Advertisement

نثر الدر في المحاضرات 006

الْجُزْء السَّادِس بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وأنعمت فزد، الْحَمد لله الَّذِي إِذا أَرَادَ شَيْئا قدره تَقْديرا، وَكَانَ خلقه عَلَيْهِ يَسِيرا، " إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون ". خلق ورزق، وَقد أبدأ وَعلم، وألهم وسدد، وأرشد وَبشر، وأنذر ووعد وأوعد، خلقنَا بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَة، ورزقنا من نعْمَته السابغة، وذرأنا بقوته الْقَاهِرَة، وبرأنا بقدرته الباهرة، وَعلمنَا رشد الدّين، وألهمنا برد الْيَقِين، وسددنا للنهج القويم، وأرشدنا إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم،، وبشرنا بثوابه الْعَظِيم، وأنذرنا بعقابه الْأَلِيم، ووعدنا على الطَّاعَة خيرا دَائِما، وأوعدنا عَن الْمعْصِيَة شرا لَازِما، وَبعث إِلَيْنَا رسله الداعين إِلَيْهِ، الدالين عَلَيْهِ، نادين إِلَى فَرْضه، قَائِمين بِحقِّهِ فِي أرضه، واجتبى مِنْهُم مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله واصطفاه وَاخْتَارَهُ لدينِهِ وارتضاه فَبَعثه إِلَى الْأسود والأحمر، والفصيح والأعجم، وَالْمُؤمن والمعاند، وَالْمقر والجاحد، والداني والشاحط، والراضي والساخط، وَالْبر والفاجر، وَالْمُسلم وَالْكَافِر، حَتَّى أوضح لَهُم الدّين. وأرشدهم أَجْمَعِينَ، فَوَجَبت فِرْيَة الثَّوَاب لمن اسْتَجَابَ فاهتدى. وحقت كلمة الْعَذَاب على من ارتاب فاعتدى. وَسعد من سمع دعاءه فَأقر وقر، وشقى من صم عَنهُ فنفر وفر، وَبَعثه تَعَالَى بِكَلِمَة الصدْق وأرسله بِالْهدى وَدين الْحق، وأيده بالأعلام من أسرته، والنجوم من عترته، والسابقين إِلَى صحبته ونصرته، حجج الله على الْخلق، وسيوفه على المارقين من الْحق، جاهدوا فِي الله حق الْجِهَاد، وأذلوا أهل الشقاق والعناد ن حَتَّى قَالَ عز من قَائِل " يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ "، اللَّهُمَّ فضل عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم صَلَاة أوجبتها لَهُم بإحسانك العميم، واستوجبوها مِنْك باجتهادهم
(6/3)

الْعَظِيم إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْمُجيب اللَّهُمَّ وفقنا لاتباع أَمرك، وأعنا على أعباء شكرك، وَلَا تَحْرِمنَا الشُّكْر إِذا أوليت، وَالْأَجْر إِذا أبليت، وَاجعَل توفيقك لنا رائداً وَقَائِدًا وهاديا وحاديا وموافقا ومرافقا ومعينا وقريبا، فَلَا حول إِلَّا بك وَلَا توفيق إِلَّا مِنْك، وَلَا عصمَة إِلَّا إِذا عصمت، وَلَا سَلامَة إِلَّا إِذا سلمت، فاقرن لنا سَلامَة النَّفس بسلامة الْيَقِين، وسعادة الدُّنْيَا بسعادة يَوْم الدّين، وصل على السراج الْمُنِير والنور المستبين مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وعَلى آله الطاهرين. هَذَا هُوَ الْفَصْل السَّادِس من كتاب نثر الدّرّ ويشتمل على سِتَّة عشر بَابا الْبَاب الأول: فِيهِ نكت من كَلَام فصيح الْأَعْرَاب الْبَاب الثَّانِي: فِيهِ فقر وَحكم للاعراب الْبَاب الثَّالِث: أدعية وَكَلَام لسؤال الْأَعْرَاب الْبَاب الرَّابِع: فِي أَمْثَال الْعَرَب الْبَاب الْخَامِس: فِي النُّجُوم وأنواعها على مَذْهَب الْعَرَب الْبَاب السَّادِس: أسجاع الْكُهَّان الْعَرَب الْبَاب السَّابِع: أوابد الْعَرَب الْبَاب الثَّامِن: وَصَايَا الْعَرَب الْبَاب التَّاسِع: أسامي أَفْرَاس الْعَرَب الْبَاب الْعَاشِر: أسامي سيوف الْعَرَب الْبَاب الْحَادِي عشر: نَوَادِر الْأَعْرَاب الْبَاب الثَّانِي عشر: أَمْثَال الْعَامَّة والسفل الْبَاب الثَّالِث عشر: نَوَادِر أَصْحَاب الشَّرَاب والسكارى الْبَاب الرَّابِع عشر: فِي أكاذيب الْعَرَب وَغَيرهم الْبَاب الْخَامِس عشر: فِي نَوَادِر المجان الْبَاب السَّادِس عشر: نَوَادِر فِي الضراط والفساء
(6/4)

الْبَاب الأول نكت من فصيح كَلَام الْعَرَب وخطبهم
حَدثنَا الصاحب كَافِي الكفاة رَحْمَة الله عَلَيْهِ عَن الأبجر عَن ابْن دُرَيْد عَن عَمه عَن ابْن الْكَلْبِيّ عَن أَبِيه قَالَ: ورد بعض بني أَسد من المعمرين على مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ: مَا تذكر؟ قَالَ: كنت عشيقاً لعقيلة من عقائل الْحَيّ أركب لَهَا الصعب والذلول، أتهم وأنجد وأغور لاآلو مربأة فِي متجر إِلَّا أَتَيْته، يلفظني الْحزن إِلَى السهل، فَخرجت أقصد دهماء الْمَوْسِم، فَإِذا أَنا بقباب سامية على قلل الْجبَال مُجَللَة بأنطاع الطَّائِف وَإِذا جزر تنحر، وَأُخْرَى تساق، وَإِذا رجل جَهورِي الصَّوْت على نشز من الأَرْض يُنَادي: يَا وَفد الله: الْغَدَاء، الْغَدَاء إِلَّا من تغدى فَليخْرجْ للعشاء. قَالَ: فجهرني مَا رَأَيْت فدلفت أُرِيد عميد الْحَيّ، فرأيته على سَرِير ساسم على رَأسه عِمَامَة خَز سَوْدَاء كَأَن الشعرى العبور تطلع من تحتهَا، وَقد كَانَ بَلغنِي عَن حبر من أَحْبَار الشَّام أَن النَّبِي التهامي هَذَا أَوَان مبعثه. فَقلت: عله. وكدت أفقه بِهِ. فَقلت: السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله.
(6/5)

فَقَالَ: لست بِهِ، وَكَأن قد وليتني بِهِ، فَسَأَلت عَنهُ فَقيل: هَذَا أَبُو نَضْلَة هَاشم بن عبد منَاف فَقلت هَذَا المحبر والسناء والرفعة لَا مجد بني جَفْنَة. فَقَالَ مُعَاوِيَة: أشهد أَن الْعَرَب أُوتيت فصل الْخطاب. وصف أَعْرَابِي قوما فَقَالَ كَأَن خدودهم ورق الْمَصَاحِف، وَكَأن حواجبهم الْأَهِلّة وَكَأن أَعْنَاقهم أَبَارِيق الْفضة. دخل ضرار بن عَمْرو والضبي على الْمُنْذر بعد أَن كَانَ طعنه عَامر بن مَالك فأذراه عَن فرسه فأشبل عَلَيْهِ بنوه حَتَّى استشالوه فَعندهَا قَالَ: من سره بنوه ساءته نَفسه، فَقَالَ لَهُ الْمُنْذر: مَا الَّذِي نجاك يَوْمئِذٍ؟ قَالَ: تَأْخِير الْأَجَل، وإكراهي نَفسِي على المق الطوَال. قَالَ مُعَاوِيَة: لصحار الْعَبْدي: مَا هَذِه البلاغة الَّتِي فِيكُم؟ قَالَ: شَيْء تجيش بِهِ صدورنا فتقذفه على ألسنتنا. فَقَالَ لَهُ رجل من عرض الْقَوْم: هَؤُلَاءِ بالبسر أبْصر مِنْهُم بالخطب. فَقَالَ صحار: أجل وَالله إِنَّا لنعلم أَن الرّيح لتلقحه، وَالْبرد ليعقده، وَأَن الْقَمَر ليصبغه، وَأَن الْحر لينضجه، فَقَالَ مُعَاوِيَة: فَمَا تَعدونَ البلاغة فِيكُم؟ قَالَ الايجاز قَالَ: وَمَا الإيجاز؟ قَالَ: أَن تجيب فَلَا تبطئ، وَتقول فَلَا تخطئ. قَالَ مُعَاوِيَة: أَو كَذَا لي تَقول؟ قَالَ صحار: أَقلنِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تبطئ وَلَا تخطئ. تكلم صعصعة عِنْد مُعَاوِيَة فعرق، فَقَالَ مُعَاوِيَة: بهرك القَوْل؟ قَالَ صعصعة: إِن الْجِيَاد نضاحة بِالْمَاءِ. قيل لبَعْضهِم: من أَيْن أَقبلت؟ قَالَ: من الْفَج العميق. قَالَ: فَأَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْبَيْت الْعَتِيق. قَالُوا: وَهل كَانَ ثمَّ من مطر؟ قَالَ: نعم حَتَّى عفى الْأَثر وأنضر الشّجر، ودهده الْحجر.
(6/6)

قَالَ الجاحظ: وَمن خطباء إياد قس بن سَاعِدَة الَّذِي قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: رَأَيْته بسوق عكاظ على جمل أَحْمَر وَهُوَ يَقُول: أَيهَا النَّاس اجْتَمعُوا واسمعوا وعوا، من عَاشَ مَاتَ، وَمن مَاتَ فَاتَ، وكل مَا هُوَ آتٍ آتٍ. وَهُوَ الْقَائِل فِي هَذِه: " الْآيَات محكمات، مطر ونبات، وآباء وَأُمَّهَات، وذاهب وَآت، ونجوم وتمور وبحار لَا تغور وَهُوَ الْقَائِل: " يَا معشر إياد: أَيْن ثَمُود وَعَاد؟ أَيْن الْآبَاء والأجداد؟ وَأَيْنَ الْمَعْرُوف الَّذِي لم يشْكر؟ وَأَيْنَ الظُّلم الَّذِي لم يُنكر؟ أقسم قس قسما إِن لله لدينا وَهُوَ أرْضى لَهُ وَأفضل من دينكُمْ هَذَا. سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَمْرو بن الْأَهْتَم عَن الزبْرِقَان ابْن بدر فَقَالَ: إِنَّه لمَانع لحوزته، مُطَاع فِي أدنيه قَالَ الزبْرِقَان حسدني يَا رَسُول الله وَلم يقل الْحق. قَالَ عَمْرو. وَهُوَ وَالله زمر الْمُرُوءَة، ضيق العطن، لئيم الْخَال. فَنظر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عَيْنَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُول الله رضيت. فَقلت: أحسن مَا علمت، وغضبت. فَقلت: أَسْوَأ مَا علمت وَمَا كذبت فِي الأولى وصدقت فِي الْأُخْرَى فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: " إِن من الْبَيَان لسحرا ". وَكَانَ عَامر بن الظرب العدواني حكما وَكَانَ خَطِيبًا رَئِيسا وَهُوَ الَّذِي قَالَ: يَا معشر عدوان، الْخَيْر أُلُوف عروف وَلنْ يُفَارق صَاحبه حَتَّى يُفَارِقهُ، وَإِنِّي لم أكن حكيماً حَتَّى اتبعت الْحُكَمَاء وَلم أكن سيدكم حَتَّى تعبدت لكم. قَالَ بَعضهم، قلت لأبي الْحصين: مَا أعجب مَا رَأَيْت من الخصب؟ قَالَ: كنت أشْرب رثيئة تجرها الشفتان جراً، وقارصاً إِذا تجشأت جدع أنفي، وَرَأَيْت الكمأة تدوسها الْإِبِل بمناسمها، وخلاصة يشمها الْكَلْب فيعطس.
(6/7)

قيل لأعرابي: مَا وَرَاءَك؟ قَالَ: خلفت أَرضًا تتظالم معزاها يَقُول: سمنت، وأشرت فتظالمت. قَالَ سعيد بن سلم: كنت والياً بأرمينيه فغبر أَبُو دهمان الْغلابِي على بَابي أَيَّامًا فَلَمَّا وصل مثل بَين يَدي قَائِما بَين السماطين فَقَالَ: إِنِّي وَالله لأعرف أَقْوَامًا لَو علمُوا أَن سف التُّرَاب يُقيم من إصْلَاح أَوْلَادهم لجعلوه مسكة لأرماقهم إيثاراً للتنزه عَن عَيْش رَقِيق الْحَوَاشِي، أما وَالله إِنِّي لبعيد الوثبة، بطيء العطفة، إِنَّه وَالله مَا يثنيني عَلَيْك إِلَّا مثل مَا يصرفك عني، وَلِأَن أكون مقلاً مقرباً، أحب إِلَيّ من أَن أكون مكثراً مُبْعدًا وَالله مَا نسْأَل عملا لَا نضبطه وَلَا مَالا إِلَّا وَنحن أَكثر مِنْهُ، إِن هَذَا الْأَمر الَّذِي صَار فِي يدك قد كَانَ فِي يَد غَيْرك، فأمسوا وَالله حَدِيثا، إِن خيرا فخيراً، وَإِن شرا فشراً فتحبب إِلَى عباد الله. بِحسن الْبشر ولين الْجَانِب، فَإِن حب عباد الله مَوْصُول بحب الله، وبغضهم مَوْصُول ببغض الله وهم شُهَدَاء الله على خلقه، ورقباء على من اعوج عَن سَبيله. دخل على الْمهْدي وُفُود خُرَاسَان فَقَامَ رجل مِنْهُم فَقَالَ: أَطَالَ الله بَقَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّا قوم نأينا عَن الْعَرَب، وشغلتنا الحروب عَن الْخطب، وأمير الْمُؤمنِينَ يعرف طاعتنا، وَمَا فِيهِ مصلحتنا، فيكتفي منا باليسير دون الْكثير ويقتصر منا على مَا فِي الضَّمِير دون التَّفْسِير فَقَالَ أَنْت خطيب الْقَوْم. قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء، رَأَيْت أَعْرَابِيًا بِمَكَّة فاستفصحته فَقلت مِمَّن الرجل؟ قَالَ، أسدي يُرِيد أزدي قلت، أَيْن بلدك؟ قَالَ، عمان قلت: صف لي بلدك. فَقَالَ: بلد صلدح، وكثيب أصبح، وفضاء صحصح قلت: مَا مَالك؟ قَالَ: النّخل قلت: أَيْن أَنْت من الْإِبِل؟ قَالَ: إِن النّخل ثَمَرهَا غذَاء، وسعفها ضِيَاء وكربها صلاء وليفها رشاء، وجذعها بِنَاء، وقروها إِنَاء قلت أَنى لَك هَذِه
(6/8)

الفصاحة؟ قَالَ: إِنَّا ننزل حجرَة لَا نسْمع فِيهَا ناجخة التيار. وخطب بعض الْأَعْرَاب فَقَالَ: إِن الدُّنْيَا دَار بَلَاغ، وَالْآخِرَة دَار قَرَار، أَيهَا النَّاس خُذُوا من ممركم لمقركم، وَلَا تهتكوا أستاركم عِنْد من لَا تخفى عَلَيْهِ أسراركم، واخرجوا من الدُّنْيَا قُلُوبكُمْ قبل أَن تخرج مِنْهَا أبدانكم فَفِيهَا حييتُمْ ولغيرها خَلفْتُمْ، الْيَوْم عمل بِلَا حِسَاب وَغدا حِسَاب بِلَا عمل، إِن الرجل إِذا هلك قَالَ النَّاس: مَا ترك؟ وَقَالَت الْمَلَائِكَة: مَا قدم؟ فَللَّه آباؤكم قدمُوا بَعْضًا يكن لكم قرضا، وَلَا تخلفوا كلا فَيكون عَلَيْكُم. قيل لبني عبس: كَيفَ كُنْتُم تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا لَا نبدأ أبدا بظُلْم، وَلم نَكُنْ بالكثير فنتوكل، وَلَا بِالْقَلِيلِ فنتخاذل، وَكُنَّا نصبر بعد جزع النَّاس سَاعَة. وَسُئِلَ دَغْفَل عَن المماليك فَقَالَ: عز مُسْتَفَاد، وغيظ فِي الأكباد كالأوتاد. قَالَ أَبُو بكر لسَعِيد، أَخْبرنِي عَن نَفسك فِي جاهليتك وإسلامك فَقَالَ: أما جاهليتي فوَاللَّه مَا خمت عَن بهمة، وَلَا هَمَمْت بِأمة وَلَا نادمت غير كريم، وَلَا رئيت إِلَّا فِي خيل مُغيرَة أَو فِي حمل جريرة أَو فِي نَادِي عشيرة، وَأما مذ خطمني الْإِسْلَام فَلَنْ أذكي لَك نَفسِي. قَالَ رجل لغلامه: إِنَّك مَا علمت لضعيف قَلِيل الْغناء. قَالَ: وَكَيف أكون ضَعِيفا قَلِيل الْغناء، وَكَيف كفيتك ثَمَانِينَ بَعِيرًا نزوعاً وفرساً جروراً ورمحاً خطيا وَامْرَأَة فاركاً. قيل لأعرابي: صف لنا خلوتك مَعَ عشيقتك قَالَ: خلوت بهَا وَالْقَمَر يرينيها، فَلَمَّا غَابَ الْقَمَر أرتنيه، قيل فَمَا أَكثر مَا جرى بَيْنكُمَا؟ قَالَ: أقرب مَا أحل الله مِمَّا حرم، الْإِشَارَة بِغَيْر بَأْس، والتعرض لغير مساس، وَلَئِن كَانَت الْأَيَّام طَالَتْ بعْدهَا، لقد كَانَت قَصِيرَة مَعهَا. وَذكر بَعضهم مَسْجِد الْكُوفَة فَقَالَ: شاهدنا فِي هَذ الْمَسْجِد قوما كَانُوا إِذا خلعوا الْحذاء، عقدوا الحبا، وقاسوا أَطْرَاف الْأَحَادِيث، حيروا السَّامع وأخرسوا النَّاطِق.
(6/9)

دخل عبد الله بن عبد الله بن الْأَهْتَم على عمر بن عبد الْعَزِيز مَعَ الْعَامَّة فَلم يفاجأ عمر إِلَّا وَهُوَ ماثل بَين يَدَيْهِ، فَتكلم، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: أما بعد، فَإِن الله خلق الْخلق غَنِيا عَن طاعتهم، آمنا من معصيتهم، وَالنَّاس يَوْمئِذٍ فِي الْمنَازل والرأي مُخْتَلفُونَ، وَالْعرب بشر تِلْكَ الْمنَازل، أهل الْحجر والوبر، وَأهل الْمدر الَّذين تحتار دونهم طَيّبَات الدُّنْيَا، ورفاغة عيشها، ميتهم فِي النَّار، وحيهم أعمى مَعَ لَا يُحْصى من المرغوب عَنهُ، والمزهود فِيهِ، فَلَمَّا أَرَادَ الله أَن ينشر عَلَيْهِم رَحمته، بعث إِلَيْهِم رَسُولا من أنفسهم عَزِيزًا عَلَيْهِ مَا عنتوا، حَرِيصًا عَلَيْهِم، بِالْمُؤْمِنِينَ رءوفاً رحِيما، فَلم يمنعهُم ذَلِك من أَن جرحوه فِي جِسْمه، ولقبوه فِي اسْمه وَمَعَهُ كتاب من الله نَاطِق، لَا يرحل إِلَّا بأَمْره، وَلَا ينزل إِلَّا بِإِذْنِهِ، واضطروه إِلَى بطن غَار، فَلَمَّا أَمر بالعزيمة، انبسط لأمر الله لَونه، فأفلح الله حجَّته، وَأَعْلَى كَلمته، وَأظْهر دَعوته، وَفَارق الدُّنْيَا تقيا نقياً، ثمَّ قَامَ بعده أَبُو بكر فسلك سنته، وَأخذ بسبيله، وارتدت الْعَرَب، فَلم يقبل مِنْهُم بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا الَّذِي كَانَ قَابلا مِنْهُم، فانتضى السيوف من أغمادها، وأوقد النيرَان من شعلها، ثمَّ ركب بِأَهْل الْحق إِلَى أهل الْبَاطِل، فَلم يبرح يفصل أوصالهم، ويسقي الأَرْض دِمَاءَهُمْ حَتَّى أدخلهم فِي الَّذِي خَرجُوا مِنْهُ، وقررهم بِالَّذِي نفروا مِنْهُ، وَقد كَانَ أصَاب من مَال الله بكرا يرتوي عَلَيْهِ، وحبشية ترْضع ولدا لَهُ، فَرَأى من ذَلِك غُصَّة عِنْد مَوته فِي حلقه، فَأدى ذَلِك إِلَى خَليفَة من بعده وَبرئ إِلَيْهِم مِنْهُ، وَفَارق الدُّنْيَا تقياً نقياً
(6/10)

على منهاج صَاحبه ثمَّ قَامَ من بعده عمر بن الْخطاب فمصر الْأَمْصَار، وخلط الشدَّة باللين، فحسر عَن ذِرَاعَيْهِ، وشمر عَن سَاقيه وَأعد للأمور أقرانها، وللحرب آلتها، فَلَمَّا أَصَابَهُ قن الْمُغيرَة اسْتهلّ بِحَمْد الله أَلا يكون أَصَابَهُ ذُو حق فِي الْفَيْء فيستحل دَمه بِمَا اسْتحق من حَقه، فقد كَانَ أصَاب من مَال الله مائَة وَثَمَانِينَ ألفا فَكسر بهَا رباعه، وَكره بهَا كَفَالَة أَوْلَاده، فأوى ذَلِك إِلَى خَليفَة من بعده، وَفَارق الدُّنْيَا تقياً نقياً على منهاج صَاحِبيهِ، ثمَّ إِنَّا وَالله مَا اجْتَمَعنَا بعدهمَا إِلَّا على ظلع، ثمَّ إِنَّك يَا عمر ابْن الدُّنْيَا وَلدتك مُلُوكهَا، وألقمتك ثديها، فَلَمَّا وليتها ألقيتها حَيْثُ أَلْقَاهَا الله، فَالْحَمْد لله الَّذِي جلا بك حوبتنا، وكشف بك كربتنا، امْضِ وَلَا تلْتَفت، فَإِنَّهُ لَا يعز على الْحق شَيْء، أَقُول قولي هَذَا واستغفر الله لي وَلكم وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات، وَلما أَن قَالَ: ثمَّ إِنَّا وَالله مَا اجْتَمَعنَا بعدهمَا إِلَّا على ظلع سكت النَّاس إِلَّا هشاما فَإِنَّهُ قَالَ: كذبت. قَالَ الْأَصْمَعِي: كَانَ حبيب الرّوم يَقُول فِي قصصه: اتَّقوا لقية من خنع فقنع، واقترف فاعترف، ووجل فَعمل، وحاذر فبادر، أَفَادَ ذخيرة، وأطاب سريرة، وَقدم مهاداً وَاسْتظْهر ذاداً. لما وصل عبد الْعَزِيز بن زُرَارَة إِلَى مُعَاوِيَة قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: لم أزل اسْتدلَّ بِالْمَعْرُوفِ عَلَيْك، امتطي النَّهَار عَلَيْك، فَإِذا الوى بِي اللَّيْل فَقبض الْبَصَر وَعفى الْأَثر وَالِاجْتِهَاد يعْذر وَإِذا بلغتك فقطني. قَالَ أَعْرَابِي خرجت حِين انحدرت أَيدي النُّجُوم، وشالت أرجلها فَمَا زلت أصدع اللَّيْل، حَتَّى انصدع الْفجْر. سُئِلَ أَعْرَابِي عَن زَوجته - وَكَانَ حَدِيث عهد بعرس - كَيفَ رَأَيْت أهلك؟ فَقَالَ: أفنان أثلة، وجنى نَخْلَة، وَمَسّ رَملَة، وَرطب نَخْلَة، وَكَأَنِّي كل يَوْم آئب من غيبَة. وصف آخر مرح فرس فَقَالَ: كَأَنَّهُ شَيْطَان فِي أشطان. وَقيل لآخر: كَيفَ عَدو فرسك؟ قَالَ: يعدو مَا وجد أَرضًا.
(6/11)

وَقَالَ الآخر لِأَخِيهِ وَرَأى حرصه على الطّلب: يَا أخي، أَنْت طَالب ومطلوب، يطلبك من لَا تفوته، وتطلب مَا قد كفيته، فَكَأَن مَا غَابَ عَنْك قد كشف لَك، وَمَا أَنْت فِيهِ قد نقلت عَنهُ. يَا أخي: كَأَنَّك لم تَرَ حَرِيصًا محروماً، وَلَا زاهداً مرزوقاً. ذمّ أَعْرَابِي رجلا فَقَالَ: أَنْت وَالله مِمَّن إِذا سَأَلَ ألحف، وَإِذا سُئِلَ سَوف، وَإِذا حدث خلف، وَإِذا وعد أخلف، تنظر نظرة حسود، وَتعرض إِعْرَاض حقود. قَالَ بَعضهم، مضى سلف لنا اعتقدوا منناً، وَاتَّخذُوا الأيادي عِنْد إخْوَانهمْ ذخيرة لمن بعدهمْ، وَكَانُوا يرَوْنَ اصطناع الْمَعْرُوف عَلَيْهِم فرضا وَإِظْهَار الْبر وَالْإِكْرَام عِنْدهم حَقًا وَاجِبا، ثمَّ حَال الزَّمَان عَن نشء آخر حدثوا، اتَّخذُوا مننهم صناعَة وأياديهم تِجَارَة، وبرهم مُرَابحَة، واصطناع الْمَعْرُوف بَينهم مقارضة، كنقد السُّوق، خُذ مني وهات. افْتتح بَعضهم خطْبَة فَقَالَ: بِحَمْد الله كَبرت النعم السوابغ، والحجج البوالغ، بَادرُوا بِالْعَمَلِ، بَوَادِر الْأَجَل، وَكُونُوا من الله على وَجل، فقد حذر وأنذر، وأمهل حَتَّى كَأَن قد أهمل. وَفد هَانِئ بن قبيصَة على يزِيد بن مُعَاوِيَة فاحتجب عَنهُ أَيَّامًا ثمَّ إِن يزِيد ركب يَوْمًا يتصيد، فَتَلقاهُ هَانِئ فَقَالَ: إِن الْخَلِيفَة لَيْسَ بالمحتجب المتخلي، المتنحي، وَلَا بالمتطرف المتنحي وَلَا الَّذِي ينزل على العدوات والفلوات، ويخلو باللذات والشهوات، وَقد وليت أمرنَا، فأقم بَين أظهرنَا، وَسَهل إذننا واعمل بِكِتَاب الله فِينَا، فَإِن كنت عجزت عَمَّا هَاهُنَا، واخترت عَلَيْهِ غَيره، فازدد علينا بيعتنا، نُبَايِع من يعْمل بذلك فِينَا ونقمه، ثمَّ عَلَيْك بخلواتك، وصيدك وكلابك. قَالَ: فَغَضب يزِيد وَقَالَ: وَالله لَوْلَا أَن أسن بِالشَّام سنة الْعرَاق لأقمت أودك. ثمَّ انْصَرف وَمَا هاجه بِشَيْء وَإِذن لَهُ وَلم تَتَغَيَّر مَنْزِلَته عِنْده، وَترك كثيرا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ. كَانَ العيالمي يَقُول: النَّاس لصَاحب المَال ألزم من الشعاع للشمس وَمن
(6/12)

الذَّنب للمصر، وَمن الحكم للقر، وَهُوَ عِنْدهم أرفع من السَّمَاء، وأعذب من المَاء، وَأحلى من الشهد، وأذكى من الْورْد، خَطؤُهُ صَوَاب، وسيئته حَسَنَة، وَقَوله مَقْبُول، يغشى مَجْلِسه، وَلَا يمل حَدِيثه قَالَ: والمفلس عِنْد النَّاس أكذب من لمعان السراب، وَمن رُؤْيا الكظة، وَمن مرْآة اللقوة وَمن سَحَاب تموز، لَا يسْأَل عَنهُ إِن غَابَ وَلَا يسلم عَلَيْهِ إِن قدم، إِن غَابَ شتموه، وَإِن حضر زبروه، وَإِن غضب صفعوه، مصافحته تنقض الْوضُوء، وقراءته تقطع الصَّلَاة، أثقل من الْأَمَانَة، وَأبْغض من الْمُلْحِف المبرم. قَالَ أَعْرَابِي: خرجت فِي لَيْلَة حنلس قد أَلْقَت أكارعها على الأَرْض فمحت صور الْأَبدَان فَمَا كُنَّا نتعارف إِلَّا بِالْأَذَانِ، فسرنا حَتَّى أَخذ اللَّيْل ينفض صبغه. بعث النُّعْمَان جَيْشًا إِلَى الْحَارِث بن أبي شمر فَقَالَ: من يعرف عدونا الَّذِي أنقذنا إِلَيْهِ جيشنا؟ فَقَالَ بعض بني عجل: أَنا قلت: فصفه قَالَ: هُوَ قطف نطف، صلف قصف، فَقَامَ الوديم وَهُوَ عَمْرو بن ضرار فَقَالَ: أَبيت اللَّعْن، أَو طَال العشوة، هُوَ وَالله حَلِيم النشوة، جواد الصحوة شَدِيد السطوة. فَقَالَ: هَكَذَا يَنْبَغِي أَن يكون عدونا. سُئِلَ أَعْرَابِي من عبس عَن وَلَده، فَقَالَ: ابْن قد كهل، وَابْن قد رفل، وَابْن قد عسل، وَابْن قد فسل، وَابْن قد مثل، وَابْن قد فصل. قَالَ الْأَصْمَعِي: قيل لبني عبس: كَيفَ صَبَرْتُمْ، وَكَيف كَانَت حالكم فِيمَا كُنْتُم فِيهِ؟ قَالُوا طاحت وَالله الغرائب من النِّسَاء، فَمَا بَقِي إِلَّا بَنَات عَم، وَمَا بَقِي مَعنا من الْإِبِل إِلَّا الْحمر الكلف، وَمَا بَقِي من الْخَيل إِلَّا الْكُمَيْت الوقاح
(6/13)

وطاح مَا سوى ذَلِك من الأهلين وَالْمَال. وذم أَعْرَابِي قوما فَقَالَ: بيُوت تدخل حبواً إِلَى غير نمارق، وشبارق فصح الْأَلْسِنَة برد السَّائِل، جذم الأكف عَن النائل. قَالَ الْأَصْمَعِي: حججْت فَبينا أَنا بِالْأَبْطح إِذا شيخ فِي سحق عباء، صعل الرَّأْس أثط أخزر أَزْرَق، كَأَنَّمَا ينظر من فص زجاج أَخْضَر، فَسلمت فَرد عَليّ التَّحِيَّة، فَقلت: مِمَّن الشَّيْخ؟ قَالَ: من بني حَمْزَة ابْن بكر بن عبد منَاف بن كنَانَة. قلت: فَمَا الِاسْم؟ قَالَ خميصة ابْن قَارب. ثمَّ أَعْرَابِي أَنْت؟ قلت: نعم قَالَ: من أَيَّة؟ قلت: من أهل بصرة قَالَ: فَإلَى من تعتزي؟ قلت: قيس بن غيلَان. قَالَ: لأيهم؟ قلت: أحد بني يعصر، وَأَنا أقلب ألواحاً معي. قَالَ: مَا هَذِه الخشبات المقرونات قلت: اكْتُبْ فِيهِنَّ مَا أسمع من كلامكم. قَالَ: وَإِنَّكُمْ مختلون إِلَى ذَلِك. قلت: نعم، وَأي خلة. ثمَّ صمت مَلِيًّا ثمَّ قَالَ فِي وصف قومه: كَانُوا كالصخرة الصلادة تنبو عَن صفحاتها المعاول ثمَّ زحمها الدَّهْر بمنكبه فَصَدَعَهَا صدع الزجاجة مَالهَا من جَابر فَأَصْبحُوا شذر مذر أيادي سبأ، وَرب يَوْم وَالله عَارِم قد أَحْسنُوا تأديبه، ودهر غاشم قد قومُوا صعره، وَمَال صَامت قد شتتوا تألفه، وخطة بؤس قد حسمها إحسانهم وَحرب عبوس ضاحكتها أسنتهم، أما وَالله يَا أَخا قيس لقد كَانَت كهولهم جحاجح، وشبابهم مراجح ونائلهم مسفوح، وسائلهم ممنوح وجنانهم ربيع وجارهم منيع. فَنَهَضت لأنصرف فأصر بِمَجَامِع ذيلي وَقَالَ: أَجْلِس فقد أَخْبَرتك عَن قومِي حَتَّى أخْبرك عَن قَوْمك فَقلت فِي نَفسِي: إِن الله يشيد فِي قيس وَالله وصمة تبقى على الدَّهْر. فَقلت: حسبي، لَا حَاجَة لي إِلَى ذكرك قومِي قَالَ: بلَى هم وَالله هضبة ململمة الْعِزّ أَرْكَانهَا وَالْمجد أحضانها، تمكنت فِي الْحسب الْعد تمكن الْأَصَابِع فِي الْيَد فَقُمْت مسرعاً مَخَافَة أَن يفْسد عَليّ مَا سَمِعت.
(6/14)

قَالَ أَعْرَابِي لِقَوْمِهِ وَقد ضافوا بعض أَصْحَاب السُّلْطَان: يَا قوم لَا أغركم من نشاب مَعَهم فِي جعاب كَأَنَّهَا نيوب الفيلة وقسي كَأَنَّهَا العتل ينْزع أحدهم حَتَّى يتفرق شعر إبطه ثمَّ يُرْسل نشابه كَأَنَّهَا رشاء مُنْقَطع فَمَا بَين أحدكُم وَبَين أَن يصدع قلبه منزلَة! قَالَ: فصاروا وَالله رعْبًا قبل اللِّقَاء. ذكر أَعْرَابِي امْرَأَة فَقَالَ: رحم الله فُلَانَة إِن كَانَت لقريبة بقولِهَا بعيدَة بِفِعْلِهَا يكفها عَن الخنى أسلافها، ويدعونا إِلَى الْهوى كَلَامهَا كَانَت وَالله تقصر عَلَيْهَا الْعين وَلَا يخَاف من أفعالها الشين. وصف أَبُو الْعَالِيَة امْرَأَة فَقَالَ جَاءَ بهَا وَالله كَأَنَّهَا نُطْفَة عذبة فِي شن خلق ينظر إِلَيْهِ الظمآن فِي الهاجرة. وَقَالَ أَبُو عُثْمَان رَأَيْت عبدا أسود لبني أسيد قدم علينا من شقّ الْيَمَامَة فبعثوه ناطوراً وَكَانَ وحشياً يغرب فِي الْإِبِل فَلَمَّا رَآنِي سكن إِلَيّ، فَسَمعته يَقُول: لعن الله بلاداً لَيْسَ بهَا عرب قَاتل الله الشَّاعِر. حَيْثُ يَقُول: حر الثرى مستغرب التُّرَاب إِن هَذِه العريب فِي جَمِيع النَّاس كمقدار القرحة فِي جلد الْفرس فلولا أَن الله رق عَلَيْهِم فجعلهم فِي حشاه، لطمست هَذِه العجمان آثَارهم أَتَرَى الأعيار إِذا رَأَتْ الْعتاق لَا ترى لَهَا فضلا، وَالله مَا أَمر نبيه بِقَتْلِهِم إِلَّا لضنه بهم وَلَا ترك قبُول الْجِزْيَة مِنْهُم إِلَّا لتركها لَهُم. قَالَ حصن بن حُذَيْفَة: إيَّاكُمْ وصرعات الْبَغي وفضحات المزاح. وقف جَبَّار بن سلمى على قبر عَامر بن الطُّفَيْل فَقَالَ: كَانَ وَالله لَا يضل حَتَّى يضل النَّجْم وَلَا يعطش حَتَّى يعطش الْبَعِير، وَلَا يهاب حَتَّى يهاب السَّيْل،
(6/15)

وَكَانَ وَالله خير مَا يكون حِين لَا تظن نفس بِنَفس خيرا. قيل لشيخ: مَا صنع بك الدَّهْر فَقَالَ: فقدت الْمطعم وَكَانَ الْمُنعم واجمت النِّسَاء وَكن الشِّفَاء فنومي سبات وسمعي خفات وعقلي تارات. وَسُئِلَ آخر فَقَالَ: ضعضع قناتي وأوهن شواتي وجرأ عَليّ عداتي. صعد أَعْرَابِي منبراً فَلَمَّا رأى النَّاس يرمقونه صَعب عَلَيْهِ الْكَلَام فَقَالَ: رحم الله عبدا قصر من لَفظه، ورشق الأَرْض بلحظه، ووعى القَوْل بحفظه قدم وَفد من الْعرَاق على سُلَيْمَان بن عبد الْملك فَقَامَ خطيبهم فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا أَتَيْنَاك رهبة وَلَا رَغْبَة فَقَالَ سُلَيْمَان: فَلم جِئْت لَا جَاءَ الله بك. قَالَ: نَحن وُفُود الشُّكْر أما الرَّغْبَة فقد وصلت إِلَيْنَا فِي رحالنا، وَأما الرهبة فقد أمناها بعدلك، وَلَقَد حببت إِلَيْنَا الْحَيَاة، وهونت علينا الْمَوْت. فَأَما تحبيبك الْحَيَاة إِلَيْنَا فبمَا انْتَشَر من عدلك وَحسن سيرتك وَأما تهوينك علينا الْمَوْت فَلَمَّا نثق بِهِ من حسن مَا تخلفنا بِهِ فِي أعقابنا الَّذين تخلفهم عَلَيْك. فاستحيى سُلَيْمَان وَأحسن جائزته. ذكر أَعْرَابِي فِي ظلم وَال وليهم فَقَالَ: مَا ترك لنا فضَّة إِلَّا فضها وَلَا دهباً إِلَّا ذهب بِهِ، وَلَا غلَّة إِلَّا غلها، وَلَا ضَيْعَة إِلَّا أضاعها وَلَا عقارا إِلَّا عقره، وَلَا علقاً إِلَّا اعتلقه، وَلَا عرضا إِلَّا عرض لَهُ، وَلَا مَاشِيَة إِلَّا امتشها، وَلَا جَلِيلًا إِلَّا جله، وَلَا دَقِيقًا إِلَّا دقه. قَالَ عمر لعَمْرو بن معدي كرب: أَخْبرنِي عَن قَوْمك. فَقَالَ: نعم الْقَوْم قومِي، عِنْد الطَّعَام الْمَأْكُول، وَالسيف المسلول. دخل خَالِد بن صَفْوَان التَّمِيمِي على السفاح وَعِنْده أَخْوَاله من بني الْحَارِث بن كَعْب فَقَالَ: مَا تَقول فِي أخوالي؟ قَالَ: هم هَامة الشّرف وخرطوم الْكَرم، وغرس الْجُود إِن فيهم لخصالاً مَا اجْتمعت فِي غَيرهم من قَومهمْ إِنَّهُم لأطولهم أمماً، وَأكْرمهمْ شيماً، وأطيبهم طعماً، وأوفاهم ذمماً وأبعدهم همماً، هم الْجَمْرَة فِي الْحَرْب، والرفد فِي الجدب، وَالرَّأْس فِي كل خطب، وَغَيرهم
(6/16)

بِمَنْزِلَة الْعجب. فَقَالَ لَهُ: وصفت أَبَا صَفْوَان فأحسنت، فَزَاد أَخْوَاله فِي الْفَخر، فَغَضب أَبُو الْعَبَّاس لأعمامه فَقَالَ: أَفْخَر يَا خَالِد؟ فَقَالَ: أَعلَى أخوال أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ . قَالَ: نعم، وَأَنت من أَعْمَامه. فَقَالَ: وَكَيف أفاخر قوما هم بَين ناسج برد وسائس قرد، ودابغ جلد، وراكب عرد. دلّ عَلَيْهِم الهدهد، وغرقتهم فَأْرَة، وملكتهم امْرَأَة؟ فأشرق وَجه أبي الْعَبَّاس وَضحك. حدث أَن صبرَة بن شيمان الْحَرَّانِي دخل على مُعَاوِيَة، والوفود عِنْده فتكلموا فَأَكْثرُوا فَقَالَ صبرَة: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّا حَيّ فعال، ولسنا بحي مقَال وَنحن بِأَدْنَى فعالنا عِنْد أحسن مقالهم فَقَالَ: صدقت. يرْوى أَن مُعَاوِيَة قَالَ لدغفل: مَا تَقول فِي بني عَامر بن صعصعة؟ فَقَالَ: أَعْنَاق ظباء، وأعجاز نسَاء. قَالَ: فَمَا تَقول فِي بني تَمِيم؟ قَالَ: حجر أخشن إِن صادفته آذَاك، وَإِن تركته أعفاك. قَالَ: فَمَا تَقول فِي الْيمن؟ قَالَ: سيود أَبوك. قَالَ الجاحظ: رَأَيْت رجلا من غنى يفاخر رجلا من بني فَزَارَة ثمَّ أحد بني بدر بن عَمْرو، وَكَانَ الغنوي مُتَمَكنًا من لِسَانه، وَكَانَ الْفَزارِيّ بكياً. فَقَالَ الغنوي: ماؤنا بَين الرقم إِلَى كَذَا، وهم جيراننا فِيهِ، فَنحْن أقصر مِنْهُم رشاء، وأعذب مِنْهُم مَاء، لنا ريف السهول ومعاقل الْجبَال، وأرضهم سبخَة، ومياههم أملاح، وأرشيتهم طوال، وَالْعرب من عز بز فبعزنا مَا تخيرنا عَلَيْهِم، وبذلهم مَا رَضوا عَنَّا بالضيم. ذكر حجل بن نَضْلَة بَين يَدي النُّعْمَان مُعَاوِيَة بن شكل فَقَالَ: أَبيت اللَّعْن إِنَّه لقعو الأليتين، مقبل النَّعْلَيْنِ، مشاء بأقراء، تبَاع إِمَاء قتال ظباء. فَقَالَ النُّعْمَان: أردْت أَن تذيمه فمدهته.
(6/17)

لما ظفر الْمُهلب بالخوارج وَجه كَعْب بن معدان إِلَى الْحجَّاج فَسَأَلَهُ عَن بني الْمُهلب فَقَالَ: الْمُغيرَة فارسهم وسيدهم، وَكفى بِيَزِيد فَارِسًا شجاعاً، وسخيهم قبيصَة، وَلَا يستحي الشجاع أَن يفر من مدرك، وَعبد الْملك سم ناقع، وحبِيب موت ذعاف، وَمُحَمّد لَيْث غَابَ، وَكَفاك بالمفضل نجدة. قَالَ: فَكيف خلفت جمَاعَة النَّاس؟ قَالَ: خلفتهم بِخَير، قد أدركوا مَا أملوا، وأمنوا مَا خَافُوا قَالَ: وَكَيف كَانَ بَنو الْمُهلب فيهم؟ قَالَ: كَانُوا حماة السرج نَهَارا، فَإِذا اليلوا ففرسان البيات. قَالَ: فَأَيهمْ كَانَ أنجد؟ قَالَ: كَانُوا كالحلقة المفرغة لَا يدرى أَيْن طرفها. قَالَ: فَكيف كُنْتُم أَنْتُم وَعَدُوكُمْ؟ قَالَ: كُنَّا إِذا أَخذنَا عَفَوْنَا جدوا فيئسنا مِنْهُم، وَإِذا اجتهدوا واجتهدنا طمعنا فيهم. فَقَالَ الْحجَّاج: إِن الْعَاقِبَة لِلْمُتقين. كَيفَ أفلتكم قطري؟ قَالَ: كدناه بِبَعْض مَا كادنا بِهِ فصرنا مِنْهُ إِلَى الَّتِي نحب. قَالَ: فَهَلا اتبعتموه؟ قَالَ: كَانَ الْحَد عندنَا أثرا من الفل. قَالَ: فَكيف كَانَ لكم الْمُهلب وكنتم لَهُ؟ قَالَ: كَانَ لنا مِنْهُ شَفَقَة الْوَالِد، وَله منا بر الْوَلَد. قَالَ فَكيف اغتباط النَّاس؟ قَالَ فَشَا فيهم الْأَمْن وشملهم النَّفْل. قَالَ: أَكنت أَعدَدْت هَذَا الْجَواب؟ قَالَ: لَا يعلم الْغَيْب إِلَّا الله عز وَجل. فَقَالَ: هَكَذَا وَالله يكون الرِّجَال، الْمُهلب كَانَ أعلم بك حَيْثُ وَجهك. وَقَالَ عمر لمتمم بن نُوَيْرَة: إِنَّك لجزل، فَأَيْنَ كَانَ أَخُوك مِنْك؟ قَالَ:
(6/18)

كَانَ وَالله يخرج فِي اللَّيْلَة الصنبر يركب الْجمل الثفال، ومجنب الْفرس الحرور، وَفِي يَده الرمْح الخطي، وَعَلِيهِ الشملة الفلوت وَهُوَ بَين المزادتين حَتَّى يصبح، فَيُصْبِح مُتَبَسِّمًا. يرْوى أَن خَالِد بن صَفْوَان دخل على يزِيد بن الْمُهلب وَهُوَ يتغدى فَقَالَ: ادن، فَكل. فَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير لقد أكلت أَكلَة لست ناسيها. قَالَ: وَمَا أكلت؟ قَالَ: أتيت ضيعتي لإبان الأغراس، وَأَوَان الْعِمَارَة فَجلت فِيهَا جَوْلَة حَتَّى إِذا صحرت الشَّمْس، وأزمعت بالركود، ملت إِلَى غرفَة لي هفافة، فِي حديقة قد فتحت أَبْوَابهَا، ونضح بِالْمَاءِ جوانبها وفرشت أرْضهَا بألوان الرياحين من بَين ضيمران نافخ، وسمسق فائح، وأقحوان زَاهِر، وَورد ناضر، ثمَّ أتيت بِخبْز أرز كَأَنَّهُ قطع العقيق، وسمك جراني بيض الْبُطُون، زرق الْعُيُون، سود الْمُتُون، عراض السرر: غِلَاظ الْقصر، ودقة وخلول، ومرى وَبقول، ثمَّ أتيت برطب أصفر صَاف غير أكدر لم تبتدله الْأَيْدِي، وَلم تهتشمه كيل المكاييل، فَأكلت هَذَا ثمَّ هَذَا، قَالَ يزِيد: يَا بن صَفْوَان لِأَلف جريب من كلامك، خير من ألف جريب مزروع. علم الْمَنْصُور ابْنه صَالحا خطْبَة فَقَامَ بهَا فِي النَّاس فِي مَجْلِسه فَلم يشيع كَلَامه أحد خوفًا من الْمهْدي، فَبَدَأَ شبة بن عقال الْمُجَاشِعِي من الصَّفّ فَقَالَ: وَالله مَا رَأَيْتُك الْيَوْم خَطِيبًا أبل ريقاً وَلَا أنبض عروقاً وَلَا أثبت جناباً وَلَا أعذب لِسَانا، وَقَلِيل ذَلِك لمن كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبَاهُ وَالْمهْدِي أَخَاهُ، هُوَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر: هُوَ الْجواد فَإِن يلْحق بشاوهما ... على تكاليفه فَمثله لَحقا. . أَو يسبقاه على مَا كَانَ من مهل ... فَمثل مَا قدما من صَالح سبقا
(6/19)

فَاسْتحْسن كَلَامه وعلقه الْمَنْصُور بِيَدِهِ. وَمن الْأَخْبَار الْقَدِيمَة أَن لُقْمَان بن عَاد ولقيم ابْنه أغارا فأصابا إبِلا، ثمَّ انصرفا نَحْو أهلهما، فنحرا نَاقَة فِي منزل نزلاه. فَقَالَ لُقْمَان: أتعشى أم أعشى لَك؟ فَقَالَ لقيم أَي ذَلِك شِئْت. قَالَ لُقْمَان: اذْهَبْ فارع إبلك وعشها حَتَّى ترى النَّجْم قمة رَأس، وَحَتَّى ترى الجوزاء كَأَنَّهَا قطاً نوافر وَحَتَّى ترى الشعرى كَأَنَّهَا نَار، فإلا تكن عشيت فقد آنيت. قَالَ لَهُ لقيم: واطبخ أَنْت لحم جزورك فأز مَاء واغله حَتَّى ترى الكراديس كَأَنَّهَا رُؤُوس شُيُوخ صلع، وَحَتَّى ترى اللَّحْم يَدْعُو غطيفاً أَو غَنِيا أَو غطفان، فَإِن لم تكن أنضجت فقد آنيت. ذكر عِنْد عمر الزَّبِيب وَالتَّمْر أَيهمَا أطيب، فَقَالَ رجل: الحبلة أفضل أم النَّخْلَة؟ فَقَالَ: الزَّبِيب إِن آكله أضرس وَإِن أتركه أغرث لَيْسَ كالصقر فِي رُؤُوس الرقل الراسخات فِي الوحل، المطعمات فِي الْمحل تحفة الصَّائِم، وتحفة الْكَبِير وصمتة الصَّغِير وتعلة الصَّبِي وَنزل مَرْيَم ابْنة عمرَان، وينضج وَلَا يعْنى طابخه وتحترش بِهِ الضباب من الصلعاء. قَالَ: وَبعث رجل بَنِينَ لَهُ يرتادون فِي خصب فَقَالَ أحدهم: رَأَيْت بقلاً وَمَاء غيلاً، يسيل سيلاً، وخوصة تميل ميلًا، يحسبها الرائد لَيْلًا. وَقَالَ الثَّانِي: رَأَيْت دِيمَة على دِيمَة فِي عهاد غير قديمَة، تشبع مِنْهَا الناب قبل الفطيمة. وَقيل لبَعْضهِم: مَا وَرَاءَك؟ قَالَ: التُّرَاب يَابِس، وَالْأَرْض سراب، فَالْمَال عائس عَابس. قَالَ خَالِد للقعقاع: أنافرك على أَيّنَا أعظم للسجاح، وأطعن بِالرِّمَاحِ. وَأنزل بالبراح قَالَ: لَا بل عَن أَيّنَا أفضل أَبَا وَأما وجدا وَعَما، وقديماً وحديثاً. فَقَالَ خَالِد: أَعْطَيْت يَوْمًا من سَأَلَ وأطعمت حولا من أكل، وطعنت فَارِسًا طعنة
(6/20)

شَككت فَجَذَبَهُ بِجنب الْفرس، فَأخْرج الْقَعْقَاع نَعْلَيْنِ وَقَالَ: ربع عَلَيْهِمَا أبي أَرْبَعِينَ مرباعاً لم يثكل فِيهِنَّ تميمية ولدا. ذكر متمم بن نُوَيْرَة أَخَاهُ مَالِكًا فَقَالَ: كَانَ يخرج فِي اللَّيْل الصنبرة، عَلَيْهِ الشملة الفلوت، بَين المزادتين النضوحتين، على الْجمل الثفال، معتقل الرمْح الخطي فَيُصْبِح مُتَبَسِّمًا. وَسَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَمْرو بن الْأَهْتَم عَن الزبْرِقَان فَقَالَ: مَانع لحوزته، مُطَاع فِي أدنيه فَقَالَ الزبْرِقَان أما أَنه قد علم أَكثر مِمَّا قَالَ وَلكنه حسدني شرفي. فَقَالَ عَمْرو أما لَئِن قَالَ مَا قَالَ فوَاللَّه مَا عَلمته إِلَّا الضّيق العطن، زمر الْمُرُوءَة، لئيم الْخلق، حَدِيث الْغنى، فَلَمَّا رأى أَنه قد خَالف قَوْله الأول وَرَأى النكار فِي عين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: يَا رَسُول الله رضيت؟ فَقلت: بِأَحْسَن مَا علمت وغضبت، فَقلت: بأقبح مَا علمت. كَانَت خطْبَة النِّكَاح لقريش فِي الْجَاهِلِيَّة: بِاسْمِك اللَّهُمَّ ذكرت فُلَانَة، وَفُلَان بهَا شغوف لَك مَا سَأَلت، وَلنَا مَا أَعْطَيْت. دخل الْهُذيْل بن زفر على يزِيد بن الْمُهلب فِي حمالات لَزِمته، ونوائب نابته. فَقَالَ لَهُ: أصلحك الله قد عظم شَأْنك عَن أَن يستعان بك، ويستعان عَلَيْك، وَلست تصنع شَيْئا من الْمَعْرُوف وَإِن عظم إِلَّا وَأَنت أعظم مِنْهُ، وَلَيْسَ الْعجب أَن تفعل وَإِنَّمَا الْعجب أَلا تفعل. فَقَالَ يزِيد: حَاجَتك؟ فَذكرهَا، فَأمر لَهُ بهَا وبمائة ألف دِرْهَم فَقَالَ: أما الحمالات فقد قبلتها، وَأما المَال فَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعه. وَسَأَلَ عمر رَضِي الله عَنهُ عَمْرو بن معدي كرب عَن سعد فَقَالَ: خير أَمِير، نبطي فِي حبوته، عَرَبِيّ فِي نمرته أَسد فِي تامورته يعدل فِي الْقَضِيَّة، وَيقسم بِالسَّوِيَّةِ، ينْقل إِلَيْنَا حَقنا، كَمَا تنقل الذّرة. فَقَالَ عمر: لسر مَا تقارضتما الثَّنَاء. قيل لوَاحِد من الْعَرَب: أَيْن شبابك؟ فَقَالَ: من طَال أمده وَكثر وَلَده،
(6/21)

ودف عدده، وَذهب جلده، ذهب شبابه. وَقَالَ رجل من بني أَسد: مَاتَ لرجل منا ابْن، فَاشْتَدَّ جزعه عَلَيْهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ شيخ منا فَقَالَ: اصبر أَبَا مهدية فَإِنَّهُ فرط أفترطته، وَخير قَدمته، وَذخر أحرزته فَقَالَ مجيباً لَهُ، بل ولد ودفنته، وثكل تعجلته، وغيب وعدته، وَالله لَئِن لم أجزع من النَّقْص، لم أفرح بالمزيد. قَالَ ابْن أقيصر: خير الْخَيل الَّذِي إِذا استدبرته حنأ، وَإِذا استقللته أقعى، وَإِذا استعرضته اسْتَوَى، وَإِذا مَشى ردى، وَإِذا عدا دحا. وَنظر إِلَى خيل عبد الرَّحْمَن ابْن أم الحكم، فَأَشَارَ إِلَى فرس مِنْهَا فَقَالَ: تَجِيء هَذِه سَابِقَة، قَالُوا: وَكَيف ذَاك؟ قَالَ: رَأَيْتهَا مشت فكتفت، وخبت فوجفت وعدت فنسفت فَجَاءَت سَابِقَة. قَالَ الْحجَّاج لرجل من الأزد: كَيفَ علمك بالزرع؟ قَالَ: إِنِّي لَا أعلم من ذَلِك علما. قَالَ: فَأَي شَيْء خَيره؟ قَالَ: ماغلظ قصبته وأعتم نبته وعظمت حبته. قَالَ: فَأَي الْعِنَب خير؟ قَالَ: مَا غلظ عموده، واخضر عوده، وَعظم عنقوده. قَالَ: فَمَا خير التَّمْر؟ قَالَ: مَا غلظ لحاه ودق نَوَاه ورق سحاه. وَتكلم أهل التَّمْر وَأهل الزَّبِيب عِنْد عمر فَقَالَ: أرْسلُوا إِلَى أبي حثْمَة الْأنْصَارِيّ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لَيْسَ كالصقر فِي رُؤُوس الرقل الراسخات فِي الوحل، المطعمات فِي الْمحل، تعلة الصَّبِي، ينضج وَلَا يعْنى طابخه بِهِ، يحترش بِهِ الضَّب من الصلعاء، لَيْسَ كالزبيب الَّذِي إِن أَكلته ضرست، وَإِن تركته غرثت. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس لخَالِد بن صَفْوَان: يَا خَالِد إِن النَّاس قد أَكْثرُوا فِي النِّسَاء، فَأَي النِّسَاء أحب إِلَيْك؟ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أحبها لَيست بالضرع الصَّغِيرَة، وَلَا بالفانية الْكَبِيرَة وحسبي من جمَالهَا أَن تكون فخمة من بعيد، مليحة من قريب، أَعْلَاهَا قضيب. وأسفلها كثيب، غذيت فِي النَّعيم، وأصابتها
(6/22)

فاقة فأدبها النَّعيم، وأذلها الْفقر، لم تفتك فتمجن، الهلوك على زَوجهَا، الحصان من جارها، إِذا خلونا كُنَّا أهل دنيا، وَإِذا افترقنا كُنَّا أهل آخِرَة. قَالَ عمَارَة بن عقيل: أصابتنا سنُون ثَلَاث لم نحتلب فِيهِنَّ رئلاً، وَلم نلقح نَسْلًا، وَلم نَزْرَع بقلاً. تكلم الْوُفُود عِنْد عبد الْمُلُوك حَتَّى بلغ الْكَلَام إِلَى خطيب الأزد فَقَامَ فَقبض على قَائِم سَيْفه ثمَّ قَالَ: قد علمت الْعَرَب أَنا حَيّ فعال، ولسنا بحي مقَال، وَأَنا نجزى بفعلنا عِنْد أحسن قَوْلهم، ونعمل السَّيْف. فَمن مَال قوم السَّيْف أوده. وَمن نطق الْحق أرده. ثمَّ جلس. فَحفِظت خطبَته دون كل خطْبَة. قَالَ الْأَصْمَعِي: بَلغنِي عَن بعض الْعَرَب فصاحة فَأَتَيْته لأسْمع من كَلَامه فصادفته يخضب فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: إِن الخضاب لمن مُقَدمَات الضعْف، وَلَئِن كنت قد ضعفت فطالما مشيت أَمَام الجيوش وعدوت على صيد الوحوش ولهوت بِالنسَاء، واختلت فِي الرِّدَاء، وأرويت السَّيْف، وقريت الضَّيْف، وأبيت الْعَار، وحميت الْجَار، وغلبت القروم، وعاركت الْخُصُوم، وشربت الراح، ونادمت الجحجاج، فاليوم قد حناني الْكبر، وَضعف الْبَصَر، وَجَاءَنِي بعد الصفاء الكدر. قَالَ: سَمِعت أَعْرَابِيًا يُعَاتب أَخَاهُ وَيَقُول: أما وَالله لرب يَوْم كتنور الطهاة رقاص بالحمامة، قد رميت بنفسي فِي أجيج سمومه أتحمل مِنْهُ مَا أكره لما نحب. قَالَ روح بن زنباع لمعاوية: نشدتك الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن تحط مني شرفاً أَنْت رفعته، أَو أَن تهدم مني بَيْتا أَنْت شيدته، وَأَن تشمت بِي عدوا أَنْت قمعته. ذكر عَمْرو بن معد يكرب بني سليم فَقَالَ: بَارك الله على حَيّ بني سليم مَا أصدق فِي الهيجاء لقاؤها، وَأثبت فِي النَّوَازِل بلاؤها، وأجزل فِي النائبات عطاؤها، وَالله لقد قاتلتهم فَمَا أجبنتهم، وهاجيتهم فَمَا أفحمتهم وسألتهم فَمَا أبخلتهم. جرى بَين الخوات وَبَين جُبَير وَالْعَبَّاس بن مرداس كَلَام فَقَالَ خَوات: أما
(6/23)

وَالله لقد تعرضت لشبابي، وشبا أنيابي، وَحسن جوابي، لتكرهن غيابي. فَقَالَ عَبَّاس: أَنْت وَالله يَا خَوات لَئِن اسْتقْبلت لعني وفني، وذكا سني، لتنفرن مني. أإياي توعد يَا خَوات، يَا مأوى السوآت وَالله لقد استقبلك اللؤم فودعك، واستدرك فكسعك، وعلاك فوضعك، فَمَا أَنْت بمهجوم عَلَيْك من نَاحيَة إِلَّا عَن فصل أَو إيَّايَ ثكلتك أمك تروم وَعلي تقوم، وَالله مَا ميطت سوأتك بعد وَلَا ظَهرت مِنْهَا. فَقَالَ عمر: أَيهَا عنكما، إِمَّا أَن تسكتا، وَإِمَّا أَن أوجعكما ضربا. فصمتا وكفا. كَانَ الرّبيع بن ضبع من المعمرين وَدخل على عبد الْملك بن مَرْوَان فَقَالَ لَهُ عبد الْملك: وَأَبِيك يَا ربيع لقد طَلَبك جد غير عاثر ثمَّ قَالَ: فصل لي عمرك قَالَ: عِشْت مِائَتي سنة فِي الفترة من عِيسَى بن مَرْيَم وَعشْرين وَمِائَة فِي الْجَاهِلِيَّة وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَام فَقَالَ: أَخْبرنِي من فتية من قُرَيْش المتواطئ الْأَسْمَاء. قَالَ: سل عَن أَيهمْ شِئْت. قَالَ: أَخْبرنِي عَن عبد الله بن عَبَّاس قَالَ: فهم وَعلم وَعَطَاء، خدم ومقرىء ضخم. قَالَ: فَأَخْبرنِي عَن عبد الله بن عمر قَالَ: حلم وَعلم وَطول كظم، وَبعد عَن الظُّلم. قَالَ: فَأَخْبرنِي عَن عبد الله بن جَعْفَر قَالَ: رَيْحَانَة طيب رِيحهَا، لين مَسهَا، قَلِيل عَن الْمُسلمين ضرها. قَالَ: فَأَخْبرنِي عَن عبد الله بن الزبير. قَالَ: جبل وعر، تنحدر مِنْهُ على الصخر. قَالَ: لله دَرك يَا ربيع مَا أخْبرك بهم؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قرب جواري، وَكثر استخباري. كَانَ كَعْب بن لؤَي يقوم فِي النَّاس أيا م الْحَج فَيَقُول: أَيهَا النَّاس اسمعوا وأنصتوا وَاعْلَمُوا وتعلموا، ليل سَاج، ونهار ضاح وَالْأَرْض مهاد، وَالْجِبَال أوتاد والنجوم أَعْلَام، وَالْأُنْثَى وَالذكر زوج، روالآخرين كالأولين، وإلف يَلِي كل مَا يهيج، هَل رَأَيْتُمْ ظَاعِنًا رَجَعَ الدَّار أمامكم؟ وَالظَّن غير مَا تَقولُونَ، صلوا أَرْحَامكُم، واحفظوا أظهاركم، وثمروا أَمْوَالكُم. حرمكم زينوه وعظموه، تمسكوا بِهِ، فَسَيَأْتِي لَهُ نبأ وَيبْعَث بِهِ نَبِي. كَانَ قَابُوس بن مُنْذر ملكا مترفاً قَلِيل الْغَزْو، كثير اللَّهْو وَكَانَ لَهُ سمار، وَكَانَ يُحِبهُ أَن يعري بَين أَصْحَابه ليتسابوا، فَاجْتمع فِي مَجْلِسه أَرْبَعَة من رجال الْعَرَب مِنْهُم الْحصين بن ضرار الضَّبِّيّ، وأحمير بن بَهْدَلَة السَّعْدِيّ، وضمرة بن
(6/24)

جَابر النَّهْشَلِي وَعمارَة وَابْن رشد الْعَبْسِي فَقَالَ قَابُوس: يَا حُصَيْن إِن هَذَا وَأَشَارَ إِلَى ضَمرَة يزْعم أَنَّك غَانِم الفرى صيك الذَّر، إِنْزَال بالغموض، رعاء بالرفوض. فَقَالَ: أَيهَا الْملك إِن زعم ذَلِك فَإِنَّهُ خَبِيث الزَّاد، لاصق الرماد، قصير الْعِمَاد تبَاع للأذواد فَقَالَ ضَمرَة: وَالله أَيهَا الْملك إِنَّه لوعاء خطائط، وَزَاد مطائط. ولاج موارط، غير صميم لأواسط، ثمَّ أقبل على أُحَيْمِر فَقَالَ: إِن هَذَا وَأَشَارَ إِلَى عمَارَة يزْعم إِنَّك بقاق فِي النزى، كل على القوى، مَذْمُوم الشيم محجل الْبرم. فَقَالَ: أَبيت اللَّعْن أما إِنَّه إِن زعم ذَلِك فَإِنَّهُ لمناع للموجود سآل عَن الْمَفْقُود، بكاء على الْمَعْهُود، فناؤه وَاسع، وضيفه جَائِع، وشره شَائِع، وسره ذائع. فَقَالَ عمَارَة. هُوَ وَالله أَيهَا الْملك ذري المنظر سيء الْمخبر، لئيم المكسر يهلع إِذا أعْسر، وَيبْخَل إِذا أيسر، ويكذب إِذا أخبر. إِن عَاهَدَ غدر وَإِن أؤتمن ختر، وَإِن قَالَ أَهجر، وَإِن وعد أخلف، وَإِن سَأَلَ ألحف، يرى الْبُخْل حزماً، والسفاه حلما، والمرزئة كلما، فَقَالَ: قدك ألهمته. قَالَ رائد مرّة تركت الأَرْض مخضرة كَأَنَّهَا حولا بهَا قصيصة رقطاء، وعرفجة خاضبة، وعوسج كَأَنَّهُ النعام من سوَاده. وَقَالَ آخر فِي صفة نَاقَة إِذا اكحالت عينهَا وأللت أذنها وسجح خُذْهَا وهدل مشفرها واستدارت جمجمتها فَهِيَ كَرِيمَة.
(6/25)

الْبَاب الثَّانِي فقر وَحكم للأعراب
ذكرُوا أَن قوما أَضَلُّوا الطَّرِيق، فاستأجروا أَعْرَابِيًا يدلهم على الطَّرِيق، فَقَالَ: إِنِّي وَالله مَا أخرج مَعكُمْ حَتَّى أشرط لكم وَعَلَيْكُم. قَالُوا: فهات مَالك. قَالَ: يَدي مَعَ أَيْدِيكُم فِي الْحَار والقار. ولي مَوضِع فِي النَّار موسع عَليّ فِيهَا، وَذكر وَالِدي محرم عَلَيْكُم. قَالُوا: فَهَذَا لَك، فَمَا لنا عَلَيْك إِن أذنبت؟ قَالَ: إعراضة لَا تُؤدِّي إِلَى عتب، وهجرة لَا تمنع من مجامعة السفرة. قَالُوا: فَإِن لم تعتب؟ قَالَ: حذفة بالعصا أَصَابَت أم أَخْطَأت. كَانَ الرشيد معجباً بِخَط إِسْمَاعِيل بن صبح فَقَالَ لأعرابي حَضَره: صف إِسْمَاعِيل. فَقَالَ: مَا رَأَيْت أطيش من قلمه، وَلَا أثبت من حلمه. مدح أَعْرَابِي رجلا برقة اللِّسَان فَقَالَ: كَانَ وَالله لِسَانه أرق من ورقة، وألين من سَرقَة. وَقَالَ آخر: أتيناه فَأخْرج لِسَانه كَأَنَّهُ مِخْرَاق لاعب. نظر عمر بن الْخطاب إِلَى نهشل بن قطن وَكَانَ ملتفاً فِي بت فِي نَاحيَة الْمَسْجِد، وزاده آهبة وَقلة. وَعرف تَقْدِيم الْعَرَب لَهُ فِي الحكم وَالْعلم فَأحب أَن يكشفه ويسبر مَا عِنْده فَقَالَ: أَرَأَيْت لَو تنافرا إِلَيْك الْيَوْم لأيهما كنت تنفر، يَعْنِي عَلْقَمَة بن علاثة وعامر بن الطُّفَيْل. قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو قلت فيهمَا كلمة
(6/26)

لأعدتها جدعة قَالَ عمر: لهَذَا الْعقل تحاكمت إِلَيْك الْعَرَب. قَالَ عَامر بن الظرب: الرَّأْي نَائِم، والهوى يقظان فَمن هُنَاكَ يغلب الْهوى الداني. قَالَ أَعْرَابِي لهشام بن عبد الْملك بن مَرْوَان: أَتَت علينا أَعْوَام ثَلَاث، فعام أكل الشَّحْم، وعام أكل اللَّحْم، وعام أنتقي الْعظم، وعندكم فضول أَمْوَال، فَإِن كَانَت لله فأقسموها بَين عباد الله، وَلَو كَانَت لكم فتصدقوا، إِن الله يَجْزِي المتصدقين. قَالَ: هَل من حَاجَة غير ذَلِك؟ قَالَ: مَا ضربت إِلَيْك أكباد الْإِبِل، ادرع الهجير، وأخوض الدجى لخاص دون عَام. قيل لأعرابي: مَالك لَا تضع الْعِمَامَة عَن رَأسك؟ قَالَ: إِن شَيْئا فِيهِ السّمع وَالْبَصَر لحقيق بالصون. كَانَ هِشَام يسير وَمَعَهُ أَعْرَابِي إِذا انْتهى إِلَى ميل عَلَيْهِ كتاب، فَقَالَ للأعرابي أنظر أَي ميل هَذَا؟ فَنظر ثمَّ رَجَعَ. فَقَالَ: عَلَيْهِ محجن، وحلقة، وَثَلَاثَة كأطباء الكلبة وَرَأس كَأَنَّهُ منقار قطاة فَعرفهُ هِشَام بِصُورَة الهجاء وَلم يعرفهُ الْأَعرَابِي، وَكَانَ عَلَيْهِ خَمْسَة. قَالَ الْهَيْثَم بن عدي: يَمِين لَا يحلف بهَا الْأَعرَابِي أبدا أَن يَقُول لَهُ: لَا أورد الله لَك صادراً، وَلَا أصدر لَك وارداً، وَلَا حططت رحلك، وَلَا خلعت نعلك. خرج عُثْمَان من دَاره فَرَأى أَعْرَابِيًا فِي شَمله. فَقَالَ: يَا أَعْرَابِي أَيْن رَبك؟ قَالَ: بالمرصاد. وَكَانَ الْأَعرَابِي عَامر بن عبد قيس وَكَانَ ابْن عَامر سيره إِلَيْهِ. سَأَلَ الْحجَّاج أَعْرَابِيًا عَن أَخِيه مُحَمَّد بن يُوسُف فَقَالَ: كَيفَ تركته؟ قَالَ: عَظِيما سينماً قَالَ لَيْسَ عَن هَذَا أَسأَلك قَالَ تركته ظلوماًغشوماً قَالَ: أما علمت أَنه أخي؟ قَالَ: أتراه بك أعز مني بِاللَّه. قيل لشيخ من الْأَعْرَاب: قُمْت مقَاما مَا خفنا عَلَيْك مِنْهُ؟ قَالَ: الْمَوْت أخاذ
(6/27)

شيخ كَبِير، وَرب غَفُور لَا دين، وَلَا بَنَات. وَقَالَ آخر لبَعض السلاطين: أَسأَلك بِالَّذِي أَنْت بَين يَدَيْهِ، أدل مني بَين يَديك، وَهُوَ على عقابك أقدر مِنْك على عقابي، أَلا نظرت فِي أَمْرِي نظر من ير براءتي، أحب إِلَيْهِ من سقمي. قَالَ إِسْحَاق الْمدنِي: جلس إِلَى أَعْرَابِي فَقَالَ: إِنِّي أحب الْمعرفَة، وأجلك عَن الْمَسْأَلَة. حبس مَرْوَان بن الحكم رجلا من بني عبس فَأَتَاهُ بشيخ مِنْهُ فَكَلمهُ فِيهِ فَأبى أَن يُطلقهُ. فَقَالَ: أما وَالله لَئِن كنت حَبسته، لقد كَانَ تقياً، ذَا مُرُوءَة. قَالَ: وَمَا الْمُرُوءَة فِيكُم يَا أَخا بني عبس؟ قَالَ: صدق الحَدِيث وصلَة الرَّحِم، وَإِصْلَاح المَال. فأعجب مَرْوَان وَكَانَ إِذا أعجب الشَّيْء دَعَا لَهُ ابنيه عبد الْملك وَعبد الْعَزِيز ليسمعاه، قَالَ: فدعاهما ثمَّ استعاده، فَأَعَادَ الشَّيْخ القَوْل، وَحضر طَعَام مَرْوَان فَدَعَاهُ إِلَى طَعَامه فَلم يجبهُ، فَدَعَا ابْنا لَهُ كَانَ مَعَه فَأجَاب. قَالَ مَرْوَان لشيخ. ابْنك خير مِنْك يَا أَخا بني عبس، دعوناك إِلَى طعامنا فَلم تجب، ودعوناه فَأجَاب فَقَالَ الْعَبْسِي: مَا أَحْسبهُ ضرّ أَبَاهُ إِن كنت خيرا مِنْهُ. فَضَحِك مَرْوَان حَتَّى اسْتلْقى وَأطلق لَهُ صَاحبه. قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان لرجل من الْعَرَب: كَيفَ علمك بالكواكب؟ قَالَ: لَو لم أعرف مِنْهَا غير النَّجْم لكفاني، - يُرِيد نجم الثريا - فَقَالَ لَهُ: وَكَيف ذَاك؟ قَالَ: إِذا طلعت من الْمشرق حصدت زرعي، وَإِذا توسطت السَّمَاء جردت نخلي، وَإِذا سَقَطت فِي الغرب دفنت بذري، هَذَا تَدْبِير معيشتي. فَقَالَ عبد الْملك: حَسبك بهَا علما. قَالَ هِشَام لأعرابي: كَيفَ أفلت من فلَان عَامل لَهُ؟ قَالَ: ببراءته وعدله. وَقَالَ آخر: نعم أَخُو الشريف درهمه، يُغْنِيه عَن اللئام، ويتجمل بِهِ فِي الْكِرَام. دخل أَعْرَابِي على بعض الْوُلَاة فَقَالَ: مِمَّن الرجل؟ فَقَالَ: من قوم إِذا أَحبُّوا مَاتُوا. قَالَ: عُذْري وَرب الْكَعْبَة.
(6/28)

تَقول الْعَرَب: طلع النَّجْم غديه ... فابتغى الرَّاعِي شكيه طلع النَّجْم عشَاء ... فابتغى الرَّاعِي كسَاء يُرِيدُونَ الثريا، وَيَقُولُونَ فِي الْهلَال: ابْن لَيْلَة عتمه سخيله حل أَهلهَا برميلة. ابْن لَيْلَتَيْنِ، حَدِيث أمتين، بكذب ومين ابْن ثَلَاث، حَدِيث فتيات غير جد مؤتلفات. ابْن أَربع عتمة ربع، غير جَائِع وَلَا مرضع. ابْن خمس عشَاء خلفات قعس. ابْن سِتّ سر وَبت. ابْن سبع، دلجة الضبع. ابْن ثَمَان، قمر إِضْحِيَان، ابْن تسع، ملتقط مِنْهُ الْجزع، ابْن عشر يؤديك إِلَى الْفجْر. قَالَ أَعْرَابِي: مَا غبنت قطّ حَتَّى يغبن قومِي. قيل: وَكَيف؟ قَالَ: لَا أفعل شَيْئا حَتَّى أشاورهم. قَالَ أَعْرَابِي: وَرَأى إبل رجل كثرت بعد قلَّة، فَقيل لَهُ أَنه قد زوج أمه فَجَاءَتْهُ بِمَال. فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذ بك من بعض الرزق. سَأَلَ أَعْرَابِي رجلا حَاجَة فَمَنعه فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي أفقرني من مَعْرُوفك وَلم يعنك عَن شكري. قَالَ أَعْرَابِي لِابْنِهِ وَتكلم فأساء: اسْكُتْ يَا بني، فَإِن الصمت صون اللِّسَان وَستر العي. قَالَ آخر: ابذل لصديقك كل مَوَدَّة، وَلَا تبذل لَهُ كل طمأنينة واعطه من نَفسك كل مواساة، وَلَا تفض إِلَيْهِ بِكُل الْأَسْرَار. اجْتمع قوم بِبَاب الْأَوْزَاعِيّ يتذاكرون، وأعرابي من كلب سَاكِت، قَالَ لَهُ
(6/29)

رجل: بِحَق مَا سميتم خرس الْعَرَب. فَقَالَ: يَا هَذَا أما سَمِعت أَن لِسَان الرجل لغيره وسَمعه لَهُ. وَشتم رجل أَعْرَابِيًا فَلم يجبهُ فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ: أَنا لَا أَدخل فِي حَرْب الْغَالِب فِيهَا شَرّ من المغلوب. قَالَ أَعْرَابِي: أَكثر النَّاس بالْقَوْل مدل وبالفعل مقل. . وَقَالَ آخر: رب بعيد لَا يفقد بره، وَرب قريب لَا يُؤمن شَره. وَقَالَ آخر: أبين الْعَجز: قلَّة الْحِيلَة، وملازمة الحليلة. وَقَالَ آخر: ألم أكن نهيتك أَن تريق مَاء وَجهك بمسألتك من لَا مَاء فِي وَجهه؟ ! . وصف آخر عبد الله بن جَعْفَر فَقَالَ: كَانَ إِذا افْتقر نَفسه وَإِذا اسْتغنى لم يسْتَغْن وَحده. وَقَالَ آخر: أحسن الْأَحْوَال حَال يغبطك بهَا من دُونك، وَلَا يحقرك بهَا من فَوْقك. وصف آخر رجلا: إِن أَتَيْته احتجب، وَإِن غبت عَنهُ عتب وَإِن عاتبته غضب. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: سَمِعت أَعْرَابِيًا يَقُول: أعجز النَّاس من قصر فِي طلب الأخوان، وأعجز مِنْهُ من ظفر بِهِ مِنْهُم، ثمَّ ضيعهم. وَقَالَ آخر: لَو عاونني الْحَال مَا استبطأتك إِلَّا بِالصبرِ وَلَا استزدتك إِلَّا بالشكر. وَقَالَ آخر: إِن يسير مَال أَتَانِي عفوا لم أبذل فِيهِ وَجها، وَلم أبسط إِلَيْهِ كفا، وَلم أغضض لَهُ طرفا، أحب إِلَيّ من كثير مَال أَتَانِي بالكد، واستفراغ الْجهد. وَقَالَ آخر: لَا تصغر أَمر من حَارَبت أَو عاديت فَإنَّك إِن ظَفرت لم تحمد وَإِن عجزت لم تعذر.
(6/30)

هَنأ بَعضهم فَتى أَرَادَ الْبناء على أَهله فَقَالَ: بِالْبركَةِ وَشدَّة الْحَرَكَة وَالظفر فِي المعركة. قَالَ أَعْرَابِي وَقد نظر إِلَى دِينَار: قَاتلك الله مَا أَصْغَر قيمتك، وأكبر همتك. وَقَالَ آخر: اجْمَعُوا الدَّرَاهِم فَإِنَّهَا تلبس اليلمق: وَتطعم الجردق. قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: دفعت إِلَى نَاحيَة فِيهَا نفير من الْأَعْرَاب فرأيتها مُجْدِبَة فَقلت لبَعْضهِم مَا بلدكم هَذَا؟ فَقَالَ: لَا ضرع وَلَا زرع. قلت: فَكيف تعيشون؟ قَالَ: نحترش الضباب، ونصيد الدَّوَابّ فنأكلها، قلت: كَيفَ صبركم عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: يَا هَناه! نسْأَل خَالق الأَرْض. هَل سويت؟ فَيَقُول: بل رضيت. قَالَ أَعْرَابِي: هُوَ أمزح من المطل الْوَاجِد والظمآن الْوَارِد، والعقيم الْوَالِد. قَالَ أَعْرَابِي: الْعَزِيز منوع، والذليل قنوع، والواجد متحير. وَقَالَ آخر: عَلَيْك بالأدب فَإِنَّهُ يرفع العَبْد الْمُلُوك حَتَّى يجلسه فِي مجَالِس الْمُلُوك. قيل لبَعْضهِم: مَا بَال فلَان يتنقصك؟ قَالَ: لِأَنَّهُ شقيقي فِي النّسَب، وجاري فِي الْبَلَد، وشريكي فِي الصِّنَاعَة. وَقَالَ آخر: عباد الله، الحذر، الحذر، فوَاللَّه لقد ستر كَأَنَّهُ غفر. وشكا أَعْرَابِي ركود الْهَوَاء فَقَالَ: ركد حَتَّى كَأَنَّهُ أذن تسمع. وَقَالَ آخر: كل مَقْدُور عَلَيْهِ مختور أَو مَمْلُوك. لَقِي رجل أَعْرَابِيًا لم يكن يعرفهُ قَالَ لَهُ: كَيفَ كنت بعدِي؟ فَقَالَ لَهُ الْأَعرَابِي: وَمَا بعد مَالا قبل لَهُ.
(6/31)

قيل لأعرابي: أعْطى الْخَلِيفَة فلَانا مائَة ألف. قَالَ: بل أعطَاهُ إِيَّاه الَّذِي لَو شَاءَ لأعطاه مَكَانَهُ عقلا. قيل لأعرابي لَهُ أمة يُقَال لَهَا زهرَة: أَيَسُرُّك أَنَّك الْخَلِيفَة وَأَن زهرَة مَاتَت؟ قَالَ: لَا وَالله! قيل: وَلم؟ قَالَ: تذْهب الْأمة، وتضيع الْأمة. أَتَى الْحجَّاج بأعرابي فِي أَمر احْتَاجَ إِلَى مَسْأَلته عَنهُ، فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج: قل الْحق وَإِلَّا قتلتك. فَقَالَ لَهُ: اعْمَلْ أَنْت بِهِ فَإِن الَّذِي أَمر بذلك أقدر عَلَيْك مِنْك عَليّ. فَقَالَ الْحجَّاج: صدق، فخلوه. مدح أَعْرَابِي قوما فَقَالَ: يقتحمون الْحَرْب حَتَّى كَأَنَّمَا يلقونها بنفوس أعدائهم. قَالَ أَعْرَابِي فِي حكم جليس الْمُلُوك: أَن يكون حَافِظًا للسمر، صَابِرًا على السهر. وَقَالَ بَعضهم: قلت لأعرابي: كَيفَ رَأَيْت الدَّهْر؟ فَقَالَ: وهوبا لما سلب، سلوبا لما وهب، كَالصَّبِيِّ إِذا لعب. وَقَالَ أَعْرَابِي: لَا يقوم عَن الْغَضَب بذل الِاعْتِذَار. وَوصف آخر رجلا فَقَالَ: ذَاك مِمَّن ينفع سلمه، ويتواصف حلمه، وَلَا يستمرا ظلمه. وَقَالَ آخر: فلَان حتف الأقران غَدَاة النزال، وربيع الضيفان عَشِيَّة النُّزُول. وَقَالَ آخر: لكل كاس حاس، وَلكُل عَار كاس. وَقَالَ آخر: لَا أمس ليومه، وَلَا قديم لِقَوْمِهِ. وَقَالَ آخر: فلَان أفْصح خلق الله كلَاما، إِذا حدث، وَأَحْسَنهمْ استماعاً إِذا حدث، وأمسكهم عَن الملاحاة إِذا خُولِفَ، يُعْطي صديقه النَّافِلَة وَلَا يسْأَله الْفَرِيضَة، لَهُ نفس عَن العوراء محصورة وعَلى الْمَعَالِي مَقْصُورَة، كالذهب
(6/32)

الإبريز الَّذِي يعز فِي كل أَوَان وَالشَّمْس المنيرة الَّتِي لَا تخفى بِكُل مَكَان، هُوَ النَّجْم المضيء للجيران، والبارد العذب للعطشان. وَقَالَ آخر: فلَان لَيْث إِذا عدا، وغيث إِذا غَدا، وَبدر إِذا بدا، وَنجم إِذا هدى، وسم إِذا أردى. وَقَالَ آخر: الْفَقِير فِي الْأَهْل مصروم، والغني فِي الغربة مَوْصُول. وَقَالَ آخر: الاغتراب يرد الْجدّة ويكسب الْجدّة. وَقَالَ آخر: أعظم لخطرك، الآ ترى عَدوك أَنه لَك عَدو. قيل لأعرابي: كَيفَ أبنك؟ فَقَالَ: عَذَاب رعف بِهِ الدَّهْر، فليتني قد أودعته الْقَبْر، فَلِأَنَّهُ بلَاء لَا يقاومه الصَّبْر، وَفَائِدَة لَا يجب فِيهَا الشُّكْر. قَالَ أَعْرَابِي: لَا تضع سرك عِنْد من لَا سر لَهُ عنْدك. وَقَالَ آخر: من سعى رعى، وَمن لزم الْمَنَام رأى الأحلام. قَالَ أَعْرَابِي لرجل: وَيحك! إِن فلَانا وَإِن ضحك إِلَيْك فَإِن قلبه يضْحك مِنْك، وَلَئِن أظهر الشَّفَقَة عَلَيْك، فَإِن عقاربه لتسري إِلَيْك فَإِن لم تتخذه عدوا فِي علانيتك، فَلَا تَجْعَلهُ صديقا فِي سريرتك. وحذر آخر رجلا فَقَالَ: احذر فلَانا فَإِنَّهُ كثير الْمَسْأَلَة حسن الْبَحْث، لطيف الاستدراج، يحفظ أول كلامك على آخِره وَيعْتَبر مَا أخرت بِمَا قدمت فباثه مباثة الأَرْض، وَتحفظ مِنْهُ تحفظ الْخَائِف وَاعْلَم أَن من يقظة الْمَرْء إِظْهَار الْغَفْلَة مَعَ الحذر. قَالَ أَعْرَابِي: حاجيتك: مَا ذُو ثَلَاث آذان تسبق الْخَيل بالرديان؟ يَعْنِي: سَهْما. ومدح أَعْرَابِي نَفسه فَقيل لَهُ: أتمدح نَفسك؟ قَالَ: أفآكلها إِلَى غَيْرِي.
(6/33)

قَالَ آخر: أفآكلها إِلَى عَدو يذمني. وَقَالَ آخر: الْخَيل تجْرِي فِي المروج على أعراقها، وَفِي الحلبة على جدود أَرْبَابهَا، وَفِي الطّلب على إقبال فرسانها وَفِي الْهَزِيمَة على آجالهم. وَقَالَ آخر: حق الجليس إِذا دنا أَن يرحب بِهِ، وَإِذا جلس أَن يُوسع لَهُ، وَإِذا حدث أَن يقبل عَلَيْهِ. وَقَالَ آخر: هَلَاك الْوَلِيّ فِي صَاحب يحسن القَوْل وَلَا يحسن الْعَمَل. وَقَالَ أَعْرَابِي فِي الثَّنَاء على الرشيد عَام حج، قد أصبح المختلفون مُجْتَمعين على تقريظك ومدحك، حَتَّى أَن الْعَدو يَقُول اضطراراً مَا يَقُوله الْوَلِيّ اخْتِيَارا، والبعيد يَثِق من إنعامك عَاما، بِمَا يَثِق بِهِ الْقَرِيب خَاصّا. وَقَالَ آخر لِلْحسنِ بن سهل: قد أَصبَحت للخاصة عدَّة، وللعامة عصمَة، وَللْإِمَام ثِقَة، وللغني جمالاً، وللفقير ثمالاً. وَمن كَلَامهم: اندب إِلَى طَعَامك من تَدعُوهُ إِلَى جفانك. وَمِنْه: الْحِيلَة لعطف المتجني، أعْسر من نيل المتمني. وَمِنْه: الْعقل وَزِير نَاصح، والهوى وَكيل فاضح. وَقَالَ آخر لصَاحب لَهُ: لَا تقل فِيمَا لَا تعلم، فتتهم فِيمَا تعلم. وَقَالَ آخر: نبو النّظر عنوان الشَّرّ، وَقَالَ آخر: استشر عَدوك الْعَاقِل، وَلَا تستشر صديقك الأحمق، فَإِن الْعَاقِل يَنْفِي على رَأْيه الزلل، كَمَا يَتَّقِي الْوَرع على دينه الْحَرج. وَمن كَلَامهم: الحسود لايسود. وَمِنْه: الواقية خير من الراقية. وَقَالَ بَعضهم: لم تَجْتَمِع ضعفا إِلَّا قووا حَتَّى يمتعوا، وَلم يتفرقوا قَوِيا إِلَّا ضعفوا حَتَّى يخضعوا. قَالَ أَعْرَابِي: العبوس بؤس، والبشر بشرى، وَالْحَاجة تفتق الْحِيلَة وَالْحِيلَة تشحذ الطبيعة.
(6/34)

وَقَالَ آخر: مجالسة الأحمق خطر، وَالْقِيَام عَنهُ ظفر. قَالَ الْأَصْمَعِي: جلس إِلَى أَعْرَابِي تَقْتَحِمُهُ الْعين يحمي دربه. وَالله مَا ظننته يجمع بَين كَلِمَتَيْنِ فاستنطقته، فَإِذا نَار تأجج فَقلت: أتحسن شَيْئا من الْحِكْمَة تفِيد مِنْهُ؟ قَالَ: نعم، الرُّجُوع عَن الصمت أحسن من الرُّجُوع عَن الْكَلَام، والعطية بعد الْمَنْع، أجمل من الْمَنْع بعد الْعَطِيَّة، والإقدام على الْعَمَل بعد التأني فِيهِ، أحسن من الْإِمْسَاك عَنهُ بعد الْإِقْدَام عَلَيْهِ. قَالَ فَعظم فِي عَيْني حَتَّى مَلأ عَيْني وقلبي هَيْبَة. قَالَ أَعْرَابِي: الْعذر الْجَمِيل أحسن من المطل الطَّوِيل، فَإِذا أردْت الإنعام فانجح، فَإِن تَعَذَّرَتْ الْحَاجة فأفصح. قيل لأعرابي: مَا وقوفك هَا هُنَا؟ فَقَالَ: وقفت مَعَ أَخ لي يَقُول بِلَا علم، وَيَأْخُذ بِلَا شكر، وَيرد بِلَا حشمة. قَالَ أَعْرَابِي لآخر: لَا كل لسَانك عَن الْبَيَان، وَلَا أسكتك الزّجر والهوان. وَقَالَ آخر لرجل: حَاجَتي إِلَيْك حَاجَة الضال إِلَى المرشد، والمضل إِلَى المنشد. وَقَالَ آخر: بالفحول تدْرك الذحول. وَقَالَ آخر: أَنا أستنجدك إِذا كنت مُضَافا، وأسترفدك إِذا كنت مضيفاً. قيل لأعرابي: كَيفَ أَصبَحت؟ قَالَ: أَصبَحت أحتسب على الله الْحَسَنَة، وَلَا أحتسب على نَفسِي السَّيئَة. وَقَالَ آخر وَقد قيل لَهُ: أَيَسُرُّك أَنَّك أَحمَق وَأَن لَك مائَة ألف دِرْهَم؟ قَالَ: لَا. قيل: وَلم؟ قَالَ: لِأَن حمقة وَاحِدَة تَأتي على مائَة ألف، وَألْفي بعْدهَا أَحمَق. قَالَ آخر: من جاد بِمَالِه فقد جاد بِنَفسِهِ، إِلَّا يكن جاد بهَا فقد جاد بقوامها. وَقَالَ آخر: من هذل جَوَاده فِي الرخَاء، قَامَ بِهِ فِي الشدَّة.
(6/35)

