Advertisement

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة 008

الجزء الثامن
[مقدمة التحقيق]
مقدمة المحقق
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
(والحمد لله رب العالمين) أقدّم لقراء العربية الجزء الثامن من كتاب نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة للقاضي أبي علي المحسّن بن عليّ التنوخي، وكان هذا الجزء من جملة المخطوطات التي اشتملت عليها مكتبة المتحف البريطاني بلندن برقم 9586 شرقي، والمخطوطة تشتمل على 110 ورقة، في كل ورقة صفحتان، في كل صفحة 15 سطرا، خطّها جيد قديم، قليلة التصحيف، مخرومة جزء من المقدمة، وقد ورد في آخر الكتاب: تم الجزء الثامن، ويتلوه التاسع، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين «1» ، وقد عثر المستشرق المعروف د. س. مرجليوث على هذه النسخة في مكتبة المتحف البريطاني، فنقل عنها بخطه نسخة ترجمها إلى اللغة الإنكليزية، ونشر الترجمة في مجلة تصدر في حيدر آباد الدكن اسمها L THE ISlamic Review LL ثم بعث بالنسخة العربية إلى المجمع العلمي العربي بدمشق، فطبعها المجمع في السنة 1930 في مجلته، ثم نشرها في كتاب على حدة.
(8/5)

ولما عزمت على تحقيق هذا الكتاب، حصلت من مكتبة المتحف البريطاني على فلم لمخطوطة هذا الجزء، وكان عليها اعتمادي في القراءة والتحقيق.
أخرج القاضي التنوخي كتابه نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة في أحد عشر مجلدا «1» طبع منها ثلاثة «2» ، ولما اشتغلت بتحقيق هذا الكتاب عثرت على جزء آخر، فأصبحت أربعة «3» ، وجمعت أربعة أخرى «4» من ثنايا الكتب، ممّا نقله أصحابها عن التنوخي ونشواره، فأصبح المجموع ثمانية، تمت، كاملة التحقيق، بنشر هذا الجزء من الكتاب.
ولا أريد أن أتعرّض في هذه المقدمة، لذكر مقدار ما بذلت من جهد في سبيل إصدار هذه الأجزاء الثمانية من الكتاب، فقد سبق لي أن أوردت ذلك في مقدمة الجزء الأول، وكررته في أكثر من موضع من مقدمات الأجزاء الأخرى.
وبعد: فهذا جناي وخياره فيه.
وأسأل الله سبحانه وتعالى، أن يوفقنا لأرشد الأمور، وخيرها بدأ وخاتمة، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
بحمدون في 24 آب 1973 عبود الشالجي المحامي
(8/6)

الباقي من مقدمة المؤلف
..... أكثرها تحوّلا، وتغيّرا، العوائد في أخلاق أكثر العالم، ومعاملاتهم، ورسومهم، فتلقطت هذا الفن، وأثبتّه، وخلطت به، ما حدث، ويحدث، من مليح شعر، لمن ضمّنا وإياه دهر، ممّن لم يخلق شعره بالاشتهار، ولا بشمه الناس بالاستكثار، ومن رسالة غريبة، أو حكمة جديدة، أو ما يغلب على ظنّي من أشباه ذلك- وإن قدم- إلّا أنّه لم يدوّن، أو منام طريف، أو حادث عجيب، أو رسم غريب، أو مستنبط مفيد قريب، ليعرف الفرق بين الأمرين، والتباين في الحالين، ويهشّ لذلك، من قد فرغ من الآداب، وسبر أكثر الافهام والحلوم، وقرم إلى معرفة أسرار الأمور، والعادة في الجمهور، والتدبيرات والاختيارات، والملح في جميع الحالات، التي لا تكشفها له الفكر، إلّا في الطويل من العمر، وإذا وقف عليها من هاهنا، قربت من يديه، وخفّ تناولها عليه، ولم أجعل ذلك مرتّبا على أبواب، لعلل وأسباب، قد ذكرتها [1] فيما قبل هذا، وأوردت فيه مجمل هذا القول، وشرحت في رسالة كلّ جزء، ما يغني عن الإطالة فيها، ويوضح المغزى، ويقوم بالعذر.
وأرجو أن لا أكون مذموما بما جمعته، إن لم أحمد على ما صنعته، وأن يكون ما كتبته خيرا من موضعه لو بيّضته، كما أسلفت في الأجزاء السالفة من العذر وحبّرته، إن شاء الله.
(8/7)

1 فرجة بين الصدر والقبر
حدّثني أبو الحسين عليّ بن هشام بن عبد الله «1» ، الكاتب البغدادي، المعروف أبوه، بأبي قيراط «2» ، كاتب ابن الفرات «3» ، قال:
سمعت أنّ أبا القاسم «4» ، كان إذا خلا، وتذكّر أمر الآخرة، وما هو منقطع به عنها من أمر السلطان، يقول: اللهم، لا تخرجني من الصدر إلى القبر، لا فرجة لي بينهما.
قال أبو الحسين: فأجيبت دعوته، وجلس في منزله، قبل موته، نحوا من سنة، تائبا من التصرّف «5» ، تاركا لطلبه.
فلما اعتلّ علّة موته، جاءته رسالة الراضي «6» ، يستدعيه، ليقرّر معه أمر الوزارة، ويوليّه إيّاها.
فقال: آلآن؟ أين كان قبل مدة، لعلّه لو جاءني هذا الأمر، وأنا تائب، لما رددته، ولعلّي كنت أنقض التوبة، فالحمد لله الذي لم يتم عليّ ذلك.
(8/9)

2 الوزير علي بن عيسى يستحثّ عاملا على حمل الخراج
حدّثني أبو الحسين «1» ، قال: أقرأني أبو عبد الله أحمد بن محمد الحكيمي «2» كتابا بخط عليّ بن عيسى «3» ، وأخبرني أنّه كتبه إليه في وزارته الأخيرة «4» ، وهو يتقلّد له طساسيج طريق خراسان «5» ، يحثّه على حمل المال، ونسخته، قال:
(8/10)

قد كنت- أكرمك الله- عندي، بعيدا عن التقصير، غنيا عن التنبيه والتبصير، راغبا فيما خصّك بالجمال، وقدّمك على نظرائك من العمال، واتصلت بك ثقتي، وانصرفت نحوك عنايتي، ورددت الجليل من العمل إليك، واعتمدت في المهم عليك.
ثم وضح لي من أثرك، وصحّ عندي من خبرك، ما اقتضى استزادتك، وردفه ما استدعى استبطاءك ولائمتك، وأنت تعرف صورة الحال، وتطلّعي مع شدّة الضرورة إلى ورود المال.
وكان يجب أن تبعثك العناية، على الجدّ في الجباية، حتى تدرّ حمولتك وتتوفّر، ويتّصل ما يتوقّع وروده من جهتك ولا يتأخّر.
فنشدتك الله، لما [2] تجنبت مذاهب الإغفال والإهمال، وقرنت الجواب على «1» كتابي هذا، بمال تبتزّه من سائر جهاته وتحصّله، وتبادر به وتحمله، فإنّ العين إليه ممدودة، والساعات لوروده معدودة، والعذر في تأخيره ضيّق، وأنا عليك من سوء العاقبة مشفق، والسلام.
(8/11)

3 كيف تمكن عبيد الله بن يحيى بن خاقان من المتوكل
حدّثني أبو الحسين «1» ، قال: حدّثني أبو عبد الله بن عليّ الباقطائي «2» ، قال: حدّثنا أبو جعفر أحمد بن إسرائيل «3» ، قال:
كان سبب رفعه عبيد الله بن يحيى «4» ، طلب المتوكل «5» لحدث من أولاد الكتّاب، يوقّع بحضرته في الأبنية «6» والمهمّات، لأنّه كان قد أسقط الوزارة، بعد صرف محمد بن الفضل الجرجرائي «7» ، واقتصر على أصحاب الدواوين،.
(8/12)

وأمرهم أن يعرضوا الأعمال بأنفسهم، وجعل التاريخ في الكتب، باسم وصيف التركي «1» ، وانتصب منصب الوزارة، وإن كان لم يسمّ بها.
فأسمي له جماعة، فاختار عبيد الله من بينهم.
فحضر أول يوم، فصلّى في الدار ركعات، وجلس وعليه قباء وسيف ومنطقة وشاشية، على رسم الكتاب.
قال أبو الحسين: لأنه لم يكن أحد يصل إلى الخليفة، إلّا بقباء وسيف ومنطقة من الناس كلهم، إلّا القضاة، لا في موكب، ولا غيره، فإذا كان يوم موكب، كانت الأقبية كلها سوادا، وإذا كان غير يوم موكب، فربما كانت من بياض، وفي الأكثر سوادا.
فلما صلّى عبيد الله، وجلس، لم يجتز به أحد من الحاشية، كبير ولا صغير، الّا قام إليه قائما، وسلّم عليه، حتى قام إلى رئيس الفرّاشين.
فرآه بعض الحاشية، فقال: من هذا الشقيّ الذي قد قام لسائر الناس، حتى قام إلى الكلاب؟
فقيل له: فلان.
ثم أذن له المتوكل، لما خلا، فدخل إليه، وكان على رأسه قلنسوة سوداء شاشية، وكان طويل العنق، فظهرت عنقه.
(8/13)

فلما رآه المتوكل، أومأ بيده إلى قفاه، ومسحه شبه صفعة، فأخذ عبيد الله يده فقبّلها.
فنفق عليه، وخفّ على قلبه، وسرّ بذلك، واستخفّ روحه.
وقال له: اكتب.
فكتب وهو قائم: (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)
«1» ، إلى قوله عز وجل [3] (وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً)
«2» فكتب: وينصرك الله- يا أمير المؤمنين- نصرا عزيزا، فزاد ذلك في تقبّل المتوكل له، وتفاءل بذلك.
وقال له: الزم الدار، فكان يلزمها منذ السحر، إلى وقت نوم المتوكل في الليل.
وقوي أمره مع الأيام، حتى صار يعرض الأعمال، كما كان الوزراء يعرضونها، وليس هو بعد وزير، والتاريخ لوصيف.
فأمره المتوكل في بعض الأيام، أن يكتب نسخة في أمر الأبنية، فقال:
نعم.
فلما كان بعد ساعة، سأله، هل كتبت؟
فقال: لم يكن معي دواة.
فقال: اكتب الساعة، فاستحضر دواة.
وكان ايتاخ الحاجب «3» قائما، يسمع ذلك، فلما خرج عبيد الله،
(8/14)

قال له: إنّما طلبك أمير المؤمنين، لتكتب بين يديه، فإذا حضرت بلا دواة فلأيّ شيء تجيء؟
فقال له عبيد الله: وأيّ مدخل لك أنت في هذا؟ أنت حاجب أو وزير؟
فاغتاظ من ذلك، فأمر به فبطح، وضربه على رجليه عشرين مقرعة، وقال له: الآن علمت أنّ لي فيه مدخلا؟
فلم يتأخّر عبيد الله عن الخدمة، وعاد، فجعل يمشي ويعرج، فسأل المتوكل عن خبره، فعرف الصورة، فغلظ عليه ذلك، وقال: إنّما قصده إيتاخ لمحبّتي له.
وكان قد اجتمع في نفس المتوكل من إيتاخ العظائم، مما كان يعمل به في أيام الواثق، ولا يقدر له على نكبة، لتمكّنه من الأتراك.
فأمر بأن يخلع على عبيد الله من الغد، وأن لا يعرض أحد من أصحاب الدواوين عليه شيئا، وأن يدفعوا أعمالهم إليه ليعرضها، وأجرى له في كل شهر عشرة آلاف درهم.
فندم إيتاخ على ما فعله، وجعل يداري عبيد الله، ويثاقفه.
وقوي أمر عبيد الله، حتى حذف بنفسه، من غير أمر، اسم وصيف من التاريخ، وأثبت اسمه.
ثم أمر له المتوكل برزق الوزارة، ثم خوطب بالوزارة، بعد مديدة، وخلع عليه لها خلعا أخر.
ثم قلّده كتابة المعتز «1» ، وخلع عليه.
(8/15)

ثم قلّده كتابة المؤيد «1» ، وخلع عليه.
وضمّ المتوكل إلى ابنيه، بضعة عشر ألف رجل، وجعل تدبيرهم إلى عبيد الله، فكان وزيرا أميرا.
فلما تمكّن [4] ، هذا التمكّن بالحيش، والمحل، عارض إيتاخ، وبطّأ حوائجه، وقصده، ووضع من كتّابه، ولم يزل ذلك يقوى من فعله، إلى أن دبّر على إيتاخ، فقتله على يد إسحاق بن إبراهيم الطاهريّ ببغداد، بعد عود إيتاخ من الحجّ.
(8/16)

4 الواثق ومحمد بن عبد الملك الزيات
حدّثني أبو الحسين «1» ، قال: سمعت أبا الحسن علي بن الحسن، الكاتب المعروف بابن الماشطة «2» ، وكان يتقلّد قديما العمالات، ثم صار من شيوخ الكتاب، وتقلّد في أيّام حامد بن العباس، ديوان بيت المال، قال:
سمعت أبا «3» الفضل، وهو يحكي عن أبيه، وهو [ابن] الفضل بن مروان «4» ، قال:
كان في نفس الواثق «5» ، على محمد بن عبد الملك الزيّات «6» ، العظائم، ممّا كان يعامله به في أيّام أبيه.
فمن ذلك: أنّ المعلّم شكا إلى المعتصم «7» ، أنّ الواثق لا يتعلّم، فإذا طالبه بذلك، شتمه، ووثب عليه، فأمر المعتصم محمدا، بأن يضرب الواثق أربع مقارع.
فخرج محمد، واستدعى الواثق، وضربه ثلاث عشرة مقرعة، حتى مرض.
(8/17)

فلما عرف أبوه الخبر، أنكر ذلك، وحلف للواثق، أنّه ما أمر محمدا، إلّا أن يضربه أربع مقارع، فأخفاها في نفسه، فكان يبغضه.
وعلم محمد بذلك، فكان يقصده في ضياعه وأملاكه، لما ترعرع، وصار أميرا.
فوقّع المعتصم يوما، أن يقطع الواثق، ما ارتفاعه «1» ألف ألف درهم، فمحاها محمد، وكتب: ما قيمته ألف ألف درهم.
فلما دخل إليه الخادم، وعرّفه ما عمله محمد، وثب إلى أبيه، وعرّفه ذلك، وعرض التوقيع عليه.
فقال له المعتصم: ما أغيّر ما وقّعت به، وما أرى في التوقيع إصلاحا، وكان محمد قد أجاد محوه.
وعلم المعتصم، أنّ رأي محمد في الاقتصاد، أصلح، فبطل ما كان يريده الواثق، وانصرف.
فقال للخادم: قد تمّ علي من هذا الكلب، كل مكروه، فإن أفضت الخلافة إليّ، فقتلني الله، إن لم أقتله.
ثم قال له: أنت خادمي، وثقتي، فإن أفضى هذا الأمر إليّ، فاقتله ساعة أخاطب بالخلافة، ولا تشاورني، وجئني برأسه.
قال: فمضت الأيام، وتقلّد الواثق، فحضر الدار في أوّل يوم، محمد ابن عبد الملك [5] ، مع الكتّاب.
فتقدّم الواثق إلى الكتّاب دونه، بأن يكتب كلّ منهم نسخة، بخبر وفاة المعتصم، وتقلّده الخلافة، فكتبوا بأسرهم، وعرضوا ذلك عليه، فلم يرضه.
(8/18)

فقال لمحمد: اكتب أنت.
فكتب في الحال، بلا نسخة، كتابا حسنا، وعرضه، فاستحسنه، وأمر بتحرير الكتب عليه.
ولم يبرح من حضرته، حتى أقرّه على الوزارة، وخرج من بين يديه، والناس كلهم خلفه.
قال الخادم: فعجبت من ذلك، وقلت: تراه أنسي ما كان أمرني به؟
لم لا أستأذنه في ذلك، وأذكّره به؟
فتقدّمت إليه لما خلا، وأذكرته الحديث، واستأذنته، فقال: ويحك، السلطان إلى محمد بن عبد الملك، أحوج من محمد إلى السلطان، دعه «1» .
قال: فرقّاه الواثق إلى ما لم يرقّه إليه المعتصم.
قال الفضل بن مروان: ولا نعلم وزيرا، وزّر وزارة واحدة، بلا صرف، لثلاثة خلفاء متّسقين، غير محمد بن عبد الملك.
(8/19)

5 أبو خازم القاضي يطالب الخليفة المعتضد بما في ذمّته للوقف
حدّثني أبو الحسين «1» ، قال: حدّثني أبي «2» ، قال: حدّثني وكيع القاضي «3» .
قال أبو الحسين: وقد رأيت محمد بن خلف، وكيع، وكتبت عنه أشياء كثيرة، ليس هذا منها.
قال: كنت أتقلّد لأبي خازم «4» ، وقوفا في أيام المعتضد «5» ، منها وقوف الحسن بن سهل» .
فلما استكثر المعتضد من عمارة القصر المعروف بالحسني «7» ، أدخل إليه،
(8/20)

بعض وقوف للحسن بن سهل، كانت في يدي، ومجاورة للقصر.
وبلغت السنة آخرها، وقد جبيت مالها، إلّا ما أخذه المعتضد.
فجئت إلى أبي خازم، فعرّفته اجتماع مال السنة، واستأذنته في قسمته في سبله، وعلى أهل الوقف.
فقال لي: فهل جبيت ما على أمير المؤمنين؟
فقلت: ومن يجسر على مطالبة الخليفة؟
فقال: والله، لا قسمت الارتفاع، أو تأخذ ما عليه، وو الله، لئن لم يزح العلة، لا وليت له عملا.
ثم قال: امض إليه الساعة، وطالبه.
فقلت: من يوصلني؟
فقال: امض إلى صافي الحرمي «1» ، وقل: إنّك رسولي، أنفذتك في مهمّ، فإذا وصلت، فعرّفه ما قلت لك.
فجئت، وقلت لصافي ذلك، فأوصلني، وكان آخر النهار.
فلما مثلت بين يدي الخليفة، ظنّ أمرا عظيما قد حدث، فقال لي:
هي «2» ، قل، كأنّه متشوّف.
فقلت: أنا ألي لعبد الحميد، قاضي أمير المؤمنين، وقوف الحسن بن
(8/21)

سهل، ومنها [6] ، ما قد أدخله أمير المؤمنين إلى قصره، ولما جبيت مال هذه السنة، امتنع من تفرقته، إلى أن أجبي ما على أمير المؤمنين، وأنفذني الساعة قاصدا لهذا السبب، فأمرني أن أقول: إنّي حضرت في مهمّ، لأصل.
قال: فسكت ساعة متفكرا، ثم قال: أصاب عبد الحميد، يا صافي، هات الصندوق.
قال: فأحضر صندوقا لطيفا.
فقال: كم يجب لك؟
فقلت: الذي جبيت عام أوّل من ارتفاع هذه العقارات، أربعمائة دينار.
قال: فكيف حذقك بالنقد والوزن؟
فقلت: أعرفهما.
قال: هاتوا ميزانا، فجاءوا بميزان حرّاني «1» حسن، عليه حلية ذهب، فأخرج من الصندوق دنانير عينا، فوزن منها أربعمائة دينار، وقبضتها، وانصرفت إلى أبي خازم بالخبر.
فقال: أضفها إلى ما اجتمع للوقف عندك، وفرّقه في غد، في سبله، ولا تؤخّر ذلك، ففعلت.
فكثر شكر الناس لأبي خازم، لهذا السبب، وإقدامه على الخليفة، بمثل ذلك، وشكر هم للمعتضد رضي الله عنه، في إنصافه.
(8/22)

6 الوزير ابن الفرات يحاسب عاملا
حدّثني أبو الحسين علي بن هشام أبي قيراط، الكاتب البغدادي، قال:
سمعت أبا الحسن، عليّ بن محمد بن الفرات «1» ، يحدّث:
قال: كان النهيكي العامل، قد لازم أبا القاسم عبيد الله بن سليمان في أيّام نكبته، فلم يكن له- لما ولي الوزارة- همّ، إلّا الإحسان إليه.
فقلّده بادوريا «2» ، وكان لا يتقلّدها إلّا جلّة الناس.
ولقد سمعت أخي أبا العباس «3» يقول: إنّ من صلح لتقلّد بادوريا، صلح أن يتقلد ديوان الخراج، ومن صلح لديوان الخراج، صلح للوزارة.
قال: والسبب في هذا أنّ المعاملات ببادوريا، كثيرة مختلفة، وأنّها عرصة المملكة، وعاملها يعامل أولاد الخلافة، والوزراء، والقوّاد، والكتّاب، والأشراف، ووجوه الرعية «4» ، فإذا ضبط اختلاف تلك العادات، وقام بإرضاء هذه الطبقات، صلح للأمور الكبار «5» .
قال أبو الحسن: فأقام النهيكيّ، يتولّى بادوريا نحو سنتين، مدّة تقلّد عبد الرحمن بن محمد بن يزداد لديوان الخراج، في أيام عبيد الله، ثم مدّة أيام أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي الأصبغ «6» . [7]
(8/23)

إلى أن أطلقت أنا وأخي، وتقلّد [أخي] ديوان زمام الخراج، وزمام ديوان الضياع «1» ، وخلفته عليهما.
(8/24)

فكنّا إذا كاتبنا النهيكي في رفع الحساب، لم يجبنا، إدلالا لمحله من الوزارة، وتعفّفه «1» ، فإنه كان مشهورا بالعفّة، وإذا كاتبناه في شيء من أمور العمل، أقلّ الحفل بكتبنا.
فلما طالت المدّة علينا، ألححنا عليه بالمطالبة برفع الحساب، وشكوناه إلى
(8/25)

الوزير فوكّل به من داره «1» ، مستحثا له في رفع الحساب لعدّة سنين.
فتشاغلت أنا بعمل مؤامرة له، فلم أجد عليه كثير تأوّل، وحضرنا بين يدي عبيد الله لمناظرته.
وقد كنت، صدّرت أول باب من المؤامرة، بأنّه فصّل تفصيلا، ثمن الغلّة المبيعة، جملته على حسب ما يوجبه التفصيل، أكثر من الجملة التي أوردها بألف دينار.
فقال: أتتبّع، فما زال يتتبّع، إلى أن صحّ الباب عليه، وقال: وما هذا؟ غلط الكاتب في الجملة.
فبدأت أكلّمه، فأسكتني أخي، وأقبل على عبيد الله، فقال: أيها الوزير، صدق، هذا غلط في الحساب، فالدنانير في كيس من حصلت؟
فقال له عبيد الله: صدق أبو العباس، والله، لا وليت لي عملا يا لصّ.
ثم أتبعت هذا الباب، بباب آخر، وهو ما رفعه ناقصا عمّا كان قدّم به كتابه في كيل غلّة عند قسمتها.
فلما لاحت عليه الحجة، قال: أريد كتابي بعينه.
فبدأت أكلّمه، فأسكتني أخي، ثم قال: أيها الوزير، يطعن في ديوانك، ونسخ الكتب الواردة، والنافذة، شاهدا عدل.
فقال: صدق، يا عدوّ الله، وأمر بسحبه، فسحب.
وما برحنا، حتى أخذ خطّه بثلاثة عشر ألف دينار، وأهلكناه بهذا، وما عمل بعد هذا كثير عمل.
(8/26)

7 أبو العباس ابن الفرات يهدّد عاملا قد ألطّ بالمال
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبي، وأبو منصور عبد الله بن جبير النصرانيّ «1» ، قالا:
حضرنا مجلس ابن الفرات، وقد عملت مؤامرة لابن حبش العمانيّ، وكان يتقلّد الزاب ونهر سابس «2» ، في أيام وزارة عبيد الله بن سليمان.
فأخذ أبو العباس وأبو الحسن يناظرانه عليها، إلى أن ألزم خمسة وعشرين ألف درهم، من أبواب صحيحة، وطولب بأدائها، وأخذ خطه بتصحيحها «3» .
فصحّح خمسمائة وأربعين، طول المدة، وألطّ بالمال «4» [8] ، فقيّد فلم ينفع، وضرب سبع مقارع، فلم يودّ.
وكان إذا خرج بإنسان من العمال، إلى هذا القدر من المكروه، فعندهم أنّه النهاية.
(8/27)

فأخرجه أبو العباس إلى حضرته، وطالبه بالمال، فأقام على أنّه لا شيء معه، وأنّ ضيعته وقف.
فقال له: ويلك، لا أعرف أجهل منك، إذا كان هذا صبرك على المكروه، وإسلامك لنفسك، وبذلك لها، فلم لم تأخذ أصل الارتفاع؟
فإنّا ما كنّا نعمل بك أكثر من هذا.
ولكن إن شئت، فأنا أدع عليك هذا المال، وأصرفك إلى منزلك، ولكن بعد أن كشف للوزير صبرك على المكاره، فلا تتصرّف- والله- في أيّامه أبدا، ويذهب خبرك.
قال: فقلق من ذلك، وسأل أن يخفّف عنه شيء من المال، ليؤديّ الباقي.
فما برحنا حتى تقرّر أمره على بعض المال، وأدّاه، وانصرف.
(8/28)

8 الوزير عبيد الله بن سليمان يحرم عاملا من التصرّف
حدّثني أبو الحسين «1» ، قال: سمعت أبا الحسن بن الفرات «2» ، يقول:
ناظرت الجهظ «3» ، أحد العمال، على مؤامرة قد عملناها له، وكنت أنا وأخي، وجعلنا نأخذ خطّه بباب باب.
فلما كثر ذلك، قال لي سرّا: ليس الشأن في الخطّ، الشأن في الأداء، ستعلمون أنّكم لا تحصلون على شيء.
فسمعه عبيد الله «4» ، لأنّا كنّا في مجلسه، فقال له: أعد عليّ ما قلت، فاضطرب.
فقال: لا بدّ أن تعيده، فأعاد ذلك.
فقال: إذن، لا تلي لي- والله- بعدها عملا أبدا، قم عافاك الله إلى منزلك، خرّق يا غلام، المؤامرة.
قال: فخرّقت في الحال، وانصرف الجهظ إلى منزله، فما صرّفه عبيد الله بعد ذلك.
وشاع خبره، فتحامى الناس كلّهم استخدامه، فهلك جوعا في منزله، حتى بلغ أنّه احتاج إلى الصدقة.
(8/29)

9 وزير ينفى لأنه طرب لغناء صوت
حدّثنا أبو الحسين «1» ، قال: حدّثنا أبو عبد الله زنجي الكاتب «2» ، قال:
حدّثنا أبو العباس بن الفرات «3» ، قال:
كتب صاحب الخبر «4» ، بمدينة السلام «5» ، إلى إسماعيل بن بلبل «6» ، في وزارته الأولى «7» للمعتمد، بأنّ مغنية من جواري بدعة الكبرى «8» ، غنّت عند الحسن بن مخلد «9» ، وهو إذ ذاك معطّل، بهذا الصوت، فاستعاده، وطرب عليه [9] .
عادات طيء في بني أسد ... ريّ القنا وخضاب كلّ حسام
(8/30)

لهفي على قتلى النباج «1» فإنّهم ... كانوا الذرى ورواسي الأعلام
كانوا على الأعداء سيف محرّق ... ولجارهم حرما من الأحرام
لا تهلكي جزعا فإنّي واثق ... برماحنا وعواقب الأيام
فأنهى إسماعيل «2» ذلك إلى المعتمد، وقال: هذا يسعى عليك، ويتربّص بك الدوائر، فأمر بنفيه إلى مصر، فكان مضيّه إليها سبب تلفه «3»
(8/31)

10 أحمد بن طولون يقتل الحسن بن مخلد بالسمّ
حدّثنا أبو الحسين «1» ، قال: سمعت أبا القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد «2» ، قبل الوزارة «3» ، يتحدّث، قال: حدّثني أبو عبد الله حمد بن محمد القنّائي «4» الكاتب.
قال أبو الحسين: وكان «5» ابن أخت الحسن بن مخلد «6» ، وكان قد خلفه دفعات، على ديوان الخراج، ومرّة على ديوان الضياع، ثم ولي أعمالا جليلة، من العمالات «7» ، والدواوين «8» ، منها ديوان المغرب «9» ، ومات وهو
(8/32)

يتقلّد ديوان الخراج، والضياع العامة بالسواد، وما يجري فيه، وقد رأيته، وتعلّمت بين يديه، وسمعته يتحدّث بأشياء، ولم أسمع هذا منه.
قال سليمان: قال لي حمد:
سألت الخادم الذي تبع خالي الحسن بن مخلد «1» ، إلى ابن طولون «2» ، لما نفي إليه، عن السبب الذي دعا ابن طولون، إلى قتله، فقال:
لما ورد عليه، تناهى في إكرامه، وبرّه وإعظامه، ثم أنس به، حتى نادمه، وصار يشاوره في مهمّ أموره.
فشاوره مرات في خلع طاعة المعتمد، فعظّم عليه أمر السلطان، وخوّفه من العصيان، فقبل رأيه.
ثم طولب ابن طولون، بمال الوظيفة التي كانت عليه، فقال لابن مخلد:
ما رأيت أعجب من جهل هذا المخذول- يعني الموفّق- يطالبني بالوظيفة، وهو عاص على الخليفة، إلى من أحمل؟
فقال له: لا تفعل، فإنّ الأمور إليه، والجيش معه، وإن منعته المال، قصدك وحاربك.
فقام في نفس ابن طولون أنّه دسيس للقوم عليه، وقال: لو كان هذا عدوّا للقوم، ما أشار عليّ بهذه المشورة، وإنما هو دسيس على ملكي، ليأخذ البلدان منّي لهم، ويرهبني، ويستخرج البلدان منّي باللّطف.
فتنكّر له، ثم أمر بالقبض عليه، وحبسه، وكان جبانا، فلم يحبّ.
(8/33)

- مع إيحاشه له- أن يفلت، في وقت من الأوقات، فدسّ إليه في شربة، فقتله بها.
وجدّ الموفّق، وأنفذ إليه المعتضد في الجيش [10] ، وأخرج أحمد بن طولون، خمارويه، ابنه «1» ، لمحاربة المعتضد، فتحاربا، فانهزم كل واحد منهما من صاحبه، وهو لا يعلم أن صاحبه قد انهزم.
فضرب الناس بهما المثل، وقالوا: صبيّ لقي صبيّا، وهكذا تكون محاربة الصبيان.
قال: فلما جرت هذه الحال، تندّم أحمد بن طولون، على قتل الحسن ابن مخلد، وقال: صدقني، فلم أقبل منه، واتّهمته.
(8/34)

11 جرأة وزير على أخذ أموال السلطان
حدّثني أبو الحسين «1» ، قال: حدّثنا أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد «2» ، قال: قال لي نافذ، خادم أبي وثقته، وكان يتولى نفقته:
إنّي ما رأيت أجسر من مولاي «3» ، على أخذ مال السلطان.
ومن ذلك، أنّي باكرته يوما، وقد لبس سواده، ليمضي إلى دار المعتمد «4» ، وهو إذ ذاك يتولى دواوين الأزمّة «5» والتوقيع «6» ، وبيت المال «7» .
فقلت له: قد صككت «8» عليّ البارحة للمعاملين، بألف وستمائة دينار، وما عندي من ذلك حبّة واحدة.
فقال لي: يا بغيض، تخاطبني في هذه الساعة؟ أين كنت عن خطابي البارحة لأوجّه لها وجها؟ ولكن اتبعني إلى دار السلطان.
فتبعته.
(8/35)

ودخل إلى المعتمد، مع عبيد الله بن يحيى الوزير «1» ، ودخل معهما أحمد ابن صالح بن شيرزاد «2» ، صاحب ديوان الخراج، فلما خرج، قال لي:
امض إلى صاحب بيت المال، فخذ منه ما يسلّمه إليك.
فظننت أنّه قد استسلف على رزقه شيئا، فمضيت إلى صاحب بيت المال، فسلم إليّ ثلاثين ألف دينار.
فاستعظمت ذلك، وعلمت أنّه ليس من الرزق، وحملتها إلى الدار، وعرّفته خبرها.
فقال لي: أنفق منها ما وقّعت به إليك، واحفظ الباقي، فليس في كلّ وقت يتّفق لنا مثل هذا.
ومضى على الحديث أيام، ودعا دعوة، فيها صاعد بن مخلد «3» ، وإليه- إذ ذاك- عدّة دواوين، وجماعة من الكتّاب، وأكلوا، وناموا، وانتبهوا.
فإذا كاتب من كتّاب أحمد بن صالح بن شيرزاد، يستأذن عليّ، فاستأذنت لدخوله على مولاي، وكانوا قد بدأوا بالشرب.
فترك مولاي المجلس، وخرج إلى بيت الخلوة، واستدعى الرجل، فأدخله إليه.
فسمعته يقول: أخوك أبو بكر، يقرأ عليك السلام- يعني أحمد بن صالح- ويقول لك: أنت تعرف رسمي مع صاحب بيت المال، وأنّ
(8/36)

محاسبته [11] في سائر الأموال إليّ، وأنا إذا تمّت ثلاثون يوما، وجّهت صاحبي إلى حساب بيت المال، فحمله مع صاحب بيت المال، لينظّم دستور الختمة «1» بحضرتي، وأصحّح حكاياتها.
ونحن منذ عشرة أيام في هذا، حتى انتظمت الحسبة، ولم يبق إلّا ثلاثون ألف دينار، ذكر صاحب بيت المال، أنّك خرجت إليه، من حضرة أمير المؤمنين، فأمرته بحملها إلى خادمك نافذ، ولست أدري في أية جهة صرفت؟
ولا في أي باب أثبتها؟ ولا ما الحجة فيها؟
قال: فأجابه مولاي بلا توقّف، وقال: أخي أبو بكر- والله- رقيع، أسأل أنا الخليفة، في أي شيء صرف ما أمر أن يحمل إلى حضرته؟ يجب أن يكتب في الختمة: وما حمل إلى حضرة أمير المؤمنين في يوم كذا وكذا، ثلاثون ألف دينار.
قال: فقام الكاتب خجلا، ومرّ ذلك في الحساب على هذا، فما تنبّه أحد عليه، وحصل له المال «2» .
(8/37)

12 الوزير ابن الفرات يستولي على أموال المصادرات
قال أبو الحسين، فقال لي سليمان، بعقب هذه الحكاية:
ما رأيت لهذه الفعلة شبيها، إلّا ما عمله ابن الفرات، في وزارته الأولى، فإنّه نصب يوسف بن فنحاس، وهارون بن عمران، الجهبذين، فلم يدع مالا لابن المعتز «1» ، ولا للعباس بن الحسن «2» ، ومن نكب، وبل في الفتنة، وما صحّ من مال المصادرين، وغيرهم ممّن يجري مجراهم، إلّا أجراه على أيديهما، دون يد صاحبي بيت مال العامة والخاصة.
وأفرد لذلك ابن فرجويه «3» ، كاتبه، يحاسبهما، ولا يرفع لهما حساب إلى ديوان من الدواوين.
فلما كان في السنة التي قبض عليه فيها، كتب كتابا عن نفسه إلى مؤنس الخادم «4» صاحب بيت المال، ذكر فيه: أنّه حوسب يوسف بن فنحاس، وهارون بن عمران، على ما حصل عندهما من كيت وكيت- حتى استغرق
(8/38)

تلك الوجوه- فكان الباقي قبلهما- بعد الذي حمل إلى حضرة أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، وصرف في مهمّات أمر بها هو، والسادة «1» أيّدهم الله- من الورق «2» ، ألف ألف، وأربعمائة وسبعين ألف درهم، وخمسمائة وستة وأربعين درهما، وأمر بقبض ذلك منهما، وإيراده بيت مال الخاصة «3» .
فقبض مؤنس منهما تلك البقيّة، ومضى الأصل [12] كله، لا يعرف في أي شيء صرف، وكان مبلغه، فيما ظنّه الكتاب، وكانوا يتعاودونه، نحو ألف ألف دينار، فإنّ ابن الفرات فاز بجميعها، ولم تقم بها حجة عليه.
قال أبو الحسين: فحدّثني أبي بعد ذلك، قال:
لما قّلدني عليّ بن عيسى، في وزارته الأولى، ديوان الدار، الجامع للدواوين، أمرني بإحضار هذين الجهبذين «4» ، ومطالبتهما بختماتهما «5» ، لما كان حصل في أيديهما، في وزارة ابن الفرات الأولى، من الجهات التي تقدّم ذكرها.
فاستدعيتهما، وطالبتهما، فأحالا على أن ابن الفرات، أخذ حسابهما، ولم يدع عندهما نسخة منه.
فأمرني بحبسهما، وتهديدهما، ففعلت ذلك.
فأحضراني حسابا مبتورا، ذكرا أنهما وجداه، فرأيته غير منتظم.
(8/39)

فلم أزل أرفق بهما، إلى أن أقرّا أنّه قد وصل إليهما من فضل الصرف، فيما بين ما ورد عليهما، وبين ما أنفقاه، مائة ألف درهم، فجعلتها عشرة آلاف دينار، وقررت أمرهما عليها، وأخذت بها خطوطهما.
فلم يقنع عليّ بن عيسى بذلك، وأخذهما من يدي، وسلّمهما إلى حمد ابن محمد «1» وكان إليه ديوان المغرب، وأمره أن يتتبّع أمرهما بنفسه، وكان حسن الكتابة، ولم يعرّفه أني أخذت خطّهما بشيء.
فتتبّع حمد ذلك، فلم يجد في الحساب، إلّا إحالات على «حمل إلى الخليفة، والسادة» ، وأشياء صرفت إلى خاص ابن الفرات.
فقال له حمد: هذا كله مزوّق «2» ، والقوم معهم حجج بالابراء، وما عليهم طريق، وابن الفرات كان أجلد من أن يدع هؤلاء يفوزون بجبّة من المال.
فردّهما إليّ، وقال: اجتهد في أن تأخذ منهما مائتي ألف دينار «3» .
فقلت: لا يمكن ذلك.
فقال: اعمل على أنك طالبتهم بمرفق لنفسك بتمام مائتي ألف درهم.
فقلت له: فإذا فعلت هذا، فأي شيء أعمل أنا لنفسي؟
فقال: خذ منها عشرين ألف درهم، وألزمهما مائة وثمانين.
قال: فخرجت، وجددت بهما، إلى أن ألزمتهما ذلك، وأخذت لنفسي منه ما قال.
(8/40)

فلما فرغنا من ذلك، أخذنا بها خطوطهما، وأخذنا لهما خطّه بالبراءة من ذلك.
فقال لي عليّ بن عيسى: سأريك موضعي أنا من العمل [13] ، وأنّ للرئيس في كل أمر موضعا لا يقوم فيه أحد مقامه.
فاستحضرتهما إلى حضرته، وأنا في مجلسه، فقال لهما: تريدان مني أن أزيل عنكما تبعة، إن لم أزلها بقيت عليكما، وعلى ورثتكما، أبد الدهر؟
لست أفعل هذا إلّا بشيء يقرب، لا ضرر عليكما فيه، وهو: أنّي أحتاج في كل هلال، إلى مال أدفعه في ستة أيام من ذلك الشهر، إلى الرجّالة، ومبلغه ثلاثون ألف دينار، وربما لم يتّجه في أول يوم من الشهر، ولا الثاني، وأريد أن تسلفاني في أول كل شهر، مائة وخمسين ألف درهم، ترتجعانها من مال الأهواز في مدة الشهر، فإنّ جهبذة الأهواز إليكما، فيكون هذا المال سلفا لكما أبدا، واقفا، لأضيف إلى هذا المال، الوظيفة التي على حامد، التي ترد في أول كل شهر، وهي عشرون ألف دينار، فيكون ذلك بإزاء مال القسط الأوّل من النوبة، فيخف عنّي ثقل ثقيل.
فتأبيا ساعة، فلم يفارقهما حتى استجابا لذلك.
فقال لي علي بن عيسى: كيف رأيت؟
فقلت: ومن يفي بهذا إلّا الوزير، أيده الله تعالى.
قال: وكان علي بن عيسى، إذا حلّ المال، وليس له وجه، استسلفه من التجار على سفاتج قد وردت من الأطراف، فلم تحلّ «1» ، عشرة آلاف دينار، بربح دانق ونصف فضّة في كل دينار «2» ، وكان يلزمه في كل شهر ألفان وخمسمائة درهم أرباحا.
(8/41)

فلم يزل هذا الرسم يجري على يوسف بن فنحاس، وهارون بن عمران، ومن قام مقامهما، مدة ست عشرة سنة، وبعد وفاتهما، لأنهما ما صرفا إلى أن ماتا، وكانا قد تقلدا في أيام عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وكان السلطان لا يرى صرفهما، ليبقى جاه الجهبذة مع التجّار «1» ، فيقرض التجار بالجهبذ، إذا وقعت الضرورة، ومتى صرف الجهبذ، وقلّد غيره، ولم يعامله التجار، وقف أمر الخليفة «2» .
(8/42)

13 الصناعة نسب
حدّثنا أبو الحسين، قال: حدّثني أبو بكر محمد بن جنّي الكاتب، وكان أبوه مغنّيا، وهو من أعيان الكتّاب، قال: [حدّثني] ابن ثوابة الكاتب، قال: حدّثني أبو الفرج «1» عن نجاح بن سلمة، عن أبيه «2» ، عن الفضل بن مروان «3» ، قال:
كنت أتولى مجلس الحساب، من قبل صاحب ديوان الرشيد، وكان يجيئنا إلى الديوان، شيخ من بقايا كتّاب [14] بني أمية، وكان صاحب الديوان يقول لنا: هذا أكتب أهل زمانه، وكان يلبس درّاعة وقلنسوة كأكسية النصارى، وخفّا أحمر، وكان هذا زيّ المتعطّلين من الكتّاب إذ ذاك، وكان صاحب الديوان يكرمه جدّا.
فصار إليّ في يوم من الأيام لحاجة عرضت له، وأنا متشاغل بعمل مهمّ قد طلبه الرشيد، وأنا جالس حيال صاحب الديوان أعمله، فقصرت في حقّ الشيخ.
(8/43)

ولا مني صاحب الديوان على تقصيري به، ووبخني، فاعتذرت إليه بشغل القلب.
فلما كان بعد أيام جاءني، فزدت في إكرامه، وقمت إليه، وجلست بين يديه.
فأقبل على صاحب الديوان، فقال: أحسبك عاتبت فتانا على تقصيره أولا.
ثم أقبل عليّ، وقال: يا فتى، كنّا نعدّ الصناعة «1» نسبا، والنعمة «2» نسبا، واللغة نسبا، والنحلة «3» نسبا.
(8/44)

14 كيف اتصل الفضل بن مروان بالمأمون ووزّر له
حدّثنا أبو الحسين قال: حدّثنا أبو عبد الله الباقطائي «1» ، قال: حدّثني أبو الفضل عون بن هارون بن مخلد بن أبان، وكان كاتب المأمون، على ديوان الضياع، قال: [قال] ميمون: سمعت الفضل بن مروان يقول:
لا ينبغي لأحد أن يحقر أحدا، ولا يأيس من علوّه، فإني كنت في حداثتي أتوكّل لهرثمة بن أعين «2» في مطبخه، أيام الرشيد، وكان بخيلا، وكان له خادم يشرف على مطبخه، وأجرى عليّ خمسة عشر درهما في الشهر، ووظيفة خبز.
فلما كثر توفيري عليه، صيّرها عشرين درهما.
وكنت لا آكل من مطبخه شيئا، فسأل الخادم عن أكلي، فعرّفه أنّي لا آكل، فأمره أن يطعمني من المطبخ كلّ يوم، ويوفّر الوظيفة على منزلي.
فدعا يوما دعوة عظيمة، فوفرت عليه في الأسعار ألف درهم، وعرضت عليه بذلك عملا، فسرّه، وحسن موقعه منه، وكان بخيلا جدا.
فقال لي يوما: قد استحققت الزيادة، فكم تحب أن أزيدك؟
فقلت: لا أقلّ من عشرة دراهم أخرى.
فقال: هذا كثير، ولكن أربعة دراهم.
(8/45)

فأيست من خيره، واتفق له بعد ذلك، خروج عن مدينة السلام، فتعاللت عليه، ولم أتبعه، ولزمت الديوان، وتعلّمت، فصرت كاتب مجلس في ديوان الرشبد «1» ، وكان ذلك أوّل إقبالي [15] ، وتخرّجت، وزادت حالي مع الأيّام.
فلما ولي المأمون، وعظّم من أمر المعتصم، كان المعتصم شديد المحبّة للصيد، وكنت في فتنة محمد المخلوع، قد صرفت ما كنت جمعته في ضياع وبساتين بالبردان «2» وصاهرت بعض تنّائها، واجتمعت لي حال، فلما انجلت الفتنة، كنت من وجوه البردان.
فاجتاز بها المعتصم، منصرفا من صيده، متسرّعا، وليس معه من أصحابه كبير أحد.
فاجتاز في الطريق، وأنا واقف على بابي، فتوسّمت فيه الجلالة، وقدّرته أحد وجوه القوّاد.
كان لي وعد على عامل البلد، أن يكون ذلك اليوم في دعوتي، وقد أعددت له طعاما، وفيه جداء، وحلوى، وفاكهة كثيرة، وثلج استدعيته من بغداد، وكان قبل ذلك بساعة، قد جاءني خبر العامل، أنّه عرض له مهمّ في السواد، فخرج لوقته.
فلما رأيت المعتصم، وتوسّمت فيه الجلالة، قلت: لم لا أحلف على هذا القائد، وأضيفه عندي على هذا الطعام المعدّ؟
قال: فكلّمته، وسألته النزول عندي.
فأجاب، ونزل، وأكل، وشرب، وأنفذت في الحال، فاستدعيت له
(8/46)

قيانا، وجلس يشرب، وقد انبسطت بين يديه، وخدمته.
فنحن نشرب، انبثّ الجيش في طلبه، وعرفوا خبره، وأحاطوا بالدار، فعرفت حينئذ، أنّه أخو الخليفة، فهبته.
فبسطني، وسألني عن شرح حالي، فعرّفته، فقال: لا بد أن تجيء معي إلى بغداد.
وقلّدني بعض أموره، ثم تزايدت حالي عنده، إلى أن جمع لي جميع أمره، ورياسة كتّابه.
ثم خلطني بخدمة المأمون، وقلّدني ديوان الخراج مضافا إلى كتبة أخيه.
ثم رقّيت إلى الوزارة، من تلك الحال التي كنت عليها مع هرثمة.
قال أبو الحسين: ما رؤي في الدولة العباسية، من الكتّاب، من اتّصل تصرّفه منذ نشأ، إلى أن مات، وتردّدت ولايته الوزارة، وديوان الخراج، وديوان الضياع، من غير أن يتعطّل، أحد، غير الفضل بن مروان.
وصادره المعتصم على أربعين ألف ألف درهم [16] ، فأداها بغير مكروه «1» .
(8/47)

