Advertisement

وحي القلم 003


المجلد الثالث
السمو الروحي الأعظم والجمال الفني في البلاغة النبوية
...
بسم الله الرحمن الرحيم
السمو الروحي الأعظم والجمال الفني في البلاغة النبوية 1*
لما أردت أن أكتب هذا الفصل وهممت به، عرضت لي مسألة نظرت فيها أطلب جوابها، ثم قدرت أن يكون أبلغ فلاسفة البيان في أوربا لعهدنا هذا رجلًا يحسن العربية المبينة، وقد بلغ فيها مبلغ أئمتها علمًا وذوقًا، ودرَس تاريخ النبي صلى الله عليه وسلم درْس الروح لأعمال الروح، وتفقه في شريعته فقْه الحكمة لأسرار الحكمة، واستوعب أحاديثه واعتبرها بفن النقد البياني الذي يبحث في خصائص الكلام عن خصائص النفس؛ وتمثلت أني لقيت هذا الرجل فسألته: ما هو الجمال الفني عندك في بلاغة محمد صلى الله عليه وسلم؟ وماذا تستخرج لك فلسفة البيان منه؟ وما سره الذي يجتمع فيه؟
ولم يكد يخطر لي ذلك حتى انكشف الخاطر عن وجه آخر، وذلك أن يكون معنى هذا السؤال بعينه قد وقع في شيء من حديث النفس لأبلغ أولئك العرب الذين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم، وآمنوا به، واتبعوا النور الذي أنزل معه، وقد صحبه فطالت صحبته، لا يفوته من كلامه في الملأ شيء، وخالطه حتى كان له في الإحاطة بأحوال نفسه كبعض التاريخ، فتدبر ما عسى أن يكون سر الجمال في بلاغته صلى الله عليه وسلم، وما مرجعه الذي يرد إليه؟
لو دار السؤال دورتيه في هذه السليقة العربية المحكمة التي رجعت أن تكون فلسفة تشعر وتحس، وفي تلك الفلسفة البيانية الملهمة التي بلغت أن تكون سليقة تدرس وتفكر لما خلص من كلتيهما إلا برأي واحد تلتقي عليه حقيقة البيان من
__________
1 أنشأ المؤلف رحمه الله هذا البحث جوابًا لرجاء جمعية الهداية الإسلامية في بغداد سنة 1352هـ؛ وانظر كتابنا "حياة الرافعي" ص175-176، 178.
2 بسطنا الكلام في كتابنا "إعجاز القرآن" عن بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة، وبقي هذا المعنى الذي تراه، فهذه المقالة كالتكملة على ما هناك.
(3/3)

طرفيها: وهو أن ذلك الجمال الفني في بلاغته صلى الله عليه وسلم إنما هو أثرٌ على الكلام من روحه النبوية الجديدة على الدنيا وتاريخها.
وبعد، فأنا في هذه الصفحات لا أصنع شيئًا غير تفصيل هذا الجواب وشرحه، باستخراج معانيه، واستنباط أدلته، والكشف عن أسراره وحقائقه؛ ولقد درست كلامه صلى الله عليه وسلم، وقضيت في ذلك أيامًا أتتبع السر الذي وقع في التاريخ القفر المجدب فأخصب به وأنبت للدنيا أزهاره الإنسانية الجميلة، فكانوا ناسًا إن عبتهم بشيء لم تعبهم إلا أنهم دون الملائكة؛ وكانوا ناسًا، دارت الكرة الأرضية في عدهم ثلاث دورات: واحدة حول الشمس، وثانية حول نفسها، وثالثة حول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم تركت الكلام النبوي يتكلم في نفسي ويلهمني ما أفصح به عنه، فلكأني به يقول في صفة نفسه: إني أصنع أمة لها تاريخ الأرض من بعد، فأنا أقبل من هنا وهناك، وأذهب هناك وهنا، مع القلوب والأنفس والحقائق، لا مع الكلام والناس والوقت.
إن ههنا دنيا الصحراء ستلد الدنيا المتحضرة التي من ذريتها أوربا وأمريكا؛ فالقرآن والحديث يعملان في حياة أهل الأرض بنور متمم لما يعمله نور الشمس والقمر.
وقد كان المسلمون يغزون الدنيا بأسلحة هي في ظاهرها أسلحة المقاتلين، ولكنها في معانيها أسلحة الأطباء؛ وكانوا يحملون الكتاب والسنة، ثم مضوا إلى سبيلهم وبقي الكلام من بعدهم غازيًا محاربًا في العالم كله حرب تغيير وتحويل إلى أن يدخل الإسلام على ما دخل عليه الليل*.
هذا منطلق الحديث في نفسي، وقد كنت أقرؤه وأنا أتمثله مرسلًا بتلك الفصاحة العالية من فم النبي صلى الله عليه وسلم حيث يمر إعجاز الوحي أول ما يخرج به الصوت البشري إلى العالم، فلا أرى ثم إلا أن شيئًا إلهيًا عظيمًا متصلًا بروح الكون كله
__________
1 في الحديث الشريف: "ليدخلن هذا الدين على ما دخل عليه الليل". وكأن العبارة نص على أن الإسلام يعم حين تظلم الدنيا ظلامها الشعري ... إذا طمست الإنسانية بلذاتها، وأظلمت آفاقها الروحانية؛ فيجيء الإسلام في قوة أخلاقه كشباب الفجر، يبعث حياة النور الإنساني بعثًا جديدًا؛ وهذا هو رأينا في مستقبل الإسلام: لا بد من انحلال أوربا وأمريكا، كما يصفر النهار، ثم يختلط، ثم يظلم، ثم تطلب الطبيعة نورها الحي من بعد.
(3/4)

اتصال بعض السر ببعض السر، يتكلم بكلام إنساني هو هذا الحديث الذي يجيء في كلمات قوية رائعة، فنها في بلاغتها كالشباب الدائم.
كنت أتأمله قطعًا من البيان، فأراه ينقلني إلى مثل الحالة التي أتأمل فيها روضة تتنفس على القلب، أو منظرًا يهز جمالُه النفسَ، أو عاطفة تزيد بها الحياة في الدم، على هدوء وروح وإحساس ولذة؛ ثم يزيد على ذلك أنه يصلح من الجهات الإنسانية في نفسي، ثم يرزق الله منه رزق النور فإذا أنا في ذوق البيان كأنما أرى المتكلم صلى الله عليه وسلم وراء كلامه.
وأعجب من ذلك أني كثيرًا ما أقف عند الحديث الدقيق أتعرف أسراره، فإذا هو يشرح لي ويهديني بهديه؛ ثم أحسه كأنما يقول لي ما يقول المعلم لتلميذه: أفهمت؟
وقفت عند قوله صلى الله عليه وسلم: "إن قومًا ركبوا في سفينة، فاقتسموا، فصار لكل رجل منهم موضع، فنقر رجل منهم موضعه بفأس، فقالوا له: ما تصنع؟ قال: هو مكاني أصنع فيه ما شئت! فإن أخذوا على يده نجا ونجوا، وإن تركوه هلك وهلكوا" *.
فكان لهذا الحديث في نفسي كلام طويل عن هؤلاء الذين يخوضون معنا البحر ويسمون أنفسهم بالمجددين، وينتحلون ضروبًا من الأوصاف: كحرية الفكر، والغيرة، والإصلاح؛ ولا يزال أحدهم ينقر موضعه من سفينة ديننا وأخلاقنا وآدابنا بفأسه، أي بقلمه ... زاعمًا أنه موضعه من الحياة الاجتماعية يصنع فيه ما يشاء، ويتولاه كيف أراد، موجهًا لحماقته وجوهًا من المعاذير والحجج، من المدنية والفلسفة، جاهلًا أن القانون في السفينة إنما هو قانون العاقبة دون غيرها، فالحكم لا يكون على العمل بعد وقوعه كما يحكم على الأعمال الأخرى؛ بل قبل وقوعه؛ والعقاب لا يكون على الجرم يقترفه المجرم كما يعاقب اللص والقاتل
__________
1 روى البخاري هذا الحديث على وجه آخر، وفيه زيادة من الجمال الفني؛ قال: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها؛ فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا".
فهذا تمثيل لحالة طائفة في "الأسفل" تعمل لرحمة من هم في "الأعلى": عاطفة شريفة ولكنها سافلة، وحمية ملتهبة ولكنها باردة، ورحمة خالصة ولكنها مهلكة؛ ولن تجد كهذا التمثيل في تصوير البلاغة الاجتماعية والغفلة الفلسفية لأناس هم عند أنفسهم أمثلة الجد والعمل والحكمة، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهؤلاء من ألف وثلاثمائة سنة: أنتم المصلحون إصلاحًا مخروقًا ... !
(3/5)

وغيرهما، بل على الشروع فيه، بل على توجه النية إليه، فلا حرية هنا في عمل يفسد خشب السفينة أو يمسه من قرب أو بعد ما دامت ملججة في بحرها، سائرة إلى غايتها؛ إذ كلمة "الخرق" لا تحمل في السفينة معناها الأرضي، وهنا لفظة "أصغر خرق" ليس لها إلا معنى واحد وهو "أوسع قبر"..
ففكِّر في أعظم فلاسفة الدنيا مهما يكن من حريته وانطلاقه، فهو ههنا محدود على رغم أنفه بحدود من الخشب والحديد تفسرها في لغة البحر حدود الحياة والمصلحة وكما أن لفظة "الخرق" يكون من معانيها في البحر القبر والغرق والهلاك، فكلمة "الفلسفة" يكون من بعض معانيها في الاجتماع الحماقة والغفلة والبلاهة، وكلمة الحرية يكون من معانيها الجناية والزيغ والفساد1، وعلى هذا القياس اللغوي فالقلم في أيدي بعض الكتاب من معانيه الفأس، والكاتب من معانيه المخرب، والكتابة من معانيها الخيانة؛ قال لي الحديث: أفهمت؟
هكذا يجب تأمل الجمال الفني في كلامه صلى الله عليه وسلم، فهو كلام كلما زدته فكرًا
__________
1 الزائغون في التاريخ الإسلامي كله صنفان ليس لهما ثالث، وقد وصفهما الحديث الذي رواه البخاري بسنده إلى حذيفة بن اليمان قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم". قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم وفيه دخن". قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر". قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم، دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها" قلت: يا رسول الله، صفهم لي. قال: "هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا". قلت: يا رسول الله، فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسملين وإمامهم". قلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك". انتهى الحديث.
فتأمل قوله: "يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر"؛ فهؤلاء هم الذين يريدون الإصلاح للمسلمين لا من طريق الإسلام بل من طرق أخرى فيها معروفها ومنكرها، وفيه علمها وجهلها، وفيها عقلها وحماقتها. ولعل من هذا قولهم: المدينة الأوروبية بحسناتها وسيئاتها ... وتأمل قوله: "إلى أبواب جهنم" فليست الدعوة إلى باب واحد بل إلى أبواب مختلفة لعل آخر ما فتحوا منها باب الأدب المكشوف ...
ثم تأمل قوله صلى الله عليه وسلم: "ولو أن تعض بأصل شجرة" فإن معناه استمساك بما بقي على الطبيعة السليمة مما لا يستطيع أولئك أن يغيروه ولا أن يجددوه، أي بالاستمساك ولو بأصل واحد من قديم الفضيلة والإيمان، وعبارة العض شجرة تمثل أبدع وأبلغ وصف لمن يلزم أصول الفضائل في هذا الزمن، ومبلغ ما يعانيه في التمسك بفضيلته، وهي وحدها فن كأجمل ما يبدعه مصور عبقري.
(3/6)

زادك معنى، وتفسيره قريب، قريب كالروح في جسمها البشري، ولكنه بعيد بعيد كالروح في سرها الإلهي، فهو معك على قدر ما أنت معه، إن وقفت على حد وقف، وإن مددت مد، وما أديت به تأدى، وليس فيه شيء مما تراه لكل بلغاء الدنيا من صناعة عبث القول، وطريقة تأليف الكلام، واستخراج وضع من وضع، والقيام على الكلمة حتى تبيض كلمة أخرى ... والرغبة في تكثير سواد المعاني، وترك اللسان يطيش طيشه اللغوي يتعلق بكل ما عرض له، ويحذر الكلام على معاني ألفاظه، ويجتلب له منها ويستكرهها على أغراضه، ويطلب لصناعته من حيث أدرك وعجز، ومن حيث كان ولم يكن؛ إنما هو كلام قيل؛ لتصير به المعاني إلى حقائقها، فهو من لسان وراءه قلب، وراءه نور، وراءه الله جل جلاله؛ وهو كلام في مجموعة كأنه دنيا أصدرها صلى الله عليه وسلم عن نفسه العظيمة، لا تبرح ماضية في طريقها السوي على دين الفطرة؛ فلا تتسع لخلاف، ولا يقع بها التنافر؛ والخلاف والتنافر إنما يكونان من الحيوانية المختلفة بطبيعتها؛ لقيامها على قانون التنازع تعدو به وتجترم وتأثم، فهي نازلة إلى الشر، والشر بعضه أسفل من بعض؛ أما روحانية الفطرة فمتسقة بطبيعتها، لا تقبل في ذاتها افتراقًا ولا اختلافًا؛ إذ كان أولها العلو فوق الذاتية، وقانونها التعاون على البر والتقوى؛ فهي صاعدة إلى الخير، والخير بعضه أعلى من بعض.
فكلامه صلى الله عليه وسلم مجرى عمله: كله دين وتقوى وتعليم، وكله روحانية وقوة وحياة؛ وإنه يخيل إلي وقد أخذت بطهره وجماله أن من الفن العجيب أن يكون هذا الكلام صلاة وصيامًا في الألفاظ.
أما أسلوبه صلى الله عليه وسلم فأجد له في نفسي روح الشريعة ونظامها وعزيمتها، فليس له إلا قوة قوة أمر نافذ لا يختلف، وإن له مع ذلك نسقًا هادئًا هدوء اليقين، مبينًا بيان الحكمة، خالصًا خلوص السر، واقعًا من النفس المؤمنة موقع النعمة من شاكرها؛ وكيف لا يكون كذلك وهو أمر الروح العظيمة الموجهة بكلمات ربها ووحيه؛ ليتوجه بها العالم كأنه منه مكان المحور: دورته بنفسه هي دورته بنفسه وبما حوله، روح نبي مصلح رحيم، هو بإصلاحه ورحمته في الإنسانية، وهو بالنبوة فوقها، وهو بهذه وتلك في شمائله وطباعه مجموع إنساني عظيم لو شبه بشيء لقيل فيه: إنه كمجموع القارات الخمس لعمران الدنيا.
ومن درس تاريخه صلى الله عليه وسلم وأعطاه حقه من النظر والفكر والتحقيق، رأى نسقًا من التاريخ العجيب كنظام فلك من الأفلاك موجه بالنور في النور من حيث يبدأ
(3/7)

إلى حيث ينتهي، فليس يمتري عاقل مميز أن هذه الحياة الشريفة، بذلك النظام الدقيق، في ذلك التوجه المحكم -لا يطيقها بشر من لحم ودم على ناموس الحياة إلا إذا كان في لحمه ودمه معنى النور والكهرباء على ناموس أقوى من الحياة.
ولم يكن مثله صلى الله عليه وسلم في الصبر والثبات واستقرار النفس واطمئنانها على زلال الدنيا، ولا في الرحمة ورقة القلب والسمو فوق معاني البقاء الأرضي؛ فهو قد خلق كذلك؛ ليغلب الحوادث ويتسلط على المادة؛ فلا يكون شأنه شأن غيره من الناس: تدفنهم معاني التراب وهم أحياء فوق التراب، أو يحدّهم الجسم الإنساني من جميع جهاتهم بحدود طباعه ونزعاته؛ وبذلك فقد كان عليه الصلاة والسلام منبع تاريخ في الإنسانية كلها دائمًا، ولرأس الدنيا نظام أفكاره الصحيحة.
عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم! فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا 1 مالًا فنأى بي في طلب شيء يومًا فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة! فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج".
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي، فأدرتها عن نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة 2 من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها! ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه! فترحجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه! فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها".
__________
1 أي لا يسقي الغبوق أحدًا أو جماعته قبلهما.
2 سنة: جدب وقفر.
(3/8)