ذكر رجل عِنْد أَعْرَابِي بِشدَّة الْعِبَادَة فَقَالَ: هَذَا وَالله رجل سوء يظنّ أَن الله لَا يرحمه حَتَّى يعذب هَذَا التعذيب. قَالَ رجل لشيخ بدوي: تمرنا أَجود من تمركم. فَقَالَ: تمرنا جرد فطس، عراض كَأَنَّهَا ألسن الطير، تمضغ التمرة فِي شدقك فتجد حلاوتها فِي عقبك. قَالَ أَعْرَابِي: سَأَلت فلَانا حَاجَة أقل من قِيمَته، فردني ردا أقبح من خلقته. وَقَالَ: مواقعة الرجل أَهله من غير عَبث من الْجفَاء. قيل لأعرابي: مَا تصنع بالبادية إِذا اشْتَدَّ القيظ وحمي الْوَطِيس. فَقَالَ: يمشي أَحَدنَا ميلًا، حَتَّى يرفض عرقاً ثمَّ ينصب عَصَاهُ، ويلقي عَلَيْهَا كَسَاه، فَكَأَنَّهُ فِي إيوَان كسْرَى. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت أَعْرَابِيًا يُصَلِّي ويسيء الصَّلَاة فَقَالَ لَهُ رجل: يَا أَعْرَابِي، أحسن صَلَاتك. فَقَالَ: إِن المطالب بهَا كريم. عَابَ أَعْرَابِي قوما فَقَالَ: هم أقل النَّاس ذنوباً إِلَى أعدائهم، وَأَكْثَرهم تجرماً على أصدقائهم، يَصُومُونَ عَن الْمَعْرُوف، ويفطرون على الْفَحْشَاء. وصف بعض الْأَعْرَاب النِّسَاء فَقَالَ: عَلَيْك مِنْهُنَّ بالجاليات الْعُيُون، الآخذات بالقلوب، بارع الْجمال، وَعظم الأكفال، وسعة الصُّدُور ولين الْبشرَة ورقة الأنامل وسبوطة الْقصب، وجزالة الأسوق، وجثولة الْفُرُوع، ونجالة الْعُيُون، وسهولة الخدود، وامتداد القوام، ورخامة الْمنطق، وَحسن الثغور، وَصغر الأفواه وصفاء الألوان. وصف أَعْرَابِي امْرَأَة: هِيَ خَالِيَة إِلَّا من أَلا وليت. قيل لأعرابي: كَيفَ كتمانك للسر؟ فَقَالَ: أجحد الْمخبر، وأحلف للمستخبر.
(6/36)

قيل لآخر: بِمَاذَا تغلب النَّاس؟ قَالَ: أبهت بِالْكَذِبِ، وأستشهد بالموتى. قَالَ الْأَصْمَعِي: سَأَلت أَعْرَابِيًا عَن الدُّنْيَا فَقَالَ: إِن الآمال قطعت أَعْنَاق الرِّجَال، كالسراب، غر من رَآهُ، وأخلف من رجاه، وَمن كَانَ اللَّيْل وَالنَّهَار مطيته، أَسْرعَا السّير بِهِ وَالْبُلُوغ. ثمَّ أنْشد يَقُول: الْمَرْء يدْفع بِالْأَيَّامِ يَدْفَعهَا ... وكل يَوْم مضى يدني من الْأَجَل ذكر أَعْرَابِي رجلا بقلة الْحيَاء فَقَالَ: لَو دقَّتْ بِوَجْهِهِ الْحِجَارَة لرضها وَلَو خلا بِالْكَعْبَةِ لسرقها. قيل لأعرابي: بِمَ سدت قَوْمك؟ قَالَ: بِحَسب لَا يطعن عَلَيْهِ، ورأي لَا يسْتَغْنى عَنهُ. قيل لآخر: بِمَ تعرفُون السؤدد فِي الْغُلَام؟ قَالَ: إِذا كَانَ سابل الْغرَّة، طَوِيل الغرلة، ملتاث الأزرة، وَكَانَت فِيهِ لوثة، فلسنا نشك فِي السؤدد. وَقَالَ آخر لسنان بن سَلمَة الْهُذلِيّ: مَا أَنْت بأرسخ فَتكون فَارِسًا، وَلَا بعظيم الرَّأْس فَتكون سيداً. وَقَالَ بَعضهم: نَحن لَا نسود إِلَّا من موطننا رَحْله، ولفرسنا عرضه ويملكنا مَاله. سَأَلَ أَعْرَابِي عَن رجل فَقَالَ: أَحمَق مَرْزُوق. فَقَالَ: وَالله ذَاك الرجل الْكَامِل. قَالَ الْأَصْمَعِي: سَمِعت أَعْرَابِيًا يَقُول: تمرنا جرد فطس، يغيب فِيهَا الضرس عراض كَأَنَّهَا ألسن الطير تضع التمرة فِي فِيك فتجد حلاوتها فِي كعبك. قَالَ أَعْرَابِي لِأَخِيهِ: إِن لم يكن مَالك لَك، كنت أَنْت لَهُ، فَإِن لم تفنه، أفناك، فكله قبل أَن يَأْكُلك.
(6/37)

وَحلف آخر فَقَالَ: لَا وَالَّذِي شقهن خمْسا من وَاحِد، وَأَشَارَ إِلَى كَفه، شقّ الرِّجَال للخيل، وَالْجِبَال للسيل. وَقَالَ آخر فِي رجل: صغره فِي عَيْني، كبر الدُّنْيَا فِي عينه. قيل لأعرابي: كَيفَ حزنك على ولدك؟ قَالَ: مَا ترك لنا حب الْغَدَاء وَالْعشَاء حزنا. قيل لرجل مِنْهُم كَانَ يجمع بَين ضرائر: كَيفَ تقدر على جمعهن قَالَ: كَانَ لنا شباب يظأرهن علينا، وَمَال يصيرهن لنا، ثمَّ قد بَقِي لنا خلق حسن، فَنحْن نتعايش بِهِ. قَالَ أَعْرَابِي: مَا تمّ عقل أحد، إِلَّا قل كَلَامه. وَقَالَ أَعْرَابِي: إِن فلَانا ليكنس على أَعْرَاض النّيل من غيظه. وَقَالَ آخر: مَعَ الشعاب التحاب، والافراط فِي الزِّيَارَة مُمل، والتفريط فِيهَا مخل. قدم أَعْرَابِي على السُّلْطَان وَمَعَهُ كتاب قد كتب فِيهِ قصَّته، فَجعل يَقُول: هاؤم اقْرَءُوا كِتَابيه. فَقيل لَهُ: هَذَا يُقَال يَوْم الْقِيَامَة. قَالَ: هَذَا وَالله شَرّ من يَوْم الْقِيَامَة، إِنَّه يُؤْتى يَوْم الْقِيَامَة بحسناتي وسيئاتي، وَأَنْتُم جئْتُمْ بسيئاتي، وتركتم حسناتي. قَالَ أَبُو العيناء: قلت لأعرابي: إِن الله محاسبك فَقَالَ: سررتني فَإِن الْكَرِيم إِذا حاسب تفضل. وَقَالَ مُعَاوِيَة لأعرابي: مَا الْعَيْش؟ قَالَ: ركُوب الْهوى وَترك الحيا. قيل لأعرابي وَقد عمر مائَة وَعشْرين سنة: مَا أطول عمرك؟ قَالَ: تركت الْحَسَد فَبَقيت.
(6/38)

حلف أَعْرَابِي بِالْمَشْيِ إِلَى بَيت الله أَلا يكلم ابْنه فحضرته الْوَفَاة فَقيل لَهُ: كَلمه قبل أَن تفارق الدُّنْيَا. قَالَ: وَالله مَا كنت قطّ أعجز عَن الْمَشْي إِلَى بَيت الله منى السَّاعَة. قَالَ عبد الْملك لأعرابي: تمن. قَالَ: الْعَافِيَة. قَالَ: ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ: رزق فِي دعة. قَالَ: ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ الخمول، فَإِنِّي رَأَيْت الشَّرّ إِلَى ذَوي النباهة أسْرع. قيل لأعرابي من بني يَرْبُوع: مالكم على مِثَال وَاحِد؟ قَالَ: لأَنا من بني فَحل وَاحِد. ذمّ أَعْرَابِي رجلا فَقَالَ: عَلَيْهِ كل يَوْم قسَامَة من فعله تشهد عَلَيْهِ بِفِسْقِهِ وشهادات الْأَفْعَال، أعدل من شَهَادَات الرِّجَال. وَذكر آخر رجلا بالعي فَقَالَ: رَأَيْت عورات النَّاس بَين أَرجُلهم وعورة فلَان بَين فَكَّيْهِ. وَقَالَ آخر لرجل دَفعه: لتجدني ذَا منْكب مزحم، وركن مدعم، وَرَأس مصدم، ولسان مرجم وَوَطْء ميثم. قَالَ الْأَصْمَعِي: نظر أَعْرَابِي إِلَى الْهلَال فَقَالَ: لَا مرْحَبًا بك عقفان يحل الدّين، وَيقرب الْآجَال. قيل لأعرابي: مَا تلبس؟ فَقَالَ: اللَّيْل إِذا عسعس، وَالصُّبْح إِذا تنفس. سُئِلَ أَعْرَابِي عَن ألوان الثِّيَاب فَقَالَ: الصُّفْرَة أشكل والحمرة أجمل والخضرة أنبل والسواد أهول وَالْبَيَاض أفضل. وصف أَعْرَابِي الْكتاب، وَقد دخل الدِّيوَان فَرَآهُمْ فَقَالَ: أَخْلَاق حلوة وسمائل معشوقة ووقار أهل الْعلم وظرف أهل الْفَهم فَإِن سبكتهم وَجَدتهمْ كالزبد يذهب جفَاء. وذم أَعْرَابِي رجلا فَقَالَ: عبد الْبدن، خَز الثِّيَاب، عَظِيم الرواق، صَغِير الْأَخْلَاق، الدَّهْر يرفعهُ وهمته تضعه.
(6/39)

قيل لأعرابي ينسج: أَلا تَسْتَحي أَن تكون نساجاً؟ فَقَالَ: إِنَّمَا أستحي أَن أكون أخرق لَا أَنْفَع أَهلِي. مد الْمَأْمُون يَده إِلَى الْأَعرَابِي ليقبلها فَتَنَاولهَا بكمه فَقَالَ: أتتقزز مِنْهَا؟ قَالَ: لَا بل أتقزز لَهَا. وصف أَعْرَابِي قوما فَقَالَ: هم كلاب وَفُلَان من بَينهم سلوتي. سُئِلَ رجل عَن نسبه فَقَالَ: أَنا ابْن أُخْت فلَان. فَقَالَ أَعْرَابِي: النَّاس ينتسبون طولا وَأَنت تنتسب عرضا. رأى أَعْرَابِي عوداً فَلَمَّا عَاد إلىالبادية وَصفه لأَصْحَابه فَقَالَ: رَأَيْت خشباً محدودب الظّهْر، أرسح الْبَطن، أكلف الْجلد، أجوف أغضف، جَبينه فِي استه، وَعَيناهُ فِي صَدره، وأمعاءه خَارج بَطْنه، بهَا يتَكَلَّم، وعينه تترجم، معروك الْأذن، مخنوق الْحلق. سُئِلَ آخر عَن امْرَأَته فَقَالَ: أفنان أثلة، وجنى نَخْلَة، وَمَسّ رَملَة وَكَأَنِّي قادم فِي كل سَاعَة من غيبَة. اجْتمع إعرابي مَعَ صَاحِبَة لَهُ فَلَمَّا قعد مِنْهَا مقْعد الرجل من امْرَأَته ذكر معاده فاستعصم وَقَالَ: إِن من بَاعَ جنَّة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض بِمِقْدَار فتر بَين رجليك، لقَلِيل الْبَصَر بالمساحة. اشْتَكَى أَعْرَابِي بالحضر فَقيل: مَا تشْتَهي؟ قَالَ: حشك فلاة، وحسي قلاة. قَالَ أَعْرَابِي لرجل: اكْتُبْ لِابْني تعويذاً. فَقَالَ: مَا اسْمه؟ قَالَ: فلَان قَالَ: فَمَا اسْم أمه؟ قَالَ: وَلم عدلت عَن اسْم أَبِيه؟ قَالَ: لِأَن الْأُم لَا يشك فِيهَا. قَالَ: فَاكْتُبْ: فَإِن كَانَ ابْني فعافاه الله، وَإِن لم يكن ابْني فَلَا شفَاه الله. قيل لأعرابي: مَا تَقول فِي إِبْنِ الْعم؟ قَالَ: عَدوك وعدو عَدوك. وَوعظ آخر ابْنا لَهُ أفسد مَاله فِي الشَّرَاب فَقَالَ: لَا الدَّهْر يعظك وَلَا الْأَيَّام تنذرك، وَلَا الشيب يزجرك، والساعات تعد عَلَيْك، والأنفاس تعد مِنْك والمنايا تقاد إِلَيْك، أحب الْأَمريْنِ إِلَيْك، أردهما بالمضرة عَلَيْك.
(6/40)

قيل لأعرابي: مَا تَقول فِي الجري. قَالَ: تَمْرَة نرسيانة غراء الطّرف، صفراء السائر، عَلَيْهَا مثلهَا من الزّبد، أحب إِلَيّ مِنْهَا وَلَا أحرمهُ. وَقَالَ آخر: كن حُلْو الصَّبْر عِنْد مر النَّازِلَة. وَمر أَعْرَابِي فِي أطمار رثَّة بِرَجُل فَقَالَ الرجل: وَالله مَا يسرني أَنِّي كنت ضيفك فِي لَيْلَتي هَذِه. فَقَالَ لَهُ الْأَعرَابِي: أما وَالله لَو كنت ضَيْفِي، لغدوت من عِنْدِي أبطن من أمك قبل أَن تضعك بساعة، أما الله إِنَّا وجدناك آكلكم للمأدوم، وأعطاكم للمحروم. قَالَ أَعْرَابِي: رب موثق مؤبق. قيل لآخر: أتشرب النَّبِيذ؟ فَقَالَ: وَالله مَا أرْضى عَقْلِي مجتمعاً فَكيف أفرقه؟ . وَقيل لآخر: أما تشرب؟ قَالَ: أَنا لَا أشْرب مَا يشرب عَقْلِي. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت أَعْرَابِيًا وَالْإِبِل قد مَلَأت الْوَادي فَقلت: لمن هَذِه؟ فَقَالَ: لله فِي يَدي. قَالَ أَبُو العيناء: أضفت أَعْرَابِيًا قدم من الْمَدِينَة، فَلَمَّا قعدنا نَأْكُل، جعلت أذكر غلاء السّعر فِي تِلْكَ السّنة، فَرفع الْأَعرَابِي يَده عَن الطَّعَام، وَقَالَ: لَيْسَ من الْمُرُوءَة ذكر غلاء الأسعار للضيف. فَقَامَ، فاجتهدت بِهِ أَن يَأْكُل شَيْئا فَأبى، وَانْصَرف. حكى عَن حُصَيْن بن أبي الْحر قَالَ: وفدت إِلَى مُعَاوِيَة فطلبت عَامر بن عبد قيس فَقَالَ لَا تريه بِالنَّهَارِ فَأَتَيْته عِنْد الْمغرب وَهُوَ يتعشى، فَسلمت عَلَيْهِ فَرد السَّلَام، وَلم يدعني إِلَى عشائه وَلم يسألني عَن أَهله، فَقلت: الْعجب مِنْك لم تدعني إِلَى عشائك وَلم تَسْأَلنِي عَن أحد من أهلك، فَقَالَ: أما عشائي فخشن، وَأَنت قد تعودت النِّعْمَة، فَكرِهت أَن أحملك من تجشمه على مَا يشق عَلَيْك. وَأما أَهلِي، فَأَنا أعرف أخبارهم، الْمَاضِي فَلَا يرجع إِلَيْهِم، وَأما الْبَاقِي فَلَا حق بِمن مضى مِنْهُم.
(6/41)

قَالَ الْأَصْمَعِي: سَمِعت أَعْرَابِيًا يَقُول: المعتذر من غير ذَنْب يُوجب الذَّنب على نَفسه. قَالَ: وَقلت لغلام عُذْري: مَا بَال الْعِشْق يقتلكم؟ قَالَ: لِأَن فِينَا جمالاً وعفة. قَالَ أَعْرَابِي: بلوت فلَانا فَلم يزدني اختباره إِلَّا اخْتِيَارا لَهُ. وَقَالَ آخر: هَلَاك الْوَالِي فِي صَاحب، يحسن القَوْل، وَلَا يحسن الْعَمَل. تكلم أَعْرَابِي فَقَالَ: لَا تنكحن وَاحِدَة فتحيض، إِذا حَاضَت، وتمرض إِذا مَرضت، وَلَا تنكحن اثْنَتَيْنِ، فَتكون بَين شرتين، وَلَا تنكحن ثَلَاثًا، فيفلسنك ويهزمنك، وينحلنك ويحظرنك. فَقيل لَهُ: حرمت مَا أحل الله. وَأثْنى أَعْرَابِي على رجل فَقَالَ: إِن خيرك لصريح، وَإِن مَنعك لمريح وَإِن رفدك لربيح. قيل لأعرابي: مَا أَعدَدْت للشتاء؟ فَقَالَ: جلة لبوضاً وصيصية سلوكاً، وشملة مكورة قويمصاً دفياً وناقة مجالحة. وَقيل لآخر: مَا أَعدَدْت للشتاء؟ فَقَالَ: شدَّة الرعدة وقرفصاء الْقعدَة، وذرب الْمعدة. وَقيل لآخر: كَيفَ الْبرد عنْدكُمْ؟ قَالَ: ذَاك إِلَى الرّيح. سمع عمر أَعْرَابِيًا يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر لأم أوفى. فَقَالَ: وَمن أم أوفى؟ قَالَ: امْرَأَتي وَأَنَّهَا لحمقاء مرغامة، أكول قامه، لاتبقى لَهَا حامة، غير أَنَّهَا حسناء فَلَا تفرك، وَأم غلْمَان فَلَا تتْرك. قَالَ أَبُو مهدى: تحرشت بِشُجَاعٍ فَخرج يطردني كَأَنَّهُ سهم رابح، ثمَّ استكف كَأَنَّهُ كفة فِي ميتَة، فانتظمت ثَلَاثَة إثنان أحدهن رَأسه. قَالَ الْأَصْمَعِي: كَانَت الْعَرَب تستعيذ من خمشة الْأسد، ونفثة الأفعى وضبطة الفالج.
(6/42)

قَالَ أَبُو زيد: رب غيث لم يَك غوثاً، وَرب عجلة نهب ريثاً. وَقَالَ آخر لرجل رَآهُ يذم قرَابَته: أما سَمِعت مَا يَقُول الْعَرَب، فَإِنَّهَا تَقول: الرَّحِم بكدرها والمودة بصفائها. قدم هَوْذَة بن عَليّ، على كسْرَى فَسَأَلَهُ عَن بنيه، فَذكر عددا، فَقَالَ: أَيهمْ أحب إِلَيْك؟ قَالَ: الصَّغِير حَتَّى يكبر، وَالْغَائِب حَتَّى يقدم، وَالْمَرِيض حَتَّى يَصح. فَقَالَ لَهُ كسْرَى: مَا غداؤك فِي بلدك؟ قَالَ: الْخبز. قَالَ كسْرَى لجلسائه: هَذَا عقل الْخبز يفضله على عقول أهل الْبَوَادِي، الَّذين يغتذون اللَّبن وَالتَّمْر. قَالَ الْأَصْمَعِي: كنت بالبادية فجَاء بِي أَعْرَابِي مَعَه عبد أسود فقلال: يَا حضري، أتكتب؟ قلت: أكتب: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من عرْفجَة التغلبي لميمون مَوْلَاهُ، إِنَّك كنت عبد الله فوهبك لي، فرددتك ووهبتك لواهبك للْجُوَاز على الصِّرَاط، قد كنت أمس لي، وَأَنت الْيَوْم مثلي وَلَا سَبِيل لي عَلَيْك إِلَّا سَبِيل وَلَاء. أَتَى مُعَاوِيَة بِرَجُل من جرهم قد أَتَت عَلَيْهِ الدهور فَقَالَ لَهُ: أَخْبرنِي عَمَّا رَأَيْت فِي سالف عمرك؟ قَالَ: رَأَيْت بَين جَامع مَالا مفرقاً، ومفرق مَالا مجموعاً، وَمن قوى يظلم، وَضَعِيف يظلم، وصغير يكبر، وكبير يهرم، وَحي يَمُوت، وجنين يُولد، وَكلهمْ بَين مسرور بموجود ومحزون بمفقود. قَالَ أَعْرَابِي: خرجنَا حُفَاة وَالشَّمْس فِي قلَّة السَّمَاء، حَيْثُ انتعل كل شَيْء ظله وَمَا زادنا إِلَّا التَّوَكُّل، وَمَا مطايانا إِلَّا الْأَجَل، حَتَّى لحقنا الْقَوْم. وصف آخر تعادى قوم، فَقَالَ: ألحاظهم سِهَام، وَأَلْفَاظهمْ سمام.
(6/43)

وَقَالَ آخر: هبت عَلَيْهِم ريح التعادي، فنسفتهم عَن النوادي والبوادي. وَقَالَ آخر: مَا النَّار باحرق للفتيلة، من التعادي للقبيلة. وَقَالَ آخر: مَعَ الْقَرَابَة والثروة، يكون التناكر والتحاسد وَمَعَ الغربة والخلة، يكون التناصر والتحاشد. وَقَالَ الْحجَّاج لأعرابي: أخطيب أَنا؟ قَالَ: نعم، لَوْلَا أَنَّك تكْثر الرَّد، وتشير بِالْيَدِ، وَتقول أما بعد. وَيَقُول الْأَعرَابِي لراعي إبِله إِذا استرعاه: إِن عَلَيْك أَن ترد ضَالَّتهَا، وَتَهْنَأ جرباتها، وتلوذ حَوْضهَا وتترك مبسوطة فِي الرُّسُل، مالم تنهك حَلبًا أَو تضر بِنَسْل. فَيَقُول لَهُ الرَّاعِي: لَيْسَ لَك أَن تذكر أُمِّي بِخَير وَلَا شَرّ، وَلَك حذفة بالعصا عِنْد غضبك أَخْطَأت أم أصبت، ولي مقعدين من النَّار مَوضِع يَدي من الْحَار. ذكر أَعْرَابِي السُّلْطَان فَقَالَ: أما وَالله لإن عزوا فِي الدُّنْيَا بالجور، لقد ذلوا فِي الْآخِرَة بِالْعَدْلِ. وَقَالَ آخر: الْعَاقِل بخشونة الْعَيْش مَعَ الْعُقَلَاء، آنس مِنْهُ بلين الْعَيْش مَعَ السُّفَهَاء. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت أَعْرَابِيًا يرْعَى غنما فَقلت لَهُ: أَنْت راعي هَذِه الْغنم؟ فَقَالَ: أَنا راعيها وَالله يرعاها. قَالَ الْمفضل: قلت لأعرابي: مَا البلاغة؟ قَالَ: الايجاز من غير عجز، والأطناب فِي غير خطل. وَكَانَ أَعْرَابِي يُجَالس الشّعبِيّ وَلَا يتَكَلَّم، فَسئلَ عَن طول صمته فَقَالَ: أسمع وَأعلم، واسكت فَأسلم. وصف آخر رجلا فَقَالَ: صَغِير الْقدر، قصير الشبر، ضيق الصَّدْر لئيم الْخَبَر، عَظِيم الْكبر، كثير الْفَخر.
(6/44)

قدم وَفد طَيء على مُعَاوِيَة فَقَالَ: من سيدكم الْيَوْم؟ قَالُوا: خُزَيْمٌ بن أَوْس بن حَارِثَة بن لَام، من احْتمل شَتمنَا، وَأعْطى سائلنا وحلم عَن جاهلنا، وأغتفر ضربنا إِيَّاه بعصينا. حلف أَعْرَابِي على شَيْء فَقيل لَهُ: قل إِن شَاءَ الله، فخضع نَفسه حَتَّى لصق بِالْأَرْضِ ثمَّ قَالَ: إِن شَاءَ الله تذْهب بِالْحِنْثِ، وترضى الرب، وترغم الشَّيْطَان، وتنجح الْحَاجة. قَالَ أَعْرَابِي لِابْنِ عَم لَهُ: مَالك أسْرع إِلَى مَا أكره من المَاء إِلَى قرارة وَلَوْلَا ضني بإخائك، لما أسرعت إِلَى عتابك، فَقَالَ الآخر: وَالله مَا أعرف تقصيراً فأقلع، وَلَا ذَنبا فأعتب، وَلست أَقُول لَك كذبت، وَلَا أقرّ إِنِّي أذنبت. وَقَالَ أَعْرَابِي: مَا زَالَ يعطيني حَتَّى حسبته يردعني، وَمَا ضَاعَ مَال أودع حمداً. وَقَالَ أَعْرَابِي: شَرّ المَال، مَالا أنْفق مِنْهُ، وَشر الأخوان الخاذل فِي الشدائد وَشر السُّلْطَان من أَخَاف البرى، وَشر الْبِلَاد مَا لَيْسَ فِيهِ خصب وَأمن. وَقَالَ: سَمِعت آخر يَقُول لِابْنِهِ: صُحْبَة بليد نَشأ مَعَ الْحُكَمَاء، خير من صُحْبَة لَبِيب نَشأ مَعَ الْجُهَّال. قَالَ أَعْرَابِي لِابْنِهِ: إياك يَا بني وسؤال البلغاء فِي الرَّد. قيل لإعرابي: كَيفَ كتمانك السِّرّ؟ قَالَ: مَا جوفي لَهُ إِلَّا قبر. وَأسر رجل إِلَى بَعضهم، ثمَّ قَالَ لَهُ: أفهمت؟ قَالَ: بل جهلت قَالَ: أحفظت؟ قَالَ: بل نسيت. قَالَ أَعْرَابِي من غطفان: لقد أَحْبَبْت امْرَأَة من بني ذهل بن شَيبَان، فَكنت أَنَام وقلبي طَائِر، وَأهب ودمعي قاطر. قيل لأعرابي: عَليّ من الْبرد أَشد؟ قَالَ: عَليّ خلق فِي خلق. قيل لطائي مرّة: إِن امْرَأَتك تبغضك. فَقَالَ: مَا أُبَالِي إِذا نلْت مِنْهَا ذُو أحب، أَن تنَال مني ذُو تكره. وَذُو فِي لُغَة طَيء: الَّذِي.
(6/45)

مدح أَعْرَابِي رجلا قَالَ: فَهُوَ أكسبكم للمعدوم، وآكلكم للمأدوم وأعطاكم للمحروم. قَالَ أَعْرَابِي: مَا رَأَيْت كفلان، إِن طلب حَاجَة، غضب قبل أَن يرد عَنْهَا وَإِن سُئِلَ، رد صَاحبهَا قبل أَن يفهمها. وذم آخر رجلا فَقَالَ: لم يقنع كمياً سَيْفا، وَلَا قرى يَوْمًا ضيفاً وَلَا حمدنا لَهُ شتاء وَلَا صيفاً.؟ ؟ ؟
(6/46)

الْبَاب الثَّالِث أدعية مختارة وَكَلَام للسؤال من الْأَعْرَاب وَغَيرهم
وقف أَعْرَابِي فِي بعض المواسم فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن لَك حقوقاً فَتصدق بهَا عَليّ، وَلِلنَّاسِ تبعات قبلي فتحملها عني، وَقد أوجبت لكل ضيف قرى، وَأَنا ضيفك فَاجْعَلْ قراي فِي هَذِه اللَّيْلَة الْجنَّة. قَالَ آخر لرجل سَأَلَهُ: جعل الله للخير عَلَيْك دَلِيلا، وَلَا جعل حَظّ السَّائِل مِنْك عذرة صَادِقَة. وَقَالَ آخر: اللَّهُمَّ لَا تنزلني مَاء سوء، فَأَكُون امرء سوء. وقف سَائل مِنْهُم فَقَالَ: رحم الله امرء أعْطى من سَعَة، وواسى من كفاف، وآثر من قوت. وَمن دُعَائِهِمْ: أعوذ بك من بطر الْغنى، وذلة الْفقر. وَقَالَ آخر: أعوذ بك من سقم وعدواه، وَذي رحم ودعواه، وَفَاجِر وجدواه، وَعمل لَا ترضاه. وَسَأَلَ أَعْرَابِي فَقَالَ لَهُ صبي فِي جَوف الدَّار. بورك فِيك، فَقَالَ: قبح الْفَم، لقد تعلم الشَّرّ صَغِيرا. ودعا آخر فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من طول الْغَفْلَة، وإفراط الفطنة، اللَّهُمَّ لَا تجْعَل قولي فَوق عَمَلي، وَلَا تجْعَل أَسْوَأ عَمَلي مَا قرب من أَجلي. وَقَالَ آخر: اللَّهُمَّ هَب لي حَقك وَارْضَ عني خلقك. وَقَالَ آخر: اللَّهُمَّ إِنَّك أمرتنا أَن نعفو عَمَّن ظلمنَا، فقد ظلمنَا أَنْفُسنَا. فَاعْفُ عَنَّا.
(6/47)

وَقَالَ آخر: اللَّهُمَّ امتعنا بخيارنا، وأعنا على شرارنا، وَاجعَل الْأَمْوَال فِي سمائحنا. وَقَالَ آخر: اللَّهُمَّ إِن كَانَ رِزْقِي فِي السَّمَاء فأنزله، وَإِن كَانَ فِي الأَرْض فَأخْرجهُ، وَإِن كَانَ بَعيدا فقربه، وَإِن كَانَ قَرِيبا فيسره، وَإِن كَانَ قَلِيلا فكثره، وَإِن كَانَ كثيرا فَبَارك فِيهِ. سمع عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ رجلا يَقُول فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من الأقلين. فَقَالَ لَهُ عمر: وَمَا هَذَا الدُّعَاء؟ قَالَ سَمِعت الله يَقُول: " وَقَلِيل ماهم " وَقَالَ ذكره جلّ وَعز: " وَمَا آمن مَعَه إِلَّا قَلِيل ". وَقَالَ تَعَالَى: " وَقَلِيل من عبَادي الشكُور ". فَقَالَ عمر: عَلَيْك من الدُّعَاء بِمَا يعرف. دَعَا الغنوي فِي حَبسه: أعوذ بك من السجْن وَالدّين، والغل والقيد والتعذيب والتحبيس، وَأَعُوذ بك من الْجور بعد الكور، وَمن سوء الْخلَافَة فِي النَّفس والأهل وَالْمَال، وَأَعُوذ بك من الْحزن وَالْخَوْف، وَأَعُوذ بك من الْهم وَالرّق، وَمن الْهَرَب والصلب، وَمن الاستخفاء، وَمن الاستخذاء، وَمن الأطراد والأعراب، وَمن الْكَذِب والعيضهة، وَمن السّعَايَة والنميمة، وَمن لؤم الْقُدْرَة ومقام الخزي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة: إِنَّك على كل شَيْء قدير. وَكَانَ بَعضهم يَقُول فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ احفظني من صديقي، وَكَانَ فِي دُعَاء آخر: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بواثق الثِّقَات. قَالَ أَعْرَابِي فِي دُعَائِهِ: تظاهرت على بادئ مِنْك النعم، وتكاثفت مني عنْدك الذُّنُوب، فأحمدك على النعم الَّتِي لايحصيها أحد غَيْرك، وأستغفرك من الذُّنُوب الَّتِي لَا يُحِيط بهَا إِلَّا عفوك. سَأَلت أعرابية فَقَالَت: سنة جردت، وأيد جمدت، وَحَال جهدت، فَهَل من آمُر بمير، أَو دَال على خير، أَو مُجيب بِخَير، رحم الله من رحم، وأقرض من لَا يظلم. قَالَ مَنْصُور بن عمار صَاحب الْمجَالِس: اللَّهُمَّ اغْفِر لأعظمنا جرما وأقسانا
(6/48)

قلباً، وأقربنا بالخطيئة عهدا، وأشدنا على الذَّنب إصراراً فَقَالَ لَهُ الخريمي وَكَانَ حَاضرا. امْرَأَتي طَالِق، إِن كنت أردْت غير إِبْلِيس. قَالَ: إِذا دعت الْأَعْرَاب لمسافر قَالُوا: اللَّهُمَّ قو ضعفته، واحرس غفلته، وَشد منته، اللَّهُمَّ اطو عَنهُ غول الأَرْض وهولها، وحببه إِلَى أَصْحَابه واحمله على ركابه، سلم لَهُ عصيها وقصبها، وألق عَلَيْهِ السخرة والبلاغ، وادرأ عَنهُ وعنها الْأَعْرَاض والأمراض، حَتَّى توديه سالما إِلَى سَالِمين. كَانُوا يَقُولُونَ: نَعُوذ بِاللَّه من ضَرْبَة الجبان، وضبطة الْأَعْمَى، وبادرة الصَّبِي، ودعوة الْبَخِيل، وضرط الرَّقِيب، ونادرة الْمَجْنُون، وذلة الْعَالم. قَالَ أَعْرَابِي فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ أرزقني صِحَة لَا تلهي، وغنى لَا يطغي وسريرة لَا فضيحة فِيهَا وَلَا شنعة، وَعَلَانِيَة لَا رِيَاء تطغي فِيهَا وَلَا سمعة. سَأَلَ رجل من بني كلاب مَعْرُوف النّسَب فَقَالَ: إِنِّي رجل من بلعنبر، ولي سنّ، وَبِي فقر وَعِنْدِي دُعَاء وشكر، وَفِي إعطائي أجر وَذخر. فَقيل لَهُ: أَنْت من بني كلاب وتتنسب إِلَى بلعنبر قَالَ: إِنَّه مقَام خزي، وهم لنا عَدو. فَأَحْبَبْت أَن يلحقهم عاره. دَعَا أَعْرَابِي فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أَن أفتقر فِي غناك، أَو أضلّ فِي هداك، أَو أذلّ فِي عزك، أَو أضام فِي سلطانك، أَو أضطهد وَالْأَمر لَك. قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: إِنِّي لواقف بِعَرَفَة وأعرابي إِلَى جَانِبي فَسَمعته يَقُول: اللَّهُمَّ قد أنضيت ظَهْري، وأبعدت مطلبي، ووقفت ببابك ضارعاً خاضعاً، فَإِن كنت لم تقبل تعبي ونصبي، فَلَا تحرمني أجر الْمُصَاب على مصابه. فَلَمَّا قربت الشَّمْس أَن تغرب قَالَ: اللَّهُمَّ عجت الْأَصْوَات بضروب اللُّغَات ليسألونك الْحَاجَات، وحاجتي إِلَيْك أَن لَا تنساني على طول الْبكاء إِذا نسيني أهل الدُّنْيَا.
(6/49)

سَأَلَ أَعْرَابِي قوما فَقَالَ: رحم الله امْرَءًا لم تمج أُذُنه كَلَامي، وَقدم لنَفسِهِ معَاذَة من سوء مقَامي، فَإِن الْبِلَاد مُجْدِبَة وَالدَّار مضيعة وَالْحَال مسبغة، وَالْحيَاء زاجر ينْهَى عَن كلامكم، والفقر عاذر يَدْعُو إِلَى إخباركم، وَالدُّعَاء إِحْدَى الصدقتين. فرحم الله امرء آسى بمير، أَو دَعَا بِخَير. فَقَالَ لَهُ رجل: مِمَّن يَا أَعْرَابِي؟ فَقَالَ: مِمَّن لَا تنفعكم مَعْرفَته وَلَا تضركم جهالته اللَّهُمَّ غفراً، إِن يَوْم الِاكْتِسَاب، يمْنَع من كرم الانتساب. دَعَا أَعْرَابِي فِي الْكَعْبَة فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّك عَالم بحوائجي فاقضها، وعارف بذنوبي فاغفرها. فَقيل لَهُ: اختصرت. فَقَالَ: لَا وَالله بل بالغت. وَقَالَ آخر فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الْخَوْف مِنْك، حِين يأمنك من لَا يعرفك، وَأَسْأَلك الْأَمْن مِنْك، حِين يخافك من يغتر بك. ودعا آخر فَقَالَ: اللَّهُمَّ فَمَا أعرف مُعْتَمدًا من زِيَارَة فاطلب، وَلَا أجد غنى فأترك فِي الْحجَّة، فَإِن أطنبت فِي سؤالك فلفاقتي إِلَى مَا عنْدك، وَإِن قصرت فِي دعائك فَلَمَّا تعودت من ابتدائك. قَالَت أعرابية عِنْد الْكَعْبَة: إلهي لَك أذلّ، وَعَلَيْك أدل. كَانَ من دُعَاء شُرَيْح: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الْجنَّة بِلَا عمل عملته، وَأَعُوذ بك من النَّار بِلَا ذَنْب تركته. يُقَال إِنَّه كَانَ من دُعَاء يُونُس فِي الظُّلُمَات: لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين، وَإِلَّا تغْفر لي وترحمني، أكن من الخاسرين، مسني الضّر وَأَنت أرْحم الرَّاحِمِينَ. قَالَ أَعْرَابِي فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من حَاجَة إِلَّا إِلَيْك، وَمن خوف إِلَّا مِنْك، وَمن طمع إِلَّا فِيمَا عنْدك. قَالَ الْأَصْمَعِي: سَمِعت أَعْرَابِيًا يَقُول وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة: إلهي {من أولى بالزلل وَالتَّقْصِير مني وَقد خلقتني ضَعِيفا، إلهي} من أولى بِالْعَفو عني مِنْك، وقضاؤك نَافِذ، وعلمك بِي مُحِيط، أطعتك بإذنك، والْمنَّة لَك عَليّ، وعصيتك بعلمك، وَالْحجّة لَك عَليّ، فبثبات حجتك وَانْقِطَاع حجتي، وبفقري
(6/50)

إِلَيْك وغناك عني، أَلا غفرت لي ذُنُوبِي. دَعَا أَعْرَابِي فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّك حصيت ذُنُوبِي فاغفرها، وَعرفت حوائجي فاقضها. وَكَانَ بَعضهم يَقُول فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ أَعنِي على ديني بديناً، وأعني على آخرتي بتقوى. ودعا آخر: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْفَاجِر وجدواه والغريم وعدواه، وَأَعُوذ بك من سقم، وعداوة ذِي رحم، وَعمل لَا ترضاه، اللَّهُمَّ أعوذ بك من الْفقر إِلَّا إِلَيْك، وَمن الذل إِلَّا لَك. سَأَلَ أَعْرَابِي قوما وهم فِي مُصِيبَة فَقَالُوا: مَا ترى شَغَلَتْنَا قَالَ: مَا بكم بدأت وَلَا إِلَيْكُم انْتَهَت. قَالَ الْأَصْمَعِي،: مر بِي يَوْمًا أَعْرَابِي سَائل فَقلت لَهُ: كَيفَ حالك؟ فَقَالَ: أسأَل النَّاس إجحافاً، ويعطوننا كرها، فَلَا يؤخرون مَا يُعْطون وَلَا يُبَارك لنا فِيمَا نَأْخُذ، والعمر بَين ذَلِك فَإِن وَالْأَجَل قريب والأمل بعيد. قَالَ الْأَصْمَعِي: اعترضنا أَعْرَابِي فِي طَرِيق مَكَّة فَقَالَ: هَل عَائِد عَليّ بِفضل، أَو مواس من كفاف؟ فَأمْسك عَنهُ الْقَوْم. فولى وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ لَا تكلنا إِلَى أَنْفُسنَا فنعجز، وَلَا إِلَى النَّاس فنضيع. وقف أَعْرَابِي على حَلقَة الْحسن فَقَالَ: رحم الله من عَاد بِفضل وواسى من كفاف، وآثر من مَعْرُوف فَقَالَ الْحسن: مَا بَقِي مِنْكُم أحدا. دَعَا عَمْرو بن عتبَة فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعنِي على الدُّنْيَا بالقناعة، وعَلى الدّين بالعصمة، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من طول الْغَفْلَة وإفراط الفطنة. اللَّهُمَّ لَا تجْعَل قولي فَوق عَمَلي، وَلَا تجْعَل أَسْوَأ عَمَلي مَا ولى أَجلي، اللَّهُمَّ إِنِّي أستغفرك مِمَّا أملك، وأستصفحك لما لَا أملك، اللَّهُمَّ لَا تجعلني مِمَّن إِن مرض شجن، وَإِن اسْتغنى فتن، وَإِن افْتقر حزن. سَأَلت أعرابية بِالْبَصْرَةِ فَقَالَت: يَا قوم! طرائد زمَان، وفرائس نازلة، نبذتنا
(6/51)

الرّحال، ونشرتنا الْحَال، وأطعمنا السُّؤَال، فَهَل من كاسب لأجر، أَو رَاغِب فِي ذخر. سَأَلَ أَعْرَابِي رجلا حَاجَة فَقَالَ: إذهب بِسَلام. فَقَالَ لَهُ: أنصفنا من ردنا فِي حوائجنا إِلَى الله. وَكَانُوا يستنجحون حوائجهم بِرَكْعَتَيْنِ يَقُولُونَ بعدهمَا: اللَّهُمَّ إِنِّي بك استفتح، وَبِك استنجح، وبحمد نبيك إِلَيْك أتوجه، اللَّهُمَّ ذلل لي صعوبته وَسَهل حزونته، وارزقني من الْخَيْر أَكثر مِمَّا أَرْجُو، واصرف عني من الشَّرّ أَكثر مِمَّا أَخَاف. ودعا بَعضهم فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من حَيَاة على غَفلَة، وَمن وَفَاة على غرَّة، وَمن مرد إِلَى حسرة، وَأَسْأَلك الْعَافِيَة من أَن أمل عافيتك وأكفر نِعْمَتك، أَو أنسى حسن بلائك، أَو أستبدل بِالسَّيِّئَةِ الْحَسَنَة. سَأَلَ أَعْرَابِي فَقَالَ: سنة حردت، وَحَال جهدت، وأيد حمدت، فرحم الله من يرحم. تَقول الْعَرَب فِي الدُّعَاء على الرجل: لَا طلبته الْخُيُول للغارة أَو يتكاره جَدب الزَّمَان وعَلى هَذَا الْمَعْنى حمل قَول الشَّاعِر: وجنبت الْخُيُول أَبَا زنيب ... وجاد على منازلك السَّحَاب دَعَا رجل لآخر فَقَالَ لَا جعل الله حَظّ السَّائِل مِنْك عذرة صَادِقَة دَعَا أَعْرَابِي أَبْطَأَ عَنهُ ابْنه فخاف عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن كنت أنزلت بِهِ بلَاء فَأنْزل مَعَه صبرا، وَإِن كنت وهبت لَهُ عَافِيَة فافرغ، عَلَيْهِ الشُّكْر، اللَّهُمَّ إِن كَانَ عذَابا فاصرفه، وَإِن كَانَ فلاحاً، فزد فِيهِ وهب لنا الصَّبْر عِنْد الْبلَاء وَالشُّكْر عِنْد الرخَاء.
(6/52)

كَانَ قيس بن سعد يَقُول: اللَّهُمَّ ارزقني مجداً وحمداً، فَلَا حمد إِلَّا بفعال، وَلَا مجد إِلَّا بِمَال. اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من فقر مكب، وضرع إِلَى عير مخب. كَانَ مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر يَقُول: اللَّهُمَّ قو فرحي بأهلي، فَإِنَّهُ لَا قوام لَهُم إِلَّا بِهِ. قَالَ بَعضهم: كنت مَعَ سعيد بن عبد الْملك فقصدت لَهُ أعرابية تُرِيدُ أَن نَسْأَلهُ فمنعت مِنْهُ، فَلم تزل تحتال حَتَّى وقفت عَلَيْهِ، فَقَالَت أَبَا عُثْمَان: حياك من لم تكن ترجو تحيته ... لَوْلَا الْحَوَائِج مَا حياك إِنْسَان وَسَأَلت أعرابية الْمَنْصُور فِي طَرِيق مَكَّة، فَمنعهَا فَقَالَت متمثلة: الطَّوِيل: إِذا لم يكن فيكُن ظلّ وَلَا جنى ... فأبعدكن الله من شجرات وَسَأَلته أُخْرَى فَمنعهَا، فَقَالَت: دنوك إِن كَانَ الدنو كَمَا أرى ... علىّ وَبعد الدَّار مستويان زَعَمُوا أَن الْحُسَيْن الْخَادِم أَطَالَ الْجُلُوس عِنْد الواثق فَقَالَ: أَلَك حَاجَة؟ فَقَالَ: أما إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَا، وَلَكِن إِلَى الله فِيهِ، وَهِي أَن يُطِيل بَقَاءَهُ ويديم نعماءه. قَالَ الْحُسَيْن بن وهب: شكرت ابْن أبي دَاوُد فَقَالَ لي: أحوجك الله إِلَى أَن تعلم مَالك عِنْد صديقك. قَالَ رجل لرجل: سترك الله. فَقَالَ: وَإِيَّاك فَستر، وَلَا جعل مَا تَحت السّتْر مَا يكره، فكم مَسْتُور مِنْهُ على مَا يكرههُ الله. قَالَ الْأَصْمَعِي كَانَ من دُعَاء أبي الْمُجيب: اللَّهُمَّ اجْعَل خير عَمَلي مَا قَارب أَجلي. وَكَانَ يَقُول: اللَّهُمَّ لَا تكلنا إِلَى أَنْفُسنَا فنعجز، وَلَا إِلَى النَّاس فنضيع. وَقَالَ أَبُو زيد: وقف علينا أَعْرَابِي فِي حَلقَة يُونُس فَقَالَ: الْحَمد لله كَمَا هُوَ
(6/53)

أَهله، ونعوذ بِاللَّه أَن أذكر بِهِ وأنساه، خرجنَا من الْمَدِينَة مَدِينَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاثُونَ رجلا مِمَّن أخرجته الْحَاجة، وَحمل على الْمَكْرُوه لَا يمرضون مريضهم، وَلَا يدفنون ميتهم، وَلَا ينتقلون من منزل إِلَى منزل، وَإِن كرهوه، وَالله يَا قوم، لقد جعت حَتَّى أكلت النَّوَى المحرق، وَلَقَد مشيت حَتَّى انتعلت الدَّم، وَحَتَّى خرج من قدمي لحم كثير. أَفلا رجل يرحم ابْن سَبِيل، أذلّ طَرِيق، ونضو سفر، فَإِنَّهُ لَا قَلِيل من الْأجر، وَلَا غنى عَن الله عز وَجل، وَلَا عمل بعد الْمَوْت، وَهُوَ يَقُول جلّ ذكره " من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا فيضاعفه " ملي، وَفِي، ماجد، وَاجِد لَا يستتقرض من عوذ وَلكنه يبلو الأخيار. قَالَ فبلغني أَنه لم يبرح حَتَّى أَخذ سِتِّينَ دِينَارا. وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: سَمِعت سَوْدَاء بِعَرَفَة تَقول: يَا حسن الصُّحْبَة: أَسأَلك سترا لَا تهتكه الرِّيَاح، وَلَا تخرقه الرماح. كَانَ من دُعَاء ابْن السماك: اللَّهُمَّ إِنَّا نحب طَاعَتك وَإِن قَصرنَا، ونكره معصيتك وَإِن ركبناها، اللَّهُمَّ فتفضل علينا بِالْجنَّةِ وَإِن لم نَكُنْ أَهلهَا، وخلصنا من النَّار وَإِن كُنَّا قد استوجبناها. ووقفت امْرَأَة من الْأَعْرَاب من هوَازن على عبيد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة فَقَالَت أصلحك الله، أَقبلت من أَرض شاسعة، يرفعني رَافِعَة، ويخفضني خافضة بملمات من الْبلَاء، وملمات من الدهور برين عظمي، وأذهبن لحمي، وتركنني ولهة أَمْشِي بالحضيض، وَقد ضَاقَ بِي الْبَلَد العريض، لَا عشيرة تحميني، وَلَا حميم يَكْفِينِي، فَسَأَلت فِي أَحيَاء الْعَرَب من المرجو سيبه، الْمَأْمُون عَيبه، المكفي سائله، الْكَرِيمَة شمائله، المأمول نائله، فأرشدت إِلَيْك، وَأَنا امْرَأَة من هوَازن، مَاتَ الْوَالِد وَغَابَ الرافد، وَأَنت بعد الله غياثي، ومنتهى أملي، فَاصْنَعْ إِلَيّ إِحْدَى ثَلَاث: إِمَّا أَن تقيم أودي، أَو تحسن صفدي، أَو تردني إِلَى
(6/54)

بلدي. قَالَ: بل: أجمعهن لَك وَحيا. ووقفت أعرابية على قوم فَقَالَت: بَعدت مشقتي، وَظَهَرت محارمي، وَبَلغت حَاجَتي إِلَى الرمق، وَالله سَائِلكُمْ عَن مقَامي. وَسَأَلت أُخْرَى فَقَالَت: ساءلتكم، فسؤلكم الْقَلِيل الَّذِي يُوجب لكم وَالْكثير، رحم الله وَاحِدًا أعَان محقاً. ووقفت أُخْرَى فَقَالَت: يَا قوم، تغير بِنَا الدَّهْر إِذْ قل منا الشُّكْر ولزمنا الْفقر، فرحم الله من فهم بِالْعقلِ، وَأعْطى من فضل، وآثر من كفاف، وأعان على عفاف. كَانَ بَعضهم يَقُول: اللَّهُمَّ قني عثرات الْكِرَام. وَكَانَ بعض السّلف يَقُول: اللَّهُمَّ أحملنا من الرجلة، وأغننا من الْعيلَة. وَسَأَلَ أَعْرَابِي فَقيل لَهُ: بورك فِيك ونوالي عَلَيْهِ ذَلِك من غير مَكَان فَقَالَ: وكلكم الله إِلَى دَعْوَة لَا تحضرها نِيَّة. وَقَالَ بَعضهم: اللَّهُمَّ أَعنِي على الْمَوْت وكربته، وعَلى الْقَبْر وغمته، وعَلى الْمِيزَان وحقته، وعَلى الصِّرَاط وذلته، وعَلى يَوْم الْقِيَامَة وروعته. وَقَالَ آخر: اللَّهُمَّ أغنني بالإفتقار إِلَيْك، وَلَا تفقرني بالاستغناء عَنْك. وَقَالَ آخر: اللَّهُمَّ أَعنِي على الدُّنْيَا بالقناعة، وعَلى الدّين بالعصمة. وَقَالَ آخر: اللَّهُمَّ أمتعنا بخيارنا، وأعنا على أشرارنا، وَاجعَل المَال فِي سمحائنا. وَلما ولي مَسْرُوق السلسلة انبرى لَهُ شَاب فَقَالَ لَهُ: وقاك الله خشيَة الْفقر، وَطول الأمل، وَلَا جعلك ذُرِّيَّة للسفهاء، وَلَا شيناً للفقهاء.
(6/55)

وَقَالَ أَعْرَابِي فِي دُعَائِهِ! اللَّهُمَّ لَا تحيني وَأَنا أرجوك، وَلَا تعذبني وَأَنا أَدْعُوك، اللَّهُمَّ قد دعوتك كَمَا أَمرتنِي، فأجبني كَمَا وَعَدتنِي. وَقَالَت امْرَأَة من الْأَعْرَاب: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من شَرّ قُرَيْش وَثَقِيف وَمَا جمعت من اللفيف، وَأَعُوذ بك من ملك امْرَأَة، وَمن عبد مَلأ بَطْنه. كَانَ قوم فِي سفينة فهاجت الرّيح فَقَالَ رجل مِنْهُم: اللَّهُمَّ إِنَّك أريتنا قدرتك، فأرنا رحمتك. وَرَأى آخر رجلا سَائِلًا يسْأَل يَوْم عَرَفَة فَقَالَ: أيهذا إلام تسْأَل غير الله؟ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: " كم من أَشْعَث أغبر ذِي طمرين لَا يؤبه لَهُ، لَو أقسم على الله لَأَبَره، مِنْهُم الْبَراء بن مَالك، فَاجْتمع إِلَيْهِ النَّاس وَقد دهمهم الْعَدو، فأقسم على الله فمنحهم الله أكتافهم. ودعا سعيد بن الْمسيب فَقَالَ رغبك الله فِيمَا أبقى، وزهدك فِيمَا يفنى، ووهب لَك الْيَقِين الَّذِي لَا تسكن النُّفُوس إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا تعول فِي الدّين إِلَّا عَلَيْهِ. وَكَانَ مطرف يَقُول: اللَّهُمَّ إِنَّك أمرتنا بِأَمْرك، وَلَا نقوى عَلَيْهِ إِلَّا بعونك، ونهيتنا عَمَّا نَهَيْتنَا عَنهُ، وَلَا ننتهي عَنهُ إِلَّا بعصمتك، وَاقعَة علينا حجتك، غير معذورين فِيمَا بَيْننَا وَبَيْنك، وَلَا منجوسين فِيمَا عَملنَا لوجهك. ودعا أَعْرَابِي فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْفقر المدقع، والذل المضرع. وَقَالَ آخر وَقد سمع صَوت الصَّوَاعِق: اللَّهُمَّ إِن كَانَ عذَابا فاصرفه، وَإِن كَانَ صلاحاً فزد فِيهِ، وهب لنا الصَّبْر عِنْد الْبلَاء، وَالشُّكْر عِنْد الرخَاء، اللَّهُمَّ إِن كَانَت محنة فَمن علينا بالعصمة، وَإِن كَانَت عقَابا فَمن علينا بالمغفرة.
(6/56)

قَالَ طَاوُوس: يَكْفِي من الدُّعَاء مَعَ الْوَرع، مَا يَكْفِي الْعَجِين من الْملح. دَعَا أَعْرَابِي فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الْبَقَاء، والنماء وَحط الْأَعْدَاء، وَطيب الإتاء. وقف أَعْرَابِي فِي جَامع الْبَصْرَة فَقَالَ: أما بعد فَإنَّا أَبنَاء السَّبِيل، وأنضاء الطَّرِيق، تصدقوا علينا فَإِنَّهُ لَا قَلِيل من الْأجر، أما وَالله إِنَّا لَا نقوم هَذَا الْمقَام، وَفِي الصُّدُور حزازة، وَفِي الْقلب غُصَّة. قَالَ الْأَصْمَعِي: سَمِعت أَعْرَابِيًا على بَاب الْكَعْبَة وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ سَائِلك ببابك نفدت أَيَّامه، وَبقيت آثامه، وانقطعت شهواته، وَبقيت تبعاته، اللَّهُمَّ فَاغْفِر لي، فَإِن تغْفر لي، فَاعْفُ عني فَرُبمَا عَفا المليك عَن مَمْلُوكه وَهُوَ مغضبه. وَقَالَ وَسمعت آخر وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من المفر مِنْك وَمن الذل إِلَّا لَك، وَمن التعزز إِلَّا بك، فَأعْطِنِي الْخَيْر، واجعلني لَهُ آهلاً، وجنبني الشَّرّ، وَلَا تجعلني لَهُ مثلا. وَقَالَ: وَسمعت آخر يَدْعُو فِي يَوْم عَرَفَة يَقُول: اللَّهُمَّ لَا تحرمني خير مَا عنْدك، لسوء مَا عِنْدِي، وَإِن كنت لَك تقبل تعبي ونصبي، فَلَا تحرمني أجر الْمُصَاب على مصيبته. وقف أَعْرَابِي على قوم فَسَأَلَهُمْ فانتهروه فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك من القناعة مَا يقلل عِنْدِي الْمُسْتَفَاد، ويهون عَليّ الأسف على مَا فَاتَ ثمَّ أقبل على الْقَوْم وَقَالَ: وَأَنْتُم فحرمكم الله من الشُّكْر مَا تستوجبون بِهِ الزِّيَادَة. وقف أَعْرَابِي على قوم فَقَالَ: أَخ فِي كتاب الله، وجار فِي بِلَاد الله وطالب إِلَيْكُم من رزق الله، فَهَل من أَخ موَات فِي ذَات الله؟ ! . كَانَ يُوسُف بن الْحُسَيْن المرازي يَقُول فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنِّي
(6/57)

نصحت النَّاس قولا، وخنت نَفسِي فعلا، فَهَب خيانتي لنَفْسي لنصيحتي للنَّاس. دع أَعْرَابِي فَقَالَ: يارب إِن كنت تدع رِزْقِي لهواني عَلَيْك، فنمروذ كَانَ أَهْون مني، وَإِن كنت تَدعه لكرامتي عَلَيْك، فسليمان كَانَ أكْرم مني. حج رجل من الْأَعْرَاب فَقَالَ: اللَّهُمَّ حضرني إِلَيْك الرغب والرهب فأدأبت النَّهَار، وأسأدت اللَّيْل، غير وعد وَلَا رسل أصل الجعجاع، وأدمن الإيضاع، فأنقيت الْخُف، وبريت الْعظم، وأكلت السنام، لَك بذلك الإمتنان، وَفِي قديم إِلَيّ مِنْك الْإِحْسَان، أَنا ضيفك أَرْجُو قراك، فلينلني عفوك وليسعني فضلك، اللَّهُمَّ أحيني الْعَاقِبَة، والغفران، يَا إِلَه الطول وَالْإِحْسَان. دَعَا أَعْرَابِي على آخر فَقَالَ: رماك الله بليلة لَا أُخْت لَهَا. ودعا آخر فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك طعم الْأَهْل، وخصب الرجل. وَكَانَ آخر يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من قرع الْغناء، وكساد أيم، وَغَضب الْعَاقِل.
(6/58)

الْبَاب الرَّابِع أَمْثَال الْعَرَب
هَذَا الْبَاب نذْكر فِيهِ صوراً من؟ أَمْثَال الْعَرَب مِمَّا يحسن المحاضرة بِهِ فِي المحاورات، وإيراده فِي أثْنَاء المكاتبات ومجنس أجناساً، وَيتبع فِي تجنيسه الْأَلْفَاظ دون الْمعَانِي. يقدم فِي كل مَا جَاءَ مِنْهَا على لفظ: " أفعل " فَإِنَّهَا أَكثر تَكْرَارا فِي الْكَلَام، وَالْحَاجة إِلَيْهَا أمس، وَالنَّاس بهَا ألهج.
فِي أَسمَاء الرِّجَال وصفاتهم
آبل من حنيف الحناتم. أبخل من مادر. أبلغ من سحبان وَائِل. أبين من قس. أبخل من ذِي معذرة. أبخل من ذِي الضنين بنائل غَيره. أبر من فلحس. وَهُوَ رجل من شَيبَان، حمل أَبَاهُ على ظَهره وَحج بِهِ. أَبْطَأَ من فند: بعثته مولاته ليقتبس نَارا فَعَاد إِلَيْهَا بعد سنة. أجمل وأجمل من ذِي الْعِمَامَة: وَهُوَ سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة. أَجود من حَاتِم. أَجود من كَعْب بن مامة.
(6/59)

أَجود من هرم. أجن من دقة: هُوَ دقة بن عَبَايَة بن أَسمَاء بن خَارِجَة. أَحمَق من هبنقة: ذِي الودعات. أَحمَق من شرنبث. أَحمَق من بيهس. أَحمَق من حجينة، رجل من بني الصيداء. أَحمَق من أبي غبشان: بَاعَ مَفَاتِيح الْكَعْبَة لقصي بزق خمر. أَحمَق من حذنة. أَحمَق من شيخ: فَهُوَ بطن من عبد الْقَيْس اشْترى الفسو من إياد، وَكَانُوا يعيرون بِهِ، فيروي خَيره، فعيرت بعد ذَلِك عبد الْقَيْس بالفسوة. أَحمَق من ربيعَة الْبكاء: هُوَ ربيعَة بن عَامر بن ربيعَة ابْن صعصعة رأى أمه - وَهُوَ رجل - تَحت زَوجهَا، فقرر أَن يَقْتُلهَا فَبكى، وَصَاح، فَقيل لَهُ: أَهْون مقتول أم تَحت زوج.
من الْحِكْمَة
أحكم من لُقْمَان. أحكم من هرم بن قُطْبَة. أحمى من مجير الْجَرَاد: وَهُوَ مُدْلِج بن سُوَيْد الطَّائِي. أحمى من مجير الظعن: وَهُوَ ربيعَة بن مكدم. أحلم من الْأَحْنَف. أحلم من قيس بن عَاصِم. أحزم من سِنَان بن أبي حَارِثَة.
(6/60)

أخسر من شيخ مهو. أخسر صَفْقَة من أبي غبشان. أخلى من جَوف حمَار: رجل من عَاد وجوفه وَاد كَانَ ينزل بِهِ فَلَمَّا كفر أخرب الله واديه. أخنث من هيت. أخيب من حنين. أخنث من طويس. أخنث من الدَّلال. أخجل من مقمور. وَهُوَ صَاحب الْخُفَّيْنِ. أَخطب من قس. أدل من حنيف الحنائم. أدل من دعيميص بن زُهَيْر. أدهى من قيس بن زُهَيْر. أرمى من ابْن تقن. وَهُوَ رجل من عَاد. أروى من معجل أسعد: كَانَ رجلا أَحمَق وَقع فِي غَدِير فَجعل يُنَادي ابْن عَم لَهُ يُقَال لَهُ: أسعد وَيَقُول: ناولني شَيْئا أشْرب بِهِ المَاء ويصيح بذلك حَتَّى غرق. أزنى من قرد. أسأَل من فلحس: وَهُوَ رجل من بني شَيبَان كَانَ سيداً عَزِيزًا يسْأَل سَهْما فِي الْجَيْش وَهُوَ فِي بَيته فَيعْطى لعزه فَإِذا أعْطِيه، سَأَلَ لامْرَأَته، فَإِذا أعْطِيه سَأَلَ لبعيره، وَكَانَ لَهُ ابْن يُقَال لَهُ زَاهِر فَكَانَ مثله فَقيل فِيهِ: الْعَصَا من العصية: هَكَذَا رَوَاهُ ابْن حبيب، فَأَما أَبُو عبيد فَإِنَّهُ يَقُول: الفلحس: الَّذِي يتحين طَعَام النَّاس يُقَال: أَتَانَا فلَان يتفلحس، كَمَا يتطفل.
(6/61)

أسأَل من قرثع. أسرق من شظاظ: رجل من بني ثَعْلَب. أسرق من برجان. أشأم من خوتعة. أشأم من قدار. أشأم من أَحْمَر عَاد. أشأم من طويس. أَصْبِر من قضيب: رجل من بني ضبة. أَشد من لُقْمَان بن عَاد. أسبل من جذل الطعان. أضيع من دم سلاغ جَبَّار: هُوَ رجل من عبد الْقَيْس. أضلّ من سِنَان: هُوَ سِنَان بن أبي حَارِثَة المري، وَكَانَ قومه عنفوه على الْجُود فَركب نَاقَته، وَرمى بهَا الفلاة، فَلم ير بعد ذَلِك وسمته الْعَرَب: ضَالَّة غطفان. وَقَالُوا: إِن الْجِنّ استفحلته تطلب كرم فَحله. أضبط من عَائِشَة بن عثم: هُوَ رجل من بني عبد شمس بن سعد من حَدِيثه أَنه كَانَ يسْقِي إبِله يَوْمًا، فَأنْزل أَخَاهُ فِي الرَّكية ليميحه، فازدحمت الْإِبِل فهوت بكرَة فِي الْبِئْر فَأخذ ذنبها، وَصَاح بهَا أَخَاهُ: يَا أخي الْمَوْت! فَقَالَ: ذَلِك إِلَى ذَنْب البكرة ثمَّ اجتذبها فأخرجها. أطمع من أشعب. أظلم من جلندي. أطمع من مقمور. أعز من قنوع.
(6/62)

أَفرس من ملاعب الأسنة. أفرغ من حجام ساباط. أعز من كُلَيْب وَائِل. أعز من مَرْوَان الْقرظ. أعدى من الشنفري. أعدى من السليك. أعيى من الباقل. أغزل من امْرِئ الْقَيْس. أغدر من قيس بن عَاصِم. أغدر من عتيبة بن الْحَارِث. أغْلى فدَاء من حَاجِب بن زُرَارَة. أغْلى فدَاء من بسطَام بن قيس. أفتك من البراض. أفتك من الْحَارِث بن ظَالِم. أفتك من عَمْرو بن كُلْثُوم. أكذب من حجينة. أفلس من ابْن المذلق. أفلس من الْعُرْيَان: وَهُوَ الْعُرْيَان بن شهلة الْقطَامِي. أكذب من الْمُهلب بن أبي صفرَة. أكذب من قيس بن عَاصِم. أقرى من زَاد الركب. وهم ثَلَاثَة نفر من قُرَيْش.
(6/63)

أقرى من غيث الضريك: وَهُوَ قَتَادَة بن مسلمة الْحَنَفِيّ. أقرى من مطاعيم الرّيح: وهم أَرْبَعَة أحدهم أَبُو محجن الثَّقَفِيّ. أقرى من أرماق المقوين: وهم كَعْب وحاتم وهرم. أقرى من آكل الْخبز: وَهُوَ عبد الله بن حبيب الْعَنْبَري. أكفر من نَاشِرَة: وَهُوَ عبد الله، من كفران النِّعْمَة. أكفر من حمَار. ألأم من ابْن قرصع: رجل من أهل الْيمن. ألأم من جدرة. ألأم من الْبرم الْقُرُون. ألأم من ضبارة: وهما رجلَانِ معروفان باللؤم. سَأَلَ بعض مُلُوك الْعَرَب عَن ألأم النَّاس فَذكر إِلَيْهِ وجاءوه بجدرة، فجدع أَنفه وفر ضبارة. فَقَالُوا فِي الْمثل: نجا ضبارة لما جدع الجدرة. ألأم من راضع. ألهف من قضيب: رجل من الْعَرَب كَانَ تماراً بِالْبَحْرَيْنِ وَله حَدِيث. أمضى من سليك المقانب. أمنع من عنز: رجل من عَاد. أمطل من عقرب: رجل تَاجر بِالْمَدِينَةِ. أنعم من خُزَيْمٌ: رجل من ولد سِنَان بن أبي حَارِثَة كَانَ فِي زمَان الْحجَّاج. أنعم من حَيَّان أخي جَابر. أنوم من عبود: عبد نَام فِي محتطبه أسبوعاً أنكح من ابْن ألغز.
(6/64)

ألوط من رَاهِب. أنكح من حوثرة: رجل من قيس. أكذب من أَسِير السَّنَد: رجل من عبد الْقَيْس. أكذب من أخيذ الديلم. أكذب من أخيذ الْجَيْش. أكذب من أخيذ الصبحان. أكذب من الشَّيْخ الْغَرِيب. أكذب من مجرب. أندم من أبي غبشان. أندم من شيخ مهو. أندم من الكسعي. أوفى من أبي حَنْبَل. أوفى من الْحَارِث: تَقول مُضر: هُوَ الْحَارِث بن ظَالِم. وَتقول ربيعَة: هُوَ الْحَارِث بن عباد. أوفى من عَوْف بن ملحم. أوفى من السمؤال. أوفر فدَاء من الْأَشْعَث: أسرته مذْحج ففدى نَفسه بِثَلَاثَة أُلَّاف بعير. أَهْون من تبَالَة على الْحجَّاج: تبَالَة: بَلْدَة صَغِيرَة من بلدان الْيمن يُقَال إِنَّهَا أول بَلْدَة وَليهَا الْحجَّاج، فَيُقَال إِنَّه لما سَار إِلَيْهَا قَالَ للدليل: أَيْن هِيَ؟ قَالَ: قد سترهَا هَذِه الأكمة عَنْك، فَقَالَ: أَهْون عَليّ بِعَمَل بَلْدَة تسترها أكمة وَرجع.
(6/65)

أَهْون من قعيس على عمته: رهنته على صَاع من بر فَلم تفكه. أهْدى من دعيميص الرمل: دَلِيل مَعْرُوف. أجبن من المنزوف ضرطاً. أجرأ من فَارس خصاف. أجرأ من خاصي الْأسد. أجرأ من الْمَاشِي بترج: وَهِي مأسدة. سَائِر مَا جَاءَ من الْأَمْثَال فِي أَسمَاء الرِّجَال مواعيد عرقوب. يضْرب فِي الْخلف والمطل. يلقى مَا لالقى يسَار الكواعب: يضْرب لمن يطْمع فِيمَا يورطه. لَا أفعل كَذَا حَتَّى يؤوب القارظان. لَا أفعل كَذَا حَتَّى يؤوب المنخل: يضْرب لما يكون صَفْقَة لم يشهدها حَاطِب لأمر، لَو شهده من غَابَ عَنهُ لأنكره. أسعد أم سعيد؟ . أَنْج سعد فقد هلك سعيد. أَيْنَمَا أوجه ألق سَعْدا. إِن تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ. نفس عِصَام سودت عصاماً. كبر عَمْرو عَن الطوق. أوردهَا سعد وَسعد مُشْتَمل. سد ابْن بيض الطَّرِيق. جَزَاء سنمار.
(6/66)

أودى كَمَا أودى درم. جَار كجار أبي دؤاد. إِنَّمَا سميت هانئاً لتهنأ: وَيُقَال لتهنأ. لَا حر بوادي عَوْف. هما كند ماني جذيمة. عِنْد جُهَيْنَة الْخَبَر الْيَقِين. مَا وَرَاءَك يَا عِصَام. أَنا مِنْهُ فالج بن خلاوة. لَا يطاع لقصير أَمر. لأمر مَا جدع قصير أَنفه. خُذ من جذع مَا أَعْطَاك. لَا آتِيك حَتَّى يؤوب هُبَيْرَة بن سعد. تجشأ لُقْمَان من غير شبع. إِذا أتلف النَّاس، أخلف إلْيَاس. إِنَّمَا خدش الخدوش أَبونَا أنوش. يَعْنِي بذلك أول من كتب. من يطع عريباً يمس غَرِيبا. عريب بن عمليق. من يطع نمرة يفقد ثَمَرَة. من يطع عكباً يمس منكباً. إِن لَام المعدى وَنَفر إِذْ لَام ارْتَفع. بِمثل جَارِيَة فلتزن الزَّانِيَة سرا أَو عَلَانيَة هُوَ جَارِيَة بن سُلَيْمَان ابْن الْحَارِث بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة وَكَانَ جميلاً لَهُ حَدِيث.
(6/67)

إِن الشقي وَافد البراجم. شاكه أَبَا يسَار. شدت لأسر عَمْرو بن عدي. يحمل شن ويفدي لكيز.
الْأَمْثَال فِي النِّسَاء
أبْصر من الزَّرْقَاء: يُرِيد زرقاء الْيَمَامَة وَهِي مَعْرُوفَة. أبذى من الْمُطلقَة. أحيى من هدى. أحيى من فتاة. أحلى من مِيرَاث الْعمة الرقوب. أخرق من ناكثة غزلها: وَهِي امْرَأَة من قُرَيْش. أخزى من ذَات النحيين. أَحمَق من دغة. أخيل من مذالة: يعنون الْأمة لِأَنَّهَا تهان وَهِي تتبختر. أخيل من واشمة استها. أزنى من سجَاح. أزنى من هر. وَهِي امْرَأَة يَهُودِيَّة، وَهِي إِحْدَى من قطع المُهَاجر يَدهَا حِين شمتت بِمَوْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. أزهى من واشمة استها. أسْرع من نِكَاح أم خَارِجَة. أشأم من البسوس.
(6/68)

أسْرع من المهثهثة. أشأم من منشم قيل هِيَ النمامة. أشأم من رغيف الحولاء. أشأم من وَرْقَاء. أشغل من ذَات النحيين. أشبق من حبى المدينية. أضلّ من موءودة. أطول من طُنب الحمقاء أعز من الزباء. أعز من حليمة. أعز من أم قرفة. أغنج من مفنقة. أغلم من سجَاح. أفرغ من فؤاد أم مُوسَى. أكذب من السالئة. أنقى من مرْآة الغريبة. أَنْجَب من مَارِيَة: ولدت لزرارة: حاجباً، ولقيطاً وعلقماً. أَنْجَب من بنت الخرشب: ولدت لزياد الْعَبْسِي الكملة وعلقمة، ربيعاً الْكَامِل، وَعمارَة الْوَهَّاب، وَقيس الْحفاظ، وَأنس الفوارس. أَنْجَب من أم الْبَنِينَ: ولدت لمَالِك بن جَعْفَر بن كلاب، ملاعب الأسنة: عَامِرًا، وَفَارِس قرزل: طفيل، وربيع المقترين: ربيعَة، ونزال المضيف: سلمى، ومعوذ الْحُكَمَاء: مُعَاوِيَة.
(6/69)

أَنْجَب من خبيئة: ولدت لجَعْفَر بن كلاب: خَالِدا الْأَصْبَغ وَمَالك الطيان وَرَبِيعَة الْأَحْوَص. أَنْجَب من عَاتِكَة: ولدت لعبد منَاف هاشماً وَعبد شمس وَالْمطلب. أوفى من خماعة. أوفى فكيهة. أوفى من أم جميل. أَقُود من ظلمَة: وَقد قيل: أَقُود من الظلمَة. لن ترْضى شانئة إِلَّا بجرزة: يُرَاد بِهِ الاستئصال. إِن الْعوَان لَا تعلم الْخمْرَة. قطعت جهيزة قَول كل خطيب: يضْرب لمن يقطع على النَّاس كَلَامهم بجمعه. إِن النِّسَاء لحم على وَضم إِلَّا مَا ذب عَنهُ. كل ذَات صدار خَالَة لي. كل شَيْء مهة ومهاة مَا خلا النِّسَاء وذكرهن. أطري فَإنَّك ناعلة. أَمر مبكانيك لَا أَمر مضحكاتك. مَالِي ذَنْب إِلَّا ذَنْب صحر. إِن سرارها قوم لي عنادها. وَقعت فِي مرتعة فعيثي. ذري بِمَا عنْدك ياليغاء. تحسبها حمقاء وَهِي باخس.
(6/70)

توقري يَا زلزة. تعلم من أطفح: يُرَاد تعلم لمن الذَّنب. قوري وألطفي. كالممهورة من مَال أَبِيهَا: يضْرب لمن يتحمد بِمَا لم يكن فِيهِ. أَنْت كالممهورة إِحْدَى خدمتيها. لَو ذَات سوار لطمتني. خرقاء وجدت صُوفًا. قيل لحبلى: مَا تشتهين؟ فَقَالَت التَّمْر وواهاً ليه. لن تعدم الْحَسْنَاء ذاماً. إسق رقاش إِنَّهَا سِقَايَة. القَوْل مَا قَالَت حذام. الْمَرْأَة من الْمَرْء وكل أدماء آدم. إِن النِّسَاء شقائق الأقوام: أَي لَهُنَّ مثل مَا عَلَيْهِنَّ. عثرت على الْغَزل بِأخرَة فَلم تدع بِنَجْد قردة. اطرقي وميشي: يضْرب لمن يخلط فِي كَلَامه. لَا تحمد أمة عَام اشترائها وَلَا حرَّة عَام ابتنائها. كل ذَات ذيل تختال. خرقاء وجدت ثلة. لَا تعدم صناع ثلة. خرقاء ذَات نيقة. خرقاء عيابة.
(6/71)

لَا تعظيني وَلَا تعظعظي. محسنة فهيلي. الثّيّب عجالة الرَّاكِب: يضْرب فِي الْحَث على الرِّضَا باليسير إِذا أعوز الْكثير. كالفاخرة بحدج ربتها. وَحمى وَلَا حُبْلَى. يَا عبرى مقبلة، وَيَا سهرى مُدبرَة. جلت الهاجن عَن الْوَلَد: الهاجن الصَّغِيرَة. قد كنت مصفرة قبل عاشرينا. وأخبرينا أخْبرهَا دماءها. حانية مختضبة. إِلَّا حظية فَلَا ألية. كفا مُطلقَة تفت اليرمع. جعلت مَا بهَا بِي، وَانْطَلَقت تلمز. من حظك نفاق أيمك. إِن الحماة أولعت بالكنه وأولعت كنتها بالظنة.
الْأَمْثَال فِي الْقَبَائِل والآباء والأمهات والشيوخ وَالصبيان والأخوة وَالْأَخَوَات والأحرار وَالْعَبِيد وَالْإِمَاء
أتيه من فقيد ثَقِيف: وَهُوَ الَّذِي هوى امْرَأَة أَخِيه فتاه حَيا. أتيه من أَحمَق ثَقِيف: هُوَ يُوسُف بن عمر، وَهُوَ من التيه وَالْكبر. أذلّ من قيسي بحمص.
(6/72)

أضلّ من قارظ عنزة. أفسى من عَبدِي. أبطش من دوسر. كَتِيبَة النُّعْمَان. أحنى من الْوَالِد. أحنى من الوالدة. أخرق من صبي. أَشْجَع من صبي. أضبط من صبي. أظلم من صبي. أكذب من صبي. أبخل من صبي. أبكى من يَتِيم. أسْرع من دمعة الْخصي.
الْقَبَائِل
لَا يدرى أسعد الله أَكثر أم جذام. فرق مَا بَين معد تحاب. قدما كل المعدى أكل سوء. وَافق شن طبقه. لَوْلَا وئام هَلَكت جذام. بعد الدَّار كبعد النّسَب. ارعى فَزَارَة لَا هُنَاكَ المرتع.
(6/73)

يَا شن أثخني قاسطاً. لَا تعدم من ابْن عمك نصرا. يابعضي دع بَعْضًا: يضْرب فِي عطف ذِي الرَّحِم. رب ابْن عَم لَيْسَ بِابْن عَم لَك. ربضك مِنْك وَإِن كَانَ سماراً. تَبَاعَدت الْعمة عَن الْخَالَة. إِلَى أمه يلهف اللهفان. لست على أمك بالدهنا تدل. هَل لَك فِي أمك مَهْزُولَة؟ قَالَ: إِن مَعهَا إِلَّا إخلابة، يضْرب للرجل يحض على حق يلْزمه فيرضى فِيهِ بِأَمْر مقارب. أم فرشت فأنامت. تَنْهَانَا أمنا عَن الغي وتعدوا لَهُ فِيهِ. لم ولمه عصيت أُمِّي الْكَلِمَة؟ يضْرب عِنْد النَّدَم على مَعْصِيّة الشَّقِيق. هوت أمه وهبلته لمه: يُقَال فِي مدح الْأَب. من أشبه أَبَاهُ فَمَا ظلم. كل فتاة بأبيها معجبة. لَا أَبوك نشر وَلَا التُّرَاب نفد. من يكن أَبوهُ حذاء تجدّد نعلاه.
الْأَخ
رب أَخ لم تلده أمك. هَذَا التصافي لَا تصافي المحلب.
(6/74)

إِذا عز أَخُوك فهن. اسْقِ أَخَاك النمرى. النَّاس إخْوَان وشتى فِي الشيم. انصر أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما. مكره أَخُوك لَا بَطل. من لَك بأخيك كُله. أَخُوك من صدقك. إِن أَخَاك ليسر بِأَن يعتقل: يُقَال فِي الذَّم. من كل شَيْء تحفظ أَخَاك إِلَّا من نَفسه. إِن على أختك تطردين: أَي قد أعد لَك قرنك. لاتلم أَخَاك، وَاحْمَدْ رَبًّا عافاك. إِذا ترضيت أَخَاك فَلَا إخاء لَك بِهِ. أَنا عذله وَأخي خذله، وكلانا لَيْسَ بِابْن أمه. لَا يدعى للجلى إِلَّا أَخُوهَا. النَّفس تعلم من أَخُوهَا.
الشُّيُوخ
بئس مقَام الشَّيْخ أمرس أمرس. كل امْرِئ سيعود مريئاً. من العناء رياضة الْهَرم. تركته تقاس بالخداع: يضْرب للشَّيْخ، أَي هُوَ شَاب فِي جلده. أَهْون هَالك عَجُوز فِي عَام سنة.
(6/75)

أَهْون مظلوم عَجُوز معقوقة.
الشَّاب وَالصَّبِيّ
كَانَ ذَلِك من شب إِلَى دب. كل امْرِئ فِي بَيته صبي. اتَّقِ الصّبيان لَا تصبك بأعقائها. أدْرك القويمة لَا تأكلها الهويمة.
العبيد
عبد صريخه أمة. استعنت عَبدِي فاستعان عَبدِي عَبده. مساواك عبد غَيْرك. لَيْسَ عبد بِأَخ لَك. عبد وخلى فِي يَده. أعطي العَبْد كُرَاعًا. وَمثله: عبد ملك عبدا فَطلب دراعاً. الْحر يعْطى وَالْعَبْد يألم قلبه. يَا عبد من لَا عبد لَهُ. حبيب إِلَى عبد سوء محكده. احْمِلْ العَبْد على فرس إِن هلك، هلك، وَإِن عَاشَ فلك. لَا أفعل ذَلِك مَا أبس عبد بناقته. عبد أرسل فِي سومه. هُوَ العَبْد زلمة.
(6/76)

الْإِمَاء
لَا تفش سرك إِلَى أمه. لَا تفاكه أمة، وَلَا تبل على أكمة. كالأمة تَفْخَر بحدج ربتها. تركته تغنيه بحدج ربتها. تركته تغنيه الجرادتان: أَي لاهياً فِي إمائها. تلقى أمه عَملهَا. من أضْرب بعد الْأمة المعارة؟ هَاجَتْ زبراء: وَهِي جَارِيَة أحنف.
الغلمان
لَا تغز إِلَّا بِغُلَام قد غزا. كَيفَ بِغُلَام قد أعياني أَبوهُ. تبشرني بِغُلَام قد أعياني أَبوهُ.
الْأَحْرَار
لَا حر بوادي عَوْف. تجوع الْحرَّة وَلَا تَأْكُل بثدييها. أنْجز حر مَا وعد.
الْوَلَد
ولدك من دمي عقبيك. ابْنك ابْن بوحك. من سره بنوه، ساءته نَفسه.
(6/77)

إِن الموصين بَنو سهوان. زين فِي عين وَالِد وَلَده. هم فِي أَمر لَا يُنَادي وليده. أَبِهَذَا الَّذين يشبهون. يعود لما أبني فيهدمه حسل: يَعْنِي وَلَده. مثل ابْنة الْجَبَل مهما يقل تقل. أَنا ابْن بجدتها. تحلب بني وَأَشد على يَدَيْهِ، يُقَال لمن يُفْتِي غَيره على فعل ينْسبهُ إِلَيْهِ وَهُوَ فَاعل. دع بنيات الطَّرِيق: أَي خدم مُعظم الطَّرِيق، أَي الْأَمر. احفظي بَيْتك مِمَّن لَا تنشدين. بنت برح. بنت طبق. شرك على رَأسك: يُقَال ذَلِك فِي الشَّيْء إِذا استعظموه من داهية وَغَيرهَا. الْأَمْثَال فِي النَّفس والجسد والأعضاء والجوارح وَالشعر وَمَا يشبه ذَلِك: أسْرع من العير. أسْرع من طرف الْعين. أسْرع من لمح الْبَصَر. أَوْهَى من طرف المؤق. أجرد من صَلْعَةٌ. أهْدى من الْيَد إِلَى الْفَم.
(6/78)

أعرى من إِصْبَع. أقصر من الْيَد إِلَى الْفَم. أهْدى من الْإِنْسَان إِلَى فِيهِ. أسْرع من الْيَد إِلَى الْفَم. أدق من الشّعْر. أَهْون من الشّعْر السَّاقِط. ألزم من شَعرَات القص. ألزم من الْيَمين للشمال. أفرغ من يَد تفت اليرمع. أقصر من أُنْمُلَة. أذلّ من يَد فِي رحم. أَضْعَف من يَد فِي رحم. أعيى من يَد فِي رحم: يُرَاد الجنيف. أَحمَق من الممتخط بكوعه. أدنى من حَبل الوريد. أَشك من نَاب جَائِع. أعظم كمراً من الحواثر. آكل من الضرس.
النَّفس والجسد
ألْقى عَلَيْهِ شرا شَره: أَي ألْقى نَفسه عَلَيْهِ من حبه. ألْقى عَلَيْهِ بعاعه. مثله:
(6/79)

ألْقى عَلَيْهِ أوراقه. مثل ذَلِك: هجم عَلَيْهِ نقابا: أَي بِنَفسِهِ. ضرب على ذَلِك الْأَمر حاشه: أَي نَفسه. ألْقى عَلَيْهِ أجرامه وأجرانه: أَي هَوَاهُ. ضرب عَلَيْهِ جروته: أَي وَطن عَلَيْهِ نَفسه. صدقته الكذوب: يَعْنِي نَفسه. مَا أَنْت بأنجاهم مرقة: يَعْنِي نفسا. النَّفس أعلم من أَخُوك النافع. أكذب النَّفس إِذا حدثتها. النَّفس مولعة بحب العاجل. مَا زلت أفتل فِي الذرْوَة وَالْغَارِب. نَفسِي تعلم أَنِّي خاسر. حَتَّى أسمحت قرونته وقرينيه أَيْضا. النَّفس عروف: أَي إِذا نزل أَمر اعْترفت نَفسك بِمَا نجحجح أعلم.
الرَّأْس والعنق
هُوَ فِي ملْء رَأسه: أَي هُوَ فِيمَا يشْغلهُ. جاحش عَن خيط رقبته: يضْرب للَّذي يدافع عَن دَمه. أعطَاهُ بقوف رقبته: أَي بجملته. أَخذه بقوف رقبته. وَأَخذه سَوط رقبته.
(6/80)

وَأَخذه بظوف رقبته. بولغ بِهِ المخنق. فِي رَأسه خطة. فِي رَأسه نعرة. رَمَاه بأقحاف رَأسه أَي بالدواهي. هُوَ قفا غادر شَرّ. من نجا بِرَأْسِهِ فقد ربح. وَقع فِي سي رَأسه: يُرِيد بِهِ الخصب وَالْخَيْر. وسيء بِرَأْسِهِ وسوا رَأسه وسوأ رَأسه. تقطع أَعْنَاق الرِّجَال المطامع. رَأس بِرَأْس وَزِيَادَة مائَة. رمى مِنْهُ فِي الرَّأْس: يضْرب فِي البغض حَتَّى لَا ينظر إِلَيْهِ. اخْتلفت رؤوسها فرتعت: يُقَال فِي اخْتِلَاف الأراء. إِنِّي لَا كل الرَّأْس وَأعلم مَا فِيهِ.
الْوَجْه
وَجه المحرش أقبح. أقبح فِي وَجه الْمَآل تعرف إمرته. مَا يعرف قطاته من لطاته. قبل الْبكاء كَانَ وَجهك عَابِسا. وابآ بِي وُجُوه الْيَتَامَى: يضْرب فِي التحنن على الْأَقَارِب.
اللِّحْيَة وَالشعر
فَلم خلقت إِذا لم أخدع الرِّجَال: يَعْنِي لحيته.
(6/81)

أصهب السبال: من أَسمَاء الْعَدو. اقشعرت مِنْهُ الذوائب: يضْرب فِي الجبان.
الْعين
نظرت إِلَيْهِ عرض عين. نظرة من ذِي علق. عينه فرارة. أَعور، عَيْنك وَالْحجر. جعلته نصب عَيْني. لَا آتِيك مَا حملت عَيْني المَاء. مَا بهَا عين وَمَا بِالدَّار عين. وَمَا سقت عَيْني المَاء. عِنْد فلَان من المَال عائرة عين: يُرَاد بِهِ الْكَثْرَة. إِذا جَاءَ الْحِين، حارت الْعين. أَزْرَق الْعين: من أَسمَاء الْعَدو. هُوَ على حندر عينه: يضْرب فِي البغض. لأرينك لمحاً باصراً: يضْرب فِي التوعد. غره بَين عَيْني ذِي رحم. لَيْسَ لعين مَا رَأَتْ، وَلَكِن لكف مَا أخذت. هُوَ فِي مثل صَدَقَة الْبَعِير. وَفِي مثل حولاء النَّاقة: أَي فِي الخصب. عين عرفت فذرفت.
(6/82)

لحظ أصدق من لفظ. هُوَ شَدِيد جفن الْعين: يُقَال ذَلِك للصبور على السهر. احذر إِذا احْمَرَّتْ حماليقه. لَيست لما قرت بِهِ الْعين ثمن. أطلب أثرا بعد عين. بِعَين مَا أرينك: أَي اعجل وَكن كَأَنِّي أنظر إِلَيْك.
الْأذن
لَا يسمع أذنا خمشاً: أَي لَا يقبل نصحاً. لَيست على ذَلِك أُذُنِي: أَي سكت عَنهُ. أَسَاءَ سمعا، فأساء إِجَابَة. بأذن السماع سميت: مَعْنَاهُ أَن فعلك يصدق. من يسمع يخل. جَاءَ بأذني عنَاق الأَرْض: أَي بِالْبَاطِلِ وَالْكذب وَيُقَال فِي الداهية أَيْضا. جعلت ذَلِك دبر أُذُنِي. جَاءَ ناشراً أُذُنَيْهِ: أَي طامعاً.
الْأنف
كل شَيْء أَخطَأ الْأنف جلل. أرغت حَيْثُ لَا يضع الراقي أَنفه. جرحه حَيْثُ لَا يضع الراقي أَنفه: أَي لَا دَوَاء لَهُ. أَنْفك مِنْك وَإِن كَانَ أجدع.
(6/83)

شفيت نَفسِي وجدعت أنفي. مَاتَ فلَان حتف أَنفه. أنف فِي السَّمَاء وإست فِي المَاء. جدع الْحَلَال أنف الْغيرَة قَالَه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. كاس أَنفه فِيمَا يكره. أَفعلهُ رغم أَنفه. لَا أحب رئمان أنف وَأَمْنَع الضَّرع. رب حام لأنفه وَهُوَ جادعه. شامخ بِأَنْفِهِ: يَعْنِي الصلف. لمكر مَا جدع قصير أَنفه. أَنْفك مِنْك وَإِن دن.
الْأَسْنَان
إِنَّه ليحرق عَلَيْهِ الأرم. قد تحدته من بَنَات النواجز. قد عض على نواجزه. مَتى عَهْدك بِأَسْفَل فِيك: أَي مَتى أبعدت فَضرب مثلا لِلْأَمْرِ الْقَدِيم. مَا فِي فِيهِ حاكه وَلَا تاكه. جَاءَ تضبب لثته: يُرَاد بِهِ الْحِرْص. جَاءَ وَهُوَ يقرع سنّ نادم. أعييتني بأشر فَكيف بدردر؟
(6/84)

أهد لجارك أَشد لمضغك: يَقُول إِذا أهديت أهدوا إِلَيْك. الصَّبِي أعلم بمضغ فِيهِ. ضرسوا فلَانا: إِذا أدموه، اللِّسَان والنطق. كدمت غير مكدم. أَهْون مرزئة لِسَان ممخ. عَلَيْهِ من الله لِسَان صَالِحَة: يُقَال ذَلِك فِي الثَّنَاء. من عض على شبدعه سلم من الآثام: يُرِيد اللِّسَان. سكت ألفا ونطق خلفا. سرت إِلَيْنَا شبادعهم: أَي ذمهم وعيبهم. مقتل الرجل بَين فَكَّيْهِ.
الذقن
ذليل اسْتَعَانَ بذقنه. أفلتني جريعة الذقن. لألحقن حواقنك بذواقنك.
الْفَم
كل جَان يَده إِلَى فِيهِ. جرى مِنْهُ مجْرى اللدود. لَو وجدت إِلَى ذَلِك فاكرش لفعلته: أَي لَو وجدت سَبِيلا. فاهاً لفيك. أفواهها مجاسها. وَيُقَال أَيْضا:
(6/85)

أخاكها مجاسها. أَرَاك بشر مَا أحار مشفر. حياك من خلا فوه. ذَكرنِي فوك حماري أَهلِي. حَدثنِي فَاه إِلَى فِي. فلَان خَفِيف الشّفة: أَي قَلِيل الْمَسْأَلَة.
الْيَد
أطعمتك يَد شبعت ثمَّ جاعت ثمَّ شبعت، وَلَا أطعمتك يَد جاعت ثمَّ شبعت. إِذا أرجحن شاصيا فارفع يدا. وَإِذا ارْجِعْنَ أَيْضا. حلبت بالساعد الأشد: لِلْيَدَيْنِ والفم. صفرت يَدَاهُ لي عِنْد فلَان. يَد مَا تحجر فِي عكم: أَي لَا تخفى وَلَا تستر. بالساعد تبطش الْكَفّ. ذَهَبُوا أَيدي سبأ. على يَدي دَار الحَدِيث. هُوَ على حَبل ذراعك. أَرَادَ أَن يَأْكُل بيدين. لَا تبطر صَاحبك ذرعه: أَي لَا تحمله مَالا يُطيق. مَا تبل إِحْدَى يَدَيْهِ الْأُخْرَى. يُقَال للبخيل. اقصر بذرعك.
(6/86)