15 الخليفة المعتصم يصادر وزيره
وسمعت حامد بن العباس «1» ، يحكي: أنّه سمع صاعدا «2» ، يقول:
حدّثني أحمد بن إسرائيل، قال: حدّثني الفضل بن مروان، قال:
ما في الأرض أجهل من وزير يطلب الخليفة منه مالا، وهو في ولايته، فيعطيه إيّاه، فإنّه يطمعه في نعمته، وإنّما يدفع النكبة مدة، ثم تحدث، وقد ذهب المال.
فمن ذلك: أنّ المعتصم، لما خرج لغزو الروم، وأنا وزيره، استخلفني على سر من رأى، واستخلف لي بحضرته، محمد بن الفضل الجرجرائي.
فلما عاد، طمع فيّ، فقال لي: قد وردت، والمال [نزر] ، والجيش مستحق، فاحتل لي مائة ألف دينار، من مالك وجاهك، ففعلت.
فلما مضى شهر، طلب مني على هذا السبيل، خمسين ألف دينار، ففعلت.
فطلب منّي في الدفعة الثالثة، بمثل هذا الوجه، ثلاثين ألف دينار، فوعدته بها، ودافعته أياما، ثم حملتها إليه.
فبلغني عنه، أنّه قال لابنه الواثق: هذا النبطي، ابن النبطية، أخذ مالي جملة، وهو ذا يتصدّق به عليّ تفاريق.
ثم قبض عليه، بعد أيّام، وأخذ منه أربعين ألف ألف درهم.
(8/48)

16 العمارة والتوفير أولى واجبات الوزير
حدّثني أبو الحسين «1» ، قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن عبد الملك التواريخي، وكان شيخا قد عني بجمع التواريخ، فلقّب بها، وكان يجلس في الجامع إلى جانب الزجّاج «2» ، ويعظّمه، قال: سمعت المبرد «3» يقول:
كنت أصحب الفضل بن مروان «4» ، فذكر بحضرته- في أيّام الواثق- عظم بناء أحمد بن الخصيب «5» بسرّ من رأى، وأنّه استعمل في سقف دهليز داره سبعين قارية ساج، والقارية: ساجة عظيمة، تستعمل صحيحة «6» ، فقال الفضل: ما كانت لي في حياتي «7» ، لذّة في بناء، ولا فرش، ولا غلمان، ولا جوار، ولا مفاخرة بمروءة، وإنما كانت لذّتي في العمارة
(8/49)

والتوفير، ولهذا اتّصلت مدّتي في صحبتهم.
ولعهدي، وقد وليت للمأمون ديوان الخراج، فوجدت الأهواز «1» ، قد اختلّت ببثق سدّ أبطل العمارة، فأنفقت عليه، مائة ألف دينار، وجددت في عمارة النواحي، وكانت كور الأهواز [17] ، إذ ذاك، قد ارتفعت بأربعة وعشرين ألف ألف درهم للسلطان، فضمنتها له بثمانية وأربعين ألف ألف درهم، صالحة للحمل.
(8/50)

17 السبب في علو حال عبيد الله بن يحيى بن خاقان مع المتوكّل
حدّثنا أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو الفرج محمد بن جعفر بن حفص الكاتب قال: حدّثنا أبي، قال: سمعت نجاح بن سلمة، يقول:
إنّ السبب في علوّ حال عبيد الله بن يحيى بن خاقان، مع المتوكل، أنّ أباه يحيى بن خاقان بن موسى، تقلّد ديوان الخراج في أيام المتوكل، فقلّد ابنه أبا محمد عبد الله، مجلسا من مجالس الديوان، ولم ير عبيد الله، أهلا لمثل ذلك.
فغضب على أبيه، وصار إلى الفضل بن مروان، وهو يتقلّد ديوان الضياع، فلزمه، وخطّ بين يديه.
وكانت أرمينية «1» تجري في ديوان الضياع، وكان على أهلها مقاطعة فضلها مال جليل، فامتنع الفضل من إمضائها لهم، وعرض عليه مرفق مائة ألف درهم، فأبى قبولها، وطرحوا نفوسهم على أكثر الوجوه بسرّ من رأى، فلم يجب أحدا إلى ذلك، فلجأوا إلى عبيد الله بن يحيى، وسألوه مسألته، لما ظهر من اختصاصه به، ونفاقه عليه.
فخاطبه في أمرهم، فتذمّم «2» من رده، لأنّه ما كان «3» يعمل معه بالرزق، ولا له نفع، وكانت حاله قويّة، وإنّما أراد التصرّف مراغمة لأبيه، وجعل
(8/51)

ذلك كالمرفق له، والصلة، فأجابه، وأمضى المقاطعة.
فحمل إليه القوم خمسة آلاف دينار، فردّها، وقال: ما كنت لآخذ على معروفي ثمنا.
فلما خرجوا إلى أرمينية، أحبّوا مهاداته، ومكافأته، فاستعملوا له فرش بيت أرمنيّ ببساط عظيم، ومصلّيات، وأنخاخ، ومساور، ومخادّ، ودست، وستور «1» ، وأذهبوا الجميع، وكتبوا عليه كنيته واسمه، ولم يكن رؤي قط مثله حسنا وجلالة، وحملوه إليه.
واتفق أنّه وكّل المتوكل، تلك السنة، بالطرق، وأمر أن لا يدخل شيء من الأمتعة، أو يعرض عليه، فعرض عليه البيت، في جملة ما جيء به من أرمينية، فاستهوله، وقال: من هذا [18] الرجل؟
فقالوا: هو عبيد الله بن خاقان.
(8/52)

قال: وأي شيء إليه، حتى يستعمل له هذا العمل؟ لعلّ هذا مرفق لأبيه؟
فقيل له: إنّ أرمينية تجري في ديوان الضياع، ولا معاملة بينه وبين أبيه.
فاستشرح الصورة، ونقّر عليها، إلى أن حدّث الحديث على صحّته.
فاستحسن ذلك من فعل عبيد الله، وأمر بتسليم فرشه إليه، وقال: هذا فتى يدل فعله، على كبر همّته.
فلما صرف محمد بن الفضل الجرجرائي، عن وزارته «1» ، قال: قد استغنيت عن وزير، لأنّ أصحاب الدواوين، يعرضون أعمالهم عليّ، والتاريخ يجعل باسم وصيف التركي، فأجرى الأمر على ذلك مدة.
ثم إنه احتاج إلى كاتب يكون بين يديه، في أبنيته، والتوقيعات في المهمّ الذي يأمر به من حضرته فيها، وفي غيرها، إلى أصحاب الدواوين، وغيرهم، فأمر أن يطلب له حدث من أولاد الكتاب، ينصبه لذلك.
فسمي له جماعة، منهم: عيسى بن داود بن الجراح، وأبو الفضل بن مروان، وجماعة، وكان فيهم عبد الله وعبيد الله، ابنا يحيى بن خاقان.
فحين مرّ على سمعه ذكر عبيد الله، ذكر حديث الفرش، فاختاره، ولم يزل حاله يرقى معه، إلى أن استوزره.
(8/53)

18 ابن شيرزاد يتحدث عن عمله في ديوان الضياع الخاصّة
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن يحيى بن زكريا بن شيرزاد الكاتب «1» ، قال:
لمّا تقلّد أبي ديوان الضياع المعروفة بغريب الحال «2» ، استخلف أخي أبا الحسين، زكريا بن يحيى على الديوان، وأجرى له عشرين دينارا في الشهر، وأجرى عليّ عشرة دنانير برسم التحرير في هذا الديوان، فأنفت من ذلك، ولم أقبل الرزق، ولا العمل.
ومضيت إلى ديوان الضياع الخاصّة، وكان يليه، إذ ذاك، أبو حامد محمد ابن الحسن، الملقب (بسودانية) ، فلم ألقه، ولا توسّلت إليه، بما كان بين أبي وبينه.
ولزمت الديوان بحضرة أبي يوسف عبد الرحمن بن محمد بن سهل المعروف بالمرمّد، وإليه كان مجلس الحساب في هذا الديوان، مدة [19] شهر، وكنت أتعلّم.
فبلغ أبا حامد خبري، ولم أكن- إذ ذاك- بلغت عشرين سنة، ولا قاربتها، فاستحضرني، فدخلت إليه، فعاتبني على تركي الدخول إليه،
(8/54)

والتعرّف إليه، وأمرني بملازمة حضرته، وأجرى لي درجين وثبتا وقرطاسا في كل يوم، وقال: سوّد فيها، وتعلّم الخط.
فلما كان بعد أيام، فرّقت أرزاق الكتّاب لشهر واحد، فوقّع إلى خازنه، المتولّي للتفرقة، أن يحمل إليّ، بقيمة عشرين دينارا، ثلاثمائة درهم، وقال: قد أجري لك هذه في كل شهر.
فصرت إلى أبي، فأريته إيّاها، وقلت: قد فعل الله بي خيرا ممّا فعلت.
فقال: خذ الآن العشرة، والزم موضعك، ليصير لك ثلاثين دينارا في الشهر.
فأخذتها، وكان هذا أوّل إقبالي «1» .
(8/55)

19 البحتري وأبو معشر يؤصلان عند المعتز أصلا
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد «1» ، قال:
لما أنفذ أبي «2» إلى مصر، اجتذبت البحتري وأبا معشر، فكنت آنس بهما، لوحدتي، وملازمتي البيت، وكانا في أكثر الأوقات، يحدّثاني، ويعاشراني.
فحدّثاني يوما: أنّهما أضاقا في وقت من الأوقات، إضافة شديدة، وكانا مصطحبين، فعرض لهما أن يلقيا المعتز «3» ، وهو محبوس، ويتوددان إليه، ويؤصّلان عنده أصلا، فتوصّلا إليه، حتى لقياه في حبسه.
قال: فقال لي البحتري: فأنشدته أبياتا، كنت قلتها في محمد بن يوسف الثغري «4» ، لما حبس «5» ، وجعلتها إليه، وهي:
(8/56)

جعلت فداك الدهر ليس بمنفكّ ... من الحادث المشكوّ والحدث المشكي
وقد هذّبتك النائبات وإنّما ... صفا الذهب الإبريز قبلك بالسبك
أما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوسا على الظلم والإفك
أقام جميل الصبر في الحبس برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك
على أنّه قد ضيم في حبسك العلى ... وأصبح عزّ الدين في قبضة الشرك
فأخذ الرقعة التي فيها الأبيات، ودفعها إلى خادم كان معه، وقال:
غيّبها واحتفظ بها، فإن فرّج الله عني، فأذكرني بها، لأقضي حقّ هذا الرجل.
قال أبو معشر: وكنت قد أخذت مولده، وعرفت وقت عقد البيعة للمستعين «1» ، ووقت [20] البيعة بالعهد من المتوكل للمعتز، ونظرت فيه، وقد صحّحت النظر، وحكمت له بالخلافة، بعد فتنة وحروب، وحكمت على المستعين بالخلع والقتل، فسلّمت ذلك إليه، وانصرفنا.
قال وضربت الأيام ضربها، وصحّ الحكم بأسره، فدخلنا جميعا، إلى المعتز، وهو خليفة، وقد خلع المستعين، وكان المجلس حافلا.
قال أبو معشر: فقال لي المعتز: لم أنسك، وقد صحّ حكمك، وقد أجريت لك مائة دينار في كل شهر رزقا، وثلاثين دينارا نزلا، وجعلتك رئيس المنجمين في دار الخلافة، وأمرت لك عاجلا بألف دينار صلة.
قال: فقبضت ذلك عاجلا كله في يومي.
قال البحتري: وأنشدته أنا في ذلك اليوم، قصيدتي التي مدحته بها، وهنّأته، وهجوت المستعين، وأوّلها:
(8/57)

يجانبنا في الحبّ من لا نجانبه ... ويبعد عنّا في الهوى من نقاربه
حتى انتهيت إلى قولي:
وكيف رأيت الحقّ قرّ قراره ... وكيف رأيت الظلم آلت عواقبه
ولم يكن المغترّ بالله إذ شرى ... ليعجز والمعتزّ بالله طالبه
رمى بالقضيب عنوة وهو صاغر ... وعرّي من برد النّبي مناكبه
وقد سرّني أن قيل وجّه مسرعا ... إلى الشرق تحدى سفنه وركائبه
إلى واسط نحو الدجاج ولم تكن ... لتنشب إلّا في الدجاج مخالبه
فضحك، واستعاد هذه الأبيات مرارا، فأعدتها.
فدعى بالخادم، وطلب الرقعة التي فيها أبياتي التي أنشدته إيّاها في حبسه، فأحضره إياها، بعينها.
فقال: قد أمرت لك لكلّ بيت في الرقعة بألف دينار، وكانت ستة، فأعطيت ستة آلاف دينار.
وقال لي: كأنّي بك، وقد بادرت، فاشتريت غلاما، وجارية، وفرسا، وفرشا، وأتلفت المال، لا تفعل، فإنّ لك، فيما تستأنفه من أيّامك معنا، ومع وزرائنا وأسبابنا، إذا علموا موقعك منّا، غناء عن ذلك، فاشتر بهذا المال ضيعة ببلدك، تقوم في أدناها فترى أقصاها، ويبقى لك أصلها، وتنتفع بغلّتها، كما فعل ابن قيس الرقيات، بالمال الذي وصله به عبد الله بن جعفر.
فقلت: السمع والطاعة، وخرجت، فعملت [21] بما قاله، واعتقدت بالمال ضيعة جليلة بمنبج «1» ، ثم تأثّلت حالي معه، وأعطاني، وزاد وما قصّر.
(8/58)

20 ضيعة البحتري في حيازة حفيد ولده
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو الفتح بن جعفر بن محمد بن الفرات «1» ، بعد عوده من مصر والشام، في أيّام الراضي، وتقلّد الوزارة «2» ، قال:
اجتزت في رجوعي هذا، إلى مدينة السلام، بمنبج، فرأيت ضياعا في نهاية العمارة والحسن.
فسألت عنها، فقيل: هي أقطاع البحتري الشاعر وأملاكه.
فقلت: لمن هي اليوم؟
فقيل لي: هي اليوم في يد ابن ابنة ابنه أبي الغوث.
فقلت: هذا نسب طويل، وأمرت الحسن بن ثوابة بقبضها.
فلما كان من الغد، جاءني رجل متكهّل «3» ، في زيّ الجند، وذكر أنّه صاحب الضياع، وقال: يا سيدي، هذه الضياع التي قال جدّي البحتري بسببها:
وما أنا والتقسيط إذ تكتبونه ... ويكتب قبلي جلّة القوم أو بعدي
وأنشدني هذه الأبيات كلّها، وقال: ذاك بكاء لأجل تقسيط يسير، فكيف يكون حالي، إذا قبضت هذه الضياع؟
قال: فتذمّمت أن أكون سبب ذهاب معيشته، فأطلقت له عنها.
(8/59)

21 عامل يصفع عند المطالبة
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو الفتح، قبل تقلّده الوزارة الأولى «1» بمدّة طويلة، قال: حدّثني أبي «2» ، قال:
صرفت محمد بن سيف العامل، عن بادوريا «3» ، وتقلّدتها، فاستدركت عليه أشياء كثيرة، وطالبته بها، فلم يردّ فيها شيئا.
فأخرجته يوما إليّ، وناظرته، فأقام على أمر واحد، فاغتظت عليه وأمرت بصفعه، فلم يتأوّه، ولم يزل يصيح: واحدة، فإذا صفع أخرى قال: ثانية.
وعلى هذا، إلى أن صفع ثلاث عشرة صفعة.
فتعجّبت من عدّه، وقلت: يا هذا، ويحك أيّ فائدة لك في العدّ؟
وأن لا تستعفي.
قال: أنا أعدّد ذلك- أعزّك الله- لأصفعك بعدده، بعد أيّام، إذا صرفتك، وتقلّدت مكانك، فلا أظلمك بالزيادة، ولا تفوز بالنقصان.
قال: فأخجلني، فقلت: قم، في غير حفظ الله إلى منزلك.
فأطلقته، وذهب المال.
(8/60)

22 حمال مستور
حدّثني أبو الحسين «1» ، قال: حدّثنا نفطويه «2» ، قال: حدّثنا ثعلب «3» ، قال:
كان عندنا في الحربية «4» ، حمّال مستور [22] ، يوصف بالزهد، وكان لا يحمل لأصحاب السلطان شيئا «5» ، وكان إذا حمل على قدر قوته- على ضيق- لم يزدد عليه شيئا، وأراح نفسه، ولا يحمل إلّا كارة «6» خفيفة، مثل لحم وفاكهة، وما يكون قدره خمسين رطلا أو نحوه.
قال: فاتّبعته يوما، وهو لا يعلم أنّي خلفه، فرأيته يضع رجلا، ويقول: الحمد لله، ويرفعها، ويقول: أستغفر الله.
فقلت له: لم تفعل هذا؟
فقال: أنا بين نعم لله، وذنوب، فأنا أحمده- عزّ وجلّ- على نعمه، وأستغفره من ذنوبي.
(8/61)

فأردت امتحانه، فقلت: ما تقول في عليّ وأبي بكر؟
فقال: إذا نشرت الدواوين، ووضعت الموازين، أأسئل عن ذنوبي، أم عن تفضيل أبي بكر وعلي؟
فقلت: بل عن ذنوبك.
فقال: فلي في نفسي شغل عن معرفة الأفضل منهما «1» .
(8/62)

23 حامد بن العباس وبوّاب الوزير إسماعيل بن بلبل
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبي، قال: سمعت حامد بن العباس «1» يقول:
ما في الدنيا أضرّ على الإنسان من مداجاة العدوّ، وينبغي أن تشهر ما بينك وبين عدوّك، حتى لا يقبل قوله فيك.
قال، وسمعته يقول: ربما انتفع الإنسان في نكبته بالرجل الصغير، أكثر من منفعته بالكبير.
فمن ذلك: أنّ إسماعيل بن بلبل «2» ، لما حبسني، جعلني في يدّ بوّاب، كان يخدمه قديما، قال: وكان رجلا حرّا، فأحسنت إليه، وبررته، وكنت أعتمد على عناية أبي العباس بن الفرات.
وكان البوّاب قديم الخدمة لإسماعيل، يدخل إلى مجلس الخاصة، ويقف بين يديه، فلا ينكر ذلك خدمه عليه، لسالف الصحبة.
فصار إليّ في بعض الليالي، فقال: قد حرد الوزير على ابن الفرات، وقال له: ما يكسر المال على حامد غيرك، ولا بد من الجدّ في مطالبته بباقي مصادرته، وسيدعو بك الوزير في غد إلى حضرته، ويهدّدك.
فشغل ذلك قلبي، فقلت له: فهل عندك من رأي؟
فقال: اكتب رقعة إلى رجل من معامليك، تعرف شحّه، وضيق نفسه،
(8/63)

والتمس منه لعيالك ألف درهم يقرضك إيّاها، واسأله أن يجيبك على ظهر رقعتك، لترجع إليك، فتخرجها، فإنّه لشحّه وسقوطه، يردّك بعذر، واحتفظ بالرقعة، فإذا طالبك الوزير، أخرجتها [23] إليه، وقلت:
قد أفضت حالي إلى هذا، وأخرجتها على غير مواطأة، فلعلّ ذلك ينفعك.
ففعلت ما قاله، وجاءني جوابه بالردّ، كما حسبنا، فشددت الرقعة معي.
فلما كان من غد، أخرجني الوزير، وطالبني، فأخرجت الرقعة، وأقرأته إيّاها، ورقّقته، وتكلّمت، فلان واستحيا، وكان ذلك سبب خفّة أمري، وزوال محنتي.
فلمّا تقلّدت في أيّام عبيد الله بن سليمان «1» ، سألت عن البواب، واجتذبته إلى خدمتي، فكنت أجري عليه خمسين دينارا كل سنة.
وهو باق معي إلى الآن.
(8/64)

24 عامل مصروف يختبىء في قدر هريسة
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبي، عن جدي عبد الله بن هشام، قال: حدّثني يحيى بن عبد الله الكسكري «1» ، قال:
كنت أكتب لابن البختري الأصغر على مصر، فصرف بسليمان بن وهب «2» ، وخرج معه ابنه عبيد الله «3» - وكان يخلفه عليها-.
فجلس العامل ابن البختري لرفع حسابه، وتخلّوا لنظم الحساب، وكنت أغدو وأروح إلى سليمان، أعرض عليه ما أعمل.
وكان قد وكّل بابن البختري، قائدا من قوّاد مصر، معه عدّة من الفرسان، والرجّالة، والغلمان، وكان ابن البختري يقيم لهم الطعام الواسع.
وحضر المهرجان، فتقدّم بأن تحضر قدر النبيذ، وتعمل فيها الهريسة، في الدار التي كان فيها معتقلا.
وكان قصيرا ضئيلا، فجاءوا له بالقدر، وطبخ فيها الهريسة، في جملة الطعام، وأكل الموكلون، وشربوا، وسكروا.
وأعمل هو الحيلة، فجلس في القدر، وغطّيت عليه، وأخرجت، ولم يعرفوا خبره، حتى طلبوه لمّا أفاقوا، فلم يجدوه.
قال يحيى بن عبد الله: ولم أكن أنا عرفت الخبر، فبكّرت إلى سليمان،
(8/65)

على رسمي، فوجدت عبيد الله جالسا، متشاغلا بطلبه، وقد ضجّ، وهو يقول: أيّ شيء أقبح من أن يتّصل بالخليفة، أنّا عجزنا عن حفظ العامل المصروف، فيقال فينا: كيف يحفظ هؤلاء الأموال، والأعمال، مع عجزهم عن حفظ محبوس؟ وجعل يضرب الناس في التقرير عليه.
وأمر بالقبض عليّ، لمّا رآني، فقلت له: أعزّك الله، لو كان عندي علم بالخبر ما جئتك، قال: فصدّق قولي، وكان حضوري سبب [24] خلاصي.
قال: ووقع في يده وكيل نصرانيّ لابن البختري، يتوكّل في مطبخه، وكان نبطيّا، وقيل له: إنّه لا يجوز أن يخفى عليه خبره، فجعل يضربه.
وكان في المجلس سليمان بن وهب، وأصحاب البرد والأخبار، والناس بأجمعهم.
وكنت أحسن النبطيّة، ولم يكن عبيد الله يحسنها.
فلما حمي الضرب على الوكيل، كاد أن يقرّ على موضع ابن البختري، ففهم ذلك سليمان، ولم يحب أن يأمره بالإنكار، فيكتب بالخبر، وأراد أن يسلم المنكوب، سلوكا لمذهب الناس قديما، في طلب السلامة، بالإبقاء على أعدائهم.
قال: فقال للمضروب كلاما بالنبطية، تفسيره: لا تقرّ، فإنّ الإقرار مثل القير لا ينقلع.
قال: فتصبّر الرجل على الضرب، ثم قال سليمان لعبيد الله: إلى كم تضرب هذا البائس؟ لو كان يعرف شيئا لقاله، اقطع عنه الضرب، لا يتلف، فتدخل في دمه.
قال: فرفع الضرب عنه، وأطلق من يومه، وأفلت المستتر.
(8/66)

25 من مكارم أخلاق المأمون
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبو بكر محمد بن عبد الملك التاريخيّ «1» ، قال: حدّثنا المبرّد «2» ، قال: حدّثني الحسن بن سهل «3» ، لمّا أسنّ، وجلس في بيته، قال:
دخلت يوما إلى المأمون، وهو جالس، وبحضرته جماعة من خواصّه، منهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب «4» ، وكان في يده كتاب يقرأه، فلم ينظر إليّ، فوقفت قائما.
فقال له إسحاق: يا أمير المؤمنين، أبو محمد، الحسن بن سهل.
فقال لي: اقعد، فقعدت.
فقال: أحضر دواتك، فأحضرت.
فقال: وقّع بتقليد إسحاق بن إبراهيم، جميع أعمال المعاون «5» بالسواد «6» ، جزاء له على ما نبّه عليه من تكرمتك يا أبا محمد.
فشكرته، ودعوت له، ووقّعت بذلك.
(8/67)

26 الشاعر الكوفي أبو الحسن البصير
أنشدني أبو الحسن محمد بن غسان بن عبد الجبار بن أحمد الداري، الصيدلانيّ، البصري «1» ، قال: أنشدني أبو الحسن عبد الله بن سليمان الكوفي، الضرير، المعروف بالبصير، لنفسه:
واحربا ما الذي لقيت أنا ... أحمل في كلّ بلدة شجنا
أدخلها وادعا فتجلب لي ... رقة قلبي من أهلها سكنا [25]
(8/68)

27 الخارجي وصلاة الجمعة
حدّثني أبو الحسن محمّد بن غسّان بن عبد الجبار، قال:
رأيت بعمان شيخا من الخوارج، قد دخل في يوم جمعة، من ناحية بلد الشراة، إلى السوق بعمان، وكانت طريق الناس إلى الجامع، والناس يتعادون إلى حضور الجمعة، خوفا من فوتها، والخارجيّ ماش الهوينا «1» في حاجته، لا يراعي أمر الجمعة، فإذا بشيخ قد جاء من ناحية الجامع، فالتقيا.
فقال الشيخ للخارجي، وهو لا يعرفه، وقدّر أنّه يريد الجامع: إلى أين تمضي يا شيخ؟ وقد صلّى الناس وفاتتك الصلاة؟
فقال الخارجي: يا أبله، إنّما فاتت من أدركها.
يريد أنّ التجميع معهم، لا يسقط الفرض الذي هو الظهر، وهو إذا جمعّ معهم ترك الظهر، فتفوته الصلاة الواجبة، وهي الظهر، ويصلّي، ما لا يجزي عنه في مذهبه من تكفيرهم.
قال: ولم يفهم الشيخ ما سمعه.
وقلت أنا للخارجيّ: أظنّك- أعزّك الله- شاريا؟
قال: فقال: نعم، والحمد لله.
قال: وهم يستحبّون أن يقال لهم شراة، ويأبون أن يقال لهم: خوارج، ويذهبون إلى قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ)
«2» .
(8/69)

28 أحد القائلين بالتناسخ يدعي أنّ الهرّة أمّة
حدّثني أبو الحسن عليّ بن نظيف «1» البغدادي، المعروف بابن السراج، المتكلم، المعروف بالبهشمي «2» ، قال:
كان يجتمع معنا في المجالس ببغداد، شيخ للإماميّة يعرف بأبي بكر بن الفلّاس، وكان طيّبا، فحدّثنا يوما: أنّه دخل على بعض من كان يعرفه بالتشيّع، ثم صار يقول بمذهب أهل التناسخ «3» ، قال: فوجدته، وبين يديه سنّور سوداء، وهو يمسحها، ويحكّ بين عينيها، ورأسها، وعينها تدمع، كما جرت العادة في السنانير بذلك، وهو يبكي بكاء شديدا.
فقلت له: لم تبكي؟
(8/70)

فقال: ويحك، ما ترى هذه السنور تبكي كلما مسحتها؟ هذه أمّي لا شك، وإنّما تبكي من رؤيتها لي حسرة.
قال: وأخذ يخاطبها خطاب من عنده أنّها تفهم عنه، وجعلت السنّور تصيح قليلا قليلا.
قال: فقلت له، وأنا معتقد الطنز به «1» : فهي تفهم ما تخاطبها به؟
فقال: نعم.
فقلت له: أفتفهم أنت عنها صياحها؟
فقال: لا.
فقلت له: [26] فأنت إذن الممسوخ، وهي الإنسان «2» .
(8/71)

29 كتاب تعزية
كتب محمد بن عيسى، أحد كتّاب زماننا، بتعزية إلى صديق له، قرأته بخطّه، فاستحسنت منه صدره، ونسخته:
من سرّه امتداد عمره، ساءته فجائع دهره، بفقد حميم، أو طارق هموم، عادة للزمان معروفة، وسنّة للحدثان «1» مألوفة، وأحقّ من سلّم للأقضية والأقدار، من وهب الله تعالى له جميل الاصطبار، فإن أصابته مصيبة، تلقّاها مسلما، أو [نابته] نائبة، وجدته محتسبا «2» .
(8/72)

30 شاعر يقتضي ثواب مديح
كتب إليّ عمرو بن محمد بن الأشعث، شاب ورد من عمان، مجتازا بواسط- ذكر أنّه كان من الجند فيها، فزالت نعمته، وهرب حين ملك الديلم عمان «1» - أبياتا في آخر رقعة له، اقتضاني فيها، ثواب مديح، كان أسلفنيه، وهي:
مات الرجاء بغيظه فلك البقا ... ولربّما أفضى النعيم إلى الشقا
فإن احترقت فمن تلهّب حادث ... لأقلّ منه تلهّبا أن يحرقا
إن كان عود الجود جفّ فإنّه ... لم يسق ماء نداك حتى أورقا
وأريد منك إذا حرمت مطالبي ... تسعى معي فلعلني أن أرزقا
(8/73)

31 الانتقال في ليلة واحدة من الحرّ إلى البرد
حدّثني أبو علي المنتاب، قال: حدّثني أبي، قال:
كنّا مع حامد بن العباس في ولايته، يوما، جلوسا في الخيش «1» ، بواسط، في النصف الأخير من تشرين الثاني، لشدّة الحر، فجاء البرد في ليلة، فأصبحنا من غد، وقد لبسنا الخزوز «2» والمحشوّ «3» ، وعجبنا من التفاوت بين الحالين في شدّة الحر، وفي شدّة البرد، في ليلة واحدة.
(8/74)

32 في العافية طعم كل شيء
حدّثني أبو عليّ محمد بن محمد بن إسماعيل بن شانده «1» الواسطي، قال:
سمعت بعض شيوخنا، يحكي عن إبراهيم الحربي «2» ، أنّه قال:
في العافية طعم كل شيء، وفي الرزق نصر كل شيء.
(8/75)

33 القاضي أبو خازم والخليفة المعتضد
حدّثني أبو الحسين عليّ بن هشام «1» ، قال: سمعت القاضي أبا جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخيّ، الأنباري «2» ، يحدّث أبي «3» ، وقد جئت إليه معه نهنّيه بعيد أضحى، فحدّث أحاديث، فقال: حدّثني أبو خازم القاضي «4» ، قال:
كان في حجري أيتام، ذكور وإناث، خلّفهم بعض العمال «5» ، فرددت أمانتهم، إلى بعض الشهود، فصار إليّ [27] الأمين يوما، وعرّفني أنّ عامل المستغلّات «6» ، ببغداد، الذي يتولّى مستغلّات السلطان، وعامل بادوريا «7» ، قد أدخلا أيديهما، في أملاك الأيتام، وذكرا أنّ الوزير عبيد الله ابن سليمان «8» ، أمرهما بذلك، عن أمير المؤمنين المعتضد «9» .
(8/76)

فصرت إلى المعتضد في يوم موكب، فلما انقضى الموكب، دنوت منه وشرحت له الصورة.
فقال لي: يا عبد الحميد، هذا عامل خانني في مالي، واقتطعه، ولي عليه مال جليل، من نواحي كان يتولّاها من ضيعتي خاصّة، وما لي عليه بضعف هذه الأملاك التي خلفها.
فقلت: يا أمير المؤمنين، ما تدّعيه عليه يحتاج إلى بيّنة، وقد صحّ عندي أنّ هذه الأملاك أملاكه يوم مات، ولا طريق إلى انتزاعها من يد وارثه إلّا ببيّنة بالمال، هذا حكم الله في البالغين، فكيف في الأطفال؟
قال: فسكت ساعة مطرقا، ثم دعا بدواة، ووقّع بخطّه إلى عبيد الله ابن سليمان، بالإفراج عن الضياع «1» .
(8/77)

34 دهاء عبدون أخي صاعد بن مخلد
حدّثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا الحسن عليّ بن محمد بن الفرات «1» ، وكان يخلف أبا نوح عيسى بن إبراهيم «2» ، على ديوان الضياع، حدّث أنّه:
كانت في يد صاعد بن مخلد «3» ، ضمانات كثيرة، وكانت إليه معاملة مع أبي نوح، وكان صاعد- إذ ذاك- من وجوه الناس، ولم يكن بلغ المبالغ الكبار.
فحضر عنده صاعد، أوّل خلافة المعتزّ، ونحن حضور، فطالبه أبو نوح بأموال وجبت عليه، وجرت بينهما مناظرات، أدّت إلى أن تنطّع «4» في الجواب.
فاغتاظ أبو نوح، فأعضّه «5» ، فردّ عليه صاعد، مثل ما قاله له.
فاستعظم الناس ذلك، فاستخفّوا به «6» ، وقالوا: يا مجنون، يا جاهل، قتلت نفسك، قم، قم.
(8/78)

وخلّصوه من أن يفتك به أبو نوح في الحال، وقالوا: هذا مجنون، ولم يدر ما خرج من فيه.
وانصرف صاعد إلى منزله متحيّرا، لا يدري ما يعمل فيما قد نزل به.
فحدّث أخاه عبدونا «1» بما جرى، فقال له: إن لم تطعني، فأنت غدا مقبوض عليك، مطالب من المصادرة بما لا يفي به حالك، ولا حال من عرفك من أهلك، ومقتول بلا شكّ، تشفيّا منك.
قال: وما الرأي؟
قال: كم عندك [28] من المال الصامت العتيد «2» ؟ وأصدقني عن جميعه.
قال: خمسون ألف دينار.
قال: تسمح نفسك أن تتعرّى منها، وترمي بها كأنّها لم تكن، وتنقذ نفسك وتحرس بدنك، وما بقي من حالك، وضياعك، وعقارك، فتصير من أجلّاء الناس؟ أو لا تسمح بذلك، فتؤخذ الدنانير منك تحت المقارع، وتذهب الضيعة والنعمة كلها، وتذهب النفس؟
قال: ففكّر طويلا، ثم قال: قد تعرّيت عنها في عزّ نفس «3» .
قال: أعطني منها الساعة ثلاثين ألف درهم.
قال: خذ.
فأخذها، وجاء إلى حاجب موسى بن بغا «4» ، وقت عتمة، وقال له:
(8/79)

هذه عشرة آلاف درهم، وأوصلني إلى فلان الخادم.
قال: وكان هذا الخادم، يتعشّقه موسى جدا، ويطيعه في كل أمره، وموسى إذ ذاك هو الخليفة، وكتبته كالوزارة، والأمور في يديه، والخليفة في حجره «1» .
قال: فأخذ الحاجب المال، وأوصله إلى الخادم، فأحضره العشرين الألف درهم الباقية، وقال: هذه هدية لك، وتوصلني الساعة إلى الأمير، وتعاونني في حاجة أريد أن أسأله إياها، ومشورة أريد أن أشير عليه بها.
فأوصله الخادم.
فلما مثل بين يديه، سعى إليه بكتّابه، وقال: قد نهبوك، واقتطعوا مالك، وأخربوا ضياعك، وأخي يجعل كتبتك أجلّ من الوزارة، ويتغلّب لك على الأمور، ويوفّر عليك كذا، ويفعل كذا، ويحمل إليك الليلة، من قبل أن ينتصف الليل، خمسين ألف دينار عينا، هدية منه لك، لا يريد عليها مكافأة، ولا يرتجعها من مالك، وتستكتبه، وتخلع عليه غدا سحرا.
قال: فقال له موسى: أفكّر.
فقال: ليس هذا موضع فكر، وألحّ عليه.
قال: وقال له الخادم: في الدنيا أحد جاءه هذا المال العظيم دفعة واحدة، فردّه؟ وكاتب بكاتب، والمال ربح.
قال: فأجابه، وصافحه.
فقال له: فتنفذ الساعة بمن يحضرك أخي، وتشافهه بذلك.
وأنفذ من أحضره، وبات عبدون في الدار، وقلّد موسى كتبته لصاعد،
(8/80)

في الحال، وأمره بالبكور إليه ليخلع عليه، وتقدّم إلى النقباء «1» بأن يباكروا الرجل ليركبوا معه.
قال: وبكّر صاعد، وليس عند أحد له خبر، فخلع عليه موسى بن [29] بغا لكتبته، وركب الجيش على بكرة أبيهم، وانقلبت سرّ من رأى، بظهور الخبر.
فبكّر بعض المتصرفين، إلى الحسن بن مخلد «2» ، وكان صديقا لأبي نوح، فقال له: قد خلع على صاعد.
فقال: لأيّ شيء؟
فقال: تقلّد كتبة موسى بن بغا.
فاستعظم ذلك، وقال: ثيابي.
فأحضرت، فلبس، وركب إلى أبي نوح، فقال له: عرفت خبر صاعد؟
فقال: نعم، الكلب، وقد بلغك ما عاملني به؟ والله لأفعلنّ به ولأصنعنّ.
قال: أنت نائم؟ ليس هذا أردت، قد ولي الرجل كتبة الأمير موسى ابن بغا، وخلع عليه الساعة، وركب الجيش معه بأسرهم، إلى داره.
فقال له أبو نوح: هذا ما لم نظنّه، بات خائفا، وأصبحنا خائفين منه، فما الذي عندك؟
فقال: أنا أصلح بينكما الساعة.
قال: فركب الحسن بن مخلد، إلى صاعد، وهنّأه، وأشار عليه أن يصالح أبا نوح، وقال له: وأنت بلا زوجة، وأنا أجعلك صهره، وتعتضد
(8/81)

به، فإنّك وإن كنت قد نصرت عليه، فهو من يعلم موضعه، ومحملّه، ويتجمّل بمصاهرته، ومودّته، وأنت حبيب على الرجل.
قال: ولم يدعه، حتى أجاب إلى الصلح والصهر.
فقال له: فتركب معي إليه، فإنه هو أبو الابنة، والزوج يقصد المرأة، ولولا ذاك لجاءك.
قال: فحمله من يومه إلى أبي نوح، واصطلحا، ووقع العقد في الحال بينهما.
وزوّج أبو نوح، في مجلسه ذلك، ابنته الأخرى، بالعبّاس بن الحسن بن مخلد، فولدت له أبا عيسى المعروف بابن بنت أبي نوح «1» ، صاحب بيت مال الاعطاء، ثم تقلّد ديوان زمام الجيش لعمّه سليمان بن الحسن، وكان أصغر سنا من أبيه.
فكانت كتبة صاعد لموسى، ومصاهرته لأبي نوح، أوّل رتبه العظيمة التي بلغها، ثم تقلّبت به الحال، حتى ولي الوزارة.
(8/82)

35 حدّة طبع أبي العباس بن الفرات
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو القاسم سليمان بن الحسن «1» ، قال:
كنت أخطّ بين يدي أبي العباس بن الفرات «2» ، في أوّل وزارة عبيد الله ابن سليمان، وأتحقّق به، لأن أبي اصطنع أباه «3» ، وكنت أشرب معه.
فكنّا ليلة على شراب، وقد جرت الأحاديث، فحدّثنا بأخبار عدة من الكتّاب والوزراء، كانت فيهم حدّة.
وقال: كان أحمد بن الخصيب «4» ، يركل المتظلّمين.
وكان أبو عبّاد ثابت بن يحيى «5» ، يضربهم بالمقرعة، إذا كان راكبا.
(8/83)

وكان أحمد بن أبي خالد «1» ، يشتمهم.
وعدّ جماعة [30] ، قال: وكان في أبي العباس، حدّة، وسفه لسان، فسمعنا ذلك منه، ولم نقدم على مواقفته.
فلما كان من غد، ركب وأنا معه، في السحر، فلقيه في الطريق، أهل سمطيا «2» ، يتظلّمون من عاملهم، في شيء ذكروه، فصاح عليهم، وشتمهم.
فتقدّم إليه أحدهم، فألحّ عليه في الكلام، فرفسه برجله في الركاب، وقنّعه بالمقرعة، وبصق عليه.
فذكرت الحديث الذي حدّثنا به من ليلته، فضحكت.
فسمع قهقهتي، فالتفت مبتسما، وقال: من أيّ شيء ضحكت يا عيّار؟
فقلت: زدتنا نتفة «3» يا سيّدي في ذلك الحديث الذي جرى البارحة.
فقال: أو قد حفظته؟
قلت: نعم.
قال: فقال لي سليمان بن الحسن: سمعت دفعات لا أحصيها، أبا العباس ابن الفرات، وقد احتدّ طبعه على قوم غضب عليهم، وكان يقول للواحد منهم: يا ابن مائة ألف كرّ خردل مضروبة في مائة ألف مثلها زواني، تشاغل بحساب هذا فهو أنفع لك «4» .
(8/84)

36 سفه لسان حامد بن العباس
قال أبو الحسين: وما رأينا ولا سمعنا، برئيس أسفه لسانا، من حامد ابن العباس «1» ، فإنه كان لا يردّ لسانه عن أحد البتة، وكان إذا غضب شتم.
فمن ذلك: أنّ أبي حدّثني، أنّه كان بحضرته في مجلس حافل، فجاءت أمّ موسى القهرمانة «2» ، فقالت له: إنّ أمير المؤمنين «3» أمرني أن أقول لك، في مجلس حفلك، أنّ ابن الفرات «4» ، كان يحمل إليّ خريطة «5» في كلّ يوم فيها ألف دينار، وإلى السيدة عشرة آلاف دينار في الشهر، وإلى الأمراء والقهارمة، خمسة آلاف دينار في الشهر، وأنّك قد أخللت»
منذ أربعين يوما.
فقال لها في جواب ذلك: الساعة قد جئت حادّة محتدّة، تطالبيني بهذا؟
اضرطي والتقطي، واحذري لا تغلطي.
قال: فقامت خجلة «7» ، وكان ذلك أحد أسباب سقوطه عندهم، وغلبة عليّ بن عيسى «8» على الأمور.
(8/85)

ومن ذلك: أنّه استحضر ابن عبد السلام العدل «1» ، يطالبه بوديعة، سعي بأنّها عنده لابن الفرات، وأنّ يحيى بن عبد الله الدقيقي، أبا زكريا «2» ، قرابة أم كلثوم، قهرمانة ابن الفرات، أودعه ذلك [31] .
فجرى الخطاب بينهما في ذلك، وعليّ بن عيسى حاضر، والخلق من القضاة والأشراف والأولياء، وكنت فيهم، وأنا حدث مع أبي.
فقال له: هذا الدقيقي ابن البظراء «3» ، قرابة أم كلثوم العفلاء «4» ، تعرفه؟
فقال العدل: الوزير أعزّه الله، أعرف به مني «5» .
ومن ذلك: أنّه قال لابن الحواريّ «6» ، في دار الخليفة، وأمّ موسى حاضرة، ليلة قدم من واسط ليتقلّد الوزارة، في حديث جرى بينهما:
قد نكت أمّه مرتين «7» .
فقالت أمّ موسى: ويلي، أيّ شيء هذا؟
فاستحيا، وقال لابن الحواري: نحن في السواد، إذا غلبنا خصومنا، قلنا، قد نكنا أمّهاتهم «8» .
ومنها: أنّه استحضر الوليد بن أحمد، ابن أخت الراسبي، ليصادره
(8/86)

بمصادرة قد ووقف عليها، عشية عيد أتى عليه في وزارته، ولم يشغله حضور الناس عنده للتهنئة بالعيد.
فأتي بالرجل بجبة صوف، فلما رآه علي بن عيسى، وكان حاضرا، قال:
إن رأى الوزير أن يخليني وإياه لأخاطبه، وأقوده إلى امتثال أمره.
فقال: افعل.
واستدعاه إليه، وجعل يسارّه، وكان عليّ بن عيسى، قريب المجلس من حامد، يسمع عليه ما يخاطبه به.
فسمع الوليد يحلف قليلا، قليلا، ما بقيت لي حيلة.
فقال لعليّ بن عيسى: يا أبا الحسن، تلومني «1» الساعة، أن أنيك أمّ هذا؟
فقال علي بن عيسى: اللهم غفرا، أي والله، أيّ لوم.
قال: وكان ابن عبدوس الجهشياري، الذي ألّف كتاب الوزراء، قائما على رأس عليّ بن عيسى، لأنّه كان يحجب أبا الحسن، وكان أبوه من قبله مضموما إليه رئاسة الرجال، برسم عليّ بن عيسى الوزير، وكان يحجبه أيضا.
قال: فتنحّى ابن عبدوس من مكانه، وقال: لعن الله زمانا صرت أنت فيه وزيرا.
ومنها: أنّني سمعته، وقد اجتاز على باب دار كنّا ننزلها بشارع الكوفة، إذ ذاك، وأنا قائم على الباب، وقد اتّفق أن كلّمه في الموضع، قوم من أهالي بادوريا، في خراج النخل الشهريز، وأكثروا، وأنّهم يبيعون المائة رطل منه- وهي حمل نخلة- بدرهمين، وخراجها ثلاثة دراهم، وأنّهم يمنعون من قلعه، فإما أذن لهم في ذلك، وإمّا خفّف عنهم من الخراج.
(8/87)

قال: فصاح عليهم، وقال: ليس لي في هذا نظر، قد صار النظر في هذا وشبهه، إلى عليّ بن عيسى، فامضوا إليه.
قال: فانصرف القوم؛ وسار خمس خطى أو نحوها، ثم وقف، وقال:
ردّوهم، فردّهم [32] الرجّالة.
فقال لهم: كأنّي بكم، تمضون إلى عليّ بن عيسى، وتقولون: قد أحالنا الوزير عليك، وأجابنا، وأمّي إن كنت أجبتكم إلى هذا زانية، وأمكم إن قلتم هذا زانية، وأمّ علي بن عيسى إن أجابكم إلى هذا زانية «1» .
ثم سار متوجها إلى بستانه المعروف بالناعورة «2» ليتنزه.
ومن ذلك: أنه كان يجتمع مع عليّ بن عيسى، في دار الخليفة، لما ضمن حامد في وزارته السواد، وصار عليّ بن عيسى مستوفيا عليه، ومطالبا له، فيتناظران في أمر المال، فيحتفيه «3» . عليّ بن عيسى، بالحجّة، فيعدل هو به إلى السب والسفه، فيقول له عليّ بن عيسى: سلاما، سلاما.
يريد بذلك، قول الله تعالى: (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ، قالُوا سَلاماً)
«4» .
فلما كثر ذلك على حامد، قال له يوما عقيب سفه جرى عليه منه: كم تذكر سلامه الذي ينيك أختك أسماء «5» ؟
فقام عليّ بن عيسى، وقال: ما بعد هذا شيء، وتجنّب مخاطبته بعد ذلك.
وقال لعليّ بن عيسى مرة بحضرة المقتدر: أنا والله، نكت هذا مرتين، وهو أمرد.
(8/88)

37 من عجائب صنع الله
حدّثني أبو الحسين، قال: رأيت ببغداد، في سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، وأبي، وأنا، مستتران في الكرخ «1» ، طوّافا، يصيح ويقول: انظروا إلى قدرة الله، في رأس بقرة، برأسين وأربعة أعين، فرأيت ذلك كما وصف.
ورأيت معه فرّوجا له ثلاثة أرجل، يمشي بهن، ولا يعرج.
(8/89)

