخل الهند والصين، قال:
كنت ببعض بلدان الهند، وقد خرج على ملكها خارجيّ، فأنفذ إليه الجيوش، فطلب الأمان، فأمّنه، فسار ليدخل، من موضعه، إلى بلد الملك، فلما قرب، أخرج الملك الجيش ليلتقيه، والآلات، وخرجت العامّة، تنتظر دخوله، فخرجت معهم.
فلما بعدنا في الصحراء، وقف الناس ينتظرون طلوع الرجل، وهو راجل، في عدّة الرجال، وعليه ثوب ديباج، ومئزر في وسطه، جريا على زيّ القوم، فتلقّوه بالإكرام، ومشوا به، حتى انتهى إلى أفيلة عظيمة، قد أخرجت للزينة، وعليها الفيّالون، وفيها فيل عظيم يختصّه الملك لنفسه، ويركبه في بعض الأوقات.
فقال له الفيّال، لمّا قرب منه: تنحّ عن طريق الفيل، فسكت، فأعاد عليه، فسكت.
فقال له: يا هذا، احذر على نفسك، وتنحّ عن طريق فيل الملك.
فقال له الخارجي: قل لفيل الملك يتنحّى عن طريقي.
(1/108)

فغضب الفيّال، وأغرى الفيل به، بكلام كلّمه، فغضب الفيل وعدا إلى الخارجيّ، ولفّ خرطومه، وشاله الفيل شيلا عظيما، والناس يرونه، وأنا فيهم، ثم خبط به الأرض، فإذا هو قد انتصب على قدميه فوق الأرض، ولم ينحّ يده عن الخرطوم.
فزاد غضب الفيل، وشاله أعظم من ذلك، وعدا، ثم رمى به الأرض، فإذا هو قد حصل عليها مستويا على قدميه، منتصبا، قابضا على الخرطوم.
قال: فشاله الفيل الثالثة، وفعل به مثل ذلك، فحصل على الأرض منتصبا، قابضا على الخرطوم، وسقط الفيل ميتا، لأنّ قبضه على الخرطوم تلك المدة، منعه من النفس، فقتله.
قال: فوكّل به، وحمل [33 ط] إلى الملك، وحدّث بالصورة، فأمر بقتله.
فاجتمع القحاب- بهذا اللفظ- وهم النساء الفواجر، يفعلن ذلك بالهند ظاهرا، عند البدّ، تقربا إليه عندهم، بلا اجتعال «1» ، وهم العدول هناك، يشهدون في الحقوق، ويقمن الشهادة، فيقطع بها حاكمهم. ويشاورن في الأمور، وفي الآراء، وعندهن، إنهن ببذلهنّ نفوسهنّ عند البدّ، بغير اجتعال، قد صرن في حكم الزهّاد، والعبّاد.
قال: فقالت القحاب للملك، يجب أن تستبقي مثل هذا، ولا تقتله، فإنّ فيه جمالا للمملكة، ويقال: إنّ للملك خادما، قتل فيلا بقوّته وحيلته، من غير سلاح.
فعفا عنه الملك واستبقاه «2» .
(1/109)

55 ملك الهند يحاور الحكماء من رعيته
[حدّثني القاضي أبو بكر أحمد بن سيّار، قال: حدثني شيخ من أهل التيز ومكران «1» ، لقيته بعمان، ووجدتهم يذكرون ثقته، ومعرفته بأمر البحر] «2» ، وحدّثني القاضي، قال: حدّثني هذا الشيخ:
إنّ رجلا بالهند من أهلها حدّثه: أنّ خارجيّا، خرج في بعض السنين، على ملك من ملوكهم، فأحسن التدبير، وكان الملك معجبا برأيه، مستبدّا به، فأنفذ إليه جيشا، فكسره الخارجيّ، فزحف إليه بنفسه.
فقال له وزراؤه: لا تفعل، فإن الخوارج تضعف بتكرير الجيوش عليها، والملك لا يجب أن يغرّر بنفسه، بل يطاول الخارجيّ، فإنّه لا مادة له يقاوم بها جيشا بعد جيش، إذا توالت عليه جيوش الملك.
فلم يقبل «3» ، وخرج بنفسه، فواقعه، فقتله الخارجيّ، وملك داره ومملكته، فأحسن السيرة، وسلك سبيل الملوك.
فلما طال أمره، وعزّ ذكره، وقوي سلطانه، جمع حكماء الهند، من سائر أعماله، وأطراف بلدانه، وكتب إلى عمّاله أن يختار أهل كل بلد، مائة منهم، من عقلائهم وحكمائهم، فينفذونهم إليه، ففعلوا.
فلما حصلوا ببابه، أمرهم باختيار عشرة منهم، فاختاروا، فأوصل
(1/110)

العشرة، وأوصل من أهل دار المملكة عشرة، وقال لهم: يجب على العاقل، أن ينظر عيوب نفسه فيزيلها، فهل ترون فيّ عيبا، أو في سلطاني نقصا؟ [37 ب] فقالوا: لا، إلّا شيئا واحدا، إن أمنتنا قلناه.
قال: أنتم آمنون.
قالوا: نرى كل شيء لك جديدا، يعرّضون إنّه لا عرق له في الملك.
فقال: فما حال ملككم الذي كان قبلي؟
قالوا: كان ابن ملك.
قال: فأبوه؟ قالوا: ابن ملك.
قال: فأبوه؟ إلى أن عدّد عشرة أو أكثر، وهم يقولون، ابن ملك، فانتهى إلى الأخير. فقالوا: كان متغلّبا.
قال: فأنا ذلك الملك الأخير، وإن طالت أيامي، مع إحساني السيرة، بقي هذا الملك بعدي، في ولدي [وولد ولدي] «1» ، فصار لأولاد أولادهم من العرق في الملك، مثل ما كان لملككم الذي كان من قبلي.
فسجدوا له، وكذا عادتهم إذا استحسنوا شيئا، ولزمتهم حجّة، وانصرفوا، فازداد بذلك الملك توطّدا له.
قلت أنا للقاضي: هذا شيء قد سبقت العرب إليه في كلمتين، استغني بهما عن هذا المثل الطويل العجميّ.
فقال: ما هما؟
فقلت [34 ط] : روت العرب أنّ رجلين تفاخرا، فقال أحدهما لصاحبه: نسبي منّي ابتدأ، ونسبك إليك انتهى.
(1/111)

56 الصيمريّ وزير معزّ الدولة يرفق بأحد المصادرين
حدّثني أبو القاسم سعيد بن عبد الرحمن الكاتب الأصبهانيّ، قال:
حضرت الصيمريّ «1» ، في وزارته لمعزّ الدولة، وقد أحضر رجلا مصادرا، وقد قرّر أمره على مال.
فقال له: أعطني كفيلا، واخرج فصحّح المال.
فقال: لا كفيل لي أوثق من إحسانك إليّ أيها الأستاذ.
فرقّ له، وخفّف مصادرته، وأحسن إليه.
(1/112)

57 مهاترة بين بصريّ وسيرافيّ
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن بكر، قال: حدّثني أبو بكر سعيد بن هارون الطبيب، وكان أبوه سيرافيّا «1» وجيها في بلده وغيرها، موسرا، قال:
خاصم أبي رجل من أهل البصرة، فقال له الرجل: تكلّمني وأنت قطعة سيرافيّ؟
فقال له سعيد: أنا نجار «2» في بلدي، وأنت عار في بلدك «3» .
(1/113)

58 الوزير أبو محمد المهلبيّ وحدّ الإقبال والإدبار
حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف «1» ، قال: حدّثني قاضي القضاة أبو محمد عبيد الله بن أحمد»
، قال:
تجارينا بحضرة أبي محمد المهلّبيّ، ذكر الإقبال والإدبار، فقال:
ليس الإقبال أكثر من الحركة والتواضع، ولا الإدبار أكثر من الكسل والتكبّر.
(1/114)

59 من شعر أبي الفرج الببغاء
أنشدني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد النصيبينيّ المخزومي الكاتب، المعروف بالببغاء «1» لنفسه قصيدة منها:
جاورت بالحبّ قلبا لم تذر فكري ... للحبّ مستمتعا فيه ولم تدع
يصبو ولكن يكفّ الحلم صبوته ... وأشرف الحبّ أدناه من الورع
وبي أمسّ غرام لو أنست إلى الشكوى ... ولكن أعدّ الصبر للجزع
ما بال أهل زماني من تجاهلهم ... بموضعي بين مغبون ومختدع
من لم تزد قومه أفعاله شرفا ... بالفضل فهو لمعنى غير مخترع «2» [38 ب]
عفت الموارد لمّا «3» لم أجد ظمأ ... في كثرة الماء ما يغني عن الجرع
(1/115)

60 لأبي الفرج الببغاء في الأمير سيف الدولة
وأنشدني لنفسه قصيدة في سيف الدولة «1» رحمه الله أوّلها:
أفادت بك الأيّام فرط تجارب ... كأنّك في فرق الزمان مشيب
وكلّ بعيد قرّب «2» الحين نحوه ... سلاهبك الجرد الجياد قريب
تباشر أقطار البلاد كأنّها ... رياح لها في الخافقين هبوب
وتملأ ما بين الفضائين عثيرا ... مثارا بوجه الشمس منه شحوب
وما يدرك العلياء إلّا مهذب ... يصاب على مقداره ويصيب
فلا تصطف الإخوان قبل اختبارهم ... فما كلّ خلّ تصطفيه نجيب
(1/116)

61 من مكارم أخلاق أبي المنذر النعمان بن عبد الله
حدّثني القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن «1» ، قال: حدّثني وكيل كان لأبي المنذر النعمان بن عبد الله «2» ، قال:
كان من عادة النعمان، إذا كان في انسلاخ كلّ شتوة، أن يعمد إلى جميع ما استعمله من خزّ وصوف وفرش وكوانين وآلة الشتاء، فيبيعه في النداء «3» .
ثم ينفذ إلى حبس القاضي، فينظر من حبس بإقراره، دون قيام البيّنة عليه، ولا حال له، فيؤدّي ما عليه من ثمن تلك الآلات، أو يصالح عنه [35 ط] ويخرجه، إن كان المال ثقيلا.
ثم يعمد إلى من يبيع بيعا يسيرا، مثل بقليّ «4» ورهداريّ «5» ، ومن رأس
(1/117)

ماله دينار، وديناران، وثلاثة، فيعطيه من عشرة دنانير إلى مائة درهم، وأقلّ وأكثر، ليزيد في رأس ماله.
ويعمد إلى من يبيع في الأسواق مثل طنجير، وقدر، وقميص خلق، وما يغلب على الظنّ أنّ مثله لا يباع إلّا من ضرّ شديد، وإلى امرأة تبيع غزلها عجوز، فيعطيهم أضعاف ثمنه، ويدعه عليهم.
ويعمل ألوانا من هذا الجنس كثيرة، يأمرني بفعلها، وصرف ثمن تلك الآلات إليها.
فإذا انقضى «1» الصيف عمد إلى ما عنده من دبيقيّ، وقصب، وحصر، ومزمّلات، وآلة الصيف، فيفعل به مثل ذلك.
فإذا جاء الشتاء والصيف ثانية، استجدّ جميع ما يحتاج إليه.
فلما كثر ذلك عليّ من فعله، قلت له: يا سيّدي، إنّك، هوذا، تفقر نفسك، من حيث لا تنفع غيرك، لأنّك تشتري هذه الثياب، والآلات، والفرش، في وقت الحاجة إليها بضعف قيمتها، وتبيعها وقت استغناء كافّة الناس عنها، فتشترى منك بنصف قيمتها، فيخرج منك في ذلك، مال عظيم، فإن أذنت لي، ناديت على كلّ ما يباع، فإذا استقرت العطيّة، وأخذت الدراهم «2» ، أخذته لك بزيادة، وعزلته إلى الصيف أو الشتاء، ودفعت مثل ثمنه، من مالك، إلى هذه الوجوه.
فقال لي: ما أحبّ هذا، تلك الآلات قد متّعني الله بها طول شتائي أو صيفي، وبلّغني وقت الغناء «3» [39 ب] عنها، وما أنا على ثقة من أنّي
(1/118)

أعيش إلى وقت الحاجة إليها ثانيا، ولعلّي قد عصيت الله عليها، وفيها، فأنا أحبّ بيع أعيانها؛ وصرف الثمن بعينه، في هذه الوجوه، شكرا لله على تبليغي وقت الاستغناء عنها، وكفّارة لما عصيته فيها، ثم إن أحياني الله إلى وقت الحاجة إليها، فليس ذلك بغال، ولا يتعذّر شراء مثله، واستجداد خلفه، والتمتّع بالجديد.
وفي بيعي إيّاه رخيصا، وشراي له غاليا، فائدة أخرى، وهي أن ينتفع الضعفاء من التجّار الذين أبتاع ذلك منهم، وأبيعه عليهم، بما فيه من الأرباح عليّ، ولا يؤثّر ذلك في حالي.
(1/119)

62 من مكارم أخلاق أبي المنذر النعمان بن عبد الله
أخبرني القاضي «1» ، وقال: أخبرني هذا الوكيل «2» :
إنّ النعمان كان يعجبه، إذا قدّم إليه لون من طعام طيّب، أو حلو عجيب، أن لا يمعن في أكله، ويأمر بدفعه بعينه إلى السؤّال «3» .
وكان رسمه، أن يفرّق في كلّ يوم، جميع ما يشال من مائدته، ويفضل في مطبخه، عن وظائف غلمانه، فكان يجتمع على بابه، كلّ يوم، منهم جمع عظيم.
قال: فأكل يوما عنده صديق له هاشميّ، فقدّم إليه لون طيّب، فما استتمّ أكله حتى أمر به للسؤّال، فشيل.
وقدّم جدي سمين، فما تهنّأوا بأكله حتى أمر به فرفع إلى السؤّال، وقدم جام لوزينج معمول بالفستق، وكان يعجب النعمان، ويلزمه على كلّ [36 ط] جام خمسون درهما، وخمسة دنانير، وأقلّ، وأكثر، على قدر كبر الجام، فما أكلوا منه إلّا يسيرا، حتى قال: ارفعوه إلى السؤّال.
فقبض الهاشميّ على الجام، وقال: يا هذا، أحسب أنّنا نحن السؤّال، ودعنا نتهنّا بأكله، لم تدفع كل ما تشتهيه للسؤّال؟ وما للسؤّال وهذا؟
(1/120)

لهم في لحم البقر، وعصيدة التمر كفاية، والله لا شلته.
فقال: يا سيّدي، إنّ عادتي ما تراه.
قال: بئست العادة، لا نصبر لك عليها، تقدّم أن يعمل للسؤّال إذا كان لا بدّ لك من ذلك، مثل هذا، ودعنا نحن نتمتّع بأكله، أو ادفع إليهم مثل ثمنه.
فقال: أفعل مستأنفا، وأتقدّم بأن يصنع لهم مثله، فأمّا ثمنه، فإنّ السائل لا تسمو نفسه، ولا يتّسع صدره لعمل مثل هذا، ولو دفع إليه أضعاف ثمنه مرارا، لأنه إذا حصلت عنده الدراهم، صرفها إلى غير هذا، في أمره المختلّ الذي هو إلى إصلاحه أحوج، ولا يحسن أيضا، عمل مثل هذا، وأنا أحبّ أن يشاركوني في الالتذاذ بما آكل، يا غلام، تقدّم الساعة بعمل جامة «1» مثل هذه، وتفريقها على السؤّال، ففعل ذلك.
وكان بعدها إذا حضر من يحتشمه، أمر بعمل مثل ما يقدّم إليه، والصدقة به، ولم يأمر برفع ذلك من [40 ب] حضرته، إلّا إذا بشمه الحاضرون.
(1/121)

63 أبو القاسم بن الحواريّ وعظيم برّه بأمّه
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال:
كان يألف أبا القاسم بن الحواريّ «1» ، رجل من أهل عكبرا «2» يخطب بأهلها، وكان ماجنا، خفيف الروح، مليح الحديث والكلام، طيّب النشوار والأدب، يكنى بأبي عصمة، وكان يؤاكله دائما، ويختصّ به «3» ، وينفق عليه.
وكان أبو القاسم، شديد البرّ بأمّه، فكان يتنغّص لها بالماء فضلا عمّا سواه، ولا يتهنّأ بأكل شيء، إلّا إذا أكلت منه، وكان من عادته إذا استطاب لونا، أن ينفذه من مائدته إليها.
فأكل عنده أبو عصمة هذا، أوّل يوم، وهو لا يعرف رسمه، فقدّم
(1/122)

لوزينج طيّب، فما شبع منه أبو عصمة حتى أمر به أبو القاسم فرفع إلى والدته.
وقدمت مضيرة جيّدة، بفراخ مسمّنة، ودجاج هنديّ، ودهن الجوز والخردل، فما أكلوا منها حسبا «1» حتى أمر ابن الحواريّ، برفعها إلى والدته، فأخذ أبو عصمة رغيفا، وقام يمشي مع الغضارة.
فقال له ابن الحواريّ: إلى أين يا أبا عصمة؟
قال: إلى الوالدة يا سيّدي، آكل معها هذه المضيرة، فإنّ هذه المائدة خراب، والخصب عندها.
فضحك ابن الحواريّ، وتقدم بردّ اللون إليه.
(1/123)

64 أبو عصمة الخطيب وأهل عكبرا
قال «1» ، وكان أبو عصمة هذا لي صديقا، وبي آنسا، فقال لي يوما:
إنّ أهل عكبرا سفّل، وأنا مبتلى بالخطبة «2» بهم، فإذا صعدت المنبر، أو مأت إليهم بيدي، إيماء السلام، فيؤذّن المؤذّن، ويحسبون أنّي قد سلّمت عليهم، وإنّما أقول: لحاكم كلّكم في استي.
(1/124)

65 أصل نعمة سليمان الثلاج في بغداد
حدّثنا أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازيّ الكاتب «1» ، قال: حدّثني ابن سليمان الثلّاج «2» قال: قال لي أبي:
كان أصل نعمتي من ثمن خمسة أرطال ثلجا، وذلك أنّه عزّ الثلج في بعض السنين ببغداد، وقلّ، وكان عندي منه شيء بعته، وبقي منه خمسة أرطال.
فاعتلّت شاجي «3» جارية عبيد الله بن عبد الله [37 ط] بن طاهر «4» ، وهو إذ ذاك أمير بغداد، فطلبت منه ثلجا، فلم يوجد إلّا عندي.
فجاؤوني، فقلت: ما عندي إلّا رطل واحد، ولا أبيعه إلّا بخمسة آلاف درهم، وكنت قد عرفت الصورة.
فلم يجسر الوكيل على شراء ذلك، ورجع يستأذن عبيد الله، وكانت شاجي بمنزلة روحه، وهي تتضوّر على الثلج، وتلحّ في طلبه.
فشتمه عبيد الله، وقال: امض واشتره بأيّ ثمن كان ولا تراجعني.
فجاءني، فقال: خذ خمسة آلاف درهم، وهات الرطل.
(1/125)

فقلت: لا أبيعك إيّاه إلّا بعشرة آلاف درهم، فلم يجسر على الرجوع للاستئذان، فأعطاني عشرة آلاف درهم، وأخذ الرطل.
وسقيت العليلة منه، فقويت نفسها، وقالت: أريد رطلا [41 ب] آخر.
فجاءني الوكيل بعشرة آلاف درهم، وقال: هات رطلا آخر، إن كان عندك، فبعت ذلك عليه.
فلما شربته العليلة، تماثلت، وجلست، وطلبت زيادة، فجاؤوني يلتمسون ذلك.
فقلت: ما بقي عندي إلّا رطل واحد، ولا أبيعه إلا بزيادة، فداراني، وأعطاني عشرة آلاف درهم، وأخذ رطلا.
وداخلتني رغبة في أن أشرب أنا شيئا من الثلج، لأقول إنّي شربت ثلجا سعر الرطل منه عشرة آلاف درهم.
قال: فشربت منه رطلا.
وجاءني الوكيل قرب السحر، وقال: الله، ألله، قد والله صلحت العليلة، وإن شربت شربة أخرى برأت، فإن كان عندك منه شيء، فاحتكم في سعره.
فقلت له: والله، ما عندي إلّا رطل واحد، ولا أبيعه إلّا بثلثين ألفا.
فقال: خذ.
فاستحييت من الله أن أبيع رطل ثلج بثلثين ألفا، فقلت: هات عشرين ألفا، واعلم أنّك إن جئتني بعدها بملء الأرض ذهبا، لم تجد عندي شيئا، فقد فني.
فأعطاني العشرين ألف، وأخذ الرطل.
(1/126)

فلما شربته شاجي، أفاقت، واستدعت الطعام، فأكلت، وتصدّق عبيد الله بمال.
ودعاني من غد، فقال: أنت- بعد الله- رددت حياتي بحياة جاريتي، فاحتكم.
فقلت: أنا خادم الأمير وعبده.
قال: فاستخدمني في ثلجه وشرابه، وكثير من أمر داره.
فكانت تلك الدراهم التي جاءتني جملة، أصل نعمتي، وقويت بما انضاف إليها من الكسب مع عبيد الله، طول أيّامي معه «1» .
(1/127)

66 بغداد في أيام المقتدر
تجارينا عند القاضي أبي الحسن محمد بن صالح بن عليّ الهاشميّ ابن أمّ شيبان «1» في سنة ستّين وثلاثمائة، عظم بغداد، وكثرة أهلها، في أيّام المقتدر، وما كان فيها من الأبنية، والشوارع، والدروب، وكبر البلد، وكثرة أهله، في سائر أنواع الناس.
وذكرت أنا كتابا رأيته، لرجل يعرف بيزدجرد بن مهبندان الكسرويّ «2» ، كان على عهد المقتدر، بحضرة أبي محمد المهلّبيّ، كان سلّم إليّ وإلى جماعة ممّن حضر، كراريس منه، لننسخه، وننفذه إلى الأمير ركن الدولة، لأنّه التمس كتابا في وصف بغداد، وإحصاء ما فيها من الحمّامات، وإنّها كانت عشرة آلاف «3» ، ذكر في الكتاب مبلغها وعدد من يحتوي عليه البلد من الناس، والسّفن، والملّاحين، وما يحتاج إليه في كلّ يوم من الحنطة [38 ط] ، والشعير، والأقوات، وإنّه حصّل «4» ما يصل إلى أصحاب المعابر فيه من الملّاحين «5» فكان في كلّ يوم، أربعين
(1/128)

ألفا، أو ثلاثين ألفا.
وذكر غيري كتابا ألّفه أحمد ابن الطيّب «1» ، في مثل هذا.
فقال لي القاضي أبو الحسن: أمّا ذاك، فعظيم لا نعلمه، وقد شاهدنا [42 ب] منه ما لا يستبعد معه أن يكون كما أخبر يزدجرد، وأحمد بن الطيّب، إلّا إنّا لم نحصه فنقطع العلم به، ولكن بالأمس، في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، لمّا ضمن محمد بن أحمد المعروف بترة، بادوريا «2» ، عمّرها، وتناهى في ذلك، فأحصينا وحصّلنا ما زرع فيها من جربان الخسّ، في هذه السنة، وقدّرنا بكلواذى وقطربّل وقرب بغداد، ما يحمل إليها من الخسّ على تقريب، فكان الجميع ألفي جريب «3» ، ووجدنا كلّ جريب خسّ يزرع فيه ستّة أبواب «4» ، يقلع من كلّ باب من الأصول، كذا وكذا، ولم أحفظه، يكون للجريب كذا وكذا أصلا، وسعر الخسّ إذ ذاك، على أوسط الأسعار كلّ عشرين خسّة بدرهم واحد «5» ، فحصل لنا أنّ ارتفاع الجريب، على أوسط الريع والسعر، ثلاثمائة وخمسون درهما،
(1/129)

قيمتها خمسة وعشرون دينارا، يكون لألفي جريب، خمسون ألف دينار، وكلّ ذلك يؤكل ببغداد، فما ظنّك ببلد يؤكل فيه في فصل من فصول السنة، صنف واحد من صنوف البقل، بخمسين ألف دينار.
ثم قال لنا القاضي، ولقد أخبرني رجل يبيع سويق الحمّص «1» ، دون غيره من الأسوقة، أسماه وأنسيته، إنّه أحصى ما يتّخذ في سوقه من سويق الحمّص في كلّ سنة، فكان مبلغه مائة وأربعون كرّا «2» ، وأنّه يخرج في كلّ سنة منه، حتى لا يبقى منه شيء، فإذا حال الحول، طحنوا مثل ذلك.
هذا وسويق الحمّص، غير طيّب، وإنّما يأكله الضعفاء والمتجمّلون، شهرين أو ثلاثة من السنة، عند عدم الفواكه، وأضعافهم مرارا من الناس، من لا يأكل ذلك أصلا.
ثم قال: قال لي بعض مشايخ الحضرة: عمارة بغداد، في سنة خمس وأربعين «3» ، عشر ما كانت عليه في أيّام المقتدر «4» ، على تحصيل وضبط، يعني في الأبنية والناس.
(1/130)

67 أحاديث في احتباس الحمل
جرى بحضرة القاضي أبي الحسن محمد بن صالح الهاشميّ «1» احتباس «2» الحمل، وقول الشافعيّ ومالك فيه ما قالاه.
فحكيت أنا فيه، ما روي من أنّ محمد بن عجلان، ولد لأربع سنين، وأنّ أسنانه كانت تطحن «3» .
فقال لي القاضي أبو الحسن: كان لأبي، زوجة من ولد الأشعث بن قيس، كوفيّة، فحملت منه أحد عشر شهرا بحساب صحيح ضبطناه وأعلمناه، مع شدّة الاستظهار والتحصيل، فيما يجب تحصيله والاستظهار به في مثل ذلك، فولدت بعد أحد عشر شهرا بنتا، فعاشت البنت سنين، ولها أولاد.
قال: وحدّثني أبي عن جدّي: إنّه شاهد بالكوفة، أربعة إخوة [43 ب] ولدوا في بطن واحد، وعاشوا كلّهم، وأسنّوا، ومنهم من أعقب.
قال لنا القاضي: إنّ إسماعيل بن أبي خالد المحدّث، له ثلاثة إخوة ولدوا في بطن واحد، وكلهم عاشوا وأسنّوا «4» .
(1/131)

68 قد ينال الإنسان باللين ما لا ينال بالشدّة
حدّثني أبو العبّاس هبة الله بن محمد بن المنجّم [39 ط] ، عن أسلافه:
إنّ المأمون «1» نكب عاملا له، يقال له: عمرو بن نهيوي، صهر موسى بن أبي الفرج بن الضحّاك، من أهل السواد، موسرا، فأمر محمد ابن يزداد «2» أن يتسلّمه إليه، ويعذّبه، ويعاقبه، حتى يأخذ خطّه بعشرة آلاف ألف درهم، ويستخرجها منه.
فسلّم عمرو إلى محمد، فأكرمه، وألطفه، وأمر بخدمته وترفيهه، وأفرده في حجرة سريّة من داره، وأخدمه فيها من الفرش والغلمان بما يليق به، ولم يكلّمه ثلاثة أيّام، والمأمون يسأل عن الخبر، فيبلغه ترفيهه له، فيغتاظ، ويسأله، فيقول: هو مطالب.
فلما كان في اليوم الرابع، استدعى عمرو محمدا، فدخل إليه.
(1/132)

قال محمد بن يزداد: فقال لي: يا هذا، قد عرفت ما تقدّم به إليك الخليفة في أمري، ووالله ما رأيت هذا المال، ولا نصفه، ولا ثلثه قط، ولا يحتوي عليه ملكي، ولعلّ الخليفة يريد دمي، وقد جعل هذا إليه طريقا، وقد تفضّلت عليّ بما لا يسعني معه أن أدّخر جهدا في تجميلك عند صاحبك، وقد كتبت تذكرة بجميع ما يحتويه ملكي، ظاهرا وباطنا، وهي هذه، وسلّمها إليّ، وإذا هي تشتمل على ثلاثة آلاف ألف درهم، وعليّ، وعليّ، وحلف بالطلاق والعتاق، والأيمان المغلّظة، ما تركت لنفسي بعد ذلك، إلّا ما عليّ من كسوة تستر عورتي، وهذا وسعي، وجهدي، فإن رأيت أن تأخذه، وتسأل الخليفة الرضا به منّي، فإن فعل فقد خلّصني الله بك، ونجّاني من القتل على يدك، وإن أبى، فإنّه يسلمني إلى عدوّي الفضل بن مروان «1» ، وهو القتل، ووالله، لا أعطيت على هذا الوجه، درهما واحدا، ولا كنت ممن يجيء على الهوان، دون الإكرام، وسأتلف، ولا يصل الخليفة إلى حبّة من مالي، ولكنّ المنّة لك عليّ حاصلة «2» ، فإن عشت شكرتها، وإن متّ فالله مجازيك عنّي.
قال: فأخذت التذكرة، ورحت إلى المأمون.
فقال: ما عملت في أمر عمرو بن نهيوي؟
فقلت: إنّه قد بذل ألفي ألف درهم، وليس عنده أكثر من ذلك.
(1/133)

فاستشاط، وقال: لا، ولا كرامة له، ولا أربعة آلاف ألف، ولا ثمانية آلاف ألف.
وقال لي الفضل: ما دمت ترفّهه، وتكرمه، وتجلسه على الدسوت، وتخدمه بنفسك وغلمانك، كيف لا يتقاعد؟
فقلت له: فتسلّمه أنت إن شئت.
فقال الخليفة [44 ب] : خذه إليك.
فأخذه، وأرهقه، وطالبه بعشرة آلاف ألف، ودهقه «1» ، وضربه، وهو لا ينحلّ بشيء.
فنزل معه إلى خمسة آلاف ألف، فلم يستجب.
فقنع منه بثلاثة آلاف ألف، فلم يجب.
فلما زاد عليه المكروه، وخاف الفضل أن يتلف في العذاب، فيجب المال عليه في نفسه بإتلافه إيّاه، رفق به، وداراه، وخلع عليه، ورفّهه أيّاما.
وقال له: كان محمد بن يزداد بذل عنك ألفي ألف درهم، وقد قنعت بها منك، فهاتها.
فقال: ما ملكتها قط، ولا بذلتها لمحمّد.
فجاء الفضل إلى المأمون، فاقتصّ عليه خبره معه، في معاقبته، ومطالبته أولا، بالكلّ، واقتصاره ثانيا، وترفيهه له، وإكرامه، وقناعته منه بألفي ألف درهم، وإقامته على أنّه لا مال له، وإنكاره [40 ط] أن يكون بذل ذلك، وكنت حاضرا.
فانقطع الحبل في يد المأمون، وكاد يهمّ بالفضل.
(1/134)

فقلت: يا أمير المؤمنين الرجال لا يكالون، وليس كلّ أحد يجيء على الهوان، وإنّ الفضل استخطأ رأيي فيما عاملت عمروا به، فصار إليه، وعامله بمثله حيث لم ينفع ذلك، ولو تركني معه في الأوّل، لاستخرجت منه ثلاثة آلاف ألف عفوا، وهذه تذكرة بخطّ عمرو تحتوي على ثلاثة آلاف ألف، فأخرجتها، وطرحتها بين يديه.
وقلت: لو كنت علمت أنّ أمير المؤمنين يجيبني في ذلك الوقت، إلى ثلاثة آلاف ألف، عنه، لبذلتها، فبذلت ألفي ألف، حتى إن لم يقنع، زدت ألف ألف، والآن فقد فسد هذا، ووالله، لا أعطي عمرو، مع ما جرى عليه، حبّة، فإن استحلّ أمير المؤمنين دمه، فذاك إليه، وإلّا فليس إلى استخراج شيء منه سبيل.
قال: فاستحيا المأمون، وأطرق مفكّرا مليّا، ثم رفع رأسه، وقال:
والله لا كان كاتب من كتّابي، ولا نبطيّ من عمّالي، أكرم، وأوفى، وأصحّ تدبيرا منّي، قد وهبت لك يا محمد، عمروا وما عليه، فخذه، واصنع به ما شئت.
فتسلّمته من الفضل بن مروان، وأطلقته مكرّما إلى بيته.
(1/135)

69 الحجاج بن يوسف الثقفي يأمر بتعذيب آزادمرد
ويشبه هذا الحديث، حديثا، وجدته بخطّ القاضي أبي جعفر بن البهلول «1» ، ذكر أن محمّد بن أحمد الحشميّ «2» ، أخبره، قال:
قال الحجّاج بن يوسف «3» ، لمحمّد بن المنتشر: خذ إليك آزادمرد ابن الفرند، فدقّ يده على رجله، حتى تستخرج منه المال الذي عليه.
قال محمّد: فاستخرجت منه بالرفق، ثلاثمائة ألف درهم، في جمعة، فلم يرض ذلك الحجّاج، فأخذه منّي، ودفعه إلى معدّ، صاحب عذابه، فدقّ يده، ودهقه، ودقّ ساقه.
فمرّ به عليّ، وأنا في السوق، معترضا على بغل، فقال: يا محمد ادن، فدنوت منه.
(1/136)

فقال: إنّك وليت مني مثل هذا، فأحسنت إليّ، فأدّيت ما أدّيت عفوا، ووالله [45 ب] لا يؤخذ مني درهم واحد كرها، ولي عند فلان ثلاثون ألفا، فخذها جزاء لما صنعت.
فقلت: والله، لا أخذت منك، وأنت على هذه الحال، شيئا.
قال: أتدري ما سمعت من أهل دينكم، يحكون عن نبيّكم؟
قلت: لا.
قال: سمعتهم يقولون ويحكون عنه، إنّه قال: إذا أراد الله بقوم خيرا ولّى عليهم خيارهم، وأمطرهم المطر في أوانه، وإذا أراد بقوم سوءا «1» ، ولّى عليهم شرارهم، وأمطرهم المطر في غير أوانه، ثم أمر قائد البغل، أن يقوده.
فلم أرم من مكاني «2» ، حتى جاءني رسول الحجّاج، وقال: أجب، فمضيت إليه، فوجدته متنمّرا، والسيف منتضى في حجره.
فقال: ادن.
فقلت: لا والله، لا أدنو وهذا في حجرك.
فأضحكه الله، وأغمد السيف، وقال: ما خاطبك به المجوسيّ؟
قلت: والله، ما غششتك منذ ائتمنتني، ولا كذبتك منذ صدقتني، فقصصت عليه القصّة.
فلما أردت أن أذكر الرجل الذي عنده الثلاثون ألف، أعرض، وقال:
لا تذكره، أما إنّ الكافر عالم «3» بآثار رسول الله [41 ط] صلّى الله عليه وسلّم.
(1/137)

70 الأمير معزّ الدولة البويهي ووزيره أبو محمد المهلّبيّ
كان معزّ الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه «1» ، لمّا ابتنى قصره بباب الشّماسية «2» ، والإصطبلات المتّصلة بآخره من أحد جوانبه، التي لم يسبق إلى حسنها، وعمل الميدان على دجلة متّصلا بين القصر والبستان الشارع على دجلة، الذي يلازق «3» دار صاعد بن مخلد «4» ، الذي كان منزلا لأبي جعفر
(1/138)

محمّد بن يحيى بن شيرزاد «1» ثم صيّره أبو جعفر الصيمريّ «2» بستانا، والجميع الآن داخل في جملة قصر معزّ الدولة.
أوّل ما بدأ بأن بنى السور المحيط بالقصر والميدان، والمسنّاة العظيمة التي من حدّ رقّة «3» الشّماسية إلى بعض الميدان، وطول ما بناه منها ألف وخمسمائة ذراع، وعرضها نيّف وسبعون آجرّة كبارا، سوى الدّستاهيجات «4» التي تخرج منها إلى داخلها لضبطها.
وكان العمل في ذلك متصلا، والصنّاع فيه متفرّقين.
وهذا بعد أن كان عمل على بناء مدينة لنفسه، وخرج إلى كلواذى «5» ليتّخذها هناك، ثم أراد اتخاذها حيال كلواذى، ثم رحل إلى قطربّل «6» ، فأراد أن يبنيها عندها، ثم تقرّر رأيه على بناء دار بباب الشمّاسية، حصينة، يستغني بها عن المدينة، وتخفّ عليه نفقتها.
وقدّر لذلك ألوف ألوف دراهم، وزادت النفقة على التقدير أضعافا.
وكان يطالب وزيره أبا محمّد المهلّبي بتوجيه وجوه الأموال لذلك،
(1/139)

مع قصور الدّخل «1» عن الخرج، فيلقى منه عنتا «2» .
ثم كلّفه تولّي [46 ب] البناء بنفسه وكتّابه، فكان، وهم، يتولّون ذلك.
فسعى بعض أصحاب معزّ الدولة إليه، أنّهم يسنفون «3» البناء في السور، ليتعجّل بنفقة خفيفة، ويسرقون الباقي.
وأوقفه على موضع منه، كان فيه ساف لبن لم يحكمه الصنّاع، ومشى عليه بحضرة معزّ الدولة- لأنّه ركب إليه- فانقلعت منه لبنة.
فحمي طبعه، وكان حديدا جدّا، سليم الباطن مع ذلك، وإذا أخرج حدّته، وانقضت سورة غضبه، يندم على فعله، ولكن من يقوم على تلك الحدّة.
فأحضر المهلّبيّ، وواقفه على ما رآه، فأخذ يحتجّ عليه.
فحمي، وأمر به، فبطح، وضرب مقارع كثيرة.
ثم قال: اخنقوه، فجعل في عنقه حبل، وأمسكه ركابيّون فوق السور، ليشيلوه، فيخنق.
وبلغ خبره القوّاد، والأتراك، وخواصّه، فبادروا إلى تقبيل الأرض بين يديه، ومسألته الصفح عنه، فأنزله، وأطلقه.
فمضى إلى داره كالميت، وأظهر قلّة حفل بذلك، لئلّا يشمت أعداؤه، ويطمعوا في صرفه، ويتقوّلون «4» عليه بانكسار إن بان منه، ولئلّا يبلغ صاحبه أنّه مستوحش من ذلك، فيستوحش منه.
(1/140)

وكانت عادته أن يشرب في تلك الليلة النبيذ، ويدعو الغناء، فجمع النّدماء، ليري قلّة الاكتراث بما جرى عليه.
وعاد إلى داره وقد قرب المساء، فدعا بما يأكله، فأكل، وندماؤه معه، وليس فيه فضل لشدّة الألم، وهو يتجلّد، ويتحدّث.
ثم دعا بنبيذ، فقالوا له: أيّها الوزير، لو استرحت، وطرحت نفسك، كان أولى من النبيذ، فليس هذا وقته، وذنّبوا له في هذا.
فأخذ هو يعزّيهم عمّا جرى [42 ط] عليه، ويسلّيهم، وتمثّل في كلامه بهذا البيت:
فإنّ أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر لا عار بما صنع الدهر
ثم شرب أقداحا، وقام.
أخبرني بذلك، من حدّثه به «1» ، من ندماء أبي محمد، عن مشاهدة.
(1/141)

71 الأمير معز الدولة وحدّة طبعه
وكانت عادة الأمير معزّ الدولة، إذا حمي جدا، أن يأمر بالقتل، ويكره أن يتمّ ذلك، ويعجبه أن يسأل العفو.
وقد فعل هذا، كثيرا جدّا، بخلق من جملة أصحابه.
وأوّل ما عرف ذلك منه، وأقدم لأجله على مساءلته العفو، إذا أمر بقتل صاحب له، أنّه أنكر على رجل بالأهواز، وهو إذ ذاك مقيم بها، وكان الرجل ضرّابا «1» يعرف «2» بابن كردم، أهوازيّ، ضمن منه عمالة دار الضرب بسوق الأهواز، فضرب دنانير رديئة، ولم يعلم الأمير بها، فأنفذها إلى البصرة ليشتري بها الدوابّ، والبريديّون إذ ذاك بها، فلم تؤخذ لشدّة فسادها، فردّت، وعاد الراضة الذين كان أنفذهم لذلك، فعرّفوه الخبر، فحمي [47 ب] ، وأحضر ابن كردم هذا، وخاطبه، وازداد طبعه حميا، إلى أن أمر بأن يخنق على قنطرة الهندوان «3» ، بالأهواز.
فأخرج من بين يديه، وخنق، ومات، وعاد من كان أمره بذلك، فوقف بحضرته.
فقال له: ما فعل الرجل؟ قال: خنقناه ومات.
فكاد أن يطير غضبا، وشتمه، وشتم الحاضرين، وقال: ما كان فيكم من يسألني أن لا أقتله؟ وأخذ يبكي، وكان فيه تحرّج من القتل.
فقالوا: ما علمنا، وخفناك.
فكان بعد ذلك إذا أمر بقتل إنسان، سئل، وروجع، فيعفو.
(1/142)

72 من مكارم أخلاق الأمير سيف الدولة
أخبرني طلحة بن عبيد الله بن قناش، قال:
كنت يوما في مجلس حديث وأنس، بحضرة سيف الدولة، أنا وجماعة من ندمائه، فأدخل إليه رجل، وخاطبه، ثم أمر بقتله، فقتل في الحال.
فالتفت إلينا، وقال: ما هذا الأدب السيّء، وما هذه المعاشرة القبيحة التي نعاشر ونجالس بها؟ كأنّكم ما رأيتم الناس، ولا سمعتم أخبار الملوك، ولا عشتم في الدنيا، ولا تأدّبتم بأدب دين ولا مروءة.
قال: فتوهّمنا أنّه قد شاهد من بعضنا حالا يوجب هذا، فقلنا:
كلّ الأدب إنّما يستفاد من مولانا أطال الله بقاءه- وهكذا كان يخاطب في وجهه- وما علمنا أنّا عملنا ما يوجب هذا، فإن رأى أن ينعم بتنبيهنا، فعل.
فقال: أما رأيتموني، وقد أمرت بقتل رجل مسلم لا يجب عليه القتل، وإنّما حملتني السطوة والسياسة لهذه الدنيا النكدة، على الأمر به، طمعا في أن يكون فيكم [رجل] «1» رشيد فيسألني العفو عنه، فأعفو، وتقوم الهيبة عنده وعند غيره، فأمسكتم حتى أريق دم الرجل، وذهب هدرا.
قال: فأخذنا نعتذر إليه، وقلنا: لم نتجاسر على ذلك.
فقال: ولا في الدماء؟ ليس هذا بعذر.
فقلنا: لا نعاود.
واعتذرنا حتى أمسك.
(1/143)

73 الخليفة المعتضد يعذب شخصا حاول الخروج عليه
حدّثني أبو الحسن، أحمد بن يوسف الأزرق، قال: حدّثني أبي قال:
كنت أكتب لبدر اللاني «1» [43 ط] في أيام الموفّق «2» ، والمعتضد «3» ، وأدخل الدار معه، وأليه، فرأيت محمد بن الحسن بن سهل المعروف بشيلمة «4» ، وقد جعله كردناكا «5» .
(1/144)

قال: فقلت له: كيف فعل ذلك؟ وما كان سببه؟
فقال: إنّ رجلا من أولاد الواثق، كان يسكن مدينة المنصور، سعى في طلب الخلافة، واستوزر شيلمة، فأخذ له البيعة على أكثر أهل الحضرة، من الهاشميّين، والقضاة، والقوّاد، والجيش، وأهل بغداد الأحداث، وأهل العصبيّة، وقوي أمره، وانتشر خبره، وهمّ بالظهور في المدينة، والاعتصام بها، والتحصّن، حتى إذا أخذ المعتضد، صار إلى دار الخلافة.
فبلغ المعتضد الخبر على شرحه، إلّا اسم المستخلف.
فكبس شيلمة [48 ب] وأخذه، فوجد في داره جرائد «1» بأسماء من بايع، وبلغ الهاشميّ الخبر، فهرب.
وأمر المعتضد بالجرائد، فأحرقت ظاهرا، لئلّا يعلم الجيش بوقوفه عليها فتفسد نيّاتهم له، بما يعتقدون من فساد نيّته عليهم.
وأخذ يسائل شيلمة عن الخبر، فصدقه عن جميع ما جرى، إلّا اسم الرجل الذي يستخلف، فرفق به ليصدقه عنه، فلم يفعل.
وطال الكلام بينهما [فتوعّده] «2» ، فقال له: والله، لو جعلتني كردناكا، ما أخبرتك باسمه.
فقال المعتضد للفرّاشين: هاتم أعمدة الخيم الكبار الثقال، [فجاءوه بها] «3» وأمر أن يشدّ عليها شدّا وثيقا [فشدّ] «4» ، وأحضروا فحما عظيما، وفرش على الطوابيق «5» بحضرته، وأجّجوا نارا، وجعل الفرّاشون يقلّبون
(1/145)

