Advertisement

نثر الدر في المحاضرات 004

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا إِلَى الْجنَّة بتوفيقه وتوقيفه، وَعدل بِنَا عَن النَّار بتحذيره وتخويفه، وَأرْسل رسله مبشرين برحمته الواسعة، ومنذرين بنعمته النازعة، وَخص مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله من بَينهم فِي الْآخِرَة بالحوض والشفاعة، والشرف والكرامة. وبالدرجات الْعلَا، وبسدرة الْمُنْتَهى وَفِي الدُّنْيَا بالبرهان الباهر، وَالسُّلْطَان القاهر، والمعجز الساطع، وَالسيف الْقَاطِع، والصراط الْمُسْتَقيم، والسبع المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم، وَجعل أمته أَكثر الْأُمَم عددا، وأوسطهم سددا، وأطولهم أمدا، وأهداهم قصدا، وأبينها رشدا، وَنسخ بملته الْملَل، وبنحلته النَّحْل، وَوصل شَرِيعَته بِالْيَوْمِ الآخر، وَجعلهَا خَاتِمَة الشَّرَائِع والأوامر. وأيده بِسَيْفِهِ المهند، وسهمه المسدد، وشباته المرهفة، وقناته المثقفة، خاصف النَّعْل، وآكل الطير، وقسيم الْجنَّة وَالنَّار، فَقتل غطارفة قُرَيْش، وجبابرة هوَازن وَثَقِيف، وطواغيت قُرَيْظَة وَالنضير، حَتَّى أذعن المعاند، وَأقر الجاحد، وذل الْبَاذِل وتطامن الشماخ، وَظهر دين الله، وَتب أَعدَاء الله، " وَقيل بعدا للْقَوْم الظَّالِمين ". اللَّهُمَّ إِنَّا نشكرك على نِعْمَتك الَّتِي نرى توفيقك لشكرها نعْمَة أُخْرَى، هِيَ بِالْحَمْد لَهَا أولى، وبالثناء عَلَيْهَا أَحْرَى، أَنْعَمت علينا بِحَسب قدرتك المطيفة بالخلق، وكلفتنا من الشُّكْر بِقدر قوتنا الضعيفة على أَدَاء الْحق، ورضيت منا بالميسور من الْحَمد، وبالعفو من الشُّكْر دون الْجهد، فَأَنت الْمَحْمُود على نِعْمَتك، والمعبود لعزتك، والمدعو وَحدك لَا شريك لَك، أحَاط علمك بالخفية، وانبسطت يدك بِالْعَطِيَّةِ، وأذل عزك الْجَبَابِرَة، وقهر ملكك الْمُلُوك الْقَاهِرَة، مَالك الْخلق. الْأَمر، ومنشئ السَّحَاب ومنزل الْقطر.
(4/3)

نَعُوذ بك من الخضوع والقنوع، والقلة والذلة، والمهانة والاستكانة، والطبع والطمع، وَمن الْحَسَد المضنى، وَمن الْحِرْص الْمَعْنى، وَمن الغضاضة فِي النَّفس، والخصاصة فِي الْحَال، وَمن سوء المآب وَشر المَال، وَمن كل مَا تطأطأ لَهُ الرُّءُوس وتطامن لَهُ النُّفُوس. كَمَا نَعُوذ بك من الْبَصَر والأشر، والبذخ والنخوى، وَسُوء احْتِمَال الْغنى والثروى، والاستئثار بِالْخَيرِ وَالنعْمَة، وقساوة الْقلب وَقلة الرَّحْمَة، وَمن استضعاف العائل، وانتهار السَّائِل، وَمن سوء الملكة عِنْد الاقتدار، وَمن التَّعَدِّي عِنْد الانتصاف، والاعتداء عِنْد الِانْتِصَار، وَمن الاستهانة بِذِي الْقُرْبَى الضَّعِيف، وَالْجَار المهين، والاستطالة على مَا ملكتنا رقابة من ملك الْيَمين. اللَّهُمَّ أَنْت أعلم بمصالح أحوالنا وعواقب أَعمالنَا، فسددنا لما فِيهِ خير الدُّنْيَا وَخير الاخرة، وصل على مُحَمَّد النَّبِي وعترته الطاهرة هَذَا هُوَ الْفَصْل الرَّابِع من كتاب نشر الدّرّ، وَهُوَ أحد عشر بَابا: الْبَاب الاول: كَلَام شرائف النِّسَاء الْبَاب الثَّانِي: نكت من كَلَام سَائِر نسَاء الْعَرَب وجواباتهن المستحسنة الْبَاب الثَّالِث: الْحِيَل والخدائع الْبَاب الرَّابِع: نكت من كَلَام الْحُكَمَاء الْبَاب الْخَامِس: جنس آخر من الحكم والآداب، وَهُوَ مَا جَاءَ على لفظ الْأَمر والنهى الْبَاب السَّادِس: جنس آخر من الحكم والأمثال الْبَاب السَّابِع: نكت فِي سياسة السُّلْطَان وأدب الرّعية الْبَاب الثَّامِن: نَوَادِر الجوارى وَالنِّسَاء المواجن الْبَاب التَّاسِع: نَوَادِر الْقصاص الْبَاب الْعَاشِر: نَوَادِر الْقَضَاء وَمن يتَقَدَّم إِلَيْهِم الْبَاب الْحَادِي عشر: نَوَادِر لأَصْحَاب النِّسَاء والزناة والزواني.
(4/4)

الْبَاب الأول كَلَام للنِّسَاء الشرائف

فَاطِمَة ابْنة رَسُول الله عَلَيْهَا السَّلَام خطبتها لما منعهَا أَبُو بكر فدكا
قَالُوا: لما بلغ فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام إِجْمَاع أبي بكر منعهَا فدكا لاثت خمارها على رَأسهَا، واشتملت بجلبابها، وَأَقْبَلت فِي لمة من حفدتها وَنسَاء قَومهَا، تطَأ ذيولها، مَا تخرم مشيتهَا مشْيَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، حَتَّى دخلت على أبي بكر وَهُوَ فِي حشد من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَغَيرهم، فنيطت دونهَا ملاءة، ثمَّ أَنْت أنة أجهش لَهَا الْقَوْم بالبكاء، وَارْتجَّ الْمجْلس ثمَّ أمهلت هنيهة، حَتَّى إِذا سكن نشيج الْقَوْم، وهدأت فورتهم افتتحت كَلَامهَا بِحَمْد الله وَالثنَاء عَلَيْهِ 347 وَالصَّلَاة على رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَت: " لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم ". فَإِن تعرفوه تَجِدُوهُ أبي دون آبائكم، وأخا ابْن عمي دون رجالكم، فَبلغ الرسَالَة صادعاً بالنذارة، بَالغا بالرسالة، مائلاً عَن سنَن الْمُشْركين، ضَارِبًا لشبحهم، يَدْعُو إِلَى سَبِيل ربه بالحكمة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة، آخِذا بأكظام الْمُشْركين، يهشم الْأَصْنَام ويفلق الْهَام،
(4/5)

حَتَّى انهزم الْجمع وولوا الدبر، حَتَّى تفرى اللَّيْل عَن صبحه، وأسفر الْحق عَن محضه، ونطق زعيم الدّين، وخرست شقاشق الشَّيْطَان، وتمت كلمة الْإِخْلَاص، " وكنتم على شفا حُفْرَة من النَّار "، ثهزة الطامع، ومذقة الشَّارِب، وقبسة العجلان، وموطئ الْأَقْدَام، تشربون الطّرق، وتقتاتون الْقد، أَذِلَّة خَاسِئِينَ، يخطفكم النَّاس من حَوْلكُمْ، حَتَّى أنقذكم الله بِرَسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ بعد اللتيا واللتي، وَبعد أَن مني ببهم الرِّجَال وذؤبان الْعَرَب، ومردة أهل الْكتاب " كلما أوقدوا نَارا للحرب أطفأها الله ". أَو نجم قرن للشَّيْطَان، أَو فغرت فاغرة للْمُشْرِكين، قذف أَخَاهُ فِي لهواتها، فَلَا ينكفئ حَتَّى يطَأ صماخها بأخمصه، ويطفئ عَادِية لهبها بِسَيْفِهِ - ويخمد لهيبها بحده مكدوداً فِي ذَات الله. وَأَنْتُم فِي رفاهة فكهون آمنون وادعون. حَتَّى إِذا اخْتَار الله لنَبيه صلى الله عَلَيْهِ دَار أنبيائه ظَهرت حسكة النِّفَاق، وسمل جِلْبَاب الدّين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر فِي عرصاتكم، وأطلع الشَّيْطَان رَأسه صَارِخًا بكم، فدعاكم فألقاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة ملاحظين؛ ثمَّ استنهضكم فوجدكم خفافاً وأحمشكم فألفاكم غضاباً؛ فوسمتم غير إبلكم، وأوردتم غير شربكم، هَذَا والعهد قريب والكلم رحيب، وَالْجرْح لما يندمل. أبماذا زعمتم: خوف الْفِتْنَة؟ " أَلا فِي الْفِتْنَة سقطوا وَإِن جَهَنَّم لمحيطة بالكافرين "، فهيهات فِيكُم، وأنى بكم، وأنى تؤفكون، وَكتاب الله بَين أظْهركُم، زواجره بَيِّنَة، وشواهده لائحة، وأوامره وَاضِحَة، أرغبة عَنهُ تُرِيدُونَ؟ أم بِغَيْرِهِ تحكمون؟ " بئس للظالمين بَدَلا " " وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين " ثمَّ لم تلبثوا إِلَّا ريث أَن تسكن نفرتها تشربون حسوا فِي ارتغاء، ونصير مِنْكُم على مثل حز المدى وَأَنْتُم الْآن تَزْعُمُونَ لَا إِرْث لنا " أَفَحكم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ وَمن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " إيها معشر الْمسلمَة المهاجرة؛ أأبتز إِرْث أَبِيه؟ أَبى الله فِي الْكتاب يَا بن قُحَافَة، أَن تَرث أَبَاك وَلَا أرث أَبِيه. لقد جِئْت شَيْئا فرياً، فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يَوْم حشرك، فَنعم الحكم لله، والزعيم مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ، والموعد
(4/6)

الْقِيَامَة، وَعند السَّاعَة يخسر المبطلون " وَلكُل نبأ مُسْتَقر وسوف تعلمُونَ " ثمَّ انكفأت على قبر أَبِيهَا صلى الله عَلَيْهِ فَقَالَت: قد كَانَ بعْدك أنباء وهنبشة ... لَو كنت شَاهدهَا لم تكْثر الْخطب إِنَّا فقدناك فقد الأَرْض وابلها ... واختل أهلك فاحضرهم وَلَا تغب وَذكر أَنَّهَا لما فرغت من كَلَام أبي بكر والمهاجرين عدلت إِلَى مجْلِس الْأَنْصَار فَقَالَت: يَا معشر الفئة، وأعضاد 348 الْملَّة، وحضنة الْإِسْلَام، مَا هَذِه الفترة فِي حَقي؟ وَالسّنة فِي ظلامتي؟ أما كَانَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ أَن يحفظ فِي وَلَده؟ لسرع مَا أحدثتم! وعجلان ذَا إهانة أتقولون: مَاتَ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ؟ فَخَطب جليل استوسع وهيه، واستنهر فتقه وفقد راتقه، وأظلمت الأَرْض لغيبته، واكتأبت خيرة الله لمصيبته، وخشعت الحبال، وأكدت الآمال، وأضيع الْحَرِيم، وأزيلت الْحُرْمَة عِنْد مماته صلى الله عَلَيْهِ، وَتلك نازلة علن بهَا كتاب الله فِي أفنيتكم فِي ممساكم ومصبحكم، تهتف فِي أسماعكم ولقبله مَا حلت بِأَنْبِيَاء الله وَرُسُله صلى الله عَلَيْهِم. " وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم على أعقابكم وَمن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يضر الله شَيْئا وسيجزي الله الشَّاكِرِينَ ". إيها بني قيلة؛ أأهتضم تراث أَبِيه وَأَنْتُم بمرأى مني ومسمع؟ تلبسكم الدعْوَة، وتشملكم الْحيرَة، وَفِيكُمْ الْعدَد وَالْعدة، وَلكم الدَّار، وعندكم الجنن، وَأَنْتُم الألى نخبة الله الَّتِي انتخب لدينِهِ، وأنصار رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ، وَأهل الْإِسْلَام والخيرة الَّتِي اخْتَار الله لنا أهل الْبَيْت فنابذتم الْعَرَب، وناهضتم الْأُمَم، وكافحتم البهم، لَا نَبْرَح نأمركم فتأتمرون، حَتَّى دارت لكم بِنَا رَحا الْإِسْلَام، ودر حلب الْأَيَّام وخضعت نعرة الشّرك، وباخت نيران الْحَرْب، وهدأت دَعْوَة الْهَرج، واستوسق نظام الدّين،
(4/7)

فَأنى حرتم بعد الْبَيَان، ونكصتم بعد الْإِقْدَام، وأسررتم بعد التِّبْيَان، لقوم نكثوا " أَيْمَانهم اتخشونهم فَالله أَحَق أَن تخشوه إِن كُنْتُم مُؤمنين ". أَلا قد أرى أَن قد أخلدتم إِلَى الْخَفْض، وركنتم إِلَى الدعة، فعجتم عَن الدّين، ومججتم الَّذِي وعيتم، ولفظتم الَّذِي سوغتم " إِن تكفرُوا أَنْتُم وَمن فِي الأَرْض جَمِيعًا فَإِن الله لَغَنِيّ حميد " أَلا وَقد قلت الَّذِي قلته عَن معرفَة مني بالخذلان الَّذِي خامر صدوركم، واستشعرته قُلُوبكُمْ. وَلَكِن قلته فيضة النَّفس، ونفثة الغيظ. وبثة الصَّدْر، ومعذرة الْحجَّة فدونكموها فاحتقبوها مُدبرَة الظّهْر، ناقبة الْخُف، بَاقِيَة الْعَار مرسومة بشنار الْأَبَد، مَوْصُولَة بِنَار الله الموقدة، الَّتِي تطلع على الأفئدة. فبعين الله مَا تَفْعَلُونَ " وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون "، وَأَنا ابْنة نَذِير لكم بَين يَدي عَذَاب شَدِيد، فاعلموا إِنَّا عاملون، وَانْتَظرُوا إِنَّا منتظرون.
قَوْلهَا عِنْد احتضارها
قَالُوا: لما مَرضت فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام دخل النِّسَاء عَلَيْهَا وقلن: كَيفَ أَصبَحت من علتك يَا بنة رَسُول الله؟ قَالَت: أَصبَحت وَالله عائفة لدنياكم، قاليةً لرجالكم؛ لفظتهم بعد أَن عجمتهم وشنئتهم بعد أَن سبرتهم، فقبحاً لفلول الْحَد، وخطل الرَّأْي " ولبئس مَا قدمت لَهُم أنفسهم أَن سخط الله عَلَيْهِم وَفِي الْعَذَاب هم خَالدُونَ " لَا جرم لقد قلدتهم ربقتها، وشنت عَلَيْهِم غارتها فجدعاً وعقراً وبعداً للْقَوْم الظَّالِمين. ويحهم. أَيْن زحزحوها عَن رواسي الرسَالَة وقواعد النُّبُوَّة ومهبط الرّوح الْأمين، والطبن بِأَمْر الدُّنْيَا وَالدّين " أَلا ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين " مَا الَّذِي نقموا من أبي الْحسن؟ نقموا وَالله نَكِير سَيْفه، وَشدَّة وطأته، ونكال وقعته وتنمرة فِي ذَات الله، وتالله لَو تكافوا عَن زِمَام نبذه إِلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ لاعتقله، ولسار بهم سجحاً لَا يكلم خشاشه وَلَا يتعتع 349 رَاكِبه، ولأوردهم
(4/8)

منهلاً روياً فضفاضاً، تطفح ضفتاه، ولأصدرهم بطاناً، وَقد تحيز بهم الرَّأْي، غير مستحل مِنْهُ بطائل، إِلَّا بغمر الناهل، أَو دعة سُورَة الساغب، ولفتحت عَلَيْهِم بَرَكَات من السَّمَاء، وسيأخذهم الله بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. أَلا هَلُمَّ فاستمع. وَمَا عِشْت أَرَاك الدَّهْر عجبا وَإِن تعجب فَعجب لحادث إِلَى ملْجأ لجئوا واستندوا، وَبِأَيِّ عُرْوَة تمسكوا، " لبئس الْمولى ولبئس العشير ". واستبدلوا وَالله الذنابى بالقوادم، وَالْعجز بالكاهل، فرغماً لمعاطس قوم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا " أَلا إِنَّهُم هم المفسدون وَلَكِن لَا يَشْعُرُونَ " ويحهم " أَفَمَن يهدي إِلَى الْحق أَحَق أَن يتبع أَمن لَا يهدي إِلَّا أَن يهدى فَمَا لكم كَيفَ تحكمون ". أما لعمر إلهك لقد لقحت فنظرة ريث مَا تنْتج، ثمَّ احتلبوا طلاع الْقَعْب دَمًا عبيطا، وذعافاً ممقراً، فهنالك يخسر المبطلون، وَيعرف التالون غب مَا أسس الْأَولونَ، ثمَّ طيبُوا عَن أَنفسكُم أنفساً، وطامنوا للفتنة جأشاً، وَأَبْشِرُوا بِسيف صارم، وبهرج شَامِل، واستبداد من الظَّالِمين، يدع فيئكم زهيداً، وجمعكم حصيداً فيا حسرة بكم، وَقد عميت عَلَيْكُم " أنلزمكموها وَأَنْتُم لَهَا كَارِهُون ".
عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله عَنْهَا
روى أَنه لما كَانَ يَوْم الْجمل قَامَت عَائِشَة فتكلمت فَقَالَت: أَيهَا النَّاس، إِن لي عَلَيْكُم حق الأمومة وَحقّ الموعظة، لَا يتهمني إِلَّا من
(4/9)

عصى ربه. قبض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَين سحرِي وَنَحْرِي، وَأَنا إِحْدَى نِسَائِهِ فِي الْجنَّة، لَهُ ادخرني رَبِّي، وخصني من كل بضع وَبِي ميز مؤمنكم من منافقكم، وَفِي رخص لكم فِي صَعِيد الْأَبْوَاء وَأبي رَابِع أَرْبَعَة من الْمُسلمين، وَأول مُسَمّى صديقا. قبض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ عَنهُ رَاض فوقذ النِّفَاق، وأغاض نبع الرِّدَّة، وأطفأ مَا حشت يهود، وَأَنْتُم حِينَئِذٍ جحظ تنتظرون العدوة، وتستمعون الصَّيْحَة، فراب الثأي، وأوذم العطلة، وامتاح من المهوات، واجتهر دفن الرواء؛ فَقَبضهُ الله واطئاً على هَامة النِّفَاق، مذكياً نَار حَرْب الْمُشْركين، يقظان فِي نصْرَة الْإِسْلَام، صفوحاً عَن الْجَاهِلين. وَرُوِيَ أَنَّهَا قَالَت: تبرأت إِلَى الله من خطب جمع شَمل الْفِتْنَة، وَفرق أَعْضَاء مَا جمع الْقُرْآن أَنا نصب الْمَسْأَلَة عَن مسيري؟ هَذَا، أَلا وَإِنِّي لم أجرد وإثماً أدرعه، وَلم أدلس فتْنَة أوطئكموها. أَقُول قولي هَذَا صدقا وعذراً واعتذاراً وتعذيراً، وأسأل الله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله، وَأَن يخلفه فِي أمته أفضل خلَافَة الْمُرْسلين. قَالَ: فَانْطَلق رجل بمقالتها هَذِه إِلَى الْأَحْنَف، فَقَالَ الْأَحْنَف أبياتاً كَثِيرَة يَقُول فِيهَا: فَلَو كَانَت الأكنان دُونك لم يحد ... عَلَيْك مقَالا ذُو أذاةٍ يَقُولهَا فَبلغ عَائِشَة مقَالَته فَقَالَت: لقد استفرغ حلم الْأَحْنَف هجاؤه إيَّايَ إِلَيّ كَانَ يستجم مثابة سفهه؟ إِلَى الله أَشْكُو عقوق أبنائي.
خطْبَة أُخْرَى لَهَا حِين سَأَلت عَن عُثْمَان
قَالَ بَعضهم: شهِدت عَائِشَة يَوْم الْجمل وَقد ثاب إِلَيْهَا النَّاس فَقَالُوا: يَا أم الْمُؤمنِينَ، أَخْبِرِينَا عَن عُثْمَان، فَقَالَت: إِنَّا نقمنا على عُثْمَان 350 ثَلَاثًا: إمرة الْفَتى، وَضرب السَّوْط، وموقع الغمامة
(4/10)

المتحاماة، حَتَّى إِذا أعتبنا مِنْهُنَّ مصتموه موص الثَّوْب بالصابون، ثمَّ عدوتم بِهِ الفواقر، أَو الْفقر الثَّلَاث: حُرْمَة الْإِسْلَام، وَحُرْمَة الْخلَافَة، وَحُرْمَة الشَّهْر الْحَرَام. وَالله لعُثْمَان كَانَ أَتْقَاهُم للرب، وأوصلهم للرحم، وأعفهم لِلْفَرجِ، أَقُول قولي هَذَا وَأَسْتَغْفِر الله لي وَلكم.
قَوْلهَا فِي أَبِيهَا أبي بكر
وَرُوِيَ أَنه بلغَهَا أَن نَاسا يتناولون أَبَا بكر، فَأرْسلت إِلَى أزفلة من النَّاس، فَلَمَّا حَضَرُوا أسدلت أستارها، وأعلت وسادها، ثمَّ دنت فحمدت الله، وأثنت عَلَيْهِ، وصلت على نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وعذلت وقرعت وَقَالَت: أبي وَمَا أَبِيه {أبي وَالله لَا تعطوه الْأَيْدِي، طود منيف، وظل مديد، هَيْهَات هَيْهَات} ! كذبت الظنون. أنجح وَالله إِذْ أكديتم، وَسبق إِذْ ونيتم سبق الْجواد إِذا استولى على الأمد فَتى قُرَيْش ناشئاً، وكهفها كهلاً، يريش مملقها، ويفك عانيها ويلم شعثها ويرأب صَدعهَا حَتَّى حلته قلوبها، ثمَّ استشرى فِي دينه فَمَا بَرحت شَكِيمَته فِي ذَات الله، حَتَّى اتخذ بفنائه مَسْجِدا يحيى فِيهِ مَا أمات المبطلون. وَكَانَ رَحْمَة الله عَلَيْهِ غزير الدمعة، وقيذ الجوانح شجي النشيج، فانفضت إِلَيْهِ نسوان مَكَّة وولدانها، يسخرون مِنْهُ، ويستهزئون بِهِ. " الله يستهزئ بهم ويمدهم فِي طغيانهم يعمهون " وأكبرت ذَلِك رجالات قُرَيْش، فحنت إِلَيْهِ قسيها، وفوقت لَهُ سهامها وامتثلوه غَرضا فَمَا حُلْو لَهُ صفاة، وَلَا قصفوا لَهُ قناة، وَمر على سيسائه حَتَّى إِذا ضرب الدّين بجرانه، وَألقى بركه، ورست أوتاده، وَدخل النَّاس فِيهِ أَفْوَاجًا، وَمن كل شرعة أشتاتاً وأرسالاً اخْتَار الله جلّ اسْمه لنَبيه
(4/11)

صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه وتحياته مَا عِنْده، فَلَمَّا قبض الله رَسُوله ضرب الشَّيْطَان برواقه، وَمد طنبه، وَنصب حبائله، وأجلب بخيله وَرجله، واضطرب حَبل الْإِسْلَام، ومرج عَهده، وماج أَهله وبغى الغوائل، وظنت رجال أَن قد أكثبت نهزها، ولات حِين الَّتِي يرجون، وأنى وَالصديق بَين أظهرهم؟ فَقَامَ حاسراً مشمراً قد جمع حاشيتيه، وَرفع قطريه، فَرد نشز الدّين على غره، وَلم شعثه بطبه، وَأقَام أوده بثقافه، فامذقر النِّفَاق بِوَطْئِهِ، وانتاش الدّين فنعشه. فَلَمَّا أراح الْحق على أَهله، وَأقر الرُّءُوس على كواهلها، وحقن الدِّمَاء فِي أهبها حَضرته منيته، نضر الله وَجهه، فسد ثلمته بنظيره فِي الرَّحْمَة ومقتفيه فِي السِّيرَة والمعدلة؛ ذَلِك ابْن الْخطاب، لله أم حملت بِهِ، وَدرت عَلَيْهِ. لقد أوحدت، ففنخ الْكَفَرَة ودنخها، وشرد الشّرك شذر مذر وبعج الأَرْض ونجعها، فقأت أكلهَا، ولفظت خبأها؛ ترأمه ويصدف عَنْهَا، وتصدى لَهُ ويأباها، ثمَّ وزع فَيْئهَا فِيهَا، وودعها كَمَا صحبها. فأروني مَاذَا ترتأون. وَأي يومي أبي تَنْقِمُونَ؟ أيوم إِقَامَته إِذْ عدل فِيكُم أَو يَوْم ظعنه إِذْ نظر لكم. أَقُول قولي هَذَا وَأَسْتَغْفِر الله لي وَلكم. وَقَالَت: لَو نزل بالجبال الراسيات مَا نزل بِأبي لهاضها، قبض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، فاشرأب النِّفَاق، وارتدت الْعَرَب قاطبة. وَعَاد أَصْحَاب مُحَمَّد كَأَنَّهُمْ معزى مطيرة فِي خفش، فَمَا اخْتلفُوا فِيهِ من أَمر إِلَّا طَار أبي بغلائه وغنائه. وَمن رأى ابْن الْخطاب علم أَنه كَانَ عوناً لِلْإِسْلَامِ، كَانَ وَالله أحوذياً نَسِيج وَحده، قد أعد للأمور أقرانها. وَلما هلك أَبُو بكر الصّديق رَحمَه الله قَامَت على قَبره فَقَالَت: نضر الله وَجهك، وشكر لَك صَالح سعيك؛ فقد كنت للدنيا مذلاً بإدبارك عَنْهَا، وَكنت للآخرة معزاً بإقبالك عَلَيْهَا. وَلَئِن كَانَ أعظم المصائب بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ رزؤك، وأكبر الْأَحْدَاث بعد فقدك، إِن كتاب الله ليعد بِحسن العزاء عَنْك حسن الْعِوَض مِنْك، فَنحْن نتنجز من الله موعوده بِالصبرِ عَلَيْك، ونستعيضه مِنْك
(4/12)

بالاستغفار لَك؛ أما لَئِن كَانُوا قَامُوا بِأَمْر الدُّنْيَا لقد قُمْت بِأَمْر الدّين حِين وهى شعبه وتفاقم صدعه، ورجفت جوانبه، فَعَلَيْك سَلام الله سَلام توديع غير قاليةٍ لحياتك، وَلَا زارية على الْقَضَاء فِيك.
حَدِيثهَا مَعَ ابْن عَبَّاس
رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: بَعَثَنِي عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام بعد دُخُوله الْبَصْرَة إِلَى عَائِشَة يأمرها بالرحيل إِلَى بلادها، فأتيتها فَدخلت عَلَيْهَا، فَلم يوضع لي شَيْء أَجْلِس عَلَيْهِ، فتناولت وسَادَة كَانَت فِي رَحلهَا فَقَعَدت عَلَيْهَا، فَقَالَت: يَا بن عَبَّاس: أَخْطَأت السّنة؛ قعدت على وسادتنا فِي بيتنا بِغَيْر إذننا. فَقلت: مَا هَذَا بَيْتك الَّذِي أَمرك الله أَن تقري فِيهِ، وَلَو كَانَ بَيْتك مَا قعدت على وِسَادَتك إِلَّا بإذنك. ثمَّ قلت: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَرْسلنِي إِلَيْك يَأْمُرك بالرحيل إِلَى بلادك. قَالَت: وَأَيْنَ أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ ذَاك عمر. فَقلت: ذَاك عمر وَعلي. قَالَت: أَبيت أَبيت. قلت: أما وَالله مَا كَانَ إباؤك إِلَّا قصير الْمدَّة، عَظِيم التبعة، قَلِيل الْمَنْفَعَة، ظَاهر الشؤم: بَين النكد. وَمَا عَسى أَن يكون إباؤك؟ وَمَا كَانَ أَمرك إِلَّا كحلب شَاة، حَتَّى صرت لَا تأمرين وَلَا تنهين، وَلَا تأخذين وَلَا تعطين، وَمَا كَانَ مثلك إِلَّا كَقَوْل أخي بني أَسد: مازال إهداء الضغائن بَيْننَا ... نثو الحَدِيث وَكَثْرَة الألقاب حَتَّى تركت كَأَن صَوْتك فيهم ... فِي كل نائبة طنين ذُبَاب قَالَ: فَبَكَتْ حَتَّى سَمِعت نحيبها من وَرَاء الْحجاب ثمَّ قَالَت: إِنِّي مُعجلَة الرحيل إِلَى بلادي إِن شَاءَ الله؛ وَالله مَا من بلد أبْغض إِلَيّ من بلد أَنْتُم بِهِ. قَالَ: قلت: وَلم ذَاك؟ فوَاللَّه لقد جعلناك للْمُؤْمِنين أما، وَجَعَلنَا أَبَاك صديقا. قَالَت: تكلمني يَا بن عَبَّاس أتمن على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَقلت: مَا لي لَا أَمن عَلَيْك بِمن لَو كَانَ مِنْك لمننت بِهِ عَليّ. قَالَ: فَأتيت عليا فَأَخْبَرته بِقَوْلِي وَقَوْلها. فَقبل بَين عَيْني ثمَّ قَالَ: " ذُرِّيَّة بَعْضهَا من بعض وَالله سميع عليم ".
(4/13)

وَرُوِيَ أَن عَائِشَة قَالَت: مَكَارِم الْأَخْلَاق عشر: صدق الحَدِيث، وَصدق الْبَأْس، وَأَدَاء الْأَمَانَة، وصلَة الرَّحِم، والمكافأة بالصنيع، وبذل الْمَعْرُوف، والتذمم للْجَار، والتذمم للصاحب، وقرى الضَّيْف، ورأسهن الْحيَاء. رُوِيَ عَن هَوْذَة بن نَافِع قَالَ: سَأَلت عَائِشَة مَا الَّذِي حملك على قتال أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب. قَالَت: لأَنْت أجرأ من خاصي الْأسد. وكتبت إِلَيْهَا أم سَلمَة لما هَمت بِالْخرُوجِ إِلَى الْبَصْرَة: يَا عَائِشَة؛ إِنَّك جنَّة بَين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَبَين أمته، وحجابك مَضْرُوب على حرمته، قد جمع الْقُرْآن ذيلك فَلَا تملخيه، وسكني عقيراك فَلَا تصحريها لَو ذكرتك قولةً من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ لتهششت تهشش الرقشاء المطرقة. مَا كنت قائلة لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ لَو لقيك ناصةً قعُودا من منهل إِلَى منهل؟ قد بَرحت عهيداه، وهتكت ستره. إِن عَمُود الدّين لَا يرأب بِالنسَاء، وَلَا يُقَام بِهن إِذا انصدع. حماداهن خفض الْأَعْرَاض، وَقصر 352 الوهازة. اجعلي قَاعِدَة الْبَيْت قبرك حَتَّى تلقيه وَأَنت على ذَلِك. فَقَالَت عَائِشَة: يَا أم سَلمَة، مَا أعرفني بنصحك! وأقبلني لوعظك وَلَيْسَ الْأَمر حَيْثُ تذهبين، مَا أَنا بمغترة بعد قعُود، فَإِن أقِم فَفِي غير حرج، وَإِن أخرج فَفِي إصْلَاح بَين فئتين من الْمُسلمين متشاحنتين. وَقيل لعَائِشَة إِن قوما يشتمون أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ فَقَالَت: قطع الله عَنْهُم الْعَمَل مَا أحب أَن يقطع عَنْهُم الْأجر. وَرَأَتْ رجلا متماوتاً فَقَالَت: قطع الله عَنْهُم الْعَمَل مَا أحب أَن يقطع عَنْهُم الأجرولأت رجلا متماوتاً. مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: زاهد. فَقَالَت: قد كَانَ عمر رَضِي الله عَنهُ زاهداً، فَكَانَ إِذا قَالَ أسمع وَإِذا مَشى أسْرع، وَإِذا ضرب فِي ذَات الله أوجع. وَذكر أَنَّهَا لما احتضرت جزعت. فَقيل لَهَا: أتجزعين يَا أم الْمُؤمنِينَ وَأَنت زَوْجَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَأم الْمُؤمنِينَ وَابْنَة أبي بكر الصّديق؟ فَقَالَت: إِن يَوْم الْجمل معترض فِي حلقي. لَيْتَني مت قبله أَو كنت نسياً منسياً.
(4/14)

بَينهَا وَبَين عمرَان بن حُصَيْن
وَرُوِيَ عَن أبي الْأسود قَالَ: أنفذني عُثْمَان بن حنيف مَعَ عمرَان بن حُصَيْن إِلَى عَائِشَة فَقُلْنَا: يَا أم الْمُؤمنِينَ، أَخْبِرِينَا عَن مسيرك هَذَا أَعهد عَهده رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ أم رَأْي رَأَيْته؟ قَالَت: بل رَأْي رَأَيْته حِين قتل عُثْمَان إِنَّا نقمنا عَلَيْهِ ضَرْبَة السَّوْط. وموقع السحابة المحمية، وإمرة سعيد والوليد فعدوتم عَلَيْهِ فاستحللتم مِنْهُ الْحرم الثَّلَاث، حُرْمَة الْبَلَد، وَحُرْمَة الْخلَافَة، وَحُرْمَة الشَّهْر الْحَرَام، بعد أَن مصناه كَمَا يماص الْإِنَاء فاستتبناه، فركبتم مِنْهُ هَذِه ظالمين. أغضبنا لكم من سَوط عُثْمَان وَلَا نغضب لعُثْمَان من سيفكم؟ قلت: مَا أَنْت وسيفنا وسوط عُثْمَان؟ وَأَنت حبيس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ. أَمرك أَن تقري فِي بَيْتك، فَجئْت تضربين النَّاس بَعْضًا بِبَعْض. قَالَت: وَهل أحد يقاتلني أَو يَقُول غير هَذَا؟ قلت: نعم. قَالَت: وَمن يفعل ذَلِك؟ أزنيم بن عَامر؟ هَل أَنْت مبلغ عني يَا عمرَان؟ قَالَ: لَا لست مبلغا عَنْك خيرا وَلَا شرا، قلت: لكني مبلغ عَنْك. هَات مَا شِئْت. قَالَت: اللَّهُمَّ اقْتُل مذمماً قصاصا بعثمان، وارم الأشتر بِسَهْم من سهامك لَا يشوى، وَأدْركَ عماراً بحفرته فِي عُثْمَان. وَرُوِيَ أَنَّهَا كَانَت تَقول: لَا تَطْلُبُوا مَا عِنْد الله من عِنْد غير الله بِمَا يسْخط الله. وَكَانَت تَقول: لله در التَّقْوَى، مَا تركت لذِي غيظ شِفَاء. وَقَالَت يَوْم الْحكمَيْنِ: رَحِمك الله يَا أَبَت، فلئن أَقَامُوا الدُّنْيَا فَلَقَد أَقمت الدّين وهى شعبه، وتفاقم صدعه، ورجفت جوانبه، وانقبضت عَمَّا إِلَيْهِ أصغوا، وشمرت فِيمَا عَنهُ ونوا، واستصغرت من دنياك مَا أعظموا، ورغبت بِدينِك عَمَّا أغفلوا؛ أطالوا عنان الْأَمْن واقتعدت مطي الحذر، فَلم تهضم دينك، وَلم تنس غدك، ففاز عِنْد المساهمة قدحك، وخف مِمَّا استوزروا ظهرك.
قَوْلهَا لما قتل عُثْمَان
وَرُوِيَ أَنه لما قتل عُثْمَان قَالَت: أقتل أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالُوا: نعم، قَالَت: فرحمه الله وَغفر لَهُ. أما وَالله لقد كُنْتُم إِلَى تسديد الْحق وتأييده، وإعزاز الْإِسْلَام وتأكيده، أحْوج مِنْكُم إِلَى مَا نهضتم إِلَيْهِ، من طَاعَة من خَالف عَلَيْهِ، وَلَكِن كلما
(4/15)

زادكم الله نعْمَة فِي دينكُمْ ازددتم تثاقلاً فِي نصرته طَمَعا فِي دنياكم. أما وَالله لهدم النِّعْمَة أيسر من بنائها، وَمَا الزِّيَادَة إِلَيْكُم بالشكر بأسرع من زَوَال النِّعْمَة عَنْكُم بالْكفْر، وأيم الله لَئِن كَانَ فني أكله، واخترم أَجله، لقد كَانَ عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ كذراع 353 الْبكر الْأَزْهَر، وَلَئِن كَانَت الْإِبِل أكلت أوبارها إِنَّه لصهر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، وَلَئِن كَانَ برك عَلَيْهِ الدَّهْر بزوره وأناخ عَلَيْهِ بكلكله، إِنَّهَا النوائب تترى تلعب بِأَهْلِهَا وَهِي جادة وتجذبهم وَهِي لاعبة، أما وَالله لقد حاط الْإِسْلَام وأكده، وعضد الدّين وأيده، وَلَقَد هدم الله بِهِ صياصي الْكفْر، وَقطع بِهِ دابر الْمُشْركين، ووقم بِهِ أَرْكَان الضَّلَالَة، فَللَّه الْمُصِيبَة بِهِ مَا أفجعها والفجيعة بِهِ مَا أوجعها! صدع الله بمقتله صفاة الدّين، وثلمت مصيبته ذرْوَة الْإِسْلَام.
من أقوالها وأخبارها
وَقَالَت: من أرْضى الله بإسخاط النَّاس كَفاهُ الله مَا بَينه وَبَين النَّاس، وَمن أرْضى النَّاس بإسخاط الله عز وَجل ذكره وَكله الله إِلَى النَّاس. وَقَالَت: إِنَّمَا النِّكَاح رق فَلْينْظر امرء من يرق كريمته. وَقَالَت: خرجت أقفو آثَار النَّاس يَوْم الخَنْدَق، فَسمِعت وئيد الأَرْض خَلْفي، فَالْتَفت فَإِذا أَنا بِسَعْد بن معَاذ. وَقَالَت لَهَا امْرَأَة: أأقيد جملي؟ قَالَت: نعم، قَالَت: أقيد جملي؟ فَلَمَّا علمت مَا تُرِيدُ قَالَت: وَجْهي من وَجهك حرَام؛ تَعْنِي بالجمل زَوجهَا أَي أوحده عَن النِّسَاء. وَقَالَت: لَا تُؤدِّي الْمَرْأَة حق زَوجهَا حَتَّى لَو سَأَلَهَا نَفسهَا وَهِي على ظهر قتب لم تَمنعهُ وَقَالَت: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ يقبل ويباشر وَهُوَ صَائِم وَلكنه كَانَ أملككم لإربه وَسمعت يَوْم الْجمل تَكْبِيرا عَالِيا فَقَالَت: اسْكُتُوا؛ فَإِن التَّكْبِير فِي هَذَا الْموضع فشل.
(4/16)

قَوْلهَا حِين قتل عَليّ
وَرُوِيَ عَن زَيْنَب بنت أبي سَلمَة قَالَت: كنت يَوْمًا عِنْد عَائِشَة، إِذْ دخل رجل معتم عَلَيْهِ أثر السّفر. فَقَالَ: قتل عَليّ بن أبي طَالب عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَت عَائِشَة: إِن تَكُ ناعياً فَلَقَد نعاه ... نعي لَيْسَ فِي فَمه التُّرَاب ثمَّ قَالَت: من قَتله؟ قَالَ: رجل من مُرَاد. قَالَت: رب قَتِيل لله بيَدي رجل مُرَاد. قَالَت زَيْنَب: فَقلت: سُبْحَانَ الله! أتقولين مثل هَذَا لعَلي مَعَ سابقته وفضله. فَضَحكت وَقَالَت: بِسم الله، إِذا نسيت فذكريني.
زَيْنَب بنت عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام
قيل: لما قتل الْحُسَيْن عَلَيْهِ السَّلَام، وَوجه ابْن زِيَاد لَعنه الله رَأسه والنسوة إِلَى يزِيد لَعنه الله، أَمر بِرَأْس الْحُسَيْن عَلَيْهِ السَّلَام فأبرز فِي طست، وَجعل ينكت ثناياه بقضيب وينشد: لَيْت أشياخي ببدر شهدُوا ... الأبيات الْمَعْرُوفَة. فَقَالَت زَيْنَب بنت عَليّ عَلَيْهَا السَّلَام: صدق الله وَرَسُوله يَا يزِيد " ثمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذين أساءوا السوأى أَن كذبُوا بآيَات الله وَكَانُوا بهَا يستهزءون " أظننت يَا يزِيد أَنه حِين أَخذ علينا بأطراف الأَرْض وأكناف السَّمَاء، فأصبحنا نساق كَمَا يساق الْأُسَارَى، أَن بِنَا هواناً على الله، وَبِك كَرَامَة؟ وَأَن هَذَا لعَظيم خطرك؟ فشمخت بأنفك، وَنظرت فِي عطفك، جذلان فَرحا حِين رَأَيْت الدُّنْيَا مستوسقة
(4/17)

لَك، والأمور متسقة عَلَيْك، وَقد مثلت ونفست. وَهُوَ قَول الله تبَارك وَتَعَالَى " وَلَا يَحسبن الَّذين كفرُوا إِنَّمَا نملى لَهُم خير لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نملى لَهُم ليزدادوا إِثْمًا وَلَهُم عَذَاب مهين ". أَمن الْعدْل يَا بن الطُّلَقَاء تخديرك نِسَاءَك وإماءك، وسوقك بَنَات رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ؟ قد هتكت ستورهن 354، وضحكت بحوجهن مكتئبات تخدى بِهن الأباعر، ويحدو بِهن الأعادي، من بلد إِلَى بلد لَا يراقبن وَلَا يؤوين، يتشوفهن الْقَرِيب والبعيد، لَيْسَ مَعَهُنَّ ولي من رِجَالهنَّ، وَكَيف يستبطأ فِي بغضتنا من نظر إِلَيْنَا بالشنف والشنان، والإحن والأضغان؟ أَتَقول: لَيْت أشياخي ببدر شهدُوا غير متأثم وَلَا مستعظم، وَأَنت تنكت ثنايا أبي عبد الله بمخصرتك؟ وَلم لَا تكون كَذَلِك وَقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة، بإهراقك دِمَاء ذُرِّيَّة مُحَمَّد صلى الله عله ونجوم الأَرْض من آل عبد الْمطلب، ولتردن على الله وشيكاً موردهم، ولتؤدن أَنَّك عميت وبكمت، وَإنَّك لم تقل: فاستهلوا وأهلوا فَرحا اللَّهُمَّ، خُذ بحقنا، وانتقم لنا مِمَّن ظلمنَا! وَالله مَا فريت إِلَّا فِي جِلْدك وَلَا خرزت إِلَّا فِي لحمك، وسترد على رَسُول الله برغمك، وعترته وَلحمَته فِي حَظِيرَة الْقُدس، يَوْم يجمع الله شملهم ملمومين من الشعث، وَهُوَ قَول الله تبَارك وَتَعَالَى: " وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين " وَسَيعْلَمُ من بوأك ومكنك من رِقَاب الْمُؤمنِينَ، إِذا كَانَ الحكم الله والخصيم مُحَمَّد، وجوارحك شاهدة عَلَيْك. فبئس للظالمين بَدَلا، وَأَيكُمْ شَرّ مَكَانا وأضعف جنداً، مَعَ أَنِّي - وَالله - يَا عَدو الله وَابْن عدوه أستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، غير أَن الْعُيُون عبرى، والصدور حرى وَمَا يجْرِي ذَلِك أَو يُغني عَنَّا، وَقد قتل
(4/18)

الْحُسَيْن عَلَيْهِ السَّلَام، وحزب الشَّيْطَان يقربنا إِلَى حزب السُّفَهَاء، ليعطوهم أَمْوَال الله على انتهاك محارم الله، فَهَذِهِ الْأَيْدِي تنطف من دمائنا، وَهَذِه والأفواه تتحلب من لحومنا، وَتلك الجثث الزواكي يعتامها عسلان الفلوات. فلئن اتخذتنا مغنماً لتجدننا مغرماً، حِين لَا تَجِد إِلَّا مَا قدمت يداك، تستصرخ يَا بن مرْجَانَة ويستصرخ بك، وتتعاوى وأتباعك عِنْد الْمِيزَان، وَقد وجدت أفضل زَاد زودك مُعَاوِيَة قَتلك ذُرِّيَّة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ؛ فوَاللَّه مَا اتَّقَيْت غير الله، وَلَا شكواي إِلَّا إِلَى الله، فكد كيدك، وَاسع سعيك، وناصب جهدك، فوَاللَّه لَا يرحض عَنْك عَار مَا أتيت إِلَيْنَا أبدا، وَالْحَمْد لله الَّذِي ختم بالسعادة وَالْمَغْفِرَة لسادات شُبَّان الْجنان، فَأوجب لَهُم الْجنَّة. أسأَل الله أَن يرفع لَهُم الدراجات، وَأَن يُوجب لَهُم الْمَزِيد من فَضله فَإِنَّهُ ولي قدير.
أم كُلْثُوم بنت عَليّ
رُوِيَ عَن بَعضهم قَالَ: رَأَيْت أم كُلْثُوم بنت عَليّ بِالْكُوفَةِ، وَلم أر خفرة وَالله أنطق مِنْهَا، كَأَنَّمَا تنطق وتقرع عَن لِسَان أَمِير الْمُؤمنِينَ رَضِي الله عَنهُ، وَقد أَوْمَأت إِلَى النَّاس وهم يَبْكُونَ على الْحُسَيْن - رَضِي الله عَنهُ - أَن اسْكُتُوا فَلَمَّا سكنت فورتهم، وهدأت الْأَجْرَاس. قَالَت: أبدأ بِحَمْد الله وَالصَّلَاة على أَبِيه. أما بعد، يَا أهل الْكُوفَة يَا أهل الختر والخدل؛ أَلا فَلَا رقأت الْعبْرَة، وَلَا هدأت الرنة، إِنَّمَا مثلكُمْ كَمثل الَّتِي " نقضت غزلها من بعد قُوَّة أنكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانكُم دخلا بَيْنكُم " أَلا وَهل فِيكُم إِلَّا الصلف والشنف، ملق الْإِمَاء وغمر الْأَعْدَاء وَهل أَنْتُم إِلَّا كمرعى على دمنة، وكفضة على ملحودة. أَلا سَاءَ مَا قدمت لكم أَنفسكُم أَن سخط الله
(4/19)

عَلَيْكُم وَفِي الْعَذَاب أَنْتُم خَالدُونَ. أتبكون؟ إِي وَالله، فابكوا؛ فَإِنَّكُم وَالله أحرياء بالبكاء، فابكوا كثيرا 355 واضحكوا قَلِيلا، فَلَقَد فزتم بعارها، وشنارها، وَلنْ ترحضوها بِغسْل بعْدهَا أبدا، وأنى ترحضون قتل سليل خَاتم النُّبُوَّة، ومعدن الرسَالَة، وَسيد شباب الْجنَّة، ومنار محجتكم، ومدرة حجتكم، ومفزع نازلتكم؟ فتعساً ونكساً! لقد خَابَ السَّعْي، وخسرت الصَّفْقَة، وبؤتم بغضب من الله، وَضربت عَلَيْكُم الذلة والمسكنة. " لقد جئْتُمْ شَيْئا إدا تكَاد السَّمَاوَات يتفطرن مِنْهُ وتنشق الأَرْض وتخر الْجبَال هدا ". مَا تَدْرُونَ أَي كبد لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ فريتم، وَأي كريم لَهُ أبرزتم، وَأي دم لَهُ سفكتم. لقد جئْتُمْ بهَا شوهاء خرقاء طلاع الأَرْض وَالسَّمَاء، أفعجبتم أَن قطرت السَّمَاء دَمًا، " ولعذاب الْآخِرَة أخزى وهم لَا ينْصرُونَ " فَلَا يستخفنكم الْمهل، فَإِنَّهُ لَا تحفزه الْمُبَادرَة، وَلَا يخَاف عَلَيْهِ فَوت الثأر كلا إِن رَبك لنا وَلَهُم لبالمرصاد. ثمَّ ولت عَنْهُم. قَالَ: فَرَأَيْت النَّاس حيارى وَقد ردوا أَيْديهم إِلَى أَفْوَاههم وَرَأَيْت شَيخا كَبِيرا من بني جعفي وَقد اخضلت لحيته من دموع عَيْنَيْهِ، وَهُوَ يَقُول: كهولهم خير الكهول ونسلهم ... إِذا عد نسل ل يبور وَلَا يخزي
حَفْصَة أم الْمُؤمنِينَ خطبتها عَن عمر
خطبت حَفْصَة بنت عمر فَقَالَت: الْحَمد لله الَّذِي لَا نَظِير لَهُ والفرد الَّذِي لَا شريك لَهُ.
(4/20)

وَأما بعد، فَكل الْعجب من قوم زين الشَّيْطَان أفعالهم، وارعوى إِلَى صنيعهم، ودب فِي الْفِتْنَة لَهُم، وَنصب حبائله لختلهم، حَتَّى هم عَدو الله بإحياء الْبِدْعَة، ونبش الْفِتْنَة، وتجديد الْجور بعد دروسه، وإظهاره بعد دثوره، وإراقة الدِّمَاء، وَإِبَاحَة الْحمى، وانتهاك محارم الله عز وَجل بعد تحصينها، فتضرم وهاج وتوغر وثار غَضبا لله نصْرَة لدين الله، فأخسأ الشَّيْطَان ووقم كَيده، وكفف إِرَادَته، وقدع محبته، وصعر خَدّه السبقة إِلَى مشايعة أولى النَّاس بخلافة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، الْمَاضِي على سنته، الْمُقْتَدِي بِدِينِهِ، الْمُقْتَص لأثره؛ فَلم يزل سراجه زاهراً؛ وضوؤه لامعاً ونوره ساطعاً. لَهُ من الْأَفْعَال الْغرَر، وَمن الآراء المصاص، وَمن التَّقَدُّم فِي طَاعَة الله عز وَجل اللّبَاب، إِلَى أَن قَبضه الله إِلَيْهِ، قالياً لما خرج مِنْهُ، شانئاً لما نزل من أمره، شنفاً لما كُنَّا فِيهِ، صبا إِلَى مَا صَار إِلَيْهِ، وائلاً إِلَى مَا دعِي إِلَيْهِ، عَاشِقًا لما هُوَ فِيهِ. فَلَمَّا صَار إِلَى الَّتِي وصفت، وعاين مَا ذكرت أَوْمَأ بهَا إِلَى أَخِيه فِي المعدلة ونظيرة فِي السِّيرَة، وشقيقه فِي الدّيانَة، وَلَو كَانَ غير الله أَرَادَ لأمالها إِلَى ابْنه، ولصيرها فِي عقبه، وَلم يُخرجهَا من ذُريَّته، فَأَخذهَا بِحَقِّهَا، وَقَامَ فِيهَا بقسطها، لم يؤده ثقلهَا، وَلم يبهظه حفظهَا، مشرداً للكفر عَن موطنه ونافراً لَهُ عَن وَكره، ومثيراً لَهُ من مجثمه، حَتَّى فتح الله عز وَجل على يَدَيْهِ أقطار الْبِلَاد، وَنصر الله يقدمهُ، وَمَلَائِكَته تكنفه، وَهُوَ بِاللَّه معتصم، وَعَلِيهِ متوكل، حَتَّى تأكدت عرا الْحق عَلَيْكُم عقدا، واضمحلت عرا الْبَاطِل عَنْكُم حلا، نوره فِي الدجنات سَاطِع، وضوؤه فِي الظُّلُمَات لامع، قالياً للدنيا إِذْ عرفهَا، لافظاً لَهَا إِذْ عجمها، وشانئاً لَهَا إِذْ سبرها؛ تخطبه ويقلاها، وتريده ويأباها، لَا تطلب سواهُ بعلاً، وَلَا نبغي سواهُ نحلاً 356 أخْبرهَا أَن الَّتِي يخْطب أرغد مِنْهَا عَيْشًا، وأنضر مِنْهَا حبوراً، وأدوم مِنْهَا سُرُورًا، وَأبقى مِنْهَا خلوداً، وأطول مِنْهَا أَيَّامًا، وأغذق مِنْهَا أَرضًا، وأنعث مِنْهَا جمالاً، وَأتم مِنْهَا بلهنية، وأعذب مِنْهَا رفنية فبشعت نَفسه بذلك لعادتها، واقشعرت
(4/21)

مِنْهَا لمخالفتها، فعركها بالعزم الشَّديد حَتَّى أجابت وبالرأي الجليد حَتَّى انقادت، فَأَقَامَ فِيهَا دعائم الْإِسْلَام، وقواعد السّنة الْجَارِيَة، ورواسي الْآثَار الْمَاضِيَة وأعلام أَخْبَار النُّبُوَّة الظَّاهِرَة، وظل خميصاً من بهجتها، قالياً لأثاثها، لَا يرغب فِي زبرجها وَلَا تطمح نَفسه إِلَى جدَّتهَا حَتَّى دعِي فَأجَاب، وَنُودِيَ فأطاع على تِلْكَ الْحَال؛ فاحتذى فِي النَّاس بأَخيه فأخرجها من نَسْله، وصيرها شوري بَين إخْوَته، فَبِأَي أَفعاله يتعلقون؟ وَبِأَيِّ مذاهبه يتمسكون؟ أبطرائقه القويمة فِي حَيَاته، أم بعدله فِيكُم عِنْد وَفَاته، ألهمنا الله وَإِيَّاكُم طَاعَته، وَإِذا شِئْتُم فَفِي حفظ الله وكلاءته.
عَائِشَة بنت عُثْمَان خطبتها بعد مقتل عُثْمَان
قَالَ: كَانَ عَليّ بن أبي طَالب عَلَيْهِ السَّلَام فِي مَاله بينبع فَلَمَّا قتل عُثْمَان بن عَفَّان خرج إِلَيْهِ عنق من النَّاس يتساعون، تشتد بهم دوابهم فاستطاروا فَرحا، واستفزهم الجذل، حَتَّى قدمُوا بِهِ فَبَايعُوهُ، فَلَمَّا بلغ ذَلِك عَائِشَة ابْنة عُثْمَان صاحت بِأَعْلَى صَوتهَا: يَا ثَارَاتِ عُثْمَان {إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون} أفنيت نَفسه، وطل دَمه فِي حرم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، وَمنع من دَفنه؟ اللَّهُمَّ لَو يَشَاء لامتنع، وَوجد من الله عز وَجل حَاكما، وَمن الْمُسلمين ناصرأ، وَمن الْمُهَاجِرين شَاهدا، حَتَّى يفئ إِلَى الْحق من شَذَّ عَنهُ، أَو تطيح هامات وتفرى غلاصم وتخاض دِمَاء، وَلَكِن استوحش مِمَّا أنستم بِهِ، واستوخم مَا استمرأتموه. يَا من اسْتحلَّ حرم الله وَرَسُوله، واستباح حماه، لقد كره عُثْمَان مَا أقدمتم عَلَيْهِ، وَلَقَد نقمتم عَلَيْهِ أقل مِمَّا أتيتم إِلَيْهِ، فراجع فَلم تراجعوه، واستقال فَلم تقيلوه. رَحْمَة الله عَلَيْك يَا أبتاه. أحتسبت نَفسك وَصَبَرت لأمر رَبك، حَتَّى لحقت
(4/22)

بِهِ. وَهَؤُلَاء الْآن قد ظهر مِنْهُم تراوض الْبَاطِل، وَإِذ كاء الشنآن، وكوامن الأحقاد، وَإِدْرَاك الإحن والأوتار. وَبِذَلِك وشيكاً كَانَ كيدهم وتبغيهم وسعي بَعضهم بِبَعْض، فَلَمَّا أقالوا عاثراً، وَلَا استعتبوا مذنباً، حَتَّى اتَّخذُوا ذَلِك سَبِيلا إِلَى سفك الدِّمَاء، وَإِبَاحَة الْحمى، وَجعلُوا سَبِيلا إِلَى البأساء والعنت. فَهَلا علنت كلمتكم، وَظَهَرت حسدتكم، إِذْ ابْن الْخطاب قَائِم على رءوسكم، ماثل فِي عرصاتكم؛ يرعد ويبرق بإرغائكم، يقمعكم غير حذر من تراجعكم إِلَّا فِي بَيْنكُم؛ وهلا نقمتم عَلَيْهِ عوداً وبدءاً إِذْ ملك، وتملك عَلَيْكُم من لَيْسَ مِنْكُم بالخلق اللين، والخصم العضل يسْعَى عَلَيْكُم، وَينصب لكم، لَا تنكرون ذَلِك مِنْهُ خوفًا من سطوته، وحذراً من شدته، أَن يَهْتِف بكم متقسوراً، أَو يصْرخ بكم متعذوراً. إِن قَالَ صَدقْتُمْ قالته وَإِن سَأَلَ بذلتم سَأَلته، يحكم فِي رِقَابكُمْ وَأَمْوَالكُمْ كأنكم عَجَائِز صلع، وإماء قصع، فَبَدَأَ مفلتاً ابْن أبي قُحَافَة بِإِرْث نَبِيكُم على بعد رَحمَه وضيق بَلَده، وَقلة عدده فرقأ الله شَرها، زعم الله دره مَا أعرفهُ لما صنع؛ أَو لم يخصم الْأَنْصَار بقيس؟ ثمَّ حكم بِالطَّاعَةِ لمولى أبي حُذَيْفَة؟ يتمايل بكم يَمِينا وَشمَالًا، قد خطب عقولكم، واستمهر وجلكم، 357 ممتحنا لكم، ومعترفاً أخطاركم، وَهل تسمو هممكم إِلَى منازعته وَلَوْلَا تيك لَكَانَ قسمه خسيساً وسعيه تعيساً؛ لَكِن بدر بِالرَّأْيِ، وثنى بِالْقضَاءِ وَثلث بالشوري ثمَّ غَدا سامراً مسلطاً درته على عَاتِقه فتطأطأتم لَهُ تطأطؤ الحقة، ووليتموه أدباركم حَتَّى علا أكتافكم ينعق بكم فِي كل مرتع، ويشد مِنْكُم على كل مخنق، لَا يبتعث لكم هتاف وَلَا يأتلق لكم شهَاب يهجم عَلَيْكُم بالسراء، ويتورط بالحوباء عَرَفْتُمْ أَو أنكرتم، لَا تألمون وَلَا تستنطقون، حَتَّى إِذا عَاد الْأَمر فِيكُم وَلكم، فِي مونقة من الْعَيْش، عرقها وشيج، وفرعها عميم، وظلها ظَلِيل تتناولون من كثب ثمارها أَنى شِئْتُم رغداً، وحلبت عَلَيْكُم عشار الأَرْض درراً، واستمرأتم أكلكم من فَوْقكُم وَمن تَحت أَرْجُلكُم، فِي خصب غدق، وأوق شَرق، تنامون فِي الْخَفْض وتستلينون الدعة، ومقتم زبرجة الدُّنْيَا وحرجتها، واستحليتم غضارتها ونضرتها وظننتم أَن ذَلِك سَيَأْتِيكُمْ من كثب عفوا، ويتحلب عَلَيْكُم رسلًا، قانتضبتم سُيُوفكُمْ، وكسرتم جفونكم، وَقد أَبى الله أَن تشام سيوف جردت بغياً وظلماً، ونسيتم قَول الله عز وَجل " إِن الْإِنْسَان خلق هلوعاً إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعاً وَإِذا مَسّه الْخَيْر
(4/23)

منوعاً. " فَلَا يهنينكم الظفر. وَلَا يستوطنن بكم الْحَضَر، فَإِن الله بالمرصاد، وَإِلَيْهِ الْمعَاد، وَالله مَا يقوم الظليم إِلَّا على رجلَيْنِ، وَلَا ترن الْقوس إِلَّا على سيتين فأثبتوا فِي الغرز أَرْجُلكُم، فقد هدَاكُمْ فِي المتيهة الخرقاء كَمَا أضلّ أدحيته الحسل. وَسَيعْلَمُ كَيفَ يكون إِذا كَانَ النَّاس عباديد، وَقد نازعتكم الرِّجَال واعترضت عَلَيْكُم الْأُمُور، وساورتكم الحروب بالليوث، وقارعتكم الْأَيَّام بالجيوش، وحمي عَلَيْكُم الْوَطِيس، فيوماً تدعون من لَا يُجيب، وَيَوْما تجيبون من لَا يَدْعُو. وَقد بسط باسطكم كلتا يَدَيْهِ يرى أَنَّهُمَا فِي سَبِيل الله؛ فيد مَقْبُوضَة وَأُخْرَى مَقْصُورَة، والرؤوس تندر عَن الطلى، والكواهل كَمَا ينقف التنوم. فَمَا أبعد نصر الله من الظَّالِمين وَأَسْتَغْفِر الله مَعَ المستغفرين.
أروى بنت الْحَارِث حَدِيثهَا مَعَ مُعَاوِيَة
قيل: دخلت أروى بنت الْحَارِث بن عبد الْمطلب على مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان بِالْمَوْسِمِ وَهِي عَجُوز كَبِيرَة، فَلَمَّا رَآهَا قَالَ: مرْحَبًا بك يَا عمَّة. قَالَت: كَيفَ أَنْت يَا بن أخي، لقد كفرت بعدِي النِّعْمَة، وأسأت لِابْنِ عمك الصُّحْبَة، وتسميت بِغَيْر اسْمك، وَأخذت غير حَقك، بِغَيْر بلَاء كَانَ مِنْك وَلَا من آبَائِك فِي الْإِسْلَام؛ وَلَقَد كَفرْتُمْ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ. فأتعس الله الجدود، وَصغر مِنْكُم الخدود، حَتَّى رد الله الْحق إِلَى أَهله، وَكَانَت كلمة الله هِيَ الْعليا، وَنَبِينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ هُوَ الْمَنْصُور على من ناوأه وَلَو كره الْمُشْركُونَ. فَكُنَّا أهل الْبَيْت أعظم النَّاس فِي الدّين حظاً ونصيباً وَقدرا، حَتَّى قبض الله نبيه صلى الله عَلَيْهِ مغفوراً ذَنبه، مَرْفُوعَة دَرَجَته، شريفاً عِنْد الله مرضياً، فصرنا أهل
(4/24)

الْبَيْت مِنْكُم بِمَنْزِلَة قوم مُوسَى فِي آل فِرْعَوْن، يذبحون أَبْنَاءَهُم ويستحيون نِسَاءَهُمْ؛ وَصَارَ سيد الْمُسلمين فِيكُم بعد نَبينَا بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى، حَيْثُ يَقُول: " ابْن أم إِن الْقَوْم استضعفوني وكادوا يقتلونني " وَلم يجمع بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ لنا شَمل، وَلم يسهل لنا وعر، وغايتنا الْجنَّة، وغايتكم النَّار. فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ: أيتها الْعَجُوز الضَّالة أقصري من قَوْلك، وغضي من طرفك. قَالَت: وَمن أَنْت 358 لَا أم لَك؟ قَالَ: عَمْرو بن الْعَاصِ. قَالَت: يَا بن اللخناء النَّابِغَة، أتكلمني؟ ارْبَعْ على ظلعك، واعن بشأن نَفسك، فوَاللَّه مَا أَنْت من قُرَيْش فِي اللّبَاب من حسبها، وَلَا كريم منصبها. وَلَقَد ادعاك سِتَّة من قُرَيْش كلهم يزْعم أَنه أَبوك، وَلَقَد رَأَيْت أمك أَيَّام منى بِمَكَّة مَعَ كل عبد عاهر، فَأَنت فَأَتمَّ بهم، فَإنَّك بهم أشبه. فَقَالَ مَرْوَان: أيتها الْعَجُوز الضَّالة؛ ساخ بَصرك مَعَ ذهَاب عقلك إِذْ لَا تجوز شهادتك. قَالَت: يَا بني؛ أتتكلم؟ فوَاللَّه لأَنْت بسفيان بن الْحَارِث بن كلدة أشبه مِنْك بالحكم، وَإنَّك لشبهه فِي زرقة عَيْنَيْك، وَحُمرَة شعرك، مَعَ قصر قامته، وَظَاهر دمامته. وَلَقَد رَأَيْت الحكم ماد الْقَامَة ظَاهر الهامة سبط الشّعْر. وَمَا بَيْنكُمَا قرَابَة إِلَّا كقرابة الْفرس الضامر من الأتان المقرب فاسأل أمك عَمَّا ذكرت لَك فَإِنَّهَا تخبرك بشأن أَبِيك إِن صدقت.
رُؤْيا رقيقَة
قَالَ مخرمَة بن نَوْفَل: حَدَّثتنِي أُمِّي رقيقَة بنت أبي صَيْفِي بن هَاشم بن عبد منَاف، قَالَت: تَتَابَعَت على قُرَيْش سنُون أقحلت الضَّرع وأرقت اللَّحْم، وأدقت الْعظم فَبينا أَنا نَائِمَة، لاهم أَو مهمومة إِذا أَنا بهاتف يَهْتِف بِصَوْت صَحِلَ اقشعر لَهُ جلدي: معاشر
(4/25)

قُرَيْش إِن النَّبِي الْأُمِّي الْمَبْعُوث مِنْكُم قد أَظَلَّتْكُم أَيَّامه، وَهَذَا أَوَان نجومه أَلا فحي هلا بِالْخصْبِ والحيا؛ أَلا فانظروا مِنْكُم رجلا وَسِيطًا عظاماً جِسَامًا أَبيض بضاً أَوْطَفُ الْأَهْدَاب، أَشمّ الْعرنِين سهل الْخَدين، لَهُ نجر يَكْظِم عَلَيْهِ وَسنة تهدى. إِلَيْهِ أَلا فليدلف هُوَ وَولده، وليدلف مَعَه من كل بطن رجل، فليشنوا من المَاء، وليمسوا من الطّيب ثمَّ ليستلموا الرُّكْن، وليرقوا أَبَا قبيس، وليدع، وليؤمن الْقَوْم على دُعَائِهِ، فغثتم مَا شِئْتُم. قَالَت: فَأَصْبَحت - علم الله - مَذْعُورَة قد وَله قلبِي، واقشعر جلدي لما رَأَيْت فِي مَنَامِي فقصصت رُؤْيَايَ، ونمت فِي شعاب مَكَّة، فوالحرمة وَالْحرم، مَا بَقِي أبطحي إِلَّا قَالَ: هَذَا شيبَة الْحَمد، هَذَا عبد الْمطلب. فتنامت إِلَيْهِ رجالات قُرَيْش، وَهَبَطَ إِلَيْهِ من كل بطن رجل، فَشُنُّوا وَمَسُّوا واستلموا، ثمَّ ارْتَقَوْا أَبَا قبيس، وَطَفِقُوا يزفون حواليه؛ مَا إِن يبلغ سَعْيهمْ مهله، حَتَّى إِذا اسْتَووا بِذرْوَةِ الْجَبَل قَامَ عبد الْمطلب، وَمَعَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، غُلَام قد أَيفع أَو كرب، فَرفع يَده إِلَى السَّمَاء وَقَالَ: اللَّهُمَّ كاشف الْكُرْبَة، وساد الْخلَّة، أَنْت عَالم غير معلم، مسئول غير مبخل هَذِه عبداك وإماؤك بِعَذِرَاتٍ حَرمك، يَشكونَ إِلَيْك سنتهمْ الَّتِي أذهبت الظلْف والخف، فاسمعن اللَّهُمَّ لنا، وأمطرن غيثاً مُغْدِقًا مريعاً. فَمَا راموا الْكَعْبَة حَتَّى تَفَجَّرَتْ السَّمَاء بِمَائِهَا، وكظ الْوَادي بشجيجه فلسمعت شَيْخَانِ قُرَيْش وجلتها؛ عبد الله بن جدعَان، وَحرب بن أُميَّة، وَهِشَام بن الْمُغيرَة يَقُولُونَ لعبد الْمطلب: هَنِيئًا لَك أَبَا الْبَطْحَاء هَنِيئًا لَك.
هِنْد بنت عتبَة وصف من خطب هندا ليعرف أَبوهَا رأيها
قَالَت هِنْد بنت عتبَة لأَبِيهَا: إِنِّي امْرَأَة قد ملكت أَمْرِي، فَلَا تزَوجنِي رجلا
(4/26)

حَتَّى تعرضه عَليّ فَقَالَ: لَك ذَاك. وَقَالَ لَهَا ذَات يَوْم: إِنَّه قد خَطبك رجلَانِ من قَوْمك، وَلست مسمياً لَك وَاحِدًا مِنْهُمَا، حَتَّى أصفه لَك؛ أما الأول فَفِي الشّرف الصميم، والحسب الْكَرِيم، تخالين بِهِ هوجاً من غفلته، وَذَلِكَ إسجاح من شيمته، حسن 359 الصَّحَابَة، سريع الْإِجَابَة، إِن تابعته تابعك، وَإِن ملت كَانَ مَعَك، تقضين عَلَيْهِ فِي مَاله، وتكتفين بِرَأْيِك عَن مشورته. وَأما الآخر فَفِي الْحسب الحسيب، والرأي الأريب، بدر أرومته، وَعز عشيرته، يُؤَدب أَهله وَلَا يؤدبونه؛ إِن اتَّبعُوهُ أسهل بهم، وَإِن جانبوه توعر عَنْهُم، شَدِيد الْغيرَة، سريع الطَّيرَة، صَعب حجاب الْقبَّة إِن حَاج فَغير منزور، وَإِن نوزع فَغير مقسور، قد بنيت لَك كليهمَا. قَالَت: أما الأول فسيد مضياع لكريمته، موَات لَهَا؛ فَمَا عَسى إِن لم تعتص أَن تلين بعد إبائها، وتضيع تَحت خبائها إِن جَاءَتْهُ بِولد أحمقت وَإِن أنجبت فَعَن خطأ مَا أنجبت. أطو ذكر هَذَا عَنى لَا تسمه لي. وَأما الآخر فبعل الْحرَّة الْكَرِيمَة، إِنِّي لأخلاق هَذَا لوامقة، وَإِنِّي لَهُ لموافقة، وَإِنِّي لآخذه بأدب البعل، مَعَ لزومي قبتي وَقلة تلفتي، وَإِن السَّلِيل بيني وَبَينه لحري أَن يكون المدافع عَن حَرِيم عشيرته، الذائد عَن كتيبتها المحامي عَن حَقِيقَتهَا، الْمُثبت لأرومتها، غير متواكل وَلَا زميل عِنْد صعصعة الحروب. قَالَ: ذَلِك أَبُو سُفْيَان بن حَرْب. قَالَت: فَزَوجهُ وَلَا تلقني إِلَيْهِ إِلْقَاء الشكس وَلَا تسمه سوم الضرس، ثمَّ استخر الله عز وَجل فِي السَّمَاء يخرلك فِي الْقَضَاء. فَزَوجهَا أَبَا سُفْيَان. وَكَانَ الآخر سُهَيْل بن عَمْرو. قيل: إِنَّه لما نخس هَبَّار بِزَيْنَب بنت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ بلغ هنداً، فَقَامَتْ مُسندَة ظهرهَا إِلَى الْكَعْبَة وَقَالَت: أبابنة مُحَمَّد يَفْعَلُونَ هَذَا! أَفِي السّلم أعياراً جفَاء وغلظة ... وَفِي الْحَرْب أَمْثَال النِّسَاء العوارك
(4/27)

قَوْلهَا حِين سَمِعت رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة، أَنه قَالَ: لما كَانَ الْفَتْح قَالَ لي خَالِد بن الْوَلِيد: يَا أَبَا هُرَيْرَة، اذْهَبْ بِنَا إِلَى هِنْد بنت عتبَة، لَعَلَّك تقْرَأ عَلَيْهَا بعض الْقُرْآن لينفعها الله. قلت: انْطلق. فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا كَأَنَّهَا وَالله فرس عَرَبِيّ، وَكَأن وَرَاء عجيزتها رجلآً جَالِسا. فَقَالَ لَهَا خَالِد بن الْوَلِيد: يَا أم مُعَاوِيَة؛ هَذَا أَبُو هُرَيْرَة صَاحب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، جئْتُك بِهِ ليتلو عَلَيْك الْقُرْآن ويذكرك أَمر الْإِسْلَام. قَالَت: هَات. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَقلت: " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ": " تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك وَهُوَ على كل شَيْء قدير ". حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى قَوْله جلّ وَعز: " يَنْقَلِب إِلَيْك الْبَصَر خاسئاً وَهُوَ حسير ". فَقَالَت: لأوسدن الْكَعْبَة. مَا سمعنَا بشاعر قطّ ينتحل خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا شَاعِرهمْ هَذَا. قَالَ: فَقَالَ خَالِد: قُم يَا أَبَا هُرَيْرَة، فوَاللَّه لَا تسلم هَذِه أبدا. فقمنا فخرجنا من عِنْدهَا. وَكَانَت هِنْد تَقول: النِّسَاء أغلال فليختر الرجل غلاً ليده. وَكَانُوا يشبهون عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ بهند فِي عقلهَا.
رُؤْيا عَاتِكَة بنت عبد الْمطلب
كَانَت عَاتِكَة بنت عبد الْمطلب عمَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، سَاكِنة بِمَكَّة مَعَ أَخِيهَا الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، فرأت رُؤْيا قبل يَوْم بدر، وَقبل قدوم ضَمْضَم عَلَيْهِم، فَفَزِعت مِنْهَا، فَأرْسلت إِلَى أَخِيهَا الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب من لَيْلَتهَا، فَجَاءَهَا فَقَالَت: رَأَيْت اللَّيْلَة رُؤْيا قد أشفقت مِنْهَا، وخشيت على قَوْمك الهلكة. قَالَ: وماذا رَأَيْت؟ قَالَت: لن أحَدثك حَتَّى تعاهدني أَلا تذكرها لقَوْمك؛ فَإِنَّهُم إِن سمعوها آذونا وأسمعونا مَالا نحب. فعاهدها الْعَبَّاس فَقَالَت:
(4/28)

رَأَيْت رَاكِبًا أقبل على رَاحِلَة من أَعلَى مَكَّة يَصِيح بِأَعْلَى صَوته: يَا آل غدر، اخْرُجُوا فِي لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاث، ثمَّ أقبل يَصِيح حَتَّى دخل الْمَسْجِد على رَاحِلَته، فصاح ثَلَاث صيحات، وَمَال عَلَيْهِ الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصبيان، وفزع النَّاس لَهُ أَشد الْفَزع. قَالَت: ثمَّ أرَاهُ مثل ظهر الْكَعْبَة على رَاحِلَته فصاح ثَلَاث صيحات فَقَالَ: يَا آل غدر، يَا آل فجر اخْرُجُوا فِي لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاث. ثمَّ أرَاهُ مثل عَليّ أبي قبيس كَذَلِك يَقُول: يَا آل غدر وَيَا آل فجر حَتَّى أسمع من بَين الأخشبين من أهل مَكَّة، ثمَّ عمد لصخرة عَظِيمَة فنزعها من أَصْلهَا ثمَّ أرسلها على أهل مَكَّة، فَأَقْبَلت الصَّخْرَة لَهَا حس شَدِيد، حَتَّى إِذا كَانَت عِنْد أصل الْجَبَل ارفضت، فَلَا أعلم بِمَكَّة بَيْتا وَلَا دَارا إِلَّا وَقد دَخَلتهَا فلقَة من تِلْكَ الصَّخْرَة. فقد خشيت على قَوْمك. فَفَزعَ من رؤياها الْعَبَّاس ثمَّ خرج من عِنْدهَا، فلقي الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي ربيعَة من آخر تِلْكَ اللَّيْلَة، وَكَانَ خَلِيلًا للْعَبَّاس، فَقص عَلَيْهِ رُؤْيا عَاتِكَة وَأمره أَلا يذكرهَا لأحد، فَذكرهَا لِأَبِيهِ عتبَة، وَذكرهَا عتبَة لِأَخِيهِ شيبَة، فارتفع الحَدِيث حَتَّى بلغ أَبَا جهل واستفاض فِي أهل مَكَّة. فَلَمَّا أَصْبحُوا غَدا الْعَبَّاس يطوف، فَوجدَ فِي الْمَسْجِد أَبَا جهل، وَأَبا البخترى فِي نفر من قُرَيْش يتحدثون، فَلَمَّا نظرُوا إِلَى الْعَبَّاس ناداه أَبُو جهل: يَا أَبَا الْفضل؛ إِذا قضيت طوافك فَهَلُمَّ إِلَيْنَا. فَلَمَّا قضى طَوَافه جَاءَهُم فَجَلَسَ إِلَيْهِم، فَقَالَ لَهُ أَبُو جهل: مَا رُؤْيا عَاتِكَة؟ قَالَ: مَا رَأَتْ من شَيْء قَالَ أَبُو جهل: أما رَضِيتُمْ يَا بني هَاشم بكذب الرِّجَال حَتَّى جئتمونا بكذب النِّسَاء. إِنَّا كُنَّا وَأَنْتُم كفرسي الرِّهَان، فاستبقنا الْمجد مُنْذُ حينٍ. فَلَمَّا تحاكت الركب قُلْتُمْ: منا نَبِي. فَمَا بَقِي إِلَّا أَن تَقولُوا: منا نبية. لَا أعلم فِي قُرَيْش أهل بَيت أكذب رجلا وَلَا امْرَأَة مِنْكُم. فآذوه أَشد الْأَذَى وَقَالَ أَبُو جهل: زعمت عَاتِكَة أَن الرَّاكِب قَالَ: اخْرُجُوا فِي لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاث، فَلَو قد مَضَت هَذِه الثَّلَاث تبينت قُرَيْش كذبكم، وكتبنا سجلاً أَنكُمْ أكذب بَيت فِي الْعَرَب رجلا وَامْرَأَة. أما رَضِيتُمْ يَا بني قصي أَن ذهبتم بالحجابة والندوة والسقاية واللواء والرفادة حَتَّى جئتمونا بِنَبِي مِنْكُم. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس: هَل أَنْت منته، فَإِن الْكَذِب فِيك وَفِي أهل الْبَيْت. فَقَالَ من حضرهما: مَا كنت يَا أَبَا الْفضل
(4/29)

جهولاً وَلَا خرقاً. ولقى الْعَبَّاس من عَاتِكَة فِيمَا أفشى عَلَيْهَا من رؤياها أَذَى شَدِيدا. فَلَمَّا كَانَ مسَاء اللَّيْلَة الثَّالِثَة من اللَّيَالِي الَّتِي رَأَتْ فِيهَا عَاتِكَة الرُّؤْيَا جَاءَهُم الرَّاكِب الَّذِي بعث بِهِ أَبُو سُفْيَان وَهُوَ ضَمْضَم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ فَصَرَخَ: يَا آل غَالب ابْن فهر؛ انفروا فقد خرج مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَأهل يثرب لأبي سُفْيَان فاحذروا عِيركُمْ. فَفَزِعت قُرَيْش أَشد الْفَزع وَأَشْفَقُوا من رُؤْيا عَاتِكَة. وَقَالَ الْعَبَّاس: هَذَا زعمتم كذبي وَكذب عَاتِكَة. فنفروا على كل صَعب وَذَلُول، فأظفر الله رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ ببدر.
فَاطِمَة بنت عبد الْملك بن مَرْوَان
روى عَن عَطاء قَالَ: قلت لفاطمة بنت عبد الْملك: أَخْبِرِينِي عَن عمر بن عبد الْعَزِيز. قَالَت: أفعل، وَلَو كَانَ حَيا مَا فعلت. إِن عمر رَحمَه الله كَانَ قد فزع للْمُسلمين نَفسه، ولأمورهم ذهنه 361، فَكَانَ إِذا أَمْسَى مسَاء لم يفرغ فِيهِ من حوائج النَّاس فِي يَوْمه دَعَا بسراجه الَّذِي كَانَ يسرج لَهُ من مَاله ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ أقعى وَاضِعا رَأسه على يَدَيْهِ، تسيل دُمُوعه على خديه يشهق الشهقة تكَاد ينصدع لَهَا قلبه، أَو تخرج لَهَا نَفسه، حَتَّى يرى الصُّبْح. وَأصْبح صَائِما فدنوت مِنْهُ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ ألشيء كَانَ مِنْك مَا كَانَ؟ قَالَ: أجل، فَعَلَيْك بشأنك، وخليني وشأني. فَقلت: إِنِّي أَرْجُو أَن أتعظ. قَالَ: إِذا أخْبرك، إِنِّي نظرت قد وجدتني وليت أَمر هَذِه الْأمة أحمرها وأسودها، ثمَّ ذكرت الْفَقِير الجائع، والغريب الضائع، والأسير المقهور، وَذَا المَال الْقَلِيل والعيال الْكثير، وَأَشْيَاء من ذَلِك فِي أقاصي الْبِلَاد، وأطراف الأَرْض، فَعلمت أَن الله عز وَجل سائلي عَنْهُم، وَأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حجيجي، لَا يقبل الله مني فيهم معذرة، وَلَا يقوم لي مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حجَّة، فرحمت وَالله يَا فَاطِمَة نَفسِي رَحْمَة دَمَعَتْ لَهَا عَيْني، ووجع لَهَا قلبِي، فَأَنا كلما ازددت ذكرا ازددت خوفًا فأيقظي أودعي.
(4/30)

أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ
فِي حَدِيث أم سَلمَة أَنَّهَا أَتَت عَائِشَة لما أَرَادَت الْخُرُوج إِلَى الْبَصْرَة فَقَالَت لَهَا: إِنَّك سدة بَين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَأمته، وحجابك مَضْرُوب على حرمته، وَقد جمع الْقُرْآن ذيلك فَلَا تندحيه وَسكن عقيراك فَلَا تصحريها. الله من وَرَاء هَذِه الْأمة، لَو أَرَادَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ أَن يعْهَد إِلَيْك عهدا. علت علت بل قد نهاك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الفرطة فِي الْبِلَاد؛ إِن عَمُود الْإِسْلَام لَا يُثَاب بِالنسَاء إِن مَال، وَلَا يرأب بِهن أَن صدع، حماديات النِّسَاء غض الْأَطْرَاف وخفر الْأَعْرَاض، وَقصر الوهازة. مَا كنت قائلة لَو أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ عارضك بعض الفلوات ناصة قلوصاً من منهل إِلَى آخر أَن يعين الله مهواك، وعَلى رَسُوله تردين قد وجهت سدافته. - ويروى سجافته - وَتركت عهيداه. لَو سرت مسيرك هَذَا ثمَّ قيل: ادخلي الفردوس لاستحييت أَن ألْقى مُحَمَّدًا، هاتكة حِجَابا قد ضربه عَليّ. اجعلي حصنك بَيْتك، ووقاعة السّتْر قبرك، حَتَّى تلقيه وَأَنت على تِلْكَ أطوع مَا تكونين لله مَا لَزِمته، وأنصر مَا تكونين للدّين مَا جَلَست عَنهُ، لَو ذكرتك قولا تعرفينه نهسته نهش الرقشاء المطرقة. فَقَالَت عَائِشَة: مَا أقبلني لوعظك! وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا تظنين، ولنعم الْمسير مسير فزعت فِيهِ إِلَيّ فئتان متناجزتان - أَو متناحرتان - إِن أقعد فَفِي غير حرج، وَإِن أخرج فَإلَى مَا لَا بُد من الازدياد مِنْهُ. قَوْلهَا: قد جمع الْقُرْآن ذيلك فَلَا تندحيه أَي لَا توسعيه بالحركة وَالْخُرُوج يُقَال: ندحت الشَّيْء: إِذا وسعته. وَمِنْه يُقَال: أَنا فِي مندوحة عَن كَذَا. أَي فِي سَعَة. وَمن رَوَاهُ فَلَا تبدحيه فَإِنَّهُ من البداح وَهُوَ المتسع من الأَرْض وعقيراك: من عقر الدَّار.
(4/31)

وعلت من الْعَوْل، وَهُوَ الْميل. وَمن رَوَاهُ: علت بِالْكَسْرِ فَهُوَ من عَال فِي الْبِلَاد يعيل. والفرطة: من الفرط. وَهُوَ السَّبق والتقدم. لَا يُثَاب: لَا يرد يُقَال ثَبت إِلَى كَذَا أَي عدت إِلَيْهِ. حماديات: جمع حمادي مثل قَوْلك قصاراك. الوهازة: قيل هُوَ الخطو. السدافة: الْحجاب والستر، من أسداف اللَّيْل: إِذا ستر بظلمته.
ملتقطات من كلامهن
قَالَت هِنْد بنت عتبَة وَقد عزيت عَن يزِيد بن أبي سُفْيَان لما مَاتَ فَقيل لَهَا: إِنَّا لنَرْجُو أَن يكون فِي مُعَاوِيَة خلفا مِنْهُ. قَالَت: أومثل مُعَاوِيَة يكون خلفا من أحد؟ وَالله لَو جمعت الْعَرَب من أقطارها ثمَّ رمي بِهِ فِيهَا لخرج من أَيهَا شَاءَ. قَالَت خالدة بنت هَاشم بن عبد منَاف لأخ لَهَا - وَقد سمعته تجهم صديقا لَهُ: أَي أخي، لَا تطلع من الْكَلَام إِلَّا مَا قد روأت فِيهِ قبل ذَلِك، ومزجته بالحلم، وداويته بالرفق؛ فَإِن ذَلِك أشبه بك. فَسَمعَهَا أَبوهَا هَاشم فَقَامَ إِلَيْهَا فاعتنقها وَقبلهَا وَقَالَ: واهاً لَك يَا قبَّة الديباج. فلقبت بذلك. قَالَت عَائِشَة للنَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَقد دخل عَلَيْهَا: أَيْن كنت يَا رَسُول الله؟ قَالَ: كنت عِنْد أم سَلمَة. قَالَت: أما تشبع. فَتَبَسَّمَ. وَقَالَت: يَا رَسُول الله؛ لَو مَرَرْت بعدوتين إِحْدَاهمَا عَافِيَة لم يرعها أحد، وَأُخْرَى قد رعاها النَّاس، أَيهمَا كنت تنزل؟ قَالَ: بالعافية الَّتِي لم يرعها النَّاس. قَالَت: فلست كَأحد من نِسَائِك.
عمر وَأَبُو سُفْيَان
رُوِيَ أَن عمر نهى أَبَا سُفْيَان عَن رش بَاب منزله لِئَلَّا يمر بِهِ الْحَاج فيزلقون فِيهِ، فَلم ينْتَه. وَمر عمر فزلق بِبَابِهِ فعلاه بِالدرةِ وَقَالَ: ألم آمُرك أَلا تفعل هَذَا.
(4/32)

فَوضع أَبُو سُفْيَان سبابته على فِيهِ. فَقَالَ عمر: الْحَمد لله الَّذِي أَرَانِي أَبَا سُفْيَان ببطحاء مَكَّة أضربه فَلَا ينتصر، وآمره فيأتمر. فَسَمعته هِنْد بنت عتبَة فَقَالَت: احمده يَا عمر فَإنَّك إِن تحمده فقد أَرَاك عَظِيما. كَانَت زَيْنَب بنت سُلَيْمَان بن عَليّ تَقول: من أَرَادَ أَن يكون الْخلق شفعاءه إِلَى الله فليحمده. ألم تسمع إِلَى قَوْلهم: سمع الله لمن حَمده. فخف الله لقدرته عَلَيْك واستحي مِنْهُ لقُرْبه مِنْك. وَقَالَت زَيْنَب: لَو أدْرك الْمَنْصُور مَا سَاس بِهِ الْمَأْمُون بني أبي طَالب لخرج لَهُ عَمَّا يملك. لما تزوجت خَدِيجَة رضوَان الله عَلَيْهَا برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كست أَبَاهَا حلَّة وخلقته ونحرت جزوراً، فَلَمَّا أَفَاق الشَّيْخ قَالَ: مَا هَذَا الحبير وَهَذَا العبير وَهَذَا العقير؟ فَقَالَت خَدِيجَة: زوجتني مُحَمَّدًا وَهُوَ كساك هَذَا.
حَال ابْنة عبد الله بن جَعْفَر بعد زواجها من الْحجَّاج
قيل: مَا رئيت ابْنة عبد الله بن جَعْفَر ضاحكة بعد أَن تزَوجهَا الْحجَّاج فَقيل لَهَا: لَو تسليت، فَإِنَّهُ أَمر قد وَقع. فَقَالَت: كَيفَ وَبِمَ؟ فوَاللَّه لقد ألبست قومِي عاراً لَا يغسل درنه بِغسْل. وَلما مَاتَ أَبوهَا لم تبك عَلَيْهِ. فَقيل لَهَا: أَلا تبكين على أَبِيك؟ قَالَت: وَالله إِن الْحزن ليبعثني وَإِن الغيظ ليصمتني. مَاتَ ابْن لِزَيْنَب بنت سُلَيْمَان بن عَليّ فَوجه الْمَأْمُون بِصَالح بن الرشيد للصَّلَاة عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا صَالح: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَيَقُول لَك: قد كنت على الرّكُوب، فعرضت لي عِلّة، وَقد وجهت صَالحا ليقوم مقَامي، عظم الله أجرك، فَإِنَّمَا فقدت شخصه، وثوابه مذخور لَك. قَالَ: فَظهر غَضَبهَا، وَرفعت ابْنا لابنها الْمَيِّت فَقَالَت: صل على أَبِيك وَقَالَت: سبكناه ونحسبه لجيناً ... فأبدى الْكِير عَن خبث الْحَدِيد
(4/33)

أما إِنَّه لَو كَانَ يحيى بن الْحُسَيْن بن زيد لوضعت ذيلك فِي فِيك، وعدوت خلف جنَازَته.
الْمَأْمُون وَأم جَعْفَر
لما دخل الْمَأْمُون بَغْدَاد دخلت عَلَيْهِ أم جَعْفَر فَقَالَت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ 363 أهنئك بخلافة قد هنأت بهَا نَفسِي عَنْك قبل أَن أَرَاك. وَلَئِن فقدت ابْنا خَليفَة لقد عوضت ابْنا خَليفَة لم ألده. وَمَا خسر من اعتاض مثلك، وَلَا ثكلت أم مَلَأت يَدهَا مِنْك، فأسأل الله أجرا على مَا أَخذ، ومتاعاً بِمَا وهب. دخلت فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن على هِشَام بن عبد الْملك، فَقَالَ لبَعض جُلَسَائِهِ: حركها بِشَيْء تغْضب مِنْهُ. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِنَّهَا لَا تعرف الشَّرّ. فَقَالَت لَهُ: أَيهَا عَنْك. علمي بِهِ جنبنيه.
من أَعمال وأقوال فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن
روى عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عمر بن عُثْمَان قَالَ: جمعتنَا أمنا فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَت: يَا بني؛ إِنَّه وَالله مَا نَالَ أحد من أهل السَّفه بسفههم شَيْئا وَلَا أدركوه من لذاتهم إِلَّا وَقد ناله أهل المروءات، فاستتروا بستر الله. وَذكر أَن فَاطِمَة أَعْطَتْ وَلَدهَا من حسن بن حسن مَا ورثته مِنْهُ، وأعطت وَلَدهَا من عبد الله بن عَمْرو بن عُثْمَان مورثها مِنْهُ، فَوجدَ ولد حسن بن حسن فِي أنفسهم لِأَن مَا ورثت من عبد الله بن عَمْرو كَانَ أَكثر فَقَالَت لَهُم: يَا بني، إِنِّي كرهت أَن يرى أحدكُم شَيْئا من مَال أَبِيه بيد أَخِيه، فيجد من ذَلِك فِي نَفسه فَلذَلِك فعلت مَا فعلت. وَدخلت مَعَ أُخْتهَا سكينَة على هِشَام بن عبد الْملك، فَقَالَ هِشَام لفاطمة: صفي لنا يَا بنة حُسَيْن ولدك من ابْن عمك، وصفي لنا ولدك من ابْن عمنَا قَالَ: فَبَدَأت بِولد الْحسن قَالَت: أما عبد الله فسيدنا وشريفنا والمطاع فِينَا، وَأما الْحسن فلساننا ومدرهنا وأشبه النَّاس برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شمائل وتقلعاً ولوناً - وَكَانَ
(4/34)

رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام إِذا مَشى تقلع فَلَا تكَاد عقباه تقعان بِالْأَرْضِ - وَأما الذان من ابْن عمكم فَإِن مُحَمَّدًا جمالنا الَّذِي نباهي بِهِ، وَالقَاسِم عارضتنا الَّتِي نمتنع بهَا، وأشبه النَّاس بِأبي الْعَاصِ بن أُميَّة عارضة ونفساً. فَقَالَ: وَالله لقد أَحْسَنت صفاتهم يَا بنة حُسَيْن. ثمَّ وثب فجبذت سكينَة بردائه فَقَالَت: وَالله يَا أَحول لقد أَصبَحت تهكم بِنَا. أما وَالله مَا أبرزنا لَك إِلَّا يَوْم الطف، قَالَ: أَنْت امْرَأَة كَثِيرَة الشَّرّ.
(4/35)

الْبَاب الثَّانِي نكت من كَلَام النِّسَاء ومستحسن جواباتهن وألفاظهن

جَوَاب امْرَأَة لبَعض الساخرين من بني نمير
مرت امْرَأَة جميلَة على مَسْجِد بني نمير بِالْبَصْرَةِ وَعَلِيهِ جمَاعَة مِنْهُم فَقَالَ بَعضهم: مَا أكبر عجيزتها، وَقَالَ آخر: إِنَّهَا ملفوفة. وَقَالَ آخر: أَنا أجيئكم بخبرها. فتبعها وَضرب يَده على عجيزتها. قَالَ: فالتفتت إِلَيْهِ وَقَالَت: " الْحق من رَبك فَلَا تكونن من الممترين " ثمَّ انصرفت إِلَى بني نمير فَقَالَت: يَا بني نمير؛ وَالله مَا حفظتم فِي قَول الله جلّ وَعز، وَلَا قَول الشَّاعِر؛ قَالَ الله تبَارك وَتَعَالَى: " قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم " وَقَالَ الشَّاعِر: فغض الطّرف إِنَّك من نمير ... فَلَا كَعْبًا بلغت وَلَا كلاباً 364 - قَالَت امْرَأَة من نمير وحضرتها الْوَفَاة، وَأَهْلهَا مجتمعون: من الَّذِي يَقُول: لعمرك مَا رماح بني نمير ... بطائشة الصُّدُور وَلَا قصار قَالُوا: زِيَاد الْأَعْجَم. قَالَت: فَإِنِّي أشهدكم أَن لَهُ الثُّلُث من مَالِي. وَكَانَ الثُّلُث كثيرا. وَقَالَت امْرَأَة لزَوجهَا: إِن أكلك لاقتفاف، وَإِن شربك لاشتفاف، وَإِن ضجعك لالتفاف. تنام لَيْلَة تخَاف، وتشبع لَيْلَة تُضَاف.
(4/36)

وصف امْرَأَة لزَوجهَا وَوَصفه لَهَا
طلق أَعْرَابِي امْرَأَته فَقَالَت لَهُ: جَزَاك الله خيرا؛ لقد كنت كثير المرق، طيب الْعرق، قَلِيل الأرق، قَالَ: وَأَنت فجزاك الله خيرا؛ لقد كنت لذيذة المعتنق عِنْد الْكرَى والأرق، وَلَكِن مَا قضى الله قد سبق. تزوج أَعْرَابِي امْرَأَة أشرف مِنْهُ حسباً ونسباً فَقَالَ: يَا هَذِه: إِنَّك مَهْزُولَة. فَقَالَت: هزالي أولجني بَيْتك. لما قتل حَاجِب بن زُرَارَة قراد بن حنيفَة قَالَت قبائل بني دارم لحاجب: إِمَّا أَن تقيد من نَفسك، وَإِمَّا أَن تدفع إِلَيْنَا رجلا من رهطك. فَأمر فَتى من بني زُرَارَة بن عدس أَن يذهب إِلَيْهِم حَتَّى يُقَاد. فَمروا بالفتى على أمه وحسبوها تجزع فَيدْفَع حَاجِب إِلَيْهِم غَيره. فَقَالَت: إِن حَيْضَة وَقت حاجباً الْمَوْت لعظيمة الْبركَة. قَالَت أعرابية وَقد دفع إِلَيْهَا علك لتمضغه: مَا فِيهِ إِلَّا تَعب الأضراس وخيبة الحنجرة. قيل لرملة بنت الزبير: مَا لَك أهزل مَا تكونين إِذا كَانَ زَوجك شَاهدا؟ قَالَت: إِن الْحرَّة لَا تضاجع بَعْلهَا بملء بَطنهَا. كَأَنَّهَا لم تأمن قرقرة الْبَطن وَغير ذَلِك. نظر رجل إِلَى امْرَأتَيْنِ يتلاعبان فَقَالَ: مرا لَعَنَكُمَا الله فَإِنَّكُنَّ صواحبات يُوسُف. فَقَالَت إِحْدَاهمَا: يَا عمي فَمن رمى بِهِ فِي الْجب: نَحن أم أَنْتُم؟ وَمَرَّتْ جَارِيَة بِقوم وَمَعَهَا طبق مغطى فَقَالَ بَعضهم: أَي شَيْء مَعَك على الطَّبَق؟ قَالَت: فَلم غطيناه؟ قَالَ الجاحظ: من الأسجاع الْحَسَنَة قَول الأعرابية حِين خَاصَمت ابْنهَا إِلَى عَامل المَاء: أما كَانَ بَطْني لَك وعَاء؟ أما كَانَ حجري لَك فنَاء؟ أما كَانَ ثديي لَك سقاء. وَقَالَت امْرَأَة: أَصْبَحْنَا مَا يرقد لنا فرس، وَلَا ينَام لنا حرس.
قَول امْرَأَة فِي رثاء ابْنهَا
مر رجل بِامْرَأَة من غاضرة، وَإِذا ابْن لَهَا مسجى بَين يَديهَا، وَهِي تَقول:
(4/37)

يَرْحَمك الله يَا بني. فوَاللَّه مَا كَانَ مَالك لبطنك، وَلَا أَمرك لعرسك، وَلَا كنت إِلَّا لين العطفة، يرضيك أقل مِمَّا يسخطك. قَالَ: فَقَالَ لَهَا: يَا أمه، أَلَك مِنْهُ خلف؟ قَالَت: بلَى مَا هُوَ خير مِنْهُ: ثَوَاب الله وَالصَّبْر على الْمُصِيبَة. وَلما قتل الْفضل بن سهل دخل الْمَأْمُون إِلَى أمه يعزيها فِيهِ، وَقَالَ: يَا أمه؛ لَا تحزني على الْفضل؛ فَإِنِّي خلف لَك مِنْهُ. فَقَالَت لَهُ: وَكَيف لَا أَحْزَن على ولد عوضني خلفا مثلك، فتعجب الْمَأْمُون من جوابها. وَكَانَ يَقُول: مَا سَمِعت جَوَابا قطّ كَانَ أحسن مِنْهُ وَلَا أخلب للقلب.
قَول أعرابية حِين شربت النَّبِيذ
حُكيَ أَن عجوزاً من الْأَعْرَاب جَلَست فِي طَرِيق مَكَّة إِلَى فتيَان من قُرَيْش يشربون نبيذاً لَهُم، فسقوها قدحاً فطابت نَفسهَا وتبسمت ثمَّ سقوها قدحاً آخر، فاحمر وَجههَا وضحكت فسقوها قدحاً ثَالِثا، فَقَالَت: أخبروني عَن نِسَائِكُم بالعراق، أيشربن من هَذَا الشَّرَاب؟ قَالُوا: نعم. قَالَت: زنين وَرب الْكَعْبَة. 365 - سُئِلت أعرابية فَقيل لَهَا: أتعرفين النُّجُوم؟ قَالَت: سُبْحَانَ الله أما أعرف أشياخاً وقوفاً عَليّ كل لَيْلَة؟ قيل لامْرَأَة أُصِيبَت بِوَلَدِهَا: كَيفَ أَنْت والجزع؟ . قَالَت: لَو رَأَيْت فِيهِ دركاً مَا اخْتَرْت عَلَيْهِ، وَلَو دَامَ لي لدمت لَهُ. مر أَعْرَابِي بِجَارِيَة جابة تمدر حوضاً لَهَا، فَقَالَ: من دلّ على بعير بعنقه علاط. وبأنفه خزام، تتبعه بكرتان سمراوان؟ فَقَالَ الْقَوْم: حفظ الله علينا وَأمْسك عَلَيْك. وَالله مَا أحسسنا لَهَا خَبرا. . فَقَالَت الْجَارِيَة: لَا حفظ الله عَلَيْك يَا عَدو الله. فَقيل لَهَا: مَا ذَاك؟ قَالَت: إِنَّه ينشد سوءته. قَالَ بَعضهم: شهِدت امْرَأَة بالبادية، وَبَين يَديهَا ابْن لَهَا يجود بِنَفسِهِ فَوَثَبت عَلَيْهِ فأغمضته وعصبته وترحمت عَلَيْهِ، ثمَّ تنحت. فَقَالَت: مَا حق من ألبس
(4/38)

النِّعْمَة، وأطيلت لَهُ الْعَافِيَة، وأديمت بِهِ النظرة أَلا يعجز عَن التَّوَثُّق لنَفسِهِ، من قبل حل عقوده، والحلول بعقوته، والحيالة بَينه وَبَين نَفسه.
وصف أعرابية لزَوجهَا
قَالَت أعرابية فِي الزَّوْج: لَا أريده ظريفاً وَلَا ظريفاً وَلَا رجل أَهله وَلَا السمين الألحم، وَلَكِنِّي أريده الضحوك ولاجاً، الكسوب خراجاً. خطب رجل ابْنة عَم لَهُ فَأَخْبرهَا أَبوهَا بذلك فَقَالَت: يَا أبه، سَله مَا لي عِنْده؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: ألطف برهَا، وأحمل ذكرهَا، وأعصي أمرهَا. فَقَالَت: زوجنيه. لما أهديت ابْنة عبد الله بن جَعْفَر إِلَى الْحجَّاج نظر إِلَيْهَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وعبرتها تجول فِي خدها، فَقَالَ: مِم بِأبي أَنْت؟ . قَالَت: من شرف اتضع، وَمن ضعة شرفت. وَلما كتب عبد الْملك إِلَى الْحجَّاج بِطَلَاقِهَا قَالَ لَهَا: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمرنِي بطلاقك قَالَت: هُوَ أبر بِي مِمَّن زوجنيك
قَول امْرَأَة لِبلَال بن أبي بردة
حكم بِلَال بن أبي بردة بِالتَّفْرِيقِ بَين رجل وَامْرَأَته، فَقَالَت لَهُ الْمَرْأَة: يَا بن أبي مُوسَى إِنَّمَا بعثتم بِالتَّفْرِيقِ بَين الْمُسلمين. نزل رجل بِامْرَأَة من الْعَرَب فَقَالَ لَهَا: هَل من لبن أَو طَعَام يُبَاع؟ فَقَالَت: إِنَّك للئيم أَو حَدِيث عهد باللئام. فَاسْتحْسن ذَلِك مِنْهَا وخطبها فَتَزَوجهَا.
كَرَاهَة النِّسَاء للشيب
حدث بَعضهم قَالَ: خرجت إِلَى نَاحيَة الطفاوة فَإِذا أَنا بِامْرَأَة لم أر أجمل مِنْهَا. فَقلت: أيتها الْمَرْأَة؛ إِن كَانَ لَك زوج فَبَارك الله لَهُ فِيك، وَإِلَّا فأعلميني. قَالَ: فَقَالَت: وَمَا تصنع بِي وَفِي شَيْء لَا أَرَاك ترتضيه. قلت: وَمَا هُوَ؟ قَالَت: شيب فِي رَأْسِي. قَالَ: فثنيت عنان دَابَّتي رَاجعا. فصاحت بِي: على رسلك أخْبرك بِشَيْء. فوقفت وَقلت: مَا هُوَ يَرْحَمك الله؟ فَقَالَت: وَالله مَا بلغت الْعشْرين بعد،
(4/39)

وَهَذَا رَأْسِي - فَكشفت عَن عناقيد كالحمم - وَمَا رَأَيْت فِي رَأْسِي بَيَاضًا قطّ، وَلَكِن أَحْبَبْت أَن تعلم أَنا نكره مثل مَا يكره منا. وأنشدت: أرى شيب الرِّجَال من الغواني ... بِموضع شيبهن من الرِّجَال قَالَ: فَرَجَعت خجلاً كاسف البال. وصفت امْرَأَة نسَاء فَقَالَت: كن صدوعاً فِي صفا لَيْسَ لعاجز فِيهِنَّ حَظّ.
من أَقْوَال ابْنة الخس
قيل لابنَة الخس: من تريدين أَن تتزوجي؟ فَقَالَت: لَا أريده أَخا فلَان وَلَا ابْن عَم فلَان، وَلَا الظريف، وَلَا المتظرف، وَلَا السمين الألحم وَلَكِنِّي أريده كسوباً إِذا غَدا، ضحوكاً إِذا أَتَى، أخال وَلَا تيمنه وَقيل لَهَا: من أعظم النَّاس فِي عَيْنَيْك؟ قَالَت: من 366 كَانَت لي إِلَيْهِ حَاجَة. قيل لأعرابية قد حملت شَاة تبيعها: بكم؟ قَالَت: بِكَذَا. قيل لَهَا: أحسني. فَتركت الشَّاة وَمَرَّتْ لتنصرف. فَقيل لَهَا: مَا هَذَا؟ قَالَت: لم تَقولُوا أنقصي، وَإِنَّمَا قُلْتُمْ: أحسني. وَالْإِحْسَان ترك الْكل. قَالَت قريبَة الأعرابية: إِذا كنت فِي غير قَوْمك فَلَا تنس نصيبك من الذل قيل لأعرابية: مَا أطيب الروائح؟ قَالَت: بدن تحبه، وَولد تربه. سَأَلَ رجل الخيزران حَاجَة، وَأهْدى إِلَيْهَا هَدِيَّة فَردَّتهَا وكتبت إِلَيْهِ: إِن كَانَ الَّذِي وجهته ثمنا لرأي فِيك فقد بخستني فِي الْقيمَة، وَإِن كَانَ استزادة فقد استغششتني فِي النَّصِيحَة. قتل قُتَيْبَة أَبَا امْرَأَة وأخاها وَزوجهَا ثمَّ قَالَ لَهَا: أتعرفين أعدى لَك مني؟ قَالَت: نعم: نفس طالبتني بالغداء بعد من قتلت لي. تقدّمت امْرَأَة إِلَى قاضٍ فَقَالَ لَهَا القَاضِي: جامعك شهودك كلهم؟ فَسَكَتَتْ فَقَالَ كَاتبه: إِن القَاضِي يَقُول: جَاءَ شهودك مَعَك؟ قَالَت: نعم. ثمَّ قَالَت للْقَاضِي:
(4/40)

أَلا قلت كَمَا قَالَ كاتبك. كبر سنك، وَذهب عقلك. وعظمت لحيتك فغطت على عقلك؛ وَمَا رَأَيْت مَيتا يحكم بَين الْأَحْيَاء غَيْرك. قَالَت أعرابية لزَوجهَا، ورأته مهموماً: إِن كَانَ همك بالدنيا فقد فرغ الله مِنْهَا، وَإِن كَانَ للآخرة فزادك الله هما بهَا. قَالَ الْأَصْمَعِي: سَمِعت أعرابية تَقول: إلهي؛ مَا أضيق على من لم تكن دَلِيله، وأوحشه على من لم تكن أنيسه! وافتخرت جاريتان من الْعَرَب بقوسي أبويهما. فَقَالَت إِحْدَاهمَا: قَوس أبي طروح مروح، تعجل الظبي أَن يروح. وَقَالَت الْأُخْرَى: قَوس أبي كرة، تعجل الظبي النفرة. قَالَ عتبَة بن ربيعَة لابنته هِنْد: قد خَطبك إِلَيّ رجلَانِ؛ خَطبك السم ناقعاً، وخطبك الْأسد عادياً. فَأَيّهمَا أحب إِلَيْك أَن أزَوجك؟ قَالَت: الَّذِي يَأْكُل أحب إِلَيّ من الَّذِي يُؤْكَل. فَزَوجهَا أَبَا سُفْيَان، وَهُوَ الْأسد العادي وَكَانَ الآخر سُهَيْل بن عَمْرو. سَمِعت امْرَأَة بدوية وَهِي ترقص ابْنا لَهَا وَتقول: رزقك الله جدا يخدمك عَلَيْهِ ذَوُو الْعُقُول، وَلَا رزقك عقلا تخْدم بِهِ ذَوي الجدود.
حَدِيث أُخْتَيْنِ
قَالَ ابْن أبي طَاهِر: حَدثنِي عَليّ بن عُبَيْدَة قَالَ: تزاورت أختَان من أهل الْقصر، فأرهقتهما الصَّلَاة، فبادرت إِحْدَاهمَا فصلت صَلَاة خَفِيفَة، فَقَالَ لَهَا بعض النِّسَاء: كنت حريَّة أَن تطولي الصَّلَاة فِي هَذَا الْيَوْم شكرا لله حِين الْتَقَيْنَا. قَالَت: لَا، وَلَكِن أخفف صَلَاتي الْيَوْم وأتمتع بِالنّظرِ إِلَيْهَا، وأشكر الله فِي صَلَاتي غَدا. قَالَت الخنساء: النِّسَاء يحببن من الرِّجَال المنظراني الغليظ. القصرة، الْعَظِيم الكمرة، الَّذِي إِذا طعن حفر، وَإِذا أَخطَأ قشر، وَإِذا أخرج عقر. قيل لأعرابية فِي الْبَادِيَة: من أَيْن معاشكم؟ فَقَالَت: لَو لم نعش إِلَّا من حَيْثُ نعلم لم نعش.
(4/41)

قيل لامْرَأَة من كلب: مَا أحب الْأَشْيَاء من الرِّجَال إِلَى النِّسَاء: قَالَت: مَا يكثر الْأَعْدَاد، وَيزِيد فِي الْأَوْلَاد؛ حَرْبَة فِي غلاف بحقوى رجل جَاف، إِذا عافى أوهن، وَإِذا جَامع أثخن. قَالَت عَائِشَة للخنساء، إِلَى كم تبكين على صَخْر، وَإِنَّمَا هُوَ جَمْرَة فِي النَّار؟ قَالَت: ذَاك أَشد لجزعي عَلَيْهِ. جَاءَت امْرَأَة إِلَى عدي بن أَرْطَاة تستعديه على زَوجهَا، وتشكو أَنه عنين لَا يَأْتِيهَا، فَقَالَ عدي: إِنِّي لأَسْتَحي للْمَرْأَة أَن تستعدي على زَوجهَا من 367 مثل هَذَا. فَقَالَت: وَلم لَا أَرغب فِيمَا رغبت فِيهِ أمك فَلَعَلَّ الله أَن يَرْزُقنِي ابْنا مثلك. وَقَالَت أعرابية لرجل: مَا لَك تُعْطِي وَلَا تعد؟ فَقَالَ لَهَا: مَالك وللوعد؟ قَالَت: يَنْفَسِخ بِهِ الصَّبْر، وينتشر فِيهِ الأمل، ويطيب بِذكرِهِ النَّفس، ويرجى بِهِ الْعَيْش، وتربح أَنْت بِهِ المرح بِالْوَفَاءِ. قيل لامْرَأَة: صفي لنا النَّاقة النجيبة، قَالَت: كالعقرب إِذا هَمت، وكالحية إِذا التوت، تطوي الفلاة وَمَا انطوت. صرخت أعرابية ذَات يَوْم، فَقَالَ لَهَا أَبوهَا: مَالك؟ قَالَت: لسعتني عقرب، قَالَ: أَيْن؟ قَالَت: حَيْثُ لَا يضع الراقي أَنفه. خطب أَعْرَابِي امْرَأَة وَكَانَ قَصِيرا فَاحش الْقصر، عَظِيم الْأنف جدا فَكَرِهته فَقَالَ: يَا هَذِه، قد عرفت شرفي وَأَنا مَعَ ذَلِك كريم المعاشرة، مُحْتَمل الْمَكْرُوه. فَقَالَت: صدقت مَعَ حملك هَذَا الْأنف أَرْبَعِينَ سنة.
أم أبان وَمن خطبهَا من الصَّحَابَة
كَانَت أم أبان بنت عتبَة بن ربيعَة عِنْد يزِيد بن أبي سُفْيَان فَمَاتَ عَنْهَا فَخَطَبَهَا عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام فَردته فَقيل لَهَا: أَتردينَ عَليّ بن أبي طَالب ابْن عَم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، وَزوج فَاطِمَة وَأَبا الْحسن وَالْحُسَيْن، وحاله فِي الْإِسْلَام حَاله؟ قَالَت: نعم. لَا أوثر هَوَاهُ على هواي. لَيْسَ لامْرَأَته مِنْهُ إِلَّا جُلُوسه بَين شعبها الْأَرْبَع، وَهُوَ صَاحب صر من النِّسَاء.
(4/42)

ثمَّ خطبهَا عمر فَردته. فَقيل أَتردينَ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْفَارُوق، وحاله فِي الْإِسْلَام حَاله؟ قَالَت: نعم لَا أوثر هَوَاهُ على هواي، يدْخل عَابِسا وَيخرج عَابِسا، ويغلق عَليّ بَابه وَأَنا امْرَأَة بَرزَة. ثمَّ خطبهَا الزبير فَردته. فَقيل لَهَا: أَتردينَ الزبير حوارِي رَسُول الله وَابْن عمته وحاله فِي الْإِسْلَام حَاله؟ قَالَت: نعم. لَا أوثر هَوَاهُ على هواي. يَد فِيهَا قروني، وَيَد فِيهَا السَّوْط. ثمَّ خطبهَا طَلْحَة فَقَالَت: زَوجي حَقًا. يدْخل عَليّ بساماً وَيخرج بساماً، إِن سَأَلت بذل، وَإِن أعْطى أجزل، وَإِن أذنبت غفر، وَإِن أَحْسَنت شكر. فتزوجته. فأولم ثمَّ دَعَا هَؤُلَاءِ النَّفر وَهِي فِي خدرها وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ. فَقَالَ عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام: يَا أَبَا مُحَمَّد إيذن لي أكلم هَذِه فَأذن لَهُ. فَقَالَ: يَا أم أبان تستري. فتسترت ثمَّ رفع سجف الحجلة فَقَالَ: يَا عدية نَفسهَا خطبتك وَلَيْسَ بقرشية عني رَغْبَة بعد فَاطِمَة بنت رَسُول الله، فرددتني، وخطبك الزبير حوارِي رَسُول الله وَابْن عمته فرددته واخترت علينا ابْن الصعبة قَالَت: فَلَو وجدت نفقاً لدخلت فِيهِ. قَالَت: فأحلت على الزاملة الَّتِي تحمل كل شَيْء فَقلت: أَمر قضي، وَمَا كَانَ ذَاك بيَدي فَقَالَ: صدقت رَحِمك الله. أما على ذَلِك فقد نكحت أَصْبَحْنَا وَجها، وأسخانا كفا، وَأَكْرمنَا للنِّسَاء صُحْبَة. ثمَّ قَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد، سلها عَمَّا قلت لَهَا فَإِنِّي لم أقل إِلَّا الَّذِي تحب. قَالَ: لَا أسألها عَنهُ أبدا. نظرت عَجُوز أعرابية إِلَى امْرَأَة حولهَا عشرَة من بنيها كَأَنَّهُمْ الصقور فَقَالَت: ولدت أمكُم حزنا طَويلا. خرج مُعَاوِيَة ذَات يَوْم يمشي، وَمَعَهُ خصي لَهُ حَتَّى دخل على مَيْسُونُ بنت بَحْدَل، وَهِي أم يزِيد فاستترت مِنْهُ. قَالَ: أتستترين مِنْهُ وَإِنَّمَا هُوَ مثل الْمَرْأَة؟ قَالَت: أَتَرَى أَن الْمثلَة بِهِ تحل مَا حرم الله.
عُثْمَان ونائلة بنت الفرافصة
خطب عُثْمَان بن عَفَّان نائلة بنت الفرافصة بن الْأَحْوَص الْكَلْبِيّ وَكَانَ نَصْرَانِيّا فَقَالَ لِابْنِهِ ضَب: تحنف وَزوجهَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَفعل وَحملهَا إِلَى الْمَدِينَة. فَلَمَّا
(4/43)

أدخلت إِلَيْهِ قَالَ لَهَا: أتقومين إِلَيّ أم أقوم إِلَيْك؟ قَالَت: مَا قطعت إِلَيْك عرض 368 السماوة وَأَنا أُرِيد أَن أكلفك طول الْبَيْت. فَلَمَّا جَلَست بَين يَدَيْهِ قَالَ: لَا يروعنك هَذَا الشيب قَالَت: أما إِنِّي من نسْوَة أحب أَزوَاجهنَّ إلَيْهِنَّ الكهل السَّيِّد قَالَ: حلي إزارك. قَالَت: ذَاك بك أحسن. فَلَمَّا قتل أصابتها ضَرْبَة على يَدهَا وخطبها مُعَاوِيَة فَردته وَقَالَت: مَا يحب الرِّجَال مني؟ قَالُوا: ثناياك. فَكسرت ثناياها وَبعثت بهَا إِلَى مُعَاوِيَة. وَقَالَ: ذَلِك مِمَّا رغب قُريْشًا فِي نِكَاح نسَاء كلب. تزوج الزبير أم مُصعب، وَتزَوج الْحُسَيْن عَلَيْهِ السَّلَام أم سكينَة، وَتزَوج مَرْوَان أم عبد الْعَزِيز. اسْتعْمل الْمَنْصُور رجلا على خُرَاسَان فَأَتَتْهُ امْرَأَة فِي حَاجَة فَلم تَرَ عِنْده غناء. فَقَالَت: أَتَدْرِي لم ولاك أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: لَا. قَالَت: لينْظر هَل يَسْتَقِيم أَمر خُرَاسَان بِلَا وَال. قَالَ بَعضهم: خطبت امْرَأَة فأجابت فَقلت: إِنِّي سيء الْخلق. فَقَالَت: أَسْوَأ خلقا مِنْك من يلجئك إِلَى سوء الْخلق. قيل: إِن الْحسن رَضِي الله عَنهُ طلق امْرَأتَيْنِ قرشية وجعفية وَبعث إِلَى كل وَاحِدَة مِنْهُمَا عشْرين ألفا. وَقَالَ للرسول: احفظ مَا تَقول كل وَاحِدَة مِنْهُمَا فَقَالَت القرشية: جزاه الله خيرا. وَقَالَت الجعفية: مَتَاع قَلِيل من حبيب مفارق. فَرَاجعهَا وطلق الْأُخْرَى.
بَين الْحُسَيْن وَامْرَأَته
وَكَانَت عِنْد الْحسن بن الْحُسَيْن امْرَأَة فضجر يَوْمًا وَقَالَ: أَمرك فِي يدك فَقَالَت: أما وَالله لقد كَانَ فِي يدك عشْرين سنة فحفظته، أفأضيعه فِي سَاعَة صَار فِي يَدي. قد رددت إِلَيْك حَقك. فأعجبه قَوْلهَا وَأحسن صحبتهَا. قَالَت الخيزران: قبح الله الخدم لَيْسَ لَهُم حزم الرِّجَال وَلَا رقة النِّسَاء. كتب الْمَأْمُون إِلَى شكْلَة أم إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي يتوعدها فأجابته: أَنا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أم من أمهاتك، فَإِن كَانَ ابْني عصى الله فِيك فَلَا تعصه فِي، وَالسَّلَام.
(4/44)

قَالَ أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ: رَأَيْت هنداً بِمَكَّة جالسة، كَأَن وَجههَا فلقَة قمر وَخَلفهَا من عجيزتها مثل الرجل الْجَالِس، وَمَعَهَا صبي يلْعَب، فَمر رجل فَنظر إِلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي لأرى غُلَاما إِن عَاشَ ليسودن قومه. فَقَالَت هِنْد: إِن لم يسد إِلَّا قومه فَلَا جبره الله. قيل لأم الرشيد: أتخافين الْمَوْت؟ قَالَت: كَيفَ لَا أخافه؟ وَلَو كنت عصيت مخلوقاً مَا أَحْبَبْت لقاءه. فَكيف ألْقى الله وَقد عصيته؟
خبر أم الْحجَّاج مَعَ زَوجهَا
كَانَت الفارعة بنت مَسْعُود الثقفية أم الْحجَّاج عِنْد الْمُغيرَة بن شُعْبَة، فَدخل عَلَيْهَا ذَات يَوْم حِين أقبل من صَلَاة الْغَدَاة وَهِي تتخلل. فَقَالَ: يَا فارعة؛ لَئِن كَانَ هَذَا التخلل من أكل الْيَوْم إِنَّك لجشعة، وَإِن كَانَ من أكل البارحة إِنَّك لبشعة. اعْتدى فَأَنت طَالِق. فَقَالَت: سخنت عَيْنك من مطلاق. مَا هُوَ من ذَا وَلَا ذَاك. وَلَكِنِّي استكت فتخللت من شظية من سِوَاكِي. فَاسْتَرْجع ثمَّ خرج فلقي يُوسُف بن الحكم بن أبي عقيل. فَقَالَ: إِنِّي قد نزلت الْيَوْم عَن سيدة نسَاء ثَقِيف، فتزوجتها فَإِنَّهَا ستنجب. فَتَزَوجهَا فَولدت لَهُ الْحجَّاج. دخلت ليلى الأخيلية على الْحجَّاج. فَقَالَ لأَصْحَابه: أَلا أخجلها لكم؟ قَالُوا: بلَى. قَالَ: يَا ليلى، أَكنت تحبين تَوْبَة؟ قَالَت: نعم أَيهَا الْأَمِير. وَأَنت لَو رَأَيْته أحببته.
الْوَلِيد بن عبد الْملك وزوجه
قَالَ ابْن عَيَّاش: تزوج الْوَلِيد بن عبد الْملك ثَلَاثًا وَسِتِّينَ امْرَأَة، وَكَانَ أَكثر 369 مَا يُقيم على الْمَرْأَة سِتَّة أشهر، وَكَانَ فِيمَن تزوج ابْنة عبد الله بن مُطِيع الْعَدوي، وَكَانَت جميلَة ظريفة، فَلَمَّا أهديت إِلَيْهِ قَالَ لسماره الَّذين كَانُوا يسمرون عِنْده: لَا تَبْرَحُوا - وَإِن أَبْطَأت - حَتَّى أخرج إِلَيْكُم. وَدخل بهَا وانتظروه حَتَّى خرج إِلَيْهِم فِي السحر وَهُوَ يضْحك. فَقَالُوا: سرك الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ: مَا رَأَيْت مثل ابْنة الْمُنَافِق. يَعْنِي عبد الله بن مُطِيع - وَكَانَ مِمَّن قتل مَعَ ابْن الزبير، وَكَانَ بَنو مَرْوَان
(4/45)

يسمون شيعَة ابْن الزبير: الْمُنَافِقين - لما أردْت الْقيام أخذت بذيلي وَقَالَت: يَا هَذَا؛ إِنَّا قد اشترطنا على الجمالين الرّجْعَة. فَمَا رَأْيك؟ فأعجب بهَا وَأقَام عَلَيْهَا سِتَّة أشهر ثمَّ بعث إِلَيْهَا بِطَلَاقِهَا. قَالَ بَعضهم: قَالَت لي جَارِيَة لي: ظهر يَا مولَايَ الشيب فِي رَأسك. فَقلت: هُوَ مَا لَا تحبونه. فَقَالَت: إِنَّمَا يثقل علينا الشيب على البديهة، فَأَما شيب نَشأ مَعنا فَنحْن نَنْظُر إِلَيْهِ بِالْعينِ الأولى. افتخر على شاهفريد أم يزِيد بن الْوَلِيد نسَاء الْوَلِيد العربيات فَقَالَت: لَيست مِنْكُن امْرَأَة إِلَّا وَفِي عشيرتها من يفخر عَلَيْهَا، وَلَا يقر لَهَا بالشرف وَالْفضل. وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا أَعْجَمِيَّة تَفْخَر عَليّ. وَكَانَت من أَوْلَاد يزدجرد. وَلذَلِك يَقُول يزِيد بن الْوَلِيد: أَنا ابْن كسْرَى وَأبي مَرْوَان، وَقَيْصَر جدي، وجدي خاقَان.
بَين الرشيد وعنان
عرضت عنان جَارِيَة الناطفي على الرشيد وَهُوَ يتبختر، فَقَالَ لَهَا: أتحبين أَن أشتريك؟ فَقَالَت: وَلم لَا يَا أحسن النَّاس خلقا وخلقاً؟ فَقَالَ: أما الْخلق فقد رَأَيْته، فالخلق أَنى عَرفته؟ قَالَت: رَأَيْت شرارة طاحت من اليجمرة فلمعت فِي خدك فَمَا قطبت لَهَا وَلَا عاتبت أحدا. لما بنى الْمَأْمُون ببوران مد يَده إِلَيْهَا فَحَاضَت، فَقَالَت: أَتَى أَمر الله فَلَا تستعجلوه. فَفطن الْمَأْمُون ووثب عَنْهَا. كَانَ مُعَاوِيَة يمشي مَعَ أمه فعثر، فَقَالَت لَهُ: قُم لَا رفعك الله - وأعرابي ينظر إِلَيْهِ - فَقَالَ: لم تَقُولِينَ لَهُ هَذَا؟ فوَاللَّه إِنِّي لأظنه سيسود قومه. فَقَالَت: لَا رَفعه الله إِن لم يسد إِلَّا قومه. قَالَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عَمْرو بن عُثْمَان: جمعتنَا أمنا فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَت: يَا بني إِنَّه وَالله مَا نَالَ أحد من أهل السَّفه بسفههم شَيْئا، وَلَا أدركوه من لذاتهم إِلَّا وَقد ناله أهل المروءات بمروءاتهم. فاستتروا بستر الله. لما قصد المعتضد بني شَيبَان اصْطفى مِنْهُم عجوزاً سريعة الْجَواب فصيحةً،
(4/46)

فَكَانَ يغري بَينهَا وَبَين الجلساء، فَجَاءَت يَوْمًا فَقَعَدت بِلَا إِذن فَقَالَ لَهَا خَفِيف السَّمرقَنْدِي الْحَاجِب: أتجلسين بَين يَدي أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلم يَأْذَن لَك؟ فَقَالَت: أَنْت جَار ذَلِك وحاجبه، كَانَ يجب أَن تعرفنِي مَا أعمل قبل دخولي إِذْ لم تكن لي عَادَة بِمثلِهِ. ثمَّ قَامَت. فتغافل المعتضد عَنْهَا فَقَالَت: يَا سيداه؛ أقيام إِلَى الْأَبَد، فَمَتَى يَنْقَضِي الأمد؟ فَضَحِك وأمرها بِالْجُلُوسِ. قَالُوا: طَاف عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس بِالْبَيْتِ، وَهُنَاكَ عَجُوز قديمَة وَعلي قد فرع النَّاس كَأَنَّهُ رَاكب وَالنَّاس مشَاة. فَقَالَت: من هَذَا الَّذِي قد فرع النَّاس؟ فَقيل: عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس، فَقَالَت: لَا إِلَه إِلَّا الله إِن النَّاس ليرذلون. عهدي بِالْعَبَّاسِ يطوف بِهَذَا الْبَيْت كَأَنَّهُ فسطاط أَبيض وَيُقَال: إِنَّه كَانَ عَليّ إِلَى منْكب أَبِيه عبد الله 370. وَكَانَ عبد الله إِلَى منْكب أَبِيه الْعَبَّاس وَكَانَ الْعَبَّاس إِلَى منْكب أَبِيه عبد الْمطلب. قَالَت هِنْد بنت عتبَة لأبي سُفْيَان بن حَرْب لما رَجَعَ مُسلما من عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ إِلَى مَكَّة فِي لَيْلَة الْفَتْح فصاح: يَا معشر قُرَيْش، أَلا إِنِّي قد أسلمت، فأسلموا، فَإِن مُحَمَّدًا قد أَتَاكُم بِمَا لَا قبل لكم بِهِ. فَأخذت هِنْد رَأسه وَقَالَت: بئس طَلِيعَة الْقَوْم. وَالله مَا خدشت خدشاً. يَا أهل مَكَّة. عَلَيْكُم الحميت الدسم فَاقْتُلُوهُ. وَقَالَت هِنْد: إِنَّمَا النِّسَاء أغلال، فليختر الرجل غلا ليده. وَذكرت هِنْد بنت الْمُهلب النِّسَاء فَقَالَت: مَا زين بِشَيْء كأدب بارع تَحْتَهُ لب ظَاهر. وَقَالَت أَيْضا: إِذا رَأَيْتُمْ النعم مستدرة فبادروا بالشكر قبل حُلُول الزَّوَال.
ليلى الأخيلية وَالْحجاج
قدمت ليلى الأخيلية على الْحجَّاج ومدحته. فَقَالَ: يَا غُلَام؛ أعْطهَا خَمْسمِائَة، فَقَالَت: أَيهَا الْأَمِير، اجْعَلْهَا أدماً. فَقَالَ قَائِل: إِنَّمَا أَمر لَك بشاء. قَالَت: الْأَمِير أكْرم من ذَاك. فَجَعلهَا إبِلا إِنَاثًا استحياء. وَإِنَّمَا كَانَ أَمر لَهَا بشاء أَولا.
(4/47)

كَانَت آمِنَة بنت سعيد بن الْعَاصِ عِنْد الْوَلِيد بن عبد الْملك، فَلَمَّا مَاتَ عبد الْملك سعت بهَا إِحْدَى ضراتها إِلَى الْوَلِيد. وَقَالَت: لم تبك على عبد الْملك كَمَا بَكت نظائرها. فَقَالَ لَهَا الْوَلِيد فِي ذَلِك فَقَالَت: صدق الْقَائِل لَك أَكنت قائلة: يَا ليته بَقِي حَتَّى يقتل أَخا لي آخر كعمرو بن سعيد. كَانَت ابْنة هاني بن قبيصَة عِنْد لَقِيط بن زُرَارَة، فَقتل عَنْهَا وَتَزَوجهَا رجل من أَهلهَا، فَكَانَ لَا يزَال يَرَاهَا تذكر لقيطاً. فَقَالَ لَهَا ذَات مرّة: مَا استحسنت من لَقِيط؟ فَقَالَت: كل أُمُوره كَانَت حَسَنَة. وكني أحَدثك إِن خرج مرّة إِلَى الصَّيْد وَقد انتشى، فَرجع إِلَيّ وبقميصه نضح من دم صَيْده والمسك يضوع من أعطافه، ورائحة الشَّرَاب من فِيهِ. فضمني ضمة وشمني شمة، فليتني كنت مت ثمَّة. قَالَ: فَفعل زَوجهَا مثل ذَلِك ثمَّ ضمهَا إِلَيْهِ وَقَالَ: أَيْن أَنا من لَقِيط؟ فَقَالَت: مَاء وَلَا كصداء، ومرعى وَلَا كالسعدان قَالُوا: كَانَ ذُو الإصبع العدواني غيوراً، وَكَانَ لَهُ بَنَات أَربع لَا يزوجهن غيرَة؛ فاستمع عَلَيْهِنَّ مرّة وَقد خلون يتحدثن، فذكرن الْأزْوَاج حَتَّى قَالَت، الصُّغْرَى مِنْهُنَّ: زوج من عود خير من قعُود. فخطبهم فزوجهن. ثمَّ أمهلهن حولا، ثمَّ زار الْكُبْرَى فَقَالَ لَهَا: كَيفَ رَأَيْت زَوجك؟ قَالَت: خير زوج يكرم أَهله، وينسى فَضله. قَالَ: حظيت ورضيت. فَمَا مالكم؟ قَالَت: خير مَال. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَت: الْإِبِل، نَأْكُل لحمانها مزعاً، وَنَشْرَب أَلْبَانهَا جرعاً وتحملنا وضعفتنا مَعًا. فَقَالَ: زوج كريم وَمَال عميم. ثمَّ زار الثَّانِيَة فَقَالَ: كَيفَ رَأَيْت زَوجك؟ قَالَت: يكرم الحليلة وَيقرب الْوَسِيلَة قَالَ: فَمَا مالكم؟ قَالَت: الْبَقر. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَت: تألف الفناء، وتملأ الْإِنَاء، وتودك السقاء، وَنسَاء مَعَ نسَاء. قَالَ: رضيت وحظيت. ثمَّ زار الثَّالِثَة فَقَالَ: كَيفَ رَأَيْت زَوجك؟ فَقَالَت: لَا سمح بذر، وَلَا بخيل حكر. قَالَ: فَمَا مالكم؟ قَالَت: المعزى. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَت: لَو كُنَّا نولدها
(4/48)

فطماً، ونسلخها أدماً، لم نبغ بهَا نعما. فَقَالَ: جذوة مغنية. ثمَّ زار الرَّابِعَة فَقَالَ: كَيفَ رَأَيْت زَوجك؟ فَقَالَت: شَرّ زوج؛ يكرم نَفسه ويهين عرسه. قَالَ: فَمَا مالكم؟ قَالَت: شَرّ مَال؛ الضَّأْن. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَت: جَوف يشبعن، وهيم لَا ينقعن، وصم 371، لَا يسمعن، وَأمر مغويتهن يتبعن. فَقَالَ: أشبه امأ بعض بزه، فأرسلها مثلا.
امْرَأَة على قبر الْأَحْنَف
وقفت امْرَأَة من تَمِيم على قبر الْأَحْنَف. فَقَالَت: لله دَرك من مجن فِي جنن، ومدرج فِي كفن. نسْأَل الله الَّذِي فجعنا بِوَجْهِك، وابتلانا بفقدك، أَن يَجْعَل سَبِيل الْخَيْر سَبِيلك وَدَلِيل الْخَيْر دليلك، وَأَن يُوسع لَك فِي قبرك، وَيغْفر لَك يَوْم حشرك. فوَاللَّه لقد كنت فِي المحافل شريفاً، وعَلى الأرامل عطوفاً، وَلَقَد كنت فِي الْجُود مسوداً، وَإِلَى الْخَلِيفَة موفداً، وَلَقَد كَانُوا لِقَوْلِك مُسْتَمِعِينَ، ولرأيك متبعين.
الْمَأْمُون وزبيدة
قَالَ ثُمَامَة: لما دخل الْمَأْمُون بَغْدَاد دخلت عَلَيْهِ زبيدة أم الْأمين، فَجَلَست بَين يَدَيْهِ فَقَالَت: الْحَمد لله، أهنيك بالخلافة، فقد هنأت بهَا نَفسِي قبل أَن أَرَاك؛ وَلَئِن كنت قد فقدت ابْنا خَليفَة، لقد اعتضت ابْنا خَليفَة، وَمَا خسر من اعتاض مثلك، وَلَا ثكلت أم مَلَأت عينهَا مِنْك، وَأَنا أسأَل الله أجرا على مَا أَخذ، وإمتاعاً بِمَا وهب. فَقَالَ الْمَأْمُون: مَا تَلد النِّسَاء مثل هَذِه. مَاذَا ترَاهَا بقت فِي هَذَا الْكَلَام لبلغاء الرِّجَال. تزوج عبد الْملك لبَابَة بنت عبد الله بن جَعْفَر فَقَالَت لَهُ يَوْمًا: لَو استكت فَقَالَ: أما مِنْك فأستاك. وَطَلقهَا فَتَزَوجهَا عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس وَكَانَ أَقرع لَا يُفَارِقهُ قلنسوته. فَبعث إِلَيْهِ عبد الْملك جَارِيَة وَهُوَ جَالس مَعَ لبَابَة، فَكشفت رَأسه على غَفلَة لترى مَا بِهِ. فَقَالَت لِلْجَارِيَةِ: قولي لَهُ: هاشمي أصلع أحب إِلَيْنَا من أموي أبخر.
حَدِيث أم زرع
اجْتمعت إِحْدَى عشرَة امْرَأَة فتعاهدن أَلا يكتمن أَخْبَار أَزوَاجهنَّ شَيْئا
(4/49)

فَقَالَت الأولى: زَوجي لحم جمل غث، على جبل وعر، لَا سهل فيرتقى وَلَا سمين فينتقى، ويروى فَينْتَقل. وَقَالَت الثَّانِيَة: زَوجي لَا أبث خَبره، وَإِنِّي أَخَاف أَلا أذره إِن أذكرهُ أذكر عُجَره وبجره. قَالَت الثَّالِثَة: زَوجي العشنق إِن انْطلق أطلق، وَإِن أسكت أعلق. قَالَت الرَّابِعَة: زَوجي كليل تهَامَة، لَا حر وَلَا قر، وَلَا مَخَافَة وَلَا سآمة. قَالَت الْخَامِسَة: زَوجي إِن أكل لف، وَإِن شرب اشتف وَإِن اضْطجع التف، وَلَا يولج الْكَفّ ليعلم البث. قَالَت السَّادِسَة: زَوجي عياياء طباقاء كل دَاء لَهُ دَاء شجك أَو فلك، أَو جمع كلا لَك. قَالَت السَّابِعَة: زَوجي إِن دخل فَهد، وَإِن خرج أَسد، وَلَا يسْأَل عَمَّا عهد. قَالَت الثَّامِنَة: زَوجي الْمس مس أرنب، وَالرِّيح ريح زرنب. قَالَت التَّاسِعَة: زَوجي رفيع الْعِمَاد، طَوِيل النجاد، عَظِيم الرماد، قريب الْبَيْت من النادي. قَالَت الْعَاشِرَة: زَوجي مَالك وَمَا مَالك {مَالك خير من ذَلِك، لَهُ إبل قليلات المسارح كثيرات الْمُبَارك، إِذا سمعن صَوت المزهر أَيقَن أَنَّهُنَّ هوالك. قَالَت الْحَادِيَة عشرَة: زَوجي أَبُو زرع وَمَا أَبُو زرع} أنَاس من حلي أُذُنِي، وملأ من شَحم عضدي، وبجحني فبجحت إِلَى نَفسِي، وجدني فِي أهل غنيمَة بشق، فجعلني فِي أهل صَهِيل وأطيط، ودائس ومنق، وَعِنْده أَقُول فَلَا أقبح،
(4/50)

وأشرب فأتقنح، وأرقد فأتصبح. أم أبي زرع وَمَا أم أبي زرع {عكومها رداح، وبيتها فياح. ابْن أبي زرع وَمَا ابْن أبي زرع} كمسل شطبة، وتشبعه ذِرَاع الجفرة. بنت أبي زرع وَمَا بنت أبي زرع {طوع أَبِيهَا وطوع أمهَا وملء كسائها، وغيظ جارتها. جَارِيَة أبي زرع وَمَا جَارِيَة أبي زرع} لَا تبث حديثنا تبثيثاً وَلَا تنقث 372 ميرتنا تنقيثاً، وَلَا تملا بيتنا تعشيشاً. خرج أَبُو زرع والأوطاب تمخض، فلقي امْرَأَة مَعهَا ولدان لَهَا كالفهدين يلعبان من تَحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها، فنكحت بعده رجلا سرياً، ركب شرياً، وَأخذ خطياً، وأراح على نعما ثرياً. وَقَالَ: كلي أم زرع وميري أهلك، فَلَو جمعت كل شَيْء أعطانيه مَا بلغ أَصْغَر آنِية أبي زرع. قَالَت عَائِشَة: فَقَالَ لي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كنت لَك كَأبي زرع لأم زرع.
إِسْلَام قيلة
وَفِي حَدِيث قيلة حِين خرجت إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ عَم بناتها أَرَادَ أَن يَأْخُذ بناتها مِنْهَا. قَالَت: فَلَمَّا خرجت بَكت هنيهة مِنْهُنَّ وَهِي أصغرهن، حديباء كَانَت قد أَخَذتهَا الفرصة، عَلَيْهَا سبيج لَهَا من صوف فرحمتها فحملتها مَعهَا فَبينا هما
(4/51)

يرتكان، إِذْ تنفجت الأرنب. فَقَالَت الحديباء والقصية: وَالله لَا يزَال كعبك عَالِيا. قَالَت: وأدركني عمهن بِالسَّيْفِ، فأصابت ظبته طَائِفَة من قُرُون رأسيه. وَقَالَ: ألقِي إِلَيّ ابْنة أخي يَا دفار فألقيتها إِلَيْهِ، ثمَّ انْطَلَقت إِلَى أُخْت لي ناكح فِي بني شَيبَان أَبْتَغِي الصَّحَابَة إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَبَيْنَمَا أَنا عِنْدهَا لَيْلَة، تحسب عَيْني نَائِمَة، إِذْ دخل زَوجهَا من السامر، فَقَالَ: وَأَبِيك لقد أصبت لقيلة صَاحب صدق، حُرَيْث بن حسان الشَّيْبَانِيّ فَقَالَت أُخْتِي: الويل لي، لَا تخبرها فتتبع أَخا بكر بن وَائِل بَين سمع الأَرْض وبصرها، لَيْسَ مَعهَا رجل من قَومهَا. قَالَت: فصحبت صَاحب صدق، حَتَّى قدمنَا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَصليت مَعهَا الْغَدَاة حَتَّى إِذا طلعت الشَّمْس دَنَوْت، فَكنت إِذا رَأَيْت رجلا ذَا رواء أَو ذَا قشر طمح بَصرِي إِلَيْهِ، فجَاء رجل فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله. فَقَالَ: وَعَلَيْك السَّلَام. وَهُوَ قَاعد القرفصاء، وَعَلِيهِ أسمال مليتين، وَمَعَهُ عسيب نَخْلَة مقشور غير خوصتين من أَعْلَاهُ قَالَ: فَتقدم صَاحِبي يبايعه على الْإِسْلَام. ثمَّ قَالَ: يَا رَسُول الله، اكْتُبْ لي بالدهناء لَا يجاوزها من تَمِيم إِلَيْنَا إِلَّا مُسَافر أَو مجاور. فَقَالَ: يَا غُلَام؛ اكْتُبْ لَهُ قَالَت: فشخص بِي وَكَانَت وطني وداري فَقلت: يَا رَسُول الله، الدهناء مُقَيّد الْجمل، ومرعى الْغنم، وَهَذِه نسَاء بني تَمِيم وَرَاء ذَلِك. فَقَالَ: " صدقت المسكينة، الْمُسلم أَخُو الْمُسلم، يسعهما المَاء وَالشَّجر ويتعاونان على الفتان ". قَالَت: ثمَّ أَمر عَلَيْهِ السَّلَام فَكتب لي فِي قِطْعَة أَدَم أَحْمَر: لقيلة والنسوة وَبَنَات قيلة لَا يظلمن حَقًا وَلَا يُكْرهن على منكح، وكل مُؤمن مُسلم لَهُنَّ نصير، أحسن وَلَا تسئن. " وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ: أيلام ابْن هَذِه أَن يفصل الخطة، وينتصر من وَرَاء الْحُجْرَة. قَالَت: فَلَمَّا رأى حُرَيْث أَنه قد حيل دون كِتَابه صفق إِحْدَى يَدَيْهِ على الْأُخْرَى ثمَّ قَالَ: كنت أَنا وَأَنت كَمَا قَالَ الأول: حتفها حملت ضَأْن بأظلافها.
(4/52)

قَالَت: فَقلت: أما وَالله لقد كنت دَلِيلا فِي اللَّيْلَة الظلماء، جواداً لذِي الرحل، عفيفاً عَن الرفيقة، صَاحب صدق حَتَّى قدمنَا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ. على أَنِّي أسأَل حظي إِذا سَأَلت حظك. قَالَ: وَمَا حظك من الدهناء؟ لَا أَبَا لَك {} قَالَت: مُقَيّد جملي تسأله لجمل امْرَأَتك. قَالَ: أما إِنِّي أشهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ أَنِّي لَك أَخ مَا حييت إِذْ أثنيت هَذَا عَليّ عِنْده. قَالَت: إِذْ بدأتها فَإِنِّي لَا أضيعها. وقف الْمهْدي 373 وَقد حج على امْرَأَة من طَيء فَقَالَ: مِمَّن الْعَجُوز؟ قَالَت: من طَيء قَالَ: مَا منع طيئاً أَن يكون فِيهَا آخر مثل حَاتِم؟ قَالَت: الَّذِي منع الْعَرَب أَن يكون فِيهَا آخر مثلك. قَالُوا: سَارَتْ بَنو سعد إِلَى بكر بن وَائِل، وَكَانَت فيهم جَارِيَة عاشق فاكتلأت تنظر، فرأت رجلا معتجراً بشقة برد متنكباً قوسه فلاحت لَهَا صفحة الْقوس، فَأَنْبَهْت أَبَاهَا وَقَالَت: يَا أبه: إِنِّي رَأَيْت متن سيف أَو صفحة قَوس على مَوضِع السِّلَاح فِي الشمَال، من رجل أجلى الجبين براق الثنايا، كَأَن عمَامَته ملوية بشجرة. فَقَالَ: يَا بنيه، إِنِّي لأبغض الفتاة الكلوء الْعين. قَالَت: وَالله مَا كذبتك. فصاح فِي قومه فأنذرهم. فَقَالُوا: مَا نِيَّة ابْنَتك فِي هَذِه السَّاعَة. إِنَّهَا عاشقة، فاستحيا الشَّيْخ فَانْصَرف. فَقَالَت ابْنَته: ارتحل؛ فَإِن الْجَيْش مصبحك. وَوَقعت بَنو سعد ببكر بن وَائِل فَقتلُوا وملأوا أَيْديهم من السَّبي والغارة. قَالَ الْأَصْمَعِي: قيل لامْرَأَة: علام تمنعين زَوجك القضة؟ فَإِنَّهُ يعتل بك. فَقَالَت: كذب وَالله، إِنِّي لأطأطئ الوساد وأرخي اللباد.
رقية أعرابية
قَالَ بَعضهم: سَمِعت أعرابية بالحجاز ترقي رجلا من الْعين فَقَالَت: أُعِيذك بِكَلِمَات الله التَّامَّة، الَّتِي لَا تجوز عَلَيْهَا هَامة، من شَرّ الْجِنّ وَشر الْإِنْس عَامَّة، وَشر النظرة اللامة، أُعِيذك بمطلع الشَّمْس، من شَرّ ذِي مشي هَمس، وَشر ذِي نظر خلس، وَشر ذِي قَول دس، من شَرّ الحاسدين والحاسدات، والنافسين والنافسات، والكائدين والكائدات.
(4/53)

نشرت عَنْك بنشرة نشار، عَن رَأسك ذِي الْأَشْعَار، وَعَن عَيْنَيْك ذواتي الأشفار، وَعَن فِيك ذِي المحار، وظهرك ذِي الفقار، وبطنك ذِي الْأَسْرَار، وفرجك ذِي الأستار، ويديك ذواتي الْأَظْفَار، ورجليك ذواتي الْآثَار، وذيلك ذِي الْغُبَار، وعنك فضلا وَذَا إِزَار، وَعَن بَيْتك فرجا وَذَا أَسْتَار. رششت بِمَاء بَارِد نَارا، وعينين أشفاراً، وَكَانَ الله لَك جاراً.
مُعَاوِيَة وَسَوْدَة بنت عمَارَة
وفدت سَوْدَة بنت عمَارَة الهمدانية على مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهَا: مَا حَاجَتك؟ قَالَت: إِنَّك أَصبَحت للنَّاس سيداً، ولأمرهم مُتَقَلِّدًا، وَالله مسائلك عَن أمرنَا، وَمَا افْترض عَلَيْك من حَقنا، وَلَا يزَال يقدم علينا من ينوء بعزك، ويبطش بسلطانك، فيحصدنا حصد السنبل، ويدوسنا دوس الْبَقر، ويسومنا الخسيسة، ويسألنا الجليلة. هَذَا بسر بن أَرْطَاة قدم علينا من قبلك، فَقتل رجالي، وَأخذ مَالِي، يَقُول لي: قوهي بِمَا أستعصم الله مِنْهُ، وَأَلْجَأَ إِلَيْهِ فِيهِ، وَلَوْلَا الطَّاعَة لَكَانَ فِينَا عزة ومنعة؛ فإمَّا عزلته عَنَّا فشكرناك، وَإِمَّا لَا فعرفناك. قَالَ مُعَاوِيَة: أتهددينني بقومك؟ لقد هَمَمْت أَن أحملك على قتب أَشْرَس، فأردك إِلَيْهِ، ينفذ فِيك حكمه. فأطرقت تبْكي ثمَّ أنشأت تَقول: صلى الْإِلَه على جسم تضمنه ... قبر فَأصْبح فِيهِ الْعدْل مَدْفُونا قد حَالف الْحق لَا يَبْغِي بِهِ بَدَلا ... فَصَارَ بِالْحَقِّ وَالْإِيمَان مَقْرُونا قَالَ لَهَا: وَمن ذَاك؟ قَالَت: عَليّ بن أبي طَالب عَلَيْهِ السَّلَام. قَالَ: وَمَا صنع بك حَتَّى صَار عنْدك كَذَا؟ قَالَت: قدمت عَلَيْهِ فِي متصدق قدم علينا قبله، وَالله مَا كَانَ بيني وَبَينه إِلَّا مَا بَين 374 الغث والسمين، فَأتيت عليا عَلَيْهِ السَّلَام لأشكو إِلَيْهِ مَا صنع، فَوَجَدته قَائِما يُصَلِّي. فَلَمَّا نظر إِلَيّ انْفَتَلَ من صلَاته ثمَّ قَالَ لي برأفة وَتعطف: أَلَك حَاجَة؟ فَأَخْبَرته الْخَبَر. فَبكى ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّك أَنْت الشَّاهِد عَليّ وَعَلَيْهِم، إِنِّي لم آمُرهُم بظُلْم خلقك، وَلَا بترك حَقك. ثمَّ أخرج من جيبه قِطْعَة جلد كَهَيئَةِ طرف الجراب، فَكتب فِيهَا:
(4/54)

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " قد جاءتكم بَيِّنَة من ربكُم فأوفوا الْكَيْل وَالْمِيزَان " " وَلَا تبخسوا النَّاس أشياءهم وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين بقيت الله خير لكم إِن كُنْتُم مُؤمنين وَمَا أَنا عَلَيْكُم بحفيظ " إِذا قَرَأت كتابي فاحتفظ بِمَا فِي يَديك من عَملنَا حَتَّى يقدم عَلَيْك من يقبضهُ مِنْك وَالسَّلَام. فَأَخَذته مِنْهُ وَالله مَا خَتمه بطين وَلَا خزمه بخزام فَقَرَأته. فَقَالَ لَهَا مُعَاوِيَة: لقد لمظكم ابْن أبي طَالب الجرأة على السُّلْطَان فبطيئاً مَا تفطمون. ثمَّ قَالَ: اكتبوا لَهَا برد مَالهَا وَالْعدْل عَلَيْهَا. قَالَت: إِلَيّ خَاصَّة أم لقومي عَامَّة. قَالَ: مَا أَنْت وقومك. قَالَت: هِيَ وَالله إِذا الْفَحْشَاء واللؤم. إِن كَانَ عدلا شَامِلًا، وَإِلَّا فَأَنا كَسَائِر قومِي. قَالَ: اكتبوا لَهَا ولقومها.
مُعَاوِيَة والزرقاء بنت عدي
وأوفد مُعَاوِيَة الزَّرْقَاء بنت عدي بن غَالب فَقَالَ لَهَا: أَلَسْت راكبة الْجمل الْأَحْمَر يَوْم صفّين بَين صفّين، توقدين الْحَرْب، وتحضين على الْقِتَال؟ فَمَا حملك على ذَلِك؟ قَالَت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ إِنَّه قد مَاتَ الرَّأْس، وَبَقِي الذَّنب، والدهر ذُو غير، وَمن تفكر أبْصر، وَالْأَمر يحدث بعده الْأَمر قَالَ لَهَا: صدقت. فَهَل تحفظين كلامك يَوْم صفّين؟ قَالَت: مَا أحفظه قَالَ: وَلَكِنِّي وَالله أحفظه. لله أَبوك! لقد سَمِعتك تَقُولِينَ: أَيهَا النَّاس؛ إِنَّكُم فِي فتْنَة، غشتكم جلابيب الظُّلم، وجارت بكم عَن قصد المحجة، فيا لَهَا من فتْنَة عمياء صماء لَا يسمع لقائلها، وَلَا ينقاد لسائقها. أَيهَا النَّاس؛ إِن الْمِصْبَاح لَا يضيء فِي الشَّمْس، وَإِن الْكَوَاكِب لَا تقد فِي الْقَمَر، وَإِن الْبَغْل لَا يسْبق الْفرس، وَإِن الزف لَا يوازن الْحجر، وَلَا يقطع
(4/55)

الْحَدِيد إِلَّا الْحَدِيد أَلا من استرشدنا أرشدناه، وَمن استخبر أخبرناه، إِن الْحق كَانَ يطْلب ضالته، فصبراً يَا معشر الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، فَكَأَن قد اندمل شعب الشتات، والتأمت كلمة الْعدْل، وَغلب الْحق باطله، فَلَا يعجلن أحد فَيَقُول: كَيفَ وأنى. ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا. أَلا إِن خضاب النِّسَاء الْحِنَّاء، وخضاب الرِّجَال الدِّمَاء، وَالصَّبْر خير فِي الْأُمُور عواقباً إِلَى الْحَرْب قدماً غير ناكصين، فَهَذَا يَوْم لَهُ مَا بعده. ثمَّ قَالَ مُعَاوِيَة: وَالله يَا زرقاء لقد شركت عليا فِي كل دم سفكه، فَقَالَت: أحسن الله بشارتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وأدام سلامتك. مثلك من بشر بِخَير وسر جليسه. قَالَ لَهَا: وَقد سرك ذَلِك؟ قَالَت: نعم وَالله، لقد سرني قَوْلك فَأنى بِتَصْدِيق الْفِعْل؟ فَقَالَ مُعَاوِيَة: وَالله لوفاؤكم لَهُ بعد مَوته أحب إِلَيّ من حبكم لَهُ فِي حَيَاته.
مُعَاوِيَة وَأم الْخَيْر بنت الْحَرِيش
وأوفد أم الْخَيْر بنت الْحَرِيش البارقية فَقَالَ لَهَا: كَيفَ كَانَ كلامك يَوْم قتل عمار بن يَاسر؟ قَالَت: لم أكن وَالله رويته من قبل 375 وَلَا دونته بعد. وَإِنَّمَا كَانَت كَلِمَات نفثهن لساني حِين الصدمة. فَإِن شِئْت أَن أحدث لَك مقَالا غير ذَلِك فعلت. قَالَ: لَا أَشَاء ذَلِك. ثمَّ الْتفت إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ: أَيّكُم حفظ كَلَام أم الْخَيْر؟ قَالَ رجل من الْقَوْم: أَنا أحفظه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كحفظي سُورَة الْحَمد. قَالَ: هاته. قَالَ: نعم كَأَنِّي بهَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي ذَلِك الْيَوْم وَعَلَيْهَا برد زبيدي كثيف الْحَاشِيَة، وَهِي على جمل أرمك وَقد أحيط حولهَا وبيدها سَوط منتشر الضفيرة، وَهِي كالفحل يهدر فِي شقشقته، تَقول: " يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم إِن زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم ". إِن الله قد أوضح الْحق، وَأَبَان الدَّلِيل، وَنور السَّبِيل، وَرفع الْعلم؛ فَلم يدعكم فِي عمياء مُبْهمَة، وَلَا سَوْدَاء مدلهمة، فَإلَى أَيْن تُرِيدُونَ رحمكم الله؟ أفراراً عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ، أم فِرَارًا من الزَّحْف، أم رَغْبَة عَن الْإِسْلَام، أم ارْتِدَادًا عَن
(4/56)

الْحق؟ أما سَمِعْتُمْ الله عز وَجل يَقُول: " ولنبلونكم حَتَّى نعلم الْمُجَاهدين مِنْكُم وَالصَّابِرِينَ ونبلوا أخباركم. " ثمَّ رفعت رَأسهَا إِلَى السَّمَاء وَهِي تَقول: اللَّهُمَّ قد عيل الصَّبْر، وَضعف الْيَقِين، وانتشرت الرّعية، وبيدك يَا رب أزمة الْقُلُوب، فاجمع إِلَيْهِ كلمة التَّقْوَى، وَألف الْقُلُوب على الْهدى، واردد الْحق إِلَى أَهله هلموا رحمكم الله إِلَى الإِمَام الْعَادِل، وَالْوَصِيّ الوفي، وَالصديق الْأَكْبَر، إِنَّهَا إحن بدرية، وأحقاد جَاهِلِيَّة، وضغائن أحدية وثب بهَا مُعَاوِيَة حِين الْغَفْلَة، ليدرك بهَا ثَارَاتِ بني عبد شمس. ثمَّ قَالَت: " فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر إِنَّهُم لَا إِيمَان لَهُم لَعَلَّهُم ينتهون " صبرا معشر الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، قَاتلُوا على بَصِيرَة من ربكُم، وثبات من دينكُمْ؛ فَكَأَنِّي بكم غَدا قد لَقِيتُم أهل الشَّام كحمر مستنفرة فرت من قسورة، لَا تَدْرِي أَيْن يسْلك بهَا فِي فجاج الأَرْض باعوا الْآخِرَة بالدنيا، واشتروا الضَّلَالَة بِالْهدى، وَبَاعُوا البصيرة بالعمى. " وَعَما قَلِيل ليصبحن نادمين " تحل بهم الندامة فيطلبون الْإِقَالَة. إِنَّه وَالله من ضل عَن الْحق وَقع فِي الْبَاطِل، وَمن لم يسكن الْجنَّة نزل النَّار. أَيهَا النَّاس، إِن الأكياس استقصروا عمر الدُّنْيَا فرفضوها، واستبطئوا الْآخِرَة فسعوا لَهَا. وَالله أَيهَا النَّاس لَوْلَا أَن تبطل الْحُقُوق، وتعطل الْحُدُود، وَيظْهر الظَّالِمُونَ. وتقوى كلمة الشَّيْطَان، لما اخترنا وُرُود المنايا على خفض الْعَيْش وطيبه. فَإلَى أَيْن تُرِيدُونَ رحمكم الله؟ عَن ابْن عَم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، وَزوج ابْنَته، وَأبي ابنيه، خلق من طينته، وتفرع من نبعته، وَخَصه بسره، وَجعله بَاب مدينته، وَعلم الْمُسلمين وَأَبَان ببغضه الْمُنَافِقين. فَلم يزل كَذَلِك يُؤَيّدهُ الله عز وَجل بمعونته، وبمضي على سنَن استقامته، لَا يعرج لراحة الدَّار. هَا هُوَ مفلق الْهَام، ومكسر الْأَصْنَام، إِذْ صلى وَالنَّاس مشركون، وأطاع وَالنَّاس مرتابون، فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وَفرق جمع هوَازن. فيا لَهَا من وقائع زرعت فِي قُلُوب قوم نفَاقًا، وردة وشقاقاً. قد اجتهدت فِي القَوْل، وبالغت فِي النَّصِيحَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق 376 وَعَلَيْكُم السَّلَام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. فَقَالَ
(4/57)

مُعَاوِيَة: وَالله يَا أم الْخَيْر مَا أردْت بِهَذَا الْكَلَام إِلَّا قَتْلِي. وَوَاللَّه لَو قتلتك مَا حرجت فِي ذَلِك. قَالَت: وَالله مَا يسوءني يَا بن هِنْد أَن يجْرِي الله ذَلِك على يَدي من يسعدني بشقائه. قَالَ: هَيْهَات يَا كَثِيرَة الفضول: مَا تَقُولِينَ فِي عُثْمَان بن عَفَّان؟ قَالَت: وَمَا عَسَيْت أَن أَقُول فِيهِ؟ اسْتَخْلَفَهُ النَّاس وهم كَارِهُون، وقتلوه وهم راضون. فَقَالَ مُعَاوِيَة: إيهاً يَا أم الْخَيْر. هَذَا وَالله أوصلك الَّذِي تبنين عَلَيْهِ. قَالَت: " لَكِن الله يشْهد بِمَا أنزل إِلَيْك أنزلهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَة يشْهدُونَ وَكفى بِاللَّه شَهِيدا " مَا أردْت لعُثْمَان نقصا. وَلَقَد كَانَ سباقاً إِلَى الْخيرَات وَإنَّهُ لرفيع الدرجَة. قَالَ: فَمَا تَقُولِينَ فِي طَلْحَة بن عبيد الله؟ قَالَت: وَمَا عَسى أَن أَقُول فِي طَلْحَة؟ اغتيل من مأمنه، وَأتي من حَيْثُ لم يحذر. وَقد وعده رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْجنَّة. قَالَ: فَمَا تَقُولِينَ فِي الزبير؟ قَالَت: يَا هَذَا لَا تدعني كرجيع الضبع يعرك فِي المركن قَالَ: حَقًا لتقولين ذَلِك. وَقد عزمت عَلَيْك. قَالَت: وَمَا عَسَيْت أَن أَقُول فِي الزبير ابْن عمَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وحواريه؟ وَقد شهد لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ بِالْجنَّةِ. وَلَقَد كَانَ سباقاً إِلَى كل مكرمَة من الْإِسْلَام. وإنى أَسأَلك بِحَق الله يَا مُعَاوِيَة؛ فَأن قُريْشًا تحدث أَنَّك من أحلمها، فَأَنا أَسأَلك بِأَن تسعني بِفَضْلِك، وَأَن تعفيني من هَذِه الْمسَائِل. وامض لما شِئْت من غَيرهَا. قَالَ: نعم وكرامة قد أعفيتك، وردهَا مكرمَة إِلَى بَلَدهَا.
الجمانة بنت المُهَاجر وَابْن الزبير
ذكر أَن الجمانة بنت المهاجربن خَالِد بن الْوَلِيد نظرت إِلَى عبد الله بن الزبير وَهُوَ يرقى الْمِنْبَر، يخْطب بِالنَّاسِ فِي يَوْم جُمُعَة فَقَالَت حِين رَأَتْهُ رقى الْمِنْبَر: أيا نقار انقر. أما وَالله لَو كَانَ فَوْقه نجيب من بني أُميَّة، أَو صقر من بني مَخْزُوم لقَالَ الْمِنْبَر: طيق طيق. قَالَ: فأنمي كَلَامهَا إِلَى عبد الله بن الزبير، فَبعث إِلَيْهَا فَأتي بهَا فَقَالَ لَهَا: مَا الَّذِي بَلغنِي عَنْك بالكاع؟ قَالَت: الْحق أبلغت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ،
(4/58)