ارق على ظلعك. يداك أوكتا وفوك نفخ. تركته على أنقى من الرَّاحَة. لَقيته أول ذَات يدين. كَانَ فلَان كُرَاعًا فَصَارَ ذِرَاعا. كفا مُطلقَة تفت اليرمع. الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى. إِن الذَّلِيل لَيْسَ لَهُ عضد. فلَان على يَدي عدل. هَذِه يَدي لَك: يُرِيد الانقياد. فلَان يقلب كفيه على كَذَا: يُقَال عِنْد النَّدَم. سقط فِي يَده: إِذا نَدم. رددت يَده فِي فِيهِ: إِذا غطته. فلَان نَازع يداي عَاصِيا. أعطَاهُ عَن ظهر يَد. الْأَيْدِي الْوَاحِد بِعشْرَة. مَالِي بِهَذَا الْأَمر يدان. فلَان عِنْدِي بِالْيَمِينِ وَفُلَان عِنْدِي بالشمال. تربت يداك. هم عَلَيْهِ يَد: أَي مجتمعون. أشدد يَديك بغرزه: أَي ألزمهُ.
(6/87)

عي أبأس من شلل.
الصَّدْر
شدّ لِلْأَمْرِ حزيمه. جَاءَ يضْرب أصدريه: إِذا جَاءَ فَارغًا. تأبى ذَلِك بَنَات لببي. صدرك أوسع لسرك.
الْجنب
عركت ذَلِك بجنبي. مَا أُبَالِي على أَي قطريه وَقع. وقتريه أَيْضا. بجنبه فلتكن الوجبة. مَا أُبَالِي على أَي قطريه وَقع. وقتريه أَيْضا. بخيبة فلتكن الوجبة. من كلا جنبيك لَا لبيْك.
الْبَطن وَالظّهْر
انْقَطع السلى فِي الْبَطن: أَي فَاتَ الْأَمر. مَا فِي بَطنهَا نعرة: أَي لَيْسَ بهَا حَبل. بَطْني فعطري، وسائري فذري. نزت بِهِ البطنة. كَيفَ توقي ظهر مَا أَنْت رَاكِبه؟ قلب الْأَمر ظهرا لبطن.
(6/88)

إِن كنت تشد بِي أزرك فارخه. مَاتَ ببطنته لم يتغضغض مِنْهَا شَيْء: يُقَال للبخيل. مَاتَ وَهُوَ عريض البطان. مَا أعرفني كَيفَ يجز الظّهْر. لَا تجْعَل حَاجَتي مِنْك بِظهْر. ببطنه يعدو مثل ذَلِك الذّكر. حولهَا من ظهرك إِلَى بَطْنك: أَي أحلهَا إِلَى قرين. مَا حك ظَهْري مثل يَدي. عرف بَطْني تربة: قيل فِي ذروته وغاربه.
الْقلب والكبد
يستمع الْمَرْء بأصغريه. اجْعَلْهُ فِي سويداء قَلْبك. مَا أبردها على الكبد. هُوَ بَين الخلب والكبد. هُوَ أسود الكبد.
الرجل والساق
رَمَاه فأشواه: من الشواء وَهِي القوائم. إرق على ظلعك. قدح فِي سَاقه. قرع لَهُ سَاق. قرع لَهُ ظنبوبه إِذا حدا.
(6/89)

إِن يدم أظلك فقد نقب خفى. بق نعليك وابذل قَدَمَيْك. هَلَكُوا على رجل فلَان: أَي فِي زمن فلَان. لَا يُرْسل السَّاق إِلَّا ممسكاً ساقاً. شَرّ مَا أجاءك إِلَى مخة عرقوب. أتتك بحائن رِجْلَاهُ. لفُلَان قدم فِي الْخَيْر. جَاءَ فلَان يجر رجلَيْهِ. لأطأنهم بأخمص رجْلي. قد شمرت سَاقيهَا فشمري. جَاءَ بوركي خبر أَرْجُلكُم.
الْعُرُوق
أخْبرته بعجري وبجري. فتح صدرك بِعلم عجرك وبجرك. أيعيرني ببجري وينسى بجره. إِن الْعُرُوق عَلَيْهَا ينْبت الشّجر.
السه
الْعين ذكاء السه. إياك وكل قرن أهلب. كالمصطاد أَنْت باسته. طَار باست، فزعة.
(6/90)

فِي استها مَالا يرى. يضْرب لمن يحيره أَكثر من مرآه. اتَّقى بسلحه سمره. جَاءَ ينفض مذرويه. أفلت وانحص الذَّنب. أفلت وَله حصاص. قبل الضراط استحصاف الأليتين. استه الْبَائِن أعلم. است لم تعود المجمر. إِنَّك لتمد بسرم كريم. أريها استها وتريني الْقَمَر. أضْحك من ضرطه، ويضرط من ضحكي. استه أضيق من ذَلِك. أضرطاً وَأَنت الْأَعْلَى. استي اخبثي. إست فِي الأَرْض، وأنف فِي السَّمَاء.
الذّكر
نعم عوفك. إِن الكمر أشباه الكمر. من يطلّ أير أَبِيه ينتطق بِهِ. لَو خفت خصاهم وَلكنهَا كالمزاد. هَذَا حر مَعْرُوف. لَا ماءك أبقيت وَلَا حرك أنقيت.
(6/91)

النِّكَاح
انكحيني وانظري. كمعلمة أمهَا البضاع. لقُوَّة صادفت قبيصاً. بالرفاء والبنين. هنئت فَلَا تنكه. قرب الوساد وَطول السوَاد. من ينْكح الْحَسْنَاء يُعْط مهْرا.
الْأَمْثَال فِي الْإِبِل وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير
أحقد من جمل. أحسن من شنف الأنضر. أخف حلماً من بعير. أخيب من ناتج سقب من حَائِل. أخلف من ثيل الْبَعِير. أخلف من بَوْل الْبَعِير. أذلّ من السقبان بَين الحلائب. أذلّ من الحوار. أخبط من عشواء. أذلّ من بعير سانية. أروى من بكر هبنقة. أصُول من جمل.
(6/92)

أَصْبِر من عود بدفيه جلب. أَصْبِر من ذِي ضاغط معرك. أشْرب من الهيم. أغير من الْفَحْل. أغير من الْجمل. ألأم من سقب رَيَّان. أملخ من لحم الحوار. أَهْون من ضرطة الْجمل. أثقل من حمل الدهيم. أتخم من فصيل. أَحمَق من الرّبع. أنفر من أزب. أهْدى من جمل. أشأم من قاشر: وَهُوَ فَحل. أعز من الأبلق العقوق. أشهر من فَارس الأبلق. أشهر من رَاكب الأبلق. أسمع من فرس. أشأم من خميرة. أطوع من فرس. أعدى من فرس.
(6/93)

أقصر من ظَاهِرَة الْفرس. أجرأ من فَارس خصاف. أجرأ من خاصي خصاف. أتعب من رائض مهر. أحسن من الدهم الموقفة. أبْصر من فرس. أخلف من ولد الْحمار. أذلّ من عير أبي سيارة. أذلّ من حمَار مُقَيّد. أَجْهَل من حمَار. أقصر من غب الْحمار. أعقم من بغلة. أعقر من بغلة. أَهْون من ذَنْب الْحمار على البيطار. أتبع من تولب. أشأم من داحس. أشأم من الزَّرْقَاء: قَالُوا هِيَ النَّاقة، وَرُبمَا نفرت وَذَهَبت فِي الأَرْض. أكذب من الأخيذ الصيحان: قَالُوا هَذَا الفصيل الَّذِي أتخم من اللَّبن وَقيل غير ذَلِك. أشأم من سراب: وَهِي نَاقَة البسوس. أسْرع من فريق الْخَيل: يُرِيد السَّابِق الَّذِي يفارقها.
(6/94)

أنشط من عير الفلاة. أضرط من حمَار. أَحمَق من أم الهنبر: قَالُوا: هِيَ الهنبر ولد الْحمار وَأمه الأتان.
الْإِبِل
صدقني سنّ بكره. كَانَت عَلَيْهِم كراغية الْبكر. أكْرم نجر الناجيات نجره. كل نجار إبل نجارها. نجارها نارها. لَا تنسبوها وانظروا مَا نارها: قَالُوا ذَلِك للبعير. أصوص عَلَيْهَا صوص: الأصوص النَّاقة الْحَائِل السمينة والصوص الرجل اللَّئِيم. أخذت الْإِبِل أسلحتها. أعجب حَيا نعمه. يهيج لي السقام، شولان البروق فِي كل عَام. أَصْبِر من عود. إِنِّي وَالله لَا أحسن تكذابك وتأثامك، تشول بلسانك شولان البروق. كالمهدر فِي الْعنَّة. لَا يعْدم الحوار من أمه حنة. لَا تعدم نَاقَة من أمهَا حنة.
(6/95)

تكذابك وتأثامك، تشول بلسانك شولان الْبَرْق. كفضل ابْن المغاض على الفضيل: يُرَاد بِهِ التقارب. استنت الفصلان حَتَّى القريعي. امهلني فوَاق نَاقَة. لَا آتِيك مَا حنت النيب إِلَى النيب. لَا آتِيك مَا أطت الْإِبِل. مَا أفعل ذَلِك حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط. الغاشية تهيج الآبية. إِن الغاشية تعشى النابية. حرك لَهَا حوارها تحن. الْفَحْل يحمي شوله معقولاً. أدع لَهَا حوارها تحن. زاحم بِعُود أَو دع. الذود إِلَى الذود إبل. اذهبي فَلَا أنده سربك. شنشنة أعرفهَا من أخزم. إِن جرجر الْعود فزده ثقلاً، وَإِن أعيا فزده نوطا. إِنَّمَا يجزى الْفَتى لَيْسَ الْجمل. لَا يضير الحوار وَطْء أمه. هَل تنْتج النَّاقة إِلَّا لمن لقحت. أخلبت نَاقَتك أم أحلبت.
(6/96)

رئمت لفُلَان بو ضيم. غلبت جلتها حواشيها. عود يقلح. وَمثله: وَمن العناء رياضة الْهَرم. عود يعلم العنج. استنوق الْجمل. جَاءُوا على بكرَة أَبِيهِم. اللقوح الربعية مَال وَطَعَام. القزم من الأفيل. إِذا زحف الْبَعِير أعيته أذنَاهُ. اضربه ضرب غرائب الْإِبِل. لَا نَاقَتي فِي هَذَا وَلَا جملي. هان على الأملس مَا لَاقَى الدبر. هما كركبتي الْبَعِير. مَا تقرن بفلان الصعبة. شَتَّى تؤوب الحلبة. أدْرك أَرْبَاب النعم: أَي من كَانَ لَهُ عناية بِالْأَمر. لكل أنَاس فِي بعيرهم خبر. عرض عَليّ الْأَمر سوم عَالَة. مَا استتر من قاد الْجمل.
(6/97)

كفى برغائها منادياً. عرف حميقاً جمله. اخْتَلَط المرعى بالهمل. إِن تسلم الجلة فالنيب هدر. قودوه لي باركاً. ضرب الْبَعِير فِي جهازه: إِذا مَاتَ وَضرب فِي رقبته. اتخذ اللَّيْل جملا تدْرك. إِن الضجور قد تحلب العلبة. كل أزب نفور. مَا أرخص الْجمل لوما الهر. كالنازي بَين القرينين. وَقع الْقَوْم فِي سَلِي جمل: يُرَاد بِهِ الشدَّة. هَذَا أَمر لَا تبرك عَلَيْهِ الْإِبِل. أَي شَدِيد. وَمَا هُوَ فِي العير وَلَا فِي النفير. يخبط خبط عشواء. كلكُمْ فليحتلب صعُودًا. يَا إبلي عودي إِلَى مبارك. أرخت مشافرها للعس والحلب. عشمشم يغشي الشّجر: وهما الأيهمان. جلّ الْوَلَد عَن الهاجن. بئس الْعِوَض من جمل قَيده.
(6/98)

عجبا تحدث أَيهَا الْعود. لَا يجمل الْكَذِب بالشيخ. إِحْدَى نواده الْبكر. أعديتني فَمن أعداك؟ : يُخَاطب نَاقَته وَقد تثاءبت لتثاؤب لص فتثاءب لتثاؤبها. نَاب وَقد تقطع الدوية. كلا زعمت العير لَا تقَاتل. الإبساس قبل الإيناس. لَا أفعل ذَلِك مَا أرزمت أم حَائِل. آخر الْبَز على القلوص: يَعْنِي الدهيم الَّتِي حملت رُؤُوس زناد الذهلى. مَاله سارحة وَلَا رَائِحَة. لَا أفعل ذَلِك مَا حنت الدهماء. لَا أفعل ذَلِك مَا حنت النيب. لَا أفعل ذَلِك. مَا أطت الْإِبِل. لقد كنت وَمَا يُقَاد بِي الْبَعِير. لَا تراهن على الصعبة، وَلَا تنشد القريض. الْحَرَام يركب من لَا حَلَال لَهُ. قد لَا يُقَاد بِي الْجمل. ضرح الشموس ناجزاً بناجز. أوسعتهم سباً وأودوا بِالْإِبِلِ. العنوق بعد النوق.
(6/99)

يَوْم بِيَوْم الحفض المجور. كالحادي وَلَيْسَ لَهُ بعير. فِي مثل حدقة الْبَعِير. هم فِي مثل حولاء النَّاقة: مثل ذَلِك يُرِيدُونَ العشب وَالْخصب.
الْخَيل
هَذَا أَوَان الشد، فاشتدي زيم: زيم اسْم فرس. كَانَ جذعاً باسقاً من صوره، مَا بَين لحييْهِ إِلَى سنوره. إِنَّه لحثيث التوالي وسريع التوالي: يُقَال للْفرس، وتواليه: مآخيره. لَا يعْدم شقي مهْرا. طلب الأبلق العقوق. كَانَ جوادي فخصي. كل مجر بالخلاء يسر. جرى مذك حسرت عَنهُ الْحمر. جرى المذكيات غلاب. مذكية تقاس بالجذاع. الْخَيل تجْرِي على مساويها. قد تبلغ القطوف الوساع. جَاءَ فلَان وَقد لفظ لجامه. تجْرِي يَلِيق وتذم: ويليق اسْم فرس. إِن الْجواد عينه فراره. هما كفرسي رهان. الْخَيل
(6/100)

أعلم بفرسانها. أحشك وتروثني. عَرفتنِي نسأها الله. تقفز الجعثن بِي، يَا مر زدها قَعْبًا: يَعْنِي فرسه. شَتَّى تؤوب الحلبة: قَالُوا هُوَ فِي الْخَيل إِذا عازف من الحلبة. غضب الْخَيل على اللجم. لألحقن قطوفها بالمعناق. ترك الخداع من أجْرى من مائَة. كالأشقر إِن تقدم نحر، وَإِن تَأَخّر عقر. اتبع الْفرس ولجامها. مَا يشق غباره: أَصله للخيل. أَحَق الْخَيل بالركض المعار.
الْأَمْثَال فِي الْحمار
أكرمت فَارْتَبَطَ. إِذا أدنيت الْحمار من الردهة فَلَا تقل لَهُ سأ. إِذا قربت الْحمار من الوهدة فَلَا تقل هد وهت. ودق العير إِلَى المَاء: يضْرب فِي المستسلم. أدني حماريك فأزجري. أَنْكَحنَا الفرا، فَسَوف ترى. دون ذَا أَو ينْفق الْحمار. قد يضرط العير والمكواة فِي النَّار.
(6/101)

إِنَّك لآذى من العير إِلَى السهْم. اتخذوه حمَار الْحَاجَات. هما حماري الْعَبَّادِيّ. مَا بَقِي مِنْهُ إِلَّا قدر ظمء الْحمار. فلأضربنه ضرب أداني الْحمر. ذَكرنِي فوك حماري أَهلِي. ضرها جد العير الصليانة: يضْرب للْحَالِف. كَانَ حمارا فاستأتن. أودى العير إِلَّا ضرطاً. مَا بالعير من قماص. العير أوقى لدمه. جَاءَ كخاصي العير. وَقعا كعكمي عير. إِن ذهب عير فَعير فِي الرِّبَاط: لمن جَاءَ مستجيباً. عير بعير وَزِيَادَة عشرَة. عير عاره وتده. كل صيد فِي جَوف الفرا. نجى حمارا سمنه. لَا يَأْبَى الْكَرَامَة إِلَّا حمَار. سواسية كأسنان الْحمار. قبل عير وَمَا جرى.
(6/102)

تركته جَوف حمَار: قيل لِأَنَّهُ لَا ينْتَفع بِشَيْء فِي بَطْنه وَلَا يُؤْكَل وَقيل غير ذَلِك. هُوَ عير وَحده وجحيش وَحده. عير ركضته أمه، وركلته أَيْضا. قد حيل بَين العير والنزوان. معيوراء تكادم. الْبَغْل نغل وَهُوَ لذَلِك أهل. الجحش لما فاتك الأعيار.
الْأَمْثَال فِي الْبَقر وَالْغنم والظباء
أعجل من نعجة إِلَى حَوْض. أَهْون من ضرطة عنز. أقفط من تيوس البياع. أصرد من عير جرباء. أغر من ظَبْي مقمر. أصح من ظَبْي. أَشْقَى من راعي ضَأْن ثَمَانِينَ. أشغل من مرضع بهم ثَمَانِينَ. أقفط من تَيْس بني حمان. آمن من ظَبْي مقمر. أنوم من غزال. أوقل من وعل.
(6/103)

أَحمَق من نعجة على حَوْض. أسخى من لافظة. أذلّ من اليعر. أذلّ من النَّقْد. أبله من ثَوْر. أزهى من ثَوْر.
الْغنم والضأن
لَا تحبق فِي هَذَا الْأَمر عنَاق حوليه. لَا ينفط فِيهِ عنَاق. عِنْد النطاح يقلب الْكَبْش الأجم. لَا تنطح بهَا ذَات قرن جماء. لَا ينتطح فِيهِ عنزان. لَا أفعل ذَلِك حَتَّى تَجْتَمِع معزى الفزر. رمدت الضَّأْن فربق ربق. أضرعت المعزى فرمق رَمق، ورنق أَيْضا. مَاله عافطة وَلَا نافطة. مَاله ثاغية وَلَا راغية. عنز فِي حَبل فاستتيست. المعزى تبهى وَلَا تبنى. كل شَاة تناط برجلها. مَا لَهُ هلع وَلَا هلعة. قَالُوا: هُوَ الجري والقناص.
(6/104)

خير حالبيك تنطحين. حتفها تحمل ضَأْن بأظلافها. لَا يعرف هراً من بر: الهر: دُعَاء الْغنم، وَالْبر: سوقها. فرارة تسفهت قرارة. أَي الضَّأْن. نزو الْفِرَار استجهل القرارا. أعنز بهَا كل دَاء. هيل هيل، دري دبس. اسْم شَاة. لَا تنطح جماء ذَات قرن. كالخروف أَيْنَمَا مَال اتَّقى الأَرْض بصوف. مَا لفُلَان أَمر وَلَا آمرة: الْأَمر: الخروف. الآمرة: الرحل. أجْرى الله غنما خَيرهَا. الخروف يتقلب على الصُّوف. كالكبش يحمل شفرة وزناداً. كل شَاة معلقَة برجلها. باءت غرار بكحل. الْكلاب على الْبَقر. نزو الْفِرَار استجهل القرارا. ولد الْبَقر من الْوَحْش. إِنَّمَا أكلت يَوْم الثور الْأَبْيَض. كالثور يضْرب لما عافت الْبَقر.
(6/105)

تركت فلَانا بملاحس الْبَقر. أَي الْموضع لَا أنيس بِهِ. جَاءَ يجر بقره. من عِيَال الْبَقر أَوْلَادهَا. فِي الظباء تَرِكَة. ترك ظَبْي ظله. كَيفَ الطلا وَأمه. لَا أفعل ذَلِك مَا لألأت بِهِ ظَبْي الْعرف بأذنابها. بِهِ دَاء ظَبْي. من لي بالسانح بعد البارح. مَا يجمع بَين الأروى والنعام. هُوَ كَادِح الأروى بِمثل مطرد الأوابد. تَركتهم فِي كصيصة الظبي. بحازج الأروى، قَلِيلا مَا ترى. أول الصَّيْد فرع. تَيْس الْحَلب. ضَب السحاة. قنفذ برقة. أرنب الْخلَّة. شَيْطَان الحماطة. ذَنْب الْحمير.
(6/106)

الْأَمْثَال فِي الْأسد وَالسِّبَاع والوحوش
أبخر من أَسد. أجرأ من خاصي أَسد. أجرأمن ذِي لبد. أجرأ من أُسَامَة. أجرأ من قسورة. أجرأ من لَيْث بخفان. أجوع من ذِئْب. أحمى من أنف الْأسد. أخف رَأْسا من الذِّئْب. أَخبث من ذِئْب الخمير. أَخبث من ذِئْب الغضى. أختل من ذِئْب. أخون من ذِئْب. أخب من ذِئْب. أَشْجَع من أُسَامَة. أَشْجَع من لَيْث عريسة. أَشْجَع من لَيْث عفرين. أشره من أَسد. أصح من ذِئْب. أَشد من أَسد.
(6/107)

أظلم من ذِئْب. أعز من أست النمر. أعز من أنف الْأسد. أعدى من الذِّئْب. أَعْتَى من الذِّئْب. أعق من ذئبه. أمنع من لهاة اللَّيْث. أنشط من ذِئْب. أيقظ من ذِئْب. آلف من كلب. أبْصر من كلب. أبخل من كلب. أبخر من فَهد. أجوع من كلبة حومل. أَشْجَع من كلب. أبول من كلب. أَحمَق من أم الهنبر. أَحمَق من جهيزة. أحذر من ذِئْب. أَحول من ذِئْب. أحرص من ذِئْب.
(6/108)

أخرس من كلب. أحرس من كلبة كريز. أخب من ثعالة. أختل من ثعالة. أخيل من ثعالة. أخيل من ثَعْلَب فِي استه عهنة. أروغ من ثعالة. أزنى من قرد. أزنى من هجرس. أزنى من ضيون. أزنى من قطّ. أزنى من هر. أجبن من هجرس. أزهى من ثَعْلَب. أسْرع من كلب إِلَى ولوغه. أعطش من ثَعْلَب. أسْرع من لحسة الْكَلْب أَنفه. أسمع من سمع. أذلّ من صيد لَيْث عفرين. أعبث من قرد. أكسب من فَهد.
(6/109)

أكسب من ذِئْب. ألح من كلب. ألأم من كلب على عرق. ألوط من دب. أوقح من ذِئْب. أولغ من كلب. أنبش من جيأل. أنعس من كلب. أنوم من فَهد. أجرأ من خاصي الْأسد. أسْرع غدرة من الذِّئْب. أبقى عدوا من الذِّئْب. أسلط من سلقة: وَهِي الذئبة. أنكد من كلب أجص. أجوع من ذِئْب. أعق من ذئبة. أعيث من جعار. أَحمَق من ضبع. أغزل من الفرعل. أفحش من كلب. أجوع من زرْعَة وَبني كلبة.
(6/110)

لَا قَرَار على زأر من الْأسد. أَخذه أَخذ سَبْعَة. قَالُوا أَرَادَ سَبْعَة وَقيل: أَرَادَ الْعَدو وَقيل هُوَ اسْم الرجل.
الذِّئْب
أبشر بغزو كولغ الذِّئْب. من استرعى الذِّئْب ظلم. الذِّئْب يأدوا للغزال ليأكله. وَيُقَال: يدأي أَي متدارك. الذِّئْب يكنى أَبَا جعدة. سقط الْعشَاء بِهِ على سرحان. الذِّئْب خَالِيا أَشد. الذِّئْب مغبوط جائعاً. لقد كنت مَا أخْشَى بالذئب فاليوم قيل: الذِّئْب. ويضربون الْمثل ب: الذِّئْب الْخمر. وذئب الغضا. وسرحان القصيم. خش ذؤاله بالحبالة. الذؤالة: الذِّئْب. نزلنَا ببلدة يتنادى أصرماها: وهما الذِّئْب والغراب. ذِئْب الغضى. سرحان القصيم. ضريت فَهِيَ تخطف: وَضربت أَيْضا قيل أَرَادوا بِهِ الذِّئْب.
(6/111)

الذِّئْب أدغم: يضْرب لمن يظنّ بِهِ الْخَيْر وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن الذئاب دغم. الذِّئْب للضبع. لبست لَهُ جلد النمر.
الضبع
أطرقي أم عَامر. خامري أم عَامر. خامري حضاجر أَتَاك مَا تحاذر. عيثي جعار. الضبع تَأْكُل الْعِظَام وَلَا تَدْرِي مَا قذى استها. كمجير أم عَامر. اعْرِض عَلَيْهِ خصلتي الضبع الرَّاكِب. أَحَادِيث الضبع استها. كرهت خنازير الْحَمِيم الموغر.
فِي الْكَلْب
استعسب فلَان استعساب الْكَلْب. على أَهلهَا تجني براقش. وَهِي كلبة وَقيل إمرأة. نعم كلب فِي بؤس أَهله. لَا أفعل ذَلِك حَتَّى ينَام ظالع الْكلاب. سمن كلبك يَأْكُلك. لَا تقتن من كلب سوء جروا.
(6/112)

أحب أهل الْكَلْب إِلَى الْكَلْب الظاعن. فلَان مَا يعوي وَلَا ينبح. كلب عس، خير من أَسد ربض. كلب عس خير من أَسد أندس. الْكَلْب على الْبَقر. أجع كلبك يتبعك. يبْعَث الْكلاب عَن مرابضها. أحب أهل الْكَلْب إِلَيْهِ خانقه. عجلت مَا عجلت الكلبة أَن تَلد ذَا عينين. النبح وَمن بعيد، أَهْون من الْعَدو من قريب. على فلَان واقية الْكلاب. لَا يضر السَّحَاب نباح الْكلاب.
الثَّعْلَب
إِنَّمَا فلَان ذِئْب الثَّعْلَب. لقد ذل من بَالَتْ عَلَيْهِ الثعالب. كَذَلِك النجار يخْتَلف: مثل ينْسب إِلَى الثَّعْلَب. زمَان أربت بالكلاب الثعالب.
الهر
إِذا اعترضت كاعتراض الْهِرَّة، أوشكت أَن تسْقط فِي أفرة. مَا يعرف هراً من بر.
(6/113)

الْأَمْثَال فِي الْهَوَام والحشرات
آكل من السوس. أجول من قطرب. أشهر من قطرب. أفسد من السوس. أجوع من قراد. أسمع من قراد. أذلّ من قراد بمنسم. أَجْهَل من فراشة. أَضْعَف من فراشة. أطيش من فراشة. أخف من فراشة. أَخطَأ من فراشة. أَجْهَل من عقرب. أزب من عقرب. أعدى من الْعَقْرَب. أجمع من الذّرة. أضبط من ذرة. أخْفى من الذّرة. أقطف من فريخ الذَّر. أَشمّ من ذرة.
(6/114)

أكسب من جَراد. أجرد من جَراد. أصفى من لعاب الْجَرَاد. أصفى من لعاب الجندب. أصرد من جَرَادَة. أسرى من جَراد. أعظم من جَراد. أغوى من غوغاء الْجَرَاد. أفسد من الْجَرَاد. أنزى من الْجَرَاد. أزهى من ذُبَاب. أَشْقَى من الذُّبَاب بالذباب. أندى من الذُّبَاب. أطيش من ذُبَاب. أمهن من ذُبَاب. أَهْون ذُبَاب. أجل من الحرش: مثل يحْكى عَن الضَّب. أشرد من ورل. أَصْبِر من ضَب. أضلّ من ضَب. أل من ورل.
(6/115)

أطول ذماء من الضَّب. أسمع من ضَب. أروى من ضَب. أخب من ضَب. أخدع من ضَب. أحير من ضَب. أخير من ورل. أظلم من ورل. أعق من ضَب. أعقد من ذَنْب الضَّب. أعقد من بعج الضَّب. أعمر من ضَب. أقصر من فتر الضَّب. هُوَ أعلم بضب من حرشه. أقصر من إِبْهَام الضَّب. أذلّ من حمَار قبان. أطول ذماء من الخنفساء. أخنس من الخنفساء. أخس من الخنفساء. أنحس من فاسية. أسْرع غَضبا من فاسية.
(6/116)

ألج من الخنفساء. ألزق من الْجعل. آكل من الْحُوت. أسبح من نون. أروى من الْحُوت. أظمأ من حوت. أعطش من حوت. أَشْجَع من لَيْث عفرين. أصنع من سرفة. أوهن من بَيت العنكبوت. أصنع من النَّحْل. أصنع من دود القز. أَضْعَف من بقة. أعز من مخ البعوض. أضبط من نملة. أروى من النملة. أعطش من النَّمْل. أكسب من النَّمْل. أَكثر من النَّمْل. أقوى من النملة. أقصر من زب النملة.
(6/117)

أقطف من نملة. أسرى من جَراد. أضلّ من ولد اليربوع. أسرق من زبابة. أكسب من فأر. أطول من الْحَيَّة. أسمع من حَيَّة. أظلم من الْحَيَّة. أظلم من أَفْعَى. أعدى من الْحَيَّة. أروى من الْحَيَّة. أعرى من الأيم. أثبت من قراد. أظفر من برغوث. أفحش من قالية الأفاعي. أشهر من جرجر. أسرى من أنقد. أسمع من قنفذ. أرسح من ضفدع. أعطش من النقاقة. أدب من قرنبي.
(6/118)

أخشن من الشهيم. أَجْزم من حرباء. أظلم من تمساح. أعلق من قراد. أغزل من عنكبوت. أغزل من سرفة. أفسد من أرضة. أفسى من ظربان. أقطف من حلمة. ألزق من برام. ألزق من قرنبي. أنتن من ظربان. أشرد من ورل الحضيض. أسْرع من تلمظة الورل. أشرد من ورل الحضيض. أضلّ من ورل. أسمع من دُلْدُل. أعذر من أم أدراص. أَكثر من الدُّبَّاء. أَسْوَأ من جَرَادَة. أَخطَأ من ذُبَابَة.
(6/119)

الضَّب
أطْعم أَخَاك من عقنقل الضَّب، إِنَّك إِن تَمنعهُ مِنْهُ يغْضب. هَذَا أجل من الحرش. أتعلمني بضب أَنا حرشته. مَا أُبَالِي مَا نهئ من الضَّب وَمَا نضج. مَا نهئ من ضبك. كل ضَب عِنْده مرداته. لَا أفعل ذَلِك سنّ الحسل. خله درج الضَّب. لَا يكون ذَلِك حَتَّى يحن الضَّب فِي أثر الْإِبِل الصادرة. مَا هُوَ إِلَّا الضَّب كدية. ضَب قلعة. مَا هُوَ إِلَّا ضَب كَذَا، وضب كلدة. أَي لَا يقدر عَلَيْهِ. إِن تَكُ ضباً فَأَنا حسلة. أَخذه أَخذ الضَّب وَلَده. أَنا أعلم بضب احترشته. إِذا أخذت بِرَأْس الضَّب أغضبته. إِذا أخذت بِذَنبِهِ أغضبته. الضَّب أَخبث نَفسه. حَتَّى يؤلف بَين الضَّب وَالنُّون. تطلب ضباً وَهَذَا ضَب مخرج رَأسه.
(6/120)

الظربان
هما يتماشيان جلد الظربان. بَينهمَا جلد الظربان. فسا بَينهم ظربان.
الْقُنْفُذ
ذَهَبُوا إسراء قنفذ. قنفذ برقة: يضْرب بِهِ الْمثل.
الفأر
سرينا لَيْلَة ابْن انقد. أضلّ دريص نفقه. سقط فِي أم أدراص بلَيْل مضلل. بَات بليلة أنقد. برز نارك، وَإِن هزلت فارك.
الْحُوت
أحوتا تماقس؟ الْحَيَّة شَيْطَان الحماطة: يضْرب بِهِ الْمثل فَهُوَ الْحَيَّة. إِنَّه لهتر أهتار، وصل أصلال. صمي صمام ابْنة الْجَبَل. يُرَاد بِهِ
الْحَيَّة
. هُوَ كالأرقم إِن يقتل ينقم، وَإِن يتْرك يلقم.
(6/121)

أطرق إطراق الشجاع. جَاءَ بِإِحْدَى بَنَات طبق. لَا يلسع الْمُؤمن من جُحر مرَّتَيْنِ. قد بكرت شبوة تزبئر. سرت إِلَيْنَا شبارعهم. وَهِي العقارب. دبت إِلَيْنَا عقاربهم. تلدغ الْعَقْرَب وتصيء الْجَرَاد. لَا أَدْرِي أَي الْجَرَاد عاره. جَاءَ الْقَوْم كالجراد المشعل. علقت معالقها وصر الجندب. وَقع فِي أم جُنْدُب. قد بَدَت جنادعه.
القراد
القردان حَتَّى الْحلم. فلَانا يقرد فلَانا: أَي يحتال لَهُ بخدعة. لَا يَلِيق هَذَا بصفري: والصفر: حَيَّة تكون فِي الْبَطن. القرنبي فِي عين أمهَا حَسَنَة. مَا عَلَيْهَا خَز بصيصة: قَالُوا هِيَ البقة. مَا الذُّبَاب وَمَا مرقته. كلفتني مخ البعوض. لَا أفعل ذَلِك حَتَّى يحجّ البرغوث.
(6/122)

طامر بن طامر: قَالُوا: هُوَ البرغوث. أَنا أُغني عَنهُ من التفة عَن الرفة: قَالُوا: التفة: عتاق الأَرْض، الرفة: التِّبْن.
الْأَمْثَال فِي الطُّيُور ضواريها وبغاثها
آمن من حمام مَكَّة. آلف من حمام مَكَّة. أَحمَق من حمامة. أخرق من حمامة. آلف من غراب عقدَة. أبعد من بيض الأنوق. أعز من بيض الأنوق. أبْصر من باز. أبْصر من عِقَاب ملاع. أحذر من فرخ عِقَاب. أحزم من فرخ عِقَاب. أخطف من عِقَاب. أزهى من غراب. أعز من الْغُرَاب الأعصم. أعز من عِقَاب الجو. أبْصر من نسر. أبْصر من غراب.
(6/123)

أخيل من غراب. أحذر من غراب. أبكر من غراب. أبْصر من الوطواط بِاللَّيْلِ. أجبن من صافر. أجبن من صفرد. أجبن من كروان. أجبن من ليل. أجبن من نَهَار. أَحمَق من نعَامَة. أحذر من ظليم. أروى من نعَامَة. أَحمَق من رخمة. أَحمَق من الحباري. أَحمَق من عقعق. أسْرع من عقعق. ألص من عقعق. أحذر من عقعق. أحلم من فرخ الطَّائِر. أحسن من طَاوُوس. أحسن من الديك.
(6/124)

أخف رَأْسا من الطير. أصفى من عين الديك. أَشْجَع من ديك. أخف حلماً من العصفور. أخيل من ديك. أزهى من ديك. أزهى من طَاوُوس. أسخى من لافظة. أسفد من ديك. أسفد من عُصْفُور. أسلح من حباري. أسلح من دجَاجَة. أشأم من طير العراقيب. أشأم من غراب الْبَين. أشبه من الْغُرَاب بالغراب. أشرد من ظليم. أشْرب من خفيدد. أَشمّ من نعَامَة. أَشمّ من هِقْل. أصنع من تنوط. أصدق من قطاة.
(6/125)

أصفى من عين الْغُرَاب. أَصْغَر من صعوة. أقصر من إِبْهَام القطاة. أكذب من فَاخِتَة. أكمد من حباري. أكبر من لبد. أمنع من عِقَاب الجو. أنفر من نعَامَة. أند من نعَامَة. أهْدى من قطا. أهْدى من حَمَاقَة. أصح من ظليم. أحذر من قرلي. أحزم من قرلي. أبخر من صقر. أثقل من زواقي: وَهِي الديكة. أموق من الرخمة. أموق من نعَامَة. أَنْجَب من نعَامَة. أَشد سواداً من حنك: وَهِي الديكة. أنسب من قطاة.
(6/126)

أشأم من الشقراق. وجد تَمْرَة الْغُرَاب. أذلّ من بضة الْبَلَد. أقصر من إِبْهَام الحباري.
العنقاء وَالْعِقَاب
حلقت بِهِ عنقاء مغرب. طارت بهم العنقاء. أودت بهم عِقَاب ملاع. عِقَاب قلاع كَأَنَّهُ لبد. إِن البغاث بأرضنا يستنسر. أنطقي يَا رخم إِنَّك من طير الله. وَقعت رخمته: إِذا وَافقه وأحبه.
النعام
الأوب أَوب نعَامَة. مَا يجمع بَين الأروى والنعام. خفت نعامته. شالت نعامتهم.
الصَّقْر والبازي
صقر يلوذ حمامه بالعوسج. وَهل ينْهض الْبَازِي بِغَيْر جنَاح؟ !
(6/127)

مَا رَأَيْت صقراً يرصده خرب. تقلدها طوق حمامة.
الْغُرَاب
هم فِي خير لَا يطير غرابه. لَا يكون كَذَا حَتَّى يشيب الْغُرَاب. فلَان وَاقع الْغُرَاب. مثل قَوْله: إِنَّه لساكن الرّيح وسكنت رِيحه. تفرس الْأسد المشتم. وتفرق من صَوت الْغُرَاب. تركت فلَانا بوحش الإصمت. أَخَاك كغراب الصرد. هُوَ غراب بن دأية: يُقَال ذَلِك للكذاب.
الْحُبَارَى
كل شَيْء يحب وَلَده حَتَّى الحباري. أطرق كراً، إِن النعام فِي الْقرى. بَات فلَان كمد الحباري. أطرق كراً يحلب لَك. أطرق كراً إِنَّك لن ترى. وَعِيد الحباري الصَّقْر.
القطا
لَو ترك القطا لَيْلًا لنام.
(6/128)

لَيْسَ قطاً مثل قطي. لاقيت الأخيل: دُعَاء على الْمُسَافِر.
الطير
إِنَّه لوَاقِع الطير. يُقَال للحليم. كَأَن على رَأسه الطير. خلا لَك الجو فبيضي واصفري. مَا يزْجر الطير بأسمائها، وَمَا يُسمى البقل بأسمائه. لَيْسَ هَذَا بعشك فادرجي. لَا تَأْكُل حَتَّى تطير عصافير نَفسك. طَار أنضجها. طَار طَائِره. فلَان طيور فيوء. انْقَطع قوى من قاوية، وَيُقَال: قابية من قوبها. كَانَت بَيْضَة الْعقر. كَانَت بَيْضَة الديك. فلَان بَيْضَة الْبَلَد. يُقَال فِي الْمَدْح والذم. أفرخ قيض بيضها المنقاض. أفرخوا بيضتهم. مَرَرْت بهم الْجَمَّاء الْغَفِير. قَالَ بَعضهم: الْجَمَّاء: الْبَيْضَة والغفير: الريش، يُرِيد الْكَثْرَة. كلفتني بيض السمائم.
(6/129)

كلفتني بيض السماسم. فلَان مَا يفقئ الْبيض. فلَان لَا يُرِيد الرادية. فلَان لَا ينضج الكراع. يُقَال ذَلِك فِي الضَّعِيف. فلَان يحمي بيضته.
الْأَمْثَال فِي السَّمَاء والهواء وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب
أطول من السكاك. أطول من اللَّوْح. أرفع من السَّمَاء. أنأى من الْكَوَاكِب. أبعد من الْكَوَاكِب. أبعد من النَّجْم. أهْدى من النَّجْم. أوسع من اللَّوْح. أبعد من منَاط العيوق. أرق من الْهَوَاء. أشهر من الشَّمْس. أشهر من الْقَمَر. أشهر من الْبَدْر. أطول صُحْبَة من الفرقدين. أنكد من تالي النَّجْم.
(6/130)

أبين شؤماً من زحل. أضيع من قمر الشتَاء.
السَّمَاء والهواء
لَا أفعل ذَلِك مَا إِن السَّمَاء سَمَاء. لَا أفعل ذَلِك مَا إِن فِي السَّمَاء نجماً. لَا أفعل ذَلِك مَا عَنى فِي السَّمَاء نجم. رأى فلَان الْكَوَاكِب ظهرا ومظهراً. أريها السهى وتريني الْقَمَر. جلاء الجوزاء، يضْرب للَّذي يتوعد وَلَا يصنع شَيْئا. جَاءَ بالضح وَالرِّيح. الضح: الشَّمْس. لَا أفعل ذَلِك ماذر شارق. إِن يبغ عَلَيْك قَوْمك لَا يبغ الْقَمَر. لَا آتِيك السمر وَالْقَمَر. سر وقمر لَك. فِي الْقَمَر ضِيَاء، وَالشَّمْس أَضْوَأ مِنْهُ. هَل يخفى الْقَمَر؟ !
فِي اللَّيْل وَالنَّهَار والغداة والعشي وَالزَّمَان والدهر وَالْأَحْوَال
أبقى من الدَّهْر. أبين من وضح الصُّبْح. أبين من فلق الصُّبْح. أشهر من فلق الصُّبْح.
(6/131)

أَضْوَأ من الصُّبْح. أَضْوَأ من ابْن ذكاء. أَضْوَأ من نَهَار. أطول من الفلق. أطول من يَوْم الْفِرَاق. أطول من شهر الصَّوْم. أطول من الدَّهْر. أطغى من اللَّيْل. أطفل من ليل على نَهَار. أحير من اللَّيْل. أنم من الصُّبْح. أَسِير من اللَّيْل. أنم من ذكاء. أجرأ من اللَّيْل. أظلم من اللَّيْل. أَقُود من اللَّيْل. أَقُود من وضح النَّهَار. أندى من اللَّيْل الماطر.
اللَّيْل وَالنَّهَار
لَا أفعل ذَلِك مَا اخْتلف الجديدان والملوان والفتيان. لَا أفعل ذَلِك مَا اخْتلفت الصرفان.
(6/132)

خير لَيْلَة بالأبد، لَيْلَة بَين الزباني والأسد. السميرات عَلَيْك. جرشا فتعشه: بِالسِّين والشين، وَهِي السَّاعَة. الهوية من اللَّيْل. باتت بليلة حرَّة. باتت بليلة شتاء. مَا يَوْم حليمة بسر. لَيْلَة ليلاء. يَوْم أيوم. المكثار كحاطب اللَّيْل. اللَّيْل أخْفى للويل. سمر ذيلاً وادرع لَيْلًا. اتخذ اللَّيْل جملا تدْرك. إِن اللَّيْل طَوِيل وَأَنت مقمر. يَوْم النازلين بنيت سوق ثَمَانِينَ. أسائر الْيَوْم وَقد زَالَ الظّهْر. إِن مَعَ الْيَوْم غَدا يَا مسْعدَة. وَهل يخفى على النَّاس النَّهَار. مَا أشبه اللَّيْل بالبارحة. اللَّيْل وأهضام الْوَادي. يذهب يَوْم الْغَيْم وَلَا يشْعر بِهِ.
(6/133)

الْيَوْم ظلم. إِحْدَى لياليك فهيسي هيسي. يُرِيك يَوْم بِرَأْيهِ. تركته على مثل لَيْلَة الصَّدْر. من ير يَوْمًا ير بِهِ. يَوْم بِيَوْم الحفض المجور. إِحْدَى لياليك فهيسي. من ابْن كل جدة تبليها عدَّة. اللَّيْل أَعور لَا يبصر فِيهِ. لم أر كَالْيَوْمِ فِي الحريمة. لم أر كَالْيَوْمِ واقية. لَا أفعل ذَلِك مَا حدا اللَّيْل نَهَارا. أصبح ليل. أَنا ابْن جلا. يُرِيدُونَ النَّهَار. حلب فلَان الدَّهْر أشطره. أودى بِهِ الأزلم الْجذع. مَا نَلْتَقِي إِلَّا من عفر. لَا أَفعلهُ مَا جمر ابْن جمير: قَالُوا: السمير: الدَّهْر، والجمير مثله. لَا أفعل ذَلِك سجيس الأوجس. لَا أفعل ذَلِك سجيس عجيس.
(6/134)

لَا أفعل ذَلِك دهر الدهارير. لَا أفعل ذَلِك أَبَد الأبيد. من عتب على الدَّهْر، طَالَتْ معتبته. لَا أفعل ذَلِك عوض العائضين، وَلَا أَفعلهُ عوضي. قد بَين الصُّبْح لذِي عينين. أَقمت عِنْده فِي ضغيغ دهره: أَي قدر تَمَامه. كَانَ ذَلِك زمن الفطحل. ضح رويداً. لَقيته قبل كل صِيحَ وَنَفر. لَقيته صَكَّة عمي. أرقب لَك صبحاً. لكل صباح صبوح. برد غَدَاة، غر عبدا من ظمأ. عِنْد الصَّباح يحمد الْقَوْم السّري. عش وَلَا تغتر. يَأْتِيك كل غَد بِمَا فِيهِ. لَقيته ذَات العويم. وَقع النَّاس فِي قُحُوط. عش رجباً تَرَ عجبا.
(6/135)

الْأَمْثَال فِي الأَرْض وَالْجِبَال والرمال وَالْحِجَارَة والبلدان والمواضع وَالْمَاء وَالنَّار والزناد وَالتُّرَاب وَالْبَحْر
: آمن من الأَرْض. أَصْبِر من الأَرْض. أوثق من الأَرْض. أوطأ من الأَرْض. أحفظ من الأَرْض. أحمل من الأَرْض. آكل من النَّار. أثقل من ثهلان. أكتم من الأَرْض. أَكثر من الرمل. أتقل من نضار. أثقل من عماية. أثقل من شمام. أثقل من أحد. أثقل من دمخ الدماخ. أسْرع من المَاء إِلَى قراره. أرق من المَاء. أَحمَق من لاعق المَاء. أَحمَق من ماضغ المَاء.
(6/136)

أصفى من المَاء. أَحمَق من الْقَابِض على المَاء. أذب من خباب المَاء. أَحمَق مِمَّن لطم طم المَاء. أَحمَق من ترب العقد. أحر من النَّار. أحر من الْجَمْر. آكل من النَّار. أحسن من النَّار. أَحْقَر من التُّرَاب. أحضر من التُّرَاب. أخْفى من المَاء تَحت الرفة. أخلف من نَار الحباحب. أسْرع من النَّار فِي يبيس العرفج. أسْرع من شرارة فِي قصباء. أطمع من قالب الصَّخْرَة. أطول صُحْبَة من ابْني شمام. أطول من فرسخي دير كَعْب. أَصْلَب من جندل. أَصْلَب من حجر. أقضى من صَخْر.
(6/137)

أقسى من الْحجر. أجْرى من المَاء. أظلم من رمل. أعذب من مَاء غادية. أعذب من مَاء المفاصل. أعذب من مَاء الحشرج. أعرض من الدهناء. ألذ من مَاء غادية. أعطش من رمل. أعذب من المَاء البارق. أعمق من الْبَحْر. ألطف من المَاء. ألهف من قالب الصَّخْرَة. أنم من التُّرَاب. أوجد من المَاء. أوجد من التُّرَاب. أوسع من الدهناء. أندى من الْبَحْر. أيبس من الصخر. أهول من الْحَرِيق.
(6/138)

أسْرع من الخذروف. وَهُوَ حجر يلْعَب بِهِ. ألْقى من وَحي فِي حجر. فلَان أَكثر حَصى من فلَان: أَي أَكثر عددا. أعطش من رمل العقد. أشْرب من الهيم: قيل هِيَ رمال بِعَينهَا واحدتها: هيماء. أسهل من جلدان: وَهُوَ حمى من وَرَاء الطَّائِف إِلَى نَاحيَة الْيمن. أَحمَق من ناطح المَاء. أَحمَق من ماطخ المَاء: والمطخ: اللعوق. أصفى من مَاء المفاصل.
الأَرْض
قتل أَرضًا عالمها. من سلك الجدد أَمن العثار. قتلت أَرض جاهلها. النَّقْد عِنْد الحافرة: قَالُوا: الحافرة: الأَرْض وَقيل غير ذَلِك. إِنَّه لأريض للخير. لقِيه بَين سمع الأَرْض وبصرها. لَقيته بوحش أصمت. أخذت الأَرْض زخارفها. تِلْكَ الأَرْض لاتقض بضعتها وَلَا تنعفر بضعهَا. برح الخفاء. الخفاء: المتطأطئ من الأَرْض. قَالُوا: أصايرا ظَاهرا.
(6/139)

إِن جَانب أعياك، فَالْحق بِجَانِب. من تجنب الخبار، أَمن العثار. التقى الثريان. لَا تؤبس الثرى بيني وَبَيْنك. جَاءَ بالطم والرم: الطم: الْبَحْر. والرم: الثرى. أفق قبل أَن يحْفر ثراك. خُذ من الرضفة مَا عَلَيْهَا. مَا يبض حجره. رمى فلَان بحجره. كَانَت وقرة فِي حجر. وَجه الْحجر وجهة مَاله، وَقد بيضت وجهة وَجهه. صمت حَصَاة بِدَم. الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر. جَاءَ فلَان بالقض والقضيض. يَا حبذا الْإِمَارَة وَلَو على الْحِجَارَة. كَأَنَّمَا ألقمه حجرا. على مَا خيلت وعث القصيم. هَل بالرمل من أوشال. وَقَعُوا فِي أم حبوكر: أم حبوكر: الرملة. أشرق ثبير، كَيْمَا نغير. الله أعلم مَا حطها من رَأس يسوم.
(6/140)

رَمَاه بثالثة الأثافي. هُوَ إِحْدَى الأثافي. لَكِن بشعفين أَنْت جدود. إِن وَرَاء الأكمة مَا وَرَاءَهَا. لَا تفش سرك إِلَى أمة، وَلَا تبل على أكمة. هُوَ ابْنة الْجَبَل. صمي ابْنة الْجَبَل. مهما يقل تقل. اللَّيْل يواري حضناً. إِذا قَطعنَا علما بدا علم. أنجد من رأى حضناً. مَا حللت بِبَطن تبَالَة لتحرم الأضياف. خذمتها مَا قطع الْبَطْحَاء. كلا جَانِبي هرشي لَهُنَّ طَرِيق. وَقع فِي وَادي خدبات. أَلْقَت مراسيها بِذِي رمرام. أَلْقَت مراسيها بوادي مضلل. أَلْقَت مراسيها بوادي ثهلل. تمرد مارد وَعز الأبلق. يَكْفِيك مَا بلغك المحلا. أمرع واديه وأجني حلبه.
(6/141)

رويداً يعلون الجدد. هَيْهَات، هَيْهَات الجناب الْأَخْضَر. هَذَا وَلما تردي تهَامَة. بِكُل وَاد أثر من ثَعْلَبَة. ليتك من وَرَاء حَوْض الثَّعْلَب. تركته بوحش أصمت. جرى الْوَادي فطم على الْقرى. سَالَ الْوَادي فذره. تركته ببلدة إصمت. قد بل عَرْشه ببقة. أبرم الْأَمر ببقة. أشبه شرج شرجاً لَو أَن أسيمرا. دخل ظفارحم. لَيْسَ سلامان كعهدان. لاهلك بواد خبر. عَسى الغوير أبؤساً. فلَان فِي سر قومه. يُقَال للْأَرْض إِذا كَانَت طيبَة أَرض سر. قد بلغ المَاء الزبى. إِن ترد المَاء بِمَاء أَكيس. مَاء وَلَا كصدءاء. كالقابض على المَاء.
(6/142)

لَو بِغَيْر المَاء غصصت المَاء: ملك الْأَمر. هُوَ يرقم فِي المَاء. فلَان مَاء مسوس. أعطَاهُ غيضاً من فيض. لَا أفعل ذَلِك مَا بل الْبَحْر صوفه. لَا أفعل ذَلِك مَا إِن فِي الْفُرَات قَطْرَة. هُوَ أبرص من عير. ماؤكم هَذَا، مَاء عنَاق. لتجدن نبطة قَرِيبا. ثأطة مدت بِمَاء. فِي كل شجر نَار واستمجد المرخ والعفار. ارخ يدك، واسترخ إِن الزِّنَاد من مرخ. اقدح بدخلي فِي مرخ، ثمَّ شدّ بعد أَو أرخ. إِنَّه لمعتلث الزِّنَاد. فلَان وارى الزِّنَاد. وريت بك زنادي. فلَان ثاقب الزِّنَاد. فلَان كَافِي الزند. صلدت زناده. أضئ لي أقدح لَك. وَيُقَال:
(6/143)

أقدح الزند بعفار أَو مرخ. لَيْسَ فِي جفيره غير زندين. هما زندان فِي وعَاء. مَا يصطلي بناره. كَأَنَّهُ نَار حباحب. فلَان حَسبه ثائب. مَا بهَا نافخ ضرمة. أَتَانَا وَكَأن لحيته ضرمة عرفج. كَا لمستغيث من الرمضاء بالنَّار. نجارها نارها: وَالنَّار هَاهُنَا: السمة. هُوَ القابس العجلان. أَي فَتى قَتله الدُّخان؟ هرق على جمرك مَاء. لَو كنت أنفخ فِي فَحم. اقدح إِن لم تؤذ نَارا ببحر.
الْأَمْثَال فِي السَّحَاب والرعد والبرق والرياح والسراب والمطر والثلج والسيل والنسيم
: أبرد من ثلج. أبرد من الغب: وَهُوَ الْبرد. أبرد من عضرس. أبرد من حبقر.
(6/144)

أبرد من عبقر. أبرد من غب الْمَطَر. أبرد من أَمْرَد. أخف من النسيم. أخف من الهباء. أرق من الهباء. أرق من دمع الْغَمَام. أرق من رقراق السراب. أسْرع من الرّيح. أسْرع من الْبَرْق. أسْرع من السَّيْل إِلَى الحدور. أطفى من السَّيْل تَحت اللَّيْل. أجرأ من السَّيْل. أجرأ من الأيهمين. أغر من سراب. أغشم من السَّيْل. أكذب من يلمع. أكذب من اليهير. أمضى من الرّيح. أمضى من السَّيْل تَحت اللَّيْل. أولج من ريح. أَهْون من النباح على السَّحَاب.
(6/145)

أهول من السَّيْل. أَشد بَيَاضًا من الْبرد. إِنَّمَا هُوَ كبرق الخلب. يذهب يَوْم الْغَيْم وَلَا يشْعر بِهِ. فلَان يرعد ويبرق. رب صلف تَحت الراعدة. برق لمن لَا يعرفك. وَيُقَال: برقي بالتأنيث. أرنيها نمرة أركها مطرة. ذهب دَمه درج الرِّيَاح. ذهبت هيف لأديانها. إِنَّه لساكن الرّيح. إِن كنت ريحًا لقد لاقيت إعصاراً. ريح حزاء فالنجاء. ريحمها جنوب. يُقَال للمتصافيين فَإِذا تفَرقا قيل: شملت رِيحهَا سراب. لَيْسَ بِأول من غره السراب. أوردته حِيَاض عطيش: يعنون السراب. الْمَطَر عَام الرّبيع. الصَّيف بِحَسب الممطور. إِن كل مطر الْغَيْث يصلح. الْغَيْث مصلح مَا خبل على العرفجة.
(6/146)

بَرِئت مِنْهُ مطر السَّمَاء: أَي أبدا. رب عجلة تهب ريثاً. وَرب غيث لم يكن غيثاً. رب فروقة يدعى ليثاً. قد بلغ السَّيْل الزبى. قد سيل بِهِ وَلَا يدْرِي. كالسيل تَحت الدمن. مَا أقوم بسيل تلعتك. إِنَّمَا أخْشَى سيل تلعتي. اضطره السَّيْل إِلَى معطشة. هم درج السُّيُول. من يرد السَّيْل على أدراجه.
الْأَمْثَال فِي الشّجر وَالرَّوْضَة والصمغ والنبات والمرعى والشوك
: أذلّ من هرمة. أَشد حمرَة من المصعة. أطيب نشراً من رَوْضَة. أَضْعَف من بروقة. أغر من الدُّبَّاء. أَمر من العلقم. أكره من العلقم. أذلّ من فقع بقاع.
(6/147)

أَمر من الدفلى. أَحمَق من رجلة. أكسى من البصل. أبعد خيرا من قَتَادَة.
الشّجر
: طمعوا بِخَير أَن ينالوه فَأَصَابُوا سلعاً وقاراً. ذليل عاذ بقرملة. فِي عضة مَا ينبتن شكيرها. تحمل عضة جناها. فِي عيصه مَا ينْبت الْعود. عيصك مِنْك وَإِن كَانَ أشبا. النبع يقرع بعضه بَعْضًا. هَذَا على طرف الثمام. عصبه عصب السلمة. هُوَ يدب لَهُ الْخمر. يمشي لَهُ الضراء. كَانَ ذَلِك كسل أمصوخة، وأمسوخة: بِالسِّين. أَنا إِذن كالخاتل بالمرخة. ضغث على إبالة. شجر يرف. أَنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب.
(6/148)

تجنب الرَّوْضَة وأحال يعدو. وَقع فِي رَوْضَة وغدير. إيَّاكُمْ وخضراء الدمن.
النَّبَات
: لَا يغرنك الدُّبَّاء، وَإِن كَانَ فِي المَاء. جذها جذ العير الصليانة. حول الصليان الزمزمة. مرعى وَلَا كالسعدان. تَسْأَلنِي برامتين شلجما. المَال بيني وَبَينه شقّ الأبلمة. دقك بالمنخار حب القلقل. لست بخلاة بنجاة. لَيْت حظي من العشب خوصه. أوضع من ابْن قوضع. لتجدني بقرن الْكلأ. عثر بأشرس الدَّهْر. الشرس: مَا صفر من الشوك. إِنَّك عَالم بمنابت القصيص. كَانُوا مخلين فلاقوا حمضاً. هُوَ حواءة: يُقَال لمن يلْزم بَيته. وَهُوَ نبت. لَا ينْبت البقلة إِلَّا الحقلة. لقد اتقيتهم حَتَّى مَا أسمي البقل بأسمائه.
(6/149)

أَحْمَر كَأَنَّهُ الصربة. لأقلعنك قلع الصمغة الشبوك. لَا تجن من الشوك الْعِنَب. لَا تنقش الشَّوْكَة بِالشَّوْكَةِ فَإِن ضلعها مَعهَا. لطمه لطم المنتقش. جَاءَ فلَان بالشوك وَالشَّجر. استغنت الشَّوْكَة عَن التَّنْقِيح. من دون ذَلِك خرط القتاد. لَا المرعى مرعى، وَلَا الوله عشب وَلَا بعير أخلف. أَسَاءَ رعياً فسقى. رعى فأقصب. شَرّ الرعاء الحطمة. كثر الحلبة وَقل الرعاء. أمرعت فَانْزِل. أصَاب قرن الْكلأ. اخْتَلَط المرعى بالهمل.
الْأَمْثَال فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد وَالسيف وَالرمْح وأصناف السِّلَاح
: أحسن من شنف الأنضر. أَشد من الْحَدِيد. أرق من شقّ الجلم.
(6/150)

أَشد من حد الجلم. أنفذ من الإبرة. أضيق من خرت الإبرة. أضيق من سم الإبرة. أمضى من الصمصامة. أمضى من النصل. أنفذ من سِنَان. أمضى من سِنَان. أطول من الرمْح. أطول من ظلّ الرمْح. أضيق من ظلّ الرمْح. أنفذ من خازق. أسْرع من السهْم. أنفذ من السهْم. أصرد من السهْم. أمرق من السهْم.؟ ؟ ؟
الْجلد
:؟ خُذْهُ وَلَو بقرطى مَارِيَة. عِنْده كنز النُّطْفَة وجران الرَّقِيق. مَا يحسن القلبان فِي يَدي حالبة الضَّأْن. لَو ذَات سوار لطمتني.
(6/151)

الْحَدِيد
: الْحَدِيد بالحديد يفلح. لم أجد لشفرتي محزاً. كالباحث عَن المدية.
السَّيْف
: سبق السَّيْف العذل. لَا يجْتَمع السيفان فِي غمد وَاحِد. إِنِّي لأنظر إِلَى السَّيْف وَإِلَيْك. من يَشْتَرِي سَيفي وَهَذَا أَثَره.؟ محا السَّيْف مَا قَالَ ابْن دارة أجمعا. ماز رَأسك وَالسيف. سلوا السَّيْف واستللت المنتن. وَيُقَال المنتل. لكل صارم نبوة. لَا تأمن الأحمق وَبِيَدِهِ السَّيْف. فِي نظم سَيْفك مَا ترى يالقيم. ذَكرتني الطعْن وَكنت نَاسِيا. الْأَمر سلكي وَلَيْسَ بمخلوجة. يشج مرّة ويأسو مرّة. الطعْن يظأر. لأطعنن فِي حوصهم. فلَان صلب الْقَنَاة.
(6/152)

ظئار قوم طعن. وَمثله: إِن الهوان للئيم مرأمة. عَاد السهْم إِلَى النزعة. مابها أهزع، وَمثله: ومخشوب لم ينقح. الحذر قبل إرْسَال السهْم. قد انصف القارة من راماها. نعتني بدائها وانسلت. مَا بللت من فلَان بأفوق ناصل. مَا بللت مِنْهُ بأعزل. رجح بأفوق ناصل. ثار حابلهم على نابلهم. اخْتَلَط الحابل بالنابل. قبل الرماء تملأ الكنائن. وَيُقَال أَيْضا: قبل الرَّمْي يراش السهْم. إِحْدَى حظيات لُقْمَان. تركته خير قَوس سَهْما. وَمَا تنهض رابضته. أَي رميته. أصمي رميته وأنمى رميته. هُوَ أوثق سهم فِي كِنَانَتِي. مَا أصبت مِنْهُ أقذ وَلَا مريشاً.
(6/153)

فاق السهْم بيني وَبَينه. من فَازَ بكم فَازَ بِالسَّهْمِ الأخيب. إعط الْقوس باريها. إنباض الرَّمْي يراش السهْم. أدركني وَلَو بِأحد المغروين. نبل العَبْد أَكْثَرهَا المرامي. إِن فلَانا ليكسر على أرعاظ النبل غَضبا. لَيْت القسي كلهَا أرجلاً. مَعَ الخواطىء سهم صائب. رَمَاه بنبله الصائب. ارْجع إِن شِئْت فِي فَوق، وَيُقَال فِي فَوقِي. من أَنى ترمي الْأَقْرَع تشجه. لَا خير فِي سهم زلج. لَا تعجل بالإنباض قبل التوتير. كالمستتر بالغرض. ركب فلَان عوداً وَأَصله فِي السهْم. شغل عَن الرَّامِي الكنانة بِالنَّبلِ. ألْقى عَصَاهُ. شقّ الْعَصَا. مَا قرعت عَصا على عَصا إِلَّا حزن لَهَا قوم وسر آخَرُونَ.
(6/154)

عَصا الجبان أطول. لَا تدخل بَين الْعَصَا ولحائها. قشرت لَهُ الْعَصَا. الْعَصَا من العصية. قلب لَهُ ظهر الْمِجَن.
الْأَمْثَال فِي الْحَرْب وَالْقَتْل والأسر والجبن والفزع والشجاعة والغزو والصياح
. مَا كفى حَرْب جانيها. الْحَرْب غشوم. الْحَرْب خدعة. إِن أَخا الهيجاء من يسْعَى مَعَك.
الْقَتْل
: لَيْسَ بعد الإسار إِلَّا الْقَتْل. سَوَاء علينا قاتلاه وسالبه. لَا يحزنك دم هراقة أَهله. أهل الْقَتِيل يلونه. أَبى قَائِلهَا إِلَّا تماً. كالمتمرغ فِي دم الْقَتِيل. لَيْسَ بعد السَّلب إِلَّا الإسار. قتل نفسا مخيرها. بسلاح مَا يقتلن الْقَتِيل.
(6/155)

الدَّم الدَّم، وَالْهدم الْهدم. إِن الجبان حتفه من فَوْقه. دردب لما عضه الثقاف. أفرخ روعك. أغيرة وجبناً. بصيصن إِذْ حَدَّيْنِ بالأذناب. بسلاح مايقتل الرجل. أضرطاً وَأَنت الْأَعْلَى. لَا يدعى للجلى إِلَّا أَخُوهَا. ضربا وطعناً أَو يَمُوت الأعجل: الشجاع. مكره أَخُوك لَا بَطل. الفرا بقراب أَكيس. إِن رمت المحاجزة فَقبل المناجزة. التَّقَدُّم قبل التندم. أجر مَا استمسكت. رويد الْغَزْو ينمرق. أول الْغَزْو ينمرق. أول الْغَزْو أخرق. لَا تسل الصَّارِخ وَانْظُر مَاله. ابدأهم بالصراخ يَفروا. بعد الهياط والمياط. أرطي إِن خيرك بالرطيط.
(6/156)

مثل صَيْحَة الحبلى. أصاخ إصاخة المنده للناشد. أَتَيْتُك عاتاً وصاتاً وصت.
الْأَمْثَال فِي الثِّيَاب واللباس والخز والأدم والقز والآنية والدل والسقاء والوعاء والعطر
. هُوَ أَهْون عَليّ من طلبه وَمن طلباء. أذلّ من النَّعْل. أرجل من خف. أكذب من صنع. أَحمَق من الدابغ على التحلي. أطيب نشراً من الصوار. أَهْون من ربذة. أَهْون من ثملة. أطول من جيد الخرقاء. وَمثله: أطول من طُنب الخرقاء. أعرض ثوب الملبس. وَمثله: أعرض ظهر الملبس. أَو، عرض جنب الملبس. أَعرَضت القرفة. مَا كَانُوا عندنَا إِلَّا ككفة ثوب.
(6/157)

كَأَنَّهَا بردة أَخْمَاس. هُوَ كالساقط بَين الفراشين. شمر واتزر، والبس جلد النمر. كمش ذلاذلة. من يطلّ ذيله ينتطق بِهِ. هُوَ الشعار دون الدثار. جليس كثرت نفس شاغليه. لَيْسَ عَلَيْك نسجه فاسحب وجر. خلع الدرْع بيد الزَّوْج. فلَان نسج وَحده. غرني برداك من غدافلي. فلَان طَاهِر الثِّيَاب. فلَان دنس الثِّيَاب. أم فلَان فِي ثوب فلَان. ألبس لكل حَالَة لبوسها إِمَّا نعيمها وَإِمَّا بؤسها. من عز بز. أشبه امْرَءًا بعض بزه. هم كبيت الْأدم. إِن الشرَاك قد من أديمه. أجمع سِيرِين فِي خرزة. إِنَّمَا يُعَاتب الْأَدِيم ذُو الْبشرَة.
(6/158)

هُوَ مؤدم مُبشر. بق نعليك وابذل قَدَمَيْك. رَجَعَ بخفي حنين. كل الْحذاء يحتذى الحافي الوقع. زلت بِهِ نَعله. لَو كنت منا لحدوناك. رب نعل شَرّ من الحفاء. قد علقت دلوك دلو أُخْرَى. كَأَنَّمَا أفرغ عَلَيْهِ ذنوباً من مَاء. ألق دلوك فِي الدلاء. هرق لَهَا فِي قرقر ذنوبا. ساجل فلَان فلَانا. أَهْون مظلوم سقاء مروب. خل سَبِيل من وهى سقاؤه: وَمن هريق بالفلاة مَاؤُهُ. مَا يقعقع لَهُ بالشنان. هَذَا أَمر لَا تفشأ لَهُ قدري. استعجلت قديرها فامتلت. خير إناءيك كفأت. كفت إِلَى وئية. أُدي قدرا مستعيرها. مَا أصغيت لَك إِنَاء وَلَا أصفرت لَك فنَاء.
(6/159)

إِذا كنت فِي قوم فاحلب فِي إنائهم. سمن حَتَّى صَار كَأَنَّهُ الخرس. حن قدح لَيْسَ مِنْهَا. صدقني وسم قدحه. من فَازَ بفلان فقد فَازَ بِالسَّهْمِ الأخيب. لَيْسَ الهناء بالدس. عنية تشفي الجرب. ألْقى حبله على غاربه. رمى برسنه على غاربه. قد أَخذه برمتِهِ. جَاوز الحزام الطبيين. الْتَقت حلقتا البطان. هُوَ يحطب فِي حبله. مَا أَنْت بلحمة وَلَا ستاه. وَمَا أَنْت بنيرة وَلَا حفة. قد عي فلَان بالإسناف. هُوَ على حَبل ذراعك. جروا لَهُ الخطير مَا انجر لكم. مَا حويت وَلَا تويت. جاحش عَن خيط رقبته. النَّقْد عِنْد الْحَافِر.
(6/160)

جَاءَ بقرني حمَار: إِذا جَاءَ بِالْبَاطِلِ وَالْكذب. كطالب الْقرن جدعت أذنَاهُ. وجدت الدَّابَّة ظلفها. اجْعَلْهُ فِي وعَاء غير سرب. طويت فلَانا على بلاله، وبلوله، وبللته. إِن بَينهم عَيْبَة مَكْفُوفَة. كلفت إِلَيْك عرق الْقرْبَة، وعلق الْقرْبَة. لَيْت لي من فلَان عرق الْقرْبَة. احفظ مَا فِي الْوِعَاء بشد الوكاء. مَا يحجز فلَان فِي العكم. لَا يَخُصهَا مني فِي سقاء أوفر. إِذا سَمِعت بسرى الْقَيْن فَإِنَّهُ مصبح. مثل جليس السوء كالقين إِلَّا يحرق ثَوْبك بشراره أَو يُؤْذِيك بدخانه. إِنِّي صناع لَو تبالي صنعتي. أجناؤها أبناؤها. حلأت حَالية عَن كوعها، ويروى: حزت حازة عَن كوعها. اعْمَلْ فِي عَاميْنِ كرزاً من وبر. حزت حازة عَن كوعها. هُوَ مَاعِز مقروظ. بقه وَقد حلم الْأَدِيم.
(6/161)

مَا يَجْعَل قدك إِلَى أديمك. لَا يعْدم جلد السوء عَن عرف السوء. أَحْمَر كالقرف. هَذَا حَظّ جد من المبناة. دقوا بَينهم عطر منشم. لَا مخبأ لعطر بعد عروس. لَا عطر بعد عروس. قَالَ الْمفضل: عروس رجل بِعَيْنِه.
الْأَمْثَال فِي الرَّحَى وَالطَّعَام وَالْأكل وَالشرب وَاللَّبن وَسَائِر المأكولات والمشروبات
. أقدم من الْحِنْطَة. أشأم من رغيف الحولاء. أدق من الشخب. أَلين من الزبدة. أمسخ من اللَّحْم الحوار، وأملخ ... أحلى من النشب. أحلى من الشهد. أحلى من السلوى. ألذ من السلوى. أحلى من التَّمْر الجني. آنس من نَخْلَة. أعظم بركَة من نَخْلَة مَرْيَم.
(6/162)

أصيغ من تمر بِلَاد الطَّائِف. أسمع جعجعة وَلَا أرى طحناً. كل أَدَاة الْخبز عِنْدِي غَيره. طحنه طحن إبل لم يكن طحن قبله. تطعم تطعم. اعلل تحظب. تخرسي يَا نفس لَا مخرسة لَك الْيَوْم. رب أَكلَة تمنع الأكلات. لَيْسَ لشبعة خير من صفرَة تحفزها. الثّيّب عجالة الرَّاكِب. يلقم لقماً ويغدي زَاده. إِنَّك لتأكل وسطا وتربض حجرَة. يدْرك الخضم بالقضم. قد يبلغ بالقضم الخضم. من يَأْكُل لَا يَأْكُل قضماً، وَمن يَأْكُل قضماً لَا يَأْكُل خضماً. تجشأ لُقْمَان من غير شبع. قد نهيتك عَن شربة بالوشل. لَا تشرب مشرب صفو بكدر. إِنَّك رَيَّان فَلَا تعجل بشربك. لَيْسَ الرّيّ عَن التشاف. أكل عَلَيْهِ الدَّهْر وَشرب.
(6/163)

أحس فذق وَمثله: إِنَّه لشراب بأنقع. أحلب حَلبًا لَك شطرة. لَا أفعل ذَلِك مَا اخْتلفت الدرة والجرة. لَا يكون أول من التبأ لبأة. إِن الرثيئة مِمَّا تفثأ الْغَضَب. ربضك مِنْك وَإِن كَانَ سماراً. شخب فِي الْإِنَاء وشخب فِي الأَرْض. أمهلني فوَاق نَاقَة. صرح الْحق عَن محضه. أبان الصَّرِيح عَن الرغوة. أَبى الْحَقَّيْنِ الْعذرَة. أعن صبوح ترقق. يسر حسواً فِي ارتغاء. حَال صبوحهم دون غبوقهم. سبق درته غراره. لَيْسَ كل حِين أحلب فأشرب. الصَّيف ضيعت اللَّبن. أَتَاك رَيَّان بلبنه. حلبتها ثمَّ أقلعت. درت حلوبة الْمُسلمين. أثر الصرار يَأْتِي دون الذيار.
(6/164)

لم تحلب وَلم تغار فأودي اللَّبن. شخب طمح. لَا يلبث الْحَلب الحوالب. أدرها وَإِن أَبَت. عدا القارص فحرز. شب شوباً لَك بعضه. يشوب ويروب. يحلب بنى وَأَشد على يَدَيْهِ. من ير الزّبد يعلم أَنه من اللَّبن. من ير الزّبد يخله من لبن. لَو قيل للشحم: أَيْن تذْهب؟ لقَالَ: أسوي العوج. أَنا مِنْهُ كحاقن الإهالة. اخْتَلَط الخاثر بالزابد. مَا يدْرِي أيخثر أم يذيب. جمل واجتمل. لوشكان ذَا إهالة. وَمثله: لسرعان ذَا إبانة وَمثله: وشكان ذَا إذابة وحقناً. يَا نَفسِي لَا لهف لَك كل بَيْضَاء لَك: يُرِيد الشّجر. لَا نجم فِي ذَنْب الْكَلْب. لَيْسَ الشَّحْم بِاللَّحْمِ وَلَكِن من قواصيه. شحمتي فِي قلعي. سمنهم
(6/165)

فِي أديمهم. وَقع على شحمة الركي. والرقي. مَا كل بَيْضَاء شحمة وَلَا كل سَوْدَاء تَمْرَة. لَكِن على الأثلاث لحم لَا يظلل. شوى أَخُوك حَتَّى إِذا أنضج رمد. إِنَّه يعلم من أَيْن تُؤْكَل الْكَتف. غثك خير من سمين غَيْرك. كسؤر العَبْد من لحم الحوار. من اشتوى أكل شواؤكم. مَا هُوَ بخل وَلَا خمر. الْيَوْم خمر وَغدا أَمر. هِيَ الْخمر تكنى الطلاء. ذُقْ تغتبط. لَا تكن حلواً فتسترط وَلَا مرا فتعقى. وجد تَمْرَة الْغُرَاب. التمرة إِلَى التمرة تمر كِلَاهُمَا. التَّمْر فِي الْبِئْر وعَلى ظهر الْجمل. إِنَّه لأشبه من التَّمْر بِالتَّمْرِ السويق. أحشفاً وَسُوء كيلة؟ . ترى الفتيان كالنخل، وَمَا يدْريك مَا الدخل. كمستبضع التَّمْر إِلَى هجر.
(6/166)

مَتى كَانَ حكم الله فِي كرب النّخل. قيل للحبلى مَا تشتهين؟ قَالَت: التَّمْر وواهاً ليه. مَا ظلمته نقيراً وَلَا فتيلاً. مَا الخوافي كالقلبة وَلَا الخناز كالثعبة. عرف النّخل أَهله. كل حَاطِب على لِسَانه تَمْرَة.
الْأَمْثَال فِي المَال والغنى والفقر والصدق وَالْكذب، وَالْحق وَالْبَاطِل، والحمق وَالْحِيلَة، والإطراق وَالشَّر وَالظُّلم، وَالدُّعَاء والاعتذار، وَالْعلم والرأي
: لم يذهب من مَالك مَا وعظك. خير مَالك مَا نفعك. جَاءَ فلَان بالطم والرم. من مَال جعد، وجعد غير مَحْمُود. فِي وَجه المَال تعرف إمرته. خير مارد فِي أهل وَمَال. جَاءَ بالهيل والهيلمان. لفُلَان كحل، وَمثله: وَلفُلَان سَواد. حَسبك من غنى شبع ورى. الْغنى طَوِيل الذيل مياس. سوء حمل الْفَاقَة يضع من الشّرف. الْمَسْأَلَة آخر كسب الرجل.
(6/167)

الْخلَّة تَدْعُو إِلَى السلَّة. سَوَاء هُوَ والمعدوم والعدم. رب مكثر مُسْتَقل لما فِي يَده. عر فقره بِفِيهِ، لَعَلَّه يلهيه. من قنع فنع، وَمن قنع شبع. إِن فِي المرتعة لكل كريم مقنعة. الصدْق ينبى عَنْك لَا الْوَعيد. من عرف بِالصّدقِ جَازَ كذبه. عِنْد النَّوَى يكذبك الصَّادِق. من عرف بِالْكَذِبِ لم يجز صدقه. إِن خَصْلَتَيْنِ خيرهما الْكَذِب لخصلتا سوء. لَيْسَ لمكذوب رَأْي. رَأْي الكذوب قد يصدق. قد قيل ذَلِك إِن حَقًا وَإِن كذبا. أكذب النَّفس إِذا حدثتها. لَا يدْرِي المكذوب كَيفَ يأتمر. الْحق أَبْلَج، وَالْبَاطِل لجلج. أبْغض حق أَخِيك. مَا يمعن بحقي وَلَا يذعن. إِذا طلبت الْبَاطِل انجح بك. قد اتخذ الْبَاطِل دغلاً.
(6/168)

من خَاصم بِالْبَاطِلِ أنجح بِهِ. أَحمَق لَا يجأي مرغه. أَحمَق بلغ. معاداة الْعَاقِل، خير من مصادقة الْجَاهِل. زادك الله رعالة، كلما ازددت مثالة. خرقاء عيابة. إِن تَحت طريقتك لعِنْد أوة. مخرنبق لينباع. لَو كَانَ ذَا حِيلَة تحول. الْمَرْء يعجز لَا المحالة. لَا تَنْفَع حِيلَة مَعَ غيلَة. أمكراً وَأَنت فِي الْحَدِيد. مجاهرة إِذا لم أجد مختلاً. ترك الخداع من أجْرى من مَائه. إِن لم تغلب فاخلب. الْمعَافى لَيْسَ بمخدوع. أَي فَتى قَتله الدُّخان. لَو كَانَ ذَا حِيلَة تحول. إِذا نزل بك الشَّرّ فَاقْعُدْ بِهِ. الشَّرّ يبدوه صغاره. من شَرّ مَا أَلْقَاك أهلك.
(6/169)

إِن من الشَّرّ خياراً. بعض الشَّرّ أَهْون من بعض. إِن حَسبك من شَرّ سَمَاعه. استقدمت رحالتك: يُقَال: للمتعجل إِلَى الشَّرّ. من نجل النَّاس نجلوه: أَي شارهم. الشَّرّ أَخبث مَا أوعيت من زَاد. حلقي وثوبي: يضْرب فِي الشَّرّ. ادْفَعْ الشَّرّ عَنْك بِعُود أَو عَمُود. لَيْسَ أَخُو الشَّرّ كمن توقاه. هُوَ يكايله الشَّرّ ويحاسيه الشَّرّ. سرق مَا بَينهم بشر. أترك الشَّرّ يتركك. أر غياً أزدد فِيهِ. رَأَيْته بأخي للشر: أَي بشر. وَمثله: رَأَيْته بأخي الْخَيْر. خَيرهَا بشرها وَخَيرهَا بخيرها. ادْفَعْ الشَّرّ عَنْك بِمثلِهِ إِذا أعياك غَيره. الظُّلم مرتعه وخيم. من أشبه أَبَاهُ فَمَا ظلم. الشحيح أعذر من الظَّالِم. هَذِه بِتِلْكَ والبادي أظلم. لعالك عَالِيا.
(6/170)

تعساً لِلْيَدَيْنِ والفم. مَاله أحَال وأجرب. عقرا حلقا. اللَّهُمَّ غيظاً لَا هبطاً. هنئت فَلَا تنكه. رب سامع عذرتي لم يسمع قفوتي. رب سامع بخبري لم يسمع عُذْري: لَعَلَّ لَهُ عذر وَأَنت تلومه. ترك الذَّنب أيسر من الِاعْتِذَار. المعاذير مكاذب. أعذر من أنذر. قد بلغ فلَان فِي الْعلم أطوريه. الْعَالم كالحمة يَأْتِيهَا الْبعدَاء، ويزهد فِيهَا الْقُرَبَاء. إِذا زل الْعَالم زل بزلته الْعَالم. علمَان خير من علم. الرَّأْي الدُّرِّي. رَأْي فاتر وغدر حَاضر. قد أحزم لَو أعزم.
الْأَمْثَال فِي النّوم والفلك والطب والمنية والدواهي
آلف من الْحمى. أحر من القرع. أطب من ابْن حذيم. وَيُقَال جد لم.
(6/171)

الْحمى أضرعتني لَك. إِنِّي إِذا حككت قرحَة أدميتها. غُدَّة كَغُدَّة الْبَعِير، وَمَوْت فِي بَيت سَلُولِيَّة. مَا بِهِ قلبة. مَا بِهِ ظبظاب. عوير وكسير وكل غير خير. مَا هُوَ إِلَّا شَرق أَو غرق. أضَاف حَتَّى مَا يشتكي السواف. لَا يعْدم مَانع عِلّة. كَانَ مثل الذبْحَة على النَّحْر. حَال الجريض دون القريض. أغبيط أم عَارض. لَو كَانَ درءاً لم تئل. لَا عِلّة، هَذِه أوتاد وأخلة، وفهرنا فِي الْحلَّة. أرق على ظلعك. آخر الدَّاء الكي. يَا طَبِيب طب لنَفسك، وطب أَيْضا. الْقَوْم طبون، وَقرب طب. قرب طِبًّا. بقطيه بطبك. إِن دَوَاء الفتق أَن تحوصه.
(6/172)

دمث لجنبك قبل النّوم مضجعاً. مطله مطل نُعَاس الْكَلْب. يَأْكُل وسطا ويربض حجرَة. نَام نومَة عبود. ظلت على فراشها تكري وَيُقَال تكري. لَا ينَام من أثير. المنايا على الحوايا. لم يفت من لم يمت. الثكل أرامها ولدا. لَا أفعل ذَلِك مَا حَيّ حَيّ، أَو مَاتَ ميت. الْمنية وَلَا الدنية. الْمَوْت الْأَحْمَر. لَا عتاب بعد الْمَوْت. لَا يملك الخائن حِينه. الْمَوْت السجيح خير من الْحَيَاة الذميمة. العقوق ثكل من لم يثكل. ولى الثكل بنت غَيْرك. إِنَّه لداهية الغبر. إِنَّه لعضلة من العضل. جَاءَ بالداهية الدهياء. جَاءَ بِالرَّقْمِ الرقماء.
(6/173)

جَاءَ بِأم الربيق على أريق. جَاءَ بِإِحْدَى بَنَات الطَّرِيق. جَاءَ بمطفئة الرضف. صمي صمام. وصمي ابْنة الْجَبَل أَيْضا. إِن الدَّوَاهِي فِي الْآفَاق تهترش، وَيُقَال: ترتهس. إِن الخصاص يرى فِي جَوْفه الرقم.
الْأَمْثَال الْأَفْرَاد
إِلَّا ده فَلَا ده. ضرب أَخْمَاسًا لأسداس. ويل للشجي من الخلي. خُذ مَا طف واستطف. مَا يدْرِي قبيلاً من دبير. سمن فأرن. عَاد الحيس يحاس. هما صوعان فِي إِنَاء. اعْتبر السّفر بأوله. سَوَاء لِوَاء، وَقَالَ بَعضهم: سواهُ لواه. لأقيمن قذلك ولأقيمن حدلك. اذكر غَائِبا يقترب. هَذِه بِتِلْكَ فَهَل جزيتك.
(6/174)

الحفائظ تحلل الأحقاد. ملكت فاسجح. الْمقدرَة تذْهب الحفيظة. لَوْلَا الوئام هلك اللئام. من يبغ فِي الدّين يصلف. استكرمت فاربط. أَنا غريرك من هَذَا الْأَمر. على الْخَبِير سَقَطت. عاط بِغَيْر أنواط. خُذ الْأَمر بقوابله. الملسى لَا عُهْدَة لَهُ. إِن السَّلامَة مِنْهَا ترك مَا فِيهَا. افْعَل كَذَا وخلاك ذمّ. صيدك لَا تحرمه. رب عجلة تهب ريثاً. النجاح مَعَ الشُّرَّاح. قد نفخت لَو كنت تنفخ فِي فَحم. إِن كنت تشد بِي أزرك فأرخه. رضيت من الْغَنِيمَة بالإياب. الْحَرِيص يصيدك لَا الْجواد. جَاءَ فلَان وَقد لفظ لجامه.
(6/175)

سرق السَّارِق فانتحر. ذل لَو أجد ناصراً. يعود على الْمَرْء مَا يأتمر. جانيك من يجني عَلَيْك. أَنا مِنْهُ فالج بن خلاوة. وجدت النَّاس أخبر نَقله. لَا ينفعنك من جَار سوء توق. أَنْت تئق وَأَنا مئق، فَمَتَى نتفق؟ . عَادَة السوء شَرّ من للمغرم. همك مَا همك وَيُقَال: همك مَا أهمك. مَا أباليه عبكة. يَكْفِيك نصيبك شح الْقَوْم. الْمَرْء تواق إِلَى مالم ينل. خلاؤك أقنى لحيائك. تسْقط بِهِ النَّصِيحَة على الظنة. لَا بقيا للحمية بعد الحرائم. إِنَّه لنكد الحظيرة. رهباك خير من رغباك. دردب لما عضه الثقاف. أَنْت مرّة عَيْش وَمرَّة جَيش. يَا حبذا التراث لَوْلَا الذلة.
(6/176)

لأمدن غضنك. قد بدا نجيث الْقَوْم. لَا يحسن التَّعْرِيض إِلَّا ثلباً. سَفِيه لم يجد مسافهاً. من قل ذل، وَمن أَمر فل. فلَان ألوى بعيد المستمر. من حفنا أَو رفنا فليقتصد. قد ألنا وإيل علينا. إرض من الْمركب بِالتَّعْلِيقِ. أجر الْأُمُور على أذلالها. مَا فِيهَا صافر. كَأَنَّهُمْ جن عبقر. قَالَ فلَان قولا مَا مؤس الْبَحْر. غَمَرَات ثمَّ ينجلين. ضربك بالفطيس خير من المطرقة. صغراها مراها. مصى مصيصاً. يُقَال لمن يُؤمن بالتثبت والتوقر.
(6/177)

الْبَاب الْخَامِس النُّجُوم والأنواء ومنازل الْقَمَر على مَذْهَب الْعَرَب
نذْكر أَولا فِي هَذَا الْبَاب منَازِل الْقَمَر وَمَا قَالَت الْعَرَب فِيهَا، وَفِي نزُول الْقَمَر بهَا أَو مصورة عَنْهَا، وطلوع كل واحدٍ وَسُقُوط رقيبه مِنْهَا، ثمَّ نذْكر الصُّور والبروج، والصور خَاصَّة، وعَلى مَوْضِعه من بروجه الَّذِي هُوَ فِيهِ من فلك البروج عَامَّة بعون الله تَعَالَى. فَأَما الْمنَازل وَهِي ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ نجماً الشرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرفة والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك والغفر والزبانيان والإكليل وَالْقلب والشولة والنعائم والبلدة وَسعد الذَّابِح وَسعد بلع وَسعد السُّعُود وَسعد الأخبية وَفرغ الدَّلْو الْمُقدم، وَفرغ الدَّلْو الْمُؤخر، وبطن الْحُوت. قَالَت الْعَرَب فِي أسجاعها عِنْد طُلُوع كل نجم، إِذا طلع الشرطان، أَلْقَت الْإِبِل أوبارها فِي الأعطان، ويوشك أَن يشْتَد حر الزَّمَان. ثمَّ البطين فَقَالَت: إِذا طلع البطين، طلعت الأَرْض بِكُل زين، وَحسنت فِي كل عين. ثمَّ الثريا - وَهُوَ النَّجْم - إِذا طلع النَّجْم، فالبرد فِي هدم، والعانات فِي كَدم، والفلاحون فِي ضجم، والقيظ فِي حذم، وَالْبرد فِي حطم، والعشب فِي صلم.
(6/178)

ثمَّ الدبران، إِذا طلع الدبران توقدت الحزان، وأخمدت النيرَان. وَبَات الْفَقِير بِكُل مَكَان. ثمَّ الهقعة: إِذا طلعت الهقعة، انْتقل النَّاس للقلعة. ثمَّ الهنعة، إِذا طلعت الهنعة طلب النَّاس النجعة، وأحبوا إِلَى الوليف الرّجْعَة. ثمَّ الذِّرَاع: إِذا طلعت الذِّرَاع، حسرت الشَّمْس القناع، وأشعلت فِي الْأُفق الشعاع، وترقرق السراب بِكُل قاع. النثرة إِذا طلعت النثرة، الْتقط البلح بِكَثْرَة، وأصابك من القر خضرَة، ويوشك أَن تظهر الخضرة. ثمَّ الطرفة: إِذا طلعت الطرفة، حسنت السعفة، وَصَارَ التَّمْر تحفة. ثمَّ الْجَبْهَة، إِذا طلعت الْجَبْهَة أرطبت النَّخْلَة، وَحسن النّخل حمله. ثمَّ الزبرة وَهِي الخراتان إِذا طلعت الزبرة أرطبت البسرة وَإِذا طلعت الخراتان طابت أم الجرذان، وتزينت القنوان. ثمَّ الصرفة، إِذا طلعت الصرفة احتال كل ذِي حِرْفَة، وَرَأَيْت الطير حفة، وفشت الخفة. ثمَّ العواء، إِذا طلع العواء لم يبْق فِي كرم جناء، واكتنس الظباء، وطاب الْهَوَاء، وَضرب الخباء، وَأمن على عوده الحرباء. ثمَّ السماك: إِذا طلع السماك ولت العكاك فأجل حراك، وَأصْلح خباك، وَصوب فناك، فكأنك بالفرقد أَتَاك. ثمَّ الغفر: إِذا طلع الغفر، حسن فِي عين النَّاظر الْجَمْر، وطاب التَّمْر، وَذهب الْبَصَر، وأتى من الْبرد السّفر. ثمَّ الزبانيان إِذا طلعت الزباني فاطلب مَا يَكْفِيك زَمَانا، واستعد لشتائك وَلَا تواني.
(6/179)

