Advertisement

نجعة الرائد وشرعة الوارد في المترادف والمتوارد 002

الباب السادس: في العلم والأدب وما إليهما
فَصْلٌ في الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ
يُقَالُ: فُلان مِنْ ذَوِي الْعِلْمِ، وَمِنْ حَمَلَة الْعِلْم، وَحَضنَة الْعِلْم، وَمِنْ أُولِي الْعِرْفَانِ، وَأَهْلِ التَّحْصِيلِ، وَأَرْبَاب الاجْتِهَاد، وَإِنَّهُ لَمِنَ الْعُلَمَاء الْمُحَقِّقِينَ، وَمِنْ جَهَابِذَة أَهْل النَّظَرِ، وَمِنْ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وَمِنْ ذَوِي الْبَسْطَةِ فِي الْعِلْمِ، وَذَوِي الْعِلْمِ الْوَاسِعِ، وَالْعِلْمِ الثَّاقِبِ.
وَإِنَّ فُلاناً لَعَالِم عَلامَة، وَحَبْر عَلامَة، وَعَالِم نِحْرِير، وَإِنَّهُ لعَالِم فَاضِل، وَعَالِم عَامِل، وَهُوَ مِنْ صُدُورِ الْعُلَمَاءِ، وَأَعْلامهمْ، وَأَعْيَانهمْ، وَأَفَاضِلهمْ، وَجِلّتهمْ، وَمَشَاهِيرهمْ، وَفُحُولهمْ.
وَهُوَ عَالِمُ أُمَّتِهِ، وَعَالِمُ جِيلِهِ، وَإِمَام وَقْتِهِ، وَعَالِم عَصْرِهِ، وَأَوْحَد زَمَانه، وَوَاحِد قُطْرِهِ، وَهُوَ عَلامَة الْعُلَمَاء، وَقُطْب أَهْل الْعِلْمِ، وَعَمِيدهمْ، وَزَعِيمهمْ، وَقَرِيعهمْ،
(2/2)

وَعُمْدَتهمْ، وَرُكْنهمْ، وَإِمَامهمْ، وَقُدْوَتهمْ، وَرُِحْلَتهمْ، وَوُجْهَتهمْ.
وَتَقُولُ: فُلان بَحْر الْعِلْمِ الزَّاخِرِ، وَبَدْر الْعُلَمَاء الزَّاهِر، وَكَوْكَبهُمْ اللامِع، وَنِبْرَاسهُمْ السَّاطِع، وَالَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الْمُشْكِلاتِ، وَيُسْتَصْبَحُ بِضَوْئِهِ فِي الْمُعْضِلاتِ، وَتُشَدّ إِلَيْهِ الرِّحَال، وَتُضْرَبُ إِلَيْهِ أَكْبَاد الإِبِلِ، وَيُرْحَلُ إِلَيْهِ مِنْ أَطْرَافِ الْبُلْدَانِ، وَهُوَ قَاضِي مَحَاكِم الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول، وَفَيْصَل أَحْكَامهَا، وَالَّذِي عِنْدَهُ مَقْطَع الْحَقّ، وَمَشْعَب السَّدَاد، وَمَفْصِل الصَّوَاب، وَفَصْل الْخِطَابِ.
وَيُقَالُ: تَضَلَّعَ فُلان مِنْ الْعِلْمِ، وَتَبَحَّرَ فِيهِ، وَاسْتَبْحَرَ، وَتَعَمَّقَ، وَتَبَسَّط، وَأَوْغَلَ فِي الْبَحْثِ، وَأَمْعَنَ فِي التَّنْقِيبِ، وَتَقَصَّى فِي التَّدْقِيقِ، وَقَدْ اِسْتَبْطَنَ دَخَائِل الْعِلْم، وَاسْتَجْلَى غَوَامِضه، وَخَاضَ عُبَابه، وَغَاصَ عَلَى أَسْرَارِهِ، وَأَحْصَى مَسَائِلَهُ، وَاسْتَقْرَى دَقَائِقه، وَاسْتَخْرَجَ مُخبّآته، وَمَحَّصَ حَقَائِقه، وَوَقَفَ عَلَى أَغْرَاضِهِ، وَجَمَعَ أَشْتَاته، وَاسْتَقْصَى أَطْرَافه، وَأَحَاطَ بِأُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَهُوَ
(2/3)

يَغُوصُ عَلَى دَقَائِق الْمَسَائِلِ وَغَوَامِضهَا، وَيُنَقِّبُ عَنْ غَرَائِبِهَا وَنَوَادِرهَا، وَهُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِشَاذِّهَا ومَقِيسها.
وَهُوَ رَأْسٌ فِي عِلْمِ كَذَا، وَحُجَّة فِي عِلْمِ كَذَا، وَإِمَام فِي عِلْمِ كَذَا، وَهُوَ عَالِمُ فَنِّهِ، وَوَاحِد فَنِّهِ، وَهُوَ مِنْ ثِقَات هَذَا الْعِلْم، وأَثْبَاته، وأَسْناده، وَقَدْ اِنْتَهَتْ إِلَيْهِ الرِّئَاسَةُ فِي عِلْمِ كَذَا، وَهُوَ فِيهِ رَاسِخُ الْقَدَمِ، مُتَقَدِّم الْقَدَم، فَسِيح الْخُطْوَة، طَوِيل الْبَاعِ، غَزِير الْمَادَّةِ، وَاسِع الاطِّلاعِ، وَإِنَّهُ لَبَحْر لا يُسْبَرُ غَوْرُهُ، وَلا يُنَال دَرْكُه، وَقَدْ أَصْبَحَ فِيهِ نَسِيج وَحْدِهِ، وَأَصْبَحَ فِيهِ مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ، وَهُوَ إِمَام عَصْرِهِ غَيْر مُدَافِع، وَرَئِيس فَنّه غَيْر مُعَارِض.
وَيُقَالُ: فُلان مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ، وَطَلابَته، وَمِمَّنْ تَوَجَّه إِلَى تَحْصِيلِهِ، وَانْقَطَعَ لِطَلَبِهِ، وَخَلا لِطَلَبِهِ، وَتَخَلَّى لَهُ، وَأَخْلَى لَهُ ذَرْعه، وَقَصَرَ عَلَيْهِ نَفْسه، وَوَقَفَ عَلَيْهِ جَهْدَه، وَأَنْفَقَ أَوْقَاته عَلَى طَلَبِهِ، وَاسْتَنْزَفَ أَيَّامه فِي مُعَانَاتِهِ، وَقَدْ نَبَغَ فِيهِ، وَخَرَجَ، وَخَرَّجَهُ فُلان، وَتَخَرَّجَ عَلَى فُلان، وَهُوَ خِرِّيجُهُ، وَقَدْ حَذَقَ عِلْم كَذَا، وَثَقِفَهُ، وَمَهَره، وَمَهَر فِيهِ، وَأَتْقَنَهُ، وَأَحْكَمَهُ، وَمَلَك عِنَانه، وَمَلَك
(2/4)

قِيَاده، وَتَوَفَّرَ حَظّه مِنْهُ، وَأَخَذَ مِنْهُ مَكَانه، وَتَوَسَّطَ بَاحَته، وَبَلَغَ مِنْهُ مَوْضِعاً جَلِيلا، وَأَصْبَحَ مِمَّنْ يُرْمَى بِالأَبْصَارِ، وَيُشَارُ إِلَيْهِ بِالْبَنَانِ، وَمِمَّنْ تُثْنَى بِهِ الأَصَابِع، وَتُعْقَدُ عَلَيْهِ الْخَنَاصِر.
وَتَقُولُ: طَلَبْت الْعِلْمَ عَلَى فُلان، وَوَقَفْت فِيهِ عَلَى فُلان، وَحَصَّلْتهُ عَلَيْهِ، وَدَرَسْتهُ عَلَيْهِ، وَأَخَذْتهُ عَنْهُ، وَاقْتَبَسْتهُ عَنْهُ، وَتَلَقَّيْته عَنْهُ، وَتَلَقَّنْته مِنْهُ، وَقَدْ اِشْتَغَلْت عَلَيْهِ، وَتَأَدَّبْت عَلَيْهِ، وَتَخَرَّجْت عَلَيْهِ، وَقَرَأْت عَلَيْهِ عِلْمَ كَذَا، وَسَمِعْت عَلَيْهِ كِتَاب كَذَا، وَقَدْ وَقَّفَنِي عَلَى عِلْم كَذَا، وَدَرَّسَنِيهِ، وأَقْبَسَنِيه، وَلَقَّنَنِيهِ، وَلَقَّانِيهِ، وَهُوَ مَوْقِفِي، وَمُدَرِّسِي، وَمُؤَدِّبِي، وَمُخَرِّجِي، وَشَيْخِي، وَأُسْتَاذِي، وَقَدْ اِسْتَضَأْت بِمِشْكَاتِهِ، وَوَرَدْتُ شِرْعَته، وَاسْتَفَدْت مِنْهُ عِلْماً، وَاقْتَبَسْت مِنْهُ عِلْماً، وَتَنَسَّمْت مِنْهُ عِلْماً، وَحَمَلْت عَنْهُ عِلْماً كَثِيراً.
وَيُقَالُ: شَدا فُلان فِي عِلْم كَذَا، وَشَدا شَيْئاً مِنْ الْعِلْمِ، إِذَا أَخْذَ طَرَفاً مِنْهُ، وَقَدْ أَدْرَكَ شَدا مِنْ الْعِلْمِ، وَأَدْرَكَ ذَرْوا مِنْهُ، وَذَرْءا، وَرَسّاً، كُلّ ذَلِكَ الشَّيْء الْقَلِيل.
وَفُلانٌ عَلَى أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ، وَأَثَرَةٍ
(2/5)

بِالتَّحْرِيكِ، أَي بَقِيَّة مِنْهُ يَأْثِرُهَا عَنْ الأَوَّلِينَ. وَتَقُولُ: فُلان فَنّه عِلْم كَذَا إِذَا كَانَ الْعِلْمُ الَّذِي انْصَرَف إِلَيْهِ وَأَحْكَمه، وَهُوَ مُشَارِكٌ فِي عِلْمِ كَذَا إِذَا كَانَ لَهُ اِطِّلاع عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَبَاحِثِهِ وَأُصُولِهِ عِلاوَة عَلَى فَنِّهِ الْمَخْصُوصِ بِهِ، وَلَهُ إِلْمَامٌ بِفَنّ كَذَا وَهُوَ الْعِلْمُ الْيَسِيرُ بِشَيْءٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ.

فَصْلٌ فِي الأَدَبِ
يُقَالُ: فُلان أَدِيب، فَاضِل، بَارِع، مُتَفَنِّن، غَزِير الأَدَبِ، غَزِير الْمَوَادِّ، كَثِير الْحِفْظِ، وَاسِع الرِّوَايَةِ، وَاسِع الاطِّلاعِ، جَيِّد الْمَلَكَةِ، وَإِنَّهُ لَكَاتِب مُجِيد، وَشَاعِر بَلِيغ، مُتَصَرِّف فِي ضُرُوبِ الإِنْشَاءِ، حَسَن التَّرَسُّل، بَلِيغ الْعِبَارَةِ، مَلِيح النُّكْتَةِ،
(2/6)

لَطِيف الْكِنَايَاتِ، بَدِيع الاسْتِعَارَات، حُلْو الْمَجَاز، مُسْتَمْلَح السَّجْع، مُسْتَعْذَب النَّظْم، وَإِنَّ لَهُ نَثْراً آنَق مِنْ النَّوْرِ فِي الأَكْمَامِ، وَسَجْعاً أَطْرَبُ مِنْ سَجْع الْحَمَام، وَنَظْماً أَحْسَن مِنْ الدُّرِّ فِي النِّظَامِ، وَإِنَّ أَلْفَاظَهُ الزُّلال أَوْ أَرَقّ، وَمَعَانِيه السِّحْر أَوْ أَدَقّ، وَإِنَّهُ لَيَنْشُر بَزَّ الْفَصَاحَة، وَيُوَشِّي بُرُود الْبَيَان، إِذَا تَكَلَّمَ مَلَكَ الأَسْمَاعَ وَالْقُلُوبَ، وَإِذَا أَخَذَ الْقَلَمَ تَدَفَّقَ تَدَفُّق الْيَعْبُوب.
وَإِنَّهُ لَمُتَضَلِّع مِنْ فُنُونِ الأَدَبِ، مُتْقِن لِعُلُومِ اللِّسَانِ، عَارِف بِأَخْبَارِ الْعَرَبِ، مُطَّلِع عَلَى لُغَاتِهَا، جَامِع لِخُطَبِهَا وَأَقْوَالهَا، رَاوٍ لأَشْعَارِهَا وَأَمْثَالِهَا، حَافِظ لِطَرَف النَّثْرِ وَمُلَحه، وَغُرَر النَّظْم وَنُكَته، خَبِير بِقَرْضِ الشِّعْرِ، بَصِير بِمَذَاهِبِ الْكَلامِ، عَلِيم بِمَوَاضِعِ النَّقْدِ، عَرَّاف بِمَطَارِح الإِسَاءة وَالإِحْسَان.
وَإِنَّ فُلاناً لَمِنْ أَفَاضِل الأُدَبَاء، وَأَعْيَان الْفُضَلاء، وَمِنْ مُتَقَدِّمِي الْكُتَّابِ، وَبُلَغَاء الْمُنْشِئِينَ، وَأَكَابِر الْمُصَنِّفِينَ، وَأَمَاثِل الشُّعَرَاء، وَهُوَ مِنْ خَوَاصّ أَهْلِ الأَدَبِ وعِلِّيّتهم، وَأَئِمَّتهمْ، وآحَادِهم، وَأَفْرَادهمْ،
(2/7)

وَسُبَّاقهمْ، وَإِنَّ لَهُ الْيَدَ الطُّولَى فِي صِنَاعَةِ الأَدَبِ، وَلَهُ الْقِدْح الْمُعَلَّى فِي صِنَاعَتَي النّظْم وَالنَّثْر، وَهُوَ نَادِرَةُ الْوَقْتِ، وَبكر عُطَارِد، وَهُوَ آدَبُ أَهْل عَصْرِهِ.

فَصْلٌ فِي الْحِفْظِ
يُقَالُ: فُلان ذَكُور، وَعِيّ، سَرِيع الْحِفْظِ، وَاسِع الْحِفْظِ، كَثِير الْمَحْفُوظ، قَوِيّ الْحَافِظَةِ، قَوِيّ الذَّاكِرَةِ، قَوِيّ الذِّكْرِ، بَعِيد النِّسْيَان، وَقَدْ حَفِظَ الْكِتَابَ، وَاسْتَظْهَرَهُ، وَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْر قَلْبِهِ، وَعَلَى ظَهْر لِسَانه، وَوَعَاهُ عَلَى ظَهْر قَلْبِه، وَأَدَّاه عَنْ ظَهْر قَلْبِه، وَعَنْ ظَهْرِ الْغَيْبِ، وَقَرَأَهُ مِنْ ظَهْرِ الْقَلْب، وَقَرَأَهُ ظَاهِراً، وَقَدْ اِنْطَبَعَ عَلَى لَوْح حَافِظَته، وَارْتَسَمَ عَلَى لَوْح قَلْبِه، وَانْتَقَشَ فِي صَفْحَة ذِهْنه، وَعَلِقَتْهُ حَافِظَتُهُ، وَوَعَتْهُ ذَاكِرَتُهُ، وَقَدْ أَدَّى عَنْ ظَهْر قَلْبِه كَذَا كَذَا صَفْحَة لَمْ يَخْرِم مِنْهَا حَرْفاً.
وَفُلان غَايَة فِي الْحِفْظِ، وَهُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فِي قُوَّةِ الْحَافِظَةِ، إِذَا تَلا عَنْ
(2/8)

لَوْح قَلْبه فَكَأَنَّمَا يَتْلُو فِي لَوْحٍ مَسْطُورٍ، وَإِنَّ فُلاناً لَيَسْتَفْرِغ مِنْ أَوْعِيَةٍ شَتَّى إِذَا كَانَ كَثِير الْمَحْفُوظ، وَإِنَّهُ لَرَجُلٌ قُفْلَةٌ أَي حَافِظ لِكُلِّ مَا يَسْمَعُهُ.
وَتَقُولُ: هَذَا مِمَّا عَلِقَ بِذَاكِرَتِي، وَقَدْ ثَبَت هَذَا الأَمْرُ فِي مَحْفُوظِي، وَأُشْرِبهُ حِفْظِي، وَجَمَعْت عَلَيْهِ وِعَاء قَلْبِي، وَفِي مَحْفُوظِي أَنَّ الأَمْرَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ تَلَقَّفْتهُ مِنْ فَمِ فُلان، وَحَفِظْتهُ عَنْهُ، وَحَفَّظَنِيهِ، وَقَدْ أَفْرَغَهُ مِنِّي فِي أُذُنٍ وَاعِيَةٍ.
وَيُقَالُ: تَقَصَّص كَلام فُلان أَي حَفِظَهُ أَوْ اِسْتَقْرَاهُ بِالْحِفْظِ. وَتَحَفَّظَ الْكِتَاب أَيْ اِسْتَظْهَرَهُ شَيْئاً بَعْدَ شَيْء، وَرَسّ الْحَدِيث فِي نَفْسِهِ إِذَا عَاوَدَ ذِكْرَهُ وَرَدَّدَهُ. وَتَقُولُ: فُلان ضَعِيف الذَّاكِرَة، بَلِيد الذَّاكِرَةِ، ضَيِّق الْحَافِظَةِ، قَلِيل الْمَحْفُوظ، نَزْر الْمَحْفُوظ، ضَيِّق الْوِعَاءِ، سَرِب الْوِعَاء، مَجَّاج الأُذُن.
وَتَقُولُ: هَذَا أَمْرٌ يَفُوت الذِّكر، وَيَضِيقُ عَنْهُ الْحِفْظ، وَيَضِيقُ عَنْهُ وِعَاء الْحَافِظَة، وَلا يَضطلِعُ بِهِ حِفْظ، وَلا يَسْتَوْعِبُهُ لَوْح مَحْفُوظ.
(2/9)

فَصْلٌ فِي التَّأْلِيفِ
تَقُولُ: هَذَا كِتَاب نَفِيس، جَلِيل، جَامِع، غَزِير الْمَادَّةِ، جَزِيل الْمَبَاحِث، جَمّ الْفَوَائِد، سَدِيد الْمَنْهَج، حَسَن الْمَنْحَى، مُطَّرِد التَّنْسِيق، قَرِيب الْمَنَالِ، دَانِي الْقُطُوف، سَهْل الشَّرِيعَةِ، سَهْل الأُسْلُوبِ، عَذْب الْمَوْرِدِ، نَاصِع الْبَيَانِ، وَاضِح التَّعْبِيرِ، مُشْرِق الدَّلالَةِ، مُتَسَنِّي التَّحْصِيل، تُدْرِكُ فَوَائِدَهُ عَلَى غَيْرِ مَئُونَة، وَلا كَدّ ذِهْن، وَلا جَهْد فِكْر، وَلا إِعْنَات رَوِيَّة، وَلا إِرْهَاقَ خَاطِر.
وَقَدْ تَصَفَّحْت مُؤَلَّف كَذَا فَإِذَا هُوَ كِتَابٌ أَنِيقٌ، فَصِيح الْخُطْبَةِ، حَسَن الدِّيبَاجَةِ، مُحْكَم الْوَضْعِ، مُتَنَاسِق التَّبْوِيبِ، مُطَّرِد الْفُصُول، وَقَدْ طُوِي عَلَى كَذَا بَاباً، وَكُسِر عَلَى كَذَا بَاباً، وَتُرْجِم بِاسْمِ كَذَا، وَأُلِّف بِرَسْم فُلان.
وَهُوَ كِتَابٌ فَرِيدٌ فِي فَنِّهِ، مَبْسُوط الْعِبَارَة، مُسْهَب الشَّرْح،
(2/10)

مُشْبَع الْفُصُول، مُسْتَوْعِب لأَطْرَافِ الْفَنِّ، جَامِع لِشَتِيت الْفَوَائِد، وَمَنْثُور الْمَسَائِل، وَمُتَشَعِّب الأَغْرَاضِ، قَدْ اِسْتَوْعَبَ أُصُولَ هَذَا الْعِلْمِ، وَأَحَاطَ بِفُرُوعِهِ، وَاسْتَقْصَى غَرَائِب مَسَائِلِهِ، وَشَوَاذّهَا، وَنَوَادِرهَا، وَلَمْ يَدَعْ آبِدَة إِلا قَيَّدهَا، وَلا شَارِدَة إِلا رَدَّهَا إِلَيْهِ.
وَهُوَ الْغَايَةُ الَّتِي لَيْسَ وَرَاءهَا مَذْهَب لِطَالِب، وَلا مُرَاغ لِمُسْتَفِيد، وَلا مُرَاد لِبَاحِث، وَلا مَضْرِب لِرَائِد، لَمْ يُصَنَّفْ فِي بَابِهِ أَجْمَع مِنْهُ، وَلا أَرْصَف تَعْبِيراً، وَلا أَمْتَن سَرْداً، وَقَدْ نُزِّه عَنْ التَّعْقِيد ِ، وَالإِشْكَال، وَالإِبْهَام، وَالتَّعْمِيَةِ، وَاللَّبْس، وَالْخَلَل، وَاللَّغْو، وَالْحَشْو، وَالرَّكَاكَة، وَالتَّعَسُّف، وَالْحَزَازَة، وَحُصِّن مِنْ نَظَرِ النَّاقِدِ، وَالْمُعْتَرِض، وَالْمُخَطِّئ، وَالْمُسَوِّئ، وَالْمُتَعَقِّب، وَالْمُسْتَدْرِك، وَارْتَفَعَ عَنْ مَقَامِ الْمُتَحَدِّي، وَالْمُعَارِض، وَإِنَّمَا قُصَارَى مُعَارِضه أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَيْهِ، وَيَنْسِجَ فِي التَّأْلِيفِ عَلَيْهِ.
وَتَقُولُ: هَذَا مُؤَلَّف مُخْتَصَر، وَجِيز،
(2/11)

وَمُوجَز، وَمُدْمَج التَّأْلِيف، جَزْل التَّعْبِيرِ، مُحْكَم الْحُدُودِ، ضَابِط التَّعَارِيف، حَسَن التَّفْرِيع لِلْمَسَائِلِ، مُتَتَابِع النَّسَقِ، مُتَشَاكِل الأَطْرَاف.
وَهُوَ مَتْن مَتِين الرَّصْف، مُحْكَم الْقَوَاعِدِ، مَنِيع الْمَطْلَب، حَصِين الْمَدَاخِلِ، قَدْ لَخَّصْت فِيهِ قَوَاعِدَ الْعِلْمِ أَحْسَن تَلْخِيص، وَحَرَّرْت مَسَائِلَهُ أَحْسَن تَحْرِير.
وَعَلَيْهِ شَرْحٌ لَطِيفٌ، كَافِل بِبَيَان غَامِضه، وَإِيضَاحِ مُبْهَمِه، وَحَلِّ مُشْكِله، وَتَفْصِيلِ مُجْمَلِهِ، وَبَسْط مُوجَزِه، وَتَقْرِيب بِعِيدِهِ، وَالْكَشْفِ عَنْ دَقَائِق أَغْرَاضِهِ، وَخَفِيّ مَقَاصِده، وَلَطِيف إِشَارَاتِهِ، وَمَكْنُون أَسْرَارِهِ، وَمُقْفَل مَسَائِله.
وَهِيَ الْمُؤَلَّفَاتُ، وَالْمُصَنَّفَاتُ، وَالْمَجَامِيع، وَالدَّوَاوِينُ، وَالرَّسَائِلُ، وَالْمُتُونُ، وَالشُّرُوح، وَالْحَوَاشِي، وَالتَّعَالِيق.
وَهِيَ الْكُتُبُ، وَالأَسْفَارُ، وَالْمَصَاحِفُ، وَالدَّفَاتِرُ، وَالْكَرَارِيسُ، وَالْمَجَالّ، وَالْوَضَائِع، وَالْمُجَلَّدَات، وَالصُّحُف، وَالأَوْرَاق، والمَهَارِق، وَالأَضَامِيم، وَالأَضَابِير.
(2/12)

فَصْلٌ فِي الْفَصَاحَةِ
تَقُولُ: هَذَا كَلام فَصِيح، مُحَبَّر، مُتَرَاصِف النَّظْم، مُتَنَاسِب الْفِقَرِ، مُتَشَاكِل الأَطْرَاف، مُتَخَيَّر الأَلْفَاظِ، مُنْتَخَل الأَسَالِيب، مُهَذَّب اللَّفْظِ، مُنَقَّح الْعِبَارَةِ، مُطَّرِد الانْسِجَام، مُحْكَم السَّبْكِ، أَنِيق الدِّيبَاجَة، غَضّ الْمَكَاسِر، لَمْ تَعْلَق بِهِ رَكَاكَة، وَلا ظِلّ عَلَيْهِ لِلابْتِذَالِ، وَلا غُبَار عَلَيْهِ لِلْحُوشِيَّةِ.
وَهَذَا كَلام عَلَيْهِ طَابَع الْفَصَاحَةِ، وَعَلَيْهِ مِيسَم الْفَصَاحَة، وَرَوْنَق الْفَصَاحَةِ، وَقَدْ خَلَعَتْ الْفَصَاحَة عَلَيْهِ زُخْرُفهَا، وَقَدْ أُفْرِغ فِي قَالَبِ الْفَصَاحَةِ، وَنُسِج عَلَى مِنْوَال الْفَصَاحَة، وَطُبِع عَلَى غِرَار الْفَصَاحَة، وَكَأَنَّهُ الدُّرّ الْمَرْصُوف، وَاللُّؤْلُؤ الْمَنْضُود، وَالتِّبْر الْمَسْبُوك، وَكَأَنَّهُ مَطَارِف الْيَمَن، وَالْخَزّ الْيَمَانِيّ، وَالدِّيبَاج
(2/13)

الْخُسْرُوَانِيّ، وَالْوَشْي الْفَارِسِيّ، وَكَأَنَّهُ صِيغَ مِنْ خَالِص الْعَسْجَد، وَمِنْ إِبْرِيز النُّضَار.
وَتَقُولُ فِي التَّفْصِيلِ: هَذَا كَلام فَصِيح، جَزْل، فَخْم، مَتِين الْحَبْكِ، صَفِيق الدِّيبَاجَة، مُوَثَّق السَّرْدِ، مُحْكَم النَّسْج، مُتَدَامِج الْفِقَر.
وَفُلانٌ مَطْبُوعٌ عَلَى جَزَالَةِ الأَلْفَاظِ، وَفَخَامَة الأَسَالِيب، وَإِنَّهُ لَفَحْلِيّ الْكَلام، وَفِي كَلامِهِ فُحُولَة، وَإِنَّ كَلامَهُ لَكَالْبُنْيَان الْمَرْصُوص، وَالثَّوْب الْمَحْبُوك.
وَهَذَا كَلام رَقِيق، عَذْب، سَائِغ، سَهْل، رَشِيق، سَلِس، سَبْط، مَأْنُوس، رَخِيم، وَرَخِيم الْحَوَاشِي، رَقِيق الْحَوَاشِي، لَيِّن الْمَكَاسِر، خَفِيف الْمَحْمَلِ عَلَى السَّمْعِ، سَهْل الْجَرْيِ عَلَى الأَلْسِنَةِ، سَهْل الْوُرُود عَلَى الطَّبْعِ، رَائِق الْمَشْرَع، عَذْب الْمَشْرَب، عَذْب الْمَوْرِدِ، سَائِغ الْمُوْرِد، حَسَن الانْسِجَامِ، حَسَن الْمَنْطُوق وَالْمَسْمُوع، يَرْتَفِعُ لَهُ حِجَاب السَّمْع، وَيُوطَأُ لَهُ مِهَاد الطَّبْع، وَيَدْخُلُ الآذَان بِلا اِسْتِئْذَان، وَتَعْشَقُهُ الأَسْمَاع لِعُذُوبَتِهِ، وَيَفْعَلُ بِالأَلْبَابِ فِعْل السُّلاف، وَفِعْل السِّحْر.
وَفُلانٌ
(2/14)

إِذَا تَكَلَّمَ فَكَأَنَّمَا يَنْشُرُ الْبُرُود الْمُفَوَّفَة، وَيَنْشُرُ شُقَق الدِّيبَاج، وَيَنْشُرُ بُرُود الْوَشْي، وَكَأَنَّ لَفْظَهُ مُنَاغَاة الأَطْيَار، وَكَأَنَّ كَلامَهُ مَمَرّ الصِّبَا عَلَى عَذَبَات الأَغْصَان، وَهَذَا كَلام مَا لِحُسْنِهِ نِهَايَة.
وَتَقُولُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ: هَذَا كَلام غَلِيظ، فَظّ، خَشِن، جَافّ، شَكس، نَافِر، مُتَوَعِّر، عَلَيْهِ جَفْوَة الأَعْرَابِ، وَخُشُونَة الْجَاهِلِيَّة، وَعَنْجَهِيَّة الْبَادِيَة.
وَإِنَّهُ لَكَلام فَجّ عَلَى الذَّوْقِ، ثَقِيل عَلَى السَّمْعِ، ثَقِيل عَلَى الأَلْسِنَةِ، وَإِنَّهُ لَتَمُجّهُ الأَسْمَاع، وَتَنْبُو عَنْهُ الأَسْمَاع، وَتَسْتَكّ مِنْهُ الآذَان، قَدْ تَجَافَى عَنْ مَضَاجِع الرِّقَّة، وَتَجَانَف عَنْ مَذَاهِب السَّلاسَة، وَإِنَّهُ لأَشْبَه شَيْء بِقِطَع الْجَلامِيد، وَبِأَجْذَال الْحَطَب، وَإِنَّهُ لَمِمَّا تَسْتَخِفُّ عِنْدَهُ جَلامِيد الصُّخُور.
وَتَقُولُ: هَذِهِ لُغَة مَهْجُورَة، وَأَلْفَاظ مَتْرُوكَة، وَكَلِم مَرْغُوب عَنْهَا، وَإِنَّهَا لَلُغَة وَحْشِيَّة، وَلُغَة حُوشِيَّة، وَفُلان لا يَتَلَمَّظُ إِلا بِعُقْمِيّ الْكَلام وَهُوَ الْقَدِيمُ الدَّارِسُ وَقِيلَ هُوَ غَرِيب الْغَرِيبِ.
وَتَقُولُ هَذَا كَلام: رَكِيك،
(2/15)

سَخِيف، سَقِيم، سَاقِط، مُبْتَذَل، عَامِّيّ الأَلْفَاظ، سُوقِيّ الأَلْفَاظ، لَمْ يَحْكُمْهُ طَبْع، وَلَمْ تُلَقِّنْهُ سَلِيقَة، وَلَمْ يُعِنْهُ ذَوْق، وَلَيْسَ عَلَيْهِ لِلْفَصَاحَةِ ظِلّ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ لِلْجَزَالَةِ رَوْنَق، وَإِنَّهُ لَكَلام تَبْذَأه الأَسْمَاع، وَتَنْفِيه الآذَانُ، وَتَمُجُّهُ الأَذْوَاق السَّلِيمَة، وَتَقْتَحِمُهُ الْمَلَكَات الرَّاسِخَة.
وَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا تَمَضْمَضَتْ بِهِ الأَفْوَاه، وَمِمَّا لاكَتْهُ الأَفْوَاه حَتَّى مَجَّتْهُ، وَإِنَّهُ لَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَخَلُّف الْمَلَكَة، وَخِفَّة الْبِضَاعَةِ، وَنَزَارَة الْمَادَّة، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ سَقْط الْمَتَاع، وَمِمَّا عُرِضَ فِي الأَسْوَاقِ، وَإِنَّهُ لَكَلام أَسْخَف مِنْ نَسْج الْعَنْكَبُوت، وَأَسْقَم مِنْ أَجْفَان الْغَضْبَانِ.
وَتَقُولُ فِي وَصْفِ الْمُتَكَلِّمِ: رَجُل فَصِيح، لَسِن، وَمِلْسَان، مِقْوَل، مِنْطِيق، مُفَوَّه، فَصِيح اللَّفْظِ، فَصِيح اللَّهْجَةِ، فَصِيح اللِّسَانِ، فَصِيح الْمَنْطِقِ، طَلِيق اللِّسَان، حَدِيد اللِّسَانِ، وَحَدِيد شَبَاة اللِّسَان، حَدِيد الْمِقْوَل، فَتِيق اللِّسَان، ذَلِيق اللِّسَان، سَلِيط اللِّسَانِ، ذَرِب اللِّسَان، عَضْب اللِّسَان، غَرْب اللِّسَانِ،
(2/16)

بِلَيْل الرِّيق، حُرّ الْمَنْطِق، حُرّ الْكَلامِ، جَزْل الْخِطَابِ، بَيِّن اللَّهْجَةِ، حَسَن السَّبْك، أَنِيق اللَّفْظِ، سَلِيم الْمَلَكَةِ، سَلِيم الذَّوْقِ، لَطِيف الذَّوْقِ، مَحْض الطَّبْع، بَصِير بِاخْتِيَارِ الأَلْفَاظِ، عَلِيم بِمَوَاقِعِ الْكَلِمِ، يَتَخَيَّرُ مِنْ الأَلْفَاظِ أَحْسَنهَا مَسْمُوعاً، وَأَقْرَبهَا مَفْهُوماً، وَأَلْيَقهَا بِمَنْزِلِهَا، وَأَشْكلهَا بِمَا يُجَاوِرُهَا.
وإَِنَّهُ لا يُعْلَمُ مِمَّنْ سَلَفَ وَخَلَفَ أَفْصَح مِنْهُ نُطْقاً، وَلا أَبْيَن عِبَارَة، وَلا أَبَلّ رِيقاً، وَلا أَحْسَن بِلَّة لِسَان، قَدْ أُنْزِلَتْ الْفَصَاحَة عَلَى لِسَانِهِ، وَأَعْطَتْهُ الْفَصَاحَة قِيَادهَا، وَهُوَ خَطِيبُ مِنْبَر الْفَصَاحَة، وَهَزَار رَوْضَتهَا الصَّادِح، وَهُوَ أَفْصَحُ مَنْ نَطَق بِالضَّاد، وَأَفْصَحُ مِنْ سَجَّان وَائِل.
وَتَقُولُ فِي خِلاف: ذَلِكَ هُوَ رَجُلٌ ثَقِيلُ اللِّسَانِ، كَلِيل اللِّسَان، كَهام اللِّسَان، بَطِيء اللِّسَانِ، بَطِيء الْمَنْطِقِ، مُتَلَكِّئ الْمَنْطِق، وإَِنَّهُ لَرَجُل أَعْجَم وَهُوَ الَّذِي لا يُبِينُ كَلامَهُ وَهُوَ خِلافُ الْفَصِيحِ، وَرَجُل أَغْتَم، وغُتْمِيّ، وَهُوَ الَّذِي لا يُفْصِحُ شَيْئاً،
(2/17)

وَبِالرَّجُلِ عُجْمَة، وَغُتْمَة، وَحُكْلَة بِالضَّمِّ فِيهِنَّ وَلَمْ يُحْك مِنْ هَذِهِ الأَخِيرَةِ وَصْف، وَبِهِ لُكْنَةٌ بِالضَّمِّ أَيْضاً وَهِيَ الْعُجْمَةُ وَالْعِيُّ وَقِيلَ هِيَ أَنْ لا يُقِيم الْعَرَبِيَّةَ مِنْ عُجْمَةٍ فِي لِسَانِه، يُقَالُ: هُوَ يَرْتَضِخُ لُكْنَة رُومِيَّة أَوْ غَيْرهَا، وَالرَّجُل أَلْكَن.
وَهُوَ رَجُلٌ أَلَفّ وَهُوَ الْعَيِّي الْبَطِيءُ الْكَلامَ إِذَا تَكَلَّمَ مَلأَ لِسَانُه فَمَه، وَقَدْ لَفَّ يَلَفُّ بِالْفَتْحِ وَبِهِ لَفَفٌ بِفَتْحَتَيْنِ، وَإِنَّهُ لَيَمْضُغ الْكَلام، وَيَلُوكهُ، أَيْ يُجِيلُهُ فِي نَوَاحِي فَمه.
وَكَلَّمْتهُ فَلَجْلَجَ فِي جَوَابِهِ، وَتَلَجْلَجَ، إِذَا كَانَ يُجِيلُ لِسَانه فِي شِدْقِهِ وَيُخْرِجُ الْكَلام بَعْضه فِي إِثْر بَعْض، وَهُوَ رَجُلٌ لَجْلاجٌ، وَلَجْلاج اللِّسَان، وَإِنَّهُ لِيَتَمَطَّق بِالْكَلامِ وَهُوَ أَنْ يَضُمَّ شَفَتَيْهِ وَيَرْفَعَ لِسَانه إِلَى الْغَارِ الأَعْلَى، وَإِنَّهُ لَيُتَعْتِع فِي كَلامِهِ إِذَا تَرَدَّدَ بِهِ مِنْ عِيٍّ أَوْ حَصْر، وَيَتَعَتَّتُ فِي كَلامِهِ إِذَا لَم يَسْتَمِرّ بِهِ.
وَقَدْ اِحْتَبَسَ لِسَانه عَنْ النُّطْقِ، وَاعْتُقِلَ عَنْ الْكَلامِ، وَفِي مَنْطِقِهِ حُبْسَة، وَعُقْلة، وَعُقْدَة بِالضَّمّ فِيهِنَّ، وَعَقَد بِفَتْحَتَيْنِ، وَهُوَ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنْ الْكَلامِ، وَقَدْ عَقَدَ لِسَانُهُ بِالْكَسْرِ وَهُوَ عَقِد، وَأَعْقَد.
وَفِي كَلامِهِ رُتَّة بِالضَّمِّ أَيْضاً وَهِيَ أَنْ يَكُونَ فِي لِسَانِهِ حُبْسَةٌ
(2/18)

وَيَعْجَل فِي كَلامِهِ فَلا يُطَاوِعُهُ لِسَانُهُ، وَقِيلَ الرُّتَّة كَالرِّيحِ تَعْتَرِضُهُ أَوَّل الْكَلامِ فَإِذَا جَاوَزَهُ اتَّصَل، وَالرَّجُل أَرَتّ، وَقَدْ تَوقَّف فِي كَلامِهِ، وَتَرَدَّد، وَتَلَكَّأَ، وَتَلَعْثَمَ، وَفِي كَلامِهِ رَدّ، وَفِيهِ رَدَّةٌ قَبِيحَةٌ.
وَيُقَالُ: رَجُلٌ تَأْتَاءٌ وَهُوَ الَّذِي يَتَرَدَّدُ فِي التَّاءِ إِذَا تَكَلَّمَ، وَرَجُل تَمْتَام مِثْله وَقِيلَ هُوَ الَّذِي يَرُدُّ الْكَلامَ إِلَى التَّاءِ وَالْمِيمِ، وَرَجُل فَأَفَاء وَهُوَ الَّذِي يَتَرَدَّدُ فِي الْفَاءِ.
وَتَقُولُ: فِي كَلام فُلان غُنَّة بِالضَّمِّ وَهِيَ أَنْ يُشْرَبَ الْحَرْف صَوْت الْخَيْشُوم، وَفِيهِ خُنَّة، وخَنْخَنَة، وَهِيَ أَنْ لا يُبين كَلامه فيُخَنْخِن فِي خَيَاشِيمِهِ وَهِيَ أَشَدُّ مِنْ الْغُنَّةِ، وَرَجُل أَغَنّ، وَأَخَنّ.
وَيُقَالُ: رَجُلٌ أضَزّ وَهُوَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ كَأَنَّهُ عَاضٌّ بِأَضْرَاسِهِ لا يَفْتَحُ فَاه، وَبِهِ ضَزَز بِفَتْحَتَيْنِ، وَتَقُولُ: تَغْتَغَ الشَّيْخ إِذَا سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ فَلَمْ يُفْهَمْ كَلامُهُ، وَلَثِغَ الصَّبِيُّ وَغَيْره بِالْكَسْرِ لَثَغاً بِفَتْحَتَيْنِ إِذَا لَمْ يُقِم لَفْظ بَعْض الْحُرُوفِ، وَهُوَ أَلْثَغُ، وَبِهِ لُثْغَةٌ بِالضَّمِّ.
وَيُقَالُ: تَفَصَّح الرَّجُل، وَتَفَاصَحَ، وَإِذَا تَكَلَّفَ الْفَصَاحَة أَوْ تَشَبَّه بِالْفُصَحَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَتَشَدَّق فِي كَلامِهِ إِذَا لَوَى شِدْقه لِلتَّفَصُّحِ أَوْ فَتَحَ بِهِ شِدْقَيْهِ، وَيَتَنَطَّعُ فِي كَلامِهِ إِذَا رَمَى بِلِسَانِهِ
(2/19)

إِلَى نِطْع الْفَم وَهُوَ الْغَارُ الأَعْلَى، وَقَدْ قَعَّر فِي كَلامِهِ، وَقَعَّب، وَتَقَعَّرَ، وَتَعَمَّقَ، وَتَفَهَّقَ، وَتَفَيْهَقَ، إِذَا تَكَلَّمَ مِنْ أَقْصَى الْفَم، وَيُقَالُ: صَلْصَلَ الْكَلِمَة إِذَا أَخْرَجَهَا مُتَحَذْلِقاً.

فَصْلٌ فِي الْبَلاغَةِ
يُقَالُ: هَذَا كَلام بَلِيغ، سَدِيد الْمَنْهَجِ، وَاضِح الْمَعَالِمِ، مَاثِل الأَغْرَاض، مُشْرِق الْمَعَانِي، مُحْكَم الأَدَاءِ، مُحْكَم السَّبْكِ، مُتَرَاصِف الْفِقَر، مُتَلائِم الأَطْرَاف، مُتَسَاوِق الأَغْرَاض، مُتَنَاسِق الأَجْزَاء، مُتَّصِل السِّلْك، مُطَّرِد النِّظَام، آخِذٌ بَعْضُه بِأَعْنَاق بَعْضٍ، وَإِنَّهُ لَكَلام مُتَنَاسِب، مُتَجَاوِب، قَدْ تَجَارَتْ فِقَره إِلَى غَرَضٍ وَاحِدٍ، وَتَسَايَرَتْ فِي طَرِيقٍ لاحِبٍ، وَتَوَارَدَتْ فِي طَرِيقٍ قَاصِدٍ.
وَإِنَّهُ لَكَلام دُرِّيّ اللَّفْظ، عَسْجَدِيّ الْمَعْنَى، كَأَنَّ أَلْفَاظَهُ قِطَع الرِّيَاض، وَكَأَنَّ مَعَانِيَهُ نَسَمُ الآصَال، قَدْ تَنَزَّهَ عَنْ شَوَائِب اللَّبْس، وَخَلَصَ مِنْ أَكْدَار
(2/20)

الشُّبُهات، وَتَجَافَى عَنْ مَضَاجِعِ الْقَلَقِ، وَبَرِئَ مِنْ وَصْمَة التَّعْقِيد، وَسَلِمَ مِنْ مَعَرَّة اللَّغْو وَالْخَطَل، وَتَقُولُ: هَذَا كَلام بَالِغٌ حَدَّ الإِعْجَازِ، وَإِنَّهُ لَكَلام يَمْلِكُ الْقُلُوبَ، وَيَسْتَرِقّ الأَفْهَام، وَيَسْتَعْبِدُ الأَسْمَاع، وإِنَّه لا يَرِدُ عَلَى سَمْعِ ذِي لُبّ فَيَصْدُرُ إِلا عَنْ اِسْتِحْسَان.
وَهُوَ عُنْوَان الْبَيَان، وَآيَة الْبَرَاعَة، تَتَمَثَّلُ الْبَلاغَة فِي كُلِّ فِقْرَةٍ مِنْ فِقَرِهِ، وَتَتَجَلَّى الْفَصَاحَة فِي كُلِّ لَفْظٍ مِنْ مَنْطُوقِهِ، وَيَتَبَارَى مَعْنَاهُ وَلَفْظه إِلَى الأَفْهَامِ، وَتَكَادُ تُدْرِكُهُ الأَفْهَامُ قَبْلَ الأَسْمَاعِ.
وَتَقُولُ فِي ضِدِّهِ: هَذَا كَلام سَخِيف، غَثّ، سَقِيم، تَفِه، سَاقِط، مُعسلَط، فَاسِد الْمَعَانِي، مُضْطَرِب الْمَبَانِي، قَلِق التَّرَاكِيب، مُرْتَبِك النَّظْم، مُشَوَّش التَّأْلِيف، مُخْتَلّ الأَدَاءِ، بَادِي التَّكَلُّفِ، مُعْتَسِف عَنْ جَادَّة الْبَلاغَة، لا يَثْبُت عَلَى السَّبْكِ، وَلا يَثْبُتُ عَلَى النَّقْدِ، قَدْ فَشَت فِيهِ الرَّكَاكَة، وَالضَّعْف، وَالْخَبْط، وَالْخَلْط، وَالْخَلَل، وَالْخَطَل، وَالْحَشْو، وَاللَّغْو، وَالإِتْكَاء،
(2/21)

وَالْهُرَاء، وَالْهَذَر، وَالْهَذَيَان، وَقَدْ ضَرَبَتْ الرَّكَاكَة عَلَيْهِ أَطْنَابهَا، وَأَخَذَ الْعِيّ بِتَلْبِيبِهِ، وَأَخَذ الضَّعْف بِمُخَنَّقِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ سَاقِطِ الْكَلامِ، وَمِنْ نُفَايَة الْكَلام، وَمِنْ فُضُول الْقَوْل.
وإَِنَّهُ لَكَلام مُبْهَم، مُغْلَق، مُعَقَّد، يَنْبُو عَنْهُ الْفَهْم، وَتَحَارُ فِيهِ الْبَصَائِر، وَتَضِلُّ فِي تِيهِهِ الأَوْهَام، وَتَسْأَمُهُ الطِّبَاع، وَتُعْرِضُ عَنْهُ الْقُلُوبُ، لا يَشِفّ ظَاهِره عَنْ بَاطِنِهِ، وَلا يَتَجَاوَبُ أَوَّله وَآخِره، وَلا تَعْرِفُ لَهُ وُجْهَة، وَلا يُسْفِرُ عَنْ مَعْنىً، وَلا يَرْجِعُ إِلَى مَحْصُول.
وَإِنَّمَا هُوَ أَلْفَاظ مَسْرُودَة تَنْهَالُ اِنْهِيَالاً، وَكَلِمَات شَوَارِد تُكَالُ جُزَافاً، وَفِقَر مُتَنَاكِرَة
(2/22)

تُعَارِضُ أَعْجَازهَا هَوادِيهَا، وَيَدْفَعُ آخِرهَا أَوَّلهَا، وَإِنَّمَا هِيَ جُمَلٌ مُتَقَطِّعَة السِّلْك، مُتَنَافِرَة اللُّحْمَة، سَقِيمَة الْمَعَانِي، مُلْتَاثَة التَّعْبِير، كَأَنَّهَا ضَرْبٌ مِنْ الْمُعَمَّيَاتِ، وَضَرْبٌ مِنْ الْمُعَايَاةِ، وَضَرْب مِنْ الرُّقَى، وَكَأَنَّهَا رَطَانَة الأَعْجَام، وَكَأَنَّهَا طَنِينُ الذُّبَابِ.
وَتَقُولُ فِي وَصْفِ الْمُتَكَلِّمِ: رَجُل بَلِيغ الْكَلام، بَلِيغ الْعِبَارَةِ، رَصِين التَّعْبِيرِ، مُهَذَّب اللَّفْظِ، وَاضِح الأُسْلُوبِ، مُشْرِق الدِّيبَاجَةِ، يُجَلِّي عَنْ نَفْسِهِ بِأَبْلَغ الْبَيَان، وَيُعَبِّرُ عَنْ ضَمِيرِهِ بِأَجْلَى الْعِبَارَات، وَيَبْلُغُ بِكَلامِهِ كُنْه الْقُلُوبِ، وَيَضَعُ لِسَانَهُ حَيْثُ شَاءَ، وَقَدْ قَبَضَ عَلَى أَزْمَة الْبَلاغَة، وَمَلَك أَعْنَاق الْمَعَانِي، وَسُخِّرَتْ لَهُ الأَلْفَاظ، وَأُوتِيَ فَصْلَ الْخِطَابِ، وَأُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنَوَابِغ الْحِكَمِ.
وَهُوَ مِنْ أُمَرَاءِ الْكَلامِ، وَزُعَمَاء، الْخِطَاب، تُبَارِي أَسَلَةُ لِسَانِه أَطْرَافَ الأَسَلِ، وَتُبَارِي شُهُبُ خَاطِره شُهُبَ الظَّلام، وَإِنَّهُ لَمِنْ أَبْلَغ النَّاس فِي مُخَاطَبَة،
(2/23)

وَأَثْبَتهمْ فِي مُحَاوَرَة، إِذَا افْتَنَّ فَتَن الأَلْبَابِ، وَسَحر الْعُقُول، وَخَلَبَ الأَسْمَاع، وَإِنَّهُ كَلامُهُ لَيَأْخُذ بِمَجَامِع الْقُلُوب، وَتَشْتَمِل عَلَيْهِ الْقُلُوب، وَإِنَّهُ لَتُلْتَمَس فِي كَلامِهِ ضَوَالّ الْحِكْمَة، وَإِنَّ كَلامَهُ الْخَمْر أَوْ أَعْذَب، وَإِنَّ بَيَانَهُ السِّحْر أَوْ أَغْرَب، وَإِنَّ كَلامَهُ أَنْدَى عَلَى الأَفْئِدَةِ مِنْ زُلالِ الْمَاءِ، وَإِنَّهُ لآيَة مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فِي بَلاغَةِ التَّعْبِيرِ، وَإِصَابَةِ مَقَاتِل الأَغْرَاض، وَالْوُقُوعِ عَلَى شَوَاكِل السَّدَاد، وَتَطْبِيق مَفَاصِل الصَّوَاب، وَهُوَ أَفْصَحُ ذِي لِسَان، وَأَبْلَغُ ذِي لُبّ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ الْجَاحِظِ، وَأَبْلَغ مِنْ قُسّ بْن سَاعِدَة
(2/24)

وَتَقُولُ فِي خِلافِ ذَلِكَ: فُلان عَيِّي، وَعَيّ، فَهٌّ، فَهْفَاه، مُفْحَم، عَيِّي اللِّسَان، حَصِر اللِّسَان، وَعْث اللِّسَان، بَرِم اللِّسَان قَطِيع اللِّسَان.
وَإِنَّهُ لَرَجُل فَدْم، عبَام، كَلِيل الذِّهْن، كَهَام الذِّهْن، مُتَخَلِّف الذِّهْنِ، بَلِيد الطَّبْعِ، بَلِيد الْبَادِرَة، مَيِّت الْحِسِّ، جَامِد الْقَرِيحَة، نَاضِب الرَّوِيَّة، خَامِد الْفِكْرَةِ، مَنْزُوف الْمَادَّة.
وَهُوَ غَثُّ الْكَلامِ، سَقِيم الأَدَاءِ، مُظْلِم الْعِبَارَة، رَثّ أَثْوَاب الْمَعَانِي، مُنْحَطّ عَنْ مَقَامَاتِ الْبُلَغَاءِ، مَدْفُوع عَنْ مَوَاقِفِ الْبُلَغَاءِ، قَدْ مَلَكَتْ لِسَانَه الرَّكَاكَةُ، وَمَلَك ذِهْنَه الْعِيُّ، وَإِنَّهُ لا تَخْدِمُهُ قَرِيحَة، وَلا يَرْجِعُ إِلَى سَلِيقَة، وَلا يَحَورُ إِلَى ذَوْق، وَإِن بِهِ لَعِياً فَاضِحاً، وَهُوَ أَعْيَا مِنْ بَاقِل.
(2/25)

فَصْلٌ فِي الْخَطَابَةِ
يُقَالُ: فُلان خَطِيب مِصْقَع، مِصْدَع، بَسِيط اللِّسَان، قَوِيّ الْعَارِضَةِ، وَاسِع الْمَجَمّ، فَسِيح الْبَاع، رَحِيب الْمَجَالِ، بَعِيد النُّجْعَة، فَسِيح الْخُطَى، مُنْفَسِح الْخَطْو، بَعِيد الْخَطْو، بَعِيد الْغَايَةِ، بَعِيد الأَمَدِ، وَارِي الزَّنْد، مَصْقُول الْخَاطِرِ، طَلْق الْبَدِيهَة، سَمْح الْقَرِيحَة، وَاضِح الْمَنْهَجِ، حَسَن الْبَيَانِ، نَاصِع الْبَيَانِ، مُشْرِق دِيبَاجَة الْبَيَان، حَسَن اللَّفْظِ، أَنِيق اللَّهْجَة، جَزْل الْمَنْطِق، رَائِع الْمَنْطِق، عَذْب الْمَنْطِقِ، رَطْب اللِّسَانِ، بَلِيل اللِّسَان، خَلاب الْمَنْطِق، جَهِير الْمَنْطِق، وَجَهْوَرِيّ الْمَنْطِق، نَدِيّ الصَّوْت، أَجَشّ الصَّوْت، رَفِيع الصَّوْتِ، رَفِيع الْعَقِيرَة.
وَإِنَّهُ لَفَصِيح بَلِيغ، طَلِيق اللِّسَان، طَلِيق الْبَادِرَة، سَرِيع الْخَاطِرِ، حَافِر الْخَاطِر، غَمْر الْبَدِيهَة، ثَبْت الْبَدِيهَة،
(2/26)

حَاضِر الذِّهْنِ، كَأَنَّمَا يَتَنَاوَلُ أَغْرَاضَهُ عَنْ حَبْل ذِرَاعه، وَكَأَنَّمَا يَتْلُو عَنْ ظَهْر قَلْبِه، لا يَتَلَكَّأُ فِي مَنْطِقِهِ، وَلا يَتَلَجْلَجُ، وَلا يَتَلَعْثَمُ، وَلا يَتَوَقَّفُ، وَلا يَعْتَرِضُهُ حَصْر، وَلا تَنَالُهُ حُبْسَة، وَلا تُرْهِقُهُ عُقْلَة، تَجْرِي الْفَصَاحَة بَين شَفَتَيْهِ وَلَهَاتِهِ، وَتَجْرِي الْبَلاغَة بَيْنَ لِسَانِهِ وَفُؤَادِهِ، إِذَا تَكَلَّمَ تَحَدَّرَ تَحَدُّر السَّيْل، وَتَدَفَّق تَدَفُّق الْيَعْبُوب، وَمَلأ الأَسْمَاع وَالْقُلُوب، وَمَلأ الدَّلْو إِلَى عَقْد الْكَرَب.
وَإِنَّ فُلاناً لَمُحَدَّث بِمَا فِي الْقُلُوبِ، صَادِق الْفِرَاسَة بِمَا فِي الضَّمَائِرِ، كَأَنَّهُ كُوشِفَ بِمُغَيَّبَات الصُّدُور، وَاطَّلَعَ عَلَى مَا تَكُنُّ أَحْنَاء الضُّلُوع، وَكَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْغَيْبِ مِنْ سِتْرٍ رَقِيقٍ، وَقَدْ فَجَّرَ اللَّهُ يَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ عَلَى لِسَانِهِ، وَتَدَفَّقَتْ سُيُول الْبَلاغَة عَلَى لِسَانِهِ، إِذَا أَفَاضَ فِي كَلامِهِ مَلَكَ أَعِنَّة
(2/27)

الْقُلُوب، وَرَدّ شَارِد الأَهْوَاء، وَقَادَ حَرُون الشَّهَوَات، وَقَوْم زَيْغ النُّفُوس، وَاسْتَدَرَّ مَاء الشُّئُون، وَخَشَعَتْ لَهُ الأَبْصَار، وَسَكَنَتْ الْجَوَارِحُ، وَخَفَقَتْ الأَفْئِدَةُ، وَطَارَتْ النُّفُوس خَشْيَة وَرِقَّة، وَصَارَتْ جِبَال الْقُلُوب عِهْناً.
وَيُقَالُ: اِنْتَبَرَ الْخَطِيب إِذَا اِرْتَقَى فَوْقَ الْمِنْبَرِ، وَخَطَبَ فُلان فِي الْقَوْمِ، وَخَطَب الْقَوْمَ، وَقَامَ فِيهِمْ خَطِيباً، وَصَدَع بِكَلامِهِ، وَقَرَع الآذَان بِخِطَابِهِ، وَقَدْ اِرْتَجَلَ فُلان الْخُطْبَة، وَاقْتَضَبَهَا، وَابْتَدَهَهَا، وَاقْتَبَلَهَا، وَاقْتَرَحَهَا، إِذَا قَالَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُهَيِّئَهَا.
وَاحْتَفَلَ لِلْخُطْبَةِ وَالْكَلامِ، وَاحْتَشَدَ لَهَا، وَتَعَمَّل لَهَا، إِذَا تَهَيَّأَ لَهَا وَأَعَدَّهَا، وَيُقَالُ: اِسْتَبْحَرَ الْخَطِيب إِذَا اِتَّسَعَ لَهُ الْقَوْلُ، وَفُلان يَهْضِبُ بِالْخُطَب أَيْ يُسَحُّ سَحاً، وَقَدْ عَبَّ عُبَابه إِذَا أَفَاضَ فِي الْقَوْلِ، وَقَدْ أَطَالَ عِنَان الْقَوْل، وَامْتَدَّ بِهِ نَفَس الْكَلامِ، وَسَالَ أَتِيّه، وَطَفَح آذِيُّه.
وَيُقَالُ لِلْفَصِيحِ: هَدَرَتْ شَقاشِقُه، وَفِي إِحْدَى خُطَبِ الإِمَامِ عَلِيّ: " تِلْكَ شِقْشِقَة
(2/28)

هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ "، وَصَعِدَ فُلان الْمِنْبَر فَأُرْتِج عَلَيْهِ، وَرُجِيَ عَلَيْهِ، وَحَصِرَ، إِذَا اِسْتَغْلَقَ عَلَيْهِ الْكَلامُ.
وَفِي الأَمْثَالِ: " إِيَّاكَ وَالْخُطَب فَإِنَّهَا مِشْوَار كَثِير الْعِثَار ".
وَيُقَالُ: هَذِهِ خُطْبَة مُجْمَعَة أَي لَمْ يَدْخُلْهَا خَلَل. وَيُقَالُ فِي الذَّمِّ: فُلانٌ مُتَشَدِّقٌ، مُتَفَيْهِق، ثَرْثَار، مِهْذار، غَثّ الْمَنْطِق، تَفِه الْكَلام، قَدْ مَلَكَتْ خِطَامه الرَّكَاكَة، وَدَفَعَ فِي صَدْرِهِ الْعِيّ، وَإِنَّهُ لَيَمْلأ فَاه بِالْهَذَرِ، وَيَتَمَطَّق بِالْهُرَاءِ، وَيَتَنَطَّعُ بِفُضُولِ الْقَوْلِ، وَيَتَكَثَّرُ بِلَغْو الْمَقَال.
وَإِنَّهُ لمُسْتَهْجَن اللَّفْظ، مُسْتَهْجَن الإِشَارَة، أَرَتّ اللِّسَان، كَلِيل الْخَاطِر، إِذَا تَكَلَّمَ اِنْصَرَفَتْ عَنْهُ الْوُجُوهُ، وَتَفَادَتْ مِنْ سَمَاعِهِ الآذَان، وَأَعْرَضَتْ عَنْهُ الْقُلُوبُ، وَانْقَبَضَتْ مِنْهُ
(2/29)

الصُّدُورُ، وَسَئِمَتْهُ النُّفُوسُ.
وَإِنَّهُ لَيْسَ لِكَلامِهِ طَلاوَة، وَلا عَلَيْهِ رَوْنَق، وَلا وَرَاءهُ مَحْصُول، وَإِنَّمَا جُلُّ بِضَاعَتِهِ حَنْجَرَة صُلْبَة، وَشِقْشِقَة عَرِيضَة، وَأَلْفَاظ يَفْنَى بِكَثْرَتِهَا الرِّيق، وَتَضِيقُ مِنْ دُونِهَا أَصْمِخَة الآذَان.