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وقال الثالث: اللهم إني استأجرت فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله، أدِّ إليَّ أجري. فقلت له: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق! فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي! فقلت: إني لا أستهزئ بك! فأخذه كله فاستاقه فلم يترك شيئًا. اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه! فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون". انتهى الحديث.
وأنا فلست أدري، أهذا هو النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم في الإنسانية وحقوقها بكلام بيِّن صريح فلا فلسفة فيه، يجعل ما بين الإنسان والإنسان من النية هو ما بين الإنسان وربه من الدين؛ أم هي الإنسانية تنطق على لسانه بهذا البيان العالي، في شعر من شعرها ضاربة فيه الأمثال، مشيرة فيه إلى الرموز، واضعة إنسانها بين شدة الطبيعة ورحمة الله، محكمة عناصر روايتها الشعرية، محققة في بيانها المكشوف أغمض معانيها في فلسفة الحاسة الإنسانية حين تتصل بأشيائها فتظهر الضرورة البشرية وتختفي الحكمة، وفلسفة الروح حين تتصل بهذه الأشياء ذاتها فتظهر الحكمة وتختفي الضوررة -مبينة أثر هذه وتلك في طبيعة الكون، مقررة أن الحقيقة الإنسانية العالية لن تكون فيما ينال الإنسان من لذته، ولا فيما ينجح من أغراضه، ولا فيما يقنعه من منطقه، ولا فيما يلوح من خياله، ولا فيما ينتظم من قوانينه؛ بل هي السمو على هذه الحقائق الكاذبة كلها، وهي الرحمة التي تغلب على الأثرة فيسميها الناس برًا، والرحمة التي تغلب على الشهوة فيسميها الناس عفة، والرحمة التي تغلب على الطمع فيسميها الناس أمانة؛ وهي في ضبط الروح لثلاث من الحواس: حاسة الدعة التي يقوم بها حظ الخمول، وحاسة اللذة التي يقوم بها حظ الهوى، وحاسة التملك التي يقوم بها حظ القوة.
وتزيد الإنسانية على ذلك في نسق شعرها أنها تثبت أن البر من العفة والأمانة هو على إطلاقه كالأساس لهما؛ فمن نشأ على بر أبويه كان خليقًا أن يتحقق بالعفة والأمانة، وأن العفة من الأمانة والبر هي مساكهما وجامعتهما في النفس، وأن الأمانة من البر والعفة هي كمال هذه الفضائل، وكلهن درجات لحقيقة واحدة، غير أن بعضها أسمى من بعض في الشأن والمنزلة، وبعضها طريق لبعض يجر سبب منها سببًا منها، وأن الرحمة الإنسانية التي هي وحدها الحقيقة الكبرى إنما هي هذا الحب، بادئًا من الولد لأبويه، وهو الحب الخاص؛ ثم من المحب لحبيبته، وهو
(3/9)

الحب الأخص، ثم من الإنسان للإنسانية، وهو الحب مطلقًا بعمومه وبغير أسبابه الملجئة من الحاجة والغريزة؛ وهي درجات كدرجات الحياة نفسها من طفوتها إلى شبابها إلى الشيخوخة، ومن العاطفة إلى الرغبة إلى العقل.
ثم إنه ما دام كمال الفضيلة هو الأمانة، فما قبلها أنواع منها؛ فبر الولد أمانة الطبع المتأدب، وعفة المحب أمانة القلب الكريم، والثالثة أمانة الخلق العالي، وهي أسماهن؛ لأنها لن تكون خلقًا ثابتًا إلا وقد خضع لقانونها الطبع والقلب، ودخل في أسبابها الأدب والكرم؛ فالأمانة الكاملة في هذه الفلسفة هي الأمانة للإنسانية العامة المتصلة والكرم؛ فالأمانة الكاملة في هذه الفلسفة هي الأمانة للإنسانية العامة المتصلة بالمرء من أبعد جهاته، دون الإنسانية الخاصة بكل شخص من أب، أو أم، أو قريب؛ ودون التي هي أخص وهي إنسانية الحب.
ونرى في لفظ الحديث أن كل رجل من هؤلاء الذين مثلوا رواية الإنسانية الفاضلة في فصولها الثلاثة، لا يقول إنه فعل ما فعل من صالح أعماله: {إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} [البقرة: 272] ، وقد تطابقوا جميعًا على هذه الكلمة، وهي من أدق ما في فلسفة الإنسانية في شعرها ذلك، فإن معناها أن الرجل في صالح عمله إنما كان مجاهدًا نفسه، يمنعها ما تحرص عليه من حظها أو لذتها أو منفعتها، أي منخلعًا من طبيعته الأرضية المنازعة لسواها، المنفردة بذاتها، متحققًا بالطبيعة السماوية التي لا يرحم الله عبدًا إلا بها، وهي رحمة الإنسان غيره، أي اندماجه باستطاعته وقوته، وإعطاؤه من ذات نفسه ومعاونته كف أذاه.
والحديث كالنص على أن هذه الرحمة في النفس هي الدين عند الله، لا يصلح دين بغيرها، ولا يقبل الله صرفًا ولا عدلًا من نفس تخلو منها؛ وإذا كانت بهذه المنزلة، وكانت أساس ما يفرض على الإنسان من الخير والحق، فهي من ذلك في معنى الحديث أساس ما يصلح هذه الإنسانية من الشر والباطل؛ وبهذا كله تكون الغاية الفلسفية التي ينتهي إليها كلامه صلى الله عليه وسلم، أن تنشئة الناس على البر والعفة والأمانة للإنسانية هي وحدها الطريقة العملية الممكنة لحل معضلة الشر والجريمة في الاجتماع البشري. وانظر كيف جعل نهاية السمو في رحمة المال الذي يصفونه بأنه شقيق الروح، فكأن الإنسان لا يخرج فيها لغيره من بعض ماله، بل ينخلع من بعض روحه؛ وهذا يقرر لك فلسفة أخرى أن السعادة الإنسانية الصحيحة في العطاء دون الأخذ، وأن الزائفة هي في الأخذ دون العطاء؛ وذلك آخر ما انتهت إليه فلسفة الأخلاق؛ فما المرء إلا ثمرة تنضج بموادها، حتى إذا نضجت واحلولت كان مظهر كمالها ومنفعتها في الوجود أن تهب حلاوتها فإذا هي أمسكت الحلاوة على
(3/10)

نفسها لم يكن إلا هذه الحلاوة بعينها سبب في عفنها وفسادها من بعد. أفهمت؟
وما دمنا قد وصفنا رحمة المال، فإنا نتم الكلام فيها بهذا الحديث العجيب في فن تمثيله وبلاغة فنه: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد، من ثديهما إلى تراقيهما؛ فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها فلا تتسع". انتهى.
فأنت ترى ظاهر الحديث، ولكن فنه العجيب في هذا الحديد الذي يراد به طبيعة الخير والرحمة في الإنسان، فهي من أشد الطبائع جمودًا وصلابة واستعصاء متى اعترضتها حظوظ النفس الحريصة وأهواءها، ومع ذلك فإن السخاء بالمال يبسط منها وينتهي في الطبع إلى أن يجعلها لينة، فلا تزال تمتد وتسبغ حتى يكون والإنفاق راضها رياضة عملية كرياضة العضل بأثقال الحديد ومعاناة القوة في الصراع ونحوه؛ أما الشيخ فلا يناقض تلك الطبيعة ولكنه يدعها جامدة مستعصية لا تلين ولا تستجيب ولا تتيسر.
وقد جعل الجبة من الثدي إلى التراقي، وهذا من أبدع ما في الحديث؛ لأن كل إنسان فهو منفق على ضروراته، يستوي في ذلك الكريم والبخيل، فهما على قدر سواء من هذه الناحية؛ وإنما التفاوت فيما زاد وسبغ من وراء هذا الحد، فههنا يبسط الكريم بسطه الإنساني، أما البخيل فهو "يريد"؛ لأنه إنسان، والإرادة علم عقلي لا أكثر، فإذا هو حاول تحقيق هذه الإرادة وقع من طبيعة نفسه الكزة فيما يعانيه من يوسع جبة من الحديد لزقت كل حلقة من حلقاتها في مكانها، فهي، مستعصية متماسكة، فهو يوسعها فلا تتسع.
ألا ترى كيف تتوجه الحجة، وكيف تدق الفلسفة وهي في أظهر البيان وأوضحه؟ وهل تحسب طبيعة البخيل في دقائقها النفسية لو هي نطقت -بالغة من وصف نفسها هذا المبلغ من جمال الفن وإبداعه؟ وهو بعد وصف لو نقل إلى كل لغات الأرض لزانها جميعًا، ولكان في جميعها كالإنسان نفسه: لا يختلف تركيبه فلن يكون بثلاثة أعين، لا في بلاد شكسبير ولا في بلاد الزنوج.
إن كلام نبينا صلى الله عليه وسلم يجب أن يترجم بفلسفة عصرنا وآدابه، فستراه حينئذ كأنما قيل مرة أخرى من فم النبوة، وستراه في شرحه الفلسفي كالأزهار الناضرة: حياتها
(3/11)

بشاشتها في النور؛ وتعرفه إنسانية قائمة تصحح بها أغلاط الزمن في أهله، وأغلاط الناس في زمنهم؛ وتجده يرف على البشرية المسكينة بحنان كحنان الأم على أطفالها، والناس الآن كالأطفال غابت أمهم، فهم في تنافر صبياني.. وما الأم بطبيعتها إلا الميزان لاستبدادهم، والحكمة لطيشهم، والائتلاف لتنافرهم، والنظام لعبثهم؛ وبالجملة فحنان قلبها الكبير هو القانون لكل قضايا هذه القلوب الصغيرة.
وقد كتبنا في فلسفة الأدب وحقيقته، ومعانيه الإنسانية، وأن الأديب التام الأداة هو الإنسان الكوني، وغيره هو الإنسان فقط، وأن علم الأديب هو النفس الإنسانية بأسرارها المتجهة إلى الطبيعة، والطبيعة بأسرارها المتجهة إلى النفس؛ ولذلك فموضعه من الحياة موضع فكرة حدودها من كل نواحيها الأسرار -وأن الأديب مكلف بتصحيح النفس الإنسانية ونفي التزوير عنها، وإخلاصها مما يلتبس بها على تتابع الضرورات، ثم تصحيح الفكرة الإنسانية في الوجود، ونفي الوثنية عن هذه الفكرة، والسمو بها إلى فوق، ثم إلى فوق، ودائمًا إلى فوق1.
فإذا تدبرت هذا المقال، واعتبرت كلام النبي صلى الله عليه وسلم على ما بينا وشرحنا، وأخذته من عصره ومن العصر الذي نعيش فيه، ونظرت إلى ألفاظه ومعانيه، واستبرأت ما بينها من خواص الفن بمثل ما نبهناك إليه من التأويل الذي مر بك، وعلمت أن كل حقيقة فنية لا تكون كذلك إلا بخاصة فيها، وأن سر جمالها في خاصتها -إذا جمعت ذلك لم تر مذهبًا عن الإقرار بأن النبي صلى الله عليه وسلم كما هو أعظم نبي وأعظم مصلح، فهو أعظم أديب؛ لأن فنه الأدبي أعظم فن يحقق للإنسانية حياة أخلاقها، وهو بكل ذلك أعظم إنسان. صلى الله عليه وسلم.
فالفن في هذه البلاغة هو في دقائقه أثر تلك الروح العليا بكل خصائصها العظيمة التي يحتاج إليها الوجود الروحاني على هذه الأرض، ولذا ترى كلامه صلى الله عليه وسلم يخرج من حدود الزمان، فكل عصر واجد فيه ما يقال له، وهو بذلك نبوة لا تنقضي، وهو حي بالحياة ذاتها، وكأنما هو لون على وجه منها كما ترى البياض مثلًا هو اللون على وجه طائفة من الجنس البشري ...
__________
1 نشر هذا المقال في مقتطف شهر يوليو سنة 1932، وأكثر ما فيه يعد متممًا لفلسفة هذا الفصل؛ وسنجمع كل مقالاتنا في كتاب يصدر إن شاء الله في آخر صيف هذا العام؟
قلت: وأحسبه كان يعني كتابه "قول معروف" وقد استغني عنه بهذا الكتاب "وحي القلم" وقد نشرنا هذه المقالة في هذا الجزء وانظر ص169، 234 "حياة الرافعي".
(3/12)

فإذا نظرت في هذا الفن فانظره في حديثه، وفي عمله، وفي الدنيا التي ألفها من التاريخ تأليف القطعة البليغة النادرة من الكلام، ورد كل ما تدبرته من ذلك إلى تلك الروح الجديدة على تاريخ الأرض؛ فلتعلمن حينئذ أن كل بليغ هو شمعة مضيئة صنعت لها مادة النور نورًا وجمالًا بجانب هذه الشمس التي خلقت فيها مادة النور نورًا وجمالًا وحياة وقوة؛ هناك نور لذي عينين، وهنا النور لكل ذي عينين، وذاك يتخايل كالحلم، وهذا يفصح كالحقيقة، وذلك ضوء من حوله الظلمة دانية، وهذا قد طرد الظلمة عن نصف الدنيا إلى نصف الدنيا؛ والأول نور بلا روح، والثاني هو روح النور.
تلك في رأينا هي الطريقة التي كان يفهمه بها أصحابه صلى الله عليه وسلم، كما يفهم الشاعر نور القمر في ليلة صيف بمعان من الزمان والمكان، ومن النفس والحالة، ومن الهيئة والشكل، ومن العين والفكر، ومن السماء والأرض، ففيه النور وزيادة، أي الحقيقة وما ترتفع بها على نفسها؛ وبهذه الطريقة كانوا معه كأعظم فلاسفة الفن مع الفن إعجابًا وحبًا وانقيادًا وطاعة حتى انخلعوا من عصرهم ودنياهم، وخرجوا من أحوالهم وطبائعهم، وانجذبوا إليه أشد انجذاب عرفه التاريخ، وأصبحوا مصرفين معه تصريف الحوادث لا تصريف الأشخاص، وعادت أنفسهم وكأن تأثير الأرض يلتقي فيها بتأثير السماء فيغسل في سحب عالية فلا يكون فيها كما يريده الناس، بل كما يريد الله؛ ورجعت قلوبهم لا تلبس على دينها رأيًا ولا هوى، وكأنما وضع لها هذا الدين حرسًا على كل سمع وعلى كل بصر؛ وبالجملة فأولئك قوم كأنما تناولهم النبي صلى الله عليه وسلم فأفرغهم ثم ملأهم، وما انتقلوا إلى منزلهم العالية في التاريخ إلا بعد أن نقلهم هو إلى منزلة من منازل نفسه الشريفة.
وناهيك من رجال يمثل لهم بهذا المثل الذي يضربه لهم في الإيمان ليبلغوه أو يقاربوه، فعن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: "كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه! "
فانظر يا هذا، فإنه لو اجتمعت قوى الكون فجاءت يشد بعضها بعضًا فنزلت في عبارة من الكلام لتملأ نفوس المؤمنين بقوتها لما وضعت إلا هذا الوضع من هذا التمثيل بأمشاط المسامير وأسنان المنشار في عظم الإنسان الحي
(3/13)

ولحمه. وظاهر التمثيل على ما رأيت من العجب، ولكن له باطنًا أعجب من ظاهره، وهو البلاغة كل البلاغة والبيان حق البيان، فإنما يريد صلى الله عليه وسلم أن الحديد لا يأكل ولا يمزع من أولئك الأقوياء بإيمانهم عظمًا ولحمًا وعصبًا، بل هو حديد يأكل حديدًا مثله أو أشد منه، فإن للروح المؤمنة السلطة على جسمها قوة تصنع هذه المعجزة، فيمر الحديد في العظم واللحم والعصب يسلبها الحياة، ولكنها تسلبه شدته وجلده وصبره!
وكل ما جاء من التمثيل في كلامه صلى الله عليه وسلم ينطوي فيه من إبداع الفن البياني وإعجازه ما يفوت حدود البلغاء، حتى لا تشك إذا أنت تدبرته بحقه من النظر والعلم أن بلاغته إنما هي شيء كبلاغة الحياة في الحي: هي البلاغة ولكنها أبدع مما هي؛ لأنها الحياة أيضًا.
وأنت خبير أن هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كانت تأخذه عند نزول الوحي عليه أحوال وصفت في كتب الحديث: قالت عائشة -رضي الله عنها-: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا. وفي حديث آخر عنها قالت: فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى أنه ليتحدر عنه مثل الجمان من العرق في يوم شاتٍ. وفي حديث زيد بن ثابت: فأنزل الله -عز وجل- على رسوله صلى الله عليه وسلم، وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترضَّ فخذي. وفي حديث يعلى بن أمية حين قال لعمر: أرني النبي صلى الله عليه وسلم حين يوحي إليه، فأشار عمر إلي، فجئت وعلى رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوب قد أظل به فأدخلت رأسي، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم محمر الوجه وهو يغطّ، أي يردد نفسه من شدة ثقل الوحي. فهذه كلها أحوال تصف عمل الدماغ بكل ما فيه من جهد القوى العصبية؛ ليرتفع بالحياة إلى ما فوقها ويتركها لوعي الروح وحدها، لا يشاركها في هذا الوعي فكر ولا هاجس، ولا يتصل به شيء من حياة الحي، فيتحقق للنبي صلى الله عليه وسلم وجود آخر غير وجوده المحدود بجسمه وطباعه ودنياه؛ ويخرج بوعيه من هذه الجاذبية الأرضية إلى ما وراء حدود الطبيعة من قوى الغيب؛ وبذلك يتلقى عن روح الكون، ثم يفصم عنه وقد وعى ما أوحي إليه. وما وصفه زيد بن ثابت من أن فخذه كادت ترضّ برهان قاطع على أن روحه صلى الله عليه وسلم تنسرح من جسمه ساعة الوحي فيثقل الجسم؛ لأنه إنما يخف بالروح وتبقى وظائف الحياة عاملة أعمالها بعسر وبطء؛ لاتصالها بشعاع من الروح دون الروح بجملتها؛ ولسنا هنا بصدد الكلام عن
(3/14)