ثمَّ الإكليل: إِذا طلع الإكليل، هَاجَتْ الفحول، ووفى كل خَلِيل، واستبان على أهليه الْكثير والقليل. ثمَّ الْقلب: إِذا طلع الْقلب. جَاءَ الشتَاء كَالْكَلْبِ، وَوَقع الثَّلج كالثرب وطلع على النسْر كالركب، وانحجر من الْبرد الضَّب. ثمَّ الشولة إِذا طلعت الشولة، أَتَاك الشتَاء بصولة، وَخرج النَّحْل، وللطير عَلَيْهِنَّ دولة. ثمَّ النعائم: إِذا طلعت النعائم، التطت الْبَهَائِم من الصقيع الدَّائِم، وخلص الْبرد إِلَى كل نَائِم. ثمَّ الْبَلدة: إِذا طلعت الْبَلدة، أصَاب النَّاس من الْبرد شدَّة، وفشت الرعدة وأكلت القشدة، وَقيل للبرد: اهده. ثمَّ سعد الذَّابِح، إِذا طلع سعد الذَّابِح، انحجزت الضوابح، وَلم تهر النوابح، من الْبرد البارح، وأورى عوده كل قَادِح. ثمَّ سعد بلع، إِذا طلع سعد بلع، شيع الْعَاجِز الهبع، وطاب الوقع، وهيئت الرّبع، وكأنك بالبرد قد انقشع. ثمَّ سعد السُّعُود: إِذا طلع سعد السُّعُود، ذاب كل مجمود، وخضر كل عود، وَوقى كل مصرود، وانتشر كل مَوْلُود، وَكره عِنْد النَّار الْقعُود. ثمَّ سعد الأخبية: إِذا طلع سعد الأخبية طابت الأفنية، وَقصرت الْأَبْنِيَة وزقت الأسقية، وانتشرت الأخبية. ثمَّ فرغ الدَّلْو الْمُقدم: إِذا طلع الدَّلْو، شيع الضَّعِيف الْخُلُو، وهيب الجزو، وَمن القيظ بعض الشبو. ثمَّ فرغ الدَّلْو الْمُؤخر: إِذا طلع الفرغ، طلب الْكَلْب الوغل، وشبع الْفَحْل فَلم يرع. ثمَّ الْحُوت وَهُوَ السَّمَكَة: إِذا طلعت السَّمَكَة، وتعلقت بِالثَّوْبِ الحسكة، نصبت الشبكة، وطاب الزَّمَان للنسكة.
(6/180)

وَقَالُوا: أَيْضا: طلع النَّجْم عشَاء، ابْتغى الرَّاعِي كسَاء. يُرِيدُونَ طُلُوع الثريا بالعشيات وَذَلِكَ عِنْد اشتداد الْبرد. وطلع النَّجْم غدية، ابْتغى الرَّاعِي شكية. يُرِيدُونَ شكوة يحمل فِيهَا المَاء لشدَّة الْحر. وَجعلُوا السّنة أَرْبَعَة أَجزَاء. فَجعلُوا الزَّمن الأول الصفرية. وَسموا مطره الوسمي وحصته من السّنة وَاحِد وَتسْعُونَ يَوْمًا، وَجعلُوا حِصَّته من النُّجُوم سَبْعَة أنجم تسْقط مَعَ الْفجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس بَين كل نجمين ثَلَاثَة عشر يَوْمًا، فَأول الصفرية وَهُوَ أول الوسمي سُقُوط أول نجومه، وَهِي عرقوة الدَّلْو السُّفْلى وَهُوَ الفرغ الْأَسْفَل. والحوت والشرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة، وَسُقُوط عرقوة الدَّلْو السُّفْلى يكون لعشر يمضين من أيلول، وَيَسْتَوِي اللَّيْل وَالنَّهَار بعد ذَلِك بِأَرْبَع عشر لَيْلَة وَهُوَ فصل، وَسُقُوط كل نجم أَن ينظر إِلَيْهِ النَّاظر مَعَ طُلُوع الْفجْر إِذا قيد فرسه من تَحت بَطنهَا فِي الْأُفق مِمَّا يَلِي الْمغرب وَكلما سقط نجم طلع نَظِيره من الْمشرق وَلَا يرين الطالع عِنْد سُقُوط السَّاقِط لِأَنَّهُ قريب من الشَّمْس، فيفضحه ضوء النَّهَار، ونوء كل نجم مَا بعده إِلَى سُقُوط النَّجْم الَّذِي يَلِيهِ، فَإِذا تمّ سُقُوطهَا انْقَطع مطر الوسمي. وَجعلُوا الزَّمن الثَّانِي الشتَاء وحصته من السّنة أحد وَتسْعُونَ يَوْمًا بِسُقُوط أول نجومه الهنعة والذراع والنثرة والطرفة والجبهة والزبرة والصرفة، فسقوط الهنعة يكون لعشر لَيَال تمْضِي من كانون فَعِنْدَ ذَلِك تسْقط الهنعة وَيَنْتَهِي طول اللَّيْل وَقصر النَّهَار بعد ذَلِك بِإِحْدَى عشرَة، فَإِذا سَقَطت الصرفة قَالُوا: انْصَرف الشتَاء، فَعِنْدَ ذَلِك يَنْقَطِع الشتَاء، وَمِنْهُم من يُسمى الشتَاء ربيعا. ثمَّ جعلُوا الزَّمن الثَّالِث الصَّيف وَهُوَ زمن الرّبيع وحصته من السّنة إِحْدَى وَتسْعُونَ يَوْمًا وَهُوَ فِي آذار قَالُوا: إِذا مضى عشر من آذار، برد مَاء الْآبَار، وتصرم الثِّمَار، وصور النَّحْل الْآبَار، واشتهى الْغُلَام الْإِزَار، وشدت على المطايا
(6/181)

الأكوار، واستوى اللَّيْل وَالنَّهَار وحصته من النُّجُوم العواء والسماك والغفر والزبانيان والإكليل وَالْقلب والشولة، فسقوط العواء فِي أحد عشر يَوْمًا من آزَار وَيَسْتَوِي اللَّيْل وَالنَّهَار بعد ذَلِك بِإِحْدَى عشرَة لَيْلَة فَإِذا تمّ سُقُوط هَذِه انْقَضى مطر الصَّيف وَذَلِكَ عِنْد طُلُوع الثريا. وَجعلُوا الزَّمن الرَّابِع القيظ وَيُسمى مطر الخريف وحصته من السّنة إِحْدَى وَتسْعُونَ يَوْمًا، بِسُقُوط أول نجومه وَذَلِكَ لعشر تمْضِي من حزيران ونجومه النعائم والبلدة وَسعد الذَّابِح وَسعد بلع وَسعد السُّعُود وَسعد الأخبية وعرقوة الدَّلْو الْعليا وَهِي الفرغ الْمُقدم فَإِذا تمّ سُقُوطهَا انْقَطع مطر الخريف وزمان القيظ وَعَاد زمَان الصُّفْرَة. فَذَلِك أَرْبَعَة أزمنة عَددهَا ثَلَاثمِائَة وَأَرْبَعَة وَسِتُّونَ يَوْمًا وَيُزَاد فِيهَا يَوْم الْجَبْهَة حَتَّى يتم الْعدَد بثلاثمائة وَخمْس وَسِتِّينَ يَوْمًا وَيصِح كل زمن فِي وقته. وَمن الْعَرَب من جعل السّنة سِتَّة أَجزَاء، فَجعل الزَّمَان الأول الوسمي وَجعل حِصَّته من السّنة شَهْرَيْن وحصته من النُّجُوم أَرْبَعَة أنجم وثلثي نجم. وَجعل الزَّمن الثَّانِي الشتَاء، وَجعل حِصَّته من السّنة شَهْرَيْن وَمن النُّجُوم أَرْبَعَة أنجم وثلثي نجم. وَجعل الزَّمن الثَّالِث الرّبيع، وَجعل حِصَّته من السّنة شَهْرَيْن وَمن النُّجُوم أَرْبَعَة أنجم وثلثي نجم. وَجعل الزَّمن الرَّابِع الصَّيف وحصته من السّنة شَهْرَيْن وَمن النُّجُوم أَرْبَعَة أنجم وثلثي نجم. وَجعل الزَّمن الْخَامِس الْحَمِيم وَجعل حِصَّته من السّنة شَهْرَيْن وَمن النُّجُوم أَرْبَعَة أنجم وثلثي نجم. وَجعل الزَّمن السَّادِس الخريف وَجعل حِصَّته من السّنة شَهْرَيْن وَمن النُّجُوم أَرْبَعَة أنجم وثلثي نجم. ويكرهون أَن يكون ابْتِدَاء مطرهم بالشرطين وَيَخَافُونَ أَن يكون ذَلِك الْعَام جدباء، وَيَقُولُونَ: إِنَّه إِذا أَصَابَهُم فِي الشَّرْطَيْنِ مطير قَالُوا: تخَاف أَن يكون
(6/182)

أحداجا من الأنواء. يسمونها الأنيسين وَيُقَال للْوَاحِد الأنيس وَيُقَال: هما كوكبان بَين يَدي شرطين وَسُقُوط الْجَبْهَة هُوَ أول الرّبيع، وَهُوَ انكسار الْبرد، وَظُهُور مظهر الدفء، وإنهاك العشب، ونتاج الْإِبِل، وتوليد الْغنم، وَحِينَئِذٍ ينتجون ويولدون ويحضنون. وَقَالَت امْرَأَة من الْعَرَب: لم أر كالربيع مضى، لم تقم عَلَيْهِ المآتم، وَيَقُولُونَ أَن القر فِي بطُون الْإِبِل، فَإِذا ذهب القر سحت الْإِبِل. قَالَ بَعضهم إِذا سَقَطت النثرة سرت الْإِبِل وَأَنت قبل ذَلِك باركة فِي أعطانها، وتلقى جلالها عَنْهَا ويؤمن هربه عل المَال، ويدب القراد ويطلع الضَّب رَأسه وينضر الشّجر لسخونة الأَرْض قبل أَن يظْهر الدفء. وَقَالُوا: كفا الشتَاء: الذراعان والنثرة، وَقَالُوا: لَا يورق الْعود حَتَّى تنوء الْجَبْهَة، فَإِذا أَنْت سَقَطت الْجَمْرَة الأولى، والجمرات ثَلَاث: فأولها: سُقُوط الْجَبْهَة لأَرْبَع عشرَة يمضين من شباط. وَالثَّانِي: مَعَ سُقُوط الزبرة لثمان وَعشْرين من شباط. وَالثَّالِثَة مَعَ سُقُوط الصرفة لثلاث عشرَة يمضين من آذار. وَفِي أول الجمرات مَعَ سُقُوط الْجَبْهَة ساخ الثرى وماذ المعرق، وأورق الْعود، وَاخْتلفت رُءُوس الْإِبِل فِي مباركها، ولفظت الأَرْض مَا فِيهَا من نبت، وتزعم الْعَرَب أَن نوء الْجَبْهَة أَعم الْمَطَر نفعا يصل مَا قبله وَمَا بعده. وَيُقَال: إِنَّه لم يمتلئ غَائِط قطّ من مَاء نوء الْجَبْهَة إِلَّا امْتَلَأَ عشباً. وَيَقُولُونَ عَن نوء الْجَبْهَة إِنَّه يظْهر كل ثرى كَانَ فِي بطن الأَرْض قبله وَأَنه إِذا اخلف نوءها لم يتم ربيع ذَلِك الْعَام. وعقارب الشتَاء أَربع وَهِي الْبرد ينزل بِهن الْقَمَر فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من
(6/183)

الشُّهُور الْعَرَبيَّة فِي ليَالِي الشتَاء وَقل مَا يخلفوا أَن يكون فِيهِنَّ فرقا ولهن للمجرة ينزل الْقَمَر الأول الْعَقْرَب وَلَيْلَة سِتّ وَعشْرين من الشَّهْر الْعَرَبِيّ وَهِي تشرين الآخر، ثمَّ الثَّانِيَة الْعَقْرَب الهزار بقارن الْقَمَر الْعَقْرَب لأَرْبَع وَعشْرين من شهر الْعَرَب وَذَلِكَ فِي كانون الأول ثمَّ الْعَقْرَب الجثوم الثَّالِثَة لاثْنَتَيْنِ وَعشْرين من شهر الْعَرَبِيّ وَذَلِكَ فِي كانون الآخر. ثمَّ عقرب الختران لَيْلَة عشْرين من شهر الْعَرَبِيّ فِي شباط، وَسميت الأولى المخرمة لِأَن الْقَمَر حِين يحلهَا وَلَا يخرج مِنْهَا حَتَّى يستسر. وَسميت الثَّانِيَة الهرار لموافقة طُلُوع الهرارين قلب الْعَقْرَب والنسر الْوَاقِع حِين يسريان فِي الْمشرق مَعَ طُلُوع الْفجْر، وَسميت الجثوم لشدَّة الشتَاء وجثومه، وَسميت الختران لنتاج الْإِبِل وَكَثْرَة الختران فِي ذَلِك الْوَقْت ثمَّ يقارن الْقَمَر الثريا بعد ذَلِك بِخمْس عشرَة لَيْلَة فَيكون لخامسة تمْضِي من الشَّهْر الْعَرَبِيّ وَفِيه قَالَ الشَّاعِر. إِذا مَا قَارن الْقَمَر الثريا ... لخامسةٍ فقد ذهب الشتَاء ثمَّ الشَّهْر الَّذِي بعد هَذَا من شهور الْعَرَب يقارن فِيهِ الثريا لثالثة وَيُقَال إِنَّهَا أغزر لَيْلَة فِي السّنة فِي كَثْرَة اللَّبن، وَذَلِكَ لِأَن الْإِبِل يتكامل نتاجها، وتجلب الحملان فِي ذَلِك الْوَقْت فتخلو ألبان الشتَاء لأَهْلهَا. وَقَالَ الشَّاعِر: إِذا مَا قَارن الْقَمَر الثريا ... لثالثةٍ فقد كثر السلاء. . ثمَّ يقارن الْقَمَر الثريا فِي الشَّهْر الثَّالِث مَعَ اسمراره، وَيُقَال عِنْد سُقُوط السماك يخَاف الناشرة. وَذَلِكَ لِأَن الْمَطَر يَنْقَطِع قبل سُقُوط السماك ثمَّ يكون مطره عِنْد سُقُوطه غير مُتَّصِل بِمَا كَانَ قبله، وَقد هَاجَتْ الأَرْض، وَذَهَبت الوغرات، فَإِذا أَصَابَهُ مطر نوء السماك نشر وَعَاد الْعود أَخْضَر، وَعَاد فِي أُصُوله الْوَرق، فَإِذا رعته الْمَاشِيَة، أدراها وضرها وأصابها عَنهُ دَاء يسمونه الهرار،
(6/184)

وَقد جعلُوا لكل من كَانَ نجوماً، وَسموا سُقُوطهَا وطلوعها أنواء، فَجعلُوا السُّقُوط علما لنجوم الوسمي، والشتاء وَالربيع، وَهُوَ نصف السّنة وَحين الْبرد وَمَا قاربه من الَّذِي من قبله، وَمن بعده، وَجعلُوا الطُّلُوع علما لنجوم الصَّيف وَالْحَمِيم والخريف، وَمَا دنا مِنْهَا من لين الزَّمَان وَهُوَ نصف السّنة. قَالُوا: سُقُوط الفرغ للأسفل، هُوَ ذهَاب الْحر وَدخُول الْبرد، واستغناء عَن أَكثر سقى الْإِبِل، لِأَن الظمأ يطول وَإِنَّمَا يحْتَاج لِلْإِبِلِ فِي الشَّهْر إِلَى أَن ترد مرّة لَا تحْتَاج الْغنم إِلَى أَكثر من مرَّتَيْنِ فِي الشَّهْر وَإِن وَقعت الأمطار جرأت الْمَاشِيَة فَإِذا سقط فرغ الدَّلْو للأسفل عدوه طلع السماك الرامح وَلذَلِك قَالَ الشَّاعِر: حَتَّى رَأَيْت عراقي الدَّلْو سَاقِطَة ... وَذَا السِّلَاح مصوح الدَّلْو قد طلعا ورقيب الفرغ الأَسفل العواء السماك الرامح يطلع مَعَه، وَهُوَ يطلع قبل السماك الأعزل الَّذِي ينزل بِهِ الْقَمَر، وَأَرَادَ بقوله ذُو السِّلَاح، السماك الرامح، وَيَزْعُم أهل الشَّام أَن اسْتِوَاء اللَّيْل وَالنَّهَار فِي اسْتِقْبَال الشتَاء يكون فِي أيلول لست تبقى مِنْهُ، فِي ذَلِك الْيَوْم يطلع العواء وَيسْقط الدَّلْو وَبَينه الفرغ الْمُؤخر وَيعود إِلَى السُّقُوط وَيدعونَ مؤخره أَشد تقارباً لطلوع النَّجْم والدبران ثمَّ تسْقط الهنعة، ويطلع رقيبها النعائم لأربعة وَعشْرين يَوْمًا يمْضِي من كانون الأول فسقوطها عدوه هُوَ أول مطر الشتَاء وأنوائه. ثمَّ تسْقط الذِّرَاع ويطلع نظيرها البدرة لسبعة أَيَّام تمْضِي من كانون الآخر ونوءها خمس لَيَال وَقل مَا يخلف نوء الذِّرَاع، والذراع عِنْدهم ذِرَاع الْأسد والنثرة والطرف والجبهة والزبرة والصرفة والعواء من الْأسد، فَمَا بَين العواء والذراع عِنْدهم من الْأسد، وَمِنْهُم من يَجْعَل السماك مِنْهُ ثمَّ يسْقط النثرة لعشرين تمْضِي من كانون الآخر ويطلع رقيبها سعد الذَّابِح ونوءها سبع لَيَال. قَالَ ذُو الرمة: مرن الضُّحى طاوٍ بني صهواتِه ... لزوايا غمام النثرة المترادف ثمَّ يسْقط الطّرف، ويطلع نَظِيره سعد بلع، ليومين يمضيان من الشباط
(6/185)

ونوءه لست لَيَال، لِأَن الْجَبْهَة تقترن بِمَا قبلهَا وَمَا بعْدهَا، ونوءها غزير طَوِيل مثل نوء الثريا، ثمَّ يسْقط الْجَبْهَة لخمسة عشر يَوْمًا من شباط، ويطلع رقيبها سعد السُّعُود، ونوءها سبع لَيَال، فَإِذا سَقَطت الْجَبْهَة انْكَسَرَ الشتَاء، وَولد النَّاس، واجتنى أَوَائِل الكمأة، وَسَقَطت الْجَمْرَة الأولى، ثمَّ تسْقط الزبرة ليَوْم تبقى من شباط ويطلع رقيبها سعد الأخبية، وَهِي الْجَمْرَة الْوُسْطَى، ومطرها ينْسب إِلَى الْجَبْهَة لقربها مِنْهَا، ونوءها أَربع لَيَال ثمَّ تسْقط الصرفة لثَلَاثَة عشر يَوْمًا تمْضِي من آزَار، ويطلع رقيبها فرغ الدَّلْو، ونوءه ثَلَاث لَيَال وَهُوَ آخر نُجُوم الشتَاء، وينصرف الشتَاء وتمضي نصف السّنة، وَفِي خَمْسَة وَعشْرين يَوْمًا من آذار يسْقط العواء ويطلع رقيبه فرغ الدَّلْو الْمُؤخر ونوءه ثَلَاث لَيَال، وَتخرج الشَّمْس من الْحُوت وَتدْخل الْحمل ثمَّ يجْرِي مصعده نَحْو الشمَال، وَيَسْتَوِي اللَّيْل وَالنَّهَار، وَقد مضى خطّ الوسمي والشتاء من السّنة ثمَّ يجِئ حد الصَّيف، فَإِذا طلع النطح وَهُوَ الشرطان كَانَ أول الصَّيف وَأول البوارح بِطُلُوع النُّجُوم لَا بسقوطها، وبارح كل نجم الطُّلُوع، ونوء العواء أَربع لَيَال وَهُوَ أول الوسمي، وَيسْقط الْحُوت لثمان يمضين من تشرين الأول، ويطلع رقيبه السماك الأعزل ونوءه لَيْلَة، ونوء الْحُوت لَيْسَ نوءه بغزير وَلَا مشهود وَلَا يكَاد الْعَرَب تذكره فِي كَلَامهَا وَلَا أشعارها، وَذَلِكَ أَنه نوء قصير عِنْدهم لَا مطر فِيهِ، ونوء الدَّلْو غزير طَوِيل فَهُوَ يغترف نوء الْحُوت فَلَا يكَاد يذكر، ثمَّ يسْقط الشرطان، وَهُوَ النطح ويطلع رقيبة الغفر فِي أحد وَعشْرين يَوْمًا من تشرين الأول، وَهُوَ عِنْد الْعَرَب أغزر من الْحُوت. وهم لَهُ أذكر ومطره بِإِذن الله من أَنْفَع الْمَطَر لِأَنَّهُ خير ولي للدلو، لَا يجِف ثرى الدَّلْو حَتَّى يكون السرطان لَهُ وليا، لِأَنَّهُ ينوء حِين تحْتَاج الأَرْض إِلَى الْمَطَر. قَالَ ذُو الرمة: حواءُ قرحاءُ أشراطية وكفت ثمَّ يسْقط البطين غدْوَة، ويطلع رقيبة الزبانيان لثلاث يمضين من تشرين
(6/186)

الآخر، وَهُوَ عِنْدهم شَرّ الأنواء يكْرهُونَ الْمَطَر فِيهِ لِأَنَّهُ نزر قَلِيل، وَقل مَا أَصَابَهُم إِلَّا أخطأهم نوء الثريا، ونوءها أشرف الأنواء وأغزرها وهم لَا يذكرُونَ نوء البطين فِي شعر وَلَا غَيره. ثمَّ يسْقط الثريا وَهِي النَّجْم فيعترض فِي الْأُفق سبعا فِي سِتّ عشرَة يَوْمًا تمْضِي من تشرين الآخر، ونوءه سَبْعَة أَيَّام ويطلع رقيبها الإكليل، ونوء الثريا أحب الأنواء إِلَى الْعَرَب لِأَنَّهَا تنوء وَقد دخلُوا فِي الْبرد، فَإِذا أَصَابَهُم نوءها، برقتْ الأَرْض سنتها فَإِذا جادهم وثقوا بالحيا بِإِذن الله، فَإِذا أخطأهم فَهِيَ السّنة والقحط، إِلَّا أَن يكثر مطر الْجَبْهَة، ثمَّ يسْقط الدبران ويطلع رقيبه الْقلب لتسعة وَعشْرين يَوْم من تشرين الآخر، ويطلع مَعَ النسْر الْوَاقِع، وَتسَمى الْعَرَب قلب الْعَقْرَب والنسر الْوَاقِع إِذا طلعا الهرارين وَلَيْسَ سُقُوط الدبران وطلوع قلب الْعَقْرَب النوء، وَلَا غرر، لِأَن نوء الثريا يفْتَرق مَا قبله وَمَا بعده، وَيُقَال أَن لَيْسَ فِي السَّمَاء نجماً مِمَّا ينزل بِهِ الْقَمَر ثَلَاثَة عشر يَوْمًا، إِلَى أَن يطلع الَّذِي بعده، وَذَلِكَ مَا كَانَ لَهُ بارح من منَازِل الْقَمَر فقد يكون البارح لغير الْمنَازل، فَيكون بارحه بِقدر مَا بَينه وَبَين الَّذِي يتلوه من الْكَوَاكِب، فطلوع الشَّرْطَيْنِ لِاثْنَتَيْ عشرَة تتبقى من نيسان، وَيسْقط الغفر ثمَّ يطلع البطين ليَوْم يمْضِي من آيار، وَيسْقط الزبانيان، ثمَّ يطلع النَّجْم وَهُوَ الثريا، فَأول البوارح بارح الثريا، وَهُوَ أقلهَا بارحاً، وبارحه لين، وَرُبمَا سكن وابتداؤه الْيَوْم الرَّابِع عشر من آيار وَمَعَهُ يطلع العيوق، فَيكون بارحه ثَلَاثَة عشر يَوْمًا، ويهيج الْعود وَيسْقط رقيبه الإكليل، ثمَّ يطلع الدبران الْيَوْم السَّابِع وَالْعِشْرين من آيار، وبارحه أَشد من بارح النَّجْم وَاضع وَهُوَ بارح طيب لَا يشْتَد فِيهِ الشمَال وَلَا الحرور، وَيسْقط رقيبه الْقلب ثمَّ يطلع الهقعة وَهُوَ أول جوزاء عِنْد الْعَرَب لعشر يمْضِي من حزيران، وَيسْقط رقيبها الشولة وَيسْتر بارحها، وَهُوَ أول بارح فِي الجوزاء، وَفِيه يُؤْكَل البلح، وَيدْرك بعض الْفَوَاكِه، ثمَّ يطلع الهنعة وَهِي آخر الجوزاء لثمان تبقى من حزيران وَهُوَ أَشد ريحًا وحروراً وسموماً، وَيسْقط رقيبها النعائم وَهُوَ أول مَا يرى الْأَحْمَر والأصفر من النسْر وَتحرق الرمضاء. قَالَ ذُو الرمة:
(6/187)

حدا بارح الجوزاء أعراف مورِه ... بِهِ وعجاج الْعَقْرَب المتناوح يَجْعَل البارح للجوزاء وَجعل العجاج للعقرب وَإِذا استتم طُلُوع الجوزاء وَاشْتَدَّ الْحر وأوردوا إبلهم قَالُوا لِلرَّاعِي: صر شطور إبلك لَا توردها بهلاً يَقُول: حَتَّى تجود بهَا لَبَنًا. فيصر خلفين من أخلاف النَّاقة، وَيتْرك اثْنَيْنِ للفصيل. فَإِذا طلعت الشعرى قيل لِلرَّاعِي: ثلث فيصر ثَلَاثَة أخلاف، فَإِذا طلع السهيل قيل لِلرَّاعِي: اجْمَعْ. فيصر أخلافها كلهَا فَلذَلِك قَالُوا: " إِذا طلع سُهَيْل فلأم الفصيل الويل " وَإِنَّمَا الويل للفصيل لأَنهم يصرون أخلاف النَّاقة كلهَا. وَإِذا طلعت الجوزاء ترقدت المعزاء وكنست الظباء فَلَا تزَال تقيل فِي مكانسها حَتَّى تطلع الْعذرَة، وطلوعها بَين طُلُوع الشعرى وطلوع السهيل، ثمَّ تطلع الشعرى الغميصاء وَهِي الذِّرَاع، وطلوعها لخمس تمضين من تموز وَذَلِكَ أَشد بوارح القيظ سموماً، وَفِيه أول إِدْرَاك الْبُسْر، وَيسْقط رقيبها الْبَلدة، وَيسْقط النسْر وَالْوَاقِع وَهِي أَشد الوغرات وَهِي الَّتِي يغطس فِيهَا الْإِنْسَان بَين الْبِئْر والحوض، وَعِنْدهَا أَو بعيدها قَلِيلا بسط المجرة وَقَالُوا: جنى النّخل بكرَة، وَلم تتْرك ذَات در قَطْرَة ثمَّ طلع النثرة والشعرى والعبور لثماني عشرَة من تموز وَذَلِكَ أَشد مَا يكون من الْحر التهاباً، والشعرى لَيْسَ لَهَا نوء فِي الْمَطَر ووغرتها مثل وغرة جوزاء، وَيسْقط رقيبها سعد الذَّابِح ثمَّ يسْقط الطّرف لثلاث يمضين من آب، وتطلع مَعهَا الغدرة فِي تِلْكَ الْغَدَاة وَيَا ريَاح وغلة وحر شَدِيد، وَعند ذَلِك تُؤْكَل الرطب وَيسْقط رقيبها سعد بلع. وَقَالَت الْعَرَب: إِذا طلعت الغدرة، فعلة نكرَة، فِي بِلَاد الْبَصْرَة. ثمَّ تطلع الْجَبْهَة لست عشرَة تمْضِي من آب ويومئذ يرثى أهل الْحجاز سهيلاً، وفيهَا بارح وحرور، وَيكثر الرطب وَيسْقط رقيبها سعد السُّعُود. وَسَبْعَة وَعشْرين يَوْمًا من آب يرى أهل الْبَصْرَة سهيلاً، وَسُهيْل الْجَبْهَة
(6/188)

يطلعان فِي يَوْم وَاحِد، وَقَالُوا: إِذا طلع سُهَيْل رفع كيل، وَوضع كيل، ولاح للفصيل الويل. يَقُولُونَ يرفع كيل الْحبّ، وَيُوضَع كيل الزَّبِيب وَالتَّمْر، ويفصل الفصيل غَرَامَة. وَعند طُلُوع سُهَيْل، يُقَال: يَا آل سُهَيْل فِي الأوعية، لِأَنَّهُ يفْسد كثيرا مِمَّا يتخذونه من الْأَشْرِبَة والمري والكواميخ وَأكْثر ذَلِك أَن يطيب لَيْلَة، فَعِنْدَ ذَلِك يُقَال: برد مَاء الخرقاء، وَذَلِكَ أَن المَاء يبرد من غير مبرد للْمَاء، وَمَاء الخرقاء الَّتِي لَا تبرد بمنزله. قَالَ الشَّاعِر: إِذا كَوْكَب الخرقاء لَاحَ بسحرةٍ ... سُهَيْل أذاعت غزلها فِي القرائب وَالْعرب تَسْتَغْنِي بِذكر سُهَيْل عَن ذكر الْجَبْهَة فَلَا يذكرونها فِي أشعارهم، ثمَّ تطلع الزبرة وَهِي الخراتان، ويبرد اللَّيْل لسبعة وَعشْرين يَوْمًا من آب ويستقل سيهل وَيسْقط رقيبها سعد الأخبية. ثمَّ يطلع الصرفة لعشر تمضين من أيلول، وَيُقَال: إِذا طلعت الصرفة انْصَرف القيظ، فند ذَلِك ابْتِدَاء السّنة وَدخُول الصفرية، وَيسْقط رقيبها فرغ الدَّلْو الْأَعْلَى ثمَّ يطلع العواء لثَلَاثَة وَعشْرين يَوْمًا يمضين من أيلول، وَيسْقط رقيبه فرغ الدَّلْو الْأَسْفَل، ثمَّ يطلع السماك لست تمْضِي من تشرين الأول، وَيسْقط رقيبه بطن الْحُوت، فَعِنْدَ ذَلِك يصرم النّخل وَلَيْسَ من هَذِه الوغرات وغرة إِلَّا وَلها بارح فَإِن اشْتَدَّ هَانَتْ، وَإِن هان اشتدت فاستحقاق البوارح والوغرات من طُلُوع النَّجْم إِلَى أَن تنام الجوزاء، وَذَلِكَ إِلَى استتمام طُلُوع الهنعة، ثمَّ يطلع الغفر لسبعة عشر يَوْمًا تمْضِي من تشرين الأول، وَيسْقط رقيبه الشرطان ثمَّ يطلع الزبانيان ليومين يمضيان من تشرين الآخر، وَيسْقط رقيبها البطين ثمَّ يطلع الإكليل لخمسة عشر يَوْمًا من تشرين الآخر، وَيسْقط رقيبه النَّجْم، ثمَّ يطلع الْقلب لثمانية وَعشْرين
(6/189)

يَوْمًا تمْضِي من تشرين الآخر وَيسْقط رقيبه الدبران، ويطلع النسْر الْوَاقِع، ثمَّ يطلع الشولة الْيَوْم التَّاسِع من كانون الأول، وَيسْقط رقيبها الذِّرَاع، ثمَّ يطلع سعد الذَّابِح لثمانية أَيَّام تمْضِي من كانون الآخر، وَيسْقط رقيبها النثرة، ثمَّ يطلع سعد بلع لأحد وَعشْرين وَيَوْما من كانون الآخر، وَيسْقط رقيبه الْجَبْهَة، ثمَّ يطلع سعد الأخبية لخمسة عشر يَوْمًا تمْضِي من شباط، وَيسْقط رقيبه الزبرة، ثمَّ يطلع فرغ الدَّلْو الْمُقدم ليَوْم تبقى من شباط، وَيسْقط رقيبه الصرفة. ثمَّ يطلع فرغ الدَّلْو الْمُؤخر لإحدى عشرَة يَوْمًا تمْضِي من آزَار، وَيسْقط رقيبه العواء، ثمَّ يطلع الْحُوت لأربعة وَعشْرين يَوْمًا تمْضِي من آذار، ويطلع رقيبه السماك. وَأول منَازِل الْقَمَر: الشرطان وَيَقُولُونَ هما قرنا الْحمل، وهما كوكبان مفترقان عِنْد الْأَعْلَى، الشَّامي مِنْهُمَا كَوْكَب صَغِير، وتسميان أَيْضا النطح وهما عَن يَمِين المدقق ويدعيان أَيْضا الإنسانين ولسقوطهما بِالْغَدَاةِ نوء لَيْلَة، ولطلوعهما بالغداه بارح لَيْلَة وَالله أعلم. ثمَّ ينزل بالبطين وَهُوَ بطن الْحمل، وَهُوَ ثَلَاثَة كواكب صغَار متفرقات غير نيرات وَهِي عَن يَمِين الْمنْكب، ولسقوطهما نوء ثَلَاثَة لَيَال، ولطلوعهما بارح ثَلَاث لَيَال. ثمَّ ينزل بِالثُّرَيَّا وَهِي سِتَّة كواكب مجتمعات طمس على حلقه إلية الشَّاة، ونوءها سبع لَيَال وبارحها أَربع ليل، ثمَّ ينزل بالدبران وَيُسمى التَّابِع والمجدح ويسميه بعض الْعَرَب الضيقة وَهُوَ كَوْكَب أَحْمَر نير، وَيُسمى الْكَوَاكِب الصغار الَّتِي مَعَ القلائص نوء لَيْلَة، وبارحة لَيْلَة وَهُوَ أول بوارح الصَّيف وَيقصر الْقَمَر أَحْيَانًا فَينزل بالضيقة وَهِي بَين النَّجْم والدبران كوكبان صغيران متقاربان كالملتصقين وَقد قَالَ الشَّاعِر: بضيقةِ بَين النجمِ والدبرانِ
(6/190)

ثمَّ ينزل بالهقعة وَهِي رَأس الجوزاء وَتسَمى تحياه وَهِي ثَلَاثَة كواكب مُتَقَارِبَة، كَمَا تنكت فِي الأَرْض بالإبهام والسبابة الْوُسْطَى مَضْمُومَة، ونوءها ثَلَاث لَيَال وبارحها لَيْلَة. ثمَّ ينزل بالهنعة وَهِي فِي المجرة وَبَينهمَا وَبَين الذِّرَاع المقبوضة وهما كوكبان مقترنان، وَعِنْدَهُمَا يقطع الْقَمَر المجرة شامياً ونوءها ثَلَاث لَيَال وبارحها لَيْلَة، ثمَّ ينزل بِذِرَاع الْأسد المقبوضة، وهما كوكبان نيران بنيهما كواكب صغَار يُقَال لَهَا الْأَظْفَار وَيبعد أَحْيَانًا فَينزل بالذراع المبسوطة وهما أَيْضا كوكبان أَحدهمَا نير يُقَال لَهَا الشعرى الغميصاء، وَالْآخر أَصْغَر مِنْهُ يمِيل إِلَى الْحمرَة يُقَال لَهُ المرزم وَهُوَ مرزم الذِّرَاع، ونوءها خمس لَيَال، وَعند ذَلِك يشْتَد الْبرد، وبارحها لَيْلَة وَعند طُلُوعهَا تشتد ريَاح الصَّيف وَيكثر الحرور والسموم، ثمَّ ينزل بالنثرة وَهِي فَم الْأسد ومنخراه وَهِي لطخة صَغِيرَة بَين كوكبين صغيرين وتدعى أَيْضا باللهاة، ولسقوطها نوء لَيْلَة ولطلوعها بارح لَيْلَة، وَهُوَ أَشد مَا يكون الْحر، ثمَّ ينزل بالطرف وهما كوكبان صغيران مفترقان، وهما عينا الْأسد وَقُدَّام الطّرف كواكب صغَار يُقَال لَهَا: الأشفار ونوءه سِتّ لَيَال وَفِيه تنق الضفادع، وتتزاوج الطير وتهب الجنائب، ولطلوعه بارح لَيْلَة، ثمَّ ينزل بالجبهة وَهِي كواكب أَرْبَعَة، وَهُوَ فِيهَا عوج أَحدهمَا براق وَهُوَ الْيَمَانِيّ مِنْهَا، ونوءها سبع لَيَال وَفِيه ينكسر حد الشتَاء، وتورق الشّجر، ويزقو المكاء، بارحها لَيْلَة وَسُهيْل يطلع بالحجاز مَعَ طُلُوع الْجَبْهَة ثمَّ ينزل بالخراتين وهما كوكبان نيران وهما زبرة الْأسد، واسقوطهما نوء ثَلَاث لَيَال وَيرى فِيهِ الْمَطَر فَإِن أخلف فبرد شَدِيد، ولطلوعهما بارح ثَلَاث لَيَال، وَيرى سُهَيْل بالعراق. ثمَّ ينزل بالصرفة وَهِي كَوْكَب أَزْهَر، عِنْده كواكب صغَار طمس وَيُسمى قنب الْأسد، ونوءها ثَلَاث لَيَال وَعند طُلُوعهَا، برد اللَّيْل كُله،
(6/191)

ثمَّ ينزل بالعواء وَهِي خَمْسَة كواكب مصطفة كَأَنَّهَا كِتَابَة ألف وتدعى وركا الْأسد وَبَعْضهمْ يَقُول: كلاب تتبع الْأسد. ونوءها لَيْلَة وبارحها ثَلَاث لَيَال وَرُبمَا كَانَ مطر هَذَا البارح لِأَنَّهُ يُوَافق نوء الدَّلْو. ثمَّ ينزل السماك الأعزل وَهُوَ كَوْكَب أَزْهَر وَيُقَال، أحد ساقي الْأسد، والسماك الرامح السَّاق الْأُخْرَى، ويعدل أَحْيَانًا فَينزل بعجز الْأسد وَهِي أَرْبَعَة كواكب أَسْفَل العواء يَمَانِية وتدعى أَيْضا: عرش السماك، ولسقوط السماك نوء لَيْلَة، ولطلوعه بارح لَيْلَة ثمَّ ينزل بالغفر وَهُوَ ثَلَاثَة كواكب غير زهر، ثمَّ كوكبان مفترقان وهما قرنا الْعَقْرَب ويسميهما أهل الشَّام يدا الْعَقْرَب، ثمَّ ينزل بالإكليل وَهُوَ رَأس الْعَقْرَب وَهُوَ ثَلَاثَة كواكب مصطفة، ثمَّ ينزل بالشولة وَهِي ذَنْب الْعَقْرَب ويسميها أهل الشَّام الإمرة، وتقصر أَحْيَانًا فَينزل بالغفر مِمَّا بَين الْقلب والشولة، ثمَّ ينزل بالنعائم وَهِي ثَمَانِيَة كواكب زهر، مِنْهَا أَرْبَعَة وَارِد فِي المجرة، وَيُسمى النعام الْوَارِدَة وَأَرْبَعَة خَارِجَة مِنْهَا تدعى النعام الصادرة، ويدعى مَوضِع النعائم الْوَصْل، ثمَّ ينزل بالبلدة وَهِي رقْعَة فِيمَا بَين النعائم وَسعد الذَّابِح، مَوضِع قفر لَيْسَ فِيهِ كَوْكَب إِلَّا خَفِي، ويعدل الْقَمَر أَحْيَانًا فَينزل بالقلادة، وَهِي كواكب صغَار مستديرة خُفْيَة فَوق الْبَلدة، ثمَّ ينزل سعد الذَّابِح وَهُوَ كوكبان صغيران مقترنان أَحدهمَا مُرْتَفع فِي الشمَال والأخر هابط فِي الْجنُوب، عِنْد الْأَعْلَى مِنْهُمَا كَوْكَب صَغِير يُقَال هِيَ شاته الَّتِي يذبحها، وَبَين الكوكبين قدر ذِرَاع فِي الْعين وَكَذَلِكَ كل سعد فِي السُّعُود. ثمَّ ينزل بِسَعْد بلع، وهما كوكبان صغيران مستويان فِي المجرى. ثمَّ ينزل بِسَعْد السُّعُود وَهُوَ ثَلَاثَة كواكب أَحدهمَا أنور من الآخرين
(6/192)

وَيقصر الْقَمَر أَحْيَانًا، فَينزل بِسَعْد بأثره، وهما كوكبان أَسْفَل من سعد السُّعُود، ثمَّ ينزل بِسَعْد الأخبية وَهُوَ أَرْبَعَة كواكب، وَاحِد مِنْهَا فِي وَسطهَا، ثمَّ ينزل بعرقوة الدَّلْو الْعليا، وَهِي كوكبان أزهران مفترقان يُقَال لَهما فرغا الخريف، ويدعيان ناهزى الدَّلْو المقدمين، والناهز الَّذِي يُحَرك الدَّلْو ليمتلئ، ثمَّ ينزل بعرقوة الدَّلْو السُّفْلى وَهِي كوكبان أزهران مفرقان وَيُقَال لَهما فرعا الرّبيع ويدعيان ناهزى الدَّلْو المؤخرين، ولسقوطهما بِالْغَدَاةِ نوء أَربع لَيَال، ولطلوعهما بِالْغَدَاةِ بارح لَيْلَة، وَيقصر الْقَمَر أَحْيَانًا فَينزل بالكرب، وَالْكرب الَّذِي فِي وسط الْعرَاق، وَرُبمَا نزل ببلدة الثَّعْلَب وَهِي بَين الدَّلْو والسمكة عَن يَمِين الْمرْفق ثمَّ ينزل بِبَطن السَّمَكَة وَهُوَ كَوْكَب أَزْهَر نير فِي وسط مِنْهَا مِمَّا يَلِي الرَّأْس، وَصُورَة السَّمَكَة عَن يَمِين الْمرْفق ثمَّ ينزل بِبَطن السَّمَكَة وَهُوَ كَوْكَب أَزْهَر نير فِي وسط مِنْهَا مِمَّا يَلِي الرَّأْس، وَصُورَة السَّمَكَة الَّتِي فِي المجرى على حَلقَة السَّمَكَة كواكب تنفرج فِي فَم السَّمَكَة فَلَا تزَال تتسع كالجبلين إِلَى وَسطهَا، ثمَّ لَا تزَال تنضم إِلَى ذنبها ويعدل الْقَمَر أَحْيَانًا فَينزل بالسمكة الصُّغْرَى وَهِي أعلاهما فِي الشمَال على مثل صورتهَا إِلَّا أَنَّهَا أعرض وأقصر، وَهِي تَحت نحر النَّاقة، وَلها نوء لَيْلَة عِنْد الْعَرَب ولطلوعها بِالْغَدَاةِ بارح لَيْلَة. قد ذكرنَا منَازِل الْقَمَر وَمَا قيل من الْعَرَب فِي الأنواء والبوارج والمنازل وَنَذْكُر الْآن صور الْكَوَاكِب على مَذْهَب المنجمين، وَنسب كل كَوْكَب عَرفته الْعَرَب إِلَى مَوْضِعه مِنْهَا بعون الله وتوفيقه. قَالُوا: إِن جَمِيع الْكَوَاكِب المرصودة سوى الصغار الَّتِي لم ترصد ألف وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ كوكباً سوى الصَّغِيرَة وَهِي ثَلَاثَة كواكب تجمعها ثَمَان وَأَرْبَعُونَ صُورَة، مِنْهَا فِي النّصْف الشمالي إِحْدَى وَعِشْرُونَ صُورَة وأسماؤها الدب الأَصغر، والدب الْأَكْبَر، كوكبة التنين، قيقاوس العواء الَّذِي يُقَال لَهُ الصياح، الإكليل الشمالي وَهُوَ الفكة، الجاثي على ركبته، الشلياق وَهُوَ النسْر الْوَاقِع، الطَّائِر وَهُوَ الدَّجَاجَة، ذَات الْكُرْسِيّ، برشاوش وَهُوَ حَامِل رَأس الغول، مُمْسك الأعنة، الحواء الَّذِي يمسك الْحَيَّة، حَيَّة الحواء، السهْم، الْعقَاب وَهُوَ النسْر الطَّائِر،
(6/193)

الدلفين، قِطْعَة الْفرس الثَّانِي المسلسلة، المثلث كوكبة الْفرس الْأَعْظَم. وَعدد كواكب هَذِه الصُّورَة الَّتِي من نفس الصُّورَة ثَلَاثمِائَة وَوَاحِد وَعِشْرُونَ كوكباً، وَالَّتِي حوالي الصُّور تِسْعَة وَعِشْرُونَ كوكباً، وَمِنْهَا على فلك البروج اثْنَتَا عشرَة صُورَة وَهِي: الْحمل، والثور والتوأمان، والسرطان، والأسد، والعذراء، وَالْمِيزَان، وَالْعَقْرَب، والرامي والجدي، وساكب المَاء وَهُوَ الدَّلْو، والسمكتان وهما الْحُوت. وكواكبها من نفس الصُّور مِائَتَان وَتِسْعَة وَثَمَانُونَ كوكباً وحوالي الصُّور سَبْعَة وَخَمْسُونَ كوكباً سوى الضفيرة، وَمِنْهَا فِي النّصْف الجنوبي خمس عشرَة صُورَة وَهِي قيطس، والجبار وَهُوَ الجوزاء، النَّهر، الأرنب، الْكَلْب الْأَصْغَر، السَّفِينَة، الشجاع، الباطئة، الْغُرَاب، قيطورس، الضبع، المجمرة، الإكليل الجنوبي، الْحُوت الجنوبي وكواكبها مِائَتَا وَسَبْعَة وَتسْعُونَ كوكباً، وحوالي الصُّور تِسْعَة عشر كوكباً. فَأول الصُّور كوكبة الدب الْأَصْغَر وكواكبها من نفس الصُّورَة سَبْعَة مِنْهَا ثَلَاثَة على الذَّنب: وَأَرْبَعَة على مربع مستطيل. وَالْعرب تسميه بَنَات نعش الصُّغْرَى، مِنْهَا أَرْبَعَة الَّتِي على المربع نعش وَالثَّلَاثَة الَّتِي على الذَّنب بَنَات وَتسَمى النيرين من الْأَرْبَعَة الفرقدين، والنير الَّذِي على طرف الذَّنب الجدي، وَهُوَ الَّذِي يتوخى بِهِ الْقبْلَة، وَمَوْضِع الثَّلَاثَة الَّتِي على الذَّنب من قسْمَة البروج فِي الجوزاء وَالْأَرْبَعَة الْأُخْرَى فِي السرطان. وكواكب الدب الْأَكْبَر سبع وَعِشْرُونَ من الصُّورَة وَثَمَانِية حوالي الصُّورَة، وَالْعرب تسمى الْأَرْبَعَة النيرة على مربع نعش سَرِير بَنَات نعش وَالثَّلَاثَة الَّتِي على الذَّنب بَنَات نعش الْكُبْرَى. وَبني نعش وَآل نعش وَتسَمى الَّذِي على أصل الذَّنب الْجَوْز، وَالَّتِي على وَسطه العناق وَالَّذِي على طرفه القايد وَفَوق العناق كَوْكَب صَغِير يلاصق لَهُ يُسمى السها والستا وَهُوَ الَّذِي يمْتَحن بِهِ أَبْصَارهم وَيُسمى الصيدق ونعيشا وَفِي أمثالهم " أريها السها وتريني الْقَمَر ". وَتسَمى السِّتَّة الَّتِي على الْأَقْدَام الثَّلَاثَة على كل قدم مِنْهَا اثْنَان فِي قدر وَاحِد، على ثَلَاثَة من أَقْدَام الدب، على رجله الْيُمْنَى، كوكبان تسمى قفزات الظباء، كل اثْنَيْنِ مِنْهَا
(6/194)

قفزة تشبه أثر ظلفى الظبي، والقفزة الأولى وَهِي الَّتِي على الرجل الْيُمْنَى من الصُّورَة تتبعها الصرفة وَهُوَ الْكَوْكَب النير الَّذِي على ذَنْب الْأسد، والضفيرة وَهِي الْكَوَاكِب المجتمعة الَّتِي فَوق الصرفة وَهِي الَّتِي تسميها الْعَرَب الهلبة، وَبَين الهلبة وَبَين القفزة الأولى من الْبعد مثل الْبعد مَا بَين كل قفزتين. تَقول الْعَرَب: " ضرب الْأسد بِذَنبِهِ الأَرْض فقفزت الظباء ". وَتسَمى أَيْضا الثعيليات والقرائن. ويسمون الْكَوَاكِب السَّبْعَة الَّتِي على الْعُنُق الصُّورَة وصدرها، وَهِي كَأَنَّهَا نصف دَائِرَة، تسمى سَرِير نَبَات النعش، والحوض وَالْكَوَاكِب الَّتِي على الْحَاجِب والعينين وَالْأُذن والحطم يُسمى الظباء، يَقُولُونَ: إِن الظباء لما قفزت وَردت الْحَوْض. وَفِي الْجُمْلَة الثَّانِيَة الْخَارِجَة من الصُّورَة كَوْكَب تسمى: كبد الْأسد وفيهَا أَيْضا كوكبان يسميان مَعَ كواكب خُفْيَة كَثِيرَة أَوْلَاد الظباء وَأكْثر كواكب هَذِه الصُّورَة فِي السرطان غير الثَّلَاثَة الَّتِي على الذَّنب فَإِن اثْنَيْنِ مِنْهُمَا فِي الْأسد، وَالثَّالِث الَّذِي على طرف الذَّنب فِي الْأسد. كوكبة التنين وكواكبه أحد وَثَلَاثُونَ كوكباً كلهَا حزاء الصُّورَة وعَلى طرف لِسَانه كَوْكَب تسميه الْعَرَب،: الراقص وعَلى رَأسه أَرْبَعَة تسميه العوائد، وَفِي وسط العوائد كَوْكَب صَغِير جدا يُسمى الرّبع، وَبَين العوائد وَبَين الفرقدين كوكبان نيران يسميان الذئبين والجرين، والعوهقين، وَفِي أصل الذَّنب كَوْكَب يُسمى الذّبْح وقبلهما كوكبان خفيان يسميان أظفار الذِّئْب، وَقد وَقعت العوائد بَين الذئبين وَبَين النسْر الْوَاقِع فشبهت الْعَرَب النيرين، بذئبين والراقص فِي الْعَقْرَب وَاثْنَانِ من العوائد فِي الْعَقْرَب، وَاثْنَانِ فِي الْقوس وَاحِد من الأثافي فِي الْحمل وَاثْنَانِ فِي الثور والذنبان والذيخ فِي السنبلة والأظفار فِي الْأسد قد طَمَعا فِي استلاب الرّبع وشبهت العوائد بِأَرْبَع أينق قد عطفن على الرّبع، والنسر أَيْضا يحامي عَلَيْهِ، وعَلى وسط الصُّورَة ثَلَاثَة كواكب تسمى الأثافي كواكب تسمى الأثافي وَهُوَ الملتهب. كوكبة قيقاوس وَهُوَ الملتهب كواكبه أحد عشر من الصُّورَة وَاثْنَانِ من خَارج الصُّورَة وعَلى جنبه الْأَيْمن كَوْكَب وعَلى مَنْكِبه الْأَيْسَر اخْتلفت الرِّوَايَات عَن الْعَرَب فَذكر بَعضهم أَنَّهَا تسميها كوكبى الْفرق. وَذكر آخَرُونَ أَنَّهُمَا كوكبي
(6/195)

الْقرن، وَأَن هُنَاكَ رَأس ثَوْر، وَهَذَانِ الكوكبان على قرنيه وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْء من ذَلِك، وَإِنَّمَا وجدوا الْكَوْكَب الَّذِي بَين هذَيْن الكوكبين. وَقد سمته الْعَرَب الفرجة وموقعه بَين الكوكبين كموقع الفرجة من أُذُنِي الدَّابَّة وقرني الثور، فصحفوا الْفرق وجعلوه قرنا وَذَلِكَ غلط مِنْهُم لأَنهم سَموهَا كوكبي الْفرق لافتراقهما والفرجة هُوَ كَوْكَب على صدر الصُّورَة، وعَلى مرفقه الْأَيْمن كوكبان وَهِي على دَائِرَة وَاسِعَة من كواكب بَين كوكبي الْفرق وَبَين الثَّلَاثَة الَّتِي على طرف الْجنَاح الْأَيْمن من صُورَة الدَّجَاجَة وَتسَمى هَذِه الدائرة، الْقدر، وَبَين فَخذيهِ وَرجلَيْهِ كواكب كَثِيرَة تسمى الشتَاء وَتسَمى الأغنام أَيْضا وَهَذِه الْكَوَاكِب فِي الثور وَالْحمل والحوت. كوكبة العواء وَيُسمى الصياح والنقار وحارس الشمَال: كواكبه اثْنَان وَعِشْرُونَ كوكباً من الصُّورَة، وَوَاحِد خَارج الصُّورَة، وَهُوَ صُورَة رجل بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَصا فِيمَا بَين كواكب الفكة وَبَين بَنَات نعش الْكُبْرَى، فَأَما الْكَوْكَب الْوَاحِد الْخَارِج من الصُّورَة فَهُوَ بَين فَخذيهِ وتسميه الْعَرَب السماك الرامح وَإِنَّمَا سموهُ رامحاً لِأَنَّهَا شبهت الكوكبين، أَحدهمَا أَعلَى فَخذ الصُّورَة وَالْآخر على سَاقه رمح لَهُ، وشبهت كوكبين متقاربين على منْطقَة الصُّورَة بعذبة الرمْح من هَذَا الطّرف، وكوكبين آخَرين بعذبة الطّرف الآخر سموا الطّرف الَّذِي على الْفَخْذ تَابع الشمَال، وَرَايَة الشمَال وَرَايَة الفكة، وَيُسمى السماك مُنْفَردا: حارس السَّمَاء أَيْضا لِأَنَّهُ يرى أبدا فِي السَّمَاء لَا يغيب تَحت شُعَاع الشَّمْس، وَكَذَلِكَ حكم سَائِر الْكَوَاكِب الَّتِي لَهَا عرض كَبِير فِي الشمَال، على رَأس الصُّورَة ومنكبيه والعصا، كواكب يسميها الْعَرَب، الضباع، وعَلى الْيَد الْيُسْرَى وَمَا حولهَا كواكب خُفْيَة يسمونها أَوْلَاد الضباع وحول السماك كواكب خُفْيَة يسمونها: السِّلَاح، وَقد يُسمى الَّذِي على السَّاق الْيُسْرَى مُفردا: الرمْح، والاثنان اللَّذَان مَعَه السِّلَاح وَأكْثر الْعَرَب جعلُوا السماكين ساقي الْأسد، وَجعلُوا الرامح على سَاقه الْيُمْنَى وَهَذِه الْكَوَاكِب فِي السنبلة. وَالْمِيزَان. كوكبه الإكليل الشمالي وَهِي الفكة وكواكبها ثَمَانِيَة على استدارة خلف عَصا الصياح وتسميها الْعَرَب الفكة وَفِي استدارتها ثلمة تسميها الْعَامَّة: قَصْعَة
(6/196)

الْمَسَاكِين وفيهَا كَوْكَب نير تسمى الْمُنِير من الفكة وَهِي فِي الْمِيزَان وَالْعَقْرَب. وكوكبة الجاثي على رُكْبَتَيْهِ وَيُسمى: الراقص أَيْضا، وَهُوَ صُورَة رجل قد مد يَدَيْهِ، وكواكبه ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ سوى كَوْكَب على طرف رجله الْيُمْنَى، فَإِنَّهُ مُشْتَرك بَينه وَبَين طرف عَصا الصياح وعَلى يَدَيْهِ كواكب تسميها الْعَرَب مَعَ كواكب أخر من كوكبة الشلياق وَهِي مصطفة مَعهَا النسق الشَّامي وعَلى رَأسه كَوْكَب تسميه كلب الرَّاعِي وعَلى مَسَافَة كَوْكَب تسميه النسق مُفردا وحوالي النسق كواكب تسمى الثماثيل وَفِي هَذِه الصُّورَة أَيْضا كواكب من جملَة الْكَوَاكِب الَّتِي تسمى الضباع وَهَذِه الْكَوَاكِب فِي الْقوس، وَالْمِيزَان. كوكبة الشلياق وَيُسمى أَيْضا اللوزا وَالصُّبْح والمعرفة والسلحفاة وكواكبه عشرَة، النير مِنْهَا هُوَ، النسْر الْوَاقِع، شبهته الْعَرَب بنسر قد ضم جناحية إِلَى نَفسه كَأَنَّهُمَا قد وَقعا، والجناحان هما اللَّذَان مَعَ هَذَا النير على مثلث والعامة تسميه: الأثافي، وَقُدَّام النير كواكب خضبة يسمونها الْأَظْفَار ويسمون النسْر الْوَاقِع مَعَ قلب الْعَقْرَب الهراربن لِأَنَّهُمَا يطلعان مَعًا فِي كثير من الْعرُوض وَهِي فِي الجدي. كوكبه الطَّائِر وَهُوَ الدَّجَاجَة كواكبه سَبْعَة عشر كوكباً من الصُّورَة، وَاثْنَانِ من خَارج الصُّورَة وَأكْثر كواكبه فِي المجرة، وَفِي الصُّورَة أَرْبَعَة كواكب مصطفة قد قطعت المجرة عرضا تسميها الْعَرَب الفوارس شبهوها بأَرْبعَة فوارس يتسايرون، على ذَنبه كَوْكَب مُنِير تسميه ردفاً كَأَنَّهُ ردف للفوارس، بَعْضهَا فِي الجدي وأكثرها فِي الدَّلْو. كوكبة ذَات الْكُرْسِيّ وَهِي صُورَة امْرَأَة قَاعِدَة على كرْسِي وَهِي فِي نفس المجرة وكواكبها ثَلَاثَة عشرَة كوكباً، وَالْعرب تسمى النيرة مِنْهَا الْكَفّ الخضيب، وَهِي كف الثريا الْيُمْنَى المبسوطة، وَذَلِكَ أَنه يَمْتَد من عِنْد الثريا سطر من كواكب فِيهِ تقويس فيمر على أَكثر كواكب مُمْسك رَأس الغول، ويتصل بِهَذِهِ الْكَوَاكِب النيرة، فشبهت الْعَرَب السطر بيد ممدودة للثريا، وشبهت هَذِه الْكَوَاكِب النيرة بأنامل مخضوبة وأحدها يرسم على الاسطرلاب وَتسَمى: الْكَفّ الخضيب، وَتسَمى أَيْضا سَنَام النَّاقة، لِأَن هُنَاكَ كواكب تشبه صُورَة نَاقَة، ولطخة سحابية
(6/197)

على يَد مُمْسك رَأس الغول جعلوها مَوضِع السمة على فَخذ النَّاقة وَهِي فِي الْحمل والثور. كوكبة برشاوش وَهُوَ حَامِل رَأس الغول، وَهُوَ صُورَة رجل قَائِم على رجله الْيُسْرَى وَقد رفع رجله الْيُمْنَى وَيَده الْيُمْنَى فَوق رَأسه، وَبِيَدِهِ الْيُسْرَى رَأس غول، وكواكبه كلهَا فِيمَا بَين الثريا وَبَين كوكبة ذَات الْكُرْسِيّ، وَهِي سِتَّة وَعِشْرُونَ كوكباً من الصُّورَة، وَثَلَاثَة حوالي الصُّورَة، يَمْتَد من عِنْد اللطخة الَّتِي على يَدَيْهِ الْيُمْنَى، سطر يمر على كواكب كَثِيرَة حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى كوكبين على قدمه قريبين من الثريا، شبهت الْعَرَب جَمِيعهَا مَعَ كوكبة ذَات الكراسي الَّتِي على ظهر النَّاقة بيد الثريا، ممدودة فَسَمت النيرة الَّتِي على ظهر النَّاقة الْكَفّ واللطخة والمعصم، وَالَّذِي على الْمرْفق الْأَيْمن من حَامِل رَأس الغول مَعَ الَّذِي على مَنْكِبه الْأَيْمن الساعد واللذين على الْجنب المابض، وَآخر على الْجنب أَيْضا إبرة الْمرْفق، وَثَلَاثَة أَحدهمَا على الْقدَم الْيُمْنَى وَاثْنَانِ على الْجنب الْعَضُد، وَالَّذِي على السَّاق الْيُسْرَى الْمنْكب، والاثنين المتقارنين اللَّذين يليان الثريا وهما على الْقدَم الْيُسْرَى العاشق، وَهِي كلهَا فِي الثور. كوكبة مُمْسك الأعنة وَهُوَ صُورَة رجل قَائِم خلف مُمْسك رَأس الغول، بَين الثريا وَبَين كوكبة الدب الْأَكْبَر، وكواكبه أَرْبَعَة عشر كوكباً وعَلى رَأسه كوكبان تسميها الْعَرَب مَعَ كواكب أخر بِقرب مِنْهَا الخباء لِأَنَّهَا على صُورَة الخباء، وعَلى مَنْكِبه الْأَيْسَر كَوْكَب نير تَسْمِيَة العيوق، وعَلى مرفقه الْأَيْسَر كَوْكَب تَسْمِيَة العنز وعَلى المعصم الْأَيْسَر كوكبان متقاربان تسميان الجديين وَتسَمى العيوق لأجل ذَلِك العناز ويسمونه أَيْضا: العنز وَيُسمى رَقِيب الثريا لِأَنَّهُ يطلع فِي كثير من الْمَوَاضِع بِطُلُوع الثريا. وَلذَلِك قَالَ أَبُو ذُؤَيْب: فوردن والعيوق مقْعد رابئ ال ... ضرباء فَوق النَّجْم لَا يتتلع
(6/198)

وَيُسمى أَيْضا عيوق الثريا وعَلى مَنْكِبه الْأَيْمن كَوْكَب يُسمى مَعَ آخَرين على الْكَعْبَيْنِ تَوَابِع العيوق والأعلام. وَذكر بعض من صنف فِي الأنواء أَن بَين عاتق الثريا وَبَين العيوق كوكبين تَحت المجرة يسميان المرجف والبرجيس، كواكبه كلهَا فِي الجوزاء. كوكبة الحوا والحية: هِيَ صُورَة رجل قَائِم، قد قبض بيدَيْهِ جَمِيعًا على حَيَّة، وكواكب الحوا أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ من الصُّورَة، وَخَمْسَة خَارِجَة مِنْهَا، وكواكب الْحَيَّة ثَمَانِيَة عشر كوكباً، وعَلى منشأ عنق الْحَيَّة كَوْكَب، وَآخر على صدغها، يتصلان بالكواكب المصطفة الَّتِي على الْمنْكب والعضد والمرفق الْأَيْمن من صُورَة الجاثي، يعدهما الْعَرَب من جملَة النسق الشَّامي، وَتسَمى أَرْبَعَة كواكب من كواكب الْحَيَّة، مَعَ النيرين اللَّذين على ركبتي الحواء الَّذِي على سَاقه الْيُمْنَى وَهِي كلهَا مصطفة على سطر فِيهِ تعويج النسق الْيَمَانِيّ وسمت هَذِه النسق يَمَانِيا لِأَن كواكبه تغيب فِي نَاحيَة الشَّام وشق الْيمن، وسمت الأول شامياً لِأَن كواكبه تغيب فِي نَاحيَة الشَّام، وَيُسمى الْبقْعَة الَّتِي بَين النسقين الرَّوْضَة، والكوكب الَّتِي فِي الرَّوْضَة الأغنام، وَالَّذِي على رَأس الحوا الرَّاعِي وَالَّذِي على رَأس الجاثي كلب الرَّاعِي، كواكبها فِي الْعَقْرَب، والقوس. كوكبة السهْم هِيَ خَمْسَة كواكب بَين منقار الدَّجَاجَة وَبَين النسْر الطَّائِر فِي نفس المجرة الْعَظِيمَة، ونصل السهْم إِلَى نَاحيَة الْمشرق والفوق إِلَى نَاحيَة الْمغرب، وَلم يذكر عَن الْعَرَب فِيهَا شَيْء وَهِي فِي الجدى. وكوكبة الْعقَاب: وَهُوَ النسْر الطَّائِر، وكواكبه تِسْعَة من الصُّورَة وَسِتَّة خَارِجَة مِنْهَا، وَالْعرب تسمى الثَّلَاثَة المصطفة النسْر الطَّائِر لِأَن بازائه النسْر الْوَاقِع، وَسمي وَاقعا لوُقُوع جناحيه، سمي هَذَا طائراً لانبساط جناحيه، وَتسَمى كوكبين من الْخَارِجَة عَن الصُّورَة وهما بَين الثَّلَاثَة الَّتِي ذكرهَا وَبَين النعام الصَّادِر الظليمين الصغيرين وَهِي فِي الجدي. كوكبة الدلفين وكواكبه على مربع شَبيه بالمعين تسميها الْعَرَب: الْقعُود والعامة تسميها: الصَّلِيب، وَيُسمى الْكَوْكَب الَّذِي على ذَنْب الدلفين عَمُود الصَّلِيب وَهِي فِي الدَّلْو.
(6/199)

كوكبة قِطْعَة الْفرس، وَهِي أَربع كواكب يتبع الدلفين، اثْنَان مِنْهُمَا متضايقان بَينهمَا شبر على مَوضِع الْفَم وَاثْنَانِ على الرَّأْس، وَلم يذكر عَن الْعَرَب فِيهَا شَيْء. وَالْأَرْبَعَة جَمِيعًا موضعهَا من الْفلك وقسمته فِي الدَّلْو كوكبة الْفرس الْأَعْظَم، وكواكبها عشرُون كوكباً، وَهِي صُورَة فرس لَهُ رَأس ويدان وبدن إِلَى آخر الظّهْر وَلَيْسَ لَهُ كفل وَلَا رجلَانِ، وعَلى سرته كَوْكَب، وَهِي أَيْضا على رَأس الْمَرْأَة المسلسلة مُشْتَرك بَينهمَا، ويرسم على الاسطرلاب وَيُسمى سرة الْفرس، وَرَأس المسلسلة، وعَلى مَتنه أَيْضا كَوْكَب يُسمى جنَاح الْفرس ويرسم أَيْضا على الاسطرلاب، وَعند منشأ الْيَد أَيْضا كَوْكَب يُسمى منْكب الْفرس، على مَتنه كَوْكَب نير عِنْد منشأ الْعُنُق يُسمى متن الْفرس، وَالْعرب تسمى هَذَا الْأَرْبَعَة الدَّلْو. وَتسَمى الِاثْنَيْنِ الْمُتَقَدِّمين: وهما منْكب الْفرس وَمتْن الْفرس: الفرغ الأول وَالْفَرغ الْمُقدم، ويسميان أَيْضا العرقوة الْعليا، وناهزى الدَّلْو المقدمين، وَيُسمى الِاثْنَيْنِ التاليين وهما سرة، وَجَنَاح الْفرس الفرغ الثَّانِي، وَالْفَرغ الْمُؤخر والعرقوة السُّفْلى وناهزى الدَّلْو المؤخرين وَفِي الْبدن كوكبان يسميان النعام، ويسيمان أَيْضا الكرب شبهتهما بمجمع العرقوتين فِي الْوسط، وعَلى رَأس الْفرس كوكبان أَحدهمَا أنور، يسميان سعد البهام، وَسعد النهى وعَلى عُنُقه كوكبان يسميان سعد الْهمام، وَفِي الصَّدْر كوكبان متقاربان يسميان سعد البارع، وعَلى الرّكْبَة الْيُمْنَى كوكبان يسميان سعد مطر، ويروى عَن الْعَرَب أَن الْقَمَر رُبمَا قصر فَنزل بالكرب، وَتسَمى بالبقعة الَّتِي بَين الفرغ الثَّانِي وَبَين السَّمَكَة من السَّمَاء بَلْدَة الثَّعْلَب. وتزعم أَن الْقَمَر رُبمَا قصر فَنزل ببلدة الثَّعْلَب، فَأَما موَاضعهَا من الْفلك فَإِن الْمُشْتَرك الَّذِي هُوَ الرَّأْس فِي أول الْحمل وَأما الْبَاقِيَة فَإِنَّهَا كلهَا من الْحُوت سوى سعد الْبَهَائِم فَإِنَّهُ فِي الدَّلْو. كوكبة المسلسلة تسمى الْمَرْأَة الَّتِي لم تَرَ بعلاً، وَتسَمى باليونانية: أندرومينا وكواكبها ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ كوكبا من الصُّورَة، سوى النير الَّذِي على الرَّأْس فَإِنَّهُ على سرة الْفرس، وَالْعرب وجدت سطرين من كواكب قد أحاطا
(6/200)

بِصُورَة سَمَكَة عَظِيمَة تَحت نحر النَّاقة، بَعْضهَا من هَذِه الصُّورَة وَبَعضهَا من كوكبة السَّمَكَة الشمالية من السمكتين اللَّتَيْنِ فِي الْقسم الثَّانِي عشر من صُورَة البروج فَسَمت الْعَرَب هَذِه السَّمَكَة الْعَظِيمَة الْحُوت، وَزَعَمت أَن الْقَمَر ينزل بِبَطن الْحُوت فَسَمت الْمنزل الْأَخير من منَازِل الْقَمَر: بطن الْحُوت والرشا، وَقد وَقع الْكَوْكَب النير الَّذِي على جنب المسلسلة على مَوضِع الْبَطن من الْحُوت، فَقدر قوم من مُؤَلَّفِي كتب الأنواء أَن الْعَرَب سمت هَذَا الْكَوْكَب النير بطن الْحُوت، وَأَن الْقَمَر ينزل بِهَذَا الْكَوْكَب وَالْقَمَر لَا ينزل بِشَيْء من كواكب الْحُوت وَلَا بِبَطن الْحُوت وَإِنَّمَا يمر بموازاتها وَأما النير الَّذِي على الرجل الْيُسْرَى من المسلسلة فَإِنَّهُم اخْتلفُوا فِيهِ، يروي بَعضهم عَن الْعَرَب أَنَّهَا سمته عنَاق الأَرْض وروى آخَرُونَ أَن العناق هُوَ النير الَّذِي على رَأس الغول وَذَلِكَ أَنهم حكوا أَن العناق: هُوَ الْكَوْكَب الْأَزْهَر الَّذِي لَا يُجَاوِزهُ إِلَّا كوكبان صغيران، كَأَنَّهُ بهما النسْر الْوَاقِع وَلَيْسَ هُنَاكَ كَوْكَب بِهَذِهِ الصّفة إِلَّا النير الَّذِي على رَأس الغول، وَمَوْضِع بطن الْحُوت والعناق جَمِيعًا من البروج فِي الْحمل، وَكَذَلِكَ جَمِيع الْكَوَاكِب المسلسلة. كوكبة المثلث: وكواكبه أَرْبَعَة كواكب بَين كوكبة السَّمَكَة وَبَين النير الَّذِي على رَأس الغول وَهِي أَيْضا بَين الشَّرْطَيْنِ وَبَين النير الَّذِي على الرجل الْيُسْرَى من صُورَة الْمَرْأَة، وَهُوَ مثلث فِيهِ طول على رَأسه كَوْكَب نير من الثَّلَاثَة الْبَاقِيَة على الْقَاعِدَة الأنيسين ودرجاتهما فِي الطول أَكثر من دَرَجَات الشَّرْطَيْنِ، ويطلعان مَعَ ذَلِك قبل الشَّرْطَيْنِ لِأَن عرضهما فِي الشمَال اكثر من عرض الشَّرْطَيْنِ فَقدر أَصْحَاب كتب الأنواء أَن الْقَمَر ينزل أَولا بالأنيسين ثمَّ الشَّرْطَيْنِ، فحكوا عَن الْعَرَب أَن الْقَمَر رُبمَا قصر فَنزل بهما وَلَا يلْحق الشَّرْطَيْنِ وَذَلِكَ غلط، لِأَنَّهُمَا يكونَانِ قُدَّام الشَّرْطَيْنِ إِلَى أَن يقربا من خطّ وسط السَّمَاء ثمَّ يتأخران عَن الشَّرْطَيْنِ رويداً رويداً، حَتَّى إِذا صَارا إِلَى الْمغرب غابا بَين الشَّرْطَيْنِ فَيجب أَن يُقَال: إِن الْقَمَر رُبمَا أسْرع فجاوز الشَّرْطَيْنِ وَنزل بالأنيسين وكواكب المثلث كلهَا فِي الْحمل. صور البروج، اثْنَا عشر، أَولهَا: الْحمل وكواكبه ثَلَاثَة عشر كوكباً من
(6/201)

الصُّورَة وَخَمْسَة خَارجه مِنْهَا ومقدمه إِلَى جِهَة الْمغرب، ومؤخره إِلَى الْمشرق وَهُوَ ملتفت إِلَى مؤخره، وَوَجهه إِلَى ظَهره، وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات عَن الْعَرَب فِي كواكب هَذِه الصُّورَة والخارجة مِنْهَا، فَرَأى بَعضهم أَنَّهَا تسمى الكوكبين النيرين اللَّذين على الْقرن الشَّرْطَيْنِ، وَالشّرط وَهُوَ الْمنزل الأول من منَازِل الْقَمَر، لِأَن هَذَا الْقسم من البروج هُوَ الأول من الْأَقْسَام الإثني عشرَة، وبحلول هَذِه الصُّورَة فِيهِ فِي وَقت الرصد سمي الْحمل بِجَمِيعِ اللُّغَات وَذكروا أَنهم يضيفون إِلَى الكوكبين اللَّذين ذكرناهما الْكَوْكَب الْخَفي الَّذِي أصل الْعُنُق فيسمونها الأشراط والنطح، وروى أخرون أَنَّهَا تسمى أحد النيرين اللَّذين على الْقرن مَعَ النير الْخَارِج عَن الصُّورَة الَّتِي يرسم على الأسطرلاب وَتسَمى الناطح ويضيف إِلَيْهِمَا الجنوبي من الِاثْنَيْنِ اللَّذين على الْقرن ويسميها الأشراط والنطح ويسمون الَّذِي على منشأ الألية مَعَ الْمُتَقَدّم من ثَلَاثَة هِيَ على الألية مَعَ كَوْكَب خَفِي على الْفَخْذ وَهِي على مثلث شهيه بالمتساوي الأضلاع على بطن الْحمل، البطين وَهُوَ الْمنزل الثَّانِي من منَازِل الْقَمَر وَإِنَّمَا صغروا البطين بِالْإِضَافَة إِلَى بطن السَّمَكَة الْعَظِيمَة وَقد غلط كثير من أَصْحَاب الأنواء وظنوا أَن البطين هُوَ من الْكَوَاكِب الْأَرْبَعَة الْخَارِجَة عَن الصُّورَة، والشرطان النطح هِيَ فِي الْحمل والبطين وَأكْثر كواكب هَذِه الصُّورَة هِيَ فِي الثور بمواضعها من البروج. كوكبة الثورة وَصورته صُورَة ثَوْر مؤخره إِلَى الْمغرب والجنوب ومقدمه بالمشرق. وكواكبه اثْنَان وَثَلَاثُونَ كوكباً من الصُّورَة سوى النير وَالَّذِي على طرف قرنه الشمالي فَإِنَّهُ على الرجل الْيُمْنَى من مُمْسك الأعنة مُشْتَرك بَينهمَا وَأحد عشر كوكباً خَارج الصُّورَة فَأَما الْكَوَاكِب الْخفية فِي هَذِه الصُّورَة وحواليها فكثيرة بِلَا نِهَايَة وَكَذَلِكَ فِي سَائِر الصُّور وَإِنَّمَا نذْكر عدد مَا رصد مِنْهَا من النيرات من الأقدار السِّتَّة. فَأَما الْعَرَب فَإِنَّهَا تسمى الْأَرْبَعَة الَّتِي على سَنَام النَّاقة، مَعَ ثَلَاثَة أخر خُفْيَة لم ترصد، الثريا وَهِي مُتَقَارِبَة مجتمعة وَلذَلِك جعلوها بِمَنْزِلَة كَوْكَب وَاحِد وسموها النَّجْم وسموها أَيْضا نُجُوم الثريا، وَإِنَّمَا سميت الثريا يتبركون بهَا،
(6/202)

ويزعمون أَن الْمَطَر الَّذِي يكون عِنْد نوئها، تكون مِنْهُ الثروة وَهِي تَصْغِير ثروى، وَكلهمْ ذكرُوا فِي كتبهمْ أَنَّهَا على إلية الْحمل نَحْو من ثَلَاثَة أَذْرع فِي رأى الْعين وَهِي الْمنزل الثَّالِث من منَازِل الْقَمَر، وَيُسمى الْأَحْمَر النير الَّذِي على عين الثور الجنوبية الدبران لدبوره الثريا، وَيُسمى تَابع النَّجْم وتالي النَّجْم والمجدح بِكَسْر الْمِيم وَضمّهَا وَيُسمى أَيْضا التَّابِع فَردا وحادي النَّجْم الضّيق وَيُسمى الَّتِي حواليه من الْكَوَاكِب القلاص، ويزعمون أَنَّهَا قلاص الفنيق، وَيَقُولُونَ أَيْضا غنيمته، ويسمون الِاثْنَيْنِ المتقاربين اللَّذين على الْأذن الشمالية الكلبين، وكلبي الدبران. وَقد روى كثير مِنْهُم عَن الْعَرَب أَنَّهَا تسميه الضيقة وَذَلِكَ غلط فَإِن الضيقة هِيَ الفرجة الَّتِي بَين الثريا والدبران ويستحسنونها ويستحسنون أَيْضا الدبران وَيَقُولُونَ فلَان أشأم من حادي النَّجْم ويتشاءمون بالمطر الَّذِي يكون بنوئه. وَهَذِه الْكَوَاكِب فِي برج الثور. كوكبة التوأمين وكواكبهما ثَمَانِيَة عشر كوكباً من الصُّورَة وَسَبْعَة خَارِجَة من الصُّورَة وَهِي صُورَة إنسانين رأساهما وَسَائِر كواكبهما فِي الشمَال والمشرق عَن المجرة، وأرجلهما إِلَى الْجنُوب وَالْمغْرب فِي نفس المجرة وهما كالمتعانقين، قد اخْتَلَط كواكب أَحدهمَا بكواكب أُخْرَى، على كل وَاحِد من الصُّورَتَيْنِ كَوْكَب نير تسميها الْعَرَب الذِّرَاع المبسوطة وبقربهما كواكب صغَار تسمى الْأَظْفَار، وعَلى قدمي التوأم التَّالِي كوكبان يسميان الهنعة، وَهُوَ الْمنزل السَّادِس من منَازِل الْقَمَر، ويسميان المنسان والزر، وَقد روى قوم أَن أَحدهمَا لمنسان وَالْآخر الزر وعَلى قدمي توأم الْمُتَقَدّم ثَلَاثَة كواكب تسمى البخاتي وَمَوْضِع الذِّرَاع المبسوطة من البروج فِي السرطان وَالَّتِي على الْأَقْدَام فِي الجوزاء. كوكبة السرطان: كواكبه تِسْعَة وَمن الصُّورَة، وَأَرْبَعَة خَارِجَة مِنْهَا ومقدمه إِلَى الْمشرق وَالشمَال، ومؤخره إِلَى الْمغرب والجنوب، وَأول كواكبه لطخة سحابية يُحِيط بهَا أَرْبَعَة كواكب، اثْنَان مِنْهَا خلفهَا، وَاثْنَانِ قدامها. وَالْعرب تسمى اللطخة النثرة، وَهُوَ الْمنزل الثَّانِي من منَازِل الْقَمَر وَتسَمى الكوكبين التاليين للطخة المنخرين منخري الْأسد والنثرة مخطته وَتسَمى أَيْضا اللطخة مَعَ الِاثْنَيْنِ اللَّذين على المنخرين فَم الْأسد وَتسَمى اللطخة اللهاة، وَيُسمى كَوْكَب من الْخَارِجَة عَن
(6/203)

الصُّورَة وَهُوَ الَّذِي خلف الْكَوْكَب الَّذِي هُوَ على الزباني الجنوبي مَعَ وَاحِد من الْأَرْبَعَة الَّتِي فِي رَأس الْأسد الطّرف وهما عينا الْأسد على مَذْهَب الْعَرَب. فَسُمي كَوْكَب من الْخَارِجَة عَن الصُّورَة مَعَ كَوْكَب صَغِير آخر الأشفار وَقد سمى المنجمون اللطخة الَّتِي ذَكرنَاهَا المعلف، والاثنين التاليين لَهما الحمارين ويروى ذَلِك عَن الْعَرَب، وَهَذِه الْكَوَاكِب كلهَا فِي السرطان. كوكبة الْأسد: كواكبه سَبْعَة وَعِشْرُونَ كوكباً من الصُّورَة وَثَمَانِية خَارِجَة مِنْهَا، وعَلى وَجهه كَوْكَب تسميه مَعَ كَوْكَب آخر خَارج عَن صُورَة السرطان الطّرف، وعَلى المنخر وَالرَّأْس كواكب يسمونها الأشفار، وَإِنَّمَا اخْتَارُوا من الصُّورَتَيْنِ جَمِيعًا الكوكبين الأصغرين، فجعلوهما الطّرف لصِغَر عَيْني الْأسد، وعَلى الرَّقَبَة ثَلَاثَة كواكب وَرَابِعهَا النير الَّذِي على الْقلب وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه المنجمون قلب الْأسد الملوكي، وَالْعرب تسمى الْأَرْبَعَة جَمِيعًا الْجَبْهَة، جبهة الْأسد وَهُوَ الْمنزل الْعَاشِر من منَازِل الْقَمَر، وعَلى الْقطن كَوْكَب نير، على الحرقفة كَوْكَب آخر تسميها الْعَرَب الزبرة، زبرة الْأسد أَي كَاهِله، وتسميان أَيْضا الخراتين، الْوَاحِدَة خراة وَعند النير الَّذِي على الْقطن، كوكبان يُقَال إِنَّهُم شبهوهما بالشعر الَّذِي ينتفش بَين الْكَتِفَيْنِ، وَبِذَلِك سميت الزبرة، وَهُوَ الْمنزل الْحَادِي عشر من منَازِل الْقَمَر، وعَلى الذَّنب كَوْكَب يُسمى قنب الْأسد، وَهُوَ وعَاء قضيبه وَيُسمى أَيْضا الصرفة، وَهُوَ الْمنزل الثَّانِي عشر، وَسمي صرفة لانصراف الْحر عِنْد طلوعه من تَحت شُعَاع الشَّمْس بالغدوات، وانصراف الْبرد عِنْد سُقُوطه فِي الْمغرب بالغدوات، وطلوع رقيبه وَهُوَ الفرغ الأول من تَحت الشعاع، وَثَلَاثَة من جملَة كواكب الْخَارِجَة عَن الصُّورَة فَوق الذَّنب يسميها بطليموس الضفيرة، ويسميها الْعَرَب مَعَ كواكب أخر، صغَار متضايقة تشبه الثَّلَاثَة الهلبة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يخرج من عِنْد الصرفة سطر من كواكب مقوسة فِيهَا تعريج، فيتصل بالهلبة فَهِيَ أشبه شَيْء بذنب الْأسد إِذا رَفعه، فشبهت الْعَرَب هَذِه الْكَوَاكِب بالذنب، وشبهت النير الَّذِي فِي أصل الذَّنب بوعاء الْقَضِيب، وشبهت الثَّلَاثَة الَّتِي ذَكرنَاهَا مَعَ الصغار المتقاربة الَّتِي فِي وَسطهَا بالشعرة الَّتِي تكون على طرف الذَّنب، وسمتها الهلبة، وَهِي بعد القفزات الثَّلَاث الَّتِي على قَوَائِم الدب
(6/204)

الْأَكْبَر، وَعَامة المنجمين تسمى هَذِه الْكَوَاكِب المجتمعة السنبلة لِكَثْرَة كواكبها وكثافتها. والصرفة فِي السنبلة وَكَذَلِكَ الهلبة وَسَائِر كواكب هَذِه الصُّورَة فِي الْأسد. كوكبة الْعَذْرَاء: وكواكبها سِتَّة وَعِشْرُونَ كوكباً من الصُّورَة وَسِتَّة خَارِجَة مِنْهَا وَهِي صُورَة امْرَأَة رَأسهَا على جنوب الصرفة وقدمها قُدَّام الزبانيين اللَّذين على كفة الْمِيزَان، وعَلى منكبها الْأَيْسَر كَوْكَب، وعَلى الْجنب الْأَيْسَر أَيْضا كَوْكَب، ثمَّ يَنْعَطِف إِلَى كَوْكَب فِي الْجنب الْأَيْمن وَآخر على الْمرْفق، يصير الْأَرْبَعَة فِي زَاوِيَة مثل صُورَة كلاب تعوي يُسَمِّيه الْعَرَب العواء وَهُوَ الْمنزل الثَّالِث عشر وَجعل بَعضهم العواء وركي الْأسد، وَسَماهُ بَعضهم محاسة وَهُوَ حشْوَة الْبَطن، وَذكر بَعضهم أَن كواكب العواء هِيَ كلاب تعوي خلف الْأسد، وَإِنَّمَا سميت العواء للإنعطاف الَّذِي فِيهَا، يُقَال عويت الشَّيْء إِذا عطفته وَيُسمى أَيْضا عواء الْبرد لِأَنَّهَا إِذا طلعت أَو سَقَطت جَاءَت بِبرد، وعَلى الْكَتف الْيُمْنَى كَوْكَب نير يُسمى السماك الأعزل، وَسمي الأعزل لَان بإزائه السماك الرامح، وَسمي رامحاً للرمح الَّذِي على يَمِينه وهما الكوكبان النيرَان اللَّذَان أَحدهمَا يقدمهُ وَالْآخر يتبعهُ، وَسمي الآخر أعزل لِأَنَّهُ لَا سلَاح مَعَه، والمنجمون يسمون السماك الأعزل السنبلة وَالْعرب يُسَمِّيه أَيْضا سَاق الْأسد لِأَن عِنْد أَكْثَرهم أَن السماكين هما ساقا الْأسد، وعَلى الذيل ثَلَاثَة كواكب تسمى الغفر وَهُوَ الْمنزل الْخَامِس عشر، ويزعمون أَنه خير الْمنَازل لِأَنَّهُ خلف ذَنْب الْأسد وساقيه وأمام زباني الْعَقْرَب وعادية الْأسد فِي رَأسه وأظفاره، وعادية الْعَقْرَب فِي ذنبها وحمتها فيليه من الْأسد وَمن الْعَقْرَب مَا لَا يضرّهُ، وَذكر بَعضهم أَنه يكون مولد الْأَنْبِيَاء صلى الله عَلَيْهِم وَسلم، وَيُقَال أَنه سمى الغفر من الغفرة وَهِي الشّعْر الَّذِي فِي طرف ذَنْب الْأسد، وَيُقَال أَنه سمي الغفر لنُقْصَان ضوء كواكبه، يُقَال غفرت أَي غطيت، وَيُقَال أَنه سمي الغفر لِأَنَّهُ فَوق زباني الْعَقْرَب، وَلذَلِك سمي المغفر الَّذِي يكون فَوق الرَّأْس، وَمثل الرَّأْس الَّذِي يَعْلُو الثَّوْب، فيسمى الغفر، وَيُمكن أَن يُقَال أَنه أَيْضا من التغطية. لِأَن المغفر يُغطي الرَّأْس والغفر الَّذِي يُغطي الثَّوْب وكواكب العوا كلهَا فِي السنبلة وكواكب الغفر فِي الْمِيزَان.
(6/205)

كوكبة الْمِيزَان وَهِي ثَمَانِيَة من الصُّورَة وَتِسْعَة خَارِجَة مِنْهَا وعَلى الكفة كوكبان نيران تسميها الْعَرَب زباني الْعَقْرَب أَي قرنيهما والإكليل، وَهُوَ الْمنزل السَّابِع عشر من الْمنَازل فِي هَذِه الصُّورَة، وَمن الْخَارِج مِنْهَا، وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات فِي الإكليل فَذكر بَعضهم أَنه الثَّلَاثَة الَّتِي على جبهة الْعَقْرَب وَهُوَ غلط وَلكنه من ثَلَاثَة شَبيهَة بِهَذِهِ الثَّلَاثَة فِي التقويس وكواكب هَذِه الصُّورَة كلهَا فِي الْعَقْرَب. كوكبة الْعَقْرَب وكواكبها أحد وَعِشْرُونَ كوكباً فِي الصُّورَة، وَثَلَاثَة خَارِجَة مِنْهَا. قد ذكرنَا مَا فِيهَا عَن الْعَرَب فِي الثَّلَاثَة الَّتِي على جبهة الْعَقْرَب من أَنهم يسمونه الإكليل، وَقُلْنَا إِنَّه غلط ودللنا على الإكليل فِي كَوْكَب الْمِيزَان، فَأَما النير الَّذِي على الْبدن فَإِن الْعَرَب تسميه الْقلب وقدامه كَوْكَب تسميه مَعَ آخر خَلفه النياط، وَتسَمى الَّتِي فِي الخرزات الفقرات، وَيُسمى اللَّذين على طرف الذَّنب الشولة، وشولة الْعَقْرَب، وَتسَمى الإبرة أَيْضا، وَهُوَ الْمنزل التَّاسِع عشر من منَازِل الْقَمَر، وَالْقَمَر لَا يعدل إِلَيْهَا، وَلكنه تمر على محاذاتها لِأَنَّهَا مائلة عَن طَرِيق الشَّمْس ثَلَاث عشرَة دَرَجَة وَأكْثر مَا يعدل الْقَمَر عَنْهَا خمس دَرَجَات وَيُقَال رُبمَا قصر الْقَمَر فَنزل بالفقار وَالْقلب والنياط فِي الْعقر والفقرات فِي الشولة والقوس. كوكبة الرَّامِي وكواكبها أحد وَثَلَاثُونَ كوبا فِي الصُّورَة وَلَيْسَ حواليها شَيْء من الْكَوَاكِب المرصودة، هِيَ صُورَة فَارس قد وضع سَهْمه فِي قوسه ونزعها، وعَلى زج السهْم كَوْكَب، وعَلى مقبض الْقوس كَوْكَب آخر، وعَلى طرفه الجنوبي آخر وعَلى طرف الْيَد الْيُمْنَى آخر، وَهَذِه الْأَرْبَعَة على مربع منحرف، والاثنان الشماليان مِنْهَا فِي وسط المجرة، الِاثْنَان الجنوبيان فِي طرفها الشَّرْقِي، وَالْعرب يسميها النعام الْوَارِد لِأَنَّهَا شبهت المجرة بنهر والنعام قد ورده وعَلى الْمنْكب الْأَيْسَر من الرجل كَوْكَب وعَلى فَوق السهْم آخر وعَلى الْكَتف آخر وَتَحْت الْإِبِط آخر وَهِي على مربع منحرف بعيدَة عَن المجرة إِلَى نَاحيَة الْمشرق وَالْمغْرب، تسميها النعام الصَّادِر وعَلى الطّرف الشمالي من الْقوس كَوْكَب، وعَلى السِّتَّة الشمالية آخر يسميان الظليمين، ويسمي الْموضع الَّذِي بَين النعائم الْوَصْل، وَهُوَ
(6/206)