شيلمة على تلك النار، وهو مشدود على الأعمدة «1» ، إلى أن مات وانشوى «2» .
[وأخرج من بين يديه ليدفن، فرأيته على هذه الصورة] «3» .
قال: وأمر المعتضد بهدم السور المحيط بالمدينة، فهدم منه شيء يسير، فاجتمع إليه الهاشميّون، فقالوا: يا أمير المؤمنين، فخرنا، وذكرنا، ومأثرتنا «4» فأمر بقطع الهدم، وصرف حفظة كانوا عليه متوكّلين برعيه، ورخّص فيه، وتركه وأهمله، وخلّى بينه وبين الناس.
فما مضت إلّا سنيّات، حتى هدم الناس أكثره، أوّلا فأوّلا، ووسّعوا به ما يجاوره من دورهم، واستضافوا مكانه إليها، حتى إنّ ذلك اتّسع، فجعل وزير «5» المقتدر، على كل دار هذا حكمها، أجرة العرصة بحسب ذلك، وكان لها ارتفاع «6» كثير.
ثم تبع ذلك بسنين، خراب المدينة، أوّلا فأوّلا، حتى بلغت إلى ما هي عليه.
(1/146)

74 بابك الخرّمي وجلده وصبره على العذاب
ومن عجيب أخبار قوّة النفس:
إنّ أخا بابك الخرّمي «1» ، المازيار «2» ، قال له لما أدخلا على المعتصم: يا بابك إنّك قد عملت ما لم يعمله أحد، فاصبر الآن صبرا لم يصبره أحد.
فقال له: سترى صبري.
فلما صار بحضرة المعتصم، أمر بقطع أيديهما وأرجلهما بحضرته.
فبدىء ببابك، فقطعت يمناه، فلما جرى دمها، مسح به وجهه كلّه، حتى لم يبق من حلية وجهه، وصورة سحنته، شيء.
فقال المعتصم: سلوه لم فعل هذا؟
فسئل، فقال: قولوا للخليفة، إنّك أمرت بقطع أربعتي، وفي نفسك قتلي، فلا شك أنّك لا تكويها، [44 ط] وتدع دمي ينزف إلى أن تضرب عنقي، فخشيت أن يخرج الدم منّي، فتبين «3» في وجهي صفرة يقدّر لأجلها
(1/147)

من حضر، أنّي قد فزعت من الموت، وانّها لذلك، لا من خروج الدم، فغطيّت وجهي بما مسحته عليه من الدم حتى لا تبين الصفرة.
فقال المعتصم: لولا أنّ أفعاله لا توجب العفو عنه، لكان حقيقا بالاستبقاء لهذا الفضل، وأمر بإمضاء أمره فيه.
فقطعت أربعته، ثم ضرب عنقه، وجعل الجميع على بطنه «1» ، وصبّ عليه النفط، وضرب [49 ب] بالنار.
وفعل مثل ذلك بأخيه «2» ، فما كان فيهما من صاح وتأوّه.
(1/148)

75 عافية الباقلّاني وخالد الحذّاء يسيران حافيين على باب حديد محميّ
وقد حكي: أنّ عافية الباقلّاني، وخالد الحذّاء «1» ، رئيسي أصحاب العصبيّة في زمانهما، بايعا «2» على أن يحمى لهما باب حديد، ويمشيان عليه، ففعلا ذلك. فلما حصلا فوقه، حلّ أحدهما مئزره، ثم ضرب يده إلى الآخر، وضبطه، وقال: انطرني أتوزّرهما عطفيّين «3» ، أي انتظر حتى أتّزر.
قال: فما فارقه، حتى شدّ مئزره، وهما فوق الباب المحميّ، ثم تمّم مشيه، حتى خرج منه، وقد غلب بتلك الساعة «4» ، وإن لم يكن في الباب الحديد حيلة، أو عادة، مثلما يكون أسفل القدر، كالنار إذا دام الوقود عليها، فيأخذها الإنسان [لساعته] «5» على راحته، لأنّ البخار يتصاعد، ثم يدعها قبل أن ينعكس البخار إلى أسفلها.
وقد شاهدت أنا، أبا الأغرّ بن [أبي] «6» شهاب التيميّ «7» بالبصرة، فعل ذلك، وإلّا، فلا أدري ما هو.
(1/149)

وقد أخبرني غير واحد، أنّ القطعة الحديد، إذا أدخلت الكور، وأحميت حتى تبيضّ بياضا شديدا، فأخذها الإنسان، فلطعها مرتين، أو ثلاثة، قبل أن يرجع فيها الحمي، لم تضرّ لسانه.
وقد شاهدت أنا، أبا الحسن عليّ بن محمد بن أحمد التنوخيّ، وقد أدخل إلى فيه، غير مرّة، شمعة [مشعلة] «1» فيها رطل، وعضّ عليها، وكشّر شفتيه لي، حتى تبيّنت اتّقاد الشمعة في فيه، ساعة، ثم أخرجها غير منطفئة.
وسألته عن علّة ذلك، فقال: يحتاج إلى حذق في سرعة الإدخال، حتى لا تحرق الشفتين، فإذا حصلت في داخل الفم، لم تضرّ، لأنّ ما يتصاعد من حمي الجوف، يغلب على حماها «2» ، فلا تضرّ.
(1/150)

76 كيف قتل الخليفة المعتضد وزيره إسماعيل بن بلبل
ومن طريف عقوبات المعتضد، قتلته إسماعيل بن بلبل «1» ، حدّثني أبي، قال: أخبرني جماعة من أهل الحضرة، يعرفون ويحصّلون:
إنّ المعتضد أمر بإسماعيل بن بلبل، فاتّخذ له تغار «2» كبير، وملىء إسفيداجا حيّا «3» ، وبلّه، ثم جعل بالعجل رأس إسماعيل فيه، إلى آخر عنقه، وشيء من صدره، وأمسك حتى جمد الإسفيداج، فلم تزل روحه تخرج بالضراط، إلى أن مات «4» .
(1/151)

77 الخليفة المعتضد يقتل آخر بسدّ جميع منافذه
وأخبرني أيضا «1» رحمه الله:
إنّ المعتضد، أمر برجل «2» فسدّ بالقطن أنفه، سدّا شديدا، وفمه، وعيناه، وأذناه، [ومنخراه] «3» ، وذكره، وسوءته «4» ثم كتّف وترك، فلم يزل ينتفخ، ويزيد، إلى أن طار قحف رأسه ومات «5» .
(1/152)

78 قرطاس الرومي وكيف عاقبه المعتضد
حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب التنوخيّ، قال:
قال أبي:
كنت مع [45 ط] صاحبي الذي كنت أكتب له، بدر اللّاني، في عسكر الموفّق، وهو يقاتل صاحب الزنج «1» .
فرمى زنجيّ «2» من أصحاب الخائن «3» ، يقال له: قرطاس، الموفّق، بسهم، فأصاب ثندوءته «4» ، وصاح [50 ب] : خذها مني وأنا قرطاس، فصارت مثلا للرماة إلى الآن «5» .
فحمل الموفّق صريعا في حد التلف، ونزع السهم وكان مقطّنا «6» ، فبقي الزجّ «7» مكانه، وجمّع «8» ، وانتفخ، وأمدّ «9» ، وأشرف على الموت.
(1/153)

واستخبر بذلك أهل عسكر الخائن، وكانوا يصيحون بنا في كلّ يوم:
ملّحوه، أي: قد مات الموفّق، فاجعلوه مكسودا «1» .
فأجمع رأي الطبّ على بطّه، فلم يمكّنهم الموفّق من ذلك.
فقالوا للمعتضد: إنّه إن لم يبطّ، عمل إلى داخل، فأتلفه.
فقال: احتالوا عليه وبطّوه، وأنا أمنعكم منه «2» .
فطوّل أحد الطب، ظفر إبهامه اليمين، وجعل تحته حديدة مبضع، وجاء إلى الموفّق، فقال: أيّها الأمير، دعني أجسّه، وأنظر كيف هو.
فقال: لعلّك تبطّه؟
فأراه يده، وقال: كيف أبطّه، وليس في يدي حديد، فمكّنه منه، فجسّه وخرقه بالمبضع من أوّله إلى آخره مستعجلا، فندر الزجّ وخرج، وتبعته مدّة عظيمة وقيح.
ففزع الموفّق في حال البطّ، لمجيئه على غفلة، فلكم»
الطبيب، فقلبه عن مكانه، فلمّا استراح بما خرج من الموضع، ووجد خفّة، خلع على الطبيب، وأجازه، وعولج إلى أن برئ.
وجعل أبو العباس وكده «4» طلب قرطاس، وكان إذا رآه في الحرب، طرح نفسه لأخذه، فيحاربه قرطاس أشدّ حرب، ويقول له بعجمته:
«يا بلئباس، يريد يا أبا العبّاس، إن وقعت في يدك، قدّ مني أوتارا» .
قال: فلم يزل المعتضد يجهد نفسه في أمره، حتى أخذه أسيرا، وقد
(1/154)

وقعت به جراحات، فجاء به إلى الموفّق، فأمر بضرب عنقه.
فقال له المعتضد: تهب لي قتله، حتى أعمل به ما أريد.
فقال: أنت أحقّ به، فخذه، فأخذه، فقدّ من أصابعه الخمس «1» أوتارا.
قال: فقلت لأبي: كيف فعل ذلك؟
فقال: قلع أظفاره، وسلخ جلد أصابع كفّه من رؤوسها، إلى أكتافه، وعبر بها صلبه وكتفيه إلى آخر أصابعه الأخرى، وجلد بني آدم غليظ، فخرج له ذلك، فأمر أن تفتل له أوتار، ففعل، وصلب بها قرطاس «2» .
(1/155)

79 من طريف حيل اللصوص- 1
ومن طريف حيل اللصوص، الواقعة في عهدنا «1» ، انّ أبا القاسم، عبيد الله بن محمد الخفّاف، حدّثني:
إنّه شاهد لصّا قد أخذ، وتشاهدوا عليه، إنّه يفشّ «2» الأقفال في الدور اللطاف التي يخمّن على أنّها لعزب.
فإذا دخل، حفر في الدار حفرة لطيفة، كأنّها بئر النرد، وطرح فيها جوزات، كأنّ إنسانا كان يلاعبه، وأخرج منديلا فيه مقدار مائتي جوزة، فتركه إلى جانبها، ثم دار فكوّر كلّ ما في الدار، ممّا يطيق حمله.
فإن لم يفطن به أحد، خرج من الدار، وحمل ذلك كلّه.
وإن جاء [51 ب] صاحب الدار، ترك عليه قماشه، وطلب المفالتة والخروج.
فإن كان صاحب الدار جلدا، فواثبه ومنعه، وهمّ [46 ط] بأخذه وصاح: اللصوص، واجتمع الجيران، أقبل عليه، وقال: ما أبردك، أنا أقامرك بالجوز منذ شهور وقد أفقرتني، وأخذت منّي كلّ ما أملكه، [وأهلكتني] «3» ما صحت، ولا فضحتك بين جيرانك، أنت لمّا قمرتك الآن قماشك، أخذت تدّعي عليّ اللصوصية؟ يا غث، يا بارد، بيني وبينك دار القمار، الموضع الذي تعارفنا فيه، قل بحذائهم، وبحذاء هؤلاء الحاضرين،
(1/156)

قد ضغيت «1» حتى أدع عليك قماشك.
فكلمّا قال الرجل: هذا لصّ، فيقول الجيران: إنّما يريد أن لا يفضح [نفسه] «2» بالقمار، فقد ادّعى عليه اللصوصيّة، ولا يشكّون أنّه مقامر، وأن الرجل صادق، ويخلّصون بينهما، ثم يأخذ الجوز وينصرف، [ويفتضح الرجل بين جيرانه] «3» .
80 من طريف حيل اللصوص- 2
وأخبرني أيضا «4» :
إنّه شاهد آخر، كان يدخل الدار الآهلة [نهارا] «5» ، ويعتمد التي فيها النساء، ورجالهم خارجون.
فإن تمّت له الحيلة، وأخذ منها شيئا، انصرف.
وإن فطن له، وجاء صاحب الدار، أو همه أنّه صديق زوجته، وأنّه من بعض غلمان القوّاد، ويقول له: استر عليّ هذا عند صاحبي، وعلى نفسك، ويتزيّا بالأقبية «6» ، يوهم الرجل أنّه لا يمكنه رفعه إلى السلطان
(1/157)

في الزنا، إن اختار فضيحة نفسه.
وكلّما ادّعى عليه اللصوصيّة، صاح بهذا الحديث، فيجتمع الجيران، فيشيرون على الرجل بالستر على نفسه.
وكلّما أنكر ذلك، قالوا: هذا محبة بزوجته، ويخلّصون اللصّ من يده، حتى ربما أجبروه على صرفه.
وكلّما جحدت المرأة، وحلفت، وبكت، وأقسمت «1» إنّه لصّ، كان ذلك أدعى لهم إلى تخليته.
فيتخلّص، ويعود الرجل، ويطلّق زوجته، ويفارق أمّ ولده، فأخرب غير منزل، وأفقر آخرين، بهذا.
إلى أن دخل دارا فيها عجوز، لها أكثر من تسعين سنة، ولم يعلم، وأدركه ربّ البيت، فأخذ يوهمه ذلك، فقال: يا كشخان «2» ليس في الدار إلّا أمّي، ولها تسعون سنة، وهي منذ أكثر من خمسين سنة، قائمة الليل، صائمة النهار، طول الدهر، أفتراها هي عشقتك، أم أنت عشقتها؟
وضرب فكيّه.
واجتمع الجيران، فقال اللصّ ذلك، فكذّبوه، لما يعرفون به المرأة من الدين «3» والصلاح، فضرب، وأقرّ بالصورة «4» فحمل إلى السلطان.
(1/158)

81 القصريّ غلام الحلاج كان يصبر على الجوع خمسة عشر يوما
حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق، قال:
بلغني أنّ الحسين بن منصور الحلّاج «1» [كان] «2» لا يأكل شيئا [52 ط] شهرا أو نحو ذلك، على تحصيل ورصد، قال: فهالني هذا، وكانت بيني وبين أبي الفرج بن روحان الصوفيّ مودّة، وكان صالحا من أصحاب الحديث، ديّنا، وكان القصريّ، غلام الحلّاج، زوج أخته، فسألته عن ذلك.
فقال: أمّا ما كان الحلّاج يفعله، فلا أعلم كيف كان يتمّ له، ولكنّ صهري القصريّ غلامه، قد أخذ نفسه سنين، بقلّة الزاد، ودرّجها على ذلك، حتى تمكّن بعد مدّة، أن يصبر عن الأكل خمسة عشر يوما، ونحو ذلك [47 ط] ، أقلّ أو أكثر.
وكان يتمّ له ذلك بحيلة كانت تخفى عليّ، فلما حبس في جملة الحلّاجية، كشفها لي، وقال: إنّ الرصد، إذا وقع بالإنسان شديدا، وطال فلم
(1/159)

تنكشف معه حيلة، ضعف عنه الرصد [ثم لا يزال يضعف، كلّما لم تنكشف حيلته، حتى يبطل أصلا، فيتمكّن حينئذ، من فعل ما يريد] «1» .
وقد رصدني هؤلاء منذ خمسة عشر يوما، فما رأوني آكل شيئا [بتّة] «2» ، وهذا نهاية صبري عن فقد الغذاء، وإن لم آكل بعده بيوم، تلفت، فخذ رطلا من الزبيب الخراسانيّ، ورطلا من اللوز [السمين] «3» .
ودقّهما، واجعلهما مثل الكسب «4» وأصلحهما صفيحة رقيقة، فإذا جئتني غدا، فاجعلها بين ورقتين من دفتر، وخذ الدفتر في يدك مكشوفا، مطويّا في كفّك طيّا مدوّرا من غير انتشار، ليخفى ما فيه، فإذا خلوت بي، ولم تر من يلاحظني، فاجعل ذلك تحت ذيلي، وانصرف، فإنّني آكله سرّا، وأشرب الماء إذا تمضمضت للطهور «5» ، فيكفيني خمسة عشر يوما أخرى، إلى أن تجيئني «6» ثانيا، على هذا السبيل.
ومتى رصدني هؤلاء في هذه الخمسة عشر يوما الثانية، لم يجدوني آكل شيئا على الحقيقة، إلى أن تعود أنت بعد هذه المدّة بالقوت، فأغتفلهم في أكله أيضا، فيقوم بي.
قال: فكنت أعمل ذلك معه، طول حبسه.
(1/160)

82 ما اشترطه أبو سهل بن نوبخت لكي يؤمن بدعوة الحلّاج
حدّثني أبو الحسن بن الأزرق، قال:
لما قدم الحلّاج بغداد يدعو، استغوى كثيرا من الناس، والرؤساء، وكان طمعه في الرافضة أقوى، لدخوله من طريقهم.
فراسل أبا سهل بن نوبخت «1» ، ليستغويه، وكان أبو سهل من بينهم، مثقّفا، فهما، فطنا.
فقال أبو سهل لرسوله: هذه المعجزات التي يظهرها، قد تأتي فيها الحيل، ولكن أنا رجل غزل، ولا لذّة لي أكثر من النساء وخلوتي بهنّ، وأنا مبتلى بالصلع، حتى إنّي أطوّل شعر قحفي، وأجذبه إلى جبيني، وأشدّه بالعمامة، وأحتال فيه بحيل، ومبتلى بالخضاب، لستر المشيب.
فإن جعل لي شعرا، وردّ لحيتي سوداء بلا خضاب، آمنت بما [53 ب] يدعوني إليه، كائنا ما كان، إن شاء قلت إنّه باب «2» الإمام، وإن شاء الإمام، وإن شاء قلت إنّه النبيّ، وإن شاء قلت إنّه الله تعالى.
قال: فلما سمع الحلّاج جوابه أيس منه، وكفّ عنه «3» .
وقال لي أبو الحسن: وكان الحلّاج، يدعو كلّ قوم إلى شيء من هذه الأشياء التي ذكرها أبو سهل، على حسب ما يستبله طائفة طائفة.
(1/161)

83 الحلاج في مجلس الوزير حامد بن العباس
أخبرني أبو الحسين بن عيّاش القاضي، عمّن أخبره:
إنّه كان بحضرة حامد بن العبّاس، لما قبض على الحلّاج، وقد جيء بكتب وجدت في داره، من قوم تدلّ مخاطبتهم، إنّهم دعاته في الأطراف، يقولون فيها:
وقد بذرنا لك في كلّ أرض ما يزكو فيها، وأجاب قوم إلى أنّك الباب- يعنون الإمام- وآخرون أنّك صاحب الزمان- يعنون الإمام الذي تنتظره الأماميّة- وقوم إلى أنّك [48 ط] صاحب الناموس الأكبر- يعنون النبيّ صلى الله عليه وسلم- وقوم إلى أنّك أنت هو هو- يعنون الله عزّ وجل-[تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا] «1» .
قال: فسئل الحلاج عن تفسير هذا الرمز، فأخذ يدفعه، ويقول:
لا أعرف هذه الكتب، هذه مدسوسة عليّ، لا أعلم ما فيها، ولا معنى لهذا الكلام.
وحدّثني أبو الحسين بن عيّاش، عمن حضر مجلس حامد ابن العباس الوزير «2» ، وقد جاءوا بدفاتر وجدت للحلّاج، فيها:
إنّ الإنسان إذا أراد الحجّ فإنّه يستغني عنه، بأن يعمد إلى بيت من داره، فيعمل فيه محرابا ذكره، ويغتسل، ويحرم، ويقول كذا، ويفعل كذا، ويصلّي كذا، ويقرأ كذا، ويطوف بهذا البيت كذا، ويسبّح كذا، ويصنع كذا، أشياء قد رتّبها وذكرها من كلام نفسه، قال: فإذا فرغ
(1/162)

من ذلك، فقد سقط عنه الحجّ إلى بيت الله الحرام.
وهذا شيء معروف عند الحلّاجيّة، وقد اعترف لي رجل منهم، يقال إنّه عالم لهم، ولكن ذكر أنّ هذا رواه الحلّاج عن أهل البيت صلوات الله عليهم، وقال ليس عندنا إنّه يستغنى به عن الحجّ، ولكنّه يقوم مقامه، إن لم يقدر على الخروج، بإضاقة، أو منع، أو علّة، فأعطاني المعنى، وخالف في العبارة.
قال لي أبو الحسين: فسئل الحلّاج عن هذا، وكان عنده إنّه لا يوجب عليه شيئا، فأقرّ به، وقال: هذا شيء رويته كما سمعته، فتعلّق بذلك عليه.
واستفتى حامد، القاضيين أبا جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخيّ الأنباري «1» ، وأبا عمر محمد بن يوسف «2» ، وهما إذ ذاك، قاضيا بغداد.
فقال أبو عمر: هذه زندقة، يجب عليه القتل بها، لأنّ الزنديق لا يستتاب.
وقال أبو جعفر: لا يجب عليه القتل، إلّا أن يقرّ بأنّه يعتقد هذا، لأنّ الناس قد يروون الكفر ولا يعتقدونه، فإن أخبر أنّ هذا شيء رواه وهو [54 ب] يكذّب به، فلا شيء عليه، وإن أخبر إنّه يعتقده، استتيب منه، فإن تاب، فلا شيء عليه، وإن لم يتب، وجب عليه القتل.
قال: فعمل في أمره على فتوى أبي عمر، وعلى ما شاع وذاع من أمره، وظهر من إلحاده وكفره، واستغوائه الناس، وإفساده أديانهم،
(1/163)

فاستؤذن المقتدر في قتله، وكان قد استغوى نصرا القشوري»
، من طريق الصلاح والدين، لا ممّا كان يدعو إليه، فخوّف نصر السيّدة أمّ المقتدر «2» .
من قتله، وقال: لا آمن أن يلحق ابنك- يعني المقتدر- عقوبة هذا الشيخ الصالح، فمنعت المقتدر من قتله، فلم يقبل، وأمر حامدا بأن يقتله، فحمّ المقتدر يومه ذاك، فازداد نصر والسيّدة افتتانا، وتشكّك المقتدر فيه، فأنفذ إلى حامد من بادره بمنعه من قتله، فتأخّر ذلك أياما، إلى أن زال عن المقتدر ما كان يجد من العلّة، فاستأذنه حامد في قتله، فضعّف الكلام فيه «3» ، فقال له حامد: يا أمير المؤمنين، إن بقي، قلب الشريعة، وارتدّ خلق على يده، وأدّى ذلك إلى زوال سلطانك، فدعني أقتله، وإن أصابك شيء، فاقتلني، فأذن [49 ط] له في قتله، فعاد، فقتله من يومه، لئلّا يتلوّن المقتدر.
فلما قتل، قال أصحابه، ما قتل هو، وإنّما قتل برذون كان لفلان الكاتب، اتّفق إنّه نفق «4» ذلك اليوم. وهو يعود إلينا بعد مدّة، فصارت هذه الجهالة، مقالا لطائفة منهم.
(1/164)

84 طرائف من مخاريق الحلاج
وكانت أكثر مخاريق الحسين بن منصور الحلّاج، هذا، التي يظهرها كالمعجزات، ويستغوي بها جهلة «1» الناس، إظهار المآكل في غير أوانها، بحيل يقيمها، فمن لا تنكشف له، يتهوّس بها، ومن كان فطنا، لم تخف عليه.
فمن طريف ذلك، ما أخبرني بها أبو بكر محمد بن إسحاق بن إبراهيم الشاهد الأهوازيّ، قال: أخبرني فلان المنجّم، وأسماه، ووصفه بالحذق والفراهة، قال:
بلغني خبر الحلّاج، وما كان يفعله من إظهار تلك العجائب [والمخرقات] «2» التي يدّعي أنّها معجزات، فقلت أمضي وانظر من أيّ جنس هي من المخاريق.
فجئته، كأنّي مسترشد في الدين، فخاطبني وخاطبته، ثم قال: تشهّ «3» الساعة ما شئت، حتى أجيئك به.
وكنّا في بعض بلدان الجبل التي لا تكون فيها الأنهار. فقلت له: أريد سمكا طريا [في الحياة] «4» الساعة.
فقال: أفعل، اجلس مكانك.
فجلست، وقام، وقال: أدخل البيت، وأدعو الله تعالى أن يبعث لك [به] «5» .
(1/165)

قال: فدخل بيتا حيالي وأغلق بابه، وأبطأ ساعة طويلة، ثم جاءني وقد خاض وحلا إلى ركبته، وماء، ومعه سمكة تضطرب كبيرة.
فقلت له: ما هذا؟
فقال: دعوت الله تعالى، فأمرني أن [55 ب] أقصد البطائح «1» فأجيئك بهذه، فمضيت إلى البطائح فخضت الأهوار «2» ، وهذا الطين منها، حتى أخذت هذه.
فعلمت أنّ هذه حيلة، فقلت له: تدعني أدخل البيت، فإن لم تنكشف لي حيلة فيه آمنت بك.
فقال: شأنك.
ودخلت البيت، وأغلقته على نفسي، فلم أجد فيه طريقا ولا حيلة.
فندمت، وقلت: إن أنا وجدت فيه حيلة وكشفتها له، لم آمن أن يقتلني في الدار، وإن لم أجد، طالبني بتصديقه، فكيف أعمل؟
قال: وفكّرت في البيت، فدققت «3» تأزيرة «4» ، وكان مؤزّرا بإزار ساج،
(1/166)

فإذا بعض التأزير فارغ، فحرّكت منه جسريّة «1» خمّنت «2» عليها، فإذا هي قد انقلعت، فدخلت فيها، فإذا ثمّ باب مسمّر، فولجت منه إلى دار كبيرة، فيها بستان عظيم، فيه صنوف الأشجار، والثمار، والنوّار، والريحان، التي هي في وقتها، وما ليس هو في وقته، مما قد عتّق، وغطّي، واحتيل في بقائه، وإذا بخزائن مليحة، فيها أنواع الأطعمة المفروغ منها، والحوائج لما يعمل في الحال، إذا طلب، وإذا بركة كبيرة في الدار، فخضتها، فإذا هي مملوءة سمكا، كبارا وصغارا، فاصطدت واحدة كبيرة، وخرجت، فإذا رجلي قد صارت بالوحل والماء إلى حدّ ما رأيت رجله.
فقلت: الآن إن خرجت، ورأى هذا معي، قتلني، فقلت: أحتال عليه في الخروج.
فلمّا رجعت إلى البيت، أقبلت أقول: آمنت، وصدّقت.
فقال لي: ما لك؟
قلت: ما هاهنا حيلة، وليس إلا [50 ط] التصديق بك.
قال: فاخرج.
فخرجت، وقد بعد عن الباب، وتموّه عليه قولي، فحين خرجت، أقبلت أعدو إلى باب الدار، ورأى السمكة معي، فقصدني، وعلم أنّي قد عرفت حيلته، فأقبل يعدو خلفي، فلحقني، فضربت بالسمكة صدره ووجهه، وقلت له: أتعبتني، حتى مضيت إلى اليمّ «3» ، فاستخرجت لك هذه منه.
(1/167)

قال: فاشتغل [عني] «1» بصدره وبعينيه، وما أصابه «2» من السمكة، وخرجت.
فلمّا صرت خارج الدار، طرحت نفسي مستلقيا، لما لحقني من الجزع والفزع.
فخرج إليّ، وصاح بي، وقال: ادخل.
فقلت: هيهات، والله لئن دخلت، لا تركتني أخرج أبدا.
فقال: اسمع، والله لئن شئت قتلك على فراشك، لأفعلنّ، ولئن سمعت بهذه الحكاية لأقتلنّك، ولو كنت في تخوم الأرض، وما دام خبرها مستورا، فأنت آمن على نفسك، امض الآن حيث شئت، وتركني، ودخل.
فعلمت أنّه يقدر على ذلك، بأن يدسّ أحد من يطيعه «3» ويعتقد فيه ما يعتقد، فيقتلني.
فما حكيت الحكاية [56 ب] ، إلى أن قتل.
(1/168)

85 من أقوال الحلاج وتواقيعه
وكان الحلّاج، له الكتب المصنّفة في مذاهبه، يسلك في كلامه فيها، مذاهب الصوفيّة، في الهوس، ويكثر من ذكر النور الشعشعانيّ، وإذا أفصح بكلام مفهوم، كان ترسّله حسنا، وتلفّظه به مليحا.
أخبرني بعض أصحابه من الكتّاب، قال: خرج له توقيع إلى بعض دعاته، تلاه عليّ، فحفظت منه قوله فيه:
وقد آن الآن أوانك، للدولة الغرّاء، الفاطميّة الزهراء، المحفوفة بأهل الأرض والسماء، وأذن للفئة الظاهرة، مع قوة ضعفها في الخروج إلى خراسان، ليكشف الحقّ قناعه، ويبسط العدل باعه «1» .
وأخبرني هذا الرجل، عمّن حدّثه من أصحابه، قال: كنّا معه في بعض طرقات بغداد، فسمعنا زمرا طيّبا شجيّا.
فقال بعضنا: ما هذا؟
فقال لنا هو «2» : هذا نوح إبليس على الدنيا.
(1/169)

86 ضرب العود يماثل صوت الهيب في أصول النخل
حدّثني أبو محمد، الحسن بن محمد البومنيّ «1» البصريّ، وكان علّامة لهم حسن النّشوار، رواية للأخبار، ثقة، قال:
اجتاز بعض البصريّين، ومعه ابن له حدث، في طريق، فسمعا صوت ضرب عود، فاستطابه الفتى.
فقال لأبيه: يا أبت ما هذا؟
قال: يا بنيّ، هذا صوت الهيب في أصول النخل.
والهيب: حديدة عظيمة كالبيرم «2» يقلع بها أصول النخل، لا تنقلع إلّا بها. [وهي تسمى ببغداد العتلة «3» فمنها منبسط كالأسطام «4» محدّد، وتكون ثقيلة، لعل فيها نحو العشرة أمناء] «5» .
(1/170)

87 أبو جعفر الصيمريّ وزير معزّ الدولة يسخف في مجلس العمل
وكان هذا البومنيّ «1» حسن البلاغة، طويل اللسان، يتكلّم في أمور الكافّة بالبصرة، إذا عرضت المهمّات العظام «2» ، ويناظر السلطان.
فلما جاء أبو جعفر الصيمريّ «3» إلى هناك، وطالب الناس بالمعطّل «4» - ولهذه المطالبة شرح طويل- ناظره البومنيّ في أنّها غير واجبة، فلم ينزل تحت الحجّة، وأخلد إلى القدرة.
فوعظه البومنيّ، وقال: أيّها الأستاذ، إنّ بلدنا، بلد كثير الصالحين، ضعيف الأهل، ما خير قط «5» لمن ظلمهم، وإنّ أهله يكلونك إلى الله تعالى، [51 ط] ويرمونك بسهام الأسحار، يعني الدعاء.
فقلب الصيمريّ الكلام إلى السّخف، وكان شديد «6» الاستعمال له ظاهرا في مجلس الحفل والعمل، فقال: يا شيخ، سهام الأسحار في لحيتك، يعني الضراط» .
(1/171)

88 أبو علي الجبائي والحلاج
حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف التنوخيّ، قال: أخبرني جماعة من أصحابنا:
إنّه لمّا افتتن الناس بالأهواز وكورها بالحلّاج، وما يخرجه لهم من الأطعمة والأشربة، في غير حينه، والدراهم التي سمّاها دراهم القدرة، حدّث أبو عليّ الجبائي «1» بذلك، فقال: إنّ هذه الأشياء محفوظة في منازل يمكن الحيل فيها، ولكن أدخلوه بيتا من بيوتكم، لا منزله هو «2» ، وكلّفوه أن يخرج منه خرزتين سوداء وحمراء «3» ، فإن فعل فصدّقوه.
فبلغ الحلّاج [57 ب] قوله، وإنّ قوما قد عملوا على ذلك، فخرج عن الأهواز.
(1/172)

89 بعض اعتقادات أصحاب الحلاج
وأهل مقالته «1» الآن، يعتقدون أنّ اللاهوت الذي كان حالّا فيه، حلّ في ابن له بتستر «2» .
وأنّ رجلا بها هاشميّا ربعيا، يقال له: محمد بن عبد الله، ويكني بأبي عمارة، قد حلّت فيه روح محمّد بن عبد الله [النبي] «3» صلوات الله عليه، وهو يخاطب فيهم بسيّدنا، وهي من أعلى المنازل عندهم.
وأخبرني، من استدعاه بعض الحلاجيّة، إلى أبي عمارة هذا، بالبصرة، وله مجلس يتكلّم فيه على مذاهب الحلّاج، ويدعو إليه.
قال: فدخلته، وظنّوا أنّي مسترشد، فتكلّم بحضرتي، والرجل أحول، فكان يقلّب عينيه «4» في سقف البيت، فيجيش خاطره بذلك الهوس.
فلما خرجنا، قال لي الرجل: آمنت؟
فقلت: أشدّ ما كنت تكذيبا بقولكم الآن، هذا عندكم الآن بمنزلة النبيّ، لم لا يجعل نفسه غير أحول؟
فقال: يا أبله، كأنّه أحول؟ إنّما هو يقلّب عينيه في الملكوت «5» .
(1/173)

90 خال المؤمنين عند الحلاجية- 1
وأبو عمارة هذا، متزوّج بامرأة من الأهوازيّين، يقال لها بنت ابن جان بخش «1» ، ولها أخ فاجر يغنّي «2» بالطنبور، وكان أبوه شاهدا «3» جليلا تانئا موسرا، والحلاجيّة تعتقد أنّه بمنزلة محمد بن أبي بكر، خال المؤمنين.
فحدّثني عبيد الله بن محمد، قال:
كنا نسير بالأهواز يوما، ومعنا كاتب ظريف من أهل سيراف «4» يقال له المبارك بن أحمد، فاجتزنا بالرجل، فقام، وسلّم علينا.
فقال لي الكاتب: من هذا؟
فقصصت عليه قصّته بأشرح من هذا، فقلب رأس بغله ورجع.
فقلت له: إلى أين يا أبا سعيد؟
قال: ألحقه، فأسأله عمّا سارّته به أخته عائشة أمّ المؤمنين، يوم الجمل، لمّا أفضى إليها بيده ليخرجها من الهودج.
فضحكت من ذلك، ورددته.
(1/174)

91 خال المؤمنين عند الحلاجية- 2
وكان هذا الفتي، ابن جان بخش «1» ، قد ورث مالا جليلا، ودخل الديلم الأهواز عقيب ذلك، فتقاين «2» بالمال، وعاشر الديلم، فأنفق أكثره عليهم، فتعلّم الكلام بالديلميّة، حتى صار إذا تكلّم بها، كأنّه من بلد الديلم «3» ، وعرف أسماء قراهم، وعلامات بلدانهم.
فلما خفّ ماله، اشترى بغلين، ودابتين، وزوبينات «4» ، وسلاحا [52 ط] وآلة الجند، وجعل لرأسه شعرا مثل شعور الجيل «5» والديلم، وسمّى نفسه حلوز بن با علي، وكان أبوه في الأصل يكنى بأبي عليّ، وهذا الاسم من أسماء الجيل.
وجاء إلى أبي القاسم البريديّ، وهو بالبصرة يحارب الأمير أحمد ابن بويه، فاستأمن إليه ومن الديلم والجيل خمسمائة، وقصّته مشهورة.
قال: فأخبرني هو، قال: كنت، أداخل وأدعوهم، ولا يشكّون أنّي ديلميّ، وأعطيهم علامات بلدانهم، فإذا وقع من يفطن بي، أعطيته شطر الرزق.
(1/175)

قال: وكنت [58 ب] آكل الثوم، ولا أتعالج للصنان، وأصير جيفة «1» على مذاهب الديلم، وأجيء، فأرتفع في القيام، حتى ألزق بأبي القاسم، ممّا يلي رأسه، فيموت من بغض رائحتي.
قال: وعلت حالي عنده، فكان يطرح لي كرسيّا برسم الخاصة، فإذا جلست، اصطدت الذباب، وقتلته بحضرته، كأنّي ديلميّ فجّ، فكان يضجّ منّي، ويقول: يا قوم، أعفوني من هذا الديلميّ الفجّ، البغيض، المنتن، وخذوا منّي أضعاف رزقه.
فأقمت عنده سنين «2» ، إلى أن انكشف خبري، فهربت من يده.
وهذا من طيّب أخبار المورثين «3» المتخلّفين، فأفردته.
(1/176)

92 من أخبار متخلفي المورثين- 1
ومن طيّب أخبار متخلّفي المورثين، ما أخبرت به:
من أنّ أحدهم ورث مالا جليلا جسيما، فتقاين «1» ، وعمل كلّ ما اشتهى، فبلغني إنّه قال: أريد أن تفتحوا لي صناعة لا تعود عليّ بشيء، أتلف بها هذا المال.
فقال له أحد جلسائه: اشتر التمر من الموصل واحمله إلى البصرة، فإنّك تهلك المال.
فقال: هذا إذا فعل، عاد منه، ولو اثنان في العشرة، تبقى من أصل المال.
فقال له آخر: اشتر هذه الإبر الخياطيّة، التي تكون ثلاثا بدرهم، وأربعا، وتتبّعها، فإذا اجتمع لك عشرة آلاف إبرة بجملة الدراهم، فاسبكها نقرة، وبعها بدرهمين.
فقال: أليس يرجع من ثمنها درهمان؟
فقال له أحدهم: كأنّك تريد ما لا يرجع شيء منه البتّة؟
فقال: نعم.
فقال: تشتري ما شئت من الأمتعة، وتخرج به إلى الأعراب، فتبيعه عليهم، وتأخذ سفاتجهم إلى الأكراد، وتبيع على الأكراد، وتأخذ سفاتجهم إلى الأعراب.
قال: وكان يعمل هذا، حتى فني ماله «2» .
(1/177)

93 من أخبار متخلفي المورثين- 2
وبلغني أنّ آخر، أسرع في ماله، فبقيت منه نحو خمسة آلاف دينار «1» ، فقال: أريد «2» أن تفنى بسرعة، حتى أنظر أيّ شيء أعمل بعدها.
فعرضت عليه أشياء من هذا الجنس، فلم يردها.
فقال له بعض أصحابه: تبتاع زجاجا مخروطا بالمال كلّه، إلّا خمسمائة دينار، وتعبّيه بحذائك، ويكون في نهاية الحسن، وتنفق الخمسمائة دينار في يوم واحد، في جذور «3» المغنيّات، والفاكهة، والطيب، والشراب، والثلج، والطعام، فإذا قارب الشراب أن يفنى، أطلقت فارتين في الزجاج، وأطلقت خلفهما سنّورا، فيتعادى الفار والسنّور في الزجاج، فيتكسّر جميعه، وتنهب الباقي.
فقال: هذا طيّب.
فعمل ذلك، وجلس يشرب، فحين سكر، قال: هي، وأطلق الرجل الفارتين والسنّور، وتكسّر [53 ط] الزجاج، وهو يضحك، ونام.
وقام الرجل ورفقاؤه، فجمعوا ذلك [59 ب] الزجاج، وعملوا من قنّينة قد تشعّثت قدحا، ومن قدح قد تكسّر برنيّة غالية «4» ، ولزقوا ما تصدّع،
(1/178)

وباعوه بينهم، فرجع عليهم منه دراهم صالحة اقتسموها، وانصرفوا عن الرجل، فلم يعرفوا خبره.
فلما كان بعد سنة، قال صاحب المشورة، بالزجاج والفار والسنّور، لو مضيت إلى ذلك المدبر، فعرفت خبره.
فجاء، فإذا هو قد باع قماش بيته، وأنفقه، ونقض داره، وباعها، وسقوفها، حتى لم يبق إلّا الدهليز، وهو نائم فيه، على قطن، متغطّ بقطن قد فتق من لحف وفرش، بيعت وبقي القطن، فهو يتوطّاه، ويتغطّى به من البرد.
قال: فرأيته، وكأنّه سفرجل بين القطنين.
فقلت: يا ميشوم، ما هذا؟
قال: ما تراه.
فقلت: في نفسك حسرة؟
قال: نعم.
قلت: ما هي؟
قال: أشتهي أن أرى فلانة، مغنيّة كان يعشقها، وأتلف أكثر المال عليها.
قال: وبكى، فرققت له، وأعطيته من منزلي ثيابا، فلبسها، وجئنا إلى بيت المغنّية، فقدّرت أنّ حاله قد ثابت «1» ، فدخلنا إليها «2» ، فحين رأته، أكرمته، وبشّت به، وسألته عن خبره، فصدقها عن الصورة.
فقالت له في الحال: قم، قم.
قال: لم؟
قالت: لئلا تجيء ستّي وتراك وليس معك شيء فتحرد عليّ لم
(1/179)

أدخلتك، فاخرج إلى برّا «1» حتى أصعد أكلّمك من فوق.
فخرج، وجلس ينتظر أن تخاطبه من روزنة «2» في الدار إلى الشارع، وهو جالس.
فقلبت عليه مرقة من قدر سكباج «3» ، وصيّرته آية ونكالا، وضحكت.
فبكى، وقال: يا أبا فلان، بلغ أمري إلى هذا»
؟ أشهد الله، وأشهدك أنّي تائب.
قال: فأخذت أطنز به «5» ، وقلت: أيش تنفعك التوبة الآن؟
قال: ورددته إلى بيته، ونزعت ثيابي عنه، وتركته بين القطن، كما كان أوّلا، وحملت ثيابي، فغسلتها، وأيست منه، فما عرفت له خبرا، نحو ثلاث سنين.
فأنا ذات يوم، في باب الطاق «6» فإذا بغلام يطرّق «7» لرجل راكب، فرفعت رأسي إليه، فإذا به على برذون فاره، بمركب خفيف مليح فضّة،
(1/180)

وثياب حسنة، ودراريع فاخرة، وطيب طيّب، وكان من أولاد الكتّاب، وكان قديما [أيام يساره] «1» يركب من الدواب أفرهها، ومن المراكب أفخرها، وآلته وثيابه، [وقماشه] «2» أفخر شيء ممّا كان يقدر عليه، أو ورثه عن والديه.
فحين رآني، قال: فلان، فعلمت أنّ حاله قد صلحت، فقبّلت فخذه، وقلت: سيّدي أبو فلان.
فقال: نعم.
قلت، إيش هذا؟
قال: صنع الله، والحمد له، البيت، البيت، فتبعته، حتى انتهى إلى بابه، فإذا بالدار [60 ب] الأوّلة، قد رمّها «3» ، وجعلها صحنا واحدا، فيه بستان، وجصّصها من غير بياض، وطبّقها «4» ، وترك فيها مجلسا واحدا، حسنا، عامرا، وجعل باقي المجالس صحنا، وقد صارت طيّبة، إلّا أنّها ليست بذلك السرو الأول.
وأدخلني إلى حجرة كانت له قديما، يخلو فيها، وقد أعادها إلى أحسن ما كانت عليه، وفيها فرش حسن [54 ط] ليس من ذلك الجنس، وفي داره أربعة غلمان، قد جعل كلّ خدمتين إلى واحد منهم، وخادم شيخ، كنت أعرفه له، قد ردّه، وجعله بوّابا، وشاكريّ «5» ، وهو سائسه.
وجلس، فجاؤوه بآلة مقتصدة نظيفة، فخدم بها، وبفاكهة مختصرة
(1/181)

