Advertisement

وحي القلم 001


الكتاب: وحي القلم
المؤلف: مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي (المتوفى: 1356هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية
الطبعة: الأولى 1421هـ-2000م
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
المجلد الأول
مقدمات
مقدمة المؤلف
...
مقدمة المؤلف:
مصطفى صادق الرافعي: 1298-1356هـ/ 1881-1937م
هو مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي. ولد في "بهتيم" بمصر سنة 1881م من أب طرابلسي1 الأصل وأم حلبية. وأخذ علوم الدين عن أبيه، ثم دخل المدرسة الابتدائية وهو في نحو الثانية عشرة من عمره؛ وقد أصيب بالصمم وهو في الثلاثين من عمره, فكان يُكتب له ما يراد مخاطبته به. وفي سنة 1899 عين كاتبًا في محكمة "طلخا" الابتدائية، ثم نُقل إلى محكمة "إيتاي البارود" الشرعية، ثم إلى طنطا حيث نُقل إلى المحكمة الأهلية وتوفي سنة 1937م.
خصّ الرافعي قسمًا كبيرًا من مقالاته للدفاع عن الإسلام ومصر والشرق. وكانت نزعته في كتاباته نزعة إسلامية شديدة فيها من التدين والاندفاع الشيء الكثير, وكان غزير الفكر، يملي عليه العقل والتدين كثيرًا من الحكم والمواعظ الخلقية ويوجهانه في كتاباته توجيهًا اجتماعيًّا.
شعره نقي الديباجة على جفاف في أكثره, ونثره من الطراز الأول، إلا أنه لا يخلو من بعض الغموض. أما قصصه ففيه طرافة؛ ولكن فيه أيضًا بعض الثقل والضعف الفني.
مؤلفاته:
- ديوان شعر، في ثلاثة أجزاء.
- تاريخ آداب العرب، ثلاثة أجزاء.
- إعجاز القرآن والبلاغة النبوية.
- تحت راية القرآن.
__________
1 طرابلس في شمال لبنان.
(1/3)

- رسائل الأحزان.
- على السَّفُّود؛ وهو رد على العقاد.
- وحي القلم، ثلاثة أجزاء.
- ديوان النظرات.
- السحاب الأحمر، في فلسفة الحب والجمال.
- حديث القمر.
- المعركة؛ في الرد على كتاب الدكتور طه حسين في الشعر الجاهلي.
- المساكين.
- أوراق الورد.
وقد ألف محمد سعيد العريان كتابًا عن حياة الرافعي. ولمحمود أبي رية "رسائل الرافعي" وهي رسائل خاصة مما كان يبعث به إليه، اشتملت على كثير من آرائه في الأدب والسياسة ورجالهما.
(1/4)

نص كتاب الأستاذ الإمام:
ولدنا الأديب الفاضل مصطفى أفندي صادق الرافعي, زاده الله أدبًا.
ما أثمر أدبك، ولله ما ضمِن لي قلبك، لا أقارضك ثناء بثناء، فليس ذلك شأن الآباء مع الأبناء، ولكني أعدك من خُلَّص الأولياء، وأقدم صفك على صف الأقرباء. وأسأل الله أن يجعل للحق من لسانك سيفًا يمحق الباطل، وأن يُقيمك في الأواخر مقام حَسَّان في الأوائل, والسلام.
5 شوال سنة 1321*
محمد عبده
__________
* يوافق هذا التاريخ "1" من ديسمبر سنة 1903 للميلاد.
(1/7)

تصدير:
بقلم: محمد سعيد العريان
" ... ربما عابوا السمو الأدبي بأنه قليل، ولكن الخير كذلك، وبأنه مخالف، ولكن الحق كذلك، وبأنه محير، ولكن الحسن كذلك، وبأنه كثير التكاليف، ولكن الحرية كذلك".
الرافعي
هذا كتاب، آخر كتاب أنشأه الرافعي، ففيه النفحة الأخيرة من أنفاسه، والنبضة الأخيرة من قلبه، والومضة الأخيرة من وجدانه ... أفرأيت الليل المطبق كيف تتروَّح نسماته الأخيرة بعبير الشجر وتتندَّى أزهاره في نسيم السحر؟
ألا وإنه إلى ذلك أول كتاب أنشأه على أسلوبه وطريقته، فقد عاش الرافعي ما عاش يكتب لنفسه وينشر لنفسه، لا يعنيه مما يكتب وينشر إلا أن يُحيل فكرة في رأسه أو لمحة في خاطره أو خفقة في قلبه, إلى تعبير في لسانه أو معنى في ديوانه، ولا عليه بعد ذلك أن يتأدى معناه إلى قارئه كما أراده أو يُغلق دونه، فلما اتصل سببه بمجلة "الرسالة"* رأى لقارئه عليه حقًّا أكثر من حق نفسه، فكان أسلوبه الجديد الذي أنشأ به الكتاب.
على أن هذا الكتاب -وشأنه ما قدمت- يجمع كل خصائص الرافعي الأدبية متميزة بوضوح، فمن شاء فليقرَأه دون سائر كتبه، فسينكشف له الرافعي في سائر كتبه. والأديب الحق تستعلن نفسه بطريقتها الخاصة في كل زمان ومكان على اختلاف أحواله وما يحيط به.
__________
* اتصل الرافعي بمجلة الرسالة قبيل موته بثلاث سنوات، وكان ذلك أول اشتغاله بالصحافة، فلم يكن له قبلها صلة "صحافية" بجريدة من الجرائد أو مجلة من المجلات، وقد كان لذلك أثره في أسلوبه من قبل ومن بعد إلى أسباب أخرى, وانظر "فترة جمام" و"عمله في الرسالة" و"نقلة اجتماعية" من كتابنا "حياة الرافعي".
(1/9)

والرافعي عند طائفة من قراء العربية أديب عَسِر الهضم، وهو عند كثير من هذه الطائفة متكلف لا يصدر عن طبع، وعند بعضهم غامض معمًّى لا تخلص إليه النفس، ولكنه عند الكثرة من أهل الأدب وذوي الذوق البياني الخالص، أديب الأمة العربية المسلمة، يعبر بلسانها، وينطق عن ذات نفسها، فما يعيب عليه عائب إلا من نقص في وسائله، أو كدرة في طبعه، أو لأن بينه وبين طبيعة النفس العربية المسلمة التي ينطق الرافعي بلسانها حجابًا يباعد بينه وبين ما يقرأ روحًا ومعنًى.
فمن شاء أن يقرأ ما كتب الرافعي ليتذوق أدبه فيأخذ عنه أو يحكم عليه، فليستوثق من نفسه قبلُ، ويستكمل وسائله، فإن اجتمعت له أداته من اللغة والذوق البياني، وأحس إحساس النفس العربية المسلمة فيما تحب وما تكره وما يخطر في أمانيها؛ فذوقه ذوق وحكمه حكم، وإلا فليُسقط الرافعي من عداد من يقرأ لهم, أو فليسقط نفسه من عداد هذه الأمة.
على أنه إذا حق لنا أن نرتب كتب الرافعي ترتيبًا يعين قارئه على تذوقه أو دراسة أدبه فإن "وحي القلم" في رأس هذا الثبت, هو آخر ما أنشأ ولكنه أول ما ينبغي أن يقرأ له، وإن البدء به لحقيق أن يعوِّد قارئه أسلوب الرافعي فيسلس له صعبه وينقاد.
ذلك مجمل الرأي في أسلوب هذا الكتاب، على أن قارئه قد يقف منه عند مواضع فليسأل نفسه: كيف تأتَّى للرافعي أن يعالج موضوعه على هذا الوجه؟ وكيف تهيأ له ذلك المعنى؟ وأين ومتى اجتمعت له هذه الخواطر؟ وفي أي أحواله كان يكتب؟ وعلى أي نسق كان يؤلف موضوعه ويجمع أشتاته ويحشد خواطره ويصنف عبارته؟
... ولست أرى من حقي أن أطيل القول هنا في هذا الكتاب وقد ذكرتُهُ في كتاب "حياة الرافعي"، وإن موضوع هذا الكتاب لهو الحقيق بالدرس والعناية.
والكتاب كما يشعر به عنوانه، هو مجموعة فصول ومقالات وقصص، من وحي القلم وفيض الخاطر في ظروف متباينة، وأكثره ما كتبه لمجلة الرسالة بين سنتي 1934 و1937، ولكل فصل أو مقالة أو قصة من هذه المجموعة سبب أوحى إليه موضوعها وأملى عليه القول فيها، ولقد كان عليَّ أن أثبت عند رأس كل
(1/10)

موضوع منها باعثه وحادثته، لعل من ذلك نورًا يكشف عن معنى مغلق أو يوضح فكرة يكتنفها بعض الغموض، ولكن بعض الضرورات قد ألزمتني أن أقتصد في البيان هنا اكتفاءً بما بينته في موضعه, وأشرت إليه في هامش موضوعه.
ولقد يقرأ القارئ بعض القصص في هذا الكتاب، فيسأل عن بعضها: أهذا حق يرويه أم باطل يدعيه؟ ويسأل عند بعضها: أهذا مما ينقل من مأثورات الأدب والتاريخ القديم، أم إنشاء مما يبدعه الخيال وتوشيه الصنعة؟ ثم يقرأ رأي الرافعي في القصة وكتاب القصة* فيقول: أين رأيه من حقيقته؟ وأين عمله من دعواه؟
ولهذه القصص حديث طويل، ولكن حسبي أن أقول: إن الرافعي -وإن هجر القصة ولم يحفل بها زمانًا- كانت القصة في أدبه, وفي طبعه.
وكما قلت من قبل: إن هذا الكتاب يجمع كل خصائص الرافعي الأدبية متميزة بوضوح في أسلوبه، كذلك أقول هنا: إنه يجمع كل خصائصه العقلية والنفسية متميزة بوضوح في موضوعه، ففيه خلقه ودينه، وفيه شبابه وعاطفته، وفيه تزمته ووقاره، وفيه فكاهته ومرحه، وفيه غضبه وسخطه، فمن شاء أن يعرف الرافعي عرفان الرأي والفكرة والمعاشرة فليعرفه في هذا الكتاب.
أما الجزء الثالث من هذا الكتاب فقد خلفه المؤلف -رحمه الله- على مكتبه قصاصات من صحف وصفحات من كتب ومجلات، فعاد كتابًا بين دفتين، وقد رتبت فصوله على ما بدا لي، إذ لم أجد فيما خلّف المؤلف من أوراق ما يشير إلى رأيه في ترتيبه، ولكن جمع أكثر مواده في غلاف وأودعه درج مكتبه إلى ميعاد، ثم عاجلته منيته. وقد جمعتُ ما قدرت عليه بعد، فأضفتُه إلى ما جمع المؤلف، ورتبت كل ذلك وهيأته للمطبعة فإن كان قد فاتني شيء مما ينبغي إضافته إلى ذلك الجزء, أو قصر بي الجهد عن ترتيبه على الوجه الأمثل، فمعذرة إلى قارئه.
وللمؤلف في ذيل بعض الصحائف تعليقات، ولي تعليقات غيرها اقتضاها مكانها وموضوعها، فإذا رأى القارئ رمز التعليق في الصلب وفي الهامش نجمًا أو
__________
* الجزء الثالث من وحي القلم.
(1/11)

نجومًا "*" "* *" فهو ما علقتُهُ، وإن كان الرمز رقمًا فهو مما علقه المؤلف -رحمه الله- لبيان معنى أو تفسير كلمة.
وإن في الكتاب لفنًّا وفكرًا وبيانًا، وإن فيه لمواضع تقتضي البسط والتطويل في الحديث، وإن فيه لمذاهب في الإنشاء حقيقة بالدرس والنظر، ولكني أجتزئ من ذلك كله بالعرض دون البيان؛ لأدع لقارئه أن يقول ما يشاء ويحكم، ثم لأفسح المكان لمنشئ الكتاب أن يتحدث عن مذهبه في البيان وهو عليه أقدر.
محمد سعيد العريان
(1/12)

صدر الكتاب: البيان
لا وجود للمقالة البيانية إلا في المعاني التي اشتملت عليها يقيمها الكاتب على حدود ويديرها على طريقة، مصيبًا بألفاظه مواقع الشعور، مثيرًا بها مكامن الخيال، آخذًا بوزن تاركًا بوزن لتأخذ النفس كما يشاء وتترك.
ونقل حقائق الدنيا نقلًا صحيحًا إلى الكتابة أو الشعر, هو انتزاعها من الحياة في أسلوب وإظهارها للحياة في أسلوب آخر يكون أوفى وأدق وأجمل، لوضعه كل شيء في خاص معناه وكشفه حقائق الدنيا كشفة تحت ظاهرها الملتبس. وتلك هي الصناعة الفنية الكاملة؛ تستدرك النقص فتتمه، وتتناول السر فتعلنه، وتلمس المقيد فتطلقه، وتأخذ المطلق فتحده، وتكشف الجمال فتظهره، وترفع الحياة درجة في المعنى وتجعل الكلام كأنه وجد لنفسه عقلًا يعيش به.
فالكاتب الحق لا يكتب ليكتب؛ ولكنه أداة في يد القوة المصورة لهذا الوجود، تُصوِّر به شيئًا من أعمالها فنًّا من التصوير. الحكمة الغامضة تريده على التفسير، تفسير الحقيقة؛ والخطأ الظاهر يريده على التبيين، تبيين الصواب؛ والفوضى المائجة تسأله الإقرار, إقرار التناسب؛ وما وراء الحياة، يتخذ من فكره صلة بالحياة؛ والدنيا كلها تنتقل فيه مرحلة نفسية لتعلو به أو تنزل. ومن ذلك لا يخلق الملهم أبدًا إلا وفيه أعصابه الكهربائية، وله في قلبه الرقيق مواضع مهيأة للاحتراق تنفذ إليها الأشعة الروحانية, وتتساقط منها بالمعاني.
وإذا اختير الكاتب لرسالة ما، شعر بقوة تفرض نفسها عليه؛ منها سناد رأيه، ومنها إقامة برهانه، ومنها جمال ما يأتي به، فيكون إنسانًا لأعماله وأعمالها جميعًا، له بنفسه وجود ولد بها وجود آخر؛ ومن ثم يصبح عالمًا بعناصره للخير أو الشر كما يوجه؛ ويُلقَى فيه مثل السر الذي يلقى في الشجرة لإخراج ثمرها بعمل طبيعي يُرَى سهلًا كل السهل حين يتم، ولكنه صعب أي صعب حين يبدأ.
هذه القوة التي تجعل اللفظة المفردة في ذهنه معنى تاما، وتحول الجملة الصغيرة
(1/13)

إلى قصة، وتنتهي باللمحة السريعة إلى كشف عن حقيقة، وهي تخرجه من حكم أشياء ليحكم عليها، وتدخله في حكم أشياء غيرها لتحكم عليه؛ وهي هي التي تميز طريقته وأسلوبه؛ وكما خُلق الكون من الإشعاع تضع الإشعاع في بيانه1.
ولا بد من البيان في الطبائع الملهمة ليتسع به التصرف، إذ الحقائق أسمى وأدق من أن تعرف بيقين الحاسة أو تنحصر في إدراكها. فلو حُدَّت الحقيقة لما بقيت حقيقة، ولو تلبس الملائكة بهذا اللحم والدم أبطل أن يكونوا ملائكة؛ ومن ثم فكثرة الصور البيانية الجميلة، للحقيقة الجميلة، هي كل ما يمكن أو يتسنى من طريقة تعريفها للإنسانية.
وأي بيان في خضرة الربيع عند الحيوان من آكل العشب، إلا بيان الصورة الواحدة في معدته؟ غير أن صور الربيع في البيان الإنساني على اختلاف الأرض والأمم، تكاد تكون بعدد أزهاره، ويكاد الندى يُنَضِّرها حسنًا كما ينضره.
ولهذا ستبقى كل حقيقة من الحقائق الكبرى -كالإيمان, والجمال، والحب، والخير, والحق- ستبقى محتاجة في كل عصر إلى كتابة جديدة من أذهان جديدة.
وفي الكتَّاب الفضلاء باحثون مفكرون تأتي ألفاظهم ومعانيهم فنًّا عقليًّا غايته صحة الأداء وسلامة النسق، فيكون البيان في كلامهم على ندرة كوخز الخضرة في الشجرة اليابسة هنا وهنا. ولكن الفن البياني يرتفع على ذلك بأن غايته قوة الأداء مع الصحة، وسمو التعبير مع الدقة، وإبداع الصورة زائدًا جمال الصورة. أولئك في الكتابة كالطير له جناح يجري به ويَدِفّ ولا يطير، وهؤلاء كالطير الآخر له جناح يطير به ويجري. ولو كتب الفريقان في معنى واحد لرأيت المنطق في أحد الأسلوبين وكأنه يقول: أنا هنا في معانٍ وألفاظ؛ وترى الإلهام في الأسلوب الآخر يطالعك أنه هنا في جلال وجمال, وفي صور وألوان.
ودورة العبارة الفنية في نفس الكاتب البياني دورة خلق وتركيب، تخرج بها الألفاظ أكبر مما هي، كأنها شبّت في نفسه شبابًا؛ وأقوى مما هي، كأنما كسبت من روحه قوة؛ وأدل مما هي، كأنما زاد فيها بصناعته زيادة. فالكاتب العلمي تمر اللغة منه في ذاكرة وتخرج كما دخلت عليها طابع واضعيها؛ ولكنها من الكاتب البياني تمر في مصنع وتخرج عليها طابعه هو. أولئك أزاحوا اللغة عن مرتبة
__________
1 ثبت أن الإشعاع هو المادة التي صنع منها الكون.
(1/14)

سامية، وهؤلاء علوا بها إلى أسمى مراتبها؛ وأنت مع الأولين بالفكر، ولا شيء إلا الفكر والنظر والحكم؛ غير أنك مع ذي الحاسة البيانية لا تكون إلا بمجموع ما فيك من قوة الفكر والخيال والإحساس والعاطفة والرأي.
وللكتابة التامة المفيدة مثل الوجهين في خلق الناس: ففي كل الوجوه تركيب تام تقوم به منفعة الحياة، ولكن الوجه المنفرد يجمع إلى تمام الخلق جمال الخلق، ويزيد على منفعة الحياة لذة الحياة، وهو لذلك وبذلك، يُرَى ويؤثّر ويعشَق.
وربما عابوا السمو الأدبي بأنه قليل، ولكن الخير كذلك؛ وبأنه مخالف، ولكن الحق كذلك؛ وبأنه محير، ولكن الحسن كذلك، وبأنه كثير التكاليف، ولكن الحرية كذلك.
إن لم يكن البحر فلا تنتظر اللؤلؤ، وإن لم يكن النجم فلا تنتظر الشعاع، وإن لم تكن شجرة الورد فلا تنتظر الورد، وإن لم يكن الكاتب البياني فلا تنتظر الأدب.
مصطفى صادق الرافعي
(1/15)

اليمامتان:
جاء في تاريخ الواقدي "أن "المقوقس" عظيم القبط في مصر، زوج بنته "أرمانوسة" من "قسطنطين بن هرقل" وجهزها بأموالها حشمًا لتسير إليه، حتى يبني عليها في مدينة قيسارية1؛ فخرجت إلى بلبيس وأقامت بها ... وجاء عمرو بن العاص إلى بلبيس فحاصرها حصارًا شديدًا، وقاتل من بها، وقتل منهم زهاء ألف فارس، وانهزم من بقي إلى المقوقس، وأخذت أرمانوسة وجميع ما لها، وأخذ كل ما كان للقبط في بلبيس. فأحب عمرو ملاطفة المقوقس، فسير إليه ابنته مكرمة في جميع ما لها، "مع قيس بن أبي العاص السهمي"؛ فسُرَّ بقدومها ... ".
هذا ما أثبته الواقدي في روايته، ولم يكن معنيًّا إلا بأخبار المغازي والفتوح، فكان يقتصر عليها في الرواية؛ أما ما أغفله فهو ما نقصه نحن:
كانت لأرمانوسة وصيفة مولدة تسمى "مارية"، ذات جمال يوناني أتمته مصر ومسحته بسحرها، فزاد جمالها على أن يكون مصريا، ونقص الجمال اليوناني أن يكونه؛ فهو أجمل منهما، ولمصر طبيعة خاصة في الحسن؛ فهي قد تخمل شيئًا في جمال نسائها أو تشعث منه، وقد لا توفيه جهد محاسنها الرائعة؛ ولكن متى نشأ فيها جمال ينزع إلى أصل أجنبي أفرغت فيه سحرها إفراغًا، وأبت إلا أن تكون الغالبة عليه، وجعلته آيتها في المقابلة بينه في طابعه المصري، وبين أصله في طبيعة أرضه كائنة ما كانت؛ تغار على سحرها أن يكون إلا الأعلى.
وكانت مارية هذه مسيحية قوية الدين والعقل، اتخذها المقوقس كنيسة حية لابنته، وهو كان واليًا وبطريركًا على مصر من قبل هرقل؛ وكان من عجائب صنع الله أن الفتح الإسلامي جاء في عهده، فجعل الله قلب هذا الرجل مفتاح القفل القبطي، فلم تكن أبوابهم تدافع إلا بمقدار ما تدفع، تقاتل شيئًا من القتال غير
__________
1 بلدة بفلسطين. وبلبيس هي المدينة المعروفة بمحافظة الشرقية بمصر.
(1/16)

كبير، أما الأبواب الرومية فبقيت مستغلقة حصينة لا تذعن إلا للتحطيم، ووراءها نحو مائة ألف رومي يقاتلون المعجزة الإسلامية التي جاءتهم من بلاد العرب أول ما جاءت في أربعة آلاف رجل، ثم لم يزيدوا آخر ما زادوا على اثني عشر ألفًا. كان الروم مائة ألف مقاتل بأسلحتهم -ولم تكن المدافع معروفة- ولكن روح الإسلام جعلت الجيش العربي كأنه اثنا عشر ألف مِدْفَع بقنابلها، لا يقاتلون بقوة الإنسان، بل بقوة الروح الدينية التي جعلها الإسلام مادة منفجرة تشبه الديناميت قبل أن يُعرَف الديناميت!
ولما نزل عمرو بجيشه على بلبيس، جزعت مارية جزعًا شديدًا؛ إذ كان الروم قد أرجفوا أن هؤلاء العرب قوم جياع ينفضهم الجدب على البلاد نفض الرمال على الأعين في الريح العاصف؛ وأنهم جراد إنساني لا يغزو إلا لبطنه؛ وأنهم غلاظ الأكباد كالإبل التي يمتطونها؛ وأن النساء عندهم كالدواب يُرتبطْنَ على خَسْف؛ وأنهم لا عهد لهم ولا وفاء، ثَقُلت مطامعهم وخَفَّت أمانتهم؛ وأن قائدهم عمرو بن العاص كان جزَّارًا في الجاهلية، فما تدعه روح الجزار ولا طبيعته؛ وقد جاء بأربعة آلاف سالخ من أخلاط الناس وشذاذهم، لا أربعة آلاف مقاتل من جيش له نظام الجيش!
وتوهمت مارية أوهامها، وكانت شاعرة قد درست هي وأرمانوسة أدب يونان وفلسفتهم، وكان لها خيال مشبوب متوقد يشعرها كل عاطفة أكبر مما هي، ويضاعف الأشياء في نفسها، وينزع إلى طبيعته المؤنثة، فيبالغ في تهويل الحزن خاصة، ويجعل من بعض الألفاظ وقودًا على الدم.
ومن ذلك استُطير قلب مارية وأفزعتها الوساوس، فجعلت تندب نفسها, وصنعت في ذلك شعرًا هذه ترجمته:
جاءك أربعة آلاف جزار أيتها الشاة المسكينة!
ستذوق كل شعرة منك ألم الذبح قبل أن تُذبَحي!
جاءك أربعة آلاف خاطف أيتها العذراء المسكينة!
ستموتين أربعة آلاف مِيتة قبل الموت!
قوني يا إلهي؛ لأغمد في صدري سكينًا يرد عني الجزارين!
يا إلهي، قَوِّ هذه العذراء؛ لتتزوج الموت قبل أن يتزوجها العربي ... !
وذهبت تتلو شعرها على أرمانوسة في صوت حزين يتوجع؛ فضحكت هذه
(1/17)

وقالت: أنت واهمة يا مارية؛ أنسيت أن أبي قد أهدى إلى نبيهم بنت "أَنْصِنا"1، فكانت عنده في مملكة بعضها السماء, وبعضها القلب؟ لقد أخبرني أبي أنه بعث بها لتكشف له عن حقيقة هذا الدين وحقيقة هذا النبي؛ وأنها أنفذت إليه دسيسًا يُعلمه أن هؤلاء المسلمين هم العقل الجديد الذي سيضع في العالم تمييزه بين الحق والباطل، وأن نبيهم أطهر من السحابة في سمائها، وأنهم جميعًا ينبعثون من حدود دينهم وفضائله، لا من حدود أنفسهم وشهواتها؛ وإذا سلوا السيف سلوه بقانون، وإذا أغمدوه أغمدوه بقانون. وقالت عن النساء: لأن تخاف المرأة على عفتها من أبيها أقرب من أن تخاف عليها من أصحاب هذا النبي؛ فإنهم جميعًا في واجبات القلب وواجبات العقل، ويكاد الضمير الإسلامي في الرجل منهم, يكون حاملًا سلاحًا يضرب صاحبه إذا هم بمخالفته.
وقال أبي: إنهم لا يغيرون على الأمم، ولا يحاربونها حرب المُلك؛ وإنما تلك طبيعة الحركة للشريعة الجديدة، تتقدم في الدنيا حاملة السلاح والأخلاق، قوية في ظاهرها وباطنها، فمن وراء أسلحتهم أخلاقهم؛ وبذلك تكون أسلحتهم نفسها ذات أخلاق!
وقال أبي لها: إن هذا الدين سيندفع بأخلاقه في العالم اندفاع العصارة الحية في الشجرة الجرداء؛ طبيعة تعمل في طبيعة؛ فليس يمضي غير بعيد حتى تخضرّ الدنيا وترمي ظلالها؛ وهو بذلك فوق السياسات التي تشبه في عملها الظاهر الملفق ما يعد كطلاء الشجرة الميتة الجرداء بلون أخضر ... شتان بين عمل وعمل، وإن كان لون يشبه لونًا ...
فاستروحت مارية واطمأنت باطمئنان أرمانوسة، وقالت: فلا ضير علينا إذا فتحوا البلد، ولا يكون ما نستضر به؟
قالت أرمانوسة: لا ضير يا مارية، ولا يكون إلا ما نحب لأنفسنا؛ فالمسلمون ليسوا كهؤلاء العلوج من الروم، يفهمون متاع الدنيا بفكرة الحرص عليه، والحاجة إلى حلاله وحرامه، فهم القساة الغلاظ المستكلِبون كالبهائم؛ ولكنهم يفهمون متاع الدنيا بفكرة الاستغناء عنه والتمييز بين حلاله وحرامه، فهم الإنسانيون الرحماء المتعففون.
__________
1 هي مارية القبطية التي أهداها المقوقس إلى النبي "صلى الله عليه وسلم" وكانت من "أنصنا" بالوجه القبلي.
(1/18)

قالت مارية: وأبيك يا أرمانوسة، إن هذا لعجيب! فقد مات سقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم من الفلاسفة والحكماء، وما استطاعوا أن يؤدبوا بحكمتهم وفلسفتهم إلا الكتب التي كتبوها ... ! فلم يخرجوا للدنيا جماعة تامة الإنسانية، فضلًا عن أمة كما وصفتِ أنتِ من أمر المسلمين؛ فكيف استطاع نبيهم أن يخرج هذه الأمة وهم يقولون: إنه كان أميا؟ أفتسخر الحقيقة من كبار الفلاسفة والحكماء وأهل السياسة والتدبير؛ فتدعهم يعملون عبثًا أو كالعبث، ثم تستسلم للرجل الأمي الذي لم يكتب ولم يقرأ ولم يدرس ولم يتعلم؟
قالت أرمانوسة: إن العلماء بهيئة السماء وأجرامها وحساب أفلاكها، ليسوا هم الذين يشقون الفجر ويُطلعون الشمس؛ وأنا أرى أنه لا بد من أمة طبيعية بفطرتها يكون عملها في الحياة إيجاد الأفكار العلمية الصحيحة التي يسير بها العالم، وقد درست المسيح وعمله وزمنه، فكان طيلة عمره يحاول أن يوجد هذه الأمة، غير أنه أوجدها مصغرة في نفسه وحوارييه، وكان عمله كالبدء في تحقيق الشيء العسير؛ حسبه أن يثبت معنى الإمكان فيه.
وظهور الحقيقة من هذا الرجل الأمي هو تنبيه الحقيقة إلى نفسها؛ وبرهانها القاطع أنها بذلك في مظهرها الإلهي. والعجيب يا مارية، أن هذا النبي قد خذله قومه وناكروه وأجمعوا على خلافه، فكان في ذلك كالمسيح، غير أن المسيح انتهى عند ذلك؛ أما هذا فقد ثبت ثبات الواقع حين يقع؛ لا يرتد ولا يتغير؛ وهاجر من بلده، فكان ذلك أول خُطا الحقيقة التي أعلنت أنها ستمشي في الدنيا، وقد أخذت من يومئذ تمشي1. ولو كانت حقيقة المسيح قد جاءت للدنيا كلها لها جرت به كذلك، فهذا فرق آخر بينهما. والفرق الثالث أن المسيح لم يأت إلا بعبادة واحدة هي عبادة القلب، أما هذا الدين فعلمت من أبي أنه ثلاث عبادات يشد بعضها بعضًا: إحداها للأعضاء, والثانية للقلب، والثالثة للنفس؛ فعبادة الأعضاء طهارتها واعتيادها الضبط؛ وعبادة القلب طهارته وحبه الخير؛ وعبادة النفس طهارتها وبذلها في سبيل الإنسانية. وعند أبي أنهم بهذه الأخيرة سيملكون الدنيا؛ فلن تُقهَر أمة عقيدتها أن الموت أوسع الجانبين وأسعدهما.
قالت مارية: إن هذا والله لسر إلهي يدل على نفسه؛ فمن طبيعة الإنسان ألا تنبعث نفسه غير مبالية الحياة والموت إلا في أحوال قليلة، تكون طبيعة الإنسان
__________
1 انظر المقالات النبوية في صدر الجزء الثاني من هذا الكتاب.
(1/19)

فيها عمياء؛ كالغضب الأعمى، والحب الأعمى، والتكبر الأعمى؛ فإذا كانت هذه الأمة الإسلامية كما قلتِ منبعثة هذا الانبعاث، ليس فيها إلا الشعور بذاتيتها العالية, فما بعد ذلك دليل على أن هذا الدين هو شعور الإنسان بسموّ ذاتيته، وهذه هي نهاية النهايات في الفلسفة والحكمة.
قالت أرمانوسة: وما بعد ذلك دليل على أنكِ تتهيئين أن تكوني مسلمة يا مارية!
فاستضحكتا معًا وقالت مارية: إنما ألقيتِ كلامًا جاريتُكِ فيه بحسبه، فأنا وأنت كافرتان لا مسلمتان.
قال الراوي: وانهزم الروم عن بلبيس، وارتدوا إلى المقوقس في "منف"، وكان وحي أرمانوسة في مارية مدة الحصار -وهي نحو الشهر- كأنه فكر سكن فكرًا وتمدد فيه؛ فقد مر ذلك الكلام بما في عقلها من حقائق النظر في الأدب والفلسفة، فصنع ما يصنع المؤلف بكتاب ينقحه، وأنشأ لها أخيلة تجادلها وتدفعها إلى التسليم بالصحيح لأنه صحيح، والمؤكد لأنه مؤكد.
ومن طبيعة الكلام إذا أثر في النفس، أن ينتظم في مثل الحقائق الصغيرة التي تلقى للحفظ؛ فكان كلام أرمانوسة في عقل مارية هكذا: "المسيح بدء وللبدء تكملة، ما من ذلك بد. لا تكون خدمة الإنسانية إلا بذات عالية لا تبالي غير سموها. الأمة التي تبذل كل شيء وتستمسك بالحياة جبنًا وحرصًا لا تأخذ شيئًا، والتي تبذل أرواحها فقط تأخذ كل شيء".
وجعلت هذه الحقائق الإسلامية وأمثالها تُعرّب هذا العقل اليوناني؛ فلما أراد عمرو بن العاص توجيه أرمانوسة إلى أبيها، وانتهى ذلك إلى مارية قالت لها: لا يجمل بمن كانت مثلك في شرفها وعقلها أن تكون كالأخِيذة، تتوجه حيث يُسار بها؛ والرأي أن تبدئي هذا القائد قبل أن يبدأكِ؛ فأرسلي إليه فأعلميه أنك راجعة إلى أبيك، واسأليه أن يُصحبك بعض رجاله؛ فتكوني الآمرة حتى في الأسر، وتصنعي صنع بنات الملوك!
قالت أرمانوسة: فلا أجد لذلك خيرًا منك في لسانك ودهائك؛ فاذهبي إليه من قِبَلي، وسيصحبك الراهب "شطا"، وخذي معك كوكبة من فرساننا.
(1/20)

قالت مارية وهي تقص على سيدتها: لقد أديتُ إليه رسالتكِ فقال: كيف ظنها بنا؟ قلت: ظنها بفعل رجل كريم يأمره اثنان: كرمه، ودينه. فقال: أبلغيها أن نبينا -صلى الله عليه وسلم- قال: "استوصوا بالقبط خيرًا؛ فإن لهم فيكم صهرًا وذمة" وأعلميها أننا لسنا على غارة نُغِيرها، بل على نفوس نُغَيِّرها.
قالت: فصفيه لي يا مارية.
قالت: كان آتيًا في جماعة من فرسانه على خيولهم العِراب، كأنها شياطين تحمل شياطين من جنس آخر؛ فلما صار بحيث أتبينه أومأ إليه الترجمان -وهو "وردان" مولاه- فنظرتُ، فإذا هو على فرس كُمَيْت أَحَمَّ1 لم يخلص للأسود ولا للأحمر، طويل العنق مشرف له ذؤابة أعلى ناصيته كطُرَّة المرأة، ذيَّال يتبختر بفارسه ويُحمحم كأنه يريد أن يتكلم، مُطَهَّم ...
فقطعت أرمانوسة عليها وقالت: ما سألتك صفة جوده ...
قالت مارية: أما سلاحه ...
قالت: ولا سلاحه، صفيه كيف رأيته "هو"؟
قالت: رأيته قصير القامة علامة قوة وصلابة، وافر الهامة علامة عقل وإرادة، أدعج العينين ...
فضحكت أرمانوسة وقالت: علامة ماذا؟
... أبلج يُشرق وجهه كأن فيه لألاء الذهب على الضوء، أيِّدًا، اجتمعت فيه القوة حتى لتكاد عيناه تأمران بنظرهما أمرًا ... داهية كتب دهاؤه على جبهته العريضة يجعل فيها معنى يأخذ من يراه, وكلما حاولت أن أتفرس في وجهه رأيت وجهه لا يفسره إلا تكرر النظر إليه ...
وتضرَّجت وجنتاها، فكان ذلك حديثًا بينها وبين عيني أرمانوسة.... وقالت هذه: كذلك كل لذة لا يفسرها للنفس إلا تكرارها ...
فغضّت مارية من طرفها وقالت: هو والله ما وصفت، وإني ما ملأت عيني منه، وقد كدت أنكر أنه إنسان لما اعتراني من هيبته.
قالت أرمانوسة: من هيبته أم عينيه الدعجاوين؟
__________
1 الكميت الأحم: هو الأحمر الضارب للسواد، لا يخلص لأحد اللونين، فإذا كان أحمر خالصًا قيل فيه: كميت مدمّى "بتشديد الميم الثانية وفتحها".
(1/21)

ورجعتْ بنت المقوقس إلى أبيها في صحبة "قيس"، فلما كانوا في الطريق وجبت الظهر، فنزل قيس يصلي بمن معه والفتاتان تنظران؛ فلما صاحوا: "الله أكبر ... " ارتعش قلب مارية، وسألت الراهب "شطا": ماذا يقولون؟ قال: إن هذه كلمة يدخلون بها صلاتهم، كأنما يخاطبون بها الزمن أنهم الساعة في وقت ليس منه ولا من دنياهم، وكأنهم يعلنون أنهم بين يدي من هو أكبر من الوجود؛ فإذا أعلنوا انصرافهم عن الوقت ونزاع الوقت وشهوات الوقت، فذلك هو دخولهم في الصلاة؛ كأنهم يمحون الدنيا من النفس ساعة أو بعض ساعة؛ ومحوها من أنفسهم هو ارتفاعهم بأنفسهم عليها؛ انظري، ألا تريْنَ هذه الكلمة قد سحرتهم سحرًا فهم لا يلتفتون في صلاتهم إلى شيء؛ وقد شملتهم السكينة، ورجعوا غير من كانوا، وخشعوا خشوع أعظم الفلاسفة في تأملهم1؟
قالت مارية: ما أجمل هذه الفطرة الفلسفية! لقد تعبت الكتب لتجعل أهل الدنيا يستقرون ساعة في سكينة الله عليهم فما أفلحت، وجاءت الكنيسة فهوَّلت على المصلين بالزخارف والصور والتماثيل والألوان؛ لتوحي إلى نفوسهم ضربًا من الشعور بسكينة الجمال وتقديس المعنى الديني، وهي بذلك تحتال في نقلهم من جوهم إلى جوها، فكانت كساقي الخمر؛ إن لم يعطك الخمر عجز عن إعطائك النشوة, ومن ذا الذي يستطيع أن يحمل معه كنيسة على جواد أو حمار؟
قالت أرمانوسة: نعم, إن الكنيسة كالحديقة؛ وهي حديقة في مكانها، وقلما توحي شيئًا إلا في موضعها؛ فالكنيسة هي الجدران الأربعة، أما هؤلاء فمعبدهم بين جهات الأرض الأربع.
قال الراهب شطا: ولكن هؤلاء المسلمين متى فُتحت عليهم الدنيا وافتتنوا بها وانغمسوا فيها؛ فستكون هذه الصلاة بعينها ليس فيها صلاة يومئذ.
قالت مارية: وهل تفتح عليهم الدنيا, وهل لهم قواد كثيرون كعمرو؟
قال: كيف لا تفتح الدنيا على قوم لا يحاربون الأمم, بل يحاربون ما فيها من الظلم والكفر والرذيلة، وهم خارجون من الصحراء بطبيعة قوية كطبيعة الموج في المد المرتفع؛ ليس في داخلها إلا أنفس مندفعة إلى الخارج عنها؛ ثم يقاتلون بهذه الطبيعة أممًا ليس في الداخل منها إلا النفوس المستعدة أن تهرب إلى الداخل!
__________
1 انظر مقالة "حقيقة المسلم" في الجزء الأول.
(1/22)

قالت مارية: والله لكأننا ثلاثتنا على دين عمرو.
وانفتل قيس من الصلاة, وأقبل يترحَّل، فلما حاذى مارية كان عندها كأنما سافر ورجع؛ وكانت ما تزال في أحلام قلبها؛ وكانت من الحلم في عالم أخذ يتلاشى إلا من عمرو وما يتصل بعمرو. وفي هذه الحياة أحوال "ثلاث" يغيب فيها الكون بحقائقه؛ فيغيب عن السكران، والمخبول، والنائم؛ وفيها حالة رابعة يتلاشى فيها الكون إلا من حقيقة واحدة تتمثل في إنسان محبوب.
وقالت مارية للراهب شطا: سَلْهُ: ما أَرَبُهم من هذه الحرب، وهل في سياستهم أن يكون القائد الذي يفتح بلدًا حاكمًا على هذا البلد؟
قال قيس: حسبك أن تعلمي أن الرجل المسلم ليس إلا رجلًا عاملًا في تحقيق كلمة الله، أما حظ نفسه فهو في غير هذه الدنيا.
وترجم الراهب كلامه هكذا: أما الفاتح فهو في الأكثر الحاكم المقيم، الحرب فهي عندنا الفكرة وأما المصلحة تريد أن تضرب في الأرض وتعمل، وليس حظ النفس شيئًا يكون من الدنيا؛ وبهذا تكون النفس أكبر من غرائزها، وتنقلب معها الدنيا برُعونتها وحماقاتها وشهواتها كالطفل بين يدي رجل، فيهما قوة ضبطه وتصريفه, ولو كان في عقيدتنا أن ثواب أعمالنا في الدنيا لانعكس الأمر.
قالت مارية: فسله: كيف يصنع "عمرو" بهذه القلة التي معه والروم لا يحصى عددهم؛ فإذا أخفق "عمرو" فمن عسى أن يستبدلوه منه؟ وهل هو أكبر قوادهم، أو فيهم أكبر منه؟
قال الراوي: ولكن فرس قيس تمطّر وأسرع في لحاق الخيل على المقدمة, كأنه يقول: لسنا في هذا. وفُتحت مصر صلحًا بين عمرو والقبط، وولى الروم مصعدين إلى الإسكندرية، وكانت مارية في ذلك تستقرئ أخبار الفاتح تطوف منها على أطلال من شخص بعيد؛ وكان عمرو من نفسها كالمملكة الحصينة من فاتح لا يملك إلا حبه أن يأخذها؛ وجعلت تذوي وشحب لونها وبدأت تنظر النظرة التائهة, وبان عليها أثر الروح الظمأى؛ وحاطها اليأس بجوِّه الذي يحرق الدم؛ وبدت مجروحة المعاني؛ إذ كان يتقاتل في نفسها الشعوران العدوان: شعور أنها عاشقة، وشعور أنها يائسة!
(1/23)

ورقت لها أرمانوسة، وكانت هي أيضًا تتعلق فتًى رومانيًّا، فسهرتا ليلة تديران الرأي في رسالة تحملها مارية من قبلها إلى عمرو كي تصل إليه، فإذا وصلت بلَّغت بعينيها رسالة نفسها.
واستقر الأمر أن تكون المسألة عن مارية القبطية وخبرها ونسلها وما يتعلق بها مما يطول الإخبار به إذا كان السؤال من امرأة عن امرأة. فلما أصبحتا وقع إليها أن عمرًا قد سار إلى الإسكندرية لقتال الروم، وشاع الخبر أنه لما أمر بفسطاطه أن يقوض أصابوا يمامة قد باضت في أعلاه، فأخبروه فقال: "قد تحرمت في جوارنا، أَقِروا الفسطاط حتى تطير فراخها" فأقروه!
ولم يمض غير طويل حتى قضت مارية نحبها، وحفظت عنها أرمانوسة هذا الشعر الذي أسمته نشيد اليمامة:
على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها.
تركها الأمير تصنع الحياة، وذهب هو يصنع الموت!
هي كأسعد امرأة؛ ترى وتلمس أحلامها.
إن سعادة المرأة أولها وآخرها بعض حقائق صغيرة كهذا البيض.
على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها.
لو سئلت عن هذا البيض لقالت: هذا كنزي.
هي كأهنأ امرأة، ملكت ملكها من الحياة ولم تفتقر.
هل أكلف الوجود شيئًا إذا كلفته رجلًا واحدًا أحبه!
على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها.
الشمس والقمر والنجوم، كلها أصغر في عينها من هذا البيض.
هي كأرق امرأة؛ عرفت الرقة مرتين: في الحب، والولادة.
هل أكلف الوجود شيئًا كثيرًا إذا أردت أن أكون كهذه اليمامة!
على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها.
تقول اليمامة: إن الوجود يحب أن يُرى بلونين في عين الأنثى؛
مرة حبيبًا كبيرًا في رَجُلها، ومرة حبيبًا صغيرًا في أولادها.
(1/24)

كل شيء خاضع لقانونه، والأنثى لا تريد أن تخضع إلا لقانونها.
أيتها اليمامة، لم تعرفي الأمير وترك لكِ فسطاطه!
هكذا الحظ: عدل مضاعف في ناحية، وظلم مضاعف في ناحية أخرى.
احمدي الله أيتها اليمامة، أن ليس عندكم لغات وأديان،
عندكم فقط: الحب والطبيعة والحياة.
على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها.
يمامة سعيدة، ستكون في التاريخ كهدهد سليمان.
نُسب الهدهد إلى سليمان، وستُنسب اليمامة إلى عمرو.
واهًا لك يا عمرو! ما ضر لو عرفتَ "اليمامة الأخرى"!
(1/25)

اجتلاء العيد:
جاء يوم العيد، يوم الخروج من الزمن إلى زمن وحده لا يستمر أكثر من يوم.
زمن قصير ظريف ضاحك، تفرضه الأديان على الناس؛ ليكون لهم بين الحين والحين يوم طبيعي في هذه الحياة التي انتقلت عن طبيعتها.
يوم السلام، والبشر, والضحك، والوفاء، والإخاء، وقول الإنسان للإنسان: وأنتم بخير.
يوم الثياب الجديدة على الكل؛ إشعارًا لهم بأن الوجه الإنساني جديد في هذا اليوم.
يوم الزينة التي لا يراد منها إلا إظهار أثرها على النفس ليكون الناس جميعًا في يوم حب.
يوم العيد؛ يوم تقديم الحلوى إلى كل فم لتحلو الكلمات فيه.
يوم تعم فيه الناس ألفاظ الدعاء والتهنئة مرتفعة بقوة إلهية فوق منازعات الحياة.
ذلك اليوم الذي ينظر فيه الإنسان إلى نفسه نظرة تلمح السعادة، وإلى أهله نظرة تبصر الإعزاز، وإلى داره نظرة تدرك الجمال، وإلى الناس نظرة ترى الصداقة.
ومن كل هذه النظرات تستوي له النظرة الجميلة إلى الحياة والعالم؛ فتبتهج نفسه بالعالم والحياة.
وما أسماها نظرة تكشف للإنسان أن الكل جماله في الكل!
وخرجتُ أجتلي العيد في مظهره الحقيقي على هؤلاء الأطفال السعداء.
على هذه الوجوه النضرة التي كبِرَت فيها ابتسامات الرضاع فصارت ضحكات.
وهذه العيون الحالمة, الحالمة إذا بكت بكت بدموع لا ثقل لها.
وهذه الأفواه الصغيرة التي تنطق بأصوات لا تزال فيها نبرات الحنان من تقليد لغة الأم.
(1/26)

وهذه الأجسام الغضَّة القريبة العهد بالضَّمَّات واللَّثَمات فلا يزال حولها جو القلب.
على هؤلاء الأطفال السعداء الذين لا يعرفون قياسًا للزمن إلا بالسرور.
وكل منهم مَلِك في مملكة، وظرفهم هو أمرهم الملوكي.
هؤلاء المجتمعون في ثيابهم الجديدة المصبَّغة اجتماع قوس قزح في ألوانه.
ثياب عملت فيها المصانع والقلوب، فلا يتم جمالها إلا بأن يراها الأب والأم على أطفالهما.
ثياب جديدة يلبسونها, فيكونون هم أنفسهم ثوبًا جديدًا على الدنيا.
هؤلاء السحرة الصغار الذين يُخرجون لأنفسهم معنى الكنز الثمين من قرشين, ويسحرون العيد فإذا هو يوم صغير مثلهم جاء يدعوهم إلى اللعب.
وينتبهون في هذا اليوم مع الفجر، فيبقى الفجر على قلوبهم إلى غروب الشمس.
ويُلقون أنفسهم على العالم المنظور، فيبنون كل شيء على أحد المعنيين الثابتين في نفس الطفل: الحب الخالص، واللهو الخالص.
ويبتعدون بطبيعتهم عن أكاذيب الحياة, فيكون هذا بعينه هو قربهم من حقيقتها السعيدة.
هؤلاء الأطفال الذين هم السهولة قبل أن تتعقد.
والذين يرون العالم في أول ما ينمو الخيال ويتجاوز ويمتد.
يفتشون الأقدار من ظاهرها؛ ولا يستبطنون كيلا يتألموا بلا طائل.
ويأخذون من الأشياء لأنفسهم فيفرحون بها، ولا يأخذون من أنفسهم للأشياء كيلا يوجدوا لها الهم.
قانعون يكتفون بالتمرة، ولا يحاولون اقتلاع الشجرة التي تحملها.
ويعرفون كُنْهَ الحقيقة، وهي أن العبرة بروح النعمة لا بمقدارها.
فيجدون من الفرح في تغيير ثوب للجسم، أكثر مما يجده القائد الفاتح في تغيير ثوب للمملكة.
هؤلاء الحكماء الذين يشبه كل منهم آدم أول مجيئه إلى الدنيا،
(1/27)

حين لم تكن بين الأرض والسماء خليقة ثالثة معقدة من صنع الإنسان المتحضر.
حكمتهم العليا: أن الفكر السامي هو جعل السرور فكرًا وإظهاره في العمل.
وشعرهم البديع: أن الجمال والحب ليسا في شيء إلا في تجميل النفس وإظهارها عاشقة للفرح.
هؤلاء الفلاسفة الذين تقوم فلسفتهم على قاعدة عملية، وهي أن الأشياء الكثيرة لا تكثر في النفس المطمئنة.
وبذلك تعيش النفس هادئة مستريحة كأن ليس في الدنيا إلا أشياؤها الميسرة.
أما النفوس المضطربة بأطماعها وشهواتها فهي التي تُبتلَى بهموم الكثرة الخيالية، ومَثَلها في الهم مَثَل طُفَيلي مغفل يحزن لأنه لا يأكل في بطنين.
وإذا لم تكثر الأشياء الكثيرة في النفس، كثرت السعادة ولو من قلة.
فالطفل يقلب عينيه في نساء كثيرات، ولكن أمه هي أجملهن وإن كانت شوهاء.
فأمه وحدها هي هي أم قلبه، ثم لا معنى للكثرة في هذا القلب.
هذا هو السر؛ خذوه أيها الحكماء عن الطفل الصغير!
وتأملت الأطفال، وأثر العيد على نفوسهم، التي وسعت من البشاشة فوق ملئها؛ فإذا لسان حالهم يقول للكبار: أيتها البهائم، اخلعي أرسانَكِ ولو يومًا.
أيها الناس، انطلقوا في الدنيا انطلاق الأطفال يوجدون حقيقتهم البريئة الضاحكة، لا كما تصنعون إذ تنطلقون انطلاق الوحش يوجد حقيقته المفترسة.
أحرار حرية نشاط الكون ينبعث كالفوضى، ولكن في أدق النواميس.
يثيرون السخط بالضجيج والحركة، فيكونون مع الناس على خلاف؛ لأنهم على وفاق مع الطبيعة.
وتحتدم بينهم المعارك، ولكن لا تتحطم فيها إلا اللعب.
أما الكبار فيصنعون المدفع الضخم من الحديد، للجسم اللين من العظم.
أيتها البهائم، اخلعي أرسانَكِ ولو يومًا.
لا يفرح أطفال الدار كفرحهم بطفل يولد؛ فهم يستقبلونه كأنه محتاج إلى عقولهم الصغيرة.
(1/28)

ويملؤهم الشعور بالفرح الحقيقي الكامن في سر الخلق، لقربهم من هذا السر.
وكذلك تحمل السنة ثم تلد للأطفال يوم العيد؛ فيستقبلونه كأنه محتاج إلى لهوهم الطبيعي، ويملؤهم الشعور بالفرح الحقيقي الكامن في سر العالم لقربهم من هذا السر.
فيا أسفا علينا نحن الكبار! ما أبعدنا عن سر الخلق بآثام العمر!
وما أبعدنا عن سر العالم بهذه الشهوات الكافرة التي لا تؤمن إلا بالمادة!
يا أسفا علينا نحن الكبار! ما أبعدنا عن حقيقة الفرح!
تكاد آثامنا -والله- تجعل لنا في كل فرحة خَجْلَة.
أيتها الرياض المنورة بأزهارها،
أيتها الطيور المغردة بألحانها،
أيتها الأشجار المصفقة بأغصانها،
أيتها النجوم المتلألئة بالنور الدائم،
أنتِ شتى؛ ولكنكِ جميعًا في هؤلاء الأطفال يوم العيد!
(1/29)

المعنى السياسي في العيد:
ما أشد حاجتنا نحن -المسلمين- إلى أن نفهم أعيادنا فهمًا جديدًا، نتلقاها به ونأخذها من ناحيته، فتجيء أيامًا سعيدة عاملة، تنبه فينا أوصافها القوية، وتجدد نفوسنا بمعانيها، لا كما تجيء الآن كالحة عاطلة ممسوحة من المعنى، أكبر عملها تجديد الثياب، وتحديد الفراغ، وزيادة ابتسامة على النفاق.
فالعيد إنما هو المعنى الذي يكون في اليوم لا اليوم نفسه، وكما يفهم الناس هذا المعنى يتلقون هذا اليوم؛ وكان العيد في الإسلام هو عيد الفكرة العابدة، فأصبح عيد الفكرة العابثة؛ وكانت عبادة الفكرة جمعها الأمة في إرادة واحدة على حقيقة عملية، فأصبح عبث الفكرة جمعها الأمة على تقليد بغير حقيقة؛ له مظهر المنفعة وليس له معناها.
كان العيد إثبات الأمة وجودها الروحاني في أجمل معانيه، فأصبح إثبات الأمة وجودها الحيواني في أكثر معانيه؛ وكان يوم استرواح من جِدِّها، فعاد يوم استراحة الضعف من ذله؛ وكان يوم المبدأ، فرجع يوم المادة!
ليس العيد إلا إشعار هذه الأمة بأن فيها قوة تغيير الأيام، لا إشعارها بأن الأيام تتغير؛ وليس العيد للأمة إلا يومًا تعرض فيه جمال نظامها الاجتماعي، فيكون يوم الشعور الواحد في نفوس الجميع، والكلمة الواحدة في ألسنة الجميع؛ يوم الشعور بالقدرة على تغيير الأيام، لا القدرة على تغيير الثياب, كأنما العيد هو استراحة الأسلحة يومًا في شعبها الحربي.
وليس العيد إلا تعليم الأمة كيف تتسع روح الجوار وتمتد، حتى يرجع البلد العظيم وكأنه لأهله دار واحدة يتحقق فيها الإخاء بمعناه العملي، وتظهر فضيلة الإخلاص مستعلنة للجميع، ويُهدي الناس بعضهم إلى بعض هدايا القلوب المخلصة المحبة؛ وكأنما العيد هو إطلاق روح الأسرة الواحدة في الأمة كلها.
وليس العيد إلا إظهار الذاتية الجميلة للشعب مهزوزة من نشاط الحياة؛ وإلا
(1/30)

ذاتية للأمم الضعيفة؛ ولا نشاط للأمم المستعبدة. فالعيد صوت القوة يهتف بالأمة: اخرجي يوم أفراحك، اخرجي يومًا كأيام النصر!
وليس العيد إلا إبراز الكتلة الاجتماعية للأمة متميزة بطابعها الشعبي، مفصولة من الأجانب، لابسة من عمل أيديها، معلنة بعيدها استقلالين في وجودها وصناعتها، ظاهرة بقوتين في إيمانها وطبيعتها، مبتهجة بفرحين في دورها وأسواقها؛ فكأن العيد يوم يفرح الشعب كله بخصائصه.
وليس العيد إلا التقاء الكبار والصغار في معنى الفرح بالحياة الناجحة المتقدمة في طريقها، وترك الصغار يلقون درسهم الطبيعي في حماسة الفرح والبهجة، ويعلِّمون كبارهم كيف توضع المعاني في بعض الألفاظ التي فَرَغَتْ عندهم من معانيها، ويُبصّرونهم كيف ينبغي أن تعمل الصفات الإنسانية في الجموع عمل الحليف لحليفه، لا عمل المنابذ لمنابذه؛ فالعيد يوم تسلط العنصر الحي على نفسية الشعب.
وليس العيد إلا تعليم الأمة كيف توجه بقوتها حركة الزمن إلى معنى واحد كلما شاءت؛ فقد وضع لها الدين هذه القاعدة لتُخرِّج عليها الأمثلة، فتجعل للوطن عيدًا ماليًّا اقتصاديًّا تبتسم فيه الدراهم بعضها إلى بعض، وتخترع للصناعة عيدها، وتوجد للعلم عيده، وتبتدع للفن مجالَي زينته، وبالجملة تنشئ لنفسها أيامًا تعمل عمل القواد العسكريين في قيادة الشعب، يقوده كل يوم منها إلى معنى من معاني النصر.
هذه المعاني السياسية القوية هي التي من أجلها فُرض العيد ميراثًا دهريًّا في الإسلام، ليستخرج أهل كل زمن من معاني زمنهم فيضيفوا إلى المثال أمثلة مما يبدعه نشاط الأمة، ويحققه خيالها، وتقتضيه مصالحها.
وما أحسب الجمعة قد فُرضت على المسلمين عيدًا أسبوعيًّا يشترط فيه الخطيب والمنبر والمسجد الجامع, إلا تهيئة لذلك المعنى وإعدادًا له؛ ففي كل سبعة أيام مسلمة يوم يجيء فيُشعر الناس معنى القائد الحربي للشعب كله.
ألا ليت المنابر الإسلامية لا يخطب عليها إلا رجال فيهم أرواح المدافع، لا رجال في أيديهم سيوف من خشب1.
__________
1 انظر "قصة الأيدي المتوضئة" في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
(1/31)

الربيع:
خرجتُ أشهد الطبيعة كيف تُصبح كالمعشوق الجميل، لا يقدم لعاشقه إلا أسباب حبه!
وكيف تكون كالحبيب، يزيد في الجسم حاسة لمس المعاني الجميلة!
وكنتُ كالقلب المهجور الحزين وجد السماء والأرض، ولم يجد فيهما سماءه وأرضه.
ألا كم آلاف السنين وآلافها قد مضت منذ أُخرج آدم من الجنة!
ومع ذلك, فالتاريخ يعيد نفسه في القلب؛ لا يحزن هذا القلب إلا شعر كأنه طُرد من الجنة لساعته.
يقف الشاعر بإزاء جمال الطبيعة، فلا يملك إلا أن يتدفق ويهتز ويطرَب.
لأن السر الذي انبثق هنا في الأرض، يريد أن ينبثق هناك في النفس.
والشاعر نبي هذه الديانة الرقيقة التي من شريعتها إصلاح الناس بالجمال والخير.
وكل حُسن يلتمس النظرة الحية التي تراه جميلًا لتعطيه معناه.
وبهذا تقف الطبيعة محتفلة أمام الشاعر، كوقوف المرأة الحسناء أمام المصور.
لاحت لي الأزهار كأنها ألفاظ حب رقيقة مغشاة باستعارات ومجازات.
والنسيم حولها كثوب الحسناء على الحسناء، فيه تعبير من لابسته.
وكل زهرة كابتسامة، تحتها أسرار من معاني القلب المعقدة.
أهي لغة الضوء الملون من الشمس ذات الألوان السبعة؟
أم لغة الضوء الملون من الخد؛ والشفة؛ والصدر؛ والنحر؛ والديباج؛ والحِلَى؟
وماذا يفهم العشاق من رموز الطبيعة في هذه الأزاهر الجميلة؟
أتشير لهم بالزهر إلى أن عمر اللذة قصير، كأنها تقول: على مقدار هذا؟
(1/32)

أتُعْلِمهم أن الفرق بين جميل وجميل، كالفرق بين اللون واللون، وبين الرائحة والرائحة؟
أتُنَاجيهم بأن أيام الحب صور أيام لا حقائق أيام؟
أم تقول الطبيعة: إن كل هذا؛ لأنكِ أيتها الحشرات لا تنخدعين إلا بكل هذا1؟
في الربيع تظهر ألوان الأرض على الأرض، وتظهر ألوان النفس على النفس.
ويصنع الماء صنعه في الطبيعة؛ فتُخرج تهاويل النبات، ويصنع الدم صنعه فيُخرج تهاويل الأحلام,
ويكون الهواء كأنه من شفاه متحابة يتنفس بعضها على بعض،
ويعود كل شيء يلتمع؛ لأن الحياة كلها ينبض فيها عرق النور،
ويرجع كل حي يغني؛ لأن الحب يريد أن يرفع صوته.
وفي الربيع لا يضيء النور في الأعين وحدها، ولكن في القلوب أيضًا.
ولا ينفذ الهواء إلى الصدور فقط، ولكن إلى عواطفها كذلك.
ويكون للشمس حرارتان إحداهما في الدم.
ويطغى فيضان الجمال كأنما يراد من الربيع تجربة منظر من مناظر الجنة في الأرض.
والحيوان الأعجم نفسه تكون له لفتات عقلية فيها إدراك فلسفة السرور والمرح.
وكانت الشمس في الشتاء كأنها صورة معلقة في السحاب.
وكان النهار كأنه يضيء بالقمر لا بالشمس.
وكان الهواء مع المطر كأنه مطر غير سائل.
وكانت الحياة تضع في أشياء كثيرة معنى عبوس الجو.
فلما جاء الربيع كان فرح جميع الأحياء بالشمس كفرح الأطفال, رجعت أمهم من السفر.
__________
1 ثبت أن ألوان الأزهار وعطرها وما في ظاهرها وباطنها, كل ذلك لاجتذاب الحشرات إليها كي تنقل اللقاح من زهرة إلى زهرة.
(1/33)

وينظر الشباب, فتظهر له الأرض شابَّة.
ويشعر أنه موجود في معاني الذات أكثر مما هو موجود في معاني العالم.
وتمتلئ له الدنيا بالأزهار، ومعاني الأزهار، ووحي الأزهار.
وتُخرج له أشعة الشمس ربيعًا, وأشعة قلبه ربيعًا آخر.
ولا تنسى الحياة عجائزها، فربيعهم ضوء الشمس.
ما أعجب سر الحياة! كل شجرة في الربيع جمال هندسي مستقل.
ومهما قطعتَ منها وغيرتَ من شكلها أبرزتها الحياة في جمال هندسي جديد كأنك أصلحتَها.
ولو لم يبق منها إلا جذر حي أسرعت الحياة فجعلت له شكلًا من غصون وأوراق.
الحياة الحياة, إذا أنت لم تفسدها جاءتك دائمًا هداياها.
وإذا آمنت لم تعد بمقدار نفسك، ولكن بمقدار القوة التي أنت بها مؤمن.
{فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ} [الروم: 50] .
وانظر كيف يخلق في الطبيعة هذه المعاني التي تبهج كل حي، بالطريقة التي يفهمها كل حي.
وانظر كيف يجعل في الأرض معنى السرور، وفي الجو معنى السعادة.
وانظر إلى الحشرة الصغيرة كيف تؤمن بالحياة التي تملؤها وتطمئن؟
انظر انظر! أليس كل ذلك ردًّا على اليأس بكلمة: لا؟
(1/34)

عرش الورد *:
كانت جَلْوَة العروس كأنها تصنيف من حلم، توافت عليه أخيلة السعادة فأبدعت إبداعها فيه، حتى إذا اتسق وتم، نقلته السعادة إلى الحياة في يوم من أيامها الفردة التي لا يتفق منها في العمر الطويل إلا العدد القليل، لتحقق للحي وجود حياته بسحرها وجمالها، وتعطيه فيما يُنسَى ما لا يُنسى.
خرج الحلم السعيد من تحت النوم إلى اليقظة، وبرز من الخيال إلى العين، وتمثل قصيدة بارعة جعلت كل ما في المكان يحيا حياة الشعر؛ فالأنوار نساء، والنساء أنوار، والأزهار أنوار ونساء، والموسيقى بين ذلك تتمّم من كل شيء معناه، والمكان وما فيه، وزن في وزن، ونغم في نغم، وسحر في سحر.
ورأيت كأنما سُحرت قطعة من سماء الليل، فيها دارة القمر، وفيها نثرة من النجوم الزُّهْر، فنزلت فحلت في الدار، يتوضَّحْنَ ويأتلقْنَ من الجمال والشعاع، وفي حسن كل منهم مادة فجر طالع، فكُنَّ نساء الجلوة وعروسها.
ورأيت كأنما سُحر الربيع، فاجتمع في عرش أخضر، قد رُصِّع بالورد الأحمر، وأقيم في صدر البَهْو ليكون منصة للعروس، وقد نسقت الأزهار في سمائه وحواشيه على نظمين: منهما مفصل ترى فيه بين الزهرتين من اللون الواحد زهرة تخالف لونهما؛ ومنهما مكدس بعضه فوق بعض، من لون متشابه أو متقارب، فبدا كأنه عش طائر ملكي من طيور الجنة أبدع في نسجه وترصيعه بأشجار سقى الكوثر أغصانها.
وقامت في أرض العرش تحت أقدام العروسين، ربوتان من أفانين الزهر المختلفة ألوانه، يحملهما خَمْل من ناعم النسيج الأخضر على غصونه اللُّدْن تتهافت من رقتها ونعومتها.
__________
* يصف المؤلف في هذه القطعة زفاف ابنته "وهيبة" إلى ابن عمها, وهي أول من تزوج من ولده, وانظر "عمله في الرسالة" من كتابنا "حياة الرافعي".
(1/35)

وعُقِدَ فوق هذا العرش تاج كبير من الورد النادر، كأنما نُزع عن مَفْرِق مَلِك الزمن الربيعي؛ وتنظر إليه يسطع في النور بجماله الساحر، سطوعًا يخيل إليك أن أشعة من الشمس التي ربَّت هذا الورد لا تزال عالقة به، وتراه يزدهي جلالًا، كأنما أدرك أنه في موضعه رمز مملكة إنسانية جديدة، تألفت من عروسين كريمين, ولاح لي مرارًا أن التاج يضحك ويستحي ويتدلل، كأنما عرف أنه وحده بين هذه الوجوه الحِسَان يمثل وجه الورد.
ونُصَّ على العرش كرسيان يتوهج لون الذهب فوقهما، ويكسوهما طراز أخضر تلمع نضارته بِشْرًا، حتى لتحسب أنه هو أيضًا قد نالته من هذه القلوب الفَرِحة لمسة من فرحها الحي.
وتدلت على العرش قلائد المصابيح، كأنها لؤلؤ تخلَّق في السماء لا في البحر، فجاء من النور لا من الدر؛ وجاء نورًا من خاصته أنه متى استضاء في جو العروس أضاء الجو والقلوب جميعًا.
وأتى العروسان إلى عرش الورد، فجلسا جِلْسة كوكبين حدودهما النور والصفاء؛ وأقبلت العذارى يتخطَّرْنَ في الحرير الأبيض كأنه من نور الصبح، ثم وقفن حافَّات حول العرش، حاملات في أيديهن طاقات من الزّنبق، تراها عَطِرة بيضاء ناضرة حَيِيَّة، كأنها عذارى مع عذارى، وكأنما يحملن في أيديهن من هذا الزنبق الغض معاني قلوبهن الطاهرة؛ هذه القلوب التي كانت مع المصابيح مصابيح أخرى فيها نورها الضاحك.
واقتعدت دَرَجَ العرش تحت ربوتي الزهر ودون أقدام العروسين, طفلة صغيرة كالزهرة البيضاء تحمل طفولتها، فكانت من العرش كله كالماسة المدلَّاة من واسطة العِقْد، وجعلت بوجهها للزهر كله تمامًا وجمالًا، حتى ليظهر من دونها كأنه غضبان مُنْزَوٍ لا يريد أن يُرَى.
وكان ينبعث من عينيها فيما حولها تيار من أحلام الطفولة جعل المكان بمن فيه كأن له روح طفل بغتته مسرة جديدة.
وكانت جالسة جِلْسة شِعْر تمثل الحياة الهنيئة المبتكرة لساعتها ليس لها ماضٍ في دنيانا.
ولو أن مبدعًا افتَنّ في صنع تمثال للنية الطاهرة، وجيء به في مكانها، وأُخذت هي في مكانه لتشابها وتشاكل الأمر.
(1/36)

وكان وجودها على العرش دعوة للملائكة أن تحضر الزفاف وتباركه.
وكانت بصغرها الظريف الجميل تعطي لكل شيء تمامًا، فيرى أكبر مما هو، وأكثر مما هو في حقيقته. كانت النقطة التي استعلنت في مركز الدائرة، ظهورها على صغرها هو ظهور الإحكام والوزن والانسجام في المحيط كله.
لا يكون السرور دائمًا إلا جديدًا على النفس، ولا سرور للنفس إلا من جديد على حالة من أحوالها؛ فلو لم يكن في كل دينار قوة جديدة غير التي في مثله لما سُر بالمال أحد، ولا كان له الخطر الذي هو له؛ ولو لم يكن لكل طعام جوع يورده جديدًا على المعدة لما هنأ ولا مرأ؛ ولو لم يكن الليل بعد نهار، والنهار بعد ليل، والفصول كلها نقيضًا على نقيضه، وشيئًا مختلفًا -على شيء مختلف- لما كان في السماء والأرض جمال، ولا منظر جمال، ولا إحساس بهما؛ والطبيعة التي لا تفلح في جعلك معها طفلًا تكون جديدًا على نفسك, لن تفلح في جعلك مسرورًا بها لتكون هي جديدة عليك.
وعرش الورد كان جديدًا عند نفسي على نفسي، وفي عاطفتي على عاطفتي، ومن أيامي على أيامي؛ نزل صباح يومه في قلبي بروح الشمس، وجاء مساء ليلته لقلبي بروح القمر؛ وكنت عنده كالسماء أتلألأ بأفكاري كما تتلألأ بنجومها؛ وقد جعلتني أمتد بسروري في هذه الطبيعة كلها، إذ قدرت على أن أعيش يومًا في نفسي؛ ورأيت وأنا في نفسي أن الفرح هو سر الطبيعة كلها، وأن كل ما خلق الله جمال في جمال، فإنه تعالى نور السموات والأرض، وما يجيء الظلام مع نوره، ولا يجيء الشر مع أفراح الطبيعة إلا من محاولة الفكر الإنساني خلق أوهامه في الحياة، وإخراجه النفس من طبائعها، حتى أصبح الإنسان كأنما يعيش بنفس يحاول أن يصنعها صناعة، فلا يصنع إلا أن يزيغ بالنفس التي فطرها الله.
يا عجبًا! ينفر الإنسان من كلمات الاستعباد، والضَّعة، والذلة، والبؤس، والهم، وأمثالها، وينكرها ويردها، وهو مع ذلك لا يبحث لنفسه في الحياة إلا عن معانيها.
إن يومًا كيوم عرش الورد لا يكون من أربع وعشرين ساعة، بل من أربعة وعشرين فرحًا؛ لأنه من الأيام التي تجعل الوقت يتقدم في القلب لا في الزمن، ويكون بالعواطف لا بالساعات، ويتواتر على النفس بجديدها لا بقديمها.
(1/37)

كان الشباب في موكب نصره، وكانت الحياة في ساعة صلح مع القلوب، حتى اللغة نفسها لم تكن تلقي كلماتها إلا ممتلئة بالطرب والضحك والسعادة، آتية من هذه المعاني دون غيرها، مصورة على الوجوه إحساسها ونوازعها، وكل ذلك سحر عرش الورد، تلك الحديقة الساحرة المسحورة، التي كانت النسمات تأتي من الجو ترفرف حولها متحيرة كأنما تتساءل: أهذه حديقة خُلقت بطيور إنسانية؛ أم هي شجرة ورد من الجنة بمن يتفيَّأْنَ ظلها ويتنسَّمْنَ شذاها من الحُور؛ أم ذاك منبع وردي عطري نوراني لحياة هذه المَلِكة الجالسة على العرش!
يا نسمات الليل الصافية صفاء الخير، أسأل الله أن تنبع هذه الحياة المقبلة في جمالها وأثرها وبركتها من مثل الورد المبهج، والعطر المنعش، والضوء المحيِي؛ فإن هذه العروس المعتلية عرش الورد:
هي ابنتي.
(1/38)

أيها البحر *!
إذا احتدم الصيف، جُعلتَ أنت أيها البحر1 للزمن فصلًا جديدًا يسمى "الربيع المائي".
وتنتقل إلى أيامك أرواح الحدائق، فتنبت في الزمن بعض الساعات الشهية كأنها الثمر الحلو الناضج على شجره.
ويوحي لونك الأزرق إلى النفوس ما كان يوحيه لون الربيع الأخضر، إلا أنه أرق وألطف.
ويرى الشعراء في ساحلك مثل ما يرون في أرض الربيع، أنوثة طاهرة، غير أنها تلد المعاني لا النبات.
ويحس العشاق عندي ما يحسونه في الربيع: أن الهواء يتأوَّه.
في الربيع، يتحرك في الدم البشري سر هذه الأرض؛ وعند "الربيع المائي" يتحرك في الدم سر هذه السحب.
نوعان من الخمر في هواء الربيع وهواء البحر، يكون منهما سكر واحد من الطرب.
وبالربيعين الأخضر والأزرق ينفتح بابان للعالم السحري العجيب؛ عالم الجمال الأرضي الذي تدخله الروح الإنسانية كما يدخل القلب المحب في شعاع ابتسامة ومعناها.
في "الربيع المائي" يجلس المرء, وكأنه جالس في سحابة لا في الأرض.
ويشعر كأنه لابس ثيابًا من الظل لا من القماش؛ ويجد الهواء قد تنزه عن أن يكون هواء التراب.
__________
* كتبها في مصيفه بالإسكندرية.
1 كتبنا في "أوراق الورد" رسالة عن البحر والحب, فيها أوصاف كثيرة للبحر.
(1/39)

وتخف على نفسه الأشياء، كأن بعض المعاني الأرضية انتُزعت من المادة. وهنا يدرك الحقيقة: أن السرور إن هو إلا تنبه معاني الطبيعة في القلب.
وللشمس هنا معنى جديد ليس لها هناك في "دنيا الرزق".
تشرق الشمس هنا على الجسم؛ أما هناك فكأنما تطلع وتغرب على الأعمال التي يعمل الجسم فيها.
تطلع هناك على ديوان الموظف لا الموظف، وعلى حانوت التاجر لا التاجر، وعلى مصنع العامل، ومدرسة التلميذ، ودار المرأة.
تطلع الشمس هناك بالنور، ولكن الناس -وا أسفاه- يكونون في ساعاتهم المظلمة.
الشمس هنا جديدة، تثبت أن الجديد في الطبيعة هو الجديد في كيفية شعور النفس به.
والقمر زاهٍ رَفَّاف من الحسن؛ كأنه اغتسل وخرج من البحر.
أو كأنه ليس قمرًا، بل هو فجر طلع في أوائل الليل؛ فحصرته السماء في مكانه ليستمر الليل.
فجر لا يوقظ العيون من أحلامها، ولكنه يوقظ الأرواح لأحلامها.
ويلقي من سحره على النجوم فلا تظهر حوله إلا مستبهمة كأنها أحلام معلقة.
للقمر هنا طريقة في إبهاج النفس الشاعرة، كطريقة الوجه المعشوق حين تقبِّله أول مرة.
و"للربيع المائي" طيوره المغردة وفراشه المتنقل.
أما الطيور فنساء يتضاحكن، وأما الفراش فأطفال يتواثبون.
نساء إذا انغمسن في البحر، خُيِّل إليَّ أن الأمواج تتشاحن وتتخاصم على بعضهن.
رأيت منهن زهراء فاتنة قد جلست على الرمل جلسة حواء قبل اختراع الثياب، فقال البحر: يا إلهي! قد انتقل معنى الغرق إلى الشاطئ.
إن الغريق من غَرِق في موجة الرمل هذه.
والأطفال يلعبون ويصرخون ويَضِجُّون كأنما اتسعت لهم الحياة والدنيا.
(1/40)

وخُيِّل إليهم أنهم أقلقوا البحر كما يقلقون الدار، فصاح بهم: ويحكم يا أسماك التراب! ورأيت طفلًا منهم قد جاء فوكز البحر برجله! فضحك البحر وقال: انظروا يا بني آدم!!
أعلى الله أن يعبأ بالمغرور منكم إذا كفر به؟ أعلي أن أعبأ بهذا الطفل كيلا يقول: إنه ركلني برجله؟
أيها البحر، قد ملأتك قوة الله لتثبت فراغ الأرض لأهل الأرض.
ليس فيك ممالك ولا حدود، وليس عليك سلطان لهذا الإنسان المغرور.
وتجيش بالناس وبالسفن العظيمة، كأنك تحمل من هؤلاء وهؤلاء قشا ترمي به.
والاختراع الإنساني مهما عظم لا يغني الإنسان فيك عن إيمانه.
وأنت تملأ ثلاثة أرباع الأرض بالعظمة والهول، ردًّا على عظمة الإنسان وهوله في الربع الباقي؛ ما أعظم الإنسان وأصغره!
ينزل في الناس ماؤك فيتساوون حتى لا يختلف ظاهر عن ظاهر.
ويركبون ظهرك في السفن فيحن بعضهم إلى بعض حتى لا يختلف باطن عن باطن.
تشعرهم جميعًا أنهم خرجوا من الكرة الأرضية ومن أحكامها الباطلة.
وتفقرهم إلى الحب والصداقة فقرأ يريهم النجوم نفسها كأنها أصدقاء، إذ عرفوها في الأرض.
يا سحر الخوف، أنت أنت في اللجة كما أنت أنت في جهنم.
وإذا ركبك الملحد أيها البحر، فرجفتَ من تحته، وهدرتَ عليه وثُرْتَ به، وأريتَهُ رأي العين كأنه بين سماءين ستنطبق إحداهما على الأخرى, فتقفلان عليه, تركته يتطأطأ ويتواضع، كأنك تهزه وتهز أفكاره معًا، وتدحرجه وتدحرجها.
وأطَرْتَ كل ما في عقله, فيلجأ إلى الله بعقل طفل.
وكشفت له عن الحقيقة: أن نسيان الله ليس عمل العقل، ولكنه عمل الغفلة والأمن وطول السلامة.
(1/41)

ألا ما أشبه الإنسان في الحياة بالسفينة في أمواج هذا البحر!
إن ارتفعت السفينة، أو انخفضت، أو مادت، فليس ذلك منها وحدها، بل مما حولها.
ولن تستطيع هذه السفينة أن تملك من قانون ما حولها شيئًا، ولكن قانونها هي الثبات، والتوازن، والاهتداء إلى قصدها، ونجاتها في قانونها.
فلا يَعْتبَنَّ الإنسان على الدنيا وأحكامها، ولكن فليجتهد أن يحكم نفسه.
(1/42)

في الربيع الأزرق *: خواطر مرسلة 1
ما أجمل الأرض على حاشية الأزرقين: البحر والسماء؛ يكاد الجالس هنا يظن نفسه مرسومًا في صورة إلهية.
نظرتُ إلى هذا البحر العظيم بعينَيْ طفل يتخيل أن البحر قد مُلِئَ بالأمس، وأن السماء كانت إناء له، فانكفأ الإناء فاندفق البحر، وتسرحت مع هذا الخيال الطفلي الصغير فكأنما نالني رشاش من الإناء.
إننا لن ندرك روعة الجمال في الطبيعة إلا إذا كانت النفس قريبة من طفولتها، ومرح الطفولة، ولعبها، وهذيانها.
تبدو لك السماء على البحر أعظم مما هي، كما لو كنتَ تنظر إليها من سماء أخرى لا من الأرض.
إذا أنا سافرت فجئت إلى البحر، أو نزلت بالصحراء، أو حللت بالجبل، شعرت أول وهلة من دهشة السرور بما كنت أشعر بمثله لو أن الجبل أو الصحراء أو البحر قد سافرتْ هي وجاءت إليّ.
في جمال النفس يكون كل شيء جميلًا، إذ تلقي النفس عليه من ألوانها, فتنقلب الدار الصغيرة قصرًا لأنها في سعة النفس لا في مساحتها هي، وتعرف لنور النهار عذوبة كعذوبة الماء على الظمأ، ويظهر الليل كأنه معرض جواهر أقيم للحور
__________
* كتبها في مصيفه بالإسكندرية.
1 هذه تسمية جديدة للمصيف على ساحل البحر, وقد شاع استعمالها بعد نشر هذه المقالة.
(1/43)

العين في السموات، ويبدو الفجر بألوانه وأنواره ونسماته كأنه جنة سابحة في الهواء.
في جمال النفس ترى الجمال ضرورة من ضرورات الخليقة؛ ويكأن الله أمر العالم ألا يعبس للقلب المبتسم.
أيام المصيف هي الأيام التي ينطلق فيها الإنسان الطبيعي المحبوس في الإنسان؛ فيرتد إلى دهره الأول، دهر الغابات والبحار والجبال.
إن لم تكن أيام المصيف بمثل هذا المعنى، لم يكن فيها معنى.
ليست اللذة في الراحة ولا الفراغ، ولكنها في التعب والكدح والمشقة حين تتحول أيامًا إلى راحة وفراغ.
لا تتم فائدة الانتقال من بلد إلى بلد إلا إذا انتقلت النفس من شعور إلى شعور؛ فإذا سافر معك الهم فأنت مقيم لم تبرح.
الحياة في المصيف تثبت للإنسان أنها إنما تكون حيث لا يُحفَل بها كثيرًا.
يشعر المرء في المدن أنه بين آثار الإنسان وأعماله، فهو في روح العناء والكدح والنزاع؛ أما في الطبيعة فيحس أنه بين الجمال والعجائب الإلهية، فهو هنا في روح اللذة والسرور والجلال.
إذا كنتَ في أيام الطبيعة فاجعل فكرك خاليًا وفرِّغه للنبت والشجر، والحجر والمَدَر، والطير والحيوان، والزهر والعشب، والماء والسماء، ونور النهار وظلام الليل، حينئذ يفتح العالم بابه ويقول: ادخل.
لطف الجمال صورة أخرى من عظمة الجمال؛ عرفتُ ذلك حينما أبصرت قطرة من الماء تلمع في غصن، فخيل إليّ أن لها عظمة البحر لو صَغُر فعُلّق على ورقة.
في لحظة من لحظات الجسد الروحانية حين يفور شِعر الجمال في الدم،
(1/44)

أطلتُ النظر إلى وردة في غصنها زاهية عطرة، متأنقة، متأنثة؛ فكدت أقول لها: أنت أيتها المرأة، أنت يا فلانة.
أليس عجيبًا أن كل إنسان يرى في الأرض بعض الأمكنة كأنها أمكنة للروح خاصة؛ فهل يدل هذا على شيء إلا أن خيال الجنة منذ آدم وحواء، لا يزال يعمل في النفس الإنسانية؟
الحياة في المدينة كشرب الماء في كوب من الخزف؛ والحياة في الطبيعة كشرب الماء في كوب من البَلُّور الساطع؛ ذاك يحتوي الماء وهذا يحتويه ويبدي جماله للعين.
وا أسفاه، هذه هي الحقيقة: إن دقة الفهم للحياة تفسدها على صاحبها كدقة الفهم للحب، وإن العقل الصغير في فهمه للحب والحياة، هو العقل الكامل في التذاذه بهما. وا أسفاه، هذه هي الحقيقة!
في هذه الأيام الطبيعية التي يجعلها المصيف أيام سرور ونسيان، يشعر كل إنسان أنه يستطيع أن يقول للدنيا كلمة هزل ودعابة.
من لم يُرزق الفكر العاشق لم ير أشياء الطبيعة إلا في أسمائها وشياتها، دون حقائقها ومعانيها، كالرجل إذا لم يعشق رأى النساء كلهن سواء، فإذا عشق رأى فيهن نساء غير من عرف، وأصبحن عنده أدلة على صفات الجمال الذي في قلبه.
تقوم دنيا الرزق بما تحتاجه الحياة، أما دنيا المصيف فقائمة بما تلذه الحياة، وهذا هو الذي يغير الطبيعة ويجعل الجو نفسه هناك جو مائدة ظرفاء وظريفات.
تعمل أيام المصيف بعد انقضائها عملًا كبيرًا، هو إدخال بعض الشعر في حقائق الحياة.
(1/45)

هذه السماء فوقنا في كل مكان، غير أن العجيب أن أكثر الناس يرحلون إلى المصايف ليروا أشياء, منها السماء.
إذا استقبلتَ العالم بالنفس الواسعة رأيت حقائق السرور تزيد وتتسع، وحقائق الهموم تصغر وتضيق، وأدركت أن دنياك إن ضاقت فأنت الضيق لا هي.
في الساعة التاسعة أذهب إلى عملي، وفي العاشرة أعمل كَيْت، وفي الحادية عشرة أعمل كيت وكيت؛ وهنا في المصيف تفقد التاسعة وأخواتها معانيها الزمنية التي كانت تضعها الأيام فيها، وتستبدل منها المعاني التي تضعها فيها النفس الحرة.
هذه هي الطريقة التي تصنع بها السعادة أحيانًا، وهي طريقة لا يقدر عليها أحد في الدنيا كصغار الأطفال.
إذا تلاقى الناس في مكان على حالة متشابهة من السرور وتوهمه والفكرة فيه، وكان هذا المكان معدًّا بطبيعته الجميلة لنسيان الحياة ومكارهها, فتلك هي الرواية وممثلوها ومسرحها1، أما الموضوع فالسخرية من إنسان المدينة ومدنية الإنسان.
ما أصدق ما قالوه: إن المرئي في الرائي. مرضت مدة في المصيف، فانقلبت الطبيعة العروس التي كانت تتزين كل يوم إلى طبيعة عجوز تذهب كل يوم إلى الطبيب.
__________
1 يظن صديقنا العلامة الكبير الأمير شكيب أرسلان أن المسرح لدار التمثيل غير صحيح, وأن صوابها المزرح ولكن الصاحب بن عباد استعملها في قريب من معنى دار التمثيل, وأصلها من مرادفات نديّ القوم ومجتمعهم.
(1/46)

حديث قِطَّين:
جاء في امتحان شهادة إتمام الدراسة الابتدائية لهذا العام "1934" في موضوع الإنشاء ما يأتي:
"تقابل قطان: أحدهما سمين تبدو عليه آثار النعمة، والآخر نحيف يدل منظره على سوء حاله؛ فماذا يقولان إذا حدَّث كل منهما صاحبه عن معيشته؟ ".
وقد حار التلاميذ الصغار فيما يضعون على لسان القطين، ولم يعرفوا كيف يوجهون الكلام بينهما، وإلى أي غاية ينصرف القول في محاورتهما؛ وضاقوا جميعًا وهم أطفال, أن تكون في رءوسهم عقول السنانير؛ وأعياهم أن تنزل غرائزهم الطيبة في هذه المنزلة من البهيمية ومن عيشها خاصة، فيكتنهوا تدبير هذه القطاط لحياتها، وينفذوا إلى طبائعها، ويندمجوا في جلودها، ويأكلوا بأنيابها، ويمزقوا بمخالبها.
قال بعضهم: وسخطنا على أساتذتنا أشد السخط، وعبناهم بأقبح العيب؛ كيف لم يعلِّمونا من قبل أن نكون حميرًا، وخيلًا، وبغالًا، وثيرانًا، وقردة، وخنازير، وفئرانًا، وقِطَطَة، وما هب ودب، وما طار ودرج، وما مشى وانساح؛ وكيف -ويحهم- لم يلقنونا مع العربية والإنجليزية لغات النهيق، والصهيل، والشحيج، والخُوار، وضحك القرد، وقُبَاع الخنزير، وكيف نصيء ونموء، ونلغط لغط الطير، ونَفُحّ فحيح الأفعى، ونَكِش كشيش الدبابات1، إلى ما يتم به هذا العلم اللغوي الجليل، الذي تقوم به بلاغة البهائم والطير والحشرات والهمج أشباهها؟
وقال تلميذ خبيث لأستاذه: أما أنا فأوجزت وأعجزت. قال أستاذه: أجدتَ وأحسنتَ، ولله أنت! وتالله لقد أصبت! فماذا كتبت؟ قال: كتبت هكذا:
يقول السمين: ناوْ، ناوْ، ناوْ, فيقول النحيف: نوْ، ناوْ, نوْ, فيرد عليه
__________
1 هذه أصوات هذه الأجناس في اللغة.
(1/47)

السمين: نو، ناو، ناو, فيغضب النحيف ويكشر عن أسنانه، ويحرك ذيله ويصيح: نو، نو, نو؛ فيلطمه السمين فيخدشه ويصرخ: ناو, فيثب عليه النحيف ويصطرعان، وتختلط "النونوة" لا يمتاز صوت من صوت، ولا يبين معنى من معنى، ولا يمكن الفهم عنهما في هذه الحالة إلا بتعب شديد، بعد مراجعة قاموس القطاط!
قال الأستاذ: يا بني، بارك الله عليك! لقد أبدعت الفن إبداعًا، فصنعت ما يصنع أكبر النوابغ، يُظهر فنه بإظهار الطبيعة وإخفاء نفسه، وما ينطق القط بلغتنا إلا معجزة لنبي، ولا نبي بعد محمد -صلى الله عليه وسلم- فلا سبيل إلا ما حكيت ووصفت، وهو مذهب الواقع، والواقع هو الجديد في الأدب؛ ولقد أرادوك تلميذًا هرًّا، فكنت في إجابتك هرًّا أستاذًا، ووافقت السنانير وخالفت الناس، وحققت للممتحنين أرقى نظريات الفن العالي، فإن هذا الفن إنما هو في طريقة الموضوع الفنية، لا في تلفيق المواد لهذا الموضوع من هنا وهناك، ولو حفظوا حرمة الأدب ورعوا عهد الفن لأدركوا أن في أسطرك القليلة كلامًا طويلًا بارعًا في النادرة والتهكم، وغرابة العبقرية، وجمالها وصدقها، وحسن تناولها، وإحكام تأديتها لما تؤدي1؛ ولكن ما الفرق يا بني بين "ناو" بالمد، و"نو" بغير مد؟ قال التلميذ: هذا عند السنانير كالإشارات التلغرافية: شَرْطة ونقطة وهكذا.
قال: يا بني، ولكن وزارة المعارف لا تقر هذا ولا تعرفه، وإنما يكون المصحح أستاذًا لا هرًّا, والامتحان كتابي لا شفوي.
قال الخبيث: وأنا لم أكن هرًّا بل كنت إنسانًا، ولكن الموضوع حديث قطين، والحكم في مثل هذا لأهله القائمين به, لا المتكلفين له، المتطفلين عليه؛ فإن هم خالفوني قلت لهم: اسألوا القطاط؛ أو لا فليأتوا بالقطين: السمين والنحيف، فليجمعوا بينهما، وليُحَرِّشوهما، ثم ليحضروا الرقباء هذا الامتحان، وليكتبوا عنهما ما يسمعونه، وليصفوا منهما ما يرونه، فوالذي خلق السنانير والتلاميذ والممتحنين والمصححين جميعًا, ما يزيد الهران على "نو، وناو"، ولا يكون القول بينهما إلا من هذا، ولا يقع إلا ما وصفتُ، وما بد من المهارشة والمواثبة بما في طبيعة القوي والضعيف، ثم فرار الضعيف مهزومًا، وينتهي الامتحان!
__________
1 هذا كلام تهكم كما هو ظاهر.
(1/48)

إن مثل هذا الموضوع يشبه تكليف الطالب الصغير خلق هرتين لا الحديث عنهما؛ فإن إجادة الإنشاء في مثل هذا الباب ألوهية عقلية تخلق خلقها السوي الجميل نابضًا حيًّا، كأنما وضعت في الكلام قلب هر، أو جاءت بالهر له قلب من الكلام وأين هذا من الأطفال في الحادية عشرة والثانية عشرة وما حولهما؛ وكيف لهم في هذه السن أن يمتزجوا بدقائق الوجود، ويداخلوا أسرار الخليقة، ويصبحوا مع كل شيء رهنًا بعلله، وعند كل حقيقة موقوفين على أسبابها؟ وقد قيل لهم من قبل في السنوات الخالية: "كن زهرة وصِفْ, واجعل نفسك حبة قمح وقُلْ". وإنما هذا ونحوه غاية من أبعد غايات النبوة أو الحكمة؛ إذ النبي تعبير إلهي تتخذه الحقيقة الكاملة لتنطق به كلمتها التي تسمى الشريعة، والحكيم وجه آخر من التعبير، تتخذه تلك الحقيقة لتلقي منه الكلمة التي تسمى الفن.
وقد كان في القديم امتحان مثل هذا، لم ينجح فيه إلا واحد فقط من آلاف كثيرة؛ وكان الممتحن هو الله جل جلاله؛ والموضوع حديث النملة مع النمل، والناجح سليمان -عليه السلام:
{قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا} [النمل: 18، 19] .
إن الكون كله مستقر بمعانيه الرمزية في النفس الكاملة؛ إذ كانت الروح في ذاتها نورًا، وكان سر كل شيء هو من النور، والشعاع يجري في الشعاع كما يجري الماء في الماء، وفي امتزاج الأشعة من النفس والمادة تجاوب روحاني هو بذاته تعبير في البصيرة وإدراك في الذهن، وهو أساس الفن على اختلاف أنواعه: في الكلمة والصورة، والمثال والنغمة؛ أي: الكتابة والشعر والتصوير والحفر والموسيقى.
ومن ذلك لا يكون البيان العالي أتم إشراقًا إلا بتمام النفس البليغة في فضيلتها أو رذيلتها على السواء؛ فإن من عجائب السخرية بهذا الإنسان أن يكون تمام الرذيلة في أثره على العمل الفني، هو الوجه الآخر لتمام الفضيلة في أثره على هذا العمل؛ والنقطة التي ينتهي فيها العلو من محيط الدائرة هي بعينها التي يبدأ منها الانحدار إلى السفل؛ ومن ثم كانت الفنون لا تعتبر بالأخلاق، حتى قال علماؤنا: إن الدين عن الشعر بمعزل. فالأصل هناك سمو التعبير وجماله، وبلاغة الأداء وروعتها؛ ولا يكون السؤال الفني ما هي قيمة هذه النفس, ولكن ما طريقتها الفنية؟ وأي عجيب في ذلك؟ أليس لجهنم حق في كبار أهل الفن، كما للجنة حق في نوابغه؟ وإذا قالت الجنة: هذه
(1/49)

فضائلي البليغة. أفلا تقول الجحيم: وهذه بلاغة رذائلي؟ وكيف لعمري يستطيع إبليس أن يؤدي عمله الفني, ويصور بلاغته العالية إلا في ساقطين من أهل الفكر الجميل, وساقطات من أهل الجسم الجميل؟
لقد بعدنا عن القطين، وأنا أريد أن أكتب من حديثهما وخبرهما.
كان القط الهزيل مرابطًا في زقاق، وقد طارد فأرة فانجحرت في شق، فوقف المسكين يتربص بها أن تخرج، ويؤامر نفسه كيف يعالجها فيبتزها، وما عقل الحيوان إلا من حرفة عيشه لا من غيرها. وكان القط السمين قد خرج من دار أصحابه يريد أن يفرج عن نفسه بأن يكون ساعة أو بعض ساعة كالقططة بعضها مع بعض، لا كأطفال الناس مع أهليهم وذوي عنايتهم، وأبصر الهزيل من بعيد فأقبل يمشي نحوه، ورآه الهزيل وجعل يتأمله وهو يتخلع تخلع الأسد في مشيته، وقد ملأ جلدته من كل أقطارها ونواحيها، وبسطته النعمة من أطرافه، وانقلبت في لحمه غلظًا، وفي عصبه شدة، وفي شعره بريقًا، وهو يموج في بدنه من قوة وعافية، ويكاد إهابه ينشق سمنًا وكدنة. فانكسرت نفس الهزيل، ودخلته الحسرة، وتضعضع لمرأى هذه النعمة مرحة مختالة. وأقبل السمين حتى وقف عليه، وأدركته الرحمة له، إذ رآه نحيفًا متقبِّضًا، طاوي البطن، بارز الأضلاع، كأنما همت عظامه أن تترك مسكنها من جلده لتجد لها مأوى آخر.
فقال له: ماذا بك، وما لي أراك متيبسًا كالميت في قبره غير أنك لم تمت، وما لك أعطيت الحياة غير أنك لم تحيَ، أوليس الهر منا صورة مختزلة من الأسد، فما لك -ويحك- رجعت صورة مختزلة من الهر؛ أفلا يسقونك اللبن، ويطعمونك الشحمة واللحمة، ويأتونك بالسمك، ويقطعون لك من الجبن أبيض وأصفر، ويفتّون لك الخبز في المرق، ويُؤثرك الطفل ببعض طعامه، وتدللك الفتاة على صدرها، وتمسحك المرأة بيديها، ويتناولك الرجل كما يتناول ابنه؟ وما لجلدك هذا مغبرًّا كأنك لا تلطعه بلعابك، ولا تتعهده بتنظيف، وكأنك لم تر قط فتى أو فتاة يجري الدهان بريقًا في شعره أو شعرها، فتحاول أن تصنع بلعابك لشعرك صنيعهما؛ وأراك متزايل الأعضاء متفككًا حتى ضعُفتَ وجهدتَ، كأنه لا يركبك من حب النوم على قدر من كسلك وراحتك، ولا يركبك من حب الكسل على قدر من نعيمك ورفاهتك، وكأن جنبيك لم يعرفا طِنْفِسة ولا حَشِيَّة ولا وسادة ولا بساطًا ولا طرازًا، وما أشبهك بأسد أهلكه ألا يجد إلا العشب الأخضر
(1/50)

والهشيم اليابس، فما له لحم يجيء من لحم، ولا دم يكون من دم، وانحط فيه جسم الأسد، وسكنت فيه روح الحمار!
قال الهزيل: وإن لك لحمة وشحمة، ولبنًا وسمكًا، وجبنًا وفتاتًا، وإنك لتقضي يومك تَلْطَع جلدك ماسحًا وغاسلًا، أو تتطرح على الوسائد والطنافس نائمًا ومتمددًا, أما والله لقد جاءتك النعمة والبلادة معًا، وصلحت لك الحياة وفسدت منك الغريزة، وأحكمت طبعًا ونقضت طباعًا، وربحت شبعًا وخسرت لذة، عطفوا عليك وأفقدوك أن تعطف على نفسك، وحملوك وأعجزوك أن تستقل، وقد صرت معهم كالدجاجة تُسَمَّن لتُذبح، غير أنهم يذبحونك دلالًا وملالًا.
إنك لتأكل من خِوَان أصحابك، وتنظر إليهم يأكلون، وتطمع في مؤاكلتهم، فتشبع بالعين والبطن والرغبة ثم لا شيء غير هذا، وكأنك مرتبط بحبال من اللحم تأكل منها وتحتبس فيها.
إن كان أول ما في الحياة أن تأكل فأهون ما في الحياة أن تأكل، وما يقتلك شيء كاستواء الحال، ولا يحييك شيء كتفاوتها؛ والبطن لا يتجاوز البطن ولذته لذته وحدها، ولكن أين أنت عن إرثك من أسلافك، وعن العلل الباطنة التي تحركنا إلى لذات أعضائنا، ومتاع أرواحنا، وتهبنا من كل ذلك وجودنا الأكبر، وتجعلنا نعيش من قِبَل الجسم كله، لا من قبل المعدة وحدها؟
قال السمين: تالله, لقد أكسبك الفقر حكمة وحياة، وأراني بإزائك معدومًا بزوال أسلافي مني، وأراك بإزائي موجودًا بوجود أسلافك منك. ناشدتك الله إلا ما وصفت لي هذه اللذات التي تعلو بالحياة عن مرتبة الوجود الأصغر من الشبع, وتستطيل بها إلى مرتبة الوجود الأكبر من الرضى؟
فقال الهزيل: إنك ضخم ولكنك أبله، أما علمت -ويحك- أن المحنة في العيش هي فكرة وقوة، وأن الفكرة والقوة هما لذة ومنفعة، وأن لهفة الحرمان هي التي تضع في الكسب لذة الكسب، وسعار الجوع هو الذي يجعل في الطعام من المادة طعامًا آخر من الروح، وأن ما عُدل به عنك من الدنيا لا تعوِّضك منه الشحمة واللحمة، فإن رغباتنا لا بد لها أن تجوع وتغتذي كما لا بد من مثل ذلك لبطوننا؛ ليوجد كل منهما حياته في الحياة, والأمور المطمئنة كهذه التي أنت فيها هي للحياة أمراض مطمئنة، فإن لم تنقص من لذتها فهي لن تزيد في لذتها، ولكن مكابدة الحياة زيادة في الحياة نفسها.
(1/51)