الْمنزل الْعشْرُونَ من منَازِل الْقَمَر وعَلى رَأس الْفَارِس وعصابته سِتَّة كواكب على خطّ مقوس خلف كَوْكَب سحابي هُوَ على عين الرَّامِي تسمي القلادة والقلائص وَتسَمى أَيْضا الأدحى وَتسَمى الْموضع الْخَالِي تَحت القلادة الَّذِي لَيْسَ فِيهِ كَوْكَب الْبَلدة، وَهُوَ الْمنزل الْحَادِي وَالْعشْرُونَ، وَيُقَال إِن الْقَمَر رُبمَا قصر فَنزل بالقلادة وَيجوز أَن يكون كَذَلِك لِأَن كواكبها قريبَة من المنطقة، وعَلى الْفَخْذ الْيُسْرَى من الْفرس كَوْكَب وعَلى السَّاق الْمُؤخر الْيُمْنَى كَوْكَب آخر يسميان الصردين والنعام الْوَارِد فِي الْقوس وَثَلَاثَة من كواكب النعام الصَّادِر فِي الْقوس وَوَاحِدَة، وَهُوَ الَّذِي على الْكَتف فِي المجرة والظليمان فِي الْقوس والقلادة فِي المجرة. كوكبة الجدي وكواكبه ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ كوكباً فِي الصُّورَة، وَلَيْسَ حواليها كَوْكَب مرصود، وعَلى قرنه كوكبان أَحدهمَا صَغِير يسميها الْعَرَب سعد الذَّابِح يُسمى ذابحاً الثَّانِي الصَّغِير ذكرُوا أَنه فِي مذبح الآخر، وَقَالُوا أَيْضا إِن الصَّغِير هُوَ شاته الَّتِي تذبح، وَهُوَ الْمنزل الثَّانِي وَالْعشْرُونَ من منَازِل الْقَمَر، وعَلى الذَّنب كوكبان يسميان سعد نَاشِرَة، ويسميان المحبين أَيْضا وهما على طَريقَة الْقَمَر، وَمَوْضِع سعد الذَّابِح فِي الجدي وَسعد الناشرة فِي الدَّلْو. كوكبة ساكب المَاء وَهُوَ الدَّلْو وكواكبها اثْنَان وَأَرْبَعُونَ كوكباً من الصُّورَة وَثَلَاثَة خَارِجَة عَن الصُّورَة، وعَلى الْمنْكب الْأَيْمن من ساكب المَاء كوكبان تسميهما الْعَرَب سعد الْملك، وعَلى مَنْكِبه الْأَيْسَر كوكبان يسميان مَعَ كَوْكَب على طرف ذَنْب الجدي سعد السُّعُود، وَهُوَ الْمنزل الرَّابِع وَالْعشْرُونَ من منَازِل الْقَمَر، وسمته بِهَذَا الِاسْم لتيمنهم من ذَلِك أَن الثَّلَاثَة كلهَا فِي نَحْو عشر دَرَجَات من الدَّلْو، فَيطلع من تَحت الشعاع إِذا صَارَت الشَّمْس فِي آخر الدَّلْو وَأول الْحُوت، فَيكون طلوعه عِنْد انكسار الْبرد، وسقوطه عِنْد انكسار الْحر، إِذا صَارَت الشَّمْس إِلَى أول السنبلة فيتفق فِي طلوعه ابْتِدَاء الأمطار وَفِي سُقُوطه انكسار السمائم وَكَثْرَة الرطب، وَسُقُوط الطل. وروى عَن الْعَرَب أَن الْقَمَر رُبمَا قصر فَنزل بِسَعْد نَاشِرَة وَذَلِكَ غلط، لِأَن سعد السُّعُود يطلع قبل سعد نَاشِرَة، وَعرض سعد نَاشِرَة فِي الْجنُوب درجتان وَالْقَمَر يمر عَلَيْهَا وَلَا يعدل إِلَى سعد السُّعُود، لِأَن عرض النير مِنْهَا فِي الشمَال نَحْو تسع دَرَجَات، وَالَّذِي تَحْتَهُ سِتّ دَرَجَات
(6/207)

وَكسر، ويمر فِي الندرة على الثَّالِث مِنْهَا الَّذِي على طرف ذَنْب الجدي فِي كل ثَمَانِي عشرَة سنة مرّة، إِذا صَار الرَّأْس فِي عشر دَرَجَات من الْعَقْرَب، وعَلى الْيَد الْيُسْرَى ثَلَاثَة كواكب تسمى سعد بلع، وَهُوَ الْمنزل الثَّالِث وَالْعشْرُونَ سمي بذلك لِأَن الِاثْنَيْنِ مِنْهَا جعلوهما سَعْدا، وَالْوَاحد الْأَوْسَط الَّذِي قد ابتلعه لِأَن الصَّغِير من سعد الذَّابِح هُوَ كَأَنَّهُ فِي نحر الآخر، والأوسط من هَذِه قد نزل عَن الْحلق وَصَارَ فِي مَوضِع الْبَطن، فَكَأَنَّهُ قد ابتلعه، وعَلى الساعد الْأَيْمن كوكبة، وعَلى يَده الْيمن ثَلَاثَة كواكب تسمى سعد الأخبية، وَهُوَ الْمنزل الْخَامِس وَالْعشْرُونَ، سمى بذلك لِأَنَّهُ من أَرْبَعَة كواكب. ثَلَاثَة مِنْهَا على مثلث وَوَاحِد فِي وسط المثلث، فَجعلُوا هَذَا الْوَاحِد سَعْدا وَالثَّلَاثَة لَهُ بِمَنْزِلَة الخبأ، والنير الَّذِي فِي أخر الصُّورَة وَهُوَ آخر ممر المَاء وَهُوَ فِي فَم الْحُوت الجنوبي يُسمى الضفدع الأول لِأَن النير الَّذِي على الشَّوْكَة الجنوبية من ذَنْب قيطس يُسمى الضفدع الثَّانِي، وَنَذْكُر ذَلِك فِي صفة كوكبة قيطس، وَيُسمى الضفدع الأول الظليم أَيْضا، وَفِي آخر الشَّهْر أَيْضا كَوْكَب يُسمى الظليم، وَرُبمَا رسم على بعض الكرات هَذَانِ الكوكبان ويسميان الظليم وَقد حكى عَن الْعَرَب أَن فِي نَاحيَة الدَّلْو فِي الْجنُوب سفينة، وَأَن أحد الضفدعين على مقدمها وَالْآخر على مؤخرها وَمَوْضِع سعد السُّعُود فِي الدَّلْو وَكَذَلِكَ سعد الْملك وَكَذَلِكَ سعد الأخبية، وكوكبان من سعد بلع فِي الجدي وَالْآخر فِي الدَّلْو والضفدع أَيْضا فِي الدَّلْو وَسَائِر كواكب الصُّورَة بَعْضهَا فِي الدَّلْو، وَبَعضهَا فِي الْحُوت. كوكبة السمكتين وكواكبها أَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ كوكباً فِي الصُّورَة، وَأَرْبَعَة خَارِجَة عَنْهَا، وَقد ذكرنَا فِي صُورَة الْمَرْأَة المسلسلة مَذْهَب الْعَرَب فِي هَذِه النُّجُوم.؟
الصُّور الجنوبية
كوكبة قيطس وَهِي صُورَة الْحَيَوَان البحري، ومقدمه فِي نَاحيَة الْمشرق على جنوب كوكبة الْحمل، ومؤخره فِي نَاحيَة الْمغرب خلف الثَّلَاثَة الْخَارِجَة عَن صُورَة ساكب المَاء، والتسعة الَّتِي على طَرِيق المَاء الَّتِي كل ثَلَاثَة مِنْهَا على مِثَال وَاحِد، وَهِي الَّتِي تسميها الْعَرَب السَّفِينَة وكواكبها اثْنَان وَعِشْرُونَ كوكبا، وعَلى الرَّأْس سِتَّة كواكب تسميها الْعَرَب الْكَفّ الجذماء يُرِيدُونَ كف الثريا، وَذَلِكَ
(6/208)

أَنهم وجدوا سطرين من كواكب يمتدان من عِنْد الثريا، أَحدهمَا نَحْو الشمَال فتمر على أَكثر كواكب مُمْسك رَأس الغول، حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الْكَوَاكِب النيرة الَّتِي على ظهر النَّاقة، وَهِي كوكبة ذَات الْكُرْسِيّ فشبهوا النيرة الَّتِي على ظهر النَّاقة بأنامل مخضوبة فسموا هَذِه الْيَد الْكَفّ الخضيب، وَالْآخر يَمْتَد من عِنْد الثريا نَحْو الْجنُوب فتمر على الْأَرْبَعَة المصطفة على مَوضِع الْقطع من الثور وَيَنْقَطِع عِنْد هَذِه السِّتَّة الَّتِي على رَأس قيطس فشبهوا هَذِه السِّتَّة الَّتِي على رَأس القيطس، وشبهوا هَذَا السطر، وَهَذِه الْكَوَاكِب السِّتَّة بيد جذماء لقصرها، وَلِأَن امتدادها دون امتداد السطر الشمالي، وشبهوا الثريا بِرَأْس بَين يدين، وعَلى يَدَيْهِ خَمْسَة كواكب تسمى النعائم والنعامات أَيْضا، وعَلى الشعبة الجنوبية من كَوْكَب يُسمى الضفدع الثَّانِي، وَقد قيل أَن جَمِيع كوكبة قيطس تسمى الْبَقر وَمَوْضِع هَذِه الْكَوَاكِب كلهَا فِي الْحمل والحوت. كَوْكَب الْجَبَّار وَهُوَ الجوزاء وكواكبه ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ كوكباً من الصُّورَة، وَهُوَ صُورَة رجل قَائِم فِي نَاحيَة الْجنُوب على طَريقَة الشَّمْس أشبه شَيْء بِصُورَة الْإِنْسَان، لَهُ رَأس ومنكبان ورجلان وَبِيَدِهِ عَصا وَفِي وَسطه سيف وعَلى رَأسه ثَلَاثَة كواكب صغَار مُتَقَارِبَة تشبه نقط الثَّاء تسمى الهقعة، وهقعة الجوزاء أَيْضا، وَقد روى أَيْضا: البحاتي والبحيات والبحتة والأثافي. وَهُوَ الْمنزل الْخَامِس، وَتسَمى الَّذِي على الْمنْكب الْأَيْمن، وَهُوَ نير عَظِيم منْكب الجوزاء، وَيَد الجوزاء، فيروي عَنْهُم أَيْضا مرزم الجوزاء، وَهُوَ غلط لِأَن من عَادَتهم أَن يسموا الْكَوْكَب الَّتِي تقدم النير المرزم وَتسَمى الثَّلَاثَة النيرة المصطفة الَّتِي على وَسطه منْطقَة الجوزاء، ونطاق الجوزاء، والنظام وَالنّظم فيروى أَيْضا نظم الجوزاء، وفقار الجوزاء. وَتسَمى الثَّلَاثَة المنحدرة المتقاربة المصطفة النقط وَسيف الْجَبَّار أَيْضا، وَيُسمى النير الْعَظِيم الَّذِي على قدمه الْيُسْرَى رجل الجوزاء، وراعي الجوزاء، وَقد روى أَن هَذَا الْكَوْكَب يُسمى الناجذ وَأَن الْأَحْمَر الَّذِي على منْكب الْأَيْمن يُسمى راعي الجوزاء، وَالَّذِي على منْكب الْأَيْسَر يُسمى المرزم، وَهُوَ بالمرزم أولى لِأَنَّهُ يقدم النير الْأَحْمَر، وَيُسمى التِّسْعَة المقوسة الَّتِي على الْكمّ تَاج الجوزاء وذوائب الجوزاء، وَأكْثر هَذِه الْكَوَاكِب فِي الجوزاء، وَبَعضهَا فِي آخر الثور.
(6/209)

كوكبة النَّهر وكواكبها أَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ كوكباً من الصُّورَة وَلَيْسَ حواليها شَيْء من الْكَوَاكِب المرصودة، ويبتدئ من عِنْد النير الَّذِي على قدم الجوزاء الْيُسْرَى، وَالْعرب تسمي ثَلَاثَة من الْكَوَاكِب الَّتِي فِي أول النَّهر مَعَ النَّهر على رجل الجوزاء فَوق الكعب من رجله الْيُسْرَى كرْسِي الجوزاء الْمُقدم، لِأَنَّهَا قد صَارَت على مربع شَبيه بالكرسي، والنير الَّذِي على رجل الجوزاء الْيُسْرَى قد صَار على ضلع فِي المربع شَبيه بِرَجُل على كرْسِي، وَتسَمى تِسْعَة من كواكب النَّهر مَعَ أَرْبَعَة من الْكَوَاكِب الَّتِي على صدر قيطس أدحى النعام وَالَّتِي حوالي هَذِه الْكَوَاكِب تسمى الْبيض والقيض أَيْضا وَفِي آخر النَّهر نير يُسمى الظليم وَبَين هَذَا الظليم وَبَين الظليم الَّذِي فِي فَم الْحُوت الجنوبي كواكب كَثِيرَة تسمى الرئال وكواكب هَذِه الصُّورَة كلهَا فِي الْحمل والثور غير ثَلَاثَة الَّتِي فِي أَوله فَإِنَّهَا فِي أول الجوزاء. كوكبة الأرنب: وكواكبه اثنى عشر كوكباً من الصُّورَة وعَلى يَدَيْهِ أَرْبَعَة كواكب على مربع يسميها الْعَرَب كرْسِي الجوزاء الْمُؤخر وعرش الجوزاء؛ لِأَنَّهَا فِيمَا بَين الرجلَيْن فِي مَوضِع الْعَرْش وَقد روى أَنَّهَا تسمى النهال وموضعها فِي الجوزاء. كوكبة الْكَلْب الْأَكْبَر وكواكبه ثَمَانِيَة عشر كوكباً من الصُّورَة وَأحد عشر كوكباً حوالي الصُّورَة، والنير الْعَظِيم الَّذِي على مَوضِع الْفَم يُسمى الشعرى العبور، والشعرى اليمانية وسمته العبور لِأَنَّهُ قد عبر المجرة إِلَى نَاحيَة الْجنُوب، وَذَلِكَ أَنهم يَزْعمُونَ أَن الشعريين هما أُخْتا سُهَيْل، وَأَن سُهَيْل تزوج بالجوزاء، فبرك عَلَيْهَا وَكسر فقارها، فَهُوَ هارب نَحْو الْجنُوب ولاذ بكبد السَّمَاء، وَأَن العبور عبرت المجرة إِلَى سُهَيْل، وَتسَمى اليمانية لِأَن مغيبها فِي شقّ الْيَمَانِيّ وَيُسمى أَيْضا كلب الحبار لِأَنَّهُ يتبع الجوزاء أبدا، ويقدمهاكوكب يُسمى مرزم الشعرى ومرزم العبور. وَقد رُوِيَ أَنهم يسمونه الْكَلْب، وعَلى الْبدن والذنب أَرْبَعَة كواكب تسمى العذارى وعذرة الجوزاء، وَتسَمى أَرْبَعَة مصطفة من جملَة الْخَارِجَة عَن الصُّورَة حوالي النيرين: القرود والأغربة. وَقد روى أَنهم يسمون
(6/210)

المرزم وَهُوَ الَّذِي على طرف يَده الْيُمْنَى قُدَّام النير الْعَظِيم مَعَ الْكَوْكَب الْمُتَقَدّم من كوكبين خفيتين على ركبته الْيُسْرَى حضار وَالْوَزْن تسميهما المحلفين والمحنثين أَيْضا، لِأَنَّهُمَا يطلعان قبل السهيل، فيقدران أَحدهمَا سُهَيْل، وَفِي ذَلِك غلط لِأَن سهيلاً كَوْكَب نير عَظِيم فِي الْقدر الأول، مُنْفَرد، لَا يجاوره شَيْء من الْكَوَاكِب وَهَذَانِ هما من الْقدر الثَّالِث فِيمَا بَين كواكب كَثِيرَة يطلعان فِي وَقت وَاحِد ويرتفعان عَن الْآفَاق الَّتِي يرْتَفع فِيهَا سُهَيْل ارتفاعاً كثيرا، فَلَا يشبهان سهيلاً وكواكبها فِي السرطان والقرود خَارِجَة من الصُّورَة فِي الجوزاء. كوكبة الْكَلْب الْأَصْغَر وهما كوكبان بَين النيرين اللَّذين هما على رَأس التوأمين، وَبَين النير الْعَظِيم الَّذِي على فَم الْكَلْب الْأَكْبَر يتَأَخَّر عَنْهُمَا إِلَى الْمشرق، أَحدهمَا أنور وَهُوَ الشعرى الشامية وَيُسمى أَيْضا الشعرى الغميصاء لِأَن عِنْدهم أَنه أُخْت سُهَيْل وَأَنه لما عبرت اليمانية المجرة إِلَى الْجنُوب وإِلى نَاحيَة سُهَيْل فَبَكَتْ حَتَّى غمصت عَيناهَا ويسمون أَيْضا الِاثْنَيْنِ ذِرَاع الْأسد المقبوضة، سميت مَقْبُوضَة لتأخرها عَن الذِّرَاع الْأُخْرَى النيرين اللَّذين على رَأس التوأمين. وَأكْثر الروَاة زَعَمُوا أَنه الْمنزل السَّابِع من منَازِل الْقَمَر، وَذَلِكَ غلط لِأَن الْقَمَر ينزل بالذراع الْأُخْرَى المبسوطة وَهِي من الكوكبين النيرين الَّذين على رَأس التوأمين، والكوكبان اللَّذَان من صُورَة الْكَلْب الْمُتَقَدّم فِي السرطان. كوكبة السَّفِينَة وكواكبها خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ كوكباً من الصُّورَة، وَالرِّوَايَات عَن الْعَرَب فِي هَذِه الْكَوَاكِب وَفِي السهيل مُخْتَلفَة، فَروِيَ بَعضهم أَنهم يسمون النير الْعَظِيم الَّذِي على طرف السكان الثَّانِي سهيلاً على الْإِطْلَاق وَأَن الْكَوَاكِب النيرة الَّتِي تليه يسمونها سُهَيْل بلقين وَسُهيْل حضار وَسُهيْل رقاس وَسُهيْل الْوَزْن، وَسُهيْل المحلف والمحنث، وَزعم قوم أَن تَحت سُهَيْل قدمي سُهَيْل، وَأَن تَحت قدمي سُهَيْل كواكب زهر بيض، لَا ترى بالعراق وَلَا بِنَجْد، وَأَن أهل تهَامَة يسمونها الْبَقر، وَسُهيْل فِي الجوزاء. كوكبة الشجاع وكواكبها خَمْسَة وَعِشْرُونَ كوكباً من الصُّورَة وَاثْنَانِ خَارج الصُّورَة وعَلى آخر الْعُنُق كَوْكَب يُسَمِّيه الْعَرَب الْفَرد لانفراده عَن أشباهه وتنحيه إِلَى نَاحيَة الْجنُوب وَأما سَائِر الْكَوَاكِب فقد اخْتلفت الرِّوَايَة فِيهَا عَن الْعَرَب،
(6/211)

وَقَالَ بَعضهم أَن بَين كَوْكَب الْفَرد وَبَين الخبأ كواكب مستطيلة مثل الْحَبل تسمى الشراسيف، الشراسيف والخبأ كواكب مستديرة تسمى المعلف أَرَادَ بذلك كَوْكَب الباطئة ثمَّ ذكر أَن هُنَاكَ عرش السماك وَأَنه يُسمى الْأَحْمَال وَهُوَ كوكبة الْغُرَاب بِعَينهَا وَذكر بعد ذَلِك أَن بَين الْفَرد وَبَين الزباني الْعَقْرَب الخبأ الْيَمَانِيّ وَلَيْسَ هُنَاكَ خبأ غير كوكبة الْغُرَاب وَقَالَ بَعضهم أَن بَين الْفَرد والزباني الْعَرَب الخبأ ثمَّ الْفَرد ثمَّ الشراسيف ثمَّ المعلف وَأكْثر رواياتهم عَن الْعَرَب كَذَلِك وَقد قَالَ غَيره والشراسيف هِيَ كوكبة الشجاع أَرَادَ بذلك كوكبة الشجاع، وَأَرَادَ بالخبأ كوكبة الْغُرَاب، وَأَن بَين الشراسيف، أَرَادَ بذلك كوكبة الشجاع بَين الْفَرد وَبَين كوكبه الْغُرَاب الَّتِي تسمى عرش السماك وَهِي أحد عشر كوكباً على مثلث على جنوب كوكبة الْغُرَاب، وَأحد الكوكبين الخارجين عَن الصُّورَة، وَهُوَ الثَّانِي مِنْهُمَا يخرج مِنْهُ سطر فِيمَا بَين كوكبه الخارجين والشجاع، وَبَين كوكبه الْأسد تسمى الْخَيل مَعَ الْكَوَاكِب النيرة الَّتِي تقع فِي السطر من كوكبة الْأسد مَعَ الْبَقِيَّة من كوكبة الشجاع وَالْكَوَاكِب الصغار الَّتِي فِي أَثْنَائِهَا، تسمى أفلاء الْخَيل، وَفِي خلالها كوكبة الباطئة بَين الْفَرد وَبَين كوكبة الْغُرَاب يُسمى المعلف. وكواكب الشجاع فِي السرطان والأسد والسنبلة. كوكبة الباطئة هِيَ سَبْعَة كواكب على شمال كوكبة الشجاع وَالْعرب تسميها المعلف، وَهِي السنبلة. كوكبة الْغُرَاب: سَبْعَة كواكب خلف الباطئة وعَلى جنوب السماك الأعزل وَالْعرب تسميها عجز الْأسد، فتزعم أَن الْقَمَر رُبمَا قصر فَنزل بعجز الْأسد، وتسميها أَيْضا عرش السماك الأعزل، وتسميها الْأَحْمَال أَيْضا والخبأ، وَهِي فِي السنبلة. كوكبة القنطورس وَهِي حَيَوَان مقدمه مقدم إِنْسَان من رَأسه إِلَى آخر ظَهره، ومؤخره مُؤخر فرس، من منشأ ظَهره إِلَى ذَنبه على جنوب كوكبة الْمِيزَان وَجهه إِلَى الشرق، ومؤخر الدَّابَّة إِلَى الْمغرب. وكواكبه سَبْعَة وَثَلَاثُونَ كوكباً. كوكبة السَّبع: وَهِي ثَمَانِيَة عشر كوكباً خلف كوكبة قنطورس وَبَعضهَا مختلطة بهَا، وَالْعرب تسمى كواكب الصُّورَتَيْنِ جَمِيعًا الشماريخ، وَهِي تشبه الشماريخ لكثرتها وكثافة جمعهَا، ويسمون النير الَّذِي على طرف الْيَد الْيُمْنَى من
(6/212)

الدَّابَّة، مَعَ النير الَّذِي على ركبة الْيَد الْيُسْرَى مِنْهَا حضار وَالْوَزْن ويسمونها محلفين، لِأَن الْمُتَقَدّم مِنْهُمَا يمر على مجْرى سُهَيْل أَو قريب مِنْهُ، فَإِذا طلع أَحدهمَا يُشبههُ من رَآهُ بسهيل فَيَقُول إِنَّه سُهَيْل، وَيَرَاهُ غَيره فيعرفه فَيَقُول لَيْسَ بسهيل فيتحالفان فَيحنث أَحدهمَا. وَلم يذكر أَن أَيهمَا حضار وَأيهمَا الْوَزْن فَيجوز أَن يكون الْمُتَقَدّم حضار لأَنهم يبدأون بِهِ عِنْد ذكرهمَا، وكواكبه جَمِيعًا فِي الْمِيزَان وَالْعَقْرَب. كوكبة المجمرة سَبْعَة كواكب على جنوب الخرزة الرَّابِعَة وَالْخَامِسَة من ذَنْب الْعَقْرَب وَلم يذكر فِيهَا عَن الْعَرَب شَيْء وَهِي فِي الْقوس. كوكبة الإكليل الجنوبي ثَلَاثَة عشر كوكباً من الصُّورَة فِيمَا بَين النعامين، وَقَالُوا عَن الْعَرَب أَنَّهَا تسميها الْقبَّة لاستدارتها، وَزَعَمُوا أَنَّهَا أَسْفَل من شولة الْعَقْرَب، وَلَيْسَ هُنَاكَ كواكب مستديرة تشبه الْقبَّة غَيرهَا، وَذكر أَكْثَرهم أَن وَرَاء الْقبَّة الصردين، والصردان من كوكبة الرَّامِي أَحدهمَا على الْفَخْذ الْيُسْرَى من الدَّابَّة، وَهُوَ الصرد الْأَعْلَى وَالْآخر على سَاقه الْيُمْنَى، وَقَالَ آخَرُونَ أَنَّهَا تسمى أدحى النعام وَهُوَ عشه، لِأَنَّهَا على جنوب النعائم الصَّادِر والوارد وَهِي فِي الْقوس. كوكبه الْحُوت الجنوبي: أحد عشر كوكباً من الصُّورَة على جنوب كوكبة الدالي رَأسه إِلَى الْمشرق، وذنبه إِلَى الْمغرب، وَالْعرب تسمي الَّذِي على فَم الضفدع الأول الظليم وَهُوَ المُشْتَرِي بَينه ويبن كوكبة الدالي، وَهُوَ على آخر يم المَاء. هَذَا آخر الصُّور. مِمَّا كَانَت تَقوله الْعَرَب: كَانُوا يَقُولُونَ: أَن الدبران خطب الثريا وَأَرَادَ الْقَمَر أَن يُزَوجهُ فَأَبت عَلَيْهِ، وَوَلَّتْ عَنهُ، وَقَالَت للقمر: مَا أصنع بِهَذَا السبروت الَّذِي لَا مَال لَهُ؟ فَجمع الدبران قلاصه ليتزوج بهَا، فَهُوَ يتبعهَا حَيْثُ تَوَجَّهت بسوق صَدَاقهَا، قَالَ من يعنون القلاص ويزعمون أَن الجدي قتل نعشاً فبناته تدرن بِهِ تريده، وَأَن سهيلاً خطب الجوزاء فركضته برجلها، فَطَرَحته حَيْثُ هوى، وضربها هُوَ بِالسَّيْفِ فَقطع وَسطهَا.؟
(6/213)

الْبَاب السَّادِس أسجاع الكهنة
تحاكم عبد الْمطلب بن هِشَام وَبَنُو ثَقِيف إِلَى عزي سَلمَة الكاهن، فِي مَاء بِالطَّائِف يُقَال لَهُ ذُو الْهَرم فجَاء الثقفيون فاحتفروه فخاصمهم عبد الْمطلب إِلَى عزي وخبأوا لَهُ رَأس جَرَادَة فِي خرزة مزادة وجعلوه فِي قلادة كلب لَهُم يُقَال لَهُ سوار، فَلَمَّا وردوا عَلَيْهِ قَالَ: حَاجَتكُمْ؟ فَقَالُوا لَهُ: خبأنا لَك خبيئاً فأنبئنا عَنهُ أَولا. فَقَالَ: خبأتم لي شَيْئا طَار فسطع، فتصوب فَوَقع، فِي الأَرْض مِنْهُ بقع. قَالُوا: لاده، أَي بَينه. قَالَ هُوَ شَيْء طَار، فاستطار، ذُو ذَنْب جرار، وساقِ كالمنشار، وَرَأس كالمسمار فَقَالُوا: لاده، قَالَ: إِن لاده فلاده، هُوَ رَأس جَرَادَة فِي خرز مزادة فِي عنق سوار ذِي القلادة قَالُوا: صدقت. وانتسبوا لَهُ، وَقَالُوا: أخبرنَا فِيمَا اختصمنا إِلَيْك؟ قَالَ: أَحْلف بالضياء وَالظُّلم، وَالْبَيْت وَالْحرم، أَن الدفين ذَا الْهَرم، للقرشي ذِي الْكَرم، فَغَضب الثقفيون وَقَالُوا: اقْضِ لأرفعنا مَكَانا، وأعظمنا جفانا، وأشدنا طعانا، فَقَالَ عبد الْمطلب: اقْضِ لصَاحب الْخيرَات الْكبر، وَلمن كَانَ سيد مُضر، ولساقي الحجيج إِذا كثر. فَقَالَ الكاهن: إِن مقالي فَاسْمَعُوا شَهَادَة: إِن بني النَّضر كرام سادة، من مُضر الْحَمْرَاء ذِي القلادة، أهل سناء مُلُوك قادة، زِيَارَة الْبَيْت لَهُم عبَادَة. ثمَّ قَالَ: إِن ثقيفاً عبد من قيس فَأعتق فولد فأبق، فَلَيْسَ لَهُ فِي النّسَب من حق. دَعَا أُميَّة بن عبد شمس، هَاشم بن عبد منَاف إِلَى المنافرة فَقَالَ هَاشم: فَإِنِّي أنافره على خمسين نَاقَة سود الحدق ننحرها بِمَكَّة، أَو الْجلاء عَن مَكَّة عشر
(6/214)

سِنِين، فَرضِي أُميَّة، وَجعلا بَينهمَا الْخُزَاعِيّ الكاهن، وخرجا إِلَيْهِ، ومعهما جمَاعَة من قومهما، فَقَالُوا: خبأنا خبيئاً فَإِن أَصَابَهُ تحاكمنا ليه، وَإِن لم يصبهُ تحاكمنا إِلَى غَيره، فوجدوا أَبَا همهمة، وَكَانَ مَعَهم أطباق جمجمة، فَأَمْسكهَا مَعَه، ثمَّ أَتَوا الكاهن فأناخوا بِبَابِهِ وَكَانَ منزله بعسفان فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا قد خبأنا لَك خبيئاً فأنبئنا عَنهُ، فَقَالَ: أَحْلف بالضوء والظلمة، وَمن بتهامة من تُهْمَة، وَمَا بِنَجْد من أكمة، لقد خبأتم لي أطباق جمجمة، مَعَ البلندح أبي همهمة. قَالُوا: صدقت. احكم بَين هَاشم بن عبد منَاف وَبني أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف، أَيهمَا أشرف بَيْتا ونسباً ونفساً؟ فَقَالَ: وَالْقَمَر الباهر، والكوكب الزَّاهِر، والغمام الماطر، وَمَا بالجو من طَائِر، وَمَا اهْتَدَى بِعلم مُسَافر، من منجد وغائر، لقد تسبق هَاشم أُميَّة إِلَى المآثر، أول مِنْهُ وَآخر، فَأخذ هَاشم الْإِبِل ونحرها وأطعمها من حضر، وَخرج أُميَّة إِلَى الشَّام فَأَقَامَ بهَا عشر سِنِين، فَيُقَال إِنَّهَا أول عَدَاوَة بَين بني هَاشم، وَبَين أُميَّة. كَانَت سعدى بنت كريز بن ربيعَة قد تطرقت وتكهنت، وَهِي خَالَة عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ، رُوِيَ عَن عُثْمَان أَنه قَالَ: لما زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ابْنَته رقية من عتبَة بن أبي لَهب، وَكَانَت ذَات جمال رائع، دخلتني الْحَسْرَة أَو كالحسرة، أَلا أكون سبقت إِلَيْهَا، ثمَّ لم ألبث أَن انصرفت إِلَى منزلي فألقيت خَالَتِي، فَلَمَّا رأتني قَالَت: اُبْشُرْ وحييت ثَلَاثًا تترى ... ثمَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا أُخْرَى ثمَّ بِأُخْرَى كي تتمّ عشرا ... أَتَاك خيرٌ، ووقيت شرا نكحت وَالله حصانا زهرا ... وَأَنت بكر وَلَقِيت بكرا وافيتها بنت نفيسٍ قدرا ... بنت نَبِي قد أشاد ذكرا قَالَ عُثْمَان: فعجبت من قَوْلهَا، وَقلت: مَا تَقُولِينَ؟ فَقَالَت: عُثْمَان يَا ابْن أُخْتِي يَا عُثْمَان ... لَك الْجمال وَلَك الْبَيَان
(6/215)

هَذَا نَبِي مَعَه الْبُرْهَان ... أرْسلهُ بِحقِّهِ الديَّان وجاءه التَّنْزِيل وَالْفرْقَان ... فَاتبعهُ لَا تحتالك الْأَوْثَان فَقلت: يَا خَالَة، إِنَّك لتذكرين مَا قد وَقع ذكره فِي بَلْدَتنَا فاثبتيه لي، فَقَالَت: إِن مُحَمَّد بن عبد الله رَسُول من عِنْد الله جَاءَ بتنزيل الله، يَدْعُو إِلَى الله، مصباحه مصباحٌ، وَقَوله صلاحٌ، وَدينه فلاحٌ، وَأمره نجاح، وقرنه نطاح، ذلت لَهُ البطاح، مَا ينفع الصياح، لَو وَقع الذباح، وسلت الصفاح وَمَرَّتْ الرماح، قَالَ: ثمَّ قَامَت فَانْصَرَفت وَوَقع كَلَامهَا فِي قلبِي، وَجعلت أفكر فِيهِ. وَذكر بعد ذَلِك إِسْلَامه وتزويجه برقية، فَكَانَ يُقَال: أحسن زوج رقية وَعُثْمَان فَقيل فيهمَا: أحسن زوج رَآهُ إِنْسَان، رقية وزوجه عُثْمَان. وروى الْمَدَائِنِي: أَن قُريْشًا وثقيفاً اخْتَصَمُوا فِي أَرض، فَجعلت ثَقِيف أمرهَا إِلَى كدام أَو كلدة، وَقَامَ لقريش عبد الْمطلب، فَقَالَ الثَّقَفِيّ لعبد الْمطلب: أَنا فرك فأينا نفر فَالْمَال لأَصْحَابه، وتراضوا بسطيح، فَخَرجُوا وخبأوا لَهُ عين جَرَادَة، فِي خرزة مزادة، فَسَارُوا سبعا، فَلَمَّا أَتَوْهُ قَالَ: لقد سِرْتُمْ سيراً بلغ زعزعة، وَوضع حَتَّى تدليتم النَّقْع فِي آخر السَّبع، قَالُوا: صدقت. قَالَ: إِن شِئْتُم أَخْبَرتكُم قَالُوا: قد شِئْنَا. قَالَ: طَار فسطع، فصاح فضبح، وامتلأ فنضح، قَالُوا: زه، زهٍ، زهٍ. فَقَالَ الثَّقَفِيّ: احكم لأشدنا ضراباً، وأكثرنا أعتابا، وأفضلنا وطابا. فَقَالَ عبد الْمطلب: أحكم لأكرمنا فعالاً، وأكثرنا ضيفاناً، وأعظمنا جفاناً، قَالَ سطيح: وَالسَّمَاء وَالْأَرْض، وَمَا بَينهمَا من جدد ودحض، لعبد الْمطلب أولى بِكُل خفض وَرفع، وضر ونفع. وَذكر أَن بني كلاب وَبني ربَاب من بني نضر خاصموا عبد الْمطلب فِي مَال قريب من الطَّائِف، فَقَالَ عبد الْمطلب: المَال مَالِي، فسلوني أعطكم، قَالُوا: لَا. قَالَ: فَاخْتَارُوا حَاكما. قَالُوا: ربيعَة بن حذار الْأَسدي، فتراضوا بِهِ، وعقلوا مائَة نَاقَة فِي الْوَادي وَقَالُوا: من حكم لَهُ، فالإبل وَالْمَال لَهُ، وَخَرجُوا، وَخرج مَعَ عبد الْمطلب حَرْب بن أُميَّة: فَلَمَّا نزلُوا ربيعَة، بعث إِلَيْهِم بجزائر فنحرها عبد
(6/216)

الْمطلب وَأمر فَصنعَ جزوراً وَأطْعم من أَتَاهُ، وَنحر الكلابيون والنضريون ووشقوا، فَقيل لِرَبِيعَة فِي ذَلِك فَقَالَ: أَن عبد الْمطلب امْرُؤ من ولد خُزَيْمَة فَمَتَى يملق يصله بَنو عَمه، وَأرْسل إِلَيْهِم أَن اخبأوا لي خبئاً فَقَالَ عبد الْمطلب: خبأت كَلْبا اسْمه سوار وَفِي عُنُقه قلادة، فِي خرزة مزادة، وضممتها بِعَين جَرَادَة. فَقَالَ الْآخرُونَ: قد رَضِينَا بِمَا خبأت، وَأَرْسلُوا إِلَى ربيعَة، فَقَالَ: خبأتم خبيئاً حَيا. قَالُوا: زد، قَالَ: ذُو برثنٍ أغبر، وبطن أَحْمَر، وَظهر أنمر، قَالُوا: قربت، قَالَ: سما فسطع، ثمَّ هَبَط فلطع، فَترك الأَرْض بلقع. قَالُوا. قربت، فطبق، قَالَ: عين جَرَادَة، فِي خرزة مزادة، فِي عنق سوار ذِي القلادة، قَالُوا: زهٍ زهٍ! أصبت، فاحكم لأشدنا طعاناً، وأوسعنا مَكَانا. قَالَ عبد الْمطلب: أحكم لأولانا بالخيرات، وأبعدنا عَن السوءات، وَأَكْرمنَا أُمَّهَات. قَالَ ربيعَة: والغسق والشفق، والخلق الْمُتَّفق، مَا لبني كلاب وَبني ربَاب من حق، فَانْصَرف يَا عبد الْمطلب على الصَّوَاب، وَلَك فصل الْخطاب، فوهب عبد الْمطلب المَال لِحَرْب بن أُميَّة. جلس نفر من قُرَيْش فتحدثوا فَقَالَ أَبُو ربيعَة بن المغير. لَيْسَ فِي قُرَيْش كرجال ابْن مَخْزُوم، منا عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم وَفُلَان. فَقَالَ أسيد: إِلَيْك، بَنو قصي أشرف، فتداعوا إِلَى المنافرة فَقَالَ أسيد. إِن نافرتك أخرجتك من مَالك، وَإِن نافرتني فلك مَالِي. فتراضوا بالكاهن الْخُزَاعِيّ فَقَالَ فقيم بن أبي همهمة، مهلا يَا ربيعَة، فَأتى، وَخَرجُوا وَسَاقُوا إبِلا يَنْحَرهَا المنفر، فوجدوا فِي طريقهم حمامة وثمامة، فَأَخَذُوهَا ودفعوها إِلَى أُسَامَة عبد أبي همهمة فَجَعلهَا فِي ريش ظليم، فَقَالُوا للكاهن: مَا خبأنا؟ قَالَ: أما وغمامة تتبعها عِمَامَة، فَوَقَعت بِأَرْض تهَامَة، فطفا من وبلها كل طلح، لقد خبأتم لي فرخ حمامة أَو أُخْتهَا يمامة، فِي زف عِمَامَة، مَعَ غلامكم أُسَامَة، وَقَالُوا: احكم. فَقَالَ: أما وَرب الواطدات
(6/217)

الشم، والجراول السود الصم، إِن أسيداً لَهو الْخصم، لَا يُنكر الْفضل لَهُ فِي الْقَمَر، أما وَرب السَّمَاء وَالْأَرْض، مَا لَاحَ لناظر، لقد سبق أسيد أَبَا ربيعَة بِغَيْر مراء. قَالُوا: فَقضى بِالْفَضْلِ لمخزوم فَقَالَ: أما وَرب العاديات الضبح، مَا يعدل الْحر بِعَبْدِهِ مفشح، بِمن أحل قومه بِالْأَبْطح، فَنحر أسيد وَرَجَعُوا فَأخذ مَال أبي ربيعَة، وَكَانَت أُخْت أسيد عِنْد أبي جهل فكلموها، فكلمت أخاها فَرد مَاله. ذكر الْأَصْمَعِي أَن هنداً كَانَت عِنْد الْفَاكِه بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي وَكَانَ لَهُ بَيت ضِيَافَة يَغْشَاهُ النَّاس فيدخلونه من غير إِذن، فَخَلا ذَلِك الْبَيْت يَوْمًا واضطجع فِيهِ الْفَاكِه وَهِنْد، ثمَّ قَامَ الْفَاكِه فَترك هنداً لأمر عرض لَهُ، فَأقبل رجل مِمَّن كَانَ يغشى الْبَيْت فولجه فَلَمَّا رأى الْمَرْأَة نَائِمَة ولى هَارِبا، فأبصر الْفَاكِه، فَإِذا رجل قد خرج من الْبَيْت فَأقبل الْفَاكِه إِلَى هِنْد فَرَفعهَا بِرجلِهِ وَقَالَ: من هَذَا الَّذِي كَانَ عنْدك؟ فَقَالَت: مَا رَأَيْت أحدا وَلَا انْتَبَهت حَتَّى أنبهتني. فَقَالَ لَهَا: الحقي بأبيك. قَالَت: أفعل، وَمَضَت من فورها، وَتكلم النَّاس فِي ذَلِك فَقَالَ لَهَا أَبوهَا: يَا بنية، إِن النَّاس قد أَكْثرُوا فِيك الْكَلَام، فأخبريني بالقصة على الصِّحَّة، فَإِن كَانَ كَاذِبًا دسست إِلَيْهِ من يقْتله، فتنقطع القالة عَنْك فَحَلَفت أيمناً بِأَنَّهُ لَكَاذِب عَلَيْهَا، فَقَالَ عتبَة للفاكه: إِنَّك قد رميت ابْنَتي بِأَمْر عَظِيم فَهَل لَك فِي أَن تحاكمني إِلَى بعض الْحُكَّام؟ فَخرج الْفَاكِه فِي جمَاعَة من بني مَخْزُوم، وَخرج عتبَة فِي جمَاعَة من بني عبد منَاف، وَخرج مَعَه هنداً ونسوة مَعهَا يهْدُونَ بعض الكهنة، فَلَمَّا شارفوا بِلَاد الكاهن، تنكرت حَال هِنْد وَتغَير لَوْنهَا، وَرَأى ذَلِك أَبوهَا فَقَالَ لَهَا: يَا بنية، إِنِّي أرابني مَا بك، وَمَا ذَاك إِلَّا لمكروه عَنْك، فَهَلا كَانَ هَذَا من قبل أَن يشهر عِنْد النَّاس سرنا؟ قَالَت: يَا أَبَت وَالله مَا الَّذِي رَأَيْت مني لمكروه، وَلَكِنِّي أعلم أَنكُمْ تأتون بشرا يُخطئ ويصيب، فَلَا آمن أَن يسمني ميسماً يكون على عاراً فِي الْعَرَب، قَالَ لَهَا: فَإِنِّي سأمتحنه قبل الْمَسْأَلَة بِشَيْء، وصفر لفرس لَهُ فأدلى ثمَّ أَخذ حَبَّة بر فَأدْخلهَا فِي إحليلة ثمَّ أوكى عَلَيْهَا بسير، وَتَركه حَتَّى إِذا وردوا على
(6/218)

الكاهن أكْرمهم وتحر لَهُم، فَلَمَّا أكلُوا قَالَ عتبَة إِنَّا قد جئْنَاك فِي أَمر وَقد خبأت لَك خبيئاً أختبرك بِهِ فَانْظُر مَا هُوَ فَقَالَ: تَمْرَة فِي كمرة، فَقَالَ لَهُ عتبَة؟ أُرِيد أبين من هَذَا. قَالَ: حَبَّة بر، فِي إحليل مهر. قَالَ: صدقت، فَانْظُر فِي أَمر هَؤُلَاءِ النسْوَة. فَجعل يدنو من إِحْدَاهُنَّ وَيضْرب كتفها وَيَقُول: انهضي، حَتَّى دنا من هِنْد. فَضرب على كتفها وَقَالَ: انهضي غير رسحاء وَلَا زَانِيَة، ولتلدن ملكا يُقَال لَهُ مُعَاوِيَة: فَوَثَبَ إِلَيْهَا الْفَاكِه، فَأخذ بِيَدِهَا وَقَالَ لَهَا: ارجعي إِلَى بَيْتك، فنترت يَدهَا من يَده، وَقَالَت: إِلَيْك عني فوَاللَّه إِنِّي لأحرص أَن يكون من غَيْرك، فَتَزَوجهَا أَبُو سُفْيَان فَجَاءَت بِمُعَاوِيَة. خرج خَمْسَة نفرٍ من طَيئ من ذَوي الحجا والرأي، مِنْهُم برج بن مسْهر، وَهُوَ أحد المعمرين، وأنيف بن حَارِثَة بن لأم، وَعبد الله بن الحشرج أَبُو حَاتِم طَيء، وعارق الشَّاعِر وَمرَّة بن عبد رَضِي، يُرِيدُونَ سَواد بن قَارب الدوسي، ليمتحنوا علمه، فَلَمَّا قربوا من السراة، قَالُوا: ليخبأ كل رجل مِنْكُم خبيئاً، وَلَا يخبر بِهِ صَاحبه، لنسأله عَنهُ، فَإِن أصَاب عرفنَا علمه، وَإِن أَخطَأ ارتحلنا عَنهُ، فخبأ كل وَاحِد مِنْهُم خبيئاً ثمَّ صَارُوا إِلَيْهِ، فأهدوا لَهُ إبِلا وطرفاً من طرف الْحيرَة، فَضرب عَلَيْهِم قبَّة، وَنحر لَهُم، فَلَمَّا مَضَت ثَلَاث دَعَا بهم فَدَخَلُوا عَلَيْهِ. فَتكلم برج - وَكَانَ أسنهم - فَقَالَ: جادك السَّحَاب، وأمرع لَك الجناب، وضفت عَلَيْك النعم الرغاب، وَنحن أولو الآكال والحدائق والأغيال وَالنعَم الجفال، وَنحن أَصْهَار الْأَمْلَاك، وفرسان العراك. يورى عَنهُ أَنهم من بكر بن وَائِل، فَقَالَ سَواد: وَالسَّمَاء وَالْأَرْض، والغمر والبرض وَالْفَرْض وَالْقَرْض، إِنَّكُم لأهل الهضاب الشم، والنخيل الْعم، والصخور
(6/219)

الصم، من أجأ العيطاء، وسلمى ذَات الرَّقَبَة السطعاء. قَالُوا: إِنَّا كَذَلِك، وَقد خبأ كل وَاحِد منا خبيئاً لتخبره باسمه وخبيئته فَقَالَ لبرج: أقسم بالضياء والحلك، والنجوم والفلك، والشروق والدلك، لقد خبأت برثن فرخ، فِي إعليط مرخ، تَحت آسرة الشرخ قَالَ: مَا أَخْطَأت شَيْئا، فَمن أَنا؟ قَالَ: أَنْت برج بن مسْهر، عصرة الممعر وثمال المحجر. ثمَّ قَامَ أنيف بن حَارِثَة فَقَالَ: مَا خبيئ وَمَا اسْمِي؟ فَقَالَ سَواد: والسحاب وَالتُّرَاب، والأصباب والأحداب، وَالنعَم والكثاب، لقد خبأت قطامة فسيط، وقذة مريط، فِي مَدَرَة من مدى مطيط. قَالَ: مَا أَخْطَأت شَيْئا فَمن أَنا؟ قَالَ أَنْت أنيف، قاري الضَّيْف، ومعمل السَّيْف، وخالط الشتَاء بالصيف ثمَّ قَامَ عبد الله بن سعد، فَقَالَ: مَا خبيئي؟ وَمن أَنا؟ فَقَالَ سَواد: أقسم بالسوام العازب، والوقير الكارب، وَالْمجد الرَّاكِب، والمشيح الحارب، وَلَقَد خبأت نفاثة فنن، فِي قطيع قد مرن، أَو أَدِيم قد جرن. قَالَ: مَا أَخْطَأت، فَمن أَنا؟ قَالَ: أَنْت ابْن سعد النوال، عطاؤك سِجَال، وشرك عضال وعمدك طوال، وبيتك لَا ينَال. ثمَّ قَامَ عارق، فَقَالَ: مَا خبيئ وَمَا اسْمِي؟ قَالَ: أقسم بنفنف اللَّوْح، وَالْمَاء المسفوح، والفضاء
(6/220)

المندوح، لقد خبأت زَمعَة طلاً أعفر، فِي زعنفة أَدِيم أَحْمَر، تَحت حلْس نضوٍ أدبر، قَالَ: مَا أَخْطَأت شَيْئا فَمن أَنا؟ قَالَ: أَنْت عارق ذُو اللِّسَان العضب، وَالْقلب النّدب ومضاء الغرب، ومناع السرب، ومبيح النهب، ثمَّ قَامَ مرّة فَقَالَ: مَا خبيئ وَمَا اسْمِي؟ فَقَالَ سَواد: أقسم بِالْأَرْضِ وَالسَّمَاء، والبروج والأنواء، والظلمة والضياء لقد خبأت دمة فِي رمة، تَحت مشيط لمة، قَالَ، مَا أَخْطَأت. فَمن أَنا؟ قَالَ: أَنْت مرّة، السَّرِيع الكرة، البطيء الفرة، الشَّديد الْمرة، قَالُوا: فَأخْبرنَا بِمَا رَأينَا فِي طريقنا إِلَيْك، فَقَالَ: والناظر من حَيْثُ لَا يرى، وَالسَّامِع قبل أَن يُنَاجِي، والعالم بِمَا لَا يدْرِي، لقد عنت لكم عِقَاب عجزاء، فِي شغانيب دوحة جرداء، تحمل جدلاً، فتماريتم إِمَّا يدا وَإِمَّا رجلا، فَقَالُوا: كَذَلِك، ثمَّ مَه؟ قَالَ: سنح لكم قبل طُلُوع الشرق، سيد أمق على مَاء طرق قَالُوا: ثمَّ مَاذَا؟ فَقَالَ: تَيْس أفرق، سَنَد فِي أبرق، فَرَمَاهُ الْغُلَام الْأَزْرَق، فَأصَاب بَين الوابلة والمرفق قَالُوا: صدقت وَأَنت أعلم من تحمل الأَرْض، ثمَّ انصرفوا فَقَالَ عارق: أَلا لله علم لَا يجاري ... إِلَى الغايات، فِي جَنْبي سَواد وَهِي أَبْيَات.
(6/221)

الْبَاب السَّابِع أوابد الْعَرَب
كَانَ الرجل مِنْهُم إِذا بلغت إبِله مائَة عمد الْبَعِير الَّذِي أمات بِهِ مائَة فأغلق ظَهره لِئَلَّا يركب، وليعلم أَن صَاحبه ممءٍ، حمى ظَهره، وإغلاق ظَهره: أَن تنْزع سناسن فقرته، ويعقر سنامه، وَالْفِعْل: تَعْنِي وَهُوَ معنى معني، قَالَ الفرزدق: علوتك بالمفقئ وَالْمعْنَى ... وَبَيت المحتبي والخافقات التعمية والتفقئة كَانَ الرجل إِذا بلغت إبِله ألفا فَقَأَ عين الْفَحْل، يَقُول: إِن ذَلِك يدْفع عَنْهَا الْعين والغارة وَهِي التفقئة قَالَ: وهبتها وَأَنت ذُو امتنان ... تفقأ فِيهَا أعين البعران فَإِذا زَادَت الْإِبِل على الْألف عموه بِالْعينِ الْأُخْرَى وَهِي التعمية قَالَ الشَّاعِر ينعي عَلَيْهِم ذَلِك: فَكَانَ شكر الْقَوْم عِنْد المنن ... كي الصحيحات وفقء الْأَعْين عقد الرتم
(6/222)

كَانَ الرجل إِذا أَرَادَ سفرا عمد إِلَى شَجَرَة، فعقد غصناً من أَغْصَانهَا بآخر، فَإِن رَجَعَ وَرَآهُ معقوداً زعم أَن امْرَأَته لم تخنه: وَإِن رَآهُ محلولاً زعم أَنَّهَا قد خانته، قَالَ الشَّاعِر: هَل ينفعنك الْيَوْم إِن هَمت بهم ... كَثْرَة مَا توصي وتعقاد الرتم؟ خانته لما رَأَتْ شَيْئا بمفرقه ... وغره حَلفهَا وَالْعقد للرتم ذبح العتائر كَانَ الرجل مِنْهُم يَأْخُذ الشَّاة وَتسَمى العتيرة والمعتورة فيذبحها، وَيصب دَمهَا على رَأس الصَّنَم، وَذَلِكَ يَفْعَلُونَهُ فِي رَجَب، والعتر قيل هُوَ مثل الذّبْح وَقيل هُوَ للصنم الَّذِي يعتر لَهُ. قَالَ الطرماح: فَخر صَرِيعًا مثل عاترة النّسك أزاد بالعاترة الشَّاة المعتورة. ذبح الظباء كَانَ الرجل ينذر أَنه إِذا بلغت إبِله أَو غنمه مبلغا مَا ذبح عَنْهَا كَذَا، فَإِذا بلغت ضن بهَا، وَعمد إِلَى الظباء يصطادها وَفَاء بِالنذرِ ويذبحها، قَالَ الشَّاعِر: عنتاً بَاطِلا وزوراً كَمَا يع؟ ... تَرَ عَن حجرَة الربيض الظباء كي السَّلِيم عِنْد الجرب
(6/223)

زَعَمُوا أَن الْإِبِل إِذا أَصَابَهَا العر فَأخذُوا الصَّحِيح كووه، زَالَ العر عَن السقيم. قَالَ النَّابِغَة: لكلفتني ذَنْب امرئٍ وَتركته ... كذي العر يكوي غَيره وَهُوَ راتع وَيُقَال أَنهم يَفْعَلُونَ ذَلِك وَيَقُولُونَ نؤمن مَعَه الْعَدْوى. ضرب الثور ليشْرب الْبَقر كَانُوا إِذا امْتنعت الْبَقر عَن شرب المَاء ضربوا الثور، وَزَعَمُوا أَن الْجِنّ تركب الثيران، فتصد الْبَقر عَن الشّرْب. قَالَ الْأَعْشَى:؟ وَإِنِّي وَمَا كلفتماني وربكم ليعلم من أَمْسَى أعق وأحربا لكا لثور والجني يضْرب ظَهره ... وَمَا ذَنبه أَن عافت المَاء مشربا؟ وَمَا ذَنبه أَن عافت المَاء باقر ... وَمَا إِن تعاف المَاء إِلَّا ليضربا وَقَالَ آخر: كَذَاك الثور يضْرب بالهراوي ... إِذا مَا عافت الْبَقر الظماء عقد السّلع وَالْعشر كَانُوا إِذا استمطروا يَعْمِدُونَ إِلَى الْبَقر، ويعقدون فِي أذنابها السّلع وَالْعشر يضرمون فِيهَا النَّار، ويصعدونها فِي الْجَبَل، ويزعمون أَنهم يمطرون فِي الْوَقْت. قَالَ أُميَّة بِهِ أبي الصَّلْت:
(6/224)

ويشقون باقر السهل للطو ... د مهازيل خشيَة أَن تبورا عاقدين نيران فِي ثكن الأذ ... نَاب مِنْهَا لكَي تهيج البحورا سلعٌ مَا وَمثله عشرٌ مَا ... عائلٌ مَا وعالت البيقورا كَعْب الأرنب كَانُوا يعلقونه على أنفسهم، وَيَقُولُونَ: إِن من فعل هَذَا لم تصبه عين وَلَا سحر؛ وَذَلِكَ أَن الْجِنّ تهرب من الأرنب؛ لِأَنَّهَا لَيست من مطايا الْجِنّ، لِأَنَّهَا تحيض. قَالَ الشَّاعِر: وَلَا ينفع التعشير إِن حم واقعٌ ... وَلَا ودعٌ يُغني، وَلَا كَعْب أرنب وَقيل لزيد بن كثوة: أَحَق مَا يَقُولُونَ إِن من علق على نَفسه كَعْب الأرنب لم تقربه جنان الْحَيّ وعمار الدَّار؟ فَقَالَ: إِي وَالله وَلَا شَيْطَان الحماطة، وجان الْعَشِيرَة وغول القفر وكل الخوافي، إِي وَالله وتطفأ عَنهُ نيران السعالي. دَائِرَة المهقوع وَهُوَ الْفرس الَّذِي بِهِ الدائرة الَّتِي تسمى الهقعة، فيزعمون أَنه إِذا عرق تَحت صَاحبه اغتلمت حليلته وَطلبت الرِّجَال قَالَ: إِذا عرق المهقوع بِالْمَرْءِ أنعظت ... حليلته وازداد حرا عجانها السنام والكبد زَعَمُوا أَن الْإِنْسَان إِذا عشي ثمَّ قلي لَهُ سَنَام فَأَكله، وَكلما أكل لقْمَة مسح جفْنه الْأَعْلَى بسبابته وَقَالَ: يَا سَنَام:
(6/225)

يَا سناماً وكبد ... ليذْهب الهدبد لَيْسَ شفاءُ الهدبد ... إِلَّا السنام والكبد عوفي صَاحب الْعشي مِنْهُ. والهدابد: الْعشي. الطارف والمطروف ويزعمون أَن الرجل إِذا طرف عين صَاحبه فهاجت، فَمسح الطارف عين المطروف سبع مَرَّات وَقَالَ فِي كل مرّة: بِإِحْدَى جَاءَت من الْمَدِينَة، بِاثْنَتَيْنِ جاءتا من الْمَدِينَة، بِثَلَاث جئن من الْمَدِينَة إِلَى سبع، سكن هيجانها. بكاء الْمَقْتُول كَانَ النِّسَاء لَا يبْكين الْمَقْتُول إِلَى أَن يدْرك ثَأْره، فَإِذا أدْرك بكينه، قَالَ: من كَانَ مَسْرُورا بمقتل مالكٍ ... فليأت نسوتنا بِوَجْه نَهَار يجد النِّسَاء حواسراً يندبنه ... يلطمن حر الْوَجْه بالأسحار وَطْء المقاليت يَزْعمُونَ أَن الْمَرْأَة المقلات إِذا وطِئت قَتِيلا شريفاً بَقِي أَوْلَادهَا، قَالَ بشر بن أبي خازم: تظل مقاليت النِّسَاء يطأنه ... تقلن: أَلا يلقى على الْمَرْء مئزر؟ تَعْلِيق الْحلِيّ على السَّلِيم يَزْعمُونَ أَن السَّلِيم إِذا علق عَلَيْهِ الْحلِيّ أَفَاق فيلقون عَلَيْهِ الأسورة والرعاث
(6/226)

ويتركونها عَلَيْهِ سَبْعَة أَيَّام وَيمْنَع من النّوم. قَالَ النَّابِغَة: يسهد من نوم الْعشَاء سليمها ... لحلي النِّسَاء، فِي يَدَيْهِ قعاقع شقّ الرِّدَاء والبرقع زَعَمُوا أَن الْمَرْأَة إِذا أحبت رجلا أَو أحبها، ثمَّ لم تشق عَلَيْهِ رِدَاءَهُ، أَو يشق عَلَيْهَا برقعها، فسد حبهما، فَإِذا فعلا ذَلِك دَامَ حبهما. قَالَ: إِذا شقّ بردٌ شقّ بالبرد برقعٌ ... دواليك حَتَّى كلنا غير لابس فكم قد شققنا من رِدَاء محبر ... وَكم برقع عَن طفلة غير عانس رمي السن فِي الشَّمْس يَقُولُونَ إِن الْغُلَام إِذا أثغر فَرمى سنه فِي عين الشَّمْس بسبابته وإبهامه وَقَالَ: أبدليني بهَا أحسن مِنْهَا، ولتكن إياتك فِيهَا أَمن على أَسْنَانه العوج والقلح والنغل، قَالَ طرفَة: بدلته الشَّمْس من منبته ... بردا أَبيض مصقول الأشر قَالَ النَّابِغَة: سقته إياة الشَّمْس إِلَّا لثاته وَقَالَ أَبُو دؤاد:
(6/227)

ألقِي عَلَيْهِ إياة الشَّمْس أرواقا ذهَاب الخدر يَزْعمُونَ أَن الرجل إِذا خدرت رجله فَذكر أحب النَّاس إِلَيْهِ، ذهب عَنهُ الخدر. قَالَ كثير: إِذا خدر رجْلي دعوتك أشتفي ... بذكراك من مذل بهَا فيهون وَقَالَت امْرَأَة من كلاب: إِذا خدرت رجْلي ذكرت ابْن مصعبٍ ... فَإِن قلت: عبد الله! أجلى فتورها تراجع القلفة يَزْعمُونَ أَن من ولد فِي القمراء تراجعت قطعته فَكَانَ كالمختون، وَدخل امْرُؤ الْقَيْس مَعَ قَيْصر الْحمام فَرَآهُ أقلف فَقَالَ: إِنِّي حَلَفت يَمِينا غير كاذبةٍ ... أَنَّك أقلف إِلَّا مَا جنى الْقَمَر إِذا طعنت بِهِ مَالَتْ عمَامَته ... كَمَا تجمع تَحت الفلكة الْوَبر التعشير يَزْعمُونَ أَن الرجل إِذا أَرَادَ دُخُول قَرْيَة فخاف وباءها، فَوقف على بَابهَا قبل أَن يدخلهَا فعشر كَمَا ينهق الْحمار، ثمَّ دَخلهَا لم يصبهُ وباؤها. قَالَ عُرْوَة بن الْورْد: لعمري، لَئِن عشرت من خشيَة الردى ... نهاق الْحمير، إِنَّنِي لجزوع تَعْلِيق السن زَعَمُوا أَن الصَّبِي إِذا خيف عَلَيْهِ نظرة أَو خطفةٌ، فعلق عَلَيْهِ سنّ ثَعْلَب أَو
(6/228)

سنّ هرة أَو غير ذَلِك أَمن، فَإِن الجنية إِذا أَرَادَتْهُ لم تقدر عَلَيْهِ، فَإِذا قَالَ لَهَا صواحباتها فِي ذَلِك. قَالَت: كَانَت عَلَيْهِ نغرة. ثعالب وهرره. وَالْحيض حيض السمره. أعوان السّنة يزْعم أَنه قيل للسّنة أَنَّك مبعوثة، فَقَالَت: ابْعَثُوا معي أعواني: الحصبة والجدري وَالذِّئْب والضبع. حبس البلايا كَانُوا إِذا مَاتَ الْمَيِّت يشدون نَاقَته إِلَى قَبره، ويعكسون رَأسهَا إِلَى ذنبها، ويغطون رَأسهَا بوليةٍ - وَهِي البرذعة - فَإِن أفلتت لم ترد عَن مَاء وَلَا مرعى، ويزعمون أَنهم إِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِك ليرْكبَهَا صَاحبهَا فِي الْمعَاد ليحشر عَلَيْهَا كي لَا يحْتَاج أَن يمشي، قَالَ عَليّ أَبُو زبيد: كالبلايا رءوسها فِي الولايا ... مانحات السمُوم حر الخدود خُرُوج الهامة زَعَمُوا أَن الْإِنْسَان إِذا قتل وَلم يطْلب بثأره، خرج من رَأسه طَائِر يُسمى الهامة وَصَاح على قَبره: اسقوني {} اسقوني {} إِلَى أَن يطْلب بثأره، قَالَ ذُو الإصبع: يَا عَمْرو إِلَّا تدع شمي ومنقصتي ... اضربك حَتَّى تَقول الهامة: اسقوني! الحرقوص
(6/229)

دويبة أكبر من البرغوث يَزْعمُونَ أَنه يدْخل أحراح الأكابر فيفتضهن وأنشدوا: مَا لَقِي الْبيض من الحرقوص من مارد لص من اللُّصُوص يدْخل تَحت الغلق المرصوص بِمهْر لَا غالٍ وَلَا رخيص عض الصفر زَعَمُوا أَن الْإِنْسَان إِذا جَاع عض على شرسوفه حَيَّة، تكون فِي الْبَطن يُقَال لَهَا الصفر، قَالَ الشَّاعِر: لَا يتأرى لما فِي الْقدر يرقبه ... وَلَا يعَض على شرسوفه الصفر تَثْنِيَة الضَّرْبَة يَزْعمُونَ أَن الجنية تَمُوت من أول ضَرْبَة، فَإِذا ثنيت عاشت. قَالَ تأبط شرا: فَقَالَت: عد، فَقلت: رويداً ... إِنِّي على أَمْثَالهَا ثَبت الْجنان خِيَانَة الْقَيْن زَعَمُوا أَن عَمْرو بن شأس كَانَ غيوراً، ينزل ربوة من الأَرْض مُنْفَردا عَن النَّاس فطرق الْجِنّ لَيْلًا فأوجس مِنْهُم خيفة، ثمَّ تنحى عَنْهُم وَيسمع إِلَى مَا قَالُوا، فَقَالُوا: أما إِن مَحَله هَذَا على عين مَا، وَإِن فِي إبِله دويبة وَهِي دَاء إبِله، وَأَن أحد أَوْلَاده لَيْسَ لَهُ. فَلَمَّا أصبح ثاب إِلَيْهِ عقله فحفر الْموضع، فَوجدَ الْعين ثمَّ طلب الدويبة، فَوَجَدَهَا وقتلها ثمَّ فكر فَقَالَ: كَيفَ لي بتعرف خبر أَوْلَادِي؟ فَبينا هم
(6/230)

مَعَ عَمْرو فِي الصَّيْد حَتَّى طردوا النعام، وأصابه الصَّيْد، لجأوا إِلَى ظلّ شَجَرَة فَقَالَ لأَحَدهم: لماذا تصلح هَذِه الشَّجَرَة؟ فَقَالَ: لقوم كرام طردوا الصَّيْد نصف النَّهَار ثمَّ جَاءُوا إِلَيْهَا، وَقَالَ للْآخر مثله فَقَالَ: لِأَن تكسر فتبني مِنْهَا مظلة، فَقَالَ: هما ابناي. ثمَّ قَالَ للثَّالِث: لماذا تصلح هَذِه الشَّجَرَة؟ فَقَالَ: لِأَن تحرق فَتَصِير فحماً. فاتهمه فتسمى بَنو أَسد: القيون: وَقَالَ أَوْس بن حجر: بكرت أُميَّة غدْوَة برهين ... خانتك إِن الْقَيْن غير أَمِين وَقَول آخر: وعهد الغانيات كعهد قين تعفير الزند إِذا قَدَحُوا أخذُوا يعفرون رَأس الزند، يَقُولُونَ إِن ذَلِك يخرج ناره قَالَ الطرماح: وَأخرج أمه لسواس سلمى ... لمعفور الضبا ضرم الْجَنِين حيض الضبع يَقُولُونَ إِن الضبع تحيض، وَأَنَّهَا تنتاب جيف الْقَتْلَى، فتركب كمرها وتستعمله، وَقَالُوا فِي قَول الشَّاعِر مَعَاني، أَحدهَا: هَذَا: تضحك الضبع لقتلي هُذَيْل ... فترى الذِّئْب لَهَا يستهل خضاب النَّحْر
(6/231)

كَانُوا إِذا أرْسلُوا الْخَيل على الصَّيْد، فَسبق وَاحِد مِنْهَا، خضبوا صَدره بِدَم الصَّيْد عَلامَة لَهُ. قَالَ: كَأَن دمكاء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مرجل نصب الرَّايَة كَانَت العواهر تنصب على أَبْوَاب بيوتها رايات لتعرف بهَا، وَمن شتائمهم: يَا بن ذَات الرَّايَة! . دم الْأَشْرَاف يَقُولُونَ إِنَّه ينفع من عضة الْكَلْب، قَالَ: من الْبيض الْوُجُوه بني نمير ... دِمَاؤُهُمْ من الْكَلْب الشِّفَاء رمي البعرة كَانَت الْمَرْأَة إِذا أحدت على زَوجهَا سنة، وَكَانَ رَأس الْحول رمت ببعرة، وَمَعْنَاهُ: أَن هَذَا هَين وَمِنْه الْمثل السائر: " أَهْون من لقعة ببعرة ". ضَمَان أبي الْجَعْد وَهُوَ الذِّئْب قَالَ الراجز: أخْشَى أَبَا الْجَعْد وَأم العمرو يَعْنِي الذِّئْب والضبع، وضمانه أَن الْعَرَب تَقول: إِن الضبع إِذا هَلَكت وَكَانَت لَهُ جراء تكفل الذِّئْب بقوتها. قَالَ الْكُمَيْت:
(6/232)

وكما خامرت فِي حصنها أم عَامر ... لذِي الْحَبل حَتَّى عَال أَوْس عيالها معالجة الضبع كَانَ الرجل يَأْتِي وجارها وَمَعَهُ حَبل فيدخله وَيَقُول: خامري أم عَامر ابشري بشاءٍ هزلي، وجرادٍ عظلي. فتسكن حَتَّى يقيدها فَإِن رَأَتْ الضَّوْء قبل تقييدها، وَثَبت على الصَّائِد فَقتلته. رعية الجأب وَهُوَ الْحمار الوحشي يَقُولُونَ: إِنَّه يَعْلُو نشزا من الأَرْض مَعَ أتنه، مَال على الشَّمْس حَتَّى تغيب ثمَّ شرد؛ يفعل ذَلِك خشيَة القانص قَالَ: وظلت صَوَافِن خزر الْعُيُون ... إِلَى الشَّمْس من رهبة أَن تغيبا شرب العير يَزْعمُونَ أَن الْحمار إِذا ورد المَاء بالأتن تقدمها، فَخَاضَ المَاء من خوف الرماه، ثمَّ رشف المَاء رشفاً خَفِيفا، فَإِذا أَمن أَعلَى الجرع، فجئن إِلَيْهِ إِذا سمعن جرعه، قَالَ الشَّاعِر: فَلَمَّا رَمَاهَا بالنجار وأشرفت ... على راكد كالهدم سكانه الرأل ثناها بهمس الرشف حَتَّى قاربت ... وَأَعْلَى جرعاً، فاستجابت على مهل قطع المشافر كَانُوا إِذا سلكوا مفازةً جدباء أعطشوا الْإِبِل ثمَّ سقوها ريها، وَقَطعُوا مشافرها طولا فَلَا يُمكنهَا أَن ترعى، فَيبقى المَاء فِي أجوافها، فَإِذا أعوزهم المَاء، شَقوا الكرش بِالسَّيْفِ وَشَرِبُوا المَاء استقاء السَّيْف - يَعْنِي بِهِ - هَذَا هُوَ الْقطع. قَالَ الشَّاعِر:
(6/233)

ودويةٍ بهَا يخْشَى الردى ... وَلَيْسَ بهَا إِلَّا الْيَمَانِيّ مخلف المخلف: المسقي أَي لَا يستقى فِيهَا إِلَّا السَّيْف. التسويد كَانُوا يجْعَلُونَ الدَّم فِي الْمصير ويلقونه على النَّار ثمَّ يَأْكُلُونَهُ. التصفيق كَانُوا إِذا ضل مِنْهُم الرجل فِي الفلاة، قلب ثِيَابه، وَحبس نَاقَته، وَصَاح فِي أذنيها كَأَنَّهُ يُومِئ إِلَى إِنْسَان، وصفق بيدَيْهِ قَائِلا: الوحا الوحا، النجا النجا، هيكل، السَّاعَة السَّاعَة، إِلَيّ، إِلَيّ عجل، ثمَّ يُحَرك النَّاقة فتهتدي. قَالَ: وَأذن بالتصفيق من سَاءَ ظَنّه ... فَلم يدر من أَي الْيَدَيْنِ جوابها يَعْنِي: يسوء ظَنّه بِنَفسِهِ إِذا ضل. ضرب الْأَصَم يَزْعمُونَ أَن الْأَصَم يتشدد فِي الضَّرْب لِأَنَّهُ لَا يسمع شَيْئا فيظن أَنه قد قصر، قَالَ الشَّاعِر: فأوصيكما بطعان الكماة ... فقد تعلمان بِأَن لَا خلودا وَضرب الجماجم ضرب الْأَصَم ... حنكل شاته تجني هبيدا جز النواصي كَانُوا إِذا أَسرُّوا رجلا؛ ومنوا عَلَيْهِ وأطلقوه، جزوا ناصيته، ووضعوها فِي الكنانة، قَالَ الحطيئة:
(6/234)

قد ناضلوك فَسَلُوا من كنانتهم ... مجداً تليداً ونبلاً غير أنكاس وَقَالُوا يَعْنِي بِالنَّبلِ: الرِّجَال. وَقَالَت خنساء: جززنا نواصي فرسانهم ... وَكَانُوا يظنون أَلا تجزا الِالْتِفَات زَعَمُوا أَن من خرج من سفر فَالْتَفت وَرَاءه، وتطيروا لَهُ من ذَلِك سوى العاشق، فَإِنَّهُم كَانُوا يتفاءلون إِلَى ذَلِك، ليرْجع إِلَى من خلف. الْبحيرَة كَانَ أهل الْوَبر يقطعون لآلهتهم من أَمْوَالهم من اللَّحْم، وَأهل الْمدر يقطعون لَهَا من الْحَرْث، فَكَانَت النَّاقة إِذا أنجبت خَمْسَة أبطن عَمدُوا إِلَى الْخَامِس - مَا لم يكن ذكرا - فشقوا أذنها وتركوها فَتلك الْبحيرَة، فَرُبمَا اجْتمع مِنْهَا هجمة من الْبَحْر فَلَا يجز لَهَا وبر وَلَا يذكر عَلَيْهَا إِن ركبت اسْم الله، وَلَا يحمل عَلَيْهَا شَيْء، وَكَانَت أَلْبَانهَا للرِّجَال دون النِّسَاء. السائبة كَانَ يسيب الرجل الشَّيْء من مَاله، إِمَّا بَهِيمَة، وَإِمَّا إنْسَانا فَيكون حَرَامًا أبدا، مَنَافِعهَا للرِّجَال دون النِّسَاء. الوصيلة كَانَت الشَّاة إِذا وضعت سَبْعَة أبطن عَمدُوا إِلَى السَّابِع، فَإِن كَانَ ذكرا ذبح، وَإِن كَانَت أُنْثَى تركت فِي الشَّاء، فَإِن كَانَ ذكرا وَأُنْثَى قيل: وصلت أخاها فحرما جَمِيعًا. فَكَانَت مَنَافِعهَا، وَلبن الْأُنْثَى مِنْهَا للرِّجَال دون النِّسَاء. الحامي كَانَ الْفَحْل إِذا أدْرك أَوْلَاد أَوْلَاد أَوْلَاده، فَصَارَ وَلَده جدا، قَالُوا: حمى
(6/235)

ظَهره، اتركوه فَلَا يحمل عَلَيْهِ، وَلَا يركب وَلَا يمْنَع من مَاء وَلَا مرعى، فَإِذا مَاتَت هَذِه الَّتِي جعلوها لآلهتهم، اشْترك فِي أكلهَا الرِّجَال وَالنِّسَاء وَذَلِكَ قَول الله عز وَجل: " وَقَالُوا مَا فِي بطُون هَذِه الْأَنْعَام خَالِصَة لذكورنا ومحرم على أَزوَاجنَا وَإِن يكن ميتَة فهم فِيهِ شُرَكَاء ". وَأما أهل الْمدر والحرث كَانُوا إِذا حرثوا حرثاً، وغرسوا غرساً، خطوا فِي وَسطه خطا، فقسموه بَين اثْنَيْنِ، فَقَالُوا: مَا دون هَذَا الْخط لآلهتهم، وَمَا وَرَاءه لله. فَإِن سقط مِمَّا جعلُوا لآلهتهم أَقروهُ، وَإِذا أرْسلُوا المَاء فِي الَّذِي لآلهتهم فانفتح فِي الَّذِي سموهُ لله سدوه، وَإِن انْفَتح من ذَاك فِي هَذَا قَالُوا: اتركوه فَإِنَّهُ فَقير إِلَيْهِ. فَأنْزل الله عز وَجل: " وَجعلُوا لله مِمَّا ذَرأ من الْحَرْث والأنعام نَصِيبا، فَقَالُوا: هَذَا لله بزعمهم وَهَذَا لشركائنا، فَمَا كَانَ لشركائهم فَلَا يصل إِلَى الله، وَمَا كَانَ لله فَهُوَ يصل إِلَى شركائهم، سَاءَ مَا يحكمون ". الأزلام كَانُوا إِذا كَانَت مداراة أَو نِكَاح أَو أَمر يريدونه، فَلَا يَدْرُونَ مَا الْأَمر فِيهِ، وَلم يَصح لَهُم، أخذُوا قداحاً لَهُم فِيهَا افْعَل، وَلَا تفعل، وَنعم، لَا، خير، شَرّ، بطيء، سريع أما المداراة فَإِن قداحها كَانَت بيضًا لَيْسَ فِيهَا شَيْء، كَانُوا يجيلونها، فَمن خرج سَهْمه فَالْحق لَهُ، وللحضر وَالسّفر سَهْمَان فَيَأْتُونَ السادن من سدنة الْأَوْثَان فَيَقُول السادن: اللَّهُمَّ أَيهمَا كَانَ خيرا فَأخْرجهُ لفُلَان: فيرضى بِمَا خرج لَهُ. وَإِذا شكوا فِي نسب الرجل أجالوا لَهُ القداح وفيهَا: صَرِيح وملصق فَإِن خرج الصَّرِيح ألحقوه بهم وَلَو كَانَ دعياً، وَإِن خرج الملصق نفوه وَإِن كَانَ صَرِيحًا، فَهَذِهِ قداح الاستقسام. الميسر أما الميسر فَإِن الْقَوْم كَانُوا يَجْتَمعُونَ فيشترون الْجَزُور بَينهم، فيفصلونها على عشرَة أَجزَاء ثمَّ يُؤْتى بالحرضه وَهُوَ رجل يتأله عِنْدهم، لم يَأْكُل لَحْمًا قطّ بِثمن فَيُؤتى بِالْقداحِ وَهِي أحد عشر قدحاً، سَبْعَة مِنْهَا لَهَا حَظّ إِن فازت، وعَلى
(6/236)

أَهلهَا غرم إِن خابت بِقدر مَالهَا من الْحَظ عِنْد الْفَوْز، وَأَرْبَعَة تثقل بهَا القداح، لاحظ لَهَا إِن فازت، وَلَا غرم عَلَيْهَا إِن خابت، فَأَما الَّتِي لَهَا الْحَظ: فأولها: الفدُّ، فِي صَدره حز وَاحِد، فَإِن خرج أَخذ نَصِيبا، وَإِن خَابَ غرم صَاحبه ثمن نصيب. ثمَّ التوءم لَهُ نصيبان إِن فَازَ، وَعَلِيهِ ثمن نَصِيبين إِن خَابَ. ثمَّ الضريب وَله ثَلَاثَة أنصباء. ثمَّ الحلس وَلها أَرْبَعَة. ثمَّ النافس وَله خَمْسَة. ثمَّ المسبل وَله سِتَّة. ثمَّ الْمُعَلَّى وَله سَبْعَة. وَأَسْمَاء الْأَرْبَعَة الَّتِي تثقل بهَا القداح: السفيح والمنيح والمضعف والمصدر. فَيُؤتى بِالْقداحِ كلهَا، وَقد عرف كل رجل مَا اخْتَار من السَّبْعَة، وَلَا تكون الأيسار إِلَّا سَبْعَة، لَا يكونُونَ أَكثر من ذَلِك، فَإِن نَقَصُوا رجلا أَو رجلَيْنِ فَأحب الْبَاقُونَ أَن يَأْخُذُوا مَا فضل من القداح فَيَأْخُذ الرجل الْقدح أَو القدحين فَيَأْخُذ فوزهما إِن فازا، أَو يغرم عَنْهُمَا إِن خابا ويدعى ذَلِك التتميم. قَالَ النَّابِغَة: إِنِّي أتمم أيساري وأمنحهم ... مثنى الأيادي، وأكسوا لجفنة الأدما فيعمد إِلَى القداح، فتشد مَجْمُوعَة فِي قِطْعَة جلد تسمى الربابة، ثمَّ يعمد إِلَى الحرضة فيلف على يَده الْيُمْنَى صنفة ثوب لِئَلَّا يجد مس قدح لَهُ فِي صَاحبه هوى فيحابيه فِي إِخْرَاجه، ثمَّ يُؤْتى بِثَوْب أَبيض يدعى المجول فيبسط بَين يَدي الحرضة، ثمَّ يقوم على رَأسه رجل يدعى الرَّقِيب وَيدْفَع ربابة القداح إِلَى الحرضة وَهُوَ محول الْوَجْه عَنْهَا، فيأخذها بِيَمِينِهِ، وَيدخل شِمَاله من تَحت
(6/237)

الثَّوْب، فينكز القداح بِشمَالِهِ، فَإِذا نهد مِنْهَا قدح تنَاوله فَدفعهُ إِلَى الرَّقِيب، فَإِن كَانَ مِمَّا لاحظ لَهُ رد إِلَى الربابة، فَإِن خرج الْمُعَلَّى أَخذ صَاحبه سَبْعَة أنصباء، فَإِن خرج بعده المسبل أَخذ الثَّلَاثَة الْبَاقِيَة، وَغرم الَّذين خابوا ثَلَاثَة أنصباء من جزور أُخْرَى، على هَذِه الْحَال يفعل بِمن فَازَ وبمن خَابَ فَرُبمَا نحرُوا عدَّة جزر، وَلَا يغرم الَّذين فازوا من ثمن الْجَزُور شَيْئا، وَإِمَّا الْغرم على الَّذين خابوا، وَلَا يحل للخائبين أَن يَأْكُلُوا من ذَلِك اللَّحْم شَيْئا، فَإِن فَازَ قدح الرجل فأرادوا أَن يُعِيدُوا قدحه ثَانِيَة على خطار مَا فعلوا ذَلِك بِهِ. نِكَاح المقت كَانَ الرجل إِذا مَاتَ، قَامَ أكبر وَلَده فَألْقى ثَوْبه على امْرَأَة أَبِيه، فورث نِكَاحهَا، فَإِن لم يكن لَهُ فِيهَا حَاجَة، يُزَوّجهَا بعض اخوته بِمهْر جَدِيد، فَكَانُوا يَرِثُونَ نِكَاح النِّسَاء كَمَا يَرِثُونَ المَال، فَأنْزل الله تَعَالَى: " يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا يحل لكم أَن ترثوا النِّسَاء كرها وَلَا تعضلوهن ". الاستئسار وَكَانَ الرجل يحمل فِي الْحَرْب على الرجل بالطرف الَّذِي فِيهِ الزج، فَيَقُول: استأسر! فَإِن لم يفعل قلب لَهُ السنان. قَالَ زُهَيْر: وَمن يعْص أَطْرَاف الزّجاج فَإِنَّهُ ... يُطِيع العوالي ركبت كل لهذم الذئاب ويزعمون إِنَّه إِذا ظهر بِأحد الذئاب دم، مَال عَلَيْهِ صَاحبه فَقتله. قَالَ ابْن الطثرية: فَتى لَيْسَ لِابْنِ الْعم كالذئب إِن رأى ... بِصَاحِبِهِ يَوْمًا دَمًا فَهُوَ آكله
(6/238)

نباح الْكلاب وَيَقُولُونَ: إِن الْكلاب إِذا نبحت السَّمَاء، دلّ ذَلِك على الخصب. قَالَ: وَمَا لي لَا أغزو وللدهر كرة ... وَقد نبحت نَحْو السَّمَاء كلابها نقب لحى الْكَلْب وَكَانُوا ينقبون لحى الْكَلْب فِي السّنة الصعبة، لِئَلَّا يسمع الأضياف نباحه. خرزة السلوان ويزعمون أَن للسلوان خرزة إِذا حكها العاشق بِمَاء، وَشرب مَا يخرج مِنْهَا، سلا وصبر. قَالَ ذُو الرمة: لَا أشْرب السلوان مَا سليت مَا بِي غنى عَنْك وَإِن غنيت
نيران الْعَرَب
نَار الاسْتِسْقَاء: مِنْهَا النَّار الَّتِي كَانُوا يستعملونها فِي الْجَاهِلِيَّة الجهلاء، وَهِي الْجَاهِلِيَّة الأولى فَإِنَّهُم كَانُوا إِذا تَتَابَعَت عَلَيْهِم الأزمات، وركد عَلَيْهِم الْبلَاء وَاشْتَدَّ الجدب، واحتاجوا إِلَى الاستمطار واجتمعوا وجمعوا مَا قدرُوا عَلَيْهِ من الْبَقر، ثمَّ عقدوا فِي أذنابها وَبَين عراقيبها السّلع وَالْعشر ثمَّ صعدوا بهَا فِي جبل وعر
(6/239)

وأشعلوا فِيهَا النَّار، وضجوا بِالدُّعَاءِ والتضرع، فَكَانُوا يرَوْنَ أَن ذَلِك من أَسبَاب السقيا. وَأنْشد الورل الطَّائِي: لَا در در رجالٍ خَابَ سَعْيهمْ ... يستمطرون لَدَى الأزمات بالعشر أجاعل أَنْت بيقوراً مسلعةً ... ذَرِيعَة لَك بَين الله والمطر؟ ونار أُخْرَى وَهِي الَّتِي توقد عِنْد ذَلِك، وَيدعونَ الله الحرمان وَالْمَنْع من مَنَافِعهَا، على الَّذِي ينْقض الْعَهْد ويخيس بالعهد، وَيَقُولُونَ فِي الْحلف: الدَّم، الدَّم، وَالْهدم الْهدم. يحركون الدَّال فِي هَذَا الْموضع لَا تزيده الشَّمْس إِلَّا شرا، وَطول اللَّيَالِي إِلَّا ضراً، مَا بل الْبَحْر صوفه، وَمَا قَامَت رضوى فِي مَكَانهَا - إِن كَانَ جبلهم رضوى، وكل قوم يذكرُونَ الْمَشْهُور من جبالهم - وَرُبمَا دنوا مِنْهَا حَتَّى تكَاد تحرقهم، يهولون على من يخَافُونَ الْغدر من جِهَته بحقوقها ومنافعها ومرافقها بالتخويف من حرمَان مَنْفَعَتهَا. قَالَ الْكُمَيْت: هم خوفوني بالعمى هوة الردى ... كَمَا شب نَار الحالفين المهول وَقَالَ أَوْس بن حجر: إِذا استقبلته الشَّمْس صد بِوَجْهِهِ ... كَمَا صد عَن نَار المهول حَالف وَلَقَد تحالفت قبائل من قبائل مرّة بن عَوْف، فتحالفوا عِنْد نَار دنوا مِنْهَا وعشوا بهَا وهولوا بهَا حَتَّى محشتهم النَّار، فسموا المحاش وَكَانَ سيدهم والمطاع فيهم أَبُو ضَمرَة بن سِنَان بن أبي حَارِثَة وَلذَلِك يَقُول النَّابِغَة:
(6/240)

جمع محاشك يَا يزِيد فإنني ... جمعت يربوعاً لكم وتميما وَرُبمَا تحالفوا وتعاقدوا على الْملح. وَالْملح شَيْئَانِ: أَحدهمَا الدقة وَالْآخر اللَّبن، وَأنْشد لأبي الطمحان: وَإِنِّي لأرجو ملحها فِي بطونكم ... وَمَا بسطت من جلد أَشْعَث أغبرا وَذَلِكَ أَنه جاورهم فَكَانَ يسقيهم اللَّبن فَقَالَ: أَرْجُو أَن تسرعوا فِي رد إبلي على مَا شربتم من أَلْبَانهَا. وَقَوله " وَمَا بسطت من جلد أَشْعَث أغبرا " كَأَنَّهُ يَقُول: كُنْتُم مهازيل، - والمهزول يتقشف جلده وينقبض، فسمنتهم - فَبسط ذَلِك من جلودكم. نَار الطَّرْد: نَار أُخْرَى: وَهِي الَّتِي كَانُوا رُبمَا أوقدوها خلف الْمُسَافِر، وَخلف الزائر، الَّذِي لَا يحبونَ رُجُوعه، يَقُولُونَ فِي الدُّعَاء: أبعده الله وأسحقه وأوقدوا نَارا على إثره، وأنشدوا: وجمة أَقوام حملت وَلم أكن ... كموقد نارٍ إثرهم للتندم والجمة: هِيَ الْجَمَاعَة يَمْشُونَ فِي الدَّم وَفِي الصُّلْح، يَقُول: لم تندم على مَا أَعْطَيْت من الْحمالَة عِنْد كَلَام الْجَمَاعَة، فتوقد خَلفهم نَارا لِئَلَّا يعودوا وَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر: صحوت وَأوقدت للْجَهْل نَارا ... ورد عَلَيْك الصِّبَا مَا استعارا يَقُول: إِنِّي أردْت أَلا يراجعك الْجَهْل فأوقدت خَلفه نَارا. نَار أُخْرَى: وَهِي: كَانُوا إِذا أَرَادوا حَربًا، فتوقعوا جَيْشًا عَظِيما، وَأَرَادُوا الِاجْتِمَاع،
(6/241)

أوقدوا لَيْلًا نَارا على جبلهم، ليبلغ الْخَبَر أَصْحَابهم قَالَ عَمْرو بن كُلْثُوم: وَنحن غَدَاة أوقد فِي خزازي ... رفدنا فَوق رفد الرافدينا وَرُبمَا جدوا فِي جمع عَشَائِرهمْ فأوقدوا نارين، وَذَلِكَ قَول الفرزدق: ضربوا الصَّنَائِع والملوك وأوقدوا ... نارين، أَشْرَفنَا على النيرَان وَرُبمَا أوقدوا نَارا وَاحِدَة، وَرُبمَا أوقدوا نَارا عدَّة، فَأَما النَّار الْوَاحِدَة فقد توقد للقريب، ويستدل بهَا بِاللَّيْلِ من يلْتَمس ذَلِك من بَاغ وزائر وجائع، فَإِن كَانَ الرجل قَادِرًا مطعاماً، أوقد اللَّيْل كُله، وَأكْثر ذَلِك فِي ليَالِي الشتَاء، وَرُبمَا صَنَعُوا ذَلِك عِنْد توقع الجيوش الْعِظَام، واستجماع قبائلهم، قَالَ ابْن مياده: وناراه نَار كل مدفع ... وَأُخْرَى يُصِيب الْمُجْرمين سعيرها ونار أُخْرَى وتسمي يلمع، وَهُوَ حجر يلمع، ويبصر من بعيد، فَإِذا دَنَوْت مِنْهُ لم تَرَ شَيْئا، قَالَ متمم: وقيساً وجزءاً بالمشقر ألمعاً ونار أُخْرَى وَهِي الَّتِي توقد للسليم إِذا سهد، كَمَا قَالَ النَّابِغَة:
(6/242)

يسهد من اللَّيْل التَّمام سليمها ... ولحلى النِّسَاء فِي يَدَيْهِ فقاقع وَتلك النَّار توقد للمجروح والمضروب إِذا خَافُوا عَلَيْهِ الكزاز من نزف الدَّم، وهم يكْرهُونَ لَهُ النّوم فِي تِلْكَ الْحَال، والشطار لَا يدعونَ الْمَضْرُوب على ظَهره بالسياط أَن ينَام يرَوْنَ أَن حتفه فِيهِ، ويحمون النّوم صَاحب عضة الْكَلْب، وَفِي نَار الْمَجْرُوح يَقُول الْأَعْشَى: بداميةٍ يغشى الْفراش رشاشها ... يبيت لَهَا ضوء من النَّار جاحم ونار أُخْرَى وَذَلِكَ أَن الْمُلُوك إِذا سبوا الْقَبِيلَة بأسرها وَخرجت إِلَيْهِم السادات فِي الْفِدَاء أَو الاستيهاب، فيكرهون أَن يعرضُوا النِّسَاء نَهَارا فيفتضحن فيعرضهن لَيْلًا فِي الظلمَة دون النَّار والضوء، فيخفى عَلَيْهِ قدر مَا يجيس لنَفسِهِ من الصفى، وَقدر مَا تجود بِهِ نَفسه من أَخذ فدَاء أَو امتنان على الوقد فتوقد. لذَلِك قَالَ الشَّاعِر: نسَاء بني شَيبَان يَوْم أوارةٍ ... على النَّار إِذا تجلى لَهُ فتيانها ونار أُخْرَى، وَهِي نَار الوسم والميسم: يُقَال للرجل: مَا نارك؟ فَيَقُول: خباط أَو علاط أَو حَلقَة أَو كَذَا أَو كَذَا وَعرض بعض اللُّصُوص إبِلا قد أغار عَلَيْهَا وسلبها من كل جَانب، وَجَمعهَا من قبائل شَتَّى، ففر بهَا إِلَى بعض الْأَسْوَاق، فَقَالَ لَهُ بعض التُّجَّار. مَا نارك؟ - وَإِنَّمَا يسْأَلُون عَن ذَلِك لأَنهم يعْرفُونَ ميسم كل قوم وكرم إبلهم من لؤمها بِهِ - فَقَالَ: يسألني الباعة مَا نجارها ... إِذا زعزعوها فَسَمت أبصارها وكل دَار لِأُنَاس دارها ... وكل نَار الْعَالمين نارها نَار الزحفتين:
(6/243)

هِيَ نَار أبي سريع، وَهُوَ العرفج، لِأَن العرفج إِذا التهبت فِيهِ النَّار أسرعت وعظمت وشاعت واستفاضت أسْرع من كل شَيْء، فَمن كَانَ يقربهَا يزحف عَنْهَا ثمَّ لَا تلبث أَن تنطفئ من ساعتها، فِي مثل تِلْكَ السرعة فَيحْتَاج الَّذِي زحف عَنْهَا، إِلَى أَن يزحف إِلَيْهَا من سَاعَته، فَلَا تزَال وَلَا يزَال المصطلى بهَا كَذَلِك، فَمن أجل ذَلِك قيل لَهَا نَار الزحفتين. ونار أُخْرَى: وَهِي الَّتِي يذكر الْعَرَب أَن الغيلان توقدها بِاللَّيْلِ للعبث والتخييل وإضلال السابلة. ونار أُخْرَى: وَهِي مَذْكُورَة على الْحَقِيقَة لَا على الْمثل، وَهِي من أعظم مفاخر الْعَرَب وَهِي النَّار الَّتِي ترفع للسَّفر وَلمن يلْتَمس الْقرى، فَكلما كَانَت أضخم وموضعها أرفع، كَانَت أَفْخَر، قَالَ الشَّاعِر: لَهُ نَار تشب بِكُل وادٍ ... إِذا النيرَان ألبست القناعا نَار الإياب: ونار أُخْرَى: وَهِي الَّتِي توقد للقادم من سفر سالما غانماً، قَالَ: يَا لبيني أوقدي النارا ... إِن من تهوين قد حارا حَار: رَجَعَ. قَالَ الله تَعَالَى: " إِنَّه ظن أَن لن يحور بلَى " أَي لن يرجع. نَار الْعَار: ونار أُخْرَى: كَانَت الْعَرَب إِذا غدر الرجل بجار، أوقد لَهُ نَارا بمنى أَيَّام الْحَج على الأخشب، وَهُوَ الْجَبَل المطل على منى ثمَّ صاحوا: هَذِه غدرة فلَان
(6/244)