38 الرياسة دين لا يقضى
وحدّثني أبو الحسين، قال: سمعت أبي يقول:
لما ولي أبو الحسن بن الفرات، الوزارة الأولى «1» ، لم يبدأ بتقليد أحد، قبل أبي العباس أحمد بن محمد بن بسطام «2» ، وكان مقيما في مصر، على عطلة، فكاتبه بأجلّ مكاتبة، وقلّده أعمال مصر، وزاده في الدعاء «3» .
وقال: هذا رجل، قد جرت له عليّ رياسة، والرياسة دين لا يقضى «4» .
(8/90)

39 ابن الفرات يتعصب لآل نوبخت
قال أبو الحسين: وسمعت أنا- في الوزارة الثالثة- أبا الحسن بن الفرات، يقول:- وقد دفع إليه صاحب الخبر، خبرا، فقرأه، وخرّقه- ثم قال:
يتمعّضني الناس «1» ، بتعطيلي مشايخ الكتّاب، وتفريقي الأعمال على آل بسطام، وآل نوبخت، والله، لولا أنّه لا يحسن تعطيل نفر من العمال، وقد قلّدتهم، لما استعملت في الدنيا، إلّا آل [33] نوبخت، دون غيرهم.
قال أبو الحسين: وإنّما كان يتعصّب لآل بسطام لرياسة أبي العباس عليه «2» وللمذهب، ويتعصّب لآل نوبخت، للمذهب «3» .
(8/91)

40 المعتضد والعمال المنكوبون
حدّثني أبو الحسين، قال: سمعت جماعة من مشايخ الكتّاب، يقولون:
كان المعتضد «1» ، إذا نكب رجلا من جلّة العمال ورؤسائهم، وكلّ به من يحفظه من قبله، ولم يمكّن عبيد الله «2» من نفسه.
وربما أمر بصيانته، وشدّد الوصية في أمره، من غير توكيل به من جهته، ولا أطماع في المال.
وكان إذا وكّل به، يظهر أنّ التوكيل للمطالبة، وزيادتها، والتشدّد فيها، لا لحفظ نفسه، فيطمع العامل.
قال: وكان يقول: هؤلاء من أكابر العمال الذين قد قامت هيبتهم في نفوس الرعية، وعرفوا أقطار البلاد، هم أركان الدولة، وأنداد «3» الوزارة، والمرشّحون لها، فإن لم تحفظ نفوسهم، وضع ذلك من الأمر، وأثّر فيه.
(8/92)

41 لون من ألوان التعذيب
حدّثني أبو الحسين، عليّ بن هشام، قال: حدّثني أبو منصور عبد الله ابن جبير النصراني «1» ، كاتب ابن الفرات، قال:
لما نكبت، بنكبة أبي الحسن بن الفرات، بعد الوزارة الأولى، سلّمت إلى أبي الحسن عليّ بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل «2» ، فحبسني عنده، وكان يطالبني بالمال، فأدفع عن نفسي.
إلى أن أحضرني يوما، فخاطبني في المال، فلم أذغن بشيء، فدعا بمزيّن، وأمره أن ينتف بالمنقاش ربع شعر رأسي.
فلما نتف منه طاقات يسيرة، كدت أتلف، وقام هو، وقال: إذا نتفم ربع رأسه، فعرّفوني.
فلما قام، رشوت الموكلين، فحلقوا باقي الربع من رأسي، ولم ينتف، وأعلموه أنّه قد نتف، فأمر أن يقيّر الموضع النظيف من رأسي، بقير حار.
(8/93)

فجاءوا بالقير، فوضعوه على رأسي، ولم يكن مفرط الحرارة، لأنّه لو كان مفرطا، لأتلفني لا محالة.
فحين أحسست بحمي القير، قامت قيامتي، وكدت أن أتلف، فأذعنت بالأداء، وأقررت بسبعين ألف دينار، ودائع لي [34] ، وكتبت ألتزم تسليمها إليهم، فأخذت في اليوم الثالث.
فلما كتبت خطّي بتسليمها، أمر بالزيت فطلي به رأسي، وقلع به القير من رأسي، فقزع «1» شعري إلى الآن.
(8/94)

42 من شعر نفطويه
حدّثني أبو الحسين قال:
انصرفت من عند أبي عبد الله، نفطويه «1» ، وقد كتبت عنه أشياء، فجئت إلى أبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجّاج، فقال لي: ما هذا الدفتر؟
فأريته إياه، وكان على ظهره مقطوعتان، قد أنشدنيهما نفطويه لنفسه.
فلما قرأهما الزجّاج استحسنهما جدا، وكتبهما بخطّه على ظهر كتاب (غريب الحديث) ، وكان بحضرته.
والمقطوعتان:
تواصلنا على الأيّام باق ... ولكن هجرنا مطر الربيع
يروعك صوته لكن تراه ... على روعاته داني النزوع
كذا العشّاق هجرهم دلال ... ومرجع وصلهم حسن الرجوع
معاذ الله أن نلفى غضابا ... سوى دلّ المطاع على المطيع
والأخرى:
وقالوا شانه الجدريّ فانظر ... إلى وجه به أثر الكلوم
فقلت ملاحة نثرت عليه ... وما حسن السماء بلا نجوم»
(8/95)

43 رعونة عبيد الله بن سليمان جرّت النكبة عليه وعلى أبيه
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا جماعة من شيوخ الكتّاب، منهم عليّ بن عيسى «1» ، والباقطائي «2» ، وغيرهما، قالوا: حدّثنا عبيد الله بن سليمان، قال:
لما أضاق المعتمد بسرّ من رأى، وأمره- إذ ذاك- نافذ، ومعه قطعة من الجيش، وكان سليمان بن وهب وزيره، والموفّق بواسط «3» ، وعبيد الله ابن سليمان كاتبه، طلب المعتمد من سليمان، مالا يحتاله، لداره، وحرمه، وخاص نفقته، لا يعلم به الجند، فدافعه بذلك، فقبض عليه، وقال له:
قد تقلّدت منذ أيّام المعتز، إلى الآن، أعمالا متوالية، منها الوزارة للمهتدي، ومرّة الجبل، وغير ذلك، وما نكبت، ولا صودرت، وأريد منك خمسمائة ألف دينار.
قال: وورد عليّ الخبر، فلشدة محبتي لخلاص أبي، ما جنيت عليه جناية عظيمة، بأن صرت إلى الموفّق، فقلت له: لم يقدم المعتمد على أبي إلّا لبغضه لك، وليس يحقد علينا إلّا تمشية أمرك، واجتذاب الجيش [35] إليك.
فوعدني بتخليص أبي، على مهل.
فقلت: إن أخّرت الأمر، أسرع إلى مكروهه، وإزالة نعمته.
(8/96)

فقال: ما تريد؟
فقلت: تخرج بمن معك، فتنتزعه من يده قسرا.
فقال: هذا يحتاج إلى مال ورجال، وهو خليفة على كل حال، ولا أحسب الرجال يطاوعوني على حربه.
فقلت له: عليّ المال والرجال.
فقال: دعني، حتى أفكّر.
قال: ودافعني، واعتقد فيّ أقبح اعتقاد، ورآني بصورة من يملك طاعة الرجال، في قتال خليفته، ويمكنه من المال، من عنده، ومن حيلته، ما يرضي به الجيش.
فلما عاودته، قال: يجب أن نقدّم المراسلة بيننا وبينه، فإن أنجعت، وإلّا كانت الحرب.
فاخترنا للرسال «1» ، صاعد بن مخلد «2» ، وهو إذ ذاك، من جلّة أصحاب الدواوين.
فاستدعاه الموفّق إلى حضرته من سرّ من رأى، فصار إليه، وحمّله رسالة إلى المعتمد.
فمضى، وأدّاها، وأصلح الأمر مع المعتمد لنفسه، وأشار على المعتمد بإطلاق أبي عاجلا، وضمن له إفساد رأي الموفّق فيه، وفيّ، حتى يقبض علينا.
فأقام أبي عند الموفّق، والوزارة إليه، فدبّر أمر الموفّق، ثم عاد صاعد فشرع مع الموفق في الأمر، وأنفذ المعتمد ثقاته سرّا إلى الموفق، بما لقّنه صاعد، ولم يزل ينسج الأمر، حتى تمت النكبة علينا.
(8/97)

44 ما في الأرض أشد جناية على الوزراء والرؤساء من أصاغر أسبابهم
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو عيسى، أخو أبي صخرة «1» ، واسمه أحمد بن محمد بن خالد، قال: سمعت إسماعيل بن بلبل «2» يقول:
ما في الأرض أشد جناية على الوزراء، والرؤساء، من أصاغر أسبابهم، ولقد قال لي راشد، صاحب جيش الموفّق: كنت قد بليت بالنظر في أمر أنزال الرجّالة، ومن يجري مجراهم، وكنّا نحتاج في كل يوم لذلك إلى ستّة آلاف دينار، فما زالت تنقص بالإضاقة، إلى أن اقتصر على ما لا بدّ منه، وكان ثلاثة آلاف دينار.
واعتمد الموفّق «3» عليّ في ذلك، لشدة اهتمامه به، لأقوم به- إذا لم يطلق المال- بمالي وجاهي، وحيلتي، فأفقرني ذاك.
وكان عبيد الله بن سليمان «4» ، وأبوه «5» ، وهما مقيمان [36] بالحضرة، يقصداني، ويريّثان المال عليّ «6» ، فأحفظني ذلك عليهما، واقتصرا لي، على
(8/98)

ألفي دينار في كل يوم، عاجلة، وألف بحوالات لا تروج، فكنت أحتاج أن أرهن سيوفي، وسروجي، وأدخل كل مدخل، حتى أقيم الأنزال «1» .
ووقّعا لي في بعض الأيام، إلى جهبذهما ليث، بمال من مال الأنزال، جعلاه من مال ضياعهما، فتوارى ليث، فبثثت الرسل في طلبه، فوجده بعض رجّالتي، فأوصل إليه التوقيع.
فقال: ما عندي للوزير، ولا لابنه مال.
فقال له: فاحتل، ولو من مالك، فهذا مهمّ للأمير أبي أحمد.
فقال: وأيش لأبي أحمق عندي؟
فجاءني الرجل بالخبر، فحملني الغيظ عليهما، أن شكوت إلى الموفّق هذه الحال، وقلت: قد قال كلاما لا يجوز إعادة مثله- قبحا- عليك.
فطالبني بإحضار الرسول، فأحضرته، فأمره أن يحكي الكلام، فخاف الرسول، فأرهبه، فأعاده عليه بعينه، من غير كناية.
فقال: صدق ليث، لو لم أكن أبو أحمق لما تركت عليه، وعلى أصحابه الأموال، حتى ننظر «2» .
فكان ذلك سبب تعجيل النكبة لهما.
فقال لي الموفق: أريد أن تلزم أصحابك، طلب ليث، وتظهر أنّه بسبب هذا التوقيع، وتبثّ الرجالة، حتى إذا حصل، قبضنا على أصحابه.
فأنفذت عدة، ولم أزل أجتهد حتى حصل.
وجاء سليمان وعبيد الله، من غد، للخدمة على الرسم، فشوغلا في الدار، إلى أن حصل ليث، فلما حصل، قبض عليهما، وأنفذ إلى صاعد،
(8/99)

من أحضره، فتقلّد الأمر، وسلّم إليه ليث.
قال راشد: صرت إلى صاعد مهنئا له بالوزارة، فقال: قم بنا، لأريك العجب.
فقمنا، وخلونا، ودعا بليث، ورفق به، فلم ينفع الرفق، فقال:
عليّ بجيش غلامه، فجيء به، فضربه مقارع يسيرة.
فقال: أنا أدلّك على بئر المال.
فقال لليث: هذه البئر مالك، أو مال أصحابك؟.
فقال: بل مالي، أنا رجل تاجر.
فأخرجوا من البئر ثمانين ألف دينار، واستخرج بعدها من ليث، جملة أخرى كثيرة.
فكانت تلك أحد ما قوّى طمع الموفّق في آل وهب، واستئصالهم «1» [37] .
(8/100)

45 الأمير الموفق يأمر وزيره الجديد بتعذيب الوزير المصروف
حدّثني أبو الحسين، قال: كنّا في مجلس حامد بن العباس، وهو وزير، وكان يتحدّث في مجلس العمل كثيرا، فسمعته يحكي، قال: قال لي صاعد ابن مخلد:
لما قلّدني الموفّق وزارته، شرطت عليه، أن لا أدخل في مكاره سليمان ابن وهب، وعبيد الله ابنه، ولا أطالبهما، ولا أنظر إليهما في مال، ولا وديعة.
وقلت للموفّق: سليمان اصطنعني، ورفع حالي، وصرّفني، وما دخل قط لي في مكروه، ولا دخلت لهما في مثله.
ولم أجب إلى التقليد، حتى صافحني أن لا يلزمني ذلك.
فلما تقلّدت، وخلع عليّ، خاطبني في أمرهم بعد أيّام، وذكر ضيق المال إلّا من جهتهم، فقلت: الشرط أملك، وأنت قادر أن تنصب لهذا كاتبا، وتدبّره بنفسك، وبمن ترى من حاشيتك.
فعاودني دفعات، وأنا ممتنع، حتى مضى شهر من تقلّدي.
فلما رآني على هذه الحال، راسل سليمان، وقال له: إنّ صاعدا غرّني من نفسه، وضمن لي القيام بالأمور، وقد بلح «1» ، وليس يذهب ولا يجيء، وهو عدوّك وعدوّ ابنك، وهو سعى بكما، فاضمنه منّي، واذكر لي ما عليه من الأموال، وما في جيبه، ومعايبه، والحجج، والتطرّق عليه وعلى أملاكه.
(8/101)

وكان سليمان محنكا، مجرّبا، فأعاد الجواب على الرسالة، بأنّي إن كنت موثوقا بي، فلا تحتاج إلى ضماني، لأنّي أنصح وأستقصي على كل من يجب عليه حق للأمير، إن أعادني إلى خدمته.
ودافع عن كتابة الرقعة، وعلم أنّها حيلة عليه، لا متناعي عن مكروهه، حتى يجعل الرقعة حجّة عليه عندي.
فأنفذ الموفّق، إلى عبيد الله، مثل هذه الرسالة، واستكتمه ذلك عن أبيه، فكتب عبيد الله، رقعة طويلة، يسعى عليّ فيها، أقبح سعاية، ويضمني بمال جليل، ويثلبني، وينكّل بي.
فلما وصلت إلى الموفّق، احتفظ بها، وغدوت عليه، فخاطبني في تسلّمهم، ومطالبتهم، فاستعفيت، وأقمت على الامتناع.
فقال: اقرأ هذه الرقعة، فلما قرأتها، ولم يكن عندي- إذ ذاك- علم كيف جرت الصورة، وإنّما [38] انكشفت لي بعد ذلك المجلس، قامت قيامتي، وخفت على نفسي، من معاجلة الموفّق، متى لم أعاجلهم، ولم أشكّ أنّ ذلك القول صحيح من عبيد الله، وأنّ الموفق قد أنعم عليّ بإطلاعي عليه.
فاستجبت إلى تسلّمهم، وناظرتهم، وألزمتهم الأموال العظيمة، واستمرّت النكبة عليهم «1» .
(8/102)

46 سبيل الإنسان في المحن أن يطأطئ لها
حدّثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا الحسن عليّ بن عيسى، يقول:
سمعت عبيد الله بن سليمان، يقول:
لما دخل صاعد بن مخلد، عليّ وعلى أبي، ليناظرنا، ونحن في حبس الموفّق، قمنا، وتلقيناه.
فخاطب أبي بجميل، وأكرمه، وتجهّمني «1» بقبيح، وجعل لا يخاطبني إلّا باسمي، ويقول: يا عبيد الله.
فلما أكثر عليّ، آلمني ذلك، فقلت له: أنا عبيد الله بن سليمان بن وهب بن سعيد، نتصرّف في خدمة السلطان، منذ خمسين ومائة سنة، ونتقلّب في جلائل الأعمال، أنت صاعد بن مخلد، مخلد من أبوه؟.
فكان هذا من أكبر ما أحفظه «2» عليّ، حتى تناهى في مكارهي.
وكان أبي يلومني على ذلك، ويقول: سبيل الإنسان في المحن أن يتطأطأ لها، ويذلّ لوقوعها، ولا يغالبها.
ولم تكن نفسي، أنا، تطاوعني على ذلك، وكان من أضرّ الأمور عليّ، وكان الحزم مع أبي دوني.
(8/103)

47 حفلة تعذيب بمحضر الوزير
قال أبو الحسين: حدّثني أبو الحسن محمد بن محمد بن حمدون الواسطي «1» ، صاحب حامد بن العباس، وخليفته، قال: قال لي حامد:
كان صاعد بن مخلد، أوّل من قلّدني العمالة، رياسة، فقال لي في بعض الأيام: احضر دار الأمير الموفّق، فحضرتها معه.
فجلس في مجلسه منها، واستدعى على خلوة، سليمان بن وهب، وابنه عبيد الله، وهما منكوبان.
فرأيت سليمان، وقد خرج بطيلسان، وخفّ، ومبطّنة، وابنه حاف مكشوف الرأس، على أذلّ صورة.
فأكرم الأب، وأسمع الابن المكروه، إلى أن دعا له بالمقارع، فأخذ سليمان يستعطفه كلّ الاستطعاف، وهو لا ينثني، ويقول له: إذا صنتك يا أبا أيّوب عن مثل [39] هذه الحال، فلا أقلّ من أن تدعني أنتقم من هذا الجاهل، الفاعل، الصانع.
قال: وأقبلت المقارع تأخذ عبيد الله، وسليمان يستعطفه.
فلما زاد الأمر، قال له سليمان: يا كافر، يا فاجر، أما تستحي؟
إنّا اصطنعناك، وأقعدناك هذا المقعد، تضربه بين يديّ، سبّة عليك.
(8/104)

قال: فاستحيا، وأمر بقطع الضرب، فما ضرب بعدها عبيد الله بحضرته، وواضع الموفّق بعد ذلك، على أن يكون الضرب بحضرته، بأيدي غلمانه، في داره.
فحرّض الموفّق عليهما، حتى نهكهما «1» عقوبة وضربا «2» .
(8/105)

48 وحفلة تعذيب بمحضر الأمير
فحدّثني أبو علي بن مقلة، في نكبته بعد الوزارة الثالثة «1» ، وهو في دار أبي بكر بن قرابة «2» ، لمال يؤديّه، ضمنه عنه ابن قرابة «3» ، وشكا ما عامله
(8/106)

به الخصيبي «1» من المكروه، ثم قال: سمعت أبا الحسن بن الفرات «2» ، يقول:
سمعت أبا القاسم عبيد الله بن سليمان «3» ، يقول:
أخرجت وأخرج أبي في نكبتنا، في بعض الأيام، بواسط، إلى حضرة الموفّق، وقد نصبت له سبنية «4» ، فجلس وراءها، ونحن نعلم بذلك.
ودعا براغب، فأمره بضربنا، فضرب أبي نيفا وعشرين مقرعة، ثم دعي بي، فنوظرت، ثم أمر بضربي.
فإلى أن يستدعي لي من يضربني، قال أبي لراغب: الذي نحن فيه يستطاب معه الموت، وما أقول ما أقوله دفعا عن نفسي، ولا عن ولدي، وإنّما أقوله شفقة على الأمير، فأعلمه: أنّ ملكا من ملوك بني إسرائيل، ذبح سخلة، بحضرة أمّها فخبط من ساعته.
قال: فو الله، ما مضى راغب ليؤدّي الكلام، حتى جاءت الرسل من عند الموفّق، بأن يرفع الضرب عنّا، وقد كان بحيث يسمع الكلام من وراء السبنيّة.
فما عاد بعدها علينا مكروه.
(8/107)

49 أبو زكريا السوسي يرى مناما
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبو زكريا يحيى بن سعيد السوسي «1» ، المعروف بخلف، ومحله، في اليسار، والجلالة، والمكنة من السلطان، والاشتهار بالدين، والثقة، والصدق، والأمانة، وصحة الرأي، مشهور، وكان نصرانيا في حداثته، فأسلم، وحسن إسلامه، قال:
رأيت في منامي- يعني بعد إسلامه- عليا عليه السلام، وكأنّه جالس ومعه جماعة [40] من أصحابه، وبالقرب منه، أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ومعهما جماعة.
قال: فسألته، قلت: يا أمير المؤمنين، ما عندك في أبي بكر وعمر؟
فأثنى خيرا كثيرا.
قلت: فلم لم تجلس معهما؟
فقال: حياء منهما لما يعمل بهما الرافضة.
(8/108)

50 حفيد يزيد بن هارون يرى جده في المنام
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الواسطي المعروف بنفطويه، في مسجد الرصافة، إملاء في سنة ثمان وثلاثمائة، قال: حدّثنا ابن بنت يزيد بن هارون «1» ، ولم يسمّه «2» ، وكذا أملى علينا، قال:
رأيت جدي يزيد في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ ومنكر ونكير ما قالا لك؟
قال: قالا لي: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟
فقلت: ألي يقال هذا؟ وأنا أعلمه الناس منذ ثمانين سنة؟
فقالا لي: نم نومة العروس، فلا بؤسى عليك.
وعاتبني ربي، على كتابي عن عثمان بن جرير «3» ، فقلت: يا رب، عبدك، وما أعلم إلّا خيرا.
قال: إنّه كان يبغض عليّا عليه السلام «4» .
(8/109)

51 ابن الفرات وأحد طلاب الوزارة
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبو الحسن بن الفرات، قال:
دخل عليّ المقتدر يوما، وأنا في حبسه، في وزارة حامد، فقال لي:
يا أبا الحسن، أتعرف الحسن بن محمد الكرخي الكاتب «1» ؟
فقلت: نعم.
قال: أي شيء هو من الناس؟
قلت: عامل، له محلّ، ويفهم في الحساب شيئا، وهو من صنائعي، ووجوه عمّالي، وقد كان قبل، تقلّد عمالات لعبيد الله بن سليمان، وهو أخو القاسم بن محمد الكرخي «2» ، وهو من أهل بيت.
قال: فقال لي: إنّه قد كتب إليّ يخطب الوزارة، ويتضمّن بحامد، وبعليّ بن عيسى.
قال: فقلت له: ولا كلّ هذا يا أمير المؤمنين، إنّ هذا، إنّما طمع في الأمر لما رأى حامدا قد تقلّد الوزارة، ولعمري إنّها قد اتضعت بتقلّده،
(8/110)

وطمع فيها كل أحد، ولعمري أنّه فوق حامد، أولا في العفافة، وحفظ اللسان، والحساب والخط، ولكن ليس لأنّه فوق حامد، يجب أن يقلّد الوزارة، ولا لأنّ الغلط جرى في أمر حامد، يجب أن يقلّد هذا، على أنّه غلط في ظنّه أنّه يصلح لصرف حامد، لأنّ حامدا رجل قديم الرياسة في العمال، وله مروءة عظيمة، وضياع كثيرة، وغلمان كثير والعدد، وله هيبة [41] ، وسطوة، وسنّ، ونشأ بعيدا عن الحضرة، فلم تستشفّ أخلاقه، وأفعاله، فانستر أمره عن أهلها، وله كرم يغطي كثيرا من معايبه، وترك الأمر في يده، ويد عليّ بن عيسى، وهو لا يلحق بعض كتّابه، فضلا عنه [أولى] ، وإنّي لأقول الحق فيهما، على عداوتهما لي.
قال: فأضرب المقتدر عن تقليده.
قال هشام: ثم تمّ التدبير لأبي الحسن، في الوزارة، وصرف حامد، فحين جاءه الحسن بن محمد الكرخي، أبو أحمد، ذكر تلك الحال التي حدّثه بها المقتدر، فهاب الحسن بن محمد، على الأمر، ورآه بعين رجل بعيد الهمّة، وعرف تقلّب رأي المقتدر، فرأى أن يحسن إلى الحسن بن محمد، ويبعده عن الأعمال، فقلّده الموصل، وأخرجه إليها صارفا لابن حماد «1» .
فانتفع الكرخي بذلك الشروع «2» .
(8/111)

52 الحسن بن محمد الكرخي وكمال مروءته
قال أبو الحسين «1» : فكنّا في بعض الليالي بحضرة ابن الفرات «2» ، وهو يعمل، وأنا مع أبي «3» ، والمجلس حافل، حتى قرأ كتابا من صاحب بريد الموصل «4» ، يذكر فيه، أنّ أبا أحمد «5» ، قد تبسّط في الأعمال، وأظهر من المروءة أمرا عظيما، وركب باللبود الطاهرية، وبعدة حجّاب وغلمان، حتى أنّه يسير معهم في موكب، وأنّه ورد معه من الزواريق والجمال التي تحمل أثقاله، شيء كثير، وأنّ هذا ما لا يحتمله رزقه، وإنّما هو من الأصل.
فرمى بالكتاب إلى أبي القاسم زنجي «6» ، الباقي إلى الآن- وكان إذ ذاك، حدثا يخطّ بحضرته- وقال له: وقّع عليه، ليكتب إليه، ويعرّف، أنّه نفع الرجل من حيث تعمّد ضرّه، لأنه إذا كان في مثل هذا الصقع، عامل وجيه، جليل، كثير التجمّل، والهيبة، والمروءة، صلح أن يبادر به
(8/112)

السلطان، إلى مصر، وأجناد الشام، متى أنكر على عمّالها أمرا، لأنّ هذه النواحي، لا تصلح إلا لمن كان حسن التجمّل، والمروءة، كثير النعمة «1» .
(8/113)

53 راتب عامل فارس ثلاثة آلاف دينار في الشهر
ثم أقبل «1» على من في مجلسه، فقال: حدّثنا أبو القاسم عبيد الله بن سليمان:
أنّ المعتضد، رفع إليه خبر، رفعه النوشجانيّ «2» ، صاحب بريده، يذكر فيه: أنّ الأخبار ذاعت ببغداد، بأنّ حامد بن العباس، لما دخل فارس، متقلّدا لعاملتها، دخل ومعه عدد [42] كثير عظيم، من الغلمان والحاشية.
قال: فتحيّرت، لما دفع الكتاب إليّ، وخفت أن يكون قد أنكر ذلك، ويقع له، أنّ هذا اصطلام للمال، ودخلني فزع منه، فلم أدر بأيّ شيء أجيب.
فقال لي: يا أبا القاسم، وقد كان كنّاه أول ما استوزره، وكان يتكنّى على الناس إلّا على بدر، وصاحب خراسان، وكان هو وبدر يتكاتبان بالكاف، والدعاء بينهما سواء.
قال المعتضد: يا أبا القاسم، قرأت الكتاب؟
فقلت: نعم.
فقال: قد سرّني ما ذاع من مروءة حامد، وهيبته بذلك في نفوس الرعيّة، فكم رزقه؟
فقلت: ألفان وخمسمائة دينار في الشهر.
فقال: اجعلها ثلاثة آلاف، ليستعين بها على مروءته «3» .
(8/114)

54 المعتضد يعفي عاملا من المطالبة لما ظهر من مروءته
قال: ثم قال أبو الحسن بن الفرات، عقيب هذا:
وقد فعل المعتضد، قريبا من هذا، مع أبي العباس أحمد بن بسطام «1» ، فإنّ المعتضد، طالبه، بعجز ضمانه واسط، وحبسه في دار ابن طاهر، وألزم سبعين ألف دينار يؤدّيها، فكان يصحّحها «2» على جميل، وهو موكّل به من قبل المعتضد في دار ابن طاهر، وأصحاب عبيد الله يطالبونه، ويقتضون المال.
فكتب النوشجانى، صاحب الخبر، فيه: أنّه كان يفرّق في أيام ولايته، في كل شهر، عشرين كرا، حنطة ودقيقا، على حاشيته، وعلى المستورين والفقراء، وأنّه فرّق في هذا الشهر الأكرار على رسمه، ولم يقطعها، وهو مع ذلك يماطل بأداء ما عليه.
فلما دخل عبيد الله على المعتضد، أراه الرقعة، فسكت عبيد الله، فقال له المعتضد: قد سرّني هذا، لأنّ ابن بسطام رجل مشهور بعظم المروءة، وكثرة المعروف، وقد جمّلنا بما قد فعله، حين لم يظهر أنّ ما قد ألزمناه، أحوجه إلى الزوال عن عادته في المعروف، فكم بقي عليه؟
قال: بضعة عشر ألف دينار.
فقال: أسقطها عنه، وردّه إلى عمله، وعرّفه إحمادي ما قد فعله.
فامتثل عبيد الله ذلك.
(8/115)

55 علوّ نفس الحسن بن مخلد
حدّثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن بدر ابن [أبي] الأصبغ «1» ، يحدّث أبي، قال: كنت أتصرّف مع سليمان بن وهب «2» ، لقرابة كانت بيننا من جهة النساء، وكانت حالي بصحبته في نهاية السعة، حتى إنّه كان يطحن الزعفران في داري، كما يطحن الناس الدقيق [43] ، لكثرة ما كان يجيئنا من الجبل «3» ، ونستعمله، ونهديه.
فولي سليمان ديوان الخراج، فكنت أحد عماله فيه، فوقعت بيني وبين ابنه عبيد الله «4» نفرة، فلزمت منزلي أياما.
فما شعرت إلّا برقعة الحسن بن مخلد «5» ، يستدعيني وهو يتولّى ديوان الضياع، وكانت بينهما مماظّة «6» ، فمضيت إليه، فقال لي: أنت معطّل ولا تصير إليّ؟ وقد انفصل ما بينك وبين أبي أيوب؟
فقلت: يا سيدي، كيف ينفصل ما بيننا، مع القرابة؟ ولكن بيننا عتب.
فقال: دع ذا، أنت معطّل، وما تبرح حتى أقلّدك عملا.
(8/116)

قال: وأراد اجتذابي لناحيته، وكان الناس- إذ ذاك- يتغايرون على الكفاة.
فقلّدني أعمال السيب الأسفل «1» ، وقسّين «2» ، وجنبلا «3» ، وكانت تجري في ديوانه، فقبلتها.
وخرجت إليها، وكان الأرز قد قارب الإدراك، فقدّرته، وعدت إلى سرّ من رأى، لأشرح له حال التقدير، وأستأمره في العمل.
فلما بصر بي قال: قد قدمت على فاقة منّي إليك، قد تأذيت بالفلّاحين، وأريد لهم عشرة آلاف دينار سلفا لما يقيمونه في جبل باسورين «4» من الثلج.
فقلت له: الأرز خافور «5» ، وما بلغ إلى أن يحرز.
فقال: لا بدّ من أن تستفرغ جهدك، وحيلتك، في هذا، حتى تخفّف عنّي.
وكان، أول خدمة، فاحتجت أن أضطرب، لأصنّع نفسي عنده، فخرجت مفكرا فيما أعمله.
فلإقبالي، لقيني رجل من وجوه التجار في الطريق، وكانت بيننا مودّة، وكان موسرا، وكان جميع متجره غلّات السلطان، فبدأني بالعتاب على تركي مبايعته شيئا بالسلف من غلّات عملي.
فاجتذبته إلى منزلي، وقلت: البيت لك، فاحتفل، ولو رأيتك ما عدلت عنك.
(8/117)

قال: فأقام عندي يومه، ولم أزل حتى بعته بحساب الكرّ الأرز المعدّل، بسبعة دنانير، وكنت قد قدّرت الحاصل فيه للسلطان، ثلاثة آلاف كرّ معدّل، واستثنيت عليه في كل كرّ دينارا، وأخذت خطّه بضمانة تعجيل عشرة آلاف دينار، لمن يؤمر بأدائها إليه.
ورحت إلى دار الحسن بن مخلد، فوجدته نائما، والناس [44] مطرّحون في داره، ثم دخلت إليه، وشرحت له الصورة، فسرّ بها، وأمر بإحضار صاحب مجلس النفقات في الديوان، وسلّم الرقعة إليه، وقال: أحل الفلّاحين على هذا التاجر.
فلمّا خلا مجلسه، تقدّمت إليه، وعرّفته خبر الاستثناء، وأريته الخطّ، وقلت: إلى من أسلّم المال، إذا قبض؟
فلم يجبني، فأححت عليه.
فقال لي: يا هذا، إنّك صحبت قوما، لا مروءة لهم، فتعوّدت منهم، أن تعطو «1» نفوسهم إلى مضايقة خدمهم في هذا القدر، وما هو أتفه منه، وإذا أخذت أنا هذا المرفق، فأنت لم تخدمني، وتتبعني؟ خذ هذا وأصلح به حالك، ليبين عليك أثر خدمتك لي.
فقبلت يده، ورجله، وعدت إلى عملي، واستخرجت المال، ودبّرت العمل.
وحضر بعد مديدة، النوروز، وقد كنت مذ خرجت من حضرته، سألت ثقات إخواني من التجار في الأسواق، أن يجمعوا لي كل علق، حسن، غريب، طريف، مثمن، من فرش ديباج «2» مثقل، وأبي قلمون مذهب «3» ،
(8/118)

ووشي «1» ، ودبيقي «2» مرتفع، وقصب «3» .
قال: فجمع لي من ذلك، ما كان شراه خمسة آلاف دينار، وهو يساوي أكثر منها بكثير.
ثم كتبت إليه رقعة في معنى الهدية، وتضرّعت في قبولها، وتشبّثت بذلك، وكتبت ثبت الهدية، في أسفل الرقعة.
فكتب إليّ فيها: لك أكرمك الله، بنات، وهنّ إلى هذا أحوج منّي، وقد قبلت ما يصلح قبوله أنسا بك، وإسقاطا للحشمة معك، ورددت إليك الباقي، ليكون لهنّ.
وكان الذي قبله، ثوب قصب، ومنديل دبيقي، وشستجة «4» قصب.
(8/119)

56 الوزير علي بن عيسى يرفع التكملة ويضع الخراج على الشجر
حدّثني أبو الحسين «1» ، قال: سمعت أبا عبد الله الباقطائي «2» ، يقول:
وحكى لي أبي «3» ذلك، قالا:
إنّ السجزيّة «4» لما غلبوا على فارس «5» ، أجلي قوم من أهل الخراج عنها، لسوء المعاملة، ففضّوا خراجهم على الموجودين، وسمّوا ذلك:
التكملة، حتى يكمل به مال قانون فارس- كان- متقدما.
ولم تزل الحال في ذلك، تزيد تارة، وتنقص أخرى، إلى أن افتتح أبو
(8/120)

الحسن بن الفرات «1» ، في وزارته الأولى «2» ، فارس، على يد وصيف «3» [45] ، ومحمد بن جعفر العبرتائي «4» ، ومن ضمّه إليهما من القوّاد «5» في سنة ثماني وتسعين ومائتين.
فأمر ابن الفرات، بإجراء الأمر في التكملة، على ما كان جاريا عليه.
وجرى الأمر على ذلك، في أيام محمد بن عبيد الله الخاقاني «6» ، وفعله عليّ بن عيسى «7» ، في صدر وزارته الأولى «8» .
فلما مضت منها مديدة، صار إلى مدينة السلام، عبد الرحمن بن جعفر
(8/121)

الشيرازي «1» ، وطعن على محمد بن أحمد بن أبي البغل «2» ، وكان- إذ ذاك- يتقلّد فارس، وذكر أنّه إن ضمن العمل مكانه، وفرّ جملة من المال، فضمّنه عليّ بن عيسى، وانصرف ابن أبي البغل عما كان يتقلّده أمانة، وقلّده أصبهان «3» .
ثم أخّر عبد الرحمن بن جعفر المال، واحتجّ بأن أهل فارس يتظلّمون من التكملة، ولا يلتزمونها.
وكان أبو المنذر النعمان بن عبد الله «4» ، يتقلّد ديوان كور الأهواز «5» ، مجموعة، فكتب إليه عليّ بن عيسى، أن يستخلف على أعماله، وينفذ إلى
(8/122)

فارس، فيطالب عبد الرحمن بما حلّ عليه من المال، وينظر في هذه التكملة، ويشرح أمرها.
وكتب إلى أحمد بن محمد بن رستم «1» بأن يصير من أصبهان إلى فارس ليضمنها.
وكتب إلى النعمان، بحلّ ضمان عبد الرحمن، وعقد البلد على ابن رستم.
فاستخرج النعمان التكملة، ووجد قطعة منها على عبد الرحمن، قد قدّر أن يكسرها، فعسفه، وباع قطعة من أملاكه، حتى استوفى ذلك.
وكتب إليه عليّ بن عيسى يسأله عن التكملة، وأن يشرح له أمرها، وأنّه قد صار يستضعف قوم فيلزمون منها أكثر ممّا يجب عليهم، ويرهب قوم، فيسامحون بها، أو بأكثرها.
فكتب إليه النعمان وابن رستم: إنّ من طرائف ما يجري بفارس، أنّ الناس يطالبون بالتكملة، وهي ظلم صراح، سنّه الخوارج، ويترك عليهم ما قد أوجبه الفقهاء، وهو خراج الشّجر، لأنّ فارس افتتحت عنوة، وليس على الشجر بها خراج، وأرباب الشجر يذكرون، أنّ المهديّ «2» أسقط عنهم خراج الشجر، وليس لهم حجّة بذلك، إلّا طول مدة الرسم، والأصل وجوب الخراج على الشجر.
فتسامع أهل البلد بالخبر، فتبادر أجلّاؤهم إلى حضرة عليّ بن عيسى من فارس، فدخلوا مجلسه للمظالم [46] ، وفي أكمامهم حنطة محرقة.
فلما تظلّموا، قالوا له: نمنع من إطلاق غلّاتنا، وتعتقل علينا
(8/123)

في الكناديج «1» ، إلى أن تعفن «2» وتصير هكذا- ورموا بالحنطة المحرقة من أكمامهم- حتى نبيع شعورنا، ونؤدي التكملة الباطلة، حتى تطلق غلّاتنا وقد احترقت هكذا.
ورمى قوم من أكمامهم بتين يابس، وخوخ مقدّد، ولوز، وفستق، وبندق، وغبيراء «3» ، ونبق، وبلّوط، وقالوا: هذا كلّه بغير خراج، لقوم آخرين، والبلد عنوة، فأمّا تساوينا في الإحسان أو الاستيفاء.
فخاطب عليّ بن عيسى، في ذلك، الخليفة، واستأذنه في جمع الفقهاء، والقضاة، ومشايخ الكتّاب، ووجوه العمّال، وجلّة القوّاد، ومناظرة القوم بحضرته، وتقرير الأمر على ما يوجب الحقّ- عند الجماعة- والعدل، فأذن له في ذلك.
فجمع الناس في دار المخرّم «4» ، التي كانت برسم الوزارة، وصيّرها
(8/124)

عليّ بن عيسى ديوانا، وطالت المناظرات، واحتجّ من حضر من أرباب الشجر، بفعل المهدي، وقالوا: قد استهلكت أموالنا، في أثمان هذه الأملاك التي لا خراج عليها، وإن ألزمت الخراج، بطلت القيم، وافتقرنا:
فأفتى الفقهاء بوجوب الخراج، وبطلان التكملة.
وقال الكتّاب: إن كان المهدي، شرط شرطا، لمصلحة في الحال، أو عناء اعتناه أهل البلاد، في جدب أو غيره، ثم زالت المصلحة، زال الشرط.
فقال عليّ بن عيسى للقوم: أليس عندكم أنّ ما فعله المهدي واجب؟
قالوا: بلى.
قال: لم؟، أليس لأنّه إمام رأى رأيا ليس فيه مضرة؟
قالوا: بلى.
قال: فإنّ أمير المؤمنين، وهو الإمام الآن، قد رأى أنّ الأحوط للمسلمين، والأحفظ للكافّة، إلزام الخراج الشجر، وإزالة التكملة.
فقام إليه الزجّاج «1» ، ووكيع القاضي «2» ، فوصفاه «3» ، وقرضاه «4» .
وقال الزجّاج: لقد حكمت بحكم، لو كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حاضرا، ما تجاوزه.
وقال وكيع: لقد فعل الوزير في هذا، كفعل أبي بكر الصديق، رضوان الله عليه، في مطالبة أهل الردّة بالزكاة.
(8/125)

وأنهى عليّ بن عيسى، والقضاة، ما جرى، إلى المقتدر، في يوم الموكب، واستأذنه في كتب كتاب بإسقاط التكملة عاجلا، إلى أن يتقرّر أمر الشجر.
فأمر بكتب ذلك [47] في الحال بحضرته، وأحضر قائدا من قوّاد الحضرة، كان يخلف بدرا الكبير، المعروف بالحمامي «1» ، عامل المعاون، بفارس وكرمان، ليسلّم إليه الكتاب، ويطالب النعمان، وابن رستم، بامتثاله.
وأمر الخليفة بإحضار دواة يكتب بها عليّ بن عيسى، وكان رسم الوزراء، إذا أمروا بكتب كتاب بحضرة الخليفة، أن تحضر لهم دواة لطيفة، بسلسلة، فيمسكها الوزير بيده اليسرى، ويكتب منها باليمنى.
فأحضرت تلك الدواة، لعليّ بن عيسى، وبدأ يكتب منها الكتاب بغير نسخة.
فلما رآه المقتدر، وقد شقّ عليه ذلك، أمر بإحضار دواته، وأن يقف بعض الخدم، فيمسكها إلى أن يكتب.
فكان أوّل وزير أكرم بهذا، ثم صار ذلك رسما جاريا للوزراء، بحضرته.
فكتب عليّ بن عيسى، في ذلك كتابا إلى النعمان، وخرجت نسخته، إلى الديوان، وأثبت فيه.
قال أبو الحسين: فحفظناه ونحن أحداث، ونسخته «2» :
بسم الله الرحمن الرحيم.
من عبد الله جعفر، الإمام المقتدر بالله، أمير المؤمنين، إلى النعمان ابن عبد الله.
(8/126)

سلام عليك، فإنّ أمير المؤمنين، يحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو، ويسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله، صلّى الله عليه وسلّم تسليما كثيرا.
أمّا بعد، فإن أفضل الأعمال قدرا، وأجملها ذكرا، وأكملها أجرا، ما كان للتقى جامعا، وللهدى تابعا، وللورى نافعا، وللبلوى رافعا.
وقد جعل الله- عزّ وجلّ- أمير المؤمنين، فيما استرعاه من أمور المسلمين، مؤثرا لما يرضيه، صابرا على ما يزلفه عنده ويحظيه، وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله، عليه يتوكّل، وبه يستعين.
وقد عرفت حال السجزيّة والخرمية، الذين تغلبوا على كور فارس وكرمان، وأحدثوا الجور والعدوان، وأظهروا العتوّ والطغيان، وانتهكوا المحارم، وارتكبوا المظالم، حتى أنفذ أمير المؤمنين جيوشه إليهم، وتورّد «1» بها عليهم، فأزالهم وبدّدهم، وشتّتهم وأبادهم، بعد حروب تواصلت، ووقائع تتابعت، أحلّ الله بهم فيها سطوته [48] ، وعجّل لهم نقمته، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وعظة للمستمعين، (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)
«2» .
ولما محق الله أمر هؤلاء الكفار، وفرّق عدد أوباشهم الفجّار، وجد أمير المؤمنين، أفظع ما اخترعوه، وأشنع ما ابتدعوه، في مدّتهم التي طال أمدها، وعظم ضررها، تكملة اجتبوها بكور فارس، في سنّي غوايتهم، لمّا طالبوا أهلها بالخراج على أوفر عبرتهم «3» ، من غير اقتصار به على
(8/127)

الموجودين، حتى فضّوا عليهم خراج ما خرب من ضياع المفقودين.
فأنكر أمير المؤمنين، ما استقرّ من هذا الرسم الذميم، وأكبر ما استمرّ به من الظلم العظيم، ورأى صيانة دولته، عن قبيح معرّته، وحراسة رعيّته، من عظيم مضرّته، مع كثرته، ووفور جملته.
فرفع عن الرعية هذه التكملة رفعا مشهورا، وقد جعل الله تعالى من سنّها مدحورا، ونادى في المساجد الجامعة بإزالتها، وإبطال جبايتها، ليرتفع ذلك في الجمهور، ويتمكّن السكون إليه في الصدور، وتحمد الله الكافّة على ما أتاحه لها من تعطّف أمير المؤمنين ورعايته، وجميل حياطته لهم وعنايته.
واكتب ما يكون منك في ذلك، فإنّ أمير المؤمنين يتوكّفه «1» ، ويراعيه «2» ويتشوّفه «3» ، إن شاء الله.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وكتب علي بن عيسى يوم النصف من رجب سنة ثلاث وثلاثمائة.
(8/128)

57 الوزير علي بن عيسى يأمر بالرفق في الجباية
وقد كان عليّ بن عيسى، قبل ذلك بسنة، نظر لأهل التكملة من جملتها في شيراز، بعشرة آلاف درهم «1» ، قبل أن يخرج في السنة المقبلة، خراج الشجر، ثم تقرر أمر الشجر على أن يؤخذ منه الخراج، ويقارب أهله فيه، على طسوق «2» توضع لهم مخفّفة، وكان النعمان رفيقا يقاربهم، حتى عاد بإزاء ما أسقط من مال الضمان في التكملة، أكثره على التدريج.
فكتب علي بن عيسى، في أمر الشجر، كتابا كنّا نتحفّظه في الحداثة من الدار، نسخته إلى ابن رستم، لأنّ النعمان عاد إلى بغداد، واستخلف بفارس أبا مسلم، محمد بن بحر «3» ، وضمّن البلد من ابن رستم، وجعل أبا مسلم، مستوفيا عليه للمال:
بسم الله الرحمن الرحيم «4» .
إلى أحمد بن محمد بن رستم [49] ، من عبد الله جعفر الإمام المقتدر بالله، أمير المؤمنين.
سلام عليك، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو،
(8/129)

ويسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله، صلّى الله عليه وسلّم تسليما كثيرا.
أمّا بعد، فإنّ الله تعالى بعظيم آلائه، وقديم نعمائه، وجميل بلائه، وجزيل عطائه، جعل أموال الفيء للدين قواما، وللحقّ نظاما، وللعزّ تماما، فأوجب للأئمة حمايتها، وحرّم عليهم إضاعتها، إذ كان ما يجتبي منها، عائدا بصلاح العباد، وحراسة البلاد، وحماية البريّة، وحياطة الحوزة والرعية، ولذلك، يعمل أمير المؤمنين، فكره ورويّته، ويستفرغ وسعه وطاقته، في حراستها وحياطتها، وقبض كل يد عن تحيّفها وتنقّصها، والله وليّ معونته، على جميل نيّته، وحسن طويّته، بمنّه ورحمته.
ولما فتح الله عزّ وجلّ، كور فارس على المسلمين، وأزال عنها أيدي المتغلّبين، وجد أمير المؤمنين أهلها، قد احتالوا في إسقاط خراج الشجر بأسره، مع كثرته وجلالة قدره، فأمر بإشخاص وجوههم إلى حضرته، واتّصلت المناظرة لهم بمشهد من قضاته وخاصّته، إلى أن اعترفوا به مذعنين، والتزموه طائعين، وضمنوا أداء ما أوجبه الله تعالى فيه من حقوقه، على ما تقرّر معهم من وضائعه وطسوقه، فطالب بخراج الشجر، في سائر الكور، على استقبال سنة ثلاث وثلاثمائة، فاستخرجه، واستوف جميعه واستنظفه، واكتب بما يرتفع من مساحته، ويتحصّل من مبلغ جبايته، متحرّيا للحقّ، متوخّيا للرفق، إن شاء الله.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وكتب عليّ بن عيسى، يوم الاثنين لعشر ليال خلون من شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة.
(8/130)