قَالَ: فَمَا حملك على ذَلِك؟ قَالَت: لَا تعدم الْحَسْنَاء ذاماً. والساخط لَيْسَ براض. وَمَعَ ذَلِك فَمَا عدوت فِيمَا قلت لَك أَن نسبتك إِلَى التَّوَاضُع وَالدّين، وعدوك إِلَى الْخُيَلَاء والطمع. وَلَئِن ذاقوا وبال أَمرهم لتحمدن عَاقِبَة شَأْنك، وَلَيْسَ من قَالَ فكذب كمن حدث وَصدق. وَأَنت بالتجاوز جدير، وَنحن للعفو أهل فاستر على الْحُرْمَة، تستتم النِّعْمَة، فوَاللَّه مَا يرفعك القَوْل وَلَا يضعك. وَإِن قُريْشًا لتعلم أَنَّك عابدها وشجاعها، وسنانها ولسانها، حاط الله لَك دنياك، وعصم أخراك، وألهمك شكر مَا أولاك. ذكر الْأَصْمَعِي عَن أبان بن تغلب قَالَ: خرجت فِي طلب الْكلأ، فانتهيت إِلَى مَاء من مياه كلب، وَإِذا أَعْرَابِي على ذَلِك المَاء وَمَعَهُ كتاب منشور يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِم، وَجعل يتوعدهم. فَقَالَت لَهُ أمه وَهِي فِي خبائها. وَكَانَت مقعدة كبرا: وَيلك! دَعْنِي من أساطيرك. لَا تحمل عُقُوبَتك على من لم يحمل عَلَيْك، وَلَا تتطاول على من لَا يَتَطَاوَل عَلَيْك. فَإنَّك لَا تَدْرِي مَا يقربك إِلَيْهِ حوادث الدهور، وَلَعَلَّ من صيرك إِلَى هَذَا الْيَوْم أَن يصير غَيْرك إِلَى مثله غَدا، فينتقم مِنْك أَكثر مِمَّا انتقمت 377 مِنْهُ، فَاكْفُفْ عَمَّا أسمع مِنْك ألم تسمع إِلَى قَول الأول: لَا تحقرن الْفَقِير علك أَن ... تركع يَوْمًا والدهر قد رَفعه
وَصِيَّة أعرابية
قَالَ مهْدي بن أبان: قلت لولادة العبدية - وَكَانَت من أَعقل النِّسَاء - إِنِّي أُرِيد الْحَج فأوصيني. قَالَت: أوجز فأبلغ، أم أطيل فأحكم. فَقلت: مَا شِئْت. قَالَت: جد تسد، واصبر تفز. قلت: أَيْضا. قَالَت: لَا يَتَعَدَّ غضبك حلمك، وَلَا هَوَاك علمك، وَفِي دينك بدنياك، وفر عرضك بعرضك، وتفضل تخْدم، واحلم تقدم. قلت: فَمن أستعين؟ قَالَت: الله. قلت: من النَّاس؟ قَالَت: الْجلد النشيط، والناصح الْأمين.
(4/59)

قلت: فَمن أستشير؟ قَالَت: المجرب الْكيس، أَو الأديب الصَّغِير. قلت: فَمن أستصحب؟ قَالَت: الصّديق الْمُسلم، أَو المداجي المتكرم. ثمَّ قَالَت: يَا أبتاه؛ إِنَّك تفد إِلَى ملك الْمُلُوك، فَانْظُر كَيفَ يكون مقامك بَين يَدَيْهِ.
حَدِيث أم معبد الْخُزَاعِيَّة
رُوِيَ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ خرج لَيْلَة هَاجر من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة أَبُو بكر رَحمَه الله وعامر بن فهَيْرَة ود \ لياهما اللَّيْثِيّ عبد لاله بن أريقط. فَمروا على خيمة أم معبد الْخُزَاعِيَّة. وَكَانَت امْرَأَة بَرزَة جلدَة تَحْتَبِيَ بِفنَاء الْكَعْبَة، ثمَّ تسقى وَتطعم - فَسَأَلُوهَا لَحْمًا وَتَمْرًا لِيَشْتَرُوهُ مِنْهَا، فَلم يُصِيبُوا عِنْدهَا شَيْئا من ذَلِك، وَكَانَ الْقَوْم مُرْمِلِينَ مسنين. فَنظر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى شَاة فِي كسر الْخَيْمَة. فَقَالَ: مَا هَذِه الشَّاة يَا أم معبد؟ قَالَت: شَاة خلفهَا الْجهد عَن الْغنم. قَالَ: هَل بهَا من لبن؟ قَالَت: هِيَ أجهد من ذَلِك. قَالَ: أَتَأْذَنِينَ أَن أَحْلَبَهَا. قَالَت: بِأبي وَأمي أَنْت نعم: إِن رَأَيْت بهَا حَلبًا فاحلبها، فَدَعَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالشَّاة فَمسح ضرْعهَا، وسمى الله ودعا لَهَا فِي شَاتِهَا، فتفاجت عَلَيْهِ وَدرت وأخترت ودعا بِإِنَاء يربض الرَّهْط فَحلبَ فِيهِ ثَجًّا حَتَّى غَلبه الثمال، ثمَّ سَقَاهَا حَتَّى رويت، وَسَقَى أَصْحَابه حَتَّى رووا، ثمَّ شرب آخِرهم، وَقَالَ: ساقي الْقَوْم آخِرهم شربا. فشربواجميعا عللا بهدنهل، ثمَّ أراضوا، ثمَّ حلب فِيهِ ثَانِيًا عودا على بَدْء حَتَّى مَلأ الْإِنَاء، ثمَّ غَادَرَهُ عِنْدهَا وبايعها وَارْتَحَلُوا عَنْهَا. فَقل مَا لَبِثت حَتَّى جَاءَ زَوجهَا أَبُو معبد يَسُوق أَعْنُزًا حيلا عِجَافًا تساوك هزالًا، محهن قَلِيل وَلَا نقا بِهن فَلَمَّا رأى أَبُو معبد اللَّبن عجب وَقَالَ: من أَيْن هَذَا يَا أم معبد؟ وَالشَّاء عازبة حِيَال، وَلَا حلوبة فِي الْبَيْت. فَقَالَت: لَا وَالله، إِلَّا أَنه مر بِنَا رجل مبارك كَانَ من حَدِيثه كَيْت وَكَيْت. قَالَ: صَفِيَّة لي يَا أم معبد، فَقَالَت: رَأَيْت رجلا ظَاهر الْوَضَاءَة أَبْلَج الْوَجْه، حسن الْخلق، لم تَعبه ثجلة وَلم
(4/60)

تزر بِهِ صَلْعَةٌ، وسيما قسيما فِي عَيْنَيْهِ دعجٌ، وَفِي أَشْفَاره وَطف وَفِي صَوته صَحِلَ، وَفِي عُنُقه سَطَعَ وَفِي لحيته كَثَافَة، أحور أكحل، أَزجّ أقرن، إِن صمت فَعَلَيهِ الْوَقار، وَأَن تكلم سما وعلاه الْبَهَاء، أجمل النَّاس وَأَبْهَاهُ من بعيد، وأحلاه وَأحسنه من قريب، حُلْو الْمنطق، فصل لَا نزر وَلَا هذر، كَأَن مَنْطِقه خَرَزَات نظم تتحدرن: ربعَة لَا تشنؤه من طول، وَلَا تَقْتَحِمُهُ الْعين من قصر، غُصْن بَين غُصْنَيْنِ، فَهُوَ أَنْضَرُ الثَّلَاثَة منْظرًا وَأَحْسَنهمْ قدرا لَهُ، رُفَقَاء يحفونَ بِهِ، إِن قَالَ أَنْصتُوا لقَوْله، وَإِن أَمر تبَادرُوا إِلَى أمره، مَحْفُودٌ محشود لَا عَابس وَلَا مُفند. صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ أَبُو معبد: هُوَ وَالله صَاحب قُرَيْش الَّذِي ذكر لنا من أمره بِمَكَّة مَا ذكر. وَلَو كنت وافقته لالتمست صحبته، وَلَأَفْعَلَن إِن وجدت إِلَى ذَلِك سَبِيلا.
وَصِيَّة أُخْرَى لأعرابية
قَالَ أبان بن تغلب: سَمِعت امْرَأَة توصي ابْنا لَهَا وَأَرَادَ سفرا فَقَالَت: أَي بني، أوصيك بتقوى الله، فَإِن قَلِيله أجدى عَلَيْك من كثير عقلك، وَإِيَّاك والنمائم. فَإِنَّهَا تورث الضغائن، وتفرق بَين المحبين؛ وَمثل لنَفسك مِثَال مَا تستحسن لغيرك ثمَّ اتَّخذهُ إِمَامًا، وَمَا تستقبح من غَيْرك فاجتنبه، وَإِيَّاك والتعرض للعيوب فَتَصِير نَفسك غَرضا، وخليق أَلا يلبث الْغَرَض على كَثْرَة السِّهَام، وَإِيَّاك وَالْبخل بِمَالك، والجود بِدينِك. فَقَالَت أعرابية مَعهَا: أَسأَلك إِلَّا زِدْته يَا فُلَانَة فِي وصيتك قَالَت: أَي وَالله؛ والغدر أقبح مَا يُعَامل بِهِ الإخوان، وَكفى بِالْوَفَاءِ جَامعا لما تشَتت من الإخاء وَمن جمع الْعلم والسخاء فقد استجاد الْحلَّة، والفجور أقبح خلة وَأبقى عاراً.
وصف امْرَأَة عُرْوَة لَهُ
قَامَت امْرَأَة عُرْوَة بن الْورْد الْعَبْسِي بعد أَن طَلقهَا فِي النادي فَقَالَت: أما إِنَّك
(4/61)

وَالله الضحوك مُقبلا، السُّكُوت مُدبرا، خَفِيف على ظهر الْفرس، ثقيل على متن الْعَدو، رفيع الْعِمَاد، كثير الرماد، ترضي الْأَهْل والجانب. قَالَ: فَتَزَوجهَا رجل بعده فَقَالَ: أثني عَليّ كَمَا أثنيت عَلَيْهِ. قَالَت: لَا تحوجني إِلَى ذَلِك فَإِنِّي إِن قلت قلت حَقًا فَأبى، فَقَالَت: إِن أكلك لاقتفاف وَإِن شربك لاشتفاف، وَإنَّك لتنام لَيْلَة تخَاف، وتشبع لَيْلَة تُضَاف.
وصف نسَاء لبناتهن ووصاياهن لَهُنَّ
بعث النُّعْمَان بن امْرِئ الْقَيْس بن عَمْرو بن عدي بن نصر إِلَى نسْوَة من الْعَرَب مِنْهُنَّ فَاطِمَة بنت الخرشب وَهِي من بني أَنْمَار بن بغيض، وَهِي أم الرّبيع بن زِيَاد وَإِخْوَته، وَإِلَى قيلة بنت الحسحاس الأَسدِية وَهِي أم خَالِد بن صَخْر بن الشريد، وَإِلَى تماضر بنت الشريد، وَهِي أم قيس بن زُهَيْر وَإِخْوَته كلهم، وَإِلَى الرواع النمرية، وَهِي أم يزِيد بن الصَّعق فَلَمَّا اجْتَمعْنَ عِنْده. قَالَ: إِنِّي قد أخْبرت بكن، وَأَرَدْت أَن أنكح إلَيْكُنَّ فأخبرنني عَن بناتكن. فَقَالَت: فَاطِمَة عِنْدِي الفتخاء العجزاء، أصفى من المَاء، وأرق من الْهَوَاء، وَأحسن من السَّمَاء. وَقَالَت تماضر: عِنْدِي مُنْتَهى الوصاف، دفيئة اللحاف، قَليلَة الْخلاف. وَقَالَت الرواع: عِنْدِي الحلوة الجهمة، لم تلدها أمة. وَقَالَت قيلة: عِنْدِي مَا يجمع صفاتهن وَفِي ابْنَتي مَا لَيْسَ فِي بناتهن. فَتزَوج إلَيْهِنَّ جَمِيعًا فَلَمَّا أهدين إِلَيْهِ دخل على ابْنة الأنمارية فَقَالَ: مَا أوصتك بِهِ أمك؟ قَالَت: قَالَت لي: عطري جِلْدك، وأطيعي زَوجك، واجعلي المَاء آخرطيبك. ثمَّ دخل على ابْنة السلمِيَّة فَقَالَ: مَا أوصتك بِهِ أمك؟ قَالَت: قَالَت لي: لَا تجلسي بالفناء، وَلَا تكثري من المراء، واعلمي أَن أطيب الطّيب المَاء. ثمَّ دخل على ابْنة النمرية فَقَالَ: مَا أوصتك بِهِ أمك؟ قَالَت: قَالَت لي: لَا تطاوعي زَوجك فتمليه، وَلَا تعاصيه فتشكعيه، واصدقيه الصغار، واجعلي آخر طيبك المَاء.
(4/62)

ثمَّ دخل على ابْنة الأَسدِية فَقَالَ: مَا أوصتك بِهِ أمك؟ قَالَت: قَالَت لي: أدنى سترك، وأكرمي زَوجك، واجتنبي الإباء، واستنظفي بِالْمَاءِ.
وصف أَرْبَعَة رجال لنسائهن
وَكَانَت امْرَأَة من الْعَرَب عِنْد رجل فَولدت لَهُ أَوْلَادًا أَرْبَعَة رجَالًا ثمَّ هلك عَنْهَا زَوجهَا فَتزوّجت بعده، فنأى بهَا زَوجهَا عَن بنيها وَتَزَوَّجُوا بعْدهَا ثمَّ إِنَّهَا لقيتهم فَقَالَت: يَا بني، إِنِّي سألتكم عَن نِسَائِكُم فَأَخْبرُونِي عَنْهُن. قَالُوا: نَفْعل. فَقَالَت: لأَحَدهم أَخْبرنِي عَن امْرَأَتك. فَقَالَ: غل فِي وثاق، وَخلق لَا يُطَاق، حرمت وفاقها، ومنعت طَلاقهَا. وَقَالَت للثَّانِي: كَيفَ وجدت امْرَأَتك؟ قَالَ حسن رائع، وَبَيت ضائع، وضيف جَائِع. وَقَالَت للثَّالِث: كَيفَ وجدت امْرَأَتك؟ قَالَ: دلّ لَا يقلى، وَلَذَّة لَا تقضى وَعجب لَا يفنى، وَفَرح مضل أصَاب ضالته وريح رَوْضَة أَصَابَت ربابها. قَالَت: فَهَلا أصف لكم كَيفَ وجدت زَوجي. قَالُوا: بلَى، قَالَت: حيل ظغينة، وَلَيْث عرينة، وظل صَخْر وَجوَار بَحر. كَانَت حميدة بنت النُّعْمَان بن بشير بن سعد تَحت روح بن زنباع فَنظر إِلَيْهَا يَوْمًا تنظر إِلَى قومه جذام وَقد اجْتَمعُوا عِنْده فلامها. فَقَالَت: وَهل أرى إِلَى جذاماً؟ فوَاللَّه مَا أحب الْحَلَال مِنْهُم فَكيف الْحَرَام. قَالَت الجمانة بنت قيس بن زُهَيْر الْعَبْسِي لأَبِيهَا لما شَرق مَا بَينه وَبَين الرّبيع بن زِيَاد فِي الدرْع: دَعْنِي أناظر جدي، فَإِن صلح الْأَمر بَيْنكُمَا، وَإِلَّا كنت من وَرَاء رَأْيك. فَأذن لَهَا: فَأَتَت الرّبيع فَقَالَت: إِن كَانَ قيس أبي فَإنَّك يَا ربيع جدي، وَمَا يجب لَهُ من حق الْأُبُوَّة عَليّ إِلَّا كَالَّذي يجب عَلَيْك من حق النُّبُوَّة لي. والرأي الصَّحِيح تبعثه الْعِنَايَة، وتجلي عَن محضه النَّصِيحَة. إِنَّك قد ظلمت قيسا بِأخذ درعه، ولأجد مكافأته إياك سوء غرمه، والمعارض منتصر، والبادي أظلم، وَلَيْسَ قيس مِمَّن يخوف بالوعيد وَلَا يردعه التهديد، فَلَا تركنن إِلَى منابذته، فالحزم فِي متاركته، وَالْحَرب متلفة للعباد، ذهابة بالطارف والتلاد، وَالسّلم أرْخى للبال،
(4/63)

وَأبقى لأنفس الرِّجَال. وبحق أَقُول. لقد صدعت بِحكم، وَمَا يدْفع قولي إِلَّا غير ذِي فهم. وَقَالَ الْمَدَائِنِي: لما أهديت بنت عقيل بن علفة إِلَى الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان بعث مولاة لَهُ لتأتيه بخبرها قبل أَن يدْخل بهَا، فأتتها فَلم تَأذن لَهَا، أَو كلمتها فأحفظتها فهشمت أنفها، فَرَجَعت إِلَيْهَا فَأَخْبَرته، فَغَضب من ذَلِك، فَلَمَّا دخل عَلَيْهَا قَالَ: مَا أردْت إِلَى عجوزنا هَذِه؟ قَالَت: أردْت وَالله إِن كَانَ خيرا أَن تكون أول من لَقِي بهجته، وَإِن كَانَ شرا أَن تكون أَحَق من ستره. لما انهزم النَّاس عَن الْمُخْتَار مر أَبُو محجن الثَّقَفِيّ بِأمة وَاسْمهَا دومة فَقَالَ: يَا دومة ارْتَدَّ فِي حلفي. قَالَت: وَالله لَئِن يأخذني هَؤُلَاءِ أحب إِلَيّ من أَن أرى خَلفك. كَانَت رقاش بنت عَمْرو عِنْد كَعْب بن مَالك فَقَالَ لَهَا يَوْمًا: اخلعي درعك قَالَت: خلع الدرْع بيد الزَّوْج. قَالَ: اخلعيه لأنظر إِلَيْك قَالَت: التجرد لغير نِكَاح مثلَة. كَانَ تَمِيم الدَّارِيّ يَبِيع الْعطر فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ من لخم، فَخَطب أَسمَاء بنت أبي بكر فِي جاهليته فماكسهم فِي الْمهْر فَلم يزوجوه. فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام جَاءَ بعطر يَبِيعهُ فساومته أَسمَاء فماكسها فَقَالَت لَهُ: طالما ضرك مكاسك، فَلَمَّا عرفهَا استحيا وسامحها فِي بَيْعه. أرسل مسلمة بن عبد الْملك إِلَى هِنْد بنت الْمُهلب وخطبها على نَفسه، فَقَالَت لرَسُوله: وَالله لَو أَحْيَا من قتل من أهل بَيْتِي وموالي مَا طابت نَفسِي بتزويجه بل كَيفَ يأمنني على نَفسه، وَأَنا أذكر مَا كَانَ مِنْهُ وثأري عِنْده. لقد كَانَ صَاحبك يُوصف بِغَيْر هَذَا فِي رَأْيه. وخطب عبد الْملك بن مَرْوَان رَملَة بنت الزبير بن الْعَوام فَردته وَقَالَت لرَسُوله: إِنِّي لَا آمن نَفسِي على من قتل أخي. وَكَانَت أُخْت مُصعب لأمه. كَانَت أمهما الْكَلْبِيَّة.
(4/64)

من قَول ذَات النطاقين لابنها
دخل عبد الله بن الزبير على أمه أَسمَاء بنت أبي بكر فِي الْيَوْم الَّذِي قتل فِيهِ، فَقَالَ: يَا أمة؛ خذلني النَّاس حَتَّى أَهلِي وَوَلَدي وَلم يبْق معي إِلَّا الْيَسِير وَمن لَا دفع عِنْده أَكثر من صَبر سَاعَة من النَّهَار. وَقد أَعْطَانِي الْقَوْم مَا أردْت من الدُّنْيَا فَمَا رَأْيك؟ قَالَت: إِن كنت على حق تَدْعُو إِلَيْهِ فَامْضِ عَلَيْهِ، فقد قتل عَلَيْهِ أَصْحَابك، وَلَا تمكن من رقبتك غلْمَان بني أُميَّة فيتلعبوا بك. وَإِن قلت: إِنِّي كنت على حق فَلَمَّا وَهن أَصْحَابِي ضعفت نيتي فَلَيْسَ هَذَا فعل الْأَحْرَار، وَلَا فعل من فِيهِ خير، كم خلودك فِي الدُّنْيَا؟ الْقَتْل أحسن مَا تقع بِهِ يَا بن الزبير. وَالله لضربة بِالسَّيْفِ فِي عز أحب إِلَيّ من ضَرْبَة بِسَوْط فِي ذل. قَالَ لَهَا: هَذَا وَالله رَأْيِي، وَالَّذِي قُمْت بِهِ دَاعيا إِلَى الله. وَالله مَا دَعَاني إِلَى الْخُرُوج إِلَّا الْغَضَب لله عز وَجل أَن تهتك مَحَارمه. وَلَكِنِّي أَحْبَبْت أَن أطلع رَأْيك فيزيدني قُوَّة وبصيرة مَعَ قوتي وبصيرتي. وَالله مَا تَعَمّدت إتْيَان مُنكر وَلَا عملا بِفَاحِشَة، وَلم أجر فِي حكم، وَلم أغدر فِي أَمَان، وَلم يبلغنِي عَن عمالي فرضيت بِهِ. بل أنْكرت ذَلِك وَلم يكن شَيْء عِنْدِي آثر من رضَا رَبِّي. اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أَقُول ذَلِك تَزْكِيَة لنَفْسي، وَلَكِن أقوله تَعْزِيَة لأمي لتسلو عني. قَالَت لَهُ: وَالله إِنِّي لأرجو أَن يكون عزائي فِيك حسنا بعد أَن تقدمتني أَو تقدمتك، فَإِن فِي نَفسِي مِنْك حرجاً حَتَّى أنظر إِلَى مَا يصير أَمرك. ثمَّ قَالَت: اللَّهُمَّ ارْحَمْ طول ذَاك النحيب والظمأ فِي هواجر الْمَدِينَة وَمَكَّة وبره بِأُمِّهِ. اللَّهُمَّ إِنِّي قد سلمت فِيهِ لأمرك، ورضيت فِيهِ بِقَضَائِك، فاثبني فِي عبد الله ثَوَاب الشَّاكِرِينَ. فودعها وَقَالَ: يَا أمه لَا تَدعِي الدُّعَاء لي قبل قَتْلِي وَلَا بعده. قَالَت: لن أَدَعهُ لَك. فَمن قتل على بَاطِل فقد قتلت على حق. فَخرج وَهُوَ يَقُول: فلست بمبتاع الْحَيَاة بسبة ... وَلَا مرتق من خشيَة الْمَوْت سلما وَقَالَ لأَصْحَابه: احملوا على بركَة الله. وَحَارب حَتَّى قتل.
(4/65)

وَرُوِيَ أَنه دخل على أمه أَسمَاء وَهِي عليلة، فَقَالَ: يَا أمه. إِن فِي الْمَوْت لراحة. فَقَالَت: يَا بني؛ لَعَلَّك تتمنى موتِي. فوَاللَّه مَا أحب أَن أَمُوت حَتَّى تَأتي على أحد طرفيك؛ فإمَّا أَن تظفر بعدوك فتقر عَيْني وَإِمَّا أَن تقتل فأحتسبك. قَالَ: فَالْتَفت إِلَى أَخِيه عُرْوَة وَضحك. فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَة الَّتِي قتل فِي صبيحتها دخل فِي السحر 381 عَلَيْهَا فشاورها، فَقَالَت: يَا بني لَا تجيبن إِلَّا خطة تخَاف على نَفسك الْقَتْل. قَالَ: إِنَّمَا أَخَاف أَن يمثلوا بِي. قَالَت: يَا بني؛ إِن الشَّاة لَا تألم السلخ بعد الذّبْح. خطب عمرَان بن مُوسَى بن طَلْحَة هِنْد بنت أَسمَاء بن خَارِجَة الْفَزارِيّ فَردته، وَأرْسلت إِلَيْهِ: إِنِّي وَالله مَا بِي عَنْك رَغْبَة، وَلَكِن لَيْسَ زَوجي إِلَّا من لَا يُؤَدِّي قتلاه وَلَا يرد قَضَاؤُهُ، وَلَيْسَ ذَلِك عنْدك.
الْحسن بن عَليّ وَإِحْدَى زَوْجَاته
حجت أم حبيب بنت عبد الله بن الْأَهْتَم فَبعث إِلَيْهَا الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب عَلَيْهِمَا السَّلَام فَخَطَبَهَا، فَقَالَت: إِنِّي لم آتٍ هَذَا الْبَلَد للتزويج، وَإِنَّمَا جِئْت لزيارة هَذَا الْبَيْت فَإِذا قدمت بلدي وَكَانَت لَك حَاجَة فشأنك. قَالَ: فازداد فِيهَا رَغْبَة، فَلَمَّا صَارَت إِلَى الْبَصْرَة أرسل إِلَيْهَا فَخَطَبَهَا، فَقَالَ إخوتها: إِنَّهَا امْرَأَة لَا يفتات على مثلهَا بِرَأْي، وأتوها فأخبروها الْخَبَر، فَقَالَت: إِن تزَوجنِي على حكمي أَجَبْته. فأدوا ذَلِك إِلَيْهِ فَقَالَ: امْرَأَة من تَمِيم، أَتَزَوَّجهَا على حكمهَا. ثمَّ قَالَ: وَمَا عَسى أَن يبلغ حكمهَا لَهَا؟ قَالَ: فَأَعْطَاهَا ذَلِك. فَقَالَت: قد حكمت بِصَدَاق أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَبنَاته، اثْنَي عشر أُوقِيَّة من الْفضة. فَتَزَوجهَا على ذَلِك، وَأهْدى لَهَا مائَة ألف دِرْهَم. فَجَاءَت إِلَيْهِ فَبنى بهَا فِي لَيْلَة قائظة على سطح لَا حظار عَلَيْهِ، فَلَمَّا غلبته عينه أخذت خمارها فشدته فِي رجله، وشدت الطّرف الآخر فِي رجلهَا. فَلَمَّا انتبه من نَومه رأى الْخمار فِي رجله. فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَت: أَنا على سطح لَيْسَ عَلَيْهِ حظار، وَمَعِي فِي الدَّار ضرائر، وَلم آمن عَلَيْك وَسن النّوم، فَفعلت هَذَا حَتَّى إِذا تحركت تحركت مَعَك. قَالَ: فازداد فِيهَا رَغْبَة، وَبهَا عجبا.
(4/66)

ثمَّ لم يلبث أَن مَاتَ عَنْهَا فكلموها فِي الصُّلْح عَن مِيرَاثه. فَقَالَت: مَا كنت لآخذ لَهُ مِيرَاثا أبدا، وَخرجت إِلَى الْبَصْرَة، فَبعث إِلَيْهَا نفر يخطبونها مِنْهُم يزِيد بن مُعَاوِيَة - لَعنه الله - وَعبد الله بن الزبير وَسَعِيد بن الْعَاصِ وَعبد الله بن عَامر فَأَتَاهَا إخوتها فَقَالُوا لَهَا: هَذَا ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَهَذَا ابْن عمَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، وَهَذَا ابْن حواريه، وَهَذَا ابْن عَامر أَمِير الْبَصْرَة. اخْتَارِي من شِئْت مِنْهُم. قَالَ: فردتهم جَمِيعًا. وَقَالَت: مَا كنت لأتخذ حماً بعد ابْن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ.
ابْن زِيَاد وخارجية
وَقَالَ الْمَدَائِنِي: أَتَى عبيد الله بن زِيَاد بِامْرَأَة من الْخَوَارِج، فَقطع رجلهَا وَقَالَ لَهَا: كَيفَ تَرين؟ فَقَالَت: إِن فِي الْفِكر فِي هول المطلع لشغلاً عَن حديدتكم هَذِه. ثمَّ قطع رجلهَا الْأُخْرَى وجذبها، فَوضعت يَدهَا على فرجهَا. فَقَالَ: إِنَّك لتسترينه. فَقَالَت: لَكِن سميَّة أمك لم تكن تستره قَالَ الْمهْدي للخيزران أم مُوسَى وَهَارُون ابنيه: إِن مُوسَى ابْنك يتيه أَن يسألني حَوَائِجه. قَالَت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ألم تَكُ أَنْت فِي حَيَاة الْمَنْصُور لَا تبتدئه بحوائجك، وتحب أَن يبتدئك هُوَ؟ فموسى ابْنك كَذَلِك يحب مِنْك. قَالَ: لَا، وَلَكِن التيه يمنعهُ. قَالَت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ فَمن أَيْن أَتَاهُ التيه؟ أَمن قبلي أم قبلك؟
حِكَايَة مَعَ أعرابية
رُوِيَ عَن بَعضهم أَنه قَالَ: بَينا أَنا ذَات يَوْم بالبادية، فَخرجت فِي بعض اللَّيَالِي فِي الظُّلم، فَإِذا أَنا بِجَارِيَة كَأَنَّهَا علم، فأردتها على نَفسهَا فَقَالَت: وَيحك {أما لَا زاجر من عقل إِذْ لم يكن لَك ناه من دين؟ قلت لَهَا: وَالله مَا يَرَانَا شَيْء إِلَّا الْكَوَاكِب. قَالَت: وَيحك. وَأَيْنَ مكوكبها؟} 382 قَالَ الجاحظ: لما مَاتَ رَقَبَة بن مصقلة أوصى إِلَى رجل وَدفع إِلَيْهِ شَيْئا. فَقَالَ: ادفعه إِلَى أُخْتِي. فَسَأَلَ الرجل عَنْهَا فَخرجت إِلَيْهِ فَقَالَ لَهَا: أحضريني شَاهِدين يَشْهَدَانِ أَنَّك أُخْته. فَأرْسلت جاريتها إِلَى الإِمَام والمؤذن ليشهدا لَهَا. واستندت إِلَى الْحَائِط فَقَالَت: الْحَمد لله الَّذِي أبرز وَجْهي، وأنطق عني، وَشهر
(4/67)

بالفاقة اسْمِي. فَقَالَ الرجل: شهِدت أَنَّك أُخْته حَقًا. وَدفع الدَّنَانِير إِلَيْهَا، وَلم يحْتَج إِلَى شَهَادَة من يشْهد لَهَا. خطب سعيد بن الْعَاصِ عَائِشَة بنت عُثْمَان. فَقَالَت: لَا أَتزوّج بِهِ وَالله أبدا، فَقيل لَهَا: وَلم ذَلِك؟ قَالَت: لِأَنَّهُ أَحمَق، لَهُ برذونان أشبهان، فَهُوَ يتَحَمَّل مؤونة اثْنَيْنِ واللون وَاحِد. ذكر رجل من قُرَيْش سوء خلق امْرَأَته بَين يَدي جَارِيَة لَهُ كَانَ يتحظاها فَقَالَت لَهُ: إِنَّمَا حظوظ الْإِمَاء لسوء خلائق الْحَرَائِر.
هِنْد بنت أَسمَاء تدافع عَن أَخِيهَا
اخْتلف الْحجَّاج وَهِنْد بنت أَسمَاء بن خَارِجَة فِي بَنَات قين، فَبعث إِلَى مَالك بن أَسمَاء فَأخْرجهُ من الْحَبْس، وَسَأَلَهُ عَن الحَدِيث فحدثه ثمَّ أقبل على هِنْد. فَقَالَ لَهَا: قومِي إِلَى أَخِيك. فَقَالَت: لَا أقوم إِلَيْهِ وَأَنت ساخط عَلَيْهِ. فَأقبل الْحجَّاج على مَالك فَقَالَ: إِنَّك وَالله - مَا علمت - للخائن لأمانته، اللَّئِيم حَسبه، الزَّانِي فرجه. فَقَالَت هِنْد: إِن أذن الْأَمِير تَكَلَّمت. فَقَالَ: تكلمي. فَقَالَت: أما قَول الْأَمِير: الزَّانِي فرجه، فوَاللَّه لَهو أَحْقَر عِنْد الله وأصغر فِي عين الْأَمِير من أَن يجب لله عَلَيْهِ حد فَلَا يقيمه. وَأما قَول الْأَمِير: اللَّئِيم حَسبه فوَاللَّه لَو علم مَكَان رجل أشرف مِنْهُ لصاهر إِلَيْهِ. وَأما قَوْله: الخائن أَمَانَته. فوَاللَّه لقد ولاه الْأَمِير فوفر، فَأَخذه بِمَا أَخذ بِهِ فَبَاعَ من وَرَاء ظَهره. وَلَو ملك الدُّنْيَا بأسرها لافتدى بهَا من هَذَا الْكَلَام. أَتَى الْبرد على زرع عَجُوز بالبادية، فأخرجت رَأسهَا من الخباء وَنظرت إِلَى الزَّرْع قد احْتَرَقَ فَقَالَت - وَرفعت رَأسهَا إِلَى السَّمَاء -: اصْنَع مَا شِئْت فَإِن رِزْقِي عَلَيْك. قيل لرابعة: إِن التَّزَوُّج فرض الله عز وَجل فَلم لَا تتزوجين؟ فَقَالَت: فرض الله قطعني عَن فَرْضه.
(4/68)

عَاتِكَة بنت زيد وَمَوْت أزواجها
كَانَت عَاتِكَة بنت زيد بن عَمْرو بن نفَيْل عِنْد عبد الله بن أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ فَقتل عَنْهَا، فخلف عَلَيْهَا عمر بن الْخطاب فَقتل عَنْهَا، فخلف عَلَيْهَا الزبير، فَقتل، فخلف عَلَيْهَا مُحَمَّد بن أبي بكر فَقتل. فَقَالَ عبد الله بن عمر: من سره الشَّهَادَة فليتزوج عَاتِكَة. فبلغها ذَلِك فَقَالَت: من سره أَن يكون بَيْضَة الْبَلَد، حُبْلَى لَا تطير وَلَا تَلد فَلْيَكُن كَعبد الله. فَبلغ ذَلِك عبد الله بن جَعْفَر الطيار فَضَحِك وَقَالَ: مَا هُوَ كَمَا قَالَت إِنَّه لمصباح بلد، وَابْن كَهْف الْإِسْلَام. وَقد رُوِيَ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ كرم الله وَجهه أَنه قَالَ: من اشتاق إِلَى الشَّهَادَة فليتزوج عَاتِكَة. وَقد رُوِيَ أَنه رَضِي الله عَنهُ خطبهَا فَقَالَت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا أرب بك عَن الْقَتْل. كَانَ عَمْرو أحد بني كَاهِل يَغْزُو فهما فَيُصِيب مِنْهُم فوضعوا لَهُ رصداً على المَاء فَأَخَذُوهُ فَقَتَلُوهُ. ثمَّ مروا بأخته جنوب فَقَالُوا: إِنَّا طلبنا عمرا أَخَاك. قَالَت: لَئِن طلبتموه لتجدنه منيعاً، وَلَئِن ضفتموه لتجدنه مريعاً، وَلَئِن دعوتموه لتجدنه سَرِيعا. قَالُوا: قد أخذناه وقتلناه وَهَذَا سلبه. قَالَت: لَئِن سلبتموه لتجدون ثنته 383 وافية، لَا حجزته جافية وَلَا ضالته كافئة. ولرب ثدي مِنْكُم قد افترشه وَنهب قد اقترشه، وضب قد احترسه.
استعداء امْرَأَة على زَوجهَا
زوج رجل من بني أَسد بِنْتا لَهُ تدعى أم مَالك من ابْن أَخ لَهُ يدعى مرّة بن الْجَعْد، كَانَ شرطا من الرِّجَال دميماً، فجامحته وانسلت بِاللَّيْلِ، فَوَافَقت الْمَدِينَة تستعدي حسن بن زيد الْعلوِي على أَبِيهَا. فَلَمَّا وقفت بَين يَدَيْهِ نادت: إِنَّا بِاللَّه وَبِك يَا بن رَسُول الله، قد جَاوَزت إِلَيْك مخاوف، وَقطعت نتائف. أنتعل
(4/69)

الحفى، وأحتمل الوجى عائذة بِاللَّه وَبِك من وَالِد مغبون، وقرين مأفون، شراني بأوكس الْأَثْمَان، وعكسني بدار مذلة وهوان، من زوج كَأَنَّهُ كلب مصرور، على جيفة مَمْطُور، فِي يَوْم صر مقرور، قد شرد بغضه نوم الجفون واستجلب قلاه مَاء الشئون. فالنوم موثق، والدمع مُطلق، إِذا استجم الدمع أفاضته أحزانها، وَإِذا فاض وكف بأسجانها. نؤمل من عدلك مَا نشر الله بِهِ حسن الظَّن بك، فآنسها فِي الوحشة وأطمعها فِي الإنجاح، ثمَّ أنشدته شعرًا لَهَا فَقَامَ الْحسن بأمرها حَتَّى بلغت مرادها. لما قَالَ النَّابِغَة للخنساء: مَا رَأَيْت ذَا مثانة أشعر مِنْك. قَالَت لَهُ: وَلَا ذَا خصيتين. وَقَالَ لَهَا عمر: يَا خنساء مَا أقرح مآقي عَيْنَيْك؟ قَالَت: بُكَائِي على السادات من مُضر. قَالَ: يَا خنساء؛ إِنَّهُم فِي النَّار. قَالَت: ذَاك أطول لعويلي عَلَيْهِم. وَكَانَت تَقول: كنت أبْكِي لصخر على الْحَيَاة ... وَأَنا أبْكِي لَهُ الْآن من النَّار قَالَت عمْرَة بنت مرداس بن أبي عَامر، وَهِي عروس أمهَا الخنساء فِي شَيْء كرهته. فَقَالَت الخنساء: يَا حمقاء؛ وَالله لكأنها بظير أمة ورهاء. أَنا وَالله كنت أكْرم مِنْك بعلاً، وأرقى مِنْك نعلا، وَأحسن مِنْك عرساً، وَأتم مِنْك أنسا؛ إِذْ كنت فتاة أعجب الفتيان، وأشرب اللَّبن غضاً قارصاً، ومحضاً خَالِصا، لَا أنهش اللَّحْم، وَلَا أذيب الشَّحْم، وَلَا أرعى البهم، كالمهرة الصَّنِيع، لَا مضاعة وَلَا عِنْد مضيع،
(4/70)

عقيلة الحسان الْحور، أضيء فِي طخية الديجور، وَذَلِكَ فِي شبيبتي قبل شيبي. وَقَامَت مغضبة.
مغزل الْمَرْأَة
قَالَ بَعضهم: مَرَرْت على هِنْد بنت الْمُهلب، فَرَأَيْت بِيَدِهَا مغزلاً تغزل بِهِ، فَقلت لَهَا: تغزلين؟ قَالَت: نعم سَمِعت أبي يذكرهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: " أعظمكن أجرا أَطْوَلكُنَّ طَاقَة، وَهُوَ يطرد الشَّيْطَان وَيذْهب بِحَدِيث النَّفس ". وَرُوِيَ عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: المغزل فِي يَد الْمَرْأَة مثل الرمْح فِي يَد الْغَازِي. قيل للخنساء: لم يكن صَخْر كَمَا وصفت. قَالَت: وَكَيف ذَاك؟ فوَاللَّه لقد كَانَ ندي الْكَفَّيْنِ، يَابِس الجنبين؛ يَأْكُل مَا وجده، وَلَا يسْأَل عَمَّا عَهده.
من أَقْوَال حبى المدينية
قيل لحبي المدينية: مَا السقم الَّذِي لَا يبرأ، وَالْجرْح الَّذِي لَا يندمل؟ قَالَت: حَاجَة الْكَرِيم إِلَى اللَّئِيم لَا يجدي عَلَيْهِ. قيل: فَمَا الشّرف؟ قَالَت: اعْتِقَاد المنن فِي أَعْنَاق الْكِرَام، يبْقى لِلْأَعْقَابِ على الأحقاب. ذكر نسْوَة أَزوَاجهنَّ فَقَالَت إِحْدَاهُنَّ: زَوجي عوني فِي الشدائد، والعائد دون كل عَائِد، إِن غضِبت عطف، وَإِن مَرضت لطف. وَقَالَت الْأُخْرَى: زَوجي لما عناني كَاف، وَلما أسقمني شاف، عناقه كالخلد، وَلَا يمل طول الْعَهْد. وَقَالَت الْأُخْرَى: زَوجي الشعار حِين أجرد، والأنس حِين أفرد، والسكن حِين أرقد. 384 - قَالَت امْرَأَة من أهل الْبَادِيَة: لَا يُعجبنِي الشَّاب يمعج معج الْمهْر طلقاً أَو طلقين ثمَّ يضطجع بِنَاحِيَة الميدان، وَلَكِن أَيْن أَنْت من شيخ يضع قب استه بِالْأَرْضِ ثمَّ سحباً وجراً؟ !
(4/71)

قَالَ بَعضهم: رَأَيْت بِالْمَدِينَةِ امْرَأَة بَين عينيها سجادة، وَعَلَيْهَا ثِيَاب معصفرة، فَقلت لَهَا: مَا أبعد زيك من سمتك! فَقَالَت: وَللَّه مني جَانب لَا أضيعه ... وللهو مني جَانب وَنصِيب قَالَ الزبير بن بكار: قَالَت بنت أُخْتِي لزوجتي: خَالِي خير رجل لأَهله، لَا يتَّخذ ضرَّة وَلَا يَشْتَرِي جَارِيَة. فَقَالَت الْمَرْأَة: وَالله لهَذِهِ الْكتب أَشد عَليّ من ثَلَاث ضرائر.
أم الكملة
حجت فَاطِمَة بنت الخرشب الأنمارية أم الكملة؛ الرّبيع وَعمارَة وَقيس وَأنس، وَكَانَت حجتها هَذِه فِي الْجَاهِلِيَّة، فَقَالَ لَهَا رجل من أهل مَكَّة: من أشرف ولدك؟ قَالَت: الرّبيع. لَا بل عمَارَة. لَا بل قيس. لَا بل أنس. ثكلتهم إِن كنت أَدْرِي أَيهمْ أسود. وَكَانَ يُقَال للربيع الْكَامِل، ولأنس الطَّوِيل؛ ولقيس الوقاعة، ولعمارة دالق وَإِنَّمَا قيل لَهُ ذَلِك أَنه كَانَ يدلق الْخَيل فِي كل وَجه. وَفِيهِمْ يَقُول الشَّاعِر: بَنو جنية ولدت سيوفاً ... صوارم كلهَا ذكر صَنِيع قيل لرملة بنت الزبير: مَا بالك أهزل مَا تكونين إِذا حضر زَوجك. فَقَالَت: مَا أقبح الْمَرْأَة الشَّرِيفَة أَن تضاجع زَوجهَا بملء بَطنهَا.
زَوْجَة تخمد حَربًا
خرج الْحَارِث ين عَوْف المري خاطباً إِلَى أَوْس بن حَارِثَة بن لأم الطَّائِي. فَقَالَ لابنته الْكُبْرَى: يَا بنية؛ هَذَا سيد قومه قد أَتَانِي خاطباً لَك. فَقَالَت: لَا حَاجَة
(4/72)

لي فِيهِ. إِن فِي خلقي ضيقا يصبر عَلَيْهِ الْقُرَبَاء، وَلَا يصبر عَلَيْهِ الْبعدَاء. فَقَالَ للَّتِي تَلِيهَا: قد سَمِعت مَا قَالَت أختك قَالَت: زوجنيه، فَإِنِّي إِن لم أصلح للبعداء لم أصلح للقرباء. فَزَوجهُ وَضرب عَلَيْهِ قبَّة، وَنحر لَهُ الْجَزُور. فَمد يَده إِلَيْهَا فَقَالَت ابْنة أَوْس: تمد إِلَيْهَا الْيَد بِحَضْرَتِهِ؟ قَالَ: فَتحمل بهَا فَلَمَّا كَانَ بِالطَّرِيقِ مد يَده إِلَيْهَا. فَقَالَت ابْنة أَوْس: أردْت أَن تمتّع بهَا فِي سفرك كَمَا تمتّع بسفرتك، فَكف عَنْهَا. فَلَمَّا حل فِي أَهله - وَقد وَقعت الْحَرْب بَين عبس وذبيان - فَمد يَده إِلَيْهَا فَقَالَت: لقد أَخطَأ الَّذِي سماك سيداً. أتمد يدك إِلَى النِّسَاء وقومك يتناحرون. قَالَ: فَمَا وضع يَده عَلَيْهَا حَتَّى أصلح بَين قومه وَتحمل دياتهم، ثمَّ دخل بهَا فحظيت عِنْده. خرج مُحَمَّد بن وَاسع فِي يَوْم عيد وَمَعَهُ رَابِعَة، فَقَالَ لَهَا: كَيفَ تَرين هَذِه الْهَيْئَة؟ فَقَالَت: مَا أَقُول لكم؟ خَرجْتُمْ لإحياء سنة وإماتة بِدعَة، فأراكم قد تباهيتم بِالنعْمَةِ، وأدخلتم على الْفَقِير مضرَّة. قَالَت امْرَأَة من بني تغلب للجحاف بن حَكِيم فِي وقْعَة الْبشر الَّتِي يَقُول فِيهَا الأخطل: لقد أوقع الجحاف بالبشر وقْعَة ... إِلَى الله فِيهَا المشتكى والمعول ففض الله عمادك، وأكبى زنادك، وَأطَال سهادك، وَأَقل زادك، فوَاللَّه إِن قتلت إِلَّا نسَاء أسافلهن دمى وأعاليهن ثدى - وَكَانَ قد قتل النِّسَاء والذرية. فَقَالَ لمن حوله: لَوْلَا أَن تَلد مثلهَا لاستبقيتها وَأمر بقتلها. فَبلغ ذَلِك الْحسن الْبَصْرِيّ فَقَالَ: إِنَّمَا الجحاف جذوة من نَار جَهَنَّم. قَالَت أم عُمَيْر الليثية 385 للعوفي فِي مجْلِس الحكم: عظم رَأسك فَبعد فهمك، وطالت لحيتك فغمرت قَلْبك. وَإِذا طَالَتْ اللِّحْيَة انشمر الْعقل. وَمَا رَأَيْت مَيتا يقْضِي بَين الْأَحْيَاء قبلك.
(4/73)

قَالَ ابْن الْأَحْنَف بن قيس لزبراء جَارِيَة أَبِيه: يَا زَانِيَة. فَقَالَت: وَالله لَو كنت زَانِيَة لأتيت أَبَاك بِابْن مثلك.
وصف امْرَأَة لزَوجهَا
طلق أَعْرَابِي امْرَأَته فذمها فَقَالَت: وَأَنت وَالله - مَا علمت - تغتنم الْأكلَة فِي غير جوع، ملح بخيل، إِذا نطق الأقوام أقعصت، وَإِذا ذكر الْجُود أفحمت؛ لما تعلم من قصر باعك، ولؤم آبَائِك، وتستضعف من تأمن، ويغلبك من تخَاف، ضيفك جَائِع، وجارك ضائع، أكْرم النَّاس عَلَيْك من أَهَانَك، وأهونهم عَلَيْك من أكرمك. الْقَلِيل عنْدك كثير، وَالْكَبِير عنْدك حقير. سود الله وَجهك، وبيض جسمك، وَقصر باعك، وَطول مَا بَين رجليك؛ حَتَّى إِن دخل انثنى، وَإِن رَجَعَ التوى. قَالَ بَعضهم: كنت عِنْد فَاطِمَة بنت الْمُهلب أعرض عَلَيْهَا طيبا فَقُمْت وَتركت الْمَتَاع بَين يَديهَا، فَلَمَّا جِئْت قَالَت: بئس مَا صنعت، لَا تأمنن امْرَأَة قطّ على رجل وَلَا على طيب. قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: خرجت ذَات لَيْلَة أَطُوف، فَإِذا أَنا بِامْرَأَة قد فَضَح وَجههَا ضوء الْقَمَر مُتَعَلقَة وَهِي تَقول: إلهي؛ أما وجدت شَيْئا تعذب بِهِ إِلَّا النَّار. ثمَّ ذهبت، فَنمت ثمَّ عدت فَوَجَدتهَا وديدنها أَن تَقول ذَلِك. قلت: لَو عذب بِمَا سوى النَّار، فَكَانَ مَاذَا؟ قَالَت: يَا عماه؛ أما وَالله لَو عذب بِغَيْر النَّار لقضينا أوطاراً. جعل ابْن السماك يَوْمًا يتَكَلَّم وَجَارِيَة لَهُ حَيْثُ تسمع كَلَامه، فَلَمَّا انْصَرف إِلَيْهَا قَالَ لَهَا: كَيفَ سَمِعت كَلَامي؟ قَالَت: مَا أحْسنه لَوْلَا أَنَّك تكْثر ترداده. قَالَ: أردده حَتَّى يفهمهُ من لم يفهم. قَالَت: إِلَى أَن يفهم مَا لَا يفهمهُ قد مله من فهمه.
(4/74)

الْبَاب الثَّالِث الْحِيَل والخدائع
قدم بَعضهم رجلا إِلَى القَاضِي وَادّعى عَلَيْهِ مَالا فَقَالَ: صدقُوا أسألهم أَن يؤخروني حَتَّى أبيع مَالِي أَو عقاري أَو رقيقي أَو إبلي. فَقَالُوا: كذب أَيهَا القَاضِي. مَا لَهُ قَلِيل وَلَا كثير. وَلكنه يُرِيد مدافعتنا فَقَالَ: أصلحك الله. فقد شهدُوا بِالْعدمِ. فخلى سَبيله. قَالَ بَعضهم: خرجت لَيْلَة فَإِذا أَنا بِالطَّائِف قد أقبل: فَلَمَّا رَأَيْته من بعيد صحت: المستغاث بِاللَّه وبالطائف. فَقَالَ لي الطَّائِف: مَالك؟ قلت: قوم سكارى فِي بَيْتِي قد عربدوا، وسلوا السكاكين، وَجئْت فِي طَلَبك لتخلصني مِنْهُم. فَقَالَ: ايش بَين يَدي. فمشيت وَدخلت الْبَيْت، وأغلقت الْبَاب، وصعدت السَّطْح وتطلعت عَلَيْهِ وَقلت: انْصَرف مأجوراً فقد تصالحوا. سُئِلَ بَعضهم عَن رجل أَرَادوا أَن يزوجوه فَقَالَ: إِن لَهُ شرفاً وبيتاً وقدماً فنظروا فَإِذا هُوَ سَاقِط سفلَة. فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: مَا كذبت شرفه أذنَاهُ، وَقدمه الَّتِي يمشي عَلَيْهَا، وَلَا بُد من أَن يكون لَهُ بَيت يأوي إِلَيْهِ. قَالَ مُعَاوِيَة لأبي هَوْذَة الْبَاهِلِيّ: لقد هَمَمْت أَن أحمل جمعا من باهلة فِي سفينة ثمَّ 386 أغرقهم. قَالَ أَبُو هَوْذَة: إِذا لَا ترْضى باهلة بِعدَّتِهِمْ من بني أُميَّة. قَالَ: اسْكُتْ أَيهَا الْغُرَاب الأبقع - وَكَانَ بِهِ برص. قَالَ أَبُو هَوْذَة: إِن الْغُرَاب رُبمَا درج إِلَى الرخمة حَتَّى ينقر دماغها، ويقتلع عينيها. فَقَالَ يزِيد: أَلا تقتله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: مَه. ونهض مُعَاوِيَة ثمَّ وَجهه فِي سَرِيَّة فَقتل. فَقَالَ مُعَاوِيَة ليزِيد: هَذِه أخْفى وأصوب. لما بَايع الرشيد وَلَده تخلف رجل مَذْكُور من الْفُقَهَاء، فَأحْضرهُ وَقَالَ لَهُ: لم
(4/75)

تخلفت عَن الْبيعَة؟ قَالَ: عاقني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عائق فَأمر بِقِرَاءَة كتاب الْبيعَة عَلَيْهِ. فَلَمَّا قرئَ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذِه الْبيعَة فِي عنقِي إِلَى قيامي السَّاعَة فَلم يفهم الرشيد مَا أَرَادَ، وَقدر أَنه يُرِيد إِلَى قيام السَّاعَة وَذهب مَا كَانَ فِي نَفسه عَلَيْهِ. قيل لبَعض الْفُقَهَاء: لم استجزتم اسْتِعْمَال الْحِيَل فِي الْفِقْه؟ فَقَالَ: الله تَعَالَى علمنَا ذَلِك فَإِنَّهُ قَالَ: وَخذ بِيَدِك ضغثاً فَاضْرب بِهِ وَلَا تَحنث ". لما حبس المقفع، وألح عَلَيْهِ صَاحب الاستخراج فِي الْعَذَاب خشِي على نَفسه فَقَالَ لصَاحب الاستخراج: عنْدك مَال وَأَنا أربحك ربحا ترضاه؟ وَقد عرفت وفائي وسخائي وكتماني، فعيني مِقْدَار هَذَا النَّجْم. فَلَمَّا صَار عَلَيْهِ مَال ترفق بِهِ مَخَافَة أَن يَمُوت تَحت الْعَذَاب فيتوى مَاله. جحد رجل مَال رجل فاحتكم إِلَى إِيَاس بن مُعَاوِيَة فَقَالَ للطَّالِب: أَيْن دفعت إِلَيْهِ هَذَا المَال؟ قَالَ: عِنْد شَجَرَة فِي مَكَان كَذَا. قَالَ: فَانْطَلق إِلَى ذَلِك الْموضع لَعَلَّك تتذكر كَيفَ كَانَ أَمر هَذَا المَال، وَلَعَلَّ الله يُوضح لَك سَببا. فَمضى الرجل وَجلسَ خَصمه فَقَالَ إِيَاس بعد سَاعَة: أَتَرَى خصمك بلغ مَوضِع الشَّجَرَة. قَالَ: لَا بعد. قَالَ: يَا عَدو الله أَنْت خائن. قَالَ: أَقلنِي أقالك الله. فاحتفظ بِهِ حَتَّى أقرّ ورد المَال. قَالَ مُعَاوِيَة لعَمْرو: أَنْت أدهى أم أَنا؟ قَالَ عَمْرو: أَنا للبديهة وَأَنت للأناة. قَالَ: كلا. قَالَ عَمْرو: أدن مني رَأسك أسارك، فأدنى رَأسه فَقَالَ عَمْرو: هَذَا من ذَاك. هَل هَا هُنَا أحد غَيْرك. قَالَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة: مَا خدعني غير غُلَام من بني الْحَارِث بن كَعْب. فَإِنِّي ذكرت امْرَأَة مِنْهُم فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير لَا خير لَك فِيهَا. قلت: وَلم؟ قَالَ: رَأَيْت رجلا يقبلهَا. فأضربت عَنْهَا فَتَزَوجهَا الْفَتى. فَأرْسلت إِلَيْهِ: ألم تعلمني كَذَا وَكَذَا من أمرهَا. قَالَ: بلَى رَأَيْت أَبَاهَا يقبلهَا. كَانَ لعبد الله بن مُطِيع غُلَام مولد قد أدبه وخرجه وصيره قهرمانه، وَكَانَ أَتَاهُم قوم من الْعَدو فِي نَاحيَة الْبَحْر. فَرَآهُ يَوْمًا يبكي فَقَالَ: مَالك؟ قَالَ: تمنيت أَن أكون حرا، فَأخْرج مَعَ الْمُسلمين قَالَ: وتحب ذَاك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَأَنت حر
(4/76)

لوجه الله فَاخْرُج. قَالَ: فَإِنَّهُ قد بدا لي أَلا أخرج. قَالَ: خدعتني وَالله. كَانَ عمر بن هُبَيْرَة أُمِّيا لَا يقْرَأ وَلَا يكْتب. وَكَانَ إِذا أَتَاهُ كتاب فَتحه وَنظر فِيهِ كَأَنَّهُ يَقْرَؤُهُ فَإِذا نَهَضَ من مَجْلِسه حملت الْكتب مَعَه. فيدعو جَارِيَة كاتبة وَيدْفَع إِلَيْهَا الْكتب فتقرأها عَلَيْهِ ويأمرها فتوقع بِمَا يُرِيد، وَيخرج الْكتاب. فاستراب بِهِ بعض كِتَابه فَكتب كتابا على لِسَان بعض الْعمَّال وطواه مُنَكسًا أَعْلَاهُ إِلَى أَسْفَله، فَلَمَّا أَخذه وَنظر فِيهِ وَلم يُنكره تحقق أَنه أُمِّي. 387 قَالَ بعض الْقُضَاة لرجل: كَيفَ أقبل شهادتك وَقد سَمِعتك تَقول لمغنية: أَحْسَنت؟ قَالَ: أَلَيْسَ إِنَّمَا قلت ذَلِك بعد سكُوتهَا. فَأجَاز شَهَادَته. أَتَى معن بن زَائِدَة بثلاثمائة أَسِير من حَضرمَوْت فَأمر بِضَرْب أَعْنَاقهم، فَقَامَ مِنْهُم غُلَام حِين سَالَ عذاره فَقَالَ: أنْشدك الله أَن تَقْتُلنَا وَنحن عطاش فَقَالَ: اسقوهم مَاء. فَلَمَّا شربوا قَالَ: اضربوا أَعْنَاقهم. فَقَالَ الْغُلَام: أنْشدك الله أَن تقتل ضيفانك. قَالَ: أَحْسَنت. وَأمر بإطلاقهم. كَانَ بالأهواز رجل لَهُ زَوْجَة، وَكَانَت لَهُ أَرض بِالْبَصْرَةِ، فَكَانَ يكثر الإنحدار إِلَيْهَا فارتابت زَوجته وتتبعت أَثَره، فوقفت على أَنه قد تزوج بِالْبَصْرَةِ فاحتالت حَتَّى صَار إِلَيْهَا خطّ عَم البصرية، وَبعث بِهِ إِلَى رجل يَحْكِي كل خطّ رَآهُ، وأجازته، حَتَّى كتب كتابا عَن لِسَان عَم البصرية إِلَى زَوجهَا يذكر أَن الْمَرْأَة قد مَاتَت، ويسأله التَّعْجِيل إِلَيْهِ لأخذ مَا تركت وسمى مَالهَا وجاريتها. ودست الْكتاب مَعَ ملاح قدم من الْبَصْرَة، فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ الْكتاب قَرَأَهُ فَلم يشك فِيهِ، وَدخل وَقَالَ لامْرَأَته: اعملي لي سفرة. قَالَت: وَلم؟ قَالَ: أُرِيد الْبَصْرَة. قَالَت: كم هَذِه الْبَصْرَة؟ ! قد رَابَنِي أَمرك. لَعَلَّ لَك بهَا امْرَأَة، فَأنْكر، فَقَالَت: احْلِف. فَحلف أَن كل امْرَأَة لَهُ غَيرهَا طَالِق، سكوناً إِلَى أَن تِلْكَ قد مَاتَت، وَمَا يضرّهُ ذَلِك. فَلَمَّا حلف قَالَت: دع السفرة. قد أَغْنَاك الله عَن الْبَصْرَة. قَالَ: وَمَا ذَاك؟ قَالَ: قد طلقت الفاسقة. وحدثته بالقصة فندم. مر شبيب بن يزِيد الْخَارِجِي على غُلَام قد استنقع فِي الْفُرَات. فَقَالَ: يَا
(4/77)

غُلَام. اخْرُج إِلَيّ أسائلك. فَنظر الْغُلَام فَعرف شبيباً. فَقَالَ: إِنِّي أَخَاف. فَهَل أَنا آمن إِلَى أَن أخرج وألبس ثِيَابِي؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فوَاللَّه لَا ألبسها الْيَوْم وَلَا أخرج. فَقَالَ شبيب: أوه، خدعني الْغُلَام. وَأمر رجلا بحفظه لِئَلَّا يُصِيبهُ أحد بمعرة وَمضى، وَسلم الْغُلَام. قَالَ الْأَعْمَش: أَخْبرنِي تَمِيم بن سَلمَة أَن رجلا شهد عِنْد شُرَيْح وَعَلِيهِ جُبَّة ضيقَة الكمين. فَقَالَ شُرَيْح: أَنَتَوَضَّأُ وَعَلَيْك جبتك هَذِه؟ قَالَ: احسر عَن ذراعك. فحسر، فَلم يبلغ كم جبته إِلَى نصف الساعد. فَرد شَهَادَته. قدمت امْرَأَة زَوجهَا إِلَى أبي عمر القَاضِي، وَادعت عَلَيْهِ مَالا، فاعترف بِهِ فَقَالَت: أَيهَا القَاضِي خُذ بحقي وَلَو بحبسه. فتلطف لَهَا لِئَلَّا تحبسه، فَأَبت إِلَّا ذَلِك، فَأمر بِهِ، فَلَمَّا مَشى خطوَات صَاح أَبُو عمر بِالرجلِ وَقَالَ لَهُ: أَلَسْت مِمَّن لَا يصبر على النِّسَاء؟ فَفطن الرجل فَقَالَ: بلَى أصلح الله القَاضِي. فَقَالَ: خُذْهَا مَعَك إِلَى الْحَبْس. فَلَمَّا عرفت الْحَقِيقَة نَدِمت على لجاجها وَقَالَت: مَا هَذَا أَيهَا القَاضِي؟ قَالَ: لَك عَلَيْهِ حق، وَله عَلَيْك حق. وَمَالك عَلَيْهِ لَا يبطل مَا لَهُ عَلَيْك. فَعَادَت إِلَى السلاسة وَالرِّضَا. أَخذ عبد الْملك رجلا كَانَ يرى رَأْي الْخَوَارِج فَقَالَ لَهُ: أَلَسْت الْقَائِل: وَمنا سُوَيْد والبطين وقعنب ... وَمنا أَمِير الْمُؤمنِينَ شبيب فَقَالَ إِنَّمَا قلت: وَمنا أَمِير الْمُؤمنِينَ. وناديتك، فخلى سَبيله. كَانَ يخْتَلف إِلَى أبي حنيفَة رجل يتَحَمَّل بالستر الظَّاهِر، والسمت الْبَين فَقدم رجل غَرِيب وأودعه مَالا خطيراً، وَخرج حَاجا، فَلَمَّا عَاد طَالبه بالوديعة فجحده، فألح الرجل عَلَيْهِ فتمادى، فكاد صَاحب المَال يهيم 388، ثمَّ اسْتَشَارَ ثِقَة لَهُ فَقَالَ لَهُ: كف عَنهُ، وصر إِلَى أبي حنيفَة، فدواؤك عِنْده.
(4/78)

فَانْطَلق إِلَيْهِ وخلا بِهِ وأعلمه شَأْنه، وَشرح لَهُ قصَّته فَقَالَ لَهُ أَبُو حنيفَة: لَا تعلم بِهَذَا أحدا، وامض راشداً، وعد إِلَيّ غَدا. فَلَمَّا أَمْسَى أَبُو حنيفَة جلس كعادته للنَّاس، وَجعل كلما سُئِلَ عَن شَيْء تنفس الصعداء. فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ: إِن هَؤُلَاءِ - يَعْنِي السُّلْطَان - قد احتاجوا إِلَى رجل يبعثونه قَاضِيا إِلَى مَكَان. وَقَالُوا لي: اختر من أَحْبَبْت. ثمَّ أسبل كمه وخلا بِصَاحِب الْوَدِيعَة، وَقَالَ لَهُ: أترغب حَتَّى أسميك. فَذهب يتمنع تحلية. فَقَالَ لَهُ أَبُو حنيفَة: اسْكُتْ فَإِنِّي أبلغ لَك مَا تحب. فَانْصَرف الرجل مَسْرُورا يظنّ الظنون بالجاه العريض، وَالْحَال الْحَسَنَة. وَصَارَ رب المَال إِلَى أبي حنيفَة فَقَالَ: امْضِ إِلَى صَاحبك وَلَا تخبره بِمَا بَيْننَا، ولوح بذكري وَكَفاك، فَمضى الرجل واقتضاه وَقَالَ لَهُ: ارْدُدْ على مَالِي وَإِلَّا شكوتك إِلَى أبي حنيفَة. فَلَمَّا سمع ذَلِك وفاه المَال. وَصَارَ الرجل إِلَى أبي حنيفَة وأعلمه رُجُوع المَال إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: استره عَلَيْهِ. وَلما غَدا الرجل إِلَى أبي حنيفَة طامعاً فِي الْقَضَاء نظر إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة وَقَالَ لَهُ: نظرت فِي أَمرك فَرفعت قدرك عَن الْقَضَاء. قَالَ أَبُو يُوسُف: بقيت على بَاب الرشيد حولا لَا أصل إِلَيْهِ، حَتَّى حدثت مَسْأَلَة. وَذَلِكَ أَن بعض أَهله كَانَت لَهُ جَارِيَة، فَحلف أَنه لَا يَبِيعهَا إِيَّاه وَلَا يَهَبهَا لَهُ. وَأَرَادَ الرشيد شراءها فَلم يجد أحدا يفتيه فِي ذَلِك. فَقلت لِابْنِ الرّبيع: أعلم أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن بِالْبَابِ رجلا من الْفُقَهَاء عِنْده الشِّفَاء من هَذِه الْحَادِثَة. فَدخل فَأخْبرهُ، فَأذن لي، فَلَمَّا وصلت مثلت، فَقَالَ: مَا تَقول؟ قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أقوله لَك وَحدك أَبُو بِحَضْرَة الْفُقَهَاء؟ قَالَ: بل بِحَضْرَة الْفُقَهَاء، ليك الشَّك أبعد، وَأمر فَحَضَرَ الْفُقَهَاء، وأعيد عَلَيْهِم السُّؤَال. فَكل قَالَ: لَا حِيلَة عندنَا فِيهِ، فَأقبل أَبُو يُوسُف فَقَالَ: الْمخْرج مِنْهَا أَن يهب لَك نصفهَا، ويبيعك نصفهَا، فَإِنَّهُ لَا يَقع الْحِنْث. فَقَالَ الْقَوْم: صدق. فَعظم أَمْرِي عِنْد الرشيد، وَعلم أَن أتيت بِمَا عجزوا عَنهُ. كَانَ الْمُغيرَة من كبار المدمنين للشراب، فَقَالَ لصَاحب لَهُ يَوْم خَيْبَر: قد قرمت إِلَى الشَّرَاب. وَمَعِي دِرْهَمَانِ زائفان فَأعْطِنِي زكرتين فَأعْطَاهُ.
(4/79)

فصب فِي إِحْدَاهمَا مَاء، وأتى بعغض الخمارين فَقَالَ: كل بِدِرْهَمَيْنِ. فكال فِي زكرته فَأعْطَاهُ الدرهمين فردهما، وَقَالَ: هما زائفان. فَقَالَ: ارتجع مَا أَعْطَيْتنِي فكاله وَأَخذه، وَبقيت فِي الزكرة بَقِيَّة فصبها فِي الفارغة، ثمَّ فعل ذَلِك بِكُل خمار حَتَّى ملا زكرته وَرجع وَمَعَهُ درهماه. قَالَ الْأَصْمَعِي: حمل يزِيد بن مره شَيْئا على رَأس حمال فعاسره فِي الْكِرَاء فَقَالَ لَهُ: أثبت أَن الَّذِي على رَأْسِي لَك. فأرضاه. وقف أَحْمد بن أبي خَالِد بَين يَدي الْمَأْمُون وَخرج يحيى بن أَكْثَم وَجلسَ على طرفه فَقَالَ أَحْمد: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ إِن يحيى صديقي وَأخي، وَمن أَثِق بِهِ فِي أَمْرِي كُله ويثق بِي، وَقد تغير عَمَّا كنت أعهده عَلَيْهِ، فَإِن رَأَيْت أَن تَأمره بِالْعودِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. فَإِنِّي لَهُ على مثله. فَقَالَ الْمَأْمُون: 389 يَا يحيى؛ إِن فَسَاد أَمر الْمُلُوك بِفساد الْحَال بَين خاصتهم. وَمَا يعد لَكمَا عِنْدِي أحد. فَمَا هَذَا النزاع بَيْنكُمَا؟ فَقَالَ لَهُ يحيى: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه ليعلم أَنِّي لَهُ على أَكثر مِمَّا وصف، وَأَنِّي أَثِق بِمثل ذَلِك مِنْهُ. وَلكنه رأى منزلتي هَذِه مِنْك فخاف أَن أتغير لَهُ يَوْمًا، فأقدح فِيهِ عنْدك، فَتقبل قولي فِيهِ فَأحب أَن يَقُول هَذَا لتأمرني بِأَمْر لَو بلغ نِهَايَة مساءتي مَا قدرت أَن أذكرهُ بِسوء عنْدك. فَقَالَ الْمَأْمُون: أكذاك هُوَ يَا أَحْمد؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أستعين الله عَلَيْكُمَا. مَا رَأَيْت أتم دهاء وَلَا أقرب فطنة مِنْكُمَا. اسْتَأْذن أَخُو صَفِيَّة بنت حييّ بن أَخطب على سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَهُوَ خَليفَة فَقَالَ للآذن: خَال أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَدخل فَقَالَ: بِالْبَابِ رجل يَدعِي أَنه خَال أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ: أدخلهُ. فَلَمَّا رَآهُ عرفه فَقَالَ: أَنْت لعمري خَالِي. أَي إِنِّي مُؤمن. أرسل فَتى من الْعَرَب إِلَى ابْنة عَم لَهُ وَلم يكن لَهُ مَال، ومانت كَثِيرَة المَال وخطبها نَاس كثير، فَقَالَ: يابنة عَم؛ هَل لَك فِي فَتى كاسٍ من الْحسب، عَار من النشب، يتقلقل فِي دَارك، وَيقبض غلَّة غلمانك، ويقلبك عَن يَمِينك لشمالك، وَيدخل الْحمام فِي كل يَوْم مرَّتَيْنِ؟ فتزوجته. دخل سلم بن زِيَاد على الْحجَّاج فِي أَمْوَال قبضهَا عَنهُ فَقَالَ لَهُ: من أَنْت؟
(4/80)

قَالَ: سلم. قَالَ: ابْن من؟ قَالَ: ابْن زِيَاد. قَالَ: ابْن من؟ قَالَ: ابْن من شَاءَ الْأَمِير. فَرد عَلَيْهِ أرضه. أَتَى وَكِيع بن أبي سود إِيَاس بن مُعَاوِيَة وَهُوَ قَاض ليشهد عِنْده بِشَهَادَة، فَقَالَ: مرْحَبًا بك يَا أَبَا مطرف، مَا جَاءَ بك؟ قَالَ: جِئْت لأشهد قَالَ: مَالك وللشهادة. إِنَّمَا يشْهد الموَالِي والتجار والسقاط. قَالَ: صدقت وَانْصَرف. فَقيل لَهُ: خدعك وَلم يقبل شهادتك فردك. فَقَالَ: لَو علمت لعلوته بالقضيب. كَانَ أَبُو بردة ولي الْقَضَاء بعد الشّعبِيّ بِالْكُوفَةِ، فَكَانَ يحكم بِأَن رجلا لَو قَالَ لملوك لَا يملكهُ: أَنْت حر. أَنه يعْتق وَيُؤْخَذ الْمُعْتق بِثمنِهِ. قَالَ: فعشق رجل من بني عبس جَارِيَة لِجَار لَهُ فجن بهَا وجنت بِهِ، فَكَانَ يشكو ذَاك فلقيها يَوْم فَقَالَ لَهَا: إِلَى الله أَشْكُو قَالَت: بلَى وَالله إِن لَك حِيلَة، وَلَكِنَّك عَاجز. هَذَا أَبُو بردة يقْضِي فِي الْعتْق بِمَا قد علمت فَقَالَ لَهَا: أشهد إِنَّك لصادقة. ثمَّ قدمهَا إِلَى مجْلِس يتجمع فِيهِ قوم يعدلُونَ فَقَالَ: هَذِه جَارِيَة آل فلَان أشهدكم إِنَّهَا حرَّة فَأَلْقَت ملحفتها على رَأسهَا. وَبلغ ذَلِك مواليها فَجَاءُوا فقدمتهم إِلَى أبي برده وَقدمُوا الرجل فأنفذ عتقهَا، وألزم الرجل ثمنهَا، فَلَمَّا أَمر بِهِ إِلَى السجْن خَافَ إِذا ملكت أمرهَا أَن تصير إِلَى أول من يطْلبهَا، وَأَن تخيب فِيمَا صنع فِي أمرهَا. فَقَالَ: أصلح الله القَاضِي، لَا بُد من حبسي قَالَ: نعم أَو تعطيهم ثمنهَا. قَالَ: فَلَيْسَ مثلي يحبس فِي شَيْء يسير. أشهدكم أَنِّي قد أعتقت كل مَمْلُوك لأبي بردة، وكل مَمْلُوك لآل أبي مُوسَى، وكل مَمْلُوك لمذحج. فخلى سَبيله، وَرجع عَن ذَلِك الْقَضَاء فَلم يحكم بِهِ. لما خرج الْأَحْنَف مَعَ مُصعب أرسل إِلَيْهِ بِمِائَة ألف دِرْهَم وَلم يُرْسل إِلَى زبراء جَارِيَته بِشَيْء، فَجَاءَت حَتَّى قعدت بَين يَدي الْأَحْنَف ثمَّ أرْسلت عينيها. فَقَالَ لَهَا: مَا يبكيك؟ قَالَت: مَالِي 390 لَا أبْكِي عَلَيْك، إِذْ لم تبك على نَفسك. أبعد نهاوند ومرو الروذ صرت إِلَى أَن تجمع بَين غارين من الْمُسلمين؟ فَقَالَ: نصحتني وَالله فِي ديني، إِذْ لم أنتبه لذَلِك. ثمَّ أَمر بفساطيطه فقوضت.
(4/81)

قَالَ: فَبلغ ذَلِك مصعباً، فَقَالَ: من دهاني فِي الْأَحْنَف؟ فَقيل: زبراء. فَبعث إِلَيْهَا بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم. فَجَاءَت حَتَّى أرخت عينيهل بَين يَدَيْهِ فَقَالَ: مَا لَك يَا زبراء؟ قَالَت: جِئْت بإخوانك من أهل الْبَصْرَة تزفهم كَمَا تزف الْعَرُوس، حَتَّى إِذا صيرتهم فِي نحور أعدائهم أردْت أَن تفت فِي أعضادهم. قَالَ: صدقت وَالله. يَا غُلَام؛ دعها. قَالَ: فاضطرب الْعَسْكَر بمجيء زبراء مرَّتَيْنِ فَذَهَبت مثلا. بلغ قُتَيْبَة بن مُسلم أَن سُلَيْمَان بن عبد الْملك يُرِيد عَزله وَاسْتِعْمَال يزِيد ابْن الْمُهلب فَكتب إِلَيْهِ ثَلَاث صَحَائِف وَقَالَ للرسول: إِن دفع كتابي الأول إِلَى يزِيد بن الْمُهلب فادفع إِلَيْهِ الثَّانِي، فَإِن شَتَمَنِي عِنْد الثَّانِي فادفع إِلَيْهِ الثَّالِث، فَدفع إِلَيْهِ الْكتاب الأول، فَإِذا فِيهِ: إِن بلائي فِي طَاعَة أَبِيك وأخيك كَذَا، وَأَنت تقْرَأ كتبي يزِيد. قَالَ: فَرمى بِالْكتاب إِلَى يزِيد، فَأعْطَاهُ الثَّانِي فَإِذا فِيهِ: كَيفَ تأمن يزِيد على أسرارك وَكَانَ أَبوهُ لَا يأمنه على أُمَّهَات أَوْلَاده. قَالَ: فشتمه، فَدفع إِلَيْهِ الثَّالِث فَإِذا فِيهِ: من قُتَيْبَة بن مُسلم إِلَى سُلَيْمَان بن عبد الْملك سَلام على من اتبع الْهدى. أما بعد فلأوثقن لَك أخية لَا يَنْزِعهَا الْمهْر الأرن. قَالَ: فَقَالَ سُلَيْمَان: مَا أرانا إِلَّا قد عجلنا على قُتَيْبَة. يَا غُلَام؛ جدد لَهُ عَهده على خُرَاسَان خطب سلمَان إِلَى عمر بن الْخطاب ابْنَته فَلم يستجز رده، فأنعم لَهُ وشق ذَلِك عَلَيْهِ وعَلى ابْنه عبد الله بن عمر. فَشكى عبد الله ذَلِك إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ فَقَالَ لَهُ: أفتحب أَن أصرف سلمَان عَنْكُم؟ فَقَالَ لَهُ: هُوَ سلمَان، وحاله فِي الْمُسلمين حَاله. قَالَ: أحتال لَهُ حَتَّى يكون هُوَ التارك لهَذَا الْأَمر، والكاره لَهُ. قَالَ: وَدِدْنَا ذَلِك. فَمر عَمْرو بسلمان فِي طَرِيق فَضرب بِيَدِهِ على مَنْكِبه وَقَالَ لَهُ:
(4/82)

هَنِيئًا لَك أَبَا عبد الله. قَالَ: وَمَا ذَاك؟ قَالَ: هَذَا عمر يُرِيد أَن يتواضع بك فيزوجك. قَالَ: وَإِنَّمَا يزوجني ليتواضع بِي؟ ! قَالَ: نعم. قَالَ: لَا جرم وَالله لَا خطبت إِلَيْهِ أبدا. كتب مُعَاوِيَة إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ والمغيرة بن شُعْبَة أَن يقدما عَلَيْهِ، فَقدم عَمْرو من مصر والمغيرة من الْكُوفَة فَقَالَ عَمْرو للْمُغِيرَة: مَا جَمعنَا إِلَّا ليعزلنا، فَإِذا دخلت عَلَيْهِ فاشك الضعْف واستأذنه أَن تَأتي الطَّائِف أَو الْمَدِينَة. فَإِنِّي إِذا دخلت عَلَيْهِ سَأَلته ذَلِك فَإِنَّهُ يظنّ أَنا نُرِيد أَن نفسد عَلَيْهِ. فَدخل الْمُغيرَة فَسَأَلَهُ أَن يعفيه وَيَأْذَن لَهُ. وَدخل عَلَيْهِ عَمْرو وَسَأَلَهُ مثل ذَلِك فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: قد تواطأتما على أَمر، وإنكما لتريدان شرا. ارْجِعَا إِلَى عمليكما. كَانَ الْإِسْكَنْدَر لَا يدْخل مَدِينَة إِلَّا هدمها وَقتل أَهلهَا حَتَّى مر بِمَدِينَة كَانَ فِيهَا مؤدبه. فَخرج إِلَيْهِ وألطفه الْإِسْكَنْدَر وأعظمه فَقَالَ لَهُ مؤدبه: إِن أَحَق من زين رَأْيك وسدده وأتى كل مَا هويت لأَنا. وَإِن أهل هَذِه الْمَدِينَة قد طمعوا فِيك لمكاني مِنْك فَأَنا أحب أَلا تشفعني فيهم، وَأَن تحلف يَمِينا أعْتَذر بهَا عِنْد الْقَوْم فاحلف 391 لي عِنْدهم أَنَّك لَا تشفعني فِي شَيْء أَسأَلك، وَأَن تخالفني فِي كل مَا سَأَلتك. فَأعْطَاهُ من ذَلِك مَالا يقدر على الرُّجُوع عَنهُ فِي دينه، فَلَمَّا توثق مِنْهُ قَالَ: فَإِن حَاجَتي أَن تدْخلهَا وتخربها وَتقتل من فِيهَا. قَالَ: مَا إِلَى ذَلِك سَبِيل وَلَا بُد من مخالفتك وَقد كنت مؤدبي وَأَنا إِلَيْك الْيَوْم أحْوج. فَلم يدخلهَا وضمه إِلَيْهِ. أَصَابَت الْمُسلمين جَوْلَة بخراسان، فَمر فيهم شُعْبَة بن ظهير على بغلة لَهُ فَرَآهُ بعض الرجالة فتقدر لَهُ على جذم حَائِط، فَلَمَّا حاذ بِهِ حَال فِي عجز بغلته. فَقَالَ لَهُ: اتَّقِ الله فَإِنَّهَا لَا تحملنِي وَإِيَّاك. قَالَ: امْضِ فَإِنِّي وَالله مَا أقدر أَن أَمْشِي. قَالَ: إِنَّك تقتلني وَتقتل نَفسك. قَالَ: امْضِ فَهُوَ مَا أَقُول لَك. قَالَ: فصرف شُعْبَة وَجه البغلة قبل الْعَدو فَقَالَ لَهُ: أَيْن تُرِيدُ؟ قَالَ: أَنا أعلم أَنِّي مقتول، فَلِأَن أقتل مُقبلا خير من أَن أقتل مُدبرا. فَنزل الرجل عَن بغلته وَقَالَ: اذْهَبْ فِي حرق الله. اشْترى شريك بن عبد الله جَارِيَة من رجل فَأصَاب بهَا عَيْبا، فَقَالَ للَّذي
(4/83)