فيدعو عَلَيْهِ النَّاس قَالَت امْرَأَة من بني هَاشم: فَإِن تهْلك فَلم تعرف عقوقا ... وَلم توقد لنا بالغدر نَارا وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء: النيرَان أَرْبَعَة: نَار تَأْكُل وتشرب، وَهِي نَار الْمعدة، ونار لَا تَأْكُل وَلَا تشرب وَهِي نَار الْحجر، ونار تشرب وَلَا تَأْكُل وَهِي نَار الْبَرْق، ونار تَأْكُل وَلَا تشرب وَهِي نَار الْحَطب. وَيُقَال أَيْضا: النيرَان أَرْبَعَة: فَنَار تشرب وَلَا تَأْكُل، ونار تَأْكُل وَلَا تشرب، ونار تَأْكُل وتشرب، ونار لَا تَأْكُل وَلَا تشرب؛ فَأَما النَّار الَّتِي تشرب وَلَا تَأْكُل فَهِيَ النَّار الَّتِي هِيَ من الشّجر، وَالنَّار الَّتِي تَأْكُل وَلَا تشرب فناركم هَذِه، وَالنَّار الَّتِي لَا تَأْكُل وَلَا تشرب فَالنَّار الَّتِي فِي الْحجر، وَالنَّار الَّتِي تَأْكُل وتشرب فَنَار جَهَنَّم.
(6/245)

الْبَاب الثَّامِن وَصَايَا الْعَرَب
أخبرنَا الصاحب إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم عَن الأبجي عَن مُحَمَّد بن الْحسن عَن أبي نصر، عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: سَمِعت أَعْرَابِيًا يَقُول لِبَنِيهِ وَهُوَ يوصيهم: اتَّقوا الظهيرة الغراء، والفلاة الغبراء، وردوا المَاء بِالْمَاءِ. أوصى الْحَارِث بن كَعْب بنيه فَقَالَ: يَا بني، قد أَتَت عَليّ مائَة وَسِتُّونَ سنة مَا صافحت يَمِيني يَمِين غادر، وَلَا قنعت نَفسِي بخلة فَاجر، وَلَا صبوت بابنة عَم وَلَا كنة، وَلَا بحت لصديق عَليّ بسر. وَلَا طرحت عِنْدِي مومسة قناعها، وَلَا بَقِي على دين عِيسَى بن مَرْيَم أحد من الْعَرَب غَيْرِي وَغير تَمِيم بن مرّة، وَأسد بن خُزَيْمَة، فموتوا على شريعتي، واحفظوا وصيتي، إِلَهكُم فاتقوه، يكفكم المهم من أُمُوركُم، وَيصْلح لكم حالكم، وَإِيَّاكُم وَالْمَعْصِيَة، يحل بكم الدمار ويوحش مِنْكُم الديار، وَكَانُوا جَمِيعًا، وَلَا تفَرقُوا فتكونوا شيعًا، بزوا قبل أَن تبزوا، فموت فِي عز، خير من حياةٍ فِي ذل وَعجز، فَكل مَا هُوَ كَائِن كَائِن، وكل جمع إِلَى تبَاين، والدهر صرفان: صرف بلاءٍ وَصرف رخاء. وَالْيَوْم يَوْمَانِ: يَوْم حبرَة وَيَوْم عِبْرَة، وَالنَّاس رجلَانِ: رجل مَعَك، وَرجل عَلَيْك. زوجوا النِّسَاء من الْأَكفاء وَإِلَّا فانتظروا بِهن الْقَضَاء، وَليكن طيبهن المَاء، وَإِيَّاكُم والورهاء فَإِنَّهَا أدوأ الدَّاء. يَا بني: قد أكلت مَعَ أَقوام، وشربت مَعَ أَقوام، فَذَهَبُوا وغبرت وَكَأَنِّي بهم قد لحقت. ثمَّ أنشأ يَقُول: أكلت شَبَابِي وأفنيته ... وأمضيت بعد دهورٍ دهورا فِي أَبْيَات أخر:
(6/246)

قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: أنكح ضرار بن عَمْرو الضَّبِّيّ ابْنَته من معبد بن زُرَارَة، فَلَمَّا أخرجهَا إِلَيْهِ قَالَ: يَا بنية أمسكي عَلَيْك الفضلين: فضل الغلمة، وَفضل الْكَلَام، ضرار هُوَ الَّذِي رفع عنزته بعكاظ وَقَالَ: " أَلا إِن شَرّ حَائِل أم، فزوجوا أُمَّهَات "، وَذَلِكَ أَنه صرع بَين القنا، فأشبل عَلَيْهِ إخْوَته لأمه حَتَّى أنقذوه. لما حضرت قيس بن عَاصِم الْوَفَاة، دَعَا بنيه فَقَالَ: يَا بني احْفَظُوا عني، فَلَا أحد أنصح لكم مني. إِذا مت، فسودوا كباركم وَلَا تسودوا صغاركم، فيسفه النَّاس كباركم وتهونوا عَلَيْهِم، وَعَلَيْكُم باستصلاح المَال، فَإِن منبهة للكريم، ويستغني بِهِ عَن اللَّئِيم، وَإِيَّاكُم ومسالة النَّاس فَإِنَّهَا أخر كسب الْمَرْء. لما أَقَامَ ابْن قميئة بَين العقابين قَالَ لَهُ أَبوهُ: أطر رجليك، وأصر إِصْرَار الْفرس، وَاذْكُر أَحَادِيث غدٍ، وَإِيَّاك وَذكر الله فِي هَذَا الْموضع فَإِنَّهُ من الفشل. أوصى أَبُو الْأسود ابْنه فَقَالَ: يَا بني، إِذا جَلَست فِي قوم فَلَا تَتَكَلَّم بِمَا هُوَ فَوْقك فيمقتوك، وَلَا بِمَا هُوَ دُونك فيزدروك، وَإِذا وسع الله عَلَيْك فابسط يدك، وَإِذا أمسك عَلَيْك فامسك وَلَا تجاود الله فَإِن الله أَجود مِنْك. قَالَ بَعضهم لِبَنِيهِ: يَا بني لَا تعادوا أحدا، وَإِن ظننتم أَنه يضركم، وَلَا تزهدوا فِي صداقة أحد، وَإِن ظننتم أَنه لَا ينفعكم، فَإِنَّكُم لَا تَدْرُونَ مَتى تخافون عَدَاوَة الْعَدو، وَلَا مَتى ترجون صداقة الصّديق، وَلَا يعْتَذر إِلَيْكُم أحد إِلَّا قبلتم عذره، وَإِن علمْتُم أَنه كَاذِب، زجوا الْأَمر زجاً. وَقَالَ سعد الْعَشِيرَة لِبَنِيهِ عِنْد مَوته: إيَّاكُمْ وَمَا يَدْعُو إِلَى الِاعْتِذَار، ودعوا قذف الْمُحْصنَات، لتسلم لكم الْأُمَّهَات، وَإِيَّاكُم وَالْبَغي، ودعوا المراء وَالْخِصَام، تهبكم العشائر، وجودوا بالنوال تنم لكم الْأَمْوَال، وَإِيَّاكُم وَنِكَاح الورهاء، فَإِنَّهَا أدوأ الدَّاء، وابعدوا من جَار السوء داركم، ودعوا الضغائن فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى التقاطع. وَقَالَ بَعضهم: سَمِعت بدوياًُ يَقُول لِابْنِهِ: يَا بني: كن سبعا خالساً، أَو ذئباً خانساً، أَو كَلْبا حارساً، وَإِيَّاك وَأَن تكون إنْسَانا نَاقِصا.
(6/247)

قَالَ هَانِئ قبيصَة بن مَسْعُود الشَّيْبَانِيّ يَوْم ذِي قار يحرض بني وَائِل: الحذر لَا يُنجي من الْقدر، والدنية أغْلظ من الْمنية، واستقبال الْمَوْت خير من استدباره، والطعن فِي الثغر، خير وَأكْرم مِنْهُ فِي الدبر، يَا بني: هَالك مَعْذُور، خير من نَاجٍ فرور، قَاتلُوا، فَمَا للمنايا من بُد. قَالَ أَكْثَم بن صَيْفِي: يَا بني تَمِيم لَا يفوتنكم وعظي إِن فاتكم الدَّهْر بنفسي، إِن بَين حيزومي وصدري لبحراً من الْكَلم، لَا أجد لَهُ مواقع غير أسماعكم، وَلَا مقار إِلَّا قُلُوبكُمْ فتلقوها بأسماع صَافِيَة، وَقُلُوب وَاعِيَة، تحمدوا عواقبها: إِن الْهوى يقظان، وَالْعقل رَاقِد، والشهوات مُطلقَة، والحزم مَعْقُول، وَالنَّفس مُهْملَة، والروية مُقَيّدَة، وَمن يجهل التواني، وَيتْرك الروية يتْلف الحزم. وَلنْ يعْدم المشاور مرشداً، والمستبد بِرَأْيهِ مَوْقُوف على مداحض الزلل، وَمن سمع سمع بِهِ، ومصارع الْأَلْبَاب تَحت ظلال الطمع، وَلَو اعْتبرت مواقع المحن، مَا وجدت إِلَّا فِي مقَاتل الْكِرَام، وعَلى الِاعْتِبَار طَرِيق الرشاد، وَمن سلك الجدد أَمن العثار، وَلنْ يعْدم الحسود أَن يتعب قلبه، ويشغل فكره، ويثير غيظه، وَلَا يُجَاوز ضره نَفسه. يَا بني تَمِيم: الصَّبْر على جرع الْحلم، أعذب من جني ثَمَر النَّدَم، وَمن جعل عرضه دون مَاله، استهدف الذَّم، وكلم اللِّسَان، أنكى من كلم الحسام، والكلمة مزمومة مَا لم تنجم من الْفَم، فَإِذا نجمت فَهِيَ سبع محرب، أَو نَار تلهب، وَلكُل خافية مختفٍ، وَرَأى الناصح اللبيب دَلِيل لَا يجور، ونفاذ الرَّأْي فِي الْحَرْب، أنفذ من الطعْن وَالضَّرْب. اسْتَشَارَ قومٌ أَكْثَم بن صَيْفِي فِي حربٍ أرادوها، وسألوا أَن يوصيهم، فَقَالَ: أقلوا الْخلاف على أمرائكم، وَاعْلَمُوا أَن كَثْرَة الصياح من الفشل، والمرء يعجز
(6/248)

لَا المحالة، فَإِن أحزم الْفَرِيقَيْنِ الركين، وَرب عجلة تهب ريثاً، واتزروا للحرب وادرعوا اللَّيْل، فَإِنَّهُ أخْفى للويل، وَلَا جمَاعَة لمن اخْتلف. وَقَالَ عَلْقَمَة بن لبيد العطاردي لِابْنِهِ: يَا بني إِذا نازعتك نَفسك إِلَى صُحْبَة الرِّجَال، فاصحب من إِذا صحبته زانك، وَإِن خدمته صانك، وَإِن عرتك بِهِ مؤونة أعانك. اصحب من إِن قلت صدق قَوْلك، وَإِن ملت سدد صولك، واصحب من إِن مددت يدك بِفضل مدها، وَإِن بَدَت مِنْك ثلمة سدها، وَإِن رأى مِنْك حَسَنَة عدهَا. اصحب من إِن سَأَلته أَعْطَاك، وَإِن سكت أَغْنَاك، اصحب من لَا يَأْتِيك من البوائق، وَلَا يخْتَلف عَلَيْك مِنْهُ الطرائق، وَلَا يخذلك عِنْد الْحَقَائِق. وَقَالَ بَعضهم لِابْنِهِ: كن يَا بني جواداً بِالْمَالِ فِي مَوضِع الْحق، ضنيناً بالأسرار عَن جَمِيع الْخلق، فَإِن أَحْمد جود الْمَرْء، الْإِنْفَاق فِي وَجه الْبر، وَالْبخل بمكتوم السِّرّ. أوصى بعض الْأَنْصَار ابْنه فلقال: يَا بني، إِنِّي مُوصِيك بِوَصِيَّة، إِن لم تحفظها عني كنت خليقاً أَلا تحفظها عَن غَيْرِي: يَا بني اتَّقِ الله، وَإِن اسْتَطَعْت أَن تكون الْيَوْم خيرا مِنْك من أمس، وَغدا خيرا مِنْك الْيَوْم، فافعل. وَإِذا عثر عاثر من بني آدم فاحمد أَلا تكونه، وَإِيَّاك والطمع، فَإِنَّهُ فقر حَاضر، وَعَلَيْك باليأس، فَإنَّك لن تيأس من شَيْء إِلَّا أَغْنَاك الله عَنهُ، وَإِيَّاك وَمَا يعْتَذر مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يعْتَذر من خير أبدا، وَإِذا قُمْت إِلَى صَلَاتك فصل صَلَاة مُودع، وَإنَّك ترى أَنَّك لَا تصلي بعْدهَا أبدا. روى عَن الْكَلْبِيّ قَالَ: لما قتل قيس بن زُهَيْر أهل الهبات خرج حَتَّى لحق بالنمر ابْن قاسط فَقَالَ: يَا معاشر النمر، أَنا قيس بن زُهَيْر، حريب طريد، شريد، موتور فانظروا لي امْرَأَة قد أدبها الْغنى وأدبها الْفقر، قَالَ: فَزَوجُوهُ امْرَأَة مِنْهُم فَقَالَ: إِنِّي لَا أقيم فِيكُم حَتَّى أخْبركُم بأخلاقي، إِنِّي فخور غيور آنف، وَلست أَفْخَر حَتَّى أَبْتَلِي، وَلَا أغار حَتَّى أرى، وَلَا آنف حَتَّى أظلم، فرضوا أخلاقه، فَأَقَامَ فيهم حَتَّى ولد لَهُ، ثمَّ أَرَادَ التَّحَوُّل عَنْهُم. فَقَالَ: يَا معشر النمر: إِنِّي أرى لكم عَليّ حَقًا بمصاهرتي إيَّاكُمْ، ومقامي بَين أظْهركُم، وَإِنِّي أوصيكم بخصال آمركُم بهَا، وأنهاكم عَن خِصَال: عَلَيْكُم بالأناة فَإِن بهَا تدْرك الْحَاجة،
(6/249)

وتنال الفرصة، وتسويد من لَا تعابون بتسويده، وَالْوَفَاء فَإِن بِهِ يعِيش النَّاس، وَإِعْطَاء مَا تُرِيدُونَ إعطاءه قبل الْمَسْأَلَة، وَمنع مَا تُرِيدُونَ مَنعه قبل الإنعام وَإِجَارَة الْجَار على الدَّهْر، وتنفيس الْبيُوت عَن منَازِل الْأَيَامَى، وخلط الضَّيْف بالعيال، وأنهاكم عَن الرِّهَان فغني بِهِ ثكلت مَالِكًا أخي، وَعَن الْبَغي فَإِنَّهُ صرع زهيراً أبي، وَعَن السَّرف فِي الدِّمَاء، فَإِن قَتْلَى أهل الهبات أورثني الْعَار. وَلَا تعطوا فِي الفضول فتعجزوا عَن الْحُقُوق، وَأنْكحُوا الْأَيَامَى الْأَكفاء، فَإِن لم تصيبوا بِهن الْأَكفاء فَخير بُيُوتهنَّ الْقُبُور، وَاعْلَمُوا أَنِّي أَصبَحت ظَالِما مَظْلُوما؛ ظلمتني بَنو بدر بِقَتْلِهِم مَالِكًا، وظلمتهم بقتلي من لَا ذَنْب لَهُ. ثمَّ رَحل عَنْهُم فلحق بعمان، فَتَنَصَّرَ بهَا، وَأقَام حَتَّى مَاتَ. وَقيل إِنَّه احْتَاجَ فَكَانَ يَأْكُل الحنظل حَتَّى قَتله، لم يخبر أحد بحاجته. بلغ أَبَا الْأَغَر أَن أَصْحَابه بالبادية قد وَقع بَينهم شَرّ، فَأرْسل ابْنه الْأَغَر فَقَالَ: يَا بني كن يدا لأصحابك على من قَاتلهم، وَإِيَّاك وَالسيف فَإِنَّهُ ظلّ الْمَوْت، وَاتَّقِ الرمْح فَإِنَّهُ رشاء الْمنية، وَلَا تقرب السِّهَام فَإِنَّهَا رسلٌ لَا تؤامر مرسلها، قَالَ فبماذا أقَاتل؟ قَالَ: بِمَا قَالَ الشَّاعِر: جلاميد أملاء الأكف كَأَنَّهَا ... رُءُوس رجالٍ حلقت فِي المواسم وَقَالَ رجل من بني هِلَال لِبَنِيهِ: يَا بني اظهروا النّسك فَإِن النَّاس إِن رَأَوْا من أحدكُم بخلا قَالُوا: مقتصد لَا يحب الْإِسْرَاف وَإِن رَأَوْا عياً قَالُوا: متوق يكره الْكَلَام، وَإِن يرَوا جبنا قَالُوا: متحرج يكره الْإِقْدَام على الشُّبُهَات. وَكَانَت الْعَرَب إِذا أوفدت وافداً تَقول لَهُ: إياك والهيبة فَإِنَّهَا خيبة، وَعَلَيْك بالفرصة فَإِنَّهَا خلسة، وَلَا تبت عِنْد ذَنْب الْأَمر، وَبت عِنْد رَأسه. أوصت أعرابية ابْنَتهَا عِنْد إهدائها إِلَى زَوجهَا، فَقَالَت: اقلعي زج رمحه، فَإِن أقرّ فاقلعي سنانه، فَإِن أقرفا كسْرَى الْعِظَام بِسَيْفِهِ، فَإِن أقرّ فاقطعي اللَّحْم على
(6/250)

ترسه، فَإِن أقرّ فضعي الإكاف على ظَهره فَإِنَّمَا هُوَ حمَار. وأوصت أُخْرَى ابْنَتهَا وَقد زوجتها فَقَالَت: لَو تركت الْوَصِيَّة لأحد لحسن أدب أَو لكرم حسب لتركتها لَك، وَلكنهَا تذكرة للغافل، ومعونة للعاقل. يَا بنية: إِنَّك قد خلفت العش الَّذِي فِيهِ درجت، والموضع الَّذِي مِنْهُ حرجت، إِلَى وكرٍ لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، كوني لزوجك أمة، يكن لَك عبدا، واحفظي عني خِصَالًا عشرا، تكن لَك ذخْرا وذكراً، أما الأولى وَالثَّانيَِة: فَحسن الصَّحَابَة بالقناعة، وَجَمِيل المعاشرة بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة، فَفِي حسن الصَّحَابَة رَاحَة الْقلب، وَفِي جميل المعاشرة رضَا الرب. وَالثَّالِثَة وَالرَّابِعَة: التفقد لموْضِع عينه، والتعاهد لموْضِع أَنفه، فَلَا تقع عينه مِنْك على قَبِيح، وَلَا تَجِد أَنفه مِنْك خبث ريح. واعلمي أَن الْكحل أحسن الْحسن المودود، وَأَن المَاء أطيب الطّيب الْمَوْجُود، وَالْخَامِسَة وَالسَّادِسَة، فالحفظ لمَاله، والإرعاء على حشمه وَعِيَاله، واعلمي أَن أصل الاحتفاظ بِالْمَالِ من حسن التَّقْدِير، والإرعاء على الحشم والعيال من حسن التَّدْبِير. وَالسَّابِعَة وَالثَّامِنَة: التعاهد لوقت طَعَامه، والهدوء عِنْد مَنَامه، فحرارة الْجُوع ملهبة، وتنغيص النّوم مغضبة، وَالتَّاسِع والعاشر: فَلَا تفشين لَهُ سرا وَلَا تعصين لَهُ أمرا، فَإنَّك إِن أفشيت سره، لم تأمني غدره وَإِن عصيت أمره أوغرت صَدره. لما حضرت وكيعاً الْوَفَاة، دَعَا بنيه فَقَالَ: يَا بني إِن قوما سيأتونكم قد فرحوا جباههم وعرضوا لحاهم، يدعونَ أَن لَهُم على أبيكم دينا فَلَا تقضوهم، فَإِن أَبَاكُم قد حمل من الذُّنُوب مَا إِن غفرها الله، لم تضره هَذِه، وَإِلَّا فَهِيَ مَعَ مَا تقدم. لما حضرت سعد بن زيد مَنَاة الْوَفَاة جمع وَلَده، فَقَالَ: يَا بني أوصيكم بِالنَّاسِ شرا، كلموهم نزرا، واظعنوهم شذراً، وَلَا تقلبوا لم عذرا، اقصروا الأعنة، واشحذوا الأٍنة، وكلوا الْقَرِيب يرهبكم الْبعيد. وأوصيت امْرَأَة ابْنَتهَا وَقد أَهْدَتْهَا إِلَى زَوجهَا، فَقَالَ: كوني لَهُ فراشا يكن لَك معاشاً، وكوني لَهُ وطاء يكن لَك غطاء، وَإِيَّاك والاكتئاب إِذا كَانَ فَرحا، والفرح إِذا كَانَ كئيباً، وَلَا يطلعن مِنْك على قَبِيح، وَلَا يسمن مِنْك إِلَّا الطّيب
(6/251)

ريحًا، وَلَا تفشين لَهُ سرا، فَإنَّك إِن أفشيت سره، سَقَطت من عينه، وَلم تأمني غدره، وَعَلَيْك بالدهن والكحل فهما أطيب الطّيب. وَزوج عَامر بن الظرب ابْنَته من ابْن أَخِيه، فَلَمَّا أَرَادوا تحويلهما قَالَ لأمها: مري ابْنَتك أَلا تنزل مفازةً إِلَّا وَمَعَهَا مَاء؛ فَإِنَّهُ للأعلى جلاء وللأسفل نقاء، وَلَا تكْثر مضاجعته، فَإِنَّهُ إِذا مل الْبدن مل الْقلب، وَلَا تَمنعهُ شَهْوَته، فَإِن الحظوة الْمُوَافقَة. فَلم تلبث إِلَّا شهرا حَتَّى جَاءَتْهُ مشجوجة، فَقَالَ لِابْنِ أَخِيه: يَا بني، إرفع عصاك عَن بكرتك تسكن فَإِن كَانَت نفرت من غير أَن تنفر، فَذَاك الدَّاء الَّذِي لَيْسَ لَهُ دَوَاء، وَإِن لم يكن بَيْنكُمَا وفَاق ففراق الْخلْع أحسن من الطَّلَاق، وَإِن لم تنزل أهلك وَمَالك، فَرد عَلَيْهِ صداقه، وخلعها مِنْهُ فَهُوَ أول خلع كَانَ فِي الْعَرَب. قَالَ أَكْثَم بن صَيْفِي: ألزموا النِّسَاء المهابة وأكرموا الْخَيل، وَنعم لَهو الْحرَّة المغزل وحيلة من لَا حِيلَة لَهُ؛ الصَّبْر. وَقَالَ أَكْثَم بن صَيْفِي لوَلَده: يَا بني تقاربوا فِي الْمَوَدَّة، وَلَا تتكلوا على الْقَرَابَة. وصّى رجل من ربيعَة ابْنه، فَقَالَ: يَا بني إِذا حزبك أَمر فحك ركبتك بركبة شيخ من قَوْمك، وشاوره، فَإِنِّي أردْت التَّزْوِيج فَأتيت شَيخا من قومِي فِي بادية، فَجَلَست إِلَيْهِ حَتَّى خف من عِنْده، فَقَالَ، يَا ابْن أخي لَك حَاجَة؟ فَقلت: نعم، أردْت التَّزْوِيج فأتيتك أشاورك. فَقَالَ: أقصيرة النّسَب أم طويلته؟ فَمَا أخيرت وَلَا أردأت، - أَي لم اقل خيرا وَلَا رديئاً - فَقَالَ: يَا ابْن أخي إِنِّي لأعرف فِي الْعين إِذا لم تنكر وَلم تعرف، فَأَما الْعين إِذا عرفت فَإِنَّمَا تتحاوص للمعرفة، وَإِذا أنْكرت فَإِنَّهَا تجحظ للإنكار، وَإِذا لم تعرف وَلم تنكر فَإِنَّهَا تسجو سجواً، يَا ابْن أخي، لَا تزوج إِلَى قوم أهل دناءةٍ، أَصَابُوا من الدُّنْيَا عَثْرَة، فتشركهم فِي دناءتهم، وَلَا يشركونك فِي أَمْوَالهم، فَقَالَ، فَقُمْت وَقد أكفيت. أوصت امْرَأَة من كلب ابْنهَا فَقَالَت: يَا بني إِذا رَأَيْت المَال مُقبلا فانفق،
(6/252)

فَإِنَّهُ يحْتَمل النَّفَقَة، وَإِذا رَأَيْته مدرباً فانفق فَإِن ذَهَابه فِيمَا تُرِيدُ، خيرٌ من ذَهَابه فِيمَا لَا تُرِيدُ. قَالَ الغضبان بن القبعثري لوَلَده: يَا بني إِذا سَمِعْتُمْ صَيْحَة بلَيْل، فَلَا تخْرجُوا غليها، فَإِن صَاحبهَا لَو وجد بدرة لم يدعكم إِلَيْهَا. كَانَ دُرَيْد بن الصمَّة يَقُول: النَّصِيحَة مَا لم تهجم على الفضيحة، وَإِذا اجدبتم فَلَا ترعوا حمى الْمُلُوك، فَإِنَّهُ من عاره غانماً لم يرجع سالما، وَلَا تحقروا شرا فَإِنَّهُ كثير، وَمن خرق ستركم فأرقعوه، وَمن حَارَبْتُمْ فَلَا تغفلوه، وأحيلوا جدكم كُله عَلَيْهِ، وَمن أسدى إِلَيْكُم خطة خير فأضعفوا لَهُ، وَإِلَّا فَلَا تعجزوا أَن تَكُونُوا مثله، وَمن كَانَت لَهُ مُرُوءَة فليظهرها، وَلَا تنكحن دنيا من غَيْركُمْ، فَإِن عاره عَلَيْكُم. وَإِيَّاكُم وفاحشة النِّسَاء، وَعَلَيْكُم بصلَة الرَّحْمَن فَإِنَّهَا تديم الْفضل، وترين النَّسْل، وَأَسْلمُوا كل جريرة بجريرته، وَلَا تسخطن خلقا من غَيْركُمْ فتعلموه بَيْنكُم. قَالَ أَعْرَابِي لِأَخِيهِ وَكَانَ بَخِيلًا، يَا أخي إِن لم تفن مَالك أفناك، وَإِن لم يكن لَك كنت لَهُ، فكله قبل أَن يَأْكُلك. وَقَالَ جد زيد بن حَارِثَة لبنية: اتَّقوا إِلَهكُم، وَلَا تستثيروا السبَاع من مرابضها فَنَدِمُوا، وداروا النَّاس بالكف عَنْهُم تسلموا، وخفوا عَن السُّؤَال وَلَا تتثاقلوا. قيل بلغ ولد طَيئ بن أدد وَولد وَلَده وَهُوَ حَيّ خَمْسمِائَة رجل فَجَمعهُمْ حِين حضرت الْوَفَاة فَقَالَ: يَا بني، إِنَّكُم قد نزلتم منزلا لَا تدخلون مِنْهُ، وَلَا يدْخل عَلَيْكُم، فارعوا مرعى الضَّب الْأَعْوَر، يعرف قدره ويبصر حجره، وَلَا تَكُونُوا كالجراد لقف وَاديا، وَترك وَاديا، وَإِيَّاكُم وَالْبَغي، فَإِن الله إِذا أَرَادَ هَلَاك النملة، جعل لَهَا جناحين. أوصى سعد الْعَشِيرَة بنيه عِنْد مَوته فَقَالَ: يَا بني إِلَهكُم اتَّقوا فِي اللَّيْل وَالنَّهَار، وَإِيَّاكُم وَمَا يدعوا إِلَى الِاعْتِذَار، ودعوا قفو الْمُحْصنَات، تسلم لكم الْأُمَّهَات، وَإِيَّاكُم وَالْبَغي على قومكم، تعمر لكم الساحات، ودعوا المراء
(6/253)

وَالْخِصَام، تسلم لكم الْمُرُوءَة والأحلام، وتحببوا إِلَى العشائر يهبكم العمائر، وجودوا بالنوال تثمر لكم الْأَمْوَال، وَإِيَّاكُم وَنِكَاح الحمقاء الورهاء، فَإِنَّهَا أدوى الدَّاء، وأبعدوا عَن جَار السوء داركم، وَمن قرين الغي مزاركم ودعوا الضغائن فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى التباين، وَلَا تَكُونُوا لآبائكم عاقين، وحياكم ربكُم وسلمكم. وَأوصى قيس بن معدي كرب الْكِنْدِيّ أَوْلَاده حِين بلغُوا فَقَالَ: يَا بني، عَلَيْكُم بِهَذَا المَال، فاطلبوه بأجمل الطّلب، ثمَّ اصرفوه فِي أجمل مَذْهَب وصلوا مِنْهُ الْأَرْحَام، واصطنعوا مِنْهُ الأقوام واجعلوه جنَّة لأعراضكم، يحسن فِي النَّاس مقالكم، فَإِن بذله كَمَال الشّرف وثبات الْمُرُوءَة حَتَّى أَنه يسود غير السَّيِّد، وَيُقَوِّي غير الأيد، حَتَّى يكون فِي أنفس النَّاس نبيها، وَفِي أَعينهم مهيباً، وَمن كسب مَالا، فَلم يصل مِنْهُ رحما، وَلم يُعْط مِنْهُ سَائِلًا، وَلم يصن بِهِ عرضا، بحث النَّاس عَن أَصله، فَإِن كَانَ مَدْخُولا هتكوه، وَإِن كَانَ صَحِيحا كسروه إِمَّا دنية أَو عرقاً لئيماً حَتَّى يهجنوه. وَأوصى الْأَشْعَث بن قيس فَيُقَال: يَا بني ذلوا فِي أعراضكم وانخدعوا فِي أَمْوَالكُم، فَإِن أَبَاكُم كَذَاك كَانَ يفعل، لتخفف بطونكم من أَمْوَال النَّاس، وَظُهُور كم من دِمَائِهِمْ، فَإِن لكل أَمر تبعة، وَأَصْلحُوا المَال لجفوة السُّلْطَان، ونبوة الزَّمَان، وأجملوا فِي طلب الرزق، حَتَّى يُوَافق النجاح قدرا، وَكفوا عِنْد أول مَسْأَلَة؛ فَإِنَّهُ كفى بالود منعا، وامنعوا نساءكم إِلَّا من أكفائكم، فَإِنَّكُم أهل بَيت يَكْتَفِي بكم الْكَرِيم، ويتشرف بكم اللَّئِيم، وَكُونُوا فِي عوام النَّاس مَا لم يضطرب حَبل، فَإِذا اضْطربَ حَبل، فالحقوا بعشائركم، وعودوا بفضلكم على قومكم، فَإِنَّهُ لم يزل رجل مِنْكُم يُرْجَى عذره وتعمريده. وَأوصى أود بن صفر بن سعد الْعَشِيرَة فَقَالَ: يَا بني، سلوا النَّاس وَلَا تخبروهم، وأخيفوهم وَلَا تخافوهم. وَأوصى أسلم بن أفصى الْخُزَاعِيّ فَقَالَ: يَا بني، اتَّقوا ربكُم فِي اللَّيْل إِذا دجا، وَفِي النَّهَار إِذا أَضَاء، يكفكم كل مَا تخافون وَيَتَّقِي، وَإِيَّاكُم ومعصيته، فَإِنَّهُ لَيْسَ لكم وَرَاءه وزر، وَلَا لكم دونه محتضر، يَا بني: جودوا بالنوال وَكفوا عَن السُّؤَال، يَا بني: إِنَّكُم إِن وهبتم قَلِيلا فسيعود لكم نحلاً، فَلَا تمنعن سَائِلًا محقاً
(6/254)

كَانَ أَو مُبْطلًا، فَإِن كَانَ محقاً فَلَا تحرموه، وَإِن كَانَ مُبْطلًا فقد أذهب خفره، وَصرح الْحيَاء عَن بَصَره فَأَعْطوهُ، وَلَا تماروا عَالما وَلَا جَاهِلا فن الْعَالم يحجكم فيغلبكم، وَإِن الْجَاهِل يلحكم فيغضبكم فَإِذا جَاءَ الْغَضَب كَانَ فِيهِ العطب، وَإِيَّاكُم والفجور بحرم الأقوام، فَإِنَّهُ قَلما انتهك رجل حُرْمَة إِلَّا ابتلى فِي حرمته. وَإِيَّاكُم وَشرب الْخمر، فَإِنَّهَا متلفة لِلْمَالِ، طلابة لما لَا ينَال، وَإِن كَانَ فِيهَا صَلَاح الْبدن، فَإِن فِيهَا مفْسدَة لِلْعَقْلِ. وَإِيَّاكُم وَالِاخْتِلَاف فَإِنَّهُ لَيْسَ مَعَه ائتلاف، وَلَا يكونن لكم جَار السوء جاراً، وَلَا خدن السوء زوارا، وَعَلَيْكُم بصلَة الرَّحِم تكْثر أَمْوَالكُم، وَلَا تقطعوا فتعف من دِيَاركُمْ آثَاركُم، وَإِيَّاكُم وَالْعجز والتواني، فَإِنَّهُمَا يورثان الندامة، ويكثرانالملامة، يَا بني: أَنْتُم مثل شَجَرَة نابتة الْأَركان، ملتفة الأغصان وَلَا تختلفوا فتذبل الأغصان، وتجف الشَّجَرَة، فتكونا أشلاء بِكُل مَكَان. يَا بني، قد أَتَت عَليّ مِائَتي سنة مَا شَتَمْتُ وَلَا شُتِمتُ، وَلَا قلت من لوم: مَاذَا صنعت؟ خُذُوا بوصيتي تسلموا، وَلَا تخالفوا فتندموا. يُقَال إِن أَوْس بن حَارِثَة أَبَا الْأَنْصَار لما حَضرته الْوَفَاة وَلم يكن لَهُ ولد غير مَالك، وَكَانَ لِأَخِيهِ الْخَزْرَج خَمْسَة، قيل لَهُ: كُنَّا نأمرك بِالتَّزْوِيجِ فِي شبابك فَلم تفعل حَتَّى حضرك الْمَوْت، وَلَيْسَ لَك ولد إِلَّا مَالك، فَقَالَ: لم يهْلك هَالك، ترك مثل مَالك، وَإِن كَانَ الْخَزْرَج ذَا عدد، وَلَيْسَ لمَالِك ولد فَلَعَلَّ الَّذِي استخرج العذق من الجريمة، وَالنَّار من الوثيمة أَن يَجْعَل لمَالِك نَسْلًا، ورجالاً بسلاً، وكلنَا إِلَى الْمَوْت، يَا مَالك: الْمنية وَلَا الدنية، والعتاب قبل الْعقَاب، والتجلد وَلَا التبلد، وَاعْلَم أَن الْقَبْر خير من الْفقر وَمن لم يُعْط قَاعِدا منع قَائِما، وَشر شَارِب الشَّرَاب المشتف وأقبح طاعم للطعام المقتف، وَذَهَاب الْبَصَر خير من كثير من النّظر، وَمن كرم الْكَرِيم، الدفاع عَن الْحَرِيم، وَمن قل ذل، وَمن أَمر قل وَخير الْغَنِيّ القناعة، وَشر الْفقر الخضوع: والدهر
(6/255)

صرفان، صرف رخاء، وَصرف بلَاء، وَالْيَوْم يَوْمَانِ: يَوْم لَك وَيَوْم عَلَيْك، فَإِذا كَانَ لَك فَلَا تبطر، وَإِن كَانَ عَلَيْك فاصبر، فكلاهما سينحسر، يُمِيتك المفيت، خير من أَن يُقَال هبيت، وَكَيف بالسلامة لمن لَيست لَهُ إِقَامَة؟ وحياك رَبك وَالسَّلَام. جمع زُرَارَة بن عدس التَّمِيمِي بنيه وَهُوَ يَوْمئِذٍ عشرَة: حَاجِب ولقيط ومعبد وَمَالك ولبيد وعلقمة وَخُزَيْمَة وَسعد وَمَنَاة وَعَمْرو وَالْمُنْذر فَقَالَ: يَا بني: إِنَّكُم أَصْبَحْتُم بَيت تَمِيم، بل بَيت مُضر، يَا بني: مَا هجمت على قوم قطّ من الْعَرَب لَا يعرفونني إِلَّا أجلوني فَإِذا عرفوني ازددت عِنْدهم شرفاً، وَفِي أَعينهم عظما، وَلَا وفدت إِلَى ملك عَرَبِيّ قطّ وَلَا أعجمي إِلَّا آثرني وشفعني، يَا بني: خُذُوا من آدابي، وقفُوا عِنْد أَمْرِي، واحفظوا وصيتي، وموتوا على شريعي، وَإِيَّاكُم أَن تدْخلُوا قَبْرِي حوية أسب بهَا، فوَاللَّه مَا شايعتني نَفسِي على إتْيَان دنية وَلَا عمل بِفَاحِشَة، وَلَا جمعني وعاهرة سقف بَيت قطّ، وَلَا حسنت لنَفْسي الْغدر مُنْذُ شدت يداي إزَارِي، وَلَا فارقني جارٌ لي عَن قلي، وَلَا حَملتنِي نَفسِي عَن هوى يعيبني فِي مُضر، يَا بني: إِن القالة إِلَيْكُم سريعة، والآذان سميعة، فَاتَّقُوا الله فِي اللَّيْل إِذا أظلم، وَفِي النَّهَار إِذا انْتَشَر، يكفكم مَا أهمكم، وَإِيَّاكُم وَشرب الْخمر، فَإِنَّهَا مفْسدَة للعقول، والأجساد، ذهابة بالطارف والتلاد، زوجوا النِّسَاء الْأَكفاء، وَإِلَّا فانتظروا بِهن الْقَضَاء، واذْكُرُوا قومكم إِذا غَابُوا عَنْكُم بِمثل الَّذِي تحبون أَن تَذكرُوا بِهِ، يَا بني: انشروا الْخَيْر تنشروا، واستروا الشَّرّ تستروا، يَا بني: قد أدْركْت سُفْيَان بن مجاشع شَيخا كَبِيرا، فَأَخْبرنِي أَنه قد حَان خُرُوج نَبِي من بني مُضر بِمَكَّة يدعى أَحْمد، يَدْعُو إِلَى الْبر وَالْإِحْسَان، ومحاسن الْأَخْلَاق، فَإِن أدركتموه فَاتَّبعُوهُ لتزدادوا بذلك شرفاً إِلَى شرفكم، وَعزا إِلَى عزكم، يَا بني: وَمَا بَقِي على دين عِيسَى بن مَرْيَم غَيْرِي وَغير أَسد بن خُزَيْمَة. يَا بني: لَوْلَا عجلة لَقِيط إِلَى الْحَرْب، وَالْحَرب لَا يصلحها إِلَّا الرجل المكيث، لقدمته أمامكم، وَهُوَ فَارس مُضر الْحَمْرَاء، فَعَلَيْكُم بحاجب؛ فَإِنَّهُ حَلِيم عِنْد الْغَضَب، جواد عِنْد
(6/256)

الْمطلب، فراج للكرب، ذُو رَأْي لَا ينكش، وزماع لَا يفحش، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطيعُوا، جنبكم ربكُم الردى. أوصى الفرافصة ابْنَته نائلة حِين زفها إِلَى عُثْمَان فَقَالَ: يَا بنية، إِنَّك تقدمين على نسَاء قُرَيْش، هن أقدر على الطّيب مِنْك، فَلَا تلقبي على خَصْلَتَيْنِ أقولهما لَك: الْكحل وَالْمَاء، تطهري حِين يكون ريح جِلْدك كَأَنَّهُ ريح شن أَصَابَهُ مطر. أوصى يزِيد بن الْمُهلب ابْنه مخلداً حِين اسْتَخْلَفَهُ على جرجان فَقَالَ: يَا بني قد استخلفتك، فَانْظُر هَذَا الْحَيّ من الْيمن، فَكُن مِنْهُم كَمَا قَالَ الشَّاعِر: إِذا كنت مرتاد الرِّجَال لنفعهم ... فرش واصطنع عِنْد الَّذِي بهم ترمي وَانْظُر هَذَا الْحَيّ من ربيعَة فَإِنَّهُم شيعتك وأنصارك، فَاقْض حُقُوقهم، وَانْظُر هَذَا الْحَيّ من تَمِيم، فامطر وَلَا تزه لَهُم، وَلَا تُدْنِهِمْ فيطمعوا، وَلَا تقصهم فينقطعوا عَنْك، وَكن بَين الْمُطِيع وَبَين الْمُدبر، وَانْظُر هَذَا الْحَيّ من قيس، فَإِنَّهُم أكفاء قَوْمك فِي الْجَاهِلِيَّة، ومناصفوهم المنابر فِي الْإِسْلَام، ورضاهم مِنْكُم الْبشر. يَا بني: إِن لأَبِيك صنائع فَلَا تفسدها، فَإِنَّهُ كفى بِالْمَرْءِ من النَّقْص أَن يهدم مَا بنى أَبوهُ، وَإِيَّاك والدماء، فَإِنَّهَا لَا بَقِيَّة بعْدهَا، وَإِيَّاك وَضرب الأبشار فَإِنَّهُ عَار باقٍ، ووتر مَطْلُوب، وَاسْتعْمل على النجدة وَالْفضل دون الْهوى، وَلَا تعزل إِلَّا عِنْد الْعَجز أَو الْخِيَانَة، وَلَا يمنعك من اصطناع الرجل أَن يكون غَيْرك قد سَبَقَك إِلَيْهِ، فَإنَّك إِنَّمَا تصطنع الرِّجَال لنَفسك، ولتكن صنيعتك عِنْد من يكافئك عِنْد العشائر، احْمِلْ النَّاس على أحسن أدبك، يكفوك أنفسهم، وَإِذا كتبت كتابا فَأكْثر النّظر فِيهِ، وَليكن رَسُولك فِيمَا بيني وَبَيْنك، من يفقه عني وعنك، فَإِن كتاب
(6/257)

الرجل مَوضِع عقله، وَرَسُوله مَوضِع سره، واستودعك الله فَإِنَّهُ يَنْبَغِي للْمُودع أَن يسكت، وللمشيع أَن ينْصَرف، وَمَا خف من الْمنطق، وَقل من الْخطْبَة أحب إِلَى أَبِيك. وَأوصى الْمُنْذر بن مَالك البَجلِيّ بنيه وَكَانَ قد أصَاب دِمَاء فِي قومه فلحق ببني هِلَال ابْن عَامر، فَلَمَّا حَضَره الْمَوْت جمع بنيه فَقَالَ: بِاسْمِك اللَّهُمَّ، يَا بني احْفَظُوا أدبي يكفكم وابتغوا وصاتي تلحقوا بِصَالح قومكم، فَإِنِّي لم أكلكم إِلَى أديب حَيّ، وَالْمعْنَى بكم غَائِب عَنْكُم، آثروا مَا يجمل، واقنوا أخياركم، وَأَطيعُوا ذَوي الرَّأْي مِنْكُم، وأجلوا ذَوي أسنانكم، وَلَا تعطوا الدنية، وَإِن كَانَ الصَّبْر على خطة الضيم أبقى لكم، وتناصروا تَكُونُوا حمى، وَإِذا قدمتم على قومكم فلتكن خلتكم وَاحِدَة، وَلَا تسثيروا دَفِين داءٍ لم يدْرك مثله، يقطعوا عَنْكُم النَّار، وتعدموا بقومكم غَيرهم، وَلَا تدبروا أعجاز مَا قد أودت صدوره فتفشلوا، وعفوا عَن الدناءة، ووقروا أهل الْكِفَايَة، وَلَا تواكلوا الرفد والنجدة فتجدي عظتكم، وَاتَّخذُوا لأسراركم من علانيتكم حاجزاً تكفوها، وَلَا تفيلوا الرَّأْي بِالظَّنِّ فيبدع بكم، وأطيلوا الصمت، إِلَّا من حق تسبقوا: والزموا الأناة تقر قدمكم، واغتنموا الفرصة تظفروا، وعجلوا تحمدوا، وَلَا تَأْخُذُوا حبلاً من قَلِيل فَإِن الْقَلِيل ذليل، وخذوا الْحَبل من ذِي الْمرة الكاثر، وشمر لدرك الثأر، ومنعة الْجَار، واظعنوا فِي الشَّهْر الْأَصَم تبلغوا دَار قومكم سَالِمين، واوفوا بالعهد، وَاتَّقوا الْغدر، فشؤم النِّسَاء والغدر أورثاني دَار الغربة. وَأوصى عمر بن يشْكر البَجلِيّ فَقَالَ: يَا بني إِذا غدوتم فكبروا، وَإِذا أرحتم فهجروا، وَإِذا أكلْتُم فأوتروا، وَإِذا شربتم فأسئروا أوتروا، أَي كلوا بِثَلَاث أَصَابِع. أوصى مُصعب بن يشْكر فَقَالَ: يَا بني أوسعوا الحبا، وحلوا الرِّبَا، وَكُونُوا أسى تَكُونُوا حمى.
(6/258)

وَأوصى عَمْرو بن كُلْثُوم التغلبي فَقَالَ: يَا بني إِنِّي قد بلغت من الْهَرم مَا لم يبلغهُ أحد من آبَائِي إِلَّا جدي: تِلْكَ الرجل كَانَ ملك جده فَسُمي الرجلُ لكماله، وَلَا بُد من أَمر مقتبل، وَأَن ينزل بِي مَا نزل بِالْآبَاءِ والأجداد والأمهاتِ والأولادِ، وَإِنِّي وَالله مَا عيرت رجلا قطّ بِشَيْء إِلَّا وعيرني بِمثلِهِ، وَإِن حَقًا فحقاً، وَإِن كَانَ بَاطِلا فباطلاً، من سبّ يسب، فكفوا عَن الشتم، فَإِنَّهُ أسلم لأعراضكم، وصلوا أَرْحَامكُم، تعمر داركم، وأكرموا جاركم، يحسن ثناؤكم، وزوجوا بَنَات الْعم بني الْعم، فَإِن تعديتم بِهن إِلَى الغرباء، فَلَا تألوا بِهن عَن الْأَكفاء، وابعدوا بيُوت الرِّجَال عَن النِّسَاء، فَإِنَّهُ أَغضّ لِلْبَصَرِ، وأعف للذّكر، فَإِذا كَانَت المعاينة واللقاء، فَفِي ذَلِك داءٌ من الأدواء، وَلَا خير فِيمَن لَا يغار لغيره، كَمَا يغار لنَفسِهِ، وَقل من انتهك حُرْمَة لغيره، إِلَّا انتهكت مِنْهُ حرمته، وامنعوا ضيم الْغَرِيب من الْقَرِيب، فَإنَّك تذل على قريبك وَلَا يجمل بك ذل غريبك، فَإِذا تنازعتم فِي الدِّمَاء، فَلَا يكونن حقكم اللِّقَاء، وَرب رجل خير من ألف، وود خير من خلف، وَإِذا حدثتم فعوا، وَإِذا حدثتم فأوجزوا، فَإِن مَعَ الْإِكْثَار يكون الإهذار، وَمَوْت عَاجل خير من ضنى آجل، وَمَا بَكَيْت من زمَان إِلَّا دهاني بعده زمَان، وَرُبمَا شجاني من لم يكن أمره عناني، وَلَا عجبت من أحدوثة إِلَّا رَأَيْت بعْدهَا أعجوبة، وَاعْلَمُوا أَن أَشْجَع الْقَوْم العطوف، كَمَا أَن أكْرم الحتوف قتل بِالسُّيُوفِ، وَلَا خير فِيمَن لَا روية لَهُ عِنْد الْغَضَب، وَلَا من إِذا عوتب لم يعتب، وَمن النَّاس من لَا يُرْجَى خَيره، وَلَا يخَاف شَره، فبكؤه خير من دره، وعقوقه خير من بره، وَلَا تَبْرَحُوا فِي حبكم، فَإِنَّهُ من برح فِي حب، آل ذَلِك إِلَى قَبِيح البغض، وَكم من قد زارني وزرته، فَانْقَلَبَ الدَّهْر بِنَا فبرته، وَقل مَا رَأَيْت غَضبا إِلَّا فترته أكتسب بغضاً، وَاعْلَمُوا أَن الْحَلِيم سليم، وَأَن السَّفِيه كليم، إِنِّي لم أمت، وَلَكِنِّي هرمت، ودخلتني ذلة فسكنت، وَضعف قلبِي فأهترت سلمكم ربكُم وحياكم. أوصى تَمِيم بن مر فَقَالَ: يَا بني عَلَيْكُم بِلَا، فَإِنَّهَا ترفع للحنين وَإِيَّاكُم وَنعم، فَإِنَّهَا رجا للمين، وَعَلَيْكُم بِالْمَسْأَلَة، فَإِنَّهُ است الْمَسْئُول أضيق، وَلَا تحقروا الْيَسِير أَن تأخذوه، فَإِن الْيَسِير إِلَى الْيَسِير كثير، واستعيروا وَلَا تعيروا، واظهروا للنَّاس من الْحَاجة لكَي لَا تسألوا فتمنعوا فَتكون استاهم هِيَ الضيقة، وَإِن
(6/259)

وعدتم النَّاس شَيْئا فأكرموهم، وأمطلوهم، فَإِن الَّذِي يصدق فِي الْموعد وَإِن مطل وَهُوَ مقل، يكون حرياً بالنجح فِي الْموعد، إِذا أمكنته الْمقدرَة، وابدأوا النَّاس بِالشَّرِّ يرد عَنْكُم الشَّرّ، وَإِيَّاكُم والوهن فيجرأوا عَلَيْكُم، وَلَا تشتطوا فِي مُهُور النِّسَاء، فَإِن ذَلِك أكسد لأياماكم، جمع الله لكم أَمركُم. وَأوصى قيس بن عَاصِم فَقَالَ: يَا بني خُذُوا عني فَلَا أحد أنصح لكم مني، إِذا دفنتموني فانصرفوا إِلَى رحالكُمْ، فسودوا أكبركم، فَإِن الْقَوْم إِذا سودوا أكبرهم، خلفوا آبَاءَهُم وَلَا تسودوا أصغركم فَإِن الْقَوْم إِذا سودوا أَصْغَرهم أزرى ذَلِك بهم فِي أكفائهم، وَإِيَّاكُم ومعصية الله، وَقَطِيعَة الرَّحِم، وتمسكوا بِطَاعَة أمرائكم، فَإِنَّهُم من رفعوا ارْتَفع، وَمن وضعُوا اتضع، وَعَلَيْكُم بِهَذَا المَال، فاستصلحوه فَإِنَّهُ منبهة للكريم، واستغناء عَن اللَّئِيم، وَإِيَّاكُم وَالْمَسْأَلَة فَإِنَّهَا أخر كسب الرجل، فَإِن أحدا لم يسْأَل إِلَّا ترك كَسبه، وَإِيَّاكُم والنياحة فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُنْهِي عَنْهَا، وادفنوني فِي ثِيَابِي الَّتِي كنت أُصَلِّي فِيهَا وَأَصُوم، وَلَا يعلم بكر بن وَائِل بمدفني فَإِنِّي كنت أعاديهم فِي الْجَاهِلِيَّة، وبيننا وَبينهمْ خماشات، فَأَخَاف أَن يدخلوها عَلَيْكُم فيعيبوا عَلَيْكُم دينكُمْ، وخذوا بِثَلَاث خِصَال: إيَّاكُمْ وكل عرق لئيم أَن تلابسوه، فَإِنَّهُ إِن يسرركم يَوْمًا، فَسَوف يسؤكم يَوْمًا، واكظموا الغيظ، واحذروا بني أَعدَاء آبائكم، فَإِنَّهُم على منهاج آبَائِهِم لآبائكم. ثمَّ قَالَ: أَحْيَا الضغائن آبَاء لنا هَلَكُوا ... فَلَنْ تبيد وللآباء أَبنَاء قَالَ الْكَلْبِيّ: فنحل هَذَا الْبَيْت سَابِقًا الْبَرْبَرِي، فعيسى أول من قَالَه. وَأوصى وَكِيع بن حسان بن أبي سود فَقَالَ: يَا بني إِن أبي وَالله مَا ورثني إِلَّا بدعا سحقاً ورمحاً خطيا، وَمَا ورثني دِينَارا وَلَا درهما، وَقد جمعت لكم هَذَا المَال الَّذِي ترَوْنَ من حلّه وَحَرَامه وَإِيَّاكُم إِذا مت أَن تَأْتيكُمْ هَذَا الباعة من أهل
(6/260)

الْأَسْوَاق، فَيَقُولُونَ: لنا على أبيكم دين، يَا بني، إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغْفر لي، فوَاللَّه مَا ديني فِي ذُنُوبِي إِلَّا كشعرة بَيْضَاء فِي ثَوْر أسود، وَإِن كَانَ لَا يُرِيد أَن يغْفر لي، فوَاللَّه مَا ديني فِي تِلْكَ الذُّنُوب إِلَّا كحصاة رمي بهَا فِي بَحر، شدوا أَيْدِيكُم على مالكم، واحفظوه وَلَا تقضوا عني شَيْئا، ثمَّ مَاتَ. وَأوصى عَامر بن صعصعة فَقَالَ: يَا بني جودوا على النَّاس وَلَا تسألوهم، وتهضموا عَدوكُمْ، وَلَا تستذلن جاركم. وَأوصى أبجر بن جَابر الْعجلِيّ ابْنه حجاراً حِين أَرَادَ الْإِسْلَام فَقَالَ لَهُ: إِن كَانَ لَا بُد لَك من الْإِسْلَام، فاحفظ عني ثَلَاثًا: انْزِلْ من هَذَا السُّلْطَان بِحَيْثُ أنزلك، فَإِنَّهُ إِن يُقَال لَك تقدم قدامك، خير لَك من أَن يُقَال لَك تَأَخّر وَرَاءَك. واستكثر من الصّديق، فَإِن الْعَدو كثير، وَإِيَّاك والخطب فَإِنَّهَا نشوارٌ، كثير العثار.
(6/261)

الْبَاب التَّاسِع فِي أسامي أَفْرَاس الْعَرَب
نذْكر أَولا أسامي أَفْرَاس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ نتبهعا بِذكر سَائِر الأفراس الْمَعْرُوفَة. يُقَال إِن أول فرسٍ ملكه عَلَيْهِ السَّلَام فرس ابتاعه بِالْمَدِينَةِ من رجل من بني فَزَارَة بِعشر أوراق، وَكَانَ اسْمه عِنْد الْأَعرَابِي الضرس فَسَماهُ عَلَيْهِ السَّلَام السكب وَكَانَ لَهُ فرس يدعى المرتجز، وَكَانَ لَهُ لزاز الظرب واللحيف وَقيل لِحَاف، واليعسوب. وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ أَن أول من اتخذ الْخَيل وركبها إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام، وَقَالُوا: كَانَ دَاوُد يُحِبهَا حبا شَدِيدا وَجمع ألف فرس، فَلَمَّا ورثهَا سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: " مَا ورثني دَاوُد مَالا أحب إِلَيّ من هَذِه الْخَيل " وضمرها وصنعها. فَمن الأفراس الْقَدِيمَة: زَاد الركب: قَالُوا: إِن قوما من الأزد من أهل عمان، قدمُوا على سُلَيْمَان بعد تزَوجه بلقيس ملكة سبأ، فَأَعْطَاهُمْ هَذَا الْفرس وانتشرت الْخَيل مِنْهُ فِي الْعَرَب. الهجيسي: كَانَ لبني تغلب، استطرقوا الأزد لما سمعُوا بِذكر زَاد فنتج لَهُم الهجيسي. الديناري:
(6/262)

لبني عَامر، استطرقوا من بكر بن وَائِل فنتجوه عَن الهجيسي. أَعْوَج: استطرقوها على سبل وَكَانَت أَجود مَا أدْرك وَأمّهَا سوَادَة قسَامَة وَكَانَ فياض وقسامة لبني جعدة، وَيَزْعُم أَن فياض من حوشية وبار، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ أَعْوَج بني هِلَال من بَنَات زَاد الركب هُوَ أكْرم من ذَلِك، هُوَ من بَنَات حوشية وبار. وَإِنَّمَا أَعْوَج الَّذِي كَانَ ابْن الديناري فرس لبهراء سمي باسم أَعْوَج، فَأَما أَعْوَج الْأَكْبَر فَإِن أمه سبل من حوشية وبار. ذُو العقال: لبني ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع هُوَ ابْن أَعْوَج بن ديناري. الْورْد: فرس حَمْزَة بن عبد الْمطلب رَضِي الله عَنهُ من بَنَات ذِي العقال وَمِنْه يَقُول لَيْسَ عِنْدِي إِلَّا سلَاح وَورد ... قارح من بَنَات ذِي العقال الْغُرَاب والوجيه ولاح وَالْمذهب ومكتوم: هَذِه جَمِيعًا لَغَنِيّ بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان فِيهَا يَقُول طفيل الغنوي: بَنَات الْغُرَاب والوجيه ولاحقٍ ... وأعوج تنمي نِسْبَة المنتسب وَقَالَ: دقاقٌ كأمثال السراحين ضمرٌ ... ذخائر مَا أبقى الغرابُ ومذهبُ أبوهن مكتومٌ وأعوجُ أنجبا ... وراداً وحواً لَيْسَ فِيهِنَّ مغربُ
(6/263)

جلوى: كَانَت لبني ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع أم داحس وَهُوَ ابْن ذِي العقال. الغبراء: كَانَت لقيس بن زُهَيْر، وَهِي خَالَة داحس وَأُخْته لِأَبِيهِ. الحنفاء: أُخْت داحس لِأَبِيهِ من ولد ذِي العقال لِحُذَيْفَة بن بدر الْفَزارِيّ. قسام: لبني جعدة بن كَعْب، فِيهِ يَقُول الْجَعْدِي: أغر قسامي كميتٌ محجلٌ ... خلا يَده الْيُمْنَى فتحجيله خسا فياض وسوادة أم سبل: لبني جعدة. فِيهَا يَقُول النَّابِغَة الْجَعْدِي: وعناجيج جيادٌ نجبٌ ... نجل فياضٍ وَمن آل سبل الْحمالَة والقريط: لبني سليم. فِيهَا يَقُول الْعَبَّاس بن مرداس: ابْن الْحمالَة والقريط فقد ... أنجبت من أم وَمن فَحل اللطيم: فرس ربيعَة بن مكدم. مصادٌ: فرس ابْن غادية الْخُزَاعِيّ وَلها يَقُول: صبرت مصاداً إزاء اللطي ... م حَتَّى كَأَنَّهُمَا فِي قرن
(6/264)

ويزعمون أَن ابْن غادية هُوَ الَّذِي قتل ربيعَة بن مكدم يَوْم الكديد وَأَنه كَانَ حليفاً لبني سليم، وَنسب النَّاس قَتله إِلَى نُبَيْشَة بن حبيب السّلمِيّ. الأجدل: فرس أبي ذَر الْغِفَارِيّ. اليعسوب: فرس الزبير بن الْعَوام، من نتاج بني أَسد من نَبَات العسجدي والعسجدي من نسل الحرون. ذُو اللمة. فرس عكاشة بن مُحصن الْأَسدي وَرُوِيَ أَنه كَانَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد عكاشة. ثادق: لبَعض بني أَسد فِيهِ يَقُول: وباتت تلوم عَليّ ثادقٍ ... ليشرى فقد جد عصيانها العسجدي: لبني أَسد، من بَنَات زَاد الركب، وَكَانَ من نتاج الديناري. لَاحق الْأَصْغَر: من بَنَات لَاحق الْأَكْبَر. زرة: للجميح بن مُنْقد الْأَسدي وَفِيه يَقُول: رميتهم بزْرَة إِذا تواصوا ... وَسَار بنحرها أسل الرماح حزمة: لحنظلة بن فاتك الْأَسدي وَلها يَقُول: جزتني أمس حزمة سعى صدقٍ ... وَمَا أقفيتها دون الْعِيَال الْحمالَة الصُّغْرَى: لطليحة بن خويلد الْأَسدي وَلها يَقُول:
(6/265)

نصبت لَهُم صدر الْحمالَة إِنَّهَا ... معاودةٌ قيل الكماة: نزال {وَمن خيل بني أَسد: الظليم وظبية ومعروف ومنيحة وناصح. ولبني تَمِيم: الشوهاء: فرس حَاجِب بن زُرَارَة وَلها يَقُول بشر بن أبي خازم. وأفلت حَاجِب تَحت العوالي ... على شوهاء تركع فِي الظراب الحشاء: فرس عَمْرو بن عَمْرو وَكَانَت خُنْثَى وَلها يَقُول جرير: كَأَنَّك لم تشهد لقيطاً وحاجباً ... وَعَمْرو بن عَمْرو إِذْ دَعَا: يال دارم} وَلَوْلَا مدى الحشا وَبعد جرائها ... لقاظ قصير الخطو دامي المراغم ويروى: وَلَا مدى الْخُنْثَى. الرَّقِيب: فرس الزبْرِقَان بن بدر وَهُوَ السَّعْدِيّ. لَهُ يَقُول: أقفي الرَّقِيب أداويه وأصنعه ... عاري النواهق لَا جافٍ وَلَا قفرٌ النباك وحلاب وأثال: لبني حَنْظَلَة، والشيط: من خيل ضبة. والعرادة: فرس كلحية الْيَرْبُوعي وفيهَا يَقُول: تسائلني بَنو جشم بن بكر ... أغراء العرادة أم بهيم؟ هِيَ الْفرس الَّتِي كرت عَلَيْكُم ... عَلَيْهَا الشَّيْخ كالأسد الظليم
(6/266)

يُرِيد الَّذِي يشد فِي الظلام. الْعباب: فرس مَالك بن نُوَيْرَة. وَفِيه يَقُول: تدارك إرخاء الْعباب ومره ... لبون ابْن حبي وَهُوَ أسفان كامد لَازم: فرس سحيم بن وثيل الْيَرْبُوعي، وَفِيه يَقُول ابْنه جَابر: أَقُول لأهل الشّعب إِذْ يسرونني ... ألم تعلمُوا أَنِّي ابْن فَارس لَازم؟ كَامِل: فرس زيد الفوارس الضَّبِّيّ وَفِيه يَقُول العائف الضَّبِّيّ: يَرْمِي بغرة كاملٍ وبنحره ... خطر النُّفُوس وَأي حِين خطار! ذَات الْعَجم، وَذُو الوشوم، ووحفة، وذر الْوُقُوف كلهَا لبني تَمِيم. مبدوعٌ: لِلْحَارِثِ بن ضرار الضَّبِّيّ وَله يَقُول: تشكي الْغَزْو مبدوعٌ وأضحى ... كأشلاء اللجام بِهِ كدوح االجون: لمتمم بن نُوَيْرَة الْيَرْبُوعي وَله يَقُول مَالك أَخُوهُ: وَلَوْلَا داوئي الجون قاظ متمم ... بِأَرْض الخزامي وَهُوَ للذل عَارِف الغراف والسميدع: للبراء بن قيس بن عتاب، وَفِيه يَقُول:
(6/267)

فَإِن يَك عرافٌ تبدل فَارِسًا ... سواي، فقد بدلت مِنْهُ السميدعا المكسر: لعتيبة بن الْحَارِث بن شهَاب وَله يَقُول مَالك بن نُوَيْرَة: وَلَو زهم الأصلاب منا لزاحمت ... عتيبة، إِذْ دمى جبين المكسر شولة: لزيد الفوارس. قصرت لَهُ من صدر شولة إِنَّمَا ... يُنجي من الكرب الكمي المناجد النحام: لسليك بن السلكة وَفِيه يَقُول: كَأَن حوافر النحام لما ... تروح صحبتي أصلا محار المزنوق: لعامر بن الطُّفَيْل وَله يَقُول يَوْم فيف الرّيح، يَوْم فقئت عينه: لقد علم المزنوق أَنِّي أكره ... على جمعهم كرّ المنيح المشهر؟ حذقة: فرس خَالِد بن جَعْفَر وَعَلَيْهَا قتل زُهَيْر بن جذيمة وفيهَا يَقُول: أريغوني إراغتكم فَإِنِّي ... وحذفة كالشجا تَحت الوريد جروة:
(6/268)

لشداد أبي عنترة وَلها يَقُول: فَمن يَك سَائِلًا عني فَإِنِّي ... وجروة لَا تبَاع وَلَا تعار الأبجر: لعنترة وَله يَقُول: لَا تعجلِي، أشدد حزَام الأبجر ... إِنِّي إِذا الْمَوْت دنا لم أضجر الأدهم وَابْن النعامة أَيْضا لعنترة. وَفِي الأدهم يَقُول: يدعوني عنتر، والرماح كَأَنَّهَا ... أشطان بئرٍ فِي لبان الأدهم وَفِي ابْن النعامة: وَيكون مركبك القلوص وَرجله ... وَابْن النعامة يَوْم ذَلِك مركبي وجزة: ليزِيد بِهِ سِنَان بن أبي حَارِثَة. محاج: لمَالِك بن عَوْف النصري وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَدعِي الْأسد الرهيض، وَله يَقُول يَوْم حنين: اقدم محاج إِنَّه يَوْم نكر مثلي على مثلك يحمي ويكر العبيد: فرس الْعَبَّاس بن مرداس الَّذِي يَقُول فِيهِ:
(6/269)

اتجعل نَهْبي وَنهب العبي ... د بَين عُيَيْنَة والأقرع صوبة والصموت: للْعَبَّاس مرداس الَّذِي يَقُول فِيهِ: أَعدَدْت صوبة والصموت ومارنا ... ومفاضة للروع كالسحل الْبَيْضَاء، وقصاف، وزرة، وَالْمصْبح، وزامل، والصيود، وقرزل، والقويس وَسلم: كلهَا لقيٍس. خصاف: لِسُفْيَان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ، وَعَلَيْهَا قتل قولا الْمَرْزُبَان وَضرب بِهِ الْمثل فَقيل: أجرأ من فَارس خصاف. مياس: لشقيق بن جُزْء الْبَاهِلِيّ. السلس: لمهلهل، وَلما قَالَ الْحَارِث بن عباد: قرباً مربط النعامة مني ... لقحت حَرْب وَائِل عَن حِيَال فَقَالَ مهلهل: اركب نعَامَة إِن ... ي رَاكب الساس زيم: للأخنس بن شهَاب التغلبي وَلها يَقُول: هَذَا أَوَان الشد، فاشتدي زيم. الْمُنْكَدر وخميرة والنباك لبني تغلب. العنز: لأبي عفراء بن سِنَان الْمحَاربي، محَارب عبد الْقَيْس وَلها يَقُول:
(6/270)

دلفت لَهَا بصدر العنز لما ... تحامتها الفوارس وَالرِّجَال هراوة، الأعزاب: لعبد الْقَيْس وَلها يَقُول لبيد: تهدي أوائلهن كل طمرةٍ ... جرداء مثل هراوة الأعزاب وَكَانُوا يعطونها العزب مِنْهُم، فيغير عَلَيْهَا، حَتَّى إِذا تأهل أعطوها العزب الآخر. الجون: وَفرس امْرِئ الْقَيْس بن حجر وَله يَقُول: ظللت وظل الجون عِنْدِي مسرجا ... كَأَنِّي أعدي عَن جنَاح قبيض اليحموم: فرس النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَفِيه يَقُول الْأَعْشَى: وَيَأْمُر لليحموم كل عَشِيَّة ... بقت وتعليقٍ، فقد كَاد يستق العطاف: فرس عَمْرو بن معدي كرب. وَله يَقُول: يختب بِي العطاف حول بُيُوتهم ... لَيست عداوتنا كبرق الخلب الهطال: لزيد الْخَيل وَفِيه يَقُول: أقرب مربط الهطال إِنِّي ... أرى حَربًا تلقح عَن حِيَال العطاس:
(6/271)

لعبد الله بن عبد المدان الْحَارِثِيّ وَيَقُول فِيهِ: يخب بِي العطاس رَافع طرفه ... لَهُ ذمراتٌ فِي الْخَمِيس العرمرم الْعَصَا: لجذيمة الأبرش، وَهِي بنت العصية لإياد وَلها قيل: الْعَصَا من العصية وَقيل أَيْضا: يَا ضل مَا تجْرِي بِهِ الْعَصَا، وَيُقَال: إِن قَصِيرا ركبهَا لما صَار جذيمة فِي بِلَاد الرّوم، فركضها فَذكر أَنَّهَا لم تقف إِلَّا على رَأس ثَلَاثِينَ ميلًا، ثمَّ وقفت وبالت، فَبنى على ذَلِك الْموضع برج، فَسُمي برج الْعَصَا. وفيهَا يَقُول عدي: فخبرت الْعَصَا الأنباء عَنهُ ... وَلم أر مثل فارسها هجينا الضبيب: لحسان بن حَنْظَلَة الطَّائِي، حمل عَلَيْهِ كسْرَى حِين انهزم من بهْرَام جوبين فنجا، فَقَالَ حسان بن حَنْظَلَة: تلاقيت كسْرَى أَن يضام وَلم أكن ... لأتركه فِي الْخَيل يعثر رَاجِلا بذلت لَهُ ظهر الضبيب وَقد بَدَت ... مسومةٌ من خيل ترك وكابلا البريت: فرس إِيَاس بن قبيصَة الطَّائِي، وَله يَقُول حَارِثَة بن أَوْس الْكَلْبِيّ. كَأَن استه إِذْ أخطأته رماحنا ... وَفَاتَ البريت لبده يتصبب ذنابي حباري أَخطَأ الصَّقْر رَأسهَا ... فجادت بمكنون من السلح يثعب حومل: لحارثة بن أَوْس الْكَلْبِيّ وَله يَقُول: لَوْلَا جرى حومل يَوْم عذرٍ ... لمزقني وَإِيَّاهَا السِّلَاح
(6/272)

القريط، ونحلة، وساهم: لكندة. وفيهَا يَقُول امْرُؤ الْقَيْس بن عَابس الْكِنْدِيّ: أَرْبَاب نحلة والقريط وساهم ... إِنِّي هُنَالك آلف مألوف مَرْدُود: لرجل من غَسَّان وفيهَا يَقُول ربيعَة بن مقروم الضَّبِّيّ: وَفَارِس مَرْدُود أشاطت رماحنا: وأجزرن مسعوداً ضباعاً وأذؤبا. الضبيح: لخوات بن جُبَير وَفِيه يَقُول يَوْم هوَازن: وعَلى الضبيح صرعت أول فَارس ... أولى فَأولى، يَا بني لحيان الورهاء: فرس قَتَادَة. وَلها يَقُول مَالك بن خَالِد بن الشريد. وأفلتنا قَتَادَة يَوْم ترج ... على الورهاء تطعن فِي الْعَنَان كنزة: لمقعد بن شماس الجذامي وَلها يَقُول: أتأمرني بكنزة أم عَمْرو ... لأشريها؟ فَقلت لَهَا ذَرِينِي الْيَسِير: لأبي النَّضِير السَّعْدِيّ، وَله يَقُول: أَلا أبلغ بني سعد رَسُولا ... بِأَنِّي قد سبقت على الْيَسِير فَإِنِّي واليسير إِذا الْتَقَيْنَا ... لكالمتكافئين على الْأُمُور
(6/273)

الجون: لِلْحَارِثِ بن أبي شمر الغساني، وَله يَقُول عَلْقَمَة بن عَبدة: وَأَقْسَمت لَوْلَا فَارس الجون مِنْهُم ... لآبوا خزايا والإياب حبيب؟ ؟ {العرن: لعمير بن جبل البَجلِيّ وَله يَقُول: يَا لَيْت شعري} وليت أهلكت إرما ... هَل يجزيني بِمَا أبليته العرن؟ هوجل: لِرَبِيعَة بن غزالة السكونِي وَله يَقُول: أَيهَا السَّائِل بهوجل إِنِّي ... قَائِل الْحق فاستمع مَا أَقُول: الهداج: للريب بن الشريق السَّعْدِيّ، وَفِيه قتل شقيقٌ وحرمي: شَقِيق وحرمي أراقا دماءنا ... وَفَارِس هداج أشاب النواصيا العارم: لمنذر بن الأعلم الْخَولَانِيّ. وَله يَقُول: جال بِي العارم فِي مأقطٍ ... يعشى وأغشيه صُدُور العوال نِصَاب: للأحوص بن عَمْرو، والقراع لَهُ أَيْضا وَيَقُول فِيهِ: أرمي المقانب بالقراع مُعْتَرضًا ... معاود الْكر مقداماً إِذا نزقا الغزالة: لمحطم بن الأرقم الْخَولَانِيّ وَلها يَقُول: تجول بِي الغزالة فِي مكر ... كريهٍ، مَا يرام بِضعْف قلب {صعدة: لذؤيب بن هِلَال الْخُزَاعِيّ الكاهن وفيهَا يَقُول يَوْم أخذت مِنْهُ: لعمرك إِنِّي يَوْم حانت بجدةٍ ... وصعدة إِذْ لاقيتهم لذليل} النعامة: لقراص الْأَزْدِيّ وَلها يَقُول:
(6/274)

عرضت لَهُم صدر النعامة أذرعا ... وَلم أرج ذكرا، كل نفسٍ أسوقها الْورْد: لمَالِك بن شُرَحْبِيل وَمِنْه يَقُول الأسعر الْجعْفِيّ: كلما قلت إِنَّنِي ألحق الور ... د تمطت بِهِ صبوحٌ ذنُوب ذُو الريش: لأبي هِنْد الْخَولَانِيّ، وَله يَقُول: لعمري لقد أبقت لذِي الريش بالعدى ... مواسم خزيٍ لَيْسَ تبلى مَعَ الدَّهْر الطيار: لأبي ريسان الْخَولَانِيّ وَله يَقُول: لقد فضل الطيار فِي الْخَيل إِنَّه ... يكر إِذا حامت خُيُول وَيحمل ذُو الْعُنُق: لمقداد بن الْأسود الْكِنْدِيّ: الْجنَاح: لمُحَمد بن مسلمة الْأنْصَارِيّ. العوراء: قيس بن مُعَاوِيَة بن الفاتك، وَكَانَ يعرف بِفَارِس العوراء. الْمُعَلَّى: لأسعر بن أبي حمْرَان الْجعْفِيّ وَفِيه يَقُول: أُرِيد دِمَاء بني مَازِن ... وراق الْمُعَلَّى بَيَاض اللَّبن بهْرَام: للنعمان الْعَتكِي وَله يَقُول: قد جعلنَا بهْرَام للنبل ترسا ... وأجبنا الْمُضَاف حِين دَعَانَا صهبي: للنمر بن تولب العكلي وَلها يَقُول: أيذهب بَاطِلا عدوات صهبي ... وركض الْخَيل تختلج اختلاجاً؟ أطلال: لبكير بن عبد الله بن الشداخ اللَّيْثِيّ وَشهد مَعَ سعد الْقَادِسِيَّة وَيُقَال: إِنَّه لما قطعُوا الجسر الَّذِي على نهر الْقَادِسِيَّة صَاح بهَا وَقَالَ: أطلال فاجتمعت وَوَثَبْت فَإِذا هِيَ من وَرَاء النَّهر وَهزمَ الله بِهِ الْمُشْركين يَوْمئِذٍ، فَيُقَال إِن عرض ذَلِك النَّهر يَوْمئِذٍ أَرْبَعُونَ ذِرَاعا فَقَالَت الْأَعَاجِم: هَذَا أَمر من السَّمَاء.
(6/275)

وَقَالَ فِيهِ الشَّاعِر: لقد غَابَ من خيل بموقان أحجمت ... بكير بن عبد الله فَارس أطلال الحليل: فرس مقسم بن كثير الأصبحي وَله يَقُول: لَيْت الفتاة الأصبحية أَبْصرت ... صَبر الحليل على الطَّرِيق اللاحب الْعُصْفُرِي: لمُحَمد بن يُوسُف أخي الْحجَّاج وَكَانَ من ولد الحرون الصَّرِيح وثادق والغمامة وَقيد، كَانَت لملوك أَبنَاء الْمُنْذر وَلها يَقُول أَبُو داؤد الْإِيَادِي: نجل الغمامة والصريح وثادق ... وَبَنَات قيدٍ نجل كل جواد الشُّعُور: للحبطات وفيهَا يَقُول بَعضهم: فَإِنِّي لن يفارقني مشيحٌ ... نزيع بَين أَعْوَج والشعور خباس وناعق: لبني فقيم، وفيهَا يَقُول دكنين بن رَجَاء الْفُقيْمِي: بَين الخباسيات والأوافق ... وَبَين آل سَاطِع وناعق والأعوجيات وَآل لَاحق رعشن: لمراد وَفِيه قيل: وخيل قد وزعت برعشني ... شَدِيد الْأسر يَسْتَوْفِي الحزاما الصغا: لمجاشع بن مَسْعُود السّلمِيّ: وَكَانَت من نجل الغبراء اشْتَرَاهَا عمر بن الْخطاب بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم، ثمَّ غزا مجاشع، فَقَالَ عمر: تحبس هَذِه بِالْمَدِينَةِ وصاحبها فِي نحر الْعَدو وَهُوَ إِلَيْهَا أحْوج؟ فَردهَا إِلَيْهِ، فنجبت عِنْده وَلَده حَتَّى بعث الْحجَّاج بن يُوسُف فَأَخذهَا بِعَينهَا. القتادي والترياق: للخزرج فِي الْإِسْلَام، وَلَهُمَا يَقُول إِبْرَاهِيم بن بشير
(6/276)

الْأنْصَارِيّ: بَين القتادي والترياق نسبتها ... جرداء معروقة اللحيين سرحوب الحرون: لمُسلم بن عَمْرو الْبَاهِلِيّ اشْتَرَاهُ من رجل من بني هِلَال من نتاجهم وَهُوَ الحرون ابْن الخزز، وَكَانَ مُسلم تزايد هُوَ والمهلب بن أبي صفرَة، على الحرون حَتَّى بلغا بِهِ ألف دِينَار وَكَانَ مُسلم أبْصر النَّاس بفرس،، وصنعة لَهُ، إِنَّمَا كَانَ يلقب بالسائس من بَصَره بِالْخَيْلِ فَلَمَّا بلغ ألف دِينَار، وَقد كَانَ الْفرس أَصَابَهُ مغلة فلصق خاصرتاه، وَكَانَ صَاحبه يبرأ من حرانه، فَقَالَ الْمُهلب: فرس حرونٌ مخطفٌ بِأَلف دِينَار! قيل لَهُ: إِنَّه ابْن عوج. قَالَ: لَو كَانَ أَعْوَج نَفسه على هَذِه الْحَالة مَا سَاوَى هَذَا الثّمن. فَاشْتَرَاهُ مُسلم. ثمَّ أَمر بِهِ فعطش عطشاً شَدِيدا، وَأمر بِالْمَاءِ، فبرد فَشرب مِنْهُ حَتَّى امْتَلَأَ، ثمَّ أَمر رجلا فَرَكبهُ، وركضه حَتَّى ملأَهُ ربواً، فَرَجَعت خاصرتاه، وَسبق النَّاس دهراً، لَا يتَعَلَّق بِهِ فرس، ثمَّ افتحله فَلم ينجل إِلَّا سَابِقًا. وَلَيْسَ فِي الأَرْض جوادٌ من لدن زمن يزِيد بن مُعَاوِيَة ينْسب إِلَّا إِلَى الحرون. نتج البطين والبطان بن البطين، - لم ير مثلهمَا قطّ - والقتادي، وَكَانَت ترسل الْخَيل فيجئ السَّابِق لمُسلم ثمَّ الْمُصَلِّي، ثمَّ توالى لَهُ عشرُون فرسا لَيْسَ لأحد فِيهَا شَيْء، فَلَمَّا مَاتَ مُسلم وَورد الْحجَّاج أَخذ البطين من قُتَيْبَة بن مُسلم، فَبعث بِهِ إِلَى عبد الْملك فوهبه لِابْنِهِ الْوَلِيد، فَسبق النَّاس ثمَّ استفحله فَهُوَ أَبُو الذائد، والذائد أَبُو أشقر مَرْوَان. جلوى: لعبد الرَّحْمَن بن مُسلم هِيَ بنت الحرون لصلبه، وَمن ولد الحرون. مناهب: لبني يَرْبُوع. الضَّيْف: لبني تغلب. حميل: لبني عجل. والبواب: أَخُو الذائد بن البطين. والصاحب: لَغَنِيّ.
(6/277)

والقدح: لَهُم، سبق النَّاس بِالْمَدِينَةِ فِي زمَان عمر بن عبد الْعَزِيز. وغطيف: لعبد الْعَزِيز بن حَاتِم الْبَاهِلِيّ. والعصفري: لمُحَمد بن يُوسُف أخي الْحجَّاج. وَذُو الموتة: لبني سلول اشْتَرَاهُ بشر بن مَرْوَان بِأَلف دِينَار. وَكَانَ بِالْيَمَامَةِ عِنْد الحكم بن عرْعرة فرس يُقَال لَهُ الحموم من نسل الحرون فطلبها مِنْهُ هِشَام بن عبد الْملك، فَقَالَ الحكم: إِن لَهَا حَقًا وصحبةً، وَمَا تطيب نَفسِي عَنْهَا، وَلَكِنِّي أهب لأمير الْمُؤمنِينَ ابْنا لَهَا، سبق النَّاس عَاما أول، وَإنَّهُ لرابض: قَالَ: فَضَحِك الْقَوْم فَقَالَ: وَمَا يُضْحِككُمْ؟ أرسلتها عَاما أول بجو فِي حلبة ربيعَة وَأَنَّهَا لعقوق بِهِ، قد ربض فِي بَطنهَا، فسبقت، فَبعث بِهِ إِلَى هِشَام، فَسبق النَّاس وَمَا أثغر وَإِنَّمَا قَالَ وَهُوَ رابض، لِأَن الْوَلَد لَا يربض فِي بطن الْفرس إِلَّا بعد عشرَة أشهر فَأَرَادَ أَنَّهَا سبقت وَهِي مثقل. الْكُمَيْت، وَرِيش، وذؤاب: لبني المعجب بن سُفْيَان. يَقُول: فِيهَا المرقال: ورثت عَن رب الْكُمَيْت منصبا ... ورثت ريشاً وورثت ذؤابا وَمن سوابق أهل الشَّام من الخارجية، الَّتِي لَا يعرف لَهَا نسب، فرسا عباد بن زِيَاد القطراني، والأعرابي وَمِنْه يَقُول التَّمِيمِي: قدنا من الشَّام إِلَى الْبلدَانِ ... بَنَات الْأَعرَابِي كالعقبان وَفِيمَا تقدم ذكره عدَّة من حر الأفراس، لم ننسبها إِلَى أَرْبَابهَا ونذكرها الْآن فَمن خيل بني أَسد: ظَبْيَة، ومعروف، والمنيحة وناصح. وَأما ظَبْيَة فلهراش وَلها يَقُول: ظننتم أَن ظَبْيَة لن تُؤدِّي ... وَرَأى السوء يزري باللئام ومعروف، لسَلمَة بن هِنْد الغاضري وَله يَقُول:
(6/278)

أكفئ مَعْرُوفا عَلَيْهِم كَأَنَّهُ ... إِذا أَزور من وَقع الأسنة أحرد والمنيحة: فرس دثار بن فقعس الْأَسدي وَلها يَقُول: قرباً مربط المنيحة مني ... شهت الْحَرْب للصَّلَاة سعارا وناصح لفضالة بن هِنْد بن شريك، وَله يَقُول: أناصح شمر للرهان فَإِنَّهَا ... غَدَاة حفاظٍ جمعتها الحلائب أَثَال: لضمرة بن ضَمرَة، وفيهَا يَقُول: وَلَو صادفتني وأثال فِيهَا ... رَأَيْت العَبْد يطعن فِي ذراها والخذواء: للشَّيْطَان بن الحكم الغنوي، وَفِيه يَقُول الطُّفَيْل بن عَوْف: لقد منت الخذواء منا عَلَيْهِم ... وَشَيْطَان إِذْ يدعوكم ويثوب ولبني ضبة الشيط: فرس أنيف بن جبلة الضَّبِّيّ، وَهُوَ جد داحس من قبل أمه فِيمَا يزْعم العبسيون. وَله يَقُول الشَّاعِر: أنيف لقد بخلت بعسب عودٍ ... على جارٍ بضبة مستراد والفينان: فرس قرَابَة بن هقرام الضَّبِّيّ، وَله يَقُول: إِذا الفينان ألحقني بِقوم ... فَلم أقتل، فشل إِذا بناني! وذت الْعَجم: لرجل من بني حَنْظَلَة، وفيهَا يَقُول الزبْرِقَان بن بدر: رزئت أبي وَابْني شريفٍ كليهمَا ... وَفَارِس ذَات الْعَجم تحلو شمائله ذُو الوشوم: لعبد الله بن عداء البرجمي. وَمِنْه يَقُول: أعارض فِي الْحزن عدوا بِرَأْسِهِ ... وَفِي السهل أعلو ذَا الوشوم فاركب وحفة: لعلائة الْحَنْظَلِي وَلها يَقُول: فَمَا زلت أرميهم بوحفة عارضاً ... لَهُم صدرها وحداً أَزْرَق منجل
(6/279)

ذُو الْوُقُوف: لرجل من بني نهشل وَله يَقُول الْأسود بن يعفر: خَالِي ابْن فَارس ذِي الْوُقُوف مطلقٌ ... وَأبي أَبُو أَسمَاء عبد الْأسود ذُو الْخمار: لمَالِك بن نُوَيْرَة، مِنْهُ يَقُول: جزاني دوائي ذُو الْخمار وصنعتي ... على حِين لَا يُقَوي على الْخَيل عالف الشقراء: للرقاد بن الْمُنْذر الضَّبِّيّ وفيهَا يَقُول: إِذا المهرة الشقراء أدْرك ظهرهَا ... فشب الْإِلَه الْحَرْب بَين الْقَبَائِل الْورْد: لاحمر بن جندل بن نهشل وَله يَقُول الشَّاعِر: تجنبتنا بالورد يَوْم رَأَيْتنَا ... يمر كمر الثَّعْلَب المتمطر الْورْد أَيْضا لعامر بن طفيل: وَفِيه قتل يَوْم الرقم. وَلَوْلَا نجاء الْورْد لَا شَيْء غَيره ... وَأمر الْإِلَه لَيْسَ لله غَالب إِذا لسكنت الْعَام نفء ومنعجا ... بِلَاد الأعادي، أَو بكتك الحبائب وجزة: لزيد بن سِنَان بن أبي الحارثة وَلها يَقُول: رميتهم بوجزة إِذْ تواصوا ... وسال بحدها أسل الرماح الْبَيْضَاء: لبحير بن عبد الله بن سَلمَة بن قُشَيْر، وَلها يَقُول: تمطت بِي الْبَيْضَاء بعد اختلاسةٍ ... على دهشٍ، وخلتني لم أكذب قصاف: لزياد بن الْأَشْهب الْقشيرِي. وَلها يَقُول: أَتَانِي بالقصاف وَقَالَ خُذْهُ ... عَلَانيَة فقد برح الخفاء زرة: لمرداس بن أبي عَامر أبي الْعَبَّاس، وفيهَا يَقُول: وَمَا كَانَ تهليلي لدي إِذْ رميتهم ... بزْرَة إِلَّا حاسراً غير معلم المصبح: لعوف بن الكاهن السّلمِيّ، وَله يَقُول:
(6/280)

نصبت لَهُم صدر المصبح بَعْدَمَا ... تدارك ركضٌ مِنْهُم متعاجل زامل: لمرداس بن مُعَاوِيَة السّلمِيّ، وَقيل مُعَاوِيَة بن مرداس أَخُو الْعَبَّاس وَفِيه يَقُول: لعمري لقد أكثرت تَعْرِيض زاملٍ ... لوقع السِّلَاح أَو ليفزع عابرا الصيود: لبني سليم وَمِنْهَا يَقُول عَبَّاس بن مرداس: أَبوهَا للضبيب أَو افتلتها ... ذَوَات السن من آل الصيود العراد: لأبي داؤد الْإِيَادِي واسْمه حَارِثَة بن الْحجَّاج وَلها يَقُول: قرباً مربط العرادة إِن ال ... حَرْب فِيهَا تلاتلٌ وهموم الْحمالَة: لطفيل بن مَالك، ثمَّ صَارَت إِلَى عَامر بن الطُّفَيْل وفيهَا يَقُول سَلمَة بن عَوْف النصري. نجوت بنصل السَّيْف لَا غمد فَوْقه ... وسرج على ظهر الْحمالَة قاتر قرزل: للطفيل بن مَالك أَيْضا، وَيَقُول فِيهِ أَوْس بن حجر: وَالله لَوْلَا قرزل إِذْ نجا ... لَكَانَ مثوى خدك الأخرما القويس: لسَلمَة بن الْحَارِث الْعَبْسِي وَلها يَقُول: عطفت لَهُ صدر القويس وأتقي ... بلين من المزان: أسمر مطرد سلم: لزبان بن سيار الْفَزارِيّ، وَفِيه يَقُول لزيد الْخَيل: مننت فَلَا تكفر بلائي ونعمتي ... وأد كَمَا أداك يَا زيد سلما الْمُنْكَدر: لرجل من بني غنم بن ثَعْلَب، وَله يَقُول المرار: بِبَعِيد قدره ذِي عذرٍ ... صلتانٍ من بناتِ الْمُنْكَدر
(6/281)

خميرة: لشيطان بن مُدْلِج الْجُشَمِي وَلها يَقُول: أَتَتْنِي بهَا تسري خميرة موهناً ... كمسرى الدهيم أَو خميرة أشأم نباك: لمخلد بن شماخ التغلبي وَله يَقُول: فَإِنِّي لن يفارقني نباكٌ ... يرى التَّقْرِيب والتعداء دينا الشموس: ليزِيد بن خذاق وَلها يَقُول: أَلا هَل أَتَاهَا أَن شكة حازمٍ ... عَليّ، وَأَنِّي قد صنعت الشموسا أسامي الأفراس الَّتِي ذَكرنَاهَا ونسبناها إِلَى أَرْبَابهَا أَفْرَاس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: السكب، المرتجز، لزاز، الظرب، واللحيف، واليعسوب. الأفراس الْقَدِيمَة: زَاد الركب، الهجيس، الديناري، أَعْوَج، سبل، فياض، قسَامَة، ذُو العقال، جلوى، حمالَة. أَفْرَاس مُضر وَرَبِيعَة: الْورْد، الْغُرَاب، الْوَجِيه، لَاحق، الذَّهَب، مَكْتُوم، داحس، الغبراء، الحنفاء، قسام، فياض، سوَادَة، الْحمالَة، القريط، اللطيم، مصاد الأجدل، اليعسوب، ذُو اللمة، ثادق، العسجدي، لَاحق الْأَصْغَر، زرة، حزمة، الْحمالَة الصُّغْرَى، الظليم، ظَبْيَة، مَعْرُوف، نَاصح، الشوهاء، الْخُنْثَى، الرَّقِيب، النباك، العرادة، حلاب، أَثَال، نشيط، الخذواء، الشيط، الْعباب، لَازم، كَامِل، ذَات الْعَجم، ذُو الوشوم، وحفة، ذُو الْوُقُوف، مبدوع، الجون، الغراف، شولة، النحام، المزنوق، الحذفة، جروة، الأبجر، وجزة، محاج، العبيد، صونة، الصموت، الْبَيْضَاء، قصاف، المصبح، زامل، الصيود، قرزل، القويس، سلم، خصاف، ميأس، السلس، الْيَسِير، العزاج، نِصَاب، الصَّفَا، النعامة، صهباء، أطلال، الشموس، حباس، مناهب، حميل، البواب، الصاحب، الْقدح، الْعُصْفُرِي، ذُو الموتة، الحموم، الْكُمَيْت، رس، ذؤاب، القطراني، الْأَعرَابِي، الفينان، الْمُنْكَدر، الخميرة، النباك، العنز، هراوة الأعزاب، الورهاء، السميدع، الْوَدِيعَة، الشقراء.
(6/282)