فَصْلٌ فِي الْكِتَابَةِ وَالإِنْشَاءِ
يُقَالُ: فُلانٌ كَاتِبٌ مُجِيد، بَارِع، لَبِق، مُتَأَنِّق، مُتَفَنِّن، رَشِيق اللَّفْظِ، مُنَمَّق الْعِبَارَةِ، بَدِيع الإِنْشَاءِ، صَحِيح الدِّيبَاجَةِ، رَائِق الدِّيبَاجَة، أَنِيق الْوَشْي، حَسَن التَّحْبِير، حَسَن التَّرَسُّل، وَإِنَّهُ لَسَبَّاك لِلْكَلامِ، وَهُوَ مِنْ صِيَاغَة الْكَلام، وَإِنَّهُ لَجَيِّد السَّبْكِ، حَسَن الصِّيَاغَةِ، مَصْقُول الْعِبَارَةِ، حُرّ اللَّفْظِ، مُنْتَقَى اللَّفْظِ، سَهْل الأُسْلُوبِ، مُنْسَجِم التَّرَاكِيبِ، مُطَّرِد السِّيَاقِ، وَاضِح الطَّرِيقَةِ، نَاصِع الْبَيَانِ، سَلِيم الذَّوْقِ، عَذْب الْمَشْرَب، مُهَذَّب الْعِبَارَةِ، غَرِيزِيّ الْفَصَاحَة، مَطْبُوع عَلَى الْبَيَانِ، مُتَصَرِّف بِأَعِنَّة الْكَلام، مُتَفَنِّن فِي ضُرُوبِ الْخِطَابِ، لَطِيف الْمَدَاخِل وَالْمَخَارِج،
(2/30)

مَلِيح الْفُصُول، رَائِق الْفِقَر، مَقْبُول الإِطْنَابِ، بَلِيغ الإِيجَازِ، قَدْ أُنْزِلَتْ الْفَصَاحَة عَلَى قَلَمِهِ، وَأُنْزِلَت الْبَلاغَة عَلَى فُؤَادِهِ.
وَإِنَّهُ لَمِنْ أَجْرَى الْكُتَّاب قَرِيحَة، وَأَغْزَرهمْ مَادَّة، وَأَطْوَلهمْ بَاعاً، وَأَوْسَعهمْ مَجَالا، وَأَمْضَاهُمْ سَلِيقَة، وَأَسْرَعهُمْ خَاطِرا، وَأَحْضَرهُمْ بَيَاناً، وَإِنَّهُ لَيُبَارِي فِكْره الْبَرْق، وَتُبَارِي أَقْلامه النَّسِيم، وَتُبَارِي خَوَاطِرُه أَقْلامَه، وَتُبَارِي رَشَاقَةُ أَلْفَاظِهِ رَشَاقَةَ أَقْلامه.
وَإِنَّ فُلانا لَمِنْ أَكَابِر الْكُتَّاب، وَمِنْ مَشَاهِير الْمُتَرَسِّلِينَ، وَمِنْ نُخْبَةِ الْكُتَّابِ الْمُجِيدِينَ، وَمِنْ الْكَتَبَةِ الْمَعْدُودِينَ، وَمِنْ قُرَّح الْكَتَبَة، وَهُوَ مُجَلِّي هَذِهِ الْحَلْبَة، وَهُوَ عُطَارِد فَلَكهَا، كَامِل الآلَةِ، مُتْقِن لأَدَوَاتِ الْكِتَابَةِ وَالإِنْشَاءِ، عَارِف بِآدَابِ الْكُتَّابِ، جَمِيل الْخَطِّ، مُتَضَلِّع مِنْ عُلُومِ الأَدَبِ، مُحِيط بِأَسْرَارِ الْبَلاغَةِ، مُتَبَحِّر فِي ضُرُوبِ الإِنْشَاءِ، مُتَبَسِّط فِي فُنُون الْيَرَاع، حَافِظ لأَقْوال الْفُصَحَاء، وَخُطَب الْبُلَغَاء، مُطَّلِع عَلَى أَشْعَارِ الْعَرَبِ وَالْمُوَلَّدِين، جَامِع لِلْحِكَمِ الْمَسْطُورَةِ،
(2/31)

وَالأَحَادِيثِ الْمَنْقُولَةِ، وَالْبَلاغَاتِ الْمَأْثُورَةِ، لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْء مِنْ طَرَائِفِ الْكَلامِ، وَلَطَائِفه، وَنَوَادِره، وَنِكَاته، مُتَبَحِّر فِي مَعْرِفَةِ مُفْرَدَاتِ اللُّغَةِ، مَحْص لِفَرَائِدِهَا، عَارِف بِفَصِيحِهَا وَرَكِيكِهَا، ومَأْنُوسِها وَغَرِيبِهَا، عَلِيم بِأَسْرَارِ اللَّفْظِ وَاشْتِقَاقه، وَحَقِيقَته وَمَجَازه، بَصِير بِصَرْفِ الْكَلامِ، خَبِير بِنَقْدِ جَيِّده وَرَدِيئة، مُتَصَرِّف فِي رَقِيقِهِ وَجَزْلِهِ، مُجَوِّد فِي مُرْسَلِهِ، وَمُسَجَّعه.
وَإِنَّهُ لَيَتَعَهَّد كَلامهُ، وَيُكْثِرُ فِيهِ مِنْ التَّأَنُّقِ، وَيُبَالِغُ فِي تَنْقِيحِهِ، وَتَصْحِيحِهِ، وَتَحْرِيرِهِ، وَتَحْبِيره، وَتَهْذِيبه، وَتَشْذِيبه، لا تَرَى فِي سِلْكِهِ أُِبْنَة، وَلا فِي نِظَامِهِ تَشَظِّياً،
(2/32)

وَلا تَرَى فِي كَلامِهِ رَكَاكَة، وَلا غَثَاثَة، وَلا سَخَافَة، وَلا قَلَقاً، وَلا تَعَسُّفاً، وَلا تَكَلُّفاً، وَلا مُنَافَرَة، وَلا مُعَارَضَة، وَلا تَنْقَطِعُ سِلْسِلَة أَغْرَاضه، وَلا تَتَبَايَنُ لُحْمَة مَعَانِيه، وَلا يَهْجُمُ عَلَى الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ بَابِهِ.
وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الرَّسَائِلِ الْمُحَبَّرَة، وَمِنْ كُتَّابِ الرَّسَائِلِ، وَكُتَّابِ الدَّوَاوِينِ، مُتَصَرِّف فِي جَمِيعِ فُنُون المُرَاسَلات، وَالْمُكَاتَبَات، وَالْمُخَاطَبَات، وَالْمُطَارَحَات، وَالْمُرَاجَعَات، مُحْسِن فِي جَمِيعِ ضُرُوبِ الرَّسَائِلِ، وَالْكُتُبِ، وَالرِّقَاع، وَالْمآلِك.
وَقَدْ كَتَبَ الرِّسَالَةَ، وَسَطَّرَهَا، وَرَقَمَهَا، وَرَقَشَهَا، وَنَمَّقَهَا، وَدَبَّجَهَا، وَحَبّرهَا، وَوَشَّاهَا، وَزَخْرَفَهَا، وَطَرَّزَهَا، وَنَمْنَمَهَا.
وَصَدَّر رِسَالَته بِكَذَا، وَعَنْوَنَهَا بِكَذَا، وَقَرَأْت هَذَا الْخَبَرَ فِي لَحَق كِتَابِهِ وَهُوَ مَا يُلْحَقُ بِالْكِتَابِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ فَتُلْحِقُ بِهِ مَا سَقَطَ عَنْك، وَجَاءَ كَذَا فِي إِزَار كِتَابه وَهُوَ مَا يُكْتَبُ آخِر الْكِتَابِ مِنْ نُسْخَة عَمَل أَوْ فَصْل فِي بَعْضِ الْمُهِمَّاتِ، وَقَدْ أَزَّر كِتَابَهُ بِكَذَا.
وَهُوَ أَكْتَب مِنْ الصَّابِئِ،
(2/33)

وَأكْتَب مِنْ اِبْن الْمُقَفَّع، وأكْتَب مِنْ عَبْد الْحَمِيد.
وَيُقَالُ فِي الذَّمِّ: فُلان مِنْ ضَعَفَة الْكُتَّاب، وَمِن أَصَاغِر الْكُتَّاب، وَمُتَخَلِّفِي الْكُتَّاب، سَقِيم الْعِبَارَةِ، سَخِيف الْكَلامِ، ضَعِيف الْمَلَكَةِ، ضَعِيف الأَدَاةِ، قَاصِر الآلَةِ، ضَيِّق الْحَظِيرَةِ، ضَيِّق الْمُضْطرَبِ، مُتَطَفِّل عَلَى مَوَائِد الْكَتَبَة، مُنْحَطّ عَنْ طَبَقَةِ الْمُجِيدِينَ، بَعِيد عَنْ مَذَاهِبِ الْبُلَغَاءِ، مَدْفُوع عَنْ طَبَقَةِ الْمُجِيدِينَ، عَامِّيّ اللَّفْظ، مُبْتَذَل اللَّفْظِ، مُبْتَذَل التَّرَاكِيبِ، يَتَلَمَّظُ بِرَكِيكِ الْكَلِمِ، وَيَحُومُ حَوْلَ الْمَعَانِي الْمَطْرُوقة، ضَعِيف النَّقْدِ، سَيِّئ اِخْتِيَارِ الأَلْفَاظِ، لَمْ يَطَأْ عَتَبَةَ الْعِلْمِ، وَلَمْ يُصَافِحْ رَاحَة الأَدَبِ، وَلَمْ يَرْتَضِعْ أَخْلاف الْفَصَاحَة، وَقَدْ أَلِفَ مَضَاجِع الرَّكَاكَة، وَنَشَأَ عَلَى وَهْن السَّلِيقَة، وَقَعَدَ بِهِ طَبْعه عَنْ مُجَارَاةِ الْبُلَغَاءِ.
وَفُلانٌ مِنْ صَيَارِفَة الْكَلام، جُلّ بِضَاعَتِهِ مَا يَنْسَخُهُ مِنْ كَلامِ الْفُصَحَاءِ، وَيَمْسَخُهُ مِنْ أَلْفَاظِ
(2/34)

مُتَقَدِّمِي الْكُتَّابِ، يُبَدِّلُ جَيِّدَهُ بِالرَّدِيءِ، وَيَخْلِطُ الْفَصِيح مِنْهُ بِالْعَامِّيِّ، وَيُفْرِغُهُ فِي قَالَبٍ مِنْ أُسْلُوبِهِ تَتَعَاوَرُهُ الرَّكَاكَة، وَيُشَوِّهُهُ اللَّحْن، وَيَتَجَاذَبُهُ التَّعْقِيد، وَلا يَرْجِع إِلَى ذَوْق، وَلا تَخْدِمُهُ سَلِيقَة، وَلا يَمُدّهُ اِطِّلاع، وَلا يُمَحِّصُهُ نَقْد، وَلا يَعْلَقُهُ لِلْفَصَاحَةِ سَبَب.

فَصْلٌ فِي الشِّعْرِ
يُقَالُ: فُلانٌ شَاعِرٌ مُتَفَنِّنٌ، مُجِيد، مُتَأَنِّق، مُتَنَوِّق، مُفْلِق، بَلِيغ، فَحْل، خِنْذِيذ، عَزِيز الْمَذْهَبِ، بَعِيد الْغَايَةِ، رَفِيع الطَّبَقَة، مُتَصَرِّف فِي فُنُونِ الشِّعْرِ، مُوفٍ عَلَى شُعَرَاءِ عَصْرِهِ، وَهُوَ شَاعِرُ عَصْرِهِ، وَهُوَ أَشْعَرُ أَهْل عَصْرِهِ، وَهُوَ شَاعِرُ بَنِي فُلان، وَهُوَ شَاعِرُهُمْ غَيْر مُدَافِع، وَهُوَ شَاعِرٌ بِالطَّبْعِ، وَشَاعِرٌ مَطْبُوعٌ، وَهُوَ مِنْ أَطْبَع النَّاس، وَهُوَ مِنْ فُحُول الشِّعْرِ، وَفُحُولَته، وَمِنْ أُمَرَاءِ الشِّعْرِ، وَزُعَمَاء الْقَوْل، وَمِنْ مَشَاهِير الشُّعَرَاءِ، وَمِنْ
(2/35)

الشُّعَرَاءِ الْمَذْكُورِينَ، جَيِّد الشِّعْر، رَصِين الشِّعْرِ، جَيِّد النَّظْمِ، الْحَبْك، صَحِيح السَّبْكِ، مُنَضَّد اللَّفْظ، مُرَصَّف الْمَعَانِي، مُنْسَجِم الْكَلام، رَائِق الأُسْلُوبِ، مَلِيح الدِّيبَاجَة، حَسَن الْوَشْي، شَائِق اللَّفْظ، رَشِيق الْمَعْنَى، دَقِيق الْمَعْنَى، دَقِيق الْفِكْرِ، دَقِيق السِّلْكِ، لَطِيف التَّخَيُّل، مَطْبُوع النَّادِرَةِ، نَبِيه الأَغْرَاض، شَرِيف الْمَعَانِي، وَاضِح الْمَنْهَجِ، سَدِيد الْمَسْلَكِ، سَهْل الشَّرِيعَةِ، لَيْسَ فِي شِعْرِهِ تَكَلُّف، وَلا تَعَسُّف، وَلا تَعَمُّل، وَلا قَلَق، وَلا اِرْتِبَاك، وَلا تَعْقِيد، وَلا غُمُوض، وَلا اِلْتِبَاس، وَلا تَقْصِير.
وَلَيْسَ فِيهِ حَشْو، وَلا سَفْسَاف، وَلا لَغْو، وَلا إِحَالَة، وَلا ضَرُورَة، وَلا تَجَوُّز، وَلا تَسَمُّح.
وَلا تَرَى فِي قَوَافِيهِ قَلَقاً، وَلا ضَعْفاً، وَلا نُفُوراً، وَلا هِيَ أَجْنَبِيَّة، وَلا مُسْتَدْعَاة، وَلا يَسْتَكْرِهُهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، وَلا يَركَب فِيهَا عَيْباً وَلا سِناداً.
وَفُلانٌ مِنْ قَالة الشِّعْر، وَحَاكَّة الشِّعْر، وَصَاغَة الشِّعْر، وَصَاغَة الْقَرِيض، ورُوَّاض الْقَوَافِي، وَإِنَّ لَهُ شِعْراً
(2/36)

صَافِي الدِّيبَاجَة، نَقِيّ الْمُسْتَشَفّ، كَثِير الطُّلاوَة، كَثِير الْمَاءِ كَثِير الْمَحاسِن، واللَّطَائِف، والْمُلَح، والنُّكَت، والْبَدَائِع، وَالطُّرَف، وَإِنَّ شِعْرَهُ لَيَتَدَفَّق طَبْعاً وَسَلاسَة، وَيَطَّرِد فِيهِ مَاء الْبَدِيع، وَيَجُولُ فِيهِ رَوْنَق الْحِسّ، رَقِيق التَّشْبِيب، رَائِق النَّسِيب، حُلْو التَّغَزُّلِ، حَسَن الْمَطَالِعِ وَالْمَقَاطِعِ، حَسَن التَّشَابِيه، بَدِيع الاسْتِعَارَات، لَطِيف الْكِنَايَاتِ.
وَفُلانٌ إِذَا رَامَ نَظْم الشِّعْرِ قَامَتْ الأَلْفَاظُ فِي خِدْمَتِهِ، وَتَلَبَّبَتْ الْمَعَانِي لِدَعْوَتِهِ، وَإِنَّهُ لَيَرُوض الْقَوَافِيَ الصَّعْبَة، وَتَرْتَاض لَهُ شُمُس الْقَوَافِي، وَيَسْتَفْتِحُ أَغْلاق الْمَعَانِي، وَيَغُوصُ عَلَى الْمَعْنَى الْغَرِيبِ، وَالنُّكْتَةِ النَّادِرَةِ، وَلا يَزَالُ يَأْتِي بِالْبَيْتِ النَّادِرِ، وَالْمَثَلِ السَّائِرِ، وَالْحِكْمَةِ الْبَلِيغَةِ، وَالْمَعْنَى الْبَدِيعِ.
وَإِنَّهُ لَيَبْتَكِر الْمَعَانِيَ، وَيَسْتَنْبِطهَا، وَيَخْتَرِعهَا، وَيَبْتَدِعهَا، وَيَقْتَرِحهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مِنْ مُبْتَكَرَاتِ فُلان، وَمِنْ بَنَاتِ أَفْكَارِهِ، وَمِنْ مُخَدَّرَات أَفْكَاره، وَمِنْ أَبْكَار مُخْتَرَعَاته، وَإِنَّ فُلاناً لَيَزُفّ بَنَات الأَفْكَارِ، وَيَجْلُو أَبْكَار الْمَعَانِي، وَقَدْ جَاءَ
(2/37)

بِهَذَا الْكَلامِ اِسْتِنْبَاطاً، وَقَرِيحَة، وَابْتِكَاراً، وَاقْتِرَاحاً، وَهَذَا مَعْنىً لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ سَابِق، وَلَمْ يُنَازِعْهُ فِيهِ مُنَازِع، وَلَمْ يَتَمَثَّلْ فِي لَوْح خَاطِر، وَلَمْ يَحُمْ عَلَيْهِ طَائِرُ فِكْر.
وَإِنَّ فُلاناً لَيَنْظِم اللَّآلِئَ، وَيَنْظِم الْعُقُود، وَيُقَرِّط الآذَان، وَيُشَنِّفُ الأَسْمَاع، وَيُسْكِر الأَلْبَاب، وَيُسْحِرُ الْعُقُول، وَيَخْلُبُ الْقُلُوب، وَكَأَنَّ شِعْرَهُ أَفواف الْوَشْي، وَكَأَنَّ لَفْظَهُ الْوَشْي الْفَارِسِيّ، وَكَأَنَّ مَعَانِيه السِّحْر الْبَابِلِيّ، وَكَأَنَّ كَلامَهُ قَدْ صِيغَ مِنْ خَالِصِ النُّضار، وَإِنَّ شِعْرَهُ لَهُو السَّهْل الْمُمْتَنِع، الْقَرِيب الْبَعِيد، وَإِنَّهُ لَشِعْر حَرِيّ بِأَنْ يُكْتَب عَلَى جَبْهَة الدَّهْر، وَيُعَلَّق فِي كَعْبَة الْفَخْرَ.
وَهَذَا الشِّعْرُ مِنْ قَلائِدِ فُلان، وَمِنْ فَرَائِده، وَنَفَائِسه، وَبَدَائِعه، وبَدَائِهه، وَعَقَائِله، وَغُرَرِه، وَحَسَنَاته، وإِحْسَانَاتِه، وإِجاداتِه، وبَرَاعَاته، وَهُوَ مِنْ حَسَنَاتِهِ الْمَعْدُودَةِ، وَبَدَائِعه الْمَشْهُورَة، وبَرَاعَاته الْمَأْثُورَة، وَأَبْيَاته السَّائِرَة، وَقَلائِده الْمَرْوِيَّة، وَهَذِهِ الْقَصِيدَة مِنْ خَارِجِيَّات فُلان، وَمِنْ عَبْقَرِيَّاتِهِ، وَهِيَ كُلُّ مَا فَاقَ جِنْسَهُ وَنَظَائِرَهُ.
وَيُقَالُ: نَبَغَ فُلان فِي الشِّعْرِ إِذَا أَجَادَهُ
(2/38)

وَلَمْ يَكُنْ فِي إِرْث الشِّعْر، وَهُوَ نَابِغَة عَصْرِهِ، وَقَدْ نَبَغَ مِنْ فُلان شِعْرٌ شَاعِرٌ، وَهُوَ مِنْ رُوَّام الشِّعْر، وَمِمَّنْ يَنْظِمُ الشِّعْر، وَيَنْسِجُهُ، ويَحُوكُهُ، وَيَحْبُكُهُ، وَيُلْحِمُهُ، وَيَصُوغُهُ، وَيُقْرِضُهُ، وَيَبْنِيه، وَيُنْشِئُهُ، وَيُحَبِّرُهُ، وَيُدَبِّجُهُ، وَيُوَشِّيه.
وَقَدْ نَظَمَ فِي كَذَا، وَعَمِل فِيهِ شِعْراً، وَقَالَ فِيهِ شِعْراً، وَقَدْ جَاشَ الشِّعْر فِي خَاطِرِهِ، وَجَاشَ فِي صَدْرِهِ، وَفِي فُؤَادِهِ، وَاسْتَنْشَأْتُهُ قَصِيدَة فِي كَذَا فَأَنْشَأَهَا لِي.
وَيُقَالُ: فُلان يَهْضِبُ بِالشِّعْرِ أَيْ يَسِحُّ سَحاً، وَهُوَ شَاعِرٌ مُكْثِرٌ وَهُوَ خِلافُ الْمُقِلِّ.
وَقَدْ سَنَحَ لَهُ شِعْر كَذَا أَي عَرَض أَوْ تَيَسّر، وَإِنَّهُ لَيَرْتَجِل الشِّعْر، وَيَقْتَضِبُهُ، وَيَقْتَرِحُهُ، وَيَبْتَدِهُهُ، وَيَقُولُهُ عَلَى الْبَدِيهَةِ، وَعَلَى الْبَدِيه، لا يُسْهِر عَلَيْهِ جَفْناً، وَلا يَكُدّ فِيهِ طَبْعاً، وَقَدْ قَالَ هَذِهِ الأَبْيَات عَلَى رِيقٍ لَمْ يَبْلَعْهُ، وَنَفَس لَمْ يَقْطَعْهُ، وَهِيَ مِنْ عَفْو السَّاعَة، وَمِنْ فَيْضِ الْخَاطِر، وَفَيْضِ الْقَرِيحَة، وَفَيْضِ الْقَلَم، وَفَيْضِ الْيَدِ، وَمُجَارَاة الْخَاطِر، وَإِنَّهُ لَسَرِيع الْخَاطِرِ، غَمْر الْبَدِيهَة،
(2/39)

طَلْق الْبَدِيهَة، سَمْح الْقَرِيحَة، غَمْر الْقَرِيحَة، حَافِل الْقَرِيحَةِ فَيَّاض الْقَرِيحَة، مُتَدَفِّق الْقَرِيحَةِ، شَدِيد الْعَارِضَةِ، حَادّ الْبَادِرَةِ، سَرِيع الذِّهْنِ، حَاضِر الذِّهْنِ، وَإِنِّي لَمْ أَرَ أَحْضَرَ مِنْهُ ذِهْناً، وَلا أَسْرَعَ خَاطِراً، وَلا أَوْسَعَ خَاطِراً، لَوْ حَلَّ خَاطِرُهُ فِي الْمُقْعَدِ لَمَشَى، أَوْ فِي الأَخْرَسِ لَخَطَبَ.
وَيُقَالُ: فُلان يَخْشُب الشِّعْر، وَيَخْتَشِبُهُ، إِذَا أَرْسَلَهُ كَمَا يَجِيءُ وَلَمْ يَتَنَوَّقْ فِيهِ وَلَمْ يُنَقِّحْهُ، وَهَذَا شِعْر مَخْشُوب، وَخَشِيب، وَخَيْر الشِّعْرِ الْحَوْلِيّ الْمُنَقَّح، وَفِي الأَسَاسِ كَانَ الْفَرَزْدَق يُنَقِّحُ الشِّعْرَ وَكَانَ جَرِير يَخْشُبُ وَكَانَ خَشْب جَرِير خَيْراً مِنْ تَنْقِيح الْفَرَزْدَق، وَتَقُولُ: عَارَضْت فُلاناً فِي الشِّعْرِ، وَمَاتَنْتُهُ، وَنَاشَدْتهُ، وَرَاسَلْتهُ، وَقَارَضْتهُ، وَهِيَ الْمُبَارَاةُ فِي نَظْمِ الشِّعْرِ، وَهُمَا يَتَقَارَضَانِ الأَشْعَار.
وَتَقُولُ: أَجِزْ هَذَا الْبَيْت أَوْ هَذَا الشَّطْر إِذَا نَظَمْتهُ أَوْ أَخَذْتهُ مِنْ شِعْرِ غَيْرِك وَسَأَلْتهُ أَنْ يَنْظِمَ عَلَيْهِ لِيُتِمَّهُ، وَيُقَالُ: فُلان شَاعِر فَصَّال وَهُوَ الَّذِي يَمْدَحُ النَّاسَ لِيَأْخُذ الْجَوَائِزَ.
(2/40)

وَتَقُولُ فِي الذَّمِّ: فُلان شَاعِر ضَعِيف، سَخِيف النَّظْمِ، مُهَلْهَل الشِّعْر، مُقَصِّر عَنْ طَبَقَةِ الْفُحُولِ، نَازِل عَنْ رُتْبَةِ الْمُجِيدِينَ مِنْ الشُّعَرَاءِ، وَهُوَ مِنْ سَاقَة أَهْل الشِّعْرِ، وَمِنْ مُتَخَلِّفِي الشُّعَرَاء، لا مَلَكَة عِنْدَهُ لِلنَّظْم، وَلَمْ يُرَكَّبْ فِي طَبْعِهِ الشِّعْرُ، وَلَيْسَ فِي سَلِيقَتِهِ الشِّعْر.
وَإِنَّهُ لَصَالِد الْفِكْر، كَابِي الزَّنْد، كَهَام الذِّهْنِ، سَخِيف الطَّبْعِ، مُتَخَلِّف الطَّبْع، سَقِيم الْخَاطِر، مُقْعَد الْخَاطِر، زَمِن السَّلِيقَة، نَاضِب الْقَرِيحَة، جَامِد الرَّوِيَّة، خَامِد الْبَدِيهَة، نَكِد الْقَرِيحَة، صَلْد الْخَاطِر.
وَإِنَّمَا هُوَ شُوَيْعِر، وَشُعْرُور، وَمُتَشَاعِر، رَثّ الأَلْفَاظ، قَلِق الأَلْفَاظ، قَلِق الأَسَالِيب، سَقِيم الْمَعَانِي، فَاسِد الْمَعَانِي، مُبْتَذَل الْمَعَانِي، مَطْرُوق الأَغْرَاض، فَاسِد التَّعْبِيرِ، مُشَوَّش الْقَوَالِب، ضَعِيف النَّقْدِ، كَثِير التَّكَلُّفِ، شَدِيد التَّعَمُّل، وَهُوَ إِنَّمَا يَنْظِمُ بِالصَّنْعَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَرُوضِيّ، وَإِنَّمَا هُوَ مُقَطِّعُ أَبْيَات، وَوَزَّان تَفَاعِيل،
(2/41)

وَإِنَّمَا هُوَ وَزَّانٌ لا شَاعِر.
وَإِنَّ شِعْرَهُ لِبَشِع فِي الذَّوْقِ، تَافِه فِي الذَّوْقِ، وَإِنَّهُ لَجَافّ الْكَلامِ، لَيْسَ عَلَى كَلامِهِ بِلَّة الْفَصَاحَة، وَلَيْسَ عَلَى شِعْرِهِ طُلاوَة، وَلا حَلاوَة، وَلا رَوْنَق، وَلا رَشَاقَة، وَلا بَدَاهَة، وَلا قُدْرَة لَهُ عَلَى الاخْتِرَاعِ، وَلا فَضْل فِيهِ لِلاسْتِنْبَاطِ، وَلا تَكَادُ تَرَى فِي كَلامِهِ إِلا مُتَرَقَّعاً، وَلا تَقَعُ إِلا عَلَى مُتَرَدَّم، وَلا تَسْقُط إِلا عَلَى مُتَنَصَّح، وَفُلان لَوْ تَمثّل شِعْره لَكَانَ أَشْبَه شَيْء بِالْعَجَائِزِ الْفَانِيَة، فِي الأَسْمَالِ الْبَالِيَة.
وَيُقَالُ: كَسَرَ الشِّعْر إِذَا لَمْ يُقِمْ وَزْنَهُ، وَفُلان يُصَابِي الشِّعْر إِذَا لَمْ يُقِمْ إِنْشَاده وَتَقُول: فُلان مِنْ مُتَلَصِّصِي الشُّعَرَاء، وَهُوَ فِي الشِّعْرِ سِبْد أَسْبَاد وَإِنَّهُ لَشِظَاظ الشِّعْر، وَإِنَّهُ لَيَسْرِق الشِّعْر، وَيُغِير عَلَيْهِ، وَيَنْتَحِلهُ، وَيَنْسَخُهُ، وَيَسْلَخُهُ، وَيَمْسَخُهُ، ويُصالِت فِيهِ، وَإِنَّهُ لَيُغِير عَلَى أَبْيَاتِ الشُّعَرَاءِ، وَيَعْدُو عَلَى بَنَاتِ الأَفْكَارِ، وَقَدْ أَطْلَقَ يَدَهُ فِي شِعْرِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَحَكَّمَ رَاحَته فِي شِعْر الأَوَائِل،
(2/42)

وَقَدْ تَحَيَّف شِعْر فُلان، وَأَخَذ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ فُلان، وَأَلَمّ بِبَيْتِ فُلان، وَهَذَا الْبَيْت مِنْ قَوْلِ فُلان، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى قَوْلِ فُلان وَيُقَالُ: أَصْفَى الشَّاعِر إِذَا اِنْقَطَعَ شِعْره.
وَقَالَ: فُلان كَذَا بَيْتا وَأَكْدَى إِذَا اِمْتَنَعَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ، وَقَدْ أُرْتِج عَلَيْهِ، وَرُجِيَ عَلَيْهِ، وَصَلُد خَاطِره، وَتَقُولُ لا يَسْتَذِيقُ لِي الشِّعْر إِلا فِي فُلان، وَإِلا فِي غَرَضِ كَذَا، أَيْ لا يَنْقَادُ لِي.
وَيُقَالُ: رَجُلٌ مُفْحِمٌ وَهُوَ الَّذِي لا يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ شِعْراً وَتَقُول: هَذِهِ قَصِيدَة عَائِرَة، وَكَلِمَة عَائِرَة، وَقَافِيَةٌ شَارِدَةٌ، وَشَرُود، وَهَذِهِ آبِدَة مِنْ أَوَابِد الشِّعْر، كُلّ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْقَصِيدَة السَّائِرَة.
وَإِنَّهَا لَكَلِمَة شَاعِرَة، وَهِيَ مِنْ غُرَر الْقَصَائِد، وَمِنْ الْقَصَائِدِ الْمُخْتَارَةِ، وَمِنْ حُرِّ الْكَلامِ، وَمِنْ عُيُونِ الشِّعْرِ، وَمَحْفُوظ الشِّعْرِ، وَعَقَائِل الشِّعْر، وَمِنْ مُحْكَمِ الشِّعْرِ وَجَيِّده،
(2/43)

وَهَذِهِ قَصِيدَة حَذَّاء أَي سَائِرَة أَوْ مُنْقَطِعَة الْقَرِين.
وَهِيَ مِنْ مُقَلَّدَات الشِّعْرِ، وَقَلائِده، أَي الْبَوَاقِي عَلَى الدَّهْرِ، وَإِنَّهَا لَحَسَنَة الشَّبَابِ أَي التَّشْبِيبِ، وَهَذِهِ قَصِيدَة حَكِيمَة أَي فِيهَا كَلام حِكْمَة، وَهَذَا شِعْر مُقَصَّد أَي مُهَذَّب مُنَقَّح، وَهَذَا الْبَيْتُ فِقْرَة هَذِهِ الْقَصِيدَةِ أَي أَجْوَد بَيْتٍ فِيهَا، وَهُوَ بَيْتُ الْقَصِيدِ، وَتَقُولُ: هَذِهِ قَصِيدَة رَيِّضَة أَي لَمْ تُحْكَمْ.
وَإِنَّهَا لَمِنْ سَفْسَاف الشِّعْر أَي مِنْ رَدِيئِهِ أَوْ مَا لَمْ يُحْكَمْ مِنْهُ، وَفُلانٌ يُنْشِد مُقَطَّعَات الشِّعْرِ وَهِيَ قِصَارُهُ وَأَرَاجِيزه.
وَتَقُولُ: شِعْر فُلان أَحْسَن مِنْ حَوْلِيَّات زُهَيْر، وَأَحْسَن مِنْ حَوْلِيَّات مَرْوَان بْن أَبِي حَفْصَة، وَأَحْسَن مِنْ اِعْتِذَارَاتِ النَّابِغَةِ، حَمَاسِيَّات عَنْتَرَة، وَهَاشِمِيَّات الْكُمَيْت، وَنَقَائِضِ جَرِير، وَخَمْرِيَّات أَبِي نُوَاس، وَتَشْبِيهَات اِبْنِ الْمُعْتَزِّ، وَزُهْدِيَّات أَبِي الْعَتَاهِيَةِ، وَرَوْضِيَّات الصَّنَوْبَرِيّ، وَلَطَائِف كُشَاجِم.
وَهَذَا أَحْسَن مِنْ ابْتِدَاءات أَبِي نُوَاس، وَمِنْ تَخَلُّصَات الْمُتَنَبِّئ، وَمَقَاطِع أَبِي تَمَّام.
(2/44)

فَصْلٌ فِي النَّقْدِ
يُقَالُ: نَقَدْت الْكَلام، وَانْتَقَدْتهُ، وَفَلَيْتُه، وَتَدَبَّرْتهُ، وَتَأَمَّلْتهُ، وَتَرَسَّمْتهُ، وَتَوَسَّمْتهُ، وَتَصَفَّحْتهُ، وَتَبَصَّرْته، وَطَفَّلْته، وَمَيَّزْته، وَاسْتَشْفَفْته، وَاسْتَبْطَنْتهُ، وَنَظَرْت فِيهِ، وَرَوَّأْت فِيهِ، وَتَثَبَّت فِيهِ، وَأَعْمَلْت فِيهِ النَّظَر، وَقَلَّبْت فِيهِ النَّظَرَ، وَأَنْعَمْت فِيهِ النَّظَر، وَحَكَكْت مَعْدِنَه، وَسَبَرْت غَوْرَهُ، وَعَجَمْت عُوده وَقَلَّبْتهُ بَطْناً لِظَهْر.
وَفُلان نَقَّاد، بَصِير، خَبِير، عَارِف، جَهْبَذ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ أَهْل النَّقْد، وَمِنْ جَهَابِذَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِنْ ذَوِي الْبَصَائِرِ النَّافِذَةِ، صَحِيح النَّقْدِ، صَائِب الْفِكْرِ، ثَاقِب الْفِكْر، ثَاقِب الرَّوِيَّةِ، ثَاقِب النَّظَرِ، دَقِيق النَّظَرِ، صَادِق النَّظَرِ، بَعِيد مَرْمَى النَّظَر، بَعِيد مَطْرَح الْفِكْر، مُدَقِّق، شَدِيد التَّنْقِيبِ، كَثِير التَّنْقِير، دَقِيق الْبَحْثِ، بَعِيد الْغَوْرِ، يَغُوصُ عَلَى الْحَقَائِقِ، وَيُثِيرُ الدَّفَائِن، وَيَكْشِفُ عَنْ الْغَوَامِض، عَارِف بِمَوَارِدِ الْكَلام وَمَصَادِرِهِ، خَبِير بِمَحَاسِنِهِ وَمَسَاوِئِهِ، عَلِيم بِصَحِيحِهِ
(2/45)

وَفَاسِده، بَصِير بِجَيِّدِهِ وَسَفْسافِه.
وَتَقُولُ: هَذَا كَلام لا يَثْبُتُ عَلَى النَّقْدِ، وَلا يَثْبُتُ عَلَى السَّبْكِ، وَإِنَّ فِيهِ لَمَطْعَناً، وَمَغْمَزًا، وَمَنْقَفاً، وَمَأْخَذًا وَإِنَّ فِيهِ لَمُتَرَقَّعاً، وَمُتَرَدَّماً، وَمُسْتَرَمّاً.
وَإِنَّهُ مَجَالُ نَظَر، وَمَحَلُّ نَظَر، وَفِيهِ نَظَر، وَفِيهِ كَلام، وَفِيهِ مَوْضِعٌ لِلْقَوْلِ، وَمَوْضِعٌ لِلنَّقْدِ، وَمَوْضِع لِلنَّكِيرِ.
وَإِنَّهُ لا يَخْلُو مِنْ حَزَازَة، وَلا يَخْلُو مِنْ اِعْتِسَاف، وَمِنْ شَطَط، وَلا يَخْلُو مِنْ مُبَايَنَةٍ لِوَجْهِ الصَّوَابِ.
وَتَقُولُ: هَذَا كَلام لَمْ يُرْزَق حَظّه مِنْ التَّثَبُّتِ، وَلَمْ تَتَوَلَّهُ رَوِيَّة صَادِقَة، وَلَمْ يَصْدُرْ عَنْ عِلْمٍ رَاسِخٍ. وَلَمْ يُمْلِهِعِلْم صَحِيح، وَإِنَّمَا هُوَ ضَرْبٌ مِنْ التَّخَرُّصِ، وَضَرْب مِنْ الْخَبْطِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلام مُجَازِف، وَإِنَّهُ لَمُعْتَسِف عَنْ جَادَّة الصَّوَاب، بَعِيد عَنْ مَرْمَى السَّدَادِ، وَإِنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّوَابِ مَرَاحِلَ.
وَهُوَ مَأْتِيٌّ مِنْ وَجْه كَذَا، وَقَدْ كَانَ الْوَجْه أَنْ يُقَالَ كَذَا، وَالصَّوَاب أَنْ يُقَالَ كَذَا، وَلَوْ قِيلَ فِي مَوْضِعِهِ كَذَا
(2/46)

لَكَانَ أَسْلَم، وَكَانَ أَقْرَب إِلَى الصَّوَابِ، وَكَانَ هُوَ الْوَجْه، وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَتَقُولُ: هَذَا كَلام قَدْ حُصِّنَ عَنْ نَظَرِ النَّاقِدِ، وَصُرِفَ عَنْهُ بَصَر النَّاقِدِ، وَإِنَّهُ لَكَلام لا غُبَارَ عَلَيْهِ، وَلا نَكِير فِيهِ، وَلا وَجْه فِيهِ لِلاعْتِرَاضِ، وَلا شُبْهَة فِيهِ لِنَاظِر، وَلا مَطْعَن فِيهِ لِغَامِز، وَلا سَبِيل عَلَيْهِ لآخِذ، وَلا عَائِب، وَلا مُنْكِر، وَلا مُعْتَرِض، وَلا مُتَعَقِّب، وَلا مُنَاقِش، وَلا مُزَيِّف، وَلا مُفَنِّد، وَلا مُنَدِّد، وَلا مُسَوِّئ، وَلا مُخَطِّئ، وَلا مُغَلِّط، وَلا مُوَهِّم، وَلا طَاعِن، ولا قَادِح.

فَصْلٌ فِي الْجَدَلِ
يُقَالُ: فُلانٌ جَدِل، أَلَدّ، شَدِيد الْمِرَاء، شَدِيد اللِّدَاد، أَلَدّ الْحِجَاجِ، مَتِين الْحُجَّةِ، قَوِيّ الْحُجَّةِ، وَثِيق الْحُجَّةِ، سَدِيد الْبُرْهَانِ، نَاصِع الْبُرْهَان، ثَاقِب الْبُرْهَان، حَاضِر الدَّلِيلِ،
(2/47)

حَسَن الاسْتِدْلالِ، صَحِيح الاسْتِدْلالِ، بَصِير بِمَوَاضِع الْحَقّ، بَصِير بِاسْتِنْبَاطِ الأَدِلَّةِ.
وَإِنَّهُ لَمِنْ مَشَاهِير الْجَدَلِيِّينَ، وَجِلَة أَهْل النَّظَرِ، وَقَدْ جَادَلَ خَصْمَهُ، وَمَارَأَهُ، وَنَاظَرَهُ، وَبَاحَثَهُ، وَنَاقَشَهُ، وَمَاتَنَه، وَحَاجَّهُ، وَلاجَّهُ، وَلادَّه.
وَإِنَّهُ لَيُجَادِل عَنْ نَفْسِهِ، وَيُحَاجّ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ نَزَعَ بِحُجَّتِهِ، وَأَدْلَى بِحُجَّتِهِ، وَصَدَع بِحُجَّتِهِ، وَاحْتَجَّ عَلَى خَصْمِهِ بِحُجَّةٍ شَهْبَاءَ، وَحُجَّة بَتْرَاء، وَحُجَّة دَامِغَة، وَجَاءهُ بِالدَّلِيلِ الْمُقْنَعِ، وَالدَّلِيلِ الْمُفْحِمِ، وَالدَّلِيل الْفَاصِل، وَالْبُرْهَان الْقَيِّم، وَأَيَّدَ قَوْله بِالْحُجَجِ الْقَوَاطِع وَالْبَيِّنَات النَّوَاصِع، وَالأَدِلَّة اللَّوَامِع، وَالْبَرَاهِين السَّوَاطِع.
وَأَثْبَتَ رَأْيَهُ بِالأَدِلَّةِ الْوَاضِحَةِ، وَالْحُجَجِ اللائِحَة، وَالْبَيِّنَات النَّوَاهِض، وَالْبَيِّنَات الْمُسَلَّمَة، وَالْحُجَج الْمُلْزِمَة، وَاسْتَظْهَرَ عَلَى خَصْمِهِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، وَأَيَّدَ مَذْهَبه بِشَوَاهِد الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول، وَأَوْرَدَ عَلَى قَوْلِهِ النُّصُوصَ الصَّرِيحَةَ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ
(2/48)

بِنُصُوص الأَثْبَات، وَكَانَتْ حُجَّته الْعَالِيَة، وَحُجَّته الْعُلْيَا.
وَقَدْ نَضَحَ عَنْ نَفْسِهِ، وَتَلَقَّى دَعْوَاهُ بِثَبَتهَا، وَجَاءَ بِنَفَذ كَلامه، وَخَرَجَ مِنْ عُهْدَة مَا قَالَهُ، وَخَرَجَ مِنْ عُهْدَة مَا أُخِذَ عَلَيْهِ، وَأَثْبَتَ قَوْلَه مِنْ طَرِيق الْبُرْهَان.
وَقَدْ أَبْكَم خَصْمَهُ، وَأَفْحَمَهُ، وَقَطَعَهُ، وَخَطَمَهُ وَخَصَمَه، وَحَجَّهُ، وَقَرَعَهُ بِالْحَقِّ، وَقَرَحَهُ بِالْحَقِّ، وَدَحَضَ حُجَّتَهُ، وَأَدْحَضَهَا، وَدَفَعَ قَوْله، وَدَفَعَ اِسْتِدْلالَهُ، وَزَيَّفَ بُرْهَانَهُ، وَرَدّ حُجَّتَه عَلَيْهِ، وَأَجَرّ لِسَانَه وَبَهَرَهُ، وَبَرَعَهُ، وَقَهَرَهُ، وَظَهَرَ عَلَيْهِ، وَفَلَّجَ عَلَيْهِ، وَاسْتَطَالَ عَلَيْهِ، وَأُدِيلَ مِنْهُ، وَرَمَاهُ بِسُكَاتِهِ، وَبِصُمَاتِه، وَرَمَاهُ بِقَاصِمَةِ الظَّهْرِ، وَرَمَاهُ بِثَالِثَة الأَثَافِيّ، وَرَمَاهُ بِأَقْحَاف رَأْسه، وَتَرَكَهُ مُعْتَقَل اللِّسَان وَرَدَّ مِنْ سَامِي طَرْفِهِ، وَرَدَّهُ
(2/49)

صَاغِراً قَمِيئاً، وَكَأَنَّمَا أَفْرَغَ عَلَيْهِ ذَنُوباً.
وَإِنَّهُ لَرَجُل أَلَوَى، بَعِيد الْمُسْتَمَرّ، ثَبْت الْغَدَر، شَدِيد الْعَارِضَةِ، غَرْب اللِّسَانِ، طَوِيل النَّفَسِ فِي الْبَحْثِ، بَعِيد غَوْر الْحُجَّة، وَبِعِيد نَبَط الْحُجَّة، وَإِنَّهُ لَيَضَع لِسَانهُ حَيْثُ شَاءَ، وَلَمْ أَجِدْ فِيمَنْ عَبَرَ وَغَبَرَ أَبْسَط مِنْهُ لِسَاناً، وَلا أَحْضَر ذِهْناً، وَلا أَلْحَن بِحُجَّة، وَلا أَقْدَر عَلَى كَلام، وَإِنَّهُ لَيَتَقَلَّب بَيْن أَحْنَاء الْحَقّ، وَإِنَّهُ لَيَلْوِي أَعْنَاقَ الرِّجَالِ.
وَتَقُولُ: هَذَا هُوَ الْحَقُّ الْيَقِين، وَالْحَقّ الصَّابِح، وَالْحَقّ الصُّرَاح، وَالْحَقّ الْمُبِين، وَقَدْ سَفَرَ الْحَقّ، وَحَصْحَصَ الْحَقُّ، وَصَرَّح الْحَق عَنْ مَحْضِهِ، وَتَبَيَّنَ وَجْه السَّدَاد، وَوَضَحَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ، وَانْكَشَفَ قِنَاع الشَّكّ عَنْ مَحْيَا الْيَقِين.
وَإِنَّهُ لأَمْر لا مِرْيَةَ فِيهِ، وَلا مِرَاء فِيهِ، وَلا رَيْبَ فِي صِحَّتِهِ، وَلا مَوْضِعَ
(2/50)

فِيهِ لِلشُّبْهَةِ، وَلا مَسَاغَ لِلشَّكِّ، وَهَذَا أَمْر لا يَخْتَلِفُ فِيهِ اِثْنَانِ، وَلا يَتَمَارَى فِيهِ عَاقِل، وَإِنَّهُ لَمَعْلُوم فِي بَدَائِهِ الْعُقُول، وَقَدْ تَنَاصَرَتْ عَلَيْهِ الْحُجَج، وَقَامَ عَلَيْهِ بُرْهَانُ الْعَقْلِ، وَصَحَّحَهُ الْقِيَاس، وَأَيَّدَهُ الْوِجْدَان، وَنَطَقَتْ بِصِحَّتِهِ الدَّلائِل
وَتَقُولُ فِي خِلافِ ذَلِكَ: فُلان ضَعِيف الْحِجَاج، ضَعِيف الْحُجَّةِ، سَقِيم الْبُرْهَان، رَكِيك الْبُرْهَانِ، وَاهِن الدَّلِيل، ضَعِيف الْبَصِيرَةِ، مُتَخَلِّف الرَّوِيَّة، بَلِيد الْفِكْرِ، خَامِد الذِّهْن، قَصِير بَاع الْحُجَّة، أَلْكَن لِسَان الْحُجَّةِ.
وَهَذَا قَوْل مَدْفُوع، وَقَوْل مَرْدُود، وَقَوْل لا يَنْهَضُ، وَقَوْل لا يُسْمَعُ، وَإِنَّهُ لَقَوْل ضَعِيف السَّنَد، وَاهِي الدَّلِيل، بَارِز عَنْ ظِلّ الصِّحَّة، بَعِيد عَنْ شُبَه الصِّحَّة، لَيْسَ فِيهِ شَيْء مِنْ الْحَقِّ، وَلا يَتَمَثَّلُ فِيهِ شِبْه الْحَقِّ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ لِلْحَقِّ ظِلّ، وَهَذَا أَمْر ظَاهِر الْبُطْلان، وأَمْر لا تُعْقَل صِحَّتُهُ، وَلا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيل، وَلا تُؤَيِّدُهُ حُجَّة، وَلا يَنْهَضُ فِيهِ بُرْهَان، وَلا يَثْبُتُ عَلَى النَّظَرِ.
وَتَقُولُ: قَدْ بَرِمَ الرَّجُلُ بِحُجَّتِهِ إِذَا لَمْ تَحْضُرْهُ، وَقَدْ أَبْدَعَتْ حُجَّته أَيْ ضَعُفَتْ، وَهَذِهِ حُجَّة وَاهِيَة، وَوَاهِنَة، وَإِنَّ حُجَّتَهُ لأَوْهَى مِنْ بَيْتِ
(2/51)

الْعَنْكَبُوتِ، وَأَوْهَن مِنْ خَيْط بَاطِل، وَمِنْ شَبَحٍ بَاطِلٍ وَهَذِهِ حُجَّة بَاطِلَة، وَحُجَّة دَاحِضَة، وَقَدْ دَحَضْت حُجَّتهُ، وَانْتَقَضَ عَلَيْهِ بُرْهَانه، وَتَقَوَّضَتْ دَعَائِم بُرْهَانه.
وَتَقُولُ: قَدْ اِنْقَطَعَ الرَّجُلُ، وَنُزِفَ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَأَنْزَف إِنْزَافاً، وَأَبْلَس إِبْلاساً، إِذَا اِنْقَطَعَتْ حُجَّته، وَإِنَّهُ لأَجْذَم الْحُجَّة أَي مُنْقَطِعهَا.
وَتَقُولُ: هَذِهِ أَقْوَال مُتَدَافِعَة، وَحُجَج مُتَخَاذِلَة، وَأَدِلَّة مُتَعَارِضَة، وَبَيِّنَات مُتَنَاقِضَة، لا تَتَجَارَى فِي حَلْبَة، وَلا تَتَسَايَرُ إِلَى غَايَة، وَإِنَّهَا لَيُصَادِم بَعْضهَا بَعْضاً، وَيُجَادِل بَعْضهَا بَعْضاً، وَيَقْدَح بَعْضهَا فِي بَعْض، وَيَدْفَع بَعْضهَا فِي صَدْر بَعْض.
وَفُلانٌ مُمَاحِكٌ، مُتَعَنِّت، سَيِّئ اللِّجَاج، صَلِف الْمِرَاء، صَلِف الْحِجَاج، يُمَارِي فِي الْبَاطِلِ، وَيَتَحَكَّمُ فِي الْجِدَالِ، وَلا تَرَاهُ إِلا مُعَانِداً، أَوْ مُكَابِراً، أَوْ مُغَالِطاً، أَوْ مُشَاغِباً.
(2/52)

فَصْلٌ فِي الْقِرَاءةِ
يُقَالُ: قَرَأْت الْكِتَابَ، وَاقْتَرَأْتُهُ، وَتَلَوْته، وَطَالَعْته، وَتَصَفَّحْته، وَفُلان قَارِئ مِنْ قَوْمٍ قُرَّاءٍ، وَهُوَ قَارِئٌ مُجَوِّدٌ، وَقَدْ جَوَّدَ قِرَاءَتَهُ، وَإِنَّهُ لَحَسَن التَّجْوِيدِ، حَسَن اللَّفْظِ، حَسَن الإِبَانَةِ، سَلِس الْمَنْطِق، بَيِّن الْمَنْطِقِ، مُشْبَع اللَّفْظ، بَلِيل اللِّسَان، حَسَن أَدَاءِ الْحُرُوفِ، حَسَن التَّحْقِيقِ، مَلِيح النَّبْر وَالإِرْسَال، مُحْكَم التَّرْقِيق وَالتَّفْخِيم، لا يَتَقَعَّرُ فِي لَفْظِهِ، وَلا يَتَنَطَّعُ، وَلا يَتَعَمَّقُ، وَلا يَتَمَطَّقُ، وَلا يَتَفَيْهَقُ، وَلا يَتَشَدَّقُ، وَلا يَمُطُّ بِكَلِمَاتِهِ، وَلا يُغَمْغِمُ، وَلا يُجَمْجِمُ، وَلا يَمْضُغُ الْحُرُوفَ، وَلا يَلُوكُهَا.
وَيُقَالُ: حَدَرَ قِرَاءَته، وَحَدَرَ فِيهَا، إِذَا أَسْرَعَ فِيهَا وَتَابَعَهَا، وَتَرَسَّل فِي قِرَاءَتِهِ، وَرَسَّل تَرْسِيلا، وَرَتَّلَهَا، وَتَرَتَّلَ فِيهَا، إِذَا تَمَهَّلَ فِيهَا وَحَقَّقَ الْحُرُوف وَالْحَرَكَات، وَجَهَر بِقِرَاءَتِهِ إِذَا رَفَعَ صَوْته بِهَا، وَخَفَتَ بِقِرَاءَتِهِ، وَخَافَتْ، وَتَخَافَت،
(2/53)

إِذَا خَفَضَ صَوْته، وَعَبَرَ الْكِتَاب إِذَا تَدَبَّرَهُ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَرْفَعْ صَوْته بِقِرَاءَتِهِ، وَاسْتَعْجَمَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءةُ إِذَا لَمْ يَقْدِر عَلَيْهَا لِغَلَبَةِ النُّعَاسِ عَلَيْهِ.
وَيُقَالُ: نَاد الْقَارِئ يَنُودُ نَوَدَاناً إِذَا حَرَّكَ رَأْسَهُ وَأَكْتَافَهُ فِي الْقِرَاءةِ، وَتَقُولُ: مَا فُلان بِقَارِئ، وَإِنَّهُ لَرَجُل أُمِّيّ، وَفِيهِ أُمِّيَّةٌ.

فَصْلٌ فِي الْخَطِّ
يُقَالُ: خَطَّ الْكَلِمَة، وَكَتَبَهَا، وَرَسَمَهَا، وَرَقَمَهَا، وَصَوَّرَهَا، وَكَتَب الصَّحِيفَة، وَسَطَرَهَا، وَسَطَّرَهَا، وَرَقَّمَهَا، وَنَمَّقَهَا، وَدَبَّجَهَا، وَوَشَّاهَا، وَطَرَّزَهَا، وَرَقَشَهَا، وَحَبَّرَهَا.
وَقَدْ كَتَبَ كَذَا سَطْراً، وَهُوَ مُسْتَوِي الأَسْطُر، وَمُعْتَدِلُ الأَسْطُرِ، وَالسُّطُورِ، وَالسَّلاسِل، وَإِنَّهُ لَجَيِّد الْخَطِّ، حَسَن الْخَطِّ، جَمِيل الْخَطِّ، أَنِيق الرَّسْمِ، مُحْكَم التَّصْوِيرِ، وَإِنَّهُ لَمِنْ أَبْرَع الْكَتَبَة، وَأَلْبَقِهِمْ، وَمِنْ أَلْطَفِهِمْ ذَوْقاً، وَأَجْرَاهُمْ قَلَماً، وَأَنْقَاهُمْ صَحِيفَة، وَأَجْمَلِهِمْ رُقْعَة، وَأَصَحِّهِمْ رَسْماً، وَأَبْدَعِهِمْ تَصْوِيراً، وَقَدْ جَوَّدَ خَطَّهُ، وَحَسَّنَهُ، وَنَمَّقَهُ، وَتَأَنَّقَ فِيهِ، وَتَنَوَّقَ، وَمَا أَحْسَنَ
(2/54)

مَرَاعِفَ أَقْلامِه، وَمَقَاطِر أَقْلامه.
وَفُلانٌ كَأَنَّ خَطَّهُ الْوَشْم فِي الْمَعَاصِم، وَالْوَشْم فِي الأَصْدَاغِ، وَكَأَنَّ صَحَائِفه قِطَع الرِّيَاض، وَكَأَنَّهَا الْوَشْيُ الْمُحَبَّر، وَكَأَنَّهَا الْحِبَرُ الْمُوشِيَة، وَكَأَنَّ سُطُورَهُ سَبَائِك الْفِضَّةِ، وَسَلاسِل الْعِقْيَان، وَكَأَنَّهَا قَلائِدُ السَّبَج، وَكَأَنَّ حُرُوفَهُ قِطَع الْفُسَيْفِسَاءِ، وَكَأَنَّ سَوَادَ حِبْرِهِ سَوَاد الْعِذَار عَلَى صَفَحَاتِ الْخُدُودِ، وَكَأَنَّ نُقَطَهُ الْخِيلان فِي وُجُوهِ الْحِسَانِ.
وَيُقَالُ: رَقَّن الْكِتَاب تَرْقِيناً إِذَا كَتَبَهُ كِتَابَة حَسَنَة، وَهَذَا مِنْ كُتُب التَّحَاسِين وَهِيَ مَا كُتِبَ بِالتَّأَنُّقِ وَالتَّأَنِّي، وَفُلانٌ يَمْشُقُ الْخَطّ أَيْ يُسْرِعُ فِيهِ، وَإِنَّهُ لَيَمْشُق بِقَلَمِهِ، وَهُوَ خِلافُ اِلْتَّحَاسين.
وَالْمَشْقُ أَيْضاً مَدّ الْحُرُوفِ فِي الْكِتَابَةِ َقَدْ مَشَقَ الْحَرْف، وَمَطّه، وَالْقَرْمَطَةُ بِخِلافِهِ وَهِيَ أَنْ يُقَارِبَ بَيْنَ الْحُرُوفِ وَالسُّطُورِ وَقَدْ قَرْمَطَ خَطّه، وَدَامَجَهُ، وَنَمْنَمَ خَطّه إِذَا كَتَبَهُ دَقِيقاً وَقَارَب بَيْنَ سُطُورِهِ، وَهَذَا خَطّ نَزِل بِفَتْحٍ فَكَسْر إِذَا كَانَ مُتَلَزّزًا يَقَعُ مِنْهُ الشَّيْء الْكَثِير فِي الْقِرْطَاسِ الْيَسِير.
وَتَقُولُ: فُلان سَيِّئ
(2/55)

الْخَطّ، رَدِيء الْخَطِّ، سَقِيم الْخَطّ، وَإِنَّ فِي خَطِّهِ لَعُهْدَة بِالضَّمِّ إِذَا لَمْ يُقِمْ حُرُوفَهُ، وَمَا أَشْبَهَ خَطّ فُلان بِتَنَاشِير الصِّبْيَان وَهِيَ خُطُوطُهُمْ فِي الْمَكْتَبِ، وَقَدْ ثَبَّج خَطّه، وَمَجْمَجَهُ، إِذَا عَمَّاهُ وَتَرَكَ بَيَانه، وَفِي خَطِّهِ ثَبَج بِفَتْحَتَيْنِ، وَهُوَ خَطٌّ مُمَجْمَجٌ، وَفُلانٌ مَا يُحْسِنُ إِلا الْمَجْمَجَة.
وَتَقُولُ: مَحَوْت الْكَلِمَةَ، وَطَرَسْتهَا، إِذَا أَزَلْت كِتَابَتَهَا، وَطَلَسْتهَا، وَطَمَسْتهَا، إِذَا مَحَوْتهَا لِتُفْسِدهَا، وَحَكَكْتهَا، وَكَشَطْتهَا، وَقَشَطْتهَا، وَجَرَّدْتهَا، وَسَحَفْتهَا، وَسَحَوْتُهَا، إِذَا قَشَرْتهَا بِطَرَف جَلَموَنَحْوه، وَطَرَّسْت عَلَى الْكَلِمَةِ تَطْرِيساً إِذَا أَعَدْت الْكِتَابَة عَلَيْهَا، وَيُقَالُ: نَجَل الصَّبِيّ لَوْحه إِذَا مَحَاهُ، وَقَدْ مَسَحَهُ بِالطَّلاسَةِ وَهِيَ الْخِرْقَةُ يُمْسَحُ بِهَا اللَّوْح.
وَخَرَّجَ الصَّبِيُّ لَوْحه إِذَا تَرَكَ بَعْضه غَيْر مَكْتُوب، وَإِذَا كَتَبْت الْكِتَابَ وَتَرَكْت مَوَاضِع الْفُصُولِ وَالأَبْوَابِ فَهُوَ كِتَابٌ مُخَرَّجٌ، وَهِيَ التَّخَارِيج، وَتَقُولُ: تَشَعَّثَ رَأْس الْقَلَمِ إِذَا اِنْتَفَشَ طَرَفه وَسَاءَ خَطُّهُ، وَالْتَاثَتْ بِرَأْسِ الْقَلَمِ شَعْرَة إِذَا عَلِقَتْ بِهِ أَوْ اِلْتَفَّتْ عَلَيْهِ.
وَانْمَجَّتْ مِنْ الْقَلَمِ نُقْطَة أَيْ تَرَشَّشَتْ.
وَكَتَبَ فَتَفَشَّى الْحِبْر
(2/56)

عَلَى الصَّحِيفَةِ، وَتَشَيَّع فِي الصَّحِيفَةِ، إِذَا كَتَبَ عَلَى وَرَق هَشّ فَتَمَشَّى الْحِبْر فِيهِ.
وَتَقُولُ: فُلان يَتَخَيَّرُ الأَقْلامَ، وَالْقَصَبَ، وَالْيَرَاع، وَالْمَرَاقِم، وَإِنَّهُ لأَكْتَب مَنْ قَبَضَ عَلَى يَرَاعَة، وَأَخَطّ مَنْ أَجْرَى مُرَقَّماً.
وَهَذَا قَلَم صُلْب اللِّيط، مُعْتَدِل الأُنْبُوب، كَثِيف الشَّحْم، وَقَلَم أَعْصَل، وَعَصِل، أَي مُعْوَجّ، وَإِنّ فِيهِ لَدَرْءا أَيْ اِعْوِجَاجاً، وَإِنّ فِيهِ لَنَقَداً بِفَتْحَتَيْنِ، وَقَادِحاً، وَهُوَ مَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ تَأَكُّل.
وَقَدْ بَرَيْت الْقَلَمَ بِالسِّكِّينِ، وَالْمُدْيَةِ، وَالْجَلَمِ، وَالْمِبْرَاة، وَقَطَطْته عَلَى الْمِقَطّ، وَالْمِقَطَّة، وَإِنَّهُ لَحَسَن الْبِرْيَة، سَمِين الْجِلْفَة، دَقِيق السِّنِّ، عَرِيض الْقِطَّة، وَفُلان يَكْتُبُ بِالْقَلَمِ الْجَزْم وَهُوَ الْمُسْتَوِي الْقِطَّة، وَيَكْتُبُ بِالْقَلَمِ الْجَلِيلِ، وَقَلَم الثُّلُث، وَيَكْتُبُ بِالْقَلَمِ الدَّقِيقِ.
وَتَقُولُ: مَسَحْت الْقَلَمَ بِالْوَفِيعَةِ
(2/57)

وَهِيَ خِرْقَةٌ يُمْسَحُ بِهَا الْقَلَم، وَجَعَلْت الْقَلَمَ فِي الْمِقْلَمَةِ وَهِيَ وِعَاء الأَقْلام، وَهِيَ الدَّوَاةُ، وَالْمِحْبَرَةُ، وَالنُّونُ، وَقَدْ أَلاقَ الْكَاتِبُ دَوَاته، وَلاقَهَا، إِذَا جَعَلَ لَهَا لِيقَة، وَاجْعَلْ هَذِهِ اللِّيقَة فِي فُرْضَة دَوَاتِي وَهِيَ مَوْضِعُ الْحِبْرِ مِنْهَا، وَلاقَ الدَّوَاة أَيْضاً أَصْلَحَ مِدَادهَا وَلاقَتْ هِيَ صَلَحَتْ، وَيُقَالُ: اِلْتَمِس لِي بُوهَة أُلِيق بِهَا دَوَاتِي وَهِيَ اللِّيقَةُ قَبْلَ أَنْ تُبَلَّ.
وَهُوَ الْمِدَادُ، وَالْحِبْرُ، وَالنِّقْسُ، وَقَدْ مَدَدْت الدَّوَاة، وَأَمْدَدْتهَا، إِذَا جَعَلْت فِيهَا مِدَاداً، وَأَمَهْتهَا إِذَا صَبَبْت فِيهَا مَاء، وَمَدَدْت مِنْ الدَّوَاةِ، وَاسْتَمْدَدْت، إِذَا أَخَذْت مِنْ حِبْرِهَا عَلَى الْقَلَمِ، وَسَأَلْتهُ مُدَّةَ قَلَم بِالضَّمِّ وَهِيَ مَا يُؤْخَذُ عَلَى الْقَلَمِ بِالاسْتِمْدَادِ فَأَمَدَّنِي.
وَكَتَبْت فِي الصَّحِيفَةِ، وَالْوَرَقَةِ، وَالرُّقْعَةِ، وَالطِّرْسِ، وَالْكَاغَدِ، وَالْقِرْطَاسِ، وَالْمُهْرَق، وَالدَّرْجِ، وَالرَّقّ، وَجَعَلْت الأَوْرَاق فِي الْقَمَاطِرِ، وَالرَّبَائِد.
(2/58)

الباب السابع: فيما يعرض في الألفة والمجتمع والتقلب والمعاش
فَصْلٌ في الاجْتِمَاعِ وَالافْتِرَاقِ
يُقَالُ: اِجْتَمَعَ الْقَوْمُ، وَالْتَأَمُوا، وَائْتَلَفُوا، وَتَأَلَّفُوا، وَانْتَظَمَ شَمْلُهُمْ، وَانْتَظَمَتْ أُلْفَتُهُمْ، وَانْتَظَمَ شَمْل أُلْفَتِهِمْ، وَاتَّصَلَ حَبْل شَمْلِهِمْ، وَانْتَظَمَ عِقْدُ اِجْتِمَاعِهِمْ، وَإِنَّهُمْ لَعَلَى شَمْلٍ جَمِيعٍ، وَقَدْ بَاتُوا فِي الاجْتِمَاعِ كَأَنْجُم الثُّرَيَّا، وَكَجُمَّاع الثُّرَيَّا وَهُوَ كَوَاكِبهَا الْمُجْتَمِعَة، وَبَاتَ بَعْضُهمْ مِنْ بَعْضٍ بِمَكَانِ الْكُلْيَتَيْنِ مِنْ الطِّحَالِ.
وَكَانَ ذَلِكَ أَيَّام دَار الشَّمْل جَامِعَة، وَأَيَّامَ الشَّمْل مُجْتَمِع، وَالْحَبْل مُتَّصِل، وَالشَّعْب مُلْتَئِم، وَالْمَزَار أَمَم.
وَتَقُولُ: اِجْتَمَعَ الْقَوْمُ بِمَكَانِ كَذَا، وَاحْتَشَدُوا، وَاحْتَفَلُوا، وَالْتَفُّوا، وَانْتَدَوْا مَكَانَ كَذَا، وَنَدَوْا فِيهِ، وَقَدْ اِحْتَفَلَ حَشْدهمْ، وَالْتَأَمَ
(2/59)

حَفْلهمْ، وَاحْتَشَدَ جَمْعهمْ.
وَهَذَا مَجْمَع الْقَوْم، وَمَجْمَعَتُهمْ، وَمَحْفِلُهُمْ، وَمَحْشَدُهُمْ، وَمَحْضَرُهُمْ، وَمَشْهَدُهُمْ، وَنَادِيهُمْ، وَنَدِيُّهمْ، وَنَدْوَتُهمْ، وَهَذَا مُجْتَمَعهمْ، وَمُحْتَفَلُهُم، وَمُحْتَشَدهمْ، وَمُنْتَدَاهُمْ، وَقَدْ حَفَلَ النَّادِي بِأَهْلِهِ، وَغَصَّ بِهِمْ، وَاكْتَظَّ بِهِمْ، وَهَذَا جَمْع لا يَنْدُوهُ النَّادِي أَيْ لا يَسَعُهُ لِكَثْرَتِهِ.
وَيُقَالُ: فِي ضِدِّ ذَلِكَ تَفَرَّق الْقَوْم، وَتَشَتَّتُوا، وَتَبَدَّدُوا، وَتَصَدَّعُوا، وَتَمَزَّقُوا، وَتَشَرَّدُوا، وَشَتَّ شَمْلُهمْ، وَانْصَدَعَ شَمْلُهمْ، وَتَمَزَّقَ شَمْلُهُمْ، وَتَصَدَّعَ شَعْبُهُمْ، وَتَفَرَّق لَفِيفُهُمْ، وَتَقَطَّعَ بَيْنَهُمْ.
وَانْبَتّ حَبْلهمْ، وَتَشَعَّثَتْ أُلْفَتُهُمْ، وَانْتَثَرَ عِقْدُهُمْ، وَتَفَرَّقُوا قِدَداً، وَطَرَائِق، وَحَزَائِق، وَثُبَات، وَأَبَادِيد، وَعَبَادِيد، وَشَتَّى، وَأَشْتَاتاً، وَذَهَبُوا أَيْدِي سَبَا، وَأَيَادِي
(2/60)

سَبَا، وَذَهَبُوا أَيَادِي، وَتَفَرَّقُوا شَتَاتَ شَتَاتَ، وَبَدَدَ بَدَدَ، وَشَذَرَ مَذَرَ، وَشَغَر بَغَر، وَذَهَبُوا أَخْوَلَ أَخْوَلَ، وَأَمْسَوْا ثُغُوراً، وَمَزَّقَهُمْ الدَّهْرُ كُلَّ مُمَزَّقٍ، وَصَارُوا كَبَنَات نَعْش،
وَتَفَرَّقُوا تَحْت كُلِّ كَوْكَب.
وَقَدْ أَصَابَتْهُمْ رَوْعَة الْبَيْن، وَرَوْعَات الْفِرَاقِ، وَصَدَّعَتْهُمْ النَّوَى، وَصَدَع الْبَيْن شَمْلَهُمْ، وَضَرَبَ الدَّهْر بَيْنَهُمْ، وَسَعَى الدَّهْر بَيْنَهُمْ، وَنَبَتْ بِهِمْ الْبِلادُ، وَفَرَّقَتْهُمْ عُدَوَاء الدَّارَاي بَعْدَهَا، وَعَجِلَتْ بِهِمْ حُمَة الْفِرَاق أَي قَدَره، وَقَدْ حُمَّ الْفِرَاق عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ أَي قُدِر، وَأَحَمّ الْفِرَاق، وَأَجَمّ أَي حَضَر وَقْته.
وَتَقُولُ: قَدْ ارْفَضّ الْجَمْع، وَانْفَضَّ الْحَشْد، وَتَفَرَّقَ الْحَفْلُ، وَتَقَوَّضَ الْمَجْلِس، وَتَقَوَّضَتْ
(2/61)

الْحَلَق، وَارْفَضَّ النَّادِي.
وَإِذَا اِجْتَمَعُوا بَعْدَ الافْتِرَاقِ تَقُولُ: جَمَعَ اللَّه شَمْلَهُمْ، وَضَمَّ شَتَاتَهُمْ، وَلَمَّ شَعَثَهُمْ، وَلأَمَ صَدْعَهُمْ، وَضَمَّ نَشَرَهُمْ، وَجَمَع شَتِيتَ أُلْفَتِهِمْ، وَلأَم صَدِيعَ شَمْلِهِمْ، وَقَدْ اِجْتَمَعَ شَمْلُهُمْ، وَانْشَعَبَ صَدْعُهُمْ، وَالْتَأَمَ شَعْبُهُمْ، وَالْتَمَّ شَعَثُهُمْ، وَهَذِهِ مَثَابَة الْقَوْمِ، ومَثابهم، أَي مُجْتَمَعهمْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَقَدْ لُفّ شَمْلِي بِفُلان.