58 إذا تم أمر بدا نقصه
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي، وهو ابن بنت إبراهيم بن المدبّر، قال: حدّثني أبو الفضل صاعد ابن هارون بن مخلد بن أبان، قال: حدّثني عدّة من جلّة الكتّاب، عن كاتب كان يخطّ بين يدي الموريانيّ «1» ، وهو وزير المنصور، قال:
كنت يوما بحضرته على خلوة، فدخل عليه حاجبه، وقال: بالباب رجل يذكر أنّه يريد أن يلقي إليك شيئا مهمّا.
قال: اسمع منه ما يقوله، وأدّه إليّ.
قال: قد سمته ذلك فأبى، وبذلت أن أخرج إليه كاتبا فامتنع من ذلك، وقال إمّا أن أصل إليه، أو أنصرف [50] .
قال: فما زيّه؟
قال: زي التنّاء.
قال: هاته.
فأدخله، فلما وصل، استأذنه في السرار، فأذن له، فدنا إليه، فأطال سراره، ثم دعا بخازنه، فقال: خذ ما يدفعه إليك.
ثم قال لي: قم، فاكتب بكلّ ما يريده، على إملائه، وإن التمس توقيعي في شيء منه، فأنفذه إليّ مع غلامك.
(8/131)

قال: فقمت، فكتبت له بما أملاه، وعدت، فعرّفته إزاحتي علّته «1» فيما طلبه، فجعل يبكي بكاء شديدا.
فسألت غلمانه: هل ورد بعدي شيء يكرهه.
فقالوا: لا.
فقلت: يا سيدي، ما هذا البكاء؟ وكنت آنسا به.
فقال: إنّ هذا الرجل لقيني منذ أكثر من سنة، وذكر أنّه من بني البختكاني «2» وذكر كبر نعمته- وأنا بهم عارف-، ووصف أنّ العمال يتحيّفونه، ويستضعفونه، وسألني أن أوقع اسمي على ضيعته، وأظهر أنّي قد استأجرتها منه، وأكاتب العمّال، ووكلائي بذلك، وأن تقرّ يده فيها، إذ كنت قد وثقت به على ذلك، وبذل لي النصف من ارتفاعه، بعد المؤونة، حلالا.
فوافقته على ذلك، وكتبت له بما أراد، ومضى.
ولم تبتغ نفسي الاستقصاء عليه، ولا الاستظهار، ولا مضايقته، وقلت لعلّه أراد الانتفاع بجاهي، فلا أحرمه إيّاه، فإن وفى، وإلّا كان ذلك من زكاة الجاه.
ثم أنسيت أمره، فما ذكرته حتى رأيته الساعة، فأعلمني أنّه يتردد منذ مدة إلى الباب، فلا يصل، وأعلمني أنّه قد حصل لي من ذلك، مائتا ألف درهم، وأوقفني على حساب رفعه، واستأذني في تسليم المال.
(8/132)

وسألني تجديد الكتب، بمثل ما كنت كتبت به إليهم في السنة الماضية، في أمر هذه الضياع.
فتقدّمت إلى خازني، بقبض المال، وتقدّمت إليك، فكتبت عنّي بذلك، فأنا أبكي لهذه الحال.
فقلت له: يا سيدي، فأيّ شيء في هذا ممّا يبكيك؟
فقال: ويحك، ويذهب هذا عليك، مع طول ملازمتي وخدمتي؟
قد كنت عندي، أنّك تحنّكت بخدمتي، أمر يكون هذا من إقباله، فكيف يكون إدباره؟
قال: فما بعد أن قبض عليه المنصور، ونكبه، واستصفى ماله، وأموال أهله، وقتله «1» .
قال أبو الحسين عبد الواحد بن محمد: فحدّثت بهذا الحديث، أبا الحسن عليّ بن محمد بن الفرات، وأبا الحسن عليّ بن [51] عيسى، كلّ واحد على الانفراد، في وقت مفرد، فكل واحد منهما أفرط في استحسانه، حتى سأل أن أمليه عليه، فكتبه عنّي بخطّه.
(8/133)

59 الجزاء من جنس العمل
حدّثني أبو الحسين «1» ، قال:
حدّثني أبو الحسن أحمد بن محمد الكاتب، المعروف بابن أبي عمر، كاتب المحسّن بن الفرات «2» ، وكان ممّن تقلّد بعد آل الفرات، عدّة أعمال جليلة، ودواوين عظيمة، حتى تقلّد الأزمّة «3» ، صارفا للخصيبي، في أيام ابن رائق «4» ، وقتل بديار مضر، قتله عمّار القرمطي.
وقد كان أبو الحسن، متقلّدا لديار مضر «5» من قبل ابن رائق، فأغار عليها عمّار، ليتملّكها عاصيا، فطالبه بالمال لأصحابه.
فقال: ما معي شيء، ولو قتلتني، وصلبتني.
فقال: عليّ أن أفعل بك ذلك.
فقتله، وصلبه، في يوم عيد الفطر من سنة تسع وعشرين.
فلم يزل ابن رائق، يحتال على عمّار، حتى حضر مجلسه، وتركه أيّاما مع جيشه، ثم قبض عليه، وبحضرته وجوه الأتراك المستأمنة إلى ابن رائق
(8/134)

بالشام، من أصحاب بجكم «1» ، فأمرهم بدقّه بالأعمدة.
فلما كاد أن يموت، قال: أذيقوه حدّ السيف، فأخذ رأسه، وصلبه في المكان الذي صلب فيه عامله ابن أبي عمر «2» .
(8/135)

60 الخليفة المهدي ووزيره أبو عبيد الله
قال أبو الحسين «1» : فحدّثني أبو الحسن بن أبي عمر «2» هذا، قال:
حدّثنا أبو عبد الله حمد بن محمد القنائي «3» ، ابن أخت الحسن بن مخلد «4» ، قال: حدّثني أبو محمد خالي، قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن العباس الصولي «5» ، يقول: حدّثت عن المأمون، عن الرشيد، أنّه سمع المهدي يقول:
بعد زوال أمر أبي عبيد الله «6» عن الوزارة، واقتصاره على ديوان الرسائل، وعلى الجلوس في منزله، وتفويض الأمر إلى يعقوب بن داود «7» :
ما رأيت أحزم، ولا أفهم، ولا أكفأ، ولا أعفّ، من أبي عبيد الله،
(8/136)

ولقد كنت أحبّه، مع إجرائي إيّاه مجرى الوالد، وكنت أجتهد به أن يدعوني إلى داره، فيمتنع، ويزعم أنّه لا تتّسع همّته، ولا نعمته، لذلك.
إلى أن اعتلّ علّة عظيمة، فتمادت الأيام به، ولم أعده، إلى أن كتب إليّ باستقلاله، وأنّه قد عمل على الركوب إليّ، بعد يوم أو يومين، فسابقته، وركبت إليه في خفّ من غلماني وخاصّتي.
فلما دخلت إليه، قلت له: قد كنت أجتهد بك أن تدعوني [52] ، فتأبى، والآن، قد جئتك جامعا للعيادة، والتهنئة بالعافية، والدعوة.
فقال: والله، يا أمير المؤمنين، ما لي طعام، ولا غلمان، ولا زيّ يصلح لدعوتك.
فقلت: قد فرغت لك من ذلك، وتقدّمت إلى غلماني، بحمل الآلات، والطعام، والأشربة، وجميع ما يحتاج إليه، وإنّما أردت تشريفك، والأنس بك.
قال: وجاء الغلمان، بآلات، وفرش لي، وجلست، وهو معي، فأكلنا، وجعل يتحفني من منزله، بالفاخر من الفرش، والآنية، والآلات هدية لي، كما يفعل الناس، فأخذت كلّما يحمله من أحسن شيء، وأجمله، وأرشقه، فازداد ابتهاجا به.
ثم دعوت بالشراب، فلما شربت ثلاثة فقط، عملت على الانصراف.
فلما أحسّ بذلك، قال لي: أريد أن أبكي، وأنا أتطيّر أن أبكي بعد انصراف أمير المؤمنين، وأنا أستأذنه في البكاء بحضرته.
قال: وتحدّرت دموعه عقيب الكلام، فبكى بكاء شديدا.
فقلت له: يا هذا، أنا أعلم أنّ فيك شحا، تسميه حسن التدبير، وما يحسن منك أن تبكي، فإن كان ندما على ما أهديته، فهو مردود بلا شكّ.
قال: فحلف بأيمان عظيمة، وانزعج انزعاجا شديدا، أنّه ما بكى لذلك.
(8/137)

وقال: كيف أبكي على ما سبيلي أسرّ به، حيث جعلتني أهلا لقبوله؟
قال: فقلت: فلم تبكي؟
قال: لم تبق مرتبة تنال، إلّا وقد نلتها، وبلغتها، بفضل أمير المؤمنين، وتطوّله، حتى انتهت بي الحال، إلى أن وصلت، من مال أمير المؤمنين، بأمره، وعن أمره، في ليلة واحدة، وهي ليلة ورد الخبر بوفاة أمير المؤمنين المنصور صلوات الله عليه، وأخذت بيعة ثانية لأمير المؤمنين على الناس، بعشرة آلاف ألف درهم، وفي هذه العلّة، تصدّقت بجميع ما في خزانتي من المال، وكان أربعة آلاف ألف، بعد أن أستأذنت أمير المؤمنين، فأذن لي، ولم يكن بقي، إلّا أن يعودني أمير المؤمنين في علّة، أو يهنئني بحال مسجددة، أو يصير إلى دعوتي، فلمّا كان اليوم، جمع أمير المؤمنين لي ذلك، فعلمت أنّي قد بلغت النهاية، وأنه ليس بعدها إلّا الانحطاط، فبكيت لذلك [53] .
قال: فرققت له، وعلمت فضله، وقلت له: أمّا في أيامي، فأنت آمن ذلك، وإن أصابك شيء بعدي، فالحياة- على كلّ حال- خير من الموت، ولك بي أسوة.
واعتقدت أن لا أنكبه.
فلما رأى الربيع «1» عظم منزلته، حسده، فجدّ في السعاية إليّ به، والفساد بيننا، والحيلة عليه عندي، إلى أن جرى في أمر ابنه، وإقراره بالزندقة، ما لم يسع معه، أن لا يقتل، فقتلته، وخفت أن يكون قد استوحش لذلك فلم آمنه على نفسي، فاحتجت إلى صرفه، فصرفته، وحرست نفسه، وبقيت نعمته، واستحال الأمر عما عقدته له.
وكان الأمر على ما ظنّه، من النقصان بعد التناهي.
(8/138)

61 معنى النهروان بالفارسية
حدّثني أبو الحسين»
، قال: سمعت عليّ بن عيسى «2» ، يحدّث، دفعات، عن أبيه، أنّه سمع أباه، يحدّث عن جده، عن مشايخ أهل العلم بأخبار الفرس، وأيّامهم، قالوا:
معنى النهروان بالفارسية: ثواب العمل.
قالوا: وإنّما سمّي نهر النهروان بذلك، لأن بعض ملوك الأكاسرة، كان قد غلب عليه بعض حاشيته، حتى دبّر أكثر أمره، وترقّت منزلته عنده، وكان قبل ذلك، من قبل صاحب المائدة، مرسوما بإصلاح الألبان والكواميخ «3» ، ثم علت حاله، فكان صاحب المائدة يتحسّر، كيف علت حال هذا، وقد كان تابعا له، وغلب على الملك؟
وكان مع ذلك الرجل، يهوديّ ساحر ممخرق، فقال له: ما لي أراك مهموما؟ فحدّثني بأمرك، لعل فرجك على يدي.
قال: فحدّثه.
فقال له اليهودي: إن رددتك إلى منزلتك، ما لي عندك؟
قال: أشاطرك حالي ونعمتي، وجميع مالي.
فتعاهدا على ذلك، فقال: أظهر وحشة تجري بيننا، وأنّك قد صرفتني ظاهرا.
(8/139)

ففعل ذلك به.
فصار إلى الرجل الغالب على الملك، فحدّثه، وتقرّب إليه بما جرى عليه من الرجل الأول، ولم يزل يحدّثه مدّة طويلة، حتى أنس به ذلك الرجل.
فلقيه في بعض الأيام، ومع غلامه غضارة «1» ذهب، فيها شيراز «2» في نهاية الطيبة، يريد أن يقدمه إلى الملك.
فقال: أرني هذا الشيراز.
فقال الرجل لغلامه: أره إيّاه، فأراه، فخاتل الرجل والغلام، وأخذ بأعينهما بسحره، وطرح في الشيراز قرطاسا كان معه، فيه سم ساعة.
وغطّى الغلام الغضارة [54] الكبيرة، ومضى ليقدّمها، إذا قدّمت المائدة.
فبادر اليهودي إلى صاحب المائدة الأول، وقال له: قد فرغت من القصة، وعرّفه ما عمله، ووصف له الغضارة، وقال له: امض الساعة إلى الملك، فقل له: هذا أراد أن يسمّك في هذه الغضارة، فلا تأكلها، وجرّبها، فإنّه سيجرّبها على كلب، أو غيره، فيموت في الحال، فيقتل عدوّك، ويشكر لك، فيردّك إلى مرتبتك.
قال: فبادر الرجل، فوجد المائدة، تريد «3» أن تقدّم إلى الملك، فحين قدّمت، تقدّم إليه، وقال: أيّها الملك، إنّ هذا يريد أن يسمّك في هذه الغضارة، وهي مسمومة بسمّ ساعة، فلا تأكلها.
فراع الملك، وأمر بتجريب الشيراز على حيوان.
(8/140)

فقال الرجل: قد كذب هذا، وليس يحتاج إلى حيوان، أنا آكل من هذه الغضارة، ليعلم الملك كذبه.
قال: والرجل لا يعلم ما في الغضارة، فبادر فأكل منها لقمة، فتلف في الحال.
فقال صاحب المائدة الأوّل: إنّما أكل أيّها الملك من ذلك، ليتلف، لما علم أنّك تجرّب ذلك، فتجده قاتلا، فخاف أن تعذّبه، فاستروح إلى هذا.
فلم يشكّ الملك، في صحة الأمر، وردّ إلى صاحب المائدة الأول، ما كان إليه، وأكرمه وعظّمه.
ومضت السنون على ذلك.
قال: وعرض للملك، علّة، كان يسهر من أجلها في أكثر الليالي، فكان يخرج، وحاشيته غافلون، فيطوف في صحون داره، وحجرها، وبساتينها، ويقف على أبواب حجر نسائه، وغلمانه، فيتسمّع عليهم، ويعلم ما يتحدّثون به.
فانتهى في ليلة، في طوفه، لأجل السهر، إلى حجرة فيها ذلك اليهودي، وقد خلطه صاحب المطبخ بنفسه، وغلمانه، وهو جالس يحدّث بعض أصحاب صاحب المطبخ، ويتشكّى إليه، ويقول: إنّه يقصّر في حقّي، ويعدّد تقصيره في حقه.
ثم قال: أنا أصل نعمته وما هو فيه.
فقال له الذي يحدّثه: وكيف صرت أصل نعمته؟
قال: وتكتم ذلك؟
قال: نعم.
فحدّثه بحديث الشيراز والسمّ.
(8/141)

فلما سمع الملك ذلك، قامت قيامته، وأحضر الموبذ «1» من غد، وحدّثه بالحديث، وشاوره فيما يعمله، ممّا يزيل عنه إثم ذلك الفعل في معاده، فأمر بقتل اليهودي [وصاحب المائدة] «2» والإحسان إلى عقب- إن كان- للذي قتل نفسه.
وقال: ولا يزيل عنك إثم هذا، إلّا أن تطوف في عملك، حتى تنتهي إلى بقعة [55] خراب، فتستحدث لها عمارة، ونهرا، وشربا، فيعيش الناس بذلك، في باقي الدهر، بدلا من موت ذلك الرجل، فيمحّص عنك الإثم.
ففعل الملك ذلك، وطاف أعماله، حتى بلغ موضع النهروان، وهو خراب، فأجمع رأيه، على حفر النهر فيه، فحفر، وسمّاه: ثواب العمل، لأجل هذه القصة «3» .
(8/142)

62 رقعة نفعت صاحبها وخلفه
حدّثني أبو الحسين «1» ، قال: حدّثني أبو الحسن الأنباري «2» الكاتب، صديق الكرخيين «3» قال:
دفع إليّ أبو أحمد عبد الوهاب بن الحسن بن عبيد الله بن سليمان، رقعة أبي الحسين جعفر بن محمد بن ثوابة بن خالد «4» ، الكاتب، إلى جدّه عبيد الله.
وقال لي: كان إلى أبي- الحسن بن عبيد الله- ديوان الرسائل، وديوان المعاون، في جملة الدواوين التي كانت إليه في أيّام أبيه.
فأمر الوزير عبيد الله، أبي، أن يستخلف أبا الحسين بن ثوابة، على ديوان الرسائل، والمعاون، وصار كالمتقلّد له من قبل الوزير، لكثرة استخدامه له فيه، وكانت هذه الرقعة سبب ذلك.
ثم مات أبي، فأقرّه جدّي على الديوان رياسة، وبقي عليهم، يتوارثونه، مرة رياسة، ومرّة خلافة.
(8/143)

فما سمع برقعة أولى منها، وهي في غاية الحسن، ونسختها:
قد فتحت للمظلوم بابك، ورفعت عنه حجابك، فأنا أحاكم الأيام إلى عدلك، وأشكو صرفها إلى عطفك، وأستجير من لؤم غلبتها، بكرم قدرتك، فإنها تؤخّرني إذا قدّمت، وتحرمني إذا قسمت، فإن أعطت، أعطت يسيرا، وإن ارتجعت، ارتجعت كثيرا، ولم أشكها إلى أحد قبلك، ولا أعددت للإنصاف منها إلّا فضلك، ودفع ذمام المسألة، وحقّ الظلامة، وحقّ التأميل، وقدم صدق الموالاة والمحبّة، والذي يملأ يدي من النصفة، ويسبغ العدل عليّ، حتى تكون محسنا إليّ، وأكون بك للأيام معديا، أن تخلطني بخواصّ خدمك الذين نقلتهم من حال الفراغ إلى الشغل، ومن الخمول إلى النباهة والذكر، فإن رأيت أن تعديني، فقد استعديت، وتجيرني فقد عذت بك، وتوسع عليّ كنفك، فقد أويت إليه، وتعمّني بإحسانك، فقد عوّلت عليه، وتستعمل يدي ولساني، فيما يصلحان لخدمتك فيه، فقد درست كتب أسلافك، وهم الأئمة في البيان، واستضأت بآرائهم، واقتفيت آثارهم، اقتفاء حصّلني بين وحشيّ الكلام وأنيسه [56] ، ووقفني منه على جادّة متوسطة، يرجع إليها الغالي، ويسمو نحوها المقصّر، فعلت، إن شاء الله «1» .
(8/144)

63 أبو قوصرة المستخرج والوزير المصروف الحسن بن مخلد
حدّثني أبو الحسين «1» ، قال: حدّثنا أبو الحسن علي بن أحمد بن يحيى ابن أبي البغل «2» ، وهو إذ ذاك، عدل في جوارنا ببغداد، ويعاشرني.
قال: حدّثني أبو قوصرة المستخرج «3» .
قال أبو الحسين: وقد رأيت أنا أبا قوصرة، وأنا حدث، وهو شيخ مسنّ، من بقيّة القوّاد المتقدمين، وقد لزم منزله، وكان الرسم قدما، ان يقلّد بعض القوّاد الذين يفهمون المناظرة، الاستخراج.
قال ابن أبي البغل: قال لي أبو قوصرة: تقدّم إليّ سليمان بن وهب «4» ، في وزارته للمعتمد، لما قبض على الحسن بن مخلد «5» ، أن أدخل إليه، إلى الحبس، فأطالبه بما صودر عليه، فكنت أخشن عليه ظاهرا، وألين له باطنا، وأتخبّر له على سليمان «6» ، وأشير عليه.
فوقفت على أنّ عبيد الله بن سليمان، قد عمل على أن يجتمع هو، وأبوه، وصاعد بن مخلد، وأبو صالح بن المدبّر، وجماعة من الكتاب، في مجلس،
(8/145)

ويخرجوا الحسن، فيباهتوه «1» بكل محال لا أصل له، ويكابروه «2» على المحالات، حتى يضطروه بذلك، إلى الأداء، ويرهبوه بأخذ خطّه بزيادة على ما عليه، لأنّه كان قد بلح، وقال: لم يبق لي ما أؤديّه.
قال: فجئته إلى الحبس، فحدّثته بأنّهم في غد، سيخرجونه لذلك.
قال: ففكّر ساعة، فظننته يفكّر فيما يدبّر به أمره.
ثم أنشدني لنفسه:
من صادر الناس صادروه ... وكابر الناس كابروه
وباهتوه الحقوق بهتا ... وبالأباطيل ناظروه
بمثل ما راح من قبيح ... أو حسن منه باكروه
(8/146)

64 من تواضع ارتفع
حدّثني أبو الحسين، قال:
كان أبو الفضل عبيد الله بن عبد الله بن الحارث الكاتب «1» ، من وجوه العمّال، ثم خلف أبا القاسم سليمان «2» بن الحسن، في وزارته الأولى، على كثير من أمر الوزارة، فتكبّر على الناس، ولم يوفهم الحق، فبحثوا عن معايبه، وأطلقوا الألسن بمثالبه.
وكان قد اشتهر أنّ أمّه، تزوجت أزواجا، بعد أبيه وقبله، وقيل إنّ عددهم بضعة عشر رجلا، ومنهم رجل يعرف بسوشيخ، يبيع الأرز باللبن.
فقال فيه العصفري الشاعر يهجوه، وأنشدنيها لنفسه:
قالوا: أبو الفضل شمخ ... وازداد كبرا وبذخ [57]
فقلت مه، قولوا له ... يا هرل «3» سوشيخ الوسخ
ما كنت، لا كنت بذي ... سوشيخ يقرط لأمخ
وإنّما أراد أن يتطايب بهذا الشعر، مع ذكر أمّه، لأنّ أصله كان من قرية من أعمال واسط بالأسافل، يقال لها قلمايا.
وقد كان أبو الحسين بن عياش القاضي، أنشدني هذه الأبيات قديما،
(8/147)

وحكى مثل هذه القصة، فأنسيت «1» الأبيات حتى أذكرنيها أبو الحسين بن هشام، وفي رواية ابن عياش:
ويلك ما كنت بذي
قال: ومعنى يقرط لأمخ: ينيك أمّك «2» .
(8/148)

65 الخليل بن أحمد والراهب
حدّثني أبو الحسين بن هشام، قال: حدّثني أبو الحسن زكريا بن يحيى ابن محمد بن شاذان الجوهري، قال: حدّثنا أبو العباس المبرّد «1» ، قال:
حدّثت عن الخليل بن أحمد «2» [قال] :
اجتزت في بعض أسفاري، وأنا متوجّه، براهب في صومعة، فدققت عليه، والمساء قد أزف «3» جدا، وقد خفت من الصحراء، وسألته أن يدخلني.
قال: فقال: من أنت؟
فقلت: أنا الخليل بن أحمد.
فقال: أنت الذي يزعم الناس أنك وجه، وواحد في العلم بأمر العرب؟
فقلت: كذا يقولون، ولست كذلك.
قال: إن أجبتني عن ثلاث مسائل، جوابا مقنعا، فتحت لك، وأحسنت ضيافتك، وإلّا لم أفتح لك.
فقلت: وما هي؟
قال: ألسنا نستدل على الشاهد بالغائب؟
قلت: بلى.
(8/149)

قال: فأنت تقول: إن الله تعالى ليس بجسم و [لا] عرض «1» ، ولم نر له مثلا، فبأيّ شيء أثبتّه؟.
وأنت تزعم: إنّ الناس في الجنّة يأكلون، ويشربون، ولا يتغوّطون، وأنت لم تر آكلا، شاربا، إلّا متغوّطا.
وأنت تقول: أنّ نعيم أهل الجنّة لا ينقضي، وأنت لم تر شيئا إلّا منقضيا.
قال: فقلت له: بالشاهد الحاضر، استدللت على ذلك كلّه.
أمّا الله تعالى، فإنّي استدللت عليه، بأفعاله الدالة عليه، [أنّه] لا مثل له، وفي الشاهد مثل ذلك، الروح التي فيك، وفي كل حيوان، نعلم أنّه يحسّ بها تحت كل شعرة منّا، ونحن لا ندري أين هي، ولا كيف هي؟
ولا ما صفتها، ولا جوهرها، ثم نرى الإنسان من الناس، يموت إذا خرجت، ولا يحسّ بشيء، وإنّما استدللت عليها بأفعالها، وبحركاتها، وتصرّفنا، بكونها فينا.
وأمّا قولك: إنّ أهل الجنّة لا يتغوّطون، مع الأكل، فالشاهد لا يمنع ذلك، ألا تعلم أنّ الجنين يغتذي في بطن أمّه، ولا يتغوّط.
وأما [58] قولك: إنّ نعيم أهل الجنّة، لا ينقضي مع أنّ أوله موجود، فإنّا نجد أنفسنا نبتدىء الحساب بالواحد، ثم لو أردنا أن لا ينقضي إلى ما لا نهاية له، لم نزل نكرره، وأعداده، وتضعيفه، إلى ما لا انقضاء له.
قال: ففتح لي الباب، وأحسن ضيافتي.
(8/150)

66 عافية القاضي يستقيل من القضاء
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن سعد، مولى بني هاشم، وكان يكتب ليوسف القاضي»
قديما، قال: حدّثنا إسماعيل ابن إسحاق القاضي «2» ، عن أشياخه، قال:
كان عافية القاضي «3» ، يتقلّد للمهدي، القضاء، بأحد جانبي مدينة السلام، مكان ابن علاثة «4» ، وكان عافية عالما زاهدا.
فصار إلى المهدي، في وقت الظهر، في يوم من الأيام، وهو خال، فاستأذن عليه، فأدخله، وإذا معه قمطره «5» ، فاستعفاه من القضاء، واستأذنه في تسليم القمطر، إلى من يأمره بذلك.
فظنّ أنّ بعض الأولياء قد غضّ منه، أو أضعف يده في الحكم، فقال له في ذلك.
فقال: ما جرى من هذا شيء.
فقال: ما سبب استعفائك؟
فقال: كان تقدّم إليّ خصمان من شيراز وأصبهان، في قصّة معضلة
(8/151)

مشكلة، وكلّ يدّعي بيّنة وشهودا، ويدلي بحجج تحتاج إلى تأمّل وتثبّت، فرددت الخصوم، رجاء أن يصطلحا، أو يتعيّن لي وجه فصل ما بينهما.
قال: فوقف أحدهما، من خبري، على أنّي أحب الرطب السكر «1» ، فعمد، في وقتنا، وهو أول أوقات الرطب، إلى أن جمع رطبا سكّرا، لا يتهيّأ في وقتنا جمع مثله إلّا لأمير المؤمنين، وما رأيت أحسن منه، ورشا بوّابي جملة دراهم، على أن يدخل الطبق إليّ، ولا يبالي أن يردّ، فلما أدخل إليّ، أنكرت ذلك، وطردت بوّابي، وأمرت بردّ الطبق، فردّ.
فلما كان اليوم، تقدم إليّ مع خصمه، فما تساويا في قلبي، ولا في عيني، وهذا يا أمير المؤمنين، ولم أقبل، فكيف لو قبلت، ولا آمن أن تقع عليّ حيلة في ديني، فأهلك، وقد فسد الناس، فأقلني، أقالك الله، واعفني «2» .
فأعفاه «3» .
(8/152)

67 لا تصلح الدنيا إلا بالعدل
حدّثني أبو الحسين «1» ، قال: سمعت حامد بن العباس «2» ، في وزارته «3» ، يتحدّث، قال:
كان صاعد بن مخلد «4» ، وصفني للناصر لدين الله «5» ، وعظّم عنده من أمري، حتى اختصصت بخدمته.
فاستدعاني يوما على خلوة، وقال: قد علمت ما لحقنا من هذا العدوّ، يعني [59] صاحب الزنج «6» ، حتى عدنا إلى هاهنا.
قال: وكان ذلك بعد انهزامه من بين يدي صاحب الزنج «7» ، وعوده من مقامه بواسط «8» ، ليستريح، ويتأهب للرجوع، ويستعد لقتاله.
قال: وقال لي الناصر: وأمري كما ترى مختلّ، وجميع ما في خزانتي ثلاثون ألف دينار عينا، وهذا لا يقع منّي «9» ، وأريد أن تصرف همّتك إلى
(8/153)

ما يثمر معه، ويضعف قدره.
قال: فقلت له: هاهنا وجه فيه مرفق عظيم.
فقال: ما هو؟
فقلت: هذه أسناية «1» الخيزران، ومنها يشرب المبارك «2» بأسره، وبعض الصلح «3» ، وكانت إقطاعا لأمّ الرشيد، الخيزران «4» ، فحفرت لها هذه الاسناية، وكانت تغلّها غلّة عظيمة، وقد تعطّلت الآن، وخرب الصلح، والمبارك، كلّه، فإن صرفت هذه الثلاثين الألف الدينار، في حفر الاسناية، وإطلاق البذر والبقر، لأهل هاتين الناحيتين، تولّيت لك تفرقة ذلك، ومشاهدة الحفر بنفسي، حتى لا يضيع منه دانق واحد، ولا يرتفق أحد بحبّة منه، وتغلّ في سنة، ضعف هذا وأكثر.
قال: قد فعلت.
قال: فأنفقت على حفر الاسناية عشرين ألف دينار، بأتمّ احتياط، وأطلقت العشرة الآلاف الدينار، الباقية، للضعفاء من الأكرة، والتنّاء، والمزارعين، في أثمان بقر وبذور، واحتطت في جميع ذلك، وطالبت الأقوياء بالزراعة من أموالهم، وحرصوا هم أيضا الحرص كله، لما رأوا الماء، وأنّ الضياع معطّلة منذ سنين كثيرة، وطمعوا في كثرة الريع، ووفور الأسعار في النواحي.
(8/154)

فزرع الناس بالرغبة والرهبة، حتى استنفذوا جهدهم.
فلما أدركت «1» ، حصلت في بيدر واحد، من بيادر الصلح، وقد كان ارتفع أصل الكيل منه، ثلاثة آلاف كرّ وستمائة كرّ حنطة، بالنصف، فحصلت منه الثلث، والعشر، على المقاسمة مع الأجور، وفضل الكيل، ألف كرّ وستمائة كرّ للسلطان، وبعتها بحساب الكرّ بنيف وعشرين دينارا، فحصل الثمن ستة وثلاثون ألف دينار عينا من بيدر واحد، وبقي البلد كلّه بأسره ربحا.
فحصل له منه في أوّل سنة، أضعاف ما أنفق مضاعفا.
فتقوّى بذلك على الرجوع إلى الخائن «2» [60] ، وكان ذلك من أكبر أسباب تقدّمي عنده ورفعتي.
قال: وكان حامد يحدّث بهذا، عقيب شيء جرى، قال حامد معه:
لا تصلح الدنيا إلّا بالعمارة، والعدل، وقمع العمال عن السرقات.
ثمّ تحدّث بهذا الحديث.
(8/155)

68 تنحّ عن القبيح ولا ترده
حدّثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا الحسن بن الفرات، يقول:
كان أبو الحسن محمد بن فراس الكاتب، سبب الوصلة بين القاسم بن عبيد الله «1» ، والعبّاس بن الحسن «2» ، حتى استكتبه له.
فلما علت حال عباس، حسده ابن فراس «3» ، وعاد يسعى عليه، ويثلبه عند القاسم.
إلى أن اعتلّ القاسم علّة موته، فقال ابن فراس: إنّ العباس بن الحسن، يسعى في طلب الوزارة، مع الداية «4» ، وصافي الحرمي «5» ، وإنّه قد قطع السواد «6» .
(8/156)

فلم يتقبّل ذلك القاسم، وكتب الرقعة المشهورة إلى المكتفي «1» .
قال: فدخلنا عليه في الليلة التي ولي فيها الوزارة، إثر موت القاسم، ولم يكن خلع عليه، ودخل ابن فراس مهنئا له، فجلس في أخريات الناس.
وتشاغل العباس، بتقليب ثياب السواد، وقد جاءوه بها، ليختار منها ما يقطع له، فيلبسه من غد، في دخوله إلى الخليفة، قبل الخلع، حتى يبرّكه هناك، ويلبس الخلع فوقه.
وكان الرسم إذ ذاك، أن لا يصل أحد إلى الخليفة، في يوم موكب إلّا بسواد.
قال: فلمّا اختار العباس ما يريده من الثياب، أقبل علينا، وقال معرّضا بابن فراس: لعن الله أهل الحسد والشرّ، سعى قوم على دمي، عند وليّ الدولة، وقالوا له: إنّي قد سعيت في الوزارة، وإنّي قد قطعت السواد منذ أيام كثيرة، وهذا بحضرتكم، على غير تواطؤ، هو ذا أقلّب ثيابا، ليقطع منها سواد لي.
فقام ابن فراس قائما، وقال: قد حضرني، أطال الله بقاء الوزير، بيتان في هذا المعنى، فإن أذن الوزير- أيّده الله- أنشدتهما.
فاستحيا العبّاس، وقال: بحياتي، اجلس، وأنشد.
فجلس، وقال:
تنحّ عن القبيح ولا ترده ... ومن أوليته حسنا فزده
ستكفى من عدوّك كل كيد ... إذا كاد العدوّ ولم تكده [61]
(8/157)

69 جور أبي عبد الله الكوفي
حدّثنا أبو الحسن، محمد بن محمد بن عثمان الأهوازي الكاتب، المعروف بابن المهندس، قال: حدّثني ابن مروان الجامدي، قال:
لما ظلم الناس بواسط «1» ، أبو عبد الله، أحمد بن عليّ بن سعيد الكوفي «2» ، وهو إذ ذاك يتقلّدها لناصر الدولة «3» ، وقد تقلّد الوزارة، وإمرة الأمراء ببغداد «4» ، كنت أحد من تظلّم «5» ، فظلمني وأخذ من ضيعتي بالجامدة «6» ، نيفا وأربعين كرا أرزا بالنصف من حقّ رقبتي- سوى ما أخذه من حقّ بيت المال- بغير تأويل ولا شبهة، فتظلّمت إليه، وكلّمته، فلم ينصفني.
وكان الكرّ الأرز بالنصف، إذ ذاك، بثلاثين دينارا.
فقلت له: قد أخذ سيّدنا منّي، ما أخذ، وو الله، ما أهتدي، أنا وعيالي، إلى شيء سواه، وما لي ما أقوتهم به، باقي سنتي، ولا ما أعمّر به ضيعتي، وقد طابت نفسي أن تطلق لي من جملته عشرة أكرار، وأجعل الباقي لك حلالا.
فقال: هذا ما لا سبيل إليه.
(8/158)

فقلت: فخمسة أكرار.
فقال: لا أفعل.
قال: فبكيت، وقبّلت يده، ورقّقته، وقلت: فهب لي منه، وتصدّق عليّ، بثلاثة أكرار، وأنت من الجميع في حلّ وسعة، بطيب من قلبي.
فقال: لا والله، ولا أرزة واحدة.
قال: فتحيّرت، وقلت له: فإني أتظلّم إلى الله عز وجل منك.
فقال لي: كن على الظلامة- يكررها دفعات- وبكسر الميم، بلغة الكوفيين «1» .
قال: فانصرفت محترق القلب، فجمعت عيالي، وما زلت أدعو الله عليه، ليالي كثيرة.
فهرب من واسط في الليلة الحادية عشرة من أخذه الأرز، وجئت إلى البيدر، فأخذت أرزي، وحملته إلى منزلي.
وما عاد الكوفيّ بعدها إلى واسط، ولا أفلح «2» .
(8/159)

70 أبو عبد الله الكوفي يعاقب ملّاحا على سوء أدبه
حدّثني أبو الحسن محمد بن محمد الأهوازي بن عثمان المعروف بابن المهندس، قال:
كنت أتقلّد الضريبة وغيرها، في «1» أعمال واسط، في هذا الوقت «2» ، للكوفيّ.
فقدم ملّاح، يقال له ابن شبيب، من بغداد، في زورق عظيم، وكان فيه حديد، وخواب، فطالبته على ضريبتهما بثمانية آلاف درهم وكسر.
فالتجأ إلى ثمل «3» وهو غلام سيف الدولة، لأن سيف الدولة كان مقيما بواسط حينئذ، أميرا عظيما.
فكتب إليّ ثمل، رقعة يلزمني تخفيف [62] الضريبة عن الملّاح، ومقاربته، وأنفذ غلمانا من غلمانه.
فوضعت في نفسي المقاربة لأجله، فقلت للملّاح، عليك ثمانية آلاف درهم، وكذا وكذا، فبكم تحب أن أسامحك، لأجل كلام فلان أيّده الله؟
قال: وكان مجلسا حافلا بأهل الأسواق، والتجّار، والمعاملين في الضريبة.
قال: فقال لي الملّاح مستفهما: كم عليّ؟
(8/160)

فقلت: ثمانية آلاف درهم وكسر.
قال: فضرط من فمه «1» ، لي، وقال: تأخذ مني بميزان قرع، وصنج بعر.
قال: فورد عليّ أمر عظيم، من استخفافه بي في مجلس العمل، وكرهت أن أوقع به، فتشرّق الحال بيني وبين ثمل، مع تمكّنه من سيف الدولة، وتصير منابذة بينه وبين صاحبي، ولا أدري كيف يكون حالي في ذلك.
فقلت له: أمّا أنت فأقلّ من أن تجاب عن هذا الكلام، ولكن سأريك أمرك، كونوا معه.
قال: فوكّلت به جماعة من الرجّالة، وعبرت في زبزبي، إلى الكوفيّ، فحدّثته بالقصة.
فحين استتم حديثي، قال: وأيّ شيء عملت بالملّاح؟
فقلت: لم أقدم أن أعمل به شيئا، لأجل ثمل، وخشيت أن تنكر أنت ذلك.
فقال: نفّاطين، نفّاطين «2» ، وصاح، وتغيّظ. فأحضروا.
وقال: ثلاثين راجلا، الساعة، فأحضروا.
فقال: اعبروا إلى الزورق، فأحرقوه، بجميع ما فيه من الأمتعة، الساعة.
قال: فورد عليّ أمر عظيم، وندمت على الشكاية، فقلت: يكفي من هذا- أطال الله بقاء سيدنا- ضرب الملّاح بالمقارع في السوق، وأن تضعف
(8/161)

عليه الضريبة، وتستخرجها منه.
فقال: لا والله، إلّا الإحراق.
قال: فاجتهدت به، فلم يكن في يدي منه شيء.
وتوجّه النفّاطون، والرجّالة، إلى الزورق، فضربوه بالنار، وأقبل الملاح يلطم، ويصيح، ويقول: يا قوم، فيه أموال الناس، قد افتقروا، وافتقرت، ويستغيث بالمسلمين، ولا يقدم أحد على إغاثته.
وأحرقت قلوس «1» الزورق، التي كانت تربطه، وتمسكه، وخرج منه الملّاحون، وطرحوا أنفسهم إلى الماء.
فانحدر مع الماء لنفسه، والنار تشتعل فيه، فوقع على الجسر، فقطعه، وانحدر، حتى انتهى إلى موضع معسكر سيف الدولة، وكان نازلا في المأصر «2» بواسط.
والملّاح [63] في بكائه وراءه، لا يجسر أن يطفىء النار، ولا يقدر على أكثر من أن يلطم ويصيح.
فلما رأى سيف الدولة الصورة، استهولها، مع صياح الملّاح، وقوله فيه أموال، فاستدعاه، وقال: أيش فيه؟.
(8/162)

فقال: فيه مال صاحب البريديين، أصدره إليهم صاحبهم من بغداد سرّا، وجعله تحت الحديد.
قال: فأمر سيف الدولة بالزورق، فقدّم إلى الشط، وأطفئت النار، وقد احترق جوانب الزورق، وظلاله «1» ، وأكثر آلته، إلّا الأمتعة التي في أسفله، فإنها كالسالمة.
فرقي بها إلى الشط، فأخرج المال، فإذا هو ثمانية آلاف دينار عينا، ونيف وستون سيفا ومنطقة، من فضة، وبعضها من ذهب، فأخذ ذلك.
وسلّم الزورق إلى الملاح، وشدّ على يده، وعصمه من الكوفيّ، حتى نقض الملّاح الزورق، وانتفع ببقية خشبه وحديده، ووصل التجّار إلى ما سلم من المتاع.
(8/163)

71 هل جزاء الإحسان إلا الإحسان
حدّثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا عيسى، أحمد بن محمد بن خالد، المعروف بأخي أبي صخرة «1» ، يحدّث أبي، قال:
ما رأيت أحسن رعاية من أبي القاسم، عبيد الله بن سليمان «2» .
فمن ذلك: أنّ إسماعيل بن ثابت، المعروف بالزغل، كان يتقلّد لأبي الصقر، إسماعيل بن بلبل «3» ، في وزارته، طساسيج «4» بادوريا «5» ، وقطربّل «6» ، ومسكن «7» ، ونهر بوق «8» ، والذئب؟؟؟ «9» ، وكلواذى «10» ، ونهربين «11» .
فلفّق على عبيد الله بن سليمان- وهو إذ ذاك متعطّل في منزله، بعقب تقضّي النكبة عنه، ولزومه لبيته- ثلاثة آلاف درهم، ذكر أنّها تجب عليه
(8/164)

ببادوريا، في سنين، من مظالم باطلة، وبقايا غير لازمة، وأحضر وكيله، وطالبه بها.
فقال له: أمضي، وألتقي بصاحبي، وأواقفه على الأداء.
فوكّل به عدّة من رجّالته، وانصرف، فصار إلى عبيد الله، فقال له:
أغرم للرجّالة جعلا، ودافع بلقائه يومين، إلى أن أطرح عليه، من يسأله ترك المطالبة، بأن يقرّرها معه.
فخرج الوكيل، وبذل للرجّالة أوفر الأجعال، فذكروا أنّهم لا يقدمون على الإفراج عنه خوفا من الزغل.
وتكرّر الكلام بينهم، إلى أن وثب حاجب عبيد الله بهم، وحال بينهم وبين الوكيل، وأدخله الدار.
وانصرفوا، فشكوا [64] ذلك إلى الزغل، وأسرفوا، خوفا منه، ليقوم عذرهم.
فجاء الزغل، فأسرف إسرافهم، وأضاف كل قبيح إلى عبيد الله، وشكاه إلى الوزير إسماعيل، وقال له: إنّه لا يقدر على استخراج مال عليه، إلّا بالمبالغة في مكروه عبيد الله، والإنكار عليه، وحبسه بنفسه في الديوان، حتى يؤدّي، ولا يقتدي به المتعذّر.
وكان إسماعيل، من العداوة لعبيد الله، والبغض له، والخوف منه على محلّه، بمنزلة عظيمة، وفيه- مع ذلك- تشدّد في نصرة العمل، وجبرية في نفسه، فاغتاظ جدا.
فأحضرني، وأنا- إذ ذاك «1» - أتولّى له ديوان ضياعه، وتقدمته، وتدبير الجيش برسمه، ومنزلتي في الاختصاص به قويّة.
فقال: أحضر هذا الجاهل عبيد الله بن سليمان، وعرّفه ما شكا منه
(8/165)

إسماعيل بن ثابت، وأنّ جزاءه عليه الإبعاد إلى طنجة «1» ، وقبض نعمته، وضياعه، وأنّي أعرفه بالعجب والجهل، ولولا أنّ الزمان، قد كفاني، بإسقاط أبيه، وأنّه صار إلى منزلة، إن عاقبته بما يستحقّه، جعلت له سوقا، لما أخّرت عقوبته، ولكن قل له: والله لولا تذمّمي، لأمرت بالآخر «2» أن يصفع من داره إلى ديوان إسماعيل بن ثابت، ويقام على رجله، حتى يؤدّي ما عليه، ولا تدعه من الديوان، أو يحضر وكيله وحاجبه، فيسلّمهما إلى إسماعيل بن ثابت، وتصرفه حينئذ، ليطالبهما إسماعيل، بما عليه.
قال: فخرجت، وكتبت إليه رقعة، أستدعيه فيها إلى الديوان، دعوت له فيها، كما يدعى من الديوان لمثله، وهي سطران دعاء، وترجمتها في ظاهرها: «لأبي فلان، من فلان» .
وكان الكاتب كتبها عني، فلما عرضها عليّ، زدت فوق الدعاء، بخطّي، يا سيدي، وكتبت في داخل الرقعة، عبدك، وإنّما أردت توفيته الحق بذلك، وستر الأمر عن كاتبي، لئلا يسمع أنّي خاطبته بتعظيم، فأقع في مكروه، مع إسماعيل.
وزدت في آخر الرقعة بخطّي: أنّه لا يجب أن يستوحش من شيء أتوسّطه، فإني أحوطه بجهدي، وأنّ سبيله أن يحضر عشيّا، ليكون مجلسي خاليا، فأوفّيه الحق، ولا يجيء [65] غدوة، فإن وفيته الحقّ لحقني من الوزير إنكار، وإن قصّرت تذمّمت إليه، وراعيت العواقب فيه.
فجاءني في جواب الرقعة، عشيا، فقمت إليه، وكان هذا عظيما، محظورا
(8/166)

على مثلي، وخاصّة في الديوان، وصدّرته، وجلست بين يديه وعرّفته ما جرى من الزغل، وأعدت من كلام الوزير، من الإنكار، والإيعاد، ما جمل لفظه.
وقلت: قال أشياء أخرى كثيرة، قبيحة، عظيمة، هائلة، لا أستحسن تلقّيك بها، وأجلّ سمعك عن إيرادها عليك، هذا أقلّها وأحسنها، ومع ذلك فإنّه أمرني، أن لا تبرح، أو تحضر الوكيل والحاجب، ثم أستاذنه في انصرافك، فأجاب، إن فعلت هذا، وأن يصير لك اعتقال إن خالفت، ثم لا أدري أيّ شيء ينجرّ عليك، وأكون سببه، ولكن اجعلني على ثقة من إنفاذك الرجلين إليه، وانصرف، لأعرّفه ما جرى، فإن أنكر عليّ انصرافك بغير إذن، جحدته أنّي سمعت ذلك منه، وكن على تحرّز، من غير أن يشيع ذلك، إلى أن يجيئك ثقتي بجليّة الصورة، فتعمل بها، وبحسبها، إمّا في الأمن، أو الهرب.
فشكرني، وقال: ما أطمع أن أكافيك على هذا.
وقام، وقمت بقيامه، وودّعته، وقلت: يا غلمان، بأسركم، بين يديه، فخرج، وأنفذ الرجلين، وتوقّى توقّيا ضعيفا، ودخلت، فعرّفت الوزير الصورة، وجمّلت القصة، وأمرني بترك التعرّض له، وتسليم الرجلين إلى الزغل.
فأحضرت الزغل، وسلّمت الرجلين إليه، وقلت له: تقبل رأيي؟
فقال: قل.
فقلت: قد بلغت ما تريد، فأحسن في الأمر ما قدرت.
فقال: يا سيدي، هذا إبطال للعمل، ولا بدّ من تقويمهما.
فجهدت به في الإحسان، فلم يفعل، وأنفذ الرجلين، إلى باب عبيد الله، فضربهما عليه، كلّ واحد منهما، عشرين مقرعة، وصفع الوكيل، بعد
(8/167)