الوحي، فله موضع إن شاء الله في كتابنا "أسرار الإعجاز"1، وإنما نريد أن ندلَّ على أن هذه التهيئة الإلهية لذلك الجهاز العصبي لها أثرها العظيم في فن بلاغته صلى الله عليه وسلم، وبها امتاز عن كل بلغاء الدنيا؛ فإن الملهم من أفذاذ العبقريين على هذه الأرض إنما يبلغ ما يبلغه ببعض هذا الذي رأيت، وفي بعض هذا أبدع ما ورثت الدنيا من فنون البيان، وكأن في الدماغ مادة في موضع منه يميز بها من تختارهم السماء لحكمتها وإلهامها، وإذا كان فن العبقريين هو أسمى الكلام الإنساني؛ لما خصوا به من هذه التهيئة، فإن فنه صلى الله عليه وسلم يكون ولا جرم من باب الأكبر مما هو أكبر في إلهام الإنسانية كلها.
ولهذه القوة النادرة كان بيانه قويًا على مزج معانيه بالنفس بما فيه من صنعة الحياة، وإنما فلسفة البيان الفني أن تمتد الحياة من النفس إلى اللفظ، فتصنع فيه صنعها، فتفصل العبارة الفنية عن كاتبها أو قائلها وهي قطعة من كلامه؛ لتستحيل عند قارئها أو سامعها قطعة من الحياة في صورة من صور الإدراك؛ فالبيان الفني هو الوسيلة لحمل الوجود وبعثرته في مواضع غير مواضعه، وخلقه خلقًا آخر في النفس الإنسانية؛ وبذلك يؤول قوله صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان لسحرًا". جعل نوعًا من البيان هو السحر، لا البيان كله، فالحديث كالنص على ما تسميه الفلسفة الأوروبية اليوم "بالبيان الفني"، كأنه قال: إن من البيان فنًا هو سحر من عمل النفس في اللغة تغير به الأشياء، وله عجب السحر وتأثيره وتصرفه؛ وهذا معنى لم يتنبه إليه أحد، ولا يذكر معه كل ما قالوه في تفسير الحديث، وبذلك التأويل يكون هذا الحديث قد احتوى أسمى حقيقة فلسفية للفن.
ومن أثر تلك القوة أيضًا ما تراه من شدة الوضوح في كلامه صلى الله عليه وسلم، ولقد رأينا هذه البلاغة النبوية العجيبة قائمة على أن كل لفظ هو لفظ الحقيقة لا لفظ اللغة، فالعناية فيها بالحقائق، ثم الحقائق هي تختار ألفاظها اللغوية على منازلها؛ وبذلك يأتي الكلام كأنه نطق للحقيقة المعبر عنها، والكلمة الصادقة تنطق مرة واحدة؛ فصورتها اللغوية لا تكون إلا صريحة منكشفة عن معناها المضيء كأنما ألقي فيها النور.
وهو معلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يتكلف ولا يتعمل، ولم يكتب ولم يؤلف، ومع هذا لا تجد في بلاغته موضعًا يقبل التنقيح، أو تعرف له رقة من الشأن كأنما بين الألفاظ ومعانيها في كل بلاغته مقياس وميزان، أو كأن هذه البلاغة تنبثق بالكلام
__________
1 انظر ص289 حياة الرافعي.
(3/15)

على طبيعة عاملة فيه بقواها الدائبة الثابتة، ففنها الجميل هو التركيب الذي تجيء فيه كما ترى الشجر مثلًا كاسيًا من ورقه وزهره، فأنت منه بإزاء عمل جميل لأنك بإزاء حقيقة طبيعية قد انفردت في ذاتها، ومعنى انفرادها في ذاتها أنها كذلك هي، فليس فيها موضع لشيء غير ما هو فيها؛ ثم لا تنس أن النبوة أكبر السبب في ذلك الوضوح البياني العجيب؛ فإن الحياة لا تستغلق في البلاغة بإنسان إلا وهي غنية عنه؛ ولعل غموض بعض الفلاسفة وبعض الشعراء هو من دليل الطبيعة على أنهم زائدون في الطبيعة.. ألا ترى أن من أساليبهم الفلسفية والشعرية ما يجعل معنى الكلمة أحيانًا هو نقض معناها1 إذ يتصنعون للفكر ويستجلبون له ويشققون فيه كما يفعل أهل صناعة الألفاظ بالألفاظ، فههنا البديع اللفظي؛ وهناك "البديع الفكري" ولا طائل وراءهما إلا صناعة وبهرجة.
ومتى كان النبي قسمًا من الحياة، بل مادة لمعانيها الجديدة، فلن يكون بيانه إلا على ما وصفنا لك جمالًا، ووضوحًا، ومنفعة، ودقة، وسموًا بقدر ذلك كله.
وهنا معنى نريد أن ننبه إليه ونتكلم في سره وحقيقته، فإنك تقرأ ما جمع من الكلام النبوي فلا تصيب فيه ما تصيبه في بلاغة أدباء العالم مما فنه الكلام في المرأة، والحب، وجمال الطبيعة، وهو في بلاغة الناس كالقلب في الجسم: لا تخلو منه ولا تقوم إلا به، حتى تجد الكلام في المرأة وحدها شطر الأدب الإنساني، كما أن المرأة هي شطر الإنسانية، ولا يعرف له صلى الله عليه وسلم في هذه الأغراض إلا كلمات بيانية جاءت بما يفوق الوصف من الجمال والدقة، متناهية في الحسن، طاهرة في الدلالة، يظهر في وجه بلاغتها ما يظهر في وجه العذراء من طبيعة الحياء والخفر؛ كقوله في النساء: "رفقًا بالقوارير"، وقوله لأسامة بن زيد، وقد كساه قبطية2 فكساها امراته: "أخاف أن تصف حجم عظامها"، قال الشريف الرضي في شرح هذه الكلمة: وهذه استعارة، والمراد أن القبطية برقتها تلصق بالجسم، فتبين حجم الثديين، والرادفتين، وما يشتد من لحم العضدين والفخذين، فيعرف الناظر إليها مقادير هذه الأعضاء، حتى تكون كالظاهرة للحظه، والممكنة للمسه، فجعلها
__________
1 من ذلك قول "جيته" شاعر الألمان: إن الكل باطل، معناه أن الكل ليس بباطل، ولعل هذا في "البديع الفكري" من باب أكل النفي للإثبات.
2 بضم القاف ثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء، وضموا قافه فرقًا بينه وبين ما ينسب إلى القبط من غير الثياب.
(3/16)

عليه الصلاة والسلام لهذه المحال كالواصفة لما خلفها، والمخبرة عما استتر بها؛ وهذه من أحسن العبارات عن هذا المعنى، ولهذا الغرض رمى عمر بن الخطاب في قوله: "إياكم ولبس القباطي" فإنها إلا تشف تصف". فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عذرة هذا المعنى، ومن تبعه فإنما سلك فجه.
قلنا: وهذا كلام حسن، ولكن في عبارة الحديث سرًا هو من معجزات البلاغة النبوية لم يهتد إليه الشريف، على أنه هو حقيقة الفن في هذه الكلمة بخاصتها، ولا نظن أن بليغًا من بلغاء العالم يتأتى لمثله، فإنه عليه الصلاة والسلام لم يقل: أخاف أن تصف حجم أعضائها، بل قال: "حجم عظامها"، مع أن المراد لحم الأعضاء في حجمه وتكوينه، وذلك منتهى السمو بالأدب، إذ ذكر "أعضاء" المراة في هذا السياق، وبهذا المعرض، هو في الأدب الكامل أشبه بالرفث، ولفظة "الأعضاء" تحت الثوب الرقيق الأبيض تنبه إلى صور ذهنية كثيرة هي التي عدها الرضي في شرحه، وهي تومئ إلى صورة أخرى من ورائها، فتنزه النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذلك، وضرب الحجاب اللغوي على هذه المعاني السافرة ... وجاء بكلمة "العظام"؛ لأنها اللفظة الطبيعية المبرأة من كل نزغة، لا تقبل أن تلتوي، ولا تثير معنى، ولا تحمل غرضًا؛ إذ تكون في الحي والميت، بل هي بهذا أخص؛ وفي الجميل والقبيح، بل هي هنا أليق؛ وفي الشباب والهرم، بل هي في هذا أوضح.
والأعضاء لا تقوم إلا بالعظام فالمجاز على ما ترى، والحقيقة هي ما علمت.
ومن كلماته في الوصف الطبيعي قوله صلى الله عليه وسلم وهو يذكر أوقات الصلاة: "العصر إذا كان ظل كل شيء مثله، وكذلك ما دامت الشمس حية، والعشاء إذا غاب الشفق إلى أن تمضي كواهل الليل"، وكواهل الليل: أوائله وفروعه المتقدمة منه، كالذي يتقدم المطايا من أعناقها الممتدة بعض الامتداد؛ وقوله وقد سأله رجل متى يصلي العشاء الآخرة، فقال عليه الصلاة والسلام: "إذا ملأ الليل بطن كل وادٍ"؛ وقوله: "إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع"، وقوله: "إن رجلًا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلى ولكني أحب أن أزرع. قال: فبذر فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده فكان أمثال الجبال". وقوله: "بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئرًا، فشرب منها ثم خرج، فإذا بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي! فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، ثم رقى فسقى الكلب فشكر الله له، فغفر له"، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: "في كل كبد رطبة أجر".
(3/17)

فهذا ونحوه من الفن البديع النادر، وهو مع ذلك لا يأتي في كلامه صلى الله عليه وسلم إلا في مثل ما رأيت، فلا يراد منه استجلاب العبارة، ولا صناعة الخيال، فيظن من لا يميز ولا يحقق أن خلو البلاغة النبوية من فن وصف الطبيعة والجمال والحب، دليل على ما ينكره أو يستجفيه، ويقول: بداوة وسذاجة ونحو ذلك مما تشبهه الغفلة على جهلة المستشرقين ومن في حكمهم من ضعاف أدبائنا وجهلة كتابنا، وإنما انتفى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لانتفاء الشعر عنه وكونه لا ينبغي له كما بسطناه في موضعه1؛ فعمله أن يهدي الإنسانية لا أن يزين لها، وأن يدلها على ما يجب في العمل، لا ما يحسن في صناعة الكلام، وأن يهديها إلى ما تفعله لتسمو به، لا إلى ما تتخيله لتلهو به. والخيال هو الشيء الحقيقي عند النفس في ساعة الانفعال والتأثر به فقط، ومعنى هذا أنه لا يكون أبدًا حقيقة ثابتة، فلا يكون إلا كذبًا على الحقيقة.
ثم هو صلى الله عليه وسلم ليس كغيره من بلغاء الناس: يتصل بالطبيعة ليستملي منها؛ بل هو نبي مرسل متصل بمصدرها الأزلي ليملي فيها، وقد كانت آخر ابتسامة له في الدنيا ابتسامات للصلاة2 يتهلل لطهارة النفس المؤمنة وجمالها قائمة بين يدي خالقها، منسكبًا في طهارتها روح النور، وكل إنسان إنما يبدو الكون في عينه على ما يرى مما يشبه ما في نفسه، فكل ما رآه المصلي الخاشع في صلاته3 يبدو له كأنه يصلي في ضرب من العبادة على نحو من الدين، وكل ما رآه السكران في سكره يكاد يراه متخبطًا يعربد ما يتماسك!
ثم إن الكلام في وصف الطبيعة والجمال والحب على طريقة الأساليب البيانية، إنما هو باب من الأحلام؛ إذ لا بد فيه من عيني شاعر، أو نظرة عاشق؛ وهنا نبي يوحى إليه، فلا موضع للخيال في أمره، إلا ما كان تمثيلًا يراد به تقوية الشعور الإنساني بحقيقة ما في بعض ما يعرض من باب الإرشاد والموعظة، كما
__________
1 كتابنا "إعجاز القرآن".
2 عن أنس أن أبا بكر كان يصلي بهم في وجع النبي صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي صلى الله عليه وسلم، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النبي صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم، وأرخى الستر، فتوفي من يومه.
3 من الكلمات الجميلة الدقيقة في نحو هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: "لا تزالون في صلاة ما انتظرتم الصلاة".
(3/18)

مر بك من أمثلته، وكقوله صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه! "، وهذا كلام أبلغ ما أنت واجد من تفسيره تلك النفس المؤمنة بإحساسها الرقيق، كأنه حاسة من النور كبت في شعورها، وتلك النفس الفاجرة بإحساسها الغليظ، كأنه حاسة من التراب....
ويكاد المؤمن الذي يسمع هذا الوصف يذكّره ذنوبه أن يحس بحركة جبل يهمُّ أن ينقلع فيميل عليه، أما الفاجر فيسمعه يذكّره ذنوبه فإذا هي في خياله نقط سود تمر مرور الذباب، ليس منه إلا الحس به، كما يحس من يضرب على أنفه برجل ذبابة.. وجعل الذباب يمر على أنفه دون عينه أو فمه، وذلك منتهى الجمال في التصوير؛ لأن الذباب إذا وقع على الفم أو العين ثبت وألح، فإذا وقع على قصبة الأنف لم يكد يقف ومر مروره.
الكون في نظر النبي صلى الله عليه وسلم آية الحكمة لا آية الفن، ومنظر المستيقن لا منظر المتخيل، ومادة العبودية لله لا مادة التأله للإنسان، وبذلك حرم الإسلام أشياء وكره أشياء لا يكون الفن بغيرها فنًا، في ضروب من الشعر والتصوير والموسيقى والحب؛ لأنه إنما ينظر للإنسان واحدًا وجمعًا، وحاضرًا وآتيًا؛ وواجبًا ومنفعة، ولذة وألمًا؛ وهذه كلها لا إطلاق فيها إلا من أجل القيد، على حين أن الفن لا قيد فيه إلا من أجل الإطلاق، وأساس الدين حظ الجماعة وقيودها، وأساس الفن الفرد وحريته؛ وهذه الحياة لا تبدو في حالة تركيب وانتظام إلا إذا كانت للكل، فإذا كانت لفرد ظهرت في هيئة انحلال وانتقاض، وأصبحت في الكون كله عمر إنسان واحد.
ثم إن للفن ألوانًا لا بد منها لتصويره الجميل الذي تعجب به النفس، والشيطان هو اللون الأحمر فيها ... أي هو أشدها زهوًا وإشراقًا وجمالًا في التصوير الفني لكل ما في المرأة والحب والجمال وشهوات النفس، ولسنا ننكر أن الحياة القوية حين تمازجها هذه الفنون تكسب مرحًا ونشاطًا ويكون لها رونق، وفيها متاع؛ ولكن الحياة لا تكون بها كذلك إلا من أنها تحتسي خمرها ... فلها بعد من عاقبة هذه الفنون شبيه بما يكون للجسم القوي من عاقبة الخمر إذا تغلغلت الخمر في شعاب كبده وأحاطت رطبتها يابسة، كما وقع في أطوار كثيرة من تاريخ الأمم؛ فليس الاعتبار في هذا التشبيه بما يعرض من تأثير الساعة الزائلة بأفراحها وفن حياتها، بل الشأن للعاقبة المحتومة متى جاءت ساعتها الباقية بأحزانها وفن هلاكها، فالإسلام فيما حرم وكره من ذلك لم يزد على أن أراد للحياة أن تحيا؛ لأنه لا يقر صورة من صور انتحارها.
(3/19)