فَصْلٌ فِي الْجَمَاعَاتِ
تَقُولُ: مَرَرْت بِنَفَرٍ مِنْ بَنِي فُلانٍ، وَهُمْ مِنْ الثَّلاثَةِ إِلَى السَّبْعَةِ وَبِرَهْطٍ مِنْهُمْ، وَهُمْ مِنْ السَّبْعَةِ إِلَى الْعَشَرَة، وَبِعُصْبَةٍ مِنْهُمْ، وَعِصَابَة، وَهُمْ بَيْنَ الْعَشَرَةِ وَالأَرْبَعِينَ، وَبِقَبِيلٍ مِنْهُمْ وَهُمْ مِنْ الثَّلاثَةِ فَصَاعِداً، وَبِشِرْذِمَة مِنْهُمْ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ الْقَلِيلَةُ، وَبِطَبَقٍ مِنْهُمْ بِفَتْحَتَيْنِ وَطِبْق بِالْكَسْرِ، وَهُمْ الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ.
وَمَرَرْت بِلِفٍّ مِنْ النَّاسِ، وَطَائِفَة، وَصُبَّة، وَحِزْقَة، وَكَوْكَبَة، وَفِرْقَة، وَفَرِيق، وَحِزْب، وَجَمَاعَة، وَزُمْرَة، وَزُجْلَة، وَعُنُق، وَفِئَة،
(2/62)

وَثُبَة، وَلُمَّة، وَقَوْم.
وَتَقُولُ: الْقَوْمُ فَرِيقَانِ، وَفِرْقَتَانِ، وَلِفَّان، وحِزْبَان، وَفِئَتَانِ، وَطَائِفَتَانِ، وَالنَّاسُ مَعَاشِر، وَطَبَقَات، وَأَنْمَاط وَأَصْنَاف، وَأَخْيَاف، وَضُرُوب، وَأَطْوَار، وَعِنْدَ فُلان أَخْلاط مِنْ النَّاسِ، وَأَوْزَاع، وَأَوْفَاض، وَأَوْبَاش، وَأَوْشَاب، وَأَشَائِب، وَشَطَائِب، وَأَلْفَاف، وَجُمّاع.
وَجَاءَ فِي لِفٍّ مِنْ النَّاسِ، وَلَفِيف، وَهُمُ الأَخْلاطُ، وَجَاءَ فِي مَوْكِبٍ مِنْ النَّاسِ وَهُمُ الْجَمَاعَةُ مِنْهُمْ رُكْبَاناً وَمُشَاة، وَتَقُولُ: خَرَجَ فُلان فِي خِفٍّ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالْكَسْرِ أَيْ فِي جَمَاعَةٍ قَلِيلَة، وَدَخَلْت فِي غِمَارِ النَّاسِ، وَفِي خِمَارِهِمْ، أَي فِي زَحْمَتِهِمْ وَكَثْرَتهمْ، وَدَخَلْت فِي جُمْهُورِ الْقَوْمِ، وَسَوَادهمْ، وَدَهْمَائِهِمْ.

فَصْل فِي الْمُخَالَطَةِ وَالْعُزْلَةِ
يُقَالُ خَالَطْت الْقَوْمَ، وَلابَسْتُهُمْ، وَعَاشَرْتُهُمْ، وَصَاحَبْتهُمْ، وَآلَفْتُهُمْ، وَدَاخَلْتُهُمْ، وَبَاطَنْتهمْ، وَمَازَجْتُهُمْ، وَقَدْ جَاوَرْتُهُمْ، وَسَاكَنْتُهُمْ، وَحَالَلْتُهُمْ، وَعَايَشْتُهُمْ، وَأَقَمْت بَيْن أَظْهُرِهِمْ، وَبَيْنَ
(2/63)

ظَهْرَانَيْهِمْ، وَتَقَلَّبْتُ بَيْنَهُمْ، وَتَصَرَّفْت بَيْنَهُمْ، وَتَخَلَّلْت دَهْمَاءهُمْ، وَاسْتَبْطَنْت سَوَادهمْ، وَعَاشَرْت آحَادَهُمْ، وَحَاضَرْت طَبَقَاتِهِمْ، وَبَلَوْت أَخْلاقهمْ، وَتَعَرَّفْت دَخَائِلهمْ، وَخَبَرْت أَهْوَاءَهُمْ، وَسَبَرْت أَحْوَالهمْ.
وَيُقَالُ لَبِسْت الْقَوْمَ أَي عَاشَرْتُهُمْ وَعِشْت مَعَهُمْ، وَفِي الْمَثَلِ: " الْبَس النَّاس عَلَى قَدْرِ أَخْلاقِهِمْ "، وَتَقُولُ أَنَا أَطْوَلُ الْقَوْم لِفُلانٍ مُصَاحبَة، وَأَقْدَمُهُمْ لَهُ عِشْرَة، وَأَكْثَرُهُمْ لَهُ خِلْطَة، وَأَشَدّهمْ بِهِ خِبْرَة، وَإِنَّهُ لَحَسَن الصُّحْبَةِ، جَمِيل الْعِشْرَةِ، طَيِّب الْعِشْرَةِ، مَحْمُود الْمُلابَسَة، شَهِيّ الْمُجَامَلَة، لَذِيذ الْمُفَاكَهَة، حُلْو الْمُسَاهَاة، لَطِيف الْمُخَالَقَة، رَقِيق الْمُنَافَثَة، فَكِه الأَخْلاق، وَهُوَ رَيْحَانَة الْجَلِيس، وَرَيْحَانَة النَّدِيم.
وَيُقَالُ مَا أَحْسَنَ مَلأ بَنِي فُلان أَي أَخْلاقهمْ وَعِشْرَتهمْ، وَإِنَّ فُلاناً لَسَيِّء الصُّحْبَة، صَلِف الْعِشْرَة، غَلِيظ الْقِشْرَةِ، خَشِن الْمَسّ، خَشِن الْجَانِبِ،
(2/64)

ثَقِيل الرُّوح، ثَقِيل الظِّلِّ، كَرِيه الطَّلْعَةِ، مَسْئُوم الْحَضْرَة، تُسْتَحَبُّ الْوَحْشَة عَلَى إِينَاسِهِ، وَالْوَحْدَة عَلَى مُجَالَسَتِهِ، وَإِنَّهُ لَبِئْسَ الْعَشِير، وَبِئْسَ الْخَلِيطُ.
وَتَقُولُ فِي خِلافِ ذَلِكَ اِعْتَزَلْت الْقَوْمَ، وَجَانَبْتهُم ْ، وَاجْتَنَبْتهُمْ، وَتَجَنَّبْتهُمْ، وَانْقَبَضْت عَنْهُمْ، وَانْزَوَيْت عَنْهُمْ، وَتَنَحَّيْت عَنْهُمْ، وَانْفَرَدْت عَنْهُمْ، وَاعْتَزَلْت عَنْهُمْ، وَانْتَبَذْت عَنْهُمْ، وَخَلَوْت عَنْهُمْ.
وَفُلانٌ أَلوَى، مُنْفَرِد بِنَفْسِهِ، خَالٍ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ اِنْتَبَذَ نَاحِيَة، وَانْتَبَذَ جَانِباً، وَجَلَسَ نُبْذَة، وَنَبْذَة، وَقَعَدَ حَجْرَة، وَقَعَدَ جَنْبَة، وَنَزَلَ جَنْبَة، وَانْتَبَذَ مَكَاناً قَصِيّاً، وَأَقَامَ بِمَعْزِل، وَاعْتَزَلَ الْجَمَاعَات، وَاعْتَزَلَ الْخَاصَّة وَالْعَامَّة.
وَفُلانٌ مُحَبَّبٌ إِلَيْهِ الْوَحْدَة، مُزَيَّن لَهُ الْعُزْلَة، وَإِنَّهُ لَيُؤْثِر الانْفِرَاد، وَيَسْتَأْنِسُ بِالْوَحْشَةِ، وَيُخْلِدُ إِلَى الْوَحْدَةِ، وَيَمِيلُ إِلَى الْخَلْوَةِ.
وَتَقُولُ فُلان حِلْس بَيْته أَيْ لا يَبْرَحُهُ، وَقَدْ عَصَبَ بَيْته، وَلَزِمَ قَعْر بَيْتِه، وَخَرِقَ فِي بَيْتِهِ، وَأَضْرَب فِي بَيْتِهِ، كُلّ ذَلِكَ إِذَا لَزِمَهُ فَلَمْ
(2/65)

يَبْرَحْ.
وَيُقَالُ جَنَّة الرَّجُلِ دَاره، وَنِعْمَ صَوْمَعَة الرَّجُلِ بَيْته، وَتَقُولُ فُلان عُيَيْر وَحْدِهِ، وَجُحَيْش وَحْدِهِ، إِذَا اِعْتَزَلَ النَّاسَ بُخْلا أَوْ جَفَاءَ طَبْعٍ، وَإِنَّهُ لَرَجُل حُوشِيّ أَيْ لا يَأْلَفُ النَّاسَ وَلا يُخَالِطُهُمْ، وَفِيهِ حُوشِيَّة.

فَصْلٌ فِي الْحَدِيثِ
يُقَالُ: حَدَّثْتُهُ، وَحَادَثْتُهُ، وَتَحَدَّثْت إِلَيْهِ وَنَافَثْتُه، وَطَارَحْتهُ الْحَدِيث، وَنَاقَلْته الْحَدِيث، وَنَاثَثْته الْحَدِيث، وَأَخَذْنَا بِأَطْرَافِ الْحَدِيثِ، وَتَجَاذَبْنَا أَهْدَاب الْحَدِيث، وَتَجَاذَبْنَا أَطْرَافَ الْكَلامِ، وَذَاكَرْتهُ حَدِيث فُلان، وَأَفَضْنَا فِي حَدِيثِ كَذَا، وَخُضْنَا فِيهِ، وَجُلْنَا فِيهِ، وَأَخَذْنَا فِيهِ، وَقَدْ شَقَقْنَا الْحَدِيث، وَهُوَ حَدِيثٌ مُشَقَّقٌ أَي قَدْ شُقَّ بَعْضه مِنْ بَعْض، وَقَدْ أَفْضَى بِنَا الْحَدِيث إِلَى ذِكْرِ كَذَا، وَتَرَامَى بِنَا إِلَى ذِكْرِ فُلان، وَهَذَا حَدِيث مَسَاقُه كَذَا، وَالْحَدِيث ذُو شُجُون.
وَقَدْ جَلَسَ الْقَوْم فِي مُتَحَدَّثِهِمْ، وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ، وَانْتَظَمُوا فِي مَجَالِسِهِمْ، وَانْتَظَمَتْ حَلْقَتهمْ،
(2/66)

وَأَخَذُوا مِنْ الْمَجْلِسِ مَوَاضِعَهُمْ، وَاسْتَقَرَّ بِهِمْ النَّادِي، وَاطْمَأَنَّ بِهِمْ الْجُلُوس، وَانْتَظَمَ بِهِمْ عِقْدُ الْجُلُوسِ، وَأَخَذَ الْمَجْلِس أَهْلُهُ، وَأَخَذَ الْمَجْلِس زُخْرُفه مِمَّنْ حَضَرَ.
وَكُنْت الْبَارِحَةَ فِي سَامِر بَنِي فُلان، وَفِي سَمَرِهِمْ، وَهُوَ مَجْلِسُهُمْ لِلْحَدِيثِ لَيْلا، وَقَدْ سَمَرُوا، وَتَسَامَرُوا، وَهُمْ السَّامِر، وَالسُّمَّار، وَإِنَّهُمْ لَيَتَنَاثُّون الْحَدِيث بَيْنَهُمْ، وَقَدْ تَنَاثُّوا أَيَّامَهُمْ الْمَاضِيَة، وَبَاتَ فُلان يُسَاقِطُهُمْ أَحْسَن الأَحَادِيث أَيْ يُطَارِحُهُمْ الشَّيْء بَعْدَ الشَّيْءِ، وَقَدْ تَذَاكَرْنَا سِقَاط الْحَدِيث، وَتَنَاثَثْنَا سِقَاط الْحَدِيث، وَجَرَى بَيْنَنَا كُلّ مُسْتَمَع، وَرَأَيْتُهُمَا يَتَسَاقَطَانِ الْحَدِيث وَهُوَ أَنْ يَتَحَدَّثَ الْوَاحِد وَيُنْصِت الآخَر فَإِذَا فَرَغَ مِنْ كَلامِهِ تَحَدَّثَ السَّاكِتُ.
وَيُقَالُ: فُلان رَجُلٌ أَخْبَارِيّ أَي صَاحِب أَخْبَار، وَإِنَّهُ لَحِدِّيث بِالتَّشْدِيدِ أَي كَثِير الأَحَادِيثِ، وَإِنَّهُ لَسِمِّير أَي صَاحِب سَمَر، وَهُوَ سَمِيرِي بِالتَّخْفِيفِ أَي مُسَامِرِي، وَإِنَّ فُلاناً لَحِدْث مُلُوك بِالْكَسْرِ أَي صَاحِب حَدِيثِهِمْ، وَفُلان حِدْث نِسَاء أَيْ يَتَحَدَّثُ إِلَيْهِنَّ، وَإِنَّهُ لَلَسِن، وَمِلْسَان، كَيِّس، ظَرِيف الْمُحَاضَرَةِ، حُلْو الْمُحَاوَرَةِ، لَطِيف الْمُعَاشَرَةِ، عَذْب الْمُفَاكَهَة، لَطِيف الْمُنَافَثَة،
(2/67)

فَكِه اللِّسَان، رَقِيق حَوَاشِي اللَّفْظ.
رَخِيم حَوَاشِي الْكَلام، حَسَن الْمَنْطِقِ، فَصِيح اللِّسَانِ، جَيِّد الْبَيَانِ، عَذْب الأَلْفَاظِ، مَلِيح النَّغَمَةِ، مَلِيح الأُسْلُوبِ، لَطِيف الإِشَارَةِ، لَطِيف الإِحْمَاض، لَطِيف النَّادِرَةِ، مَلِيح النُّكْتَةِ، مُتَفَنِّن الْحَدِيث، فَسِيح الْمَجَال، غَزِير الأَدَبِ، غَزِير الْحِفْظِ، غَزِير الْمَادَّةِ، حَسَن التَّصَرُّفِ فِي جِدِّ الْحَدِيثِ وَهَزْلِهِ، عَارِف بِأَخْبَار الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ، مُتَتَبِّع لآثَارِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، جَامِع لِمُقَطِّعَات الْحَدِيث، وَاسِع الرِّوَايَةِ، كَثِير الْحِكَايَاتِ، وَالأَخْبَارِ، وَالأَنْبَاءِ، وَالْقِصَصِ، وَالأَقَاصِيص، وَالأَسَاطِيرِ، وَالنَّوَادِر، وَاللَّطَائِفِ، وَالطَّرَائِف، وَالطُّرَفُ، وَالْمُلَحُ، وَالنُّكَتُ، وَإِنَّهُ لَجُهَيْنَة الأَخْبَار، وَحَقِيبَة الأَسْرَار، وَقَدْ قَصَّ عَلَيْنَا خَبَرَ كَذَا، وَسَاقَهُ، وَأَثَرَهُ، وَسَرَدَهُ، وَأَدَّاهُ، وَذَكَرَهُ، وَأَوْرَدَهُ، وَرَوَاهُ، وَأَخْبَرَنَا بِهِ، وَحَدَّثَنَا
(2/68)

بِهِ، وَأَطْرَفنَا بِهِ، وَعَلَّلَنَا بِهِ، وَجَاءَنَا بِالْحَدِيثِ عَلَى سُوقِهِ، وَعَلَى سَرْدِهِ، وَبَاتَ يَقُصُّ عَلَيْنَا أَحْسَنَ الْقَصَصِ.
وَإِنَّ لَهُ حَدِيثاً يُذْهِبُ الْهُمُوم، وَيَفُضُّ جَيْش الْكُرُوبِ، وَيُسَرِّي عَنْ الْخَوَاطِرِ، وَيَجْلُو رَيْن الصُّدُور، وَيَسْلُو بِهِ الْعَاشِق عَنْ ذِكْرِ الْمَعْشُوقِ، وَإِنَّ حَدِيثه شَرَك الْعُقُول، وَعُقْلَة الْمُسْتَوْفِز، وَعُقْلَة الْعَجْلان.
وَإِنَّهُ لَيُدِير بَيْنَ فَكَّيْهِ لِسَاناً أَحْلَى مِنْ الشَّهْدِ، وَإِنَّ حَدِيثَهُ لَتِرْيَاق الْهُمُومِ، وَرُقْيَة الأَحْزَان، وَإِكْسِير السُّلْوَان، لا تَمَلُّه الْقُلُوبُ، وَلا تَجْتَوِيه الأَسْمَاع، وَإِنَّ حَدِيثَهُ لَهُوَ الرَّحِيق الْمَخْتُوم، وَالسِّحْر الْحَلال، وَإِنَّهُ لَيَمْتَزِج بِأَجْزَاءِ النَّفْسِ، وَيَمْتَزِج بِالأَرْوَاحِ، وَيَتَّصِل بِالْقُلُوبِ، وَيَأْخُذ بِمَجَامِع الأَفْئِدَة، وَإِنَّهُ لَحَدِيث أَشَدّ تَغَلْغُلاً إِلَى الْكَبِدِ الصَّدْيَا مِنْ زُلالِ الْمَاءِ.
وَتَقُولُ: إِلَيْك يُسَاقُ الْحَدِيث، " وَإِيَّاكِ أَعْنِي فَاسْمَعِي يَا جَارَةُ "وَتَقُولُ: فُلان غَثّ الْحَدِيثِ، تَفِه الْحَدِيث، بَارِد الْحَدِيثِ،
(2/69)

بَارِد الْقَصَص، بَارِد الأُسْلُوبِ، سَمْج الْمَنْطِق، ثَقِيل اللَّهْجَةِ، ثَقِيل الرُّوح، سَقِيم الذَّوْقِ، مُسْتَقْبَح اللَّفْظِ، مُسْتَهْجَن الإِيمَاء، خَطِل الْمَنْطِق.
كَثِير الْفُضُولِ، سَمْج النَّادِرَة، بَارِد النُّكْتَة، مُقْتَضَب عَلائِق الْحَدِيث، لَيْسَ لِكَلامِهِ مَعْنىً، وَلا لِلَفْظِهِ طَلاوَة، وَلَيْسَ عَلَى حَدِيثِهِ رِقَّة، وَلَيْسَ عَلَى كَلامِهِ رَوْنَق، وَكَأَنَّ لَفْظَهُ الْجَنَادِل، وَكَأَنَّهُ يَحْثِي فِي الْوُجُوهِ، كَأَنَّهُ يَدْفَعُ فِي الصُّدُورِ.
وَإِنَّهُ لَيَرْمِي الْكَلام عَلَى عَوَاهِنِهِ، وَيُرْسِلُهُ عَلَى عَوَاهِنِه، وَيَحْدُسُهُ عَلَى عَوَاهِنِهِ، وَيُلْقِيه عَلَى رُسَيْلاتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلٌّ عَلَى الأَسْمَاعِ، وَإِنَّمَا يُلْقِي عَلَى الأَسْمَاعِ وَقْراً، وَإِنَّهُ لَمِمَّنْ يُسْتَحَبُّ الصَّمَم عَلَى سَمَاعِهِ، إِذَا تَكَلَّمَ انْزَوَى مِنْهُ الْجَلِيس، وَانْقَبَضَ الأَنِيس، وَضُرِبَتْ دُونَهُ حُجُب الأَسْمَاع، وَاسْتَكَّتْ لِكَلامِهِ الإذَان، وَمَجَّتْهُ الأَذْوَاق السَّلِيمَة، وَانْقَبَضَتْ عَنْ حَدِيثِهِ الْخَوَاطِر، وَانْصَرَفَتْ عَنْهُ الْقُلُوبُ بِحِسِّهَا، وَهَذَا حَدِيث لَمْ يَنْدَ عَلَى كَبِدِي وَيُقَالُ: فُلانٌ مِكْثَارٌ، مِهْذَار، ثَرْثَار، رَغَّاء، وَإِنَّهُ
(2/70)

لَيُطْنِب فِي كَلامِهِ، وَيُسْهِبُ، وَيُطِيلُ، وَيُكْثِر، وَيُفْرِط، وَيُذْرِع، وَيَهْذُرُ، وَيَخْلِطُ، وَيَهْرُجُ، وَيَلْغُو، وَيَهْذِي وَفِي الْمَثَلِ: " الْمِكْثَارُ لا يَخْلُو مِنْ عِثَار ".
وَيُقَالُ: لِمَنْ مَرَّ فِي كَلامِهِ فأَكْثَرَ قَدْ عَبَّ عُبَابه، وَيُقَالُ: تَكَلَّم فُلان حَتَّى لَفِظ الزَّبِيبَة على شِدْقَيْه وَهِيَ الزَّبَدَة تَخْرُجُ فِي شِدْق مُكْثِر الْكَلام، وَتَقُولُ: إِيهٍ يَا فُلان، وَهِيهٍ بِالتَّنْوِينِ، أَيْ زِدْنَا مِنْ حَدِيثِك لا تُرِيدُ حَدِيثاً بِعَيْنِهِ، وَإِيهٍ عَنْ فُلانٍ أَيْ حَدِّثْنَا بِشَيْءٍ مِنْ حَدِيثِهِ، وَإِيهِ، وَهِيهِ بِلا تَنْوِين، أَيْ امْضِ فِي حَدِيثِك الَّذِي أَنْتَ فِيهِ.
وَإِيهاً، وَصَهٍ بِالتَّنْوِينِ فِيهِمَا، وَصَهْ بِالإِسْكَانِ، أَيْ أَمْسِك عَنْ حَدِيثِك، وَتَقُولُ فِي الزَّجْرِ: أَوْكِ حَلْقك، وَأَوْكِ فَاكَ، أَيْ اُسْدُدْهُ، وَتَقُولُ لِمَنْ أَكْثَر عَلَيْك الْكَلام: عُجْ لِسَانك عَنِّي وَلا تُكْثِرْ، وَعُجْ لِسَانك فِي هَذَا الأَمْرِ.

فَصْلٌ فِي الإِصْغَاءِ
يُقَالُ: أَصْغَى إِلَيْهِ سَمْعَهُ، وَأَلْقَى إِلَيْهِ سَمْعَهُ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ
(2/71)

بِسَمْعِهِ، وَمَالَ إِلَيْهِ بِسَمْعِهِ، وَأَصْغَى إِلَيْهِ، وأَصَاخَ إِلَيْهِ، وَأَصَاخَ لَهُ، وَاسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِهِ، وَأَذِنَ لَهُ، وَأَنْصَتْ لَهُ، وَأَرْعَاهُ سَمْعه، وَرَاعَاهُ سَمْعه، وَنَشِطَ لِحَدِيثِهِ، وَأَلْقَى إِلَيْهِ بَالَهُ، وَجَمَعَ لَهُ بَاله، وَوَعَى كَلامَهُ، وَأَعَارَهُ أُذُناً صَاغِيَةً، وَأُذُناً وَاعِيَة، وَقَدْ صَغَت ْ أُذُنه إِلَيْهِ صُغُوّاً، وَصَغِيَتْ صَغا.
وَتَقُولُ: سَمْعَكَ إِلَيَّ، وَسَمَاعَكَ إِلَيَّ، وَذِهْنَكَ إِلَيَّ، وَسَمَاعِ كَحَذَارِ، وَأَلْقِ سَمْعَكَ، وَأَحْضِرْ ذِهْنَكَ، وَاجْعَلْ ذِهْنك إِلَى مَا أَقُولُ، وَأَرْهِفْ غَرْب ذِهْنِكَ لِمَا أَقُولُ لَك، وَتَلَقَّ مِنِّي، وَتَفَهَّمْ مَا أَقُولُ لَك.
وَتَقُولُ فِي خِلافِ ذَلِكَ: كَلَّمَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ بِسَمْعِهِ، وَتَصَامَّ عَنْهُ، وَلَهَا عَنْهُ، وَتَشَاغَلَ عَنْ سَمَاعِهِ، وَجَعَلَ كَلامه دَبْرَ أُذُنه، وَوَلاهُ صَفْحَة إِعْرَاضه، وَوَقَّرَ أُذُنه عَنْ كَلامِهِ، وَجَعَلَ فِي أُذُنِهِ وَقَراً عَنْ حَدِيثِهِ، وَوَلَّى كَلامه أُذُناً صَمَّاء، وَلَمْ يُعِرْهُ سَمْعه، وَلَمْ يُرْعِهِ سَمَاعَهُ، وَمَا أَبَه لَهُ، وَمَا اكْتَرَثَ لِقَوْلِهِ، وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى كَلامِهِ، وَلَمْ يَحْفِلْ بِكَلامِهِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى كَلامِهِ، وَلَمْ يُقِمْ لِكَلامِهِ وَزْناً.
وَحَدَّثْت فُلانا فَوَجَدْت مِنْهُ فُتُوراً
(2/72)

عَنْ حَدِيثِي، وَلَمْ يَلِجْ كَلامِي أُذُنه، وَلَمْ يَعِ مِنْهُ حَرْفاً، وَقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَعَلَى صِمَاخِهِ، وَكَأَنَّمَا كُنْت أُكَلِّمُ وَثَناً، وَأُكَلِّمُ حَجَراً.

فَصْلٌٌ فِي الْجِدِّ وَالْهَزْلِ
يُقَالُ: جَدّ فُلان فِي كَلامِهِ، وَفِي فِعْلِهِ، وَفَعَلَ ذَلِكَ جَاداً، وَقَدْ رَأَيْت مِنْهُ الْجِدَّ، وَعَرَفْت مِنْهُ الْجِدَّ، وَتَبَيَّنْت الْجِدّ فِي كَلامِهِ، وَتَبَيَّنْت الْجِدَّ فِي وَجْهِهِ، وَتَقُولُ: هَذَا كَلامٌ مَا أَرَدْت بِهِ إِلا الْجِدَّ، وَمَا كَلَّمْتهُ بِهِ إِلا عَلَى ظَاهِرِهِ، وَعَلَى وَجْهِهِ، وَعَلَى حَقِيقَتِهِ، وَهَذَا كَلام لا ظِلَّ عَلَيْهِ لِلْهَزْلِ، وَلا مَحْمِل فِيهِ لِلْهَزْلِ، وَلا مَوْضِع فِيهِ لِلْمَزْحِ، وَهَذَا مِنْ الأُمُورِ الْجِدِّيَّةِ.
وَيُقَالُ: أَجِدَّك تَفْعَلُ هَذَا أَيْ أَجِداً مِنْك ثُمَّ أُضِيفَ وَانْتِصَابُه عَلَى الْحَالِ أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَتَقُولُ: فُلان مِنْ أَهْلِ الْجِدِّ، وَإِنِّي مَا عَرَفْت فِيهِ مَذْهَبَ الْهَزْلِ، وَمَا رَأَيْته يَمْزَحُ قَطُّ، وَإِنَّ فُلاناً لَكَثِير الْجِدِّ حَتَّى يَكَادَ يَخْرُجُ إِلَى الْجَفَاءِ، وَيَكَادُ يَدْخُلُ فِي حَدِّ الْجُمُودِ.
وَتَقُولُ فِي خِلافِ ذَلِكَ: فُلان يَهْزِلُ، وَيَمْزَحُ، وَيَمْجُن،
(2/73)

وَيَدْعَب، وَيَلْعَبُ، وَيَعْبَثُ، وَيَلْهُو.
وَإِنَّهُ لَهَزَّال وَمَزَّاح، وَمَجَّان، وَدَعَّابَة، وَعِبِّيث، وَإِنَّهُ لَتِلْعَاب، وَتِلْعَابَة، وَلُعَبة بِضَمٍّ فَفَتْح، وَإِنَّهُ لَدَعِب لَعِب، وَدَاعِب لاعِب، وَهُوَ كَثِير الْهَزْل، وَالْمَزْح، وَالْمُزَاح، وَالْمَجَانَة، وَالْمُجُون، وَالدُّعَابَة، وَاللَّعِب، وَالْعَبَث.
وَقَدْ هَازَل فُلانا، وَمَازَحَهُ، وَمَاجَنَهُ، وَدَاعَبَهُ، وَلاعَبَهُ، وَطَايَبَهُ، وَفَاكَهَهُ، وَبَاسَطَهُ، وَضَاحَكَهُ، وَيُقَالُ: عَبَث بِفُلانٍ إِذَا تَعَرَّضَ لَهُ بِمَا يُثِيرُهُ يُرِيدُ الضَّحِكَ مِنْهُ، وَأَنَّ فُلاناً لَيَتَدَاعَب عَلَى النَّاسِ إِذَا رَكِبَهُمْ بِالْهَزْلِ وَالْمُزَاحِ.
وَفُلان مُضْحِكُ الأَمِيرِ، وَمُضْحِكُ بَنِي فُلان، وَإِنَّهُ لَمَزَّاح، ظَرِيف، فَكِه، طَيِّب الْمُنَافَثَةِ، خَفِيف الرُّوحِ، طَيِّب النَّفْسِ، حُلْو الشَّمَائِلِ، مُسْتَمْلَح الْفُكَاهَة، كَثِير النَّوَادِرِ، كَثِير الْمُضْحِكَات، لَطِيف الْهَزْلِ، خَفِيف الْمَزْح، مُهَذَّب اللِّسَانِ، وَإِنَّ لَهُ لَمَزْحاً يُضْحِكُ الْحَزِين، وَيُحَرِّكُ الرَّصِين، وَيُذْهِلُ الزَّاهِدَ، وَيُخشِّنُ قَلْب الْعَابِدِ.
وَيُقَالُ: أحْمَض الْقَوْم إِذَا مَلُّوا الْجِدّ فَتَرَكُوهُ تَفَصِّياً وَاسْتِرْوَاحاً وَأَخَذُوا فِي الأَحَادِيثِ
(2/74)

الْمُسْتَمْلَحَةِ، وَتَجَارَزَ الرَّجُلانِ، وَبَيْنَهُمَا مُجَارَزَة، وَهِيَ مُفَاكَهَةٌ تُشْبِهُ السِّبَابَ.
وَتَقُولُ: فُلان يَتَشَفَّى بِالْمُزَاحِ، وَهَذَا هَزْل يَشِفُّعَنْ جِدّ، وَهَزْل يُتَرْجَم عَنْ جِدّ، وَهَذَا مَزْح مُبَطَّن بِالْجِدِّ، وَهَذَا كَلام ظَاهِره هَزْل وَبَاطِنه جِدّ.
وَيُقَالُ: أَخَذَ فُلان مَالِي لاعِباً جَاداً إِذَا أَخَذَهُ عَلَى سَبِيلِ الْهَزْلِ فَصَارَ جِداً وَتَقُولُ: فُلان سَمْج الْمُزَاح، قَبِيح الدُّعَابَةِ، غَلِيظ الْمُفَاكَهَة، فَاحِش الْمُجُون، خَشِن الْمُجَارَزَة، ثَقِيل الرُّوح، غَلِيظ الرُّوحِ، غَلِيظ الطِّبَاعِ، بَعِيد عَنْ مَذْهَبِ أَهْل الظُّرْف.
وَإِنَّهُ لَفَاحِش اللِّسَانِ، قَذِع اللِّسَان، جَامِح اللِّسَان، كَثِير الْخَطَل، كَثِير الْهُرَاء، إِذَا هَزَلَ أَسْرَفَ فِي الْمُزَاحِ، وَبَالَغَ فِي الْعَبَثِ، وَتَعَدَّى الظُّرْف، وَأَسَاءَ الأَدَب، وَهَتَكَ سِتْر الْحِشْمَة، وَأَطْلَقَ لِسَانَهُ فِي الأَعْرَاضِ، وَتَنَاوَلَ الأَحْسَاب، وَخَرَجَ إِلَى السُّخْرِيَةِ، وَالْهُجْر، وَالْمُهَاتَرَة، وَالْمُقَاذَعَة، وَتَجَاوَز إِلَى هَتْكِ الْحُرُمَاتِ، وَالْعَبَثِ بِذَوِي الْمَقَامَات.
(2/75)

فَصْلٌٌ فِي السُّخْرِيَةِ وَالْهُزُؤِ
يُقَالُ: سَخِر مِنْهُ، وَاسْتَسْخَرَ مِنْهُ، وَهَزَأَ بِهِ، وَمِنْهُ، وَتَهَزَّأَ، وَاسْتَهْزَأَ، وَتَهَكَّمَ بِهِ، وَضَحِكَ بِهِ، وَتَضَاحَكَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ هُزُؤاً، وَسُخْرة، وَسُخْرِيَّة، وَسُخْرِيّاً، وَفَعَلَهُ اِسْتِهْزَاء بِهِ، وَقَالَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ.
وَيُقَالُ: اِتَّخَذَنِي فُلان هُزُؤاً، وَاِتَّخَذَنِي سُخْرِيّاً، وَهُمْ لَك سُخْرِيّ، وَسُخْرِيَّة، وَيُقَالُ: فُلان هُزَأَة، وَسُخَرَة، وَضُحَكَة بِضَمٍّ فَفَتْح فِيهِنّ، أَي يَهْزَأ بِالنَّاس، وَهُوَ هُزْأَة وَسُخْرَة، وَضُحْكَة بِضَمٍّ فَسُكُون، أَيْ يُهْزَأُ بِهِ، وَفُلان مَضْحَكَة لِلنَّاسِ أَي هُزْأَة، وَقَدْ بَاتَ بَيْنَهُمْ أُضْحُوكَة مِنَ الأَضَاحِيك.
وَيُقَالُ: لَهَوْت بِفُلان، وَلَهَوْت بِلِحْيَتِهِ، أَيْ سَخِرْت مِنْهُ وَهُوَ مِنْ الْكِنَايَةِ، وَكَلَّمَ فُلان فُلاناً فَأَنْغَضَ إِلَيْهِ رَأْسه أَيْ حَرَّكَهُ عَلَى سَبِيلِ الْهُزُؤِ، وَلَمَصَه إِذَا حَكَاهُ وَعَابَهُ وَعَوَّج فَمه عَلَيْهِ، وَتَشَدَّقَ لَهُ اسْتِهْزاء وَلَوَى شِدْقه، وَاخْتَلَجَ بِوَجْهِهِ أَيْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ وَذَقَنَهُ اِسْتِهْزَاء يَحْكِي فِعْل مَنْ يُكَلِّمُهُ.
وَتَهَانَفَ بِه، وَأَهْنَفَ، إِذَا ضَحِكَ ضِحْكَةَ اِسْتِهْزَاء،
(2/76)

وَرَأَيْتهمْ يَتَغَامَزُونَ عَلَى فُلان، ويَتَرامَزُون عَلَيْهِ، وَيَتَهَامَسُونَ عَلَيْهِ، وَقَدْ اسْتَحْمَقُوه، واسْتَجْهَلُوه، وَاسْتَضْعَفُوا عَقْلَهُ، وأَنْكَرُوا عَقْله، وَكَانَ كَلامُه عِنْدَهُمْ مِنْ مُضْحِكَاتِ الأُمُورِ.

فَصْلٌٌ فِي الإِخْبَارِ وَالاسْتِخْبَارِ
يُقَالُ: أَخْبَرَنِي فُلان كَذَا، وَبِكَذَا، وَخَبَّرَنِي، وَأَنْبَأَنِي، وَنَبَّأَنِي، وَعَرَّفَنِي، وَأَعْلَمَنِي، وَأَبْلَغنِي كَذَا، وَبَلَّغَنِيهِ، وَحَدَّثَنِي بِالْخَبَرِ، وَقَصَّهُ عَلَيَّ، وَاقْتَصَّه عَلَيّ، وَنَقَلَهُ إِلَيَّ، وَأَنْهَاهُ إِلَيَّ، وَأَوْصَلَهُ، وَسَاقَهُ وَرَفَعَهُ، وَنَمَّاهُ.
وَقَدْ بَلَغَنِي خَبَر كَذَا، وَأَتَانِي، وَجَاءَنِي، وَوَرَدَ عَلَيَّ، وَانْتَهَى إِلَيَّ، وَتَأَدَّى إِلَيَّ، وَاتَّصَلَ بِي، وَارْتَفَعَ إِلَيَّ، وَرُوِيَ لِي، وَحُكِيَ لِي، وَذُكِرَ لِي، وَنُقِلَ إِلَيَّ، وَنُمِيَ إِلَيَّ، وَوَقَعَ إِلَيَّ، وَتَرَامَى إِلَيَّ، وَقَدْ سَمِعْت كَذَا، وَتَوَاتَرَ إِلَيَّ الْخَبَرُ، وَتَوَاتَرَتْ إِلَيَّ أَخْبَارُهُ، وَتَتَابَعَتْ، وَتَلاحَقَتْ، وَتَدَارَكَتْ، وَتَقَاطَرَتْ.
وَتَقُولُ: اِسْتَخْبَرْتهُ عَنْ كَذَا وَاسْتَنْبَأْتهُ، وَسَأَلْتهُ، وَاسْتَفْهَمْته، وَقَدْ اِسْتَحْفَيْت الرَّجُل عَنْ
(2/77)

الْخَبَرِ، وَاسْتَقْصَيْت مِنْهُ، وَتَقَصَّيْت، إِذَا بَالَغْت فِي اِسْتِخْبَارِهِ، وَتَعَقَّبْت عَنْ الْخَبَرِ إِذَا شَكَّكْتَ فِيهِ فَعَدْتَ لِلسُّؤَالِ عَنْهُ أَوْ سَأَلْتَ غَيْر مَنْ كُنْت سَأَلْته أَوَّلا.
وَخَرَجَ فُلان يَتَخَبَّرُ الأَخْبَار، وَيَتَعَرّفها، وَيَتَفَحَّصُهَا، وَيَتَنَسَّمُهَا، وَيَسْتَنْشِيهَا، وَإِنَّهُ لَيَتَرَقَّب خَبَر فُلان، وَيَتَرَصَّدهُ، وَيَتَوَكَّفهُ، وَيَتَشَوَّف إِلَيْهِ، وَيَتَطَالّ إِلَيْهِ، وَيَتَطَلَّعُ إِلَيْهِ، وَيَسْتَشْرِفُهُ.
وَيُقَالُ: تَندّس الأَخْبَار، وَتَنَطّسهَا، وَتَحَدّسهَا، وَتَحَسّسهَا، وَتَجَسّسهَا، إِذَا تَعَرّفهَا مِنْ حَيْثُ لا يُعْلَمُ بِهِ، وَالأَخِير لا يُسْتَعْمَلُ إِلا فِي الشَّرِّ، وَقَدْ رَسّ فُلان خَبَر الْقَوْمِ إِذَا لَقِيَهُمْ وَتَعَرَّفَه مِنْ قِبَلهمْ، وَيُقَالُ: اِخْتَتَلَ لِسِرِّ الْقَوْمِ إِذَا تَسَمَّعَ لَهُ، وَفُلان يَسْتَرِقُ السَّمْعَ، وَقَدْ أَرْهَفَ أُذُنَهُ لاسْتِرَاقِ السَّمْعِ، وَتَقُولُ: اطَّلِعْ لِي طِلْعَ فُلان، وَطِلْعَ الْقَوْم، أَي تَعَرَّفْ لِي مَا عِنْدَهُمْ.
وَتَقُولُ: مَا زِلْت أَتَنَسَّمُ خَبَر فُلان حَتَّى نَسَم لِي، وَقَدْ أَقَبَسَنِي فُلان خَبَراً، وَاسْتَحْدَثْت مِنْهُ خَبَراً، أَيْ اِسْتَفَدْته، وَنَشِيت الْخَبَر، وَحَسِسْته، وَأَحْسَسْته، أَيْ عَلِمْتهُ، يُقَالُ: مِنْ أَيْنَ نَشِيتَ هَذَا الْخَبَر، وَمِنْ أَيْنَ أَحْسَسْت
(2/78)

هَذَا الْخَبَر، وَهَلْ تُحِسُّ مِنْ فُلانٍ بِخَبَر.
وَيُقَالُ: نَشِيَ الْخَبَر أَيْضاً إِذَا تَخَبَّرهُ وَنَظَر مِنْ أَيْنَ جَاءَ، وَفُلان نَشْيانُ لِلأَخْبَارِ، وَذُو نَشْوَةٍ لِلإِخْبَارِ بِالْكَسْرِ، إِذَا كَانَ يَتَخَبَّرُهَا أَوَّل وُرُودِهَا، وَتَقُولُ: تَسَقَّطتُ الْخَبَر، وَاسْتَقْطَرْت الْخَبَر، إِذَا أَخَذْتَه شَيْئاً بَعْدَ شَيْء، وَسَمِعْت ذَرْواً مِنْ خَبَر، وَرَسّاً مِنْ خَبر، أَيْ طَرَفاً مِنْهُ، وَقَدْ وَقَعَتْ فِي النَّاسِ رَسَّة مَنْ خَبَر، وَنُمِي إِلَيَّ نَبْذ مِنْ خَبَر فُلان أَي شَيْء قَلِيل.
وَعِنْدِي رَضْخ مِنْ الْخَبَرِ، وَرَضْخَة، وَهِيَ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ تَسْمَعُهُ وَلا تَسْتَيْقِنُهُ، وَعِنْدِي نَغْيَةٌ مِنْ الْخَبَرِ وَهِيَ أَوَّلُ مَا يَبْلُغُك مِنْهُ قَبْلَ أَنْ تَسْتَثْبِتَهُ، وَتَقُولُ: وَرَّى عَلَيَّ الْخَبَر إِذَا سَتَرَهُ وَأَظْهَرَ غَيْره، وَأَخَذَ فِي ذَرْو الْحَدِيث إِذَا عَرَّضَ وَلَمْ يُصَرِّحْ، وَسَأَلْتهُ عَنْ أَمْرِهِ فَذَرّع لِي شَيْئاً مِنْ خَبَرِهِ أَيْ أَخْبَرَنِي بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَاخْتَطَفَ لِي مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئاً ثُمَّ سَكَتَ إِذَا شَرَعَ يُحَدِّثُك ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَمْسَكَ، وَمَذَعَ لِي بِشَيْءٍ مِنْ الْخَبَرِ إِذَا حَدَّثَك بِبَعْضِهِ وَكَتَمَ بَعْضاً أَوْ أَخْبَرَك بِبَعْضِهِ ثُمَّ قَطَعَ فَأَخَذَ فِي غَيْرِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَنِي بِكَذَا ثُمَّ طَوَى حَدِيثاً إِلَى حَدِيث إِذَا أَسَرَّهُ فِي نَفْسِهِ وَجَاوَزَهُ إِلَى آخَرَ.
وَيَقُولُ الرَّجُل لِلرَّجُلِ: هَلْ عِنْدَك مِنْ جَائِبَة خَبَر، وَمِنْ مُغَرِّبَة خَبَر، وَمِنْ نَابِئَة خَبَر، وَهُوَ الْخَبَرُ يَجِيءُ مِنْ بُعْد، وَهَلْ وَرَاءَك طَرِيفَة خَبَرٍ أَي خَبَر جَدِيد،
(2/79)

فَيَقُولُ: قَصَرْت عَنْك لا، أَي مَا عِنْدِي خَبَر، وَإَِنَّ فُلاناً عِنْدَهُ جَوَانِب الأَخْبَارِ.
وَتَقُولُ: كَيْفَ عَهْدُك بِفُلان، وَمَا فَعَلَ الدَّهْر بِفُلان، وَمَا أَحْدَثَ فُلان بَعْدِي، وَمَا فَعَلَ فُلان، وَكَيْفَ خَلَّفْت فُلاناً، وَيُقَالُ فِي الْجَوَابِ: هُوَ عَلَى أَحْسَنِ مَا عَهِدْت.
وَتَقُولُ: عَرِّفْنِي جَلِيَّة الْخَبَر، وَطَالِعْنِي بِصِحَّةِ الْخَبَرِ، وَكَاشِفْنِي بِمَا صَحَّ عِنْدَك مِنْ نَبَإِ فُلان، وَتَقُولُ: قَدْ أَسْفَرَ لِي خَبَر فُلانٍ عَنْ كَذَا وَكَذَا، وَانْجَلَى عَنْ كَذَا وَكَذَا، وَثَبَتَ عِنْدِي مِنْ خَبَره كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ تَيَقَّنْت خَبَره، وَاسْتَيْقَنْتهُ، وَتَحَقَّقْتهُ، وَأَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَخْبَارِهِ، وَعِنْدَ جُهَيْنَة الْخَبَرُ الْيَقِينُ.

فَصْلٌٌ فِي ظُهُورِ الْخَبَرِ وَاسْتِسْرَارِهِ
تَقُولُ: لَمْ يَلْبَثْ خَبَر فُلانٍ أَنْ ظَهَرَ، وَعَلَن، وَاعْتَلَن، وَشَاعَ، وَذَاعَ، وَانْتَشَرَ، وَاشْتَهَرَ، وَفَشَا، وَتَفَشَّى، وَاسْتَطَارَ، وَفَاضَ، وَاسْتَفَاضَ، وَقَدْ اِنْتَشَرَ اِنْتِشَار الصُّبْحِ، وَاسْتَطَار اِسْتِطَارَة الْبَرْق.
وَهَذَا خَبَر مَشْهُور، سَائِر، مُتَعَالَم، مُتَعَارَف، قَدْ اِنْتَشَرَ الصَّوْتُ
(2/80)

بِهِ، وَتَدَاوَلَتْهُ الرُّوَاةُ، وَتَنَاقَلَتْهُ الرُّكْبَان، وَاضْطَرَبَتْ بِهِ الأَلْسِنَة، وَتُحُدِّثَ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ، وَتُسُومِعَ بِهِ فِي الأَنْدِيَةِ، وَسَارَ عَلَى الأَفْوَاهِ، وَمَلأَ الأَسْمَاعَ، وَانْتَشَرَ بَرِيده فِي الأَنْحَاءِ، وَطَارَ ذِكْره فِي الآفَاقِ.
وَقَدْ خَاضَ النَّاسُ فِي خَبَرِ فُلان، وَتَدَاوَلَتْهُ خَاصَّة النَّاس وَعَامَّتهمْ، وَلَمْ يَبْقَ مَنْ لا يَتَحَدَّثُ بِهِ، وَيُفِيضُ فِيهِ، وَيَسْتَفِيضُ فِيهِ، وَلا حَدِيثَ لِلنَّاسِ الْيَوْمَ إلا حَدِيث فُلان، وَقَدْ أَذَاعَ الْخَبَرَ فُلان، وَأَشَاعَهُ، وَبَثَّهُ، وَنَثَّهُ، وَنَمّه، وَرَفَعَه، وَشَهَرَهُ، وَنَشَرَهُ، وَسَيَّرَهُ، وَطَيَّرَهُ، وَأَعْلَنَهُ.
وَيُقَالُ فِي الأَمْرِ الْمُتَعَالَمِ الْمَشْهُورِ: " مَا يَوْم حَلِيمَة بِسِرّ "وَقَدْ أَصْبَحَ أَمْر فُلانٍ أَشْهَر مِنْ الصُّبْحِ، وَأَشْهَر مِنْ الْقَمَرِ، وَأَشْهَر مِنْ رَاكِب الأَبْلَق، وَأَصْبَحَ خَبَرُهُ أَسْيَر فِي الآفَاقِ مِنْ مَثَل. وَيُقَالُ فِي خِلافِ ذَلِكَ: قَدْ اِسْتَسَرَّ الْخَبَر، وَخَفِيَ، وَاسْتَتَرَ، وَغَمَضَ، وَهَذَا أَمْر لا يَزَالُ بِسَاطه مَطْوِيّاً، وَلا يَزَالُ تَحْتَ طَيّ الْكِتْمَان، وَلا يَزَالُ مِنْ دَفَائِن الْغَيْب، وَمِنْ خَبَايَا الْغَيْب، وَمِنْ
(2/81)

مُخَبَّآت الصُّدُور، وَقَدْ أُرْسِلَ عَلَيْهِ حِجَاب الْكَتْم.
وَهَذَا خَبَر قَدْ طَوَتْهُ الأَلْسِنَة عَنْ الأَسْمَاعِ، وَطَوَتْهُ الضَّمَائِر عَنْ الأَلْسِنَةِ، وَلَمْ تُلْقِه الضَّمَائِر إِلَى الأَلْسِنَةِ، وَلَمْ يُفَضَّ عَنْهُ خَتْم ضَمِير، وَلَمْ تُنْقَفْ عَنْهُ بَيْضَة ضَمِير، وَلَمْ يَعْلَقْ بِهِ لَفْظ، وَلَمْ يَتَحَرَّكْ بِهِ لِسَان، وَلَمْ تَخْتَلِجْ بِهِ شَفَة.

فَصْلٌ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ
يُقَالُ: إِنَّ فُلاناً لَرَجُل صَادِق، بَرّ، ثِقَة، وَرَجُل صَدُوق، وَصَدْق، وَإِنَّهُ لَصَادِق الْخَبَرِ، صَدُوق الْمَقَالِ، صَحِيح النَّبَإِ، وَقَدْ صَدَقَنِي الْحَدِيث، وَصَدَقَنِي الْخَبَر، وَصَدَقَنِي فِيمَا قَالَ، وَأَخْبَرَنِي الْخَبَر عَلَى حَقِّهِ، وَعَلَى صِدْقِهِ.
وَفُلانٌ مِنْ حَمَلَةِ الصِّدْقِ، وَمِنْ الرُّوَاةِ الصَّادِقِينَ، وَمِمَّنْ عُرِفَ بِالصِّدْقِ، وَاتَّسَمَ بِالصِّدْقِ، وَمِمَّنْ يُعْتَقَدُ قَوْله، وَيُوثَقُ بِخَبَرِهِ، وَلا يُقْدَحُ فِي صِدْقِهِ، وَلا يُتَّهَمُ فِيمَا يَقُولُ، وَإِنَّهُ لَيَتَجَافَى عَنْ قَوْلِ الزُّورِ، وَلا يُلَبِّس الْحَقّ بِالْبَاطِلِ، وَلا يَجْرِي لِسَانُهُ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَإِنَّ لِسَانَهُ لَصُورَة قَلْبِهِ،
(2/82)

وَإِنَّهُ لَيَقُول الْحَقّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ، وَلا يَخْشَى فِي الْحَقِّ لَوْمَة لائِم.
وَتَقُولُ: قَدْ صَحَّ عِنْدِي خَبَر كَذَا، وَثَبَتَ لَدَيَّ صِدْقُهُ، وَانْجَلَتْ صِحَّته، وَقَدْ اِطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ نَفْسِي، وَنَقَعَتْ بِهِ نَفْسِي، وَاسْتَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِثِقَتِي، وَأَخْلَدْت إِلَيْهِ بِثِقَتِي، وَأَعَرْته جَانِب الثِّقَةِ، وَهُوَ أَمْرٌ لا يَتَخَالَجُنِي فِيهِ رَيْب، وَلا يَعْتَرِضُنِي فِيهِ شَكّ.
وَهَذَا أَمْر قَدْ بَرَزَ عَنْ ظِلّ الشُّبَهَات، وَتَنَزَّهَ عَنْ مَظَانِّ الزُّور، وَنُفِضَ عَنْهُ غُبَار الرَّيْب، وَإِنَّهُ لَهُو الْحَقّ لا رَيْبَ فِيهِ، وَلا مِرْيَةَ فِيهِ، وَلا يُتَمَارَى فِي صِدْقِهِ، وَلا يُخْتَلَفُ فِي صِحَّتِهِ، وَلا يَحْتَاجُ صِدْقُه إِلَى شَاهِد.
وَهَذَا أَمْر قَدْ تَوَاتَرَتْ بِهِ الرُّوَاة، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُخْبِرُونَ، وَتَنَاصَرَتْ عَلَيْهِ الأَخْبَار، وَتَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الأَنْبَاء، وَتَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَات، وَاتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الآثَار، وَشَهِدَ بِصِدْقِهِ التَّوَاتُر.
وَيُقَالُ: صَدَقَنِي فُلانٌ سِنَّ بَكْرِهِ، وَصَدَقَنِي وَسْمَ قِدْحِهِ.
(2/83)

وَفِي الأَمْثَالِ: " لا يَكْذِبُ الرَّائِدُ "أَهْله "، " وَالْقَوْل مَا قَالَتْ حَذَامِ "، وَيُقَالُ لِلْمُحَدِّث صَدَقْت وَبَرَزْت.
وَيُقَالُ فِي ضِدِّهِ: كَذَبَ الرَّجُلُ، وَأَفَك، وَمَان، وَقَدْ كَذَبَنِي الْخَبَر، وَكَذَبَ فِي حَدِيثِهِ، وَإِنَّ فُلاناً لَيَصِف الْكَذِبَ، وَيَخْتَلِقَ الْكَذِب، وَالْحَدِيث، وَيَفْتَرِيهُ، وَيَبْتَدِعهُ، وَيَفْتَئِته، وَيُلَفِّقهُ، وَيَخْتَرِعهُ، وَيَخْتَرِقهُ، وَيَخْتَرِصهُ، وَيُزَوّرهُ، وَيُمَوِّههُ، وَيُوَشِّيه، وَيُنَمِّقهُ، وَيُرَقِّشهُ، وَيُزَوِّقهُ، وَيُزَخْرِفهُ، وَيُزَيِّنهُ، وَيَصْنَعهُ، وَيُنْشِئهُ، وَيَصُوغهُ، وَيَنْسِجهُ، وَيَسْرُجُهُ، وَيَمْرُجُهُ، وَيَفْتَعِلهُ، وَيَرْتَجِلهُ، وَيَعْتَبِطُهُ.
وَإِنَّهُ لَرَجُل كَذُوب، وَكَذَّاب، أَفَّاك، خَرَّاص، صَوَّاغ زُور، وَنَسَّاج زُور، وَإِنَّهُ لَسَرَّاج، وَسَرَّاج مَرَّاج، وَإِنَّهُ لَيُسَرِّج الأَحَادِيث، وَقَدْ تَسَرّج
(2/84)

عَلَيَّ، وَتَكَذَّب عَلَيَّ، وَتَخَرَّص عَلَيَّ، وَافْتَرَى عَلَيَّ حَدِيثاً كَذِباً، وَنَطَقَ عَلَيَّ بُطْلا، وَافْتَأَتَ عَلَيَّ الْبَاطِل، وَزَخْرَفَ عَلَيَّ قَوْل الزُّورِ، وَصَاغَ زُوراً وَكَذِباً، وَإِنَّهُ لَيَكْذِب عَلَيَّ الأَحَادِيث، وَيَتَقَوَّل عَلَيَّ الأَقَاوِيل، وَيَتَقَوَّل عَلَيَّ الْبُهْتَان، وَقَدْ قَوَّلَنِي مَا لَمْ أَقُلْ، وَأَشْرَبَنِي مَا لَمْ أَشْرَبْ.
وَإِنَّمَا جَاءَ بِالْكَذِبِ، وَالإِفْكِ، وَالْعَضِيهَةِ، وَالْمَيْنِ، وَالْبُطْل، وَالْبُهْتَانِ، وَهَذَا مِنْ أَكَاذِيبِ فُلان، وَأَبَاطِيلِهِ، وَتُرَّهَاتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَفِيكَة أَفَّاك، وَإِفْكَة أَفَّاك، وَفِرْيَة صَوَّاغ، وَإِنَّهُ لَكَذِب بَحْت، وَكَذِب صَرْد، وَكَذِب صُرَاح، وَحَدِيث مُفْتَرىً، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مَصْنُوعٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ زُخْرُفِ الْقَوْلِ، وَمِنْ صَرْف الْحَدِيث وَهُوَ تَزْيِينُهُ وَالزِّيَادَةُ فِيهِ، وَإِنَّهُ لَمِنْ مُرَمَّآت الأَخْبَار أَي مِنْ أَبَاطِيلِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ حَدِيثُ خُرَافَةٍ.
وَيَقُول الْمَكْذُوب عَلَيْهِ: يَا لَلأَفِيكَة، وَيَا لَلْعَضِيهَة، وَيَا لَلْبَهِيتَة، وَيُقَالُ: فُلان يَقُتّ الأَحَادِيث أَيْ يُزَوّرُهَا وَيُحَسِّنهَا، وَإِنَّهُ لَيَتَزَيَّد
(2/85)

فِي الْحَدِيثِ، وَيَتَزَايَد فِيهِ، وَيُزَلّف فِيهِ، وَيُزَرّف فِيهِ، وَيُزْهِف فِيهِ، أَيْ يَزِيدُ فِيهِ وَيَكْذِبُ، وَإِنَّهُ لَيُرَقِّي عَلَيَّ الْبَاطِل أَيْ يَتَزَيَّدُ فِيهِ وَيَتَقَوَّلُ مَا لَمْ يَكُنْ.
وَفُلان لا يُوثَقُ بِسَيْل تَلْعَته، وَلا يَصْدُق أَثَره، وَلا تَتَسَالَمُ خَيْلاهُ، وَلا تَتَسَايَرُ خَيْلاهُ، أَيْ لا يُوثَقُ بِقَوْلِهِ.
وَيُقَالُ: أَرْجَف الْقَوْم إِرْجَافاً إِذَا خَاضُوا فِي الأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ إِيقَاداً لِلْفِتْنَةِ، وَقَدْ أَرْجَفُوا بِكَذَا، وَهَذَا مِنْ أَحَادِيث الْمُرْجِفِينَ، وَمِنْ أَرَاجِيف الْغُوَاة، وَيُقَالُ: هَذَا خَبَر مَكْذُوب، وَمُزَوَّر، وَمَصْنُوع، وَمُفْتَعَل، وَحَدِيث مَوْضُوع، وَمُفْتَرىً، وَهَذَا خَبَر مُتَّهَم، وَمَدْخُول، وَخَبَر لَمْ يُعِرْهُ الصِّدْقُ نُورَهُ، وَهَذَا خَبَر لَمْ أُعِرْهُ ثِقَتِي، وَمَا نَقَعْت بِخَبَرِ فُلان، وَمَا عِجْت بِقَوْلِهِ، وَيُقَالُ: لَيْسَ لِمَكْذُوب رَأْي، وَلا يَعْرِف الْمَكْذُوب كَيْفَ يَأْتَمِر وَإِذَا كَذَبَ السَّفِيرُ بَطَل التَّدْبِير.
وَيُقَالُ: فُلان أَكْذَب مِنْ سَرَاب، وَأَكْذَب مِنْ أَخِيذ الْجَيْش،
(2/86)

وَأَكْذَب مِنْ زَرَّاق وَهُوَ الَّذِي يَحْتَالُ وَيَنْظُرُ بِزَعْمِهِ فِي النُّجُومِ، وَهَذَا الأَخِير مِنْ أَمْثَالِ الْمُوَلَّدِين، وَهُوَ أَكْذَبُ مَنْ دَبّ وَدَرَج.