وسر السعادة أن تكون فيك القوى الداخلية التي تجعل الأحسن أحسن مما يكون، وتمنع الأسوأ أن يكون أسوأ مما هو، وكيف لك بهذه القوة وأنت وادع قار محصور من الدنيا بين الأيدي والأرجل؟ إنك كالأسد في القفص، صغُرت أَجَمَتُهُ ولم تزل تصغر حتى رجعت قفصًا يحده ويحبسه، فصغر هو ولم يزل يصغر حتى أصبح حركة في جلد؛ أما أنا فأسد على مخالبي ووراء أنيابي، وغَيْضَتي أبدًا تتسع ولا تزال تتسع أبدًا، وإن الحرية لتجعلني أتشمم من الهواء لذة مثل لذة الطعام، وأستروح من التراب لذة كلذة اللحم، وما الشقاء إلا خَلَّتان من خلال النفس: أما واحدة فأن يكون في شرهك ما يجعل الكثير قليلًا، وهذه ليست لمثلي ما دمت على حد الكَفَاف من العيش؛ وأما الثانية فأن يكون في طمعك ما يجعل القليل غير قليل، وهذه ليس لها مثلي ما دمتُ على ذلك الحد من الكفاف. والسعادة والشقاء كالحق والباطل، كلها من قِبَل الذات، لا من قبل الأسباب والعلل، فمن جاراها سَعِد بها، ومن عكسها عن مجراها فبها يشقَى.
ولقد كنتُ الساعة أَخْتِل فأرة انجحرتْ في هذا الشق، فطمعتُ منها لذة وإن لم أُطعم لحمًا، وبالأمس رماني طفل خبيث بحجر يريد عقري فأحدث لي وجعًا، ولكن الوجع أحدث لي الاحتراس، وسأغشَى الآن هذه الدار التي بإزائنا، فأية لذة في السلة والخطفة والاستراق والانتهاب ثم الوثب شدًّا بعد ذلك؟ هل ذقت أنت بروحك لذة الفرصة والنهزة، أو وجدت في قلبك راحة المخالسة واستراق الغفلة من فأرة أو جُرَذ، أو أدركت يومًا فرحة النجاة بعد الرَّوَغان من عابث أو باغٍ أو ظالم؟ وهل نالتك لذة الظفر حين هوّلك طفل بالضرب، فهولته أنت بالعض والعقر، ففر عنك منهزمًا لا يلوي؟
قال السمين: وفي الدنيا هذه اللذات كلها وأنا لا أدري, هلم أتوحش معك، ليكون لي مثل نُكْرك ودهائك واحتيالك، فيكون لي مثل راحتك المكدودة، ولذتك المتعبة، وعمرك المحكوم عليه منك وحدك وسأتصدى معك للرزق أطارده وأواثبه، وأغاديه وأراوحه. فقطع عليه الهزيل وقال:
يا صاحبي، إن عليك من لحمك ونعمتك علامة أسرك، فلا يلقانا أول طفل إلا أهوى لك فأخذك أسيرًا، وأهوى عليَّ بالضرب لأنطلق حرًّا، فأنت على نفسك بلاء، وأنت بنفسك بلاء عليّ.
وكانت الفأرة التي انجحرتْ قد رأت ما وقع بينهما، فسرها اشتغال الشر
(1/52)

بالشر. وطالت مراقبتها لها حتى ظنت الفرصة ممكنة، فوثبت وثبة من ينجو بحياته ودخلت في باب مفتوح، ولمحها الهزيل، كما تلمح العين برقًا أومض وانطفأ. فقال للسمين: اذهب راشدًا، فحسبك الآن من المعرفة بنفسك وموضعها من الحياة، أن الوقوف معك ساعة هو ضياع رزق، وكذلك أمثالك في الدنيا، هم بألفاظهم في الأعلى وبمعانيهم في الأسفل.
(1/53)

بين خروفين:
"اجتمع ليلة الأضحى خروفان من أضاحي العيد، فتكلما؛ فماذا يقولان؟ ".
هذا هو الموضوع الذي استخرجه أصغر أولادي "الأستاذ" عبد الرحمن، وسألني أن أكتب فيه للرسالة، وهو أصغر قرائها سنًّا، ترُفّ عليه النَّسمة الثالثة عشرة من ربيع حياته* بارك الله له فيها حاضرة ومقبلة.
ولأستاذنا هذا كلمة هي شعاره الخاص به في الحياة، يحفظها لتحفظه، فلا يميل عن مدرجتها، ولا يخرج من معناها، وهي هذه الكلمة العربية: "كالفرس الكريم في مَيْعَة حضْرِه1، كلما ذهب منه شوط جاء شوط". فهو يعلم من هذا أن كرم الأصل في كرم الفعل، ولا يغني شيء منهما عن شيء؛ وأن الدم الحر الكريم يكون مضاعف القوة بطبيعته، عظيم الأمل بهذه القوة المضاعفة، نَزَّاعًا إلى السبق بمقدار أمله العظيم، مترفعًا عن الضعف والهُوَينا بهذا النزوع، متميزًا في نبوغ عمله وإبداعه باجتماع هذه الخصال فيه على أتمها وأحسنها. فمن ثم لا يرمي الحر الكريم إلا أن يبلغ الأمد الأبعد في كل ما يحاوله، فلا يألو أن يبذل جهده إلى غاية الطاقة ومبلغ القدرة، مستمدًّا قوة بعد قوة، محققًا السحر القادر الذي في نفسه، متلقيًا منه وسائل الإعجاز في أعماله، مرسلًا في نبوغه من توهج دمه أضواء كأضواء النجم، تُثبت لكل ذي عينين أنه النجم لا شيء آخر.
ولما قدم إليَّ "الأستاذ" موضوعه في هذا الوزن المدرسي -وأظنه قد نزعته حاجة مدرسية إليه- قلت: حبا وكرامة. وها أنا ذا أكتبه منبعثًا فيه "كالفرس الكريم في ميعة حضره". ولعل الأستاذ حين يقرؤه لا يثوّر فيه علامات كثيرة بقلمه الأحمر!
اجتمع ليلة الأضحى خروفان من الأضاحي في دارنا: أما أحدهما فكبش
__________
* كان ذلك في عام 1934.
1 هذا كما يقال بالعامية: في عز جريه.
(1/54)

أقرن، يحمل على رأسه من قرنيه العظيمين شجرة السنين، وقد انتهى سِمَنه حتى ضاق جلده بلحمه، وسَحَّ بدنه بالشحم سَحًّا، فإذا تحرك خلته سحابة يضطرب بعضها في بعض، ويهتز شيء منها في شيء؛ وله وَافِرة1 يجرها خلفه جرا، فإذا رأيتها من بعيد حسبتها حملًا يتبع أباه؛ وهو أصوف، قد سبغ صوفه واستكثف وتراكم عليه، فإذا مشى تبختر فيه تبختر الغانية في حُلَّتها، كأنما يشعر مثل شعورها أنه يلبس مسرات جسمه لا ثوب جسمه؛ وهو من اجتماع قوته وجبروته أشبه بالقلعة، ويعلوها من هامته كالبرج الحربي فيه مدفعان بارزان, وتراه أبدًا مُصَعِّرًا خدًّا كأنه أمير من الأبطال، إذا جلس حيث كان شعر أنه جالس في أمره ونهيه، لا يخرج أحد من نهيه ولا أمره.
وأما الآخر فهو جَذَع في رأس الحول الأول من مولده، لم يدرك بعد أن يُضحَّى، ولكن جيء به للقَرَم إلى لحمه الغض؛ فالأول أضحية وهذا أَكُولة؛ وذاك يتصدق بلحمه كله على الفقراء، وهذا يتصدق بثلثيه ويبقى الثلث طعامًا لأهل الدار.
وكان في لينه وترجرجه وظرف تكوينه ومرح طبعه، كأنما يصور لك المرأة آنسة رقيقة متوددة. أما ذاك الضخم العاتي المتجبر الشامخ، فهو صورة الرجل الوحشي أخرجته الغابة التي تخرج الأسد والحية وجذوع الدوحة الضخمة، وجعلت فيه من كل شيء منها شيئًا يخاف ويتقى.
وكان الجذع يثغو لا ينقطع ثُغاؤه، فقد أخذ من قطيعه انتزاعًا فأحس الوحشة، وتنبهت فيه غريزة الخوف من الذئب، فزادته إلى الوحشة قلقًا واضطرابًا، وكان لا يستطيع أن ينفلت، فهو كأنما يهرب في الصوت ويعدو فيه عدوًا.
أما الكبش فيرى مثل هذا مسبة لقرنيه العظيمين، وهو إذا كان في القطيع كان كبشه وحاميه والمقدم فيه، فيكون القطيع معه وفي كنفه ولا يكون هو عند نفسه مع القطيع؛ فإذا فقد جماعته لم يكن في منزلة المنتظر أن يلحق بغيره ليحتمي به فيقلق ويضطرب، ولكنه في منزلة المرتقب أن يلحق به غيره طلبًا لحمايته وذماره، فهو ساكن رابط الجأش مغتبط النفس، كأنما يتصدق بالانتظار.
فلما أدبر النهار وأقبل الليل، جيء للخروفين بالكلأ من هذا البرسيم يعتلفانه، فأحس الكبش أن في الكلأ شيئًا لم يدر ما هو، وانقبضت نفسه لما كانت
__________
1 ألية عظيمة, ويقال: كبش أليان, إذا كان عظيم الألية.
(1/55)

تنبسط إليه من قبل، وعرته كآبة من روحه، كأنما أدركت هذه الروح أنه آخر رزقه على الأرض، فانكسر وظهر على وجهه معنى الذبح قبل أن يذبح، وعاف أن يَطْعَم، ورجع كأول فطامه عن أمه لا يعرف كيف يأكل، ولا يتناول من أكله إلا أدنى تناول.
وكأنما جثم الظلام على شحمه ولحمه؛ فإنه متى ثقل الهم على نفس من الأنفس، ثقل على ساعتها التي تكون فيها، فتطول كآبتها ويطول وقتها جميعًا. فأراد الكبش أن يتفرج مما به، وينفس عن صدره شيئًا، وكان الصغير قد أنس إلى المكان والظلمة، وأقبل يعتلف ويَخْضِم الكلأ، فقال له الكبش: أراك فارهًا يابن أخي، كأنك لا تجد ما أجد؛ إني والله أعلم علمًا لا تعلمه، وإني لأحس أن القدر طريقه علينا في هذه الليلة، فهو مصبحنا ما من ذلك بد.
قال الصغير: أتعني الذئب؟
قال: ليته هو، فأنا لك به لو أنه الذئب؛ إن صوفي هذا درع من أظافره، وهو كالشبكة ينشب فيها الظفر ولا يتخلص، ومن قرنيَّ هذين تُرْس ورمح، فأنا واثق من إحراز نفسي في قتله، ومن أحرز نفسه من عدوه فذاك قتل عدوه، فإن لم يقتله فقد غاظه بالهزيمة، وذاك عند الأبطال فن من القتل. وهذا القرن الملتفّ الأعقد المذَرَّب كالسنان، لا يكاد يراه الذئب حتى يعلم أنه حاطمة عظامه، فيحدث له من الفزع ما تنحل به قوته، فما يواثبني إلا متخاذلًا، ولا يقدم علي إلا توهم الذئبية للخروفية، فإن أساس القوة والضعف كليهما في السوس والطبيعة، غير أنه لا يعلم أني خرجت من الخروفية إلى الجاموسية! فما يُعَلِّمه ذلك إلا بقر بطنه أو التطويح به من فوق هذا القرن، أقذفه قذفة عالية تلقيه من حاليق، فتدق عظامه وتحطم قوائمه!
قال الصغير: فماذا تخشى بعد الذئب؟ إذا كانت العصا فهي إنما تضرب منك الصوف لا الظهر.
قال الكبش: ويحك! وأي خروف يخشى العصا؟ ويه, إنما تكون عصا من يعلفه ويرعاه، فهي تنزل عليه كما تنزل على ابن آدم أقدار ربه، لا حطمًا ولكن تأديبًا أو إرشادًا أو تهويلًا؛ ومن قبلها النعمة، وتكون معها النعمة، وتجيء بعدها النعمة؛ أفبلغ الكفر ما يبلغ كفر الإنسان بنعمة ربه: إذا أنعم عليه أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسه الشر انطلق ذا صراخ عريض؟
(1/56)

وكيف تراني "ويحك" أخشى الذئب أو العصا، وأنا من سلالة الكبش الأسدي؟
قال الصغير: وما الكبش الأسدي، وكيف علمت أنك من نَجْله، ولا علم لي أنا إلا هذا الكلأ والعلف والماء والمراح والمغدى؟
قال الكبش: لقد أدركت أمي وهي نعجة قَحْمة كبيرة، وأدركت معها جدتي وقد أفرط عليها الكبر حتى ذهب فمها، وأدركت معهما جدي وهو كبش هَرِم متقدد أعجف كأنه عظام مغطاة، فعن هؤلاء أخذت ورويت وحفظت:
حدثتني أمي، عن أبيها، عن أبيه، قالت: إن فخر جنسنا من الغنم يرجع إلى كبش الفداء الذي فدى الله به إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام- وكان كبشًا أبيض أقرن أعين، اسمه حَرير.
"قال": واعلم يابن أخي أن مما انفردت أنا به من العلم فلم يدركه غيري، أن جدنا هذا كان مكسوا بالحرير لا بالصوف، فلذلك سمي حريرًا.
"قالت أمي": والمحفوظ عند علمائنا أن ذاك هو الكبش الذي قربه هابيل حين قتل أخاه، لتتم البلية على هذه الأرض بدم الإنسان والحيوان معًا.
"قالوا": فتُقبل منه وأُرسل الكبش إلى الجنة, فبقي يرعى فيها حتى كان اليوم الذي هم فيه إبراهيم أن يذبح ابنه تحقيقًا لرؤيا النبوة، وطاعة لما ابتلي به من ذلك الامتحان، وليثبت أن المؤمن بالله إذا قوي إيمانه لم يجزع من أمر الله, ولو جر السكين على عنق ابنه، وهو إنما يجرها على ابنه وعلى قلبه!
"قالت": فهذا هو فخر جنسنا كله.
أما فخر سلالتي أنا، فذاك ما حدثتني به جدتي، ترويه عن أبيها، عن جدها، وذاك حين توسمت فيّ مخايل البطولة، ورجَتْ أن أحفظ التاريخ. قالت: إن أصلنا من دمشق، وإنه كان في هذه المدينة رجل سَبَّاع، قد اتخذ شبل أسد فرباه وراضه حتى كبر، وصار يطلب الخيل، وتأذى به الناس، فقيل للأمير1: هذا السبع قد آذى الناس، والخيل تنفر منه وتجد من ريحه ريح الموت، وهو ما يزال رابضًا ليله ونهاره على سدة بالقرب من دارك. فأمر فجاء به السباع وأدخله إلى القصر، ثم أمر بخروف مما اتُّخذ في مطبخه للذبح،
__________
1 هذه القصة شهدها الأمير الأديب "أسامة بن منقذ" المتوفى سنة 584 للهجرة، وقصها في كتابه "الاعتبار"؛ والأمير المذكور في القصة هو "معين الدين أنر" وزير شهاب الدين محمود. وقد تصرفنا في عبارة القصة.
(1/57)

وأدخلوه إلى قاعة, وجاء السباع فأطلق الأسد عليه، واجتمعوا يرون كيف يسطو به ويفترسه.
قالت جدتي: فحدثني أبي، قال: حدثني جدك، أن السباع أطلق الأسد من ساجوره1 وأرسله، فكانت المعجزة التي لم يفز بها خروف ولم تؤثر قط إلا عن جدنا، فإنه حسب الأسد خروفًا أجم لا قرون له، ورأى دقة خصره، وضمور جنبيه، ورأى له ذيلًا كالألية المفرغة الميتة، فظنه من مهازيل الغنم التي قتلها الجدب، وكان هو شبعان ريان، فما كذب أن حمل على الأسد ونطحه، فانهزم السبع مما أذهله من هذه المفاجأة وحسب جدنا سبعًا قد زاده الله أسلحة من قرنيه، فاعتراه الخوف وأدبر لا يلوي. وطمع جدنا فيه فاتبعه، وما زال يطارده وينطحه، والأسد يفر من وجهه ويدور حول البركة، والقوم قد غلبهم الضحك، والأمير ما يملك نفسه إعجابًا وفخرًا بجدنا. فقال: هذا سبع لئيم، خذوه فاخرجوه، ثم اذبحوه، ثم اسلخوه. فأخذ الأسد وذبح، وأعتق جدنا من الذبح، وكان لنا في تاريخ الدنيا: إنسانها وحيوانها أثران عظيمان؛ فجدنا الأول كان فداء لابن نبي، وجدنا الثاني كان الأسد فداءه!
قال الصغير للكبش: قلت: الذبح، والفداء من الذبح؛ فما الذبح؟
قال الكبش: هذه السنة الجارية بعد جدنا الأعظم، وهي الباقية آخر الدهر؛ فينبغي لكل منا أن يكون فداء لابن آدم!
قال الصغير: ابن آدم هذا الذي يخدمنا ويحتزّ لنا الكلأ، ويقدم لنا العلف، ويمشي وراءنا فنسحبه إلى هنا وههنا؟ تالله ما أظن الدنيا إلا قد انقلبت، أو لا، فأنت يا أخا جدي قد كبرت وخرفت!
قال الكبش: ويحك يا أبله! متى تتحلل هذه العقدة التي في عقلك؟ إنك لو علمت ما أعلم لما اطمأنت بك الأرض، ولرجعت من القلق والاضطراب كحبة القمح في غربال يهتز وينتفض!
قال الصغير: أتعني ذلك الغربال وذلك القمح وما كان في القرية، إذ تناولت ربة الدار غربالها تنفض به قمحها، فغافلتها ونطحت الغربال فانقلب عن يدها وانتثر الحب، فأسرعت فيه التقاطًا حتى ملأت فمي قبل أن تزيحني المرأة عنه؟
__________
1 الساجور: سلسلة الأسد والكلب ونحوهما.
(1/58)

فهز الكبش رأسه فعل من يريد الابتسام ولا يستطيعه، وقال: أرأيت حانوت القصّاب، ونحن نمر اليوم في السوق؟
قال: وما حانوت القصاب؟
قال: أرأيت ذلك السليخ من الغنم البيض المعلقة في تلك المعاليق، لا جلد عليها ولا صوف، وليس لها أرؤس ولا قوائم؟
قال الصغير: وما ذاك السليخ؟ إنه إن صح ما حدثتَني به عن أمك، فهذه غنم الجنة، تبيت ترعى هناك ثم تجيء إلى الأرض مع الصبح، وإني لمترقب شمس الغد، لأذهب فأراها وأملأ عيني منها.
قال: اسمع أيها الأبله! إن شمس الغد ستشعر بها من تحتك لا من فوقك. لقد رأيت أخي مذ كنت جذعًا مثلك؛ ورأيت صاحبنا الذي كان يعلفه ويسمنه قد أخذه، فأضجعه، فجثم على صدره شرا من الذئب، وجاء بشفرة بيضاء لامعة، فجرها على حلقه، فإذا دمه يسخب ويتفجر، وجعل المسكين ينتفض ويَدْحَص برجليه، ثم سكن وبَردَ؛ فقام الرجل ففصل عنقه، ثم نخس في جلده ونفخه حتى تطبل ورجع كالقِربة التي رأيتها في القرية مملوءة ماء فحسبتها أمك؛ ثم شق فيه شقًّا طويلًا. ثم أدخل يده بين الجلد والصفاق، ثم كشطه وسَحَف الشحم عن جنبيه، فعاد المسكين أبيض لا جلد له ولا صوف عليه، ثم بقر بطنه وأخرج ما فيه، ثم حطم قوائمه، ثم شده فعلقه فصار سليخًا كغنم الجنة التي زعمت! وهذا -أيها الأبله- هو الذبح والسلخ!
قال الصغير: وما الذي أحدث هذا كله؟
قال: الشفرة البيضاء التي يسمونها السكين!
قال الصغير: فقد كانت الشفرة عند حلقه حيال فمه؛ فلماذا لم ينتزعها فيأكلها؟
قال الكبش: أيها الأبله الذي لا يعلم شيئًا ولا يحفظ شيئًا، لو كانت خضراء لأكلها!
قال: وما خطب أن تجيء الشفرة على العنق, أفلم يكن الحبل في عنقك أنت فجعلتَ تجاذب فيه الرجل حتى أعييته، ولولا أني مشيت أمامك لما انقدتَ له؟
قال الكبش: ما أدري والله كيف أفهمك أن هذا كله سيجري عليك، فسترى أمورًا تنكرها، فتعرف ما الذبح والسلخ، ثم تصير أشلاء في القدور تُضرم عليها النار، فيأكلك ابن آدم كما تأكل أنت هذا الكلأ!
قال الصغير: وماذا علي أن يأكلني ابن آدم، ألا تراني آكل العشب، فهل سمعت عودًا منه يقول: الرجل والسكين، والذبح والسلخ؟
(1/59)

قال الكبش في نفسه: لعمري إن قوة الشباب في الشباب أقوى من حكمة الشيوخ في الشيوخ، وما نَفْع الحكمة إذا لم تكن إلا رأيًا له ما يمضيه، كرأي الشيخ الفاني، يرى بعقله الصواب حين يكون جسمه هو الخطأ مركبًا في ضعفه غلطة على غلطة لا عضوًا على عضو؟ وهل الرأي الصحيح للعالم الذي نعيش فيه إلا بالجسم الذي نعيش به؛ وما جدوى أن يعرف الكبير حكمة الموت، وهو من الضعف بحيث تنكسر نفسه للمرض الهين، فضلًا عن المرض المعضل، فضلًا عن المرض المزمن، فضلًا عن الموت نفسه؛ وما خطر أن يجهل الشباب تلك الحكمة، وهو من قوة النفس بحيث لا يبالي الموت، فضلًا عن المرض؟
لو أُذن الشاب من الفتيان بيوم انقطاع أجله، وعلم أن مصبحه أو ممسيه, لأمدته نفسه بأرواح السنين الطويلة، حتى ليرى أن صبح الغد كأنما يأتي من وراء ثلاثين أو أربعين سنة؛ فما يتبينه إلا كالفكر المنسيّ مضى عليه ثلاثون سنة أو أربعون. ولو أذن الشيخ بيوم مصرعه، وأيقن أن له مهلة إلى تمام الحول، لطار به الذعر واستفرغه الوجل من ساعته؛ ورأى يومه البعيد أقرب إليه من الصبح، وابتلتْه طبيعة جسمه المختل بالوساوس الكثيرة، تجتلبها كما تجتلب الرياح صدوع المنزل الخرب. فذاك بالشباب يقبض على الزمن؛ فيعيش في اليوم القصير مثل العام رخيا ممدودا، فهو رابط جلد؛ وهذا بالكبر يقبض الزمن عليه فيعيش في العام الطويل مثل اليوم متلاحقًا آخره بأوله، فهو قلق طائر. ولا طبيعة للزمن إلا طبيعة الشعور به، ولا حقيقة للأيام إلا ما تضعه النفس في الأيام.
ثم إن الكبش نظر فرأى الصغير قد أخذته عينه واستثقل نومًا، فقال: هنيئًا لمن كان فيه سر الأيام الممدودة. إن هذا السر هو كسرّ النبات الأخضر، لا يُقطع من ناحية إلا ظهر من غيرها ساخرًا هازئًا، قائلًا على المصائب: ها أنا ذا.
فهذا الصغير ينام ملء عينيه والشفرة محدودة له، والذبح بعد ساعات قليلة؛ كأنما هو في زمنين؛ أحدهما من نفسه، فبه ينام، وبه يلهو، وبه يسخر من الزمن الآخر وما فيه وما يجلبه.
إن الألم هو فهم الألم لا غير. فما أقبح علم العقل إذا لم يكن معه جهل النفس به وإنكارها إياه. حسب العلم والعلماء في السخرية بهم وبه هذه الحقيقة من النفس. أنا لو ناطحت كبشًا من قُروم الكباش، ووقفت أفكر وأدبر وأتأمل، وأعتبر شيئًا بشيء؛ ذهب فكري بقوتي، واسترخى عصبي، وتحلل غضبي كله،
(1/60)

وكان العلم وبالًا عليَّ؛ فإن حاجتي حينئذ إلى الروح وقواها وأسبابها أضعاف حاجتي إلى العلم. والروح لا تعرف شيئًا اسمه الموت، ولا شيئًا اسمه الوجع؛ وإنما تعرف حظها من اليقين، وهدوءها بهذا الحظ، واستقرارها مؤمنة ما دامت هادئة مستيقنة.
وقد, والله, صدق هذا الجَذَع الصغير؛ فما على أحدنا أن يأكله الإنسان, وهل أكلنا نحن هذا العشب، وأكل الإنسان إيانا، وأكل الموت للإنسان, هل كل ذلك إلا وضع للخاتمة في شكل من أشكالها؟
يشبه, والله, إن أنا احتججت على الذبح واغتممت له، أن أكون كخروف أحمق لا عقل له، فظن إطعام الإنسان إياه من باب إطعامه ابنه وابنته وامرأته ومن تجب عليه نفقته! وهل أوجب نفقتي على الإنسان إلا لحمي؟ فإذا استحق له, فلعمري ما ينبغي لي أن أزعم أنه ظلمني اللحم إلا إذا أقررت على نفسي بديا أني أنا ظلمته العلف وسرقته منه.
كل حي فإنما هو شيء للحياة أُعطِيَها على شرطها، وشرطها أن تنتهي، فسعادته في أن يعرف هذا ويقرر نفسه عليه حتى يستيقنه، كما يستيقن أن المطر أول فصل الكلأ الأخضر. فإذا فعل ذلك وأيقن واطمأن، جاءت النهاية متممة له لا ناقصة إياه، وجرت مع العمر مجرى واحدًا وكان قد عرفها وأعد لها. أما إذا حسب الحي أنه شيء في الحياة، وقد أعطِيَها على شرطه هو، من توهُّم الطمع في البقاء والنعيم، فكل شقاء الحي في وهمه ذاك, وفي عمله على هذا الوهم, إذ لا تكون النهاية حينئذ في مجيئها إلا كالعقوبة أنزلت بالعمر كله، وتجيء هادمة منغّصة، ويبلغ من تنكيدها أن تسبقها آلامها؛ فتؤلم قبل أن تجيء، شرًّا مما تؤلم حين تجيء!
لقد كان جدي والله حكيمًا يوم قال لي: إن الذي يعيش مترقبًا النهاية يعيش معدًّا لها؛ فإن كان معدًّا لها عاش راضيًا بها، فإن عاش راضيًا بها كان عمره في حاضر مستمر، كأنه في ساعة واحدة يشهد أولها ويحس آخرها، فلا يستطيع الزمن أن ينغص عليه ما دام ينقاد معه وينسجم فيه، غير محاول في الليل أن يبعد الصبح، ولا في الصبح أن يبعد الليل. قال لي جدي: والإنسان وحده هو التعس الذي يحاول طرد نهايته, فيشقى شقاء الكبش الأخرق الذي يريد أن يطرد الليل, فيبيت ينطح الظلمة المتدجية على الأرض، وهو لحمقه يظن أنه ينطح الليل بقرنيه ويزحزحه!
(1/61)

وكم قال لي ذلك الجد الحكيم وهو يعظني: إن الحيوان منا إذا جمع على نفسه همًّا واحدًا، صار بهذا الهم إنسانا تعسا شقيا، يعطَى الحياة فيقلبها بنفسه على نفسه شيئًا كالموت، أو موتًا بلا شيء!
وتحرك الصغير من نومه، فقال له الكبش: إنه ليقع في قلبي أنك الساعة كنت في شأن عظيم، فما بالك منتفخًا وأنت ههنا في المنحر لا في المرعى!
قال الصغير: يا أخا جدي, لقد تحققت أنك هرمت وخرفت، وأصبحتَ تمج اللُّعاب والرأي!
قال الكبش: فما ذلك, ويلك؟
قال: إنك قلت: إن هذا الإنسان غادٍ علينا بالشفرة البيضاء، ووصفتَ الذبح والسلخ والأكل؛ وأنا الساعة قد نمت فرأيت فيما أرى، أنني نطحت ذاك الرجل الذي جاء بنا إلى هنا، وهجتُ به حتى صرعته، ثم إني أخذت الشفرة بأسناني، فثلمته في نحره حتى ذبحته، ثم افتلذت منه مُضْغة فلكتها في فمي؛ فما عرفت والله فيما عرفت لَخَنًا ولا عَفَنًا في الكلأ هو أقبح مذاقًا منه!
إن الإنسان يستطيب لحمنا، ويتغذى بنا، ويعيش علينا, فما أسعدنا أن نكون لغيرنا فائدة وحياة، وإذا كان الفناء سعادة نعطيها من أنفسنا، فهذا الفناء سعادة نأخذها لأنفسنا. وما هلاك الحي لقاء منفعة له أو منفعة منه إلا انطلاق الحقيقة التي جعلته حيًّا، صارت حرة فانطلقت تعمل أفضل أعمالها.
قال الكبير: لقد صدقت والله، ونحن بهذا أعقل وأشرف من الإنسان؛ فإنه يقضي العمر آخذًا لنفسه، متكالبًا على حظها، ولا يعطي منها إلا بالقهر والغلبة والخوف. تعال أيها الذابح، تعال خذ هذا اللحم وهذا الشحم؛ تعال أيها الإنسان لنعطيك؛ تعال أيها الشحاذ!
(1/62)

الطفولتان:
"عصمت" بن فلان باشا طفل مترف يكاد ينعصر لينًا، وتراه يَرِف رفيفًا مما نشأ في ظلال العز، كأن لروحه من الرقة مثل ظل الشجرة حول الشجرة. وهو بين لِدَاته من الصبيان كالشوكة الخضراء في أملودها الريان، لها منظر الشوكة؛ على مجسَّة لينة ناعمة تُكَذِّب أنها شوكة إلا أن تيبس ونتوقَّح.
وأبوه "فلان" مدير لمديرية كذا، إذا سُئل عنه ابنه قال: إنه مدير المديرية. لا يكاد يعدو هذا التركيب، كأنه من غرور النعمة يأبى إلا أن يجعل أباه مديرًا مرتين. وكثيرًا ما تكون النعمة بذيئة وَقَاحًا سيئة الأدب في أولاد الأغنياء، وكثيرًا ما يكون الغنى في أهله غنى من السيئات لا غير!
وفي رأي "عصمت" أن أباه من علو المنزلة كأنه على جناح النسر الطائر في مسبحه إلى النجم، أما آباء الأطفال من الناس فهم عنده من سقوط المنزلة على أجنحة الذباب والبعوض!
ولا يغدو ابن المدير إلى مدرسته ولا يتروح منها إلا وراءه جندي يمشي على أثره في الغدوة والروحة إذا كان ابن المدير، أي: ابن القوة الحاكمة، فيكون هذا الجندي وراء الطفل كالمَنْبَهة له عند الناس، تفصح شارته العسكرية بلغات السابلة جمعاء أن هذا هو ابن المدير. فإذا رآه العربي أو اليوناني، أو الطلياني أو الفرنسي، أو الإنجليزي أو كائن من كان من أهل الألسنة المتنافرة التي لا يفهم لسان منها عن لسان, فهموا جميعًا من لغة هذه الشارة أن هذا هو ابن المدير؛ وأنه من الجندي الذي يتبعه كالمادة من القانون وراءها الشرح!
ولقد كان يجب لابن المدير هذا الشرف الصبياني. لو أنه يوم وُلد لم يولد ابن ساعته كأطفال الناس، بل وُلد ابن عشر سنين كاملة لتشهد له الطبيعة أنه كبير قد انصدعت به معجزة! وإلا فكيف يمشي الجندي من جنود الدولة وراء طفل فيتبعه ويخدمه وينصاع لأمره؛ وهذا الجندي لو كان طريد هزيمة قد فر في معركة من معارك الوطن، وأريد تخليده في هزيمته وتخليدها عليه بالتصوير, لما صُور
(1/63)

إلا جنديًّا في شارته العسكرية منقادًا لمثل هذا الطفل الصغير كالخادم؛ في صورة يكتب تحتها: "نفاية عسكرية! ".
ليس لهذا المنظر الكثير حدوثه في مصر إلا تأويل واحد: هو أن مكان الشخصيات فوق المعاني، وإن صغرت تلك وجلَّت هذه؛ ومن هنا يكذب الرجل ذو المنصب، فيُرفع شخصه فوق الفضائل كلها؛ فيكبر عن أن يكذب فيكون كذبه هو الصدق، فلا ينكر عليه كذبه أي: صدقه! ويخرج من ذلك أن يتقرر في الأمة أن كذب القوة صدق بالقوة!
وعلى هذه القاعدة يقاس غيرها من كل ما يخذل فيه الحق. ومتى كانت الشخصيات فوق المعاني السامية طفقت هذه المعاني تموج موجها محاولة أن تعلو، مكرهة على أن تنزل؛ فلا تستقيم على جهة ولا تنتظم على طريقة؛ وتقبل بالشيء على موضعه، ثم تكرّ كَرَّها فتدبر به إلى غير موضعه، فتضل كل طبقة من الأمة بكبرائها، ولا تكون الأمة على هذه الحالة في كل طبقاتها إلا صغارًا فوقهم كبارهم؛ وتلك هي تهيئة الأمة للاستعباد متى ابتُليتْ بالذي هو أكبر من كبارها؛ ومن تلك تنشأ في الأمة طبيعة النفاق يحتمي به الصغر من الكبر، وتنتظم به ألفة الحياة بين الذلة والصولة!
وتخلَّف الجندي ذات يوم عن موعد الرواح من المدرسة، فخرج "عصمت" فلم يجده، فبدا له أن يتسكع في بعض طرق المدينة لينطلق فيه ابن آدم لا ابن المدير، وحن حنينه إلى المغامرة في الطبيعة، ولبسَت الطرق في خياله الصغير زينتها الشعرية بأطفال الأزقة يلعبون ويتهوشون ويتعابثون ويتشاحنون، وهم شتى وكأنهم أبناء بيت واحد مست بكل من كل رحم، إذ لا ينتسبون في اللهو إلا إلى الطفولة وحدها.
وانساق "عصمت" وراء خياله، وهرب على وجهه من تلك الصورة التي يمشي فيها الجندي وراء ابن المدير، وتغلغل في الأزقة لا يبالي ما يعرفه منها وما لا يعرفه، إذ كان يسير في طرق جديدة على عينه كأنما يحلم بها في مدينة من مدن النوم.
وانتهى إلى كَبْكَبَة من الأطفال قد استجمعوا لشأنهم الصبياني، فانتبذ ناحية
(1/64)

ووقف يصغي إليهم متهيبًا أن يقدم، فاتصل بسمعه ونظره كالجبان، وتسمع فإذا خبيث منهم يعلم الآخر كيف يضرب إذا اعتدى أو اعتُدي عليه، فيقول له: اضرب أينما ضربت، من رأسه، من وجهه، من الحلقوم، من مَرَاقّ البطن؛ قال الآخر: وإذا مات؟ فقال الخبيث: وإذا مات فلا تقل: إني أنا علمتك!
وسمع طفلًا يقول لصاحبه: أما قلت لك: إنه تعلم السرقة من رؤيته اللصوص في السيما؟ فأجابه صاحبه: وهل قال له أولئك اللصوص الذين في السيما: كن لصًّا واعمل مثلنا؟
وقام منهم شيطان فقال: يا أولاد البلد، أنا المدير! تعالوا وقولوا لي: "يا سعادة الباشا، إن أولادنا يريدون الذهاب إلى المدارس، ولكنا لا نستطيع أن ندفع لهم المصروفات" فقال الأولاد في صوت واحد: "يا سعادة الباشا، إن أولادنا يريدون الذهاب إلى المدارس، ولكنا لا نستطيع أن ندفع لهم المصروفات" فرد عليهم "سعادته": اشتروا لأولادكم أحذية وطرابيش وثيابًا نظيفة، وأنا أدفع لهم المصروفات.
فنظر إليه خبيث منهم وقال: يا سعادة المدير، وأنت فلماذا لم يشتر لك أبوك حذاء؟
وقال طفل صغير: أنا ابنك يا سعادة المدير، فأرسلني إلى المدرسة وقت الظهر فقط!
وكان "عصمت" يسمع ونفسه تهتز وترف بإحساسها، كالورقة الخضراء عليها طل الندى، وأخذ قلبه يتفتح في شعاع الكلام كالزهرة في الشمس؛ وسَكِر بما يسكر به الأطفال حين تقدم لهم الطبيعة مكان اللهو معدا مهيأ، كالحانة ليس فيها إلا أسباب الشكر والنشوة، وتمام لذتها أن الزمن فيها منسي، وأن العقل فيها مهمل.
وأحس ابن المدير أن هذه الطبيعة حين ينطلق فيها جماعة الأطفال على سجيتهم وسجيتها, إنما هي المدرسة التي لا جدران لها، وهي تربية الوجود للطفل تربية تتناوله من أدق أعصابه فتبدد قواه ثم تجمعها له أقوى ما كانت، وتفرغه منها ثم تملؤه بما هو أتم وأزيد وبذلك تكسبه نمو نشاطه، وتعلمه كيف ينبعث لتحقيق هذا النشاط، فتهديه إلى أن يبدع بنفسه ولا ينتظر من يبدع له، وتجعل خطاه دائمًا وراء أشياء جديدة، فتُسدده من هذا كله إلى سر الإبداع
(1/65)

والابتكار، وتلقيه العلم الأعظم في هذه الحياة، علم نَضْرة نفسه وسرورها ومرحها، وتطبعه على المزاج المتطلق المتهلل المتفائل، وتتدفق به على دنياه كالفيضان في النهر، تفور الحياة فيه وتفور به، لا كأطفال المدارس الخامدين، تعرف للواحد منهم شكل الطفل وليس له وجوده ولا عالمه، فيكون المسكين في الحياة ولا يجدها، ثم تراه طفلًا صغيرًا، وقد جمعوا له هموم رجل كامل!
ودبَّت روح الأرض دبيبها في "عصمت" وأوحت إلى قلبه بأسرارها، فأدرك من شعوره أن هؤلاء الأغمار الأغبياء من أولاد الفقراء والمساكين، هم السعداء بطفولتهم، وأنه هو وأمثاله هم الفقراء والمساكين في الطفولة؛ وأن ذلك الجندي الذي يمشي وراءه لتعظيمه إنما هو سجن؛ وأن الألعاب خير من العلوم، إذ كانت هي طفلية الطفل في وقتها، أما العلوم فرجولة مُلزَقة به قبل وقتها توقره وتحوله عن طباعه، فتقتل فيه الطفولة وتهدم أساس الرجولة، فينشأ بين ذلك إلا إلى هذه ولا إلى هذه، ويكون في الأول طفلًا رجلًا، ثم يكون في الآخر رجلًا طفلًا.
وأحس مما رأى وسمع أن مدرسة الطفل يجب أن تكون هي بيته الواسع الذي لا يتحرج أن يصرخ فيه صراخه الطبيعي، ويتحرك حركته الطبيعية، ولا يكون فيه مدرسون ولا طلبة، ولا حاملو العِصِيّ من الضباط؛ بل حق البيت الواسع أن تكون فيه الأبوة الواسعة، والأخوة التي تنفسح للمئات؛ فيمر الطفل المتعلم في نشأته من منزل إلى منزل إلى منزل، على تدريج في التوسع شيئًا فشيئًا، من البيت، إلى المدرسة، إلى العالم.
وكان "عصمت" يحلم بهذه الأحلام الفلسفية، وطفولته تشب وتسترجل، ورخاوته تشتد وتتماسك؛ وكانت حركات الأطفال كأنها تحركه من داخله، فهو منهم كالطفل في السينما حين يشهد المتلاكمين والمتصارعين، يستطيره الفرح، ويتوثب فيه الطفل الطبيعي بمرحه وعنفوانه، وتتقلص عضلاته، ويتكشف جلده، وتجتمع قوته؛ حتى كأنه سيظاهر أحد الخصمين ويلكم الآخر فيكوره ويصرعه، ويفض معركة الضرب الحديدي بضربته اللينة الحريرية!
فما لبث صاحبنا الغرير الناعم أن تخشَّن، وما كذب أن اقتحم، وكأنما أقبل على روحه الشارع والأطفال ولهوهم وعبثهم، إقبال الجو على الطير الحبيس المعلق في مسمار إذا انفرج عنه القفص؛ وإقبال الغابة على الوحش
(1/66)

القنيص إذا وثب وثبة الحياة فطار بها؛ وإقبال الفلاة على الظبي الأسير إذا ناوص فأفلت من الحِبالة.
وتقدم فأدغم في الجماعة وقال لهم: أنا ابن المدير. فنظروا إليه جميعًا، ثم نظر بعضهم إلى بعض، وسَفَرت أفكارهم الصغيرة بين أعينهم، وقال منهم قائل: إن حذاءه وثيابه وطربوشه كلها تقول: إن أباه المدير.
فقال آخر: ووجهه يقول: إن أمه امرأة المدير.
فقال الثالث: ليست كأمك يا بعْطيطي ولا كأم جُعْلُص1!
قال الرابع: يا ويلك لو سمع جعلص، فإن لكماته حينئذ لا تترك أمك تعرف وجهك من القفا!
قال الخامس: ومن جعلص هذا؟ فليأت لأريكم كيف أصارعه، فأجتذبه فأعصره بين يدي، فأعتقل رجله برجلي، فأدفعه، فيتخاذل، فأعرُكه، فيخر على وجهه؛ فأسمّره في الأرض بمسمار!
فقال السادس: ها ها! إنك تصف بأدق الوصف ما يفعله جعلص لو تناولك في يده!
فصاح السابع: ويلكم! ها هو ذا, جعلص، جعلص، جعلص!
فتطاير الباقون يمينًا وشمالًا كالورق الجاف تحت الشجر ضربته الريح العاصف, وقهقه الصبي من ورائهم، فثابوا إلى أنفسهم وتراجعوا. وقال المستطيل منهم: أما أني كنت أريد أن يعدو جعلص ورائي، فأستطرد إليه قليلًا أطمعه في نفسي، ثم أرتد عليه فآخذه كما فعل "ماشيست الجبار"2 في ذلك المنظر الذي شاهدناه.
وقهقه الصبيان جميعًا! ثم أحاطوا "بعصمت" إحاطة العشاق بمعشوقة جميلة، يحاول كل منهم أن يكون المقرب المخصوص بالحظوة، لا من أجل أنه ابن المدير فحسب، ولكن من أجل أن ابن المدير تكون معه القروش. فلو وجدت القروش مع ابن زبال لما منعه نسبه أن يكون أمير الساعة بينهم إلى أن تنفد قروشه فيعود ابن زبال!
وتنافسوا في "عصمت" وملاعبته والاختصاص به، فلو جاء المدير نفسه
__________
1 للعامة أسماء ونسب غريبة منها هذه.
2 بحار إيطالي كالمارد؛ عريض الألواح، وثيق التراكيب، يعجب الأطفال به أشد الإعجاب، وإذا شهدوه في السينما كاد تمثيله يشب بهؤلاء الأطفال إلى سن الرجولة في ساعة واحدة.
(1/67)

يلعب مع آبائهم ويركبهم ويركبونه، وهم بين نجار وحداد، وبناء وحمال، وحوذي وطباخ؛ وأمثالهم من ذوي المهنة المكسبة الضئيلة, لكانت مطامع هؤلاء الأطفال في ابن المدير، أكبر من مطامع الآباء في المدير.
وجرت المنافسة بينهم مجراها، فانقلبت إلى ملاحاة، ورجعت هذه الملاحاة إلى مشاحنة، وعاد ابن المدير هدفًا للجميع يدافعون عنه وكأنما يعتدون عليه، إذ لا يقصد أحد منهم أحدًا بالغيظ إلا تعمد غيظ حبيبه، ليكون أنكأ له وأشد عليه!
وتظاهروا بعضهم على بعض، ونشأت بينهم الطوائل، وأفسدهم هذا الغني المتمثل بينهم. ويا ما أعجب إدراك الطفولة وإلهامها! فقد اجتمعت نفوسهم على رأي واحد، فتحولوا جميعًا إلى سفاهة واحدة أحاطت بابن المدير، فخاطره أحدهم في اللعب فقمره، فأبى إلا أن يعلو ظهره ويركبه؛ وأبى عليه ابن المدير ودافعه، يرى ذلك ثَلْمًا في شرفه ونسبه وسطوة أبيه؛ فلم يكد يعتل بهذه العلة ويذكر أباه ليعرفهم آباءهم, هاجت حتى كبرياؤهم، وثارت دفائنهم، ورقصت شياطين رءوسهم؛ وبذلك وضع الغبي حقد الفقر بإزاء سخرية الغنى؛ فألقى بينهم مسألة المسائل الكبرى في هذا العالم وطرحها للحل!
وتنفّشوا للصولة عليه، فسخر منه أحدهم، ثم هزأ به الآخر، وأخرج الثالث لسانه؛ وصدمه الرابع بمنكبه، وأفحش عليه الخامس؛ ولكزه السادس؛ وحثا السابع في وجهه التراب!
وجهد المسكين أن يفر من بينهم فكأنما أحاطوه بسبعة جدران فبطل إقدامه وإحجامه، ووقف بينهم كما كتب الله, ثم أخذته أيديهم فانجدل على الأرض, فتجاذبوه يمرغونه في التراب!
وهم كذلك إذ انقلب كبيرهم على وجهه، وانكفأ الذي يليه، وأزيح الثالث، ولطم الرابع، فنظروا فصاحوا جميعًا: "جعلص، جعلص! " وتواثبوا يشتدون هربًا. وقام "عصمت" ينتخل التراب من ثيابه وهو يبكي بدمعه، وثيابه تبكي بترابها! ووقف ينظر هذا الذي كشفهم عنه وشردتهم صولته، فإذا جعلص وعليه رَجَفَانٌ من الغضب، وقد تبرطمت شفته، وتقبض وجهه، كما يكون "ماشيست" في معاركه حين يدفع عن الضعفاء.
وهو طفل في العاشرة من لدات "عصمت"، غير أنه محتنك في سن رجل
(1/68)

صغير؛ غليظ عَبْل شديد الجِبِلَّة متراكب بعضه على بعض1، كأنه جِنِّي متقاصر يهم أن يطول منه المارد، فأنس به "عصمت"، واطمأن إلى قوته، وأقبل يشكو له ويبكي!
قال جعلص: ما اسمك؟
قال: أنا ابن المدير‍!
قال جعلص: لا تبك يابن المدير. تعلم أن تكون جلدًا، فإن الضرب ليس بذُل ولا عار، ولكن الدموع هي تجعله ذلًّا وعارًا؛ إن الدموع لتجعل الرجل أنثى. نحن يابن المدير نعيش طول حياتنا إما في ضرب الفقر أو ضرب الناس، هذا من هذا؛ ولكنك غني يابن المدير، فأنت كالرغيف "الفينو" ضخم منتفخ، ولكنه ينكسر بلمسة، وحشوه مثل القطن!
ماذا تتعلم في المدرسة يابن المدير إذا لم تعلمك المدرسة أن تكون رجلًا يأكل من يريد أكله؛ وماذا تعرف إذا لم تكن تعرف كيف تصبر على الشر يوم الشر، وكيف تصبر للخير يوم الخير، فتكون دائمًا على الحالتين في خير؟
قال عصمت: آه لو كان معي العسكري!
قال جعلص: ويحك؛ لو ضربوا عنزًا لما قالت: آه لو كان معي العسكري!
قال عصمت: فمن أين لك هذه القوة؟
قال جعلص: من أني أعتمل بيدي, فأنا أشتد وإذا جعت أكلت طعامي؛ أما أنت فتسترخي، فإذا جعت أكلك طعامك؛ ثم من أني ليس لي عسكري!
قال عصمت: بل القوة من أنك لست مثلنا في المدرسة؟
قال جعلص: نعم، فأنت يابن المدرسة كأنك طفل من ورق وكراسات لا من لحم، وكأن عظامك من طباشير! أنت يابن المدرسة هو أنت الذي سيكون بعد عشرين سنة، ولا يعلم إلا الله كيف يكون، وأما أنا ابن الحياة، فأنا من الآن، وعلي أن أكون "أنا" من الآن!
أنت.
وهنا أدركهما العسكري المسخر لابن المدير، وكان كالمجنون يطير على
__________
1 أي: شديد فتل العضل, مكتنز اللحم.
(1/69)

وجهه في الطرق يبحث عن "عصمت"، لا حبًّا فيه، ولكن خوفًا من أبيه؛ فما كاد يرى هذا العَفَر على أثوابه حتى رنّت صفعته على وجه المسكين جعلص.
فصعّر هذا خده، ورشق عصمت بنظره، وانطلق يعدو عدو الظليم!
يا للعدالة! كانت الصفعة على وجه ابن الفقير، وكان الباكي منها ابن الغني!
وأنتم أيها الفقراء، حسبكم البطولة؛ فليس غنى بطل الحرب في المال والنعيم، ولكن بالجراح والمشقات في جسمه وتاريخه.
(1/70)

أحلام في الشارع *1:
على عتبة "البنك" نام الغلام وأخته يفترشان الرخام البارد، ويلتحفان جوا رخاميا في برده وصلابته على جسميهما.
الطفل متكبكب في ثوبه كأنه جسم قُطّع ورُكمت أعضاؤه بعضها على بعض، وسجيت بثوب، ورمي الرأس من فوقها فمال على خده.
والفتاة كأنها من الهزال رسم مخطط لامرأة، بدأها المصور ثم أغفلها إذ لم تعجبه. كتب الفقر عليها للأعين ما يكتب الذبول على الزهرة: إنها صارت قشًّا.
نائمة في صورة ميتة، أو كميتة في صورة نائمة؛ وقد انسكب ضوء القمر على وجهها، وبقي وجه أخيها في الظل؛ كأن في السماء ملكًا وجه المصباح إليها وحدها، إذ عرف أن الطفل ليس في وجهه علامة هم؛ وأن في وجهها هي كل همها وهم أخيها.
من أجل أنها أنثى قد خُلقت لتلد, خُلق لها قلب يحمل الهموم ويلدها ويربيها.
من أجل أنها أعدت للأمومة، تتألم دائمًا في الحياة آلامًا فيها معنى انفجار الدم.
من أجل أنها هي التي تزيد الوجود، يزيد هذا الوجود دائمًا في أحزانها.
وإذا كانت بطبيعتها تقاسي الأم لا يطاق حين تلد فرحها، فكيف بها في الحزن!
وكان رأس الطفل إلى صدر أخته، وقد نام مطمئنًا إلى هذا الوجود النسوي، الذي لا بد منه لكل طفل مثله، ما دام الطفل إذا خرج من بطن أمه خرج إلى الدنيا وإلى صدرها معًا.
__________
* اقرأ قصة هذه المقالة في "عمله في الرسالة" من كتاب حياة الرافعي.
1 منظر طفل متشرد كان هو وأخته نائمين على عتبة "البنك".
(1/71)

ونامت هي ويدها مرسلة على أخيها كيد الأم على طفلها. يا إلهي! نامت ويدها مستيقظة!
أهما طفلان؟ أم كلاهما تمثال للإنسانية التي شقيت بالسعداء فعوضها الله من رحمته ألا تجد شقيا مثلها إلا تضاعفت سعادتها به؟
تمثالان يصوران كيف يسري قلب أحد الحبيبين في الجسم الآخر، فيجعل له وجودًا فوق الدنيا، لا تصل الدنيا إليه بفقرها وغناها، ولا سعادتها وشقائها؛ لأنه وجود الحب لا وجود العمر؛ وجود سحري ليس فيه معنى للكلمات، فلا فرق بين المال والتراب، والأمير والصعلوك؛ إذ اللغة هناك إحساس الدم، وإذ المعنى ليس في أشياء المادة ولكن في أشياء الإرادة.
وهل تحيا الألفاظ مع الموت، فيكون بعده للمال معنى وللتراب معنى؟ هي كذلك في الحب الذي يفعل شبيهًا بما يفعله الموت في نقله الحياة إلى عالم آخر، بيد أن أحد العالمين وراء الدنيا، والآخر وراء النفس.
تحت يد الأخت الممدودة ينام الطفل المسكين، ومن شعوره بهذه اليد، خف ثقل الدنيا على قلبه.
لم يبال أن نبذه العالم كله، ما دام يجد في أخته عالم قلبه الصغير, وكأنه فرخ من فراخ الطير في عشه المعلق، وقد جمع لحمه الغض الأحمر تحت جناح أمه، فأحس أهنأ السعادة حين ضيق في نفسه الكون العظيم، وجعله وجودًا من الريش.
وكذلك يسعد كل من يملك قوة تغيير الحقائق وتبديلها، وفي هذا تفعل الطفولة في نشأة عمرها ما لا تفعل بعضه معجزات الفلسفة العليا في جملة أعمار الفلاسفة.
وما صنع الذين جُنوا بالذهب، ولا الذين فُتنوا بالسلطة، ولا الذين هلكوا بالحب، ولا الذين تحطموا بالشهوات, إلا أنهم حاولوا عبثًا أن يَرْشُوا رحمة الله لتعطيهم في الذهب والسلطة والحب والشهوات ما نولَتْه هذا الطفل المسكين النائم في أشعة الكواكب تحت ذراع كوكب روحه الأرضي.
ألا إن أعظم الملوك لن يستطيع بكل ملكه أن يشتري الطريقة الهنيئة التي ينبض بها الساعة قلب هذا الطفل.
(1/72)

وقفت أشهد الطفلين وأنا مستيقن أن حولهما ملائكة تصعد وملائكة تنزل! وقلت: هذا موضع من مواضع الرحمة، فإن الله مع المنكسرة قلوبهم، ولعلي أن أتعرض لنفحة من نفحاتها، ولعل ملكًا كريمًا يقول: وهذا بائس آخر، فيرفني بجناحه رفة ما أحوج نفسي إليها، تجد بها في الأرض لمسة من ذلك النور المتلألئ فوق الشمس والقمر.
وظهر لي بناء "البنك" في ظلمة الليل من مرأى الغلامين, أسود كالحًا، كأنه سجن أقفل على شيطان يمسكه إلى الصبح، ثم يفتح له لينطلق معمرًا، أي: مخربًا, أو هو جسم جبار كفر بالله وبالإنسانية ولم يؤمن إلا بنفسه وحظوظ نفسه فمسخه الله بناء، وأحاطه من هذا الظلام الأسود بمعاني آثامه وكفره.
يا عجبًا! بطنان جائعان في أطمار بالية يبيتان على الطَّوَى والهم، ثم لا يكون وسادهما إلا عتبة البنك! تُرَى من الذي لعن "البنك" بهذه اللعنة الحية؟ ومن الذي وضع هذين القلبين الفارغين موضعهما ذلك ليثبت للناس أن ليس البنك خزائن حديدية يملؤها الذهب، ولكنه خزائن قلبية يملؤها الحب؟
وقفتُ أرى الطفلين رؤية فكر ورؤية شعر معًا، فإذا الفكر والشعر يمتدان بيني وبين أحلامهما، ودخلت في نفسين مَضَّهما الهم واشتد عليهما الفقر، وما من شيء في الحياة إلا كادهما وعاسرهما؛ ونمت نومتي الشعرية.
قال الطفل لأخته: هلمي فلنذهب من هنا فنقف على باب "السينما" نتفرج مما بنا، فنرى أولاد الأغنياء الذين لهم أب وأم.
انظري ها هم أولاء يُرَى عليهم أثر الغنى، وتُعرف فيهم روح النعمة؛ وقد شبعوا. إنهم يلبسون لحمًا على عظامهم؛ أما نحن فنلبس على عظامنا جلدًا كجلد الحذاء؛ إنهم أولاد أهليهم؛ أما نحن فأولاد الأرض؛ هم أطفال، ونحن حطب إنساني يابس؛ يعيشون في الحياة ثم يموتون؛ أما نحن فعيشنا هو سكرات الموت، إلى أن نموت؛ لهم عيش وموت، ولنا الموت مكررًا.
وَيْلِي على ذلك الطفل الأبيض السمين، الحسن البَزَّة، الأنيق الشاردة، ذاك الذي يأكل الحلوى أكل لص قد سرق طعامًا فأسرع يحدر في جوفه ما سرق؛ هو الغنى الذي جعله يبتلع بهذه الشراهة، كأنما يشرب ما يأكل، أو له حلق غير الحلوق؛ ونحن -إذا أكلنا- نغص بالخبز لا أدم معه، وإذا ارتفعنا عن هذه الحالة
(1/73)

لم نجد إلا البشيع من الطعام، وأصبناه عفنًا أو فاسدًا لا يَسُوغ في الحلق، فإذا انخفضنا فليس إلا ما نتقمَّم من قشور الأرض ومن حُتات الخبز كالدواب والكلاب؛ وإن لم نجد ومسنا العدم وقفنا نتحين طعام قوم في دار أو نُزُل، فنراهم يأكلون فنأكل معهم بأعيننا، ولا نطمع أن نستطعمهم وإلا أطعمونا ضربًا فنكون قد جئناهم بألم واحد فردونا بألمين، ونفقد بالضرب ما كان يمسك رمقنا من الاحتمال والصبر.
هؤلاء الأطفال يتضوَّرون شهوة كلما أكلوا، ليعودوا فيأكلوا؛ ونحن نتضور جوعًا ولا نأكل، لنعود فنجوع ولا نأكل؛ وهم بين سمع أهليهم وبصرهم؛ ما من أَنَّة إلا وقعت في قلب، وما من كلمة إلا وجدت إجابة؛ ونحن بين سمع الشوارع وبصرها، أنين ضائع، ودموع غير مرحومة!
- آه لو كبرتُ فصرت رجلًا عريضًا؟ أتدرين ماذا أصنع؟
- ماذا تصنع يا أحمد؟
- إنني أخنق بيدي كل هؤلاء الأطفال!
- سوْءَة لك يا أحمد، كل طفل من هؤلاء له أم مثل أمنا التي ماتت، وله أخت مثلي؛ فما عسى ينزل بي لو ثكلتُك إذا خنقك رجل طويل عريض؟
- لا، لا أخنقهم؛ بل سأرضيهم من نفسي؛ أنا أريد أن أصير رجلًا مثل "المدير" الذي رأيناه في سيارته اليوم على حال من السطوة تعلن أنه المدير, أتدرين ماذا أصنع؟
- ماذا تصنع يا أحمد؟
- أرأيت عربة الإسعاف التي جاءت عند الظهر فانقلبت نعشًا للرجل الهرم المحطم الذي أغمي عليه في الطريق؟ سمعتهم يقولون: إن المدير هو الذي أمر باتخاذ هذه العربة، ولكنه رجل غُفل لم يتعلم من الحياة مثلنا، ولم تُحكمه تجارب الدنيا؛ فالذي يموت بالفجاءة أو غيرها لا يحييه المدير ولا غير المدير، والذي يقع في الطريق يجد من الناس من يبتدرونه لنجدته وإسعافه بقلوب إنسانية رحيمة، لا بقلب سواق عربة ينتظر المصيبة على أنها رزق وعيش.
إن عربات الإسعاف هذه يجب أن يكون فيها أكل, ويجب أن تحمل أمثالنا من الطرق والشوارع إلى البيوت والمدارس؛ وإن لم يكن للطفل أم تطعمه وتُؤويه فلتُصنع له أم.
(1/74)

كل شيء أراه لا أراه إلا على الغلط، كأن الدنيا منقلبة أو مدبرة إدبارها، وما قط رأيت الأمور في بلادنا جارية على مجاريها؛ فهؤلاء الحكام لا ينبغي أن يكونوا إلا من أولاد صالحي الفقراء، ليحكموا بقانون الفقر والرحمة، لا بقانون الغنى والقسوة، وليتقحَّموا الأمور العظيمة المشتبهة بنفوس عظيمة صريحة قد نبتت على صلابة وبأس، وخلق ودين ورحمة؛ فإنه لا ينهزم في معركة الحوادث إلا روح النعمة في أهل النعمة، وأخلاق الدين في أهل اللين؛ وبهؤلاء لم يبرح الشرق من هزيمة سياسية في كل حادثة سياسية.
إن للحكم لحمًا ودمًا هم لحم الحاكم ودمه, فإن كان صُلبًا خَشِنًا فيه روح الأرض وروح السماء فذاك، وإلا قتل اللين والترف الحكم والحاكم جميعًا. وهؤلاء الحكام من أولاد الأغنياء لا يكون لهم هم إلا أن يرفعوا من شأن أنفسهم، إذ السلطة درجة فوق الغنى, ومن نال هذه استشرف لتلك، فإذا جمعوهما كان منهما الخلق الظالم الذي يصور لهم الاعتداء قوة وسطوة وعلوا، من حيث عدموا الخلق الرحيم الذي يصور لهم هذه القوة ضعفًا وجبنًا ونذالة. إن أحدهم إذا حكم وتسلط أراد أن يضرب، ثم لم تكن ضربته الأولى إلا في المبدأ الاجتماعي للأمة، أو في الأصل الأدبي للإنسانية. يحرصون على ما به تمامهم، أي: على السلطة، أي: على الحكم، فيحملهم ذلك على أن يتكلفوا للحرص أخلاقه، وأن يجمعوا في أنفسهم أسبابه؛ من المداراة والمصانعة والمهاونة، نازلًا فنازلًا إلى دَرَك بعيد، فينشروا أسوأ الأخلاق بقوة القانون ما داموا هم القوة.
- وماذا تريد أن يصنع أولاد الأغنياء يا أحمد؟
- أما أولاد الأغنياء فيجب أن يباشروا الصناعة والتجارة، ليجدوا عملًا شريفًا يصيبون منه رزقهم بأيديهم لا بأيدي آبائهم، فإنه والله لولا العمى الاجتماعي لما كان فرق بين ابن أمير متبطل في أملاك أبيه من القصور والضياع، وابن فقير متبطل في أملاك المجلس البلدي من الأزقة والشوارع.
وابن الأمير إذا كان نجارًا أو حدادًا أصلح السوق والشارع بأخلاقه الطيبة اللينة، وتعففه وكرمه، فيتعلم سواد الناس منه الأمانة والصدق، إذ هو لا يكذب ولا يسرق ما دام فوق الاضطرار، ولا كذلك ابن الفقير الذي يضطره العيش أن يكون تاجرًا أو صانعًا، فتكون حرفته التجارة وهي السرقة، أو الصناعة وهي الغش، ويكون في الناس أكثر عمره مادة كذب وإثم ولصوصية.
(1/75)

- آه لو صرتُ مديرًا! أتدرين ماذا أصنع؟
- ماذا تصنع يا أحمد؟
- أعمد إلى الأغنياء فأردّهم بالقوة إلى الإنسانية، وأحملهم عليها حملًا، أصلح فيهم صفاتها التي أفسدها الترف واللين والنعمة, ثم أصلح ما أخَلَّ به الفقر من صفات الإنسانية بالفقراء، وأحملهم على ذلك حملًا، فيستوي هؤلاء وهؤلاء، ويتقاربون على أصل في الدم إن لم يلده آباؤهم ولده القانون. ألا إن سقوط أمتنا هذه لم يأت إلا من تعادي الصفات الإنسانية في أفرادها، فتقطع ما بينهم، فهم أعداء في وطنهم، وإن كان اسمهم أهل وطنهم.
ومتى أُحكمت الصفات الإنسانية في الأمة كلها ودانى بعضها بعضًا؛ صار قانون كل فرد كلمتين، لا كلمة واحدة كما هو الآن. القانون الآن "حقي" ونحن نريد أن يكون "حقيا وواجبيا" وما أهلك الفقراء بالأغنياء، ولا الأغنياء بالفقراء, ولا المحكومين بالحكام, إلا قانون الكلمة الواحدة.
أنا أحمد المدير, لست المدير بما في نفس أحمد، ولا بمعدته وبطنه، ولا بما يريد أحمد لنفسه وأولاده, كلا، أنا عمل اجتماعي منظم يحكم أعمال الناس بالعدل، أنا خُلُق ثابت يوجه أخلاقهم بالقوة، أنا الحياة الأم مع الحياة الأطفال الأخوة في هذا البيت الذي يسمى الوطن، أنا الرحمة, عندي الجنة ولكن عندي جهنم أيضًا ما دام في الناس من يعصي، أنا بكل ذلك لست أحمد، لكني الإصلاح.
ها أنا ذا قد صرت مديرًا أعُس في الطريق بالليل وأتفقد الناس ونوائبهم.
من أرى؟ هذا طفل وأخته على عتبة البنك في حياة كأهدامهما المرقعة، في دنيا تمزقت عليهما، قم يا بني، لا تُرَعْ إنما أنا كأبيك، تقول: اسمك أحمد, واسم أختك أمينة؟
تقول: إنك ما نمت من الجوع، ولكن مضمضت عينك بشعاع النوم؟
يا ولديّ المسكينين, بأي ذنب من ذنوبكما دقّتكما الأيام دقا وطحنتكما طحنا، وبأي فضيلة من الفضائل يكون ابن فلان باشا، وبنت فلان باشا في هذا العيش اللين يختاران منه ويتأنقان فيه، ما الذي ضر الوطن منكما فتموتا، وما الذي نفع الوطن منهما فيعيشا؟
إن كنتَ يا بني لا تملك لنفسك الانتصار من هذه الظليمة فأنا أملكها لك،
(1/76)

وإنما أنا المظلوم إلى أن تنتصر، وإنما أنا الضعيف إلى أن آخذ لك الحق.
إلي يابن فلان باشا وبنت فلان باشا.
يا هذا عليك أخاك أحمد ولتكن به حفيًّا، ويا هذه، عليك أختك الآنسة أمينة.
أتأبيان، أنفرة من الإنسانية، وتمردًا على الفضيلة، أحقًّا بلا واجب، دائمًا قانون الكلمة الواحدة؟! خُلقتما أبيضين سخرية من القدر وأنتما في النفس من أحْبوشَة الزنج ومناكيد العبيد.
ورفع أحمد يده.
وكان الشرطي الذي يقوم على هذا الشارع، وإليه حراسة البنك، قد تَوَسَّنَهما1 ودخلته الريبة، فانتهى إليهما في تلك اللحظة، وقبل أن تنزل يد سعادة المدير بالصفعة على وجه ابن الباشا وبنت الباشا كان هذا الشرطي قد ركله برجله، فوثب قائمًا واجتذب أخته وانطلقا عَدْوَ الخيل من ألْهُوب السوط.
وتمجدت الفضيلة كعادتها! أَنْ مسكينًا حلم بها.
__________
1 توسنهما: أتاهما نائمين.
(1/77)

أحلام في قصر *:
كان فلان ابن الأمير فلان يتنبل في نفسه بأنه مشتق ممن يضع القوانين لا ممن يخضع لها، فكان تَيَّاهًا صَلِفًا يشمخ على قومه بأنه ابن الأمير، ويختال في الناس بأن له جدا من الأمراء، ويرى من تجبره أن ثيابه على أعطافه كحدود الملكة على المملكة لأن له أصلًا في الملوك.
وكان أبوه من الأمراء الذين وُلدوا وفي دمهم شعاع السيف، وبريق التاج، ونخوة الظفر، وعز القهر والغلبة؛ ولكن زمن الحصار ضرب عليه، وأفضت الدولة إلى غيره، فتراجعت فيه ملكات الحرب من فتح الأرض إلى شراء الأرض، ومن تشييد الإمارات إلى تشييد العمارات، ومن إدارة معركة الأبطال إلى إدارة معركة المال؛ وغبر دهره يملك ويجمع حتى أصبحت دفاتر حسابه كأنها "خريطة" مملكة صغيرة.
وبعض أولاد الأمراء يعرفون أنهم أولاد أمراء، فيكونون من التكبر والغرور كأنما رضوا من الله أن يرسلهم إلى هذه الدنيا ولكن بشروط.
وانتقل الأمير البخيل إلى رحمة الله، وترك المال وأخذ معه الأرقام وحدها يحاسب عنها، فورثه ابنه وأمر يده في ذلك المال يبعثره؛ وكانت الأقدار قد كتبت عليه هذه الكلمة: غير قابل للإحسان. فمحتها بعد موت أبيه، وكتبت في مكانها هذه الكلمة: جمع للشيطان.
أما الشيطان فكان له عمل خاص في خدمة هذا الشاب، كعمل خازن الثياب لسيده، غير أنه لا يلبسه ثيابًا بل أفكارًا وآراء وأخيلة. وكان يجهد أن يُدخل الدنيا كلها إلى أعصابه ليخرج منها دنيا جديدة مصنوعة لهذه الأعصاب خاصة، وهي أعصاب مريضة ثائرة متلهبة لا يكفيها ما يكفي غيرها فلا تبرح
__________
* انبعثت خواطر هذه المقالة في نفس الرافعي على أثر كتابته مقالة "أحلام في الشارع" السابقة ولكنه لم يكتبها إلا بعد زمان.
(1/78)

تسأل الشيطان بين الحين والحين: ألا تُوجد لذة جديدة غير معروفة؟ ألا يستطيع إبليس القرن العشرين أن يخترع لذة مبتكرة؟ ألا تكون الحياة إلا على هذه الوتيرة من صبحها لصبحها؟
كان الشاب كالذي يريد من إبليس أن يخترع كأسًا تسع نهرًا من الخمر، أو يجد له امرأة واحدة وفيها كل فنون النساء واختلافهن. وكان يريد من الشيطان أن يعينه في اللذة على الاستغراق الروحاني ويغمره بمثل التجليات القدسية التي تنتهي إليها النفس من حدة الطرب وحدة الشوق، وذلك فوق طاقة إبليس، ومن ثم كان معه في جهد عظيم حتى ضجر منه ذات مرة فهمّ أن يرفع يده عنه ويدعه يدخل إلى المسجد فيصلي مع بعض الأمراء الصالحين.
وهؤلاء الفساق الكثيرو المال إنما يعيشون بالاستطراف من هذه الدنيا؛ فهمهم دائمًا الألذ والأجمل والأغلى؛ ومتى انتهت فيهم اللذة منتهاها ولم تجد عاطفتهم من اللذات الجديدة ما يسعدها، ضاقت بهم فظهرت مظهر الذي يحاول أن ينتحر؛ وذلك هو الملل الذي يُبتلون به. والفاسق الغني حين يمل من لذاته يصبح شأنه مع نفسه كالذي يكون في نفق تحت الأرض, ويريد هناك سماء وجوًّا يطير فيهما بالطيارة.
قالوا: واعترض ابن الأمير ذات يوم شحاذ مريض قد أسن وعجز, يتحامل بعضه على بعض, فسأله أن يحسن إليه وذكر عوزه واختلاله، وجعل يبثه من دموعه وألفاظه. وكان إبليس في تلك الساعة قد صرف خواطر الشاب إلى إحدى الغانيات الممتنعات عليه، وقد ابتاع لها حلية ثمينة اشتط بائعها في الثمن حتى بلغ به عشرة آلاف دينار، فهو يريد أن يهديها إليها كأنها قدر من قادر. وقطع عليه الشحاذ المسكين أفكاره المضيئة في الشخص المضيء، فكان إهانة لخياله السامي. ووجد في نفسه غضاضة من رؤية وجهه، واشمأز في عروقه دم الإمارة، وتحركت الوراثة الحربية في هذا الدم.
ثم ألقى الشيطان إلقاءه عليه، فإذا هو يرى صاحب الوجه القذر كأنما يتهكم به يقول له: أنت أمير يبحث الناس عن الأمير الذي فيه فلا يجدون إلا الشيطان الذي فيه. وليس فيك من الإمارة إلا مثل ما يكون من التاريخ في الموضع الأثري الخرب. ولن تكون أميرًا بشهادة عشرة آلاف دينار عند مُومِس، ولكن بشهادة هذا المال عند عشرة آلاف فقير. أنت أمير, فهل تثبت الحياة أنك أمير أو هذا معنى في
(1/79)

كلمة من اللغة؟ إن كانت الحياة فأين أعمالك، وإن اللغة فهذه لفظة بائدة تدل في عصور الانحطاط على قسط حاملها من الاستبداد والطغيان والجبروت، كأن الاستبداد بالشعب غنيمة يتناهبها عظماؤه، فقسم منها في الحاكم وقسم في شبه الحاكم يترجم عنه في اللغة بلقب أمير.
ألا قل للناس أيها الأمير: إن لقبي هذا إنما هو تعبير الزمن عما كان لأجدادي من الحق في قتل الناس وامتهانهم.
وكان هذا كلامًا بين وجه الشحاذ وبين نفس ابن الأمير في حالة بخصوصها من أحوال النفس، فلا جرم أهين الشحاذ وطرد ومضى يدعو بما يدعو.
ونام ابن الأمير تلك الليلة فكانت خيالته1 من دنيا ضميره وضمير الشحاذ, فرأي فيما يرى النائم أن ملكًا من الملائكة يهتف به:
ويلك! لقد طردتَ المسكين تخشى أن تنالك منه جراثيم تمرض بها، وما علمت أن في كل سائل فقير جراثيم أخرى تمرض بها النعمة؛ فإن أكرمته بقيت فيه، وإن أهنته نفضها عليك. لقد هلكت اليوم نعمتك أيها الأمير، واسترد العارية صاحبها، وأكلت الحوادث مالك فأصبحت فقيرًا محتاجًا تروم الكسرة من الخبز فلا تتهيأ لك إلا بجهد وعمل ومشقة؛ فاذهب فاكدح لعيشك في هذه الدنيا، فما لأبيك حق على الله أن تكون عند الله أميرًا.
قالوا: وينظر ابن الأمير فإذا كل ما كان لنفسه قد تركه حين تركه المال، وإذا الإمارة كانت وهمًا فرضه على الناس قانون العادة، وإذا التعاظم والكبرياء والتجبر ونحوها إنما كانت مكرًا من المكر لإثبات هذا الظاهر والتعزز به. وينظر ابن الأمير، فإذا هو بعد ذلك صعلوك أبتر معدم رث الهيئة كذلك الشحاذ، فيصيح مغتاظًا: كيف أهملتني الأقدار وأنا ابن الأمير؟
قالوا: ويهتف به ذلك الملك: ويحك, إن الأقدار لا تدلل أحدًا، لا ملكًا ولا ابن ملك، ولا سوقيًّا ولا ابن سوقي، ومتى صرتم جميعًا إلى التراب فليس في التراب عظم يقول لعظم آخر: أيها الأمير.
__________
1 الخيالة: ما يتراءى للنائم من الأشباح في نومه.
(1/80)

قالوا: وفكر الشاب المسكين في صواحبه من النساء، وعندهن شبابه وإسرافه، ونفقاته الواسعة، فقال في نفسه: أذهب لإحداهن؛ وأخذ سَمْتَه إليها، فما كادت تعرفه عيناها في أسماله وبذاذته وفقره حتى أمرت به فجُر بيديه ودُفع في قفاه. ولكن دم الإمارة نزا في وجهه غضبًا، وتحركت فيه الوراثة الحربية، فصاح وأجلب واجتمع الناس عليه واضطربوا، وماج بعضهم في بعض. فبينا هو في شأنه حانت منه التفاتة فأبصر غلامًا قد دخل في غمار الناس، فدس يده في جيب أحدهم فنشل كيسه ومضى.
قالوا: وجرى في وهم ابن الأمير أن يلحق بالغلام فيكبسه كبسة الشرطي وينتزع منه الكيس وينتفع بما فيه، فتسلل من الزحام وتبع الصبي حتى أدركه ثم كبسه وأخذ الكيس منه وأخرج الكنز، فإذا ليس فيه إلا خاتم وحجاب وبعض خرَزَات مما يتبرك العامة بحمله، ومفتاح صغير.
فامتلأ غيظًا وفار دم الإمارة وتحركت الوراثة الحربية التي فيه. وألم الصبي بما في نفسه، وحدس على أنه رجل أَفَّاق متبطل، ولا نفاذ له في صناعة يرتزق منها، فرثى لفقره وجهله ودعاه إلى أن يعلِّمه السرقة وأن يأخذه إلى مدرستها. وقال: إن لنا مدرسة، فإذا دخلت القسم الإعدادي منها تعلمت كيف تحمل المكتل1 فتذهب كأنك تجمع فيه الخِرَق البالية من الدور حتى إذا سنحت لك غفلة انسللتَ إلى دار منها، فسرقت ما تناله يدك من ثوب أو متاع، ولا تزال في هذا الباب من الصنعة حتى تحكمه، ومتى حذقته ومهرت فيه انتقلت إلى القسم الثانوي.
فصاح ابن الأمير: اغرب عني، عليك وعليك، أخزاك الله! ولعن الله الإعدادي والثانوي معًا.
ثم إنه رمى الكيس في وجه الغلام وانطلق، فبينا هو يمشي وقد توزعته الهموم، أنشأ يفكر فيما كان يراه من المكدِّين، وتلك العلل التي ينتحلونها للكُدْية كالذي يتعامى والذي يتعارج والذي يحدث في جسمه الآفة؛ ولكن دم الإمارة اشمأز في عروقه وتحركت فيه الوراثة الحربية! وبَصُر بشاب من أبناء الأغنياء تنطق عليه النعمة فتعرض لمعروفه، وأفضى إليه بهمه، وشكا ما نزل به ثم قال: وإني قد أَمَّلتك وظني بك أن تصطفيني لمنادمتك أو تلحقني بخدمتك، وما أريد إلا الكَفَاف
__________
1 هو كالقفة يعمل من الخوص.
(1/81)

من العيش، فإن لم تبلغ بي، فالقليل الذي يعيش به المقل. وصعَّد فيه الشاب وصوَّب ثم قال له: أتحسن أن تلطُف في حاجتي؟ قال: سأبلغ في حاجتك ما تحب. قال الشاب: ألك سابقة في هذا؟ أكنت قَوَّادًا؟ أتعرف كثيرات منهن؟
فانتفض غضبًا وهَمَّ أن يبطش بالفتى لولا خوفه عاقبة الجريمة، فاستخذى ومضى لوجهه، وكان قد بلغ سوقًا فأمَّل أن يجد عملًا في بعض الحوانيت، غير أن أصحابها جعلوا يزجرونه مرة ويطردونه مرة، إذ وقعت به ظِنَّة التلصص، وكادوا يسلمونه إلى الشرطي فمضى هاربًا، وقد أجمع أن ينتحر ليقتل نفسه ودهره وإمارته وبؤسه جميعًا.
قالوا: ومر في طريقه إلى مصرعه بامرأة تبيع الفُجْل والبصل والكُرَّاث، وهي بادنة وضيئة ممتلئة الأعلى والأسفل، وعلى وجهها مَسْحة إغراء، فذكر غَزَله وفتنته واستغواءه للنساء، ونازعته النفس، وحسب المرأة تكون له معاشًا ولهوًا، وظنها لا تعجزه ولا تفوته وهو في هذا الباب خرّاج ولّاج منذ نشأ. غير أن ما كاد يراودها حتى ابتدرته بلطة أظلم لها الجو في عينه ثم هرت في وجهه هريرًا منكرًا واستعْدَتْ عليه السابلة فأطافوا به وأخذه الصفح بما قدم وما حدث، وما زالوا يتعاورونه حتى وقع مغشيًّا عليه.
ورأى في غشيته ما رأى من تمام هذا الكرب، فضُرب وحبس وابتلي بالجنون وأرسل إلى المارستان، وساح في مصائب العالم، وطاف على نكبات الأمراء والسوقة بما يعي وما لا يعي، ثم رأى أنه أفاق من الإغماء, فإذا هو قد استيقظ من نومه على فراشه الوثير.
ويا ليت من يدري بعد هذا! أغدا ابن الأمير على المسجد وأقبل على الفقراء يحسن إليهم، أم غدا على صاحبته التي امتنعت عليه فابتاع لها الحلية بعشرة آلاف دينار؟
يا ليت من يدري! فإن الكتاب الذي نقلنا القصة عنه لم يذكر من هذا شيئًا, بل قطع الخبر عندما انقطع الصفع.
(1/82)

بنت الباشا *:
كانت هذه المرأة وضَّاحة الوجه، زهراء اللون كالقمر الطالع، تحسبها لجمالها غذَّتْها الملائكة بنور النهار، وروَّتْها من ضوء الكواكب.
وكانت بَضَّة مقسمة أبدع التقسيم، يلتف جسمها شيئًا على شيء التفافًا هندسيًّا بديعًا، يرتفع عن أجسام الغِيد الحِسان؛ أفرغ فيها الجمال بقدر ما يمكن إلى أجسام الدمى العبقرية التي أفرغ فيها الجمال والفن بقدر ما يستحيل.
وكانت باسمة أبدًا ما يتلألأ الفجر، حتى كأن دمها الغزلي الشاعر يصنع لثغرها ابتسامتها، كما يصنع لخديها حمرتهما.
ما لها جلست الآن تحت الليل مطرقة كاسفة ذابلة، تأخذها العين فما تشك أن هذا الوجه قد كان فيه منبع نور وغاض! وأن هذا الجسم الظمآن المعروق هو بقعة من الحياة أقيم فيها مأتم!
ما لهذه العين الكحيلة تُذري الدمع وتسترسل في البكاء وتلج فيه، كأن الغادة المسكينة تبصر بين الدموع طريقًا تفضي منه نفسها إلى الحبيب الذي لم يعد في الدنيا؛ إلى وحيدها الذي أصبحت تراه ولا تلمسه، وتكلمه ولا يرد عليها؛ إلى طفلها الناعم الظريف الذي انتقل إلى القبر ولن يرجع، وتتمثله أبدًا يريد أن يجيء إليها ولا يستطيع، وتتخيله أبدًا يصيح في القبر يناديها: "يا أمي، يا أمي".
قلبها الحزين يقطع فيها ويمزق في كل لحظة؛ لأنه في كل لحظة يريد منها أن تضم الطفل إلى صدرها؛ ليستشعره القلب فيفرح ويتهنأ إذ يمس الحياة الصغيرة الخارجة منه ولكن أين الطفل؟ أين حياة القلب الخارجة من القلب؟
لا طاقة للمسكينة أن تجيب قلبها إلى ما يطلب، ولا طاقة لقلبها أن يهدأ عما
__________
* انظر خبر هذه القصة وحديث "الزبال الفيلسوف" في "عود على بدء" من كتابنا "حياة الرافعي".
(1/83)

يطلب؛ فهو من الغيظ والقهر يحاول أن يفجر صدرها، ويريد أن يدق ضلوعها؛ ليخرج فيبحث بنفسه عن حبيبه!
مسكينة تترنّح وتتلوّى تحت ضربات مهلكة من قلبها، وضربات أخرى من خيالها، وقد باتت من هذه وتلك تعيش في مثل اللحظة التي تكون فيها الذبيحة تحت السكين. ولكنها لحظة امتدت إلى يوم، ويوم امتدت إلى شهر. يا ويلها من طول حياة لم تعد في آلامها وأوجاعها إلا طول مدة الذبح للمذبوح.
ولو كان للموت قطار يقف على محطة في الدنيا، ليحمل الأحباب إلى الأحباب، ويسافر من وجود إلى وجود، وكانت هذه الأم جالسة في تلك المحطة منتظرة تتربص، وقد ذُهلت عن كل شيء، وتجردت من كل معاني الحياة، وجمدت جمود الانتقال إلى الموت؛ لما كانت إلا بهذه الهيئة في مجلسها الآن في شرفتها من قصرها؛ تطل على الليل المظلم وعلى أحزانها!
هي فلانة بنت فلان باشا وزوجة فلان بك. ترادفت النعم على أبيها فيما يطلب وما لا يطلب، وكأنما فرغ من اقتراحه على الزمان واكتفى من المال والجاه، فلم يعجب الزمان ذلك، فأخذ يقترح له ويصنع ما يقترح، ويزيده على رغمه نعمًا تتوالى!
وكان قد تقدم إلى خِطْبة ابنته شاب مهذب، يملك من نفسه الشباب والهمة والعلم، ومن أسلافه العنصر الكريم والشرف الموروث؛ ومن أخلاقه وشمائله ما يكاثر به الرجال ويفاخر. بيد أنه لا يملك من عيشه إلا الكفاف والقلة، وأملًا بعيدًا كالفجر وراء ليل لا بد من مصابرته إلى حين ينبثق النور.
وتقدم صاحبنا إلى الباشا فجاءه كالنجم عاريًا؛ أي: في أزهى نورانيته وأضوئها. وكان قد علق الفتاة وعلقته، فظن عند نفسه أن الحب هو مال الحب، وأن الرجولة هي مال الأنوثة، وأن القلوب تتعامل بالمسرات لا بالأموال، ونسي أنه يتقدم إلى رجل ماليّ جعلته حقارة الاجتماع رتبة، أو إلى رتبة مالية جعلتها حقارة الاجتماع رجلًا, وأن كلمة "باشا" وأمثالها إنما تخلفت عن ذلك المذهب القديم: مذهب الألوهية الكاذبة التي انتحلها فرعون وأمثاله، ليتعبدوا الناس منها بألفاظ قلوبهم المؤمنة؛ فإذا قيل "إله" كان جواب القلب: "عز وجل"، "سبحانه".
(1/84)

ولما ارتقى الناس عن عبادة الناس، تلطفت تلك الألوهية ونزلت إلى درجات إنسانية، لتتعبد الناس بألفاظ عقولهم الساذجة؛ فإن قيل "باشا" كان جواب العقل الصغير: "سعادتلو أفندم! "1.
نسي الشاب أنه "أفندي" سيتقدم إلى "باشا" وأعماه الحب عن فرق بينهما؛ وكان سامي النفس، فلم يدرك أن صغائر الأمم الصغيرة لا بد لها أن تنتحل السمو انتحالًا، وأن الشعب الذي لا يجد أعمالًا كبيرة يتمجد بها، هو الذي تُخترع له الألفاظ الكبيرة ليتلهى بها؛ وأنه متى ضعف إدراك الأمة لم يكن التفاوت بين الرجال بفضائل الرجولة ومعانيها، بل بموضع الرجولة من تلك الألفاظ؛ فإن قيل "باشا" فهذه الكلمة هي الاختراع الاجتماعي العظيم في أمم الألفاظ؛ ومعناها العلمي: قوة ألف فدان أو أكثر أو أقل؛ ويقابلها مثلًا في أمم الأعمال الكبيرة لفظ "الآلة البخارية" ومعناها العلمي قوة كذا وكذا حصانًا أو أقل أو أكثر2!
نسي هذا الشاب أن "أمم الأكل والشرب" في هذا المشرق المسكين، لا تتم عظمتها إلا بأن تضع لأصحاب المال الكثير ألقابًا هي في الواقع أوصاف اجتماعية للمعدة التي تأكل الأكثر والأطيب والألذ، وتملك أسباب القدرة على الألذ والأطيب والأكثر.
وتقدم "الأفندي" يتودد إلى "الباشا" ما استطاع، ويتواضع وينكمش، ولا يألوه تمجيدًا وتعظيمًا؛ ولكن أين هو من الحقيقة؟ إنه لم يكن عند الباشا إلا أحمق؛ إذ لم يعرف أن تقدمه إلى ذلك العظيم كان أول معانيه أن كلمة "أفندي" تطاولت إلى كلمة "باشا" بالسب علنًا!
وانقبضوا عن "الأفندي" وأعرضوا عنه إعراضًا كان معناه الطرد؛ ثم جاء "البك" يخطب الفتاة.
و"بك" مَنْبَهَة للاسم الخاطب، وشرف وقدر وثناء اجتماعي، وذكر شهير، وإرغام على التعظيم بقوة الكلمة، ودليل على الحرمات اللازمة للاسم لزوم السواد للعين، ولو لم يكن تحت "بك" رجل، فإن تحتها على كل حال "بك"! وأنعم
__________
1 هذه ألقاب وضعتها الدولة العثمانية البائدة, فأفسدت الناس بكبرياء الألفاظ الفارغة. وقد أرادت بها رفع الأعلى، فانتهى أمرها إلى سقوط الأعلى والأسفل.
2 انظر مقالة "البك والباشا" في الجزء الثاني.
(1/85)

له الباشا، ووصل يده بيد ابنته فألبسها وألبسته، وأعلمها أبوها أنه قد فحص عن البك فإذا هو "بك" قوة مائتي فدان. أما الأفندي فظهر من الفحص الهندسي الاجتماعي أنه "أفندي" قوة خمسة عشر جنيهًا في الشهر!
وخَنَس الأفندي وتراجع منخزلًا، وقد علم أن "الباشا" إنما زوج لقبه قبل أن يزوج ابنته، وأنه هو لمن يملك مهر هذا اللقب إلا إذا ملك أن يبدل أسباب التاريخ الاجتماعي في الأمم الضعيفة، فينقل إلى العقل أو النفس ما جعلته "أمم الأكل والشرب" من حق المعدة، فلا يكون "باشا" إلا مخترع شرقي مفلس أو أديب عظيم فقير، أو من جرى هذا المجرى في سمو المعنى لا في سمو المال.
وقدمت مائتا الفدان مهرها "الطيني" العظيم بما تعبيره في اللغة الطينية: ثمن عشرين ثورًا، ومثلها جاموسًا، ومثلها بغالًا وأحمِرَة، وفوقها مائة قنطار قطنًا، ومائة إردب قمحًا؛ ثم ذرة، ثم شعيرًا. والمجموع الطيني لذلك ألف جنيه، وعزَّى الباشا أنه مستطيع أن يقول للناس: إنها خمسة آلاف، اختزلتها الأزْمة قبحها الله!
ثم زُفَّت "بنت الباشا" زفافًا طينيًّا بهذا المعنى أيضًا، كان تعبيره: أنه أنفق عليه ثمن ألف قنطار بصلًا، ومائة غَرارة من السماد الكيماوي، كأنما فرش بها الطريق!
وطفِق الباشا يفاخر ويتمدح، ويتبذخ على الأفندي وأمثال الأفندي بالطين ومعاني الطين؛ فردت الأقدار كلامه، وجعلت مرجعه في قلبه، وهيأت لبنت الباشا معيشة "طينية" بمعنى غير ذلك المعنى.
ومات الطفل؛ فردت هذه النكبة بنت الباشا إلى معاني انفرادها بنفسها قبل الزواج، وزادتها على انفرادها الحزن والألم؛ وألقت الأقدار بذلك في أيامها ولياليها التراب والطين.
ولجَّ الحزن ببنت الباشا فجعلت لا ترى إلا القبر، ولا تتمنى إلا القبر، تلحق فيه بولدها؛ فوضعت الأقدار من ذلك في روحها معنى الطين والتراب.
وأسقم الهم بنت الباشا وأذابها؛ فنقلت الأقدار إلى لحمها عمل الطين، في تحليله الأجسام وإذابتها تحت البِلَى.
(1/86)

وكان وراء قصرها حِوَاء1 يأوي إليه قوم من "طين الناس" بنسائهم وعيالهم، وفيهم رجل "زبال" له ثلاثة أولاد، يراهم أعظم مفاخره وأجمل آثاره، ولا يزال يرفع صوته متمدحا بهم, ويخترع لذلك أسبابا كثيرة لكي يسمعه جيرانه كل ليلة مفاخرًا، مرة بأحمد، ومرة بحسن، ومرة بعلي، وأعجب أمره أنه يرى أولاده هؤلاء متممين في الطبيعة لأولاد "الباشوات". وهو يحبهم حب الحيوان المفترس لصغاره؛ يرى الأسد أشباله هم صنعة قوته، فلا يزال يحوطهم ويتممهم ويرعاهم، حتى إنه ليقاتل الوجود من أجلهم؛ إذ يشعر بالفطرة الصادقة أنه هو وجودهم، وأن الطبيعة وهبت له منهم مسرات قلبه، ذلك القلب الذي انحصرت مسراته في النسل وحده، فصار الشعور بالنسل عنده هو الحب إلى نهاية الحب, وكذلك الزبال الأسد2.
ومن سخرية القدر أن زبالنا هذا لم يسكن الحواء إلا في تلك الليلة التي جلست فيها بنت الباشا على ما وصفنا، وفي ضلوعها قلب يفتت من كبدها، ويمزق من أحشائها.
وبينا تُناجي نفسها وتعجب من سخرية الأقدار بالباشا والبك، وتستحمق أباها فيما أقدم عليه من نبذ كفئها لعجزه عن مهر باشا، وإيثار هذا المهر الطيني، وتباهيه به أمام الناس، واندرائه بالطعن على من ليس له لقب من ألقاب الطين, بينا هي كذلك إذا بالزبال؛ كانس التراب والطين يهتف في جوف الليل ويتغنى:
يا ليل، يا ليل، يا ليل ... ما تنجلي يا ليل
القلب3 أهو راضي ... لك حمدي يا ربي
من الهموم فاضي ... افرح لي يا قلبي
يا دوب كدا يا دوب ... زي الحمام عايش
__________
1 الحواء: جماعة من البيوت كهذه العشش التي يسكنها الصعايدة في بعض الأحياء.
2 هذا الزبال شخصية حقيقية، لو قلنا بمذهب الرجعة لكان "أرسطو" رجع زبالًا ليتمم فلسفته. والكاتب يعرف الرجل ويبره أحيانًا وكان "حضرته" قد طلب إلينا أن نصنع له "موالًا" يتغنى به في "أوقات الصفاء" فوضعنا له الأغنية التي يراها القارئ بعد وهو يصدح بها في لياليه. وسنفرد لزبالنا هذا مقالًا خاصًّا إن شاء الله.
3 انظر الهامش السابق.
(1/87)

ما يِمْتِلِك غير تُوب ... طول عمره فيه نافش
يا ليل، يا ليل، يا ليل ... ما تنجلي يا ليل
إن قلت أنا فرحان ... ذا مين يكديني
واكْتَرْ من السلطان ... فرحانْ أنا بابني
بين السيوف يا ناس ... لِمَ انكسر سيفي
وابن الغنى محتاس ... وأنا على كيفي
يا ليل، يا ليل، يا ليل ... ما تِنْجلي يا ليل
وابن الغنى فِ هموم ... والخالي خالي البال
والفقر ما بيدوم ... وتدوم هموم المال
يا طير, يا طير، يا طير ... الحر فوق اللوم
والخير، جميع الخير ... لقمهْ، وعافيهْ، ونوم
يا ليل، يا ليل، يا ليل ... ما تنجلي يا ليل
ولم تختر الأقدار إلا زبالًا ترسل في لسانه سخريتها بذلك الباشا وبنت ذلك الباشا!
وكسر قلب بكسر قلب ... وحطم نفس بحطم نفس
ورب عز تراه أمسى ... كُنَاسة هُيئت لكنس
(1/88)

ورقة ورد *:
"وضعنا كتابنا "أوراق الورد" في نوع من الترسل لم يكن منه شيء في الأدب العربي على الطريقة التي كتبناه بها، في المعاني التي أفردناه لها؛ وهو رسائل غرامية تطارحها شاعر فيلسوف وشاعرة فيلسوفة على ما بيناه في مقدمة الكتاب. وكانت قد ضاعت "ورقة ورد" وهي رسالة كتبها العاشق إلى صديق له، يصف من أمره وأمر صاحبته، ويصور له فيها سحر الحب كما لمسه وكما تركه. وقد عثرنا عليها بعد طبع الكتاب، فرأينا ألا ننفرد بها، وهي هذه:"
كانت لها نفس شاعرة، من هذه النفوس العجيبة التي تأخذ الضدين بمعنى واحد أحيانًا؛ فيسرها مرة أن تحزنها وتستدعي غضبها، ويحزنها مرة أن تسرها وتبلغ رضاها، كأن ليس في السرور ولا في الحزن معانٍ من الأشياء ولكن من نفسها ومشيئتها.
وكان خيالها مشبوبًا، يلقي في كل شيء لمعان النور وانطفاءه؛ فالدنيا في خيالها كالسماء التي ألبسها الليل، مُلئت بأشيائها مبعثرة مضيئة خافتة كالنجوم.
ولها شعور دقيق، يجعلها أحيانًا من بلاغة حسها وإرهافه كأن فيها أكثر من عقلها؛ ويجعلها في بعض الأحيان من دقة هذا الحس واهتياجه كأنها بغير عقل.
وهي ترى أسمى الفكر في بعض أحوالها ألا يكون لها فكر؛ فتترك من أمورها أشياء للمصادفة، كأنها واثقة أن الحظ بعض عشاقها. على أن لها ثلاثة أنواع من الذكاء، في عقلها وروحها وجسمها: فالذكاء في عقلها فهم، وفي روحها فتنة، وفي جسمها خلاعة.
وكنت أراها مرحة مستطارة مما تطرب وتتفاءل، حتى لأحسبها تود أن يخرج
__________
* انظر سبب إنشاء هذا الفصل في "عود على بدء" من كتاب حياة الرافعي.
(1/89)

الكون من قوانينه ويطيش؛ ثم أراها بعد متضورة مهمومة تحزن وتتشاءم، حتى لأظنها ستزيد الكون همًّا ليس فيه!
وكانت على كل أحوالها المتنافرة جميلة ظريفة، قد تمت لها الصورة التي تخلق الحب، والأسرار التي تبعث الفتنة؛ والسحر الذي يميز روحها بشخصيتها الفاتنة كما تتميز هي بوجهها الفاتن.
وكان حبي إياها حريقًا من الحب, فمثِّلْ لعينيك جسمًا تناول جلده مسٌ من لهب، فتسلَّع هذا الجلد1 هنا وهناك من سَلْخ النار، وظهر فيه من آثار الحروق لهب يابس أحمر كأنه عروق من الجمر انتشرت في هذا الجسم. إنك إن تمثلت هذا الوصف ثم نقلته من الجلد إلى الدم, كان هو حريق ذلك الحب في دمي!
والحب -إن كان حبًّا- لم يكن إلا عذابًا؛ فما هو إلا تقديم البرهان من العاشق على قوة فعل الحقيقة التي في المعشوق، ليس حال منه في عذابه، إلا وهي دليل على شيء منها في جبروتها.
ولقد أيقنتُ أن الغرام إنما هو جنون شخصية المحب بشخصية محبوبه، فيسقط العالم وأحكامه ومذاهبه مما بين الشخصيتين؛ وينتفي الواقع الذي يجري الناس عليه، وتعود الحقائق لا تأتي من شيء في هذه الدنيا إلا بعد أن تمر على المحبوب لتجيء منه، ويصبح هذا الكون العظيم كأنه إطار في عين مجنون لا يحمل شيئًا إلا الصورة التي جُن بها!
وتالله لكأن قانون الطبيعة يقضي ألا تحب المرأة رجلًا يسمى رجلًا، وألا تكون جديرة بمحبها، إلا إذا جرت بينهما أهوال من الغرام تتركها معه كأنها مأخوذة في الحرب. تلك الأهوال يمثلها الحيوان المتوحش عملًا جسميًّا بالقتال على الأنثى، ثم ترق في الإنسان المتحضر فيمثلها عملًا قلبيًّا بالحب.
أحببتها جهد الهوى حتى لا مزيد فيه ولا مطمع في مزيد، ولكن أسرار فتنتها استمرت تتعدد فتدفعني أن يكون حبي أشد من هذا؛ ولا أعرف كيف يمكن في الحب أشد من هذا؟
__________
1 أي: تشقق وتسلخ.
(1/90)