الضرب، خمسين صفعة، واستخرج الدراهم.
ومضت السنون على هذا، وفرّج الله عن عبيد الله [66] ، وتقلّد الوزارة، فاستترت، لأجل اختصاصي بإسماعيل الوزير، وما ألتزم من جهته.
وقبض عبيد الله، على الزغل، وكان أوّل من صودر، من أسباب إسماعيل، وعومل من المكاره، بما لم يسمع بأعظم منه، ولم يتصرّف في أيّام عبيد الله، إلى أن مات وهو يتصدّق.
واستترت أنا، أياما، فلم يعرض عبيد الله لطلبي، ولا لشيء من داري، وضيعتي، ولا لأهلي، ولا معاملي، فأنست بذلك، وكتبت إليه بعد ذلك، أسأل الأمان، فأمنني.
فحضرت مجلسه، وهو حافل بالناس، وبين يديه الخلق، من أصحاب الدواوين والقوّاد.
فحين رآني، قام إليّ قياما تاما.
فقبّلت رجليه، وقلت: يقيلني الوزير أطال الله بقاءه، وليس هذا محلّي.
فقال: ولم؟ ما يفي قيامي لك، بقيامك لي، لأنّك قمت لي في وقت عرّضت- بقيامك لي- نفسك، ودمك، ونعمتك، وحالك، لذلك العدوّ لله، وعاملتني، بما لا يفي به شكري، ولك عندي كلّما تحبّه، ولن يلحقك سوء في مالك ولا غيره.
قال: ولجّ به المعتضد، في مصادرتي، وهو يدفعه عنّي، ويقول له أشياء يدفع بها عنّي، لا أصل لها، منها: أنّه قال له: هذا قد صادره إسماعيل، في أيّام تصرّفه معه، دفعات، وأفقره على سبيل القرض، وكانت له نفقات عظيمة، ومروءة، وهو مع هذا عفيف، لا يرتفق بشيء، ولا يجاوز رزقه، ولا حال له، فيصادر، ولا طريق عليه.
(8/168)

قال: والمعتضد يلحّ.
فقال لي عبيد الله: ليس لك، إلّا أن تبتعد عن المعتضد حتى ينساك.
فقلت: الأمر للوزير.
فقلّدني الخراج والضياع بقم، وكتب إلى صاحب المعونة، بخدمتي، وأخرجني على أمر يعظم.
وطالبه المعتضد، بالتزام مصادرتي، فأعاد عليه القول، وقال: احتجت إلى الاستعانة بكفايته، فأنفذته إلى قم.
فقال: لا بد من إلزامه شيئا هناك.
فكتب بالصورة إليّ، وألزمني عشرين ألف دينار، وعدني بإخلافها عليّ، فالتزمتها، ولم يكن القول بها مؤثرا في حالي.
فلما أدّيت منها عشرة آلاف، أسقط الباقي، وسأل المعتضد فيه، فحطّه [67] عني، وما عطّلني، إلى أن مات.
فسلمت ونعمتي عليه، وكسبت معه نعمة ثانية، أنا فيها إلى الآن، بثمرة ذلك الإحسان.
وهلك الزغل، وبلغ إلى الصدقة، ومات في الفقر، بثمرة ذلك الشرّ «1» .
(8/169)

72 آثار قديمة في سواد واسط
ومن عجائب الدنيا، وآياتها، أشياء في سواد واسط.
حدّثني جماعة، منهم رجل يعرف بابن السراج، وغيره، ومنهم محمد ابن عبد الله بن محمد بن سهل بن حامد الواسطي، وجدّه أبو بكر محمد بن سهل، كان وجها من وجوه الشهود بواسط، ثم تقلّد القضاء بها سنين، دفعات، فأثبتّ ذلك بخطّ محمد بن عبد الله، عقيب هذا الكلام:
شاهدت على نحو من فرسخ وكسر من رصافة الميمون «1» ، قرية من قرى النبط، أو الأكاسرة، وتعرف بجيذا «2» ، وقالوا فيها آثار قديمة، من بناء آجر وجص، وفيها قبّة قائمة، كالهيكل كانت قديما، ومثال رجل من حجر أسود أملس، عظيم الخلق، يعرف عند أهل ذلك الصقع بأبي إسحاق، لأنّه يتعاطى قوم من أهل القوّة شيله «3» فيسحقهم، ويكسر عظامهم، وقد قتل وأزمن خلقا، فيذكر أهل الموضع، أنّهم سمعوا أشياخهم، يدعونه بذلك، على قديم الأيام.
وهذه القرية خراب، لا يذكر فيها عمارة.
وقد كان احتمل هذا الحجر، رجل يعرف بالجلندي، كان على حماية المأمون «4» ، فعمد إليه، وشدّ فيه الحبال، وجرّه بالبقر، إلى أن بلغ موضعا من الصحراء، فأمسى، فتركه في موضعه، فلما أصبح عاد فوجده ناحية عن
(8/170)

الموضع الذي تركه فيه، وأنّ ذلك الحجر صار بالقرب من موضعه الأوّل، فتركه وانصرف.
ثم احتمله بعد ذلك، رجل آخر، من أهل الرصافة «1» ، على خلق من الحمّالين، يتناوبون عليه، حتى أدخله الرصافة، فحضر أهل ذلك الصقع الذي كان فيه، يضجّون، ويقولون: إنّ هذا نأنس به في ذلك المكان، وإنّا نأوي إليه في الليل، فنأنس به، ويمنع عنّا الوحش، إذا كنّا بقربه، فلا يقربون ما يأوي إليه، فحملوه ثانية، حتى ردّوه إلى موضعه الأوّل، بعد أن بذل لهم الرجال، حمله من الرصافة.
وكان على صدره، وعلى ظهره، وكتفيه، كتابة محفورة، قديمة لا يدري بأيّ قلم هي [68] .
وفي هذه البلاد، قرية، تعرف بقصبة نهر الفضل، وهي تلهوار «2» ، و [على] نحو فرسخين [منها] تلّ يعرف بتل ريحا «3» ، من البلاد القديمة، فيها آثار، وفيه حجر عظيم مربع، له سمك كثير، وهو كالسرير، طول تسعة أذرع، في أذرع «4» ، قد غاب في الأرض أكثره، وعليه تماثيل، ونقش.
وكان صاحب تلهوار، أحمد بن خاقان «5» ، أراد إقلاب هذا الحجر، لينظر ما تحته، فاحتفر حوله، واجتهد أن يقدر على قلبه، فلم يقدر على ذلك، لأنهم كانوا كلّما احتفروا تحته، ليتمكّنوا من قلبه، هوى إلى الحفرة،
(8/171)

فاستغرق فيها، فلما أعياه ذلك، تركه على حاله.
وفي موضع من ... «1» الذي في ظهر البطائح، بين واسط والبصرة، ممّا يلي الطفوف «2» ، من القبة العتيقة، فيه خزانة يقال لها: القارة «3» ، يقال إنها من خزائن قارون، طولها أربعون ذراعا، والعرض مثله، وارتفاعها أكثر من ذلك، مبنيّة بالقار، والحصى، والنوى، وهي مجموعة ليس «4» لها باب ولا نقف لها على مدخل «5» .
وكان رجل من ساكني تلهوار، يعرف بعمر النجار، أضاف رجلا من المجتازين، وأكرمه، فأحبّ أن يكافيه، فأعلمه كيفيّة الوصول إلى هذه القارة، وكتب له بذلك كتابا، أوقفه عليه.
وقال له: نريد أن نستعين برجل كبير، وأومأ إلى خاقان، وأبي القاسم بن حوط العبدسي، وكانا رئيسي البلد، فأعلمهما ذلك.
فأعدوا له آلة لما يحتاج إليه من الفتح، من مرور «6» ، وآلات حديد، وخشب وزبل «7» ، وسلاليم «8» ، وأجرّة سفن، وحبال، وغير ذلك، ولزمهما عليها- مع مؤن الرجال- ألوف دراهم كثيرة، وأثبتا رجالا كثيرة
(8/172)

للحماية، لأنّ الموضع تطرقه القرامطة «1» والبوادي «2» ، ثم أخرجاه، ومن معه من الرجال، في سفن في البطيحة، لأن الماء إذا زاد في البطيحة يصير فيما بينه وبين هذه القارة دون الفرسخين، فمضوا إليها.
فحدّثنا ابن لهذا الرجل، المعروف بعمر النجار، أنّه كان مع أبيه، في الموضع، فوافى، فمسح ممّا يلي مطلع الشمس، من هذه القبة، أربعين ذراعا، ثم احتفر الموضع، فظهر له حجر عظيم [69] لا يقلّه إلّا الجماعة الكثيرة، فلم يزل يحلحل حوله، حتى أخرجه، وإذا أزج عظيم، كان ذلك الحجر عليه على بابه، ولحقه المساء، فعمل على المباكرة لدخول الأزج، والوصول إلى باب القبّة، فبات ليلته، ومن معه، فلما كان في وجه الصباح، حين يبدو الفجر، سمعت الجماعة، تكبيرا وضجّة، ونظروا إلى السيوف والخيل «3» تبين من خلال الظلمة، فناذروها، ولم يشكّوا أنّها خيل القرامطة، وتوجهوا نحو البطيحة، والسفن التي لهم هناك، فلم يزالوا كذلك يتعادون إلى أن أصبحوا، وبان ما في الصحراء، ممّا يحتاجون أن يروه، فلم يروا خيلا، فظنوا أنّها قد انصرفت عنهم، فعادوا راجعين إلى مواضعهم، فوجدوا عمر النجار مذبوحا في بعض الطريق، ووافوا إلى مواضعهم، فوجدوا أمتعتهم كما هي، ما فقدوا منها شيئا، فاحتملوها، واحتملوا عمر النجار، وانصرفوا.
وقيل لي: إنّه لم يوجد الحجر، ولا أثر الموضع الذي احتفروا.
وقد يجد الناس، ممّن يجتازون بذلك الموضع، أو يقصده، دراهم،
(8/173)

وجواهر، حول تلك الخربات، والقبّة.
وقد يأوي إلى تلك الخربات، النعام، وتبيض فيها، لخلوّها، وانقطاع الناس، عن الإجتياز بها، إلّا في الحين بعد الحين «1» .
(8/174)

73 سيدوك الشاعر
رأيت بواسط شيخا، ذكر لي، في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، أنّه قد تجاوز الستّين سنة، وأنّ مولده ومنشأه بالدحب «1» ، قرية من سواد واسط، وأنّ أباه كان رجلا من أهل البصرة، من بني تميم، وفد قديما إلى واسط، ثم استوطن [70] السواد، فولد هو فيه، ونشأ إلى أن بلغ، فأحبّ العلم، فرجع إلى البصرة، وأقام بها، وتأدّب، ثم دخل البادية، فأقام بها نحو عشر سنين، ولقي الناس، ووجدته يفهم من اللغة والنحو طرفا، وهو شاعر من شعراء واسط المشهورين، ويلقب بسيدوك «2» .
وأخبرني هو، قال: قال لي أبو محمّد المهلّبي، وقد امتدحته لما وزّر، لم تسميت بسيدوك؟
فقلت: لأنّه اسم رئيس الجنّ، وأنا رئيس الشعراء.
فقال: أفتدري لم سمّي سيدوك رئيس الجنّ بهذا الاسم؟
قلت: لا.
قال: بلغني أنّه إنّما سمّي بذلك، لأنّ في الجنّ قبيلة يقال لها: هلوك، وهو سيدها، فاستثقلوا أن يقولوا: سيّد هلوك، فخفّفوها، فقالوا: سيدوك.
والرجل كان يكنى أبا طاهر، واسمه عبد العزيز بن حامد بن الخضر، على ما أخبرني.
(8/175)

74 من شعر سيدوك
وحدّثني «1» ، قال:
كنت يوما بحضرة بعض الرؤساء في مجلس شراب، فرماني بنارنجة نصفها أصفر، ونصفها أخضر.
وقال لي: قل في هذه شيئا.
فقلت في الحال:
وطيّبة النشر مسكيّة ... مرصّعة بالتحايا العذاب
فأصفر في لون شمس المساء ... وأخضر في لون قوس السحاب
فلون لوجنة مرعوبة ... ولون لأثر نصول الخضاب
فهذا كمصّة نحر الحبيب ... وذاك كما علّ صرف الشراب
وأنشدني لنفسه أيضا:
شربت حلاوة عيش الصبا ... وذقت مرارة فقد الشباب
فلا طعم أكره ممّا اغتدى ... خضابك مستهترا من خضابي
ولا شيء أعجب ممّا التقى ... نصول الخضابين يوم العتاب
أشارت إلى أصص «2» محدقات ... بألوان نيلوفرات طياب
وأنشدني لنفسه [71] :
(8/176)

أرى قسمة الأرزاق أعجب قسمة ... فذو دعة مثر ومكد به الكدّ
فأحمق ذو مال، وأحمق معدم ... وعقل بلا حظّ وعقل له جدّ
يعمّ الغنى والفقر ذا الجهل والحجى ... ولله من قبل الأمور ومن بعد
وأنشدني لنفسه:
أظنّ بليّة دهمت فؤادي ... وأحسبها غزال بني سليم
وإلّا لم يغيب فيعتريني ... تدلّه ضائم من غير ضيم «1»
ولم عيني إذا فقدته كانت ... كعين الشمس إذ غطّت «2» بغيم
(8/177)

75 محنة القرامطة
حدّثني أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن عبيد الله «1» ، قال:
كنت مع إبراهيم بن نافع العقيلي، المعروف بابن البارد الطوق، وبعض العرب تسميه بباري الطوق، وكانت العامّة تسميّه: ابن البارد الطوق، وخبروني أنّه سمي بذلك أبوه، لأنّه ضرب رجلا في عنقه طوق، فبراها بالضربة.
قال: وكان أبو إسحاق بن البارد هذا، إذ ذاك، أمير نهر الأيسر «2» الذي بين رستاق البصرة والأهواز، وهو إذ ذاك يليها من قبل معزّ الدولة «3» .
فورد عليه رجل، قد هرب من القرامطة «4» ، من بني عقيل، يعرف بمختار بن فرناس، وكان من حيّ إبراهيم، من بني معاوية بن حزن.
وكان في عنق المختار هذا، طوق فضّة.
وكان سبب هربه، على ما سمعت خلقا من بني عقيل، يخبرون بذلك، إذ ذاك، أنّه قتل أخاه، وابن عمّه، لأجل ضيف أضافه.
وذلك، أنّه كان مع الضيف، مال صامت، فأعمل أخوه، على الغدر بالضيف، وأخذ المال منه، وعلم المختار بذلك فمنعه، واقتتلا بالسيوف، فقتل أخاه، فجاء ابن عمه يلومه، وتخاطبا، إلى أن تجاذبا السيوف، وتخابطا
(8/178)

بها، فقتل ابن عمه أيضا، وسكّن من نفس الضيف، حتى لا يذعر، ولم يكن له ما يطعمه تلك الليلة، فعرقب فرسه، وذبحه، واشتوى من لحمه، وأوقده حتى اصطلى به الضيف.
فلما أصبح، وارتحل الضيف، خاف أن يبلغ القرامطة خبره، فيأمر العريف بأخذه وإسلامه إلى المحنة، فهرب إلى إبراهيم.
فرأيت رسول القرامطة، قد جاء إلى إبراهيم، فأخذه على صلح وأمان، ورجع إلى حيّه، ثم بلغنا أنّهم محنوه بعد ذلك، تأديبا له، فما سمع برجل في زماننا من أهل البادية، أشجع، ولا أكرم، ولا آدب منه.
والمحنة عند القرامطة، أنّهم إذا نقموا على رجل، استدعوه من حيّه، إلى الأحساء بلدهم، فطرحوه، إمّا مقيّدا يكدّى في البلد، أو سائسا للخيل، أو راعيا للغنم أو الإبل أو ضربوه، وجدّدوا عليه في كل يوم لونا من العقاب، ولا يزال عندهم حولا، وأكثر.
وربما عاقبوه [72] بألوان أخر.
فجميع ما يعملونه من التأديب، يسمونه محنة «1» .
(8/179)

76 من شعر أبي القاسم الصروي
أنشدني أبو القاسم «1» لنفسه:
أصدّع صدر الرمح في صدر فارس ... وأوقد ما يبقى من الرمح للضيف
وأقطع سيفي في الطلى ثم أنثني ... فأذبح عيري بالبقيّة من سيفي
وإنّي لصيف في الشتاء إذا أتى ... وإنّي شتاء بارد الظلّ في الصيف
وما زلت صدر العلم صدر كتابه ... وقلب الوغى ناب عن الضيم والحيف
(8/180)

77 عدة جند الخلافة في أيام المقتدر
حدّثني أبو الحسين علي بن هشام «1» ، قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن يحيى بن زكريا بن شيرزاد»
، قال:
لما أخرج المقتدر «3» هارون بن غريب الخال «4» ، مع مؤنس «5» ،
(8/181)

ونصر «1» ، والقوّاد، لمحاربة القرمطي «2» ، حين وافى «3» من زبارا «4» ، عرضنا الجيش، لأنّه كان ديوان العرض إلى صاحبي ابن الخال، وكنت أكتب عليه، وعلى أمره كله، فأمره المقتدر، بعرض الجيش بزبارا، لئلّا يكون قد أخلّ ممّن جرّد إلى الحرب أحد، فتقدم إليّ ابن الخال بذلك، فعرضتهم، فكانت العدّة من سائر الفرسان، والرجّالة، مع من جرّد من الحجرية، وخدم الدار، اثنين وخمسين ألف رجل مرتزق، أو واحدا وخمسين- الشك من ابن شيرزاد- وهذا سوى من يتبعهم، ممّن لا رزق له على السلطان، وإنّما رزقه على صاحبه.
قال أبو جعفر: وكان قد تخلّف ببغداد، نازوك «5» وعسكر برسمه، ورسم الشرطة، سبعة آلاف فارس، وراجل، وبقي في دار الخليفة، ممّن لم يخرج، ألف غلام من الحجرية، وألف خادم- أقلّ أو أكثر- ممّن ترك لحراسة الدار، وهذه العدّة، سوى من كان في النواحي من الشحن «6» ، إلّا من استدعي، ممّن كان في السواد، لمعاون بغداد، مثل طريق خراسان، وطريق دجلة، وسقي الفرات، وهذه النواحي القريبة.
(8/182)

78 الشاعر البدوي عساف النميري
حدّثني أبو القاسم عبيد الله بن محمد الصروي، قال:
كنت قد ركبت مع نفر من بني قشير، بالموصل، فحملوني إلى حيّ لهم بالبادية، على أيام منها، فأقمت في الحيّ شهورا.
فكنت يوما جالسا، فرأيت فتى بدويّا يسمى بعسّاف، حدث السنّ، [73] حسن الوجه، راكبا.
فقال لي صاحب البيت: هذا رجل من بني نمير، وهو جار لنا، وهو شاعر، فنحبّ أن تسمع من شعره.
فقلت: نعم.
فسأله النزول، فنزل، وذاكرته بالشعر، فوجدته كثير الرواية لأشعار البادية، في زمانه، فما أنشدني بيتا أعرفه، ولا نسب شيئا ممّا أنشدنيه إلى شاعر أعرفه، متأخّر أو متقدّم، ووجدته لا يلحن البتّة.
وأنشدني شيئا كثيرا، فعلق بحفظي من ذلك، قصيدة، استعدته إياها دفعات، حتى حفظتها، وقد شذّ عني منها أبيات.
قال: وكان هذا، في سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، واسم الشاعر عسّاف النميري، قال: ولا أعرف اسم أبيه، ولا نسبه.
والقصيدة:
نظرت وأعلام السريّة دوننا ... بعيني فتى صب يرى الهجر مغرما
وأشرف ركب يهلك الطرف دونه ... تظنّ به الحبشيّة الحوّ جثّما
وأكرهت طرف العين حتى كأنّما ... أرى بفضاء الأرض سترا منمنما
(8/183)

إذا القوم قالوا صحّ شيئا حسبته ... أصمّ وعن ردّ المشورة أعجما
دعاهنّ من نجد لحوران بعدما ... رمين بسهم الحب قلبا متيّما
تعرّضن لي يوم اللوى عن مشورة ... وأودعن في ذات الوشاحين مرتما «1»
وقلنا اقتليه يا مليح فإنّه ... متى ما رمى كانت مراميه حذّما «2»
دماء الغواني عند ذا مستحلة ... فإن يرم رشقا نلق سهما مسمّما
فأبدت على اللبّات وحفا «3» كأنّه ... عناقيد عنّاب تفرّعن سلّما
وجيدا كجمّار الفسيلة بزّه ... من اللّيف جانيه وكان مكرّما
وعيني غضيض الطرف من جدل المها ... كحيل المآقي، قرنه حين كمّما «4»
وأبيض برّاق الغروب «5» كأنّما ... حصى برد ضمّت «6» به إن تبسما
وقالت: أبا سعدى تبدّلت بيننا ... صدودا ومحمود العشيرة ضيغما «7»
فقلت: هنيّا ذاك شيء يسرّني ... غناها وأن تلقى من العيش أنعما
ولكن سليني عن حراجيج «8» ضمرّ ... سواهم «9» يحذين السريح المخدّما «10»
(8/184)

وحرف «1» كأنّ البق يلدغ دفّها ... إذا المعجب الساري عليها ترنّما
وعن فتية شعث اللمام «2» رمى بهم ... هويّ المطايا مخرما «3» ثم مخرما
سروا لسنا نار هويّا «4» وكلّهم ... من البرد ما يبدي البنان المكمّما [74]
فلمّا أتونا جانب الحيّ عرّسوا ... غراثى وما ذاقوا من الأمس مطعما
فحيّيتهم قبل القرى وقريتهم ... قرى لم يكن نزرا ولم يأت مغنما
وماء قديم قد مضى دون عهده ... لوارده عشرون حولا متمّما
وعن شزّب «5» شعث النواصي كأنها ... سراحين يحملن الوشيج المقوّما
عليهنّ منّا كلّ أروع ماجد ... كريم إذا ما عارض الموت أوسما «6»
أخو حملات يعلم القوم أنّه ... ضروب بنصل السيف ضربا غشمشما «7»
لحقت بهم جمع القطاميّ بعدما ... دنا من بشير الصبح أن يتكلّما
غداة التقينا لا سفيرة بيننا ... سوى مخلصات تترك الهام أقعما «8»
تكرّ عليهم مخطفات «9» كأنّها ... صقور المضرّي كان للصيد مطعما
كأنّ على المشوي «10» منها ومنهم ... عمائم تسقى حالك اللون عندما
سلوا قرن مدفوع فقد كان شاهدا ... غداة التقينا أيّنا كان أكرما
(8/185)

79 مناظرة بين عالمين في مجلس القاضي أبي عمر
حدّثني أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن البختريّ «1» ، القاضي الداودي، وهو شيخ من خلفاء قضاة القضاة، مشهور بمدينة السلام بالعلم، والتصرف في الحكم، قال: حدّثني أبو الحسين عبد الله بن أحمد ابن محمد بن المغلس الداودي، قال:
كان أبو بكر محمد بن داود «2» ، وأبو العباس بن سريج «3» ، إذا حضرا مجلس القاضي أبي عمر «4» ، لم يجر بين اثنين، فيما يتفاوضانه، أحسن ممّا يجري بينهما.
وكان ابن سريج- رضي الله عنه- كثيرا ما يتقدّم أبا بكر في الحضور إلى المجلس، فتقدّمه في الحضور، أبو بكر، يوما، فسأله حدث من الشافعية عن العود الموجب للكفّارة ما هو؟
قال: إنّه إعادة القول ثانيا، وهو مذهبه.
وحضر ابن سريج، فاستشرحهم ما جرى، فشرحوه.
(8/186)

فقال ابن سريج، لابن داود: يا أبا بكر، أعزّك الله، هذا قول من المسلمين تقدّمكم؟
فاستشاط أبو بكر من ذلك، وقال: أتقدّر أنّ من اعتقدت أنّ قولهم إجماع في هذه المسألة، إجماع عندي؟ أحسن أحوالهم أن أعدّه خلافا، وهيهات أن يكون كذلك.
فغضب ابن سريج، وقال له: أنت يا أبا بكر، بكتاب الزهرة «1» أمهر منك في هذه الطريقة.
فقال أبو بكر [75] : بكتاب الزهرة تعيّرني؟ والله ما تحسن تستتم قراءته، قراءة من يفهم، وإنّه لمن إحدى المناقب، إذ كنت أقول فيه:
أكرّر في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرّما
وينطق سرّي عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي ردّه لتكلّما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلّهم ... فما إن أرى حبّا صحيحا مسلّما
فقال القاضي أبو العباس بن سريج: أعليّ تفتخر بهذا القول، وأنا الذي أقول:
ومسامر «2» بالغنج من لحظاته ... قد بتّ أمنعه لذيذ سناته
حبّا «3» بحسن حديثه وعتابه ... وأكرّر اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولّى بخاتم ربّه وبراته
(8/187)

فقال ابن داود، لأبي عمر: أيّد الله القاضي، قد أقرّ بالمبيت على الحال التي ذكرها، وادّعى البراءة ممّا يوجبه، فعليه إقامة البينة.
فقال ابن سريج: من مذهبي، أنّ المقرّ، إذا أقرّ إقرارا، وناطه بصفة، كان إقراره موكولا إلى صفته.
فقال ابن داود: للشافعي في هذه المسألة قولان.
قال ابن سريج: فهذا القول، اختياري الساعة «1» .
(8/188)

80 إخوانيات
حدّثني مبشّر- مولى أبي «1» - قال:
قدمنا سوق الأهواز، من غيبة كان مولاي غابها، فكتب من المشرعة «2» ، إلى أبي أيوب داود بن عليّ بن أبي الجعد الكاتب، وكان بينهما أنسة ومودّة، وعرّفه قدومه، فالتمس منه، أن ينفذ إليه مركوبا ليركبه من المشرعة إلى داره.
فأنفذ إليه أبو أيوب المركب، وكتب إليه:
عبدك داود به علّة ... تمنعه أن يتلقّاكا
والبغلة الشهباء قد أسرجت ... فاركب فديناك فديناكا
عيني إلى الباب وأذني إلى ... مبشّري قد جاء مولاكا
(8/189)

81 إن كان قد أخذ طالعي فقد أخذت غاربه
حدّثني أبو علي محمد بن محمد بن أبي بكر بن أبي حامد، صاحب بيت المال «1» ، وكان أبوه المكنى بأبي حامد، قد تقلّد القضاء، وأبو علي هذا قد خلف عدّة قضاة على غير بلد، قال: حدّثنا ابن جحا الأصبهاني، قال:
قيل لأبي مسلم، محمد بن بحر «2» ، لمّا دخل أصبهان، واليها، وصارفا لابن رستم: إنّ ابن رستم، قد أخذ طالعا في دخولك، وهو يذكر [76] ، أنّه غير جيّد، فقال: إن كان قد أخذ طالعي، فقد أخذت غاربه «3» .
(8/190)

82 الحق يوفي على الجرم
حدّثني أبو الحسين، عليّ بن هشام «1» ، قال:
كان أبو الحسن بن الفرات «2» ، لما ولي الوزارة الأولى، وجد سليمان بن الحسن «3» ، يتقلّد مجلس المقابلة، في ديوان الخاصّة، من قبل عليّ بن عيسى «4» ، وإليه- إذ ذاك- الديوان، فقلّد أبو الحسن، سليمان، الديوان بأسره، فأقام يتقلّده نحو سنتين.
فقام يصلّي المغرب، فسقطت من كمّه رقعة، بخطّه، نسخة سعاية بابن الفرات، وأسبابه، وسعي لابن عبد الحميد، كاتب السيدة «5» ، بالوزارة، وأخذها بعض أسبابه «6» ، وتقرّب بها إلى ابن الفرات، فقبض عليه للوقت، فأنفذه إلى واسط، في زورق مطبق، وصودر، وعذّب بواسط.
ثم رجع له ابن الفرات، لما وقف من كتاب صاحب الخبر، على أنّ أمّ سليمان، ماتت ببغداد، ولم يحضرها، ولا رأته قبل موتها، فاغتمّ لذلك،
(8/191)

وبدأ، فكتب إليه، بخطّه، كتابا أقرأنيه سليمان، بعد ذلك، فحفظته، ونسخته:
ميّزت- أكرمك الله- بين حقّك وجرمك، فوجدت الحقّ، يوفي على الجرم.
وتفكّرت في سالف خدمتك في المنازل التي فيها ربيت، وبين أهلها غذيت، فثناني إليك، وعطفني عليك، وأعادني إلى أفضل ما عهدت، وأجمل ما ألفت.
فثق- أكرمك الله- بذلك، وأسكن إليه، وعوّل في صلاح ما اختلّ من أمرك عليه.
واعلم أنّني أراعي فيك، حقوق أبيك، التي تقوم بتوكيد السبب، مقام اللحمة والنسب، وتسهّل ما عظم من جنايتك، وتقلّل ما كثر من إساءتك، ولن أدع مراعاتها، والمحافظة عليها، إن شاء الله.
وقد قلّدتك أعمال دستميسان «1» لسنة ثمان وتسعين ومائتين، وبقايا ما قبلها، وكتبت إلى أحمد بن حبش «2» ، بحمل عشرة آلاف درهم، إليك.
(8/192)

فتقلّد هذه الأعمال، وأظهر فيها أثرا حميدا، ينبىء عن كفايتك، ويؤدّي إلى ما أحبّه من زيادتك، إن شاء الله «1» .
(8/193)

83 يحيى بن خالد البرمكي والفضل بن الربيع
حدّثني أبو الحسين عليّ بن هشام، قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن العباس اليزيدي «1» ، قال: حدّثنا عمّي «2» عن اليزيدي الأكبر، مؤدب المأمون «3» ، قال:
دخل أبو العباس، الفضل بن الربيع «4» ، على أبي عليّ، يحيى بن خالد البرمكي «5» ، وهو جالس للحوائج، وابنه جعفر «6» ، يوقّع بين يديه.
فعرض عليه رقعة، فقال: هذا لا يمكن [77] .
وأخرى، فقال: هذا ممّا قد حظره أمير المؤمنين.
وأخرى، فقال: هذا يفسد به الأولياء.
وأخرى، فقال: هذا يثلم الارتفاع.
(8/194)

إلى أن عرض عليه عشر رقاع، واعتلّ فيها بعلل مختلفة، ولم يوقّع له بشيء.
فجمعها الفضل، وقال: ارجعن خائبات، ونهض وهو يقول:
عسى وعسى يثني الزمان عنانه ... بتصريف حال والزمان عثور
فتقضى لبانات وتشفى حسائك ... وتحدث من بعد الأمور أمور
فسمعها يحيى، فقال: عزمت عليك يا أبا العبّاس، لما رجعت.
فرجع، فوقّع له في الرقاع كلها «1» .
(8/195)

84 ثمن هديتين وثمن نفط وحبّ قطن
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو الحسن، عليّ بن عيسى، قال:
حدّثنا أبي قال: حدّثنا أبي «1» ، داود بن الجراح، قال: قال لي الفضل ابن مروان «2» :
كنت أعمل، في ديوان ضياع الرشيد «3» ، مجلس الحساب، فنظرت في حساب السنة التي نكب فيها البرامكة «4» ، ووجدت، قد أثبت فيه، ثمن هديّة، دفعتين من مال ضياع الرشيد، أهداهما إلى جعفر بن يحيى، بضعة عشر ألف دينار.
وفيه بعد شهور من هذه الهدية، قد أثبت في الحساب لثمن نفط، وحب قطن، ابتيع، وحرق بها جثة جعفر بن يحيى، بضعة عشر قيراطا ذهبا.
(8/196)

85 من يشناك كان وزيرا
حدّثني أبو الحسين «1» ، قال: حدّثنا أبو عبد الله نفطويه «2» ، قال: حدّثنا أبو العباس بن الفرات «3» ، قال: قال لي أبو [القاسم] عبيد الله بن سليمان «4» ، قال: قال لي أبي «5» : سمعت أبا الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان «6» ، قال:
سمعت أبا جعفر أحمد بن يوسف «7» يقول، وهو إذ ذاك، وزير المأمون، لما قال الشاعر، بعد قتل أبي سلمة، وزير السفاح «8» :
إنّ الوزير وزير آل محمّد ... أودى فمن يشناك كان وزيرا
كذبت، [كل] الوزراء من يشناك، فلا يدخل في هذا الأمر إلا منحوس.
(8/197)

86 المتنبي يعارض القرآن
حدّثني أبو علي بن أبي حامد، قال:
سمعت خلقا بحلب، يحكون: أنّ أبا الطيّب، أحمد بن الحسين، المتنبىء بها «1» إذ ذاك، كان في بادية السماوة «2» ، ونواحيها.
إلى أن أخرج إليه لؤلؤ من حمص «3» ، من قبل الإخشيدية «4» ، فقاتله، وأسره، وشرّد من كان اجتمع إليه من كلب وكلاب، وغيرهما من قبائل العرب.
وحبسه في السجن دهرا طويلا، فاعتلّ، وكاد أن يتلف، حتى سئل في [87] أمره، فاستتابه، وكتب عليه وثيقة، أشهد عليه فيها، ببطلان ما ادّعاه، ورجوعه إلى الإسلام، وأنه تائب منه، ولا يعاود مثله، وأطلقه.
قال: وكان قد تلا على البوادي، كلاما، ذكر أنّه قرآن نزل عليه، وكانوا يحكون له سورا كثيرة، نسخت منها سورة، فضاعت، وبقي أوّلها
(8/198)

في حفظي، وهو:
«والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، إنّ الكافر لفي أخطار» .
«امض على سبيلك، وأقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فإن الله قامع بك زيغ من ألحد في دينه، وضلّ عن سبيله» .
قال: وهي طويلة، ولم يبق في حفظي منها غير هذا.
قال: وكان المتنبّىء إذا استوعب في مجلس سيف الدولة «1» ، ونحن إذ ذاك، بحلب «2» ، يذكر له هذا القرآن، وأمثاله، ممّا كان يحكى عنه، فينكره، ويجحده.
قال: وقال له ابن خالويه النحوي «3» ، يوما، في مجلس سيف الدولة، لولا أنّ الآخر «4» جاهل، لما رضي أن يدعى بالمتنبّىء، لأنّ متنبىء، معناه كاذب، ومن رضي لنفسه أن يدعى بالكذب، فهو جاهل.
فقال: لست أرضى أن أدعى بذلك، وإنّما يدعوني به، من يريد الغضّ مني، ولست أقدر على الامتناع.
فأمّا أنا، فإنني سألته بالأهواز «5» ، في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة،
(8/199)

عند اجتيازه بها، إلى فارس «1» ، في حديث طويل، حدث بيننا، عن معنى المتنبّيء، لأني أردت أن أسمع منه، هل تنبأ أم لا؟
فأجابني بجواب مغالط لي، وهو أن قال: هذا شيء، كان في الحداثة، أوجبته الصبوة، فاستحيت أن أستقصي عليه، وأمسكت.
وقال لي أبو علي بن أبي حامد: قال لي أبي، ونحن بحلب، وقد سمع قوما يحكون عن أبي الطّيب المتنبّىء، هذه السورة التي قدّمنا ذكرها: لولا جهله، أين قوله: امض على سبيلك، إلى آخر الكلام، من قول الله عزّ وجلّ (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)
«2» إلى آخر السورة «3» ، وهل تتقارب الفصاحة بينهما، أو يشتبه الكلامان.
(8/200)

87 معقود العسل ودهن اللوز
حدّثنا أبو الحسن محمد بن شجاع المتكلّم البغداديّ، قال [79] :
حدّثنا أبو سلمة العسكريّ، أحد غلمان أبي عليّ الجبائي «1» ، قال:
كنت بحضرته يوما، وهو يصلّي، ونحن جلوس نتحدّث، فقال رجل منّا: اليوم كنت عند صديق لي، فأطعمني معقود العسل ودهن اللّوز.
فقالوا: [إنّ جبّى] ليس بها من يكون هذا عنده، إلّا العامل، ولست ممّن يأكل طعام العمّال.
فمرّ الرجل يشوّش الكلام.
وسلّم أبو عليّ من صلاته، فقال: لا يهوّسكم الرجل، لعلّه كان اليوم عند الصيدلاني وتناول لطريفك «2» ؟
فقال الرجل: هكذا كان.
(8/201)

88 أندلسي تتلمذ للجاحظ
وحدّثنا أبو الحسين «1» أيضا، قال: حدّثنا أبو محمد الحسن بن عمرو، قال:
كنت بالأندلس «2» ، فقيل لي: إنّ بها تلميذا لأبي عثمان الجاحظ «3» ، يعرف بسلام بن زيد، ويكنى أبا خلف.
فأتيته، فرأيت شيخا همّا «4» ، فسألته عن سبب اجتماعه مع أبي عثمان، ولم يقع أبو عثمان إلى الأندلس؟
فقال: كان طالب العلم [بالمشرق] «5» يشرف عند ملوكنا [بلقاء أبي عثمان] «6» ، فوقع إلينا كتاب التربيع والتدوير «7» ، فأشاروا إليه، ثم أردفه عندنا كتاب البيان والتبيين «8» ، فبلغ الرجل الصكاك «9» بكتابة هذين الكتابين.
قال: فخرجت، لا أعرّج على شيء، حتى قصدت بغداد، فسألت عنه، فقيل لي: هو بسر من رأى.
(8/202)

فأصعدت إليها، فقيل: قد أنحدر إلى البصرة.
فانحدرت إليه، وسألت عن منزله، فأرشدت، فدخلت إليه، وإذا هو جالس وحواليه عشرون صبيا، ليس فيهم ذو لحية غيره.
قال: فدهشت، فقلت: أيّكم أبو عثمان؟
فرفع يده، وحرّكها في وجهي، وقال: من أين؟
فقلت: من الأندلس.
قال: طينة حمقاء، فما الاسم؟
قلت: سلام.
قال: اسم كلب القراد، ابن من؟
قلت: ابن زيد.
قال: بحق ما صرف، أبو من؟
قلت: أبو خلف.
قال: كنية قرد زبيدة، ما جئت تطلب؟
قلت: العلم.
قال: ارجع بوقت، فإنّك لا تفلح.
قلت له: ما أنصفتني، فقد اشتملت على خصال أربع: جفاء البلدية، وبعد الشقّة، وغرّة الحداثة، ودهشة الداخل.
قال: فترى حولي عشرين صبيا، ليس فيهم ذو لحية غيري، ما كان يجب أن تعرفني بها؟
قال: فأقمت عليه عشرين [80] سنة.
قال: وكان سلام هذا يحسن العلم «1» .
(8/203)

89 الناس أربعة
قال»
: وبلغني عن أبي بكر بن مجاهد «2» ، أنّه قال:
الناس أربعة: مليح يتبغّض لملاحته [فيحتمل] «3» ، وبغيض يتملّح، فذاك الحمّى، والداء الذي لا دواء له، وبغيض يتبغّض، فيعذر لأنّه طبيعة، ومليح يتملّح، فتلك الحياة الطيّبة.
(8/204)

90 كيفية صيد الفيل واستئناسه
حدّثنا أبو الحسين، قال:
كنت بتانة من بلاد الهند «1» ، فسمعتهم يتحدّثون: أنّ ملوك الهند، يغالون في الأفيلة «2» الحربية، على قدر عظم بطشها، فربما بلغ الفيل الفاره، المنقطع النظير، مائة ألف دينار، ودائما يبلغ الفيل الواحد منها عشرة آلاف دينار.
قال: فإذا بلغ الملك، أنّ فيلا قد تغرّب، وله بطش عظيم، وأنّه يصلح للحرب، أمر بصيده.
قالوا: وليس له حيلة في صيده، إلّا بأن يخرج قوم من الفيّالين، ومعهم فيلة أنثى، أهلية معلّمة، فيها فضل خنث وتأنيث، والأفيال، فيها من الفطنة أمر عظيم.
قال: فيخرج الفيّالون، وهي معهم، إلى حيث قد بلغهم موضعا يتغرّب الفيل فيه، فيقاربون الموضع، ويلجأون إلى موضع يختبئون فيه، في شجرة عظيمة، لا تمكن الفيل فيها حيلة، أو شيء يحفرونه ويغطّونه، ويدعون الفيلة الأنثى ترعى.
فحين يشمّ الفيل رائحتها، يقصدها، وتقصده، فتلاعبه، وتطاعمه بخرطومها، وتؤانسه، ولا تبرح من حيث هي، ويرعيان في موضع فيّالها، والفيّالون مختبئون شهرا، لا يفرّقون بينهما.
(8/205)

فإذا كان بعد شهر- أقلّ أو أكثر «1» - على حسب علمهم باستحكام الألفة، استدعوا الفيلة، في وقت تشاغل الفيل عنهم فيه، فتجيئهم فيركبونها.
فحين يراهم الفيل، ويراها، يتبعهم، فيروم أن يؤذي الفيّالين، فتضع هي خرطومها عليه وتلاعبه، وتسرع، ويسرع خلفها.
فإذا رأوه قد ولّى، ردّوها إليه، فتلاعبه، فيرجع معها.
فلا يزالون يمشون به خلفها، يومين أو ثلاثة، إلى أن يروا منه ضجرا، أو شدّة في أذيّتهم، فيقفون ليلة في موضع، ويتهاربون عن ظهرها إلى موضع يختبئون فيه.
فلا يقصدهم الفيل لتشاغله بها، ويحرزون أنفسهم في المختبأ، ويدعونه معها دون تلك المدة.
ثم يسيرون بها [81] على ذلك الوجه، فيتبعها الفيل.
فيسيرون بها يومين أو ثلاثة، أو حسب ما يمكن، إلى أن يبدو ضجره، فينزلون على رسمهم.
فلا يزالون كذلك، حتى يقرّبونه من البلد، في مدّة على حسب بعد المسافة أو قربها.
فإذا بلغوا المدينة، أخرج ملكها جميع أهل البلد، أو أكثرهم، وجمعهم، وصعد عامّتهم على السطوح، النساء، والصبيان، مزيّنين.
فحين يرى الفيل اجتماعهم، يستوحش، وينفر، ويولّي، ويطلب الصحراء، فترجع [الفيلة إليه فتردّه] .
فإذا رأى الناس، نفر، فترجع إليه فتردّه، فلا تزال كذلك معه،
(8/206)

حتى تدخله بين الناس، وتقرّبه منهم.
ويقيمونه «1» الفيّالون أيّاما، كذلك، حتى يألف الناس، فإذا ألفهم أمر الملك بجمع أصحاب الدبادب، والطبول، والصنوج.
فحين يسمع، ينفر نفورا شديدا، أشدّ من ذلك، ويهرب، فتمضي الفيلة خلفه، فحين يراها، وقد بعد عن الصوت قليلا، يقف لها، فتداعبه، وتردّه، وتداريه.
فحين يقرب من الصوت يهرب، ثم يرجع معها، هذا دأبه معها، تفعل به ذلك أيّاما متتابعات، إلى أن يألف الصوت.
فإذا ألف المناظر والأصوات، أدخل الفيّالون الفيلة إلى البلد، ويتبعهم الفيل.
فيجيئون إلى ساحة كبيرة، معدّة له، فيها أربعة أوتاد ساج، أثقل ما يكون، وأعظمه، متقاربة، منصوبة على أساسات شديدة.
فتدخل الفيلة ما بين تلك الأوتاد، وتقف، فيدخل وراءها، ويقف معها، فينزل الفيّالون، وفي أطول تلك الأوتاد حلق عظام وثيقة، في كل دقل حلقة، وفيه قيد عظيم ثقيل، فيضعون القيد في قائمة من قوائم الفيل، فيحصل مقيدا مضبوطا بين تلك الأوتاد، لا يمكنه قلعها، ولا أن يطرح ثقله على شيء، لتساوي أجزائه في التقييد إليها.
فلا يزال على ذلك أيّاما، والفيلة إلى جانبه، فإذا مسّه الجوع، جاءه الفيّالون بالأرز والسمن المطبوخ، فأطعموه إياه، بأن يرمون به إليه من بعد، فللجوع يأكله.
ولا يزالون يدارونه، ويتقرّبون منه [82] ، على تدريج، حتى يأكله
(8/207)

من أيديهم بعد مدة، فإذا أكل من أيديهم، فهي العلامة في استئناسه.
فحين يأكل من أيديهم مرارا كثيرة، ويستمرّ على هذا، يركبونه، ويضعون الحديد في رأسه، أيّاما، ويمرّونها عليه، حتى يألفها، ويعلّمونه، ويكلّمونه.
فإذا مضت أيام على هذا، حلّوا قيوده، وهم فوقه، فيمشي، ويصرّفونه بحسب ما يصرّفونه عليه، ويصير في حكم الأهلي.
91 ملك الصنف يملك ألفي فيل
قال: وسمعت أنّ ملك الصّنف «1» ، وهو البلد الذي يجيء منه العود الصّنفي، له ألفا فيل، إذا خرجت تمتد نحو فرسخ.
(8/208)

92 الفيل يقوم بعمل الجلاد
قال: وسمعت أنّ الملك، إذا أراد قتل إنسان، سلّمه إلى الفيل، فيكلّمه الفيّال في أن يقتله.
قال: فيقتله بألوان من القتل، منها: أنّه ربما لفّ خرطومه على رجل الرجل، ويضع إحدى يديه على ساق الرجل الأخرى، ثم يعتمد عليه، فإذا هو قد خرق الرجل بنصفين، من أوله إلى آخره.
وربما ترك الرجل، واستعرضه بالعرض، ثم وضع يده على بطنه، فيسحقه «1» .
(8/209)

93 صاحب عمان يهدي فيلا لمعز الدولة
قلت: أنا رأيت بالبصرة، في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة «1» ، فيلا، لطيفا، حمله صاحب عمان «2» ، إلى معز الدولة «3» ، فاجتاز بالبصرة، وحمل إلى دارنا، فأدخل إلى صحنها، فرأيناه.
وسمعت عددا كبيرا من أهل البصرة، يخبرون- إذ ذاك- أنّ هذا الفيل اجتاز في سوق الجامع، فقرب منه صبيّ دون البالغ، فصاح به الفيّالون ليتنحّى عن طريق الفيل، فدهش الصبي، وأدركه الفيل، فلفّ خرطومه عليه، وشاله، فرفعه إلى الفيّالين، فأخذوه منه، فصاح الصبي، وطار عقله، فما أنزلوه إلّا بدراهم.
وأنهم اجتازوا، بعد ذلك بأيّام، فأدركت الفيل ضجرة، فقبض على صبي، فشاله بخرطومه، ورقّاه في الهواء، ثم استقبله بنابه، فأدخله في جسمه، فقتله.
(8/210)