فَصْلٌ فِي النَّمِيمَةِ وَإِصْلاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ
يُقَالُ: نَمَّ عَلَيْهِ، وَوَشَى بِهِ، وَسَعَى بِهِ، وَمَحَل بِهِ، وَدَسَّ عَلَيْهِ نَمَائِمهِ، وَبَسّ عَلَيْهِ عَقَارِبه، وَدَبَّتْ عَقَارِبُهُ بَيْنَ الْقَوْمِ، وَأَفْسَدَ ذَات بَيْنِهِمْ وَأَرْسَل بَيْنَهُمْ نَمَائِمَه، وَبَثّ بَيْنَهُمْ مَآبِرَهُ، وَزَرَع بَيْنَهُمْ الأَحْقَاد.
وَدَرَج بَيْنَهُمْ بِالنَّمِيمَةِ، وَمَشَى بَيْنَهُمْ بِالنَّمَائِمِ، وَمَشَى بَيْنَهُمْ بِالْحَظِرِ الرَّطْبِ، وَأَوْقَدَ فِي الْحَظِر الرَّطْبِ، وَآكَل بَيْنَهُمْ إِيكَالاً، وَضَرَب بَيْنَهُمْ، وَضَرَّب، وَدَبّ، وَأَغْرَى، وَحَرَّش، وَأَرَّش، وَأَرَّث، وَأَفْسَد، وَأَنْمَس، وَأَنْمَل، وَقَدْ
(2/87)

ضَرَّبَ بَيْنَهُمْ وَذَرَّب، وَسَعَى بَيْنَهُمْ بِالأَكَاذِيبِ وَالتَّضَارِيسِ.
وَإِنَّهُ لَرَجُل نَمَّام، وَمَشَّاء، وَزَرَّاع، وَقَتَّات، وَدَرَّاج، وَمُنْمِل، وَمُنْمِس، وَهُوَ ذُو نُمْلَة، وَنَمِيلَة، وَإِنَّهُ لَذُو نَمَائِم، وَنَمَائِل، وَوِشَايَات، وَسِعَايَات، وَعَقَارِب، وَنَيَارِب، وَمَآبِر.
وَقَدْ اِئْتَمَنْتهُ عَلَى حَدِيثِ كَذَا فَنَمّه، وَنَثّه، وَقَتَّه، وَإِنَّمَا هُوَ جَاسُوس شَرّ، وَرَسُول شَرّ، وَسَفِير سُوء، وَإِنَّهُ لَمِنْ سَمَاسِرَة الشِّقَاق، وَتُجَّار الْفَسَادِ، وَزُرَّاع الْعَدَاوَاتِ، وَقَدْ اِنْدَسَّ إِلَى فُلان بِكَذَا، وَتَنَاوَلَنِيعِنْدَهُ، وَرَاش لِي نَبْل السِّعَايَة، وَنَقَلَ إِلَيْهِ عَنِّي كَذَا، وَبَلَّغَهُ عَنِّي بَلاغ سُوء، وَأَفْسَدَ حَالِي عِنْدَهُ، وَأَخْبَث رِيحِي عِنْدَهُ، وَأَرْهَجَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ بِالْفَسَادِ، وَزَرَع بَيْنِي وَبَيْنَهُ زَرْعاً خَبِيثاً، وَيُقَالُ: خَبَّب عَلَى فُلان صَدِيقه أَوْ اِمْرَأَته أَوْ عَبْده إِذَا أَفْسَدَهُ عَلَيْهِ.
وَيُقَالُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ: أَصْلَحْت بَيْنَ الْقَوْمِ، وَسَفَرْت بَيْنَهُمْ، وَرَأَبْت بَيْنَهُمْ، وَرَفَأْت، وَلأَمْت، وَأَسَوْت، وَسَمَلْت، وَقَدْ أَصْلَحْت ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَرَأَبْت صَدْعَهُمْ، وَأَلَّفْت قُلُوبَهُمْ،
(2/88)

وَجَمَعْت كَلِمَتَهُمْ، وَجَمَعْت أَهْوَاءهُمْ، وَفَثَأْت أَضْغَانَهُمْ.
وَأَذْهَبْت مَوْجِدَتَهُمْ، وَأَطْفَأْت نَائِرَتَهُمْ، وَسَلَلْت سَخَائِمَهُمْ، وَسَكَّنْت فَوْرَتَهُمْ، وَفَثَأْت مَا جَاشَ مِنْ قِدْرِهِمْ، وَأَلَّفْت مَا تَنَافَرَ مِنْ أَهْوَائِهِمْ، وَإِنَّ فُلاناً لَسَفِير صِدْق، وَإِنَّهُ لَنِعْم السَّفِيرُ.

فَصْلٌ فِي كِتْمَانِ السِّرِّ وَإِفْشَائِهِ
يُقَالُ: كَتَم فُلان سِرَّهُ، وَاكْتَتَمَهُ وقَدْ كَتَمَه عَنِّي، وَكَتَمَه مِنِّي، وَكَتَمَنيه، وَكَاتَمَنِيهِ، وَأَخْفَاه عَنِّي، وَوَارَاهُ عَنِّي، وَوَرَّاهُ، وَسَتَرَهُ، وَأَضْمَرَهُ، وَغَيَّبَهُ، وَزَوَاهُ، وَطَوَاهُ، وَلَوَاهُ، وَدَفَنَهُ، وَكَنَّه، وَأَكَنَّهُ، وَأَجَنَّهُ، وَخَزَنَهُ، وَصَانَهُ، وَحَصَّنَهُ، وَضَنَّبِهِ، وَقَدْ أَسَرَّ نَجْوَاهُ عَنِّي، وَأَسَرَّ عَنِّي ذَات نَفْسه، وَسَتَرَ عَنِّي مُخَبَّآت صَدْره، وَدَافَعَنِي عَنْ دُِخْلَة ضَمِيره، وَأَمْسَكَ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ.
(2/89)

وَهُوَ كَتُوم، وَكُتَمَة، حَصِين الصَّدْرِ، حَصِين الضَّمِيرِ، بَعِيد غَوْرِ الضَّمِيرِ، صَائِن لِسِرِّهِ، حَافِظ لِسِرِّهِ، ضَنِين بِأَسْرَارِهِ، حَصِر بِالأَسْرَارِ، وَهُوَ السِّرُّ، وَالسَّرِيرَةُ، وَالنَّجْوَى، وَالضَّمِيرُ، وَالْبِطَانَةُ، وَالدُِّخْلَة، وَالدَّخِيلَةُ، وَالطَّوِيَّةُ.
وَهَذَا سِرّ مَكْنُون، وَسِرّ مَصُون، وَسِرّ مَكْتُوم، وَكَاتِم عَلَى الْمَجَازِ، وَإِنَّهُ لَسِرّ لا يُدْرَكُ، وَلا يُمَاطُ حِجَابه، وَلا يُفْضِي إِلَيْهِ كَاشِف، وَلا يَنَالُهُ مُتَسَقِّط، وَهُوَ مِنْ أَخْفَى الأَسْرَار، وَمِنْ أَغْمَض السَّرَائِر.
وَيُقَالُ: أَسْرَرْت إِلَيْهِ الْحَدِيثَ، وَنَاجَيْته بِسِرِّي، وَسَارَرْته، وَهَمَسْت إِلَيْهِ بِكَذَا، وَأَهْلَسْت إِلَيْهِ، وَخَفَتُّ إِلَيْهِ، وَقَرَرْت فِي أُذُنِهِ كَذَا، وَأَوْدَعْتهُ سِرِّي، وَأَفْضَيْت إِلَيْهِ بِخَبِيئَة سِرِّي، وَجَعَلْت سِرِّي فِي خَزَائِنِهِ، وَفِي خَزَائِن صَدْره، وَقَدْ اِسْتَحْفَظْتهُ سِرِّي، وَاسْتَكْتَمْتهُ السِّرّ، وَالْخَبَر، وَهُوَ نَجِيِّي، وَبِطَانَتِي، وَصَاحِب سِرِّي، وَأَمِين سِرِّي وَخَازِن سِرِّي وَرَأَيْت الرَّجُلَيْن يَتَسَارَّانِ وَيَتَخَافَتَانِ، وَرَأَيْتُهُمَا يَتَنَاسَفَانِ الْكَلام أَيْ يَتَسَارَّانِ.
وَتَقُولُ اكْتُمْ عَلَيَّ هَذَا الأَمْرَ، وَهَذِهِ الْخُطَّةَ عِنْدَك بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاجْعَلْ هَذَا فِي
(2/90)

وِعَاءٍ غَيْر سِرِب.
وَتَقُولُ هَذَا أَمْر مَا سَافَرَ عَنْ ضَمِيرِي إِلَى شَفَتَيَّ، وَلا نَدَّ عَنْ صَدْرِي إِلَى لَفْظِي، وَيُقَالُ: دَمَس عَلَيْهِ الْخَبَر إِذَا كَتَمَهُ الْبَتَّةَ، وَتَكَاتَمَ الْقَوْم، وَتَدَافَنُوا، إِذَا كَتَمَ بَعْضهمْ أَمْرَهُ عَنْ بَعْضٍ، وَأَمْر بَني فُلان بِجُمْع أَي مَكْتُوم مَسْتُور. وَيُقَالُ فِي خِلاف ذَلِكَ: أَفْشَى الرَّجُلُ سِرَّه، وَبَاحَ بِهِ، وَأَبَاحَهُ، وَأَظْهَرَهُ، وَأَصْحَرَهُ، وَأَصْحَرَ بِهِ، وَكَشَفَهُ، وَأَبْرَزَهُ، وَأَبْدَاهُ، وَأَعْلَنَهُ، وَعَالَن بِهِ، وَجَهَرَ بِهِ، وَأَذَاعَهُ، وَأَشَاعَهُ، وَبَثَّهُ، وَنَثَّهُ، وَنَمَّ بِهِ.
وَقَدْ بَاحَ السِّرّ، وَفَشَا، وَظَهَرَ، وَصَحَر، وَعَلَن، وَذَاعَ، وَشَاعَ، وَانْكَشَفَ، وَانْتَشَرَ، وَاسْتَفَاضَ، وَيُقَالُ: مَذِل الرَّجُلِ بِسِرِّهِ إِذَا قَلِق وَضَجِر حَتَّى أَفْشَاهُ، وَفَاضَ صَدْره بِالسِّرِّ إِذَا لَمْ يُطِقْ كَتْمَهُ، وَفُلان لا يَكْتَتِمُ أَيْ لا يَكْتُمُ سِرَّهُ وَأَمْرَهُ، وَإِنَّهُ لا يَكْظِمُ عَلَى جِرَّتِهِ أَيْ لا يَسْكُتُ عَلَى مَا فِي جَوْفِهِ حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِهِ، وَهُوَ مَذِلٌ بِسِرِّهِ، بَؤُوح بِمَا فِي صَدْرِهِ، وَهُوَ مِذْيَاع، مَذَّاع، بَذُور، وَبَذِر، وَهُمْ مَذَايِيع،
(2/91)

وَبُذُر وَهُوَ ظِهْرَةٌ وَلَيْسَ بِكُتَمَة، وَفُلان أَنَمّ مِنْ الصُّبْحِ.
وَتَقُولُ بَاحَ الرَّجُل بِمَا فِي صَدْرِهِ، وَبِمَا فِي نَفْسِهِ، وَأَفْضَى إِلَيَّ بِسِرِّهِ، وَأَفْضَى إِلَيَّ بِذَات صَدْره، وَاسْتَرَاحَ إِلَيَّ بِمَكْنُونِ سِرِّهِ، وَأَطْلَعَنِي عَلَى بَاطِنِ أَمْرِهِ، وَفَرَشَنِي دُِخْلَة أَمْرِهِ، وَفَرَشَنِي ظَهْر أَمْره وَبَطْنه، وَقَدْ أَبَثَّنِي سِرّه، وَبَاثَّنِيهِ، وَتَبَاثَثْنَا الأَسْرَار، وَتَنَاثَثْنَاهَا، وَقَدْ بَطَنْت أَمْرَه، وَاسْتَبْطَنْتهُ، وَوَقَفْت عَلَى مَا أَضْمَرَ، وَاطَّلَعْت عَلَى مَا أَسَرّ، وَمَا أَبْطَنَ.
وَيُقَالُ: اسْتَنْبَثْتُ الرَّجُل عَنْ سِرِّهِ، وَاسْتَبْثَثْتُهُ، وَاسْتَبْحَثْتُهُ، وَاسْتَكْشَفْتُهُ، وَتَسَقَّطْتُهُ، وَاسْتَنْزَلْتُهُ، وَاسْتَزْلَلْتُهُ، وَاسْتَدْرَجْته، وَقَدْ أَثَرْتُ دَفِينَته، وَأَثَرْت كَمِين سِرّه، وَفَضَضْت خَتْم سِرِّه، وَاسْتَخْرَجْت دَفَائِن صَدْره، وَيُقَالُ: سَانَيْت فُلاناً حَتَّى اِسْتَخْرَجْت مَا عِنْدَهُ أَيْ تَلَطَّفْت بِهِ وَدَارَيْته، وَكَشَفْتهُ عَنْ سِرِّهِ وَأَمْرِهِ إِذَا أَكْرَهْتهُ عَلَى إِظْهَارِهِ.
وَيُقَالُ: أَبْدَى فُلان نَبِيثَة الْقَوْم، وَنَبَائِثهم، أَيْ أَظْهَرَ أَسْرَارَهُمْ، وَأَفْرَخَتْ بَيْضَة الْقَوْم، وَانْقَابَتْ بَيْضَتهمْ عَنْ أَمْرِهِمْ إِذَا بَيَّنُوهُ.
(2/92)

فَصْلٌ فِي الْمُشَاوَرَةِ وَالاسْتِبْدَادِ
يُقَالُ: شَاوَرْت فُلانا فِي الأَمْرِ، وَآمَرْته مُؤَامَرَة، وَفَاوَضْتُهُ، وَذَاكَرْتهُ، وَقَدْ تَشَاوَرَ الْقَوْم فِي الأَمْرِ، وَاشْتَوَرُوا، وَائْتَمَرُوا، وَأَدَارُوا الرَّأْيَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَأَجَالُوا الرَّأْي، وَأَجَالُوا قِدَاح الرَّأْي، وَأَفَاضُوا قِدَاح الرَّأْي، وَقَلَّبُوا الرَّأْيَ ظَهْراً لِبَطْن، وَبَيْنَ الْقَوْمِ مَشُورَة، وَشُورَى، وَأَمْرهمْ شُورَى بَيْنَهُمْ أَيْ لا يَقْطَعُونَ بِأَمْرٍ حَتَّى يَجْتَمِعُوا وَيَتَشَاوَرُوا، وَقَدْ تَمَالأَ الْقَوْم عَلَى الأَمْرِ إِذَا تَتَابَعُوا بِرَأْيهمْ عَلَيْهِ، وَتَحَدَّثَ الْقَوْمُ مَلأً أَي مُمَالأَة، وَيُقَالُ: مَا كَانَ هَذَا الأَمْر عَنْ مُمَالأَةٍ مِنَّا أَي عَنْ تَشَاوُر وَاجْتِمَاع.
وَتَقُولُ: قَدْ غُمَّ عَلَيَّ وَجْهُ الرَّأْيِ فِي هَذَا الأَمْرِ، وَاسْتَسَرَّ عَلَيَّ وَجْه الرَّأْيِ، وَقَدْ بَلَغَ الرَّأْي الْمَشُورَة، وَاسْتَشَرْت فُلاناً فِي الأَمْرِ، وَاسْتَطْلَعْت رَأْيَهُ، وَاسْتَنْبَطْت رَأْيَهُ، وَاسْتَوْرَيْت زَنْد رَأْيه، وَاسْتَرْشَدْته، وَاسْتَنْصَحْته،
(2/93)

وَاسْتَصْبَحْت بِمَشُورَتِهِ، وَاسْتَعَنْت بِرَأْيهِ.
وَقَدْ سَنَحَ لَهُ فِي الأَمْرِ رَأْيٌ، وَعَرَضَ لَهُ رَأْي، وَفَرَق لَهُ رَأْي، وَعَنَّ، وَبَدَا، وَاتَّجَهَ، وَقَدْ أَجْهَدَ رَأْيه، وَاجْتَهَدَ رَأْيه، وَاسْتَقْصَى مَعِي فِي الْبَحْثِ، وَاسْتَقْصَى فِي النَّظَرِ، وَقَدْ اِرْتَأَى لِي كَذَا، وَأَشَارَ عَلَيَّ بِكَذَا، وَسَمَتَ لِي وَجْهاً أَجْرِي عَلَيْهِ، وَأَمَدَّنِي بِرَأْيهِ، وَآزَرَنِي بِرَأْيهِ، وَأَرْشَدَنِي بِخَبَرِهِ، وَهَدَانِي بِعِلْمِهِ، وَمَحَضَنِي الرَّأْي، وَصَدَقَنِي النُّصْح، وَهُوَ مُشِيرِي، وَصَاحِب مَشُورَتِي، وَمِنْ ذَوِي مَشُورَتِي، وَمِمَّنْ أَسْتَرْشِدُ بِهِ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَأَسْتَنِير بِرَأْيهِ فِي الْمُشْكِلاتِ.
وَتَقُولُ: أَشِر عَلَيَّ بِمَا تَرَى، وَأَشِرْ عَلَيَّ مَشُورَة صِدْق، وَاقْتَدِحْ لِي زَنْد رَأْيك فِي هَذَا الأَمْرِ، وَيُقَالُ: هَلُمَّ أَوَاضِعْك الرَّأْي أَيْ أُطْلِعك عَلَى رَأْيِي وَتُطْلِعنِي عَلَى رَأْيِك، وَتَقُولُ: الرَّأْي عِنْدِي أَنْ تَفْعَلَ كَذَا، وَالْوَجْه أَنْ تَفْعَلَ كَذَا، أَرَى لَك أَنْ تَفْعَلَ كَذَا، وَهَذَا أَوْجَه الرَّأْيَيْنِ، وَأَمْثَل الرَّأْيَيْنِ، وَأَحْوَط الْوَجْهَيْنِ.
وَتَقُولُ: قَدْ نَزَلْت عَلَى رَأْيِ فُلان، وَصَدَرْت عَنْ رَأْيِهِ، وَرَمَيْت عَنْ قَوْسِهِ، وَنَزَعْت عَنْ قَوْسِهِ، وَائْتَمَرْت
(2/94)

بِمَشُورَتِهِ، وَائْتَمَمْت بِهَدْيهِ، وَعَمِلْت بِرَأْيهِ، وَصِرْت إِلَى مَا اِرْتَأَى لِي، وَإِنِّي لأَتَرَأَّى بِرَأْيِ فُلان أَيْ أَمِيلُ إِلَيْهِ وَآخُذُ بِهِ، وَإِنَّهُ لَمُشِير صِدْق، وَمُشِير خَيْر، وَإِنَّ فُلان لَمُشِير سُوء.
وَيُقَالُ فِي خِلافِ ذَلِكَ: اِسْتَبَدَّ بِرَأْيهِ، وَاسْتَقَلَّ بِرَأْيهِ، وَانْفَرَدَ بِهِ، وَاخْتَزَلَ، وَانْقَطَعَ، وَافْتَات، وَارْتَجَلَ، وَفِي الْمَثَلِ: " أَمْرُكَ مَا اِرْتَجَلْتَ " أَي مَا اِسْتَبْدَدْتَ فِيهِ بِرَأْيك.
وَيُقَالُ: قَدْ اِفْتَاتَ فُلان فِي الأَمْرِ، وَافْتَات عَلَيَّ فِي الأَمْرِ إِذَا قَطَعَهُ دُونَك، وَفُلان لا يُفْتَاتُ عَلَيْهِ أَيْ لا يُسْتَبَدُّ بِرَأْي دُونَهُ، وَانْتَاطَ فُلان الأَمْر أَيْ اِقْتَضَبَهُ بِرَأْيهِ لا بِمَشُورَة، وَافْتَرَزَ أَمْره دُونَ أَهْلِ بَيْتِهِ أَي قَطَعَه.
وَفَعَلَ فُلان ذَلِكَ بِرَأْيِ نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمُعْجَب بِرَأْيهِ، وَمُسْتَغْنٍ بِرَأْيهِ، وَهُوَ رَجُلٌ فُوَيْتٌ بِالتَّصْغِيرِ أَي مُنْفَرِد بِرَأْيهِ، وَيُقَالُ: هُوَ عُيَيْر وَحْدِهِ، وَجُحَيْش وَحْدِهِ، وَرُجَيْل وَحْدِهِ بِالتَّصْغِيرِ والإِضَافَة فِيهِنَّ أَيْ لا يُشَاوِرُ أَحَداً، وَيُقَالُ: فُلان يَتَفَوَّتُ عَلَى أَبِيهِ فِي مَالِهِ أَيْ يُبَذِّرُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
(2/95)

فَصْلٌٌ فِي جَوْدَةِ الرَّأْيِ وَفَسَادِهِ
يُقَالُ: هَذَا رَأْي سَدِيد، وَرَأْي أَسَدّ، وَرَأْي صَائِب، وَصَوَاب عَلَى الْوَصْفِ بِالْمَصْدَرِ، وَرَأْي أَصِيل، ثَاقِب، بَازِل، جَزْل، نَضِيج، مُخْتَمِر، وَإِنَّ فُلاناً لَذُو رَأْي رَمِيز، وَرَأْي رَزِين، وَوَزِين، وَجَمِيع، وَمُسْتَجْمِع، وَحَصِيف، وَمُسْتَحْصِف، وَإِنَّهُ لَجَيِّد الرَّأْيِ، وَمُحْكَم الرَّأْيِ، وَمُحْصَد الرَّأْي، وَمُسَدَّد الرَّأْي، وَمُوَفَّق الرَّأْيِ، وَنَجِيح الرَّأْي.
وَفِي رَأْيِهِ سَدَاد، وَصَوَاب، وَإِصَابَة، وَأَصَالَة، وَثُقُوب، وَجَزَالَة، وَرَمَازَة، وَرَزَانَة، وَوِزَانَة، وَحَصَافَة، وَجَوْدَة، وَتَقُولُ: بَاتَ فُلان يُصَادِي نَفْسه عَنْ هَذَا الأَمْرِ أَيْ يُدِيرُ رَأْيَهُ فِيهِ، وَبَاتَ يُقَسِّمُ رَأْيه فِي الأَمْرِ، وَيُشَاوِرُ نَفْسَهُ، وَقَدْ أَنْضَجَ رَأْيَهُ، وَخَمَّرَهُ، وَأَحْصَدَ حَبْل الرَّأْي، وَشَحَذَ غِرَار الرَّأْيِ، وَقَدْ أَبْرَمَ رَأْيه، وَأَصَابَ وَجْهَ الرَّأْيِ، وَأَبْصَرَ وَجْه الرَّأْيِ.
وَإِنَّهُ لَرَجُل حَازِم، جَزْل، حَصِيف، بَعِيد الْغَوْرِ، وَبَعِيد الْحَوْر، بَعِيد مَسَافَةِ النَّظَرِ، بَعِيد مَرْمَى النَّظَرِ،
(2/96)

بِعِيد مُرَاد الْفِكْرِ، وَإِنَّهُ لَجَيِّد الْقَسْمِ أَي الرَّأْي، وَجَيِّد الْمَنْزَعَة، وَصَادِق الْمَنْزَعَة، وَهِيَ مَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ مِنْ رَأْيِهِ وَأَمْرِهِ، وَإِنَّهُ لَحَسَن الْحِسْبَة أَي حَسَن التَّدْبِيرِ، وَإِنَّهُ لَرَجُل حَصِيف الْعُقْدَة أَي مُحْكَم الرَّأْي وَالتَّدْبِير، وَإِنَّهُ لَرَجُل نَقَّاف أَي ذُو نَظَر وَتَدْبِير.
وَإِنَّ فُلاناً لَجِذْلِ حُكَاكٍ، وَجِذْل مُحَكَّك، أَيْ يُسْتَشْفَى بِرَأْيهِ، وَهُوَ رَأْيُ قَوْمِه أَيْ صَاحِب رَأْيِهِمْ، وَهُوَ جِمَاعُ قَوْمِهِ أَي الَّذِي يَأْوُونَ إِلَى رَأْيِهِ وَسُؤْدُده، وَإِنَّهُ لَيَرْمِي بِرَأْيهِ الشَّوَاكِل، وَيُصِيبُ شَوَاكِل السَّدَاد، وَيُطَبِّقُ مَفَاصِل الصَّوَاب.
وَإِنَّ لَهُ لَرَأَياً يُمَزِّقُ ظُلُمَات الإِشْكَال، وَيَحِلُّ عُقَد الإِشْكَال، وَيُجَلِّي لَيْلَ الْخُطُوبِ، وَرَأْياً يُخَلِّصُ بَيْنَ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ، وَيُخَلِّصُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالرَّاح، وَإِنَّهُ لَيُصِيب بِسِهَام رَأْيِهِ أَكْبَاد الْمُشْكِلاتِ، وَإِنَّهُ لَتَسْتَصْبِح بِرَأْيهِ الْبَصَائِر الضَّالَّة، وَتَنْكَشِف بِرَأْيهِ مَعَالِمُ الْهُدَى.
وَتَقُولُ: صَوَّبْتُ رَأْيَ فُلان،
(2/97)

وَاسْتَصْوَبْتُهُ، وَاسْتَجْزَلْتهُ، وَاسْتَجَدْتُهُ، وَرَجَّحْتُهُ، وَالرَّأْي مَا رَآهُ فُلان، وَمَا أَشَارَ بِهِ فُلان، وَالْقَوْل مَا قَالَهُ فُلان، وَيُقَالُ: نَصَبْت لِفُلانٍ رَأْياً أَيْ أَشَرْت عَلَيْهِ بِرَأْيٍ لا يَعْدِلُ عَنْهُ، وَحَضَرَ فُلان الأَمْر بِخَيْرٍ إِذَا رَأَى فِيهِ رَأْياً صَوَاباً، وَإِنَّهُ لَحَسَن الْحَضْرَة إِذَا كَانَ كَذَلِكَ.
وَيُقَالُ فِي ضِدِّهِ: هَذَا رَأْي فَائِل، ضَعِيف، سَخِيف، سَقِيم، وَاهِن، سَيِّئ، فَاسِد، سَاقِط، وَإِنَّ فُلاناً لَرَجُل أَفِيَن، وَأَفِيَن الرَّأْي، وَفَائِل الرَّأْي، وَفَيِّله، وَهُوَ عَاجِز الرَّأْي، وَطَائِش الرَّأْيِ، وَعَاثِر الرَّأْي، وَمَرِيض الرَّأْيِ، وَإِنَّهُ لَرَجُل ضَجُوعٌ أَي ضَعِيف الرَّأْيِ وَفِي رَأْيِهِ ضُجْعَة بِالضَّمِّ، وَقَدْ اِرْتَثَأَ فِي رَأْيِهِ أَيْ اِخْتَلَطَ، وَانْتَشَرَ عَلَيْهِ رَأْيُهُ إِذَا اِلْتَبَسَ عَلَيْهِ وَجْه الصَّوَابِ فِيهِ.
وَتَقُولُ: فَالَ رَأْيك، وَغَبِنْتَ رَأْيَك، وَسَفِهْتَ رَأْيَك بِالنَّصْبِ فِيهِمَا أَي ضَعُف رَأْيِك، وَإِنَّ فُلاناً لَغَبِين الرَّأْي، وَفِي رَأْيِهِ غَبَن بِفَتْحَتَيْنِ، وَغَبَانة، وَإِنَّهُ لَذُو كَسَرَات، وَذُو هَزَرَات، أَيْ يُغْبَن فِي كُلِّ شَيْء.
وَقَدْ فَيَّلْت رَأْيه، وَضَعَّفْتهُ، وَسَوَّأْته، وَسَفَّهْتهُ،
(2/98)

وَعَجَّزْتُهُ، وَفَنَّدْتُهُ، وَخَطَّأْتهُ، وَقَبَّحْتهُ، وَإِنَّهُ لَبِئْسَ الرَّأْي، وَإِنَّهُ لَرَأْي سُوء.
وَيُقَالُ: هَذَا رَأْيٌ فَطِير أَي صَادِر عَنْ غَيْرِ رَوِيَّة، وَفِي كَلام بَعْضِهِمْ دَعُوا الرَّأْيَ حَتَّى يَخْتَمِرَ فَلا خَيْرَ فِي الرَّأْيِ، وَهَذَا رَأْي دَبَرِيّ بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الَّذِي يَسْنَحُ بَعْدَ فَوَاتِ الْحَاجَةِ، وَفِي الْمَثَلِ: " شَرّ الرَّأْيِ الدَّبَرِيّ ".
وَيُقَالُ: مَا لِفُلانٍ مِنْ نَقِيبَةٍ أَي نَفَاذ رَأْيٍ، وَفُلان مُنْهَدِم الْجَفْر أَيْ لا رَأْيَ لَهُ، وَيُقَالُ: فُلانٌ خَادِعُ الرَّأْي أَي مُتَلَوِّن لا يَثْبُت عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ.

فَصْلٌ فِي اِتِّفَاقِ الرَّأْي وَاخْتِلافِهِ
يُقَالُ: اتَّفَقَ الْقَوْمُ عَلَى الأَمْرِ، وَتَوَافَقُوا، وتَوَاطَأوا، وتَمَالأُوا، وتَرَافَأُوا، وَتَدَامَجُوا، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى كَذَا، وأصْفَقُوا، وَأَطْبَقُوا، وَاجْتَمَعُوا عَلَى الأَمْرِ، وَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَيْهِ، وَاجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهُمْ، وَاتَّحَدَت ْ كَلِمَتُهُمْ، وَاتَّحَدَتْ وِجْهتُهُمْ، وَتَسَايَرَتْ أَهْوَاؤُهُمْ، وَأَمْضَوْا أَمْرَهُمْ بِالاتِّفَاقِ، وَأَبْرَمُوهُ بِاجْتِمَاعِ الأَهْوَاءِ، وَفَعَلُوا ذَلِكَ بِإِجْمَاع الْكَلِمَة، وَإِصْفَاق الرَّأْي، وَحَكَمُوا بِكَذَا قَوْلاً وَاحِداً، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لِسَانٌ وَاحِدٌ، وَقَد اِسْتَقَامُوا عَلَى عَمُود رَأْيِهِمْ
(2/99)

أَيْ عَلَى وَجْهٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ.
وَتَقُولُ: وَافَقْتُ فُلاناً عَلَى الأَمْرِ، وَطَابَقْتُهُ، وَمَالأْتُهُ، وَوَاطَأْتُهُ، ورَافَأْتُهُ، ودَامَجْتُهُ، وَشَايَعْتُهُ، وَتَابَعْتُهُ، وَآتَيْتُهُ، وَجَارَيْتُهُ، وَوَاءَمْتُهُ، وقَارَرْتُهُ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ رَأْيَهُ، وَنَزَعْتُ مَنْزَعَهُ، وَإِنِّي لأَمِيلُ إِلَى مَذْهَبِهِ، وَأَذْهَبُ إِلَى رَأْيِهِ، وَأَنْزِعُ إِلَى مَقَالَتِهِ.
وَيُقَالُ فِي ضِدِّهِ: قَدْ اخْتَلَفُوا فِي الأَمْرِ، وَتَخَالَفُوا، وَتَشَاقُّوا، وَتَنَادُّوا، وَاخْتَلَفَتْ كَلِمَتُهُمْ، وَتَفَرَّقَتْ كَلِمَتُهُمْ، وَتَعَارَضَتْ أَهْوَاؤُهُمْ، وَتَشَعَّبَتْ آرَاؤُهُمْ، وَتَبَايَنَتْ مَذَاهِبُهُمْ، وَانْتَقَضَتْ عُقْدَتُهُمْ، وَاضْطَرَبَ حَبْلُهُمْ، وَاضْطَرَبَتْ خَيْلُهُمْ، وَتَصَدَّعَتْ عَصَاهُمْ، وَانْشَقَّتْ الْعَصَا بَيْنَهُمْ، وَقَدْ اِسْتَحْكَمَ الشِّقَاق بَيْنَ الْقَوْمِ، وَذَهَبَ الْخُلْفُ بَيْنَهُمْ كُلّ مَذْهَب، وَقَطَّعَهُمْ اللَّه أَحْزَاباً، وَتَفَرَّقَتْ بِهِمْ الطُرُق، وَتَعَادَى مَا بَيْنَهُمْ، وَأَصْبَحُوا لا تَجْمَعُهُمْ جَامِعَة، وَرَأَيْتُ بَيْنَهُمْ صَدَعَات أَيْ تَفَرُّقاً فِي الرَّأْيِ وَالْهَوَى.
(2/100)

فَصْلٌ في النَّصِيحَةِ وَالْغِشِّ
يُقَالُ: نَصَحْتُ لِفُلان، ونَاصَحْتُهُ، وَبَذَلْتُ لَهُ نُصْحِي، وَنَصِيحَتِي، وَأَخْلَصْتُ لَهُ النُّصْح، ومَحَضْتُهُ النُّصْحَ، وأَصْفَيْتُهُ النُّصْحَ، وَصَادَقْتُهُ النُّصْح، وَصَدَقْتُهُ الرَّأْيَ، وَالْمَشُورَةَ، وَبَالَغْتُ لَهُ فِي النَّصِيحَةِ، وَاجْتَهَدْتُ لَهُ فِي الْمَشُورَةِ، وَلَمْ أَدَّخِرْ عَنْهُ نُصْحاً، وَلَمْ آلُهُ نُصْحاً، وَلَمْ أَطْوِ عَنْهُ نُصْحاً، وَقَدْ تَحَرَّيْتُ لَهُ وُجُوه النُصْح، وَتَوَخَّيْتُ لَهُ مَنَاهِج الرُّشْد، وَبَصَّرْتُهُ مَوَاقِع رُشْده، وَعَوَاقِب أَمْرِهِ، وَمَا أَرَدْتُ لَهُ إِلا الْخَيْرَ، وَمَا ارْتَأَيْتُ لَهُ إِلا رَأْيَ الصَّوَابِ، وَمَا أَشَرْتُ عَلَيْهِ إِلا بِمَا هُوَ أَجْمَلُ فِي السُّمْعَةِ، وَأَحْمَدُ فِي الْعُقْبَى، وَأَبْعَد عَنْ مَظَانِّ النَدَمِ، وَأَنْأَى عَنْ مَوَاقِفِ اللَّوْم.
وَإِنَّ فُلاناً لَنَاصِح، وَنَصِيح، وَإِنَّهُ لَمُشِير صِدْقٍ، وَإِنَّهُ لَمُشِير نَاصِح الْجَيْبِ، نَقِيّ الْجَيْبِ، صَادِق الضَّمِيرِ، مُخْلِص
(2/101)

السَّرِيرَةِ، أَمِين الْمُغَيَّب، وَدُود، مُشْفِق.
وَتَقُولُ: اِنْتَصَحَ الرَّجُل إِذَا قَبِلَ النَّصِيحَةَ، وانتَصَحْتُ فُلاناً، وَاسْتَنْصَحْتُهُ، إِذَا عَدَدْتَهُ نَصِيحاً، وَجَاءَنِي فُلان يَتَنَصَّحُ أَيْ يَتَشَبَّهُ بالنُصَحاء.
وَيُقَالُ فِي خِلافِ ذَلِكَ: قَدْ غَشَّنِي فُلان، وَغَرَّنِي، وَخَدَعَنِي، وَمَكَرَ بِي، وَمَحَلَ بِي، وَدَلَّسَ عَلَيَّ الرَّأْي، وأَوْطَأَنِي عُشْوَةً، وَأَرْكَبَنِي غُرُوراً، وَدَلانِي بِغُرُور، وَزَيَّنَ لِي الْمُحَال، وَمَوَّهَ عَلَيَّ الْبَاطِل، وَشَبَّهَ عَلَيَّ وُجُوهَ الرُّشْدِ، وَلَبَّسَ عَلَيَّ صُوَر السَّدَادِ، وَأَشَارَ عَلَيَّ مَشُورَة سَوْء، وَوَرَّطَنِي فِي وَرْطَة سُوء، وأَوْرَطَني شَرّ مُوَرَّط.
وَقَدْ اِسْتَخَفَّنِي عَنْ رَأْيِي، وَاسْتَفَزَّنِي عَنْ عَزْمِي، وَأَفَكَنِي عَنْ رَأْيِ الصَّوَابِ، وَعَدَلَ بِي عَنْ جَادَّةِ الْحَزْمِ،
(2/102)

وَاسْتَزَلَّنِي عَنْ مَحَجَّة الرُّشْد، وَزَيَّنَ لِي رُكُوب مَا لا رَأْيَ فِي رُكُوبِهِ.
وَإِنَّ فِي نُصْحِهِ رِيقَ الْحَيَّةِ، وَفِي نُصْحِهِ حُمَّة الْعَقَارِب، وَسُمّ الأَفَاعِي، وَسُمّ الأَسَاوِد.
وَهَذَا أَمْر فِيهِ دَخَل، وَدَغَل، وَغِشّ، وَمَكْر، وَخَدِيعَة، وَكَمِين سُوء.
وَيُقَالُ: اِغْتَشَّ فُلاناً، وَاسْتَغَشَّهُ، وَهُوَ خِلاف انْتَصَحَهُ، وَاسْتَنْصَحَهُ، أَيْ اِعْتَقَدَ فِيهِ الْغِشَّ.

فَصْلٌٌ فِي الإِغْرَاءِ بِالأَمْرِ وَالزَّجْرِ عَنْهُ
يُقَالُ: أَغْرَيْتُهُ بِالأَمْرِ، وَأَوْزَعْتُهُ بِهِ، وَحَثَثْتُهُ عَلَيْهِ، وَحَضَضْتُهُ عَلَيْهِ، وحَضَّضْتُهُ، وَحَرَّضْتُهُ، وَبَعَثْتُهُ، وَحَمَلْتُهُ، وحَدَوْتُهُ، وَدَعَوْتُهُ إِلَى فِعْلِ كَذَا، وَجَرَرْتُهُ إِلَيْهِ، وَحَرَّكْتُهُ إِلَيْهِ، وَمَيَّلْتُهُ إِلَيْهِ، وَزَيَّنْتُهُ لَهُ، وَحَسَّنْتُهُ لَهُ، وسَوَّلْتُهُ لَهُ، وَشَحَذْتُ عَزِيمَتَهُ عَلَى فِعْلِهِ، وأَرْهَفْتُ عَزْمَهُ عَلَيْهِ، وَأَشَرْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا، وَارْتَأَيْتُ لَهُ، وَنَصَحْتُ لَهُ، وَرَغَّبْتُهُ فِي فِعْلِهِ، وأرْغَبْتُهُ فِيهِ، وَحَبَّبْتُ إِلَيْهِ فِعْلَهُ.
وَتَقُولُ: قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ فُلانٍ مَا جَرَّنِي إِلَى فِعْلِ كَذَا،
(2/103)

وَحَدَانِي عَلَيْهِ، وَحَمَلَنِي عَلَيْهِ، وَبَعَثَنِي عَلَيْهِ، وَدَعَانِي إِلَيْهِ، وَقَادَنِي إِلَيْهِ، وَدَفَعَنِي إِلَيْهِ، وَسَاقَنِي إِلَيْهِ، وَأَقْدَمَ بِي عَلَيْهِ، وَأَرْكَبَنِيهِ.
وَيُقَالُ: لا جَارَّةَ لِي فِي هَذَا الأَمْرِ أَيْ لا مَنْفَعَةَ تَجُرُّنِي إِلَيْهِ وَتَدْعُونِي، وَهَذَا أَمْر لا دَافِعَ لِي إِلَيْهِ، وَلا بَاعِثَ لِي عَلَيْهِ، وَلا حَامِلَ لِي عَلَيْهِ.
وَتَقُولُ: غَرِيَ فُلان بِالأَمْرِ، وَلَهِجَ بِهِ، وَأُولِعَ بِهِ، وَأُوزِعَ بِهِ، وَقَدْ زُيِّنَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا، وَسُوِّلَ لَهُ، وَحَمَلَ نَفْسه عَلَيْهِ، وَطَوَّعَتْهُ لَهُ نَفْسُهُ، وَطَوَّقَتْهُ لَهُ، وَحَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِفِعْلِهِ.
وَتَقُولُ فِي خِلافِ ذَلِكَ: نَهَيْتُ الرَّجُلَ عَنْ عَزْمِهِ، وَنَهْنَهْتُهُ، وَزَجَرْتُهُ، ووَزَعْتُهُ، وَرَدَعْتُهُ، وَزَهَّدْتُهُ فِي الأَمْرِ، وَرَغَّبْتُهُ عَنْهُ، وَمَيَّلْتُهُ عَنْهُ، وَلَوَيْتُ رَأْيَهُ، وَلَوَيْتُهُ عَنْ رَأْيِهِ، وَصَرَفْتُهُ عَنْ رَأْيِهِ، وَغَلَبْتُهُ عَلَى رَأْيِهِ، وَأَفَكْتُهُ عَنْ رَأْيِهِ، وَأَزَلْتُهُ عَنْ عَزْمِهِ، وَخَدَعْتُهُ عَنْ وِجْهَتِهِ.
وَتَقُولُ: عَدِّ عَنْ هَذَا، وَدَعْ عَنْك هَذَا، وَذَرْهُ عَنْك، وَخَلِّهِ عَنْك، وَتَخَلَّ عَنْهُ، وَتَجَافَ عَنْهُ، وَأَعْرِضْ عَنْهُ.
وَتَقُولُ: قَدْ أَقْلَعَ الرَّجُلُ عَنْ رَأْيِهِ، وَعَدَلَ عَنْ عَزْمِهِ، وَنَزَعَ عَنْهُ، وَرَجَعَ، وَانْتَهَى، وَانْزَجَرَ، وَاتَّزَعَ، وَرَغِبَ عَنْ الأَمْرِ، وَزَهَد َ فِيهِ، وَقَدْ بَدَا لَهُ فِي الأَمْرِ بَدَاء.
(2/104)

فَصْلٌٌ فِي الثِّقَةِ وَالاتِّهَامِ
يُقَالُ: وَثِقْتُ بِفُلان، وَرَكَنْتُ إِلَيْهِ، وَسَكَنْتُ إِلَيْهِ، وَاطْمَأْنَنْتُ، وَاسْتَرْسَلْتُ، وَهَجَعْتُ، وَاسْتَنَمْتُ، وَاسْتَرَحْتُ، وَقَدْ نُطْتُبِهِ ثِقَتِي، وأَخْلَدْتُ إِلَيْهِ بِثِقَتِي، وَاسْتَسْلَمْتُ إِلَيْهِ بِثِقَتِي، وَأَنِسْتُ بِنَاحِيَتِهِ، وَأَفْضَيْتُ إِلَيْهِ بِسِرِّي، وَأَطْلَعْتُهُ عَلَى دَخَائِلِي، وَطَالَعْتُهُ بعُجَرِي وبُجَرِي، وَبَاثَثْتُهُ سِرِّي وَبَاطِن أَمْرِي، ووَكَلْتُ أَمْرِي إِلَى رَأْيِهِ وَتَدْبِيره، وَأَلْقَيْتُ فِي يَدِهِ زِمَامَ أَمْرِي، وَأَلْقَيْتُ إِلَيْهِ مَقَالِيد أَمْرِي، وَفَوَّضْتُ أُمُورِي إِلَيْهِ، وَاسْتَنَمْتُ إِلَيْهِ فِي الشَّهَادَةِ وَالْغَيْبِ.
وَأَنَا أَرْجِعُ فِي الأُمُورِ إِلَى قَوْلِ فُلان، وَلا أَقْطَعُ أَمْراً دُونَهُ، وَلا أَصْدُرُ إِلا عَنْ رَأْيِهِ، وَعَنْ مَشُورَتِهِ.
وَإِنَّ فُلاناً لَرَجُل ثِقَة، صَادِق الطَّوِيَّةِ، جَمِيل النِّيَّة، سَلِيم الصَّدْرِ، نَقِيّ الصَّدْرِ، نَقِيّ الْجَيْبِ، نَاصِح الْجَيْب، نَاصِح الدِّخْلَة، مَأْمُون الْمُغَيَّب، يَشِفُّ ظَاهِره عَنْ بَاطِنِهِ، وَيَتَمَثَّلُ قَلْبُهُ فِي لِسَانِهِ، وَإِنَّهُ
(2/105)

لا يُؤَالِسُ، وَلا يُدَالِسُ، وَلا يُدَامِجُ، وَلا يُحْدَجُ بِسُوء، وَقَدْ طُوِيَ بَاطِنه عَلَى مِثْلِ ظَاهِرِهِ، وَاسْتَوَى فِي النُّصْحِ غائِبُه وَشَاهِدُهُ.
وَيُقَالُ: اِسْتَبَدَّ فُلانٌ بِأَمِيرِهِ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ فَهُوَ لا يَسْمَعُ إِلا مِنْهُ. وَفُلان رَجُل هُجَعَة أَيْ غَافِل سَرِيع الاسْتِنَامَةِ إِلَى كُلِّ أَحَد، وَإِنَّهُ لَرَجُل يَقِنٌ، وَيَقَنَة، وَمِيقَان، أَيْ لا يَسْمَعُ شَيْئاً إِلا صَدَّقَهُ، وَرَجُل نَقُوع أُذُن أَيْ يَثِقُ بِكُلِّ أَحَد، وَإِنَّهُ لَوَابِصَة سَمْع.
وَتَقُولُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ: قَدْ رَابَنِي أَمْرُ فُلان، وَأَرَابَنِي، وَقَدْ دَاخَلَنِي مِنْهُ رَيْب، وَخَامَرَنِي فِيهِ شَكٌّ، وَخَالَجَنِي فِيهِ ظَنّ، وَحَكّ فِي صَدْرِي مِنْهُ أَشْيَاء أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَتَوَجَّسْتُهَا مِنْهُ، وَقَدْ اِسْتَرَبْتُ بِهِ، وسُؤْتُ بِهِ ظَناً، وَأَسَأْتُ بِهِ الظَنّ، وَتَجَاذَبَتْنِي فِيهِ الظُّنُونُ، وَتَوَهَّمْتُ بِهِ سُوءاً، وَاسْتَوْحَشْتُ مِنْ نَاحِيَتِهِ، وَخُيِّلَ إِلَيَّ مِنْهُ الْغَدْرُ.
وَقَدْ بَدَا لِي مِنْهُ مَا يَدْعُو إِلَى التَحَذُّر مِنْ كَيْدِهِ، وَيُوجِبُ التَّيَقُّظَ مِنْ مَكْرِهِ، وَالتَّحَصُّنَ مِنْ
(2/106)

مِحَالِهِ.
وَإِنِّي لَأَغْتَشّ فُلاناً، وَأَسْتَغِشُّهُ، أَيْ أَظُنُّ بِهِ الْغِشّ، وَإِنَّهُ لَرَجُل مُرَهَّق أَيْ يُظَنُّ بِهِ السُّوء، وَإِنَّهُ لَيُتَّهَمُ بِكَذَا، وَيُزَنّ بِكَذَا، وَيُرْمَى بِكَذَا، وَيُحْدَجُ بِكَذَا، وَيُقْرَفُ بِكَذَا، وَمَا إِخَالُهُ إِلا مُرِيباً، مُمَاكِراً، خِباً، خَبِيثاً، خَدَّاعاً، نَغِل النِّيَّة، دَغِل الصَّدْر، فَاسِد الضَّمِيرِ، مَرِيض الأَهْوَاء، خَبِيث الطَّوِيَّةِ خَبِيث الدِّخْلَة، خَبِيث الْخِمْلَة، خَبِيث العِمْلة.
وَتَقُولُ: أَزْهَفَ بِي فُلان إِذَا وَثِقْتَ بِهِ فَخَانَكَ، وَأَبْدَعَ بِي إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ ظَنِّكَ بِهِ فِي أَمْرٍ وَثِقْتَ بِهِ فِي كِفَايَتِهِ وَإِصْلاحِهِ.
وَيُقَالُ: بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ شَرِكَة حِزَاز بِالْكَسْرِ وَهِيَ أَنْ لا يَثِقَ كُلّ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ فَيَسْتَقْصِي أَحَدُهُمَا الآخَرَ.
وَتَقُولُ: اِتَّهَمَنِي فُلان بِكَذَا وَتَجَنَّى عَلَيَّ، وَتَجَرَّمَ عَلَيَّ، وَتَقَوَّلَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ، وَأَشْرَبَنِي مَا لَمْ أَشْرَبْ، وَادَّعَى عَلَيَّ ذَنْباً لَمْ أَفْعَلْهُ، وحَدَجَنِي ِذَنْبِ غَيْرِي، وَرَمَانِي بِذَنْبٍ لَمْ أَجْنِهِ، وَحَمَلَ عَلَيَّ ذَنْباً لَمْ آتِهِ، وَفُلان يَتَجَرَّمُ عَلَيَّ الذُّنُوب.
(2/107)

وَتَقُولُ: وَرَّكَ فُلان ذَنْبَهُ عَلَيَّ تَوْرِيكاً إِذَا حَدَجَك بِهِ وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْهُ، وَإِنَّ فُلاناً لَمُوَرَّك فِي هَذَا الأَمْرِ أَيْ لا ذَنْبَ لَهُ.

فَصْلٌٌ في الذَّنْبِ وَالْبَرَاءةِ
يُقَالُ: أَذْنَبَ الرَّجُلُ، وَأَجْرَمَ، وَاجْتَرَمَ، وَجَرَّ الذَّنْبَ، وَجَنَاهُ، وَأَجَلَهُ، وَرَكِبَهُ، وَارْتَكَبَهُ، وَاجْتَرَحَهُ، وَاقْتَرَفَهُ، وَأَتَاهُ.
وَهُوَ الذَّنْبُ وَالْجُرْمُ، وَالْجَرِيمَة، وَالْجَرِيرَة، وَالْجِنَايَةُ، وَالْجُنَاحُ، وَالإِصْر، وَالْوِزْرُ، وَقَدْ أَصَابَ الرَّجُلُ جِنَايَة فِي قَوْمِهِ، وَأَصَابَ دَماً فِي بَنِي فُلان.
وَتَقُولُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ: قَدْ أَخْطَأَ الرَّجُل، وَزَلَّ، وَهَفَا، وَسَقَط َ، وَعَثَرَ، وَكَبَا، وَقَدْ فَرَطَتْ مِنْهُ هَفْوَة، وَزَلَّة، وَسَقْطَة، وَعَثْرَة، وَكَبْوَة، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فَرْطَةً سَبَقَتْ، وَفَلْتَةً بَدَرَتْ.
وَيُقَالُ: فِي خِلافِ ذَلِكَ هُوَ بَرِيءٌ مِمَّا اُتُّهِمَ بِهِ، وَبَرَاء، وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ خَلاءٌ وَبَرَاءٌ، وَهُوَ بَرِيء الْعَهْد مِمَّا رُمِيَ بِهِ، وَبَرِيء الصَّدْر، وَبَرِيء السَّاحَة، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ هَذَا الأَمْرِ نَقِيّ الثَّوْبِ، وَنَقِيّ الصَّحِيفَة، وَخَرَجَ مِنْهُ سَدِيد النَّاظِرِ أَيْ بَرِيئاً مِمَّا اُتُّهِمَ بِهِ
(2/108)

يَنْظُرُ بِمِلْءِ عَيْنَيْهِ، وَقَدْ اِنْفَسَحَتْ عَنْهُ التُّهَمَة، وَسَقَطَتْ عَنْهُ التُّهَمَة، وَبُرِّئَ مِمَّا قُرِفَ بِهِ، وَبُرِّئَ تَبْرِئَةً، وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ الأَمْرِ بِنَجْوَةٍ، وَهُوَ بِمُنْتَزَحٍ عَنْهُ، أَيْ بِمَعْزِلٍ عَنْ التُّهَمَةِ، وَهَذَا أَمْر لا غُبَارَ مِنْهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْهُ بَرَاءَة الذِّئْبِ مِنْ دَمِ اِبْنِ يَعْقُوب.
وَقَدْ تَبَرَّأَ فُلان مِنْ الذَّنْبِ، وَاحْتَجَّ لِنَفْسِهِ، وَجَادَلَ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَحْسَنَ التَّنَصُّل مِمَّا رُمِيَ بِهِ، وَالانْتِفَاء مِنْهُ، وَالانْتِفَال مِنْهُ، وَالانْتِضَاح مِنْهُ، وَالْمَخْرَج مِمَّا أَتَاهُ، وَالتَّبَرُّؤ مِنْ تَبِعَتِهِ، وَالْخُرُوج مِنْ عُهْدَتِهِ.
وَرَأَيْتُهُ يَتَنَضَّحُ مِمَّا قُرِفَ بِهِ أَيْ يَنْتَفِي وَيَتَنَصَّلُ.

فَصْلٌٌ في اللَّوْمِ وَالْمَعْذِرَةِ
يُقَالُ: لُمْتُ الرَّجُلَ عَلَى مَا أَتَى، وعَذَلْتُهُ، ولَحَيْتُهُ أَلْحَاهُ، وَأَنَّبْتُهُ، وَوَبَّخْتُهُ، وَعَنَّفْتُهُ، وبَكَّتُّه، وَقَرَّعْتُهُ، وثَرَّبْتُهُ، وَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ بِاللَّوْمِ، وَأَحَلْتُ عَلَيْهِ بِاللَّوْمِ، وَأَنْحَيْتُ عَلَيْهِ بِاللَّوْمِ،
(2/109)

وَانْثَنَيْتُ عَلَيْهِ بِالْمَلامِ، ومَضَضْتُهُ بِالْمَلامِ، وأَوْجَعْتُهُ بِاللَّوْمِ، وَأَغْلَظْتُ عَلَيْهِ اللائِمَة، وَلُمْتُهُ لَوْماً عَنِيفاً، وعَذَلْتُهُ عَذْلا أَلِيماً، وَشَدَدْتُ عَلَيْهِ النَّكِير، وَصَدَقْتُهُ اللَّوْم وَالْعِتَاب، وَجَعَلْتُ عَلَيْهِ لِسَانِي مِبْرَداً.
وَقَدْ فَنَّدْتُ قَوْلَهُ، وفَيَّلْتُ رَأْيَهُ، وَسَخَّفْتُ عَقْلَهُ، وَقَبَّحْتُ فِعْلَهُ، وَسَوَّأْتُ عَمَله، وَأَنْكَرْتُ عَلَيْهِ فِعْلَتَهُ، وَذَمَمْتُ إِلَيْهِ رَأْيَهُ وَصَنِيعَهُ.
وَيُقَالُ: نَعَيْتُ عَلَيْهِ كَذَا أَنْعَاهُ أَيْ عِبْتُهُ عَلَيْهِ وَوَبَّخْتُهُ. وَإِنَّ فُلاناً لَمَلُوم عَلَى مَا صَنَعَ، وَقَدْ أََلام الرَّجُل، وَاسْتَلامَ، إِذَا أَتَى مَا يُلامُ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ اِسْتَلامَ إِلَى الْقَوْمِ إِذَا أَتَاهُمْ بِمَا يَلُومُونَهُ عَلَيْهِ.
وَتَقُولُ: عَاتَبْتُ الرَّجُلَ عَلَى مَا فَعَلَ، وَأَنْكَرْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ، وَعَرَّضْتُ لَهُ بِالنَّكِيرِ، وعَذَلْتُه عَذْلا لَطِيفاً، وَأَنَّبْتُهُ تَأْنِيباً رَفِيقاً، وَقَرَصْتُهُ بَعْض الْقَرْصِ، وَأَبَنْتُ لَهُ سُوءَ صَنِيعِهِ.
وَتَقُولُ هَذَا أَمْر لا تُعْذَرُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلا تَتَّسِعُ لَك فِيهِ مَعْذِرَة، وَلا يَسَعُك فِيهِ عُذْر، وَأَمْر يَضِيقُ عَنْهُ نِطَاقُ الْعُذْرِ، وَلا يُمَهَّدُ لَك فِيهِ عُذْر، وَلا تَبْرَأُ فِيهِ مِنْ الْمَلامِ.
وَيُقَالُ:
(2/110)

فُلان مَا عِنْدَهُ عَذِيرَة أَيْ لا يَقْبَلُ عُذْراً. وَتَقُولُ عَيَّنْتُ الرَّجُلَ بِمَسَاوِئِهِ إِذَا بَكَّتَّهُ فِي وَجْهِهِ وَعَلَى عَيْنِهِ، وَقَدْ وَاجَهْتُهُ بِاللَّوْمِ، وكَفَحْتُهُ بِالْمَلامِ، وَكَافَحْتُهُ بِهِ، وَلُمْتُهُ مُوَاجَهَة، وَمُكَافَحَة.
وَفُلانٌ لا يَمُضّه عَذْل عَاذِل، وَلا يَعْمَل فِيهِ الْمَلام، وَلا يُحِيك فِيهِ الْعَذْل، وَلا يَرِيعُ لِنُصْحٍ، وَلا يُرْعِي إِلَى قَوْلِ قَائِلٍ، وَقَدْ مَرَدَ عَلَى الْكَلامِ، وَمَرَنَ عَلَيْهِ وَمَجَنَ عَلَيْهِ، إِذَا اِسْتَمَرَّ فَلَمْ يَنْجَعْ فِيهِ. وَيُقَالُ اِلْتَامَ الرَّجُل، وَاعْتَذَلَ، وارْعَوَى، إِذَا قَبِلَ اللَّوْم وَأَقْلَعَ عَنْ رَأْيِهِ.
وَيُقَالُ فِي خِلافِهِ: عَذَرْتُ الرَّجُلَ فِيمَا أَتَى، وَبَرَّأْتُهُ مِنْ الْمَلامِ، وَنَزَّهْتُهُ عَنْ الْعَذْلِ، وَقَبِلْتُ عُذْرَهُ، وَبَسَطْتُ عُذْرَهُ، وَمَهَّدْتُ عُذْره، وَوَطَّأْتُ لَهُ الْعُذْر.
وَقَدْ اِعْتَذَرَ إِلَيَّ مِمَّا فَعَلَ، وَأَلْقَى إِلَيَّ مَعَاذِيره، وَأَبْلانِي عُذْراً حَسَناً، وَلَمْ يَأْلُنِي فِي الأَمْرِ اِعْتِذَاراً، وَفِي الْمَثَلِ " الْمَعْذِرَة تُذْهِبُ الْحَفِيظَة ".
وَتَقُولُ: فُلانٌ مَعْذُورٌ فِيمَا صَنَعَ، وَقَدْ أَعْذَرَ الرَّجُل، وَوَجَدْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ عُذْراً بَيِّناً، وَحُجَّة وَاضِحَة، وَإِنَّهُ لوَاضِح وَجْه الْعُذْر، أَبْلَجوَجْه الْحُجَّةِ،
(2/111)

وَقَدْ ظَهَرَ عَنْهُ اللَّوْمُ، وَانْفَسَحَ عَنْهُ اللَّوْم، وَنَفَضَ عَنْ نَفْسِهِ غُبَار اللَّوْم، وَهَذَا أَمْر لا تَبِعَةَ فِيهِ عَلَيْهِ، وَلا دَرَكَ، وَلا لَحَق، وَفِي الْمَثَلِ " رُبَّ مَلُوم لا ذَنْبَ لَهُ "، وَ " لَعَلَّ لَهُ عُذْراً " وَ " أَنْتَ تَلُومُ وَالْمَرْء أَعْلَمُ بِشَأْنِهِ ". وَتَقُولُ: عَذَرْتُ الرَّجُلَ مِنْ فُلانٍ أَيْ لُمْتُ فُلاناً وَلَمْ أَلُمْهُ، وَأَعْذَرَ الرَّجُل مِنْ نَفْسِهِ إِذَا فَعَلَ فِعْلا لا يُلامُ مَنْ يُوقِعُ بِهِ لأَجْلِهِ.