متوسّطة، وطعام نظيف كاف، إلّا أنّه قليل، فأكلنا، وبنبيذ تمر جيّد، فجعلوه بين يديّ، وبمطبوخ جيّد بين يديه.
ومدّت ستارة، فإذا بغناء طيّب، وبخّر بعود طريّ «1» وندّ جميعا، وأنا متشوّف إلى علم السبب.
فلما طابت نفسه، قال: يا فلان، تذكر أيّامنا الأوّلة؟
قلت: نعم.
قال: أنا الآن في نعمة متوسّطة، وما قد أفدته «2» من العقل، والعلم بالزمان، أحبّ إليّ من تلك النعمة، هو ذا ترى فرشي؟
قلت: نعم.
قال: إن لم يكن بذلك العظم، فهو مما يتجمّل به أوساط الناس.
قلت: نعم.
قال: وكذلك آلتي، وثيابي، ومركوبي، وطعامي، وفاكهتي، وشرابي، فأخذ يعدّد ويقول في كل فصل: إن لم يكن ذلك المفرط، ففيه جمال، وبلاغ، وكفاية.
إلى أن ذكر كلّ ما عنده «3» ، ويضيف ذلك إلى أمره الأوّل، ويقول:
هذا يغني عن ذلك، وقد تخلّصت من تلك الشدّة الشديدة، تذكر يوم عاملتني المغنّية لعنها الله بما عاملتني به؟ وما عاملتني به أنت ذلك اليوم، وقلته في كلّ يوم، وفي يوم الزجاج؟
فقلت: هذا قد مضى، والحمد لله الذي أخلف عليك، وخلّصك مما كنت فيه، فمن أين لك هذه النعمة، والجارية التي تغنّينا الآن؟
(1/182)

فقال: اشتريتها بألف دينار «1» ، وربحت جذور القيان «2» ، وأمري الآن على غاية الانتظام والاستقامة.
فقلت: من أين هذا؟
قال: مات خادم لأبي، وابن عمّ لنا بمصر، في يوم واحد، فخلّفا ثلاثين ألف دينار، فحملت إليّ بأسرها، فوصلت في وقت واحد، وأنا بين القطن، كما رأيت، فحمدت الله، واعتقدت أن لا أبذّر، وأن أدبّر، وأعيش بها إلى أن أموت، وأنفقها على اقتصاد.
فعمّرت هذه الدار، واشتريت جميع ما فيها من فرش وآلة وثياب ومركوب وجواري وغلمان، بخمسة آلاف دينار، وجعلت تحت الأرض خمسة آلاف دينار [61 ب] ، عدّة للحوادث، وابتعت ضياعا ومستغلات بعشرة آلاف دينار، تغلّ لي في كلّ سنة، مقدار نفقتي، على هذا المقدار الذي تراه من النفقة، ويفضل لي في كلّ سنة إلى وقت ورود الغلّات، شيء آخر، حتى لا أحتاج أن أقترض ولا أن أستدين، وأمري يمشي على هذا.
وأنا في طلبك منذ سنة، ما عرفت لك خبرا، فإنّي أحببت أن ترى رجوع حالي، ومن دوام صلاحها، واستقامتها، أن لا أعاشرك، يا عاضّ بظر أمّه، أبدا، خذوا يا غلمان برجله.
فجرّوا والله برجلي، وأخرجوني، ولم يدعوني أتمّم شربي عنده ذلك اليوم.
وكنت ألقاه بعد ذلك على الطريق راكبا. فيضحك إذا رآني، ولا يعاشرني، ولا أحدا من تلك الطبقة «3» .
ويبعد في نفسي، ما حكي من أمر سفاتج الأعراب والأكراد، والزجاج، [55 ط] فإن هذا عندي، لا تسمح به نفس مجنون.
(1/183)

94 ابن الدكيني يرث عن والده خمسمائة ألف دينار
ولكن قد حكي: أنّ رجلا من أولاد التجّار ببغداد، يقال له: ابن الدكينيّ، وخبره مشهور ببغداد، مات أبوه، فخلّف عليه «1» خمسمائة ألف دينار، فلعب بها لعبا لم يسمع قط بأعظم منه.
وكان يضاهي المقتدر، وإذا بلغه أنّه عمل شيئا من ألوان اللذة والطيب واللعب، عمل ما يقاربه من جنسه.
وإنّه كان يجذر دائما بمائتي دينار في يوم، وينثر على المغنّيات خمسة آلاف درهم «2» ، وعشرة آلاف درهم «3» ، غير دفعة، ويهب لهم الخلع، كلّ خلعة بثلاثة آلاف درهم، وألفي درهم، ومائة دينار.
ويهب منها في مجلس، عشر خلع، وخمس عشرة خلعة «4» ، يخرجها من دكّان أبيه من التخوت، فيهبها.
وإنّه كان إذا أصبح مخمورا، أحضر الثياب الدبيقيّ، فتخرّق بحضرته باليد، عصائب للفصد، ويقول «5» : لا يزيل خماري غير سماع أصواتها.
وإنّه أنفق في فصاد «6» فصدته عشيقته، ثلاثة آلاف دينار. وأشياء من هذا السّرف.
(1/184)

وإنّه لما لم يبق له إلّا نحو خمسين ألف دينار من ماله، تاب من هذا كلّه، ولزم يده «1» ، وتجهز للحجّ. فأنفق فيه، وفي أبواب الثواب «2» عشرة آلاف دينار.
فلما قضى حجّه، وعاد يريد بغداد، مات في طريقه وهو شاب، فورث ورثته باقي ذلك المال.
95 وآخر بالبصرة ورث عن والده مائة ألف دينار
وسمعت بعض الطيّاب «3» ، يقول، وقد جرى ذكر رجل عندنا بالبصرة، ورث مقدار مائة ألف دينار «4» ، فتقاين بها في سنين قريبة، وعاد فقيرا.
فقال له ذلك الرجل: يا أخي فرسخ قراضة في هذا العمل بضاعة «5» .
(1/185)

96 تاجر من العسكر يحاسب ولده على ما أتلف من المال
حدّثني أبو الحسن، أحمد بن يوسف الأزرق، قال:
كان بالعسكر «1» رجل تاجر، موسر من التجّار، يقال له أحمد بن عمر بن حفص، فخرج إلى أصفهان، فأنفق ابن له من ماله في القيان، ثلاثة آلاف دينار، وكوتب بذلك، فعاد.
فلما اجتمعا، طالبه بالحساب، فدافع.
فقال له أبوه يوما: إلى كم تدافع بالحساب، وقد بلغني خبر ما أتلفت فيه المال؟ فإن كنت استفدت بذلك عقلا، وعلما بالزمان، وحنّكتك الشدائد والأمور، وأدّبتك، فليس هذا بغال، بهذا القدر من مالي، فإنّه مالك، وإن لم تكن أفدت ذلك، فإن المصيبة فيك عندي، أعظم من المصيبة بذهاب المال.
(1/186)

97 أحمد الخراساني صاحب ابن ياقوت
وحدّثني أبو الحسن بن الأزرق، قال:
كان أحمد بن محمّد الخراسانيّ، الذي صار بعد ذلك، صاحبا لابن ياقوت «1» ، جاءني وقد ورث خمسين ألف درهم، في أوّل عمره، فدخل دار الزكوريّة المغنّية، وتعشّق جارية لها، كانت [62 ب] مشهورة ببغداد، بالحسن والظرف، وطيب الغناء، يقال لها زهرة «2» ، كان الأحداث ببغداد قد استهتروا بها.
فقالت الزكوريّة: أراك قد عشقت جاريتي هذه، فكم معك؟
قال: خمسين ألف درهم، قالت: هذه دور بلا نحبة «3» .
فما مضت إلّا أيّام، حتى أتلفها، فرأيته بجبّة لا قميص تحتها ولا فوقها، يمشي حافيا، ثم صنع الله له بعد ذلك، [وخدم ابن ياقوت، فأثرى وعقل] «4» .
(1/187)

98 ابن وسنا الخزاعيّ والكلام الذي يطيّر الآجرّ
وحدّثني «1» قال:
كان رجل من الرجّالة، يقال له ابن وسنا الخزاعيّ، يتعشّق حدثا ببغداد، يقال له الحسين بن غريب البقّال»
، حسن الوجه، رائعا، خفيف الروح [56 ط] حسن الالتقاء، فأنفق عليه مالا، وباع عقارا كان له، ثم خفّ ماله، فأمسك يده عنه، وقطعه.
[فقيل له بعد ذلك: لم تركت ابن غريب، وحلفت أن لا تكلّمه؟
فقال: كلام حسين بن غريب يطيّر الآجرّ] «3» .
(1/188)

99 درة الرقاص الصوفيّ وأبو غالب بن الآجري
سمعت درّة، الرقّاص الصوفيّ، يقول:
استترت مع أبي غالب بن الآجريّ، كاتب صافي، أحد الساجيّة «1» ، شهرا، فضاق صدري، فتركته وهربت منه، وغبت أيّاما عند إخواني، ثم جئته، فعاتبني. فقلت: يا هذا ضاق صدري.
فقال لي: استتر معي أيام استتاري، فإذا خلّصني الله، دعوتك أيّاما متتابعة، بعدد أيّام استتارك عندي، أجذر لك في كلّ يوم غناء بمائة دينار.
فاستترت معه بعد هذا نحو شهر، ثم فرّج الله عنه، وظهر، وعادت حاله.
فلما التقينا، قلت: النذر.
قال: نعم، إجلس، لنجعل اليوم أوّله، فجذر ذلك اليوم، وتلك الليلة، قيانا بمائة دينار، وأنفق قريبا منها، ثم لم يدع القيان يخرجن، إلّا أن يملهنّ، فيحضر بدلهنّ.
وجلسنا على تلك الحال، يجذر في كل يوم وليلة بمائة دينار قيانا، وينفق في طعام وشراب وفاكهة وطيب، مثلها.
وكان ربّما احتاج إلى لقاء صاحبه، والتصرّف في شغله، فيخرج، ويركب، ويتصرّف [63 ب] ، ويعود ليلا، أو عشيّا، وكما يستوي له، والغناء جالس، والمطبخ قائم، ونحن نأكل ونسمع، وهو غائب عن داره، حتى وفّى لي أيّاما بعدد أيّام استتاري معه، وكانت أكثر من ثلاثين يوما.
(1/189)

100 آخرة أبي غالب بن الآجريّ
ولقد رأيت أنا، أبا غالب الآجريّ هذا، وقد ورد البصرة في أيّام أبي القاسم البريديّ «1» ، فاستشفع على أبي بغلامه مبشّر، لأنّه كان قد ملكه في أيّام نعمته.
وكنت أرى مبشّرا غلامنا، يبرّه في الأوقات، من ماله، بعشرين درهما، وثلاثين درهما، ويأخذ له من أبي سبعين درهما، ومائة درهم، في أوقات، وهو يجيء إلى مبشّر، فيواكله، ويشاربه، ويعاشره، وكأنّه نديم له، بدالّة ملكه إيّاه، وأرى عليه قميصا مخرّقا، ودرّاعة «2» مرقوعة، ونعلين كنباتي «3» في رجله يمشي بهما في الطرق، وغلامه خلفه، ومعه خفّ منعّل، فإذا حصل في دهليزنا لبسه، ودخل إلى أبي.
ولزمنا مدّة، إلى أن خاطب أبي بعض العمّال في تصريفه «4» بعشرة دنانير في الشهر، فصرّف فيما هذا مقداره.
(1/190)

101 درة الصوفي يتحدث عن المورثين
وقال لي درّة الصوفيّ:
كان المورث، إذا اجتذبنا إلى اللعب معه، ومعه عشرة آلاف دينار، أو مائتا ألف درهم، سمّيناه: المعجّل.
فقلت له: ما معنى هذا؟
فقال: النساء، إذا مات لهن ابن له شهور دون السنة، أو سنة إلى حدّ الفطام، سمّينه المعجّل.
وكنّا نحن نسمي هذا بالمعجّل، بمعنى أنّ ماله، لا يبلغ به في هذا العمل، إلّا إلى حدّ الطفل الذي يموت في شهور، أو سنة [وأشهر للنساء] «1» ، فيسمّونه المعجّل.
ونعوذ بالله من الإدبار، وتغيّر النعم، وإيحاشها بقلّة الشكر.
(1/191)

102 فصل من كتاب كتبه القاضي التنوخيّ إلى رئيس
ولقد كتبت، في محنة لحقتني، إلى رئيس، كتابا فيه فصل يتعلق بما ذكرته، من منادمة أبي غالب الكاتب، لمبشّر مولانا، بدالّة ملكه له، وقبوله برّه بتلك الحجّة، استحسنته، فأوردته هاهنا وهو:
«لا أحوجك الله إلى اقتضاء ثمن معروف أسديته، [ولا ألجأك إلى قبض عوض عن جميل أوليته] «1» ، ولا جعل يدك السفلى لمن كانت عليه هي العليا، وأعاذك من عزّ مفقود، وعيش مجهود [57 ط] ، وأحياك ما كانت الحياة أجمل بك، وتوفّاك إذا كانت الوفاة أصلح لك، بعد عمر مديد، وسموّ بعيد، وختم بالحسنى عملك، وبلّغك في الأولى أملك، وسدّد فيها مضطر بك، وأحسن في الأخرى منقلبك، إنّه سميع مجيب، جواد قريب» .
(1/192)

103 أبو الحسن الموصلي كاتب أبي تغلب والسيّدة جميلة ابنة ناصر الدولة
حدّثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد، قال:
رأيت أبا الحسن عليّ بن عمرو الموصليّ «1» يكتب إلى أبي تغلب بن ناصر الدولة «2» ، وكتب في موضع من الكتاب «أمور حميدة» .
فقلت له: هذا الموضع يصلح أن يكون فيه «أمور [64 ب] جميلة» فأمّا حميدة، فهي لفظة مستكرهة «3» .
فقال: صدقت، ولكنّي كتبت، وأنا بالموصل، رقعة إلى أبي تغلب، فيها «أمور جميلة» فوصلت إليه، وهو عند أخته جميلة «4» ، وهي غالبة
(1/193)

عليه، محتوية على أمره، لا يقطع شيئا دونها، ولا يفصل رأيا إلّا عن مشورتها، وكانت الرقعة مما احتاج إلى مطالعتها بما فيها [فقرأها عليها] «1» فأنكرت عليّ قولي «جميلة» ، لأنّه اسمها، إنكارا شديدا، احتجت معه إلى الاعتذار مما كتبت، فما كتبت بعدها إلى الآن، «جميلة» في شيء من مكاتباتي إلى أحد، وصار تركها لي طبعا «2» .
(1/194)

104 علية بنت المهدي تتحامى اسم طلّ
ويشبه هذا، قول عليّة بنت المهدي «1» ، لمّا قرأت القرآن فبلغت إلى قوله عزّ وجلّ: فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌ
«2» ، فقالت: «فإن لم يصبها وابل فما نهى أمير المؤمنين عن ذكره» ، ولم تقل طلّ، لأنّه كان اسم خادم تعشّقته، فبلغ الرشيد أخاها خبرها معه، فجرى عليها منه مكروه غليظ، وأحلفها على أشياء منها أنّها لا تذكره.
105 امرأة بغدادية تتظرّف فتحرّف القرآن
وقد حكي: أنّ بعض النساء الظراف، قرأت: «تعلم ما في روحي، ولا أعلم ما في روحك» «3» ، ولم تقل «نفسي» لأنّ الظراف، لا يقولون ذلك «4» .
فقال لها بعض من سمعها: ويحك، فأنت أظرف من الله؟ قولي كما قال.
(1/195)

106 بجكم أمير الأمراء وفتوّة جارية الهاشميّة
أخبرني غير واحد:
إنّ بجكم الماكاني «1» أمير الأمراء ببغداد، عشق جارية من القيان بها، يقال لها فتوّة جارية الهاشمية، وكان يتكبّر عن شرائها، ويرفع نفسه أن يبوح بمحبّتها، ويحضرها، فيعطيها كلّ شيء.
وكان قد استعمل لها عودا، من عود هندي، قام عليه بمال، وكانت تغنّي به.
فسكر يوما، فخسف وجه العود، وقلعه، وملأه لها دراهم، فوسع نيّفا وعشرين ألف درهم.
(1/196)

107 أبو العباس البغداديّ وإنفاقه ماله في الفساد
وكان عندنا بالبصرة، دلّال من أهلها يعرف بأبي العبّاس البغداديّ «1» ورث في حداثته مالا جليلا، فتقاين «2» بجميعه، فلمّا افتقر، صار دلّالا، فكسب أيضا كسبا ثانيا كبيرا، فما كان يبقي منه شيئا، بل ينفقه كله في الفساد.
فأخبرني بعض شيوخ البصرة، قال:
رأيته، وهو حدث، في ليلة من شهر رمضان، مملوء الكمّ، يريد دار بدعة الدرونيّة، وكانت إذ ذاك مغنّية البلد، المشهورة فيه، بالنبل، والحذاقة، والطيب، والحسن، ولها أخبار كثيرة طريفة.
فقلت: أيش في كمّك يا أبا العبّاس.
فقال: مخلّط خراسان «3» أتصدّق به على بدعة، صدقة شهر رمضان.
(1/197)

فلم أشكّ في أنّه كذلك.
فقلت: فأطعمني منه، فطرح في كمّي منه شيئا ثقّل به كمّي، وافترقنا.
فلما بلغت بيتي أردت أن أطعم عيالي منه، فنظرت فإذا هو لوز ذهب، وسكّر فضّة، وفستق وبندق عنبر، وزبيب ندّ، فخبّيته «1» .
فلما كان من غد، نظرت فإذا قيمته [58 ط] مال، فجئت إليه، ورددته عليه.
فقال [65 ب] : يا بارد، أيش هذا حتى تردّه؟ جميع ما كان في كمّي البارحة، كذا، فرّقته على بدعة وجواريها.
فقلت: لو علمت هذا ما طلبته منك.
قال: فظننت أنّي على الحقيقة أحمل إليها لوزا وسكرا وزبيبا وفستقا؟
(1/198)

108 كل نفس آتيناها هداها
حدّثني أحمد بن عبد الله بن بكر البصريّ، قال: حدّثني عروة الزبيريّ «1» :
إنّه حجّ في سنة الهبير «2» ، فاشترى من مكّة قردا، وكان مع عديله «3» كلب، فألف القرد الكلب، فكانا يأكلان في موضع واحد.
قال: فقطع علينا القرمطيّ، وأخذنا السيف، وتفرّق الناس، وحيل بينهم، وبين أمتعتهم ورحالاتهم، ومشيت أنا، فأفلتّ فيمن أفلت، وجئت إلى الكوفة، وما أملك درهما واحدا.
فبينا أنا جالس يوما أفكّر، لمن أسأل، وكيف أعمل، إذ سمعت جلبة وضوضاء.
فخرجت أبصر ما هي؟ فإذا القرد قد ركب الكلب، وجاء كذلك، فدخلا الكوفة، والناس يضحكون منهما.
(1/199)

وإذا القرد كان يطعم الكلب، ويريد منه الركوب، واحتال لنفسه بذلك، طول الطريق.
فلما رأيت القرد والكلب استدعيتهما فجاءا إليّ.
فقال الناس: ما هذا؟
فقلت: هما لي، فأخذتهما.
وبلغ أمير الكوفة الخبر، فراسلني في بيعهما عليه.
فبعتهما عليه بثلاثمائة درهم، فكانت سبب صلاح حالي في الوقت، وخرجت عن البلد.
(1/200)

109 ما للماء للماء وما للخمر للخمر
وروي عن وهب بن منبّه «1» :
أنّه كان في عهد بني إسرائيل، خمّار، فسافر بخمر له ومعه قرد، وكان يمزج الخمر بالماء نصفين، ويبيعه بسعر الخمر، والقرد يشير إليه أن لا تفعل، فيضربه.
فلما فرغ من بيع الخمر، وأراد الرجوع إلى بلده، ركب البحر، وقرده معه، وخرج فيه ثيابه، والكيس الذي جمعه من ثمن الخمر.
فلما سار في البحر، استخرج القرد الكيس من موضعه، ورقى الدقل وهو معه، حتى صار في أعلاه، ورمى إلى المركب بدرهم، وإلى البحر بدرهم.
فلم يزل ذلك دأبه، حتى قسم الدراهم نصفين، فما كان بحصّة الخمر، رمى به إلى المركب، فجمعه صاحبه، وما كان بحصّة الماء رمى به إلى البحر فهلك، ثم نزل عن الدقل [حتى حصل في المركب] «2» .
(1/201)

110 قرود اليمن ترجم الزاني والزانية
حدّثني أبو عمر أحمد بن عبد الله بن أحمد بن بكر البصريّ، قال:
حدّثني النعمان الواسطيّ المحدّث «1» إنّه كان باليمن، فحدّثه بعض من يثق به من الرعاة هناك، قال:
كنت أرعى غنما لي في بعض الأودية، فرأيت قردين، ذكرا وأنثى، وهما نائمان في مكان من الجبل.
فجاء قرد ذكر، يخفي مشيه، حتى حرّك الأنثى، وهي إلى جنب الذكر، فانتبهت، ومضت معه، وافترشها، وأنا أراهما.
فانتبه ذكرها، فرآها، فزعق زعقة عظيمة، فاجتمع إليه من القرود عدد كثير، هالني.
فصاح بين أيديهم، فأقبلوا يتشمّمون الأنثى، حتى فرغوا كلهم من تشمّمها.
ثم نزلوا بها، وبالذكر الذي وطئها، تخفيّا من ذكرها، إلى وهدة بعيدة، فدحرجوهما فيها قهرا، ثم رجموهما بالحجارة، حتى ماتا «2» .
(1/202)

111 دب في شيراز ينفخ في زق حداد
قال: حدّثني أبو الحسن الزجّاج، صديق- كان لي- ثقة: إنّه شاهد بشيراز، دبّا، ينفخ في زقّ حدّاد، كأنّه أقامه مقام [59 ط] الأجير «1» .
112 دبّ يضرب بمطرقة حدّاد
قال: وشاهدت «2» أيضا دبّا يضرب بالمطرقة، على حدّاد، فغلط يوما، فضرب دماغ الحدّاد، فقتله «3» .
(1/203)

113 خاقان المفلحي يستطيب لحم الدبّ والضبع
حدّثني أبو محمد الصّلحيّ «1» الكاتب، قال: حدّثني أبي، وكان يكتب لخاقان المفلحيّ «2» ، قال:
شربت معه يوما، فنقّلني «3» بقديد «4» ، فلمّا حصل في فمي، لم أستطبه.
فقلت: أيّها الأمير، ما هذا؟
فقال: هذا قديد الدبّ.
فرميت به، وقذفت، وثارت بي أخلاط، وصارت علّة، فأقمت أربعة أشهر عليلا في بيتي.
قال: وكان خاقان، يأكل لحم السباع، والضباع، ويستطيبها، ولحم كلّ شيء له لحم «5» .
(1/204)

114 وصف له الطبيب فرّوجا، فأكل مهرا
وأخبرني وهب بن يوسف، اليهودي، الطبيب، عن داود اليهوديّ، الشاميّ، قال:
كنت أخدم خاقان، فاعتلّ، فحميته، فاحتمى، وصلح، وأقبلت العافية.
فقال لي: لا أقدر أحتمي أكثر من هذا.
فقلت له: كل فرّوجا.
فلما كان من غد، جئته، فوجدت الحمّى، قد عادت أعظم ممّا كانت، وهي في طريق البرسام «1» .
فقلت له: ما عمل الأمير أمس؟
فقال: أكلت فرّوجا.
فقلت: ليس هذا من فعل الفرّوج، أي فرّوج هذا، حتى فعل هذا؟
فقال لي بعض غلمانه: إنّه ذبح مهرا، وأكل منه أطايبه.
فقلت: أيّها الأمير، أصف لك فرّوجا، فتأكل لحم دابة؟
فقال: بابا، إنّما أكلت فرّوج الدابّة.
فقلت في نفسي: خذ الآن فرّوج الموت.
وما زلت أعالجه شهورا كثيرة، حتى برئ «2» .
(1/205)

115 وظيفة خاقان المفلحي في كل يوم من اللحم ألف ومائتا رطل
قال أبو محمد الصلحيّ، عن أبيه:
كانت وظيفة خاقان المفلحيّ، في كلّ يوم، ألف رطل ومائتي رطل لحما، له، ولغلمانه، وخدمه، وكلّ ما يتّخذ في داره، إذا كان في أعماله.
فإذا كان ببغداد، اقتصر على النصف من ذلك، وهو ستمائة رطل لحما، سوى الحيوان الذي يذبح في المطبخ «1» .
(1/206)

116 وظيفة الوزير أبي الفرج بن فسانجس من اللّحم في كلّ يوم
وأخبرني بعض وكلاء وزراء هذا الزمان، وهو أبو الفرج بن فسانجس «1» :
إنّ وظيفته كانت، في أيّام وزارته، في كلّ يوم، نيّف وستّين رطلا لحما، له، ولنسائه، وغلمانه، وجميع ما يتّخذ في دوره، وثلاثة جدي، وعشر دجاجات، وأربعة أو خمسة أفرخ، وثلاث جامات حلوى من السوق، وليست من فاخره، وإنّما هي زلابية دقيقة، أو فالوذج، أو ما يجري مجرى ذلك «2» .
(1/207)

117 كفى بالأجل حارسا
سمعت قاضي القضاة، أبا السائب «1» ، يحكي:
إنّ رجلا كان له على رجل دين، فهرب منه، فلقيه صاحب الدين في صحراء، فقبض عليه، وأخرج قيدا كان معه، فقيّده ونفسه به، وجعل إحدى الحلقتين في رجل غريمه، والأخرى في رجل نفسه، ومشيا إلى قرية تقرب من الموضع، فجاءاها، وقد أدركهما المساء، وأغلق أهل القرية باب سورها، فاجتهدا في فتحها لهما، فأبى أهل القرية، فباتا في مسجد خراب على باب القرية، فجاء السبع وهما نائمان، فقبض على صاحب [66 ب] الدين فافترسه، وجرّه، فانجرّ الغريم معه. فلم تزل تلك حاله إلى أن فرغ السبع من أكل صاحب الدين، وشبع، وانصرف، وترك المديون وقد تجرّح من جرّه وسحبه عليه، وبقيت ركبة الغريم في القيد، فحملها الرجل مع قيده، وجاء إلى القرية، فأخبرهم الخبر، حتى حلّوا قيده، وسار لوجهه ذلك «2» .
(1/208)

118 عريان أعزل يصيد الأسد
حدّثني القاضي أبو بكر أحمد بن سيّار:
إنّ رجلا أجنّه الليل في بعض أسفاره، فبات في خان خراب، بقرب أجمة، وماء مستنقع، وكانت ليلة قمراء، وكان الموضع مسبعا، والرجل عارف بذلك، فرقي سطح الخان، وطلب لبنا «1» فشرّجه على باب الدرجة، وجلس يترقّب، فإذا رجل عريان، قد جاء حتى جلس على الماء.
قال: فقلت له: ما تصنع؟
قال: جئت لأصطاد السباع.
فقلت: يا هذا اتّق الله في نفسك «2» .
فقال: الساعة ترى.
فلم يلبث هنيهة، أن طلع سبع، فتراءى له الرجل، فصاح به، فقصده:
فلما قرب منه، طرح الرجل نفسه في الماء، فرمى السبع بنفسه خلفه في الماء، فغاصا، فإذا بالرجل قد خرج من وراء [60 ط] السبع، وعلّق خصييه بيده، ثم أخرج من منديل على رأسه، قصبة مقدار ذراع، مجوّفة، فارسيّة، وثيقة، نافذة، فدسّها «3» في جاعرة «4» السبع، وأقبل يدخل فيها
(1/209)

الماء بإحدى يديه، وكلّما دخل جوف الأسد الماء ثقل، وضعف بطشه، وهو يمرس مع ذلك خصاه، إلى أن غرّقه، وقتله.
ثم جرّه في الماء فأخرجه إلى الشطّ، وسلخ جلده، وأخذ جبهته، وكفّه، وشحمه، ومواضع يعرفها منه لها ثمن.
ثم صاح بي: يا شيخ، كذا أصطاد السباع.
وتركني ومضى.
(1/210)

119 لئيم يفخر بلؤمه
حدّثني أبو القاسم عبد الله بن محمد بن مهرويه، بن أبي علّان الأهوازيّ الكاتب، خال والدي، قال:
كانت بيني وبين أبي جعفر بن قديدة، عداوة، وكنت قد تبت من التصرّف مع السلطان.
فتقلّد ضياع السيدة أمّ المقتدر، وفيها ما يجاور ضيعتي، فآذاني أذى شديدا، في الشرب، والأكرة، وقصد إخراب ضيعتي، وإبطال جاهي، فصبرت عليه.
فقبض يوما على أكّار لي، فصفعه صفعا عظيما، فأنفذت إليه كاتبا كان يكتب لي على ضيعتي، يعرف بأبي القاسم علي بن محمد بن خربان، ليعاتبه، ويستكفّه، ويأخذ الأكّار، فتلقّى الرجل بكلام غليظ.
فعاد إليّ، فقال: إنّ هذا قد جدّ بك، [فخذ حذرك] «1» ، ودبّر أمرك بغير ما أنت فيه.
فقلت: ما الخبر؟
فعرّفني ما جرى عليه.
ففكّرت، فلم أر لحسم مادّته عني، وأذيّته في نفسه، غير ضمان ضياع السيّدة «2» ، وتسلّمه، ومطالبته بالحساب [67 ب] ، وإيقاعه في المكاره.
فكتبت إلى كاتب السيّدة، وخطبت ضمان النواحي، بزيادة ثلاثين ألف دينار في ثلاث سنين، عمّا رفعها ابن قديدة، على أن يسلّم إليّ، لأحاسبه
(1/211)

وأطالبه، بما يخرجه الحساب عليه، وأوفّره، مضافا إلى هذه الزيادة. وأنفذت الكتاب مع فيج «1» قاصد.
فحين نفذ، اغتممت، وقلت: ضياع لا أعرف حاصلها على الحقيقة، لم حملت نفسي على هذا؟ وكان احتمال عداوة الرجل، أيسر من هذا.
وطرحت نفسي مفكّرا، وأنا بين النائم واليقظان، حتى رأيت، كأنّ رجلا شيخا، أبيض الرأس واللحية، بزيّ القضاة، قد دخل إليّ، وعليه طيلسان أزرق، وقلنسوة، وخفّ أحمر.
فقال: ما الذي يغمّك من هذا الأمر؟ ستربح في أوّل سنة من هذا الضمان، على ما زدته، عشرة آلاف دينار، وتخسر في الثانية، عشرة، وتخرج في الثالثة بغير ربح ولا خسران، ويكون تعبك بإزاء اشتفائك من عدوّك.
فانتبهت متعجّبا، وسألت: هل دخل إليّ أحد؟
فقالوا: لا، فقويت نفسي قليلا.
فلما كان في اليوم الثاني والعشرين، ورد رسول من بغداد، بكتب إليّ قد أجبت فيها إلى ملتمسي، وكوتب في طيّها، عامل كان لهم بالطيّب «2» مقيما، يشرف على جميع عمّالهم بكور الأهواز «3» يؤمر بقدومها وتسليم ابن قديدة إليّ، وعقد الضمان عليّ.
(1/212)

فأنفذت إلى العامل سفتجة بألف دينار مرفقا «1» ، وكتبت إليه، وسألته الحضور، وأنفذت إليه الكتب الواردة.
فلما كان بعد أيّام، كنت جالسا مع عامل الأهواز، على داره بشاطىء دجيل «2» فإذا بعسكر عظيم [61 ط] قد طلع من جانب المأمونيّة.
فارتاع، وظن أنّ صارفا «3» قد ورد، وأنفذ من سأل عن الخبر، فعاد، وقال: فلان، عامل السيّدة، فعبر في طيّاره، وأنا معه، لتلقّيه.
فحين اجتمعا، قال له: يا سيّدي، أريد ابن أبي علان.
فقلت: أنا هو يا سيّدي.
قال: ولم يكن يعرفني، ولا أعرفه إلّا بالوجوه «4» فأقامني من موضعي، ورفعني فوق الجماعة، وتحيّر العامل، ومن حضر.
وقال له: أريد ابن قديدة، فأنفذ إليه، فاستدعاه.
فحين حضر قيّده، وقال لي: يا أبا القاسم تسلّمه.
فقال العامل: أيش هذا التعب؟ وأقبلت الجماعة تمازحني.
فقلت: هو أحوجني إلى هذا.
قال: فتسلّمته، وقمت إلى داري.
وعبر عامل السيّدة، فحملت إليه من الألطاف، والأنزال، والهدايا،
(1/213)

ما صلح، وعقد عليّ الضمان من غد، وانصرف في اليوم الثالث.
وحملت إليه [68 ب] ألف دينار أخرى مرفقا.
وحصّلت ابن قديدة معي في المكاره متردّدا، ووفّرت من جهته مالا على السيّدة، وكاتبها، وكذا العامل، وارتجعت ما لزمني على مؤونة العامل ومرفقه.
وأطلقته بعد شهور إلى داره، وقد ركبه دين ثقيل، وباع شيئا من ضيعته، وانكسر جاهه، وانخزلت نفسه.
ونظرت في الضمان، وتصرّمت السنة، فربحت عشرة آلاف دينار.
فقلت: قد جاء ما قال الشيخ في المنام، فأثبتّها عند الصارف «1» ، ولم أدخلها في دخلي، ولا في خرجي.
فلما كانت السنة الثانية، قعدت بي الأسعار، فخسرت ذلك القدر، فأدّيته بعينه في الخسران.
فلما كانت السنة الثالثة، خرجت رأسا برأس، ما خسرت ولا ربحت شيئا.
فصحّحت مال الضمان، وكتبت أستعفي، وقد علمت أنّ النكبة قد بلغت بابن قديدة إلى حدّ لا يجسر أن يتقلّد معها، ولا أن يقلّد أيضا.
فلم يعفني كاتب السيّدة، وطالبني بتجديد الضمان على الزيادة، وعمل على التأوّل عليها من ابن قديدة.
وأنفذ في إشخاصي، خادما من كبار خدم السيّدة، فجاء في طيّار، وأمر هائل، فتخوّفت من الشخوص معه، فأحصل في الحبس، وتستمر عليّ المكاره، وأنقطع عن الشروع في الخلاص.
(1/214)

فأنزلت الخادم، وهاديته، ولا طفته، وحملت إليه خمسة آلاف درهم فاستعظمها، وعبدني «1» .
فقلت له: إنّ ذيلي طويل «2» ، وأريد أن أصلح أمري، ثم أخرج، فتمهلني أسبوعا، وتدعني أخلو في منزلي، وأصلح ما أحتاج إليه، ثم أخرج معك، فمكّنني من ذلك.
فقلت لإخوتي، وأصهاري، وكتّابي: ليدعه كلّ واحد منكم يوما، له، ولغلمانه، وأسبابه، وامنعوهم من معرفة خبري، وشاغلوهم بالنبيذ، والشطرنج، والمغنّيات، ففعلوا ذلك.
وخرجت أنا تحت الليل بمرقّعة «3» ، راكبا حمارا، ومعي غلامان من غلماني، ودليل، وليس معي شيء من الدنيا، إلّا سفاتج بخمسة آلاف دينار.
وسرت واشتغل الخادم بالدعوات، فما عرف خبري إلّا وأنا بواسط «4» ، فقامت قيامته، وانحدر في طريق الماء، فوصل إلى الأبلّة «5» ، وقد قاربت أنا [62 ط] بغداد، ثم دخلتها متخفّيا، وطرحت نفسي على أبي المنذر النعمان ابن عبد الله «6» ، وكانت لي به حرمة وصحبة، أيّام تقلّده الأهواز، وتصرّفي
(1/215)

معه، فلقي بي أبا الحسن، عليّ بن عيسى، وهو إذ ذاك الوزير «1» ، وعرّفه محلّي.
فقال لي: قد كنت أحبّ أن أراك، لما يبلغني من حسن صناعتك، وطرح إليّ أعمالا، فعملتها بحضرته، وأعجبته [69 ب] صناعتي، وقرّظني.
ولزمته أيّاما، وخبري منستر عن كاتب السيّدة، ثم خاطب الوزير [في أمريّ] «2» ، وخوطبت السيّدة. فقالت: لا أقرّر أمره، أو يصير إلى ديواني.
فقال لي: امض وأنا من ورائك، ولا تخف. فمضيت، فاعتقلوني، فراسلتهم في أمري.
وحضر أبو المنذر، ديوان السيّدة، فتوسّط ما بيني وبينهم، وقرّر الأمر على صلح ثلاثة آلاف دينار، أو نحوها- الشك منّي- وضمنها عنّي، وأخذني إلى داره، فأدّيتها إليه من جملة السفاتج.
وطالبني عليّ بن عيسى، بالتصرّف معه، فعرّفته توبتي منه، وإنّي إنّما ضمنت هذا الضمان، لضرورة، وشرحت له الخبر، فأعفاني.
فرجعت إلى الأهواز، وقد مضت السنون على العداوة بيني وبين ابن قديدة، إلّا أنّه منهزم.
وكتب السلطان ببيع ضياعه بالأهواز «3» ، وكان الناس يشترون ما يغلّ في سنة وأكثر، بنصف ثمنه، فاشتريت ما كان فيه غناي، وخرقت فيه الحكم.
(1/216)

واشترى أبو عبد الله البريديّ «1» لنفسه، بأسماء قوم، أمرا عظيما، برأيي واختياري له، وكان سرّه «2» عندي، وكان في ذلك الوقت لا يتقصّى عليّ.
واشترى ابن قديدة، فيمن اشترى، وتصرّفنا في الضياع.
فكتب السلطان بإلزامنا زيادة عظيمة، أظنه قال: مائة ألف دينار.
فقال لي البريديّ: كيف أعمل في الزيادة؟
قلت: لا يلزمها الناس لك، وواضعت أهل البلد على الامتناع، فجمعهم، وخاطبهم، فامتنعوا، واحتاج إلى أن خبطهم.
فخلا بي، فقال: ما أعرف في هذا غيرك، فدبّره لي، وألزمني ذلك.
فقلت: مكّنّي من العمل بما أريد، وعليّ المال.
فقال: أنت ممكّن.
فجلست أنا وغلام جوذاب «3» ، فقسّطنا المال على أهل البلد، وأخرجنا أنفسنا، فما ألزمناها شيئا، ونقّصنا من عنينا به، وزدنا بإزاء ذلك على غيره.
قال: واعتمدت أن قسّطت على ابن قديدة ضعف ما يلزمه، وعملنا بذلك جرائد.
وناظرنا الناس على الالتزام بما قسّطناه، فامتنعوا، وقالوا: على أيّ حساب هذا؟ وحاسبونا، وناظرونا.
فقلت للجماعة: من صلح له أن يلتزم هذا التقسيط، وإلّا فليحاسبنا على ما قبضه من غلّات الضياع التي اشتراها، وأنا أرد عليه ما يبقى له من الثمن بعد ذلك، وآخذ ما اشتراه، وألتزم هذه الزيادة.
(1/217)

وكان كلّ إنسان قد اشترى ما في شركته، وما في جواره، ممّا كان يتأذّى به هو وأسلافه، منذ مائة سنة، وما كان يتمنّاه ويشتهيه منذ ذلك العهد، وما قد ارتحصه، واستصلحه.
فقامت قيامة أهل البلد، والتزموا عن آخرهم [70 ب] التقسيط، على ما فصّلته عليهم، من غير محاسبة.
وورّكت «1» على ابن قديدة مالا عظيما، فلم يكن له فيه وجه.
فأنا جالس في بيتي ليلة، إذ جاءني [63 ط] ، فدخل إليّ. فقلت:
ما هذا يا أبا جعفر؟ وقمت إليه، وسلّمت عليه، فعاتبني، وخضع لي.
فقلت: ما تريد؟
فقال: تخفّف عنّي من التقسيط، وتعاونني بمالك، فو الله، ما معي ما أؤدّيه.
فخفّفت عنه منه شيئا يسيرا، وأقرضته ثلاثين ألف درهم، وكتبت بها عليه قبالة «2» ، وأشهدت فيها جماعة عدول البلد، وتركتها في بيتي، فلم أفكّر في المال سنين، ورجعت أدسّ المكاره، والمغارم، والمحن عليه، وهو يذوب، وينقص في كل يوم.
فلما علمت أنّه قد بلغ آخر أمره، طالبته بالدين، فاستتر عنّي في منزله.
فاستعديت عليه إلى القاضي أبي القاسم عليّ بن محمد التنوخيّ «3» ، فكتب
(1/218)

لي عدوى «1» إلى صاحب المعونة.
فهرب من داره، فنادى القاضي على بابه بالحضور، فلم ينجع ذلك.
فسألت البريديّ إخراجه، فكبس عليه وأخرجه، وأحضره معي إلى القاضي، فقامت البيّنة عليه بالمال. فسألت القاضي حبسه.
فقال لي القاضي عليّ بن محمد: الحبس في الأصل غير واجب، وذوو المروءات لا يحبسون مع أصاغر الناس في حبس واحد، ولكن أمكّنك من أن تلازمه بنفسك أو أصحابك، كيف شئت.
فلازمته في مسجد على باب القاضي [بأصحابي] «2» ومضيت إلى البريديّ، فقلت: قد لحقت خصمي عناية القاضي، فالله الله فيّ، فإنّي لا آمن أن يدسّ ابن قديدة إلى أكرته، أو إلى قوم من الجيش، فيؤخذ من يدي، ويخرج إلى بغداد، فيبطل المال عليّ، ويحصل هناك يسعى بي، ويعرّض نعمتي للزوال.
قال: فخاطب البريديّ القاضي في ذلك، فتقرّر الأمر بينهما على أنّي اكتريت دارا قريبة من حبس القاضي، أؤدّي أنا أجرتها، وأجلس ابن قديدة فيها، وألازمه بأصحابي، وأوكّل بها رجّالة أعطيهم من مالي أجرتهم يحفظونه.
فنقلته إليها، فأقام فيها سنة وكسرا، وهو لا يؤدّي المال، ويكايدني عند نفسه «3» ، وأنا قد رضيت أن يتأخّر المال، ويبقى هو محبوسا.
(1/219)

واعتلّ علّة صعبة، فجاءتني أمّه، وكانت بيني وبينها قرابة، فسألتني إطلاقه، وبكت، فلم أفعل.
إلى أن بلغني أنّه في النزع، وجاءتني تبكي، فرحمتها، فأطلقته لها، بعد أن كفلته منها.
فمات بعد ثلاثة أيام، وابتعت بالمال ضياعا من ضياعه «1» .
(1/220)

120 كيف تاب بن أبي علان من التصرف
قلت لأبي القاسم ابن أبي علان: كيف كانت توبتك من التصرّف؟
وما سببها؟
قال: كان سبب ذلك، أنّ أبا [71 ب] عليّ محمد بن عبد الوهاب الجبائيّ رحمه الله «1» ، كان يجيء إلى الأهواز فينزل عليّ، لأنّي كنت كاتب ديوان الأهواز، وخليفة أبي أحمد بن الحسين بن يوسف على العمالة، والأمر كلّه إليّ أدبّره.
وكان أبو عليّ يقدم الأهواز في كل سنة دفعة، وقت افتتاح الخراج، ويستضيف إلى خراج ضيعته بجبّى «2» ، خراج قوم كان رسمهم أن يكونوا في أثره على مرور السنين.
فإذا قدم البلد، أعظمه الناس وأكرموه، ولا ينزل إلّا عليّ في أكثر الأوقات، فأقرّر «3» أمره مع العامل.
وربما كان العامل غير صاحبي، أو من لا يعرف محل أبي عليّ، فيكون ما يقرّر عليه أمره أقلّ من ذلك [64 ط] ، إلّا أنّه كان لا يخلو من أن يسقط عنه نصف الخراج أو ثلثه.
فإذا عاد إلى جبّى، لم يلزم نفسه من خراج ضيعته شيئا البتة، ونظر إلى ما بقي، بعد إسقاط خراجه من النظر، ففضّه على القوه الذين في أثره، وألزمهم بإزاء ذلك، أن يضيف كلّ واحد منهم، رجلا من الفقراء
(1/221)