94 وما قتل الأحرار كالعفو عنهم
حدّثني أبو الحسين «1» ، قال: حدّثنا الفضل بن باهماد السيرافيّ، بها «2» ، وكان مشهورا بسلوك أقاصي بلدان البحر، قال:
قال لي رجل من بعض بياسرة «3» بلاد الهند، والبيسر: هو المولود على ملّة الإسلام في بلاد الهند، أنّه كان في بلد من بلاد [83] الهند، وكان فيه الملك حسن السيرة، وكان لا يأخذ مواجهة، ولا يعطي مواجهة، وإنّما يقلب بيده إلى وراء ظهره، فيأخذ ويعطي بها، إعظاما للملك، وسنّة لهم هناك، وأنّه توفي، فوثب رجل على ملكه، فاحتوى عليه، وهرب ابن كان له، يصلح للملك، خوفا على نفسه من المتغلّب.
ورسوم ملوك الهند، أنّ الرجل إذا قام من مجلسه، لأيّ حاجة عرضت له، كانت عليه صدرة «4» ، قد جمع فيها كلّ نفيس فاخر، من اليواقيت والجواهر، مضربا بالإبريسم، في الصدرة، ويكون قيمة ذلك ما إن [لو] أراد أن يقيم به ملكا أقامه.
قال: ويقولون، ليس بملك، من قام من مجلسه، وليس معه ما إن حدثت عليه حادثة فهرب به، أمكنه إقامة ملك عظيم منه.
فلما حدثت على الملك، تلك الحادثة، أخذ ابنه صدرته، وهرب بها.
(8/211)

فحكى عن نفسه، أنّه مشى ثلاثة أيام، قال: ولم أطعم طعاما، ولم يكن معي فضّة ولا ذهب، فأبتاع به مأكولا، وأنفت أن استطعم، ولم أقدر على إظهار ما معي.
قال: فجلست على قارعة الطريق، وإذا برجل هنديّ، مقبل، على كتفه كارة، فحطّها، وجلس حذائي.
فقلت: أين تريد؟
فقال: الجدام الفلاني.
ومعنى الجدام: الرستاق.
فقلت له: هذا الجدام الفلاني أريد، فنصطحب.
قال: نعم.
فطمعت أن يعرض عليّ شيئا من مأكوله، قال: فحلّ الكارة، وأكل، وأنا أراه، ولم يعرض عليّ، وأنفت أن أبتدئه بالسؤال.
وقام يمشي وقد شدّها، فمشيت معه، وتبعته، طمعا في أن تحمله الإنسانية والمؤانسة على العرض «1» ، فعمل بالليل، كما عمل معي بالنهار.
قال: وأصبحنا من غد، ومشينا، فعاملني بمثل ذلك، [وظلّ] على هذا سبعة أيام، لم أذق شيئا.
فأصبحت في اليوم الثامن، ضعيفا، لا قدرة لي على الحركة، فرأيت جداما في حاشية الطريق، وقوما يبنون، وقيّما عليهم، يأمرهم.
قال: ففارقت الرجل، وعدلت إلى الوكيل، فقلت: استعملني بأجرة تعطنيها عشيا، مثل هؤلاء.
فقال: نعم، ناولهم الطين.
(8/212)

قال: فكنت آخذ الطين، فلعادة الملك، أقلب يدي إلى ظهري [84] ، وأعطيهم الطين، فكما «1» أذكر أنّ ذلك خطأ عليّ [يسبّب] سفك دمي، أبادر بتلافي ذلك، فأردّ يدي بسرعة، قبل أن يفطنوا بي.
قال: فلمحتني أمرأة قائمة، فأخبرت سيدها بخبري، وقالت: لا بدّ أن يكون هذا من أولاد الملوك.
قال: فتقدّم إليها، بحبسي عن المضيّ مع الصنّاع، فاحتبستني، وانصرف الصنّاع.
فجاءني بالدهن والعروق، لأغتسل بهما، وهذه مقدمة إكرامهم، وسنّة لإعظامهم، فتغسّلت بذلك.
فجاءوني بالأرز والسمك، فطعمت.
فعرضت المرأة نفسها عليّ للتزويج، فعقدت عليها، ودخلت بها من ليلتي، وأقمت معها أربع سنين، أربّ «2» حالها، وكانت لها نعمة.
فأنا يوما، جالس على باب دارها، فإذا أنا برجل من بلدي، فاستدعيته، فجاءني.
فقلت له: من أين أنت؟
قال: أنا من بلد كذا وكذا، وذكر بلدي.
فقلت: ما تصنع هاهنا؟
فقال: كان فينا ملك حسن السيرة، فمات، ووثب على ملكه رجل ليس من أهل بيت الملك، وكان للملك الأوّل ابن يصلح للملك، فخاف على نفسه، فهرب، وإنّ المتغلّب أساء عشرة رعيته، فوثبوا عليه، فقتلوه، وانبثثنا في البلدان نطلب ابن ذلك المتوفّى، لنجلسه مكان أبيه،
(8/213)

فما نعرف له خبرا.
قال: فقلت له: تعرفني؟
قال: لا.
فقلت: أنا طلبتكم.
قال: وأعطيته العلامات، فعلم صحّة ما قلت له، فكفّر لي «1» .
قلت: اكتم أمرنا، إلى أن ندخل إلى الناحية.
فقال: أفعل.
قال: فدخلت إلى الامرأة، وأخبرتها الخبر، وحدّثتها بالصورة، وبأمري كلّه.
وأعطيتها الصدرة، وقلت: فيها كذا، ومن حالها كذا، وأنا ماض مع الرجل، فإن كان ما ذكره صحيحا، فالعلامة أن يجيئك رسولي، ويذكر لك الصدرة، فانهضي معه، وإن كانت مكيدة، كانت الصدرة لك.
قال: ومضى مع الرجل، وكان الأمر صحيحا، فلما قرب من البلد، استقبلوه بالتكفير، وأجلسوه في الملك، وأنفذ إلى الزوجة من حملها، وجاءت إليه.
فحين اجتمع شمله، واستقام ملكه، أمر فبنيت له دار [85] عظيمة، وأمر أن لا يجتاز في عمله مجتاز، إلّا حمل إليها، ويضاف ثلاثة أيّام، ويزوّد لثلاثة أيّام أخر.
وكان يفعل ذلك، وهو يراعي الرجل الذي استصحبه في سفره، ويقدّر أن يقع في يده.
وأراد أن يبني الدار شكرا لله تعالى، على الخلاص ممّا كان فيه، وأن
(8/214)

يكفي الناس المؤونة التي كانت لحقته.
[فلما كان] بعد حول، استعرض الناس، قال: وقد كان يستعرضهم في كل شهر، فلا يرى الرجل، فيصرفهم.
فلما كان ذلك اليوم، رأى الرجل بينهم، فحين وقعت عليه عينه، أعطاه ورقة تنبول «1» ، وهذه علامة غاية الإكرام، ونهاية رتبة الإعظام، إذا فعله الملك بإنسان من رعيته «2» .
قال: فحين فعل الملك بالرجل ذلك، كفّر له، وقبّل الأرض، فأمره الملك بالنهوض، ونظر إليه، فإذا هو ليس يعرف الملك، فأمر بتغيير حاله، وإحسان ضيافته، ففعل، ثم استدعاه.
فقال له: أتعرفني؟
قال: وكيف لا أعرف الملك، وهو من حاله، وعظم شأنه، وعلوّ سلطانه.
قال: لم أرد هذا، أتعرفني، من قبل هذه الحال؟
(8/215)

قال: لا.
قال: فأذكره الملك الحديث والقصّة، في منعه الطعام سبعة أيام في السفر.
قال: فبهت الرجل.
وقال: ردّوه إلى الدار، وونّسوه «1» ، وزاد في إكرامه، وحضر الطعام، فأطعم الرجل، فلما أراد النوم، قال الملك، لامرأته: امضي فغمّزيه «2» ، حتى ينام.
قال: فجاءت المرأة، ولم تزل تغمّزه، إلى أن نام، فجاءت إلى الملك، وقالت: قد نام.
فقال: ليس هذا نوما، حرّكوه، [فحرّكوه] فإذا هو ميت.
قال: فقالت له المرأة: أيش هذا؟
قال: فساق إليها حديثه معه، وقال: وقع في يدي، فتناهيت في إكرامه، والهند لهم كبود عظام، وتوهّمهم هو المعروف المتعالم عنهم، فدخلت عليه حسرة عظيمة، إذ لم يحسن إليّ ذلك الوقت، فقتلته الحسرة.
وقد كنت أتوقّع موته قبل هذا، ممّا توهمه واستشعره من العلّة في نفسه، والحسرة والأسف، فقتلته «3» .
(8/216)

95 الجبارية في الهند
حدّثنا أبو الحسين «1» ، قال: حدّثني أبي «2» ، قال:
رأيت بالهند قوما، يقال لهم: الجباريّة، يأكلون الميتة، ويقذرهم جميع أهل الهند، عندهم أنّهم إذا ماسّوهم نجسوا.
قال: فهم يمشون، وفي أعناقهم طبول يطبّلون بها، لتسمع أصواتها، فيتنحّون عن طريقهم، فإذا لم يتنحّ الرجل عند سماع الطبل، فلا شيء على الجباريّ [86] ، وإن لم يضرب الجباريّ الطبل، حتى يلاصق جسده، جسد غيره، قتله الذي يلتصق جسده به، ولا يعدى عليه، لأنّ هذا من شرطهم، وسنّتهم.
قال: ولا يشرب أحد من ماء هؤلاء الجبّارية، ولا يأكل من طعامهم، ولا يخالطهم، فهم ينزلون في ظاهر البلد ناحية.
قال: وهم أرمى الناس، ومعاشهم من الصيد.
(8/217)

96 البابوانية في الهند
قال: وهناك قوم يقال لهم البابوانية، يجرون مجرى المستقفين «1» هاهنا، والسلطان يطلبهم، فإذا وقعوا في يده، وظفر بهم، فعل بهم، كما يفعل باللصوص والعيّارين.
قال: وهم يصطادون الناس، لا يعرضون لغير ذلك.
قال: والواحد منهم، يتبع التجّار الذين يطرأون إليهم من المسلمين والذمّة، فإذا رأى الواحد من التجّار، في طريق خال، قبض عليه، فحين يقبض عليه، وقد علم التاجر بأمره، فيسكت، لأنّه إن استغاث، أو نطق قتله الهندي، وقتل نفسه في الحال، لا يتألم لذلك، لاعتقادهم المشهور في القتل.
قال: ويراهم الناس، وقد اصطادوا الرجل، فلا يعرضون لخلاصه، لئلّا يقتله، ويقول لهم الرجل: الله، الله، إن عارضتموه، فلا يمكن لسلطان ولا غيره، انتزاعه من يده، في تلك الحال، لئلّا يعجل بقتله.
قال: فأخبرني رجل من الهند، أنّ رجلا من البابوانية، قبض في طريق سفر على رجل لقيه منفردا من التجار.
فقال له: اشتر نفسك.
فتوافقا على أن يشتري نفسه منه بألف درهم.
فقال له التاجر: تعلم أنّي خرجت ولا شيء معي، ومالي في البلد، فتصير معي إلى داري في البلد، لأؤدّي ذلك إليك.
(8/218)

قال: فأجابه، وقبض على يده، ولم يزل يمشي معه، حتى اجتازا في طريقهما، بقرية الجبارية [وكان] طريقهما في سكة منها، فسلكاها.
فحين حصلا فيها، فطن التاجر للحيلة في الخلاص، وقد كان عرف مذهب الهندي في الجبارية، فلم يزل يمشي معه، حتى رأى بابا مفتوحا، من دور الجبارية، فجذب يده بحميّة شديدة، من يد البابوانيّ، وسعى فدخل دار الجباريّ.
فقال له: ما لك؟
قال: أنا مستجير بك، من يد بابوانيّ اصطادني، وتعرّيت منه.
قال: لا بأس عليك [87] ، فاجلس.
فصاح البابواني: يا جباريّ، يا جباريّ، اخرج إليّ.
قال: وهم لا يدخلون دور الجبارية، لاستقذارهم إيّاهم.
قال: فخرج، ووقف، بينهما عرض الطريق، لأنّه لا يجوز لأحدهما أن يدنو من صاحبه.
فقال له البابوانيّ: أعطني صاحبي.
قال: قد استجار بي، فهبه لي.
قال: لا أفعل، هذا رزقي، فإن لم تعطنيه، لم ندع جباريا [إلّا «1» ] قتلناه.
قال: فطال الكلام بينهما، إلى أن قال الجباريّ، أسلمه إليك في الصحراء فامض برّا «2» ، تسبقه إلى الموضع الفلانيّ.
قال: فمضى.
(8/219)

ودخل الرجل على [التاجر] ، وقال له «1» : اخرج لا بأس عليك.
فخرج معه، وأخذ الجباريّ قوسه، وخمسين نشّابة، قال: ونشّابهم من القصب.
قال: فعلق المسلم بكمّ الجباريّ، ولصق به، علما منه بأنّ البابوانيّ لا يدنو منه.
فلما صارا إلى الصحراء، قال له الجباريّ: تهبه [لي] ؟ واجتهد به، فلم يفعل.
قال: فإني لا أسلمه، أو لا يبقى معي سلاح.
قال: شأنك.
قال: وهم لا يخطئون البتة في الرمي، ففوّق سهمه نحوه، فحين أطلقه، تلقّاه البابواني بشيء كان معه، فاعترض السهم بالشيء، فقطعه باثنين، وسلم منه.
فتحيّر الجباريّ.
قال: فلم يزل يرميه بنشّابة نشّابة، ويفعل بها البابواني، مثل ذلك، إلى أن ذهب النشاب، ولم يبق منه إلّا نشّابتان.
فضعفت نفس التاجر، وأيقن بالهلاك، وقال للجباريّ: الله، الله، في دمي.
قال: فقال له البابوانيّ: لا يقع لك أنّك قد أفلتّ، ثم أخذ سهما.
فقال له الجباريّ: لا تقدر على ذلك، وسأريك من رميي، ما تتحدّث به أبدا، انظر إلى هذا الطائر الذي يطير في السماء، فإنّي أرميه، فأصرعه
(8/220)

على رأسك، ثم أرميك فلا أخطيك «1» .
قال: فشال»
البابواني رأسه، ينظر إلى الطير، فرماه الجباريّ، فأصاب فؤاده، فخرّ صريعا يضطرب، ومات.
وقال للتاجر: ارجع الآن آمنا.
فرجع إلى داره، وأقام عندهم، إلى أن اجتازت بهم صحبة «3» ، رحل معها التاجر، إلى مأمنه.
(8/221)

97 سرق ماله بالبصرة، واستعاده بواسط
حدّثنا أبو الحسين، قال: حدّثني رجل من أهل دار الزبير «1» بالبصرة، دقّاق «2» ، قال:
أورد عليّ رجل غريب، سفتجة بأجل «3» ، فكان يتردّد إلى أن حلّت، ثم قال: دعها عندك، وآخذها متفرقة.
فكان يجيء في كلّ يوم، فيأخذ بقدر نفقته، إلى أن نفدت.
وصارت بيننا معرفة، وألف الجلوس عندي، وأنست به، وكان يراني أخرج كيسي من صندوق لي، فأعطي منه النقدات «4» التي تحل عليّ.
فقال لي يوما: إنّ قفل الرجل، صاحبه في سفره، وأمينه في حضره، وخليفته على حفظ ماله، والذي ينفي الظنّة عنده عن عياله، فإن لم يكن وثيقا، تطرّقت الحيلة عليه، وأرى قفلك هذا وثيقا، فقل لي ممّن ابتعته، لأبتاع مثله.
فقلت: من فلان القفّال، في جوبات «5» الصفّارين.
(8/222)

قال: فما شعرت، إلّا وقد جئت [88] ، وطلبت صندوقي، لأخرج منه شيئا من الدراهم، فحمل إليّ، ففتحته، فإذا ليس فيه شيء من الدراهم.
فقلت لغلامي- وكان غير متّهم عندي-: هل أنكرت من الدرابات شيئا؟
فقال: لا.
فقلت: ففتّش، هل ترى في الدكان نقبا؟
ففتّش، فقال: لا.
فقلت: فمن السقف حيلة؟
فقال: لا.
فقلت: اعلم أنّ دراهمي قد ذهبت؟
فقلق الغلام، فسكّنته، وأقمت في دكّاني، لا أدري ما أعمل، فتأخّر عنّي الرجل، فلما تأخّر، اتهمته، وتذكرت مسألته لي عن القفل.
فقلت للغلام: أخبرني كيف تفتح الدكان وتغلقه؟
فقال: رسمي، إذا أغلقت الدكان، أغلقه درابتين، درابتين، والدرابات «1» في المسجد، أحملها دفعات، اثنتين وثلاثا، في كلّ دفعة، فأشرجها، ثم أقفل، وكذا أفتحها.
فقلت: البارحة، واليوم كذا فعلت؟
فقال: نعم.
فقلت: فإذا مضيت لتردّ الدرابات، أو تحضرها، على من تدع الدكان؟
قال: خاليا.
(8/223)

فقلت: فمن هاهنا وقع الشرّ.
وذهبت ومضيت إلى الصانع الذي ابتعت منه القفل، فقلت له: جاءك إنسان منذ أيام، اشترى منك مثل هذا القفل؟
قال: نعم، وحكى من صفته كيت وكيت، فأعطاني صفة صاحبي.
فعلمت أنّه جاء، واختبأ للغلام وقت المساء، حتى إذا انصرفت أنا، ومضى وهو يحمل الدرابات، دخل الدكان فاختبأ فيه، ومعه مفتاح القفل الذي اشتراه، الذي يقع على قفلي، وأنّه أخذ الدراهم، وجلس طول ليلته، خلف الدرابات، فلما جاء الغلام، وفتح درابتين أو ثلاثا، وحملها ليرفعها، خرج هو، وأنّه ما فعل ذلك، إلّا وقد خرج إلى بغداد.
قال: فسلّمت الدكان إلى الغلام، وقلت له، من سأل عني، فعرّفه أنّي خرجت إلى ضيعتي.
قال: وخرجت، ومعي قفلي ومفتاحه.
فقلت: أبتدىء بطلب الرجل بواسط، فلما صعدت من السميرية «1» ، طلبت خانا في الجسر، أنزله، فأرشدت إليه، فصعدت، وإذا بقفل مثل قفلي، سواء، على بيت.
فقلت لقيّم الخان: هذا البيت من ينزله؟
فقالى: رجل قدم من البصرة، أوّل أمس.
فقلت: أي شيء صفته؟
فوصف صفة صاحبي [89] ، فلم أشكّ أنّه هو، وأنّ الدراهم في بيته.
(8/224)

فاكتريت بيتا إلى جنبه، ورصدت البيت حتى انصرف القيّم، وقمت، ففتحت القفل بمفتاحي.
فحين دخلت البيت، وجدت كيسي بعينه، ملقى فيه، فأخذته، وخرجت وقفلت البيت، وتركته.
ونزلت إلى السفينة التي جئت فيها، وأرغبت الملّاح في زيادة أجره، حتى حملني، وانحدرت في الحال، وما أقمت بواسط إلّا ساعتين من النهار.
ورجعت إلى البصرة بمالي «1» .
(8/225)

98 صيرفي بغدادي متحصن من اللصوص
حدّثنا أبو الحسين، قال: حدّثني رجل من أهل بغداد، أنّ بعض من تاب من اللصوصية، حدّثه، قال:
كان في الناحية الفلانية، صيرفي، كثير المال، يطلبه اللصوص، فلا تتمّ عليه حيلة، ولا يقدرون عليه.
قال: فتواطأ عليه جماعة لصوص، كنت أحدهم، فقالوا: كيف نعمل في دخول داره؟
فقلت: أمّا الدخول، فعليّ لكم، وأمّا ما بعد ذلك فلا أضمنه.
قالوا: فما نريد إلّا الدخول.
قال: فجئت، وهم معي، عشاء، فقلت لواحد منهم: تصدّق «1» ، فإذا خرجت الجارية إليك بشيء، فتباعد، وتعام «2» عليها، لتجيء إليك تعطيك الصدقة، وكن على خطى من الباب، لأدخل أنا، وهي متشاغلة معك، قد بعدت عن الباب، فلا تراني إلى أن أدخل، فأختبىء.
قال: ففعل ذلك، وحصلت مختبئا في مستراح الدهليز.
فلما عادت الجارية، قال لها [مولاها] : قد احتبست.
قالت: حتى أعطيت السائل الصدقة.
قال: ليس هذا قدر دفعك إليه.
قالت: لم يكن على الباب، فلحقته في الطريق، وأعطيته.
(8/226)

فقال: وكم خطوة مشيت من الباب؟
قالت: خطى كثيرة.
قال: لعنك الله، أخطأت عليّ، قد حصل معي في الدار لصّ، لا أشك فيه.
قال: فحين سمعت هذا، قامت قيامتي، وتحيّرت.
فقال لها: هات القفل.
فجاءته به، فجاء إلى باب دهليز الدار، والصحن بعد باب الدار، فقفله من عنده، ثم قال لها: دعي اللص الآن يعمل ما يشاء.
قال: فلما انتصف الليل، جاء أصحابي، فصفروا على الباب، ففتحت لهم باب الدار، فدخلوا الدهليز [90] ، وأخبرتهم بالخبر.
فقالوا: ننقب الستبة، ونخرج إلى الصحن.
ونقبوا، فلما فرغوا، قالوا: ادخل معنا.
فقلت: إنّ نفسي قد نبت عن هذا الرجل، وأحسست بشرّ، وما أدخل البتة.
فاجتهدوا بي، وقالوا: لا نعطيك شيئا.
فقلت: قد رضيت.
فدخلوا، فحين حصلوا في الصحن، وأنا في الدهليز، أتسمّع عليهم، مشوا فيه، فإذا للمولى زبية «1» ، في أكثر الصحن، محيطة به، يعرفها هو وعياله، فيتّقون المشي عليها ليلا ونهارا، وهي منصوبة للحفظ من هذا وشبهه، وعليها بارية، من فوق خشب رقيق جدا.
فحين حصلوا عليها، سقطوا إليها، فإذا هي عميقة جدا، لا يمكن الصعود منها.
(8/227)

فسمع المولى صوت سقوطهم، فصاح: وقع هؤلاء، وقام هو وجاريته يصفّقون ويرقصون.
وتناولوا حجارة معدّة لهم، فما زالوا يشدخون رؤوسهم وأبدانهم بها، وأصحابي يصيحون، وأنا أحمد الله على السلامة، إلى أن أتلفهم.
وهربت أنا من الدهليز، ولم أعرف لأصحابي خبرا، كيف دفنوا، أو كيف أخرجوا.
فكان ذلك سبب توبتي من اللصوصية «1» .
(8/228)

99 البراءة المزورة
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني رجل من البغداديين، قال:
كنت وأنا حدث، حسن الوجه، فلما اتّصلت لحيتي، وهي طريّة بعد، طلبت التصرّف «1» ، فكتب لي إلى أبي أحمد النعمان بن عبيد الله، فلقيته في عمله «2» ، فأكرمني، وبالغ في برّي، وأمرني بالجلوس، فجلست، وكلما أردت القيام احتبسني إلى أن لم يبق عنده أحد إلّا خواصّه.
ثم أحضر المائدة فأكلنا، فلما فرغنا، قمت لأغسل يدي، فحلف، أن لا أغسلها إلّا بحضرته، فغسلتها، وقمت.
فقال: إلى أين؟
فقلت: إلى منزلي.
فقال: أنت هاهنا غريب، ولعلّك في خان.
فقلت: هو كذلك.
فقال: وموضعنا أطيب، وهو خير، وخيشنا بارد، فأقم عندنا.
فقلت: السمع والطاعة.
ولم أعرف ما في نفسه، فدخلت الخيش «3» ، فلما حصلت عنده فيه، جعل يستدنيني، ولا أعلم غرضه، إلى أن صرت بقربه، فضرب بيده، يولع [91]
(8/229)

بي «1» ، فعلمت أنّ شرطه في اللواط، أصحاب اللحى الطريّة «2» .
فصعب عليّ ما تمّ من ذلك، وقلت: كيف أصنع؟ ليس إلّا التطايب.
قال: فقلت له، يا سيدي أي شيء تريد؟
قال: أريد أن أفعل كذا وكذا.
فقلت: يا سيدي، براءتي معي، وقبضت على لحيتي.
قال: لا تفعل، هذه براءة مزوّرة.
قلت: كيف؟
قال: لأنّي ما وقّعت فيها بقلمي.
(8/230)

100 من شعر سيدوك الواسطي
أنشدني أبو طاهر المعروف بسيدوك الواسطي «1» لنفسه:
هات اسقنيها كلمح البرق ما مزجت ... إلّا لتسيير سقلاطونها فينا
إذا لواعب آذريونها عبثت ... بجلّنار سناها هزّ نسرينا
أدير في الكأس ذرّ الشمس إذ رقصت ... والماء نغرف من نار كماشينا
وأنشدني لنفسه من أبيات:
ما أكثر الشعراء مذ قتل الندى ... والشعر أعوز من دموع الأرقم
وأنشدني لنفسه قصيدة يمدح بها أبا الحسن عمران بن شاهين، أمير البطيحة «2» وفيها [ذكر] الهدري الذي يقاتل به، هو وأصحابه، وهو شبيه الحراب، يقول:
تسبي النفوس حراب ما أدرت بها ... كأس المنيّة إلّا رحت ذا طرب
تظلّ من فضّة حتى إذا وردت ... أصدرتها من دم الأبطال من ذهب
من كلّ مقليّة الجنبين ماضية ... قدّت من الشمس أو قدّت من اللهب
(8/231)

101 من شعر أبي إسحاق الصابي
أنشدني أبو الحسن محمد بن غسان بن عبد الجبار، قال: أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن هليل الصابي «1» الكاتب لنفسه:
تورّد دمعي فاستوى ومدامتي ... فمن مثل ما في الكاس عيني تسكب
فو الله ما أدري أبا لخمر أسبلت ... جفوني أم من دمع عيني أشرب
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
ما زلت في سكري ألمّع كفّها ... وذراعها بالقرص والآثار
حتى تركت أديمها وكأنّما ... غرس البنفسج منه في الجمّار
قال: وأنشدني لنفسه:
فديت من سارقني لحظها ... من خيفة الناس بتسليمته
لما رأت بدر الدجى زاهيا ... وغاظها ذلك من شيمته
سلّت له البرقع عن وجهها ... فردت البدر إلى قيمته «2» [92]
وأنشدني، قال: قرأت على ظهر دفتر:
كنّا نزوركم والدار دانية ... في كلّ وقت فلما شطّت الدار
صرنا نقدّر وقتا في زيارتكم ... وليس للشوق في الأحشاء مقدار
(8/232)

102 الحسن بن عون الموسوس
حدّثني أبو الحسن محمد بن غسّان الطبيب «1» ، قال:
كان عندنا بالبصرة في البيمارستان، رجل موسوس، يعرف بالحسن ابن عون، من أولاد الكتّاب، حبس في البيمارستان للعلاج، في سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة.
وطال حبسه سنين، ثم صلح، فاستخدم في البيمارستان، إلى أن تكامل صلاحه.
وكنت أختلف إلى البيمارستان، لتعلّم الطب، فكنت أشاهده كثيرا، فأوّل يوم علمت أنّه يقول الشعر، سمعته وهو يقول:
أدافع همّي بالتعلّل والصبر ... وأمنع نفسي بالحديث عن الفكر
وأرجو غدا حتى إذا ما غد أتى ... تزايد بي همّي فأسلمني صبري
فلا الهمّ يغنيني ولا العمر ينقضي ... ولا فرج يأتي سوى أدمع تجري
إلى الله أشكو ما أقاسي فإنّه ... عليم بأني قد تحيّرت في أمري «2»
وعرفت حاله في أدبه، بإنشاده إيّاي كلّ يوم قطعة من شعره، يعملها بحضرتي.
وشاهد عمل الجلنجبين بالورد في البيمارستان، فقال: وأنشدنيه لنفسه:
أنظر إلى الورد في أكفّهم ... يطبع للقاطفين من ورقه
(8/233)

كالقلب نار الهوى تحرّقه ... والقلب يهوى الهوى على حرقه
وحملت إليه شيئا من المأكول، اشتهاه عليّ، فكتب إلى جانب حائط:
حصرت من ظرف ما بعثت به ... وقلت: يا سيّدي ومولاي
لو أنّ أعضاء شاكر نطقت ... بالشكر أثنت عليك أعضايّ
ما بقيت؟؟؟ «1» للكرام كلّهم ... ويا صباحي كمثل ممساي
لو أنّ ما بي ببعض أعداي ... بكيت ممّا أرى بأعداي
(8/234)

103 حكاية ديوث
حدّثنا القاضي أبو القاسم عمر بن حسان بن الحسين:
أنّه بلغه عن رجل قليل الغيرة، رديء الدين، كان يجمع بين زوجته، وبين أهل الفساد في منزله.
قال: عشق امرأته، رجل، وكان ينفق عليها في منزله، وأحلفها بحضرته [93] ، أنّها لا تطاوع زوجها على الجماع.
قال: وكانا ليلة على شأنهما، في أسفل الدار التي للزوج، فصعدت المرأة إلى السطح هناك، واحتبست، فلما جاءت، خاصمها العشيق، وقال:
لعله فعل بك زوجك كذا.
فقالت: وحلفت، أنّه ما جرى من ذلك شيء.
وسمع الزوج الكلام، فقام يصلّي في السطح، ويصيح: الله أكبر، ليسمع العشيق، ويعلمه، أنّه لم يكن ليصلّي، وهو جنب، حتى يصلح بينه وبين المرأة، بذلك «1» .
(8/235)

104 حجاب شديد
وهذا ضدّ ما حدّثني به أبو الحسن أحمد بن يوسف بن البهلول التنوخي «1» :
أنّ امرأة من أهلهم بالأنبار «2» ، كانت قد جاوزت الأربعين سنة، وخرجت من بيتها إلى بغداد، في محنة عرضت لها، فلما حصلت في الطريق رأت جملا يدير دولابا.
فقالت: ما هذا؟
فقيل لها: دولاب الجمل.
فحلفت بالله، أنّها ما رأت جملا قط.
(8/236)

105 كتاب المافروخي عامل البصرة
حدّثنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن طريف، المعروف بأحمد الطويل، قال:
كتب إليّ أبو محمد عبد العزيز المافروخي «1» ، وأنا أتقلّد حصن مهدي «2» ، والفرض، والأعمال التي كنت أتقلّدها مع ذلك، وهو يتقلّد البصرة، يسألني إطلاق تمر له، اجتاز عليّ، ويعرّض بأنّ مكافأة ذلك، لا تذهب عليه.
فأطلقت له التمر، بلا ضريبة، ولا مؤونة، وكتبت إليه أعاتبه على هذه اللفظة.
فكتب إليّ كتابا، يعتذر، حفظت منه قوله:
وصل كتابك الذي أبان الله به فضلك، وسهّل إلى سبل المكارم سبقك، وفهمته فهم معجب به، ومتعجّب منه، وسرّني صدوره»
، لا لقدر الحاجة في نفسي، ولا في نفسك، ولكن لما أنفذه من بصيرتي فيك، وقوّاه من معرفتي بك.
ووجدتك، وقد اضطربت من لفظة ذكرت أنّي ضمّنتها كتابي، وهي الإلماح والتلويح، بالمكافأة والتعويض.
ومعاذ الله أن ينطلق بذلك لساني، أو تجري به يدي، لأنّ مثله لا يجري
(8/237)

إلّا عن ذي عطن ضيّق، إلى ذي باع في المحامد قصير، ولا هذه صورتك، ولا صورتي.
وإذا كانت [94] الأنفس واحدة، والأموال مشتركة، فأي فائدة لي في أن أتناولك ببعض مالك، أو أردّ إليك ما هو لك.
فإن تكن الصورة كما يخيّل لي، فأنت أيّدك الله، المليم دوني، وإن كنت- بحمد الله ومنّه- من كلّ ما يقع عليه اللوم بعيدا.
وإن تكن الأخرى، وهبت زلّتي لمعذرتي، فإني بشر غير معصوم، والخطأ والنسيان جاريان عليّ «1» .
(8/238)

106 للوزير المهلبي في كلّة قصب حرّكتها الريح
أنشدني أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المرزبان الكاتب الشيرازي «1» ، قال:
أنشدنا أبو محمد المهلبي «2» في وزارته، وعمله بين أيدينا، وقد نصبت له في داره بالأهواز كلّة قصب «3» ، وحرّكتها الريح.
فاستحسن ذلك، وقال:
رأيت مرّ الهوا [عليها] ... ............... .... «4»
فشمت منها اختلاس لحظ ... وخلت فيها وجيب قلب
(8/239)

107 زوّر مناما فجاء مطابقا للحقيقة
وحدّثني أبو الفضل «1» ، قال: حدّثني رجل من شيوخ المتصرّفين ببلدنا، يقال له: عبّاد بن الحريش، قال:
لما كتب عليّ بن المرزبان، عمّ أبيك «2» ، لعمرو بن الليث «3» ، ورقت حاله عنده، حتى قلّده عمالة شيراز «4» ، صادر المتصرّفين على أموال ألزمهم إيّاها، وكنت ممّن أخذ خطّه عن العمل الذي كان يليه بثمانين ألف درهم.
قال: فأديت منها أربعين ألف درهم، ونفدت حيلتي وحالي، ولم يبق لي في الدنيا إلّا داري التي أسكنها، ولا قدر لثمنها، فيما بقي عليّ، فلم أدر ما أعمل.
وفكّرت فوجدت عليّ بن المرزبان، رجلا سليم الصدر، فعملت رؤيا، وأجمعت رأيي على أن ألقاه بها، وأجعلها سببا لشكوى حالي، والتوصّل إلى الخلاص.
قال: فجلست، وعملت الرؤيا، وحفظتها، واحتلت خمسين درهما، وبكّرت من الغد، قبل طلوع الفجر، فدققت بابه.
(8/240)

[فصاح بي خادم] كان له يجري مجرى حاجب، من خلف الباب:
من أنت؟
قلت: عبّاد بن الحريش.
قال: في هذا الوقت؟
قلت: نعم.
ففتح لي، فدخلت، وشكوت حالي، وقلت: هذه خمسون درهما، لا أملك غيرها، فخذها، وأدخلني إليه قبل تكاثر الناس عليه، فإن فرّج الله عنّي، فعلت بك وصنعت.
قال: فدخل، واستأذن لي، وتلطّف حتى أدخلني إليه، وهو يستاك.
فقال: ما جاء بك في هذا الوقت؟
فدعوت له [95] ، وقلت: بشارة رأيتها في النوم البارحة.
فقال: وما هي؟
فقلت: رأيتك كأنك تجيء إلى شيراز، من حضرة الأمير، وتحتك فرس أشهب عظيم، لم يرقط أحسن منه، وعليك السواد «1» ، وقلنسوة الأمير على رأسك، وفي يدك خاتمه، وحواليك مائة ألف إنسان من فارس وراجل، وقد تلقّاك أمير البلد، فترجّل لك، وأنت تجتاز، وطريقك كلّه أخضر منوّر مزهر، والناس يقولون: إنّ الأمير قد استخلفه على جميع أمره.
قال: وقصصت الرؤيا، وهذا معناها.
فقال: خيرا رأيت، وخيرا يكون إن شاء الله، فما تريد؟
قال: فشكوت حالي، وذكرت أمري.
(8/241)

فقال: أنظر لك بعشرين ألف درهم، وتؤدّي عشرين ألف درهم.
قال: فحلفت بالطلاق، أنّه لم يبق لي إلّا مسكني، وبكيت، وقبّلت يده، واضطربت بحضرته، فرحمني، وكتب لي إلى الديوان، بإسقاط ذلك عنّي، وانصرفت.
ولم تمض، إلّا شهور، حتى كتب عمرو بن الليث، إلى عليّ بن المرزبان، يستدعيه، ويأمره بحمل ما اجتمع له من الأموال، وكان قد جمع له، ما لم يسمع قط باجتماع مثله في وقت واحد، من أموال فارس، فإنّه جمع له ستين ألف ألف درهم.
قال: فحملها إلى سابور «1» ، وخرج، وتلقّاه عمرو بن الليث، بجميع قوّاده، وأهل عسكره.
وهاله عظم ذلك المال، فاستخلفه على فارس، وأعمالها، حربا وخراجا، وفوّض إليه الأمور كلّها، وأذن إليه في الحلّ والعقد بغير استئمار، وخلع عليه سوادا له، وحمله على فرس أشهب عظيم الخلقة، كان يعظمه عمرو، ويكثر ركوبه، ودفع إليه خاتمه، وردّه إلى فارس.
قال: فوافاها في زمن الربيع، ولم يحل الحول على قصّتي معه.
فخرج أمير البلد- وقد صار من قبله- ليستقبله، وخرج الناس، فتلقّوه على ثلاثين فرسخا، وأكثر، وخرجت فتلقيته على العطفة التي في طريق خراسان، وبينها وبين البلد، نصف فرسخ.
قال: فوافى وهو على الصفة التي ذكرتها له في المنام الموضوع، والدنيا على الحقيقة خضراء بآثار الربيع وزهره، وحوله أكثر من مائة ألف إنسان [96] ، وعليه قلنسوة عمرو بن الليث، وفي يده خاتمه، وعليه السواد،
(8/242)

وتحته الفرس الأشهب، وقد تلقّاه أمير البلد، فترجّل له.
قال: فحين رأيته، ترجّلت، ودعوت له، فلما رآني تبسّم، وأخذ بيدي، وأحفى السؤال بي «1» ، ثم تفرّق الجيش بين يديه، فلحقته إلى البلد، فلم أستطع القرب منه، لازدحام الدواب، فانصرفت وباكرته من غد، في مثل ذلك الوقت، الذي كنت جئته ليلة الرؤيا.
فقال لي الحاجب: من أنت؟
فقلت: عبّاد.
فقال: ادخل، واستأذن.
فدخلت وهو يستاك، فضحك إليّ، وقال: قد صحّت رؤياك يا عبّاد.
فقلت: الحمد لله.
فقال: لا تبرح من الدار، حتى أنظر في أمرك.
قال: وكان بأهله بارا، ورسمه إذا ولي عملا، أن لا ينظر في شيء من أمر نفسه، حتى ينظر في أمر أهله، فيصّرف من يصلح منهم للتصرّف، أو يبّره، وإذا فرغ منهم، عدل إلى الأخص، فالأخصّ، من حاشيته، فإذا فرغ من ذلك، نظر في أمر نفسه.
قال: فجلست في الدار إلى قرب العصر، وهو ينظر في أمر أهله، والتوقيعات تخرج، بالصلات، والأرزاق، وكتب التقليدات، إلى أن صاح الحاجب: عبّاد بن الحريش، فقمت إليه.
فقال: إنّي ما نظرت في أمر أحد، غير أمر أهلي، فلما فرغت منهم، بدأت بك قبل الناس كلّهم، فاحتكم، ما تريد؟
فقلت: ترد عليّ المال الذي أدّيته، وتقلّدني العمل الذي صرفتني عنه.
(8/243)

قال: فوقّع لي بردّ المال، وتقليد العمل، وقال: امض، فقد أوغرت لك العمل «1» ، فخذ ارتفاعه كلّه.
قال: وكان يستدعيني في كل مديدة، ويحاسبني، ولا يأخذ منّي شيئا، وإنّما يكتب لي روزات «2» من مال العمل، ويصلح حسبانات، ويقبلها، ويخلّدها الديوان، وأرجع إلى العمل.
وكنت كذلك إلى أن زالت أيّامه، فرجعت إلى شيراز، وقد اجتمع لي مال عظيم، صودرت منه على شيء يسير، وجلست في بيتي [97] ، وعقدت نعمة بالمال، ولم أطلب تصرّفا إلى الآن.
(8/244)

108 من مكارم البرامكة
حدّثني أبو الفضل «1» ، قال: حدّثني أبو الحسن، ثابت بن سنان الحرّاني الطبيب «2» :
أنّه رأى رقعة يتواردونها، بخطّ جبريل بن بختيشوع المتطبّب «3» ، فيها ثبت ما وصل إليه، من يحيى بن خالد البرمكي «4» ، وبنيه «5» ، وجواريه، وأولاده، من ضيعة، وعقار، ومال، وغير ذلك، يحتوي على سبعين ألف ألف درهم، وتفصيل ذلك، شيئا شيئا، وأنّهم يحفظونها للعجب والاعتبار.
قال: فاستهولت ذلك، وانصرفت، فحدّثت بذلك، بعض الرؤساء ببغداد، وكان بحضرته أبو الحسن علي بن هارون المنجم «6» ، فقال: وأيّ شيء تتعجّب من هذا؟
(8/245)

حدّثني أبي «1» ، عن أبيه «2» ، قال: كنت بحضرة المتوكل «3» ، في يوم مهرجان «4» ، أو نيروز «5» ، وهو جالس، والهدايا تحمل إليه، من كل شيء عظيم، ظريف مليح، إلى أن ضربت دبادب «6» الظهر، وهمّ بالقيام، فدخل بختيشوع الطبيب «7» ، وهو ابن جبريل بن بختيشوع الأكبر، فحين رآه المتوكل استدناه جيّدا، حتى صار مع سريره، وأخذ يمازحه، ويلاعبه، ويقول:
أين هديّة اليوم؟
فقال له بختيشوع: يا أمير المؤمنين، أنا رجل نصراني، لا أعرف هذا اليوم، فأهدي فيه.
فقال: دع هذا عنك، ما تأخّرت إلى الآن، إلّا أنّك أردت أن تكون هديّتك خير الهدايا، فيرى فضلها على الهدايا.
(8/246)

فقال: ما فكّرت في هذا، ولا حملت شيئا.
فقال له: بحياتي عليك.
فضرب بيده إلى كمّه، فأخرج منه، مثل الدواة، معمولا من عود هندي، لم ير قط مثله، كالأبنوس «1» سوادا، وعليه حلية ذهب محرّق «2» ، لم ير قط أحسن منها عملا، ولا من الدواة.
قال: فقدّر المتوكل، أنّ الهدية هي الدواة، فاستحسنها.
فقال: لا تعجل يا مولاي، حتى ترى ما فيها.
ففتحها، وأخرج من داخلها، ملعقة كبيرة محرّقة، من ياقوت أحمر.
قال: فخطفت أبصارنا، ودهشنا، وتحيّرنا.
فبهت المتوكل، وأبلس «3» ، وسكت ساعة متعجبا، مفكّرا، ثم قال:
يا بختيشوع، والله، ما رأيت لنفسي، ولا في خزانتي، ولا في خزائن آبائي، ولا سمعت، ولا بلغني أنّه كان للملوك من بني أميّة، ولا لملوك العجم مثلها، فمن أين لك هذه؟ [98] .
فقال: الناس لا يطالبون بمثل هذا، وقد أهديت إليك، ما قد اعترفت بأنّك لم تر، ولم تسمع، بمثله حسنا، فليس لك مسألتي عن غيره.
قال: بحياتي أخبرني.
فامتنع، إلى أن كرّر عليه إحلافه بحياته، دفعات، وهو يمتنع.
فقال: ويحك، أحلّفك بحياتي، دفعات، أن تحدّثني حديثا، فتمتنع، وقد بذلت لي ما هو أجلّ من كلّ شيء.
قال: فقال له: نعم يا مولاي، كنت حدثا، أصحب أبي جبريل
(8/247)

ابن بختيشوع إلى دور البرامكة، وهو إذ ذاك طبيبهم، لا يعرفون خدمة طبيب غيره، ولا يثقون برأي غيره، ويدخل إلى حرمهم، ولا يستتر أكثرهم عنه.
قال: فصحبته يوما، وقد دخل إلى يحيى بن خالد، فلما خرج من عنده، عدل به الخادم، إلى حجرة دنانير «1» جاريته، فدخلت معه، وأفضينا إلى ستارة منصوبة، في صدر مجلس عظيم، وخلفها الجارية، فشكت إليه شيئا وجدته، فأشار عليها بالفصد»
، وكان لا يفصد بيده، وإنّما يحمل معه من يفصد من تلامذته، ورسم الفصد عليهم خمسمائة دينار.
قال: فندبني ذلك اليوم للفصد، وأخرجت يدها من وراء الستارة، ففصدتها، وحملت إليّ في الحال خمسمائة دينار عينا، وأخذتها، وجلس أبي إلى أن يحمل إليها شراب تشربه بحضرته، ورمّان أشار عليها باستعماله.
قال: فحمل ذلك في صينية عظيمة مغطّاة، وتناولت منه ما أرادت، وخرج الظرف مكشوفا، فرآه أبي، فقال للخادم: قدّمه إليّ، فقدّمه إليه، فكان في جملته جامة فيها رمّان، وفيها هذه الملعقة، فحين رآها أبي قال:
والله ما رأيت مثل هذه الملعقة، ولا الجامة.
قال: فقالت له دنانير: بحياتي عليك، يا جبريل، خذها.
قال: ففعل، وقام ينصرف.
(8/248)

فقالت له: تمضي، ففي أيّ شيء تدع هذه الملعقة؟
قال: لا أدري.
قالت: أهدي إليك غلافها.
فقال: إن تفضّلت.
فقالت: هاتم «1» تلك الدواة.
فجاءوا بهذه الدواة، فوضع أبي فيها الملعقة، وحملها، والجامة في كمه، وانصرفنا.
فقال له المتوكل: جامة تكون هذه ملعقتها، يجب أن تكون عظيمة القدر، فبحياتي، ما كان من أمر الجامة؟
فاضطرب [99] ، وامتنع امتناعا عظيما، إلى أن أحلفه مرارا بحياته.
فقال: أعلم، إذا قلت أيّ شيء كانت، طالبتني بها، فدعني أمضي، وأجيء بها، وأتخلّص منك دفعة واحدة.
فقال: افعل.
قال: ومضى، فلم يهن المتوكل الجلوس، ولم يأخذه القرار، حتى جاء بختيشوع، وأخرج من كمّه جامة، على قدر الزبديّة «2» ، أو الجامة اللطيفة، من ياقوت أصفر، فوضعها بين يديه.
(8/249)