فَصْلٌٌ فِي الصَّفْحِ وَالْمُؤَاخَذَةِ
يُقَالُ: صَفَحْتُ عَنْ الرَّجُلِ، وَصَفَحْتُ عَنْ جُرْمِهِ، وَعَفَوْتُ عَنْهُ، وَتَجَاوَزْتُ عَنْهُ، وتَغَمَّدْتُ ذَنْبه، وَضَرَبْتُ عَنْ إِسَاءَتِهِ صَفْحاً، وَضَرَبْتُ عَنْهُ صَفْحاً جَمِيلا، وأَغْضَيْتُ عَنْ ذَنْبِهِ، وَتَغَاضَيْتُ عَنْ جُرْمِهِ، وَتَجَاوَزْتُ عَنْ هَنَاتِهِ، واغْتَفَرْتُ جَرِيمَتَهُ، واغْتَفَرْتُ مَا فَرَطَ مِنْهُ إِلَيَّ، وَتَنَاسَيْتُ مَا كَانَ مِنْهُ، وَسَحَبْتُ
(2/112)

ذَيْلِي عَلَى هَفْوَتِه، وعَرَكْتُ إِسَاءَتَهُ بِجَنْبِي، وَجَعَلْتُ ذَنْبَهُ تَحْتَ قَدَمَيَّ، وَحَلُمْتُ عَنْهُ، ومَنَنْتُ عَلَيْهِ، وَوَهَبْتُ لَهُ فَعْلَتَهُ، وَأَقَلْتُهُ عَثْرَته، وَتَلَقَّيْتُ إِسَاءَته بِحِلْمِي، وَوَسِعْتُ جَرِيمَته بِحِلْمِي، وَعُدْتُ عَلَى جَهْلِهِ بِحِلْمِي، وَصَبَرْتُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، وَلَبِسْتُهُ عَلَى مَا فِيهِ، وَلَبِسْتُهُ عَلَى خُشُونَتِهِ، وَشَرِبْتُهُ عَلَى كُدُورَته، وَطَوَيْتُهُ عَلَى بُلَّتِهِ، وَعَلَى بَلالَتِهِ، وَطَوَيْتُهُ عَلَى غَرِّهِ، وَقَدْ لَبِسْتُ عَلَى قَوْلِهِ سَمْعِي، وَلَبِسْتُ عَلَى قَوْلِهِ أُذُنَيَّ، أَيْ سَكَتُّ عَلَيْهِ وَتَصَامَمْتُ، وَسَمِعْتُ كَذَا فَأَغْمَضْتُ عَنْهُ، وَعَلَيْهِ، وَغَمَّضْتُ تَغْمِيضاً، وَاغْتَمَضْتُ، أَيْ أَغْضَيْتُ وَتَغَافَلْتُ.
وَيُقَالُ: عَجَفْتُ نَفْسِي عَنْ فُلانٍ إِذَا اِحْتَمَلْتَ غَيَّهُ وَلَمْ تُؤَاخِذْهُ. وَتَقُولُ: اِسْتَغْفَرَ فُلان مِنْ ذَنْبِهِ، واسْتَقَالَني عَثْرَته، وَاسْتَصْفَحَنِي عَنْ زَلَّتِهِ، واسْتَوْهَبَني جُرْمَهُ، وَفِي الْمَثَلِ " الاعْتِرَاف يَهْدِمُ الاقْتِرَاف "، و " لا ذَنْبَ لِمَنْ
(2/113)

أَقَرَّ ".
وَفُلانٌ عَفُوٌّ، صَفُوح، بَعِيد الأَنَاةِ، وَاسِع الْحِلْمِ، رَحْب الصَّدْرِ، رَحْب الأَنَاة. وَيُقَالُ أَعْرَفَ فُلان فُلاناً إِذَا وَقَفَهُ عَلَى ذَنْبِهِ ثُمَّ عَفَا عَنْهُ.
وَيُقَالُ فِي ضِدِ ذَلِكَ: آخَذْتُ الرَّجُلَ بِذَنْبِهِ، وَعَاقَبْتُهُ عَلَى جَرِيرَتِهِ، وَجَزَيْتُهُ بِإِسَاءَتِهِ، وَجَازَيْتُهُ، وَاقْتَصَصْتُ مِنْهُ، وَامْتَثَلْتُ مِنْهُ، وَانْتَقَمْتُ مِنْهُ، وانتصَفْتُ مِنْهُ، وَانْتَصَرْتُ مِنْهُ، وَاثَّأَرْتُ مِنْهُ، وَشَفَيْتُ مِنْهُ غَيْظِي، وَأَحْلَلْتُ بِهِ نِقْمَتِي، وَسَلَّطْتُ عَلَيْهِ بَأْس اِنْتِقَامِي، وَعَاقَبْتُهُ عُقُوبَةً مُوجِعَةً، وَعِقَاباً أَلِيماً، وَعَاقَبْتُهُ أَشَدَّ الْعُقُوبَةِ، وأَنْكَى الْعِقَاب، وَمَثَّلْتُ بِهِ، وَنَكَّلْتُ بِهِ، وَأَذَقْتُهُ مُرَّ النَّكَالِ، وَأَنْزَلْتُ بِهِ أَشَدّ النَّكَالِ، وَجَعَلْتُهُ مُثْلَة لِلنَّاظِرِينَ، وَعِظَة لِلْمُتَبَصِّرِينَ، وَعِبْرَةً فِي الْغَابِرِينَ، وَمَثَلاً وَأُحْدُوثَة فِي الآخِرِينَ.
وَيُقَالُ: هُوَ رَهْنٌ بِكَذَا، وَرَهِينَة بِهِ، وَرَهِين، وَمُرْتَهَن، أَيْ مَأْخُوذ بِهِ، وَقَدْ أُخِذَ فُلان بِجَرِيرَتِهِ أَيْ عُوقِبَ عَلَيْهَا، وَأَحَلَّ بِنَفْسِهِ، وَأَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَعْذَرَ مِنْ نَفْسِهِ، أَيْ اِسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ، وَقَدْ ذَاقَ وَبَال أَمْرِهِ، وَنَالَ جَزَاء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ، وَهَذَا أَقَلّ جَزَائِهِ، وَمَا أَجِدُ شَيْئاً أَبْلَغَ فِي عُقُوبَتِهِ
(2/114)

مِنْ كَذَا.
وَيُقَالُ: عَذِيرِي مِنْ فُلان، وَمَنْ يَعْذِرُني مِنْ فُلان، أَيْ مَنْ يَعْذِرُني إِذَا كَافَأْتُهُ بِسُوءِ صَنِيعِهِ.
وَهَذَا أَمْر لا يَسَعُنِي الصَّبْرُ عَلَيْهِ، وَلا مَوْضِعَ مَعَهُ لِلْحِلْمِ، وَلا مَكَانَ لِلاحْتِمَالِ، وَهَذَا ذَنْب لا يَتَغَمَّدُهُ حِلْم، وَلا تَسَعُهُ مَغْفِرَة.
وَيُقَالُ: فُلانٌ لَيْسَ فِيهِ غَفِيرَة أَيْ لا يَغْفِرُ ذَنْب أَحَد، وَلَيْسَ فِيهِ عَذِيرَة أَيْ لا يَعْذِرُ أَحَداً.
وَتَقُولُ: أَنْمَيْتُ لِفُلان، وأَمْدَيْتُ لَهُ، وَأَمْضَيْتُ لَهُ، إِذَا تَرَكْتَهُ فِي قَلِيل الْخَطَإِ حَتَّى يَبْلُغَ أَقْصَاهُ فَتُعَاقِبَهُ فِي مَوْضِعٍ لا يَكُونُ لِصَاحِبِ الْخَطَإِ فِيهِ عُذْر.
وَتَقُولُ: فِي الْوَعِيدِ لأَفْرُغَنَّ لَك، وَلأَعْرِفَنَّ لَك ذَلِكَ، وَلأَعْصِبَنَّ سَلَمَتَك، وَلَتَجِدَنِّي عِنْدَ مَا سَاءَك، وَلَتَجِدَنَّ غِبَّهَا، وَلَتَنْدَمَنَّ عَلَى مَا فَعَلْتَ، وَلِتَعْلَمَنَّ نَبَأَهُ بَعْد حِين.
وَفِي النِّهَايَةِ وَفِي حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِك: " لَتَرُدَّنَّهُ أَوْ لأُعَرِّفَنَّكَهَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ". أَيْ لأُجَازِيَنَّك بِهَا حَتَّى تَعْرِفَ سُوءَ صَنِيعِك، هِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ.
وَيَقُولُ الْمُتَوَعِّد بِالْقَتْلِ: لأَضْرِبَنَّ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاك.
(2/115)

فَصْلٌ فِي الإِحْسَانِ وَالإِسَاءةِ
يُقَالُ: أَحْسَنَ الرَّجُل فِيمَا صَنَعَ، وَأَحْسَنَ الصُّنْع، وَأَجْمَلَ الصُّنْع، وَإِنَّهُ لَرَجُل مُحْسِن، ومِحْسان، مَحْمُود الْفِعَالِ، مَمْدُوح الصَّنِيع، وَقَدْ أَحْسَنَ بَدْءًا وَأَجْمَلَ عَوْداً، وَأَحْسَنَ قَوْلاً وَفِعْلاً، وَإِنَّهُ لَرَجُل مَرْجُوّ الْجَمِيل، كَثِير الْحَسَنَاتِ، جَمّ الْمَحَامِد، كَامِل الْمُرُوءَةِ، وَمِمَّنْ عُرِفَ بِالْخَيْرِ، وَعُرِفَ بِالإِحْسَانِ، وَاتَّسَمَ بِالْجَمِيلِ، وَاجْتَمَعَتْ فِيهِ خِلالُ الْخَيْرِ، وَخِصَال الْفَضْل، وَإِنَّهُ لَجِمَاع الْخَيْر وَالإِحْسَان.
وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِ فُلان، وَمِنْ مُسْتَحْسَنَات أَفْعَاله، وَمِنْ جَمِيلِ آثَارِهِ، وَمِنْ مَشْهُور مَبَرّاته، وَمَشْكُور أَعْمَالِهِ.
وَهَذَا فِعْل حَمِيد الأَثَر، جَمِيل السُّمْعَةِ، وَقَدْ حَسُنَ وَقْعُهُ فِي النُّفُوسِ، وَحَسُنَ ذِكْرُهُ فِي السَّمَاعِ.
وَتَقُولُ: أَحْسَنْتُ إِلَى فُلان، وَبَرَرْتُهُ، وَسُقْتُ إِلَيْهِ جَمِيلا، وَتَعَهَّدْتُهُ بِخَيْر، وَقَدْ أَتَتْنِي صَالِحَة مِنْ فُلان، وَفُلان لا تُعَدُّ صَالِحَاته، وَلا تُحْصَى حَسَنَاته.
وَتَقُولُ: فُلان يَتَجَافَى عَنْ الْقَبِيحِ، وَيَتَنَزَّهُ عَنْ الْمَسَاوِئِ، وَيَرْبَأُ بِنَفْسِهِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَإِنَّهُ لَمَطْبُوعٌ عَلَى الإِحْسَانِ،
(2/116)

وَإِنَّهُ لَيَأْبَى لَهُ طَبْعُهُ إِلا الإِحْسَانَ، وَفُلان لَوْ تَكَلَّفَ غَيْر الْجَمِيلِ لَمَا اسْتَطَاعَهُ.
وَيُقَالُ فِي ضِدِّهِ: قَدْ أَسَاءَ فُلانٌ فِيمَا فَعَلَ، وَأَسَاءَ الصَنِيع، وَأَتَى نُكْراً، وَفَعَلَ قَبِيحاً، وَجَاءَ أَمْراً إِداً، وَقَدْ سَاءَ فِعْلُهُ، وَفَعَلَ فِعْلا مُنْكَراً، وَهَذَا فِعْل قَبِيح، سَمْج، سَيِّئ، فَظِيع، شَنِيع، بَشِع، مَكْرُوه، رَذْل، ذَمِيم، مَعِيب، مُسْتَهْجَن.
وَإِنَّ فُلاناً لَمِنْ ذَوِي الهَنَات، وَالسَّيِّئَاتِ، وَمِمَّنْ عُرِفَ بِكُلِّ خُطَّة شَنْعَاء، وَاشْتَهَرَ بِكُلِّ فَعْلَة قَبِيحَة، وَمَا زَالَ يُتْبِعُ السَّيِّئَةَ السَّيِّئَةَ، وَيَشْفَعُ الْمُنْكَرَ بِالْمُنْكَرِ، وَقَدْ أَتَى فِي هَذَا الأَمْرِ سَوْأَة، وَأَتَى سَوْأَة سَوْآء.
وَهَذَا مِنْ فَعَلات فُلان، وَمِنْ أَيْسَرِ سَيِّئَات فُلان، وَإِنَّهُ لَفِعْل تَشْمَئِزُّ مِنْهُ النُّفُوس، وَتَنْفِرُ مِنْهُ الطِّبَاعُ، وَتَنْقَبِضُ لَهُ الصُّدُور، وَتُزْوَى لَهُ الْوُجُوه، وَتَسْتَكُّ مِنْ ذِكْرِهِ الْمَسَامِع.
وَتَقُولُ: لِمَنْ أَسَاءَ فِي عَمَلٍ بِئْسَ مَا جَرَحَتْ يَدَاك، وَاجْتَرَحَتْ يَدَاك، أَيْ عَمِلَتَا وَأَثَّرَتَا.
وَتَقُولُ: فُلان لا يَكَادُ يَأْتِي إِلا بِالْعَوْرَاءِ وَهِيَ الفَّعْلَة الْقَبِيحَة أَوْ الْكَلِمَة الْقَبِيحَة، وَفِي الأَسَاسِ " عَجِبْتُ مِمَّنْ يُؤْثِرُ الْعَوْرَاء عَلَى الْعَيْنَاءِ " أَيْ
(2/117)

الْكَلِمَة الْقَبِيحَة عَلَى الْحَسَنَةِ.
وَيُقَالُ: بَنَى فُلان ثُمَّ قَوَّضَ إِذَا أَحْسَنَ ثُمَّ أَسَاءَ.

فَصْلٌ فِي أَخْيَارِ النَّاسِ وِأَشْرَارِهِم
يُقَالُ فُلانٌ رَجُلُ خَيْرٍ، وَخَيِّرٌ، وَمِنْ أَخْيَارِ النَّاسِ، وَخِيَارِهِمْ، وَخِيرَتِهِمْ، وَمِنْ رِجَالِ الْخَيْرِ، وَأَهْلِ الْسَّمْتِ، وَمِمَّنْ يُتَخَيَّلُ فِيهِ الْخَيْرُ، وَيُتَوَسَّمُ فِيهِ الْخَيْرُ، وِإنَّهُ لَرَجُلٌ بَرٌّ، مُؤَاسٍ، مُصَافٍ، مُسَالِمٌ، مُوَادِعٌ، مَحْمُودُ الخلطة، مَحْمُودُ الجوار، جَمِيلُ السِّيرَةِ، جَمِيلُ الأَمْرِ، حَسَنُ المَذْهَبِ، مَحْمُودُ الطَّرِيقَةِ، سَلِيمُ الطَّوِيَّة، سَلِيمُ الصَّدْرِ، نَقِيُّ الدّخْلَةِ، طَيِّبُ السَّرِيرَةِ، مَأْمُونُ المَغيب، عَيُوفٌ لِلشَّرِّ، عَزُوفٌ عَنِ الشَّرِّ، نَزُوعٌ عَنِ الْمُنْكَرِ، نَاءٍ عَنِ الْقَبِيحِ، مُتَثَاقِلٌ عَنِ الشَّرِّ، بَطِيءُ الرِّجْلِ عَنِ الْمُنْكَرِ، قَصِيرُ الْيَدِ عَنِ السُّوءِ، وَإنَّهُ لاَ يُشَارِي وَلاَ يُمَارِي، وَإنَّ عَلَيْهِ
(2/118)

سَمْتُ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَعَلَيْهِ شَارَةُ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَسِمَاتُ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَهوَ مَوْسُومٌ بِالْخَيْرِ، وهو مظنة للخير، ومعلم له، ومخلقة له، وان له قدماً في الخير، ومتقدماً، وله في الخير قدم صدق، وهو خير قومه، وهو أمثل بني فلان أي أدناهم الى الخير.
ويقال في خلاف ذلك فلان شِرِّيرٌ، سيء الخليقة، رديء الفطرة، خبيث الطوية، خبيث الخملة، خبيث البطانة، قبيح الدخلة، ذميم الأخلاق، موسوم بالشر، مطوي على القبيح، منغمس في الشر، مولع بالسوء، متهافت على المنكر، سريع الى الشر، بطيء عن الْخَيْرِ، ثقيل عن الْخَيْرِ، وقد خلف عن كل خير. وانه لرجل سوء، وهو من آهل السوء، وانه لسؤر شر، وعلق شر، وخدن شر، ولز شر، ولزاز شر، اي ملازم للشر. وقد عض بالشر، وضري به، وشري به، وغري به، اي أولع به ولزمه. وانه لحك شر اي يتحكك به، وهو رجل عريض وزان سكير اي يعرض بالشر، وانه ليتدلى على
(2/119)

الشر، وينحط عليه، وانه لنزي الى الشر، ونزاء، ومتنز، اي سواراليه. وقد تفاقمشره، واستطار، وشري، واستشرى، ووسع الناس شره، وأطلق يده في الشر. وهو من قوم أشرار، ومن نشء شر، ونابتة شر، وبنو فلان فِي الشَّرِّ سواس، وسواسية، وهم سواسية كأسنان الحمار. ويقال غلام عيار أي نشيط في الشَّرِّ، وَفِيهِ هِنَاتُ شَرٍّ أَيْ خِصَالُ شَرٍّ، وَقَدْ غَمَسَهُ فُلانٌ فِي الشَّرِّ، وَصَبَغَهُ فِي الشَّرِّ، وَقَدْ خَلَعَ عَذَارَهُ، وَخَلَعَ رَسَنَهُ، وَإنَّهُ لَيَعْدُو عَلَى النَّاسِ بِالشَّرِّ، وَيَتَنَاوَلُهُمْ بِالْقَبِيحِ، وِإنَّهُ لَمُنْقَطِعُ الْعِقَالِ فِي الشَّرِّ. وَيُقَالُ فُلانٌ رَجُلٌ رَهِقٌ، وَفِيهِ رَهَقٌ، إِذَا كَانَ يِخَفُّ إلَى الشَّرِّ وَيَغْشَاهُ، وَقَدْ أَزْهَفَ إلَى الشَّرِّ إِذَا أَسْرَعَ إِلَيْهِ، وَإنَّهُ لَرَجُلٌ تَئِقٌ أَيْ سَرِيعٌ إلى الشَّرِّ، وَجَاءَ فُلانٌ يَضْرِبُ بِشَرِّ أَيْ يُسْرِعُ إِلَيْهِ، وَقَدْ تَسَرَّعَ إلى الشَّرِّ، وَتَتَرَّعَ إِلَيْهِ. وَيُقَالُ فُلاَنٌ مَا يُغْنِي مِنَ الْخَيْرِ فَتِيلا. وَهَذَا أَمْرٌ لَيْسَ مِنَ الْخَيْرِ فِي شَيء.
(2/120)

فَصْلٌ فِي النَّفْعِ وَالضَّرَرِ
يُقَالُ: اِنْتَفَعْتُ بِالأَمْرِ، وَارْتَفَقْتُ بِهِ، وَاسْتَفَدْتُ بِهِ خَيْراً، وَفَادَتْ لِي مِنْ هَذَا الأَمْرِ فَائِدَة، وَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهُ مَنَافِع، وَتَوَفَّرَتْ لِي فِيهِ مَنَافِعُ.
وَفُلانٌ يَجُرُّ الْمَنَافِع إِلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَيَسْتَدِرّ مِنْ هَذَا الأَمْرِ مَنَافِعَ، وَيَجْتَلِب مَنَافِع، وَقَدْ أَجْدَى عَلَيْهِ الأَمْرُ، وَأَرْفَقَهُ، وَرَدَّ عَلَيْهِ، وَعَادَ عَلَيْهِ بِنَفْعٍ جَزِيلٍ، وَرَجْع كَثِير، وَدَرَّتْ لَهُ مِنْهُ مَنَافِع، وَنَجَمَتْ لَهُ مِنْهُ فَوَائِدُ.
وَإِنَّهُ لأَمْر جَلِيل النَّفْع، جَمّ الْمَنْفَعَة، حَاضِر النَّفِيعة، غَزِير الْفَائِدَةِ، مَوْفُور الْعَائِدَةِ، وَفِيهِ مَرَافِقُ جَمَّة.
وَتَقُولُ: هَذَا الأَمْر أَرْفَق بِك، وَأَرْفَق عَلَيْك، وَأَعْوَد عَلَيْك، وَأَرَدّ عَلَيْك، وَهَذَا أَرْجَع فِي يَدِي مِنْ هَذَا أَيْ أَنْفَع، وَهُوَ أَجْزَلُ فَائِدَة، وَأَرْجَى مَنْفَعَة، وَأَتَمّ عَائِدَة.
وَيُقَالُ: سَافَرَ فُلان سَفْرَة مُرْجِعة أَيْ لَهَا ثَوَاب وَعَاقِبَة حَسَنَة.
وَبَاعَ فُلان دَارَهُ فَارْتَجَعَ مِنْهَا رَجْعَة صَالِحَة إِذَا صَرَفَ ثَمَنَهَا فِيمَا يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْعَائِدَةِ الصَّالِحَةِ. وَجَاءَ فُلانٌ بِرَجْعَةٍ حَسَنَةٍ أَيْ بِشَيْءٍ صَالِح مَكَان شَيْء
(2/121)

قَدْ كَانَ دُونَهُ.
وَتَقُولُ: مَا نَفَعَنِي فُلان بِنَافِعَةٍ، وَمَا أَغْنَى عَنِّي فُلان شَيْئاً، وَهَذَا أَمْر لا يَرُدّ عَلَيْك، وَلا يُجْدِي عَلَيْك، وَلا جَدْوَى فِيهِ عَلَيْك، وَإِنَّهُ لَقَلِيل الْجَدَاء عَنْك، وَقَلِيل الْغَنَاء، وَإِنَّهُ مَا يُغْنِي عَنْك فَتِيلا، وَمَا يُجْدِي عَنْك فَتِيلا، وَمَا يُغْنِي مِنْ الْخَيْرِ فَتِيلا، وَمَا فِي فُلان مُسْكَة، وَمَا فِيهِ مِسَاك، أَيْ مَا فِيهِ مَا يُرْجَى.
وَهَذَا أَمْر لا رَادَّةَ فِيهِ، وَلا فَائِدَةَ، وَلا عَائِدَةَ، وَلا ثَمَرَةَ، وَلَيْسَ وَرَاءَهُ طَائِل، وَمَا لِي مِنْ فُلانٍ وَمِنْ هَذَا الأَمْرِ رَجْع، وَهَذَا الأَمْر لا جَارَّةَ لِي فِيهِ أَيْ لا مَنْفَعَةَ تَجُرُّنِي إِلَيْهِ.
وَفِي أَمْثَالِ الْمُوَلَّدِينَ: " فُلان يَجُرُّ النَّار إِلَى قُرْصِهِ " أَيْ يَجْتَلِبُ الْمَنْفَعَة إِلَى نَفْسِهِ. " وَفُلان يَشْوِي فِي الْحَرِيقِ سَمَكَتَهُ " لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِمَا يَضُرُّ غَيْره.
وَيُقَالُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ: قَدْ ضَرَّنِي هَذَا الأَمْرُ، وَأَضَرَّ بِي، وضَارَنِي ضَيْرا، وَآذَانِي إِيذَاء، وَقَدْ أَذِيتُ بِهِ، وَتَأَذَّيْتُ، وَجَرَّ عَلَيَّ مَضَرَّةً، وَأَضْرَاراً، وَأَلْحَقَ بِي ضَرَراً، وَأَدْخَلَ عَلَيَّ ضَرَراً، وَأَغْشَانِي ضَرَراً، وَأَرْهَقَنِي أَضْرَاراً جَمَّة، وَمَسَّنِي بِأَذىً، وَلَقِيتُ مِنْهُ أَذىً، وَنَالَنِي مِنْهُ أَذىً، وَأَصَابَنِي مِنْهُ أَذىً،
(2/122)

وَأَذَاة وَأَذِيَّة.
وَتَقُولُ: تَحَيَّفَتْ فُلانا الْمَضَارّ، وَبَلَغَتْ مِنْهُ الْمَضَرَّة، وَهَذَا ضَرَر بَيِّن، وَضَرَر جَسِيم.
وَتَقُولُ: مَا ضَرَّ فُلاناً لَوْ فَعَلَ كَذَا، وَمَا عَلَيْهِ لَوْ فَعَلَ كَذَا، وَهَذَا لا ضَرَرَ عَلَيْك فِيهِ، وَلا ضَيْرَ، وَلا بَأْسَ عَلَيْك مِنْهُ، وَلا يَنَالُك مِنْهُ أَذىً، وَلا يَرْهَقُك مِنْهُ سُوء
وَيُقَالُ: فُلانٌ لا يَنْفَعُ وَلا يَضُرُّ، وَلا يَمْلِكُ نَفْعاً وَلا ضَرَّا، وَلا يُمِرُّ وَلا يُحْلِي، وَلا يَرِيشُ وَلا يَبْرِي، وَمَا هُوَ بِلُحْمَةٍ وَلا سَدَاةٍ

فَصْلٌ فِي الْكَدِّ وَالْكَسَلِ
يُقَالُ: كَدَّ فُلان لِعِيَالِهِ، وَكَدَحَ، وَاجْتَرَحَ، وَتَرَقَّحَ، وَكَسَبَ، وَاكْتَسَبَ، وَاحْتَرَفَ، وَاصْطَرَفَ، وَتَصَرَّفَ.
وَخَرَجَ فُلانٌ يَسْعَى عَلَى عِيَاله أَيْ يَتَصَرَّفُ لَهُمْ، وَخَرَجَ يَضْطَرِبُ فِي الْمَعَاشِ، وَيَضْرِبُ فِي النَّوَاحِي، أَيْ يَسِيرُ فِي اِبْتِغَاءِ الرِّزْقِ، وَإِنَّ فِي أَلْفِ دِرْهَم لَمَضْرِباً أَيْ تَسْتَحِقُّ أَنْ يُضْرَبَ لأَجْلِهَا فِي الأَرْضِ،
(2/123)

وَرَجُل صَفَّاق أَفَّاق أَي كَثِير الأَسْفَارِ وَالتَّصَرُّفِ فِي التِّجَارَاتِ يَضْرِبُ مِنْ أُفُق إِلَى أُفُق.
وَفُلانٌ كَسُوبٌ لِلْمَالِ، وَكَسَّاب، وَهُوَ كَاسِبُ أَهْلِهِ، وجَارِحُهُمْ، وجَارِحَتُهُمْ، وَهُوَ قِوَام أَهْل بَيْتِهِ.
وَهُوَ يَتَكَسَّبُ بِكَذَا، وَيَتَعَيَّشُ بِكَذَا، وَيَتَبَلَّغُ مِنْ صِنَاعَةِ كَذَا، وَيَتَعَاطَى عَمَل كَذَا، وَصَنْعَة كَذَا، وَتِجَارَة كَذَا، وَصِنَاعَته كَذَا، وَحِرْفَته كَذَا، وَهِيَ مُرْتَزَقُهُ، ومُحْتَرَفه، وَضَيْعَته، وَعَلاقَته، وَمِنْهَا كَسْبُهُ، وَطُعْمَته، وَمَعَاشُهُ، وَمَعِيشَتُهُ، وَرِزْقُهُ، وَأُكُلُهُ.
وَإِنَّهُ لَيَكُدّ نَفْسه فِي الْعَمَلِ، وَيَكْدَح فِيهِ، وَيَسْعَى، وَيَدْأَب، وَيَجِدّ، وَيَجْهَد.
وَإِنَّهُ لَرَجُل عَمِلٌ، وَعَمُول، أَيْ مَطْبُوع عَلَى الْعَمَلِ، وَإِنَّهُ لَرَجُل عَمَّال أَيْ كَثِير الْعَمَلِ دَائِب عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ لَجَادّ، مُجِدّ، نَشِيط، دَائِب السَّعْيِ، مُرْهَف الْعَزْم، نَافِذ الْهِمَّةِ، يَقِظ الْجَنَان، نَهَّاض بِأُمُورِهِ، كَثِير التَّصَرُّفِ وَالتَّقَلُّب، قَائِم عَلَى سَاقِهِ، يَصِلُ نَهَاره بِلَيْلِهِ، وَيَصِلُ صَبَاحه بِمَسَائِهِ، وَلا يَجِفُّ لِبْده، وَلا يَقْعُدُ عَنْ السَّعْيِ، وَلا يَدَّخِرُ جُهْداً، وَلا
(2/124)

يَعْرِفُ دَعَة، وَلا يَسْتَوْطِئُ رَاحَة، وَلا تَفُوتُهُ نُهْزَة، وَلا يُضِيعُ فُرْصَة، وَمَا رَأَيْتُهُ إِلا مُتَحَفِّزاً، مُسْتَوْفِزاً، مُتَحَزِّماً، مُتَلَبِّباً، جَامِعاً ذَيْله، وَكَافّاً ذَيْله، حَاسِراً عَنْ سَاقِهِ وَيَدِهِ. وَيُقَالُ: أَجْمَلَ فُلانٌ فِي الطَلَب إِذَا اِعْتَدَلَ وَلَمْ يُفْرِطْ.
وَيُقَالُ فِي ضِدِّهِ فُلان كَسِل، وَكَسْلان بَلِيد، قَاعِد الْهِمَّةِ، عَاجِز الْهِمَّة، سَاقِط الْهِمَّة، مُتَخَاذِل الْعَزْم، بَلِيد الْحَرَكَة، بَطِيء الْحَرَكَةِ، وَإِنَّهُ لَرَجُل فِيهِ رَسْلَة أَيْ كَسَل، وَإِنَّهُ لَقُعَدَة، وَضُجَعَة، وَنُوَمَة، وتُكَلَة، وَإِنَّهُ لَقُعَدَة ضُجَعَة.
وَإِنَّهُ لَرَجُل لُبَد، وَلَبِد، إِذَا كَانَ لا يَبْرَحُ مَنْزِلَهُ وَلا يَطْلُبُ مَعَاشاً، وَرَجُل فَسْل أَيْ لا خَيْرَ فِيهِ وَلا غَنَاءَ عِنْدَهُ، وَإِنَّهُ لَكَلّ عَلَى النَّاسِ، وَعِيَال عَلَى النَّاسِ، وَخَبَال عَلَى أَهْلِهِ، وَحَمِيلَة عَلَى ذَوِيِهِ.
وَرَأَيْتُهُ فَارِغاً، خَالِياً، بَطَّالاً، وَرَأَيْتُهُ بَاهِلاً، وَسَبَهْلَلاً، أَيْ يَتَرَدَّدُ بِلا عَمَل.
وَيُقَالُ: مَا لَك بَهْلاً سَبَهْلَلاً، وَيَا ضَيْعَة الأَعْمَار تَمْشِي سَبَهْلَلا. وَفُلانٌ يَقْضِي دَهْرَهُ مُتَبَطِّلاً، وَمُتَعَطِّلاً، وَيُقَالُ
(2/125)

شَرّ الْفِتْيَانِ الْمُتَبَطِّل الْمُتَعَطِّل.
وَفُلانٌ قَدْ أَلِفَ الْقُعُودَ، وَأَخْلَدَ إِلَى الْكَسَلِ، وَاسْتَرْسَلَ إِلَى الْعُطْلَةِ، وَاسْتَنَامَ إِلَى الرَّاحَةِ، وَرَضِيَ بِالتَّخَلُّفِ، وَاطْمَأَنَّ إِلَى الْخُمُولِ، وَأَصْبَحَ مَيِّتَ الْحِسِّ، لا تَحْفِزُهُ الْحَاجَة، وَلا تَسْتَحِثُّهُ الْفَاقَة، وَلا يُؤْلِمُهُ نَابُ الْفَقْرِ، وَلا يُبَالِي بِالضَّرَاعَةِ، وَلا يَسْتَخْشِنُ لِبَاس الْمَسْكَنَة، وَلا يَجِدُ لِلامْتِهَانِ مَسّاً.
وَيُقَالُ: فُلانٌ ضَاجِعٌ، وضِجْعِيّ، إِذَا رَضِيَ بِالْفَقْرِ وَصَارَ إِلَى بَيْتِهِ، وَفُلان حِلْس مِنْ أَحْلاس بَيْته، وَإِنَّمَا هُوَ قَعِيدَة بَيْت، وَإِنَّهُ لَمَعْدُود فِي الْقَعَائِد، وَمَعْدُود فِي الْعَجَائِزِ، وَإِنَّهُ لَعَاجِز مِنْ الْعَجَزَةِ.
وَتَقُولُ: تَرَكْتُ فُلاناً يَتَقَمَّعُ أَيْ يَطْرُدُ الذُّبَاب مِنْ فَرَاغِهِ، وَتَرَكْتُهُ يُزَجِّي وَقْته بِالثُّؤَبَاءِ، وَتَرَكْتُهُ بَيْنَ الثُّؤَبَاءِ وَالْمُطَوَاءِ وَهِيَ التَّمَطِّي، وَتَرَكْتُهُ أَفْرَغَ مِنْ حَجَّام سَابَاط، وَأَخْلَى مِنْ حَجَّام سَابَاط.
وَيُقَالُ: فُلانٌ يَقْتَاتُ السَّوْف،
(2/126)

وَقُوتُهُ السَّوْف، أَيْ يَعِيشُ بِالأَمَانِيّ.
وَتَقُولُ: كَسِلَ فُلان عَنْ الأَمْرِ، وَتَكَاسَلَ، وَفَتَرَ، وَقَعَدَ، وَوَنَى، وَتَقَاعَدَ، وَتَثَاقَلَ، وَتَوَاكَلَ.
وَيُقَالُ: هَذَا الأَمْرُ مَكْسَلَة أَيْ يَدْعُو إِلَى الْكَسَلِ، وَفِي الْمَثَلِ " الشِّبَع مَكْسَلَة ". وَفُلانٌ تُكَسِّلُهُ الْمَكَاسِل وَهِيَ جَمْع مَكْسَلَة
وَتَقُولُ: نَشِطَ فُلان بَعْدَ فُتُورِهِ، وَهَبَّ مِنْ ضَجْعَتِهِ، وَاسْتَأْنَفَ نَشَاطَهُ، وَأَرْهَفَ غَرْبه، وَشَحَذَ لِلأَمْرِ عَزْمَهُ، وَأَيْقَظَ هِمَّتَهُ، وَخَلَعَ رِدَاءَ الْكَسَلِ، وَنَفَضَ عَنْهُ غُبَارَ الْكَسَلِ

فَصْلٌ فِي التَّعَبِ وَالرَّاحَةِ
يُقَالُ: تَعِبَ الرَّجُلُ، وَنَصِبَ، وَوَنَى، وَأَعْيَا، وَكَلَّ، وَلَغِبَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَكَسْرِهَا، وَهُوَ فِي تَعَب، وَنَصَب، وَعَنَاء، وَكَدّ، وَجَهْد، وَمَشَقَّة، وَهُوَ فِي نَصَبٍ نَاصِبٍ، وَنَصَب مُنْصِب، وَجَهْدٍ جَاهِدٍ، وَعَنَاءٍ مُعَنٍّ.
وَقَدْ أَتْعَبَهُ هَذَا الأَمْر،
(2/127)

وَجَهَدَهُ، وَكَدَّهُ، وَأَنْصَبَهُ، وَعَنَّاهُ، وَأَعْنَتَهُ، وَأَلْغَبَهُ، وَأَرْهَقَهُ، وَقَدْ لَقِيَ مِنْهُ عَنَتاً شَاقّاً، وَتَحَمَّلَ مِنْهُ رَهَقاً شَدِيداً، وَعَانَى فِيهِ بَرْحاً بَارِحاً.
وَبَاتَ فُلان تَعِباً، وَانِياً، لاغِباً، مَجْهُوداً، مَكْدُوداً، قَدْ أَعْيَا مِنْ التَّعَبِ، وَكَلَّ مِنْ السَّعْيِ، وَقَدْ خَذَلَتْهُ قُوَّتُهُ، وَخَذَلَهُ نَشَاطه، وَكَلَّ غَرْب نَشَاطه، وَبَاتَ مَنْهُوكَ الْقُوَى، مَهْدُود الْقُوَى، مَحْلُول الْعُرَى، مُرْتَهِك الْمَفَاصِل.
وَرَأَيْتُهُ يَتَنَفَّسُ الصُّعَدَاءَ تَعَباً، وَيَئِنُّ مِنْ التَّعَبِ، وَيَتَأَفَّفُ مِنْ الْكَلال، وَقَدْ تَصَبَّبَ عَرَقاً، وارْفَضَّ عَرَقاً، وَتَفَصَّدَ جَبِينه عَرَقاً، وَجَاءَ يَمْشِي مُتَطَرِّحاً، وَيَرْسُفُ رَسْف الْمُقَيَّد، وَقَدْ تَسَاقَطَ مِنْ الإِعْيَاءِ، وَتَهَالَكَ عَلَى مَقْعَدِهِ مِنْ اللُّغُوبِ، وَأَصْبَحَ لا تُقِلُّهُ رِجْلاهُ، وَلا تَتْبَعُهُ رِجْلاهُ.
وَفُلانٌ لا يَعْرِفُ الرَّاحَةَ، وَلا يَذُوقُ لِلدَّعَةِ طَعْماً، وَإِنَّهُ لَرَجُل كَدُود، دَائِب الْعَمَل، دَائِب السَّعْيِ، لا يَقِفُ عَلَى سَاق، وَلا يَطْمَئِنُّ جَنْبه إِلَى مَضْجَع، وَقَدْ أَنْصَبَ نَفْسه فِي الْعَمَلِ، وَتَحَامَلَ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَلَّفَهَا
(2/128)

فَوْقَ طَاقَتِهَا، وَحَمَّلَهَا جَهْدا وَنَصَباً، وَقَدْ تَبَيَّنَ فِيهِ أَثَر التَّعَبِ، وَظَهَرَتْ عَلَى وَجْهِهِ دَلائِلُ الْجَهْد، وَرَأَيْتُهُ مُتَغَيِّر اللَّوْن، شَاحِب الْجِسْمِ، وَانِي الْحَرَكَة. وَيُقَالُ تَحَلَّلَ السَّفَر بِالرَّجُلِ إِذَا اِعْتَلَّ بَعْدَ قُدُومِهِ.
وَيُقَالُ فِي ضِدِّهِ هُوَ فِي رَاحَة، وَدَعَة، وَهُوَ عَلَى جَمَام وَقَدْ اِسْتَرَاحَ، وَاسْتَجَمَّ، وَعَفَا مِنْ تَعَبِهِ، وَأَخَذَ حَظَّهُ مِنْ الرَّاحَةِ، وَاسْتَنْشَى نَسِيم الرَّاحَةِ، وَأَمْسَى رَافِهاً، وَمُتَرَفِّهاً، وَقَدْ رَاجَعَهُ نَشَاطه، وَثَابَإِلَيْهِ نَشَاطه، وَثَابَتْ إِلَيْهِ قُوَّتُهُ، وَرَجَعَتْ إِلَيْهِ نَفْسه بَعْدَ الإِعْيَاءِ.
وَتَقُولُ: فُلانٌ خِلْوٌ مِنْ الأَعْمَالِ، فَارِغ مِنْ الأَشْغَالِ،، وَإِنَّهُ لَيَتَفَيَّأُ ظِلال الرَّاحَة، وَيَتَقَلَّبُ بَيْن أَعْطَاف النَّعِيم، وَإِنَّهُ لا يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى عَمَل، وَلا يَنْقُلُ قَدَمَهُ إِلَى دَرَك، وَلا يَشْغَلُ ذَرْعَهُ بِمُهِمَّة، وَقَدْ أَرَاحَ نَفْسه مِنْ مُزَاوَلَة الأَعْمَال، وَخَفَّفَ عَنْ نَفْسِهِ مَؤُونَة السَّعْي.
وَيُقَالُ رَفَّهَ الرَّجُل عَنْ نَفْسِهِ أَيْ أَزَالَ عَنْهَا مَا يُتْعِبُهَا، وَهُوَ يُهَاوِنُ نَفْسه أَيْ يَرْفُقُ بِهَا.
(2/129)

وَيُقَالُ أَرْفِهْ عِنْدِي، وَاسْتَرْفِهْ، وَرَفِّهْ عِنْدِي، وَرَوِّحْ عِنْدِي، أَيْ أَقِمْ وَاسْتَرِحْ

فَصْلٌ فِي عُلُوِّ الْهِمَّةِ وَسُقُوطِهَا
يُقَالُ: فُلانٌ عَالِي الْهِمَّةِ، أَصْيَد الْهِمَّة، بَعِيد الْهِمَّةِ، مَاضِي الْعَزِيمَةِ، نَافِذ الْعَزْمِ، مُسْتَحْصِد الْعَزْم، مُمَرّ الصَّرِيمَة، وَإِنَّهُ لَرَجُل مَاضٍ فِي الأُمُورِ، صَلْت، ومِصْلَت بِكَسْر الْمِيم، وَمُنْصَلِت، وَأَحْوَذِيّ، وَمُشَمِّر، وَشِمِّير، وَرَجُل ذُو عَارِضَة، وَذُو شَكِيمَة، وَذُو حَدّ، وَذُو بَاعٍ، طَلاع ثَنَايَا، وَطَلاع أَنْجُد، وَحَمَّال أَعْبَاء، وَنَهَّاض بِبَزْلاء، وَإِنَّهُ لَذُو عَزِيمَة حَذَّاء، وَصَرِيمَة مُحْكَمَة، وَهِمَّة شَمَّاء، وَهِمَّة قَصِيَّة الْمَرْمَى،
(2/130)

رَفِيعَة الْمَنَاط.
وَهُوَ دَرَّاك غَايَات، سَبُوق إِلَى الْغَايَاتِ، مِقْدَام عَلَى الْعَظَائِمِ، يَقْصِدُ خَطِيرَات الأُمُورِ، وَيَرْكَبُ الْمَرَاقِيَ الصَّعْبَة، وَيَضْطَلِعُ بِأَعْبَاءِ الْمُهِمَّاتِ.
وَإِنَّهُ لَيُذَلِّلُ الْعِقَاب، وَيَرُوضُ الصِّعَاب، وَيَرْكَبُ ظُهُور الْعَوَائِق، وَيَتَخَطَّى رِقَاب الْمَوَانِع، لا يَتَعاظَمه أَمْر، وَلا يَقِفُ دُونَ غَايَة، وَلا يَفُوتُهُ مَطْلَب، وَلا تُعْجِزُهُ لُبَانَة، وَلا يَنْكُلُ عَنْ خُطَّة، وَلا تُثَبِّطُهُ عُقْلَة.
وَيُقَالُ: فُلانٌ مُطَّلِعٌ لِهَذَا الأَمْرِ، وَمُقْرِنٌ لَهُ، أَيْ مُطِيق لَهُ قَادِر عَلَيْهِ، وَقَدْ شَمَّرَ لِلأَمْرِ، وَحَسَرَ لَهُ عَنْ سَاقِهِ، وَقَامَ فِيهِ عَلَى سَاقٍ، وَقَرَعَ لَهُ سَاقَهُ، وظُنْبُوبه، وَانْدَفَعَ فِيهِ، وَانْصَلَتَ فِيهِ، وَمَضَى فِيهِ، وَهُوَ أَمْضَى مِنْ الشِّهَابِ، وَأَنْفَذُ مِنْ السَّهْمِ.
وَتَقُولُ فِي خِلافِ ذَلِكَ: هُوَ رَجُلٌ سَاقِطٌ الْهِمَّة، قَاعِد الْهِمَّةِ، مُتَقَاعِس الْهِمَّةِ، عَاجِز الْهِمَّة، عَاجِز الرَّأْي، ضَعِيف الرَّأْيِ، ضَعِيف الْمُنَّة، وَاهِن الْعَزِيمَةِ، ضَئِيل الْعَزْم، كَلِيل الْحَدّ،
(2/131)

صَغِير الْهِمَّة، صَغِير النَّفْسِ، بَطِيء الْهِمَّةِ، ثَقِيل الْهِمَّة، بَطِيء النَّهْضَةِ، فَاتِر الْعَزْمِ، مُتَلَكِّئ الْعَزْم.
وَهُوَ رَجُلٌ نِكْسٌ بِالْكَسْرِ أَيْ عَاجِز مُقَصِّر، وَرَجُلٌ هَيُوب، وهَيَّبان، أَيْ جَبَان يَهَابُ كُلَّ شَيْء، وَرَجُل مِحْجَام أَيْ يُحْجِمُ عَنْ الأُمُورِ هَيْبَة، وَرَجُلٌ قَصِف، وَقَصِم، أَيْ ضَعِيف سَرِيع الانْكِسَارِ، وَرَجُلٌ وَكَلٌ بِفَتْحَتَيْنِ، ووُكَلَة، وتُكَلَة بِضَمٍّ فَفَتْح فِيهِمَا، وَيُقَالُ أَيْضاً وُكَلَة تُكَلَة، أَيْ ضَعِيف يَتَّكِلُ عَلَى غَيْرِهِ.
وَقَدْ أَحْجَمَ عَنْ الأَمْرِ، وَتَرَاجَعَ، وَخَنَس َ، وَنَكَصَ، وَنَكَلَ، وَانْكَفَأَ، وَانْخَزَلَ.
وَإِنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلَى عَظِيم، وَلا يَنْهَضُ إِلَى خَطِير، وَلا تُحْفِزه مُهِمَّة، وَقَدْ أَخْلَدَ إِلَى الْعَجْزِ، وَاطْمَأَنَّ إِلَى الْقُعُودِ، وَرَضِيَ بِالْحِرْمَانِ.
وَيُقَالُ: فُلانٌ يَمُدُّ إِلَى الأُمُورِ كَفّاً جَذْمَاءَ أَيْ مَقْطُوعَة الأَصَابِعِ.

فَصْلٌ فِي السُّرْعَةِ وَالْبُطْءِ
يُقَالُ: أَسْرَع فِي الأَمْرِ وَالسَّيْرِ، وَسَارَعَ، وَعَجَّلَ، وَاسْتَعْجَلَ، وَانْكَمَشَ، وَقَدْ أَسْرَعَ السَّيْرَ، وَعَجَّلَ الأَمْر تَعْجِيلا، وَفَعَلَ
(2/132)

كَذَا عَلَى عَجَل، وَعَلَى عَجَلَة، وَقَدْ تَسَرَّعَ فِي الأَمْرِ إِذَا عَجَّلَ فِيهِ عَلَى غَيْرِ رَوِيَّة، وَفِيهِ تَسَرُّع أَيْ خِفَّة وَنَزَق، وَتَتَرَّعَ فِي الشَّرِّ خَاصَّة، وَأَمَرْتُهُ بِكَذَا فَبَادَرَ إِلَى فِعْلِهِ، وَخَفَّ، وَعَجَّلَ، وَأَسْرَعَ، وَمَا لَبِثَ أَنْ فَعَلَ، وَمَا أَبْطَأَ، وَمَا عَتَّمَ، وَمَا كَذَّبَ، وَمَا عَدَا، وَمَا نَشِبَ، وَمَا نَشَّمَ، وَقَدْ فَعَلَهُ مِنْ فَوْرِهِ، وَلِفَوْرِهِ، وَسَاعَتِهِ وَحِينِهِ، وَوَقْتِهِ، وَفَعَلَهُ فِي مِثْلِ طَرْفَةِ عَيْن، وَلَحْظَة عَيْن، وَفِي مِثْلِ رَجْعِ النَّفَسِ، وَرَجْع الْبَصَر، وَفِي أَسْرَع مِنْ اِرْتِدَادِ الطَّرْفِ، وَمِنْ لَمْحِ الْبَصَرِ، وَلَمْح الْبَرْق، وَلَمْع الْبَرْق.
وَأَقْبَلَ فُلانٌ حَثِيثاً، وَحَثِيث السَّيْر، وَكَمِيش الإِزَار، وَقَدْ هُرِعَ، وَأُهْرِعَ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ فِيهِمَا، وَجَدَّ فِي سَيْرِهِ، وَأَوْفَضَ، وَانْكَمَشَ، وَتَكَمَّشَ، وَتَشَمَّرَ، وَاحْتَثَّ، وَاحْتَفَزَ، وَأَغَذَّ السَّيْر، وَسَارَ سَيْراً وَحِيّا، وَسَارَ أَسْرَعَ مِنْ الطَّائِرِ، وَمِنْ الظَّلِيمِ، وَمِنْ الرِّيحِ، وَمِنْ الشِّهَابِ، وَمَرَّ كَأَنَّهُ ظِلّ ذِئْب، وَكَأَنَّهُ خَطْف الْبَرْق، وَانْدَفَعَ فِي عَدْوِهِ لا يَلْوِي عَلَى شَيْء، وَلا يُعَرِّجُ عَلَى شَيْء، وَلا يَرْبَع عَلَى شَيْء.
وَيُقَالُ مَرَّ فُلانٌ يَخْطَفُ خَطْفاً
(2/133)

مُنْكَراً أَيْ مَرّ مَراً سَرِيعاً، وَمَرَّ يَهْتَلِكُ فِي عَدْوِهِ، وَيَتَهَالَكُ، أَيْ يَجِدُّ، وَقَدْ تَهَالَكَ فِي الأَمْرِ إِذَا جَدَّ فِيهِ مُسْتَعْجِلا.
وَيُقَالُ: انْصَلَتَ يَعْدُو، وَانْجَرَدَ، وَانْكَدَرَ، وَانْسَدَرَ، إِذَا أَسْرَعَ بَعْض الإِسْرَاعِ.
وَهَرْوَلَ فِي مَشْيِهِ هَرْوَلَة وَهِيَ بَيْنَ الْمَشْيِ وَالْعَدْوِ.
وَأَهْطَعَ إِهْطَاعاً إِذَا جَاءَ مُسْرِعاً خَائِفاً.
وَتَقُولُ حَثَثْتُ الرَّجُلَ، واحْتَثَثْتُهُ، وَاسْتَحْثَثْتُهُ، وَاسْتَعْجَلْتُهُ، وَحَفَزْتُهُ.
وَيُقَالُ: فِي الاسْتِحْثَاثِ الْعَجَلَ الْعَجَلَ، وَالسَّرَعَ السَّرَعَ، وَالْبِدَارَ الْبِدَارَ، وَالْوَحَى الْوَحَى، وَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ.
وَتَقُولُ لِمَنْ بَعَثْتَهُ وَاسْتَعْجَلْتَهُ بِعَيْنٍ مَا أَرَيَنَّك أَيْ لا تَلْوِ عَلَى شَيْءٍ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْك.
وَيَقُولُ الْمُسْتَحَثّ: أَبْلِعْنِي رِيقِي أَيْ أَمْهِلْنِي حَتَّى أَقُولَ أَوْ أَفْعَلَ، وَفِي الأَسَاسِ " وَقُلْتُ لِبَعْضِ شُيُوخِي: أَبْلِعْنِي رِيقِي فَقَالَ: قَدْ أَبْلَعْتُك الرَّافِدَيْنِ".
ويُقال خَرَجَ فُلان وَشِيكاً، وَجَاءَنَا عَلَى وَفَز، وَعَلَى أَوْفَاز، وَوَفَض، وَأَوْفَاض، وَعَلَى حَدِّ عَجَلَة، وَجَاءَ فَمَا أَقَامَ إِلا فُوَاقاً أَيْ قَدْر فُوَاقٍ، وَمَا أَبْطَأَ إِلا كَلا وَلا، وَلَمْ يَقِفْ إِلا
(2/134)

كَقَبْسَة الْعَجْلانِ وَيُقَالُ سُرْعَانَ مَا جِئْتُ، وَوُشْكَان مَا جِئْتُ بِتَثْلِيث أَوَّلهمَا أَيْ مَا أَسْرَعَ مَا جِئْتُ. وَيُقَالُ فَرَس جَوَاد الْمَحَثَّة أَيْ إِذَا حَرَّكْتَهُ جَاءَهُ جَرْي بَعْدَ جَرْي.
وَفَرَسٌ بَعِيد الشَّحْوَة أَي بَعِيد الْخَطْو، وَرَغِيب الشَّحْوَة أَي كَثِير الأَخْذِ مِنْ الأَرْضِ بِقَوَائِمِهِ.
وَفَرَسٌ قَيْد الأوَابِدِ أيْ يُدْرِكُهَا بِسُرْعَتِهِ فَكَأَنَّهُ يُقَيِّدُهَا عَنْ الْجَرْيِ، وَالأَوَابِد الْوُحُوش.
وَقَدْ مَرَّ مُرُور السَّهْم، وَانْطَلَقَ يَهْوِي بِرَاكِبِهِ، وَمَرَّ يُسَابِقُ ظِلّه، وَمَرَّ فَمَا أَبْصَرْتُهُ إِلا لَمْحا، وَإِنَّهُ لا تَمْتَلِئُ الْعَيْنُ مِنْهُ لِسُرْعَتِهِ.
وَتَقُولُ قَرَّطْتُ الْفَرَسَ عِنَانَه، وَقَرَّطْتُهُ لِجَامه، إِذَا مَدَدْتَ يَدَك بِالْعِنَانِ حَتَّى يَقَعَ عَلَى أُذُنَيْهِ مَكَان الْقُرْطِ، وَمَلأْتُ عِنَانَه إِذَا بَلَغْتَ بِهِ مَجْهُوده فِي الْحُضْرِ، وَقَدْ امْتَلأَ عِنَانه، وَسَارَ مِلْءَ فُرُوجه أَيْ مِلْء مَا بَيْنَ قَوَائِمِهِ.
وَيُقَالُ فِي خِلافِ ذَلِكَ أَبْطَأ الرَّجُل، وَتَبَاطَأَ، وَرَاثَ، وَتَرَيَّثَ، وَتَوَانَى، وَتَرَاخَى، وَتَوَرَّكَ وَتَلَكَّأَ، وَتَثَاقَلَ،
(2/135)

وَتَقَاعَدَ.
وَقَدْ اسْتَبْطَأْتُهُ، واسْتَرَثْتُه ُ، أَيْ وَجَدْتُهُ بَطِيئاً، وَبُطْآنَ مَا جَاءَنِي بِتَثْلِيث الْبَاء أَيْ مَا أَبْطَأَ مَا جَاءَنِي، وَقَدْ أَبْطَأَ حَتَّى نَوَّطَ الرُّوح، وَهُوَ أَبْطَأ مَنْ فِنْد.
وَجَاءَ فُلانٌ يَمْشِي عَلَى رِسْلِهِ، وَعَلَى هِينَتِهِ، وَيَمْشِي رُوَيْداً، وَعَلَى رُود، وَعَلَى مَهْل، وَأَقْبَلَ يُهَوِّد فِي مَشْيِهِ، وَيَسِيرُ الهُوَيْنَى، وَيَمْشِي هَوْناً.
وَتَقُولُ لِلرَّجُلِ مَهْلا، وَرُوَيْدك، وَعَلَى رِسْلِك، وَعَلَى هَوْنِك، وَعَلَى هِينَتك، وَأَرْبِعْ عَلَى نَفْسِك، وَاسْتَأْنَ فِي أَمْرِك، وَاتَّئِدْ، وَعَلَيْك بِالتُّؤَدَةِ، وَتَلَهَّ سَاعَة أَي تَشَاغَلْ وَتَمَكَّثْ.
وَيُقَالُ تَوَأَّدَ الرَّجُل فِي أَمْرِهِ، وَتَأَنَّى، وَاتَّأَدَ، واسْتَأْنَى، وَتَمَهَّلَ، وَتَثَبَّتَ، وَتَرَزَّنَ، وَفِيهِ تُؤَدَةٌ، وَأَنَاة، كُلّ ذَلِكَ مِنْ الرَّزَانَةِ وَالْحِلْمِ.
وَتَقُولُ اِسْتَأْنَيْتُ الرَّجُل، وَاسْتَأْنَيْتُ بِهِ، وَتَأَنَّيْتُهُ، أَيْ أَمْهَلْتُهُ وَانْتَظَرْتُهُ، وَقَدْ اُسْتُؤْنِيَ بِهِ حَوْلا، وَتَأَنَّيْتُهُ حَتَّى لا أَنَاةَ بِي.
ويقالَ: آنَيْتُ الشَّيْء إِينَاء، وأَكْرَيْتُهُ، أَيْ أَخَّرْتُهُ
(2/136)

عَنْ وَقْتِهِ يُقَالُ: لا تُؤْنِ فُرْصَتك، وَفُلان يُؤْنِي عَشَاءَهُ، وَيُكْرِيه، وَيُعْتِمهُ، وَقَدْ عَتَّمَ الْقِرَى أَيْ تَأَخَّرَ وَأَبْطَأَ وَهُوَ قِرىً عَاتِم، وَفُلان عاتِم الْقِرَى وَجَاءَنَا ضَيْفٌ عَاتِمٌ.
وَيُقَالُ جَاءَ فُلان دَبَرِيّا بِالتَّحْرِيكِ أَيْ أَخِيراً، وَهَذَا رَأْي دَبَرِيّ أَيْ سَنَحَ بَعْدَ فَوَاتِ الْحَاجَةِ وَمَا نَبَلَ فُلان نَبْله إِلا بأَخَرَة أَيْ مَا أَخَذَ عُدَّتَهُ إِلا بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ.

فَصْلٌ فِي الإِعْجَالِ وَالاعْتِيَاقِ
يُقَالُ أَعْجَلْتُ الرَّجُل عَنْ أَمْرِهِ، وَحَفَزْتُهُ عَنْهُ، وَأَوْفَزْتُهُ، وَأَرْهَقْتُهُ، إِذَا سَبَقْتَ إِلَى مَنْعِهِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ، تَقُولُ أَعْجَلْتُهُ عَنْ سَلِّ سَيْفِهِ، وَأَعْجَلْتُهُ عَنْ رَدِّ الْجَوَابِ.
وَأَعْجَلَتْ الْحَامِل حَمْلَهَا، وَأَجْهَضَتْهُ، وأَخْدَجَتْهُ، إِذَا أَسْقَطَتْهُ قَبْلَ التَّمَامِ.
وَيُقَالُ صَادَ الْجَارِحُ الصَّيْدَ فَأَجْهَضْنَاهُ عَنْهُ أَيْ نَحَّيْنَاهُ عَنْهُ وَغَلَبْنَاهُ عَلَى مَا صَادَهُ، وأَجْهَضْتُ الرَّجُلَ عَنْ كَذَا أَيْ أَعْجَلْتُهُ عَنْهُ وَغَلَبْتُهُ عَلَيْهِ.
وَبَسَرْتُ الدُّمَّل إِذَا عَصَرْتَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْضَجَ، وَبَسَرْتُ غَرِيمِي إِذَا تَقَاضَيْتَهُ قَبْلَ مَحِلّ الْمَال، وَابْتَسَرْتُ الْحَاجَة إِذَا طَلَبْتَهَا
(2/137)

قَبْلَ أَوَانِهَا، وَابْتَسَرْتُ الدَّابَّة، وَاقْتَضَبْتُهَا، إِذَا رَكِبْتَهَا قَبْلَ أَنْ تُرَاضَ، وَكُلّ مَنْ كَلَّفْتَهُ عَمَلا قَبْلَ أَنْ يُحْسِنَهُ فَقَدْ اِقْتَضَبْتَهُ وَهُوَ مُقْتَضَبٌ فِيهِ.
وَاعْتَسَرْتُ النَّاقَة مِثْل اِبْتَسَرْتُهَا إِذَا رَكِبْتَهَا قَبْلَ أَنْ تُذَلَّلَ، وَيُقَالُ اِعْتَسَرَ الْكَلام إِذَا تَكَلَّمَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَزُوِّرَهُ.
وَاخْتَضَرْتُ الْفَاكِهَة إِذَا أَكَلْتَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْضَجَ، وَيُقَالُ اخْتُضِرَ فُلان إِذَا مَاتَ شَاباً غَضّاً.
وَلَقِيَ بَعْضُ شُبَّان الْعَرَبِ شَيْخا فَقَالُوا: أَجَزَزْتَ يَا أَبَا فُلان - مِنْ أَجَزَّ النَّخْلُ إِذَا حَانَ أَنْ يُقْطَعَ ثَمَرُهُ - فَقَالَ الشَّيْخ: أَيْ بَنِيَّ وَتُخْتَضَرُونَ.
وَتَقُولُ فِي خِلافِ ذَلِكَ: ثَبَّطَهُ عَنْ حَاجَتِهِ، وَعَاقَهُ، وَاعْتَاقَهُ، وَعَوَّقَهُ، وَرَيَّثَهُ، وَأَقْعَدَهُ، وَتَقَعَّدَهُ، وَبَطَّأَ بِهِ، وَأَخَّرَهُ، وَحَبَسَه ُ، وَقَطَعَهُ، وَخَزَلَهُ.
وَهُوَ رَجُلٌ عُوَق، وَعُوَقَة، وَخُزَلَة بِضَمٍّ فَفَتْح فِيهِنَّ أَيْ يَحْبِسُك عَمَّا تُرِيدُ.
وَرَجُل عُوَّق بِالضَمِّ وَالتَّشْدِيدِ أَيْ تَعْتَاقُهُ الأُمُور عَنْ حَاجَتِهِ.
وَفَعَلَ ذَلِكَ رَبِيثَة أَيْ خَدِيعَة وَحَبْسًا.
وَتَقُولُ أَرَدْتُ أَنْ أَزُورَك فَخَلَجَنِي شُغْل، وخَلَجَتْنِي الْخَوَالِجُ، وَمَا تَقَعَّدَنِي عَنْ ذَلِكَ الأَمْرِ إِلا شُغْل شَاغِل، وَقَدْ حَالَتْ مِنْ دُونِ مَرَامِي الْحَوَائِلُ، وَعَدَتْنِي عَنْهُ الْعَوَادِي،
(2/138)

وَمَنَعَتْنِي عَوَائِق الأَحْدَاث وَعَاقَتْنِي مَوَانِع الأَقْدَارِ، وَقَطَعَتْنِي قَوَاطِع الْمَرَض، وَحَبَسَتْنِي عُقَل الْهُمُوم، وصَدَفَتْنِي عُدَوَاء الأَشْغَال.

فَصْلٌ فِي إِطْلاقِ الْعِنَانِ وَحَبْسِهِ
يُقَالُ أَطْلَقْتُ لِلرَّجُلِ عِنَانَه، وَخَلَّيْتُهُ وَشَأْنه، وَخَلَّيْتُهُ وَمَا يُرِيدُ، وَوَكَلْتُهُ إِلَى رَأْيِهِ، وَتَرَكْتُهُ وَرَأْيه، وَخَلَّيْت بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَأْيِهِ، وَخَلَّيْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا اِخْتَارَ لِنَفْسِهِ، وَمَلَّكْتُهُ أَمْرَهُ وَأَطْلَقْتُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا شَاءَ، وَوَلَّيْتُهُ خِطَّة رَأْيه وَأَقْطَعْتُهُ جَانِب رَأْيِهِ، وَمَدَدْتُهُ فِي غَيِّهِ وَأَمْلَيْتُ لَهُفِي غَيِّهِ، وَأَرْخَيْتُ لَهُ الطِّوَل، وَقَرَّطْتُهُ عِنَانه، وَقَلَّدْتُهُ حَبْله، وَأَجْرَرْتُهُ
(2/139)

رَسَنه، وَأَجْرَرْتُهُ عِنَانه، وَأَجْرَرْتُهُ فَضْل خِطَامه.
وَيُقَالُ بَهَلْتُ الرَّجُل، وَأَبْهَلْتُهُ، أَيْ خَلَّيْتُهُ مَعَ رَأْيِهِ، وَاسْتَبْهَلَ الْوَالِي الرَّعِيَّة أَيْ أَهْمَلَهُمْ يَرْكَبُونَ مَا شَاءُوا وَلا يَأْخُذُ عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَسَوَّمَ فُلان عَبْده أَيْ خَلاَّهُ وَمَا يُرِيدُ.
ويُقال فُلان طَوِيل الْعِنَان إِذَا لَمْ يُرَدَّ عَمَّا يُرِيدُ لِشَرَفِهِ، وَإِنَّهُ لَمُحَكَّمٌ مُسَوَّم أَيْ مُخَلَّى لا يُثْنَى لَهُ يَد فِي أَمْر، وَإِنَّهُ لَرَجُل مُتْرَف أَيْ مَتْرُوك يَصْنَعُ مَا شَاءَ وَلا يُمْنَعُ، وَهُوَ رَجُل مُؤْتَمِر أَيْ يَعْمَل بِرَأْيِ نَفْسِهِ لا يُشَاوِرُ أَحَداً، وَقَدْ رَكِبَ سَجِيحَة رَأْسه أَيْ مَا اخْتَارَ لِنَفْسِهِ مِنْ الرَّأْيِ، وَفُلان أَمْره فِي يَدَيْهِ.
وَتَقُولُ لِلرَّجُلِ: شَأْنُك وَمَا تُرِيدُ، وَافْعَلْ مَا بَدَا لَك، وَافْعَلْ بِرَأْيك، وَافْعَلْ مَا أَنْتَ فَاعِل، وَشَأْنُك وَذَاكَ، وَأَنْتَ وَذَاكَ، وَأَنْتَ وَشَأْنُك، وَأَنْتَ وَمَا اِخْتَرْتَهُ وَأَنْتَ وَمَا تَرَاهُ، وَالأَمْر فِي ذَلِكَ إِلَيْك، وَأَنْتَ بِالْخِيَارِ، وَبِالْمُخْتَارِ، وَافْعَلْ مُخْتَاراً.
وَفِي الْمَثَلِ " الْكِلابَ عَلَى الْبَقَرِ "أَيْ خَلِّ رَجُلا وَشَأْنَهُ.
(2/140)

وَتَقُولُ فِي ضِدِّهِ رَدَعْتُهُ عَنْ غَيِّهِ، وَوَزَعْتُه ُ، وَكَفَفْتُهُ، وَكَبَحْتُه ُ، وَقَدَعْتُهُ، وَقَمَعْتُهُ، وَقَبَضْتُ يَدَهُ، وَغَلَلْتُ يَده وَأَخَذْتُ عَلَى يَدِهِ، وَضَرَبْتُ عَلَى يَدِهِ، وَقَصَّرْتُ خُطَاهُ، وَحَبَسْتُ عِنَانه، وَرَدَدْت عُرَامه، وَكَسَرْتُ مِنْ غُلَوَائِهِ، وَكَفَفْتُ عَادِيَته، وَثَنَيْتُهُ عَنْ عَزْمِهِ، وَأَفَكْتُهُ عَنْ مُرَادِهِ، وَحَجَزْتُهُ عَنْ وَجْهِهِ، وَأَخَذْتُ عَلَيْهِ مُتَوَجَّهه وَقَطَعْتُ عَلَيْهِ وِجْهَتَهُ، وَمَلَكْتُ عَلَيْهِ مَذَاهِبه، وَحُلْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَرُومُ، وَجَعَلْتُ مِنْ دُونِهِ عَقَبَة، وَأَقَمْتُ مِنْ دُونِهِ سَداً.
وَتَقُولُ عَدِّ عَنْ هَذَا الأَمْرِ، وَخَلِّ عَنْهُ، وَتَخَلَّ عَنْهُ، وَإِلَيْك عَنْهُ، وَإِنَّهُ لأَمْر لَيْسَ لَك فِيهِ يَد، وَلَيْسَ لَك فِيهِ يَدَانِ، وَأَمْرٌ لَسْتَ مِنْ لَيْلِهِ وَلا سَمَرِهِ، وَلَسْت مِنْهُ فِي عِيرٍ وَلا فِي
(2/141)

نَفِير، وَأمْرٌ يَفُوتُ ذَرْعَك، وَيَضِيقُ عَنْهُ طَوْقُكَ، وَيَقْصُرُ دُونَهُ بَاعُكَ، وَلا يَبْلُغُهُ شَأْوُك، وَلا تَرْقَى إِلَيْهِ هِمَّتُك.
وَهَذَا أَمْر مِنْ دُونِهِ خَرْط الْقَتَاد، وَمَنْ دُونِهِ شَيْب الْغُرَاب، وَلَتَرُومَنَّ مِنْ ذَلِكَ مَراماً قَصِيّاً وَلَتَجِدَنَّهُ فَوْت يَدك، وَلَتَتْرُكَنَّهُ خَاسِئاً، وَلَتَدَعَنَّهُ صَاغِراً.