الذين يتعلّمون منه العلم طول السنة، فيكون ما يلزم الواحد، على الواحد منهم، شيئا يسيرا لا يبلغ خمس ما أسقطه عنه من الخراج بجاهه.
ويعود هو فيخرج من ضيعته العشر الصحيح، فيتصدّق به على الفقراء من أهل الحوز «1» ، قريته التي هو مقيم فيها، وعلى أهل محلّته، وكان هذا دأبه في كلّ سنة.
فنزل عليّ في بعض قدماته، فبلغت له مراده في أمر الخراج، وجلسنا ليلة نتحدّث.
فقلت له: يا أبا عليّ أتخاف عليّ مما أنا فيه شيئا؟
فقال: يا أبا القاسم، وكيف لا أخاف عليك، والله، لئن متّ على هذه الحال، لا رحت «2» رائحة الجنّة.
فقلت: ولم؟ ولأيّ شيء؟ وإنّما أنا أعمل الحساب، وأجري مجرى ناسخ، وآخذ أجري من بيت المال، أو يجيئني رجل مظلوم، قد لزمته زيادة باطلة في خراجه، فأسقطها عنه، وأصلحها له في الحساب، فيهدي إليّ بطيب قلبه، أو أرتفق من مال السلطان بشيء، ولي في فيء المسلمين قسط يكون هذا بإزائه.
فقال: يا أبا القاسم، إنّ الله لا يخادع، أخبرني، ألست أنت تختار المسّاح، وتنفذهم إلى المساحة، وتوصيهم بالتقصّي، فيخرجون، فيزيدون بالقلم واحدا أو اثنين في العشرة، ويجونك «3» بالتزاوير، فتسقطها أنت، وتعمل الجرائد، وتسلّمها إلى المستخرج، وتقول له: أريد أن يصحّ المال في
(1/222)

كذا وكذا يوما عند الجهبذ، وإلّا دققت يديك على رجليك؟
قلت: نعم.
قال: فيخرج المستخرج فيبثّ الفرسان، والرّجالة، والرسل، والمستحثّين، ويضرب، ويصفع، ويقيّد، وأنت [72 ب] تأمره وتنهاه، وإذا قلت له: أطلق رجلا، أو أخّره بما عليه، قبل أمرك، وإذا لم تأذن له طالبه حتى يؤدّي؟
قلت: نعم.
قال: فيحصل المال عند الجهبذ، فتخرج إليه الصكاك من ديوانك وبعلاماتك؟
فقلت: نعم.
قال: فأي شيء بقي من العمل لم تتولّ وزره، وتضمن غرمه، وتتحمّل إثمه؟ تب إلى الله، وإلّا فأنت هالك، ودع التصرّف، وأصلح أمر آخرتك.
قال: وأخذ يعظني، ويخطب عليّ، حتى بكيت.
ثم قال لي: لست بأعظم [نعمة ولا أكبر منزلة] «1» من جعفر بن حرب «2» ، فإنّه كان يتقلّد كبار أعمال السلطان، وكانت نعمته تقارب نعمة الوزراء، وكان يعتقد الحقّ «3» ومنزلته في العلم المنزلة المشهورة، وصنّف غير كتاب من كتبه الباقية إلى الآن في أيدي الناس، وهو يتصرّف مع السلطان.
فاجتاز يوما راكبا في موكب له عظيم، ونعمته على غاية الوفور، ومنزلته
(1/223)

بحالها من الجلالة، فسمع رجلا يقرأ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِ
«1» فقال: اللهم بلى، وكرّرها دفعات، وبكى، ثم نزل [65 ط] عن دابته، ونزع ثيابه، ودخل إلى دجلة، فاستتر بالماء إلى حلقه، ولم يخرج حتى فرّق جميع ماله في المظالم التي كانت عليه، وردّها، ووصّى فيها، وتصدّق بالباقي، وعمل ما اقتضاه مذهبه، ووجب عليه عنده.
فاجتاز رجل، فرآه في الماء قائما، وسمع بخبره، فوهب له قميصا ومئزرا، فاستتر بهما، وخرج فلبسهما، وانقطع إلى العلم والعبادة، حتى مات.
ثم قال لي أبو عليّ: فافعل أنت يا أبا القاسم مثل هذا، فإن لم تطب نفسك به كلّه، فتب.
قال: فأثّر كلامه فيّ، وعملت على التوبة، وترك التصرّف، ولم أزل أصلح أمري لذلك مدّة، حتى استوى لي التخلّص من السلطان، فتبت، وتركت معاودة التصرّف.
(1/224)

121 أبو فراس الحمداني من مناجيب بني حمدان
من مناجيب بني حمدان، أبو فراس، الحارث بن أبي العلاء بن حمدان «1» ، فإنّه برع في كل فضل، على ما أخبرني جماعة شهدوه، وأثق بهم، حسن خلق لم ير في عصره- زعموا- بالشام أحسن منه، مع خلق طاهر، وحسن باطن وظاهر، وفروسيّة تامّة، وشجاعة كاملة، وكرم [مستفيض] «2» ، لأنّه نشأ في تربية سيف الدولة رضي الله عنه، وحجره، وأخذ أخلاقه، وتأدّب بآدابه، مع ملاحة خطّ، وترسّل، وشعر في غاية الجودة، وديوانه كبير، إلّا أنّه كان قبيل موته اختاره، على ما أخبرني به أبو الفرج الببغاء، فنفى منه شيئا كثيرا.
قال: واقفني على نفيه، لأنّه عرضه عليّ، فكلّ ما استضعفناه نفاه، وما اجتمعنا على استجادته أقرّه، وحرّره في نسخة تداولها الناس [73 ب] ، ومات وما بلغ الأربعين، مقتولا.
(1/225)

قال: وأظنّ مبلغ سنّه كانت سبعا وثلاثين سنة، أو نحوها، لمّا قتل.
وكان قرغويه غلام أبي الهيجاء الذي كان أحد قوّاد سيف الدولة، وحاجبه، احتال عليه، حتى قتله في سنة سبع وخمسين وثلاثمائة.
قال: وذلك أنّ الجيوش السيفيّة «1» افترقت بعد وفاة صاحبها، فكلّ قطعة حوت بلدا، وصار معظمهم مع قرغويه «2» بحلب، واحتوى عليها، وانضمّت قطعة إلى أبي فراس، فغلب بها على حمص.
فلما استقام الأمر لقرغويه، رخل بالأمير أبي المعالي شريف بن سيف الدولة «3» ، وهو إذ ذاك صبيّ، وأبو فراس خاله، لقتال أبي فراس، ثم جرت بينهما مراسلة، واصطلحوا.
وجاء أبو فراس، وهو لا تحدّثه نفسه أنّ قرغويه يجسر عليه، ولا أنّه يخاف أبا المعالي وهو ابن أخته، فدخل إلى أبي المعالي وخرج، وما أحبّ الأمير أبو المعالي به سوءا.
(1/226)

إلّا أن قرغويه خاف أن يتمكّن من ابن أخته، فيحمله على قتله، فنصب له قوما اغتالوه في العسكر، وهم عقيب حرب لم تهدأ، وتخليط لم يسكن.
وأراد الأمير أبو المعالي إنكار ذلك، فمنعه قرغويه، وطاح دم الرجل، رحمه الله.
[وحدّثني أبو الحسن، أنّ أبا محمد الصلحيّ، وكان أبوه يكتب لأبي فراس أيّام ملكه، حدّثه بمثله، على غير هذا، وجملته: أنّه أسر، فجاء وهو أسير، راكبا، فما شاهدته طائفة من غلمان سيف الدولة، إلّا ترجّلت له، وقبّلت فخذه، فلما رأى ذلك قرغويه قتله في الحال] «1» .
(1/227)

122 كيف أسر أبو فراس الحمداني
قال: وكان سيف الدولة، قلّده منبج «1» وحرّان «2» وأعمالهما، فجاءه خلق من الروم، فخرج إليهم في سبعين نفسا من غلمانه [66 ط] وأصحابه، يقاتلهم، فنكأ فيهم، وقتل، وقدّر أنّ الناس يلحقونه، فما اتّبعوه، وحملت الروم بعددها عليه، فأسر.
فأقام في أيديهم أسيرا سنين، يكاتب سيف الدولة أن يفتديه بقوم كانوا عنده من عظماء الروم، منهم البطريق المعروف بأغورج، وابن أخت الملك، وغيرهما، فيأبى سيف الدولة ذلك، مع وجده عليه، ومكانه من قلبه، ويقول: لا أفدي ابن عمي خصوصا، وأدع باقي المسلمين، ولا يكون الفداء إلا عامّا للكافّة، والأيّام تتدافع.
إلى أن وقع الفداء قبيل موت سيف الدولة، في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، فخرج فيه أبو فراس، ومحمد بن ناصر الدولة، لأنّه كان أسيرا في أيديهم، والقاضي أبو الهيثم عبد الرحمن بن القاضي أبي الحصين «3» عليّ بن
(1/228)

عبد الملك، لأنّهم كانوا أسروه أيضا في حرّان، قبل ذلك بسنين، وخرج من المسلمين عدد عظيم.
قال: ولأبي فراس كلّ شيء حسن من الشعر، في معنى أسره.
فمن ذلك، أنّ كتب سيف الدولة تأخّرت عنه، وبلغه إنّ بعض الأسراء قال: إن ثقل هذا المال على الأمير سيف الدولة، كاتبنا فيه صاحب خراسان، فاتّهم أبا [74 ب] فراس بهذا القول، لأنّه كان ضمن للروم وقوع الفداء، وأداء ذلك المال العظيم، فقال سيف الدولة: ومن أين يعرفه أهل خراسان؟
فكتب إليه قصيدة أوّلها:
أسيف الهدى وقريع العرب ... إلى م الجفاء وفيم الغضب
وما بال كتبك قد أصبحت ... تنكّبني مع هذي النّكب
وإنّك للجبل المشمخرّ ... لي ولقومك بل للعرب
على تستفاد وعاف يفاد ... وعزّ يشاد ونعمى تربّ
وما غضّ منّي هذا الأسار ... ولكن خلصت خلوص الذهب
ففيم يقرّعني بالخمول ... مولى به نلت أعلى الرتب
أتنكر أنّي شكوت الزمان ... وأنّي عتبتك فيمن عتب
فالّا رجعت فأعتبتني ... وصيّرت لي ولقولي الغلب
ولا تنسبنّ إليّ الخمول ... عليك أقمت فلم أغترب
وأصحبت منك فإن كان فضل ... وإن كان نقص فأنت السبب
وإنّ خراسان إن أنكرت ... علاي فقد عرفتها حلب
(1/229)

ومن أين ينكرني الأبعدون ... أمن نقص جدّ أمن نقص أب
ألست وإيّاك من أسرة ... وبيني وبينك فوق النسب
وداد تناسب فيه الكرام ... وتربية ومحلّ أشب «1»
فلا تعدلنّ فداك ابن عمّك ... لا بل غلامك عمّا يجب
أكنت الحبيب وكنت القريب ... ليالي أدعوك من عن كثب «2»
فلمّا بعدت بدت جفوة ... ولاح من الأمر ما لا أحب
فلو لم أكن بك ذا خبرة ... لقلت صديقك من لم يغب
وما شكّكتني فيك الخطوب ... ولا غيّرتني عليك النّوب
وأشكر ما كنت في صحبتي ... وأحلم ما كنت عند الغضب
قال الببغاء: وله في صفة أسره، وعلل لحقته هناك، ومراث لنفسه في الأسر، وتعطّف لسيف الدولة، وصفة الأسر، وما لحقه فيه، شعر كثير، حسن أكثره، بمعان مخترعة، لم يسبق إليها.
ونحن نورد ما نختاره من ذلك، بعد هذا إن شاء الله تعالى.
(1/230)

123 إذا اختلّ أمر القضاء في دولة اختلّ حالها
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال:
كان أوّل ما انحلّ من نظام سياسة الملك، فيما شاهدناه من أيّام بني العباس، القضاء، فإن ابن الفرات، وضع منه، وأدخل فيه قوما بالذمامات «1» ، لا علم لهم، ولا أبوّة فيهم، فما مضت إلا سنوات، حتى ابتدأت الوزارة تتّضع «2» ، ويتقلّدها كلّ من ليس لها بأهل، حتى بلغت في سنة نيّف وثلاثين وثلاثمائة، أن تقلّد وزارة المتّقي أبو العباس الأصبهانيّ الكاتب «3» ، وكان غاية في [75 ب] سقوط المروءة، والرقاعة.
ولقد استأذنت عليه يوما، فجاء البوّاب إليه، فقال: ابن عيّاش بالباب، فسمعته يقول له من وراء الستر: يدخل.
فقلت في نفسي: لا إله إلا الله، تبلغ الوزارة إلى هذا الحدّ في السقوط؟
وحتى كان يركب وليس بين يديه إلا ابن حدبنا صاحب الرّبع «4» ،
(1/231)

وحتى رأيت في شارع الخلد «1» قردا معلّما، يجتمع الناس عليه.
فيقول له القرّاد: تشتهي أن تكون بزّازا؟
فيقول: نعم، ويومئ برأسه.
فيقول: تشتهي تكون عطّارا؟
فيقول: نعم، برأسه.
فيعدّد الصنائع عليه، فيومئ برأسه.
فيقول له في آخرها: تشتهي تكون وزيرا؟
فيومئ برأسه: لا، ويصيح، ويعدو من بين يدي القرّاد، فيضحك الناس.
قال: وتلى سقوط الوزارة، اتّضاع الخلافة، وبلغ صيّورها «2» إلى ما نشاهد، فانحلّت دولة بني العباس، بانحلال أمر القضاء.
وكان أول وضع ابن الفرات من القضاء، تقليده إيّاه، أبا أميّة الأحوص الغلابيّ البصريّ «3» ، فإنّه كان بزّازا، فاستتر عنده ابن الفرات، وخرج من داره إلى الوزراة.
(1/232)

فقال له في حال الاستتار: إن وليت الوزارة، فأيّ شيء تحب أن أعمل بك؟
قال: تقلّدني شيئا من أعمال السلطان.
قال: ويحك، لا يجيء منك عامل، ولا أمير، ولا صاحب شرطة، ولا كاتب، ولا قائد، فأيّ شيء أقلّدك؟
قال: لا أدري، ما شئت.
قال: أقلّدك القضاء.
قال: قد رضيت.
فلما خرج، وولي الوزارة، وهب له، وأحسن إليه، وقلّده قضاء البصرة، وواسط، وسبع كور الأهواز.
وكان يداعبه، ويتلهّى به «1» ، ويسخر منه في أوقات استتاره عنده، وقبلها، ويمدّ يده إليه، فلمّا ولّاه القضاء، وقرّه عن ذلك.
ثم انحدر أبو أميّة إلى أعماله، فأراد أن يغطّي نقصه في نفسه، وقلّة علمه، ويصل ذلك بشيء يتجمّل به، فعفّ عن الأموال، فما أخذ شيئا، وتصوّن وتوقّر، واقتصر على الأرزاق، وصلات ابن الفرات الدارّة، فستر ذلك جميع عيوبه.
وتناوله الشعراء، فقال فيه القطرانيّ البصريّ: [68 ط] .
عبث الدهر بنا و ... الدهر بالأحرار يعبث
من عذيري من زمان ... كل يوم هو أنكث
ما ظننّا أنّنا نبقى ... وأن «2» نحيا ونلبث
فنرى الأحوص يقضي ... وأبا عيسى يحدّث
(1/233)

124 من محاسن الأحوص الغلابي القاضي بالبصرة
حدّثني أبو الحسين محمد بن عبيد الله بن محمد القاضي، المعروف بابن نصرويه، قال:
كنت أيّام أبي أميّة الغلابيّ، وتقلّده القضاء بالبصرة، حدثا، وكنت أجيئه مع خالي، وكان الحرّ عندنا بالبصرة إذ ذاك، شديدا مفرطا، أكثر من شدّته الآن [76 ب] .
وكان أبو أميّة يخرج في كلّ عشيّة من داره في مربّعة الأحنف، وعليه مئزر، وعلى ظهره رداء خفيف، وفي رجليه نعلان كنباتي ثخان «1» ، وبيده مروحة، وهو قاضي البصرة «2» ، والأبلّه «3» ، وكور دجلة «4» ، وكور الأهواز «5» ، وواسط «6» ، وأعمال ذلك، فيمشي حوله من يتّفق أن يكون في الوقت من غير تعمّل، حتى ينتهي إلى موضع حلقة أبي يحيى زكريا
(1/234)

الساجي «1» ، فيجلس إليه، وربما سبقه، وجاء أبو يحيى، وجلسا يتحدّثان، ويجتمع إليهما أترابهما، وإخوانهما القدماء، فيستعملون من التخالع والانبساط في الحديث، والمزح، ما ليس بقليل.
ويجيء سعيد الصفّار، وكان يخلف أبا أميّة على البصرة، بقلنسوة عظيمة، وقميص، وخفّ، وطيلسان، فيسلّم عليه بالقضاء، ويشاوره في الأمور، فيقول له: قم عنّي، لا يجتمع عليّ الناس، لا تقطعني عن لذّتي بمحادثة إخواني القدماء، قم إلى مجلسك.
فيقوم سعيد، فيجلس بالبعد منه في الجامع، في موضع برسمه، ينظر بين الناس.
وما كان ذاك يغضّ من قدره عند الناس، وكانت سيرته أحسن سيرة، واستعمل من العفّة عن الأموال، ما لم يعهد مثله.
وكان ديوان وقوف البصرة إذ ذاك ببغداد، فإذا أراد أحد أربابها شيئا، خرجوا إلى بغداد حتى يوردوا الأمر فيه من الحضرة، فلحق الناس مشقّة، فنقل أبو أميّة ديوانها إلى البصرة، فكثر الدعاء له، وصارت سنّة، وبقي الديوان بالبصرة.
وكان- مع هذا- يتيه على ابن كنداج، وهو أمير البصرة «2» ، ولا يركب إليه مرّة، إلا إذا جاءه ابن كنداج مرّة، ويعترض على ابن كنداج
(1/235)

في الأمور، ويسمع الظلامات فيه، وينفذ إليه في إنصاف المتظلّم، فيضجّ ابن كنداج من يده، ويكتب إلى ابن الفرات في أمره، فترد عليه الأجوبة بالصواعق، ويأمره بالسمع والطاعة، فيضطر إلى مداراته، والركوب إليه، وتلافيه.
فقبض على ابن الفرات، وأبو أميّة لا يعلم، وورد كتاب على الطائر- بذلك- إلى ابن كنداج، فركب بنفسه في عسكره إلى أبي أميّة، فقدّر أنّه قد جاء مسلّما، فخرج إليه، فقبض عليه، ومشّاه بين يديه، طول الطريق، إلى داره ببني نمير، حتى أدخله السجن، من تحت الخشبة «1» فأقام فيه مدّة، ثم مات.
ولم يسمع بقاض أدخل السجن من تحت الخشبة غيره، ولا بقاض مات في السجن سواه.
ثم ولي ابن الفرات [69 ط] الوزارة أيضا، فحين جلس، سأل عن أصحابه، وصنائعه، وسأل عن أبي أميّة، فعرّف ما جرى عليه، ووفاته، فاغتمّ لذلك.
وقال: فاتني بنفسه، فهل له ولد أقضي فيه حقّه؟
فقالوا: ابن رجل.
فكتب بحمله إليه مكرّما، فحمل.
(1/236)

فلما دخل عليه، وجد سلامه سلام متخلّف، فقال له: ما اسمك؟
قال [77 ب] أبو غشّان، وكانت لثغته كذا، ولم يفرّق لتخلّفه بين الاسم والكنية.
فقال ابن الفرات: عزيز عليّ أن لا أقضي حقّ أبي أميّة، في نفسه، ولا في ولده، كيف اقلّد هذا القضاء؟
فوصله بمال جزيل، وأمر بإجراء أرزاق عظيمة عليه، وصرفه إلى بلده، وكان يأخذها إلى أن زال أمر ابن الفرات.
(1/237)

125 أبو عمر القاضي يقلد ابنا لأحمد بن حنبل القضاء ثم يصرفه
حدّثني أبو نصر أحمد بن عمرو «1» البخاري القاضي، قال: حدّثني جماعة من ثقات أهل بغداد:
إنّ أبا عمر القاضي «2» قلّد ابنا لأحمد بن حنبل القضاء.
فتظلّم إليه منه، وذكر عنده بشناعات لا يليق مثلها بالقضاة، فأراد صرفه.
فعوتب على ذلك، وقيل: إنّ مثل هذا الرجل لا يجوز ان يكون ما رمي به صحيحا، فإن كان صحّ عندك، وإلّا فلا تصرفه.
فقال: ما صحّ عندي، ولا بدّ من صرفه.
فقيل: ولم؟
قال: أليس قد احتمل عرضه، أن يقال فيه مثل هذا، وتشبّهت صورته بصورة من إذا رمي بهذا جاز أن يتشكّك فيه؟ والقضاء أرقّ من هذا، فصرفه.
(1/238)

126 أبو خازم القاضي يغضب إذا سمع مدحا للقاضي بأنّه عفيف
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش القاضي، عمّن حدّثه:
إنّه كان يساير أبا خازم القاضي «1» في طريق، فقام إليه رجل، فقال:
أحسن الله جزاءك أيّها القاضي، في تقليدك فلانا القضاء ببلدنا، فإنّه عفيف.
فصاح عليه أبو خازم، وقال: اسكت عافاك الله، تقول في قاض إنّه عفيف، هذه من صفات أصحاب الشرط، والقضاة فوقها «2» .
قال: ثم سرنا، وهو واجم ساعة.
فقلت: ما لك أيها القاضي؟
قال: ما ظننت أنّي أعيش حتى أسمع هذا، ولكن فسد الزمان، وبطلت هذه الصناعة، ولعمري إنّه قد دخل فيها من يحتاج القاضي معه إلى التقريظ، وما كان الناس يحتاجون أن يقولوا: فلان القاضي عفيف، حتى تقلّد فلان، وذكر رجلا لا أحبّ أن أسميّه.
فقلت: من الرجل؟ فامتنع.
فألححت عليه، فأومأ إلى أبي عمر.
(1/239)

127 إسراع الناس إلى العجب مما لم يألفوه
وحدّثني أبو الحسين، قال:
لما قلّد المقتدر أبا الحسين «1» بن أبي عمر «2» القاضي، المدينة «3» رئاسة، في حياة أبيه أبي عمر، خلع عليه، واجتمع الخلق من الأشراف، والقضاة، والشهود، والجند، والتجّار، وغيرهم على باب الخليفة، حتى خرج أبو الحسين وعليه الخلع، فساروا معه.
قال: وكنت فيهم مع عمّي، للصهر الذي كان بينه وبينهم، ولأنّه كان أحد شهودهم.
فسار عمّي، وأنا معه، في أخريات الموكب، خوفا من الزحام، ومعنا شيخ من الشهود كبير السن، أسماه أبو الحسين وأنسيته أنا.
فكنّا لا نجتاز بموضع، إلّا سمعنا ثلب الناس لأبي الحسين، وتعجّبهم من تقلّده [رئاسة.
فقال عمّي للشيخ: يا أبا فلان ما ترى ازورار الناس [70 ط] من تقلّد] «4»
(1/240)

هذا الفتى، مع فضله، ونفاسته، وعلمه، وجلالة سلفه؟
فقال له الشيخ [78 ب] : يا أبا محمّد، لا تعجب من هذا، فلعهدي، وقد ركبت مع أبي عمر يوم خلع عليه بالحضرة، وقد اجتزنا بالناس، وهم يعجبون من تقلّده، أضعاف هذا العجب، حتى خفت أن يثبوا بنا، وهذا أبو عمر الآن قدوة «1» في الفضل، ومثال في العقل والنبل، ولكنّ الناس يسرعون إلى العجب ممّا لم يألفوه.
(1/241)

128 من قدّم أمر الله على أمر المخلوقين كفاه الله شرّهم
حدّثني أبو الحسن عليّ بن القاضي أبي طالب محمد بن القاضي أبي جعفر ابن البهلول، قال:
طلبت السيّدة أمّ المقتدر»
، من جدّي، كتاب وقف لضيعة كانت ابتاعتها، وكان الكتاب في ديوان القضاء، فأرادت أخذه لتخرّقه، وتبطل الوقف، ولم يعلم جدّي بذلك.
فحمله إلى الدار، وقال للقهرمانة: قد أحضرت الكتاب كما رسمت «2» فأيش تريد «3» ؟
فقالوا: نريد أن يكون عندنا.
فأحسّ بالأمر، فقال لأمّ موسي القهرمانة «4» : تقولين للسيّدة أعزّها
(1/242)

الله، هذا والله ما لا طريق إليه أبدا، أنا خازن المسلمين على ديوان الحكم فإمّا مكّنتموني من خزنه كما يجب، وإلا فاصرفوني وتسلّموا الديوان دفعة، فاعملوا به ما شئتم، وخذوا منه ما أردتم، ودعوا ما أردتم، أمّا أن يفعل شيء منه على يدي، فو الله لا كان هذا ولو عرضت على السيف.
ونهض والكتاب معه، وجاء إلى طيّاره، وهو لا يشكّ في الصرف، فصعد إلى ابن الفرات، فحدّثه بالحديث، وهو وزير.
فقال: ألا دافعت عن الجواب، وعرّفتني حتى كنت أتلافى ذلك، الآن أنت مصروف، ولا حيلة لي مع السيّدة في أمرك.
قال: وأدّت القهرمانة الرسالة إلى السيّدة، فشكته إلى المقتدر.
فلمّا كان في يوم الموكب، خاطبه المقتدر شفاها في ذلك، فكشف له الصورة، وقال مثل ذلك القول في الاستعفاء.
فقال له المقتدر: مثلك يا أحمد يقلّد القضاء، أقم على ما أنت عليه، بارك الله فيك، ولا تخف أن يثلم ذلك عرضك عندنا «1» .
قال: فلما عاودته السيّدة، بلغنا أنّه قال لها: الأحكام ما لا طريق إلى اللعب به، وابن البهلول مأمون علينا، محبّ لدولتنا، وهو شيخ ديّن، مستجاب الدعوة، ولو كان هذا شيء يجوز، ما منعك إيّاه.
فسألت السيّدة كاتبها ابن عبد الحميد عن ذلك، وشرحت له الأمر.
(1/243)

فلما سمع ما قاله جدّي، بكى بكاء شديدا- وكان شيخا صالحا من شيوخ الكتّاب- وقال: الآن علمت «1» أنّ دولة السيّدة وأمير المؤمنين تبقى، وتثبت أركانها، إذ كان فيها مثل هذا الشيخ الصالح الذي يقيم الحقّ على السيّدة، ولا يخاف في الله لومة لائم. فأيّ شيء يساوي شراؤكم لوقف؟
وإن [79 ب] أخذتم كتابه فخرّقتموه، فأمره شائع ذائع، والله فوق كل شيء، وبه عالم.
فقالت السيّدة: وكأنّ هذا لا يجوز؟
فقال لها: لا، هذه حيلة من أرباب الوقف على مال الله، وأعلمها أنّ الشراء لا يصحّ بتخريق كتاب الوقف، وهذا لا يحلّ.
فارتجعت المال، وفسخت الشراء، وعادت تشكر جدّي، وانقلب ذلك له أثرا جميلا عندهم.
فقال لنا جدّي بعد ذلك: من قدّم أمر الله تعالى على أمر المخلوقين كفاه الله [71 ط] شرّهم.
(1/244)

129 القاضي أبو محمد البصريّ والد القاضي أبي عمر يؤدّب مملوكا من وجوه مماليك الخليفة المعتضد
حدّثني أبي رضي الله عنه، قال: سمعت القاضي أبا عمر يقول:
قدّم خادم من وجوه خدم المعتضد بالله «1» ، إلى أبي «2» في حكم، فجاء فارتفع في المجلس.
فأمره الحاجب بموازاة خصمه، فلم يفعل إدلالا بعظم محلّه في الدولة.
فصاح أبي عليه، وقال: هاه، تؤمر بموازاة خصمك، فتمتنع؟
يا غلام، عمرو بن أبي عمرو النخّاس «3» الساعة، لأتقدّم إليه ببيع هذا العبد، وحمل ثمنه إلى أمير المؤمنين.
ثم قال لحاجبه: خذ بيده، وساو بينه وبين خصمه.
فأخذ كرها وأجلس مع خصمه.
فلما انقضى الحكم، انصرف الخادم، فحدّث المعتضد بالحديث، وبكى بين يديه.
فصاح عليه المعتضد، وقال: لو باعك لأجزت بيعه، ولما رددتك إلى ملكي أبدا، وليس خصوصك بي، يزيل مرتبة الحكم، فإنّه عمود السلطان، وقوام الأديان.
(1/245)

130 قاضي همذان يمتنع عن قبول شهادة رجل مستور
سمعت قاضي القضاة، أبا السائب عتبة بن عبيد الله «1» ، يقول:
كان في بلدنا، يعني همذان، رجل مستور، فأحبّ القاضي قبوله «2» فسأل عنه، فزكّي له سرّا وجهرا.
فراسله في حضور المجلس، ليقبله، وأمر فأخذ خطّه في كتب ليحضر فيقيم الشهادة فيها.
وجلس القاضي، وحضر الرجل مع الشهود، ونودي به، فجاء مع شاهد آخر، فلما جلسا ليشهدا، أمرهما القاضي بالقيام، فقاما، ونظر بين الخصوم، وتقوّض المجلس، ولم يقبله.
فورد على الرجل أمر عظيم، ودسّ إلى القاضي من يسأله عن سبب ذلك.
فقال القاضي: إنّي أردت قبوله لستره ودينه، ثم انكشف لي أنّه مراء، فلم يسعني قبوله.
فقيل له: كيف انكشف هذا للقاضي، بعد أن دعاه للقبول؟
قال: كان يدخل إليّ في كلّ يوم، فأعدّ خطاه، من حيث تقع عيني عليه من داري إلى مجلسي، فلما دعوته اليوم للشهادة، جاء، فعددت خطاه من ذلك المكان، فإذا هي قد زادت خطوتين أو ثلاث، فعلمت أنّه متصنّع لهذا الأمر، مراء، فلم أقبله.
(1/246)

131 الصفح الجميل عفو بلا تقريع
حدّثني أبو منصور عبد العزيز بن محمد بن عثمان، المعروف بابن أبي عمرو الشرابيّ حاجب أمير المؤمنين المطيع «1» لله [80 ب] قال:
دخلت في حداثتي يوما على أبي السائب القاضي، فقصّر في القيام، وأظهر ضعفا عنه للسنّ، والعلل المتّصلة به، وتطاول لي، فجذبت يديه بيديّ، حتى أقمته القيام التامّ.
وقلت له: أعين قاضي القضاة- أيّده الله- على إكمال البرّ، وتوفية الإخوان الحقّ.
قال: وقد كنت عاتبا عليه في أشياء عاملني بها، وإنّما جئته للخصومة، فبدأت لأصل الكلام.
فحين رأى الشرّ في وجهي، قال: تتفضل باستماع كلمتين ثم تقول ما شئت.
فقلت له: قل.
فقال: روينا عن ابن عبّاس في قوله تعالى: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ
«2» قال: عفو بلا تقريع، فإن رأيت أن تفعل ذلك، فعلت.
فاستحييت من الاستقصاء عليه.
(1/247)

132 بين الأصبهانيّ الكاتب والخومينيّ عامل سوق الأهواز
حضرت أبا عبد الله الخومينيّ «1» عامل سوق الأهواز، وقد دخل إليه أبوبكر أحمد بن عبد الله، المعروف بأبي بكر بن عبد الله أبي سعيد الأصبهانيّ الكاتب.
فأخذ يريه أنّه [72 ط] يريد القيام، ويتثاقل فيه، حتى يسبقه أبو بكر ابن أبي سعيد بالجلوس، إلى قيامه له.
ففطن أبو بكر، فوقف من بعيد، وقال: هي، قم قائما حتى أجيء، وإلا انصرفت من موضعي.
فضحك الخوميني، وقال: والله يا سيدي، ما أردت هذا.
وقام له القيام التامّ.
(1/248)

133 شيخ من الكتاب ينصح أبا الحسين بن عيّاش
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال:
تقلّد سليمان بن الحسن «1» الوزارة الأولى عقيب اختصاصي به وأنسي، فكنت أجيئه على ذلك الأنس، ما تغيّر عليّ، ولا أنكرت منه شيئا.
وكنت شابّا، ولم تكن لي مداخلة بالملوك، وكنت أجيئه والناس محجوبون فأدخل على الرسم، وهو خال.
فاتفق أنّي بتّ ليلة موكب عند أبيه، أبي محمد، فبكّرت من غد لأراه، ثم أنصرف.
فجئت، والقاضي أبو عمر، وابنه أبو الحسين، والقاضي ابن أبي الشوارب «2» ، وابنه «3» ، والقاضي ابن البهلول، والناس من الأشراف، والكتّاب، ووجوه القوّاد، وأهل الحضرة، محجوبون، وهم جلوس في الرواق، والحاجب واقف على باب السلّم، وكان ينفذ إلى حجرة خلوة له، هو فيها.
(1/249)

فلما رآني الحاجب، أمر فرفع لي الستر، فدخلت إليه، وهو يتبخّر وعليه سواده، يريد الركوب إلى المقتدر، وليس بين يديه أحد.
فطاولني في الحديث، إلى أن فرغ، وشدّ سيفه ومنطقته، وخرج، وأنا خلفه.
فتلقّاه الناس بالسلام، وتقبيل اليد، فخرجوا خلفه، فاختلطت بهم.
فإذا بإنسان يجذب طيلساني، فالتفتّ، فإذا هو فلان، شيخ من شيوخ الكتّاب، أسماه أبو الحسين وأنسيته أنا، وذكر أنّه كان صديقا لأبي، ولأبيه من قبله.
فقال لي: يا أبا الحسين، فداك عمّك، في بيتك خمسون ألف دينار؟
فقلت: لا والله.
قال: فتقوى على خمسين ألف مقرعة وصفعة؟
قلت: لا والله [81 ب] .
قال: فلم تدخل إلى الوزير، وفلان، وفلان- وعدّد من حضر- محجوبون، يتمنّون الوصول، ولا يقدرون، ثم لا ترضى، حتى تطيل عنده، وتخرج في يوم موكب، وراءه، وليس معه غيرك، ولا خمسون ألف دينار معدّة عندك، تؤدّيها إذا نكب هذا، فأخذت بتبعة الاختصاص به، وأنت لا تقوى على ما يولّد هذا.
فقلت: يا عمّ لم أعلم، وأنا رجل فقيه، ومن أولاد التجّار، ولا عادة لي بخدمة هؤلاء.
فقال: يا بنيّ لا تعاود، فإن هذا يولّد لك اسما، ويجرّ عليك تبعة.
قال: فتجنّبت بعد ذلك الدخول إلى سليمان في أوقات مجالسه العامّة، وأيّام المواكب خاصّة.
(1/250)

134 أبو يوسف القاضي واللوزينج بالفستق المقشور
حدّثني أبي، قال: بلغني من غير واحد:
إنّ أبا يوسف «1» صحب أبا حنيفة «2» ، لتعلّم العلم، على فقر شديد، فكان ينقطع بملازمته عن طلب المعاش، فيعود إلى منزل مختلّ، وأمر قلّ.
فطال ذلك، وكانت امرأته «3» تحتال له ما يقتاته يوما بيوم.
فلما طال ذلك عليها، خرج إلى المجلس، وأقام فيه يومه، وعاد ليلا فطلب ما يأكل، فجاءته بغضارة مغطّاة، فكشفها، فإذا فيها دفاتر.
فقال: ما هذا؟ قالت: هذا ما أنت مشغول به نهارك أجمع، فكل منه ليلا، قال: فبكى [73 ط] ، وبات جائعا، وتأخّر من غد عن المجلس، حتى احتال ما أكلوه.
فلما جاء إلى أبي حنيفة، سأله عن سبب تأخّره، فصدقه.
فقال: ألا عرّفتني، فكنت أمدّك؟ ولا يجب أن تغتمّ، فإنّه إن طال عمرك فستأكل بالفقه، اللوزينج بالفستق المقشور.
قال أبو يوسف: فلمّا خدمت الرشيد، واختصصت به، قدّمت بحضرته يوما جامة لوزينج بفستق، فحين أكلت منها، بكيت، وذكرت أبا حنيفة.
فسألني الرشيد عن السبب في ذلك، فأخبرته.
(1/251)

135 سبب اتصال أبي يوسف القاضي بالرشيد
وحدّثني أبي، قال:
كان سبب اتّصاله «1» بالرشيد «2» إنّه قدم بغداد بعد موت أبي حنيفة، فحنث بعض القوّاد في يمين، فطلب فقيها يستفتيه فيها، فجيء بأبي يوسف، فأفتاه أنّه لم يحنث، فوهب له دنانير، وأخذ له دارا بالقرب منه، واتّصل به.
فدخل القائد يوما إلى الرشيد، فوجده مغموما، فسأله عن سبب غمّه، فقال: شيء من أمر الدين قد حزبني «3» ، فاطلب لي فقيها أستفتيه، فجاءه بأبي يوسف.
قال أبو يوسف: فلما دخلت إلى ممرّ بين الدور، رأيت فتى حسنا، أثر الملك عليه، وهو في حجرة في الممرّ محبوس، فأومأ إليّ بإصبعه مستغيثا، فلم أفهم عنه إرادته، وأدخلت إلى الرشيد، فلما مثلت بين يديه، سلّمت، ووقفت.
فقال لي: ما اسمك؟
قلت [82 ب] : يعقوب. أصلح الله أمير المؤمنين.
قال: ما تقول في إمام شاهد رجلا يزني، هل يحدّه؟
قلت: لا يجب ذلك.
(1/252)

قال: فحين قلتها سجد الرشيد، فوقع لي إنّه قد رأى بعض أولاده الذكور على ذلك، وإنّ الذي أشار إليّ بالاستغاثة، هو الابن الزاني.
قال: ثم رفع رأسه، فقال: ومن أين قلت هذا؟
قلت: لأنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم، قال: ادرؤوا الحدود بالشبهات، وهذه شبهة يسقط الحد معها.
فقال: وأي شبهة مع المعاينة؟
قلت: ليس توجب المعاينة لذلك أكثر من العلم بما جرى، والحكم في الحدود لا يكون بالعلم.
قال: ولم؟
قلت: لأن الحدّ حقّ الله تعالى، والإمام مأمور بإقامة الحدّ، فكأنّه قد صار حقا له، وليس لأحد أخذ حقّه بعلمه، ولا تناوله بيده، وقد أجمع المسلمون على وقوع الحدّ بالإقرار والبيّنة، ولم يجمعوا على إيقاعه بالعلم.
قال: فسجد مرّة أخرى، وأمر لي بمال جليل، ورزق في الفقهاء في كل شهر، وأن ألزم الدار.
قال: فما خرجت، حتى جاءتني هديّة الفتى، وهديّة أمّه، وأسبابه، فحصل لي من ذلك، ما صار أصلا للنعمة، وانضاف رزق الخليفة، إلى ما كان يجريه عليّ ذلك القائد.
ولزمت الدار، فكان هذا الخادم يستفتيني، وهذا يشاورني، فأفتي وأشير، فصارت لي مكنة فيهم، وحرمة بهم، وصلاتهم تصل إليّ، وحالتي تقوى.
ثم استدعاني الخليفة، وطاولني، واستفتاني في خواصّ أمره، وأنس بي.
فلم تزل حالي تقوى معه، حتى قلّدني قضاء القضاة.
(1/253)

136 أنس الرشيد بأبي يوسف القاضي
قال لي أبي [74 ط] : بلغني أنّ أبا يوسف، لما مات، خلّف في جملة، كسوته، مائتي «1» سراويل خزّ، دون غيرها من أصناف السراويلات.
وأنّ جميع سراويلاته كانت مختصّة كلّ سراويل بتكّة أرمنيّ تساوي دينارا، وبلغ من محلّه عنده «2» ، أن طلبه الرشيد يوما، فجاء وعليه بردة، أنسا به، فحين رآه الرشيد، قال لمن بحضرته:
جاءت به معتجرا ببرده ... سفواء «3» ترمي بنسيج وحده
(1/254)

137 كيف نصب أبو جعفر بن البهلول قاضيا
حدّثني القاضي أبو الحسن عليّ بن أبي طالب بن القاضي أبي جعفر بن البهلول «1» قال: حدّثني أبي «2» ، عن أبيه، وحدّثني أيضا، أبو الحسن أحمد ابن يوسف الأزرق «3» عن أبي جعفر بن البهلول القاضي «4» ، قال:
لما استقرّت الأمور للناصر لدين الله «5» ، بعد فراغه من أمر الزنج «6» ، نظر في البلدان ومصالحها، وأمر بارتياد قضاة من أهل البلدان لها.
فسأل عن الأنبار، ومن فيها يصلح لتقلّد القضاء، فأسميت له.
وكان عارفا بأبي، إسحاق بن البهلول، حين استقدمه المتوكّل إلى سرّ من رأى [83 ب] حتى حدّثه، ولم أكن تقلّدت شيئا من ذلك.
قال: فأمر بإحضاري وتقليدي.
(1/255)

فتقدّم إسماعيل بن بلبل، إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي»
في ذلك، وكاتبني بالحضور، فحضرت، فعرّفني الصورة، وحملني إلى إسماعيل.
فقلت لهما: أنا في كفاية وغناء، ولا حاجة بي إلى تقلّد القضاء.
فأمسكا عنّي، فعدت إلى منزلي ببغداد لأصلح أمري وأرجع.
فجاءني جعفر بن إبراهيم الحصينيّ الأنباريّ، وكان من عقلاء العجم «2» بالأنبار، ولي صديقا، فقال لي: لأيّ شيء استدعيت؟ فحدّثته.
فقال: اتّق الله في نفسك، إنّ الذي جرى بينك وبينهما خاف عن الناس، وإنّك تعود إلى بلدك، فيقول أعداؤك: طلب للقضاء، فلما شوهد، وجد لا يصلح، فردّ.
فقلت: ما أصنع، وقد قلت ما قلت؟
قال: ترجع إلى إسماعيل فتصدقه عما جرى بيننا.
قال: فباكرت إسماعيل، فحين رآني، قال: هذا وجه غير الوجه الأمسيّ.
قلت: هو كذلك.
قال: هي «3» .
قلت: كان كذا وكذا، فأخبرته بما جرى بيني وبين جعفر بن إبراهيم.
فقال: نصحك والله «4» هذا الصديق، والأمر على ما قاله، قم بنا إلى الوزير.
(1/256)

قال: فحملني إليه، فلما رآنا إسماعيل تبسّم، وقال: كيف عاد أبو جعفر؟
قال: فقصّ عليه إسماعيل القاضي الخبر.
فقال: جزى الله هذا الصديق عنك خيرا، فقد أشار عليك بالرأي الصحيح، اكتبوا عهده.
قال: فكتب عهدي عن الناصر، على الأنبار «1» ، وهيت «2» وعانات «3» ، والرحبة «4» ، وقرقيسيا «5» ، وأعمال ذلك، وعدت إلى بلدي.
قلت أنا: ولم يزل محلّ أبي جعفر ينمى ويزيد، حتى قلّد مدينة أبي جعفر المنصور «6» عند صرف أبي عمر في قصّة ابن المعتز «7» ، فظهر من فضله ما اشتهر.
(1/257)