اشْتَرَاهَا مِنْهُ: قد ظهر بهَا عيب. قَالَ: مَا عَلَيْك. هِيَ رخيصة، وَإِن أَحْبَبْت بعتها لَك بِرِبْح. قَالَ: فافعل. فَدفع الْجَارِيَة إِلَيْهِ وَأقَام أَيَّامًا ثمَّ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: لم أصب مِنْهَا ثمنا أرضاه. فَقَالَ لَهُ شريك: فَخذهَا واردد عَليّ الثّمن. فَقَالَ لَهُ الرجل: أبعد مَا وكلتني لأبيعها ورضيت تردها عَليّ؟ فَقَالَ: صدقت وَالله خدعتني. رأى عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ ابْنه عبد الله جَالِسا مَعَ رجل فَقَالَ لَهُ: يَا بني؛ احذر هَذَا، لَا تشترين مِنْهُ شَيْئا، فَإِنَّهُ يتبرأ إِلَى الرجل من الْعَيْب. وَالرجل لَا يفْطن لذَلِك. قَالَ: فَمر عبد الله بن عمر بِذَاكَ الرجل يَوْمًا وَمَعَهُ غُلَام وضيء، فَقَالَ لَهُ: تبيعه؟ قَالَ: نعم. قَالَ: بكم؟ قَالَ: بِكَذَا. قَالَ لَهُ: هَل بِهِ عيب. قَالَ: مَا علمت أَن بِهِ عَيْبا إِلَّا أَنا رُبمَا أرسلناه فِي الْحَاجة فيبطئ فَلَا يأتينا حَتَّى نبعث فِي طلبه. فَقَالَ عبد الله: وَمَا هَذَا؟ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ. فَلَمَّا صَار إِلَيْهِ أرْسلهُ فِي حَاجَة فهرب، فَطَلَبه أَيَّامًا حَتَّى وجده، فَأتى صَاحبه ليَرُدهُ عَلَيْهِ بالإباق، فَقَالَ لَهُ: ألم أخْبرك أَنا رُبمَا أرسلناه فِي الْحَاجة فَلَا يرجع حَتَّى نرسل فِي طلبه؟ فَعلم أَنه قد خدعه. كَانَ مَعَ يُوسُف بن عمر رجل يُقَال لَهُ عَبْدَانِ يأنس بِهِ وَلَا يَحْجُبهُ فِي دَار نِسَائِهِ. فَقَالَ لَهُ يَوْمًا: أَنا أطول أم أَنْت؟ وَكَانَ عَبْدَانِ طَويلا. قَالَ: فَقلت فِي نَفسِي: وَقعت وَالله فِي شَرّ. إِن قلت: أَنا. خفت أَن يَقُول: يصغرني. وَإِن قلت أَنْت قَالَ: تهزأ بِي. فَقلت: أصلحك الله؛ أَنْت أطول مني ظهرا وَأَنا أطول رجلَيْنِ مِنْك. فَقَالَ: أَحْسَنت. كَانَ شُعْبَة بن المخش مَعَ زِيَاد، وَكَانَ أكولاً دميماً، فَقَالَ لَهُ زِيَاد: يَا شُعْبَة مَالك من الْوَلَد؟ قَالَ: تسع بَنَات. قَالَ: أَيْن جمالهن من جمالك؟ قَالَ: أَنا أجمل مِنْهُنَّ وَهن آكل مني. قَالَ: مَا أحسن مَا سَأَلت لَهُنَّ، وَألْحق بَنَاته فِي الْعِيَال. قَالَ الْأَصْمَعِي: ذكرُوا أَن مُحَمَّد بن الحنيفية أَرَادَ أَن يقدم الْكُوفَة أَيَّام الْمُخْتَار. فَقَالَ الْمُخْتَار حِين بلغه ذَلِك: إِن فِي الْمهْدي عَلامَة، يضْربهُ فِي السُّوق رجل ضَرْبَة بِالسَّيْفِ فَلَا يضرّهُ، فَلَمَّا بلغه ذَلِك أَقَامَ.
(4/84)

سَأَلَ عبد الله بن الزبير مُعَاوِيَة شَيْئا فَمَنعه فَقَالَ: وَالله مَا أَجْهَل أَن ألزم 392 هَذِه البنية فَلَا أشتم لَك عرضا وَلَا أقضب لَك حسبا. وَلَكِن أسدل عمامتي من بَين يَدي ذِرَاعا وَمن خَلْفي ذِرَاعا أقعد فِي طَرِيق أهل الشَّام، وأذكر سيرة أبي بكر وَعمر فَيَقُول النَّاس: هَذَا ابْن حوارِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَابْن الصّديق. فَقَالَ مُعَاوِيَة: حَسبك بِهَذَا شرا، وَقضى حَاجته. قَالَ أَعْرَابِي لمعاوية: قَالَ أَعْرَابِي لمعاوية: استعملني على الْبَصْرَة. فَقَالَ: مَا أُرِيد عزل عاملها. قَالَ: فأقطعني الْبَحْرين. قَالَ: مَا إِلَى ذَلِك سَبِيل. قَالَ: فَمر لي بِأَلف دِرْهَم. فَأمر لَهُ بهَا. فَقيل للأعرابي فِي ذَلِك فَقَالَ: لَوْلَا طلبي الْكثير مَا أَعْطَانِي الْقَلِيل.
حلم الْأَحْنَف ودهاؤه
أَتَى رجل الْأَحْنَف فَلَطَمَهُ. فَقَالَ لَهُ: لم لطمتني؟ قَالَ: جعل لي جعل على أَن ألطم سيد بني تَمِيم. قَالَ: مَا صنعت شَيْئا. عَلَيْك بِجَارِيَة بن قدامَة فَإِنَّهُ سيدهم. فَانْطَلق فلطم جَارِيَة، فَأَخذه وَقطع يَده. وَإِنَّمَا أَرَادَ الْأَحْنَف ذَلِك بِهِ. قَالَ قوم من قُرَيْش: مَا نظن أَن مُعَاوِيَة أغضبهُ شَيْء قطّ. فَقَالَ بَعضهم: إِن ذكرت أمه غضب. فَقَالَ نالك بن أَسمَاء المنى الْقرشِي - وَهِي أمه - وَإِنَّمَا قيل لَهَا أَسمَاء المنى لجمالها: وَالله لأغضبنه إِن جعلتم لي جعلا. فَجعلُوا لَهُ جعلا وَأَتَاهُ وَقد حضر الْمَوْسِم فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا أشبه عَيْنَيْك بعيني أمك. قَالَ: تِلْكَ عينان طالما أعجبتا أبي سُفْيَان. يَا بن أخي؛ خُذ جعلك وَلَا تتخذنا متجراً. ثمَّ دَعَا مُعَاوِيَة مَوْلَاهُ سَعْدا فَقَالَ لَهُ: أعدد لأسماء المنى دِيَة ابْنهَا فَإِنِّي قد قتلته وَهُوَ لَا يدْرِي. وَرجع الْغُلَام فَأخذ جعله. فَقَالَ لَهُ رجل مِنْهُم: إِن أتيت عَمْرو بن الزبير فشبهته بِأُمِّهِ فلك ضعفا جعلك. فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: يَا بن الزبير؛ مَا أشبه وَجهك بِوَجْه أمك. فَأمر بِهِ فَضرب حَتَّى مَاتَ. فَبعث مُعَاوِيَة إِلَى أمه بديته وَقَالَ: أَلا قل لأسماء المنى أم مَالك ... فَإِنِّي لعمر الله أقتل مَالِكًا
(4/85)

قيل لأعرابي: أنشرب قدحاً من لبن حازر وَلَا تتنحنح؟ قَالَ: نعم فَأَخذه فِي حلقه مثل الزّجاج فَقَالَ: كَبْش أَمْلَح. فَقيل لَهُ: إِنَّك تنحنحت فَقَالَ: من تنحنح فَلَا أَفْلح. وَمد صَوته فَقضى وطره. قَالَ عبيد الله بن زِيَاد بن ظبْيَان: إيَّاكُمْ والطمع فَإِنَّهُ يردي. وَالله لقد هَمَمْت أَن أفتك بالحجاج، فَإِنِّي لواقف على بَابه بدير الجماجم، إِذا بالحجاج قد خرج على دَابَّة، لَيْسَ مَعَه غير غُلَام، فأجمعت على قَتله فَكَأَنَّهُ عرف مَا فِي نَفسِي قَالَ: فَقَالَ: ألقيت ابْن أبي مُسلم؟ قلت: لَا. قَالَ: فالقه فَإِن عَهْدك مَعَه على الرّيّ. قَالَ: فطمعت وكففت فَأتيت يزِيد بن أبي مُسلم فَسَأَلته فَقَالَ: مَا أَمرنِي بِشَيْء. وَقَالَ عَمْرو بن يزِيد الأسيدي: خفنا أَيَّام الْحجَّاج، وَجَعَلنَا نودع متاعنا، وَعلم جَار لنا، فَخَشِيت أَن يظْهر أمرنَا، فعمدت إِلَى سفط فَجعلت فِيهِ لَبَنًا ودفعته إِلَيْهِ، فَمَكثَ عِنْده حَتَّى أمنا. فطلبت مِنْهُ، فَقَالَ لي: أما وجدت أحدا تودعه لَبَنًا غَيْرِي. لَقِي الْحجَّاج أَعْرَابِيًا خَالِيا بفلاة فَسَأَلَهُ عَن نَفسه فَأخْبرهُ بِكُل مَا يكره وَهُوَ لَا يعرفهُ. فَقَالَ: إِن لم أَقْتلك فقتلني الله. قَالَ الْأَعرَابِي: فَأَيْنَ حق الاسترسال؟ فَقَالَ الْحجَّاج: أولى. وَأعْرض عَنهُ.
حِيلَة عَمْرو بن الْعَاصِ
توجه عَمْرو بن الْعَاصِ حَيْثُ فتح قيسارية إِلَى مصر وَبعث إِلَى علجها فَأرْسل إِلَيْهِ: أَن أرسل إِلَيّ رجلا من أَصْحَابك 393 ُأكَلِّمهُ. فنظروا فَقَالَ عَمْرو: مَا أرى لهَذَا أحدا غَيْرِي. فَخرج وَدخل على العلج، فَكَلمهُ فَسمع كلَاما لم يسمع مثله قطّ، فَقَالَ: حَدثنِي. هَل فِي أَصْحَابك مثلك؟ قَالَ: لَا تسل عَن هواني عَلَيْهِم؛ إِلَّا أَنهم بعثوني إِلَيْك وعرضوني لَا يَدْرُونَ مَا تصنع بِي. فَأمر لَهُ بجائزة وَكِسْوَة وَبعث إِلَى البواب: إِذا مر بك فَاضْرب عُنُقه، وَخذ مَا مَعَه.
(4/86)

فَخرج من عِنْده، فَمر بِرَجُل من نَصَارَى الْعَرَب من غَسَّان فَعرفهُ فَقَالَ: يَا عَمْرو، إِنَّك قد أَحْسَنت الدُّخُول فَأحْسن الْخُرُوج. فَرجع فَقَالَ لَهُ الْملك: مَا ردك؟ قَالَ: نظرت فِيمَا أَعْطَيْتنِي فَلم أَجِدهُ يسع بني عمي، فَأَرَدْت أَن أجيئك بِعشْرَة مِنْهُم تعطيهم هَذِه الْعَطِيَّة، وتكسوهم هَذِه الْكسْوَة، فَيكون مَعْرُوفك عِنْد عشرَة خيرا من أَن يكون عِنْد وَاحِد. قَالَ: صدقت. فاعجل بهم. وَبعث إِلَى البواب أَن خل سَبيله، فَخرج عَمْرو وَهُوَ يلْتَفت حَتَّى إِذا أَمن قَالَ: لَا أَعُود لمثلهَا أبدا. فَمَا فَارقهَا عَمْرو حَتَّى صَالحه، فَلَمَّا أُتِي بالعلج قَالَ: أَنْت هُوَ؟ قَالَ عَمْرو: نعم على مَا كَانَ من غدرك.
أَيمن بن خريم وَمُعَاوِيَة
كَانَت لأيمن بن خُزَيْمٌ الْأَسدي منزلَة عِنْد مُعَاوِيَة، وَكَانَ مُعَاوِيَة قد ضعف عَن النِّسَاء، فَكَانَ يكره أَن يذكر عِنْده رجل يُوصف بِالْجِمَاعِ فَجَلَسَ ذَات يَوْم وفاختة قريبَة مِنْهُ حَيْثُ تسمع الْكَلَام فَقَالَ: يَا أَيمن؛ مَا بَقِي من طَعَامك وشرابك وجماعك وقوتك؟ فَقَالَ: أَنا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ آكل الْجَفْنَة الْكَثِيرَة الدَّرْمَك وَالْقدر، وأشرب الرفد الْعَظِيم وَلَا أنقع بالغمر، وأركض بِالْمهْرِ الأرن مَا أحضر، وأجامع من أول اللَّيْل إِلَى السحر. قَالَ: فغم ذَلِك مُعَاوِيَة، وَكَلَامه هَذَا بأذني فَاخِتَة، فجفاه مُعَاوِيَة. فَشَكا أَيمن ذَلِك إِلَى امْرَأَته فَقَالَت: أذنبت ذَنبا. فوَاللَّه مَا مُعَاوِيَة بعابث وَلَا متجن قَالَ: لَا وَالله إِلَّا كَذَا وَكَذَا. قَالَت: هَذَا وَالله الَّذِي أغضبهُ عَلَيْك قَالَ: فأصلحي مَا أفسدت. قَالَت: كفيتك. فَأَتَت مُعَاوِيَة فَوَجَدته جَالِسا للنَّاس، فَدخلت على فَاخِتَة فَقَالَت: مَالك؟ قَالَت: جِئْت أستعدي على أَيمن. قَالَت: وَمَاله؟ قَالَت: مَا أَدْرِي أرجل هُوَ أم امْرَأَة. وَمَا كشف لي ثوبا مُنْذُ تزَوجنِي. قَالَت: فَأَيْنَ قَوْله لأمير الْمُؤمنِينَ؟ وحكت لَهَا مَا قَالَ. فَقَالَت: ذَاك وَالله الْبَاطِل.
(4/87)

وَأَقْبل مُعَاوِيَة فَقَالَ: من هَذِه عنْدك يَا فَاخِتَة. قَالَت: هَذِه امْرَأَة أَيمن جَاءَت تشكوه. قَالَ: وَمَالهَا؟ قَالَت: زعمت أَنَّهَا لَا تَدْرِي أرجل هُوَ أم امْرَأَة، وَأَنه لم يكْشف لَهَا ثوبا مُنْذُ تزَوجهَا. قَالَ: كَذَاك هُوَ؟ قَالَت: نعم فَفرق بيني وَبَينه فرق الله بَينه وَبَين روحه! قَالَ مُعَاوِيَة: أَو خيرا من ذَلِك، هُوَ ابْن عمك، وَقد صبرت عَلَيْهِ دهراً. فَأَبت فَلم يزل بهَا يطْلب إِلَيْهَا حَتَّى سمحت لَهُ بذلك فَأَعْطَاهَا وَأحسن إِلَيْهَا وعادت منزلَة أَيمن عِنْد مُعَاوِيَة كَمَا كَانَت. كتب الْمُغيرَة بن شُعْبَة إِلَى مُعَاوِيَة حِين كبر وَخَافَ الْعَزْل: أما بعد؛ فَإِنَّهُ قد كَبرت سني، ورق عظمي واقترب أَجلي، وسفهني سُفَهَاء قُرَيْش، فَرَأى أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي عمله موفق. وَكتب إِلَيْهِ مُعَاوِيَة: أما مَا ذكرت من كبر سنك فَإنَّك أكلت سنك عمرك، وَأما مَا ذكرت من اقتراب أَجلك فَإِنِّي لَو كنت أَسْتَطِيع أَن أدفَع الْمنية لدفعتها عَن آل أبي سُفْيَان، وَأما مَا ذكرت من سُفَهَاء قُرَيْش فَإِن حلماء قُرَيْش أنزلوك هَذَا الْمنزل، وَأما مَا ذكرت من الْعَمَل فَضَح رويداً يدْرك الهيجا حمل. فَاسْتَأْذن مُعَاوِيَة 394 فِي الْقدوم فَأذن لَهُ. قَالَ الرّبيع بن هذيم: فَخرج الْمُغيرَة وَخَرجْنَا إِلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ: يَا مُغيرَة كَبرت سنك، واقترب أَجلك، وَلم يبْق مِنْك شَيْء، وَلَا أظنني إِلَّا مستبدلاً بك، قَالَ: فَانْصَرف إِلَيْنَا وَنحن نَعْرِف الكآبة فِيهِ. فَقُلْنَا: مَا تُرِيدُ أَن تصنع؟ قَالَ: ستعلمون ذَلِك. فَأتى مُعَاوِيَة فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ إِن الْأَنْفس يغدى عَلَيْهَا وَيرَاح، وَلست فِي زمن أبي بكر وَلَا عمر، وَقد اجترح النَّاس، فَلَو نصبت لنا علما من بعْدك نصير إِلَيْهِ، مَعَ أَنِّي كنت قد دَعَوْت أهل الْعرَاق إِلَى يزِيد فَرَكبُوا إِلَيْهِ، حَتَّى جَاءَنِي كتابك. قَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد؛ انْصَرف إِلَى عَمَلك فأحكم هَذَا الْأَمر لِابْنِ أَخِيك. قَالَ: فأقبلنا على الْبَرِيد نركض، فَقَالَ: يَا ربيع؛ وضعت وَالله رجله فِي ركاب طَوِيل ألغى على أمة مُحَمَّد. قَالَ: فَذَاك الَّذِي دَعَا مُعَاوِيَة إِلَى الْبيعَة ليزِيد. مر حَاجِب بن حميضة بقاص يقص فِي النجدية بِالْيَمَامَةِ، فَذكر عُثْمَان بن عَفَّان فنال مِنْهُ. فَقَالَ حَاجِب: لعن الله شركما. فَأَخَذُوهُ وَقَالُوا: يَا عَدو الله تلعن مُسلما وتولي كَافِرًا؟ فَقَالَ: لَا تعجلوا. فَأتوا نجدة فأخبروه فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، عُثْمَان شرهما. قَالَ: خلوا أَخَاكُم.
(4/88)

حلف رجل من الْأَعْرَاب بِالْيَمَامَةِ أَلا يكْشف لامْرَأَته ثوبا، فَسَأَلَ القَاضِي فَأمره باعتزالها. فَقَالَت مَرْيَم بنت الْحَرِيش: لتكشف هِيَ ثوبها صاغرة قميئة. فَأمرهَا القَاضِي بذلك. اخْتلف إِبْرَاهِيم بن هِشَام وقرشي فِي حرف، فحكما أَبَا عُبَيْدَة بن مُحَمَّد بن عمار، فَقَالَ: أما أَفرس الْكَلَامَيْنِ فَمَا يَقُول الْأَمِير، وَأما مَا يَقُول النحويون الخبثاء فَمَا يَقُول هَذَا.
حِيلَة رجل
حدث الْمَدَائِنِي أَن مُخَارق بن غفار ومعن بن زَائِدَة فِي فوارس لقيا رجلا بِبِلَاد الشّرك وَمَعَهُ جَارِيَة لم ير مثلهَا شبَابًا وجمالاً، فصاحوا بِهِ أَن خل عَنْهَا وَمَعَهُ قَوس لَهُ فَرمى بَعضهم وجرحه، فهابوا الْإِقْدَام عَلَيْهِ، ثمَّ عَاد ليرمي فَانْقَطع وتره فَأسلم الْجَارِيَة واستند فِي جبل كَانَ قَرِيبا مِنْهُ، فابتدروا الْجَارِيَة وَفِي أذنها قرط فِيهِ درة فانتزعه بَعضهم من أذنها فَقَالَت: وَمَا قدر هَذِه؟ فَكيف لَو رَأَيْتُمْ درتين قلنسوته؟ فَاتَّبعُوهُ فَقَالَ: مالكم؟ ألم أدع لكم بغيتكم؟ قَالُوا: ألق مَا فِي قلنسوتك. فَرفع قلنسوته عَن رَأسه، فَإِذا فِيهَا وتر للقوس قد كَانَ أعده فأنسيه من الدهش. فَلَمَّا رَآهُ عقده فِي قوسه فولى الْقَوْم لَيست لَهُم همة إِلَّا أَن ينجوا بِأَنْفسِهِم وخلوا عَن الْجَارِيَة.
هدبة بن الخشرم وَامْرَأَة عَمه
قدم هدبة بن الخشرم ليقاد بِابْن عَمه زِيَادَة، وَأخذ ابْن زِيَادَة السَّيْف وَقد ضوعفت لَهُ الدِّيَة حَتَّى بلغت مائَة ألف دِرْهَم، فخافت أم الْغُلَام أَن يقبل ابْنهَا الدِّيَة وَلَا يقْتله فَقَالَت: أعْطى الله عهدا لَئِن لم تقتله لأتزوجنه فَيكون قد قتل أَبَاك ونكح أمك. فَقتله.
حِيلَة امْرَأَة
وَحدث الْمَدَائِنِي أَن قوما من الْمُسلمين أَسرُّوا قوما من الرّوم وَكَانَ فيهم فتيَان أخوة فَضربُوا أَعْنَاقهم، وَأخذُوا أمّهم وهم لَا يعرفونها، فأحبت أَن تقتل وَلَا
(4/89)

تبقى بعد وَلها، فَقَالَت للَّذي صَارَت إِلَيْهِ: إِن علمتك شَيْئا تتخذه فَلَا يحيك فِيك السِّلَاح، تخلى سبيلي؟ قَالَ: نعم. فَأخذت أَشْيَاء سترتها عَنهُ فطلت بهَا رقبَتهَا وَقَالَت: دُونك أضْرب وَشد، فَإِن السَّيْف لَا يعْمل 395 فِي فَضرب رقبَتهَا فحز رَأسهَا فَعلم أَنَّهَا خدعته. لما بلغ يزِيد ومروان ابْنا عبد الْملك لعاتكة بنت زيد ين مُعَاوِيَة قَالَ لَهَا عبد الْملك: قد صَار ابناك رجلَيْنِ، فَلَو جعلت لَهما من مَالك مَا يكون لَهما بِهِ فَضِيلَة على أخوتهما. قَالَت: اجْمَعْ لي أهل معدلة من موَالِي ومواليك فَجَمعهُمْ وَبعث مَعَهم روح بن زنباع الجذامي - وَكَانَ يدْخل على نِسَائِهِم - فَدخل كهولتهم وجلتهم وَقَالَ لَهُ: أخْبرهَا برضائي عَنْهَا، وَحسن لَهَا مَا صنعت. فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهَا أَخذ روح فِي ذَلِك فَقَالَت: يَا روح، أَترَانِي أخْشَى على ابْني عيلة وهما ابْنا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أشهدكم أَنِّي قد تَصَدَّقت بِمَالي وضياعي على فُقَرَاء آل أبي سُفْيَان. فَقَامَ روح وَمن مَعَه. فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ عبد الْملك مُقبلا قَالَ: أشهد بِاللَّه لقد أَقبلت بِغَيْر الْوَجْه الَّذِي أَدْبَرت بِهِ. قَالَ: أجل. تركت مُعَاوِيَة فِي الإيوان آنِفا. وَخَبره بِمَا كَانَ. فَغَضب فَقَالَ: مَه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هَذَا الْعقل مِنْهَا فِي ابنيك خير لَهما مِمَّا أردْت. قَالَ الْمَدَائِنِي: أَتَى عَلَيْهِ السَّلَام بِرَجُل ذِي مُرُوءَة قد وَجب عَلَيْهِ حد. فَقَالَ لخصمائه: ألكم شُهُود؟ قَالُوا: نعم. قَالَ: فأتوني بهم إِذا أمسيتم وَلَا تَأْتُونِي بهم إِلَّا معتمين. فَلَمَّا أَمْسوا اجْتَمعُوا فَأتوهُ، فَقَالَ لَهُم عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام: نشدت الله رجلا لله عِنْده مثل هَذَا الْحَد إِلَّا انْصَرف قَالَ: فَمَا بقى أحد فدرأ الْحَد.
الْحجَّاج وَعمارَة بن تَمِيم اللَّخْمِيّ
قَالَ الْمَدَائِنِي: كَانَ الْحجَّاج حسوداً لَا ينشىء صَنِيعَة إِلَّا أفسدها فَلَمَّا وَجه عمَارَة بن تَمِيم اللَّخْمِيّ إِلَى ابْن الْأَشْعَث وَعَاد بِالْفَتْح حسده، فَعرف ذَلِك عمَارَة، وَكره منافرته، وَكَانَ عَاقِلا رَفِيقًا فظل يَقُول: أصلح الله الْأَمِير أَنْت أشرف الْعَرَب، من شرفته شرف، وَمن صغرته صغر، وَمَا ابْن الْأَشْعَث وخلعه حَتَّى استوفد عبد الْملك الْحجَّاج وَسَار عمَارَة مَعَه يلاطفه وَلَا يكاشفه، وَقدمُوا على عبد الْملك، وَقَامَت الخطباء بَين يَدَيْهِ فِي أَمر الْفَتْح، فَقَامَ عمَارَة فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ سل
(4/90)

الْحجَّاج عَن طَاعَتي وبلائي. فَقَالَ الْحجَّاج: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لقد أخْلص الطَّاعَة، وأبلى الْجَمِيل. وَأظْهر الْبَأْس، من أَيمن النَّاس نقيبة، أعفهم سيرة. فَلَمَّا بلغ آخر التقريظ قَالَ عمَارَة: أرضيت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: نعم فرضى الله عَنْك. قَالَ عمَارَة: فَلَا رَضِي الله عَن الْحجَّاج يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلَا حفظه وَلَا عافاه، وَهُوَ الأخرق السيء التَّدْبِير، الَّذِي قد أفسد عَلَيْك الْعرَاق، وألب عَلَيْك النَّاس، وَمَا أتيت إِلَّا من خرقه وَقلة عقله، وفيالة رَأْيه، وجهله بالسياسة، وَلَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مِنْهُ أَمْثَالهَا إِن لم تعزله. فَقَالَ الْحجَّاج: مَه يَا عمَارَة، فَقَالَ: لامه وَلَا كرامه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كل امْرَأَة لي طَالِق وكل مَمْلُوك لي حر إِن سرت تَحت راية الْحجَّاج أبدا. فَقَالَ عبد الْملك: مَا عندنَا أوسع لَك. خطب رجل امْرَأَة فَقَالَت لَهُ: إِن فِي تقززا، وأخاف أَن أرى مِنْك بعض مَا أتقزز مِنْهُ فتنصرف نَفسِي عَنْك. قَالَ الرجل: أَرْجُو أَلا ترى ذَلِك. فَتَزَوجهَا فَمَكثت أَيَّامًا ثمَّ قعد مَعهَا يتغدى فَلَمَّا رفع الخوان تنَاول مَا سقط من الطَّعَام تَحت الخوان فَأَكله، فَنَظَرت إِلَيْهِ وَقَالَت: أما كَانَ يقنعك مَا على الخوان حَتَّى تلْتَقط مَا تَحْتَهُ 396 قَالَ: إِنَّه بَلغنِي أَنه يزِيد فِي الْقُوَّة على الني. .، فَكَانَت بعد ذَلِك تَفْعَلهُ، وتفت الْخبز كَمَا تفت للفروج. قَالَ الْكِنْدِيّ: كَانَ فِيمَا مضى رجل زاهد وَقع عَلَيْهِ من السُّلْطَان طلب، فَبَقيَ مدلها لَا يدْرِي مَا يصنع وَذَاكَ أَنه أذكيت عَلَيْهِ الْعُيُون، وَأخذت لَهُ المراصد، فجَاء إِلَى طنبور فَأَخذه وَلبس ثِيَاب البطالين، وَتعرض لِلْخُرُوجِ من بَاب الْبَلَد، فجَاء إِلَى الْبَاب وَهُوَ يتهادى فِي مشيته كَالسَّكْرَانِ، فَقَالَت الْعُيُون لَهُ عِنْد الْبَاب: من أَنْت؟ قَالَ: من أَنا؟ وَمن ترى أكون؟ أَنا فلَان الزَّاهِد. وَقَالَهُ متهزئاً. فَقَالَ الْقَوْم ضاحكين: مَا أحمقه! وخلوا سَبيله. فَخرج وَنَجَا وَإِنَّمَا فعل ذَلِك لِئَلَّا يكذب.
(4/91)

حِيلَة شُرَيْح لبيع نَاقَة
عرض شُرَيْح نَاقَة للْبيع، فَقَالَ لَهُ المُشْتَرِي: كَيفَ غزارتها؟ قَالَ: احلب فِي أَي إِنَاء شِئْت. قَالَ: فَكيف وثاقها: قَالَ: احْمِلْ على الْحَائِط مَا شِئْت. قَالَ: فَكيف وطاؤها؟ قَالَ: افرش ونم. قَالَ: كَيفَ نجاؤها. قَالَ: هَل رَأَيْت الْبَرْق قطّ؟ قَالَ بَعضهم: ركض رجل دَابَّة وَهُوَ يَقُول: الطَّرِيق، الطَّرِيق. فصدم رجلا لم ينح، فاستعدى عَلَيْهِ، فتخارس الرجل فَقَالَ الْعَامِل: هَذَا أخرس. قَالَ: أصلحك الله. يتخارس عمدا، وَالله مَا زَالَ يَقُول: الطَّرِيق. الطَّرِيق. فَقَالَ الرجل: فَمَا تُرِيدُ وَقد قلت لَك الطَّرِيق؟ قَالَ الْعَامِل: صدق. قَالَ: كَانَت ابْنة عبد الله بن مَعْرُوف عِنْد أبي حرثان فَمَاتَ، وَلم يصل إِلَيْهَا لقوتها، فَتَزَوجهَا أَبُو دلف، فَكَانَت تمانعه سنة لَا يصل إِلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ معقل أَخُوهُ: مَا أَنْت بِرَجُل. وَقد عجزت عَن امْرَأَة. فَقَالَ: أحب أَن تبْعَث جاريتك فُلَانَة تكلمها. فَبعث بهَا وَأمر أَبُو دلف امْرَأَته أَن تلوي العمود فِي عنق الْجَارِيَة إِذا أتتها وتتركه. فَفعلت فَرَجَعت إِلَى معقل فَقَالَ: أشهد أَن أخي مَعْذُور، فَمَا قدر عَلَيْهَا أَبُو دلف حَتَّى احتال عَلَيْهَا، بِأَن قَالَ لَهَا يَوْمًا: مَا أَظُنك ببكر. فأمكنت من نَفسهَا.
حِيلَة سَلامَة الزَّرْقَاء
كَانَ بِالْكُوفَةِ لعبد الْملك بن رامين مولى بشر بن مَرْوَان جَارِيَة يُقَال لَهَا: سَلامَة الزَّرْقَاء. وَكَانَ روح بن حَاتِم المهلبي يهواها وَلَا تهواه، وَيكثر غشيان منزل مَوْلَاهَا، وَكَانَ مُحَمَّد بن جميل يهواها وتهواه، فَقَالَ لَهَا: إِن روح بن حَاتِم قد ثقل علينا. فَقَالَت: فَمَا أصنع؟ قد غمر مولَايَ ببره. قَالَ: احتالي. فَبَاتَ عِنْدهم روح لَيْلَة م اللَّيَالِي فَأخذت سراويله. فغسلته، فَلَمَّا أصبح سَأَلَ عَن سراويله. فَقَالَت: غسلناه. فَظن أَنه قد أحدث فِيهِ فاحتيج إِلَى غسله، واستحيا من ذَلِك، وَانْقطع عَنْهَا، وخلا وَجههَا لِابْنِ جميل.
حِيلَة أحد عُمَّال سُلَيْمَان بن عبد الْملك
لما اسْتخْلف سُلَيْمَان بن عبد الْملك دفع عُمَّال أَخِيه الْوَلِيد إِلَى يزِيد بن الْمُهلب وَأمره ببسط الْعَذَاب عَلَيْهِم، واستخراج المَال مِنْهُم، وَكَانَ فيهم رجل من
(4/92)

بني مرّة فَقَالَ ليزِيد: أما أَنا فلست بِذِي مَال، وَلَا تنْتَفع بتعذيبي وَلَكِن عشيرتي تفكني بِأَمْوَالِهِمْ، فَأذن لي فِي أَن أجول فيهم. فَأذن لَهُ فَقَالَ لَهُم: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أَخَذَنِي بِمَال، وَالْمَال عِنْدِي، وَلَكِن أكره أَن أقرّ بالخيانة، فاضمنوا لَهُ هَذَا المَال عني وأطلقوني من حَبسه، وَلَا غرم عَلَيْكُم فَإِنِّي مضطلع بأَدَاء هَذَا المَال. فَنَهَضَ وُجُوه عشيرته فِي أمره، وضمنوا المَال عَنهُ وأطلقوه، فَلَمَّا أخذُوا بِالْمَالِ قَالُوا للرجل: أد المَال كَمَا زعمت. فَقَالَ: يَا نوكى أتظنون 397 أنني اختنت مَالا تعرضت فِيهِ للمأثم وَسخط الْخَلِيفَة وعقوبته، وأؤديه الْيَوْم طَائِعا، وَقد صيرت مَا أطالب بِهِ فِي أَعْنَاقكُم، لبئس مَا ظننتم اغرموه من أعطياتكم وَأَنا فِيهِ كأحدكم. فَفَعَلُوا ذَلِك وَهُوَ كأحدهم. مر شبيب الْخَارِجِي على غُلَام فِي الْفُرَات مستنقع فِي المَاء فَقَالَ لَهُ شبيب: اخْرُج إِلَيّ أسائلك. فَقَالَ: فَأَنا آمن حَتَّى ألبس ثِيَابِي؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فوَاللَّه لَا ألبسها.
من أَعمال الْمُغيرَة
خرج الْمُغيرَة بن شُعْبَة مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بعض غَزَوَاته، وَكَانَت لَهُ عنزة يتَوَكَّأ عَلَيْهَا فَرُبمَا أثقلته، فَيَرْمِي بهَا على قَارِعَة الطَّرِيق فيمر بهَا الْمَار فيأخذها. فَإِذا صَارُوا إِلَى الْمنزل عرفهَا فَأَخذهَا الْمُغيرَة. فَفطن لَهُ عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ: لأخبرن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَقَالَ: لَئِن أخْبرته لَا ترد ضَالَّة بعْدهَا. فَأمْسك. كَانَ عبد الله بن عَمْرو بن غيلَان على الْبَصْرَة من قبل مُعَاوِيَة، فَخَطب يَوْمًا على منبرها، فَحَصَبه رجل من بني ضبة، فَأمر بِهِ فَقطعت يَده فَأَتَتْهُ بَنو ضبة فَقَالُوا: إِن صاحبنا جنى على نَفسه مَا جنى، وَقد بلغ الْأَمِير فِي عُقُوبَته، وَنحن لَا نَأْمَن أَن يبلغ خَبره أَمِير الْمُؤمنِينَ فتأتي من قبله عُقُوبَة تعم أَو تخص. فَإِن رأى الْأَمِير أَن يكْتب كتابا يخرج بِهِ أَحَدنَا إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنه قطعه على شُبْهَة وَأمر لم يَصح. فَكتب لَهُم بذلك إِلَى مُعَاوِيَة فأمسكوا الْكتاب حَتَّى توجه إِلَى مُعَاوِيَة ووافاه
(4/93)

الضبيون، فَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّه قطع صاحبنا ظلما، وَهَذَا كِتَابه إِلَيْك. فَقَرَأَ الْكتاب وَقَالَ: أما الْقود من عمالي فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ. وَلَكِن إِن شِئْتُم وديت صَاحبكُم. فوداه من بَيت المَال وعزل عبد الله عَن الْبَصْرَة.
الْإِمَارَة وَلَو على الْحِجَارَة
قدم ابْن عَم لكاتب الْحجَّاج عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ أَن يشْغلهُ، فكره الْكَاتِب ذَلِك لسطوة الْحجَّاج، فَلَمَّا فرغ من بِنَاء مَسْجِد وَاسِط أَمر الْكَاتِب أَن يكْتب إِلَى صَاحب الْموصل فِي حمل حَصى رضراضٍ لفرشه، فَكتب الْكتاب، وأنفذ ابْن عَمه فتسلم الْحَصَى، فَلَمَّا حصل فِي الزوارق قَالَ لِلْعَامِلِ: لَيْسَ من الْحَصَى الَّذِي أَرَادَهُ الْأَمِير. قَالَ: وَكَيف هُوَ؟ قَالَ: أمرت أَلا أقبل حَصَاة أكبر من الْأُخْرَى، وَلَا مَا فِيهِ عوج. فَكبر ذَلِك عَلَيْهِ، وَكره سطوة الْحجَّاج فَعرض عَلَيْهِ عشرَة آلَاف دِرْهَم رشوة، فَأبى، فَلم يزل يزِيدهُ إِلَى أَن أعطَاهُ مائَة ألف دِرْهَم، فقبلها وَانْحَدَرَ. فَلَمَّا وافى أخبر ابْن عَمه بذلك، فَقَالَ: حبذا الْإِمَارَة وَلَو على الْحِجَارَة. وَبلغ الْخَبَر الْحجَّاج فَضَحِك وَأَعْجَبهُ فعله، وَأمر لَهُ بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم وولاه عملا جَلِيلًا. قتل رجل نَصْرَانِيّا، فَعرض على أَخِيه الدِّيَة فَلم يقبلهَا، وَكَانَ الرجل صديقا لبشر المريسي، فَقَالَ بشر لِلنَّصْرَانِيِّ: إِن لم تقم شَاهِدين عَدْلَيْنِ يَشْهَدَانِ أَن أَخَاك لم يزل يُؤَدِّي الْجِزْيَة إِلَى أَن مَاتَ لم تجب لَك الدِّيَة. فَانْقَطع وطل دَمه. وَمن نَوَادِر الْأَعْمَش أَن أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور وَجه ببدرة، وَأمر بِأَن تدفع إِلَى أفقه أهل الْكُوفَة، فَأتى بهَا أَبُو حنيفَة وَابْن أبي ليلى فَلم يعرضا لَهَا وأتى الْأَعْمَش فَقَالَ للرسول: هَاتِهَا. فَقَالَ: حجتك. قَالَ: تسْأَل أَبَا حنيفَة وَابْن أبي ليلى عَن أفقه 398 أهل الْكُوفَة بعدهمَا فَإِنَّهُمَا يدلانك عَليّ، فتجيز شَهَادَتهمَا لي وتبطلها لأنفسهما فَأتى الرجل الْمَنْصُور فَأخْبرهُ فَقَالَ: صدق. حكى عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ: قدم مُعَاوِيَة الْمَدِينَة، فَدخل الْمَسْجِد وَسعد بن أبي وَقاص جَالس إِلَى ركن الْمِنْبَر فَصَعدَ مُعَاوِيَة الْمِنْبَر فَجَلَسَ فِي مجْلِس النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ لَهُ سعد: يَا مُعَاوِيَة؛ أجهلت فنعلمك، أم جننت فنداويك؟ فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاق؛ إِنِّي قدمت على قوم على غير تأهب لَهُم، وَأَنا باعث إِلَيْهِم بأعطياتهم
(4/94)

إِن شَاءَ الله. فَسمع النَّاس كَلَام مُعَاوِيَة وَلم يسمعوا كَلَام سعد وَانْصَرف النَّاس وهم يَقُولُونَ: كَلمه سعد فِي الْعَطاء فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ. قيل: جَاءَ مازيار لعبد الله بن طَاهِر فَأعلمهُ أَن بازياً لَهُ انحط على عِقَاب فَقَتلهَا. فَقَالَ: إِنَّه هُوَ قتل الْعقَاب. قَالَ: اقتله فَإِنِّي لَا أحب لشَيْء أَن يجترئ على مَا فَوْقه. أَرَادَ أَن يبلغ ذَلِك الْمَأْمُون فيحظى عِنْده ويسكن إِلَى جَانِبه. لما عزل أَحْمد بن عُثْمَان عَن قَضَاء أَصْبَهَان تعرض لَهُ رجل وَقت خُرُوجه فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي أراحنا من بغضك. فَأمر بحبسه وَقَالَ لشهود كَانُوا مَعَه: اشْهَدُوا أَن هَذَا فِي حبسي بِحَق وَجب عَلَيْهِ. فَكَانَ كلما ورد قَاض وفتش عَن المحبسين لم يعرف ذَلِك الْحق الَّذِي حبس بِهِ فَبَقيَ على ذَلِك زَمَانا حَتَّى توصل إِلَى تنجز كتاب مِنْهُ بعد حِين فَأَطْلقهُ. شهد رجل عِنْد سوار على آخر فَقَالَ سوار: أَظن الحكم قد توجه عَلَيْك فَقَالَ: أتجيز شَهَادَة رجل مَمْدُود؟ فَقَالَ سوار: أتارس أم رامح؟ فَقَالَ: تارس، فَقَالَ: ذَلِك شَرّ. سأعيد الْمَسْأَلَة عَنهُ ونما أَرَادَ أَنه مأبون. فتعجب من حضر من حِيلَة الرجل وفطنة سوار. هم الْأزَارِقَة بقتل رجل فَنزع ثَوْبه واتزر ولبى وَأظْهر الْإِحْرَام فَخلوا سَبيله لقَوْل الله جلّ وَعز: " لَا تحلوا شَعَائِر الله " غضب الْمَأْمُون على رجل وَقَالَ: لأَقْتُلَنك ولآخذن مَالك. اقْتُلُوهُ. فَقَالَ أَحْمد بن دؤاد: إِذا قتلته فَمن أَيْن تَأْخُذ المَال؟ قَالَ: من ورثته. فَقَالَ: إِذا تَأْخُذ مَال الْوَرَثَة، المَال للْوَرَثَة، وأمير الْمُؤمنِينَ يَأْبَى ذَلِك. فَقَالَ: يُؤَخر حَتَّى يستصفى مَاله. فانقرض الْمجْلس وَسكن غَضَبه وتوصل إِلَى خلاصه.
نصيحة أَحْمد بن أبي خَالِد
لما حبس الْمَأْمُون إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي عِنْد أَحْمد بن أبي خَالِد أَخذ فِي الْعِبَادَة وَالصَّلَاة، فَدخل إِلَيْهِ أَحْمد وَقَالَ: أمجنون أَنْت؟ أَتُرِيدُ أَن يَقُول الْمَأْمُون: هُوَ يتصنع للنَّاس. فيقتلك. قَالَ: فَمَا الرَّأْي؟ قَالَ: أَن تشرب وتطرب وتستحضر
(4/95)

القيان. فَأخذ فِي ذَلِك وَدخل أَحْمد على الْمَأْمُون فَقَالَ لَهُ: مَا خبر الغادر؟ فَقَالَ: أصون سمع أَمِير الْمُؤمنِينَ عَمَّا هُوَ فِيهِ من الخسارة وَالشرب. فَقَالَ: وَالله لقد شوقتني إِلَيْهِ. وَصَارَ ذَلِك أحد أَسبَاب الرِّضَا عَنهُ. قيل: إِن المعذل مر بِقوم وَسلم فَلم يُجِيبُوهُ. فَقَالَ: لَعَلَّكُمْ تظنون مَا يُقَال من الرَّفْض. اعلموا أَن أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وعلياً من تنقص وَاحِدًا مِنْهُم فَهُوَ كَافِر وَامْرَأَته طَالِق. فسر الْقَوْم ودعوا لَهُ. فَقَالَ بعض أَصْحَابه: وَيحك مَا هَذِه الْيَمين؟ فَقَالَ: إِنِّي أردْت بِقَوْلِي وَاحِدًا مِنْهُم عَليّ بن أبي طَالب وَحده.
انتقام كسْرَى من قَاتله
لما أَرَادَ شيرويه قتل أَبِيه وَجه إِلَيْهِ من يقْتله فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ لَهُ كسْرَى: إِنِّي أدلك على شَيْء لوُجُوب حَقك عَليّ يكون فِيهِ غناك. . قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: الصندوق الْفُلَانِيّ. فَذهب الرجل إِلَى شيرويه فَأخْبرهُ الْخَبَر فَأخْرج الصندوق 399 فَإِذا فِيهِ ربعَة وَفِي الربعة حق وعَلى الْحق مَكْتُوب: فِيهِ حب من أَخذ مِنْهُ وَاحِدَة افتض عشرَة أبكار، وَكَانَ أمره فِي الباه كَذَا وَكَذَا. فَأخذ شيرويه مِنْهُ حَبَّة كَانَ هَلَاكه مِنْهَا. فَكَانَ أول ميت أَخذ ثَأْره من قَاتله.
حِيلَة مولى لسَعِيد بن الْعَاصِ
وَمرض مولى لسَعِيد بن الْعَاصِ. وَلم يكن لَهُ من يَخْدمه وَيقوم بأَمْره، وَلَا يجد أَيْضا مَا يحْتَاج إِلَيْهِ. فَبعث إِلَى سعيد، فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ لَهُ: إِنَّه لَيْسَ لي وَارِث غَيْرك، وَهَا هُنَا ثَلَاثُونَ ألف دِرْهَم مدفونة، فَإِذا مت فَخذهَا بَارك الله لَك فِيهَا. فَقَالَ سعيد حِين خرج من عِنْده: مَا أرانا إِلَّا وَقد أسأنا إِلَى مَوْلَانَا وقصرنا فِي تعاهده وَهُوَ من شُيُوخ موالينا. فَبعث إِلَيْهِ وتعاهده ووكل بِهِ من يَخْدمه. فَلَمَّا مَاتَ كَفنه وَشهد جنَازَته فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْبَيْت أَمر بِأَن يحْفر الْموضع فَلم يجد شَيْئا. وَجَاء صَاحب الْكَفَن فطالب بِالثّمن فَقَالَ: وَالله لقد هَمَمْت أَن أنبش عَن ابْن الفاعلة. بعث يزِيد بن مُعَاوِيَة عبيد الله بن عضاه الْأَشْعَرِيّ إِلَى ابْن الزبير فَقَالَ لَهُ: إِن أول أَمرك كَانَ حسنا فَلَا تفسده بِآخِرهِ. فَقَالَ ابْن الزبير: إِنَّه لَيست ليزِيد فِي عنقِي
(4/96)

بيعَة. قَالَ لَهُ: وَلَو كَانَت أَكنت تفي بهَا؟ قَالَ: نعم. قَالَ: يَا معشر الْمُسلمين قد سَمِعْتُمْ مَا قَالَ، وَقد بايعتم ليزِيد، وَهُوَ يَأْمُركُمْ بِالرُّجُوعِ عَن بيعَته. وَقَالَ ابْن الزبير لامْرَأَة فِي كَلَام جرى: أَخْرِجِي المَال من تَحت استك. فَقَالَت لمن حضر: أَسأَلكُم بِاللَّه هَذَا من كَلَام الْخُلَفَاء؟ فَقَالَ بَعضهم: لَا. فَقَالَت لِابْنِ الزبير: كَيفَ رَأَيْت هَذَا الْخلْع الْخَفي.
فَتْوَى لأبي حنيفَة
جَاءَت امْرَأَة إِلَى أبي حنيفَة فَقَالَت: إِن زَوجي حلف بطلاقي إِن أطبخ قدرا أطرح فِيهِ مكوكاً من الْملح فَلَا يتَبَيَّن طعم الْملح فِيمَا يُؤْكَل مِنْهَا. فَقَالَ لَهَا: خذي قدرا واجعلي فِيهَا المَاء واطرحي فِيهَا مكوك ملح، واطرحي فِيهَا بيضًا واسلقيه، فَإِنَّهُ لَا يُوجد طعم الْملح فِي الْبيض. افتعل رجل كتابا عَن الْمَأْمُون إِلَى مُحَمَّد بن الجهم فِي دفع مَال إِلَيْهِ، فارتاب بِهِ مُحَمَّد، وَأدْخلهُ على الْمَأْمُون. فَقَالَ الْمَأْمُون: مَا أذكر هَذَا. فَقَالَ الرجل: أكل مَعْرُوفك تذكر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: فَلَعَلَّ هَذَا مِمَّا نسيت وَقد فعلت. قَالَ: ادْفَعْ إِلَيْهِ يَا مُحَمَّد مَا فِي الْكتاب. كَانَ حوثة الضمرِي صديقا لعبد الْملك وَخرج مَعَ ابْن الزبير فَلَمَّا قتل ابْن الزبير استاء من النَّاس وأحضر حوثة فَقَالَ لَهُ عبد الْملك: كنت مني بِحَيْثُ علمت فأعنت ابْن الزبير. قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ هَل رَأَيْتنِي قطّ فِي حَرْب أَو سباق أَو نضال إِلَّا والفئة مغلوبة بحرقي، وَإِنَّمَا خرجت مَعَ ابْن الزبير لتغلبه بِي على رسمي. فَضَحِك عبد الْملك وَقَالَ: قد وَالله كذبت وَلَكِنِّي قد عَفَوْت عَنْك.
(4/97)

قَالَت خيرة بنت ضَمرَة القشيرية امْرَأَة الْمُهلب للمهلب: إِذا انصرفت من الْجُمُعَة فَأحب أَن تمر بأهلي. فَقَالَ: إِن أَخَاك أَحمَق. قَالَت: فَأحب أَن تمر بِنَا. فجَاء وأخوها جَالس فَلم يتوسع لَهُ فَجَلَسَ الْمُهلب نَاحيَة ثمَّ أقبل عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا فعل ابْن عمك فلَان؟ قَالَ: حَاضر. قَالَ: أرسل إِلَيْهِ. فَفعل فَلَمَّا نظر إِلَى الْمُهلب غير مَرْفُوع الْمجْلس قَالَ: يَا بن اللخناء؛ الْمُهلب جَالس نَاحيَة، وَأَنت فِي صدر الْمجْلس وواثبه. فَتَركه الْمُهلب وَانْصَرف فَقَالَت لَهُ خيرة: أمررت بأهلي؟ قَالَ: نعم وَتركت أَخَاك الأحمق يضْرب.
أَسمَاء لمُحَمد بن خَارِجَة وَالْحجاج
قَالُوا: إِن الْحجَّاج بن يُوسُف قَالَ ذَات يَوْم لمُحَمد بن عُمَيْر بن عُطَارِد: اطلب 401 لي امْرَأَة حسيبة أَتَزَوَّجهَا: قَالَ: طلبتها إِن زوجتها. قَالَ: وَمن هَذَا الَّذِي يمْتَنع من تزويجي؟ قَالَ: أَسمَاء بن خَارِجَة. يَدعِي لَا أَنه كُفْء لبنَاته إِلَّا الْخَلِيفَة. قَالَ: فأضمرها الْحجَّاج إِلَى أَن دخل إِلَيْهِ أَسمَاء فَقَالَ: مَا هَذَا الْفَخر والتطاول؟ قَالَ: أَيهَا الْأَمِير؛ إِن تَحت هَذَا سَببا. قَالَ: بَلغنِي أَنَّك تزْعم أَن لَا كُفْء بناتك إِلَّا الْخَلِيفَة. فَقَالَ: وَالله مَا الْخَلِيفَة بِأحب أكفائهن إِلَيّ، ولنظرائي من الْعَشِيرَة أحب إِلَيّ مِنْهُ، لِأَن من خالطني مِنْهُم حفظني فِي حرمتي، وَإِن لم يحفظني قدرت على أَن أنتصف مِنْهُ. والخليفة لَا نصف مِنْهُ إِلَّا بمثيئته، وحرمته مضيمة مطرحة يقدم عَلَيْهَا من لَيْسَ مثلهَا، ولسان ناصرها أقطع. قَالَ: فَمَا تَقول فِي الْأَمِير؟ فَإِن الْأَمِير خَاطب هندا. قَالَ: قد زَوجته إِيَّاهَا بِصَدَاق نسائها. وحولها إِلَيْهِ. فَلَمَّا أَتَى على الحَدِيث حولان دخل إِلَى الْحجَّاج فَقَالَ: هَل أَتَى الْأَمِير ولد، نسر وَنَحْمَد الله على هِبته. قَالَ: أما من هِنْد فَلَا. قَالَ: ولد الْأَمِير من هِنْد وَغير هِنْد عِنْدِي بِمَنْزِلَة. قَالَ: وَالله إِنِّي لأحب ذَلِك من هِنْد. قَالَ: فَمَا يمْنَع الْأَمِير من الضّر، فَإِن الْأَرْحَام تتغاير. قَالَ: أَو تَقول هَذَا القَوْل وَعِنْدِي هِنْد؟ قَالَ: أحب أَن يفشو نسل الْأَمِير. قَالَ: فَمِمَّنْ؟ قَالَ: على الْأَمِير بِهَذَا الْحَيّ من تَمِيم، فنساؤهم مناجيب. قَالَ: فأيهن؟ قَالَ: ابْنة مُحَمَّد بن عُمَيْر. قَالَ: إِنَّه يزْعم أَن لَا فارغة لَهُ. قَالَ: فَمَا فعلت فُلَانَة ابْنَته؟
(4/98)

فَلَمَّا دخل إِلَيْهِ مُحَمَّد بن عُمَيْر قَالَ: أَلا تزوج الْأَمِير؟ قَالَ: لَا فارغة لي: قَالَ: فَأَيْنَ فُلَانَة؟ قَالَ: زوجتها من ابْن أخي البارحة. قَالَ: أحضر ابْن أَخِيك؛ فَإِن أقرّ بهَا ضربت عُنُقه. فجيء بِابْن أَخِيه، وَقد أبلغ مَا قَالَ الْحجَّاج. فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ قَالَ: بَارك الله لَك يَا فَتى. قَالَ: فِي مَاذَا؟ قَالَ: فِي مصاهرتك لعمك البارحة. قَالَ: مَا صاهرته البارحة وَلَا قبلهَا. قَالَ: فَانْصَرف راشداً. وَلم ينْصَرف مُحَمَّد حَتَّى زوجه ابْنَته. وَحضر بعد ذَلِك من الْأَيَّام جمَاعَة من الْأَشْرَاف بَاب الْحجَّاج فحجب الْجَمِيع غير أَسمَاء وَمُحَمّد. فَلَمَّا دخلا قَالَ: مرْحَبًا بصهري الْأَمِير سلاني مَا تريدان أسعفكما فَلم يبقيا عانياً إِلَّا أطلقاه، وَلَا مجمراً إِلَّا أقفلاه. فَلَمَّا خرجا أتبعهما الْحجَّاج بِمن يحفظ كَلَامهمَا. فَلَمَّا فارقا الدَّار ضرب أَسمَاء يَده على كتف مُحَمَّد وَأَنْشَأَ يَقُول: جزيتك مَا أسديته بِابْن حَاجِب ... وَفَاء كعرف الديك أوقذة النسْر فِي أَبْيَات كَثِيرَة. فَعَاد الرجل فَأخْبر الْحجَّاج فَقَالَ: لله در ابْن خَارِجَة! إِذا وزن بِالرِّجَالِ رجح.
حكم مُعَاوِيَة فِي خُصُومَة
حُكيَ عَن عبد الله بن جَعْفَر أَنه قَالَ: كَانَ عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام لَا يحضر الْخُصُومَات وَيَقُول: إِن لَهَا قحماً وَإِن الشَّيْطَان يحضرها. فَكَانَ قد جعل خصومته إِلَى أَخِيه عقيل فَلَمَّا كبر ورق حولهَا إِلَيّ، فَكَانَ إِذا دخلت عَلَيْهِ خُصُومَة أَو نوزع فِي شَيْء قَالَ: عَلَيْكُم بِابْن جَعْفَر فَمَا قضي عَلَيْهِ فعلي، وَمَا قضى لَهُ فلي. قَالَ: فَوَثَبَ طَلْحَة بن عبيد الله على ضفيرة كَانَ عَليّ ضفرها، وَكَانَ لَهُ إِحْدَى عدوتي الْوَادي وَكَانَت الْأُخْرَى لطلْحَة. فَقَالَ طَلْحَة: حمل عَليّ السَّيْل وأضر بِي. قَالَ: قاختصمنا فِيهَا إِلَى عُثْمَان فَلَمَّا كثر الْكَلَام فِيهَا منا قَالَ: إِنِّي أركب مَعكُمْ فِي موكب من الْمُسلمين غَدا، فَإِن رَأَيْت ضَرَرا أَخَّرته. قَالَ: فَركب وركبنا وَمَعَهُ وَمُعَاوِيَة فِي قدمة عَلَيْهِ من الشَّام فو الله لكَأَنِّي أنظر 401 إِلَيْهِ على بغلة لَهُ بَيْضَاء يعنق أَمَام الموكب وَنحن نتداول الْخُصُومَة وَإِذ رمي
(4/99)

مُعَاوِيَة بِكَلِمَة عرفت أَنه ردفني بهَا قَالَ: يَا هَذَانِ؛ إنَّكُمَا قد أكثرتما. أرأيتما هَذِه الضفيرة أَكَانَت فِي زمن عمر الْخطاب؟ قَالَ: فلقننيها. فَقلت: نعم، وَالله إِن كَانَت فِي زمن عمر. قَالَ: فَقَالَ الموكب جَمِيعًا: فَلَا وَالله لَو كَانَ ضَرَرا مَا أقره عمر. فَالله يعلم مَا انتهينا إِلَيْهَا حَتَّى يرد عَلَيْهِ الْقَضَاء إِن قيل: إِن كَانَت لفي زمن عمر. فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهَا عُثْمَان قَالَ: وَالله مَا أرى ضَرَرا. وَقد كَانَت فِي زمن عمر وَلَو كَانَ ظلما مَا أقره. خرج رجل من بني سليم على الْمَنْصُور فظفر بِهِ فَأمر أَن يضْرب بالسياط. فَلَمَّا أقيم بَين العاقبين. قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن عقوبتي تجل عَن السِّيَاط، وعفوك يجل عَن التثريب. فإمَّا عاقبتني عُقُوبَة مثلى وَإِمَّا عَفَوْت عَفْو مثلك. قَالَ: قد عَفَوْت. وخلاه. أَتَى زِيَاد بِرَجُل فَأمر بِضَرْب عُنُقه. فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير؛ إِن لي بك حُرْمَة قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: كَانَ أبي جَارك بِالْبَصْرَةِ. فَقَالَ: وَمن أَبوك؟ قَالَ: قد وَالله نسيت اسْم نَفسِي، فَكيف اسْم أبي؟ قَالَ: فَرد زِيَاد كمه إِلَى فَمه وَضحك وخلى سَبيله.
أَبُو الْعُرْيَان يُغير قَوْله فِي زِيَاد
مر زِيَاد بِأبي الْعُرْيَان فَقَالَ: من هَذَا؟ فَقَالُوا: زِيَاد بن أبي سُفْيَان. فَقَالَ: رب أَمر قد نقضه الله، وَعبد قد رده الله. فَسَمعَهَا زِيَاد فكره الْإِقْدَام عَلَيْهِ وَكتب بهَا إِلَى مُعَاوِيَة، فَأمره بِأَن يبْعَث إِلَيْهِ بِأَلف دِينَار، ويمر بِهِ وَيسمع مَا يَقُول. فَفعل زِيَاد ذَلِك، وَمر بِهِ فَقَالَ من هَذَا؟ قَالُوا: زِيَاد. فَقَالَ: رحم الله أَبَا سُفْيَان، لكأنها تسليمته ونغمته. فَكتب بهَا زِيَاد إِلَى مُعَاوِيَة فَكتب إِلَى أبي الْعُرْيَان: مَا لبثتك دنانيراً رشيت بهَا ... أَن لونتك أَبَا الْعُرْيَان ألوانا فَدَعَا أَبُو الْعُرْيَان ابْنه وأملى عَلَيْهِ إِلَى مُعَاوِيَة: من يسد خيرا يجده حَيْثُ يَطْلُبهُ ... أَو يسد شرا يجده حَيْثُمَا كَانَا تقدم رجل إِلَى سوار، وَكَانَ سواراً لَهُ مبغضاً فألح عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ سوار فِي بعض مخاطبته: يَا بن اللخناء. فَقَالَ: ذَاك خصمي. فَقَالَ الْخصم: أعدني عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ الرجل: خُذ لَهُ بِحقِّهِ وَخذ لي بحقي. ففهم وَسَأَلَهُ أَن يغْفر لَهُ.
(4/100)

قَالَ عبيد الله بن زِيَاد بن ظبْيَان: إيَّاكُمْ والطمع؛ فَإِنَّهُ دناءة. وَالله لقد رَأَيْتنِي على بَاب خَاصَّة الْحجَّاج، فَأَرَدْت أَن أعلوه بِالسَّيْفِ فَقَالَ: يَا بن ظبْيَان هَل لقِيت يزِيد بن أبي مُسلم قلت: لَا. قَالَ: فألقه فَإنَّا قد أمرناه أَن يعطيك عَهْدك على الرّيّ. قَالَ: فطمعت فكففت. فإياكم والطمع فَإِنَّهُ دناءة. وَكَأن الْحجَّاج فطن لما أَرَادَ عبيد الله فاحتال بِهَذَا الْكَلَام أَن يردهُ عَن نَفسه، وَلم يكن تقدم فِي بَابه وَفِي تَوليته بِشَيْء.
حِيلَة الحلاج
قَالُوا: لما حبس الحلاج عِنْد القشوري مرض ابْن لَهُ، واشتهى التفاح الشَّامي، وَكَانَ لَا يصاب لفوت أَوَانه، فتلطف الحلاج واحتال حَتَّى سَأَلَهُ القشوري تفاحة شامية. قصد بهَا ليعرف أَمر الحلاج فِي صدقه وَكذبه، وَأَرَادَ أَيْضا بُلُوغ مُرَاده فِي وَلَده. وَكَانَ الحلاج قد أعد تفاحة لذَلِك فحين سَأَلَهُ أَوْمَأ بِيَدِهِ هَكَذَا وأعادها بتفاحة. وتناولها القشوري يقبلهَا ويتعجب مِنْهَا والحلاج يَقُول: السَّاعَة قطعتها من شجر الْجنَّة قَالَ القشوري 402: إِنِّي أرى فِي مَوضِع مِنْك عَيْبا. قَالَ الحلاج غير مطرق وَلَا مكترث: أما علمت أَنَّهَا إِذا خرجت من دَار الفناء، لحقها جُزْء من الْبلَاء. فَكَانَ جَوَابه أحسن من فعله وحيلته.
عَفْو مُصعب بن الزبير
أَتَى مُصعب بن الزبير بِرَجُل من أَصْحَاب الْمُخْتَار، فَأمر بِضَرْب عُنُقه فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير؛ مَا أقبح بك أَن أقوم يَوْم الْقِيَامَة إِلَى صُورَتك هَذِه الْحَسَنَة، ووجهك هَذَا الَّذِي يستضاء بِهِ، فأتعلق بأطرافك وَأَقُول: يَا رب؛ سل مصعباً لماذا قتلني؟ فَقَالَ: أَطْلقُوهُ. فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير، اجْعَل مَا وهبت لي من حَياتِي فِي خفض
(4/101)

عَيْش. قَالَ: أَعْطوهُ مائَة ألف دِرْهَم. قَالَ: بِأبي وَأمي أشهد الله أَنِّي قد جعلت مِنْهَا لِابْنِ قيس الرقيات خمسين ألفا. قَالَ: وَلم؟ قَالَ: لقَوْله فِيك: إِنَّمَا مُصعب شهَاب من الل ... هـ تجلت عَن وَجهه الظلماء فَضَحِك مُصعب وَقَالَ: فِيك مَوضِع للصنيعة وَأمره. بملازمته. خَاصم رجل رجلا إِلَى إِيَاس بن مُعَاوِيَة وَهُوَ قَاضِي الْبَصْرَة فَطلب مِنْهُ الْبَيِّنَة فَلم يَأْته بمقنع فَقيل لَهُ: استجر بوكيع بن أبي سود حَتَّى يشْهد لَك. فَإِن إياساً لَا يجترئ على رد شَهَادَته فَفعل فَقَالَ وَكِيع: وَالله لأشهدن لَك، فَإِن رد شهادتي لأعممنه السَّيْف. فَلَمَّا طلع وَكِيع فهم إِيَاس، فأقعده إِلَى جَانِبه ثمَّ سَأَلَهُ عَن حَاجته فَقَالَ: جِئْت شَاهدا. فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْمطرف، أَتَشهد كَمَا تفعل الموَالِي والعجم؟ أَنْت تجل عَن هَذَا. قَالَ: إِذا وَالله لَا أشهد. فَقيل لوكيع بعد أَيَّام: إِنَّمَا خدعك. فَقَالَ: أولى لِابْنِ اللخناء.
عدي بن حَاتِم والوليد بن عقبَة
قَالُوا: كَانَ الْوَلِيد بن عقبَة أشعر بركاً لِأَنَّهُ كَانَ كثير شعر الصَّدْر، فَقَالَ عدي بن حَاتِم يَوْمًا: أَلا تعْجبُونَ لهَذَا؟ أشعر بركاً يُولى مثل هَذَا الْمصر؟ وَالله مَا يحسن أَن يقْضى فِي تمرتين. فَبلغ ذَلِك الْوَلِيد فَقَالَ على الْمِنْبَر: أنْشد الله رجلا سماني أشعر بركاً إِلَّا قَامَ. فَقَامَ عدي بن حَاتِم فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير، إِن الَّذِي يقوم فَيَقُول أَنا سميتك أشعر بركاً لجريء فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ أَبَا طريف فقد برأك الله مِنْهَا. فَجَلَسَ وَهُوَ يَقُول: وَالله مَا برأني الله مِنْهَا.
الْمَنْصُور وَابْن المقفع
لما كتب الْمَنْصُور أَمَان عبد الله بن عَليّ واستقصى ابْن المقفع وَكَانَ كَاتب
(4/102)

أَخِيه سُلَيْمَان بن عَليّ - وأكد سُلَيْمَان وأخوته الْإِيمَان والعهود على الْمَنْصُور فِي أَمَانه. قَالَ لَهُم الْمَنْصُور: هَذَا لَازم لي إِذا وَقعت عَيْني عَلَيْهِ. فَلَمَّا أَدخل دَاره تقدم حَتَّى عدل بِهِ، وَلم يره الْمَنْصُور فحبس. فَكتب من الْحَبْس إِلَى إخْوَته: هَذِه حِيلَة جرت عَليّ بكم ومنكم فاحتالوا لي فِيهَا. وَلما كتب الْمَنْصُور إِلَى عَامله بِالْبَصْرَةِ بِحَبْس ابْن المقفع وَقَتله جَاءَ عمومته وأحضروا الشُّهُود بِأَن ابْن المقفع دخل إِلَى دَار الْوَالِي وَلم يخرج مِنْهَا وطالبوه بالقود مِنْهُ. قَالَ الْمَنْصُور: إِن أَنا أقدت من عَامِلِي وقتلته ثمَّ خرج عَلَيْكُم ابْن المقفع من هَذَا الْبَاب، من الَّذِي يرضى بِأَن أَقتلهُ بعاملي قوداً مِنْهُ؟ فَسكت الْقَوْم وأهدر دم ابْن المقفع.
حِيلَة أبي حنيفَة
وَلما دخل الضَّحَّاك بن قيس الشَّيْبَانِيّ الْخَارِجِي الْكُوفَة قيل لَهُ: لم تقتل أهل الْأَطْرَاف ومعك بِالْكُوفَةِ أصل الإرجاء أَبُو حنيفَة. فَأرْسل إِلَيْهِ 403 فَأحْضرهُ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: اضربوا عُنُقه. من قبل أَن يكلمهُ. فَقَالَ أَبُو حنيفَة: كفرت. قَالَ: وَلم؟ قَالَ: تقتل رجلا لم تسمع كَلَامه. قَالَ: مَا تَقول فِي الْإِيمَان؟ قَالَ: هُوَ قَول، قَالَ: قد صَحَّ كفرك. اضربوا عُنُقه. قَالَ: تضرب عنق رجل لم تستتبه. قَالَ: فَمَا تَقول؟ قَالَ: أَنا تائب. فَتَركه.
حِيلَة بكر بن وَائِل
قَالَ الْأَصْمَعِي: وَفد بكر بن وَائِل وخاله تَمِيم بن مر على ملك من مُلُوك
(4/103)

الْيمن، فَكَانَ يقدم بكرا فَقَالَ تَمِيم: أَيهَا الْملك؛ إِن هَذَا ابْن أُخْتِي فَلَا تعطه شَيْئا إِلَّا أَعْطَيْتنِي مثله. قَالَ: فَقَالَ بكر: أَيهَا الْملك، خَالِي هَذَا أَسْوَأ النَّاس ظنا فَلَا تعطني عَطِيَّة إِلَّا أضعفتها لَهُ. فَقَالَ: نعم. فَفعل فَلَمَّا رَضِي تَمِيم قَالَ بكر: أُرِيد أَن تقلع إِحْدَى عَيْني وتقلع عَيْني تَمِيم. فَرجع هَذَا أَعور وَذَاكَ أعمى.
حِيلَة مُعَاوِيَة فِي بيعَة يزِيد
قَالَ سعيد بن جُبَير: لما حج مُعَاوِيَة وَقد ذكر بيعَة يزِيد فَقَالَ: قد اجْتمع النَّاس غير أَرْبَعَة: الْحُسَيْن بن عَليّ وَابْن عمر وَابْن الزبير وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر فَأرْسل إِلَيْهِم فِي ذَلِك، وَقَالَ: من يرد عَليّ فِي ذَلِك؟ فَقَالُوا: يرد ابْن الزبير. فَقَالَ مُعَاوِيَة لَهُم: مَا تَقول؟ قَالَ: اختر منا ثَلَاث خِصَال: سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو سنة أَبُو بكر، أَو سنة عمر. أما النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فتوفى وَلم يسْتَخْلف أحدا، فَاجْتمع الْمُسلمُونَ على أفضلهم أبي بكر، وَاخْتَارَ هُوَ خَيرهمْ عمر، ثمَّ جعلهَا عمر شُورَى، وَله يَوْمئِذٍ ولد خير من ولدك مِمَّن صحب النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَهَاجَر فَلم يفعل ذَلِك. وَأَنت أَخْبَرتنِي يَا مُعَاوِيَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِذا بُويِعَ لخليفتين فَاقْتُلُوا الْأَخير مِنْهُمَا. فَلَمَّا رأى مُعَاوِيَة ذَلِك قَالَ: تَسْمَعُونَ لي وتطيعون؟ قَالُوا: نعم. فَخَطب فَقَالَ: إِن هَؤُلَاءِ الْقَوْم قد بايعوني على مَا أردْت. ثمَّ انحدر فَركب رواحله وَانْطَلق فَحسب النَّاس أَنهم قد بَايعُوهُ.
حِيلَة مُعَاوِيَة فِي أَمر ابْن الزبير
كتب ابْن الزبير إِلَى مُعَاوِيَة: قد علمت أَنِّي صَاحب الدَّار وَأَنِّي الْخَلِيفَة بعد عُثْمَان وَلَأَفْعَلَن وَلَأَفْعَلَن. فَقَالَ مُعَاوِيَة ليزِيد: مَا ترى؟ قَالَ: أرى: وَالله أَن لَو كنت أَنْت وَابْن الزبير على سَوَاء مَا كَانَ يَنْبَغِي أَن ترْضى بِهَذَا. قَالَ: فَمَا ترى؟ قَالَ: أرى أَن توجه إِلَيْهِ جَيْشًا. قَالَ: إِن أهل الْحجاز لَا يسلمونه فكم ترى أَن أوجه إِلَيْهِ؟ قَالَ: أَرْبَعِينَ ألفا. قَالَ: لهَؤُلَاء دَوَاب، وكل دَابَّة تحْتَاج إِلَى مخلاة. فكم ثمن المخلاة؟ قَالَ: دِرْهَم. فَقَالَ: هَذِه أَرْبَعُونَ ألف دِرْهَم. ثمَّ قَالَ: يَا غُلَام؛ اكْتُبْ إِلَى ابْن الزبير: قد وَجه إِلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ ثَلَاثِينَ ألفا فاستمتع إِلَى أَن يَأْتِيك رَأْيه.
(4/104)

فَكتب إِلَيْهِ ابْن الزبير قد وصل إِلَيْنَا المَال، فوصل أَمِير الْمُؤمنِينَ رحما. فَقَالَ مُعَاوِيَة ليزِيد: قد ربحنا على ابْن الزبير فِي المخالي عشرَة آلَاف.
نصح أبي بكرَة لِأَخِيهِ زِيَاد
اسْتَأْذن زِيَاد مُعَاوِيَة فِي الْحَج فَأذن لَهُ وَبلغ ذَلِك أَبَا بكرَة وَكَانَ أَخَاهُ من أمةٍ اسْمهَا سميَّة وَكَانَ حلف أَلا يكلم زياداً حَيْثُ رَجَعَ عَن الشَّهَادَة على الْمُغيرَة وَألا يظله وإياه سقف بَيت أبدا. فَدخل أَبُو بكرَة دَار الْإِمَارَة على زِيَاد، فَأمر زِيَاد بكرسيين فوضعا فِي صحن الْقصر ليمينه، فَجَلَسَ أَبُو بكرَة على أَحدهمَا وَزِيَاد على الآخر وَمَعَ زِيَاد بني لَهُ حَيْثُ مَشى. فَقَالَ أَبُو بكرَة لِابْنِهِ: تعال يَا بن أخي. فجَاء الصَّبِي فَجَلَسَ فِي حجره فَقَالَ لَهُ: كَيفَ أَنْت؟ كَيفَ أهلك؟ اسْمَع مني يَا بن أخي - وَإِنَّمَا يُريدَان أَن يسمع 404 زياداً - إِن أَبَاك هَذَا أَحمَق، قد فجر فِي الْإِسْلَام ثَلَاث فجرات مَا سمعنَا بمثلهن؛ أما أولَاهُنَّ فجحوده الشَّهَادَة على الْمُغيرَة، وَالله يعلم أَنه قد رأى مَا رَأينَا فكتم، وَقد قَالَ الله: " وَمن يكتمها فَإِنَّهُ آثم قلبه ". فَحَلَفت أَلا ُأكَلِّمهُ أبدا؛ وَأما الْأُخْرَى فانتفاوه من عبيد، وادعاؤه إِلَى أبي سُفْيَان، وَأقسم لَك بِاللَّه - يَا بن أخي - صدقا مَا رأى أَبُو سُفْيَان سميَّة قطّ فِي ليل وَلَا نَهَار، وَلَا فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام؛ وَأما الثَّالِثَة فأعظمهن. إِنَّه يُرِيد أَن يوافي الْعَام الْمَوْسِم، وَأم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان زوج النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام تَأتي الْمَوْسِم كل عَام، فَإِن هُوَ أَتَاهَا فَأَذنت لَهُ كَمَا تَأذن الْأُخْت لأَخِيهَا فأعظم بهَا مُصِيبَة على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم! وَإِن هِيَ حَجَبته وتسترت مِنْهُ فأعظم بهَا حجَّة عَلَيْهِ ثمَّ نَهَضَ. فَقَامَ زِيَاد فِي إثره وَأخذ بِقَمِيصِهِ وَقَالَ: جَزَاك الله من أَخ خيرا، فَمَا تركت النَّصِيحَة لأخيك على حَال. وَترك الْحَج. اسْتعْمل عمر الْمُغيرَة بن شُعْبَة على الْبَحْرين ثمَّ عَزله، فَقَالَ دهقان الْقرْيَة لأَهْلهَا - وَكَانَ مُطَاعًا فيهم: اجْمَعُوا لي مائَة ألف دِرْهَم آتِي بهَا عمر فَفَعَلُوا، فَقَالَ عمر: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أودعناه الْمُغيرَة. فَقَالَ عمر للْمُغِيرَة: مَا هَذَا؟ قَالَ: إِنَّهَا
(4/105)

مِائَتَا ألف دِرْهَم. فَقَالَ للدهقان: قد تسمع. فَقَالَ: وَالله مَا أودعنا شَيْئا، إِلَّا أننا خفنا أَن ترده إِلَيْنَا. فَقَالَ عمر للْمُغِيرَة: مَا دعَاك إِلَيّ مَا قلت؟ قَالَ: أَحْبَبْت أَن أخزيه إِذْ كذب عَليّ. كَانَ سعد الْقرظ زنجياً عبدا لعمَّار بن يَاسر، وَكَانَ على نَخْلَة يجتبي مِنْهَا فَسمع الزنج يَتَكَلَّمُونَ فِيمَا بَينهم فَأذن، فَاجْتمع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَصْحَابه فَقَالَ: مَا حملك على الْأَذَان؟ فَقَالَ: خفت عَلَيْك فَأَذنت ليجتمع إِلَيْك أَصْحَابك. فَأمره بعد ذَلِك بِالْأَذَانِ فَكَانَ مُؤذنًا. قَالَ عَبَّاس بن سهل السَّاعِدِيّ: لما ولي عُثْمَان بن حَيَّان المري الْمَدِينَة عرض ذَات يَوْم بِذكر الْفِتْنَة، فَقَالَ لَهُ بعض جُلَسَائِهِ: عَبَّاس بن سهل كَانَ شيعَة لِابْنِ الزبير وَكَانَ قد وَجهه فِي جَيش إِلَى الْمَدِينَة. قَالَ: فتغيظ عَليّ، وآلى ليقتلنني. فبلغني ذَلِك فتواريت عَنهُ حَتَّى طَال عَليّ ذَلِك، فَلَقِيت بعض جُلَسَائِهِ، فشكوت ذَلِك إِلَيْهِ، وَقلت لَهُ: قد آمنني أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الْملك. فَقَالَ لي: مَا يخْطر ذكرك إِلَّا تغيظ عَلَيْك وأوعدك، وَهُوَ ينبسط للحوائج على طَعَامه، فتنكر وأحضر طَعَامه ثمَّ كَلمه بِمَا تُرِيدُ. فَفعلت، فَأتى بِجَفْنَة ضخمة فِيهَا ثردة عَلَيْهَا اللَّحْم. فَقلت: لكَأَنِّي أنظر إِلَى جَفْنَة حَيَّان بن معبد وتكاوس النَّاس على بباحته. ووصفت لَهُ باحته فَجعل يَقُول: أرأيته؟ فَقلت: لعمري كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ حِين تخرج علينا وَعَلِيهِ مطرف خَز يجر هدبه يتعلقه حسك السعدان مَا يكفه عَنهُ، ثمَّ يُؤْتِي بِجَفْنَة، فَكَأَنِّي أنظر إِلَى النَّاس يتكاوسون عَلَيْهَا؛ مِنْهُم الْقَائِم وَمِنْهُم الْقَاعِد. قَالَ: وَمن أَنْت رَحِمك الله قلت: آمني آمنك الله. قَالَ: قد آمنتك، قلت: أَنا عَبَّاس بن سهل الْأنْصَارِيّ. قَالَ: فمرحباً بك وَأهلا، أهل الشّرف وَالْحق. قَالَ عَبَّاس: فرأيتني وَمَا بِالْمَدِينَةِ رجل أوجه عِنْده مني. قَالَ: فَقَالَ بعض الْقَوْم بعد ذَلِك: يَا عَبَّاس؛ أَأَنْت رَأَيْت حَيَّان بن معبد يتكاوس النَّاس على جفنته. فَقلت: وَالله لقد رَأَيْته ونزلنا باحته فَأَتَانَا فِي رحالنا وَعَلِيهِ عباءة قطوانية، فَجعلت أذوده بِالسَّوْطِ عَن رحالنا خيفة أَن يسرقنا.
(4/106)

الْبَاب الرَّابِع نكت من كَلَام الْحُكَمَاء
قيل لبَعْضهِم: أخرج هَذَا الْغم من قَلْبك. فَقَالَ: لَيْسَ بإذني دخل. قَالَ رجل لشبيب من شيبَة: أَنا وَالله أحبك يَا أَبَا معبد. قَالَ: أشهد على صدقك. قَالَ: وَكَيف ذَاك، قَالَ: لِأَنَّك لست بجار قريب، وَلَا ابْن عَم نسيب، وَلَا مشاكل فِي صناعَة. قَالُوا: صَاحب السوء قِطْعَة من النَّار. وَلذَلِك لما قَالَ الْقَائِل: مَا رَأينَا فِي كل خير وَشر خيرا من صَاحب. قَالَ الآخر: وَلَا رَأينَا فِي كل خير وَشر شرا من صَاحب. قَالَ أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ: أَتَت عَليّ مائَة وَثَلَاثُونَ سنة، مَا من شَيْء إِلَّا وَأَنا أجد فِيهِ النَّقْص إِلَّا أملي فَإِنِّي أَجِدهُ كَمَا أَو يزِيد. قَالَ بَعضهم: الْعَالم يعرف الْجَاهِل لِأَنَّهُ كَانَ جَاهِلا، وَالْجَاهِل لَا يعرف الْعَالم لِأَنَّهُ لم يكن عَالما. سُئِلَ بَعضهم عَن الْغنى فَقَالَ: شَرّ مَحْبُوب وَعَن الْفقر فَقَالَ: ملك لَيْسَ فِيهِ محاسبة. الفرصة مَا إِذا حاولته فأخطاك نَفعه لم يصل إِلَيْك ضره. بُلُوغ أَعلَى الْمنَازل بِغَيْر اسْتِحْقَاق من أكبر أَسبَاب الهلكة. كل شَيْء يعز إِذا قل، وَالْعقل كلما كَانَ أَكثر كَانَ أعز وأغلى. قَالَ عَامر بن عبد الْقَيْس: الْكَلِمَة إِذا خرجت من الْقلب وَقعت فِي الْقلب، وَإِذا خرجت من اللِّسَان لم تجَاوز الآذان.
(4/107)