ومن كان أكبر عمله إنشاء الحقائق الإنسانية وتقريرها شريعة وعاطفة وأعمالًا، فلا جرم كان فنه غير الذي أكبر عمله تمويه تلك الحقائق وزخرفتها؛ ليقع الإحساس بها على غير وجهها، فتخف بالواقع منها على النفس خفة الكذب في ساعة تصديقه وهذا هو أكبر عمل الشعر.
وههنا سر دقيق لا يتم كلامنا إلا بشرحه؛ لنقطع القول في هذا المعنى، فيظهر حقه من باطله قلنا آنفًا إن النبي صلى الله عليه وسلم ليس كغيره من بلغاء الناس؛ يتصل بالطبيعة يستملي منها، بل هو نبي مرسل متصل بمصدرها الأزلي ليملي فيها، ومعنى هذا أنه لا يعرض له من زيغ النفس ما يعرض لغيره من الناس، فأحكم حكماء الدنيا لا يستطيع أن يتبين جزءًا صغيرًا من الكون فهمًا صادقًا جزمًا لا يتم إلا بفهم الكون بأجمعه، فهو كله ذرة مكبرة إلى ما لا ينتهي ولا يحد، وليست النبوة شيئًا غير الاتصال بالسر.
والحاضر الذي يكون في إنسان من الناس، هو حاضر ليس غير؛ لأنه يتحول ويفنى، فهو من الزيغ الذي يعتري النفس، ومنه كل أغراض الحياة البشرية الفانية، ولهذا كان طابع الله على نبينا صلى الله عليه وسلم هو تجريده من زيغ الهوى وسرف الطبيعة، فهو من الناس ولكنه متخلق بأخلاق الله سبحانه، وله في هذا الباب ما ليس لأحد ولا يطيقه أحد، ويجب على من يقرأ سيرته وشمائله وحديثه أن يبحث دائمًا عن طابع الله في كل شيء منها، فإنه سيرى حينئذ كأنه يدرسها مع الملائكة لا مع الناس، وسيظهر له من تفسيرها أن الدنيا لم تستطع تحقيق غايتها الأخلاقية العليا إلا فيها، وأنه صلى الله عليه وسلم كان إنسانًا، وكان أيضًا حركة في تقدم الإنسانية؛ وأن من معجزاته أنه أطلق في تاريخه ما عجزت عنه البشرية في تاريخها، وأن كل أموره صلى الله عليه وسلم موضوعة وضعًا إلهيًّا كأنها صفات كوَّنها الله وعلقها في التاريخ لمعاني الحياة، تعليق الشمس في السماء لمواد الحياة.
إن الشهوات والمصالح إنما هي حصر النفس في جانب من الشعور محدود بلذات وهموم وأحاسيس تجعل غرض الإنسان نفسه، فهو كما يملأ معدته ويتأنق في الاختيار لها، يريد من كل ذلك أن يملأ شخصه على هذه الطريقة بعينها، طريقة إشباع معدته.. وبهذا تسخر منه حقائق الكون؛ لأنها لا تحد بشخص، ولا تنحصر في أحد، وكل من كانت حدوده الإنسانية جسمه ولذات جسمه، فهو في مقدار هذا الكون كالميت المحدود من الأرض كلها بقبره وتراب
(3/20)

قبره؛ وإنه ليجد جسمه وأكاذيب الطبيعة عليه، ولكنه لن يجد الروح وحقائقها؛ وإذا لم يجد هذه فلن يعرف الكون وأسراره؛ وإذا فقد هذا فهو الحاضر الضيق المشوه المكذوب، ومن ثم ففنه شهوة إحساسه وإن كان مخدوعًا، وشهوة نظره وإن كان ملبسًا عليه، وشهوة خياله، وإن كان التمويه والزور والحاضر الضيق المشوه المكذوب الخادع هو المسمى في لغة القرآن والحديث "بالدنيا" فإذا اتسع الإنسان لروحه وأدرك حقيقتها، ووعى ما بينها وبين الكون؛ وأخذ يحقق هذه الروح السماوية في أعماله، وتخطى حدود جسمه إلى فكرة الخلود؛ فهذا كله هو المسمى في لغة القرآن والحديث "بالآخرة"؛ فهما كلمتان في منتهى الإبداع من الفن والفلسفة؛ وعلى ذلك يؤول قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته: "من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة؛ ومن كان همه الدنيا فرق الله أمره وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له".
وأنت إذا فسرت هذه الكلمات بما وصفنا لك ووجهتها على ذلك التأويل، رأيت عجائب معانيها لا تنقضي، وأدركت سر قوله صلى الله عليه وسلم: "إني على علم من الله علمنيه" فاتساع الذات الإنسانية وممادَّتها لحقائق الكون، يجعل الإنسان كالكون نفسه، مجتمعًا غير مفرق على هموم الحياة؛ ويجعل الغنى معنى لا مادة؛ ولو امتلك إنسان من الناس كل ما طلعت عليه الشمس، وكان له كنز في الشرق وكنز في المغرب، لما بلغ شيئًا قليلًا من لذة هذا المعنى في قلبه؛ وفي هذه الحالة تصبح الدنيا العريضة التي يهلك الناس في تحصيلها وليست إلا ضرورة صغيرة، قد تكون في ثوب ولقيمات ونحوها مما لا خطر له، وهذا هو إرغامها وهي مالكة الملوك، فإذا ضاق الإنسان عن روحه أصبحت النفس كالمنخل يوضع الدقيق الناعم فيه؛ ليخرج منه فيمسكه كله ولا يمسك منه شيئًا، ووضع بين عينيها معنى الفقر، فهي تعمل أبدًا لتمتلئ، ولا تمتلئ أبدًا؛ وإذا كان المنخل متخذًا على الطريقة التي صنع بها، ففقره ولا جرم معلق عليه من ذات تركيبه. "أفهمت"؟
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم متساوقًا مع الحقيقة، متصلًا بها، محدودًا بربه لا بنفسه، كان لذلك خارجًا من حاضر ما نحن فيه، ممتدًا بمعناه الإنساني الكامل إلى المستقبل الذي وراء الحياة، فما نحصره نحن بطبيعتنا في بعض الأسماء لا يلتفت هو إليه بطبيعته؛ ومن ذلك أوصاف الغنى والحلية والنعيم والمتاع والجمال والمطعم والمشرب، وما داخل الطبيعة من مثل معانيها، وما جرى هذا المجرى، فهذا كله يراه الناس من جهة الحاجة إليه والمطمع فيه؛ إذ كان ضعف إدراكهم
(3/21)

وضيق وعيهم مما يبدع لهم أكاذيب الخيال، فتجيء من ذلك أوصافهم وفنون أوصافهم؛ أما النبي صلى الله عليه وسلم فيرى ذلك من ناحية الغنى عنه والسمو عليه؛ إذ كان لا ينظر بطبيعة روحه العظيمة إلا أعلى النظرين وأطهرهما، فآخر إدراكنا للحقيقة والطبيعة أول إدراكه هو الطبيعة والحقيقة، وما تعجز عنه الإنسانية تبدأ منه النبوة.
وعلى هذا فإن من أقوى البراهين على كماله صلى الله عليه وسلم ونبوته واتساع روحه ونفاذ إدراكه لحقائق الكون -أنه لم يتبسط في تلك الفنون كما يصنع البلغاء، ولم يأخذ مأخذهم فيها؛ إذ كانت كلها من أكاذيب القلب والفكر والعين.
وفي قانون الحقيقة أن الأشياء هي كل الأشياء وهي كما هي، أما في قانون الكذب فالأشياء كلها هي ما تختاره أنت منها، وكما تختاره.
بحسب الدنيا من جمال فنه صلى الله عليه وسلم ما يضيف إلى الحياة عظمة الأشياء العظيمة، ويدفع الإنسانية في طريقها الواحد الذي هو بين الأب والأم، طريق الأخ إلى أخيه، يكون في الدنيا بين الرجلين كما هو في الدم بين القلبين رحمة ومودة؛ وبحسبنا من جمال هذا الفن ما يهدي الإنسان إلى حقيقة نفسه؛ فيقره في الحقيقي من وجوده الإنساني؛ ويجعل الفضائل كلها تربية للقلب؛ يكبر بها، ثم يكبر، ثم لا يزال يكبر حتى يتسع لحقيقة هذه الكلمة الكبرى: الله أكبر.
(3/22)

قرآن الفجر 1:
كنت في العاشرة من سني وقد جمعت القرآن كله حفظًا وجودة بأحكام القراءة؛ ونحن يومئذ في مدينة "دمنهور" عاصمة البحيرة؛ وكان أبي -رحمه الله- كبير القضاة الشرعيين في هذا الإقليم، ومن عادته أنه كان يعتكف كل سنة في أحد المساجد عشرة الأيام الأخيرة من شهر رمضان، يدخل المسجد فلا يبرحه إلا ليلة عيد الفطر بعد انقضاء الصوم؛ فهناك يتأمل ويتعبد ويتصل بمعناه الحق، وينظر إلى الزائل بمعنى الخالد، ويطل على الدنيا إطلال الواقف على الأيام السائرة ويغير الحياة في عمله وفكره، ويهجر تراب الأرض فلا يمشي عليه، وتراب المعاني الأرضية فلا يتعرض له، ويدخل في الزمن المتحرر من أكثر قيود النفس، ويستقر في المكان المملوء للجميع بفكرة واحدة لا تتغير؛ ثم لا يرى من الناس إلا هذا النوع المرطب الروح بالوضوء، المدعوّ إلى دخول المسجد بدعوة القوة السامية، المنحني في ركوعه؛ ليخضع لغير المعاني الذليلة، الساجد بين يدي ربه؛ ليدرك معنى الجلال الأعظم.
وما هي حكمة هذه الأمكنة التي تقام لعبادة الله؟ إنها أمكنة قائمة في الحياة، تشعر القلب البشري في نزاع الدنيا أنه في إنسان لا في بهيمة ...
وذهبت ليلة فبتُّ عند أبي في المسجد؛ فلما كنا في جوف الليل الأخير أيقظني للسحور، ثم أمرني فتوضأت لصلاة الفجر وأقبل هو على قراءته؛ فلما كان السحر الأعلى هتف بالدعاء المأثور: اللهم لك الحمد؛ أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد؛ أنت بهاء السموات والأرض، ولك الحمد؛ أنت زين السموات والأرض، ولك الحمد؛ أنت قيّام السموات والأرض ومن فيهن ومن عليهن؛ أنت الحق ومنك الحق ... إلى آخر الدعاء.
__________
1 أنشأها قبل موته بثلاثة أشهر، فاعجب له يذكر أوليته وهو على أبواب آخرته..!
(3/23)

وأقبل الناس ينتابون المسجد، فانحدرنا من تلك العلية التي يسمونها "الدكة" وجلسنا ننتظر الصلاة. وكانت المساجد في ذلك العهد تضاء بقناديل الزيت، في كل قنديل ذبالة يرتعش النور فيها خافتًا ضئيلًا يبص بصيصًا كأنه بعض معاني الضوء لا الضوء نفسه؛ فكانت هذه القناديل والظلام يرتج حولها، تلوح كأنها شقوق مضيئة في الجو، فلا تكشف الليل ولكن تكشف أسراره الجميلة، وتبدو في الظلمة كأنها تفسير ضعيف لمعنى غامض يومئ إليه ولا يبينه، فما تشعر النفس إلا أن العين تمتد في ضوئها من المنظور إلى غير المنظور كأنها سر يشف عن سر.
وكان لها منظر كمنظر النجوم يتم جمال الليل بإلقائه الشعل في أطرافه العليا وإلباس الظلام زينته النوارنية؛ فكان الجالس في المسجد وقت السحر يشعر بالحياة كأنها مخبوءة، ويحس في المكان بقايا أحلام، ويسري حوله ذلك المجهور الذي سيخرج منه الغد؛ وفي هذا الظلام النوراني تنكشف له أعماقه منسكبًا فيها روح المسجد، فتعتريه حالة روحانية يستكين فيها للقدر هادئًا وادعًا راجعًا إلى نفسه، مجتمعًا في حواسه، منفردًا بصفاته، منعكسًا عليه نور قلبه؛ كأنه خرج من سلطان ما يضيء عليه النهار، أو كأن الظلمة قد طمست فيه على ألوان الأرض.
ثم يشعر بالفجر في ذلك الغبش عند اختلاط آخر الظلام بأول الضوء، شعورًا نديًّا كأن الملائكة قد هبطت تحمل سحابة رقيقة تمسح بها على قلبه؛ ليتنضر من يبس، ويرق من غلظة، وكأنما جاؤوه مع الفجر؛ ليتناول النهار من أيديهم مبدوءًا بالرحمة مفتتحًا بالجمال؛ فإذا كان شاعر النفس التقى فيه النور السماوي بالنور الإنساني فإذا هو يتلألأ في روحه تحت الفجر.
لا أنسى أبدًا تلك الساعة ونحن في جو المسجد، والقناديل معلقة كالنجوم في مناطها من الفلك، وتلك السرج ترتعش فيها ارتعاش خواطر الحب، والناس جالسون عليهم وقار أرواحهم، ومن حول كل إنسان هدوء قلبه وقد استبهمت الأشياء في نظر العين ليلبسها الإحساس الروحاني في النفس، فيكون لكل شيء معناه الذي هو منه ومعناه الذي ليس منه، فيخلق فيه الجمال الشعري كما يخلق للنظر المتخيل.
لا أنسى أبدًا تلك الساعة. وقد انبعث في جو المسجد صوت غرد رخيم يشق سدفة الليل في مثل رنين الجرس تحت الأفق العالي وهو يرتل هذه الآيات من آخر سورة النحل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
(3/24)

بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} .
وكان هذا القارئ يملك صوته أتم ما يملك ذو الصوت المطرب؛ فكان يتصرف به أحلى مما يتصرف القمري وهو ينوح في أنغامه، وبلغ في التطريب كل مبلغ يقدر عليه القادر، حتى لا تفسر اللذة الموسيقية بأبدع مما فسرها هذا الصوت؛ وما كان إلا كالبلبل هزته الطبيعة بأسلوبها في جمال القمر، فاهتز يجاوبها بأسلوبه في جمال التغريد.
كان صوته على ترتيب عجيب في نغماته، يجمع بين قوة الرقة وبين رقة القوة، ويضطرب اضطرابًا روحانيًا كالحزن اعتراه الفرح على فجأة؛ يصيح الصيحة تترجح في الجو وفي النفس، وتتردد في المكان وفي القلب، ويتحول بها الكلام الإلهي إلى شيء حقيقي، يلمس الروح فيرفضّ عليها بمثل الندى، فإذا هي ترف رفيفًا، وإذا هي كالزهرة التي مسحها الطل.
وسمعنا القرآن غضًا طريًا كأول ما نزل به الوحي، فكان هذا الصوت الجميل يدور في النفس كأنه بعض السر الذي يدور في نظام العالم، وكان القلب وهو يتلقى الآيات كقلب الشجرة يتناول الماء ويكسوها منه.
واهتز المكان والزمان كأنما تجلى المتكلم سبحانه وتعالى في كلامه، وبدا الفجر كأنه واقف يستأذن الله أن يضيء من هذا النور!
وكنا نسمع قرآن الفجر وكأنما محيت الدنيا التي في الخارج من المسجد وبطل باطلها، فلم يبق على الأرض إلا الإنسانية الطاهرة ومكان العبادة؛ وهذه هي معجزة الروح متى كان الإنسان في لذة روحه مرتفعًا على طبيعته الأرضية.
أما الطفل الذي كان فيَّ يومَئذ فكأنما دعي بكل ذلك؛ ليحمل هذه الرسالة ويؤديها إلى الرجل الذي يجيء فيه من بعد؛ فأنا في كل حالة أخضع لهذا الصوت: ادع إلى سبيل ربك؛ وأنا في كل ضائقة أخشع لهذا الصوت: واصبر وما صبرك إلا بالله!
(3/25)

اللغة والدين والعادات 1 باعتبارها من مقومات الاستقلال:
ليست حقيقة الأمة في هذا الظاهر الذي يبدو من شعب مجتمع محكوم بقوانينه وأوضاعه؛ ولكن تلك الحقيقة هي الكائن الروحي المكتنِّ في الشعب، الخالص له من طبيعته، المقصور عليه في تركيبه كعصير الشجرة؛ لا يرى عمله والشجرة كلها هي عمله.
وهذا الكائن الروحي هو الصورة الكبرى للنسب في ذوي الوشيجة من الأفراد، بيد أنه يحقق في الشعب قرابة الصفات بعضها من بعض؛ فيجعل للأمة شأن الأسرة، ويخلق في الوطن معنى الدار، ويوجد في الاختلاف نزعة التشابه، ويرد المتعدد إلى طبيعة الوحدة، ويبدع للأمة شخصيتها المتميزة، ويوجب لهذه الشخصية بإزاء غيرها قانون التناصر والحمية؛ إذ يجعل الخواطر مشتركة، والدواعي مستوية، والنوزاع متآزرة؛ فتجتمع الأمة كلها على الرأي: تتساند له بقواها ويشد بعضها بعضًا فيه؛ وبهذا كله يكون روح الأمة قد وضع في كلمة الأمة معناها.
والخلق القوي الذي ينشئه للأمة كائنها الروحي، هو المبادئ المنتزعة من أثر الدين واللغة والعادات، وهو قانون نافذ يستمد قوته من نفسه؛ إذ يعمل في الحيز الباطن من وراء الشعور، متسلطًا على الفكر، مصرفًا لبواعث النفس؛ فهو وحده الذي يملأ الحي بنوع حياته، وهو طابع الزمن على الأمم، وكأنه على التحقيق وضع الأجداد علامتهم الخاصة على ذريتهم.
أما اللغة فهي صورة وجود الأمة بأفكارها ومعانيها وحقائق نفوسها، وجودًا متميزًا قائمًا بخصائصه؛ فهي قومية الفكر، تتحد بها الأمة في صور التفكير وأساليب أخذ المعنى من المادة؛ والدقة في تركيب اللغة دليل على دقة الملكات
__________
1 أنشأها للمسابقة الأدبية العامة في عهد على ماهر "باشا" سنة 1936، وانظر ص131 "حياة الرافعي".
(3/26)