138 ارتفاع محل القاضي ابن البهلول في دولة المقتدر
وكان «1» عند المقتدر ووزرائه، بصورة الناسك الزاهد، من ذلك ما حدّثني به أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول، قال: حدّثني أبو علي أحمد بن جعفر بن إبراهيم الحصيني [75 ط] الأنباريّ الكاتب، قال:
مات واثق «2» مولى المعتضد، فأوصى أن يصلّي عليه أبو الحسن عليّ بن عيسى «3» ، فحضر الحقّ «4» وجوه الدولة، من القوّاد، والكتّاب، والأشراف، والقضاة، وغيرهم.
فكان فيمن حضر، القاضيان أبو جعفر «5» ، وأبو عمر «6» ، وكنت حاضرا.
قال: فوضعت الجنازة، وقيل [لأبي الحسن] «7» عليّ بن عيسى تقدّم، فجاء ليتقدّم، فوقعت عينه على أبي جعفر، فجذبه، وقدّمه، وتأخّر هو.
(1/258)

قال: فلمّا انقضت الصلاة، طلبت أبا عمر، لأنظر كيف هو، فوجدته قد اسودّ وجهه غمّا، بتقديمهم أبا جعفر عليه.
فجئت إلى أبي جعفر [84 ب] ، وهنّأته بذلك، وأخبرته بخبر أبي عمر، فاستسرّ «1» بذلك، وسرّ بعلمي أنا بالأمر، ومشاهدتي له، لأجل البلديّة «2» .
قال لي أبو الحسن: هذا، مع نفرة كانت بينهما «3» ، ولكن أبا الحسن لفضله، لم يكن يدفع أهل الفضل عنه، وإن لم يكن ما بينه وبينهم مستقيما.
(1/259)

139 الحسين بن القاسم بن عبيد الله يتصرّف تصرّفا يكون أوكد الأسباب في عزله عن الوزارة
حدّثني أبو الحسن عليّ بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول، قال:
كان قد ارتكب الحسين بن القاسم بن عبيد الله «1» دين عظيم، عشرات ألوف دنانير، فدعاه غرماؤه إلى القاضي، فخافهم، واستتر.
وجاء إلى جدّي فشاوره في أمره، وقال: إن بعت ملكي، كان بإزاء ديني، وحصلت فقيرا، وقد رضيت أن أجوع، وأعطي غلّتي بأسرها الغرماء، وليس يقنعون بذلك، فكيف أعمل؟ يحتال لي القاضي في ذلك! وكان منزل الحسين في الجانب الشرقيّ، والحكم فيه إلى أبي عمر.
فقال له جدّي: إنّ من مذهب مالك، الحجر على الرجال إذا بان سفههم في الأموال، وإن عني بك أبو عمر، جعل استدانتك من غير حاجة كانت بك إليها، وإنّما بذرّت المال، وتخرّقت في النفقة، دليلا على سفهك في مالك.
(1/260)

ولو صار أن يسمع في ذلك شهادة من يعرّفه عن حالك، فيثبت حينئذ السفه عنده، فيحجر عليك، ويمنعك من التصرّف في مالك، ويدخل فيه أيدي أمنائه، ويحول بينك وبينه. فإذا أثبت عنده الغرماء عليك الدين، أمرهم، يعني أمناءه، بأن يصرفوا الغلّات إليهم، قضاء للدين، وبقيت عليك الأصول.
قال: فطرح الحسين نفسه على أبي عمر، ففعل به ذلك، فظهر وصلحت حاله، وجرى أمره مع الغرماء. على ذلك.
قال: ولما ولي الحسين الوزارة، وفسد عليه مؤنس «1» ، فسعى في صرفه، وقال للمقتدر: يا أمير المؤمنين، هذا لم يكن موضعا لحفظ ماله، حتى حجر عليه القضاة لسفهه وتبذيره فيه، كيف يحمد حتى يردّ إليه مال الدنيا وتدبيرها، وسياسة العالم، وهو عجز عن تدبير داره ونفقته؟
وكان ذلك أوكد الأسباب في صرفه.
(1/261)

140 عدد الشهود الذين قبلهم القاضي التيميّ بالبصرة
حدّثني أبو الحسين محمد بن عبيد الله المعروف بابن نصرويه، قال:
قبل التيميّ، القاضي كان قديما عندنا بالبصرة، ستة وثلاثين ألف شاهد، في مدّة ولايته.
فقلت له: هذا عظيم [76 ط] ، فكيف كان ذلك؟
فقال لي: كان القضاة على مذهب أبي حنيفة، وغيره من الفقهاء، في أنّ الناس كلّهم عدول، على الشرائط التي تعرفها، وكان يشهد الناس عند التيميّ بأسرهم، فإذا سمع شهاداتهم، سأل عنهم، فيزكّون، فيقبلهم، وكان الناس يشهد بعضهم لبعض، من الجيران، وأهل [85 ب] الأسواق، ولا نعرف ترتيب قوم مخصوصين للشهادة، إلى أن ولي إسماعيل «1» .
قال: وكان مبلغ من قبله التيميّ، ستة وثلاثون ألف شاهد، منهم عشرون ألفا لم يشهدوا عنده إلّا شهادة واحدة.
(1/262)

141 أسد بن جهور وما فيه من سوداء ونسيان
أخبرني أبو القاسم الجهنيّ، قال:
كانت في أسد بن جهور «1» سوداء ونسيان.
فحضرته يوما، وهو في دار بعض الوزراء، وقد جلس يتحدّث، ومعنا بعض القضاة، وكان اليوم حارّا، فوضعنا عمائمنا، ووضع القاضي قلنسوته.
فطلب الوزير أسدا، فقام مستعجلا، فأخذ قلنسوة القاضي، فلبسها ودخل على الوزير.
فصاح القاضي به، وجماعتنا، فما سمع، حتى دخل كذلك على الوزير، فضحك منه.
[وخجل أسد وعاد إلينا راجعا عنه] «2» .
(1/263)

142 المتوكل يختار فتى لمنادمته
حدّثني أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان، قال: حدّثني أبو جعفر بن حمدون، قال: حدّثني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمدون، قال:
كنت مع أبي «1» ، وأنا صبيّ، بسرّ من رأى، وهو ينادم المتوكّل على الله «2» ، فخرج إلى الصيد، وهو معه، وأنا مع أبي.
فانفرد أبي في يوم من الأيام، يبول، وأنا معه، فأعطاني دابّته،
(1/264)

فأمسكتها [وحوّلت وجهي عنه] «1» ، وجلس يبول، إذ جاء المتوكل يحرّك وحده، ويقصده، وقد انفرد عن الجيش، ليولع به.
فلما قرب منه، قال له: من هذا الصبيّ الذي يمسك دابتك؟
قال: عبد أمير المؤمنين، ابني.
قال: فلم قد حوّل وجهه عنك؟
[قال: فعنّ لأبي أن يتنادر، ولم يراع كون النادرة عليّ وعلى أمّي] «2» ، فقال: حوّل وجهه عنّي استحياء من كبر أيري.
قال: فقلت أنا للخليفة: والله يا أمير المؤمنين، لو رأيت أير جدّي، لعلمت أنّ أيره عنده زرّ.
فضحك المتوكل، وقال: يا أحمد، ابنك والله أطيب منك، فأحضره معك للندام «3» .
فحضرت منذ ذلك اليوم، وصرت في الندماء.
(1/265)

143 المعتضد يلاعب ابن حمدون بالنرد
وحدّثني «1» ، وقال: حدّثني أبو جعفر «2» ، قال: حدّثني أبو محمد «3» ، قال:
كنت قد حلفت، وعاهدت الله تعالى، أن لا أعتقد مالا من القمار، وأنّه لا يقع في يدي شيء منه، إلّا صرفته في ثمن شمع يحرق، أو نبيذ يشرب، أو جذر مغنيّة تسمع.
قال: فجلست يوما ألاعب المعتضد «4» بالنرد، فقمرته سبعين ألف درهم.
فنهض المعتضد يصلّي العصر، من قبل أن يأمر لي بها، وكان له ركوع طويل قبلها، فتشاغل به.
وصلّيت أنا العصر فقط، فجلست أفكّر، وأندم على ما حلفت عليه، وقلت: كم عساي أشتري من هذه السبعين ألفا، شمعا، وشرابا، وكم أجذر؟ وما كانت هذه العجلة في اليمين، ولو لم أكن حلفت، كنت الآن [86 ب] قد اشتريت بها ضيعة.
قال: وكانت اليمين بالطلاق، والعتاق، وصدقة الملك، والضيعة.
وأغرقت في الفكر، والمعتضد يراني، وأنا لا أعلم.
فلما سلّم من [77 ط] الركوع، سبّح، وقال لي: يا أبا عبد الله في أيّ شيء فكّرت؟
(1/266)

فقلت: خيرا يا مولاي.
فقال: بحياتي أصدقني، فصدقته.
فقال: وعندك أنّي أريد أن أعطيك سبعين ألفا في القمار؟
فقلت له: أفتضغو «1» ؟
قال: نعم، ضغوت، قم ولا تفكّر في هذا.
قال: ودخل في صلاة العصر الفرض.
قال: فلحقني غمّ أعظم من الأوّل، وفكر أشدّ منه، وندم على فوت المال، وقلت لم صدقته، وأخذت ألوم نفسي.
قال: فلما فرغ من صلاته، وجلس، قال لي: يا أبا عبد الله، بحياتي أصدقني عن هذا الفكر الثاني.
فلم أجد بدّا، فصدقته.
فقال: أمّا القمار فقد فاتك، لأنّي قد ضغوت بك، ولكنّي أهب لك سبعين ألف درهم غير تلك، من مالي، فلا يكون عليّ إثم في دفعها، ولا عليك إثم في أخذها، وتخرج من يمينك، فتأخذها وتشتري بها ضيعة حلالا.
فقبّلت يده، فأحضر المال، وأعطانيه، فأخذته، واعتقدت به ضيعة
(1/267)

144 المعتضد يسدد دين نديمه مرتين
وحدّثني أبو محمد قال: حدّثني أبو جعفر، قال: حدّثني أبو محمد ابن حمدون، قال:
كان عليّ دين ثقيل، مبلغه خمسة آلاف دينار، ولم يكن لي وجه قضائه، ولم تكن القضاة تعدي عليّ «1» ، لملازمتي المعتضد.
فجلس المعتضد للمظالم بنفسه مجالس عدة، فتظلّم إليه منّي غرمائي.
فأحضرني، وسألني عن الدين، فأقررت به عنده للقوم.
ففكّر المعتضد في حبسي به لهم، فيبطل أنسه بي، ويتحدّث عنه إنّه بخل بقضاء دين نديم له، ورأى أن يلتزم المال.
ثم قال للغرماء: المال عليّ، ووقّع لهم [به] «2» في الحال.
فأخذوه، وانصرفوا.
فلما خلونا، قال: يا عاضّ كذا «3» ، أيّ شيء كانت هذه المبادرة إلى الإقرار، ما قدرت أن تجحد، ولا أغرم أنا المال، ولا تحبس أنت؟
فقلت: لم أستحلّ ذلك، وكيف أجحد قوما في وجوههم، وقد أعطوني أموالهم؟
قال: ومضت على هذا مديدة، فأضقت، فاستدنت ألوفا أخرى دنانير، أقلّ من تلك، وطولبت بها، فدافعت، لأن دخلي لم يكن يفي بنفقتي، وما أقيم من المروءة، أكثر من قدر حالي، فما كان لي وجه أقضي منه الدين.
(1/268)

وجلس المعتضد للمظالم، فرفع إليه القوم، فأحضرني، وسألني، فأقررت، فوزن المال عنّي.
ثم قال للقاضي الذي يلي حضرته: خذ هذا، فناد عليه في البلد بسفهه «1» في ماله، وعدمه «2» ، وإنّه لا يملك ما يباع عليه فيقضي به دينه، وإنّ من عامله [87 ب] بعد هذا فقد طوّح بماله.
فاضطربت من ذلك.
فقال: لا والله، لا جعلت أنت غرماءك كل يوم، حيلة على مالي.
قال: فما نفعني معه شيء، حتى مضيت إلى دار القاضي وجلست معه في مجلسه، وهو يشيّع في الناس ذلك، ويجريه في وجهي، ولم يناد عليّ.
(1/269)

145 بين ابن المدبر وعريب
حدّثني أبو محمد، قال: حدّثني أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي الكاتب، قال: أخبرني من أثق به، أنّ إبراهيم بن المدبّر «1» قال:
كنت أتعشّق عريب «2» ، دهرا طويلا، وأنفقت [78 ط] عليها مالا جليلا «3» ، فلما قصدني الزمان، وتركت التصرّف، ولزمت البيت، كانت هي أيضا، قد أسنّت، وتابت من الغناء، وزمنت.
فكنت جالسا يوما، إذ جاءني بوّابي، وقال: طيّار عريب بالباب، وهي فيه تستأذن.
فعجبت من ذلك، وارتاح قلبي إليها، فقمت حتى نزلت إلى الشطّ، فإذا هي جالسة في طيّارها.
فقلت: يا ستّي، كيف كان هذا.
قالت: اشتقت إليك، وطال العهد، فأحببت أن أجدده، وأشرب عندك اليوم.
(1/270)

قلت: فاصعدي.
قالت: حتى تجيء محفّتي.
قال: فإذا بطيّار لطيف، قد جاء وفيه المحفّة، فأجلست فيها، وأصعد بها الخدم.
وتحدّثنا ساعة، ثم قدّم الطعام، فأكلنا، وأحضر النبيذ، فشربت، وسقيتها فشربت، وأمرت جواريها بالغناء، وكان معها منهنّ عدّة، محسنات، طيّاب، حذّاق، فتغنّين أحسن غناء وأطيبه، فطربت وسررت.
وقد كنت، قبل ذلك بأيّام، عملت شعرا، وأنا مولع في أكثر الأوقات بترديده، وإنشاده، وهو:
إن كان ليلك نوما لا انقضاء له ... فإن جفني لا يثنى لتغميض
كأنّ جنبي في الظلماء تقرضه ... على الحشيّة أطراف المقاريض
أستودع الله من لا أستطيع له ... شكوى المحبّة إلّا بالمعاريض
فقلت لها: يا ستّي، إنّي قد عملت أبياتا، أشتهي أن تصنعي فيها لحنا.
فقالت: يا أبا إسحاق مع التوبة؟
قلت لها: فاحتالي في ذلك كيف شئت.
فقالت: روّ هاتين الصبيّتين الشعر، وأومأت إلى بدعة وتحفة جاريتيها.
فحفّظتهما الشعر، وفكّرت ساعة، ووقّعت بالمروحة على الأرض، وزمزمت مع نفسها، ثم قالت لهما: أصلحا الوتر الفلاني على الطريقة الفلانيّة، [وأضربا بالإصبع الفلانية، وافعلا كذا وكذا، إلى أن فتح لهما
(1/271)

الضرب، ثم قالت غنّياه على الطريقة الفلانيّة] «1» ، واجعلا في الموضع الفلاني كذا.
فغنّتاه، كأنّهما قد سمعتاه قبل ذلك دفعات، وما خرج الغناء من بين شفتيها.
[فطربت] «2» وقلت في نفسي: عريب تزورني [88 ب] وتلحّن شعري، وهي على كلّ حال مغنّية، وتنصرف من عندي صفرا؟ والله، لا كان هذا، ولو انّني متّ ضرا وجوعا وفقرا.
فقمت إلى جواريّ، وشرحت الحال لهنّ، وقلت: عاونّني بما يحضركن، فدفعت إليّ هذه خلخالا، وهذه سوارا، وهذه عقد حبّ، وهذه جان «3» ، إلى أن اجتمع لي من حليهنّ ما قيمته ألف دينار.
قال: واستدعيت زنبيلّا مشبّكا ذهبا كان عندي، فيه مائة مثقال، فجعلت ذلك فيه، وخرجت به إليها، وقلت: يا سيدتي، هذه طرف، أحببت إتحاف هاتين الصبيّتين بها، فأحبّ أن تأمريهما بأخذها.
فامتنعت امتناعا ضعيفا، وقالت: يا أبا إسحاق، بيننا اليوم هذا، أو فضل فضل له؟
فقلت: لا بدّ.
فقالت لهما: خذاه، فأخذتاه، وجلست إلى وقت المغرب.
ثم قامت لتنصرف، فشيّعتها [79 ط] إلى دجلة.
فلمّا أرادت الجلوس في طيّارها، قالت: يا أبا إسحاق لي حاجة.
قلت: مري بأمرك.
(1/272)

قالت: قد ابتاعت فلانة، أمّ ولدك، ضيعة يقال لها كذا، وهي تجاورني، وأنا شفيعتها «1» ، وأريد أن تأمرها بأخذ المال منّي والنزول عنها لي.
فعلمت أنّها إنّما جاءت لهذا السبب.
فقلت: مكانك، فتوقّفت في الطيّار.
فدخلت إلى أمّ ولدي وضمنت لها المال، وأخذت العهدة بالضيعة، فجئت بها إليها.
وقلت: قد وهبتها لك، وضمنت المال لها، وفي غد أتقدّم بالأشهاد لك في ظهر الكتاب. فخذيه معك عاجلا.
فشكرتني ومضت.
وكان شراء الضيعة ألف دينار.
فقام عليّ يومها، وتلحينها هذا الشعر بألفي دينار ومائة دينار.
(1/273)

146 الزجاج يدرس النحو على المبرّد
حدّثني أبو الحسن بن الأزرق قال: حدّثني أبو محمد بن درستويه النحويّ «1» قال: حدّثني الزجّاج «2» ، قال:
كنت أخرط الزجاج، فاشتهيت النحو، فلزمت المبرّد «3» لتعلّمه، وكان لا يعلّم مجانا، ولا يعلّم بأجرة إلّا على قدرها.
فقال لي: أيّ شيء صناعتك؟
قلت: أخرط الزجاج، وكسبي في كل يوم درهم ودانقان، أو درهم ونصف، وأريد أن تبالغ في تعليمي، وأنا أعطيك في كلّ يوم درهما، وأشرط لك أنّي أعطيك إيّاه أبدا، إلى أن يفرّق الموت بيننا، استغنيت عن التعليم أو احتجت إليه.
قال: فلزمته، وكنت أخدمه في أموره، ومع ذاك أعطيه الدرهم،
(1/274)

فنصحني في التعليم، حتى استقللت.
فجاءه كتاب من بني مارية «1» ، من الصراط، يلتمسون معلّما نحويّا لأولادهم، فقلت له: أسمني لهم، فأسماني، فخرجت إليهم، فكنت أعلّمهم، وأنفذ إليه في كل شهر ثلاثين درهما، وأتفقّده بعد ذلك بما أقدر عليه.
ومضت على ذلك مدّة، فطلب منه عبيد الله بن سليمان، مؤدّبا لابنه القاسم [89 ب] .
فقال له: لا أعرف لك إلّا رجلا زجّاجا بالصراة «2» مع بني مارية.
قال: فكتب إليهم عبيد الله فاستنز لهم عنّي، فنزلوا له.
فأحضرني وأسلم القاسم إليّ، فكان ذلك، سبب غناي.
وكنت أعطي المبرّد ذلك الدرهم في كلّ يوم، إلى أن مات، ولا أخليه من التفقّد معه بحسب طاقتي.
(1/275)

147 بيتان من نظم أبي محمد الشامي كاتب الأمير سيف الدولة
حدّثني أبو محمد يحيى بن محمد، وأبو الفرج الببغاء، قالا: أنشدنا أبو محمّد عبد الله بن محمد الشامي، كاتب سيف الدولة [لنفسه] «1» .
وقالوا يعود الماء في النهر بعد ما ... عفت منه آثار «2» وسدّت مشارع «3»
فقلت إلى أن يرجع الماء جاريا ... ويعشب جنباه تموت الضفادع
(1/276)

148 ليحيى بن محمد في مواهب المغنية
وأنشدني أبو محمد «1» لنفسه في قينة ببغداد، مشهورة بالإحسان، تسمى مواهب «2» ، كانت جارية لأبي عليّ الحسن بن هارون الكاتب «3» ، باعها، فاشتراها أبو الفضل العباس بن الحسين «4» الوزير [الآن] «5» فلما تزوّج ابنة
(1/277)

الوزير أبي محمد المهلبي «1» ، زينة بنت الحسن «2» ، دفعها إلى أبي محمد، فأعتقها، وزوّجها غلاما من غلمانه يسمى غالب، ويعرف بالشار زادي»
، وهي [80 ط] الآن تخدم الأمير عزّ الدولة «4» بصناعتها:
تمام الحجّ أن تقف الركائب ... على دار تحلّ بها مواهب
ولولا أن يقال صبا لقلنا ... عجائب دون أيسرها عجائب
(1/278)

149 لأبي الفرج الببغاء في الأمير سيف الدولة
أنشدني أبو الفرج الببغاء لنفسه، قصيدة له في سيف الدولة: أوّلها:
سقت العهاد خليط ذاك المعهد ... ريّا وحيّا البرق برقة ثهمد
في جحفل كالسيل أو كالليل أو ... كالقطر صافح موج بحر مزبد
فكأنّما نقشت حوافر خيله ... للناظرين أهلّة في الجلمد
وكأنّ طرف الشمس مطروف وقد ... جعل الغبار له مكان الأثمد
ووصف فيها اللواء فقال:
ومملّك رقّ القنا مستخرج ... باللطف أسرار الرياح الرّكّد
خرس يناجيها فتفهم نطقه ... وتجيبه أنفاسها بتصعّد
قلق كأنّ الجوّ ضاق به فما ... ينفكّ بين توثّب وتهدّد
وكأن همّة ربّه قالت له ... طل وارق في درج المعالي واصعد
[وفيها يقول] «1» :
إنّ المحامد رتبة لا يبلغ ... الإنسان راحتها إذا لم يجهد
من لم تبلّغه السيادة «2» نفسه ... دون الأبوّة لم يكن بمسوّد
[يقول في آخرها يصف القصيدة] «3» :
حلل من المدح ارتضى لك لبسها ... شكري فأغرب مفرد في مفرد «4»
لما نشرت عليك فاخر وشيها ... قالت لك العلياء أبل وجدّد
(1/279)

150 لأبي الفرج الببغاء يعزّي الأمير سيف الدولة بولده أبي المكارم
وأنشدني «1» لنفسه يعزّي سيف الدولة بابنه أبي المكارم «2» من قصيدة أوّلها:
سرورنا بك فوق الهمّ بالنوب «3» ... فما يغالبنا حزن على طرب
إذا تجاوزت الأقدار عنك فهل ... من واجب الشكر أن يرتاع من سبب
حتّام تخدعنا الدنيا بزخرفها ... ولا تحصّلنا منه على أرب
نسرّ منها بما تجني عواقبه ... همّا ونهرب والآجال في الطلب
(1/280)

151 سيف الدولة يقيم الفداء مع الروم على شاطىء الفرات
قال: وكان سيف الدولة أقام الفداء «1» بشاطئ الفرات في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، فأنفق عليه خمسمائة ألف دينار، وأخرج كلّ من قدر على إخراجه من أسارى المسلمين من بلد الروم، واشترى كل أسير بثلاثة وثمانين دينارا وثلث روميّة، من ضعاف الناس «2» ، فأمّا الجلّة ممّن كان أسيرا، ففادى بهم رؤساء كانوا عنده أسرى من الروم.
وكانت الحال هائلة فيما أخبرني جماعة حضروا، يبقى فخرها وثوابها له.
فقال أبو الفرج قصيدة في ذلك، أنشدنيها، أوّلها:
ما المال إلّا ما أفاد ثناء ... ما العزّ إلّا ما حمى الأعداء
[فقال فيها، في ذكر الفداء] «3»
وفديت من أسر العدوّ معاشرا ... لولاك ما عرفوا الزمان فداء
كانوا عبيد نداك ثم شريتهم ... فغدوا عبيدك نعمة وشراء
والأسر إحدى الميتتين وطالما ... خلدوا به فأعدتهم أحياء [81 ط]
وضمنت نفس أبي فراس للعلا ... إذ منه أصبحت النفوس براء
ما كان إلا البدر طال سراره ... ثم انجلى وقد استتم بهاء
يوم غدا فيه سماحك يعتق ... الأسراء منك ويأسر الأمراء
(1/281)

152 رأي أحد القضاة في الخليفة المقتدر
جرى في مجلس أبي «1» يوما ذكر المقتدر بالله وأفعاله، فقال بعض الحضّار:
كان جاهلا.
فقال أبي: مه، فإنّه لم يكن كذلك، وما كان إلا جيّد العقل، صحيح الرأي، لكنّه كان مؤثرا للشهوات.
ولقد سمعت أبا الحسن عليّ بن عيسى يقول، وقد جرى ذكره بحضرته في خلوة: ما هو إلّا أن يترك هذا الرجل النبيذ خمسة أيّام متتابعة، حتى يصحّ ذهنه، فأخاطب منه رجلا ما خاطبت أفضل منه، ولا أبصر بالرأي، وأعرف بالأمور، وأسدّ في التدبير، ولو قلت إنّه إذا ترك النبيذ هذه المدّة، في أصالة الرأي، وصحّة العقل كالمعتضد والمأمون، ومن أشبههما من الخلفاء، ما خشيت أن أقع بعيدا، وما يفسده غير متابعة الشرب، ولا يخبّله سواها.
(1/282)

153 المؤتمن أبو القاسم سلامة يتحدّث عن صحّة تفكير الخليفة المقتدر
حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق، قال: سمعت المؤتمن أبا القاسم سلامة «1» ، أخا نجح الطولوني «2» ، يقول:
اجتمع عليّ بن عيسى «3» وعليّ بن محمد الحواريّ «4» ، ونصر القشوري «5» ، وأنا معهم، على رأي عقدناه في بعض الأمور الكبار، التي حدثت في أيّام المقتدر.
فلما صحّ الرأي عندنا، وتقرّر في أنفسنا دخلنا على المقتدر فعرضناه [91 ب] عليه، واستأذنّاه في إمضائه.
فقال لنا: هذا خطأ في الرأي، والصواب كيت وكيت.
ففكّرنا فيما قال، فوجدنا الصواب معه، وقد خفي علينا، فرجعنا عن رأينا لرأيه، وعملنا عليه.
(1/283)

154 حديث القاضي أبي طالب ابن البهلول مع الخليفة المقتدر
حدّثني أبو الحسن، قال حدّثني القاضي أبو طالب ابن البهلول «1» ، قال:
حضرت في بعض أيّام المواكب، باب دار الخلافة، فوقفت في طيّاري، والقضاة في طيّاراتهم، والقوّاد، والكتّاب، نتوقّع الإذن.
فاستدعيت وحدي من بين القضاة، فدخلت على المقتدر، فوجدت أبا عليّ بن مقلة، قائما بين يديه، وهو الوزير إذ ذاك.
فقال لي المقتدر [بهذا اللفظ والإعراب] «2» : قد كان أبوك عضدا، وأنت بحمد الله، خلف منه، وقد ترى كلب غلماني هؤلاء عليّ، ومطالبتهم إيّاي بالأموال، ولو قد فقدوني لتمنّوا أيّامي، وقد عزمت على بيع ضياعي النمروديّات بالأهواز «3» ، فتكتب إلى خليفتك على القضاء بها، في الاجتماع مع أحمد بن محمد البريديّ «4» على بيع ذلك، والمعاونة فيه.
فقلت: إذا كان الأمر من أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، بهذا الموضع من العناية، خرجت أنا فيه.
فقال: لسنا نكلّفك ذلك، ولكن اكتب إلى خليفتك فيه.
قال: فخرجت، وامتثلت أمره، وكاتبت أبا القاسم عليّ بن محمد
(1/284)

التنوخيّ «1» ، وكان يخلفني إذ ذاك، على كور الأهواز، وقصصت عليه ما جرى.
ومضت الأيّام، وصرف ابن مقلة، بأبي القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد [82 ط] فأنفذ أبا الحسن بن الحرث صاحبه إلى الأهواز، صارفا للبريديّ، فزاد على من كان اشترى الضياع مالا عظيما.
وكتب أليّ أبو القاسم التنوخي «2» ، إنّه «3» قد استثنى من المال بجملة عظيمة لنفسه، وخنسها «4» .
وكانت في نفسي على ابن الحرث موجدة، فأسررت ذلك في نفسي.
وانحدرت في يوم موكب على رسمي، وكنّا في طيّاراتنا، إذ خرج خلفاء «5» الحجّاب يطلبونني وحدي.
فصعدت، والقضاة كلهم محجوبون، فدخلت على المقتدر، وبحضرته سليمان «6» ، وعليّ بن عيسى، وكان يسدّده، ويصل معه، ويخاطب ويتخاطب على الأمور.
فقال لي المقتدر: قد أحمدنا ما كان من خليفتك على القضاء بالأهواز، فيما كنّا تقدمنا به في أمر النيرمذيات «7» ، وقد كتب ابن الحرث إنّه قد زاد على المبتاعين زيادة قبلوها، وامتنعوا عن أدائها إلّا بعد أن أقول بلساني
(1/285)

إنّي قد أمضيت البيع، وإنّي لا أقبل بعدها زيادة، ولا أفعل هذا، فاكتب إلى خليفتك بأنّي قد قلت ذلك، وأن يسجّل لهم بما ابتاعوه.
فأردت أذيّة ابن الحرث [92 ب] فقلت يحتاج في المكاتبة إلى ذكر مبلغ الزيادة.
فالتفت، فنظر إلى عليّ بن عيسى نظر منكر، فرأيته يرتعد، وقال له: مبلغ الزيادة كذا وكذا.
فقال لي: اكتب إلى خليفتك، بأنّها كذا وكذا.
فدعوت له، وانصرفت.
فلما ولّيت، ثقّلت في مشيتي لأسمع ما يجري، فسمعته يقول لعليّ بن عيسى: أيّ شيء أقبح من هذا؟ كأنّه أنكر لم لم يعرف مبلغ الزيادة أوّلا، فيذكرها لي من غير أن أحتاج إلى استدعاء علمها منه.
قال: وكرّر الإنكار، قال: أيّ شيء أقبح من هذا؟ وأخرج عن الأدب فيه؟ تحقّقا برسم الملوك في أن يتكلّموا هم بجميع ما يحتاج إليه، في جميع الأمور، من غير تقصير يحوج المخاطب إلى مطالبتهم بالزيادة في البيان.
وأومأ في آخر كلامه، إلى أنّي إن ذكرت ذلك عنه للناس، غضّ منه، ومن الملك.
فسمعت عليّ بن عيسى، يقول له: يا أمير المؤمنين، هذا خادمك، وابن خادمك، وغذيّ نعمتك، ونشو دولتك، ليس مثله من ظنّ به هذا.
(1/286)

155 الخليفة المعتضد يتنبأ بأن ضياع الدولة يجري على يد ولده المقتدر
حدّثني أبو عليّ الحسن بن محمد الأنباري الكاتب [قال: سمعت دلويه الكاتب] «1» ، يحكي عن صافي الحرمي الخادم «2» ، مولى المعتضد، إنّه قال:
مشيت يوما بين يدي المعتضد، وهو يريد دور الحرم، فلما بلغ إلى باب دار شغب أمّ المقتدر، وقف يتسمّع ويطّلع من خلل الستر، فإذا هو بالمقتدر، وله إذ ذاك خمس سنين أو نحوها، وهو جالس وحواليه مقدار عشر وصائف من أقرانه «3» في السنّ، وبين يديه طبق فضّة، فيه عنقود عنب، في وقت فيه العنب عزيز جدا، والصبيّ يأكل عنبة واحدة، ثم يطعم الجماعة عنبة عنبة، على الدور، حتى إذا بلغ الدور إليه أكل واحدة مثلما أكلوا، حتى فني العنقود، والمعتضد يتمزّق غيظا.
قال: فرجع، ولم يدخل الدار، ورأيته مهموما.
فقلت: يا مولاي، ما سبب ما [83 ط] فعلته؟ وما قد بان عليك؟
فقال: يا صافي، والله لولا النار والعار، لقتلت هذا الصبيّ اليوم، فإنّ في قتله صلاحا للأمّة.
(1/287)

فقلت: يا مولاي، حاشاه، أيّ شيء عمل؟ أعيذك بالله يا مولاي، إلعن إبليس.
فقال: ويحك، أنا أبصر بما أقوله، أنا رجل قد سست الأمور، وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد، ولا بدّ من موتي، وأعلم أن الناس بعد موتي لا يختارون إلّا ولدي، وأنهم سيجلسون ابني عليّا- يعني المكتفي «1» - وما أظن عمره يطول، للعلّة التي به، قال صافي، يعني الخنازير التي كانت في حلقه، فيتلف عن قريب، ولا يرى الناس إخراجها عن ولدي، ولا يجدون بعده منهم أكبر من جعفر، فيجلسونه وهو صبيّ، وله من الطبع في السخاء، هذا الذي قد رأيت من أنّه أطعم الصبيان مثلما أكل، وساوى بينه وبينهم، في شيء عزيز في [93 ب] العالم، والشحّ على مثله في طباع الصبيان، فتحتوي عليه النساء، لقرب عهده بهنّ، فيقسم ما جمعته من الأموال، كما قسم العنب، ويبذّر ارتفاع الدنيا ويخربها، فتضيع الثغور، وتنتشر الأمور وتخرج الخوارج، وتحدث الأسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس أصلا.
فقلت: يا مولاي بل يبقيك الله، حتى ينشأ في حياتك، ويصير كهلا في أيّامك، ويتأدّب بآدابك، ويتخلّق بخلقك، ولا يكون هذا الذي ظننت.
فقال: احفظ عنّي ما أقوله، فإنّه كما قلت.
قال: ومكث يومه مهموما.
وضرب الدهر ضربه، ومات المعتضد، وولي المكتفي، فلم يطل
(1/288)

عمره، ومات، وولي المقتدر، [فكانت الصورة] «1» كما قال المعتضد بعينها.
فكنت كلما وقفت على رأس المقتدر وهو يشرب، ورأيته قد سكر ودعا بالأموال، فأخرجت إليه، وحلّت البدر «2» ، وجعل يفرّقها على الجواري والنساء، ويلعب بها، ويمحقها، ويهبها، ذكرت مولاي المعتضد، وبكيت.
قال: وقال صافي: كنت يوما واقفا على رأس المعتضد، فأراد أن يتطيّب، فقال: هاتم فلانا الطّيبيّ،- خادم يلي خزانة الطيب- فأحضر.
فقال له: كم عندك من الغالية؟
فقال: نيّف وثلاثون حبّا «3» صينيّا، مما عمله عدّة من الخلفاء.
فقال: فأيّها أطيب؟
قال: ما عمله الواثق «4» .
قال: أحضرنيه.
فأحضره حبّا عظيما، يحمله خدم عدّة، بدهق ومصقلة «5» ففتح، فإذا الغالية قد ابيضّت من التعشيب، وجمدت من العتق، في نهاية الذكاء.
فأعجبت المعتضد، وأهوى بيده إلى حوالي عنق الحبّ، فأخذ من
(1/289)

لطاخته شيئا يسيرا، من غير أن يشعّث رأس الحب، وجعله في لحيته، وقال:
ما تسمح نفسي بتطريق التشعيث على هذا الحب، شيلوه «1» ، فرفع.
ومضت الأيّام، فجلس المكتفي للشرب يوما، وهو خليفة، وأنا قائم على رأسه، فطلب غالية، فاستدعى الخادم، وسأله عن الغوالي، فأخبره بمثل ما كان [84 ط] أخبر به أباه.
فاستدعى غالية الواثق، فجاءه بالحبّ بعينه، ففتح، فاستطابه، وقال:
أخرجوا منه قليلا، فأخرج منه مقدار ثلاثين [أو أربعين] «2» مثقالا، فاستعمل منه في الحال ما أراده، ودعا بعتيدة «3» له، فجعل الباقي فيها، ليستعمله على الأيّام.
وولي المقتدر الخلافة، وجلس مع الجواري يشرب يوما وكنت على رأسه، فأراد أن يتطيّب، فاستدعى الخادم، وسأله، فأخبره بمثل ما أخبر به أباه وأخاه.
فقال: هات الغوالي كلّها، [فأحضرت [94 ب] الحباب كلّها] «4» ، فجعل يخرج من كل حبّ، مائة مثقال، وخمسين، وأقلّ، وأكثر، فيشمّه «5» ويفرّقه على من بحضرته، حتى انتهى إلى حبّ الواثق، فاستطابه.
فقال: هاتم عتيدة، فجاءوه بعتيدة، وكانت عتيدة المكتفي بعينها، ورأى الحبّ ناقصا، والعتيدة فيها قدح الغالية، ما استعمل منه كثير شيء.
(1/290)

فقال: ما السبب في هذا؟
فاخبرته بالخبر على شرحه، فأخذ يعجب من بخل الرجلين، ويضع منهما بذلك.
ثم قال: فرّقوا الحب بأسره على الجواري، فما زال يخرج منها أرطالا، وأنا أتمزّق غيظا، وأذكر حديث العنب، وكلام مولاي المعتضد، إلى أن مضى قريب من نصف الحبّ.
فقلت له: يا مولاي، إنّ هذه الغالية أطيب الغوالي وأعتقها، ولا يعتاض منها، فلو تركت منها لنفسك، وفرّقت الباقي من غيرها كان أولى.
قال: وجرت دموعي لما ذكرته من كلام المعتضد، فاستحى مني، ورفع الحبّ.
فما مضت إلّا سنتين من خلافته، حتى فنيت تلك الغوالي، واحتاج إلى أن عجن غالية بمال عظيم.
(1/291)

156 يقال إن جميع الغوالي استعملت في الوحل الذي عملته السيّدة أمّ المقتدر
أخبرني غير أبي عليّ «1» :
إنّ تلك الغوالي كلّها، وما كان في الخزائن من المسوك والعنابر، استعمل كلّه في الوحل «2» الذي كانت السيّدة عملته.
وخبر الوحل مستفيض على ألسنة العوامّ، فلا وجه للإطالة بذكره.
ورأيت، أهل العلم والخبرة بأمور الخلافة وأخبارها، يكذّبون بذلك تكذيبا شديدا، فلم أورده لهذا السبب.
(1/292)

157 أنموذج من إسراف السيدة أم المقتدر
حدّثني أبو الحسن البرسي، العامل بالبصرة، إن بعض بني إسحاق الشيرازي المعروف بالخرقيّ، ممن كان يعامل أمّ المقتدر، أسماه هو وأنسيته أنا، حدّثه: إنّها طلبت منه في يوم يقرب من نيروز المعتضد «1» ، ألف شقّة زهريّة خفافا جدا.
قال: فبعثت «2» في جمعها، والرسل تكدّني بالاستعجال، والقهارمة يستبطؤوني، حتى تكاملت، وصرت بها إلى الدار.
فخرجت القهرمانة، فقالت: اجلس في الحجرة التي برسمك، واستدع الخيّاطين، وتقدّم أن يقطعوا ذلك أزرارا على قدر حبّ القطن، [ويحشونها من الخرق، ويخيطونها، ليجعل بدل حبّ القطن] «3» ويشرّب دهن البلسان، وغيره من الأدهان الطيّبة الفاخرة، وتوقد في المجامر [85 ط] البرام «4» على رؤوس الحيطان ليلة النيروز بدلا من حبّ القطن
(1/293)

والنفط «1» والمجامر الطين.
ففعلت ذلك، ومضت تلك الثياب الكثيرة الأثمان في هذا.
قال، وقال لي: كنت أشتري لها ثيابا دبيقيّة، يسمونها [95 ب] ثياب النعال.
وذلك إنها كانت صفاقا، تقطع على مقدار النعال المحذوّة، وتطلى بالمسك والعنبر المذاب، وتجمّد، ويجعل بين كل طبقتين من الثياب، من ذلك الطيب ما له قوام، ونحن نفعل بطاقات كثيرة كذا، وتلفّ بعضها على بعض، ثم تصمّغ حواليها بشيء من العنبر، وتلزق حتى تصير كأنّها قطعة واحدة، وتجعل الطبقة الأوّلة بيضاء مصقولة، وتخرز حواليها بالإبريسم، ونجعل لها شركا «2» ، من إبريسم كلّها، كالشّرك المضفورة من الجلود، وتلبس.
قال: وكانت نعال السيّدة من هذا المتاع، لا تلبس النعل إلّا عشرة أيام، أو حواليها، حتى تخلق، وتتفتّت، وتذهب جملة دنانير في ثمنها، وترمى.
فيأخذها الخزّان، أو غيرهم، فيستخرجون من ذلك العنبر والمسك فيأخذونه. [وهو يساوي جملة دنانير] «3»
(1/294)

158 أنموذج من إسراف الخليفة المقتدر
أخبرني أبو القاسم الجهنيّ:
إنّ المقتدر أراد الشرب على نرجس في بستان لطيف، في صحن دار من صغار صحونه.
فقال بعض من يلي أمر البستان: سبيل هذا النرجس أن يسمّد قبل شرب الخليفة عليه بأيّام، فيحسن ويقوى.
فقال هو: ويلك، يستعمل الخرء في شيء بحضرتي وأريد أن أشمّه؟
قال: بهذا جرت العادة في كل ما يراد تقويته من الزروع.
فقال: وما العلّة في ذلك؟
قال: لأنّ السماد يحميه، فيعينه على النبات والخروج.
قال: فنحن نحميه بغير السماد، وتقدّم، فسحق من المسك بمقدار ما احتاج إليه البستان من السماد، وسمّد به.
وجلس يشرب عليه يومه وليلته، واصطبح من غده عليه، فلما قام، أمر بنهبه.
فانتهب البستانبانون «1» والخدم، ذلك المسك كله من أصول النرجس، واقتلعوه مع طينه، حتى خلّصوا المسك، فصار البستان قاعا صفصفا.
وخرج من المال شيء عظيم في ثمن ذلك المسك.
(1/295)

159 أنموذج من إسراف الخليفة الراضي
حدّثني أبو إسحاق الطبريّ «1» ، غلام أبي عمر الزاهد «2» ، غلام ثعلب «3» ، وكان منقطعا إلى بني حمدون، قال: حدّثني أبو جعفر بن حمدون، قال:
كنّا نشرب مع الراضي بالله يوما، في مجلس مغمّى «4» بالفاكهة الحسنة الفاخرة. فغرض «5» من الجلوس فيه، فقال: افرشوا لنا المجلس الفلانيّ، واطرحوا فيه ريحانا ونيلوفر فقط، طرحا فوق الحصر، بلا أطباق، ولا تعبية في مشامّ، كما تفعل العامّة، وعجّلوا ذلك الساعة، لننتقل إليه.
قال: فلم تكن إلّا لحظة، حتى قالوا له: قد فرغنا من ذلك.
فقال لنا: قوموا، فقمنا معه.
فلما رأى المجلس، قال للشرابيّة: غيّروا لون هذا الريحان بشيء من الكافور يسحق ويطرح فوقه، فليس [96 ب] هو مليح هكذا.
(1/296)

قال: فأقبلوا يجيئون بصواني الذهب، وفيها [86 ط] الكافور الرباحي «1» المسحوق أرطالا، ويطرح فوق الريحان، وهو يستزيدهم، إلى أن صار الريحان كالمغطّى ببياض الكافور، وكأنّه ثوب أخضر، قد ندف عليه قطن رقيق، أو روضة سقط عليها ضرائب «2» الثلج.
فقال حينئذ: حسبكم.
قال: فقدّرت ما استعمل من الكافور، كان أكثر من ألف مثقال بشيء كثير.
فشربنا عليه معه، فلمّا قام، أمر بنهبه.
فأخذ غلماني منه مثاقيل كثيرة، لأنّهم كانوا في جملة الخدم والفرّاشين والغلمان الذين نهبوا ذلك.
(1/297)

160 الراضي يأمر لكلّ واحد من ندمائه بوزن الآجرّة دراهم
سمعت أبا بكر محمّد بن يحيى الصولي «1» ، وأنا إذ ذاك في حدّ الصبيان، يحكي لأبي، حكاية طويلة عن الراضي، فيها شعر له، وقصّة، لم تعلق بذهني «2» كلّها في الحال، لصغري عن ذلك.
فسأله أبي أن يمليها، فأملاها على صاحب لأبي كان جالسا بحضرته، وكتبها على ظهر جزء كان قد قرأه عليه، فيه أشعار وأخبار غير ذلك، هو باق عندي، وحصّلت منها ما بقي في حفظي:
إنّه دخل إلى الراضي، وهو يبني شيئا، أو يهدم شيئا- أنا الشاكّ- فأنشده أبياتا، وكان الراضي جالسا على آجرّة حيال الصنّاع.
قال: كنت أنا وجماعة من الندماء «3» قيام، فأمر بالجلوس بحضرته، فأخذ كلّ واحد منّا آجرة، فجلس عليها.
واتّفق أنّي أخذت آجرتين ملتزقتين بشيء من اسفيداج، فجلست عليهما.
(1/298)