109 يوسف بن وجيه صاحب عمان
وحدّثني أبو الفضل «1» ، قال:
كنت مقيما بسيراف «2» ، أتصرّف، واجتاز بها يوسف بن وجيه «3» ، يريد البصرة، ومحاربة البريدي «4» ، وضامنها «5» - إذ ذاك- ابن مكتوم الشيرازي، وهو مدبّرها حربا وخراجا «6» من قبل الأمير عليّ بن بويه «7» ، فتلقّاه، وخدمه خدمة ارتضاها، ونزل بظاهر البلد، فحمل إليه ابن مكتوم، كلّ شيء من الألطاف والهدايا.
قال: فقال له يوما: والله، ما وردت هذا البلد، إلّا وفي نفسي الاجتراء عليه، وتخليف جيش به، ثم الخروج إلى البصرة، ولقد كاتبني جميع وجوه البلد في ذلك، وأشاروا عليّ بهذا، ولكني قد استحيت منك أن أفعل، فإنّك بدأتني بالخدمة، وأنا في أطراف عملي، وليس بكثير أن أهب لك هذا البلد.
قال: وقد كان بلغنا أنّ أهل البلد كاتبوه بذلك، ولم نتحقّق هذا، ولمّا قرب، أشار أهل البلد، على ابن مكتوم، بالانصراف، وأن لا يحضر،
(8/250)

وخوّفوه أن يقبض عليه، وأرادوا بذلك أن يتمّ التدبير لهم، في تملّك يوسف ابن وجيه البلد.
فلم يجسر ابن مكتوم على ذلك، وقال: لأن يقبض عليّ، وليس لي إليه ذنب يقتلني به، أحبّ إليّ من أن أصيّر لنفسي ذنبا عند عليّ بن بويه، فيقتلني به، فإنّه يظن أنّي واطأت على خروج البلد من يده لأكسر مال الضمان، ويقول لي: كان يجب الصبر، إلى أن يدخل، فيقبض عليك، أو تجيئني بعد واقعة يخدش فيها رجل، ولم يبرح، وأخلد إلى خدمته [الخدمة] العظيمة، فنفعه ذلك، وتخلّص.
قال: فلما كشف له يوسف، ما كان في نفسه، دعا له، وشكره، وتذلّل.
فقال له يوسف: وقد كنت عملت أن لا أشرب، إلى أن أفتح هذا البلد الذي أقصده، ولكن قد اشتقت إلى الشرب، شهوة لأن أشرب [100] معك، لما رأيته من ظرفك وفتوّتك، فتعود العشيّة إلى الشرب، ومعك من تأنس به من أصحابك.
قال: فانصرف، واختار جماعة من وجوه البلد، ووجوه المتصرّفين «1» ، كنت واحدا منهم.
وجاءنا رسول يوسف بعد الظهر، فركب، ونحن معه، حتى أوصلنا إلى حضرته، فأجلسنا في فازة بهنسي «2» لم أر قبلها مثلها حسنا، في صدرها سدّة «3» أبنوس مضبّبة بالذهب، ومساميرها ذهب، وعليها دست ديباج
(8/251)

فاخر جدا، وبين يديها بساط جهرمي «1» فوقه حصير واسع، كبير، عظيم، طبرانيّ «2» ، ومخاد، وصدر منه «3» .
وخرج يوسف، فجلس، وجلسنا معه، وأحضرت مائدة فضّة بزرافين «4» ، تسع عشرين نفسا، فجلسنا عليها، ونقل علينا من الطعام، ما لم أر مثله حسنا، في أواني كلها صينيّ.
قال: وتأملت، فإذا خلف كلّ واحد منّا، غلام صغير، مليح، قائم بشرابي ذهب، وكوز بلّور فيه ماء، فأكلنا.
فلما تمّ أكلنا، نهض يوسف، فخرج من وراء الفازة، إلى موضع، وجاءنا فرّاشون بعددنا، بطساس وأباريق فضّة، ومجامع فضة، فغسلنا أيدينا دفعة واحدة.
ومضى أولئك الغلمان الأصاغر، وجاء غيرهم بعددنا، ومعهم المرايا المحلّاة الثقيلة، والمضارب البلّور، والمداخن «5» المحلّاة الحسنة، فتبخّرنا دفعة [واحدة] .
وتركنا ساعة في موضعنا، ثم استدعينا، فأدخلنا إلى فازة ألطف من تلك، ديباج، وفيها [سدة] صندل محلّاة بفضّة، فيها دست ديباج، وحصر
(8/252)

طبرية، مثل تلك الحصر، وفيها نحو ثلاثين مطاولة «1» ، مسبكة، ذهب كلّها، عليها تماثيل العنبر، على هيأة الأترج والبطّيخ، والدستنبو «2» ، وغير ذلك.
قال: فدهشنا، وتحيّرنا، وإذا في أربع جوانب تلك المطاولات، أربع أجاجين «3» بيض، كبار، عظام، كل واحدة كالقدس «4» الكبير، والجميع مملوءة ماء ورد، وفيه أمر عظيم من تماثيل الكافور، وغلمان قيام بعددنا، يروّحون، وغلمان أخر بعددنا، بأيديهم مناديل الشراب، وبين يدي كلّ واحد، صينيّة ذهب، ومغسل، ومركن «5» ذهب [101] ، وخرداذي «6» بلّور، وقدح بلّور، وكوز بلور، والجميع فارغ.
قال: فأمر يوسف، بإخراج الأنبذة، في مدافات «7» بلّور، تسمى بالفارسية: جاشنكير، فأخرجت عدّة أنبذة من العنب، ممّا يعمل في جبل عمان، لم نظن أنّه يكون في تلك [النواحي] بحسنها وطيبها.
فاختار ابن مكتوم، نبيذا منها، فملئت الظروف منه، وقام على رأس كل واحد منّا، غلام يسقيه، ويتفقّد نقله «8» ، ويتفرّد بخدمته، إلى أن شربنا أقداحا.
ثم أجرى يوسف، حديث عليّ بن بويه، فقال لابن مكتوم، وقد خرج من حديث إلى حديث: أحبّ أن تخبرني عن أخي أبي الحسن عليّ بن بويه،
(8/253)

أيّ شيء اعتقد في إمارته هذه؟
قال: إنّ له ألفي غلام أتراك، وأربعة آلاف بغل، وألفي جمل.
قال: وأخذ يكثر عليه من هذا.
فقال له: ويحك، هؤلاء عيال، وسبب خرج، لم أسأل عن هذا، إنّما سألت أيّ شيء أدّخر، ممّا يتنافس فيه الملوك.
قال: فقال له: وصل من الكنوز العتيقة، والأموال التي استخرجيها إلى تسعين ألف ألف درهم.
قال: فقال: ولا هذا أردت، إنّما أردت الذخائر والجواهر، وما يخفّ، وما يحمله الملوك معهم، محملا لطيفا، إذا حزبهم أمر.
قال: فقال ابن مكتوم: لا أعلم، إلّا أنّي سمعت، أنّ الجبل الذي كان للمقتدر، قد وصل إليه.
فقال: وما الجبل؟
قال: فصّ ياقوت أحمر، فيه خمسة مثاقيل، إلّا أنّي ابتعت له جوهرتين، بمائة وعشرين ألف درهم.
فقال: قد أنست بك، واقتضى أن أريك، ما صحبني في هذه السفرة، من هذا الجنس، إن نشطت لذلك.
قال: فشكره، ودعا له، وقال: إي والله، أنشط لذلك، وأتشرّف به.
قال: فدعا بغلام، وقال: امض، فهات الربعة «1» الفلانية.
قال: فجاءه بربعة كبيرة.
قال: وكانت بين يديه خرائط «2» خراسانية، مطروحة في المجلس،
(8/254)

فاستخرج من واحدة منهنّ، مفتاح ذهب، وتأمّل أوّلا، ختم الربعة، ثم فتحها بالمفتاح، وأخرج إلينا قضيبا عليه خواتيم، نحو خمسمائة خاتم، يواقيت، وفيروزج، وعقيق، لم نر مثله، فأرانا إيّاه، وقال: [102] ليس هذا بشيء، فدعوه.
قال: فتركناه، ثم أخرج إلينا عقدا، فيه ثلاث وتسعون حبّة جوهر، كل واحدة منها، على قدر بيض الحيّة والعصفور، فدهشنا من عظمها.
فقال: إنّ هذا العقد، في خزانة خالي أحمد بن هلال «1» وخزانتي من بعده، منذ كذا وكذا سنة، والجوهر إلينا يصل أوّلا، ثم يتفرّق من عندنا إلى البلاد، ونحن مجتهدون، في أن نجد سبع حبّات تشابه هذا، فيحصل في العقد مائة حبّة، فما نقدر على ذلك، منذ كذا وكذا سنة.
قال: ثم أخرج إلينا فصّا من الماس، فلبسه في الحال، وأدناه من فصّ عقيق كان في يد ابن مكتوم، فجذبه كما يجذب المغناطيس الحديد، حتى تكسّر فصّ ابن مكتوم.
قال: ثم استخرج منديلا لطيفا، فحلّه، وأخرج قطنا، ففرّقه بيده، واستخرج منه شيئا خطف أبصارنا، وأضاء المجلس له، حتى دهشنا، وسلّمه إلى ابن مكتوم، وقال: تأمّله.
قال: فتأمّلناه، فإذا هو ياقوت أحمر، على كبر الكفّ، وقدّها من الطول والعرض.
قال: فدهشنا.
فقال يوسف بن وجيه: أين هذا، يا ابن مكتوم، من الذي وصفته؟
قال: فانكسر ابن مكتوم.
(8/255)

وما زلنا نقلّب تلك الكفّ، ونشرب عليها ساعة.
قال: ثم أخرج إلينا من الربعة، حشائش، ذكر أنّها سموم قاتلة في الحال، وحشائش، ذكر أنّها تبرىء من تلك السموم في الحال.
قال: وأخرج أشياء، هائلة، طريفة، لم يعلق بحفظي منها، إلّا ما ذكرته، لدهشتي بما رأيت.
قال: فلما جاء المساء، جاءنا بشموع عنبر، فوضعت تتّقد.
قال: وشربنا إلى نصف الليل، وانصرفنا.
وشخص يوسف إلى البصرة، وحاربه البريديّ، فهزمه، وأفلت في مركب، وأحرقت باقي مراكبه «1» ، فلم يحب الاجتياز بسيراف، فتوّه في البحر، وسلك وسطه، يريد عمان.
قال: وبلغنا الخبر، وأنفذ ابن مكتوم، صاحبا له، إلى عمان، يتوجّع له، ويتعرّف خبره، وكاتبه على يده.
قال: فدخل صاحبنا إلى عمان، قبله بأيّام، ثم وردها يوسف، فلما وقف على الكتب تذكّر عهد ابن مكتوم، وذكره بالجميل، ووهب لصاحبه خمسة آلاف درهم، وأنفذ إلى ابن مكتوم هديّة قيمتها مائة ألف درهم [103] تجتمع على طرائف البحار، وأنفذ إلى كل واحد من الجماعة الذين كانوا حضورا دعوته مع ابن مكتوم، عدّة أثواب من صنوف الثياب، وأفخرها، وأحسنها، وكنت ممّن وصل إليه ذلك.
(8/256)

110 وصيف كامه يحسن إلى أهل قم
حدّثني أبو الفضل «1» ، قال: حدّثنا شيخ كان لنا بفارس، من أهل قم «2» ، قال:
ورد إلينا وصيف كامه»
، أميرا على بلدنا، فتلقّيناه، فرأينا من فضله، وعقله، وجلالة قدره، كلّ عظيم.
قال: فأقبل علينا بخطاب جميل، ووعدنا، ومنّانا، وعرّفنا رأي السلطان في العدل والإحسان، ثم أقبل يسأل عن أمور بلدنا، مسألة عالم به، ويسأل عن شيوخه، إلى أن انتهى في السؤال، إلى رجل، لم يكن جليلا، ولا مشهورا، ولا عرفه منّا إلّا واحد كان في المجلس.
قال: فأقبل يعظّم من أمره، ويسأل عن معيشته، وأولاده.
قال: فاسترقعناه.
قال: ثم قال لنا: أحضروني إياه إحضارا جميلا، فإني أكره أن أنفذ إليه من يستدعيه، فأروّعه.
قال: فأحضرناه، فحين وقعت عينه عليه، قام إليه قياما تاما، وأجلسه في الدست معه.
قال: فسقط من أعيننا، وقلنا جاهل لا محالة.
(8/257)

قال: ثم أقبل عليه، يسأله، عن زوجته، وبناته، وبنيه، والشيخ يجيب جواب ضجر، باهت، معظّم لما عمله.
فقال له: أحسبك قد نسيتني؟ وأنكرت معرفتي.
فقال: كيف أنكر الأمير- أيّده الله- مع عظمه وجلالته؟
فقال له: دع هذا، أتعرفني جيدا؟
قال: لا.
قال: أنا مملوكك وصيف.
ثم أقبل علينا فقال: يا مشايخ قم، أنا رجل من الديلم، كنت سبيت في وقت كذا وكذا، في الغزاة التي غزاهم فيها فلان الأمير، وكان سنّي إذ ذاك عشر سنين أو نحوها.
فحملت إلى قزوين، فاتّفق أنّ هذا الشيخ كان بها، فاشتراني، وحملني إلى قم، وأسلمني مع ابنه في الكتّاب، وأجراني مجراه، في حسن التربية، وفعل بي وصنع، وجعل يعدّد له ما يذكره، وأنّه أحسن ملكته، حتى إنّه ما تأذى منه قط، ولا ضربوه، ولا شتموه، وإنّهم كانوا يكسونه، كما يكسون ابنهم، ويطعمونه كما يطعمونه.
ولم أزل معهم في أحسن عشرة، إلى أن بلغت، وكانوا يهبون لي الدراهم لشهواتي [104] ، ويعطوني أكثر ممّا أحتاج إليه.
وكنت- مذ كنت صبيا- كلما وقع بيدي شيء، جمعته عند بقّائى في المحلّة، يعرف بفلان.
قال: ثم سأل عنه، فقيل: هو باق.
فلما بلغت واشتددت، طلبت السلاح، وعملت به، ومولاي- مع هذا- يشتري لي كل ما أريده، ويمكنني «1» من شهواتي، ويحسن إليّ،
(8/258)

ولا يعترض في شيء أريده عليّ.
قال: واتفق، أنّ بعض الجند رآني، فقال: هل لك في أن تخرج معي إلى خراسان، فأركبك الدوابّ، وأفعل بك، وأصنع.
فقلت: أصحبك، على شرط أن لا أكون مملوكك، ولا تتملّكني، ولكن أشتري لنفسي دابّة، وسلاحا، وأتبعك غلاما لك، مالكا لنفسي، فمتى رأيت منك ما أكره، فارقتك، ولم يكن لك الاعتراض عليّ.
فقال: افعل.
قال: فجئت إلى البقّال، فحاسبته، وكان قد اجتمع لي عنده شيء كثير، فأخذته، واشتريت منه دابّة وسلاحا، وأخذت إليك «1» ، ومعي دراهم، وصحبت الجندي، وأبقت من مولاي هذا.
ومضيت إلى خراسان بأسرها، وتقلّبت بي الأمور، وترقّت حالي مع الأيّام، حتى بلغت هذا المبلغ، وأنا في رقّ هذا الشيخ، وأنا أسألكم الآن، مسألته أن يبيعني نفسي.
قال: فأكبر الرجل ذلك، وقال: أنا عبد الأمير، والأمير حرّ لوجه الله، وأتجمّل بولائه، وأفتخر أنا وعقبي بذلك.
قال: فقال: يا غلام، هات ثلاث بدر «2» .
وأحضرت، وصبّ المال، وسلّمه إلى الشيخ، ثم استدعى له من الثياب، والدواب، والبغال، والطيب، والآلات، ما تزيد قيمته على قدر المال.
ثم استدعى ابنه، فأحضر، وأكرمه، وتطاول له «3» ، ووهب له عشرة آلاف درهم، وثيابا كثيرة، ودواب، وبغالا.
(8/259)

واستدعى البقال، ووهب له خمسمائة دينار، وثيابا كثيرة.
قال: ثم أنفذ هدايا، إلى بنات الشيخ، وزوجته، وعيال البقّال.
قال: ثم قال للشيخ: يا فلان، انبسط في هذا السلطان الذي قد رزقك الله [إياه] ، انبساط من يعلم أنّ الأمير مولاه، واعلم بأنّك لا تحلّ شيئا فأعقده، ولا تعقد شيئا فأحلّه.
قال: ثم التفت إلينا، وقال: يا مشايخ قم، أنتم سادتي، وشيوخي، وما على الأرض، أهل بلد، أحبّ إليّ منكم، ولا أوجب حقا [105] منكم، فانبسطوا في حوائجكم، انبساط الشريك الذي لا فرق بيني وبينه، إلّا فيما حظرته الديانة، وليس بيني وبينكم فرق، إلّا في ثلاث: طاعة السلطان، وصيانة الحرم، ومخالفتكم في الرفض، فإنّي قد طوّفت الآفاق، وسلكت الجبال والبحار، وبلغت أقاصي المشرق والمغرب، فما رأيت على دينكم أحدا غيركم، ومحال أن يجتمع الناس كلهم على ضلالة، وتكونوا أنتم من بين أهل الآفاق على حقّ.
قال: ثم سأل كل واحد منّا، عن حوائجه، ونظر إليه فيها بطرف، ونظر للشيخ بضعف ما نظر به لأجلنا.
قال: فخرجنا من عنده، وقد نبل في عيوننا نبلا شديدا، وانقلبت المواكب إلى باب الشيخ، فأقبل الناس إليه في الحوائج، وإلى ابنه، فصارا رئيسي البلد، ولم يكن وصيف يردّ هما في شيء يسألانه من قليل ولا كثير، إلى أن خرج عن قم «1» .
(8/260)

111 وصيف كامه يعين عاملا على فارس
قال: وحدّثني أبو الهذيل، أنّ وصيفا لما ولي فارس، أقام بشيراز، وكان يتواضع للناس، تواضعا شديدا، ويحسن السيرة، ويتحبّب إلى العامّة جدّا، حتى كان يعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم.
قالوا: وما رأينا أميرا أعقل منه، ولقد رأيته يوما، قد حضر جنازة رجل من السوق، راكبا دابّة، وعليه درّاعة «1» بيضاء وعمامة، وليس بين يديه، إلّا ثلاثة من الشاكريّة «2» ، فوقف في جملة الناس، يصلّي على الرجل.
قال: وكان عندنا حائك، يعرف بفلان، يظهر الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قال: فرأيته، وقصد أن جاء فوقف إلى جنبه [في] الصلاة، وزاحمه، حتى وضع مرفقه في صدر وصيف، وزحمه به.
فجاء بعض من كان معه، ينكر ذلك، وينحّي الرجل، فنظر إليه نظرا شزرا، جزع معه الغلام، وتنحّى، وتركه والحائك.
قال: فرأيته، وقد تجمّع في مكانه، ووسّع للحائك، حتى أتمّوا الصلاة.
(8/261)

112 الوزير يتيم في حجر كل كاف
بلغني من جهة وثقت بها، عن أبي إسحاق إبراهيم بن السريّ الزجّاج «1» ، قال:
حضرت مجلس أبي القاسم عبيد الله بن سليمان «2» ، وأبو زنبور الكاتب «3» ، يعذله في إفضائه إلى أبي العبّاس بن الفرات «4» ، وتفويضه الأمور إليه، ويخاطبه بكلّ عظيم في ذلك.
إلى أن قال له: الناس يقولون، أيها الوزير: إنّك يتيم في حجر ابن الفرات.
فقال عبيد الله: أنا يتيم، في حجر كلّ كاف.
(8/262)

113 أبو أحمد الشيرازي والصفراء
حدّثني «1» بعض إخواني الثقات عندي [106] ، قال: حدّثني أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي الكاتب «2» ، قال:
لما صحبت أبا عليّ بن مقلة «3» إلى بغداد، واستكتبني، كان يتعمّد نفعي بكلّ شيء، ويوصل إليّ أموالا جليلة، فلم أكن أحفظها، وكانت كلها تخرج عن يدي، في القيان، والشراب، وأتلفها.
قال: فهويت جارية من القيان صفراء، واشتهر أمري معها، وأتلفت كلّ كسبي عليها، حتى بلغ أبا عليّ، وكان يعذلني، ويوبخني، ويمنعني من مفارقة حضرته، وأن أخلّ بها.
قال: فأفلتّ يوما من حضرته، ومضيت إلى بيتي، وقد حصّلها غلامي، وأعدّ لي مجلسا بالفاكهة الكثيرة، والتحايا الظراف، والشراب الفاخر.
قال: فشربت ليلتي معها، وخفت أن أخلّ بالوزير، فحملتني الشهوة للجلوس مع المغنّية، على أن كتبت إلى الوزير رقعة، أعتذر فيها من التأخر، وأقول: إنّ الصّفراء تحركت عليّ، واضطراب جسمي، فلم أقدر على المجيء، وأباكر الخدمة في غد، وأسأل قبول عذري.
قال: فعاد إليّ الجواب، بخط أبي عليّ بن مقلة، في أضعاف السطور،
(8/263)

بأجلّ خطاب، وألطف مداعبة.
وقال فيه: يا هذا، ظلمت الصفراء، أنت تحركت على الصفراء، ليس هي تحركت عليك، وقد علمت مغزاك في التأخّر، وبحسب ذلك أجبتك، وقد بعثت إليك منديلا مختوما فاستعن بما فيه.
قال: ففتحت المنديل، وإذا فيه، رطل ندّ «1» ، وشيء كثير من الكافور «2» ، والمسك «3» ، ومائتا دينار عينا «4» .
وأنشدني أبو الحسن عليّ بن هارون بن المنجم، لنفسه في معنى الصفراء، بيتين ما سمعت أظرف [منهما] في معناهما، وهما يقاربان قول ابن مقلة، وهما:
قال الطبيب وقد تأمل سحنتي ... هذا الفتى أودت به الصفراء
فعجبت منه إذ أصاب وما درى ... قولا ومعنى ما أراد خطاء
(8/264)

114 لا يمكن التجلد على عذاب الله
حدّثني بعض البغداديين، قال:
ضرب عندنا رجل من أهل العصبيّة، خمسمائة سوط «1» ، في وقت واحد، فلم يتأوّه، ولم ينطق.
فلما كان بعد أيّام، حمّ حمّى صعبة، وضرب عليه معها رأسه «2» ، فأقبل يصيح، كما يصيح البعير، ويقول: العفو، العفو، يكرّرها.
فلما كان من غد، اجتمع إليه قوم من أهل الحبس، فقالوا: فضحتنا، أنت تضرب بالأمس خمسمائة سوط، فلا تصيح، تحمّ ساعة من ليلة، فتصيح؟
فقال: عذاب الله عزّ وجلّ، أشدّ العذاب، وما كنت لأتجلّد عليه.
(8/265)

115 الغلط الذي لا يتلافى
قال: وأتي [107] بعض الولاة، برجلين، أحدهما قد ثبت عليه الزندقة «1» ، والآخر قد وجب عليه الحدّ «2» .
فسلّم الوالي الرجلين، إلى بعض أصحابه، وقال: اضرب عنق هذا،- وأومأ إلى الزنديق- واجلد هذا، كذا وكذا.
قال: فتسلّمهما وخرج.
فوقف المحدود، وقال: أيها الأمير، سلّمني إلى غيره، فإنّ هذا الأمر، لا آمن فيه الغلط، [والغلط] فيه لا يتلافى.
قال: فضحك منه الأمير، واستطابه، وأمر بإطلاقه، فأطلق، وضربت عنق الزنديق.
(8/266)

116 المهدي والمتهم بالزندقة
قال: وأتي المهدي بن المنصور، برجل قد رمي بالزندقة، فسأله عن ذلك.
فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا صلى الله عليه وسلّم، رسوله، وأنّ الإسلام ديني، عليه أحيا، وعليه أموت، وعليه أبعث.
فقال له المهدي: يا عدوّ الله، إنّما تقول هذا مدافعة عن نفسك، هاتم السياط، فأحضرت، وأمر بضربه، فضرب، وهو يقرّره.
فلما أوجعه الضرب، قال له: يا أمير المؤمنين، اتّق الله، فقد حكمت عليّ، بخلاف حكم الله تعالى، وخلاف حكم رسوله صلى الله عليه وسلّم.
فإنّ الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلّم، يقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلّا الله، فإذا قالوها، عصموا دماءهم، وأموالهم، إلّا بحقهما، وحسابهم على الله، وأنت قد جلست تطالبني، وتضربني، حتى أكفر، فتقتلني.
قال: فخجل المهدي، وعلم أنّه قد أخطأ.
فأمر بإطلاقه «1» .
(8/267)

117 شر السلطان يدفع بالساعات
حدّثني عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي علان الأهوازي، قال: حدّثني جدّي أبو القاسم بن أبي علان «1» ، وقد جرى حديث السلطان، وأنّ شرّه يدفع بالساعات، قال:
ورد علينا أبو يوسف البريدي «2» ، كاتب السيدة «3» ، يطالبني، وأبا يحيى الرامهرمزي «4» ، أن نضمن منه ضياع السيّدة، وتشدّد علينا ونحن ممتنعون.
إلى أن أخلى لنا مجلسه، في يوم خميس، وناظرنا مناظرة طويلة، وشدّد علينا أمرا عظيما، فكدنا معه أن نجيبه، وكان علينا في ذلك ضرر عظيم.
فقلت لأبي يحيى: يجب أن نجتهد في رفع المجلس اليوم، لنتفكر إذا انصرفنا، كيف نعمل.
قال: وكان أبو يوسف محدّثا طيّبا.
قال: فجرّه أبو يحيى، إلى المحادثة، واستلب هو الحديث، وسكت أبو يحيى.
قال: وكانت عادة أبي يوسف، في كلامه، أن يقول في كل قطعة من حديثه: أفهمت؟
(8/268)

قال: وكان كلّما قال أبو يوسف، لأبي يحيى، أفهمت؟ يقول أبو يحيى: لا، فيعيد الحديث، ويخرج منه إلى حديث آخر.
قال: فلم يزل [108] كذلك، حتى حمي النهار، وقربت الشمس من موضعنا.
فرجع أبو يوسف إلى حديث الضمان، ومطالبتنا بالعقد.
فقلت له: إنّه قد حمي النهار، وهذا لا يتقرّر في ساعة، ولكن نعود غدا، ورفقنا به، فقال: انصرفوا، فانصرفنا، واستدعانا من غد، فكتبنا إليه رقعة، إنّه يوم الجمعة، وهو يوم ضيق، ونحتاج إلى الحمام والصلاة، وقلّ أمر يبتدأ به يوم الجمعة، قبل الصلاة، فيتم، ولكنّا نباكرك يوم السبت، فاندفع.
واستدعانا يوم السبت، فصرنا إليه، وقد وضعنا في نفوسنا، الإجابة، لمّا أيسنا من الفرج.
فحين دخولنا إليه، ورد إليه كتاب، فقرأه، وشغل قلبه، وقال:
انصرفوا اليوم، فانصرفنا، ورحل بعد ساعة، لأنّ الكتاب كان يتضمن ذكر صرفه.
فبادر قبل ورود الصارف، وكفينا أمره.
(8/269)

118 كيفية إغراء العمال بأخذ المرافق
قال «1» : وورد إلينا، في وقت من الأوقات، بعض العمّال، متقلّدا للأهواز، من قبل السلطان، وقد أسماه، ونسيه الذي حدّثني.
قال: فتتبّع رسومنا «2» ، ورام نقض شيء منها، وكنت أنا وجماعة من التنّاء «3» في تلك المطالبة، وكان فيها ذهاب غلّاتنا في تلك السنة، لو تمّ علينا، وذهاب أكثر قيم ضياعنا.
قال: فقالت لي الجماعة: ليس لنا غيرك، تخلو بهذا الرجل، وتبذل له مرفقا «4» ، وتكفينا إيّاه.
قال: فجئته، وخلوت به، وبذلت له مرفقا جليلا، فلم يقبله، ودخلت عليه بالكلام في غير وجه، فما لان، ولا أجاب.
قال: فأيست منه، وكدت أن أقوم خائبا.
قال: فقلت له في عرض الكلام: يا هذا الرجل، أنت مصمّم في هذا الأمر على خطأ شديد، لأنك تظلمنا، وتزيل رسومنا، من حيث لا يحمدك السلطان، ولا تنتفع أنت بذلك.
ومع هذا، فأخبرني، هل تأمن أن تكون قد صرفت»
، وكتاب صرفك،
(8/270)

في الطريق، يرد عليك بعد يومين أو ثلاثة، فتكون قد أهلكتنا، وأثمت في أمرنا، وفاتك هذا المرفق الجليل.
ولعلّنا نحن نكفى، ويجيء غيرك فلا يطالبنا، أو يطالبنا فنبذل له هذا المرفق، فيقبله، ويكون الضرر، إنّما يدخل عليك وحدك.
قال: فحين سمع هذا، اعتقد أنّ لي ببغداد، من يكاتبني بالأخبار، وأنّني قد أحسست باختلال أمره، وأخذ يخاطبني من أين وقع لي أنّه قد وقع هذا؟
قال: فقوّيته، وثبتّه في نفسه، فأجاب إلى أخذ المرفق، وإزالة المطالبة.
فسلّمت [109] إليه رقاع الصيارف بالمال، وأخذت منه حجّة بإزالة المطالبة، وانصرفت، وقد بلغت ما أردت.
قال: فسلمت، فلما كان بعد خمسة أيام، لا تزيد يوما، ورد عليه الكتاب بالصرف.
قال: فدخلت عليه، فأخذ يشكرني، ويخبرني بما جرى، وبما ورد عليه، فأوهمته أنّي كنت قد قلت له ذلك، على أصل.
وكفيت تلك المطالبة.
(8/271)

119 يحتال على القواد الأتراك بسرّ من رأى
حدّثني أبو الطيّب محمد بن أحمد بن عبد المؤمن، الوكيل على أبواب القضاة بالأهواز، قال: قال لي بعض المكدّين «1» ببغداد، عن شيخ لهم أيسر، وعظمت حالته، حتى استغنى عن الشحذ، فكان يعلّمهم ما يعملون، فسألناه عن سبب نعمته، فقال:
كنت تعلمت السريانية، حتى كنت أقرأ كتبهم التي يصلّون بها.
ثم لبست زيّ راهب، وخرجت إلى سرّ من رأى، وبها قوّاد الأتراك، فاستأذنت على أحدهم، فأدخلت.
فقلت له: أنا فلان الراهب، صاحب العمر الفلاني «2» ، وذكرت عمرا بعيدا بالشام، وأنا راهب فيه منذ ثلاثين سنة.
وكنت نائما، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلّم، وكأنّه قد دخل إلى عمري، فدعاني إلى الإسلام، فأجبته.
فقال لي: امض إلى فلان القائد، حتى يأخذ عليك الإسلام، فإنّه من أهل الجنة، فجئت لأسلم على يديك.
قال: ففرح التركي فرحا عظيما شديدا، ولم يحسن أن يأخذ عليّ الإسلام، فتعتع في كلامه، وقطعت الزنّار وأسلمت بحضرته.
قال: فوصلني ما قيمته خمسة آلاف درهم، من الدراهم، والثياب، وغيرها وعدت إلى منزلي.
(8/272)

فلما كان من غد، بكّرت إلى قائد منهم، بزيّ الرهبان، وقلت له، كما قلت للأوّل، وأعطاني أكثر من ذلك، حتى طفت على جماعة منهم، فحصل لي من جهتهم أكثر من خمسين ألف درهم.
فلما كان في بعض تلك الأيّام، صرت إلى أحدهم، واتّفق أنّه كانت عنده دعوة، فيها وجوههم، فلمّا دخلت، وقصصت الرؤيا، وتأمّلتهم، وإذا في الجماعة واحد ممّن كنت لقيته بالرؤيا.
قال: فقامت عليّ القيامة، فلما فرغت من حديث الرؤيا، وأظهرت الإسلام على يد التركي، وأمر لي بالجائزة، وخرجت، أتبعني ذلك القائد بغلامه.
فلما بعدت عن الدار، قبض عليّ [110] ، وحملني إلى منزل التركي الأول، فقامت قيامتي، وأحسست بالمكروه، وبذلت للغلام جميع ما كان معي، ليدعني أنصرف، فلم يفعل.
وجاء التركي، وهو منتش «1» ، فقال: «يابا، حصلت تسخر بالأتراك واحد واحد، وتأخذ دراهمهم» «2» ؟
قال: فقلقت فزعا، وقلت: يا سيدي، أنا رجل صفعان، فقير، مكدّ، وأنا فعلت هذا لآخذ شيئا.
قال: فقال لي: أظننت أنّني أفضحك في بلدك؟ ما كنت بالذي أفعل، وقد جازت السخرية عليّ، حتى تجوز على الجماعة، كما جازت عليّ، ولكن أليس أنت؟
قال: فطايبته، وتصفّعت له، فضحك منّي، واستدعى بالنبيذ،
(8/273)

وشرب، ولاعبته، فاستخفّ روحي، وحبسني عنده، وخلع عليّ، وأعطاني دراهم، ودعا جماعة من قوّاد الأتراك وخرجت عليهم في زيّ الصفاعنة، فعطعطوا عليّ، وضحكوا.
فحدّثهم التركي، بالحديث، فضحكوا.
قال: فأخذت منهم، على تلك الحال، مالا ثانيا جليلا، وانصرفت إلى بغداد وابتعت به عقارا، منه أعيش إلى الآن.
تمّ الجزو الثامن ويتلوه التاسع والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين [111] بلغ مقابلة صحح بقدر الطاقة من الأصل المنقول منه.
(8/274)

[الفهارس]
محتويات الكتاب
5// مقدمة المحقق
7// مقدمة المؤلف
9/1/فرجة بين الصدر والقبر
10/2/الوزير علي بن عيسى يستحث عاملا على حمل الخراج
12/3/كيف تمكّن عبيد الله بن يحيى بن خاقان من المتوكل
17/4/الواثق ومحمد بن عبد الملك الزيات
20/5/أبو خازم القاضي يطالب الخليفة المعتضد بما في ذمته للوقف
23/6/الوزير ابن الفرات يحاسب عاملا
27/7/أبو العباس ابن الفرات يهدّد عاملا قد ألطّ بالمال
29/8/الوزير عبيد الله بن سليمان، يحرم عاملا من التصرّف
30/9/وزير ينفى لأنّه طرب لغناء صوت
32/10/أحمد بن طولون يقتل الحسن بن مخلد بالسم
35/11/جرأة وزير على أخذ أموال السلطان
38/12/الوزير ابن الفرات يستولي على أموال المصادرات
43/13/الصناعة نسب
45/14/كيف اتصل الفضل بن مروان بالمأمون ووزّر له
48/15/الخليفة المعتصم يصادر وزيره
49/16/العمارة والتوفير، أولى واجبات الوزير
51/17/السبب في علو حال عبيد الله بن يحيى بن خاقان مع المتوكل
(8/275)

54/18/ابن شيرزاد يتحدث عن عمله في ديوان الضياع الخاصة
56/19/البحتري وأبو معشر يؤصّلان عند المعتز أصلا
59/20/ضيعة البحتري في حيازة حفيد ولده
60/21/عامل يصفع عند المطالبة
61/22/حمال مستور
63/23/حامد بن العباس وبواب الوزير إسماعيل بن بلبل
65/24/عامل مصروف يختبىء في قدر هريسة
67/25/من مكارم أخلاق المأمون
68/26/الشاعر الكوفي أبو الحسن البصير
69/27/الخارجي وصلاة الجمعة
70/28/أحد القائلين بالتناسخ، يدّعي أنّ الهرة أمّه
72/29/كتاب تعزية
73/30/شاعر يقتضي ثواب مديح
74/31/الانتقال في ليلة واحدة من الحرّ إلى البرد
75/32/في العافية طعم كل شيء
76/33/القاضي أبو خازم والخليفة المعتضد
78/34/دهاء عبدون أخي صاعد بن مخلد
83/35/حدة طبع أبي العباس بن الفرات
85/36/سفه لسان حامد بن العباس
89/37/من عجائب صنع الله
90/38/الرياسة دين لا يقضى
91/39/ابن الفرات يتعصّب لآل نوبخت
92/40/المعتضد والعمال المنكوبون
(8/276)

93/41/لون من ألوان التعذيب
95/42/من شعر نفطويه
96/43/رعونة عبيد الله بن سليمان جرّت النكبة عليه وعلى أبيه
98/44/ما في الأرض أشد جناية على الوزراء والرؤساء من أصاغر أسبابهم
101/45/الأمير الموفق يأمر وزيره الجديد بتعذيب الوزير المصروف
103/46/سبيل الإنسان في المحن أن يطأطئ لها
104/47/حفلة تعذيب بمحضر الوزير
106/48/وحفلة تعذيب بمحضر الأمير
108/49/أبو زكريا السوسي يرى مناما
109/50/حفيد يزيد بن هارون يرى جده في المنام
110/51/ابن الفرات وأحد طلاب الوزارة
112/52/الحسن بن محمد الكرخي وكمال مروءته
114/53/راتب عامل فارس ثلاثة آلاف دينار في الشهر
115/54/المعتضد يعفي عاملا من المطالبة لما ظهر من مروءته
116/55/علوّ نفس الحسن بن مخلد
120/56/الوزير علي بن عيسى يرفع التكملة ويضع الخراج على الشجر.
129/57/الوزير علي بن عيسى يأمر بالرفق في الجباية
131/58/إذا تمّ أمر بدا نقصه
134/59/الجزاء من جنس العمل
136/60/الخليفة المهدي ووزيره أبو عبيد الله
139/61/معى النهروان بالفارسية
(8/277)

143/62/رقعة نفعت صاحبها وخلفه
145/63/أبو قوصرة المستخرج والوزير المصروف الحسن بن مخلد
147/64/من تواضع ارتفع
149/65/الخليل بن أحمد والراهب
151/66/عافية القاضي يستقيل من القضاء
153/67/لا تصلح الدنيا إلا بالعدل
156/68/تنحّ عن القبيح ولا ترده
158/69/جور أبي عبد الله الكوفي
160/70/أبو عبد الله الكفوي يعاقب ملاحا على سوء أدبه
164/71/هل جزاء الإحسان إلا الإحسان
170/72/آثار قديمة في سواد واسط
175/73/سيدوك الشاعر
176/74/من شعر سيدوك
178/75/محنة القرامطة
180/76/من شعر أبي القاسم الصروي
181/77/عدة جند الخلافة في أيام المقتدر
183/78/الشاعر البدوي عسّاف النميري
186/79/مناظرة بين عالمين في مجلس القاضي أبي عمر
189/80/إخوانيات
190/81/إن كان قد أخذ طالعي فقد أخذت غاربه
191/82/الحق يوفي على الجرم
194/83/يحيى بن خالد البرمكي والفضل بن الربيع
196/84/ثمن هديتين، وثمن نفط وحبّ قطن
(8/278)

197/85/من يشناك كان وزيرا
198/86/المتنبي يعارض القرآن
201/87/معقود العسل ودهن اللوز
202/88/أندلسي تتلمذ للجاحظ
204/89/الناس أربعة
205/90/كيفية صيد الفيل واستئناسه
208/91/ملك الصنف يملك ألفي فيل
209/92/الفيل يقوم بعمل الجلاد
210/93/صاحب عمان يهدي فيلا لمعز الدولة
211/94/وما قتل الأحرار كالعفو عنهم
217/95/الجبارية في الهند
218/96/البابوانية في الهند
222/97/سرق ماله بالبصرة، واستعاده بواسط
226/98/صيرفي بغدادي متحصن من اللصوص
229/99/البراءة المزوّرة
231/100/من شعر سيدوك الواسطي
232/101/من شعر أبي إسحاق الصابي
233/102/الحسن بن عون الموسوس
235/103/حكاية ديوث
236/104/حجاب شديد
237/105/كتاب المافروخي عامل البصرة
239/106/للوزير المهلبي في كلّة قصب حركتها الريح
240/107/زوّر مناما فجاء مطابقا للحقيقة
(8/279)

245/108/من مكارم البرامكة
250/109/يوسف بن وجيه صاحب عمان
257/110/وصيف كامه يحسن إلى أهل قم
261/111/وصيف كامه يعيّن عاملا على فارس
262/112/الوزير يتيم في حجر كل كاف
263/113/أبو أحمد الشيرازي والصفراء
265/114/لا يمكن التجلد على عذاب الله
266/115/الغلط الذي لا يتلافى
267/116/المهدي والمتهم بالزندقة
268/117/شر السلطان يدفع بالساعات
270/118/كيفية إغراء العمال بأخذ المرافق
272/119/يحتال على القواد الأتراك بسرّ من رأى
(8/280)

فهرس أسماء الأشخاص
أ
ابن أبان- صاعد بن هارون بن مخلد 131
ابن أبان- أبو الفضل عون بن هارون بن مخلد- كاتب المأمون على ديوان الضياع 45
ابن أحمد- الوليد- ابن أخت الراسبي 86، 87.
الأحول- أحمد بن أبي خالد- وزير المأمون 83.
الإخشيدي- كافور- ممدوح المتنبي 198
الإخشيد- محمد بن طغج- مؤسس الدولة الإخشيدية 198
الأزدي- أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد القاضي 151
الأزدي- القاضي أبو عمر محمد بن يوسف 106، 186، 188.
ابن إسرائيل- أبو جعفر أحمد بن إسرائيل الكاتب- وزير المعتز 12، 48
أسماء- أخت الوزير أبي الحسن علي بن عيسى 88
ابن الأشعث- عمرو بن محمد- جندي شاب من عمان 73
ابن أبي الأصبغ- أبو العباس أحمد بن محمد بن بدر بن أبي الأصبغ 23، 116، 117، 118
الأصبهاني- ابن جحا 190
الأصبهاني- أبو الفرج علي بن الحسين الأموي 132
ابن أعين- هرثمة- القائد العباسي 45
الأفشين 56
الإمام- إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب 197
الأمراء- أولاد المقتدر 85
الأموي- أبو الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم 24
الأموي- أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب 24
(8/281)

الأمين- أبو عبد الله محمد بن هارون الرشيد 45، 46
الأنباري- أبو الحسن الكاتب 143
الأنطاكي- داود بن عمر- الطبيب البصير 188
أنوشروان- الشاعر الضرير- المعروف بشيطان العراق 148
إيتاخ- أبو منصور ايتاخ الحاجب- القائد الخزري 14، 15، 16
ب
الباقطائي- أبو عبد الله الحسن بن علي الكاتب 12، 45، 96، 120
بجكم- أمير الأمراء- القائد التركي 108، 135
البحتري- أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي 56، 57، 58، 59
ابن بحر- أبو مسلم محمد بن بحر الأصبهاني 129، 190
ابن البختري- الأصغر- عامل مصر 65، 66
ابن البختري- أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم القاضي الداودي 186
بنو البختكاني- 132
بختيشوع بن جبرائيل بن بختيشوع بن جرجيس المتطبب 246، 247، 248، 249
ابن بختيشوع- جبريل- الطبيب 245، 247، 248
بدر- مولى المعتضد 114، 260
بدعة الكبرى- جارية عريب المأمونية 30
ابن برد- بشار- الشاعر 267
البرامكة 195، 196، 248
ابن برمك- خالد 133
البرمكي- أبو الفضل جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك- وزير الرشيد 20، 196، 245
البرمكي- الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك- وزير الرشيد، وأخوه من الرضاع 245
البرمكي- موسى بن يحيى بن خالد بن برمك 245
البرمكي- أبو الفضل يحيى بن خالد بن برمك 194، 196، 245
(8/282)

البرمكية- دنانير 248
البريدي- أبو عبد الله أحمد بن محمد- شيخ البريديين 250، 256
البريدي- أبو يوسف يعقوب بن محمد 268، 269
ابن بزيع- عمر- صاحب الدواوين في عهد المهدي 24
ابن بسطام- أبو العباس أحمد بن محمد 90، 91، 115
آل بسطام 91
البصير- أبو الحسن عبد الله بن سليمان الكوفي الضرير- المعروف بالبصير 68
ابن بطوطة- أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي (703- 779) 215
بغا- القائد التركي- مولى المعتصم- المعروف ببغا الكبير 13
ابن بغا- موسى- القائد التركي 79، 80، 81، 82
ابن أبي البغل- أبو الحسن علي بن أحمد بن يحيى 93، 145
ابن أبي البغل- أبو الحسين محمد بن أحمد بن يحيى 93، 122
ابن بقيّة- نصير الدولة أبو طاهر محمد بن محمد- وزير بختيار 209
أبو بكر- الصديق أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة التيمي، القرشي- أول الخلفاء الراشدين 62، 108، 125
ابن بلبل- أبو الصقر إسماعيل بن بلبل- وزير المعتمد والمعتضد 30، 31، 63، 98، 164، 165، 168
بوران- خديجة بنت الحسن بن سهل السرخسي- زوجة المأمون 21
البويهي- معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه 106، 108، 178، 210
البويهي- عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه 250، 253
ت
التنائي- شجاع- رسول الوزير ابن سعدان 135
التنوخي- أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول الأنباري القاضي 76
(8/283)

التنوخي- أبو الحسن أحمد بن يوسف بن البهلول 236
التنوخي- أبو القاسم علي بن محمد القاضي، والد صاحب النشوار 189
التنوخي- أبو القاسم علي بن المحسن القاضي- ابن صاحب النشوار 188
التنوخي- أبو علي المحسّن بن علي بن محمد القاضي- صاحب النشوار 3، 5، 6، 75
التواريخي- أبو بكر محمد بن عبد الملك 49، 67
توزون- أبو الوفاء- القائد التركي- أمير الأمراء 52، 106، 108
تيمور- العلامة أحمد تيمور 6
ث
ثعلب- أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار 61
الثغري- أبو سعيد محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الثغري الطائي الصامتي 56
ثمل- غلام سيف الدولة 160، 161
ابن ثوابة- أبو الحسين جعفر بن محمد- الكاتب 143
ابن ثوابة- الحسن- الكاتب 59
ابن ثوابة- الكاتب 43
ج
الجاحظ- أبو عثمان عمرو بن بحر 202، 203
الجامدي- ابن مروان 158
الجبائي- أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب 80
الجبائي- أبو علي محمد بن عبد الوهاب 201
ابن جبير- أبو منصور عبد الله بن جبير النصراني، كاتب الوزير ابن الفرات 27، 93
ابن الجراح- إبراهيم بن عيسى- أخو الوزير علي بن عيسى 104
ابن الجراح- أبو محمد الحسن بن مخلد بن الجراح- وزير المعتمد 30، 31، 32، 33،
(8/284)