في أهلها، وعمقها هو عمق الروح ودليل الحسن على ميل الأمة إلى التفكير والبحث في الأسباب والعلل، وكثرة مشتقاتها برهان على نزعة الحرية وطماحها؛ فإن روح الاستعباد ضيق لا يتسع، ودأبه لزوم الكلمة والكلمات القليلة.
وإذا كانت اللغة بهذه المنزلة، وكانت أمتها حريصة عليها، ناهضة بها، متسعة فيها، مكبرة شأنها، فما يأتي ذلك إلا من روح التسلط في شعبها والمطابقة بين طبيعته وعمل طبيعته، وكونه سيد أمره؛ ومحقق وجوده، ومستعمل قوته، والآخذ بحقه، فأما إذا كان منه التراخي والإهمال وترك اللغة للطبيعة السوقية، وإصغار أمرها، وتهوين خطرها، وإيثار غيرها بالحب والإكبار؛ فهذا شعب خادم لا مخدوم، تابع لا متبوع، ضعيف عن تكاليف السيادة، لا يطيق أن يحمل عظمة ميراثه، مجتزئ ببعض حقه، مكتفٍ بضرورات العيش، يوضع لحكمه القانون الذي أكثره للحرمان وأقله للفائدة التي هي كالحرمان.
لا جرم كانت لغة الأمة هي الهدف الأول للمستعمرين؛ فلن يتحول الشعب أول ما يتحول إلا من لغته؛ إذ يكون منشأ التحول من أفكاره وعواطفه وآماله، وهو إذا انقطع من نسب لغته انقطع من نسب ماضيه، ورجعت قوميته صورة محفوظة في التاريخ، لا صورة محققة في وجوده؛ فليس كاللغة نسب للعاطفة والكفرة حتى أن أبناء الأب الواحد لو اختلفت ألسنتهم فنشأ منهم ناشئ على لغة، ونشأ الثاني على أخرى، والثالث على لغة ثالثة، لكانوا في العاطفة كأبناء ثلاثة آباء.
وما ذلت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار؛ ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضًا على الأمة المستعمرة، ويركبهم بها، ويشعرهم عظمته فيها، ويستلحقهم من ناحيتها؛ فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثة في عمل واحد: أما الأول فحبس لغتهم في لغته سجنًا مؤبدًا؛ وأما الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محوًا ونسيانًا؛ وأما الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها؛ فأمرهم من بعدها لأمره تبع.
والذين يتعلقون اللغات الأجنبية ينزعون إلى أهلها بطبيعة هذا التعلق، إن لم تكن عصبيتهم للغتهم قوية مستحكمة من قبل الدين أو القومية؛ فتراهم إذا وهنت فيهم هذه العصبية يخجلون من قوميتهم ويتبرؤون من سلفهم وينسلخون من تاريخهم، وتقوم بأنفسهم الكراهة للغتهم وآداب لغتهم، ولقومهم، وأشياء قومهم، فلا يستطيع وطنهم أن يوحي إليهم أسرار روحه؛ إذ لا يوافق منهم استجابة في الطبيعة، وينقادون بالحب لغيره، فيتجاوزونه وهم فيه، ويرثون دماءهم من أهلهم،
(3/27)

ثم تكون العواطف في هذه الدماء للأجنبي، ومن ثم تصبح عندهم قيمة الأشياء بمصدرها لا بنفسها، وبالخيال المتوهم فيها لا بالحقيقة التي تحملها؛ فيكون شيء الأجنبي في مذهبهم أجمل وأثمن؛ لأن إليه الميل وفيه الإكبار والإعظام؛ وقد يكون الوطني مثله أو أجمل منه، بيد أنه فقد الميل، فضعفت صلته بالنفس، فعادت كل مميزاته فضعفت لا تميزه.
وأعجب من هذا في أمرهم، أن أشياء الأجنبي لا تحمل معانيها الساحرة في نفوسهم إلا إذا بقيت حاملة أسماءها الأجنبية، فإن سمي الأجنبي بلغتهم القومية نقص معناه عندهم وتصاغر وظهرت فيه ذلة.. وما ذاك إلا صفر نفوسهم وذلتها؛ إذ لا ينتحون لقوميتهم فلا يلهمهم الحرف من لغتهم ما يلهمهم الحرف الأجنبي.
والشرق مبتلىً بهذه العلة، ومنها جاءت مشاكله أو أكثرها؛ وليس في العالم أمة عزيزة الجانب تقدم لغة غيرها على لغة نفسها، وبهذا لا يعرفون للأشياء الأجنبية موضعًا إلا من وراء حدود الأشياء الوطنية؛ ولو أخذنا نحن الشرقيين بهذا، لكان هذا وحده علاجًا حاسمًا لأكثر مشاكلنا.
فاللغات تتنازع القومية، ولهي والله احتلال عقلي في الشعوب التي ضعفت عصبيتها؛ وإذا هانت اللغة القومية على أهلها، أثرت اللغة الأجنبية في الخلق القومي ما يؤثر الجو الأجنبي في الجسم الذي انتقل إليه وأقام فيه.
أما إذا قويت العصبية، وعزَّت اللغة وثارت لها الحمية، فلن تكون اللغات الأجنبية إلا خادمة يرتفع بها، ويرجع شبر الأجنبي شبرًا لا مترًا.. وتكون تلك العصبية للغة القومية مادة وعونًا لكل ما هو قومي، فيصبح كل شيء أجنبي قد خضع لقوة قاهرة غالبة؛ هي قوة الإيمان بالمجد الوطني واستقلال اوطن؛ ومتى تعين الأول أنه الأول، فكل قوى الوجود لا تجعل الذي بعده شيئًا إلا أنه الثاني.
والدين هو حقيقة الخلق الاجتماعي في الأمة، وهو الذي يجعل القلوب كلها طبقة واحدة على اختلاف المظاهر الاجتماعية عالية ونازلة وما بينهما، فهو بذلك الضمير القانوني للشعب، وبه لا بغيره ثبات الأمة على فضائلها النفسية، وفيه لا في سواه معنى إنسانية القلب.
ولهذا كان الدين من أقوى الوسائل التي يعول عليها في إيقاظ ضمير الأمة، وتنبيه روحها، واهتياج خيالها؛ إذ فيه أعظم السلطة التي لها وحدها لها قوة الغلبة
(3/28)

على الماديات؛ فسلطان الدين هو سلطان كل فرد على ذاته وطبيعته؛ ومتى قوي هذا السلطان في شعب كان حميًّا أبيًّا، لا ترغمه قوة، ولا يعنو للقهر.
ولولا التدين بالشريعة؛ لما استقامت الطاعة للقانون في النفس؛ ولولا الطاعة النفسية للقوانين؛ لما انتظمت أمة؛ فليس عمل الدين إلا تحديد مكان الحي في فضائل الحياة؛ وتعيين تبعته في حقوقها وواجباتها، وجعل ذلك كله نظامًا مستقرًا فيه لا يتغير، ودفع الإنسان بهذا النظام نحو الأكمل، ودائمًا نحو الأكمل.
وكل أمة ضعُف الدين فيها اختلت هندستها الاجتماعية وماج بعضها في بعض؛ فإن من دقيق الحكمة في هذا الدين أنه لم يجعل الغاية الأخيرة من الحياة غاية في هذه الأرض؛ وذلك لتنتظم الغايات الأرضية في الناس فلا يأكل بعضهم بعضا فيغتني الغني وهو آمن، ويفتقر الفقير وهو قانع، ويكون ثواب الأعلى في أن يعود على الأسفل بالمبرة، وثواب الأسفل في أن يصبر على ترك الأعلى في منزلته؛ ثم ينصرف الجميع بفضائلهم إلى تحقيق الغاية الإلهية الواحدة، التي لا يكبر عليها الكبير، ولا يصغر عنها الصغير؛ وهي الحق، والصلاح، والخير، والتعاون على البر والتقوى.
وما دام عمل الدين هو تكوين الخلق الثابت الدائب في عمله، المعتز بقوته، المطمئن إلى صبره، النافر من الضعف، الأبي على الذل، الكافر بالاستعباد، ومفاداته، العامل في مصلحة الجماعة، المقيد في منافعه بواجباته نحو الناس؛ ما دام عمل الدين هو تكوين هذا الخلق فيكون الدين في حقيقته هو جعل الحس بالشريعة أقوى من الحس بالمادة؛ ولعمري ما يجد الاستقلال قوة هي أقوى له وأرد عليه من هذا المعنى إذا تقرر في نفوس الأمة وانطبعت عليه.
وهذه الأمة الدينية التي يكون واجبها أن تشرف وتسود وتعتز، ويكون واجب هذا الواجب فيها ألا تسقط ولا تخضع ولا تذل.
وبتلك الأصول العظيمة التي ينشئها الدين الصحيح القوي في النفس، يتهيأ النجاح السياسي للشعب المحافظ عليه المنتصر له؛ إذ يكون من الخلال الطبيعية في زعمائه ورجاله الثبات على النزعة السياسية، والصلابة في الحق، والإيمان بمجد العمل، وتغليب ذلك على الأحوال المادية التي تعترض ذا الرأي؛ لتفتنه عن رأيه ومذهبه؛ من مال، أو جاه، أو منصب، أو موافقة الهوى، أو خشية النقمة، أو خوف الوعيد ... إلى غيرها من كل ما يستميل الباطل أو يرهب به الظلم.
(3/29)

ولا يذهبن عنك أن الرجل المؤمن القوي الإيمان الممتلئ ثقة ويقينًا ووفاء وصدقًا وعزمًا وإصرارًا على فضيلته وثباتًا على ما يلقى في سبيلها لا يكون رجلًا كالناس؛ بل هو رجل الاستقلال الذي واجبه جزء من طبيعته وغايته السامية لا تنفصل عنه، هو رجل صدق المبدأ، وصدق الكلمة، وصدق الأمل، وصدق النزعة؛ وهو الرجل الذي ينفجر في التاريخ كلما احتاجت الحياة الوطنية إلى إطلاق قنابلها للنصر.
والعادات هي الماضي الذي يعيش في الحاضر، وهي وحدة تاريخية في الشعب، تجمعه كما يجمعه الأصل الواحد؛ ثم هي كالدين في قيامها على أساس أدبي في النفس، وفي اشتمالها على التحريم والتحليل؛ وتكاد عادات الشعب تكون دينًا ضيقًا خاصًّا به، يحصره في قبيله ووطنه، ويحقق في أفراده الألفة والتشابك، ويأخذهم جميعًا بمذهب واحد؛ هو إجلال الماضي.
وإجلال الماضي في كل شعب تاريخي هو الوسيلة الروحية التي يستوحي بها الشعب أبطاله، وفلاسفته، وعلماءه وأدباءه، وأهل الفن منه؛ فيوحون إليه وحي عظمائهم التي لم يغلبها الموت؛ وبهذا تكون صورهم العظيمة حية في تاريخه، وحية في آماله وأعصابه.
والعادات هي وحدها التي تجعل الوطن شيئًا نفسيًّا حقيقيًّا، حتى ليشعر الإنسان أن لأرضه أمومة الأم التي ولدته، ولقومه أبوة الأب الذي جاء به إلى الحياة، وليس يعرف هذا إلا من اغترب عن وطنه، وخالط غير قومه، واستوحش من غير عاداته؛ فهناك يثبت الوطن نفسه بعظمة وجبروت كأنه وحده هو الدنيا.
وهذه الطبيعة الناشئة في النفس من أثر العادات هي التي تنبه في الوطني روح التميز عن الأجنبي، وتوحش نفسه منه كأنها حاسة الأرض تنبه أهلها وتنذرهم الخطر.
ومتى صدقت الوطنية في النفس أقرت كل شيء أجنبي في حقيقته الأجنبية؛ فكان هذا هو أول مظاهر الاستقلال، وكان أقوى الذرائع إلى المجد الوطني.
وباللغة والدين والعادات، ينحصر الشعب في ذاته السامية بخصائصها ومقوماتها، فلا يسهل انتزاعه منها ولا انتساقه من تاريخه؛ وإذا ألجئ إلى حال من القهر لم ينخذل ولم يتضعضع، واستمر يعمل ما تعمله الشوكة الحادة إن لم تُترك لنفسها، لم تعط من نفسها إلا الوخز.....
(3/30)

تجديد الإسلام: 1 رسالة الأزهر في القرن العشرين *
"الأزهر" هذه هي الكلمة التي لا يقابلها في خيال الأمة المصرية إلا كلمة الهرم؛ وفي كلتا اللفظتين يكمن سر خفي من أسرار التاريخ التي تجعل بعض الكلمات ميراثًا عقليًّا للأمة، ينسي مادة اللغة فيها ولا يبقي منها إلا مادة النفس؛ إذ تكون هذه الكلمات تعبيرًا عن شيء ثابت ثبات الفكرة التي لا تتغير، مستقر في الروح القومية استقراره في الزمن، متجسم من معناه كأن الطبيعة قد أفردته بمادته دون ما يشاركه في هذه المادة؛ فالحجر في الهرم الأكبر يكاد يكون في العقل زمانًا لا حجرًا، وفنًّا لا جسمًا؛ والمكان في الأزهر يغيب فيه معنى المكان وينقلب إلى قوة عقلية ساحرة توجد في المنظور غير المنظور.
وعندي أنَّ الأزهر في زماننا هذا يكاد يكون تفسيرًا جديدًا للحديث: "مصر كنانة الله في أرضه" فعلماؤه اليوم أسهمٌ نافذةٌ من أسهمِ الله يرمي بها من أراد دينه بالسوء، فيمسكها للهبة ويرمي بها للنصر؛ ويجب أن يكون هذا المعنى أول معانيهم في هذا القرن العشرين الذي ابتلي بملء عشرين قرنًا من الجرأة على الأديان وإهمالها والإلحاد فيها.
أول شيء في رسالة الأزهر في القرن العشرين أن يكون أهله قوة إلهية معدة للنصر، مهيأة للنضال، مسددة للإصابة، مقدرة في طبيعتها أحسن تقدير، تشعر الناس بالاطمئنان إلى عملها، وتوحي إلى كل من يراها الإيمان الثابت الثالث بمعناها؛ ولن يأتي لهم هذا إلا إذا انقلبوا إلى طبيعتهم الصحيحة، فلا يكون العلم تحرفًا ولا مهنة ولا مكسبة3، ولا يكون في أوراق الكتب خيال "أوراق البنك" ... بل
__________
1 أنشأها للمسابقة الأدبية العامة.
* لم نتكلم في هذه المقالة عن اللغة والأدب وتفصيل علوم الأزهر؛ لأن هذه هي مادة الأزهر لا رسالته الجديدة في رأينا.
** أي احتراف العلم للتكسب به كما نراه اليوم.
(3/31)

تظهر فيهم العظمة الروحانية آمرة ناهية في المادة، لا مأمورة منهية بها؛ ويرتفع كل منهم بنفسه، فيكون مقرر خلق في الحياة قبل أن يكون معلم علم في الحياة؛ لينبثَّ منهم مغناطيس النبوة يجذب النفوس بهم أقوى مما تجذبها ضلالات العصر؛ فما يحتاج الناس في هذا الزمن إلى العالم -وإن الكتب والعلوم لتملًا الدنيا- وإنما يحتاجون إلى ضمير العالم.
وقد عجزت المدنية أن توجد هذا الضمير، مع أن الإسلام في حقيقته ليس شيئًا إلا قانون هذا الضمير؛ إذ هو دين قائم على أن الله لا ينظر من الإنسان إلى صورته ولكن إلى عمله؛ فأول ما ينبغي أن يحمله الأزهر من رسالته: ضمائر أهله.
والناس خاضعون للمادة بقانون حياتهم، وبقانون آخر هو قانون القرن العشرين.. فهم من ثم في أشد الحاجة إلى أن يجدوا بينهم المتسلط على المادة بقانون حياته؛ ليروا بأعينهم القوى الدنيئة مغلوبة، ثم ليجدوا في هذا الإنسان أساس القدوة والاحتذاء، فيتصلوا منه بقوتين: قوة التعليم، وقوة التحويل.
وهذا هو سر الإسلام الأول الذي نفذ به من أمة إلى أمة ولم يقم له شيء يصده؛ إذ كان ينفذ في الطبيعة الإنسانية نفسها.
ومن أخص واجبات الأزهر في هذا القرن العشرين أن يعمل أول شيء لإقرار معنى الإسلام الصحيح في المسلمين أنفسهم؛ فإن أكثرهم اليوم قد أصبحوا مسلمين بالنسب لا غير.. وما منهم إلا من هو في حاجة إلى تجديد إسلامه.
والحكومات الإسلامية عاجزة في هذا؛ بل هي من أسباب هذا الشر؛ لأن لها وجودًا سياسيًّا ووجودًا مدنيًّا؛ أما الأزهر فهو وحده الذي يصلح لإتمام نقص الحكومة في هذا الباب، وهو وحده الذي يسعه ما تعجز عنه؛ وأسباب نجاحه مهيأة ثابتة؛ إذ كان له بقوة التاريخ حكم الزعامة الإسلامية، وكانت فيه عند المسلمين بقية الوحي على الأرض، ثم كان هو صورة المزاج النفسي الإسلامي المحض؛ بيد أنه فرط في واجب هذه الزعامة، وفقد القوة التي كان يحكم بها، وهي قوة المثل الأعلى التي كانت تجعل الرجل من علمائه كما قلنا مرة: إنسانًا تتخيره المعاني السياسية تظهر فيه بأسلوب عملي، فيكون في قومه ضربًا من التربية والتعليم بقاعدة منتزعة من مثالها، مشروحة بهذا المثال نفسه.
والعقيدة في سواد الناس بغير هذا المثل الأعلى هي أول مغلوب في صراع قوى الحياة.
(3/32)