قَالُوا: مقتل الرجل بَين لحييْهِ. التثبت نصف الْعَفو. قَالَ أَكْثَم: الْكَرم حسن الفطنة. واللؤم سوء التغافل. قيل: أَسْوَأ النَّاس حَالا من اتسعت مَعْرفَته، وبعدت همته، وَضَاقَتْ مقدرته. كَانَ عبد الْملك بن الْحجَّاج: يَقُول: لأَنا للعاقل الْمُدبر أرجا مني للأحمق الْمقبل. وَقَالُوا: أَمْرَانِ لَا ينفكان من الْكَذِب: كَثْرَة المواعيد وَشدَّة الِاعْتِذَار. قَالَ الفضيل بن عِيَاض لِسُفْيَان الثَّوْريّ: دلَّنِي على من أَجْلِس إِلَيْهِ. قَالَ: تِلْكَ ضَالَّة لَا تُوجد. قيل لعبد الله بن كرز: هلا أجبْت أَمِير الْمُؤمنِينَ حِين سَأَلَك عَن مَالك. قَالَ: إِنَّه إِن استكثره حسدني، وَإِن استقله حقرني. قَالَ بَعضهم: عِيَادَة النوكى الْجُلُوس فَوق الْقدر، والمجيء فِي غير وَقت. قَالَ مُحَمَّد بن وَاسع: مَا آسى من الدُّنْيَا إِلَّا على ثَلَاث؛ بلغَة من عَيْش لَهُ لَيْسَ لأحد فِيهَا منَّة، وَلَا لله عَليّ فِيهَا تبعة، وَصَلَاة فِي جمَاعَة أكفى سهوها ويدخر لي أجرهَا، وَأَخ إِذا مَا أعوججت قومني. مر عمر بن ذَر بِابْن عَيَّاش المنتوف وَكَانَ قد سفه عَلَيْهِ ثمَّ أعرض عَنهُ، فَتعلق بِثَوْبِهِ وَقَالَ: يَا هَناه؛ إِنَّا لم نجد لَك إِذا عصيت الله فِينَا خيرا من أَن نطيع الله فِيك. قَالَ بَعضهم: مَا نصحت لأحد إِلَّا وجدته يفتش عَن عيوبي. قَالَ لبَعْضهِم: أَي النَّاس أحلم؟ قَالَ: سُفَهَاء لقوا أكفاءهم. قَالَ خَليفَة بن عبد الله التغلبي: مَا خَاصَمت أَحمَق وَلَا كيسا إِلَّا رَأَيْته بَصيرًا بِمَا يسوءني. سَأَلَ ابْن أبي بكرَة: أَي شَيْء أدوم إمتاعاً؟ قَالَ: المنى. وَقَالَ عَبَايَة مَا يسرني بنصيبي من المنى حمر النعم.
(4/108)

وَقَالَ ابْن أبي الزِّنَاد: المنى والحلم أَخَوان. وَقَالَ بَعضهم: الْأَمَانِي للنَّفس مثل الترهات للسان. قَالَ عَمْرو بن الْحَارِث: 406 كُنَّا نبغض من الرِّجَال ذَا الرِّيَاء والنفج وَنحن الْيَوْم نتمناهما. قَالَ صَالح المري: تَغْدُو الطير خماصاً، وَتَروح شباعاً، وائقة بِأَن لَهَا فِي كل غدْوَة رزقا لَا يفوتها. وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو غدوتم إِلَى أسواقكم على مثل إخلاصه لرجعتكم ودينكم أبطن من بطُون الْحَوَامِل. قَالَ خَالِد بن صَفْوَان: السّفر عتبات؛ فأولها: الْعَزْم، وَالثَّانيَِة: الْعدة، وَالثَّالِثَة: الرحيل، وأشدهن الْعَزْم. قَالَ أَكْثَم بن صَيْفِي: الْعَافِيَة الْملك الْخَفي. وَقَالَ الْفضل بن سهل؛ لَيست الفرصة إِلَّا مَا إِذا أخطأك نَفعه لم ينلك ضَرَره. قَالُوا: سوء حمل الْغنى يُورث مقتاً، وَسُوء حمل الْفَاقَة يضع شرفاً. وَقَالَ أَكْثَم: من جزع على مَا خرج من يَده فليجزع على مَا لم يصل إِلَيْهِ قَالَ بَعضهم: ظفر الْكَرِيم عَفْو، وعفو اللَّئِيم عُقُوبَة. كَانَ يُقَال: لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يدع الحزم لظفر ناله عَاجز، وَلَا يرغب فِي التضييع لنكبة دخلت على حَازِم. وَكَانَ يُقَال: لَيْسَ من حسن التَّوَكُّل أَن تقال عَثْرَة ثمَّ يركبهَا ثَانِيَة قيل: لَوْلَا الإغضاء وَالنِّسْيَان، مَا تعاشر النَّاس لِكَثْرَة الأضغان. قَالُوا: ثَلَاث يرغمن الْعَدو: كَثْرَة العبيد، وأدب الْوَلَد، ومحبة الْجِيرَان. يُقَال: سوء القالة فِي الْإِنْسَان إِذا كَانَ كذبا نَظِير الْمَوْت؛ لفساد دُنْيَاهُ، وَإِذا كَانَ صدقا أَشد من الْمَوْت لفساد آخرته.
(4/109)

قَالُوا: يرضى الْكِرَام الْكَلَام، ويصاد اللئام بِالْمَالِ: ويسبى النَّبِيل بالإعظام، ويستصلح السفلة بالهوان. قَالُوا: أَمْرَانِ أنس بِالنَّهَارِ وَحْشَة بِاللَّيْلِ: المَال والبستان. قَالُوا: لَا يزَال الْمَرْء مُسْتَمر مَا لم يعثر، فَإِذا عثر مرّة فِي الْخِيَار لج بِهِ العثار وَلَو كَانَ فِي جدد قَالَ بَعضهم: مَا شيبتني السنون، وَلَكِن شكري من أحتاج أَن أشكره. قَالُوا: المتواضع كالوهدة يجْتَمع فِيهَا قطرها وقطر غَيرهَا، والمتكبر كالربوة لَا يقر عَلَيْهَا قطرها وَلَا قطر غَيرهَا. يُقَال: إِنَّه لَا يصبر وَيصدق فِي اللِّقَاء إِلَّا ثَلَاثَة: مستبصر فِي دين، أَو غيران على حُرْمَة، أَو ممتعض من ذل. قَالَ بَعضهم: فِي مجاوزتك من يَكْفِيك فقر لَا مُنْتَهى لَهُ حَتَّى تَنْتَهِي عَنهُ. وَكَانَ يُقَال: العفاف زِينَة الْفقر، وَالشُّكْر زِينَة الْغنى. اعتذار من منع خير من وعد ممطول. خير المزاح لَا ينَال، وشره لَا يُقَال. وَإِنَّمَا سمي مزاحا لِأَنَّهُ أزيح عَن الْحق. الْيَأْس من أعوان الصَّبْر. قيل لبَعض الْحُكَمَاء: أَي الْأُمُور أعجل عُقُوبَة وأسرع لصَاحِبهَا صرعة؟ قَالَ: ظلم من لَا نَاصِر لَهُ إِلَّا الله عز وَجل، ومجاورة النعم بالتقصير واستطالة الْغَنِيّ على الْفَقِير. يُقَال: من سَعَادَة الْمَرْء أَن يضع معروفه عِنْد من يشكره. قَالُوا: شَيْئَانِ لَا يعرف طعمهما إِلَّا بعد فقدهما: الْعَافِيَة والشباب.
(4/110)

نظر شَاب إِلَى شيخ يُقَارب خطاه فَقَالَ لَهُ: من قيدك؟ قَالَ: الَّذِي تركته يفتل قيدك. قيل لشيخ قد ذهب مِنْهُ المأكل وَالْمشْرَب وَالنِّكَاح: هَل تشْتَهي أَن تَمُوت؟ قَالَ: لَا. قيل: وَلم ذَاك؟ قَالَ: أحب أَن أعيش وأسمع الْأَعَاجِيب. قيل لبَعْضهِم: مَا بَال الشَّيْخ أحرص على الدُّنْيَا من الشَّاب؟ 407 قَالَ: لِأَنَّهُ قد ذاق من طعم الدُّنْيَا مَا لم يذقه الشَّاب. قَالُوا: الدّين عقلة الشريف، مَا اسْترق الْكَرِيم أفظ من الدّين. اخْتصم رجلَانِ إِلَى سعيد بن الْمسيب فِي النُّطْق والصمت: أَيهمَا أفضل؟ فَقَالَ: بِمَاذَا أبين لَكمَا؟ فَقَالَا: بالْكلَام. فَقَالَا: إِذا الْفضل لَهُ. وَقيل لبَعْضهِم: السُّكُوت أفضل أم النُّطْق؟ فَقَالَ: السُّكُوت حَتَّى يحْتَاج إِلَى النُّطْق. قيل: الْعقل يَأْمُرك بالأنفع، والمروءة تأمرك بالأجمل. قيل لبَعْضهِم: مَا جماع الْعقل؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْته مجتمعاً فِي أحد فأصفه، وَمَا لَا يُوجد كَامِلا فَلَا حد لَهُ. قَالَ الزُّهْرِيّ: إِذا أنْكرت عقلك فاقدحه بعاقل. وَقيل: عظمت المئونة فِي عَاقل متجاهل، وجاهل متعاقل. وَقيل: إِنَّك تحفظ. الأحمق من كل شَيْء إِلَّا من نَفسه. قيل لبَعْضهِم: الْعقل أفضل أم الْجد؟ فَقَالَ: الْعقل من الْجد. قَالَ بَعضهم: يَنْبَغِي للعاقل أَن يطْلب طَاعَة غَيره وَطَاعَة نَفسه عَلَيْهِ ممتنعة. قيل لآخر: أَتُحِبُّ أَن تهدى إِلَيْك عيوبك؟ فَقَالَ: أما من نَاصح فَنعم، وَأما من شامت فَلَا. قيل لآخر: هَل شَيْء أضرّ من التواني؟ قَالَ: الِاجْتِهَاد فِي غير مَوْضِعه. وَقيل: الْعَجز عجزان عجز التَّقْصِير. وَقد أمكن الْأَمر، وَالْجد فِي طلبه وَقد فَاتَ.
(4/111)

وَقيل لآخر: أَسَأْت الظَّن. فَقَالَ: إِن الدُّنْيَا لما امْتَلَأت مكاره وَجب على الْعَاقِل أَن يملأها حذرا. تَأمل حَكِيم شَيْبه فَقَالَ: مرْحَبًا بزهرة الحنكة، وَثَمَرَة الْهدى، ومقدمة الْعِفَّة، ولباس التَّقْوَى. قيل: لَا يسود الرجل حَتَّى لَا يُبَالِي فِي أَي ثوبيه ظهر. سمع حَكِيم رجلا يَدْعُو لآخر وَيَقُول: لَا أَرَاك الله مَكْرُوها. فَقَالَ: دَعَوْت لَهُ بِالْمَوْتِ فَإِن من عَاشَ لَا بُد لَهُ فِي الدُّنْيَا من مَكْرُوه. قَالُوا: من صِفَات الْعَاقِل أَلا يتحدث بِمَا يُسْتَطَاع تَكْذِيبه. قيل لبَعْضهِم: مَتى يحمد الْكَذِب؟ فَقَالَ: إِذا قرب بَين المتقاطعين. قيل: فَمَتَى يذم الصدْق. قَالَ: إِذا كَانَ غيبَة. دنا رجل من آخر فساره فَقَالَ: لَيْسَ هَا هُنَا أحد، فَقَالَ: من حق السرَار التداني. وَكَانَ مَالك بن مسمع إِذا ساره إِنْسَان قَالَ لَهُ: أظهر؛ فَلَو كَانَ فِيهِ خير لما كَانَ مكتوماً. قيل: السعيد من وعظ بِغَيْرِهِ والشقي من اتعظ بِهِ غَيره. قيل: مِمَّا يدل على كرم الرجل سوء أدب غلمانه. أفحش الظُّلم ظلم الضَّعِيف. العَبْد من لَا عهد لَهُ. قيل: إِن ذَا الهمة وَإِن حط نَفسه يأبي إِلَّا الْعُلُوّ، كالشعلة من النَّار يخفيها صَاحبهَا وتأبى إِلَّا ارتفاعاً. قيل: الْجد أجدى، وَالْجد أكدى. وَقَالُوا: الدّين غل لله فِي أرضه فَإِذا أَرَادَ أَن يذل عبدا جعله فِي عُنُقه وَقيل: تعرف مُرُوءَة الرجل بِكَثْرَة دُيُونه.
(4/112)

قيل: الْعَاقِل إِذا تكلم بِكَلِمَة أتبعهَا مثلا، والأحمق إِذا تكلم بِكَلِمَة أتبعهَا حلفا. قيل: الْحَرَكَة نِكَاح الْجد الْعَقِيم. قيل: أَرْبَعَة لَا يستحيى من الْخَتْم عَلَيْهَا؛ المَال لنفي التهم، والجوهر لنفاسته، وَالطّيب للأبدان، والدواء للِاحْتِيَاط. قيل: إِذا أَيسَرت فَكل رجل رجلك، وَإِذا افْتَقَرت أنكرك أهلك. قَالُوا: لَو جعل المَال للعقلاء مَاتَ الْجُهَّال، فَلَمَّا صَار فِي أَيدي الْجُهَّال اسْتَنْزَلَهُمْ الْعُقَلَاء عَنهُ بلطفهم. قيل: نعم الْغَرِيم الْجُوع. 408 كلما أعطي أَخذ. قَالَ بَعضهم: مَا رددت أحدا عَن حَاجَة إِلَّا تبينت الْعِزّ فِي قَفاهُ والذل فِي وَجهه. قيل: الِابْتِدَاء بالصنيعة نَافِلَة، وربها فَرِيضَة. الْعَدو المبطن للعداوة كالنحل يمج الدَّوَاء ويحتقب الدَّاء. سُئِلَ ابْن الْقرْيَة: مَا الدهاء؟ قَالَ: تجرع الغصة، وتوقع الفرصة. قيل: الْحَاسِد يرى زَوَال نِعْمَتك نعْمَة عَلَيْهِ. الْحَسَد دَاء يَأْكُل الْجَسَد. التَّوَاضُع أحد مصايد الشّرف. تواضع الرجل فِي مرتبته ذب للشماتة عِنْد سقطته. كم من صلف أدّى إِلَى تلف. سوء الْخلق يعدي، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَدْعُو غَيره إِلَى أَن يُقَابله بِغَيْرِهِ. صحب رجل آخر سيئ الْخلق فَلَمَّا فَارقه قَالَ: قد فارقته وخلقه لَا يُفَارِقهُ.
(4/113)

المزاح فَحل لَا ينْتج إِلَّا الشَّرّ. الْمُرُوءَة التَّامَّة مباينة الْعَامَّة. أَسْوَأ مَا فِي الْكَرِيم أَن يمنعك نداه، وَأحسن مَا فِي اللَّئِيم أَن يكف عَنْك أَذَاهُ. السّفل إِذا تعلمُوا تكبروا، وَإِذا تمولوا استطالوا، والعلية إِذا تعلمُوا تواضعوا، وَإِذا افتقروا صالوا. ثَلَاث لَا يستصلح فسادهن بِشَيْء من الْحِيَل: الْعَدَاوَة بَين الْأَقَارِب، وتحاسد الْأَكفاء، وركاكة الْمُلُوك. قيل لحكيم: أَي شَيْء من أَفعَال الْعباد يشبه لأفعال الله؟ قَالَ: الْإِحْسَان إِلَى النَّاس. يُقَال: السخي شُجَاع الْقلب، والبخيل شُجَاع الْوَجْه. الْبَخِيل يعِيش عَيْش الْفُقَرَاء، وَيُحَاسب محاسبة الْأَغْنِيَاء، الْعُزْلَة توفر الْعرض، وتستر الْفَاقَة، وترفع ثقل الْمُكَافَأَة. مَا احتنك أحد قطّ إِلَّا أحب الْخلْوَة. خير النَّاس من لم تجربه، كَمَا أَن خير الدّرّ مَا لم تثقبه. قَالَ بَعضهم: خالطت النَّاس خمسين سنة فَمَا وجدت رجلا غفر لي زله، وَلَا أقالني عَثْرَة، وَلَا ستر لي عَورَة، وَلَا أمنته إِذا غضب. الْكَرِيم لَا يلين على قصر، وَلَا يقسو على يسر. الْمَرْأَة إِذا أحبتك آذتك، وَإِذا أبغضتك خانتك، فحبها أَذَى، وبغضها دَاء بِلَا دَوَاء. الْمَرْأَة تكْتم الْحبّ أَرْبَعِينَ سنة، وَلَا تكْتم البغض سَاعَة وَاحِدَة. وَالرجل على عكس هَذَا.
(4/114)

شاور رجل حكيماً فِي التَّزَوُّج فَقَالَ لَهُ: إياك وَالْجمال. وَأنْشد: وَلنْ تصادف مرعى ممرعاً أبدا ... إِلَّا وجدت بِهِ آثَار مَأْكُول قَالَ رجل: مَا دخل دَاري شَرّ قطّ. فَقَالَ حَكِيم: فَمن أَيْن دخلت امْرَأَتك؟ قيل لبَعض الْحُكَمَاء: مَا أحسن أَن يصبر الْإِنْسَان عَمَّا يَشْتَهِي. فَقَالَ: أحسن مِنْهُ أَلا يَشْتَهِي إِلَّا مَا يَنْبَغِي. قيل: شَرّ أَخْلَاق الرِّجَال الْجُبْن وَالْبخل وهما خير أَخْلَاق النِّسَاء. قيل: الممتحن كالمختنق؛ مَتى ازْدَادَ اضطراباً ازْدَادَ اختناقاً. قيل: إِذا رَأَيْت الزَّاهِد يستروح إِلَى طلب الرُّخص فَاعْلَم أَنه قد بدا لَهُ فِي الزّهْد. قيل: أجل مَا ينزل من السَّمَاء التَّوْفِيق، وَأجل مَا يصعد إِلَى السَّمَاء الْإِخْلَاص. قيل: كل مَال لَا ينْتَقل بانتقالك فَهُوَ كَفِيل. وَقيل: مَا دَار من يشتاق إِلَى السّفر بدار سَلامَة. قَالَ حَكِيم: من الَّذِي بلغ جسيماً فَلم يبطر، وَاتبع الْهوى فَلم يعطب، وجاور النِّسَاء فَلم يفتتن، وَطلب إِلَى اللئام فَلم يهن، وواصل الأشرار فَلم ينْدَم، وَصَحب السُّلْطَان فدامت سَلَامَته. 409 - اثْنَان يهون عَلَيْهِمَا كل شَيْء؛ الْعَالم الَّذِي يعرف العواقب، وَالْجَاهِل الَّذِي يجهل مَا هُوَ فِيهِ. وَقيل: شَرّ من الْمَوْت مَا إِذا نزل تمنيت لنزوله الْمَوْت، وَخير من الْحَيَاة مَا
(4/115)

إِذا فقدته أبغضت لفقده الْحَيَاة. لتكن النوائب مِنْك ببال؛ فَأكْثر المكاره فِيمَا لم يحْتَسب. قَالَ سُفْيَان: مَا وضع أحد يَده فِي قَصْعَة غَيره إِلَّا ذل لَهُ وَقَالَ أَبُو حَمْزَة السكونِي: قَالَ لي أَبُو عبيد الله: من أكل من ثريدنا وطئنا رقبته. قَالَ رجل لمعروف: يَا أَبَا مَحْفُوظ، أتحرك لطلب الرزق أم أَجْلِس؟ قَالَ: لَا بل تحرّك؛ فَإِنَّهُ أصلح لَك. فَقَالَ: أمثلك يَقُول هَذَا يَا أَبَا مَحْفُوظ؟ فَقَالَ: مَا أَنا قلته وَلَا أمرت بِهِ، وَلَكِن الله تَعَالَى قَالَه وَأمر بِهِ حَيْثُ قَالَ لِمَرْيَم: " وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة تساقط عَلَيْك رطبا جنيا " وَلَو شَاءَ أَن ينزله عَلَيْهَا بِلَا هز لفعل. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت عِكْرِمَة بِبَاب بَلخ فَقلت لَهُ: مَا جَاءَ بك إِلَى هَهُنَا؟ فَقَالَ: بَنَاتِي. قَالَ وهب: الدَّرَاهِم خَوَاتِيم رب الْعَالمين بمعاش بني آدم؛ لَا تُؤْكَل وَلَا تشرب، وَأَيْنَ ذهبت بِخَاتم رَبك قضيت حَاجَتك. قيل لبَعْضهِم: لم تحب الدَّرَاهِم وَهِي تدنيك من الدُّنْيَا؟ قَالَ: هِيَ وَإِن أدنتني من الدُّنْيَا فقد صانتني عَنْهَا. قيل لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة: مَا أَشد حبك للدرهم! فَقَالَ: مَا أحب أَن يكون أحد أَشد حبا لما يَنْفَعهُ مني. قيل لبَعْضهِم: أَيْن بلغت فِي الْعُلُوم؟ قَالَ: إِلَى الْوُقُوف على الْقُصُور عَنْهَا. قَالُوا: الْمَرْأَة كالنعل، يلبسهَا الرجل إِذا شَاءَ هُوَ لَا إِذا شَاءَت. قَالَ ابْن السماك: الْكَمَال فِي خمس؛ أَلا يعيب الرجل أحدا بِعَيْب فِيهِ مثله حَتَّى يصلح ذَلِك الْعَيْب من نَفسه، فَإِنَّهُ لَا يفرغ من إصْلَاح عيب وَاحِد حَتَّى يهجم على آخر فتشغله عيوبه عَن عيب النَّاس، وَالثَّانيَِة أَلا يُطلق لِسَانه وَيَده حَتَّى يعلم أَفِي طَاعَة ذَاك أَو فِي مَعْصِيّة، وَالثَّالِثَة أَلا يلْتَمس من النَّاس إِلَّا مثل مَا يعطيهم من نَفسه، وَالرَّابِعَة أَن يسلم من النَّاس باستشعار مداراتهم، وتوفيتهم حُقُوقهم،
(4/116)

وَالْخَامِسَة أَن ينْفق الْفضل من مَاله ويمسك الْفضل من قَوْله. وَقَالَ آخر: عجبا لمن عومل فأنصف، إِذا عَامل كَيفَ يظلم، وأعجب مِنْهُ من عومل فظلم إِذا عَامل كَيفَ يظلم. قَالُوا: صديق الْبَخِيل من لم يجربه. قَالُوا: الصَّبْر مر، لَا يتجرعه إِلَّا حر. قرئَ من حجر منقور: من الْخَيط الضَّعِيف يفتل الْحَبل الحصيف، وَمن مقدحة صَغِيرَة تحرق سوق كَبِيرَة، وَمن لبنة لينَة تبنى مَدِينَة حَصِينَة. قيل: أبْصر النَّاس بعوار النَّاس المعوور. وَقَالَ بَعضهم: إِن الله تَعَالَى تفرد بالكمال، وَلم يعر أحدا من خلقه من النُّقْصَان. قيل لبَعْضهِم: مَتى يحمد الْغَنِيّ؟ قَالَ: إِذا اتَّصل بكرم. قيل: فَمَتَى تذم الفطنة؟ قَالَ: إِذا اقترنت بلؤم. قَالَ آخر: عجبا لمن قيل فِيهِ الْخَيْر وَلَيْسَ فِيهِ كَيفَ يفرح. عجبا لمن قيل فِيهِ الشَّرّ وَهُوَ فِيهِ كَيفَ يغْضب. ثَلَاث موبقات: الْكبر؛ فَإِنَّهُ حط إِبْلِيس عَن مرتبته، والحرص؛ فَإِنَّهُ أخرج آدم من الْجنَّة، والحسد فَإِنَّهُ دَعَا ابْن آدم إِلَى قتل أَخِيه. قَالَ ابْن السماك: الْفِطَام عَن الحطام شَدِيد. قَالُوا: إِذا أَقبلت الدُّنْيَا أَقبلت على حمَار قطوف مديني، وَإِذا أَدْبَرت أَدْبَرت على الْبراق. التؤدة حَسَنَة 410 فِي كل شَيْء إِلَّا فِي الْمَعْرُوف فَإِنَّهَا تنغصه. أصَاب متأمل أَو كَاد، وَأَخْطَأ مستعجل أَو كَاد. .
(4/117)

قيل لبَعْضهِم: كَيفَ لَا يجْتَمع المَال وَالْحكمَة؟ قَالَ: لعزة الْكَمَال. كَانَ يُقَال: لكل جَدِيد لَذَّة إِلَّا من الإخوان. الْعَجز عجزان: التَّقْصِير فِي طلب الْأَمر وَقد أمكن، وَالْجد فِي طلبه وَقد فَاتَ. قَالَ يزِيد بن أسيد: أسر السرُور قفلة على غَفلَة. قيل: سِتَّة لَا تخطئهم الكآبة: فَقير حَدِيث عهد بالغنى، ومكثر يخَاف على مَاله، وطالب مرتبَة فَوق قدرته، والحسود والحقود وخليط. أهل الْأَدَب وَهُوَ غير أديب. . قَالَ خَالِد بن صَفْوَان: من لم تكن لَهُ دَابَّة كثرت ألوان دوابه. قَالَ عبد الله بن أبي بكر: لَو كنت شَاعِرًا لبكيت على الْمُرُوءَة. وَقَالَ بَعضهم: طلبت الرَّاحَة لنَفْسي فَلم أجد شَيْئا أروح لَهَا من ترك مَا لَا يعنيها، وتوحشت فِي الْبَريَّة فَلم أر وَحْشَة أَشد من قرين سوء، وَشهِدت الزحوف وَلَقِيت الأقران فَلم أر قرنا أغلب للرجل من امْرَأَة سوء، وَنظرت إِلَى كل مَا يذل الْعَزِيز ويكسره فَلم أر شَيْئا أذلّ لَهُ وَلَا أكسر من الْفَاقَة. قَالُوا: أول أَمر الْعَاقِل آخر أَمر الْجَاهِل. قَالَ رجل لعبد الحميد: أَخُوك أحب إِلَيْك أم صديقك؟ قَالَ: إِنَّمَا أحب أخي إِذا كَانَ صديقا. قَالُوا: أَسْوَأ من فِي الْكَرِيم أَن يكف عَنْك خَيره، وَأحسن مَا فِي اللَّئِيم أَن يكف عَنْك شَره. كَانَ الْكِنْدِيّ يَقُول: المسترشد موتِي والمحترس ملقي. وَكَانَ يَقُول: العَبْد حر مَا قنع وَالْحر عبد مَا طمع. قيل لمُحَمد بن الجهم بعد مَا أَخذ من مَاله: أما تفكر فِي ذهَاب نِعْمَتك؟ فَقَالَ: لَا بُد من الزَّوَال؛ فَلِأَن تَزُول نعمتي وَأبقى خير من أَن أزول عَنْهَا وَتبقى.
(4/118)

قَالَ الشَّافِعِي: اغتنموا الفرصة فَإِنَّهَا خلس أَو غصص. أغْلظ سَفِيه لحليم فَقيل لَهُ: لم لم تغْضب؟ فَقَالَ: إِن كَانَ صَادِقا فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَن أغضب، وَإِن كَانَ كَاذِبًا فبالحري أَلا أغضب. قَالَ بَعضهم: مَا أحسن حسن الظَّن إِلَّا أَن مِنْهُ الْعَجز، وَمَا أقبح سوء الظَّن إِلَّا أَن فِيهِ الحزم. قَالَ قَيْصر: مَا الْحِيلَة فِيمَا أعيا إِلَّا الْكَفّ عَنهُ، وَلَا الرَّأْي فِيمَا لَا ينَال إِلَّا الْيَأْس مِنْهُ. قَالَ سهل بن هَارُون: مَا زلت أَدخل فِيمَا يرغب بِي عَنهُ مَتى اسْتَغْنَيْت عَمَّا يرغب لي فِيهِ. كَانَ يُقَال: الأحمق إِذا حدث ذهل، وَإِذا تكلم عجل، وَإِذا حمل على الْقَبِيح فعل. قيل: لَيْسَ الْمُوسر من ينقص على النَّفَقَة مَاله، وَلَكِن الْمُوسر من يزكو على الْإِنْفَاق مَاله. قَالَ أَبُو يُوسُف: إِثْبَات الْحجَّة على الْجَاهِل سهل وَلَكِن إِقْرَاره بهَا صَعب. قيل لبَعْضهِم: مَا الكلفة؟ قَالَ: طَلَبك مَا لَا يواتيك، ونظرك فِيمَا لَا يَعْنِيك قَالَ آخر: كَمَا أَن أواني الفخار تمتحن بأصواتها فَيعرف الصَّحِيح مِنْهَا من المنكسر، كَذَلِك يمْتَحن الْإِنْسَان بمنطقه فَيعرف حَاله وَأمره. قَالَ آخر: احْتِمَال الْفقر أحسن من احْتِمَال الذل على أَن الرِّضَا بالفقر قناعة وَالرِّضَا بالذل ضراعة. سمع بَعضهم رجلا يذكرهُ بِسوء فَقَالَ: مَا علم الله منا أَكثر مِمَّا تَقول. ابْن المقفع: إِن مِمَّا سخى بِنَفس الْعَاقِل عَن الدُّنْيَا علمه بِأَن الأرزاق لم تقسم على قدر الأخطار. قَالُوا: الدُّنْيَا حمقاء لَا تميل إِلَّا إِلَى أشباهها.
(4/119)

لما قبض ابْن عُيَيْنَة صلَة الْخَلِيفَة قَالَ: يَا أَصْحَاب الحَدِيث؛ قد وجدْتُم مقَالا فَقولُوا. مَتى رَأَيْت أَبَا عِيَال أَفْلح؟ وَقَالَ: كَانَت لنا هرة لَيْسَ لَهَا جراء فَكَانَت لَا تكشف الْقُدُور، وَلَا تعيث فِي الدّور، فَصَارَ لَهَا جراء فَكشفت عَن الْقُدُور، وأفسدت فِي الدّور. قَالَ بَعضهم: إِذا أَنا فعلت مَا أمرت بِهِ وَكَانَ خطأ لم أذمم عَلَيْهِ، وَإِذا فعلت مَا لم أومر بِهِ وَكَانَ صَوَابا لم أَحْمد عَلَيْهِ. قَالَ آخر مَا استنبط الصَّوَاب بِمثل المشورة، وَلَا حصنت النعم بِمثل الْمُوَاسَاة، وَلَا اكْتسبت البغضة بِمثل الْكبر. قيل لروح بن زنباع: مَا معنى الصّديق؟ قَالَ: هُوَ لفظ بِلَا معنى. يَعْنِي لعوزه. وَقَالَ آخر: السّفر ميزَان الْأَخْلَاق. قَالَ عَليّ بن عُبَيْدَة: الْعقل ملك والخصال رَعيته، فَإِذا ضعف عَن الْقيام عَلَيْهَا وصل الْخلَل إِلَيْهَا. قَالُوا: الْكذَّاب يخيف نَفسه وَهُوَ آمن. قَالَ بَعضهم: لَو لم أدع الْكَذِب تأثماً لتركته تكرماً. وَقَالَ آخر: لَو لم أدع الْكَذِب تعففاً لتركته تظرفاً. وَقَالَ آخر: لَو لم أدع الْكَذِب تحوباً لتركته تأدباً. وَقَالَ آخر: لَو لم أدع الْكَذِب تورعاً لتركته تصنعاً. كَانَ الثَّوْريّ يَقُول: النَّاس عدُول إِلَّا الْعُدُول. كَانَ بَعضهم يَقُول: اللَّهُمَّ احفظني من أصدقائي. فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ: إِنِّي أحفظ نَفسِي من أعدائي. قيل لبَعْضهِم: مَا الْمُرُوءَة؟ قَالَ: إِظْهَار الزي. قيل: فَمَا الفتوة؟ قَالَ: طَهَارَة السِّرّ. يحْكى ذَلِك عَن البوشنجي شيخ خُرَاسَان. سُئِلَ بَعضهم: أَي الرُّسُل أَحْرَى بالنجح؟ قَالَ: الَّذِي لَهُ جمال وعقل.
(4/120)

قَالُوا: الْحِيلَة اعطف المتجني أعْسر من نيل التَّمَنِّي. قَالَ ابْن السماك: لَوْلَا ثَلَاث لم يسل سيف وَلم يَقع حيف: سلك أدق من سلك، وَوجه أصبح من وَجه، ولقمة أسوغ من لقْمَة. قَالَ بكر بن عبد الله: مَا رَأَيْت أحدا إِلَّا رَأَيْت لَهُ الْفضل عَليّ؛ لِأَنِّي من نَفسِي على يَقِين وَأَنا من النَّاس فِي شكّ. قيل لِابْنِ هُبَيْرَة: مَا حد الأحمق؟ قَالَ: لَا حد لَهُ. أُتِي ابْن عون بِمَاء يصب على يَده قبل الطَّعَام فَقَالَ: مَا أَحسب غسل الْيَد قبل الطَّعَام إِلَّا من توقير النِّعْمَة. قَالَ بَعضهم: تَعْرِيف الْجَاهِل أيسر من تَقْرِير الْمُنكر. كَانَ بَعضهم يَقُول: مَا بَقِي أحد يأنف أَن يؤنف مِنْهُ. كل شَيْء إِذا كثر رخص؛ غير الْعقل فَإِنَّهُ إِذا كثر غلا. قَالَ آخر: يحسن الامتنان إِذا وَقع الكفران، وَلَوْلَا أَن بني إِسْرَائِيل كفرُوا النِّعْمَة مَا قَالَ الله تَعَالَى لَهُم: " اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم " قيل لرجل مستهتر بِجمع المَال: مَا هَذَا كُله؟ قَالَ: إِنَّمَا أجمعه لروعة الزَّمَان، وجفوة السُّلْطَان، وبخل الإخوان، وَدفع الأحزان. قَالَ خَالِد بن صَفْوَان: أَنا لَا أصادق إِلَّا من يغْفر لي زللي، ويسد خللي، وَيقبل عللي. قَالَ بَعضهم: أول صناعَة الْكَاتِب كتمان السِّرّ. قَالُوا: الْخَوْف على ثَلَاثَة أنحاء: دين يخَاف معادا، وحر يخَاف عارا، وسفلة يخَاف ردعا. قَالَ عَليّ بن عُبَيْدَة: إِن أخذت عَفْو الْقُلُوب زكا ريعك، وَإِن استقصيت أكديت. قيل: الْحسن الْخلق قريب عِنْد الْبعيد، والسيئ الْخلق بعيد عِنْد أَهله.
(4/121)

قَالَ الثَّوْريّ: إِذا رَأَيْت الرجل مَحْمُودًا فِي جِيرَانه فَاعْلَم أَنه يداهنهم. قيل لحكيم: كَيفَ للْإنْسَان بألا يغْضب؟ قَالَ: ليكن ذَاكِرًا فِي كل وَقت أَنه لَيْسَ يجب أَن يطاع قطّ، بل أَن يُطِيع؛ وَأَنه لَيْسَ يجب أَن يحْتَمل خَطؤُهُ فَقَط، بل أَن يحْتَمل الْخَطَأ عَلَيْهِ؛ وَأَنه لَيْسَ يجب أَن يصبر عَلَيْهِ فَقَط، بل أَن يصبر هُوَ 412 أَيْضا؛ وَأَنه بِعَين الله دَائِما، فَإِنَّهُ إِذا فعل ذَلِك لم يغْضب، وَإِن غضب كَانَ غَضَبه أقل. قَالَ بَعضهم: الإفراط فِي الزِّيَارَة مُمل كَمَا أَن التَّفْرِيط فِيهَا مخل. قَالَ الْعُتْبِي: إِذا تناهى الْغم انْقَطع الدمع. وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن أدهم: أَنا مُنْذُ عشْرين سنة فِي طلب أَخ إِذا غضب لم يقل إِلَّا الْحق فَمَا أجد. وَقَالَ غَيره: إِذا ولى صديق لَك ولَايَة فَأَصَبْته على الْعشْر من صداقته فَلَيْسَ بِأَخ سوء. قصد ابْن السماك رجلا فِي حَاجَة لرجل فتعسر، فَقَالَ لَهُ: اعْلَم أَنِّي أَتَيْتُك فِي حَاجَة، وَإِن الطَّالِب وَالْمَطْلُوب إِلَيْهِ عزيزان إِن قضيت، وذليلان إِن لم تقض، فاختر لنَفسك عز الْبَذْل على ذل الْمَنْع، واختر لي عز النجح على ذل الرَّد. فقضاها لَهُ. وَقصد آخر مرّة فِي حَاجَة فتلوى، فكاد ينكل عَن الْكَلَام، ثمَّ سبق إِلَى معنى فخبره وَقَالَ للمسئول: أَخْبرنِي حِين غَدَوْت إِلَيْك فِي حَاجَتي، أحسن بك الظَّن، وأصوغ فِيك الثَّنَاء، وأتخير لَك الشُّكْر، وأمشي إِلَيْك بقدم الإجلال، وأكلمك بِلِسَان التَّوَاضُع، أصبت أم أَخْطَأت؟ قَالَ: فاقتحم الرجل وَقَالَ: بل أصبت. وَقضى حَاجته وَسَأَلَهُ المعاودة. قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة: قلت لعَلي بن الْهَيْثَم: مَا يجب للصديق؟ قَالَ: ثَلَاث خلال: كتمان حَدِيث الْخلْوَة، والمواساة عِنْد الشدَّة، وإقالة العثرة. قيل: سوء حمل الْغنى يُورث الْمَدْح، وَسُوء حمل الْفَاقَة قد بضع الشّرف. قيل: الْهوى شريك الْعَمى.
(4/122)

قيل لصوفي: مَا صناعتك؟ قَالَ: حسن الظَّن بِاللَّه وَسُوء الظَّن بِالنَّاسِ. ثَلَاثَة لم يمن بهَا أحد فَسلم: صُحْبَة السُّلْطَان، وإفشاء السِّرّ إِلَى النِّسَاء وَشرب السم للتجربة. لكل شَيْء مَحل، وَمحل الْعقل مجالسة النَّاس. أعجب الْأَشْيَاء بديهة أَمن وَردت فِي مقَام خوف. قَالَ ابْن المقفع: الْحِرْص مُحرمَة، والجبن مقتلة. فَانْظُر فِيمَن رَأَيْت أَو سَمِعت: من قتل فِي الْحَرْب مُقبلا أَكثر أم من قتل مُدبرا وَانْظُر من يطْلب بالإجمال والتكرم أَحَق أَن تسخو نَفسك لَهُ أم من يطْلب بالشره والحرص. قَالَ أَبُو بكر بن الْمُعْتَمِر: إِذا كَانَ الْعقل تِسْعَة أَجزَاء أحتاج إِلَى جُزْء من جهل ليقدم على الْأُمُور؛ فَإِن الْعَاقِل أبدا متوان مُتَوَقف مترقب متخوف. قيل: سِتَّة لَا يخطئهم الكآبة: فَقير قريب عهد بغنى، ومكثر يخَاف على مَاله، وطالب مرتبَة فَوق قدره، والحسود والحقود وخليط أهل الْأَدَب وَهُوَ غير أديب. قَالَ ابْن المقفع: عمل الرجل. بِمَا يعلم أَنه خطأ هوى، والهوى آفَة العفاف، وَتَركه للْعَمَل بِمَا يعلم أَنه صَوَاب تهاون، والتهاون آفَة الدّين. وإقدامه على مَا لَا يدْرِي أصواب هُوَ أم خطأ لجاج، واللجاج آفَة الْعقل. قَالُوا: مَا من مُصِيبَة إِلَّا وَمَعَهَا أعظم مِنْهَا؛ إِن جزع فالوزر، وَإِن صَبر فالثواب. قيل: ضعف الْعقل أَمَان من الْغم. لَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يمدح امْرَأَة حَتَّى تَمُوت، وَلَا يمدح طَعَاما حَتَّى يستمرئه، وَلَا يَثِق بخليل حَتَّى يستقرضه. لَيْسَ من حسن الْجوَار ترك الْأَذَى، وَلَكِن حسن الْجوَار الصَّبْر على الْأَذَى. لَا يتأدب العَبْد بالْكلَام إِذا وثق بِأَنَّهُ لَا يضْرب. مَا السَّيْف الصارم فِي كف شُجَاع بِأَعَز لَهُ من الصدْق.
(4/123)

إِذا كثرت خزان الْأَسْرَار 413 ضيَاعًا. ثَمَرَة القناعة الرَّاحَة، وَثَمَرَة التَّوَاضُع الْمحبَّة. الْكَرِيم يلين إِذا استعطف، واللئيم يقسو إِذا ألطف. أنكأ لعدوك أَلا تريه أَنَّك تتخذه عدوا. عذابان لَا يكترث لَهما: السّفر الْبعيد؛ وَالْبناء الْكَبِير. قَالُوا: " سَوف " جند من جنود إِبْلِيس أهلك بهَا بشرا كثيرا. وَقيل لبَعض الزهاد: أوصنا. فَقَالَ: إيَّاكُمْ " وسوف ". سُئِلَ بَعضهم: أَي الصدْق السُّكُوت عَنهُ أمثل؟ قَالَ: تَزْكِيَة الْمَرْء نَفسه. وَكَانَ يُقَال: ثَلَاثَة يؤثرون المَال على أنفسهم: تَاجر الْبَحْر، وَالْعَامِل بِالْأَجْرِ، والمرتشي على الحكم. قَالُوا: قبح الله الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا إِذا أَقبلت على الْإِنْسَان أَعطَتْهُ محَاسِن غَيره، وَإِذا أَدْبَرت عَنهُ سلبته محَاسِن نَفسه. أعجز النَّاس من قصر فِي طلب صديقه، وأعجز مِنْهُ من وجده فضيعه. قَالَ رجل لأبي عبيد الله: لَئِن أَصبَحت الدُّنْيَا بك مَشْغُولَة لتمسين مِنْك فارغة. فَقَالَ: أنْفق مَا يكون التَّعَب إِذا وعد كَذَّاب حَرِيصًا. اجْتمع عُلَمَاء الْعَرَب والعجم على أَنه لَا يدْرك نعم إِلَّا ببؤس، وَلَا رَاحَة إِلَّا بتعب. الْعَادَات قاهرات، فَمن اعْتَادَ شَيْئا فِي سره وخلواته فضحه فِي عَلَانِيَته وَعند الْمَلأ. قيل: المنى تخلق الْعقل، وتفسد الدّين، وتزرى بالقناعة. قَالَ قُتَيْبَة لحصين: مَا السرُور؟ قَالَ: عقل يقيمك، وَعلم يزينك وَولد يَسُرك، وَمَال يسعك، وَأمن يريحك، وعافية تجمع لَك المسرات.
(4/124)

أسر رجل إِلَى صديق لَهُ حَدِيثا فَلَمَّا استقصاه قَالَ لَهُ: أفهمت؟ قَالَ: بل نسيت. وَقيل لآخر: كَيفَ كتمانك للسر؟ فَقَالَ: أجحد للْخَبَر وأحلف للمستخبر. وَالْعرب تَقول: من ارتاد لسره فقد أذاعه. وَيُقَال: للقائل على السَّامع جمع البال، والكتمان، وَبسط الْعذر. قَالُوا: كَثْرَة السرَار من أَسْوَأ الْآدَاب. وَقَالُوا: الْأَخ الْبَار مغيض الْأَسْرَار. قيل لبَعْضهِم: إِن فلَانا لَا يكْتب، وَقَالَ: تِلْكَ الزمانة الْخفية. قَالَ بَعضهم: قديم لبحرمة وَحَدِيث التَّوْبَة يمحقان مَا بَينهمَا من الْإِسَاءَة. قَالُوا: ركُوب الْخَيل عز، وركوب البراذين ذلة، وركوب الْبَغْل مهرمة، وركوب الْحمير ذل. قَالُوا: أَربع يسودن العَبْد: الصدْق وَالْأَدب وَالْفِقْه وَالْأَمَانَة. قَالَ الزُّهْرِيّ: الْكَرِيم لَا تحكمه التجارب. قَالُوا: الْعقل يظْهر بالمعاملة، وشيم الرِّجَال تعرف بِالْولَايَةِ. قَالَ رجل من قُرَيْش لشيخ: عَلمنِي الْحلم. فَقَالَ: هُوَ الذل أفتصبر عَلَيْهِ؟ . وَيُقَال: مَا قل سُفَهَاء قوم إِلَّا ذلوا. قَالَ مُحَمَّد بن عمرَان التَّيْمِيّ: مَا شَيْء أَشد على الْإِنْسَان حملا من الْمُرُوءَة؟ قيل لَهُ: وَمَا الْمُرُوءَة؟ فَقَالَ: أَلا تعْمل فِي السِّرّ شَيْئا تَسْتَحي مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَة. قَالَ أَكْثَم: الانقباض من النَّاس مكسبة للعداوة، وإفراط الْأنس مكسبة لقرناء السوء. قيل لِابْنِ أبي الزِّنَاد: لم تحب الدَّرَاهِم وَهِي تدنيك من الدُّنْيَا؟ فَقَالَ: إِنَّهَا وَإِن أدنتني مِنْهَا فقد صانتني عَنْهَا. قيل لبَعْضهِم: إِن فلَانا أَفَادَ مَالا عَظِيما. قَالَ: فَهَل أَفَادَ مَعَه أَيَّامًا يُنْفِقهُ فِيهَا؟ قيل لرجل: مَا لَك تنزل فِي الْأَطْرَاف؟ فَقَالَ: منَازِل الْأَشْرَاف فِي الْأَطْرَاف؛
(4/125)

يتناولهم من يريدهم بِالْحَاجةِ. قطيعة الْجَاهِل تعدل صلَة الْعَاقِل. قَالَ الشّعبِيّ: عِيَادَة النوكى أَشد على الْمَرِيض من وَجَعه 414. وَقَالَ أَبُو بكر بن عبد الله لقوم عادوه فَأَطَالُوا عِنْده الْقعُود: الْمَرِيض يُعَاد وَالصَّحِيح يزار. عزى رجل رجلا فَقَالَ: لَا أَرَاك الله بعد هَذِه الْمُصِيبَة مَا ينسيكها. وعزى رجل الرشيد فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، كَانَ لَك الْأجر لَا بك وَكَانَ العزاء لَك لَا عَنْك. كَانَ يُقَال: لَك ابْنك ريحانك سبعا، وخادمك سبعا، ثمَّ عَدو أَو صديق قَالَ الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان: أفضل الْعِصْمَة أَلا تَجِد. قيل لبَعض الْحُكَمَاء: مَا الشَّيْء الَّذِي لَا يحسن أَن يُقَال وَإِن كَانَ حَقًا؟ فَقَالَ: مدح الْإِنْسَان نَفسه. جلس بعض الزهاد إِلَى تَاجر ليَشْتَرِي مِنْهُ شَيْئا، فَمر بِهِ رجل يعرفهُ، فَقَالَ للتاجر: هَذَا فلَان الزَّاهِد فأرخص مَا تبيعه مِنْهُ. فَغَضب الزَّاهِد وَقَامَ وَقَالَ: إِنَّمَا جِئْنَا لنشتري بدراهمنا لَا بمذاهبنا. قيل لبَعْضهِم: مَا الشَّيْء الَّذِي لَا يَسْتَغْنِي عَنهُ فِي حَال من الْأَحْوَال؟ فَقَالَ: التَّوْفِيق. قيل لبَعض من يطْلب الْأَعْمَال: مَا تصنع؟ قَالَ: أخدم الرَّجَاء، حَتَّى ينزل الْقَضَاء. قَالَ بَعضهم: أوسع مَا يكون الْكَرِيم مغْفرَة، إِذا ضَاقَتْ بالمذنب المعذرة. قَالَ آخر: أمتع الجلساء الَّذِي إِذا عجبته عجب، وَإِذا فكهته طرب، وَإِذا أَمْسَكت تحدث، وَإِذا فَكرت لم يلمك. قيل لبَعْضهِم: مَتى يحمد الْغنى؟ قَالَ: إِذا اتَّصل بكرم. قيل: فَمَتَى تذم الفطنة؟ قَالَ: إِذا اقترنت بلؤم.
(4/126)

قَالَ بَعضهم: ستر مَا عاينته أحسن من إِشَاعَة مَا ظننته. قيل لجميل بن مرّة: مذ كم هجرت النَّاس قَالَ: مذ خمسين سنة. قيل لَهُ: لم ذَاك؟ قَالَ: صحبتهم أَرْبَعِينَ سنة، فَلم أر فيهم غافراً لزلة وَلَا راحماً لعبرة، وَلَا مقيلاً لعثرة، وَلَا ساتراً لعورة، وَلَا حَافِظًا لخلة، وَلَا صَادِقا فِي مَوَدَّة، وَلَا رَاعيا لزمام حُرْمَة، وَلَا صَادِقا فِي خَبره، وَلَا عادلاً فِي حُكُومَة؛ فَرَأَيْت الشّغل بهم حمقاً، والانقطاع عَنْهُم رشدا. كَانَ بَعضهم يَقُول: اللَّهُمَّ احفظني من أصدقائي. فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ: إِنِّي حَافظ نَفسِي من أعدائي. قَالَ آخر: إساءة المحسن أَن يمنعك جدواه، وإحسان الْمُسِيء أَن يكف عَنْك أَذَاهُ. قيل لعبد الله بن الْمُبَارك: مَا التَّوَاضُع؟ قَالَ: التكبر على المتكبرين. قيل: من لَا ينفذ تدبيرك عَلَيْهِ فِي إذلاله، فتوفر على توخي إجلاله. قَالَ الشَّافِعِي: مَا رفعت أحدا فَوق مَنْزِلَته إِلَّا حط مني بِقدر مَا رفعت مِنْهُ. قَالَ الْمسيب بن وَاضح: صَحِبت ابْن الْمُبَارك مقدمه من الْحَج فَقَالَ لي: يَا مسيب، مَا أَتَى فَسَاد الْعَامَّة إِلَّا من قبل الْخَاصَّة. قلت: وَكَيف ذَاك رَحِمك الله؟ قَالَ: لِأَن أمة مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام على طَبَقَات خمس: فالطبقة الأولى هم الزهاد، وَالثَّانيَِة الْعلمَاء، وَالثَّالِثَة الْغُزَاة، وَالرَّابِعَة التُّجَّار وَالْخَامِسَة الْوُلَاة. فَأَما الزهاد فهم مُلُوك هَذِه الْأمة، وَأما الْعلمَاء فهم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء، وَأما الْغُزَاة فهم أسياف الله عز وَجل، وَأما التُّجَّار فهم الْأُمَنَاء، وَأما الْوُلَاة فهم الرُّعَاة. فَإِذا كَانَ الزَّاهِد طامعاً فالتائب بِمن يَقْتَدِي؟ وَإِذا كَانَ الْعَالم رَاغِبًا فالجاهل بِمن يَهْتَدِي؟ وَإِذا كَانَ الْغَازِي مرائياً فَمَتَى يظفر بالعدو؟ وَإِذا كَانَ التَّاجِر خائناً فعلام يؤتمن الخونة! وَإِذا كَانَ الرَّاعِي ذئباً فالشاة من يحفظها؟ قَالَ الْحُكَمَاء: خَمْسَة لَا تتمّ إِلَّا لقرنائها 415: الْجمال لَا يتم إِلَّا بالحلى، والحسب لَا يتم إِلَّا بالأدب، والغنى لَا يتم إِلَّا بالجود، والبطش لَا يتم إِلَّا بالجرأة، وَالِاجْتِهَاد لَا يتم إِلَّا بالتوفيق.
(4/127)

قيل لبَعْضهِم: مَتى تطيعك الدُّنْيَا؟ قَالَ: إِذا عصيتها. قَالَ آخر: رب مغبوط بِنِعْمَة هِيَ داؤه، وَرب مَحْسُود على حَال هِيَ بلاؤه، وَرب مَرْحُوم من سقم هُوَ شفاؤه. قَالُوا: إِذا أَرَادَ الله أَن يُسَلط على عَبده عدوا لَا يرحمه سلط عَلَيْهِ حَاسِدًا. وَكَانَ يُقَال فِي الدُّعَاء على الرجل: طَلَبك من لَا يقصر دون الظفر، وحسدك من لَا ينَام دون الشَّقَاء. قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب: إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا زهده فِي الدُّنْيَا وفقهه فِي الدّين، وبصره عيوبه. قَالَ مَالك بن دِينَار: من طلب الْعلم لنَفسِهِ فالقليل يَكْفِي، وَمن طلبه للنَّاس فحوائج النَّاس كَثِيرَة. قَالَ رجل لآخر: إِنِّي أَتَيْتُك فِي حَاجَة فَإِن شِئْت قضيتها وَكُنَّا جَمِيعًا كريمين، وَإِن شِئْت منعتها وَكُنَّا جَمِيعًا لئيمين. قَالَ بعض النساك: قد أعياني أَن أنزل على رجل يعلم أَنِّي لَا آكل من رزقه شَيْئا. قيل: مثل شرب الدَّوَاء مثل الصابون للثوب ينقيه وَلَكِن يخلقه. كَانَ يُقَال: النّظر يحْتَاج إِلَى الْقبُول، والحسب إِلَى الْأَدَب، وَالسُّرُور إِلَى الْأَمْن، والقربى إِلَى الْمَوَدَّة، والمعرفة إِلَى التجارب، والشرف إِلَى التَّوَاضُع والنجدة إِلَى الْجد. قَالَ بَعضهم: أَعْنَاق الْأُمُور تشابه فِي الغيوب؛ قرب مَحْبُوب فِي مَكْرُوه ومكروه فِي مَحْبُوب. وَكم من مغبوط بِنِعْمَة هِيَ داؤه، ومرحوم من دَاء فِيهِ شفاؤه. وَقيل: رب خير فِي شَرّ، ونفع فِي ضرّ.
(4/128)

قَالَ ابْن المقفع: الْحَسَد خلق دني، وَمن دناءته أَنه يُوكل بالأقرب فَالْأَقْرَب. قَالَ قَتَادَة: لَو كَانَ أحد مكتفياً من الْعلم لاكتفى نَبِي الله مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِذْ قَالَ: " هَل أتبعك على أَن تعلمن وَمِمَّا علمت رشدا ". قَالَ دَغْفَل بن حَنْظَلَة: إِن للْعلم أَرْبعا: آفَة ونكداً وإضاعة واستجاعة فآفته النسْيَان، ونكده الْكَذِب، وإضاعته وَضعه فِي غير مَوْضِعه، واستجاعته أَنَّك لَا تشبع مِنْهُ. قَالَ أَبُو عُثْمَان الجاحظ: وَإِنَّمَا عَابَ الاستجاعة لِأَن الروَاة شغلوا عقولهما بالازدياد وَالْجمع عَن تحفظ مَا قد حصلوه، وتدبر مَا قد دونوه. قَالَ بَعضهم: عِيَادَة النوكى الْجُلُوس فَوق الْقدر، والمجيء فِي غير وَقت. قَالَ أَكْثَم بن صَيْفِي: مَا أحب أَن أكفى كل أَمر الدُّنْيَا. قَالُوا: وَإِن أسمنت وألبنت؟ قَالَ: نعم. أكره عَادَة الْعَجز. قَالَ أَبُو عُثْمَان: كتب شيخ من أهل الرّيّ على بَاب دَاره: جزى الله من لَا يعرفنا وَلَا نعرفه خيرا، فَأَما أصدقاؤنا الْخَاصَّة فَلَا جزاهم الله خيرا؛ فَإنَّا لم نُؤْت قطّ إِلَّا مِنْهُم. قيل لرجل من أهل الْبَصْرَة: مَالك لَا ينمى مَالك؟ قَالَ: لِأَنِّي اتَّخذت الْعِيَال قبل المَال، وَاتخذ النَّاس المَال قبل الْعِيَال. كَانَ خَالِد بن صَفْوَان يكره المزاح وَيَقُول: يُصِيب أحدهم أَخَاهُ ويصكه بأشد من الْحَدِيد، وأصلب من الجندل، ويفرغ عَلَيْهِ أحر من الْمرجل ثمَّ يَقُول إِنَّمَا مازحته. قَالَ إِبْرَاهِيم المحلمي: فِيك حِدة. فَقَالَ: أسْتَغْفر الله مِمَّا أملك وأستصلحه مَا لَا أملك. قيل لرجل: إِن فلَانا يشتمك. قَالَ: هُوَ فِي حل. قيل لَهُ: تحله وَقد
(4/129)

شتمك؟ فَقَالَ: مَا أحب أَن أثقل ميزاني بأوزار إخْوَانِي. قَالَ الغاضري: أَعْطَانَا الْمُلُوك الْآخِرَة طائعين، وأعطيناهم الدُّنْيَا كارهين. قَالَ بَعضهم: الصَّبْر عَن النِّسَاء أيسر من الصَّبْر عَلَيْهِنَّ. ذكرت الْعَامَّة للأوزاعي فَقَالَ: هِيَ كالبحر، إِذا هاج لم يسكنهُ إِلَّا الله. قَالَ بَعضهم لصَاحب لَهُ: إِذا كنت لَا ترْضى مني بالإساءة فَلم رضيت من نَفسك بالمكافأة؟ . قَالَ بَعضهم: كل شَيْء يحْتَاج إِلَى الْعقل، وَالْعقل يحْتَاج إِلَى التجربة. قيل لبَعْضهِم: مَا الصدْق؟ قَالَ: اسْم لَا يُوجد مَعْنَاهُ. كَانَ يُقَال: طول اللِّحْيَة أَمَان من الْعقل. قَالُوا: إِذا قعدت وَأَنت صَغِير حَيْثُ تحب، قعدت وَأَنت كَبِير حَيْثُ تكره. قَالَ بَعضهم: شَرّ المَال مَا لزمك إِثْم مكسبه، وَحرمت لَذَّة إِنْفَاقه. قيل للعتابي: مَا الْمُرُوءَة؟ فَقَالَ: ترك اللَّذَّة. قيل: فَمَا اللَّذَّة؟ قَالَ: ترك الْمُرُوءَة. قيل لصوفي: كَيفَ أَنْت؟ قَالَ: طلبت فَلم أرزق، وَحرمت فَلم أَصْبِر. قَالَ أَحْمد بن المعذل لِأَخِيهِ عبد الصَّمد: أَنْت كالإصبع الزَّائِدَة إِن تركت شانت، وَإِن قطعت آلمت. قَالَ بَعضهم: إِن الْغنى والعز خرجا يجولان فلقيا القناعة فاستقرا. قَالَ بَعضهم: أَنا بِالصديقِ آنس مني بالأخ. فَقَالَ لَهُ ابْن المقفع: صدقت:
(4/130)

الصّديق نسيب الرّوح، وَالْأَخ نسيب الْجِسْم. قَالَ أَبُو الْعَالِيَة الريَاحي: إِذا دخلت الْهَدِيَّة صر الْبَاب وضحكت الأسكفة. قَالُوا: جِزْيَة الْمُؤمن كِرَاء منزله، وعذابه سوء خلق امْرَأَته. سمع رجل رجلا يَقُول لصَاحبه: لَا أَرَاك الله مَكْرُوها. فَقَالَ: كَأَنَّك دَعَوْت على صَاحبك بِالْمَوْتِ. أما مَا صَاحب صَاحبك الدُّنْيَا فَلَا بُد لَهُ من أَن يرى مَكْرُوها. قَالَ معن بن زَائِدَة: مَا أَتَانِي رجل قطّ فِي حَاجَة فرددته عَنْهَا إِلَّا تبين لي غناهُ عني إِذا أدبر. قَالَ بعض الصُّوفِيَّة: بالخلق يُسْتَفَاد الْكَوْن، وبالخلق يُسْتَفَاد الْخلد. أَرَادَ ملك سفرا فَقَالَ: لَا يصحبني ضخم جبان، وَلَا حسن الْوَجْه لئيم، وَلَا صَغِير رغيب. نظر أَعْرَابِي إِلَى خَالِد بن صَفْوَان وَهُوَ يتَكَلَّم فَقَالَ: كَيفَ لم يسد هَذَا مَعَ بَيَانه؟ فَقَالَ خَالِد: منعتم مَالِي، وكرهت السَّيْف. يُقَال: الْوَعْد وَجه والإنجاز محاسنه. قَالُوا: الْهَالِك على الدُّنْيَا رجلَانِ: رجل نافس فِي عزها، وَرجل أنف من ذلها. قَالَ مَيْمُون: الطَّالِب فِي حِيلَة، وَالْمَطْلُوب فِي غَفلَة، وَالنَّاس مِنْهُمَا فِي شغل. كَانَ ابْن السماك يَقُول: دلا أَدْرِي أأوجر على ترك الْكَذِب أم لَا لِأَنِّي أتركه أَنَفَة. قيل: إِن الرمد لَا يُعَاد، وَالسَّبَب فِيهِ أَلا يرَاهُ العواد وَمَا فِي منزله وَهُوَ لَا يراهم.
(4/131)

قَالَ ابْن شهَاب: لَيْسَ بِكَذَّابٍ من دَرأ عَن نَفسه. قَالَ الْحجَّاج لِابْنِ قَرْيَة: مَا الأرب؟ قَالَ: الصَّبْر على كظم الغيظ حَتَّى تمكن الفرصة. قَالُوا: ثَلَاث لَا غربَة مَعَهُنَّ: مجانبة الريب، وَحسن الْأَدَب، وكف الْأَذَى. وَكَانَ يُقَال: عَلَيْكُم بالأدب، فَإِنَّهُ صَاحب فِي السّفر، ومؤنس فِي الْوحدَة، وجمال فِي المحفل، وَسبب إِلَى طلب الْحَاجة. قَالَ عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة: مَا أحسن الْحَسَنَات فِي آثَار السَّيِّئَات، وأقبح السَّيِّئَات فِي آثَار الْحَسَنَات، وأقبح من هَذَا وَأحسن من ذَاك السَّيِّئَات فِي آثَار السَّيِّئَات، والحسنات فِي آثَار الْحَسَنَات. قَالَ أَبُو إِدْرِيس الْخَولَانِيّ: الْمَسَاجِد مجَالِس الْكِرَام. قيل: الْمِنَّة 417 تهدم الصنيعة. وَكَانَ يُقَال: كتمان الْمَعْرُوف من الْمُنعم عَلَيْهِ كفر لَهُ، وَذكره من الْمُنعم تكدير لَهُ. كَانَ مَالك بن دِينَار يَقُول: مَا أَشد فطام الْكَبِير! كَانَ يُقَال: أنعم النَّاس عَيْشًا من عَاشَ فِي عيشة غَيره. قَالَ رجل لرجل من قُرَيْش: وَالله مَا أمل الحَدِيث. فَقَالَ: إِنَّمَا يمل الْعَتِيق. يرْوى عَن أَسمَاء بن خَارِجَة أَنه قَالَ: لَا أشاتم رجلا وَلَا أرد سَائِلًا، فَإِنَّمَا هُوَ كريم أَسد خلته، أَو لئيم أشترى عرضي مِنْهُ. كَانَ ابْن شبْرمَة إِذا نزلت بن نازلة قَالَ: سَحَابَة ثمَّ تتقشع. كَانَ يُقَال: أَربع من كنوز الْجنَّة: كتمان الْمُصِيبَة، وكتمان الصَّدَقَة، وكتمان الْفَاقَة: وكتمان الوجع. قيل: لَيْسَ للجوج تَدْبِير، وَلَا لسيىء الْخلق عَيْش، وَلَا لمتكبر صديق والْمنَّة تفْسد الصنيعة. كَانَ يُقَال: لَا يَنْبَغِي لعاقل أَن يشاور وَاحِدًا من خَمْسَة: الْقطَّان والغزال
(4/132)

والمعلم وراعي الضَّأْن وَلَا الرجل الْكثير المحادثة للنِّسَاء. وَقيل فِي مثل هَذَا: لَا تدع أم صبيك تضربه؛ فَإِنَّهُ أَعقل مِنْهَا وَإِن كَانَ طفْلا. قَالَ رجل لِابْنِ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: مَا ترك لَك أَبوك؟ قَالَ: ترك لي مَالا كثيرا. فَقَالَ: لَا أعلمك شَيْئا هُوَ خير لَك مِمَّا ترك أَبوك؟ إِنَّه لَا مَال لعاجز، وَلَا ضيَاع على حَازِم، وَالرَّقِيق جمال وَلَيْسَ بِمَال، فَعَلَيْك من المَال بِمَا يعولك وَلَا تعوله. وَقيل الخريم الناعم: مَا النِّعْمَة؟ فَقَالَ: الْأَمْن؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لخائف عَيْش؛ والغنى؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لفقير عَيْش. وَالصِّحَّة؛ فَإِنَّهُ لسقيم عَيْش قيل: ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ: لَا مزِيد بعْدهَا. قيل: خير الْكَلَام مَا أغْنى اختصاره عَن إكثاره. قيل: النمام سهم قَاتل. أَرَادَ رجل الْحَج، فَأتى شُعْبَة بن الْحجَّاج فودعه فَقَالَ لَهُ شُعْبَة: أما إِنَّك إِن لم ترى الْحلم ذلاً، والسفه أنفًا سلم حجك. روى عَن بعض الْأَئِمَّة أَنه قَالَ: الْإِنْصَاف رَاحَة، والإلحاح قحة، وَالشح شناعة، والتواني إِضَاعَة، وَالصِّحَّة بضَاعَة، والخيانة وضاعة، والحرص مفقرة، والدناءة محقرة، وَالْبخل غل، والفقر ذل، والسخاء قربَة، واللؤم غربَة، والذلة استكانة، وَالْعجز مهانة، وَالْأَدب رياسة، والحزم كياسة، وَالْعجب هَلَاك، وَالصَّبْر ملاك، والعجلة زلل، والإبطاء ملل. ثَلَاثَة أَشْيَاء لَا ثبات لَهَا: المَال فِي يَد من يبذر، وسحابة الصَّيف، وَغَضب العاشق. قيل للشبلي: مَا الْفرق بَين رق الْعُبُودِيَّة ورق الْمحبَّة؟ فَقَالَ: كم بَين عبد
(4/133)

إِذا أعتق صَار حرا، وَبَين عبد كل مَا أعتق ازْدَادَ رقا. قَالُوا: الزَّاهِد فِي الدِّينَار وَالدِّرْهَم أعز من الدِّينَار وَالدِّرْهَم. وَقيل لمُحَمد بن وَاسع: كَيفَ أَنْت؟ قَالَ: كَيفَ أكون، وَأَنا إِذا كنت فِي الصَّلَاة فَدخل إِنْسَان غَنِي أوسع لَهُ بِخِلَاف مَا أوسع للْفَقِير. سُئِلَ بَعضهم: أَيّمَا أَحْمد فِي الصَّبِي الْحيَاء أم الْخَوْف؟ فَقَالَ: الْحيَاء لِأَن الْحيَاء يدل على عقل وَالْخَوْف يدل على جبن. قَالُوا: رب حَرْب جنيت بِلَفْظِهِ، وَرب ود غرس بلحظة. شكا رجل إِلَى بشر بن الْحَارِث كَثْرَة الْعِيَال فَقَالَ لَهُ: فرغك فَلم تشكره، فعاقبك بِالشغلِ. كَانَ يُقَال: إِذا تزوج الرجل فقد ركب الْبَحْر، فَإِن ولد لَهُ فقد كسر بِهِ. قَالَ يُونُس بن عبيد: مَا سَمِعت بِكَلِمَات أحسن من كَلِمَات ثَلَاث قالهن ابْن سِيرِين ومورق الْعجلِيّ وَحسان بن أبي سِنَان أما ابْن سِيرِين فَقَالَ: مَا حسدت على شَيْء قطّ، وَأما مُورق فَقَالَ: 418 مَا قلت فِي الْغَضَب شَيْئا فندمت عَلَيْهِ فِي الرِّضَا. وَأما حسان فَقَالَ: مَا شَيْء أَهْون من الْوَرع؛ إِذا رَابَك شَيْء فَدَعْهُ. قَالَ ابْن مسعر: كنت أَمْشِي مَعَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فَسَأَلَهُ سَائل؛ فَلم يكن مَعَه مَا يُعْطِيهِ، فَبكى فَقلت لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّد؛ مَا يبكيك؟ قَالَ: وَأي مُصِيبَة أعظم من أَن يؤمل فِيك رجل خيرا فَلَا يُصِيبهُ مِنْك. قَالَ: كفى نصرا لمُؤْمِن أَن يرى عدوه يعْمل بمعاصي الله.
(4/134)

قيل: ثَلَاثَة تعرض فِي الأحمق: سرعَة الْجَواب، وَكَثْرَة الِالْتِفَات، والثقة بِكُل أحد. قيل: صَلَاح كل ذِي نعْمَة فِي خلاف مَا فسد عَلَيْهِ. قيل لبَعْضهِم: كم آكل؟ قَالَ: فَوق الشِّبَع. قَالَ: فكم أضْحك قَالَ: حَتَّى يسفر وَجهك وَلَا يسمع صَوْتك. قَالَ: فكم أبْكِي قَالَ: لَا تمل أَن تبْكي من خشيَة الله. قَالَ: فكم أُخْفِي من عَمَلي؟ قَالَ: حَتَّى يرى النَّاس أَنَّك لَا تعْمل حَسَنَة. قَالَ: فكم أظهر من عَمَلي؟ قَالَ: حَتَّى يَقْتَدِي بك الْبر ويؤمن عَلَيْك قَول النَّاس. الْعُزْلَة عَن النَّاس توفر الْعرض، وتبقي الْجَلالَة، وتستر الْفَاقَة وترفع مُؤنَة الْمُكَافَأَة. وَنعم صومعة الرجل بَيته، يكف فِيهِ سَمعه وبصره وَلسَانه ويقل فكره. أنعم النَّاس عَيْشًا من تحلى بالعفاف، ورضى بالكفاف وَتجَاوز مَا يخَاف إِلَى مَالا يخَاف. قيل لرجل: مَا السَّيِّد فِيكُم؟ قَالَ: الْبَاذِل لنداه، الْكَاف لأذاه، النَّاصِر لمَوْلَاهُ. قيل: التَّوَاضُع نعْمَة لَا يفْطن لَهَا الْحَاسِد. قَالَ خَالِد بن صَفْوَان: يَنْبَغِي للعاقل أَن يمْنَع معروفه الْجَاهِل واللئيم وَالسَّفِيه؛ أم الْجَاهِل فَلَا يعرف الْمَعْرُوف وَالشُّكْر، وَأما اللَّئِيم فأرض سبخَة لَا تنْبت وَلَا تصلح، وَأما السَّفِيه فَإِنَّهُ يَقُول: أَعْطَانِي فرقا من لساني. خير الْعَيْش مَالا يُطْغِيك وَلَا يُلْهِيك. قَالَ سعيد بن عبد الْعَزِيز: مَا ضرب الْعباد بِسَوْط أوجع من الْفقر. قَالَ فَيْرُوز بن حُصَيْن: إِذا أَرَادَ الله تَعَالَى أَن يزِيل عَن عبد نعْمَة كَانَ أول مَا يُغير مِنْهُ عقله. قيل لمُحَمد بن كَعْب الْقرظِيّ: مَا عَلامَة الخذلان؟ قَالَ: أَن يستقبح الْمَرْء من الْأَمر مَا كَانَ عِنْده حسنا ويستحسن مَا كَانَ عِنْده قبيحاً.
(4/135)

قَالَ شيخ من أهل الْمَدِينَة: المعرض بِالنَّاسِ أتقي صَاحبه وَلم يتق ربه. قيل لشيخ هم أَي شَيْء تشْتَهي؟ قَالَ: أسمع الْأَعَاجِيب. قَالُوا: عشر خِصَال فِي عشرَة أَصْنَاف أقبح مِنْهَا فِي غَيرهم: الضّيق فِي الْمُلُوك والغدر فِي الْأَشْرَاف، وَالْكذب فِي الْقَضَاء، والخديعة فِي الْعلمَاء، وَالْغَضَب فِي الْأَبْرَار، والحرص فِي الْأَغْنِيَاء، السَّفه فِي الشُّيُوخ وَالْمَرَض فِي الْأَطِبَّاء والتهزي فِي الْفُقَرَاء، وَالْفَخْر فِي الْقُرَّاء. قَالَ ابْن أبي ليلى: لَا أماري أخي فَأَما أَن أكذبه أَو أغضبهُ. قَالَ حضين بن الْمُنْذر: لَوَدِدْت أَن لي أساطين مَسْجِد الْجَامِع ذَهَبا وَفِضة لَا أنتفع مِنْهُ بِشَيْء. قيل لَهُ: لما يَا أَبَا ساسان؟ قَالَ: يخدمني وَالله عَلَيْهِ موقان الرِّجَال. قَالَ بَعضهم: خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فِي خَصْلَتَيْنِ: التقي والغني. وَشر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة خَصْلَتَيْنِ: الْفُجُور والفقر. سُئِلَ بعض الْحُكَمَاء: أَي النَّاس أَحَق أَن يتقى؟ قَالَ: الْعَدو وَالْقَوِي، وَالصديق المخادع، وَالسُّلْطَان والغشوم. قيل لرجل: مَا أذهب مَالك؟ فَقَالَ: شرائي مَا لَا أحتاج إِلَيْهِ، وبيعي على الضَّرُورَة. عَاد قوم أَعْرَابِيًا 416 وَقد بلغ مائَة وَخمسين سنة. فَسَأَلُوهُ عَن سنه فَأخْبرهُم فَقَالَ بَعضهم: عمر وَالله. فَقَالَ الشَّيْخ: لَا نقل ذَاك، فوَاللَّه لَو استكملتها لاستقللتها. قَالُوا: أَصْبِر النَّاس الَّذِي لَا يفشي سره إِلَى صديقه مَخَافَة أَن يَقع بَينهمَا شَيْء فيفشيه. قَالُوا: ثَمَانِيَة إِذا أهينوا فَلَا يلوموا إِلَّا أنفسهم: الْآتِي طَعَاما لم يدع إِلَيْهِ
(4/136)

والمتآمر على رب الْبَيْت فِي بَيته، وطالب الْمَعْرُوف من غير أَهله، وراجي الْفضل من اللئام، والداخل بَين اثْنَيْنِ لم يدْخلَاهُ، والمستخف بالسلطان، والجالس مَجْلِسا لَيْسَ لَهُ بِأَهْل، والمقبل بحَديثه على من لَا يسمعهُ. قَالُوا: ثَمَرَة القناعة الرَّاحَة، وَثَمَرَة التَّوَاضُع الْمحبَّة، وَثَمَرَة الصَّبْر الظفر. قَالَ بَعضهم: نَحن فِي دهر الْإِحْسَان فِيهِ من الْإِنْسَان زلَّة، والجميل غَرِيب، وَالْخَيْر بِدعَة، والشفقة ملق، وَالدُّعَاء صلَة، وَالثنَاء خداع، وَالْأَدب مَسْأَلَة، وَالْعلم شبكة، وَالدّين تلبيس، وَالْإِخْلَاص رِيَاء، وَالْحكمَة سفه، وَالْقَوْل هذر، والإطراق ترهب، وَالسُّكُوت نفاق، والبذل مُكَافَأَة، وَالْمَنْع حزم، والإنفاق تبذير. جلس رجل إِلَى سهل بن هَارُون فَجعل يسمعهُ كلَاما سخيفاً من صنوف الْهزْل، فَقَالَ لَهُ: تَنَح عني؛ فَإِنَّهُ لَا شَيْء أميل إِلَى ضِدّه من الْعقل. قيل لبَعض الْعلمَاء: أَي علق أنفس؟ فَقَالَ: عقل صرف إِلَيْهِ حَظّ. قَالُوا: الِاعْتِبَار يفيدك الرشاد؛ وَكَفاك أدباً لنَفسك مَا كرهت من غَيْرك. الْجزع من أعوان الزَّمَان. الْجُود حارس الْأَعْرَاض. وَالْعَفو زَكَاة الْقلب. اللطافة فِي الْحَاجة أجدى من الْوَسِيلَة. من أشرف أَفعَال الْكَرِيم غفلته عَمَّا يعلم. احْتِمَال نخوة الشّرف أَشد من احْتِمَال بطر الْغنى وذلة الْفقر مَانِعَة من الصَّبْر، كَمَا أَن عز الْغنى مَانع من كرم الْإِنْصَاف إِلَّا لمن كَانَ فِي غريزته فضل قُوَّة أَو أعراق تنازعه إِلَى بعد الهمة. قيل لبَعْضهِم: من أبعد النَّاس سفرا؟ قَالَ: من كَانَ فِي طلب صديق يرضاه. قَالَ يُونُس بن عبيد: أعياني شَيْئَانِ: دِرْهَم حَلَال وَأَخ فِي الله. قَالَ الْأَصْمَعِي: كل امْرِئ كَانَ ضره خَاصّا فَهُوَ نعْمَة عَامَّة، وكل امْرِئ كَانَ نَفعه خَاصّا فَهُوَ بلَاء عَام. استشارة الْأَعْدَاء من بَاب الخذلان.
(4/137)

قَالُوا: إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد هَلَاكًا أهلكه بِرَأْيهِ، وَمَا اسْتغنى أحد عَن المشورة إِلَّا هلك. قَالَ أَكْثَم بن صَيْفِي: الْحر لَا يكون صريع بَطْنه وَلَا فرجه. قيل: سِتّ خِصَال تعرف فِي الْجَاهِل: الْغَضَب من غير شَيْء، وَالْكَلَام من غير نفع، والعطية فِي غير مَوضِع، وَلَا يعرف صديقه من عدوه، وإفشاء السِّرّ، والثقة بِكُل أحد. قَالَ مُحَمَّد بن وَاسع: إِنِّي لأغبط الرجل لَيْسَ لَهُ شَيْء وَهُوَ رَاض عَن الله. قَالُوا: سوء الْعَادة كمين لَا يُؤمن. الْعَادة طبيعة ثَانِيَة. التجني وَافد القطيعة. مِنْك من نهاك، وَلَيْسَ مِنْك من أغراك. ياعجبا من غَفلَة الحساد عَن سَلامَة الأجساد. من سَعَادَة الْمَرْء أَن يطول عمره وَيرى فِي عدوه مَا يسره. تورث الضغائن كَمَا تورث الْأَمْوَال. كم من عَزِيز أذله خرقه، وعزيز أذله خلقه. لَا يصلح اللَّئِيم لأحد وَلَا يَسْتَقِيم إِلَّا من فرق أَو حَاج؛ فَإِذا اسْتغنى أَو ذهبت الْهَيْئَة عَاد إِلَى جوهره. ثَلَاثَة فِي الْمجْلس لَيْسُوا فِيهِ: الْمُسِيء الظَّن بأَهْله 420 والضيق الْخُف، والحافر. قيل لبَعْضهِم: مَا أبقى الْأَشْيَاء فِي أنفس النَّاس؟ قَالَ: أما فِي أنفس الْعلمَاء فالندامة على الذُّنُوب، وَأما فِي أنفس السُّفَهَاء فالحقد. إِذا انْقَضى ملك الْقَوْم جبنوا فِي آرائهم. الضَّعِيف المحترس من الْعَدو الْقوي أقرب إِلَى السَّلامَة من الْقوي المغتر بالعدو الضَّعِيف.
(4/138)

الْحزن سوء استكانة وَالْغَضَب لؤم قدرَة. كل مَا يُؤْكَل ينتن، وكل مَا يُوهب يأرج. لَا يصعب على القوى حمل، وَلَا على اللبيب عمل، وَلَا على المتواضع أحد. الطرش فِي الْكِرَام، والهوج والشجاعة فِي الطوَال، والكيس فِي الْقصار والملاحة فِي الْحول، والنبل فِي الربعة، والذكاء فِي الخرس، وَالْكبر فِي العور، والبهت فِي العميان. بالكلفة يكْتَسب الأصدقاء وَبِكُل شَيْء يُمكن اكْتِسَاب الْأَعْدَاء. أفقر النَّاس أَكْثَرهم كسباً من حرَام؛ لِأَنَّهُ اسْتَدَانَ بالظلم مَا لَا بُد لَهُ من رده، وأنفد فِي اكتسابه أَيَّام عمره، وَمنعه فِي حَيَاته من حَقه، وَكَانَ خَازِنًا لغيره، وَاحْتمل الدّين على ظَهره، وطولب بِهِ فِي حِين فقره. الْأُم النَّاس من سعى بِإِنْسَان ضَعِيف إِلَى سُلْطَان جَائِر أعْسر الْحِيَل تَصْوِير الْبَاطِل فِي صُورَة الْحق عِنْد الْعَاقِل الْمُمَيز. الرِّيبَة ذل حَاضر، والغيبة لؤم بَاطِن. الْقلب الفارغ يبْحَث عَن السوء، وَالْيَد الفارغة تنَازع إِلَى الْإِثْم. لَا يصرف الْقَضَاء إِلَّا خَالق الْقَضَاء. لَا كثير مَعَ إِسْرَاف، وَلَا قَلِيل مَعَ احتراف، وَلَا ذَنْب مَعَ اعْتِرَاف. من كل شَيْء يقدر أَن يحفظ الْجَاهِل إِلَّا من نَفسه. المتعبد على غير فقه كحمار الرَّحَى يَدُور وَلَا يبرح. الْمحرم من طَال نَصبه، وَكَانَ لغيره مكسبه. كَيفَ يحب الدُّنْيَا من تغره، وتسوئه أَكثر مِمَّا تسرهُ.
(4/139)