ولقد كنت في استغاثتي بها من الحب كالذي رأى نفسه في طريق السيل ففر إلى ربوة عالية, في رأسها عقل لهذا السيل الأحمق، أو كالذي فاجأه البركان بجنونه وغلظته فهرب في رقة الماء وحلمه، ولا سيل ولا بركان إلا حرقتي بالهوى وارتماضي من الحب.
أما والله, إنه ليس العاشق هو العاشق، ولكن هي الطبيعة، هي الطبيعة في العاشق.
هي الطبيعة, بجبروتها، وعسفها، وتعنتها. إذا استراح الناس جميعًا قالت للعاشق: إلا أنت!
إذا عقل الناس جميعًا قالت في العاشق: إلا هذا.
إذا برأت جراح الحياة كلها قالت: إلا جرح الحب!
إذا تشابهت الهموم كالدمعة والدمعة، قالت: إلا هم العشق!
إذا تغير الناس في الحالة بعد الحالة، قالت في الحبيب: إلا هو!
إذا انكشف سر كل شيء، قالت: إلا المعشوق؛ إلا هذا المحجب بأسرار القلب!
ولما رأيتها أول مرة، ولمسني الحب لمسة ساحر، جلست إليها أتأملها وأحتسي من جمالها ذلك الضياء المُسْكِر، الذي تُعربد له الروح عربدة كلها وقار ظاهر. فرأيتني يومئذ في حالة كغشية الوحي، فوقها الآدمية ساكنة، وتحتها تيار الملائكة يعبّ ويجري.
وكنت أُلَقَّى خواطر كثيرة، جعلتْ كل شيء منها ومما حولها يتكلم في نفسي، كأن الحياة قد فاضت وازدحمت في ذلك الموضع تجلس فيه، فما شيء يمر به إلا مسته فجعلته حيا يرتعش، حتى الكلمات.
وشعرتُ أول ما شعرت أن الهواء الذي تتنفس فيه يرق رقة نسيم السَّحَر، كأنما انخدع فيها فحسب وجهها نور الفجر!
وأحسست في المكان قوة عجيبة في قدرتها على الجذب، جعلتني مبعثرًا حول هذه الفَتَّانة، كأنها محدودة بي من كل جهة.
وخيل إلي أن النواميس الطبيعية قد اختلت في جسمي إما بزيادة وإما بنقص؛ فأنا لذلك أعظم أمامها مرة، وأصغر مرة.
(1/91)

وظننت أن هذه الجميلة إِنْ هي إلا صورة من الوجود النسائي الشاذّ, وقع فيها تنقيح إلهي لتظهر للدنيا كيف كان جمال حواء في الجنة.
ورأيت هذا الحسن الفاتن يشعرني بأنه فوق الحسن؛ لأنه فيها هي؛ وأنه فوق الجمال والنضرة والمرح؛ لأن الله وضعه في هذا السرور الحي المخلوق امرأة.
والتمست في محاسنها عيبًا، فبعد الجهد قلت مع الشاعر:
إذا عِبْتُها شبهتُها البدر طالعًا ... !
ورأيتها تضحك الضحك المستحي, فيخرج من فمها الجميل كأنما هو شاعر أنه تجرأ على قانون.
وتبسم ابتسامات تقول كل منها للجالسين: انظروها! انظروها!
ويغمرها ضحك العين والوجه والفم, وضحك الجسم أيضًا باهتزازه وترجرجه في حركات كأنما يبسم بعضها ويقهقه بعضها.
وتلقي نظرات جعل الله معها ذلك الإغضاء وذلك الحياء ليضع شيئًا من الوقاية في هذه القوة النسوية، قوة تدمير القلب.
وهي على ذلك متسامية في جمالها حتى لا يتكلم جسمها في وساوس النفس كلام اللحم والدم، وكأنه جسم ملائكي ليس له إلا الجلال طوعًا أو كرهًا.
جسم كالمعبد، لا يعرف من جاءه أنه جاءه إلا ليبتهل ويخشع.
وتطالعك من حيث تأملت فكرة الحياة المنسجمة على هذا الجسم، تطلب منك الفهم وهي لا تُفهَم أبدًا, أي: تريد الفهم الذي لا ينتهي؛ أي: تطلب الحب الذي لا ينقطع.
وهي أبدًا في زينة حسنها كأنها عروس في معرض جَلوتها؛ غير أن للعروس ساعة، ولها هي كل ساعة.
أما ظَرَفها فيكاد يصيح تحت النظرات: أنا خائف، أنا خائف!
ووجهها تتغالب عليه الرزانة والخفة، لتقرأ فيه العين عقلها وقلبها.
وهي مثل الشعر، تُطرب القلب بالألم يوجد في بعض السرور، وبالسرور الذي يحس في بعض الألم.
(1/92)

وهي مثل الخمر، تحسب الشيطان مترقرقًا فيها بكل إغرائه!
وكلما تناولت أمامي شيئًا أو صنعت شيئًا خلقتْ معه شيئًا؛ أشياؤها لا تزيد بها الطبيعة، ولكن تزيد بها النفس.
فيا كبدًا طارت صُدُوعًا من الأسى!
ورأيتُني يومئذ في حالة كغشية الوحي، فوقها الآدمية ساكنة، وتحتها تيار الملائكة يعب ويجري.
يا سحر الحب! تركتني أرى وجهها من بعد هو الوجه الذي تضحك به الدنيا، وتعبس وتتغيظ وتتحامق أيضًا.
وجعلتني أرى الابتسامة الجميلة هي أقوى حكومة في الأرض!
وجعلتني يا سحر الحب؛ وجعلتني يا سحر الحب مجنونًا!
(1/93)

سمو الحب *:
صاح المنادي في موسم الحج: "لا يُفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح"1 وكذلك كان يفعل خلفاء بني أمية؛ يأمرون صائحهم في الموسم، أن يدل الناس على مفتي مكة وإمامها وعالمها، ليلقوه بمسائلهم في الدين، ثم ليمسك غيره عن الفتوى، إذ هو الحجة القاطعة لا ينبغي أن يكون معها غيرها مما يختلف عليها أو يعارضها، وليس للحجج إلا أن تظاهرها وتترادف على معناها.
وجلس عطاء يتحين الصلاة في المسجد الحرام، فوقف عليه رجل وقال: يا أبا محمد، أنت أفتيت كما قال الشاعر:
سل المفتي المكي: هل في تزاور ... وضمة مشتاق الفؤاد جُنَاح؟
فقال: معاذ الله أن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بهن جراح!
فرفع الشيخ رأسه وقال: والله ما قلت شيئًا من هذا، ولكن الشاعر هو نحلني هذا الرأي الذي نفثه الشيطان على لسانه، وإني لأخاف أن تشيع القالة في الناس، فإذا كان غد وجلست في حلقتي فاغد علي، فإني قائل شيئًا.
وذهب الخبر يؤُجُّ كما تؤج النار، وتعالم الناس أن عطاء سيتكلم في الحب، وعجبوا كيف يدري الحب أو يحسن أن يقول فيه من غَبَر عشرين سنة فراشه المسجد، وقد سمع من عائشة أم المؤمنين، وأبي هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عباس بحر العلم.
وقال جماعة منهم: هذا رجل صامت أكثر وقته، وما تكلم إلا خيل إلى الناس أنه يُؤيَّد بمثل الوحي، فكأنما هو نجي ملائكة يسمع ويقول، فلعل السماء موحية إلى الأرض بلسانه وحيًا في هذه الضلالة التي عمت الناس وفتنتهم بالنساء والغناء.
__________
* انظر "عود على بدء" من كتاب حياة الرافعي.
1 ولد هذا الإمام سنة 27هـ وتوفي سنة 115. قالوا: ومات يوم مات وهو عند الناس أرضى أهل الدنيا.
(1/94)

ولما كان غد جاء الناس أرسالًا إلى المسجد، حتى اجتمع منهم الجمع الكثير. قال عبد الرحمن بن عبد الله أبي عمار: وكنت رجلًا شابًّا من فتيان المدينة، وفي نفسي ومن الدنيا ومن هوى الشباب، فغدوت مع الناس، وجئت وقد تكلم أبو محمد وأفاض، ولم أكن رأيته من قبل، فنظرت إليه فإذا هو في مجلسه كأنه غراب أسود، إذ كان ابن أمة سوداء تسمى "بركة" ورأيته مع سواده أعور أفطس أشل أعرج مفلفل الشعر، لا يتأمل المرء منه طائلًا، ولكنك تسمعه يتكلم فتظن منه ومن سواده -والله- أن هذه قطعة ليل تسطع فيها النجوم، وتصعد من حولها الملائكة وتنزل.
قال: وكان مجلسه في قصة يوسف عليه السلام، ووافقته وهو يتكلم في تأويل قوله تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ} .
قال عبد الرحمن: فسمعت كلامًا قدسيًّا تضع له الملائكة أجنحتها من رضى وإعجاب بفقيه الحجاز. حفظت منه قوله:
عجبًا للحب! هذه ملكة تعشق فتاها الذي ابتاعه زوجها بثمن بخس؛ ولكن أين مُلكها وسطوة ملكها في تصوير الآية الكريمة؟ لم تزد الآية على أن قالت: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي} و {الَّتِي} هذه كلمة تدل على كل امرأة كائنة من كانت؛ فلم يبق على الحب مُلك ولا منزلة؛ وزالت الملكة من الأنثى!
وأعجب من هذا كلمة {وَرَاوَدَتْهُ} وهي بصيغتها المفردة حكاية طويلة تشير إلى أن هذه المرأة جعلت تعترض يوسف بألوان من أنوثتها, لون بعد لون؛ ذاهبة إلى فن، راجعة من فن؛ لأن الكلمة مأخوذة من رَوَدَان الإبل في مشيتها؛ تذهب وتجيء في رفق. وهذا يصور حيرة المرأة العاشقة، واضطرابها في حبها؛ ومحاولتها أن تنفذ إلى غايتها؛ كما يصور كبرياء الأنثى إذ تختال وتترفق في عرض ضعفها الطبيعي كأنما الكبرياء شيء آخر غير طبيعتها؛ فمهما تتهالك على من تحب وجب أن يكون لهذا "الشيء الآخر" مظهر امتناع أو مظهر تحير أو مظهر اضطراب، وإن كانت الطبيعة من وراء ذلك مندفعة ماضية مصممة.
ثم قال: {عَنْ نَفْسِهِ} ليدل على أنها لا تطمع فيه، ولكن في طبيعته البشرية، فهي تعرض ما تعرض لهذه الطبيعة وحدها، وكأن الآية مصرحة في أدب سام كل السمو، منزه غاية التنزيه بما معناه: "إن المرأة بذلت كل ما تستطيع في إغرائه
(1/95)

وتصبنيه، مقبلة عليه ومتدللة ومتبذلة ومنصبة من كل جهة، بما في جسمها وجمالها على طبيعته البشرية، وعارضة كل ذلك عرض امرأة خلعت -أول ما خلعت- أمام عينيه ثوب الملك".
ثم قال: {وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ} ولم يقل "أغلقت" وهذا يشعر أنها لما يئست، ورأت منه محاولة الانصراف، أسرعت في ثورة نفسها مهتاجة تتخيل القفل الواحد أقفالًا عدة، وتجري من باب إلى باب، وتضطرب يدها في الأغلاق، كأنما تحاول سد الأبواب لا إغلاقها فقط.
{وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} ومعناها في هذا الموقف أن اليأس قد دفع بهذه المرأة إلى آخر حدوده, فانتهت إلى حالة من الجنون بفكرتها الشهوانية، ولم تعد لا ملكة ولا امرأة، بل أنوثة حيوانية صرفة، متكشفة مصرحة، كما تكون أنثى الحيوان في أشد اهتياجها وغليانها.
هذه ثلاثة أطوار يترقى بعضها من بعض، وفيها طبيعة الأنوثة نازلة من أعلاها إلى أسفلها. فإذا انتهت المرأة إلى نهايتها ولم يبق وراء ذلك شيء تستطيعه أو تعرضه بدأت من ثم عظمة الرجولة السامية المتمكنة في معانيها، فقال يوسف: {مَعَاذَ اللَّهِ} ثم قال: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} [يوسف: 23] ثم قال: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23] . وهذه أسمى طريقة إلى تنبيه ضمير المرأة في المرأة، إذ كان أساس ضميرها في كل عصر هو اليقين بالله، ومعرفة الجميل، وكراهة الظلم. ولكن هذا التنبيه المترادف ثلاث مرات لم يكسر من نزوتها، ولم يَفْثَأ تلك الحدة، فإن حبها كان قد انحصر في فكرة واحدة اجتمعت بكل أسبابها في زمن, في مكان, في رجل. فهي فكرة محتبسة كأن الأبواب مغلقة عليها أيضًا؛ ولذا بقيت المرأة ثائرة ثورة نفسها. وهنا يعود الأدب الإلهي السامي إلى تعبيره المعجز فيقول: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} [يوسف: 24] كأنما يومئ بهذه العبارة إلى أنها ترامت عليه، وتعلقت به، والتجأت إلى وسيلتها الأخيرة، وهي لمس الطبيعة بالطبيعة لإلقاء الجمرة في الهشيم!
جاءت العاشقة في قضيتها ببرهان الشيطان يقذف به في آخر محاولته. وهنا يقع ليوسف -عليه السلام- برهان ربه كما وقع لها هي برهان شيطانها. فلولا برهان ربه لكان رجلًا من البشر في ضعفه الطبيعي.
قال أبو محمد: وههنا ههنا المعجزة الكبرى؛ لأن الآية الكريمة تريد ألا
(1/96)

تنفي عن يوسف -عليه السلام- فحولة الرجولة، حتى لا يُظَن به، ثم هي تريد من ذلك أن يتعلم الرجال، وخاصة الشبان منهم، كيف يتسامون بهذه الرجولة فوق الشهوات، حتى في الحالة التي هي نهاية قدرة الطبيعة؛ حالة ملكة مطاعة فاتنة عاشقة مختلية متعرضة متكشفة متهالكة. هنا لا ينبغي أن ييأس الرجل، فإن الوسيلة التي تجعله لا يرى شيئًا من هذا, هي أن يرى برهان ربه.
وهذا البرهان يؤوله كل إنسان بما شاء، فهو كالمفتاح الذي يوضع في الأقفال كلها فيفُضها كلها؛ فإذا مثل الرجل لنفسه في تلك الساعة أنه هو وهذه المرأة منتصبان أمام الله يراهما، وأن أماني القلب التي تهجس فيه ويظنها خافية إنما هي صوت عالٍ يسمعه الله؛ وإذا تذكر أنه سيموت ويقبر، وفكر فيما يصنع الثرى في جسمه هذا, أو فكر في موقفه يوم تشهد عليه أعضاؤه بما كان يعمل, أو فكر في أن هذا الإثم الذي يقترفه الآن سيكون مرجعه عليه في أخته أو بنته, إذا فكر في هذا ونحوه رأى برهان ربه يطالعه فجأة، كما يكون السائر في الطريق غافلًا مندفعًا إلى هاوية، ثم ينظر فجأة فيرى برهان عينه؛ أترونه يتردى في الهاوية حينئذ، أم يقف دونها وينجو؟ احفظوا هذه الكلمة الواحدة التي فيها أكثر الكلام, وأكثر الموعظة، وأكثر التربية، والتي هي كالدرع في المعركة بين الرجل والمرأة والشيطان، كلمة {رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} .
قال عبد الرحمن بن عبد الله وهو يتحدث إلى صاحبه سهيل بن عبد الرحمن: ولزمتُ الإمام بعد ذلك، وأجمعتُ أن أتشبه به، وأسلك في طريقه من الزهد والمعرفة؛ ثم رجعت إلى المدينة وقد حفظتُ الرجل في نفسي كما أحفظ الكلام، وجعلت شعاري في كل نزعة من نزعات النفس هذه الكلمة العظيمة: {رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] ، فما ألممت بإثم قط، ولا دانيت معصية، ولا رَهِقني مطلب من مطالب النفس إلى يوم الناس هذا، وأرجو أن يعصمني الله فيما بقي، فإن هذه الكلمة ليست كلمة، وإنما هي كأمر من السماء تحمله، تمر به آمنًا على كل معاصي الأرض، فما يعترضك شيء منها، كأن معك خاتم المَلِك تجوز به.
قال سهيل: فلهذا لقبك أهل المدينة "بالقس" لعبادتك وزهدك وعزوفك عن النساء، وقليل لك -والله- يا أبا عبد الله، فلو قالوا: ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملك، لصدقوا.
(1/97)

قالت سَلَّامة جارية سهيل بن عبد الرحمن المغنية، الحاذقة الظريفة، الجميلة الفاتنة، الشاعرة القارئة، المؤرخة المتحدثة، التي لم يجتمع في امرأة مثلها حسن وجهها، وحسن غنائها، وحسن شعرها, قالت: واشتراني أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك بعشرين ألف دينار "عشرة آلاف جنيه" وكان يقول: ما يقر عيني ما أوتيت من الخلافة حتى أشتري سلامة؛ ثم قال حين ملكني: ما شاء بعدُ من أمر الدنيا فليفتني! قالت: فلما عُرضتُ عليه أمرني أن أغنيه، وكنت كالمخبولة من حب عبد الرحمن القس، حبًّا أراه فالقًا كبدي، آتيًا على حشاشتي. فذهب عني والله كل ما أحفظه من أصوات الغناء، كما يمسح اللوح مما كُتب فيه، وأنسيت الخليفة وأنا بين يديه، ولم أر إلا عبد الرحمن ومجلسه مني يوم سألني أن أغنيه بشعره فيَّ، وقولي له يومئذ: حبًّا وكرامة وعزاة لوجهك الجميل. وتناولت العود وجسسته بقلبي قبل يدي، وضربتُ عليه كأني أضرب لعبد الرحمن، بيد أرى فيها عقلًا يحتال حيلة امرأة عاشقة. ثم اندفعت أغني بشعر حبيبي:
إن التي طرقتك بين ركائب ... تمشي بمِزْهرها وأنت حرام
لتصيد قلبك، أو جزاء مودة ... إن الرفيق له عليك ذمام
باتت تعللنا وتحسب أننا ... في ذاك أيقاظ، ونحن نيام
وغنيته والله غناء والهة ذاهبة العقل كاسفة البال، ورددته كما رددته لعبد الرحمن، وأنا إذ ذاك بين يديه كالوردة أول ما تتفتح. وأنا أنظر إليه وأتبين لصوتي في مسمعيه صوتًا آخر. وقطعته ذلك التقطيع، ومددته ذلك التمديد، وصحت فيه صيحة قلبي وجوارحي كلها كما غنيت عبد الرحمن لكيما أؤدي إلى قلبه المعنى الذي في اللفظ والمعنى الذي في النفس جميعًا، ولكيما أسكره -وهو الزاهد العابد- سكر الخمر بشيء غير الخمر!
وما أفقت من هذه إلا حين قطعت الصوت، فإذا الخليفة كأنما يسمع من قلبي لا من فمي وقد زلزله الطرب، وما خفي علي أنه رجل قد ألم بشأن امرأة، وخشيت أن أكون قد افتضحت عنده؛ ولكن غلبته شهوته، وكان جسدًا بما فيه يريد جسدًا لما فيه، فمن ثم لم ينكر ولم يتغير.
واشتراني وصرت إليه، فلما خلونا سألني أن أغني, فلم أشعر إلا وأنا أغنيه بشعر عبد الرحمن:
ألا قل لهذا القلب: هل أنت مبصر ... وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر
(1/98)

إذا أخذت في الصوت كاد جليسها ... يطير إليها قلبه حين تنظر
وأديته على ما كان يستحسنه عبد الرحمن ويطرب له، إذ يسمع فيه همسًا من بكائي، ولهفة مما أجد به، وحسرة على أنه ينسكب في قلبي وهو يصد عني ويتحاماني، وما غنيت: "وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر" إلا في صوت تنوح به سلامة على نفسها, وتندب وتتفجع!
فقال لي يزيد وقد فضحت نفسي عنده فضيحة مكشوفة: يا حبيبتي, من قائل هذا الشعر؟
قلت: أحدثك بالقصة يا أمير المؤمنين؟
قال: حدثيني.
قلت: هو عبد الرحمن بن أبي عمار الذي يلقبونه بالقس لعبادته ونسكه، وهو في المدينة يشبه عطاء بن أبي رباح، وكان صديقًا لمولاي سهيل، فمر بدارنا يومًا وأنا أغني فوقف يسمع، ودخل علينا "الأحوص"1، فقال: ويحكم! لكأن الملائكة والله تتلو مزاميرها بحلق سلامة، فهذا عبد الرحمن القس قد شُغل بما يسمع منها، وهو واقف خارج الدار، فتسارع مولاي فخرج إليه ودعاه إلى أن يدخل فيسمع مني، فأبى! فقال له: أما علمت أن عبد الله بن جعفر، وهو من هو في محله وبيته وعلمه قد مشى إلى جميلة أستاذة سلامة حين علم أنها آلت ألِيَّة ألا تغني أحدًا إلا في منزلها؛ فجاءها فسمع منها، وقد هيأت له مجلسها، وجعلت على رءوس جواريها شعورًا مسدلة كالعناقيد، وألبستهن أنواع الثياب المصبغة، ووضعت فوق الشعور التيجان، وزينتهن بأنواع الحلى، وقامت هي على رأسه، وقام الجواري صفين بين يديه، حتى أقسم عليها فجلست غير بعيد، وأمرت الجواري فجلسن، ومع كل جارية عودها؛ ثم ضربن جميعًا وغنت عليهن، وغنى الجواري على غنائها، فقال عبد الله: ما ظننت أن مثل هذا يكون!
وأنا أُقعدك في مكان تسمع من سلامة ولا تراها، إن كنتَ عند نفسك بالمنزلة التي لم يبلغها عبد الله بن جعفر!
قالت سلامة: وكانت هذه والله -يا أمير المؤمنين- رقية من رقى إبليس؛ فقال عبد الرحمن: أما هذا فنعم. ودخل الدار وجلس حيث يسمع، ثم أمرني مولاي فخرجت إليه خروج القمر مشبوبًا من سحابه كانت تغطيه؛ فأما هو فما رآني
__________
1 هو الأحوص, الشاعر المعروف.
(1/99)

حتى علقت بقلبه، وسبح طويلًا طويلًا؛ وأما أنا فما رأيته حتى رأيت الجنة والملائكة، ومُتُّ عن الدنيا وانتقلت إليه وحده.
قالت سلامة: وافتضحت مرة أخرى، فتنحنح يزيد, فضحكت وقلت: يا أمير المؤمنين، أحدثك أم حسبك؟ قال: حدثيني ويحك! فوالله لو كنتِ في الجنة كما أنتِ لأعدتِ قصة آدم مع واحد واحد من أهلها حتى يُطردوا جميعًا من حسنها إلى حسنك! فما فعل القس ويحك؟
قلت: يا أمير المؤمنين، إنه يدعى القس قبل أن يهواني.
فقال يزيد: وهل عجب وقد فتنته أن يطرده "البطريق"؟
قلت: بل العجب وقد فتنتُه أن يصير هو البطريق!
فضحك يزيد وقال: إيه، ما أحسب الرجل إلا قد دهي منك بداهية! فحدثيني فقد رفعت الغيرة؛ إني والله ما أرى هذا الرجل في أمره وأمرك إلا كالفحل من الإبل، قد تُرك من الركوب والعمل، ونعم وسمن للفحلة فَنَدَّ يومًا, فذهب على وجهه، فأقحم في مفازة، وأصاب مَرْتَعًا فتوحش واستأسد، وتبين عليه أثر وحشيته، وأقبل قبال الجن من قوة ونشاط ويأس شديد؛ فلما طال انفراده وتأبده عرضت له في البر ناقة كانت قد ندت من عَطنها، وكانت فارهة جسيمة قد انتهت سمنًا، وغطاها الشحم واللحم، فرآها البازل الصئول، فهاج وصال وهدر، يخبط بيده ورجله، ويُسمَع لجوفه دَوِيّ من الغليان، وإذا هي قد ألقت نفسها بين يديه!
أما والله لو جعل الشيطان في يمينه رجلًا فحلًا قويًّا جميلًا، وفي شماله امرأة جميلة عاشقة تهواه؛ ثم تمطى متدافعًا ومد ذراعيه فابتعدا؛ ثم تراجع متداخلًا وضم ذراعيه فالتقيا؛ لكان هذا شأن ما بينك وبين القس!
قلت: لا والله يا أمير المؤمنين؛ ما كان صاحبي في الرجال خَلًّا ولا خمرًا، وما كان الفحل إلا الناقة! وما أحسب الشيطان يعرف هذا الرجل، وهل كان للشيطان عمل مع رجل يقول: إني أعرف دائمًا فكرتي وهي دائمًا فكرتي لا تتغير. ذاك رجل أساسه كما يقول: {بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] ولقد تصنعتُ له مرة يا أمير المؤمنين، وتشكلت وتحليت وتبرجت، وحدثت نفسي منه بكثير، وقلت: إنه رجل قد غبر شبابه في وجود فارغ من المرأة، ثم وجد المرأة فيَّ وحدي. وغنيته يا أمير المؤمنين غناء جوارحي كلها، وكنت له كأني خرير ناعم يترجرج ويُنشَر
(1/100)

أمامه ويطوى. وجلست كالنائمة في فراشها وقد خلا المجلس، وكنت من كل ذلك بين يديه كالفاكهة الناضجة الحلوة تقول لمن يراها: "كلني! ".
قال يزيد: ويحك ويحك! وبعد هذا؟
قلت: بعد هذا يا أمير المؤمنين، وهو يهواني الهوى البَرْح، ويعشقني العشق المصني, لم ير في جمالي وفتنتي واستسلامي إلا أن الشيطان قد جاء يرشوه بالذهب الذي يتعامل به!
فضحك يزيد وقال: لا والله، لقد عرض الشيطان منك ذهبه ولؤلؤه وجواهره كلها، فكيف لعمري لم يفلح؛ وهو لو رشاني من هذا كله بدرهم لوجد أمير المؤمنين شاهد زور!
قلت: ولكني لم أيأس يا أمير المؤمنين، وقد أردت أن أظهر امرأة فلم أفلح، وعملت أن أظهر شيطانة فانخذلت, وجهدت أن يرى طبيعتي فلم يرني إلا بغير طبيعة, وكلما حاولت أن أنزل به عن سكينته ووقاره رأيت في عينيه ما لا يتغير كنور النجم, وكانت بعض نظراته والله كأنها عصا المؤدب، وكأنه يرى في جمالي حقيقة من العبادة، ويرى في جسمي خرافة الصنم، فهو مقبل علي جميلة، ولكنه منصرف عني امرأة.
لم أيأس على كل ذلك يا أمير المؤمنين، فإن أول الحب يطلب آخره أبدًا إلى أن يموت. وكان يكثر من زيارتي، بل كانت إلي الغدوة والروحة، من حبه إياي وتعلقه بي؛ فواعدته يومًا أن يجيء مني وأرى الليل أهله لأغنيه: "ألا قل لهذا القلب ... " وكنت لحنته ولم يسمعه بعد. ولبثت نهاري كله أستروح في الهواء رائحة هذا الرجل مما أتلهف عليه، وأتمثل ظلام الليل كالطريق الممتد إلى شيء مخبوء أعلل النفس به. وبلغت ما أقدر عليه في زينة نفسي وإصلاح شأني، وتشكلت في صنوف من الزهر، وقلت لأجملهن وهي الوردة التي وضعتها بين نهديَّ: يا أختي، اجذبي عينه إليك، حتى إذا وقف نظره عليكِ فانزلي به قليلًا أو اصعدي به قليلًا.
قال يزيد وهو كالمحموم: ثم ثم ثم؟
قلت: يا أمير المؤمنين، ثم جاء مع الليل، وإن المجلس لخالٍ ما فيه غيري وغيره، بما أكابد منه وما يعاني منه فغنيته أحر غناء وأشجاه، وكان العاشق فيه يطرب لصوتي، ثم يطرب الزاهد فيه من أنه استطاع أن يطرب، كما يطيش الطفل ساعة ينطلق من حبس المؤدب.
(1/101)

وما كان يسوءني إلا أنه يمارس في الزهد ممارسة، كأنما أنا صعوبة إنسانية فهو يريد أن يغلبها، وهو يجرب قوى نفسه وطبيعته عليها؛ أو كأنه يراني خيال امرأة في مرآة، لا امرأة مائلة له بهواها وشبابها وحسنها وفتنتها، أو أنا عنده كالحورية من حور الجنة في خيال من هي ثوابه، تكون معه، وإن بينها وبينه من البعد ما بين الدنيا والآخرة، فأجمعتُ أن أحطم المرآة ليراني أنا نفسي لا خيالي، واستنجدت كل فتنتي أن تجعله يفر إلي كلما حاول أن يفر مني.
فلما ظننتُني ملأت عينيه وأذنيه ونفسه وانصببت إليه من كل جوارحه، وهجت التيار الذي في دمه ودفعته دفعًا, قلت له: "أنت يا خليلي شيء لا يُعرف، أنت شيء متلفف بإنسان، ومن التي تعشق ثوب رجل ليس فيه لابسه؟ ".
ورأيته والله يطوف عند ذلك بفكره، كما أطوف أنا بفكري حول المعنى الذي أردته. فملت إليه وقلت1: "أنا والله أحبك! ".
فقال: "وأنا والله الذي لا إله إلا هو".
قلت: "وأشتهي أن أعانقك وأقبلك! ".
قال: "وأنا والله! ".
قلت: "فما يمنعك؟ فوالله إن الموضع لخالٍ! ".
قال: "يمنعني قول الله عز وجل: {الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] فأكره أن تحول مودتي لك عداوة يوم القيامة".
إني أرى {بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] يا حبيبتي، وهو يمنعني أن أكون من سيئاتك وأن تكوني من سيئاتي، ولو أحببت الأنثى لوجدتك في كل أنثى، ولكني أحب ما فيك أنت بخاصتك، وهو الذي لا أعرفه ولا أنت تعرفينه، هو معناك يا سلامة لا شخصك.
ثم قال وهو يبكي، فما عاد بعد ذلك يا أمير المؤمنين ما عاد بعد ذلك، وترك لي ندامتي وكلام دموعه؟ وليتني لم أفعل، ليتني لم أفعل، فقد رأى أن المرأة -في بعض حالاتها- تكشف وجهها للرجل، وكأنها لم تلق حجابها بل ألقت ثيابها.
__________
1 هذا نص كلامهما كما رواه صاحب الأغاني, إلى قوله: "يوم القيامة"؛ وهو كل القصة في كتابه.
(1/102)

قصة زواج * وفلسفة المهر:
قال رسول عبد الملك: ويحك "يا أبا محمد" لكأن دمك والله من عدوك؛ فهو يفور بك لتلج في العناد فتقتل، وكأني بك والله بين سَبُعين قد فغرا عليك؛ هذا عن يمينك وهذا عن يسارك، ما تفر من حتف إلا إلى حتف، ولا ترحمك الأنياب إلا بمخاليبها.
ههنا هشام بن إسماعيل عامل أمير المؤمنين، إن دخلته الرحمة لك استوثق منك في الحديد، ورمى بك إلى دمشق، وهناك أمير المؤمنين، وما هو والله إلا أن يطعم لحمك السيف يعض بك عض الحية في أنيابها السم؛ وكأني بهذا الجنب مصروعًا لمضجعه، وبهذا الوجه مضرجًا بدمائه، وبهذه اللحية معفرة بترابها، وبهذا الرأس محتزًّا في يد "أبي الزعيزعة" جلاد أمير المؤمنين، يلقيه من سيفه رمي الغصن بالثمرة قد ثقلت عليه.
وأنت "يا سعيد" فقيه أهل المدينة وعالمها وزاهدها، وقد علم أمير المؤمنين أن عبد الله بن عمر قال فيك لأصحابه: "لو رأى هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لسَرَّه" فإن لم تكرم عليك نفسك فليكرم على نفسك المسلمون؛ إنك إن هلكت رجع الفقه في جميع الأمصار إلى الموالي؛ ففقيه مكة عطاء، وفقيه اليمن طاوس، وفقيه اليمامة يحيى بن أبي كثير، وفقيه البصرة الحسن، وفقيه الكوفة إبراهيم النخعي، وفقيه الشام مكحول، وفقيه خراسان عطاء الخراساني. وإنما يتحدث الناس أن المدينة من دون الأمصار قد حرسها الله بفقيهها القرشي العربي "أبي محمد بن المسيب" كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد علم أهل الأرض أنك حججت نيفًا وثلاثين حجة، وما فاتتك التكبيرة الأولى في المسجد منذ أربعين سنة، وما قمت إلا في موضعك من الصف الأول، فلم تنظر قط إلى قفا رجل في الصلاة؛ ولا وجد الشيطان ما يعرض لك من قبله في صلاتك ولا قفا رجل؛ فالله الله يا أبا محمد، إني والله ما أغشك
__________
* انظر "قصص الرافعي" في "عود على بدء" من كتاب "حياة الرافعي".
(1/103)

في النصيحة؛ ولا أخدعك عن الرأي، ولا أنظر لك إلا خير ما أنظر لنفسي؛ وإن عبد الملك بن مروان من علمت؛ رجل قد عم الناس ترغيبه وترهيبه، فهو آخذك على ما تكره إن لم تأخذه أنت على ما يحب؛ وإنه والله يا أبا محمد، ما طلب إليك أمير المؤمنين إلا وأنت عنده الأعلى، ولا بعثني إليك إلا وكأنه يسعى بين يديك، رعاية لمنزلتك عنده، وإكبارًا لحقك عليه؛ وما أرسلني أخطب إليك ابنتك لولي عهده إلا وهو يبتذل نفسه ابتذالًا ليصل بك رحمه، ويوثق آصرته؛ وإن يكن الله قد أغناك أن تنتفع به وبملكه ورعًا وزهادة، فما أحوج أهل مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ينتفعوا بك عنده، وأن يكونوا أصهار "الوليد" فيستدفعوا شرا ما به عنهم غنى، ويجتلبوا خيرًا ما بهم غنى عنه، ولست تدري ما يكون من مصادر الأمور ومواردها. وإنك والله إن لججت في عنادك وأصررت أن تردني إليه خائبًا، لتهيجَنَّ قَرَم سيوف الشام إلى هذه اللحوم ولحمك يومئذ من أطيبها، ولأمير المؤمنين تارتان: لين وشدة؛ وأنا إليك رسول الأولى، فلا تجعلني رسول الثانية.
وكان أبو محمد يسمع هذا الكلام وكأن الكلام لا يخلص إلى نفسه إلا بعد أن تتساقط معانيه في الأرض، هيبة منه وفرقًا من إقدامها عليه؛ وقد لان رسول عبد الملك في دهائه حتى ظن عند نفسه أنه ساغ من الرجل مساغ الماء العذب في الحلق الظامئ، واشتد في وعيده حتى ما يشك أنه قد سقاه ماء حميمًا فقطع أمعاءه؛ والرجل في كل ذلك من فوقه كالسماء فوق الأرض، لو تحول الناس جميعًا كَنَّاسين يثيرون من غبار هذه على تلك لما كان مرجع الغبار إلا عليهم، وبقيت السماء ضاحكة صافية تتلألأ.
وقلّب الرسول نظره في وجه الشيخ، فإذا هو هو ليس فيه معنى رغبة ولا رهبة، كأن لم يجعل له الأرض ذهبًا تحت قدميه في حالة، ولم يملأ الجو سيوفًا على رأسه في الحالة الأخرى؛ وأيقن أنه من الشيخ العظيم كالصبي الغِرّ قد رأى الطائر في أعلى الشجرة فطمع فيه، فجاء من تحتها يناديه: أن انزل إلي حتى آخذك وألعب بك.
وبعد قليل تكلم أبو محمد فقال:
يا هذا، أما أنا فقد سمعت، وأما أنت فقد رأيت، وقد روينا أن هذه الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فانظر ما جئتني أنت به، وقسه إلى هذه الدنيا كلها،
(1/104)

فكم -رحمك الله- تكون قد قسمت لي من جناح البعوضة؟ ولقد دُعيت من قبل إلى نيف وثلاثين ألفًا لآخذها، فقلت: لا حاجة لي فيها ولا في بني مروان، حتى ألقى الله فيحكم بيني وبينهم "وها أنا ذا اليوم أُدعى إلى أضعافها وإلى المزيد معها؛ أفأقبض يدي عن جمرة ثم أمدها لأملأها جمرًا؟ لا والله ما رغب عبد الملك لابنه في ابنتي، ولكنه رجل من سياسته إلصاق الحاجة بالناس ليجعلها مَقَادة لهم فيصرفهم بها؛ وقد أعجزه أن أبايعه؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيعتين، وما عبد الملك عندنا إلا باطل كابن الزبير، ولا ابن الزبير إلا باطل كعبد الملك، فانظر فإنك ما جئت لابنتي وابنه، ولكن جئت تخطبني أنا لبيعته.
قال الرسول: أيها الشيخ، دع عنك البيعة وحديثها، ولكن من عسى أن تجد لكريمتك خيرًا من هذا الذي ساقه الله إليك؟ إنك لراعٍ وإنها لرعية وستسأل عنها، وما كان الظن بك أن تسيء رِعْيتها وتبخس حقها، وأن تعضلها وقد خطبها فارس بني مروان، وإن لم يكن فارسهم فهو ولي عهد المسلمين؛ وإن لم يكن هذا ولا ذاك فهو الوليد ابن أمير المؤمنين؛ وأدنى الثلاث أرفع الشرف فكيف بهن جميعًا، وهن جميعًا في الوليد؟
قال الشيخ: أما أني مسئول عن ابنتي، فما رغبت عن صاحبك إلا لأني مسئول عن ابنتي. وقد علمت أنت أن الله يسألني عنها في يوم لعل أمير المؤمنين وابن أمير المؤمنين وألفافهما لا يكونون فيه إلا وراء عبيدها وأوباشها ودعارها وفجارها1. يخرجون من حساب الفجرة إلى حساب القتلة، ومن حساب هؤلاء إلى الحساب على السرقة والغصب، إلى حساب أهل البغي، إلى حساب التفريط في حقوق المسلمين. ويخف يومئذ عبيدها وأوباشها ودعارها وفجارها في زحام الحشر، ويمشي أمير المؤمنين وابن أمير المؤمنين ومن اتصل بهما، وعليهم أمثال الجبال من أثقال الذنوب وحقوق العباد.
فهذا ما نظرت في حسن الرعاية لابنتي، لو لم أضن بها على أمير المؤمنين وابن أمير المؤمنين لأَوْبَقتُ. لا والله ما بيني وبينكم عمل، وقد فرغت مما على الأرض فلا يمر السيف مني في لحم حي.
ولما كان غداة غد جلس الشيخ في حلقته في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للحديث
__________
1 الضمير راجع إلى الدنيا.
(1/105)

والتأويل، فسأل رجل من عُرض المجلس، فقال: يا أبا محمد، إن رجلًا يلاحيني في صداق بنته ويكلفني ما لا أطيق. فما أكثر ما بلغ إليه صداق أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصداق بناته؟
قال الشيخ: روينا أن عمر "رضي الله عنه" كان ينهى عن المغالاة في الصداق, ويقول: "ما تزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا زوَّج بناته بأكثر من أربعمائة درهم"1، ولو كانت المغالاة بمهور النساء مكرمة لسبق إليها رسول الله, صلى الله عليه وسلم.
وروينا عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "خير النساء أحسنهن وجوهًا, وأرخصهن مهورًا".
فصاح السائل: يرحمك الله يا أبا محمد، كيف يأتي أن تكون المرأة الحسناء رخيصة المهر، وحسنها هو يغليها على الناس؛ تكثر رغبتهم فيها فيتنافسون عليها؟
قال الشيخ: انظر كيف قلت, أهم يساومون في بهيمة لا تعقل، وليس لها من أمرها شيء إلا أنها بضاعة من مطامع صاحبها يغليها على مطامع الناس؟ إنما أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن خير النساء من كانت على جمال وجهها، في أخلاق كجمال وجهها، وكان عقلها جمالًا ثالثًا؛ فهذه إن أصابت الرجل الكفء، يسرت عليه، ثم يسرت، ثم يسرت؛ إذ تعتبر نفسها إنسانًا يريد إنسانًا، لا متاعًا يطلب شاريًا، وهذه لا يكون رخص القيمة في مهرها، إلا دليلًا على ارتفاع القيمة في عقلها ودينها؛ أما الحمقاء فجمالها يأبى إلا مضاعفة الثمن لحسنها، أي: لحمقها, وهي بهذا المعنى من شرار النساء، وليست من خيارهن.
ولقد تزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعض نسائه على عشرة دراهم وأثاث بيت، وكان الأثاث: رحى يد، وجرة ماء، ووسادة من أدم حشوها ليف. وأولم على بعض نسائه بمُدَّين من شعير، وعلى أخرى بمدين من تمر ومدين من سَوِيق, وما كان به -صلى الله عليه وسلم- الفقر، ولكنه يشرع بسنته ليُعلِّم الناس من عمله أن المرأة للرجل نفس لنفس، لا متاع لشاريه؛ والمتاع يقوَّم بما بُذل فيه إن غاليًا وإن رخيصًا، ولكن الرجل يقوم عند المرأة بما يكون منه؛ فمهرها الصحيح ليس هذا الذي تأخذه قبل أن تحمل إلى داره، ولكنه الذي تجده منه بعد أن تحمل إلى داره؛ مهرها معاملتها، تأخذ منه يومًا فيومًا، فلا تزال بذلك عروسًا على نفس رجُلها ما دامت في معاشرته. أما ذلك الصداق من الذهب والفضة، فهو صداق العروس الداخلة على الجسم لا على
__________
1 الدرهم: خمسة قروش.
(1/106)

النفس؛ أفلا تراه كالجسم يهلك ويبلى، أفلا ترى هذه الغالية -إن لم تجد النفس في رَجُلها- قد تكون عروس اليوم ومطلقة الغد؟!
وما الصداق في قليله وكثيره، إلا كالإيماء إلى الرجولة وقدرتها, فهو إيماء، ولكن الرجل قبْل. إن كل امرئ يستطيع أن يحمل سيفًا، والسيف إيماء إلى القوة، غير أنه ليس كل ذوي السيوف سواء، وقد يحمل الجبان في كل يد سيفًا، ويملك في داره مائة سيف, فهو إيماء، ولكن البطل قبْلُ، ولكن البطل قبْلُ.
مائة سيف يمهر بها الجبان قوته الخائبة، لا تغني قوته شيئًا، ولكنها كالتدليس على من كان جبانًا مثله. ويوشك أن يكون المهر الغالي كالتدليس على الناس وعلى المرأة، كي لا تعلم ولا يعلم الناس أنه ثمن خيبتها؛ فلو عقلت المرأة لباهت النساء بيسر مهرها، فإنها بذلك تكون قد تركت عقلها يعمل عمله، وكفت حماقتها أن تفسد عليه.
فصاح رجل في المجلس: أيها الشيخ، أفي هذا من دليل أو أثر؟
قال الشيخ: نعم؛ أما من كتاب الله فقد قال الله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1] . فهي زوجُه حين تجده هو لا حين تجد ماله؛ وهي زوجه حين تتممه لا حين تنقصه، وحين تلائمه لا حين تختلف عليه؛ فمصلحة المرأة زوجة ما يجعلها من زوجها، فيكونان معًا كالنفس الواحدة، على ما ترى للعضو من جسمه؛ يريد من جسمه الحياة لا غيرها.
وأما من كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد روينا: "إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه؛ إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير".
فقد اشترط الدين، على أن يكون مرضيًّا لا أي الدين كان؛ ثم اشترط الأمانة، وهي مظهر الدين كله بجميع حسناته, وأيسرها أن يكون الرجل للمرأة أمينًا، وعلى حقوقها أمينًا، وفي معاملتها أمينًا؛ فلا يبخسها ولا يُعْنتها، ولا يسيء إليها؛ لأن كل ذلك ثَلْم في أمانته؛ فإن ردت المرأة من هذه حاله وصفته من أجل المهر, تقدم إليها بالمهر من ليست هذه حاله وصفته، فوقعت الفتنة، وفسدت المرأة بالرجل، وفسد هو بها، وفسد النسل بهما جميعًا، وأهمل من لا يملك، وتعنست من لا تجد، ويرجع المهر الذي هو سبب الزواج سببًا في منعه، ويتقارب النساء والرجال على رغم المهر والدين والأمانة؛ فيقع معنى الزواج، ويبقى المعطل منه هو اللفظ والشرع.
(1/107)

هل علمت المرأة أنها لا تدخل بيت رجلها إلا لتجاهد فيه جهادها، وتبلو فيه بلاءها؟ وهل يقوم مال الدنيا بحقها فيما تعمل وما تجاهد، وهي أم الحياة ومنشئتها وحافظتها؟ فأين يكون موضع المال ومكان التفرقة في كثيره وقليله، والمال كله دون حقها؟
ولن يتفاوت الناس بالمال تختلف درجاتهم به، وتكون مراتبهم على مقداره، تكثر به مرة وتقل مرة, إلا إذا فسد الزمان، وبطلت قضية العقل، وتعطل موجب الشرع, وأصبحت السجايا تتحول, يملكها من يملك المال, ويخسرها من يخسره؛ فيكون الدين على النفوس كالدخيل المزاحم لموضعه، والمتدلي في غير حقه؛ وبهذا يرجع باطل الغني دِينًا يتعامل الناس معه، ودين الفقير بهرجًا لا يروج عند أحد؛ وليس هذا من ديننا، دين النفس والخلق، وإن ألف بعير يقنوها الرجل خالصة عليه، ثابتة له، لا تزيد في منزلة دينه قدر نملة ولا ما دونها. والحجران: الذهب والفضة, قد يكون شعاعهما في هذه الدنيا أضوأ من شمسها وقمرها، ولكنهما في نور النفس المؤمنة كحصاتين يأخذهما من تحت قدميه، ويذهب يزعم لك أنهما في قدر الشمس والقمر.
وهلاك الناس إنما يُقضى بمحاولتهم أن يكونوا أناسًا بعيوبهم وذنوبهم؛ فهذا هو الإنسان المدبر عن الله وعن نفسه وعن جنسه؛ لا يكون أبوه أبًا في عطفه، ولا أمه أمًّا في محبتها، ولا ابنه ابنًا في بره، ولا زوجته زوجة في وفائها؛ وإنما يكونون له مهالك، كما روينا عن رسول الله, صلى الله عليه وسلم: "يأتي على الناس زمان يكون هلاك الرجل على يد زوجته وأبويه وولده؛ يعيرونه بالفقر، ويكلفونه ما لا يطيق؛ فيدخل المداخل التي يذهب فيها دينه فيهلك".
وصاح المؤذن، فقطع الشيخ مجلسه وقام إلى الصلاة، ثم خرج إلى داره، فتلقته ابنته وعلى وجهها مثل نوره، قالت: يا أبت كنت أتلو الساعة قوله تعالى: {رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة: 201] فما حسنة الدنيا؟ قال: يا بنية، هي التي تصلح أن تذكر مع حسنة الآخرة، وما أراها للرجل إلا الزوجة الصالحة، ولا للمرأة ...
وطُرق الباب، فذهب الشيخ يفتح، فإذا الطارق "عبد الله بن أبي وداعة"؛ وكان يجالسه ويأخذ عنه ويلزم حلقته، ولكنه فقده أيامًا؛ فدخل فجلس. قال الشيخ: "أين كنت؟ ".
(1/108)

قال: "تُوفيتْ أهلي فاشتغلتُ بها".
قال الشيخ: "هلا أخبرتنا فشهدناها". ثم أخذ يفيض في الكلام عن الدنيا والآخرة؛ وشعر ابن أبي وداعة أن القبر ما يزال في قلبه حتى في مجلس الشيخ، فأراد أن يقوم، فقال "سعيد":
"هل استحدثت امرأة غيرها؟ ".
قال: "يرحمك الله، أين نحن من الدنيا اليوم، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ ".
قال الشيخ: "أنا.....".
أنا، أنا، أنا. دوى الجو بهذه الكلمة في أذن طالب العلم الفقير، فحسب كأن الملائكة تنشد نشيدًا في تسبيح الله يَطِن ّلحنه: "أنا، أنا، أنا".
وخرجت الكلمة من فم الشيخ ومن السماء لهذا المسكين في وقت واحد، وكأنها كلمة زوجته إحدى الحور العين.
فلما أفاق من غشية أذنه, قال: "وتفعل؟ ".
قال "سعيد": "نعم" وفسر "نعم" بأحسن تفسيرها وأبلغه؛ فقال: قم فادع لي نفرًا من الأنصار, فلما جاءوا حمد الله وصلى على النبي -صلى الله عليه وسلم- وزوجه على ثلاثة دراهم "خمسة عشر قرشًا".
ثلاثة دراهم مهر الزوجة التي أرسل يخطبها الخليفة العظيم لولي عهده بثقلها ذهبًا لو شاءت.
وغشَّى الفرح هذه المرة عيني الرجل وأذنيه، فإذا هو يسمع نشيد الملائكة يطن لحنه: "أنا، أنا، أنا".
ولم يشعر أنه على الأرض، فقام يطير، وليس يدري من فرحه ما يصنع، وكأنه في يوم جاءه من غير هذه الدنيا يتعرف إليها بهذا الصوت الذي لا يزال يطن في أذنيه: "أنا، أنا، أنا".
وصار إلى منزله وجعل يفكر: ممن يأخذ؟ ممن يستدين؟ فظهرت له الأرض خلاء من الإنسان، وليس فيها إلا الرجل الواحد الذي يضطرب صوته في أذنيه: "أنا، أنا، أنا".
وصلى المغرب وكان صائمًا، ثم قام فأسرج، فإذا سراجه الخافت الضئيل يسطع لعينيه سطوع القمر، وكأن في نوره وجه عروس تقول له: "أنا، أنا، أنا".
(1/109)

وقدم عشاءه ليُفطر، وكان خبزًا وزيتًا، فإذا الباب يقرع؛ قال: من هذا؟ قال الطارق: سعيد.
سعيد؟ سعيد؟ من سعيد؟! أهو أبو عثمان؛ أبو علي؛ أبو الحسن؟ فكر الرجل في كل من اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب؛ إلا الذي قال له: "أنا".
لم يخالجه أن يكون هو الطارق، فإن هذا الإمام لم يطرق باب أحد قط، ولم ير منذ أربعين سنة إلا بين داره والمسجد.
ثم خرج إليه، فإذا به سعيد بن المسيب، فلم تأخذه عينه حتى رجع القبر فهبط فجأة بظلامه وأمواته في قلب المسكين، وظن أن الشيخ قد بدا له، فندم، فجاءه للطلاق قبل أن يشيع الخبر، ويتعذر إصلاح الغلطة! فقال: "يا أبا محمد، لو ... لو ... لو أرسلتَ إليَّ لأتيتُك! ".
قال الشيخ: "لأنت أحق أن تُؤتَى".
فما صكّت الكلمة سمع المسكين حتى أَبْلَس الوجود في نظره، وغشي الدنيا صمت كصمت الموت، وأحس كأن القبر يتمدد في قلبه بعروق الأرض كلها! ثم فاء لنفسه، وقدر أن ليس محل شيخه إلا أن يأمر، وليس محله هو إلا أن يطيع، وأن من الرجولة ألا يكون معرّة على الرجولة، ثم نكَس وتنكَّس وقال بذِلة ومسكنة: "ما تأمرني؟ ".
تفتحت السماء مرة ثالثة، وقال الشيخ: "إنك كنت رجلًا عزبًا فتزوجت، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك؛ وهذه امرأتك! ".
وانحرف شيئًا، فإذا العروس قائمة خلفه مستترة به، ودفعها إلى الباب وسلم وانصرف.
وانبعث الوجود فجأة، وطن لحن الملائكة في أذن أبي وداعة: "أنا، أنا، أنا".
دخلت العروس الباب وسقطت من الحياء، فتركها الرجل مكانها، واستوثق من بابه، ثم خطا إلى القصعة التي فيها الخبز والزيت، فوضعها في ظل السراج كي لا تراها؛ وأغمض السراج عينه ونشر الظل.
ثم صعد إلى السطح ورمى الجيران بحصيات؛ ليعلموا أن له شأنًا اعتراه، وأن قد وجب حق الجار على الجار "وكانت هذه الحصيات يومئذ كأجراس التليفون اليوم" فجاءوه على سطوحهم وقالوا: "ما شأنك؟ ".
(1/110)

قال: "ويحكم! زوجني سعيد بن المسيب ابنته اليوم؛ وقد جاء بها الليلة على غفلة".
قالوا: "وسعيد زَوَّجَكَ! أهو سعيد الذي زوجك! أزوجك سعيد؟ ".
قال: "نعم".
قالوا: "وهي في الدار؟ أتقول: إنها في الدار؟ ".
قال: "نعم".
فانثال النساء عليه من هنا وههنا حتى امتلأت بهن الدار. وغشيت الرجل غشية أخرى، فحسب داره تتيه على قصر عبد الملك بن مروان، وكأنما يسمعها تقول: "أنا، أنا، أنا".
قال عبد الله بن أبي وداعة: "ثم دخلت بها، فإذا هي من أجمل الناس وأحفظهم لكتاب الله تعالى، وأعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرفهم بحق الزوج. لقد كانت المسألة المعضلة تُعيي الفقهاء فأسألها عنها فأجد عندها منها علمًا".
قال: ومكثت شهرًا لا يأتيني سعيد ولا آتيه، فلما كان بعد الشهر أتيته وهو في حلقته فسلمت، فرد علي السلام، ولم يكلمني حتى تفرق الناس من المجلس وخلا وجهه، فنظر إلي وقال:
"ما حال ذلك الإنسان؟ ".
أما ذلك "الإنسان" فلم يعرف من الفرق بين قصر ولي العهد ابن أمير المؤمنين، وبين حجرة ابن أبي وداعة التي تسمى دارًا! إلا أن هناك مضاعفة الهم، وهنا مضاعفة الحب.
وما بين "هناك" إلى القبر مدة الحياة, ستخفت الروح من نور بعد نور، إلى أن تنطفئ في السماء من فضائلها.
وما بين "هنا" إلى القبر مدة الحياة, تسطع الروح بنور على نور، إلى أن تشتغل في السماء بفضائلها.
وما عند أمير المؤمنين لا يبقى، وما عند الله خير وأبقى.
ولم يزل عبد الملك يحتال "لسعيد" ويرصد غوائله حتى وقعت به المحنة،
(1/111)

فضربه عامله على المدينة خمسين سوطًا في يوم بارد، وصب عليه جرة ماء، وعرضه على السيف، وطاف به الأسواق عاريًا في تَبَّان1 من الشعر، ومنع الناس أن يجالسوه أو يخاطبوه. وبهذه الوقاحة، وبهذه الرذيلة، وبهذه المخزاة، قال عبد الملك بن مروان: "أنا؟ ".
__________
1 التبان: ما يسمى اليوم "المايوه" أو لباس البحر. ذكره الجاحظ وقال: هو سروال قصير يلبسه الملاحون.
(1/112)

ذيل القصة وفلسفة المال:
ذهب الناس يمينًا وشمالًا فيما كتبناه من خبر الإمام سعيد بن المسيب وتزويجه ابنته من طالب علم فقير، بعد إذ ضن بها أن تكون زوجًا لولي عهد أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان؛ وقد جعلت قلوب بعض النساء العصريات المتعلمات تصيح وتُوَلْوِل ... وحدثنا أديب ظريف أن إحداهن سألت عن عنوان عبد الملك بن مروان!.
أفتُراها ستكتب إليه أنها تقبل الزواج من ولي عهده؟
على أن للقصة ذيلًا، فإن الطبيعة الآدمية لا عصر لها، بل هي طبيعة كل عصر؛ والفضيلة الإنسانية يبدأ تاريخها من الجنة، فهي هي لا تتجدد ولا تزال تلوح وتختفي؛ أما الرذيلة فأول تاريخها من الطبيعة نفسها، فهي هي لا تتغير ولا تزال تظهر وتستسرّ.
لما زوج الإمام ابنته من ابن أبي وداعة، أخذها بنفسه إليه في يوم زوّجها منه، ومشى بها في طريق حصاه عنده أفضل من الدر، وترابه أكرم من الذهب. طارت الحادثة في الناس، واستفاض لهم قول كثير: {فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة: 124] وقد قال جماعة منهم: تالله لئن انقطع الوحي، إن في معانيه بقية ما تزال تنزل على بعض القلوب التي تشبه في عظمتها قلوب الأنبياء؛ وما هذه الحادثة على الدنيا إلا في معنى سورة من السور قد انشقت لها السماء، ونزل بها جبريل يخفُق على أفئدة المؤمنين خفقة إيمان.
{وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} [التوبة: 125] . وقال أناس منهم: أما والله لو تهيأ لأحدنا أن يكون لصا يسرق أمير المؤمنين، أو ابن أمير المؤمنين، لركب رأسه في ذلك، ما يردّه عن السرقة شيء؛ فكيف بمن تهيأ له الصهر والحسب، وجاءه الغنى يطرق بابه, ما باله يردّ كل ذلك ويخزي ابنته برجل فقير تعيش في داره بأسوأ حال؛ وكيف تثقل همته وتبطؤ وتموت، إذا
(1/113)

كان الدر والجوهر والذهب والخلافة، ثم ينبعث ويمضي لا يتلكأ عزمه، إذا كان العلم والفقر والدين والتقوى؟
وانتهى كلام الناس إلى الإمام العظيم، فلم يجئه إلا من الظن خفيًّا خفيًّا، كأنما هي أقوال حسبها ثقال عنه بعد خمسين وثلاثمائة وألف سنة "في زمننا هذا" حين يكون هو في معاني السماء، ويكون القائلون في معاني التراب النجس الذي نفضته على الشرق نعال الأوروبيين؟
قال الراوي: ولم يستطع أحد من الناس أن يواجه الإمام بشفة أو بنت شفة، لا مضيقًا عليه من قلبه ولا موسعًا، حتى كان يوم من أيام الجمعة, وقد مال الناس بعد الصلاة إلى حلقة الشيخ، وتقصفوا بعضهم على بعض، فغص بهم المسجد، وكان إمامنا يفسر قوله تعالى: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم: 12] .
قال الراوي: فكان فيما قاله الشيخ:
إذا هُدي المرء سبيله كانت السبل الأخرى في الحياة إما عداء له، وإما معارضة، وإما ردًّا، فهو منها في الأذى، أو في معنى الأذى، أو عُرْضة للأذى. لقد وجد الطريق ولكنه أصاب العقبات أيضًا، وهذه حالة لا يمضي فيها الموفق إلى غايته، إلا إذا أعانه الله بطبيعتين: أولاهما العزم الثابت، وهذا هو التوكل على الله؛ والأخرى اليقين المستبصر، وهذا هو الصبر على الأذى.
ومتى عزم الإنسان ذلك العزم، وأيقن ذلك اليقين؛ تحولت العقبات التي تصده عن غايته، فآل معناها أن تكون زيادة في عزمه ويقينه، بعد أن وُضعن ليكُنَّ نقصًا منهما؛ فترجع العقبات بعد ذلك وإنها لوسائل تعين على الغاية. وبهذا يبسط المؤمن روحه على الطريق، فما بد أن يغلب على الطريق وما فيها, ينظر إلى الدنيا بنور الله فلا يجد الدنيا شيئًا -على سعتها وتناقضها- إلا سبيله وما حول سبيله، فهو ماضٍ قدمًا لا يترادّ ولا يفتُر ولا يكل، وهذه حقيقة العزم وحقيقة الصبر جميعًا.
ومن ثم لا تكون الحياة لهذا المؤمن مهما تقلبت واختلفت, إلا نفاذًا من طريق واحدة دون التخبط في الطرق الأخرى، ثم لا يكون العمر مهما طال إلا مدة صبر في رأي المؤمن.
وعزيمة النفاذ وعزيمة الصبر، هما الضوء الروحاني القوي، الذي يكتسح
(1/114)

ظُلُمات النفس، مما يسميه الناس خمولًا ودَعَة وتهاونًا وغفلة وضجرًا ونحوها.
قال: ولكن كيف يُعان المؤمن على هذه المعجزة النفسية؟ هنا يتبين إعجاز الآية الكريمة؛ فقد ذكر فيها التوكل ثلاث مرات، وافتتحت به وختمت؛ والتوكل هو العزم الثابت كما أوضحنا. وذكرت في الآية بين ذلك هداية المرء سبيله؛ وهذه الإضافة {سُبُلَنَا} تعين أنها هداية الإنسان إلى سبيل نفسه؛ أي: سبيله الباطني الذي هو مناط سعادته في الشعور بالسعادة1. ثم ذكر الصبر على أذى الناس، والأذى لا يقع إلا في حيوانية الإنسان، ولا يؤثر إلا فيها. فكأن الآية مصرحة أن نجاح المؤمن ونفاذه في الحياة لا يكونان أول الأشياء وآخرها إلا بثلاث: العزم الثابت، ثم العزم الثابت، ثم العزم الثابت, وأن الصبر ليس شيئًا يذكر، أو شيئًا يجدي، إن لم يكن صبرًا على أذى الحيوانية في أفظع وحشيتها؛ فالروح لا تؤذي الروح، ولكن الحيوان يؤذي الحيوان, وأن ما يقع من هذه الحيوانية فيسمى اعتداء من غيرك، ويسمى أذى لك، هو شيء ينبغي أن يجعله العزم فخرًا لقوة الاحتمال فيك، كما جعله البطش فخرًا للقدرة عند المعتدي.
وبهذا يكون العزم قد فصل بين نفسك الروحية وبين شخصك الحيواني، ووهبك حقيقة الشعور، وصحح بمعاني روحيتك معاني حيوانيتك، وحينئذ ترى السعادة حق السعادة ما كان هداية لنفسك أو هداية بها، ولو انقلب في الشخص الحيواني منك أذًى وألمًا. ذلك صبر أولي العزم من الرسل.
قال الراوي: وعند ذلك صاح رجل كان في المجلس دسه عامل الخليفة، ليسأل الشيخ سؤالًا على ملأ الناس، يكون كالتشنيع عليه والتشهير به؛ وقد مكر العامل فاختاره شيخًا كبيرًا أعقف، ليرحم الناس رقة عظمه وكبر سنه فلا يعرضون له بأذى، ثم ليكون صوته كأنه صوت الدهر من بعيد. قال الصائح: ذلك أيها الشيخ صبر أولي العزم من الرسل، أو صبر ابنتك على مكاره العيش مع ابن أبي وداعة، لا يجد إلا رُمْقة يُمسك بها الرَّمَق عليها، وقد كانت النعمة لها معرضة، فدفعتها إليه -زعمت- لتهلك به شخصها الحيواني، وتوكلت على الله وألقيت ابنتك في اليم؟
فتربّد وجه الشيخ وأطرق هُنَيَّات، ثم رفع رأسه وقال: أين المتكلم آنفًا؟
__________
1 سيأتي في كلام الإمام بسط لهذا المعنى.
(1/115)

فارتفع الصوت: ها أنا ذا. قال: ادن مني, فتقاعس الرجل كأنما تهيب ما فرَط منه. فاستدناه الثانية؛ فقام يتخطى الناس حتى وقف بإزائه ثم جلس؛ فقرأ الشيخ قوله تعالى: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} [إبراهيم: 21] .
ثم قال: أيها الرجل، لا تسمعني بأذنك وحدها, أرأيتَك1 لو سمعتَ خبرًا ليس في نفسك أصل من معناه، أو ورد عليك الخبر ونفسك عنه في شغل قد أهمها؛ أفكنت تنشط له نشاطك للخبر احتفلت له نفسك أو أصاب هوى منك أو رأيته موضع اعتبار؟
قال: لا.
قال الشيخ: فإذا سمعت بأذنك وحدها فإنما سمعت كلامًا يمر بأذنك مرًّا، وإذا أردت الكلام لنفسك سمعت بأذنك ونفسك معًا؟
قال: نعم.
قال الشيخ: فكل ما لا تنفرد به حاسة واحدة، بل تشارك فيه الحواس كلها أو أكثرها, لا يكون إلا موضع اهتمام للنفس؟
قال: نعم.
قال الشيخ: فمن هنا يكثر الفرح والحزن كلاهما إذا شاركت فيهما الحواس فيأتي كل منهما كثيرًا مهما قل، وتزيد كل حاسة في اللذة لذة وفي الألم ألمًا، فتعمل النفس في ذلك أعمالًا تسحر بها، فيكون الشيء لصاحبه غير ما هو للناس، كالصوت الباكي أو الضاحك في لسان طفلك، تسمعه أنت منه بكل حواسك، فإذا أنت سمعت الصوت عينه من لسان رجل في الناس رأيته غير ذاك أكذلك هو؟
قال: نعم.
قال الشيخ: أفيكون السرور بالغًا عجيبًا أكثر ما هو بالغ، حين يجد المال والغنى في الإنسان، أم حين يجد القوة النفسية وطبيعة المرح والرضى؟
قال: بل حين يجد في النفس ...
__________
1 أرأيتك بمعنى: أخبرني، تبقى تاؤه على حالها في الإفراد والتثنية والجمع ويسلط التغيير على الكاف: أرأيتك, أرأيتكما، أرأيتكم ... إلخ.
(1/116)

قال الشيخ: أرأيت الإنسان يكون سعيدًا بما يتوهم الناس أنه به غني سعيد، أم بشعوره هو وإن كان بعد فيما لا يتوهم الناس فيه الغنى والسعادة؟
قال: بل بشعوره.
قال الشيخ: أفلا توجد في الدنيا أشياء من النفس تكون فوق الدنيا وفوق الشهوات والمطامع؛ كالطفل عند أمه، كل ما تعلق به من شيء وُزن به هو لا بغيره، وكان الاعتبار عليه لا على سواه، أتعرف أمًّا ترضى أن يُذبح ابنها في حجرها لِقاء أن يُملأ حجرها ذهبًا وإن كانت فقيرة معدمة؟ قال: لا.
قال الشيخ: فإذا كانت النفس تشعر أكثر مما ترى؛ أفيذهب ما تراه فيما تشعر به، ويكون شعورها هو وحده الذي يلبس ما حولها ويصوره ويصرفه؟
قال: نعم.
قال الشيخ: أفتعرف أن لكل نفس قوية من هذا العالم الذي نعيش فيه عالمًا آخر هو عالم أفكارها، وإحساسها، وفيه وحده لذات إحساسها وأفكارها؟
قال: نعم.
قال الشيخ: أفرأيت المرأة إذا صح حبها أو فرحها أو عزمها، أرأيتها تكون إلا في عالم أفكارها؟ أرأيت كل ما يتصل برغبتها حينئذ يكون إلا من أشياء قلبها لا من أشياء الدنيا؟ أرأيتها لا تعيش في هذه الحالة إلا بالمعاملة مع قلبها الذي لا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يجمع المال ولا يريد إلا الشعور فقط؟
قال: نعم هو ذاك.
قال الشيخ: أرأيت إذا كان الإيمان قد وُلد ونشأ وترعرع في قلب المرأة، ألا يكون هو طفل قلبها؟
قال: نعم.
قال الشيخ: أرأيت إذا كانت الخمر عند مُدمنها شيئًا عظيمًا، وكانت ضرورة من ضرورات وجوده الضعيف المختل، فلا يستقيم وجوده ولا سفه وجوده إلا بها؛ أفيلزم من ذلك أن تكون الخمر من ضرورات صاحب الوجود القوي المنتظم؟
قال: لا.
قال الشيخ: أفموقن أنت لا بد من آخِر لأيام الإنسان ولياليه في هذه الدنيا, فينقطع به العيش؟
(1/117)

قال: نعم.
قال الشيخ: أفيؤرخ الإنسان يومئذ بتاريخ معدته وما حولها، أم بتاريخ نفسه وما فيها؟
قال: بل بتاريخ نفسه.
قال الشيخ: فإذا كنتَ صاحب حرب، وكنت بطلًا من الأبطال، ومِسْعَرًا من المساعير، وأيقنت الموت في المعركة؛ أيكون الحقيقي عندك في هذه الساعة هو الموت أم الحياة؟
قال: بل الحياة عندئذ وهْم وباطل.
قال الشيخ: فتفرّ في تلك الساعة إلى الحياة ولذاتها في خيالك، أم تفر منها ومن لذاتها؟
قال: بل الفرار منها، فإن خيالها يكون خَبَالًا.
قال الشيخ: ففي تلك الساعة التي هي عمر نفسك، وعمل نفسك، ورجاء نفسك؛ تستشعر اللذة في موتك بطلًا، أم تحس الكرب، والمقت من ذلك؟
قال: بل أستشعر اللذة.
قال الشيخ: إذن فهي كبرياء الروح العظيمة على مادة التراب والطين في أي أشكالها ولو في الذهب.
قال: هي تلك.
قال الشيخ: إذن فبعض أشياء النفس تمحو في بعض الأحوال كل أشياء الدنيا، أو الأشياء الكثيرة من الدنيا.
قال: نعم.
قال الإمام: يرحمك الله؛ كذلك مُحي عندنا أمير المؤمنين وابن أمير المؤمنين، ومحي المال والغنى، ولم يكن ذلك عندنا إلا سعادة؛ ومن رحمة الله أن كل من هدي سبيله بالدين أو الحكمة، استطاع أن يصنع بنفسه لنفسه سعادتها في الدنيا، ولو لم يكن له إلا لقيمات؛ فإن السعة سعة الخلق لا المال، وإن الفقر فقر الخُلُق لا العيش.
قال الراوي: ثم إن الإمام العظيم التفت إلى الناس وقال: أما إني -علم الله- ما زوجتُ ابنتي رجلًا أعرفه فقيرًا أو غنيًّا، بل رجلًا أعرفه بطلًا من أبطال
(1/118)

الحياة، يملك أقوى أسلحته من الدين والفضيلة. وقد أيقنتُ حين زوجتها منه أنها ستعرف بفضيلة نفسها فضيلة نفسه، فيتجانس الطبع والطبع, ولا مَهْنَأ لرجل وامرأة إلا أن يجانس طبعه طبعها، وقد علمتُ وعلم الناس أن ليس في مال الدنيا ما يشتري هذه المجانسة، وأنها لا تكون إلا هدية قلب لقلب يأتلفان ويتحابَّان.
ثم قال الإمام: وأنا فقد دخلتُ على أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم1- ورأيتهن في دورهن يقاسين الحياة، ويعانين من الرزق ما شح دَرّه فلا يجيء إلا كالقطرة بعد القطرة، وهنّ على ذلك، ما واحدة منهن إلا هي ملكة من ملكات الآدمية كلها، وما فقرهن إلا كبرياء الجنة نظرتْ إلى الأرض فقالت: لا ... ! 2.
يجاهدْنَ مجاهدة كل شريف عظيم النفس، همه أن يكون الشرف أو لا يكون شيء؛ ويرى الغافل أن مثلهن هالكات في تعب الجهاد، ويعلمن من أنفسهن غير ما يري ذلك المسكين, يعلمن أن ذلك التعب هو لذة النصر بعينها.
كانت أنوثتهن أبدًا صاعدة متسامية فوق موضعها بهذه القناعة وبهذه التقوى، ولا تزال متسامية صاعدة، على حين تنزل المطامع بأنوثة المرأة دون موضعها، ولا تزال أنوثتها تنحدر ما بقيت المرأة تطمع؛ ورب ملكة جعلتها مطامع الحياة في الدَّرك الأسفل، وهي باسمها في الوهم الأعلى!
وقد روينا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "اطَّلعتُ في الجنة فإذا أقل أهلها النساء، فقلت: أين النساء؟ قال: شغَلَهن الأحمران: الذهب والزعفران" 3 أي: الطمع في الغنى والعمل له، والميل إلى التبرج والحرص عليه.
__________
1 توفي سعيد بن المسيب سنة إحدى وتسعين للهجرة أو حولها، وكان قد لقي جماعة من الصحابة وسمع منهم، ودخل على أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخذ عنهن، وكان متزوجًا ابنة أبي هريرة الصحابي الجليل، وعنه أكثر روايته.
2 انظر مقالة: "درس من النبوة" في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
3 هذان هما فتنة النساء في كل دهر، وهذا الحديث من المعجزات، فالذهب كناية عن المال والحلى وما كان من بابهما، أما الزعفران ففيها المعجزة؛ لأنها كناية مطلقة فهمها العرب دلالة على الثياب المصبغة، ونفهم منها نحن كل أنواع زينة النساء، من المساحيق والعطور, إلى "المودة" التي هي أصباغ معنوية لأشكال الثياب. وقد كان العرب يقولون: غمرت المرأة وجهها إذا طلته بالزعفران ليصفو لونها. ويقولون من ذلك: امرأة مغمرة، وتغمرت، أي: فعلت ذلك. "فالزعفران" كما ترى، كناية تدخل فيها "البودرة" والأدهان المختلفة، وكل ما أفسد وجه المرأة ليفسد حياتها الاجتماعية.
(1/119)

ونفس الأنثى ليست أنثى، ولكن شغلها بذلك التبرج وذلك الحرص وذلك الطمع هو يخصصها بخصائص الجسد، ويعطيها من حكمه، وينزلها على إرادته؛ وهذه هي المزلة، فتهبط المرأة أكثر مما تعلو، وتضعف أكثر مما تقوى، وتفسد أكثر مما تصلح. إن نفس الأنثى لرجل واحد، لزوجها وحده.
رأيت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- فقيرات مقتورًا عليهن الرزق، غير أن كلا منهن تعيش بمعاني قلبها المؤمن القوي، في دار صغيرة فرشتها الأرض ولكنها من معاني ذلك القلب كأنها سماء صغيرة مختبئة بين أربعة جدران. إنهن لم يبتعدن عن الغنى إلا ليبعدن عن حماقة الدنيا التي لا تكون إلا في الغنى.
أف أف! أتريدون أن أزوج ابنتي من ابن أمير المؤمنين فيخزيها الله على يدي، وأدفعها إلى القصر وهو ذلك المكان الذي جمع كل أقذار النفس ودَنَس الأيام والليالي؛ أَأُزوجها رجلًا تعرف من فضيلة نفسها سقوط نفسه، فتكون زوجة جسمه ومطلقة روحه في وقت معًا؟
ألا كم من قصر هو في معناه مقبرة، ليس فيها من هؤلاء الأغنياء رجالهم ونسائهم إلا جيف يبلي بعضها بعضًا!
قال الراوي: وضج الناس لحمامة صغيرة قد جنحت من الهواء, فوقعت في حجر الشيخ لائذة به من مخافة، وجعلت تدف بجناحيها وتضطرب من الفزع، ومر الصقر على أثرها وقد أهوى لها، غير أنه تمطر ومرق في الهواء إذ رأى الناس.
وتناولها الإمام في يده وهي في رجفتها من زلزلة الهواء، وكانت كالعروس مسرولة قد غابت ساقاها في الريش, وعلى جسمها من الألوان نمنمة وتحبير، ولها روح العروس الشابة يُهدونها إلى من تكره ويزفونها على قاتلها الذي يسمى زوجها.
وأدناها الشيخ من قلبه، ومسح عليها بيده، ونظر في الهواء نظرة, وهو يقول: نجوتِ نجوتِ يا مسكينة!
(1/120)

زوجة إمام:
جلس جماعة أصحاب الحديث في مسجد الكوفة، يتنظّرون قدوم شيخهم الإمام "أبي محمد سليمان الأعمش"1 ليسمعوا منه الحديث، فأبطأ عليهم؛ فقال منهم قائل: هلموا نتحدث عن الشيخ فنكون معه وليس معنا، فقال أبو معاوية الضرير: إلى أن يكون معنا ولسنا معه! فخطرت ابتسامة ضعيفة تهتز على أفواه الجماعة، لم تبلغ الضحك، ومرت لم تسمع، وكأنها لم تُرَ، وانطلقت من المباح المعفوّ عنه. ولكن أكبرها أبو عتاب منصور بن المعتمر. فقال: ويلك يا أبا معاوية! أتتندّر بالشيخ وهو منذ الستين سنة لم تفته التكبيرة الأولى في هذا المسجد، وعلى أنه محدث الكوفة وعالمها، وأقرأ الناس لكتاب الله، وأعلمهم بالفرائض، وما عرفت الكوفةُ أعبد منه ولا أفقه في العبادة؟
فقال محمد بن جُحادة2: أنت يا أبا عتاب، رجل وحدك، تواصل الصوم منذ أربعين سنة، فقد يبستَ على الدهر، وأصبح الدهر جائعًا منك، وما برحت تبكي من خشية الله، كأنما اطلعت على سواء الجحيم، ورأيت الناس يتواقعون فيها وهي لهب أحمر يلتف على لهب أحمر، تحت دخان أسود يتضرب في دخان أسود؛ يتغامس الإنسان فيها وهي ملء السموات، فما يكون إلا كالذبابة أوقدوا لها جبلًا ممتدًّا من النار، ينطاد بين الأرض والسماء، وقد ملأ ما بينهما جمرًا وشُعَلًا ودخانًا، حتى لتتهارب السحب في أعلى السماء من حره، وهو على هوله وجسامته لحرق ذبابة لا غيرها، بيد أنها ذبابة تُحرق أبدًا ولا تموت أبدًا، فلا تزال ولا يزال الجبل!
فصاح أبو معاوية الضرير: ويحك يا محمد! دع الرجل وشأنه؛ إن لله عبادًا متاعهم مما لا نعرف، كأنهم يأكلون ويشربون في النوم، فحياتهم من وراء حياتنا، وأبو عتاب في دنيانا هذه ليس هو الرجل الذي اسمه "منصور"، ولكنه العمل الذي يعمله "منصور". هل أتاكم خبر قارئ المدينة "أبي جعفر الزاهد؟ ".
__________
1 ولد هذا الإمام العظيم سنة 61 للهجرة، وتوفي سنة 148.
2 الجحادة هي الغرارة الممتلئة، فكانت أمه تشبه بها لضخامتها.
(1/121)

قال الجماعة: ما خبره يا أبا معاوية؟ قال: لقد توفي من قريب، فرُئي بعد موته على ظهر الكعبة؛ وسترون أبا عتاب -إذا مات- على منارة هذا المسجد!
فصاح أبو عتاب: تَخَلَّل يا أبا معاوية؛ أما حفظت خبر ابن مسعود: "كنا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فقام رجل، فوقع فيه رجل من بعده، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "تخلل" قال: "مم أتخلل؟ ما أكلت لحمًا؟ " قال: "إنك أكلت لحم أخيك! " ".
فتقلقل الضرير في مجلسه، وتنحنح، وهَمْهَمَ أصواتًا بينه وبين نفسه, وأحس الجماعة شأنه، وقد عرفوا أن له شرًّا مبصرًا، كالذي كان فيه من المزح والدعابة، وشرًّا أعمى هذه بوادره؛ فاستلب ابن جحادة الحديث مما بينهما وقال: يا أبا معاوية، أنت شيخنا وبركتنا وحافظنا، وأقربنا إلى الإمام، وأمسنا به؛ فحدثنا حديث الشيخ كيف صنع في رده على هشام بن عبد الملك1، وما كان بينك وبين الشيخ في ذلك، فإن هذا مما انفردتَ أنت به دون الناس جميعًا، إذ لم يسمعه غير أذنيك، فلم يحفظه غيرك وغير الملائكة.
فأسفر وجه أبي معاوية، وسُرِّيَ عنه، واهتز عطفاه، وأقبل عليهم بعفو القادر, وأنشأ يحدثهم, قال:
إن هشامًا -قاتله الله- بعث إلى الشيخ: أن اكتب لي مناقب عثمان ومساوئ علي. فلما قرأ كتابه كانت داجنة إلى جانبه، فأخذ القرطاس وألقمه الشاة, فلاكته حتى ذهب في جوفها، ثم قال لرسول الخليفة: قل له: هذا جوابك! فخشي الرسول أن يرجع خائبًا فيقتله هشام، فما زال يتحمل بنا، فقلنا: يا أبا محمد, نجه من القتل. فلما ألححنا عليه كتب: "بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد يا أمير المؤمنين، فلو كانت لعثمان "رضي الله عنه" مناقب أهل الأرض ما نفعتك، ولو كانت لعلي "رضي الله عنه" مساوئ أهل الأرض ما ضرتك, فعليك بخُوَيِّصَة نفسك، والسلام".
فلما فصل الرسول قال لي الشيح: إنه كان في خراسان محدث اسمه "الضحاك بن مزاحم الهلالي" وكان فقيه مكتب عظيم فيه ثلاثة آلاف صبي يتعلمون؛ فكان هذا الرجل إذا تعب ركب حمارًا ودار به في المكتب عليهم، فيكون إقبال الحمار على الصبي همًّا وإدباره عنه سرورًا. وما أرى الشيطان إلا قد
__________
1 بُويع هشام سنة 105 للهجرة، وتوفي سنة 125.
(1/122)

تعب في مكتبه وأعيا، فركب أمير المؤمنين ليدور علينا نحن يسألنا: ماذا حفظنا من مساوئ علي؟
قلت: فلماذا ألقمتَ كتابه الشاة, ولو غسلتَه أو أحرقتَه كان أفهم له وكان هذا أشبه بك؟ فقال: ويحك يا أبله! لقد شابت البلاهة في عارضيك؛ إن هشامًا سيتقطع منها غيظًا، فما يخفي عنه رسوله أني أطعمت كتابه الشاة، وما يخفي عنه دهاؤه أن الشاة ستبعره من بعد!
قلت: أفلا تخشى أمير المؤمنين؟
قال: ويحك! هذا الأحول عندك أمير المؤمنين؟ أبما ولدته أمه من عبد الملك؟ فهبها ولدته من حائك أو حجام! إن إمارة المؤمنين يا أبا معاوية، هي ارتفاع نفس من النفوس العظيمة إلى أثر النبوة؛ كأن القرآن عرض المؤمنين جميعًا ثم رضي منهم رجلًا للزمن الذي هو فيه، ومتى أصيب هذا الرجل القرآني، فذاك وارث النبي في أمته وخليفته عليها، وهو يومئذ أمير المؤمنين، لا من إمارة الملك والترف، بل من إمارة الشرع والتدبير والعمل والسياسة.
هذا الأحول الذي التف كدودة الحرير في الحرير، وأقبل على الخيل لا للجهاد والحرب، ولكن للهو والحَلْبَة، حتى اجتمع له من جياد الخيل أربعة آلاف فرس لم يجتمع مثلها لأحد في جاهلية ولا إسلام، وعمل الخز وقُطُف الخز، واستجاد الفرش والكسوة، وبالغ في ذلك وأنفق فيه النفقات الواسعة، وأفسد الرجولة بالنعيم والترف، حتى سلك الناس في ذلك سنته، فأقبلوا بأنفسهم على لهو أنفسهم, وصنعوا الخير صنعة جديدة بصرفه إلى حظوظهم، وتركوا الشر على ما هو في الناس، فزادوا الشر وأفسدوا الخير، ولم يعد الفقراء والمساكين عندهم هم والفقراء والمساكين من الناس، بل بطونهم وشهواتهم! ولقد كان الرجل من أغنياء المسلمين يقتصد في حظ نفسه ليسع ببره مائة أو مائتين أو أكثر من إخوانه وذوي حاجته، فعاد هذا الغني يتسع لنفسه ثم يتسع، حتى لا يكفيه أن يأكل رزقه مائة أو مائتين أو أكثر!
إن هذا الإسلام يجعل أحسن المسرات أحسنها في بذلها للمحتاجين، لا في أخذها والاستئثار بها، فهي لا تضيع على صاحبها إلا لتكون له عند الله، وكأن الفقر والحاجة والمسكنة والإنفاق في سبيل الله, كأن هذه أرضون يغرس فيها الذهب والفضة غرسًا لا يؤتي ثمره إلا في اليوم الذي ينقلب فيه أغنى الأغنياء على
(1/123)

الأرض، وإنه لأفقر الناس إلى درهم من رحمة الله وإلى ما دون الدرهم؛ فيقال له حينئذ: خذ من ثمار عملك، وخذ ملء يديك!
والسلطان في الإسلام هو الشرع مرئيًّا يتابعه، متكلمًا يفهمه الناس، آمرًا ناهيًا يطيعه الناس. ولقد رأى المسلمون هذا الأحول، وتابعوه وسمعوا له وأطاعوا؛ فمنعوا ما في أيديهم، فانقطع الرّفْد، وقل الخير، وشحت الأنفس، وأصبح خيرهم لبطنه وشهواته، وصار الزمان أشبه بناسه، والناس أشبه بمَلِكهم, وملكهم في شهواته "فقير المؤمنين" لا أمير المؤمنين!
إن هذه الإمارة يا أبا معاوية، إنما تكون في قرب الشبه بين النبي ومن يختاره المؤمنون للبيعة. وللنبي جهتان: إحداهما إلى ربه، وهذه لا يطمع أحد أن يبلغ مبلغه؛ والأخرى إلى الناس، وهذه هي التي يقاس عليها "وهي كلها رفق ورحمة وعمل، وتدبير وحياطة وقوة، إلى غيرها مما يقوم به أمر الناس؛ وهي حقوق وتَبِعات ثقيلة تنصرف بصاحبها عن حظ نفسه، وبهذا الانصراف تجذب الناس إلى صاحبها. فإمارة المؤمنين هي بقاء مادة النور النبوي في المصباح الذي يضئ للإسلام، بإمداده بالقدر بعد القدر من هذه النفوس المضيئة. فإن صَلُح التراب أو الماء مكان الزيت في الاستضاءة، صلح هشام وأمثاله لإمارة المؤمنين!
ويل للمسلمين حين ينظرون فيجدون السلطان عليهم بينه وبين النبي مثل ما بين دينين مختلفين. ويل يومئذ للمسلمين! ويل يومئذ للمسلمين!
فلما أتم الضرير حديثه قال ابن جُحادة: إن شيخنا على هذا الجد ليمزح، وسأحدثكم غير حديث أبي معاوية، فقد رأيت الدنيا كأنما عرفت الشيخ ووقفت على حقيقته السماوية فقالت له: اضحك مني ومن أهلي. ولكن وقاره ودينه ارتفعا به أن يضحك بفمه ضحك الجهلاء والفارغين, فضحك بالكلمة بعد الكلمة من نوادره.
لقد كنتُ عنده في مَرْضَته، فعاده "أبو حنيفة" صاحب الرأي، وهو جبل علم شامخ، فطوّل القعود مما يحبه ويأنس به، إذ كانت الأرواح لا تعرف مع أحبابها زمنًا يطول أو يقصر. فلما أراد القيام قال له: ما كأني إلا ثقلتُ عليك. فقال الشيخ: إنك لثقيل علي وأنت في بيتك! وضحك أبو حنيفة كأنه طفل يناغيه أبوه بكلمة ليس فيها معناها، أو أب داعبه طفله بكلمة فيها غير معناها.
(1/124)

وجاءه في الغداة قوم يعودونه، فلما أطالوا الجلوس عنده أخذ الشيخ وسادته وقام منصرفًا، وقال لهم: قد شفى الله مريضكم!
فقال الضرير: تلك رَوْحَة من هواء دُنباوَند1، فإن أبا الشيخ كان من تلك الجبال، وقدم إلى الكوفة وأمه حامل؛ فوُلد هنا؛ فكأن في دمه ذلك النسيم تهب منه النفحة بعد النفحة في مثله هذه الكلمات المتنسمة؛ ثم هي روحه الظريفة الطيبة تلمس بعض كلامه أحيانًا، كما تلمس روح الشاعر بعض كلام الشاعر؛ وما رأيت أدق النوادر الساخرة وأبلغها وأعجبها يجيء إلا من ذوي الأرواح الشاعرة الكبيرة البعيدة الغور، كأنما النادرة من رؤية النفس حقيقتان في الشيء الواحد. والإمام في ذلك لا يسخر من أحد، إلا إذا كانت الأرض حين تخرج الثمرة الحلوة تسخر بها من الثمرة المرة.
والعجيب أن النادرة البارعة التي لا تتفق إلا لأقوى الأرواح، يتفق مثلها لأضعف الأرواح؛ كأنها تسخر من الناس كما يسخرون بها فهذا "أبو حسن" معلم الكتاب، جاءه غلامان من صِبيته قد تعلق أحدهما بالآخر؛ فقال: يا معلم، هذا عص أذني. فقال الآخر: ما عضضتها، وإنما عض أذن نفسه. فقال المعلم: وتمكر بي يابن الخبيثة؟ أهو جَمَل طويل العنق حتى ينال أذن نفسه فيعضها!
وطلع الشيخ عليهم وكأنما قرأ نفس أبي معاوية في وجهه المتفتح. ومن عجائب الحكمة أن الذي يُلمَح في عيني المبصر من خوالج نفسه، يُلمح على وجه الضرير مكبرا مجسما. وكان الشيخ لا يأنس بأحد أنسه بأبي معاوية؛ لذكائه وحفظه وضبطه، ولمشاكلة الظرف الروحي بينهما؛ فقال له:
- "فيم كان أبو معاوية؟ ".
- "كان أبو معاوية في الذي كان فيه! ".
- "وما الذي كان فيه؟ ".
- "هو ما تسأل عنه؟ ".
- "فأجبني عما أسأل عنه".
- "قد أجبتك! ".
- "بماذا أجبت؟ ".
- "بما سمعت! ".
__________
1 ناحية من رستاق الري في الجبال الثلجية, وهي بلاد العجم.
(1/125)

فقبَّض وجه الشيخ وقال: "أههنا وهناك معًا؟ لو أن هذا من امرأة غضبى على زوجها لكان له معنى، بل لا معنى له ولا من امرأة غضبى على زوجها. أحسب لولا أن في منزلي من هو أبغض إلي منكم ما خرجت؟ " فقال الضرير: "يا أبا محمد، كأننا زوجات العلم، فأيتنا التي حَظِيَتْ وبظيت".
فغطى الجماعة أفواههم يضحكون، وتبسم الشيخ، ثم شرع يحدث فأفضى من خبر إلى خبر، وتسرح في الرواية حتى مر به هذا الحديث:
عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن هلاك الرجال طاعتهم لنسائهم".
قال الشيخ: كان الحديث بهذا اللفظ، ولم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم: "هلاك الرجل طاعته لامرأته"؛ فإن هذا لا يستقيم؛ إذ يكون بعض النساء أحيانًا أكمل من بعض الرجال، وأوفر عقلًا وأسد رأيًا، وقد تكون المرأة هي الرجل في الحقيقة عزمًا وتدبيرًا وقوة نفس، ويتلين الرجل معها كأنه امرأة. وكثير من النساء يكن نساء بالحلية والشكل دون ما وراءهما، كأنما هُيئن رجالًا في الأصل ثم خُلقن نساء بعد، لإحداث ما يريد الله أن يحدث بهن، مما يكون في مثل هذه العجيبة عملًا ذا حقيقتين في الخير أو الشر.
وإنما عم الحديث ليدل على أن الأصل في هذه الدنيا أن تستقيم أمور التدبير بالرجال؛ فإن البأس والعقل يكونان فيهم خِلقة وطبيعة أكثر مما يكونان في النساء, كما أن الرقة والرحمة في خلقة النساء وطبيعتهن أكثر مما هما في الرجال، فإذا غلبت طاعة النساء في أمة من الأمم، فتلك حياة معناها هلاك الرجال، وليس المراد هلاك أنفسهم، بل هلاك ما هم رجال به، والحديد حديد بقوته وصلابته، والحجر حجر بشدته واجتماعه؛ فإن ذاب الأول أو تفلَّل، وتناثر الآخر أو تفتَّت، فذاك هلاكهما في الحقيقة، وهما بعد لا يزالان من الحجر والحديد.
والمرأة ضعيفة بفطرتها وتركيبها، وهي على ذلك تأبى أن تكون ضعيفة أو تُقر بالضعف، إلا إذا وجدت رجلها الكامل، رجلها الذي يكون معها بقوته وعقله وفتنته لها وحبها إياه، كما يكون مثال مع مثال. ضع مائة دينار بجانب عشرة دنانير، ثم اترك للعشرة أن تتكلم وتدعي وتستطيل؛ قد تقول: إنها أكثر إشراقًا، أو أظرف شكلًا، أو أحسن وضعًا وتصفيفًا؛ ولكن الكلمة المحرَّمة هنا أن تزعم أنها أكبر قيمة في السوق!
قال الشيخ: ومَنْ مِنَ النساء تصيب رجلها الكامل أو القريب من كماله
(1/126)

عندها، أي: طبيعته بالقياس إلى طبيعتها، كمال جسم مفصل لجسم تفصيل الثوب الذي يلبسه ويختال فيه؟ أما إن هذا من عمل الله وحده, كما يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، يبسط مثل ذلك للنساء في رجالهن ويقدر.
فإذا لم تصب المرأة رجلها القوي -وهو الأعم الأغلب- لم تستطع أن تكون معه في حقيقة ضعفها الجميل، وعملت على أن يكون الرجل هو الضعيف، لتكون معه في تزوير القوة عليه وعلى حياته، وبهذا تخرج من حيزها؛ وما أول خروج النساء إلى الطرقات إلا هذا المعنى؛ فإن كثر خروجهن في الطريق، وتسكعْنَ ههنا وههنا، فإنما تلك صورة من فساد الطبيعة فيهن ومن إملاقها أيضًا.
قال الشيح: وكأن في الحديث الشريف إيماء إلى أن بعض الحق على النساء أن ينزلن عن بعض الحق الذي لهن إبقاء على نظام الأمة، وتيسيرًا للحياة في مجراها؛ كما ينزل الرجل عن حقه في حياته كلها إذا حارب في سبيل أمته، إبقاء عليها وتيسيرًا لحياتها في مجراها. فصبر المرأة على مثل هذه الحالة هو نفسه جهادها وحربها في سبيل الأمة، ولها عليه من ثواب الله مثل ما للرجل يقتل أو يجرح في جهاده.
ألا وإن حياة بعض النساء مع بعض الرجال تكون أحيانًا مثل القتل، أو مثل الجرح، وقد تكون مثل الموت صبرًا على العذاب! ولهذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمزوجة يسألها عن حالها وطاعتها وصبرها مع رجلها: "فأين أنت منه؟ " قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه! قال: "فكيف أنت له؟ فإنه جنتك ونارك".
آه! آه! حتى زواج المرأة بالرجل هو في معناه مرور المرأة المسكينة في دنيا أخرى إلى موت آخر، ستحاسب عنده بالجنة والنار، فحسابها عند الله نوعان: ماذا صنعت بدنياك ونعيمها وبؤسها عليك؟ ثم ماذا صنعت بزوجك ونعيمه وبؤسه فيك؟
وقد روينا أن امرأة جاءت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، إني وافدة النساء إليك؛ ثم ذكرت ما للرجال في الجهاد من الأجر والغنيمة؛ ثم قالت: فما لنا من ذلك؟
فقال صلى الله عليه وسلم: "أبلغي من لقيت من النساء أن طاعة للزوج، واعترافًا بحقه يعدل ذلك, وقليل منكن من يفعله! ".
وقال الشيخ: تأملوا, اعجبوا من حكمة النبوة ودقتها وبلاغتها؛ أيقال في المرأة المحبة لزوجها المفتتنة به المعجبة بكماله: إنها أطاعته واعترفت بحقه؟ أَوَلَيس ذلك طبيعة الحب إذا كان حبًّا؟ فلم يبق إذن إلا المعنى الآخر، حين لا
(1/127)

تصيب المرأة رجلها المفصل لها، بل رجلًا يسمى زوجًا؛ وهنا يظهر كرم المرأة الكريمة، وههنا جهاد المرأة وصبرها، وههنا بذلها لا أخذها؛ ومن كل ذلك ههنا عملها لجنتها أو نارها.
فإذا لم يكن الرجل كاملًا بما فيه للمرأة، فلتُبْقه هي رجلًا بنزولها عن بعض حقها له، وتركها الحياة تجري في مجراها، وإيثارها الآخرة على الدنيا، وقيامها بفريضة كمالها ورحمتها، فيبقى الرجل رجلًا في عمله للدنيا، ولا يُمسَخ طبعه ولا ينتكس بها ولا يَذِل، فإن هي بَذَأت وتسلطت وغلبت وصرَّفت الرجل في يدها, فأكثر ما يظهر حينئذ في أعمال الرجال من طاعتهم لنسائهم, إنما هو طيش ذلك العقل الصغير وجرأته، وأحيانًا وقاحته؛ وفي كل ذلك هلاك معاني الرجولة، وفي هلاك معاني الرجولة هلاك الأمة!!
قال الشيخ: والقلوب في الرجال ليست حقيقة أبدًا، بطبيعة أعمالهم في الحياة وأمكنتهم منها، ولكن القلب الحقيقي هو في المرأة؛ ولذا ينبغي أن يكون فيه السمو فوق كل شيء إلا واجب الرحمة؛ ذلك الواجب الذي يتجه إلى القوي فيكون حبا، ويتجه إلى الضعيف فيكون حنانًا ورقة، ذلك الواجب هو اللطف؛ ذلك اللطف هو الذي يثبت أنها امرأة.
قال أبو معاوية: وانفضّ المجلس، ومنعني الشيخ أن أقوم مع الناس، وصرف قائدي؛ فلما خلا وجهه قال: يا أبا معاوية قم معي إلى الدار, قلت: ما شأنك في الدار يا أبا محمد؟ قال: إن "تلك" غاضبة علي، وقد ضاقت الحال بيني وبينها، وأخشى أن تتباعد، فأريد أن تصلح بيننا صلحًا.
قلت: فمم غضبها؟ قال: لا تسأل المرأة مم تغضب، فكثيرًا ما يكون هذا الغضب حركة في طباعها، كما تكون جالسة وتريد أن تقوم فتقوم، وتريد أن تمشي فتمشي!
قلت: يا أبا محمد، هذا آخر أربع مرات1 تغضب عليك غضب الطلاق، فما يحبسك عليها والنساء غيرها كثير؟
قال: ويحك يا رجل! أبائع نساء أنا، أما علمت أن الذي يطلق امرأة لغير
__________
1 هذا هو التعبير الصحيح لمثل قول الناس: "هذه رابع مرة".
(1/128)

ضرورة ملجئة، هو كالذي يبيعها لمن لا يدري كيف يكون معها وكيف تكون معه؟ إن عمر الزوجة لو كان رقبة وضُربت بسيف قاطع لكان هذا السيف هو الطلاق!
وهل تعيش المطلقة إلا في أيام ميتة؟ وهل قاتل أيامها إلا مطلقها؟
قال أبو معاوية: وقمنا إلى الدار، واستأذنت ودخلت على "تلك".
(1/129)

زوجة إمام بقية الخير:
قال أبو معاوية الضرير: وكنت في الطريق إلى دار الشيخ، أُرَوِّئ في الأمر، وأمتحن مذاهب الرأي، وأقلبها على وجوهها، وأنظر كيف احتال في تأليف ما تنافر من الشيخ وزوجته؛ فإن الذي يسفر بين رجل وامرأته إنما يمشي بفكره بين قلبين، فهو مطفئ نائرة1 أو مسعرها، إذ لا يضع بين القلبين إلا حمقه أو كياسته، وهو لن يرد المرأة إلى الرأي إلا إذا طاف على وجهها بالضحك، وعلى قلبها بالخجل، وعلى نفسها بالرقة، وكان حكيمًا في كل ذلك؛ فإن عقل المرأة مع الرجل عقل بعيد، يجيء من وراء نفسها، من وراء قلبها.
وجعلتُ أنظر ما الذي يفسد محل الشيخ من زوجته، ومثلت بينه وبينها، فما أخرج لي التفكير إلا أن حسن خلقه معها دائمًا هو الذي يستدعي منها سوء الخلق أحيانًا؛ فإن الشيخ كما ورد في وصف المؤمن: "هين لين كالجمل الأنُف 2، إن قيد انقاد، وإن أنيخ على صخرة استناخ"، والمرأة لا تكون امرأة حتى تطلب في الرجل أشياء, منها: أن تحبه بأسباب كثيرة من أسباب الحب؛ ومنها: أن تخافه بأسباب يسيرة من أسباب الخوف، فإذا هي أحبته الحب كله، ولم تخف منه شيئًا، وطال سكونه وسكونها، نفرت طبيعتها نفرة كأنها تنخيه وتذمره، ليكون معها رجلًا فيخيفها الخوف الذي تستكمل به لذة حبها، إذ كان ضعفها يحب فيما يحبه من الرجل، أن يقسو عليه الرجل في الوقت بعد الوقت، لا ليؤذيه ولكن ليخضعه؛ والآمر الذي لا يخاف إذا عُصي أمره، هو الذي لا يعبأ به إذا أطيع أمره.
وكأن المرأة تحتاج طبيعتها أحيانًا إلى مصائب خفيفة، تؤذي برقة أو تمر
__________
1 النائرة: الغضب.
2 أي: المأنوف ويسميه العامة "المخزوم" وهو الذي عقر أنفه بالخشاش فيقاد منه, فيكون ذلولًا سمحًا.
(1/130)