لقد اعتاد المسلمون من قديم أن يجعلوا أبصارهم إلى علماء الأزهر، فهم يتبعونهم، ويتأسون بهم، ويمنحونهم الطاعة، وينزلون على حكمهم، ويلتمسون في سيرتهم النفس لمشكلات النفس، ويعرفون بهم معنى صغر الدنيا ومعنى كبر الأعمال العظيمة؛ وكان غنى العالم الديني شيئًا غير المال، بل شيئًا أعظم من المال؛ إذ كان يجد حقيقة الغنى في إجلال الناس لفقره كأنه ملك لا فقر؛ وكان زهده قوة حاكمة فيها الصلابة والشدة والهيبة والسمو، وفيها كل سلطان الخير والشر؛ لأن فيها كل النزعات الاستقلالية؛ ويكاد الزهد الصحيح يكون هو وحده القوة التي تجعل علماء الدين حقائق مؤثرة عاملة في حياة الناس أغنيائهم وفقرائهم، لا حقائق متروكة لنفسها يوحش الناس منها أنها متروكة لنفسها.
وعلماء الأزهر في الحقيقة هم قوانين نفسية نافذة على الشعب، وعملهم أرد على الناس من قوانين الحكومة، بل هم التصحيح لهذه القوانين إذا جرت الأمور على عللها وأسبابها؛ فيجب عليهم أن يحققوا وجودهم، وأن يتناولوا الأمة من ناحية قلوبها وأرواحها، وأن يعدوا تلاميذهم في الأزهر كما يعدون القوانين الدقيقة، لا طلابًا يرتزقون بالعلم.
أين صوت الأزهر وعمله في هذه الحياة المائجة بما في السطح وما في القاع ... وأين وحي هذه القوة التي ميثاقها أن تجعل النبوة كأنها شيء واقع في الحياة العصرية لا خبر تاريخي فيها؟
لقد أصبح إيمان المسلمين كأنه عادة الإيمان لا الإيمان نفسه؛ ورجع الإسلام في كتبه الفقهية وكأنه أديان مختلفة متناقضة لا دين واحد. فرسالة الأزهر أن يجدد عمل النبوة في الشعب، وأن ينقي عمل التاريخ في الكتب، وأن يبطل عمل الوثنية في العادات، وأن يعطي الأمة دينها الواضح السمح الميسر، وقانونها العملي الذي فيها سعادتها وقوتها.
ولا وسيلة إلى ذلك إلا أن يكون الأزهر جريئًا في قيادة الحركة الروحية الإسلامية، جريئًا في عمله لهذه القيادة، آخذًا بأسباب هذا العمل، ملحًا في طلب هذه الأسباب، مُصِرًّا على هذا الطلب؛ وكل هذا يكون عبثًا إن لم يكن رجال الأزهر وطلبته أمثلة من الأمثلة القوية في الدين والخلق والصلابة؛ لتبدأ الحالة النفسية فيهم، فإنها إن بدأت لا تقف؛ والمثل الأعلى حاكم بطبيعته على الإنسانية، مطاع بحكمه فيها، محبوب بطاعتها له.
(3/33)

والمادة المطهرة للدين والأخلاق لا تجدها الأمة إلا في الأزهر، فعلى الأزهر أن يثبت أن فيه تلك المادة بإظهار عملها لا بإلصاق الورقة المكتوب فيها الاسم على الزجاجة..
ومن ثم يكون واجب الأزهر أن يطلب الإشراف على التعليم الإسلامي في المدارس، وأن يدفع الحركة الدينية دفعًا بوسائل مختلفة، أولها أن يحمل وزارة المعارف على إقامة فرض الصلاة في جميع مدارسها، من مدرسة حرية الفكر.. فنازلًا، والأمة الإسلامية كلها تشد رأي الأزهر في هذا.
وإذا نحن استخرجنا التفسير العملي لهذه الآية الكريمة: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} دلتنا الآية بنفسها على كل تلك الوسائل، فما الحكمة هنا إلا السياسة الاجتماعية في العمل، وليست الموعظة الحسنة إلا الطريقة النفسية في الدعوة.
العلماء ورثة الأنبياء؛ وليس النبي من الأنبياء إلا تاريخ شدائد ومحن، ومجاهدة في هداية الناس، ومراغمة للوجود الفاسد، ومكابدة التصحيح للحالة النفسية للأمة؛ فهذا كله هو الذي يورث عن الأنبياء لا العلم وتعليمه فقط.
وإذا قامت رسالة الأزهر على هذه الحقائق، وأصبح وجوده هو المعنى المتمم للحكومة، المعاون لها في ضبط الحياة النفسية للشعب وحياطتها وأمنها ورفاهتها واستقرارها -اتجهت طبيعته إلى أداء رسالته الكبرى للقرن العشرين، بعد أن يكون قد حقق الذرائع إلى هذه الرسالة، من فتح باب الاجتهاد، وتنقية التاريخ الفقهي، وتهذيب الروح الإسلامي والسمو به عن المعاني الكلامية الجدلية السخيفة؛ ثم استخراج أسرار القرآن الكريم الكامنة فيه، لهذه العصور العلمية الأخيرة؛ وبعد أن يكون قد اجتمعت فيه القوة التي تمسك الإسلام على سنته بين القديم والجديد، لا ينكره هذا ولا يغيره ذاك، وبعد أن يكون الأزهر قد استفاض على العالم العربي بكتبه ودعاته ومبعوثيه من حاملي علمه ورسل إلهامه.
أما تلك الرسالة الكبرى فهي بث الدعوة الإسلامية في أوربا وأمريكا واليابان، بلغات الأوروبيين والأمريكيين واليابانيين، في ألسنة أزهرية مرهفة مصقولة، لها بيان الأدب، ودقة العلم، وإحاطة الفلسفة، وإلهام الشعر، وبصيرة
__________
1 وزارة التربية والتعليم الآن، الناشر.
(3/34)

الحكمة، وقدرة السياسة؛ ألسنة أزهرية لا يوجد الآن منها لسان واحد في الأزهر، ولكنها لن توجد إلا في الأزهر؛ ولا قيمة لرسالته في القرن العشرين إذا هو لم يوجدها؛ فتكون المتكلمة عنه، والحاملة لرسالته، وما هذه البعثات التي قرر الأزهر ابتعاثها إلى أوربا إلا أول تاريخ تلك الألسنة.
إن الوسيلة التي نشرت الإسلام من قبل لم تكن أجنحة الملائكة، ولا كانت قوة من جهنم؛ ولا تزال هي تنشره؛ فليس مستحيلًا ولا متعذرًا أن يغزو هذا الدين أوربا وأمريكا واليابان كما غزا العالم القديم، ولم يكن السلاح من قبل إلا طريقة لإيجاد إسلام في الأمة الغريبة عنه، حتى إذا وجد تولي هو الدعوة لنفسه بقوة الناموس الطبيعي القائم على أن الأصلح هو الأبقى، وانحازت إليه الإنسانية؛ لأنه قانون طبيعتها السليمة، ودين فطرتها القوية، وقد ظل الإسلام ينتشر ولم يكن يحمله إلا التاجر، كما كان ينتشر وحامله الجيش؛ فليس علينا إلا تغيير السلاح في هذا العصر وجعله سلاحًا من فلسفة الدين وأسرار حكمته؛ فهذا الدين كما قلنا في بعض كلامنا1: أعمال مفصلة على النفس أدق تفصيل وأوفاه بمصلحتها، فهو يعطي الحياة في كل عصر عقلها العملي الثابت المستقر تنظم به أحوال النفس على ميزة وبصيرة، ويدع للحياة عقلها العلمي المتجدد المتغير تنظم به أحوال الطبيعة على قصد وهدى؛ وهذه هي حقيقة الإسلام في أخص معانيه: لا يغني عنه في ذلك دين آخر، ولا يؤدي تأديته في هذه الحاجة أدب ولا علم ولا فلسفة، كأنما هو نبع في الأرض لمعاني النور، بإزاء الشمس نبع النور في السماء.
ليس على الأزهر إلا أن يوجد من الإسلام في تلك الأمم ما يستمر، ثم الاستمرار هو ويجد ما يثبت، والثبات يوجد ما يدوم؛ وكأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أشار إلى هذا في قوله: "نضر الله امرأ سمع مني شيئًا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى له من سامع".
أما والله إن هذا المبلغ الذي هو أوعى له من السامع لن يكون في التاريخ بأدق المعنى إلا أوربا وأمريكا في هذا الزمن العلمي إذا نحن عرفنا كيف نبلغ.
أنا مستيقن أن فيلسوف الإسلام الذي سينشر الدين على يده في أوربا وأمريكا لن يخرج إلا من الأزهر، وما كان الأستاذ الإمام محمد عبده -رحمه الله- إلا أول التطور المنتهي إلى هذه الغاية، وسيكون عمل فلاسفة الأزهر
__________
1 انظر مقالة"الإشراق الإلهي" ص4 ج 2 "وحي القلم".
(3/35)

استخراج قانون السعادة لتلك الأمم من آداب الإسلام وأعماله؛ ثم مخاطبة الأمم بأفكارها وعواطفها، والإفضاء من ذلك إلى ضميرها الاجتماعي فإن أول الدين هناك أسلوبه الذي يظهر به.
هذه هي رسالة الأزهر في القرن العشرين، ويجب أن يتحقق بوسائلها من الآن؛ ومن وسائلها أن يعالن بها؛ لتكون موثقًا عليه. ويحسن بالأزهر في سبيل ذلك أن يضم إليه كل مفكر إسلامي ذي إلهام أو بحث دقيق أو إحاطة شاملة؛ فتكون له ألقاب علمية يمنحهم إياها وإن لم يتخرجوا فيه، ثم يستعين بعلمهم وإلهامهم وآرائهم.
وبهذه الألقاب يمتد الأزهر إلى حدود فكرية بعيدة، ويصبح أوسع في أثره على الحياة الإسلامية، ويحقق لنفسه المعنى الجامعي.
وفي تلك السبيل يجب على الأزهر أن يختار أيامًا في كل سنة يجمع فيها من المسلمين "قرش الإسلام"؛ ليجد مادة النفقة الواسعة في نشر دين الله، وليس على الأرض مسلم ولا مسلمة لا يبسط يده، فما يحتاج هذا التدبير لأكثر من إقراره وتنظيمه وإعلانه في الأمم الإسلامية ومواسمها الكبرى، وخاصة موسم الحج.
وهذا العمل هو نفسه وسيلة من أقوى الوسائل في تنبيه الشعور الإسلامي، وتحقيق المعاونة في نشر الدين وحياطته؛ وعسى أن تكون له نتائج اجتماعية لا موضع لتفصيلها هنا، وعسى أن يكون "قرش الإسلام" مادة لأعمال إسلامية ذات بال، وهو على أي الأحوال صلة روحية تجعل الأزهر كأنه معطيه لكل مسلم لا آخذه.
والخلاصة أن أول رسالة الأزهر في القرن العشرين: اهتداء الأزهر إلى حقيقة موضعه في القرن العشرين: {وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود:120] .
(3/36)

الأسد:
جلس أبو علي أحمد بن محمد الروبادي البغدادي* في مجلس وعظه بمصر بعد وفاة شيخه أبي الحسن بنان الحمال الزاهد الواسطي شيخ الديار المصرية**، وكان يضرب المثل بعبادته وزهده، وقد خرج أكثر أهل مصر في جنازته، فكان يومه يومًا كالبرهان من العالم الآخر لأهل هذه الدنيا؛ ما بقي أحد إلا اقتنع أنه في شهوات الحياة وأباطيلها كالأعمى في سوء تمييزه بين لون التراب ولون الدقيق؛ إذ ينظر كل امرئ في مصالحه ومنافعه مثل هذه النظرة، باللمس لا بالبصر، وبالتوهم لا بالتحقيق، وعلى دليل نفسه في الشيء لا على دليل الشيء في نفسه، وبالإدراك من جهة واحدة دون الإدراك من كل جهة؛ ثم يأتي الموت فيكون كالماء صُبَّ على الدقيق والتراب جميعًا، فلا يرتاب مبصر ولا أعمى، ويبطل ما هو باطل ويحق الذي هو حق.
وتكلم أبو علي فقال: كنت ذات يوم عند شيخنا الجنيد*** في بغداد، فجاءه كتاب من يوسف بن الحسن شيخ الري والجبال في وقته**** يقول فيه: لا أذاقك الله طعم نفسك، فإنك إن ذقتها لم تذق بعدها خيرًا أبدًا! قال: فجعلت أفكر في طعم النفس ما هو، وجاءني ما لم أرضه من الرأي، حتى سمعت بخبر بنان -رحمه الله- مع أحمد بن طولون أمير مصر، فهو الذي كان سبب قدومي إلى هنا؛ لأرى الشيخ وأصحبه وأنتفع به.
والبلد الذي فيه شيخ من أهل الدين الصحيح والنفس الكاملة والأخلاق الإلهية، هو في الجهل كالبلد الذي ليس فيه كتاب من الكتب البتة وإن كان كل أهله علماء، وإن كان في كل محلة منه مدرسة، وفي كل دار من دوره خزانة كتب، فلا تغني هذه الكتب عن الرجال؛ فإنما هي صواب أو خطأ ينتهي إلى العقل، ولكن الرجل الكامل صوابٌ ينتهي إلى الروح، وهو في تأثيره على الناس
__________
* توفي سنة 322.
** توفي سنة 316.
*** توفي سنة 298.
**** كانت وفاته 304.
(3/37)

أقوى من العلم؛ إذ هو تفسير الحقائق في العمل الواقع وحياتها عاملة مرئية داعية إلى نفسها؛ ولو أقام الناس عشر سنين يتناظرون في معاني الفضائل ووسائلها، ووضعوا في ذلك مائة كتاب، ثم رأوا رجلًا فاضلًا بأصدق معاني الفضيلة، وخالطوه وصحبوه لكان الرجل وحده أكبر فائدة من تلك المناظرة وأجدى على الناس منها، وأدل على الفضيلة من مائة كتاب ومن ألف كتاب؛ ولهذا يرسل الله النبي مع كل كتاب منزل؛ ليعطي الكلمة قوة وجودها، ويخرج الحالة النفسية من المعنى المعقول، وينشئ الفضائل الإنسانية على طريقة النسل من إنسانها الكبير.
وما مثل الكتاب يتعلم المرء منه حقائق الأخلاق العالية، إلا كوضع الإنسان يده تحت إبطه؛ ليرفع جسمه عن الأرض؛ فقد أنشأ يعمل، ولكنه لن يرتفع؛ ومن ذلك كان شر الناس هم العلماء والمعلمين إذا لم تكن أخلاقهم دروسًا أخرى تعمل عملًا آخر غير الكلام؛ فإن أحدهم ليجلس مجلس المعلم، ثم تكون حوله رذائله تُعَلِّم تعليمًا آخر من حيث يدري ولا يدري، ويكون كتاب الله مع الإنسان الظاهر منه، وكتاب الشيطان مع الإنسان الخفي فيه.
قال أبو علي: وقدمت إلى مصر؛ لأرى أبا الحسن وآخذ عنه وأحقق ما سمعت من خبره مع ابن طولون، فلما لقيته لقيت رجلًا من تلاميذ شيخنا الجنيد، يتلألأ فيه نوره ويعمل فيه سره؛ وهما كالشمعة، والشمعة في الضوء وإن صغرت واحدة وكبرت واحدة؛ وعلامة الرجل من هؤلاء أن يعمل وجوده فيمن حوله أكثر مما يعمل هو بنفسه، كأن بين الأرواح وبينه نسبًا شابكًا، فله معنى أبوة الأب في أبنائه؛ لا يراه من يراه منهم إلا أحس أنه شخصه الأكبر؛ فهذا هو الذي تكون فيه التكملة الإنسانية للناس، وكأنه مخلوق خاصة لإثبات أن غير المستطاع مستطاع.
ومن عجيب حكمة الله أن الأمراض الشديدة تعمل بالعدوى فيمن قاربها أو لامسها، وأن القوى الشديدة تعمل كذلك بالعدوى فيمن اتصل بها أو صاحبها ولهذا يخلق الله الصالحين ويجعل التقوى فيهم إصابة كإصابة المرض: تصرف عن شهوات الدنيا كما يصرف المرض عنها، وتكسر النفس كما يكسرها ذاك، وتفقد الشيء ما هو به شيء، فتتحول قيمته، فلا يكون بما فيه من الوهم بل بما فيه من الحق.
وإذا عدم الناس هذا الرجل الذي يعديهم بقوته العجيبة فقلما يصلحون للقوة، فكبار الصالحين وكبار الزعماء وكبار القواد وكبار الشجعان وكبار العلماء وأمثالهم -كل هؤلاء من باب واحد، وكلهم في الحكمة ككبار المرضى.
(3/38)