مَعَ العجلة الخطار، وَرُبمَا خطئَ المخاطر بِالْقضَاءِ. شَرّ أَخْلَاق الرِّجَال الْبُخْل والجبن وهما خير أَخْلَاق النِّسَاء. إِذا جَاءَ زمَان الخذلان انعكست الْعُقُول. سَعَة السمحاء أحد الخصبين، وَكَثْرَة المَال عِنْد البخلاء أصعب الجدبين. من سوء الْأَدَب مؤانسة من احتشمك، وكشف خلة من سترهَا عنْدك، والنزوع إِلَى مشورة لم تدع إِلَيْهَا. قَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ: نعم الْقَوْم السُّؤَال؛ يدقون أبوابكم وَيَقُولُونَ: هَل توجهون إِلَى الْآخِرَة شَيْئا بِشَيْء؟ فِي الِاعْتِبَار غنى عَن الاختبار. غيظ الْبَخِيل على الْجواد أعجب من بخله. أذلّ النَّاس معتذر إِلَى لئيم. أَشْجَع النَّاس أثبتهم عقلا فِي بداهة الْخَوْف. قَالَ مطرف: المعاذر، والمعاتب مغاضب. قَالَ بَعضهم: الْمُرُوءَة يَهْدِمهَا الْيَسِير، لَا يبنيها إِلَّا الْكثير. قَالَ ابْن المقفع: الْمُرُوءَة بِلَا مَال كالأسد الَّذِي يهاب وَلم يفرس، وكالسيف الَّذِي يخَاف وَهُوَ مغمد، وَالْمَال بِلَا مُرُوءَة كَالْكَلْبِ الَّذِي يجْتَنب عقراً وَلم يعقر. وَقَالَ: اطْلُبُوا الْأَدَب؛ فَإِن كُنْتُم ملوكاً برزتم، وَإِن كُنْتُم وسطا فقتم وَإِن أعوزتم الْمَعيشَة عشتم بأدبكم. وَقَالَ أَبُو الْأسود: لَيْسَ شَيْء أعز من الْعلم، والملوك حكام على النَّاس وَالْعُلَمَاء حكام على الْمُلُوك.
(4/140)

وَقَالَ بَعضهم: لَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يكون إِلَّا فِي إِحْدَى منزلتين: إِمَّا فِي الْغَايَة القصوى من مطَالب الدُّنْيَا، وَإِمَّا فِي غَايَة القصوى من التّرْك لَهَا. من أفضل أَعمال الْبر الْجُود 421 فِي الْعسرَة، والصدق فِي الْغَضَب، وَالْعَفو عِنْد الْقُدْرَة. الْبُخْل خير من الْفقر، وَالْمَوْت خير من الْبُخْل. قَالَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ: إِن الله أنعم على الْعباد بِقدر قدرته، وكلفهم من الشُّكْر بِقدر طاقتهم. قَالَ مُحَمَّد بن حَرْب الْهِلَالِي: وجدت الْعَيْش فِي ثَلَاث: فِي صديق لَا يتَعَلَّم فِي صداقتك مَا يرصد بِهِ عداوتك، وَفِي امْرَأَة تسرك إِذا دخلت عَلَيْهَا وَتحفظ غيبك إِذا غبت عَنْهَا، وَفِي مَمْلُوك يَأْتِي على مَا فِي نَفسك كَأَنَّهُ قد علم مَا تُرِيدُ. قَالُوا: تحْتَاج الْقَرَابَة إِلَى مَوَدَّة وَلَا تحْتَاج الْمَوَدَّة إِلَى قرَابَة. مُخَالطَة الأشرار خطر، والصابر على صحبتهم كراكب الْبَحْر الَّذِي إِن سلم بِبدنِهِ من التّلف، لم يسلم بِقَلْبِه من الحذر. لَا يلْعَب الهموم إِلَّا مُرُور الْأَيَّام ولقاء الإخوان. شَرّ النَّاس من ضايق جليسه وَصديقه فِيمَا لَا يضرّهُ وَلَا يَنْفَعهُ. لأخيك عَلَيْك إِذا حزبه أَمر أَن تُشِير عَلَيْهِ بِالرَّأْيِ مَا أطاعك، وتبذل لَهُ النُّصْرَة إِذا عصاك. سُئِلَ خَالِد بن صَفْوَان عَن ابْن لَهُ فَقَالَ: كفاني أَمر دنياي، وفرغني لأمر آخرتي. قَالُوا الْغَيْبَة ربيع اللئام. أطول النَّاس نصبا الْحَرِيص إِذا طمع، والحقود إِذا منع. ثَلَاثَة أَشْيَاء يَنْبَغِي للمرء أَن يدْفع شينها بِمَا قدر عَلَيْهِ: فورة الْغَضَب وكلب الْحِرْص، وَعلل الْبُخْل.
(4/141)

الشريف يقبل دون حَقه، وَيُعْطى فَوق الْحق الَّذِي عَلَيْهِ. من العجيب أَن يفشي الْإِنْسَان سره ويستكتم غَيره. يَنْبَغِي للرجل أَن يكون ضنيناً بِالْكَذِبِ، فَإِن احْتَاجَ إِلَيْهِ نَفعه. الحسود غَضْبَان على الْقدر وَالْقدر لَا يعتبه.
(4/142)

الْبَاب الْخَامِس جنس آخر من الْأَدَب وَالْحكم وَهُوَ مَا جَاءَ لَفظه على لفظ الْأَمر وَالنَّهْي
كَانَ يُقَال: إِذا غضب الْكَرِيم فألن لَهُ الْكَلَام، وَإِذا غضب اللَّئِيم فَخذ لَهُ الْعَصَا. وَقَالَ بَعضهم: غضب الْعَاقِل فِي فعله، وَغَضب الْجَاهِل فِي قَوْله. قَالَ بَعضهم وَقد رأى رجلا يتَكَلَّم فيكثر: أنصف أذنيك من فمك؛ فَإِنَّمَا جعل لَك أذنان وفم وَاحِد لتسمع أَكثر مِمَّا تَقول. قَالُوا: دع المعاذر فَإِن أَكْثَرهَا مفاجر. وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: دع الِاعْتِذَار فَإِنَّهُ يخالطه الْكَذِب. قَالُوا: مَكْتُوب فِي الْحِكْمَة: اشكر لمن أنعم عَلَيْك، وأنعم على من شكرك. قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: سل مَسْأَلَة الحمقى، واحفظ حفظ الأكياس يَعْنِي الْعلم. قَالُوا: مروا الْأَحْدَاث بالمراء، والكهول بالفكر، والشيوخ بِالصَّمْتِ. وَقَالَ: عود نَفسك الصَّبْر على جليس السوء؛ فَإِنَّهُ لَا يكَاد يخطئك. قَالَ حَاتِم لعدي ابْنه: يَا بني إِنِّي رَأَيْت الشَّرّ يتركك إِن تركته، فَاتْرُكْهُ. وَكَانَ يُقَال: لَا تَطْلُبُوا الْحَاجة إِلَى ثَلَاثَة: إِلَى كذوب، فَإِنَّهُ يقربهَا وَإِن كَانَت
(4/143)

بعيدَة ويباعدها وَهِي قريبَة، وَلَا إِلَى أَحمَق، فَإِنَّهُ يُرِيد أَن ينفعك فيضرك؛ وَلَا إِلَى رجل لَهُ إِلَى صَاحب الْحَاجة حَاجَة، فَإِنَّهُ يَجْعَل حَاجَتك وقاية لِحَاجَتِهِ وَقَالُوا: لَا تصرف 422 حَاجَتك إِلَى من معيشته من رُؤُوس المكاييل وألسنة الموازين. وَكَانَ يُقَال: إياك وَصدر الْمجْلس وَإِن صدرك صَاحبه، فَإِنَّهُ مجْلِس قلعة. قَالُوا: احْذَرُوا صولة الْكَرِيم إِذا جَاع، واللئيم إِذا شبع. قَالَ بَعضهم: سرك دمك، فَلَا تجرينه فِي غير أوداجك. كَانَ يُقَال: إياك وَعزة الْغَضَب، فَإِنَّهَا تصيرك إِلَى ذلة الِاعْتِذَار. قَالَ بَعضهم: إِذا أرْسلت لتأتي ببعر فَلَا تأت بثمر، فيؤكل تمرك، وتعنف على خِلافك. قَالُوا: إِذا وَقع فِي يدك يَوْم السرُور فَلَا تخله فَإنَّك إِذا وَقعت فِي يَد يَوْم الْغم لم يخلك. قَالَ آخر: احفظ سيئك مِمَّن لَا تنشده. أَي مِمَّن تَسْتَحي أَن تسأله عَنهُ. وَمثله لِابْنِ المقفع: احذر من تأمن فَإنَّك مِمَّن تخَاف على حذر. قَالُوا: إِذا أردْت أَن تؤاخي رجلا فَانْظُر من عدوه. وَإِذا أردْت أَن تعادي رجلا فَانْظُر من وليه. قيل: إِذا قلدت أحدا مهما فَعجل لَهُ مَنْفَعَة، وأجمل لَهُ فِي الْعدة، وابسط لَهُ فِي الْمنية. قَالَ بَعضهم: الانقباض من النَّاس مكسبة للعداوة، والانبساط مجلبة لقرين السوء، فَكُن بَين المنقبض والمسترسل؛ فَإِن خير الْأُمُور أوساطها. كَانَ يُقَال: اجْعَل عمرك كَنَفَقَة دفعت إِلَيْك، فَأَنت لَا تحب أَن يذهب مَا تنْفق ضيَاعًا، فَلَا تذْهب عمرك ضيَاعًا.
(4/144)

قيل: من أظهر شكرك فِيمَا لم تأت إِلَيْهِ فاحذر أَن يكفرك فِيمَا أسديت إِلَيْهِ. لَا تستعن فِي حَاجَتك بِمن هُوَ للمطلوب أنصح مِنْهُ لَك. لَا يؤمننك من شَرّ جَاهِل قرَابَة وَلَا إلْف، فَإِن أخوف مَا تكون لحريق النَّار أقرب مَا تكون مِنْهَا. لَا ترفع نَفسك عَن شَيْء قربك إِلَى رئيسك. كن فِي الْحِرْص على تفقد عيبك كعدوك. عَلَيْك بِسوء الظَّن فَإِن أصَاب فالحزم، وَإِن أَخطَأ فالسلامة. رضَا النَّاس غَايَة لَا تدْرك، فتحر الْخَيْر بجهدك، وَلَا تكره سخط من يرضيه الْبَاطِل. إِذا رَأَيْت الرجل على بَاب القَاضِي من غير حَاجَة فاتهمه. رأى رجل ابْنه يماكس فِي ابتياع لحم، فَقَالَ: يَا بني، ساهل فَمَا تضيعه من عرضك أَكثر مِمَّا تناله من غرضك. وَقَالَ بَعضهم: الدّين رق، فَلَا تبذل رقك لمن لَا يعرف حَقك. وَقَالَ بَعضهم: احذر كل الحذر أَن يخدعك الشَّيْطَان فيمثل لَك التواني فِي صُورَة التَّوَكُّل، ويورثك الهوينا بالإحالة على الْقدر، فَإِن الله أمرنَا بالتوكل عِنْد انْقِطَاع الْحِيَل، وبالتسليم للْقَضَاء بعد الْإِعْذَار فَقَالَ: " خُذُوا حذركُمْ. وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " وَقَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " اعقل وتوكل ". قَالُوا: لتكن عنايتك بِحِفْظ مَا اكتسبته كعنايتك باكتسابه، وَلَا تصْحَب غَنِيا؛ فَإنَّك إِن ساويته فِي الْإِنْفَاق أضرّ بك، وَإِن تفضل عَلَيْك استذلك. إِذا سَأَلت كَرِيمًا حَاجَة فَدَعْهُ يتفكر؛ فَإِنَّهُ لَا يفكر إِلَّا فِي خير. وَإِذا سَأَلت لئيماً حَاجَة فغافصه وَلَا تَدعه يتفكر فيتغير. وَفِي ضد ذَلِك:
(4/145)

إِذا سَأَلت لئيماً حَاجَة فَأَجله حَتَّى يروض نَفسه. الْعَدو عدوان: عَدو ظلمته، وعدو ظلمك. . فَإِن اضطرك الدَّهْر إِلَى أَحدهمَا فَاسْتَعِنْ بِالَّذِي ظلمك؛ فَإِن الآخر موتور. لَا تستصغرن أَمر عَدوك إِذا حاربته، لِأَنَّك إِن ظَفرت بِهِ لم تحمد، وَإِن ظفر بك لم يعْذر، والضعيف المحترس من الْعَدو الْقوي أقرب إِلَى السَّلامَة من الْقوي 423 المغتر بالضعيف. لَا تصْحَب من تحْتَاج أَن مَا يعرفهُ الله مِنْك. صن الاسترسال مِنْك حَتَّى تَجِد لَهُ مُسْتَحقّا، وَاجعَل أنسك آخر مَا تبذله من ودك. لَا تسل غير الله فَإِنَّهُ إِن أَعْطَاك أَغْنَاك. الصاحب كالرقعة فِي الثَّوْب فالتمسه مشاكلاً. إياك وَكَثْرَة الإخوان؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤْذِيك إِلَّا من يعرفك. قَالَ بَعضهم: لَا تسبوا الغوغاء؛ فَإِنَّهُم يطفئون الْحَرِيق، وَيخرجُونَ الغريق؛ ويسدون البثوق. قَالَ ابْن السماك: دع الْيَمين لله إجلالاً، وَلِلنَّاسِ جمالاً، وَاعْلَم أَن الْعَادَات قاهرات، فَمن اعْتَادَ شَيْئا فِي سره فضحه فِي عَلَانِيَته. قَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن مُصعب: إِذا كَانَ لَك صديق فَلم تحمد إخاءه ومودته فَلَا تظهر ذَلِك للنَّاس؛ فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَة السَّيْف الكليل فِي منزل الرجل، ويرهب بِهِ عدوه، وَلَا يعلم الْعَدو أقاطع هُوَ أم كليل. قَالُوا: دع الذُّنُوب قبل أَن تدعك. كَانَ مُعَاوِيَة بن الْحَارِث يَقُول: لَا يطمعن الخب فِي كَثْرَة الصّديق، وَلَا ذُو الْكبر فِي حسن الثَّنَاء.
(4/146)

قيل: من مدحك بِمَا لَيْسَ فِيك فَلَا تأمن بَهته لَك، وَمن أظهر لَك شكر مَا لم تأت فاحذر أَن يكفر نِعْمَتك. قَالَ عبد الحميد: لَا تركب الْحمار؛ فَإِنَّهُ إِن كَانَ فارهاً أتعب يدك، وَإِن كَانَ بليداً أتعب رجلك. كَانَ ابْن المقفع يَقُول: إِذا نزل بك مَكْرُوه فَانْظُر، فَإِن كَانَ لَهُ حِيلَة فَلَا تعجز، وَإِن كَانَ مِمَّا لَا حِيلَة فِيهِ فَلَا تجزع. قَالَ آخر: تصفح طلاب حكمك، كَمَا تتصفح خطاب حَرمك. قَالَ آخر: تعلمُوا الْعلم فَإِنَّهُ زين للغني، وَعون للْفَقِير. إِنِّي لَا أَقُول يطْلب بِهِ وَلَكِن يَدعُوهُ إِلَى القناعة. لَا ترض قَول أحد حَتَّى ترْضى فعله، وَلَا ترض فعل أحد حَتَّى ترْضى عقله، وَلَا ترض عقل أحد حَتَّى ترْضى حياءه؛ فَإِن ابْن آدم مطبوع على كرم ولؤم، فَإِذا قوي الْحيَاء قوي الْكَرم، وَإِذا ضعف الْحيَاء قوي اللؤم. تعلمُوا الْعلم وَإِن لم تنالوا بِهِ حظاً؛ فَلِأَن يذم الزَّمَان لكم أحسن من أَن يذم بكم. اجْعَل سرك إِلَى وَاحِد ومشورتك إِلَى ألف. قَالَ بَعضهم: إِن الله خلق النِّسَاء من عي وعورة؛ فداووا العي بِالسُّكُوتِ واستروا الْعَوْرَة بِالْبُيُوتِ. قَالَ رجل لِابْنِهِ: تزي بزِي الْكتاب، فَإِن فيهم أدب الْمُلُوك، وتواضع السوقة. قَالَ الزُّهْرِيّ: سَمِعت رجلا يَقُول لهشام بن عبد الْملك: لَا تعدن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عدَّة لَا تثق من نَفسك بإنجازها. وَلَا يغرنك المرتقى السهل إِذا كَانَ المنحدر وعراً. وَاعْلَم أَن للأعمال جَزَاء، فَاتق العواقب، وَأَن للأمور بغتات فَكُن على حذر.
(4/147)

قَالَ آخر: لَا تُجَاهِد الطّلب جِهَاد المغالب، وَلَا تتكل إتكال المستسلم؛ فَإِن ابْتِغَاء الْفضل من السّنة، والإجمال فِي الطّلب من الْعِفَّة. وَلَيْسَت الْعِفَّة بدافعة رزقا، وَلَا الْحِرْص بجالب فضلا. سمع بَعضهم إنْسَانا يتَكَلَّم بِمَا لَا يعنيه فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا إِنَّمَا تملي على حافظيك، وتكتب إِلَى رَبك؛ فَانْظُر على من تملى، وَإِلَى من تكْتب. قَالَ بَعضهم: أقِم الرَّغْبَة إِلَيْك مقَام الْحُرْمَة بك، وَعظم نَفسك عَن التعظم، وتطول وَلَا تتطاول. قَالَ آخر: عاملوا الْأَحْرَار بالكرامة الْمَحْضَة، والأوساط بالرغبة والرهبة والسفل بالهوان. كن لِلْعَدو المكاتم أَشد حذرا مِنْك لِلْعَدو المبارز. قَالَ سلم بن قُتَيْبَة لأهل بَيته: لَا تمازحوا فيستخف بكم السوقة، وَلَا تدْخلُوا 424 الْأَسْوَاق فتدق أخلاقكم وَلَا ترجلوا فيزدريكم أكفاؤكم. قَالَ آخر: احفظ شيئك مِمَّن تستحيي أَن تسأله عَن شَيْء إِن ضَاعَ لَك. إِذا كنت فِي مجْلِس فَلم تكن الْمُحدث وَلَا الْمُحدث فَقُمْ. كَانَ يُقَال: لَا تستصغرن حَدثا من قُرَيْش، وَلَا صَغِيرا من الْكتاب، وَلَا صعلوكاً من الفرسان، وَلَا تصادقن ذِمِّيا وَلَا خَصيا وَلَا مؤنثاً؛ فَإِنَّهُ لَا ثبات لموداتهم. قَالُوا: لَا تدخل فِي مشورتك بَخِيلًا فيقصر بعقلك، وَلَا جَبَانًا فيخوفك مَا لَا يخَاف. وَلَا حَرِيصًا فيعدك مَا لَا يُرْجَى؛ فَإِن الْجُبْن وَالْبخل والحرص طبيعة وَاحِدَة يجمعها سوء الظَّن. قَالَ عون بن عبد الله: لَا تكن كمن تغلبه نَفسه على مَا يظنّ وَلَا يغلبها على مَا يستيقن.
(4/148)

قَالَ رجل لِابْنِهِ: يَا بني؛ اعص هَوَاك وَالنِّسَاء واصنع مَا بدا لَك. كَانَ مَالك بن مسمع إِذا ساره إِنْسَان فِي مَجْلِسه يَقُول: أظهره فَلَو كَانَ خيرا أَو حسنا مَا كتمته. وَكَانَ يُقَال: مَا كنت كاتمه من عَدوك فَلَا تظهر عَلَيْهِ صديقك. قَالَ: كل من الطَّعَام مَا تشْتَهي، والبس من الثِّيَاب مَا يَشْتَهِي النَّاس. قَالُوا فِي الدَّار: لتكن أول مَا يبْتَاع وَآخر مَا يُبَاع. قَالَ الثَّوْريّ: من كَانَ فِي يَده شَيْء فليصلحه، فَإِنَّكُم فِي زمَان إِذا احْتَاجَ الرجل فِيهِ إِلَى النَّاس كَانَ أول مَا يبذله لَهُم دينه. قَالَ الْحر الْعقيلِيّ لِابْنِهِ: إِذا قدمت الْمصر فَاسْتَكْثر من الصّديق، وَأما الْعَدو فَلَا يهمنك. قَالَ ابْن المقفع: ابذل لصديقك دمك وَمَالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك وللعامة بشرك وتحيتك. ولعدوك عدلك وإنصافك. واضنن بِدينِك وعرضك عَن كل حد. وَقَالُوا: رو بحزم، فَإِذا استوضحت فاعزم. قَالَ صعصعة لِابْنِ أَخِيه: إِذا لقِيت الْمُؤمن فخالطه، وَإِذا لقِيت الْفَاجِر فخالفه، وَدينك فَلَا تكلمنه. قَالُوا: لَا تَزَوَّجن حرمتك إِلَّا عَاقِلا؛ إِن أحبها أكرمها، وَإِن أبغضها أنصفها. دخل عبد الْعَزِيز بن زُرَارَة الْكلابِي على مُعَاوِيَة فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ جَالس الألباء أَعدَاء كَانُوا أَو أصدقاء؛ فَإِن الْعقل يَقع على الْعقل. قَالَ أَبُو السَّرَايَا لأبى الشوك غُلَامه: كن بحيلتك أوثق مِنْك بشدتك وبحذرك أفرح مِنْك بنجدتك؛ فَإِن الْحَرْب حَرْب المتهور وغيمة المتحدر. قَالَ بَعضهم: قَرَأت على قَائِم بحمص مَكْتُوبًا: إِذا عز أَخُوك فهن. وَتَحْته مَكْتُوبًا: قَالَ هامان: - وَكَانَ أعلم وأعقل وَأحكم: إِذا عز أَخُوك فأهنه. قَالُوا: النعم وحشية فقيدوها بِالْمَعْرُوفِ.
(4/149)

قَالَ الرّبيع بن زِيَاد: من أَرَادَ النجابة فَعَلَيهِ بالمق الطوَال، وَمن أَرَادَ التَّلَذُّذ فَعَلَيهِ بالقصار؛ فَإِنَّهُنَّ كنائن الْجِمَاع. قَالَ الشَّافِعِي: احذر من تأمنه، فَأَما من تحذره فقد كفيته. وَقَالَ: إِذا أَخْطَأتك الصنيعة إِلَى من يَتَّقِي الله فاصنعها إِلَى من يَتَّقِي الْعَار. قَالَ ابْن السماك: لَا تشتغل بالرزق الْمَضْمُون عَن الْعَمَل الْمَفْرُوض. وَقَالَ عون بن عبد الله: لَا تكن كمن تغلبه نَفسه على مَا يظنّ وَلَا يغلبها على مَا يستيقن. قَالَ ابْن المقفع: إِذا أكرمك النَّاس لمَال أَو سُلْطَان فَلَا يعجبنك ذَلِك؛ فَإِن زَوَال الْكَرَامَة بزوالهما، وَلَكِن ليعجبك إِن أكرموك لأدب أَو دين. كَانَ مطرف يَقُول: انْظُرُوا قوما إِذا ذكرُوا بِالْقِرَاءَةِ لَا تَكُونُوا مِنْهُم، وقوماً إِذا ذكرُوا بِالْفُجُورِ لَا تَكُونُوا مِنْهُم، وَلَكِن كونُوا بَين هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء 425 قَالَ بَعضهم: من سَأَلَك لم يكرم وَجهه عَن مسألتك فَأكْرم وَجهك عَن رده. قَالَ مَيْمُون بن مَيْمُون: لَا تَطْلُبن إِلَى بخيل حَاجَة؛ فَإِن طلبت إِلَيْهِ فَأَجله حَتَّى يروض نَفسه. قَالَ ابْن المقفع: إياك ومشاورة النِّسَاء؛ فَإِن رأيهن إِلَى أفن، وعزمهن إِلَى وَهن، وأكفف عَلَيْهِنَّ من أبصارهن بحجابك إياهن، فَإِن شدَّة الْحجاب خير لَك من الارتياب وَلَيْسَ خروجهن بأشد من دُخُول من لاتثق بِهِ عَلَيْهِنَّ؛ فَإِن اسْتَطَعْت أَن لَا يعرفن غَيْرك افْعَل. وَلَا تملكن امْرَأَة من الْأَمر مَا جَاوز نَفسهَا، فَإِن ذَلِك أنعم لحالها، وأرخى لبالها. وَإِنَّمَا الْمَرْأَة رَيْحَانَة وَلَيْسَت بقهرمانة؛ فَلَا تعد بكرامتها نَفسهَا، وَلَا تعطها أَن تشفع لغَيْرهَا. وَلَا تطل الْخلْوَة مَعَ النِّسَاء فيمللنك وتملهن، واستبق من نَفسك بَقِيَّة؛ فَإِن إمساكك عَنْهُن وَهن يردنك باقتدار خير من أَن يهجمن مِنْك على انكسار. وَإِيَّاك والتغاير فِي غير مَوضِع غيرَة، فَإِن ذَلِك يَدْعُو الصَّحِيحَة مِنْهُنَّ إِلَى السقم.
(4/150)

قَالَ ابْن المقفع: الْخَتْم حتم؛ فَإِذا أردْت أَن تختم على كتاب فأعد النّظر فِيهِ فَإِنَّمَا تختم على عقلك. وَقَالَ: الدّين رق، فَانْظُر عِنْد من تضع نَفسك. كَانَ يُقَال: إِذا قَالَ أحدكُم: وَالله. فَلْينْظر مَا يضيف إِلَيْهَا. دخل عبد الْعَزِيز بن زُرَارَة الْكلابِي على مُعَاوِيَة فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ جَالس الألباء؛ أَعدَاء كَانُوا أَو أصدقاء، فَإِن الْعقل يَقع على الْعقل. كَانَ بَعضهم يَقُول: أحيوا الْحيَاء بمجالسة من يستحيا مِنْهُ. كَانَ يُقَال: إِذا وجدت الشَّيْء فِي السُّوق فَلَا تطلبه من صديق. قَالَ الْعَبَّاس بن الْحسن الْعلوِي: اعْلَم أَن رَأْيك لَا يَتَّسِع لكل شَيْء، ففرغه للمهم من أمورك؛ وَأَن مَالك لَا يُغني النَّاس كلهم، فاخصص بِهِ أهل الْحق؛ وَأَن كرامتك لَا تطبق الْعَامَّة، فتوخ بهَا أهل الْفضل، وَأَن ليلك ونهارك لَا يستوعبان حوائجك فَأحْسن قسمتك بَين عَمَلك ودعتك. وَكَانَ يُقَال: أحيوا الْمَعْرُوف بإماتته. وَقَالَ قيس بن عَاصِم: يَا بني اصحبوا من يذكر إحسانكم إِلَيْهِ: وينسى أياديه لديكم. وَكَانَ مَالك بن دِينَار يَقُول: جاهدوا أهواءكم كَمَا تجاهدون أعداءكم. إِذا رغبت فِي المكارم فاجتنب الْمَحَارِم. من كَانَ فِي وَطن فليوطن غَيره وَطنه ليرتع فِي وَطن غَيره فِي غربته. أَرَادَ رجل سفرا فَقَالَ لَهُ بَعضهم: إِن لكل رفْقَة كَلْبا يشركهم فِي فضلَة الزَّاد، ويهر دونهم؛ فَإِن قدرت أَلا تكون كلب رفقتك فافعل، وَإِيَّاك وَتَأْخِير الصَّلَاة عَن وَقتهَا فَإنَّك مصليها لَا محَالة، فصلها وَهِي تقبل مِنْك. قَالَ ابْن السماك: إِن من النَّاس نَاسا غرهم السّتْر، وفتنهم الثَّنَاء. فَلَا يغلبن جهل غَيْرك بك علمك بِنَفْسِك. قيل: لَا تثقن كل الثِّقَة بأخيك؛ فَإِن صرعة الاسترسال لَا تستقال.
(4/151)

من أَمْثَال التّرْك: اسْكُتْ تربح مَا عنْدك، وشاور تربح مَا عِنْد غَيْرك. قيل: لَا تكن مثل من تغلبه نَفسه على مَا يظنّ وَلَا يغلبها على مَا يستقين. انتقم من الْحِرْص بالقناعة كَمَا ينتصر من الْعَدو بِالْقصاصِ. أوصى أَبُو الْهُذيْل أَصْحَابه فَقَالَ: لَا تدْخلُوا فِي الشَّهَادَة فتصيروا أسراء 426 الْحُكَّام، وَلَا فِي الْقَضَاء؛ فَإِن فرحة الْولَايَة لَا تفي بترحة الْعَزْل، وَلَا فِي رِوَايَة الحَدِيث فيكذبهم الْجُهَّال وَالصبيان، وَلَا فِي وَصِيَّة فيطعن عَلَيْكُم بالخيانة، وَلَا فِي إِمَامَة الصَّلَاة فَمن شَاءَ صلى وراءكم وَمن شَاءَ لم يصل. وَقَالَ: لَا تجالسوا من لَا يوثق بِدِينِهِ وأمانته، وَلَا تبدءوا الْمُخَالفين بِالسَّلَامِ فَإِنَّهُم إِن لم يجيبوا تقاصرت إِلَيْكُم نفوسكم ولحقتكم خجلة. قَالُوا: إِذا قصرت يدك عَن الْمُكَافَأَة فليطل لسَانك بالشكر. قَالَ بَعضهم لمؤدب وَلَده: فقههم فِي الْحَلَال وَالْحرَام، فَإِنَّهُ حارس من أَن يظلموا، ومانع من أَن يظلموا. كن إِلَى الِاسْتِمَاع أسْرع مِنْك إِلَى القَوْل، وَمن خطأ القَوْل أَشد حذرا من خطأ السُّكُوت. قَالَ بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ: اجتهدوا بِالْعَمَلِ، فَإِن قصر بكم ضعف فكفوا عَن الْمعاصِي. وَقَالَ بَعضهم: من لم ينشط بحديثك فارفع عَنهُ مئونة الِاسْتِمَاع مِنْك. قَالُوا: من ثقل عَلَيْك بِنَفسِهِ، وغمك فِي سُؤَاله، فألزمه أذن صماء، وعيناً عمياء. وَقَالَ عبد الله بن شَدَّاد: أرى دَاعِي الْمَوْت لَا يقْلع، وَأرى من مضى لَا
(4/152)

يرجع. وَلَا تزهدن فِي مَعْرُوف؛ فَإِن الدَّهْر ذُو صروف، فكم من رَاغِب قد كَانَ مرغوباً إِلَيْهِ. وطالب أصبح مَطْلُوبا إِلَيْهِ، وَالزَّمَان ذُو ألوان، وَمن يصحب الزَّمَان ير الهوان وَإِن غلبت يَوْمًا على المَال فَلَا تغلبن على الْحِيلَة على كل حَال. وَكن أحسن مَا تكون فِي الظَّاهِر حَالا أقل مَا تكون فِي الْبَاطِن مَالا. وَقَالَ آخر: لَا يكونن مِنْكُم الْمُحدث لَا يستمع مِنْهُ، وَلَا الدَّاخِل فِي سر اثْنَيْنِ لم يدْخلَاهُ فِيهِ، وَلَا الْآتِي دَعْوَة لم يدع إِلَيْهَا، وَلَا جَالس فِي مجْلِس لَا يسْتَحقّهُ، وَلَا طَالب الْفضل من أَيدي اللئام، وَلَا المتعرض للخير من عِنْد عدوه، وَلَا المتحمق فِي الدَّالَّة. قَالُوا: اطْلُبُوا الْمَعيشَة فَإِن الْفقر أول مَا يبْدَأ بدين الْإِنْسَان. إِذا خالطت فخالط حسن الْخلق؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْعُو إِلَّا إِلَى خير، وَلَا تخالط سيء الْخلق؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْعُو إِلَّا إِلَى شَرّ. اطبع الطين مَا دَامَ رطبا، واغرس الْعود مَا دَامَ لدنا. قَالَ ابْن السماك: خف الله حَتَّى كَأَنَّك لم تطعه، وَأَرْجُو الله حَتَّى كَأَنَّك لم تعصه. قَالَ رجل لآخر: كَيفَ أسلم على الإخوان؟ فَقَالَ: لَا تبلغ بهم النِّفَاق وَلَا تقصر بهم عَن الإستحقاق. قَالَ بعض الْعَرَب: إِذا وضعت طَعَامك فافتح بابك، وَإِذا وضعت شرابك فأغلقه؛ فَإِن النَّبِيذ رضَاع فَانْظُر من تراضع. انصح لكل مستشر، وَلَا تستشر إِلَّا الناصح اللبيب. استشر عَدوك تعرف مِقْدَار عداوته. لَا تشَاور إِلَّا الحازم غير الحسود، واللبيب غير الحقود. قَالَ زِيَاد بن أبي حسان: لَا تطلب من نَفسك الْعَام مَا عودتك عَام أول. عاشروا النِّسَاء بِأُمُور ثَلَاثَة: ألزموهن الْبيُوت، واتهموهن على الْأَسْرَار، واطووا عَنْهُن الْأَحَادِيث.
(4/153)

صن عقلك بالحلم، ومروءتك بالعفاف، ونجدتك بمجانبة الْخُيَلَاء، وجهدك بالإجمال فِي الطّلب. لَا تملك الْمَرْأَة من أمرهَا مَا جَاوز نَفسهَا، فَإِن ذَلِك أنعم بِحَالِهَا وأرخى لبالها وأدوم لجمالها، وَلَا تطمعها فِي الشَّفَاعَة لغَيْرهَا فيميل من شفعت لَهُ عَلَيْك مَعهَا. 427 - عود نَفسك السماح، وتخير لَهَا من كل خلق أحْسنه؛ فَإِن الْخَيْر عَادَة، وَالشَّر لجاجة، والصدود آيَة المقت، والعلل آيَة الْبُخْل. كن سَمحا وَلَا تكن مبذراً، وَكن مُقَدرا وَلَا تكن مقتراً. إياك والمرتقى السهل إِذا كَانَ المنحدر وعرا. رُوِيَ ذَلِك عَن مُحَمَّد بن عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام. احترس من ذكر الْعلم عِنْد من لَا يُريدهُ، وَمن ذكر الْقَدِيم عِنْد من لَا قديم لَهُ؛ فَإِن ذَلِك يحدث التعيير، وبالحري أَن تتخذه سلما إِلَى الضغن عَلَيْك. إِذا زللت فَارْجِع، وَإِذا نَدِمت فأقلع، وَإِذا أَسَأْت فاندم، وَإِذا مننت فاكتم، وَإِذا منعت فأجمل. وَمن يسلف الْمَعْرُوف يكن ربحه الْحَمد. اطلب الرَّحْمَة بِالرَّحْمَةِ. اتَّقِ العثار بِحسن الِاعْتِبَار. لَا تستأنس بِمن لم تبل خلائقه. لَا تأمن الْعَدو على حَال. لَا تغتر بِفضل قوتك على الضَّعِيف لتشتد وحشتك من اللَّطِيف الموتور. أعدد السَّيِّئَات للتراث. لَا تفرح بالرجاء فَإِنَّهُ غرور، وَلَا تتعجل الْغم بالخوف فَإِنَّهُ شكّ. حاسب نَفسك تسلم وتسعد. لن يخلوا أحد من ذمّ، فاجهد أَن تخلوا من ذمّ الأخيار.
(4/154)

حَارب عَدوك مَا حاربك بشخصه، فَإِذا أخْفى شخصه فاحرس نَفسك مِنْهُ؛ لِأَن من يعلم أَنه لَا ينجيه مِنْك إِلَّا الْمَوْت لَا ينجيك مِنْهُ إِلَى مثل ذَلِك، والمستسلم للْمَوْت لَا يُبَالِي على مَا أقدم. احذر فلتات المزاحي وصرعات البغى. لَا تُجَاهِد الطّلب جِهَاد المغالب، وَلَا تتكل على الْقدر إتكال المستسلم فَإِن ابْتِغَاء الْفضل سنة، وإجمال الطّلب عفة، وَلَيْسَت الْعِفَّة بدافعة رزقا، وَلَا الْحِرْص بجالب فضلا، والرزق مَقْدُور وَالْأَجَل مَوْقُوف، وَفِي استعجال الْحَرِيص اكْتِسَاب المآثم. لَا تشبهن رضاك بِغَضَبِك؛ فَتكون مِمَّن لَا يضر غَضَبه وَلَا ينفع رِضَاهُ. اغتنم الْعَمَل مَا دَامَت نَفسك سليمَة، وَأَجْعَل كل سَاعَة بشغلها لآخرتك غنيمَة. لَا تكونن لغير الله عبدا مَا وجدت من الْعُبُودِيَّة بدا. احم نَفسك الْقنُوط، وأتهم الرَّجَاء. لَا تغير أَخَاك وَأحمد الَّذِي عافاك. أنظر مَا عنْدك فَلَا تضعه إِلَّا فِي حَقه، وَمَا لَيْسَ عنْدك فَلَا تَأْخُذهُ إِلَّا بِحقِّهِ. احْتمل مِمَّن أدل عَلَيْك وَأَقْبل مِمَّن أعْتَذر إِلَيْك. ليكن عَمَلك فِيمَا بَيْنك وَبَين أعدائك الْعدْل، وَفِيمَا بَيْنك وَبَين أصدقائك الرِّضَا؛ فَإِن الْعَدو خصم تصرفه بِالْحجَّةِ، وتغلبه بالحكم. وَالصديق لَيْسَ بَيْنك وَبَينه قَاض، وَإِنَّمَا هُوَ رِضَاهُ وَحكمه. إِذا أردْت أَن تخدع النَّاس فتغاب عَلَيْهِم. إِذا صافاك عَدوك رِيَاء مِنْهُ فتقلق مصافاته إياك بأوكد مَوَدَّة؛ فَإِنَّهُ إِذا ألف ذَلِك واعتاده خلصت لَك مودته. فكر قبل أَن تعزم، وَأعْرض قبل إِن تصرم، وتدبر قبل أَن تهجم، وشاور قبل أَن تقدم. اسع فِي طلب رضَا الْأَحْرَار فَإِن رضَا اللئام غير مَوْجُود. اقتصد وداوم وَأَنت الْجواد السَّابِق. لَا تألف الْمَسْأَلَة فيألفك الْمَنْع.
(4/155)

لَا يغلبن جهل غَيْرك بك علمك بِنَفْسِك؛ فَإِن أَقْوَامًا غرهم ستر الله وفتنهم حسن الثَّنَاء. قَالَ ابْن ضبارة: لَيْسَ للأحرار ثمن إِلَّا الْكَرَامَة، فأكرموا الْأَحْرَار تملكوهم. اطلب الْحَاجة إِلَى إخوانك، قبل تَأَكد مَوَدَّتهمْ لَك؛ فَإنَّك 428 إِذا طلبتها مِمَّن قد وثق بك اتكل على الدَّالَّة، وردك عَن حَاجَتك بالثقة. لَا تسْأَل الْحَوَائِج غير أَهلهَا، وَلَا تسألها فِي غير حينها، وَلَا تسْأَل مَا لست لَهُ مُسْتَحقّا؛ فَتكون للحرمان مستوجباً. إِذا غشك صديقك فاجعله مَعَ عَدوك. إِذا غلبك عَدوك على صديقك فَخَل عَنهُ. لَا تعدن من إخوانك من آخاك فِي أَيَّام مقدرتك للمقدرة. وَاعْلَم أَنه يتثقل عَلَيْك فِي أَحْوَال ثَلَاث: فَيكون صديقا يَوْم حَاجته إِلَيْك، وَمَعْرِفَة يَوْم استغنائه عَنْك، ومتجنياً عدوا يَوْم حَاجَتك إِلَيْهِ. لَا تسرن بِكَثْرَة الإخوان مَا لم يَكُونُوا خياراً؛ فَإِن الإخوان عِنْد المتخيرين بِمَنْزِلَة النَّار، الَّتِي قليلها مَتَاع وكثيرها بوار. ارع حق الإخوان وَحقّ الْأَخ على الْأَخ أَن يحوطه غَائِبا، ويعضده شَاهدا ويخلف عَلَيْهِ محروباً، ويعوده مَرِيضا، ويواسيه مُحْتَاجا، ويضحك فِي وَجهه مُقبلا، وَيَدْعُو لَهُ مُدبرا. ليشتد عطفك على سقطات إخوانك. ارْض بِالْعَفو من إخوانك، وأبذل لَهُم مجهودك، واستزد من الْجَمِيع. إِذا دفعتم عَن حقكم فَاطْلُبُوا أَكثر مِنْهُ، وَإِذا بخع لكم بِهِ فصيروا إِلَيْهِ. جالسوا الألباء أصدقاء كَانُوا أَو أَعدَاء، فَإِن الْعُقُول تلقح الْعُقُول. لَا يغلبهن عَلَيْكُم سوء الظَّن فيدعكم ومالكم من صديق.
(4/156)

الْبَاب السَّادِس جنس آخر من الحكم والأمثال والآداب وَهُوَ مَا كَانَ فِي أَوله " من "
من كثرت نعْمَة الله عِنْده كثر عدوه. من يصحب الزَّمَان ير الهوان. من لم يمت لم يفت. من صدق النَّاس كرهوه. من يطلّ ذيله ينتطق بِهِ. من فَسدتْ بطانته كَانَ كمن غص بِالْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَو غص بِغَيْرِهِ أجَاز بِهِ غصته. من أَكثر أسقط. من اتبع غي النَّاس كَانَ أغوى. من لَقِي النَّاس بِمَا يكْرهُونَ، قَالُوا فِيهِ مَا لَا يعلمُونَ. من أحب الذّكر فليستعمل الصَّبْر. وَمن شح على دينه فليستعمل الْخَوْف، وَمن ضن بعرضه فليمسك عَن المراء. من صفا قلبه صفا لِسَانه. من خلط خلط لَهُ. من لم يضن بِالْحَقِّ عَن أَهله فَهُوَ عين الْجواد. وَقَالَ الصَّادِق رَضِي الله عَنهُ: من أيقظ فتْنَة فَهُوَ أكلهَا. وَمن كَلَام أَمِير الْمُؤمنِينَ رَضِي الله عَنهُ: من اشتاق إِلَى الْجنَّة سلا عَن الشَّهَوَات، وَمن أشْفق من النَّار كف عَن الْمَحَارِم، وَمن زهد فِي الدُّنْيَا تهاون بالمصائب، وَمن ارتقب الْمَوْت سارع فِي الْخَيْر.
(4/157)

وَقَالُوا: من اسْتغنى كرم عَن أَهله. من قرب السفلة واطرح ذَوي الأحساب والمروءات اسْتحق الخذلان. من انتقم انتصف، وَمن عَفا تفضل، وَمن شفا غيظه لم يذكر فِي النَّاس فَضله. من كظم غيظه فقد حلم، وَمن حلم فقد صَبر، وَمن صَبر فقد ظفر. من طلب الدُّنْيَا بِعَمَل الْآخِرَة خسرهما 429، وَمن طلب الْآخِرَة بِعَمَل الدُّنْيَا ربحهما. قَالَ بَعضهم: من ملك نَفسه عِنْد أَربع حرمه الله على النَّار: حِين يغْضب وَحين يرغب، وَحين يرهب، وَحين يَشْتَهِي. قَالَ بكر بن عبد الله: من كَانَ لَهُ من نَفسه واعظ عَارضه سَاعَة الْغَفْلَة وَحين الحمية. من أمل أحدا هابه، وَمن قصر عَن شَيْء عابه. قيل لحكيم: من أَسْوَأ النَّاس حَالا؟ قَالَ: من لم يَثِق بِأحد لسوء ظَنّه، وَلَا يَثِق بِهِ أحد لسوء أَثَره. قيل لبَعْضهِم: من أحب النَّاس إِلَيْك؟ قَالَ: من كثرت أياديه عِنْدِي قَالَ: فَإِن لم يكن؟ قَالَ: من كثرت أيادي عِنْده. كَانَ يُقَال: من طَال صمته اجتلب من الهيبة مَا يَنْفَعهُ، وَمن الوحشة مَالا يضرّهُ. من طلب موضعا لسره فقد أفشاه. قيل لحكيم: من أنعم النَّاس عَيْشًا؟ فَقَالَ: من كفي أَمر دُنْيَاهُ، وَلم يهتم بِأَمْر آخرته. وَقيل: من زَاد عقله نقص حَظه. وَمَا جعل الله لأحد عقلا وافراً إِلَّا احتسب عَلَيْهِ من رزقه.
(4/158)

قيل لبَعْضهِم: من السَّيِّد؟ فَقَالَ: من إِذا حضر هابوه، وَإِذا غَابَ اغتابوه. من عمل بِالْعَدْلِ فِيمَن دونه رزق الْعدْل مِمَّن فَوْقه. من طلب عزا بذل وظلم وباطل، أورثه الله ذلاً بإنصاف وَحقّ. من حسد من دونه قل عذره، وَمن حسد من فَوْقه أتعب بدنه. وَمن وطئته الْأَعْين وطئته الأرجل. من عجز عَن تَقْوِيم نَفسه فَلَا يَلُومن من لم يستقم لَهُ. من رجى الْفرج لَدَيْهِ، صرفت أَعْنَاق الرِّجَال إِلَيْهِ. من قصر فِي أمره لم يسع لَهُ غَيره. من رباه الهوان أبطرته الْكَرَامَة. من ساسه الْإِكْرَام لم يصبر على المذلة. من انتجعك مؤملاً فقد أسلفك حسن الظَّن بك. من استكده الْجد استراح إِلَى بعض الْهزْل. من أحب أَن يطاع، سَأَلَ مَا يُسْتَطَاع. من أعذر كمن أنجح. وَمن لم يصن نَفسه لم يصن أَهله. من أَدخل نَفسه فِي عِظَام الْأُمُور بِغَيْر نظر وَلَا روية أوشك أَلا يخرج مِنْهَا. من كسل عَن عمله طمع فِي كل غَيره. من لم يرب مَعْرُوفَة لم يصنعه وَمن لم يَضَعهُ فِي أَصله فقد أضاعه. قَالَ بَعضهم: عاتبت غَسَّان بن عباد عَن اقتصاده فِي لبسه وزيه فَقَالَ: من عظمت مئونته فِي نَفسه قل فَضله على غَيره. من حمل الشَّيْء جملَة أَلْقَاهُ جملَة. من كَانَت الدُّنْيَا همه، كثر فِي الْقِيَامَة غمه. من أجمل فِي الطّلب أَتَاهُ رزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب. من حصن شَهْوَته صان قدره.
(4/159)

من ضَاقَ خلقه مله أَهله. من ركب العجلة لم يَأْمَن الكبوه. من لم يَثِق لم يوثق بِهِ. من أقاده الدَّهْر أقاد مِنْهُ. من أَخطَأ مَوضِع قدمه، تعفر خداه بدمه. من ألحف أدّى. من استطال على الْأَكفاء فَلَا يثقن مِنْهُم بالصفاء. من أَكثر ذكر الضغائن اكْتسب الْعَدَاوَة. من لم يحمد صَاحبه على حسن النِّيَّة لم يحمده على حسن الصنيعة. ثَلَاثَة من كن فِيهِ اسْتكْمل الْإِيمَان: من إِذا غضب لم يُخرجهُ غَضَبه إِلَى الظُّلم، وَمن إِذا رضى لم يُخرجهُ رِضَاهُ عَن الْحق، وَمن إِذا قدر لم يتَنَاوَل مَا لَيْسَ لَهُ. من ضعف عَن عمله اتكل على زَاد غَيره. من أَطَالَ الحَدِيث عرض أَصْحَابه للسآمة وَسُوء الِاسْتِمَاع. قيل لبَعض السّلف: من الْكَامِل؟ فَقَالَ: من لم يبطر فِي الْغنى 430 وَلم يستكن للفاقة، وَلم تهده المصائب، وَلم يَأْمَن الدَّوَائِر وَلم ينس الْعَافِيَة وَلم يغتر بالشبيبة. قَالُوا: من أطرق فِي أمله فرط فِي عمله. قَالَ ابْن المقفع: من أَدخل نَفسه فِيمَا لَا يعنيه ابْتُلِيَ فِيهِ بِمَا يعنيه. من استخار ربه، وَاسْتَشَارَ نصيحه، واجتهد رَأْيه، فقد أدّى مَا يجب عَلَيْهِ لنَفسِهِ، وَيَقْضِي الله فِي أمره مَا أحب. من أصبح لَا يحْتَاج إِلَى حُضُور بَين السُّلْطَان لحَاجَة، أَو طَبِيب لضر، أَو صديق لمسألة فقد عظمت عِنْده النِّعْمَة. من كَانَت لَهُ غلَّة يستغلها فَإِنَّمَا يستغل عمره. قَالُوا: من كَانَ فِيهِ وَاحِدَة من ثَلَاث كَانَ محروماً: الْبَغي وَالْمَكْر والنكث. قَالَ
(4/160)

الله تَعَالَى: " إِنَّمَا بَغْيكُمْ على أَنفسكُم " وَقَالَ: " وَلَا يَحِيق الْمَكْر السَّيئ إِلَّا بأَهْله ". وَقَالَ: " فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه ". قَالَ وهب: من لم يسْخط نَفسه فِي شَهْوَته لم يرض ربه فِي طَاعَته. قَالَ نصر بن سيار: من لم يحقد لم يشْكر. وَقَالَ غَيره: من لم يمْنَع لم يكن لَهُ مَا يُعْطي. قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: من كنى ذِمِّيا فقد هدم شُعْبَة من الْإِيمَان. قَالَ حَكِيم: من ذَا الَّذِي بلغ جسيماً فَلم يبطر، وَاتبع الْهوى فَلم يعطب، وجاور النِّسَاء فَلم يفتتن، وَطلب إِلَى اللئام فَلم يهن، وواصل الأشرار فَلم ينْدَم، وَصَحب السُّلْطَان فدامت سَلَامَته؟ قَالَ أَبُو حَازِم: ثَلَاث من كن فِيهِ كمل عقله: من عرف نَفسه وَملك لِسَانه وقنع بِمَا رزقه ربه. كَانَ شبيب بن شيبَة يَقُول: من سمع كلمة يكرهها فَسكت عَنْهَا انْقَطع عَنهُ مَا كره، وَإِن أجَاب عَنْهَا سمع أَكثر مِمَّا كره. وَكَانَ يتَمَثَّل: وتجزع نفس الْمَرْء من وَقع شتمة ... ويشتم ألفا بعْدهَا ثمَّ يصبر قَالَ الزهاد: من عرف نَفسه لم يذمم أحدا، وَمن عرف النَّاس لم يمدح أحدا. قَالَ عون بن عبد الله: كَانَ يُقَال: من كَانَ فِي صُورَة حَسَنَة ومنصب لَا يشينه، ووسع عَلَيْهِ فِي الرزق كَانَ من خَالِصَة الله. من أطَاع الْهوى نَدم. من لانت كَلمته وَجَبت محبته من لم يقدمهُ حزم أَخّرهُ عجز. من حبس الدَّرَاهِم كَانَ لَهَا وَمن أنفقها كَانَت لَهُ. من لم يكن فِيهِ خمس فَلَا ترجه: من لم يعرف بالوثاقة فِي أرومته وَالْكَرم فِي طَبِيعَته، والتثبت فِي بضيرته، والدماثة فِي خلقه، والنبل فِي همته.
(4/161)

من لم تؤدبه الْكَرَامَة قومته الإهانة. من أنعم على الكفور كثر غيظه. من اقتصد فِي الْغنى والفقر فقد استعد لنوائب الدَّهْر. من لم ينشط لحديثك فارفع عَنهُ مؤونة الِاسْتِمَاع مِنْك. . من حذر شمر. من أَمن تهاون. من توقى سلم، وَمن تهور نَدم. من لم يتبع لم يشْبع. من شاخ باخ. من لم ينْتَفع بتجاربه اغْترَّ بالدهر ونوائبه. من ادّعى كرماً بعده لؤم فَلَا كرم لَهُ، من رَضِي بلؤم بعده كرم فَلَا لوم عَلَيْهِ. من تواضع للْعلم نبله، وَمن تعزز عَلَيْهِ ذلله. من قَالَ: لَا أَدْرِي. وَهُوَ يتَعَلَّم أفضل مِمَّن يدْرِي وَهُوَ يتعظم. من انتحل من الْعلم الْغَايَة لم يكن لجهله نِهَايَة. من يدع الْعلم جله أَعقل مِمَّن يَدعِيهِ كُله. 431 - من جَاع بَاعَ. وَمن أحسن الِاسْتِمَاع استعجل الِانْتِفَاع. من حلم سَاد. من اعْترف بالجريرة فقد اسْتحق الغفيرة. من رغب عَن الإخوان جسر على الزَّمَان. من اتبع هَوَاهُ أضلّهُ. من جهل النعم عرف النقم. من أبْصر أقصر. من أَكثر أَهجر. من دَامَ لَفظه كثر سقطه. من تفكر أبْصر. من كَانَت لَهُ فكرة فَلهُ من كل شَيْء عِبْرَة. من انتهز الفرصة أَمن الغصة. من كَانَ فِي الشدَّة فَهُوَ حقيق بالحدة. من سكت فَسلم كَانَ كمن قَالَ فغنم. من كره النطاح لم ينل النجاح. من كَانَ لَهُ فِي نَفسه واعظ كَانَ لَهُ من الله حَافظ. من نَالَ استطال. من جاد سَاد. من كَسَاه الْحيَاء ثَوْبه، حجب عَن الْعُيُون عَيبه.
(4/162)

من كرم محتده حسن مشهده. من خبث عنصره سَاءَ محضره. من خَان هان. من أدمن قرع الْبَاب ولج. من استوطأ مركب الصَّبْر فلج. من أَخذ من أُمُوره بِالِاحْتِيَاطِ سلم من الِاخْتِلَاط. من نشر صبره طوى أمره. من امتن بمعروفه أفْسدهُ. من قل حياؤه كثر ذَنبه. من لَان عوده كثرت أغصانه. من حسن خلقه كثر إخوانه. من يُبرئ بصيرتك من الْعَمى أكمل مِمَّن يَصح بَصرك من القذى. من غرس الطَّعَام جنى الأسقام. من بَالغ فِي المزاح أَثم. من قصر فِيهِ خصم. من غض عينه حصن دينه. من أثقل عَلَيْك فأوله أذنا صماء وعيناً عمياء. من غره الشَّبَاب تقطعت بِهِ الْأَسْبَاب. من ختم البضاعة أَمن الإضاعة. من خلب جلب. . من عز بز. من نظر بِعَين الْهوى حَار، وَمن حكم بِحكم الْهوى جَار. من سَاءَ خلقه عذب نَفسه. من حب طب. من أحبك نهاك، وَمن أبغضك أغراك. من زرع الْمهل حصد الجذل. من أحسن الِاعْتِذَار اسْتوْجبَ الاغتفار. من طَال صبره ضَاقَ صَدره. من احْتَاجَ إِلَيْك ثقل عَلَيْك. من زرع شَيْئا حصده، وَمن قدم خيرا وجده. من تنزه عَن المطامع لم يعتبد. من لم يحْتَمل بشاعة الدَّوَاء دَامَ ألمه. من لم يصلحه الْخَيْر أصلحه الشَّرّ. من لم يصلحه الطالي أصلحه الكاوي. من تعلل بالمنى أفلس. من اغتاب خرق، وَمن اسْتغْفر رقع. من يرحم يرحم. من يصمت يسلم. من يقل الْخَيْر يغنم. من يكره الشَّرّ يعْصم. من لَا يملك لِسَانه ينْدَم. من بخل عَلَيْك ببشره لم يجد عَلَيْك ببره. من كف عَنْك شَره فَاصْنَعْ بِهِ مَا سره. من كف ضيره فقد بذل خَيره. من تشاغل بالسلطان لم يتفرغ إِلَى الإخوان. من حصن سره كَانَ الْخِيَار فِي يَده. من بدا جَفا. من تنقل تبقل، وَمن سعى رعى، وَمن نَام رأى الأحلام.
(4/163)

من اسْتغنى بِرَأْيهِ فقد خاطر. من عرف الْأَيَّام لم يغْفل الاستعداد لَهَا. من أحب من لَا يعرفهُ فَإِنَّمَا يمازح نَفسه. من حصن شَهْوَته صان قدره. من ضَاقَ خلقه مله أَهله. من ركب العجلة لم يَأْمَن الكبوة. من تقدم بِحسن النِّيَّة بَصَره التَّوْفِيق. من قَارب النَّاس فِي عُقُولهمْ 432 سلم من غوائلهم. من سَاد عز. من التحف بالقناعة حالفه الْعِزّ. من كَانَت لَهُ إِلَى النَّاس حَاجَة فقد خذل. من عالج الشوق لم يستبعد الدَّار. من يزرع الشوك لَا يحصد بِهِ الْعِنَب. من اطْمَأَن قبل الاختبار نَدم. من وصلك وَهُوَ معدم خير مِمَّن جفاك وَهُوَ مكثر. من لم يغض على القذى لم يرض أبدا. من تقلبت بِهِ الْأَحْوَال علم جَوَاهِر الرِّجَال. من طمع ذل. من حفظ مَاله فقد حفظ الأكرمين: الدّين وَالْعرض. من تأدب صَغِيرا انْتفع كَبِيرا. من سره بنوه ساءته نَفسه. من أَسَاءَ لَفظه غبن حَظه. من عذل سَفِيها عرض للشتم نَفسه. من اتبع عَورَة أَخِيه الْمُسلم فضحه الله فِي بَيته. من قل حياؤه قل ورعه. من أَكثر من المزاح استخف بِهِ، وَمن أَكثر الضحك اجترئ عَلَيْهِ. من أَكثر من شَيْء عرف بِهِ. من طلب الْعلم بالنجوم تزندق. من طلب المَال بالكيميا أفلس. من طلب غرائب الحَدِيث كذب. من زنى زني بِهِ. من عتب على الدَّهْر طَالَتْ معتبته. من سَأَلَ فَوق قدره اسْتحق الحرمان. من شتم حَلِيمًا رَجَعَ ذَمِيمًا. من كفر النِّعْمَة منع الزِّيَادَة. من شَاب شيب لَهُ. من طلب عَظِيما خاطر بعظيمته. من يلق خيرا يحمد النَّاس أمره. من ملك اسْتَأْثر. من لم يشاور نَدم. من أصبح على الدُّنْيَا حَزينًا أصبح على الله ساخطاً. من شكا ضراً نزل بِهِ فَإِنَّمَا يشكو الله.
(4/164)

من لم يدار عيشه مَاتَ قبل أَجله. من لاحى الرِّجَال ذهبت كرامته. من اتخذ التَّقْوَى صاحباً كَانَت لَهُ ردْءًا من الملمات. من كتم الْأَطِبَّاء مَرضه فقد غش نَفسه. من أحب أَن يصرم أَخَاهُ فاليقرضه ثمَّ يتقاضاه. من حقر حرم. من أحبك لشَيْء زَالَ حبه بزواله. من قَالَ فِي النَّاس مَا يكْرهُونَ قَالُوا فِيهِ مَا لَا يعلمُونَ. من عرف بِالصّدقِ جَازَ كذبه. من طلب مَا عِنْد السُّلْطَان بالغلظة لم يَزْدَدْ مِنْهُ إِلَّا بعدا. من عَامل النَّاس فَلم يظلمهم، وَحَدَّثَهُمْ فَلم يكذبهم، وَوَعدهمْ فَلم يخلفهم، فقد حرمت غيبته، وكملت مروءته، وَظَهَرت عَدَالَته، وَوَجَبَت أخوته. من استحيا من غَيره وَلم يستح من نَفسه فَلَيْسَ لنَفسِهِ عِنْده مِقْدَار. من أدب وَلَده صَغِيرا سر بِهِ كَبِيرا. من كثر خَيره كثر زَائِره. من أدب وَلَده أرْغم حاسده. من عرف حق أَخِيه دَامَ إخاؤه، وَمن تكبر على النَّاس وَرَجا أَن يكون لَهُ صديق فقد غر نَفسه. من بسط بِالْخَيرِ لِسَانه انبسطت فِي الْقُلُوب محبته. قَالُوا: أَصْبِر النَّاس من صَبر على كتمان سره فَلم يُبْدِهِ لصديق فيوشك أَن يكون عدوا فيذيعه. قَالَ ابْن السماك: من فكر فِي أمره نهج لَهُ طَرِيق رشده. من سل سيف الْبَغي قتل بِهِ. من أَطَالَ الأمل أَسَاءَ الْعَمَل. من بذل حُلْو كَلَامه وَمر فعاله فَذَلِك الْعَدو. من قصر عَن الفضول نَالَ من دهره كل مأمول. من جمع الْحيَاء والسخاء فقد استجد الْإِزَار والرداء. من لَا يبال بالشكاية فقد اعْترف بالدناءة. من رَجَعَ فِي هِبته فقد استحكم اللؤم. من جهل قدر نَفسه فَهُوَ بِقدر النَّاس أَجْهَل. من أنف من عمل نَفسه 433 اضْطر إِلَى عمل غَيره. من استنكف من أَبَوَيْهِ فقد انْتَفَى من الرشدة. من اسْتغنى بِرَأْيهِ
(4/165)

فقد خاطر بِنَفسِهِ. وَمن اسْتعْمل وُجُوه الآراء عرف مواقع الْخَطَأ. من عرف بالحكمة لاحظته الْعُيُون بالوقار. من عرف الْأَيَّام لم يغْفل الاستعداد. من قاسى الْأُمُور عرف المستور. من رغب عَن الرشا اشْتَدَّ ظَهره عِنْد الْخِصَام. من لزم العفاف لزمَه الْعَمَل. من أكل قَلِيلا عمل طَويلا. من تعسف النِّعْمَة نفرت عَنهُ. من أدل على السُّلْطَان استثقله، وَمن امتن عَلَيْهِ عَادَاهُ. من كذب السُّلْطَان فقد خانه، وَمن أذاع سره فقد خاطر بِنَفسِهِ. من صحب السُّلْطَان لم يزل مرغوباً. من اجْتهد رَأْيه وشاور صديقه واستخار ربه فقد قضى الَّذِي عَلَيْهِ. وَلنْ يقْضِي الله إِلَّا مَا يحب فِي أمره. من قل طمعه صَحَّ جِسْمه. قَالَ أَكْثَم: من جَاع صَحَّ. من خَافَ الْكَذِب أقل من المواعيد. من أدْلج ولج. من طلب الْحَلَال خفت مئونته وَقل كبرياؤه. وَمن قدر على خير فَلم يعْمل بِهِ لَزِمته الْإِسَاءَة. من لم ينْتَفع بِهِ أحد لم يعظمه أحد، وَمن لم يعظمه أحد استخف بِهِ كل أحد، وَمن استخف بِهِ لَقِي الذل عيَانًا. من كثر ذامه اضْطر إِلَى مدح نَفسه. من كافأ الْإِحْسَان تنوفس فِي الْإِحْسَان إِلَيْهِ. من أنْفق سَرفًا يُوشك أَن يَمُوت أسفا. من تَأَول كَلَام النَّاس على السخط كثرت ذنُوب النَّاس إِلَيْهِ. من رغب فِي حسن الثَّنَاء طَابَ نفسا عَن الثراء. من أَمن الزَّمَان خانه، وَمن تعظم عَلَيْهِ أهانه، وَمن تضعضع لريبه قدعه وَمن لَجأ إِلَيْهِ أسلمه، وَمن كابره عطب. من سَبَقَك إِلَى الْخَيْر فاطلب أَثَره. وَمن ملك نَفسه لم تملكه شهواته، وَلم
(4/166)

يصرعه هَوَاهُ، وَلم يملكهُ غَضَبه. من خَافَ شَيْئا اتَّقَاهُ. من أحب شَيْئا أَكثر ذكره. من وثق بِعَمَلِهِ اشتاق إِلَى الْجَزَاء. من خَافَ غير الله فَهُوَ غير واثق بِاللَّه. من طلب الْعِزّ بِلَا ذل، ذل من حَيْثُ يطْلب الْعِزّ. من أَطَالَ الحَدِيث عرض نَفسه للملالة وَسُوء الِاسْتِمَاع. من أظهر شكرك فِيمَا لم تأت إِلَيْهِ فاحذر أَن يكفر نِعْمَتك فِيمَا أسديت إِلَيْهِ. من تحدث بِحَدِيث قبل أَن يتدبره لم يسلم من عَيبه. من نظر فِي العواقب لم يشف غيظه. من زوج كريمته من سَفِيه فقد عقها. من منع بره قل أنصاره. من أطلق لِسَانه أهْدر دَمه. من تذكر قدرَة الله عَلَيْهِ لم يسْتَعْمل قدرته فِي ظلم عباده. من منع النَّاس مَا يُرِيد مِنْهُم مثله ظلم نَفسه. من استوحش فِي نَفسه بِالظَّنِّ أوحش من نَفسه بِالْيَقِينِ. من استقصى على النَّاس قل صديقه، وَمن أغضى على العوراء سهل طَرِيقه. من نظر فِي دينه إِلَى من هُوَ فَوْقه يستصغر عمله، وَنظر فِي دُنْيَاهُ إِلَى من هُوَ دونه ليستكثر مَا أعْطى فقد وفْق لحظه. من منع المَال من الْحَمد أورثه من لَا يحمده. من اقْتصر على قدره كَانَ أبقى لحاله. من سعى بالنميمة حذره الْغَرِيب، ومقته الْقَرِيب. من أَطَالَ النّظر أدْرك الْغَايَة. من أزعجه الْخَوْف أَمن. 434 من ضَاقَ قلبه اتَّسع لِسَانه. قَالَ يحيى بن أَكْثَم: من لم يرج إِلَّا مَا هُوَ مستوجب كَانَ قمنا أَن يدْرك حَاجته. من عرف ثمار الْأَعْمَال فَهُوَ جدير أَلا يغْرس إِلَّا طيبا. من صحب الْحُكَمَاء ظفر بِحسن الثَّنَاء. من اغْترَّ بالعدو الأريب خَان نَفسه. من عدم مَاله أنكرهُ أَهله ومعارفه. من جَانب هَوَاهُ صَحَّ رَأْيه. من عاقب بَرِيئًا فنفسه عاقب.
(4/167)

من عرضت لَهُ بلية رحم، وَمن جناها ذمّ. من لم يجلس فِي شبيبته حَيْثُ يهوى جلس فِي كبره حَيْثُ لَا يهوى. من لم يركب المصاعب لم ينل الرغائب. من كَانَ أغلب خصاله عَلَيْهِ الْإِحْسَان اغتفرت زلته، وأقيلت عثرته. من عتب على الدَّهْر طَالَتْ معتبته. من لم يأس على مَا فَاتَهُ تودع بدنه، وَمن قنع بِمَا هُوَ فِيهِ قرت عينه. من رد الْكَرَامَة نصب شركا وثيقاً للعداوة. من بخل بِدِينِهِ عظم ربحه. من قاهر الْحق قهر. من ترك التوقي فقد استسلم لقَضَاء السوء. من أكدى فَكَأَنَّهُ لم يعْمل. من تياسر عَن الْقَصْد هجم على الضلال. من طلب بِاللَّه أدْرك. من لم تؤدبه المواعظ أدبته الْحَوَادِث. من تعود الْكِفَايَة لم يعرف مِقْدَار الرَّاحَة. من أَمن الزَّمَان ضيع ثغراً مخوفا. من استكفى من يتهمه خَان نَفسه. من أَمن مكايد الْأَعْدَاء لم يعد فِي الْعُقَلَاء. من لم يعرف قدره أوشك أَن يذل، وَمن لم يدبر مَاله أوشك أَن يفْتَقر. من رق وَجهه رق علمه. من لم يتحرز بعقله من عقله هلك من قبل عقله. من حرم الْعقل فَلَا خير لَهُ وَلَا للنَّاس فِي حَيَاته، وَمن حرم الْجُود فَلَا خير لَهُ وَلَا للنَّاس فِي سُلْطَانه، وَمن حرم الْفَهم فَلَا خير لَهُ وَلَا للنَّاس فِي قَضَائِهِ. من رَضِي عَنهُ الْجَمِيع المختلفون اسْتحق اسْم الْعقل. من احتقر مَا أعْطى فَهُوَ تَمام مَا أعْطى، وَمن استكثر مَا أَتَى إِلَيْهِ فقد قضى مَا عَلَيْهِ. من لم يحْتَمل زلل صديقه عَاشَ بِلَا صديق. من قَادَهُ الزَّمَان إِلَى صداقة عدوه فليكثر تيقظه. من حاول صديقا يَأْمَن زلته، ويدوم اغتباطه بِهِ كَانَ كضال الطَّرِيق الَّذِي لَا يزْدَاد لنَفسِهِ إتعاباً إِلَّا ازْدَادَ من غَايَته بعدا. من رَضِي بِصُحْبَة من لَا خير فِيهِ لم يرض بِصُحْبَتِهِ من فِيهِ خير. من جمع الْحِرْص على الدُّنْيَا وَالْبخل بهَا استمسك بعمودي اللؤم. من استثقل أَن يُقَال لَهُ الْحق كَانَ الْعَمَل بِهِ عَلَيْهِ أثقل.
(4/168)

الْبَاب السَّابِع فِي سياسة السُّلْطَان وأدب الرّعية
قَالَ بعض الْحُكَمَاء: إِن قُلُوب الرّعية خَزَائِن واليها فَمَا أودعهُ وجده فِيهَا. قَالُوا: صنفان متباينان إِن صلح أَحدهمَا صلح الآخر: السُّلْطَان والرعية. قَالَ بعض الْحُكَمَاء: إِذا صَحِبت السُّلْطَان فلتكن مداراتك لَهُ مداراة الْمَرْأَة القبيحة لزَوجهَا؛ فَإِنَّهَا لَا تدع التصنع لَهُ فِي كل حَال. قَالَ الْأَعْمَش: إِذا رَأَيْت الْعَالم يَأْتِي بَاب السُّلْطَان فَاعْلَم أَنه لص. 435 قَالَ بعض الْحُكَمَاء: ليغلق السُّلْطَان بَاب الْأنس بَينه وَبَين كفاته الَّذين تنفذ أُمُورهم فِي ملكه؛ فَإِن مؤانسته إيَّاهُم تبْعَث عَلَيْهِ بهم الجرأة وعَلى الرّعية الغشم. قَالُوا: صنفان لَو صلحا صلح جَمِيع النَّاس الْفُقَهَاء والأمراء. قيل: من دَاخل السُّلْطَان يحْتَاج أَن يدْخل أعمى وَيخرج أخرس. قيل للعتابي: لم لَا تقصد الْأَمِير؟ قَالَ: لِأَنِّي أرَاهُ يُعْطي وَاحِدًا لغير حَسَنَة وَلَا يَد، وَيقتل آخر بِلَا سَيِّئَة وَلَا ذَنْب. وَلست أَدْرِي أَي الرجلَيْن أكون أَنا، وَلست أَرْجُو مِنْهُ مِقْدَار مَا أخاطر بِهِ. قيل: الْعَاقِل من طلب السَّلامَة من عمل السُّلْطَان، فَإِنَّهُ إِن عف جنى عَلَيْهِ العفاف عَدَاوَة الْخَاصَّة، وَإِن بسط جنى عَلَيْهِ الْبسط أَلْسِنَة الْعَامَّة. قَالَ سعيد بن حميد: مجْلِس السُّلْطَان كالحمام؛ من فِيهِ يُرِيد الْخُرُوج وَمن هُوَ خَارج يُرِيد الدُّخُول فِيهِ. ابْن المقفع: إقبال السُّلْطَان تَعب، وإعراضه مذلة.
(4/169)

وَقَالَ آخر: السُّلْطَان إِن أرضيته أتعبك، وَإِن أغضبته أعطبك. قَالُوا: يَنْبَغِي للْملك أَن يتفقد أَمر خاصته فِي كل يَوْم، وَأمر عامته فِي كل شهر، وَأمر سُلْطَانه فِي كل سَاعَة. قَالَ بَعضهم: إِذا كنت حَافِظًا للسُّلْطَان فِي ولايتك، حذرا مِنْهُ عِنْد تقريبه لَك، أَمينا لَهُ إِذا ائتمنك، تشكر لَهُ وَلَا تكلفه الشُّكْر لَك، تعلمه وكأنك تتعلم مِنْهُ، وتؤدبه وَكَأَنَّهُ يؤدبك، بَصيرًا بهواه، مؤثراً لمنفعته، ذليلا إِن ضامك، رَاضِيا إِن أَعْطَاك، قانعاً إِن حَرمك، وَإِلَّا فابعد مِنْهُ كل الْبعد. قَالَ حَكِيم: مَحل الْملك من رَعيته مَحل الرّوح من الْبدن، وَمحل الرّعية مِنْهُ مَحل الْبدن من الرّوح. فالروح تألم لألم كل عُضْو من أَعْضَاء الْبدن، وسائره لَا يألم لألم غَيره، وَفِي فَسَاد الرّوح فَسَاد جَمِيع الْبدن، وَقد يفْسد بعض الْبدن وَغَيره من سَائِر الْبدن صَحِيح. قَالَ سهل بن هَارُون: يَنْبَغِي للنديم أَن يكون كَأَنَّمَا خلق من قلب الْملك؛ يتَصَرَّف بشهواته، ويتقلب بإرادته، إِذا جد جد، وَإِذا تطلق تطلق؛ لَا يمل المعاشرة، وَلَا يسأم المسامرة، إِذا انتشى تحفظ، وَإِذا صَحا تيقظ. وَيكون كَاتِما لسره، ناشراً لبره، وَيكون للْملك دون العَبْد؛ لِأَن العَبْد يخْدم نَائِبا والنديم يحضر دائباً. كَانَ مَسْرُوق بن الأجدع يُنْهِي عَن عمل السُّلْطَان، فَدَعَاهُ زِيَاد وولاه السلسلة، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: اجْتمع عَليّ زِيَاد وَشُرَيْح والشيطان، فَكَانُوا ثَلَاثَة وَكنت وَاحِدًا فغلبوني. قيل لبَعض من يتَصَرَّف مَعَ السُّلْطَان: لَا تصحبهم؛ فَإِن مثلهم مثل قدر أسود كلما مَسّه إِنْسَان سوده. فَقَالَ: إِن كَانَ خَارج الْقدر أسود فَإِن دَاخله لحم سمين، وَطَعَام لذيذ. كَانَ يُقَال: لَا سُلْطَان إِلَّا بِرِجَال، وَلَا رجال إِلَّا بِمَال، وَلَا مَال إِلَّا بعمارة، وَلَا عمَارَة إِلَّا بِعدْل وَحسن سياسة. قَالَ بعض الْمُلُوك فِي خطْبَة: إِنَّمَا نملك الأجساد لَا النيات، ونحكم بِالْعَدْلِ
(4/170)

لَا بِالرِّضَا، ونفحص عَن الْأَعْمَال لَا عَن السرائر. قيل: أفضل من عوشر بِهِ الْمُلُوك قلَّة الْخلاف وَتَخْفِيف المئونة. قيل: لَا يقدر على صُحْبَة السُّلْطَان 436 إِلَّا من يسْتَقلّ لما حملوه، وَلَا يلحف إِذا سَأَلَهُمْ، وَلَا يغتر بهم إِذا رَضوا عَنهُ، وَلَا يتَغَيَّر لَهُم إِذا سخطوا عَلَيْهِ، وَلَا يطغى إِذا سلطوه، وَلَا يبطر إِذا أكرموه. قيل لبَعض الْمُلُوك وَقد زَالَ عَنهُ ملكه: مَا الَّذِي سلبك مَا كنت فِيهِ؟ قَالَ: دفع عمل الْيَوْم إِلَى غده، والتماس عدَّة بتضييع عدد، وبذل أبطر وأضغن. ابْن المقفع: النَّاس على دين السُّلْطَان إِلَّا الْقَلِيل؛ فَلْيَكُن للبر والمروءة عِنْده نفاق فسيكسد بذلك الْفُجُور والدناءة. وَفِيمَا قَالَ أَبُو حَازِم لِسُلَيْمَان بن عبد الْملك: السُّلْطَان سوق؛ فَمَا نفق عِنْده أَتَى بِهِ. قَالُوا: شَرّ الْأُمَرَاء أبعدهم من الْقُرَّاء، وَشر الْقُرَّاء أقربهم من الْأُمَرَاء. قيل: إِذا جعلك السُّلْطَان أَخا فاجعله رَبًّا، وَإِن زادك فزده. قَالَ مُسلم بن عَمْرو: يَنْبَغِي لمن خدم السُّلْطَان أَلا يغتر بهم إِذا رَضوا وَلَا يتَغَيَّر لَهُم إِذا سخطوا عَلَيْهِ، وَلَا يستثقل مَا حملوه، وَلَا يلحف فِي مسألتهم. قَالُوا: مثل صَاحب السُّلْطَان مثل رَاكب الْأسد؛ يهابه النَّاس وَهُوَ لمركبه أهيب. لِلْكَاتِبِ على الْملك ثَلَاث: رفع الْحجاب عَنهُ، واتهام الوشاة عَلَيْهِ، وإفشاء السِّرّ إِلَيْهِ. يجب على الْملك أَن يعْمل بِثَلَاث خِصَال: تَأْخِير الْعقُوبَة فِي سُلْطَان الْغَضَب، وتعجيل مُكَافَأَة المحسن، وَالْعَمَل بالأناة فِيمَا يحدث، فَإِن لَهُ فِي تَأْخِير الْعقُوبَة إِمْكَان الْعَفو، وَفِي تَعْجِيل الْمُكَافَأَة بِالْإِحْسَانِ المسارعة فِي الطَّاعَة من الرّعية، وَفِي الأناة انْفِسَاخ الرَّأْي واتضاح الصَّوَاب.
(4/171)

قَالَ رجل لبَعض السلاطين: أَسأَلك بِالَّذِي أَنْت بَين يَدَيْهِ أذلّ مني بَين يَديك، وَهُوَ على عقابك أقدر مِنْك على عقابي، إِلَّا نظرت فِي أَمْرِي نظر من يرى برئي أحب إِلَيْهِ من سقمي وبراءتي أحب إِلَيْهِ من جُرْمِي. ابْن المقفع: لَا يَنْبَغِي للْملك أَن يغْضب؛ لِأَن الْقُدْرَة من وَرَاء حَاجته. وَلَا يكذب؛ فَإِنَّهُ لَا يقدر أحد على استكراهه على غير مَا يُرِيد، وَلَا يبخل فَإِنَّهُ يخَاف الْفقر، وَلَا يحقد لِأَن خطره قد جلّ عَن المجازاة. قَالَ أَبُو حَازِم: للسُّلْطَان كحل يكحل بِهِ من يوليه، فَلَا يبصر حَتَّى يعْزل. حُكيَ عَن بَعضهم أَنه قَالَ: حَاجِب السُّلْطَان نصفه، وكاتبه كُله. وَيَنْبَغِي لصَاحب الشرطة أَن يُطِيل الْجُلُوس، ويديم العبوس، ويستخف بالشفاعات. ابنلي بعض الْمُلُوك بصمم فَقَالَ: لَئِن كنت أصبت بسمعي، فَلَقَد متعت ببصري. ثمَّ نَادَى مناديه: من ظلم فليلبس ثوبا مصبوغاً وليقم حَيْثُ أرَاهُ فأدعو بِهِ وَأنْظر فِي أمره. كَانَ يُقَال، إِن الْمُلُوك من الْفرس وَغَيرهم كَانُوا يهنئون بالعافية، وَلَا يعادون من الْعلَّة؛ لِأَن عللهم كَانَت تستر نظرا وإبقاء عَلَيْهِم، وَلَا يعلمهَا إِلَّا خواصهم. وَكَانَت عافيتهم تشتهر؛ لما للنَّاس من الصّلاح بهَا، ودوام الألفة، واستقامة الْأُمُور عَنْهَا. قَالَ بَعضهم: إِذا صَحِبت السُّلْطَان فلتكن مداراتك مداراة الْمَرْأَة القبيحة للزَّوْج الْمُبْغض لَهَا؛ فَإِنَّهَا لَا تدع التصنع لَهُ بِكُل حِيلَة. قَالَ فيلسوف: إِذا قربك السُّلْطَان فَكُن مِنْهُ على حد السنان، وَإِن استرسل إِلَيْك فَلَا تأمن انقلابه عَلَيْك، وارفق بِهِ رفقك بِالصَّبِيِّ، وَكَلمه بِمَا يَشْتَهِي. وَدخل يزِيد بن عمر بن هُبَيْرَة على الْمَنْصُور فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ توسع توسعاً قرشياً، وَلَا تضق 437 ضيقا حجازياً. وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن سلطانكم حَدِيث، وإمارتكم جَدِيدَة، فأذيقوا النَّاس حلاوة عدلها، وجنبوهم مرَارَة جورها، فوَاللَّه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لقد مخضت لَك. ثمَّ نَهَضَ فَنَهَضَ مَعَه تِسْعمائَة من قيس، فأتأره الْمَنْصُور بَصَره ثمَّ قَالَ: لَا يعز ملك فِيهِ مثل هَذَا.
(4/172)