فلمّا قمنا، أمر بأن توزن جرة كلّ واحد منا، ويدفع إليه بوزنها دراهم، أو دنانير- الشكّ مني-.
قال: فتضاعفت جائزتي على جوائز الحاضرين، بتضاعف وزن آجرّتي على آجرّهم.
حدّثني عليّ بن الحسن الحاجيّ «1» ، قال: حدّثنا أبو الحسن العروضيّ، معلّم الراضي [ونديمه] «2» بهذا الحديث، فذكر مثله، ولم يذكر تضاعف جائزة الصولي، إلّا أنّه قال: كنت أنا وجماعة الندماء.
(1/299)

161 ختم الراضي الخلفاء في أمور عدّة
وللراضي فضائل كثيرة، وقد ختم الخلفاء في أمور عدّة، منها:
انّه آخر خليفة له شعر.
وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش، والأموال.
[وآخر خليفة بنى] «1» .
وآخر خليفة خطب على منبر في يوم جمعة.
وآخر خليفة جالس الجلساء، ووصل إليه الندماء.
وآخر خليفة كانت نفقته، وجوائزه، وعطاياه، وخدمته، وجراياته، وخزائنه، ومطابخه، وشرابه، ومجالسه، وخدمه، وحجّابه، وأموره، جارية على ترتيب الخلافة الأولى.
وآخر خليفة سافر بزيّ الخلفاء القدماء.
وقد سافر بعده المتّقي، وسافر المطيع غير سفر، ولكن ليس [97 ب] كذلك.
(1/300)

162 أنموذج من إسراف المتوكل
حدّثني أبو القاسم الجهنيّ، قال: حدثني أبو محمد بن حمدون، عن أبيه:
إن المتوكّل اشتهى أن يجعل كلّ ما تقع عليه عينه، في يوم من أيّام شربه، أصفر.
فنصبت له قبّة صندل مذهبّة، مجلّلة بديباج أصفر، مفروشة بديباج أصفر.
وجعل بين يديه الدستنبو «1» والأترج الأصفر، وشراب أصفر في صواني ذهب.
ولم يحضر من جواريه إلّا الصفر، عليهن ثياب قصب «2» [87 ط] صفر.
وكانت القبّة منصوبة على بركة مرصّصة يجري فيها الماء، فأمر أن يجعل في مجاري الماء إليها الزعفران على قدر، ليصفرّ الماء ويجري من البركة، ففعل ذلك.
وطال [جلوسه] «3» وشربه، فنفد ما كان عندهم من الزعفران «4» ، فاستعملوا العصفر «5» ، ولم يقدّروا أنّه ينفد قبل سكره، فيشترون منه، فنفد.
(1/301)

فلما لم يبق إلا قليل، عرفوه، وخافوا أن يغضب إن انقطع، ولا يمكّنهم قصر الوقت من شري ذلك من السوق.
فلما أخبروه أنكر لم لم يشتروا أمرا عظيما، وقال: الآن إن انقطع هذا تنغّص يومي فخذوا الثياب المعصفرة القصب، فانقعوها في مجرى الماء ليصبغ لونه بما فيها من الصبغ، ففعل ذلك.
ووافق سكره مع نفاد كلّ ما كان في الخزائن من هذه الثياب.
فحسب ما لزم على ذلك الزعفران والعصفر، وثمن الثياب التي هلكت، فكان [قدر جميعه] «1» خمسين ألف دينار.
ويشبه هذا ما أخبرنا به الجمّ الغفير:
إنّ الحسن بن سهل «2» ، لما زفّ ابنته بوران «3» إلى المأمون، بفم الصلح «4» ، انقطع بهم الحطب في المطبخ يوم العرس، أحوج ما كانوا إليه، فعرّفوه ذلك.
(1/302)

فأمر بالخيش «1» ، فصب عليها الزيت وغيره من الأدهان حتى تشرّبها، وأمر بإيقاده تحت القدور، وبثّ الرسل في طلب الحطب.
فاستعمل «2» من ذلك الخيش شيء كثير إلى أن حمل الحطب.
163 الوزير المهلبيّ يشتري لمجلس شرابه وردا بألف دينار
وشاهدنا نحن، أبا محمد المهلبيّ في وزارته، وقد اشترى في ثلاثة أيّام متتابعة، وردا بألف دينار، فطرح في بركة عظيمة كانت له في دار كبيرة، تعرف بدار البركة، وشرب عليه، ونهب.
وكان في البركة فوّارة حسنة، فطرح الورد فيها، وفرشه في مجالسه.
وكان لذلك شرح طويل.
(1/303)

164 أبو القاسم البريدي يشرب على ورد بعشرين ألف درهم
وشرب أبو القاسم بن أبي عبد الله البريديّ «1» ، بالبصرة، على ورد بعشرين ألف درهم، في يوم واحد، على رخصه هناك، واسترخاص السلطان لما يشتهيه، وطرح فيه عشرين ألف درهم خفافا، وزنها عشرة آلاف درهم، وشيئا كثيرا من قطع الندّ المثاقيل اللطاف، وقطع الكافور اللطاف، والتماثيل، ولعب به [98 ب] شاذكلى «2» ، وانتهب الفرّاشون الورد، مع ما فيه من الدراهم والطيب.
وقيل إنّ ذلك المجلس قام عليه بثلاثة آلاف دينار مع جذور المغنّيات، وثمن الطيب، وما أنفق على المائدة، والشراب، والثلج، ذلك اليوم.
أخبر بهذا أبو العباس النخّاس المعروف بالشامي، في الوقت، وأنا أسمع، وأرانا من الدراهم شيئا، وذكر إنّه انتهبها مع الغلمان.
(1/304)

165 كان أبو العباس الشامي نخاسا فأصبح قوّادا
وكان هذا الشاميّ «1» أمّة وحده في مذهبه، فإنّه كان يصحب أبا عبد الله البريدي، على طريق التنخّس، ويشتري الجواري السواذج «2» والمغنّيات فيبيعهنّ عليه.
فربما كره جارية فردّها عليه، وما دار بينهما ميزان.
ثم اتّسع [88 ط] ذلك الباب لأبي العبّاس، فصار يستعمله مع الكافّة، ثم تجاوزه إلى بذل قيان له، وإخراجهنّ بحضرته، وأن يمازحهنّ، ويلاعبهنّ الرجال، ولا ينكر ذلك.
وربما تجاوزوا هذا إلى غيره، ولا ينكر، ويجتعل «3» عليه- فيما بلغني- من وجوه كثيرة.
(1/305)

166 أبو العباس الشامي النخاس كان صفعانا طيّبا
وكان «1» ، مع هذا، صفعانا طيّبا.
فمن ذلك: إنّه دخل يوما على أبي يوسف البريديّ «2» ، فصفعه بمخدّة ديباج حسنة مثمنة.
فأخذها الشامي، وعدا، ليسلّمها إلى غلامه، فيحملها إلى بيته.
فقال له أبو يوسف: قد أخذتها! ويلك.
قال: فأردّها أطال الله بقاء سيدنا من حيث جاءت، ولا آخذها؟
فقال: لا يا ماصّ كذا، خذها، لا بورك لك فيها.
فدفعها إلى غلامه.
(1/306)

167 أبو العباس الشامي النخاس يطلب من القاضي قبوله للشهادة
ومنها:
إنّه «1» كان مشهورا بالقيادة، وكان يعادي بزّازا بالبصرة، يعرف بالآدمي.
فبلغه أن القاضي جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، عمل على قبوله «2» ، وما كان لذلك أصل، وإنّما كان إرجافا.
فجاء إليه، وكان منبسطا عليه بالمزاح، لمعرفته به.
فقال له: أيها القاضي، إن رأيت أن تقبل شهادتي.
فقال له القاضي: ما بلغ الأمر إلى قبول مثلك، فأيّ شيء دعاك إلى هذا، يا أبا العبّاس؟ ومازحه.
قال: بلغني أنّك تريد أن تقبل الآدمي، وأنا وهو [جميعا] «3» : كنا نقود على البريديّ، فاقبلني أنا أيضا.
فضحك وقال: لا لك أقبل، ولا له.
(1/307)

168 الوزير المهلبيّ والشامي النخاس
وجاء «1» إلى الأهواز، بجارية له مغنّية، إلى أبي محمد المهلّبيّ، وكنت بالأهواز.
وحدّثني بهذا الخبر جماعة ممّن شاهدوه من ندمائه.
فغنّت له، وكانت تجلس عنده للغناء، وهو غير حاضر، دفعات كثيرة.
فقال له المهلّبيّ يوما، وقد جرى بحضرته ذكر الجماع، فأخذ الشاميّ يخبر عن نفسه، بالعجز عنه، لأنّه كان قد نيّف على «2» الثمانين.
فقال له المهلبيّ: فجاريتك يا أبا العباس حبلى، فمن أين هذا الحبل؟
فقال: [99 ب] يا سيّدي إذا ولدت، سمّيت ابنها العبّاس بن الحسن «3» ، يعرّض بأنّه ابن وزير، يصلح للوزارة، وإنّه ابنك.
فضحك والجماعة منه.
(1/308)

169 أبو مخلد يستولي على دست مجلس معزّ الدولة
أخبرنا أبو عليّ أحمد بن موسى حمولي «1» ، صاحب معزّ الدولة، قال:
كنّا يوما قياما. بحضرة مولانا الأمير- يعني معزّ الدولة- فدخل إليه أبو مخلد «2» ، فرأى تحته دست ديباج جديد، حسن جدا، قد استعمله «3» بتستر، وقام عليه بألفي دينار.
فقال له: أيّها الأمير، تنحّ عن الدست، فإنّ عليه شيئا.
فلم يفهم الأمير مراده، وتزحزح عن دسته، فجذبه، وحمل جزءا منه على كتفه «4» ، وقام.
فقال له الأمير: يا بغّاء «5» - بكلام الديلم- إلى أين؟
قال: إلى طيّاري أنقل هذا الدست إليه أولا أولا كما ترى، ومن يعارضني؟ أو يجسر على ذلك؟
قال: فضحك الأمير، وقال: ما يعارضك أحد.
قال: فنقل، يشهد الله، الدست بآلته كاملا، على ظهره، إلى طيّاره وأنا أراه، حتى أخذه جميعه.
(1/309)

170 أبو مخلد يستولي على طنفسة رآها في مجلس الخليفة المطيع
وكانت لأبي مخلد، مروءة عظيمة، وشهوة للفرش خاصة.
فدخل يوما إلى أمير المؤمنين، المطيع لله، فرأى في المجلس طنفسة «1» عظيمة خليفيّة من [89 ط] خز ورقم أصفر «2» ، فلما رآها تحيّر.
فقال لأبي أحمد الشيرازيّ، كاتبه «3» : أريد أن أعمل بهذه، كما عملت بدست «4» معزّ الدولة، وكان قد اشتهر خبره في نقل الدست على ظهره.
فقال له أبو أحمد: مثل هذا لا يجوز أن يفعل بحضرة الخليفة، لأن الهزل لا يستعمل مع هؤلاء، وخاصة هذا مجلس عام، ولكن أنا أعيد استحسانك لها، وأستوهبها لك منه.
فلما تقوّض الموكب، خرج أبو أحمد، فوجده جالسا في الدهليز.
فقال: ما هذا أيها الشيخ؟
قال: ترجع، وتعرّف مولانا، أنّي لا أبرح، والله، إلا بالطّنفسة، وإنّما قبلت رأيك فوقّرته «5» ، وإلّا كنت قد أخذتها كما أخذت الدست.
(1/310)

فرجع أبو أحمد، وأخبره «1» ، الخبر على شرحه، فأمر بحملها إلى طيّاره.
فحملت معه، ثم انصرف.
أخبرني أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازيّ بذلك.
171 ابن دية الأنماطي يقوّم ثمن قسم من فرش أبي مخلد بمائتي ألف دينار
وسمعت ابن دية الأنماطي، وهو رئيس هذه الصناعة «2» ببغداد، ومن لم يشاهد أحد بها من المتاع ما شاهده، يخبر في مجلس حافل، إنّه شاهد لأبي مخلد فرشا أخرجه إليه ليقوّمه له.
قال: فقوّمته له، قيما استرخصتها جدّا، فبلغت القيمة مائتي ألف دينار، ولا أدري ذلك فرشه كلّه، أو له شيء آخر من الفرش سواه.
(1/311)

172 الشيخ الخياط وأذانه في غير وقت الأذان
حدّثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد [100 ب] الهاشميّ القاضي:
إنّ شيخا من التجّار، كان له على بعض القوّاد مال جليل، يماطله به.
قال: فعملت على الظلامة إلى المعتضد، لأنّي كنت إذا جئت إلى القائد حجبني، واستخفّ بي غلمانه.
وكنت إذا تحمّلت عليه، فاستشفعت، لم ينجع فيه. وتظلمت إلى عبيد الله بن سليمان «1» منه، فما نفعني.
فقال لي بعض إخواني: عليّ أن آخذ لك المال، ولا تحتاج إلى الظلامة إلى الخليفة [ولا إلى غيره] «2» ، فقم معي الساعة.
قال: فقمت معه، فجاء بي إلى خيّاط في سوق الثلاثاء «3» ، شيخ، وهو جالس يخيط، ويقرىء في المسجد، فقصّ عليه قصّتي، وسأله أن يقصد القائد فيسأله إزاحة علّتي، وكانت داره قريبة من موضع الخيّاط «4» ، فقام معنا.
(1/312)

فلما مشينا تأخّرت، وقلت لصديقي: إنّك قد عرّضت هذا الشيخ، ونفسك، وإيّاي، إلى مكروه غليظ، هذا إذا حصل على باب الرجل، صفع، وصفعنا معه، فإنّه لم يلتفت لشفاعة فلان وفلان، ولم يفكّر في الوزير، يفكّر في هذا؟
فضحك الرجل، وقال: لا عليك، امش واسكت.
فجئنا إلى باب القائد، فحين رأى غلمانه الخيّاط أعظموه، وأهووا ليقبّلوا يده، فمنعهم.
وقالوا: ما جاء بك يا شيخ؟ فإنّ صاحبنا راكب، فإن كان أمر نعمله نحن بادرنا إليه، وإلّا فادخل واجلس حتى يجيء.
فقويت نفسي بذلك، فدخلنا، وجلسنا.
وجاء الرجل، فلما رأى الخيّاط، أعظمه إعظاما تامّا، وقال: لست أنزع ثيابي، أو تأمر بأمرك.
فخاطبه في أمري.
فقال: والله، ما عندي إلّا [90 ط] خمسة آلاف درهم، فسله أن يأخذها، ورهنا من مراكبي الفضّة والذهب، إلى شهر، [لأعطيه] «1» .
فبادرت أنا إلى الإجابة، فأحضر الدراهم، والمراكب بقيمة الباقي، فقبضت ذلك.
وأشهدت الخيّاط وصديقي عليه، بأنّ الرهن عندي، إلى شهر على البقيّة، فإن جاز الأجل، فأنا وكيل ببيعه، وأخذ مالي من ثمنه، فأشهدتهما على ذلك، وخرجنا.
فلما بلغنا إلى موضع الخيّاط، طرحت المال بين يديه، وقلت: يا شيخ،
(1/313)

إنّ الله قد ردّ عليّ هذا بك، فأحبّ أن تأخذ ربعه، أو ثلثه، أو نصفه، بطيب من قلبي.
فقال: يا هذا، ما أسرع ما كافأتني على فعل الجميل بالقبيح، انصرف بمالك، بارك الله لك فيه.
فقلت: قد بقيت لي حاجة.
فقال: قل.
قلت: تخبرني عن سبب طاعة هذا لك، مع تهاونه بأكابر أهل الدولة.
فقال: يا هذا قد بلغت مرادك، [وأخذت مالك] «1» فلا تقطعني عن شغلي، وما أعيش منه.
فألححت عليه.
فقال: أنا رجل أؤمّ، وأقرىء في هذا المسجد، منذ أربعين سنة، ومعاشي [101 ب] من هذه الخياطة، لا أعرف غير هذا.
وكنت منذ دهر، قد صلّيت المغرب، وخرجت أريد منزلي، فاجتزت بتركيّ كان في هذه الدار، فإذا قد اجتازت امرأة جميلة الوجه عليه، فتعلّق بها وهو سكران، ليدخلها داره، وهي ممتنعة تستغيث، وليس أحد يغيثها، وتصيح، ولا يمنعها منه أحد «2» ، وتقول في جملة كلامها: إنّ زوجي قد حلف بطلاقي أن لا أبيت عنه، فإن بيّتني هذا، أخرب بيي، مع ما يرتكبه منّي من المعصية، ويلحقه بي من العار.
قال: فجئت إلى التركيّ، ورفقت به، وسألته تركها، فضرب رأسي
(1/314)

بدبّوس كان في يده. فشجّني «1» ، وآلمني «2» ، وأدخل المرأة. فصرت إلى منزلي فغسلت الدم، وشددت الشجّة، واسترحت.
وخرجت أصلّي العشاء، فلمّا فرغنا منها، قلت لمن حضر: قوموا معي إلى عدوّ الله، هذا التركيّ، ننكر عليه، ولا نبرح، حتى نخرج المرأة.
فقاموا، وجئنا، فضججنا «3» على بابه، فخرج إلينا في عدّة من غلمانه، فأوقع بنا الضرب، وقصدني من بين الجماعة، فضربني ضربا عظيما، كدت أتلف منه، فشالني الجيران إلى منزلي كالتالف.
فعالجني أهلي، ونمت نوما قليلا للوجع، وأفقت نصف الليل، فما حملني النوم فكرا في القصّة.
فقلت: هذا قد شرب طول ليلته ولا يعرف الأوقات، فلو أذّنت، وقع له إنّ الفجر قد طلع، فأطلق المرأة، فلحقت بيتها قبل الفجر، فتسلم من أحد المكروهين، ولا يخرب بيتها، مع ما قد جرى عليها.
فخرجت إلى المسجد متحاملا، وصعدت المنارة، فأذّنت، وجلست أطّلع منها إلى الطريق، أترقّب منها خروج المرأة، فإن خرجت، وإلّا أقمت الصلاة، لئلّا يشكّ في الصباح، فيخرجها.
فما مضت إلّا ساعة، والمرأة عنده، فإذا الشارع قد امتلأ خيلا ورجلا ومشاعل، وهم يقولون: من هذا الذي أذّن الساعة؟ أين هو؟
ففزعت وسكتّ، ثم قلت [91 ط] أخاطبهم، لعلّي أستعين بهم على إخراج المرأة.
(1/315)

فصحت من المنارة: أنا أذنت.
فقالوا لي: انزل، فأجب أمير المؤمنين.
فقلت: دنا الفرج، ونزلت، فمضيت معهم، فإذا هم غلمان مع بدر «1» .
فأدخلني على المعتضد، فلما رأيته هبته، وارتعدت، فسكّن منّي.
وقال: ما حملك على أن تغرّ المسلمين بأذانك في غير وقته، فيخرج ذو الحاجة في غير حينها، ويمسك المريد للصوم، في وقت أبيح له فيه الإفطار؟
فقلت: يؤمني أمير المؤمنين، لأصدق؟
فقال: [102 ب] أنت آمن على نفسك.
فقصصت عليه قصة التركيّ، وأريته الآثار التي بي.
فقال: يا بدر، عليّ بالغلام والمرأة، الساعة، الساعة، وعزلت في موضع.
فلما كان بعد ساعة قليلة، أحضر الغلام والمرأة، فسألها المعتضد عن الصورة، فأخبرته بمثل ما قلته.
فقال لبدر: بادر بها الساعة إلى زوجها مع ثقة يدخلها دارها، ويشرح له خبرها، ويأمره عنّي بالتمسّك بها، والإحسان إليها.
ثم استدعاني، فوقفت، فجعل يخاطب الغلام، وأنا قائم أسمع.
فقال له: يا فلان، كم رزقك؟
قال: كذا وكذا.
قال: وكم عطاؤك؟
(1/316)

قال: كذا وكذا.
قال: وكم وظائفك؟
قال: كذا وكذا.
قال: وجعل يعدّد عليه ما يصل إليه، والتركيّ يقرّ بشيء عظيم «1» .
قال: فقال له: كم لك جارية؟
قال: كذا وكذا.
قال: فما كان لك فيهنّ، وفي هذه النعمة العريضة، كفاية عن ارتكاب معاصي الله عزّ وجلّ، وخرق هيبة السلطان؟ حتى استعملت ذلك، وتجاوزته إلى الوثوب بمن أمرك «2» بالمعروف؟
فأسقط الغلام في يده، ولم يحر جوابا «3» .
فقال: هاتم «4» جوالق، ومداقّ الجص، وقيودا، وغلّا، فأحضر ذلك.
فقيّده، وغلّه، وأدخله الجوالق، وأمر الفرّاشين، فدقّوه بمداقّ الجص.
وأنا أرى ذلك، وهو يصيح، ثم انقطع صوته، ومات.
فأمر به، فغرّق في دجلة، وتقدّم إلى بدر بحمل ما في داره.
ثم قال لي: يا شيخ أيّ شيء رأيت من أجناس المنكر، كبيرا كان أو صغيرا، أو أيّ أمر، صغيرا كان أو كبيرا، فمر به «5» وأنكره، ولو على هذا، وأومأ بيده إلى بدر.
(1/317)

فإن جرى عليك شيء، أو لم يقبل منك، فالعلامة بيننا أن تؤذّن في مثل هذا الوقت، فإنّي أسمع صوتك فأستدعيك، وأفعل مثل هذا بمن لا يقبل منك، أو بمن يؤذيك.
قال: فدعوت له وانصرفت.
وانتشر الخبر في الأولياء والغلمان، فما سألت أحدا منهم بعدها إنصافا لأحد، أو كفّا عن قبيح إلّا أطاعني، كما رأيت، خوفا من المعتضد.
وما احتجت أن أؤذّن إلى الآن، [في غير وقت الأذان] «1» .
(1/318)

173 مثل على تيقظ المعتضد وعلو همته
حدّثني أبي، عن أبي محمد ابن حمدون «1» ، قال:
كنت بحضرة المعتضد ليلة على شرب، إذ جاءه كتاب، فقرأه وقطع الشرب، وتنغّص به.
واستدعى عبيد الله بن سليمان «2» ، فأحضر للوقت، وقد كاد يتلف، وظنّ أنّه قد قبض عليه.
فرمى بالكتاب إليه، فإذا هو كتاب صاحب خبر السرّ بقزوين إليه، يقول: إنّ رجلا من الديلم، وجد بقزوين «3» ، وقد دخلها متنكّرا.
فقال لعبيد الله: اكتب [92 ط] الساعة، إلى صاحبي الحرب والخراج «4» ، وأقم قيامتهما، وتهدّدهما [103 ب] عنّي بالقتل، لم تمّ هذا، وتشدّد في الإنكار، وطالبهما بتحصيل الرجل، ولو من تخوم الديلم «5» ، وأعلمهما «6» إنّ دمهما مرتهن به، حتى يحضرانه.
(1/319)

وارسم لهما أن لا يدخل البلد مستأنفا أحد، ولا يخرج ألا بجواز «1» ، حتى لا تتمّ حيلة لأحد من الديلم في الدخول سرّا، وأن يزيدا في الحذر والتيقّظ، [ونفّذنا الناس إليهم] «2» ، وأفرط في التأكيد.
فقال عبيد الله: السمع والطاعة، أمضي إلى داري، فأكتب.
فقال: لا، إجلس بمكانك، واكتب بخطّك، واعرض عليّ.
قال: فأجلسه، وعقله ذاهل، فكتب ذلك، وعرضه عليه، فلمّا ارتضاه، دعا بخريطة إلى حضرته، فجعلت الكتب فيها، وأنفذها.
وقال لعبيد الله: أنفذ معها من يأتيك بخبر وصولها النهروان «3» ، وسيرها عنه، وانصرف.
فنهض عبيد الله، وعاد المعتضد إلى مجلس شربه، وكان قد لحقه تعب عظيم، فاستلقى ساعة، ثم عاد يشرب.
فقلت له: يا أمير المؤمنين، تأذن في الكلام؟
فقال: نعم.
فقلت: كنت على سرور، وطيب نفس، فورد خبر قد كان يجوز أن تأمر فيه غدا بما أمرت به الساعة، فضيّقت صدرك، وقطعت شربك، ونغّصت على نفسك، وروّعت وزيرك، وأطرت عقول عياله وأصحابه،
(1/320)

باستدعائه في هذا الوقت المنكر، حتى أمرته بهذا الذي لو أخّرته إلى غد، لكان جائزا.
فقال: يا ابن حمدون، ليست هذه من مسائلك، ولكنّا أذنّا لك في الكلام. إن الديلم شرّ أمّة في الدنيا، وأتمّهم مكرا، وأشدّهم بأسا، وأقواهم قلوبا، ووالله، لقد طار عقلي فزعا على الدولة من أن يتطرّق إليهم دخول قزوين سرّا، فيجتمع فيها منهم عدّة، يوقعون بمن فيها ويملكونها، وهي الثغر بيننا وبينهم، فيطول أمد ارتجاعها منهم، ويلحق الملك من الضعف والوهن بذلك أمر عظيم، يكون سببا لبطلان الدولة، وتخيّلت أنّي إن أمسكت عن التدبير ساعة، إنّه يفوت، وإنّهم يحتوون على قزوين، ووالله لو ملكوها، لنبعوا عليّ من تحت سريري هذا، واحتووا على دار المملكة، فما هنّأني الشرب، ولا طابت نفسي بمضيّ ساعة من زماني فارغة من تدبير عليهم.
فعملت ما رأيت.
(1/321)

174 التفريط في حفظ حدود أذربيجان أدّى إلى فساد المملكة
وحدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق، قال:
كنت حدثا في الديوان في سنة سبع عشرة وثلاثمائة، والوزير إذ ذاك أحمد بن عبيد الله الخصيبي «1» .
فأنشأنا من الديوان، كتبا إلى ابن أبي الساج «2» ، عن السلطان، يأمره فيها بالمسير إلى الحضرة «3» ، لقتال القرمطيّ «4» .
فوردت الأجوبة للخليفة، لا للديوان.
فسمعت مشايخ الكتّاب، يتحدّثون عنه «5» ، إنّه كتب يقول: أنا في
(1/322)

ثغر أعظم [104 ب] من ثغور الروم، وبإزاء سدّ أحصن من سد يأجوج ومأجوج، وإن أخللت به، انفتح منه أعظم من أمر القرمطيّ، ولم يؤمن أن يكون سببا لزوال المملكة في سائر النواحي [93 ط] .
قال: فأخذ الكتّاب يتطانزون «1» بذلك، وقالوا: في أيّ ثغر هو؟
ومن بإزائه إلّا الديلم، وإنّما هم أكرة، ولكنّه يريد ترفيه نفسه، والخلاف على السلطان.
قال: وأنشئت كتب أخر، يؤمر فيها بترك ما هو بسبيله، والقدوم، فقدم وخرج إلى القرمطيّ، فقتله القرمطيّ.
فما مضت إلّا مديدة يسيرة، على قتله، حتى سار القاسم بن الحسن الداعي العلويّ «2» ، وما كان الديلميّ «3» صاحب جيشه، من طبرستان إلى الريّ، فأخذاها من يد أصحاب السلطان.
وخرج أسفار بن شيرويه الديلميّ «4» فسار إلى طبرستان «5» ، فأخذها منهما.
(1/323)

فرجع الداعي إليه، فقاتله، فقتله أسفار، وتوطّأ له الأمر، وسار إلى الريّ «1» ، فقاتله ما كان.
وثار مرداويج الجيليّ «2» ، وكان أحد أصحاب أسفار، به، فقتله، واحتوى على عسكره، وتملّك أعماله، وأخذ الريّ، والجبل «3» ، والأعمال.
وتفرّقت أعمال ابن أبي الساج على جماعة أهملوا سياستها.
واستفحل أمر الديلم، وتزايد على الأوقات، وضعف السلطان، وانفتقت الفتوق عليه، وكثرت الفتن، وقتل المقتدر.
وجاء مرداويج إلى أصبهان «4» ليسير إلى بغداد. وقدم شيرج «5» بن ليلى إلى الأهواز، فتملّكها.
وكان الأمير عماد الدولة عليّ بن بويه «6» يخلفه على الكرج حينئذ، فاستغوى
(1/324)

من معه، وسار بهم فملك أرّجان «1» لنفسه.
وهدّده مرداويج بالمسير إليه، فداراه، ووعده أن يكون من قبله، وأنفذ الأمير ركن الدولة «2» ، أخاه، رهينة إليه.
وسار فأوقع بياقوت «3» ، وهو في سبعمائة نفر من الديلم، وياقوت في الطمّ والرمّ «4» ، وملك فارس، وظفر بأموالها، وكنوزها، فقوي، وعمل مرداويج على إنفاذ عسكر إليه، ليأخذه، ثم يسير إلى بغداد، فوثب غلمانه الأتراك به، فقتلوه، وجاء رجاله إلى الأمير عماد الدولة، وقد كان ملك فارس، وطرد ياقوت عنها، فقوي أمره، وعظم شأنه.
ومرّت على ذلك سنيّات، فأنفذ أخاه الأمير معزّ الدولة إلى الأهواز، ولم يزل أمره يقوى، حتى ملك بغداد.
وحصل الأمر على ما قاله المعتضد، وابن أبي الساج، وصاروا ملوك الأرض.
وحصلت للديلم ممالك، غير ممالك الأمراء من بني بويه، كثيرة، بعد أن كان الناس يتمثّلون إذا ظلموا، فيقولون: [105 ب] أي شيء خبرنا؛ في يد الديلم نحن أم في يد الأتراك؟ فصاروا في ممالكهما وأيديهما.
ونسأل الله السلامة.
(1/325)

175 مثل آخر على تيقظ المعتضد وعلو همته
حدّثني القاضي أبو الحسن محمّد بن عبد الواحد الهاشمي، قال: حدّثني أبو عليّ الحسن بن إسماعيل بن إسحاق القاضي «1» ، وكان ينادم المعتضد، ويتجاسر عليه، قال:
كنّا نشرب يوما مع المعتضد، حتى دخل عليه بدر «2» ، فقال: يا مولاي، قد أحضر القطّان الذي من بركة زلزل «3» .
قال: فترك مجلس النبيذ، وقام إلى مجلس في آخر ذلك المجلس، دونه، ونحن نراه ونسمع كلامه، ومدّت بيننا وبينه ستارة، ولبس قباء، وأخذ بيده حربة، وجلس كالمغضب المهول، حتى فزعنا نحن [94 ط] منه، مع أنسنا به «4» .
وأدخل إليه شيخ ضعيف، فقال له بصياح شديد: أنت القطّان الذي قلت أمس ما قلت؟
فغشي على القطّان، فأمر به فعزل ناحية.
فلمّا سكن جاءوه به، فقال: ويلك، مثلك يقول ليس للمسلمين
(1/326)

ناظر في أمورهم، فأين أنا؟ وأيّ شغل شغلي؟
قال: يا أمير المؤمنين، أنا رجل سوقيّ، لا أعرف غير الغزل والقطن ومخاطبة النساء والعامّة، وإنّما اجتاز بنا رجل بايعنا شيئا كان معه، فوجدنا ميزانه ناقصا، فقلت هذا الكلام، وعنيت به المحتسب لا غيره.
[فقال له المعتضد: الله، إنّك أردت به المحتسب؟] «1» .
فقال: والله ما عنيت غيره، وأنا تائب أن أتكلّم بما يشبه هذا.
فقال: يحضر المحتسب «2» ، ويبالغ في الإنكار عليه لم غفل عن إنكار مثل هذا، ويؤمر بتعييره «3» ، وتتبّع «4» الطوّافين، وأهل الأسواق، والتعيير عليهم.
وقال للشيخ: انصرف، لا بأس عليك، ودخل، فضحك، وانبسط، وعاد يشرب.
فلما حمل عليّ النبيذ، قلت له: يا مولاي، تعرف فضولي، فتأذن لي في أن أقول؟
فقال: قل.
قلت: كان مولانا في أطيب شرب، وأتم سرور، فتركه، وتشاغل عنه بخطاب كلب من السوقة «5» ، كان يكفيه أن يصيح عليه راجل من رجّالة صاحب الربع «6» صيحة، ولم يقنع مولانا في أمره بالوصول إلى حضرته،
(1/327)

حتى غيّر له لبسته، وشهر سلاحه، واستقصى خطابه بنفسه، لأجل كلمة تقول العامة مثلها دائما، ولا يميّزون معناها.
فقال: يا حسن، أنت لا تعلم ما يجرّ هذا الكلام، إنّ مثل هذا إذا انتشر على ألسنة العوامّ، تلقّفه «1» بعضهم من «2» بعض، وتجرّأوا عليه، وربوا على قوله، حتى يصير منهم كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يبعد أن يولّد ذلك لهم امتعاضا عند أنفسهم للسياسة والدين، فتثور الفتن على السلاطين.
وليس شيء أبلغ في حسم ذلك، من قطع مادّته من الأصل في [106 ب] أوّله.
فإنّ هذا، ممّا جرى عليه، قد طارت روحه، فهو يخرج، ويحدّث بأضعاف ما لحقه من الإنكار، وأكثر ممّا شاهده من الهيبة والفخامة، وفوق ما سمعه من المطالبة بموجبات السياسة، ومرّ الحقيقة، فينتشر عند العوامّ ما نحن عليه من التيقّظ، وإنّ كلمة تكلّم بها الرجل منهم لم تخف عليّ، وما «3» غفلت عن مناظرة صاحبها، وعقابه [فيعرفوني بذلك] «4» فيغنيني «5» ذلك عن أفعال كثيرة، ويحذر جميعهم، ويضبط نفسه، وتنحسم مادّة شرّ، لو جرى، لاحتيج إلى ضروب من الكلف غليظة في صلاحه، قد انحسمت بيسير من القول والفعل.
فأقبلنا ندعو له ونطريه [أنا والجماعة] «6» .
(1/328)

176 مثل على ضبط المعتضد أمر جنده وتشدّده في منعهم من التعدّي
حدّثني وكيل كان لأبي القاسم ابن أبي علان، سلّمه إليّ بتوكيل «1» في ضيعتي بالأهواز، وكان ابن أبي علان يقول إنّه أسنّ منه، وكان ثقة، ما علمت، يقال له: ذو النون بن موسى، قال:
كنت غلاما، والمعتضد إذ ذاك بكور الأهواز، فخرجت يوما من قرية بمناذر «2» يقال لها شانطف، أريد عسكر مكرم «3» ، ومعي حمار [95 ط] أنا راكبه، وهو موقر بطّيخا، قد حملته من القرية لأبيعه في البلد، يعني العسكر.
فلقيني جيش عظيم لم أعلم ما هو، وتسرع إليّ منهم جماعة، وأخذ واحد منهم ثلاث بطيخات أو أربعا، وحرّك.
فخفت أن ينقص عدده، فأتّهم به، فبكيت، وصحت، والحمار يسير «4» بي على المحجّة، والعسكر يجتاز عليها.
فإذا بكوكبة عظيمة يقدمها رجل منفرد، فوقف، وقال: ما لك يا غلام تبكي وتصيح؟
(1/329)

فعرّفته حالي، فوقف بي، ثم التفت إلى القوم، فقال: هي، عليّ بالرجل الساعة.
قال: فكأنّه كان وراءه، حتى ورد «1» في سرعة الطرف.
فقال: هذا هو يا غلام؟
فقلت: نعم.
فأمر به [فبطح] «2» وضرب بالمقارع، وهو واقف، وأنا على حماري، والعسكر واقف.
وجعل يقول، وهو يضرب: يا كلب، يا كذا وكذا، ما كان معك ثمن هذا البطيخ؟ ما كان في حالك فضل لشرائه؟ ما قدرت تمنع نفسك منه؟
هو مالك؟ مال أبيك؟ أليس هو الرجل الذي قد تعب بنفسه في زرعه، وسقيه، وماله، وأداء خراجه؟ أليس كذا؟ أليس كذا؟ يعدّد عليه أشياء من هذا الجنس، والمقارع تأخذه، إلى أن ضربه نحو مائة مقرعة [107 ب] .
ثم أمر برفعه، فرفع، وسار، وسار الناس.
فأخذ الجيش يشتمونني، ويقولون، يضرب فلان بسبب هذا الأكّار الخوزيّ، لعنه الله، مائة مقرعة.
فسألت بعضهم عن الخبر، فقال: هذا الأمير أبو العبّاس.
(1/330)

177 شدّة ضبط المعتضد عسكره
حدّثني عبد الله بن عمر الحارثيّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني أبو محمد عبد الله بن حمدون، قال:
كان المعتضد، في بعض متصيّداته، مجتازا بعسكره، وأنا معه، فصاح ناطور في قراح قثّاء «1» ، فاستدعاه، وسأله عن سبب صياحه.
فقال: أخذ بعض الجيش من القثّاء شيئا.
فقال: اطلبوهم، فجاءوا بثلاثة أنفس.
فقال: هؤلاء الذين أخذوا القثّاء؟
فقال الناطور: نعم.
فقيّدهم في الحال، وأمر بحبسهم. فلما كان من الغد، أنفذهم إلى القراح، فضرب أعناقهم فيه، وسار.
فأنكر الناس ذلك، وتحدّثوا به، ونفرت قلوبهم منه.
ومضت على ذلك مدّة طويلة، فجلست أحادثه ليلة، فقال لي: يا أبا عبد الله هل يعيب الناس عليّ شيئا؟ عرّفني حتى أزيله.
قلت: كلّا، يا أمير المؤمنين.
فقال: أقسمت عليك بحياتي، إلّا ما صدقتني.
قلت: وأنا آمن؟
(1/331)

قال: نعم.
قلت: إسراعك إلى سفك الدماء.
قال: والله، ما هرقت دما منذ وليت هذا الأمر، إلّا بحقّه.
قال: فأمسكت إمساك من يتبيّن عليه الكلام.
فقال: بحياتي ما يقولون «1» ؟
قلت: يقولون إنّك قتلت أحمد بن الطيّب «2» ، وكان خادمك، ولم تكن له جناية ظاهرة.
قال: دعاني إلى الإلحاد، فقلت له: يا هذا أنا ابن عمّ صاحب الشريعة، وأنا الآن منتصب منصبه، فألحد حتى أكون من؟ وكان قال لي: إن الخلفاء لا تغضب، فإذا غضبت لم ترض، فلم يصحّ إطلاقه.
فسكتّ، سكوت من يريد الكلام.
فقال لي: في وجهك كلام.
فقلت: الناس ينقمون [96 ط] عليك أمر الثلاثة أنفس، الذين قتلتهم في قراح القثّاء.
فقال: والله، ما كان أولئك المقتولين هم الذين أخذوا القثّاء، وإنّما كانوا لصوصا حملوا من موضع كذا وكذا، ووافق ذلك أمر أصحاب القثّاء، فأردت أن أهوّل على الجيش، بأنّ من عاث من عسكري، وأفسد
(1/332)

بهذا القدر، كانت هذه عقوبتي له: القتل، ليكفّوا عمّا فوقه، ولو أردت قتلهم لقتلتهم في الحال، وإنّي حبستهم، وأمرت بإخراج اللصوص في غد مغطّين الوجوه، ليقال إنّهم أصحاب القثّاء، ويقتلون بفعل ذلك.
فقلت: كيف تعلم العامّة هذا؟
قال: بإخراجي القوم الذين أخذوا القثّاء، أحياء، وإطلاقي لهم في هذه الساعة.
ثم قال: هاتم القوم، فجاءوا بهم، وقد تغيّرت حالهم من الحبس والضرب.
فقال لهم: ما قصّتكم؟
فاقتصّوا عليه قصّة القثّاء.
فقال لهم: أفتتوبون من مثل هذا الفعل، حتى أطلقكم؟
فقالوا: نعم.
فأخذ عليهم التوبة، وخلع عليهم، ووصلهم، وأمر بإطلاقهم، وردّ أرزاقهم عليهم.
فانتشرت الحكاية، وزالت عنه التّهمة «1» .
(1/333)

178 بين المعتضد ونديمه ووزيره
حدثني أبي، عن أبي محمد، عبد الله بن حمدون، قال:
قال لي المعتضد، يوما، وقد قدّم إليه عشاء على النبيذ: لقّمني.
قال: وكان الذي قدّم إليه فراريج، ودرّاريج «1» ، فلقّمته من صدر فرّوج.
فقال: لا، لقّمني من فخذه. فلقّمته لقما.
ثم قال: هات من الدرّاج، فلقّمته من أفخاذها.
فقال: ويلك، هوذا تتنادر عليّ؟ هات من صدورها.
فقلت: يا مولاي، ركبت القياس، فضحك.
فقلت له: إلى كم أضحكك، ولا تضحكني؟
قال: شل «2» المطرح، وخذ ما تحته.
قال: فشلته، فإذا بدينار واحد.
فقلت: آخذ هذا؟
فقال: نعم.
فقلت له: بالله، هوذا تتنادر أنت الساعة عليّ؟ خليفة يجيز نديمه بدينار واحد؟
فقال: ويلك، لا أجد لك في بيت المال حقّا أكثر من هذا، ولا تسمح نفسي أن أعطيك من مالي شيئا، ولكن هوذا، أحتال لك بحيلة، تأخذ
(1/334)

فيها خمسة آلاف دينار. فقبّلت يده.
فقال: إذا كان غدا، وجاء القاسم «1» فهوذا أسارّك حين تقع عيني عليه، سرارا طويلا، ثم ألتفت إليه كالمغضب، وانظر أنت إليه من خلال ذلك، كالمخالس لي، نظر المترثّي.
فإذا انقطع السرار، فستخرج، ولا تبرح من الدهليز.
فإذا خرجت، خاطبك بجميل، وأخذك إلى دعوته، وسألك عن حالك، فاشك الفقر والحلّة، وقلّة حظّك مني، وثقل ظهرك بالدين والعيال، وخذ ما يعطيك، واطلب كل ما تقع عينك عليه، فإنّه لا يمنعك، حتى تستوفي الخمسة آلاف دينار.
فإذا أخذتها فسيسألك عما جرى بيننا، فاصدقه، وإيّاك أن تكذبه، وعرّفه أنّ ذلك، حيلة منّي عليه، حتى وصل إليك هذا، وحدّثه بالحديث على شرحه، وليكن إخبارك إيّاه، بعد امتناع شديد، وإحلاف منه بالطلاق [97 ط] والعتاق أن تصدقه، وبعد أن تخرج من داره، كلّ ما يعطيك إيّاه.
فلما كان من غد، حضر القاسم، فحين رآه، بدأ يساررني، وجرت القصّة، على ما واضعني عليه، فخرجت، فإذا القاسم في الدهليز ينتظرني.
فقال لي: يا أبا محمد، ما هذا الجفاء؟ لا تجيئني، ولا تزورني، ولا تسألني حاجة، فأقضيها لك، فدعوت له.
فقال: ما يقنعني إلّا أن تزورني اليوم، ونتفرّج.
فقلت: أنا خادم الوزير.
فأخذني إلى طيّاره، وجعل يسألني عن حالي، وأخباري، فاشكو إليه
(1/335)