قال أبو علي: وهممت مرة أن أسأل الشيخ عن خبره مع ابن طولون فقطعتني هيبته، فقلت: أحتال بسؤاله عن كلمة شيخ الري: "لا أذاقك الله طعم نفسك"؛ وبينما أهيئ في نفسي كلامًا أجري فيه هذه العبارة، جاء رجل فقال للشيخ: لي على فلان مائة دينار، وقد ذهبت الوثيقة التي كتب فيها الدين، وأخشى أن ينكر إذا هو علم بضياعها؛ فادع الله لي وله أن يظفرني بديني وأن يثبته على الحق. فقال الشيخ: إني رجل قد كبرت وأنا أحب الحلوى، فاذهب فاشتر رطلًا منها وائتني به حتى أدعو لك!
فذهب الرجل فاشترى الحلوى ووضعها له البائع في ورقة فإذا هي الوثيقة الضائعة، وجاء إلى الشيخ فأخبره، فقال له: خذ الحلوى فأطعمها صبيانك لا أذاقنا الله طعم أنفسنا فيما نشتهي! ثم إنه التفت إلي وقال: لو أن شجرة اشتهت غير ما به صحة وجودها وكمال منفعتها فأذيقت طعم نفسها لأكلت نفسها وذوت.
قال أبو علي: والمعجزات التي تحدث للأنبياء، والكرامات التي تكون للأتقياء، وما يخرق العادة ويخرج عن النسق -كل ذلك كقول القدرة عن الرجل الشاذ: هو هذا. فلم تبق بي حاجة إلى سؤال الشيخ عن خبره مع ابن طولون، وكنت كأني أرى بعيني رأسي كل ما سمعت، بيد أني لم أنصرف حتى لقيت أبا جعفر القاضي أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري* ذاك الذي يحدث بكتب أبيه كلها من حفظه وهي واحد وعشرون مصنفًا فيها الكبير والصغير؛ فقال لي: لعلك اشتفيت من خبر بنان مع ابن طولون، فمن أجله زعمت جئت إلى مصر. قلت: إنه تواضع فلم يخبرني وهِبْته فلم أسأله. قال: تعال أحدثك الحديث.
كان أحمد بن طولون** من جارية تركية، وكان طولون أبوه مملوكًا حمله نوح بن أسد عامل بخارى إلى المأمون فيما كان موظفًا عليه من المال والرقيق والبراذين وغير ذلك؛ فولد أحمد في منصب ذلة تستظهر بالطغيان، وكانت هاتان طبيعته إلى آخر عمره، فذهب بهمته مذهبًا بعيدًا، ونشأ من أول أمره على أن يتم هذا النقص ويكون أكبر من أصله، فطلب الفروسية والعلم والحديث، وصحب الزهاد وأهل الورع، وتميز على الأتراك وطمح إلى المعالي، وظل يرمي بنفسه، وهو
__________
* توفي سنة322.
** كانت إمارة ابن طولون نحو 26 سنة، وتوفي سنة 270.
(3/39)

في ذلك يكبر ولا يزال يكبر، كأنما يريد أن ينقطع من أصله ويلتحق بالأمراء، فلما التحق بهم ظل يكبر؛ ليلحق بالملوك، فلما بلغ هؤلاء كانت نيته على ما يعلم الله.
قال: وكان عقله من أثر طبيعتيه كالعقلين لرجلين مختلفين فله يد مع الملائكة ويده الأخرى مع الشياطين، فهو الذي بنى المارستان وأنفق عليه وأقام فيه الأطباء، وشرط إذا جيء بالعليل أن تنزع ثيابه وتحفظ عند أمين المارستان، ثم يلبس ثيابًا ويفرش له ويغدى عليه ويراح بالأدوية والأغذية والأطباء حتى يبرأ، ولم يكن هذا قبل إمارته؛ وهو أول من نظر في المظالم من أمراء مصر؛ وهو صاحب يوم الصدقة؛ يكثر من صدقاته كلما كثرت نعمة الله عليه، ومراتبه لذلك في كل أسبوع ثلاث آلاف دينار سوى مطابخه التي أقيمت في كل يوم في داره وغيرها، يذبح فيها البقر والكباش ويغرف للناس، ولكل مسكين أربعة أرغفة يكون في اثنين منها فالوذج* وفي الآخرين من القدور، وينادي: من أحب أن يحضر دار الأمير فليحضر! وتفتح الأبواب ويدخل الناس وهو في المجلس ينظر إلى المساكين ويتأمل فرحهم بما يأكلون ويحملون، فيسره ذلك ويحمد الله على نعمته؛ وكان راتب مطبخه في كل يوم ألف دينار؛ واقتدى به ابنه خمارويه، فأنشأ بعده مطبخ العامة** ينفق عليه ثلاثة وعشرين ألف دينار كل شهر.
وقد بلغ ما أرسله ابن طولون إلى فقراء بغداد وعلمائها في مدة ولايته ألف ومائتي ألف دينار***، وكان كثير التلاوة للقرآن، وقد اتخذ حجرة بقربه في القصر وضع فيها رجالًا سماهم بالمكبرين، يتعاقبون الليل نوبًا يكبرون ويسبحون، ويحمدون ويهللون، ويقرءون القرآن تطويبًا، وينشدون قصائد الزهد، ويؤذنون أوقات الأذان؛ وهو الذي فتح أنطاكية في سنة خمس وستين ومائتين، ثم مضى إلى طرسوس كأنه يريد فتحها، فلما نابذه أهلها وقاتلهم أمر أصحابه أن ينهزموا عنها؛ ليبلغ ذلك طاغية الروم فيعلم أن جيوش ابن طولون على كثرتها وشدتها لم تقم لأهل طرسوس، فيكون بهذا كأنه قاتله وصده عن بلد من بلاد الإسلام، ويجعل هذا الخبر كالجيش في تلك الناحية!
ومع كل ذلك فإنه كان رجلًا طائش السيف، يجور ويعسف، قد أحصى من
__________
* نوع من الحلوى، وهو ما يسميه العامة "البالوظة".
** هذا هو الأصل في مطعم الشعب.
*** الدينار نصف جنيه مصري فعدة ذلك مليون ومائة ألف جنيه، صدقاته على بغداد وحدها رحمه الله.
(3/40)

قتلهم صبرًا أو ماتوا في سجنه فكانوا ثمانية عشر ألفًا؛ وأمر بسجن قاضيه بكار بن قتيبة في حادثة معروفة. وقال له: غرك قول الناس ما في الدنيا مثل بكار؟ أنت شيخ قد خرقت! ثم حبسه وقيده وأخذ منه جميع عطاياه مدة ولايته القضاء، فكانت عشرة آلاف دينار، قيل إنها وجدت في بيت بكار بختمها لم يمسها زهدًا وتورعًا.
ولما ذهب شيخك أبو الحسن بعنفه ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، طاش عقله فأمر بإلقائه إلى الأسد، وهو الخبر الذي طار في الدنيا حتى بلغك في بغداد..
قال: وكنت حاضرًا أمرهم ذلك اليوم، فجيء بالأسد من قصر ابنه خمارويه وكان خمارويه هذا مشغوفًا بالصيد، لا يكاد يسمع بسبع في غيضة أو بطن وادٍ إلا قصده ومعه رجال عليهم لبود، فيدخلون إلى الأسد ويتناولونه بأيديهم من غابه عنوة وهو سليم، فيضعونه في أقفاص من خشب محكمة الصنعة يسع الواحد منها السبع وهو قائم.
وكان الأسد الذي اختاره للشيخ أغلظ ما عندهم، جسيمًا، ضاربًا، عارم الوحشية، متزيل العضل، شديد عصب الخلق، هراسًا، فراسًا، أهرت الشدق يلوح شدقه من سعته وروعته كفتحة القبر ينبئ أن جوفه مقبرة، ويظهر وجهه خارجًا من لبدته، يهم أن ينقذف على من يراه فيأكله!
وأجلسوا الشيخ في قاعة وأشرفوا عليه ينظرون، ثم فتحوا باب القفص من أعلاه فجذبوه فارتفع؛ وهجهجوا بالأسد يزجرونه، فانطلق يزمجر ويزأر زئيرًا تنشق له المرائر، ويتوهم من يسمعه أنه الرعد وراءه الصاعقة!
ثم اجتمع الوحش في نفسه واقشعر، ثم تمطى كالمنجنيق يقذف الصخرة، فما بقي من أجل الشيخ إلا طرفة عين؛ ورأيناه على ذلك ساكنًا مطرقًا لا ينظر إلى الأسد ولا يحفل به، وما منا إلا من كاد ينهتك حجاب قلبه من الفزع والرعب والإشفاق على الرجل.
ولم يرعنا إلا ذهول الأسد عن وحشيته، فأقعى على ذنبه، ثم لصق بالأرض هنيهة يفترش ذراعيه، ثم نهض نهضة أخرى كأنه غير الأسد، فمشى مترفقا ثقيل الخطو تسمع لمفاصله قعقعة من شدته وجسامته، وأقبل على الشيخ وطفق يحتك به ويلحظه ويشمه كما يصنع الكلب مع صاحبه الذي يأنس به، وكأنه يعلن أن هذه ليست مصاولة بين الرجل التقي والأسد، ولكنها مبارزة بين إرادة ابن طولون وإرادة الله!
(3/41)

وضربته روح الشيخ فلم يبق بينه وبين الآدمي عمل، ولم يكن منه بإزاء لحم ودم، فلو أكل الضوء والهواء والحجر والحديد، كان ذلك أقرب وأيسر من أن يأكل هذا الرجل المتمثل في روحانيته لا يحس لصورة الأسد معنى من معانيها الفاتكة، ولا يرى فيه إلا حياة خاضعة مسخرة للقوة العظمى التي هو مؤمن بها ومتوكل عليها، كحياة الدودة والنملة وما دونها من الهوام والذر!
وورد النور على هذا القلب المؤمن يكشف له عن قرب الحق سبحانه وتعالى، فهو ليس بين يدي الأسد ولكنه هو والأسد بين يدي الله، وكان مندمجًا في يقين هذه الآية: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} .
ورأى الأسد رجلًا هو خوف الله، فخاف منه، وكما خرج الشيخ من ذاته ومعانيها الناقصة، خرج الوحش من ذاته ومعانيها الوحشية؛ فليس في الرجل خوف ولا هم ولا جزع ولا تعلق برغبة، ومن ذلك ليس في الأسد فتك ولا ضراوة ولا جوع ولا تعلق برغبة.
ونسي الشيخ نفسه فكأنما رآه الأسد ميتًا ولم يجد فيه "أنا" التي يأكلها، ولو أن خطرة من هم الدنيا خطرت على قلبه في تلك الساعة أو اختلجت في نفسه خالجة من الشك، لفاحت رائحة لحمه في خياشيم الأسد فتمزق في أنيابه ومخالبه.
قال: وانصرفنا عن النظر في السبع إلى النظر في وجه الشيخ، فإذا هو ساهم مفكر، ثم رفعوه وجعل كل منا يظن ظنًّا في تفكيره، فمن قائل: إنه الخوف أذهله عن نفسه، وقائل: إنه الانصراف بعقله إلى الموت، وثالث يقول: إنه يكون الفكرة لمنع الحركة عن الجسم فلا يضطرب، وزعم جماعة أن هذه حالة من الاستغراق يسحر بها الأسد؛ وأكثرنا في ذلك وتجارينا فيه، حتى سأله ابن طولون: ما الذي كان في قلبك وفيم كنت تفكر؟
فقال الشيخ: لم يكن علي بأس، وإنما كنت أفكر في لعاب الأسد، أهو طائر أم نجس..
(3/42)

أمراء للبيع:
قال الشيخ تاج الدين محمد بن علي المقلب طوير الليل، أحد أئمة الفقهاء بالمدرسة الظاهرية بالقاهرة*:
كان شيخنا الإمام العظيم شيخ الإسلام تقي الدين بن مجد الدين بن دقيق العيد** لا يخاطب السلطان إلا بقوله: "يا إنسان"! فما يخشاه ولا يتعبد له ولا ينحله ألقاب الجبروت والعظمة ولا يزينه بالنفاق ولا يداجيه كما يصنع غيره من العلماء؛ وكان هذا عجيبًا؛ غير أن تمام العجب أن الشيخ لم يكن يخاطب أحدًا قط من عامة الناس إلا بهذا اللفظ عينه: "يا إنسان"؛ فما يعلو بالسلطان والأمراء ولا ينزل بالضعفاء والمساكين، ولا يرى أحسن ما في هؤلاء وهؤلاء إلا الحقيقة الإنسانية!
ثم كان لا يعظم في الخطاب إلا أئمة الفقهاء فإذا خاطب منهم أحدًا قال له: "يا فقيه"؛ على أنه لم يكن يسمح بهذا إلا لمثل شيخ الإسلام نجم الدين ابن الرقعة***، ثم يخص علاء الدين بن الباجي وحده بقوله: "يا إمام"؛ إذ كان آية من آيات الله في صناعة الحجة، لا يكاد يقطعه أحد في المناظرة والمباحثة؛ فهو كالبرهان. إجلاله إجلال الحق؛ لأن فيه المعنى وتثبيت المعنى.
وقلت له يومًا: يا سيدي، أراك تخاطب السلطان بخطاب العامة؛ فإن علوت قلت: "يا إنسان"، وإن نزلت قلت: "يا إنسان"؛ أفلا يسخطه هذا منك وقد تذوَّق حلاوة ألفاظ الطاعة والخضوع، وخصه النفاق بكلمات هي ظل الكلمات التي يوصف الله بها، ثم جعله الملك إنسانًا بذاته في وجود ذاته، حتى أصبح من غيره كالجبل والحصاة؛ يستويان في العنصر ويتباينان في القدر، وأقله مهما قل هو أكثرها مهما عظمت، ووجوده شيء ووجودها شيء آخر؟
__________
* توفي سنة 717هـ.
** كانت وفاته سنة 702.
*** توفي سنة 710.
(3/43)

فتبسم الشيخ وقال: يا ولدي، إيش هذا؟ إننا نفوس ألفاظ، والكلمة من قائلها هي بمعناها في نفسه لا بمعناها في نفسها؛ فما يحسن بحامل الشريعة أن ينطق بكلام يرده الشرع عليه؛ ولو نافق الدين لبطل أن يكون دينًا، ولو نافق العالم الديني لكان كل منافق أشرف منه؛ فلطخة في الثوب الأبيض ليست كلطخة في الثوب الأسود، والمنافق رجل مغطى في حياته، ولكن عالم الدين رجل مشكوف في حياته لا مغطى؛ فهو للهداية لا للتلبيس، وفيه معاني النور لا معاني الظلمة؛ وذاك يتصل بالدين من ناحية العمل، فإذا نافق فقد كذب؛ والعالم يتصل بالدين من ناحية العمل وناحية التبيين، فإذا نافق فقد كذب وغش وخان.
وما معنى العلماء بالشرع إلا أنهم امتداد لعمل النبوة في الناس دهرًا بعد دهر، ينطقون بكلمتها، ويقومون بحجتها، ويأخذون من أخلاقها كما تأخذ المرآة النور، تحويه في نفسها وتلقيه على غيرها، فهي أداةٌ لإظهاره وإظهار جماله معًا.
أتدري يا ولدي ما الفرق بين علماء الحق وعلماء السوء وكلهم آخذ من نور واحد لا يختلف؟ إن أولئك في أخلاقهم كاللوح من البلور؛ يظهر النور نفسه فيه ويظهر حقيقته البلورية؛ وهؤلاء بأخلاقهم كاللوح من الخشب يظهر النور حقيقته الخشبية لا غير!
وعالم السوء يفكر في كتب الشريعة وحدها؛ فيسهل عليه أن يتأول ويحتال ويغير ويبدل ويظهر ويخفي؛ ولكن العالم الحق يفكر مع كتب الشريعة في صاحب الشريعة، فهو معه في كل حالة يسأله ماذا تفعل وماذا تقول؟
والرجل الديني لا تتحول أخلاقه ولا تتفاوت ولا يجيء كل يوم من حوادث اليوم، فهو بأخلاقه كلها، لا يكون مرة ببعضها ومرة ببعضها، ولن تراه مع ذوي السلطان وأهل الحكم والنعمة كعالم السوء هذا الذي لو نطقت أفعاله لقالت لله بلسانه: هم يعطوني الدراهم والدنانير فأين دراهمك أنت ودنانيرك؟
إن الدينار يا ولدي إذا كان صحيحًا في أحد وجهيه دون الآخر، أو في بعضه دون بعضه، فهو زائف كله؛ وأهل الحكم والجاه حين يتعاملون مع هؤلاء يتعاملون مع قوة الهضم فيهم ... فينزلون بذلك منزلة البهائم؛ تقدم أعمالها لتأخذ بطونها، والبطن الآكل في العالم السوء يأكل دين العالم فيما يأكله..
فإذا رأيت لعلماء السوء وقارًا فهو البلادة، أو رقة فسمها الضعف، أو محاسنة فقل إنها النفاق، أو سكوتًا عن الظلم فتلك رشوة يأكلون بها!
(3/44)