34، 35، 40، 56، 81، 82، 83، 116، 117، 118، 119، 136، 145، 146
ابن الجراح- داود بن الجراح- جد الوزير علي بن عيسى 139، 196
ابن الجراح- أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد- وزير المقتدر 32، 33، 35، 56، 82، 83، 84، 147، 191، 192، 193
ابن الجراح- العباس بن الحسن بن مخلد 82
ابن الجراح- عبد الرحمن بن عيسى- أخو الوزير علي بن عيسى 106
ابن الجراح- أبو الحسن علي بن عيسى- وزير المقتدر 10، 25، 32، 39، 40، 41، 54، 60، 85، 86، 87، 88، 93، 96، 103، 110، 111، 121، 122، 123، 124، 125، 126، 128، 129، 130، 133، 139، 143، 147، 181، 190، 191، 196
ابن الجراح- عيسى بن داود بن الجراح- والد الوزير علي بن عيسى 53، 139، 196
ابن الجراح- أبو عيسى بن العباس بن الحسن بن مخلد- المعروف بابن بنت أبي نوح- صاحب ديوان الاعطاء- 82
ابن الجراح- أبو عبد الله محمد بن داود- وزير ابن المعتز- عم الوزير علي بن عيسى- صاحب كتاب الورقة- (243- 296) - 32
الجرجرائي- أبو أحمد العباس بن الحسن- وزير المكتفي والمقتدر 38، 110، 156، 157
الجرجرائي- أبو جعفر محمد بن الفضل- وزير المتوكل 12، 48، 53
ابن جرير- عثمان 109
الجزائري- السيد نعمة الله- صاحب كتاب زهر الربيع 235
الجهشياري- عبدوس بن عبد الله الكوفي- حاجب الوزير علي بن عيسى ورئيس رجالته 87
الجهشياري- أبو عبد الله محمد بن عبدوس بن عبد الله الكوفي- صاحب كتاب الوزراء 87
ابن أبي الجعد- أبو أيوب داود بن علي الكاتب 189
الجلندي- عامل المأمون على حماية الطريق 170
(8/285)

ابن جني- أبو بكر محمد بن جني الكاتب- من أعيان الكتاب 43
الجهظ- علي بن الحسن- أحد العمال 29
جواد- الدكتور مصطفى جواد 49، 59، 205، 258
ابن الجوزي- أبو الفرج عبد الرحمن بن علي 62
ح
الحاجب- سعيد 56
ابن الحارث- أبو الفضل عبيد الله بن عبد الله الكاتب- من وجوه العمال 147
الحافي- أبو نصر بشر بن الحارث بن علي بن عبد الرحمن المروزي 61
ابن أبي حامد- أبو حامد محمد بن أبي بكر بن أبي حامد القاضي 190، 200
ابن أبي حامد- أبو علي محمد بن محمد بن أبي بكر 190، 198، 200
ابن حبش- أحمد بن محمد- أبوه ابن خالة الوزير ابن الفرات 192
ابن أبي الحديد- عز الدين أبو حامد عبد الحميد بن هبة الله بن أبي الحديد المدائني- شارح نهج البلاغة 56
الحراتي- أبو الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الحراني الطبيب 245
الحربي- أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن بشير بن عبد الله البغدادي 75
الحرمي- صافي الخادم- مولى المعتضد 21، 156
ابن الحريش- عباد 240، 241، 243
ابن الحسين- القاضي أبو القاسم عمر بن حسان 235
ابن حفص- جعفر بن حفص 43، 51
ابن حفص- أبو الفرج محمد بن جعفر بن حفص الكاتب 43، 51
الحكيمي- أبو عبد الله أحمد بن محمد الكاتب 10
ابن حماد- أبو أحمد الموصلي- عامل الموصل 111
الحمامي- بدر الكبير- عامل المعاون بفارس وكرمان 126
(8/286)

الحمداني- ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن عبد الله 106، 158
الحمداني- الأمير سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله 160، 161، 162، 199
ابن حمدون- أبو الحسن محمد بن محمد بن حمدون الواسطي 104
حمدويه- محمد بن عيسى، صاحب الزنادقة 267
ابن حمدي- اللص البغدادي المشهور 55
الحموي- أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي 10، 23، 230
الحميري- يزيد بن منصور- خال المهدي 194
ابن حنبل- الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني 61، 109
ابن الحواري- أبو القاسم علي بن محمد 86
خ
أبو خازم- القاضي عبد الحميد بن عبد العزيز- قاضي المعتضد 20، 21، 22، 76، 77
خاطف- أخت السيدة أم المقتدر 39
ابن خاقان- أحمد- صاحب تلهوار، قصبة نهر الفضل بواسط 171، 172
ابن خاقان- أبو محمد عبد الله بن يحيى بن خاقان 51، 53
ابن خاقان- أبو الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان- وزير المتوكل والمعتمد 12، 13، 14، 15، 36، 42، 51، 52، 53، 197
ابن خاقان- يحيى بن خاقان- والد الوزير عبيد الله بن يحيى 51
الخاقاني- محمد بن عبيد الله- الوزير 93، 121
الخال- غريب- خال المقتدر 54، 181
ابن الخال- هارون بن غريب- القائد- ابن خال المقتدر 106، 181، 182
ابن خالويه- أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه النحوي 199
الخراساني- أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم 197
الخرمي- بابك- الثائر الفارسي 56
(8/287)

الخزري- سيما- أحد القواد الذين شاركوا في فتح فارس 121
ابن الخصيب- أحمد بن الخصيب- وزير المنتصر 49، 83
الخصيبي- أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن الخصيب- وزير المقتدر 106، 107، 134
الخصيبي- أبو الحسين عبد الواحد بن محمد- ابن اخت إبراهيم بن المدبر 131، 133
ابن خلكان- القاضي شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر 62
الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الأزدي- الفراهيدي
خمارويه- أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون 34
الخيزران- أم الهادي والرشيد 154
د
ابن داود- أبو عبد الله يعقوب بن داود بن عمر السلمي- وزير المهدي 136
دستنبويه- أم ولد المعتضد 39
الدقيقي- أبو زكريا يحيى بن عبد الله- قهرمان الوزير ابن الفرات 86
أبو دلامة- زند بن الجون الأسدي الشاعر 152
ابن الدلو- أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن محمد بن قرعة البخاري 178
ر
ابن رائق- أبو بكر محمد بن رائق- أمير الأمراء 25، 134
راشد- صاحب جيش الموفق 98، 100
الراضي- أبو العباس محمد بن أبي الفضل جعفر المقتدر 9، 59، 60، 106، 181، 198، 245
راغب- غلام الموفق 107
(8/288)

الرامهرمزي- أبو يحيى زكريا بن محمد بن زكريا- 268، 269
الربيع بن يونس- الحاجب 138، 195
ابن الربيع- أبو العباس الفضل بن الربيع 194، 195
ابن رسته- أبو علي أحمد بن عمر بن رسته- صاحب الأعلاق النفيسة 162
ابن رستم- أحمد بن محمد بن رستم- ضامن فارس 123، 126، 129، 190
الرشيد- أبو جعفر هارون بن أبي عبد الله محمد المهدي 25، 43، 45، 46، 136 154، 194، 195، 196، 248
الرومي- سرجون- صاحب الديوان في أيام معاوية بن أبي سفيان 24، 25
ز
الزبير- أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي 222
الزجاج- أبو إسحاق إبراهيم بن السري 49، 95، 125، 262
الزغل- إسماعيل بن ثابت- متقلد طساسيج بادوريا وقطربل ومسكن 164، 165، 166، 167، 168
أبو زنبور- الحسين بن أحمد بن رستم المادرائي الكاتب 262
زنجي- أبو القاسم إسماعيل بن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن صالح- كاتب الوزير ابن الفرات 112
ابن زنجي- أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن صالح- كاتب الوزير ابن الفرات 30، 112
زيات- حبيب- الباحث المحقق 10
ابن الزيات- محمد بن عبد الملك- وزير المعتصم والواثق والمتوكل 17، 18، 19
ابن زياد- عبيد الله 27
ابن زيد- أبو خلف سلام بن زيد الأندلسي- تلميذ الجاحظ 202، 203
(8/289)

س
السادة- السيدة أم المقتدر، وخاطف، ودستنبويه أم ولد المعتضد 39، 40
الساماني- أحمد بن إسماعيل- صاحب خراسان 260
سبكتكين- القائد التركي- حاجب معز الدولة 124
سبكرى- المتغلب على فارس- غلام عمرو بن الليث الصفار 122، 260
ابن السراج- أبو الحسن علي بن نظيف البغدادي البهشمي 70
ابن السراج- الواسطي 170
ابن سريج- أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي- الملقب بالباز الأشهب- فقيه الشافعية 186، 187
ابن سعد- أبو الحسين أحمد 190
ابن سعد- أبو عبد الله أحمد بن سعد- مولى بني هاشم 151
ابن سعدان- أبو عبد الله الحسن بن أحمد بن سعدان- الوزير 135
السفاح- أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس 131، 197
سلامة- حاجب الوزير علي بن عيسى 88
أبو سلمة- حفص بن سليمان الخلال- وزير السفاح 197
ابن سلمة- نجاح الكاتب 43، 51
ابن سهل- أبو محمد الحسن بن سهل- قائد المأمون 20، 21، 67، 154
ابن سهل- أبو بكر محمد بن سهل الواسطي- من وجوه الشهود بواسط 170
ابن سهل- محمد بن عبد الله بن محمد بن سهل بن حامد الواسطي 170
سودانية- أبو حامد محمد بن الحسن- صاحب ديوان الضياع الخاصة 54
السوسي- أبو زكريا يحيى بن سعيد السوسي- المعروف بخلف 108
سوشيخ- بائع الأرز باللبن 147
السيدة- شغب- مولاة المعتضد- أم المقتدر 39، 85، 268
سيدوك- أبو طاهر عبد العزيز بن حامد بن الخضر الواسطي الشاعر 175، 176، 231
(8/290)

السيرافي- الفضل بن باهماد 211
ابن سيف- العامل على بادوريا 60
ش
ابن شاذان- أبو الحسن زكريا بن يحيى بن محمد الجوهري 149
شارية- المغنية 31
الشالجي- أبو حازم عبود بن مهدي بن محمد أمين بن أحمد الشالجي، المحامي- محقق كتاب النشوار 3، 6
ابن شانده- أبو علي محمد بن محمد بن إسماعيل الواسطي 75
ابن شاهين- أبو الحسن عمران بن شاهين- أمير البطيحة 231
ابن شبيب- ملاح من بغداد 160
ابن شجاع- أبو الحسن محمد بن شجاع- المتكلم البغدادي 201
الشواف- الشيخ عبد السلام البغدادي 189
الشيرازي- أبو الفضل أحمد بن الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر 122
الشيرازي- أبو الفضل عبد الرحمن بن جعفر 122، 123
الشيرازي- أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر 122، 263
الشيرازي- ابن مكتوم- متقلد سيراف لعماد الدولة البويهي 250، 251، 253، 254، 255، 256
ابن شيرزاد- أبو بكر أحمد بن صالح القطربلي 36، 37
ابن شيرزاد- أبو الحسين زكريا بن يحيى 54
ابن شيرزاد- أبو جعفر محمد بن يحيى بن زكريا الكاتب 54، 55، 181، 182
ابن شيرزاد- يحيى بن زكريا- صاحب ديوان ضياع غريب الخال 54، 55
(8/291)

ص
الصابي- أبو إسحاق إبراهيم بن (هليل) هلال 232
الصابي- أبو الحسين، وأبو الحسن، هلال بن المحسّن، صاحب كتاب الوزراء 10، 129، 245
صاحب الزنج- علي بن محمد الورزنيني- العلوي
ابن صبيح- أبو جعفر أحمد بن يوسف بن صبيح- وزير المأمون 197
أخو أبي صخرة- أبو عيسى أحمد بن محمد بن خالد الكاتب 98، 164، 169
الصروي- أبو القاسم عبيد الله بن محمد 180، 183
الصفار- عمرو بن الليث 240، 241، 242، 260
الصفار- يعقوب بن الليث 120، 121
الصولي- أبو إسحاق إبراهيم بن العباس 136
الصولي- أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله 106
الصيرفي- ابن عبدان- أحد صيارفة درب عون 222
ط
ابن طاهر- الأمير أبو العباس عبد الله بن طاهر بن الحسين 115
الطاهري- أبو الحسن إسحاق بن إبراهيم- أمير بغداد- المصعبي
ابن طاووس- رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس الحسني الحسيني- صاحب كتاب فرج المهموم 6
ابن طولون- أبو العباس أحمد بن طولون- صاحب مصر والشام 32، 33، 34
الطولوني- يمن- أحد القواد الذين شاركوا في فتح فارس 121
الطويل- أبو الحسين أحمد بن محمد بن طريف المعروف بأحمد الطويل- متقلد حصن مهدي 237
(8/292)

ظ
الظاهري- أبو بكر محمد بن داود بن علي بن خلف- صاحب كتاب الزهرة 186، 187
ع
عافية- القاضي عافية بن يزيد بن قيس الأزدي- قاضي المهدي 151، 152
أبو عباد- ثابت بن يحيى بن يسار- وزير المأمون 83
ابن العباس- أبو محمد حامد بن العباس- وزير المقتدر 17، 48، 63، 74، 85، 86، 87، 88، 101، 104، 110، 111، 114، 153، 155، 181
ابن عبد الحميد- سليمان، كاتب السيدة أم المقتدر 191
ابن عبد السلام- العدل 86
العبدسي- أبو القاسم بن حوط- رئيس تلهوار بواسط 172
ابن عبد الصمد- أبو طاهر محمد- صاحب الشرطة ببغداد في عهد المعتضد 182
ابن عبد القدوس- أبو الفضل صالح بن عبد القدوس بن عبد الله بن عبد القدوس الأزدي الجذامي- مولاهم 267
ابن عبد الله- أبو المنذر النعمان بن عبد الله- صاحب ديوان كور الأهواز 122، 123، 126، 129
ابن عبد المؤمن- أبو الطيب محمد بن أحمد بن عبد المؤمن- الوكيل على أبواب القضاة بالأهواز 272
العبدي- أبو الوزير عمر بن المطرف بن محمد- صاحب دواوين الأزمة في عهد الرشيد 25
العبرتائي- محمد بن جعفر- فاتح فارس في عهد المقتدر 121
ابن عبيد الله- أبو أحمد النعمان 229
أبو عبيد الله- معاوية بن يسار- وزير المهدي 136، 137، 138، 195
ابن عثمان- جرير 109
(8/293)

عريب- المأمونية- جارية المأمون 30، 31
العسكري- أبو سلمة- أحد غلمان أبي علي الجبائي 201
العصفري- الشاعر 147
عضد الدولة- أبو شجاع فناخسرو بن أبي علي الحسن بن بويه 124، 135، 200، 209
ابن علائة- أبو اليسير محمد بن عبد الله بن علاثة بن علقمة العقيلي 151
ابن أبي علان- عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي علان الأهوازي 268، 270
ابن أبي علان- أبو القاسم عبد الله بن محمد بن مهرويه 268
العلوي- إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب 136
العلوي- عبد الله بن جعفر الطيار بن أبي طالب 58
العلوي- علي بن محمد الورزنيني- صاحب الزنج 153، 154
علي- أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام 62، 108، 109
العقيلي- أبو إسحاق إبراهيم بن نافع- الملقب بابن البارد الطوق- أمير نهر الأيسر بين البصرة والأهواز 178
العماني- ابن حبش- عامل الزاب ونهر سابس 27
عمر- الفاروق، أبو حفص عمر بن الخطاب العدوي القرشي- ثاني الخلفاء الراشدين 24، 108، 125
ابن أبي عمر- أبو الحسن أحمد بن محمد الكاتب- كاتب المحسن بن الفرات 134، 135، 136
أبو عمر القاضي- محمد بن يوسف الأزدي- الأزدي
ابن عمران- هارون، الجهبذ 38، 41، 42
ابن عمرو- أبو محمد الحسن بن عمرو 202
ابن العميد- أبو الفضل محمد بن الحسين 200
ابن عنان- أبو الهيجاء عقبة بن عنان الحاجب- عامل البندنيجين للبويهيين 135
ابن عودة- الحسن- موسوس من أولاد الكتاب في بيمارستان البصرة 233
(8/294)

ابن عياش- أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن الحارث بن عياش الجوهري البغدادي 147، 148
ابن عيسى- محمد بن عيسى- أحد كتاب القرن الرابع الهجري 72
أبو العيناء- محمد بن القاسم بن خلاد 83
غ
ابن غسان- أبو الحسن محمد بن غسان بن عبد الجبار بن أحمد الداري، الصيدلاني، الطبيب، البصري 68، 69، 232، 233
الأمير غياث الدين- ابن الخليفة- الوافد على سلطان الهند محمد بن تغلق 215
ف
فارس- داية المكتفي 156
فتيح- خادم الأفشين- ولي فارس للمقتدر 121
ابن الفرات- أبو العباس أحمد بن محمد 23، 24، 25، 26، 27، 28، 30، 63، 83، 84، 90، 104، 197، 262
ابن الفرات- جعفر بن محمد- أخو الوزير علي بن محمد بن الفرات 60
ابن الفرات- أبو الحسن علي بن محمد- وزير المقتدر 9، 12، 23، 24، 26، 27، 29، 38، 39، 40، 60، 78، 85، 89، 90، 91، 93، 106، 107، 110، 111، 112، 114، 115، 121، 122، 124، 133، 147، 156، 181، 182، 191، 192، 193
ابن الفرات- أبو الفتح الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات- المعروف بابن حنزابة وزير الراضي 59، 60
ابن الفرات- أبو أحمد المحسن بن الوزير أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات 104،
(8/295)

134، 136، 181، 182
ابن فراس- أبو الحسن محمد بن فراس الكاتب 156، 157
الفراهيدي- أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الأزدي 149، 150
ابن فرجويه- أبو بشير عبد الله بن الفرخان- كاتب الوزير ابن الفرات 38
ابن فرناس- مختار- من حي إبراهيم من بني معاوية بن حزن 178
ابن الفلاس- أبو بكر- شيخ بغدادي- من الإمامية 70
فلان- الحائك بشيراز 261.
ابن فنحاس- يوسف، الجهبذ 38، 41، 42
ق
القاهر- أبو منصور محمد بن المعتضد 52، 181، 182
ابن قرابة- أبو بكر العطار 106
القرمطي- أبو طاهر سليمان بن الحسن الجنابي 181، 182
القرمطي- عمار 134
القشوري- نصر الحاجب 182
القنائي- أبو عبد الله حمد بن محمد الكاتب 32، 40، 136
أبو قوصرة- المستخرج- من بقية القواد المتقدمين 145
والد أبي قيراط- عبد الله بن هشام- والد أبي القاسم هشام المعروف بأبي قيراط 65
ابن أبي قيراط- أبو الحسين علي بن هشام بن عبد الله- الكاتب البغدادي 9، 10، 12، 13، 17، 20، 23، 27، 29، 30، 32، 35، 38، 39، 43، 45، 49، 51، 56، 59، 60، 61، 63، 65، 67، 76، 77، 83، 85، 86، 89، 90، 91، 92، 93، 95، 96، 98، 101، 103، 104، 109، 110، 112، 116، 120، 126، 131، 134، 136، 139، 143، 145، 147، 149، 151، 156، 164، 181، 191، 194، 196، 197، 202، 204، 205، 211، 217، 222،
(8/296)

226، 229
أبو قيراط- أبو القاسم هشام بن عبد الله الكاتب 9، 20، 27، 39، 63، 65، 76، 85، 86، 89، 90، 112، 116، 120، 164، 217
ابن قيس الرقيات- عبيد الله بن قيس بن شريح بن مالك، الشاعر 58
ك
كامه- وصيف كامه- القائد الديلمي 121، 257، 258، 259، 260، 261
الكرخي- جعفر بن الحسن بن علي بن محمد 143
الكرخي- أبو أحمد الحسن بن علي بن محمد الكاتب 110، 111، 112، 143
الكرخي- أبو محمد القاسم بن علي بن محمد 110، 143
الكرخي- محمد بن الحسن بن علي بن محمد 143
الكسكري- يحيى بن عبد الله 65
أم كلثوم- قهرمانة الوزير ابن الفرات 86
الكلوذاني- عمر- صاحب الزنادقة 267
الكوفي- أبو عبد الله أحمد بن علي بن سعيد 158، 159، 161، 163
ل
لشكروز- القائد الديلمي- من قواد معز الدولة 124
لؤلؤ- من قواد الإخشيدية 198
ليث- جهبذ أبي أيوب سليمان بن وهب، وولده أبي القاسم عبيد الله، لما كانا يكتبان للموفق 99، 100
(8/297)

م
ابن الماشطة- أبو الحسن علي بن الحسن الكاتب 17
المافروخي- أبو محمد عبد العزيز بن أحمد- متقلد البصرة 237، 238
المأمون- أبو العباس عبد الله بن أبي جعفر هارون الرشيد 20، 45، 46، 47، 50، 67، 136، 194، 197
ماني- مؤسس مذهب المانوية، القائل بمبدأ الخير والشر، والنور والظلمة في الوجود 266
المبرد- أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي 49، 67، 149
مبشر- مولى أبي القاسم علي بن محمد التنوخي القاضي، والد صاحب النشوار 189
المتقي- أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر 52، 108، 245
المتنبي- أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي الكندي، الشاعر الحكيم 198، 199، 200
المتوكل- أبو الفضل جعفر بن أبي إسحاق محمد المعتصم 12، 13، 14، 15، 16، 36، 43، 51، 52، 56، 57، 80، 136، 197، 246، 247، 249
ابن مجاهد- أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد 204
ابن محمد- الصقر، الكاتب 191
محمد- رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم 5، 109، 272، 274
ابن محمد- أبو الوفاء، أحد أصحاب عضد الدولة 135
ابن مخلد- صاعد، كاتب الموفق 36، 48، 78، 80، 81، 82، 97، 99، 100، 101، 102، 103، 104، 105، 145، 153
ابن مخلد- عبدون- أخو صاعد بن مخلد 79، 80
ابن المدبر- أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبيد الله الكاتب 131
ابن المدبر- أبو صالح 145
مرجليوث- د. س. المستشرق المعروف 5
مرداويج- 181
ابن المرزبان- علي بن المرزبان- عم عبد الله بن المرزبان، والد أبي الفضل الشيرازي
(8/298)

الكاتب 240، 241، 243
ابن المرزبان- أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المرزبان الشيرازي الكاتب 239، 240، 245، 250، 257
المرمد- أبو يوسف عبد الرحمن بن محمد بن سهل- صاحب مجلس الحساب في ديوان الضياع الخاصة 54
ابن مروان- أبو الفضل بن الفضل بن مروان 17، 53
ابن مروان- الفضل بن مروان- وزير المعتصم 17، 19، 43، 45، 47، 48، 49، 51، 53، 196
مزدك- داعية مذهب الشيوع في الأموال والنساء 266
المستعين- أبو العباس أحمد بن محمد بن المعتصم 16، 57، 246
المستكفي- أبو القاسم عبد الله بن علي المكتفي 245
المصعبي- أبو الحسن إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب 14، 16، 67
ابن المعتز- أبو العباس عبد الله بن المعتز 38، 54
المعتز- أبو عبد الله محمد بن جعفر المتوكل 12، 15، 16، 56، 57، 58، 78، 80، 96، 246
المعتصم- أبو إسحاق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد 13، 14، 17، 19، 46، 47، 48، 49، 136، 196
المعتضد بالله- أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الموفق طلحة بن المتوكل 10، 20، 21، 22، 29، 34، 75، 76، 77، 92، 110، 114، 115، 168، 169، 260
المعتضدي- فاتك- أحد القواد الذين شاركوا في فتح فارس 121
المعتمد- أبو العباس أحمد بن جعفر المتوكل 21، 29، 30، 31، 33، 35، 36، 37، 63، 65، 96، 97، 116، 145، 197
أبو معشر- جعفر بن محمد بن عمر البلخي 56، 57
المطيع- أبو القاسم الفضل بن جعفر بن المقتدر 52، 245
(8/299)

ابن المغلس- أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن محمد الداودي 186
مفلح الأسود- خادم المقتدر 106، 193
المقدسي- أبو عبد الله محمد بن أحمد البشاري- صاحب كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم 10
ابن مقلة- الوزير أبو علي محمد بن علي بن الحسين، الكاتب، الوزير 106، 107، 108، 263، 264
المكتفي- أبو محمد علي بن أبي العباس أحمد المعتضد 38، 110، 156، 157
ابن مكتوم- متقلد سيراف لعماد الدولة البويهي- الشيرازي
ابن مناذر- أبو جعفر محمد بن مناذر، اليربوعي بالولاء 195
ابن المنتاب- أبو علي 74
المنتصر- أبو جعفر محمد بن جعفر المتوكل 16، 49
المنجم- أبو الحسن علي بن هارون 245، 264
المنجم- أبو الحسن علي بن يحيى 246
المنجم- أبو عبد الله هارون بن علي 246
المنصور- أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس 123، 131، 133، 136، 138، 267
المهتدي- أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر هارون الواثق 12، 65، 78، 96، 116، 197، 246
المهدي- أبو عبد الله محمد المهدي بن أبي جعفر عبد الله المنصور 24، 123، 125، 136، 137، 138، 151، 154، 195، 267
المهلبي- أبو محمد الحسن بن محمد- وزير معز الدولة 175، 210، 239
ابن المهندس- أبو الحسن محمد بن محمد بن عثمان الأهوازي، الكاتب 158، 160
المورياني- أبو أيوب سليمان بن مخلد الخوزي- وزير المنصور 131، 132، 133
أم موسى الهاشمية- قهرمانة المقتدر 85، 86
الموفق- أبو أحمد طلحة بن أبي الفضل جعفر المتوكل 33، 34، 36، 78، 96،
(8/300)

97، 98، 99، 100، 101، 102، 103، 104، 105، 107، 153
مؤنس الخادم- المظفر- مولى المعتضد- صاحب بيت مال المقتدر 38، 39، 181
المؤيد- إبراهيم بن المتوكل 16
ميمون- 45
ن
نازوك- أبو منصور- القائد التركي 181، 182
الناصر لدين الله- الأمير أبو أحمد طلحة بن المتوكل- الموفق
نافذ- خادم أبي محمد الحسن بن مخلد بن الجراح 35، 37
أبو نافع- ابن بنت يزيد بن هارون 109
النجار- عمر- من أهل تلهوار، بواسط 172، 173
النجار- ابن عمر النجار- من أهل تلهوار، بواسط 173
ابن نظيف- أبو الحسن علي بن نظيف البغدادي- ابن السراج
نفطويه- أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي، من أحفاد المهلب 61، 95، 109، 197
النميري- عساف- الشاعر البدوي 183
النهيكي- عامل بادوريا 23، 25
آل نوبخت- 91
أبو نوح- عيسى بن إبراهيم- من كبار الكتاب- صاحب ديوان الضياع 78، 79، 81، 82
ابن بنت أبي نوح- أبو عيسى بن العباس بن الحسن بن مخلد- ابن الجراح
النوشجاني- صاحب خبر المعتضد 114، 115
(8/301)

هـ
الهادي- أبو محمد موسى بن أبي عبد الله محمد المهدي 154
ابن هارون- أبو خالد يزيد هارون بن زاذان السلمي 109
أبو الهذيل 261
ابن هلال- أحمد بن هلال- صاحب عمان 255
والواثق- أبو جعفر هارون بن المعتصم 17، 18، 19، 48، 49، 136، 246
ابن وجيه- يوسف بن وجيه- صاحب عمان 250، 251، 252، 253، 255، 256
ابن وصيف- صالح- القائد التركي 12، 78
وصيف- القائد التركي 13، 14، 15، 53
وكيع- أبو بكر محمد بن خلف بن حيان الضبي القاضي 20، 125
ابن وهب- الحسن بن عبيد الله بن سليمان بن وهب 143
ابن وهب- الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان 106
ابن وهب- أبو أيوب سليمان بن وهب 65، 66، 83، 96، 97، 98، 99، 101، 102، 103، 104، 105، 107، 116، 124، 145، 197
ابن وهب- أبو أحمد عبد الوهاب بن الحسن بن عبيد الله بن سليمان بن وهب 134
ابن وهب- أبو القاسم عبيد الله بن سليمان 23، 25، 26، 27، 29، 64، 65، 66، 76، 77، 83، 92، 96، 97، 98، 99، 101، 102، 103، 104، 105، 107، 110، 114، 115، 116، 143، 145، 164، 165، 167، 168، 169، 197، 262،
ابن وهب- أبو الحسين القاسم بن عبيد الله بن سليمان 25، 156، 157
(8/302)

ي
ابن يزداد- عبد الرحمن بن محمد بن يزداد- صاحب ديوان الخراج 23
اليزيدي- أبو عبد الله محمد بن العباس 194
اليزيدي- أبو محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي 194
أبو يوسف القاضي- يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري 151
(8/303)

فهرس جغرافي
أ
51/17/أرمينية الصغرى
51/17/أرمينية الكبرى
202/88/الأندلس
202/88/أندلوسيا
202/88/ايبريا
ب
23/6/بادوريا
198/86/بادية السماوة
117/55/باسورين
12/3/باقطايا
10/2/براز الروز
46/15/البردان
10/2/بلدروز
251/109/البهنسا
205/90/بومبي
ت
205/90/تانه
51/17/تفليس
171/72/تل هواره
ج
158/69/الجامدة
12/3/جرجرايا
117/55/جنبلاء
252/109/جهرم
222/97/الجوبة
170/72/جيذا
ح
61/22/الحربية
237/105/حصن مهدي
198/86/حلب
198/86/حمص
162/70/حيّ العشارين
خ
51/17/خلاط
(8/304)

د
222/97/دار الزبير
192/82/دستميسان
134/59/ديار مضر
32/10/ديرقنى
ر
171/72/رصافة واسط
ز
27/7/الزاب الأسفل
27/7/الزاب الأعلى
182/77/زبارا
س
242/107/سابور
84/35/سميا
67/25/السواد
117/55/السيب الأسفل
117/55/السيب الأعلى
ش
240/107/شيراز
ص
154/67/الصلح
ط
166/71/طنجة
ع
121/56/عبرتا
ق
117/55/قسين
20/5/القصر الحسني
257/110/قم
ك
65/24/كسكر
(8/305)

م
162/70/المأصر
154/67/المبارك
10/2/مندلي
131/58/موريان
170/72/الميمون
ن
31/9/النباج
27/7/النعمانية
178/75/نهر الأيسر
164/71/نهر بوق
164/71/نهر بين
27/7/نهر سابس
171/72/نهر الفضل
237/105/نهر المسرقان
(8/306)

فهرس عمراني
أ
166/71/الأبعد والبعيد
247/108/أبلس
247/108/الأبنوس
253/109/الأجانة
184/78/الاحتذاء
72/29/الاحتساب
88/36/احتفى المرعى
166/71/الآخر والأخير
18/4/الارتفاع
132/58/ازاحة العلة
149/65/أزف
78/34/استخفوا به
154/67/الاسناية
176/74/الأصص
201/87/إطريفل
78/34/أعضّه
67/25/أعمال المعاون
185/78/الأقعم
27/7/ألطّ
99/44/الأنزال
52/17/أورطه
185/78/أوسم
244/107/أوغر العمل
ب
259/110/البدرة
219/96/برّا
86/36/البظراء
101/45/بلح
174/72/البني
70/28/البهشمي
109/50/البؤسى
39/12/بيت مال الخاصة
ت
103/46/تجهّمه
145/63/تخبّر له
129/57/تشك
(8/307)

128/56/تشوّف
27/7/التصحيح
115/54/التصحيح
226/97/تصدّق
9/1/التصرف
229/99/التصرف
158/69/تظلمه حقه
259/110/تطاول له
226/97/تعامى
179/75/التعزير
124/56/تعفن
270/118/التنّاء
70/28/التناسخ
215/94/التنبول
78/34/التنطّع
228/98/التوابون
127/56/تورّدت
128/56/توكّف الخبر
ث
119/55/الثياب الدبيقية
ج
184/78/جدل
265/114/الجلّاد
39/12/الجهبذ
ح
266/115/الحد
72/29/الحدث
184/78/الحذم
184/78/الحراجيج
250/109/الحرب والخراج
185/78/الحرف
252/109/الحصير الطبراني
103/46/الحفيظة
خ
117/55/خافور
184/78/الخدمة
253/109/الخرداذي
85/36/الخريطة
254/109/الخريطة
74/31/الخزوز
د
246/108/الدبداب
(8/308)

223/97/الدرابات
52/17/الدست
222/97/الدقاق
35/11/دواوين الأزمّة
24/6/الديوان
ر
128/56/راعى الأمر
213/94/ربّ القوم
254/109/الربعة
184/78/الرتم
232/101/ردّه إلى قيمته
270/118/الرسوم
152/66/الرطب السكر
244/107/روزات
98/44/الريث
ز
249/108/الزبدية
172/72/الزبل
227/98/الزبية
252/109/الزرفين
120/56/زرنج
266/115/الزندقة
161/70/زيك
س
39/12/السادة
154/67/السانية
184/78/ساهمة
107/48/السبنيّة
120/56/السجزية
251/109/السدّة
184/78/السريح
222/97/السفتجة
202/88/السكاك
172/72/سلاليم
224/97/السميرية
154/67/السناية
241/107/السواد
265/114/السوط
268/117/السيدة
ش
261/111/الشاكري
170/72/شال
221/96/شال
182/77/الشحن
(8/309)

185/78/شزّب
119/55/الشستجة
252/109/الشعر المزرفن
140/61/الشيراز
174/72/الشيم
ص
32/10/صاحب الديوان
221/96/الصحبة
52/17/الصدر
211/94/الصدرة
270/118/الصرف
120/56/الصفارية
35/11/الصك
44/13/الصناعة
208/91/الصنف
ض
265/11/ضرب الضرس
161/70/ضرط من فمه
ط
280/158/الطريف
10/2/الطسوج
129/57/الطسوق
172/72/الطف
71/28/الطنز
ظ
163/70/ظلال الزورق
ع
32/10/العامل
76/33/العامل
127/56/العبرة
79/34/العتيد
86/36/العدل
150/65/العرض
232/101/عرّفه مقامه
79/34/في عز نفس
265/114/العصا
118/55/عطا إلى الشيء
161/70/عفطة
86/36/العفلاء
272/119/العمر
229/99/في العمل
264/113/عينا
(8/310)

غ
124/56/الغبيراء
184/78/الغروب
185/78/الغشمشم
140/61/الغضارة
177/74/غطّ
216/94/الغمز
ف
251/109/الفازة
52/17/الفرش الكامل للبيت
161/70/فص
248/108/الفصد
ق
172/72/القارة
49/16/القارية
253/109/القدس
125/56/قرض
125/56/قرظ
94/41/القزع
156/68/قطع السواد
118/55/أبو قلمون
162/70/القلوس
151/66/القمطر
ك
61/22/الكارة
264/113/الكافور
139/61/الكامخ
214/94/كفّر
239/106/الكلّة
213/94/كما أذكر
184/78/كمم
124/56/الكناديج
ل
153/67/لا يقع مني
74/31/لبادة
185/78/اللمام
م
116/55/ماظّه
79/34/المال الصامت
146/63/المباهتة
251/109/المتصرفون
(8/311)

59/20/متكهل
247/108/المحرق
74/31/المحشو
179/75/المحنة
52/17/المخاد
184/78/المخدم
185/78/المخرم
185/78/المخلصات
252/109/المداخن
253/109/المدافات
270/118/المرفق
253/109/المركن
172/72/المرور
218/96/المستقفي
264/113/المسك
189/80/المشرعة
185/78/المشوي
52/17/المصليات
253/109/المطاولة
91/39/معضه
265/114/المقرعة
146/63/المكابرة
272/119/المكدي
273/119/المنتشي
246/108/المهرجان
142/61/الموبذ
ن
239/106/الناموسية
124/56/نبق العجم
84/35/النتفة
44/13/النحلة
52/17/النخّ
264/113/الند
44/13/النعمة
161/70/النفاطون
222/97/النقدة
81/34/النقيب
105/47/نهكه
114/53/النوشجاني
246/108/النيروز
هـ
21/5/ها
249/108/هاتم
147/64/الهرل
99/44/هسه نشوف
148/64/هواي
69/27/الهوينا
(8/312)

21/5/هي
و184/78/الوحف
39/12/الورق
185/78/الوسمي
119/55/الوشي
125/56/وصفاه
216/94/ونّسوه
ي
52/17/يان
78/34/يحچي زايد
229/99/يولع به
(8/313)

فهرس الكتب والمراجع
أحسن التقاسيم، في معرفة الأقاليم: أبو عبد الله محمد بن أحمد المقدسي البشاري- طبع ليدن 1906
أدب الغرباء: الأصبهاني، أبو الفرج علي بن الحسين الأموي- تحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد- طبع بيروت 1972
الأعلاق النفيسة: ابن رسته- أبو علي أحمد بن عمر- طبع ليدن 1891
الأعلام: الزركلي، خير الدين- الطبعة الثالثة
الأغاني: الأصبهاني، أبو الفرج علي بن الحسين الأموي- طبعة دار الكتب بالقاهرة 21 مجلدا
الألفاظ الفارسية المعربة: أدي شير- المطبعة الكاثوليكية- بيروت
الأنساب: السمعاني، أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي- نشر المستشرق د. س. مرجليوث- طبع لندن 1913
الأوراق: الصولي، أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله- أخبار الراضي والمتقي.
البصائر والذخائر: أبو حيان التوحيدي، علي بن محمد بن العباس- تحقيق الدكتور إبراهيم الكيلاني- طبع دمشق.
تاج العروس- قاموس: الزبيدي، محب الدين أبو الفيض السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي- طبع دار صادر ببيروت
تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت- بيروت
تاريخ الحكماء: ابن القفطي، جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف- تحقيق ليبرت- طبع ليبزك 1903
تاريخ الرسل والملوك: الطبري، الإمام أبو جعفر محمد بن جرير- طبع دار المعارف بمصر
تجارب الأمم: الجزء الأول، للمدة 295- 329، والجزء الثاني للمدة 329- 369،
(8/314)

ابن مسكويه، أبو علي أحمد بن محمد- تحقيق آمدروز- طبع مصر 1914
تجارب الأمم- الجزء السادس، للمدة 198- 251: ابن مسكويه، أبو علي أحمد بن محمد- ذيل على الجزء الثالث من كتاب العيون والحدائق في أخبار الحقائق، لمؤلف مجهول- تحقيق ذي غويه ودي يونغ- طبع بريل 1869
تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء: الصابي، أبو الحسن هلال بن المحسن- تحقيق عبد الستار أحمد فراج- طبع البابي الحلبي بالقاهرة 1958
تحفة النظار، في غرائب الأمصار، وعجائب الأسفار: ابن بطوطة، أبو عبد الله محمد ابن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي- القاهرة 1934
تزيين الأسواق، بتفصيل أشواق العشاق: الأنطاكي، داود بن عمر، الطبيب البصير- المطبعة الأزهرية بالقاهرة 1302
التعريفات: الشريف الجرجاني، علي بن محمد بن علي (740- 816) ، طبعة اصطنبول
تفسير الألفاظ الدخيلة، في اللغة العربية، مع ذكر أصلها بحروفه: طوبيا العنسي- العرب للبستاني بالقاهرة 1965
جمع الجواهر، في الملح والنوادر: الحصري، أبو إسحاق إبراهيم بن علي الحصري القيرواني- طبعة الخانجي.
جهات الخلفاء: ابن الساعي، تاج الدين أبو طالب علي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله- تحقيق الدكتور مصطفى جواد.
حكاية أبي القاسم البغدادي: أبو المطهر الأزدي- تحقيق ونشر آدم متز- هيدلبرج 1902
خلاصة الذهب المسبوك، المختصر بن سير الملوك: عبد الرحمن سنبط قنتيو الإربلي- تحقيق السيد مكي السيد جاسم 1964
دائرة المعارف الإسلامية- الترجمة العربية- 15 مجلدا 1933
الديارات: الشابشّي، أبو الحسن علي بن محمد- تحقيق كوركيس عواد- ط 2- بغداد 1966
ديوان البحتري: البحتري، أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي- تحقيق رشيد عطية- المطبعة الأديبة ببيروت 1911
(8/315)

ديوان الصبابة: ابن أبي حجلة المغربي، شهاب الدين أحمد بن يحيى بن أبي بكر بن عبد الواحد- حاشية على كتاب تزيين الأسواق بتفصيل أشواق العشاق- طبع المطبعة الأزهرية بالقاهرة سنة 1302.
ذيل تجارب الأمم، للمدة 369- 393: الروذباري، الوزير أبو شجاع ظهير الدين محمد بن الحسين رسوم دار الخلافة: الصابي، أبو الحسن وأبو الحسين هلال بن المحسّن- تحقيق ميخائيل عواد- طبع بغداد 1946
زهر الربيع: الجزائري، السيد نعمة الله بن عبد الله بن محمد بن حسين الحسيني الجزائري (1050- 1112)
الزهرة: الظاهري، أبو بكر محمد بن داود بن علي بن خلف.
شرح نهج البلاغة: عز الدين أبو حامد عبد الحميد بن هبة الله ابن أبي الحديد المدائني- 20 مجلدا- طبعة الحلبي بالقاهرة.
شفاء الغليل، فيما في كلام العرب من الدخيل: الخفاجي، شهاب الدين أحمد، مطبعة السعادة بمصر 1325
صلة الطبري: عريب بن سعيد القرطبي- المطبعة الحسينية- القاهرة.
الفخري، في الآداب السلطانية، والدول الإسلامية: ابن الطقطقا، محمد بن علي بن طباطبا- طبع دار صادر- بيروت
الفرج بعد الشدة: التنوخي، أبو علي المحسّن بن علي بن محمد بن أبي الفهم داود- الجزآن الأول والثاني- طبع دار الهلال بمصر 1903- 1904
الفرج بعد الشدة: التنوخي، أبو علي المحسّن بن عليّ- الجزء الأول- مخطوطة المكتبة الظاهرية بدمشق
الفرج بعد الشدة: التنوخي، أبو علي المحسّن بن عليّ- طبعة دار الطباعة المحمدية بالقاهرة سنة 1955
الفرج بعد الشدة: التنوخي، أبو علي المحسّن بن عليّ- مخطوطة دار الكتب المصرية بالقاهرة، جزآن اثنان.
(8/316)

الفرّج بعد الشدة: التنوخي، أبو عليّ المحسّن بن عليّ- المخطوطة المغربية- جزآن اثنان
فرج المهموم، في مواقع النجوم: ابن طاووس، رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى ابن جعفر بن محمد بن طاووس الحسني الحسيني- طبع النجف الفصل في الملل والأهواء والنحل: ابن حزم- طبعة الخانجي 1321
فوات الوفيات: ابن شاكر الكتبي- طبع بولاق- مجلدان اثنان
الكامل في التاريخ: ابن الأثير، عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الجزري- عن طبعة المستشرق تورنبرغ- طبع دار صادر ببيروت 1966- 13 مجلدا
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: الحاج خليفة- طبعة اصطنبول- 6 مجلدات
اللباب، في تهذيب الأنساب: ابن الأثير، عز الدين أبو الحسن علي بن محمد- 3 أجزاء- طبع القاهرة 1357
لسان العرب، قاموس: ابن منظور المصري، جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم ابن علي بن أحمد الأنصاري- طبع دار صادر ببيروت.
لطائف المعارف: الثعالبي، أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل النيسابوري- تحقيق إبراهيم الأبياري وحسن كامل الصيرفي- طبعة الحلبي- القاهرة
مجلة المشرق- المجلد 28- بيروت
مجمع البيان في تفسير القرآن: الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن- طبع بيروت 10 ج 5 م
مراصد الاطلاع، على أسماء الأمكنة والبقاع: صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي- 3 مجلدات- طبع مصر 1954
مروج الذهب، ومعادن الجوهر: المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسن بن علي- تحقيق محيي الدين عبد الحميد- طبعة الشعب- القاهرة 1966
المشترك وضعا، والمفترق صقعا: الحموي، أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي- طبع وستنفلد 1864
مصارع العشاق: السراج، أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين القارىء- دار صادر- بيروت
(8/317)

مطالع البدور، في منازل السرور: الغزولي، علاء الدين- مطبعة الوطن- مصر 1299
معجم الأنساب والأسر الحاكمة في التاريخ الإسلامي: زامباور، المستشرق- جامعة فؤاد الأول 1951
معجم البلدان: الحموي، أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي البغدادي- طبع وستنفلد- 6 مجلدات مع الفهارس
معجم الحيوان: أمين المعلوف- طبع دار المقتطف 1932
المعجم المفهرس، لألفاظ القرآن الكريم: محمد فؤاد عبد الباقي- مطبعة دار الكتب بالقاهرة 1934
مفاتيح العلوم: الخوارزمي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الكاتب- المطبعة المنيرية 1342
الملل والنحل: الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد، هامش على كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم- طبعة الخانجي 1321
المنتظم، في تاريخ الملوك والأمم: ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي- طبعة حيدر آباد الدكن 1357
المنجد، قاموس: الأب لويس معلوف- ط 19- بيروت.
نخبة الدهر، في عجائب البر والبحر: شيخ الربوة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي طالب الأنصاري الصوفي الدمشقي- طبع ليبزك 1923
نشوار المحاضرة، وأخبار المذاكرة: التنوخي، أبو عليّ المحسّن بن عليّ- الأجزاء من 1- 7، تحقيق عبود الشالجي المحامي- طبع دار صادر- بيروت
نكت الهميان، في نكت العميان: الصفدي، صلاح الدين خليل بن أيبك- تحقيق أحمد زكي باشا- طبع مصر 1911
هدية العارفين- أسماء المولفين، وآثار المصنفين: إسماعيل باشا البغدادي- طبع اصطنبول 1955
الهفوات النادرة: غرس النعمة، أبو الحسن محمد بن هلال الصابي- تحقيق الدكتور صالح الأشتر- دمشق 1967
(8/318)

الوافي بالوفيات: الصفدي- صلاح الدين أيبك- الأجزاء 1- 7 طبع على مطابع دار صادر- بيروت
وفيات الأعيان، وأنباء أبناء الزمان: ابن خلكان، القاضي شمس الدين أحمد- تحقيق الدكتور إحسان عباس- طبع دار صادر- بيروت- 8 مجلدات مع الفهارس
يتيمة الدهر، في محاسن أهل العصر: الثعالبي، أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل النيسابوري- تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد- القاهرة 1956
(8/319)

رموز
-: راجع
م: مقدمة المؤلف
الأرقام المطبوعة بحروف سوداء تشير إلى التراجم
الأرقام المثبتة في العمود الأيمن: للصفحات، والأرقام التالية لها: للقصص.
(8/321)

استدراكات
الجزء الثالث
الصحيفة السطر القصة
156 حاشية 2 3/108 اقرأ: هشام بن الوليد بن عبد الملك بدلا من: هشام بن عبد الملك.
الجزء السادس
88 9 6/51 اقرأ: الله، الله في دمي بدلا من: من دمي.
117 3 6/71 اقرأ: الحكيمي بدلا من: الحكمي.
117 حاشية 3 6/71 اقرأ: الحكيمي بدلا من: الحكمي.
(8/322)

الفهارس
محتويات الكتاب 275
فهرس أسماء الأشخاص 281
فهرس جغرافي 303
فهرس عمراني عام 307
فهرس الكتب والمراجع 314
(8/323)