بالأذى من غير أن تلمسها به؛ لتتحرك في طبيعتها معاني دموعها من غير دموعها؛ فإن طال ركود هذه الطبيعة، أوجدت هي لنفسها مصائبها الخفيفة، فكان الزوج إحداها.
وهذا كله غير الجرأة أو البَذَاء فيمن يبغضن أزواجهن، فإن المرأة إذا فركت زوجها لمنافرة الطبيعة بينها وبينه، مات ضعفها الأنثوي الذي يتم به جمالها واستمتاعها والاستمتاع بها، وتعقد بذلك لينها أو تصلب أو استحجر، فتكون مع الرجل بخلاف طبيعتها، فينقلب سكرها النسائي بأنوثتها الجميلة عربدة وخلافًا وشرًّا وصخبًا، ويخرج كلامها للرجل وهو من البغض كأنه في صوتين لا في صوت واحد. ولعل هذا هو الذي أحسه الشاعر العربي بفطرته, من تلك المرأة الصخّابة الشديدة الصوت البادية الغيظ، فضاعف لها في تركيب اللفظ حين وصفها بقوله:
صُلُبَّة الصيحة صَهْصَلِيقُها1
قال أبو معاوية: واستأذنت على "تلك"، ودخلت بعد أن استوثقت أن عندها بعض محارمها؛ فقلت: أنعم الله مساءكِ يا أم محمد. قالت: وأنت فأنعم الله مساءك.
فأصغيتُ للصوت، فإذا هو كالنائم قد انتبه يتمطى في استرخاء، وكأنها تقبلني به وتردني معًا، لا هو خالص للغضب ولا هو خالص للرضى.
فقلت: يا أم محمد، إني جائع لم ألم اليوم بمنزلي. فقامت فقربت ما حضر وقالت: معذرة يا أبا معاوية، فإنما هو جهد المقل، وليس يعدو إمساك الرمق. فقلت: إن الجوعان غير الشهوان؛ والمؤمن يأكل في معًى واحد2 ولم يخلق الله قمحًا للملوك وقمحًا غيره للفقراء.
ثم سميتُ ومددتُ يدي أتحسس ما على الطبق، فإذا كِسَر من الخبز، معها شيء من الجزر المسلوق، فيه قليل من الخل والزيت؛ فقلت في نفسي: هذا بعض أسباب الشر؛ وما كان بي الجوع ولا سده، غير أني أردت أن أعرف حاضر الرزق في دار الشيخ، فإن مثل هذه القلة في طعام الرجل هي عند المرأة قلة من
__________
1 هذا من عجائب اللغة العربية، إذا زاد المعنى زادوا له في اللفظ. ورواية لسان العرب: ""شديدة" الصيحة" وليست بشيء، فليصححها من يقتني اللسان من القراء.
2 في بعض الأثر: "المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء". وهذا الحديث رمز عجيب لبهيمية من لا يرى الدنيا إلا الدنيا فقط.
(1/131)

الرجل نفسه؛ وكل ما تفقده من حاجاتها وشهوات نفسها، فهو عندها فقر بمعنيين: أحدهما من الأشياء، والآخر من الرجل. كلما أكثر الرجل من إتحافها كثر عندها، وإن أقل قل. وإنما خلقت المرأة بطنًا يلد، فبطنها هو أكبر حقيقتها، وهذه غايتها وغاية الحكمة فيها؛ لا جرم كان لها في عقلها معدة معنوية؛ وليس حبها للحلي والثياب والزينة والمال، وطماحها إليها، واستهلاكها في الحرص والاستشراف لها, إلا مظهرًا من حكم البطن وسلطانه؛ فذلك كله إذا حققته في الرجل لم تجده عنده إلا من أسباب القوة والسلطة، وكان فقده من ذرائع الضعف والقلة؛ فإذا حققته في المرأة ألفيته عندها من معاني الشبع والبطر، وكان فقده عندها كأنه فن من الجوع، وكانت شهوتها له كالقرم إلى اللحم عند من حُرِم اللحم؛ وهذا بعض الفرق بين الرجال والنساء؛ فلن يكون عقل المرأة كعقل الرجل لمكان الزيادة في معانيها "البطنية" فحُسبت لها الزيادة ههنا بالنقص هناك؛ فهن ناقصات عقل ودين كما ورد في الحديث. أما نقص العقل فهذه علته؛ وأما الدين فلغلبة تلك المعاني على طبيعتها كما تغلب على عقلها؛ فليس نقص الدين في المرأة نقصًا في اليقين أو الإيمان، فإنها في هذين أقوى من الرجل؛ وإنما ذاك هو النقص في المعاني الشديدة التي لا يكمل الدين إلا بها؛ معاني الجوع من نعيم الدنيا وزينتها، وامتداد العين إليها، واستشراف النفس لها؛ فإن المرأة في هذا أقل من الرجل؛ وهل لهذه العلة ما برحت تُؤْثر دائمًا جمال الظاهر وزينته في الرجال والأشياء، دون النظر إلى ما وراء ذلك من حقيقة المنفعة.
قال أبو معاوية: وأريتُها أني جائع، فنهشت نهش الأعرابي، كيلا تفطن إلى ما أردت من زعم الجوع؛ ثم أحببت أن أستدعي كلامها وأستميلها لأن تضحك وتُسر، فأغير بذلك ما في نفسها، فيجد كلامي إلى نفسها مذهبًا؛ فقلت: يا أم محمد، قد تحرمت بطعامك، ووجب حقي عليك، فأشيري عليّ برأيك فيما أستصلح به زوجتي، فإنها غاضبة علي، وهي تقول لي: والله ما يقيم الفأر في بيتك إلا لحب الوطن, وإلا فهو يسترزق من بيوت الجيران.
قالت: وقد أعدمت حتى من كسر الخبز والجزر المسلوق؟ الله منك! لقد استأصَلْتَها من جذورها؛ إن في أمراض النساء الحمى التي اسمها الحمى، والحمى التي اسمها الزوج.
فقلت: الله الله يا أم محمد؛ لقد أيسرت بعدنا، حتى كأن الخبز والجزر
(1/132)

المسلوق شيء قليل عندك من فرط ما يتيسر؛ أَوَما علمت أن رزق الصالحين كالصالحين أنفسهم، يصوم عن أصحابه اليوم واليومين. وكأنك سمعت شيئًا من أخبار أمهات المؤمنين، أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونساء أصحابه -رضوان الله عليهم- فما خير امرأة مسلمة لا تكون بأدبها وخلقها الإسلامي كأنها بنت إحدى أمهات المؤمنين؟
أفرأيتِ لو كنت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم؛ أفكان ينقلك هذا إلى أحسن مما أنت فيه من العيش؛ وهل كانت فاطمة بنت ملك تعيش في أحلام نفسها، أو بنت نبي تعيش في حقائق نفسها العظيمة؟
تقولين: إنني استأصلت أم معاوية من جذورها؛ فما أم معاوية وما جذورها؟ أهي خير من أسماء بنت أبي بكر صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد قالت عن زوجها البطل العظيم: تزوجني وما له في الأرض من مال ولا مملوك، ولا شيء غير فرسه وناضحه1، فكنت أعلف فرسه وأكفيه مؤنته وأسُوسه، وأدق النوى لناضحه وأعلفه، وأستقي الماء وأخرز غَربه2 وأعجن، وكنت أنقل النوى على رأسي من ثلثي فرسخ، حتى أرسل إلي أبو بكر بجارية، فكفتني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني.
هكذا ينبغي لنساء المسلمين في الصبر والإباء والقوة، والكبرياء بالنفس على الحياة كائنة ما كانت، والرضا والقناعة ومؤازرة الزوج وطاعته، واعتبار ما لهن عند الله لا ما لهن عند الرجل، وبذلك يرتفعن على نساء الملوك في أنفسهن، وتكون المرأة منهن وما في دارها شيء، وعندها أن في دارها الجنة. وهل الإسلام إلا هذه الروح السماوية التي لا تهزمها الأرض أبدًا، ولا تذلها أبدًا، ما دام يأسها وطمعها معلقين بأعمال النفس في الدنيا، لا بشهوات الجسم من الدنيا؟
هل الرجل المسلم الصحيح الإسلام، إلا مثل الحرب يثور حولها غبارها، ويكون معها الشظف والبأس والقوة والاحتمال والصبر, إذ كان مفروضًا على المسلم أن يكون القوة الإنسانية لا الضعف، وأن يكون اليقين الإنساني لا الشك، وأن يكون الحق في هذه الحياة لا الباطل؟
وهل امرأة المسلم إلا تلك المفروض عليها أن تُمد هذه الحرب بأبطالها،
__________
1 النواضح: الإبل يستقى عليها، واحدها ناضح وسائقها النضّاح.
2 الغرب: الدلو العظيمة تتخذ من جلد الثور.
(1/133)

وعَتَاد أبطالها، وأخلاق أبطالها؛ ثم ألا تكون دائمًا إلا من وراء أبطالها؟ وكيف تلد البطل إذا كان في أخلاقها الضعة والمطامع الذليلة والضجر والكسل والبلادة؟ ألا إن المرأة كالدار المبنية، لا يسهل تغيير حدودها إلا إذا كانت خرابًا.
فاعترضته امرأة الشيخ وقالت: وهل بأس بالدار إذا وُسِّعت حدودها من ضيق؟ أتكون الدار في هذا إلى نقصها أو تمامها؟
قال أبو معاوية: فكدت أنقطع في يدها، وأحببت أن أمضي في استمالتها، فتركتها هنيهة ظافرة بي، وأريتها أنها شدتني وثاقًا، وأطرقت كالمفكر؛ ثم قلت لها: إنما أحدثك عن أم معاوية لأبي معاوية؛ وتلك دار لا تملك غير أحجارها وأرضها, فبأي شيء تتسع؟
زعموا أنه كان رجل عامل يملك دُوَيرة قد التصقت بها مساكن جيرانه، وكانت له زوجة حمقاء، ما تزال ضيقة النفس بالدار وصغرها، كأن في البناء بناء حول قلبها, وكانا فقيرين، كأم معاوية وأبي معاوية؛ فقالت له يومًا: أيها الرجل، ألا توسع دارك هذه؛ ليعلم الناس أنك أيسرت وذهب عنك الضر والفقر؟ قال: فبماذا أوسعها وما أملك شيئًا، أَأُمسك بيميني حائطًا وبشمالي حائطًا فأمدهما أباعد بينهما؟ وهبيني ملكت التوسعة ونفقتها، فكيف لي بدور الجيران وهي ملاصقة لنا بيتَ بيت؟
قالت الحمقاء: فإننا لا نريد إلا أن يتعالم الناس أننا أيسرنا؛ فاهدم أنت الدار، فإنهم سيقولون: لولا أنهم وجدوا واتسعوا وأصبح المال في يدهم لما هدموا!
قال أبو معاوية: وغاظتني زوجة الشيخ فلم أسمع لها همسة من الضحك لمثل الحمقاء، وما اخترعتُه إلا من أجلها تريد أن يذهب عملي باطلًا؛ فقلت: وهل تتسع أم معاوية من فقرها إلا منا كما اتسع ذلك الأعرابي في صلاحه؟
قالت: وما خبر الأعرابي؟
قلت: دخل علينا المسجد يومًا أعرابي جاء من البادية، وقام يصلي فأطال القيام والناس يرمقونه، ثم جعلوا يتعجبون منه، ثم رفعوا أصواتهم يمدحونه ويصفونه بالصلاح؛ فقطع الأعرابي صلاته وقال لهم: مع هذا إني صائم.
قال أبو معاوية: فما تمالكت أن ضحكتْ، وسمعتْ صوت نفسها، وميزت فيه الرضى مقبلًا على الصلح الذي أتسبب له. ثم قلت:
(1/134)

وإذا ضاقت الدار فلِمَ لا تتسع النفس التي فيها؟ المرأة وحدها هي الجو الإنساني لدار زوجها، فواحدة تدخل الدار فتجعل فيها الروضة ناضرة متروحة باسمة، وإن كانت الدار قحطة مسحوتة ليس فيها كبير شيء؛ وامرأة تدخل الدار فتجعل فيها مثل الصحراء برمالها وقيظها وعواصفها، وإن كانت الدار في رياشها ومتاعها كالجنة السندسية؛ وواحدة تجعل الدار هي القبر. والمرأة حق المرأة هي التي تترك قلبها في جميع أحواله على طبيعته الإنسانية، فلا تجعل هذا القلب لزوجها من جنس ما هي فيه من عيشة: مرة ذهبًا، ومرة فضة، ومرة نحاسًا أو خشبًا أو ترابًا، فإنما تكون المرأة مع رجلها من أجله ومن أجل الأمة معًا؛ فعليها حقان لا حق واحد، أصغرها كبير. ومن ثم فقد وجب عليها إذا تزوجت أن تستشعر الذات الكبيرة مع ذاتها، فإن أغضبها الرجل بهفوة منه، تجافت له عنها، وصفحت من أجل نظام الجماعة الكبرى، وعليها أن تحكم حينئذ بطبيعة الأمة لا بطبيعة نفسها، وهي طبيعة تأبى التفرق والانفراد، وتقوم على الواجب، وتضاعف هذا الواجب على المرأة بخاصة.
والإسلام يضع الأمة ممثلة في النسل بين كل رجل وامرأته، ويوجب هذا المعنى إيجابًا؛ ليكون في الرجل وامرأته شيء غير الذكورة والأنوثة، ويجمعهما ويقيد أحدهما بالآخر، ويضع في بهيميتهما التي من طبيعتها أن تتفق وتختلف، إنسانية من طبيعتها أن تتفق ولا تختلف.
ومتى كان الدين بين كل زوج وزوجته، فمهما اختلفا وتدابرا وتعقدت نفساهما، فإن كل عقدة لا تجيء إلا ومعها طريقة حلها، ولن يُشادَّ الدين أحد إلا غلبه، وهو اليسر والمساهلة، والرحمة والمغفرة، ولين القلب وخشية الله؛ وهو العهد والوفاء، والكرم والمؤاخاة والإنسانية؛ وهو اتساع الذات وارتفاعها فوق كل ما تكون به منحطة أو ضيقة.
قال أبو معاوية: فحق الرجل المسلم على امرأته المسلمة، هو حق من الله، ثم من الأمة، ثم من الرجل نفسه، ثم من لطف المرأة وكرمها، ثم مما بينهما معًا. وليس عجيبًا بعد هذا ما روينا عن النبي -صلى الله عليه وسلم: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن؛ لما جعل الله لهم عليهن من الحق".
وهذه عائشة أم المؤمنين قالت: يا معشر النساء، لو تعلمن بحق أزواجكن عليكن، لجعلتِ المرأة منكن تمسح الغبار عن قدمي زوجها بحُرِّ وجهها.
(1/135)

قال أبو معاوية: وكان الشيخ قد استبطأني وقد تركتُه في فناء الدار، وكنت زوَّرت في نفسي كلامًا طويلًا عن فروته الحقيرة التي يلبسها، فيكون فيها من بَذَاذة الهيئة كالأجير الذي لم يجد من يستأجره، فظهر الجوع حتى على ثيابه. وقد مر بالشيخ رجل من المسودة1 وكان الشيخ في فروته هذا جالسًا في موضع فيه خليج من المطر، فجاءه المسود فقال: قم فاعبر بي هذا الخليج, وجذبه بيده فأقامه وركبه والشيخ يضحك.
وكنت أريد أن أقول لأم محمد: إن الصحو في السماء لا يكون فقرًا في السماء، وإن فروة الشيخ تعرف الشيخ أكثر من زوجته، وإن المؤمن في لذات الدنيا كالرجل الذي يضع قدميه في الطين ليمشي، أكبر همه ألا يجاوز الطين قدميه.
ولكن صوت الشيخ ارتفع: هل عليكم إذن؟
قال معاوية: فبدرت وقلت: باسم الله أدخل؛ كأني أنا الزوجة, وسمعت همسًا من الضحك؛ ودخل أبو محمد إلى جانبي، وغمزني في ظهري غمزة؛ فقلت: يا أم محمد, إن شيخك في ورعه وزهده ليشبعه ما يشبع الهدهد، ويُرويه ما يُروي العصفور، ولئن كان متهدمًا فإنه جبل علم، "ولا تنظري إلى عَمَش عينيه، وحُموشة ساقيه، فإنه إمام وله قَدْر"2.
فصاح الشيخ: قم أخزاك الله، ما أردتَ إلا أن تعرفها عيوبي!
قال أبو معاوية: ولكني لم أقم، بل قامت زوجة الشيخ فقبلت يده.
__________
1 الذين يلبسون السواد، وهم شيعة العباسيين.
2 ما بين القوسين هو الوارد في التاريخ، وعليه بنينا هذه القصة.
(1/136)

قبح جميل:
دخل أحمد بن أيمن "كاتب ابن طولون" البصرة، فصنع له مسلم بن عمران التاجر المتأدب صنيعًا دعا إليه جماعة من وجوه التجار وأعيان الأدباء، فجاء ابنا صاحب الدعوة وهما غلامان، فوقفا بين يدي أبيهما، وجعل ابن أيمن يطيل النظر إليهما، ويعجب من حسنهما وبَزَّتهما ورُوائهما، حتى كأنما أفرغا في الجمال وزينته إفراغًا، أو كأنما جاءا من شمس وقمر لا من أبوين من الناس، أو هما نبتا في مثل تهاويل الزهر من زينته التي تُبدعها الشمس، ويصقلها الفجر، ويتندى بها روح الماء العذب؛ وكان لا يصرف نظره عنهما إلا رجع به النظر، كأن جمالهما لا ينتهي فيما ينتهي الإعجاب به.
وجعل أبوهما يسارقه النظر مسارقة، ويبدو كالمتشاغل عنه، ليدع له أن يتوسم ويتأمل ما شاء، وأن يملأ عينيه مما أعجبه من لؤلؤتيه ومخايلهما؛ بيد أن الحسن الفاتن يأبى دائمًا إلا أن يسمع من ناظره كلمة الإعجاب به، حتى لينطق المرء بهذه الكلمة أحيانًا، وكأنها مأخوذة من لسانه أخذًا، وحتى ليحس أن غريزة في داخله كلّمها الحُسن من كلامه فردت عليه من كلامها.
قال ابن أيمن: سبحان الله؛ ما رأيت كاليوم قط دميتين لا تفتح الأعين على أجمل منهما؛ ولو نزلا من السماء وألبستْهما الملائكة ثيابًا من الجنة، ما حسبت أن تصنع الملائكة أظرف ولا أحسن مما صنعت أمهما.
فالتفت إليه مسلم وقال: أحب أن تعوِّذهما. فمد الرجل يده ومسح عليهما، وعوَّذهما بالحديث المأثور، ودعا لهما، ثم قال: ما أراك إلا استجدت الأم فحسُن نسلك، وجاء كاللؤلؤ يشبه بعضه بعضًا، صغاره من كباره؛ وما عليك ألا تكون قد تزوجت ابنة قيصر فأولدتها هذين، وأخرجتهما هي لك في صيغتها الملوكية1 من
__________
1 تجيء هذه الكلمة في كتب الأدب والتاريخ على غير قاعدة النسب، وهو الأفصح في رأينا، ومن ذلك تسمية الإمام ابن جني كتابه: "التصريف الملوكي".
(1/137)

الحسن والأدب والرونق، وما أرى مثلهما يكونان في موضع إلا كان حولهما جلال الملك ووقاره، مما يكون حولهما من نور تلك الأم.
فقال مسلم: وأنت على ذلك غير مصدق إذا قلت لك: إني أحب المرأة الجميلة التي تصف، وليس بي هوى إلا في امرأة دميمة هي بدمامتها أحب النساء إليّ، وأخفهن على قلبي، وأصلحهن لي، ما أعدل بها ابنة قيصر ولا ابنة كسرى.
فبقي ابن أيمن كالمشدوه من غرابة ما يسمع، ثم ذكر أن من الناس من يأكل الطين ويستطيبه لفساد من طبعه، فلا يحلو السكر في فمه وإن كان مكررًا خالص الحلاوة؛ ورثى أشد الرثاء لأم الغلامين أن يكون هذا الرجل الجِلْف قد ضارَّها1 بتلك الدميمة أو تسرَّى بها عليها؛ فقال وما يملك نفسه: أما والله لقد كفرْتَ النعمة، وغدرت وجحدت وبالغت في الضر، وإن أم هذين الغلامين لامرأة فوق النساء، إذ لم يتبين في ولديها أثر من تغير طبعها وكدور نفسها، وقد كان يسعها العذر لو جعلتهما سَخْنة عين لك وأخرجتهما للناس في مساوئك لا في محاسنك، وما أدري كيف لا تندّ عليك، ولا كيف صلحت بمقدار ما فسدتَ أنت، واستقامت بمقدار ما التويتَ، وعجيب والله شأنكما! إنها لتغلو في كرم الأصل والعقل والمروءة والخلق، كما تغلو أنت في البهيمية والنزَق والغدر وسوء المكافأة.
قال مسلم: فهو والله ما قلت لك، وما أحب إلا امرأة دميمة قد ذهبت بي كل مذهب، وأنستني كل جميلة في النساء، ولئن أخذت أصفها لك لما جاءت الألفاظ إلا من القبح والشَّوْهة والدَّمامة؛ غير أنها مع ذلك لا تجيء إلا دالة على أجمل معاني المرأة عند رجلها في الحظْوة والرضى وجمال الطبع؛ وانظر كيف يلتئم أن تكون الزيادة في القبح هي زيادة في الحسن وزيادة في الحب وكيف يكون اللفظ الشائه، وما فيه لنفسي إلا المعنى الجميل، وإلا الحس الصادق بهذا المعنى، وإلا الاهتزاز والطرب لهذا الحس؟
قال ابن أيمن: والله إن أراك إلا شيطانًا من الشياطين، وقد عجَّل الله لك من هذه الدميمة زوجتك التي كانت لك في الجحيم، لتجتمعا معًا على تعذيب تلك الحوراء الملائكية أم هذين الصغيرين، وما أدري كيف يتصل ما بينكما بعد هذا الذي أدخلت من القبح والدمامة في معاشرتها ومعايشتها، وبعد أن جعلتها لا تنظر
__________
1 المضارة: اتخاذ الضرة على الزوجة.
(1/138)

إليك إلا بنظرتها إلى تلك. أفبهيمة هي لا تعقل، أم أنت رجل ساحر، أم فيك ما ليس في الناس، أم أنا لا أفقه شيئًا؟
فضحك مسم وقال: إن لي خبرًا عجيبًا: كنت أنزل "الأبلة" وأنا مُتعيِّش1 فحملت منها تجارة إلى البصرة فربحت، ولم أزل أحمل من هذه إلى هذه فأربح ولا أخسر، حتى كثر مالي، ثم بدا لي أن أتسع في الآفاق البعيدة لأجمع التجارة من أطرافها، وأبسط يدي للمال حيث يكثر وحيث يقل، وكنت في مَيْعة الشباب وغُلوائه، وأول هجمة الفتوة على الدنيا، وقلت: إن في ذلك خلالًا؛ فأرى الأمم في بلادها ومعايشها، وأتقلب في التجارة، وأجمع المال والطرائف، وأُفيد عظة وعبرة، وأعلم علمًا جديدًا، ولعلني أصيب الزوجة التي أشتهيها وأصور لها في نفسي التصاوير، فإن أمري من أوله كان إلى علو فلا أريد إلا الغاية، ولا أرمي إلا للسبق، ولا أرضى أن أتخلف في جماعة الناس. وكأني لم أر في الأبلة، ولا في البصرة امرأة بتلك التصاوير التي في نفسي، فتأخذها عيني، فتعجبني، فتصلح لي، فأتزوج بها، وطمعت أن أستنزل نجمًا من تلك الآفاق أحرزه في داري؛ فما زلت أرمي من بلد إلى بلد حتى دخلت "بلخ"2 من أجلِّ مدن خراسان وأوسعها غَلَّة؛ تحمل غلتها إلى جميع خراسان وإلى خوارزم؛ وفيها يومئذ -كان- عالمها وإمامها "أبو عبد الله البلخي" وكنا نعرف اسمه في البصرة؛ إذ كان قد نزلها في رحلته وأكثر الكتابة بها عن الرواة والعلماء؛ فاستخفتني إليه نزِيَّة من شوقي إلى الوطن، كأن فيه بلدي وأهلي؛ فذهبت إلى حلقته، وسمعته يفسر قول النبي -صلى الله عليه وسلم: "سوداء ولود خير من حسناء لا تلد". فما كان الشيخ إلا في سحابة، وما كان كلامه إلا وحيًا يوحى إليه. سمعت -والله- كلامًا لا عهد لي بمثله, وأنا من أول نشأتي أجلس إلى العلماء والأدباء، وأداخلهم في فنون من المذاكرة، فما سمعت ولا قرأت مثل كلام البلخي، ولقد حفظته حتى ما تفوتني لفظة منه، وبقي هذا الكلام يعمل في نفسي عمله، ويدفعني إلى معانيه دفعًا، حتى أتى علي ما سأحدثك به. إن الكلمة في الذهن لتوجد الحادثة في الدنيا.
وقال ابن أيمن: اطو خبرك إن شئتَ، ولكن اذكر لي كلام البلخي، فقد تعلقتْ نفسي به.
__________
1 أي: متكسب ليعيش لا ليغتني؛ وهذا يسميه العامة "المتسبب".
2 موقعها اليوم في بلاد الأفغان.
(1/139)

قال: سمعت أبا عبد الله يقول في تأويل ذلك الحديث: أما في لفظ الحديث فهو من معجزات بلاغة نبينا -صلى الله عليه وسلم- وهو من أعجب الأدب وأبرعه، ما علمت أحدًا تنبه إليه؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- لا يرد السوداء بخصوصها، ولكنه كنّى بها عما تحت السواد؛ وما فوق السواد، وما هو إلى السواد، من الصفات التي يتقبَّحها الرجال في خِلْقة النساء وصورهن، فألطف التعبير ورق به، رفعًا لشأن النساء أن يصف امرأة منهن بالقبح والدمامة، وتنزيهًا لهذا الجنس الكريم، وتنزيهًا للسانه النبوي؛ كأنه -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن ذكر قبح المرأة هو في نفسه قبيح في الأدب، فإن المرأة أم أو في سبيل الأمومة؛ والجنة تحت أقدام الأمهات؛ فكيف تكون الجنة التي هي أحسن ما يُتخيل في الحسن تحت قدمي امرأة، ثم يجوز أدبًا أو عقلًا أن توصف هذه المرأة بالقبح.
أَمَا إن الحديث كالنص على أن من كمال أدب الرجل إذا كان رجلًا ألا يصف امرأة بقبح الصورة البتة، وألا يجري في لسانه لفظ القبح وما في معناه، موصوفًا به هذا الجنس الذي منه أمه, أيود أحدكم أن يمزق وجه أمه بهذه الكلمة الجارحة؟
وقد كان العرب يفصلون لمعاني الدمامة في النساء ألفاظًا كثيرة؛ إذ كانوا لا يرفعون المرأة عن السائمة والماشية؛ أما أكمل الخلق -صلى الله عليه وسلم- فما زال يوصي بالنساء ويرفع شأنهن حتى كان آخر ما وصى به ثلاث كلمات، كان يتكلم بهن إلى أن تلجلج لسانه وخفي كلامه؛ جعل يقول: "الصلاة الصلاة, وما ملكت أيمانكم, لا تكلفوهم ما لا يطيقون؛ الله الله في النساء".
قال الشيخ: كأن المرأة من حيث هي إنما هي صلاة تتعبد بها الفضائل، فوجبت رعايتها وتلقيها بحقها؛ وقد ذكرها بعد الرقيق؛ لأن الزواج بطبيعته نوع رق؛ ولكنه ختم بها وقد بدأ بالصلاة؛ لأن الزواج في حقيقته نوع عبادة.
قال الشيخ: ولو أن أُمًّا كانت دميمة شوهاء في أعين الناس، لكانت مع ذلك في عين أطفالها أجمل من ملكة على عرشها؛ ففي الدنيا من يصفها بالجمال صادقًا في حسه ولفظه، لم يكذب في أحدهما؛ فقد انتفى القبح إذن، وصار وصفها به في رأي العين تكذيبًا لوصفها في رأي النفس، ولا أقل من أن يكون الوصفان قد تعارضًا فلا جمال ولا دمامة.
قال الشيخ: وأما في معنى الحديث, هو -صلى الله عليه وسلم- يقرر للناس أن كرم المرأة
(1/140)

بأمومتها، فإذا قيل: إن في صورتها قبحًا، فالحسناء التي لا تلد أقبح منها في المعنى. وانظر أنت كيف يكون القبح الذي يقال: إن الحسن أقبح منه!
فمن أين تناولت الحديث رأيته دائرًا على تقدير أن لا قبح في صورة المرأة, وأنها منزهة في لسان المؤمن أن توصف بهذا الوصف، فإن كلمات القبح والحسن لغة بهيمية تجعل حب المرأة حبا على طريقة البهائم، من حيث تفضُلها طريقة البهائم بأن الحيوان على احتباسه في غرائزه وشهواته، لا يتكذب في الغريزة ولا في الشهوة بتلوينهما ألوانًا من خياله، ووضعهما مرة فوق الحد، ومرة دون الحد1.
فأكبر الشأن هو للمرأة التي تجعل الإنسان كبيرًا في إنسانيته، لا التي تجعله كبيرًا في حيوانيته، فلو كانت هذه الثانية هي التي يصطلح الناس على وصفها بالجمال فهي القبيحة لا الجميلة، إذ يجب على المؤمن الصحيح الإيمان أن يعيش فيما يصلح به الناس، لا فيما يصطلح عليه الناس؛ فإن الخروج من الحدود الضيقة للألفاظ، إلى الحقائق الشاملة، هو الاستقامة بالحياة على طريقها المؤدي إلى نعيم الآخرة وثوابها.
وهناك ذاتان لكل مؤمن: إحداهما غائبة عنه، والأخرى حاضرة فيه، وهو إنما يصل من هذه إلى تلك، فلا ينبغي أن يحصر السماوية الواسعة في هذه الترابية الضيقة؛ والقبح إنما هو لفظ ترابي يشار به إلى صورة وقع فيها من التشويه مثل معاني التراب، والصورة فانية زائلة، ولكن عملها باقٍ؛ فالنظر يجب أن يكون إلى العمل؛ فالعمل هو لا غيره الذي تتعاوره ألفاظ الحسن والقبح.
وبهذا الكمال في النفس، وهذا الأدب، قد ينظر الرجل الفاضل من وجه زوجته الشوهاء الفاضلة، لا إلى الشوهاء، ولكن إلى الحور العين. إنهما في رأي العين رجل وامرأة في صورتين متنافرتين جمالًا وقبحًا؛ أما في الحقيقة والعمل وكمال الإيمان الروحي، فهما إرادتان متحدتان تجذب إحداهما الأخرى جاذبية عشق، وتلتقيان معًا في النفسين الواسعتين، المراد بهما الفضيلة وثواب الله والإنسانية؛ ولذلك اختار الإمام أحمد بن حنبل عوراء على أختها، وكانت أختها جميلة، فسأل: من أعقلهما؟ فقيل: العوراء, فقال: زوجوني إياها. فكانت العوراء في رأي الإمام وإرادته هي ذات العينين الكحيلتين، لوفور عقله وكمال إيمانه.
__________
1 بسطنا هذا المعنى في كتابنا "السحاب الأحمر".
(1/141)

قال أبو عبد الله: والحديث الشريف بعد كل هذا الذي حكيناه يدل على أن الحب متى كان إنسانيًّا جاريًا على قواعد الإنسانية العامة، متسعًا لها غير محصور في الخصوص منها, كان بذلك علاجًا من أمراض الخيال في النفس، واستطاع الإنسان أن يجعل حبه يتناول الأشياء المختلفة، ويرد على نفسه من لذاتها، فإن لم يسعده شيء بخصوصه، وجد أشياء كثيرة تسعده بين السماء والأرض، وإن وقع في صورة امرأته ما لا يعد جمالًا، رأى الجمال في أشياء منها غير الصورة، وتعرّف إلى ما لا يخفى، فظهر له ما يخفى.
وليست العين وحدها هي التي تؤامر في أي الشيئين أجمل، بل هناك العقل والقلب، فجواب العين وحدها إنما هو ثلث الحق. ومتى قيل: "ثلث الحق" فضياع الثلثين يجعله في الأقل حقًّا غير كامل.
فما نكرهه من وجه، قد يكون هو الذي نحبه من وجه آخر، إذ نحن تركنا الإرادة السليمة تعمل عملها الإنساني بالعقل والقلب، وبأوسع النظرين دون أن أضيقهما {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19] .
فوثب ابن أيمن، وأقبل يدور في المجلس مما دخله من طرب الحديث ويقول: ما هذا إلا كلام الملائكة سمعناه منك يابن عمران. قال مسلم: فكيف بك لو سمعته من أبي عبد الله؛ إنه -والله- قد حبب إليَّ السوداء والقبيحة والدميمة، ونظرت لنفسي بخير النظرين، وقلت: إن تزوجت يومًا فما أبالي جمالًا ولا قبحًا، إنما أريد إنسانية كاملة مني ومنها ومن أولادنا، والمرأة في كل امرأة، ولكن ليس العقل في كل امرأة.
قال: ثم إني رجعت إلى البصرة، وآثرت السكنى بها، وتعالم الناس إقبالي، وعلمت أنه لا يحسن بي المقام بغير زوجة، ولم يكن بها أجلّ قدرًا من جد هذين الغلامين، وكانت له بنت قد عضلها وتعرض بذلك لعداوة خُطَّابها؛ فقلت: ما لهذه البنت بد من شأن، ولو لم تكن أكمل النساء وأجملهن، ما ضن بها أبوها رجاوة أن يأتيه من هو أعلى. فحدثتني نفسي بلقائه فيها، فجئته على خلوة.
فقطع عليه ابن أيمن، وقال: قد علمنا خبرها من منظر هذين الغلامين، وإنما نريد من خير تلك الدميمة التي تعشقتَها.
قال: مهلًا فستنتهي القصة إليها, ثم إني قلت: يا عم، أنا فلان بن فلان
(1/142)

التاجر. قال: ما خفي عني محلك ومحل أبيك. فقلت: جئتُك خاطبًا لابنتك. قال: والله, ما بي عنك رغبة، ولقد خطبها إلي جماعة من وجوه البصرة وما أجبتهم، وإني لكاره إخراجها من حِضْني إلى من يقوِّمها تقويم العبيد. فقلت: قد رفعها الله عن هذا الموضع، وأنا أسألك أن تدخلني في عددك، وتخلطني بشملك.
فقال: ولا بد من هذا؟ قلت: لا بد. قال: اغد علي برجالك.
فانصرفت عنه إلى ملأ من التجار ذوي أخطار، فسألتهم الحضور في غد، فقالوا: هذا رجل قد رد من هو أثرى منك، وإنك لتحركنا إلى سعي ضائع.
قلت: لا بد من ركوبكم معي. فركبوا على ثقة من أنه سيردهم.
فصاح ابن أيمن، وقد كادت روحه تخرج: فذهبتَ، فزوجك بالجميلة الرائعة أم هذين؛ فما خبر تلك الدميمة؟
قال مسلم: يا سيدي قد صبرت إلى الآن، أفلا تصبر على كلمات تنبئك من أين يبدأ خبر الدميمة، فإني ما عرفتها إلا في العرس!
قال: وغدونا عليه فأحسن الإجابة وزوجني، وأطعم القوم ونحر لهم، ثم قال: إن شئت أن تبيت بأهلك فافعل، فليس لها ما يحتاج إلى التلوم عليه وانتظاره.
فقلت: هذا يا سيدي ما أحبه. فلم يزل يحدثني بكل حسن حتى كانت المغرب، فصلاها بي، ثم سبح وسبحت، ودعا ودعوت، وبقي مقبلًا على دعائه وتسبيحه ما يلتفت لغير ذلك. فأمضّني -علم الله- كأنه يرى أن ابنته مقبلة مني على مصيبة، فهو يتضرع ويدعو!
ثم كانت العَتَمَة فصلاها بي، وأخذ بيدي فأدخلني إلى دار قد فُرشت بأحسن فرش، وبها خدم وجوارٍ في نهاية من النظافة؛ فما استقر بي الجلوس حتى نهض وقال: أستودعك الله، وقدم الله لكما الخير وأحرز التوفيق.
واكتنفني عجائز من شمله، ليس فيهن شابة إلا من كانت في الستين, فنظرت فإذا وجوه كوجوه الموتى، وإذا أجسام بالية يتضامّ بعضها إلى بعض، كأنها أطلال زمن قد انقضّ بين يدي.
فصاح ابن أيمن: وإن دميمتك لعجوز أيضًا؟ ما أراك يابن عمران إلا قتلتَ أم الغلامين!
(1/143)

قال مسلم: ثم جَلَوْن ابنته عليَّ وقد ملأن عيني هرمًا وموتًا وأخيلة شياطين وظلال قرود؛ فما كدت أستفيق لأرى زوجتي، حتى أسرعن فأرخين الستور علينا؛ فحمدت الله لذهابهن، ونظرت.
وصاح ابن أيمن وقد أكله الغيظ: لقد أطلت علينا، فستحكي لنا قصتك إلى الصباح، قد علمناها ويلك، فما خبر الدميمة الشوهاء؟
قال مسلم: لم تكن الدميمة الشوهاء إلا العروس....
فزاغت أعين الجماعة، وأطرق ابن أيمن إطراقة من ورد عليه ما حيره, ولكن الرجل مضى يقول:
ولما نظرتها لم أر إلا ما كنت حفظته عن أبي عبد الله البلخي، وقلت: هي نفسي جاءت بي إليها، وكأن كلام الشيخ إنما كان عملًا يعمل في ويديرني ويصرفني؛ وما أسرع ما قامت المسكينة فأكبت على يدي وقالت:
"يا سيدي، إني سر من أسرار والدي، كتمه عن الناس وأفضى به إليك، إذ رآك أهلًا لستره عليه، فلا تَخْفِر ظنه فيك، ولو كان الذي يطلب من الزوجة حسن صورتها دون حسن تدبيرها وعفافها لعظمت محنتي، وأرجو أن يكون معي منهما أكثر مما قصَّر بي في حسن الصورة؛ وسأبلغ محبتك في كل ما تأمرني؛ ولو أنك آذيتَني لعددت الأذى منك نعمة، فكيف إن وسعني كرمك وسترك؟ إنك لا تعامل الله بأفضل من أن تكون سببًا في سعادة بائسة مثلي, أفلا تحرص يا سيدي، على أن تكون هذا السبب الشريف".
ثم إنها وثبت فجاءت بمال في كيس، وقالت: يا سيدي، قد أحل الله لك معي ثلاث حرائر، وما آثرته من الإماء؛ وقد سوغتك تزويج الثلاث وابتياع الجواري من مال هذا الكيس، فقد وقفته على شهواتك، ولست أطلب منك إلا ستري فقط!
قال أحمد بن أيمن: فحلف لي التاجر أنها ملكت قلبي ملكًا لا تصل إليه حسناء بحسنها؛ فقلت لها: إن جزاء ما قدمت ما تسمعينه مني: "والله, لأجعلنك حظي من دنياي فيما يُؤثِره الرجل من المرأة، ولأضربن على نفسي الحجاب، ما تنظر نفسي إلى أنثى غيرك أبدًا". ثم أتممت سرورها، فحدثتُها بما حفظتُه عن أبي عبد الله البلخي. فأيقنت -والله يا أحمد- أنها نزلت مني في أرفع
(1/144)

منازلها وجعلت تحسُن وتحسُن، كالغصن الذي كان مجرودًا، ثم وخزتْه الخضرة من هنا ومن هنا.
وعاشرتها، فإذا هي أضبط النساء، وأحسنهن تدبيرًا، وأشفقهن علي، وأحبهن لي؛ وإذا راحتي وطاعتي أول أمرها وآخره؛ وإذا عقلها وذكاؤها يظهران لي من جمال معانيها ما لا يزال يكثر ويكثر، فجعل القبح يقل ويقل، وزال القبح باعتيادي رؤيته، وبقيت المعاني على جمالها؛ وصارت لي هذه الزوجة هي المرأة وفوق المرأة.
ولما ولدت لي، جاء ابنها رائع الصورة، فحدثتْني أنها كانت لا تزال تتمنى على كرم الله وقدرته أن تتزوج وتلد أجمل الأولاد، ولم تدع ذلك من فكرها قط, وألَّف لها عقلها صورة غلام تتمثله وما برحت تتمثله؛ فإذا هي أيضًا كان لها شأن كشأني، وكان فكرها عملًا يعمل في نفسها، ويديرها ويصرِّفها.
ورزقني الله منها هذين الابنين الرائعين لك، فانظر؛ أي معجزتين من معجزات الإيمان!
(1/145)

الطائشة 1:
قال صاحبها وهو يحدثني من حديثها:
كانت فتاة متعلمة، حلوة المنظر، حلوة الكلام، رقيقة العاطفة، مرهفة الحس، في لسانها بيان ولوجهها بيان غير الذي في لسانها، تعرف فيه الكلام الذي لا تتكلم به.
ولها طبع شديد الطرب للحياة، مسترسل في مرحه، خفيف طَيَّاش، لو أثقلتَه بجبل لخف بالجبل؛ تحسبها دائمًا سكرى تتمايل من طربها، كأن أفكارها المرحة هي في رأسها أفكار وفي دمها خمر.
وكان هذا الطبع السكران بالشباب والجمال والطرب يعمل عملين متناقضين؛ فهو دلال متراجع منهزم، وهو أيضًا جرأة مندفعة متهجمة.
وهزيمة الدلال في المرأة إن هي إلا عمل حربي، مضمرة فيه الكرَّة والهجوم؛ وكثيرًا ما تُرَى فيها النظرة ذات المعنيين نظرة واحدة؛ بها تؤنبك المرأة على جراءتك معها، وبها أيضًا تَعذُلك على أنك لست معها أجرأ مما أنت!
قلت: ويحك يا هذا! أتعرف ما تقول؟
قال: فمن يعرف ما يقول إذا أنا لم أعرف؟ لقد أحببت خمس عشرة فتاة؛ بل هن أحببْنَني وفرغن قلوبهن لي، ما اعتزت علي منهن واحدة، وقد ذهبن بي مذهبًا، ولكني ذهبت بهن خمسة عشر!
قلت: فلا ريب أنك تحمل الوسام الإبليسي الأول من رتبة الجمرة, فكيف استهام بك خمس عشرة فتاة؛ أجاهلات هن، أعمياوات هن؟
قال: بل متعلمات مبصرات يرين ويدركن، ولا تخطئ واحدة منهن في فهم أن رجلًا وامرأة قصة حب, وما خمس عشرة فتاة؟ وما عشرون وثلاثون من فتيات هذا الزمن الحائر البائر، الذي كسَد فيه الزواج، ورق فيه الدين، وسقط الحياء، والتهبت
(1/146)

العاطفة, وانتشر اللهو، وكثرت فنون الإغراء, واصطلح فيه إبليس والعلم يعملان معًا؛ وأُطلقت الحرية للمرأة، وتوسعت المدارس فيما تُقدِّم للفتيات، وأظهرت من الحفاوة بهن أمرًا مفرطًا حتى أخذن منها ربع العلم؟
قلت: وثلاثة أرباع العلم الباقية؟
قال: يأخذنها مع الروايات والسينما.
علم المدارس، ما علم المدارس؟ إنهن لا يصنعن به شيئًا إلا شهادات هي مكافأة الحفظ وإجازة النسيان من بعد؛ أما علم السينما والروايات فيصنعن به تاريخهن. ورب منظر يشهده في السينما ألف فتاة بمرة واحدة، فإذا استقر في وعيهن، وطافت به الخواطر والأحلام؛ سلبهن القرار والوقار فمثَّلْنَه ألف مرة بألف طريقة في ألف حادثة!
يظنون أننا في زمن إزاحة العقبات النسائية واحدة بعد واحدة، من حرية المرأة وعلمها؛ أما أنا فأرى حرية المرأة وعلمها لا يوجدان إلا العقبات النسائية عقبة بعد عقبة. وقد كان عيب الجاهلة المقصورة في دارها أن الرجل يحتال عليها، فصار عيب المتعلمة المفتوح لها الباب أنها هي تحتال على الرجل؛ فمرة بإبداع الحيلة عليه، ومرة بتلقينه الحيلة عليها. والغريب في أمر هذا العلم أنه هو الذي جعل الفتاة تبدأ الطريق المجهول بجهل!
قلت: وما الطريق المجهول؟
قال: الطريق المجهول هو الرجل، وإطلاق الحرية للفتاة أطلق ثلاث حريات: حرية الفتاة، وحرية الحب؛ والأخرى حرية الزواج، ولما انطلق ثلاثتهن معًا، تغير ثلاثتهن جميعًا إلى فساد واختلال.
أما الفتاة فكانت في الأكثر للزواج، فعادت للزواج في الأقل وفي الأكثر للهو والغزل؛ وكان لها في النفوس وقار الأم وحرمة الزوجة، فاجترأ عليها الشبان اجتراءهم على الخليعة والساقطة؛ وكانت مقصورة لا تُنال بعيب ولا يتوجه عليها ذم، فمشت إلى عيوبها بقدميها، ومشت إليها العيوب بأقدام كثيرة, وكانت بجملتها امرأة واحدة، فعادت مما ترى وتعرف وتكابد كأن جسمها امرأة، وقلبها امرأة أخرى، وأعصابها امرأة ثالثة.
وأما الحب، فكان حبًّا تتعرف به الرجولة إلى الأنوثة في قيود وشروط، فلما صار حرًّا بين الرجولة والأنوثة، انقلب حيلة تغترّ بها إحداهما الأخرى؛ ومتى صار
(1/147)

الأمر إلى قانون الحيلة، فقد خرج من قانون الشرف، ويرجع هذا الشرف نفسه كما نراه، ليس إلا كلمة يحتال بها.
وأما الزواج، فلما صار حرا جاء الفتاة بشبه الزوج لا بالزوج, وضعُفت منزلته، وقل اتفاقه، وطال ارتقاب الفتيات له، فضعف أثره في النفس المؤنثة؛ وكانت من قبل لفظتا "الشاب، والزوج" شيئًا واحدًا عند الفتاة وبمعنى واحد، فأصبحتا كلمتين متميزتين؛ في إحداهما القوة والكثرة والسهولة، وفي الأخرى الضعف والقلة والتعذر؛ فالكل شبان وقليل منهم الأزواج؛ وبهذا أصبح تأثير الشباب على الفتاة أقوى من تأثير الشرف، وعاد يقنعها منه أخس برهاناته، لا بأنه هو مقنع، ولكن بأنها هي مهيأة للاقتناع.
وفي تلك الأحوال لا يكون الرجل إلا مغفلًا في رأي المرأة, إذا هو أحبها ولم يكن محتالًا حيلة مثله على مثلها، ويظل في رأيها مغفلًا حتى يخدعها ويستزلها؛ فإذا فعل كان عندها نذلًا لأنه فعل, وهذه حرية رابعة في لغة المرأة الحرة والزواج الحر والحب الحر!
وانظر -بعيشك- ما فعلت الحرية بكلمة "التقاليد"، وكيف أصبحت هذه الكلمة السامية من مبذوء الكلام ومكروهه حتى صارت غير طبيعية في هذه الحضارة، ثم كيف أحالتها فجعلتها في هذا العصر أشهر كلمة في الألسنة، يُتهكم بها على الدين والشرف وقانون العرف الاجتماعي في خوف المعَرَّة والدنيئة والتصاون من الرذائل والمبالاة بالفضائل؛ فكل ذلك "تقاليد".
وقد أخذت الفتيات المتعلمات هذه الكلمة بمعانيها تلك، وأجرينها في اعتبارهن مكروهة وحشية، وأضفن إليها من المعاني حواشي أخرى، حتى ليكاد الأب والأم يكونان عند أكثر المتعلمات من "التقاليد" أهي كلمة أبدعتها الحرية، أم أبدعها جهل العصر وحماقته، وفجوره وإلحاده؟ أهي كلمة تعلقها الفتيات المتعلمات لأنها لغة من اللغة، أم لأنها من لغة ما يحببن؟
"تقاليد"؟ فما هي المرأة بدون التقاليد؟ إنها البلاد الجميلة بغير جيش، إنها الكنز المخبوء معرضًا لأعين اللصوص، تحوطه الغفلة لا المراقبة. هب الناس جميعًا شرفاء متعففين متصاونين؛ فإن معنى كلمة "كنز" متى تُركت له الحرية وأغفل من تقاليد الحراسة، أوجدت حريته هذه بنفسها معنى كلمة "لص".
قال صاحبنا: أما الفتاة المحررة من "التقاليد" كما عرفتُها فهي هذه التي
(1/148)

أقص عليك قصتها، وهي التي جعلتني أعتقد أن لكل فتاة رشدين, يثبت أحدهما بالسن، ويثبت الآخر بالزواج. ولو أن عانسًا ماتت في سن الخمسين أو الستين لوجب أن يقال: إنها ماتت نصف قاصر! ولعل هذا من حكمة الشريعة في اعتبار المرأة نصف الرجل، إذ تمام شرفها الاجتماعي أن يكون الرجل مضمومًا إليها في نظام الاجتماع وقوانينه؛ فالزوج على هذا هو تمام رشد الفتاة بالغة ما بلغت.
وأساس المرأة في الطبيعة أساس بدني لا عقلي، ومن هذا كانت هي المصنع الذي تُصنع فيه الحياة، وكانت دائمًا ناقصة لا تتم إلا بالآخر الذي أساسه في الطبيعة شأن عقله وشأن قوته.
واعتبرْ ذلك بالمرأة تدرس وتتعلم وتنبُغ، فلو أنك ذهبت تمدحها بوُفُور عقلها وذكائها، وتقرظها بنبوغها وعبقريتها، ثم رأتك لم تلق كلمة ولا إشارة ولا نظرة على جسمها ومحاسنها؛ لتحول عندها كل مدحك ذمًّا، وكل ثنائك سخرية؛ فإن النبوغ ههنا في أعصاب امرأة تريد أن تعرف مع أسرار الكون أسرار كونها هي، هذا الكون البدني الفاتن، أو الذي تزعمه هي فاتنًا، أو الذي لا ترضاه ولا ترضى أن تكون صاحبته إلا إذا وجدت من يزعم لها أنه كون فاتن بديع، مزين بشمسه وقمره وطبيعته المتنضرة التي تجعل مسه مس ورق الزهر.
مثل هذه إنما يكون الثناء عندها حينما يكون أقله باللسان العلمي ولغته، وأكثره بالنظر الفني ولغته. وهذا على أنها عالمة الجنس ونابغته، ودليل شذوذه العقلي، والواحدة التي تجيء كالفلتة المفردة بين الملايين من النساء؛ فكيف بمن دونها، وكيف بالنساء فيما هن نساء به؟
دع جماعة من العلماء يمتحنون هذا الذي بينت لك، فيأتون بامرأة جميلة نابغة, فيضعونها بين رجال لا تسمع من جميعهم إلا: ما أعقلها، ما أعقلها، ما أعقلها! ولا ترى في عيني كل منهم من أنواع النظر وفنونه إلا نظر التلميذ لمعلمة في سن جدته. فهذه لن تكون بعد قريب إلا في حالة من اثنتين: إما أن يخرج عقلها من رأسها، أو ... أو تخرج في وجهها لحية!
"ما أعقلها! " كلمة حسنة عند النساء لا يأبينها ولا يذممنها، غير أن الكلمة البليغة العبقرية الساحرة، هي عندهن كلمة أخرى، هي: "ما أجملها! "؛ إن تلك تشبه الخبز القَفَار لا شيء معه على الخِوَان، أما هذه فهي المائدة مزينة كاملة بطعامها وشرابها وأزهارها وفكاهتها وضحكها أيضًا.
وكأن العقل الإنساني قد غضب لمهانة كلمته وما عرَّها به النساء، فأراد أن
(1/149)

يثبت أنه عقل، فاستطاع بحيلته العجيبة أن يجعل لكلمة: "ما أعقلها" كل الشأن والخطر، وكل البلاغة والسحر، عند ... عند الطفلة.... تفرح الطفلة أشد الفرح، إذا قيل: ما أعقلها!
فقلت لمحدثي: كأنك صادق يا فتى! لقد جلست أنا ذات يوم إلى امرأة أديبة لها ظرف وجمال، وجاءت كبريائي فجلست معنا, وكانت "التقاليد" كالحاشية لي؛ فعلمت بعد أنها قالت لصاحبة لها: "لا أدري كيف استطاع أن ينسى جسمي وأنا إلى جانبه، أذكِّره أني إلى جانبه! لكأنما كانت لقلبه أبواب يفتح ما شاء منها ويغلق".
قال محدثي: فهذا هذا؛ إن إحساس المرأة بالعالم وما فيه من حقائق الجمال والسرور, إنما هو في إحساسها بالرجل الذي اختارتْه لقلبها، أو تهم أن تختاره، أو تود أن تختاره؛ ثم إحساسها بعد ذلك بالصور الأخرى من رجُلها في أولادها. وحياة المرأة لا أسرار فيها البتة، حتى إذا دخلها الرجل عرفت بذلك أن فيها أسرارًا، وتبينت أن هذا الجسم الآخر هو فلسفة لجسمها وعقلها.
قال: وقد جلست مرة مع صاحبة القصة، وأنا مغضب أو كالمغضب, ثم تلاحينا وطال بيننا التلاحي؛ فقالت لي: أنت بجانبي وأنا أسأل: أين أنت؟ فإنك لست كلك الذي بجانبي!
قال: ومذهبي في الحب، الكبرياء، كما قلت أنت, غير أنها الكبرياء التي تدرك المرأة منها أني قوي لا أني متكبر؛ كبرياء الرجل إما مهيب مرح يملك أفراح قلبها، وإما حزين مهيب يملك أحزان هذا القلب.
إن المرأة لا تحب إلا رجلًا يكون أول الحسن فيه حسن فهمها له، وأول القوة فيه قوة إعجابها به، وأول الكبرياء فيه كبرياءها هي بحبه وكبرياءها بأنه رجل. هذا هو الذي يجتمع فيه للمرأة اثنان: إنسانها الظريف، ووحشها الظريف!
قلت: لقد بعُدنا عن القصة, فما كان خبر صاحبتك تلك؟
قال: كانت صاحبتي تلك تعلم أني متزوج، ولكن إحدى صديقاتها أنبأتها بكبريائي في الحب، ووصفتني لها صفة الإحساس لا وصف الكلام؛ فكأنما تنبهت فيها طبيعة زَهْو الفتاة بأنها فتاة، وغريزة افتتان الأنثى بأن تكون فاتنة؛ فرأت في إخضاعي لجمالها عملًا تعمله بجمالها.
ومتى كانت الفتاة مستخفة "بالتقاليد" كهذه الأديبة المتعلمة؛ رأيت كلمة
(1/150)

"الزوج" لفظًا على رجل كلفظ الحب عليه، فهما سواء عندها في المعنى, ولا يختلفان إلا في "التقاليد".
وعرضت لي كما يعرض المصارع للمصارع؛ إذ كانت من الفتيات المغرورات، اللواتي يحسبن أن في قوتهن العلمية تيارًا زاخرًا لنهرنا الاجتماعي الراكد؛ فتاة تخرجت في مدرسة أو كلية، أو جاءت من أوروبا بالعالمية, أفتدري أية معجزة مصرية في هذا تباهي بها مصر؟
إن المعجزة أن هذه الفتاة صارت مدرسة، أو مفتشة، أو ناظرة في وزارة المعارف؛ أو مؤلفة كتب وروايات، أو محررة في صحيفة من الصحف. ولا يصغُرَنَّ عندك شأن هذه المعجزة، فهي -والله- معجزة ما دام يتحقق بها خروج الفتاة من حكم الطبيعة عليها، وبقاؤها في الاجتماع المصري امرأة بلا تأنيث، أو انقلابها فيه رجلًا بلا تذكير!
وكيف لا يكون من المعجزات أن تأليف رواية قد أغنى عن تأليف أسرة؛ وأن فتاة تعيش وتموت وما ولدت للأمة إلا مقالات؟
فقلت: يا صاحبي، دع هؤلاء وخذ الآن في حديث الطائشة الخارجة على التقاليد، وقد قلت: إنها عرضت لك كما يعرضا لمصارع للمصارع.
قال: عرضت لي تريد أن تصرِّفني كيف شاءت، فنبوت في يدها؛ فزادت إلى رغبتها إصرارها على هذه الرغبة، فالتويتُ عليها؛ فزادت إليهما خشية اليأس والخيبة، فتعسرت معها؛ فزادت إلى هذه كلها ثورة كبريائها, فلم أتسهل؛ فانتهت من كل ذلك بعد الرغبة الخيالية التي هي أول العبث والدلال، إلى الرغبة الحقيقية التي هي أول الحب والهوى؛ رغبة تعذيبي بها لأنها متعذبة بي.
ثم ردَّتها الطبيعة صاغرة إلى حقائقها السلبية، فإذا الكبرياء فيها إنما كانت خضوعًا يتراءى بالعصيان وإذا الرغبة في تعذيب الرجل إنما كانت التماسًا لأن تنعم به، وإذا الإصرار على إخضاع الرجل وإذلاله إنما كان إصرارًا على تجرئته ودفعه أن يستبد ويملك؛ وردتها الطبيعة إلى هذه الحقيقة النسوية الصريحة التي بُنيت المرأة عليها, شاءت أم أبت، وهي أن تعاني وتصبر على ما تعاني!
أما أنا فأحببتها حبا عقليا، وكان هذا يشتد عليها؛ لأنه إشفاق لا حب؛ وكانت إذا سألتني عن أمر ترتاب فيه، قالت: أجبني بلسان الصدق لا بلسان الشفقة. وكانت تقول: إن في عينيها بكاء لا تستطيع أن تزيله مع الدمع, وسيقتلها هذا البكاء الذي لا يبكى، وقد اتخذت لها في دارها خلوة سمتها: "محراب
(1/151)

الدمع! " قالت: لأنها تبكي فيها بكاء صلاة وحب، لا بكاء حب فقط!
ثم طاشت الطيشة الكبرى!
قلت: وما الطيشة الكبرى؟
قال: إنها كتبت إلي هذه الرسالة:
"عزيزي رغم أنفي ...
لقد أذللتني بشيئين: أحدهما أنك لم تذل لي، وجعلتني -على تعليمي- أشد جهلًا من الجاهلة؛ وقد نسيت أن المرأة المتعلمة تعرف ثم تعرف مرتين: تعرف كيف تخطئ إذا وجب أن تخطئ، وهذه هي المعرفة الأولى؛ أما المعرفة الثانية فتوهمها أنت، فكأني قلتُها لك".
"اعلم -يا عزيزي رغم أنفي- أني إذا لم أكن عزيزتك رغم أنفك، فسآتي ما يجعلك سَلَفًا ومَثَلًا، وستكتب الصحف عنك أول حادث يقع في مصر عن أول رجل اختطفته فتاة! "
"وبعد، فقد أرسلت روحي تعانق روحك، فهل تشعر بها؟ ".
قال: فوجمتُ ساعة وتبينت لي خفتها، وظهر لي سَفَاهها وطيشها، فأسرعت إليها فجئتها فأجدها كالقاضي في محكمته، لا عقل له إلا عقل الحكم القانوني الذي لا يتغير، ولا إنسان فيه إلا الإنسان المقيد بمادة كذا إذا حدث كذا، والمادة كذا حين يكون وصف المجرم كذا!
فقلت لها: أهذا هو العلم الذي تعلمتِهِ؟ ألا يكون علم المرأة خليقًا أن يجعل صاحبته ذات عقلين إذا كانت الجاهلة بعقل واحد؟
قالت: العلم؟
قلت: نعم، العلم.
قالت: يا حبيبي، إن هذا العلم هو الذي وضع المسدس في يد المرأة الأوروبية لعاشقها، أو معشوقها! ثم أطرقت قليلًا وتنهدت وقالت: والعلم هو الذي جعل الفتاة هناك تتزوج بإرشاد الرواية التي تقرؤها ولو انقلب الزواج رواية, والعلم هو الذي كشف حجاب الفتاة عن وجهها، ثم عاد فكشف حياء وجهها، وأوجب عليها أن تواجه حقائق الجنس الآخر وتعرفها معرفة علمية, والعلم هو الذي جعل خطأ المرأة الجنسي معفوًّا عنه ما دام في سبيل مواجهة الحقائق لا في سبيل الهرب منها, والعلم هو الذي جعل المرأة مساوية للرجل،
(1/152)

وأكد لها أن واحدًا وواحدًا هما واحد وكلاهما أول. والعلم هو الذي عرى أجسام الرجال والنساء ببرهان أشعة الشمس, والعلم - يا عزيزي- هو العلم الذي محا من العالم لفظة "أمس" لا يعرفها وإن كانت فيها الأديان والتقاليد.
قال صاحبها: فقلت لها: كأن العلم إفساد للمرأة! وكأنه تعليم معراتها ونقائصها، لا تعليم فضائلها ومحاسنها.
قالت: لا، ولكن عقل المرأة هو عقل أنثى دائمًا، ودائمًا عقل أنثى؛ وفي رأسها دائمًا جو قلبها، وجو قلبها دائمًا في رأسها؛ فإذا لم تكن مدرستها متممة لدارها وما في دارها، تممت فيها الشارع وما في الشارع.
العلم للمرأة؛ ولكن بشرط أن يكون الأب وهيبة الأب أمرًا مقررًا في العلم، والأخ وطاعة الأخ حقيقة من حقائق العلم، والزوج وسيادة الزوج شيئًا ثابتًا في العلم، والاجتماع وزواجره الدينية والاجتماعية قضايا لا ينسخها العلم. بهذا وحده يكون النساء في كل أمة مصانع علمية للفضيلة والكمال والإنسانية، ويبدأ تاريخ الطفل بأسباب الرجولة التامة؛ لأنه يبدأ من المرأة التامة.
أما بغير هذا الشرط، فالمرأة الفلاحة في حجرها طفل قَذِر، هي خير للأمة من أكبر أديبة تخرج ذرية من الكتب.
انظر يا عزيزي برغم أنفي، هذه رسالة جاءتني اليوم من صديقتي فلانة الأديبة الـ ... فاسمع قولها:
"وأنا أعيش اليوم في الجمال؛ لأني أعيش في بعض خفايا الحبيب ... ".
"وفي الحياة موت حلو لذيذ؛ عرفت ذلك حينما نسيت نفسي على صدره القوي، وحينما نسيت على صدره القوي صدري ... ".
أسمعت يا عزيزي؟ إن كنت لَمَّا تعلم أن هذا هو علم أكثر الفتيات المتعلمات حين يكسد الزواج, فاعلمه. ومتى عمي الشعب والحكومة هذا العمى، فإن حرية المرأة لا تكون أبدًا إلا حرية الفكرة المحرَّمة!
قلت لصاحبنا: ثم ماذا؟
قال: ثم هذا. ودس يده في جيبه فأخرج أوراقًا كتب فيها رواية صغيرة أسماها: "الطائشة".
(1/153)

الطائشة 2:
وهذا محصل رواية "الطائشة"، نقلناه من خط الكاتب على مساق ما دوّنه في أوراقه، وعلى سرده الذي قص به الخبر؛ وقد أعطانا من البرهان ما نطمئن إليه أن هذه "الطائشة" هي من تأليف الحياة لا من تأليفه، وأنه لم يخترع منها حادثة، ولم يأتفك حديثًا، ولم يزدها بفضيلة، ولم يتنقصها بمعرة؛ ثم أشهد على قوله كتب صاحبته الأدبية المستهترة التي لا تبالي ما قالت ولا ما قيل فيها؛ وهذه الكتب رسائل: منها الموجز ومنها المستفيض، وهي بجملتها تنزل من الرواية منزلة الشروح المفننة، وتنزل الرواية منها منزلة اللُّمَع المقتضبة وكل ذلك يشبه بعضه بعضًا، فكل ذلك بعضه شاهد على بعض.
قال كاتب "الطائشة":
كنت رجلًا غَزِلًا ولم أكن فاسقًا، ولست كهؤلاء الشبان أُصيبوا في إيمانهم بالله فأُصيبوا في إيمانهم بكل فضيلة، وذهبوا يحققون المدينة فحققوا كل شيء إلا المدينة.
ترى أحدهم شريفًا يأنف أن يكون لصًّا وأن يسمى لصًّا، ثم لا يعمل إلا عمل اللص في استلاب العفاف وسرقة الفتيات من تاريخهن الاجتماعي، وتراه نجدًا يستنكف أن يكون في أوصاف قاطع الطريق، ثم يأبى إلا أن يقطع الطريق في حياة العذارى وشرف النساء.
أكثر أولئك الشبان المتعلمين يعرضون للفتيات المتعلمات بوجوه مصقولة تحتمل شيئين: الحب والصفع. ولكن أكثر هؤلاء المتعلمات يضعن القبلة في مكان الصفعة، إذ كان العلم قد حلل الغريزة التي فيهن فعادت بقايا لا تستمسك؛ وبصّرهن بأشياء تزيد قوة الحياة فيهن خطرًا، وتوحي إليهن وحيها من حيث يشعرن ولا يشعرن؛ وصور في أوهامهن صورًا محت الصور التي كانت في عقائدهن؛ وأخرجهن من السلب الطبيعي الذي حماهن الله به، فلهن العفة والحياء، ولكن ليس لهن ذلك العقل الغريزي الذي يجيء من الحياء والعفة؛ وكثيرات منهن يخشين العار
(1/154)

وسمته الاجتماعية ولكن خشية فقهاء الحِيَل الشرعية، قد أرصدوا لكل وجه من التحريم وجهًا من التحليل، فأصبح امتناع الإثم هو ألا تكون إليه حاجة.
والعقل الذي به التفكير يكون أحيانًا غير العقل الذي به العمل؛ ففي بعض الجاهلات يكون عقل الحياء والعفة والشرف والدين, غريزة كغرائز الوحش، هي الفكرة وهي العمل جميعًا، وهي أبدًا الفكرة والعمل جميعًا لا تتغير ولا تتبدل، ولا يقع فيها التنقيح الشعري ولا الفلسفي. وما غريزة الوحش إلا إيمانه بمن خلقه وحشًا؛ وكذلك غريزة الشرف في الأنثى هي عندي حقيقة إيمانها بمن خلقها أنثى.
وشرف المرأة رأس مال للمرأة، ومن ذلك كان له في أوهام العلم اشتراكية بحسبه تنظر فيه نظرها وتزيغ زيغها وتقضي حكمها؛ وأكثر من عرفت من المتعلمين والمتعلمات قد انتهوا بطبيعتهم العلمية إلى الرضى بهذه الاشتراكية، وإلى التسامح في كثير، وإلى وضع الاعتذار فيما لا يُقبل عذرًا، ومن ههنا كان بعض الجاهلات كالحصن المغلق في قمة الجبل الوعر، وكان بعض المتعلمات دون الحصن، ودون القمة، ودون الجبل، حتى تنزل إلى السهل فتراهنَّ ثمة.
لقد غفلت الحكومات عن معنى الدين وحقيقته، فلو عرفت لعرفت أن الإنسانية لا تقوم إلا بالدين والعلم كليهما؛ فإن في الرجل إنسانًا عامًّا ونوعًا خاصًّا مذكرًا، وفي المرأة إنسانًا عامًّا كذلك ونوعًا خاصًّا مؤنثًا. والدين وحده هو الذي يصلح النوع بتحقيق الفضيلة وتقرير الغاية الأخلاقية، وهو الذي يحاجز بين الغريزتين، وهو الذي يضع القوة الروحية في طبيعة المتعلم؛ فإن كانت طبيعة التعليم قوية، كانت الروحية زيادة في القوة؛ وإن كانت ضعيفة كما هي الحال في هذه المدنية، لم تجمع الروحية على المتعلم ضعفين، يبتلي كلاهما الآخر ويزيده.
فلان وفلان تعلقَّّا فتاتين جاهلة ومتعلمة؛ وكلتاهما قد صدت صاحبها وامتنعت منه؛ فأما الجاهلة فيقول "فلانها": إنها كالوحش، وإن صدودها ليس صدودًا حسب، بل هو ثورة من فضيلتها وإيمانها، فيها المعنى الحربي مجاهدًا متحفزًا للقتل.
وأما المتعلمة فيقول "فلانها": إنها ككل امرأة، وإن صدودها ثورة، ولكن من دلالها ترضي به أول ما ترضي وآخر ما ترضي, كبرياء الجمال فيها لا الإيمان ولا الفضيلة. فكأنها إيحاء للطامع أن يزيد طمعًا أو يزيد احتيالًا.
(1/155)

وفلان هذا يقول لي: إن ضعفاء الإيمان من الشبان المتعلمين -وأكثرهم ضعفاء الإيمان- لو حققتَ أمرهم وبلوت سرائرهم، لتبينت أنهم جميعًا لا يرون قلب الفتاة المتعلمة إلا كالدار الخالية كُتب عليها: "للإيجار"!
يقول كاتب "الطائشة":
أما أنا, فقد صح عندي أن سياسة أكثر المتعلمات هي سياسة فتح العين حَذَرًا من الشبان جميعًا؛ وإغماض العين لواحد.
وهذا الواحد هو البلاء كله على الفتاة، فإنها بطبيعتها تتقيد ولا تنفصل إلا مكرهة، وهو بطبيعته قيده لذته، فيتصل وينفصل؛ غير أنها لا بد لها من هذا الواحد، ففكرها المتعلم يوحي إليها بالحياة لا يجعل في ذلك موضعًا للنكير عندها، والحياة نصف معانيها النفسية في الصديق؛ فالأنوثة بغيره مُظلمة في حياتها، راكدة في طباعها، ثقيلة على نفسها، ما دام "الشعاع" لا يلمسها.
والدين يأبى أن يكون ذلك الصديق إلا الزوج في شروطه وعهوده، كيلا تتقيد المرأة إلا بمن يتقيد بها؛ والعلم لا يأبى أن يكون الصديق هو الحب؛ والفن يوجب أن يكون هو الحب؛ وليس في الحب شروط ولا عهود، إلا وسائل تُختلق لوقتها، وأكثرها من الكذب والنفاق والخديعة؛ ولفظ الحب نفسه لص لغوي خبيث، يسرق المعاني التي ليست له وينفق مما يسرق. وليس من امرأة يخدعها عاشق إلا انكشف لها حبه كما ينكشف اللص حين يُمسَك.
يقول كاتب "الطائشة":
تلك فلسفة لا بد منها في التوطئة للكتابة عن "عزيزتي رغم أنفي". ومن كانت مثلها في أفكارها واستدلالها وحججها وطريقتها, كان خليقا بمن يكتب قصتها أن يجعل القصة من أولها مُسلَّحة.
لقد تكارهت على بعض ما أرادت مني ما دام الحب "رغم أنفي"، وما دامت السياسة أن أداريها وأتبع محبتها؛ غير أني صارحتها بكلمة شمسية تلمع تحت الشمس، أنها الصداقة لا الحب، وأنما هو اللهو البريء لا غيره، وأن ذلك جهد ما أنا قوي عليه وفي به.
قالت: فليكن، ولكن صداقة أعلى قليلًا من الصداقة, ولو من هذا الحب المتكبر الذي لا يصدق كيلا يكذب. إن هذا النوع من الحب يطيش بعقل
(1/156)

المرأة، ولكنه هو أول ما يستهيمها ويعجبها ويُورثها التياع الحنين والشوق.
كتبت لي: "أنا لا أتألم في هواك بالألم، ولكن بأشياء منك أقلها الألم؛ ولا أحزن بالحزن، ولكن بهموم بعضها الحزن".
"إنك صنعت لي بكاء ودموعًا وتنهدات، وجعلت لي ظلامًا منك ونورًا منك يا نهاري وليلي. تُرى ما اسم هذا النوع من الصداقة؟
اسمه الحب؟ لا.
اسمه الكبرياء؟ لا.
اسمه الحنان؟ لا.
اسمه حبك أنت، أنت أيها الغامض المتقلب. ألا ترى ألفاظي تبكي، ألا تسمع قلبي يصرخ، بأي عدلك أو بأي عدل الناس تريد أن أحيا في عالم شمسه باردة. هذا قتل، هذا قتل".
فكتبت إليها: "إن لم يكن هذا جنونًا, فإنه لقريب منه".
فردت على هذه الرسالة:
"أتكاتبني بأسلوب التلغراف؟ لو أهديت إلي عِقْدًا من الزمرد حباته بعدد هذه الكلمات لكنت بخيلًا، فكيف وهي ألفاظ؟ إني لأبكي في غمضة واحدة بدموع أكثر عددًا من كلماتك، وهي دموع من آلامي وأحزاني؛ وتلك ألفاظ من لهوك وعبثك! "
"ما كان ضرك لو كتبت لي بضعة أسطر تنسخها من تلغرافات روتر, ما دمت تسخر مني؟ أأنت الشباب وأنا الكهولة، فليس لك بالطبيعة إلا الانصراف عني، وليس لي بالطبيعة إلا الحنين إليك؟ ".
لا أدري كيف أحببتُها، ولا كيف دعتني إليها نفسي؛ ولكن الذي أعلمه أني تخادعت لها وقلت: إن المستحيل هو منع الشر، والممكن هو تخفيفه؛ ثم أقبلت أرثي لها، وأخفف عنها، وأقبلت هي تضاعف لي مكرها وخديعتها وكان الأمر بيننا كما قالت: "في الحب والحرب لا يكون الهجوم هجومًا وفيه رفق أو تراجع".
إن المرأة وحدها هي التي تعرف كيف تقاتل بالصبر والأناة؛ ولا يشبهها في ذلك إلا دهاة المستبدين.
(1/157)

سألتني أن أهدي إليها رسمي؛ فاعتللت عليها بأن قلت لها: إن هذا الرسم سيكون تحت عينيك أنت رسم حبيب، ولكنه تحت الأعين الأخرى سيكون رسم متهم.
وظننتني أبلغت في الحُجَّة وقطعتها عني؛ فجاءتني من الغد بالرد المفحم؛ جاءتني بإحدى صديقاتها لتظهر في الرسم إلى جانبي كأنني من ذوي قرابتها؛ فيكون الرسم رسم صديقتها، ويكون مهدى منها لا مني، وكأنني فيه حاشية جاءت من عمة أو خالة.
وأصررت على الإباء، ونافرتني القول في ذلك، ترد علي وأرد عليها، وتغاضبنا وانكسرت حزنًا وذهبت باكية؛ ثم تسببت إلى رضاي فرضيت.
حدثتني أن صديقتها فلانة الأدبية استطاعت أن تستزير صاحبها فلانًا في مخدعِها, في دارها، بين أهلها، منتصف الليل. قلت: وكيف كان ذلك؟
قالت: إنها تحمل شهادة, وهي تلتمس عملًا وقد طال عليها؛ فزعمت لذويها أنها عثرت في كتاب كذا على رقية من رقى السحر، فتريد أن تتعاطى تجربتها بعد نصف الليل إذا مُحق القمر؛ وأنها ستطلق البخور وتبقى تحت ضبابته إلى الفجر تُهمهم بالأسماء والكلمات.
ثم إنها اتعدت وصاحبها ليوم، وأجافت باب دارها ولم تغلقه، وأطلقت البخور في مِجْمَر كبير أثار عاصفة من الدخان المعطر، وجعل مخدعها كمخدع عروس من ملكات التاريخ القديم؛ وبقي صاحبها تحت الضبابة يهمهم وتهمهم. ثم خرج في أغباش السَّحَر.
هكذا قالت؛ وما أدري أهو خبر عن تلك الصديقة وفلانها، أم هو اقتراح علي أنا من "فلانتي" لأكون لها عفريت الضبابة؟
لم يخفَ عليها أن لَذْعة حبها وقعت في قلبي، وأن صبرها قد غلب كبريائي، وأن كثرة التلاقي بين رجل وامرأة يطمع أحدهما في الآخر. لا بد أن ينقل روايتهما إلى فصلها الثاني، ويجعل في التأليف شيئًا منتظرًا بطبيعة السياق. وإلحاح امرأة على رجل قد خلبها وجفا عن صلتها، إنما هو تعرضها للتعقيد الذي في طبيعته الإنسانية؛ فإن هي صابرته وأمعنت، فقلما يدعها هذا التعقيد من حل لمعضلتها. وبمثل هذه العجيبة كان تعقيدًا وكان غير مفهوم ولا واضح؛ وقد
(1/158)

ينقلب فيه أشد البغض إلى أشد الحب، وقد تعمل فيه حالة من حالات النفس ما لا يعمل السحر؛ وكذلك يقع للرجل إذا أحب المرأة فنبت عن مودته فعرض للتعقيد الذي في طبيعتها, وأمعن وثبت وصابر.
رأت الجمرة الأولى في قلبي فأضرمت فيه الثانية، حين جاءتني اليوم بكتاب زعمت أن فلانًا أرسله إليها يطارحها الهوى ويبثها وَلَه الحنين والتياع الحب.
ويقول لها في هذا الكتاب: "أنا لم أشرب خمرًا قط، ولكني لا أراني أنظر إلى مفاتنك ومحاسنك إلا وفي عيني الخمر، وفي عقلي السكر، وفي قلبي العربدة. جعلتِ لي -ويحك- نظرة سكير فيها نسيان الدنيا وما في الدنيا ما عدا الزجاجة".
ويختمه بهذه العبارة:
"آه, لو استطعت أن أجعل كلامي في نفسك ناعمًا، ساحرًا، مسكرًا، مثل كلام الشفة للشفة حين تقبلها! ".
عند هذا وقع الشيء المنتظر في الفصل الثاني من الرواية، وخُتم هذا الفصل بأول قبلة على شفتي "الممثلة".
قالت: هذه القبلة كانت "غلطة مطبعية"، ومضت تسميها كذلك، واستمرت المطبعة تغلط. وما علمت إلا من بعد أن ذلك الكتاب الذي استوقدت به غيرتي إنما كان من عملها ومكرها.
وجاءتني اليوم بآبدة من أوابدها، قالت:
أنت رجعي محافظ على التقاليد. قلت: لأني أرى هذه التقاليد كالصباح الذي يتكرر في كل يوم, وهو في كل يوم ضياء ونور.
قالت: أو كالمساء الذي يتكرر, وهو في كل يوم ظلام وسَوَاد!
قلت: ليس هذا إلي ولا إليك، بل الحكم فيه للنفع أو الضرر.
قالت: بل هو إلى الحياة، والحياة اليوم عِلْمية أوروبية، والزمن حَثِيث في تقدمه، وأصحاب "التقاليد" جامدون في موضعهم قد فاتهم الزمن؛ ولذلك يسمونهم "متأخرين". أما علمت أن الفضيلة قد أصبحت في أوروبا زيًّا قديمًا، فأخذ المقص يعمل في تهذيبها، يقطع من هنا ويشق من هنا؟!
اسمع أيها "المتأخر"، وتأمل هذا البرهان الأوروبي العصري:
(1/159)

أخبرتني صديقتي فلانة حاملة شهادة, أنها كانت في القطار بين الإسكندرية والقاهرة، وكانت معها فتاة من جيرتها تحمل الشهادة الابتدائية؛ فجمعهما السفر بشاب وسيم ظريف يشارك في الأدب، غير أنه رجعي "متأخر"، وصديقتي تعرف من كل شيء شيئًا، وتأخذ من كل فن بطرف؛ فجرى الحديث بينهما مجراه، وتركت الصديقة نفسها لدواعيها، وانطلقت على سَجِيَّتها الظريفة، ووضعت فن لسانها في الكلام فجعلت فيه روح التقبيل!
ولم تبلغ إلى القاهرة حتى كانت قد سحرت ذلك "المتأخر" ووقعت من نفسه، ودفعته إلى الزمن الذي هو فيه, فلما همت بوداعه سألهما: أين تذهبان؟
فأغضَتْ صاحبة الشهادة الابتدائية، وأطرقت حياءً، ورأت في السؤال تهمة وريبة، فأنبتها الصديقة وأيقظتها من حيائها، وقالت لها: ألا تزالين شرقية متأخرة؟ إن لم يسعدنا الحظ أن تكون لنا حرية المرأة الأوروبية في المجتمع وفي أنفسنا؛ أفلا يسعنا أن تكون لنا هذه الحرية ولو في أنفسنا؟
ثم ردت على الشاب فأنبأته بمكانها وعنوانها، فأطمعه ردها، فسألها أن تتنزه معه في بعض الحدائق، فأبت صاحبة الابتدائية ولجت عمايتها الشرقية المتأخرة، ورأت في ذلك مسقطة لها، فلَوَت إلى دارها وتركتهما إنسانًا وإنسانًا لا فتى وفتاة؛ وتنزها معًا، وعرف الشاب الرجعي الحب، والخمر التي هي تحية الحب!
ولم تستطع الفتاة الماكرة أن ترجع إلى دارها وهي سكرى كما زعمت للشاب, فأوت إلى فندق، وخُتمت روايتهما بإعراض من الشاب, أجابت هي عليه بقولها: ألا زلت "متأخرًا"؟
قالت "الطائشة":
نعم يا عزيزي "المتأخر"، إن مذهب المرأة الحرة في الفرق بين الزوج وغير الزوج؛ إن الأول رجل ثابت، والآخر رجل طارئ. والثابت ثابت معها بحقه هو؛ والطارئ طارئ عليها بحقها هي. فإن كانت حرة فلها حقها.
قال كاتب الطائشة: وهنا، هنا، هنا, كاد الشيطان يرفع الستار عن فصل ثالث في هذه الرواية، رواية "الطائشة".
نقول نحن: وإلى هنا ينتهي نصف الرواية؛ أما النصف الآخر فيكاد يكون قصة أخرى اسمها: "الطائش والطائشة".
(1/160)

دموع من رسائل الطائشة 1:
ورسائل هذه الطائشة إلى صاحبها، تُقرأ في ظاهرها على أنها رسائل حب، قد كتبت في الفنون التي يترسل بها العشاق؛ ولكن وراء كلامها كلامًا آخر، تُقرأ به على أنها تاريخ نفس ملتاعة لا تزال شعلة النار فيها تتنمَّى وترتفع؛ وقد فدحتها بظلمها الحياة إذ حصرتها في فن واحد لا يتغير، وأوقعتها تحت شرط واحد لا يتحقق، وصَرَّفتها بفكرة واحدة لا تزال تخيب.
وأشد سجون الحياة فكرة خائبة يسجن الحي فيها، لا هو مستطيع أن يدعها، ولا هو قادر أن يحققها؛ فهذا يمتد شقاؤه ما يمتد ولا يزال كأنه على أوله لا يتقدم إلى نهاية؛ ويتألم ما يتألم ولا تزال تشعره الحياة أن كل ما فات من العذاب إنما هو بَدْء العذاب.
والسعادة في جملتها وتفصيلها أن يكون لك فكر غير مقيد بمعنى تتألم منه، ولا بمعنى تخاف منه، ولا بمعنى تحذر منه؛ والشقاء في تفصيله وجملته انحباس الفكر في معاني الألم والخوف والاضطراب.
وقد اخترنا من رسائل "الطائشة" هذه الرسالة المصورة التي يبرق شعاعها وتكاد تقوم مدة بإزاء نفسها كالمرآة بإزاء الوجه؛ وهي فيها عذبة الكلام من أنها مُرَّة الشعور، متسقة الفكر من أنها مختلة القلب، مسددة المنطق من أنها طائشة النفس؛ تلك إحدى عجائب الحب؛ كلما كان قَفْرًا ممحلًا اخضرت فيه البلاغة وتفنَّنت والتفت؛ وعلى قلة المتعة من لذاته تزيد فيه المتعة من أوصافه؛ ولكأن هذا
__________
1 نحن لم نخترع الطائشة، فهي فتاة متعلمة أديبة، وقد أحبت رجلًا متزوجًا فطاش بها الحب طيش الطفل إذا منع ما يطمع فيه، وتركها الحب عليلة لما بها ثم قضت. وكان بعض صواحبها يعذلنها ويرمينها بالتهمة، فكانت تقول: إنها منهن كالغائب المحكوم عليه، لا هو يملك دفاع الذنب، ولا الحاكم عليه يملك إثبات الذنب.
(1/161)

الحب طبيعة غريبة تُرْوَى بالنار فتخصب عليها وتتفتق بمعانيها، كما تروى الأرض بالماء فتخصب وتتغطى بنباتها؛ فإن رَوِيَ الحب من لذاته وبرد عليها، لم ينبت من البلاغة إلا أخفها وزنًا وأقلها معاني، كأول ما يبدو النبات حين يتفطر الثرى عنه، تراه فتحسبه على الأرض مَسْحَة لون أخضر؛ أو لم ينبت إلا القليل القليل كالتَّعَاشِيب1 في الأرض السَّبِخَة.
إن قصة الحب كالرواية التمثيلية، أبلغ ما فيها وأحسنه وأعجبه ما كان قبل "العُقْدة"، فإذا انحلَّت هذه العقدة فأنت في بقايا مفسرة مشروحة تريد أن تنتهي، ولا تحتمل من الفن إلا ذلك القليل الذي بينها وبين النهاية.
وهذه هي رسالة الطائشة إلى صاحبها:
" ...
ماذا أكتب لك غير ألفاظ حقيقتي وحقيقتك؟
يخيل إلي أن ألفاظ خضوعي وتضرعي متى انتهت إليك انقلبت إلى ألفاظ شجار ونزاع!
أي عدل أن تلمسك حياتي لمسة الزهرة الناعمة بأطراف البَنَان، وتقذفني أنت قذف الحجر بملء اليد الصلبة متمطية فيها قوة الجسم؟
جعلتَني في الحب كآلة خاضعة تُدَار فتدور، ثم عبثتَ بها فصارت متمردة تُوقَّف ولا تقف؛ والنهاية -لا ريب فيها- اختلال أو تحطيم!
وجعلت لي عالمًا؛ أما ليله فأنت والظلام والبكاء، وأما نهاره فأنت والضياء والأمل الخائب. هذا هو عالمي: أنتَ أنتَ!
سمائي كأنها رقعة أطبقت عليها كل غيوم السماء، وأرضي كأنها بقعة اجتمعت فيها كل زلازل الأرض! لأنك غَيْمَة في حياتي، وزلزلة في أيامي.
يا بُعْدَ ما بين الدنيا التي حولي, وبين الدنيا التي في قلبي!
ما يجمل منك أن تُلزمني لوم خطأ أنت المخطئ فيه. سلني عن حبي أجبك عن نكبتي، وسلني عن نكبتي أجبك عن حبي!
كان ينبغي أن تكون لي الكبرياء في الحب، ولكن ماذا أصنع وأنت منصرف
__________
1 أعشاب قليلة متفرقة هنا وهناك.
(1/162)

عني؟ ويلاه من هذا الانصراف الذي يجعل كبريائي رضًى مني بأن تنسى! فتنسى.
ليس لي من وسيلة تعطفك إلا هذا الحب الشديد الذي هو يصدك، فكأن الأسباب مقلوبة معي منذ انقلبتَ أنت.
ويخيل إلي من طغيان آلامي أن كل ذي حزن فعندني أنا تمام حزنه!
ويخيل إلي أني أفصح من نطق بآه!
عذابي عذاب الصادق الذي لا يعرف الكذب أبدًا أبدًا، بالكاذب الذي لا يعرف الصدق أبدًا أبدًا!
كم يقول الرجال في النساء، وكم يصفونهن بالكيد والغدر والمكر، فهل جئت أنت لتعاقب الجنس كله في أنا وحدي؟
ما لكلامي يتقطع كأنما هو أيضًا مختنق؟
لشدَّ ما أتمنى أن أشتري انتصاري، ولكن انتصاري عليك هو عندي أن تنتصر أنت.
إن المرأة تطلب الحرية وتَلِجّ في طلبها, ولكن الحياة تنتهي بها إلى يقين لا شك فيه هو أن ألطف أنواع حريتها في ألطف أنواع استعبادها!
حتى في خيالي أرى لكَ هيئة الآمر الناهي أيها القاسي. لا أحب منك هذا، ولكن لا يعجبني منك إلا هذا!
ويزيدك رفعة في عيني أنك تحاول قط أن تزيد رفعة في عيني.
فالمرأة لا تحب الرجل الذي يعمل على أن يلفتها دائمًا ليرفع من شأنه عندها.
إن الطبيعة قد جعلت الأنوثة "في الإنسان" هي التي تلفت إلى نفسها بالتصنع والتزيد، وعرض ما فيها وتكلف ما ليس فيها؛ فإن يصنع الرجل صنيعها فما هو في شيء إلا تزيين احتقاره!
التزيد في الأنوثة زيادة في الأنثى عند الرجل، ولكن التزيد في الرجولة نقص في الرجل عند الأنثى!
ارفع صوتك بكلماتي تسمع فيها اثنين: صوتك وقلبي.
(1/163)

ليست هي كلماتي لديك أكثر مما هو أعمالك لدي.
وليس هو حبي لك أكبر مما هو ظلمك لي!
ما أشد تَعْسي إذا كنتُ أخاطب منك نائمًا يسمع أحلامه ولا يسمعني!
ما أتعس من تُبكيه الحياة بكاءها المفاجئ على ميت لا يرجع، أو بكاءها المألوف على حبيب لا يُنَال!
ولكن, فلأصبر ولأصبر على الأيام التي لا طعم لها؛ لأن فيها الحبيب الذي لا وفاء له!
إن المصاب بالعمى اللونيّ يرى الأحمر أخضر، والمصاب بعمى الحب يرى الشخص القَفْر كله أزهارًا.
عمى مركب أن تكون أزهارًا من الأوهام ولها مع ذلك رائحة تعبق.
وعمى في الزمن أيضًا أن ينظر إلى الساعة الأولى من ساعات الحب، فيرى الأيام كلها في حكم هذه الساعة.
وعمى في الدم أن يشعر بالحبيب يومًا, فلا يزال من بعدها يحيي خياله ويغذِّيه أكثر مما يحيي جسم صاحبه.
وعمى في العقل أن يجعل وجه إنسان واحد كوجه النهار على الدنيا، تظهر الأشياء في لونه، وبغير لونه تنطفئ الأشياء.
وعمى في قلبي أنا، هذا الحب الذي في قلبي!
ليس الظلام إلا فقدان النور، وليس الظلم في الناس إلا فقدان المساواة بينهم.
وظلم الرجال للنساء عمل فقدان المساواة, لا عمل الرجال.
كيف تسخر الدنيا من متعلمة مثلي، فتضعها موضعًا من الهوان والضعف بحيث لو سُئلت أن تكتب "وظيفتها" على بطاقة، لما كتبتْ تحت اسمها إلا هذه الكلمة: "عاشقة فلان"؟!
وحتى في ضعف المرأة لا مساواة بين النساء في الاجتماع، فكل متزوجة وظيفتها الاجتماعية أنها زوجة؛ ولكن ليس لعاشقة أن تقول: إن عشقها وظيفتها.
وحتى في الكلام عن الحب لا مساواة، فهذه فتاة تحب فتتكلم عن حبها, فيقال: فاجرة وطائشة. ولا ذنب لها غير أنها تكلمت؛ وأخرى تحب
(1/164)

وتكتم، فيقال: طاهرة عفيفة, ولا فضيلة فيها إلا أنها سكتَتْ.
أول المساواة بين الرجال والنساء أن يتساوى الكل في حرية الكلمة المخبوءة.
لا لا، قد رجعت عن هذا الرأي.
إن القلق إذا استمر على النفس انتهى بها آخر الآمر إلى الأخذ بالشاذّ من قوانين الحياة.
والنساء يُقلقْنَ الكون الآن مما استقر في نفوسهن من الاضطراب، وسيخرِّبْنَه أشنع تخريب.
ويلٌ للاجتماع من المرأة العصرية التي أنشأها ضعف الرجل! إن الشيطان لو خُيِّر في غير شكله لما اختار إلا أن يكون امرأة حرة متعلمة خيالية كاسدة لا تجد الزوج!
ويل للاجتماع من عذراء بائرة خيالية، تريد أن تفر من أنها عذراء! لقد امتلأت الأرض من هذه القنابل, ولكن ما من امرأة تفرط في فضيلتها إلا وهي ذنب رجل قد أهمل في واجبه.
هل تملك الفتاة عِرْضها أو لا تملك؟ هذه في المسألة.
إن كانت تملك، فلها أن تتصرف وتعطي؛ أو لا، فلماذا لا يتقدم المالك؟
هذه المدنية ستنقلب إلى الحيوانية بعينها؛ فالحيوان الذي لا يعرف النسب لا تعرف أنثاه العرض!
وهل كان عبثًا أن يفرض الدين في الزواج شروطًا وحقوقًا للرجل والمرأة والنسل؟ ولكن أين الدين؟ وا أسفاه! لقد مَدَّنوه هو أيضًا!
طالت رسالتي إليكَ يا عزيزي، بل طاشت، فإني حين أجدك أفقد اللغة، وحين أفقدك أجدها.
ولقد تكلمتُ عن الدين؛ لأني أراكَ أنتَ بنصف دين!
فلو كنت ذا دين كامل لتزوجت اثنتين!
لا لا، قد رجعت عن الرأي.
"طبق الأصل".
(1/165)

فلسفة الطائشة:
... وهذا مجلس من مجالس "الطائشة" مع صاحبها، مما تسقطه من حديثها؛ فقد كان يكتب عنها ما تصيب فيه وما تخطئ، كما يكتب أهل السياسة بعضهم عن بعض إذا فاوض الحليف حليفه، أو ناكر الخصم خصمه؛ فإن كلام الحبيب والسياسي الداهية ليس كلام المتكلم وحده، بل فيه نطق الدولة, وفيه الزمن يُقبِل أو يُدبِر.
وصاحب الطائشة كان يراها امرأة سياسية كهذه الدول التي تزعم صديقًا على الصداقة؛ لأنه في طريقها أو طريق حوادثها؛ وكان يسميها "جيش احتلال" إذ حطَّتْ في أيامه واحتلتها فتبوأت منها ما شاءت على رغمه، واستباحت ما أرادت مما كان يحميه أو يمنعه. وقد كان في مدافعته حبها واستمساكه بصداقتها كالذي رأى ظل شيء على الأرض, فيحاول غسله أو كنسه أو تغطيته. فهذا ليس مما يغسل بالماء، ولا يكنس بالمِكْنَسة، ولا يُغطَّى بالأغطية؛ إنما إزالته في إزالة الشبح الذي هو يلقيه، أو إطفاء النور الذي هو يثبته.
في كل شيء على هذه الأرض سخرية، والسخرية من الحسن الفاتن الذي تقدسه، تأتي من اشتهاء هذا الحسن؛ فذاك إسقاطه سقوطًا مقدسًا, أو ذاك تقديسه إلى أن يسقط، أو هو جعل تقديسه بابًا من الحيلة في إسقاطه. لا بد من سُفْل مع العلو يكون أحدهما كالسخرية من الآخر؛ فإذا قال رجل لامرأة قد فتنته أو وقعت من نفسه: "أحبك" أو قالتها المرأة لرجل وقع من نفسها أو استهامها, ففي هذه الكلمة الناعمة اللطيفة كل معاني الوقاحة الجنسية، وكل السخرية بالمحبوب سخرية بإجلال عظيم. وهي كلمة شاعر في تقديس الجمال والإعجاب به، غير أنها هي بعينها كلمة الجزار الذي يرى الخروف في جماله اللحمي الدهني، فيقول: "سمين! ".
لهذا يمنع الدين خلوة الرجل بالمرأة، ويحرم إظهار الفتنة من الجنس للجنس، ويفصل بمعاني الحجاب بين السالب والموجب، ثم يضع لأعين المؤمنين والمؤمنات
(1/166)

حجابًا آخر من الأمر بغضّ البصر، إذ لا يكفي حجاب واحد، فإن الطبيعة الجنسية تنظر بالداخل والخارج معًا؛ ثم يطرد عن المرأة كلمة الحب إلا أن تكون من زوجها، وعن الرجل إلا أن تكون من زوجته؛ إذ هي كلمة حيلة في الطبيعة أكثر مما هي كلمة صدق في الاجتماع، ولا يؤكد في الدين صدقها الاجتماعي إلا العَقْد والشهود لربط الحقوق بها، وجعلها في حياطة القوة الاجتماعية التشريعية، وإقرارها في موضعها من النظام الإنساني؛ فليس ما يمنع أن يكون العاشق من معاني الزوج، إما أن يكون من معنى آخر أو يكون بلا معنى فلا؛ وكل ذلك لصيانة المرأة، ما دامت هي وحدها التي تلد، وما دامت لا تلد للبيع.
وفلسفة هذه الطائشة فلسفة امرأة ذكية مطلعة محيطة مفكرة، تبصر لكتب العقل والحوادث جميعًا، وقد أصبحت بعد سقطة حبها ترى الصواب في شكلين لا شكل واحد؛ فتراه كما هو في نفسه، وكما هو في أغلاطها.
وقد أسقطنا في رواية مجلسها ما كان من مطارحات العاشقة، واقتصرنا على ما هو كالإملاء من الأستاذة.
قال صاحب الطائشة: ذكرت لها "قاسم أمين" وقلت: إنها خير تلاميذه وتلميذاته, حتى لكأنها تجربة ثلاثين سنة لآرائه في تحرير المرأة. فقالت: إنما كان قاسم تلميذ المرأة الأوروبية، وهذه المرأة بأعيننا فما حاجتنا نحن إلى تلميذها القديم؟
قالت: وأبلغ من يرد على قاسم اليوم هي أستاذته التي شبت بها أطوار الحياة بعد، فقد أثبت قاسم -غفر الله له- أنه انحصر في عهد بعينه ولم يُتبع الأيام نظره، ولم يستقرئ أطوار المدنية؛ فلم يقدر أن هذا الزمن المتمدن سيتقدم في رذائله بحكم الطبيعة أسرع وأقوى مما يتقدم في فضائله، وأن العلم لا يستطيع إلا أن يخدم الجهتين بقوة واحدة، فأقواهما بالطبيعة أقواهما بالعلم، وكأن الرجل كان يظن أنه ليس تحت الأرض زلازل, ولا تحت الحياة مثلها.
مزَّق البرقع وقال: "إنه مما يزيد في الفتنة، وإن المرأة لو كانت مكشوفة الوجه لكان في مجموع خَلْقها -على الغالب- ما يرد البصر عنها". فقد زال البرقع، ولكن هل قدر قاسم أن طبيعة المرأة منتصرة دائمًا في الميدان الجنسي بالبرقع وبغير البرقع، وأنها تخترع لكل معركة أسلحتها، وأنها إن كشفت برقع الخز فستضع في مكانه برقع الأبيض والأحمر؟
(1/167)