الخلّة، والإضاقة، والدّين، وجفاء الخليفة، وإمساك يده، فيتوجّع، ويقول: يا هذا، مالي مالك، ولن يضيق عليك، ما اتّسع عليّ [ولا تتجاوزك نعمة تخلّصت إليّ، أو يتخطّاك حظّ نازل بفنائي] «1» ، ولو عرّفتني لعاونتك، وأزلت هذا عنك.
فشكرته، وبلغنا إلى داره، فصعد، ولم ينظر في شيء، وقال: هذا يوم أحتاج أن اختصّ فيه بالسرور بأبي محمد، فلا يقطعني عنه أحد.
فأمر كتّابه بالتشاغل بالأعمال، وخلا بي في دار الخلوة، وجعل يحادثني ويبسطني، وقدّمت الفاكهة، فجعل يلقّمني بيده، وجاء الطعام، فكانت هذه سبيله، وهو يستزيدني. فلمّا جلس للشراب، وقّع لي بثلاثة آلاف دينار مالا، فأخذتها في الوقت.
وأحضرني ثيابا، وطيبا، ومركوبا، فأخذت ذلك.
وكانت بين يديّ صينية فضّة، فيها مغسل فضّة، وخرداذيّ بلّور «2» ، وكوز وقدح بلّور، فأمر بحمله إلى طيّاري.
وأقبلت كلما رأيت شيئا حسنا، له قيمة وافرة، طلبته منه.
وحمل إليّ فرشا نفيسا، وقال: هذا للبنات.
فلما تقوّض المجلس، خلا بي، وقال: يا أبا محمد، أنت عالم بحقوقي عليك، ومودّتي لك.
فقلت: أنا خادم الوزير.
فقال أريد أن أسألك عن شيء، وتحلف لي أنّك تصدقني عنه.
فقلت: السمع والطاعة، فأحلفني بالله، وبالطلاق، والعتاق، على الصدق.
(1/336)

ثم قال لي: بأي شيء ساررك الخليفة اليوم في أمري؟
فصدقته عن كل ما جرى، حرفا بحرف.
فقال: فرّجت عني، وأن يكون هذا هكذا، مع سلامة نيته لي، أسهل عليّ. فشكرته، وودّعته. وانصرفت إلى بيتي.
فلما كان من الغد، باكرت المعتضد، فقال: هات حديثك. فسقته إلى آخره.
فقال: احتفظ بالدنانير، ولا يقع لك، أنّك تعامل بمثل هذا بسرعة «1» .
وحدثني أبو السريّ، محمد بن عمر التازيّ البغداديّ «2» ، ويعرف بابن عتّاب السقطيّ «3» ، قال: حدّثني أبو الطيّب واثق بن رافع، مولى ابن أبي الشوارب، قال: حدّثني أبو محمد عبد الله بن حمدون، بهذا الحديث، فأورده بغير هذه الألفاظ، والمعنى واحد. إلّا أنّه ليس في حكاية واثق، العشاء بالفراريج والدرّاريج، ولا أنّ المعتضد وهب له دينارا.
وأوّل حكاية واثق عن ابن حمدون، قال:
شكوت إلى المعتضد، ديني وإضاقتي، فقال: أمّا مالي فلا طمع لك فيه، ولكن أعمل لك حيلة، وذكر الحكاية «4» [98 ط] .
(1/337)

179 عاشق تسبب في قتل حبيبته وزوجها
ومن الأخبار المفردات، والاتفاقات التي سمعناها، وشاهدنا بعضها، ما أخبرني به أبو القاسم الجهنيّ «1» ، قال:
كان في جواري ببغداد، امرأة جميلة مستورة، ولها ابن عمّ يهواها، كان ربّي معها، فعدل بها أبوها عنه، إلى رجل غريب، زوّجه بها، فكان ابن العم، يلزم بابها، طمعا فيها، وأحسّ الزوج بذلك، فكان يتحرّز، وكان خبيثا.
فخرج يوما في بعض شأنه، وأرادت المرأة أن تتبرّد، فنزعت ثيابها، وجلست عند البئر تغتسل، وتركت خواتيم ذهب، كانت في يدها، عند ثيابها في الدار، وكانت لطيفة، وفيها عقعق «2» مخلّى في الدار، فأخذ الخواتيم، وخرج وهي في منقاره، إلى الباب، على عادة العقاعق، في أخذ كلّما يجدونه وخبئه.
فوافق خروجه، اجتياز ابن عمها، ورأى الخواتيم، فسعى خلف العقعق، وأخذها منه، ولبسها، وقعد بالباب، ليراه زوج المرأة، فيظنّ أنّه كان عندها، فيطلّقها، فيتمكّن هو من تزوّجها.
فجاء الزوج، فقام ابن العم مسلّما عليه، وتعمّد أن يرى الخواتيم في يده، وانصرف، فعرفها الزوج، ودخل، فرأى امرأته تغتسل، فلم يشكّ
(1/338)

أنّه غسل جنابة، وأنّ ابن العمّ، قد وطئها.
فقال لجارية كانت معهم: اذهبي في حاجة كذا، فمضت فيها، وغلق الباب، وأضجع المرأة، ولم يسلها عن شيء، وقتلها.
وعادت الجارية، فرأت ستّها مقتولة، فريعت «1» ، وخرجت، وصاحت، فبدر «2» الجيران به، وأهلها، فقبضوا عليه، وحمل إلى السلطان، فقتل بها، فأخرج ابن العم الحديث، وكان ذلك سبب توبته، ولزم العبادة، وترك الدنيا إلى أن مات.
(1/339)

180 كلب يكشف عن قاتل سيده
ومنها «1» : إنّ مبشّر الرومي، مولى أبي، حدّثني: إنّه سمع مولى كان له قبل أبي، يعرف بأبي عثمان، زكريّا المدنيّ، ويقال له: ابن فلانة، وكان هو تاجرا جليلا، عظيما، كثير المال، مشهورا بالجلالة، والثقة، والأمانة، يحدّث:
إنّه كان في جواره ببغداد، رجل من أصحاب العصبيّة، يلعب بالكلاب.
فأسحر يوما في حاجة، وتبعه كلب كان يختصّه من كلابه، فردّه، فلم يرجع، فتركه.
ومشى، حتى انتهى إلى قوم كانت بينه وبينهم عداوة، فصادفوه بغير حديد «2» ، فقبضوا عليه، والكلب يراهم، فأدخلوه، فدخل معهم، فقتلوه، ودفنوه في بئر في الدار، وضربوا الكلب، فسعى، وخرج وقد لحقته جراحة، فجاء إلى بيت صاحبه يعوي، فلم يعبأوا به.
وافتقدت أمّ الرجل، ابنها، يومه وليلته، فتبيّنت الجراحة بالكلب، وأنّها من فعل من قتل ابنها، وأنّه قد تلف، فأقامت عليه المأتم، وطردت الكلاب عن بابها.
فلزم ذلك الكلب الباب، ولم ينطرد، فكانوا يتفقّدونه في بعض الأوقات.
فاجتاز يوما، بعض قتلة صاحبه بالباب، وهو [99 ط] رابض، فعرفه الكلب، فخمش ساقه، ونهشه، وعلق به.
(1/340)

واجتهد المجتازون في تخليصه منه، فلم يمكنهم، وارتفعت ضجّة، وجاء حارس الدرب، فقال: لم يتعلّق هذا الكلب بالرجل، إلّا وله معه قصّة، ولعلّه هو الذي جرحه.
وخرجت أمّ القتيل، فحين رأت الرجل، والكلب متعلّقا به، وسمعت كلام الحارس، تأمّلت الرجل، فذكرت أنّه كان أحد من يعادي ابنها ويطلبه، فوقع في نفسها إنّه قاتل ابنها، فتعلّقت به، وادّعت عليه القتل، وارتفعا إلى صاحب الشرطة، فحبسه، بعد أن ضرب، ولم يقرّ، ولزم الكلب باب الحبس.
فلما كان بعد أيّام، أطلق الرجل، فحين أخرج من باب الحبس، علق به الكلب، كما فعل أوّلا، فعجب الناس من ذلك.
وأسرّ صاحب الشرطة، إلى بعض رجّالته، أن يفرّق بين الكلب والرجل، ويتبع الرجل ويعرف موضعه، ويترصّده، ففعل ذلك.
فما زال الكلب، يسعى خلف الأول، والراجل يتبعه، إلى أن صار في بيته.
فكبس صاحب المعونة، الدار، فلم يجد أثرا.
وأقبل الكلب يصيح، ويبحث في موضع البئر التي طرح فيها القتيل.
فقال الشرطيّ: انبشوا موضع نبش الكلب، فنبش، فوجد الرجل قتيلا.
فأخذ الرجل، وضرب، وأقرّ على نفسه، وعلى جماعة بالقتل، فقتل هو، وطلب الباقون، فهربوا.
(1/341)

181 خبأ ماله في برنية فعجّل ذلك في سرقتها
ومنها «1» : إنّ أبا الحسن، أحمد بن يوسف الأزرق، حدّثني، قال:
كان لنا صديق، مستظهر على الزمان، قد سلم على الحوادث، عمره كلّه.
فلمّا تواترت الكبسات ليلا ببغداد، خاف على مال عنده عتيد، فجعل ثلاثة آلاف دينار عينا، في برنيّة «2» ، وحفر لها في عرض حائط، كان بين بيتين من داره، وكانت الحفيرة قريبة من زاوية الحائط، والزاوية على الطريق، ومضى على هذا مدّة.
فجاء اللصوص، ينقبون على داره، فوقع نقبهم على الزاوية، فقدّروا أنّ الحائط عرضا، فنقبوا في طوله من حيث الزاوية، فوصلوا إلى البرنيّة، فأخذوها.
فلما شاهدوا ما فيها اكتفوا به، وانصرفوا، ولم يدخلوا الدار.
وتضعضعت حال الرجل.
(1/342)

182 الأمير عماد الدولة بن بويه تقع عليه حيّة فيجد كنزا
ومنها «1» : ما حدّثني به أبو الحسن بن مهذب القزوينيّ، كاتب سوريل، أحد قوّاد الديلم، قال:
لما ملك الأمير عماد الدولة، أحمد بن بويه «2» ، شيراز، ظهر له من الكنوز القديمة، والقريبة، أمر عظيم، على أوصاف طريفة.
فكان منها: إنّه دخل مستراح دار الإمارة، التي يسكنها، فسقطت عليه حيّة من سقف المستراح «3» ، وكان أزجا «4» عتيقا، فارتاع لذلك، وأمر بنقضه، فوجد فيه خمسين ألف دينار عينا.
(1/343)

183 الأمير عماد الدولة يجد كنزا في خان مهجور
قال «1» : وكنت قائما بحضرته «2» يوما، فسعي إليه ببيت في خان في السوق، وأنّ فيه ودائع عظيمة القدر، لبعض أصحاب ياقوت «3» .
فقال لي: امض فخذها [100 ط] .
فجئت، وفتحت الباب، وإذا بشيء كثير، فاستدعيت كاتبا آخر، وجلسنا نحصي.
فوقعت عيني على بيت في آخر الخان، مقفل بعدّة أقفال، قد رثّت، لعتقها، ووقع في نفسي أنّ فيه وديعة أخرى لبعض أصحاب السلطان.
فقلت للخانيّ: لمن هذا البيت، وأىّ شيء فيه؟
فقال: لا أدري، إلّا أنّه مقفل منذ أكثر من ثلاثين سنة.
فقوي طمعي فيه، فقلت: افتحوه، ففتحوه، فلم يجدوا فيه شيئا.
فاستربت بالأمر، وقلت: بيت عليه عدّة أقفال، طول هذه السنين، فارغ؟ هذا محال، فتّشوه.
وفتّش بدن الحائط، فلم يجدوا شيئا.
فقلعت بارية فيه، وأمرت بالحفر، فحفر، ولم نر شيئا.
وعزمنا على الانصراف، فوجدنا خمس قماقم مملوءة دنانير، فحملناها إلى الأمير، وحدثته بالحديث، فوهب لي منها، ألف دينار.
(1/344)

184 الأمير معزّ الدولة يستخرج كنزا من المدائن
ومن ذلك «1» : ما أخبرني به الحسين بن محمد بن الحسين الجبائيّ، قال:
حدّثني أبو الحسن الدامغانيّ، صاحب معزّ الدولة:
إنّه كان جالسا في الدهليز، في يوم نوبة، فجاء رجل يصيح: نصيحة.
فقلت له: ما هي؟
قال: لا أخبر بها إلّا الأمير.
فدخلت، فعرّفته، فقال: هاته، فأدخلته إليه.
فقال: أنا رجل صيّاد بناحية المدائن «2» ، وكنت أصيد، فعلقت شبكتي، في أسفل جرف بشيء، ولم أدر ما هو، فخلّصتها، فتعذّرت، فغصت في الماء، فوجدتها متعلقة بعروة حديد، فحفرت، فإذا بقمقم مملوء، فرددته إلى مكانه، وجئت أعرّف الأمير.
فقال لي: انحدر الساعة معه، وأحضرني المال. وردّ الرجل إليّ على حاله.
فانحدرت، وجئت إلى المدائن العتيقة، والجرف، ووجدنا القمقم بحاله، كما قال الرجل.
(1/345)

فتتبّعت نفسي الطلب، وأمرت بأن يحفروا، ويطلبوا.
فحفروا، وأطالوا الحفر كثيرا، فوجدنا ثمانية قماقم أخر «1» ، مالا.
فحملت الجميع، والرجل، إلى الأمير، وحدثته بالحديث، ففرح بذلك، وقال: أعطوا الرجل من المال عشرة آلاف درهم، واصرفوه.
فقال الرجل: لا أريد ذلك، ولا حاجة لي إليه.
فقال له الأمير: ولم؟
قال: أريد أن تهب لي الصيد في تلك الناحية، وتأمر بأن يمنع كلّ أحد من أن يصطاد فيها غيري.
فضحك الأمير، وجعل يعجب من حماقته. وقال: اكتبوا له بما سأل.
فكتب له بذلك.
(1/346)

185 كردك النقيب الديلميّ يغتال مستأمنا طمعا في ماله
ومنها «1» : ما جرى في عصرنا، وأخبرت به، من أمر كردك النقيب «2» :
وذلك، إنّ معزّ الدولة، أنفذه إلى رجل بعمان «3» ، يقال له النوكاني، كان قد ملكها عقيب انقراض بني وجيه، ملوكها، فراسله في تسليمها إليه، وتهدّده بالجيش.
وكان الرجل تاجرا موسرا، إلّا انّ أهل البلد ملّكوه، فملك.
فلمّا جاءته الرسالة، انحلّ، وأجاب إلى تسليم البلد [101 ط] . وخلع على كردك وردّه.
فاضطرب أهل البلد عليه، وجيشه، وثاروا به، وقبضوا عليه، وخيّروه موضعا ينفى إليه، فاختار البصرة.
وجمع متاعه، وأمواله، وصكاك ضياعه وعقاره، بعمان، والبصرة، وحسابه، وثبت ودائعه، وذخائره، وكلّ ما يملكه، من قليل، وكثير، وعتيد.
قال: وجعله في مركب، وخطف يريد البصرة، وقد احتوى مركبه على مال كثير.
(1/347)

فلقيه كردك في الطريق يريده، وعنده أنّه بعمان، بجواب الرسالة.
فلما رآه طرح إليه، فعرّفه خبره. فوجده في نفر يسير، فطمع فيه، وبات معه في مركبه، ونقل إليه من غلمانه قطعة.
فلما كان الليل، قيّده، وطرحه في البحر، واحتوى على جميع ما في المركب، ونقل، إلى مركبه، من الجواهر، والطيب، وفاخر المتاع، والجواري، ما أراد، وترك الباقي في المركب.
وسار حتى أتى معزّ الدولة، فعرّفه ما عمل، وسلّم إليه عقود الضياع «1» ، وثبت الودائع «2» ، واستوهب منه من بقي من الجواري، وأشياء أرادها أيضا من المتاع، فوهبها له.
وطاح دم الرجل.
وقبض الأمير الضياع، وأمر ببيعها، فبيعت، وقد شاهدت بيعها.
وبلغني، أنّ المشترين، كانوا يستلمون كتب الرجل بشرائها، فتسلّم إليهم.
(1/348)

186 ابن الحراصة يضمن القمار والفجور ببغداد وحماية اللصوص بألفي درهم في كلّ شهر
ومن ذلك «1» : ما كان يجري ببغداد من رجل يعرف بابن الحراصة، نفّاط، مع قائد من قوّاد الديلم، يقال له أبو الحسن شير مردي بن بلعباس قاضي الديلم.
وكان هذا النفّاط، مظهرا للقمار، والعيارة، والفجور، وبيع الخمور، وتأوي إليه اللصوص، فلا ينكر أحد ذلك عليه، لأجل شير مردي، وضمانه ذلك منه، بألفي درهم، في كلّ شهر.
وبلغني: أنّه كان إذا عجز عليه مال الضمان، قبض على من يجتاز ببابه، ويدخلهم فيها، ويقال لهم: إمّا وطئتم ما تريدون، ووزنتم كذا وكذا، أو لا، فزنوه وانصرفوا، ولا يخرجون إلّا بذلك.
وكان ينزل الجانب الشرقيّ، بقرب الجسر، وباب الطاق، في الموضع المعروف ببين القصرين، بدار الجاشياريّ، على دجلة.
(1/349)

187 ابن الحراصة ترتكب الفاحشة في داره علانية
فحدّثني أبو الحسن، أحمد بن يوسف الأزرق، قال «1» :
اجتزت بداره «2» من الشط، فرأيت في صحنها، ظاهرا بغير استتار، نفسين يتجامعان.
فقلت لمن كان معي في السماريّة «3» ، اعدلوا بنا ننكر هذا.
فطرحنا إليهما، وأخذت الجماعة ترجمهما من الشطّ، وتستنفر الناس.
فقال بعض من معنا: لعنكما الله، ما كان في الدار بيت تدخلون فيه؟
فذكرت في الحال ما جاء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: عند ظهور المنكر، أشدّ الناس أمرا بالمعروف، من يقول ألا تواريتما، أو كما قال صلّى الله عليه وسلّم.
ونزل إلينا أصحاب ابن الحراصة، فخفنا منهم على نفوسنا، وجلسنا في السمارية، وانصرفنا [102 ط] .
فلم يزل كذلك، إلى أن زاد الأمر، وأكثر على معزّ الدولة في استقباح ذلك، فأمر بكبسه، فهرب، وتفرّقت جموعه.
(1/350)

188 إمرأة تشوي ولدها وتأكله
ومنها «1» : إنّ أحمد بن إبراهيم الجعفي، أحد شهودي- كان- بقصر ابن هبيرة «2» ، وأنا أتقلّدها، إذ ذاك، أخبرني:
إنّه شاهد في وقت الغلاء الشديد الذي كان ببغداد، ونواحيها، في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، امرأة قد شوت ولدها، وجلست تأكله «3» .
ففطن المسلمون بها، فأخذوها، وبقيت معها حتى حملوها إلى السلطان، فقتلها.
وقد أخبرني عدد كثير من أهل بغداد، أنّ هذا جرى عندهم في هذا الوقت، وأنّهم شاهدوه.
واختلف عليّ قول بعضهم، لأنّ فيهم من قال: شوت ابنا لجارة كانت لها، ومنهم من قال: ابنا لها، ومنهم من قال: ابنة جارتها.
وأيّ شيء حصل من ذلك، فهو طريف «4» عظيم.
(1/351)

189 عشرون ألف درهم ثمن كرّ واحد من الحنطة
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش القاضي، قال: حدّثني أبو عبد الله الموسويّ العلويّ، البغداديّ:
إنّه باع في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، عند اشتداد الغلاء «1» ، على معزّ الدولة، وهو محاصر، مقيم بظاهر بغداد من الجانب الغربيّ «2» ، كرّا معدّلا «3» حنطة، بعشرين ألف درهم.
قال: ولم أخرج الغلّة حتى تسلّمت المال، وحصل في داري، ثم أخرجت الغلّة فاكتالوها، وأخذوها.
فنعوذ بالله من مثل هذه الأحوال.
(1/352)

190 أبو الفرج الببغاء يمتدح الأمير سيف الدولة
أنشدني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المعروف بالببغاء، لنفسه قصيدته إلى سيف الدولة، يذكر وقعة كانت له مع بعض العرب، وهي:
عدل الصوارم أعدل الأحكام ... وشبا الأسنّة أكتب الأقلام
أخلق بمن كفر الغنى أن يغتدي ... كفرانه سببا إلى الإعدام
من كان في الإكرام مفسدة له ... فهوانه أولى من الإكرام
هذان البيتان من الأمثال الجياد، التي يجب أن تسير.
وفي هذه القصيدة أشياء حسان، منها قوله:
فتركتهم صرعى كأنّك بالظبى ... عاطيتهم في الروع كأس مدام
متهاجرين على الدنّو كأنّما ... أنفت رؤوسهم من «1» الأجسام «2»
تمّ الجزء الأول ويتلوه في الجزء الثاني بمشيئة الله:
قد قدّمت في الجزء الأول الحمد لله والثناء عليه وذكرت من الأخبار ما لم تدر، ممّا لم تجر العادة بكتب مثلها، ولا ما يكاد أن يتجاوز به الحفظ «3»
(1/353)

محتويات الكتاب
5 مقدّمة المحقّق
17 ترجمة المؤلّف
1 مقدّمة المؤلّف
15 1 لماذا لا يكذبون على الوزير أعزّه الله
17 2 الوزير ابن الزيّات يذكر البرامكة وهو في التنّور
18 3 أبو الشبل يقارن في الكرم بين البرامكة وبين عبيد الله بن يحيى بن خاقان
20 4 الحسن المنجّم عامل معزّ الدولة على الأهواز وحبّه للعمارة
22 5 الوزير حامد بن العباس يرى قشر باقلاء في دهليز داره
24 6 الوزير حامد بن العباس يخبئ أربعمائة ألف دينار في بئر مستراح
25 7 مصادرة التاجر ابن الجصّاص في زمن المقتدر زادت على ستّة ملايين دينار
26 8 ابن الجصاص التاجر يبقى له بعد المصادرة مليون دينار
29 9 حكاية تدلّ على دهاء التاجر أبي عبد الله بن الجصّاص
36 10 حكاية تدلّ على ذكاء التاجر أبي عبد الله بن الجصّاص
37 11 مروءة التاجر بن الجصّاص واتّساع حاله
38 12 ثلاثون جاما في تركة يأنس الموفّقي ثمنها ثلاثة ملايين دينار
(1/355)

41 13 مروءة الوزير حامد بن العباس ومكارم أخلاقه
42 14 الوزير عليّ بن عيسى وصاحب ديوان السواد
46 15 حكايات عن وقار الوزير عليّ بن عيسى وزماتته
47 16 حكاية عن تزمّت القاضي أبي جعفر بن البهلول
48 17 بين الوزير عليّ بن عيسى والوزير أبي عليّ بن مقلة
51 18 تزمّت الوزير عليّ بن عيسى وتخشّنه
52 19 الوزير عليّ بن عيسى يفرض على ملك الروم أن يحسن معاملة الأسارى المسلمين
56 20 ابن رزق الله التاجر البغداديّ يوقف في بلاد الروم أكسية لتدفئة أسارى المسلمين
57 21 شخص متعطّل، زوّر كتابا عن لسان الوزير ابن الفرات، إلى عامل مصر
60 22 أبو عمر القاضي يعامل بالجميل، رجلا زوّر عنه رقعة بطلب التصرّف
63 23 أراد أن يزوّر على رجل مرتعش اليد
64 24 الوزير ابن مقلة يزوّر عليه أخوه
65 25 عمران المملكة أساس صلاح الرعيّة
66 26 الوزير بن الفرات يحسن إلى خيّاط
68 27 الوزير المهلّبي يحسن إلى كوّاز
69 28 من مكارم أخلاق الوزير أبي محمد المهلّبي
72 29 الوزير المهلّبي وأبو عبد الله الأزدي الموصلي
74 30 عطايا الوزير المهلّبي متواصلة
75 31 الوزير القاسم بن عبيد الله، يأمر أستاذه بالارتفاق
(1/356)

78 32 الوزير عبيد الله بن سليمان، يبيح جزءا من مال الدولة لأحد صنائعه.
82 33 الوزير عبيد الله بن سليمان ورقاع إسماعيل القاضي
83 34 الوزير ابن مقلة يتبرّم برقاع ذوي الحاجات
84 35 الوزير عليّ بن عيسى ورقاع أبي بكر الشافعي
85 36 الوزير عليّ بن عيسى ومحمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشميّ
86 37 الوزير أبو محمد المهلّبي ومحمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشميّ
89 38 لو سلم من العشق أحد، لسلم منه أبو خازم القاضي
91 39 علويّ يفتخر بنفسه
92 40 ابن قناش الجوهري يصف دجلة
92 41 في هجاء مغنّ طنبوريّ
93 42 للكاتب بشر بن هارون في هجاء أحد خلفاء القضاة ببغداد
94 43 بشر بن هارون الكاتب يشكو من رئيسين صرف أحدهما بالآخر
95 44 أبو نصر البنص في مجلس سيف الدولة يعلّل سبب تسميته بالبنص
96 45 أبو نصر البنص في مجلس أبي بكر بن دريد
97 46 أبو نصر البنص وصاحب الشرطة
98 47 بين الأمير معزّ الدولة ووزيره أبي جعفر الصيمري
99 48 المدائني يتماجن على شيخ صوفيّ
100 49 أبو أحمد الحارثي وصوفيّ يترنّم بالرباعيّات
(1/357)

100 50 الشافعي وغلام الهرّاس
101 51 أبو محمد الواسطي والمغنّية التي يهواها
103 52 أبو الفرج الببغاء يمدح سيف الدولة
104 53 القاضي أبو بكر بن سيّار وحساب الأصابع
108 54 هندي يقتل فيلا بحيلته من غير سلاح
110 55 ملك الهند يحاور الحكماء من رعيته
112 56 الصيمريّ وزير معزّ الدولة يرفق بأحد المصادرين
113 57 مهاترة بين بصريّ وسيرافيّ
114 58 الوزير أبو محمد المهلّبيّ وحد الإقبال والإدبار
115 59 من شعر أبي الفرج الببغاء
116 60 لأبي الفرج الببغاء في الأمير سيف الدولة
117 61 من مكارم أخلاق أبي المنذر النعمان بن عبد الله
120 62 من مكارم أخلاق أبي المنذر النعمان بن عبد الله
122 63 أبو القاسم بن الحواري وعظيم برّه بأمّه
124 64 أبو عصمة الخطيب وأهل عكبرا
125 65 أصل نعمة سليمان الثلاج في بغداد
128 66 بغداد في أيام المقتدر
131 67 أحاديث في احتباس الحمل
132 68 قد ينال الإنسان باللين ما لا ينال بالشدّة
136 69 الحجّاج بن يوسف الثقفي يأمر بتعذيب آزاد مرد
138 70 الأمير معزّ الدولة اليويهي ووزيره أبو محمد المهلّبي
142 71 الأمير معزّ الدولة وحدّة طبعه
143 72 من مكارم أخلاق الأمير سيف الدولة
(1/358)

144 73 الخليفة المعتضد يعذّب شخصا حاول الخروج عليه
147 74 بابك الخرمي وجلده وصبره على العذاب
149 75 عافية الباقلّاني وخالد الحذّاء يسيران حافيين على باب حديد محميّ
151 76 كيف قتل الخليفة المعتضد وزيره إسماعيل بن بلبل
152 77 الخليفة المعتضد يقتل آخر بسدّ جميع منافذه
153 78 قرطاس الرومي وكيف عاقبه المعتضد
156 79 من طريف حيل اللصوص- 1
157 80 من طريف حيل اللصوص- 2
159 81 القصريّ غلام الحلاج كان يصبر على الجوع خمسة عشر يوما
161 82 ما اشترطه أبو سهل بن نوبخت، لكي يؤمن بدعوة الحلّاج
162 83 الحلّاج في مجلس الوزير حامد بن العباس
165 84 طرائف من مخاريق الحلّاج
169 85 من أقوال الحلّاج وتواقيعه
170 86 ضرب العود يماثل صوت الهيب في أصول النخل
171 87 أبو جعفر الصيمريّ وزير معزّ الدولة يسخف في مجلس العمل
172 88 أبو عليّ الجبائي والحلّاج
173 89 بعض اعتقادات أصحاب الحلّاج
174 90 خال المؤمنين عند الحلّاجيّة- 1
175 91 خال المؤمنين عند الحلّاجيّة- 2
177 92 من أخبار متخلّفي المورثين- 1
(1/359)

178 93 من أخبار متخلّفي المورثين- 2
184 94 ابن الدكيني يرث عن والده خمسمائة ألف دينار
185 95 وآخر بالبصرة ورث عن والده مائة ألف دينار
186 96 تاجر من العسكر يحاسب ولده على ما أتلف من المال
187 97 أحمد الخراساني صاحب ابن ياقوت
188 98 ابن وسنا الخزاعي والكلام الذي يطيّر الآجر
189 99 درّة الرقّاص الصوفي وأبو غالب بن الآجري
190 100 آخرة أبي غالب بن الآجري
191 101 درة الصوفي يتحدّث عن المورثين
192 102 فصل من كتاب كتبه القاضي التنوخيّ إلى رئيس
193 103 أبو الحسن الموصلي كاتب أبي تغلب، والسيدة جميلة ابنة ناصر الدولة
195 104 عليّة بنت المهدي تتحامى اسم طلّ
195 105 امرأة بغداديّة تتظرّف فتحرّف القرآن
196 106 بجكم أمير الأمراء وفتوة جارية الهاشمية
197 107 أبو العباس البغدادي وانفاقه ماله في الفساد
199 108 كلّ نفس آتيناها هداها
201 109 ما للماء للماء وما للخمر للخمر
202 110 قرود اليمن ترجم الزاني والزانية
203 111 دبّ في شيراز ينفخ في زق حدّاد
203 112 دبّ يضرب بمطرقة حدّاد
204 113 خاقان المفلحي يستطيب لحم الدبّ والضبع
205 114 وصف له الطبيب فرّوجا فأكل مهرا
(1/360)

206 115 وظيفة خاقان المفلحي في كل يوم من اللحم ألف ومائتا رطل
207 116 وظيفة الوزير أبي الفرج بن فسانجس من اللحم في كل يوم
208 117 كفى بالأجل حارسا
209 118 عريان أعزل يصيد الأسد
211 119 لئيم يفخر بلؤمه
221 120 كيف تاب ابن أبي علان من التصرّف
225 121 أبو فراس الحمداني من مناجيب بني حمدان
228 122 كيف أسر أبو فراس الحمداني
231 123 إذا اختلّ أمر القضاء في دولة، اختلّ حالها
234 124 من محاسن الأحوص الغلابيّ القاضي بالبصرة
238 125 أبو عمر القاضي يقلد ابنا لأحمد بن حنبل القضاء ثم يصرفه
239 126 أبو خازم القاضي يغضب إذا سمع مدحا للقاضي بأنّه عفيف
240 127 إسراع الناس إلى العجب ممّا لم يألفوه
242 128 من قدّم أمر الله على أمر المخلوقين كفاه الله شرهم
245 129 القاضي أبو محمد البصريّ والد القاضي أبي عمر يؤدّب مملوكا من وجوه مماليك الخليفة المعتضد
246 130 قاضي همذان يمتنع عن قبول شهادة رجل مستور
247 131 الصفح الجميل عفو بلا تقريع
248 132 بين الأصبهاني الكاتب والخوميني عامل سوق الأهواز
249 133 شيخ من الكتاب ينصح أبا الحسين بن عيّاش
(1/361)

251 134 أبو يوسف القاضي واللوزينج بالفستق المقشور
252 135 سبب اتّصال أبي يوسف القاضي بالرشيد
254 136 أنس الرشيد بأبي يوسف القاضي
255 137 كيف نصب أبو جعفر بن البهلول قاضيا
258 138 ارتفاع محل القاضي ابن البهلول في دولة المقتدر
260 139 الحسين بن القاسم بن عبيد الله يتصرّف تصرّفا يكون أوكد الأسباب في عزله عن الوزارة
262 140 عدد الشهود الذين قبلهم القاضي التيميّ بالبصرة
263 141 أسد بن جهور، وما فيه من سوداء ونسيان
264 142 المتوكل يختار فتى لمنادمته
266 143 المعتضد يلاعب ابن حمدون بالنرد
268 144 المعتضد يسدد دين نديمه مرتين
270 145 بين ابن المدبّر وعريب
274 146 الزجّاج يدرس النحو على المبرّد
276 147 بيتان من نظم أبي محمد الشامي كاتب الأمير سيف الدولة
277 148 ليحيى بن محمد في مواهب المغنّية
279 149 لابي الفرج الببغاء في الأمير سيف الدولة
280 150 لأبي الفرج الببغاء يعزّي الأمير سيف الدولة بولده أبي المكارم
281 151 سيف الدولة يقيم الفداء مع الروم على شاطئ الفرات
282 152 رأي أحد القضاة في الخليفة المقتدر
283 153 المؤتمن أبو القاسم سلامة، يتحدث عن صحّة تفكير الخليفة المقتدر
(1/362)

284 154 حديث القاضي أبي طالب بن البهلول مع الخليفة المقتدر
287 155 الخليفة المعتضد يتنبأ بأنّ ضياع الدولة يجري على يد ولده المقتدر
292 156 يقال إنّ جميع الغوالي استعملت في الوحل الذي عملته السيّدة أم المقتدر
293 157 أنموذج من إسراف السيّدة أم المقتدر
295 158 أنموذج من إسراف الخليفة المقتدر
296 159 أنموذج من إسراف الخليفة الراضي
298 160 الراضي يأمر لكل واحد من ندمائه بوزن الآجرّة دراهم
300 161 ختم الراضي الخلفاء في أمور عدّة
301 162 أنموذج من إسراف المتوكل
303 163 الوزير المهلّبي يشتري لمجلس شرابه وردا بألف دينار
304 164 أبو القاسم البريدي يشرب على ورد بعشرين ألف درهم
305 165 كان أبو العباس الشامي نخّاسا فأصبح قوّادا
306 166 أبو العباس الشامي النخّاس كان صفعانا طيّبا
307 167 أبو العباس الشامي النخّاس يطلب من القاضي قبوله للشهادة
308 168 الوزير المهلّبي والشامي النخّاس
309 169 أبو مخلد يستولي على دست مجلس معز الدولة
310 170 أبو مخلد يستولي على طنفسة رآها في مجلس الخليفة المطيع
311 171 ابن دية الأنماطي يقوّم ثمن قسم من فرش أبي مخلد بمائتي ألف دينار
312 172 الشيخ الخياط وأذانه في غير وقت الأذان
319 173 مثل على تيقّظ المعتضد وعلوّ همته
(1/363)

322 174 التفريط في حدود أذربيجان أدّى إلى فساد المملكة
326 175 مثل آخر على تيقّظ المعتضد وعلوّ همّته
329 176 مثل على ضبط المعتضد أمر جنده وتشدّده في منعهم من التعدّي
331 177 شدّة ضبط المعتضد عسكره
334 178 بين المعتضد، ونديمه، ووزيره
338 179 عاشق تسبّب في قتل حبيبته وزوجها
340 180 كلب يكشف عن قاتل سيده
342 181 خبأ ماله في برنيّة، فعجل ذلك في سرقتها
343 182 الأمير عماد الدولة بن بويه، تقع عليه حيّة فيجد كنزا
344 183 الأمير عماد الدولة، يجد كنزا في خان مهجور
345 184 الأمير معزّ الدولة، يستخرج كنزا من المدائن
347 185 كردك النقيب الديلمي، يغتال مستأمنا طمعا في ماله
349 186 ابن الحراصة يضمن القمار والفجور ببغداد وحماية اللصوص بألفي درهم في كلّ شهر
350 187 ابن الحراصة ترتكب الفاحشة في داره علانية
351 188 امرأة تشوي ولدها وتأكله
352 189 عشرون ألف درهم ثمن كرّ واحد من الحنطة
353 190 أبو الفرج الببغاء يمتدح الأمير سيف الدولة
(1/364)

فهرس أسماء الأشخاص
(أ)
إبراهيم بن عيسى- أخو الوزير علي بن عيسى بن الجراح 43، 44
إبليس 169
الأثرم- أبو العباس 20
ابن الأثير- عز الدين علي بن محمد الشيباني 28
الآجري- أبو غالب 189، 190، 192
ابن أحمد بن حنبل- القاضي 238
أبو أحمد- الأمير الموفق طلحة بن المتوكّل
أبو أحمد بن الحسين بن يوسف- عامل الأهواز 221
أحمد بن طولون 236
أحمد بن الطيّب- السرخسي
أحمد بن عمر بن حفص 186
الآدمي- البزاز البصري 307
أردشير بن بابك 213
أزادمرد بن الفرند 136
الأزدي- أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد الأزدي القاضي 82 256، 257، 262
الأزدي- أبو علي الحسن بن إسماعيل بن إسحاق القاضي 326
الأزدي- أبو عبد الله محمد بن سليمان بن فهد الموصلي 72
(1/365)

الأزدي- أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الموصلي 17، 72، 264، 266، 268، 276، 277
أبو إسحاق- صاحب الطبقات 235
أسماء بنت المنصور 180
إسماعيل بن بلبل- أبو الصقر الوزير 42، 45، 151، 256، 257
الأشعث بن قيس- الكندي
الأصبهاني- أبو بكر أحمد بن عبد الله بن سعيد 248
الأصبهاني- أبو العباس أحمد بن عبد الله الأصبهاني الكاتب 231
الأصبهاني- أبو الفرج علي بن الحسين صاحب الأغاني 32، 18، 19، 38، 74
الأصبهاني- أبو القاسم سعيد بن عبد الرحمن الكاتب 112
اغورج- بطريق رومي 228
الآمدي- أبو القاسم الحسن بن بشر 89
امرؤ القيس 225
أبو أميّة القاضي- الغلابي
الأمير الناصر- الموفق طلحة بن المتوكل
الأنباري- أبو علي أحمد بن جعفر بن إبراهيم الحصيي 258
الأنباري- جعفر بن إبراهيم الحصيني 255
الأنباري- أبو علي الحسن بن محمد الأنباري الكاتب 72، 287، 292
الأنماطي- ابن دية 311
الأهوازي- أبو بكر محمد بن إسحاق بن إبراهيم الشاهد 165
ابن أبي أيوب- أبو محمد الواسطي 101
(ب)
ابن البازيار- أبو علي 95
بابك الخرمي 147
(1/366)

الباقلاني- عافية 149
الببغاء- أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزومي 91، 103، 115، 116، 225، 230، 276، 279، 280، 281، 353
بجكم- الماكاني، أمير الأمراء 10، 19، 196
البحتري- أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي 151، 228
البخاري- أبو نصر أحمد بن عمرو القاضي 238
بختيار- أبو منصور عز الدولة بن معز الدولة 71، 94، 138، 193، 277، 278
بدر- غلام المعتضد 316، 317، 326
بدر اللاني- 144، 153
بدعة- جارية عريب 89، 271
بدعة الدرونية 197
البرامكة- بنو خالد بن برمك 16، 17، 18، 19، 69، 252
البربهاري- الحسن بن علي بن خلف 28
البربير- الشيخ أحمد 104
البرجمي- أبو الشبل عاصم بن وهب 18، 19
البرسي- أبو الحسن عامل البصرة 293
آل برمك- البرامكة
البرمكي- جحظة، أبو الحسن أحمد بن جعفر 26
البرمكي- خالد 19
البرمكي- الفضل بن يحيى بن خالد 19
البرمكي- أبو الفضل يحيى بن خالد 18، 19
البريدي- أبو الحسين عبد الله بن محمد 20، 190
البريدي- أبو عبد الله أحمد بن محمد 18، 19، 20، 190، 217، 219، 284، 305
البريدي- أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمد 175، 176، 190، 304، 305،
البريدي- أبو يوسف يعقوب بن محمد 20، 305، 306
(1/367)

البريديون- آل البريدي 20، 68، 142
البستي- أبو الفتح علي بن محمد بن الحسين بن يوسف 93
بشر بن هارون النصراني الكاتب، أبو نصر 93، 94
البصري- أبو محمد يوسف بن يعقوب بن حماد- والد القاضي أبي عمر 245
ابن بطوطة- محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي 312
البغدادي- أبو العباس 197
البغدادي- أبو القاسم 277
ابن بقيّة- وزير بختيار 24
البنص- أبو نصر 95، 96، 97
ابن البهلول- التنوخي أبو جعفر القاضي
بوران- خديجة بنت الحسن بن سهل 302
البومني- أبو محمد الحسن بن محمد البصري 170
بويه- بنو 247، 325
ابن البيطار- ضياء الدين بن عبد الله بن أحمد الأندلسي المالقي 2
(ت)
التازي- محمد بن عمر البغدادي، ابن عتاب السقطي 85، 337
تجنّي- محظية الوزير المهلّبي وأم أولاده 278
تحفة- جارية عريب المأمونية 271
تره- محمد بن أحمد
التنوخي- 9
التنوخي- القاضي أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول 17، 18، 10، 47، 136، 163، 242، 243، 249، 255، 257، 258، 259، 260
التنوخي- أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق 24، 9، 42، 46، 114، 144، 153، 159، 161، 172، 186، 188، 227، 255، 258، 274،
(1/368)

283، 322، 342، 350
التنوخي- إسحاق بن البهلول 255
التنوخي- أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول 47، 65، 150، 242، 255، 260
التنوخي- القاضي أبو القاسم علي بن محمد، والد المؤلّف 5، 17، 18، 19، 20، 28، 29، 30، 31، 46، 66، 152، 218، 219، 245، 252، 254، 282، 284، 289، 319، 334
التنوخي- القاضي أبو القاسم عليّ بن المحسّن، ابن المؤلف 5، 27، 28، 29، 32، 7، 155، 192، 220
التنوخي- محمد بن داود بن إبراهيم، جد المؤلف 17
التنوخي- القاضي محمد بن علي بن المحسّن التنوخي 28
التنوخي- القاضي أبو عليّ المحسّن بن عليّ، مؤلف النشوار 5، 8، 9، 11، 13، 14، 17، 19، 20، 21، 22، 23، 24، 25، 26، 27، 28، 29، 30، 31، 32
التنوخي- أبو طالب محمد بن أبي جعفر بن البهلول 255، 284
التنوخي- أبو بكر الأزرق، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول الأنباري 10، 42، 144، 153
توزون- أبو الوفاء، أمير الأمراء 20، 277
تيمور- أحمد تيمور 6، 3، 5، 6، 26، 37، 73، 144، 212، 289
التيمي- أبو الأغر بن أبي شهاب 149
التيمي- القاضي بالبصرة 162
(ث)
الثعالبي- أبو منصور عبد الملك بن محمد النيسابوري 31، 103
ثعلب- أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار 274، 296
(1/369)

(ج)
ابن جان بخش- 174، 175
الجبائي- الحسين بن محمد بن الحسين 345
الجبائي- أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام 10، 172، 221
الجراح- محمد بن داود 25
ابن الجصّاص- أبو عبد الله الحسين بن عبد الله الجوهري 21، 25، 26، 29، 31، 36، 37، 40
ابن الجصّاص- أبو عليّ بن أبي عبد الله 21، 29
جعفر الصادق- الإمام 6
جعفر بن المعتضد- المقتدر
الجعفي- أحمد بن إبراهيم 351
الجنّابي- أبو طاهر القرمطي 199
الجهنيّ- أبو القاسم 19، 38، 74، 263، 295، 301، 338
ابن جهور- أسد، عامل الكوفة 263
جواد- الدكتور مصطفى 275
ابن الجوزي- أبو الفرج عبد الرحمن بن علي 8، 77، 338
الجيلي- طاهر 98
(ح)
ابن حاجب النعمان- أبو عبد الله بن عبد العزيز بن إبراهيم 69
ابن حاجب النعمان- أبو الحسين عبد العزيز بن إبراهيم 69، 70
الحارثي- أبو أحمد عبد الله بن عمر 100، 101، 331
الحاجي- علي بن الحسين 299
(1/370)