قَالُوا: عدل السُّلْطَان أَنْفَع للرعية من خصب الزَّمَان. كَانَ الْفضل بن الرّبيع يَقُول: مساءلة الْمُلُوك عَن أَحْوَالهم من كَلَام النوكى فَإِذا أردْت أَن تَقول: كَيفَ أصبح الْأَمِير؟ فَقل: صبح الله الْأَمِير بالكرامة. وَإِن أردْت أَن تَقول كَيفَ يجد الْأَمِير نَفسه؟ فَقل: وهب الله الْأَمِير الْعَافِيَة وَنَحْو هَذِه الْأَشْيَاء فَإِن المساءلة توجب الْجَواب فَإِن لم يجبك اشْتَدَّ عَلَيْك وَإِن جابك اشْتَدَّ عَلَيْهِ. قيل لِابْنِ عَبَّاس: إِن النَّاس قد فسدوا وَلَا يصلحهم إِلَّا الشَّرّ. قَالَ: بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ للجور أشب للشر، وَالْعدْل أطفأ للجور. وَفِي الْعدْل كِفَايَة، وَإِلَيْهِ انْتَهَت السياسة. وَقد يُصِيب الْوَالِي فِي رَعيته بِأَرْبَع من نَفسه وَأَرْبع من أنفسهم؛ فَأَما الْأَرْبَع اللواتي مِنْهُم فالرغبة والرهبة وَالْأَمَانَة والنصيحة. وَأما الْأَرْبَع اللواتي من نَفسه فإعطاء من نصحه، وَالْجَزَاء لمن أبلاه، وعقوبة ذِي الذَّنب بِقدر ذَنبه، والتنكيل بِمن تعدى أمره. فَإِن هُوَ لم يفعل ذَلِك وتراخى ابتلى مِنْهُم بِأَرْبَع: بالغش والخذلان والخيانة والنكد. قيل: ليعلم من نَالَ شرف الْمنزلَة من السُّلْطَان وَهُوَ دني الأَصْل أَنه ثأر الْأَشْرَاف، وَأَنه لَا نجاة لَهُ مِنْهُم إِلَّا أَن يعمرهم بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِم. إِذا كَانَ الْملك ضَعِيفا، والوزير شَرها، وَالْقَاضِي كذوباً فرقوا الْملك شعاعاً. ملك عسوف أجدى على الرّعية من ملك مقتصد السِّيرَة ضَعِيف؛ لِأَن العسوف الْقوي قد يدْفع عَن الْبَيْضَة بقوته، وَمَعَهُ أَنَفَة يحمي بهَا حوزته، والضعيف لَا يستقصي حقة، وَلَا يَأْخُذ حُقُوق رَعيته، وَلَا قُوَّة بِهِ على دفع عدوه وعدوهم. إِذا قنع الْملك بإفساد دينه لم تقنع رَعيته إِلَّا بِإِزَالَة ملكه. ظلم الرّعية استجلاب البلية. أحزم الْمُلُوك من ملك جده هزله، وقهر رَأْيه هَوَاهُ، وَعبر عَن ضَمِيره فعله، وَلم يخدعه رِضَاهُ عَن حَظه، وَلَا غَضَبه عَن كَيده.
(4/173)

قَالُوا: أَرْبَعَة أَشْيَاء تقبح بِأَهْلِهَا: ضيق ذرع الْملك، وَسُرْعَة غضب الْعَالم، وبذاء النِّسَاء، وَكذب الْقُضَاة. خير الْمُلُوك من حمل نَفسه على خير الْآدَاب، ثمَّ حمل رَعيته على الإقتداء بِهِ. أعجز الْمُلُوك أضعفهم عَن إصْلَاح بطانته. إِذا اضْطر الْملك إِلَى الْكَذِب فليهرب من ملكه. الْعجب مِمَّن استفسد رَعيته وَهُوَ يعلم أَن عزه بطاعتهم. إِذا رغب الْملك عَن الْعدْل رغبت رَعيته عَن طَاعَته. إِذا لم يرجع الْملك إِلَّا إِلَى رأى وزيره، فالوزير هُوَ الْملك، وَالْملك سوقة مسخر. من لم يصلح نَفسه من الْمُلُوك عسر عَلَيْهِ إصْلَاح رَعيته، وَكَيف يعرف رشد غَيره من يعمى عَن ذَات نَفسه؟ لَا تخف صولة الْأُمَرَاء مَعَ صداقة الوزراء. طَال حزن من غضب على الْمُلُوك وَهُوَ لَا يقدر على الانتقام مِنْهُم. صُحْبَة السُّلْطَان بِلَا أدب كركوب الْبَريَّة بِغَيْر مَاء. اثْنَان يَنْبَغِي للْملك أَن يحذرهما: الزَّمَان 438 والأشرار. إِذا امتهنت خَاصَّة الْملك فالملك هُوَ الممتهن. يَنْبَغِي لصَاحب السُّلْطَان أَن يستعد لعذر مَا لم يجنه، وَأَن يكون آنس مَا يكون بِهِ أوحش مَا يكون مِنْهُ. فَإِذا سلمت الْحَال عِنْده فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يَأْمَن ملالته. أقوى الْمُلُوك فِي الدُّنْيَا أعلمهم بضعفه فِي الْآخِرَة. لَا أحد أَمر عَيْشًا وَأكْثر نصبا وأطول فكرة من الْملك الْعَارِف بالعواقب، الموقن بالمعاد. موت الْملك الجائر خصب شَامِل، لِأَنَّهُ لَا قحط أَشد من جور السُّلْطَان. إِذا تفرغ الْملك للهوه تفرغت رَعيته لإفساد ملكه.
(4/174)

إِذا وقفت الرّعية على سرائر الْمُلُوك هان عَلَيْهَا أمرهَا. يَنْبَغِي للْملك أَن يأنف من أَن يكون فِي رَعيته من هُوَ أفضل دينا مِنْهُ، كَمَا يأنف أَن يكون فيهم من هُوَ أنفذ أمرا مِنْهُ. أعجب الْأَشْيَاء ملك يطْلب نصيحة رَعيته مَعَ ظلمهم. ليعلم الْملك أَن الَّذِي لَهُ عِنْد رَعيته مثل الَّذِي لرعيته عِنْده. وضع الشدَّة فِي مَوضِع اللين سوء بصر بِالتَّدْبِيرِ، والاستسلام لرأي الوزراء هُوَ الْعَزْل الْخَفي. إِذا لم يشرف الْملك على أُمُوره فَليعلم أَن أغش النَّاس لَهُ وزيره. من استكفى الْأُمَنَاء ربح التُّهْمَة. قَضَاء حق المحسن أدب للمسيء، وعقوبة الْمُسِيء حسن جَزَاء المحسن. لن تَجِد الْحَرْب الغشوم أسْرع فِي اجتياح الْملك من تَضْييع الْمَرَاتِب، حَتَّى يُصِيبهَا أهل النذالة والفسولة، ويزهد فِيهَا أولو الْفضل، ويطمع فِيهَا الأراذل. قَالُوا: إِذا أَرَادَ الله إِزَالَة ملك عَن قوم جبنهم فِي آرائهم. الْعجب من سُلْطَان يَبْتَدِئ على رَعيته وَالسيف وَالسَّوْط بِيَدِهِ. لَا شَيْء أذهب بالدول من تَوْلِيَة الأشرار. الْملك لَا تصلحه إِلَّا الطَّاعَة والرعية لَا يصلحها إِلَّا الْعدْل. دخل أَبُو مجلز على قُتَيْبَة بخراسان وَهُوَ يضْرب رجلا بالعصا فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير؛ إِن الله جعل لكل شَيْء قدرا، وَوقت لَهُ وقتا؛ فالعصا للأنعام والهوام
(4/175)

والبهائم الْعِظَام، وَالسَّوْط للحدود وَالتَّعْزِير، والدرة للأدب، وَالسيف لقِتَال الْعَدو والقود. قَالُوا: عمل السُّلْطَان حَدِيث فَكُن حَدِيثا حسنا. إِذا ضيعت الْمُلُوك سنَن أديانها أَنَّهَا تهدم أساس ملكهَا. لَا يَنْبَغِي للْملك أَن يكون سَفِيها وَمِنْه يلْتَمس الْحلم، وَلَا جائراً وَمِنْه يلْتَمس الْعدْل. إِذا لم يثب الْملك على النَّصِيحَة غشته الرّعية. وَفد على مُعَاوِيَة عبيد بن كَعْب النميري فَسَأَلَهُ عَن زِيَاد وسياسته فَقَالَ: يسْتَعْمل على الْجد وَالْأَمَانَة دون الْهوى، ويعاقب فَلَا يعدو بالذنب قدره ويسمر ليستجم بِحَدِيث اللَّيْل تَدْبِير النَّهَار قَالَ: أحسن. إِن التثقيل على الْقلب مضرَّة بِالرَّأْيِ. فَكيف رَأْيه فِي حُقُوق النَّاس فِيمَا عَلَيْهِ وَله؟ قَالَ: يَأْخُذ مَاله عفوا وَيُعْطِي مَا عَلَيْهِ عفوا. قَالَ: فَكيف عطاياه؟ قَالَ: يُعْطي حَتَّى يُقَال جواد، وَيمْنَع حَتَّى يُقَال بخيل. قَالُوا: التذلل للملوك دَاعِيَة الْعِزّ والتعزز عَلَيْهِم ذل الْأَبَد. كَثْرَة أعوان السوء مضرَّة للأعمال. الدَّالَّة على الْمُلُوك تعرض للسقوط. خير الْمُلُوك من ملك جَهله بحلمه، وخرقه برفقه، وعجلته باناته، وعقوبته 439 بعفوه، وعاجله بمراقبة آجله، وَأمن رَعيته بعدله، وسد ثغورهم بهيبته، وجبر فاقتهم بجوده. يعلم وَكَأَنَّهُ لَا يعلم، ويحسم الدَّاء من حَيْثُ استبهم. بغض الْمُلُوك كي لَا يبرأ، وحسدهم عر يتفشى. السُّلْطَان فِي تنقله وتنقل النَّاس مَعَه كالظل الَّذِي تأوي إِلَيْهِ السابلة. شدَّة الانقباض من السُّلْطَان تورث التُّهْمَة، وسهولة الانبساط تورث الملالة.
(4/176)

من سَعَادَة جد الْمَرْء أَلا يكون فِي الزَّمَان الْمُخْتَلط مُدبرا للسُّلْطَان. من سَكَرَات السُّلْطَان أَن يرضى عَمَّن اسْتوْجبَ السخط، ويسخط على من اسْتوْجبَ الرِّضَا من غير سَبَب مَعْلُوم. بلغ بعض الْمُلُوك حسن سياسة ملك فَكتب إِلَيْهِ: قد بلغت من حسن السياسة مبلغا لم يبلغهُ ملك فِي زَمَانك، فأفدني الَّذِي بلغكه. فَكتب إِلَيْهِ: " لم أهزل فِي أَمر وَلَا نهي، وَلَا وعد وَلَا وَعِيد، واستكفيت أهل الْكِفَايَة، وَأثبت على الْغناء لَا على الْهوى، وأودعت الْقُلُوب هَيْبَة لم يشبها مقت، ووداً لم يشبه كذب، وعممت بالقوت ومنعت الفضول ". أَمْرَانِ جليلان لَا يصلح أَحدهمَا إِلَّا بالتفرد بِهِ، وَلَا يصلح الآخر إِلَّا بالتعاون عَلَيْهِ: وهما الْملك والرأى؛ فَإِن استقام الْملك بالشركاء استقام الرَّأْي بالتفرد بِهِ. لَا شَيْء أهلك للسُّلْطَان من صَاحب يحسن القَوْل وَلَا يحسن الْعَمَل. اصحب السُّلْطَان بإعمال الحذر، ورفض الدَّالَّة، وَالِاجْتِهَاد فِي النصح واصحبه بِثَلَاث: بِالرِّضَا وَالصَّبْر والصدق. اعْلَم أَن لكل شَيْء حدا، فَمَا جاوزه كَانَ سَرفًا، وَمَا قصر عَنهُ كَانَ عَجزا. فَلَا تبلغ بك نصيحة السُّلْطَان أَن تعادي حَاشِيَته من أَهله وخاصته؛ فَإِن ذَلِك لَيْسَ من حَقه عَلَيْك. وَلَكِن أقضى لحقه عَنْك، وأدعى للسلامة إِلَيْك أَن تستصلح أُولَئِكَ جهدك، فَإنَّك إِذا فعلت ذَلِك شكرت نعْمَته، وَأمنت حجَّته، وفللت عَدوك عِنْده. إِذا جاريت عِنْد السُّلْطَان كفئاً من أكفائك فلتكن مجاراتك إِيَّاه بِالْحجَّةِ، وَإِن عضهك، وبالرفق وَإِن خرق بك؛ وَاحْذَرْ أَن يستلجك فتحمى، فَإِن الْغَضَب يعمي عَن الفرصة، وَيقطع عَن الْحجَّة، وَيظْهر عَلَيْك الْخصم. احترس أَن يعرفك السُّلْطَان بِاثْنَيْنِ: بِكَثْرَة الإطراء للنَّاس عِنْده، وبكثرة
(4/177)

ذمهم؛ فيعد ذَلِك غلاً مِنْك فَإِنَّهُ إِذا رأى كَثْرَة إطرائك للنَّاس وذمهم ضرّ ذَلِك صديقك وَإِن كَانَ محقاً، وَأمن عَدوك كيدك وَإِن كَانَ معوراً. وَعَلَيْك بِالْقَصْدِ والتحرز؛ فَإِنَّهُ إِن يعرفك بِهِ كنت لعدوك أضرّ ولصديقك أَنْفَع. لاتتورد على السُّلْطَان بالدالة وَإِن كَانَ أَخَاك، وَلَا بِالْحجَّةِ وَإِن وثقت أَنَّهَا لَك، وَلَا بِالنَّصِيحَةِ وَإِن كَانَت لَهُ دُونك فَإِن السُّلْطَان تعرض لَهُ ثَلَاث: الْقُدْرَة دون الْكَرم، وَالْحمية دون النصفة، واللجاج دون الْحَظ. سُئِلَ بَعضهم: أَي شَيْء أرفع بِذكر الْمُلُوك؟ قَالَ: تدبيرهم أَمر الْبِلَاد بِعدْل، ومنعهم إِيَّاهَا بعز. قيل: فَمَا الَّذِي على الْمُلُوك لرعيتهم، وَمَا الَّذِي على الرّعية لملوكهم؟ قَالَ: على الْمُلُوك لرعيتهم 440 مَا تأمن عَلَيْهِ أنفسهم ويرغد عَلَيْهِ عيشهم. وللملوك على رعيتهم الشُّكْر والنصيحة. اعْلَم أَن الْمُلُوك تحْتَاج إِلَى الْوَزير، وَأَشْجَع الرِّجَال يحْتَاج إِلَى السِّلَاح وأجود الْخَيل يحْتَاج إِلَى السَّوْط، وَأحد الشفار يحْتَاج إِلَى المسن. صَلَاح الدُّنْيَا بصلاح الْمُلُوك، وَصَلَاح الْمُلُوك بصلاح الوزراء، وَلَا يصلح الْملك إِلَّا لأَهله وَلَا تصلح الوزارة إِلَى لمستحقها. أفضل عدد الْمُلُوك صَلَاح الوزراء الكفاة؛ لِأَن فِي صَلَاحهمْ صَلَاح قُلُوب عوامهم لَهُم. خير الوزراء أَصْلحهم للرعية، وأصدقهم نِيَّة فِي النَّصِيحَة، وأشدهم ذباً عَن المملكة، وأشدهم بَصِيرَة فِي الطَّاعَة، وآخذهم لحقوق الرّعية من نَفسه وسلطانه. لَيْسَ شَيْء للملوك أولى بالفرح وَالسُّرُور بِهِ فِي ملكهَا من سيرة حَسَنَة يسيرونها، وَسنة صَالِحَة يجرونها، ووزير صَالح يؤيدون بِهِ. الْوَزير الْخَيْر لَا يرى أَن صَلَاحه فِي نَفسه كَائِن صلاحاً حَتَّى يتَّصل بصلاح الْملك ورعيته، وَتَكون عنايته فِيمَا عطف الْملك على عامته، وَفِيمَا استعطف قُلُوب الْعَامَّة على الطَّاعَة لملكه، وَفِيمَا قوم أَمر الْملك والمملكة من تَدْبيره، حَتَّى يجمع إِلَى أَخذ الْحق وتقديمه عُمُوم الْأَمْن والسلامة، وَيجمع إِلَى صَلَاح الْملك صَلَاح أَتْبَاعه. وَإِذا طرقت الْحَوَادِث، ودهمت المظائم، كَانَ للْملك عدَّة وعتاداً، وللرعية
(4/178)

كَافِيا محتاطاً، وَمن وَرَائِهَا ذاباً ناصراً، يعنيه من صَلَاحهَا مَا لَا يعنيه من صَلَاح نَفسه دونهَا. مثل الْملك الصَّالح إِذا كَانَ وزيره فَاسِدا مثل المَاء الصافي العذب الَّذِي فِيهِ التماسيح؛ لَا يَسْتَطِيع الْإِنْسَان وَإِن كَانَ سابحاً، وَإِلَى المَاء ظامئاً، دُخُوله حذرا على نَفسه. لَا يَنْبَغِي للوالي أَن يسْرع إِلَى حبس من يَكْتَفِي لَهُ بالجفاء والوعيد. يَنْبَغِي للوالي أَن يكون عَالما بِأُمُور عماله فَإِن الْمُسِيء يخَاف خبرته قبل أَن تنزل بِهِ عُقُوبَته، والمحسن يستبشر بِعَمَلِهِ قبل أَن يَأْتِيهِ معروفه. يَنْبَغِي للوالي أَن تعرفه رَعيته بالأناة، وَألا يعجل بالعقاب وَلَا بالثواب؛ فَإِن ذَلِك أدوم لخوف الْخَائِف، ورجاء الراجي. يَنْبَغِي للوالي أَن تعلم رَعيته أَنه لَا يصاب خَيره إِلَّا بالمعونة لَهُ على الْخَيْر، فَإِن النَّاس إِذا علمُوا ذَلِك تصنعوا، والمتصنع لَا يلبث أَن يلْحق بِأَهْل الْفضل. من طلب مَا عِنْد السُّلْطَان وَالنِّسَاء بالشدة بعد عَنهُ مَا يطْلب، وَفَاته مَا يلْتَمس. وَدخل مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ على عمر بن عبد الْعَزِيز حِين اسْتخْلف فَقَالَ لَهُ: إِنِّي مستعين بك على عَمَلي. قَالَ: لَا. وَلَكِنِّي سأرشدك: أسْرع الِاسْتِمَاع، وأبطئ فِي التَّصْدِيق، حَتَّى يَأْتِيك وَاضح الْبُرْهَان، وَلَا تعملن سجنك فِيمَا يكْتَفى بِهِ بلسانك، وَلَا تعملن سَوْطك فِيمَا يكْتَفى فِيهِ بسجنك وَلَا تعملن سَيْفك فِيمَا يكْتَفى فِيهِ بسوطك. كَانَ بَعضهم يُوصي عماله فَيَقُول: سوسوا النَّاس بالمعدلة، واحملوهم على النصفة، واحذروا أَن تلبسونا جُلُودهمْ، أَو تطعمونا لحومهم، أَو تسقونا دِمَاءَهُمْ. بِالْولَايَةِ يعرف الرجل الحازم. إِذا أردْت أَن يقبل الْوَالِي مشورتك فَلَا تشبه بِشَيْء من الْهوى؛ فَإِن الرَّأْي يقبل، والهوى يرد.
(4/179)

لَا يخطرن للْملك أَنه إِن اسْتَشَارَ الْملك الرِّجَال ظَهرت مِنْهُ الْحَاجة 441 إِلَى رَأْي غَيره؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ يُرِيد الرَّأْي للافتخار بِهِ، وَإِنَّمَا يُرِيد للِانْتِفَاع بِهِ. قَالَ حُذَيْفَة: إيَّاكُمْ ومواقف الْفِتَن، فَإِن أَبْوَاب الْأُمَرَاء، يدْخل الدَّاخِل على الْأَمِير فَيَقُول لَهُ الْبَاطِل ليرضيه. قَالَ ابْن المقفع: لتكن حَاجَتك فِي الْولَايَة ثَلَاث خِصَال: رضَا رَبك ورضا سلطانك، ورضا صَالح من تلِي عَلَيْهِ. وَلَا عَلَيْك أَن تلهو عَن المَال وَالذكر. فسيأتيك مِنْهُمَا مَا تكتفي بِهِ. إِن ابْتليت بِصُحْبَة وَال لَا يُرِيد صَلَاح رَعيته فَاعْلَم أَنَّك خيرت بَين خلتين لَيْسَ فيهمَا خِيَار، إِمَّا الْميل على الرّعية فَهُوَ هَلَاك الدّين، وَإِمَّا الْميل على الْوَالِي مَعَ الرّعية فَهُوَ هَلَاك الدُّنْيَا. تبصر مَا فِي الدُّنْيَا من الْأَخْلَاق الَّتِي تحب أَو تكره، ثمَّ لَا تكابره بالتحويل لَهُ عَمَّا يحب وَيكرهُ؛ فَإِن هَذِه رياضة صعبة تحمل على الإباء والقلى. قَلما يقدر على نقل رجل عَن طَرِيقَته الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا بالمكابرة، وَلَكِن تقدر أَن تعينه على أحسن مذاهبه؛ فَإنَّك إِذا قويت لَهُ المحاسن كَانَت هِيَ الَّتِي تبصره الْمسَاوِي بألطف من تبصيرك فِي نَفسه. إِن كَانَ سلطانك على جدة دولة فَرَأَيْت أمرا استقام بِغَيْر رَأْي، وَعَملا استتب بِغَيْر حزم، وأعواناً أجيزوا بِغَيْر نيل، فَلَا يغرنك ذَلِك وَلَا تستنيمن إِلَيْهِ؛ فَإِن الْأُمُور تصير إِلَى حقائقها وأصولها. وَمَا بني مِنْهَا على غير أصل وثيق، ودعائم محكمَة، أوشك أَن يتداعى وينصدع. لَا تَطْلُبن من قبل السُّلْطَان بِالْمَسْأَلَة، وَلَكِن اطلبه بِالِاسْتِحْقَاقِ، واستأن بِهِ وَلَا تستبطئه، فَإنَّك إِذا استحققت مَا عِنْده أَتَاك عَن غير طلب، وَإِن لم تستبطئه كَانَ أعجل لَهُ. اعْلَم أَن السُّلْطَان إِذا انْقَطع عَنهُ الآخر نسي الأول، وَأَن أرحامه مَقْطُوعَة، وحباله مصرومة إِلَّا عَمَّن رَضِي عَنهُ. إياك أَن يَقع فِي قَلْبك التعنت على الْوَالِي، والاستزادة لَهُ؛ فَإِن ذَلِك إِذا وَقع
(4/180)

فِي قَلْبك بدا فِي وَجهك إِن كنت حَلِيمًا، وعَلى لسَانك إِن كنت سَفِيها؛ وَإِذا ظهر ذَلِك للْوَلِيّ كَانَ قلبه أسْرع إِلَى التَّغَيُّر والتعتب من قَلْبك. إِذا أصبت الجاه والخاصة عِنْد السُّلْطَان فَلَا تَتَغَيَّر لأحد من أَهله وأعوانه؛ فَإنَّك لَا تَدْرِي مَتى ترى أدنى جفوة فتذل لَهُم، وَفِي ذَلِك من الْعَار مَا فِيهِ. لَا يواظب أحد على بَاب السُّلْطَان فَيلقى عَنهُ الأنفة وَيحْتَمل الْأَذَى ويكظم الغيظ. ويرفق بِالنَّاسِ إِلَّا كَاد يخلص إِلَى حَاجته عِنْد السُّلْطَان.
(4/181)

الْبَاب الثَّامِن نَوَادِر النِّسَاء المواجن والجواري
قَالَ رجل: قلت لجارية أردْت شراءها: لَا يريبنك شيبي فَإِن عِنْدِي قُوَّة 442 فَقَالَ: أَيَسُرُّك أَن عنْدك عجوزاً معتلمة. قَالَ آخر: كَانَت لي جَارِيَة، فأردتها على بعض الْأَمر فَقَالَت: إِن الْأَعْوَر الدَّجَّال لَا يدْخل الْمَدِينَة وَلَكِن يلم بأعراضها. كَانَت جَارِيَة الجمهوري فِي غَايَة المجون، وَلها إِلَيْهِ رسائل كثير مَعْرُوفَة قَالَت لَهُ يَوْمًا: إِن فلَانا الْيَهُودِيّ بذل لي عشْرين دِينَارا على أَن أعْطِيه فَردا فَلم أفعل. قَالَ مَوْلَاهَا: كذبت وَالله أَنْت حِينَئِذٍ فِي القيان وَيَقَع فِي يدك عشرُون دِينَارا بفرد فَلَا تجيبين إِلَيْهِ؟ فَقَالَت: محوت الصُّحُف إِن كنت فعلت ذَلِك عفافاً، وَلَكِن لم أشته أَن أَنَام تَحت أقلف: قَالَ: أسخن الله عَيْنك! الْيَهُود لَا يكونُونَ قلفاً. فَقَالَت: يَا مولَايَ؛ عزمك أَن تخرج إِلَى الْبُسْتَان، فَإِنِّي لم أعلم، وَقد نَدِمت، واليهودي بعد مُقيم على الْعَهْد. وَكتب إِلَيْهَا يَوْمًا: يَا سِتّ مَوْلَاهَا؛ مَا دمت فارغة خدي من ذَلِك اللوز المقشر وبخريه بخوراً طيبا فَإِن المحلب عندنَا قد نفذ، ومحلب السُّوق لَيْسَ بِطيب. فَكتبت إِلَيْهِ: سخنت عَيْنك يَا مطر؛ مذ لم أر من خبزه شعير وضراطه حوارِي غَيْرك. وكتبت إِلَيْهِ مرّة: قد صرت لوطيا صَاحب مردان. أعوذ بِاللَّه من البطر، وَلَكِن الحائك إِذا بطر سمي ابْنَته سمانة.
(4/182)

استعرض رجل جَارِيَة فَقَالَ: فِي يَديك عمل؟ قَالَ: لَا وَلَكِن فِي رجْلي وَأدْخل على الْمَنْصُور جاريتان فأعجبتاه. . فَقَالَت الَّتِي دخلت أَولا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن الله قد فضلني على هَذِه بقوله: " وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ " فَقَالَت الْأُخْرَى: لَا بل قد فضلني بقوله: " وللآخرة خير لَك من الأولى " استعرض وَاحِد جَارِيَة فاستقبح قدميها فَقَالَت: لَا تبال؛ فَإِنِّي أجعلها وَرَاء ظهرك. طلبت جَارِيَة مَحْمُود الْوراق للمعتصم بسبعة آلَاف دِينَار، فَامْتنعَ من بيعهَا، واشتريت لَهُ بعد ذَلِك من مِيرَاثه بسبعمائة دِينَار، فَذكر المعتصم لَهَا ذَات يَوْم فَقَالَت: إِذا كَانَ اللخليفة ينْتَظر بشهواته الْمَوَارِيث فسبعون دِينَارا فِي ثمني كثير. فَكيف سَبْعمِائة؟ اقترح بَعضهم على جَارِيَة أَن تغني لَهُ: سري وسرك لم يعلم بِهِ أحد ... إِلَّا الْإِلَه وَإِلَّا أَنْت ثمَّ أَنا فَقَالَت: يَا سَيِّدي والقواد فَلَا تنسه. قَالَ بَعضهم: نظرت إِلَى جَارِيَة مليحة فِي دهليز، فَقَالَت: يَا سَيِّدي؛ تُرِيدُ الني.؟ قلت: أَي وَالله. قَالَت: فَاقْعُدْ حَتَّى يجِئ مولَايَ السَّاعَة فيني. . كَمَا نَا ... . . ني البارحة. كَانَ بعض المجان يعشق جَارِيَة أمجن مِنْهُ، فأضاق يَوْمًا فَكتب إِلَيْهَا: قد طَال عهدي بك يَا سيدتي، وأقلقني الشوق إِلَيْك، فَإِن رَأَيْت أَن تستدركي رمقي بمضغة علك تمضغينه وتجعلينه بَين دينارين وتنقذينه لأستشفى بِهِ فعلت إِن شَاءَ الله. فَفعلت ذَلِك وكتبت إِلَيْهِ: قد سارعت إِلَى أَمرك يَا سَيِّدي، فتفضل برد الطَّبَق والمكبة وَاسْتعْمل خبر النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " استدروا الْهَدَايَا برد الظروف ". وَطلب آخر من عشيقته خَاتمًا كَانَ مَعهَا فَقَالَت: يَا سَيِّدي هَذَا ذهب وأخاف أَن تذْهب، وَلَكِن هَذَا الْعود حَتَّى تعود.
(4/183)

وَقَالَ بَعضهم لأخرى: أرى شفتك مشققة فَقَالَت: التِّين إِذا احلولى تشقق. جَاءَت وَاحِدَة إِلَى مُنَاد فِي السُّوق فَقَالَت: خُذ هَذِه المخلاة وناد عَلَيْهَا. وأشارت إِلَى حرهَا فَقَالَ: أَنا السَّاعَة مَشْغُول وَلَكِن علقيه فِي هَذَا الوتد إِلَى أَن أفرغ. وَأَشَارَ إِلَى مَتَاعه. قَالَ الْأَصْمَعِي 443: مرت بِي أعرابيتان تتحدثان، فأصغيت إِلَيْهِمَا فَإِذا إِحْدَاهمَا تَقول لِلْأُخْرَى: مَا علمت أَن الزب من لحم حَتَّى قدمت الْعرَاق. قَالَ الجاحظ: ابْتَاعَ فَتى صلف بذاخ جَارِيَة بخارية حسناء ظريفة بزيعة فَلَمَّا وَقع عَلَيْهَا قَالَ لَهَا مرَارًا: مَا أوسع حرك. فَلَمَّا أَكثر عَلَيْهَا قَالَت لَهُ: أَنْت الْفِدَاء لمن كَانَ يملؤه. وَمثل ذَلِك حَدِيث أبرويز مَعَ كردية أُخْت بهْرَام شوبين، وَكَانَت تَحت أَخِيهَا. فَلَمَّا قتل عَنْهَا تزَوجهَا أبرويز وحظيت عِنْده وَكَانَت فِي غَايَة الْجمال فَقَالَ لَهَا يَوْمًا: مَا يشينك شَيْء غير سَعَة حرك. فَقَالَت: إِنَّه ثقب بأير الرِّجَال. قَالَ بَعضهم: كَانَت لإِنْسَان جَارِيَة ظريفة يُقَال لَهَا عُطَارِد، وَقد كَانَت قومت الْكَوَاكِب بعدة زيجات قَالَ: فَحَدثني بعض الْحساب الَّذين كَانُوا يطارحونها أَنه قَالَ لَهَا يَوْمًا وَهُوَ يعلمهَا اسْتِخْرَاج التواريخ بَعْضهَا من بعض: إِذا أردْت ذَلِك فَخذي عدد السنين التَّامَّة إِلَى الْعَام الَّذِي أَنْت فِيهِ. ثمَّ خذي مَا مضى من الشُّهُور إِلَى الشَّهْر الَّذِي أَنْت فِيهِ، وخذي من أَيَّام الشَّهْر إِلَى الْيَوْم الَّذِي أَنْت فِيهِ. قَالَ: فَلَمَّا كثر عَلَيْهَا قولي: أَنْت فِيهِ مَا تمالكت أَن استلقت ضحكاً، وَبقيت خجلاً لَا أَدْرِي مِم تضحك. قَالَ: ثمَّ قَالَت لي: كم تَقول أنتفيه، أنتفيه هُوَ مثل الرَّاحَة، فَإِن هَمَمْت بِشَيْء فدونك. قَالَ: فوقفت على الْأَمر الَّذِي أضحكها وَخرجت فَلم أعد إِلَيْهَا من الْحيَاء. قَالَ الرشيد لغضيض جَارِيَته: إِنَّك لدقيقة السَّاقَيْن. قَالَت: أحْوج مَا تكون إِلَيّ لَا تراهما.
(4/184)

اشْترى المكتفي جَارِيَة ماجنة من دَار مؤنس. وَكَانَ مؤنس مبخلاً فَسَأَلَهَا المكتفي عَن مروءته، فَقَالَت: طبخ لنا يَوْمًا عدسية ودعانا عَلَيْهَا، فَكَانَت العدسة تلقي العدسة فَتَقول: يَا أُخْتِي؛ مَا خبرك؟ وَمَا حالك؟ وَكَانَت الْقطعَة من اللَّحْم تعدو خلف الْقطعَة فَلَا تلحقها فتصيح خلفهَا وَتقول: وَالله لَئِن لحقتك لأضعفنك. فَضَحِك المكتفي حَتَّى غشي عَلَيْهِ. خَاصم رجل إمرأته فشتمته فَقَالَ لَهَا: وَالله لَئِن قُمْت إِلَيْك لأشقن حرك. فَقَالَت: لَا وَالله وَلَا كل أير بِبَغْدَاد. قيل لمدينية: أَيّمَا أحب إِلَيْك التَّمْر أَو الني؟ قَالَت: التَّمْر مَا أحببته قطّ. اجتازت امْرَأَتَانِ بشيخ فجمش إِحْدَاهمَا فَقَالَت لَهَا الْأُخْرَى: اقدحي لَهُ. أَي اضرطي عَلَيْهِ. فَقَالَت: يَا أُخْتِي الحراق رطب. أَدخل رجل فِي قحبة فِي شهر رَمَضَان، فَلَمَّا دفع فِيهَا أَرَادَ أَن يقبلهَا فحولت وَجههَا وَقَالَت: بَلغنِي أَن الْقبْلَة تفطر الصَّائِم. قَالَ شبيب بن شيبَة: اشْتريت جَارِيَة فَأَصَبْت مِنْهَا مَا يُصِيب الشَّيْخ من الشَّابَّة، ثمَّ خرجت لحاجتي فَرَجَعت وَقد تدثرت وعصبت رَأسهَا. وَقَالَت: مَالك لَا جَزَاك الله خيرا! وَالله مَا زِدْت عَليّ أَن هيجته عَليّ وَتركته يتقطع فِي أوصالي. كتب رجل إِلَى عشيقته: مري خيالك أَن يلم بِي. فَكتبت إِلَيْهِ: ابْعَثْ إِلَيّ بدينارين حَتَّى أجيئك بنفسي. قدم بَعضهم عجوزاً دلَالَة إِلَى القَاضِي فَقَالَ: أصلح الله القَاضِي؛ زوجتني هَذِه امْرَأَة فَلَمَّا دخلت بهَا وَجدتهَا عرجاء فَقَالَت: أعز الله القَاضِي: زَوجته امْرَأَة يُجَامِعهَا وَلم أزَوجهُ حمارة يحجّ عَلَيْهَا. كتب تَاجر من قطيعة الرّبيع إِلَى مغنية كَانَ يهواها رقْعَة قَالَ فِي أَولهَا: عصمنا الله وَإِيَّاك بالتقوى. فَكتبت إِلَيْهِ فِي الْجَواب: يَا غليظ الطَّبْع، إِن أجَاب الله 444 دعائك لم نلتق أبدا. وقطعته.
(4/185)

كتب الجماز إِلَى مغنية رقْعَة وحشاها بالشعر، فَكتبت على ظهرهَا لَا تَجْتَمِع شعرتان بِشعر. قَالَ بَعضهم: سَمِعت امْرَأَة بِبَاب الطاق وَهِي تَقول لصاحبتها فِي عَشِيَّة يَوْم عيد: إيش رَأَيْت يَا أُخْتِي فِي هَذَا الزحام؟ قَالَت: يَا أُخْتِي، رَأَيْت الْعجب، رَأَيْت أيوراً تتمطى، وأرحاماً تتثاءب. لسع زنبور عروساً فِي هنها لَيْلَة زفافها، فَقَالَت الماشطة: من؟ وَلمن وَفِي أَي مَكَان؟ وأية لَيْلَة. دخل صبي مَعَ أَبِيه الْحمام فَعَاد إِلَى أمه فَقَالَ: مَا رَأَيْت أَصْغَر زباً من أبي. فَقَالَت: وَفِي أَي شَيْء كَانَ لأمك بخت حَتَّى يكون لَهَا فِي هَذَا؟ لما خست العقارات بِبَغْدَاد حضرت مغنية بعض الْمجَالِس وَهِي مختضبة فَقَالَ لَهَا إِنْسَان: مَا اسْم هَذَا الخضاب؟ قَالَت: ضراط السكان على أَصْحَاب الْعقار. قَالَ رجل وَاسع الْفَم أهدل الشفتين لمغنية: أشتهي أَن أَدخل لساني فِي فمك قَالَت: وَلم؟ قد قَامَت الْقِيَامَة حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط؟ زحمت مدينية رجلا فَقَالَ: الْمُسْتَعَان الله مِنْكُن. مَا أكثركن {قَالَت: نَحن على هَذِه الْكَثْرَة وَأَنْتُم تلوطون وتتبادلون. فَلَو كَانَت فِينَا قلَّة ن. . تمّ الْحمير. عرضت على المعتز جَارِيَة فَقَالَ لَهَا: مَا أَنْت من شرطي قَالَت: وَلَكِنَّك من شرطي وَالله. فاشتراها وحظيت عِنْده. قَالَ أَحْمد بن يُوسُف كنت أعزل عَن جَارِيَة لي فَقَالَت لي يَوْمًا: يَا مولَايَ؛ مَا أقل حَاجَة الدَّرْدَاء إِلَى السِّوَاك} عرضت على المتَوَكل جَارِيَة فَقَالَ لَهَا: إيش تحسنين؟ قَالَت: عشْرين لوناً رهزا. فَأَعْجَبتهُ فاشتراها. قَالَ أَبُو العيناء: اشْتريت جَارِيَة مليحة ماجنة فَلَمَّا قُمْت إِلَيْهَا لم يقم أيري، فَأَخَذته بِيَدِهَا وَقَالَت: يَا مولَايَ؛ هَذَا يصلح للمضيرة قلت: وَكَيف ذَاك؟ قَالَت: أَلَيْسَ هُوَ البقلة الحمقاء.
(4/186)

استعرض ابْن الْمُدبر طباخة فَقَالَ لَهَا: أتحسنين الحشو؟ قَالَت: الحشو إِلَيْك. عرضت جَارِيَة على فَتى للْبيع فَكشفت عَن حرهَا وَقَالَت: انْظُر كم مساحة هَذَا القراح. فَخَجِلَ الْفَتى. فَقَالَت لَهُ: لَو كنت ظريفاً لَقلت: حَتَّى أخرج قَصَبَة المساحة. قَالَ أَبُو النواس يَوْمًا لقينة وَأَشَارَ إِلَى أيره فِي أَي سُورَة هُوَ: " فاستغلظ فَاسْتَوَى على سوقه " فاستلقت وتكشفت وَقَالَت: " إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا ". وَكَانَ يَوْمًا عِنْد بغض إخوانه إِذْ خرجت عَلَيْهِ جَارِيَة بَيْضَاء عَلَيْهَا ثِيَاب خضر فَلَمَّا رَآهَا مسح عَيْنَيْهِ وَقَالَ: خيرا رَأَيْت إِن شَاءَ الله فَقَالَت: وَمَا رَأَيْت؟ قَالَ: رَأَيْت كَأَنِّي رَاكب دَابَّة أَشهب عَلَيْهِ جلّ أَخْضَر قَالَت: إِن صدقت رُؤْيَاك استدخلت فجلة. قَالَ أَبُو زيد عمر بن شبه وَكَانَ عَظِيم الْأنف: اشْتريت جَارِيَة بريعة، فَلَمَّا أهويت - إِلَيْهَا لأقبلها قَالَت: يَا مولَايَ، نح عَن وَجْهي ركبتيك، وَلَك فِيمَا دون ذَلِك متسع. مرت امْرَأَة حُبْلَى بِرَجُل، فتعجب من عظم بَطنهَا فَقَالَ: مَا كَانَ أحذق هَذَا الحشو! فَقَالَت الْمَرْأَة: إِذا شِئْت فَابْعَثْ بأمك حَتَّى آمُر زَوجي بِأَن يحشوها خيرا من هَذَا. اعْترض المتَوَكل جاريتين بكرا وثيباً، فَقَالَت الشيب: مَا بَيْننَا إِلَّا يَوْم وَاحِد. فَقَالَت الْبكر: " وَإِن يَوْمًا عِنْد رَبك كألف سنة مِمَّا تَعدونَ ". وَقَالَت وَاحِدَة مِنْهُنَّ: الني. . فِي الاست وتد الْعِشْق. قَالَ رجل لابنَة لَهُ: أُرِيد أَن أزَوجك من فلَان. قَالَت: يَا أبه. الله الله. فَإِنِّي 445
(4/187)

لَا أَصْبِر عَنْك وَلَا أحتاج إِلَى زوج. قَالَ: فَإِنِّي أتركه لَعَلَّ الله يسهل خيرا مِنْهُ، فَإِنَّهُ بَلغنِي عَنهُ خصْلَة لَا أرضاها لَك. قَالَت: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: بَلغنِي أَن أيره مثل أير الْحمار. قَالَت: يَا أبه؛ زَوجنِي فِي حَيَاة مِنْك؛ فَإِن الْحَوَادِث لَا تؤمن. اشْترى رجل جَارِيَة نَصْرَانِيَّة فواقعها وَكَانَ لَهُ مَتَاع وافر، فَلَمَّا أدخلهُ عَلَيْهَا قَالَت: بِأبي النَّبِي الْأُمِّي. فَقَالَ الرجل: هَذَا أول حر أسلم على يَد أير. وَكَانَ مَعَ عبد الْملك جَارِيَة لَهُ لما وَاقع مُصعب بن الزبير فَنَظَرت إِلَى مقتول قد انْقَلب وانتفخ أيره. فَقَالَت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ مَا أعظم أيور الْمُنَافِقين {فلطمها وَقَالَ: اسكتي لعنك الله. وَكَانَ رجل دلّ بآلته وعظمها فَقَالَ يَوْمًا لامْرَأَة وَقد وَاقعهَا وَأَعْجَبهُ مَا مَعَه: ألم يخرج من حلقك بعد؟ قَالَت: أوقد أدخلته بعد؟ سَأَلت وَاحِدَة أُخْرَى: مَا تَقُولِينَ فِي ابْن عشْرين؟ قَالَت: ريحَان تشمين. قَالَت: فَابْن ثَلَاثِينَ؟ قَالَت: أَبُو بَنَات وبنين. قَالَت: فَابْن الْأَرْبَعين؟ قَالَت: شَدِيد الطعْن متين. قَالَت: فَابْن الْخمسين؟ قَالَت: يجوز فِي الخاطبين. قَالَت: فَابْن السِّتين؟ قَالَت: صَاحب سعال وأنين. قَالَت: فَابْن سبعين؟ قَالَت: اكتبيه فِي الضراطين. قَالَت: فَابْن ثَمَانِينَ؟ قَالَت: أَنْت فِي حرج إِن لم تسكتين. قَالَ بَعضهم: خرجت إِلَى بعض الْقرى فِي أَمَانَة، وَكنت مُولَعا بالباه، فَلَمَّا غبت أَيَّامًا لم أَصْبِر، فَخرجت يَوْمًا إِلَى الصَّحرَاء فَرَأَيْت عجوزاً عَلَيْهَا كسَاء وَمَعَهَا جرة فأخذتها فَقَالَت لي: من أَنْت؟ قلت: أَنا سبع آكلك فن. . تها وَمَضَت وَرجعت إِلَى السدر، وَأَنا قَاعد ذَات يَوْم فَإِذا بالعجوز قد عَرفتنِي، فَأَقْبَلت نحوي وَقَالَت: سبع، قُم كلني. وَحكى بَعضهم: أَنه كَانَ جَالِسا مَعَ امْرَأَته فِي منظرة فَجَاز غُلَام حسن الْوَجْه فَقَالَت الْمَرْأَة: أُعِيذهُ بِاللَّه مَا أحسن وَجهه} فَقَالَ الزَّوْج: نعم؛ لَوْلَا أَنه خصي، فَقَالَت: لعن الله من خصاه. لما زفت عَائِشَة بنت طَلْحَة إِلَى مُصعب قَالَ: وَالله لأقتلنها جماعاً. فواقعها مرّة ونام، فَلم ينتبه إِلَى السحر، فحركته وَقَالَت: انتبه يَا قتال!
(4/188)

قَالَ بَعضهم، وَكَانَ دميماً: كنت ذَات يَوْم وَاقِفًا عِنْد الجسر أحدث صديقا لي، فوقفت امْرَأَة بحذائي وقوفاً طَويلا، وأدامت النّظر إِلَيّ، فَقلت لغلامي: انْظُر مَا تُرِيدُ هَذِه الْمَرْأَة. فَدَنَا مِنْهَا وسألها فَقَالَت: كَانَت عَيْني أذنبت ذَنبا، فَأَحْبَبْت أَن أعاقبها بِالنّظرِ إِلَى هَذَا الشَّيْخ. فال رجل لجاريته: أعطيني خلالة أَو شَيْئا. فَأَتَتْهُ ببعرة، وَقَالَت: لم تحضر الخلالة وَهَذَا شَيْء. غاضبت امْرَأَة زَوجهَا فأحال عَلَيْهَا يُجَامِعهَا فَقَالَت: لعنك الله كلما وَقع بيني وَبَيْنك شَرّ جئتني بشفيع لَا أقدر على رده. قَالَ جَعْفَر بن سُلَيْمَان: أَتَتْنِي امْرَأَة من أهل الْبَادِيَة فَقَالَت: يَا أَبَا سُلَيْمَان، لَا يُعجبنِي الشَّاب يمعج معجان الْمهْر طلقاً أَو طَلْقَتَيْنِ ثمَّ يضطجع بِنَاحِيَة الميدان، وَلَكِن أَيْن أَنْت من كهل يضع قب استه على الأَرْض، ثمَّ سحباً وجراً. قَالَ أَبُو النَّجْم: إِنِّي لما كَبرت عرض لي الْبَوْل فَوضعت عِنْد رجْلي شَيْئا أبول فِيهِ فَقُمْت من اللَّيْل لأبول فضرطت وتشددت ثمَّ عدت فَخرج أَيْضا صَوت فأويت إِلَى فِرَاشِي وَقلت: يَا أم الْخِيَار 446 هَل سَمِعت شَيْئا؟ قَالَت: لَا وَالله، وَلَا وَاحِدَة مِنْهُمَا. قيل لامْرَأَة ظريفة: أبكر أَنْت؟ قَالَت: أعوذ بِاللَّه من الكساد. وَسمعت امْرَأَة من عَائِشَة بنت طَلْحَة - وَعمر بن عبيد الله زَوجهَا يُجَامِعهَا - نخيراً وغطيطاً لم تسمع بِمثلِهِ، فَقَالَت لَهَا فِي ذَلِك، فَقَالَت إِن الْخَيل لَا يجيد الشّرْب إِلَّا على الصفير. وَرووا أَنَّهَا قَالَت: إِن الفحولة لم تستهب لم تهب. قيل لامْرَأَة: مَا تَقُولِينَ فِي السحاق؟ فَقَالَت: هُوَ التَّيَمُّم لَا يجوز إِلَّا عِنْد عدم المَاء. قَالَت امْرَأَة لزَوجهَا وَكَانَ أصلع، لست أحسد إِلَّا شعرك حَيْثُ فارقك فاستراح مِنْك. خطب رجل امْرَأَة فاشتطت عَلَيْهِ فِي الْمهْر وَغَيره فَقَالَ: نعم إِن احتملت عيوبي. قَالَت: وَمَا ذَاك؟ قَالَ: أيري كَبِير، وَأَنا مستهتر بِالْجِمَاعِ لَا أريحك،
(4/189)

وأبطيء الْفَرَاغ. فَقَالَت: يَا جَارِيَة، أحضري شُيُوخ الْمحلة تشهد على بركَة الله، فالرجل ساذج لَا يعرف الْخَيْر من الشَّرّ. قَالَ أَبُو العيناء: خطبت امْرَأَة فاستقبحتني فَكتبت إِلَيْهَا: فَإِن تنفري من قبح وَجْهي فإنني ... أديب أريب لَا عيي وَلَا فدم فأجابت: لَيْسَ لديوان الرسائل أريدك. قَالَ بَعضهم: ن ... ت جَارِيَة فِي استها فَقَالَت: اذكر سَيِّدي أَنَّك هوذا تني ... وَحدك. قَالَ رجل لجاريته وَقد رأى على ثَوْبه عذرة فمصه: يَا جَارِيَة خراء وَالله. ثمَّ شكّ فمصه أَيْضا وَقَالَ: خراء وَالله، ثمَّ شكّ فمصه ثمَّ قَالَ: يَا قوم خراء وَالله. ثمَّ قَالَ: يَا جَارِيَة؛ هَاتِي مَاء واغسليه فَقَالَت: يَا مولَايَ مَا تصنع بِالْمَاءِ وَقد أَكلته كُله. قَالَ شَاب لجارية: أيري يقْرَأ على حرك السَّلَام. فَقَالَت: حري لَا يقبل السَّلَام إِلَّا مشافهة. خرجت حبى المدينية لَيْلَة فِي جَوف اللَّيْل فلقيها إِنْسَان فَقَالَ لَهَا: تخرجين فِي هَذَا الْوَقْت؟ قَالَت: وَلم أُبَالِي؟ إِن لَقِيَنِي شَيْطَان فَأَنا فِي طَاعَته، وَإِن لَقِيَنِي رجل فَأَنا فِي طلبه. غَابَ رجل عَن امْرَأَته، فبلغها أَنه اشْترى جَارِيَة، فاشترت غلامين، فاتصل لخَبر بزوجها فجَاء مبادراً وَقَالَ لَهَا: مَا هَذَا؟ فَقَالَت: أما علمت أَن الرَّحَى إِلَى بغلين أحْوج من الْبَغْل إِلَى الرحا. بِعْ الْجَارِيَة حَتَّى أبيع الغلامين فَفعل ذَلِك. لاعب الْأمين جَارِيَة بالنرد على إمرة مطاعة فغلبته فَقَالَ: احتكمي. فَقَالَت: قُم. فَقَامَ وَفعل، وعاود اللّعب مَعهَا فغلبته، فاحتكمت عَلَيْهِ مثل ذَلِك ثمَّ لاعبها الثَّالِثَة فغلبته وَقَالَت: قُم أَيْضا. فَقَالَ: لَا أقدر. قَالَت: فأكتب عَلَيْك بِهِ كتابا. قَالَ: نعم. فتناولت الدواة والقرطاس وكتبت، ذكر حق فُلَانَة على أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَن لَهَا عَلَيْهِ فَردا تَأْخُذهُ بِهِ مَتى شَاءَت من ليل أَو نَهَار. وَكَانَ على رَأسهَا وصيفة بمذبة فِي يَدهَا. فَقَالَت: يَا ستي؛ اكتبي فِي الْكتاب: وَمَتى قَامَ بالمطالبة بِمَا فِي
(4/190)

هَذَا الْكتاب أحد فَهُوَ ولي قبض مَا فِيهِ. فَضَحِك الْأمين وَأمر لَهَا بجائزة. دخل الجماز على صَاحب قيان وَعِنْده عشيقته. فَقَالَ لَهُ الرجل: أتأكل شَيْئا؟ قَالَ: قد أكلت. فَسَقَاهُ نَبِيذ عسل فَلَمَّا كظه جعل يَأْكُل الْورْد كَأَنَّهُ يتنقل بِهِ، ففطنت الْجَارِيَة فَقَالَت لمولاها: يَا مولَايَ أطْعم هَذَا الرجل رغيفاً، وَإِلَّا وَالله خرج خراه جلنجبين معسل. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت أم جَعْفَر فِي إيوَان كسْرَى بِيَدِهَا مدرى وَعَلَيْهَا قبَاء خَز طاروني وَهِي تكْتب على الْحَائِط: 447 - فَلَا تأسفن على ناسك ... وَإِن مَاتَ ذُو طرب فابكه ون. . من لقِيت من الْعَالمين ... فَإِن الندامة فِي تَركه قَالَ: فَقلت لَهَا: يَا سيدة عبد منَاف، مَا هَذَا الشّعْر؟ فَقَالَت: اسْكُتْ، هَذَا الَّذِي بلغنَا عَن آدم أَنه لما جَامع حَوَّاء قَالَت لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّد مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا يُقَال لَهُ الني فَقَالَت: زِدْنِي مِنْهُ فَإِنَّهُ طيب. كَانَ لرجل عنين امْرَأَة فرآها يَوْمًا تساحق أُخْرَى فَقَالَ: وَيلك، خرق على خرق؟ قَالَت: نعم حَتَّى يرْزق الله برقعة. كتبت سحاقة إِلَى حَبَّة لَهَا تزوجت: يَا أُخْتِي، مَا أقبح الصَّاد مَعَ اللَّام، وَأحسن الصَّاد مَعَ الصَّاد {فأجابتها: مَا أحسن اللَّحْم على اللَّحْم، وأقبح الْخبز على الْخبز.} وكتبت أُخْرَى إِلَى صديقَة لَهَا تغايظ بزوجها: لَو تطعمت بأيره مَا تلذذت بِغَيْرِهِ. وعوتبت أُخْرَى وَكَانَت قد تزوجت وَتركت السحاق وزهدت فِيهِ فَقَالَت: يَا أخواتي، رأيتن قفلاً يفتح بقفل؟ قُلْنَ: لَا. قَالَت: قد وجدت لقلي مفتاحاً لَا يتعاظمه ألف قفل، فَمن احْتَاجَ إِلَيْهِ مِنْكُن لم أبخل بِهِ عَلَيْهَا. قَالَت سحاقة لأخرى: لَيْسَ شَيْء أطيب من الموز - تكني عَن الْجِمَاع -
(4/191)

قَالَت: صدقت، وَلكنه ينْفخ الْبَطن - تكنى عَن الْحَبل. دخلت ديباجة المدينية على امْرَأَة تنظر إِلَيْهَا فَقيل لَهَا: كَيفَ رَأَيْتهَا؟ فَقَالَت: لعنها الله كَأَن بَطنهَا قربَة، وَكَأن ثديها دبة، وَكَأن وَجههَا وَجه ديك قد نقش عفريته يُقَاتل ديكاً. خطب ثُمَامَة الْعَوْفِيّ امْرَأَة فَسَأَلت عَن حرفته فَكتب إِلَيْهَا. وسائلة مَا حرفتي؟ قلت: حرفتي ... مقارعة الْأَبْطَال فِي كل مأزق وضربي طلى الْأَبْطَال بِالسَّيْفِ معلما ... إِذا زحف الصفان تَحت الخوافق فَلَمَّا قَرَأت الشّعْر قَالَت للرسول: قل لَهُ: فديتك أَنْت أَسد فاطلب لنَفسك لبؤة؛ فَإِنِّي ظَبْيَة أحتاج إِلَى غزال. قَالَ رجل لجارية اعترضها - وَكَانَ دميماً فَكَرِهته وأعرضت عَنهُ: إِنَّمَا أريدك لنَفْسي. قَالَت: فَمن نَفسك أفر. وَذكر بَعضهم قَالَ: مرت بِي امْرَأَة وَأَنا أُصَلِّي فِي مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فاتقيتها بيَدي، فَوَقَعت على فرجهَا فَقَالَت: يَا فَتى، مَا أتيت أَشد مِمَّا اتَّقَيْت. قَالَ ابْن داحة: رَأَيْت عثيمة بنت الْفضل الضمرية تُرِيدُ أَن تعطس فتضع أصبعها على أنفها، كَأَنَّهَا تُرِيدُ أَن ترد عطاسها وَتقول: لعن الله كثيرا، فَإِنِّي مَا أردْت العطاس إِلَّا ذكرت قَوْله: إِذا ضمرية عطست فن ... هَا ... فَإِن عطاسها حب السفاد دخلت عزة على عَاتِكَة بنت يزِيد فَقَالَت: أَخْبِرِينِي عَن قَول كثير: قضى كل ذِي دين فوفى غَرِيمه ... وَعزة ممطول معنى غريمها. مَا هَذَا الدّين الَّذِي كنت وعدته؟ قَالَت: كنت وعدته قبْلَة، فَلم أُفٍّ لَهُ بهَا. فَقَالَت: هلا أنجزتها لَهُ وَعلي إثمها.
(4/192)

وَقَالَ عقيل بن بِلَال: سمعتني أعرابية أنْشد: وَكم لَيْلَة بتها غير آثم ... بمهضومة الكشحين ريانة الْقلب 448 - فَقَالَت لي: هلا أثمت أخزاك الله. جَاءَت حبى المدينية إِلَى شيخ يَبِيع اللَّبن ففتحت وطباً فذاقته ودفعته إِلَيْهِ وَقَالَت لَهُ: لَا تعجل الشدَّة، ثمَّ فتحت آخر فذاقته ودفعته إِلَيْهِ، فَلَمَّا شغلت يَدَيْهِ جَمِيعًا كشفت ثَوْبه من خَلفه وَجعلت تصفق بِظَاهِر قدمهَا استه وَهِي تَقول: يَا ثَارَاتِ ذَات النحيين! دونكم الشَّيْخ. وَالشَّيْخ يَصِيح وَهِي تصفق إسته فَمَا تخلص مِنْهَا إِلَّا بعد جهد. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت على خَاتم جَارِيَة: إِنَّا نفي إِن لم أُفٍّ. قَالَ: فَقلت: مِمَّن؟ قَالَت: من الزِّنَى. وَذكر أَن الْأَحْنَف اعتم وَنظر فِي الْمرْآة، فَقَالَت امْرَأَته: كَأَنَّك قد هَمَمْت أَن تخْطب امْرَأَة. قَالَ: قد كَانَ ذَلِك. قَالَت: فَإِذا فعلت فَاعْلَم أَن الْمَرْأَة إِلَى رجلَيْنِ أحْوج من الرجل إِلَى امْرَأتَيْنِ. فنقض عمته وَترك مَا كَانَ هم بِهِ. وصفت مدينية رجلا فَقَالَت:: نَا ... ني ني. . اً كَأَنَّهُ يطْلب فِي حري كنزاً من كنوز الْجَاهِلِيَّة. وَدخلت مدينية على فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن فرأت عِنْدهَا ابنيها عبد الله بن الْحُسَيْن وَمُحَمّد بن عبد الله فَقَالَت: من هَذَا؟ قَالَت: هَذَا ابْن الْحسن بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب عَلَيْهِم السَّلَام فَقبلت رَأسه وَقَالَت: هَذَا من العترة الطّيبَة الْمُبَارَكَة. فَمن الآخر؟ قَالَت: هَذَا مُحَمَّد بن عبد الله بن عَمْرو بن عُثْمَان. قَالَت: هَذَا نصفه فِي الْجنَّة وَنصفه فِي النَّار. قَالَ بَعضهم: اشْتريت جملا صعباً فأردنا إِدْخَاله الدَّار فَلم يدْخل، فضربناه وأشرفت علينا امْرَأَة كَأَنَّهَا الْبَدْر فَقَالَت: مَا شَأْنه؟ قُلْنَا: لَيْسَ يدْخل. قَالَت: بلوا رَأسه حَتَّى يدْخل.
(4/193)

قَالَ بَعضهم: عرضت عَليّ طباخة فَقلت: مَا تطبخين؟ فَقَالَت: أطبخ مَا يشتهيه المحموم والمخمور. فاشتريتها فَكَانَت على الزِّيَادَة مِمَّا وصفت. أَدخل علوي على امْرَأَة فَلَمَّا طالبها قَالَت لَهُ: هَات شَيْئا. قَالَ: أما ترْضينَ أَن يلج فِيك بضعَة مني. قَالَت: هَذَا جذر ينْفق بقم. كَانَت بذل الْكَبِيرَة ماجنة فنقشت على خاتمها: " فَالتقى المَاء على أَمر قد قدر ". نظر المتَوَكل إِلَى جَارِيَة منكبة فَلم يرض عجيزتها فَقَالَ: إِنَّك لرسحاء فَقَالَت: يَا سَيِّدي مَا نقصناه من الطست زِيَادَة فِي التَّنور. قَالَ المتَوَكل لجارية استعرضها: أَنْت بكر أم إيش؟ قَالَت: أَنا إيش يَا سَيِّدي. قَالَ بعض النخاسين: اشْتريت جَارِيَة سندية فَكنت إِذا خرجت أقفل عَلَيْهَا الْبَاب، فَجئْت يَوْمًا وَفتحت الْبَاب فَلم أَجدهَا فِي الدَّار، فَصحت بهَا فَلم تجدني، فَصَعدت السَّطْح فَإِذا هِيَ مطلعة على اصطبل وَقد أنزى حمَار على أتان، وَهِي تنظر إِلَيْهِ قَالَ: فأنعظت وَجئْت إِلَيْهَا وَهِي منكبة على الْحَائِط فأولجت فِيهَا فالتفتت إِلَيّ وَقَالَت: يَا مولَايَ، فحرك ذَنْبك واضرط. دَعَا رجل قوما، وَأمر جَارِيَته أَن تبخرهم؛ فأدخلت يَدهَا فِي ثوب بَعضهم فَوجدت إيره قَائِما، فَجعلت تمرسه وتلعب بِهِ وأطالت فَقَالَ لَهَا مَوْلَاهَا: فإيش آخر هَذَا الْعود؟ أما احْتَرَقَ بعد؟ قَالَت: يَا مولَايَ هُوَ عقدَة. 449 - هَذِه فُصُول من كتب زَاد مهر جَارِيَة ابْن جُمْهُور إِلَى مَوْلَاهَا تلِيق بِهَذَا الْبَاب. كتبت إِلَيْك وحياة أَنْفك القاطولي، لَا كَانَ فعالك بِي إِلَّا شرا عَلَيْك، وَلَكِنَّك السَّاعَة الْعَامِل فِي فسا، وَلَيْسَ تذكر مثلي فِي قحاب فسا، الَّذين يدْخلُونَ الرِّجَال وَالنِّسَاء حمام وَاحِد، أَنا أعلم أَنَّك لَو أخرجتني إِلَيْك لوجدت فِي بَيْتك أَربع قحاب كلهم حبالى من ذَلِك البزر الَّذِي لَا يخلف الْحَلَاوَة، كنه الْبِطِّيخ العبدلائي، وَالله
(4/194)

إِن بزر الدفلى خير من بزرك. قطع ظهرك ونسلك! أشتهي وَالله أعلم البغاءات إيش يرَوْنَ فِي وَجهك؟ الَّذِي، وَالله، وَإِلَّا فَأَنا جاحدة مُشركَة إِن أخطئ أقبح من عُصْفُور مقلي بِزَيْت، وَلَكنهُمْ إِذا أبصروا الشوابير قَالُوا: ذَا من ولد الْعَبَّاس. يَا هَذَا، للنِّسَاء مُؤَن لَا يقف عَلَيْهَا الرِّجَال. أهونها الدبق. فَعَسَى تُرِيدُ أَن أطول طعنه فِي كبدك وآكله على حَال لَا بُد من تنظيفه. إِن لم نزن ساحقنا. وَاعْلَم علم يَقِين أَن النَّفَقَة وَالْكِسْوَة إِن تَأَخَّرت عني خرجت وَالله وغنيت وَقمت بَطْني وَعشرَة معي، وأنفقت على روحي كَمَا أشتهي، وَإِن فضل من الجذر شَيْء لم أظلمك وأبعث بِهِ إِلَيْك تنفقه أَنْت. وَاعْلَم أَن الْجَارِيَة إِذا خرجت للغناء دخل سراويلها الزِّنَى. فَأَنت أبْصر وَلَا تطمع أَن أخرج إِلَيْك. لَا وحياتك. طمعويه بنى غرفَة فانويه قعد فِيهَا. عَلَيْك يَا بن جُمْهُور بقحاب فسا وشيراز الَّذين يشتهونك مائَة بصفعة، الَّذين إِذا قُمْت على الْوَاحِدَة قُمْت وَفِي كمك عشْرين ضرطة يَا مداذية. وَلَوْلَا أَبوك الشَّيْخ - أبقاه الله - كنت قد خريت كبدك على لبدك. وَلَكِن إيش بعد قَلِيل تنْفق كل مَا جمعت فَتكون مثل ذَلِك الَّذِي تبخر وفسا، خرج لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ بالسواء، هوذا أنصحك. ابْعَثْ إِلَيّ بِنَفَقَة وَإِلَّا وحياتك خرجت وغنيت، فقد قَالَ الْقَائِل: من لم يكن يدك فِي قصعته لَا يهولك بريق صلعته. وَمن كتاب آخر لَهَا: إِن عزمت على حملي إِلَى عنْدك ابْعَثْ إِلَيّ رقْعَة بخطك تحلف فِيهَا بِالطَّلَاق أَنَّك لَا تضربني وَلَا تخاصمني وَلَا تعذبني، وَلَو قلعت لَك كل يَوْم حدقة، وَإِلَّا فَبَارك الله لَك وَبَارك الله لنا قواد ابْن أبي الساج هُوَ ذَا يدْخلُونَ الْبَصْرَة وَمن كَانَ جذرها عشْرين سَوف يصير أَرْبَعِينَ. وَأَنا سِتّ من خرجت وغنت. فَأَما قَوْلك فِي كتابك أَن اخْرُجِي إِلَى دارانجرد على الْبَحْر، فَإِنَّهُ أقرب،
(4/195)

فأشير إِلَيْك إِذا أردْت أَن ترجع إِلَى الْبَصْرَة أَن تَأْخُذ على طَرِيق الْبَحْر، فَإنَّك رجل ومعك صناديق وَثقل، وَأَنا جَارِيَة ضَعِيفَة الْقلب، وسقوطي من الْحمار كل يَوْم عشر مَرَّات أحب إِلَيّ من أَن يأكلني السّمك. هتك سترك يَا بن جُمْهُور! فقد بَان لي هواني عَلَيْك، وَلَيْسَ مَا كنت تختم الْقُرْآن على حري كل يَوْم سبعين مرّة من الشَّفَقَة، وبينما تَقول لي: ارْكَبِي الْبَحْر. هِيَ لَك فِي قلبِي حَتَّى أَمُوت. أَنا أعلم وَأَنا أجيء إِلَيْك، وَقد فني مَاء صلبك، فَكل فِي كل يَوْم لحم كباب وبصلية 450 ومدققة واشرب وَلَا تزن حَتَّى أجيء إِلَيْك، وَهُوَ ذَا أنتف إِذا سلم الله وَبَلغت جويم ثمَّ أتبخر وأتطيب وَأدْخل إِلَيْك وَلَيْسَ - وَعزة الله - يَقع عَيْنك على بَاب الدَّار شهرا. فانبذ لي نبيذاً كثيرا وَلَا تحوجني إِلَى أَن أَشْتَرِي كل يَوْم نبيذاً وأرهن من بَيْتك علقاً وَيَقَع بَيْننَا الْخُصُومَات. وَفِي كتاب آخر: سخنت عَيْنك، قد صرت لوطياً صَاحب مردان، أعوذ بِاللَّه من البطر. وَلَكِن الحائك إِذا بطر سمى بنته نَخْلَة، وَأخذ خبزه من الزنجبيل وَجعله فِي سلة، وحياة رَأسك يَا أَبَا عَليّ لأغيظنك بِمَا أَنْت فِيهِ من هَذِه الْأَيَّام فَمَا أَخطَأ الْقَائِل: لَا تغبطن مقامراً بقماره ... يَوْم سمين دهره مهزول وَاعْلَم أَنِّي لست على سلال لالك فَمرَّة أَنْت صَاحب غلْمَان، وَمرَّة صَاحب نسَاء وقحاب. وَالله لأنصفنك: إِذا أخذت أَنْت فِي القحاب أَخذنَا فِي الربطاء وَإِذا أخذت أَنْت فِي الغلمان أَخذنَا فِي الحبائب، وَإِذا زَنَيْت قحبنا، وَإِذا لطت ساحقنا؛ حَتَّى نَنْظُر التُّرَاب من سبع مزابل على شقّ است من يكون منا، والندامة وَالْعَيْب على من يرجع. فِي است المعبون عود. لمه لَا أخرج خرجَة وَلَا أقلع خَفِي فِيهَا إِلَّا بِثَلَاثَة دَنَانِير، وَإِذا خرجت بِالْغَدَاةِ قلت: اصبحوا بِخَير، ثمَّ أجئ بِهِ لَك شهزوري مقمط مَكْحُول، أغمس يَده فِي الزَّعْفَرَان وأبعث بِهِ إِلَيْك فَإِذا رَأَيْت تمنيت أَن الَّذِي برزه كَانَ برزه لَك، من حِين لم تعْمل معي بالجنون وتأكل بِالصِّحَّةِ إِمَّا جِئْت إِلَى الْبَصْرَة وَإِلَّا وَعزة الله خرجت إِلَى بَغْدَاد. بَارك الله لَك فِي قلمك، وَلنَا فِي دواتنا، وَالسَّلَام، وَأطَال الله بَقَاء القَاضِي وَجَعَلَنِي فدَاه.
(4/196)

وَمن كتاب آخر: وَلَيْسَ عجبي إِلَّا من غضبك ودلالك عَليّ، ويمينك فِي كتابك بالطالب الْغَالِب أَنِّي إِن لم أخرج إِلَيْك يَوْم الثَّالِث من مَجِيء غلامك أَنْت لَا تكْتب إِلَيّ وَلَا تتعرف بِي. آخ {بحياتي عَلَيْك لَا تفعل} قد احْتَرَقَ كمخت خَفِي من هَذَا الحَدِيث {بِاللَّه لَا تظن فِي قَلْبك أَنِّي منقطعتك، أَو قعيدتك، أَو بنت دايتك، أَو زنجية بَين يَديك. إِذا أردْت أَن تغْضب فنكب حدتك واشرب مَاء الباذنجان. حَتَّى يسكن مرارتك. لَيْسَ أَنا - فديتك سقوطرية وَلَا خلدية. فَإِذا أردْت أَن تكلمني فاغسل فمك بمسك وَمَاء ورد وَانْظُر كَيفَ تكلمني. هتك الله ستري إِن كنت أرْضى أَن تكون كاتبي، فَكيف مولَايَ؟ وَلَكِن الشَّأْن فِي البخت. وتهددك لي بِقطع النَّفَقَة عني أَشد من كل شَيْء فِي الدُّنْيَا، وَقد صَار وَجْهي إِصْبَعَيْنِ من الْغم. فَالله الله يَا مولَايَ اتَّقِ الله وَلَا تضيعني} لَا يحل لَك سُبْحَانَ الله، ذهبت الرَّحْمَة من قَلْبك. أَحسب أَنِّي بعض قراباتك الَّذين تجْرِي عَلَيْهِم، فَإِنِّي من الْغم مَا يدْخل لساني فِي أنفي وَلَا يَجِيء النّوم فِي عَيْني. وَقد قَرَأت فِي كتابك إِلَى أختك إِن نشطت مختارة أَن تخرج معي إِلَيْك يخرجونها، وَأَن يضمنوا لَهَا عَنْك النَّفَقَة الواسعة، وَالْكِسْوَة. وحديثك حَدِيث الَّذِي قَالَ: أخبروني أَنَّك تكسو العراة، اكس استك بادئاً أَنْت لَيْسَ يمكنك أَن تقوم بنفقتي وحدي ومئونتي. كَيفَ تقوم بمئونة غَيْرِي. وَلَكِن يَا بن جُمْهُور قَلْبك لَا يصبر عَن فُؤَادك. ذكر الْفِيل بِلَاده 451 وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ خَصْلَتَيْنِ إِمَّا أَن يكون فِي قَلْبك مِنْهَا شَيْء وَإِمَّا أَن يكون تُرِيدُ أَن تقين علينا جَمِيعًا فِي فَارس. عَسى قد ضَاقَ عَلَيْك المعاش وَهُوَ ذَا نجي جَمِيعًا، فاطلب لنا رقباء، وازرع بُسْتَان سذاب، وَافْتَحْ دكان واقعد لبان. فعلينا أَن نجيب لَك كل يَوْم زقين دوغ واقعد واشرب كَأَنَّك ابْن سِنِين، أَو ابْن أبي نبيه. أخير لَك يَا ميشوم من الْحَرَام وَعمل السُّلْطَان، تَأْخُذ دَرَاهِم النَّاس بِلَا طيبَة قُلُوبهم وَلَيْسَ يُعْطِينَا إِنْسَان درهما إِلَّا بِطيبَة قلب، وَبعد مَا يقبل الأَرْض، وَنحن نجيب إِلَيْك الْهَدَايَا، وَأَنت غافل فِي بَيْتك تن. . بِاللَّيْلِ بأيرك كُله وَإِذا حبلت الْوَاحِدَة منا ادَّعَتْهُ على وَاحِد من السلاطين والكتبة، تنتقي لكل ولد لَك كل كَاتب أنبل من الآخر. وَلَو شِئْت جِئْت إِلَى الأهواز، فَإِن هَذَا الْعَمَل لَيْسَ يجوز لنا فِي فَارس مَعَ الْأَمِير نجح - أعزه الله - فقد قَالَ لي غلامك إِنَّه مَا ترك فِي شيراز مغنية وَلَا مخنث وَلَا قواداً وَلَا نباذاً فَكيف تعْمل بِنَا تحتي يَا سخين الْعين
(4/197)

إِذا جئتنا؟ وَالله إِنِّي أَرْجُو أَن تقعد وتعنى وَتَقَع الكبسة. ويحملونا كلنا إِلَيْهِ وَيحلف أَنه يحملني على عُنُقك وَيَطوف بِي شيراز كلهَا. فَإِنِّي وَالله قد كنت أشتهي أَرَاهَا وأطوف أسواقها راكبةً، فَلم يقْض ذَلِك. وَقد اشْتريت وصيفة قوالة بسبعة وَثَمَانِينَ دِينَارا حلوة الْوَجْه، مليحة الْأَطْرَاف لَهَا طبع، وَقد طارحتها ثقيل الأول، وتعلمت سِتَّة أصوات، وَبَدَأَ كفها يَسْتَوِي، وَقد جاب لي فِيهَا ابْن سخيب النخاس ربح خَمْسَة عشر دِينَارا وَلم أفعل. وسوف، وحياة شوابيرك، وملاحة كحلك، أخرج مِنْهَا جَارِيَة بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم، وأخرجها تعنى. وَذَلِكَ الْوَقْت لَا أحتاج إِلَى كسوتك ونفقتك، وَلَا يكون لأحد على أحد فضل، وَلَا يقدر إِنْسَان يني ... إنْسَانا إِلَّا بِحقِّهِ وَصدقه؛ من رَضِي فَردا بِعشْرَة دَنَانِير، وَإِلَّا يَأْخُذ بيد نَفسه وينصرف وَإِن كلمني إِنْسَان أدخلته فِي صدغ أمه معرقف بطاقين وَهُوَ ذَا أجيء، وَتَطير ناريتك، ويسود سطحك، وَيطْلبُونَ لَك الْجِنّ، وَلَيْسَ، وَعزة الله، وحياة من أحب، وَإِلَّا حشرني الله حدباء على بقرة، وَبِيَدِي مغرفة، وَعلي لبادة فِي حزيران وتموز، وتطمع تطرح يدك إِلَّا بعد أَن تبلغ خمسين روزنامجه يَمِين، ثمَّ تحلف بِالطَّلَاق أَنَّك لَا تمد عَيْنك إِلَى حَلَال وَلَا حرَام غَيْرِي، وتبيع كل مَمْلُوك لَك أَمْرَد، وَإِلَّا تساهلنا حَتَّى نساهلك، وتغافل حَتَّى تتغافل. إِن بني إِسْرَائِيل شَدَّدُوا فَشدد الله عَلَيْهِم. وَقد احْتبست عَليّ علتي، والسحاق لَا يَجِيء مِنْهُ ولد، وأسأل الله السَّلامَة. وَقَالُوا: إِنَّك تخضب؛ فَلَيْسَ وَالله تصلح لي السَّاعَة، وَلَا بُد من ربيط شَاب، فطيب نَفسك بحب الرُّمَّان. فصل آخر: يصلح لَك مثل الحمارة الَّتِي فِي بَيْتك، تقير رَأسهَا وَلَا تقدر تكلمك، تظن بك أَنَّك ابْن الموبذ وَابْن طومار، مثل زادمهر الَّتِي تدقك دق الكشك، وتهينك هوان الْكَتَّان، لَا تصلح لَك وَالله. مَا كنت أشبه دَارك إِلَّا بدير هِرقل وَأَنا مَرْيَم وَأَنت الْمَجْنُون، فخلصني رَبِّي من ذُنُوبِي كَمَا خلصني مِنْك. حَسبك مَا بك، لِأَنِّي أعلم أَنَّك وَإِن كنت فِي عمل أَن الله لَا يضيع لَك.
(4/198)

الْبَاب التَّاسِع نَوَادِر الْقصاص

نَوَادِر أبي القطوف الْقَاص
قيل لأبي القطوف وَكَانَ يُفْتِي وَيحدث ويقص وَهُوَ قَاضِي حران: مَا ترى فِي السماع؟ فَقَالَ: أما على الْخَسْف فَلَا. وَقيل لَهُ: مَا تَقول فِي نَبِيذ الْعَسَل؟ قَالَ: لَا تشربه. قيل: وَلم؟ أحرام هُوَ؟ قَالَ: بل هُوَ نعْمَة لَا تقوم بشكرها. وَقيل لطربال: مَا تَقول فِي الْإِبِط يمس، أيتوضأ مِنْهُ؟ قَالَ: يَا بن أَخ، كَمَا يكون الْإِبِط يغْتَسل مِنْهُ.
نَوَادِر أبي سِنَان السدُوسِي
وَكَانَ أَبُو سِنَان السدُوسِي يَقُول: فلَان عِنْدِي أكفر من رامهر مز وَبكى حوله وَلَده وَهُوَ يُرِيد مَكَّة فَقَالَ: لَا تبكوا، بِأبي أَنْتُم، فَأَنِّي أُرِيد أَن أضحي عنْدكُمْ. وَقَالَ: تزوجت امْرَأَة مخزومية عَمها الْحجَّاج بن الزبير الَّذِي هدم الْكَعْبَة.
من عَاشَ خمسين سنة لم يَعش شَيْئا
قَالَ أَبُو عُثْمَان: وَكَانَ عندنَا قاص يُقَال لَهُ: أَبُو مُوسَى كوش فَأخذ يَوْمًا فِي ذكر قصر أَيَّام الدُّنْيَا وَطول أَيَّام الْآخِرَة، وتصغير شَأْن الدُّنْيَا وتعظيم شَأْن الْآخِرَة، فَقَالَ: هَذَا الَّذِي عَاشَ خمسين سنة لم يَعش شَيْئا وَعَلِيهِ فضل سنتَيْن! قَالُوا: وَكَيف ذَاك؟ قَالَ: خمس وَعِشْرُونَ سنة ليل هُوَ نَائِم فِيهَا، لَا يعقل قَلِيلا وَلَا كثيرا، وَخمْس سِنِين قائلة، وَعِشْرُونَ سنة إِمَّا أَن يكون صَبيا، وَإِمَّا أَن يكون مَعَه سكر الشَّبَاب وَهُوَ لَا يعقل؛ وَلَا بُد من صبحة بِالْغَدَاةِ، ونعسة بَين الْمغرب وَالْعشَاء،
(4/199)