فَصْل في التَّمَادِي فِي الضَّلالِ وَالرُّجُوعِ عَنْهُ
تَقُولُ: تَمَادَى الرَّجُلُ فِي ضَلالِهِ، وَلَجَّ فِي غَوَايَتِهِ، وَأَوْغَلَ فِي عَمَايَتِهِ، وَأَمْعَنَ فِي تِيهِهِ، وَعَمِهَ فِي طُغْيَانِهِ، وَغَلا فِي
(2/142)

جَهَالَته، وَرَكِبَ مَتْن غُرُوره، وَتَاهَ فِي شِعَاب الْبَاطِل، وَهَامَ فِي أَوْدِيَةِ الضَّلالِ، وَتَسَكَّعَ فِي بَيْدَاءِ الْغَوَايَة، وَرَكِبَ رَأْسَهُ، وَرَكِبَ هَوَاهُ، وَأَصَرَّ عَلَى غَيِّهِ، وَمَضَى عَلَى غُلَوَائِهِ، وَبَسَطَ عِنَانه فِي الْجَهْلِ، وَأَطْلَقَ لِنَفْسِهِ عِنَانَ هَوَاهُ، وَقَلَّدَ أَمْره هَوَاهُ.
وَقَدْ طَبَعَ اللَّه عَلَى بَصِيرَتِهِ، وَخَتَمَ عَلَى قَلْبِهِ، وَضَرَبَ عَلَى سَمْعِهِ، وَعَمِيَتْ عَلَيْهِ وُجُوه الرُّشْدِ، وَاسْتَبْهَمَتْ عَلَيْهِ مَعَالِم الْقَصْدِ، وَإِنَّهُ لَرَجُل غَاوٍ، وَغَوِيّ، وَإِنَّهُ لِخَابِط جَهَالات، وَرَاكِب عَشَوَات.
وَتَقُولُ خَاضَ الْقَوْم فِي بَاطِلِهِمْ، وَتَهَافَتُوا فِي غُرُورِهِمْ، وَتَتَايَعُوا فِي ضَلالِهِمْ، وَاسْتَرْسَلُوا فِي جَهَالَتِهِمْ، وَأَبْعَطُوا فِي غَوَايَتِهِمْ.
وَيُقَالُ: انْخَرَطَ فِي الأَمْرِ، وَتَخَرَّطَ، إِذَا رَكِبَ رَأْسَهُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ عِلْم وَلا مَعْرِفَة. وَفُلانٌ يَتَدَفَّقُ فِي الْبَاطِلِ إِذَا كَانَ يُسَارِعُ فِيهِ.
(2/143)

وَتَقُولُ فِي خِلافِ ذَلِكَ: أَقْصَرَ الرَّجُل عَنْ بَاطِلِهِ، وَكَفَّ عَنْ غَوَايَتِهِ، وَخَفَّضَ مِنْ غُلَوَائِهِ، وَنَزَعَ عَنْ جَهْلِهِ، وَأَقْلَعَ عَنْ غَيِّهِ، وَأَفَاقَ مِنْ سَكْرَتِهِ، وَلَوَى عِنَانَهُ، وَرَدَّ جِمَاح غُلَوَائِهِ، وَأَقَامَ مِنْ صَعَره، وَقَوَّمَ ضَلَعَهُ، وَزَجَرَ أَحْنَاء طَيْرِهِ، وَزَجَرَ غُرَاب جَهْلِهِ، وَارْعَوى عَنْ الْقَبِيحِ، وَقَبَضَ يَدَهُ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَقَدْ اِنْتَهَى عَمَّا هُوَ فِيهِ، وَانْزَجَرَ، وَارْتَدَعَ، وَاتَّزَعَ، وَكَفَّ، وَأَمْسَكَ، وَامْتَنَعَ، وَانْقَمَعَ، وَانْقَدَعَ، وَصَدَّ، وَصَدَفَ، وَظَلَفَ نَفْسه، وَأَبْصَرَ رُشْده، وَثَابَ إِلَى هُدَاهُ، وَفَاءَ إِلَى رُشْدِهِ، وَرَاجَعَهُ رُشْدُهُ، وَاسْتَقَامَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى.

فَصْل فِي الانْقِيَادِ وَالامْتِنَاعِ
تَقُولُ أَمَرْتُهُ بِكَذَا فَانْقَادَ، وَأَطَاعَ، وَخَضَعَ، وَعَنَا، وَأَذْعَنَ، وَأَرْغَنَ، وَأَجَابَ، وَلَبَّى.
وَقَدْ اِئْتَمَرَ بِمَا أَمَرْتُهُ، وَامْتَثَلَهُ، وَارْتَسَمَهُ، وَنَشِطَ لِفِعْلِهِ، وَفَعَلَ ذَلِكَ طَائِعاً، وَفَعَلَهُ عَنْ طَوْع،
(2/144)

وَطَوَاعِيَة.
وَهُوَ رَجُلٌ طَائِعٌ، مُؤَاتٍ، وَرَجُلٌ طَيِّعٌ، وَمِطْوَاع، وَمِطْوَاعَة، وَمِذْعَان، وَمِصْحَاب، وَهُوَ مِصْحَابٌ لَنَا بِمَا نُحِبُّ، وَقَدْ أَصْحَبَ الرَّجُل بَعْدَ اِمْتِنَاعِهِ، وَأَسْمَحَتْ قَرُونَتُهُ لِهَذَا الأَمْرِ.
وَتَقُولُ قَدْ اِسْتَجْرَرْتُ لِفُلانٍ أَيْ انْقَدْتُ لَهُ، وَأَنَا طَوْعٌ لَهُ بِمَا يُحِبُّ، وَأَنَا طَوْعُ يَدَيْهِ، وَطَوْعُ أَمْرِهِ، وَأَنَا أَطْوَعُ لَهُ مِنْ بَنَانِهِ، وَمِنْ يَمِينِهِ، وَمِنْ عِنَانِهِ، وَقَدْ جَعَلْتُ قِيَادِي فِي يَدِهِ، وَأَلْقَيْت إِلَيْهِ رِبْقَتِي، وَبَذَلْتُ لَهُ طَاعَتِي، وَبَذَلْتُ لَهُ قِيَادِي، وَنَزَلْتُ عَلَى حُكْمِهِ، وَقَعَدْتُ تَحْتَ حُكْمِهِ، وَإِنِّي لا أَتَخَطَّى مَرَاسِمَهُ، وَلا أَعْصِي لَهُ أَمْراً، وَلا أُخَالِفُ لَهُ أَمْراً وَلا نَهْياً.
وَتَقُولُ أَنَا دَرْج يَدَيْك، وَنَحْنُ دَرْج يَدَيْك، أَيْ لا نَعْصِيك.
وَفُلانٌ لا يَنْبُو فِي يَدَيْك أَيْ لا يَمْتَنِعُ عَنْ الانْقِيَادِ لَك.
وَيُقَالُ رَجُلٌ إِمَّر، وَإِمَّرَة بِالْكَسْرِ وَفَتْح الْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ، أَيْ يَأْتَمِرُ لِكُلِّ أَحَد لِضُعْفِهِ.
وَتَقُولُ رَجُل وَفَرَس طَوْع الْعِنَان، وَطَوْع الْجِنَاب، لَيِّن الْمَقَادَة، سَلِس الْقِيَاد، وَفَرَس قَؤُود، وَقَيِّد، هَشّ الْعِنَان،
(2/145)

وَخَفِيف الْعِنَان، وَخَوَّار الْعِنَان، أَيْ لَيِّن الْمَعْطِف سَهْل الانْقِيَادِ
وَتَقُولُ فِي خِلافِ ذَلِكَ أَمَرْتُهُ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا فَأَبَى عَلَيَّ، وَامْتَنَعَ، وَتَمَنَّعَ، وَنَبَا عَنِّي، وَنَبَا عَلَيَّ، وَعَصَى، وَاسْتَعْصَى، وَأَعْرَضَ عَنْ طَاعَتِي، وَنَكَّب َ عَنْ طَاعَتِي، وَنَبَذَ أَمْرِي وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَجَعَلَ قَوْلِي دَبْرَ أُذُنه.
وَإِنَّهُ لَرَجُل عَنِيد، جَافِي الطَّبْعِ، صُلْب النَّفْسِ، أَبِيّ الْعِنَانِ، شَدِيد الشَّكِيمَة، وَقَدْ رَكِبَ فِي هَذَا الأَمْرِ رَأْسَهُ، وَرَكِبَ هَوَاهُ، وَأَصَرَّ عَلَى الإِبَاءِ، وَلَجَّ فِي الْعِصْيَانِ، وَقَدْ اِعْتَاصَ عَلَيَّ فِي هَذَا الأَمْرِ، وَتَأَرَّب َ، إِذَا تَشَدَّدَ عَلَيْك فِيمَا تُرِيدُ مِنْهُ.
وَتَقُولُ فُلان رَجُلٌ أَصَمُّ، وَجَمُوح، أَيْ لا يُرَدُّ عَنْ هَوَاهُ، وَرَجُل مُبِلّ إِذَا كَانَ يُعْيِيك أَنْ يُتَابِعَك عَلَى مَا تُرِيدُ.
وَيُقَالُ فَرَسٌ جَرُورٌ وَهُوَ ضِدُّ القَؤُود، وَقَدْ اِعْتَرَضَ الْفَرَس فِي رَسَنِهِ، وَتَعَرَّض َ، إِذَا لَمْ يَسْتَقِمْ لِقَائِدِهِ.
وَمُهْرٌ رَيِّضٌ إِذَا كَانَ لا يَقْبَلُ الرِّيَاضَة أَوْ لَمْ تَتِمّ رِيَاضَتُهُ.
وَفَرَس شَمُوس وَهُوَ الَّذِي يَمْنَعُ ظَهْره.
وَفَرَس جَمُوح وَهُوَ الَّذِي لا يَثْنِي رَأْسَهُ، وَقَدْ اِعْتَزَمَ الْفَرَسُ إِذَا مَرَّ جَامِحاً لا يَنْثَنِي.
وَفَرَسٌ خَرُوطٌ وَهُوَ الَّذِي يَجْتَذِبُ رَسَنه مِنْ يَد مُمْسِكه ثُمَّ يَمْضِي عَائِراً
(2/146)

أَيْ ذَاهِباً فِي الأَرْضِ.
وَيُقَالُ عَجَرَ بِهِ بَعِيره، وَعَكَرَ بِهِ، إِذَا أَرَادَ وَجْهاً فَرَجَعَ بِهِ قِبَلَ أُلاَّفِهِ وَأَهْله.
وَيُقَالُ نَشَزَتْ الْمَرْأَةُ بِزَوْجِهَا، وَنَشَزَتْ عَلَيْهِ، إِذَا اسْتَعْصَتْ عَلَيْهِ وَخَرَجَتْ عَنْ طَاعَتِهِ.
وَجَمَحَتْ الْمَرْأَةُ إِلَى أَهْلِهَا أَيْ ذَهَبَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا.

فَصْلٌ فِي الْكُرْهِ وَالرِّضَى
تَقُولُ: رَغَمْتُ الرَّجُل عَلَى الأَمْرِ، وَأَرْغَمْتُهُ، وَأَجْبَرْتُهُ، وَأَكْرَهْتُهُ، وَقَهَرْتُهُ، وَقَسَرْتُهُ، وَاقْتَسَرْتُهُ، وَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِ، وَأَحْرَجْتُهُ، وَأَلْجَأْتُهُ، وَأَجَأْتُهُ.
وَقَدْ فَعَلَ هَذَا الأَمْر كَارِهاً، وَفَعَلَهُ كُرْهاً، وَجَبْراً، وَقَهْراً، وَفَعَلَهُ بِرَغْمِهِ، وَبِرَغْمِ أَنْفِهِ، وَبِالرَّغْمِ مِنْ أَنْفِهِ، وَمِنْ مَعَاطِسِهِ، وَمِنْ مَرَاعِفِه، وَهَذَا أَمْر لَمْ يَفْعَلْهُ إِلا مُكْرَهاً، وَمَا فَعَلَهُ إِلا بَعْدَ مَا عُفِّرَ وَأُرْغِمَ، وَبَعْدَ مَا خُزِمَ وَخُيِّسَ، وَقَدْ أَخَذْتُ بِكَظَمِهِ، وَأَخَذْتُ بِمُخَنَّقِهِ وَضَيَّقْتُ خِنَاقَهُ،
(2/147)

وَأَغْصَصْتُهُ بِرِيقِهِ، وَأَجْرَضْتُهُ بِرِيقِهِ، وَبَلَغْتُ مَجْهُوده، وَأَبْطَرْتُهُ ذَرْعه، وَمَلَكْتُ عَلَيْهِ مَذَاهِبه، وَأَخَذْتُ عَلَيْهِ السُّبُلَ، وَحُلْتُ دُونَ مَسْرَبه.
وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ نَاوَصَ الْجَرَّة ثُمَّ سَالَمَهَا يُضْرَبُ لِمَنْ خَالَفَ ثُمَّ اُضْطُرَّ إِلَى الْوِفَاقِ.
وَتَقُولُ أَنَا مَدْفُوعٌ إِلَى هَذَا الأَمْرِ، وَمَسُوقٌ إِلَيْهِ، وَمَحْمُولٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا فَعَلْتُهُ مُضْطَراً، وَقَدْ تَحَامَلْتُ فِيهِ عَلَى نَفْسِي، وَحَمَلْتُ نَفْسِي عَلَى مَكْرُوهِهَا، وَرَدَدْتُهَا عَلَى مَكْرُوهِهَا، وَإِنَّمَا أَنَا مُسَيَّر فِيهِ لا مُخَيَّر.
وَتَقُولُ هَذَا أَمْر لا مَحِيدَ لَك عَنْهُ، وَلا مَحِيصَ عَنْهُ، وَلا مَنَاص مِنْهُ، وَأَمْر لا سَبِيلَ عَنْهُ وَلا سَبِيلَ إِلا إِلَيْهِ، وَلا تَبْرَحْ حَتَّى تَفْعَلَ، وَلا تَخْطُ حَتَّى تَفْعَلَ، وَلَتَفْعَلَنَّهُ طَائِعاً أَوْ كَارِهاً، وَلَتَفْعَلَنَّهُ عَلَى الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَلَتَفْعَلَنَّ ذَلِكَ صَاغِراً قَمِيئاً.
وَيُقَال لأَكُدَّنَّكَ كَدّ الدَّبِر، وَلآخُذَنَّك أَخْذ عَزِيز مُقْتَدِر، وَلأَعْصِبَنَّكَ عَصْب السَّلَمَة وَيُقَالَ جَعَلْتُ فُلانا لِزَازاً
(2/148)

لِفُلان أَيْ ضَاغِطاً عَلَيْهِ لا يَدَعُهُ يُخَالِفُ وَلا يُعَانِدُ.
وَتَقُولُ فِي خِلافِ ذَلِكَ فَعَلَ هَذَا الأَمْر طَوْعاً، وَفَعَلَهُ طَائِعاً، وَعَنْ طَوْع، وَعَنْ رِضىً، وَعَنْ اِخْتِيَار، وَعَنْ إِيثَار.
وَقَدْ أَرَغْتُ ذَلِكَ مِنْهُ بِاللِّينِ، وَالرِّفْقِ، وَالْهَوَادَةِ، وَأَخَذْتُهُ بِالْمُلاطَفَةِ، وَالْمُلايَنَةِ، وَالْمُسَانَاةِ، وَالْمُسَاهَاة، وَالْمُهَاوَنَة، وَتَرَكْتُ الأَمْرَ إِلَى رَأْيِهِ، وَإِلَى هَوَاهُ، وَتَرَكْتُهُ فِي سَعَةٍ مِنْ فِعْلِهِ، وَفِي مُتَّسَع.
وَهَذَا أَمْر جَاءَ مِنْهُ عَفْواً، وَقَدْ نَشِطَ لِفِعْلِهِ، وَارْتَاحَ لَهُ، وَاسْتَرْسَلَ إِلَيْهِ، وَفَعَلَهُ مِنْ ذَات نَفْسه، وَمِنْ ذِي نَفْسه، وَفَعَلَهُ مُخْتَاراً، وَمُرِيداً، وَفَعَلَهُ مِنْ غَيْرِ إِكْرَاه وَلا إِجْبَار.
وَتَقُولُ افْعَلْ هَذَا إِنْ أَحْبَبْتَ، وَإِنْ رَأَيْتَ، وَإِنْ نَشِطْتَ، وَافْعَلْ كَذَا غَيْر مَأْمُور، وَالأَمْر فِي ذَلِكَ إِلَيْك، وَإِلَى رَأْيِك، وَلَك فِي هَذَا الأَمْرِ رَأْيك، وَأَنْتَ فَاعِلٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

فَصْل فِي الشَّفَاعَةِ وَالْوَسِيلَة
يُقَالُ شَفَعْتُ لَهُ إِلَى الأَمِيرِ، وَعِنْدَ الأَمِيرِ، وَشَفَعْتُ فِيهِ،
(2/149)

وَتَشَفَّعْتُ، وَذَرَعْتُ لَهُ عِنْدَهُ، وَذَرَعْتُ تَذْرِيعاً، وَأَنَا شَفِيعُهُ إِلَيْهِ، وَمِنْ أَهْل شَفَاعَته، وَأَنَا ذَرِيعه عِنْدَ فُلان، وَذَرِيع لَهُ عِنْدَهُ، وَأَنَا لَهُ شَفِيعٌ مُشَفَّعٌ أَيْ مَقْبُول الشَّفَاعَةِ، وَقَدْ اسْتَشْفَعَنِي إِلَيْهِ، وَاسْتَشْفَعَ بِي إِلَيْهِ، وَتَحَمَّلَ بِي عَلَيْهِ، وَتَذَرَّع َ بِي إِلَيْهِ، وَتَوَسَّلَ بِي، وَتَزَلَّف َ، وَتَوَصَّلَ، وَتَقَرَّبَ.
وَإِنَّهُ لَيَدْلُو بِي إِلَيْهِ، وَيَمُتُّ بِي إِلَيْهِ، وَقَدْ جَعَلَنِي ذَرِيعَة إِلَيْهِ فِي حَاجَتِهِ، وَوَسِيلَة، وَوُصْلَة، وَسُلَّماً، وَسَبَباً، وَوَدَجاً.
وَإِنَّهُ لَيَتَوَسَّل إِلَى حَاجَتِهِ بِمَا اِسْتَطَاعَ مِنْ آصِرَة، وآصِيَة، وَآخِيَّة، وَعِلاقَة، وَحَقّ، وَذِمَام، وَذِمَّة، وَعَهْد، وَحُرْمَة، وَدَالَّة، وَقُرْبَة.
وَلَهُ عِنْدَ فُلان آخِيَّة ثَابِتَة، وَلَهُ أَوَاخِيّ وَأَسْبَاب تُرْعَى.
وَيُقَالُ مَتَّ إِلَيْنَا فُلان بِرَحِمٍ غَيْرِ قَطْعَاءَ، وَبِثَدْيٍ غَيْر أَقْطَع، أَيْ تَوَسَّلَ بِقَرَابَةٍ قَرِيبَةٍ، وَقَدْ أَدْلَى إِلَيَّ بِرَحِمِهِ، وَتَقَرَّبَ إ لِيّ بِمَوَاتّ الرَّحِم، وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ رَحِم مَاتَّة، وَإِنَّهُ لَيُمَاتُّنِي أَيْ يُذَكِّرُنِي الْمَوَاتَّ وَتَقُولُ فُلان لا يَمُتُّ إِلَيَّ بِحَبْل، وَلا يَمُدُّ إِلَيَّ بِسَبَب، أَيْ
(2/150)

لا مَاتَّةَ لَهُ عِنْدِي، وَإِنَّمَا مَتَّ إِلَيَّ بِرَحِمٍ قَطْعَاءَ، وَبِثَدْيٍ أَقْطَعَ، بِمَا لا مَاتَّةَ فِيهِ.
وَقَدْ اِنْقَطَعَتْ وَسَائِله، وَانْقَضَبَتْ عَلائِقه، وَوَهَتْ أَسْبَابه، وَرَثَّ حَبْله، وَأَخْلَقَ ذِمَامه.
وَفُلانٌ لا تَنْفَعُهُ عِنْدِي شَفَاعَة، وَلا تَشْفَعُ لَهُ عِنْدِي دَالَّة، وَلا تُغْنِي عَنْهُ آصِرَة.
وَهَذَا أَمْر لا تُبَلِّغُ إِلَيْهِ ذَرِيعَة، وَلا يُنَالُ بِوَسِيلَةٍ، وَلا يَعْلَقُ بِهِ سَبَب

فَصْلٌ فِي الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ وَذِكْر الْحَلِف وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ
يُقَالُ عَاهَدْتُ فُلانا عَلَى كَذَا، وَعَاقَدْتُهُ، وَوَاثَقْتُهُ، وَحَالَفْتُهُ، وَقَاسَمْتُهُ، وَضَمِنْتُ لَهُ مِنْ نَفْسِي كَذَا، وَأَعْطَيْتُهُ عَهْدِي، وَذِمَّتِي، وَيَمِينِي، وَأَعْطَيْتُهُ صَفْقَة يَدِي، وَصَفْقَة يَمِينِي.
وَقَدْ وَثَّقْتُ لَهُ عَقْدِي، وَأَوْثَقْتُهُ، وَوَكَّدْتُه ُ، وَأَخَذَ مِنِّي مِيثَاقاً غَلِيظاً، وَأَخَذَ مِنِّي عَهْداً وَثِيقاً، وَعَهْداً مُوَكَّداً.
وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ عَهْد، وَعَقْد، وَمَوْثِق، وَمِيثَاق، وَذِمَّة، وَذِمَام، وَإِصْر، وَحَلِف،
(2/151)

وَقَسَم، وَيَمِين، وَأَلِيَّة، وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ عَهْد اللَّهِ، وَذِمَام اللَّه وَبَيْنَنَا عُهُود وَمَوَاثِيق.
وَقَدْ وَاثَقْتُهُ بِاللَّهِ لأَفْعَلَنَّ، وَآلَيْت عَلَى نَفْسِي لأَفْعَلَنَّ، وَائْتَلَيْتُ، وَتَأَلَّيْتُ، وَحَلَفْتُ لَهُ بِالأَيْمَانِ الْمُحْرِجَةِ، وَبِالْمُحْرِجَات، وَبِكُلِّ مُحْرِجَةٍ مِنْ الأَيْمَانِ، وَحَلَفْتُ لَهُ بِالأَقْسَامِ الْمُغَلَّظَةِ، وَالأَقْسَام الْمُوَكَّدَة، وَالْوَكِيدَة، وَحَلَفْتُ لَهُ بِأَغْلَظ الأَيْمَانِ، وَأَوْكَد الأَيْمَان، وَحَلَفْتُ لَهُ بِكُلِّ يَمِينٍ يَرْضَاهَا، وَحَلَفْتُ لَهُ بِكُلِّ مَا يَحْلِفُ بِهِ الْبَرّ وَالْفَاجِر، وَلَهُ عَلَيَّ ذِمَّة لا تُخْفَر، وَحُرْمَة لا تُخْرَقُ، وَعَقْد لا يَحُلُّهُ إِلا خُرُوج نَفْسِي.
وَيُقَالُ تَأَذَّنَ فُلان لَيَفْعَلَنَّ كَذَا أَيْ أَقْسَمَ وَأَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَعَتَقَتْ عَلَيْهِ يَمِين أَنْ يَفْعَلَ كَذَا أَيْ سَبَقَتْ وَتَقَدَّمَتْ
وَتَقُولُ اِسْتَحْلَفْتُ فُلانا، وَاسْتَقْسَمْتُهُ، وَأَحْلَفْتُهُ، وَحَلَّفْتُهُ، وَأَبْلَتُّهُ يَمِيناً، وَأَبْلَيْتُهُ يَمِيناً، وَبَلَتْ لِي هُوَ، وَأَبْلَتَنِي، وَأَبْلانِي يَمِيناً، أَيْ حَلَفَ لِي.
وَيُقَالُ جَزَمَ الْيَمِينِ، وَأَبَتَّهَا إِبْتَاتاً، أَيْ أَمْضَاهَا وَحَلَفَهَا، وَبَتَّتْ الْيَمِين أَيْ وَجَبَتْ، وَهِيَ يَمِين بَاتَّة، وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ يَمِيناً بَتاً، وَبَتَّة، وَبَتَاتاً، وَآلَى يَمِيناً جَزْماً،
(2/152)

وَحَلَفَ يَمِيناً حَتْماً جَزْماً، وَقَدْ حَلَفَ فَأَجْهَدَ أَيْ بَالَغَ فِي تَوْكِيد يَمِينه، وَحَلَفَ جَهْد الْيَمِينِ، وَجَهْد الأَلِيَّة، وَأَقْسَمَ بِاللَّهِ جَهْد الْقَسَم.
وَتَقُولُ اقْتَبَتُّهُ يَمِيناً، وَاقْتَبَتُّهُ بِالْيَمِينِ، واقْتَبَتُّ عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ، وَصَهَرْتُهُ بِالْيَمِينِ، إِذَا اِسْتَحْلَفْتُهُ عَلَى يَمِينٍ شَدِيدَة، يُقَالُ لأَصْهَرَنَّك بِيَمِينٍ مُرَّة، وَقَدْ سَمَطَ عَلَى ذَلِكَ يَمِيناً، وَسَبَطَ يَمِيناً، أَيْ حَلَفَ، وَسَحَجَ الأَيْمَان أَيْ تَابَعَ بَيْنَهَا.
وَيُقَال تَزَبَّدَ الْيَمِين إِذَا أَسْرَعَ إِلَيْهَا، وَقَدْ تَزَبَّدَ يَمِيناً حَذَّاء وَهِيَ السَّرِيعَةُ الْمُنْكَرَةُ وَيُقَالُ اِسْتُحْلِفَ فُلان فَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ أَيْ اِمْتَنَعَ مِنْهَا، وَأَلاحَ مِنْ الْيَمِينِ أَيْ أَشْفَقَ، وَصَبَرَهُ الْحَاكِم إِذَا أَجْبَرَهُ عَلَى الْيَمِينِ وَحَبَسَهُ حَتَّى يَحْلِفَ، وَقَدْ حَلَفَ صَبْراً، وَهِيَ يَمِين الصَّبْر، وَيَمِين مَصْبُورَة.
وَيُقَالُ حَلَفَ فُلان فَاسْتَثْنَى فِي يَمِينِهِ، وَتَحَلَّلَ فِي يَمِينِهِ، إِذَا جَعَلَ لِنَفْسِهِ مِنْهَا مَخْرَجاً، وَهِيَ يَمِينٌ ذَاتُ مَخَارِجَ، وَذَات مَخَارِم، وَيُقَالُ هَذِهِ يَمِين طَلَعَتْ فِي الْمَخَارِم.
وَيُقَالُ حَلَفَ يَمِيناً لا ثَنِيَّةَ فِيهَا، وَلا ثُنْيَا، وَلا ثَنْوَى، وَلا مَثْنَوِيَّة، وَحَلَفَ حَلْفَة غَيْر ذَاتِ مَثْنَوِيَّة، أَيْ لَمْ يَسْتَثْنِ فِيهَا، وَهَذِهِ
(2/153)

حَلْفَة عُضَال، أَيْ لا مَثْنَوِيَّةَ فِيهَا.
وَتَقُولُ هَذَا حَلِف سَفْسَاف أَيْ كَاذِب لا عَقْدَ فِيهِ.
وَهَذِهِ يَمِينٌ لَغْوٌ عَلَى الْوَصْفِ بِالْمَصْدَرِ، وَحَلَفَ فُلان بِلَغْو الْيَمِين، وَهِيَ مَا يَسْبِقُ إِلَى الأَلْسِنَةِ بِضَرْبٍ مِنْ الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ عَقْد.
وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ يَمِين الْغَلَق وَهِيَ الَّتِي تُحْلَفُ عَلَى غَضَب.
وَيُقَالُ وَرَّكَ الْيَمِين تَوْرِيكاً إِذَا نَوَى غَيْر مَا يَنْوِيه الْمُسْتَحْلِف
وَتَقُولُ وَاللَّه لأَفْعَلَنَّ كَذَا، وَوَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ مِنْ الأَمْرِ كَذَا، وَقَسَماً بِاللَّهِ، وَمَحْلُوفَة بِاللَّهِ، وَيَمِيناً بِاللَّهِ، وَيَمِين اللَّهِ، وَاَيْمُنُ اللَّهِ، وَاَيْمُ اللَّه، وَلَعَمْرُ اللَّه، وَلَعَمْرِي، وَفِي ذِمَّتِي، وَأُشْهِدُ اللَّهَ، وَعَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ، وَعَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقه، وَكُلّ يَمِينٍ يَحْلِفُ بِهَا حَالِف لازِمَة لِي لا فَعَلْتُ إِلا كَذَا، وَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا.
وَيُقَالُ صَدَقْتُ اللَّه حَدِيثاً إِنْ لَمْ أَفْعَلْ أَوْ إِنْ كَانَ الأَمْر عَلَى غَيْرِ مَا ذَكَرْتُ، أَيْ لا صَدَقْتُ اللَّه حَدِيثاً.
وَآلَيْت بِاللَّهِ حَلْفَة صَادِق، وَاللَّهُ عَلَى مَا أَقُولُ شَهِيد، وَعَلِمَ اللَّهُ مَا أَرَدْت إِلا كَذَا، وَشَهِدَ اللَّهُ مَا كَانَ الأَمْر إِلا كَذَا.
وَتَقُولُ فِي الاسْتِعْطَافِ بِاللَّهِ إِلا مَا فَعَلْتَ كَذَا، وَبِاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا، وَنَشَدْتُكَ اللَّه، وَنَاشَدْتُكَ
(2/154)

اللَّه، وَنَاشَدْتُكَ الْعَهْد وَالرَّحِم، وَسَأَلْتُك بِاللَّهِ، وَأَقْسَمْتُ عَلَيْك، وَعَزَمْتُ عَلَيْك، وَآلَيْتُ عَلَيْك، وَعَمْرَك اللَّهَ، وَنَشْدَكَ اللَّه، وَقِعْدَكَ اللَّه، وَقَعِيدَك اللَّهَ، وَبِعَيْشِك، وَبِحَيَاتِك، وَبِأَبِيك، وَبِكُلّ عَزِيز عِنْدَك إِلا فَعَلْتَ كَذَا، وَإِلا مَا فَعَلْتَ كَذَا، وَبِحَيَاتِي، وَبِحَقِّي عَلَيْك، وَبِمَالِي عِنْدَك مِنْ حُرْمَةٍ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا

فَصْل فِي الْوَفَاءِ وَالْغَدْرِ
تَقُولُ: وَفَيْتُ لَهُ بِعَهْدِي، وَأَوْفَيْتُ بِهِ، وَوَفَّيْتُ بِالتَّشْدِيدِ، وَحَفِظْتُ لَهُ عَهْدِي، وَوَفَيْتُ لَهُ بِمَا أَذْمَمْتُ، وَبَرَرْتُ فِي قَوْلِي، وَفِي قَسَمِي، وَقَدْ بَرَّتْ يَمِينِي، وَأَبْرَرْتُهَا، وَأَمْضَيْتُهَا عَلَى الصِّدْقِ.
وَفُلانٌ بَرٌّ، وَفِيّ، كَرِيم الْعَهْدِ، صَادِق الْعَهْدِ، وَثِيق الذِّمَّة، صَحِيح الْمَوْثِق، ثَابِت الْعَقْد، مُؤَرَّب الْعَقْد، جَمِيل الرِّعَايَةِ،
(2/155)

حَسَن الْحِفَاظِ.
وَإِنَّهُ لَرَجُل نَاصِح الْجَيْب، صَحِيح الدِّخْلَة، مَأْمُون الْمُغَيَّب، وَإِنِّي لَمْ أَجِدْ أَوْفَى مِنْهُ ذِمَّة، وَلا أَمَرَّ عَقْداً، وَلا أَبَرَّ عَهْداً، وَهُوَ أَوْفَى مِنْ عَوْف وَأَوْفَى مِنْ السَّمَوْأَلِ
وَتَقُولُ فِي ضِدِّهِ قَدْ خَانَ الرَّجُل عَهْدَهُ، وَاخْتَانَهُ، وَغَدَرَ بِهِ، وَخَتَرَ بِهِ، وَخَاسَ بِهِ، وَأَخْفَرَهُ، وَنَقَضَهُ، وَنَكَثَهُ.
وَهُوَ رَجُلٌ غَادِرٌ، وَغَدَّار، وَغَدُور، وَرَجُلٌ خَائِنٌ، مِنْ قَوْم خَانَة، وَخَوَنَة، وَهُوَ خَوَّان، وَخَؤُون، خَتَّار، مِخْفَار لِلذِّمَمِ، وَرَجُل سَقِيم الْعَهْدِ، سَخِيف الذِّمَّة، وَاهِي الْعَقْد، وَإِنَّهُ لَمَذْمُوم الْعَهْدِ، وَمَذْمُوم الْحَبْل، لا يَرْعَى مِيثَاقاً، وَلا يَحْفَظُ حُرْمَة، وَلا يَثْبُتُ عَلَى عَهْد.
وَقَدْ غَدَرَ صَاحِبَهُ، وَغَدَرَ بِهِ، وَخَتَرَهُ، وَخَانَهُ،
(2/156)

وَأَخْفَرَهُ، وَأَضَاعَ ذِمَّتَهُ، وَانْتَهَكَ حُرْمَتَهُ، وَكَفَرَ بِحُرْمَتِهِ، وَجَحَدَ ذِمَامه، وَلَمْ يَرْعَ لَهُ آصِرَة، وَلَمْ يَرْعَ لَهُ إِلاًّ وَلا سَبَباً.
وَقَدْ أَبْدَى لَهُ صَفْحَة الْغَدْر، وَدَسَّ لَهُ الْغَدْر فِي الْمَلَقِ، وَإِنَّهُ لَرَجُلٌ مَبْنِيّ عَلَى الْغَدْرِ، مَطْبُوع عَلَى الْخِيَانَةِ، وَقَدْ عَقَدَ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى الْغَدْرِ وَسَلَكَ فِي الْغَدْرِ كُلّ طَرِيق.
وَيُقَالُ: حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، وَفَجَرَ فِي يَمِينِهِ، إِذَا لَمْ يَبِرَّ بِهَا، وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ، وَهِيَ يَمِينٌ فَاجِرَةٌ أَيْ كَاذِبَة، وَيَمِين غَمُوس، وغَمُوص، وَهِيَ الَّتِي يُتَعَمَّدُ فِيهَا الْكَذِب.
وَيُقَالُ رَجُلٌ مَذَّاعٌ أَيْ لا وَفَاءَ لَهُ، وَرَجُل طَرِف بِفَتْحٍ فَكَسْر إِذَا كَانَ لا يَثْبُتُ عَلَى عَهْد.
وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ " فُلان مِلْحه عَلَى رُكْبَتِهِ، وَعَلَى رُكْبَتَيْهِ "، إِذَا كَانَ قَلِيل الْوَفَاء.
وَتَقُولُ مَعَاذَ اللَّه أَنْ أَخُونَ لَك عَهْداً، وَأَبَى اللَّهُ أَنْ أُخْفِرَ لَك ذِمَّة، وَأَنَا أَكْرَمُ مِنْ ذَلِكَ شِيمَة، وَأَبَرّ عَقْد ضَمِير، وَأَشْرَف مَنْزَع نَفْس، وَأَرْفَعُ مَنَاط هِمَّة
(2/157)

فَصْلٌ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ
تَقُولُ وَعَدَنِي بِكَذَا، وَوَعَدَنِيهِ، وَقَدْ وَعَدَنِي خَيْراً، وَوَعَدَنِي وَعْدا كَرِيماً، وَعِدَةً جَمِيلَةً، وَوَعَدَنِي بِكَذَا فَاتَّعَدْتُ أَيْ قَبِلْتُ الْوَعْدَ.
وَإِنَّهُ لَرَجُل صَادِق الْوَعْد، كَرِيم الْعَهْدِ، وَإِنَّهُ لَيَفْعَل مَا يَقُولُ، وَيُتْبِعُ قَوْلَهُ فِعْلَهُ، وَيَشْفَعُ عِدَته بِالإِنْجَازِ، وَقَدْ وَثِقْتُ بِوَعْدِهِ، وَنَطْتُ بِهِ ثِقَتِي، وَانْقَلَبْتُ عَنْهُ ثَلِج الصَّدْر، طَيِّب النَّفْسِ، نَاعِم الْبَالِ، قَوِيّ الأَمَلِ، حَيّ الرَّجَاءِ.
وَقَدْ قَامَ بِوَعْدِهِ، وَبَرَّ بِقَوْلِهِ، وَأَنْجَزَ لِي وَعْدَهُ، وَأَتَمَّهُ، وَقَضَاهُ، وَوَفَاهُ، وَوَفَى بِهِ.
وَتَقُولُ لِمَنْ سَأَلَكَ حَاجَة أَفْعَلُ وَكَرَامَةً، وَأَفْعَلُ وَحُباً وَكَرَامَة، وَنَعَمْ وَنَعْمَةَ عَيْن، وَنُعْمَى عَيْن، وَنَعَام عَيْن، وَسَمِيعاً دَعَوْتَ، وَقَرِيباً دَعَوْتَ، وَسَأَبْلُغُ فِي ذَلِكَ مَحَبَّتَك، وَأَبْلُغ مَحَابّك، وَسَتَجِدُنِي عِنْدَ مَا تُحِبُّ، وَعِنْدَ مَا يُرْضِيك، وَمَا يَسُرُّك، وَعَوِّلْ عَلَيَّ بِمَا شِئْتَ، وَاحْمِلْ عَلَيَّمَا أَحْبَبْتَ، وَحَاجَتك مَقْضِيَّة إِنْ شَاءَ اللَّهُ
(2/158)

وَتَقُولُ سَأَلْتُهُ كَذَا فَمَلَثَنِي، وَمَلَذَنِي، أَيْ طَيَّبَ نَفْسِي بِوَعْد لا يَنْوِي بِهِ وَفَاء، وَقَدْ وَعَدَنِي عِدَةً ضِمَاراً وَهِيَ الَّتِي لا وَفَاءَ لَهَا، وَإِنَّهُ لَرَجُل مَلاَّث، وَمَلاَّذ، وَرَجُل مَذِق اللِّسَان أَي كَاذِب يَقُولُ وَلا يَفْعَلُ، وَلِفُلان كَلام وَلَيْسَ لَهُ فِعَال.
وَقَدْ مَطَلَنِي بِوَعْدِهِ، وَمَاطَلَنِي، وَطَاوَلَنِي، وَزَجَّانِي، ودَافَعَنِي، وَسَوَّفَنِي، وَعَلَّلَنِي بِالْمَوَاعِيدِ، وَغَرَّنِي بِالأَمَانِيِّ، وَفَوَّقَنِي الأَمَانِيّ، وَمَنَّانِي الأَمَانِيّ، وَأَجَرَّنِي أَعِنَّة التَّعْلِيل، وَمَا زِلْتُ مُرْتَهِناً فِي وَعْدِهِ، وَقَدْ عَلَّقَ نَفْسِي بِالأَمَلِ، وأَقَامَنِي بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْيَأْسِ، وَأَقَامَنِي بَيْنَ الظَّفَرِ وَالْخَيْبَةِ.
وَإِنَّمَا كَانَ وَعْده وَعْد عُرْقُوب، وَإِنَّمَا هُوَ سَحَابَة صَيْف وَإِنَّمَا هُوَ بَرْقٌ خُلَّب، وَسَحَاب جَهَام.
وَقَدْ اسْتَبْطَأْتُ وَعْده، وَاسْتَرَثْتُهُ، وَتَقَاضَيْتُهُ مَا وَعَدَنِي، وَاسْتَنْجَزْتُهُ وَعْده، وَتَنَجَّزْتُهُ، وَطَالَبْتُهُ بِوَعْدِهِ، وَأَذْكَرْتُهُ
(2/159)

وَعْده، وَأَقَمْت أَتَوَقَّعُ إِنْجَازه، وَأَنْتَظِرُ وَفَاءَهُ، وَقَدْ دَرَجَتْ عَلَى وَعْدِهِ الأَيَّام، وَكَرَّتْ الأَسَابِيع، وَمَا زَالَ يَشْفَعُ الْوَعْد بِالْوَعْدِ، وَلا يَزِيدُنِي عَلَى الْمَطْل، وَقَدْ أَخْلَفَنِي مَا وَعَدَنِي، وَخَاسَ بِوَعْدِهِ وَكُنْت مَعَهُ كَالْقَابِضِ عَلَى الْمَاءِ، وَكَالْبَانِي فِي الْهَوَاءِ، وَالْمُسْتَمْسِك بِحِبَال الْهَبَاء.
وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ " السَّرَاح مِنْ النَّجَاحِ " أَيْ إِذَا لَمْ تَقْدِرْ عَلَى قَضَاء حَاجَة الرَّجُلِ فَأَيْئِسْهُ مِنْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الإِسْعَافِ.
وَيُقَالُ فُلانٌ قَرِيبٌ الثَّرَى بَعِيد النَّبَط أَيْ دَانِي الْمَوْعِدِ بَعِيد الإِنْجَازِ.
وَيَقُولُ الْمُتَنَجِّز: أَنْجَزَ حُرٌّ مَا وَعَدَ، وَهُوَ طَلَبٌ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ أَيْ لِيُنْجِزْ.
وَيُقَالُ اِسْتَأْنَفَهُ بِوَعْدٍ إِذَا ابْتَدَأَهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْأَلَ
وَتَقُولَ فِي الْوَعِيدِ أَوْعَدَهُ بَشَرٍّ، وَأَوْعَدَهُ شَراً، وَتَوَعَّدَهُ بِكَذَا، وَهَدَّدَهُ، وَتَهَدَّدَهُ، وَإِنَّهُ لَوَعِيد تَنْقَدُّ مِنْهُ الضُّلُوع، وَتَنْقَضُّ الْجَوَانِح، وَتَنْمَاثُ الْقُلُوب، وَتَتَزَايَلُ الْمَفَاصِل، وَتَرْتَعِدُ الْفَرَائِصُ، وَتَمْشِي الْقُلُوب فِي الصُّدُورِ، وَتَنْقَطِعُ
(2/160)

الظُّهُور رَهْبَة وَفَرَقاً.
وَيُقَالُ جَاءَ فُلان وَقَدْ أَبْرَقَ وَأَرْعَدَ، وَجَاءَ وَهُوَ يُبْرِقُ وَيُرْعِدُ أَيْ يَتَوَعَّدُ وَيَتَهَدَّدُ.
وَفِي كِتَابِ فُلانٍ بُرُوق وَرُعُود أَيْ كَلِمَات وَعِيد.
وَيُقَالُ فُلان مُفَايِش إِذَا كَانَ يُكْثِرُ مِنْ الْوَعِيدِ فِي الْقِتَالِ ثُمَّ يَكْذِبُ.
وَإِنَّ فُلاناً لَيُكْثِر مِنْ الْهَدِيدِ وَالْفَدِيدِ وَهُوَ الْوَعِيدُ مِنْ وَرَاء وَرَاء.
وَفِي الْمَثَلِ " الصِّدْق يُنْبِئُ عَنْك لا الْوَعِيدُ " أَيْ أَنَّ الْفِعْلَ يُنْبِئُ عَنْ حَقِيقَتك لا الْقَوْل

فَصْلٌ فِي الإِسْعَافِ وَالرَّدِّ
يُقَالُ أَسْعَفَنِي فُلان بِحَاجَتِي، وَسَعَفَنِي بِهَا، وَسَاعَفَنِي، وَقَضَاهَا لِي، وَأَمْضَاهَا، وَأَنْعَمَ لِي بِمَا طَلَبْتُ، وَمَنَّ عَلَيَّ بِهِ، وَبَلَّغَنِي مَا فِي نَفْسِي، وَأَمْكَنَنِي مِنْ بُغْيَتِي، وَمَكَّنَنِي مِنْهَا، وَأَدْنَاهَا مِنْ مَنَالِي، وَوَصَلَ يَدِي بِمُلْتَمَسِي، وَمَلأَ يَدِي مِمَّا أَمَّلْتُ، وَجَعَلَ حَاجَتِي عَلَى حَبْل ذِرَاعِي، وَقَدْ نَزَلَ عَلَى مُقْتَرَحِي،
(2/161)

وَأَجَابَنِي إِلَى مَا سَأَلْتُهُ، وَلَبَّى مُبْتَغَايَ، وَخَفَّلِ حَاجَتِي، وَعُنِيَ بِأَمْرِي، وَاهْتَمَّ بِشَأْنِي، وَكَفَانِي مَا اسْتَكْفَيْتُهُ مِنْ حَوَائِجِي.
وَقَدْ صَدَقَنِي السَّعْي، وَبَذَلَ لِي مَسْعَاهُ فِي الأَمْرِ، وَبَذَلَ طَوْقه، وَجَهَدَ جُهْده، وَلَمْ يَدَّخِرْ عَنِّي وُسْعاً، وَمَا قَصَّرَ فِيمَا عَهِدْتُ إِلَيْهِ، وَمَا وَنَى وَمَا تَهَاوَنَ، وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي شَيْءٍ مِنْ مُبَلِّغَات النُّجْح.
وَقَدْ أَخَذَ بِضَبْع آمَالِي، وَأَوْرَى زَنْد آمَالِي، وَعَقَدَ آمَالِي بِالْفَوْزِ، وَذَيَّلَ مَسْعَايَ بِالنُّجْحِ، وَمَا خَابَ فِيهِ أَمَلِي، وَمَا كَذَبَنِي فِيهِ ظَنِّي، وَمَا خَدَعَتْنِي فِيهِ أَمَانِيّ، وَقَدْ أَوَيْتُ مِنْهُ إِلَى رُكْنٍ مَنِيعٍ، وَنَزَلْتُ مِنْهُ فِي جَنَاب مَرِيع، وَأَنْزَلْتُ مِنْهُ أَمَلِي مَنْزِلَه، وَأَنْزَلْتُ آمَالِي مِنْهُ مُنْزَل صِدْق، وَأَنْزَلْتُ حَاجَتِي عَلَى كَرِيم، وَبَغَيْتُ حَاجَتِي مِنْ مَبْغَاتِهَا، وَانْصَرَفْتُ عَنْهُ مُنْجِحاً، وَرَجَعْتُ عَنْهُ بِنُجْح حَاجَتِي، وَانْثَنَيْتُ أَحْمَدُ مَسْعَايَ، وَعُدْتُ عَنْهُ ثَانِياً عِنَانِي، وَانْقَلَبْتُ عَنْهُ أَجْمَل مُنْقَلَب.
وَتَقُولُ طَلَبَ إِلَيَّ فُلان كَذَا فَأَطْلَبْتُهُ طِلْبَتَهُ أَيْ أَسْعَفْتُهُ بِمَا طَلَبَ
(2/162)

وَيُقَالُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ: كَلَّفْتُهُ كَذَا فَامْتَنَعَ مِنْ قَضَائِهِ، وَأَبَى إِسْعَافِي بِهِ، وَانْقَبَضَ عَنْ إِسْعَافِي، وَقَبَضَ يَدَهُ عَنِّي، وَأَعْرَضَ عَنْ مُلْتَمَسِي، وَوَلاَّنِي صَفْحَة إِعْرَاضه، وَقَعَدَ عَنْ حَاجَتِي، وَتَقَاعَدَ، وَتَثَاقَلَ، وَتَوَانَى، وَتَوَرَّكَ، وَقَدْ اسْتَخَفَّ بِحَاجَتِي، وَتَهَاوَنَ بِهَا، وَأَغْفَلَهَا، وَأَهْمَلَهَا وَتَغَافَلَ عَنْهَا، وَتَغَاضَى عَنْهَا، وَأَضْرَبَ عَنْهَا، وَضَرَبَ عَنْهَا صَفْحاً، وَظَهَرَ بِهَا، وَأَظْهَرَهَا، وَجَعَلَهَا بِظَهْرٍ، وَاِتَّخَذَهَا ظِهْرِيّاً، وَتَرَكَهَا نِسْياً مَنْسِيّاً، وَمَا أَغْنَى عَنِّي مِنْ أَمْرِي شَيْئاً، وَمَا أَغْنَى عَنِّي فَتِيلا، وَلَمْ يُغْنِ عَنِّي قُلامَة ظُفُر.
وَقَدْ أَخْلَفَ ظَنِّي فِيهِ وَخَيَّبَ أَمَلِي، وَخَيَّبَ مَسْعَايَ، وَأَحْبَطَ مَسْعَايَ، وَكَسَعَ آمَالِي بِالْخِذْلانِ، وَقَدْ صَدَرْتُ عَنْهُ بِآمَالِي، وَعُدْتُ وَأَنَا أَتَعَثَّرُ بِأَذْيَالِ الْخَيْبَةِ.
وَإِنَّمَا صِرْت إِلَى غَيْرِ كَافٍ، وَنَزَلْتُ بِوَادٍ غَيْرِ مَمْطُورٍ، وَأَنْزَلْتُ آمَالِي
(2/163)

بِوَادٍ غَيْر ذِي زَرْع، وَاسْتَصْرَخْتُ غَيْر مُصْرِخ، وَاشْتَكَيْتُ إِلَى غَيْرِ مُشْكٍ.
وَتَقُولُ مَا عَلَى فُلانٍ مِنْ مَحْمِل، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ مُعَوَّل، وَمِنْ مُعْتَمَد، وَمِنْ مُتَّكَل، وَمِنْ مُسْتَنَد.
وَيُقَالُ أَتَانِي فُلان فِي حَاجَةِ كَذَا فَصَفَحْتُهُ عَنْهَا، وَأَصْفَحْتُهُ، أَيْ مَنَعْتُهُ وَرَدَدْتُهُ، وَقَدْ ثَنَيْتُهُ عَلَى وَجْهِهِ أَيْ رَجَعْتُهُ إِلَى حَيْثُ جَاءَ، وَقَدْ رَجَعَ أَدْرَاجه، وَرَجَعَ عَلَى حَافِرَتِهِ.
وَتَقُولُ مَا اِمْتَهَدَ عِنْدِي مَهْد ذَاكَ إِذَا طَلَبَ إِلَيْك مَعْرُوفاً بِلا يَد سَلَفَتْ مِنْهُ إِلَيْك أَوْ بَعْدَ أَنْ أَسْلَفَكَ إِسَاءَة.
وَتَقُولُ لِمَنْ قَصَدَك عَدِّ عَنِّي حَاجَتَك، وَعَدِّ عَنِّي إِلَى غَيْرِي، أَيْ اطْلُبْ حَاجَتَك عِنْدَ غَيْرِي فَإِنِّي لا أَقْدِرُ لَك عَلَيْهَا.
وَيَقُولُ الرَّجُل لِلرَّجُلِ مَا أَلَوْتُ عَنْ الْجَهْدِ فِي حَاجَتِك، فَيَقُولُ بَلْ أَشَدّ الأَلْو.
وَيُقَالُ نِمْتَ عَنِّي نَوْمَة الأَمَةِ أَيْ غَفَلْتَ عَنِّي وَعَنْ الاهْتِمَامِ بِي.
وَتَقُولُ أَبْدَعَ بِي فُلان فِي هَذَا الأَمْرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ ظَنِّك بِهِ فِي كِفَايَتِهِوَإِصْلاحه
(2/164)

فَصْلٌ فِي الْقَصْدِ وَالاسْتِمْنَاحِ
يُقَالُ قَصَدْتُ فُلانا، وَأَمَّمْتُهُ، وَيَمَّمْتُهُ، وَاعْتَفَيْتُهُ، وَاجْتَدَيْتُهُ، وَاسْتَجْدَيْتُهُ، واسْتَمَحْتُهُ، وَاسْتَمْنَحْتُه ُ، وَاسْتَرْفَدْتُهُ، وَانْتَجَعْتُ فَضْله، وَاسْتَمْطَرْتُ مَعْرُوفه، وَشِمْتُ بَارِقَتَهُ، وَشِمْتُ بَرْق كَرَمه، وَاسْتَمْطَرْتُ غَيْث جُوده، وَوَرَدْتُ شِرْعَة نَدَاهُ، وَجِئْتُ أَسْتَنِضّمَعْرُوفه، وَأَسْتَوْكِفُ بِرّه، وَأَمْتَاحُ فَضْله، وَأَسْتَدِرُّ جُوده، وَقَدْ اِتَّصَلْتُ بِبَابِهِ، وَتَمَسَّكْتُ بِعُرْوَتِهِ، وَشَدَدْتُ كَفِّي بِعُرْوَتِهِ، وَاتَّصَلْتُ بِسَبَبِهِ، وَوَصَلْت حَبْلِي بِحَبْلِهِ، وَرَمَيْتُهُ بِآمَالِي، وَنَزَعْتُ إِلَيْهِ بِرَجَائِي، وَتَوَسَّلْتُ إِلَيْهِ بِأَسْبَابِ الأَمَلِ، وَرَكِبْتُ إِلَيْهِ ظُهُورَ الآمَالِ وَزَفَفْتُ إِلَيْهِ حَاجَتِي، وَاسْتَحْمَلْتُهُ نَفْسِي، وَاسْتَحْمَلْتُهُ أُمُورِي، وَرَفَعْتُ إِلَيْهِ
(2/165)

حَوَائِجِي، وَأَسْنَدْتُ حَاجَتِي إِلَيْهِ، وَصَمَدْتُ إِلَيْهِ بِحَاجَتِي، وَعَمَدْتُ إِلَيْهِ، وَصَمَدْتُهُ، وَعَمَدْتُهُ، وَاعْتَمَدْتُهُ، وَتَعَمَّدْتُه ُ.
وَهُوَ سَيِّدٌ مَعْمُودٌ، وَسَيِّدٌ صَمَدٌ، وَمَصْمُود، أَيْ مَقْصُود بِالْحَوَائِجِ، وَهُوَ مَعْمُود مَصْمُود، وَهُوَ سَيِّد مَنْظُور، يُرْجَى فَضْله، وَتَرْمُقُهُ الأَبْصَار، وَتَمْتَدُّ إِلَيْهِ الأَعْنَاقُ، وَتُنَاخُ بِبَابِهِ الْحَاجَات، وَهُوَ قِبْلَة الرَّاجِي، وَقِبْلَة الآمَال، وَوِجْهَة الْعَافِي، وَكَهْف اللاجِئِ، وَلا مَذْهَبَ لِلآمَالِ عَنْ بَابِهِ، وَلا مَرَادَ لِلنُّجْحِ عَنْ فِنَائِهِ.
وَيُقَالُ صَدَعْتُ فُلانا أَيْ قَصَدْتُهُ لِكَرَمِهِ، وَاخْتَبَطْتُهُ إِذَا قَصَدْتَهُ مِنْ غَيْرِ رَحِم بَيْنَكُمَا وَلا وُصْلَة، وَاعْتَرَرْتُهُ إِذَا تَعَرَّضْتَ لِمَعْرُوفِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ.
وَيُقَالُ فُلانٌ طَالِبُ عُرْف، وَمُجْتَدِي كَرَم، وَهُوَ رَائِد حَاجَة، وَمُرْتَادهَا، وَهُوَ مِنْ رُوَّاد الْحَاجَات

فَصْلٌ فِي الصَّنِيعَةِ
يُقَالُ صَانَعَهُ، وَاصْطَنَعَهُ، وَصَنَعَ إِلَيْهِ جَمِيلا، وَأَجْمَلَ إِلَيْهِ
(2/166)

الصُّنْع، وَاصْطَنَعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفاً، وَازْدَرَعَ عِنْدَهُ مَعْرُوفاً، وَأَحْدَثَ إِلَيْهِ عَارِفَة، وَاصْطَنَعَ عِنْدَهُ صَنِيعَة، وَاِتَّخَذَ عِنْدَهُ صَنِيعَة، وَاتَّخَذَ عِنْدَهُ يَداً بَيْضَاءَ، وَيَداً غَرَّاء، وَبَوَّأَهُ مِنْ أَيَادِيهِ مُبَوَّأ صِدْق، وَلَهُ عَلَيْهِ أَثَر جَمِيل، وَلَهُ عِنْدَهُ يَد صَالِحَة.
وَهُوَ صَنِيعَة فُلان، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِنِعْمَتِهِ، وَمَغْبُوطٌ بِمِنَنِهِ، وَقَدْ بَرَّهُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِ، وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ، وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ، وَتَطَوَّلَ عَلَيْهِ، وَمَنَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَصَّهُ بِمَعْرُوفِهِ، وَآثَرَهُ بِبِرِّهِ، وَسَاقَ إِلَيْهِ جَمِيلاً، وَأَسْدَى إِلَيْهِ مَعْرُوفاً، وَأَوْلاهُ خَيْراً، وَتَعَهَّدَهُ بِخَيْر، وَخَوَّلَهُ نِعْمَة، وَأَزَلَّ إِلَيْهِ نِعْمَة، وَأَدَرَّ عَلَيْهِ أَخْلاف نِعْمَته، وَأَرْضَعَهُ أَفَاوِيق بِرّه، وَلَحَفَهُ فَضْلَ لِحَافه، وَمَدَّ لَهُ أَكْنَاف بِرّه،
(2/167)

وَقَدْ عَادَ عَنْهُ مُغْتَبِطاً بِسَيْبِهِ، مَحْبُوّا، مَحْبُوراً يَجُرُّ ذَلاذِلَ الْفَوْز، وَيَرْفُلُ فِي بُرُود النِّعَم، وَقَدْ عَقَدَ بِذَلِكَ مِنَّةً لَدَيْهِ، وَقَلَّدَهُ مِنَّةً، وَطَوَّقَهُ نِعْمَة، وَطَوَّقَهُ أَطْوَاق بِرّه، وَنَاطَ نِعْمَته قِلادَة فِي عُنُقِهِ، وَقَدْ تَطَوَّقَ مِنْهُ أَيَادِي، وَتَقَلَّدَ نِعْمَته طَوْق الْحَمَامَةِ، وَلَمْ يَخْلُ مِنْ بِرِّهِ، وَمَبَرَّته، وَإِحْسَانِهِ، وَفَضْله، وَنِعْمَته، وَمِنَّته، وَعَوَائِده، وَصَنَائِعه، وَآلائِهِ، وَأَيَادِيهِ، وَفَوَاضِله، وَعَوَارِفه، وَمَعْرُوفه، وَجَمِيله.
وَيُقَالُ مَا أَحْسَنَ عَائِدَة فُلان عَلَى قَوْمِهِ، وَإِنَّهُ لَكَثِير الْعَوَائِدِ عَلَيْهِمْ وَإِنَّ لَهُ نَفَحَات مِنْ الْمَعْرُوفِ.
وَمَا رَأَيْت أَكْثَرَ مِنْهُ تَبَرُّعاً بِعَطَاءٍ أَيْ اِبْتِدَاء مِنْ غَيْرِ سُؤَال، وَفِي الْحَدِيثِ مَا رَأَيْت أَحَداً أَعْطَى لِجَزِيلٍ عَنْ ظَهْر يَد مِنْ طَلْحَةَ أَيْ تَفَضُّلا مِنْ غَيْرِ مُكَافَأَة ولا قَرْض

فَصْل فِي الْهِبَة وَالْحِرْمَانِ
يُقَالُ وَهَبَهُ، وَأَعْطَاهُ، وَحَبَاهُ، وَمَنَحَهُ، وَنَفَحَهُ، وَأَنَالَهُ،
(2/168)

وَنَوَّلَهُ، وَوَصَلَهُ، وَأَجَازَهُ، وَخَوَّلَهُ، وَرَفَدَهُ، وَأَرْفَدَهُ، وَأَصْفَدَهُ، وَأَحْذَاهُ، وَأَجْدَاهُ، وَأَجْدَى عَلَيْهِ، وَجَدَا عَلَيْهِ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِ، وَأَنْدَى عَلَيْهِ، وَأَوْلاهُ كَذَا، وَجَادَ لَهُ بِكَذَا، وَبَرَّهُ، وَأَتْحَفَهُ، وَأَلْطَفَهُ، وَآسَاهُ بِمَالِهِ، وَأَسْهَمَ لَهُ فِي هِبَاتِهِ، وَبَذَلَ لَهُ ذَات يَده.
وَقَدْ أَمَرَ لَهُ بِمَا مَلأَ عَيْنه، وَأَمَرَ أَنْ يُحْمَلَ إِلَيْهِ كَذَا، وَأَطْلَقَ لَهُ كَذَا دِينَاراً، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَكَسَاهُ، وَحَمَلَهُ، وَأَقْطَعَهُ مَوْضِع كَذَا، وَسَوَّغَهُ ضَيْعَة كَذَا، وَقَدْ مَلأَ يَدَيْهِ بِجَوَائِزِهِ، وَمَلأ كَفَّيْهِ بِعَطَائِهِ، وَعَاد عَنْهُ يَجُرُّ ذَيْلَ الْغِنَى، وَيَسْحَبُ ذَيْلَ السَّعَادَةِ، وَعَاد عَنْهُ بِأَمْوَالٍ طَائِلَةٍ.
وَقَدْ وَسِعَ الْقَوْمَ عَطَاءُ فُلان، وَعَمَّتْهُمْ نَوَافِله، وَغَمَرَهُمْ نَوَاله، وَأَكْثَرَ لَهُمْ مِنْ الأَعْطِيَةِ، وَأَجْزَلَ لَهُمْ مِنْ الْهِبَاتِ، وَأَسْنَى لَهُمْ مِنْ الصِّلات، وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ آلاءَهُ، وَأَضْفَى عَلَيْهِمْ نِعْمَته، وَأَفَاضَ عَلَيْهِمْ سِجَال عُرْفه، وَتَابَعَ لَهُمْ إِحْسَانه، وَوَاصَلَ مَبَرَّاته، وَرَادَفَ
(2/169)

مِنَنه، وَظَاهَرَ نِعَمه، وَأَيَادِيه، وَمَوَاهِبه، وَصَنَائِعه، وَمِنَحه، وَتُحَفه، وَحِبَاءَهُ، وَرِفْده، وَصَفَدَهُ، وَنَوَاله، وَنَائِله، وَسَيْبه، وَفَضْله، وَجَدْوَاهُ، وَنَدَاهُ.
وَلِفُلانٍ نِعَم تَسْتَرِقُّ الأَعْنَاق، وَتَسْتَعْبِدُ الأَحْرَار، وَإِنَّ لَهُ الْعَطَاءَ الْجَزْلَ، وَالنَّائِل الْغَمْر، وَالسَّيْب الْمُحْسِب، وَالْمَوَاهِب السَّنِيَّة، وَقَدْ بَسَطَ عِنَان الْمَكَارِم، وَبَسَطَ يَده فِي اِصْطِنَاع الْمَعْرُوف.
وَيُقَالُ فُلانٌ لا يُفْتَرَصُ إِحْسَانه أَيْ لا تُتَرَصَّدُ لَهُ الْفُرَص لأَنَّهُ لا يَفُوتُ، وَيُقَالُ لا يُفْتَرَطُ أَيْضاً بِالطَّاء وَالْمَعْنَى وَاحِد
وَيُقَالُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ مَنَعَهُ، وَحَرَمَهُ، وَضَنَّ عَلَيْهِ بِمَعْرُوفِهِ، وَقَبَضَ يَدَهُ عَنْ مَبَرَّتِهِ، وَحَجَبَهُ عَنْ فَضْلِهِ، وَقَدْ أَكْدَى نَوَاله، وَصَلَدَ زَنْده، وَكَبَا زَنْده، وَجَمَدَتْ كَفُّهُ، وَمَا نَدِيَتْ لَهُ كَفُّهُ، وَمَا نَدِيَتْ لَهُ صَفَاته، وَمَا بَضَّلَهُ حَجَرُهُ، وَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ صِلَتُهُ، وَعَاد عَنْهُ بِالْخَيْبَةِ، وَانْقَلَبَ عَنْهُ بِالْحِرْمَانِ، وَرَجَعَ صِفْر الْيَدَيْنِ.
وَتَقُولُ مَا اِمْتَهَدَ فُلان عِنْدِي يَداً إِذَا لَمْ يُولِك
(2/170)