حامد بن العباس- الوزير 22، 23، 24، 41، 43، 122، 159، 162
ابن الحجّاج- أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد الشاعر 23، 31، 93، 277
الحجّاج بن يوسف الثقفي- 136، 137، 215
ابن حدبنا- صاحب الربع 231
ابن أبي الحديد- عز الدين أبو حامد عبد الحميد بن هبة الله المدائني 170
الحذّاء- خالد 149
ابن الحراصة- 349، 350
ابن حرب- جعفر المعتزلي 10، 223
ابن الحرث- أبو الحسن صاحب الوزير سليمان بن الحسن بن مخلد 285، 286
الحسن بن علي 18
الحسن بن علي- أبو محمد الإمام 264
الحسن بن هارون- أبو علي 50، 277
أبو الحسين القاضي- عمر بن يوسف 208، 240، 249
الحسين بن علي- أبو عبد الله الإمام 264
الحسين بن غريب البقال 188
الحسين بن القاسم بن عبيد الله 260، 261
الحشمي- محمد بن أحمد 136
أبو الحصين- القاضي علي بن عبد الملك الرقي- الرقي
الحلاج- أبو المغيث الحسين بن منصور 10، 159، 161، 162، 164، 165، 169، 172، 173
حلوز بن باعلي 175
الحمداني- أبو فراس الحارث بن سعيد 30، 225، 226، 228، 229، 281
الحمداني- محمد بن ناصر الدولة الحسن 25، 228
الحمداني- أبو المكارم بن سيف الدولة 280
الحمداني- سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله 18، 18، 38، 95، 103، 225، 228، 229، 230، 276، 279، 280، 281، 353
(1/371)

الحمداني- أبو المعالي، سعد الدولة، شريف بن سيف الدولة 226، 227
الحمداني- فضل الله بن الحسن، أبو تغلب 26، 193
الحمداني- ناصر الدولة الحسن بن عبد الله 72، 204، 231
الحمدانية- جميلة بنت ناصر الدولة 193، 194
ابن حمدون- إبراهيم 264
ابن حمدون- أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم 264، 265، 301
ابن حمدون- أبو جعفر 264، 266، 268، 296
ابن حمدون- أبو محمد عبد الله بن أحمد 264، 266، 268، 301، 319، 321 331، 334، 337
حمولي- أبو علي أحمد بن موسى 309
الحموي- شهاب الدين ياقوت بن عبد الله البغدادي 8، 17، 18، 232
ابن حنزابة- أبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات- ابن الفرات أبو حنيفة- النعمان بن ثابت ابن الحواري- أبو القاسم عليّ بن محمد 60، 61، 62، 122، 123، 283
الحيّاني- الفضل بن أحمد 84، 100
(خ)
أبو خازم القاضي- عبد الحميد بن عبد العزيز 89، 90، 239
خاطف المغنّية- التي تغنّي بالقضيب 24
خاقان المفلحي 204، 206
الخاقاني- محمد بن عبيد الله بن خاقان 29، 42
ابن أبي خالد- إسماعيل المحدّث 131
ابن خانجير 174، 175
خديجة بنت الحسن بن سهل- بوران
(1/372)

الخراساني- أحمد، صاحب بن ياقوت 187
الخراساني- أبو حامد أحمد بن بشر بن عامر 97، 98
ابن خربان- أبو القاسم علي بن محمد، كاتب ابن أبي علان 211
الخرقي- إسحاق الشيرازي 293
الخرمي- بابك
الخصيبي- أحمد بن عبيد الله، الوزير 322
الخطيب البغدادي- أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت 8، 136
الخفاف- أبو القاسم عبيد الله بن محمد 156، 157
خمارويه- ابن أحمد بن طولون 204
الخوارزمي- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف 2
الخوميني- أبو عبد الله، عامل سوق الأهواز 248
(د)
ابن داسه- أبو عمر أحمد بن عبد الله بن أحمد بن بكر البصري 202
ابن داسه- عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن بكر 113
ابن داسه- أبو محمد عبد الله بن أحمد بن بكر 36، 56، 199
الدامغاني- أبو الحسن، صاحب معز الدولة 345
ابن درستويه- أبو محمد عبد الله بن جعفر النحوي 274
درّة الرقاص الصوفي- 189، 190
ابن دريد- أبو بكر محمد بن الحسن 10، 96
ابن الدكيني- المورث 184
دلويه- أبو محمد، كاتب نصر القشوري، حاجب المقتدر والقاهر 155
الديلمي- أسفار بن شيرويه 323، 324
الديلمي- ما كان 323
(1/373)

(ر)
الراضي- الخليفة محمد بن جعفر المقتدر 65، 95، 196، 249، 277، 296، 298، 299، 300
الرامي- أبو الحسن 91
ابن رائق- الأمير أبو بكر محمد بن رائق أمير الأمراء 19، 38
الربيع ابن حبيب بن عمرو الفراهيدي- 235
الرجب- قاسم محمد، صاحب مكتبه المثنى 12
ابن رزق الله- التاجر البغدادي 56
الرشيد- هارون بن المهدي 30، 19، 195، 251، 252، 254، 302
رشيق- خادم الوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان 18
أبو رفاعة- ابن كامل، أحد خلفاء القضاة ببغداد 93
الرقّي- أبو الحصين، القاضي علي بن عبد الملك 228
ركن الدولة- أبو علي الحسن بن بويه 25، 128، 138، 325
الرميكيّة- زوجة المعتمد بن عباد اللخمي، صاحب إشبيلية 292
ابن الرومي- علي بن العباس الشاعر 75، 151
(ز)
الزاهد- أبو عمر محمد بن عبد الوهاب بن هاشم، غلام ثعلب 296
ابن الزبير- عبد الله، أبو بكر 136
الزجّاج- أبو إسحاق إبراهيم بن السريّ 9، 10، 75، 89، 274
الزجّاج- أبو الحسن 203
(1/374)

الزكوريّة- المغنّية 187
زلزل- الضارب بالعود 326
أبو زنبور- الحسين بن أحمد بن رستم المادرائي 57
زهرة- جارية الزكوريّة المغنّية 187
زهرة العجمية- 187
ابن الزيات- الوزير محمد بن عبد الملك 17
زينة- ابنة الوزير أبي محمد الحسن المهلّبي- 278
(س)
سابور ذو الأكتاف 257
ابن أبي الساج- الأمير يوسف 208، 322، 324، 325
الساجي- أبو يحيى زكريا بن يحيى 234
أبو السائب- عتبة بن عبيد الله بن موسى 208، 246
سبط ابن الجوزي- يوسف قز أوغلى 7، 16
سعد بن أبي وقاص- 345
سعد الدولة- ابن سيف الدولة- الحمداني
أبو سعيد- سلطان العراق، ابن محمد خدابنده 312
السفاح- أبو العباس، عبد الله بن علي 257
سقراط- الفيلسوف اليوناني 113
السقطي- ابن عتاب- التازي، أبو السري، محمد بن عمر
ابن سكّرة الهاشمي- الشاعر 23
السكّري- أبو محمد عبد الرحمن بن نصر البصري، صاحب البريديّين 68
ابن السكّيت- يعقوب بن إسحاق إمام اللغة والأدب 264
(1/375)

سلامة- المؤمن أبو القاسم، حاجب المقتدر 283
السلامي- أبو الحسن محمد بن عبد الله 91
سليمان- الثلاج 125
سليمان بن الحسن بن مخلد- الوزير 249، 250، 285، 322
ابن سهل- الحسن 144، 302
ابن سهل- الفضل 144، 302
السوسي- أبو زكريا يحيى بن سعيد 19
ابن سيار- القاضي أبو بكر أحمد، قاضي الأهواز 20، 104، 108، 110، 209
السيّدة- أم المقتدر، شغب، مولاة المعتضد 164، 211، 213، 214، 216، 242، 243، 244، 287، 292، 293، 294
سيف الدولة- الحمداني
سيف بن ذي يزن 201
السرخسي- أبو العباس أحمد بن مروان بن الطيّب 129، 332
(ش)
الشابوراي- غالب، غلام الوزير المهلبي 278
شاجي- جارية الأمير عبيد الله بن عبد الله بن طاهر 125، 127
الشارزادي- غالب، غلام الوزير المهلبي 278
الشافعي- أبو بكر، صاحب الوزير علي بن عيسى 84، 100
الشافعي- الإمام محمد بن إدريس 29، 131، 208
الشالجي- عبود، المحامي 3، 12، 32
الشامي- داود اليهودي 205
الشامي- أبو محمد عبد الله بن محمد كاتب سيف الدولة 276
الشامي- أبو العباس النخّاس 304، 305، 306، 307، 308
ابن شاهويه- أبو بكر 26
(1/376)

شبيب الخارجي- 213
الشرابي- ابن أبي عمرو أبو منصور عبد العزيز بن محمد بن عثمان، حاجب المطيع 247
الشريف الرضي 31
شغب- أم المقتدر- السيّدة
ابن أبي الشوارب- القاضي الحسن بن عبد الله الأموي 249
ابن أبي الشوارب- القاضي أبو العباس عبد الله بن الحسن الأموي 21، 22
ابن أبي الشوارب- القاضي أبو الحسن محمد بن الحسن بن عبد الله 249
ابن أم شيبان- الهاشمي أبو الحسن محمد بن صالح القاضي
الشيباني- الأمير أبو محمد، جعفر بن ورقاء 21، 26، 83
الشيرازي- أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر 49، 125، 270، 310
الشيرازي- أبو الفضل بن أبي أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي 26
الشيرازي- الوزير أبو الفضل العباس بن الحسين صهر المهلبي 23، 94، 277
شيرج بن ليلى- 324
ابن شيرزاد- أبو جعفر محمد بن يحيى 20، 138
ابن شيرمردي- أبو الحسن بن بلعباس 349
الشيرواني- أبو بكر بن رستم بن أحمد 14
شيلمه- محمد بن الحسن بن سهل 144، 145، 155
(ص)
الصابي- أبو إسحاق إبراهيم بن هلال 23
الصابي- أبو الحسن هلال بن المحسّن 8، 67، 129
صاحب الزنج- علي بن محمد الورزنيني 144، 153
الصاحب بن عباد- كافي الكفاة إسماعيل 91، 114، 225
صاعد بن ثابت- أبو العلاء 70
صاعد بن مخلد- كاتب الأمير الموفق 16، 138
(1/377)

صافي- أحد الساجية 189
صافي الحرمي- الخادم 287، 289
الصدر- محمد 275
الصفار- سعيد البصري 235
الصفار- عمرو بن الليث 16
الصلحي- أبو محمد الكاتب 204، 206
الصوفي- أبو الفرج بن روحان 159
الصولي- أبو بكر محمد بن يحيى 19، 20، 43، 298، 299
الصيمري- أبو جعفر محمد بن أحمد، وزير معز الدولة 46، 98، 112، 139، 171، 248، 277
(ض)
الضبّي- أبو جعفر هارون بن محمد القاضي 89
ابن الضحّاك- موسى بن أبي الفرج 132
(ط)
الطالبيون- آل أبي طالب 289
ابن طاهر- عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب 25
ابن طاووس- رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى 5
الطائع لله- الخليفة عبد الكريم بن الفضل المطيع بن جعفر المقتدر 25، 26، 27، 85، 247
الطبري- أبو إسحاق إبراهيم بن محمد 296
الطبري- أبو مخلد عبد الله بن يحيى 16، 309، 310، 311
الطبيب- أبو بكر سعيد بن هارون 113
(1/378)

الطبيب- وهب بن يوسف اليهودي 205
ابن طرخان- أبو القاسم 92
طل- خادم عليّة بنت المهدي 195.
الطولوني- نجح أخو سلامة المؤتمن 283
أبو الطيّب الواسطي- النعمان بن نعيم بن أبان.
(ع)
عائشة أم المؤمنين 174
عبادة المخنث- نديم المتوكل 264
ابن عباس- عبد الله 247
عباس- الدكتور إحسان 12
أبو العباس- الأمير- المعتضد
العباس بن الحسن- الوزير 25، 308
العباس بن عبد المطلب 85
ابن عبد الحميد- كاتب السيّدة 243
عبد الرحمن بن عيسى- أخو الوزير علي بن عيسى 277
عبد الله بن إبراهيم بن مكرم- أبو يحيى القاضي
عبد الله- أخو بابك الخرمي 147، 148
عبد الله بن محمد بن مهرويه- أبو القاسم- ابن أبي علان الأهوازي
عبيد الله بن سليمان- الوزير 43، 78، 80، 82، 239، 275، 312، 319
عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين- الأمير 125، 127
عبيد الله بن محمد 174
عبيد الله بن يحيى بن خاقان- الوزير 18، 19
العجلي- عيسى بن أبي دلف 22
العجلي- معقل بن أبي دلف 22
(1/379)

عروة الزبيري 199
العروضيّ- أبو الحسن- معلم الراضي ونديمه 299
عريب- جارية المأمون 89، 270، 271
عز الدولة- بختيار
أبو عصمة- خطيب عكبرا 122، 123، 124
عضد الدولة- أبو شجاع فناخسرو بن ركن الدولة 24، 25، 26، 27، 91، 193، 194، 196، 278
ابن أبي علان الأهوازي- عبد الله بن محمد بن مهرويه، خال أبي القاسم التنوخي والد المؤلف 211، 213، 220، 223، 329
العلوي- أبو عبد الله بن الأبيض 91
العلوي- أبو عبد الله الموسوي 49، 352
العلوي- الحسن بن القاسم- الملقب بالداعي 71، 323
العلوي- أبو عبد الله محمد بن الحسن الداعي 71
العلوي- محمد بن عمر 114
عليّ بن إبراهيم بن حمّاد- القاضي 56
عليّ بن أبي طالب- أبو الحسن الإمام 264
عليّ بن بسّام- الشاعر 263
أبو عليّ البصري 9
أبو عليّ التنوخي 9
عليّ بن أبي عليّ 9، 10
عليّ بن أبي عليّ البصري 9، 10
عليّ بن أبي عليّ البغدادي 9
عليّ بن أبي عليّ التنوخي 9
عليّ بن أبي عليّ القاضي 9
عليّ بن أبي عليّ المعدل 9
العلي- الدكتور صالح أحمد 12
(1/380)

عليّ بن عيسى- أبو الحسن الوزير 11، 22، 25، 42، 43، 46، 48، 49، 50، 51، 52، 55، 84، 85، 100، 117، 216، 258، 259، 282، 283، 286
عليّ بن محمد بن الفرات- ابن الفرات
عليّ محمد فهمي- مؤلّف 7
عليّ بن المحسّن 9
عليّ بن المحسّن التنوخي 9
عليّ بن المحسّن القاضي 9
عليّ بن موسى- شيخ من أخيار الكتاب 244
عليّ بن يلبق 277، 283
عليّة بنت المهدي 195
عماد الدولة- أبو الحسن عليّ بن بويه 98، 138، 324، 325، 343، 344
عمر بن عبد العزيز- الخليفة الأموي 136
عمر بن محمد القارىء- أبو السريّ 85
أبو عمر القاضي- محمد بن يوسف بن يعقوب الأزدي 36، 51، 52، 60، 61، 62، 82، 128، 163، 238، 239، 240، 241، 245، 249، 257، 258، 259، 260، 261
عمران بن شاهين 98
عمرو بن أبي عمرو- النخّاس 245
عمرو بن الليث الصفار- الصفار
عمرو بن نهيوي 132، 133، 135
ابنة العمّي- ضاربة الطبل 277
عوّاد- كوركيس 7
عوّاد- ميخائيل 12، 127، 128
ابن أبي عوف- أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن المروزي 9، 56، 78
ابن عيّاش- أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن الحارث الجوهري البغدادي القاضي 24،
(1/381)

25، 46، 57، 63، 64، 75، 78، 122، 162، 231، 239، 240، 249، 352
أبو عيسى- أخو أبي صخرة- أحمد بن محمد بن خالد 42، 43، 44، 45، 48
عيسى المتطبب- طبيب القاهر ومستشاره 283
عيسى ابن الوزير عليّ بن عيسى 85
أبو العيناء- محمد بن القاسم بن خلاد- الضرير 16
(غ)
غرس النعمة- محمد بن هلال بن المحسّن بن إبراهيم الصابي 23
غلاب- جدة القاضي أبي أميّة الغلابي 232
الغلابي- أبو أميّة الأحوص الغلابي قاضي البصرة 232، 233، 234، 236، 237
غلام جوذاب- أبو عليّ- كاتب البريدي 217
(ف)
الفارابي- أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان 6
الفارسي- سلمان 345
الفارسي- أبو علي النحوي 274
فاطمة- الزهراء البتول 264
الفتح بن خاقان- وزير المتوكل 265
فتوّة- جارية الهاشميّة- عشيقة بحكم 196
ابن الفرات- أبو الحسن عليّ بن محمد- الوزير 22، 30، 33، 42، 43، 49، 52، 57، 59، 65، 66، 93، 117، 164، 199، 207، 231، 232، 236، 237، 243
ابن الفرات- أبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات- ابن حنزابه 65، 249
(1/382)

ابن الفرات- المحسّن بن أبي الحسن الوزير 30، 42، 43، 84، 117، 122
ابن الفرانقي- السرخسي
ابن فسانجس- أبو الفرج محمد بن العباس 94، 207، 277
الفضل بن مروان- الوزير 133، 134، 135
الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي- البرمكي
(ق)
أبو القاسم 9
أبو القاسم التنوخي 9، 10، 11
القاسم بن دينار- عامل الأهواز 20
القاسم بن عبيد الله- الوزير 9، 10، 75، 89، 90، 274، 275، 335
أبو القاسم بن المحسّن 9، 10
القاهر- محمد بن المعتضد 242، 261، 277، 283
ابن قديدة- أبو جعفر 211، 213، 214، 216، 217، 218، 219
القراريطي- أبو إسحاق محمد بن أحمد بن عبد المؤمن الإسكافي 38، 40
القرامطة- 164
قرطاس الرومي 153، 155
قرغويه- غلام أبي الهيجاء بن حمدان 226، 227
القرمطي- أبو طاهر الجنابي 322
ابن قريعة- القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن 52، 117، 120
القزويني- أبو الحسن بن مهذب- كاتب سوريل القائد الديلمي 343
قسطنطين الأكبر 54
القشوري- نصر- حاجب المقتدر 164، 283، 325
القصري- غلام الحلاج 159
القطان- علي بن خلف البغدادي 91
(1/383)

القطراني- الشاعر البصري 233
ابن قناش- أبو جعفر طلحة بن عبيد الله الطائي البغدادي الجوهري 92، 95، 96، 143
القهرمانة- أم موسى 122، 242، 243
(ك)
الكاظم- الإمام موسى 252
كرد علي- محمد 31
كردك- النقيب الديلمي 23، 347، 348
ابن كردم- الأهوازي الضرّاب 142
الكرملي- الأب انستاس ماري 3
كسرى 345
كسرى ابرويز 166
ابن كنداج- محمد بن إسحاق- أمير البصرة 235، 236
(م)
المادرائي- أبو زنبور الحسين بن أحمد بن رستم- أبو زنبور
المادرائي- محمد بن علي 57
بنو مارية- من أهل الصراة 275
المازيار 147
ما كان- الديلمي 196
مالك- ابن أنس- الإمام 131، 260
المأمون- عبد الله بن هارون 30، 15، 132، 133، 134، 135، 270، 282، 289، 302
المبارك بن أحمد السيرافي 174
(1/384)

المبرّد- محمد بن يزيد الثمالي 9، 274، 275
مبشّر- الرومي- مولى أبي القاسم التنوخي 190، 192، 340
متز- آدم- المستشرق 104
المتّقي- أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر المقتدر 20، 38، 231، 249، 277، 300
المتنبّي- أبو الطيّب أحمد بن الحسين الجعفي الكندي 22، 9، 95، 113
المتوكل- جعفر بن محمد المعتصم 17، 18، 78، 82، 144، 255، 264، 265، 301
ابن المثنى- أبو الحسين أحمد 89
ابن المثنى- أبو أحمد طلحة بن الحسن 89
المحسّن 9
المحسّن بن عليّ التنوخي 9
المحسّن بن الفرات- ابن الفرات
محمد بن أحمد- المعروف بترة 129
محمد بن إسحاق بن المتوكل- صهر أمّ موسى القهرمانة 243
محمد بن أبي بكر 174
محمد- أبو القاسم، رسول الله صلوات الله عليه 13، 14، 15، 16، 105، 137، 253، 350
محمد بن سليمان- أبو عبد الله- كاتب سيف الدولة 72
محمد بن عبد الله- أبو عمارة الحلّاجي 173، 174
محمد بن عبد الله بن طاهر 125
محمد بن عجلان 131
ابنة أبي محمد المادرائي- زوجة أبي الحسين عبد العزيز بن إبراهيم المعروف بابن حاجب النعمان 70
محمد بن المنتشر 136
ابن مخلد- الحسن 249
المدائني- أحمد بن محمد 99
(1/385)

ابن المدبّر- إبراهيم الكاتب 270، 271
المدني- أبو عثمان زكريا 340
المرتضي بالله- ابن المعتز عبد الله
مرجليوث- د. س. المستشرق 6، 11، 32
مرداويج بن زيار الجيلي 16، 138، 196، 323، 324، 325
ابن المرزبان- أبو نصر سهل 30، 31
المزني- أبو إبراهيم، إسماعيل بن يحيى 235
المستعين- أحمد بن محمد بن المعتصم 133
المستكفي بالله- عبد الله بن عليّ المكتفي 138، 208، 247، 249
المطيع لله- الفضل بن جعفر المقتدر 20، 78، 138، 247، 249، 300، 310
المعتز بالله- محمد بن جعفر المتوكل 125، 265
ابن المعتز- عبد الله بن محمد 25، 257
أم المعتز بالله قبيحة 265
المعتصم بالله- أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد 17، 133، 147، 148، 264، 289
المعتضد بالله- أبو العباس أحمد بن الموفق طلحة 9، 17، 16، 75، 78، 79، 144، 145، 151، 152، 153، 154، 155، 202، 245، 258، 260، 266، 268، 269، 270، 274، 282، 287، 289، 291، 293، 312، 316، 318، 319، 325، 326، 327، 328، 330، 331، 333، 334، 337
المعتمد- الخليفة أحمد بن المتوكل 18، 78، 144، 151، 236، 270،
معد- صاحب عذاب الحجاج 136
ابن معروف- أبو محمد عبيد الله بن أحمد، قاضي القضاة 114
معروف الكرخي- 159
المعرّي- أبو العلاء أحمد بن الحسين 23
معزّ الدولة- الأمير أبو الحسين أحمد بن بويه 19، 7، 15، 16، 20، 46، 69،
(1/386)

71، 72، 73، 87، 94، 98، 112، 138، 139، 140، 141، 171، 190، 204، 248، 277، 309، 325، 345، 347، 348 350، 351، 352
المغربي- عبد القادر 41، 70
المفلحي- خاقان المفلحي
المقتدر- أبو الفضل جعفر بن المعتضد 10، 11، 22، 25، 26، 30، 31، 34، 37، 39، 40، 42، 48، 57، 65، 87، 95، 117، 122، 128، 130، 159، 164، 184، 240، 242، 243، 249، 250، 258، 260، 261، 282، 283، 284، 285، 287، 288، 289، 290، 295، 322
ابن مقسم- أبو بكر- مبتدع قراءة في القرآن 283
ابن مقلة- أبو الحسن عبد الله بن علي- أخو الوزير 64
ابن مقلة- الوزير أبو عليّ محمد بن عليّ بن الحسين 18، 48، 49، 64، 83، 164، 231، 249، 260، 277، 284، 322
المكتفي- عليّ بن المعتضد 75، 260، 288، 290، 316
مكرم بن بكر 52
ابن أخت ملك الروم 228
المنتصر- محمد بن جعفر المتوكل 265
المنجّم- أبو منصور 15
المنجّم- الحسن بن علي بن زيد- غلام أبي نافع 20
المنجّم- هارون بن أبي منصور 15
المنجّم- أبو العباس هبة الله بن محمد بن يوسف النديم 15، 37، 41، 132
المنجّم- يحيى بن أبي منصور 15
المنصور- أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس 15، 16، 180، 232، 252، 257، 312
المهتدي- محمد بن هارون 78، 153
(1/387)

المهدي- محمد بن عبد الله المنصور 195
ابن مهرويه 18
المهلّبي- أبو الغنائم الفضل بن الوزير أبي محمد المهلّبي 22، 70
المهلّبي- أبو محمد الحسن بن محمد- وزير معز الدولة 19، 20، 21، 15، 38، 40، 68، 87، 88، 94، 114، 128، 138، 139، 140، 248، 277، 278، 303، 308، 309
مواهب- المغنّية 277، 278
الموسوي- أبو أحمد 114
الموصلي- الشيخ شمس الدين 104، 106
الموصلي: أبو الحسن علي بن عمرو بن ميمون 193
الموفّق- أبو أحمد طلحة بن جعفر المتوكل 16، 78، 138، 144، 153، 154، 155، 255، 257
مؤنس- المظفر القائد 34، 261
المؤيّد- إبراهيم بن المتوكل 265
الميكالي- الأمير أبو الفضل عبيد الله بن أحمد 103
(ن)
الناصر- الأمير الموفّق أبو أحمد طلحة بن المتوكل- الموفّق
الناصر- عبد الرحمن أمير الأندلس 34
النسوي- الحسين بن محمد 20
ابن نصرويه- القاضي أبو الحسين محمد بن عبيد الله 234، 262
النصيبينيّ- أبو إسحاق إبراهيم بن عليّ المتكلّم 91
نعمان- شيخ من أهل اليمن 108
النعمان بن ثابت- أبو حنيفة الإمام 28، 95، 251، 252، 262
النعمان بن عبد الله الكاتب- ابو المنذر 69، 117، 120، 215، 216
(1/388)

النعمان بن نعيم بن أبان- أبو الطيّب الواسطي 202
أبو نؤاس- الحسن بن هانئ الحكمي الشاعر 19
ابن نوبخت- أبو سهل، إسماعيل بن علي 10، 161
النوكاني 347
(هـ)
الهاشمي- أبو الحسن بن المأمون 24
الهاشمي- أبو الحسن محمد بن صالح القاضي- ابن أم شيبان 87، 128، 129، 130، 131
الهاشمي- أبو الحسن محمد بن عبد الواحد القاضي 22، 89، 92، 312، 326
الهاشمي جعفر بن عبد الواحد 89، 307
الهاشمي- محمد بن الحسن بن عبد العزيز 85، 86، 87
هدبة بن خالد 235
أبو الهيثم- القاضي عبد الرحمن بن القاضي أبي الحصين الرقّي 228
(و)
الواثق- هارون بن محمد المعتصم 17، 145، 223، 264، 289، 290
واثق- مولى المعتضد 258
واثق- بن رافع، أبو الطيّب، مولى ابن أبي الشوارب 337
الواثقي- الحسين بن الحسن 83
أبو محمد الواسطي- ابن أبي أيوب
بنو وجيه- ملوك عمان 347
ابن أبي الورد- أبو أحمد- شيخ من أبناء القضاة 21، 60
ابن ورقاء- أبو المكارم 70
(1/389)

ابن وسنا الخزاعي 188
وهب بن منبه 201
(ي)
ياقوت- القائد 18، 187، 325، 344
ابن ياقوت- محمد 283، 325
ابن ياقوت- مظفر، القائد 187، 325
يأنس الموفقي 38، 39
يحيى بن عبد الله- العلوي الثائر 252
أبو يحيى القاضي- عبد الله بن إبراهيم بن مكرم 52
ابن يزداد- محمد 132، 133، 134، 135
يزدجرد بن مهمندار الفارسي 128، 129
أبو يوسف القاضي- يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري 251، 252، 254
يوسف بن يعقوب الأزدي القاضي- أبو محمد البصري
(1/390)

فهرس جغرافيّ
(أ)
215 119 الأبلّة
325 174 ارجان
324 174 أصبهان
257 137 الأنبار
23 ت م الإيغاران
(ب)
138 70 باب الشماسيّة
180 93 باب الطاق
22 ت م بابل
129 66 بادوريا
22 ت م البرج
326 175 بركة زلزل
234 124 البصرة
166 83 البطائح
88 37 بيروذ
88 37 بصنّى
(ت)
173 89 تستر
22 ت م تكريت
(ج)
22 ت م الجامعين
324 174 الجبل
221 120 جبّى
(ح)
228 122 حرّان
222 120 الحوز
(خ)
22 ت م خانيجار
22 ت م خطرنية
86 37 خندق طاهر
(د)
213 119 دجيل
22 ت م دقوقا
(ر)
257 137 الرحبة
139 70 الرقّة
(1/391)

324 174 الريّ
22 ت م سوراء
312 172 سوق الثلاثاء
68 27 سيحان
113 57 سيراف
(ص)
275 146 الصراة
(ط)
323 174 طبرستان
212 119 الطيّب
(ع)
257 138 عانات
186 96 العسكر
329 176 عسكر مكرم
347 185 عمان
(ف)
302 162 فم الصلح
(ق)
257 137 قرقيسيا
319 173 قزوين
54 99 قسطنطينيّة
22 ت م قصر ابن هبيرة
139 70 قطربّل
(ك)
22 ت م الكرج
234 124 كور الأهواز
234 124 كور دجلة
139 70 كلواذى
(م)
345 184 المدائن
240 127 المدينة
21 ت م مدينة السلام
257 137 مدينة المنصور
21 4 المسرقان
68 27 مسماران
110 55 مكران
329 176 مناذر
228 122 منبج
(ن)
320 173 النهروان
(هـ)
142 71 الهندوان
257 137 هيت
(و)
215 119 واسط
(1/392)

فهرس عمراني عام
(أ)
3 المقدمة الأبدال
146 73 الارتفاع
64 24 الارتفاق
343 182 الأزج
170 86 الأسطام
3 المقدمة الأكرة
2 المقدمة الأمين
166 84 الأهوار
76 31 استجعل
309 169 استعمله
151 76 إسفيداج
230 122 أشب
4 المقدمة أصحاب العصبيّة والسكاكين
11 المقدمة اعتاص
268 144 اعدى
12 المقدمة أنفد
311 171 أنماطيّ
2 المقدمة أهل الآراء
(ب)
129 66 الباب
7 المقدمة البانانيّة
149 75 بايع
289 155 البدرة
180 93 برّا
205 114 البرسام
293 157 البرمة
181 342 البرنيّة
295 158 البستانبان
53 19 البطرك
309 169 بغّاء
90 38 البغض
117 61 البقليّ
39 12 بيجاذه
170 86 البيرم
(ت)
166 83 تأزيرة
51 18 التخشّن
(1/393)

60 22 التشوّف
190 100 التصريف
327 175 التعيير
151 76 التغار
177 92 تقاين
233 123 تلهّى به
3 المقدمة التنّاء
6 المقدمة التنجيم
4 المقدمة التواجد
(ث)
179 93 ثاب
125 65 الثلاج
(ج)
53 19 الجاثليق
209 118 جاعرة
121 62 الجامة
178 93 جذر المغنّي
129 66 الجريب
70 28 الجريدة
153 78 جمّع
41 13 الجهبذ
175 91 الجيل
(ح)
3 المقدمة الحادور والحلق
289 155 الحبّ
189 99 الحجريّة
87 37 الحراشة
252 135 الحزب
123 63 الحسب
322 174 الحضرة
2 المقدمة الحكمة
150 75 حماها
22 5 الحوّاري
(خ)
22 5 الخبز الحوّاري
336 178 خرداذى
4 المقدمة أهل الخسارة
99 48 الخطرات
232 123 الخلد
5 المقدمة الخنث
285 154 خنس
37 11 خيازر
302 162 الخيش
2 المقدمة الخيلاء
87 37 الخيوط
(د)
334 178 دراريج
190 100 الدّراعة
(1/394)

2 المقدمة الدراية
310 170 الدست
139 70 الدستاهيجات
301 162 الدستنبو
134 68 الدهق
289 155 الدهق والمصقلة
175 91 الديلم
(ذ)
86 37 الذعر
231 123 الذمامات
(ر)
222 120 راح الشيء
96 45 ربيثاء
7 المقدمة الرقية
117 61 رهداري
2 المقدمة الرواية
73 29 روز
180 93 الروزنة
69 28 روشن
(ز)
153 78 الزج
6 المقدمة أصحاب الزجر
6 المقدمة الزرّاق
301 162 الزعفران
4 المقدمة الزهد
175 91 الزوبين
(س)
5 المقدمة أصحاب الستائر
189 99 الساجيّة
305 165 الساذجة
7 المقدمة الساعي
8 المقدمة السبر
36 10 السرادق
327 175 السوقة
269 144 السفه
254 136 سفواء
180 93 السكباج
96 45 سكرجة
70 28 سلف
350 187 السميرية
1 المقدمة السّنن
140 70 السنيف
120 62 السؤال
5 المقدمة السوداء
130 66 السويق
(1/395)

(ش)
304 164 شاذكلى
181 93 الشاكري
100 50 شال
315 172 شجّة
6 المقدمة الشحّاذ
294 157 الشرك
273 145 الشفعة
65 25 شقص
2 المقدمة الشهود
290 155 شيلوه
(ص)
319 173 صاحب الحرب
319 173 صاحب الخراج
231 123 صاحب الربع
214 119 الصارف
213 119 الصارف
4 المقدمة الصوفية
232 123 الصيّور
(ض)
297 160 الضرائب
142 71 الضرّاب
157 79 الضغو
(ط)
145 73 الطابوقة
6 المقدمة الطب
181 93 طبّق
79 32 صاحب الطرف
180 93 طرّق
5 المقدمة الطفيلي
325 174 الطمّ والرمّ
180 93 الطنز
310 170 طنفسة
6 المقدمة الطوّاف بالسهام
215 119 طول الذيل
185 95 الطيّاب
26 8 الطيّار
(ظ)
2 المقدمة الظرف
(ع)
3 المقدمة العامل
4 المقدمة العبادة
170 86 العتلّة
290 155 العتيدة
269 144 العدم
(1/396)

219 119 العدوى
199 108 العديل
4 المقدمة العصبيّة
301 162 العصفر
338 179 العقعق
2 المقدمة علم الكلام
219 119 عند نفسه
4 المقدمة العيّارين
33 9 العين
(غ)
296 159 غرض
8 المقدمة الغضارة
3 المقدمة الغمّاز
118 61 الغناء
178 93 الغالية
(ف)
315 172 فجّ
281 151 الفداء
54 19 الفرانق
156 79 فشّ القفل
315 172 فشخ
6 المقدمة الفصاد
184 94 الفصّاد
212 119 الفيج
(ق)
157 80 القباء
218 119 قبالة الدين
331 177 القثاء
204 113 القديد
322 174 القرامطة
6 المقدمة أهل القرعة
301 162 القصب
41 13 القصّة
56 20 قطف
153 78 قطّن
6 المقدمة القمائحيون
346 184 القمقم
(ك)
296 159 الكافور
2 المقدمة الكبر
230 122 كثب
6 المقدمة الكحّال
80 32 الكرّ
352 189 الكر المعدّل
144 73 الكردناك والكردناج
(1/397)

160 81 الكسب
158 80 الكشخان
190 100 الكنباتيّة
(ل)
209 118 اللبن
138 70 لزق
185 94 لزم يده
(م)
5 المقدمة المبذّر
3 المقدمة المتخبّر
5 المقدمة المتقاين
4 المقدمة المتّقي
8 المقدمة المثافنة
3 المقدمة المتكلم على الطرق
6 المقدمة المجدود
5 المقدمة المجنون
327 175 المحتسب
2 المقدمة المحدّث
6 المقدمة المحدود
102 51 المخدّة
2 المقدمة المخرّف
197 107 مخلّط خراسان
7 المقدمة المدر
153 78 المدّة
5 المقدمة أهل المذهب
213 119 المرفق
215 119 المرقّعة
4 المقدمة المريد
37 11 المزمّلة
46 15 المسورة
276 147 المشرعة
5 المقدمة المشعبذ
6 المقدمة المعبّرون
95 44 المعتزلة
296 159 مغمّى
7 المقدمة المفازة
6 المقدمة المفايلون
6 المقدمة المفسرون
5 المقدمة المقيّن
94 43 المكدّي
154 79 المكسود
4 المقدمة الملّاح
7 المقدمة الملح
6 المقدمة الملحد
173 89 الملكوت
4 المقدمة المملق
3 المقدمة المنمّس
5 المقدمة الموسوس
(1/398)

(ن)
113 57 النجار
245 129 النخّاس
117 61 النداء
265 142 الندام
4 المقدمة النرد
164 83 نفقت الدابّة
98 47 النقرة
204 113 النقل
280 150 النوب
(هـ)
199 108 الهبير
99 48 الهواجس
256 137 هي
(و)
3 المقدمة الواعظ
7 المقدمة الوبر
293 156 الوحل
3 المقدمة الوراقة
33 9 الورق
218 119 ورّك
154 78 الوكد
(ي)
305 165 يجتعل
222 120 يجونك
(1/399)

فهرس الكتب والمراجع
إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب- معجم الأدباء
الأعلام: خير الدين الزركلي- الطبعة الثالثة
الأغاني: أبو الفرج الأصبهاني- طبعة دار الكتب بالقاهرة 17 مجلدا
الأغاني: أبو الفرج الأصبهاني- طبعة بولاق
الألفاظ الفارسية المعربة: أدي شير- المطبعة الكاثو ليكية بيروت.
الأنساب: السمعاني- نشر المستشرق د. س. مرجليوث- طبع لندن 1913.
إحصاء العلوم: أبو نصر الفارابي- تصحيح عثمان محمد أمين بمطبعة السعادة بمصر 1931.
اصطلاحات الصوفية، الواردة في الفتوحات المكيّة: مذيل لكتاب التعريفات للجرجاني.
تاريخ بغداد: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت- بيروت.
تاريخ الخلفاء: جلال الدين السيوطي.
تجارب الأمم: أبو علي أحمد بن محمد المعروف بمسكويه- تحقيق آمدروز- طبع مصر 1914.
تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء: أبو الحسن هلال بن المحسّن الصابي- تحقيق عبد الستار أحمد فراج- القاهرة 1958.
التعريفات: السيد الشريف الجرجاني- طبعة اصطنبول 1283.
الجامع لمفردات الأدوية والأغذية: ضياء الدين عبد الله بن أحمد الأندلسي المالقي المعروف بابن البيطار- طبعة بولاق 1291.
حكاية أبي القاسم البغدادي: أبو المطهر الأزدي- تحقيق ونشر آدم متز- هيدلبرج 1909.
خزانة الأدب: عبد القادر البغدادي- 4 مجلدات- طبع بولاق
خلاصة الذهب المسبوك، المختصر من سير الملوك: عبد الرحمن سنبط قنيتو الإربلي- تحقيق السيد مكي السيد جاسم 1964.
دائرة المعارف الإسلامية، الترجمة العربيّة: 15 مجلدا 1933.
ديوان أبي فراس: رواية أبي عبد الله الحسين بن خالويه- طبع دار صادر- بيروت 1955.
(1/400)

ديوان البحتري: أبو عبادة الوليد- تحقيق رشيد عطية- بيروت 1911.
شذرات الذهب، في أخبار من ذهب- عبد الحي بن العماد الحنبلي 8 مجلدات- طبعة القدسي.
الشرح الجلي على بيتي الموصلي: الشيخ أحمد البربير- بيروت 1302.
شرح نهج البلاغة: عز الدين أبو حامد عبد الحميد بن هبة الله ابن أبي الحديد المدائني
20 مجلدا- طبعة الحلبي بالقاهرة.
صلة الطبري: عريب بن سعيد القرطبي- المطبعة الحسينية بمصر.
الطبيخ: محمد بن عبد الكريم البغدادي- تحقيق الدكتور داود الجلبي- بيروت.
الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية: محمد بن علي طباطبا المعروف بابن الطقطقا طبعة صادر بيروت.
الفرج بعد الشدّة: أبو عليّ المحسّن التنوخي- طبعة دار الهلال بمصر 1914
فرج المهموم في مواقع النجوم: رضي الدين أبو القاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس الحسني الحسيني- طبع النجف.
فضائل بغداد: يزدجرد بن مهمندار الفارسي- تحقيق ميخائيل عواد- بغداد 1962.
الفهرست: ابن النديم- طبعة غوستاف فلوغل- ليبزك.
فوات الوفيات: ابن شاكر الكتبي- طبع بولاق- مجلدان اثنان.
الكامل في التاريخ: ابن الأثير- عن طبعة المستشرق تورنبرغ- 13 مجلدا مع الفهارس- طبع دار صادر 1966.
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: الحاج خليفة- طبعة اصطنبول 6 مجلدات.
لسان العرب: ابن منظور المصري- طبعة صادر- بيروت.
مجلّة أهل النفط: المجلد الرابع.
مجلّة المجمع العلمي العربي بدمشق: المجلدات 2 و 3 و 5.
مجلّة المشرق: المجلد الثالث- بيروت.
مروج الذهب: المسعودي- تحقيق محيي الدين عبد الحميد- طبعة الشعب، القاهزة 1966.
المستجاد من فعلات الأجواد: أبو علي المحسّن التنوخي- تحقيق محمد كرد علي، دمشق.
المشترك وضعا والمفترق صقعا: ياقوت الحموي- طبع وستنفلد- 1844.
مطالع البدور في منازل السرور: علاء الدين الغزولي- مطبعة الوطن بمصر 1299.
(1/401)

معجم الأدباء: ارشاد الأريب إلى معرفة الأديب- ياقوت الحموي- طبعة مرجليوث 1924 7 مجلدات.
معجم البلدان: ياقوت الحموي- طبعة وستنفلد 6 مجلدات مع الفهارس.
المعجم في أسماء الألبسة عند العرب: رينهارت دوزي- امستردام 1845.
المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: محمد فؤاد عبد الباقي- مطبعة دار الكتب بالقاهرة 1934.
مفاتيح العلوم: الخوارزمي- الطبعة المنيرية.
المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي- 5 مجلدات طبعة حيدر آباد الدكن- 1357.
المنجد: الأب لويس معلوف- ط 19- بيروت.
المنظمات البحريّة الإسلاميّة في شرق البحر الأبيض المتوسط: علي محمد فهمي- بالإنكليزية ط/ 2 القاهرة 1966.
مهذب رحلة ابن بطوطة: محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، ابن بطوطة- تحقيق أحمد العوامري، ومحمد أحمد جاد المولى- المطبعة الأميرية ببولاق 1934.
نخب تاريخيّة وأدبيّة جامعة لأخبار الأمير سيف الدولة الحمداني: جمع المستشرق ماريوس كنار- الجزائر 1934.
نكت الهميان في نكت العميان: صلاح الدين الصفدي- تحقيق أحمد زكي باشا- القاهرة
1913.
الهفوات النادرة: غرس النعمة أبو الحسن محمد بن هلال الصابي- تحقيق الدكتور صالح الأشتر- دمشق 1967.
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: القاضي شمس الدين أحمد بن خلكان- تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد- طبع القاهرة 6 مجلدات.
الولاة والقضاة: أبو عمر محمد بن يوسف الكندي- تحقيق المستشرق رفن كست- بيروت 1908.
يتيمة الدهر، في محاسن أهل العصر: عبد الملك الثعالبي- مجلدان اثنان- أربعة أجزاء، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد- القاهرة 1956.
(1/402)

رموز
-: راجع ت م: ترجمة المؤلف
الأرقام التي نقش بجانبها نجمة تشير إلى صفحات مقدمة المحقق وترجمة المؤلف. الأرقام المطبوعة بحروف سوداء تشير إلى التراجم.
الأرقام المثبتة في العمود الأيمن: للصفحات، والأرقام التالية لها: للقصص.
استدراكات
الصفحة السطر الخطأ الصواب
10 3 ناظرة ناضرة
19 5 بكران عن بكر ابن عم
38 16 لأبي الحسن لأبي الحسين
52 12 أبي قريعة قريعة
95 18 8/58 8/580
(1/403)

الفهارس
محتويات الكتاب 355
فهرس أسماء الأشخاص 365
فهرس جغرافي 391
فهرس عمراني عام 393
فهرس الكتب والمراجع 400
(1/405)