وزعم أن "النقاب والبرقع من أشد أعوان المرأة على إظهار ما تظهر, وعمل ما تعمل لتحريك الرغبة؛ لأنهما يخفيان شخصيتها فلا تخاف أن يعرفها قريب أو بعيد, فيقول: فلانة، أو بنت فلان، أو زوج فلان كانت تفعل كذا؛ فهي تأتي كل ما تشتهيه من ذلك تحت حماية البرقع والنقاب". فقد زال البرقع والنقاب، ولكن هل قدَّر قاسم أن المرأة السافرة ستلجأ إلى حماية أخرى، فتجعل ثيابها تعبيرًا دقيقًا عن أعضائها، وبدلًا من أن تُلبس جسمها ثوبًا يكسوه، تُلبسه الثوب الذي يكسوه ويزينه ويظهره ويحركه في وقت معًا، حتى ليكاد الثوب يقول للناظر: هذا الموضع اسمه ... وهذا الموضع اسمه ... وانظر هنا وانظر ههنا ... ما زادت المدنية على أن فككت المرأة الطيبة ثم ركبَّتها في هذه الهندسة الفاحشة!
وأراد قاسم أن يعلمنا الحب لنربط به الزوج معنا، فلم يزد على أن جرَّأنا على الحب الذي فر به الزوج منا، وقد نسي أن المرأة التي تخالط الرجل ليعجبها وتعجبه فيصيرا زوجين, إنما تخالط في هذا الرجل غرائزه قبل إنسانيته، فتكون طبيعته وطبيعتها هي محل المخالطة قبل شخصيهما، أو تحت ستار شخصيهما؛ وهو رجل وهي امرأة، وبينهما مصارعة الدم ... وكثيرًا ما تكون المسكينة هي المذبوحة. وقد انتهينا إلى دهر يُصنع حُبه ومجالس أحبابه في "هوليود" وغيرها من مدن السينما، فإن رأى الشباب على الفتاة مظهر العفة والوقار قال: بلادة في الدم، وبلاهة في العقل، وثقل أي ثقل؛ وإن رأى غير ذلك قال: فجور وطيش، واستهتار أي استهتار, فأين تستقر المرأة ولا مكان لها بين الضدين؟
أخطأ قاسم في إغفال عامل الزمن من حسابه، وهاجم الدين بالعُرْف؛ وكان من أفحش غلطه ظنه العرف مقصورًا على زمنه، وكأنه لم يدر أن الفرق بين الدين وبين العرف، هو أن هذا الأخير دائم الاضطراب، فهو دائم التغير، فهو لا يصلح أبدًا قاعدة للفضيلة؛ وها نحن أولاء قد انتهينا إلى زمن العُرْي، وأصبحنا نجد لفيفًا من الأوروبيين المتعلمين، رجالهم ونسائهم، إذا رأوا في جزيرتهم أو محلتهم أو ناديهم رجلًا يلبس في حِقْوَيه تُبَّاتًا قصيرًا كأنه ورق الشجر على موضعه ذاك من آدم وحواء, إذا رأوا هذا المتعفف بخرقة؛ أنكروا عليه وتساءلوا بينهم: من؛ من هذا الراهب؟
ونسي قاسم -غفر الله له- أن للثياب أخلاقًا تتغير بتغيرها، فالتي تفرغ الثوب على أعضائها إفراغ الهندسة، وتلبس وجهها ألوان التصوير, لا تفعل ذلك إلا وهي قد تغير فهمها للفضائل؛ فتغيرت بذلك فضائلها، وتحولت من آيات دينية إلى آيات شعرية. وروح المسجد غير روح الحانة، وهذه غير روح المرقص، وهذه غير روح
(1/168)

المخدع، ولكل حالة تلبس المرأة لبسًا فتخفي منها وتبدي. وتحريك البيئة لتتقلب هو بعينه تحريك النفس لتتغير صفاتها. وأين أخلاق الثياب العصرية في امرأة اليوم, من تلك الأخلاق التي كانت لها من الحجاب؟ تبدلت بمشاعر الطاعة، والصبر، والاستقرار، والعناية بالنسل، والتفرغ لإسعاد أهلها وذويها, مشاعر أخرى، أولها كراهية الدار والطاعة والنسل؛ وحسبك من شرٍّ هذا أولُه وأخفُّه!
كان قاسم كالمخدوع المغترّ بآرائه، وكان مصلحًا فيه روح القاضي، والقاضي بحكم عمله مقلد متبع، أليس عليه أن يسند رأيه دائمًا إلى نص لم يكن له فيه شأن ولا عمل؟ من ثَمَّ كثرت أغلاط الرجل حتى جعل الفرق بين فساد الجاهلة وفساد المتعلمة، أن الأولى "لا تكلف نفسها عناء البحث عن صفات الرجل الذي تريد أن تقدم له أفضل شيء لديها، هو نفسها، وعلى خلاف ذلك يكون النساء المتعلمات، إذا جرى القدر عليهن بأمر مما لا يحل لهن، لم يكن ذلك إلا بعد محبة شديدة يسبقها علم تام بأحوال المحبوب " ... " وشمائله وصفاته، فتختاره من بين مئات وألوف ممن تراهم في كل وقت "!!!! " وهي تحاذر أن تضع ثقتها في شخص لا يكون أهلًا لها، ولا تسلم نفسها إلا بعد مناضلة يختلف زمنها وقوة الدفاع فيها حسب الأمزجة "؟؟؟؟ " وهي في كل حال تستتر بظاهر من التعفف "؟؟؟؟ "1.
أليس هذا كلام قاضٍ من القضاة المدنيين المتفلسفين على مذهب "لمبروزو" يقول لإحدى الفاجرتين: أيتها الجاهلة الحمقاء، كيف لم تتحاشي ولم تتستري فلا يكون للقانون عليك سبيل؟
وحتى في هذا قد أثبت قاسم أنه لا يعرف الأرنب وأذنيها2 وإلا فمتى كان في الحب اختيار، ومتى كان الاختيار يقع "فيما يجري به القدر" ومتى كان نظر العاشقة إلى الرجال نظرًا سيكولوجيًّا كنظر المعلمة إلى صبيانها, فتدرس الصفات والشمائل في مئات وألوف ممن تراهم في كل وقت لتصفيها كلها في واحد تختاره من بينهم؟ هذا مضحك! هذا مضحك!
إليك خبرًا واحدًا مما تنشره الصحف في هذه الأيام: كفرار بنت فلان باشا خريجة مدرسة كذا مع سائق سيارتها؛ ففسِّرْ لي أنت كلام قاسم، وأفهمني كيف
__________
1 ص51 من كتاب "تحرير المرأة"، وهو كلام قاسم بنصه، وأكثر ما في هذا الكتاب هو في رأينا خلط وخبط.
2 يقول العرب: "فلان يعرف الأرنب وأذنيها" أي: يعرف الشيء بالعلامة التي تثبته ولا تتخلف.
(1/169)

يكون اثنان واثنان خمسة وعشرين؟ وكيف يكون فرار متعلمة أصيلة مع سائق سيارة هو محاذرة وضع الثقة فيمن لا يكون أهلًا لها؟
لقد أغفل قاسم حساب الزمن في هذا أيضًا، فكثير من المنكرات والآثام قد انحلَّ منها المعنى الديني، وثبت في مكانه معنى اجتماعي مقرر، فأصبحت المتعلمة لا تتخوف من ذلك على نفسها شيئًا، بل هي تقارفه وتستأثر به دون الجاهلة، وتلبس له "السواريه"، وتقدم فيه للرجال المهذبين مرة ذراعها، ومرة خصرها.
أقرأت "شهرزاد"؟ إن فيها سطرًا يجعل كتاب قاسم كله ورقًا أبيض مغسولًا ليس فيه شيء يقرأ:
قالت شهرزاد المتعلمة، المتفلسفة، البيضاء، البضَّة، الرشيقة، الجميلة؛ للعبد الأسود الفظيع الدميم الذي تهواه: "ينبغي أن تكون أسود اللون؛ وضيع الأصل؛ قبيح الصورة؛ وتلك صفاتك الخالدة التي أحبها"1.
فهذا كلام الطبيعة لا كلام التأليف والتلفيق والتزوير على الطبيعة.
قال صاحب الطائشة:
فقلت لها: فإذا كان قاسم لا يرضيكِ، وكان الرجل مصلحًا دخلتْهُ روح القاضي، فخلط رأيًا صالحًا وآخر سيئًا، فلعل "مصطفى كمال" همكِ من رجل في تحرير المرأة تحريرًا مزق الحجاب والـ ... ؟
قالت: إن مصطفى كمال هذا رجل ثائر، يسوق بين يديه الخطأ والصواب بعصًا واحدة، ولا يمكن في طبيعة الثورة إلا هذا، ولا يبرح ثائرًا حتى يتم انسلاخ أمته. وله عقل عسكري كان يمكر به مكر الألمان، حين أكرههم الحلفاء على تحويل مصانع "كروب"، فحولوها تحويلًا يردها بأيسر التغيير إلى صنع المدافع والمهلكات. وليس الرجل مصلحًا البتة، بل هو قائد زهاه النصر الذي اتفق له، فخرج من تلك الحرب الصغيرة وعلى شفتيه كلمة: "أريد" وجعل بعد ذلك إذا غلِط غلطة أرادها منتصرة، فيفرضها قانونًا على المساكين الذين يستطيع أن يفرض عليهم، فيقهرهم عليها ولا يناظرهم فيها، ويأخذهم كيف شاء، ويدعهم كيف أحب؛ وبكلمة واحدة: هو مؤلف الرواية، والقانون نفسه أحد الممثلين.
وحقده على الدين وأهل الدين هو الدليل على أنه ثائر لا مصلح, فإن أخص
__________
1 ص106 من "شهرزاد" للكاتب الدقيق صديقنا الأستاذ توفيق الحكيم، وقد كتبنا نحن في هذا المعنى وكشفنا عن سره في كتاب "أوراق الورد" ص51, 52 وفي غيره من كتبنا.
(1/170)

أخلاق الثورة حقد الثائرين، وهذا الحقد في قوة حرب وحدها، فلا يكون إلا مادة للأفعال الكثيرة المذمومة. والرجل يحتذي أوروبا ويعمل على أعمال الأوروبيين في خيرها وشرها، ويجعل رذائلهم من فضائلهم على رغم أنفهم، يتبرءون منها ويُلحقها هو بقومه، فكأنه يعتنف الآراء ويأخذها أخذًا عسكريًّا، ليس في الأمر إلا قوله "أريد" فيكون ما يريد. هو لم يحكم على شبر من أوروبا يجعله تركيًّا، ولكنه جعل رذائل أوروبا تتجنس بالجنسية التركية.
وتالله, إنه لأيسر عليه أن يجيء بملائكة أو شياطين من المَرَدَة، ينفخون أرض تركيا فيَمُطونها مطًّا فيجعلونها قارة، من أن يكره أوروبا على اعتبار قومه أوروبيين بلبس قبعة وهدم مسجد. إنه لا يزال في أول التاريخ, وهذا الشعب الذي انتصر به لم تلده مبادئه، ولا أنشأه هدم العلماء؛ بل هو الذي ولدته تلك الأمهات، وأخرجه أولئك الآباء، وما كان يعوزه إلا القائد الحازم المصمم، فلما ظفر بقائده جاء بالمعجزة؛ فإذا فُتن القائد بنفسه وأبى إلا أن يتحول نبيًّا، فهذا شيء آخر له اسم آخر.
ولنفرض "الأثير" كما يقول العلماء؛ لنستطيع أن نجعل مسألتنا هذه علمية، وأن نبحثها بحثًا علميًّا، فليكن مصطفى كمال هو اللورد كتشنر في إنجلترا؛ فيكسب اللورد كتشنر تلك الحرب العظمى لا حرب الدويلة الصغيرة، وينتصر على البراكين من الجيوش لا على مثل براميل النبيذ. ثم يستعز الرجل بدالَّته على قومه، ويدخله الغرور، فيتصنع لهم مرة، ويتزين لهم مرة، ثم يأتيهم بالآبدة فيسفه دينهم، ويريدهم على تعطيل شعائرهم وهدم كنائسهم؛ لأن هذا هو الإصلاح في رأيه. أفترى الإنجليز حينئذ يضوون إليه ويلتفون حوله ويقولون: قائدنا في الحرب، ومصلحنا في السلم, وقد انتصرنا به على الناس فسننتصر به على الله، وظفرنا معه بيوم من التاريخ فسنظفر معه بالتاريخ كله؟ أم تحسب كتشنر كان يجسر على هذا وهو كتشنر لم يتغير عقله؟
إنه -والله- ما يتدافع اثنان أن هدم كنيسة واحدة يومئذ لا يكون إلا هدم كتشنر وتاريخ كتشنر، ولكن العجز ممهَّد من تلقاء نفسه، والأرض المنخسفة هي التي يستنقع فيها الماء، فله فيها اسم ورسم؛ أما الجبل الصخري الأشم، فإذا صب هذا الماء عليه أرسله من كل جوانبه، وأفاضه إلى أسفل! 1.
__________
1 أفردنا مقالًا خاصًّا لهذا الإلحاد التركي الذبابي, فقد عثرنا في النسخة الخطية التي عندنا من "كليلة ودمنة" على فصل بديع عنوانه: "كفر الذبابة" تقرؤه، في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
(1/171)

قال صاحب الطائشة: فأقول لها: إذا كان هذا رأيكِ للنساء، فكيف لا ترين مثل هذا لنفسك؟
فتضعضعت لهذه الكلمة، ولَجْلَجَتْ قليلًا ثم قالت: أنت سلبتَني الرأي لنفسي، ووضعتَني في الحقيقة التي لا تتقيد بقانون الخير والشر.
قلت: فإذا كانت كل امرأة تغلَط لنفسها في الرأي، وتنصَح بالرأي الصائب غيرها، فيوشك ألا يبقى في نساء الأرض فضيلة, ولا يعود في المدرسة كلها عاقل إلا الكتاب.
فتضاحكت وقالت: لهذا يشتد ديننا الإسلامي مع المرأة، فهو يخلق طبائع المقاومة في المرأة، ويخلقها فيما حولها، حتى ليخيل إليها أن السماء عيون تراها، وأن الأرض عقول تُحصي عليها؛ وهل أعجب من أن هذا الدين يقضي قضاءً مبرمًا أن تكون ثياب المرأة أسلوب دفاع لا أسلوب إغراء، وأن يضعها من النفوس موضعًا يكون فيه حديثها بينها وبين نفسها كالحديث في "الراديو" له دوي في الدنيا، فيقيم عليها الحجاب، وغيرة الرجل، وشرف الأصل؛ ويؤاخذها بروح طبيعتها، فيجعل الهفوة منها كأنها جنين يكبر, ولا يزال يكبر حتى يكون عار ماضيها وخزي مستقبلها.
هذه كلها حُجُب مضروبة لا حجاب واحد، هي كلها لخلق طبائع المقاومة، لتيسير المقاومة، ومتى جاء العلم مع هذه لم يكن أبدًا إطلاقًا، ولم يكن أبدًا إلا الحجاب الأخير كالسور حول القلعة؛ ولكن قبح الله المدنية وفنها؛ إنها أطلقت المرأة حرة، ثم حاطتها بما يجعل حريتها هي الحرية في اختيار أثقل قيودها لا غير. أنت محمل بالذهب، وأنت حر ولكن بين اللصوص؛ كأنك في هذا لست حرًّا إلا في اختيار من يجني عليك!
لم تعد المرأة العصرية انتصار الأمومة، ولا انتصار الخُلُق الفاضل، ولا انتصار التعزية في هموم الحياة؛ ولكن انتصار الفن، وانتصار اللهو، وانتصار الخلاعة.
قال صاحب الطائشة: فضحكتُ وقلت: وانتصاري!
"طبق الأصل".
تنبيه:
ليست الطائشة كل النساء ولا كل المتعلمات، ونحن إنما نروي قصة هي في الدنيا؛ ليس فيها كلمة من المريخ ولا من زحل؛ فأما الصالح فيرى ويفهم، ولعله يصون بها نفسه؛ أما الفاسد فيرى ويعتبر ولعله يردّ بها نفسه. ومذهبنا دائمًا وجوب كشف الحقيقة، وإذا أردت أن تأخذ الصواب فخذه عمن أخطأ.
(1/172)

تربية لؤلؤية:
كتبتْ إليَّ سيدة فاضلة بما هذه ترجمته, منقولًا إلى أسلوبي وطريقتي:
... أما بعد, فهذا الذي كنا ظننا وظنت، فاقرأ الفصل الذي انتزعته لك من مجله* ... وستعرف منه وتنكر، وترى فيه النهار مبصرًا والليل أعمى ... وتجد فتاة اليوم على ما وقع بها من الظِّنَّة، وكثر فيها من أقوال السوء, لا تَشْمَس على الريبة ولا تريد أن تنتفي منها، بل هي تعمل لتحقيقها، وتبغي مع تحقيقها أن يتعالم الناس ذلك منها، وتريد مع هذين أن يطلقوا لها ما شاءت، ويسوِّغوها مقارفة الإثم، ويقروها على منكراتها.
أمَا إنه إذا كانت أمهاتنا الجاهلات هن أمسنا الذاهب بلا فائدة، فإن فتياتنا المتعلمات هن يومنا الضائع بلا فائدة، غير أن الجاهلة لم تكن تكسَد ومعها الفضيلة، فأصبحت المتعلمة لم تكد تنفق ومعها الرذيلة، ولتاجر أمي طاهر الاسم تتحرك سوقه وتحيا, خير من تاجر متعلم نجس الاسم قد قامت سوقه وخَمَدَت، فما تتنفس من درهم ولا دينار.
لقد احتذينا على مثال المرأة الأوروبية، فلما أحكمته المتعلمات منا، كُنَّ بين الشرق والغرب كالسَّبِخة النشَّاشة من الأرض، طرف لها بالفلاة وطرف بالبحر؛ فهي رمل في ماء في ملح، لا تخلص لفساد ولا صحة، فاعتبرْ هذه وهذه فستجدهما بحكاية واحدة أصلًا, وطبق الأصل.
وقرأت الفصل الذي أومأتْ إليه السيدة، وكان في كتابها، فإذا هو لكاتبه تزعم "أنها ممن رفعن علم الجهاد لحرية المرأة"، وإذا في أوله:
كتبت آنسة أديبة في عدد سابق من ... الأغر تقول: "أجل، لنفتش عن هذا الرجل كما يفتشون هم عن المرأة، فإن أخطأناهم أزواجًا فلن نخطئهم أصدقاء!!! ".
__________
* مجلة الأسبوع المصرية 1934.
(1/173)

وكتب بعد هذا أديب فاضل، كما كتبتْ آنسة فاضلة ينحيان "كذا" هذا المنحى، ويطرقان نفس السبيل "كذا" التي اختطَتْها الآنسة الجريئة في غير حق، الثائرة في نَزَق. ثم قالت بعد ذلك: "قرأت مقال الآنسة الثائرة في حيوية صارخة!!!! فجزعت؛ لأن "قاسم أمين" عندما رفع علم الجهاد من أجل حرية المرأة، و"ولي الدين يكن" عندما جاهر بعده في سبيل السفور، و"هدى شعراوي" عندما رفعت صوتها عاليًا تطالب بحرية المرأة, ما ظنت وما ظن واحد من هذين الرجلين أن ثورة المرأة ستتطور إلى حد أن تقف آنسة مهذبة، تكشف عن رأسها تبكي وتستبكي سواها معها، من أجل الزواج".
وأنا فلستُ أدري -والله- مم تعجب هذه الكاتبة، وإني لأعجب من عجبها، وأراها كالتي تكتب عبثًا وهزلًا وهوينًا، مظهرة الجد والقصد والغضب. أئن أطلق للنساء أن يثرن كما تقول الكاتبة، وجاهد فلان وفلان في هذه الثورة فأخذت مأخذها، فانطلقت لشأنها، فأوغلت في حريتها، فامتد بها أمدها شوطًا بعد شوط, ثم جاء خُلُق من أخلاق المرأة يُسفر سُفوره ويرفع الحجاب عن طبيعته ثائرًا هو أيضًا في غير مداراة ولا حذق ولا كياسة، يريد أن يقتحم طريقه ويسلك سبيله، ثم وقف على رغمه في الطريق منكسرًا مما به من اللفة والوثبة يتوجع، يتنهد، يتلذع بهذه المعاني وهذه الكلمات. أئن وقع ذلك جاءت كاتبة من كاتبات السفور تقول للمرأة: جرى عليك وكنت حرة، وتزعزعت وكنت ثابتة، وأفحشتِ وكنت عفيفة، وتعهرت وكنت طاهرة؟
أفلا تقول لها: سفَرَتْ أخلاقك إذ كنت سافرة بارزة، وضاع حياؤك إذ كنت مخلاة مهملة, وغلوت إذ كنت في المبالغة من البدء؟
أفلا تقول لها: لقد تلطفت فجئت بالمعنى المجازي لكلمة "العري"، ولقد أبدعت فكنت امرأة ظريفة اجتماعية مَخِيلة للشعر والفن، وحققت أن واجب الظريفة الجميلة إعطاء الفن غذاء من.... ومن.... ومن لحمها ... ؟
نعم, إن قاسم أمين "رحمه الله" لم يكن يظن ... ولكن أما كان ينبغي أن يظن أن بعض الصواب في الخطأ لا يجعل الخطأ صوابًا؟ بل هو أحرى أن يلبِّسه على الناس فيشبهه عليهم بالحق وما هو به، ويجعلهم يسكنون إليه ويأمنون جانبه فينتهي بهم يومًا إلى أن ينتسف خطؤه صوابه، ويغطي باطله على حقه, ثم تستطرق إليه عوامل لم تكن فيه من قبل، ولا كانت تجد إليه السبيل وهو خطأ محض،
(1/174)

فتمد له في الغيّ مدًّا. ثم تنتهي هي أيضًا إلى نهايتها، وتئول إلى حقائقها؛ فإذا كل ذلك قد داخل بعضه، وإذا الشر لا يقف عندما كان عليه، وإذا البلاء ليس في نوع واحد بل أنواع.
ما يرتاب أحد في نية قاسم أمين، ولا نزعم أن له خَفِية سوء أو مضمر شر فيما دعا إليه من تلك الدعوة، ولكني أنا أرتاب في كفايته لما كان أخذ نفسه به وأراه قد تكلف ما لا يحسن، وذهب يقول في تأويل القرآن وهو لا ينفذ إلى حقائقه، ولا يستبطن أسرار عربيته، وكان مناظروه في عصره قومًا ضعفاء, فاستعلاهم بضعفهم لا بقوته، وكانت كلمة الحجاب قد انتفخت في ذهنه بعد أن أفرغت معانيها الدقيقة، فأخذها ممتلئة وجاء بها فارغة، وقال للنساء: غيرن وبدلن. فلما أطعنه وبدلن وغيرن، وجاء الزمن بما يفسر الكلمة من حقائقه وتصاريفه لا من خيالات المتخيل أو المتشيع, إذا معنى التغيير والتبديل هو ما رأيت، وإذا الحجاب الأول على ضلاله كان نصف الشر، وإذا المرأة التي ربحت الشارع هي التي خسرت الزوج! وإذا تلك الدعوة لم تكن نفيًا للحجاب عن المرأة، ولكن نفيًا للمرأة ذاتها وراء حدود الأسرة، كأنها مجرمة عوقبت على فساد سياستها؛ وهي قارة في بيتها ولكنها مع ذلك منفية من مستقبلها.
كانوا يحتجون لنفي الحجاب بالفلَّاحات في سفورهن؛ وغفلوا أقبح الغفلة عن السبب الطبيعي في ذلك, وهو أن السفور إنما عمهن من كونهن لسن في المنزلة الاجتماعية أكثر من بهائم إنسانية مؤنثة؛ ومثل هذا السفور لا يكون على طبيعته تلك إلا في اجتماع طبيعي فطري أساسه الخلط في الأعمال لا التمييز بينها، والاشتراك في شيء واحد هو كسب القوت1 لا الانفراد بما فوق ذلك من أشياء النفس.
ولستُ أرى هذه اللجاجة، أو "الحيوية الصارخة" التي ثارت بفتياتنا, إلا تمردًا من طبيعتهن على الأحوال الظالمة المتصرفة بها؛ ويحسبنه توسعًا من الطبيعة في الحرية، وطلبًا للعالم كله بعد الشارع، وللحقوق كلها بعد نبذ الحجاب؛ وهو في الحقيقة ليس إلا ثورة الطبيعة النسوية على خيبتها مما أصابت من الحرية والشارع والعالم والحقوق، ورغبة منها في أن تحد بحدودها ويؤخذ منها العالم كله بما فيه، وتعطى البيت وحده بما فيه.
__________
1 ولهذا لا يكاد يغتني الفلاح ولو أيسر الغنى، حتى يصون امرأته ويحجبها ويرتفع بمعناها في نفسه.
(1/175)

إذا أنت كشفت جذور الشجرة لتطلقها بزعمك من حجابها، وتخرجها إلى النور والحرية، فإنما أعطيتها النور، ولكن معه الضعف والحرية، ومعها الانتقاض؛ وتكون قد أخرجتها من حجابها ومن طبيعتها معًا؛ فخذها بعد ذلك خشبًا لا ثمرًا، ومنظر شجرة لا شجرة، لقد أعطيتها من علمك لا من حياتها، وجهلت أنها من أطباق الثرى في قانون حياتها، لا في قانون حجابها. أفليست كذلك جذور الشجرة الإنسانية؟
كل ما يتغير يسهل تغييره على من شاء، ولكن النتائج الآتية من التغيير لا تكون إلا حتمًا مقضيًّا كما يقضى، فلن يسهل تبديلها ولا تحويلها ولا ردها أن تقع. وقد أخطأ جماعة السفور، بل أنا أقول: إنهم جاءونا بالجاهلية الثانية، وإنهم طبُّوا للمرأة المسلمة كذلك الطب الذي أساسه الرائحة الزكية في البخور ... 1!
وما هو الحجاب إلا حفظ روحانية المرأة للمرأة، وإغلاء سعرها في الاجتماع, وصونها من التبذل الممقوت؛ لضبطها في حدود كحدود الربح من هذا القانون الصارم، قانون العرض والطلب؛ والارتفاع بها أن تكون سلعة بائرة ينادى عليها في مدارج الطرق والأسواق: العيون الكحيلة، الخدود الوردية، الشفاه الياقوتية، الثغور اللؤلؤية، الأعطاف المرتجة، النهود الـ ... الـ ... أوليس فتياتنا قد انتهين من الكساد بعد نبذ الحجاب إلى هذه الغاية، وأصبحن إن لم ينادين على أنفسهن بمثل هذا فإنهن لا يظهرن في الطرق إلا لتنادي أجسامهن بمثل هذا؟
وهذه التي كتبت اليوم تطلبهم مخادنين إن أخطأتهم أزواجًا، وتفتش عليهم تفتيشًا بين الزوجات والأمهات والأخوات! هل تريد إلا أن تثب درجة أخرى في مخزيات هذا التطور، فتمشي في الطريق مشي الأنثى من البهائم طَمُوحًا مَطْرُوفة، تذهب عيناها هنا وههنا تلتمس من يخطو إليها الخطوة المقابلة؟
ما هو الحجاب الشرعي إلا أن يكون تربية عملية على طريقة استحكام العادة لأسمى طباع المرأة وأخصها الرحمة, هذه الصفة النادرة التي يقوم الاجتماع الإنساني على نزعها والمنازعة فيها ما دامت سنة الحياة نزاع البقاء، فيكون البيت اجتماعًا خاصًّا مسالمًا للفرد تحفظ المرأة به منزلتها، وتؤدي فيه عملها، وتكون مغرسًا للإنسانية وغارسة لصفاتها معًا.
__________
1 أي: طب الدجالين.
(1/176)

لقد رأينا مواليد الحيوان تولد كلها: إما ساعية كاسبة لوقتها، وإما محتاجة إلى الحضانة وقتًا قليلًا, لا يلبث أن ينفضي فتكدح لعيشها؛ إذ كانت غاية الحيوان هي الوجود في ذاته لا في نوعه، وكان بذلك في الأسفل لا في الأعلى. غير أن طفل المرأة يكون في بطنها جنينًا تسعة أشهر، ثم يولد ليكون معها جنينًا في صفاتها وأخلاقها ورحمتها أضعاف ذلك، سنة بكل شهر. فهل الحجاب إلا قصر هذه المرأة على عملها، لتجويده وإتقانه وإخراجه كاملًا ما استطاعت؟ وهل قصرها في حجابها إلا تربية طبيعية لرحمتها وصبرها، ثم تربية بعد ذلك لمن حولها برحمتها وصبرها؟
أعرف معلمة ذات ولد، تترك ابنها في أيدي الخدم بعد وصاة علمية سيكولوجية, وتمضي ذاهبة عن يمين الصباح ويمضي زوجها عن شماله. وقد رأيت هذا الطفل مرة، فرأيته شيئًا جديدًا غير الأطفال، له سمة روحانية غير سماتهم، كأنما يقول لي: إنه ليس لي أب وأم، ولكن أب رقم "1"، وأب رقم "2"!
وقد كنتُ كتبت كلمة عن الحجاب الإسلامي قلت فيها: "ما كان الحجاب مضروبًا على المرأة نفسها، بل على حدود من الأخلاق أن تجاوز مقدارها أو يخالطها السوء أو يتدسس إليها؛ فكل ما أدى إلى هذه الغاية فهو حجاب، وليس يؤدي إليها شيء إلا أن تكون المرأة في دائرة بيتها، ثم إنسانًا فقط فيما وراء هذه الدائرة إلى آخر حدود المعاني".
وهذا هو الرأي الذي لم يتنبه إليه أحد، فليس الحجاب إلا كالرمز لما وراءه من أخلاقه ومعانيه وروحه الدينية المعبدية، وهو كالصدفة لا تحجب اللؤلؤة ولكن تربيها في الحجاب تربية لؤلؤية؛ فوراء الحجاب الشرعي الصحيح معاني التوازن والاستقرار والهدوء والاطراد، وأخلاق هذه المعاني وروحها الديني القوي، الذي ينشئ عجيبة الأخلاق الإنسانية كلها؛ أي: صبر المرأة وإيثارها. وعلى هذين تقوم قوة المدافعة, وهذه القوة هي تمام الأخلاق الأدبية كلها، وهي سر المرأة الكاملة؛ فلن تجد الأخلاق على أتمها وأحسنها وأقواها إلا في المرأة ذات الدين والصبر والمدافعة. إنها فيها تشبه أخلاق نبي من الأنبياء.
وقد مُحق الدين والصبر، وتراخت قوة المدافعة في أكثر الفتيات المتعلمات، فابتُلين من ذلك بالضجر والملل، وتشويه النفس؛ ووقع فيهن معنى كمعنى العَفَن في الثمرة الناضجة؛ وجهلن بالعلم حتى طبيعتهن، فما منهن من عرفت أن طبيعتها
(1/177)

سلبية في ذاتها، وأنه لا يشدها ويقيمها إلا الصفات السلبية، وملاكها الصبر فروعه وأصوله، وجمالها الحياء والعفة، ورمزها وحارسها والمعين عليها هو الحجاب وحده. إنه إن لم يكن في المرأة هذا فليست المرأة إلا بهذا.
وما تخطئ المرأة في شيء خطأها في محاولة تبديل طبيعتها وجعلها إيجابية، وانتحالها صفات الإيجاب، وتمردها على صفات السلب، كما يقع لعهدنا؛ فإن هذا لن يتم للمرأة، ولن يكون منه إلا أن تعتبر هذه المرأة نقائض أخلاقها من أخلاقها، كما نرى في أوروبا، وفي الشرق من أثر أوروبا؛ فمن هذا تلقي الفتاة حياءها وتبذؤ وتفحش، إن لم يكن بالألفاظ والمعاني جميعًا فبالمعاني وحدها، وإن لم يكن بهذه ولا بتلك فبالفكر في هذه وتلك، وكانت الاستجابة لهذا ما فشا من الروايات الساقطة، والمجلات العارية؛ فإن هذه وهذه ليست شيئًا إلا أن تكون عِلْم الفكر الساقط.
وعادت الفتاة من ذلك لا تبتغي إلا أن تكون امرأة رواية: إما فوق الحياة، وإما في حقائق جميلة تختارها اختيارًا وتفرضها فرضًا على القدَر! تنسى الحمقاء أنها أحد الطرفين، وليست الطرفين جميعًا؛ فتحاول أن تقرر للحياة الجديدة تأويلًا جديدًا لمعاني الشرف والكرامة والعرض والنسب وما إليها؛ فانسلخت من كل شيء، ثم لما أعجزها أن تنسلخ من غريزة الأنوثة طاشت طيشها الأخير، فانسلخت من إنسانية الغريزة.
أما إن غلطة الرجل في المرأة لا تكون إلا من غلطة المرأة في نفسها. وهي قد أُعطيت في طبيعتها كل معاني حجابها؛ فإحساسها محتجب مختبئ أبدًا كأنه في إِتْب1 ومُلاءة وبرقع، وأفكارها طويلة الملازمة لها لا تكاد تتركها، كأنها منها في بيت؛ وطبيعة الحذر لا تبرحها كأنها الحارس الثابت في موضعه، القائم بسلاحه على حفظ هذا الجسم الجميل؛ وطول التأمل موكل بها كأن عمله مصاحبة وحدتها لتخفيفها على نفسها والترفيه منها؛ والدنيا حول المرأة بمذاهب أقدارها، ولكن لها دنيا في داخلها هي قلبها تذهب الأقدار فيه مذاهب أخرى؛ وضغطة الحياة طبيعية فيها، حتى لا يساورها هم من الهموم إلا صار كأنه من عادتها. والتي تمزقها الحياة كلما ولدت لا تكون الحياة إلا رحيمة بها إذا ضغطتها!
__________
1 الإتب هو بردة تشق فتلبس من غير كمين، وتسميه الريفيات "الملس".
(1/178)

فخروج المرأة من حجابها خروج من صفاتها، فهو إضعاف لها، وتضرية للرجال بها. وماذا تجدي عادة الحذر إذا أفسدتها عادة الاسترسال والاندفاع؟ فيكون حذرًا ليكون إغفالًا، ثم يكون إغفالًا ليعود الزلة والغلطة؛ ومتى رجع غلطة فهذا أول السقوط، ومبدأ الانقلاب والتحول. وليس الفرق بين امرأة نَفُور من الريبة، شَمُوس لا تُطلع الرجال ولا تطمعهم؛ وبين امرأة قَرور على الريبة، هَلُوك فاجرة, ليس الفرق إلا حجاب الحذر أسدل على واحدة، وانكشف عن أخرى.
وإذا قرت المرأة في فضائلها، فإنما هي في حجابها ودينها، وإنما ذلك الحجاب ضابط حريتها الصحيحة، باعتبارها امرأة غير الرجل؛ فهو مسمى بالحجاب لاتصاله بالحرية وضبطه لها، ولكن الضعفاء الذين يعرفون ظاهرًا من الرأي لا يدركون مذهبه، ولا يحققون ما ينتهي إليه، وينفذون في حكمهم على الظاهر لا على البصيرة, هؤلاء لا يعرفون معنى الحجاب إلا في القماش والكساء والأبنية، كأن حجاب الأخلاق النسوية شيء يصنعه الحائك والباني والمستعبد، ولا تصنعه الشريعة والأدب والحياة الاجتماعية؛ فهم كما ترى حين يأتون بنصف العلم، يأتون بنصف الجهل.
لم يخلق الله المرأة قوة عقل فتكون قوة إيجاب، ولكنه أبدعها قوة عاطفة لتكون قوة سلب؛ فهي بخصائصها والرجل بخصائصه؛ والسلب بطبيعته متحجب صابر هادئ منتظر، ولكنه بذلك قانون طبيعي تتم به الطبيعة.
وينبغي أن يكون العلم قوة لصفات المرأة لا ضعفًا، وزيادة لا نقصًا؛ فما يحتاج العالم إذا خرج صوتها في مشاكله أن يكون كصوت الرجل صيحة في معركة, بل تحتاج هذه المشاكل صوتًا رقيقًا مؤثرًا محبوبًا مجمعًا على طاعته, كصوت الأم في بيتها.
أيتها الفتاة، إن صدق الحياة تحت مظاهرها, لا في مظاهرها التي تكذب أكثر مما تصدق؛ فساعدي الطبيعة واحجُبي أخلاقكِ عن الرجل؛ لتعمل هذه الطبيعة فيه بقوتين دافعتين: منها ومنك، فيسرع انقلابه إليك وبحثه عنك؛ وقد يجد الفاسق فاسقات وبغايا، ولكن الرجل الصحيح الرجولة لن يجد غيرك.
وإنما سفورك وسفور أخلاقك إفساد لتدبير الطبيعة، وتمكين للرجل نفسه أن يُرْجِف بكِ الظن، ويسيء فيك الرأي؛ وعقابك على ذلك ما أنت فيه من الكساد والبَوَار؛ عقاب الطبيعة لمستقبلك بالحرمان، وعقاب أفكارك لنفسك بالألم!
(1/179)

س. ا.ع 1:
هؤلاء ثلاثة من الأدباء تجمعهم صفة العزوبة، ويحبون المرأة حبًّا خائفًا يقدم رِجْلًا ويؤخر أخرى؛ فلا يقبل إلا أدبر، ولا يعزم إلا انحل عزمه. بلغوا الرجولة وكأن ليست فيهم؛ وتمر بهم الحياة مرورها بالتماثيل المنصوبة، لا هذه قد وُلد لها ولا أولئك؛ وما برحوا يجاهدون ليحتملوا معاني وجودهم، لا ليطلبوا سعادة وجودهم، ويُمخرقون في شعوذة الحياة بالنهار على الليل، وبالليل على النهار، يحاولون أن يجدوا كالناس أيامًا وليالي، إذ لا يعرفون لأنفسهم من العزوبة إلا نهارًا واحدًا، نصفه أسود مقفر مظلم!
فأما "س" فرجل "كشيخ المسجد" يكاد يرى حصير المسجد حيث وَطِئت قدماه من الأرض, ذو دين وتقوى، ما يزال ينقبض وينكمش ويتزايل حتى يرجع طفلًا في ثلاثين من عمره. وهو حائر بائر لا يتجه لشيء من أمر المرأة، وقد فقد منها مما يحل وما يحرم، ولا جرأة لنفسه عليه، فلا جرأة له على الموبقات، ولا يزين له الشيطان ورطة منها إلا امَّلس منها، فإن له ثلاثة أبواب مفتوحة للهرب: إذ يخشى الله، ويتوقى على نفسه، ويستحيي من ضميره.
وأما "ا" فرجل مِعْزابة ولكنه كالإسفنجة، امتلأت حتى ليس فيها خلاء لقطرة، ثم عُصرت حتى ليس فيها بلال من قطرة؛ وقد بلغ ما في نفسه وقضى نهمته حتى مما أراد؛ ثم قلب الثوب. فإذا له داخلة ناعمة من الخز والديباج، وإذا هو "الرجل الصالح" العفيف الدَّخْلة، ما تنطلق له نفس إلى مأثم، ولا يعرف الشيطان كيف يتسبب لصلحه ومراجعته الود.
وأما "ع" فهو كالأعرج؛ إذا مشي إلى الخير أو الشر مشي بطيئًا برجل واحدة، ولكنه يمشي.... وهو "ملك الشوارع" لا يزال فيها مقبلًا مدبرًا طَرَفًا من النهار وزُلَفًا من الليل؛ فإذا لم يكن في الشارع نساء ظن الشارع قد هرب من المدينة، وخرج من طاعته ... ولهذه الشوارع أسماء عنده غير أسمائها التي يتعارفها الناس
__________
1 هم الأصدقاء سعيد ... وأمين حافظ شرف وعبد الله عمار.
(1/180)

ويستدلون بها. فقد يكون اسم الشارع مثلًا: "شارع طه* الحكيم" ويسميه هو "شارع ماري". ويكون اسم الآخر: "شارع كتشنر" فيسميه "شارع الطويلة" ودرب اسمه "درب الملاح" واسمه عنده "درب المليحة" وهلم جرًّا ومسخًا.
وإذا أراد صاحبنا هذا أن يسخر من الشيطان دخل المسجد فصلى، وإذا أراد الشيطان أن يسخر منه دحرجه في الشوارع!
وافيتُ هؤلاء الثلاثة مجتمعين يتدارسون مقالة "تربية لؤلؤية"، يناقشونها بثلاثة عقول، ويفتشونها بست عيون؛ فأجمعوا على أن المرأة السافرة التي نبذت "حجاب طبيعتها" على ما بينته في تلك المقالة, إن هي إلا امرأة مجهولة عند طالبي الزواج، بقدر ما بالغت أن تكون معروفة، وأنها ابتعدت من حقيقتها الصحيحة، قدر ما اقتربت من خيالها الفاسد؛ وأتقنت الغلط ليصدقها فيه الرجل، فلم يكذبها فيه إلا الرجل؛ وجعلت أحسن معانيها ما ظهرت به فارغة من أحسن معانيها!
وأردتُ أن أعرف كيف تنتصف الطبيعة من الرجل العَزَب للمرأة التي أهملها أو تركها مهملة ... وأين تبلغ ضرباتها في عيشه، وكيف يكون أثرها في نفسه، وكيف تكون المرأة في خائنة الأعين؛ فتسرحت مع أصحابنا في الكلام فنا بعد فن، وأزلت حِذَارهم الذي يحذرون، حتى أفضوا إلي بفلسفة عقولهم وصدورهم في هذه المعاني.
قال "س": حسبي والله من الآلام وآلام معها شعوري بحرماني المرأة؛ فهو بلاء منعني القرار، وسلبني السكينة؛ وكأنه شعور بمثل الوحدة التي يعاقَب السجين لها مصروفًا عن الحياة مصروفة عنه الحياة؛ تجعله جدران سجنه يتمنى لو كان حجرًا فيها فينجو من عذاب إنسانيته الذليلة المجرمة، المحلَّى بينها وبينه توسعه مما يكره؛ شعور بالوحدة والعزلة حتى مع الناس وبين الأهل, فما في إلا عواطف خُرْس لا تستجيب لأحد ولا يجاوبها أحد في "ذلك المعنى".
وتمام الذلة أن يجد العزب نفسه أبدًا مكرهًا على الحديث عن آلامه لكل من يخالطه أو يجلس إليه، كأنه يحمل مصيبة لا يُنفّس منها إلا كلامه عنها. وهذا هو السر في أنك لا تجد عزبًا إلا عرفته ثرثارًا لا تزال في لسانه مقالة عن معنى أو رجل أو امرأة، وأصبْتَه كالذباب لا يطير عن موضع إلا ليقع على موضع.
__________
* ما يأتي هنا من أسماء الشوارع هو من شوارع طنطا. وفي شارع طه الحكيم كانت دار الرافعي.
(1/181)

ومع جَهْد الحرمان جهد شر منه في المقاومة وكف النفس؛ فذلك تعب يهلك به الآدمي، إذ لا يدعه يتقارّ على حالة من الضجر فيما تنازعه الطبيعة إليه، وهو كالمزع في أعصابه، يحسها تُشَد لتُقطَع، ودائمًا تشد لتقطع.
وقد رَهِقني من ذلك الضنى النسوي ما عِيل به صبري وضعف له احتمالي؛ فما أراني يومًا على جِمَام من النفس، ولا ارتياح من الطبع؛ وكيف وفي القلب مادة همه، وفي النفس علة انقباضها، وفي الفكر أسباب مشغلته؟ وقد أوقدتْ سَوْرة الشباب نارها على الدم، تلتعج في الأحشاء؛ وتطير في الرأس، وتصبغ الدنيا بلون دخانها، وفي كل يوم يتخلف منها رماد هو هذا السواد الذي ران على قلبي.
وما حال رجل عذابه أنه رجل، وذله أنه رجل؟ يلبس ثيابه الإنسانية على مثل الوحش في سلاسله وأغلاله، ويحمل عقلًا تسبه الغريزة كل يوم، وتراه من العقول الزُّيُوف لا أثر للفضيلة فيه؛ إذ هو مجنون بالمرأة جنون الفكرة الثابتة، فما يخلو إلى نفسه ساعة أو بعض ساعة إلا أخذته الغريزة مجترحًا جريمة فكر.
وفي دون هذا ينكر المرء عقله؛ وأي عقل تُراه في رجل عزب يقع في خياله أنه متزوج، وأنه يأوي إلى "فلانة"، وأنها قائمة على إصلاح شبابه ونظام بيته، وأنه من أجلها كان عَزَوفًا عن الفحشاء بعيدًا من المنكر؛ وفاءً لها وحفاظًا لعهد الله فيها، وقد دَلَّهَتْه بفنونها التي يبتدعها فكره؛ وهي ساعة تؤاكله على الخِوَان، وساعة تضاحكه، ومرة تعابثه، وتارة تجافيه، وفي كل ذلك هو ناعم بها، يحدثها في نفسه، ويسمَر معها، ويتصنع لها؛ ويعاتبها أحيانًا في رقة، وأحيانًا في جفاء وغلظة, وقد ضربها ذات مرة.
ألا إن فكرة المرأة عندي هي هذا الجنون الذي يرجع بي إلى عشرة آلاف سنة من تاريخ الدنيا، فيرمي بي في كهف أو غابة، فأراني من وراء الدهور كأني أبدأ الحياة منفردًا, وأجدني رجلًا عاريًا متوحشًا متأبدًا ليس من الحيوان ولا من الإنس، دنياه أحجار وأشجار، وهو حجر له نمو الشجر.
لقد توزعت المرأة عقلي فهو متفرق عليها وهي متفرقة فيه، لا أستطيع والله أن أتصورها كاملة، بل هي في خيالي أجزاء لا يجمعها كل؛ هي ابتسامة، هي نظرة، هي ضحكة، هي أغنية، هي جسم، هي شيء، هي هي هي.
أكل تلك المعاني هي المرأة التي يعرفها الناس، أم أنا لي امرأة وحدي؟
وإني على ذلك لأتخوف الزواج وأتحاماه؛ إذ أرى الشارع قد فضح النساء
(1/182)

وكشفهن؛ فما يُريني منهن إلا امرأة تُزهَى بثيابها وصنعة جمالها، أو امرأة كالهاربة من فضائلها؛ والبيت إنما يطلب الزوجة الفاضلة الصناع، تَخيط ثوبها بيدها فتباهي بصنعته قبل أن تباهي بلبسه، وتزهى بأثر وجهها في، لا بأثر المساحيق في وجهها. وإن مكابدة العفة، ومصارعة الشيطان، وتوهج القلب بناره الحامية، وإلمام الطَّيْرة الجنونية بالعقل, كل ذلك ومثله معه أهون من مكابدة زوجة فاسدة العلم أو فاسدة الجهل، أُبْتَلَى منها في صديق العمر بعدو العمر.
إن أثر الشارع في المرأة هو سوء الظن بها، فهي تحسب نفسها معلنة فيه أنوثتها, وجمالها، وزينتها؛ ونحن نراها معلنة فيه سوء أدب، وفساد خلق، وانحطاط غريزة. ومن كان فاسقًا أساء الظن بكل الفتيات، ووجد السبيل من واحدة إلى قول يقوله في كل واحدة؛ ومن كان عفيفًا سمع من الفاسق فوجد من ذلك متعلقًا يتعلق به، وقياسًا يقيس عليه؛ والفتنة لا تصيب الذين ظلموا خاصة، بل تعم. آه لو استطعتُ أن أوقظ امرأة من نساء أحلامي!
وقال "ا": لقد كانت معاني المرأة في ذهني صورًا بديعة من الشعر تستخفني إليها العاطفة، ولا يزال منها في قلبي لكل يوم نازية تَنْزُو. وكانت المرأة بذلك حديث أحلامي ونَجِيّ وساوسي، وكنت عفيف البنطلون1؛ ولكن النساء أيقظنني من الحلم، وفَجَعنني فيه بالحقيقة، ووضعن يدي على ما تحت ملمس الحية. ولو حدثتك بجملة أخبارهن، وما مارستُ منهن لتكرهت وتسخطت، ولأيقنت أن كلمة "تحرير المرأة" إنما كانت خطأ مطبعيًّا، وصوابها: "تجرير المرأة". فهؤلاء النساء أو كثرتهن, لم يُذِلن الحجاب إلا لتخرج واحدة مما تجهل إلى ما تريد أن تعرف، وتخرج الأخرى مما تعرف إلى أكثر مما تعرفه، وتخرج بعضهن من إنسانة إلى بهيمة.
لقد عرفتُ فيمن عرفتُ منهن الخفيفة الطيّاشة، والحمقاء المتساقطة، والفاحشة ذات الريبة؛ وكل أولئك كان تحريرهن, أي: تحريرهن, تقليدًا للمرأة الأوروبية؛ تهالكن على رذائلها دون فضائلها، واشتد حرصهن على خيالها الروائي دون حقيقتها العلمية، ومن مصائبنا نحن الشرقيين أننا لا نأخذ الرذائل كما هي، بل نزيد عليها ضَعْفنا فإذا هي رذائل مضاعفة.
كان الحلم الجميل في الحجاب وحده، وهو كان يُسَعِّر أنفاسي ويستطير قلبي، ويُرغمني مع ذلك على الاعتقاد أن ههنا علامة التكرم، ورمز الأدب، وشارة
__________
1 يقول العرب في الكناية عن العفة: وهو عفيف الإزار، وترجمتها في عصرنا ما رأيت.
(1/183)

العفة، وأن هذه المحصنة المخدَّرة -عذراء أو امرأة- لم تلق الحجاب عليها إلا إيذانا بأنها في قانون عاطفة الأمومة لا غيرها؛ فهي تحت الحجاب لأنه رمز الأمانة لمستقبلها، ورمز الفصل بين ما يحسن وما لا يحسن، ولأن وراءه صفاء روحها الذي تخشى أن يكدَّر، وثبات كيانها الذي تخشى أن يُزعزَع.
قال حكيم لأولئك الذين يستميلون النساء بأنواع الحلى وصنوف الزينة والكُسوة الحسنة: "يا هؤلاء, إنكم إنما تعلمونهن محبة الأغنياء لا محبة الأزواج"، وأحكم من هذا قول الرجل الإلهي الصارم عمر بن الخطاب: "اضربوهن بالعُرى" فقد عُرف من ألف وثلاثمائة سنة أن تحرير المرأة هو تجريرها، وأنها لا تخرج لمصلحة أكثر مما تخرج لإظهار زينتها. فلو مُنعت الثياب الجميلة حبستها طبيعتها في بيتها, فماذا تقول الشوارع لو نطقت؟ إنها تقول: يا هؤلاء، إنما تعلمونهن معرفة الكثير لا معرفة الواحد!
لقد -والله- أنكرت أكثر ما قرأت وسمعت من محاسنهن وفضائلهن وحياتهن، ولقد كان الحجاب معنى لصعوبة المرأة واعتزازها، فصار الشارع معنى لسهولتها ورخصها؛ وكان مع تحقق الصعوبة أو توهمها أخلاق وطباع في الرجل، فصار مع توهم السهولة أو تحققها أخلاق وطباع أخرى على العكس من تلك؛ ما زالت تنمي وتتحول حتى ألجأت القانون أخيرًا أن يترقى بمن لمس المرأة في الطريق من "الجنحة" إلى "الجناية".
وتخنَّث الشبان والرجال، ضروبًا من التخنث بهذا الاختلاط وهذا الابتذال، وتحللت طباع الغَيْرة، فكان هذا سريعًا في تغيير نظرتهم إلى النساء، وسريعًا في إفساد اعتقادهم، وفي نقض احترامهم، فأقبلوا بالجسم على المرأة، وأعرضوا عنها بالقلب؛ وأخذوها بمعنى الأنوثة، وتركوها بمعنى الأمومة؛ ومن هذا قل طلاب الزواج، وكثر روّاد الخَنَا.
ولقد جاءت إلى مصر كاتبة إنجليزية، وأقامت أشهرًا تخالط النساء المتحجبات وتدرس معاني الحجاب، فلما رجعت إلى بلادها كتبت مقالًا عنوانه: "سؤال أحمله من الشرق إلى المرأة الغربية" قالت في آخره: "إذا كانت هذه الحرية التي كسبناها أخيرًا، وهذا التنافس الجنسي، وتجريد الجنسين من الحجب المشوقة الباعثة التي أقامتها الطبيعة بينهما, إذا كان هذا سيصبح كل أثره أن يتولى الرجال عن النساء، وأن يزول من القلوب كل ما يحرك فيها أوتار الحب الزوجي, فما الذي
(1/184)

نكون قد ربحناه؟ لقد والله تُضطرنا هذه الحال إلى تغيير خططنا، بل قد نستقر طوعًا وراء الحجاب الشرقي؛ لنتعلم من جديد فن الحب الحقيقي".
وقال "ع": لست فيلسوفًا، ولكن في يدي حقائق من علم الحياة لا تأتي الفلسفة بمثلها، وكتابي الذي أقرأ فيه هو الشارع.
فاعلم أن العزاب من الرجال يتعلم بعضهم من بعض، وهم كاللصوص لا يجتمع هؤلاء ولا هؤلاء إلا على رذيلة أو جريمة. وحياة اللص معناها وجود السرقة، وحياة العزب معناها وجود البِغَاء والفسق.
ومن حُكم الطبيعة على الجنسين أن الفاسق يباهي بإظهار فسقه قدر ما تخاف الفاسقة من ظهور أمرها, وهذه إشارة من الطبيعة إلى أن المرأة مسكينة مظلومة. فما ابتذال الحجاب، ولا استهتاك النساء إلا جواب على انتشار العزوبة في الرجال، وكيف يتحول الماء ثلجًا لولا الضغط نازلًا فنازلًا إلى ما دون الصفر؟ فهذا الثلج ماء يعتذر من تحوله وانقلابه بعذر طبيعي قاهر، له قوة الضرورة الملجئة، وكذلك المرأة المذالة أو الطامحة أو المتبذلة أو المتهتكة, ما صفاتهن إلا توكيد لأعذارهن.
وكان على الحكومة أن تضرب العزوبة ضربة قانون صارم، فالعزب وإن كان رجلًا حرًّا في نفسه، ولكن رجولته تفرض للأنوثة حقها فيه؛ فمتى جحد هذا الحق، واستكبر عليه، رجع حاله مع المرأة إلى مثل شأن الغريم مع غريمه؛ ليس للفصل فيه إلا الدولة أو حكامها وقوتها التنفيذية.
وإذا أُطلقت الحرية للرجال فصاروا كلهم أو أكثرهم أعزابًا، فماذا يكون إلا أن تمحى الدولة، وتسقط الأمة، وتتلاشى الفضائل؟ فالعزوبة من هذا جريمة بنفسها، ولا ينبغي أن تتربص بها الحكومة حتى تعم، بل يجب اعتبارها باعتبار الجرائم من حيث هي، ويجب تفسير كلمة "العزب" في اللغة بمثل هذا المعنى. إنها شخصية مذكَّرة ساخطة متمردة على حقوق مختلفة للمرأة والنسل والأمة والوطن.
وما ساء رأي العزاب في النساء والفتيات إلا من كونهم بطبيعة حياتهم المضطربة لا يعرفون المرأة إلا في أسوأ أحوالها وأقبح صفاتها، وهم وحدهم جعلوها كذلك.
إن لهم وجودًا محزنًا يستمتعون فيه، ولكنهم يَهلكون ويُهلكون به. هم والله
(1/185)

لأساتذة الدروس السافلة في كل أمة، وهم والله بغاة من الرجال في حكم البغايا من النساء، يجرون جميعًا مجرًى واحدًا. ومن هي البغيّ في الأكثر إلا امرأة فاجرة لا زوج لها؟ ومن هو العزب في الأكثر إلا رجل فاسق لا زوجة له؟ على أن مع المرأة عذر ضعفها أو حاجتها، ولكن ما عذر الرجل؟
ماذا تفيد الدولة أو الأمة من هذا العزب الذي اعتاد فوضى الحياة، وسيرها على نظامها، وتحققها على أسخف ما فيها من الخيال والحقيقة, وأي عزب يجد الاستقرار, أو تجتمع له أسباب الحياة الفاضلة وهو قد فقد تلك الروح التي تتم روحه، وتنقّحها، وتمسكها في دائرتها الاجتماعية على واجباتها وحقوقها، وتجيئه بالأرواح الصغيرة التي تشعره التبعة والسيادة معًا، وتمتد به ويمتد بها في تاريخ الوطن؟
كيف يعتبر مثل هذا موجودًا اجتماعيًّا صحيحًا وهو حي مختل في وجود مستعار، يقضي الليل هاربًا من حياة النهار، ويقضي النهار نافرًا من حياة الليل؛ فيقضي عمره كله هاربًا من الحياة، وكأنه لا يعيش بروحه كاملة، بل ببعضها، بل بالممكن من بعضها!
أية أسرة شريفة تقبل أن يساكنها رجل عزب، وأية خادم عفيفة تطمئن أن تخدم رجلًا عزبًا؟ هذه هي لعنة الشرف والعفة لهؤلاء الأعزاب من الرجال!
قال الراوي: وهنا انتفض "س" و"ا" وحاولا أن يقبضا على هذه اللعنة ويرداها إلى حلق "ع". ثم سألني ثلاثتهم أن أسقطها من المقال، بيد أني رأيت أن خيرًا من حذفها أن تكون اللعنة لأعزاب الرجال إلا "س" و"ا" و"ع".
(1/186)

استنوق الجمل:
قال الشاب: لا قِبَلَ لي بهذا التعب المعني الذي يسمونه "الزواج" فما هو إلا بيت ثقله على شيئين: على الأرض، وعلى نفسي؛ وامرأة همها في موضعين: في دارها، وفي قلبي؛ وما هو إلا أطفال يُلزمونني عمل الأيدي الكثيرة من حيث لا أملك إلا يدين اثنتين، وأتحمل فيهم رهقًا شديدًا كأنما أبنيهم بأيامي، وأجمع هموم رءوسهم كلها في رأس واحد هو رأسي أنا.
يولد كل منهم بمعدة تهضم لتوها وساعتها، ثم لا شيء معها من يد أو رجل أو عقل إلا هو عاجز لا يستقل، متخاذل لا يطيق ولا يقدر.
قال: وإذا كان أول الزواج أي: عسله وحلواه أنه امرأة تُذهب عزوبتي, فأنا وأمثالي ما نزال في عسل وحلوى ... ولكل وقت زواج، ولكل عصر أفكار، وما أسخف الليالي إذا هو ترادفت على ضرب واحد من أحلامها، فهذا يجعل النوم حكمًا بالسجن عشر ساعات!
قال: وإذا أردت أن تستكشف القصة فاعلم أننا -نحن العزاب- قوم كرجال الفن؛ رذيلتهم فنية، وفضيلتهم فنية، فتلك وهذه بسبيل؛ وكل شيء في الفن هو لموضعه من الفن لا من غيره؛ فإذا قلتَ: هذا خالٍ من الفضيلة، عار من الأدب؛ وعبت الفن لذلك, فما هو إلا كعيبك وجه المرأة الجميلة لأنه خال من لحية! هات الظلام وسواده، فإنه لون كالنور وإشراقه، لا بد من كليهما؛ إذ المعنى الفني إنما يكون في تناسب الأشياء لا في الأشياء ذاتها؛ ويد الفني كيد الغني؛ هذه لا يقع فيها الذهب إلا ليعدد ثم يتعدد؛ وتلك لا تقع فيها المرأة إلا لتتعدد ثم تتعدد؛ وفي كل دينار قوة جديدة، وفي كل امرأة فن جديد.
قال: ومذهبنا في الحياة أن نستمتع بها ضروبًا وأفانين؛ من أطاق لم يقتصر على نوعين، ومن قدر على نوعين لم يرض الواحد؛ ولو أن زوجة كانت من أشعة الكواكب أو من قطرات الندى، لثقل منها على حياتنا ما يثقل من الحديد والصَّوَّان؛ إذ هي لا تلد أشعة كواكب، ولا قطرات ندى؛ وحَسْب الجسد برأس واحد حِمْلًا.
(1/187)

قال: ومن الذي تعرض عليه الحياة سلامها وتحياتها وأشواقها في مثل رسالة غرام، ثم يدع هذا ويسألها غضبها وخصامها ولَجَاجتها في مثل قضية من قضايا المحاكم كل ورقة فيها تلد ورقة؟
ثم قال الشاب: لا تحسبن أن المرأة هي السافرة عندنا، ولكن اللذة هي السافرة؛ وما أحكم الشرع! أقول لك وأنا محامٍ يقرر الحقيقة: ما أحكم الشرع الذي لم يرخص في كشف وجه المرأة إلا لضرورة، فإن الواقع في الحياة أن هذا الكشف كثير ما يكون كنقْب اللص على ما وراء النقب؛ وإذا كُسر ما فوق القُفل من الخزانة المكتنز فيها الذهب والجوهر، فالباب الجديد كله سخرية وهُزُؤ من بعدُ!
هذه عقلية شاب محام طُوي عقله على الكتب القانونية، وطوي قلبه على مثلها من غير القانونية, وليس يمتري أحد في أنها عقلية السواد من شبابنا المثقف الذي لبس الجلد الأوروبي. ومن البلاء على هذا الشرق أنه ما برح يناهض المستعمرين ويواثبهم، غافلًا عن معانيهم الاستعمارية التي تناهضه وتواثبه، جاهلًا أن أوروبا تستعمر بالمذاهب العلمية كما تستعمر بالوسائل الحربية؛ وتسوق الأسطول والجيش، والكتاب والأستاذ، واللذة والاستمتاع، والمرأة والحب.
ولو أن عدوًّا رماك بالنار فاستطارت في ثيابك أو متاعك لما دخلك الشك أن عدوك هو النار حتى تفرغ من أمرها. فكيف -لعمري- غفل الشرقيون عن أخلاق نارية حمراء يأكلهم بها المستعمرون أكلًا كأنما ينضجونهم عليها ليكونوا أسهل مساغًا، وألين أَخْذًا، وأسرع في الهضم!
لم أفهم أنا من كلام صاحبنا الشاب ومعانيه إلا أن أوروبا في أعصابه، وأما مصر ونساؤها ورجالها فعلى طرف لسانه لا تكون إلا صيحة، وليس بينه وبينها في الحياة عمل إلا من ناحية لذته بها، لا من ناحية فائدتها منه.
وتلك المعاني كلها مشتق بعضها من بعض، ومرجعها إلى أصل واحد، كالأمراض التي تبتلي الجسم يُمهد شيء منها لشيء، ما دامت طبيعة هذا الجسم زائغة أو مختلة، أو متراجعة إلى الضعف، أو ذاهبة إلى الموت.
وأولئك شبان وقف بهم الشباب موقف بَلَادة، فلا يخطو إلى الرجولة، ولا يكمل بنموه الاجتماعي كما يكمل الرجل الوطني؛ فمن ثم يكون خَوَّارًا لا يستطيع أن يحمل أثقالًا مع أثقاله، ويستوطئ العجز والخمول؛ فلا يكون إلا قاعد الهمة،
(1/188)

رَخْو العزيمة، قد استنام إلى أسباب عجزه وتخاذله، ولا يكون في بعض الاعتبار إلا كالمريض يعيش بمرضه حَمِيلة على ذويه، ضُجعة لا يمشي، نُومة لا ينتهض، مستريحًا لا يعمل.
وبهذه المكسلة الاجتماعية في الشبان يبدأ الشعب يتحول من داخله فينصرف عن فضائله، ويتخذ في مكانها فضائل استعارة يقلد فيها قومًا غير قومه، ويجلبها لبيئة غير بيئته، ويقسرها على أن تصلح له وهي فساد، ويُكرهها على أن تنفعه وهي ضرر، وتلك حالة يغامر فيها الشعب بكيانه فلا تلبث أن تصدعه وتفرقه.
ولو أن في السحاب مطرًا وغيثًا لما كان له في كل ساعة لون مصبوغ، ولو أن في الشباب دينًا لما صبغته تلك الأخلاق الفاسدة، وما ذهاب الحارس عن مكان إلا دعوة للصوص إليه، وهل كان الدين إلا واجبات وتبعات وقيودًا يراد من جميعها إعداد الإنسان لأمثالها في الاجتماع، حتى يقر في إنسانيته الصحيحة على النحو الذي يصلح له منفردًا, ويصلح له مجتمعًا؟ فليست الزوجة وحدها هي التي خسرت الشاب بل خسره معها الوطن والدين والفضيلة جميعًا، وبهذا انعكس وضعة من الجماعة، فوجب في رأيه أن تسخر الجماعة له، وأن يستقل هو بنفسه، وبهذا العكس, وهذا السقوط، وهذا الاستمتاع الذي يجد سعادته في نفسه؛ أصبح أولئك الشبان كأنما حقهم على المجتمع أن يقدم لهم بغايا لا زوجات, بغايا حتى من الزوجات!
قَبَّح الله عصرًا يجهل الشاب فيه أن الرجل والمرأة في الوطن كلمتان تفسر الإنسانية إحداهما بالأخرى تفسيرًا إنسانيًّا دينيًّا بالواجبات والقيود والأحمال، لا بالأهواء والشهوات والانطلاق كما تفسر الحيوانية الذكر والأنثى.
والنفس الدنيئة أو المنحطة في أخلاقها ومنازعها من الحياة لا تكون إلا دنيئة أو منحطة في أحلامها وأخيلتها الروحية، دنيئة كذلك في طاعتها إن قضت عليها الحياة بموضع الخضوع, دنيئة في حكمها إن قضت لها الحياة بمنزلة من السلطة. ولو تنبهت الحكومة لطردت من عملها كل موظف غير متأهل، فإنها إنما تستعمل شرًّا لا رجلًا يمنع الشر، وكل شاب تلك حاله هو حادثة ترتدف الحوادث وتستلزمها، وما يأتي السوء إلا بمثله أو بأسوأ منه.
ليس للزواج معنى إلا إقرار طبيعة الرجل وطبيعة المرأة في طبيعة ثالثة تقوم بالاثنتين معًا، وهي طبيعة الشعب. فمن سقوط النفس ولؤمها ودناءتها أن يفر
(1/189)

الشاب القوي من تبعة الرجولة، فلا يحمل ما حمل أبوه من واجبات الإنسانية؛ ولا يقيم لوطنه جانبًا من بناء الحياة في نفسه وزوجه وولده، بل يذهب يجعل حظ نفسه فوق نفسه، وفوق الإنسانية والفضيلة والوطن جميعًا؛ ولا يعرف أن انفلاته من واجبات الزواج هو إضعاف في طبيعته لمعنى الإخلاص الثابت، والصبر الدائب، والعطف الجميل في أي أسبابها عرضت.
ومن فُسُولة الطبع ولؤمه ودناءته أن يهرب هذا الجندي من ميدانه الذي فرضت عليه الطبيعة الفاضلة أن يجاهد فيه لأداء واجبه الطبيعي, متعللًا لفراره المخزي بمشقة هذا الواجب, وما عسى أن يعاني فيه كما يحتجّ الجبان بخوف الهلاك وعناء الحرب.
ومن سقوط النفس أن يرضى الشبان كساد الفتيات, وبوارهن على الوطن؛ وأن يتواطئوا على نبذ هذه الأحمال، وإلقائها في طرق الحياة، وتركها لمقاديرها المجهولة. كأنهم -أصلحهم الله- لا يعلمون أن ذلك يضيع بأخواتهم بين الفتيات، ويضيع بوطنهم في أمهات الجيل المقبل، ويضيع بالفضيلة في تركهم حمايتها وتخليهم عن حمل واجباتها وهمومها السامية.
إن الجمل إذا استنوق تخنث ولان وخضع، ولكنه يحمل؛ وهؤلاء إذا استنوقوا تخنثوا ولانوا وخضعوا وأبوا أن يحملوا.
ومن سقوط النفس في الرجل النكس العاجز المقصر أن يحتج لعزوبته بعلمه وجهل الفتيات؛ أو تمدنه وزعمه أنهن لم يبلغن مبلغ الأوروبية، ولا يدري هذا المنحط النفس أن الزواج في معناه الإنساني الاجتماعي هو الشكل الآخر للاقتراع العسكري، كلاهما واجب حتم لا يُعتذر منه إلا بأعذار معينة، وما عداها فجبن وسقوط وانخذال ولعنة على الرجولة.
ومن سقوط النفس أن يغنى الشاب عن الزواج لفجوره فيقره، ويُمكِّن له، وكأنه لا يعلم أنه بذلك يحطم نفسين، ويحدث جريمتين، ويجعل نفسه على الدنيا لعنتين.
ومن سقوط النفس أن يغتر الشاب فتاة حتى إذا وافق غِرَّتها مكر بها وتركها بعد أن يلبسها عارها الأبدي؛ فما يحمل هذا الشاب إلا نفس لص خبيث فاتك، هو أبدًا عند من يسرقهم في باب الخسائر والنكبات، لا في باب الربح والمكسب؛ وعند المجتمع في باب الفساد والشر، لا في باب المصلحة والخير؛ وعند نفسه في باب الجريمة والسرقة، لا في باب العمل والشرف.
(1/190)

فسقوط النفس وانحطاطها هو وحده نكبة الزواج في أصلها وفروعها الكثيرة التي منها المغالاة والشطط في المهور, ومنها بحث الشاب عن الزوجة الغنية، وإهمال ذات الدين والأصل الكريم لفقرها، ومنها ابتغاء الزوجة رجلًا ذا جاه أو ثراء، وعزوفها عن الفاضل ذي الكَفَاف أو اليسير على غنى في رجولته وفضائله، كأنما هو زواج الدينار بالسبيكة، والسبيكة بالدينار، وكأن الطبيعة قد ابتُليت هي أيضًا بالسقوط، فأصبحت تعتبر الغنى والفقر، فتجعل في دم أولاد الأغنياء روح الذهب واللؤلؤ والماس، وتلقي في دم أولاد الفقراء روح النحاس والخشب والحجارة, على حين أن الجميع مستيقنون -لا يتدافع اثنان منهم- في أن الطبيعة لا تبالي إلا بوراثة الآداب والطباع.
وأعظم أسباب هذا السقوط في رأيي هو ضعف التربية الدينية في الجنسين، وخاصة الشبان، ظنًّا من الناس أن الدين شأن زائد على الحياة، مع أنه هو لا غيره نظام هذه الحياة وقوامها في كل ما يتصل منها بالنفس. وليست المدنية الصحيحة -كما يحسب المفتونون- هي نوع المعيشة للحياة ومادتها، بل نوع العقيدة بالحياة ومعانيها؛ وإلى هذا ترمي كل مبادئ الإسلام، فإن هذا الدين القوي الإنساني لا يعبأ بزخارف كهذه التي تتلبّس بها المدنية الأوروبية القائمة على الاستمتاع، وفنون اللذات، وانطلاق الحرية بين الجنسين؛ فهذا بعينه هو التحطيم الإنساني الذي ينتهي بتهدم تلك المدنية وخرابها. وإنما يعبأ الإسلام بالعقيدة التي تنظّم الحياة تنظيمًا صحيحًا متساوقًا وافيًا بالمنفعة، قائمًا بالفضيلة, بعيدًا من الخلط والفوضى.
ويقابل ضعف التربية الدينية مظهر آخر هو سبب من أكبر أسباب السقوط، وهو ضعف التربية الاجتماعية في المدرسة، وإلى هذا الضعف يرجع سبب آخر هو تخنث الطباع واسترسالها إلى الدعة والراحة، وفرارها من حمل التبعة "المسئولية" التي هي دائمًا أساس كل شخصية قائمة في موضعها الاجتماعي.
وبذلك الضعف وذلك السقوط وُضعت المرأة البغِيّ العاهرة في الموضع الطبيعي للأم، ونزل الرجل السافل المنحط في المكان الطبيعي للأب، وتحللت قوى الوطن بانحراف عنصريه العظيمين عن طبيعتهما، وجعلت فضيلة الفتيات المسكينات تتأكل من طول ما أهملت، وأخذ سُوس الدم يتركها فضائل نَخِرة.
ولا عاصم ولا دافع إلا قوة القانون وسطوته، ما دامت الفضيلة في حكم الناس وتصريفهم قد تركت مكانها للقوانين، وما دامت قوة النفس قد أخلت موضعها للقوة التنفيذية.
(1/191)

لقد قُتلت رُوحية الزواج، وهي على كل حال جريمة قتل، فمن القاتل يا صاحبنا المحامي؟
قال الشاب: هو كل رجل عزب.
قلت: فما عقابه؟
فسكت, ولم يرجع إلي جوابًا.
قلت: كأني بك قد تأهلت وخلاك ذم, فما عقابه؟
قال: إلى أن تبلغ الحكومة أو أن تعاقب هؤلاء العزاب، فليعاقبهم الشعب بتسميتهم "أرامل الحكومة" واحدهم: رجل أرملة حكومة.
ثم قال: اللهم يسرها ولا تجعلني رجلًا بغلطتين: غلطة في نساء الأمة، وغلطة في ألفاظ اللغة.
(1/192)

أرملة حكومة:
"أرملة الحكومة" فيما تواضعنا عليه بيننا وبين قرائنا1 هو الرجل العزب، يكون مطيقًا للزواج، قادرًا عليه، ولا يتزوج؛ بل يركب رأسه في الحياة، ويذهب يموِّه على نفسه كذبًا وتدليسًا، وينتحل لها المعاذير الواهية، ويمتلق العلل الباطنة، يحاول أن يُلحق نفسه بمرتبة الرجل المتزوج من حيث يحط الرجل المتزوج إلى مرتبته هو؛ ويضيف شؤمه على النساء إلى هؤلاء النساء المسكينات، يزيدهن على نفسه شر نفسه، ويرميهن بالسوء وهو السوء عليهن، ويتنقصهن ومنه جاء النقص، ويعيبهن وهو أكبر العيب؛ لا يتذكر إلا الذي له، ولا يتناسى إلا الذي عليه، كأنما انقلبت أوضاع الدنيا، وتبدلت رسوم الحياة، فزالت الرجولة بتبعاتها عن الرجل إلى المرأة, وانفصلت الأنوثة بحقوقها من المرأة إلى الرجل، فوجب أن تحمل تلك ما كان يحمل هذا، فتُقدم ويقر وادعًا، وتتعب ويستريح، وتعاني الهموم السامية في الحياة الاجتماعية، ويعاني المخنث ابتساماته ودموعه، متكئًا في مجلسه النسيمي تحت جناح المِرْوحة. فأما المرأة فتشرف على هَلَكتها، وتخاطر بحاضرها ومستقبلها، وأما هو فيبقى من ثيابه في مثل الخِدْر المَصُون!
"أرملة الحكومة" هو ذلك الشاب الزائف المبهرج، يُحسَب في الرجال كذبًا وزورًا؛ إذ لا تكمل الرجولة بتكوينها حتى تكمل بمعاني تكوينها, وأخص هذه المعاني إنشاء الأسرة والقيام عليها، أي: مغامرة الرجل في زمنه الاجتماعي ووجوده القومي، فلا يعيش غريبًا عنه وهو معدود فيه، ولا طُفيليًّا فيه وهو كالمنفي منه، ولا يكون مظهرًا لقوة الجنس القوي هاربة هروب الجبن من حمل ضعف الجنس الآخر المحتمي بها، ولا لمروءة العشير متبرئة تبرؤ النذالة من مؤازرة العشير الآخر
__________
1 انظر مقالة "استنوق الجمل" والتاء في "أرملة الحكومة" ليست للتأنيث، بل هي تاء جديدة في العربية، تزاد في هذه الكلمة خاصة واسمها تاء الهزؤ. ويا حبذا لو اصطلح النساء والفتيات والمتزوجون جميعًا على تسمية كل رجل عزب "أرملة الحكومة" فإن هذا الاسم إذا عم وشاع كان في معناه وفعله المطهر، حامضًا لغويًّا كحامض الفنيك!
(1/193)

المحتاج إليها؛ ولا يرضى لنفسه أن يكون هو والذل يعملان في نساء أمته عملًا واحدًا، وأن يصبح هو والكساد لا يأتي منهما إلا أثر متشابه، وأن يبيت هو والفناء في ظلمة واحدة كظلمات القبر، تنقل الأجداث إلى الدور، فتجعل البيت -الذي كان يقتضيه الوطن أن يكون فيه أب وأم وأطفال- بيتًا خاويًا كأنما ثُكل الأم والأطفال، وبقيت فيه البقية من هذا الرجل العزب الميت أكثر تاريخه!
لقد رأيت بعيني أداة العزب وأثاثه في بيته، كأنما يقص عليه كل ذلك قصة شؤمه ووحدته، وكأنما يقول له الفرش والنجد والطراز: "بعني يا رجل وردني إلى السوق؛ فإني هنالك أطمع أن يكون مصيري إلى أب وأم وأولاد، أجد بهم فرحة وجودي، وأصيب من معاشرتهم بعض ثوابي، وأبلي تحت أيديهم وأرجلهم فأكون قد عملت عملًا إنسانيًّا. أما عندك، فأنت خشبة مع الخشب، وأنت خرقة بين الخرق, واسمع الكرسي, إنه يقول: أف, وأصغ إلى فراشك, إنه يقول: تف".
شهد العزب -ورب الكعبة- على نفسه أنه مبتلى بالعافية، مستعبد بالحرية، مجنون بالعقل، مغلوب بالقوة، شقي بالسعادة، وشهدت الحياة عليه -ورب البيت- أنه في الرجولة قاطع طريق؛ يقطع تاريخها ولا يؤمنه، ويسرق لذاتها ولا يكسبها ويخرج على شرعها ولا يدخل فيه، ويعصي واجباتها ولا ينقاد لها. وشهد الوطن -والله- عليه أنه مخلوق فارغ كالواغل على الدنيا؛ إن كان نعمة بصلاحه، انتهت النعمة في نفسها لا تمتد؛ وإن كان بفساده مصيبة امتدت في غيرها لا تنقطع, وأنه شحاذ الحياة أحسن به الأجداد نسلًا باقيًا، ولا يحسن هو بنسل يبقى, وأنه في بلاده كالأجنبي، مهبطه على منفعة وعيش لا غيرهما؛ ثم يموت وجود الأجنبي بالنَّقْلة إلى وطنه، ويموت وجود العزب بالانتقال إلى ربه؛ فيستويان جميعًا في انقطاع الأثر الوطني، ويتفقان جميعًا في انتهاب الحياة الوطنية؛ وأن كليهما خرج من الوطن أبتر لا عَقِبَ له، ويذهبان معًا في لجج النسيان: أحدهما على باخرة، والآخر على النعش.
جاءني بالأمس "أرملة حكومة" وهو مهندس موظف. ومعنى الهندسة الدقة البالغة في الرقْم والخط والنقطة وما احتمل التدقيق؛ ثم الحذر البالغ أن يختل شيء أو ينحرف، أو يتقاصر أو يطول، أو يزيد أو ينقص، أو يدخله السهو أو يقع فيه الخطأ؛ إذا كان الحاضر في العمل الهندسي إنما هو للعاقبة، وكان الخيال للحقيقة؛ وكان الخُرْق هنا لا يقبل الرُّقْعة. ومتى فصلت الأرقام الهندسية من
(1/194)

الورق إلى البناء مات الجمع والطرح والضرب والقسمة، ورجع الحساب حينئذٍ وهو حساب عقل المهندس؛ فإما عقل دقيق منتظم، أو عقل مأفون مختلّ.
بيد أن المهندس -على ما ظهر لي- قد خلت حياته من الهندسة, وانتهى فيها من التحريف المضحك -حتى فيما لا يخطئ الصغار فيه- إلى مثل التحريف الذي قالوا: إنه وقع في الآية الكريمة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ} [الفاتحة: 5] فقد رووا أن إمام قرية من القرى في الزمن القديم كان يخطب أهل قريته ويصلي في مسجدها، فنزل به ضيف من العلماء فقال له الخطيب: إن لي مسائل في الدين لم يتوجه لي وجه الحق فيها، ولا أزال متحير الرأي، وكنتُ من زمن أتمنى أن ألقى بها الأئمة، فأريد أن أسألك عنها. قال العالم: سل ما أحببت.
قال الخطيب: أشكل علي في القرآن بعض مواضع، منها في سورة الحمد: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ} أي شيء بعده "تسعين أو سبعين"؟ أشكلت علي هذه فأنا أقرؤها: تسعين؛ أخذًا بالاحتياط!
كذلك مهندسنا فيما أشكل عليه من حسابه للحياة، فهو عزب آخذًا بالاحتياط. قال وهو يحاورني:
كيف تكلفني الزواج وتكرهني عليه، وتعنفني على العزوبة وتعيبني بها؛ وإنما أنت كالذي يقول: دع الممكن وخذ المستحيل؛ إن استحالة الزواج هي التي جعلتني عزبًا، والعزوبة هي التي جعلتني فاسدًا, وفي هذا الجو الفاسد من حياة الشباب، إما أن تكسد الفتاة، وإما أن تتصل بها العدوى. والعزب لا يأبى أن يقال فيه: إنه للنساء طاعون أحمر أو هواء أصفر؛ فهو والله مع ذلك موت أسود وبلاء أزرق.
قلت: لقد هولت علي؛ فما مستحيلك يا هذا، ولم استحال عليك ما أمكن غيرك، وكيف بلغت مصر خمسة عشر مليونًا؟ أمن غير آباء خُلقوا، أو زُرعوا زرعًا في أرض الحكومة؟ اسمع -ويحك- ألا يكون الرجال قد أقبلوا وتراجعتَ، وتجلدوا وتوجعت، أو أقدموا وخنَسْتَ، واسترجلوا وتأنثت؟
قال: ليس شيء من هذا.
قلت: فإن المسألة هي كيف ترى الفكرة، لا الفكرة نفسها، فما حملك على العزوبة وأنت موظف وظيفتك كذا وكذا دينارًا، وأنت مهندس يصدق عليك ما قالوه في الرجل المجدود: لو عمد إلى حجر لانفلق له عن رزق؟!
قال: أليس مستحيلًا ثم مستحيلًا أن يجمع مثلي يده على مائة جنيه يدفعها
(1/195)

مهرًا؛ وإن طرقتُ -علم الله- بابًا إلا استقبلوني بما معناه: هل أنت معجزة مالية؟ هل أنت مائة جنيه؟
قلت: فإن عملك في الحكومة يُغِلّ عليك في السنة مائة وثمانين دينارًا, فلِمَ لا تعيش سنة واحدة بثمانين فتقع المعجزة؟
قال: "بكل أسف" لا يستطيع الرجل العزب أن يدخر أبدًا؛ فهو في كل شيء مبدد ضائع متفرق.
قلت: فهذه شهادتك على نفسك بالسَّفَه والخُرْق والتبذير؛ تنفق ما يكفي عددًا وتضيق بواحدة، وماذا يرتئي مثلك في الحياة؟ أعند نفسه وفي يقينه أن يتأبد فيبقى عزبًا فهو ينفق ما جمع في شهوات حياته، ويتوسع فيها ضروبًا وألوانًا ليكون وهو فرد كأنه وهو في إنفاقه جماعة، كل منهم في موضع رذيلة أو مكان لهو؛ وكأن منه رجالًا هو كاسبهم وعائلهم، ينفق على هذا في القهوة، وعلى هذا في الحانة، وعلى ذلك في الملاهي، وعلى الرابع في المواخير، وعلى الخامس في المستشفى؟ إن كان هذا هو أصل الرأي عند العزب، فالعزب سفيه مجرم، وهو إنسان خَرِب من كل جهة إنسانية، وهو في الحقيقة ليس المتسع لنفقات خمسة، بل كأنه قاتل من أبناء وطنه؛ إذ كان بهذا مطيقًا أن يكون أبا ينفق على أبنائه، لا سفيهًا ينفق على شياطينه.
فإن كان قد بني رأيه على أن يتعزب مدة ثم يتأهل، فهذا أحرى أن يعينه على حسن التدبير، وهو مَضْراة له على شهوة الجمع والادخار؛ إذ يكون عند نفسه كأنما يكدح لعياله وهو في سعة منهم بعد، وهم لا يزالون في صلبه على الحال التي لا يسألونه فيها شيئًا إلا أخلاقًا طيبة وهممًا وعزائم يرثونها من دمه فتجيء معهم إلى الدنيا متى جاءوا.
إنما العزب أحد رجلين: رجل قد خرج على وطنه وقومه وفضائل الإنسانية، قاعدته: جُرَّ الحبل ما انجرَّ لك. وهذا داعر فاسق، مبذر مِتْلاف إن كان من المياسير، أو مريب دنيء حقير النفس إن كان من غيرهم ... ورجل غير ذلك، فهو في وثاق الضرورة إلى أن تطلقه الأسباب، ومن ثم فهو يعمل أبدًا للأسباب التي تطلقه, ويعرف أنه وإن لم يكن آهلًا فلا تزال ذمته في حق زوجة سيعولها، وفي حقوق أطفال يأبوهم، وواجبات ووطن يخدمه بإنشاء هذه الناحية الصغيرة من وجوده، والقيام على سياستها، والنهوض بأعبائها, فانظر ويحك أي الرجلين أنت؟
(1/196)

قال: فتريدني أن أقامر بتعب سنة وأنا بعد ذلك ما يُقدر لي، قد أشتري بتعب سنة من العمر تعب العمر كله؟
قلت: فهذه هي خسة الفردية، ودناءتها الوحشية في جنايتها على أهلها، وسوء أثرها في طباعهم وعزائمهم؛ فهي فردية تضرب فيهم العاطفة الاجتماعية ضرب التلف1، وتبتليهم بالخوف من التبعات حتى ليتوهم أحدهم أنه إن تزوج لم يدخل على امرأة، ولكن على معركة. وهي تصيبهم بالقسوة والغلظة؛ فما دام الواحد منهم واحدًا لنفسه، فهو في تصريف حكم الأَثَرة، وفي قانون الفتنة بأهواء النفس ومنافعها؛ كأنما يعامله الناس رجلًا كله مَعِدَة، أو هو فيهم قوة هضم ليس غير.
قال: ولكن الزواج عندنا حظ مخبوء "لوتريَّة" والنساء كأوراق السحب، منهن ورقة هي التوفيق والغنى بين آلاف هن الفقر والخيبة المحققة.
قلت: هل اعتدت أن تتكلم وأنت نائم؟ فلعلك الآن في نومة عقل، أو لا فأنت الآن في غفلة عقل.
إن هذا المسكين الذي يمسح الأحذية ويشتري من تلك الأوراق لا يخلو منها؛ يعلم علمًا أكثر من اليقين أن عيشه هو من مسح الأحذية لا من الأخيلة التي في هذه الأوراق؛ فهو لا يعتد بها في كبير أمر ولا صغيره، وما يُنزلها في حساب رغيفه وثوبه إلا يوم يخالط في عقله فيتنزه أن يمسح أحذية الناس، ويرى أن عظيمًا مثله لا يمسح إلا أحذية الملائكة.
أنت يا هذا مهندس، ولك بعض الشأن وبعض المنزلة، فهبك ارتأيت أنه لا يحسن بك أو لا يحسن لك إلا أن تتزوج بنت ملك من الملوك، فهذه وحدها هي عندك "النمرة الرابحة"، وسائر النساء فقر وخيبة، ما دام الأمر أمر رأيك وهواك؛ غير أنك إذا عرضت لتلك "النمرة الرابحة" لم تعرفك هي إلا صعلوكًا في الصعاليك، وأحمق بين الحمقى.
إن تلك الأوراق تصنع صنعتها على أن تكون جملتها خاسرة إلا عددًا قليلًا منها؛ فإذا تعاطيت شراءها فأنت على هذا الأصل تأخذها، وبهذا الشرط تبذل فيها؛ وما تمتري أنت ولا غيرك أن القاعدة ههنا هي الخيبة، وشذوذها هو الربح؛ وليس في الاحتمال غير ذلك؛ ومن ثم فقد برئ إليك الحظ إن لم يصبك شيء منه؛ وأين هذا وأين النساء، وما منهن واحدة إلا وفيها منفعة تكثر أو تقل، بل
__________
1 يقال: ضربه ضرب التلف، أي: الضرب الذي يقتله ويتلفه.
(1/197)

الرجال للنساء هم أوراق السحب في اعتبارات كثيرة، ما دامت طبيعة اتصالهما تجعل المرأة هي في قوانين الرجل أكثر مما تجعل الرجل في قوانينها، وهل ضاعت امرأة إلا من غفلة رجل أو قسوته أو فُسُولته أو فجوره؟
قال المهندس: فإني أعلم الآن -وكنت أعلم- أن لا صلاح لي إلا بالزواج، وأن طريقي إلى الزوجة هو كذلك طريقي إلى فضيلتي وإلى عقلي. وتالله ما شيء أسوأ عند العزب ولا أكره إليه من بقائه عزبًا؛ غير أنه يكابر في المماراة كلما تحاقرت إليه نفسه، وكلما رأى أن له حالًا ينفرد بها في سخط الله وسخط الإنسانية. ولا مَكْذِبة، فقد والله أنفقتُ في رذائلي ما يجتمع منه مهر زوجة سرية تشتط في المهر وتغلو في الطلب، ولكن كيف بي الآن وما جبرني من قبل إصلاح، ولا أعانني اقتصاد، ومن لي بفتاة من طبقتي بمهر لا أتحمل منه رَهَقًا، ولا تتقاصر معه أموري، ولا تختل معيشتي؟
قلت: فإذا لم يحملك الحمار من القاهرة إلى الإسكندرية؛ فإنه يحملك إلى قليوب أو طوخ. وفي النساء إسكندرية، وفيهن شبرا، وقليوب، وطوخ؛ وما قرب وبعد، وما رخص وغلا.
قال: ولكن بلدي الإسكندرية.
قلت: ولكنك لا تملك إلا حمارًا ... وللمرأة من كل طبقة سعرها في هذا الاجتماع الفاسد؛ ولو تعاون الناس وصلُحوا وأدركوا الحقيقة كما هي، لما رأينا الزواج من فقر المهور كأنما يركب سلحفاه يمشي بها, ونحن في عصر القطار والطيارة، وقد كان هذا الزواج على عهد أجدادنا في عصر الحمار والجمل, كأنه وحده من السرعة في طيارة أو قطار.
حين يفسد الناس لا يكون الاعتبار فيهم إلا بالمال، إذ تنزل قيمتهم الإنسانية ويبقى المال وحده هو الصالح الذي لا تتغير قيمته. فإذا صلحوا كان الاعتبار فيهم بأخلاقهم ونفوسهم، إذ تنحط قيمة المال في الاعتبار، فلا يغلب على الأخلاق ولا يسخرها. وإلى هذا أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله لطالب الزواج: "التمس ولو خاتَمًا من حديد" 1. يريد بذلك نفي المادية عن الزواج، وإحياء الروحية فيه، وإقراره في معانيه الاجتماعية الدقيقة، وكأنما يقول: إن كفاية الرجل في أشياء إن يكن منها
__________
1 انظر "قصة زواج، وفلسفة المهر".
(1/198)

المال فهو أقلها وآخرها. حتى إن الأخس الأقل فيه ليجزئ منه كخاتم الحديد؛ إذ الرجل هو الرجولة بعظمتها وجلالها وقوتها وطباعها، ولن يجزئ منه الأقل ولا الأخس مع المال، وإن ملء الأرض ذهبًا لا يُكمل للمرأة رجلًا ناقصًا؛ وهل تُتم الأسنان الذهبية اللامعة؛ يحملها الهَرِم في فمه؛ شيئًا مما ذهب منه؟ وما عسى أن تصنع قواطع الذهب الخالص وطواحنه لهذا المسكين بعد أن نطق تحاتّ أسنانه العظمية وتناثرها أنه رجل حَلَّ البِلَى في عظامه؟
(1/199)

رؤيا في السماء:
قال أبو خالد الأحول الزاهد: لما ماتت امرأة شيخنا أبي ربيعة الفقيه الصوفي، ذهبتُ مع جماعة من الناس فشهدنا أمرها؛ فلما فرغوا من دفنها وسُوي عليها، قام شيخنا على قبرها، وقال: يرحمك الله يا فلانة؟! الآن قد شُفيتِ أنتِ ومرضتُ أنا، وعُوفيتِ وابتُليتُ، وتركتني ذاكرًا وذهبت ناسية، وكان للدنيا بك معنى، فستكون بعدك بلا معنى؛ وكانت حياتك لي نصف القوة، فعاد موتك لي نصف الضعف؛ وكنت أرى الهموم بمواساتك همومًا في صورها المخففة، فستأتيني بعد اليوم في صورها المضاعفة! وكان وجودك معي حجابًا بيني وبين مشقات كثيرة، فستخلص كل هذه المشاق إلى نفسي؛ وكانت الأيام تمر أكثر ما تمر رقتك وحنانك، فستأتيني أكثر ما تأتي متجردة في قسوتها وغلظتها. أما إني -والله- لم أُرزأ منكِ في امرأة كالنساء، ولكني رُزئت في المخلوقة الكريمة التي أحسست معها أن الخليقة كانت تتلطف بي من أجلها!
قال أبو خالد: ثم استد مع الشيخ، فأخذت بيده ورجعنا إلى داره، وهو كان أعلم بما يعزي الناس بعضهم بعضًا، وأحفظ لما ورد في ذلك؛ غير أن للكلام ساعات تبطل فيها معانيه أو تضعف، إذ تكون النفس مستغرقة الهم في معنى واحد قد انحصرت فيه، إما من هول الموت، أو حب وقع فيه من الهول ظل الموت، أو رغبة وقع فيها ظل الحب، أو لجاجة وقع فيها ظل الرغبة. فكنت أحدثه وأعزيه، وهو بعيد من حديثي وتعزيتي؛ حتى انتهينا إلى الدار فدخلنا وما فيها أحد؛ فنظر يمنة ويسرة، وقلب عينيه ههنا وههنا، وحوقل واسترجع، ثم قال: الآن ماتت الدار أيضًا يا أبا خالد! إن البناء كأنما يحيا بروح المرأة التي تتحرك في داخله؛ وما دام هو الذي يحفظها للرجل، فهو في عين الرجل كالمُطْرَف1 تلبسه فوق ثيابها من فوق جسمها. وانظر كم بين أن ترى عيناك ثوب امرأة في يد الدلال في السوق، وبين أن تراه عيناك يلبسها وتلبسه! ولكنك يا أبا خالد لا تفقه من هذا
__________
1 المطرف: رداء من خز فيه نقوش تلبسه المرأة في دارها، وهو المسمى "الروب".
(1/200)

شيئًا، فأنت رجل آليت لا تقرب النساء ولا يقربنك، ونجوت بنفسك منهن وانقطعت بها لله؛ وكأن كل نساء الأرض قد شاركن في ولادتك فحرُمن عليك! وهذا ما لا أفهمه أنا إلا ألفاظًا، كما لا تفهم أنت ما أجد الساعة إلا ألفاظًا؛ وشتان بين قائل يتكلم من الطبع، وبين سامع يفهم بالتكلف.
فقلت له: يا أبا ربيعة، وما يمنعك الآن وقد اطَّرَحت أثقالك وانبتت أسبابك من النساء, أن تعيش خفيف الظهر، وتفرغ للنسك والعبادة، وتجعل قلبك كالسماء انقشع غيمها فسطعت فيها الشمس؛ فإنه يقال: إن المرأة ولو كانت صالحة قانتة, فهي في منزل الرجل العابد مدخل الشيطان إليه، ولو أن هذا العابد كان يسكن في حسناته لا في دار من الطوب والحجارة لكانت امرأته كوَّة يقتحم الشيطان منها. ولقد كان آدم في الجنة، وبينها وبين الأرض سموات وأفلاك، فما منع ذلك أن تتعلق روح الأرض بالشيطان، فيتعلق الشيطان بحواء، وتتعلق هي بآدم؛ ومكر الشيطان فصوَّرها لهما في صيغة مسألة علمية، ومكرت حواء فوضعت فيها جاذبية اللحم والدم، فلم تعد مسألة علم ومعرفة، بل مسألة طبع ولجاجة. فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما.
وهل اجتمع الرجل والمرأة من بعدها على الأرض إلا كانا من نَصَب الحياة وهمومها، وشهواتها ومطامعها، ومضارّها ومعايبها, في معنى {بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا} ؟
كلانا يا أبا ربيعة ممن لهم سَيْر بالباطن في هذا الوجود غير السير بالظاهر، وممن لهم حركة بالكفر غير الحركة بالجسم، فقبيحٌ بنا أن نتعلق أدنى متعلَّق بنواميس هذا الكون اللحمي الذي يسمى المرأة، فهو تَدَلٍّ وإسفاف منا.
ولعلك تقول: "النسل وتكثير الآدمية" فهذا إنما كُتب على إنسان الجوارح والأعضاء، أما إنسان القلب فله معناه وحكم معناه؛ إذ يعيش بباطنه، فيعيش ظاهره في قوانين هذا الباطن، لا في قوانين ظاهر الناس. وإنه لشر كل ما نقلك إلى طبع أهل الجوارح وشهواتهم، فزين لك لما يزين لهم، وشغلك بما يشغلهم؛ فهذا عندنا -يرحمك الله- باب كأنه من أبواب المُجُون الذي ينقل الرجل إلى طبع الصبي.
فاطمس يا أخي على موضعها من قلبك، وألقِ النور على ظلها؛ فالنور في قلب العابد نور التحويل إن شاء، ونور الرؤية إن شاء؛ يرى به المادة كما يريد أن تكون لا كما تكون. وأنت قد كانت فيك امرأة، فحوّلْها صلاة، واعمل بنورك عكس
(1/201)

ما يعمل أهل الجوارح بظلامهم، فقد تكون في أحدهم الصلاة فيحولها امرأة.
قال أبو ربيعة: تالله إنه لرأي؛ والوَحْدة بعد الآن أروح لقلبي، وأجمع لهمي؛ وقد خلعني الله مما كنت فيه، وأخذ القبر امرأتي وشهواتي معًا، فسأعيش ما بقي لي فيما بقي مني, وزوال شيء في النفس هو وجود شيء آخر. ولقد انتهيتُ بالمرأة ومعانيها وأيامها إلى القبر، فالبدء الآن من القبر ومعانيه وأيامه.
وتواثقا على أن يسيرا معًا في "باطن" الوجود! وأن يعيشا في عمر هو ساعة معدودة اللحظات، وحياة هي فكرة مرسومة مصورة.
قال أبو خالد: ورأيتُ أن أبيت عنده وفاء بحق خدمته، ودفعًا للوحشة أن تعاوده فتدخل على نفسه بأفكارها ووساوسها. وكان قد غمرنا تعب يومنا، وأعيا أبو ربيعة، وخذلته القوة؛ فلما صلينا العشاء قلت: يا أبا ربيعة، أحب لك أن تنعَس فتُريح نفسك ليذهب ما بك، فإذا استجممتَ أيقظتُك فقمنا سائر الليل.
فما هو إلا أن اضطجع حتى غلبه النعاس, وجلست أفكر في حاله وما كان عليه وما اجتهدت له من الرأي؛ وقلت في نفسي: لعلني أغريته بما لا قبل له به، وأشرت عليه بغير ما كان يحسن بمثله، فأكون قد غششته. وخامرني الشك في حالي أنا أيضًا، وجعلت أقابل بين الرجل متزوجًا عابدًا، وبين الرجل عابدًا لم يتزوج؛ وأنظر في ارتياض أحدهما بنفسه وأهله وعياله، وارتياض الآخر بنفسه وحدها؛ وأخذتُ أذهب وأجيء من فكر إلى فكر، وقد هدأ كل شيء حولي كأن المكان قد نام، فلم ألبث حتى أخذتني عيني فنمت واستثقلت كأنما شُددت شدًّا بحبال من النوم لم يجئ من يقطعها.
ورأيت في نومي كأنها القيامة وقد بُعث الناس، وضاق بهم المحشر، وأنا في جملة الخلائق، وكأننا من الضغطة حَبّ مبثوث بين حَجَري الرَّحَى. هذا والموقف يغلي بنا غليان القِدْر بما فيها، وقد اشتد الكرب وجهدَنا العطش، حتى ما منا ذو كبد إلا وكأن الجحيم تتنفس على كبده، فما هو العطش بل هو السُّعَار واللهب يحتدم بهما الخوف ويتأجج.
فنحن كذلك إذا ولدان يتخللون الجمع الحاشد، عليهم مناديل من نور، وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب، يملئون هذه من هذه بسلسال بَرُود عذب، رؤيته عطش مع العطش، حتى ليتلوَّى من رآه من الألم، ويتلعلع كأنما كُوي به على أحشائه.
(1/202)

وجعل الولدان يسقون الواحد بعد الواحد ويتجاوزون من بينهما، وهم كثرة من الناس؛ وكأنما يتخللون الجمع في البحث عن أناس بأعيانهم، ينضَحون غليل أكبادهم بما في تلك الأباريق من رَوْح الجنة ومائها ونسيمها.
ومر بي أحدهم، فمددتُ إليه يدي وقلت: "اسقني, فقد يبست واحترقت من العطش! ".
قال: "ومن أنت؟ ".
قلت: "أبو خالد الأحول الزاهد".
قال: "ألك في أطفال المسلمين ولد افترطتَه صغيرًا فاحتسبته عند الله؟ ".
قلت: "لا".
قال: "ألك ولد كبر في طاعة الله؟ ".
قلت: "لا".
قال: "ألك ولد نالتك منه دعوة صالحة جزاء حقك عليه في إخراجه إلى الدنيا؟ ".
قلت: "لا".
قال: "ألك ولد من غير هؤلاء ولكنك تعبت في تقويمه, وقمت بحق الله فيه؟ ".
قلت: "يرحمك الله، إني كلما قلت "لا" أحسست "لا" هذه تمر على لساني كالمكواة الحامية".
قال: "فنحن لا نسقي إلا آباءنا؛ تعبوا لنا في الدنيا، فاليوم نتعب لهم في الآخرة، وقدموا بين يديهم الطفولة، وإنما قدموا ألسنة طاهرة للدفاع عنهم في هذا الموقف الذي قامت فيه محكمة الحسنة والسيئة. وليس هنا بعد ألسنة الأنبياء أشد طلاقة من ألسنة الأطفال، فما للطفل معنى من معاني آثامكم يحتبس فيه لسانه أو يلجلج به".
قال أبو خالد: فجُنَّ جنوني، وجعلتُ أبحث في نفسي عن لفظة "ابن" فكأنما مُسحت الكلمة من حفظي كما مسحت من وجودي؛ وذكرت صلاتي وصيامي وعبادتي، فما خطرتْ في قلبي حتى ضحك الوليد ضحكًا وجدت في معناه بكائي وندمي وخيبتي.
وقال: يا ويلك! أما سمعت: "إن من الذنوب ذنوبًا لا تكفرها الصلاة ولا الصيام، ويكفرها الغم بالعيال" أتعرف من أنا يا أبا خالد؟
قلت: من أنت يرحمنا الله بك؟
قال: أنا ابن ذاك الرجل الفقير المُعيل، الذي قال لشيخك إبراهيم بن أدهم
(1/203)