أَفْرَاس الْيمن: الجون، اليحموم، العطاف، الهطال، العطاس، الْعَصَا، العصية، الضبيب، البريت، حومل، مريط، نحلة، شاهر، مودود، الضبيح، كنزة، العارم، العرن، مُوكل، هوجل، القزاع، الغزالة، صعدة، الْورْد، ذُو الريش، الطيار، ذُو الْعُنُق، الحشاء، الْمُعَلَّى، بهْرَام، الْخَلِيل، ثادق، الغمامة، مُرِيد، رعشن، القتاري، الترياق، صهبي، الْخَيل. وَمن الأفراس الَّتِي لم تنْسب إِلَى أَرْبَابهَا،: الأتان، الطيار، الربيب، الْعُرْيَان، الصبيح، مَنْدُوب، اليحموم، الظليم، أم غليط، الْيَسَار، الحفار، الخطار، الصموت، غزلاء، المياس، سبْحَة، الضاوي، الْأَصْفَر، الحواء، الْغُرَاب، الوالقي، الْبَقِيَّة، الطريح.
(6/283)

الْبَاب الْعَاشِر فِيهِ أسامي سيوف الْعَرَب
أسياف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: المخذم، ورسوب، وَأصَاب من سلَاح بني قينقاع ثَلَاثَة أسياف مِنْهَا: سيف قلعي، وَسيف يدعى الحنف، وَسيف يدعى يساراً. أسياف عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ: ذُو الفقار كَانَ للعاص بن مُنَبّه السَّهْمِي قَتله عَليّ رَضِي الله عَنهُ يَوْم بدر وأتى بِسَيْفِهِ فنفله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِيَّاه، وَفِيه قيل: لَا سيف إِلَّا ذُو الفقار، وَلَا فَتى إِلَّا عَليّ وَرُوِيَ أَنه سمع ذَلِك فِي الْهَوَاء يَوْم أحد، وَرُوِيَ أَن بلقيس أَهْدَت إِلَى سُلَيْمَان بن دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام سَبْعَة أسياف. ذُو الفقار، وَذُو النُّون، وضرس الْحمار، والكشوح، والصمصامة، وهذاما، ورسوبا. فَأَما ذُو الفقار: فَكَانَ لمنبه بن الْحجَّاج السَّهْمِي، وَأما الصمصامة وَذُو النُّون فَكَانَا لعَمْرو بن معد يكرب، وَأما مخذم ورسوب فَكَانَا لِلْحَارِثِ بن جبلة الغساني شهد بهَا يَوْم حليمة مُظَاهرا بَين درعين مُتَقَلِّدًا لسيفين فَقَالَ عَلْقَمَة بن عَبدة فِيهِ: مظَاهر سربالي حَدِيد عَلَيْهِمَا ... عقيلاً سيوف مخذم ورسوب فقلدهما الْحَارِث صنماً كَانَ لطيء فِي الْجَاهِلِيَّة يُقَال لَهُ الْفلس وَكَانَ أهل
(6/284)

الْجَاهِلِيَّة يقلدون الْأَصْنَام السيوف فَبعث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عليا رَضِي الله عَنهُ، فهدم الْفلس وَأخذ السيفين، فَقدم بهما على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقيل أَن الْحَارِث كَانَ قلدهما مَنَاة. وَسيف حَمْزَة بن عبد الْمطلب رَضِي الله عَنهُ: الليام، وَفِيه قتل يَوْم أحد وَقتل عُثْمَان ابْن أبي طَلْحَة وَمَعَهُ اللِّوَاء. قد ذاق عُثْمَان يَوْم الْحَد بن أحد ... مَعَ الليام، فأودى وَهُوَ مَذْمُوم سيف عبد الْمطلب الَّذِي وَرثهُ عَن أَبِيه العطشان، وَفِيه يَقُول: من خانه سَيْفه فِي يَوْم ملحمةٍ ... فَإِن عطشان لم ينكل وَلم يخن سيف عبد الرَّحْمَن بن عتاب بن أسيد ولول وَفِيه يَقُول: أَنا ابْن عتاب وسيفي ولول ... وَالْمَوْت دون الْجمل المجلل سيف هُبَيْرَة بن أبي وهب المَخْزُومِي الهذلول وَفِيه يَقُول: وَكم من كمى قد سلبت سلاحه ... وغادره الهذلول يكبو مجدلا سيف الْحَارِث بن هِشَام الأخيرش قَالَ فِيهِ: وجنبت خيلي بنحل وَلَا ونت ... وَلَا لمت يَوْم الروع وَقع الأخيرش نحل: مَوضِع بالأردن. سيف عِكْرِمَة بن أبي جهل النزيف، قَالَ يَوْم بدر وَقد قتل ابْن عفراء: وقبلهما أردى النزيف سميدعا ... لَهُ فِي سناء الْمجد بيتٌ منقب
(6/285)

سيف عمر بن مُحَمَّد بن أبي قيس بن عبدود الْملك قَالَ: إِن الْملك لسيف مَا ضربت بِهِ ... يَوْمًا من الدَّهْر إِلَّا جد أَو كسرا سيف ضرار بن الْخطاب الفِهري، السَّحَاب، قَالَ فِيهِ: فَمَا السَّحَاب غَدَاة الْحر من أحدٍ ... بناكل الْحَد إِذْ عَايَنت غسانا سيف عَمْرو بن الْعَاصِ اللج قَالَ فِي بعض حروب الشَّام: أضربهم باللجحتى يجلو الفجلمن مَشى ودج سيف عمر بن سعد بن أبي وَقاص الملاء قيل فِيهِ: تجرد فِيهَا والملاء بكفه ... وأبيض يعشو من ملاوة الْبَصَر سيف خَالِد بن يزِيد بن مُعَاوِيَة الْعُمر قَالَ: قطعت بهَا مستبطنا تَحت ربطتي ... وَفَوق قَمِيص الْعُمر ذَا شطب عضبا سيوف خَالِد بن الْوَلِيد المرسب وَفِيه يَقُول: ضربت بالمرسب رَأس البطريق عَلَوْت مِنْهُ مجمع الفروق الآؤلق وَفِيه يَقُول:
(6/286)

أضربهم بالآولق ضرب غُلَام ممئنقبصارم ذِي رونق والقرطبا: عَلَوْت بالقرطبا رَأس ابْن مَارِيَة ... عَمْرو، فاصبح وسط الْحَرْب مثلولا وَذُو القرط، وَمِنْه يَقُول: وبذي القرط قد قتلت رجلا ... من كهول طماطم وعراب سيف الْمُخْتَار بن أبي عبيد الثَّقَفِيّ، ذُو الرَّاحَة، قَالَ فِيهِ: رب كمي عَاشَ دهراً مصعباً ... بني عَلَيْهِ الْمجد بَيْتا مُرَتبا علاهُ ذُو الرَّاحَة حَتَّى أجلبا ... تركته فِي دَمه مخضبا سيف حَكِيم بن جبلة الْعَبْدي، الْيَابِس، قَالَ فِيهِ يَوْم الْجمل: أضربهم باليابس ضرب غُلَام عَابس سيف الْحَارِث بن ظَالِم ذُو الْحَيَّات، قَالَ: ضربت بِذِي الْحَيَّات مفرق رَأسه ... وَكَانَ سلامي يحتويه الجماجم والمغلوب وَمِنْه يَقُول: أَنا أَبُو ليلى، وسيفي المغلوب سيف قيس بن زُهَيْر الْعَبْسِي، ذُو النُّون، وَمِنْه يَقُول: سيخبر قومه حَنش بن عَمْرو ... إِذا لاقاهم وابنا بِلَال
(6/287)

ويخبره مَكَان النُّون مني ... وَمَا أَعْطيته عرق الْحَلَال سيف عبد الرَّحْمَن بن سراقَة بن جعْشم الْكِنَانِي، المجر، قَالَ فِيهِ: فَأَضْرب فَحلهَا فهوى صَرِيعًا ... وغادره المجر إِلَى ثَلَاثَة سيف عبد الله بن مسبره الجرشِي، المرهف، قَالَ فِيهِ: عَلَوْت بالمرهف الْمَأْثُور هامته ... فَمَا اسْتَجَابَ لداعيه وَقد سمعا سيف عبد الله بن الْحجَّاج التغلبي، القوط، قَالَ: فَمَا ذممت أخي قوطاً فَأَبْغضهُ ... وَلَا نبا نبوة يَوْمًا فيخزيني سيف عَمْرو بن معد يكرب، ذُو النُّون، قَالَ: وَذُو النُّون الصفي، صفي عَمْرو ... وكل وَارِد الغمرات نابي وصمصامة: قَالَ: خليلٌ لم أهبه عَن قلاه ... وَلَكِن الْمَوَاهِب فِي الْكِرَام سِنَان أَزْرَق لَا عيب فِيهَا ... وصمصامي يصمم فِي الْعِظَام سيف عدي بن حَاتِم الأفل وَفِيه يَقُول: إِنِّي لأبذل طارفي وتلادي ... إِلَّا الافل وشكتي والجرولا سيف معقل الْجراح الجو قَالَ: وَرب قرن عَلَوْت مفرقه ... بالجو فِيهِ كشعلة القبس سيف زيد الْخَيل الطَّائِي القرين وَقَالَ فِيهِ: فَمن يَك أَمْسَى لائماً لكميعة ... فَمَعَ القرين مَا نبا بِي وَلَا نكل سيف قيس بن المكشوح الْمرَادِي، الْمُقَوّم، قَالَ: لَيْسَ الْمُقَوّم حِين أخبرهُ ... يَوْم الْحفاظ بِنَا كل الْحَد سيف الأشر اليم قَالَ يَوْم الْجمل:
(6/288)

مَا خائن اليم فِي مآقط ... وَلَا مشهر إِذا شددت الإزارا على أَنه قد نبا نبوة ... فأجمعت النَّفس مِنْهُ حذارا يَعْنِي، حِين ضرب ابْن الزبير على رَأسه فنباً. سيف بجير بن حَارِثَة بن لَام لِسَان الْكَلْب قَالَ فِيهِ: فَإِن لِسَان الْكَلْب مَانع حوزتي ... إِذا حشدت معن وأفناء بحتر سيف زُهَيْر بن جناب الْكَلْبِيّ اليج قَالَ فِيهِ: ضربت قذاله باليج حَتَّى ... سَمِعت السَّيْف قبقب فِي الْعِظَام سيف عرْفجَة بن سَلامَة الْكَلْبِيّ، اللَّيْل، قَالَ: آتِيك سلمى بَاطِلا ... وَاللَّيْل ذُو الغربين كمعي سيف عبد الرَّحْمَن بن سليم الْكَلْبِيّ، عَابس، قَالَ الفرزدق: إِذا مَا تردى عَابِسا فاض سَيْفه ... دِمَاء وَيُعْطى مَاله أَن تبسما سيف عبد الْملك بن الغافل الْخَولَانِيّ، الخطير وَكَانَ سَيْفا عريضاً، أَخْضَر، فِي معزبه فل. فَلَمَّا ولى الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْيمن، اسْتعْمل روق بن عباد بن مُحَمَّد بن كثير ابْن شهَاب الْخَولَانِيّ، على مخلاف خولان فَقَالَ: حَاجَتي الخطير تهبه لي. فوهبه لَهُ. وَقَالَ ابْن شهَاب: وَلَا ابْتغِي بَدَلا بالخطير ... فَكل بديل بِهِ أَعور سيف أبي الْحُسَيْن بن عَمْرو الْكِنْدِيّ القفزن قَالَ: إِنِّي ابْن الحبر، وسيفي القفزن ... أسبره حجر بن عَمْرو بن هوزن سيف قيس بن معد يكرب القلزم قَالَ:
(6/289)

أَنا ابْن وَقاص وسيفي القلزم ... كم من كميٍّ بطلٍ مُسَوَّم تركته يحكو مكاء الْأَعْجَم سيف الْأَشْعَث بن قيس، التمثال. سيف أَبْرَهَة بن الصَّباح الْحِمْيَرِي، الْعمار، مَكْتُوب فِيهِ: أَنا الْعمار، أضْرب بِي، وَلَا تمار سيف ابْن مرْثَد بن عبس، ذِي جدن، مَكْتُوب فِيهِ: أَنا برثن الْأسد، المفرق بَين الْوَالِد وَالْولد. سيوف الْمُنْذر: القحزنات قَالَ الغوي حِين قَتله الْمُنْذر عبيد بن الأبرص الْأَسدي: دَعَا أسدا والقحزنات تنوشه ... وَمن دونه هضب الرجام فالعنق سيف ابْن ذِي يرحم مَكْتُوب فِيهِ: أَنا ثأر الله من الظَّالِمين. سيف شرحيل، الصقل. سيف عَمْرو بن الْحَيّ الكلَاعِي الحبحاب قَالَ فِيهِ: مقتدار فَمَا قضا ... ك للحبحاب إِذْ وَقعا سيف عَمْرو أبي سَلمَة، الملواح، قَالَ سراقَة الْبَارِقي: إِذا قبضت أنامل كف عَمْرو ... على الملواح واحتدم اللِّقَاء سيف قيس بن الخطيم، ذُو الخرصين، قَالَ: ضربت بِذِي الخرصين رَقَبَة مَالك ... فَأَنت نفسٌ قد أصبت شفاءها سيف مَالك بن كَعْب الْهَمدَانِي ثمَّ الأرحبي، البانك، قَالَ: أَنا أَبُو حَارِث واسمي مَالك من أرحب فِي الْعدَد الضبارك
(6/290)

أمهى غرابيه لنا ابْن فاتك سيف مَالك بن العجلان الْأنْصَارِيّ، الْمسنون، قَالَ: أَنا ابْن عجلَان زعيم الحبين ... عَلَوْت بالمسنون رَأس البطين سيف أبي دُجَانَة سماك بن حَرْب السَّاعِدِيّ، الحت. أَنا سماكٌ وقبيلي سَاعِدَة ... وسيفي الحت ودرعي الزَّائِدَة سيف أبي قَتَادَة الْأنْصَارِيّ الهجوم، وَقَالَ: إِذا كَانَ الهجوم ضجيع جَنْبي ... ورمحي والهراء من العوالي سيف أسيد بن الْحضير الأشْهَلِي الْأَزْرَق قَالَ: أَنا أَبُو يحيى وسيفي الْأَزْرَق ... كم قطّ من جماجم وأسوق سيف ثَابت بن قيس بن شماس، الملوح، قَالَ: فَمن يَك لائماً للسيف مِنْكُم ... فَمَا كَانَ الملوح بالملوم سيف عَامر بن يزِيد بن عَامر الْكِنَانِي، القراقر، لقِيه مكرز بن حَفْص من بني معيص وَكَانَ عَامر قد قتل أَخَاهُ فَابْتَدَرَهُ بِالسَّيْفِ فَأَخذه وعلاه بِهِ حَتَّى قَتله وَقَالَ: وأيقنت أَنِّي إِن أَجله بضربة ... مَتى مَا أصبه بالقراقر يعطب سيف عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ، ذُو الوشاح، أَخذه من ابْنه عبد الله بصفين يَوْم قتل وَفِيه قَالَ: إِذا كَانَ سَيفي ذَا الوشاح ومركبي ... الظليم فَلم يطلّ دم أَنا طَالبه سيف زَمعَة بن الْأسود بن الْمطلب، لِسَان الْكَلْب، صَار لِابْنِهِ عبد الله وَبِه قتل هدبة بن خشرم، وَقَالَ المسود بن الوباك لما قَتله: لِسَان الْكَلْب قطع ويل ثَأْرِي ... فَأذْهب غلي، وشفيت نَفسِي سيف زيد بن الحارثة الْكَلْبِيّ الغريف قَالَ فِيهِ: سَيفي الغريف وَفَوق جلدي نثرةٌ ... من صنع دَاوُد لَهَا أزرار
(6/291)

سيف عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل، الشَّقِيق، أَرَادَهُ مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ على بَيْعه واثمن لَهُ فَأبى وَقَالَ: آلَيْت لَا أشري الشَّقِيق برغبةٍ ... معاوي، إِنِّي بالشقيق ضنين وَقَالَ الْجَرِير للفرزدق: فَلَو بشقيق النَّوْفَلِي ضَربته ... لقسمته وَالسيف لَيْسَ بناكل وَلَكِن بِسيف الْقَيْن سبحك غَالب ... ضربت بِهِ بأشر حاف وناعل سيف خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ أَبُو أحيحة، ذعلوق، قَالَ: إِنِّي سعيد ووشاحي ذعلوق ... أعلو بِهِ هَامة كل بطرِيق سيف سعيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل، الفائز، وَآخر اسْمه، الْخَيل، قَالَ: أضْرب بالفائز وَالْخَيْل، ضرب كريم ماجد بهْلُول سيف خَالِد بن المُهَاجر بن خَالِد بن الْوَلِيد، ذُو الْكَفّ، قَالَ: سل ابْن أثالٍ هَل عَلَوْت قذاله ... بِذِي الْكَفّ حَتَّى خر مِنْهُ موسد؟
(6/292)

الْبَاب الْحَادِي عشر نَوَادِر الْأَعْرَاب
دخل أَعْرَابِي الْبَصْرَة فِي يَوْم جُمُعَة، وَالنَّاس فِي الصَّلَاة، فَرَكَعَ مَعَهم فرجموه، فَرفع يَده، وَلَطم الَّذِي يَلِيهِ، وَأخذ يزاحم وَيَقُول فِي صلَاته: ترحماني بحذاءٍ من حمى ... عبل الذراعين، شَدِيدا ملطما ولى يُوسُف بن عمر أَعْرَابِيًا عملا لَهُ فَأصَاب عَلَيْهِ خِيَانَة فَعَزله، فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: يَا عَدو الله أكلت مَال الله، قَالَ: فَمن مَال من آكل إِذن. كَانَت فِي وَكِيع بن أبي سود أعرابية وهوجٌ شَدِيد، فَقَالَ يَوْمًا وَهُوَ يخْطب: إِن الله خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتّ سِنِين، فَقَالَ بعض جُلَسَائِهِ: فِي سِتَّة أَيَّام. فَقَالَ: قلت الأولى وَإِنِّي لأستقلها. وَصعد الْمِنْبَر فَقَالَ: إِن ربيعَة لم تزل غضاباً على الله مُنْذُ بعث نبيه فِي مُضر، أَلا وَإِن ربيعَة قوم كشف، فَإِذا لقيتموهم فأطعنوا الْخَيل فِي مناخرها، فَإِن فرسا لم يطعن فِي منخره إِلَّا كَانَ أَشد على فارسه من عدوه. ورؤي بَعضهم فِي شهر رَمَضَان نَهَارا يَأْكُل فَاكِهَة، فَقيل لَهُ: مَا تصنع؟ قَالَ: سَمِعت الله يَقُول: " كلوا من ثمره إِذا أثمر " وَخفت أَن أَمُوت من قبل أَن أفطر، فَأَكُون عَاصِيا. قيل لآخر: مَا يمنعك أَن تمنع جارتك، فَإِنَّهُ يتحدث إِلَيْهَا فتيَان؟ قَالَ: وَهِي طائعةٌ أَو كارهة؟ قَالُوا: طَائِعَة. فَقَالَ: أما امْتنعت جارتي مِمَّا تكره؟ قَالَ: لما صرفت اليمانية من أهل مزة المَاء عَن أهل دمشق، ووجهوه إِلَى
(6/293)

الصَّحَارِي كتب إِلَيْهِم أَبُو الهيذام: يَا أهل مزة، ليمسينني المَاء أَو لتصبحنكم الْخَيل؟ قَالَ: فوافاهم المَاء قبل أَن يعتموا فَقَالَ أَبُو الهيذام: الصدْق يني عَنْك لَا الْوَعيد. قيل لأعرابي من طَيئ: أَبَا مرأتك حَبل؟ فَقَالَ: لَا، وَذُو بَيِّنَة فِي السَّمَاء، مَا أَدْرِي، مَا لَهَا ذَنْب تشتال بِهِ، وَلَا آتيها إِلَّا وَهِي ضبعة. وقف أَعْرَابِي فَسَأَلَ قوما، فَقَالُوا: عَلَيْك بالصيارفة فَقَالَ: هُنَاكَ وَالله قرارة اللؤم. خطب عتاب بن وَرْقَاء فَحَث على الْجِهَاد وَقَالَ: هَذَا كَمَا قَالَ الله عز وَجل. كتب الْقَتْل والقتال علينا ... وعَلى الغانيات جر الذيول وخطب وَالِي الْيَمَامَة فَيُقَال: إِن الله لَا يَأْخُذ عباده على الْمعاصِي، وَقد أهلك أمة عَظِيمَة فِي نَاقَة مَا كَانَت تَسَاوِي مِائَتي دِرْهَم. خطب عدي بن وتاد الْإِيَادِي فَقَالَ: أَقُول لكم كَمَا قَالَ العَبْد الصَّالح " مَا أريكم إِلَّا مَا رأى وَمَا أهديكم إِلَّا سَبِيل الرشاد " قَالُوا لَيْسَ هَذَا قَول العَبْد الصَّالح، إِنَّمَا هُوَ من قَول فِرْعَوْن، فَقَالَ: وَمن قَالَه، فقد أحسن. سمع أَعْرَابِي سُورَة بَرَاءَة فَقَالَ: يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا آخر الْقُرْآن، قيل لَهُ: وَلم؟ قَالَ: رَأَيْت عهوداً تنبذ. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: صلى أَعْرَابِي فَأطَال الصَّلَاة، وَإِلَى جَانِبه نَاس فَقَالُوا: مَا أحسن صلَاته! فَقطع صلَاته وَقَالَ: وَأَنا مَعَ هَذَا صَائِم. اسْتشْهدُوا أَعْرَابِيًا على رجل وَامْرَأَة، فَقَالَ: رَأَيْته قد تقمصها، يحفزها بمؤخره، ويجذبها بمقدمه، وخفي عَليّ المسلك.
(6/294)

رفع أَعْرَابِي يَده بِمَكَّة فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر لي قبل أَن يدهمك النَّاس. وَكَانَ أَعْرَابِي بِالْيَمَامَةِ والياً على المَاء، وَإِذا اخْتصم إِلَيْهِ اثْنَان، وأشكل عَلَيْهِ الْقَضَاء حبسهما جَمِيعًا حَتَّى يصطلحا، وَيَقُول: زَوَال اللّبْس أَو الْحَبْس. رأى أَعْرَابِي رقاقة فَقَالَ: مَا هَذِه؟ قَالُوا: خبْزَة مرققة، قَالَ: فيكف تُؤْكَل؟ قَالُوا: تلف وتؤكل قَالَ: فَمَا عناؤكم ببسطها؟ سمع أَعْرَابِي الْمُغيرَة بن شُعْبَة يَقُول: من زنا تسع زنيات وَعمل حَسَنَة وَاحِدَة محيت عَنهُ التسع، وكتبت لَهُ الْوَاحِدَة، فَقَالَ الْأَعرَابِي: فَهَلُمَّ نتجر فِي الزِّنَا. وجد أَعْرَابِي مرْآة وَكَانَ قبيحاً، فَنظر فِيهَا وَرَأى وَجهه فاستقبحه، فَرمى بهَا وَقَالَ: لشر مَا طرحك أهلك. الْعُتْبِي: كَانَ مجالساً لرجل من بني الْحجاز، فَقَالَ يَوْمًا: نظرت فِي جنسي، فَلم أَجِدهُ فأصابتني هجنة إِلَّا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِمَا السَّلَام، فَقُلْنَا لَهُ: هَذَا أَنْت الْآن صَرِيح، وَإِسْمَاعِيل هجين فأيكما أشرف؟ قَالَ: فَمسح سباله وَقَالَ: أما أَنا فَلَا أَقُول شَيْئا. ولي أَعْرَابِي تبَالَة فَصَعدَ الْمِنْبَر، فَلَا حمد الله وَلَا أثنى عَلَيْهِ، حَتَّى قَالَ: اللَّهُمَّ أصلح عَبدك، وخليفتك أَنِّي أَنْت، إِن الْأَمِير أصلحه الله ولاني عَلَيْكُم وأيم الله مَا أعرف من الْحق مَوضِع سَوْطِي هَذَا، وَإِنِّي وَالله لَا أُوتِيَ بظالم وَلَا مظلوم إِلَّا ضَربته حَتَّى يَمُوت. شهد آخر عِنْد بعض الْوُلَاة على رجل بِالزِّنَا فَقَالَ لَهُ: أشهد أَنَّك رَأَيْته كالميل فِي المكحلة، فَقَالَ الْأَعرَابِي: لَو كنت جلدَة استها مَا شهِدت بهَا. تغدى أَعْرَابِي مَعَ قوم فَأتى بخلال قلبه ثمَّ قَالَ: وأصنع بِهَذِهِ الصيصية مَاذَا؟
(6/295)

جلس أَعْرَابِي وأعرابية، طائي وطائية، فأكلا من التَّمْر، وشربا من اللَّبن فَقَالَ الرجل: أَنَحْنُ أشْبع يَا أم فلَان أم مُعَاوِيَة؟ فَقَالَت: نَحن أشْبع، وهم أكسى؟ ؟ ؟ ؟ {ركب شيخ من بني تَمِيم سفينة وَمَعَهُ ابْن لَهُ، وَفِي السَّفِينَة جمَاعَة نسبهم الشَّيْخ فَإِذا كلهم من الأزد، فَأخذ الشَّيْخ حَدِيدَة، وَجعل ينقر بهَا السَّفِينَة فَقَالَ لَهُ ابْنه: يابَهْ مَا تصنع؟ قَالَ: أخرقها، قَالَ: إِذا تغرق} قَالَ: يَا بني: أَلا ترْضى أَن أغرق أَنا وَأَنت وَثَمَانِية عشر رجلا من الأزد؟ {. كَانَ أَعْرَابِي إِذا تَوَضَّأ، غسل وَجهه قبل استه، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: لَا أبدأ بالخبيثة قبل الطّيبَة. قَالَ بَعضهم: أتيت لخماً وجذاماً، فَكَانُوا يقدمُونَ الْعَرُوس، فصلى بهم سَبْعَة أَيَّام، فَقلت لَهُم: مَا هَذِه السّنة؟ قَالُوا: أما سَمِعت الله يَقُول فِي كِتَابه: كَاد الْعَرُوس أَن يكون ملكا. قَالَ الْأَصْمَعِي: عذلت أَعْرَابِيًا فِي الْكَذِب، فَقَالَ: وَالله إِنِّي لأسمعه من غَيْرِي، فيدار بِي من شَهْوَته. كَانَ بعض الْأَعْرَاب يَأْكُل وَمَعَهُ بنوه، فَجعلُوا يَأْخُذُونَ اللَّحْم من بَين يَدَيْهِ فَقَالَ: يَا بني إِن الله تَعَالَى يَقُول: " فَلَا تقل لَهما إفٍ وَلَا تنهرهما "، وَلِأَن تَقولُوا لي أُفٍّ ألف مرّة، إِذْ فِي كل مرّة سَبْعُونَ انتهاراً، أَهْون عَليّ مِمَّا تَفْعَلُونَ. قَالَ بَعضهم: سَمِعت أَعْرَابِيًا يَقُول فِي صلَاته: أَغفر لي ولمحمد فَقَط، وَأَسْأَلك تَعْجِيل حسابي قبل أَن يهْلك الْخلق. قيل لأعرابي: مَا طعم اللَّبن؟ قَالَ: طعم الْخَيْر. قَالَ أَعْرَابِي: خطب منا رجل مغموز امْرَأَة مغموزة فَقيل لوَلِيّ الْمَرْأَة: تعمم لكم فزوجتموه، فَقَالَ: إِنَّا تبرقعنا لَهُ، قبل أَن يتعمم لنا. قدم بَعضهم الصَّلَاة على امْرَأَة كَانَت فَاسِدَة فَقَالَ فِي الدُّعَاء: اللَّهُمَّ} إِنَّهَا كَانَت تسيء خلقهَا، وتعصي بَعْلهَا، وتبذل فرجهَا، وتحزن جارها، فحاسبها حسابا أدق من شعر استها! .
(6/296)

ولي أَعْرَابِي الْبَحْرين فَجمع الْيَهُود فَقَالَ لَهُم: مَا تَقولُونَ فِي عِيسَى؟ قَالُوا: قَتَلْنَاهُ وصلبناه؛ فَقَالَ: لَا تخْرجُوا من السجْن حَتَّى تُؤَدُّوا دِيَته. قيل لأعرابي: أتعرف أَبَا عَمْرو؟ قَالَ: وَكَيف لَا أعرفهُ؟ وَهُوَ متربع فِي كَبِدِي، يَعْنِي الْجُوع. خرج الْمهْدي يتصيد فغار بِهِ فرسه حَتَّى دفع إِلَى خباء أَعْرَابِي فَقَالَ: يَا أَعْرَابِي: هَل من قرى؟ قَالَ: نعم، وَأخرج لَهُ فضلَة من ملةٍ فَأكلهَا، وفضلةً من لبن فِي كرش فَسَقَاهُ، ثمَّ أَتَاهُ نبيذٍ فِي زكرةٍ، فَسَقَاهُ قَعْبًا، فَلَمَّا شرب الْمهْدي قَالَ: أَدْرِي من أَنا؟ قَالَ: لَا وَالله، قَالَ: أَنا من خدم الْخَاصَّة، قَالَ: بَارك الله لَك فِي موضعك، ثمَّ سقَاهُ آخر، فَلَمَّا شربه قَالَ: يَا أَعْرَابِي أَدْرِي من أَنا؟ قَالَ: نعم زعمت أَنَّك من خدم الْخَاصَّة، قَالَ: لَا بل أَنا من قواد أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ: رَحبَتْ بلادك، وَطَالَ مزارك، ثمَّ سقَاهُ قدحاً آخر ثَالِثا، فَلَمَّا فرغ مِنْهُ قَالَ: يَا أَعْرَابِي أَتَدْرِي من أَنا؟ قَالَ: زعمت أخيراً أَنَّك من قواد أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: لَا وَلَكِنِّي أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَأخذ الْأَعرَابِي الزكرة فأوكاها وَقَالَ: وَالله لَئِن شربت الرَّابِع لتقولن: إِنَّك لرَسُول الله، فَضَحِك الْمهْدي وأحاطت بهم الْخَيل وَنزل أَبنَاء الْمُلُوك والأشراف، فطار قلب الْأَعرَابِي فَقَالَ لَهُ: لَا بَأْس عَلَيْك، وَأمر لَهُ بصلَة فَقَالَ: أشهد أَنَّك صَادِق وَلَو ادعيت الرَّابِعَة لَخَرَجت مِنْهَا. رَأَوْا أَعْرَابِيًا يَبُول فِي الْمَسْجِد، فصاحوا إِلَيْهِ فَقَالَ: أَنا وَالله أفقه مِنْكُم، إِنَّه مَسْجِد باهلة. وَقيل لآخر: لم لَا تشتري الْبِطِّيخ؟ قَالَ: لَا وَالله لَا أَشْتَرِي حَتَّى يبلغ من رخصه أَن يكون من تنَاول من بَائِعه بطيخة، وَعدا، رَمَاه بِأُخْرَى. لزم أَعْرَابِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة حَتَّى سمع مِنْهُ ثَلَاثَة آلَاف حَدِيث، ثمَّ جَاءَ يودعه فَقَالَ لَهُ سُفْيَان: يَا أَعْرَابِي! مَا أعْجبك من حديثنا؟ قَالَ: ثَلَاثَة أَحَادِيث: حَدِيث عَائِشَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يحب الْحَلْوَاء وَيُحب الْعَسَل، وَحَدِيث عَلَيْهِ
(6/297)

السَّلَام إِذا وضع الْعشَاء وَحَضَرت الصَّلَاة فأبدأوا بالعشاء، وَحَدِيث عَائِشَة عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَيْسَ من الْبر الصَّوْم فِي السّفر. دخل أَعْرَابِي على يزِيد بن الْمُهلب، وَهُوَ فِي فرَاشه وَالنَّاس سماطان فَقَالَ: كَيفَ أصبح الْأَمِير؟ قَالَ يزِيد: كَمَا تحب. فَقَالَ: لَو كنت كَمَا أحب، كنت أَنْت مَكَاني، وَأَنا مَكَانك. فَضَحِك. وَقيل لأعرابي: لم يُقَال للْعَبد: باعك الله فِي الْأَعْرَاب؟ قَالَ: لأَنا نجيع كبده، ونعري جلده، ونطيل كده. توفّي ابْن لأعرابي، فَعَزاهُ بعض إخوانه فَقَالَ لانتهم الله فِي قَضَائِهِ فَقَالَ: وَالله لَا أتهم غَيره، وَلَا ذهب بِابْني سواهُ. قيل لأعرابي: فِي خلَافَة من ولدت؟ قَالَ: فِي خلَافَة يُوسُف بن عمر أَو كسْرَى بن هُرْمُز وَأَعُوذ بِاللَّه أَن أَقُول على الله إِلَّا حَقًا! قَالَ الْأَصْمَعِي: رَأَيْت أَعْرَابِيًا يرفع على والٍ ضربه فَقَالَ: وَالله إِنَّه ليقبل الرِّشْوَة، وَيَقْضِي بالعشوة، ويطيل النشوة، وَلَقَد بنى جماماً زندقةً وَكفرا. قدم إِلَى أَعْرَابِي كامخ فَقَالَ: مِم يعْمل هَذَا؟ قَالُوا: من اللَّبن وَالْحِنْطَة، قَالَ: أصلان كريمان، لكنهما مَا أنجبا. قَالَ ابْن قريعة: سمع أَعْرَابِي قَارِئًا يقْرَأ الْقُرْآن " الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم "، وَقَوله عز وَجل: " تخشع قُلُوبهم لذكر الله " فَقَالَ الْأَعرَابِي: اللَّهُمَّ لَا تجعلني مِنْهُم، فَقيل لَهُ: وَيحك لم قلت هَذَا؟ قَالَ: لَوْلَا أَنهم قوم سوء، لم توجل قُلُوبهم. قَالَ الْأَصْمَعِي: أصابتنا السَّمَاء بالبدو فنزلنا بعض أخبية بني نعيم، وَفِيهِمْ عروس فَلَمَّا حضرت الصَّلَاة قدموه فصلى بهم، وَكَانَ ذَلِك سنتهمْ أَن يقدموا
(6/298)

الْعَرُوس سَبْعَة أَيَّام، فَقلت لَهُم: مَا هَذِه السّنة؟ قَالُوا: أوما سَمِعت الله يَقُول: كَاد الْعَرُوس أَن يكون ملكا. مر أَعْرَابِي بِقوم من الْيَهُود فَقَالَ: وَيْلكُمْ أَلا تسلمون، أَلا تأنفون مِمَّا أنزل الله فِيكُم وعيركم بِهِ؟ قَالُوا: يَا أَعْرَابِي، وَمَا الَّذِي أنزلهُ فِينَا؟ قَالَ قَوْله: أَلا لعنة الله على الْيَهُود، إِن الْيَهُود إخْوَة القرود، قَالُوا: فَإِن الَّذِي أنزل فِيكُم أعظم من هَذَا، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالُوا قَوْله: " الْأَعْرَاب أَشد كفرا ونفاقاً " فَقَالَ: يَا أخوتاه، مَكْذُوب علينا وَعَلَيْكُم. وَأخذ رجل ينْكح شَاة، فَرفع إِلَى الْوَالِي وَكَانَ أَعْرَابِيًا، فَقَالَ الرجل: يَا قوم أوليس الله يَقُول: " أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم " وَالله مَا ملكت يَمِيني غَيرهَا، فخلى عَنهُ وحد الشَّاة، وَقَالَ: الْحُدُود لَا تعطل، فَقَالَ إِنَّهَا بَهِيمَة، فَقَالَ: لَو وَجب حكم على بَهِيمَة وَكَانَت أُمِّي وأختي لحددتهما. قَالَ بَعضهم: وليت مخلافاً من مخاليف الْيمن فَأتيت بشيخ كَبِير فَقلت: أمسلم أَنْت؟ قَالَ: بلَى، قلت: أتعرف النَّبِي؟ قَالَ: بَلغنِي أَنه كَانَ رجلا صَالحا، قلت: فَابْن من كَانَ؟ قَالَ: لَا وَالله مَا أَدْرِي، إِلَّا أَنِّي أَظُنهُ رَهْط معن بن زَائِدَة. أصَاب أَعْرَابِي سروالاً وَهُوَ لَا يدْرِي مَا هُوَ، فَأَخذه فَأدْخل يَده فِي رجل السروال وَبَقِي رَأسه دَاخِلا، وَجعل يقلب وَلَيْسَ يدْرِي كَيفَ يلْبسهُ، فَلَمَّا أعياه، رمى بِهِ وَقَالَ: مَا أَظن هَذَا إِلَّا من قمص الشَّيْطَان. وَقيل لأعرابي: إقرأ: لم يكن فَقَالَ: مَا وددت أَن أحس مَا كَانَ فَكيف مَا لم يكن؟ قَالَ الْأَصْمَعِي: نزلنَا على الْمِيَاه، فَإِذا أعرابية نَائِمَة، فأنبهناها للصَّلَاة، فَأَتَت المَاء فَوَجَدته بَارِدًا فتركته، وتوجهت إِلَى الْقبْلَة وَهِي قَاعِدَة، فكبرت ثمَّ قَالَت: اللَّهُمَّ إِنِّي قُمْت إِلَيْك وَأَنا عجلى، وَصليت وَأَنا كسلى، فَاغْفِر لي مَا ترى، عدد الثرى، قبل غَيْرِي وَمَا جرى، قَالَ: فعجبنا، فَقلت: يَا هَذِه، لَيست هَذِه بِصَلَاة، قَالَت: يَا عَم، إِنَّهَا وَالله صَلَاتي مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة.
(6/299)

قَالَ: تقدم أَعْرَابِي للصَّلَاة فَقَرَأَ: الْحَمد لله ثمَّ قَالَ: قد أَفْلح من هم فِي صلَاته، وَأخرج الْوَاجِب من زَكَاته، أطْعم الْمِسْكِين من نخلاته، وجانب الْفُحْش وفاعلاته، وحافظ على بعيره وشاته، الله أكبر، فَضَحِك من كَانَ خَلفه فَقَالَ: أَنِّي ضحكتم؟ وَالله لقد علمتني عَجُوز لنا أدْركْت النَّبِي؛ يَعْنِي مُسَيْلمَة. كَانَ أَعْرَابِي إِذا تَوَضَّأ بَدَأَ بِوَجْهِهِ فَغسله، ثمَّ غسل فرجه، وَيَقُول: لَا أبدأ بالخبيثة. قَالَ الْأَصْمَعِي: حضرت الصَّلَاة، فَقَالَ أَعْرَابِي: حَيّ على الْعَمَل الصَّالح، قد قَامَ الْفَلاح، ثمَّ قَامَ يُصَلِّي، وَقَالَ: اللَّهُمَّ احفظ لي حسبي ونسبي، واردد على ضالتي، واحفظ هملي وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله. قَالَ: وَقَامَت امْرَأَة تصلي فَقَرَأت: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من شَرّ قُرَيْش وَثَقِيف، وَمن شَرّ مَا جمعت من اللفيف، وَأَعُوذ بك من حر ملك أمره، وَعبد مَلأ بَطْنه، الله أكبر. وقف أَعْرَابِي يسْأَل شَيْئا فَقيل لَهُ: يَا أَعْرَابِي، هَل لَك فِي خير مِمَّا تطلب؟ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تعلمنا سُورَة من الْقُرْآن، قَالَ: وَالله إِنِّي لَا أحسن مِنْهَا مَا إِن حفظت كفاني، أحسن مِنْهُ خمس سور، قَالَ: فَقُلْنَا اقْرَأ، فَقَرَأَ: الْحَمد لله، وَإِذا جَاءَ نصر الله، وَإِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر. ثمَّ سكت، فَقُلْنَا لَهُ: هَذِه ثَلَاثَة فَأَيْنَ الثنتان؟ قَالَ: إِنِّي وهبتهما لِابْنِ عَم لي، يُرِيد أَنِّي علمتهما إِيَّاه، وَلَا وَالله أَعُود فِي شَيْء وهبته أبدا. خَاصم أَعْرَابِي امْرَأَته إِلَى السُّلْطَان فَقيل لَهُ: مَا صنعت؟ قَالَ: خيرا،
(6/300)

تجاثينا لركبنا قبلا، فأكبها الله لوجهها، وَلَو أَمر بِي إِلَى السجْن. قَالَ: سَمِعت أَعْرَابِيًا يَدْعُو مَادًّا يَده عِنْد الْكَعْبَة وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ إِن كنت ترى يدا أكْرم مِنْهَا، فاقطعها. صعد بَعضهم الْمِنْبَر فِي عمله يخْطب فَقَالَ: وَالله لَئِن أكرمتموني أكرمتكم، وَإِن أهنتموني لتكونن أَهْون عَليّ من ضرطتي هَذِه، وضرط. قيل لأعرابي: أتعرف الْأَنْبِيَاء؟ قَالَ: أَي وَالله، إِنِّي بهم لعالم، قَالُوا: فسمهم، قَالَ: لَا تمسكوا مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ، وَعِيسَى، ومُوسَى، وأمسكوا فِرْعَوْن، وَالله مَا الثَّنَاء عَلَيْهِ بِحسن، ولوطاً وَالله أهل الْبَادِيَة يكْرهُونَ فعله، وَلَكِن أهل الْعرَاق لَا يرَوْنَ بِهِ بَأْسا. وَقَالَ: رَأَيْت أَعْرَابِيًا من طَيئ، وَهُوَ يتَوَضَّأ للصَّلَاة وَلَا يحسن، فَقلت: يَا أَعْرَابِي مَا هَذَا الْوضُوء؟ قَالَ: يَا جَاهِل! أما سَمِعت الله يَقُول فِي مُحكم كِتَابه: من شدد على عبَادي شددت عَلَيْهِ. وَقيل لأعرابي: كَيفَ أَصبَحت؟ قَالَ: بِخَير. فَقَالَ لَهُ آخر: كَيفَ أَصبَحت؟ قَالَ: كَمَا أخْبرت هَذَا. وَشهد أَعْرَابِي عِنْد عَامل على رجل، فَقَالَ الْمَشْهُود عَلَيْهِ: لَا تقبل شَهَادَته فَإِنَّهُ لَا يقْرَأ من كتاب الله شَيْئا قَالَ: بلَى، قَالَ: فاقرأ، فَقَالَ: بنونا بَنو أَبْنَائِنَا وبناتنا ... بنوهن أَبنَاء الرِّجَال الأباعد فَقَالَ القَاضِي: إِنَّهَا لمحكمة، قَالَ الْمَشْهُود عَلَيْهِ: تعلمهَا وَالله البارحة. قَالَ رَأَيْت أَعْرَابِيًا يتَيَمَّم فَقَالَ: وَالله إِنِّي لأكْره عَادَة السوء. قَالَ: بَلغنِي أَن أعرابيين كَانَا يطوفان بِالْبَيْتِ، فَكَانَ أَحدهمَا يَقُول: اللَّهُمَّ
(6/301)

هَب لي رحمتك، فَأغْفِر لي، فَإنَّك تَجِد من تعذبه غَيْرِي، وَلَا أجد من يرحمني غَيْرك. فَقَالَ صَاحبه: اقصد حَاجَتك وَلَا تغمز بِالنَّاسِ. أقبل عُيَيْنَة بن حصن الْفَزارِيّ قبل إِسْلَامه إِلَى الْمَدِينَة. فَلَقِيَهُ ركب خَارِجين مِنْهَا، فَقَالَ لَهُم: أخبروني عَن هَذَا الرجل، يَعْنِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالُوا لَهُ: النَّاس فِيهِ ثَلَاثَة: رجل أسلم فَهُوَ مَعَه يُقَاتل قُريْشًا وَالْعرب، ورجلٌ لم يسلم فَهُوَ يقاتله، وَبينهمْ الترابح، وَرجل يظْهر لَهُ الْإِسْلَام إِذا لقِيه، وَيظْهر لقريش أَنه مَعَهم: قَالَ: مَا يُسمى هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: المُنَافِقُونَ، قَالَ: لَيْسَ فِيمَن وصفتم أحزم من هَؤُلَاءِ، أشهدكم أَنِّي من الْمُنَافِقين. قَالَ الْأَصْمَعِي: مر أَعْرَابِي بِقوم يختصمون فِي مسيل مَاء، فَقَالَ: فيمَ يختصمون؟ قَالُوا: فِي مسيل مَاء. قَالَ: وَالله مَا بلت فِي مَوضِع مرَّتَيْنِ. قَالَ: وَشَكتْ أعرابية زَوجهَا فِي صَوَاحِب لَهَا فَقُلْنَ لَهَا: طلقيه، فَقَالَت: أشهدن أَنه طَالِق، فَقُلْنَ لَهَا: ثني فَقَالَت: اشهدن أَنه طَالِق، فَقُلْنَ لَهَا ثُلثي فَقَالَت: اشهدن أَنِّي طَالِق ثَلَاثًا، فاختصموا إِلَى وَالِي المَاء، فتكلمت فَقَالَ: إيهاً أَفِي ثَلَاث لَا يجوز فيجازيك، الزمي الطَّرِيق المهيع، ودعي ببنات الطَّرِيق، وانتعلي الْمَيِّت، كَيفَ قلت؟ قَالَت: قلت هُوَ طَالِق ثَلَاثًا، قَالَ: فتفكر الْوَالِي سَاعَة، ثمَّ قَالَ: أَرَاك تحلين لَهُ، وَلَا أرَاهُ يحل لَك. حضر أَعْرَابِي مَجْلِسا يتذاكرون فِيهِ قيام اللَّيْل فَقيل لَهُ: يَا أَبَا أُمَامَة أتقوم بِاللَّيْلِ؟ قَالَ أَي وَالله، قَالُوا: فَمَا تصنع؟ قَالَ: أبول فأرجع. قيل لآخر: أَي بنيك الثَّلَاثَة أثقل؟ فَقَالَ: لَيْسَ بعد الْكَبِير أثقل من الصَّغِير إِلَّا الْوَسِيط. اغتاب أَعْرَابِي رجلا، ثمَّ الْتفت فَرَآهُ فَقَالَ: لَو كَانَ خيرا مَا حَضرته. ولي الْمُهلب بعض الْأَعْرَاب كورة بخراسان وعزل والياً كَانَ بهَا، فَلَمَّا وردهَا الْأَعرَابِي، صعد الْمِنْبَر، فَحَمدَ الله، وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: أَيهَا الناص اقصدوا لما أَمركُم الله بِهِ فَإِنَّهُ عز وَجل رغبكم فِي الْآخِرَة الْبَاقِيَة وزهدكم فِي الدُّنْيَا الفانية فرغبتم فِي هَذِه. وزهدتم فِي تِلْكَ، فيوشك أَن تفوتكم الفانية وَلَا
(6/302)

تحصل لكم الْبَاقِيَة فتكونوا كَمَا قَالَ الله لَا ماءك أبقيت، وَلَا حرك أنقيت. واعتبروا بِهَذَا الْمَعْزُول عَنْكُم، كَيفَ سعى وَجمع فَصَارَ ذَلِك كُله إِلَيّ، على رغم من أَنفه، وَصَارَ كَمَا قَالَ الله فِي مُحكم كِتَابه: أنعمي أم خَالِد ... رب ساعٍ لقاعد أَتَى أَعْرَابِي برقاقة فتأملها ثمَّ قَالَ: لقد سحقك الدَّهْر. قدم إِلَى أَعْرَابِي كامخ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قيل: كامخ. فَقَالَ: من كمخ بِهِ؟ وَذَلِكَ أَنهم يَقُولُونَ: كمخت الْبَقَرَة إِذا تلطت. وَاجْتمعَ اثْنَان مِنْهُم على كامخ فَقَالَ أَحدهمَا: خيرا وَرب الْكَعْبَة، وذاقه الآخر فاستطابه فَقَالَ: أَحْسبهُ خبز الْأَمِير. دخل أَعْرَابِي على سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَبَين يَدَيْهِ فالوذج فَقَالَ: مَا هَذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: هَذَا شَيْء من أكله مَاتَ، قَالَ: أَفلا أذوقه {قَالَ: ذقه، فذاقه وشمر عَن ساعده، وَجعل يَأْكُل وَيَقُول: أوصيكم بعيالي خيرا. مر أَعْرَابِي بقرص سفود وَقد سقط من بعض الْحَاج فَأَخذه فَلَمَّا نظر إِلَى وَسطه رمى بِهِ وَقَالَ: من سلح عَلَيْك؟ لَا حياك الله. قَالَ الْأَصْمَعِي: سمع أَعْرَابِي وَاحِدًا يقْرَأ: " هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا " فَقَالَ: وَأَبِيك، إِنِّي لأعرف هَؤُلَاءِ الْقَوْم بنعتهم فَقيل لَهُ: وَمن هم} قَالَ: الَّذين يثردون، وَيَأْكُل غَيرهم. قدم أَعْرَابِي رجلا إِلَى القَاضِي واستعدى عَلَيْهِ، وَتقدم شَاهِدَانِ فَقَالَا: نشْهد أَنه قد ظلم الْأَعرَابِي، فَقَالَ الْأَعرَابِي: كذبا، مَا ظَلَمَنِي وَلكنه لوى حَقي. نظر بعض الْأُمَرَاء إِلَى أَعْرَابِي كَانَ قَائِما بَين يَدَيْهِ نظرا شَدِيدا، فَقَالَ الْأَعرَابِي: لقد هم الْأَمِير لي بِخَير؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فبشرٍ! قَالَ: لَا، قَالَ:
(6/303)

فالأمير إِذا مَجْنُون! . قَالَ النَّضر بن شُمَيْل: مَا شيت أَبَا جَابر الْأَعرَابِي فَرَأى بقْعَة شمس فَرمى بِنَفسِهِ فِيهَا فَقلت: مَالك؟ قَالَ: الشَّمْس، قلت: أوتعجبك؟ قَالَ: هِيَ أدفأ ثِيَابِي. قَالَ: وسمعته يَقُول: اللَّهُمَّ اسقنا شمساً. قيل لَهُ: إِنَّمَا يُقَال هَذَا فِي الْغَيْث، قَالَ: أَنا إِلَى الشَّمْس أعطش. قيل لأعرابي: أَلا تغزو؟ فَإِن الله قد أنذرك فَقَالَ: وَالله إِنِّي لأبغض الْمَوْت على فِرَاشِي فِي عَافِيَة، فَكيف أَن أمضي إِلَيْهِ ركضاً. حكى أَنه أولم رجل وَلِيمَة، فحضرها أَعْرَابِي، وَجعل يَأْكُل وَلَا يرفع رَأسه، حَتَّى حَضَره الفالوذج فَرفع رَأسه فَنظر إِلَى شيخ معتزلٍ عَن الْقَوْم فَقَالَ: مَا بَال شَيخنَا لَا يَأْكُل؟ قيل إِنَّه صَائِم، فَقَالَ: وَمَا أحوجه إِلَى الصَّوْم؟ قَالَ: طلب الْمَغْفِرَة والفوز بِالْجنَّةِ، فَقَالَ الْأَعرَابِي: فَإِذا نَالَ الْجنَّة أفتراه يطعم فِيهَا أطيب من الفالوذج. ركب أَعْرَابِي بحيرة، فَقيل لَهُ: إِنَّهَا حرَام لَا يحل ركُوبهَا، قَالَ: يركب الْحَرَام من لَا حَلَال لَهُ. قدم أَعْرَابِي إِلَى وَالِي، ليشهد على رجل بِالزِّنَا، فَقَالَ لَهُ الْوَالِي: بِمَ تشهد؟ قَالَ: رَأَيْت هَذَا دَائِم الأفكل كَأَنَّمَا هُوَ عسالة عسل تلسب خصييه وَالْمَرْأَة سطيحة تَحْتَهُ، وَهِي تغط غطيط الْبكر، ولعابها يهمع، وَالله أعلم بِمَا وَرَاء ذَلِك. وَسُئِلَ أَبُو المغوار، وَقد تقدم ليشهد مثل ذَلِك فَقَالَ: رَأَيْت امْرَأَة صرعى، وَرجل يُقَوي فوه على فِيهَا، ومسربته على مسربتها، والقنب غَائِب واليافعان يضربان بَين المسفعة وَهُوَ يردي باسته وَالله أعلم بِمَا وَرَاء ذَلِك. دخل أَعْرَابِي سوق النخاسين يَشْتَرِي جَارِيَة فَلَمَّا اشْتَرَاهَا وَأَرَادَ الِانْصِرَاف، قَالَ النخاس: فِيهَا ثَلَاث خِصَال، فَإِن رضيت وَإِلَّا فدعها، قَالَ: قل: قَالَ: إِنَّهَا
(6/304)

رُبمَا غَابَتْ أَيَّامًا ثمَّ تعود إِذا طلبت، قَالَ: كَأَنَّك تَعْنِي أَنَّهَا تأبق قَالَ: نعم، قَالَ: لَا عَلَيْك أَنا وَالله أعلم النَّاس بأثر الذَّر على الصَّفَا، فلتأخذ أَي طَرِيق شَاءَت فَإنَّا نردها، ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ: إِنَّهَا رُبمَا نَامَتْ فقطرت مِنْهَا القطرة بعد القطرة، قَالَ: كَأَنَّك تَعْنِي أَنَّهَا تبول بالفراش؟ قَالَ: نعم، قَالَ: لَا عَلَيْك فَإِنَّهَا لَا تتوسد عندنَا إِلَّا التُّرَاب، فلتبل كَيفَ شَاءَت، ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ: أَنَّهَا رُبمَا عبثت بالشَّيْء تَجدهُ عندنَا، قَالَ: كَأَنَّك تَعْنِي أَنَّهَا تسرق مَا تَجِد.؟ قَالَ: نعم قَالَ: لَا عَلَيْك فَإِنَّهَا وَالله مَا تَجِد مَا يقوتها، فَكيف مَا تسرقه، وَأخذ بِيَدِهَا وَانْطَلق بهَا. قيل لأعرابي: أَيَسُرُّك أَنَّك نَبِي؟ قَالَ: لَا. قيل: وَلم.؟ قَالَ: يطول سَفَرِي، وأهجر دَار قومِي، وأنذر بِالْعَذَابِ عشيرتي، قيل لَهُ: فيسرك أَنَّك خَليفَة؟ قَالَ: لَا، قيل: وَلم؟ قَالَ: ينقص عمري وَيكثر تعبي، وَلَا تكبروني، أَمْشِي وحدي، قيل: أَيَسُرُّك أَن تدخل الْجنَّة وَأَنت باهلي؟ قَالَ: على أَن لَا يعرف فِيهَا نسبي. سمع أَعْرَابِي قوما يَقُولُونَ: إِذا كَانَ للْإنْسَان على شحمة أُذُنه شعر كَانَ دَلِيلا على طول عمره، فَضرب يَده على شحمة أُذُنه فَوجدَ عَلَيْهَا شعرًا فَقَالَ: أَنا بِاللَّه وَبِك. قيل لأعرابي مَا ترى يصنع الْخَلِيفَة فِي مثل هَذَا الْيَوْم الشَّديد الْبرد. قَالَ: تَجدهُ قد أَخذ لحم جزورٍ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، وقدرة تمر بِيَدِهِ الْيُسْرَى، وَبَين يَدَيْهِ قَصْعَة لبن، وَقد اسْتقْبل الشَّمْس بِوَجْهِهِ، واحتبى بكسائه فيكدم هَذَا مرّة وَهَذِه مرّة ويتحسى من اللَّبن مرّة. وقفت أعرابية على قوم يصلونَ جمَاعَة فَلَمَّا سجدوا صاحت وَقَالَت: صعق النَّاس وَرب الْكَعْبَة. قيل لأعرابي: أتعرف إِبْلِيس؟ قَالَ: أما الثَّنَاء عَلَيْهِ فسيء، وَالله أعلم بسريرته. وَدخل آخر مَسْجِدا وَالْإِمَام يقْرَأ: " حرمت عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير " فَقَالَ الْأَعرَابِي: والكامخ فَلَا تنسه أصلحك الله. وَسمع آخر رجلا يقْرَأ: " وَفِي السَّمَاء رزقكم وَمَا توعدون " فَقَالَ: يَا بن عَم، إِنَّه لبعيد سحيق.
(6/305)

قَالَ الْأَصْمَعِي: صلى بِنَا أَعْرَابِي بالبادية فَقَالَ الْحَمد لله، بفصاحة وَبَيَان، ثمَّ قَالَ: ثَبت مَا يُوسُف ذَوي ماءٍ وَلَا غلَّة، فَأصْبح فِي قَعْر الرَّكية ثاوياً. ثمَّ ركع، فَقلت: يَا أَعْرَابِي، لَيْسَ هَذَا من الْقُرْآن قَالَ: بلَى وَالله، لقد سَمِعت كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ. قَالَ: وَقَرَأَ آخر وَالضُّحَى " بِقِرَاءَة حَسَنَة حَتَّى بلغ إِلَى قَوْله: " ألم يجدك يَتِيما فأوى " قَالَ: وَإِن هَؤُلَاءِ العلوج يَقُولُونَ: قَالَ " ووجدك ضَالًّا فهدى " لَا وَالله مَا أقولها فَمَا أَنا ضال، الله أكبر. وَقَرَأَ آخر: " إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح " ثمَّ ارتج عَلَيْهِ، وَجعل يُكَرر فَلم يذكر الْآيَة فَالْتَفت فِي صلَاته وَقَالَ لمن وَرَاءه: قد بقيت عَليّ آيَة لَا أذكرها، وَلَكِنِّي سآتيكم بِآيَة خير مِمَّا نسيت وَهِي: " مُحَلِّقِينَ حجاجاً " الله أكبر. قَالَ: وَسمعت آخر وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ هَب لي مَا مضى من سيئ عَمَلي، فَإِن عدت فلك الْخِيَار فِيمَا وهبت لي. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت أَعْرَابِيًا فِي بعض أَيَّام الصَّيف قد جَاءَ إِلَى نهر، وَجعل يغوص فِي المَاء، ثمَّ يخرج ثمَّ يغوص أَيْضا، وَيخرج وَكلما خرج مرّة، حل عقدَة من عقدٍ فِي خيطٍ كَانَ مَعَه، قلت: مَا شَأْنك؟ قَالَ: جنابات الشتَاء أحصيهن كَمَا ترى وأقضيهن فِي الصَّيف. وَسُئِلَ آخر عَن مَسْأَلَة من الْفَرَائِض ففكر سَاعَة، ثمَّ قَالَ: انْظُرُوا هَل مَاتَ مَعَ هَذَا الْمَيِّت أحد من قرَابَته؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: إِن الْفَرِيضَة لَا تصح لَا بِمَوْت آخر. وَقدم إِلَى أَعْرَابِي موز فَجعل يقلبه وَيَقُول: لَا أَدْرِي، مِمَّن أتعجب، مِمَّن خاطه، أَو مِمَّن حشاه.!
(6/306)

قيل لآخر: هَل فِي بَيْتك دَقِيق؟ فَقَالَ: لَا. وَالله، وَلَا جليل. قيل لأعرابية: مَا صفة الأير عنْدكُمْ؟ فَقَالَت: عصبَة ينْفخ فِيهَا الشَّيْطَان فَلَا يرد أمرهَا. وشربت أعرابية نبيذاً، فسكرت، وَقَالَت: لبَعض الْحَاضِرين: أيشرب هَذَا نِسَاؤُكُمْ.؟ قَالَ: نعم، قَالَت: لَئِن صدقت، مَا يدْرِي أحدكُم من أَبوهُ. قَالَ بَعضهم: سَأَلت أَعْرَابِيًا عَن شهر رَمَضَان، كَيفَ صاموه. فَقَالَ: تجرد منا ثَلَاثُونَ رجلا، وأنذرناه فِي يَوْم وَاحِد. مَاتَ لأعرابي ابْن صَغِير فَقيل: هَذَا شفيعك يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ: هلكنا وَالله، هُوَ أضعفنا حجَّة، وأقطعنا لِسَانا، وليته يقوم بِأَمْر نَفسه. شرب أَعْرَابِي لَبَنًا، وَابْنه على يسَاره وَرجل آخر عَن يَمِينه، فسقى ابْنه قبل الرجل، فَقيل لَهُ: السّنة أَن تَسْقِي من عَن يَمِينك فَقَالَ: قد علمت أَنه أحب إِلَيّ من السّنة. قيل لأعرابي أتخاف أحدا قَالَ: نعم، الذِّئْب فِي الْبَادِيَة، والشرطى فِي الحضرة. صلى أَعْرَابِي خلف إِمَام قَرَأَ: " قل أَرَأَيْتُم إِن أهلكني الله وَمن معي " فَقَالَ: أهْلكك الله وَحدك مَا ترد إِلَّا من مَعَك. قيل لآخر: مَالك لَا تغزو الرّوم؟ قَالَ: أخْشَى أَن أقتل وَلَا يطْلب بِثَأْرِي. سقط أَعْرَابِي عَن بعيره فانكسر بعض أضلاعه، فَأتى الجابر يستوضفه فَقَالَ: خُذ تمر شَهْرَيْن فانزع أقماعه ونواه واعجنه بِسمن، واضمد عَلَيْهِ، فَقَالَ الْأَعرَابِي: تمن؟ قَالَ: خباء خلق فِي أَرض قفر وجله، فِي أَسْفَلهَا تمر، وكلب إِذا أمْطرت السَّمَاء يزاحمني فِي الْبَيْت. قيل لأعرابي: كَيفَ أكلك؟ قَالَ: كَمَا لَا يحب الْبَخِيل. سَأَلَ رجل من بني تَمِيم عَن رجل فَقيل لَهُ: دَعَاهُ ربه، فَأجَاب، فَقَالَ: وَلم أجَاب؟ لَا أجَاب، أما علم أَن الْمَوْت إِحْدَى المهالك؟ .
(6/307)

جَاءَ أَعْرَابِي الْحَضَر وَكَانَ يَوْم جُمُعَة، فَرَأى النَّاس فِي الْجَامِع، فَقَالَ لبَعْضهِم: مَا هَذَا؟ وَكَانَ الْمَسْئُول مَاجِنًا، قَالَ: هَذَا يَدْعُو إِلَى طَعَام، قَالَ: فَمَا يَقُول صَاحب الْمِنْبَر؟ قَالَ: يَقُول مَا يرضى الْأَعْرَاب أَن يَأْكُلُوا، حَتَّى يحملوا مَعَهم، فتخطى الْأَعرَابِي رِقَاب النَّاس، حَتَّى دنا من الإِمَام فَقَالَ: يَا هَذَا إِنَّمَا يفعل مَا تَقول سفهاؤنا. جَاءَ آخر إِلَى صيرفي بدرهم، فَقَالَ الصَّيْرَفِي: هَذَا الستوق، قَالَ: وَمَا الستوق؟ قَالَ: دَاخله نُحَاس، وخارجه فضَّة، فَكَسرهُ فَلَمَّا رأى النّحاس قَالَ: بِأبي أَنْت، أشهد أَنَّك تعلم الْغَيْب. وَجَاء آخر إِلَى السُّوق بدرهم يَشْتَرِي بِهِ تَمرا، فَقيل لَهُ مثل ذَلِك، فَقَالَ: أعطوني بِالْفِضَّةِ تَمرا، وبالنحاس زيتاً. نزل عطار يَهُودِيّ بعض أَحيَاء الْعَرَب وَمَات، فَأتوا شَيخا لَهُم لم يكن يقطع فِي الْحَيّ أَمر دونه فأعلموه خبر الْيَهُودِيّ، فجَاء فَغسله وكفنه، وَتقدم وَأقَام النَّاس مَعَه، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن هَذَا الْيَهُودِيّ جَاءَ وَله ذمام، فأمهلنا نقضي ذمامه، فَإِذا صَار فِي لحده فشأنك والعجل. مر أَعْرَابِي وَفِي يَده رغيف، بِغُلَام مَعَه سيف، فَقَالَ لَهُ: يَا غُلَام، بِعني هَذَا السَّيْف بِهَذَا الرَّغِيف قَالَ: وَيلك أمجنون أَنْت؟ قَالَ الْأَعرَابِي: لعن الله شرهما فِي الْبَطن. قيل لأعرابي: هَل تعرف من النُّجُوم شَيْئا؟ قَالَ: مَا أعرف مِنْهَا إِلَّا بَنَات نعش، وَلَو تفرقن مَا عرفتهن. عض ثَعْلَب أَعْرَابِيًا، فَأتى راقياً، فَقَالَ لَهُ الراقي: مَا عضك؟ قَالَ: كلب؛ واستحى أَن يَقُول ثَعْلَب، فَلَمَّا ابْتَدَأَ يرقيه، قَالَ: اخلط بِهِ شَيْئا من رقية الثَّعْلَب. سُئِلَ آخر عَن حَاله مَعَ عشيقته فَقَالَ: مَا نلْت مِنْهَا محرما، غير أنني إِذا هِيَ بَالَتْ بلت حَيْثُ تبول.
(6/308)

قَالَ بَعضهم: صليت الْغَدَاة فِي مَسْجِد باهلة بِالْبَصْرَةِ، فَقَامَ أَعْرَابِي فَسَأَلَ، فَأمر لَهُ إنسانٌ مِنْهُم بِرَغِيفَيْنِ فرآهما صغيرين رقيقين، فَلم يأخذهما، وَمضى، وَجَاء برغيفٍ كبيرٍ حسنٍ فَقَالَ لباهلة: استفحلوا هَذَا الرَّغِيف لخبزكم فَلَعَلَّهُ ينجب. دخل أَعْرَابِي الْحمام وَفِيه نبطي، فَبَال الْأَعرَابِي وضرط، فَقَالَ النبطي: باسم هان الله، قَالَ الْأَعرَابِي: يَا ابْن الخبيثة، فِيكُم ضراطي، أحسن من سبيحك. قَرَأَ إِمَام فِي صلَاته: " إِذا الشَّمْس كورت " فَلَمَّا بلغ إِلَى قَوْله: " فَأَيْنَ تذهبون " أرتج عَلَيْهِ، فَجعل يُرَدِّدهَا وَكَانَ خَلفه أَعْرَابِي مَعَه جرابه، فَلَمَّا طَال عَلَيْهِ الْأَمر، وَلم يكن ينبعث. تقدم الْأَعرَابِي فصفعه بالجراب، وَقَالَ: أما أَنا فَإِنِّي كلواذي، وَهَؤُلَاء الكشاخنة لَا أَدْرِي أَيْن يذهبون. {أَبُو زيد: قلت لأعرابي: أَتَقْرَأُ من الْقُرْآن شَيْئا؟ قَالَ: مَا أنْشد مِنْهُ حرفا. تفاخر قوم بكبر الأيور، فَقَالَ أَعْرَابِي حضرهم: لَو كَانَ ذَلِك فخراً، لَكَانَ الْبَغْل من قُرَيْش. سَأَلَ أَعْرَابِي عَن أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكرُوا لَهُ، حَتَّى انْتَهوا إِلَى ذكر مُعَاوِيَة فَقَالُوا: إِنَّه كَانَ كَاتبه، فَقَالَ: أَفْلح وَرب الْكَعْبَة، فَإِن الْأُمُور بيد الْكَاتِب. سمع أَعْرَابِي قَوْله تَعَالَى: " وَفِي السَّمَاء رزقكم وَمَا توعدون " فَقَالَ: وَأَيْنَ السّلم؟} وَقَرَأَ بَعضهم فِي صلَاته: إِنَّا بعثنَا نوحًا فَقيل لَهُ: إِنَّمَا هُوَ أرسلنَا، فَقَالَ: مَا بَينهمَا إِلَّا لجاجك.
(6/309)

وَقَرَأَ آخر: فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره، وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره فَقيل لَهُ: غيرت فَقَالَ: خذا صدر هرشي أَو قفاها فَإِنَّهُ ... كلا جَانِبي هرشي لَهُنَّ طَرِيق صلى آخر بِقوم وَجعل يردد: " أَرَأَيْتُم إِن أهلكني الله وَمن معي ". فَقَالَ أَعْرَابِي من خَلفه: أهْلكك الله وَحدك، مَا تُرِيدُ إِلَّا من مَعَك. قيل لأعرابي: أَيهمَا أحب إِلَيْك: أَن تلقى الله ظَالِما أَو مَظْلُوما؟ فَقَالَ: بل ظَالِما قيل. وَلم؟ قَالَ: وَمَا عُذْري إِذا قَالَ لي: خلقتك قَوِيا، ثمَّ جِئْت تستعدي. {سَأَلَ أَعْرَابِي عبد الْملك فَقَالَ: سل الله فَقَالَ: قد سَأَلته فأحالني عَلَيْك، فَضَحِك وَأَعْطَاهُ. سمع أَعْرَابِي يَقُول: أَتَرَى هَذِه الْأَعَاجِم تنْكح نِسَاءَنَا فِي الْجنَّة؟ فَقَالَ لَهُ آخر: ذَلِك بأعمالهم الصَّالِحَة، فَقَالَ: تُوطأ إِذا رقابناً وَالله قبل ذَلِك. وَكَانَ آخر يَدْعُو فَيَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر للْعَرَب خَاصَّة، وللموالي عَامَّة، فَأَما الْعَجم فهم عبيدك وَالْأَمر إِلَيْك. أكل أَعْرَابِي قرشياً فَقيل لَهُ: مَا تَأْكُل.؟ فَقَالَ: فالوذج، إِلَّا إِنَّكُم قد حمصتموه بعدِي. امْتنع أَعْرَابِي من غسل الْيَد بعد الْأكل، وَقَالَ: فقد رِيحه كفقده.} قيل لآخر: هَل تعرف التُّخمَة.؟ فَقَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ أَن يمتلئ الْإِنْسَان من الطَّعَام حَتَّى يُؤْذِيه وَلَا يشتهيه، قَالَ: وَهل يكون إِلَّا فِي الْجنَّة؟ ! قيل لآخر اشْتَدَّ بِهِ الوجع: لَو تبت؟ فَقَالَ: لست مِمَّن يُعْطي على الضيم، إِن عوفيت تبت.
(6/310)

طلبُوا يَوْمًا هِلَال شهر رَمَضَان فَقَالَ لَهُم أَبُو مهدية: كفوا فَمَا طلب أحد عَيْبا إِلَّا وجده. خرجت من وَاحِد مِنْهُم ريح، وَحَضَرت الصَّلَاة، فَقَامَ يُصَلِّي، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ: لَو أوجبت على نَفسِي الْوضُوء بِكُل ريح تخرج مني، لخلتموني ضفدعاً أَو حوتاً. قَالَ الْأَصْمَعِي: سَمِعت أَبَا غرارة يَقُول: من أكل سبع موزات وَشرب من لبن الأوارك، تجشأ بخور الْكَعْبَة. قَالَ هِشَام بن عبد الْملك، من يسبني وَلَا يفحش، هَذَا الْمطرف لَهُ، فَقَالَ لَهُ أَعْرَابِي حضر: ألقه يَا أَحول. فَقَالَ هِشَام: خُذْهُ قَاتلك الله. دخل أَعْرَابِي الْمخْرج، فَخرج مِنْهُ صَوت، فَجعل فتيَان حَضَرُوهُ يَضْحَكُونَ مِنْهُ فَقَالَ: يَا فتيَان هَل سَمِعْتُمْ شَيْئا فِي غير مَوْضِعه! . قَالَ الْأَصْمَعِي: قيل لأبي المخش: كَيفَ كَانَ ابْنه المخش؟ قَالَ: كَانَ أشدق خرطمانياً، إِذا تكلم سَالَ لعابه كَأَنَّمَا ينظر من قُلَّتَيْنِ كَأَن ترقوته بوان أَو خالفةٌ، وَكَأن مَنْكِبه كركرة جمل ثفال، فَقَأَ الله عَيْني هَاتين إِن كنت رَأَيْت بهما أحسن مِنْهُ، قبله وَلَا بعده. وَقَالَ أَبُو المخش: كَانَت لي ابْنة تجْلِس معي على الْمَائِدَة فَتبرز كفا كَأَنَّهُ صلفةً فِي ذِرَاع كَأَنَّهُ جمارة، فَلَا تقع عينهَا على أَكلَة نفيسةٍ إِلَّا خصتني بهَا، فزوجتها، وصرت أَجْلِس مَعَ ابْن لي على الْمَائِدَة، فيبرز كفا كَأَنَّهَا كرنافة ذِرَاع كَأَنَّهُ كربَة فوَاللَّه مَا إِن تسبق عَيْني إِلَى لقْمَة طيبَة إِلَّا سبقت يَده إِلَيْهَا. ذكر أَن رجلا من الأزد كَانَ يطوف بِالْبَيْتِ وَهُوَ يَدْعُو لأمه وَلَا يذكر أَبَاهُ، فعوتب فَقَالَ: هَذِه ضعيفةٌ وَأبي رجل، فَقَالَ: باهلي؟ قَالَ: أُعِيذك بِاللَّه من ذَاك قَالَ: أَي وَالله وَأَنا مَعَ ذَاك مولى لَهُم فَأقبل الْأَعرَابِي يقبل يَدَيْهِ ويتمسح بِهِ، فَقَالَ
(6/311)

لَهُ الرجل: لم تفعل ذَلِك؟ قَالَ: لِأَنِّي أَثِق بِأَن الله عز وَجل لم ينلك بِهَذَا فِي الدُّنْيَا، إِلَّا وَأَنت من أهل الْجنَّة. وروى أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِنِّي جَائِع فأطعمني، فَقدم لَهُ لقْمَة من سلت وَقَالَ لَهُ سم وكل، يَا أَعْرَابِي، فَأكل حَتَّى شبع، وَبقيت مِنْهَا بَقِيَّة، فَقَالَ الْأَعرَابِي للنَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: إِنَّك لرجل صَالح. قيل لأعرابي: مَا اسْم المرق عنْدكُمْ؟ قَالَ: السخين. قيل: فَإِذا برد؟ قَالَ: لَا ندعه حَتَّى يبرد. قَالَ بَعضهم: أبقيت جاريةٌ للحي فَقيل لنا: إِنَّهَا عِنْد بني أبي الحلاج، فَأَتَيْته وَقلت لَهُ: إِن جَارِيَة من الْحَيّ أبقت، وبلغنا أَنَّهَا عِنْد بنيك، فَقَالَ: حَتَّى أنظر، فَدخل ثمَّ خرج فَقَالَ: هِيَ عِنْدهم، فأوردوا قَلِيلا لمخجونها بخجات ثمَّ ندفعها إِلَيْكُم. ذكر أَعْرَابِي امْرَأَة وَزوجهَا بالحدة فَقَالَ: هِيَ قداحة وَزوجهَا حراق. قيل لأعرابي: أتعرفون التُّخمَة عنْدكُمْ؟ قَالَ: نعم، هِيَ كثيرةٌ عندنَا، قيل: وَمَا هِيَ، قَالَ: يصبح الْإِنْسَان وَكَأن بَنَات الْبَقر تلحس فُؤَاده، يَعْنِي الْجُوع. قيل لأعرابي من بني تَمِيم: أَيهمَا أحب إِلَيْك أَن تلقى الله ظَالِما أَو مَظْلُوما، قَالَ: لَا بل ظَالِما وَالله، قَالُوا: سُبْحَانَ الله أَتُحِبُّ الظُّلم، قَالَ فَمَا عُذْري إِن أَتَيْته مَظْلُوما. يَقُول: خلقتك مثل الْبَعِير الصَّحِيح ثمَّ تَأتِينِي تعصر عَيْنك وتشتكي.؟ ؟ ؟
(6/312)

الْبَاب الثَّانِي عشر أَمْثَال الْعَامَّة
بَاعَ كرمه وَاشْترى معصرةً. بَاعَ الدَّوَاء وَاشْترى رمكة. إِن كَانَ معلم وَإِلَّا فدحرج. من صير نَفسه نخالة، أَكلته الدَّجَاج. اصبر من خلد الْحداد. أنذل من فأر السجْن. من أنْفق وَلم يحْسب، خرب بَيته، وَلم يعلم. المنخل جَدِيد سَبْعَة أَيَّام. ينيك الْمولى، ويفرح الْخصي. الْفُضُولِيّ دخل النَّار. مَا فرحنا بإبليس، فَكيف بأولاده؟ ! مَا رضياه نديم، صَار زوج أم. اسْكُتْ بخرا فِي حق. كَأَنَّهُ حر قد تحسى كشكية.
(6/313)

لَيْسَ لِلْأَمْرِ بِصَاحِب، من لم ينظر فِي العواقب. انفلت كل إِنْسَان يتهجى مَا يَشْتَهِي. حِين تقلين تدرين. الحائك إِذا بطر، سمى ابْنَته سمانة. عَاص غاص، أخرج إحره. ببطرٍ يلْعَب الشَّرّ. الشَّيْطَان يدْرِي من ربه، وَلَكِن، تحتر نَفسه. الشَّيْطَان يعدو بِلَا منشور، فيكف إِذا سجل لَهُ. أول الدن دردي. شبرٌ من ألية الْحمل، خير من ثَلَاثَة أَذْرع من ذَنْب الثور. اللَّيْلَة فِي الْبَريَّة من البلية. سف السويق، وَنفخ البوق لَا يَجْتَمِعَانِ. الحولاء مَعَ العور الملوزة الْعَينَيْنِ. كَادَت الْجدّة أَن تكون عروساً. الرّيح تصفق الْأَبْوَاب، والأبواب تصفق الْحِيطَان، والبلية على صَاحب الدَّار. الْحجر يجاز، والعصفور مجَاز. فلَان كالكعبة، يزار وَلَا يزور. الجل خير من الْفرس. الساجور خير من الْكَلْب.
(6/314)

الجل خير من الغرب. إِذا أَرَادَ الله إهلاك النملة، أنبت لَهَا جناحين. شَرّ السّمك الَّذِي يكدر المَاء. حق من كتب بالمسك، أَن يخْتم بالعنبر. اخْرُج الطمع من قَلْبك قبل أَن تحل الْقَيْد من رجلك. من غضب بِلَا شَيْء، رَضِي بِلَا شَيْء. كل شيءٍ وثمنه. كل إنسانٍ وهمه. يسمون، ودونه. من ضَاقَ صَدره، اتَّسع لِسَانه. إِذا ذكرت الْكَلْب، فأعد لَهُ الْعَصَا. من لم يذقْ اللَّحْم، أَعْجَبته الرئة. مد رجليك، على قدر الكساء. الجالب مرزوقٌ، والمحتكر ملعونٌ. لَيْسَ فِي الْحبّ مشورة. لَيْسَ فِي الشَّهَوَات خُصُومَة. هان على النظارة، مَا يمر على ظهر المجلود. كلما كثر الْجَرَاد، طَابَ لقطه. من كَانَ فِي الخان فغمه عَلَيْك. الْمُسْتَقْرض من كيسه يَأْكُل. كل واشبع ثمَّ أذلّ وارفع.
(6/315)

ضيقَة عاجلة، خير من ربح بطيء. اختم الطين مَا دَامَ رطبا. رَأس المَال أحد الربحين. العَبْد من لَا عبد لَهُ. الحرحر، وَإِن مَسّه الضّر. العَبْد عبد وَإِن ملك الدّرّ. الْهوى إِلَه معبود. استراح من لَا عقل لَهُ. اللَّذَّات بالمؤنات. كف بخت، خير من كوم علم. للحيطان آذان. من لم يتغد بدانقين، تعشى بأَرْبعَة دوانيق. خُذ اللص قبل أَن يأخذك. إِذا تخاصم اللُّصُوص، وجد صَاحب الْمَتَاع مَتَاعه. من طلى نَفسه بالنخالة، أَكلته الْبَقر. كَلَام اللَّيْل يمحوه النَّهَار. لكل جَدِيد لَذَّة. وَلكُل مُقيم حُرْمَة. جَزَاء مقبل الوجعاء ضرطة. الثقيل حمى الرّوح. حدث عَن الْبَحْر وَلَا حرج.
(6/316)

من كَانَ لَهُ دهن، طلى استه. الِاسْتِقْصَاء شُؤْم. الْعَيْب تحدث. من ساعةٍ إِلَى سَاعَة فرج. لَا تأمن الْأَمِير، إِذا غشك الْوَزير. الصّرْف لَا يحْتَملهُ الظّرْف. رُبمَا غلا الرخيص. انقص من أشنانك، وزد فِي ألوانك. من كَانَ دَلِيله البوم، كَانَ مَأْوَاه الخرابات. إِذا جَاءَ نهر الله، بَطل نهر عِيسَى. لَيْسَ على الطَّبِيب اسفيدباج. لَا نعلم الْيَتِيم الْبكاء. من جرب المجرب، حلت بِهِ الندامة. الطبل قد تعود اللطام. كل واحدٍ يَقُول: نَفسِي نَفسِي. الثقيل إِذا تخفف، صَار طاعوناً. صَفْقَة نقد، خير من بدرة النَّسِيئَة. تشويش الْعِمَامَة من الْمُرُوءَة. من اشْترى مَا لَا يَنْبَغِي بَاعَ بِمَا لَا يَنْبَغِي. هُوَ ألوط من ثغرة. ألوط من حَيَّة.
(6/317)

أنعى من علق. صمت حَصَاة بِدَم. أقبح من السحر. أوحش من الهجر. فيهم من كل رق رقْعَة. هم أَبنَاء الدهاليز. مَا أشبه السَّفِينَة بالملاح لَهُ فِي كل قدرٍ مغرفة. يضرط من أست وَاسِعَة. نزلت بوادٍ غير ذِي زرع. تنفخ فِي حَدِيد بَارِد. أثقل من كِرَاء الدَّار. أكسد من الفرو فِي الصَّيف. هُوَ ابْن زَانِيَة مريب. فلانٌ فِي النفط، فَإِن الزَّيْت مبارك. بَاعه الله فِي الْأَعْرَاب. لَا يُقَاس الْمَلَائِكَة بالحدادين. هُوَ أوسع من رَحْمَة الله. بِهِ دَاء الْمُلُوك. إيش فِي الضرطة من هَلَاك المنجل؟ يَأْكُل أكل الْيَتِيم فِي بَيت الْوَصِيّ.
(6/318)

يَأْكُل أكل الشص فِي بَيت اللص. رَأسك والحائط. هُوَ ألزم من الدَّقِيق. لَيْت الفجل يهضم نَفسه. عجوزٌ منتقبة. قفل على خربة. أضيع من حلىِّ على زنجية. أضيع من سراج فِي شمس. هُوَ رَقِيق الْحَافِر. يدهن رَأسه من قَارُورَة فارغة. يرضى من الْمعاصِي بالتهم. يظنّ بِالنَّاسِ، مَا يظنّ بِنَفسِهِ. دَعوته دَعْوَة السّنة. دَعوته قبح حرشنه. الْغَنِيّ فساه شمامات. أوحش من زَوَال النِّعْمَة، وَالنعَم. وَقع نقبه على كنيف. حسبته صيدا، فَصَارَ قيدا. يضْبط ضبط الْأَعْمَى.
(6/319)

اقلب وَقد أصبت. لَيْسَ وَرَاء عبادان قَرْيَة. أُخْفِي من خصى. أبخل من حوزي. أَكثر من با جَعْفَر فِي الديلم. خُذْهُ بِالْمَوْتِ حَتَّى يرضى بالحمى. أَنْت نَائِم ورجلك فِي المَاء. هُوَ أحسن من الدُّنْيَا الْمُقبلَة. لَا تلاطم إِلَّا شقي. لَيْسَ حَفْصَة من رجال أم عَاصِم. لَيْت كل أرملة مثل أم جَعْفَر. تحول الْقوس ركوةً. زَاد فِي الشطرنج بغل. الْبُسْتَان كُله كرفس. وَقع اللص على اللص. نزلت سملى بسلمى. من هالكٍ إِلَى مَالك. إِن كَانَ لَا بُد من قيد، فَلْيَكُن مجلو. لَا يعلم مَا فِي الْخلف، إِلَّا الله والإسكاف يستلب الْقطعَة من شَرق الْأسد. اسْتُرْ مَا لله.
(6/320)

بِسَاط النَّبِيذ يطوى. فلَان كالضريع، لَا يسمن وَلَا يُغني من جوع. هُوَ يطين عين الشَّمْس. تخلصت مِنْهُ بشعرة. كلما طَار قصوا أجناحيه. أخلق من قفا نبك. أعتق من الأهيئ. أعتق من الْحِنْطَة. جاهك عندنَا جاه كلب مَمْطُور فِي مَقْصُورَة فِي الْجَامِع. لَا يُسَوِّي باقة بقل. لَا يقوم عطره بفساه. لَيْسَ فِي عَصَاهُ سير. حرساً وَمَا يسطرون. رَأسه فِي القلية، واسته فِي الخرية. هُوَ كَإِيمَانِ المرجئ، لَا يزِيد وَلَا ينقص. يقوم أيرك، وينيك غَيْرك. كَاد المجرب أَن يكون ساحراً. اتكلنا مِنْهُ على خص. أَخْطَأت استه الحفرة.
(6/321)

هُوَ مَعَ كفره قدري. هُوَ مَعَ وسخه لوطي. أم الْكَاذِب عَرَبِيَّة. كلما دَار ضرطت. انصب دقيقك على الشوك. لَا يجني من خله عصيدة. هِيَ الطَّاقَة من تِلْكَ الباقة. هُوَ قُرَّة عين الشامت. هُوَ من طبقَة السه. غضب الصَّارِف على المصروف، غضب الجلاد على الْمَضْرُوب. لَو ضَاعَت صفعة، مَا وجدت إِلَّا على قَفاهُ. سوقنا سوق الْجنَّة. هُوَ أعرى من الْخَشَبَة. هُوَ أكسى من الْكَعْبَة. هُوَ حَائِط مائل. بخر أحد بِشعرِهِ. وَجهه يرد الرزق من فراسخ. هُوَ فالوذج الجسر. هُوَ كالشبت فِي الْقدر. فلَان يفسو على الكنيف. هُوَ رَئِيس الْجَدِيد، وَبَيت القصيد، وَرَأس التخت.
(6/322)

هُوَ سبع فِي قفص. هُوَ ابْن عَم النَّبِي من دُلْدُل. هُوَ قرَابَته من يَعْفُور. قد أدّى عَنهُ حق الْخَمِيس. الظفر بِهِ هزيمَة. فلَان يفزع من ظله. يضْرب بَين الدَّابَّة وَالشعِير. يلجم الفأر فِي بَيته. ينيك حمير الْحَاج. من عبد الله فِي خلق الله! كَلَامه ريح فِي قفص. مَعَ الْحمى دمل. قد وَقعت إصبعه فِي الذّرة. قَوْله وبوله سَوَاء. أعرفهُ بشري الأَصْل. حَدثنِي من الْخُف إِلَى مقنعه. ومق الطست إِلَى الطسة. رقصت فِي زورقة. يكثر الجون بالعفن. قد تعود خبز السفرة.
(6/323)

حاضرنا شَيْئا وَالَّذِي كَانَ مَعنا انفلت. زلق الْحمار وَكَانَ من شَهْوَة المكاري. فلَان يسرج بِالْخَيْلِ. إِذا اسْتَوَى فسكين، وَإِن أَعْوَج فمنجل. هُوَ مَا تَحت التِّبْن. لَا يقوى على الْحمار، فيميل على إِلَّا كَاف. يصيد الْحَيَّة بيد غَيره. كَانَ سندانا فَصَارَ مطرقة. حوصلي وطيري. هَذَا الْفرس، وَهَذَا الميدان. الْعَمَل، للزرنيخ وَالِاسْم للنورة. إِذا استطعم السَّكْرَان، فأضحك فِي وَجهه. من أَنْت فِي الرقعة؟ لَا يقتل الصَّبِي بعلة الداية. افرش لَهُ بنفخة. فلَان يضْرب الطبل تَحت الكساء. يَده تَحت الوجاء. لَيْسَ على الرف إِلَّا الرف. يفعل ذَلِك فِي موت كل خَليفَة. قد حرك السلسلة.
(6/324)

فلَان زِيَادَة الكرش. هُوَ أخلق من بردة النَّبِي. هُوَ أطوع لي من خَاتمِي. أنطق من ببغاء. أَقُود من دِرْهَم وَاضح. أطيب من عرسي. أجد من النُّور فِي شَعْرَة القَاضِي. أحسن من سوق الْعَرُوس. أشر من زنديق. أعبس من هرةٍ مقشعرة. أسعى من شص بر قعيد. أنتن من الجورب العفن. ألزم من الذُّنُوب. أطمع من قيم الرِّبَاط. أنشط من أير دخل نصفه. كَأَنَّهُ عَامل الْبر يتحنن. مواعيد والكمون. كودي يسخر من جندي. يركب الْفِيل، وَيَقُول: لَا تبصروني. فِيهِ كل عيب وعنين. هُوَ دَابَّة أبي دلامة.
(6/325)

هُوَ زنبيل الْحَوَائِج. لَو كَانَ فِي البومة خير، مَا تَركهَا الصياد. من زرع فِي سبخَة، حصد الْفقر. عناية القَاضِي، خير من شَاهِدي عدل. طَرِيق الحافي على أَصْحَاب النِّعَال. طَرِيق الأصلع على أَصْحَاب القلانس. بَحر النَّار إِلَى قرصه. اللَّيْلَة فِي الْبَريَّة من البلية. من ير السلجم وبياضه، يَظُنّهُ كُله دسما. لَا تَرَ الصَّبِي بَيَاض أسنانك، فيرك حمرَة استه. لَيْسَ كل من قَالَ نَار، احْتَرَقَ لِسَانه. الخنفساء فِي عين أمهَا مليحة. لَا تسب أمتِي اللئيمة، فأسب أمك الْكَرِيمَة. من تكلم بِمَا يحب سمع مَا لَا يحب. تَمْرَة وزنبور. كل نَكِير شَره. لَا تَأْكُل خبزك على خوان غَيْرك. أَنا اجرة إِلَى الْمِحْرَاب وَهُوَ يجرني إِلَى الخراب. الشَّيْطَان لَا يخرب كرمه. من أنْفق وَلم يحْسب، هلك وَلم يدر. أنذل من زند المراق.
(6/326)

أعتق من الْحَمَامَة. أَحمَق من الْجمل الَّذِي يضْرب استه ويصيح رَأسه. إِذا لم تَجدهُ، كم تجلده؟ لَيْسَ من كَرَامَة الدَّجَاج غسل رِجْلَيْهَا. انفخي فِي استه وعظيمة فَإِن التينور جَاره. ذكر الْفِيل بِلَاده. يَأْكُل الْفِيل ويقنص من البقة. من لم يَثِق باسته، لم يشرب اهليلج. من اشْتهى اللَّهْو، علق فِي خصاه جرساً. ضرطت فلطمت عين زَوجهَا. من حب طب، واستقى ثمَّ صب. من يطرف من وتد إِلَى وتد، يدْخل آخرهَا فِي استه. من أكل على مائدتين اختنق. مَا أطيب الْعرس لَوْلَا النَّفَقَة. من كَانَ طباخه أَبُو جعران، مَا عَسى أَن يكون الألوان؟ هَذَا هَوَاك فذق كَمَا عشقت الشبوق. كل التَّمْر على أَنه كَانَ رطبا. الْخصي ابْن مائَة سنة، واسته ابْن سنتَيْن. إِذا بطر الحائك، اشْترى بخبزه رماناً. قَامَت الإبنة تعلم الْأُم النيك. من استحيي من ابْنة عَمه، يُولد لَهُ فِي الْآخِرَة.
(6/327)