ويناله فِيهَا كالغشي الَّذِي يُصِيب الْإِنْسَان مرَارًا فِي دهره؛ فَإِذا حصلنا ذَلِك فقد صَحَّ أَن الَّذِي عَاشَ خمسين سنة لم يَعش شَيْئا وَعَلِيهِ فضل سنتَيْن. قَرَأَ سيفويه الْقَاص: " ثمَّ فِي سلسلة ذراعها تسعون ذِرَاعا، فَقيل لَهُ: فَإِن الله يَقُول: " سَبْعُونَ ذِرَاعا "، وَقد زِدْت أَنْت عشْرين ذِرَاعا فَقَالَ: نعم هَذِه عملت لبغاً ووصيف، فَأَما أَنْتُم فيكفيكم شريط بدانق وَنصف. قَالَ جاحظ: كَانَ عبد الْأَعْلَى الْقَاص لغَلَبَة السَّلامَة عَلَيْهِ يتَوَهَّم عَلَيْهِ الْغَفْلَة، وَهُوَ الَّذِي ذكر الْفَقِير فِي قصصه مرّة فَقَالَ: الْفَقِير مرقته سلقة، وَرِدَاؤُهُ علقَة، وسمكته شلقة. قَالَ ثمَّ ذكر الْخصي فَقَالَ: إِذا قطعت خصيته قويت شَهْوَته، وسخنت معدته، ولانت جلدته، وانجردت شعرته. واتسعت فقحته، وَكَثُرت دمعته. قَالَ أَبُو أَحْمد التمار فِي قصصه: وَلَقَد عظم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ حق الْجَار، وَقَالَ فِيهِ قولا أستحي من ذكره!
اسْم الذِّئْب الَّذِي أكل يُوسُف
قَالَ أَبُو عَلْقَمَة: كَانَ اسْم الذِّئْب الَّذِي أكل يُوسُف كَذَا. قَالُوا لَهُ: فَإِن يُوسُف لم يَأْكُلهُ الذِّئْب، وَإِنَّمَا كذبُوا على الذِّئْب. قَالَ: فَهَذَا اسْم الذِّئْب الَّذِي لم يَأْكُل يُوسُف. وَقَرَأَ فِي حَلقَة سيفويه: " كأنهن الْيَاقُوت والمرجان ". فَقَالَ سيفويه: هَؤُلَاءِ خلاف نِسَائِكُم القحاب. وَقَرَأَ آخر: " كَأَنَّمَا أغشيت وُجُوههم قطعا من اللَّيْل مظلماً ". فَقَالَ سيفويه: فَإِذا الْقَوْم من أجل صلَاتهم بِاللَّيْلِ كَذَا. استفتي بَعضهم فِي إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن فَقَالَ: مَالك يبيحه وَغَيره من
(4/200)

الْفُقَهَاء يَقُول: إِنَّه إِذا استكرهت 453 الْمَرْأَة عَلَيْهِ وَجب على الزَّوْج أَن يزِيد فِي صَدَاقهَا عشرَة دَرَاهِم، وَإِن كَانَ بِرِضا مِنْهَا نقص مِنْهُ عشرَة. والتفت إِلَى ابْن لَهُ حَاضر وَأَشَارَ إِلَيْهِ فَقَالَ: تزوجت أم هَذَا على اثنى عشر ألف دِرْهَم عقدت على نَفسِي بهَا وَقد حصل الْآن لي عَلَيْهَا أَرْبَعمِائَة وَخَمْسُونَ درهما. كَانَ أَبُو سَالم الْقَاص الْبَصْرِيّ يُنَادي: اللَّهُمَّ، اجْعَلْنَا صَعِيدا زلقاً فَيَقُول الغوغاء: آمين آمين. وقص بَعضهم فَلَمَّا ابْتَدَأَ يسْأَل أُقِيمَت الصَّلَاة، وَخَافَ أَن يتفرق النَّاس. فَقَالَ: يَا فتيَان، الْعَجَائِب بعد الصَّلَاة.
نَوَادِر سيفويه
سَأَلَ وَاحِد سيفويه عَن حفظه الْقُرْآن فَقَالَ: أحفظه آيَة آيَة، قيل لَهُ: فَمَا أول الدُّخان؟ قَالَ: الْحَطب الرطب. وَكَانَ أَبُو كَعْب الْقَاص يَقُول فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ صل على جِبْرِيل واغفر لأمنا عَائِشَة، وَعَافنِي من وجع الْبَطن. استفتي وَاحِد مِنْهُم فِي الْخُنْثَى وَقيل: لَهُ مَا للرجل وَمَا للْمَرْأَة؟ فَقَالَ: تزوج من حلقي يني ... هَا وتني. . هـ
صفة الْملك
كَانَ أَبُو عقيل الْقَاص يَقُول: الرَّعْد ملك أَصْغَر من نحلة وَأعظم من زنبور. فَقَالُوا: لَعَلَّك تُرِيدُ أَصْغَر من زنبور وَأعظم من نحلة. فَقَالَ: لَو كَانَ كَذَا لم يكن يعجب. وَسَأَلَهُ رجل وَهُوَ فِي الْجَامِع عَن مَسْأَلَة فِي الْحيض لم يعرفهَا فَقَالَ: وَيلك. خرج هَذِه القاذورات من الْمَسْجِد حَتَّى نخرج. وَكَانَ بِالريِّ رجل مِنْهُم يُفْتِي، فَجَاءَتْهُ امْرَأَة وَسَأَلته عَن مَسْأَلَة فِي الْحيض فَأخْرج لَهَا دفتراً وَجعل يتصفحه ورقة ورقة لَا يَهْتَدِي مِنْهُ إِلَى شَيْء، إِلَى أَن بلغ إِلَى ورقة مخرمَة فَقَالَ للْمَرْأَة - وَعرض عَلَيْهَا الْخرق: أيش يمكنني أَن أفعل؟ وَمَوْضِع حيضك مخرق.
(4/201)

دُعَاء
وَكَانَ بَعضهم يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر لنا كل نعْمَة وحسنة، واحشرني فِي جملَة سَيِّدي أبي عبد الله بن حَنْبَل، وَلَا تغْفر للرافضة.
كَيفَ يَمُوت الشَّيْطَان
كَانَ بَعضهم يَقُول: يَا معشر النَّاس؛ إِن الشَّيْطَان إِذا سمى الْإِنْسَان على الطَّعَام وَالشرَاب لم يَأْكُل مَعَه. وَإِذا لم يسم أكل مَعَه؛ فَكُلُوا خبز الْأرز والمالح وَلَا تسموا ليَأْكُل مَعكُمْ، ثمَّ اشربوا وَسموا ليَمُوت عطشاً. حلق بَعضهم لحيته وَقَالَ: إِنَّهَا نَبتَت على الْمعْصِيَة. وَكَانَ بَعضهم يحجّ عَن حَمْزَة وَيَقُول: اسْتشْهد قبل أَن حج، ويضحى عَن أبي بكر وَعمر يَقُول أَخطَأ السّنة فِي ترك الْأُضْحِية. وَقيد آخر إِحْدَى عَيْنَيْهِ وَقَالَ: النّظر بهما إِسْرَاف. وَكَانَ بعض الْقصاص يتشدد فِي خلق الْقُرْآن، فَسئلَ عَن مُعَاوِيَة: هَل كَانَ مخلوقاً؟ فَقَالَ: كَانَ إِذا كتب الْوَحْي غير مَخْلُوق، وَإِذا لم يكْتب كَانَ مخلوقاً. قَالَ بعض الْقصاص يَوْمًا: يَا قوم، هَل علمْتُم أَن الله قد ذكر الهريسة فِي الْقُرْآن لفضلها؟ فَقَالُوا: أَيْن ذكرهَا؟ فَقَالَ: اذبحوا بقرة " واضربوه بِبَعْضِهَا "، " وفار التَّنور ": " ولتركبن طبقًا على طبق ". سَأَلَ رجل سيفويه الْقَاص: مَا الغسلين؟ فَقَالَ: على الْخَبِير سَقَطت. سَأَلت عَنهُ شَيخا من فُقَهَاء الْحجاز مُنْذُ أَكثر من سِتِّينَ سنة فَقَالَ: لَا أَدْرِي. وَجَاءَت امْرَأَة إِلَى وَاحِد مِنْهُم فَقَالَت: يَا جَعْفَر؛ مَرْيَم بنت عمرَان كَانَت نبية؟ قَالَ: لَا يَا فاعلة. قَالَت لَهُ: فإيش كَانَت؟ قَالَ: كَانَت مَلَائِكَة.
(4/202)

وَكَانَ بِالْكُوفَةِ قاص يَقُول: إِن أَبَانَا آدم أخرجنَا من الْجنَّة، فَادعوا الله أَن يدخلنا من حَيْثُ أخرجنَا. وَكَانَ بِالشَّام قاص يَقُول: اللَّهُمَّ أهلك أَبَا حسان الدقاق 454 فَإِنَّهُ يتربص بِالْمُسْلِمين ويغلي أسعارهم، ومنزله أول بَاب فِي الدَّرْب على يسارك هُوَ. قَالَ أَبُو سَالم الْقَاص: لَو كنت هِنْد بنت عتبَة حِين لاكت كبد حَمْزَة أجازتها إِلَى جوفها مَا مستها النَّار. فَقَالَ النهرتيري: اللَّهُمَّ أطعمنَا من كبد حَمْزَة. جَاءَ رجل إِلَى سيفويه فَقَالَ: قد عزمت على أَن أَتُوب فَكيف أعمل؟ فَقَالَ: إِمَّا أَن تحلق لحيتك أَو تشتري سلما أَو تنحدر إِلَى وَاسِط.
أول مَا يدْخل الْجنَّة
كَانَ بَعضهم يَقُول: أول مَا يدْخل الْجنَّة من الْبَهَائِم الطنبور؛ قيل لَهُ: وَكَيف ذَاك؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يضْرب بَطْنه، ويعصر حلقه، وتعرك أُذُنه. وقف رجل على القتاد الصُّوفِي وَسَأَلَهُ عَن الْمحبَّة. فَقَالَ القتاد: قد جَاءَنِي بِرَأْس كَأَنَّهُ دبة ولحية كَأَنَّهَا مذبه، وقلب عَلَيْهِ مكبة، يسألني عَن طَرِيق الْمحبَّة، وَهُوَ قِيمَته حَبَّة.
فتيا القَاضِي أبي يُونُس
دخل أَبُو يُونُس وَكَانَ فَقِيه مصر على بعض الْخُلَفَاء فَقَالَ لَهُ: مَا تَقول فِي رجل اشْترى شَاة فضرطت، فَخرجت من استها بَعرَة، فقأت عين رجل. على من الدِّيَة؟ قَالَ: على البَائِع: قَالَ: وَلم؟ قَالَ: لِأَنَّهُ بَاعَ شَاة فِي استها منجنيق، وَلم يبرأ من الْعهْدَة. غزا قاص فَقيل لَهُ: أَتُحِبُّ الشَّهَادَة؟ فَقَالَ: إِي وَالَّذِي أسأله أَن يردني سالما إِلَيْكُم. كَانَ أَبُو تَوْبَة الْقَاص يَقُول: احمدوا ربكُم عز وَجل؛ تشترون شَاة سَوْدَاء فتحلبون مِنْهَا لَبَنًا أَبيض، وتبخرون فتعبق ثيابكم، وتفسون فِيهَا فَلَا تعبق.
(4/203)

فتيا طريضة
كَانَ ابْن قريعة القَاضِي فِي مجْلِس المهلبي جَالِسا، فوردت عَلَيْهِ رقْعَة فِيهَا: مَا يَقُول القَاضِي أعزه الله فِي رجل الْحمام، وَدخل فِي الأبزن لَعَلَّه كَانَت بِهِ فَخرجت مِنْهُ ريح وتحول المَاء زيتاً، فتخاصم الحمامي والضارط، وَادّعى كل وَاحِد مِنْهُمَا أَنه يسْتَحق الزَّيْت جَمِيعًا بِحقِّهِ فِيهِ. فَكتب القَاضِي فِي الْجَواب: قَرَأت هَذِه الْفتيا الطريفة، فِي هَذِه الْقِصَّة السخيفة، وأخلق بهَا أَن تكون عنتاً بَاطِلا، وكذباً ماحلاً. وَإِن كَانَ ذَلِك كَذَلِك، وَهُوَ من أَعَاجِيب الزَّمَان، وبدائع الْحدثَان فَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق: أَن للصاقع نصف الزَّيْت بِحَق رجعائه وللحمامي نصف الزَّيْت بقسط مَائه، وَعَلَيْهِمَا أَن يصدقا الْمُبْتَاع مِنْهُمَا عَن خبث أَصله، وقبح فَصله، حَتَّى يَسْتَعْمِلهُ فِي مسرجته، وَلَا يدْخلهُ فِي أغذيته. قَرَأَ رجل فِي مجلي سيفويه: " وَقَالَ نسْوَة فِي الْمَدِينَة امْرَأَة الْعَزِيز تراود فتاها عَن نَفسه " فَقَالَ سيفويه: قد أَخذنَا فِي أَحَادِيث القحاب وَسمع رجلا يقْرَأ: " فبهت الَّذِي كفر " فَقَالَ: أتلومه! وَقَرَأَ قَارِئ: " وحملناه على ذَات أَلْوَاح ودسر " فَقَالَ سيفويه: عز عَليّ حملانهم. يتَوَهَّم أَنَّهَا جَنَازَة. . وَكَانَ أَبُو أسيد يَقُول فِي قصصه: كَانَ ابْن عمر يحف شَاربه حَتَّى يرى بَيَاض إبطه.
من نَوَادِر عبد الْأَعْلَى
كَانَ عبد الْأَعْلَى قَاصا: فَقَالَ يَوْمًا: تَزْعُمُونَ أَنِّي مراءٍ، وَكنت وَالله أمس صَائِما، وَقد صمت الْيَوْم وَمَا أخْبرت بذلك أحدا.
(4/204)

وَمر عبد الْأَعْلَى بِقوم وَهُوَ يتمايل سكرا فَقَالَ إِنْسَان: هَذَا عبد الْأَعْلَى الْقَاص. فَقَالَ: مَا أَكثر من يشبهني بذلك الرجل الصَّالح {قَالَ قاص بِالْمَدِينَةِ فِي قصصه: ود إِبْلِيس أَن لكل رجل مِنْكُم خمسين ألف دِرْهَم يطغى بهَا. فَقَالَ رجل من الْقَوْم: اللَّهُمَّ أعْط إِبْلِيس سؤله فِينَا. حُكيَ عَن شيخ مِنْهُم بِبَغْدَاد كَانَ يعرف بختن حمامة أَنه كَانَ يَقُول: خلفاء الله فِي الأَرْض ثَلَاثَة: آدم لقَوْله: إِنِّي جاعلك فِي الأَرْض خَليفَة وَدَاوُد: " إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض وَأَبُو بكر، لقَوْل الْأمة: أيا خَليفَة رَسُول الله. والأمناء ثَلَاثَة: جِبْرِيل لِأَنَّهُ تحمل عَن الله، وَمُحَمّد لِأَنَّهُ بلغ الْأمة، وَمُعَاوِيَة 455 لِأَنَّهُ كتب الْوَحْي. وَبلغ من عقله أَنه رأى عقرباً فِي دَاره فَقَالَ لَهَا: يَا مشئومة؛ اخْرُجِي لَا تقتلك أُمِّي. وَكَانَ مُولَعا بإطعام الْكلاب وَيَقُول إِذا أطعمها: هَؤُلَاءِ أولى من الرافضة. قَالَ الْأَصْمَعِي: اختصمت الطفاوة وَبَنُو راسب فِي صبي يَدعِيهِ كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ إِلَى ابْن عرباض، فَقَالَ: الحكم فِي هَذَا بَين. قَالُوا: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: يلقى الصَّبِي فِي المَاء فَإِن طفا فَهُوَ طفاوي، وَإِن رسب فَهُوَ راسبي. كَانَت أم عَيَّاش تحسن إِلَى سيفويه وتتعهده، فَكَانَ إِذا اجْتمع إِلَيْهِ النَّاس قَالَ: يَا معاشر الْمُسلمين، ادعوا الله لأم عَيَّاش؛ فَإِنَّهَا صديقتي. فَبلغ عياشاً فَبعث إِلَيْهِ وَقَالَ: قد فضحتني بِهَذَا القَوْل فَأمْسك عَنهُ. فَقَالَ: سُبْحَانَ الله} لَو أَنَّهَا معي فِي إِزَار وَاحِد مَا كنت تخَاف عَليّ.
دُعَاء قاص
قَالَ أَبُو العيناء: كَانَ عندنَا قاص جيد اللَّفْظ من الْعبارَة، وَكَانَ لوطياً، فَكَانَ إِذا رأى فِي حلقته غُلَاما يُعجبهُ رفع يَده ثمَّ قَالَ للْجَمَاعَة: قُولُوا عِنْد دعائي: آمين. ثمَّ يَقُول: هَذَا الْعَدو قد أقبل يُرِيدكُمْ: اللَّهُمَّ امنحنا أكتافهم. اللَّهُمَّ كبهم على مناخرهم ووجوههم، اللَّهُمَّ وَلنَا أدبارهم
(4/205)

اللَّهُمَّ اكشف لنا عَوْرَاتهمْ، وسلط أرماحنا على أَجْوَافهم وَالْقَوْم يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ آمين. سُئِلَ أَبُو قَابُوس الصُّوفِي عَن النَّبِيذ فَقَالَ: حَلَال على السراة حرَام على السّفل.
نادرة طريفة عَن مُحدث
انحدر بعض أَصْحَاب الحَدِيث من سر من رأى فِي سفينة، وَمَعَهُ فِيهَا نَصْرَانِيّ فتغديا جَمِيعًا ثمَّ أخرج زكرة كَانَت مَعَه فِيهَا شراب، فصب فِي مشربَة كَانَت مَعَه، وَشرب، ثمَّ صب فِيهَا وعرضها على الْمُحدث فَتَنَاولهَا من غير امْتنَاع وَلَا مكاس وَشرب. فَقَالَ النَّصْرَانِي: جعلت فدَاك. إِنَّمَا عرضت عَلَيْك كَمَا يعرض النَّاس، وَإِنَّمَا هِيَ خمر. قَالَ: وَمن أَيْن علمت أَنَّهَا خمر؟ قَالَ: غلامي اشْتَرَاهَا من إِنْسَان يَهُودِيّ وَذكر أَنَّهَا خمر، فَشربهَا بالعجلة وَقَالَ: لَو لم يكن إِلَّا لضعف الْإِسْنَاد لشربتها. ثمَّ قَالَ لِلنَّصْرَانِيِّ: أَنْت أَحمَق. نَحن أَصْحَاب الحَدِيث نضعف حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَيزِيد بن هَارُون، أفنصدق نَصْرَانِيّا عَن غُلَامه عَن يَهُودِيّ. هَذَا محَال. سُئِلَ الشيرجي عَن أَرْبَعِينَ رَأْسا من الْغنم نصفهَا ضَأْن وَنِصْفهَا مَاعِز، مَا الَّذِي يجب فِيهَا؟ فَقَالَ: يجب فِيهَا شَاة نصفهَا ضَأْن وَنِصْفهَا مَاعِز. كسر جَامع الصيدلاني يَوْمًا كوزاً، فَخرج من جَوْفه لوزتان فَقَالَ: سُبْحَانَ الله من يصور فِي الْأَرْحَام مَا يَشَاء. وجاءته يَوْمًا فَقَالَت: لم يبْق البزر. فَقَالَ: وَكَيف يبْقى وَأَنْتُم تقعدون حوله عشرَة عشرَة. وَدخل يَوْمًا ليَشْتَرِي نعلا لابنته فَقَالُوا: كم سنّهَا. فَقَالَ: لَا أَدْرِي وَالله غير أَنَّهَا فِي حم السَّجْدَة. وَولد لَهُ ابْن فَقيل لَهُ: مَا سميته؟ فَقَالَ: سميته عَليّ بن عَاصِم الْمُحدث. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت سيفويه مُتَعَلقا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة وَهُوَ يَقُول: ارْحَمْ ترحم. ارْحَمْ ترحم.
(4/206)

واجتاز بِبَاب شوكي فوطئ الشوك، وَدخلت فِي رجله شَوْكَة، فَقَالَ للشوكي: اجْعَلنِي فِي حل من هَذِه الشَّوْكَة. فَإِنِّي لست أقدر على إخْرَاجهَا فِي هَذِه السَّاعَة. فَكنت أردهَا عَلَيْك. وَاشْترى ديكاً هندياً وَشد فِي رجله فَرد نعل سندي لِئَلَّا يخرج، فَانْقَطع الْخَيط وَخرج الديك، فَخرج سيفويه فِي طلبه، وَجعل يسْأَل جِيرَانه وَيَقُول: أَرَأَيْتُم ديكاً هندياً فِي رجله نعل سندي. ألقِي إِلَى أبي سَالم الْقَاص خَاتم بِلَا فص. فَقَالَ أَبُو سَالم: إِن صَاحب هَذَا الْخَاتم يعْطى 456 يَوْم الْقِيَامَة فِي الْجنَّة غرفَة بِلَا سقف. وَقَالَ بَعضهم فِي حلقته: من صلى لَيْلَة الْجُمُعَة اثْنَتَيْ عشرَة رَكْعَة كَذَا وَكَذَا بنى الله لَهُ فِي الْجنَّة بَيْتا، فَقَامَ إِلَيْهِ رجل نبطي فَقَالَ: يَا فديت وَجهك: إِن صليت أَنا فعل بِي هَذَا؟ قَالَ: لَا يَا عاض بظر أمه. ذَاك لبني هَاشم وَالْعرب وَأهل خُرَاسَان، وَأما أَنْت فيبني لَك كوخ بعكبرا. قَالَ الجاحظ: وقفت على قاص وَقد اجْتمع عَلَيْهِ خلق كثير وَفِيهِمْ جمَاعَة من الخصيان، فوقفت إِلَى جَانِبه وَجعلت أُشير إِلَى النَّاس أَنه هُوَ ذَا يجود قَالَ: وَهُوَ يفرح بذلك. فَلم يُعْطه أحد شَيْئا فَالْتَفت إِلَيّ خفِيا وَقَالَ: السَّاعَة إِن شَاءَ الله أعمل الْحِيلَة. ثمَّ صَاح: حدث فلَان عَن فلَان عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: قَالَ رب الْعَالمين عز وَجل: مَا أخذت كَرِيمَتي عبد من عَبِيدِي إِلَّا عوضته الْجنَّة " أَتَدْرُونَ مَا الكريمتان فِي هَذَا الْموضع؟ قَالَ النَّاس: مَا هما؟ فَبكى، وَقَالَ: هما الخصيتان: وَهُوَ يتباكى ويكرر فَجعل كل وَاحِد من الخصيان يحل منديله حَتَّى اجْتمعت لَهُ دَرَاهِم كَثِيرَة. وَقَالَ آخر فِي قصصه: يَا بن آدم، يَا بن الزَّانِيَة، أما استحييت من الْملك الْجَلِيل وَالْملك الْكَرِيم، يصعد إِلَيْهِ عَنْك بِالْعَمَلِ الْقَبِيح، فَقيل: تَزني النَّاس؟ قَالَ: نعم؛ قد كَانَ الْحسن يكثر من قَول: يَا لكع قَالَ بَعضهم فِي قصصه: رَأَيْتُمْ أَجْهَل من إخْوَة يُونُس؟ يُرِيد يُوسُف، أخذُوا أَخَاهُم. وطرحوه فِي الْجب وكذبوا على الدب.
(4/207)

قَالَ أَبُو العنبس: سَمِعت قَاصا بِالْكُوفَةِ يَقُول فِي قصصه: تَحت رَأس ولي الله فِي الْجنَّة سَبْعُونَ ألف مخدة، والمخدة سَبْعُونَ ألف حجاب، مَا بَين الْحجاب والحجاب سَبْعُونَ ألف عَام. قَالَ: فَقلت: فَإِن سقط من فَوق تِلْكَ الْفرش كَيفَ يعْمل؟ فَقَالَ: إِلَى النَّار يَا صفعان. قَالَ بَعضهم فِي قصصه: كَانَ أَبُو جهل خوزياً، فَقيل لَهُ: بل هُوَ قرشي مخزومي وَلكنه كَافِر. فَقَالَ: يتَكَلَّم أحدكُم بِمَا لَا يعلم، كل كَافِر خوزي. قَالَ آخر فِي مَجْلِسه: زعم قوم أَنِّي لَا أحسن الْقُرْآن. وَهل فِي الْقُرْآن أشرف من: " قل هُوَ الله أحد ". وَأَنا أَقروهُ مثل المَاء، وابتدأ وَقَرَأَ فَلَمَّا بلغ قَوْله: " وَلم يكن لَهُ " أرتج عَلَيْهِ فَقَالَ: من أَرَادَ أَن يحضر ختمة السُّورَة فليحضر يَوْم الْجُمُعَة. دفع وَاحِد قِطْعَة إِلَى قاص وَقَالَ: ادْع لي ولأبوي بالمغفرة، فَرفع الْقَاص رَأسه وَقَالَ: ثَلَاثَة أنفس بقيراط؟ {وارخصاه} قيل لبَعْضهِم: فِي لحيتك هريسة فَقَالَ: هَذِه من تِلْكَ الْجُمُعَة. قَالَ بَعضهم: سَمِعت قَاصا بعبادان وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ ارْزُقْ الْمَوْتَى الشَّهَادَة، وَيَا إخوتي ادعوا ليأجوج وَمَأْجُوج بِالتَّوْبَةِ. وَسقط عَن أَنفه ذُبَابَة فَقَالَ: أَكثر الله الْقُبُور بكم. جَاءَ أَبُو الْعَالِيَة الْقَاص يشْهد على رجل رَآهُ مَعَ غُلَام لَهُ، فَقَالَ لَهُ الْوَالِي: بِمَ تشهد؟ قَالَ: أصلحك الله! رَأَيْته وَقد بطحه فَقلت: ينومه، ثمَّ كشف ثِيَابه فَقلت: يروحه، ثمَّ جلس عَلَيْهِ فَقلت يغمزه، ثمَّ بَصق فَقلت: يعوذه، ثمَّ أخرج شَيْئا فَلَا إِلَه إِلَّا الله. شهد أَبُو يحيى الْمُحدث عِنْد قاص أَنه يعرف الْحَائِط الْفُلَانِيّ لفُلَان. فَقَالَ لَهُ: مذ كم تعرف هَذَا الْحَائِط لَهُ؟ فَقَالَ: أعرفهُ وَهُوَ صَغِير لفُلَان. وَنظر إِلَى الْهلَال فَقَالَ: رَبِّي وَرَبك الله، سُبْحَانَ الله من خلقك من عود يَابِس. ذهب إِلَى قَوْله تَعَالَى " حَتَّى عَاد كالعرجون الْقَدِيم ".
(4/208)

نَوَادِر أبي سَالم
ووقف على أبي سَالم الْقَاص رجل رَاكب 1456 حمارا يتطلع فِي حلقته. وَيسمع قصصه، فناداه: يَا صَاحب الْحمار؛ امْضِ لسبيلك لَا يدل حِمَارك، فَإِن عندنَا نسَاء. وَقيل لَهُ: كم ولدا لإبليس؟ فَقَالَ: أَرْبَعَة؛ ثَلَاثَة ذكورة وَبنت. قَالُوا: فَمن أمّهم؟ قَالَ: شَاة كَانَت لآدَم فأهداها لَهُ. وَقيل: ادْع لفُلَان أَن يردهُ على أَبِيه وَأعْطى دِرْهَمَيْنِ. فَقَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قيل: بالصين. قَالَ: يردهُ من الصين بِدِرْهَمَيْنِ؟ بلَى؛ لَو كَانَ بسيراف أَو بجنابة أَو تستر. سرق لبَعْضهِم منديل فَقَالَ لغلامه: أَيْن المنديل؟ قَالَ: يَا مولَايَ. لَا أَدْرِي فَقَالَ: يَا بن الزَّانِيَة وَالله مَا سَرقه - بعد الله - غَيْرك.
نَوَادِر أبي أسيد
وَمَات عِيسَى بن حَمَّاد الطلحي وَقد أوصى بِأَكْثَرَ من ثلث مَاله، فَأجَاز ذَلِك وَلَده وَامْرَأَته، فَأتوا أَبَا أسيد ليكتب بذلك كتابا، فَقَالَ لَهُم: يَا فتيَان أمكُم قد بلغت مبلغ النِّسَاء أم لَا؟ وَكَانَ أَبُو أسيد هَذَا يَقُول: كَانَ ابْن عمر يحف شَاربه حَتَّى يرى بَيَاض إبطَيْهِ. وَقَالَ يَوْمًا: مَا بَقِي من حمامي نافخ نَار، وَمر بِقوم يصيدون السّمك، فَقَالَ: يَا فتيَان؛ مالح أَو طري. وَدخل يَوْمًا فِي المَاء إِلَى كَعبه فصاح: الغريق، الغريق. فَقيل لَهُ: مَا دعَاك إِلَى هَذَا؟ فَقَالَ: أخذت بالوثيقة. قيل لبَعْضهِم: أَيَسُرُّك أَن الله أدْخلك الْجنَّة وَأَنت شَاة؟ قَالَ: نعم بِشَرْط أَلا يذهبوا بِي إِلَى التياس. جَاءَ رجل إِلَى وَاحِد مِنْهُم فَقَالَ: مَا تَقول فِي شرب النَّبِيذ؟ قَالَ: لَا يجوز قَالَ: فَإِن كَانَ الرجل قد أكل المالح؟ قَالَ: قد رجعت مسألتك إِلَى الطِّبّ. صلى سيفويه بِقوم وَسلم عَن يَمِينه وَلم يسلم عَن يسَاره، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ: كَانَ فِي ذَلِك الْجَانِب إِنْسَان لَا ُأكَلِّمهُ.
(4/209)

على من حرم التَّخَتُّم بِالذَّهَب
قَالَ بَعضهم: رَأَيْت بِالشَّام قَاصا روى فِي مَجْلِسه أَن أَبَا هُرَيْرَة رأى على ابْنَته خَاتم ذهب فَقَالَ لابنته: لَا تختمي بِالذَّهَب. فَإِنَّهُ لَهب. فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثهُمْ ويقص عَلَيْهِم إِذْ بَدَت يَده وَفِي إصبعه خَاتم ذهب، فَقَالُوا: يَا عَدو الله؛ تنْهى عَن شَيْء وتلبسه أَنْت؟ ووثبوا عَلَيْهِ. فَقَالَ: يَا قوم لست أَنا ابْنة أَبى هُرَيْرَة. إِنَّمَا حرم ذَلِك على تِلْكَ المشئومة. قَالَ آخر: رَأَيْت قصاصا يقص حَدِيث مُوسَى وَهَارُون وَيَقُول: لما صَار فِرْعَوْن فِي وسط الْبَحْر وَقَالَ الله للبحر: انطبق. وعلاه المَاء جعل فِرْعَوْن يضرط مثل الجاموس؛ نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك الضراط! قَالَ سيفويه يَوْمًا فِي قصصه أَتَدْرُونَ من هَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّة؟ قَالُوا: من هم أكرمك الله؟ قَالَ: هم الَّذين يَجْلِسُونَ على الشط فيقدرون أستاه الغلمان. قَالَ آخر: رَأَيْت قَاصا يقص غَدَاة يَوْم، ثمَّ رَأَيْته عشياً فِي بَيت نباذ، والقدح فِي يَده فَقلت: مَا هَذَا؟ قَالَ: أَنا بِالْغَدَاةِ قاص، وبالعشي ماص.
من نَوَادِر ابْن كَعْب
كَانَ ابْن كَعْب يقص فِي مَسْجِد عتاب بِالْبَصْرَةِ فِي كل يَوْم أَرْبعا، فاحتبس عَلَيْهِم فِي بعض الْأَيَّام، وَطَالَ انتظارهم، فَبَيْنَمَا هم إِذْ جَاءَ رَسُوله فَقَالَ: يَقُول لكم أَبُو كَعْب: انصرفوا راشدين فقد أَصبَحت الْيَوْم مخموراً.
أَبُو ضَمْضَم ينْسب آدم
جلس أَبُو ضَمْضَم ينْسب قبائل الْعَرَب فَقَالَ لَهُ بَعضهم: يَا أَبَا ضَمْضَم: آدم من أَبوهُ؟ فَحَمله استقباح الْجَهْل عِنْده بِشَيْء من الْأَنْسَاب على أَن قَالَ: آدم بن المضاء بن الخليج وَأمه ضباعة بن قرزام. فتضاحك الْقَوْم وثاب إِلَيْهِ عقله فَقَالَ: إِنَّمَا نسبت أَخا لآدَم من أمه. رأى بعض أهل نيسابور جَنَازَة فَقَالَ: رَبِّي وَرَبك الله لَا إِلَه إِلَّا الله. فَسَمعهُ آخر فَقَالَ: أَخْطَأت. قل: اللَّهُمَّ ألبسنا الْعَافِيَة، وتشاجرا 457 فتحاكما إِلَى قاضٍ لَهُم فَقَالَ: لم يصب وَاحِد مِنْكُمَا. إِذا رَأَيْتُمْ جَنَازَة فَقولُوا: سُبْحَانَ من يسبح الرَّعْد بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَة من خيفته.
(4/210)

عبد الْأَعْلَى والاشتقاق
كَانَ عبد الْأَعْلَى الْقَاص يتَكَلَّف لكل شَيْء اشتقاقاً فَقَالَ: الْكَافِر إِنَّمَا سمي كَافِرًا لِأَنَّهُ اكْتفى وفر. قيل لَهُ: بِمَاذَا اكْتفى وَمن أَي شَيْء فر؟ قَالَ: اكْتفى بالشيطان وفر من الله. وَقَالَ: سمي الزنديق زنديقاً لِأَنَّهُ وزن فدقق. وَسمي البلغم بلغماً لِأَنَّهُ بلَاء وغم. وَسمي الدِّرْهَم درهما لِأَنَّهُ دَاء وهم. وَسمي الدِّينَار دينارأ لِأَنَّهُ دين ونار. وَسمي العصفور عصفوراً لِأَنَّهُ عَصا وفر. وَسمي الطفبشل طفبشلاً لِأَنَّهُ طفا وشال. وَسمي نوحًا لِأَنَّهُ كَانَ ينوح على قومه. وَسمي الْمَسِيح مسيحاً لِأَنَّهُ مسح الأَرْض. جَاءَ رجل إِلَى بَعضهم فَقَالَ: أفطرت يَوْمًا من شهر رَمَضَان سَاهِيا، فَمَا عَليّ؟ قَالَ: تَصُوم يَوْمًا مَكَانَهُ. قَالَ: فَصمت. فَأتيت أَهلِي وَقد عمِلُوا حَيْسًا، فسبقتني يَدي إِلَيْهِ فَأكلت مِنْهُ. قَالَ: تقضي يَوْمًا آخر. قَالَ: فَقضيت يَوْمًا مَكَانَهُ، وأتيت أَهلِي وَقد عمِلُوا هريساً فسبقتني يَدي إِلَيْهِ فَأكلت مِنْهُ فَمَا ترى؟ قَالَ: أرى أَلا تَصُوم إِلَّا ويدك مغلولة إِلَى عُنُقك. مَاتَت أم عَيَّاش فَأَتَاهُ سيفويه معزيا فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد، عظم الله مصيبتك. فَتَبَسَّمَ ابْن عَيَّاش وَقَالَ: قد فعل. فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد؛ هَل كَانَ لأمك ولد؟ فَقَامَ ابْن عَيَّاش عَن مَجْلِسه وَضحك حَتَّى اسْتلْقى على قَفاهُ. قَالَ الجاحظ: كَانَ عبد الْعَزِيز الغزال يَقُول فِي قصصه: لَيْت أَن الله لم يكن خلقني وَأَنِّي السَّاعَة مَقْطُوع الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ. وَذكر أَن أَبَا سعيد الرِّفَاعِي سُئِلَ عَن الدُّنْيَا والدائسة. فَقَالَ: أما الدُّنْيَا فَهَذِهِ الَّتِي أَنْتُم فِيهَا وَأما الدائسة فَهِيَ دَار نائية من هَذِه الدَّار، لم يسمع أَهلهَا بِهَذِهِ الدَّار وَلَا بِشَيْء من أمرهَا، وَكَذَلِكَ نَحن نسْمع بِذكر تِلْكَ الدَّار؛ إِلَّا أَنه قد صَحَّ عندنَا أَن بُيُوتهم من قثاء، وسقوفهم من قثاء، وأنعامهم من قثاء، وأنفسهم من قثاء، وقثائهم أَيْضا من قثاء. قَالُوا: يَا أَبَا سعيد؛ زعمت أَن أهل تِلْكَ الدَّار لم يسمعوا بِأَهْل هَذِه الدَّار وَلَا بِشَيْء من أمرهَا، وَكَذَلِكَ نَحن لَهُم، وأراك تخبرنا عَنْهُم بأخبار كَثِيرَة: قَالَ: فَمن ثمَّ أَنا أعجب أَيْضا. قَالَ الجاحظ: كَانَ عندنَا بِالْبَصْرَةِ قاص لَا يحفظ شَيْئا سوى حَدِيث جرجيس، فَقص يَوْمًا فَبكى رجل من النظارة، فَقَالَ الْقَاص: أَنْتُم لأي شَيْء تَبْكُونَ؟ إِنَّمَا الْبلَاء علينا معاشر الْعلمَاء.
(4/211)

وقص بعض العلوية بِالريِّ فَسَأَلَهُ وَهُوَ على كرسيه والعامة حواليه رجل مِنْهُم عَن مُعَاوِيَة فَقَالَ: أما مُعَاوِيَة فلحيته فِي إستي. قصّ أَبُو سَالم يَوْمًا وَفِي حلقته رجل أَعور، فَجعل الْأَعْوَر يهزأ بِهِ ويضحك مِنْهُ، فَفطن أَبُو سَالم فَقَالَ لأَصْحَابه: إِذا دَعَوْت فَقولُوا: آمين. قَالُوا: نعم. فَقَالَ: اللَّهُمَّ من كَانَ يسخر منا فافقأ عينه الْأُخْرَى. لَقِي رجل سيفويه فَسَأَلَهُ عَن حَاله وَعِيَاله فَقَالَ: هُوَ ذَا نقطع الدُّنْيَا يَوْمًا بِيَوْم، فَيوم لَا يرزقنا الله وَيَوْم يرزقنا الله. وَلَقي صاحباً لَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا أخي؛ أَيْن تكون؟ قد طلبتك عشْرين دفْعَة وَهَذِه الثَّانِيَة. دَعَا أَبُو سَالم على المتربصين فَقَالَ: اللَّهُمَّ امسخهم كلاباً وامسخنا ذئاباً حَتَّى نقطع لحومهم. قَالَ بَعضهم: سَمِعت قصاصا يَقُول: إِنِّي لأقص عَلَيْكُم، وَوَاللَّه إِنِّي لأعْلم أَنه لَا خبر عِنْدِي 1457 وَلَا عنْدكُمْ. وَلَكِن تبلغوا بِي حَتَّى تَجدوا خيرا مني.
حِيلَة قاص
قصّ وَاحِد وَمَعَهُ تعاويذ يَبِيعهَا فَجعلُوا يسمعُونَ قصصه وَلَا يشْتَرونَ التعاويذ، فَأخذ محبرته وَقَالَ: من يَشْتَرِي مني كل تعويذة بدرهم، حَتَّى أقوم وأغوص فِي هَذِه المحبرة باسم الله الْأَعْظَم الَّذِي كتبته فِي هَذِه التعاويذ. فاشتريت مِنْهُ التعاويذ فِي سَاعَة وَجمع دَرَاهِم كَثِيرَة. وَقَالُوا لَهُ: قُم فَادْخُلْ الْآن فِي المحبرة. فَنزع ثِيَابه وتهيأ لذَلِك والجهال يظنون أَنه يغوص فِيهَا. فبدرت امْرَأَة من خلف النَّاس وتعلقت بِهِ، وَقَالَت: أَنا امْرَأَته، من يضمن لي نفقتي حَتَّى أتركه يدْخل، فَإِنَّهُ دَخلهَا عَام أول، وَبقيت سِتَّة أشهر بِلَا نَفَقَة. كَانَ بعض الْقصاص يَدْعُو فَيَقُول: اللَّهُمَّ أهلك أَوْلَاد الزِّنَى الَّذين أَسمَاؤُهُم الكنى، وأنسابهم الْقرى، وشعورهم شُعُور النسا، وَهَهُنَا مِنْهُم جمَاعَة فِيمَا أرى. وَسمع قاص كَانَ يحض على الْجِهَاد قَارِئًا يقْرَأ سُورَة يُوسُف. فَقَالَ: دَعْنَا من آيَات القحاب وَخذ فِي آيَات طرسوس.
(4/212)

الْبَاب الْعَاشِر نَوَادِر الْقُضَاة لمن تقدم إِلَيْهِم
اخْتصم رجل وَامْرَأَة إِلَى سوار، فَقَالَ الزَّوْج لسوار: أصلح الله القَاضِي، لَو عرفتها لبصقت فِي استها. فَقَالَ سوار: اغرب، عَلَيْك لعنة الله. قَالَ بَعضهم: سَمِعت رجلا جِيءَ بِهِ إِلَى التَّيْمِيّ القَاضِي، فَقَالَ: يَا معشر القَاضِي: كم يجرونك إِلَيّ بِحَال أَنهم وَاحِد وَأَنا سِتَّة،، لَا يَجدونَ أحدا يظلمونك إِلَّا غيرري. خَاصم رجل رجلا إِلَى الشّعبِيّ فَقَالَ: إِن هَذَا بَاعَنِي غُلَاما نصيحاً صبيحاً. قَالَ: هَذَا مُحَمَّد بن عُمَيْر بن عُطَارِد. قدمت جَارِيَة مولى لَهَا إِلَى بعض الْقُضَاة وَادعت عَلَيْهِ الْحَبل، فَأنْكر الْمولى وَادّعى أَنه كَانَ يسْتَعْمل الْعَزْل وَقت إتيانها، فاستثبته القَاضِي، وتعرف مِنْهُ صُورَة أمره مَعهَا فَقَالَ: أصلح الله القَاضِي، كنت آتيها فِي قبلهَا؛ فَإِذا أردْت الْفَرَاغ عزلت فأنزلت فِي دبرهَا. فَقَالَ القَاضِي: اسْكُتْ يَا فَاسق فَإنَّك هُوَ ذَا تسمي ولَايَة العراقين عزلاً.
أحد الْخَصْمَيْنِ يعرض على القَاضِي فراريج وحنطة
اخْتصم رجلَانِ إِلَى قَاض، فَدَنَا أَحدهمَا مِنْهُ وَقَالَ سرا: قد وجهت للدَّار فراريج كسكرية، وحنطة بلدية كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ القَاضِي بِصَوْت عَال: إِذا كَانَت لَك بَيِّنَة غَائِبَة انتظرناها، لَيْسَ هَذَا مِمَّا يسَار بِهِ.
قَضِيَّة غير مفهومة
قَالَ مُحَمَّد بن رَبَاح القَاضِي: تقدم إِلَى قثم مَعَ ابْن أَخِيه، فَادّعى عَلَيْهِ خَمْسَة آلَاف دِينَار فَقَالَ قثم: نعم لَهُ عَليّ ذَلِك من أَي وَجه. فَقلت: قد أَقرَرت لَهُ بِالْمَالِ،
(4/213)

فَإِن شَاءَ فسر الْوَجْه، وَإِن شَاءَ لم يُفَسر. فَقَالَ ابْن أَخِيه: أشهد أَنه بَرِيء مِنْهَا إِن لم أثبتها. فَقلت: وَأما أَنْت فقد أَبرَأته إِلَى أَن تثبت ذَلِك، فَمَا رَأَيْت أَضْعَف مِنْهُمَا فِي الحكم.
يَمِين الطنبور
ادّعى رجل على آخر طنبوراً وأحضره عِنْد القَاضِي فَأنْكر، فَقَالَ: حلفه فَقَالَ القَاضِي: إِن كَانَ عنْدك هَذَا الطنبور فأيري فِي حر أمك. فَقَالَ الرجل: أَي يَمِين هَذَا؟ فَقَالَ القَاضِي: 458 يَمِين الطنبور. وَادّعى رجل على امْرَأَة عِنْد القَاضِي شَيْئا فأنكرت فَقَالَ لَهَا: إِن كنت كَاذِبَة فأير القَاضِي فِي حرك. فتوقفت الْمَرْأَة، فَقَالَ القَاضِي: قولي وَإِلَّا فاخرجي من حَقه. قَالَ بعض الْقُضَاة الحمقى: قد عزمت على أَن أخصي عَدْلَيْنِ للشَّهَادَة على النِّسَاء.
قَاضِي جبل
لما خرج الْمَأْمُون إِلَى فَم الصُّلْح لينقل بوران بنت الْحسن، إِذا جمَاعَة على الشط وَفِيهِمْ رجل يُنَادي بِأَعْلَى صَوته: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ نعم القَاضِي قَاضِي جبل جزاه الله عَنَّا أفضل مَا جزى أحدا من الْقُضَاة؛ فَهُوَ الْعَفِيف النَّظِيف، الناصح الجيب الْمَأْمُون الْغَيْب. وَكَانَ يحيى بن أَكْثَم يعرف قَاضِي جبل وَهُوَ ولاه وَأَشَارَ بِهِ. وَإِذا هُوَ القَاضِي نَفسه، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن هَذَا الَّذِي يُنَادي ويثني على القَاضِي هُوَ القَاضِي نَفسه. فاستضحك الْمَأْمُون واستطرفه وَأقرهُ على الْقَضَاء. وَقد كَانَ أهل جبل رفعوا عَلَيْهِ وَذكروا أَنه سَفِيه حَدِيد يعَض رُءُوس الْخُصُوم فَوَقع الْمَأْمُون: يشنق إِن شَاءَ الله. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت امْرَأَة قدمت زَوجهَا إِلَى أبي جَعْفَر الْأَبْهَرِيّ الْمَالِكِي وَكَانَ قَضَاء المحول فَقَالَت لَهُ: أعزّك الله، هَذَا زَوجي لَيْسَ يمسكني كَمَا يجب، حَسبك أَنه مَا أَطْعمنِي لَحْمًا مُنْذُ أَنا مَعَه. قَالَ القَاضِي: مَا تَقول؟ قَالَ: أعز
(4/214)

الله القَاضِي البارحة أكلنَا مضيرةً. قَالَت الْمَرْأَة: ويلي أَلَيْسَ كَانَ ماست؟ قَالَ: وتناي ... نَا سِتَّة. قَالَ القَاضِي: هَذِه مضيرة بعصبان. جلس أَبُو ضَمْضَم القَاضِي للْحكم فلمح فِي مَجْلِسه رجلا مَعَه أَلْوَاح يعلق نوادره فَرَمَاهُ بالدواة وَشَجه ثمَّ أَمر بِهِ إِلَى الْحَبْس. فَقَالَ كَاتبه: مَا أكتب قصَّته فِي الدِّيوَان. قَالَ: اكْتُبْ: اسْترق السّمع فَأتبعهُ شهَاب ثاقب.
القَاضِي يحبس صَاحب الْحق
اخْتصم إِلَى أبي ضَمْضَم رجلَانِ فَأقر أَحدهمَا لصَاحبه بِمَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: أعز الله القَاضِي. إِنِّي كلما طلبته لأوفيه حَقه لَا أَجِدهُ فَإِنَّهُ رجل شريب منهمك فِي الشّرْب أبدا عِنْد أَصْحَابه وأصدقائه، وَأَنا رجل معيل أحتاج أَن أكسب قوت عيالي، وَلَا يتهيأ لي أَن أتعطل عَن كسبي وأدور فِي طلبه. فَأمر أَبُو ضَمْضَم بِحَبْس صَاحب الْحق. وَقَالَ لغريمه: اذْهَبْ فاشتغل بِطَلَب معاشك ومكسبك، فَإِذا حضرك مَا ترده عَلَيْهِ فاحمله إِلَى الْحَبْس حَتَّى لَا تحْتَاج أَن تَدور فِي طلبه. فَبَقيَ الرجل فِي الْحَبْس ثَمَانِينَ يَوْمًا وَصَاحبه يحمل إِلَيْهِ الشَّيْء بعد الشَّيْء إِلَى أَن بَقِي لَهُ عشرَة دَرَاهِم فَأرْسل إِلَى القَاضِي وَقَالَ: إِن رَأَيْت أَن تفرج عني فَلم يبْق لي على غريمي إِلَّا عشرَة دَرَاهِم فَقَالَ: لَا وَالله لَا تَبْرَح حَتَّى تَأْخُذ حَقك {
قَضِيَّة غير مفهومة
تقدم رجلَانِ إِلَى بعض الْقُضَاة فَقَالَ أَحدهمَا: أصلحك الله أَخُو ختن غُلَام أكار هَذَا سرق كسَاء أخي ختن أكار خَال ولد ختي. فَقَالَ القَاضِي: مَا تَقول؟} قَالَ: أعز الله القَاضِي. غير كسَاء غَيْرِي سرق غير ختن كسَاء هَذَا. أَنْت القَاضِي. أيش تُشِير عَليّ؟ قَالَ القَاضِي: أُشير عَلَيْك أَن تَأْخُذ أَي طَرِيق شِئْت فَمن كلمك فاصفعه.
نوع من الْقَرَابَة
ارْتَفع رجلات إِلَى قَاض أَحدهمَا يَدعِي على الآخر حَقًا لَهُ من مِيرَاث فَقَالَ القَاضِي للْمُدَّعِي: مَا تكون من هَذَا الرجل الَّذِي تَدعِي مِيرَاثه؟ قَالَ: أعز الله
(4/215)

القَاضِي أَنا أحد قراباته: كَانَت أم أم أمه جدها لأمها أَخا خَال عَم أخي ختني. أَعنِي ابْن بنت زَيْنَب خَالَتِي فَقَالَ القَاضِي: يَا سفله، هَذِه صفة أخلاط الْخبث. ارفعها إِلَى الصيادلة حَتَّى يميزوها خلطاً خلطاً ثمَّ ردوهَا. سمع بعض الْقُضَاة امْرَأَة تَقول لأخرى 459 فِي جيرته فِي كَلَام بَينهمَا: وَإِلَّا فأير القَاضِي فِي حرك. فَقَالَ القَاضِي: إِن القَاضِي وَالله أَشْقَى بختاً من ذَاك. تشاجر رجل وَامْرَأَته فِي الأير إِذا قَامَ وانتفخ كم رطلا فِيهِ. فَقَالَ الرجل: يكون فِيهِ خَمْسُونَ رطلا، وَقَالَت الْمَرْأَة: لَا يكون. فَحلف بِطَلَاقِهَا أَنه إِذا انتفخ يكون فِيهِ أَكثر من ألف رَطْل. فارتفعا إِلَى الْحَاكِم ورشوه على الحكم لِئَلَّا يفرق بَينهمَا فَقَالَ: اذْهَبُوا، فَإِنَّهُ إِذا قَامَ فَهُوَ مثل شراع السَّفِينَة إِذا وَقع فِيهِ الرّيح يكون أَكثر من خَمْسَة آلَاف رَطْل. قدم رجل امْرَأَته إِلَى القَاضِي فَقَالَ: أعز الله القَاضِي أَنا رجل من دورق وَهَذِه امْرَأَة من درب عون، وَفِي قلبِي حب وَهِي تغار عَليّ وأريدها صاغرة. فَقَالَ القَاضِي: اذْهَبْ عافاك الله إِلَى دَار بانوكة حَتَّى يعْمل لَك قَاض من دن يحكم بَيْنكُمَا. غَابَ رجل فِي بعض أَسْفَاره، وطالت غيبته فَأَرْجَفَ بِهِ وبموته، وأتى على ذَلِك مُدَّة، وَبلغ قَاضِي الْبَلَد جمال امْرَأَته فَخَطَبَهَا وَتَزَوجهَا فَصَارَ إِلَيْهِ أهل بَيت زَوجهَا وَبَنُو أَعْمَامه وَقَالُوا: أعز الله القَاضِي. لم يَصح عندنَا موت هَذَا الرجل وَنحن فِي شكّ مِنْهُ، فَكيف تتَزَوَّج بامرأته؟ فَغَضب القَاضِي وَقَالَ: أَنْتُم تسخرون بِالنسَاء. وَالله مَا يغيب أحدكُم إِلَّا تزوجت بامرأته.
يَمِين أَصْحَاب الرياحين
تقدم رجلَانِ إِلَى قَاض وَادّعى أَحدهمَا على صَاحبه درهما من ثمن ريحَان اشْتَرَاهُ ف أنكر واستحلفه فَقَالَ القَاضِي: قل: وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ. فَقَالَ الرجل: أصلحك الله لَيست هَذِه يَمِين أَصْحَاب الرياحين. قَالَ القَاضِي: وَمَا يمينهم؟ قَالَ: أَن يَقُول أمه فاعلة إِن كَانَ لهَذَا عَلَيْهِ شَيْء. قَالَ القَاضِي: مَا أَشك فِي صدقك، وَغرم الدِّرْهَم من عِنْده.
(4/216)

تقدم رجلَانِ إِلَى الشّعبِيّ، فَقَالَ أَحدهمَا: لي عَلَيْهِ - أعز الله القَاضِي - كَذَا وَكَذَا من المَال. فَقَالَ: مَا تَقول؟ قَالَ: يسخر بك أعزّك الله.
قَاضِي حمص
تقدم إِلَى قَاضِي حمص رجل وَامْرَأَته فَقَالَ الرجل: أصلح الله القَاضِي إِنَّهَا لَا تطيعني. قَالَت: أصلح الله القَاضِي. إِنِّي لَا أقوى بِمَا مَعَه قَالَ: يَا هَذَا لَا تحملهَا مَا لَا تطِيق. قَالَ: أصلحك الله إِنَّهَا كَانَت عِنْد رجل قبلي فَكَانَت تكرمه وَتُطِيعهُ. فضرط القَاضِي من فَمه ثمَّ قَالَ: يَا جَاهِل، الأيور كلهَا تستوي؟ هوذا أَنا معي مثل أير الْبَغْل وَمن فِي الْبَيْت أستودعهم الله يستصغرونه.
كَيْفيَّة الْقصاص
ارْتَفَعت امْرَأَة مَعَ رجل إِلَى قَاضِي حمص. فَقَالَت: أعز الله القَاضِي. هَذَا قبلني قَالَ القَاضِي: قومِي إِلَيْهِ فقبليه كَمَا قبلك. قَالَت: قد عَفَوْت عَنهُ إِن كَانَ كَذَا. قَالَ القَاضِي: فإيش قعودي هَهُنَا؟ حَيْثُ أردْت أَن تهبي جرمه لم جِئْت إِلَى هَذَا الْمجْلس؟ وَالله لَا بَرحت حَتَّى تقتصي مِنْهُ حَقك وَبعد هَذَا لَو نَا ... ك رجل بحذائي لم أَتكَلّم. رفع أَبُو الْجُود الشَّامي امْرَأَته إِلَى أبي شيبَة القَاضِي وَقَالَت: أصلحك الله اخلعني مِنْهُ وَإِلَّا طرحت نَفسِي فِي دجلة. فَقَالَ زَوجهَا: أصلحك الله إِنَّهَا تدل بسباحة. فَقَالَ القَاضِي: مَا أَدْرِي أيكما أرقع قَالَ الشَّامي: إِن كنت لَا بُد فَاعِلا فارقعني ودعها.
من نَوَادِر قَاضِي حمص
أرسل الْمَأْمُون رجلا مَعَه كتاب إِلَى قَاضِي حمص. قَالَ الرجل: فَدخلت حمص فمررت على جمَاعَة من الْمَشَايِخ فِي مَسْجِد، فاسترشدتهم فَقَالُوا: أمامك. وحركت البغلة فضرطت فَقَالَ شيخ مِنْهُم كَانَ أحْسنهم هَيْئَة وأسنهم: على أيري.
(4/217)

فتعجبت من قَوْله، وصرت إِلَى القَاضِي فَقَرَأَ كتابي ثمَّ تحدث 460 فانبسطت مَعَه فَقلت: أَلا أطرفك أَيهَا القَاضِي بِشَيْء. وقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة. فَقَالَ: يَا حَبِيبِي قد فسد النَّاس وَذَهَبت نصفتهم كَانُوا فِيمَا مضى إِذا سمعُوا ضرطة قَالُوا على أير القَاضِي فَصَارَ الْآن كل إِنْسَان يجر النَّار إِلَى قرصه.
الْأَخ وَالْأَخ الهجين
ذكر أَن أَعْرَابِيًا من بني العنبر صَار إِلَى سوار القَاضِي فَقَالَ: إِن أبي مَاتَ وَتَرَكَنِي وأخاً لي وَخط خطين ثمَّ قَالَ: وهجيناً. وَخط خطا نَاحيَة فَكيف يقسم المَال؟ فَقَالَ: أههنا وَارِث غَيْركُمْ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: المَال بَيْنكُم أَثلَاثًا. قَالَ: لَا أحسبك فهمت. إِنَّه تركني وَأخي وهجيناً لنا، فَقَالَ سوار مثل مقَالَته الأولى. فَقَالَ الْأَعرَابِي: أيأخذ الهجين كَمَا أَخذ أَنا وكما يَأْخُذ أخي؟ قَالَ: أجل. فَغَضب الْأَعرَابِي ثمَّ أقبل على سوار فَقَالَ: تعلم وَالله إِنَّك قَلِيل الخالات بالدهناء، فَقَالَ سوار: إِذا لَا يضرني ذَلِك عِنْد الله شَيْئا. تقدم رجل إِلَى شريك وَمَعَهُ غَرِيم لَهُ فَقَالَ: أصلحك الله لي عَلَيْهِ خَمْسمِائَة دِرْهَم. فَقَالَ للْغَرِيم: مَا تَقول؟ قَالَ: أصلحك الله يسخر بك فَقَالَ: قُم يَا ماص بظر أمه. قَالَ الْأَصْمَعِي: لقِيت قَاضِي سبدان فَقلت: على من تقضي؟ فَقَالَ: على الضَّعِيف. كَانَ أَبُو السكينَة قَاضِيا للحجاج بن يُوسُف وَكَانَ طَويلا فَقَالَ يَوْمًا: بَلغنِي أَن الطَّوِيل يكون فِيهِ ثَلَاث خلال لَا بُد مِنْهَا قَالَ: قلت: مَا هِيَ؟ قَالَ: يفرق من الْكلاب وَلَا وَالله مَا خلق الله دَابَّة أنالها أَشد فرقا من الْكلاب، أَو تكون فِي رجله قرحَة لَا وَالله مَا فَارَقت رجْلي قرحَة قطّ أَو يكون أَحمَق وَأَنْتُم أعلم بقاضيكم.
قَضَاء عكابة النميري
ولي عكابة النميري قَضَاء الْبَحْرين فالتاث أَهلهَا عَلَيْهِ فَركب فرسه وَأخذ رمحه وَقَالَ: وَالله لَا أَقْْضِي إِلَّا هَكَذَا من خالفني طعنته برمحي.
(4/218)

كَانَ بِالْبَصْرَةِ قَاض، فاحتكم إِلَيْهِ حائك فِي حمامة فَأَخذهَا وَمسح عينهَا ثمَّ أرسلها. فَقَالَ الحائك: مَا فعلت أَيهَا القَاضِي؟ قَالَ: يذهب إِلَى بَيت صَاحبهَا.
قَضَاء أم مزايدة
وَتقدم إِلَيْهِ رجلَانِ ومعهما امْرَأَة فَقَالَ أَحدهمَا: أصلحك الله. هَذِه امْرَأَتي تَزَوَّجتهَا على سِتِّينَ درهما وَهَذَا يَدعِي أَنه يَتَزَوَّجهَا على سبعين فَقَالَ القَاضِي: عَليّ بِثَمَانِينَ. فَقَالَا: أصلحك الله جئْنَاك لِتَقضي بَيْننَا لم نجئك لتزايدنا. قَالَ القَاضِي: فَإِنَّمَا فِي شرى وَبيع، قوما فِي لعنة الله.
قَاضِي ماهر فِي الْحساب
تقدم إِلَى قَاض اثْنَان فَادّعى أَحدهمَا على صَاحبه ثَلَاثَة أَربَاع دِينَار. فَقَالَ القَاضِي: مَا تَقول؟ قَالَ لَهُ: عَليّ دِينَار غير ربع، ففكر سَاعَة ثمَّ قَالَ: أما تستحيان فِي هَذَا الْقدر. إِنَّمَا بَيْنكُمَا ثلث دِينَار! قوما فاصطلحا فَالصُّلْح خير. واختصم إِلَيْهِ رجلَانِ فِي ديك ذبحه أَحدهمَا فَقَالَ: ارتفعوا إِلَى الْأَمِير، فَإنَّا لَا نحكم فِي الدِّمَاء. وعزل يحيى بن أَكْثَم قَاضِيا كَانَ لَهُ على حمص من أَهلهَا فَلَمَّا قدم إِلَيْهِ رأى شَيخا وسيماً فَقَالَ لَهُ: من جالست يَا شيخ؟ فَقَالَ: أبي. فَظن أَن أَبَاهُ من أهل الْعلم. قَالَ: فَمن جَالس أَبوك: قَالَ: مَكْحُولًا قَالَ: فَمن جَالس مَكْحُول؟ قَالَ: سُفْيَان الثَّوْريّ. قَالَ: مَا كَانَ يَقُول أَبَاك فِي عَذَاب الْقَبْر؟ قَالَ: كَانَ يكرههُ. تزوج بعض الخصيان فِي زمن شُرَيْح بِامْرَأَة فَأَتَت بِولد فتبرأ مِنْهُ وترافعا إِلَى شُرَيْح. فَألْحق الْوَلَد بِهِ وألزمه أَن يحملهُ على عَاتِقه فَخرج على تِلْكَ الصُّورَة واستقبله خصي آخر. فَقَالَ لَهُ: انج بِنَفْسِك فَإِن شريحاً يُرِيد أَن يفرق الزِّنَى على الخصيان. 461 - سمع الْعَنْبَري القَاضِي صَبيا يَقُول لآخر وَإِلَّا فأير القَاضِي فِي حر أم الْكَاذِب، فَقَالَ القَاضِي: وَلم يَا صبي؟ قَالَ: لِأَن عَلَيْهِ أيراً مردوداً فِي حر أمه مثل سَارِيَة الْمَسْجِد. فَقَالَ القَاضِي: الِاسْتِقْصَاء شُؤْم.
(4/219)

قدم رجل جمَاعَة إِلَى قَاضِي حمص يشْهدُونَ لَهُ على شَيْء ادَّعَاهُ فَقَالَ لَهُم القَاضِي: بِمَ تَشْهَدُون؟ فَقَالُوا: تُرِيدُ منا أَن نَكُون نمامين؟ قدمت امْرَأَة زَوجهَا إِلَى القَاضِي وَمَعَهَا طِفْل ادَّعَت أَنه وَلَده وَأنكر الرجل فَقَالَ القَاضِي: الْوَلَد للْفراش وَقد أَقرَرت بِالزَّوْجِيَّةِ فَقَالَ: أَيهَا القَاضِي وَالله مَا تناي. . نَا إِلَّا فِي الإست، فَقَالَت الْمَرْأَة وَأَنت أَيهَا القَاضِي مَا رَأَيْت غرفَة تكف. قَالَ القَاضِي: صدقت. خُذ بِيَدِهَا وبيد ولدك. دخل على بعض الْوُلَاة قَاض وَعِنْده مضحك عيار فَوَثَبَ فانكشف إسته وتلقى بهَا القَاضِي، فَحل القَاضِي سراويله وَأخرج أيره وتلقى بِهِ أسته. وَقَالَ: إِذا حييتُمْ بِتَحِيَّة فَحَيوا بِأَحْسَن مِنْهَا.
الْقَضَاء على شَيْء
يُقَال: إِن غلامين من أهل سنجار تقدما إِلَى قاضيها فَقَالَا لَهُ: أَيهَا القَاضِي قد جئْنَاك فِي شَيْء وَإِن لم يكن شَيْء. مَاتَ أَبونَا، وَخلف لنا دَارا لَا تَسَاوِي شَيْء، فاقتسمناها فَمَا أَصَابَنَا مِنْهَا شَيْء، وعرضناها فَمَا أعطونا بهَا شَيْء، وَنحن فُقَرَاء لَا نملك شَيْء، وجياع مَا فِي بطوننا شَيْء، وحفاة لَيْسَ فِي أَرْجُلنَا شَيْء، وَقد جِئْنَا إِلَى القَاضِي حَتَّى يُعْطِينَا شَيْء فنضم شَيْء إِلَى شَيْء ونشتري بِهِ شَيْء. قَالَ القَاضِي: قد وليت سنجار وَمَا معي شَيْء وأنزلوني فِي دَار لَيْسَ فِيهَا شَيْء، فأقمت بَينهم شَهْرَيْن مَا أَطْعمُونِي شَيْء، وحلفتهم فَمَا أقرُّوا إِلَيّ بِشَيْء، وَالْقَوْم جِيَاع لَيْسَ عِنْدهم شَيْء، وَلَو كَانَت داركم تسوى شَيْء كُنَّا قد بعناها لكم بِشَيْء، أعطيناكم شَيْء وأخذنا شَيْء، فَكَانَ يكون عنْدكُمْ شَيْء وَعِنْدنَا شَيْء {وَلَكِن هُوَ ذَا أفطنكم بِشَيْء} من لَيْسَ مَعَه شَيْء لَا يسوى شَيْء.
(4/220)

الْبَاب الْحَادِي عشر نَوَادِر لأَصْحَاب النِّسَاء والزناة والزواني
كَانَ رجل يتعشق امْرَأَة، ويتبعها فِي الطرقات دهراً، إِلَى أَن أمكنته من نَفسهَا. فَلَمَّا أفْضى إِلَيْهَا لم ينتشر عَلَيْهِ فَقَالَت لَهُ: أيرك هَذَا أير لئيم. قَالَ: بل هُوَ من الَّذين قَالَ فيهم الشَّاعِر: وَأفضل النَّاس أحلاماً إِذا قدرُوا نظر مُغيرَة الْمُهلب يوماُ إِلَى أَخِيه يزِيد وَهُوَ يطالع امْرَأَته وَيَقُول لَهَا: اكشفي ساقك وَلَك خَمْسُونَ ألف دِرْهَم فَقَالَ: وَيلك يَا فَاسق؛ هَات نصفهَا وَهِي طَالِق. قَالَ بَعضهم لأعرابي: هَل يطَأ أحدكُم عشيقته؟ فَقَالَ: بِأبي أَنْت وَأمي. ذَاك طَالب ولد لَيْسَ ذَاك بعاشق. سمع إِسْمَاعِيل بن غَزوَان قَول الله تبَارك وَتَعَالَى " قَالَت امْرَأَة الْعَزِيز الْآن حصحص الْحق أَنا راودته عَن نَفسه وَإنَّهُ لمن الصَّادِقين. ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ وَأَن الله لَا يهدي كيد الخائنين ". فَقَالَ: لَا وَالله إِن سَمِعت بأغزل من هَذِه الفاسقه. وَلما سمع بِكَثْرَة مراودتها 462 ليوسف واستعصامه بِاللَّه قَالَ: أما وَالله لَو بِي محكت. قَالَ الْأَصْمَعِي: راودت أعرابة شَيخا عَن نَفسه، فَلَمَّا قعد مِنْهَا مقْعد الرجل من الْمَرْأَة أَبْطَأَ عَلَيْهِ الانتشار فَأَقْبَلت تستعجله وتوبخه فَقَالَ لَهَا: يَا هَذِه إِنَّك تفتحين بيتأ وَأَنا أنشر مَيتا.
(4/221)

أَشَارَ ضيف لقوم إِلَى بنت لَهُم بقبلة وَهِي خلف الخباء، فَلَمَّا سمع الشَّيْخ قَول الْجَارِيَة: إِنِّي إِذا الطَّوِيلَة الْعُنُق قَالَ: وَبَيت الله لقد أَشَارَ إِلَيْهَا بقبلة. أَتَى نَوْفَل بِابْن أَخِيه وَقد أحبل جَارِيَة لغيره فَقَالَ: يَا عَدو الله؛ هلا إِذا ابْتليت بالفاحشة عزلت. قَالَ: بَلغنِي أَن الْعَزْل مَكْرُوه. قَالَ: أفما بلغك أَن الزِّنَى حرَام. جَاءَ رجل إِلَى عَابِد فَسَأَلَهُ عَن الْقبْلَة للصايم، فَقَالَ: تكره للْحَدَث، وَلَا بَأْس بهَا للمسن، وَفِي اللَّيْل لَك فسحة. فَقَالَ: إِن زَوجهَا يعود إِلَى منزله لَيْلًا فَقَالَ: يَا بن أَخ؛ هَذَا يكره فِي شَوَّال أَيْضا. قَالَ الجاحظ: تعشق الْمَكِّيّ جَارِيَة ثمَّ تزَوجهَا نهارية، فخبرني أَنَّهَا كَانَت ذَات صبيان وَأَنه كَانَ معجباً بذلك مِنْهَا، وَأَنَّهَا كَانَت تعالجه بالمرتك، وَأَنه نهاها مرَارًا حَتَّى غضب فِي ذَلِك. قَالَ: فَلَمَّا عرفت شهوتي كَانَت إِذا سَأَلتنِي حَاجَة وَلم أقضها قَالَت: وَالله لأمرتكن ثَلَاثًا. فَلَا أجد بدا من أَن أَقْْضِي حَاجَتهَا. قَالَ: فَلم أسمع قطّ بأطرف من قَوْله: فَلَا أجد بدا من أَن أَقْْضِي حَاجَتهَا. قَالَ بَعضهم: إِذا جمشت فَلَا تبهت مثل الْمَجْنُون، وَلَكِن السع وطر. أَخذ رجل مَعَ زنجية وَكَانَ قد أَعْطَاهَا نصف دِرْهَم، فَلَمَّا أَتَى بِهِ إِلَى الْوَالِي أَمر بتجريده وَجعل يضْربهُ وَيَقُول: يَا عَدو الله؛ تَزني بزنجية {فَلَمَّا أَكثر قَالَ: أصلحك الله، فبنصف دِرْهَم إيش أجد، وَمن يعطيني؟ فَضَحِك وخلاه. وجد شيخ مَعَ زنجية فِي لَيْلَة الْجُمُعَة فِي مَسْجِد، وَقد نومها على الْجِنَازَة فَقيل لَهُ: قبحك الله يَا شيخ. فَقَالَ: إِذا كنت أشتهي وَأَنا شيخ لَا يَنْفَعنِي شبابكم، قَالُوا: فزنجية. قَالَ: من يزوجني مِنْكُم بعربية؟ قَالُوا: فَفِي الْمَسْجِد} قَالَ: من يفرغ لي بَيته مِنْكُم سَاعَة؟ قَالُوا: فعلى جَنَازَة! قَالَ: إِن شِئْتُم جِئتُكُمْ لَيْلَة السبت، فضحكوا مِنْهُ وخلوه. قَالَ بَعضهم لقينة كَانَت إِلَى جَانِبه فِي مجْلِس: أشتهي أَن أَضَع يَدي عَلَيْهِ.
(4/222)

قَالَت: إِذا كَانَ الْعَتَمَة. قَالَ: يَا ستي؛ إِذا كَانَ الْعَتَمَة وأطفئ السراج يكون الزحام عَلَيْهِ أَكثر من الزحام على الْحجر الْأسود. وَكَانَ بَعضهم فِي مجْلِس شرب فِيهِ مغنيات فَقَامَتْ وَاحِدَة مِنْهُنَّ فَكَانَت مليحة، فَوضعت الطبل وَقَعَدت عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا إخوتي. مَا كنت أَحسب أَنِّي أحب يَوْمًا مَا أَن أكون طبلاً حَتَّى السَّاعَة {وَحدث بَعضهم قَالَ: كنت فِي دَعْوَة وَبت، وَكَانَت هُنَاكَ مغنية قد باتت، فدب إِلَيْهَا بَعضهم فسمعتها فِي اللَّيْل تَقول: اعزل اعزل} . وَهُوَ يَقُول لَهَا: يَا قحبه تولين أَنْت وأعزل أَنا. قَالَ بَعضهم: بَينا أَنِّي. . قحبة فِي شهر رَمَضَان، وَذَهَبت أقبلها فحولت وَجههَا عني. فَقلت: لم تمنعينني الْقبْلَة؟ قَالَت: بَلغنِي أَن الْقبْلَة تفطر الصَّائِم. أَدخل رجل قحبة إِلَى خربة، فَبينا هُوَ فَوْقهَا إِذْ أحس بِوَقع قدم، فَأَرَادَ أَن يقوم. فَقَالَت لَهُ: شَأْنك فَإِنَّهُ 462 إِن كَانُوا أقل من أَرْبَعَة ضربوا الْحَد. كَانَ فِي جوَار ابْن المعذل قحبة تَزني نَهَارا وَتصلي بِاللَّيْلِ وَتَدْعُو وَتقول: اللَّهُمَّ اختم لي بِخَير. فَلَمَّا طَال ذَلِك على ابْن المعذل قَالَ لَهَا: يَا فاجرة، مَا ينفعك هَذَا الدُّعَاء؟ وَهُوَ يخْتم لَك بِاللَّيْلِ وتكسرين الْخَتْم بِالنَّهَارِ. كَانَ الحمدوني فِي مجْلِس فَقَالَت لَهُ قينة: ناولني ذَلِك الْكوز. فَقَالَ: يَا قحبة تريدين أَن تستأكليني. أَخذ شيخ مَعَ جَارِيَة سَوْدَاء فَقيل لَهُ: وَيحك تَزني بسوداء؟ ! قَالَ: أَنا الْيَوْم شيخ، إيش أُبَالِي مَا أَنِّي ... نزل سَبْعَة أنفس فِي خَان، وبعثوا إِلَى قوادة وَقَالُوا لَهَا: أحضري لكل وَاحِد منا امْرَأَة - وَكَانَ أحدهم يُصَلِّي - فَقَالَت: كم أَنْتُم؟ قَالُوا: نَحن سِتَّة. فَقَالَ الْمُصَلِّي: سُبْحَانَ الله سُبْحَانَ الله. وَأخرج يَده وَقد عقد على سَبْعَة. - أَي نَحن سَبْعَة.
(4/223)

كَانَ بشيراز رجل وَله زَوْجَة فَاسِدَة، فَنزل بِهِ ضيف فَأَعْطَاهَا دَرَاهِم وَقَالَ لَهَا: اشْترِي لنا رُءُوسًا نتغدى بهَا، فَخرجت الْمَرْأَة ولقيها حريف فَأدْخلهَا إِلَى منزله وأحس بهَا الْجِيرَان، فرفعوهما إِلَى السُّلْطَان. وَضربت الْمَرْأَة وأركبت ثوراً ليطاف بهَا فِي الْبَلَد، فَلَمَّا أَبْطَأت على الرجل خرج فِي طلبَهَا، فرآها على تِلْكَ الْحَال فَقَالَ لَهَا: مَا هَذَا وَيلك؟ قَالَت: لَا شَيْء انْصَرف أَنْت إِلَى الْبَيْت فَإِنَّمَا بَقِي صفان: صف العطارين وصف الصيادلة ثمَّ أَشْتَرِي الرُّءُوس وأجيئك. قَالَت امْرَأَة أبي إِسْمَاعِيل الْقَاص لزَوجهَا: إِن الْجِيرَان يرمونني بالفاحشة قَالَ: لَا يحل لَهُم حَتَّى يروه فِيك كالميل فِي المكحلة. قيل لرجل: إِن فلَانا وَفُلَانًا حملا السّلم البارحة ونصباه إِلَى حَائِط دَارك؛ يُريدَان امْرَأَتك. قَالَ: على كل حَال إِذا حملوه بَين اثْنَيْنِ هُوَ أولى من أَن يكلفوني حمله وحدي. كَانَ على بعض أَبْوَاب الدّور خياط. وَكَانَت لَهُم جَارِيَة تخرج لحوائجهم فَقَالَ الْخياط لَهَا يَوْمًا - وَقد خرجت: أَخْبِرِي ستك أَن لي أيرين. فَدخلت الْجَارِيَة وَهِي تدمدم، قَالَت لَهَا ستها: مَالك؟ قَالَت: خير. قَالَت: لَا بُد من أَن تخبريني، فَأَخْبَرتهَا بقول الْخياط. فَقَالَت: أحضريه حَتَّى يقطع لنا أثواباً. فدعته وطرحت إِلَيْهِ ثوبا فَلَمَّا قطعه قَالَت لَهُ: بَلغنِي أَن لَك أيرين. قَالَ: نعم وَاحِد صَغِير أَنِّي. . بِهِ الْأَغْنِيَاء، وَآخر كَبِير أَنِّي ... بِهِ الْفُقَرَاء قَالَت الْمَرْأَة: لَا يغرنك شَأْننَا الَّذِي ترَاهُ؛ فَإِن أَكْثَره عَارِية. كَانَ عِنْد بَعضهم امْرَأَة يبغضها، وَكَانَت كل لَيْلَة تستعجله وَتقول: قُم حَتَّى تنام. وَكَانَ لَا ينشط، ويدافع بِالْوَقْتِ إِلَى أَن قَالَت لَهُ ذَات لَيْلَة ذَاك فَقَالَ: لَا تقولي حَتَّى تنام، وَلَكِن قولي حَتَّى تَمُوت. فَإِن الْمَوْت خير من النّوم مَعَك. تزوج رجل بامرأتين عَجُوز وشابة، فَجعلت الشَّابَّة كلما رَأَتْ فِي لحيته طَاقَة بَيْضَاء تنتفها، والعجوز كلما رَأَتْ طَاقَة سَوْدَاء تنتفها، فَمَا زَالا كَذَلِك حَتَّى أعاداه عَن قريب أَمْرَد أصلع. حكى عَن ابْن أبي طَاهِر قَالَ: كنت مَعَ عَليّ بن عُبَيْدَة فِي مجْلِس وَمَعَهُ
(4/224)

عشيقة لَهُ فَجَلَسْنَا حَتَّى فانتنا صَلَاة الْعَصْر. فَقلت لَهُ: قُم حَتَّى نصلي. فَقَالَ: حَتَّى تَزُول الشَّمْس - يَعْنِي عشيقته. قيل لرجل رئي وَهُوَ يكلم امْرَأَة فِي شهر رَمَضَان: أتكلمها فِي مثل 461 هَذَا الشَّهْر؟ قَالَ: أدرجها لشوال. اعْترض رجل من أهل خُرَاسَان جَارِيَة لبَعض النخاسين فازدراه، فَوضع يَده على هميان فِي وَسطه فِيهِ دَنَانِير كَثِيرَة، ثمَّ أنزل يَده إِلَى ذكره وَقد أنعظ وَقَالَ: أَتَرَى سلعتك تكسد بَين هذَيْن السوقين. نظر رجل إِلَى مغن يطارح جَارِيَة للغناء وَقد غمزها فَقَالَ لَهُ: مَا هَذِه الغمزة؟ قَالَ: غمزة فِي الْغناء. قَالَ: أَترَانِي لَا أعرف غمزة الْغناء من غمزة الزِّنَى. عشق أَبُو جَعْفَر الْقَارئ جَارِيَة بِالْمَدِينَةِ فَقيل لَهُ: مَا بلغ من عشقك إِيَّاهَا؟ قَالَ: كنت أرى الْقَمَر فِي دَارهم أحسن مِنْهُ فِي دَارنَا. قَالَ بَعضهم: مَرَرْت ذَات يَوْم بشارع السّري بسر من رأى فَرَأَيْت امْرَأَتي تمشي فظننتها من الْبَادِيَة، فتعرضت لَهَا وَقلت: إِلَى أَيْن يقْصد الغزال؟ فَقَالَت لي: إِلَى مغزلها يَا قَلِيل الْمعرفَة بِأَصْحَابِهِ. كَانَ فلَان مُفلسًا فَقَالَ لامْرَأَة: أَنا أحبك. قَالَت: وَمَا الدَّلِيل على ذَلِك؟ قَالَ: تُعْطِينِي قفيز دَقِيق حَتَّى أعجنه بدموع عَيْني. قَالَت: على أَن تَجِيء بخبزه إِلَيْنَا. قَالَ: يَا سيدتي، فَأَنت تريدين خبازاً لَا تريدين عَاشِقًا. تزوج رجل بشيراز امْرَأَة فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الْخَامِس من زفافها ولدت ابْنا، فَقَامَ الرجل وَصَارَ إِلَى السُّوق وَاشْترى لوحاً ودواة فَقَالُوا لَهُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: من يُولد فِي خَمْسَة أَيَّام يذهب إِلَى الْكتاب فِي ثَلَاثَة أَيَّام. ذكر أَن رجلا لزم آخر بِحَق لَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْمَلْزُوم: انْطلق معي إِلَى منزلي لعَلي أحتال لَك. فَانْطَلق مَعَه فَدخل وغريمه مَعَه فَجَلَسَ بَين يَدي الحجلة وَالْمَرْأَة
(4/225)

ممسكة بسجفها وَمَعَهُ فِيهَا صديق لَهَا، فَكلم الرجل امْرَأَته فَقَالَ لَهَا: إِن لهَذَا عَليّ دينا، وَلَا أقدر على قَضَائِهِ، فأعينيني بحليك، عَليّ أَن أخلفه عَلَيْك. فَأَقْبَلت الْمَرْأَة على الْغَرِيم فَقَالَت لَهُ: يَا هَذَا؛ عَلَيْك عهد الله وميثاقه إِن رَأَيْت شَيْئا لتكتمنه وَلَا تخبر أحدا، فَحلف لَهَا فَخرجت من الحجلة، فأكبت على زَوجهَا وَأخذت رَأسه فقبلته، وَقَالَت: أفديك بِكُل شَيْء أملكهُ، وَخرج الرجل من الحجلة فَمضى وخلت عَن رَأس الزَّوْج. وجد رجل مَعَ أمه رجلا، فَقتل أمه وخلى عَن الرجل، فَقيل لَهُ: أَلا قتلت الرجل وخليت أمك؟ قَالَ: إِذا كنت أحتاج أَن أقتل كل يَوْم رجلا. وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله أَجْمَعِينَ وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل. تمّ بِحَمْد الله وعونه وتوفيقه الْجُزْء الرَّابِع ويليه إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْجُزْء الْخَامِس
(4/226)