العابد الزاهد: "طوبى لك! فقد تفرغت للعبادة بالعزوبة" فقال له إبراهيم: "لروعة تنالك بسبب العيال أفضل من جميع ما أنا فيه" وقد جاهد أبي جهاد قلبه وعقله وبدنه، وحمل على نفسه من مقاساة الأهل والولد حملها الإنساني العظيم، وفكر لغير نفسه، واغتم لغير نفسه، وعمل لغير نفسه، وآمن وصبر، ووثق بولاية الله حين تزوج فقيرًا، وبضمان الله حين أعقب فقيرًا؛ فهو مجاهد في سبل كثيرة لا في سبيل واحدة كما يجاهد الغزاة؛ هؤلاء يستشهدون مرة واحدة، أما هو فيستشهد كل يوم مرة في همومه بنا، واليوم يرحمه الله بفضل رحمته إيانا في الدنيا.
أما بلغك قول ابن المبارك وهو مع إخوانه في الغزو: "أتعلمون عملًا أفضل مما نحن فيه؟ قالوا: ما نعلم ذلك. قال: أنا أعلم. قالوا: فما هو؟ قال: رجل متعفف على فقره، ذو عائلة قد قام من الليل، فنظر إلى صبيانه نيامًا متكشفين، فسترهم وغطاهم بثوبه؛ فعمله أفضل مما نحن فيه".
يخلع الأب المسكين ثوبه على صِبْيته ليُدفئهم به ويتلقى بجلده البرد في الليل، إن هذا البرد -يا أبا خالد- تحفظه له الجنة هنا في حر هذا الموقف كأنما مؤتمنة عليه إلى أن تؤديه. وإن ذلك الدفء الذي شمل أولاده يا أبا خالد هو هنا يقاتل جهنم ويدفعها عن هذا الأب المسكين.
قال أبو خالد: ويهُمّ الوليد أن يمضي ويدعني، فما أملك نفسي، فأمد يدي إلى الإبريق فأنشطه من يده، فإذا هو يتحول إلى عظم ضخم قد نشب في كفي وما يليها من أسَلَة الذراع1. فغابت فيه أصابعي، فلا أصابع لي ولا كف, وأبى الإبريق أن يسقيني وصار مُثْلَة بي، وتجسدت هذه الجريمة لتشهد علي، فأخذني الهول والفزع، وجاء إبريق من الهواء، فوقع في يد الوليد، فتركني ومضى.
وقلت لنفسي: ويحك يا أبا خالد! ما أراك إلا محاسبًا على حسناتك كما يحاسب المذنبون على سيئاتهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله!
وبلغتني الصيحة الرهيبة: أين أبو خالد الأحول الزاهد العابد؟
قلت: ها أنا ذا.
قيل: طاوس من طواويس الجنة قد حُصَّ2 ذيله فضاع أحسن ما فيه! أين
__________
1 الأسلة: ما يلي الكف من الذراع إلى القسم المستغلظ منها. فالأسلة هي العظمة التي تشد عليها ساعة اليد.
2 حص ذيله: قطع وجذ.
(1/204)

ذيلك من أولادك؟ وأين محاسنك فيهم؟ أخُلقت لك المرأة لتتجنبها، وجعلت نسل أبويك لتتبرأ أنت من النسل؟
جئت من الحياة بأشياء ليس فيها حياة؛ فما صنعت للحياة نفسها إلا أن هربت منها، وانهزمت عن ملاقاتها؛ ثم تأمُلُ جائزة النصر على هزيمة!
عملت الفضيلةُ في نفسك ونشأتك، ولكنها عقمت فلم تعمل بك. لك ألف ألف ركعة ومثلها سجدات من النوافل، ولخير منها كلها أن تكون قد خرجت من صلبك أعضاء تركع وتسجد.
قتلت رجولتك، ووأدت فيها النسل، ولبثت طوال عمرك ولدًا كبيرًا لم تبلغ رتبة الأب! فلئن أقمت الشريعة، لقد عطلت الحقيقة، ولئنْ ...
قال أبو خالد: ووقعتْ غُنَّة النون الثانية في مسمعي من هول ما خفت مما بعدها كالنفخ في الصور؛ فطار نومي وقمت فزعًا مشتت القلب، كمن فتح عينيه بعد غشية، فرأى نفسه في كفن في قبر سُد عليه!
وما كدتُ أعي وأنظر حولي وقد برَق الصبح في الدار حتى رأيت أبا ربيعة يتقلب كأنما دحرجته يد، ثم نهض مستطار القلب من فزعه وقال: أهلكتَني يا أبا خالد، أهلكتني والله.
قلت: ما بالك يرحمك الله!
قال: إني نمت على تلك النية التي عرفت أن أجمع قلبي للعبادة، وأخلص من المرأة والولد، ومن المعاناة لهما في مَرَمَّة المعاش والتلفيق بين رغيف ورغيف، وأن أُعفي نفسي من لأوائهم وضرائهم وبلائهم، لأفرغ إلى الله وأقبل عليه وحده. وسألت الله أن يخير لي في نومي؛ فرأيت كأن أبواب السماء قد فُتحت، وكأن رجالًا ينزلون ويسيرون في الهواء يتبع بعضهم بعضًا، أجنحة وراء أجنحة؛ فكلما نزل واحد نظر إلي, وقال لمن وراءه: هذا هو المشئوم!
فيقول الآخر: نعم هو المشئوم!
وينظر هذا الآخر إلي ثم يلتفت لمن وراءه ويقول له: هذا هو المشئوم!
فيقول الآخر: نعم هو المشئوم!
وما زالت "المشئوم، المشئوم" حتى مروا؛ لا يقولون غيرها ولا أسمع غيرها، وأنا في ذلك أخاف أن أسألهم؛ هيبة من الشؤم، ورجاء أن يكون المشئوم
(1/205)

إنسانًا ورائي يُبصرونه ولا أُبصره. ثم مر بي آخرهم، وكان غلامًا فقلت له: يا هذا، من هو المشئوم الذي تومئون إليه؟
قال: أنت!
فقلت: ولم ذاك؟
قال: كنا نرفع عملك في أعمال المجاهدين في سبيل الله، ثم ماتت امرأتك وتحزنت على ما فاتك من القيام بحقها، فرفعنا عملك درجة أخرى؛ ثم أُمرنا الليلة أن نضع عملك مع الخالفين الذين فروا وجبنوا!
إن سمو الرجل بنفسه عن الزوجة والولد طيران إلى الأعلى, ولكنه طيران على أجنحة الشياطين!
طيران بالرجُل إلى فُوَّهة البركان الذي في الأعلى!
(1/206)

بنته الصغيرة "1":
فرغ أبو يحيى مالك بن دينار، زاهد البصرة وعالمها، من كتابة المصحف؛ وكان يكتب المصاحف للناس، ويعيش مما يأخذ من أجرة كتابته؛ تعففًا أن يطعم إلا من كسب يده, ثم خرج من داره وجهه المسجد، فأتاه فصلى بالناس صلاة العصر، وجلسوا ينتظرونه، واستوى هو قائمًا، فركع وسجد ما شاء الله حتى قضى نافلته، ثم انْفَتَلَ من صلاته فقام إلى أُسْطُوانته1 التي يستند إليها، وتحلَّق الناس حوله جموعًا خلف جموع خلف جموع، يذهب فيهم البصر مرة هنا ومرة هنا من كثرتهم وامتدادهم، حتى تغطى بهم المسجد على رحبه. ومد الإمام عينه فيهم ثم أطرق إطراقة طويلة، والناس كأن عليهم الطير مما سكنوا لهيبته، ومما عجبوا لخشوعه؛ ثم رفع الشيخ رأسه وقد تندَّت عيناه، فما نظر إليهم حتى كأنما اطَّلع على أرواحهم فجر رطب من سحر ذلك الندى.
وبدر شاب حَدَث فسأله: ما بكاء الشيخ؟ وكان قريبًا يجلس من الإمام في سَمْت بصره2 فتأمله الشيخ طويلًا يقلب فيه الطرْف كالمتعجب، ولبث لا يجيبه كأنما عَقِد لسانه أو أخذته من نفسه حال، فما يثبت شيئًا مما يرى.
وازداد الناس عجبًا؛ فما جربوا على الشيخ من قبلها حصرًا ولا عِيًّا، ولا قطعه سؤال قط، ولا تخلف عن جواب؛ وقالوا: إن له لشأنًا، وما بد أن تكون من وراء حُبْسَته شعاب في نفسه تهدر بسيلها وتعتلج؛ فما أسرع ما يلتقي السيل، فيجتمع، فيصوب إلى مجراه، فيتقاذف.
وتبسم الإمام وقال: أما إني قد ذكرتُ ذكرى فبكيتُ لها، ورأيت رؤيا فتبسمت لها؛ أما الذكرى، فهل تعلمون أن هذا المسجد الذي يَفْهَق بهذا الحشد
__________
1 كان العلماء والرواة يجلسون إلى أساطين المسجد، وهي أعمدته، كما كان بالأزهر إلى عهد قريب.
2 أي: أمامه في الخط الذي يمتد فيه البصر.
(1/207)

العظيم، وتقع فيه المدينة لكل أذان وتطير, هل تعلمون أنه خلا قَطّ من الناس وقد وجبت الفريضة؟ قالوا: ما نعلمه.
قال: فقد كان ذلك لعشرين سنة خلت في موت الحسن1، فقد مات عشية الخميس، وأصبحنا يوم الجمعة ففرغنا من أمره، وحملناه بعد صلاة الجمعة، فتبع أهل البصرة كلهم جنازته واشتغلوا به، فلم تُقَمْ صلاة العصر بهذا المسجد، وما تُرِكَتْ منذ كان الإسلام إلا يومئذ؛ ومثل الحسن لا تموت ساعة موته من عمر من شهدها، فذلك يوم عجيب قد لف نهاره البصرة كلها في كفن أبيض، فما بقيت في نفس رجل ولا امرأة شهوة إلى الدنيا، وفرغ كل إنسان من باطله، كما يفرغ من أيقن أن ليس بينه وبين قبره إلا ساعة؛ وظهر لهم الموت في حقيقة جديدة بالغة الروع لا يراها الأبناء في موت آبائهم وأمهاتهم، ولا الآباء والأمهات في موت من ولدوا، ولا المحب في موت حبيبه، ولا الحميم في موت حميمه؛ فإن الجميع فقدوا الواحد الذي ليس غيره في الجميع؛ وكما يموت العزيز على أهل بيت فيكون الموت واحدًا وتتعدد فيهم معانيه، كذلك كان موت الحسن موتًا بعدد أهل البصرة!
ذاك يوم امتد فيه الموت وكبر، وانكمشت فيه الحياة وصغرت، وتحاقرت الدنيا عند أهلها، حتى رجعت بمقدار هذه الحفرة التي يلقى فيها الملوك والصعاليك والأخلاط بين هؤلاء وأولئك، لا يصغر عنها الصغير، ولا يكبر عنها الكبير؛ لا بل دون ذلك، حتى رجعت الدنيا على قدر جِيفة حيوان بالعَرَاء، تنكشف للأبصار عن شَوْهاء نجسة قد أَرَمَّت2 لا تطاق على النظر، ولا على الشم، ولا على اللمس؛ وما تتفجّر إلا عن آفة، وما تتفجر إلا لهوام الأرض.
تلك هي الذكرى، وأما الرؤيا فقد طالعتني نفسي من وجه هذا الفتى، فأبصرتُني حين كنت مثله يافعًا مترعرعًا داخلًا في عصر شبابي، فكأنما انتبهت عيني من هذه النفس على فاتك خبيث كان في جناياته في أغلاله في سجنه، ومات طويلًا ثم بُعث!
إني مخبركم عني بما لم تحيطوا به، فأرعوه أسماعكم، وأحضروه أفهامكم،
__________
1 هو الحسن البصري الإمام العظيم، وسيأتي وصفه، ولد سنة 15 للهجرة وتوفي سنة 110، وقد توفي مالك بن دينار شيخ هذه القصة في سنة 131، فيكون تاريخ القصة في سنة 130.
2 أرمت: بدأت تتعفن وتبلَى.
(1/208)

واستجمعوا له، فإنه كان غَيْب شيخكم، وأنا محدثكم به كيلا ييأس ضعيف، ولا يقنَط يائس، فإن رحمة الله قريب من المحسنين.
لقد كنت في صدر أيامي شرطيًّا، وكنت في آنفة الحداثة من قبلها أتفتّى وأتشطّر، وكنت قويًّا معصوبًا في مثل جِبْلة الجبل من غلظ وشدة، وكنت قاسيًا كأن في أضلاعي جَندلة لا قلبًا، فلا أتذمم ولا أتأثم؛ وكنت مدمنًا على الخمر؛ لأنها روحانية من عَجَز أن تكون فيه روحانية، وكأنها إلهية يزوّرها الشيطان -لعنه الله- فيخلق بها للنفس ما تحب مما تكره، ويثيبها ثواب ساعة ليست في الزمن بل في خيال شاربها. وكأن جهل العقل نفسه في بعض ساعات الحياة، هو -في علم الشيطان وتعليمه- معرفة العقل نفسه في الحياة!
فبينا أنا ذات يوم أجول في السوق، والناس يفورون في بيعهم وشرائهم، وأنا أرقب السارق، وأعد للجاني، وأتهيأ للنزاع, إذ رأيت اثنين يتلاحيان، وقد لَبَّب أحدهما الآخر، فأخذت إليهما، فسمعت المظلوم يقول للظالم: لقد سلبتني فرح بُنَيَّاتي، فسيدعون الله عليك فلا تصيب من بعدها خيرًا، فإني ما خرجت إلا اتباعًا لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "خرج إلى سوق من أسواق المسلمين، فاشترى شيئًا، فحمله إلى بيته، فخص به الإناث دون الذكور؛ نظر الله إليه".
قال الشيخ: وكنت عزبًا لا زوجة لي، ولكن الآدمية انتبهت في، وطمعت في دعوة صالحة من البُنَيَّات المسكينات، إذا أنا فرحتهن؛ ودخلتني لهن رقة شديدة, فأخذتُ للرجل من غريمه حتى رضي، وأضعفت له من ذات يدي لأزيد في فرح بناته, وقلت له وهو ينصرف: عهدٌ يحاسبك الله عليه، ويستوفيه لي منك، أن تجعل بناتك يدعون لي إذا رأيت فرحهن بما تحمل إليهن، وقل لهن: مالك بن دينار.
وبتُّ ليلتي أتقلب مفكرًا في قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعانيه الكثيرة، وحثه على إكرام البنات، وأن من أكرم بناته كرُم على الله، وحرصه أن ينشأن كريمات فرحات؛ وحدثني هذا الحديث ليلتي تلك إلى الصبح، وفكرت حينئذ في الزواج، وعلمت أن الناس لا يزوجونني من طيباتهم ما دمت من الخبيثين؛ فلما أصبحت غدوت إلى سوق الجواري، فاشتريت جارية نفيسة، ووقعت مني أحسن موقع، وولدت لي بنتًا فشُغفتُ بها، وظهرتْ لي فيها الإنسانية الكبيرة التي ليست في، فرأيت بُعد ما بيني وبين صورتي الأولى، ورأيتها سماوية لا تملك شيئًا وتملك أباها وأمها، وليس لها من الدنيا إلا شِبَع بطنها وما أيسره، ثم لها بعد ذلك سرور نفسها كاملًا تشُب عليه أكثر مما تشب
(1/209)

على الرضاع؛ فعلمت من ذلك أن الذي تكتنفه رحمة الله يملك بها دنيا نفسه، فما عليه بعد ذلك أن تفوته دنيا غيره؛ وأن الذي يجد طهارة قلبه يجد سرور قلبه وتكون نفسه دائمًا جديدة على الدنيا؛ وأن الذي يحيا بالثقة تحييه الثقة؛ والذي لا يبالي الهم لا يبالي الهم به؛ وأن زينة الدنيا ومتاعها وغرورها وما تجلب من الهم, كل ذلك من صغر العقل في الإيمان حين يكبر العقل في العلم!
كانت البنية بدء حياة في بيتي وبدء حياة في نفسي، فلما دبت على الأرض ازددت لها حبًّا، وألفتني وألفتها، فرُزقت روحي منها أطهر صداقة في صديق، تتجدد للقلب كل يوم، بل كل ساعة، ولا تكون إلا لمحض سرور القلب دون مطامعه، فتمده بالحياة نفسها لا بأشياء الحياة، فلا تزيد الأشياء في المحبة ولا تنقص منها، على خلاف ما يكون في الأصدقاء بعضهم من بعض واختلافهم على المضرة والمنفعة.
قال الشيخ: وجهدتُ أن أترك الخمر فلم يأت لي ولم أستطعه؛ إذ كنت منهمكًا على شربها، ولكن حب ابنتي وضع في الخمر إثمها الذي وضعته فيها الشريعة، فكرهتها كرهًا شديدًا، وأصبحت كالمكره عليها، ولم تعد فيها نشوتها ولا رِيّها، وكانت الصغيرة في تمزيق أخيلتها أبرع من الشيطان في هذه الأخيلة، وكأنما جرتني يدها جرًّا حتى أبعدتني عن المنزلة الخمرية التي كان الشيطان وضعني فيها، فانتقلت من الاستهتار والمكابرة وعدم المبالاة إلى الندم والتحوب والتأثم، وكنت من بعدها كلما وضعت المسكر، وهممت به دَبَّت ابنتي إلى مجلسي؛ فأنظر إليها وتنتشر عليها نفسي من رقة ورحمة، فأرقُب ما تصنع، فتجيء فتجاذبني الكأس حتى تهرقها على ثوبي، وأراني لا أغضب، إذ كان هذا يَسُرها ويضحكها، فأسرّ لها وأضحك.
ودام هذا مني ومنها، فأصبحت في المنزلة بين المنزلتين؛ أشرب مرة وأترك مرارًا، وجعلت أستقيم على ذلك، إذ كانت النشوة بابنتي أكبر من النشوة بالزجاجة، وإذ كنت كلما رجعت إلى نفسي وتدبرت أمري، أستعيذ بالله أن تعقل ابنتي معنى الخمر يومًا, فأكون قد نَجَّستُ أيامها، ثم أتقدم إلى الله وعلي ذنوبها فوق ذنوبي، ويترحم الناس على آبائهم وتلعنني إذ لم أكن لها كالآباء، فأكون قد وُجدتُ في الدنيا مرة واحدة وهلكت مرتين.
ومضيت على ذلك وأنا أصلح بها شيئا فشيئا وكلما كبرت كبرت فضليتي، فلما تم لها سنتان، ماتت!
(1/210)

قال الراوي: وسكت الشيخ، فعلقتْ به الأبصار، ووقفت أنفاس الناس على شفاههم، وكأنما ماتت لحظات من الزمن لذكر موت الطفلة، وخامر المجلس مثل السكر بهذه الكأس المذهلة؛ ولكن الطفلة دبت من عالم الغيب كما كانت تصنع، وجذبت الكأس وأهرقتها، فانتبه الناس وصاحوا: ماتت فكان ماذا؟
قال الشيخ: فأكمدني الحزن عليها، ووهن جأشي، ولم يكن لي من قوة الروح والإيمان ما أتأسى به، فضاعف الجهل أحزاني، وجعل مصيبتي مصائب. والإيمان وحده هو أكبر علوم الحياة، يبصّرك إن عميت في الحادثة، ويهديك إن ضللت عن السكينة، ويجعلك صديق نفسك تكون وإياها على المصيبة، لا عدوها تكون المصيبة وإياها عليك، وإذا أخرجت الليالي من الأحزان والهموم عسكر ظلامها لقتال نفس أو محاصرتها، فما يدفع المال ولا ترد القوة ولا يمنع السلطان، ولا يكون شيء حينئذ أضعف من قوة القوي، ولا أضيع من حيلة المحتال، ولا أفقر من غنى الغني، ولا أجهل من علم العالم، ويبقى الجهد والحيلة والقوة والعلم والغنى والسلطان للإيمان وحده؛ فهو يكسر الحادث ويقلل من شأنه، ويؤيد النفس ويضاعف من قوتها، ويرد قدر الله إلى حكمة الله؛ فلا يلبث ما جاء أن يرجع، وتعود النفس من الرضا بالقدر والإيمان به، كأنما تشهد ما يقع أمامها لا ما يقع فيها.
قال الشيخ: ورجعتُ بجهلي إلى شر مما كنت فيه، وكانت أحزاني أفراح الشيطان؛ وأراد -أخزاه الله- أن يفتَنَّ في أساليب فرحه، فلما كانت ليلة النصف من شعبان -وكانت ليلة جمعة، وكانت كأول نور الفجر من أنوار رمضان- سوَّل لي الشيطان أن أسكر سكْرة ما مثلها؛ فبت كالميت مما ثمِلت، وقذفتني أحلام إلى أحلام, ثم رأيت القيامة والحشر, وقد ولدت القبور من فيها, وسيق الناس وأنا معهم، وليس وراء ما بي من الكرب غاية؛ وسمعت خلفي زفيرًا كفحيح الأفعى، فالتفتُّ فإذا بتنين عظيم ما يكون أعظم منه؛ طويل كالنخلة السَّحُوق، أسود أزرق، يرسل الموت من عينيه الحمراوين كالدم، وفي فمه مثل الرماح من أنيابه، ولجوفه حر شديد لو زفر به على الأرض ما نبتت في الأرض خضراء، وقد فتح فاه ونفخ جوفه وجاء مسرعًا يريد أن يلتقمني، فمررت بين يديه هاربًا فزعًا؛ فإذا أنا بشيخ هرم يكاد يموت ضعفًا، فعذت به وقلت: أجرني وأغثني. فقال: أنا ضعيف كما ترى، وما أقدر على هذا الجبار، ولكن مر وأسرع، فلعل الله أن يسبب لك أسبابًا بالنجاة.
فوليت هاربًا وأشرفت على النار وهي الهول الأكبر، فرجعت أشتد هربًا والتنين على أثري؛ ولقيت ذلك الشيخ مرة أخرى، فاستجرت به فبكى من الرحمة
(1/211)

لي وقال: أنا ضعيف كما ترى، وما أقدر على هذا الجبار، ولكن اهرب إلى هذا الجبل، فلعل الله يحدث أمرًا.
فنظرتُ فإذا جبل كالدار العظيمة، له كُوًى عليها سُتُور، وهو يبرق كشعاع الجوهر؛ فأسرعت إليه والتنين من ورائي، فلما شارفت الجبل فُتحت الكوى, ورُفعت الستور، وأشرفت علي وجوه أطفال كالأقمار، وقرب التنين مني، وصرت في هواء جوفه وهو يتضرم علي، ولم يبق إلا أن يأخذني؛ فتصايح الأطفال جميعًا: يا فاطمة! يا فاطمة!
قال الشيخ: فإذا ابنتي التي ماتت قد أشرفت علي، فلما رأت ما أنا فيه صاحت وبكت، ثم وثبت كرمية السهم، فجاءت بين يدي، ومدت إلي شمالها فتعلقت بها، ومدت يمينها إلى التنين فولى هاربًا، وأجلستني وأنا كالميت من الخوف والفزع، وقعدتْ في حجري كما كانت تصنع في الحياة، وضربت بيدها إلى لحيتي وقالت: يا أبت ... {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16] .
فبكيت وقلت: يا بنية، أخبريني عن هذا التنين الذي أراد هلاكي. قالت: ذاك عملك السوء الخبيث، أنت قوَّيته حتى بلغ هذا الهول الهائل، والأعمال ترجع أجسامًا كما رأيت. قلت: فذاكالشيخ الضعيف الذي استجرت به ولم يجرني؟ قالت: يا أبت، ذاك عملك الصالح، أنت أضعفته فضعُف حتى لم يكن له طاقة أن يغيثك من عملك السيئ؛ ولو لم أكن لك هنا، ولو لم تكن اتبعت قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيمن فَرّح بناته المسكينات الضعيفات؛ لما كانت لك هنا شمال تتعلق بها، ويمين تطرد عنك.
قال الشيخ: وانتبهت من نومي فزعًا ألعن ما أنا فيه، ولا أراني أستقر، كأني طريدة عملي السيئ؛ كلما هربت منه هربت به؛ وأين المهرب من الندم الذي كان نائمًا في القلب واستيقظ للقلب؟
وأمَّلت في رحمة الله أن أربح من رأس مال خاسر، وقلت في نفسي: إن يومًا باقيًا من العمر هو للمؤمن عمر ما ينبغي أن يستهان به؛ وصححت النية على التوبة, لأرجع الشباب إلى ذلك الشيخ الضعيف، وأسمّن عظامه، حتى إذا استجرت به أجارني ولم يقل: "أنا ضعيف كما ترى! ".
وسألت فدُللت على أبي سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري، سيد البقية من التابعين؛ وقيل لي: إنه جمع كل علم وفن إلى الزهد والورع
(1/212)

والعبادة، وإن لسانه السحر، وإن شخصه المغناطيس، وإنه ينطق بالحكمة كأن في صدره إنجيلًا لم يُنزَّل، وإن أمه كانت مولاة لأم سلمة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- فكانت ربما غابت أمه في حاجة فيبكي، "فترضعه أم سلمة تعلله بثديها فيدر غلته، فكانت بينه وبين بركة النبوة صلة".
وغدوتُ إلى المسجد والحسن في حلقته يقص ويتكلم، فجلست حيث انتهى بي المجلس، وما كان غير بعيد حتى عرتني نَفْضة كنفضة الحمى، إذ قرأ الشيخ هذه الآية: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16] ؛ فلو لفظتني الأرض من بطنها، وانشق عني القبر بعد الموت ما رأيت الدنيا أعجب مما طالعتني في تلك الساعة؛ وأخذ الشيخ يفسر الآية، فصنع بي كلامه ما لو بُعث نبي من أجلي خاصة لما صنع أكثر منه.
وكلام الحسن غير كلام الناس، وغير كلام العلماء؛ فإنه يتكلم من قلبه ومن روحه ومن وجهه ولسانه، وناهيكم من رجل خاشع متصدع من خشية الله، لم يكن يرى مقبلًا إلا وكأنه أسير أمروا بضرب عنقه، وإذا ذُكرت النار فكأنها لم تخلق إلا له وحده؛ رجل كان في الحياة لتتكلم الحياة بلسانه أصدق كلماتها.
فصاح صائح: يا أبا يحيى، التفسير! وصاح المؤذن: الله أكبر, فقطع الشيخ وقال: التفسير إن شاء الله في المجلس الآتي.
(1/213)

بنته الصغيرة "2":
... وجاء من الغد أبو يحيى مالك بن دينار إلى المسجد، فصلى بالناس، ثم تحول إلى مجلس درسه وتعكفوا حوله؛ وكانوا إلى بقية خبره في لهفة كأن لها عمرًا طويلًا في قلوبهم، لا ظمأ ليلة واحدة.
وقال منهم قائل: أيها الشيخ، جعلت فداك، ما كان تأويل الحسن لتلك الآية من كلام الله تعالى؟ وكيف رجع الكلام في نفسك مرجع الفكر تتبعه، وأصبح الفكر عندك عملًا تحذو عليه، واتصل هذا العمل فكان ما أنت في ورعك و ... ؟
فقطع الإمام عليه وقال: هوِّن عليك يا هذا؛ إن شيخك لأهون من أن تذهب في وصفه يمينًا أو شمالًا، وقد روى لنا الحسن يومًا ذلك الخبر الوارد فيمن يُعذب في النار ألف عام من أعوام القيامة، ثم يدركه عفو الله فيخرج منها، فبكى الحسن وقال: "يا ليتني كنت ذلك الرجل! " وهو الحسن يا بني، هو الحسن....!
فضج الناس وصاح منهم صائحون: يا أبا يحيى قتلتنا يأسًا. وقال الأول: إذا كان هذا فأوشك أن يعمنا اليأس والقنوط، فلا ينفعنا عمل، ولا نأتي عملًا ينفع.
قال الشيخ: هونوا عليكم، فإن للمؤمن ظنين: ظنا بنفسه، وظنا بربه؛ فأما ظنه بالنفس فينبغي أن ينزل بها دون جَمَحَاتها ولا يفتأ ينزل؛ فإذا رأى لنفسه أنها لم تعمل شيئًا أوجب عليها أن تعمل، فلا يزال دائمًا يدفعها؛ وكلما أكثرت من الخير قال لها: أكثري. وكلما أقلت من الشر قال لها: أقلي. ولا يزال هذا دأبه ما بقي؛ وأما الظن بالله فينبغي أن يعلو به فوق الفترات والعلل والآثام، ولا يزال يعلو؛ فإن الله عند ظن عبده به، إن خيرًا فله وإن شرًّا فله. ولقد روينا هذا الخبر: "كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعًا وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على راهب فأتاه، فقال: إنه قتل تسعًا وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ قال: لا! فقتله فكمل به مائة! ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال له: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ قال: نعم؛ ومن يحول بينك وبين
(1/214)

التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا, فإن بها أناسًا يعبدون الله عز وجل، فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء.
فانطلق، حتى إذا نصف الطريق أتاه ملك الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب؛ فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط. فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه حكمًا بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أدنى فهو له. فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة! ".
قال الشيخ: فهذا رجل لما مشى بقلبه إلى الله حسبت له الخطوة الواحدة، بل الشبر الواحد؛ ولو أنه طوف الدنيا بقدميه ولم يكن له ذلك القلب، لكان كالعظام المحمولة في نعش؛ قبرها في المشرق هو قبرها في المغرب، وليس لها من الأرض ولا للأرض منها إلا معنى واحد لا يتغير؛ هو أنه بجملته ميت، وأنها بجملتها حفرة.
والإنسان عند الناس بهيئة وجهه وحليته التي تبدو عليه، ولكنه عند الله بهيئة قلبه وظنه الذي يظن به؛ وما هذا الجسم من القلب إلا كقشرة البيضة1 مما تحتها. فيا لها سخرية أن تزعم القشرة لنفسها أن بها هي الاعتبار عند الناس لا بما فيها، إذ كان ما تحويه لا يكون إلا فيها هي؛ ومن ثم تبعد في حماقتها فتسأل: لماذا يرميني الناس ولا يأكلونني؟
إن هذه الأخلاق الفاضلة في هذا الإنسان لا تجد تمام معناها إلا في حالة بعينها من أحوال القلب، وهي حالة خشوعه على وصفها الذي شرحته الآية الكريمة: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16] .
فالأخلاق الفاضلة محدودة بالله والحق معًا، وهي كلها في خشوع القلب لهذين؛ فإن من القلب مخارج الحياة النفسية كلها.
قال الشيخ: وأنا منذ حفظتُ عن الحسن تأويل هذه الآية، واستننت بها، مضيت أعيش من الدنيا في تاريخه قلبي لا في تاريخ الدنيا، وأدركت من يومئذ أن ليس حفظ القرآن حفظه في العقل، بل حفظه في العمل به؛ فإن أنت أثبت الآية منه، وكنت تعمل بغير معناها، وتعيش في غير فضيلتها، فهذا -ويحك- نسيانها
__________
1 قشرة البيضة العليا اليابسة تسمى القيض بفتح القاف وسكون الياء، والقشرة الداخلة الملتزقة بالبياض تسمى الغرقي بكسر الغين والقاف.
(1/215)

لا حفظها. وقد كان قومنا الأولون بمعانيه كالشجرة الخضراء النامية؛ فيها ورقها الأخضر وزهرها، وعلى ظاهرها حياة باطنها، فلما ثبت الناس على الشكل وحده، ولم يبالوا القلب وأحواله، أصبحوا كالشجرة اليابسة، عليها ورقها الجافّ، ليس في بقائه ولا سقوطه طائل.
ما أصبحت ولا أمسيت منذ حفظت تفسير الآية إلا في حياة منها، وهذه الآية هي التي دلتني بمعانيها أن ليست الحياة الأرضية شيئًا إلا ثورة الحي على ظلم نفسه، يستكف عنها أكثر مما يستجر لها، والناس من شقائهم على العكس، يستجرون أكثر مما يستكفون، وإنما السعيد من وجد كلمات روحانية إلهية يعش قلبه فيهن، فذاك لا يعمل أعماله كما يأتي ويتفق، بل يحذو على أصل ثابت في نفسه، ويختار فيما يعمل أحسن ما يعمل، ومن ثم لا يكون جهاده مراغمة أو خضوعًا في سيل الوجود كالحيوان، بل في سبيل صحة وجوده؛ ولا يكون غرضه أن يلابس الحياة كما تأخذه هي وتدعه، بل أن يحيا في شرف الحياة على ما يأخذها هو ويدعها.
إن الشقاء في هذه الدنيا إنما يجره على الإنسان أن يعمل في دفع الأحزان عن نفسه بمقارفته الشهوات، وبإحساسه غرور القلب؛ وبهذا يُبعد الأحزان عن نفسه ليجلبها على نفسه في صور أخرى!
قال الشيخ: وكان مما حفظته من تفسير الحسن قوله:
إن كل كلمة في الآية تكاد تكون آية، وليست الكلمة في القرآن كما تكون في غيره، بل السمو فيها على الكلام، أنها تحمل معنى، وتومئ إلى معنى، وتستتبع معنى؛ وهذا ما ليس في الطاقة البشرية، وهو الدليل على أنه {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} [هود: 1] 1.
يقول الله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16] .
__________
1 طريقتنا في اكتناه إعجاز القرآن، أن الكلمة الواحدة من كلماته لها جهات عدة؛ كما ترى فيما نشرحه من تفسير هذه الآية، وفيما جئنا به من تفسير آيات سبقت في المقالات الأخرى؛ فالبحث في فهم القرآن يجب أن يكون في اللفظة، ووجه اختيارها، وسياق تركيبها، وما تدل عليه في كل ذلك، وما يدل كل ذلك بها. وقد بسطنا هذا في كتابنا: إعجاز القرآن.
(1/216)

{أَلَمْ يَأْنِ} [الحديد: 16] هذه الكلمة حث، وإطماع، وجدال، وحجة؛ وهي في الآية تصرح أن خشوع القلب الذي تلك صفته هو كمال للإيمان، وأن وقت هذا الخشوع هو كمال العمر، وكيف يعرف المؤمن أنه "سيأنى" له أن يعيش ساعة أو ما دونها؟ إذن فالكلمة صارخة تقول: الآن الآن قبل ألا يكون آن. أي: البدار البدار ما دمت في نفَس من العمر؛ فإن لحظة بعد "الآن" لا يضمنها الحي. وإذا فني وقت الإنسان انتهى زمن عمله فبقي الأبد كله على ما هو؛ ومعنى هذا أن الأبد للمؤمن الذي يدرك الحقيقة، وإن هو إلا اللحظة الراهنة من عمره التي هي "الآن". فانظر -ويحك- وقد جُعل الأبد في يدك؛ انظر كيف تصنع به؟
تلك هي حكمة اختيار اللفظة من معنى "الآن" دون غيره، على كثرة المعاني.
ثم قال: {لِلَّذِينَ آَمَنُوا} [الحديد: 16] وهذا كالنص على أن غير هؤلاء لا تخشع قلوبهم لذكر الله ولا للحق، فلا تقوم بهم الفضيلة، ولا تستقيم بهم الشريعة، وعالمهم وجاهلم سواء؛ لا يخشعان إلا للمادة؛ وكأن إنسانهم إنسان تُرابيّ، لا يزال يضطرب على مكر الليل والنهار بين طرفين من الحيوان: عيشه وموته؛ وما تقسو الحياة قسوتها على الناس إلا بهم، وما ترقّ رقتها إلا بالمؤمنين.
وجعل الخشوع للقلوب خاصة، إذ كان خشوع القلب غير خشوع الجسم، فهذا الأخير لا يكون خشوعًا، بل ذلًّا، أو ضَعَة، أو رياء أو نفاقًا، أو "ما كان" أما خشوع القلب فلن يكون إلا خالصًا مخلصًا محض الإرادة.
واشترط "القلب" كأنه يقول: إنما القلب أساس المؤمن، وإن المؤمن ينبع من قلبه لا من غيره، متى كان هذا القلب خاشعًا لله وللحق. فإن لم يكن قلبه على تلك الحال، نبع منه الفاسق والظالم الطاغية وكل ذي شر. ما أشبه القلب تتفرع منه معاني الخُلُق، بالحبة تنسرح منها الشجرة؛ فخذ نفسك من قلبك كما شئت؛ حلوًا من حلو، ومرًّا من مر.
وخشوع القلب لله وللحق، معناه السموّ فوق حب الذات، وفوق الأَثَرة والمطامع الفاسدة؛ وهذا يضع للمؤمن قاعدة الحياة الصحيحة، ويجعلها في قانونين لا قانون واحد؛ ومتى خشع القلب لله وللحق، عظمت فيه الصغائر من قوة إحساسه بها، فيراها كبيرة وإن عمي الناس عنها، ويراها وهي بعيدة منه بمثل عين العُقَاب, يكون في لوح الجو ولا يغيب عن عينه ما في الثرى.
وقد تخشع القلوب لبعض الأهواء خشوعًا هو شر من الطغيان والقسوة؛
(1/217)

فتقيد خشوع القلب "بذكر الله" هو في نفسه نفي لعبادة الهوى، وعبادة الذات الإنسانية في شهواتها. وما الشهوة عند المخلوق الضعيف إلا إله ساعتها, فيا ما أحكم وأعجب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يُشرَب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". جعل نزع الإيمان موقوتًا "بالحين" الذي تقترف فيه المعصية؛ إذ لم يكن الله عند هذا الشقي هو إله ذلك "الحين".
والخشوع لما "نزل من الحق" هو في معناه نفي آخر للكبرياء الإنسانية التي تفسد على المرء كل حقيقة، وتخرج به من كل قانون؛ إذ تجعل الحقائق العامة محدودة بالإنسان وشهواته لا بحدودها هي من الحقوق والفضائل.
ويخرج من هذا وذلك تقرير الإرادة الإنسانية، وإلزامها الخير والحق دون غيرهما، وقهرها للذات وشهواتها، وجعلها الكبرياء الإنسانية كبرياء على الدنايا والخسائس، لا على الحقوق والفضائل؛ وإذا تقرر كل ذلك انتهى بطبيعته إلى إقرار السكينة في النفس، ومحو الفوضى منها, وجعل نظامها في إحساس القلب وحده؛ فيحيا القلب في المؤمن حياة المعنى السامي، ويكون نبضه علامة الحياة في ذاتها، وخشوعه لله وللحق علامة الحياة في كمالها.
وقال: {وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16] كأنه يقول: إن هذا الحق لا يكون بطبيعته ولا بطبيعة الإنسان أرضيا، فإذا هو ارتفع من الأرض وقرره الناس بعضهم على بعض، لم يجاوز في ارتفاعه رأس الإنسان، وأفسدته العقول؛ إذ كان الإنسان ظالمًا متمردًا بالطبيعة، لا تحكمه من أول تاريخ إلا السماء ومعانيها، وما كان شبيهًا بذلك مما يجيئه من أعلى, أي: بالسلطان والقوة؛ فيكون حقًّا "نازلًا" متدفعًا كما يتصوب الثقل من عال ليس بينه وبين أن ينفذ شيء.
والخشوع لما نزل من الحق ينفي خشوعًا آخر هو الذي أفسد ذات البين من الناس، وهو الخشوع لما قام من المنفعة وانصراف القلب إليها بإيمان الطمع لا الحق.
وبحمل الآية على ذلك الوجه يتحقق العدل والنَّصَفَة بين الناس؛ فيكون العدل في كل مؤمن شعورًا قلبيًّا، جاريًا في الطبيعة لا متكلفًا من العقل؛ وبهذا وحده يكون للإنسان إرادة ثابتة عن الحق في كل طريق، لا إرادة لكل طريق، وتستمر هذه الإرادة متسقة في نظامها مع إرادة الله، لا نافرة منها ولا متمردة عليها؛ وهذا ذلك يثبت القلب مهما اختلفت عليه أحوال الدنيا، فلا يكون من
(1/218)

إيمانه إلا سموه وقوته وثباته، وينزل العمر عنده منزلة اللحظة الواحدة، وما أيسر الصبر على لحظة! وما أهون شر "الآن" إن كان الخير فيما بعده.
ألم يأن؛ ألم يأن؛ ألم يأن.
قال الشيخ: وكان الحسن في معانيه الفاضلة هو هذه الآية بعينها؛ فما كانت حياته إلا إسلامية كهذا الكلام الأبيض المشرق الذي سمعته منه؛ شعاره أبدًا: "الآن قبل ألا يكون آن" وإمامه: "خذ نفسك من قلبك" وطريقته: "شرف الحياة لا الحياة نفسها".
وكان يرى هذه الحياة كوقْعَة الطائر؛ هي جناحين مستوْفِزين أبدًا لعمل آخر هو الأقوى والأشد، فلا ينزلان بطائرهما على شيء إلا مطويين على قدرة الارتفاع به، ولا يكونان أبدًا إلا هَفْهافين خفيفين على الطيران؛ إذ كانا في حكم الجو لا في حكم الأرض.
وآلة الوقوع والطيران بالإنسان شهواته ورغباته؛ فإن حطته شهوة لا ترفعه، فقد أوبقته وأهلكته وقذفت به ليؤخذ.
لقد روينا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس"، وهذا ضرب من خشوع القلب المؤمن فيما يحل له: يدع أشياء كثيرة لا بأس عليه فيها لو أتاها؛ ليقوى على أن يدع ما فيه بأس، فإن الذي يترك ما هو له يكون أقوى على ترك ما ليس له.
والنفس لا بد راجعة يومًا إلى الآخرة، وتاركة أداتها؛ فقِوام نظامها في الحياة الصحيحة أن تكون كل يوم كأنها ذهبت إلى الآخرة وجاءت. وتلك هي الحكمة فيما فرضته الشريعة الإسلامية من عبادة راتبة تكون جزءًا من عمل الحياة في يومها وليلتها. فإذا لم تكن النفس في حياتها كأنها دائمًا تذهب إلى مصيرها وترجع منه، طمسها الجسم وحبسها في إحدى الجهتين، فلم يبق لها فيه إلا أثر ضئيل لا يتجاوز النصح، كاعتراض المقتول على قاتله؛ يحاول أن يرد السيف بكلمة! وبذلك يتضاعف الجسم في قوته، ويشتد في صَوْلته، ويتصرف في شهواته، كأن له بطنين يجوعان معًا, فتستهلك شهوات المرء دينه, وتقذف به يمينًا وشمالًا، على قصد وعلى غير قصد، وتمضي به كما شاءت في مَدْرجة, مَدْرجة من الشر.
ومثل هذا المسرف على نفسه لا يكون تمييزه في الدين، ولا إحساسه
(1/219)

بالخير، إلا كذلك السِّكِّير الذي زعموا أنه أراد التوبة، وكانت له جَرَّتان من الخمر، فلما اتعظ وبلغ في النظر إلى نفسه وحظ إيمانه، وأراد أن يطيع الله ويتوب, نظر إلى الجرتين ثم قال: أتوب عن الشرب من هذه حتى تفرغ هذه!
قال الشيخ: ثم إني تبت على يد الحسن، وأخلصت في التوبة وصححتها، وعلمت من فعله وقوله أن حقيقة الدين هي كبرياء النفس على شرها وظلمها وشهواتها، وأن هذه الكبرياء القاتلة للإثم، هي في النفس أخت الشجاعة القاتلة للعدو الباغي: يفخر البطل الشجاع بمبلغه من هذه، ويفخر الرجل المؤمن بمبلغه من تلك؛ وأن خشوع القلب هو في معناه حقيقة هذه الكبرياء بعينها.
وحدثتُ الحسن يومًا حديث رؤياي1، وما شُبه لي من عملي السيئ وعملي الصالح، فاستدمعت عيناه، وقال:
إن البنت الطاهرة هي جهاد أبيها وأمها في هذه الدنيا، كالجهاد في سبيل الله، وإنها فوز لهما في معركة من الحياة، يكونان هما والصبر والإيمان في ناحية منها قَبِيلًا، ويكون الشيطان والهم والحزن في الجهة المناوحة قبيلًا آخر.
إن البنت هي أم ودار، وأبواها فيما يكابدان من إحسان تربيتها وتأديبها وحياطتها والصبر عليها واليقظة لها, كأنما يحملان الأحجار على ظهريهما حجرًا حجرًا؛ ليبتنيا تلك الدار في يوم يوم إلى عشرين سنة أو أكثر، ما صحبته وما بقيت في بيته.
فليس ينبغي أن ينظر الأب إلى بنته إلا على أنها بنته, ثم أم أولادها، ثم أم أحفاده؛ فهي بذلك أكبر من نفسها، وحقها عليه أكبر من الحق، فيه حرمتها وحرمة الإنسانية معًا؛ والأب في ذلك يقرض الله إحسانًا وحنانًا ورحمة، فحق على الله أن يوفيه من مثلها، وأن يضعف له.
والبنت ترى نفسها في بيت أهلها ضعيفة كالمنقطعة وكالعالة، وليس لها إلا الله ورحمة أبويها؛ فإن رحماها, وأكرماها فوق الرحمة، وسَرَّاها فوق الكرامة، وقاما بحق تأديبها وتعليمها وتفقيهها في الدين, وحفظا نفسها طاهرة كريمة مسرورة مؤدبة؛ فقد وضعا بين يدي الله عملًا كاملًا من أعمالها الصالحة، كما وضعاه بين
__________
1 ذكرت الرؤيا في القسم الأول من هذه المقالة.
(1/220)

يدي الإنسانية. فإذا صارا إلى الله كان حقًّا لهما أن يجدا في الآخرة يمينًا وشمالًا يذهبان بينهما إلى عفو الله وكرمه، وكما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من كان له ابنة فأدبها فأحسن تأديبها، وغذّاها فأحسن غذاءها، وأسبغ عليها من النعمة التي أسبغ الله عليه؛ كانت له ميمنة وميسرة من النار إلى الجنة".
فهذه ثلاث لا بد منها معًا، ولا تجزئ واحدة عن واحدة في ثواب البنت: تربية عقلها تربية إحسان، وتربية جسمها تربية إحسان وإلطاف، وتربية روحها تربية إكرام وإلطاف وإحسان.
قال الشيخ: والله أرحم أن تضيع عنده الرحمة؛ والله أكرم أن يضيع الإحسان عنده، والله أكبر ...
وهنا صاح المؤذن: الله أكبر.
فتبسم الشيخ وقام إلى الصلاة.
(1/221)

الأجنبية *:
أحبها وأحبته، حتى ذهب بها في الحب مذهبًا قالت له فيه: "لو جاءني قلبي في صورة بشرية لأراه كما أحسه، لما اختار غير صورتك أنت في رقتك وعطفك وحنانك" وحتى ذهبت به في الحب مذهبًا قال لها فيه: "إن الجنة لا تكون أبدع فنًّا ولا أحسن جمالًا، ولا أكثر إمتاعًا -لو خُلقت امرأة يهواها رجل- إلا أن تكون هي أنتِ! " فقالت له: "ويكون هو أنت! ".
وتدلَّهت فيه، حتى كأنما خَلَبَها عقلها ووضع لها عقلًا من هواه؛ فكانت تقول له فيما تبثه من ذات نفسها: "إن حب المرأة هو ظهور إرادتها متبرئة من أنها إرادة، مقرة أنها مع الحبيب طاعة مع أمر، مذعنة أنها قد سلمت كبرياءها لهذا الحبيب؛ لتراه في قوته ذا كبرياءين".
وافتتن بها حتى أخذت منه كل مأخذ، فملأت نفسه بأشياء، وملأت عينه من أشياء، فكان يقول لها في نجواه: "إني أرى الزمن قد انتسخ مما بيني وبينك، فإنما نحن بالحب في زمن من نفسينا العاشقتين، لا يسمى الوقت ولكن يسمى السرور؛ وإنما نعيش في أيام قلبية، لا تدل على أوقاتها الساعة بدقائقها وثوانيها، ولكن السعادة بحقائقها ولَذَّاتها".
وتحابَّا ذلك الحب الفني العجيب، الذي يكون ممتلئًا من الروحين يكاد يفيض وينسكب، وهو مع ذلك لا يبرح يطلب الزيادة، ليتخيل من لذتها ما يتخيل السكير في نشوته إذا طفحت الكأس، فيرى بعينيه أنها ستتسع لأكثر ما امتلأت به، فيكون له بالكأس وزيادتها سكر الخمر وسكر الوهم.
وتحابا ذلك الحب الفَوَّار في الدم، كأن فيه من دورته طبيعة الفراق والتلاقي بغير تلاق ولا فراق؛ فيكونان معًا في مجلسهما الغزلي، جنبه إلى جنبها وفاها إلى فيه1
__________
* انظر "الرافعي العاشق" من كتاب "حياة الرافعي".
1 تأويل هذا في باب "الحال" عند ظرفاء النحويين: متلاصقين متعانقين.
(1/222)

وكأنما هربت ثم أدركها، وكأنما فرت ثم أمسكها. وبين القبلة والقبلة هجران وصلح، وبين اللفتة واللفتة غضب ورضى.
وهذا ضرب من الحب يكون في بعض الطبائع الشاذة المسرفة، التي أفرطت عليها الحياة إفراطها فيلف الحيوانية بالإنسانية، ويجعل الرجل والمرأة كبعض الأحماض الكيماوية مع بعضها؛ لا تلتقي إلا لتتمازج، ولا تتمازج إلا لتتحد ولا تتحد إلا ليبتلع وجود هذا وجود ذاك.
وضرب الدهر من ضرباته في أحداث وأحداث؛ فأبغضته وأبغضها، وفسدت ذات بَيْنهما، وأدبر منها ما كان مقبلًا؛ فوثب كلاهما من وجود الآخر وثبة فزع على وجهه, أما هو فسَخِطها لعيوب نفسها، وأما هي ... وأما هي فتكرهته لمحاسن غيره!
وانسربت أيام ذلك الحب في مساريها تحت الزمن العميق الذي طوى ولا يزال يطوي ولا يبرح بعد ذلك يطوي؛ كما يغور الماء في طباق الأرض. فأصبح الرجل المسكين وقد نزلت تلك الأيام من نفسه منزلة أقارب وأصدقاء وأحباء ماتوا بعضهم وراء بعض، وتركوه ولكنهم لم يبرحوا فكره، فكانوا له مادة حسرة ولهفة. أما هي ... أما هي فانشق الزمن في فكرها برَجَّة زلزلة، وابتلع تلك الأيام ثم التأم!
فحدثنا "الدكتور محمد"* رئيس جماعة الطلبة المصريين في مدينة ... بفرنسا، قال: "وانتهى إلي أن صاحبنا هذا جاء إلى المدينة وأنه قادم من مصر، فتخالجني الشوق إليه، ونزعت إلى لقائه نفسي، وما بيننا إلا معرفتي أنه مصري قدم من مصر؛ وخيل إلي في تلك الساعة مما اهتاجني من الحنين إلى بلادي العزيزة، أن ليس بيني وبين مصر إلا شارعان أقطعهما في دقائق؛ فخففت إليه من أقرب الطرق إلى مثواه، كما يصنع الطير إذا ترامى إلى عشه فابتدره من قُطْر الجو.
قال: وأصبتُه واجمًا يعلوه الحزن، فتعرفت إليه، فما أسرع ما ملأ من نفسي وما ملأت من نفسه. وكما يمّحي الزمان بين الحبيبين إذا التقيا بعد فرقة, يتلاشى المكان بين أهل الوطن الواحد إذا تلاقوا في الغربة. فدابت المدينة الكبيرة التي
__________
* هو ولده الدكتور محمد الرافعي، وكان يدرس وقتئذ في جامعة ليون، وقد أنشأ من أجله هذه القصة لتكون رسالة إليه برأيه في موضوع بخصوصه.
(1/223)

نحن فيها، كأن لم تكن شيئًا؛ وتجلى سحر مصر في أقوى سَطْوته وأشدها فأخذَنا كلينا، فما استشعرنا ساعتئذ إلا أن أوروبا العظيمة كأنما كانت موسومة على ورقة، فطويناها وأحللنا مصر في محلها.
وطغى علينا نازع الطرب طغيانًا شديدًا، فأرسلتُ من يجمع الإخوان المصريين، واخترت لذلك صديقًا شاعر الفطرة، فنزا به الطرب، فكان يدعوهم وكأنه يؤذن فيهم لإقامة الصلاة. وجاءوا يهرولون هرولة الحجيج، فلو نطقت الأرض الفرنسية التي مشوا عليها تلك المِشْية لقالت: هذه وطأة أسود تتخيل خيلاءها من بغي النشاط والقوة.
ألا ما أعظمك يا مصر، وما أعظم تعنتك في هذا السحر الفاتن! أينبغي أن يغترب كل أهلك حتى يدركوا معنى ذلك الحديث النبوي العظيم: "مصر كنانة الله في أرضه" فيعرفوا أنكِ من عزتك معلقة في هذا الكون تعليق الكنانة في دار البطل الأروع؟
قال "الدكتور محمد": واجتمعنا في الدار التي أنزل فيها، فراع ذلك صاحبة مثواي1. فقلت لها: إن ههنا ليلة مصرية ستحتل ليلتكم هذه في مدينتكم هذه، فلا تجزعوا. ثم دعوتها إلى مجلسنا لتشهد كيف تستعلن الروح المصرية الاجتماعية برقتها وظرفها وحماستها، وكيف تفسر هذه الروح المصرية كل جميل من الأشياء الجميلة بشوق من أشواقها الحنانة، وكيف تكون هذه الروح في جو موسيقيّتها الطبيعية حتى تناجي أحبابها، فيجيء حديثها بطبيعته كأنه ديباجة شاعر في صفائها وحلاوتها ورنين ألفاظها؟
وقالت السيدة الظريفة: يا لها سعادة! سأتخذ زينتي، وأصلح من شأني، وأكون بعد خمس دقائق في مصر!
قال الدكتور: وأخذنا في شأننا، وكان معنا طالب حسن الصوت، فقام إلى البيانة2 وغنى مقطوعة "طقطوقة" مصرية من هذه المقاطيع التي تطقطق فيها النفس، فجعل يمطل صوته بآه وآه ودار اللحن دورة تأوهت فيها الكلمات كلها. ثم اعتور البيانة طالب آخر فما شذ عن هذه السنة، وكان بعد الأول كالنائحة
__________
1 صاحبة المثوى هي ربة البيت الذي ينزل فيه الضيف ومن كان في حكمه، يقول العربي: من كانت صاحبة مثواك؟ فتطلق على صاحبة البنسيون.
2 البيانة: كلمة استعملناها في كتابنا "السحاب الأحمر" للبيانو، وتجمع على بيانات.
(1/224)

تجاوب النائحة! فمالت علي السيدة الفرنسية وأسرت إلي: أهاتان امرأتان أم رجلان؟ فقلت لها: إن هذا لحن تاريخي ذو مقطوعتين، كانت تتطارحه كيلوباترا وأنطونيو، وأنطونيو وكيلوباترا. فأعجبت المرأة أشد الإعجاب، وأكبرت منا هذا الذوق المصري أن نكرمها لوجودها في مجلسنا بألحان الملكة المصرية الجميلة، وطربت لذلك أشد الطرب، وملكها غرور المرأة، فجعلت تستعيد: "يا لوعتي يا شقاي يا ضنى حالي" وتقول: ما كان أرق كيلوباترا! ما كان أرق أنطونيو! يا لفتنة الحب الملكي!
قال "الدكتور محمد": ثم خجلت والله من هذا الكلام المخنث، ومن تلفيقي الذي لفقته للمرأة المخدوعة، فانتفضت انتفاضة من يملؤه الغضب، وقد حمي دمه، وفي يده السيف الباتر، وأمامه العدو الوقح؛ وثُرت إلى البيانة فأجريت عليها أصابعي، وكأن في يدي عشرة شياطين لا عشر أصابع، ودوّى في المكان لحن: "اسلمي يا مصر" وجلجل كالرعد في قبة الدنيا، تحت طِبَاق الغيم، بين شرار البرق. فكأنما تزلزل المكان على السيدة الفرنسية وعلينا جميعًا وصرخ أجدادنا يزأرون من أعماق التاريخ: "اسلمي يا مصر"1.
ولما قطعت التفت إليها في كبرياء تلك الموسيقى وعظمتها, وقلت لها: هذا هو غناؤنا نحن الشبان المصريين.
ثم راجعنا صاحبنا الضيف، وأحفيناه بالمسألة، فقال بعد أن دافعنا طويلًا: إنه يحسن شيئًا من الموسيقى, وإن له لحنًا سيطارحنا به لنأخذه عنه. فطرنا بلحنه قبل أن نسمعه، وقلنا له: افعل متفضلًا مشكورًا, وما زلنا حتى نهض متثاقلًا، فجلس إلى البيانة وأطرق شيئًا، كأنه يسوي أوتارًا في قلبه، ثم دق يتشاجى بهذا الصوت:
أضاع غدي من كان في يده غدي ... وحطمني من كان يجهد في سَبْكي!
فإن كنت لا آسى لنفسي فمن إذن؟ ... وإن كنت لا أبكي لنفسي فمن يبكي؟ 2
قال "الدكتور محمد": فكان الغناء يعتلج في قلبه اعتلاجًا، وكانت نفسه تبكي فيه بكاءها وتغص من غُصّتها، وكأن في الصوت فكرًا حزينًا يستعلن في هم موسيقى، وخيل إلينا بين ذلك أن البيانة انقلبت امرأة مغنية تطارح هذا الرجل
__________
1 هذا هو النشيد الذي وضعناه على لسان سعد باشا زغلول، وهو اليوم النشيد الوطني لمصر كلها، يحفظه جميع الطلبة، والكشافة، والأندية الرياضية، وغيرها.
2 وضعنا هذين البيتين لبطل القصة، وكم لهذه القصة من أبطال!
(1/225)

عواطفها وأحزانها، فاجتمع من صوتهما أكمل صوت إنساني وأجمله وأشجاه وأرقه.
فأطفنا به وقلنا له: لقد كتمْتَنا نفسك حتى نم عليها ما سمعنا، وما هذا بغناء، ولكنه هموم ملحنة تلحينًا، فلن ندعك أو تخبرنا ما كان شأنك وشأنها.
فاعتل علينا ودافعنا جهده، فقلنا له: هيهات؛ والله لن نُفلتك وقد صرت في أيدينا، وإنك ما تزيد على أن تعظنا بهذه القصة؛ فإن أمسكت عنها فقد أمسكت عن موعظتنا، وإن بخلت فما بخلت بقصتك بل بعلم من علم الحياة نفيده منك؛ وأنت ترانا نعيش ههنا في اجتماع فاسد كأنه قصص قلبية، بين نساء لا يلبسن إلا ما يعري جمالهن، وفي رجال أفرطت عليهم الحرية، حتى دُخل فيها مخدع الزوجة!
قال الدكتور: ونظرتُ فإذا الرجل كاسف قد تغير لونه وتبين الانكسار في وجهه، فألممت بما فينفسه، وعلمت أنه قد دهى في زوجة، من هؤلاء الأوروبيات، اللواتي يتزوجن على أن يكون مخدع المرأة منهن حرًّا أن يُأخذ ويُدع، ويغير ويبدل، ويقسم كلمة "زوج" قسمين وثلاثة وأربعة وما شاء.
وكأنما مسست البارود بتلك الشرارة، فانفجرت نفس الرجل عن قصة ما أفظعها!
قال: يا إخواني المصريين، قبل أن أنفُض لكم ذلك الخبر أسديكم هذه النصيحة التي لم يضعها مؤلف تاريخي لسوء الحظ، إلا في الفصل الأخير من رواية شقائي:
إياكم إياكم أن تغتروا بمعاني المرأة، تحسبونها معاني الزوجة؛ وفرِّقوا بين الزوجة بخصائصها، وبين المرأة بمعانيها، فإن في كل زوجة امرأة، ولكن ليس في كل امرأة زوجة.
واعلموا أن المرأة في أنوثتها وفنونها النسائية الفردية، كهذا السحاب الملون في الشفق حين يبدو؛ له وقت محدود ثم يمسخ مسخًا؛ ولكن الزوجة في نسائيتها الاجتماعية كالشمس؛ قد يحجبها ذلك السحاب، بيد أن البقاء لها وحدها، والاعتبار لها وحدها، ولها وحدها الوقت كله.
لا تتزوجوا يا إخواني المصريين بأجنبية؛ إن أجنبية يتزوج بها مصري, هي مسدس جرائم فيه ست قذائف:
الأولى: بَوار امرأة مصرية وضياعها بضياع حقها في هذا الزوج؛ وتلك جريمة وطنية فهذه واحدة.
(1/226)

والثانية: إقحام الأخلاق الأجنبية عن طباعنا وفضائلنا في هذا الاجتماع الشرقي، وتوهينه بها وصدعه وهي جريمة أخلاقية.
والثالثة: دس العروق الزائغة في دمائنا ونسلنا؛ وهي جريمة اجتماعية.
والرابعة: التمكين للأجنبي في بيت من بيوتنا، يملكه ويحكمه ويصرفه على ما شاء؛ وهي جريمة سياسية.
والخامسة: للمسلم منا إيثاره غير أخته المسلمة، ثم تحكيمه الهوى في الدين، ما يعجبه وما لا يعجبه؛ ثم إلقاؤه السم الديني في نبع ذريته المقبلة، ثم صيرورته خِزيًا لأجداده الفاتحين الذين كانوا يأخذونهن سبايا، ويجعلونهن في المنزلة الثانية أو الثالثة بعد الزوجة؛ فأخذته هي رقيقًا لها، وصار معها في المنزلة الثانية أو الثالثة بعد1 ... وهذه جريمة دينية.
والسادسة بعد ذلك كله: أن هذا المسكين يُؤثر أسفله على أعلاه ... ولا يبالي في ذلك خمس جرائم فظيعة.
وهذه السادسة جريمة إنسانية!
ما كنت أحسب يا إخواني، وقد رجعت بزوجتي الأوروبية إلى مصر، أني أحضرت معي من أوروبا آلة تصنع أحزاني ومصائبي! ولم يكن وعظني أحد بما أعظكم به الآن، ولا تنبهت بذكائي إلى أن الزوجة الأجنبية تثبت لي غربتي في بلادي! وتثبت علي أني غير وطني أو غير تام الوطنية، ثم تكون مني حماقة تثبت للناس أني أحمق فيما اخترت؛ ثم تعود مشكلة دولية في بيتي، يزورها أبناء جنسها ويستزيرونها رغم أنفي وفمي ووجهي كله! ويستطيلون بالحماية، ويستترون بالامتيازات، ويرفعون ستارًا عن فصل، ويُرخون ستارًا على فصل ... وأنا وحدي أشهد الرواية!
إن الشيطان في أوروبا شيطان عالم مخترع. فقد زين لي من تلك الزوجة ثلاث نساء معًا: زوجة عقلية، وزوجة قلبية، وزوجة نفسية؛ ثم نَفَث اللعين في رَوْعي أن المرأة الشرقية ليس فيها إلا واحدة، وهي مع ذلك ليست من هؤلاء الثلاث ولا واحدة. قال الخبيث: لأنها زوجة الجسم وحده، فلا تسمو إلى العقل، ولا تتصل بالقلب، ولا تمتزج بالنفس؛ وأنها بذلك جاهلة، غليظة الحسن،
__________
1 يريد: بعد عشيقها.
(1/227)

خَشِنة الطبع، لا تكون مع المصري إلا كما تكون الأرض المصرية مع فلاحها.
لعنة الله على ذلك الشيطان الرجيم العالم المخترع! وما علمت إلا من بعد أن هذه الشرقية الجاهلة الخشنة الجافية، هي كالمنجم الذي تِبْره في ترابه، وماسه في فحمه، وجوهره في معدنه؛ وأن صعوبتها من صعوبة العفة الممتنعة، وأن خشونتها من خشونة الحب المعتز بنفسه، وأن جفاءها من جفاء الدين المتسامي على المادة؛ وأنها بمجموع ذلك كان لها الصبر الذي لا يدخله العجز، وكان لها الوفاء الذي لا تلحقه الشبهة، وكان لها الإيثار الذي لا يفسده الطمع.
هي جاهلة، ولها عقل الحياة في دارها، وغليظة الحس ولها أرق ما في الزوجة لزوجها وحده؛ وخشنة الطبع؛ لأنها تتنزه أن تكون ملمسًا ناعمًا لهذا وذاك وهؤلاء وأولئك ... لا كامرأة الحب الأوروبية، التي تجعل نفسها أنثى الفن، ويريد أن تعيش دائمًا مع زوجها الشرقي من التفضيل والإيثار والإجلال والإباحة, في كلمة "أنا" قبل كلمة "أنت" ... امرأة أنشأتها الحرب العظمى بأخلاق مخربة مد مرة تنفجر بين الوقت والوقت.
عندنا يا إخواني تعدد الزوجات، يتهموننا به من عمى وجهل وسخافة. انظروا، هل هو إلا إعلان لشرعية الرجولة والأنوثة، ودينية الحياة الزوجية في أي أشكالها؛ وهل هو إلا إعلان بطولة الرجل الشرقي الأَنُوف الغيور، أن الزوجة تتعدد عند الرجل ولكن ... ولكن ليس كما يقع في أوروبا من أن الزوج يتعدد عند المرأة!
يتهموننا بتعدد المرأة على أن تكون زوجة لها حقوقها وواجباتها -بقوة الشرع والقانون- نافذة مؤداة؛ ثم لا يتهمون أنفسهم بتعدد المرأة خليلة مخادنة ليس لها حق على أحد، ولا واجب من أحد، بل هي تتقاذفها الحياة من رجل إلى رجل، كالسكير يتقاذفه الشارع من جدار إلى جدار.
لعنة الله على شيطان المدنية العالم المخترع المخنث، الذي يجعل للمرأة الأوروبية بعد أن يتزوجها الرجل الشرقي أصابع "أوتوماتيكية"، ما أسرع ما تمتد في نزوة من حماقاتها إلى رجلها بالمسدس، فإذا الرصاص والقتل؛ وما أسرع ما تمتد في نزوة من عواطفها إلى عاشقها بمفتاح الدار، فإذا الخيانة والعهر!!
ماذا تتوقعون يا إخواني من تلك الرقيقة الناعمة، المتأنثة بكل ما فيها من أنوثة تكفي رجالًا لا رجلًا واحدًا، وقد ضعُفت روحية الأسرة في رأيها، وابتُذلت الروحية
(1/228)

في مجتمعها ابتذالًا، فأصبح عندها الزواج للزواج على إطلاقه، لا لتكون امرأة واحدة لرجل واحد مقصورة عليه؛ وبذلك عاد الزواج حقا في جسم المرأة دون قلبها وروحها؛ فإن كان الزوج مشئومًا منكوبًا لم يستطع أن يكون رجل قلبها, فعليه أن يدع لها الحرية لتختار زوج قلبها! ومعنى ذلك أن تكون هذه المرأة مع الزوج الشرعي بمنزلة المرأة مع فاسق؛ ومع الفاسق بمنزلة المرأة مع الزوج الشرعي! وإن كان الرجل منحوسًا مخيبًا، وكان قد بلغ إلى قلبها زمنًا ثم مله قلبها, فعليه أن يدع لها الحرية لتتنقل وتلذ بلذات الهوى، ويقول لها: شأنك بمن أحببتِ! فإن هذا المنحوس المخيب ليس عندها إنسانًا، ولكنه رواية إنسانية انتهى الفصل الجميل منها بمناظره الجميلة، وبدأ فصل آخر بحوادث غير تلك. فلمن يشهد الرواية أن يتبرم ما شاء، ويستثقل كما يشاء، ومتى شاء انصرف من الباب!
امرأة هذه المدنية هي امرأة العاطفة؛ تتعلق باللفظ حين تُلبسه العاطفة من زينتها، وإن ضاع فيه المعنى الكبير من معاني العقل، وإن فاتت به النعمة الكبيرة من نعم الحياة.
تقوى العاطفة فتجيء بها إلى رجل، ثم تقوى الثانية فتذهب بها مع رجل آخر! وتفيد نفسها إن شاءت وتُسرّح نفسها إن شاءت؛ وما بد من أن تبلو الحياة كما يبلوها الرجل وأن تخوض في مشاكلها؛ وإذا شاءت جعلت نفسها إحدى مشاكلها! ولا مندوحة من أن تتولى شأن نفسها بنفسها، فإذا خاست أو غدرت فكل ذلك عندها من أحكام نفسها، وكل ذلك رأي وحق، إذ كان محورها الذي تدور عليه هو عاطفتها وحرية هذه العاطفة، فمن هذا يقرر لها خطتها، ويملي عليها واجباتها، ويزوّر لها الأسماء على إرادته دون إرادتها، فيسمي لها نكد قلبها باسم فضيلة المرأة، وحرمان عاطفتها باسم واجب الزوجة الشريفة!
ومنذ خَوَّله الحق أن يقرر وأن يملي!
وهذا الشرقي العتيق المأفون الذي قبلها سافرة لا تعرف روحها ولا جسمها الحجاب؛ ما باله يريد أن يضرب الحجاب على عاطفتها، ويتركها محبوسة في شرفه وحقوقه وواجباته، وإن لم تكن محجوبة في الدار؟!
ما علمت يا إخواني إلا من بعد، أن الزوجة الغربية قد تكون مع زوجها الشرقي كالسائحة مع دليلها. هيهات هيهات، إنه لن يمسكها عليه، ولن يكرهها على الوفاء له، إلا أن تكون حثالة يزهد فيها حتى ذباب الناس؛ فيأسها هو يجعل
(1/229)

هذا المسكين مطمعها، وهي مع ذلك لو خلطته بنفسها لبقيت منها ناحية لا تختلط، إذ ترى أمته دون أمتها، وجنسه دون جنسها؛ فما تسب أمة زوجها وبلاده بأقبح من هذا!
أما والله إن الرجل الشرقي حين يأتي بالأجنبية لتلوين حياته بألوان الأنثى, لا يكون اختار أزهى الألوان إلا لتلوين مصائب حياته! وقد يكون هناك ما يشذ، ولكن هذه هي القاعدة.
أما قصتي يا إخواني ...
قال الدكتور محمد: قد حكيتَها "يرحمك الله".
(1/230)

قصيدة مترجمة عن الشيطان: لحوم البحر *
لكأنما والله تمدد على سيف البحر في الإسكندرية شيطان مارد من شياطين ما بين الرجل والمرأة، يخدع الناس عن جهنم بتبريد معانيها, وقد امتلأ به الزمان والمكان؛ فهو يُرعش ذلك الرمل بذلك الهواء رعشة أعصاب حية؛ ويرسل في الجو نفخات من جرأة الخمر في شاربها ثار فعربد، ويُطلع الشمس للأعين في منظر حسناء عريانة ألقت ثيابها وحياءها معًا، ويرخي الليل ليغطي به المخازي التي خجل النهار أن تكون فيه.
ولعمري إن لم يكن هو هذا المارد، ما أحسبه إلا الشيطان الخبيث الذي ابتدع فكرة عرض الآثام مكشوفة في أجسامها تحت عين التقي والفاجر؛ لتعمل عملها في الطباع والأخلاق؛ فسول للنساء والرجال أن ذلك الشاطئ علاج الملل من الحر والتعب، حتى إذا اجتمعوا، فتقاربوا، فتشابكوا، سول لهم الأخرى أن الشاطئ هو كذلك علاج الملل من الفضيلة والدين!
وإن لم يكن اللعينان فهو الرجيم الثالث، ذلك الذي تألى أن يفسد الآداب الإنسانية كلها بفساد خُلُق واحد، هو حياء المرأة؛ فبدأ يكشفها للرجال من وجهها، ولكنه استمر يكشف ... وكانت تظنه نزع حجابها فإذا هو أول عُرْيها ... وزادت المرأة، ولكن بما زاد فجور الرجال؛ ونقصت، ولكن بما نقص فضائلهم؛ وتغيرت الدنيا وفسدت الطباع؛ فإذا تلك المرأة ممن يقرونها على تبذلها بين رجلين لا ثالث لهما: رجل فجر ورجل تخنث.
هناك فكرة من شريعة الطبيعة هي عقل البحر في هؤلاء الناس، وعقل هؤلاء الناس في البحر؛ إذا أنت اعترضتَها فتبينتها فتعقبتها، رأيتها بلاغة من بلاغة
__________
* كتبها في مصيفه بالإسكندرية.
(1/231)

الشيطان في تزيينه وتطويعه، وأصبت فكره مستقرًّا فيها استقرار المعنى في عبارته، آخذًا بمداخلها ومخارجها. وما كان الشيطان عَيِيًّا ولا غبيًّا، بل هو أذكى شعراء الكون في خياله، وأبلغهم في فطنته، وأدقهم في منطقه، وأقدرهم على الفتنة والسحر؛ وبتمامه في هذا كله كان شيطانًا لم تسعه الجنة إذ ليس فيها النار، ولم تُرضه الرحمة إذ ليس معها الغضب، ولم يعجبه الخضوع الملائكي إذ ليس فيه الكبرياء، ولم يخلص إلى الحقيقة إذ لا تحمل الحقيقة شعر أحلامه.
وما أتى الشيطان أحدًا، ولا وسوس في قلب، ولا سوَّل لنفس، ولا أغوى من يغويه, إلا بأسلوب شعري ملتبس دقيق، يجعل المرء يعتقد أن اطِّراح العقل ساعة هو عقل الساعة، ويفسد برهانه مهما كان قويًّا؛ إذ يرتد به من النفس إلى أخيلة لا تقبل البرهانات، ويقطع حجته مهما كانت دامغة؛ إذ يعترضها بنزعة من النزعات توجهها كيف دار بها الدم, لا كيف دار بها المنطق.
فكرة من شريعة الطبيعة، ظاهرها لبعض الأمر من الشمس والهواء والبحر وما لا أدري، وباطنها لبعض الأمر من فن الشيطان وبلاغته وشعره وما لا أدري؛ وما كانت الشرائع الإلهية والوضعية إلا لإقرار العقل في شريعة الطبيعة كي تكون إنسانية لإنسانها كما هي الحيوانية لحيوانها، وليجد الإنسان ما يحفظ به نفسه من نفسه التي هي دائمًا فوضى، ولا غاية لها لولا ذلك العقل إلا أن تكون دائمًا فوضى.
وبالشرائع والآداب استطاع الإنسان أن يضع لكلمة الطبيعة النافذة عليه جوابًا, وأن يرى في هذه الطبيعة أثر جوابه؛ فكلمتها هي: أيها الإنسان، أنت خاضع لي بالحيواني فيك, وكلمته هي: أيتها الطبيعة, وأنت لي خاضعة بالإلهي فيَّ.
والآن سأقرأ لك القصيدة الفنية التي نظمها الشيطان على رمل الشاطئ في الإسكندرية؛ وقد نقلتها أترجمها فصلًا بعد فصل عن تلك الأجسام عارية وكاسية، وعن معانيها مكشوفة ومغطاة، وعن طباعها بريئة ومتهمة، حتى اتسقت الترجمة على ما ترى:
قال الشيطان:
ألا إن البهيمة والعقلية في هذا الإنسان, مجموعهما شيطانية.
ألا وإنه ما من شيء جميل أو عظيم إلا وفيه معنى السخرية به.
هنا تتعرى المرأة من ثوبها، فتتعرى من فضيلتها.
(1/232)

هنا يخلع الرجل ثوبه، ثم يعود إليه فيلبس فيه الأدب الذي خلعه.
رؤية الرجل لحم المرأة المحرمة نظر بالعين والعاطفة.
يرمي ببصره الجائع كما ينظر الصقر إلى لحم الصيد.
ونظر المرأة لحم الرجل رؤية فكر فقط.
تُحوِّل بصرها أو تخفضه، وهي من قلبها تنظر.
يا لحوم البحر! سلخك من ثيابك جزار!
يا لحوم البحر! سلخك جزار من ثيابك.
جزار لا يذبح بألم ولكن بلذة.
ولا يَحِزّ بالسكين ولكن بالعاطفة.
ولا يُميت الحي إلا موتًا أدبيًّا.
إلى الهيجاء يا أبطال معركة الرجال والنساء.
فهنا تلتحم نواميس الطبيعة, ونواميس الأخلاق.
للطبيعة أسلحة العُرْي، والمخالطة، والنظر، والأنس، والتضاحك، ونزوع المعنى إلى المعنى.
وللأخلاق المهزومة سلاح من الدين قد صَدِئ؛ وسلاح من الحياء مكسور!
يا لحوم البحر! سلخك من ثيابك جزار.
الشاطئ كبير كبير، يسع الآلاف والآلاف.
ولكنه للرجل والمرأة صغير صغير، حتى لا يكون إلا خلوة.
وتقضي الفتاة سنتها تتعلم، ثم تأتي هنا تتذكر جهلها وتعرف ما هو.
وتمضي المرأة عامها كريمة، ثم تجيء لتجد هنا مادة اللؤم الطبيعي.
لو كانت حجّاجة صوّامة، للعنتها الكعبة لوجودها في "إستانلي".
الفتاة ترى في الرجال العريانين أشباح أحلامها، وهذا معنى من السقوط.
والمرأة تسارقهم النظر تنويعًا لرجلها الواحد، وهذا معنى من المواخير.
أين تكون النية الصالحة لفتاة أو امرأة بين رجال عريانين؟!
يا لحوم البحر! سلخك من ثيابك جزار!
هناك التربية، وهنا إعلان الإغفال والطيش.
(1/233)

وهناك الدين، وهنا أسباب الإغراء والزلل.
هناك تكلف الأخلاق، وهنا طبيعة الحرية منها.
وهناك العزيمة بالقهر يومًا بعد يوم، وهنا إفسادها بالترخص يومًا بعد يوم.
والبحر يعلّم اللائي والذين يسبحون فيه كيف يغرقون في البر.
لو درى هؤلاء وهؤلاء معرّة اغتسالهم معًا في البحر، لاغتسلوا من البحر.
فقطرة الماء التي نجّستها الشهوات قد انسكبت في دمائهم.
وذرة الرمل النجسة في الشاطئ، ستكبر حتى تصير بيتًا نجسًا لأب وأم.
يا لحوم البحر! سلخك من ثيابك جزار!
يجيئون للشمس التي تقوى بها صفات الجسم؛
ليجد كل من الجنسين شمسه التي تضعف بها صفات القلب.
يجيئون للهواء الذي تتجدد به عناصر الدم؛
ليجدوا الهواء الآخر الذي تفسد به معاني الدم.
يجيئون للبحر الذي يأخذون منه القوة والعافية؛
ليأخذوا عنه أيضًا شريعته الطبيعية: سمكة تطارد سمكة.
ويقولون: ليس على المصيف حرج،
أي: لأنه أعمى الأدب، وليس على الأعمى حرج.
يا لحوم البحر! سلخك من ثيابك جزار!
المدارس، والمساجد، والبِيَع، والكنائس، ووزارة الداخلية؛
هذه كلها لن تهزم الشاطئ.
فأمواج النفس البشرية كأمواج البحر الصاخب، تنهزم أبدًا لترجع أبدًا.
لا يهزم الشاطئ إلا ذلك "الجامع الأزهر"، لو لم يكن قد مُسخ مدرسة!
فصرخة واحدة من قلب الأزهر القديم، تجعل هدير البحر كأنه تسبيح.
وترد الأمواج نقية بيضاء1، كأنها عمائم العلماء.
__________
1 يرى بعضهم أن مثل هذا الوصف خطأ، وأن الصواب أن يقال "بيض"، ولسنا من هذا الرأي، وقد غلط فيه المبرد ومن تابعوه؛ لغفلتهم عن السير في بلاغة الاستعمال مرة في الوصف بالمفرد، ومرة في الوصف بالجمع.
(1/234)

وتأتي إلى البحر بأعمدة الأزهر للفصل بين الرجال والنساء.
ولكني أرى زمنًا قد نقل حتى إلى المدارس روح "الكازينو"!
يا لحوم البحر! سلخك من ثيابك جزار!
"هنا على رغم الآداب، مملكة للصيف والقَيْظ، سلطانها الجسم المؤنث العاري.
أجسام تعرض مفاتنها عرض البضائع؛ فالشاطئ حانوت للزواج!
وأجسام تعرض أوضاعها كأنها في غرفة نومها في الشاطئ.
وأجسام جالسة لغيرها، تحيط بها معانيها ملتمسة معانيه؛ فالشاطئ سوق للرقيق.
وأجسام خَفِرة جالسة للشمس والهواء؛ فالشاطئ كدار الكفر لمن أُكره1.
وأجسام عليلة تقتحمها الأعين فتزدريها؛ لأنها جعلت الشاطئ مستشفى.
وأجسام خليعة أضافت من "إستانلي" وأخواتها إلى منارة الإسكندرية ومكتبة الإسكندرية, مزبلة الإسكندرية.
كان جدال المسلمين في السفور، فأصبح الآن في العري.
فإذا تطور، فماذا بقي من تقليد أوروبا إلا الجدال في شرعية جمع المرأة بين الزوج وشبه الزوج2؟ ".
انتهى ما استطعت ترجمته، بعد الرجوع في مواضع من القصيدة إلى بعض القواميس الحية ... إلى بعض شبان الشاطئ.
__________
1 إشارة إلى الآية الكريمة: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} .
2 يسمى هذا في اللغة الضمد بفتح الضاد والميم، وهو أن يخاتل الرجل المرأة ولها زوج، ومنه قول الشاعر:
تريدين كيما تضمديني وخالدًا ... وهل يجمع السيفان ويحك في غمد
ومن هذا يقال في الرجل: ذاق الضماد "بكسر الضاد" أي: ذاق الطعم الذي وصفه أناتول فرانس.
(1/235)

قصيدة مترجمة عن الملَك: احذري ... !
ترجمنا عن الشيطان قصيدة "لحوم البحر" وهذه ترجمة عن أحد الملائكة, رآني جالسًا تحت الليل وقد أجمعت أن أضع كلمة للمرأة الشرقية فيما تحاذره أو تتوجس منه الشر؛ فتَخَايل الملك بأضوائه في الضوء, وسنح لي بروحه، وبث فيّ من سره الإلهي، فجعلتُ أنظر في قلبي إلى فجر من هذا الشعر ينبُع كلمة كلمة, ويُشرق معنى معنى، ويستطير جملة جملة، حتى اجتمعت القصيدة وكأنما سافرتُ في حلم من الأحلام فجئتُ بها.
وانطلق ذلك الملَك وتركها في يدي لغة من طهارته للمرأة الشرقية في ملائكيتها:
احذري ... !
احذري أيتها الشرقية وبالغي في الحذر، واجعلي أخص طباعك الحذر وحده.
احذري تمدن أوروبا أن يجعل فضيلتك ثوبًا يوسع ويضيق؛ فلُبس الفضيلة على ذلك هو لبسها وخلعها.
احذري فنهم الاجتماعي الخبيث الذي يفرض على النساء في مجالس الرجال أن تؤدي أجسامهن ضريبة الفن.
احذري تلك الأنوثة الاجتماعية الظريفة؛ إنها انتهاء المرأة بغاية الظَّرف والرقة إلى ... إلى الفضيحة.
احذري تلك النسائية1 الغزلية؛ إنها في جملتها ترخيص اجتماعي للحرة أن ... أن تشارك البَغِيّ في نصف عملها.
__________
1 نحن نستعمل: النسائية والنسوية، وكلاهما عندنا صحيح، والاختيار في كل موضع للأفصح في موقعه.
(1/236)

أيتها الشرقية! احذري احذري!
احذري التمدن الذي اخترع لقتل لقب الزوجة المقدس, لقب "المرأة الثانية".
واخترع لقتل لقب العذراء المقدس، لقب "نصف عذراء".
واخترع لقتل دينية معاني المرأة، كلمة "الأدب المكشوف".
وانتهى إلى اختراع السرعة في الحب, فاكتفى الرجل بزوجة ساعة.
وإلى اختراع استقلال المرأة، فجاء بالذي اسمه "الأب" من الشارع، لتلقي بالذي اسمه "الابن" إلى الشارع.
أيتها الشرقية؛ احذري احذري!
احذري, وأنتِ النجم الذي أضاء منذ النبوة، أن تقلدي هذه الشمعة التي أضاءت منذ قليل.
إن المرأة الشرقية هي استمرار متصل لآداب دينها الإنساني العظيم.
هي دائمًا شديدة الحفاظ, حارسة لحَوْزتها؛ فإن قانون حياتها دائمًا هو قانون الأمومة المقدس.
هي الطهر والعفة، هي الوفاء والأنفة، هي الصبر والعزيمة، وهي كل فضائل الأم.
فما هو طريقها الجديد في الحياة الفاضلة، إلا طريقها القديم بعينه.
أيتها الشرقية! احذري احذري!
احذري "ويحك" تقليد الأوروبية التي تعيش في دنيا أعصابها, محكومة بقانون أحلامها.
لم تعد أنوثتها حالة طبيعية نفسية فقط، بل حالة عقلية أيضًا تشك وتجادل.
أنوثة تفلسفت فرأت الزوج نصف الكلمة فقط, والأم نصف المرأة فقط.
ويا ويل المرأة حين تنفجر أنوثتها بالمبالغة، فتنفجر بالدواهي على الفضيلة.
إنها بذلك حرة مساوية للرجل، ولكنها بذلك ليست الأنثى المحدودة بفضيلتها.
أيتها الشرقية! احذري احذري!
احذري خجل الأوروبية المترجِّلة من الإقرار بأنوثتها.
(1/237)

إن خجل الأنثى يجعل فضيلتها تخجل منها.
إنه يسقط حياءها ويكسو معانيها رجولة غير طبيعية.
إن هذه الأنثى المترجلة تنظر إلى الرجل نظرة رجل إلى أنثى.
والمرأة تعلو بالزواج درجة إنسانية، ولكن هذه المكذوبة تنحط درجة إنسانية بالزواج.
أيتها الشرقية! احذري احذري!
احذري تَهَوُّس الأوروبية في طلب المساواة بالرجل.
لقد ساوتْه في الذهاب إلى الحلَّاق، ولكن الحلَّاق لم يجد في وجهها اللحية.
إنها خُلقت لتحبيب الدنيا إلى الرجل، فكانت بمساواتها مادة تبغيض.
العجيب أن سر الحياة يأبى أبدًا أن تتساوى المرأة بالرجل إلا إذا خسرته.
والأعجب أنها حين تخضع، يرفعها هذا السر ذاته عن المساواة بالرجل إلى السيادة عليه.
أيتها الشرقية! احذري احذري!
احذري أن تخسري الطباع التي هي الأليق بأم أنجبت الأنبياء في الشرق.
أم عليها طابع النفس الجميلة، تنشر في كل موضع جو نفسها العالية.
فلو صارت الحياة غيمًا ورعدًا وبرقًا، لكانت هي فيها الشمس الطالعة.
ولو صارت الحياة قَيْظًا وحَرُورًا واختناقًا، لكانت هي فيها النسيم يتخطَّر.
أم لا تبالي إلا أخلاق البطولة وعزائمها؛ لأن جداتها ولدن الأبطال.
أيتها الشرقية! احذري احذري!
احذري هؤلاء الشبان المتمدنين بأكثر من التمدن.
يبالغ الخبيث في زينته، وما يدري أن زينته معلنة أنه إنسان من الظاهر.
ويبالغ في عرض رجولته على الفتيات، يحاول إيقاظ المرأة الراقدة في العذراء المسكينة!
ليس لامرأة فاضلة إلا رجلها الواحد؛ فالرجال جميعًا مصائبها إلا واحدًا.
وإذ هي خالطت الرجال، فالطبيعي أنها تخالط شهوات، ويجب أن تحذر وتبالغ.
أيتها الشرقية! احذري احذري!
(1/238)

احذري؛ فإن في كل امرأة طبائع شريفة متهورة؛ وفي الرجال طبائع خسيسة متهورة.
وحقيقة الحجاب أنه الفصل بين الشرف فيه الميل إلى النزول، وبين الخسة فيها الميل إلى الصعود.
فيكِ طبائع الحب، والحنان، والإيثار، والإخلاص، كلما كبرتِ كبرتْ.
طبائع خطرة، إن عملتْ في غير موضعها؛ جاءت بعكس ما تعمله في موضعها.
فيها كل الشرف ما لم تنخدع، فإذا انخدعت فليس فيها إلا كل العار.
أيتها الشرقية! احذري احذري!
احذري كلمة شيطانية تسمعينها: هي فنية الجمال أو فنية الأنوثة.
وافهميها أنت هكذا: واجبات الأنوثة وواجبات الجمال.
بكلمة يكون الإحساس فاسدًا، وبكلمة يكون شريفًا.
ولا يتسقّط الرجل امرأة إلا في كلمات مزينة مثلها.
يجب أن تتسلح المرأة مع نظرتها، بنظرة غضب ونظرة احتقار.
أيتها الشرقية! احذري احذري!
احذري أن تُخدَعي عن نفسك؛ إن المرأة أشد افتقارًا إلى الشرف منها إلى الحياة.
إن الكلمة الخادعة إذ تقال لك، هي أخت الكلمة التي تقال ساعة إنفاذ الحكم للمحكوم عليه بالشنق.
يغترّونكِ بكلمات الحب والزواج والمال، كما يقال للصاعد إلى الشنَّاقة1: ماذا تشتهي؟ ماذا تريد؟
الحب؟ الزواج؟ المال؟ هذه صلاة الثعلب حين يتظاهر بالتقوى أمام الدجاجة.
الحب؟ الزواج؟ المال؟ يا لحم الدجاجة! بعض كلمات الثعلب هي أنياب الثعلب.
أيتها الشرقية! احذري احذري.
__________
1 كلمة "المشنقة" ليست عربية، ولكنّ لها وجهًا في الاشتقاق، غير أن كسرة ميمها تجعلها ثقيلة، وكان اسمها قديمًا "الشناقة"، ذكرها ياقوت في معجم الأدباء، وهي أفصح وأخف، فلعل الشناقة بعد هذا تشنق المشنقة.
(1/239)

احذري السقوط؛ إن سقوط المرأة لهوله وشدته ثلاث مصائب في مصيبة: سقوطها هي, وسقوط من أوجدوها، وسقوط من تُوجدهم! نوائب الأسرة كلها قد يسترها البيت، إلا عار المرأة.
فيد العار تقلب الحيطان كما تقلب اليد الثوب, فتجعل ما لا يُرى هو ما يُرى.
والعار حكم ينفذه المجتمع كله، فهو نفي من الاحترام الإنساني.
أيتها الشرقية! احذري احذري!
"لو كان العار في بئر عميقة لقلبها الشيطان مئذنة, ووقف يؤذن عليها.
يفرح اللعين بفضيحة المرأة خاصة، كما يفرح أب غني بمولود جديد في بيته.
واللص، والقاتل، والسكير، والفاسق، كل هؤلاء على ظاهر الإنسانية كالحر والبرد.
أما المرأة حين تسقط, فهذه من تحت الإنسانية هي الزلزلة.
ليس أفظع من الزلزلة المرتجة تشق الأرض، إلا عار المرأة حين يشق الأسرة.
أيتها الشرقية! احذري احذري! ".
(1/240)

الجمال البائس *: "1"
"وكيف يُشعَب صدع الحب في كبدي"، كيف يشعب صدع الحب؟
لعمري ما رأيت الجمال مرة إلا كان عندي هو الألم في أجمل صوره وأبدعها؛ أتُراني مخلوقًا بجرح في القلب؟
ولا تكون المرأة جميلة في عيني، إلا إذا أحسست حين أنظر إليها أن في نفسي شيئًا قد عرفها، وأن في عينيها لحظات موجهة، وإن لم تنظر هي إلي.
فإثبات الجمال نفسه لعيني، أن يثبت صداقته لروحي باللمحة التي تدل وتتكلم: تدل نفسي وتتكلم في قلبي.
كنت أجلس في "الإسكندرية" بين الضحى والظهر، في مكان على شاطئ البحر، ومعي صديقي الأستاذ "ح"** من أفاضل رجال السلك السياسي، وهو كاتب من ذوي الرأي، له أدب غَضّ ونوادر وظرائف؛ وفي قلبه إيمان لا أعرف مثله في مثله، قد بلغ ما شاء الله قوة وتمكنًا، حتى لأحسب أنه رجل من أولياء الله قد عُوقب فحُكم عليه أن يكون محاميًا، ثم زيد الحكم فجعل قاضيًا، ثم ضُوعفت العقوبة فجعل سياسيًا.
وهذا المكان ينقلب في الليل مسرحًا ومرقصًا وما بينهما, فيتغاوى فيه الجمال والحب، ويعرض الشيطان مصنوعاته في الهزل والرقص والغناء1، فإذا دخلته في النهار رأيت نور النهار كأنه يغسله ويغسلك معه، فتحس للنور هناك عملًا في نفسك.
__________
* انظر قصة صاحبة الجمال البائس في "عود على بدء" من كتاب حياة الرافعي.
** الأستاذ حافظ عامر "بك".
1 انظر مقالة "لو ... " في الجزء الثاني، فقد كتبت عن هذا المسرح بعينه.
(1/241)

ويُرى المكان صدرًا من النهار كأنه نائم بعد سهر الليل، فما تجيئه من ساعة بين الصبح والظهر، إلا وجدته ساكنًا هادئًا كالجسم المستثقل نومًا؛ ولهذا كنت كثيرًا ما أكتب فيه، بل لا أذهب إليه إلا للكتابة.
فإذا كان الظهر أقبل نساء المسرح ومعهن من يطارحهن الأناشيد وألحانها, ومن يُثقفهن في الرقص، ومن يُروِّيهن ما يمثلن إلى غير ذلك مما ابتلتهن به الحياة لتُساقط عليهن الليالي بالموت ليلة بعد ليلة.
وكن إذا جئن رأينَني على تلك الحال من الكتابة والتفكير، فينصرفن إلى شأنهن، إلا واحدة كانت أجملهن*، وأكثر هؤلاء المسكينات يظهرن لعين المتأمل كأن منهن مثل العنز التي كُسر أحد قرنيها، فهي تحمل على رأسها علامة الضعف والذلة والنقص، ولو أن امرأة تتبدد حينًا فلا تكون شيئًا، وتجتمع حينًا فتكون مرة شيئًا مقلوبًا، وأخرى شكلًا ناقصًا، وتارة هيئة مشوهة؛ لكانت هي كل امرأة من هؤلاء المسكينات اللواتي يمشين في المسرّات إلى المخاوف، ويعشن ولكن بمقدمات الموت، ويجدن في المال معنى الفقر، ويتلقَّين الكرامة فيها الاستهزاء، ثم لا يعرفن شابًّا ولا رجلًا إلا وقعت عليهن من أجله لعنة أب أو أم أو زوجة.
وتلك الواحدة التي أومأتُ إليها كانت حزينة متسلبة1, فكأنما جذبها حزنها إلي، وكانت مفكرة فكأنما هداها إلي فكرها، وكانت جميلة فدلها علي الحب، وما أدري -والله- أي نفسينا بدأت فقالت للأخرى: أهلًا.
ورأيتها لا تصرف نظرها عني إلا لترده إلي، ولا ترده إلا لتصرفه؛ ثم رأيتها قد جال بها الغزل جولة في معركته, فتشاغلتُ عنها لا أُريها أني أنا الخصم الآخر في المعركة.
بيد أني جعلت آخذها في مطارح النظر، وأتأملها خلسة بعد خلسة في ثوبها الحريري الأسود، فإذا هو يشُب لونها2 فيجعله يتلألأ، ويظهر وجهها بلون البدر في تِمّه، ويبديه لعيني أرق من الورد تحت نور الفجر.
ورأيت لها وجهًا فيه المرأة كلها باختصار، يشرق على جسم بَضّ ألين من
__________
* يعني راقصة هناك اسمها "بنوتشيا".
1 يقال: تسلبت المرأة, إذا أحدت، أي: لبست ثياب الحداد.
2 يزيده ويظهره ويجعله أحفل بالجمال.
(1/242)

خَمْل النعام، تعرض فيه الأنوثة فنها الكامل؛ فلو خُلق الدلال امرأة لكانتها.
وتلوح للرائي من بعيد كأنها وضعت في فمها "زر ورد" أحمر منضمًّا على نفسه. شفتان تكاد ابتسامتهما تكون نداء لشفتيْ محب ظمآن!
أما عيناها فما رأيت مثلهما عيني امرأة ولا ظبية؛ سوادهما أشد سوادًا من عيون الظباء؛ وقد خُلقتا في هيئة تثبت وجود السحر وفعله في النفس؛ فهما القوة الواثقة أنها النافذة الأمر، يمازجها حنان أكثر مما في صدر أم على طفلها؛ وتمام الملاحة أنهما هما بهذا التكحيل، في هذه الهيئة، في هذا الوجه القمري.
يا خالق هاتين العينين! سبحانك سبحانك!
قال الراوي:
وأتغافل عنها أيامًا؛ وطال ذلك مني وشق عليها، وكأني صغرت إليها نفسها، وأرهقتها بمعنى الخضوع، بيد أن كبرياءها التي أبت لها أن تُقدِم، أبت عليها كذلك أن تنهزم.
وأنا على كل أحوالي إنما أنظر إلى الجمال كما أستنشي العطر يكون متضوعًا في الهواء: لا أنا أستطيع أن أمسه ولا أحد يستطيع أن يقول: أخذت مني. ثم لا تدفعني إليه إلا فطرة الشعر والإحساس الروحاني، دون فطرة الشر والحيوانية1, ومتى أحسست جمال المرأة أحسست فيه بمعنى أكبر من المرأة، أكبر منها؛ غير أنه هو منها.
قال الراوي:
فإني لجالس ذات يوم وقد أقبلتُ على شأني من الكتابة، وبإزائي فتى رَيِّق الشباب، في العمر الذي ترى فيه الأعين بالحماسة والعاطفة، أكثر مما ترى بالعقل والبصيرة، ناعم أملد تم شبابه ولم تتم قوته، كأنما نكصت الرجولة عنه إذ وافته فلم تجده رجلًا ... أو تلك هي شيمة أهل الظَّرف والقصف من شبان اليوم: ترى الواحد منهم فتعرف النضج في ثيابه أكثر مما تعرفه في جسمه، وتأبى الطبيعة عليه أن يكون أنثى فيجاهد ليكون ضربًا من الأنثى! إني لجالس إذا وافت الحسناء فأومأتْ إلى الفتى بتحيتها، ثم ذهبتْ فاعتلَت المنصة مع الباقيات، ورقصت
__________
1 بسطنا هذا المعنى في المقدمة الثانية لكتابنا "أوراق الورد" وفي مواضع كثيرة من هذا الكتاب، فلم نتوسع فيه هنا.
(1/243)