نِعْمَةً وَلا مَعْرُوفاً، وَمَا تَنَدَّيْتُ مِنْ فُلان، وَمَا انْتَدَيْتُ، وَمَا نَدِيَنِي مِنْهُ شَيْء، أَيْ مَا أَصَابَنِي مِنْهُ خَيْر، وَمَا بَلَّ فُلان لَهَاتِي بِنَاطِل، وَمَا ظَفِرْتُ مِنْهُ بِنَاطِل، وَمَا أَسْفَفْتُ مِنْهُ بِتَافِه، وَمَا حَلِيتُ مِنْهُ بِتَافِه، وَمَا حَلِيتُ مِنْهُ بِخَيْر، وَمَا أَعْطَانِي زَغَبَة، وَمَا أَصَبْتُ مِنْهُ زُغَابَة، وَمَا أَصَبْتُ مِنْهُ فَرْضاً وَلا قَرْضاً، أَيْ لَمْ أَنَلْ مِنْهُ شَيْئاً.
وَتَقُولُ فِي الْمَنْعِ لا وَلا قُلامَة، وَلا وَلا كَرَامَة.
وَيُقَالُ اذْهَبْ فَمَا تَبُلُّك عِنْدَنَا بَالَّة أَيْ لا يُصِيبُك مِنَّا نَدىً وَلا خَيْر.
وَيُقَالُ كَانَ فُلان يُعْطِي ثُمَّ خَدَعَ أَيْ أَمْسَكَ وَمَنَعَ وَتَقُولُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ رَضَخَ لَهُ مِنْ مَالِهِ، وَبَضَّ لَهُ، وَبَرَض َلَهُ، إِذَا أَعْطَاهُ عَطَاء قَلِيلا، وَقَدْ أَقَلَّ عَطَاءَهُ، وَأَوْتَحَهُ، وَأَنْزَرَهُ، وَأَخَسَّهُ، وَصَرَّدَهُ، وَأَوْشَلَهُ، وَجَاءَهُ فَلَمْ يَحْلَ مِنْهُ بِطَائِل، وَلَمْ يَفُزْ مِنْهُ بِغَنَاء، وَمَا نَالَ مِنْهُ إِلا الْيَسِير، النَّزْر، التَّافِه، الْبَرْض، الزَّهِيد، الطَّفِيف، الْخَسِيس، وَإِنَّهُ لَعَطَاء وَتْح، وَوَتِح،
(2/171)

وَعَطَاء مَنْزُور، وَمَمْصُور، كُلّ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْقَلِيل.
وَيُقَالُ مَصَّرَ عَلَيْهِ عَطَاءَهُ تَمْصِيراً إِذَا أَعْطَاهُ قَلِيلا قَلِيلا.
وَهُوَ يَتَبَرَّضُ فُلاناً إِذَا أَخَذَ مِنْهُ الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ وَتَبَلَّغَ بِهِ

فَصْلٌ فِي تَرَادُف النِّعَم
يُقَالُ تَرَادَفَتْ عَلَى فُلان النِّعَم، وَتَتَابَعَتْ، وَتَوَالَتْ، وَتَتَالَتْ، وَتَدَارَكَتْ، وَتَسَاتَلَتْ، وَتَوَاصَلَتْ، وَتَوَاتَرَتْ، وَتَوَارَدَتْ، وَتَعَاقَبَتْ.
وَيُقَالُ رَبَّ فُلان مَعْرُوفه، وَتَمَّمَ إِحْسَانَهُ، وَعَادَ عَلَى مَا بَدَأَ مِنْ صَنِيعَتِهِ، وَأَنْعَمَ عَوْداً وَبَدْءًا، وَعَوْداً عَلَى بَدْء، وَأَفْضَلَ بَادِئاً وَعَائِداً، وَبَادِئاً وَمُعَقِّباً، وَسَالِفاً وَمُجَدَّداً، وَأَوَّلاً وَآخِراً.
وَتَقُولُ هَذِهِ نِعْمَة تَرُبّ بِهَا سَابِق إِحْسَانِك، وَتُتَمِّمُ غَابِر إِنْعَامك، وَتُضَاعِف سَالِف إِيلائِكَ، وَتُجَدِّد قَدِيم نَعْمَائِكَ، وَتَسْتَأْنِفُ مَاضِيَ إِفْضَالك، وَتَصِلُ بِهَا مَا سَبَقَ لَك مِنْ الأَيَادِي، وَتُذَيِّلُ مَا تَقَدَّمَ لَك مِنْ الْمَوَاهِبِ، وَتَشْفَعُ مَا لَك قِبَلِي مِنْ الْجَمِيلِ، وَتَصِلُ هَوَادِيَ نِعَمك
(2/172)

بِتَوَالِيهَا، وَتُرْدِفُ أَوَائِلهَا بِأَوَاخِرِهَا، وَسَوَابِقهَا بِلَوَاحِقِهَا، وَسَوَالِفهَا بِرَوَادِفِهَا وَتَقُولُ فِي الدُّعَاءِ أَدَامَ اللَّه لَك سَوَابِغ النِّعَم، وَجَدَّدَ لَك نَوَابِغ الْقِسَم، وَضَاعَفَ لَك هِبَاتِهِ الْمُتَنَاسِقَة، وَظَاهَرَ عَلَيْك آلاءَهُ الْمُتَرَادِفَة، وَوَاصَلَ لَك مِنَنه الْمُتَتَابِعَة، وَلا أَخْلاك مِنْ حَمْدٍ تُجَدِّدُهُ عَلَى نِعْمَةٍ يُجَدِّدُهَا لَك، وَلا بَرِحْتَ تُهَنَّأُ بِعَارِفَةٍ تَسْتَزِيدُهَا، وَزِيَادَة فِي الْخَيْرِ تَسْتَفِيدُهَا، وَلا فَتِئْتَ تَقْرُن بَيْن قَدِيم النِّعَم وَحَدِيثهَا، وَتَجْمَعُ بَيْن تَالِدِهَا وَطَرِيفِهَا، وَلا زِلْتَ مِنْ الْخَيْرِ كُلَّ يَوْمٍ فِي مَزِيدٍ

فَصْلٌ فِي الشُّكْرِ وَالْكُفْرَانِ
يُقَالُ شَكَرَ لِفُلان نِعْمَته، وَشَكَرَهُ عَلَى نِعْمَتِهِ، وَتَشَكَّرَهُ، وَتَشَكَّرَ لَهُ مَا صَنَعَ، وَقَامَ بِشُكْر أَيَادِيه، وَقَامَ بِوَاجِبِ شُكْرِهِ، وَنَهَضَ بِأَعْبَاء شُكْره، وَبِأَعْبَاءِ
(2/173)

صَنِيعَتِهِ، وَقَامَ بِحُرْمَة صَنِيعَته، وَأَحْسَنَ جِوَار نِعْمَتِهِ، وَأَدَّى مُفْتَرَض شُكْره، وَقَضَاهُ فَرِيضَة إِحْسَانه، وَقَضَاهُ حَقّ الشُّكْر عَلَى إِنْعَامِهِ، وَرَطَّبَ لِسَانَهُ بِشُكْرِهِ، وَمَلأَ فَاهُ بِحَمْدِهِ، وَقَدْ عَرَفَ حَقّ نِعْمَتِهِ، وَقَدَرَ نِعْمَته حَقّ قَدْرِهَا، وَاعْتَرَفَ بِمِنَّته، وَحَدَّثَ بِأَيَادِيهِ، وَنَوَّهَ بِنِعْمَتِهِ، وَأَظْهَرَ صَنَائِعه، وَنَشَرَ آلاءَهُ، وَأَشَادَ بِفَضْلِهِ، وَأَذَاعَ مَكَارِمه، وَنَثَّ فَضَائِله، وَأَثْنَى عَلَى صَنِيعَتِهِ، وَأَجْمَلَ الثَّنَاء عَلَيْهِ، وَقَابَلَ جَمِيل صُنْعِهِ بِجَمِيلِ ثَنَائِهِ، وَعَطَّرَ الْمَجَالِس بِذِكْرِهِ، وَخَطَبَ فِي الْمَحَافِلِ بِشُكْرِهِ، وَنَشَرَ عَلَى آلائِهِ رِيَاط الْحَمْد، وَخَلَعَ عَلَى قُدُود صَنَائِعه حُلَل الثَّنَاء، وَنَاطَ شُكْره قَلائِد فِي أَعْنَاق مِنَنه، وَأَثْنَى عَلَى جَمِيلِهِ ثَنَاء الزَّهْر عَلَى الْقَطْرِ.
وَتَقُولُ لِفُلانٍ عَلَيَّ يَد لا أَكْفُرُهَا، وَلَهُ عَلَيَّ الأَيَادِي السَّالِفَة، وَالْحُرُمَات اللازِمَة، وَلَهُ فِي عُنُقِي قَلائِد لا يَفُكُّهَا الْمَلَوَانِ، وَقَدْ مَلَكَنِي بِإِحْسَانِهِ، وَاسْتَرَقَّنِي بِفَضْلِهِ، وَقَيَّدَنِي بِنَعْمَائِهِ، وَاسْتَعْبَدَ ثَنَائِي بِبِرِّهِ، وَقَدْ أَصْفَيْتُهُ شُكْرِي، وَضَرَبْتُ عَلَى شُكْرِهِ أَطْنَاب
(2/174)

عُمْرِي، وَحَبَسْتُ لِسَانِي عَلَى شُكْرِهِ، وَلِسَانِي وَقْف عَلَى شُكْر أَيَادِيه.
وَهَذِهِ نِعْمَة لا يُؤَدَّى حَقّهَا، وَلا يَنْقَضِي شُكْرهَا، وَلا يُسْتَوْفَى ثَنَاؤُهَا، وَلا يَنْهَضُ بِهَا شُكْر، وَلا يَضْطَلِعُ بِأَعْبَائِهَا شُكْر، وَلا يَسْتَوْفِي حَقَّهَا شُكْر، وَنِعْمَة يَعْجَزُ عَنْ قَضَائِهَا لِسَان الشُّكْرِ، وَلا يَقُومُ بِحَقّ شُكْرهَا لِسَان.
وَقَدْ تَوَاتَرَتْ إِلَيَّ صَنَائِع فُلان حَتَّى نَزَفَ جَمِيله شُكْرِي، وَأَبْدَعَ بِرُّه بِثَنَائِي، وَأَبْدَعَ قَصْدُهُ بِوَصْفِي.
وَتَقُولُ أَعَانَنِي اللَّهُ عَلَى قَضَاء حَقّك، وَطَوَّقَنِي اللَّه أَدَاء حَقّك، وَآتَانِي اللَّهُ لِسَان صِدْقٍ يَقُومُ بِأَعْبَاء شُكْرك.
وَيُقَالُ إِنَّ فُلاناً لَرَجُل فِيهِ مُصْطَنَعأَيْ أَهْل لأَنْ يُصْطَنَع، وَقَدْ اِحْتَمَلَ الصَّنِيعَة أَيْ تَقَلَّدَهَا وَشَكَرَهَا.
وَيُقَالُ الشُّكْرُ قَيْد النِّعَم الْمَوْجُودَة، وَصَيْد النِّعَم الْمَفْقُودَة، وَبِالشُّكْرِ تُمْتَرَى النِّعَم. وَيُقَالُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ كَفَرَ صَنِيعَته، وَجَحَدَ إِحْسَانه، وَأَنْكَرَ جَمِيلَهُ، وَغَمَطَ بِرّه، وَغَمَصَهُ، وَكَنَدَ نِعْمَته،
(2/175)

وَبَطَرَهَا، وَأَجْحَفَ بِحَقِّ النِّعْمَةِ، وَاسْتَخَفَّ بِهَا، وَتَهَاوَنَ بِهَا، وَأَضَاعَ حُرْمَتهَا، وَفَرَّطَ فِي وَاجِبِهَا.
وَفُلانٌ كَفُورٌ، كَنُود، سَيِّئ الاحْتِمَال لِلصَّنَائِعِ، كَتُوم لِلنِّعْمَةِ، سَاتِر لِمَا يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ الإِحْسَانِ، لا يَعْرِفُ لِلصَّنِيعَةِ حُرْمَة، وَلا يَشْكُرُ نِعْمَة، وَلا يَنْشُرُ جَمِيلا.
وَيُقَالُ فُلان رَجُلٌ مُكَفَّرٌ وَهُوَ المِحْسَان الَّذِي لا تُشْكَرُ نِعَمُهُ.
وَفِي الأَمْثَالِ " فُلان كَالشَّعِيرِ يُؤْكَلُ وَيُذَمُّ ".
" وَلَمْ أَرَ كَالدُّنْيَا تُذَمُّ وَتُحْلَبُ ".

فَصْلٌ فِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ
يُقَالُ مَدَحَهُ، وَامْتَدَحَهُ، وَقَرَّظَهُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ بِخَيْرٍ، وَذَكَرَهُ بِصَالِحٍ، وَذَكَرَهُ بِالْجَمِيلِ، وَأَجْمَلَ ذِكْره، وَأَشَادَ بِذِكْرِهِ، وَعَدَّدَ مَآثِره، وَأَذَاعَ مَنَاقِبَهُ، وَنَشَرَ مَسَاعِيَهُ، وَأَظْهَرَ مَحَامِده، وَأَعْلَنَ مَفَاخِرَهُ، وَأَطْنَبَ فِي فَضَائِلِهِ، وَنَوَّهَ بِصَنَائِعِهِ، وَأَثْنَى عَلَى خَلائِقِهِ، وَأَكْثَرَ مِنْ مَدْحِهِ، وَأَطَالَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَوَصَفَهُ أَحْسَن وَصْفٍ، وَذَكَرَهُ أَجْمَلَ
(2/176)

ذِكْرٍ، وَمَدَحَهُ أَبْلَغَ مَدْحٍ، وَخَلَعَ عَلَى عِرْضِهِ أَجْمَلَ الْحُلَل، وَنَشَرَ طِرَاز مَحَاسِنه فِي الْمَجَالِسِ، وَنَثَرَ لآلِئَ وَصْفه فِي الْمَحَافِلِ، وَسَيَّرَ ذِكْرَ مَحَامِده فِي الآفَاقِ.
وَيُقَالُ هَتَفْتُ بِفُلانٍ إِذَا مَدَحْتَهُ، وَخَلَّفْتُهُ بِخَيْرٍ عِنْدَ الْقَوْمِ إِذَا ذَكَرْتَهُ بِالْجَمِيلِ، وَفُلان حَسَن الْمَحْضَر إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَذْكُرُ الْغَائِب بِخَيْر.
وَأَطْرَيْتُهُ إِطْرَاء، وَأَطْرَأْتُهُ بِالْهَمْزِ، إِذَا بَالَغْتَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ.
وَتَقُولُ فُلان يَتَبَجَّحُ عَلَيْنَا بِفُلان، وَيَتَمَجَّح عَلَيْنَا بِهِ، أَيْ يُبَاهِي بِهِ وَيَهْذِي بِمَدْحِهِ، وَهُوَ يَهْرِفُ بِفُلان نَهَاره كُلّه أَيْ يُطْنِبُ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْهَذَيَانِ.
وَتَقُولُ فُلان طَيِّب الثَّنَاء، وَطَيِّب النَّثَا، جَمِيل الذِّكْر مَحْمُود الشُّهْرَة، جَمّ الْفَضَائِل، كَثِير الْمَمَادِح.
وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْل النَّجَابَةِ، وَالنُّبْل، وَالْمُرُوءَة، وَالشَّهَامَة، وَالْكَرَم، وَالْجُود، وَالإِحْسَان، وَالْحِلْم، وَالأَنَاة، وَالدَّعَة، وَالرِّقَّة.
وَمِنْ ذَوِي الرَّصَانَةِ، وَالْحَصَافَة، وَالْحُنْكَة، وَالرَّأْي، وَالسَّدَاد، وَالْعِلْم، وَالأَدَب، وَالْفَضْل، وَالتُّقَى، وَالصَّلاح، وَالْكَمَال، وَالْخَيْر، وَالسَّمْت.
وَمِنْ
(2/177)

أُولِي الشَّرَف، وَالْحَسَب، وَالْمَجْدِ، وَالْجَلالَةِ، وَالنَّبَاهَةِ، وَالْمَعَالِي، وَالنَّخْوَة، وَالنَّجْدَة، وَالْبَسَالَة،
وَالسَّيْف، وَالْقَلَم.
وَفُلانٌ يُقَصِّرُ عَنْ حَقِّهِ طَوِيلُ الثَّنَاءِ، وَيَضِيقُ بِمَدْحِهِ الثَّنَاءُ الْعَرِيضُ، وَلا يَبْلُغُ كُنْه مَحَامِدِهِ لَفْظٌ، وَلا يُحِيطُ بِمَعَانِي مَدْحِهِ وَصْفٌ، وَإِنَّ لَهُ خُطىً فِي الْفَضْلِ يَظْلَعُ وَرَاءَهَا الْقَلَم، وَغَايَة فِي الْمَجْدِ يَحْسِرُ مِنْ دُونِهَا الْفِكْر، وَبَسْطَة فِي الْكَرَمِ تَضِيقُ عَنْ اِسْتِيعَابِهَا الصِّفَات، وَلا عَيْبَ فِيهِ سِوَى أَنَّ فَضْلَهُ قَدْ أَعْجَزَ الْبُلَغَاءَ وَقَصَّرَتْ عَنْ مُجَارَاتِهِ الْكِرَام.
وَيُقَالُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ ذَمَّهُ، وَثَلَبَهُ، وَسَبَّهُ، وَعَابَهُ، وَشَتَمَهُ، وَعَيَّرَهُ، وَتَنَقَّصَهُ، وَاغْتَابَهُ، وَنَزَغَهُ، وَلَمَزَهُ، وَهَمَزَهُ، وَقَدَحَ فِيهِ، وَغَمَزَ فِيهِ، وَطَعَنَ فِيهِ، وَطَعَنَ عَلَيْهِ، وَوَقَعَ فِيهِ، وَشَنَّعَ عَلَيْهِ، وَشَنَّرَ عَلَيْهِ، وَزَرَى عَلَيْهِ، وَسَمَّعَ بِهِ، وَنَدَّدَ بِهِ، وَوَقَعَ فِي عِرْضِهِ، وَهَجَّنَ عِرْضه، وَهَتَرَ عِرْضَهُ، وَنَهَكَ عِرْضه، وَانْتَهَكَهُ، وَأَطَالَ عَلَيْهِ لِسَانه، وَلَسَعَهُ بِلِسَانِهِ، وَلَسَبَهُ، وَلَدَغَهُ، وَبَسَطَ لِسَانه فِيهِ، وَأَخَذَهُ بِلِسَانِهِ، وَتَنَاوَلَهُ بِلِسَانِهِ،
(2/178)

وَقَالَ فِيهِ، وَنَالَ مِنْهُ، وَنَالَ مِنْ عِرْضِهِ، وَذَكَرَهُ بِالسُّوءِ، وَتَنَاوَلَهُ بِالْقَبِيحِ، وَاسْتَطَالَ فِي عِرْضِهِ، وَقَرَضَ عِرْضه، وَاقْتَرَضَهُ، وَمَضَغَهُ، وَلاكَهُ.
وَمَا زَالَ فُلان يَتَتَبَّعُ هَفَوَات فُلان، وَيَتَعَقَّبُ سَقَطَاته، وَيَتَرَقَّبُ فَرَطَاته، وَيَتَرَصَّدُ عَثَرَاته، وَيُنَقِّبُ عَنْ عَوْرَاتِهِ، وَيَعُدُّ عَلَيْهِ أَنْفَاسه.
وَقَدْ أَصَابَ مِنْهُ مُتَرَقَّعاً، وَأَصَابَ مِنْهُ مَغْمَزاً، أَيْ مَوْضِعاً لِلذَّمِّ، وَمَا بَرِحَ يُنَبِّهُ عَلَى عُيُوبِهِ، وَيَنْعَى عَلَيْهِ عُيُوبَهُ، وَمَعَايِبه، وَمَعَايِرَهُ، وَمَثَالِبه، وَمَقَابِحَهُ، وَمَشَايِنه، وَمَخَازِيه، وَمَسَاوِئَهُ، وَمَذَامّه، وَمَطَاعِنه، وَنَقَائِصه، وَغَمَائِزه، وَعَوْرَاته، وَسَوْآته.
وَفُلانٌ يَقْذَعُ ذَوِي الأَحْسَاب الشَّرِيفَة، وَيَنْحِتُ أَثْلَتهم، وَيُقَطِّع أَعْرَاضَهُمْ، وَيَلُوك أَعْرَاضهمْ، وَيَسْرَح فِي أَعْرَاضِهِمْ، وَيَنْتَهِك حُرُمَاتِهِمْ.
وَهُوَ يُصْغِي إِنَاء فُلان، وَيَقْرَعُ مَرْوَتَهُ، وَيَقْرَعُ صَفَاته، وَيُمَزِّقُ فَرْوَتَهُ، وَيَجُبُّ ذِرْوَته، وَيَغْمِزُ قَنَاته، وَيَغْمِزُ
(2/179)

صَعْدَتَهُ، أَيْ يَتَنَقَّصُهُ وَيَقَعُ فِيهِ، وَقَدْ رَمَاهُ بِالْهَاجِرَاتِ، وَالْمُهْجِرَاتِ، وَهِيَ الْفَضَائِحُ.
وَإِنَّهُ لَرَجُل ذَرِع، خَبِيث اللِّسَانِ، طَوِيل اللِّسَانِ، وَقَّاع فِي الأَعْرَاضِ، وَإِنَّهُ لَمَضَّاغ لِلُحُومِ النَّاسِ، وَإِنَّهُ لَيَمْضَغ لُحُومَهُمْ، وَيَأْكُل لُحُومَهُمْ، وَهُوَ رَجُلٌ هَمَّازٌ لَمَّاز، وَهُمَزَة لُمَزَة، وَرَجُلٌ لُسَعَة، وَلَساعَة، وَلَسَّابَة، وَقَرَّاصَة، وَلَدَّاغَة، وَإِنَّهُ لَفَكِه بِأَعْرَاض النَّاس أَيْ يَتَلَذَّذُ بِاغْتِيَابِهِمْ، وَقَدْ مَرَجَ لِسَانه فِي أَعْرَاضِهِمْ، وَأَمْرَجَهُ، أَيْ أَطْلَقَهُ بِالْوَقِيعَةِ فِيهِمْ.
وَيُقَالُ شَحَذْتَ لِسَانك عَلَيْنَا، وَأَرْهَفْتَهُ عَلَيْنَا، أَيْ حَدَّدْتَهُ لِثَلْب أَعْرَاضنَا.
وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ قَوَارِع فُلان، وَلَوَاذِعه، وَنَوَاقِرِهِ، وَمِنْ قَوَارِص لِسَانه، وَحَصَائِد لِسَانه، وَقَدْ أَتَتْنِي مِنْ فُلان قَوَارِص، وَلَوَاسِع، وَأَتَتْنِي عَنْهُ نَوَاقِر، وَلا تَزَالُ تَقْرُصُنِي مِنْ فُلان قَارِصَة.
وَتَقُولُ خَلَفَهُ عِنْدَ الْقَوْمِ بِشَرٍّ كَمَا تَقُولُ خَلَفَهُ بِخَيْرٍ أَيْ ذَكَرَهُ بِهِ.
وَيُقَالُ هَجَاهُ هَجْواً، وَهِجَاء، وَهُوَ الذَّمُّ بِالشِّعْرِ خَاصَّة، وَقُلِّدَ فُلان قِلادَة سُوء إِذَا هُجِيَ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ وَسْمُهُ، وَقَدْ طُوِّقَ طَوْقاً
(2/180)

لا يَبْلَى، وَهَذَا كَلام يَبْقَى مِيسَمه عَلَيْهِ مَا بَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ.
وَيُقَالُ قَشَبَنِي فُلان بِعَيْبِ نَفْسِهِ أَيْ لَطَخَنِي بِهِ، وَهُوَ قَاشِبٌ أَيْ يَعِيبُ النَّاس بِمَا فِيهِ، وَفِي الْمَثَلِ " رَمَتْنِي بِدَائِهَا وَانْسَلَّتْ "، و " عَيَّرَ بُجَيْرٌ بُجَرَةَ نَسِيَ بُجَيْرٌ خَبَرَهُ ".

فَصْلٌ فِي حُسْنِ الصِّيتِ وَقُبْحِهِ
يُقَالُ فُلان حَسَن الصِّيت، جَمِيل الذِّكْرِ، حَمِيد السُّمْعَةِ، جَمِيل الْمَآثِرِ، طَيِّب الثَّنَاءِ، طَيِّب الذِّكْرِ، جَمِيل الْعِرْضِ، جَمِيل الصِّفَاتِ، مَمْدُوح الْخِلال، مَحْمُود الْمَآثِرِ، مَأْثُور الْمَحَامِد.
وَهَذَا فِعْل يُشَيَّعُ بِالْحَمْدِ، وَيُذَيَّلُ بِالثَّنَاءِ، وَيُذْكَرُ بِالْجَمِيلِ، وَتُحْمَدُ فِي النَّقْلِ أَنْبَاؤُهُ، وَيَحْسُنُ فِي السَّمَاعِ خَبَرُهُ، وَيَجْمُلُ فِي
(2/181)

الْمَجَالِسِ ذِكْرُهُ، وَيَطِيبُ فِي الْمَحَافِلِ نَشْره، وَيُخَلَّدُ فِي الصَّحَائِف حَمْده، وَهَذِهِ مَأْثَرَة يَرْوِيهَا لِسَان الْحَمْد، وَيُذِيعُهَا بَرِيد الثَّنَاء، وَتَتَنَاقَلُهَا أَلْسِنَةُ الْمَدِيحِ، وَهَذِهِ مَحْمَدَة تُؤْثَرُ عَلَى الأَيَّامِ، وَمَأْثَرَة يَبْقَى ذِكْرُهَا فِي الأَعْقَابِ، وَمَكْرُمَة تَمْلأُ مَسَامِع الدَّهْرِ حَمْداً، وَهَذَا صُنْع يُرْغَبُ فِيمَا يُخْلِفُهُ مِنْ طِيب الأُحْدُوثَة، وَجَمَال السُّمْعَة، وَحُسْن الأَثَرِ، وَيُغْتَنَمُ مَا فِيهِ مِنْ الْمَكْرُمَةِ الْبَاقِيَةِ، وَالْمَأْثَرَة السَّائِرَة، وَبِمِثْلِ هَذَا يُنَاطُ الذِّكْر الْجَمِيل عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ، وَيُخَلَّدُ الثَّنَاء الطَّيِّب عَلَى تَرَاخِي الأَحْقَاب
وَيُقَالُ فِي ضِدِّهِ فَعَلَ فُلان فِعْلا اِنْتَشَرَتْ لَهُ فِي النَّاسِ قَالَةٌ سَيِّئَة، وَاسْتَطَارَ بِهِ سَمَاع سُوء، وَشَاعَتْ لَهُ سُمْعَةٌ قَبِيحَةٌ، وَطَارَتْ لَهُ هَيْعَة مُنْكَرَة، وَاشْتَهَرَ بِهِ شُهْرَة فَاضِحَة، وَوَسَمَ جَبْهَته بِمِيسَم الْعَار، وَقَدْ اِتَّسَمَ بِهِ وَسْمَ سُوء، وَارْتَطَمَ بِهِ فِي مَرَاغَة الذَّمّ، وَأَصْبَحَ مُضْغَةً فِي أَفْوَاه الْقَارِضِينَ، وَغَرَضاً لِسِهَامِ الطَّاعِنِينَ.
وَإِنَّهُ لَرَجُلٌ مَشْنُوع، قَبِيح السُّمْعَةِ، قَبِيح
(2/182)

الثَّنَاء، ذَمِيم الصِّيت، مَشْنُوء الذِّكْر، مَكْرُوه الأَفْعَالِ، مَذْمُوم الصِّفَاتِ، وَإِنَّهُ لَعُرَّة قَوْمه، وَشَيْن قَوْمه، وَإِنَّهُ لَعُرَّة مِنْ الْعُرَرِ.
وَهَذِهِ فَعْلَة شَنْعَاء، وَفَعْلَة شَنِيعَة، وَسَوْءَةٌ فَاضِحَة، وَإِنَّهَا لَمِنْ أَقْبَح الْمَخَازِي، وَمِنْ أَشْنَعِ الْفَضَائِح، وَهَذَا صَنِيع يَقْبُحُ فِي الْقَالَةِ، وَيُكْرَهُ فِي الذِّكْرِ، وَيُشْنَأُ فِي السَّمْعِ، وَإِنِّي أَرْغَبُ بِك عَنْ هَذَا الصَّنِيعِ، وَأَخَافُ عَلَيْك مِنْهُ سُوءَ السَّمَاعِ، وَأَخَافُ عَلَيْك قُبْح الأُحْدُوثَةِ، وَهَذَا أَمْر يَسُوءُ مَوْقِع الْقَوْلِ فِيهِ، وَأَمْر يَحْمِلُ عَلَيْك مَعَايِبه، وَيَنَالُكَ شَيْنه، وَيَنْتَشِرُ عَلَيْك بِهِ سُوءُ النَّبَأِ، وَهَذَا فِعْل يُطَوِّقُ فَاعِله الذَّمّ، وَيُقَلِّدُهُ قَلائِد الْخِزْي، وَيَغْمِسُهُ فِي الْفَضَائِحِ، وَيُلْزِمُهُ عَاراً لا يَمْحُوهُ كُرُور الأَيَّام وَلا يُنْسِيه تَعَاقُب الْحِدْثَانِ.

فَصْلٌ فِي رُكُوبِ الْعَارِ وَاجْتِنَابِهِ
يُقَالُ لَحِقَهُ مِنْ هَذَا الأَمْرِ عَار، وَشَنَار، وَخِزْي، وَعَيْب،
(2/183)

وَشَيْن، وَوَصْم، وَسُبَّة، وَغَضَاضَة، وَمَغَضَّة، وَغَضِيضَة، وَمَنْقَصَة، وَنَقِيصَة، وَدَنِيئَة، وَمَعَرَّة.
وَإِنَّ فِي هَذَا الأَمْرِ لَمَغْمَزاً عَلَيْهِ، وَمَطْعَناً، وَغَمِيزَة، وَغَمِيصَة، وَإِنَّهُ لَرَجُل مَوْصُوم الْحَسَب، وَإِنَّهُ لَمَغْمُوز عَلَيْهِ فِي حَسَبِهِ، وَمَغْمُوص عَلَيْهِ، أَيْ مَطْعُون عَلَيْهِ، وَإِنَّ فِيهِ لَمَغَامِز َ، وَمَطَاعِن، وَقَدْ وُسِمَ بِطَابَع الْعَار، وَبِمِيسَم الْعَار، وَأَوْرَثَهُ هَذَا الأَمْرُ عَاراً، وَأَعْقَبَهُ عَاراً، وَقَنَّعَهُ الْعَار، وَعَصَبَ بِرَأْسِهِ الْعَار، وَطَوَّقَهُ الْعَار، وَخَطَمَ أَنْفه بِالْعَارِ، وَعَصَبَ بِهِ عَاراً لا يُمْحَى، وَجَرَّ عَلَيْهِ عَاراً لَنْ يُغْسَلَ عَنْهُ، وَلَطَخَهُ بِعَارٍ لا تَرْحَضُهُ عَنْهُ السِّنُونَ، وَنَطَفَهُ بِعَارٍ لا يُطَهِّرُهُ مِنْهُ الْجَدِيدَانِ.
وَيُقَالُ جَاءَ فُلان بِالْمُخْزِيَات، وَبِالْمُنْدِيَات، وَبِالْمُؤْنِبَاتِ، وَجَاءَ بِسَوْءَةٍ شَنْعَاء، وَمَعَرَّة دَهْمَاء، وَإِنَّهُ لَرَجُل مُسْتَهْتِر أَيْ لا يُبَالِي مَا قِيلَ فِيهِ، وَإِنَّهُ لَمِمَّنْ يَرْكَبُ الْعَار، وَيُقَارِفُ الْعُيُوب، وَيَغْشَى الدَّنَايَا، وَيُبْرِزُ صَفْحَتَهُ لِلْخِزْي، وَيَطْرَحُ نَفْسه فِي الْفَضَائِحِ، وَلا يُبَالِي بِالْغَضَاضَةِ، وَلا يَتَّقِي
(2/184)

الذَّمَّ.
وَيُقَالُ إِنَّ فُلاناً لَيَنْعَى عَلَى نَفْسِهِ بِالْفَوَاحِشِ إِذَا شَهَرَ نَفْسه بِتَعَاطِيهَا.
وَتَقُولُ هَذَا أَمْرٌ يَعِيبُك، وَيَشِينك، وَيَعُرُّك، وَيَغُضُّ مِنْك، وَيَضَعُ مِنْ قَدْرك، وَيَنْقُصُ مِنْ حَسَبِكَ، وَيَقْدَحُ فِي حَسَبِكَ، وَيُشْعِرُكَ شَنَاره، وَيُلْبِسُك عَاره، وَهَذَا مَسْقَطَة لَك مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، وَإِنَّهُ لَفِعْل يَغُضُّ الطَّرْفَ، وَيَغُضُّ مِنْ الْبَصَرِ، وَيُنَكِّسُ الْبَصَر، وَيَخْدِشُ وُجُوه الأَحْسَاب، وَهَذِهِ مَعَرَّة لا يُنْزَلُ كَنَفهَا، وَأَمْر لا يُحَطُّ عَاره، وَهَذِهِ سُبَّة الأَبَد، وَسُبَّة بَاقِيَة فِي الأَعْقَابِ، وَهَذِهِ فَعْلَة سَتَبْقَى وَسْمَ ذَمٍّ عَلَى الأَبَدِ، وَسَتَبْقَى عَاراً وَأُحْدُوثَةَ سُوءٍ فِي الْغَابِرِينَ.
وَتَقُولُ هَذَا أَمْر أُجِلُّكَ عَنْ إِتْيَانِهِ، وَأُنَزِّهُك عَنْهُ، وَأَرْفَعُكَ عَنْهُ، وَأَرْبَأُ بِك عَنْهُ، وَأَرْغَبُ بِك عَنْهُ، وَآنَفُ لَك مِنْهُ، وَأَسْتَنْكِفُ لَك مِنْهُ، وَأُعِيذُك مِنْ إِتْيَانِ مِثْلِهِ، وَهَذَا أَمْر لا أَرْضَاهُ لَك، وَإِنَّهُ لا يَلِيقُ بِك، وَلا يَرْصُفُ بِك، وَلا يَزْكُو بِك، وَلا يَجْمُلُ بِحَسَبِكَ، وَمَا هَذَا مِنْك بِحُرّ وَيُقَالُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ فُلانٌ صَحِيحُ الْعِرْضِ، وَافِر الْعِرْض،
(2/185)

نَقِيّ الْعِرْضِ، طَاهِر الْحَسَبِ، نَقِيّ الأَدِيم، نَقِيّ الثِّيَابِ، بَعِيد عَنْ الدَّنَايَا، مُنَزَّه عَنْ النَّقَائِصِ، بَرِيء مِنْ الْمَطَاعِنِ.
وَإِنَّهُ لَيَأْنَف مِنْ الْعَارِ، وَيَتَكَرَّم عَنْ الدَّنِيئَةِ، وَيَتَرَفَّعُ عَنْ النَّقِيصَةِ، وَيَتَصَوَّنُ مِنْ الْمَعَايِب، وَيَرْبَأُ بِنَفْسِهِ عَنْ الدَّنَايَا، وَيُكْرِمُ نَفْسه عَنْ إِتْيَان الْمَخَازِي، وَيَذْهَبُ بِنَفْسِهِ عَنْ مَوَاطِن الشَّيْن.
وَإِنَّهُ لَيَجِلّ عَنْ أَنْ يَفْعَل كَذَا، وَيَتَجَالَّ عَنْهُ، وَهُوَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُرْمَى بِمِثْلِ هَذَا، وَهُوَ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ قَدْراً، وَأَرْفَعُ مَحَلّاً، وَأَنْزَهُ شَأْناً، وَأَطْهَر نَفْسًا.
وَفُلانٌ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلطَّعْنِ، وَلا يُنَالُ بِمَذَمَّة، وَلا تَلْحَقُهُ غَضَاضَة، وَلا تَرْهَقُهُ مَعَرَّة، وَلا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ ذَمّ، وَلا يُعَابُ بِدَنِيئَة، وَلا يُرْمَى بِوَصْم.
وَيُقَالُ ظَهَرَ عَنْك الْعَار أَيْ لَمْ يَعْلَقْ بِك، وَهَذَا أَمْرٌ ظَاهِرٌ عَنْك عَارُهُ.
(2/186)

الباب الثامن: في معالجة الأمور وذكر أشياء من صفاتها وأحوالها
فَصْلٌ في الْعَزْمِ عَلَى الأَمْرِ وَالانْثِنَاءِ عَنْهُ
يُقَالُ عَزَمَ عَلَى الأَمْرِ، وَعَزَمَهُ، وَاعْتَزَمَهُ، وَاعْتَزَمَ عَلَيْهِ، وَأَزْمَعَهُ، وَأَزْمَعَ عَلَيْهِ، وَأَجْمَعَهُ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ، وَنَوَاهُ، وَانْتَوَاهُ، وَهَمَّ بِهِ، وَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ عَزِيمَته، وَقَطَعَ عَلَيْهِ عَزْمه، وَأَمْضَى عَلَيْهِ نِيَّته، وَبَتَّهَا، وَجَزَمَهَا، وَعَقَدَ نِيَّته عَلَى إِمْضَائِهِ، وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ، وَطَوَى عَلَيْهِ كَشْحَهُ.
وَيُقَالُ جَاءَ فُلان وَفِي رَأْسِهِ خُطَّة أَيْ حَاجَة قَدْ عَزَمَ عَلَيْهَا، وَقَدْ طَوَى فُؤَادَهُ عَلَى صَرِيمَة حَذَّاء أَيْ عَزِيمَة مَاضِيَة لا يَلْوِي صَاحِبهَا عَلَى شَيْء، وَقَدْ صَمَّمَ عَلَى الأَمْرِ، وَصَمَّمَ فِيهِ، وَأَصَرَّ عَلَيْهِ، وَوَطَّنَ نَفْسه عَلَيْهِ، وَضَرَبَ عَلَيْهِ أَطْنَابه، وَأَلْقَى عَلَيْهِ جِرَانه، وَأَضْرَبَ لَهُ
(2/187)

جَأْشاً، إِذَا عَزَمَ عَلَيْهِ عَزْماً لا رُجُوعَ فِيهِ، وَإِنَّهُ لَرَجُل زَمِيعٍ، وَإِنَّهُ لَذُو زَمَاع فِي الأُمُورِ، أَيْ إِذَا أَزْمَعَ أَمْراً لَمْ يَثْنِهِ شَيْء، وَهُوَ فِي هَذَا الأَمْرِ صَادِقُ الْعَزْمِ، ثَابِت الْعَقْد، مَاضِي الصَّرِيمَة، وَإِنَّهُ لَذُو عَزْم وَطِيد، وَعَزْم رَاسِخ، وَنِيَّة جَازِمَة.
وَتَقُولُ هَذَا أَمْر لا بُدَّ لِي مِنْهُ، وَلا مَحَالَةَ مِنْهُ، وَلا سَبِيلَ لِي عَنْهُ، وَلا مَرْجِعَ، وَلا مَحِيدَ، وَلا مَحْرِفَ، وَلا مَصْرِفَ، وَلا مَعْدِلَ، وَلا مَعْدَى، وَلا مَرَاغَ، وَلا مُتَحَوَّلَ، وَلا مُنْصَرَفَ، وَأَمْر لا سَبِيلَ إِلا إِلَيْهِ، وَإِلا بِهِ، وَلَيْسَ لِي عَنْهُ مَذْهَب، وَلا سَعَة، وَلا مُتَّسَع، وَلا نَدْحَة، وَلا مَنْدُوحَة، وَلا مَسْمَح، وَلا مُتَزَحْزَح، وَلَيْسَ لِي عَنْهُ مُتَقَدَّم وَلا مُتَأَخَّر.
وَتَقُولُ: أَنْتَ فِي نَفَسٍ مِنْ أَمْرِك أَيْ فِي سَعَة. وَيُقَالُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ رَجَعَ الرَّجُلُ عَنْ عَزْمِهِ، وَانْثَنَى عَنْهُ، وَارْتَدَّ، وَنَكَصَ، وَانْقَلَبَ، وَتَحَوَّلَ، وَانْكَفَأَ، وَكَفَّ، وَأَقْلَعَ، وَنَزَعَ، وأَمْسَكَ، وَأَوْقَفَ، وَأَقْصَرَ، وَعَدَلَ، وَعَدَّى، وَصَدَّ، وَصَدَفَ، وَأَعْرَضَ، وَانْقَبَضَ، وَأَضْرَبَ، وَصَفَحَ،
(2/188)

وَضَرَبَ عَنْهُ صَفْحاً، وَضَرَبَ عَنْهُ جَأْشاً، وَطَوَى عَنْهُ كَشْحاً.
وَيُقَالُ أَرَادَ فُلان كَذَا ثُمَّ بَدَا لَهُ، وَقَدْ بَدَا لَهُ فِي الأَمْرِ بَدَاء، وَبَدَتْ لَهُ فِيهِ بَدَاة وَهُوَ ذُو بَدَوَات، وَقَدْ حَلَّ عُرَى عَزْمه، وَقَوَّضَ أَطْنَاب عَزْمه، وَعَادَ نَاكِثاً مَا أَمَرَّ، وَفُلان يُسِفُّ وَلا يَقَعُ، وَيَحُومُ وَلا يَقَعُ، وَيَخْلُقُ وَلا يَفْرِي، وَيُومِئُ وَلا يُحَقِّقُ، إِذَا كَانَ يَدْنُو مِنْ الأَمْرِ ثُمَّ لا يَفْعَلُهُ.
وَأَقْدَمَ فُلان عَلَى الأَمْرِ ثُمَّ انْخَزَلَ عَنْهُ أَيْ اِرْتَدَّ وَضَعُفَ، وَقَدْ تَثَاقَلَ عَنْ الأَمْرِ، وَفَشِلَتْ عَزَائِمه، وَخَنَسَتْ هِمَمه، وَسُحِلَتْ مَرِيرَته، وَانْقَبَضَ ذَرْعه.
وَنَوَى كَذَا فَعَرَضَ لَهُ مَا أَفَكَهُ عَنْ عَزْمِهِ، وَاسْتَنْزَلَهُ عَنْ رَأْيِهِ، وَصَدَفَهُ عَنْ مُبْتَغَاهُ، وَصَرَفَهُ عَنْ نِيَّتِهِ، وَثَنَاهُ عَنْ مُرَادِهِ، وَقَلَبَهُ عَنْ وِجْهَتِهِ، وَأَحَالَهُ عَنْ قَصْدِهِ، وَقَطَعَهُ عَنْ عَزْمِهِ، وَكَسَرَ مِنْ ذَرْعِهِ، وَعَقَلَهُ عَنْ حَاجَتِهِ، وَحَبَسَهُ عَنْ لُبَانَتِهِ،
(2/189)

وَثَبَّطَهُ عَنْ عَزْمِهِ، وَاعْتَاقَهُ، وَرَدَّهُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَرَدَّهُ فِي حَافِرَتِهِ، وَاعْتَرَضَتْهُ فِي هَذَا الأَمْرِ رَبِيثَة، وَعُقْلَة، وَعُدَوَاء، وَفِي الْمَثَلِ قَدْ عَلِقَتْ دَلْوَكَ دَلْوٌ أُخْرَى يُضْرَبُ لِلْحَاجَةِ يَحُولُ دُونَهَا حَائِل.
وَقَدْ ضَرَبَ فُلان عَلَى يَدِهِ، وَقَبَضَ عِنَانِهِ، وَحَبَسَ عِنَانه، وَغَضّ مِنْ عِنَانِهِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ مُتَوَجَّهه، وَاعْتَرَضَ فِي سَبِيلِهِ، وَوَقَفَ مِنْ دُونِهِ سُدّاً.

فَصْلٌ فِي مُزَاوَلَةِ الأَمْرِ
يُقَالُ زَاوَلَ الأَمْرَ، وَعَالَجَهُ، وَمَارَسَهُ، وَدَاوَرَهُ، وَحَاوَلَهُ، وَتَطَلَّبَهُ، وَتَلَمَّسَهُ، وَعُنِيَ بِهِ، وَاهْتَمَّ بِطَلَبِهِ.
وَفُلانٌ يَحْتَالُ فِي بُلُوغ مَآرِبه، وَيَتَلَطَّفُ لَهَا، وَيَتَأَتَّى لَهَا، وَيَلْتَمِسُ إِلَيْهَا الْوَسَائِلَ، وَيَتَطَلَّبُ الذَّرَائِع، وَيَحْتَالُ الْحِيَل وَهُوَ يَلْتَمِسُ
(2/190)

وُصْلَة إِلَى حَاجَتِهِ، وَيَلْتَمِسُ إِلَيْهَا مَسَاغاً، وَبَلاغاً، وَسَبِيلا، وَيَبْتَغِي لَهَا الأَسْبَاب، وَيُقَلِّبُ لَهَا وُجُوهَ الرَّأْيِ، وَيُصَرِّفُ فِيهَا أَعِنَّة الْفِكْرِ، وَيَقْتَدِحُ لَهَا زِنَاد الرَّأْي، وَيَنْفُضُ إِلَيْهَا سُبُل الطَّلَب، وَيَرْتَادُ لَهَا نَوَاحِي الظَّفَر، وَيَتَوَخَّى لَهَا وُجُوه النُّجْح، وَيَتَلَمَّسُهَا مِنْ مَظَانِّهَا، وَيَبْتَغِيهَا مِنْ مَعَالِمِهَا، وَيَأْتِيهَا مِنْ مَأْتَاهَا، وَيَتَطَلَّبُهَا مِنْ مَبْغَاتِهَا.
وَقَدْ اِسْتَفْرَغَ فِيهَا وُسْعَهُ، وَاسْتَنْفَدَ طَاقَتَهُ، وَجَهَدَ جَهْده، وَبَذَلَ طَوْقَهُ، وَبَذَلَ مَجْهُودَهُ، وَاسْتَقْصَى فِيهَا الذَّرَائِع، وَاسْتَنْفَدَ الْوَسَائِلَ، وَأَنْضَى إِلَيْهَا رَكَائِب الطَّلَب، وَسَلَكَ إِلَيْهَا كُلَّ سَبِيلٍ، وَرَكِبَ فِيهَا كُلّ صَعْب وَذَلُول، وَلَمْ يَدَّخِرْ دُونَهَا سَعْياً، وَلَمْ يَدَّخِرْ وُسْعاً، وَلَمْ يَأْلُ جَهْداً.
وَيُقَالُ فُلانٌ يُدَاوِرُ الأُمُور، وَيُلاوِصُهَا، وَيُرِيغُهَا، أَيْ يَطْلُبُ مَأْتَاهَا.
وَتَقُولُ مَا بَرِحَ فُلان يُدَاوِرُنِي عَلَى الأَمْرِ،
(2/191)

وَيُدِيرُنِي عَلَيْهِ، وَيُرِيغُنِي، وَيُرِيدُنِي، وَيُرَاوِغُنِي، وَيُرَاوِدُنِي، وَيُلاوِصُنِي، أَيْ يُعَالِجُنِي عَلَيْهِ، وَقَدْ رَافَعَنِي وَخَافَضَنِي فَلَمْ أَفْعَلْ أَيْ دَاوَرَنِي كُلّ مُدَاوَرَة.
وَيُقَالُ تَطَاوَعَ فُلان لِلأَمْرِ، وَتَطَوَّعَ لَهُ، أَيْ تَكَلَّفَ اِسْتِطَاعَته حَتَّى يَسْتَطِيعَهُ.

فَصْلٌ فِي صُعُوبَةِ الأَمْرِ وَسُهُولَتِهِ
يُقَالُ فُلان يُزَاوِلُ مِنْ هَذَا الأَمْرِ مَطْلَباً صَعْباً، وَيُحَاوِلُ أَمْراً بَعِيداً، وَيَطْلُبُ خُطَّة مَنِيعَة، وَيَرُومُ أَمْرًا مُعْضِلا، وَقَدْ رَكِبَ مِنْ هَذَا الأَمْرِ قُحْمَة مَنِيعَة، وَرَكِبَ مَرْكَباً وَعْراً، وَمَرْكَباً جَمُوحاً.
وَإِنَّهُ لأَمْر صَعْب الْمُمَارَسَةِ، شَدِيد الْمَطْلَبِ، كَؤُود الْمَطْلَب، وَعْر الْمُلْتَمَس، وَعْر الْمُرْتَقَى، وَعْث الْمُبْتَغَى، مُعْجِز الْمَؤُونَة، بَعِيد الْمَرَامِ، عَزِيز الْمَنَال، مَنِيع الدَّرَك.
وَقَدْ صَعُبَ الأَمْرُ عَلَيْهِ، وَتَصَعَّبَ، وَاسْتَصْعَبَ، وَتَعَسَّرَ، وَتَعَذَّرَ،
(2/192)

وَتَوَعَّرَ، وَالْتَوَى، وَالْتَاثَ، وَأَعْضَلَ.
وَتَقُولُ قَدْ عَالَجْتُ فِي هَذَا الأَمْرِ شِدَّة، وَعَانَيْتُ فِيهِ صَعَدا، وَلَقِيتُ مِنْهُ بَرْحاً بَارِحاً، وَقَاسَيْتُ فِيهِ نَصَباً نَاصِباً، وَأَرْهَقَنِي أَمْراً صَعْباً، وَكَلَّفَنِي خُطَّة شَدِيدَة، وَبَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ، وَبَلَغَ مِنِّي الْمَشَقَّة، وَوَقَعْتُ مِنْهُ فِي كَبَد، وَكَابَدْتُ مِنْهُ عَقَبَةً كَؤُودا، وَقَاسَيْتُ فِيهِ كَؤُودا بَاهِراً، وَقَدْ عَنَّانِي طَلَبُهُ، وَبَرَّحَ بِي، وَشَقَّ عَلَيَّ، وَاشْتَدَّ عَلَيَّ، وَجَهَدَنِي، وَبَهَرَنِي، وَتَكَاءَدَنِي، وَتَصَاعَدَنِي، وَتَصَعَّدَنِي، وَأَعْنَتَنِي.
وَهَذَا أَمْر قَدْ خُضْت إِلَيْهِ غَمَرَات الْحَوَادِث، وَرَكِبْتُ فِيهِ أَكْتَاف الشَّدَائِد، وَاقْتَعَدْتُ ظُهُور الْمَكَارِهِ، وَإِنَّهُ لأَمْر لا يُبْلَغُ إِلا بِشَقِّ الأَنْفُسِ، وَلا يُنَالُ إِلا بِعَرَق الْقِرْبَة، وَأَمْر دُونَهُ خَرْط الْقَتَاد. وَتَقُولُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فُلان يَطْلُبُ مِنْ هَذَا الأَمْرِ مَطْلَباً
(2/193)

مُحَالا، وَيَرُومُ مَرَاما مُسْتَحِيلا، وَقَدْ حَدَّثَتْهُ نَفْسه بِمَا لا يَكُونُ، وَأَطْمَعَتْهُ فِيمَا لا مَطْمَعَ فِيهِ، وَلا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَلا يَقَعُ فِي الإِمْكَانِ، وَلا تَصِلُ إِلَيْهِ مَقْدِرَة، وَلا يَبْلُغُ إِلَيْهِ مُرْتَقَى هِمَّة، وَلا تُبَلِّغُ إِلَيْهِ وَسِيلَة، وَلا يَعْلَقُ بِهِ سَبَب، وَلا تَظْفَرُ بِهِ أُمْنِيَّة، وَلا يَقَعُ فِي حِبَالَة أَمَل، وَلا تَنَالُهُ حِيلَةُ مُحْتَال.
وَقَدْ اِمْتَنَعَ عَلَيْهِ الأَمْرُ، وَاسْتَحَالَ عَلَيْهِ، وَأَعْجَزَهُ، وَأَعْيَاهُ، وَأَعْيَا عَلَيْهِ، وَهُوَ أَمْرٌ مِنْ وَرَاءِ الطَّاقَةِ، وَمِنْ فَوْقِ الإِمْكَانِ، وَإِنَّهُ لأَمْر يَسِمُ طَالِبه بِالْعَجْزِ، وَيَرْمِيه بِالْفَشَلِ، وَإِنَّمَا هُوَ جِسْرٌ لا يُعْبَرُ، وَكَنَف لا يُوطَأُ، وَعَقَبَة لا تُرْتَقَى.
وَتَقُولُ مَالِي بِهَذَا الأَمْرِ يَدَانِ، وَلا يَد لَك فِي هَذَا الأَمْرِ، وَلا قِبَلَلَك بِهِ، وَلا يَسَعُهُ طَوْقك، وَهُوَ أَمْرٌ يَقْصُرُ عَنْهُ بَاعك، وَيَفُوتُ مَبْلَغ ذَرْعك، وَإِنَّهُ لأَمْر مِنْ دُونِهِ شَيْب الْغُرَاب، وَمُخّ النَّعَام، وَمُخّ الْبَعُوض، وَلَبَن الطَّيْر
وَيُقَالُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ تَأَتَّى لَهُ الأَمْر، وَتَيَسَّرَ، وَاسْتَيْسَرَ، وَتَسَهَّلَ، وَتَسَنَّى، وَتَهَيَّأَ، وَانْقَادَ، وَاسْتَقَادَ، وَقَدْ لانَتْ لَهُ أَعْطَاف الأُمُور، وَعَنَتْ لَهُ رِقَابهَا، وَأَمْكَنَتْهُ مِنْ قِيَادِهَا،
(2/194)

وَاسْتَسْلَمَتْ إِلَيْهِ بِأَعِنَّتِهَا، وَأَلْقَتْ إِلَيْهِ مَقَالِيدهَا.
وَقَدْ طَلَبَ مِنْ هَذَا الأَمْرِ مَطْلَباً سَهْلا، وَرَامَ شَيْئاً أَمَماً، وَهَذَا أَمْر يَسِير، وَمَيْسُور، سَهْل الْمُلْتَمَس، سَلِس الْمَطْلَب، سَلِس الْمَقَادَة، دَانِي الْمَنَال، مَبْذُول الْمَنَال، قَرِيب النُّجْعَة، قَرِيب الْمَنْزِع، مُذَلَّل الأَغْصَان، دَانِي الْقُطُوف.
وَهَذَا أَمْر لا كُلْفَةَ فِيهِ عَلَيْك، وَلا مَشَقَّةَ، وَلا عُسْرَ، وَلا صُعُوبَةَ، وَلا عَنَاءَ، وَلا مَؤُونَةَ، وَهُوَ عَلَى حَبْل ذِرَاعك، وَعَلَى طَرَفِ الثُّمَامِ.
وَيُقَالُ شَارَفَ الأَمْر إِذَا دَنَا مِنْهُ وَقَارَبَ أَنْ يَظْفَرَ بِهِ، وَقَدْ كَثَبَهُ الأَمْرُ، وَأَكَثَبَهُ، وَطَفَّ لَهُ، وَأَطَفَّ، وَاسْتَطَفَّ، وَسَنَحَ، وَأَعْرَضَ، وَأَشْرَفَ، إِذَا دَنَا مِنْهُ وَأَمْكَنَهُ.
وَفِي الأَمْثَالِ " كَثَبَكَ الصَّيْدُ فَارْمِهِ "، و " أَعْرَضَ لَك الصَّيْدُ فَارْمِهِ ".
وَيُقَالُ أَتَاهُ هَذَا الأَمْرُ غَنِيمَة بَارِدَة، وَمَغْنَماً بَارِداً، وَأَتَاهُ عَلَى اِغْتِمَاض، وَهَذَا أَمْر أَتَاك هَنِيئاً، وَنَالَ فُلان الْمُلْك وَادِعاً، وَأَدْرَكَ فُلان هَذَا الأَمْر عَفْواً صَفْواً، وَأَتَيْتُهُ بِهِ رَهْواً سَهْواً، كُلّ ذَلِكَ لِمَا
(2/195)

يُنَالُ عَلَى غَيْرِ كُلْفَة.
وَيُقَالُ افْعَلْ ذَلِكَ فِي سَرَاحٍ وَرَوَاحٍ أَيْ فِي سُهُولَة وَاسْتِرَاحَة.

فَصْل فِي تَقْسِيمِ الصُّعُوبَةِ
وَالامْتِنَاعِ عَلَى مَا يُوصَف بِهِمَا سِوَى مَا ذُكِرَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَمَاكِنِهِ
يُقَالُ لَصِبَ السَّيْف فِي الْغِمْدِ، وَلَحِجَ بِالْكَسْرِ فِيهِمَا، إِذَا نَشِبَ فِي الْغِمْدِ فَلَمْ يَخْرُجْ، وَكَذَلِكَ الْخَاتَم فِي الإِصْبَعِ إِذَا ضَاقَ فَتَعَذَّرَ إِخْرَاجُهُ، وَسَيْف مِلْصَاب إِذَا كَانَ كَذَلِكَ.
وَاسْتَلْحَجَ الْبَاب وَالْقُفْل إِذَا لَمْ يَنْفَتِحْ، وَقَدْ غَلِقَ الْبَاب بِالْكَسْرِ، وَاسْتَغْلَقَ، إِذَا عَسُرَ فَتْحهُ، وَقُفْل عِضّ بِالْكَسْرِ أَيْ لا يَكَادُ يَنْفَتِحُ.
وَيُقَالُ بَكْرَة صَائِمَة إِذَا كَانَتْ لا تَدُورُ.
وَمَرَسَ الْحَبْل مَرْساً مِنْ حَدِّ نَصَرَ إِذَا نَشِبَ بَيْنَ الْبَكْرَة وَالْقَعْوِ فَلَمْ يَجْرِ، وَأَمْرَسَهُ هُوَ إِمْرَاساً فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، وَأَمْرَسَهُ أَيْضاً أَعَادَهُ إِلَى مَجْرَاهُ، وَيُقَالُ مَرِسَتْ الْبَكْرَة مِنْ بَابِ تَعِبَ إِذَا كَانَ مِنْ عَادَتِهَا أَنْ يَمْرُسَ حَبْلهَا وَهِيَ بَكْرَة مَرُوس.
وَحَرِدَ الْحَبْل وَالْوَتَر إِذَا اِشْتَدَّتْ إِغَارَتُهُ أَوْ كَانَ بَعْض قُوَاهُ أَطْوَل مِنْ بَعْض فَتَعَقَّدَ وَتَرَاكَبَ، وَهُوَ حَبْلٌ مُحَرَّدٌ، وَفِيهِ
(2/196)

حُرُود.
وَتَغَسَّرَ الْغَزْل إِذَا الْتَوَى وَالْتَبَسَ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَخْلِيصِهِ.
وَعَضَلَتْ الْمَرْأَة بِوَلَدِهَا تَعْضِيلا.
وَأَعْضَلَتْ إِعْضَالا، إِذَا نَشِبَ الْوَلَد فِي جَوْفِهَا فَخَرَجَ بَعْضه وَلَمْ يَخْرُجْ بَعْض فَبَقِيَ مُعْتَرِضاً، وَكَذَلِكَ الدَّجَاجَة بِبَيْضِهَا، وَاِمْرَأَة وَدَجَاجَة مُعَضِّل، وَمُعْضِل.
وَيُقَالُ جَوْز مُرْصَق، وَمُرْتَصِق، إِذَا تَعَذَّرَ خُرُوج لُبّه.
وَقَوْسٌ كَزَّةٌ إِذَا كَانَ فِي عُودِهَا يُبْس عَنْ الانْعِطَافِ.
وَشَجَرَة عَصِلَة، وَعَصْلاء، أَيْ عَوْجَاء لا يُقْدَرُ عَلَى تَقْوِيمِهَا لِصَلابَتِهَا، وَكَذَلِكَ رُمْح وَعُود عَصِل، وَأَعْصَل.
وَيُقَالُ صَلَّ الْمِسْمَار يَصِلّ صَلِيلا إِذَا أُكْرِهَ عَلَى الدُّخُولِ فِي الشَّيْءِ فَسُمِعَ لَهُ صَوْت.
وَبَكْرَة كَزَّة أَيْ ضَيِّقَة شَدِيدَة الصَّرِير.