فر من الْقطر، وَقَعَدت تَحت الْمِيزَاب. خُذ سرة الخصى، ينفتح شرجه. الْجمل بدرهم وَالْحَبل بِأَلف دِينَار وَلَا أبيعهما إِلَّا مَعًا. كل شَيْء فِي الْقدر يُخرجهَا المغرفة. مَا تَركه اللص، أَخذه العراف. مَا أشبه التِّين بالسرفين. وَهَذِه أَمْثَال اشْترك فِيهَا الْخَواص والعوام، فَقَالَ أهل الْأَدَب وَقَالَ السّفل الْعِزّ فِي عرف الْفرس. لَا بغال إِلَّا بغال البردعة. الذل فِي ذيل الْبَقر. تَأْكُل اثْنَيْنِ وتكسب أَرْبَعَة. السَّيِّد يُعْطي، وَالْعَبْد يألم قلبه. الْمولى يرضى، وَالْعَبْد يشق استه. من اصْطنع قوما اجتنى. إِن البراطيل، تنصر الأباطيل. لَا تعرف من لَا تعرف. افْعَل الْخَيْر، ودعه. لَا تعرف الْخَيْر بِالشَّرِّ. لَا تفعل الْخَيْر لَا يصيبك سوء. الغمرات ثمَّ ينجلين.
(6/328)

لَا يكون بعد الْغم إِلَّا الضّيق الشَّديد. قيمَة كل امْرِئ مَا يحسن. من لَيْسَ مَعَه دِرْهَم لَا يُسَوِّي درهما. من اشْترى، فقد اشتوى. قيمَة كل امْرِئ مَا يملك. لَا يعرف قبيله من دبيره. لَا يعرف محساه من مفساه. لَا فِي العير وَلَا فِي النفير. لَا فِي حرهَا وَلَا فِي استها. مَا بقيت لَهُم ثاغية وَلَا راغية. مَا تبقى إِلَّا حرهَا والبادية. جِيءَ بِهِ من حَيْثُ ليْس، وليْس. بعض الشَّرّ أَهْون من بعض. الشَّرّ يطفي بِالشَّرِّ. القَرْضُ قَرْض. النَّسِيئَة نِسْيَان. التقاضي هذيان. وَافق شن طبقه. طوال لاثْنَيْنِ يَكْفِي أَرْبَعَة. الْجَمَاعَة مجاعَة. من فمي أستلبها.
(6/329)

من استي لفقها. هُوَ يغْرف من بَحر. أكار نزل على صَاحب الدَّار. بقرٌ تنيك حمارا. لَيْسَ كل أَخْضَر طري. لَيْسَ كل مدور بعر. هُوَ يضرط من استٍ وَاسِعَة. قدم خيرا إِثْمًا تَجدهُ. قدم خيرك ثمَّ أيرك. أَصبَحت شطراً بطراً. أَصبَحت وَقد وجدت فِي خراك فلسًا. عَاد غيثٌ وَلَا خسرنا. فَلَا علينا وَلَا لنا.
(6/330)

الْبَاب الثَّالِث عشر نَوَادِر أَصْحَاب الشَّرَاب والسكارى
قَالَ بَعضهم: إِذا رَأَيْت الرجل يشرب وَحده، فَاعْلَم أَنه لَا يفلح أبدا، وَإِذا لم يشرب إِلَّا مَعَ الإخوان فارج لَهُ الإقلاع. كَانَ بعض أَوْلَاد الْمُلُوك إِذا شرب وسكر، عربد على ندمائه، وَكَانَ إِذا صَحا ينْدَم، ويستدعي من عربد عَلَيْهِ وَيُعْطِيه ألف دِرْهَم وَمَا يقاربها، فَقَالَ لَهُ بَعضهم يَوْمًا: أَنا رجل مضيق، وَأَنا مَعَ ذَلِك ضَعِيف وَلَا أحتمل عربدة بِأَلف دِرْهَم فَإِن رَأَيْت أَن تعربد عَليّ بِمِائَتي دِرْهَم، فَقلت: فاستظرفه وَأَعْطَاهُ وَأحسن إِلَيْهِ. سقط سَكرَان فِي كنيف قد امْتَلَأَ، فَجعل يَقُول: يَا أَصْحَابِي ماللقعود هَاهُنَا معنى. قَالُوا: للنبيذ حدان، حد لَا هم فِيهِ، وحد لَا عقل فِيهِ، فَعَلَيْك بِالْأولِ وَاتَّقِ الثَّانِي. كَانَ أَبُو نواس يَقُول: خمر الدُّنْيَا، خير من خمر الْجنَّة وَقد وصفهَا الله تَعَالَى بِأَنَّهَا لَذَّة للشاربين. فَقيل: كَيفَ؟ قَالَ: لِأَن هَذَا نموذج والأنموذج من كل شَيْء أبدا أَجود. قيل لبَعْضهِم: فلَان هَل يشرب الْخمر؟ قَالَ: نعم إِذا اشْترِي بِثمن لحم خِنْزِير مَسْرُوق. قَالَ رجل لبَعض أَصْحَاب النَّبِيذ: وجهت إِلَيْك رَسُولا عَشِيَّة أمس، فَلم يجدك، قَالَ: ذَاك وَقت لَا أكاد أجد فِيهِ نَفسِي. قَالَ أَبُو العيناء: النَّبِيذ بمكسود الْغم.
(6/331)

سقى بَعضهم ضيفاً لَهُ نبيذاً رديئاً، وَقَالَ لَهُ: هَذَا النَّبِيذ من عانة. فَقَالَ الضَّيْف: من أَسْفَل الْعَانَة بأَرْبعَة أَصَابِع. قَالَ بَعضهم: مَا نحب أَن تدعى الْقَيْنَة فِي الصَّيف نَهَارا، وَفِي الشتَاء لَيْلًا إِلَّا لنذهب الْبرد. قيل لبَعْضهِم: كم الصَّلَاة؟ قَالَ: الْغَدَاة، وَالظّهْر. قَالُوا: فالعصر، قَالَ: تعرف وتنكر. قَالُوا: فالعشاء: قَالَ: يبلغهَا الْجواد، قَالُوا: فالعتمة؟ قَالَ: مَا كَانَت لنا فِي حِسَاب قطّ. قَالَ بَعضهم: ليكن النَّقْل كَافِيا، وَإِلَّا أبْغض بَعْضنَا بَعْضًا. خرج بعض السكارى من مجْلِس وَمَشى فِي طَرِيق فَسقط وتبوع وَجَاء كلب يلحس فَمه وشفتيه والسكران يَقُول: خدمك بنوك، وَبَنُو بنيك فَلَا عدموك {ثمَّ رفع الْكَلْب رجله وبال على وَجهه فَجعل يَقُول: وَمَاء حارٌ يَا سَيِّدي} بَارك الله عَلَيْك. خرج سوار القَاضِي يَوْم من دَاره يُرِيد الْمَسْجِد مَاشِيا، فَلَقِيَهُ سَكرَان فَعرفهُ، فَقَالَ: القَاضِي أعزه الله يمشي، امْرَأَته طَالِق إِن حَملتك إِلَّا على عَاتِقي. فَقَالَ: إدن يَا خَبِيث. فَدَنَا فَحَمله على عَاتِقه ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ: اهملج أَو أعنق؟ قَالَ يَا خَبِيث! مشياً بَين مشيتين وَاحْذَرْ العثار والزلق والصق بأصول الْحِيطَان. فَقَالَ السَّكْرَان: كَأَنَّك أردْت الملا من الفروسية يَا أَبَا عبد الله، فَلَمَّا أوصله إِلَى الْمَسْجِد، أَمر سوار بحبسه فَقَالَ: أَيهَا القَاضِي هَذَا جزائي مِنْك، فَتَبَسَّمَ، وَتَركه. قَالَ: توَاثب اثْنَان من المعربدين فِي مجْلِس وتواجا بسكينيهما، فَأصَاب السكين طرف أنف أَحدهمَا وكمرة الأير للْآخر، وَسقط من أنف هَذَا مَا أشرف، وَكَذَلِكَ من كمرة هَذَا، وَطلب كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي الظلمَة مَا انْقَطع مِنْهُ
(6/332)

فَوَقَعت كمرة هَذَا فِي يَد هَذَا، فلزقه على أَنفه بجرارته وشده، وَوَقع طرف أنف هَذَا فِي يَد صَاحبه، فلزقه بجرارته وشده، فالتحم الجرحان، وبرآ، وَصَارَ هَذَا يتنفس من كمرة صَاحبه، وَصَاحبه يَبُول وينيك بِأَنْفِهِ مَا عاشا {. وعاتبت امْرَأَة ابْنهَا على شرب النَّبِيذ فَقَالَ: وَالله لأشربن الْيَوْم خَاصَّة، حَتَّى أرى هذَيْن الديكين أَرْبَعَة - وَفِي الدَّار ديك وَاحِد يدرج - وَكَانَ الْغُلَام قد شرب، فَقَالَت لَهُ أمه: فاترك من يدك الْقدح، فقد بر قسمك، وَرَأَيْت الْوَاحِد اثْنَيْنِ. شرب الأقيشر فِي حَانُوت خمار حَتَّى أنفد مَا مَعَه، ثمَّ شرب بثيابه حَتَّى غلقت، وَبَقِي عُرْيَان لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء، وَجلسَ فِي وسط تبن يسْتَتر بِهِ، فَمر بِهِ رجل ينشد ضالته فَقَالَ: اللَّهُمَّ أردد عَلَيْهِ، واحفظ علينا. فَقَالَ لَهُ الْحمار: سخنت عَيْنك} أَي شَيْء يحفظ عَلَيْك رَبك؟ قَالَ: هَذَا التِّبْن لَا يَأْخُذهُ صَاحبه فَأهْلك من الْبرد. كَانَت علية بنت الْمهْدي، تَقول: من أصبح وَعِنْده فضلَة طباهجة، وقنينته نَاقِصَة. وتفاحة معضوضة، فَلم يصطبح فَلَا تعده من الفتيان. وَكتب أَخ كَانَ لأبي عبد الرَّحْمَن العطوي، إِلَيْهِ يعذله فِي النَّبِيذ، فَكتب إِلَيْهِ: يَا أخي، أما تَسْتَحي لي أَن تكون تَوْبَتِي على يدك؟ دخل رجل على ابْن سيابة وَبَين يَدَيْهِ خمر قد اشْتَرَاهُ وَلم يشرب مِنْهُ بعد، فَقَالَ: لَك الويل إِن كَانَ إِلَّا الْخمر. فَقَالَ ابْن سيابة: الويل لي إِن لم يكن خمرًا. سُئِلَ إِسْحَق عَن الندماء فَقَالَ: واحدٌ: غم، وَاثْنَانِ: هم، وثلاثةٌ: قوامٌ، وأربعةٌ: تَمام، وخمسةٌ: مجلسٌ، وستةٌ: زحام، وسبعةٌ: جيشٌ، وَثَمَانِية: عسكرٌ، وَتِسْعَة: اضْرِب طبلك، وَعشرَة: آلوبهم من شِئْت. قَالَ إِبْرَاهِيم الْموصِلِي: دخلت يَوْمًا على الْفضل بن جَعْفَر، فصادفته وَهُوَ
(6/333)

يشرب وَعِنْده كلب، فَقلت لَهُ: أتنادم كَلْبا؟ قَالَ: نعم، يَمْنعنِي أَذَاهُ ويكف عني أَذَى سواهُ، يشْكر قليلي، ويحفظ مبيتي، ومقيلي وعقيلي. وَأنْشد: وأشرب وحدي من كَرَاهِيَة الْأَذَى ... مَخَافَة شرٍ أَو سباب لئيم وَكَانَ آخر يشرب وَحده، وَكَانَ مدمناً للشُّرْب، وَكَانَ إِذا جلس وضع بَين يَدَيْهِ صراحية الشَّرَاب، وصراحية فارغة، ثمَّ يصب الْقدح ويشربه، وَيَقُول للصراحية الفارغة: هَذَا سروري بك، ثمَّ يصب الْقدح ويشربه، وَيَقُول للصراحية الفارغة: هَذَا سروري بك، ثمَّ يصب الْقدح ويشربه، وَيَقُول للصراحية: هَذَا سرورك بِي، ويصبه فِيهَا، وَيكون هَذَا دأبه إِلَى أَن يسكر. حضر بعض التُّجَّار مجْلِس شرب فَجعل يسْرع فِي النَّقْل فَقَالَ بعض الظراف: هَذَا يشرب النَّقْل، وينتقل بالنبيذ. قَالَ بَعضهم: لَيْسَ يقوم سكر العشى بمكروه خمار الْغَدَاة، فَقَالَ آخر: لَوْلَا سرُور خمار الْغَدَاة، لم أحتمل سكر الْعشي. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت أَبَا نواس يضْحك من سَكرَان، فَقَالَ: مَا رَأَيْت سكراناً قبله. قيل: وَكَيف ذَلِك؟ قَالَ: لِأَنِّي كنتُ أسكر قبل النَّاس، وَلَا أعلم مَا يكون حَالهم. قَالَ: رَأَيْت سكراناً قد وَقع فِي الطين وَهُوَ يَصِيح وَيَقُول: رحم الله من أَخذ بيَدي، وَله أبنة فِي مثل حالتي، وَهُوَ يرى حَاله، حَال نعْمَة. حمل آخر على قفا حمال ليَرُدهُ إِلَى منزله، فَسَأَلَ النَّاس الْحمال، وَقَالُوا: مَا هَذَا؟ فَرفع السَّكْرَان رَأسه وَقَالَ: بقيةٌ مِمَّا ترك آل مُوسَى، وَآل عمرَان، تحمله الْمَلَائِكَة. قَالَ بَعضهم: مر بِنَا سَكرَان فَسلم، فَلم نرد عَلَيْهِ، فَحل مِئْزَره ليبول وَسطنَا، فَقيل لَهُ: مَا تصنع؟ وَيلك {قَالَ: مَا ظَنَنْت أَنا هَاهُنَا إِنْسَان} . تقدم سَكرَان فصلى بِقوم، فَلَمَّا سجد نَام فِي سُجُوده، فحركوه فأنتبه، وَقَالَ: الْقدح لَيْسَ هُوَ لي. وَصلى الْوَلِيد بن عقبَة وَهُوَ أَمِير الْكُوفَة بِالنَّاسِ صَلَاة الْفجْر أَربع رَكْعَات، وَقَرَأَ:
(6/334)

علق الْقلب الربابا ... بعد مَا شابت وشابا إِن دين الله حق ... لَا أرى فِيهِ ارتيابا ثمَّ سلم والتفت إِلَى أَصْحَابه وَقَالَ: أَزِيدكُم! أَي يكفيكم. ونام فِي الْمِحْرَاب وتقيأ. قيل لبَعض الْحُكَمَاء: كَيفَ ابْنك؟ قَالَ: على مَا أريده مَا لم يسكر، وعَلى مَا يُريدهُ النَّبِيذ إِذا سكر. قَالَ بَعضهم: شربت يَوْمًا عِنْد ختنى النباذ إِذْ دفع الْبَاب، فَدخل فقاع ختنى، وَقَالَ: أُمِّي زَانِيَة إِن تركتك تذوق قدحاً أَو توفّي ثمنه أَو تُعْطِي رهنا بِمَا تشرب، قَالَ: فساره بِشَيْء لم أسمعهُ، وتراضياً، وَجلسَ يشرب، فَقلت: ختنى، مَا أَعْطَاك؟ قَالَ: أَعْطَانِي رهنا وثيقاً قَالَ: جعل امْرَأَته فِي يَدي إِلَى أَن يَجِيء بِثمن مَا يشرب يَوْم كَذَا. قَالَ: فغلبني الضحك، وَقلت: مَا ظَنَنْت أَن الطَّلَاق يرْهن إِلَى السَّاعَة. وَشرب آخر عِنْد بعض الخمارين، فَلم يكن يسكر، فَشَكا ذَلِك إِلَى الْخمار فَقَالَ: اصبر فَإِن هَذَا يَأْخُذ فِي آخِره، فَلَمَّا خرج أَخذه الطَّائِف فَقَالَ: صدق الرجل، هَذَا أَخذ فِي آخِره. قَالَ بَعضهم: قلت لوَاحِد من السّفل، رَأَيْته فِي بَيت خمار: جِئْت إِلَى هَاهُنَا مطفلاً؟ فَقَالَ: بل اتكيت على دِرْهَم ودانقين، وَجئْت. أَخذ الطَّائِف بِالْبَصْرَةِ رجلا سَكرَان فَقَالَ لرجاله: جروه. فَقَالَ: أصلحك الله، لست سكراناً قَالَ: فاقرأ سُورَة الْبَقَرَة، قَالَ: أعزّك الله، لَعَلَّك لَا تُرِيدُ أَن تَطوف اللَّيْلَة. شرب جعفري ولهبي على سطح، فَلَمَّا أَخذ الشَّرَاب مِنْهُمَا، رمى الْجَعْفَرِي بِنَفسِهِ إِلَى أَسْفَل وَقَالَ: أَنا الطيار فِي الْجنَّة، فتكسر. وتشبث اللهبي بِالْحَائِطِ، وَقَالَ: أَنا ابْن المقصوص فِي النَّار. مر سَكرَان وَهُوَ يترنح بِرَجُل يَبُول، فَقَالَ لَهُ: من أَنْت؟ قَالَ: رجلٌ من أهل الأَرْض، قَالَ: فاقطعني نصفهَا.
(6/335)

قَالَ: قد فعلت. قَالَ السَّكْرَان: أمه زَانِيَة، إِن درعها إِلَّا دَاري. قيل لشيخ: أتشرب النَّبِيذ؟ قَالَ: مِقْدَار مَا أتقوى بِهِ على ترك الصَّلَاة. قَالَ أَبُو بكر بن عَيَّاش: كنت وسُفْيَان الثَّوْريّ وَشريك ابْن عبد الله نمشي بَين الْحيرَة والكوفة، فَرَأَيْنَا شَيخا أَبيض الرَّأْس واللحية، حسن السمعة، لَهُ رواء فَقُلْنَا: هَذَا شيخ جليل، قد سمع الحَدِيث، وَرَأى النَّاس، وَكَانَ سُفْيَان أطلبنا للْحَدِيث، وأشدنا بحثا وَأَعْلَمنَا بِهِ، وأحفظنا لَهُ، فَتقدم إِلَى الشَّيْخ وَسلم، ثمَّ قَالَ: أعندك رَحِمك الله شيءٌ من الحَدِيث؟ قَالَ: أما الحَدِيث فَلَا، وَلَكِن عِنْدِي عَتيق سنتَيْن. فَنَظَرْنَا، فَإِذا هُوَ خمار. بَاعَ بَعضهم ضيعته فَقَالَ لَهُ المُشْتَرِي: بالْعَشي أشهد عَلَيْك. قَالَ: لَو كنت مِمَّن يفرغ بالْعَشي، مَا بِعْت ضيعتي. خرج ثُمَامَة من منزلٍ ضيق لَهُ، مَعَ الْمغرب، وَهُوَ سَكرَان، فَإِذا هُوَ بالمأمون قد ركب فِي نفر، فَلَمَّا رَآهُ ثُمَامَة عدل عَن طَرِيقه وبصر بِهِ الْمَأْمُون، فَضرب كفل دَابَّته وحاذاه، فَوقف ثُمَامَة، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: ثُمَامَة! ، قَالَ: إِي وَالله، قَالَ: من أَنا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي وَالله. فَضَحِك الْمَأْمُون حَتَّى انثنى على دَابَّته. وَقَالَ: عَلَيْك لعائن الله. فَقَالَ ثُمَامَة: تترى إِن شَاءَ الله. وَأمر لَهُ بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم. قدم شراعه بن زيد على الْوَلِيد بن يزِيد، وَكَانَ كثب فِي إقدامه عَلَيْهِ، فَلَمَّا دخل مَا سَأَلَهُ عَن سفرة، وَلَا عَن نَفسه، حَتَّى قَالَ: يَا شراعة، إِنِّي وَالله مَا أرْسلت إِلَيْك لأسألك عَن كتاب الله، وَلَا أستفتيك عَن سنة رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَالَ: لَو سَأَلتنِي عَنْهُمَا لَوَجَدْتنِي حمارا. قَالَ: إِنَّمَا أرْسلت إِلَيْك لأسألك عَن الفتوة، قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فاسأل عَنْهَا طبيبها الرفيق، ودهقانها الْعَالم. قَالَ: أَخْبرنِي عَن الْأَشْرِبَة. قَالَ: سلني: قَالَ مَا تَقول فِي المَاء؟ قَالَ: لَا بُد لي مِنْهُ، وَالْحمار شَرِيكي فِيهِ. قَالَ مَا تَقول فِي اللَّبن؟ قَالَ: مَا رَأَيْته مُنْذُ فطمت، إِلَّا استحيلت أُمِّي لطول مصي ثديها. قَالَ: فَمَا تَقول فِي
(6/336)

السويق: قَالَ: شراب الْمَرِيض والمحزون والمستعجل. قَالَ: فَمَا تَقول فِي نَبِيذ التَّمْر؟ قَالَ سريع امتلاؤه، وسريع انتشاره، وضرط أَكْثَره، قَالَ فَمَا تَقول فِي الزَّبِيب: قَالَ: يحام بِهِ حول الْأَمر. قَالَ: فَمَا تَقول فِي الْخمر؟ قَالَ: فَوضع يَده على صَدره ثمَّ قعد، وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تِلْكَ صديقَة روحي، قَالَ: وَأَنت أَيْضا صديقي. قَالَ فَمَا تَقول فِي الطَّعَام؟ قَالَ: لَيْسَ لصَاحب النَّبِيذ على الطَّعَام سَبِيل. قَالَ: فَأَي الْمجَالِس أعجب إِلَيْك؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالله الْعجب لمن لم يغرقه الْمَطَر، أَو تحرقه الشَّمْس، كَيفَ يجلس إِلَّا تَحت السَّحَاب؟ {وَالله مَا شرب النَّاس على وجهٍ، أحسن من وَجه السَّمَاء. قيل لعبد الْعَزِيز بن آدم: إِن بنيك يشربون النَّبِيذ. قَالَ: صفوهم لي. فوصفوهم بالخرق والطيش قَالَ: هَؤُلَاءِ يَدعُونَهُ: قَالُوا لَهُ. وَلَكِن آدم أوقر مَا يكون إِذا شرب، قَالَ: إِنَّه وَالله هُوَ الَّذِي لَا يَدعه أبدا. كتب أَخُو العطوي إِلَيْهِ يعذله فِي النَّبِيذ. فَكتب إِلَيْهِ: أما تَسْتَحي أَن تكون تَوْبَتِي على يَديك؟} قَالَ الجاحظ: رَأَيْت أسود فِي يَده قنينة وَهُوَ يبكي، فَقلت لَهُ: مَا يبكيك؟ قَالَ: أَخَاف أَن تنكسر قبل أَن أسكر {} !
(6/337)

الْبَاب الرَّابِع عشر فِي الْكَذِب
قَالَ دَغْفَل: حمى النُّعْمَان ظهر الْكُوفَة، وَمن ثمَّ قيل: شقائق النُّعْمَان، فَخرج يَوْمًا يسير فِي ذَلِك الظّهْر، فَإِذا هُوَ بشيخ يخصف النَّعْل. فَقَالَ: مَا أولجك هَاهُنَا؟ قَالَ: طرد النُّعْمَان الرعاء، فَأخذُوا يَمِينا وَشمَالًا، فانتهيت إِلَى هَذِه الوهدة فِي خلاءٍ من الأَرْض، فنتجت الْإِبِل، وَولدت الْغنم، وامتلأت السّمن. والنعمانً معتم لَا يعرفهُ الرجل. قَالَ: أوما تخَاف النُّعْمَان؟ قَالَ: وَمَا أَخَاف مِنْهُ لربما لمست بيَدي هَذِه بَين عانة أمه وسرتها، فأجده كَأَنَّهُ أرنب جاثم، فهاج النُّعْمَان غَضبا وسفر عَن وَجهه، فَإِذا خَرَزَات الْملك، فَلَمَّا رَآهُ الشَّيْخ قَالَ: أَبيت اللَّعْن! ، لَا تَرَ أَنَّك ظَفرت بِشَيْء، قد علمت الْعَرَب أَنه لَيْسَ بَين لابتيها شيخ أكذب مني. فَضَحِك النُّعْمَان وَمضى. سَمِعت الصاحب رَحْمَة الله عَلَيْهِ، يَحْكِي عَن الْوَزير أبي مُحَمَّد المتنبي أَن بعض الْأَحْدَاث من أهل بَغْدَاد من أَوْلَاد أَرْبَاب النعم فَارق أَبَاهُ مستوحشاً، وَخرج إِلَى الْبَصْرَة، وَكَانَ فِي الْفَتى أدب وظرف وَفضل، فَدَخلَهَا وَقد انْقَطع عَنهُ، وتحير فِي أمره، فَسَأَلَ عَمَّن يستعان بِهِ من أَهلهَا من الْفُضَلَاء، فوصف لَهُ نديم الْأَمِير، كَانَ بهَا فِي ذَلِك الْوَقْت من المهالبة فقعده وَعرض عَلَيْهِ نَفسه وعرفه أمره فَقَالَ لَهُ: أَنْت من أصلح النَّاس لمنادمة هَذَا الْأَمِير، وَهُوَ أحْوج النَّاس إِلَيْك إِن صبرت مِنْهُ على خلة واحدةٍ فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: هُوَ رجل مشغوف بِالْكَذِبِ لَا يصبر عَنهُ، وَلَا يفِيق مِنْهُ، وَلَا بُد لَك من تَصْدِيقه فِي كل شيءٍ يَقُوله، وكل كذب يختلقه، لتحظى بذلك عِنْده، وَإِن لم تفعل ذَلِك لم أَمنه
(6/338)

عَلَيْك. فَقَالَ الْفَتى: أَنا أفعل ذَلِك واحتذ من رسمك فِيهِ، وَلَا تجاوزه فوصفه هَذَا النديم لصَاحبه، فَقَالَ: لَا يكونن بغدادياً سيئ الْأَدَب، فضمن عَنهُ حسن الْأَدَب، وَإِقَامَة شُرُوط الْخدمَة. فَاسْتَحْضرهُ وَحضر، وأعجب بِهِ، وخلع عَلَيْهِ، فَحملت إِلَيْهِ صلَة من الثِّيَاب وَالدَّرَاهِم وَغَيرهَا، وَوضعت بَين يَدَيْهِ وواكله وأحضر مجْلِس أنسه وَهُوَ فِي أثْنَاء ذَلِك يَأْتِي بالعظائم من الْكَذِب فيصدقه إِلَى أَن قَالَ مرّة - وَقد أَخذ الشَّرَاب من الْفَتى - إِن لي عَادَة فِي كل سنة أَن أطبخ قدرا كَبِيرَة وَقت وُرُود حَاج خُرَاسَان، وأدعوهم وأطعمهم جَمِيعهم من تِلْكَ الْقدر الْوَاحِدَة، فتحير الْفَتى وَقَالَ: أَي شَيْء هِيَ هَذِه الْقدر بادية الْعَرَب؟ دهناء تَمِيم؟ بَحر قلزم؟ ! فَغَضب الْأَمِير، وَأمر بتمزيق الْخلْع عَلَيْهِ وطرده فِي بعض اللَّيْل، وَأَقْبل على النديم يعنفه ويلومه، وَعَاد الْفَتى إِلَى بَاب النديم، وَبَات عَلَيْهِ إِلَى أَن أصبح، وَعَاد الرجل إِلَى منزله، فَدخل إِلَيْهِ وَاعْتذر بالسكر، وَضمن أَن لَا يعود لمثل ذَلِك، فَعَاد إِلَى صَاحبه وَحسن أمره وَقَالَ: أَنه كَانَ بعيد عهدٍ فِي الشَّرَاب، وَعمل النَّبِيذ فِيهِ عملا لم يشْعر مَعَه بشيءٍ مِمَّا جرى. وَأَنه بكر إِلَى سير، فَرَآهُ اللُّصُوص عِنْد عوده فعارضوه وَأخذُوا مِنْهُ حلَّة الْأَمِير ومانعهم فمزقوا عَلَيْهِ خلعة، فرسم بإعادته إِلَى الْمجْلس، وأضعف لَهُ فِي الْيَوْم الثَّانِي الْجَائِزَة والخلعة وَجعل الْفَتى يتَقرَّب بأنواع التَّقَرُّب إِلَيْهِ، وَإِذا كذب الْأَمِير صَدَقَة، وَحلف عَلَيْهِ. إِلَى أَن جرى ذكر الْكلاب الربيبة وَالصغَار فَقَالَ الْأَمِير: قد كَانَ عِنْدِي مِنْهَا عدَّة فِي غَايَة الصغر، حَتَّى أَتَى لأمر بِأَن تلقى فِي المكحلة، وَكَانَ لي مضحك أعبث بِهِ، فَأمرت أَن يكحل من تِلْكَ المكحلة إِذا قَامَ وسكر وَكَانَ إِذا أصبح وأفاق من سكره يرى تِلْكَ الْكلاب وَهِي تنبح فِي عينه وَلَا يقدر عَلَيْهَا لصغرها. قَالَ: فَقَامَ الْفَتى وخلع الثِّيَاب المخلوعة عَلَيْهِ، وَترك الْجَائِزَة وَعَاد عُريَانا. قَالَ: لَا صَبر لي على كلابٍ تنبح من أجفان الْعين، اعْمَلْ بِي مَا شِئْت، وَفَارق الْبَصْرَة، وَعَاد إِلَى بَغْدَاد. قَالَ الْمَدَائِنِي كَانَ عندنَا بِالْمَدَائِنِ رجل يُقَال لَهُ: دينارويه وَكَانَ خبيثاً، قَالَ لَهُ وَالِي الْمَدَائِن: إِن كذبت كذبةً لم أعرفهَا فلك عِنْدِي زق شراب ودراهم وَغَيرهمَا. قَالَ لَهُ دينارويه: هرب لي غلامٌ فَغَاب عني دهراً لَا أعرف لَهُ خَبرا
(6/339)

فاشتريت بطيخة فشققتها فَإِذا الْغُلَام فِيهَا يعْمل خفاً وَكَانَ إسكافاً، قَالَ الْعَامِل: قد سَمِعت هَذَا. قَالَ: كَانَ لي برذون يدبر، فوصف لي قشر الرُّمَّان فألقيتها على دَبرته، فَخرج فِي ظَهره شَجَرَة رمان عَظِيمَة. قَالَ: قد سَمِعت بِهَذَا أَيْضا. قَالَ: كَانَ لغلامي فروةٌ فقمل: فطرحها فحملها الْقمل ميلين. قَالَ: قد سَمِعت بِهَذَا. فَلَمَّا رأى أَنه يبطل عَلَيْهِ كل مَا جَاءَ بِهِ قَالَ: إِنِّي وجدت فِي كتب أبي صكا، فِيهِ: أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم والصك عَلَيْك. فَقَالَ: وَهَذَا كذب وَمَا سمعته قطّ. قَالَ: فهات مَا خاطرت عَلَيْهِ. فَأَخذه. قَالَ الشّعبِيّ: حضرت مجْلِس زِيَاد وحضره رجلٌ فَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير، إِن لي حُرْمَة أذكرها؟ قَالَ: هَاتِهَا. قَالَ: رَأَيْتُك بِالطَّائِف وَأَنت عَظِيم ذُو ذؤابة، قد أحَاط بك جمَاعَة من الغلمان فَأَنت تركض هَذَا مرّة برجلك وتنطح هَذَا مرّة برأسك وتكدم هَذَا مرّة بأنيابك، فَكَانُوا مرّة ينثالون عَلَيْك هَذِه حَالهم، وَمرَّة يندون عَلَيْك وَأَنت تتبعهم حَتَّى كاثروك، واستعدوا عَلَيْك فَجئْت حَتَّى أخرجتك من بَينهم وَأَنت سليمٌ وَكلهمْ جريح. فَقَالَ: صدقت، أَنْت ذَلِك الرجل.؟ قَالَ: أَنا ذَاك. قَالَ: حَاجَتك؟ قَالَ: حَاجَة مثلي الْغَنِيّ عَن الطّلب، قَالَ: يَا غُلَام اعطه كل صفراء وبيضاء عنْدك، فَنظر فَإِذا قيمَة مَا يملكهُ فِي ذَلِك الْيَوْم أَرْبَعَة وَخَمْسُونَ ألف دِرْهَم فَأَخذهَا وَانْصَرف. فَقيل لَهُ بعد ذَلِك: أَأَنْت رَأَيْت زياداً وَهُوَ غُلَام فِي شدَّة الْحَال. قَالَ: أَي وَالله لقد رَأَيْته اكتنفه صبيان صغيران كَأَنَّهُمَا من سخال الْمعز، فلولا أَنِّي أَدْرَكته، لظَنَنْت أَنَّهُمَا يأتيان على نَفسه. قَالَ رجلٌ من آل الْحَارِث بن ظَالِم: وَالله لقد غضب الْحَارِث يَوْمًا فانتفح فِي ثَوْبه فبدر فِي عُنُقه أَرْبَعَة أزرارٍ، ففقأت أَرْبَعَة أعين من عُيُون جُلَسَائِهِ. وَمِمَّا حَكَاهُ أَبُو العنبسي عَن أبي جَعْفَر الرزاز. قَالَ: رَأَيْت بِبِلَاد الْأَغْلَب خَصيا نصفه أَبيض، وَنصفه أسود، شعر رَأسه أشقر، وَكنت فِي مركب، وأشرف علينا طَائِر من طيور الْبَحْر فِي منقاره فيل، وعَلى عُنُقه فيل، وَفِي كل مخلب من مخالبه فيل، وَتَحْت إبطه كركدن، وَهُوَ يطير بهَا إِلَى وَكره ليزق فِرَاخه. وَرَأَيْت بالمراغة عين مَاء وَرَأَيْت شَجَرَة تحمل مشمشاً دَاخل المشمس
(6/340)

تَمْرَة، وَنوى التمرة باقلاء عباسية. وَرَأَيْت بالنعمانية رجلا تعشى ونام، وَبِيَدِهِ تَمْرَة، فجره النَّمْل سِتَّة أميالٍ، وَرَأَيْت خَمْسَة من المخنثين تغدوا فِي قَصْعَة، وجدفوا بكفاف طبولهم حَتَّى عبروا نهر بَلخ، وَكَانَ لأبي خف من مرى مصاعد. قَالَ بَعضهم: كَانَ لأبي منقاشٌ اشْتَرَاهُ بِعشْرين ألف دِرْهَم. فَقيل لَهُ: مَا كَانَ ذَلِك المنقاش؟ كَانَ من جَوْهَر أَو مكللاً بالجوهر؟ ! فَقَالَ: لَا كذبت. قَالَ: كَانَ هَذَا المنقاش إِذا نتفت بِهِ شَعْرَة بَيْضَاء، عَادَتْ سَوْدَاء. قَالَ الْمبرد. تكاذب أَعْرَابِيَّانِ فَقَالَ أَحدهمَا: خرجت مرّة على فرس لي، فَإِذا أَنا بظلمة شَدِيدَة فتممتها حَتَّى وصلت إِلَيْهَا، فَإِذا قطعةٌ من اللَّيْل لم تنتبه، فَمَا زلت أحمل عَلَيْهَا بفرسي حَتَّى أنهيتها فانجابت. فَقَالَ: أَلا لقد رميت ظَبْيًا مرّة بِسَهْم. فَعدل الظبي يمنة، فَعدل السهْم خَلفه، ثمَّ تياسر السهْم، ثمَّ على الظبي فعلا السهْم ثمَّ انحدر فَأَخذه. قَالَ وَزعم الروَاة أَن عُرْوَة بن عتبَة بن جَعْفَر بن كلاب قَالَ: لِابْني الجون الكنديين: إِن لي عَلَيْكُمَا حَقًا لرحلتي ووفادتي، فدعوني أنذر قومِي من موضعي، فَقَالُوا: شَأْنك. فصاح بقَوْمه فأسمعهم على مسيرَة لَيْلَة. وَسُئِلَ أَبُو عُبَيْدَة عَن مثل هَذِه الْأَخْبَار من أَخْبَار الْعَرَب فَقَالَ إِن الْعَجم تكذب فَتَقول: كَانَ رجلٌ نصفه من نُحَاس وَنصفه من رصاص. فتعارضها الْعَرَب بِمثل هَذَا وَشبهه. وَمن ذَلِك مَا يحكون فِي خبر لُقْمَان بن عَاد فَإِنَّهُم يصفونَ أَن جَارِيَة لَهُ سُئِلت عَمَّا بَقِي من بَصَره لدُخُوله فِي السن. فَقَالَت: وَالله لقد ضعف بَصَره، وَلَقَد بقيت مِنْهُ بَقِيَّة إِنَّه ليفصل بَين أثر الْأُنْثَى وَالذكر من الذَّر إِذا دب على الصَّفَا. فِي أَشْيَاء تشاكل هَذَا من الْكَذِب. قَالَ الْأَصْمَعِي: قلت لأعرابي كنت أعرفهُ بِالْكَذِبِ: أصدقت قطّ؟ فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أصدق فِي هَذَا لَقلت لَك: لَا.
(6/341)

وتحدثوا عَن عَمْرو بن معدي كرب أَنه كَانَ مَعْرُوفا بِالْكَذِبِ وَأَن أهل الْكُوفَة الْأَشْرَاف كَانُوا يظهرون بالكناسة فيتحدثون على دوابهم إِلَى أَن تطردهم الشَّمْس، فَوقف عَمْرو بن معدي كرب، وخَالِد بن الصَّقْعَب النَّهْدِيّ وَأَقْبل عَمْرو يحدثه فَقَالَ: أغرنا على بني نهد، فَخَرجُوا مستغيثين بِخَالِد بن الصقعبي فَحملت عَلَيْهِ فطعنته فأذريته ثمَّ ملت عَلَيْهِ بالصمصامة فَأخذت رَأسه فَقَالَ خَالِد: خلا، أَبَا ثَوْر، إِن قتيلك هُوَ الْمُحدث. فَقَالَ: يَا هَذَا إِذا حدثت فاسمع، فَإِنَّمَا يتحدث بِمثل هَذَا لنرهب بِهِ الْأَعْدَاء. وَقيل لخلف الْأَحْمَر، وَكَانَ شَدِيد التعصب لليمن أَكَانَ عَمْرو بن معد يكرب يكذب؟ فَقَالَ: كَانَ يكذب فِي الْمقَال، وَيصدق فِي الفعال. وَذكر أَن قَاصا كَانَ يكثر التحديث عَن هرم بن حَيَّان، فاتفق أَن كَانَ مَعَه هرم فِي الْمَسْجِد وَهُوَ يَقُول: حَدثنِي هرم مرّة بعد مرّة بأَشْيَاء لَا يعرفهَا هرم فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا أتعرفني؟ أَنا هرم بن حَيَّان، مَا حدثتك بِهَذَا من شَيْء، فَقَالَ لَهُ الْقَاص: وَهَذَا أَيْضا من عجائبك، أَنه ليُصَلِّي فِي الْمَسْجِد خَمْسَة عشر رجلا اسْم كل وَاحِد مِنْهُم هرم، فَكيف توهمت أَن لَيْسَ فِي الدُّنْيَا هرم غَيْرك.؟ وشبيه بِهَذَا مَا شهدناه، وَهُوَ أَنه لما وَفد أَبُو الْقَاسِم بن بابك على الصاحب رَحمَه الله وأنشده مدائحه فِيهِ، طعن عَلَيْهِ بعض الْحَاضِرين وَذكر أَنه منتحل وَأَنه ينشد قصائد قد قَالَهَا ابْن نَبَاته، فَأَرَادَ الصاحب أَن يمْتَحن، فاقترح عَلَيْهِ أَن يَقُول قصيدة يصف فِيهَا الْفِيل على ورق عرد فَقَالَ أَبُو الْقَاسِم قصيدته الْمَعْرُوفَة الَّتِي أَجَاد فِيهَا واستحسنها الصاحب. وَقَالَ لَهُ: شَككت لَهُ، خيب الشَّك، وَلَام الطاعن على كذبه، وادعائه أَنه ينتحل شعر غَيره فَقَالَ: يَا مَوْلَانَا، هَذَا وَالله مَعَه سِتُّونَ فيلية كلهَا على هَذَا الْوَرق لِابْنِ نباتة. وَقَالَ الْمبرد كَانَ بالرقة قاص يكثر الحَدِيث عَن بني إِسْرَائِيل، فيظن بِهِ
(6/342)

الْكَذِب، فَقَالَ لَهُ يَوْمًا الْحجَّاج بن خَيْثَمَة: مَا كَانَ اسْم بقرة بني إِسْرَائِيل؟ فَقَالَ خَيْثَمَة عجل فَقَالَ لَهُ رجل من ولد أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ: فِي أَي كتب وجدت هَذَا؟ قَالَ: فِي كتاب عَمْرو بن الْعَاصِ. وَقَالَ الْعُتْبِي أَنا أصدق فِي صغيرٍ مَا يضرني، ليجوز كذبي فِي كبيرٍ يَنْفَعنِي. وَرُوِيَ أَن رجلا أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ قَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّمَا أوخذ من الذُّنُوب بِمَا ظهر، وَأَنا استسر بخلال أَربع: الزِّنَا، وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر، وَالْكذب، فأيهن شِئْت تركت لَك، يَا رَسُول الله قَالَ: دع الْكَذِب. فَلَمَّا ولي عَنهُ هم بِالزِّنَا فَقَالَ: يسألني رَسُول الله فَإِن جحدت نقضت مَا جعلت لَهُ، وَإِن أَقرَرت حددت أَو رجعت، فَلم يزن، ثمَّ هم بِالسَّرقَةِ ثمَّ بِشرب الْخمر، ثمَّ فكر فِي مثل ذَلِك، فَرجع إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، قد أخذت على السبل، قد تركتهن جَمِيعًا. شهد أَعْرَابِي عِنْد مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ: كذبت، فَقَالَ الْأَعرَابِي: الْكَاذِب وَالله المتزمل فِي ثِيَابك، فَقَالَ مُعَاوِيَة: هَذَا جَزَاء من عجل. وَذكروا أَن رجلا نظر إِلَى ظبيةٍ، فَقَالَ لَهُ أَعْرَابِي: أَتُحِبُّ أَن تكون لَك؟ قَالَ: نعم قَالَ: فاعطني أَرْبَعَة دَرَاهِم حَتَّى أردهَا إِلَيْك، فَفعل، فَخرج يمحص فِي أَثَرهَا فحدق وجد، حَتَّى أَخذ بقرنيها، فجَاء بهَا، وَهُوَ يَقُول: وَهِي على الْبعد تلوي خدها تريغ شدى وأريغ شدها كَيفَ ترى عَدو غُلَام ردهَا. ذكر أَنه أضلّ أَعْرَابِي بَعِيرًا لَهُ عَرَبيا، وَكَانَ فِي الصائغة، فَبينا هُوَ يطوف فِي طلبه، إِذا هُوَ فِي حجرَة الْوَالِي ببختي لنابه صريف، عَلَيْهِ بلمة فَتَأَمّله طَويلا، ثمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ: بَعِيري الَّذِي ضل قد وجدته، فجَاء مَعَه نَحْو من خمس مائَة رجل من قومه من حمير إِلَى الْوَالِي فَقَالُوا: نشْهد إِنَّه بعيره، فَقَالَ لَهُ الْوَالِي: خُذْهُ، فَلَمَّا انْصَرف قَالَ لَهُ بَعضهم: يَا فلَان ألم يكن بعيرك الَّذِي أضللته عَرَبيا.؟
(6/343)

قَالَ: بلَى، وَلكنه أكل من شعير الْأَمِير فتبخت. اشْترى رجلٌ من الْأَعْرَاب شَاة على أَنَّهَا تحلب قَفِيزا فَإِذا هِيَ تحلب أقل من ذَلِك، فَقَالَ لأَصْحَابه: تَشْهَدُون بِي على شاتي هَذِه أَنَّهَا تسرق السّمع، فَأتى بهَا أَبَا عَطاء فَقَالَ: أصلحك الله، إِن هَذَا بَاعَنِي شَاة على أَنَّهَا تحلب قَفِيزا، وَامْرَأَته طَالِق إِن لم يكن عوج عِنْدهَا فِي الْأكل جَائِع وَهَذِه، وَهَؤُلَاء الْأَرْبَعَة يشْهدُونَ على مَا قلت، فَالْتَفت إِلَيْهِم فَقَالَ: أتشهدون على شَهَادَة محدودة؟ قَالَ أَوَّلهمْ: أشهد أَنِّي رَأَيْت هَذِه الشَّاة وَثَبت على شَيْء طوله أَرْبَعُونَ ذِرَاعا فأكلته حَتَّى بلغت طرفه فَقَالَ للثَّانِي: بِمَ تشهد؟ قَالَ: أشهد أَنِّي رَأَيْت هَذِه الشَّاة وَثَبت على قدر لرجل من الْجِيرَان يطْبخ فِيهَا لحم، فَأكلت اللَّحْم وحسيت المرق وَكسرت الْقدر، وَضربت عظما برجلها، فشحب القَاضِي وَهُوَ لَهُ بِهِ، ثمَّ قَالَ للثَّالِث: بِمَ تشهد قَالَ: أشهد إِنِّي رَأَيْت هَذِه الشَّاة وَثَبت على جمَاعَة تبول، فَأكلت بَعْضهَا صحاحاً، وَبَعضهَا مقطعاً، فَقَالَ أَبُو عَطاء للرابع: لَا تشهد بِشَيْء، فَإِنِّي أخْشَى أَن يشْهد أَنَّهَا أهلكت رجلا فآخذك بِالدِّيَةِ. وَكَانَ ورد على كَافِي الكفاة أَبُو الْفضل ابْن العميد، وَقَبله شيخ حسن الْهَيْئَة والشيبة والشارب وَالْبزَّة، يرجع إِلَى فضل كثير، ويفتق فِي الْعُلُوم، وَيَقُول شعرًا جيداًُ وَكَانَ مشغوفاً بِالْكَذِبِ، وَكَانَت لَهُ أوابد، وعجائب، يحدث بهَا عَن نَفسه وَلَا يتحاشى من كَبِير وَلَا صَغِير، مِمَّا حكى أَنه قَالَ: إِنِّي سلكت طَرِيقا بالروم فِي شدَّة الْبرد، فَلَمَّا ارْتَفع النَّهَار سمعنَا فِي الْهَوَاء أصواتاً مختلقةً، وكلاماً عَالِيا، وَلم نر أحدا، فَإِذا قومٌ كَانُوا سلكوا طَرِيقا فَقطعُوا الطَّرِيق قبلنَا فِي اللَّيْل، وجمدت أَصْوَاتهم من شدَّة الْبرد فِي الجو، فَلَمَّا حمى النَّهَار وطلعت الشَّمْس على الْأَصْوَات الجامدة، ذَابَتْ، فَكُنَّا نسمعها، وَوَاحِد يَقُول: اشْدُد الرحل، وَآخر يَقُول: اسرج الدَّابَّة، وَمَا يجانس ذَلِك من كلامٍ حفظ عَنْهُم. وَذكر أَنه وجد فِي هَذَا الطَّرِيق جبلا أسود، فَشد بِهِ رَحْله، فَلَمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس، تقطع وطار وَسقط رَحْله على الطَّرِيق، وَأَن ذَلِك كَانَ من اجْتِمَاع خطا طيف كَثِيرَة أَصَابَهَا الْبرد، فَادْخُلْ كل وَاحِد رَأسه فِي است الآخر، وَصَارَت على هَيْئَة الْجَبَل، فَلَمَّا مَسهَا حر الشَّمْس طارت {}
(6/344)

قَالَ أَبُو حَيَّة: رميت وَالله ظَبْيَة فَلَمَّا نفذ السهْم ذكرت بالظبية حَبِيبَة لي، شبهتها بهَا فشددت السهْم حَتَّى قبضت على قذذة فرددته. وَقَالَ الجاحظ: قيل لخباز أَنَّك لتكذب بِالْحَدِيثِ قَالَ. وَمَا عَلَيْك إِذا كَانَ الَّذِي أَزِيد فِيهِ أحسن مِنْهُ، فوَاللَّه مَا ينفعك صدقه وَلَا يَضرك كذبه، وَمَا يَدُور الْأَمر إِلَّا على لفظٍ جيد وَمعنى حسن، لكنك وَالله لَو أردْت ذَلِك، لتلجلج لسَانك، ولذهب كلامك. قَالَ أَبُو بكر الشَّيْبَانِيّ كنت أَسِيرًا مَعَ بني عَم لي من بني شَيبَان، وَفينَا من موالينا جمَاعَة فِي أَيدي التغالبة، فَضربُوا أَعْنَاق بني عمي وأعناق الموَالِي، على وهدة من الأَرْض، فَكنت وَالَّذِي لَا إِلَه غَيره أرى دم الْعَرَبِيّ ينماز من دم الْمولى، حَتَّى أرى بَيَاض الأَرْض بَينهمَا فَإِذا كَانَ هجيناً قَامَ فَوْقه، وَلم يعتزل عَنهُ.
(6/345)

الْبَاب الْخَامِس عشر نَوَادِر المجان
قَالَ بعض المجان: الْيَمين الْكَذِب كالترس خلف الْبَاب. شرب الهفني دَوَاء فأسرف عَلَيْهِ حَتَّى أنحله وَذهب بجسمه فَأَتَاهُ إخوانه يعودونه فَقَالَ: مَا علمت أَنِّي من جراحتي الْيَوْم. دنا جمَاعَة مِنْهُم إِلَى فقاعي فَشَرِبُوا من عِنْده فقاعاً ثمَّ قَالُوا: لَيْسَ مَعنا شَيْء، فَخذ منا رهنا قَالَ: وَمَا الرَّهْن؟ قَالَ: تَأْخُذ من كل واحدٍ منا صفعة، فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، جَاءُوهُ وَقَالُوا: خُذ ثمن الفقاع ورد علينا الرهون، فَجعل يَأْبَى وَيمْتَنع وَيَقُول: لَا حَاجَة لي فِي الثّمن. قَالُوا: يَا أَحمَق: لَك حَقك والسلعة لنا رهن عنْدك، فَأخذ مَا أَعْطوهُ شَاءَ أم أَبى، وصفعوا خَدّه بِقدر مَا كَانَ صفعهم كلهم وَاحِدًا وَاحِدًا. تداين من بقال شَيْئا بنسيئة، وَحلف لَهُ أَنه لَا يُجَامع امْرَأَته إِلَى أَن يقْضِي دينه، فَكَانَ قد رَاهن أَن يدع امْرَأَته عِنْد الْبَقَّال. شرب دَاوُد الْمُصَاب مَعَ قوم فِي شهر رَمَضَان لَيْلًا، وَقَالُوا لَهُ فِي وَجه السحر: قُم فَانْظُر هَل تسمع أذاناً؟ فَأَبْطَأَ عَنْهُم سَاعَة ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ: اشربوا فَإِنِّي لم أسمع الْأَذَان سوى من مَكَان بعيد. نظر رجل إِلَى ابْن سيابة يَوْم جُمُعَة وَقد لبس ثِيَابه فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَق أَظُنك تُرِيدُ الْجَامِع قَالَ: لعن الله الظَّالِم والمريد.
(6/346)

كتب بَعضهم إِلَى صديق لَهُ: أما بعد، فقد أظلنا هَذَا الْعَدو يَعْنِي شهر رَمَضَان. فَكتب إِلَيْهِ فِي الْجَواب لَكِن أَهْون عَلَيْك من شَوَّال. قيل لبَعْضهِم: من أبْغض النَّاس إِلَيْك؟ قَالَ: مَشَايِخ الدَّرْب. قيل لِابْنِ مضاء الرَّازِيّ: قد كَبرت، فَلَو تبت وَحَجَجْت كَانَ خيرا لَك، قَالَ: وَمن أَيْن لي مَا أحج بِهِ؟ قَالَ: بِعْ بَيْتك، قَالَ: فَإِذا رجعت فَأَيْنَ أنزل؟ وَإِن أَقمت وجاورت بِمَكَّة أَلَيْسَ الله يَقُول: يَا صعفان، بِعْت بَيْتك وَجئْت تنزل على بَيْتِي؟ وَتزَوج بِامْرَأَة وَأَمْهَرهَا أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم، فَاسْتَكْثر ذَلِك بعض أصدقائه فَقَالَ: الْأَمر يسهل مَعَ غَرِيم كلما ألفيته نكته. وَكَانَ بسجستان ماجنٌ يعرف بِعَمْرو الخزرجي، استقبله يَوْمًا رجل من أصدقائه وَقد شجوه وسالت الدِّمَاء على وَجهه، فَقَالَ لعَمْرو: لَيْسَ تعرفنِي؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُك فِي هَذَا الزي قطّ فاعذرني، إِنِّي لم أتثبتك. وَكَانَ فِي بعض السنين قحط وَغَلَاء وَوَقع بَين امْرَأَته وَبَين جيرةٍ لَهَا خُصُومَة، فَضربت وَكسرت ثنيتها، فَانْصَرَفت إِلَيْهِ باكية وَقَالَت: فعل بِي مَا هُوَ ذَا ترَاهُ، وَضربت وَكسرت لي ثنية فَقَالَ: لَا تغتمي، مَا دَامَ الثغر هَذَا، تكفيك ثنية وَاحِدَة. ومازحه يَوْمًا إِنْسَان وَمد يَده إِلَى أيره وَجعل يرطله فَقَالَ عَمْرو: إِن أَحْبَبْت أَن تَأْكُله فكله هُنَا، فَإنَّك إِن رَددته إِلَى الْبَيْت، غصبتك أم الصّبيان عَلَيْهِ. وَسُئِلَ عَن زَوجته وجمالها فَقَالَ: هِيَ كباقة نرجس، رَأسهَا أَبيض، ووجهها أصفر، ورجلها خضراء. وَقَالَ رجل لصديق لَهُ: إِن لَك شَيْئَيْنِ لَيْسَ لله مثلهَا قَالَ: مَا ذَاك؟ قَالَ: لَك ابْني عَم بغاءين، وَلَيْسَ لله ذَلِك. وَصَارَ جماعةٌ من جِيرَانه إِلَيْهِ وسألوه أَن يعطيهم شَيْئا يصرفونه فِي ثمن يواري مَسْجِد فِي جيرته فَقَالَ لَهُم: إِن كُنْتُم رَأَيْتُمُونِي فِي الْمَسْجِد يَوْمًا فِي
(6/347)

الْأَيَّام، أَو دخلت لحَاجَة فضلا عَن الصَّلَاة، فكلفوني أَن أفرشه طولا فِي جهرمية اشتريها لكم. وَقَالَ يَوْمًا النَّاس لَا يعلمُونَ مَتى يموتون، وَأَنا أعلم مَتى أَمُوت. قَالُوا: وَكَيف علمت؟ قَالَ: أَنا أعلم أَنه إِذا دخل كانون الثَّانِي وهبت الرّيح الْبَارِدَة وَلَيْسَ لي جُبَّة وَمَا أتدثر بِهِ، فَإِنِّي أَمُوت لَا محَالة. وَقيل لَهُ: هَل تعرف الدِّرْهَم وتنقده؟ فَقَالَ: مُنْذُ زمَان رَأَيْته، فَإِذا رَأَيْته رَجَوْت أَن أعرفهُ. وَقع بَينه وَبَين امْرَأَته كلامٌ فَقَالَت لَهُ: قد وَالله شيبتني وبيضت رَأْسِي، فَقَالَ: إِن كنت أَنا بيضت رَأسك، فَمن قلع أسنانك؟ وَصَارَ بعض المجان إِلَى بَاب دَاره ودق الْبَاب، فَلَمَّا دنت امْرَأَته من الْبَاب قَالَ لَهَا: افتحي حَتَّى أَدخل وأنيكك، وَأنْظر أَنْت أطيب أم امْرَأَتي.؟ فَقَالَت: سل عمرا فقد ناكنا جَمِيعًا. وَقَالَ لَهُ يَوْمًا إِنْسَان: مَتى عَهْدك بالنيك؟ فَقَالَ: سل أمك فقد نَسِيته. قيل لبَعض المجان: الْبُشْرَى! فقد رزق الْأَمِير البارحة ابْنا، فَقَالَ: سَمِعت هَذَا الْخَبَر من يَوْمَيْنِ. قيل لَهُ: إِنَّمَا ولد البارحة، كَيفَ سمعته أَنْت من يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: خبر السوء يتَقَدَّم بِثَلَاثَة أَيَّام. صرع امْرَأَة بعض المجان، فَقَرَأَ عَلَيْهَا مثل مَا يقْرَأ المعزم، ثمَّ قَالَ: أمسلم أَنْت أم يَهُودِيّ أم نَصْرَانِيّ.؟ فَأَجَابَهُ الشَّيْطَان على لسانها وَقَالَ: أَنا مُسلم، قَالَ: فَكيف استحللت أَن تتعرض لأهلي وَأَنا مُسلم مثلك؟ قَالَ: لِأَنِّي أحبها، قَالَ: وَمن أَيْن جِئْت؟ قَالَ: من جرجان قَالَ: فَلم صرعتها؟ قَالَ: لِأَنَّهَا تمشي فِي الْبَيْت مكشوفة الرَّأْس. قَالَ: يَا سَيِّدي إِذا كنت بِهَذِهِ الْغيرَة، هلا حملت من جرجان وقاية تلبسها وَلَا تتكشف؟ قَامَ بَعضهم من مجْلِس ليُصَلِّي فَقيل لَهُ: أَي صَلَاة تصليها الأولى أَو الْعَصْر؟ فَقَالَ الماجن وَكَانَ حَاضرا: أَي صَلَاة صلاهَا فَهِيَ الأولى، فَإِنَّهُ مَا صلى غَيرهَا.
(6/348)

وَكَانَ بَعضهم لَا يُصَلِّي فَقبل لَهُ فِي ذَلِك. فَقَالَ: أليست الصَّلَاة مَعَ الْميتَة حرَام؟ قَالُوا: نعم. قَالَ: فَإِن أيري هَذَا هُوَ ميت من ثَلَاثِينَ سنة. قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: دَعَوْت أصدقائي فَجَاءُوا مَعَهم بصفغ فمددت يَدي إِلَيْهِ فَقَالَ لي: يَا ابْن البظراء، هَذَا مزاج من دَاره على دجلة، وَفِي بستانه طَاوُوس، وَفِي اصطبله فيل، وعَلى بَاب دَاره زرافة، لَيْسَ من دَاره بكرا وخبزه شرا، ودواؤه فِي رنقة وَفِي حجرته ديك، وعَلى بَابه كلب. قَالَ آخر: الصفع غلَّة، وَلكنه مذلة. قَالَ آخر: الصفع المجان، خير من البطالة بكرَاء. قيل لأدهم المضحك، وَكَانَ أسود، وَقد أَمر الْوَالِي أَن لَا يخرج أحد إِلَى الْمصلى إِلَّا فِي سَواد قَالَ: فَأَنا أخرج عُرْيَان. قَالَ المتَوَكل لبَعض المجان، أطلب لي نَصَارَى يسلمُونَ، فَغَاب عَنهُ أَيَّامًا ثمَّ عَاد إِلَيْهِ، وَقَالَ: الْإِسْلَام وَالْحَمْد لَك فِي الإقبال، وَلم أجد مَا طلبت، وَلَكِن هَاهُنَا مَشَايِخ مصورون من الْمُسلمين يتنصرون إِن أردْت. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت بعض المجان المتنادرين بعد مَوته فِي النّوم فَقلت لَهُ: يَا فلَان مَا فعل بك رَبك؟ قَالَ: يَا أَحمَق، ترى صهري فعل أبي مَا يَفْعَله بِكُل أحد، وعاملني مَا يُعَامل بِهِ غَيْرِي؟ قَالَ بَعضهم: رَأَيْت العتابي فِي سوق البزارين جَالِسا يَبُول على أعقاب منادين فَقلت: تفعل هَذَا مَعَ أدبك البارع فَقَالَ: إِنَّمَا اغتنمت هَذِه الْخلْوَة. قَالَ بَعضهم: مر بِي عبَادي بَين يَدَيْهِ حمَار عَلَيْهِ قفص من زجاج فَقلت: أَي شَيْء مَعَك {قَالَ: إِن عثر الْحمار، فَلَا شَيْء. قَالَ: كوني أَنا سفلَة فِي الدُّنْيَا، سفلَة فِي الْآخِرَة قيل: كَيفَ ذَلِك} قَالَ:
(6/349)

أما دنياي فَكَمَا ترَوْنَ، وَأما الْآخِرَة فَإِن دخلت الْجنَّة فَلم أطمع أَن أكون مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ، وَإِن دخلت النَّار، لم أطمع أَن أكون مَعَ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان {} استرث رجل حَال بِي هفان فَقَالَ لَهُ: مَا شَأْنك قَالَ: لَا أَدْرِي: إِمَّا أَن أكون عِنْد الله فِي عداد الْمَوْتَى، أَو تكون الْمَلَائِكَة تسرق لذتي. كَانَ نعْمَان أحد ولد الْفضل بن نعْمَان مَاجِنًا ذَا نَوَادِر، فَقَالَ لَهُ جماعةٌ من أَصْحَابه، هَذَا شهر رَمَضَان فَمن يُصَلِّي بالجيران التَّرَاوِيح؟ فَقَالَ كل وَاحِد مِنْهُمَا: لَيْسَ فِينَا من ينشط لذَلِك قَالَ: نعم. فالعبوا بالنرد إِحْدَى عشرَة فصلة ترويحتين فَمن تقمر صلى ترويحتين، ثمَّ ألعبوا أبدا حَتَّى يفرغوا من عداد التَّرَاوِيح حَتَّى لَا يَقع على وَاحِد مِنْهُم خيف. كَانَ بعض المجان لَا يَصُوم تَطَوّعا إِلَى يَوْم الْأَرْبَعَاء، فعوتب على ذَلِك فَقَالَ: أصومه رَحْمَة لَهُ، لِأَنِّي لَا أجد أحدا يَصُومهُ. أكل بَعضهم سمكًا كثيرا ففلج فَلَمَّا كَانَ من الْغَدَاء اشْتهى اللَّبن والسمك. فَقَالُوا لَهُ: أبده الله فِي نَفسك فَقَالَ: تخافون أفلج مرّة أُخْرَى. قَالَ بَعضهم: مَرَرْت بشيخ يَأْكُل فِي شهر رَمَضَان جهاراً فَقلت لَهُ، أما تتقي الله؟ فَقَالَ: لست مرائياً، عافاك الله. قيل لبَعْضهِم: رُوِيَ فِي الحَدِيث: أَن الله إِنَّمَا رزق الأحمق ليعلم الْعَاقِل أَنه لَا يجر إِلَى نَفسه بعقله شَيْئا. فَقَالَ: كَانَ يَكْفِي إِنْسَان وَاحِد للأنموذج. قَالَ بعض الظرفاء لصديق لَهُ. أَنْت عِنْدِي غَدا، فَقَالَ: تقَوِّي ظَهْري برقعة. أشرف قوم كَانُوا فِي سفينة على الْهَلَاك، فَأخذُوا يدعونَ الله بالنجاة ويتضرعون ورجلٌ فيهم ساكتٌ لَا يتَكَلَّم فَقَالُوا لَهُ: لم لَا تَدْعُو أَنْت أَيْضا؟ فَقَالَ: هُوَ مني إِلَى هَاهُنَا وَأَشَارَ إِلَى أَنفه، وَإِن تَكَلَّمت، غرقكم.
(6/350)

قَالَ بَعضهم: غضب العشاق مثل مطر الرّبيع. قَالَ بَعضهم: نيك الخصى أَوله بكاء وَآخره ضحك قَالُوا: وَكَيف ذَاك؟ قَالَ: لِأَنَّهُ إِذا ناك الْمَرْأَة عضها فتبكي، وَإِذا نزع ضرط فتضحك. قيل لبَعْضهِم: مَا بَال الْكَلْب إِذا بَال يرفع رجله؟ قَالَ: يخَاف أَن يتلوث دراعته قيل: وللكلب دراعة؟ قَالَ: هُوَ يتَوَهَّم أَنه بدارعة. حُكيَ عَن بعض الشُّيُوخ أَنه قَالَ: مَرَرْت بِالْبَصْرَةِ فَرَأَيْت ماجنين يَقُول أَحدهمَا للْآخر: تحَالفا علينا على غير أمرٍ كَانَ منا، فَجمعت خطى وأنني استطعم حَدِيثهمَا، فَإِذا هما يَقُولَانِ: أَي وَالله إِن هَذَا لعجب يَقُول إِبْلِيس، فوربك لأغوينهم أَجْمَعِينَ. وَيَقُول الله: فَالْحق وَالْحق أَقُول لأملأن جَهَنَّم وَمن يقوم لتحالفهما. قَالَ: فَلَمَّا رأياني حولا وَجه الحَدِيث، وانثنيا فِي معنى آخر. قيل لِابْنِ سيابة: مَا نظنك تعرف الله. قَالَ: وَكَيف لَا أعرف من أجاعني، وأعراني، وأدخلني فِي حر أُمِّي. قَامَ شملة وَلَزِمَه آخر وَكَانَا ماجنين. فَقَالَ: حَتَّى لَا تفلح أبدا تَعَالَى فَقَالَ: أما أَنا فقد جِئْت، فَإِن شِئْت أَنْت، فتعال. سُئِلَ أَبُو الريان الْحِمصِي عَن معنى قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام حِين سُئِلَ مَتى تقوم السَّاعَة؟ فَأَشَارَ بأصابعه الثَّلَاث وَتَأَول على ثَلَاثمِائَة سنة، فَقَالَ: إِنَّمَا أَرَادَ الطَّلَاق إِنَّه لَا يدْرِي. قَالَ بَعضهم: سَمِعت بعض المجان يَقُول: فلانٌ أَخذ من الحافي نَعله. قَالَ: وَسمعت آخر يَقُول: لعن الله فلَانا، يطر من الْعُرْيَان كمه. مر ماجنٌ بِالْمَدِينَةِ بِرَجُل قد لسعته عقرب، فَقَالَ: أَتُرِيدُ أَن أصف لَك داواءها؟ قَالَ: نعم. قَالَ: عَلَيْك بالصياح إِلَى الصَّباح. نظر بَعضهم إِلَى صبي بغيض فَقَالَ: هَذَا وَالله من أَوْلَاد الْإِيمَان، فَقَالُوا: كَيفَ قَالَ: يَقُول أَبوهُ نحرت ابْني هَذَا عِنْد الْكَعْبَة، اهديت ابْني هَذَا إِلَى مقَام إِبْرَاهِيم، ثكلت ابْني هَذَا.
(6/351)

قَالَ قدامَة بن نوح: أَوْلَاد الزِّنَا أَنْجَب، وَذَلِكَ أَن الرجل يَزْنِي بشهوته كلهَا ونشاطه فَيخرج الْوَلَد كَامِلا، وَالْبَاقُونَ من جماع بِغَيْر شَهْوَة وتصنع من الرجل لامْرَأَته. قَالَ بَعضهم: حفظت من أَحَادِيث النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَرْبَعَة وَنصف قيل لَهُ: وَمَا هُوَ {قَالَ: حَدِيثه إِذا ابتلت النِّعَال، فَالصَّلَاة فِي الرّحال. وَحَدِيثه؛ عَلَيْهِ السَّلَام: ابردوا بِالظّهْرِ فَإِن شدَّة الْحر من فيح جَهَنَّم. وَحَدِيثه: إِذا حضرت الصَّلَاة وَالْعشَاء فابدأوا بالعشاء. وَحَدِيثه: لَيْسَ من الْبر الصّيام فِي السّفر، وَنصف الحَدِيث. حبب إِلَيّ من دنياكم النِّسَاء وَالطّيب، وَكَانَت قُرَّة عينه فِي الصَّلَاة وَلَيْسَت كَذَلِك. مر بَعضهم فِي طَرِيق فعي من الْمَشْي، فَرفع رَأسه إِلَى السَّمَاء فَقَالَ: يَا رب، ارزقني دَابَّة، فَلم يمش إِلَّا قَلِيلا حَتَّى لحقه أَعْرَابِي رَاكب رمكة وَخَلفه مهر لَهَا صَغِير قد عي فَقَالَ للرجل: احمله سَاعَة، فَامْتنعَ الرجل فقنعه بِالسَّوْطِ حَتَّى حمله، فَلَمَّا حمله نظر إِلَى السَّمَاء فَقَالَ: يَا رب، لَيْسَ الذَّنب لَك، إِنَّمَا الذَّنب لي حَيْثُ لم أفسرك، دَابَّة تركبني أَو أركبها. اشْترِي بَعضهم جَارِيَة فَقيل لَهُ: اشْتَرَيْتهَا لخدمتك أَو لخدمة النِّسَاء} فَقَالَ: بل لنَفْسي، وَلَو اشْتريت للنِّسَاء لَكُنْت اشْترِي مَمْلُوكا فحلاً. كَانَ أَبُو زهرَة مَاجِنًا كَانَ يحمق، فَصَعدَ يَوْمًا فِي دَرَجَة طَوِيلَة فَلَمَّا قطعهَا، قَالَ مَا بَيْننَا وَبَين السَّمَاء إِلَّا مرحلة وَقد رميت الشَّيَاطِين من دون هَذِه الْمسَافَة. وَدخل يَوْمًا من بَاب صَغِير وَكَانَ طَويلا فَقَالَ: أدخلتم الْجمل فِي سم الْخياط قبل يَوْم الْقِيَامَة؟ ؟ قَالَ بَعضهم: لَو أعْطى الله النَّاس أمانيهم لافتضحوا. . قيل: وَكَيف! قَالَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا امْرَأَة إِلَّا وَهِي تشْتَهي أَن يكون أير صَاحبهَا مثل أير الْحمار، وَهُوَ يَشْتَهِي أَن يكون حرهَا أضيق من حَلقَة الْخَاتم، مَتى كَانَ هَذَا فِي هَذَا. ورث بَعضهم مَالا، فَكتب على خَاتمه الوحى، فَلَمَّا أفلس كتب على خَاتمه اسْتَرَحْنَا.
(6/352)

الْبَاب السَّادِس عشر نَوَادِر فِي الفساء والضراط
قَالَ بعض العباديين: من حبس ضرطته، كتب استه من الكاظمين الغيظ. ضرط أَبُو الْأسود عِنْد مُعَاوِيَة واستكتمه فَأَرَادَ أَن يضع مِنْهُ، لما كَانَ عَلَيْهِ من التَّشَيُّع فَلَمَّا اجْتمع النَّاس أخْبرهُم بضرطه قَالَ أَبُو الْأسود: إِن امْرَءًا اؤتمن على ضرطة فَلم يكتمها لحريٌّ، أَن لَا يؤتمن على أَمر الْأمة. مشت فتاة فِي الطَّرِيق وإِلى جَانبهَا شيخ فاستعجلت فضرطت فَقَالَ الشَّيْخ: سُبْحَانَ الله. فوقفت وَقَالَت لَهُ: سبحت فِي غل وقيدين، يَا بغيض يَا مقيت، مِمَّن تسبح؟ قطعت عَلَيْك الطَّرِيق؟ فتعلقت لَك بِثَوْب؟ شتمت لَك عرضا؟ رميتك بِفَاحِشَة؟ حبستك عَن حَاجَة؟ امْضِ على حالك لَا مصحوباً وَلَا مَحْفُوظًا، فَخَجِلَ الشَّيْخ حَتَّى كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ضرط. ضرط الرجل بِحَضْرَة عمر فَلَمَّا حضرت الصَّلَاة، قَالَ عمر: عزمت على من كَانَت هَذِه الرّيح مِنْهُ، إِلَّا تَوَضَّأ. فَقَالَ جرير بن عبد الله: لَو عزمت علينا جَمِيعًا أَن نَتَوَضَّأ كَانَ أتسر للرجل وَأكْرم فِي الْفِعْل. فَقَالَ لَهُ عمر: جَزَاك الله خيرا، فَلَقَد كنت سيداً فِي الْجَاهِلِيَّة، سيداً فِي الْإِسْلَام، عزمت عَلَيْكُم أَلا توضأتم، فَقَامُوا جَمِيعًا وسترت على الرجل. وَكَانَ سعيد بن جُبَير الْكَاتِب من المعروفين بالضراط، وَكَانَ يضرط على عيدَان القيان وَيَزْعُم أَن الضراط أحسن من السماع. وضارط مرّة أَبَا هفان ثَلَاثًا. قَالَ: اجعلهما نَغمَة بَين شدوين، فغلط أَبُو هفان وضرط، فَقَالَ سعيد: نقضت الشَّرْط، قَالَ: صدقت، زِدْت على قومِي مَا
(6/353)

لَيْسَ فيهم، وَكَانَ أَبُو هفان عبدياً، وَعبد قيس تعير بالفسو. وَقَالَ مرّة لأبي هفان: وَالله لَئِن ضرطت عَلَيْك ضرطة لأبلغنك فِيهَا إِلَى فِيهِ فِي دفعةٍ. فَقَالَ: الله الله يَا مولَايَ، زِدْنِي أُخْرَى، وَبَلغنِي مَكَّة فَإِنِّي صرورة. فضرط عَلَيْهِ ضرطة أصعقت أَبَا هفان، ورجي عَلَيْهَا بِالْقُرْآنِ مَا تذر من شَيْء أَتَت عَلَيْهِ إِلَّا جعلته كالرميم، وَقَالَ أَبُو هفان: يَا سَيِّدي، ردني من الثعلبية فقد كفاني {} وَقَالَ الْمَأْمُون لحاتم الريش وَكَانَ ضراطاً: أَنْت أَمِير الضراطين، وَقَالَ: أَنا أوسع مِنْك سُلْطَانا إِذن، لِأَن الْإِيمَان خَاص، والضراط عَام. وَقَالَ لَهُ مرّة: يَا حَاتِم أَيْن بلغ ابْنك؟ فَقَالَ: أول مَا فسا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! دخل أَعْرَابِي إِلَى الْحجَّاج فَجعل يشكو إِلَيْهِ جَدب السّنة فَبينا هُوَ مفرط فِي ذَلِك إِذْ ضرط فَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير، وَهَذِه أَيْضا من بلية هَذِه السّنة. فَضَحِك وَأَجَازَهُ. وَخَاصم آخر خصما لَهُ بَين يَدي بعض الْوُلَاة، فَغَضب أَحدهمَا وأزرى على صَاحبه فِي الْكَلَام، فَبينا هُوَ على تِلْكَ الْحَال حَتَّى ضرط، فَقَالَ: وَهَذِه أَيْضا فِي لحيتك. قيل للمنصور وَكَانَ مَرِيضا: إِن فلَانا ضرط فِي مجْلِس فَتنبه فَقَالَ: ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء. كَانَ بالأهواز عاملٌ أَصمّ، وَكَانَ يضرط فِي مَجْلِسه، ويحسب أَنه يفسو، فضرط مرّة بَين أهل عمله وَبَين يَدَيْهِ كَاتب لَهُ، فَأخذ كَاتبه رقْعَة وَكتب فِيهَا: أصلح الله الْأَمِير إِن هَذَا الَّذِي يخرج ضراط يسمع، وَهُوَ يرى أَنه فسَاء يخفى، فَإِن رأى أَن يمسك، فعل إِن شَاءَ الله. فَوَقع فِي حَاشِيَته: إِنَّمَا استكفيناك أَمر خراجنا، وَلم نصدرك على ضراطنا، فتغافل كَمَا تغافل الْقَوْم، فَأَنت واحدٌ مِنْهُم.
(6/354)

ذكر أَن ابْن سيابة كَانَ عِنْد كَاتب من كتاب الْمهْدي فَسَأَلَهُ حَاجَة فَمَنعه، وجر الْكَاتِب دواته فضرط فَقَالَ: ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم. فَقَالَ ابْن سيابة: إِذا أذنبوا قَالُوا مقادير قدرت ... وَمَا الْعَار إِلَّا مَا تجر المقادر دخل إعرابي على يزِيد وَهُوَ يتغدى فَقَالَ لأَصْحَابه أفرجو لأخيكم فَقَالَ الْأَعرَابِي: لَا حَاجَة لي إِلَى ذَلِك أَن أطنابي وَالْحَمْد لله طوال، فَلَمَّا جلس وتهيأ ليَأْكُل، ضرط، فَقَالَ لَهُ يزِيد واستضحك: مَا أَظن إِلَّا طنباً من أطنابك قد انْقَطع. وعطس رجلٌ فضرط وَأَرَادَ بعض جُلَسَائِهِ أَن يَقُول: يَرْحَمك الله، فَقَالَ: ضرطت وَالله. فَقَالَ: صدقت وَالله. وحَدثني بعض مَشَايِخ الْكتاب بِالريِّ: لما مَاتَ ابْن فراشكين صَاحب جَيش خُرَاسَان بِالريِّ، قَامَ بِالْأَمر بعده وَاحِد كَانَ يُقَال لَهُ نبال غز قَالَ: فَكُنَّا بَين يَدَيْهِ يَوْمًا إِذا تقدم صَاحب الْبَرِيد، وَقَالَ لَهُ: أَيهَا الْأَمِير قد نزل ركن الدولة خَارِجا من أصفهان طامعاً فِي الرّيّ، قَالَ: وَتغَير لَونه وتحرك وضرط، وَأَرَادَ أَن يَسْتَوِي قَاعِدا فضرط ضرطةً أُخْرَى وَثلث وَربع، فَقَالَ لَهُ صَاحب الْبَرِيد: الرجل منا بعد على ثَمَانِينَ فرسخاً. قَالَ: فَغَضب وَقَالَ لَهُ: يَا فَاعل تقرر أَنِّي أضرط هُوَ ذَا من الْفَزع؟ أَنا إِنَّمَا أضرط من الْغَضَب. وضرط بعض جلساء الصاحب رَحمَه الله فِي مَجْلِسه وَكَانَ مَعَه على سَرِير، فَخَجِلَ وَأَرَادَ أَن يدْفع عَن نَفسه، فَقَالَ: هُوَ صرير التخت. يَعْنِي السرير، فَقَالَ الصاحب: بل هُوَ صرير التحت. وَكَانَ يتَكَلَّم يَوْمًا فِي مَسْأَلَة من الْأَصْوَات فضرط بعض الْحَاضِرين فَقَالَ الصاحب: وَهَذَا أَيْضا من الْأَصْوَات، وَمر فِي الْمَسْأَلَة يتَكَلَّم على عَادَته فِيهَا. قيل لبَعْضهِم: لَا تضرط، فَإِن الضراط شؤوم. قَالَ: أَحْرَى أَن أَدَعهُ فِي جوفي. نظر الْحسن الْبَصْرِيّ إِلَى رجل عَلَيْهِ بزَّة سَرِيَّة فَقَالَ: مَا يصنع هَذَا؟ قَالُوا:
(6/355)

يضرط فَقَالَ: مَا طلب الدُّنْيَا بِمَا يسْتَحق أحد غير هَذَا. مد رجل رجله إِلَى أكار لَهُ، وَقَالَ: اطلب شَوْكَة قد شاكتني. فَجعل الأكار يطْلبهَا بإبرة فانفلتت من الرجل ضرطة فَقَالَ الأكار: لست أرى الشَّوْكَة، وَلَكِن هُوَ ذَا اسْمَع صَوتهَا. وَتزَوج رجل بِامْرَأَة فضرطت لَيْلَة الزفاف، فخجلت، وبكت، فَقَالَ لَهَا: لَا تبْكي فقد قيل: إِن الْمَرْأَة إِذا ضرطت لَيْلَة الزفاف، كَانَ ذَلِك دَلِيلا على خصب السّنة، قَالَ: فضرطت أُخْرَى، قَالَ: لَا فَإِن بيتنا الَّذِي ندخر فِيهِ الْغلَّة بَيت وَاحِد صَغِير، وَلَا يسع أَكثر من هَذَا. قَالَ الْمَدَائِنِي: أَتَى عبد الله بن عَليّ بِرَجُل من أَصْحَاب مَرْوَان فَعرفهُ فَقَالَ: يَا غُلَام الصاعقة بِسيف كَانَ لَا لمرتشي إِلَّا هتكته. فَقَالَ الشَّامي: من لَا يحسن هَذَا. أما وَالله لَو كَانَ هَذَا الْكَلَام مِنْك لعَلِمت أَنَّك لَا تَقوله: قَالَ: يَا ابْن الفاعلة، وتخاطبني أَيْضا، اضربوا رَأسه بالعمود، فضرط الشَّامي ضرطة وَقع العمود لَهَا من يَد الْغُلَام، ونفرت دَابَّة عبد الله، فَضَحِك، وَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَأَنت عتيقها. قَالَ الشَّامي. وَهَذَا أَيْضا من الإدبار، كُنَّا ندفع الْمَوْت بأسيافنا، فصرنا ندفعه بأستاهنا. صعد الْمُغيرَة الْمِنْبَر فضرط فحرك يَده وَضرب بهَا استه وَقَالَ: كل است ضروط، ثمَّ نزل وَتَوَضَّأ، وَعَاد إِلَى مَكَانَهُ. قَالَ بَعضهم: كنت جَالِسا عِنْد صديق لي، فَجَاءَتْهُ رقْعَة من منزله، فَنظر فِيهَا وضرط، فحادثته سَاعَة واغتفلته، وَأخذت الرقعة، وقرأتها فَإِذا فِيهَا: فني، الدَّقِيق وندر الْخبز. تلاعب اثْنَان بالشطرنج، وعدلهما آخر فشرطاً عَلَيْهِ أَن لَا يدبدب، وَلَا يعلم وَاحِدًا مِنْهُمَا وينبهه على لعب، فَرَأى شاه رخ لأَحَدهمَا وَلم يملك نَفسه وَلم يقدر أَن يتَكَلَّم ليمينه، فضرط من القلق الَّذِي أَخذه وفطن الرجل بضرطه
(6/356)

لشاه رخ، فَادّعى خَصمه أَن ذَلِك دبدبة واحتكما إِلَى الصولي، فَقَالَ: إِن كَانَ جرى من هَذَا الرجل فِي مثل هَذَا الْمجْلس وسم الضراط، فَلَيْسَ ذَلِك بدبدبة، وَإِن لم يعرف مِنْهُ ذَلِك قبل هَذَا، فَهُوَ دبدبة. كَانَ بعض الْعلمَاء بِهِ طرش، وَكَانَ يُرْسل الضرطة فِي مَجْلِسه ويحسبها فسوة، فَعرفهُ كَاتبه ذَلِك فِي رقْعَة فَوَقع فِي جوابها: أقل مَا لي عِنْد أهل علمي، أَن يحتملوا إِلَى صرف مَا بَين الفسوة والضرطة. أَدخل إِنْسَان أبخر إِلَى بعض الرؤساء وساره بِشَيْء فتأذى ببخره، فَلَمَّا فرغ من حَدِيثه فسَاء وَزَاد الْبلَاء على الرجل فَقَالَ لَهُ: قُم يَا ابْن الفاعلة، عافاك الله فَإنَّك غَارِم الطَّرفَيْنِ. دخل رجل من أهل السوَاد فِي يَوْم جُمُعَة، الْمَدِينَة، وَأَرَادَ تَجْدِيد الْوضُوء، فَأخذ كوز مَاء من عِنْد بعض من يجلس على بَاب الْجَامِع وتطهر بِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَن يذهب. طَالبه صَاحب المَاء بِقِطْعَة مِمَّا مَعَه، فَقَالَ: لَيْسَ معي شَيْء، قَالَ: فَلم أخذت المَاء وتطهرت بِهِ؟ فَقَالَ: إِن كنت تطهرت بمائك فها، وضرط ضرطة مُنكرَة، وَقَالَ: خُذ طهورك، فقد رَددته عَلَيْك، وَدخل الْمَسْجِد وَصلى بحالته. سمع عبَادَة من جَوف ابْن حمدون قرقرة، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن حمدون ولدت فِي شباط؟ أَي أَنْت كثير الرِّيَاح، وَذَلِكَ أَن ابْن حمدون ضرط فِي مجْلِس المتَوَكل وَفِي ذَلِك للشعراء أشعارٌ كَثِيرَة. مر ابْن عَلْقَمَة على جمَاعَة من عبد الْقَيْس، فضرط بعض فتيانهم، فَالْتَفت إِلَيْهِم فَقَالَ: يَا عبد الْقَيْس، فسائين فِي الْجَاهِلِيَّة، ضراطين فِي الْإِسْلَام، إِن جَاءَ دين آخر خريتم. أثنى رَئِيس وَفد على الْملك، فَإِنَّهُ كَذَلِك إِذا فلتت مِنْهُ ضرطة فَالْتَفت إِلَى
(6/357)

استه فَقَالَ يخاطبها: مثل هَذَا الْملك، يصلح أَن يثني عَلَيْهِ من جَمِيع الْجَوَارِح، وَلَكِن إِذا رَأَيْت اللِّسَان يتَكَلَّم فاسكتي. فَضَحِك الْملك وَقضى حوائجهم. سَأَلَ بعض الْوُلَاة عَن أبي نصر الْهَرَوِيّ ليعبر لَهُ رُؤْيا رَآهَا، فَقيل هُوَ ممرور يأوي للصحراء، فَبعث إِلَيْهِ، فَأتى بِهِ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت كَأَن فِي كمي عصافير، فَجعلت تفلت وَاحِدَة وَاحِدَة وَتَطير، فَلَمَّا كَانَ آخر عصفورة كَادَت تفلت فحبستها. قَالَ: أكلت عدسية فبدت تضرط ليلتك فَلَمَّا كَانَ آخرهَا أردْت أَن تسلح فحبسته قَالَ الْوَالِي: اسْكُتْ قبحك الله، قَالَ: هُوَ وَالله مَا قلته. فَلَمَّا خرج قَالَ: الرجل وَالله مَا أَخطَأ شَيْئا. كَانَ بِالْمَدِينَةِ عطاران يَهُودِيَّانِ فَأسلم أَحدهمَا ولقيه صَاحبه بعد حِين فَقَالَ: كَيفَ رَأَيْت دين الْإِسْلَام؟ قَالَ: خير دين، إِلَّا أَنهم لَا يَدْعُونَا نفسو فِي الصَّلَاة قَالَ صَاحبه: وَيلك! افس وهم لَا يعلمُونَ. صلى أطروش خلف إِمَام وإِلى جَنْبَيْهِ أبخر، فَلَمَّا سلم الإِمَام قَالَ الأبخر للأطروش: سهل الإِمَام فِي صلَاته، فَقَالَ: نعم قد علمت أَنه فسا، وَهُوَ ذَا أَشمّ الرَّائِحَة. قَالَ بَعضهم: دخلت على يزِيد بن مُرِيد فَقَالَ لي: رَأَيْت البارحة رُؤْيا. فَقلت: وَمَا هِيَ، أعز الله الْأَمِير؟ قَالَ: رَأَيْت كَأَنِّي اصطدت طيطوية فذبحته، وسال الدَّم قلت: افتض الْأَمِير جَارِيَة بكرا. قَالَ: قد كَانَ ذَاك، قلت: مَا فِي الرُّؤْيَا شَيْء آخر؟ قَالَ: مَا هُوَ؟ قلت: وَكَانَ بَيْنكُمَا ضرطة. قَالَ: مني وَالله كَانَت، فَمن أَيْن علمت؟ قلت: رَأَيْت فِي الرُّؤْيَا طيطي فَعلمت ذَلِك. فَضَحِك وَأمر لي بِجَارِيَة. دخل رجل الْحمام وَمَعَهُ أطروش، فَجعل الرجل يضرط، ثمَّ الْتفت إِلَى الأطروش فَقَالَ: مَا بَقِي من سَمعك؟ قَالَ، أسمع الْكَلَام، بعد الْكَلَام، والضراط فِي الْحمام. وَمَرَّتْ امْرَأَة فِي زقاق فضرطت، والتفتت فَإِذا شيخ خلفهَا، فَقَالَت، ويلي: مذ كم أَنْت خَلْفي؟ قَالَ الشَّيْخ: مذ قدمت طبق التقل.
(6/358)

كَانَ للمدائني غُلَام فَدَعَاهُ يَوْمًا ليغمزه فَأقبل الْغُلَام يغمز رجلَيْهِ، والمدائني يفسو، ثمَّ قَالَ: تبَارك الله مَا أَضْعَف ابْن آدم. فَقَالَ الْغُلَام بالعجلة: وأفساه {} قَالَ بَعضهم. حَضَرنَا مَجْلِسا فِيهِ قينة. فتحركت فضرطت وقشورت وَقطعت الزير، فتغافلوا ثمَّ قَالَت لبَعْضهِم: مَا تحب أَن أغنيك، فَقَالَ: يَا ريح مَا تصنعين بالدجن ... كم لَك من محو منظر حسن؟ ! قَالَ فَكَأَنَّمَا خجلها من اقتراحه. أَشد من خجلها من ضرطتها. روى أَن حجاماً كَانَ يَأْخُذ من شَارِب عمر فتنحنح عمر، فضرط الْحجام، فَأعْطَاهُ أَرْبَعِينَ درهما. صلى أشعب يَوْمًا إِلَى جَانب مَرْوَان بن عُثْمَان، وَكَانَ مَرْوَان عَظِيم العجيزة والخلق فأفلتت مِنْهُ ريح عِنْد نهوضه لَهَا صَوت فَانْصَرف أشعب من الصَّلَاة يُوهم النَّاس أَنه هُوَ الَّذِي خرجت مِنْهُ الرّيح، فَلَمَّا انْصَرف مَرْوَان إِلَى منزله، جَاءَ أشعب فَقَالَ لَهُ: الدِّيَة، قَالَ: دِيَة مَاذَا. قَالَ: الضرطة الَّتِي تحملتها عَنْك، وَإِلَّا شهرتك وَالله، فَلم يَدعه حَتَّى أَخذ مِنْهُ شَيْئا صَالحا. وَصلى الله على مُحَمَّد وحسبنا الله وَنعم الْمعِين. الْحَمد لله للصَّوَاب، وَالصَّلَاة على سيدنَا مُحَمَّد الْمُؤَيد بفصل الْخطاب، وَبعد، قَالَ أَحْمد ابْن نوشراز القَاضِي، كبت الله أعاديه وحساده، وبلغه فِي الدَّاريْنِ أقْصَى مُرَاده. كنت قد ابتدأت بتصحيح هَذَا الْجُزْء السَّادِس من كتاب نثر الدّرّ الَّذِي جَمِيع آخرآيه السَّبْعَة مَوْجُودَة فِي هَذَا المجلد يَوْم السبت سَابِع عشر من شعْبَان عقب صَبِيحَة لَيْلَة الصَّك بيومين لسنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة، فيسر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى منوى من التَّصْحِيح، إِلَى أَن بلغت مُنْتَهى السَّادِس الْمَذْكُور مُقَيّدا النِّعْمَة العلمية فِي هَذَا الْوَرق يَوْم الْخَمِيس الْمَعْمُور سادس من شهر رَمَضَان للسّنة
(6/359)

الْمَذْكُورَة تيسيراً جلياً مَعْلُوما لِذَوي الأفهام، مكتوماً عَن أعين أولي الأوهام، ويتلوه الْجُزْء السَّابِع الَّذِي نختم بِهِ السياحة فِي بحار الْمعَانِي وَمُرَاد المباني، والسبع المثاني، انْتهى. كتبه الْمُصَحح حامداً ومصلياً وَمُسلمًا. /
(6/360)