فأحسنت ما شاءت، وكأن في رقصها تعبيرًا عن أهواء ونزعات تريد إثارتها في رجل ما, فقلت لصاحبنا الأستاذ "ح": إن كلمة الرقص إنما هي استعارة على مثل هذا، كما يستعرْنَ كلمة الحب لجمع المال؛ ولا رقص ولا حب إلا فجور وطمع.
ثم إنها فرغَتْ من شأنها فمرت تتهادى حتى جاءت فجلست إلى الفتى ... فقال الأستاذ "ح" وكان قد ألمّ بما في نفسها: أتُراها جعلته ههنا محطة؟
قال الراوي: أما أنا فقلت في نفسي: لقد جاء الموضوع ... وإني لفي حاجة -أشد الحاجة- إلى مقالة من المكحولات، فتفرغت لها أنظر ماذا تصنع، وأنا أعلم أن مثل هذه قليلًا ما يكون لها فكر أو فلسفة؛ غير أن الفكر والفلسفة والمعاني كلها تكون في نظرها وابتساماتها وعلى جسمها كله.
وكان فتاها قد وضع طربوشه على يده؛ فقد انتهينا إلى عهد رجع حكم الطربوش فيه على رأس الشاب الجميل، كحكم البرقع على وجه الفتاة الجميلة.
فأسفر ذاك من طربوشه، وأسفرت هذه من نقابها. قال الراوي: فما جلستْ إلى الفتى حتى أدنت رأسها من الطربوش، فاستنامت إليه، فألصقت به خدها.
ثم التفتت إلينا التفاتة الخِشْف المذعور استروح السَّبُع1 ووجد مقدماته في الهواء، ثم أرخت عينيها في حياء لا يستحي.
وأنشأت تتكلم وهي في ذلك تسارقنا النظر، كأن في ناحيتنا بعض معاني كلامها.
ثم لا أدري ما الذي تضاحكتْ له، غير أن ضحكتها انشقت نصفين، رأينا نحن أجملهما في ثغرها.
ثم تزعزعت في كرسيها كأنما تهم أن تنقلب؛ لتمتد إليها يد فتمسكها أن تنقلب.
ثم تساندت على نفسها، كالمريضة النائمة تتناهض من فراشها فيكاد يَئِنّ بعضها من بعضها، وقامت فمشت، فحاذتنا، وتجاوزتنا غير بعيد، ثم رجعت إلى موضعها متكسرة كأن فيها قوة تعلن أنها انتهت.
قال الراوي:
ونظرتُ إليها نظرة حزن؛ فتغضبت واغتاظت، وشاجرت هذه النظرة من
__________
1 الخشف: ولد الغزال، يطلق على الذكر والأنثى. واستروح السبع أي: وجد ريحه في الهواء قبل أن يراه، وكذلك طبيعة الحيوان.
(1/244)

عينيها الدَّعْجَاوين بنظرات متهكمة، لا أدري أهي توبخنا بها، أم تتهمنا بأننا أخذنا من حسنها مجانًا؟
فقلتُ للأستاذ "ح"، وأنا أجهر بالكلام ليبلُغها:
أما ترى أن الدنيا قد انتكست في انتكاسها، وأن الدهر قد فسد في فساده، وأن البلاء قد ضُوعف على الناس، وأن بقية من الخير كانت في الشر القديم فانتُزعت؟
قال: وهل كان في الشر القديم بقية خير وليس مثلها في الشر الحديث؟
قلت: ههنا في هذا المسرح قِيَان لو كانت إحداهن في الزمن القديم، لتنافس في شرائها الملوك والأمراء سراة الناس وأعيانهم، فكان لها في عَهَارة الزمن صون وكرامة، وتتقلب في القصور فتجعل لها القصور حرمة تمنعها ابتذال فنها لكل من يدفع خمسة قروش، حتى لرُذَّال الناس وغوغائهم وسَفَلتهم؛ ثم هي حين يُدبِر شبابها تكون في دار مولاها حميلة على كرم يحملها، وعلى مروءة تعيش بها.
وقديمًا أخذت سلَّامة الزرقاء في قبلتها لؤلؤتين بأربعين ألف درهم، تبلغ ألفي جنيه. فهل تأخذ القينة من هؤلاء إلا دَخِينة1 بمليمين؟
قال الأستاذ "ح": ما أبعدك يا أخي عن "بورصة" القبلة وأسعارها, ولكن ما خبر اللؤلؤتين؟
قال الراوي:
كانت سلامة هذه جارية لابن رَامين2، وكانت من الجمال بحيث قيل في وصفها: كأن الشمس طالعة من بين رأسها وكتفيها؛ فاستأذن عليها في مجلس غنائها الصيرفي الملقب بالماجن، فلما أذنت له، دخل فأقعى بين يديها، ثم أدخل يده في ثوبه فأخرج لؤلؤتين، وقال: انظري يا زرقاء جُعلتُ فداك. ثم حلف أنه نُقد فيهما بالأمس أربعين ألف درهم. قالت: فما أصنع بذاك؟ قال: أردت أن تعلمي.
ثم غنت صوتًا وقالت: يا ماجن هبهما لي, ويحك. قال: إن شئت -
__________
1 الدخينة وضعناها للسيجارة، وجمعها: الدخائن.
2 سلامة هذه اشتراها جعفر بن سليمان بثمانين ألف درهم "4000 جنيه"، كما اشترى جارية أخرى يقال لها: ربيحة، بمائة ألف درهم.
(1/245)

والله- فعلت. قالت: قد شئت. قال: واليمين التي حلفتُ بها لازمة لي إن أخذتهما إلا بشفتيك من شفتيّ.
قال الراوي:
ورأيتها قد أذنت لي، وأنصتت لكلامي، وكأنما كانت تسمعني أعتذر إليها، واستيقنتْ أن ليس بي إلا الحزن عليها والرثاء لها، فبدت أشد حياء من العذراء في أيام الخِدْر.
ثم قلت: نعم كان ذلك الزمن سفيهًا، ولكنها سفاهة فن لا سفاهة عربدة وتصعلك كما هي اليوم.
فنظرت إلي نظرة لن أنساها؛ نظرة كأنها تدمع، نظرة تقول بها: ألستُ إنسانة؟ فلم أملك أن قلت لها: تعالي تعالي.
وجاءت أحلى من الأمل المعترض سنحت به الفرصة، ولكن ماذا قلت لها وماذا قالت؟
(1/246)

الجمال البائس: "2"
جاءت أحلى من الأمل المعترض سنحت به فرصة؛ وعلى أنها لم تَخْطُ إلينا إلا خطوة وتمامها، فقد كانت تجد في نفسها ما تجده لو أنها سافرت من أرض إلى أرض، ونقلها البعد النازح من أمة إلى أمة.
يا عجبًا! إن جلوس إنسان إلى إنسان بإزائه، قد يكون أحيانًا سفرًا طويلًا في عالم النفس. فهذه الحسناء تعيش في دنيا فارغة من خِلال كثيرة: كالتقوى، والحياء، والكرامة، وسمو الروح، وغيرها؛ فإذا عرض لها من يشعرها بعض هذه الخلال، وينتزعها من دنيا اضطرارها وأخلاق عيشها ولو ساعة؛ فما تكون قد وجدت شخصًا، بل كشفت عالَمًا تدخله بنفس غير النفس التي تدبّرها في عالم رزقها.
ولا أعجب من سحر الحب في هذا المعنى؛ فإن العاشق ليكون حبيبه إلى جانبه، ثم لا يحس إلا أنه طوى الأرض والسموات ودخل جنة الخلد في قبلة.
جلست إلينا كما تجلس المرأة الكريمة الخَفِرة, تعطيك وجهها وتبتعد عنك بسائرها، وتُريك الغصن وتخبأ عنك أزهاره. فرأيناها لم تستقبل الرجل منا بالأنثى منها كما اعتادت؛ بل استقبلت واجبًا برعاية، وتلطفًا بحنان، وأدبًا من فن بأدب من فن آخر؛ وكان هذا عجيبًا منها؛ فكلمها في ذلك الأستاذ "ح" فقالت: أما واحدة, فإننا نتبع دائمًا محبة من نجالسهم، وهذه هي القاعدة. وأما الثانية, فإننا لا نجد الرجل إلا في الندرة؛ وإنما نحن مع هؤلاء الذين يتسوَّمون بسيما الرجال، كحيلة المحتال على غفلة المغفل؛ وهم معنا كالقدرة بالثمن ما يشتريه الثمن، ليسوا علينا إلا قهرًا من القهر؛ ولسنا عليهم إلا سلبًا من السلب، مادة مع مادة، وشر على شر؛ أما الإنسانية منا ومنهم فقد ذهبت أو هي ذاهبة.
قال "ح": ولكن.
فلم تدعه يستدرك بل قالت: "إن "لكن" هذه غائبة الآن, فلا تجيء في
(1/247)

كلامنا, أتريد دليلًا على هذا الانقلاب؟ إن كل إنسان يعلم أن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين؛ ولكن كل امرأة منا تعلم أن الخط المعوج هو وحده أقرب مسافة بينها وبين الرجل.
قالت: فإذا وجدتْ إحدانا رجلًا بأخلاقه لا بأخلاقها, ردتها أخلاقه إلى المرأة التي كانت فيها من قبل، وزادتها طبيعتها الزَّهْو بهذا الرجل النادر، فتكون معه في حالة كحالة أكمل امرأة، بيد أنه كمال الحلم الذي يستيقظ وشيكًا؛ فإن الرجل الكامل يكمل بأشياء، منها وا أسفا! منها ابتعاده عنا. ثم قالت: وصاحبك هذا منذ رأيته، رأيته كالكتاب يشغَل قارئه عن معاني نفسه بمعانيه هو.
وضحكتُ أنا لهذا التشبيه، فمتى كان الكتاب عند هذه كتابًا يشغل بمعانيه؟ غير أني رأيتها قد تكلمت واحتفلت، وأحسنت وأصابت؛ فتركتها تتحدث مع الأستاذ "ح"، وغبت عنهما غيبة فكر؛ وأنا إذا فكرت انطبق علي قولهم: خَلِّ رجلًا وشأنه, فلا يتصل بي شيء مما حولي. وكان كلامها يسطع لي كالمصباح الكهربائي المتوقد، فقدّمها فكرها إلي غير ما قدمتها إلي نفسها، ورأيت لها صورتين في وقت معًا، إحداهما تعتذر من الأخرى.
وكنت قبل ذلك بساعة قد كتبت في تذكرة خواطري هذه الكلمة التي استوحيتها منها؛ لأضعها في مقالة عنها وعن أمثالها، وهي:
إذا خرجت المرأة من حدود الأسرة وشريعتها، فهل بقي منها إلا الأنثى مجردة تجريدها الحيواني المتكشف، المتعرض للقوة التي تناله أو ترغب فيه؟ وهل تعمل هذه المرأة عند ذلك إلا أعمال هذه الأنثى؟
"وما الذي استرعاها الاجتماع حينئذ فترعاه منه وتحفظه له، إلا ما استرعى أهلُ المال أهلَ السرقة! إن الليل ينطوي على آفتين: أولئك اللصوص، وهؤلاء النساء".
وكيف ترى هذه المرأة نفسها إلا مشوهة ما دامت رذائلها دائمًا وراء عينيها، وما دام بإزاء عينيها دائمًا الأمهات والمحصنات من النساء، وليس شأنها، من شأنهن؟ إن خيالها يحرز في وعيه صورتها الماضية من قبل أن تزِلّ؛ فإذا خلت إلى نفسها كانت فيها اثنتان، إحداهما تلعن الأخرى، فترى نفسها من ذلك على ما ترى.
"وهي حين تطالع مرآتها لتتبرج وتحتفل في زينتها، تنظر إلى خيالها في المرآة بأهواء الرجال لا بعيني نفسها؛ ولهذا تبالغ أشد المبالغة؛ فلا تُعنَى بأن تظهر
(1/248)

جميلة كالمرأة، بل مثمرة كالتاجر, وتكسُّبها بجمالها يكون أول ما تفكر فيه؛ ومن ذلك لا يكون سرورها بهذا الجمال إلا على قدر ما تكسب منه؛ بخلاف الطبع الذي في المرأة، فإن سرورها بمسحة الجمال عليها هو أول فكرها وآخره".
"إن الساقطة لا تنظر في المرآة -أكثر ما تنظر- إلا ابتغاء أن تتعهد من جمالها ومن جسمها مواقع نظرات الفجور وأسباب الفتنة، وما يستهوي الرجل وما يفسد العفة عليه؛ فكأن الساقطة وخيالها في المرآة، رجل فاسق ينظر إلى امرأة، لا امرأة تنظر إلى نفسها".
ذهبتُ أفكر في هذه الكلمة التي كتبتُها قبل ساعة، ولم أستطع أن ألمس في هذه القضية وجه القاضي؛ فدخلتني رقة شديدة لهذا الجمال الفاتن، الذي أراه يبتسم وحوله الأقدار العابسة؛ ويلهو وبين يديه أيام الدموع؛ ويجتهد في اجتذاب الرجال والشبان إلى نفسه، والوقت آتٍ بالرجال والشبان الذين سيجتهدون في طرده عن أنفسهم.
وتغشّاني الحزن، ورأتْ هي ذلك وعرفتْه؛ فأخرجتْ منديلها المعطر ومسحت وجهها به، ثم هزته في الهواء، فإذا الهواء منديل معطر آخر مسحت به وجهي.
وقال الأستاذ "ح": آه من العطر! إن منه نوعًا لا أستنشيه مرة إلا ردني إلى حيث كنتُ من عشرين سنة خلت، كأنما هو مسجل بزمانه ومكانه في دماغي.
فضحكت هي وقالت: إن عطرنا نحن النساء ليس عطرًا, بل هو شعور نُثبته في شعور آخر.
فقلت أنا: لا ريب أن لهذه الحقيقة الجميلة وجهًا غير هذا. قالت: وما هو؟
قلت: إن المرأة المعطرة المتزينة، هي امرأة مسلحة بأسلحتها. أفي ذلك ريب؟ قالت: لا.
قلت: فلماذا لا يسمى هذا العطر بالغازات الخانقة الغرامية؟
فضحكت فنونًا؛ ثم قالت: وتسمى "البودرة" بالديناميت الغرامي.
ونقلني ذلك إلى نفسي مرة أخرى، فأطرقت إطراقة؛ فقالت: ما بك؟ قلت: بي كلمة الأستاذ "ح"، إنها ألهبت في قلبي جمرة كانت خامدة.
قالت: أو حركت نقطة عطر كانت ساكنة!
فقلت: إن الحب يضع روحانيته في كل أشيائه، وهو يغير الحالة النفسية للإنسان، فتتغير بذلك الحالة للأشياء في وهم المحب. "فعطر كذا" مثلًا هو
(1/249)

نوع شذيّ من العطر، طيب الشَّمِيم، عاصف النشوة، حادّ الرائحة؛ لكأنه ينشر في الجو روضة قد مُلئت بأزهاره تُشم ولا تُرى؟ وإنه ليجعل الزمن نفسه عَبِقًا بريحه, وإنه ليُفعم كل ما حوله طيبًا، وإنه ليسحر النفس فيتحول فيها.
وهنا ضحكت وقطعت علي الكلام قائلة: يظهر لي أن "عطر كذا" هاجر أو مخاصم.
قلت: كلا، بل خرج من الدنيا وما انتشقتُ أَرَجه مرة إلا حسبته ينفَح من الجنة.
فما أسرع ما تلاشى من وجهها الضحك وهيئته، وجاءت دمعة وهيئتها, ولمحت في وجهها معنى بكيت له بكاء قلبي.
جمالها، فتنتها، سحرها، حديثها، لهوها؛ آه حين لا يبقى لهذا كله عين ولا أثر، آه حين لا يبقى من هذا كله إلا ذنوب، وذنوب، وذنوب!
وأردنا أنا و"ح" بكلامنا عن الحب وما إليه، ألا نُوحشها من إنسانيتنا، وأن نَبُل شوقها إلى ما حُرمته من قدرها قدر إنسانة فيما نتعاطاه بيننا. والمرأة من هذا النوع إذا طمعت فيما هو أغلى عندها من الذهب والجوهر والمتاع؛ طمعت في الاحترام من رجل شريف متعفف، ولو احترام نظرة، أو كلمة. تقنع بأقل ذلك وترضى به؛ فالقليل مما لا يدرك قليله، هو عند النفس أكثر من الكثير الذي ينال كثيره.
ومثل هذه المرأة، لا تدري أنت: أطافت بالذنب أم طاف الذنب بها؟ فاحترامها عندنا ليس احترامًا بمعناه، وإنما هو كالوُجُوم أمام المصيبة في لحظة من لحظات رهبة القدر, وخشوع الإيمان.
وليست امرأة من هؤلاء إلا وفي نفسها التندم والحسرة واللهفة مما هي فيه، وهذا هو جانبهن الإنساني الذي يُنظر إليه من النفس الرقيقة بلهفة أخرى، وحسرة أخرى، وندم آخر. كم يرحم الإنسان تلك الزوجة الكارهة المرغمة على أن تعاشر من تكرهه، فلا يزال يغلي دمها بوساوس وآلام من البغض لا تنقطع! وكم يرثي الإنسان للزوجة الغيور، يغلي دمها أيضًا ولكن بوساوس وآلام من الحب! ألا فاعلم أن كل مَنْ مثل هذه الحسناء تحمل على قلبها مثل هم مائة زوجة كارهة مرغَمة مستعبَدة، يخالطه مثل هم مائة زوجة غيور مكابدة منافسة؛ ولقد تكون المرأة منهن في العشرين من سنها وهي مما يكابد قلبها في السبعين من عمر قلبها أو أكثر.
وهذه التي جاءتنا إنما جاءتنا في ساعة منا نحن لا منها هي، ولم تكن معنا لا في زمانها ولا في مكانها ولا في أسبابها، وقد فتحت الباب الذي كان مغلقا في
(1/250)

قلبها على الخفَر والحياء، وحولت جمالها من جمال طابعه الرذيلة، إلى جمال طابعه الفن، وأشعرت أفراحها التي اعتادتها روح الحزن من أجلنا، فأدخلت بذلك على أحزانها التي اعتادتها روح الفرح بنا.
من ذا الذي يعرف أن أدبه يكون إحسانًا على نفس مثل هذه ثم لا يحسن به1؟
تتجدد الحياة متى وجد المرء حالة نفسية تكون جديدة في سرورها. وهذه المرأة المسكينة لا يعنيها من الرجل من هو, ولكن كم هو ... لم تر فينا نحن الرجل الذي هو "كم"، بل الذي هو "من". وقد كانت من نفسها الأولى على بعد قصي كالذي يمد يده في بئر عميقة ليتناول شيئًا قد سقط منه؛ فلما جلستْ إلينا، اتصلت بتلك النفس من قرب؛ إذ وجدت في زمنها الساعة التي تصلح جسرًا على الزمن.
قال الراوي:
كذلك رأيتها جديدة بعد قليل، فقلت للأستاذ "ح": أما ترى ما أراه؟
قال: وماذا ترى؟ فأومأت إليها وقلت: هذه التي جاءت من هذه. إن قلبها ينشر الآن حولها نورًا كالمصباح إذا أضيء، وأراها كالزهرة التي تفتحت؛ هي هي التي كانت، ولكنها بغير ما كانت.
فقالت هي: إني أحسبك تحبني؛ بل أراك تحبني؛ بل أنت تحبني, لم يخف علي منذ رأيتك ورأيتني.
قلت: هبيه صحيحًا، فكيف عرفته ولم أصانعك، ولم أتملق لك، ولم أزد علي أن أجيء إلى هنا لأكتب؟
قالت: عرفته من أنك لم تصانعني، ولم تتملق لي، ولم تزد على أن تجيء إلى هنا لتكتب.
قلت: ويحك، لو كُحلت عين "الميكرسكوب" لكانت عينك. وضحكنا جميعًا؛ ثم أقبلت على الأستاذ "ح" فقلت له: إن القضايا إذا كثر ورودها على القاضي جعلت له عينًا باحثة.
__________
1 في كتابنا "السحاب الأحمر" فصل طويل عنوانه "الربيطة"، كتبناه في مثل موضوع "الجمال البائس"، غير أنه بمنحى آخر ومعانٍ أخرى. والربيطة هي الكلمة العربية التي تقابل كلمة MAITRESSE يريد بها الأوروبيون المرأة البغي ترتبط بأجر في دار الرجل لتحل محل الزوجة.
(1/251)

قال الراوي:
وأنظر إليها، فإذا وجهها القمري الأزهر قد شَرِق لونه، وظهر فيه من الحياء ما يظهر مثله على وجه العذراء المخدّرة إذا أنت مسستها برِيبة1؛ فما شككت أنها الساعة امرأة جديدة قد اصطلح وجهها وحياؤها، وهما أبدًا متعاديان في كل امرأة مكشوفة العفة.
وذهبت أستدرك وأتأول، فقلت لها: ما ذلك أردتُ، ولا حَدَست على هذا الظن، وإنما أنا مشفق عليك متألم بك، وهل يعرض لك إلا الطبقة النظيفة من المجرمين والخبثاء وأهل الشر؛ أولئك الذين أعاليهم في دور الخلاعة والمسارح، وأسافلهم في دور القضاء والسجون؟
فقالت: أعترف بأنك لم تحسن قلب الثوب، فظهر لكل عين أنه مقلوب، لكنك تحبني وهذا كافٍ أن ينهض منه عُذْر!
قال الأستاذ "ح": إنه يحبك، ولكن أتعرفين كيف حبه؟ هذا باب يضع عليه دائمًا عدة من الأقفال.
قالت: فما أيسر أن تجد المرأة عدة من المفاتيح.
قال: ولكنه عاشق ينير العشق بين يديه؛ فكأنه هو وحبيبته تحت أعين الناس: ما تطمع إلا أن تراه، وما يطمع إلا أن يراها، ولا شيء غير ذلك؛ ثم لا يزال حسنها عليه ولا يزال هواه إليها، وليس إلا هذا.
قالت: إن هذا لعجيب.
قال: والذي هو أعجب أن ليس في حبه شيء نهائي، فلا هجر ولا وصل؛ ينساك بعد ساعة، ولكنك أبدًا باقية بكل جمالك في نفسه. والصغائر التي تُبكي الناس وتتلذع في قلوبهم كالنار ليجعلوها كبيرة في همهم ويطفئوها وينتهوا منها ككل شهوات الحب, تبكيه هو أيضًا وتعتلج في قلبه، ولكنها تظل عنده صغائر ولا يعرفها إلا صغائر؛ وهذا هو تجبره على جَبَّار الحب.
قال الراوي:
ونظرت إليها ونظرت، وعاتبت نفس نفسًا في أعينهما، وسألت السائلة وأجابت المجيبة، ولكن ماذا قلت لها وماذا قالت؟
__________
1 أي: لأنها ظنت أنه يقول: إنها اعتادت الرجال.
(1/252)

الجمال البائس: "3"
قال الراوي:
نظرت إليها ونظرت: أما هي، فَرَنت إلي في سكون، وكانت نظرتها معاتبة طويلة التملق والتوجع, وفيها الانكسار والفُتور، وفيها الاسترخاء والدلال.
وبينا كان طَرْفها ساجيًا فاترًا كأنه ينظر أحلامه، إذ حدَّدَتْه إلي فجأة ونظرت نظرة مدهوش، فبدت عيناها فزعتين ولكن في وجه مطمئن.
ثم لم تكد تفعل حتى ضيقت أجفانها وحدّقت النظر متلألئًا بمعانيه، فبدت عيناها ضاحكتين ولكن في وجه متألم.
ثم ابتسمت بوجهها وعينيها معًا، وأتمت بذلك أجمل أساليب المرأة الجميلة المحبوبة في اعتراضها على من تحبه، وجدالها مع فكره، وكسر حجته في كبريائه، وانتزاع الفكرة المستقلة من نفسه.
وأما أنا؛ فكان نظري إليها ساكنًا متألمًا يقر أنه عجز عن جواب عينيها, وسيبقى عاجزًا عن جواب عينيها.
إن وجهها هو الابتسام وروح الابتسام، وجسمها هو الإغراء وروح الإغراء، وفنها هو الفتنة وروح الفتنة, وهي بهذا كله هي الحب وروح الحب؛ غير أن فهمها على حقيقتها في الناس يجعل ابتسامها عداوة من وجهها، وإغراءها جريمة لجسمها، وفنها رذيلة في جمالها؛ وهي بهذا كله هي الشقاء وروح الشقاء.
أما أني أحب فنَعَمْ ونِعِمَّا، بل أراه حبًّا فالقًا كبدي، وليس يخلو فؤادي أبدًا من سوالف حب مضى؛ وأما أني أسترذل في الحب وأمتهن فضيلتي وأنزل بها، فلا وأبدًا.
إن ذلك الحب هو عندي عمل فني من أعمال النفس، ولكن الفضيلة هي النفس ذاتها؛ الحب أيام جميلة عابرة في زمني؛ أما الفضيلة فهي زمني كله؛ وذلك
(1/253)

الجمال هو قوة من جاذبية الأرض في مدتها القصيرة، ولكن الفضيلة جاذبية السماء في خلودها الأبدي.
على أنه لا منافرة بين الحب والفضيلة في رأيي، فإن أقوى الحب وأملأه بفلسفة الفرح والحزن، لا يكون إلا في النفس الفاضلة المتورعة عن مقارفة الإثم. وههنا يتحول الحب إلى ملكة سامية في إدراك معاني الجمال، فيكون الوجه المعشوق مصدر وحي للنفس العاشقة؛ وبهذا الوحي والاستمداد منه ينزل المحب من المحبوب منزلة من يرتفع بالآدمية إلى الملائكية1؛ ليتلقى النور منها فنًّا بعد فن، والفرح معنًى بعد معنى، والحزن السماوي فضيلة بعد فضيلة.
فهذا الحب هو طريقة نفسية لاتساع بعض العقول المهيأة للإلهام، كي تحيط بأفراح الحياة وأحزانها، فتبدع للدنيا صورة من صور التعبير الجميلة التي تثير أشواق النفس؛ كأن كل محل وحبيبته من هؤلاء الملهمين، هما صورة جديدة من آدم وحواء، في حالة جديدة من معنى ترك الجنة، لإيجاد الصورة الجديدة من الفرح الأرضي, والحزن السماوي.
والخطر في الحب ألا يكون فيه خطر, فهو حينئذ نداء الجنس، لا يكون إلا دنيئًا ساقطًا مبذولًا، فلا قيمة له ولا وحي فيه؛ إذ يكون احتيالًا من عمل الغريزة جاءت فيه لابسة ثوبها النوراني من شوق الروح لتخدع النفس الأخرى فيتصل بينهما، حتى إذا اتصل بينهما خلعت الغريزة هذا الثوب واستعلنت أنها الغريزة، فانحصر الحب في حيوانيته، وبطلت أشواقه الخيالية أجمع.
قال الراوي:
وعرفت الحسناء هذا كله من عَرْضها نظرة وتلقيها نظرة غيرها، فقالت للأستاذ "ح": أما أن يكون مع أثر الشعر والفكر في الجمال ودعوى الحب، أثر الزهد في الجسم الجميل وادعاء الفضيلة؛ فإن بعيدًا أن يجتمعا.
قال "ح": وأين تُبعدينه -ويحك- عن هذه المنزلة؟ إني لأعرف من هو أعجب من هذا!!
قالت: وماذا بقي من العجب فتعرفه؟
__________
1 نحن لا ننسب للملائكة إلا على خلاف القاعدة المقررة في علم الصرف، ونرى أن مخالفة القاعدة هي القاعدة في هذه اللفظة, وفي ألفاظ أخرى.
(1/254)

قال: أعرف متزوجًا، أحب أشد الحب وأَمَضّه، حتى استهام وتدلّه، فكان مع هذا لا يكتب رسالة إلى حبيبته حتى يستأذن فيها زوجته، كيلا يعتدي على شيء من حقها. وزوجته كانت أعرف بقلبه وبحب هذا القلب، وهي كانت أعلم أن حبه وسُلْوانه إنما هما طريقتان في الأخذ والترك بين قلبه وبين المعاني، تارة من سبيل المرأة وجمالها، وتارة من سبيل الطبيعة ومحاسنها. فتنهّدت وقالت: يا عجبًا! وفي الدنيا مثل هذا الزوج الطاهر، وفي الدنيا مثل هذه الزوجة الكريمة؟
ثم إنها وَجَمَتْ هُنَيْهَةً تجتمع في نفسها اجتماع السحابة، ثم استدمعتْ، ثم أرسلت عينيها تبكي؛ فبدرت أنا أُرَفِّه عنها حتى كفكفت من دمعها، وكأن "ح" قد وخزها في قلبها وخزة أليمة بذكره لها الزوجة, ثم الزوجة الطاهرة، ثم الطاهرة حتى في وسوسة شيطان الغيرة. ارتفع ثلاث مرات بالزوجة، لترى هذه المسكينة أنها سافلة ثلاث مرات, وكأنه بهذا لم يكلمها، بل رسم لها صورتها في عيشها المخزي, وقال لها: انظري.
ويا ما كان أجملها يترقرق الدمع في عينيها الفاتنتين الكحيلتين، فيبث منهما حزنًا يخيل لمن رآه، أنه من أجلها سيُحزن الوجود كله!
ليس البكاء من هاتين العينين بكاء عند من يراه إذا كان من العاشقين، بل هو فن الحزن يضع جمالًا جديدًا في فن الحسن. وأكاد أعجب كيف وجد الدمع مكانًا بين المعاني الضاحكة في وجهها، لو لم يكن هذا الدمع قد جاء ليُظهر على وجهها الفن الآخر من جمال المعاني الباكية.
وسألتها: ما الذي خامر قلبكِ من كلام الأستاذ "ح" فأبكاكِ، وأنت كما أرى يتألق النور على جدران المكان الذي تَحُلّين به، فيظهر المكان وكأنه يضحك لك؟
فتشكَّكت لحظة ثم قالت: أبك ما تقول أم أنت تتهكم بي؟
قلت: كيف يخطر لك هذا وأنا أحترم فيك ثلاث حقائق: الجمال، والحب، والألم الإنساني؟
قالت: لا تثريب عليك1 ولكن صور إلي ببلاغتك كيف أحببتك وأنت غير متحبب إلي، وكيف جادلت نفسي فيك وداورتها، وكلما عزمت انحل عزمي؟ فهذا
__________
1 أي: لا عتب عليك.
(1/255)

ما لا أكاد أعرف كيف وقع، ولكنه وقع. هذه قطرة من الماء الصافي العذب، فضع عليها "الميكرسكوب" يا سيدي، وقل لي ماذا ترى؟
قلت: إنك تخرجين من السؤال سؤالًا, فما الذي خامر قلبك من كلام "ح" فبكيت له؟
قالت: إذن فليست هي قطرة من الماء، بل تلك دمعة من دموعي، فضع عليها الميكرسكوب يا سيدي.
قال الراوي:
وكانت حزينة كأنها لم تسكت عن البكاء إلا بوجهها، وبقيت روحها تبكي في داخلها. فأراد الأستاذ "ح" أن يستدرك لغلطته الأولى فقال: إنك الآن تسألينه حقًّا من حقوقك عليه، فكل امرأة يحبها هي عروس قلمه ولها على هذا القلم حق النفقة.
فضحكت نوعًا من الضحك الفاتر، كأنما ابتكره ثغرها الجميل لساعة حزنها؛ ونظرتْ إليّ، فقلت: إن كان الأمر من نفقة العروس على القلم, فما أشبه هذا "بلا شيء" جُحا.
فضحكتْ أظرف من قبل، وخيل إلي أن ثغرها انطبق بعد افتراره على قبلة أفلتت منه, فأمسكها من آخرها.
ثم قالت: ما هو "لا شيء" جحا؟
قلت: زعموا أن جحا ذهب يحتطب، وحمل فوق ما يطيق، فبَهَظَه الحِمْل وبلغ به المشقة، ثم رأى في طريقه رجلًا أبله فاستعان به، فقال الرجل: كم تعطيني إذا أنا حملت عنك؟ قال: أعطيك "لا شيء". قال: رضيت.
ثم حمل الأبله وانطلق معه حتى بلغ الدار، فقال: أعطني أجري, قال جحا: لقد أخذته. واختلفا: هذا يقول: أعطني، وهذا يقول: أخذت؛ فلبَّبه الرجل1 ومضى يرفعه إلى القاضي، وكانت بالقاضي لُوثة، وعلى وجهه رَوْءَة الحُمْق2 تخبرك عنه قبل أن يخبرك عن نفسه، فلما سمع الدعوى قال لجحا: أنت في الحبس أو تعطيه "اللا شيء".
__________
1 أخذ بتلابيبه.
2 اللوثة "بضم اللام": مَسّ من الجنون، وتكون أيضًا بمعنى الحمق، وروءة الحمق: علاماته، وهي معروفة في علم الفراسة.
(1/256)

قال جحا في نفسه: لقد احتجت لعقلي بين هذين الأبلهين؛ ثم إنه أدخل يده في جيبه وأخرجها مطبقة، وقال للرجل: تقدم وافتح يدي, فتقدم وفتحها. قال جحا: ماذا فيها؟ قال الرجل: "لا شيء".
فقال له جحا: خذ "لا شيئك" وامض, فقد برئت ذمتي.
قالوا: فذهب الرجل يحتج، فقال له القاضي: مَهْ! أنت أقررت أنك رأيت في يده "لا شيء"، وهو أجرك فخذه ولا تطمع في أزيد من حقك!
وضحكتْ وضحكنا، ثم قالت: أنا راضية أن أكون عروس القلم، فليُجْرِ علي القلم نفقتي، وليُصوِّرْ لي كيف أحببت، وكيف آمرت نفسي وجادلتها؟
قلت: لا أتكلم عنكِ أنتِ ولا أستطيعه. بيد أنني لو صنفت رواية يكون فيها هذا الموقف، لوضعت على لسان العاشقة هذا الكلام تحدث به نفسها.
تقول: كيف كنت وكيف صرت؟ لقد رأيتني أعاشر مائة رجل فأخالطهم في شتى أحوالهم، وأصرفهم في هواي، وكلهم يجهد جهده في استمالتي، وكلهم أهل مودة وبذل، وما منهم إلا جميل مخلص، قد أَنِق وتجمل وراع حسنه؛ كأنما هرب إلي في ثياب عرسه ليلة زفافه، وترك من أجلي عروسًا تبكي وتصيح بوَيْلها. ثم أنا مع ذلك مغلقة القلب دونهم جميعًا: أَصْدُقُهم المودة والصحبة، وأكذبهم الحب والهوى؛ فلست أحبهم إلا بما أنال منهم، ولست أتحبب إليهم إلا ما أُنَوِّلهم مني، وهم بين عقلي وحيلتي رجال لا عقول لهم، وأنا بين أهوائهم وحماقاتهم امرأة لا ذات لها.
ثم أرى بغتة رجلًا فردًا, أكاد أنظر إليه وينظر إلي حتى يضع في قلبي مسألة تحتاج إلى الحل.
وأرتاع لذلك فأحاول تناسيه والإغضاء عنه، فتلِجّ المسألة في طلب حلها، وتشغَل خاطري، وتتمدد في قلبي؛ وهو هو المسألة.
فأفزع لذلك وأهتم له، وأجهد جهدي أن أكون مرة حازمة بصيرة، كرجال المال في حق الثروة عليهم؛ ومرة قاسية عنيدة، كرجال الحرب في واجبها عندهم؛ ومرة خبيثة منكرة، كرجال السياسة في عملها بهم؛ ولكني أرى المسألة تلين لي وتتشكَّل معي وتحتمل هذه الوجوه كلها، لتبقى حيث هي في قلبي؛ فإنه هو هو المسألة.
(1/257)

وأغتم لذلك غمًّا شديدًا، وأراني سأسقط بعد سقوطي الأول وأقبح منه؛ إذ الحياة عندنا قائمة بالخداع، وهذا يُفسده الإخلاص؛ وبالمكر، وهذا يعطله الوفاء؛ وبالنسيان، وهذا يبطله الحب؛ وإذ عواطفنا كلها متجردة لغرض واحد، هو كسب المال وجمعه وادخاره؛ وفضيلتنا عملية لا تُتخيَّل، حسابية لا تختل؛ فيستوي عندنا الرجل بلغ جماله القمر في سمائه، والرجل بلغت دَمَامته الذباب في أقذاره؛ والحب معنا هو: كم في كم ويبقى ماذا, أو كما يقول أهل السياسة: هو "النقطة العملية في المسألة". ولكن المسألة التي في قلبي لا ترى هذا حلًّا لها؛ لأنه هو هو المسألة.
فيزيد بي الكرب، ويشتد علي البلاء، وأحتال لقلبي وأُدَبِّر في خنقه، وأذهب أقنعه أن الرجل إذا كان شريفًا لم يحب المرأة الساقطة؛ إذ يُعاب بصُحْبتها والاختلاف إليها، فإذا كان ساقطًا لم تحبه هي، فإنما هو صيدها وفريستها، وموضع نِقْمتها من هذا الجنس؛ وأشرف على قلبي في المَلَامة والتعذيل فأقول له: ويحك يا قلبي! إن المرأة منا إذا تفتح قلبها لحبيب، تفتح كالجرح لينزف دماءه لا غير. فيقتنع القلب ويجمع على أن ينسى، وأن يرجع عن طلبه الحب؛ وأرى المسألة قد بطلت وكان بطلانها أحسن حل لها، وأنام وادعة مطمئنة، فيأتي هو في نومي ويدخل في قلبي، ويعيد المسألة إلى وضعها الأول، فما أستيقظ إلا رأيته هو هو المسألة.
فأتناهى في الخوف على نفسي من هذا الحب، وأراه سجنها وعقابها، وقهرها وإذلالها، فأقول لها: ويلك يا نفسي! إنما همك في الحياة وسائل الفوز والغَلَب، فأنتِ بهذا عدوة مسماة في غفلة الرجال صديقة، وقد وُضعت في موضع تعيشين فيه بإهانات من الرجال، يسمونها في نذالتهم بالحب؛ فأنت عدوة الرجال بمعنى من الدهاء والخبث، وعدوة الزوجات بمعنى من الحقد والضغينة، وعدوة البغايا أيضًا بمعنى من المغالبة والمنافسة، وكل ما يستطيع الدهاء أن يعمله فهو الذي علي أنا أن أعمله، فماذا أصنع وأنا أحب؟ وكيف أنجح وأنا أحب؟ ولكن النفس تجيبني على كل هذا بأن هذا كله بعيد عن المسألة, ما دام هو هو في المسألة.
قال الراوي:
وكانت كالذاهلة مما سمعتْ، ثم قالت: ألك شيطان في قلبي؟ فهذا كله هو الذي حدث في سبعة أيام.
قال "ح": ولكن كيف يقع هذا الحب؟ وهَبْكَ صنفت تلك الرواية، ووضعت
(1/258)

على لسان العاشقة ذلك الكلام، فبماذا كنت تُنطقها في وصف حبها وما اجتذبها من رجل فاز بقلبها ولم يداورها، بعد مائة رجل كلهم داورها ولم يفز منهم أحد؟ أتكون في وجه هذا الرجل أنوار كتباشير الصبح تدل على النهار الكامن فيه؟
قالت هي: نعم نعم. بماذا كنت تنطقها؟
قلت: كنت أضع في لسانها هذا الكلام تجيب به عاذلة تعذلها:
تقول: لا أدري كيف أحببته، ولكن هذه الشخصية البارزة منه جذبتني إليه، وجعلت الهواء فيما بيني وبينه مفعمًا بالمغناطيس مصدره، ومعناه هو، ولا شيء فيه إلا هو.
عرضتْه لي شخصيته ظاهرًا لأن جواب شخصيته في، وأصبح في عيني كبيرًا لأن جواب شخصيتي فيه، ومن ذلك صارت أفكاري نفسها تزيده كل يوم ظهورًا, وتزيدني كل يوم بَصَرًا، وأعطاه حقُّه في الكمال عندي حقَّه في الحب مني؛ وبتلك الشخصية التي جوابها في نفسي، أصبح ضرورة من ضرورات نفسي.
قال الراوي:
ولما رأيتها في جوي كنسيمه وعاصفته، أردتها على قصتها وشأنها، فماذا قلت لها وماذا قالت؟
(1/259)

الجمال البائس: "4"
قلت لها: إن قلبي وقلبك يتجاليان1 في هذه الساعة ويتباكيان؛ أتدرين ماذا يقول لك قلبي؟
إنه ليقول عني: أعزز علي بأن تكوني ههنا، وأن تتألف منك هذه القصة التي تبدأ بالوصمة وتنتهي بالاستخذاء، فتنطلق المرأة في متالفها ومهاويها ليبلغ بها القدر ما هو بالغ؛ وليس إلا الضرورة وسطوتها بها، والإذلال ومهانته لها، والاجتماع وتهكمه عليها، والابتذال واستعباده إياها؛ ومهما يأتِ في القصة من معنى فليس فيها معنى الشرف؛ ومهما يكن من موقف فليس فيها موقف الحياء؛ ومهما يجر من كلام فليس فيها كلمة الزوجة، وأعزز علي بأن أرى المصباح الجميل المشبوب الذي وُضع ليضيء ما حوله، قد انقلب فجعل يُحرق ما حوله؛ وكان يتلألأ ويتوقد، فارتد يتسعَّر ويتضرم ويجني ما يتصل به، وسقط بذلك سقطة حمراء.
أفتدرين ماذا يقول لي قلبك؟
إنه يقول عنك: يا بؤسنا من نساء! لقد وضعنا وضعًا مقلوبًا، فلا تستقيم الإنسانية معنا أبدًا، وكل شيء منقلب لنا متنكر؛ والشفقة علينا تنقلب من تلقاء نفسها تهكمًا بنا؛ فنبكي من شفقة بعض الناس، كما نبكي من ازدراء بعض الناس. يا بؤسنا من نساء!
قالت: صدقتَ، وكذلك تنقلب أسباب الحياة معنا أسبابًا للمرض والموت؛ فاليقظة ليس لها عندنا النهار بل الليل، والصَّحْو لا يكون فينا بالوعي بل بالسُّكْر، والراحة لا تكون لنا في السكون والانفراد، بل في الاجتماع والتبذل؛ وماذا يرُدُّ على امرأة من واجباتها السهر والسكر والعربدة، والتبذل، وتدريب الطباع
__________
1 أي: يتكاشفان, ويجلو كلاهما للآخر ويوضح.
(1/260)

بالوقاحة، وتَضْرِيَة النفس على الاستغواء، والتصدي بالجمال للكسب من رذائل الفساق وأمراضهم، والتعرض لمعروفهم بأساليب آخرها الهوان والمذلة, واستماحتهم بأساليب أولها الخداع والمكر؟
إن حياة هذه هي واجباتها، لا يكون البكاء والهم إلا من طبيعة من يحياها، وكثيرًا ما نعالج الضحك لنفتح لأنفسنا طُرُقًا تتهارب فيها معاني البكاء؛ فإذا أثقلنا الهم وَجَلَّ عن الضحك وعجزنا عن تكلف السرور، خَتَلنا العقل نفسه بالخمر؛ فما تسكر المرأة منا للسكر أو النشوة، بل للنسيان، وللقدرة على المرح والضحك، ولإمداد محاسنها بالأخلاق الفاجرة، من الطيش والخلاعة والسفه وهَذَيان الجمال الذي هو شعره البليغ, عند بلغاء الفساق.
قال الأستاذ "ح": أهذا وحاضر الغادة منكن هو الشباب والصبى والجمال وإقبال العيش، فكيف بها فيما تستقبل؟
قالت: إن المستقبل هو أخوف ما نخافه على أنفسنا، وليس من امرأة في هذه الصناعة إلا وهي معدة لمستقبلها: إما نوعًا من الانتحار، وإما ضربًا من ضروب الاحتمال للذل والخسف؛ وليس مستقبلنا هذا كمستقبل الثمار النضرة إذا بقيت بعد أوانها، فهو الأيام العفنة بطبيعة ما مضى، بلى إن مستقبل المرأة البغيّ هو عقاب الشر.
قال "ح": هذا كلام ينبغي أن تعلمه الزوجات؛ فالمرأة منهن قد تتبرم بزوجها وتضجر وتغتم، وتزعم أنها معذبة؛ فتتسخط الحياة، وتندب نفسها؛ ثم لا تعلم أنه عذاب واحد برجل واحد، تألفه، فتعتاده، فتُرزق من اعتياده الصبر عليه، فيسكن بهذا نِفَارها؛ وتلك نعمة واجبها أن تحمد الله عليها، ما دام في النساء مثل الشهيدات، تتعذب الواحدة منهن فنونًا من العذاب بمائة رجل، وبألف رجل، وهم مع ذلك يبتلون روحها بعددهم من الذنوب والآثام.
وقد تستثقل الزوجة واجباتها بين الزوج والنسل والدار، فتغتاظ وتشكو من هذه الرجرجة اليومية في الحياة؛ ثم لا تعلم أن نساء غيرها قد انقلبت بهن الحياة في مثل الخسف بالأرض.
وقد تجزع للمستقبل وتنسى أنها في أمان شرفها، ثم لا تعلم أن نساء يترقبن هذا الآتي كما يترقب المجرم غد الجريمة، من يوم فيه الشرطة والنيابة والمحكمة وما وراء هذا كله.
(1/261)

فقلت: وهناك حقيقة أخرى فيها العزاء كل العزاء للزوجات، وهي أن الزوجة امرأة شاعرة بوجود ذاتها، والأخرى لا تشعر إلا بضياع ذاتها.
والزوجة امرأة تجد الأشياء التي تتوزع حبها وحنان قلبها، فلا يزال قلبها إنسانيًّا على طبيعته، يفيض بالحب، ويستمد من الحب؛ والأخرى لا تجد في هذا شيئًا، فتنقلب وحشية القلب، يفيض قلبها برذائل، ويستمد من رذائل؛ إذ كان لا يجد شيئًا مما هيأته الطبيعة ليتعلق به من الزوج والدار والنسل.
والزوجة امرأة هي امرأة خالصة الإنسانية، أما الأخرى فمن امرأة ومن حيوان ومن مادة مهلكة.
وتمام السعادة أن النسل لا يكون طبيعيًّا مستقرًّا في قانونه إلا للزوجات وحدهن؛ فهو نعمتهن الكبرى، وثواب مستقبلهن وماضيهن، وبركتهن على الدنيا؛ ومهما تكن الزوجة شقية بزوجها، فإن زوجها قد أولدها سعادتها، وهذه وحدها مزية ونعمة؛ أما أولئك فليس لهن عاقبة1؛ إذ النسل قلب لحالتهن كلها؛ وهو غنى إنساني، ولكنه عندهن لا يكون إلا فقرًا؛ وهو رحمة، ولكنها لا تكون إلا لعنة عليهن وعلى ماضيهن. وقد وضعت الطبيعة في موضع حب الولد الجديد من قلوبهن، حب الرجل الجديد، فكانت هذه نقمة أخرى.
قال "ح": أتريد من الرجل الجديد من يكون عندهن الثاني بعد الأول، أو الثالث بعد الثاني، أو الرابع بعد الثالث؟
قلت: ليس الجديد عليهن هو الواحد بعد الواحد إلى آخر العدد، ولكنه الرجل الذي يكون وحده بالعدد جميعًا؛ إذ هو عندهن يشبه الزوج في الاختصاص وفي شرف الحب، فهو الحبيب الشريف الذي تتعلقه إحداهن وتريد أن تكون معه شريفة, ولكنه من نقمة الطبيعة أن ممن وجدته منهن لا تجده إلا لتعاني ألم فقده.
يا عجبًا! كل شيء في الحياة يلقي شيئًا من الهم أو النكد أو البؤس على هؤلاء المسكينات، كأن الطبيعة كلها ترجمهن بالحجارة.
قالت هي: وليست الحجارة هي الحجارة فقط، بل منها ألفاظ تُرجَم بها المسكينة كألفاظك هذه, وكتسمية الناس لها "بالساقطة"؛ فهذه الكلمة وحدها صخرة لا حجر.
__________
1 يقال: ليس له عاقبة، أي: ليس له نسل وعقب.
(1/262)

ثم تنهدت وقالت: من عسى يعرف خطر الأسرة والنسل والفضيلة كما تعرفها المرأة التي فقدتها؟ إننا نحسها بطبيعة المرأة، ثم بالحنين إليها، ثم بالحسرة على فقدها، ثم برؤيتها في غيرنا؛ نعرفها أربعة أنواع من المعرفة إذا عرفتها الزوجة نوعًا واحدًا, ولكن هل ينصفنا الرجال وهم يتدافعوننا؟ هل يرضون أن يتزوجوا منا؟
قلت: ولكن الأسرة لا تقوم على سواد عيني المرأة وحمرة خديها، بل على أخلاقها وطباعها؛ فهذا هو السبب في بقاء المرأة الساقطة حيث ارتطمت؛ وهي متى سقطت كان أول أعدائها قانون النسل.
ومن ثم كانت الزلة الأولى ممتدة متسحبة إلى الآخر؛ إذ الفتاة ليست شخصًا إلا في اعتبارها هي، أما في اعتبار غيرها فهي تاريخ للنسل، إن وقعت فيه غلطة فسد كله وكذب كله فلا يوثق به.
وهذه الزلة الأولى هي بدء الانهيار في طباع رقيقة متداخلة متساندة، لا يقيمهما إلا تماسكها جملة؛ وما لم يتماسك إلا بجملته فأول السقوط فيه هو استمرار السقوط فيه؛ ولهذا لا يعرف الناس جريمة واحدة تعد سلسلة جرائم لا تنتهي، إلا سقطة المرأة؛ فهي جريمة مجنونة كالإعصار الثائر يلفّها لفًّا؛ إذا تتناول المرأة في ذاتها، وترجع على أهلها وذويها، وترعى إلى مستقبلها ونسلها؛ فيهتكها الناس هي وسائر أهلها من جاءت منهم ومن جاءوا منها.
والمرأة التي لا يحميها الشرف لا يحميها شيء، وكل شريفة تعرف أن لها حياتين إحداهما العفة، وكما تدافع عن حياتها الهلاك, تدافع السقوط عن عفتها؛ إذ هو هلاك حقيقتها الاجتماعية؛ وكل عاقلة تعرف أن لها عقلين تحتمي بأحدهما من نزوات الآخر، وما عقلها الثاني إلا شرف عرضها.
قال الأستاذ "ح": إن هذه هي الحقيقة، فما تسامح الرجال في شرف العرض إلا جعلوا المرأة كأنها بنصف عقل, فاندفعت إلى الطيش والفجور والخلاعة، أرادوا ذلك أم لم يريدوه.
قلت: وهذا هو معنى الحديث: "عفوا تعف نساؤكم" فإن عفاف المرأة لا تحفظه المرأة بنفسها، ما لم تتهيأ لها الوسائل والأحوال التي تعين نفسها على ذلك؛ وأهم وسائلها وأقواها وأعظمها، تشدد الرجال في قانون العِرْض والشرف.
فإذا تراخى الرجال ضعُفت الوسائل، ومن بين هذا التراخي وهذا الضعف تنبثق حرية المرأة متوجهة بالمرأة إلى الخير أو الشر، على ما تكون أحوالها
(1/263)

وأسبابها في الحياة. وهذه الحرية في المدنية الأوروبية قد عودت الرجال أن يغضوا ويتسمحوا، فتهافت النساء عندهم، تنال كل منهن حكم قلبها ويخضع الرجل.
على أن هذا الذي يسميه القوم حرية المرأة، ليس حرية إلا في التسمية، أما في المعنى فهو كما ترى:
إما شرود المرأة في التماس الرزق حين لم تجد الزوج الذي يعولها أو يكفيها ويقيم لها ما تحتاج إليه، فمثل هذه هي حرة حرية النكد في عيشها؛ وليس بها الحرية، بل هي مستعبَدة للعمل شر ما تستعبد امرأة.
وإما طلاق المرأة في عَبَثَاتها وشهواتها, مستجيبة بذلك إلى انطلاق حرية الاستمتاع في الرجال، بمقدار ما يشتريه المال، أو تعين عليه القوة، أو يسوغه الطيش، أو يجلبه التهتك، أو تدعو إليه الفنون؛ فمثل هذه هي حرة حرية سقوطها؛ وما بها الحرية، بل يستعبدها التمتع.
والثالثة حرية المرأة في انسلاخها من الدين وفضائله، فإن هذه المدنية قد نسخت حرام الأديان وحلالها بحرام قانوني وحلال قانوني، فلا مَسْقَطَة للمرأة ولا غَضَاضة عليها قانونًا ... فيما كان يُعدّ من قبلُ خزيًا أقبح الخزي وعارًا أشد العار؛ فمثل هذه هي حرة حرية فسادها، وليس بها الحرية، ولكن تستعبدها الفوضى.
والرابعة غَطْرَسة المرأة المتعلمة، وكبرياؤها على الأنوثة والذكورة معًا؛ فترى أن الرجل لم يبلغ بعد أن يكون الزوج الناعم كقفاز الحرير في يدها، ولا الزوج المؤنث الذي يقول لها: نحن امرأتان, فهي من أجل ذلك مطلقة مخلاة كيلا يكون عليها سلطان ولا إِمْرة؛ فمثل هذه حرة بانقلاب طبيعتها وزيغها، وهي مستعبدة لهوسها وشذوذها وضلالتها.
حرية المرأة في هذه المدنية أوّلها ما شئت من أوصاف وأسماء، ولكن آخرها دائمًا إما ضياع المرأة, وإما فساد المرأة.
والدليل على التواء الطبيعة في المدنية، استواء الطبيعة في البادية؛ فالرجال هناك قوَّامون على النساء، والنساء بهذا قوَّامات على أنفسهن؛ إذ ينتقمون للمنكر انتقامًا يفور دمًا؛ وبهذه الوحشية يقررون شرف العرض في الطبيعة الإنسانية، ويجعلونه فيها كالغريزة، فيحاجزون بين الرجال والنساء أول شيء بالضمير الشريف الذي يجد وسائله قائمة من حوله.
(1/264)

قال الراوي:
وغطت وجهها بيديها, وقالت: إنك لا تزال ترجم بالحجارة, إن فيك متوحشًا.
قلت: بل متوحشة.
إنكِ أنتِ قد تكلمتِ فيَّ، فجمالك الذي يضع الإنسان في ساعة مجنونة ليمتعه بطيشها، قد وضعنا نحن في ساعة مفكرة وأمتعنا بعقلها؛ وإذا قلت: جمالك، فقد قلت: وحيك، إذ لا جمال عندي إلا ما فيه وحي.
أَمَا قلتِ: إنك لو خُيرت في وجودك لما اخترتِ إلا أن تكوني رجلًا نابغة يكتب ويفكر ويتلقى الوحي من الوجوه الجميلة؟
فدقت صدرها بيدها وقالت: أنا؟ أنا لم أقل هذا. ثم أفكرت لحظة وقالت: إذا كنت أنت تزعم أنني قلته، فأظن أنني قلته.
قال "ح": رجل؛ ويكتب؛ ويفكر؛ ولم تقل هي شيئًا من هذا؟ أربع غلطات شنيعة من فساد الذوق.
قالت: بل قل: أربع غلطات جميلة من فن الذوق؛ إن الرجل الظريف القوي الرجولة، يجب عليه أن يغلط إذا حدث المرأة.
قال "ح": لتضحك منه؟
قالت: لا، بل لتضحك له.
قلتُ: فلي إليك رجاء.
قالت: إن صوتك يأمر، فقل.
فماذا قلت لها وماذا قالت؟
(1/265)

الجمال البائس: "5"
قلت لها: إن كلمة الكفر لا تكون كافرة إذا أُكره عليها من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان، وكلمة الفجور أهون منها وأخف وزنًا وشأنا، ثم لا تكون إلا فاجرة أبدًا، إذ لا إكراه على هذه الدعارة إكراهًا لا خيار فيه. وما أول الدعارة إلا أن تمد المرأة طرفها من غير حياء، كما يمد اللص يده من غير أمانة.
ومن اضطُرّ إلى الكفر استطاع أن يخبأ محراب المسجد في أعماقه فيصلي ثمة، ولكن الفجور لا يترك في النفس موضعًا لدين ولا إيمان؛ إذ هو دائب في إثارة الغرائز الطبيعية الحيوانية المسترسلة بلا ضابط، فيجعل المرأة تحيا بعيدة عن ضميرها؛ فيُضعف منها أول ما يضعف آثار الآداب والأخلاق، فيهلك فيها أول ما يهلك إحساسها بمعنى المرأة الإنسانية وشعورها بمجد هذا المعنى.
فإذا انتهت المرأة إلى هذا، لم يكن لها مبدأ ولا عقيدة إلا أن على غيرها أن يتحمل عواقب أعمالها، وهذه بعينها هي حالة المجنون جنون عقله؛ أفلا تكون المرأة حينئذ مجنونة جنون جسمها؟
فساءها ذلك وبان فيها، ولكنها أمسكت على ما في نفسها؛ والمرأة من هؤلاء لا يمشي أمرها في الناس ولا يتصل عيشها، إلا إذا كثرت طباعها كثرة ثيابها، فهي تخلع وتلبس من هذه وتلك لكل يوم ولكل حالة ولكل رجل؛ فينبعث منها الغضب وهي في أنعم الرضى، كما ينبعث الرضى وهي في أشد الغيظ، كأن لم تغضب ولم ترض لأنها ليست لأحد ولا لنفسها.
وتُساير غضبها ثم قالت: كأن كلامك أن لك رجاء إلي، فأنا أحب, أحب أن أعلم.
قلت: وأنا كذلك أحب, أحب أن أعلم.
(1/266)

فضحكت وسُرِّي عنها، وثبتت على شفتيها ابتسامة لو جاء مَلَك من السماء ليضع في ثغرها ابتسامة أجمل منها، لما وجد أجمل منها.
ثم قالت: تحب أن تعلم ماذا؟
قلت: أحب أن أعلم منك قصة هذه الحياة ما كان أولها؟
قالت: لقد قضيتَ من حكمك فينا، ولكنك أخطأت، فلكل ليل مظلم كوكبه؛ والكوكب الوقاد المعلق فوق ليل المرأة منا هو إيمانها؛ نعم إنه ليس كإيمان الناس في واجباته، لكنه كإيمان الناس في تعزيته، والله ربنا وربكم!
قلت: لو أُطيع الله بمعصيته لاستقام لك هذا, وإنما أَنْ تصفي الإيمان الأول الذي كان عملًا، فصار ذكرى، فصارت الذكرى أملًا، فظننتِ الأمل هو الإيمان.
قالت: ثم إننا جميعًا مكرهات على هذه الحياة، فما نحن إلا صرعى المصادمة بين الإرادة الإنسانية وبين القدر.
قلت: ولكن لم تهفُ واحدة منكن في غلطتها الأولى وهي مستكرهة على غلطة؛ بل هي راغبة في لذة، أو مبادرة لشهوة، أو طالبة لمنفعة.
قالت: هذا أحد الوجهين؛ أما الآخر فالتماس الرزق وصلاح العيش؛ فالرجل مع الرجل رأس ماله قوته، وعمله بقوته؛ ولكن المرأة مع الرجل رأس مالها أنوثتها وعمل أنوثتها. وفي الوجه الأول -وجه اللذة والمنفعة- تحتال كلمة الفجور على المرأة بكلمات رقيقة ساحرة، منها الحب والزواج والسعادة، فتستسلم المرأة مضطرة ليقع شيء من هذا. وفي الوجه الثاني -وجه الرزق والعيش- تحتال الكلمة الخبيثة الفاجرة على المرأة المسكينة المستضعفة بكلمات رهيبة قاتلة، منها الجوع والفقر والشقاء، فتسقط المرأة مضطرة خِيفة أن يقع شيء من هذا؛ وفي أحد الوجهين يكون الرجل هو الفاجر لفساد آدابه، وفي الوجه الآخر يكون الفاجر هو المجتمع لفساد مبادئه.
قلت: أنا لا أنكر أن المرأة إذا سقطت في هذه المدنية، لم تقع أبدًا إلا في موضع غلطة من غلطات القوانين؛ وآفة هذه القوانين أنها لم تُسن لمنع الجريمة أن تقع، ولكن للعقاب عليها بعد وقوعها, وبهذا عجزت عن صيانة المرأة وحفظها، وتركتها لقانون الغريزة الوحشي في هؤلاء الوحوش الآدميين، الذين يأخذهم السُّعَار من هذه الرائحة التي لا يعرفونها إلا في اثنين: المرأة الجميلة والذهب. فما
(1/267)

ألجأت المرأة حاجتها أو فقرها إلى أحدهم ورأى عليها جمالًا، إلا ضربه ذلك السعار؛ فإن استخفَّتْ بنَزَوَاته وتعسرت عليه، طردها إلى الموت، ومنعها أن تعيش من قِبَله؛ وإن صلحت له وتيسرت، آواها هي وطرد شرفها.
وبخلاف ذلك الدين؛ فإنه قائم على منع الجريمة وإبطال أسبابها، فهو في أمر المرأة يُلزم الرجل واجبات، ويُلزم المجتمع واجبات غيرها، ويُلزم الحكومة واجبات أخرى:
أما الرجل فينبغي له أن يتزوج، ويتحصن، ويغار على المرأة، ويعمل لها؛ وأما المجتمع فيجب عليه أن يتأدب، ويستقيم، ويعين الفرد على واجبات الفضيلة، ويتدامج ويشد بعضه بعضًا؛ وأما الحكومة فعليها أن تحمي المرأة، فتعاقب على إسقاطها عقاب الموت والألم والتشهير؛ لتقيم من الثلاثة حُرَّاسًا جبابرة، من لا يخش الله خشيها؛ فليس يمكن أبدًا أن يكون في ديننا موضع غلطة تسقط فيه المرأة.
قال الأستاذ "ح": صدقْتَ، فالحقيقة التي لا مِرَاء فيها، أن فكرة الفجور فكرة قانونية؛ وما دام القانون هو أباحها بشروط، فهو هو الذي قررها في المجتمع بهذه الشروط؛ ومن هذا التقرير يُقدم عليها الرجل والمرأة كلاهما على ثقة واطمئنان؛ ومن ثم تأتي الجرأة على اندفاع الناس إلى ما وراء حدود القانون، ومن هذا الاندفاع تأتي الساقطة بآخر معانيها وأقبح معانيها.
وتقرير سيادة المرأة في الاجتماع الأوروبي، وتقديمها على الرجال، والتأدب معها؛ كل ذلك يجعل جراءة السفهاء عليها جراءة متأدبة، حتى كأن المتحكِّك منهم في امرأة يقول لها: من فضلك كوني ساقطة, أما هنا فجراءة السفهاء جراءة ووقاحة معًا، وذلك هو سرها.
القانون كأنما يقول للرجال: احتالوا على رضى النساء، فإن رضين الجريمة فلا جريمة؛ ومن هذا فكأنه يعلمهم أن براعة الرجل الفاسق إنما هي في الحيلة على المرأة وإيقاظ الفطرة في نفسها، بأساليب من المَلَق والرياء والمكر، تتركها عاجزة لا تملك إلا أن تذعن وترضى؛ وبهذا ينصرف كل فاجر إلى إبداع هذه الأساليب التي تُطلق تلك الفطرة من حيائها، وتُخرِجها من عفتها، "تطبيقًا للقانون".
ولا سيادة في اجتماعنا للمرأة، ولكن القانون جعلها سيدة نفسها، وجعلها فوق الآداب كلها، وفوق عقوبة القانون نفسه إذا رضيت؛ إذا رضيت ماذا؟
(1/268)

قلت: فإذا كان القانون هنا في مسألتنا هذه يعدل بالظلم، ويحمي الفضيلة بإطلاق حرية الرذيلة؛ فهو إنما يُفسد الدين، ويَصرف الناس عن خوف الله إلى خوف ما يخاف من الحكومة وحدها؛ وبهذا لا يكون عمله إلا في تصحيح الظاهر من الرجل والمرأة، ويدع الباطن يُسر ما شاء من خبثه وحيلته وفساده؛ فكأنه ليس قانونًا إلا لتنظيم النفاق وإحكام الخديعة؛ فلا جرم كان قانونًا لحالة الجريمة لا للجريمة نفسها؛ فإذا أُخذت المرأة ملايَنة ورضى فهذا فجور قانوني. وإن كانت الملاينة هي عمل الحيلة والتدبير، وإن كان الرضى هو أثر الخداع والمكر، وإن ضاعت المرأة وسقطت، وذهب شرفها باطلًا، وألحقه الناس بما لا يكون من توبة إبليس فلا يكون أبدًا. أما إذا أخذت المرأة مكارَهة وغَصْبًا، فهذه هي الجريمة في القانون؛ ويسميها القانون جريمة الاعتداء على العرض، وهي بأن تسمى جريمة العجز عن إرضاء المرأة، أحق وأولى.
على أن المسكينة لم تؤخذ في الحالتين إلا غصبًا، ولكن اختلفت طريقة الرجل الغاصب؛ فإن كلتا الحالتين لم تَتَأدَّ بالمرأة إلا إلى نتيجة واحدة، هي إخراجها من شرفها، وحرمانها حقوق إنسانيتها في الأسرة، وطردها وراء حدود الاعتبار الاجتماعي، وتركها ثمة مُخَلَّاة لمجاري أمورها، فلا يتيسر لها العيش إلا من مثل الرجل الفاجر، فلا تكون لها بيئة إلا من أمثاله وأمثالها, كما يجتمع في الموضع الواحد أهل المصير الواحد، على طريقة القطيع في المجزرة.
فقالت هي: الحق أن هذه الجريمة أولها الحب؛ وهي لا تقع إلا من بين نقيضين يجتمعان في المرأة معًا: كبر حبها إلى ما يفوت العقل، وصغر عقلها إلى ما ينزل عن الحب. والمرأة تظل هادئة ساكنة رزينة، حتى تصادفها اللِّحاظ النارية من العين المقدَّرة لها، فلا يكون إلا أن تملأها نارًا ولهبًا؛ ولتكن المرأة من هي كائنة، فإنها حينئذ كمستودع البارود، يَهُول عظمه وكبره، وهو لا شيء إذا اتصلت به تلك الشرارة المهاجمة.
وليست حراسة المرأة شيئًا يؤبه به أو يعتد به أو يسمى حراسة، إلا إذا كانت كالتحفظ على مستودع البارود من النار؛ فيستوي في وسائلها الخوف من الشرارة الصغيرة، والفزع من الحريق الأعظم؛ فيُحتاط لاثنيهما بوسائل واحدة في قدر واحد, واعتبار واحد.
(1/269)

وإذا تُركت المرأة لنفسها تحرسها بعقلها وأدبها وفضلها وحريتها، فقد تُرك لنفسه مستودع البارود تحرسه جدرانه الأربعة القوية.
والرجال يعلمون أن للمرأة مظاهر طبيعية، من الخُيَلاء والكبرياء والاعتداد بالنفس والمباهات بالعفة؛ لكن هؤلاء الرجال أنفسهم يعلمون كذلك، أن هذا الظاهر مخلوق مع المرأة كجلد جسمها الناعم، وأن تحته أشياء غير هذه تعمل عملها وتصنع البارود النسائي الذي سينفجر.
قلت: إذا كان هذا, فقبَّح الله هذه الحرية التي يريدونها للمرأة. هل تعيش المرأة إلا في انتظار الكلمة التي تحكمها بلطف، وفي انتظار صاحب هذه الكلمة؟
قالت: إنه هذا حق لا ريب فيه، وأوسع النساء حرية أضيعهن في الناس؛ وهل كالمومس في حريتها في نفسها؟
ولكن يا شؤمها على الدنيا! إنها هي بعينها كما قلت أنت حرية المخلوق الذي يُترك حرا كالشريد، لتجرب فيه الحياة تجاريبها. وماذا في يد المرأة من حرية هي حرية القدر فيها؟
قلت: ولهذا لا أرجع عن رأيي أبدًا, وهو أنه لا حرية للمرأة في أمة من الأمم، إلا إذا شعر كل رجل في هذه الأمة بكرامة كل امرأة فيها، بحيث لو أُهينت واحدة ثار الكل فاستفادوا لها، كأن كرامات الرجال أجمعين قد أُهينت في هذه الواحدة؛ يومئذ تصبح المرأة حرة لا بحريتها هي، ولكن بأنها محروسة بملايين من الرجال.
فضحكت وقالت: "يومئذ"! هذا اسم زمان أو اسم مكان؟
قال الأستاذ "ح": ولكنا أبعدنا عن قصة هذه الحياة، ما كان أولها؟ قالت: إن الشبان والرجال عِلْم يجب أن تعلمه الفتاة قبل أوان الحاجة إليه؛ ويجب أن يقر في ذهن كل فتاة، أن هذه الدنيا ليست كالدار فيها الحب، ولا كالمدرسة فيها الصداقة، ولا كالمحل الذي تبتاع منه منديلًا من الحرير أو زجاجة من العطر، فيه إكرامها وخدمتها.
وأساس الفضيلة في الأنوثة الحياء؛ فيجب أن تعلم الفتاة أن الأنثى متى خرجت من حيائها وتهجَّمت، أي: توقَّحت، أي: تبذَّلت، استوى عندها أن تذهب يمينًا أو تذهب شمالًا، وتهيأت لكل منهما ولأيهما اتفق؛ وصاحبات
(1/270)

اليمين في كَنَف الزوج وظِلّ الأسرة وشرف الحياة، وصاحبات الشمال ما صاحبات الشمال.
قلت: هذا هذا, إنه الحياء، الحياء لا غيره؛ فهل هو إلا وسيلة أعانت الطبيعة بها المرأة لتسمو على غريزتها متى وجب أن تسمو، فلا تلقى رجلًا إلا وفي دمها حارس لا يغفل. وهل هو إلا سلب جمعته الطبيعة إلى ذلك الإيجاب الذي لو انطلق وحده في نفس المرأة لاندفعت في التبرج والإغراء، وعرض أسرار أنوثتها في المعرض العام؟
قالت: ذاك أردت، فكل ما تراه من أساليب التجميل والزينة على وجوه الفتيات وأجسامهن في الطرق، فلا تعدنه من فَرْط الجمال، بل من قلة الحياء.
واعلم أن المرأة لا تخضع حق الخضوع في نفسها إلا لشيئين: حيائها وغريزتها.
قلت: يا عجبا! هذا أدق تفسير لقول تلك المرأة العربية: "تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها". فإن اختضعت المرأة للحياء كفَّت غريزتها.
قالت: ... وجعلها الحياء صادقة في نفسها وفي ضميرها، فكانت هي المرأة الحقيقية الجديرة بالزوج والنسل وتوريث الأخلاق الكريمة وحفظها للإنسانية.
قلتُ: ومن هذا يكون الإسراف في الأنوثة والتبرج أمام الرجال كذبًا من ضمير المرأة.
قالت: ومن أخلاقها أيضًا؛ ألا ترى أن أشد الإسراف في هذه الأنوثة وفي هذا التبرج لا يكون إلا في المرأة العامة؟
قلت: والمرأة العامة امرأة تجارية القلب. فكأن المسرفة في أنوثتها وتبرجها، هذه سبيلها, فهي لا تُؤمَن على نفسها.
قالت: قد تؤمن على نفسها، ولكنها أبدًا مُومِس الفكر في الرجال، فيوشك ألا تؤمن؛ وهي رهن بأحوالها وبما يقع لها، فقد يتقدم إليها الجريء وقد لا يتقدم، ولكنها بذلك كأنها معلنة عن نفسها أنها "مستعدة ألا تؤمن".
قال "ح": لكن يقال: إن المرأة قد تتبرج وتتأنث لترى نفسها جميلة فاتنة، فيعجبها حسنها، فيسرها إعجابها.
قالت: هذا كالقول: إن أستاذ الرقص الذي رأيتَهُ هنا، ينظر إلى نفسه كما ينظر رجل إلى راقصة تتأوّد وتهتز وتترجرج. إن هذا الرَّقَّاص فيه الحركة الفنية كما هي
(1/271)

حركة ليس غير؛ فهو كالميزان أو القياس أو أي آلات الضبط؛ أما فتنة الحركة وسحرها ومعناها من المرأة الفاتنة في وهم الرجل المفتون بها؛ فهذا كله لا يكون منه شيء في أستاذ الرقص؛ وإن كان أستاذ الرقص.
إن أجمل امرأة تَبصُق بفمها على وجهها في المرآة، إذا محي الرجل من ذهنها، أو لم يطل بعينيه من وراء عينيها، أو لم تكن ممتلئة الحواس به، أو بإعجابه، أو بالرغبة في إعجابه؛ فمهما يكن من جمال هذه فإنها لا ترى وجهها حينئذ إلا كالدنيا إذا خلت من العدل.
قلتُ: ولكنا أُبعدنا عن "قصة هذه الحياة ما كان أولها؟ ".
قالت: سأفعل ذلك لموضعك عندي: إن قصتي في الفصل الأول منها هي قصة جمالي؛ وفي الفصل الثاني هي قصة مرض العذراء؛ وفي الفصل الثالث هي قصة الغفلة والتهاون في الحراسة؛ وفي الفصل الرابع هي قصة انخداع الطبيعة النسوية المبنية على الرقة وإيجاد الحب وتلقيه والرغبة في تنويعه أنواعًا للأهل والزوج والولد؛ ثم في الفصل الخامس هي قصة لؤم الرجل: كان محبًّا شريفًا يقسم بالله جهد أيمانه، فإذا هو كالمزوّر والمحتال واللص وأمثالهم ممن لا يُعرَفون إلا بعد وقوع الجريمة.
ثم سكتتْ هُنَيْهة، فكان سكوتها يتم كلامها.
وقال "ح": فما هو مرض العذراء الذي كان منه الفصل الثاني في الرواية؟
قالت: كل عذراء فهي مريضة إلى أن تتزوج؛ فيجب أن يُعْلِمها أهلها أن العلاج قد يكون مسمومًا؛ وينبغي أن يَحُوطوها بقريب من العناية التي يحاط المريض بها، فلا يُجعل ما حوله إلا ملائمًا له، ويُمنع أشياء وإن أحبها ورغب فيها، ويُكره على أشياء وإن عافها وصَدَف عنها.
قال "ح": فيكون القانون الاجتماعي تصديقًا للقانون الديني من أن الذكورة هي في نفسها عداوة للأنوثة، وأن كل رجل ليس ذا رَحِم مَحْرَم1 يجب أن يكون مرفوضًا إلا في الحالة الواحدة المشروعة، وهي الزواج.
قالت: فتكون المشكلة الاجتماعية هي: من ذا يُرغم الذكورة على هذه الحالة الواحدة المشروعة كيلا تضيع الأنوثة؟
__________
1 يقال: ذو رحم محرم, أي: لا يحل للمرأة، كأبيها وأخيها ... إلخ.
(1/272)

قال: ولكن إذا كان سقوط الفتاة هو جناية "الزواج المزور"، فما عسى أن يكون سقوط بعض المتزوجات؟
قالت: هو جناية "الزواج المنقَّح" ... تريد أنفسهن الخبيثة تنقيح الزوج؛ والمومسات أشرف منهن، إذ لا يعتدين على حق ولا يَخُنَّ أمانة.
ورفَّ على وجهها في هذه اللحظة شعاع من الشمس كان على جبينها كصفاء اللؤلؤ، ثم تحول على خدها كإشراق الياقوت؛ ورأتْني أتأمله، فقالت: أنا منتشية بحظي في هذه الساعات؛ وهذا الشعاع إنما جاء يختم نورها.
ثم كانت السخرية العجيبة أنها لم تتم كلمة النور حتى جاء حظها الحقيقي من حياتها ... وهو رجل يتحظاها؛ كلما أخذته عينها ابتسمت له ابتسامًا من الذل، لو لم تجعله هي ابتسامًا لكان دموعًا؛ ثم وقفت وما تتماسك من الهم، كأنها تمثال "للجمال البائس"؛ ثم حَيَّت وسَلَّمت ووَدَّعت؛ وبعد "واوات" أخرى مشت ساكنة, ومرآها يضج ويبكي.
فوداعًا يا أوهام الذكاء التي تلمس الحقائق بقوة خالقة تزيد فيها!
ووداعًا يا أحلام الفكر التي تضع مع كل شيء شيئًا يغيره!
ووداعًا يا حبها.
(1/273)

عروبة اللُّقَطاء *:
جلستُ على ساحل الشاطبي في "إسكندرية" أتأمل البحر، وقد ارتفع الضحى، ولكن النهار لَدْن ناعم رطيب كأن الفجر ممتد فيه إلى الظهر.
وجاءت عربة اللقطاء فأشرفت على الساحل، وكأنها في منظرها غَمَامة تتحرك, إذ تعلوها ظُلَّة كبيرة في لون الغيم. وهي كعربات النقل، غير أنها مسورة بألواح من الخشب كجوانب النعش تُمسك من فيها من الصغار أن يتدحرجوا منها إذ هي تدرج وتتقلقل.
ووقفتْ في الشارع لتُنزل ركبها إلى شاطئ البحر؛ أولئك ثلاثون صغيرًا من كل سفيج لقيط ومنبوذ، وقد انكمشوا وتضاغطوا إذ لا يمكن أن تُمط العربة فتسعهم، ولكن يمكن أن يُكبَسوا ويتداخلوا حتى يشغل الثلاثة أو الأربعة منهم حيز اثنين. ومن منهم إذ تألم سيذهب فيشكو لأبيه ... ؟
وترى هؤلاء المساكين خليطًا ملتبسًا يشعرك اجتماعهم أنهم صيد في شبكة لا أطفال في عربة، ويدلك منظرهم البائس الذليل أنهم ليسوا أولاد أمهات وآباء، ولكنهم كانوا وساوس وآباء وأمهات.
هذه العربة يجرها جوادان أحدهما أدهم والآخر كُمَيْت1, فلما وقفت لَوَى الأدهم عنقه والتفت ينظر: أيفرغون العربة أم يزيدون عليها؟ أما الكميت فحرك رأسه وعلك لجامه كأنه يقول لصاحبه: إن الفكر في تخفيف العبء الذي تحمله يجعله أثقل عليك مما هو، إذ يضيف إليه الهم، والهم أثقل ما حملت نفس؛ فما دمت في العمل فلا تتوهمن الراحة، فإن هذا يوهن القوة، ويخذل النشاط، ويجلب السأم؛ وإنما روح العمل الصبر، وإنما روح الصبر العزم.
__________
* كتبها في مصيفه بسيدي بشر سنة 1935.
1 الأدهم: الأسود, والكميت: الأحمر.
(1/274)

ورآهم الأدهم يُنزلون اللقطاء، فاستخفه الطرب، وحرك رأسه كأنما يسخر بالكميت وفلسفته، وكأنما يقول له: إنما هو النزوع إلى الحرية، فإن لم تكن لك في ذاتها، فلتكن لك في ذاتك، وإذا تعذرت اللذة عليك، فاحتفظْ بخيالها، فإنه وصلتك بها إلى أن تمكن وتتسهل؛ ولا تجعلن كل طباعك طباعًا عاملة كادحة، وإلا فأنت أداة ليس فيها إلا الحياة كما تريدك، وليكن ذلك طبعا شاعرا مع هذه الطباع العاملة، فتكون لك الحياة كما تريدك وكما تريدها.
إن الدنيا شيء واحد في الواقع؛ ولكن هذا الشيء الواحد هو في كل خيال دنيا وحدها.
وفي العربة امرأتان تقومان على اللقطاء؛ وكلتاهما تزوير للأم على هؤلاء الأطفال المساكين؛ فلما سكنت العربة انحدرت منهما واحدة وقامت الأخرى تناولها الصغار قائلة: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة ... إلى أن تم العدد وخلا قفص الدجاج من الدجاج!
ومشى الأطفال بوجوه يتيمة، يقرأ من يقرأ فيها أنها مستسلمة، مستكينة، معترفة أن لا حق لها في شيء من هذا العالم، إلا هذا الإحسان البخس القليل.
جاءوا بهم لينظروا الطبيعة والبحر والشمس، فغفل الصغار عن كل ذلك وصرفوا أعينهم إلى الأطفال الذين لهم آباء وأمهات.
وا كبدي! أضنى الأسى كبدي؛ فقد ضاق صدري بعد انفساحه, ونالني وجع الفكر في هؤلاء التعساء، وعرتْني منهم علة كدَسّ الحمى في الدم؛ وانقلبتُ إلى مثواي، والعربة وأهلها ومكانها وزمانها في رأسي.
فلما طاف بي النوم طاف كل ذلك بي، فرأيتني في موضعي ذاك، وأبصرت العربة قد وقفت، وتحاور الأدهم والكميت؛ فلما أفرغوها وشعر الجوادان بخفتها التفتا معًا، ثم جمعا رأسيهما يتحدثان!
قال الكميت: كنت قبل هذا أجر عربة الكلاب التي يقتلها الشرطة بالسم، فآخذ الموت لهذه الكلاب المسكينة، ثم أرجع بها مَوْتَى؛ وكنت أذهب وأجيء في كل مراد ومضطرب من شوارع المدينة وأزقَّتها وسِكَكها، ولا أشعر بغير الثقل الذي أجره؛ فلما ابتُليتُ بعربة هؤلاء الصغار الذين يسمونهم اللقطاء، أحسست ثقلًا آخر وقع في نفسي
(1/275)

وما أدري ما هو؟ ولكن يخيل إلي أن ظل كل طفل منهم يُثقل وحده عربة.
قال الأدهم: وأنا فقد كنت أجر عربة القُمامة والأقذار، وما كان أقذرها وأنتنها، ولكنها على نفسي كانت أطهر من هؤلاء وأنظف؛ كنت أجد ريحها الخبيثة ما دمت أجرها؛ فإذا أنا تركت العربة استروحت النسيم واستطعمت الجو، أما الآن فالريح الخبيثة في الزمن نفسه، كأن هذا الزمن قد أروح وأنتن منذ قُرنتُ بهؤلاء وعربتهم.
قال الكميت: إن ابن الحيوان يستقبل الوجود بأمه, إذ يكون وراءها كالقطعة المتممة لها، ولا تقبل أمه إلا هذا، ولا يصرفها عنه صارف، فتُرغم الوجود على أن يتقبل ابنها، وعلى أن يعطيه قوانينه؛ أما هؤلاء الأطفال فقد طردهم الوجود منه كما طرد الله آباءهم وأمهاتهم من رحمته؛ وقد هُديتُ الآن إلى أن هذا هو سر ما نشعر به؛ فلسنا نجر للناس ولكن للشياطين.
وهنا وقف على حُوذيّ العربة صديق من أصدقائه فقال: من هؤلاء يا أبا علي؟
قال الحوذي: هؤلاء هؤلاء يا أبا هاشم.
قال أبو هاشم: سبحان الله, أما تترك طبعك في النكتة يا شيخ؟
قال الحوذي: وهل أعرفهم أنا؟ هم بضاعة العربة والسلام, اركبوا يا أولاد، انزلوا يا أولاد, هذا كل ما أسمع.
قال أبو هاشم: ولكن ما بالك ساخطًا عليهم، كأنهم أولاد أعدائك؟
قال الحوذي: ليت شعري من يدري أي رجل سيخرج من هذا الطفل، وأية امرأة ستكون من هذه الطفلة؟
انظر كيف تعلقت هذه البنت وعمرها سنتان، في عنق هذا الولد الذي كان من سنتين ابن سنتين1, لا أراني أحمل في عربتي أطفالًا كالأطفال الذين تحملهم العربات إلى أبواب دورهم؛ فإن هؤلاء اللقطاء يُحمَلون إلى باب الملجأ، وهو باب للحارات والسكك لا يأخذ إلا منها، فلا يرسل إلا إليها.
أنا -والله- يا أبا هاشم، ضيق الصدر، كاسف البال من هذه المهنة؛ ويخيل إلي أني لا أحمل في عربتي إلا الجنون والفجور والسرقة والقتل والدعارة والسكر وعواصف وزوابع.
__________
1 تعبير بالنكتة على طريقة ظرفاء البلديين من أمثال "أبي علي"، والمراد أنه ابن أربع سنوات.
(1/276)

قال أبو هاشم: ولكن هؤلاء الأطفال مساكين، ولا ذنب لهم.
قال الحوذي: نعم لا ذنب لهم، غير أنهم هم في أنفسهم ذنوب؛ إن كل واحد من هؤلاء إن هو إلا جريمة تثبت امتداد الإثم والشر في الدنيا؛ ولدتهم أمهاتهم لِغَيَّة1.
فقطع صاحبه عليه وقال: هل وَلَدْنَهم إلا كما تلد سائر الأمهات أولادهن؟
قال: نعم، إنه عمل واحد، غير أن أحواله في الجهتين مختلفة لا تتكافأ؛ وهل تستوي حال من يشتري المتاع، ومن يسرق المتاع؟
ههنا باعث من الشهوة قد عجز أن يسمو سموه -وما سموه إلا الزواج- فتسفَّل وانحط، ورجع فسقًا، وعاد أوله على آخره. كان أوله جُرْمًا فلا يزال إلى آخره جرْمًا، ولا يزال أبدًا يعود أوله على آخره؛ فلما حملت المرأة وفاءت إلى أمرها، وذهب عنها جنون الرجل والرجل معًا؛ انطوت للرجال على الثأر والحقد والضغينة؛ فلا يكون ابن العار إلا ابن هذه الشرور أيضًا.
والأمهات يُعددن لأجنّتهن الثياب والأكسية قبل أن يولدوا، ويهيئن لهم بالفكر آمالًا وأحلامًا في الحياة، فيكسبنهم في بطونهن شعور الفرح والابتهاج، وارتقاب الحياة الهنيئة، والرغبة في السمو بها؛ ولكن أمهات هؤلاء يعددن لهم الشوارع والأزقة منذ البدء، ولا تترقب إحداهن طول أشهر حملها أن يجيئها الوليد، بل أن يتركها حيًّا أو مقتولًا؛ فيُورثنهم بذلك وهم أجنة شعور اللهفة والحسرة والبغض والمقت، ويطبعنهم على فكرة الخطيئة والرغبة في القتل، فلا يكون ابن العار إلا ابن هذه الرذائل أيضًا.
وتظل الفاسقة مدة حملها تسعة أشهر في إحساس خائف، مترقب، منفرد بنفسه، منعزل عن الإنسانية، ناقم، متبرم، متستر، منافق؛ فلو كان السفيح من أبوين كريمين لجاء ثعبانًا آدميًّا فيه سمه من هذا الإحساس العنيف. ومتى ألقت الفاسقة ذا بطنها2 قطعته لتوه من روابط أهله وزمنه وتاريخه ورمت به ليموت؛ فإن هلك فقد هلك، وإن عاش لمثل هذه الحياة فهو موت آخر شر من ذلك؛ ومهما يتوله الناس والمحسنون، فلا يزال أوله يعود على آخره؛ مما في دمه
__________
1 ولدته لغية أي: من سفاح, وضده: لرشده بفتح الراء.
2 أي: وضعت وولدت، وهو تعبير عربي بليغ.
(1/277)

وطباعه الموروثة؛ ولا يبرح جريمة ممتدة متطاولة، ولا ينفك قصة فيها زانٍ وزانية، وفيها خطيئة ولعنة.
فهؤلاء -كما رأيت- أولاد الجرأة على الله، والتعدي على الناس، والاستخفاف بالشرائع، والاستهزاء بالفضائل؛ وهم البغض الخارج من الحب، والوقاحة الآتية من الخجل، والاستهتار المنبعث من الندامة؛ وكل منهم مسألة شر تطلب حلها أو تعقيدها من الدنيا، وفيهم دماء فوَّارة تجمع سمومها شيئًا فشيئًا كلما كبروا سنة فسنة.
قال أبو هاشم: ألا لعنة الله على ذلك الرجل الفاسق الذي اغتر تلك المرأة فاستزلها وهَوَّرها في هذه المهواة, أكان حق الشهوة عليه أعظم من حق هذا الآدمي. أما كان ينبغي أن يكون هذا الآخر هو الأول في الاعتبار، فيعلم أن هذا اللقيط المسكين هو سبيله إلى صاحبته، وهو البلاغ إلى ما يحاوله منها؛ فيكون كأنما دخل بين الاثنين ثالث يراهما ... فلعلهما يستحيان.
قال الحوذي الفيلسوف: لعنة الله على ذلك الرجل، ولعنات الله كلها، ولعنات الملائكة والناس أجمعين على تلك المرأة التي انقادت له واغترت به. إن الرجل ليس شيئًا في هذه الجريمة، فقد كانت بصقة واحدة تغرقه، وكانت صفعة واحدة تهزمه، وكان مع المرأة الحكومة والشرائع والفضائل، ومعها جهنم أيضًا.
ألم تعلم الحمقاء أن الرجل الذي ليس زوجًا لها ليس رجلًا معها، وأن الشريعة لو أيقنت أنه رجل لما حرمت عليها أن تخالطه؟ إنه ليس الرجل هو الذي ساور هذه المرأة، بل مادة الحياة التي رأت في المرأة مستودعها، فتريد أن تقتحم إلى مقرها عنوة أو خداعًا أو رضى أو كما يتفق؛ إذ كان قانون هذه المادة أن توجد، ولا شيء إلا أن توجد؛ فلا تعرف خيرًا ولا شرًّا، ولا فضيلة ولا رذيلة.
لأيهما يجب التحصين: أللصاعقة المنقضّة, أم للمكان الذي يُخشَى أن تنقض عليه؟ لقد أجابت الشريعة الإسلامية: حصنوا المكان, ولكن المدنية أجابت: حصنوا الصاعقة!
وكانت المرأتان المصاحبتان لجماعة اللقطاء تتناجيان، فقالت الكبرى منهما: يا حسرتا على هؤلاء الصغار المساكين! إن حياة الأطفال فيما فوق مادة الحياة، أي: في سرورهم وأفراحهم؛ وحياه هؤلاء البائسين فيما هو دون مادة الحياة، أي: في وجودهم فقط.
(1/278)

وكِبَر الأطفال يكون منه إدخالهم في نظام الدنيا، وكِبَر هؤلاء إخراجهم من "الملجأ" وهو كل النظام في دنياهم، ليس بعده إلا التشريد والفقر وابتداء القصة المحزنة.
فقالت الصغرى: ولِمَ لا يفرحون كأولاد الناس، أليست الطبيعة لهم جميعًا، وهل تجمع الشمس أشعتها عن هؤلاء لتضاعفها لأولئك؟
قالت الأخرى: الطبيعة؟ تقولين الطبيعة؟ إنك يا ابنتي عذراء لم تبدأ في حياتك حياة بعد، ولم تجاوبي بقلبك القلب الصغير الذي كان تحت قلبك تسعة أشهر؛ وإنما أنتِ مع هؤلاء "موظفة" لا تعرفين منهم إلا جانب النظام وقانون الملجأ.
لقد ولّدتُ يا ابنتي خمسة أطفال، وبالعين البليغة التي أنظر بها إليهم أنظر إلى هؤلاء، فما أراهم إلا منقطعين من صلة القلب الإنساني. يعبس لهم حتى الجو، ويظلم عليهم حتى النور؛ ويبدو الطفل منهم على صغره كأنه يحمل الغم المقبل عليه طول عمره.
يا لهفي على عود أخضر ناعم رَيَّان كان للثمر فقيل له: كن للحطب!
الفرح يا ابنتي هو شعور الحي بأنه حي كما يهوى، ورؤيته نفسه على ما يشاء في الحياة الخاصة به. وهؤلاء اللقطاء في حياة عامة قد نزعت منها الأم والأب والدار، فليس لهم ماضٍ كالأطفال، وكأنهم يبدءون من أنفسهم لا من الآباء والأمهات.
قالت الصغيرة: ولكنهم أطفال.
قالت تلك: نعم يا ابنتي هم أطفال، غير أنهم طردوا من حقوق الطفولة كما طردوا من حقوق الأهل. وحسبك بشقاء الطفل الذي لم يعرف من حنان أمه إلا أنها لم تقتله، ولا من شفقتها إلا أنها طرحته في الطريق.
إن الطبيعة كلها عاجزة أن تعطي أحدهم مكانًا كالموضع الذي كان يتبوءوه بين أمه وأبيه.
ليس الأطفال يا ابنتي إلا صورًا مبهمة صغيرة من كل جمال العالم، تفسرها أعين ذويهم بكل التفاسير القلبية الجميلة؛ فأين أين العيون التي فيها تفسير هذه الصور اللقيطة؟
ألا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على أولئك الرجال الأنذال الطغام
(1/279)

الذين أولدوا النساء هؤلاء المنبوذين! يزعمون لأنفسهم الرجولة، فهذه هي رجولتهم بين أيدينا، هذه هي شهامتهم، هذه هي عقولهم، هذه هي آدابهم!
عجبًا، إن سيئات اللصوص والقَتَلة كلها يُنسى ويتلاشى، ولكن سيئات العشاق والمحبين تعيش وتكبر.
أكان ذنب المرأة أنها صادقة فصدَّقَتْ، وأنها مخلصة فأخلصت، وأنها رقيقة فلانت، وأنها محسنة فرحمت، وأنها سليمة القلب فانخدعت؟
وا كبدي للمسكينة! هل انخدعتْ إلا من ناحية الأمومة التي خُلقت لها؟ هل انخدعت إلا الأم التي فيها؟ وهل خدعها من ذلك اللئيم إلا الأب الذي فيه؟
وا كبدي لمن تُفجَع بالنكبة الواحدة ثلاث فجائع: في كرامتها التي ابتُذلت، وفي الحبيب الذي تبرأ منها، وفي طفلها الذي قطعته بيدها من قلبها وتركته لما كُتب عليه!
إن هذا لا يعوضه في الطبيعة إلا أن يكون لكل رجل من أولئك الأنذال ثلاث أرواح، فيُقتل ثلاث مرات: واحدة بالشنق، والثانية بالحرق، والثالثة بالرجم بالحجارة.
وكان اللقطاء قد تبعثروا على الساحل جماعات وشتّى، فوقف أحدهم على طفل صغير يلعب بما بين يديه، وأمه على كَثَب منه، وهي تتلهى بالمخرَّم تتلوى فيه أصابعها.
فنظر الطفل إلى اللقيط, وأومأ إلى جماعته ثم قال له: أأنتم جميعًا أولاد هاتين المرأتين أم إحداهما؟
قال اللقيط: هما المراقِبَتان؛ وأنت أفليست هذه التي معك مراقبة؟
قال الطفل: ما معنى مراقبة؟ هذه ماما!
قال الآخر: فما معنى ماما؟ هذه مراقبة.
قال الطفل: وكلكم أهل دار واحدة؟
قال: نحن في الملجأ، ومتى كبرنا أخذونا إلى دورنا.
فقال الطفل: وهل تبكي في الملجأ إذا أردت شيئًا ليعطوك؛ ثم تغضب إذا أعطوك ليزيدوك؟ وهل يسكتونك بالقرش والحلوى؟ والقُبْلة على هذا الخد وعلى
(1/280)

هذا الخد؟ إن كان هذا فأنا أذهب معكم إلى الملجأ؛ فإن أبي قد ضربني اليوم، وقد أمر "ماما" ألا تعطيني شيئًا إذا بكيت، ولا تزيدني إذا غضبت، ولا....
وهنا صاحت المراقبة الصغيرة: تعال يا رقم عشرة ... فلوى اللقيط المسكين وجهه، وانصاع وأدبر.
"ومشى الأطفال بوجوه يتيمة، يقرأ من يقرأ فيها أنها مستسلمة، مستكينة، معترفة أن لا حق لها في شيء من هذا العالم إلا هذا الإحسان البخس القليل".
(1/281)

الله أكبر *:
جلستُ وقد مضى هَزِيع من الليل، أهيئ في نفسي بناء قصة أديرها على فتى كما أحب ... وخبيث داعر، وفتاة كما أحبَّتْ ... عذراء متماجنة؛ كلاهما قد درس وتخرج في ثلاثة معاهد: المدرسة، والروايات الغرامية، والسينما. وهو مصري مسلم، وهي مصرية مسيحية. وللفتى هَنَات وسيئات لا يتنزه ولا يتورع؛ وهو من شبابه كالماء يغلي، ومن أناقته بحيث لم يبق إلا أن تلحقه تاء التأنيث, وقد تشعبت به فنون هذه المدنية، فرفع الله يده عن قلبه لا يبالي في أي أوديتها هلك؛ وهو طلب نساء، دأبه التَّجْوال في طرقهن، يتبعهن ويتعرض لهن، وقد أَلِفَتْهُ الطرق حتى لو تكلمت لقالت: هذا ضرب عجيب من عربات الكَنْس!
وللفتاة تبرُّج وتهتُّك، يعبث بها العبث نفسه، وقد أخرجتها فنون هذا التأنث الأوروبي القائم على فلسفة الغريزة، وما يسمونه "الأدب المكشوف" كما يصوره أولئك الكتاب الذين نقلوا إلى الإنسانية فلسفة الشهوات الحرة عن البهائم الحرة. فهي تبرز حين تخرج من بيتها، لا إلى الطريق، ولكن إلى نظرات الرجال؛ وتظهر حين تظهر، مصوّرة لا بتلوين نفسها مما يجوز وما لا يجوز، ولكن بتلوين مرآتها مما يعجب وما لا يعجب.
وكلا اثنيهما لا يقيم وزنًا للدين، والمسلم والمسيحي منهما هو الاسم وحده؛ إذ كان من وضع الوالدين "رحمهما الله! "؛ والدين حرية القيد لا حرية الحرية؛ فأنت بعد أن تقيد رذائلك وضَرَاوتك وشرك وحيوانيتك, أنت من بعد هذا حر ما وسعتك الأرض والسماء والفكر؛ لأنك من بعد هذا مكمل للإنسانية، مستقيم على طريقتها؛ ولكن هب حمارًا تفلسف وأراد أن يكون حرًّا بعقله الحماري؛ أي: تقرير المذهب الفلسفي الحماري في الأدب، فهذا إنما يبتغي إطلاق حريته، أي: تسليط حماريته الكاملة على كل ما يتصل به من الوجود.
وتمضي قصتي في أساليب مختلفة تمتحن بها فنون هذه الفتاة شهوات هذا
__________
* كتبها في الأسبوع الأخير من رمضان.
(1/282)

الفتى، فلا يزال يمشي من حيث لا يصل، ولا تزال تمنعه من حيث لا تردّه؛ وما ذلك من فضيلة ولا امتناع، ولكنها غريزة الأنوثة في الاستمتاع بسلطانها، وإثباتها للرجل أن المرأة هي قوة الانتظار، وقوة الصبر؛ وأن هذه التي تحمل جنينها تسعة أشهر في جوفها، تمسك رغبتها في نفسها مدة حمل فكري إذا هي أرادت الحياة لرغبتها؛ ليكون لوقوعها وتحققها مثل الميلاد المفرح.
ولكن الميلاد في قصتي لا يكون لرذيلة هذه الفتاة، بل لفضيلتها؛ فإن المرأة في رأيي -ولو كانت حياتها محدودة من جهاتها الأربع بكبائر الإثم والفاحشة- لا يزال فيها من وراء هذه الحدود كلها قلب طبيعته الأمومة، أي: الاتصال بمصدر الخلق، أي: كل فضائل العقيدة والدين؛ وما هو إلا أن يتنبه هذا القلب بحادث يتصل به فيبلغ منه، حتى تتحول المرأة تحول الأرض من فصلها المقشعرّ المجدب، إلى فصلها النضر الأخضر.
ففي قصتي تذعن الفتاة لصاحبها في يوم قد اعترتها فيه مخافة، ونزل بها هم، وكادتها الحياة من كيدها؛ فكانت ضعيفة النفس بما طرأ عليها من هذه الحالة. وتخلو بالفتى وفكرها منصرف إلى مصدر الغَيْب، مؤمِّل في رحمة القدَر؛ ويخلبها الشاب خلابة رُعُونته وحبه ولسانه، فيعطيها الألفاظ كلها فارغة من المعاني، ويقر بالزواج وهو منطوٍ على الطلاق بعد ساعة؛ فإذا أوشكت الفتاة أن تُصرَع تلك الصرعة دوَّى في الجو صوت المؤذن: "الله أكبر! ".
وتُلسَع الفتاة في قلبها، وتتصل بهذا القلب روحانية الكلمة، فتقع الحياة السماوية في الحياة الأرضية، وتنتبه العذراء إلى أن الله يشهد عارها، ويفجؤها أنها مقدمة على أن تفسد من نفسها ما لا يصلحه المستحيل فضلًا عن الممكن، وترنو بعين الفتاة الطاهرة من نفسها إلى جسم بَغِيّ ليست هي تلك التي هي؛ وتنظر بعين الزوجة من صاحبها إلى فاسق ليس هو ذاك الذي هو؛ ويحكي لها المكان في قلبها المفطور على الأمومة, حكاية تثور منها وتشمئزّ؛ ويصرخ الطفل المسكين صرخته في أذنها قبل أن يولد ويلقى في الشارع!
الله أكبر! صوت رهيب ليس من لغة صاحبها ولا من صوته ولا من خسته، كأنما تُفرِغ السماء فيه ملء سحابة على رجس قلبها فتُنْقِيه حتى ليس به ذرة من دنسه الذي ركبه الساعة. كان لصاحبها في حس أعصابها ذلك الصوت الأسود، المنطفئ، المبهم، المتلجلج مما فيه من قوة شهواته؛ للمؤذن صوت آخر في
(1/283)