فَصْل فِي اِلْتِبَاسِ الأَمْر وَوُضُوحِهِ
يُقَالُ قَدْ اِلْتَبَسَ الأَمْر، وَأَشْكَلَ، وَاشْتَبَهَ، وَاخْتَلَطَ، وَالْتَبَكَ، وَالْتَاثَ، وَارْتَجَنَ، وَمَرِجَ، وَأَخَالَ، وَاسْتَبْهَمَ، وَاسْتَعْجَمَ، وَاسْتَغْلَقَ، وَغَمَضَ، وَغُمَّ، وَعُمِّيَ.
وَقَدْ اِسْتَبْهَمَتْ وُجُوه الأَمْرِ، وَخَفِيَتْ أَعْلامه، وَضَلَّتْ صُوَاهُ، وَتَنَكَّرَتْ
(2/197)

مَعَالِمه، وَاسْتَعْجَمَتْ مَذَاهِبه، وَعُمِّيَتْ مَسَالِكه، وَاسْتَسَرَّتْ آثَاره، وَغَامَ أُفُقه، وَأَدْجَنَتْ سَمَاؤُهُ.
وَهَذَا أَمْر لَبِك، غَامِض، مُبْهَم، مَرِيج، وَفِيهِ لَبْس، وَلُبْسَة، وَغُمَّة، وَغُمُوض، وَشُبْهَة.
وَهُوَ مِنْ مُتَشَابِهَات الأُمُور، وَمُشْتَبِهَات الأُمُورِ، وَمُشَبِّهَاتهَا، وَأَحْنَائِها، وَهَذِهِ أُمُور أَشْكَال.
وَيُقَالُ هَذَا أَمْر مُحْلِف أَيْ مُلْتَبِس يَحْلِفُ أَحَد الرَّجُلَيْنِ أَنَّهُ كَذَا وَالآخَر أَنَّهُ كَذَا، يُقَالُ كُمَيْت مُحْلِف إِذَا كَانَ بَيْنَ الأَحْوَى وَالأَحَمِّ، وَغُلام مُحْلِف إِذَا شُكَّ فِي بُلُوغِهِ، وَيُقَالُ أَيْضاً أَمْر مُحْنِث أَيْ مُحْلِف لِحِنْثِ أَحَد الْحَالِفَيْنِ فِيهِ.
وَتَقُولُ مَا لِهَذَا الأَمْر مُطَّلَع أَيْ مَأْتىً وَوَجْه، وَمِنْ أَيْنَ مُطَّلَع هَذَا الأَمْر، وَهَذَا أَمْر لَيْسَ لَهُ قِبْلَة وَلا دِبْرَة أَيْ لا يُعْرَفُ وَجْهُهُ.
وَتَقُولُ فُلان عَلَى لَبْس مِنْ أَمْرِهِ، وَعَلَى حَيْرَة مِنْهُ، وَعَلَى غُمَّة، وَإِنَّهُ لَفِي غُمَّة مَنْ أَمْرِهِ، وَفِي شُبْهَةٍ مِنْهُ، وَهُوَ فِي عَشْوَاء مِنْ أَمْره، وَإِنَّهُمْ لَفِي غَمَّاء مِنْ الأَمْرِ، أَيْ فِي أَمْرٍ مُلْتَبِسٍ.
وَقَدْ رَبِكَ الرَّجُل فِي أَمْرِهِ،
(2/198)

وَارْتَبَكَ، وَحَارَ يَحَارُ، وَتَحَيَّرَ، وَسَدِرَ، وَعَمِهَ، وَتَاهَ، وَتَعَسَّفَ، وَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ وِجْهَته، وَضَلَّ وِجْهَةَ أَمْرِهِ، وَاخْتَلَطَتْ عَلَيْهِ أُمُورُهُ، وَفَشَتْ، وَانْتَشَرَتْ.
وَيُقَالُ فَشَتْ عَلَيْهِ الضَّيْعَة أَيْ انْتَشَرَتْ عَلَيْهِ أُمُورُهُ فَلا يَدْرِي بِأَيِّهَا يَأْخُذُ.
وَانْثَالَ عَلَيْهِ الْقَوْل إِذَا تَتَابَعَ وَكَثُرَ فَلا يَدْرِي بِأَيِّهِ يَبْدَأُ.
وَيُقَالُ رَابَ الرَّجُل فِي أَمْرِهِ يَرُوبُ إِذَا اِخْتَلَطَ عَقْله وَرَأْيه، وَهُوَ فِي هَذَا الأمْرِ خَابِط لَيْل، وَحَاطِب لَيْل، وَرَاكِب عَشْوَاء وَعُشْوَة، وَرَاكِب عَمْيَاءَ، وَقَدْ أَصْبَحَ أَحْيَرَ مِنْ ضَبّ، وَأَصْبَحَ لا يَعْلَمُ قَبِيلا مِنْ دَبِير.
وَيُقَالُ إِذَا اِلْتَبَسَ الأَمْر قَدْ اِخْتَلَطَ الْمَرْعِيّ بِالْهَمَلِ، وَاخْتَلَطَ اللَّيْلُ بِالتُّرَابِ، وَاخْتَلَطَ الْحَابِل بِالنَّابِل، وَاخْتَلَطَ الْخَاثِر بِالزُّبَادِ.
وَيُقَالُ لَبَسَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَلَبَّسَهُ، وَشَبَّهَهُ،
(2/199)

وَأَبْهَمَهُ، وَوَرَّاهُ، وَعَمَّى عَلَيْهِ الأَمْر وَالْكَلام، وَعَمَّى وَجْهه، إِذَا لَمْ يُبَيِّنْهُ.
وَعَايَاهُ مُعَايَاة إِذَا أَلْقَى عَلَيْهِ كَلاماً أَوْ عَمَلا لا يَهْتَدِي لِوَجْهِهِ.
وَيُقَالُ اِسْتَحْكَمَ عَلَيْهِ كَلامُهُ أَيْ الْتَبَسَ.
وَكِتَابُ فُلانٍ أَعْجَم إِذَا لَمْ يُفْهَمْ مَا كَتَبَ.
وَنَظَرْتُ فِي الْكِتَابِ فَعَجَمْتُهُ أَيْ لَمْ أَقِفْ عَلَى حُرُوفِهِ حَقّ الْوُقُوفِ.
وَفُلانٌ إِذَا تَكَلَّمَ جَمْجَمَ وَإِذَا كَتَبَ مَجْمَجَ أَيْ لَمْ يُبَيِّنْ كَلامَهُ وَخَطَّهُ. وَيُقَالُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ هَذَا أَمْر وَاضِح، وَوَضَّاح، نَاصِع، أَبْلَج، ظَاهِر، بَيِّن، وَمُبِين، صَرِيح، جَلِيّ، وَإِنَّهُ لَوَاضِح الْمَعَالِمِ، ظَاهِر الرُّسُومِ، لا تُخَالِطُهُ شُبْهَة، وَلا تُلابِسُهُ غُمَّة، وَلا تَعْتَرِيه لُبْسَة.
وَقَدْ وَضَحَ الأَمْر، وَاتَّضَحَ، وَظَهَرَ، وَبَانَ، وَأَبَانَ، وَبَيَّنَ، وَتَبَيَّنَ، وَاسْتَبَانَ، وَنَصَعَ، وَأَسْفَرَ، وَأَشْرَقَ، وَانْجَلَى، وَانْكَشَفَ، وَانْصَرَحَ، وَصَرَّحَ.
وَتَقُولُ قَدْ آذَنَ الأَمْر بِالْجَلاءِ، وَانْجَلَتْ عَنْهُ الشُّبُهَاتُ، وَنُفِضَ عَنْهُ غُبَار اللَّبْس، وَبَرَزَ عَنْ ظِلّ الإِشْكَال، وَخَرَجَ مِنْ ظُلُمَات الْغُمُوض، وَانْحَسَرَتْ عَنْهُ ظِلال الإِبْهَام، وَانْزَاحَ عَنْهُ حِجَاب الرَّيْب، وَانْجَلَتْ عَنْهُ سُدْفَة الشَّكّ، وَخَلَصَ إِلَى نُور الْبَيَان، وَسَطَعَتْ
(2/200)

عَلَيْهِ أَشِعَّة الظُّهُور.
وَقَدْ أَوْضَحْتُ الأَمْرَ، وَوَضَّحْتُهُ، وَأَظْهَرْتُهُ، وَأَبَنْتُهُ، وَبَيَّنْتُهُ وَصَرَّحْتُهُ، وَجَلَوْتُهُ، وَجَلَّيْتُهُ، وَكَشَفْتُ عَنْهُ، وَأَعْرَبْتُ عَنْهُ، وَأَفْصَحْتُ عَنْ مَضْمُونِهِ، وَأَظْهَرْتُ مَكْنُونَه، وَأَبْدَيْتُ سِرّه، وَأَبْرَزْتُ دُخْلَته، وَحَلَلْتُ رُمُوزَهُ، وَجَلَوْتُ غَامِضه، وَفَكَكْتُ مُشْكِله، وَأَوْضَحْتُ مِنْهَاجَهُ، وَأَمَطْتُ حِجَابه، وَكَشَفْتُ عَنْهُ الْقِنَاع، وَحَسَرْتُ عَنْهُ اللِّثَام، وَنَفَيْتُ عَنْهُ مُعْتَلِج الرَّيْب.
وَقَدْ اِنْدَفَعَ الإِشْكَال، وَانْدَرَأَتْ الشُّبْهَة، وَبَرِحَ الْخَفَاء، وَانْكَشَفَ الْمُوَرَّى، وَاتَّضَحَ الْمُعَمَّى، وَصَرَّحَ الْحَقّ عَنْ مَحْضِهِ، وَأَبْدَتْ الرُّغْوَة عَنْ الصَّرِيحِ، وَبَيَّنَ الصُّبْح لِذِي عَيْنَيْنِ.
وَهَذَا أَمْر لا يَخْتَلِفُ فِيهِ اِثْنَانِ، وَلا يَتَمَارَى فِيهِ اِثْنَانِ، وَهُوَ أَوْضَحُ مِنْ أَنْ يُوَضَّحَ، وَأَبْيَنُ مِنْ أَنْ يُبَيَّنَ، وَهُوَ أَبْيَنُ مَنْ فَلَق الصُّبْح، وَمِنْ فَرَق الصُّبْحِ، وَمِنْ عَمُود الصُّبْحِ، وَهُوَ كَالشَّمْسِ فِي رَيْعَان الضُّحَى.
وَتَقُولُ قَدْ أَسْفَرَ الأَمْرُ عَنْ كَذَا، وَافْتَرَّ عَنْ كَذَا.
(2/201)

وَفَعَلْتُ كَذَا عَنْ بَيَانٍ، وَعَنْ بَيِّنَة، وَفَعَلْتُهُ غِبّ صَادِقَة أَيْ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لِي الأَمْر.
وَقَدْ اسْتَبَنْتُ الأَمْر، وَتَوَضَّحْتُهُ، وَتَبَيَّنْتُهُ، وَبَدَتْ لِي شَوَاكِل الأَمْر، وَاسْتَبَنْتُ الرُّشْد مِنْ أَمْرِي.
وَيُقَالُ فَرَق لِي الطَّرِيق فُرُوقًا إِذَا اتَّجَهَ لَك طَرِيقَانِ وَاسْتَبَنْتَ مَا يَنْبَغِي سُلُوكُهُ مِنْهُمَا.
وَقَدْ اِسْتَبْصَرَ الطَّرِيق إِذَا وَضَحَ وَاسْتَبَانَ.

فَصْل فِي الشَّكِّ وَالْيَقِينِ
يُقَالُ: شَكَكْتُ فِي الأَمْرِ، وَارْتَبْتُ فِيهِ، وَاسْتَرَبْتُ، وَتَرَيَّبْتُ، وَامْتَرَيْتُ، وَتَمَارَيْتُ، وَخَامَرَنِي فِيك شَكٌّ، وَدَاخَلَنِي فِيهِ رَيْب، وَتَنَازَعَتْنِي فِيهِ الشُّكُوكُ، وَتَجَاذَبَتْنِي فِيهِ الظُّنُونُ، وَحَكَّ فِي صَدْرِي مِنْهُ شَيْء، وَاحْتَكَّ، وَتَخَالَجَ فِي صَدْرِي مِنْهُ أَشْيَاءُ.
وَيُقَالُ تَخَالَجَ هَذَا الشَّيْء فِي صَدْرِي، وَاخْتَلَجَ، إِذَا نَازَعَك فِيهِ، وَقَدْ رَابَنِي الأَمْرُ، وَأَرَابَنِي، وَرَابَنِي فِيك شَكّ، وَهُوَ أَمْرٌ مُرِيبٌ، وَفُلانٌ مِنْ هَذَا الأَمْرِ فِي شَكٍّ مُرِيبٍ، وَهُوَ فِي لَيْلٍ مِنْ الشَّكِّ مُظْلِم.
وَفِي الْمَثَلِ كَفَى بِالشَّكِّ جَهْلا.
وَتَقُولُ قَدْ تَرَدَّدْتُ فِي صِحَّةِ هَذَا الأَمْرِ،
(2/202)

وَتَوَقَّفْتُ، وَتَثَبَّتُّ، وَهَذَا أَمْر لَسْتُ مِنْهُ عَلَى يَقِينٍ، وَأَمْر لا أُثْبِتُهُ، وَلا أَحُقّه، وَلا أُوقِنُهُ، وَلا أَقْطَعُ بِهِ، وَلا أَجْزِمُ بِوُقُوعِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي، وَلَمْ تَتَحَقَّقْ لِي صِحَّته، وَقَدْ شَكَكْتُ فِيهِ بَعْض الشَّكِّ، وَعِنْدِي فِي هَذَا كُلّ الشَّكِّ، وَهَذَا أَمْر لا يُطْمَأَنُّ إِلَيْهِ بِثِقَة، وَلا تُنَاطُبِهِ ثِقَة، وَلا يُخْلَدُ إِلَيْهِ بِيَقِين، وَإِنِّي لَعَلَى مِرْيَة مِنْهُ، وَعَلَى غَيْرِ بَيِّنَةٍ مِنْهُ، وَعَلَى غَيْرِ يَقِين.
وَيُقَالُ فُلانٌ يُؤَامِرُ نَفْسَيْهِ إِذَا اتَّجَهَ لَهُ فِي الأَمْرِ رَأْيَانِ.
وَرَأَيْتُ فُلانا فَجَعَلَتْ عَيْنِي تَعْجُمُهُ إِذَا شَكَكْتَ فِي مَعْرِفَتِهِ كَأَنَّك تَعْرِفُهُ وَلا تُثْبِتُهُ.
وَيُقَالُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ قَدْ أَيْقَنْتُ الأَمْر، وَتَيَقَّنْتُهُ، وَاسْتَيْقَنْتُهُ، وَحَقَّقْتُهُ، وَتَحَقَّقْتُهُ، وَأَثْبَتُّهُ، وَعَلِمْتُهُ يَقِينًا، وَعَلِمْتُهُ عِلْم الْيَقِين، وَهُوَ أَمْرٌ لا شَكَّ فِيهِ، وَلا مِرْيَةَ، وَلا اِمْتِرَاءَ، وَلا يَعْتَرِينِي فِيهِ شَكّ، وَلا تَعْتَرِضُنِي فِيهِ شُبْهَة، وَأَمْر لا ظِلَّ عَلَيْهِ لِلرَّيْبِ، وَلا غُبَارَ عَلَيْهِ لِلشَّكِّ، وَهُوَ أَمْرٌ بَعِيدٌ عَنْ مُعْتَرَكِ الظُّنُونِ، وَهُوَ بِنَجْوَةٍ عَنْ الشَّكِّ، وَبِمَعْزِلٍ عَنْ الشَّكِّ، وَقَدْ تَجَافَى عَنْ مَوَاطِنِ
(2/203)

الرَّيْبِ، وَخَرَجَ مِنْ سُتْرَة الرَّيْب إِلَى صَحْن الْيَقِين.
وَتَقُولُ قَدْ اِنْجَلَى الشَّكُّ، وَانْتَفَى الرَّيْب، وَنَسَخَ الْيَقِين آيَة الشَّكّ، وَانْجَلَتْ ظُلُمَاتُ الشُّكُوكِ، وَانْحَسَرَ لِثَام الشُّبُهَات، وَأَسْفَرَ وَجْه الْيَقِينِ، وَأَشْرَقَ نُورُ الْيَقِينِ، وَلاحَتْ غُرَّة الْيَقِين، وَظَهَرَ صُبْح الْيَقِين.
وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى جَلِيَّةِ الأَمْرِ، وَاطَّلَعْتُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَأَنَا عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ هَذَا الأَمْرِ، وَأَنَا مِنْهُ عَلَى يَقِينٍ جَازِمٍ، وَقَدْ عَلِمْتُهُ عَنْ يَقِين عِيَان.
وَهَذَا أَمْر لا يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ إِلا كَذَا، وَقَدْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَاتِ الْوَاضِحَةِ، وَالْحُجَجِ الدَّامِغَةِ، وَثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الْمَقْنَعِ، وَشَهِدَتْ بِصِحَّتِهِ التَّجْرِبَة، وَقَامَتْ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ الْوِجْدَانِ، وَأَيَّدَهُ شَاهِدَا الْعَقْل وَالنَّقْل، وَتَنَاصَرَتْ عَلَيْهِ أَدِلَّة الطَّبْعِ وَالسَّمْعِ.

فَصْلٌ فِي الظَّنِّ
يُقَالُ أَظُنُّ الأَمْر كَذَا، وَأَحْسَبُهُ، وَأَعُدُّهُ، وَإِخَاله، وَأَحْجُوهُ، وَهُوَ كَذَا فِي ظَنِّي، وَفِي حِسْبَانِي، وَفِي حَدْسِي،
(2/204)

وَفِي تَخْمِينِي، وَفِي تَقْدِيرِي، وَفِيمَا أَظُنُّ، وَفِيمَا أُرَى، وَفِيمَا يَظْهَرُ لِي، وَفِيمَا يَلُوحُ لِي.
وَأَنَا أَتَخَيَّلُ فِي الأَمْرِ كَذَا، وَأَتَوَسَّم فِيهِ كَذَا وَيُخَيَّل لِي أَنَّهُ كَذَا وَيُخَيَّلُ إِلَيَّ، وَقَدْ صُوِّرَ لِي أَنَّهُ كَذَا، وَتَرَاءَى لِي أَنَّهُ كَذَا، وَتَمَثَّلَ فِي نَفْسِي أَنَّهُ كَذَا، وَقَامَ فِي نَفْسِي، وَفِي اِعْتِقَادِي، وَفِي ذِهْنِي، وَوَقَعَ فِي خَلَدِي، وَسَبَقَ إِلَى ظَنِّي، وَإِلَى وَهْمِي، وَإِلَى نَفْسِي، وَأُشْرِبُ حِسِّي أَنَّهُ كَذَا، وَنَبَّأَنِي حَدْسِي أَنَّهُ كَذَا، وَأَقْرَب فِي نَفْسِي أَنْ يَكُونَ الأَمْر كَذَا، وَأَوْقَعُ فِي ظَنِّي أَنْ يَكُونَ كَذَا.
وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ الأَمْرِ، وَالْغَالِب فِي الظَّنِّ، وَالرَّاجِح فِي الرَّأْيِ، وَهَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ فِي هَذَا الأَمْرِ، وَأَمْثَلُهُمَا، وَأَشْبَهُهُمَا، وَأَشْكَلُهُمَا، وَهَذَا أَقْوَى الْقَوْلَيْنِ، وَأَرْجَحُهُمَا، وَأَدْنَاهُمَا مِنْ الصَّوَابِ، وَأَبْعَدُهُمَا مِنْ الرَّيْبِ، وَأَسْلَمُهُمَا مِنْ الْقَدْحِ.
وَتَقُولُ فُلان يَقُولُ فِي الأُمُورِ بِالظَّنِّ، وَيَقُولُ بِالْحَدْسِ، وَيَقْذِفُ بِالْغَيْبِ، وَيَرْجُمُ بِالظُّنُونِ، وَقَالَ ذَلِكَ رَجْماً بِالظَّنِّ، وَإِنَّمَا هُوَ يَتَخَرَّصُ، وَيَتَكَهَّنُ، وَقَدْ تَظَنَّى فُلان فِي الأَمْرِ، وَأَخَذَ فِيهِ بِالظَّنِّ،
(2/205)

وَضَرَبَ فِي أَوْدِيَةِ الْحَدْسِ، أَخَذَ فِي شِعَاب الرَّجْم.
وَهَذَا أَمْر لا يَخْرُجُ عَنْ حَدّ الْمَظْنُونَات، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الظَّنِّيَّات، وَمِنْ الْحَدْسِيَّات، وَإِنَّمَا هَذَا حَدِيث مُرَجَّم.
وَتَقُولُ كَأَنِّي بِزَيْدٍ فَاعِلٌ كَذَا، وَظَنِّي أَنَّهُ يَفْعَلُ كَذَا، وَأَكْبَر ظَنِّي، وَأَقْرَب الظَّنّ أَنَّهُ يَفْعَلُ كَذَا، وَلَعَلَّ الأَمْرَ كَذَا، وَلا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الأَمْر كَذَا، وَأَحْرِ بِهِ أَنْ يَكُونَ كَذَا، وَأَحْجِ بِهِ، وَأَخْلِقْ بِهِ، وَمَا أَحْرَاهُ أَنْ يَكُونَ كَذَا.
وَيُقَالُ اِفْعَلْ ذَلِكَ عَلَى مَا خَيَّلَتْ أَيْ عَلَى مَا أَرَتْكَ نَفْسك وَشَبَّهَتْ وَأَوْهَمَتْ.
وَفُلانٌ يَمْضِي عَلَى الْمُخَيَّلِ أَيْ عَلَى مَا خَيَّلَتْ.
وَسِرْتُ فِي طَرِيق كَذَا بِالسَّمْتِ أَيْ بِالْحَدْسِ وَالظَّنِّ.
وَيُقَالُ حَزَرَ الأَمْر، وَخَرَصَهُ، إِذَا قَدَّرَهُ بِالْحَدْسِ، وَخَرَصَ الْخَارِص النَّخْل وَالْكَرْم إِذَا قَدَّرَ كَمْ عَلَيْهِ مِنْ الرُّطَبِ أَوْ الْعِنَبِ، وَالاسْم مِنْ ذَلِكَ الْخِرْص بِالْكَسْرِ يُقَالُ كَمْ خِرْص أَرْضك أَيْ مِقْدَار مَا خُرِصَ فِيهَا.
وَأَمَتَهُ مِثْل حَزَرَهُ يُقَالُ ائْمِتْ لِي هَذَا كَمْ هُوَ أَيْ احْزِرْهُ كَمْ هُوَ، وَتَقُولُ كَمْ أَمْتُ مَا
(2/206)

بَيْنَك وَبَيْنَ بَلَد كَذَا أَيْ قَدْر مَا بَيْنَك وَبَيْنَهُ. وَتَقُولُ فُلان صَادِق الظَّنّ، صَادِق الْحَدْسِ، صَادِق الْفِرَاسَة، صَادِق الْقَسْمِ، وَإِنَّهُ لَيُصِيب بِظَنِّهِ شَاكِلَة الْيَقِين، وَيَرْمِي بِسَهْم الظَّنّ فِي كَبِد الْيَقِين، وَإِنَّهُ لَيَظُنّ الظَّنّ فَلا يُخْطِئُ مَقَاتِل الْيَقِين، وَإِنَّهُ لَرَجُل مُحَدَّث أَيْ صَادِق الْفِرَاسَة كَأَنَّهُ قَدْ حُدِّثَ بِمَا يَظُنُّهُ، وَفُلان كَأَنَّمَا يَنْطِقُ عَنْ تَلْقِين الْغَيْب، وَكَأَنَّمَا يُنَاجِيه هَاتِف الْغَيْبِ، وَيُمْلِي عَلَيْهِ لِسَان الْغَيْب.
وَيُقَالُ فُلان جَاسُوس الْقُلُوب إِذَا كَانَ حَاذِق الْفِرَاسَة، وَإِنَّ لَهُ نَظْرَةً تَهْتِكُ حُجُب الضَّمِير، وَتُصِيبُ مَقَاتِل الْغَيْب، وَتَنْكَشِفُ لَهَا مُغَيَّبَات الصُّدُور، وَيُقَالُ هَذِهِ فِرَاسَة ذَات بَصِيرَة أَيْ صَادِقَة.
وَتَقُولُ لِمَنْ أَخْبَرَ بِمَا فِي ضَمِيرِك قَدْ أَصَبْتَ مَا فِي نَفْسِي، وَوَافَقْتَ مَا فِي نَفْسِي، وَلَمْ تَعْدُمَا فِي نَفْسِي، وَكَأَنَّك كُنْت نَجِيَّ ضَمَائِرِي، وَكَأَنَّك قَدْ خُضْت بَيْنَ جَوَانِحِي، وَكَأَنَّمَا شُقَّ لَك عَنْ قَلْبِي
وَتَقُولُ فُلان فَاسِد الظُّنُونِ، كَاذِب الْحَدْسِ، كَثِير التَّخَيُّلاتِ،
(2/207)

وَقَدْ كَذَبَ ظَنّه فِي هَذَا الأَمْرِ، وَأَخْطَأَتْ فِرَاسَته، وَكَذَبَتْهُ ظُنُونه، وَطَاشَ سَهْم ظُنُونه، وَقَدْ أَبْعَدَ الْمَرْمَى، وَرَمَى الْمَرْمَى الْقَصِيّ، وَهَذَا وَهْم بَاطِل، وَخَيَال كَاذِب، وَهَذَا أَمْر لا أَتَوَهَّمُهُ، وَأَمْر يَبْعُدُ مِنْ الظَّنِّ، وَيَبْعُدُ فِي نَفْسِي أَنْ يَكُونَ الأَمْر كَذَا، وَهَذَا ضَرْب مِنْ الْخَرْصِ، وَمِنْ التَّخَرُّصِ، وَهَذَا مِنْ فَاسِدِ الأَوْهَامِ، وَمِنْ بَعِيدِ الْمَزَاعِمِ.

فَصلٌ فِي الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ وَالْجَهْلِ بِهِ
يُقَالُ أَنَا عَالِمٌ بِهَذَا الأَمْرِ، وَعَلِيمٌ بِهِ، وَخَبِير، وَبَصِير، وَعَارِف، وَطَبّ، وَطَبِن، وَعِنْدِي عِلْمُهُ، وَهُوَ فِي مَعْلُومِي، وَلِي بِهِ خَبَر، وَخُبْرَة، وَمَخْبُرَة.
وَقَدْ عَرَفْتُهُ، وَعَلِمْتُهُ، وَدَرَيْتُهُ، وَخَبَرْتُهُ، وَبَلَوْتُهُ، وَاخْتَبَرْتُهُ، وَابْتَلَيْتُهُ، وَبَطَنْتُهُ، وَاسْتَبْطَنْتُهُ، وَعَلِمْتُ عِلْمَهُ، وَاطَّلَعْتُ طِلْعه، وَعَلِمْتُهُ حَقّ عِلْمِهِ، وَعَرَفْتُهُ حَقّ مَعْرِفَتِهِ، وَوَسِعْتُهُ عِلْمًا، وَأَحَطْتُ بِهِ خُبْرا، وَقَتَلْتُهُ عِلْماً، وَنَحَرْتُهُ عِلْماً،
(2/208)

وَقَتَلْتُهُ خُبْراً، وَخَبَرْتُ سِرّه، وَسَبَرْتُ غَوْرَهُ، وَاسْتَبْطَنْتُ كُنْهه، وَعَرَفْتُ ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ، وَبَادِيَهُ وَخَافِيَهُ، وَجَلِيَّهُ وَخَفِيَّهُ، وَوَقَفْتُ عَلَى جِلِّهِ وَدِقّه، وجلائله وَدَقَائِقه، وَأَحَطْتُ بِجُمْلَتِهِ وَتَفَاصِيلِهِ، وَعَرَفْتُ جُمْلَته وَتَفَارِيقه.
وَيُقَالُ قَدْ عَجَمْتُ فُلانا وَلَفَظْتُهُ إِذَا عَرَفْتَهُ حَقّ مَعْرِفَتِهِ، وَأَنَا بِهِ أَعْلَى عَيْناً أَيْ أَبْصَر بِهِ وَأَعْلَمُ بِحَالِهِ، وَأَنَا أَعْرَفُ النَّاس بِهِ، وَأَعْلَمُهُمْ بِمَوْضِعِهِ، وَأَبْطَنهم بِهِ خِبْرَة، وَقَدْ أَثْبَتُّهُ، وَثَابَتُّهُ، وَأَثْبَتُّ مَعْرِفَتَهُ، وَعِرْفَانَهُ.
وَفِي الْمَثَلِ " أَتُعْلِمُنِي بِضَبٍّ أَنَا حَرَشْتُهُ، يُضْرَبُ لِمَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِالشَّيْءِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَالْعَوَانُ لا تُعَلَّمُ الْخِمْرَة، يُضْرَبُ لِلْمُجَرَّبِ الْعَارِفِ.
وَيُقَالُ أَنَا أَعْرِفُ الأَرْنَب وَأُذُنَيْهَا إِذَا أَثْبَتَّ مَعْرِفَة الشَّخْصِ بِعَلامَةٍ لا تَتَخَلَّفُ.
وَفُلانٌ إِنْ جَهِلْتُهُ لَمْ أَعْرِفْ غَيْرَهُ.
وَيُقَالُ قَتَلَ أَرْضاً عَالِمُهَا، وَقَتَلَتْ أَرْضٌ جَاهِلَهَا.
وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ " الْخَيْل أَعْلَم بِفُرْسَانِهَا "، و " كُلّ قَوْمٍ
(2/209)

أَعْلَمُ بِصِنَاعَتِهِمْ "، و " عَرَفَ النَّخْلَ أَهْلُهُ "، و " فُلانٌ يَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تُؤْكَلُ الْكَتِفُ "، وَالصَّبِيّ أَعْلَم بِمُصْغَى خَدّه.
وَيُقَالُ فُلان سِرّ هَذَا الأَمْرِ أَيْ عَالِم بِهِ.
وَتَقُولُ لِلْمُسْتَفْهِمِ عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْل خَبِيرٍ.
وَيُقَالُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ هَذَا أَمْر لا مَعْرِفَةَ لِي بِهِ، وَلَمْ يَسْبِقْ لِي بِهِ عِلْم، وَلَمْ تَقَعْ لِي بِهِ خِبْرَة، وَلَمْ أَعْلَم عِلْمَه، وَلَمْ أَطَّلِعْ طِلْعَه، وَقَدْ غَابَتْ عَنِّي مَعْرِفَتُهُ، وَخَفِيَتْ عَلَيَّ مَعْرِفَته، وَأَنَا أَجْنَبِيٌّ مِنْ هَذَا الأَمْرِ، وَهُوَ أَمْرٌ لَمْ أُلابِسْهُ، وَلَمْ أُمَارِسْهُ، وَلَمْ يَسْبِقْ لِي بِهِ عَهْد، وَلا أَدْرِي مَا هُوَ، وَلا أَقْطَعُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ.
وَفُلانٌ جَاهِلٌ بِهَذَا الأَمْرِ، وَجَاهِلٌ مِنْهُ، وَهَذَا أَمْر لَمْ يَدْخُلْ فِي عِلْمِهِ، وَلا يَصِل إِلَيْهِ عِلْمُهُ، وَلا تَبْلُغ إِلَيْهِ مَدَارِكُهُ، وَهُوَ مِنْ وَرَاءِ عِلْمِهِ، وَمِنْ فَوْقِ طَوْر إِدْرَاكه.
وَيُقَالُ فُلان يَعْتَنِفُ الأُمُور إِذَا أَتَاهَا بِغَيْرِ عِلْم.
وَتَقُولُ رَأَيْت فُلاناً فَأَنْكَرْتُهُ أَيْ لَمْ أَعْرِفْهُ، وَقَدْ غُمَّتْ عَلَيَّ مَعْرِفَته، وَاسْتَسَرَّتْ عَلَيَّ مَعْرِفَته، أَيْ خَفِيَتْ عَلَيَّ.
وَتَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا خَفِيَتْ مَعْرِفَتُك عَلَيْهِ
(2/210)

لِبُعْدِ عَهْد وَنَحْوه: تَوَهَّمْنِي هَلْ تَعْرِفُنِي.
وَيَقُولُ مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ شَخْص يَجْهَلُهُ هَذَا وَجْه لا أَعْرِفُهُ.
وَيُقَالُ قُتِلَ فُلان عِمِيّاً إِذَا لَمْ يُدْرَ مَنْ قَتَلَهُ.
وَأَصَابَهُ سَهْمٌ غَرَب إِذَا لَمْ يُعْرَفْ رَامِيه.

فَصْلٌ فِي الْفَحْصِ وَالاخْتِبَارِ
تَقُولُ فَحَصْتُ الشَّيْءَ، وَبَحَثْتُهُ، وَبَحَثْتُ فِيهِ، وَبَحَثْتُ عَنْ حَالِهِ، وَفَحَصْتُ عَنْ دُخْلَتِهِ، وَنَقَّبْتُ عَنْ سِرِّهِ، وَنَقَّرْتُ عَنْ وَلِيجَتِهِ، وَتَصَفَّحْتُهُ، وَتَأَمَّلْتُهُ، وَتَدَبَّرْتُهُ، وَرَوَّأْتُ فِيهِ، وَفَكَّرْتُ فِيهِ، وَتَبَصَّرْتُ فِيهِ، وَاقْتَدَحْتُهُ، وَتَرَسَّمْتُهُ، وَتَوَسَّمْتُهُ، وَتَفَرَّسْتُهُ، وَفَرَرْتُ عَنْهُ، وَفَلَيْتُهُ، وَاسْتَشْفَفْتُهُ، وَاسْتَوْضَحْتُهُ، وَأَعْمَلْتُ فِيهِ النَّظَر، وَأَنْعَمْتُ فِيهِ النَّظَر، وَقَلَّبْتُ فِيهِ طَرْفِي، وَقَلَّبْتُ فِيهِ نَظَرِي، وَصَعَّدْتُ فِيهِ نَظَرِي وَصَوَّبْتُهُ، وَأَعَدْتُ فِيهِ النَّظَرَ، وَأَسْفَفْتُ النَّظَر، وَدَقَّقْتُهُ، وَنَظَرْتُ فِيهِ مَلِيّاً، وَتَأَمَّلْتُهُ تَأَمُّلا مَلِيّاً، وَقَلَّبْتُ فِيهِ خَوَاطِرِي، وَأَدَرْتُ فِيهِ رَأْيِي، وَأَعْمَلْتُ
(2/211)

فِيهِ الرَّوِيَّة.
وَقَدْ بَالَغْتُ فِي الْفَحْصِ، وَأَغْرَقْتُ فِي الْبَحْثِ، وَأَمْعَنْتُ فِي التَّنْقِيبِ، وَاسْتَقْصَيْتُ فِي التَّنْفِيرِ، وَتَقَصَّيْتُ فِي التَّفْتِيشِ، وَقَلَّبْتُ الأَمْرَ ظَهْراً لِبَطْن، وَتَطَلَّبْتُ دِخْلَتَهُ، وَتَعَرَّفْتُ مَخْبَرَهُ، وَنَظَرْتُ فِي أَعْطَافه، وَأَثْنَائِهِ، وَأَحْنَائه، وَمَطَاوِيه، وَمَكَاسِره، وَمَغَابِنه.
وَقَدْ خَبَرْتُ الأَمْر وَالرَّجُل، وَاخْتَبَرْتُهُ، وَجَرَّبْتُهُ، وَامْتَحَنْتُهُ، وَبَلَوْتُهُ، وَابْتَلَيْتُهُ، وَبَلَوْتُ سِرّه، وَاخْتَبَرْتُ كُنْهه، وَعَجَمْتُ عُوده، وَغَمَزْتُ قَنَاته، وَسَبَرْتُ غَوْرَهُ، وَرَبَعْتُ حَجَرَهُ.
وَتَقُولُ بَلَوْتُ مَا عِنْدَ فُلان، وَسَبَرْتُ مَا عِنْدَهُ، وَاحْتَسَبْتُ مَا عِنْدَهُ، وَاسْبُرْ لِي مَا عِنْدَ فُلان، وَاخْبُرْ لِي مَا عِنْدَهُ، وَسَتَحْمَدُ مَخْبَر فُلان، وَمَسْبَرَهُ.
وَفُلان مَحْمُود النَّقِيبَة أَيْ مَحْمُود الْمُخْتَبَر. وَتَقُولُ عَجَمْتُ الْعُود إِذَا تَنَاوَلْتَهُ بِمُقَدَّمِ أَسْنَانِك لِتَعْرِف صَلابَته، وَكَذَلِكَ عَجَمْتُ السَّيْف إِذَا هَزَزْتَهُ لِتَخْتَبِرهُ.
وَرُزْتُ الشَّيْء، وَرَزَنْتُهُ، وَثَقَلْتُهُ، إِذَا رَفَعْتَهُ لِتَعْرِفَ ثِقَله.
وَرَكَكْتُ
(2/212)

الشَّيْء إِذَا غَمَزْتَهُ بِيَدِك لِتَعْرِف حَجْمَهُ.
وَرَبَعْتُ الْحَجَرَ إِذَا رَفَعْتَهُ تَمْتَحِنُ بِهِ قُوَّتَك وَهُوَ الرَّبِيعَة.
وَسَبَرْتُ الْجُرْح، وَحَجَجْتُهُ، إِذَا قِسْتَهُ بِالْمِسْبَارِ وَهُوَ كَالْمِيلِ تُقَاسُ بِهِ الْجِرَاح، وَكَذَلِكَ سَبَرْتُ الْبِئْر وَغَيْرهَا إِذَا امْتَحَنْتَ غَوْرهَا لِتَعْرِف مِقْدَارَهُ.
وَنَقَدْتُ الدِّرْهَم، وَانْتَقَدْتُهُ، إِذَا مَيَّزْتَ جَيِّدَهُ مِنْ رَدِيئِهِ، وَنَقَدْتُ الْجَوْزَة إِذَا نَقَرْتَهَا بِإِصْبَعِك لِتَخْتَبِرهَا بِصَوْتِهَا.
وَنَفَّزْتُ السَّهْم تَنْفِيزاً، وَأَنْفَزْتُهُ، إِذَا أَدَرْتَهُ عَلَى ظُفْرِك بِيَدِك الأُخْرَى لِيَبِينَ لَك اِعْوِجَاجُهُ مِنْ اِسْتِقَامَتِهِ.
وَرَمَمْتُ السَّهْم بِعَيْنِي إِذَا نَظَرْتَ فِيهِ حَتَّى تُسَوِّيَهُ
وَلاوَصْتُ الشَّجَرَة إِذَا أَرَدْتَ قَطْعَهَا بِالْفَأْسِ فَنَظَرْتَ يَمْنَة وَيَسْرَة كَيْفَ تَأْتِيهَا.
وَاسْتَشْفَفْتُ الثَّوْب إِذَا نَشَرْتَهُ فِي الضَّوْءِ وَفَتَّشْتَهُ لِتَطْلُب عَيْباً إِنْ كَانَ فِيهِ.
وَتَمَخَّرْتُ الرِّيح إِذَا نَظَرْتَ مِنْ أَيْنَ مَجْرَاهَا.
وَاسْتَحَلْتُ الشَّخْص إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ هَلْ يَتَحَرَّكُ.
وَتَبَصَّرْتُ الشَّيْء إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ هَلْ تُبْصِرُهُ.
وَغَبَطْتُ الْكَبْش، وَغَمَزْتُهُ، إِذَا جَسَسْتَهُ لِتَعْرِفَ سِمَنَهُ مِنْ هُزَالِهِ.
وَفَرَرْتُ الدَّابَّة فَرّاً وَفِرَاراً إِذَا كَشَفْتَ عَنْ أَسْنَانِهِ لِتَنْظُرَ مَا سِنُّهُ.
وَفِي الْمَثَلِ إِنَّ الْجَوَادَ عَيْنُهُ فِرَاره، وَإِنَّ
(2/213)

الْخَبِيثَ عَيْنُهُ فِرَاره، يُضْرَبُ لِمَنْ يَدُلّ ظَاهِره عَلَى بَاطِنِهِ فَيُغْنِي عَنْ اِخْتِبَارِهِ.
وَشُرْتُ الدَّابَّةَ إِذَا رَكِبْتَهُ عِنْدَ الْعَرْضِ عَلَى الْبَيْعِ لِتَخْتَبِر مَا عِنْدَهُ، وَهَذَا مِشْوَار الدَّوَابّ لِمَكَانِ عَرْضِهَا.
وَتَصَفَّحْتُ الْقَوْم إِذَا تَأَمَّلْتَ وُجُوهَهُمْ تَنْظُرُ إِلَى حِلاهُمْ وَصُوَرِهِمْ وَتَتَعَرَّفُ أَمْرهمْ.
وَيُقَالُ تَصَفَّحْتُ الْقَوْم أَيْضاً إِذَا نَظَرْتَ فِي خِلالِهِمْ هَلْ تَرَى فُلاناً، وَقَدْ فَلَيْتُ الْقَوْمَ وَفَلَوْتُهُمْ حَتَّى لَقِيتُ فُلاناً أَيْ تَخَلَّلْتُهُمْ.
وَنَفَضْتُ الْمَكَان، وَاسْتَنْفَضْتُهُ، إِذَا نَظَرْتَ جَمِيع مَا فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَهُمْ النَّفَضَةُ بِالتَّحْرِيكِ لِلْجَمَاعَةِ يُرْسِلُهَا الْقَوْمُ لِنَفْضِ الطَّرِيق، وَقَدْ اِسْتَنْفَضَ الْقَوْم إِذَا أَرْسَلُوا النَّفَضَة.
وَفَرَّعْتُ الأَرْض، وَأَفْرَعْتُهَا، وَفَرَّعْتُ فِيهَا، إِذَا جَوَّلْتَ فِيهَا وَعَلِمْتَ عِلْمَهَا وَعَرَفْتَ خَبَرَهَا.
وَتَجَسَّسْتُ أَخْبَار الْقَوْمِ، وَتَحَسَّسْتُهَا، أَيْ بَحَثْتَ عَنْهَا وَتَعَرَّفْتَهَا.
وَأَتَيْتُ قَوْمِي فَطَالَعْتُهُمْ أَيْ نَظَرْتُ مَا عِنْدَهُمْ وَاطَّلَعْتُ عَلَيْهِ.
وَعَرَضْتُ الْجُنْد إِذَا أَمْرَرْتَ نَظَرك عَلَيْهِ لِتَخْتَبِرَ أَحْوَالَهُ أَوْ لِتَعْرِفَ مَنْ غَابَ وَمَنْ حَضَرَ.
وَاسْتَبْرَأْتُ الشَّيْء إِذَا طَلَبْتَ آخِره لِتَقْطَع عَنْك الشُّبْهَة.
(2/214)

فَصْلٌ فِي الْعَلامَاتِ وَالدَّلائِل
يُقَالُ تَعَرَّفْتُ الشَّيْء بِعَلامَاتِهِ، وَأَمَارَاتِهِ، وَسِمَاتِهِ، وَآثَارِهِ، وَرُسُومِهِ، وَآيَاتِهِ، وَشِيَاته، وَأَشْرَاطه، وَمَنَاسِمه، وَرَوَاسِمه، وَلَوَائِحه، وَطُرَره.
وَأَثْبَتُّ الأَمْرَ بِدَلائِلِهِ، وَأَدِلَّته، وَبَرَاهِينه، وَشَوَاهِده، وَبَيِّنَاته، وَقَرَائِنه.
وَعَرَفْتُ الرَّجُلَ بِحِلْيَتِهِ، وَسِيمَاهُ، وسِيمَائه، وَسِيمِيَائِهِ، وَسَبْرِهِ، وَسَحْنَتِهِ، وَمَلامِحِهِ، وَشَكْلِهِ، وَزِيِّهِ، وَهَيْئَتِهِ، وَشَارَتِهِ.
وَهَذَا عُنْوَان الأَمْر، وَسِيمَاؤه، وَتَبَاشِيره، وَمَخَايِله، وَأَشْرَاطه، وَأَعْلامه، وَمَنَارِهِ.
وَهَذِهِ عَلَى الأَمْرِ عَلامَات وَاضِحَة، وَأَمَارَات جَلِيَّة، وَسِمَات بَيِّنَة، وَآيَات ظَاهِرَة، وَشَوَاهِد صَادِقَة، وَدَلائِل نَاطِقَة، وَبَيِّنَات سَافِرَة، وَبَرَاهِين سَاطِعَة.
وَتَقُولُ رَأَيْت عَلَى وَجْهِهِ عَلامَاتِ الْبِشْرِ، وَفُلان تَلُوحُ عَلَى مُحَيَّاهُ سِمَات الْخَيْرِ، وَتُتَخَيَّلُ فِيهِ لَوَائِح الْكَرَم، وَتَظْهَرُ عَلَيْهِ سِيمَاء الصَّلاح، وَتُتَوَسَّمُ
(2/215)

فِيهِ مَخَايِل النَّجَابَة.
وَيُقَالُ عَلَى وَجْهِ فُلانٍ رَأْوَة الْحُمْق وَهُوَ أَنْ تَتَبَيَّنَ فِيهِ الْحُمْق قَبْلَ أَنْ تَخْبُرَهُ.
وَتَقُولُ قَدْ بَدَتْ عَلامَات الْيُمْن، وَظَهَرَتْ مَخَايِل الْخَيْر، وَلَمَعَتْ بَوَارِق النُّجْح، وَلاحَتْ أَشْرَاط الْفَوْز، وَهَبَّتْ رِيَاحُ النَّصْرِ، وَأَسْفَرَتْ تَبَاشِير الظَّفَرِ، وَوَضَحَتْ أَعْلام الْحَقّ. وَيُقَالُ بَدَتْ تَبَاشِير الصُّبْحِ، وَمَصَادِيقه، وَهِيَ أَوَائِله وَدَلائِله.
وَهَذِهِ مَعَالِم الطَّرِيقِ وَهِيَ آثَارُهَا الْمُسْتَدَلّ عَلَيْهَا بِهَا.
وَتَبَيَّنْتُ نَسَم الطَّرِيق، وَنَيْسَمهَا، وَنَيْسَبَهَا، وَهُوَ أَثَرُهَا بَعْدَ الدُّرُوسِ.
وَنَصَبْتُ فِي الْمَفَازَةِ أَعْلاماً، وَآرَاماً، وَصُوىً، وَمَنَاراً، وَهِيَ مَا يُدَلُّ بِهِ عَلَى الطَّرِيقِ مِنْ حِجَارَةٍ وَنَحْوهَا.
وَجَعَلْتُ بَيْنَ الأَرْضَيْنِ عَلَماً، وَمَنَاراً، وَحَدّاً، وَتُخْماً، وَأُرْفَة، وَهِيَ الْعَلامَةُ تَدُلُّ عَلَى الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا.
وَمَرَّتْ الرِّيحُ بِأَرْض كَذَا فَتَرَكَتْ فِيهَا تَبَاشِير وَهِيَ الطَّرَائِقُ وَالآثَارُ.
وَيُقَالُ اِتَّسَمَ الرَّجُلُ إِذَا جَعَلَ لِنَفْسِهِ سِمَة يُعْرَفُ بِهَا.
وَأَعْلَمَ الْمُقَاتِل نَفْسه إِذَا وَسَمَهَا بِسِيمَاء الْحَرْب لِيُعْلَم مَكَانُهُ فِيهَا، وَفُلان كَمِيّ
(2/216)

مُعَلَّم.
وَأَشْرَطَ نَفْسه لِلأَمْرِ أَعْلَمَهَا لَهُ وَأَعَدَّهَا، وَيُقَالُ أَشْرَطَ الشُّجَاعُ نَفْسه أَيْ أَعْلَمَهَا لِلْمَوْتِ.
وَسَوَّمَ فَرَسه أَيْ جَعَلَ عَلَيْهِ سِيمَة وَهِيَ أَنْ يُعْلِمَ عَلَيْهِ بِحَرِيرَةٍ أَوْ بِشَيْءٍ يُعْرَفُ بِهِ.
وَوَسَمَ دَابَّته إِذَا أَثَّرَ فِيهَا بِكَيَّةٍ أَوْ قَطْعِ أُذُنٍ وَنَحْو ذَلِكَ وَهِيَ السِّمَةُ، وَالْوِسَامُ، وَالْمِيسَمُ.
وَرَقَمَ الثَّوْب، وَأَعْلَمَهُ، وَطَرَّزَهُ، إِذَا كَتَبَ ثَمَنَهُ عَلَى طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِهِ، وَهَذَا رَقْم الثَّوْب، وَعَلَمه، وَطِرَازه.
وَالطِّرَازُ أَيْضاً مَا يُرْسَمُ عَلَى ثِيَابِ الْمُلُوك بِالذَّهَبِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَسْمَائِهِمْ أَوْ عَلامَات تَخْتَصُّ بِهِمْ.
وَنَاطَ بِثَوْبِهِ بِطَاقَةً وَهِيَ وَرَقَةٌ أَوْ رُقْعَةٌ فِيهَا رَقْم ثَمَنه أَوْ بَيَان ذَرْعه، وَكَذَا مَا يُبَيَّنُ فِيهِ الْعَدَد وَالْوَزْن مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَخَتَمَ إِنَاءَهُ بِالرَّوْشَمِ، وَالرَّوْسَمِ، وَهُوَ خَشَبَةٌ مَكْتُوبَةٌ بِالنَّقْرِ يُطْبَعُ بِهَا فِي طِينٍ وَنَحْوه فَيَنْتَقِشُ فِيهِ رَسْمهَا.
وَيُقَالُ بَيْنَ الْقَوْمِ أُعْلُومَة، وَشِعَار، وَهُوَ لَفْظٌ يَتَوَاضَعُونَ عَلَيْهِ يَعْرِفُ بِهِ بَعْضهمْ بَعْضاً فِي الْحَرْبِ وَالسَّفَرِ وَغَيْرهمَا. وَيُقَالُ دِرْهَم مَسِيح أَيْ لا نَقْش عَلَيْهِ.
وَسَهْم غُفْل أَيْ لا عَلامَةَ لَهُ، وَكِتَاب غُفْل لَمْ يُسَمَّ وَاضِعه، وَكَذَلِكَ كَلّ مَا لَمْ
(2/217)

يُوسَمْ بِعَلامَة.
وَالأَغْفَالُ مِنْ الأَرَاضِي، وَالأَعْمَاء، وَالْمَعَامي، الَّتِي لا أَثَرَ بِهَا لِلْعِمَارَةِ.
وَأرْض مَجْهَل، وَهَوْجَل، وَيَهْمَاء، وَهَيْمَاء، لا أَعْلامَ فِيهَا.
وَطَرِيق ظَلِف أَيْ غَلِيظ لا يُؤَدِّي أَثَراً، وَكَذَلِكَ أَرْض ظَلِفَة، وَيُقَالُ ظَلَفْتُ أَثَرِي أَيْ أَخْفَيْتُهُ.
وَتَقُولُ هَذَا أَمْر قَدْ دُرِسَتْ آثَارُهُ، وَعَفَتْ رُسُومه، وَطُمِسَتْ مَعَالِمهُ، وَهُدِمَ مَنَارهُ، وَخَفِيَتْ أَشْرَاطه، وَتَنَكَّرَتْ مَعَارِفه.

فَصْلٌ فِي تَوَقُّعِ الأَمْرِ وَمُفَاجَأَتِهِ
يُقَالُ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا أَتَوَقَّعُهُ، وَأَتَرَقَّبُهُ، وَأَتَرَصَّدُهُ، وَأَنْتَظِرُهُ، وَأُقَدِّرُهُ، وَأَظُنُّهُ، وَأَحْتَسِبُهُ، وَأَتَوَهَّمُهُ، وَأَتَخَيَّلُهُ.
وَلَمْ يَعْدُ الأَمْرُ مَا كَانَ فِي حِسْبَانِي، وَفِي تَقْدِيرِي، وَمَا كَانَ يُصَوِّرُهُ لِي الظَّنُّ، وَتُمَثِّلُهُ لِي الْفِرَاسَة، وَتُحَدِّثُنِي بِهِ الظُّنُون.
وَهَذَا مَا أَسْفَرَتْ عَنْهُ الدَّلائِل، وَشَفَّتْ عَنْ الْقَرَائِنِ، وَأَوْمَأَتْ إِلَيْهِ الْمُقَدِّمَات، وَنَطَقَتْ بِهِ شَوَاهِد الْحَال، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ يُخَيَّلُ إِلَيَّ، وَيَتَمَثَّلُ لِحِسِّي، وَيَخْطُرُ بِبَالِي، وَيَجْرِي فِي خَلَدِي، وَيَهْجِسُ
(2/218)

فِي صَدْرِي، وَيَتَخَالَجُ فِي صَدْرِي، وَيَحُكُّ فِي صَدْرِي.
وَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْهُ كَذَا، وَأُوقِعَ فِي نَفْسِي، وَأُلْقِيَ فِي خَلَدِي، وَأُلْقِيَ فِي رُوعِي، وَنُفِثَ فِي رُوعِي.
وَهَذَا أَمْر كُنْت أَتَوَقَّعُ أَنْ يَكُونَ كَذَا، وَأُحَاذِرُ، وَأُشْفِقُ، وَقَدْ أَوْجَسْتُ مِنْهُ خِيفَة، وَتَوَجَّسْتُ مِنْهُ شَرّاً، وَكُنْتُ أُضْمِرُ حِذَاره، وَأَسْتَشْعِرُ خَشْيَته، وَكَأَنَّمَا كُنْتُ أَسْتَشِفُّهُ مِنْ وَرَاءِ حُجُبِ الْغَيْبِ، وَكَأَنَّمَا كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ بِلَحْظ الْغَيْب.
وَتَقُول فِي ضِدِّهِ: فَجِئَهُ الأَمْر، وَبَغَتَهُ، وَبَدَهَهُ، وَدَهَمَهُ، وَجَاءَهُ الأَمْرُ بَغْتَة، وَفَجْأَة، وَفُجَاءَة، وَفَاجَأَهُ عَلَى غَفْلَة، وَعَلَى حِينِ غِرَّة، وَبَاغَتَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُهُ، وَدَاهَمَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَتَوَقَّعُهُ، وَهَذَا أَمْر لَمْ يَكُنْ فِي الْحِسْبَانِ، وَلَمْ يَجْرِ فِي خَاطِر، وَلَمْ يَخْطُرْ فِي بَال، وَلَمْ يَهْجِسْ فِي ضَمِير، وَلَمْ يَحُكَّ فِي صَدْر، وَلَمْ يَضْطَرِبْ بِهِ جَنَان، وَلَمْ تَخْتَلِجْ بِهِ حَاسَّة، وَلَمْ يَتَحَرَّكْ بِهِ خَاطِر، وَلَمْ يَعْلَقْ بِهِ ظَنّ، وَلَمْ يَسْبِقْ بِهِ حَدْس، وَلَمْ يَسْنَحْ فِي فِكْر، وَلَمْ يَتَصَوَّرْ فِي وَهْم، وَلَمْ يَتَمَثَّلْ فِي خَيَال، وَلَمْ يَرْتَسِمْ فِي مُخَيِّلَة، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ فِي سَمَاءِ الْوَهْمِ سَحَاب.
وَتَقُولُ مَا شَعَرْتُ إِلا بِكَذَا،
(2/219)

وَمَا رَاعَنِي إِلا مَجِيء فُلان، وَقَدْ أَظَلَّنِي أَمْر كَذَا عَلَى غَيْرِ حِسْبَان، وَعَلَى غَيْرِ اِنْتِظَار، وَمَا قَدَّرْتُ أَنْ يَكُونَ الأَمْر كَذَا، وَلا خِلْتُهُ، وَلا ظَنَنْتُهُ، وَلا حَسِبْتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ الأَمْر عَلَى مَا رَجَمْتُهُ، وَمَا تَوَهَّمْتُهُ، وَهَذَا أَمْر مَا رَبَأْتُ رَبْأَهُ أَيْ مَا شَعَرْتُ بِهِ وَلا تَهَيَّأْتُ لَهُ.
وَيُقَالُ اغْتَرَّهُ الأَمْر إِذَا أَتَاهُ عَلَى غِرَّة، وَمَا زَالَ فُلان يَتَوَقَّعُ غِرَّة فُلان حَتَّى أَصَابَهَا أَيْ يَتَرَصَّدُ غَفْلَته، وَقَدْ اِهْتَبَلَ غِرَّته، وَاهْتَبَلَ غَفْلَته، وَافْتَرَصَهَا، وَانْتَهَزَهَا، أَيْ اغْتَنَمَهَا، وَيُقَالُ اهْتَبَلَ الصَّيْد أَيْ اغْتَرَّهُ، وَتَغَفَّلَ فُلانا، وَاسْتَغْفَلَهُ، أَيْ تَحَيَّنَ غَفْلَته لِيَخْتلهُ.
وَيُقَالُ طَرَأَ عَلَيْهِ أَمْرُ كَذَا، وَدَرَأَ عَلَيْهِ، إِذَا أَتَاهُ فَجْأَةً أَوْ أَتَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ، وَطَرَأَ عَلَى الْقَوْمِ، وَدَرَأَ عَلَيْهِمْ، إِذَا طَلَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ لا يَدْرُونَ.
وَانْبَثَقَ عَلَيْهِمْ الأَمْرُ هَجَمَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرُوا بِهِ، وَانْفَجَرَتْ عَلَيْهِمْ الدَّوَاهِي إِذَا أَتَتْهُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَغْتَة، وَكَذَلِكَ اِنْبَثَقَ عَلَيْهِمْ الْقَوْم، وَانْفَجَرُوا، وَقَدْ صَبَّحُوهُمْ وَهُمْ غَارُّونَ أَيْ غَافِلُونَ.
وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ " مِنْ مَأْمَنِهِ يُؤْتَى الْحَذِر ".
وَيُقَالُ: هَجَمَ عَلَى الْقَوْمِ، وَدَمَرَ عَلَيْهِمْ، وَدَمَقَ عَلَيْهِمْ، وَانْدَمَقَ، إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ إِذْنٍ.
وَوَغَلَ عَلَى الْقَوْمِ
(2/220)

فِي شَرَابِهِمْ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْعَى، وَوَرَشَ عَلَيْهِمْ فِي طَعَامِهِمْ كَذَلِكَ، وَهُوَ وَاغِل، وَوَارِش.

فَصْلٌ فِي مُرَاقَبَةِ الأَمْر وَإِغْفَالِهِ
يُقَالُ: رَقَبْتُ الأَمْر، وَرَاقَبْتُهُ، وَارْتَقَبْتُهُ، وَتَرَقَّبْتُهُ، وَرَصَدْتُهُ، وَتَرَصَّدْتُهُ، وَرَعَيْتُهُ، وَرَاعَيْتُهُ، وَلاحَظْتُهُ، وَقَدْ تَعَهَّدْتُهُ بِنَظَرِي، وَأَتْبَعْتُهُ نَظَرِي، وَتَعَقَّبْتُهُ بِنَظَرِي، وَمَا زَالَ هَذَا الأَمْر مَرْمَى بَصَرِي، وَقَيْدَ عِيَانِي، وَقَدْ أَيْقَظْتُ لَهُ رَأْيِي، وَأَسْهَرْتُ لَهُ قَلْبِي، وَهَذَا أَمْر لَمْ أُغْفِلْهُ طَرْفَة عَيْن، وَمَا زِلْتُ أَرْقُبُهُ بِعَيْنٍ لا تَغْفُلُ.
وَتَقُولُ رَاقَبْتُ الرَّجُل، وَرَامَقْتُهُ، وَرَابَأْتُهُ، وَقَدْ أَتْبَعْتُهُ رُسُل النَّظَر، وَلَمْ أَبْرَحْ أَتَتَبَّعُ آثَارَهُ، وَأَتَعَقَّبُ خَطَوَاتِهِ، وَأَسْتَقْرِي أَطْوَارَهُ، وَأَتَعَرَّفُ أَحْوَاله، وَأُرَاقِبُ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ، وَأَتَفَقَّدُ مَدَاخِله وَمَخَارِجه، وَأُحْصِي عَلَيْهِ أَنْفَاسه، وَأَسْأَلُ عَنْهُ كُلّ وَارِد وَصَادِر، وَقَدْ بَثَثْتُ عَلَيْهِ الْعُيُون، وَالأَرْصَاد، وَالْجَوَاسِيس، وَأَقَمْتُ عَلَيْهِ رُقَبَاء، وَمُرَاقِبِينَ.
وَيُقَالُ فُلان
(2/221)

رَجُلٌ نَظُورٌ أَيْ لا يَغْفُلُ عَنْ النَّظَرِ فِيمَا أَهَمَّهُ، وَإِنَّهُ لَرَجُل شَاهِد اللُّبّ، يَقِظ الْفُؤَادِ، كَلُوء الْعَيْن، شَدِيد الْحِفَاظِ، ضَابِط لأُمُورِهِ، حَارِس لِحَوْزَتِهِ.
وَيُقَالُ فُلان يُرَابِئُ فُلاناً أَيْ يُرَاقِبُهُ وَيَحْذَرُ نَاحِيَته.
وَمَا زَالَ فُلان يَتَسَقَّطُ فُلانا أَيْ يَتَتَبَّع عَثْرَته وَأَنْ يَنْدُر مِنْهُ مَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ.
وَيُقَالُ ارْتَبَأْتُ الشَّمْس مَتَى تَغْرُبُ أَيْ رَقَبْتُهَا، وَرَعَيْتُ النُّجُومَ، وَرَاعَيْتُهَا، كَذَلِكَ، وَرَقَبْتُ الْهِلال إِذَا رَصَدْتَ ظُهُوره بَعْدَ الْمُحَاق، وَرَصَدَ الْمُنَجِّم الْكَوْكَب إِذَا تَتَبَّعَ حَرَكَته فِي فَلَكِهِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الرَّصْدِ، وَالرَّصَدِ.
وَيُقَالُ أَتَيْتُ فُلاناً فَلَمْ أَجِدْهُ فَرَمَضْتُهُ تَرْمِيضاً أَيْ انْتَظَرْتُهُ سَاعَة ثُمَّ مَضَيْتُ.
وَوَعَدَنِي فُلان بِكَذَا فَلَبِثْتُ أَنْتَظِرُ وَعْدَهُ، وَأَتَرَقَّبُ إِنْجَازه، وَأَنْتَظِرُ مَا يَكُونُ مِنْهُ، وَقَدْ طَالَ اِنْتِظَارِي لَهُ، وَطَالَ وُقُوفِي بِبَابِهِ.
وَيُقَالُ تَرَبَّصَ بِفُلانٍ إِذَا اِنْتَظَرَ بِهِ خَيْراً أَوْ شَرّاً يَحِلُّ بِهِ، وَهُوَ يَتَرَبَّصُ بِهِ الدَّوَائِر، وَيَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْب الْمَنُون.
وَيُقَالُ: فُلانٌ يَتَرَبَّصُ بِسِلْعَتِهِ الْغَلاء، وَلِي فِي هَذِهِ السِّلْعَةِ رُبْصَة بِالضَّمِّ أَيْ تَرَبُّص، وَقَدْ
(2/222)

اسْتَأْنَيْتُ بِهَا كَذَا شَهْراً أَيْ اِنْتَظَرْتُ وَتَرَبَّصْتُ.
وَفُلانٌ يَتَحَيَّنُ كَذَا أَيْ يَنْتَظِرُ حِينه، وَالْوَارِش يَتَحَيَّنُ طَعَام النَّاسِ أَيْ يَنْتَظِرُ حِينه لِيَدْخُل.
وَيُقَالُ: امْرَأَة رَقُوب أَيْ تُرَاقِبُ مَوْتَ بَعْلِهَا لِتَرِثهُ. وَتَقُولُ فِي خِلافِ ذَلِكَ قَدْ غَفَلْتُ عَنْ الشَّيْءِ، وَأَغْفَلْتُهُ، وَسَهَوْتُ عَنْهُ، وَتَشَاغَلْتُ عَنْهُ، وَشُدِهْتُ عَنْهُ، وَتَرَكْتُ تَعَهُّدَهُ، وَأَهْمَلْتُ مُرَاقَبَتَهُ.
وَقَدْ عَرَضَ لِي مَا شَغَلَنِي عَنْهُ، وَشَعَبَنِي عَنْهُ، وَخَلَجَنِي عَنْهُ، وَقَدْ شَغَلَتْنِي عَنْهُ الشَّوَاغِل، وَخَلَجَتْنِي عَنْهُ الْخَوَالِج، وَعَرَضَتْ لِي مِنْ دُونِهِ مَشَاغِل، وَمَشَادِه، وَعَوَادٍ، وَعُدَوَاء.
وَفُلانٌ نَائِمٌ عَنْ أُمُورِهِ، وَقَدْ تَغَافَلَ عَنْهَا، وَتَغَاضَى، وَتَغَابَى، وَلَهَا عَنْهَا، وَتَلَهَّى، وَذَهَلَهَا، وَتَنَاسَاهَا، وَسَرِفَهَا، وَقَدْ وَكَّلَ بِهَا الْحَوَادِث، وَتَرَكَهَا رَهْن الطَّوَارِق، وَأَلْقَى أَزِمَّتهَا إِلَى أَيْدِي الْمَقَادِيرِ.
وَيُقَالُ تَرَكَ فُلان أُمُوره بِمَضِيعَةٍ كَمَكِيدَة، وَبِمَضْيَعَةٍ كَمَرْحَلَة، أَيْ تَرَكَهَا مُهْمَلَة مُعَرَّضَة لِلضَّيَاعِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِضْيَاعٌ لأُمُورِهِ إِذَا كَانَ يُضِيعُهَا بِالإِهْمَالِ.
(2/223)

فَصْلٌ في الاسْتِعْدَادِ لِلأَمْرِ
يُقَالُ اسْتَعَدَّ لِلأَمْرِ، وَتَأَهَّبَ لَهُ، وَتَهَيَّأَ، وَتَجَهَّزَ، وَشَمَّرَ، وَتَشَمَّرَ، وَتَحَزَّمَ، وَتَلَبَّبَ، وَشَدَّ لَهُ حَيَازِيمَهُ، وَجَمَعَ ذَيْلَهُ، وَقَامَ عَلَى سَاقِهِ، وَحَسَرَ عَنْ سَاقِهِ، وَعَنْ يَدِهِ، وَشَحَذَ لِلأَمْرِ عَزِيمَتَهُ، وَأَرْهَفَ لَهُ غِرَار عَزْمِهِ، وَأَخَذَ لَهُ عُدَّته، وَعَتَاده، وَتَجَهَّزَ لَهُ بِجَهَازِهِ، وَتَآدَى لَهُ بِأَدَاتِهِ، وَتَذَرَّعَ لَهُ بِذَرَائِعِهِ، وَهَيَّأَ لَهُ أَسْبَابَهُ، وَاسْتَعَانَ بِآلاتِهِ، وَجَمَعَ لَهُ أُهْبَته، وَأَرْصَدَ لَهُ الأُهْبَة، وَالأُهَب.
وَيُقَالُ آدَى فُلان لِلسَّفَرِ إِيدَاء إِذَا تَهَيَّأَ لَهُ، وَقَدْ أَبَّ لِلْمَسِيرِ يَؤُبّ أَبّاً، وَائْتَبَّ، أَيْ تَهَيَّأَ لَهُ وَتَجَهَّزَ، وَهُوَ فِي أَبَابِهِ، وَأَبَابَتِهِ، أَيْ فِي جَهَازِهِ.
وَجَاءَ فُلان حَافِلاً حَاشِداً، وَمُحْتَفِلا مُحْتَشِداً، أَيْ مُسْتَعِدّاً مُتَأَهِّباً.
وَيُقَالُ أَعْدَدْتُ الأَمْرَ، وَهَيَّأْتُهُ، وَأَرْصَدْتُهُ، وَمَهَّدْتُهُ، وَوَطَّأْتُهُ، وَدَمَّثْتُهُ، وَفِي الْمَثَلِ " دَمِّثْ لِجَنْبِك قَبْلَ النَّوْمِ مُضْطَجَعاً.
وَيُقَالُ: قَبْلَ الرِّمَاءِ تُمْلأ الْكَنَائِن، وَقَبْلَ الرَّمْيِ يُرَاشُ السَّهْم.

تم الكتاب بعون الله تعالى

****
(2/224)