روحها؛ صوت أحمر، مشتعل كمعمعة الحريق، مجلجل كالرعد، واضح كالحقيقة فيه قوة الله!
سمعت صوت السلسلة وقعقعتها تُلوَى وتشَد عليها، ثم سمعت صوت السلسلة بعينها يُكسَر حديدها ويتحطم.
كانت طهارتها تختنق فنفذت إليها النسمات؛ وطارت الحمامة حين دعاها صوت الجو، بعد أن كانت أَسَفَّت حين دعاها صوت الأرض. طارت الحمامة؛ لأن الطبيعة التفتت فيها لفتة أخرى.
ويكرر المؤذن في ختام أذانه: "الله أكبر الله أكبر! " فإذا ...
وتبلد خاطري، فوقفت في بناء القصة عند هذا الحد، ولم أدر كيف يكون جواب "إذا" فتركت فكري يعمل عمله كما تلهمه الواعية الباطنة، ونمت.
ورأيت في نومي أني أدخل المسجد لصلاة العيد وهو يعج بتكبير المصلين: "الله أكبر الله أكبر! " ولهم هدير كهدير البحر في تلاطمه. وأرى المسجد قد غص بالناس فاتصلوا وتلاحموا؛ تجد الصف منهم على استوائه كما تجد السطر في الكتاب: ممدودًا محتبكًا ينتظمه وضع واحد، وأراهم تتابعوا صفا وراء صف، ونسقا على نسق، فالمسجد بهم كالسنبلة ملئت حبًّا ما بين أولها وآخرها؛ كل حبة هي في لِفّ من أهلها وشملها، فليس فيهن على الكثرة حبة واحدة تميزها السنبلة فضل تمييز، لا في الأعلى ولا في الأسفل.
وأقف متحيرًا متلددًا ألتفت ههنا وههنا، لا أدري كيف أخلص إلى موضع أجلس فيه؛ ثم أمضي أتخطى الرقاب أطمع في فُرْجة أقتحمها وما تنفرج، حتى أنتهي إلى الصف الأول؛ وأنظر إلى جانب المحراب شيخًا بادِنًا يملأ موضع رجلين، وقد نفح منه ريح المسك، وهو في ثياب من سندس خُضْر؛ فلما حاذيته جمع نفسه وانكمش، فكأنما هو يُطوَى طيًّا، ورأيت مكانًا وسعني فحططت فيه إلى جانبه، وأنا أعجب للرجل كيف ضاق ولم أضيق عليه، وأين ذهب نصفه الضخم وقد كان بعضه على بعضه زِيَمًا على زِيَم1 وامتلاء على امتلاء.
وجعلت أحدس عليه ظني، فوقع في نفسي أنه مَلَك من ملائكة الله قد تمثل في الصورة الآدمية فاكتتم فيها لأمر من الأمر.
__________
1 أي: كتلًا على كتل، والزيم: المتفرق من اللحم.
(1/284)

وضج الناس: "الله أكبر الله أكبر! " في صوت تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، غير أن الناس مما أَلِفوا الكلمة ومما جهلوا من معناها, لا يسمعونها إلا كما يسمعون الكلام؛ أما الذي إلى جانبي فكان ينتفض لها انتفاضة رجَّتني معه رجًّا، إذ كنت ملتصقًا به مناكبًا له؛ وكأن المسجد في نفضه إيانا كان قطارًا يجري بنا في سرعة السحاب، فكل ما فيه يرتج ويهتز. ورأيت صاحبي يذهل عن نفسه، ويتلألأ على وجهه نور لكل تكبيرة، كأن هناك مصباحًا لا يزال ينطفئ ويشتعل؛ فقطعتُ الرأي أنه من الملائكة.
ثم أقيمت الصلاة وكبَّر أهل المسجد، وكنت قرأت أن بعضهم صلى خلف رجل من عظماء النفوس الذين يعرفون الله حق معرفته؛ قال: فلما كبر قال: "الله" ثم بهت وبقي كأنه جسد ليس به روح من إجلاله الله تعالى؛ ثم قال: "أكبر" يعزم بها عزمًا، فظننت أن قلبي قد انقطع من هيبة تكبيره.
قلت أنا: أما الذي إلى جانبي، فلما كبر مد صوته مدًّا ينبثق من روحه ويستطير، فلو كان الصوت نورًا لملأ ما بين الفجر والضحى.
وعرفت -والله- من معنى المسجد ما لم أعرف، حتى كأني لم أدخله من قبل، فكان هذا الجالس إلى جانبي كضوء المصباح في المصباح؛ فانكشف لي المسجد في نوره الروحي عن معانٍ أدخلتني من الدنيا في دنيا على حِدَة. فما المسجد بناء ولا مكانًا كغيره من البناء والمكان، بل هو تصحيح للعالم الذي يموج من حوله ويضطرب؛ فإن في الحياة أسباب الزيغ والباطل والمنافسة والعداوة والكيد ونحوها، وهذه كلها يمحوها المسجد إذ يجمع الناس مرارًا في كل يوم على سلامة الصدر، وبراءة القلب، وروحانية النفس؛ ولا تدخله إنسانية الإنسان إلا طاهرة منزهة مسبغة على حدود جسمها من أعلاه وأسفله شعار الطهر الذي يسمى الوضوء، كأنما يغسل الإنسان آثار الدنيا عن أعضائه قبل دخوله المسجد.
ثم يستوي الجميع في هذا المجسد استواءً واحدًا، ويقفون موقفًا واحدًا، ويخشعون خشوعًا واحدًا، ويكونون جميعًا في نفسية واحدة؛ وليس هذا وحده، بل يَخِرّون إلى الأرض جميعًا ساجدين لله؛ فليس لرأس على رأس ارتفاع، ولا لوجه على وجه تمييز؛ ومن ثم فليس لذات على ذات سلطان. وهل تحقق الإنسانية وَحْدَتها في الناس بأبدع من هذا؟ ولعمري أين يجد العالم صوابه إلا ههنا؟
(1/285)

فالمسجد هو في حقيقته موضع الفكرة الواحدة الطاهرة المصححة لكل ما يزيغ به الاجتماع. هو فكر واحد لكل الرءوس؛ ومن ثم فهو حل واحد لكل المشاكل، وكما يُشق النهر فتقف الأرض عند شاطئيه لا تتقدم، يقام المسجد فتقف الأرض بمعانيها الترابية خلف جدرانه لا تدخله.
وما حركة في الصلاة إلا أولها "الله أكبر" وآخرها "الله أكبر"؛ ففي ركعتين من كل صلاة إحدى عشرة تكبيرة يجهر المصلون بها بلسان واحد؛ وكأني لم أفطن لهذا من قبل، فأي زمام سياسي للجماهير وروحانيتها أشد وأوثق من زمام هذه الكلمة التي هي أكبر ما في الكلام الإنساني؟
ولما قُضيت الصلاة سلمتُ على المَلَك وسلم عليَّ، ورأيته مقبلًا محتفيًا، ورأيتني أثيرًا في نفسه، وجالت في رأسي الخواطر فتذكرت القصة التي أريد أن أكتبها؛ وأن المؤذن يكرر في خاتمة أذانه: "الله أكبر الله أكبر" فإذا ...
وقلت: لأسألَنّه، وما أعظم أن يكون في مقالتي أسطر يُلهمها ملك من الملائكة! ولم أكد أرفع وجهي إليه حتى قال:
" ... فإذا لطمتان على وجه الشيطان، فولى مدبرًا ولم يُعقِّب؛ ووضعت الكلمة الإلهية معناها في موضعه من قلب الفتاة، فَلَأْيًا بلأي ما نجت.
إن الدين في نفس المرأة شعور رقيق، ولكنه هو الفولاذ السميك الصلب الذي تصفح به أخلاقها المدافعة.
الله أكبر! أتدري ماذا تقول الملائكة إذا سمعت التكبير؟ إنها تنشد هذا النشيد:
بين الوقت والوقت من اليوم, تدق ساعة الإسلام بهذا الرنين: الله أكبر الله أكبر، كما تدق في موضع ليتكلم الوقت برنينها.
الله أكبر! بين ساعات وساعات من اليوم ترسل الحياة في هذه الكلمة نداءها, تهتف: أيها المؤمن! إن كنت أصبت في الساعات التي مضت، فاجتهد للساعات التي تتلو؛ وإن كنت أخطأت، فكفر وامح ساعة بساعة؛ الزمن يمحو
(1/286)

الزمن، والعمل يغير العمل, ودقيقة باقية في العمر هي أمل كبير في رحمة الله.
بين ساعات وساعات, يتناول المؤمن ميزان نفسه حين يسمع: الله أكبر؛ ليعرف الصحة والمرض من نيته, كما يضع الطبيب لمريضه بين ساعات وساعات ميزان الحرارة.
اليوم الواحد في طبيعة هذه الأرض عمر طويل للشر، تكاد كل دقيقة بشرها تكون يومًا مختومًا بليل أسود؛ فيجب أن تقسم الإنسانية يومها بعدد قارات الدنيا الخمس؛ لأن يوم الأرض صورة من الأرض, وعند كل قسم: من الفجر, والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء تصيح الإنسانية المؤمنة منبهة نفسها: الله أكبر، الله أكبر!
بين ساعات وساعات من اليوم يعرض كل مؤمن حسابه، فيقوم بين يدي الله ويرفعه إليه. وكيف يكون من لا يزال ينتظر طول عمره فيما بين ساعات وساعات الله أكبر؟
بين الوقت والوقت من النهار والليل تدوي كلمة الروح: الله أكبر, ويجيبها الناس: الله أكبر؛ ليعتاد الجماهير كيف يقادون إلى الخير بسهولة، وكيف يحققون في الإنسانية معنى اجتماع أهل البيت الواحد؛ فتكون الاستجابة إلى كل نداء اجتماعي مغروسة في طبيعتهم بغير استكراه.
النفس أسمى من المادة الدنيئة، وأقوى من الزمن المخرب، ولا دين لمن لا تشمئز نفسه من الدناءة بأَنَفَة طبيعية، وتحمل هموم الحياة بقوة ثابتة.
لا تضطربوا؛ هذا هو النظام. لا تنحرفوا؛ هذا هو النهج. لا تتراجعوا؛ هذا هو النداء. لن يكبر عليكم شيء ما دامت كلمتكم: الله أكبر!
(1/287)

في اللهب ولا تحترق *:
أفي الممكن هذا؟
لَعُوب حسنة الدَّلّ، مُفَاكهة مُدَاعبة، تحيي ليلها راقصة مغنية؛ حتى إذا اعتدل الليل ليمضي، وانتبه الفجر ليقبل, انكفأت إلى دارها فنَضَتْ وَشْيها، وخرجت من زينتها، وخلعت روحًا ولبست روحًا، وقالت: اللهم إليك، ولبيك اللهم لبيك. ثم ذهبت فتوضأت وأفاضت النور عليها، وقامت بين يدي ربها تصلي!
هي حسناء فاتنة، لو سطع نور القمر من شيء في الأرض لسطع من وجهها. وما تراها في يوم إلا ظهرت لك أحسن مما كانت، حتى لتظن أن الشمس تزيد وجهها في كل نهار شُعَاعة ساحرة، وأن كل فجر يترك لها في الصبح بريقًا ونضرة من قطرات الندى.
وتحسب أن لها دمًا يطعم فيما يطعم أنوار الكواكب، ويشرب فيما يشرب نسمات الليل.
وإذا كانت في وشيها وتطاريفها وأصباغها وحلاها لم تجدها امرأة، ولكن جمرة في صورة امرأة؛ فلها نور وبَصِيص ولهب، وفيها طبيعة الإحراق. إن الذي وضع على كل جمال ساحر في الطبيعة خاتم رهبة، وضع على جمالها خاتم قرص الشمس.
فإن رأيتها بتلك الزينة في رقصها وتثنيها، قلت: هذه روضة مُفَتنَّة اشتهت أن تكون امرأة فكانت، وهذا الرقص هو فن النسيم على أعضائها.
وهي متى نفذت إلى البقعة المجدبة من نفسك أنشأتْ في نفسك الربيع ساعة أو بعض ساعة.
__________
* انظر قصة هذه الراقصة وما كان من شأنها وشأنه في "عمله في الرسالة" من كتاب "حياة الرافعي".
(1/288)

وتنسجم أنغام الموسيقى في رشاقتها نغمة إلى حركة؛ لأن جسمها الفاتن الجميل هو نفسه أنغام صامتة تُسمَع وتُرَى في وقت معًا.
وتنسكب روحها الظريفة بين الرقص والموسيقى، لتُخرج لك بظرفها صراحة الفن من إبهامين، كلاهما يعاون الآخر.
وهي في رقصها إنما تفسر بحركات أعضائها أشواق الحياة وأفراحها وأحزانها، وتزيد في لغة الطبيعة لغة جسم المرأة.
وكأن الليل والنهار في قلبها؛ فهي تبعث للقلوب ما شاءت ضوءًا وظلمة.
وهي إلى القِصَر، غير أنك إذا تأملت جمالها وتمامها، حسبتها طالت لساعتها.
وإلى النحافة، غير أنك تنظر فإذا هي رابية كأن بعضها كان مختبئًا في بعض.
ويخيل إليك أحيانًا في فن من فنون رقصها أن جسمها يتثاءب برعشة من الطرب، فإذا جسمك يهتز بجواب هذه الرعشة، لا يملك إلا أن يتثاءب ... ويُجَنّ رقصها أحيانًا، ولكن لتحقق بجنون الحركة أن العقل الموسيقي يُصرِّف كل أعضاء جسمها.
ومهما يكن طيش الفن في تأودها ولفتتها ونظرتها وابتسامها وضحكها, ففي وجهها دائمًا علامة وقار عابسة تقول للناس: افهموني.
ولما رأيتها شهد قلبي لها بأن على وجهها مع نور الجمال نور الوضوء؛ وأنها متحرزة ممتنعة في حصن من قلبها المؤمن، يبسط الأمن والسلامة على ظاهرها؛ وأن لها عينًا عذراء لا تحاول التعبير، لا سؤالًا ولا جوابًا ولا اعتراضًا بينهما؛ وأن قوة جمالها تستظهر بقوة نفسها، فيكون ما في جمالها شيئًا غير ما في النساء؛ شيئًا عبقريًّا بالغ القوة، يكف الدواعي ويحسم الخواطر، ويرغم الإعجاب أن يكون ذُهولًا وحيرة، ويكره الحب أن يرجع مَهَابة واحتشامًا.
والرواية كلها في باطنها تظهر على ضوء من مصباح قلبها، وما وجهها إلا الشاشة البيضاء لهذه "السينما"، وهل يكون على الوجه إلا أخيلة القلب أو الفكر؟
وعندي أن المرأة إذا كان لها رأي ديني ترجع إليه، وكان أمرها مجتمعًا في هذا الرأي، وكانت أخلاقها محشودة له، مُتَحَفِّلة به, فتلك هي الياقوتة التي تُرمى في اللهب ولا تحترق، وتظل مع كل تجربة على أول مجاهدتها؛ إذ يكون لها في طبيعة تركيبها الياقوتي ما تهزم به طبيعة التركيب الناري.
(1/289)

وليس من امرأة إلا وقد خلق الله لها طبيعة ياقوتية، هي فطرتها الدينية التي فيها, إن بقيت لها هذه بقيت معها تلك؛ ولكنها حين تنخلع من هذه الفطرة تخذلها الفطرة والطبيعة معًا؛ فيجعل الله عقابها في عملها، ويَكِلها إلى نفسها؛ فإذا هي مقبلة على أغلاطها ومساوئها بطرق عقلية إن كانت عالمة، وبطرق مفضوحة إن كانت جاهلة. وما بد أن تستسر بطباع إما فاسدة وإما فيها قوة الاستحالة إلى الفساد؛ ويرجع ضميرها الخالي محاولًا أن يمتلئ من ظاهرها، بعد أن كان ظاهرها هو يمتلئ من ضميرها، وتصبح المرأة بعد ذلك في حكم أسباب حياتها، مصرفة بهذه الأسباب، خاضعة لما يصرفها؛ ويُذهب الدين وينزل في مكانه الشيطان؛ ويزول الاستقرار ويحل في محله الاضطراب، وتنطفئ الأشعة التي كانت تذيب الغيوم وتمنعها أن تتراكم، فإذا الغيوم ملتف بعضها على بعض؛ وتُخذَل القوة السامية التي كانت تنصر المرأة على ضعفها فتنصرها بذلك على أقوى الرجال؛ فإذا المرأة من الضعف إلى تَهَافُت، تغلبها الكلمة الرقيقة، وتغترّها الحيلة الواهنة، وتوافق انخداعها كل رغبة مزينة، ويستذلها طمعها قبل أن يستذلها الطامع فيها؛ ولتكن بعد ذلك من هي كائنة أصلًا وحسبًا وتهذيبًا وعقلًا وأدبًا وعلمًا وفلسفة، فلو أنها امرأة من "الأسمنت المسلح" لتفتَّتَتْ بالطبيعة التي في داخلها، ما دامت الطبيعة متوجهة إلى الهدم بعد أن فقدتْ ما كان يُمسكها أن تهدم وأن تنهدم.
لقد رَقَّ الدين في نسائنا ورجالنا, فهل كانت علامة ذلك إلا أن كلمة: "حرام، وحلال" قد تحولت عند أكثرهم وأكثرهن إلى "لائق، وغير لائق" ثم نزلت عند كثير من الشبان والفتيات إلى "معاقب عليه قانونًا، ومباح قانونًا" ثم انحطت آخرًا عند السواد والدَّهْماء إلى "ممكن، وغير ممكن"؟
قالت الياقوتة، أعني الراقصة:
أخذني أبي من عهد الطفولة بالصلاة، وأثبت في نفسي أن الصلاة لا تصح بالأعضاء إن لم يكن الفكر نفسه طاهرًا يصلي لله مع الجسم، فإن كانت الصلاة بالجسم وحده لم يزدد المرء من روح الصلاة إلا بُعْدًا. وقر هذا في نفسي واعتدته، إذ كنت أتعبد على مذهب الإمام الشافعي "رضي الله عنه"، فأصحح الفكر، وأستحضر النية في قلبي، وأنحصر بكلي في هذا الجزء الطاهر قبل أن أقول: "الله أكبر"؛ وبذلك أصبح فكري قادرًا على أن يخلع الدنيا متى شاء ويلبسها، وأن يخرج منها ثم يعود إليها؛ ونشأت فيه القوة المصممة التي
(1/290)

تجعله قادرًا على أن ينصرف بي عما يُفسد روح الصلاة في نفسي، وهي سر الدين وعماده.
ويا لها حكمة أن فرض الله علينا هذه الصلوات بين ساعات وساعات، لتبقى الروح أبدًا إما متصلة أو مهيأة لتتصل. ولن يعجز أضعف الناس مع روح الدين أن يملك نفسه بضع ساعات، متى هو أقر اليقين في نفسه أنه متوجه بعدها إلى ربه، فخاف أن يقف بين يديه مخطئًا أو آثمًا؛ ثم هو إذا ملك نفسه إلى هذه الفريضة ذكر أن بعدها الفريضة الأخرى، وأنها بضع ساعات كذلك، فلا يزال من عزيمة النفس وطهارتها في عمر على صيغة واحدة لا يتبدل ولا يتغير، كأنه بجملته -مهما طال- عمل بضع ساعات.
قالت الياقوتة: ورأيت أبي يصلي، وكذلك رأيت أمي، فلا تكاد تلم بي فكرة آثمة إلا انتصبا أمامي، فأكره أن أستلئم إليهما فأكون الفاسدة وهما الصالحان, واللئيمة وهما الكريمان؛ فدمي نفسه -ببركة الدين- يحرسني كما ترى.
قلت: فهذا الرقص؟
قالت: نعم، إنه قُضي علي أن أكون راقصة، وأن ألتمس العيش من أسهل طرق وألينها وأبعدها عن الفساد، وإن كان الفساد ظاهرها؛ أريد: الرقص، أو الخدمة في بيت، أو العمل في السوق. وأنا مطيقة لحريتي في الأولى، ولكني لن أملكها في الأخيرتين ما دام علي هذا الميسم من الحسن؛ وكم من امرأة متحجبة وهي عارية الروح، وكم من سافرة وروحها متحجبة؛ إن كنت لا تعلم هذا فاعلمه؛ وليس السؤال ما سألت، بل يجب أن يكون وضعه هكذا: هل ما ترى هو في ثيابي فقط، أو هو في ثيابي ونفسي؟
ها أنت ذا تغلغل نظرتك في عيني إلى المعاني البعيدة، فهل ترى عيني راقصة؟
قلت: لا والله، ما أرى عينَيْ راقصة، ولكن عيني مجاهد في سبيل الله ... ! فاستضحكت وقالت: بل قل: عيني مجاهد يهزم كل يوم شيطانًا أو شياطين.
إني لأرقص وأغني، ولكن أتدري ما الذي يحرزني من العاقبة، ويحميني من وباء هذا الجمهور المريض النفس؟ فاعلم أني لا أشعر بالجمهور ولا بروح المسرح، إلا كما أشعر بروح المقبرة والمشيعين إليها؛ فهيهات بعد ذلك هيهات! ومن هذا لا أحس بقلوبهم ولا بشهواتهم، وما أنا بينهم إلا كالتي تؤدي عملًا فنيًّا
(1/291)

على مَلَأ من الأساتذة الممتحنين، والنَّظَّارة يحكمون لها أو عليها؛ فهي في فكرة الامتحان, وهم لأنفسهم فيما شاءوا.
ولست أنكر أن أكثرهم، بل جميعهم، يخطئ في طريقة تناوله السيَّال الكهربائي المنبعث من نفسي، ولكن لا علي، فهذا السيال نفسه ينبعث مثله من الزهر، ومن القمر والكواكب، ومن كل امرأة جميلة تمشي في الطريق، ومن كل جميل في الطبيعة، وحتى من الأمكنة والبقاع إذا كان لإنسان فيها ذكريات قديمة، أو نبهت ببعض معانيها بعض معانيه؟
قالت الياقوتة: فأنا كما ترى؛ أضطرب وجوهًا من الاضطراب في جذب الناس ودفعهم معًا، وإذا سلمت المرأة من أن يغلبها الطمع على فكرها، سلمت من أن يغلبها الرجل عن فضيلتها. وفي النساء حواس مغناطيسية كاشفة منبهة خُلقت فيهن كالوقاية الطبيعية، لتسلم بها المرأة من أن تخطر عفتها لغرض، أو تغرر بنفسها لإنسان، فإنك لتكلم المرأة، وتزين لها ما تزين، وهي شاعرة بما في نفسك، وكأنها ترى ما في قلبك ينشأ ويتدرج تحت عينيها، وكأنه في وعاء من الزجاج الرقيق الصافي تحمله على كفك يشفّ ويفضح، لا في قلب من لحم ودم تخفيه بين جنبيك فيُطوى ويُكتم.
وليس يبطل هداية هذه الحاسة في المرأة إلا طمعها المادي في المال والمتاع والزينة؛ فإن هذا الطمع هو القوة التي يغلب بها الرجل المرأة، فبنفسها غَلَبَها! وإذا تبذل طمع امرأة في رجل فهي مومس، وإن كانت عذراء في خدرها.
ويا عجبًا! إن وجود الطبيعة في النفس غير الشعور بها؛ فليس يُشعر المرأة بتمام طبيعتها النسائية إلا الزينة والمتاع وما به المتاع والزينة؛ فكأن الحكمة قد وقتها وعرَّضتها في وقت معًا، لتكون هي الواقية أو المخطرة لنفسها، فبعملها تُجزى، ومن عملها ما تضحك وتبكي.
قالت الياقوتة: ولذا أخذتُ نفسي ألا أطمع في شيء من أشياء الناس، وسخوتُ عن كل ما في أيديهم؛ فما يتكرمون علي إلا بهلاكي، وحسبي أن يبقى لعينَيْ قلبي ضوءهما المبصر. وأنا أعتمد على شهامة الرجل، فإن لم أجدها علمتُ أني بإزاء حيواني إنساني، فأتحذره حذري من مصيبة مقبلة. وإذا جاءني وقح خلق الله وجهه الحسن مسبة له، أو خلقه هو مسبة لوجهه القبيح، ذكرت أني بعد ساعة أو ساعات أقوم إلى الصلاة، فلا يزداد مني إلا بعدًا وإن كان بإزائي، فأُغلظ له وأتسخط، وأظهر الغضب وأصفعه صفعتي.
(1/292)

قلت: وما صفعتك؟
قالت: إنها صفعة لا تضرب الوجه ولكن تُخجله.
قلت: وما هي؟
قالت الياقوتة: هي هذه الكلمة؛ أما تعرف يا سيدي أني أصلي وأقول "الله أكبر" فهل أنت أكبر؟ أأقيم لك البرهان على صَغارك وحقارتك، أأنادي الشرطي؟!
تختنق بالرقص وتنتعش بالصلاة, وفي كل يوم تختنق وتنتعش.
ولكني لا أزال أقول:
أفي الممكن هذا؟
أفي المترادف شرعًا: رقصتْ وصلتْ؟
(1/293)

المشكلة *:
قالت لي صاحبة "الجمال البائس"1 فيما قالت: إن المرأة الجميلة تخاطب في الرجل الواحد ثلاثة: الرجل، وشيطانه، وحيوانه. فأما الشيطان فهو معنا وإن لم نكن معه, وأما الحيوان فله في أيدينا مقادة من الغباوة، ومقادة من الغريزة، إذا شمس في واحدة أصحب في الأخرى وانقاد؛ ولكن المشكلة هي الرجل تكون فيه رجولة.
نعم, إن المشكلة التي أعضلت على الفساد هي في الرجل القوي الرجولة يعرف حقيقة وجوده وشرف منزلته؛ ولهذا أوجب الإسلام على المسلم أن يكون بين الوقت والوقت في اليوم خارجًا من صلاة.
وإنما الرجولة في خلال ثلاث: عمل الرجل على أن يكون في موضعه من الواجبات كلها قبل أن يكون في هواه؛ وقبوله ذلك الموضع بقبول العامل الواثق من أجره العظيم، والثالثة: قدرته على العمل والقبول إلى النهاية.
ولن تقوم هذه الخلال إلا بثلاث أخرى: الإدراك الصحيح للغاية من هذه الحياة؛ وجعل ما يحبه الإنسان وما يكرهه موافقًا لما أدرك من هذه الغاية؛ والثالثة: القدرة على استخراج معاني الألم فيما أحب وكره على السواء.
فالرجولة على ذلك هي إفراغ النفس في أسلوب قوي جزل من الحياة، متساوق في نمط الاجتماع، بليغ بمعاني الدين، مصقول بجمال الإنسانية، مسترسل ببلاغة وقوة وجمال إلى غايته السامية.
ولهذه الحكمة أسقطت الأديان من فضائلها مبدأ إرضاء النفس في هواها، فلا معاملة به مع الله في إثم أو شر؛ وأسقطه الناس من قواعد معاملتهم بعضهم مع
__________
* تقرأ قصة صاحب هذه المشكلة وما كان من خبره وخبر صاحبته في "عود على بدء" من كتاب "حياة الرافعي" وللقصة تمام لم ينشر بعد.
1 مرت مقالات "الجمال البائس" في هذا الجزء.
(1/294)

بعض، فلا يقوم به إلا الغش والمكر والخديعة، وكل خارج على شريعة أو فضيلة أو منفعة اجتماعية، فإنما ينزع إلى ذلك إرضاء لنفسه وإيثارًا لها وموافقة لمحبتها وتوفية لحظها؛ وعمله هذا الذي يلبسه الوصف الاجتماعي الساقط ويسميه باسمه في اللغة، كالرجل الذي يرضي نفسه أن يسرق ليغتني، فإذا أعطى نفسه رضاها فهو اللص؛ وكالتاجر في إرضاء طمعه هو الغاشّ، وكالجندي في إرضاء جبنه هو الخائن، وكالشاب في إرضاء رذيلته هو الفاسق، وهلم جرًّا وهلم جرجرة.
وأما بعد، فالقصة في هذه الفلسفة قصة رجل فاضل مهذب قد بلغ من العلم والشباب والمال، ثم امتحنته الحياة بمشكلة ذهب فيها نوم ليله وهدوء نهاره حتى كَسَفت باله وفرّقت رأيه، وكابد فيها الموت الذي ليس بالموت، وعاش بالحياة التي ليست بالحياة.
قال: فقدتُ أمي وأنا غلام أحوج ما يكون القلب إلى الأم، فخشي علي أبي أن أستكين لذلة فقدها فيكون في نشأتي الذل والضراعة، وكبر عليه أن أحس فقدها إحساس الطفل تموت أمه فيحمل في ضياعها مثل حزنها لو ضاع هو منها؛ فعلمني هذا الأب الشفيق أن الرجل إذا فقد أمه كان شأنه غير شأن الصبي؛ لأن له قوة وكبرياء؛ وألقى في رُوعي أني رجل مثله، وأن أمه قد ماتت عنه صغيرًا فكان رجلًا مثلي الآن.
وكان من بعدها إذا دعاني قال: أيها الرجل, وإذا أعطاني شيئًا قال: خذ يا رجل, وإذا سألني عن شأني قال: كيف الرجل؟ وقل يوم يمر إلا أسمعنيها مرارًا، حتى توهمت أن معي رجلًا في عقلي خلقته هذه الكلمة. وتمام الرجل بشيئين: اللحية في وجهه، والزوجة في داره، فتجيء الزوجة بعد أن تظهر اللحية لتكون كلتاهما قوة له، أو وقارًا, أو جمالًا، أو تكون كلتاهما خشونة، أو لتكونا معًا سوادين في الوجه والحياة.
أما اللحية لي أنا أيها الرجل الصغير, فليس في يد أبي ولا في حيلته أن يجيء بها، ولكن الأخرى في يده وحيلته؛ فجاءني ذات نهار وقال لي: أيها الرجل! إن فلانة مسماة عليك1 منذ اليوم, فهي امرأتك فاذهب لترى فيك رجلها.
__________
1 هذا هو التعبير العربي الصحيح لقولهم قبل العقد: "مخطوبة لفلان".
(1/295)

وفلانة هذه طفلة من ذوات القربى، فأفرحني ذلك وأبهجني؛ وقلت للرجل الذي في عقلي: أصبحت زوجًا أيها الرجل.
وكان هذا الرجل الجاثم في عقلي هو غروري يومئذ وكبريائي، فكنت أقع في الخطأ بعد الخطأ وآتي الحماقة بعد الحماقة، وكنت طفلًا ولكن غروري ذو لحية طويلة.
ونشأتُ على ذلك: صُلْب الرأي معتدًّا بنفسي، إذا هممت مضيت، وإذا مضيت لا ألْوِي، وما هو إلا أن يخطر لي الخاطر فأركب رأسي فيه، ولأن تُكسَر لي يد أو رجل أهون علي من أن يكسر لي رأي أو حكم؛ وأكسبني ذلك خيالًا أكذب خيال وأبعده، يخلط علي الدنيا خلطًا فيدعني كالذي ينظر في الساعة وهي اثنا عشر رقمًا لنصف اليوم الواحد، فيطالعها اثني عشر شهرًا للسنة.
وترامت حريتي بهذا الخيال فجاوزت حدودها المعقولة، وبهذه الحرية الحمقاء وذلك الخيال الفاسد، كذبت علي الفكرة والطبيعة.
ولست جميل الطلعة إذا طالعت وجهي، ولكني مع ذلك معتقد أن الخطأ في المرآة, إذ هي لا تظهر الرجل الوضيء الجميل الذي في عقلي, ولست نابغة، ولكن الرجل الذي في عقلي رجل عبقري؛ وهذا الذي في عقلي رجل متزوج؛ فيجب علي أنا الطفل أن أكون رزينًا رزينًا كوالد عشرة أولاد في المدارس العليا.
وذهبتُ بكل ذلك أرى فلانة زوجتي، فأغلقتِ الباب في وجهي واختبأتْ مني، فقلت في نفسي: أيها الرجل، إن هذا نشوز وعصيان، لا طاعة وحب. وساءني ذلك وغمني وكبر علي، فأضمرت لها الغدر، فثبتت بذلك في ذهني صورة "الباب المغلق"، وكأنه طلاق بيننا لا باب.
قال: ثم شب الرجل فكان بطبيعة ما في نفسه كالزوج الذي يترقب زوجته الغائبة غيبة طويلة: كل أيامه ظمأ على ظمأ، وكل يوم يمر به هو زيادة سنة في عمر شيطانه. وكان قد انتهى إلى مدرسته العالية، وأصبح رجل كتب وعلوم وفكر وخيال؛ فعرضت له فتاة كاللواتي يعرضن للطلبة في المدارس العليا، ما منهن على صاحبها إلا كالخيبة في امتحان. بيد أن "الرجل" لم يعرف من هذه الفتاة إلا أوائل المرأة, ولم يكد يستشرف لأواخرها حتى سُميت على غيره، فخُطبت، فزُفت؛ زُفت بعد نصف زوج إلى زوج.
(1/296)

وعرف الرجل من الفلسفة التي درسها أنه يجب أن يكون حرًّا بأكثر مما يستطيع، وبأكثر من هذا الأكثر, فقالها بملء فيه، وقال للحرية: أنا لكِ وأنتِ لي.
قالها للحرية، فما أسرع ما ردّت عليه الحرية بفتاة أخرى.
نقول نحن: وكان قد مضى على "الباب المغلق" تسع سنوات، فصار منهن بين الشاب وبين زوجته العقلية تسعة أبواب مغلقة؛ ولكنها مع ذلك مسماة له، يقول أهله وأهلها: "فلان وفلانة". وليس "الباب المغلق" عندهم إلا الحياء والصيانة، وليست الفتاة من ورائه إلا العفاف المنتظر؛ وليس الفتى إلا ابن الأب الذي سمى الفتاة له وحبسها على اسمه؛ وليست القربى إلا شريعة واجبة الحق, نافذة الحكم.
وعند أهل الشرف، أنه مهما يبلغ من حرية المرء في هذا العصر فالشرف مقيد.
وعند أهل الدين، أن الزواج لا ينبغي أن يكون كزواج هذا العصر قائمًا من أوله على معاني الفاحشة. وعند أهل الفضيلة، أن الزوجة إنما هي لبناء الأسرة, فإن بلغ وجهها الغاية من الحسن أو لم يبلغ، فهو على كل حال وجه ذو سلطة وحقوق "رسمية" في الاحترام؛ لا تقوم الأسرة إلا بذلك، ولا تقوم إلا على ذلك.
وعند أهل الكمال والضمير، أن الزوجة الطاهرة المخلصة الحب لزوجها، إنما هي معامَلة بين زوجها وبين ربه؛ فحيثما وضعها من نفسه في كرامة أو مهانة، وضع نفسه عند الله في مثل هذا الموضع.
وعند أهل العقل والرأي، أن كل زوجة فاضلة، هي جميلة جمال الحق؛ فإن لم توجب الحب، وجبت لها المودة والرحمة.
وعند أهل المروءة والكرم، أن زوجة الرجل إنما هي إنسانيته ومروءته؛ فإن احتملها أعلن أنه رجل كريم، وإن نبذها أعلن أنه رجل ليس فيه كرامة.
أما عند الشيطان "لعنه الله" فشروط الزوجة الكاملة ما تشترطه الغريزة: الحب، الحب، الحب!
قال الشاب: وإذا أنا لم أتزوج امرأة تكون كما أشتهي جمالًا، وكما يشتهي فكري علمًا، كنت أنا المتزوج وحدي وبقي فكري عزبًا. وقد عرفت التي تصلح لي بجمالها وفكرها معًا، وتبوأت في قلبي وأقمت في قلبها؛ ثم داخلت
(1/297)

أهلها، فخلطوني بأنفسهم، وقالوا: شاب وعزب, ومتعلم وسَرِيّ, فلم يكن لدارهم "باب مغلق"، حتى لو شئت أن أصل إلى كريمتهم في حرام وصلت، ولكني رجل يحمل أمانة الرجولة.
أما الفتاة فلست أدري -والله- أفيها جاذبية نجم، أم جاذبية امرأة؟ وهل هي أنثى في جمالها، أو هي الجمال السماوي أتى ينقح الفنون الأرضية لأهل الفن؟
إذا التقينا قالت لي بعينيها: هنا أنا ذي قد أرخيت لك الزمام، فهل تستطيع فرارًا مني؟ ونلتصق فتقول لي بجسمها: أليست الدنيا كلها هنا، فهل في المكان مكان إلا هنا؟ ونفترق فتحصر لي الزمن كله في كلمة حين نقول: غدًا نلتقي.
كلامها كلام متأدب، ولكنه في الوقت نفسه طريقة من الخلاعة، تلفتك إلى فمها الحلو؛ والحركة على جسمها حركة مستحية، ولكنها في الوقت عينه كالتعبير الفني المتجسم في التمثال العاري.
إنها -والله- قد جعلت شيطاني هو عقلي؛ أما هذا العقل الذي ينصح ويعظ ويقول: هذا خير وهذا شر, فهو الشيطان الذي يجب أن أتبرأ منه.
قال: وألم الأب بقصة فتاه، ويحسبها نزوة من الشباب يخمدها الزواج، فيقول في نفسه: إن للرجل نظرتين إلى النساء: نظرة إليهن من حيث يختلفْنَ، فتكون كل امرأة غير الأخرى في الخيال والوهم والمزاج الشعري؛ ونظرة إليهن من حيث يتساوين في حقيقة الأنوثة وطبيعة الاحترام الإنساني، فتكون كل امرأة كالأخرى ولا يتفاوتن إلا بالفضيلة والمنفعة, ويقرر لنفسه أن ابنه رجل متعلم ذو دين وبصر، فلا ينظر النظرة الخيالية التي لا تقنع بامرأة واحدة، بل لا تزال تلتمس محاسن الجنس ومفاتنه، وهي النظرة التي لا يقوم بها إلا بناء الشعر دون بناء الأسرة، ولا تصلح عليها المرأة تلد أولادًا لزوجها، بل المرأة تلد المعاني لشاعرها.
ثم احتاط في رأيه، فقدر أن ابنه ربما كان عاشقًا مفتونًا مسحورًا، ذا بصيرة مدخولة وقلب هواء وعقل ملتات، فيتمرد على أبيه ويخرج عن طاعته، ويحارب أهله وربه من أجل امرأة، بيد أنه قال: إنه هو والده، وهو رباه وأنشأه في بيت فيه الدين والخلق والشهامة والنجدة، وإن محاربة الله بامرأة لا تكون إلا عملًا من أعمال البيئة الفاسدة المستهترة، حين تجمع كل معاني الفساد والإباحة والاستهتار في كلمة "الحرية". وقال: إن البيئة في العهد الذي كان من أخلاقه الشرف والدين
(1/298)

والمروءة والغيرة على العرض، لم يكن فيها شيء من هذا؛ ولم يكن الأبناء يومئذ يعترضون آباءهم فيمن اختاروهن؛ إذ النسل هو امتداد تاريخ الأب والابن معًا، والأب أعرف بدنياه وأجدر أن يكون مبرأ من اختلاط النظرة، فيختار للدين والحسب والكمال، لا للشهوة والحب وفنون الخلاعة؛ ولا محل للاعتراض بالعشق في باب من أبواب الأخلاق، بل محله في باب الشهوات وحدها.
ثم جزم الأب أن الولد الذي يجيء من عاشقين، حري أن يرث في أعصابه جنون اثنين وأمراضهما النفسية وشهواتهما الملتهبة؛ ولهذا وقف الشرع في سبيل الحب قبل الزواج لوقاية الأمة في أولها؛ ولهذا يكثر الضعف العصبي في هذه المدنية الأوروبية وينتشر بها الفساد، فلا يأتي جيل إلا وهو أشد ميلًا إلى الفساد من الجيل الذي أعقبه.
ولم يكد ينتهي الأب إلى حيث انتهى الرأي به، حتى أسرع إلى "الباب المغلق" يهيئ للزفاف ويتعجل لابنه المطيع نكبة ستجيء في احتفال عظيم.
قال الشاب: وجُن جنوني؛ وقد كان أبي من احترامي بالموضع الذي لا يلقى منه، فلجأت إلى عمي أستدفع به النكبة، وأتأيد بمكانه عند أبي؛ وبثثته حزني وأفضيت إليه بشأني، وقلت له فيما قلت: افعلوا كل شيء إلا شيئًا ينتهي بي إلى تلك الفتاة، أو ينتهي بها إلي؛ وما أنكر أنها من ذوات القربى، وأن في احتمالي إياها واجبًا ورجولة، وفي ستري لها ثوابًا ومروءة، وخاصة في هذا الزمن الكاسد الذي بلغت فيه العذارى سن الجدات. ولكن القلب العاشق كافر بالواجب والرجولة، والثواب والمروءة، وبالأم والأب؛ فهو يملك النعمة ويريد أن يملك التنعم بها؛ وكل من اعترضه دونها كان عنده كاللص.
قال: قبح الله حبًّا يجعل أباك في قلبك لصًّا أو كاللص.
قلت: ولكني حر أختار من أشاء لنفسي.
قال: إن كنت حرًّا كما تزعم، فهل تستطيع أن تختار غير التي أحببتها؟ ألا تكون حرًّا إلا فينا نحن وفي هدم أسرتنا؟
قلت: ولكني متعلم، فلا أريد الزواج إلا بمن ...
فقطع علي وقال: ليتك لم تتعلم، فلو كنت نجارًا أو حدادًا أو حُوذيًّا، لأدركت بطبيعة الحياة أن الذين يتخضعون للحب وللمرأة هذا الخضوع، هم
(1/299)

الفارغون الذين يستطيع الشيطان أن يقضي في قلوبهم كل أوقات فراغه.
أما العاملون في الدين، والمغامرون في الحياة، والعارفون بحقائق الأمور، والطامعون في الكمال الإنساني، فهؤلاء جميعًا في شغل عن تربية أوهامهم، وعن البكاء للمرأة والبكاء على المرأة؛ ونظرتهم إلى هذه المرأة أعلى وأوسع؛ وغرضهم منها أجل وأسمى؛ وقد قال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: "اتقوا الله في النساء" أي: انظروا إليهن من جانب تقوى الله؛ فإن المرأة تقدم من رجلها على قلب فيه الحب والكراهة وما بينهما، ولا تدري أي ذلك هو حظها؛ ولو أن كل من أحب امرأة نبذ زوجة، لخربت الدنيا ولفسد الرجال والنساء جميعًا. وهذه يا بني أوهام وقتها وعمل أسبابها، وسيمضي الوقت وتتغير الأسباب, وربما كان الناضج اليوم هو المتعفن غدًا، وربما كان الفج هو الناضج بعد؟
وَهَبْكَ لا تحب ذات رحمك ثم أكرمتها وأحسنت إليها وسترتها، أفيكون عندك أجمل من شعورها أنك ذو الفضل عليها؟ وهل أكرم الكرم عند النفس إلا أن يكون لها هذا الشعور في نفس أخرى؟ إن هذا يا بني إن لم يكن حبا فيه الشهوة، فهو حب إنساني فيه المجد.
ووقعت المشكلة وزُفت المسكينة؛ فكيف يصنع الرجل بين المحبوبة والمكروهة؟ 1.
__________
1 "رجاء إلى القراء": هذه القصة واقعة، وقد بنى الرجل بامرأته وهو في الشهر الذي لا اسم له عنده, وإن كان اسمه عند الناس "شهر العسل" فماذا يرى له القارئ من الرأي؟ وماذا ترى القارئة لهذه العروس اللابسة أكفانها في عين الرجل؟
(1/300)

المشكلة "2":
لما فرغت من مقالات "المجنون"1 وأرسلت الأخيرة منها، قلت في نفسي: هذا الآخر هو الآخر من المجنون وجنونه، ومن الفكر في تخليطه ونوادره؛ غير أنه عاد إلي أخلاطًا وأضغاثًا فكأني رأيته في النوم يقول لي: اكتب مقالًا في السياسة. قلت: ما لي وللسياسة وأنا "موظف" في الحكومة، وقد أخذت الحكومة ميثاق الموظفين, لِمَا عرفوا من نقد أو غَمِيزة ليكتُمُنَّه ولا يبينونه؟! فقال: هذه ليست مشكلة, وليس هذا يصلح عذرًا، والمخرج سهل والتدبير يسير والحل ممكن. قلت: فما هو؟
قال: اكتب ما شئت في سياسة الحكومة، ثم اجعل توقيعك في آخر المقال هكذا: "مصطفى صادق الرافعي؛ غير موظف بالحكومة".
فهذه طريقة من طرق المجانين في حل المشاكل المعقدة، لا يكون الحل إلا عقدة جديدة يتم بها اليأس ويتعذر الإمكان، وهي بعينها طريقة ذلك الطائر الأبله الذي يرى الصائد فيُغمض عينه ويلوي عنقه ويخبأ رأسه في جناحه؛ ظنًّا عند نفسه أنه إذا لم ير الصائد لم يره الصائد، وإذا توهم أنه اختفى تحقق أنه اختفى؛ وما عمله ذاك إلا كقوله للصياد: إني غير موجود هنا ... على قياس "غير موظف".
وقد كنت استفتيت القراء في "المشكلة"، وكيف يتقي صاحبها على نفسه، وكيف تصنع صاحبتها؛ فتلقيتُ كتبًا كثيرة أهدت إلي عقولًا مختلفة؛ وكان من عجائب المقادير أن أول كتاب ألقي إلي منها كتاب مجنون "نابغة" كنابغة القرن العشرين، بعث به من القاهرة، وسمى نفسه فيه "المصلح المنتظر" وهذه عبارته بحرفها ورسمها كما كُتبتْ وكما تُقرأ؛ فإن نشر هذا النص كما هو، يكون أيضًا نصًّا على ذلك العقل كيف هو؟
__________
1 بعد أن كتبنا الفصل الأول من "المشكلة" واستفتينا القراء في آخره، انتظرنا مدة، وكتبنا في هذه المدة مقالات "المجنون" فانظرها في الجزء الثاني.
(1/301)

قال: "إن هذا الكون تعبت فيه آراء المصلحين، وكتب الأنبياء زهاء قرون عديدة، ودائمًا نرى الطبيعة تنتصر. ولقد نرى الحيوان يعلم كيف يعيش بجوار أليفه، والطير كيف يركن إلى عش حبيبته، إلا الإنسان. ولقد تفنن المشرِّعون في أسماء: العادات والتقاليد والحميَّة والشرف والعِرْض، وإن جميع هذه الأشياء تزول أمام سلطان المادة, فما بالكم بسلطان الروح؟
ورأيي لهذا الشاب ألا يطيع أباه ولو ذهب إلى ما يسموه الجحيم "كذا" إذا كان بعد أن يعيش الحياة الواحدة التي يحياها ويتمتع بالحب الواحد المقدر له، ما دام قلبه اصطفاها وروحه تهواها؛ ولو تركتْهُ بعد سنين قليلة لأي داعٍ من دواعي الانفصال "كذا".
وهذا ليس مجرد رأي مجرب، وإنما هو رأي أكبر عقل أنجبته الطبيعة حتى الآن! وسينتصر على جميع من يقفون أمامه، والدليل أن هذا المقال سيشار إليه في مجلة "الرسالة" وهذا الرأي سيعمل به، وصاحب هذا الرأي سيخلد في الدنيا، وسيضع الأسس والقوانين التي تصلح لبني الإنسان مع سمو الروح بعد أن أفسدت أخلاقه عبادة المال.
إن الإنسان يحيا حياة واحدة فليجعلها بأحسن ما تكون، وليمتع روحه بما تمتع به جميع المخلوقات سواه. وإلى الملتقى في ميدان الجهاد".
"المصلح المنتظر" انتهى.
وهذا الكتاب يحل "المشكلة" على طريقة "غير موظف" فليعتقد العاشق أنه غير متزوج فإذا هو غير متزوج، وإذا هو يتقلب فيما شاء؛ وتسأل الكاتب ثم ماذا؟ فيقول لك: ثم الجحيم.
وإنما أوردنا الكتاب بطوله وعرضه؛ لأننا قرأناه على وجهين، فقد نبهتنا عبارة "أكبر عقل أنجبته الطبيعة حتى الآن" إلى أن في الكلام إشارة من قوة خفية في الغيب، فقرأناه على وحي هذه الإشارة وهديها، فإذا ترجمة لغة الغيب فيه:
"ويحك يا صاحب المشكلة، إذا أردت أن تكون مجنونًا أو كافرًا بالله وبالآخرة فهذا هو الرأي. كن حيوانًا تنتصر فيه الطبيعة والسلام! ".
تلك إحدى عجائب المقادير في أول كتاب ألقي إلي؛ أما العجيبة الثانية فإن آخر كتاب تلقيته كان من صاحبة المشكلة نفسها؛ وهو كتاب آية في الظرف وجمال
(1/302)

التعبير وإشراق النفس في أسرارها، يمور مَوْر الضباب الرقيق من ورائه الأشعة، فهو يحجب جمالًا ليُظهر منه جمالًا آخر؛ وكأنه يعرض بذلك رأيًا للنظر ورأيًا للتصور، ويأتي بكلام يُقرأ بالعين قراءة وبالفكر قراءة غيرها؛ ولفظها سهل، قريب قريب، حتى كأن وجهها هو يحدثك لا لفظها؛ ومادة معانيها من قلبها لا من فكرها، وهو قلب سليم مُقْفَل على خواطره وأحزانه، مسترسل إلى الإيمان بما كُتب عليه استرساله إلى الإيمان بما كُتب له، فما به غرور ولا كبرياء ولا حقد ولا غضب، ولا يَكْرُثه ما هو فيه.
ومن نَكَد الدنيا أن مثل هذا القلب لا يُخلق بفضائله إلا ليُعاقَب على فضائله؛ فغلظة الناس عقاب لرقته، وغدرهم نكاية لوفائه، وتهوُّرهم رد على أَنَاته، وحُمْقهم تكدير لسكونه, وكذبهم تكذيب للصدق فيه.
وما أرى هذا القلب مأخوذًا بحب ذلك الشاب ولا مستهامًا به لذاته، وإنما هو يتعلق صورًا عقلية جميلة كان من عجائب الاتفاق أن عرضتْ له في هذا الشباب أول ما عرضت على مقدار ما؛ وسيكون من عجائب الاتفاق أيضًا أن يزول هذا الحب زوال الواحد إذا وُجدت العشرة، وزوال العشرة إذا وجدت المائة، وزوال المائة إذا وجد الألف.
وبعد هذا كله, فصاحبة المشكلة في كتابها كأنما تكتب في نقد الحكومة على طريقة جعل التوقيع: "فلان غير موظف بالحكومة" وهي فيما كتبت كالنهر الذي يتحدَّر بين شاطئيه, مدعيًا أنه هارب من الشاطئين مع أنه بينهما يجري: تحب صاحبها وتلقاه؛ ثم هي عند نفسها غير جانية عليه ولا على زوجته. فليت شعري عنها، ما عسى أن تكون الجناية بعد زواج الرجل غير هذا الحب وهذا اللقاء؟!
ونحن معها كأرسطاطاليس مع صديقه الظالم حين قال له: هبنا نقدر على محاباتك في ألا تقول: إنك ظالم؛ هل تقدر أنت على ألا تعلم أنك ظالم؟
ورأيها في "المشكلة" أن ليس من أحد يستطيع حلها إلا صاحبها، ثم هو لا يستطيع ذلك إلا بطريقة من طريقتين: فإما أن تكون ضحية أبيها وأبيه -تعني زوجته- ضحيته هو أيضًا، ويستهدف لما يناله من أهله وأهلها، فيكون البلاء عن يمينه وشماله، ويكابد من نفسه ومنهم ما إن أقله ليذهب براحته وينغّص عليه الحب والعيش، "قالت": وإما أن يضحي بقلبه وعقله وبي.
وهذا كلام كأنها تقول فيه: إن أحدًا لا يستطيع حل المشكلة إلا صاحبها،
(1/303)

غير مستطيع حلها إلا بجناية يذهب فيها نعيمه، أو بجنون يذهب فيه عقله. فإن حَلَّها بعد ذلك فهو أحد اثنين: إما أحمق أو مجنون ما منهما بد.
ولسان الغيب ناطق في كلامها بأن أحسن حل للمشكلة هو أن تبقى بلا حلّ، فإن بعض الشر أهون من بعض.
والعجيبة الثالثة أن "نابغة القرن العشرين"1 جاء زائرًا بعد أن قرأ مقالات "المجنون"، فرأى بين يدي هذه الكتب التي تلقيتُها وأنا أعرضها وأنظر فيها لأتخير منها، فسأل فخبَّرتُه الخبر؛ فقال: إن صاحب هذه المشكلة مجنون, لو امتحنوه في الجغرافيا وقالوا له: ما هي أشهر صناعة في باريس؟ لأجابهم: أشهر ما تعرف به باريس أنها تصنع "البودرة" لوجه حبيبتي.
قلت: كيف يرتد هذا المجنون عاقلًا؟ وما علاجه عندك؟
قال: وَجِّهْ في طلب "ا. ش"* ليجيء، فلما جاء قال له: اكتب: جلس "نابغة القرن العشرين" مجلسه للإفتاء في حل المشكلة فأفتى مرتجلًا:
"إن منطق الأشياء وعقلية الأشياء صريحان في أن مشكلة الحب التي يعسر حلها ويتعذر مجاز العقل فيها، ليست هي مشكلة هذا العاشق أكرهوه على الزواج بامرأة يحملها القلب أو لا يحملها، وإنما هي مشكلة إمبراطور الحبشة يريدون إرغامه أن يتزوج إيطاليا، ويذهبون يزفونها إليه بالدبابات والرشاشات والغازات السامة".
"ولو لم يكن رأس هذا العاشق المجنون فارغًا من العقل الذي يعمل عمل العقل، إذن لكانت مجاري عقله مطردة في رأسه، فانحلت مشكلته بأسباب تأتي من ذات نفسها أو ذات نفسه؛ غير أن في رأسه عقل بطنه لا عقل الرأس، كذلك الشَّرِه البخيل الذي طبخ قِدْرًا وقعد هو وامرأته يأكلان، فقال: ما أطيب هذه القدر لولا الزحام. قالت امرأته: أي زحام ههنا, إنما أنا وأنت؟! قال: كنت أحب أن أكون أنا والقدر فقط".
"فعقل النَّهِم في رأس هذا كعقل الشهوة في رأس ذاك؛ كلاهما فاسد التقدير لا يعمل أعمال العقول السليمة؛ ويريد أحدهما أن تبطل الزوجة من أجل رطل من اللحم، ويريد الآخر مثل ذلك في رطل من الحب.
__________
1 هو لقب المجنون، فانظر مقالاته في الجزء الثاني.
* هو الأديب أمين حافظ شرف، ويأتي له ذكر في مقالات المجنون.
(1/304)

وإذا فسد العقل هذا الفساد ابتلى صاحبه بالمشاكل الصبيانية المضحكة: لا تكون من شيء كبير، ولا يكون منها شيء كبير؛ وهي عند صاحبها لو وُزنت كانت قناطير من التعقيد؛ ولو كِيلت بلغت أرادبّ من الحيرة؛ ولو قِيست امتدت إلى فراسخ من الغموض.
هاتان المرأتان: "الحبيبة والزوجة"، إما إن تكونا جميعًا امرأتين، فالمعنى واحد فلا مشكلة؛ وإما ألا تكونا امرأتين، فالمعنى كذلك واحد فلا مشكلة؛ وإما أن تكون إحداهما امرأة والأخرى قردة أو هِرْدة، وههنا المشكلة. "حاشية: الهردة من أوضاع نابغة القرن العشرين في اللغة، ومعناها: الأنثى ليست من إناث الأُناسيّ ولا البهائم".
فإن زعم العاشق أن زوجته قردة فهو كاذب، وإن زعم أنها الهردة فهو أكذب؛ والمشكلة هنا مشكلة كل المجانين، ففي مخه موضع أفرط عليه الشعور فأفسده، وأوقع بفساده الخطأ في الرأي، وابتلاه من هذا الخطأ بالعمى عن الحقيقة، وجعل زوجته المسكينة هي معرض هذا العمى وهذا الخطأ وهذا الفساد؛ ولا عيب فيها؛ لأنها من زوجها كالحقيقة التي يتخبط فيها المجنون مدة جنونه، فتكون مَجْلَى هذيانه ومَعْرِض حماقاته، وهي الحقيقة غير أنه هو المجنون.
فإن كانت هذه الحقيقة مسألة حسابية استمر المجنون مدة جنونه يقول للناس: خمسون وخمسون ثلاثة عشر، ولا يصدق أبدًا أنها مائة كاملة؛ وإن كانت مسألة علمية قضى المجنون أيامه يشعل التراب ليجعله بارودًا ينفجر ويتفرقع ولا يدخل في عقله أبدًا أن هذا تراب منطفئ بالطبيعة؛ وإن كانت مسألة قلبية استمر المجنون يزعم أن زوجته قردة أو هردة، ولا يشعر أبدًا أنها امرأة.
فإن صح أن هذا الرجل مجنون فعلاجه أن يُربط في المارستان، ثم يجيء أهله كل يوم بزوجته فيسألونه: أهذه امرأة أم قردة أم هردة؟ ثم لا يزالون ولا يزال حتى يراها امرأة، ويعرفها امرأته، فيقال له حينئذ: إن كنت رجلًا فتخلق بأخلاق الرجال.
أما إن كان الرجل عاقلًا مميزًا صحيح التفكير ولكنه مريض مرض الحب، فلا يرى "النابغة" أشفى لدائه ولا أنجع فيه من أن يستطب بهذه الأشفية واحدًا بعد واحد حتى يذهب سقامه بواحد منها أو بها كلها:
الدواء الأول: أن يجمع فكره قبل نومه فيحصره في زوجته، ثم لا يزال يقول: زوجتي، زوجتي، حتى ينام. فإن لم يذهب ما به في أيام قليلة فالدواء الثاني.
الدواء الثاني: أن يتجرع شربة من زيت الخروع كل أسبوع, ويتوهم كل
(1/305)

مرة أنه يتجرعها من يد حبيبته، فإن لم يشفه هذا فالدواء الثالث.
الدواء الثالث: أن يذهب فيبيت ليلة في المقابر، ثم ينظر نظره في أي المرأتين يريد أن يلقى الله بها وبرضاها عنه وبثوابه فيها؛ وأيتهما هي موضع ذلك عند الله تعالى، فإن لم يبصر رشده بعد هذا فالدواء الرابع.
الدواء الرابع: أن يخرج في "مظاهرة" فإذا فُقئت له عين أو كُسرت له يد أو رجل، ثم لم تحل حبيبته المشكلة بنفسها, فالدواء الخامس.
الدواء الخامس: أن يصنع صنيع المبتلى بالحشيس والكوكايين، فيذهب فيسلم نفسه إلى السجن ليأخذوا على يده فينسى هذا الترف العقلي؛ ثم ليعرف من أعمال السجن جد الحياة وهزلها، فإن لم ينزع عن جهله بعد ذلك فالدواء السادس.
الدواء السادس: أنه كلما تحرك دمه وشاعت فيه حرارة الحب، لا يذهب إلى من يحبها، ولا يتوخى ناحيتها، بل يذهب من فوره إلى حَجَّام يحجمه؛ ليطفئ عنه الدم بإخراج الدم؛ وهذه هي الطريقة التي يصلح بها مجانين العشاق، ولو تبدلوا بها من الانتحار لعاشوا هم وانتحر الحب.
قال "نابغة القرن العشرين": "فإن بطلت هذه الأشفية الستة، وبقي الرجل جَمُوحًا لا يُرد عن هواه فلم يبق إلا الدواء السابع.
الدواء السابع: أن يُضرب صاحب المشكلة خمسين قناة يُصك بها1 واقعة منه حيث تقع من رأسه وصدره وظهره وأطرافه، حتى ينهشم عظمه، وينقصف صلبه، وينشدخ رأسه، ويتفرى جلده؛ ثم تطلى جراحه وكسوره بالأطلية والمراهم، وتوضع له الأضمدة والعصائب ويترك حتى يبرأ على ذلك:
أعرج متخَلِّعًا مبعثر الخَلْق مكسور الأعلى والأسفل، فإن في ذلك شفاءه التام من داء الحب إن شاء الله".
قلنا: فإن لم يشفه ذلك ولم يصرف عنه غائلة الحب؟
قال: فإن لم يشفه ذلك فالدواء الثامن.
الدواء الثامن: أن يعاد علاجه بالدواء السابع.
__________
1 القناة: هي العصا الغليظة التي يقال لها "الشومة". والصك خاص في ضرب الرأس، ولكن لما كانت عظام صاحب المشكلة مقصودة في هذا العلاج, فقد جاز استعمال الصك في الجسم كله كما رأيت.
(1/306)

المشكلة "3":
أما البقية من هذه الآراء التي تلقيتها فكل أصحابها متوافقون على مثل الرأي الواحد، من وجوب إمساك الزوجة والإقبال عليها، وإرسال "تلك" والانصراف عنها، وأن يكون للرجل في ذلك عزم لا يتقلقل ومضاء لا ينثني، وأن يصبر للنَّفْرة حتى يستأنس منها فإنها ستتحول، ويجعل الأناة بإزاء الضجر فإنها تُصلحه، والمروءة بإزاء الكره فإنها تحمله، وليترك الأيام تعمل عملها فإنه الآن يعترض هذا العمل ويعطله، وإن الأيام إذا عملت فستغير وتبدل؛ ولا يُستقَل القليل تكون الأيام معه، ولا يُستكثَر الكثير تكون الأيام عليه.
والعديد الأكبر ممن كتبوا إلي، يحفظون على صاحب المشكلة ذلك البيان الذي وضعناه على لسانه في المقال الأول، ويحاسبونه به، ويقيمون منه الحجة عليه، ويقولون له: أنت اعترفت وأنا أنكرت، وأنت رددت على نفسك، وأنت نصبت الميزان, فكيف لا تقبل الوزن به؟ وقد غفلوا عن أن المقال من كلامنا نحن، وأن ذلك أسلوب من القول أدرناه ونحلناه ذلك الشاب؛ ليكون فيه الاعتراض وجوابه، والخطأ والرد عليه؛ ولنُظهر به الرجل كالأبله في حيرته ومشكلته؛ تنفيرًا لغيره عن مثل موقفه، ثم لنحرك به العلل الباطنة في نفسه هو، فنصرفه عن الهوى شيئًا فشيئًا إلى الرأي شيئًا فشيئًا، حتى إذا قرأ قصة نفسه قرأها بتعبير من قلبه وتعبير آخر من العقل، وتَلَمَّح ما خفي عليه فيما ظهر له، واهتدى من التقييد إلى سبيل الإطلاق، وعرف كيف يخلص بين الواجب والحب اللذين اختلطا عليه وامتزجا له امتزاج الماء والخمر. وبذلك الأسلوب جاءت المشكلة معقدة منحلَّة في لسان صاحبها، وبقي أن يُدفع صاحبها بكلام آخر إلى موضع الرأي.
وكثير من الكتاب لم يزيدوا على أن نبهوا الرجل إلى حق زوجته، ثم يدعون الله أن يرزقه عقلًا, وقد أصاب هؤلاء أحسن التوفيق فيما أُلهموا من هذه الدعوة، فإنما جاءت المشكلة من أن الرجل قد فقد التمييز وجُنّ بجنونين:
(1/307)

أحدهما في الداخل من عقله، والثاني في الخارج منه؛ فأصبح لا يبالي الإثم والبغض عند زوجته إذا هو أصاب الحظوة والسرور عند الأخرى؛ فتعدى طوره مع المرأتين جميعًا، وظلم الزوجة بأن استلب حقها فيه، وظلم الأخرى بأن زادها ذلك الحق فجعلها كالسارقة والمعتدية.
وقد تمنى أحد القراء من فلسطين1 أن يرزقه الله مثل هذه الزوجة المكروهة كراهة حب، ويضعه موضع صاحب المشكلة؛ ليثبت أنه رجل يحكم الكره ويصرفه على ما يشاء، ولا يرضى أن يحكمه الحب وإن كان هو الحب.
وهذا رأي حَصِيف جيد، فإن العاشق الذي يتلعب الحب به ويصده عن زوجته، لا يكون رجلًا صحيح الرجولة، بل هو أسخف الأمثلة في الأزواج، بل هو مجرم أخلاقي يَنْصِب لزوجته من نفسه مثال العاهر الفاسق؛ ليدفعها إلى الدعارة والفسق من حيث يدري أو لا يدري؛ بل هو غبي؛ إذ لا يعرف أن انفراد زوجته وتراجعها إلى نفسها الحزينة ينشئ في نفسها الحنين إلى رجل آخر؛ بل هو مغفل، إذ لا يدرك أن شريعة السن بالسن والعين بالعين، هي بنفسها عند المرأة شريعة الرجل بالرجل.
والمرأة التي تجد من زوجها الكراهية لا تعرفها أنها الكراهة إلا أولَ أولَ؛ ثم تنظر فإذا الكراهة هي احتقارها وإهانتها في أخص خصائصها النسوية، ثم تنظر فإذا هي إثارة كبريائها وتحدِّيها، ثم تنظر فإذا هي دَفْع غريزتها أن تعمل على إثبات أنها جديرة بالحب، وأنها قادرة على النقمة والمجازاة؛ ثم تنظر فإذا برهان كل ذلك لا يجيء من عقل ولا منطق ولا فضيلة، وإنما يأتي من رجل ... رجل يحقق لها هي أن زوجها مغفل, وأنها جديرة بالحب.
وكأن هذا المعنى هو الذي أشارت إليه الأديبة "ف. ز" وإن كانت لم تبسطه، فقد قالت: "إن صاحب هذه المشكلة غبي، ولا يكون إلا رجلًا مريض النفس مريض الخُلُق، وما رأيت مثله رجلًا أبعد من الرجل, ومثل هذا هو نفسه مشكلة, فكيف تحل مشكلته؟ إنه من ناحية زوجته مغفل، لا وصف له عندها إلا هذا؛ ومن جهة حبيبته خائن، والخيانة أول أوصافه عندها.
__________
1 هذه الآراء التي سننقلها قد تصرفنا في جميعها بالعبارة، ولكنا لم نخرج عما يرمي إليه صاحب الرأي وما أقام رأيه عليه.
(1/308)

وهذا الزوج يسمم الآن أخلاق زوجته ويفسد طباعها، وينشئ لها قصة في أولها غباوته وإثمه، وسيتركها تتم الرواية فلا يعلم إلا الله ما يكون آخرها. ويمثل هذا الرجل أصبح المتعلمات يعتقدن أن أكثر الشبان إن لم يكونوا جميعًا، هم كاذبون في ادعاء الحب، فليس منهم إلا الغواية؛ أو هم محبون يكذب الأمل بهم على النساء، فليس منهم إلا الخيبة.
قالت: "وخير ما تفعله صاحبة المشكلة أن تصنع ما صنعته أخرى لها مثل قصتها, فهذه حين علمت بزواج صاحبها قذفتْ به من طريق آمالها إلى الطريق الذي جاء منه، وأنزلته من درجة أنه كل الناس إلى منزلة أنه ككل الناس، ونبهت حزمها وعزيمتها وكبرياءها، فرأته بعد ذلك أهون على نفسها من أن يكون سببًا لشقاء أو حسرة أو هم، وابتعدت بفضائلها عن طريق الحب الذي تعرف أنه لا يستقيم إلا لزوجة وزوجها، فإذا مشت فيه امرأة إلى غير زواج، انحرف بها من هنا، واعوج لها من هنا، فلم ينته بها في الغاية إلا أن تعود إلى نفسها وعليها غباره، وما غبار هذا الطريق إلا سواد وجه المرأة".
وقد جهد الرجل بصاحبته أن تتخذه صديقًا، فأبت أن تتقبل منه برهان خيبتها, وأظهرت له جَفْوة فيها احتقار، وأعلمته أن نكث العهد لا يخرج منه عهده، وأن الصداقة إذا بدأت من آخر الحب تغير اسمها وروحها ومعناها، فإما أن تكون حينئذ أسقط ما في الحب، أو أكذب ما في الصداقة.
ثم قالت الأديبة: "وهي كانت تحبه، بل كانت مستهامة به، غير أنها كانت أيضًا طاهرة القلب، لا تريد في الحبيب رجلًا هو رجل الحيلة عليها فتُخدَع به، ولا رجل العار فتُسب به؛ وفي طهارة المرأة جزاء نفسها من قوة الثقة والاطمئنان وحسن التمكن؛ وهذا القلب الطاهر إذا فقد الحب لم يفقد الطمأنينة، كالتاجر الحاذق إن خسر الربح لم يفلس؛ لأن مهارته من بعض خصائصها القدرة على الاحتمال، والصبر للمجاهدة".
قالت: "فعلى صاحبة المشكلة التي عرفت كيف تحب وتجل، أن تعرف الآن كيف تحتقر وتزدري".وللأديبة "ف. ع" رأي جَزْل مسدد؛ قالت: "إنها هي قد كانت يومًا بالموضع الذي فيه صاحبة المشكلة، فلما وقعت الواقعة أَنِفت أن تكون لصة قلوب، وقالت في
(1/309)

نفسها: إذا لم يُقْدَر لي، فإن الله هو الذي أراد، وإني أستحي من الله أن أحاربه في هذه الزوجة المسكينة! ولئن كنت قادرة على الفوز، إن انتصاري عليها عند حبيبي هو انتصارها علي عند ربي، فلأخسر هذا الحب لأرابح الله برأس مال غزير خسرته من أجله، لأُبْقِ على أخلاق الرجل ليبقى رجلًا لامرأته، فما يسرني أن أنال الدنيا كلها وأهدم بيتًا على قلب، ولا معنى لحب سيكون فيه اللؤم بل سيكون ألأم اللؤم.
قالت: وعلمتُ أن الله "تعالى" قد جعلني أنا السعادة والشقاء في هذا الوضع ليرى كيف أصنع، وأيقنت أن ليس بين هذين الضدين إلا حكمتي أو حمقي، وصح عندي أن حسن المداخلة في هذه المشكلة هو الحل الحقيقي للمشكلة.
قالت: "فتغيرت لصاحبي تغيرًا صناعيًّا، وكانت نيتي له هي أكبر أعواني عليه، فما لبث هذا الانقلاب أن صار طبيعيًّا بعد قليل, وكنت أستمد من قلب امرأته إذا اختانني الضعف أو نالني الجزع، فأشعر أن لي قوة قلبين. وزدتُ على ذلك النصح لصاحبي نصحًا ميسرًا قائمًا على الإقناع وإثارة النخوة فيه وتبصيره بواجبات الرجل، وترفّقت في التوصل إلى ضميره لأثبت له أن عزة الوفاء لا تكون بالخيانة وبينت له أنه إذا طلق زوجته من أجلي فما يصنع أكثر من أن يقيم البرهان على أنه لا يصلح لي زوجًا؛ ثم دللته برفق على أن خير ما يصنع وخير ما هو صانع لإرضائي أن يقلدني في الإيثار وكرم النفس، ويحتذيني في الخير والفضيلة، وأن يعتقد أن دموع المظلومين هي في أعينهم دموع، ولكنها في يد الله صواعق يضرب بها الظالم.
قالت: "وبهذا وبعد هذا انقلب حبه لي إكبارًا وإعظامًا، وسما فوق أن يكون حبًّا كالحب؛ وصار يجدني في ذات نفسه وفي ضميره كالتوبيخ له كلما أراد بامرأته سوءًا أو حاول أن يغض منها في نفسه. واعتاد أن يكرمها فأكرمها، وصلحت له نيته فاتصل بينهما السبب، وكبرت هذه النية الطيبة فصارت ودًّا، وكبر هذا الود فعاد حبًّا، وقامت حياتهما على الأساس الذي وضعته أنا بيدي، أنا بيدي.
أما أنا".
وكتب فاضل من حلوان: "إن له صديقًا ابتُلي بمثل هذه المشكلة فركب رأسه, فما رده شيء عن الزواج بحبيبته، وزُف إليها كأنه ملك يدخل إلى قصر خياله؛ وكان أهله يعذلونه ويلومونه ويخلصون له النصح ويجتهدون في أمره جهدهم، إذ
(1/310)

يرون بأعينهم ما لا يرى بعينه، فكان النصح ينتهي إليه فيظنه غِشًّا وتلبيسًا، وكان اللوم يبلغه فيراه ظلمًا وتحاملًا، وكان قلبه يترجم له كل كلمة في حبيبته بمعنى منها هي لا من الحقائق، إذ غلبت على عقله فبها يعقل، وذهبت بقلبه فبها يحس، واستبدت بإرادته فلها ينقاد؛ وعادت خواطره وأفكاره تدور عليها كالحواشي على العبارة المغلقة في كتاب؛ واستقرت له فيها قوة من الحب، وأمرها إذا أرادت شيئًا أن تقول له كن ... ".
ثم مضت الليلة بعد الليلة، وجاء اليوم بعد اليوم، والموج يأخذ من الساحل الذَّرَّة بعد الذرة والساحل لا يشعر، إلى أن تصرمت أشهر قليلة، فلم تلبث الطبيعة التي ألفت الرواية وجعلتها قبل الزواج رواية الملك والملكة، وقصة التاج والعرش، وحديث الدنيا وملك الدنيا, لم تلبث أن انتقلت على فجأة, فأدارت الرواية إلى فصل السخرية ومنظر التهكم، وكشفت عن غرضها الخفي وحلت العقدة الروائية.
قال: "ففرغ قلب المرأة من الحب، وظمئ إلى السكر والنشوة مرة أخرى من غير هذه الزجاجة الفارغة, وبرد قلب الرجل، وكان الشيطان الذي يتسعّر فيه نارًا شيطانًا خبيثًا، فتحول إلى لوح من الثلج له طول وعرض".
وجَدَّت الحياة وهزل الشيطان، فاستحمق الرجل نفسه أن يكون اختار هذه المرأة له زوجة، واستجهلت المرأة عقلها أن تكون قد رضيت هذا الرجل زوجًا، وأنكرها إنكارًا أوله الملالة، وأنكرته إنكارًا آخر أوله التبرم؛ وعاد كلاهما من صاحبه كإنسان يكلف إنسانًا أن يخلق له الأمس الذي مضى!
"وضربت الحياة ضربة أو ضربتين, فإذا أبنية الخيال كلها هدم هدم، وإذا الطبيعة مؤلفة الرواية, قد ختمت روايتها وقوضت المسرح، وإذا الأحلام مفسرة بالعكس: فالحب تأويله البغض، واللذة تفسيرها الألم، و"البودرة" معناها الجير. وتغير كل ما بينهما إلا الشيطان الذي بينهما، فهو الذي زوج, وهو بعينه الذي طلق".
وكتب أديب من بغداد يقول: "إنه كان في هذا الموضع القَلِق موضع صاحب المشكلة، وإن ذات قرباه التي سميت عليه كانت ملفَّفَة له في حُجُب عدة لا في حجاب واحد، وقد وُصفت له باللغة, وفي اللغة: ما أحسن وما أجمل وما
(1/311)

أظرف، وكأنها ظبي يتلفت، وكأنها غصن يميل، وكأن سنة وجهها البدر! ".
قال: "وشُبِّهت له بكل أدوات التشبيه، وجاءوا في أوصافها بمذاهب الاستعارة والمجاز، فأخذها قصيدة قبل أن يأخذها امرأة، وكان لم ير منها شيئًا, وكانت لغة ذوي قرابته وقرابتها كلغة التجارة في ألسنة حُذَّاق السماسرة, ما بهم إلا تنفيق السلعة, ثم يُخلون بين المشتري وحظه".
قال: فرسخ كلامهم في قلبي, فعقدت عليها، ثم أعرست بها، ونظرت فإذا هي ليست في الكلمة الأولى ولا الأخيرة مما قالوا ولا فيما بينهما, ثم تعرفت فإذا هي تكبرني بخمس عشرة سنة. ورأيت اتضاع حالها عندي فأشفقت عليها، وبتُّ الليلة الأولى مقبلًا على نفسي أؤامرها وأناجيها، وأنظر في أي موضع رأي أنا؛ وتأملت القصة، فإذا امرأة بين رحمة الله ورحمتي، فقلت: إن أنا نزعت رحمتي عنها ليوشكن الله أن ينزع رحمته عني، وما بيني وبينه إلا أعمالي؛ وقلت: يا نفسي، {إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} [لقمان: 16] . وإنما أتقدم إلى عفو الله بآثام وذنوب وغلطات, فلأجعل هذه المرأة حسنتي عنده، وما علي من عمر سيمضي وتبقى منه هذه الحسنة خالدة مخلدة.
إنها كانت حاجة النفس إلى المتاع فانقلبت حاجة إلى الثواب، وكانت شهوة فرجعت حكمة، وكنت أريد أن أبلغ ما أحب فسأبلغ ما يجب. ثم قلت: اللهم إن هذه امرأة تنتظرها ألسنة الناس إما بالخير إذا أمسكتها، وإما بالشر إذا طلقتها، وقد احتمت بي؛ اللهم سأكفيها كل هذا لوجهك الكريم!
قال: ورأيتُني أكون ألأم الناس لو أني كشفتها للناس وقلت: انظروا, فكأنما كنت أسأت إليها فأقبلت أترضَّاها، وجعلت أمازحها وألاينها في القول، وعدلت عن حظ نفسي إلى حظ نفسها1، واستظهرت بقوله تعالى: {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} واعتقدت الآية الكريمة أصح اعتقاد وأتمه، وقلت: اللهم اجعلها من تفسيرها.
قال: فلم تمض أشهر حتى ظهر الحمل عليها، فألقى الله في نفسي من الفرح ما لا تعدله الدنيا بحذافيرها، وأحسست لها الحب الذي لا يقال فيه: جميل ولا قبيح؛ لأنه من ناحية النفس الجديدة التي في نفسها "الطفل". وجعلت أرى لها في
__________
1 استوفينا بيان هذه المعاني في مقالة: "قبيح جميل".
(1/312)

قلبي كل يوم مداخل ومخارج دونها العشق في كل مداخله ومخارجه، وصار الجنين الذي في بطنها يتلألأ نوره عليها قبل أن يخرج إلى النور، وأصبحت الأيام معها ربحًا من الزمن, فيه الأمل الحلو المنتظر.
قال: "وجاءها المخاض، وطرَّقتْ بغلام؛ وسمعتُ الأصوات ترتفع من حجرتها: ولد! ولد! بشروا أباه. فوالله لكأن ساعة من ساعات الخلد وقعت في زمني أنا من دون الخلق جميعًا وجاءتني بكل نعيم الجنة؛ وما كان ملك العالم -لو ملكته- مستطيعًا أن يهبني ما وهبتني امرأتي من فرح تلك الساعة؛ إنه فرح إلهي أحسست بقلبي أن فيه سلام الله ورحمته وبركته، ومن يومئذ نطق لسان جمالها في صوت هذا الطفل. ثم جاء أخوه في العام الثاني، ثم جاء أخوهما في العام الثالث؛ وعرفت بركة الإحسان من اللطف الرباني في حوادث كثيرة، وتنفست علي أنفاس الجنة وفسرت الآية الكريمة نفسها بهؤلاء الأولاد, فكان تفسيرها الأفراح، والأفراح، والأفراح".
ويرى صديقنا الأستاذ "م. ح. ح" أن صاحب المشكلة في مشكلة من رجولته لا من حبه؛ فلو أن له ألف روح لما استطاع أن يعاشر زوجته بواحدة منها, إذ هي كلها أرواح صبيانية تبكي على قطعة من الحلوى ممثلة في الحبيبة, ولو عرف هذا الرجل فلسفة الحب والكره؛ لعرف أنه يصنع دموعه بإحساسه الطفلي في هذه المشكلة؛ ولو أدرك شيئًا لأدرك أن الفاصل بين الحب والكره منزوع من نفسه؛ إذ الفاصل في الرجل هو الحزم الذي يوضع بين ما يجب وما لا يجب.
إنه ما دام بهذه النفس الصغيرة, فكل حل لمشكلته هو مشكلة جديدة، ومثله بلاء على الزوجة والحبيبة معًا، وكلتاهما بلاء عليه، وهو بهذه وهذه كمحكوم عليه أن يُشنَق بامرأة لا بمشنقة.
هذا عندي ليس بالرجل ولا بالطفل إلى أن يثبت أنه أحدهما؛ فإن كان طفلًا فمن السخرية به أن يكون متزوجًا، وإن كان رجلًا فليحل هو المشكلة بنفسه، وحلها أيسر شيء؛ حلها تغيير حالته العقلية.
ونحن نعتذر للباقين من الأدباء والفضلاء الذين لم نذكر آراءهم، إذ كان الغرض من الاستفتاء أن نظفر بالأحوال التي تشبه هذه الحادثة، لا بالآراء والمواعظ والنصائح. أما رأينا ففي البقية الآتية.
(1/313)

المشكلة "4":
صاحب هذه المشكلة رجل أعور العقل, يرى عقله من ناحية واحدة، فقد غاب عنه نصف الوجود في مشكلته, ولو أن عقله أبصر من الناحيتين لما رأى المشكلة خالصة في إشكالها، ولوجد في ناحيتها الأخرى حظًّا لنفسه قد أصابه، ومذهبًا في السلامة لم يخطئه؛ وكان في هذه الناحية عذاب الجنون لو عذبه الله به، وكان يصبح أشقى الخلق لو رماه الله في الجهة التي أنقذه منها، فتهيأت له المشكلة على وجهها الثاني.
ماذا أنت قائل يا صاحب المشكلة لو أن زوجتك هذه المسكينة المظلومة التي بنيت بها، كانت هي التي أُكرهتْ على الرضى بك، وحُملت على ذلك من أبيها، ثم كنت أنت لها عاشقًا، وبها صبًّا، وفيها مُتَدَلِّهًا؛ ثم كانت هي تحب رجلًا غيرك، وتصبو إليه، وتفتتن به، وقد احترقت عشقًا له؛ فإذا جلوها عليك رأتك البغيض المقيت، ورأتك الدميم الكريه، وفزعت منك فزعها من اللص والقاتل؛ وتمد لها يدك فتتحاماها تحاميها المجذوم أو الأبرص، وتكلمها فتُحَمّ بردًا من ثقل كلامك، وتفتح لها ذراعيك فتحسبهما حبلين من مشنقتين، وتتحبب إليها فإذا أنت أسمج خلق الله عندها، إذ تحاول في ندالة أن تحل منها محل حبيبها؛ وتقبل عليها بوجهك فتراه من تقذّرها إياك، واشمئزازها منك، وجه الذبابة مكبَّرًا بفظاعة وشناعة في قدر صورة وجه الرجل، لتتجاوز حد القبح إلى حد الغَثَاثة، إلى حد انقلاب النفس من رؤيته، إلى حد القيء إذا دنا وجهك من وجهها؟!
ماذا أنت قائل يا صاحب المشكلة لو أن مشكلتك هذه جاءت من أن بينك وبين زوجتك "الرجل الثاني" لا المرأة الثانية؟ ألست الآن في رحمة من الله بك، وفي نعمة كفت عنك مصيبة، وفي موقف بين الرحمة والنعمة يقتضيك أن ترقُب في حكمك على هذه الزوجة المسكينة حكم الله عليك؟
(1/314)

تقول: الحب والخيال والفن. وتذهب في مذاهبها، غير أن "المشكلة" قد دلت على أنك بعيد من فهم هذه الحقائق، ولو أنت فهمتها لما كانت لك مشكلة، ولا حسبت نفسك منحوس الحظ محرومًا، ولا جهلت أن في داخل العين من كل ذي فن عينًا خاصة بالأحلام كيلا تعمى عينه عن الحقائق.
الحب لفظ وهمي موضوع على أضداد مختلفة: على بركان وروضة، وعلى سماء وأرض، وعلى بكاء وضحك، وعلى هموم كثيرة كلها هموم، وعلى أفراح قليلة ليست كلها أفراحًا؛ وهو خداع من النفس يضع كل ذكائه في المحبوب, ويجعل كل بلاهته في المحب، فلا يكون المحبوب عند محبه إلا شخصًا خياليًّا ذا صفة واحدة هي الكمال المطلق، فكأنه فوق البشرية في وجود تام الجمال ولا عيب فيه، والناس من بعده موجودون في العيوب والمحاسن.
وذلك وهم لا تقوم عليه الحياة ولا تصلح به، فإنما تقوم الحياة على الروح العملية التي تضع في كل شيء معناه الصحيح الثابت؛ فالحب على هذا شيء غير الزواج، وبينهما مثل ما بين الاضطراب والنظام؛ ويجب أن يفهم هذا الحب على النحو الذي يجعله حبًّا لا غيره، فقد يكون أقوى حب بين اثنين إذا تحابَّا هو أسخف زواج بينهما إذا تزوجا.
وذو الفن لا يفيد من هذا الحب فائدته الصحيحة إلا إذا جعله تحت عقل لا فوق عقله، فيكون في حبه عاقلًا بجنون لطيف, ويترك العاطفة تدخل في التفكير وتضع فيه جمالها وثورتها وقوتها؛ ومن ثم يرى مجاهدة اللذة في الحب هي أسمى لذاته الفكرية، ويعرف بها في نفسه ضربًا إلهيًّا من السكينة يُوليه القدرة على أن يقهر الطبيعة الإنسانية ويصرفها ويبدع منها عمله الفني العجيب.
وهذا الضرب من السموّ لا يبلغه إلا الفكر القوي الذي فاز على شهواته وكَبَحَها وتحملها تغلي فيه غليان الماء في المِرْجَل ليخرج منها ألطف ما فيها، ويحولها حركة في الروح تنشأ منها حياة هذه المعاني الفنية؛ وما أشبه ذا الفن بالشجرة الحية: إن لم تضبط ما في داخلها أصح الضبط، لم يكن في ظاهرها إلا أضعف عملها.
ومثل هذا الفكر العاشق يحتاج إلى الزوجة حاجته إلى الحبيبة، وهو في قوته يجمع بين كرامة هذه وقدسية هذه؛ لأن إحداهما توازن الأخرى، وتعدلها في الطبع، وتخفف من طغيانها على الغريزة، وتمسك القلب أن يتبدد في جوه الخيالي.
(1/315)

والرجل الكامل المفكر المتخيل إذا كان زوجًا وعَشِق، أو كان عاشقًا وتزوج بغير من يهواها، استطاع أن يبتدع لنفسه فنًّا جميلًا من مسرات الفكر لا يجده العاشق ولا يناله المتزوج؛ وإنه ليرى زوجته من الحبيبة كالتمثال جَمَد على هيئة واحدة، غير أنه لا يُغفِل أن هذا هو سر من أسرار الإبداع في التمثال، إذ تلك هيئة استقرار الأسمى في سموه؛ فإن الزوجة أمومة على قاعدتها، وحياة على قاعدتها؛ أما الحبيبة فلا قاعدة لها، وهي معانٍ شاردة لا تستقر، وزائلة لا تثبت، وفنها كله في أن تبقى حيث هي كما هي، فجمالها يحيا كل يوم حياة جديدة ما دامت فنًّا محضًا، وما دام سر أنوثتها في حجابه.
ومتى تزوج الرجل بمن يحبها انهتك له حجاب أنوثتها فبطل أن يكون فيها سر، وعادت له غير من كانت، وعاد لها غير من كان؛ وهذا التحول في كل منهما هو زوال كل منهما من خيال صاحبه؛ فليس يصلح الحب أساسًا للسعادة في الزواج، بل أَحْرِ به إذا كان وَجْدًا واحتراقًا أن يكون أساسًا للشؤم فيه؛ إذ كان قد وضع بين الزوجين حدًّا يعين لهما درجة من درجة في الشغف والصبابة والخيال، وهما بعد الزواج متراجعان وراء هذا الحد ما من ذلك بد، فإن لم يكن الزوج في هذه الحالة رجلًا تام الرجولة، أفسدت الحياة عليه وعلى زوجته صبيانية روحه؛ فالتمس في الزوجة ما لم يعد فيها، فإذا انكشف فراغها ذهب يلتمسه في غيرها، وكان بلاء عليها وعلى نفسه وعلى أولاده قبل أن يولدوا؛ إذ يضع أمام هذه المرأة أسوأ الأمثلة لأبي أولادها، ويفسد إحساسها فيفسد تكوينها النفسي؛ وما المرأة إلا حسها وشعورها1.
فالشأن هو في تمام الرجولة وقوتها وشهامتها وفحولتها، إن كان الرجل عاشقًا أو لم يكنه. وما من رجل قوي الرجولة إلا وأساسه ديانته وكرامته؛ وما من ذي دين أو كرامة يقع في مثل هذه المشكلة ثم تُظلم به الزوجة أو يحيف عليها أو يفسد ما بينه وبينها من المداخلة وحسن العشرة، بَلْه أن يراها كما يقول صاحب المشكلة "مصيبة" فيجافيها ويبالغ في إعناتها ويشفي غيظه بإذلالها واحتقارها.
وأي ذي دين يأمن على دينه أن يهلك في بعض ذلك, فضلا عن كل ذلك؟ وأي ذي كرامة يرضى لكرامته أن تنقلب خسة ودناءة ونذالة في معاملة امرأة هو لا غيره ذنبها؟
__________
1 هذا كله من بعض الحكمة في أن الإسلام لا يبيح اختلاط الزوجين قبل العقد، إذ لا يعرف الدين الإسلامي من الزوجين إلا أسرة يجب أن تبنى بما يبنيها، وتصان بما يصونها، وقد أشرنا إلى الحكمة الأخرى في المقالة الأولى من المشكلة.
(1/316)

إن أساس الدين والكرامة ألا يخرج إنسان عن قاعدة الفضيلة الاجتماعية في حل مشكلته إن تورَّط في مشكلة؛ فمن كان فقيرًا لا يسرق بحجة أنه فقير، بل يكدّ ويعمل ويصبر على ما يعانيه من ذلك؛ ومن كان محبًّا لا يَستزِلّ المرأة فيسقطها بحجة أنه عاشق؛ ومن كان كصاحب المشكلة لا يظلم امرأته فيمقتها بحجة أنه يعشق غيرها؛ وإنما الإنسان من أظهر في كل ذلك ونحو ذلك أثره الإنساني لا أثره الوحشي، واعتبر أموره الخاصة بقاعدة الجماعة لا بقاعدة الفرد. وإنما الدين في السمو على أهواء النفس؛ ولا يتسامى امرؤ على نفسه وأهواء نفسه إلا بإنزالها على حكم القاعدة العامة، فمن هناك يتسامى، ومن هناك يبدو علوه فيما يبلغ إليه.
وإذا حل اللص مشكلته على قاعدته هو فقد حلها، ولكنَّه حل يجعله هو بجملته مشكلة للناس جميعًا، حتى ليرى الشرع في نظرته إلى إنسانية هذا اللص أنه غير حقيق باليد العاملة التي خُلقت له فيأمر بقطعها.
وعلى هذه القاعدة, فالجنس البشري كله ينزل منزلة الأب في مناصرته لزوجة صاحب المشكلة والاستظهار لها والدفاع عنها، ما دام قد وقع عليها الظلم من صاحبها، وهذا هو حكمها في الضمير الإنساني الأكبر، وإن خالف ضمير زوجها العدوّ الثائر الذي قطعها من مصادر نفسه ومواردها. أما حكم الحبيبة في هذا الضمير الإنساني فهو أنها في هذا الموضع ليست حبيبة, ولكنها شَحَّاذة رجال.
لسنا ننكر أن صاحب هذه المشكلة يتألم منها ويتلذع بها من الوَقْدة التي في قلبه؛ بيد أننا نعرف أن ألم العاقل غير ألم المجنون، وحزن الحكيم غير حزن الطائش؛ والقلب الإنساني يكاد يكون آلة مخلوقة مع الإنسان لإصلاح دنياه أو إفسادها؛ فالحكيم من عرف كيف يتصرف بهذا القلب في آلامه وأوجاعه، فلا يصنع من ألمه ألمًا جديدًا يزيده فيه، ولا يُخرِج من الشر شرًّا آخر يجعله أسوأ مما كان. وإذا لم يجد الحكيم ما يشتهي، أو أصاب ما لا يشتهي، استطاع أن يخلق من قلبه خلقًا معنويًّا يُوجده الغنى عن ذلك المحبوب المعدوم، أو يوجده الصبر عن هذا الموجود المكروه؛ فتتوازن الأحوال في نفسه وتعتدل المعاني على فكره وقلبه؛ وبهذا الخلق المعنوي يستطيع ذو الفن أن يجعل آلامه كلها بدائع فن1.
وما هو فكر الحكماء إلا أن يكون مصنعًا تُرسَل إليه المعاني بصورة فيها الفوضى
__________
1 استوفينا هذه المعاني في كثير مما كتبنا، وبعضها في مقالات "الجمال البائس".
(1/317)

والنقص والألم؛ لتخرج منه في صورة فيها النظام والحكمة واللذة الروحية.
يعشق الرجل العامي المتزوج، فإذا الساعة التي أوبقته في المشكلة قد جاءته معها بطريقة حلها: فإما ضرب امرأته بالطلاق، وإما أهلكها باتخاذ الضرة عليها، وإما عذبها بالخيانة والفجور؛ لأن بعض العبث من الطبيعة في نفس هذا الجاهل هو بعينه عبث الطبيعة بهذا الجاهل في غيره، كأن هذه الطبيعة تُطلق مدافعها الضخمة على الإنسانية من هذه النفوس الفارغة.
وليس أسهل على الذكر من الحيوان أن يحل مشكلة الأنثى حلا حيوانيا كحل هذا العامي، فهو ظافر بالأنثى أو مقتول دونها ما دام مطلقًا مخلًّى بينه وبينها؛ والحقيقة هنا حقيقته هو، والكون كله ليس إلا منفعة شهوانية؛ وأسمى فضائله ألا يعجز عن نيل هذه المنفعة.
ثم يعشق الرجل الحكيم المتزوج فإذا لمشكلته وجه آخر, إذ كان من أصعب الصعب وجود رجل يحل هذه المشكلة برجولة، فإن فيها كرامة الزوجة وواجب الدين وفيها حق المروءة، وفيها مع ذلك عبث الطبيعة وخداعها وهَزْلها الذي هو أشد الجد بينها وبين الغريزة؛ وبهذا كله تنقلب المشكلة إلى معركة نفسية لا يحسمها إلا الظفر، ولا يعين عليها إلا الصبر, ولا يفلح في سياستها إلا تحمل آلامها، فإذا رُزق العاشق صبرًا وقوة على الاحتمال فقد هان الباقي, وتيسرت لذة الظفر الحاسم، وإن لم يكن هو الظفر بالحبيبة؛ فإن في نفس الإنسان مواقع مختلفة وآثارًا متباينة للذة الواحدة، وموقعٌ أرفعُ من موقع، وأثرٌ أبهجُ من أثر؛ وألذ من الظفر بالحبيبة نفسها عند الرجل الحكيم الظفر بمعانيها، وأكرم منها على نفسه كرامة نفسه. وإذا انتصر الدين والفضيلة والكرامة والعقل والفن، لم يبق لخيبة الحب كبير معنى ولا عظيم أثر، ويتوغل العاشق في حبه وقد لَبِسَتْهُ حالة أخرى كما يكظم الرجل الحليم على الغيظ. فذلك يحب ولا يطيش، وهذا يغتاظ ولا يغضب. والبطل الشديد البأس لا ينبغ إلا من الشدائد القوية، والداهية الأريب لا يخرج إلا من المشكلات المعقدة، والتقيّ الفاضل لا يُعرَف إلا بين الأهواء المستحكمة. ولعمري إذا لم يستطع الحكيم أن ينتصر على شهوة من شهوات نفسه، أو يبطل حاجة من حاجاتها، فماذا فيه من الحكمة، وماذا فيه من النفس؟
وما عَقَّد "المشكلة" على صاحبها بين زوجته وحبيبته، إلا أنه بخياله الفاسد قد أفسد القوة المصلِحَة فيه، فهو لم يتزوج امرأته كلها ... وكأنه لا يراها أنثى
(1/318)


كالنساء، ولا يُبصر عندها إلا فروقًا بين امرأتين: محبوبة ومكروهة؛ وبهذا أفسد عينه كما أفسد خياله؛ فلو تعلّم كيف يراها لرآها، ولو تعودها لأحبها.
إنه من وهمه كالجواد الذي يشعر بالمَقَادة في عنقه؛ فشعوره بمعنى الحبل وإن كان معنًى ضئيلًا عطّل فيه كل معاني قوته، وإن كانت معاني كثيرة. وما أقدرك أيها الحب على وضع حبال الخيل والبغال والحمير في أعناق الناس!
وقد بقي أن نذكر، توفيةً للفائدة، أنه قد يقع في مثل هذه المشكلة من نقصَت فحولته من الرجال، فيدلِّس على نفسه بمثل هذا الحب، ويبالغ فيه، ويتجرَّم على زوجته المسكينة التي ابتُليتْ به، ويختلق لها العلل الواهية المكذوبة، ويبغضها كأنه هو الذي ابتُلي بها، وكأن المصيبة من قِبَلها لا من قِبَله؛ وكل ذلك لأن غريزته تحولت إلى فكره، فلم تعد إلا صورًا خيالية لا تعرف إلا الكذب. وقد قرر علماء النفس أن من الرجال من يكره زوجته أشد الكره إذا شعر في نفسه بالمهانة والنقص من عجزه عنها. فهذا لا يكون رجلًا لامرأته إلا في العداوة والنقمة والكراهية وما كان من باب شفاء الغيظ، وامرأته معه كالمعاهَدة السياسية من طَرَف واحد, لا قيمة ولا حرمة؛ وإذا أحب هذا كان حبه خياليًّا شديدًا؛ لأنه من جهة يكون كالتعزية لنفسه، ومن جهة أخرى يكون غيظًا لزوجته، وردًّا بامرأة على امرأة.
(1/319)

فهرس المحتويات:
3 مقدمة
7 نص كتاب الأستاذ الإمام
9 تصدير
13 صدر الكتاب
16 اليمامتان
26 اجتلاء العيد
30 المعنى السياسي في العيد
32 الربيع
35 عرش الورد
39 أيها البحر!
43 في الربيع الأزرق خواطر مرسلة
47 حديث قطين
54 بين خروفين
63 الطفولتان
71 أحلام في الشارع
78 أحلام في قصر
83 بنت الباشا
89 ورقة ورد
94 سمو الحب
103 قصة زواج وفلسفة المهر
113 ذيل القصة وفلسفة المال
121 زوجة إمام
130 زوجة إمام بقية الخير
137 قبح جميل
146 الطائشة "1"
154 الطائشة "2"
161 دموع من رسائل الطائشة
166 فلسفة الطائشة
173 تربية لؤلؤية
180 س. ا. ع
187 استنوق الجمل
193 أرملة حكومة
200 رؤيا في السماء
207 بنته الصغيرة "1"
214 بنته الصغيرة "2"
222 الأجنبية
231 قصيدة مترجمة عن الشيطان
231 لحوم البحر
236 قصيدة مترجمة عن الملك
236 احذري!
241 الجمال البائس "1"
247 الجمال البائس "2"
253 الجمال البائس "3"
260 الجمال البائس "4"
266 الجمال البائس "5"
274 عروبة اللقطاء
282 الله أكبر
288 في اللهب ولا تحترق
294 المشكلة "1"
301 المشكلة "2"
307 المشكلة "3"
314 المشكلة "4"
(1/320)