قال الإمام: وما رأيت مثل شيخي سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام* فلقد كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شيئًا تصنعه طبيعته كما يصنع جسمه الحياة، فلا يبالي هلك فيه أو عاش؛ إذ هو في الدم كالقلب، لا تناله يد صاحبه ولا يد غيره؛ ولم يتعلق بمال ولا جاه ولا ترف ولا نعيم، فكان تجرده من أوهام القوة لا تغلب؛ وانتزع خوف الدنيا من قلبه فغمرته الروح السماوية التي تخيف كل شيء ولا تخاف؛ وكان بهذه الروح كأنه تحويل وتبديل في طباع الناس، حتى قال الملك الظاهر بيبرس وقد رأى كثرة الخلْق في جنازته حين مرَّت تحت القلعة: الآن استقر أمري في الملك، فلو أن هذا الشيخ دعا الناس إلى الخروج علي لانتزع مني المملكة!
وكان سلطانه في دمشق الصالح إسماعيل، فاستنجد بالإفرنج على الملك نجم الدين أيوب سلطان مصر؛ فغضب الشيخ وأسقط اسم الصالح من الخطبة وخرج مهاجرًا، فأتبعه الصالح بعض خواصه يتلطف به ويقول له: ما بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وما كنت عليه وأكثر مما كنت عليه إلا أن تتخشع للسلطان وتقبل يده. فقال له الشيخ: يا مسكين! أنا لا أرضى أن يقبل السلطان يدي! أنتم في وادٍ وأنا في وادٍ!
ثم قدم إلى مصر في سنة 639، فأقبل عليه السلطان نجم الدين أيوب وتحلى به وولاه خطابة مصر وقضاءها، وكان أيوب ملكًا شديد البأس، لا يجسر أحد أن يخاطبه إلا مجيبا، ولا يتكلم أحد بحضرته ابتداء؛ وقد جمع من المماليك الترك ما لم يجتمع مثله لغيره من أهل بيته، حتى كان أكثر أمراء عسكره منهم، وهم معروفون بالخشونة والبأس والفظاظة والاستهانة بكل أمر؛ فلما كان يوم العيد صعد إليه الشيخ وهو يعرض الجند ويظهر ملكه وسطوته والأمراء يقبلون الأرض بين يديه؛ فناداه الشيخ بأعلى صوته؛ ليسمع هذا الملأ العظيم: يا أيوب! ثم أمره بإبطال منكرٍِ انتهى إلى علمه في حانة تباع فيها الخمر؛ فرسم السلطان لوقته بإبطال الحانة واعتذر إليه.
فحدثني الباجي قال: سألت الشيخ بعد رجوعه من القلعة وقد شاع الخبر، فقلت: يا سيدي، كيف كانت الحال؟
قال: يا بني، رأيته في تلك العظمة فخشيت على نفسه أن يدخلها الغرور فتبطره فكان ما باديته به.
قلت: أما خِفتَه؟
__________
* هو الإمام العظيم شيخ الإسلام عبد العزيز بن عبد السلام بركة الدنيا في عصره، توفي سنة660.
(3/45)

قال: يا بني، استحضرت هيبة الله تعالى فكان السلطان أمامي كالقط* ولو أن حاجة من الدنيا كانت في نفسي لرأيته الدنيا كلها؛ بيد أني نظرت بالآخرة فامتدت عيني فيه إلى غير المنظور للناس، فلا عظمة ولا سلطان ولا بقاء ولا دنيا، بل هو لا شيء في صورة شيء.
نحن يا ولدي مع هؤلاء كالمعنى الذي يصحح معنى آخر، فإذا أمرناهم، فالذي يأمرهم فينا هو الشرع لا الإنسان، وهم قوم يرون لأنفسهم الحق في إسكات الكلمة الصحيحة أو طمسها أو تحريفها؛ فما بد أن يقابلوا من العلماء والصالحين بمن يرون لأنفسهم الحق في إنطاق هذه الكلمة وبيانها وتوضيحها؛ فإذا كان ذلك فههنا المعنى بإزاء المعنى؛ فلا خوف ولا مبالاة ولا شأن للحياة والموت.
وإنما الشر كل الشر أن يتقدم إليهم العالم لحظوظ نفسه ومنافعها، فيكون باطلًا مزورًا في صورة الحق؛ وههنا تكون الذات مع الذات، فيخشع الضعف أمام القوة، ويذل الفقر بين يدي الغنى، وترجو الحياة لنفسها وتخشى على نفسها؛ فإذا العالم من السلطان كالخشبة البالية النخرة حاولت أن تقارع السيف!
كلا يا ولدي! إن السلطان والحكام أدوات يجب تعيين عملها قبل إقامتها، فإذا تفككت واحتاجت إلى مسامير دقت فيها المسامير؛ وإذا انفتق الثوب فمن أين للإبرة أن تسلك بالخيط الذي فيها إذا هي لم تخُزّه؟
إن العالم الحق كالمسمار؛ إذا أوجد المسمار لذاته دون عمله كفرت به كل خشبة..
قال الإمام تقي الدين: وطغى الأمراء من المماليك وثقلت وطأتهم على الناس؛ وحيثما وجدت القوة المسلطة المستبدة جعلت طغيانها واستبدادها أدبًا وشريعة؛ إلا أن تقوم بأزائها قوة معنوية أقوى منها؛ ففكر شيخنا في هؤلاء الأمراء، وقال: إن خداع القوة الكاذبة لشعور الناس باب من الفساد؛ إذ يحسبون كل حسن منها هو الحسن، وإن كان قبيحًا في ذاته ولا أقبح منه؛ ويرون كل قبيح عندها هو القبيح، وإن كان حسنًا ولا أحسن منه.
وقال: ما معنى الإمارة والأمراء؟ وإنما قوة الكل الكبير هي عماد الفرد الكبير، فلكل جزء من هذا الكل حقه وعمله؛ وكان ينبغي أن تكون هذه الإمارة
__________
* هذه كلمات الشيخ بحروفها.
(3/46)

أعمالًا نافعة قد كبرت وعظمت فاستحقت هذا اللقب بطبيعة فيها كطبيعة أن العشرة أكثر من الواحد، لا أهواء وشهوات ورذائل ومفاسد تتخذ لقبها في الضعفاء بطبيعة كطبيعة أن الوحش مفترس.
وفكر الشيخ فهداه تفكيره إلى أن هؤلاء الأمراء مماليك، فحكم الرق مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين، ويجب شرعًا بيعهم كما يباع الرقيق!
وبلغهم ذلك فجزعوا له وعظم فيه الخطب عليهم؛ ثم احتدم الأمراء وأيقنوا أنهم بإزاء الشرع لا بإزاء القاضي ابن عبد السلام.
وأفتى الشيخ أنه لا يصح لهم بيع ولا شراء ولا زواج ولا طلاق ولا معاملة، وأنه لا يصحح لهم شيئًا من هذا حتى يباعوا ويحصل عنقهم بطريق شرعي!
ثم جعلوا يتسببون إلى رضاء، ويتحملون عليه بالشفاعات، وهو مُصِرٌّ لا يعبأ بجلالة أخطارهم، ولا يخشى اتسامه بعداوتهم، فرفعوا الأمر إلى السلطان، فأرسل إليه فلم يتحول عن رأيه وحكمه.
واستشنع السلطان فعله وحنق عليه وأنكر منه دخوله فيما لا يعنيه، وقبح عمله وسياسته وما تطاول إليه، وهو رجل ليس له إلا نفسه وما تكاد تصل يده إلى ما يقيمه وهم وافرون وفي أيديهم القوة ولهم الأمر والنهي.
وانتهى ذلك إلى الشيخ الإمام فغضب ولم يبالِ بالسلطان ولا كبر عليه إعراضه، وأزمع الهجرة من مصر، فاكترى حميرًا أركب أهله وولده عليها ومشى هو خلفهم يريد الخروج إلى الشام، فلم يبعد إلا قليلًا نحو نصف بريد حتى طار الخبر في القاهرة ففزع الناس وتبعوه لا يتخلف منهم رجل ولا امرأة ولا صبي، وصار فيهم العلماء والصلحاء والتجار والمحترفون كأن خروجه خروج نبي من بين المؤمنين به، واستعلنت قوة الشرع في مظهرها الحاكم الآمر من هذه الجماهير، فقيل للسلطان: إن ذهب هذا الرجل ذهب ملكك!
فارتاع السلطان، فركب بنفسه ولحق بالشيخ يترضاه ويستدفع به غضب الأمة، وأطلق له أن يأمر بما شاء، وقد أيقن أنه ليس رجل الدينار والدرهم والعيش والجاه ولبْس طيلسان العلماء كما يلصق الريش على حجر في صورة الطائر.
ورجح الشيخ وأمر أن يعقد المجلس ويجمع الأمراء وينادي عليهم للمساومة في بيعهم، وضرب لذلك أجلًا بعد أن يكون الأمر قد تعالمه كل القاهرة؛ ليتهيأ من يتهيأ للشراء والسوم في هذا الرقيق الغالي!
(3/47)

وكان من الأمراء المماليك نائب السلطنة، فبعث إلى الشيخ يلاطفه ويسترضيه، فلم يعبأ الشيخ به؛ فهاج هائجه وقال: كيف يبيعنا هذا الشيخ وينادي علينا وينزلنا منزلة العبيد ويفسد محلنا من الناس ويبتذل أقدارنا ونحن ملوك الأرض؟ وما الذي يفقد هذا الشيخ من الدنيا فيدرك ما نحن فيه؟ إنه يفقد ما لا يملك، ويفقد غير الموجود، فلا جرم لا يبالي ولا يرجع عن رأيه ما دام هذا الرأي لا يمر في منافعه، ولا في شهواته ولا في أطماعه، كالذين نراهم من علماء الدنيا؛ أما والله لأضربنه بسيفي هذا، فما يموت رأيه وهو حي.
ثم ركب النائب في عسكره وجاء إلى دار الشيخ واستل سيفه وطرق الباب، فخرج ابنه عبد اللطيف ورأى ما رأى فانقلب إلى أبيه وقال له: انج بنفسك، إنه الموت، وإنه السيف، وإنه وإنه ...
فما اكترث الشيخ لذلك ولا جزع ولا تغير، بل قال له: يا ولدي! أبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله!
وخرج لا يعرف الحياة ولا الموت، فليس فيه الإنساني بل الإلهي، ونظر إلى نائب السلطنة وفي يده السيف، فانطلقت أشعة عينيه في أعصاب هذه اليد فيبست ووقع السيف منها.
وتناوله بروحه القوية، فاضطرب الرجل وتزلزل وكأنما تكسر من أعصابه فهو يرعد ولا يستقر ولا يهدأ.
وأخذ النائب يبكي ويسأل الشيخ أن يدعو له؛ ثم قال: يا سيدي، ما تصنع بنا؟
قال الشيخ: أنادي عليكم وأبيعكم!
وفيم تصرف ثمننا؟
في مصالح المسلمين.
ومن يقبضه؟
أنا.
وكان الشرع هو الذي يقول: "أنا"، فتم للشيخ ما أراد، ونادى على الأمراء واحدًا واحدًا، واشتط في ثمنهم، لا يبيع الواحد منهم حتى يبلغ الثمن آخر ما يبلغ؛ وكان كل أمير قد أعد من شيعته جماعة يستامونه؛ ليشتروه ...
ودمغ الظلم والنفاق والطغيان والتكبر والاستطالة على الناس بهذه الكلمة التي أعلنها الشرع:
أمراء للبيع! أمراء للبيع..
(3/48)

العجوزان "1":
قال محدثي: التقى هذان الشيخان بعد فراق أربعين سنة، وكانت مثابتهما* ذلك المكان القائم على شاطئ البحر في إسكندرية في جهة كذا؛ وهما صديقان كانا في صدر أيامهما -حين كانت لهما أيام ... رجلي حكومة يعملان في ديوان واحد، وكانا في عيشهما أخويِّ جدٍّ وهزلٍ، وفضائلَ ورذائلَ، يجتمعان دائمًا اجتماع السؤال والجواب، فلا تنقطع وسيلة أحدهما من الآخر؛ وكأن بينهما في الحياة قرابة الابتسامة من الابتسامة والدمعة من الدمعة.
ولبثا كذلك ما شاء الله، ثم تبددا وأخذتهما الآفاق كدأب "الموظفين"؛ ينتظمون وينتشرون، ولا يزال أحدهم ترفعه أرض وتخفضه أخرى، وكأن "الموظف" من تفسير قوله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34] !
وافترق الصديقان على مضض، وكثيرًا ما يكون أمر الحكومة بنقل بعض "موظفيها" هو أمرها بتمزيق بعضهم من بعض؛ ثم تصرفت بهما الدنيا فذهبا على طرفي طريق لا يلتقيان، وأصبح كلاهما من الآخر كيومه الذي مضى.. يحفظ ولا يرى..
قال المحدث: وكنت مع الأستاذ "م"، وهو رجل في السبعين من عمره، غير أنه يقول عن نفسه إنه شاب لم يبلغ من العمر إلا سبعين سنة.. ويزعم أن في جمسه الناموس الأخضر الذي يحيي الشجرة حياة واحدة إلى الآخر.
رجل فارهٌ، متأنق، فاخر البزة، جميل السمت، فارع الشطاط** كالمصبوب في قالب لا عوج فيه ولا انحناء، مجتمع كله لم يذهب منه شيء، قد حفظته
__________
* أي المكان الذي اجتمعا فيه بعد التفرق.
** ممتد الطول.
(3/49)

أساليب القوة التي يعانيها في رياضته اليومية؛ وهو منذ كان في آنفته وشبابه لا يمشي إلا مستأخر الصدر* مشدود الظهر، مرتفع العنق، مسندًا قفاه إلى طوقه؛ وبذلك شب وشاب على استواء واحد، وكلما سئل عن سر قامته وعوده لم يزد على قوله: إن هذا من عمل إسناد القفا**.
وهو دائمًا عطر عبق، ثم لا يمس إلا عطرًا واحدًا لا يغيره، يرى أن هذا الطيب يحفظ خيال الصبي، وأنه يبقي للأيام رائحتها.
وله فلسفة من حسه لا من عقله، ولفلسفته قواعد وأصول ثابتة لا تتغير، ومن بعض قواعدها الزهر، ومن بعضها الموسيقى، ومن بعضها الصلاة أيضًا؛ وكل تلك هي عنده قواعد لحفظ الشباب. ومن فلسفته أن مبادئ الشباب وعاداته إذا هي لم تتغير اتصل الشباب فيها واطرد في الروح، فتكون من ذلك قوة تحرس قوة اللحم والدم، وتمسك على الجسم حالته النفسية الأولى.
وهو يزيد في حكمة الصلاة فكرة رياضية عملية لم ينتبه إليها أحد، هي رياضة البطن والأمعاء بالركوع والسجود والقيام؛ ويقول: إن ثروة الصلاة تكنز في صندوقين: أحدهما الروح لما بعد الموت، والآخر البطن لما قبل الموت؛ ويرى أن الإسلام لم يفرض صلاة الصبح قبل الشمس إلا ليجعل الفجر ينصب في الروح كل يوم.
قال المحدث: وبينما نحن جالسان مر بنا شيخ أعجف مهزول موهون في جسمه، يدلف متقاصر الخطو كأن حمل السنين على ظهره، مرعش من الكبر، مستقدم الصدر منحنٍ يتوكأ على عصًا، ويدل انحناؤه على أن عمره قد اعوج أيضًا، وهو يبدو في ضعفه وهزاله كأن ثيابه ملئت عظامًا لا إنسانًا، وكأنها ما خبطت إلا لتمسك عظمًا على عظم..
قال: فحملق إليه "م" ثم صاح: رينا! رينا. فالتفت العجوز، وما كاد يأخذنا بصره حتى انفتل إليه وأقبل ضاحكًا يقول: أوه!. ريت، ريت!
ونهض "م" فاحتضنه وتلازما طويلًا، وجعل رأساهما يدوران ويتطوَّحان،
__________
* يقال مستقدم الصدر، للهرم المحني الظهر؛ فأخذنا منها مستأخر الصدر، وذلك بروزه حين يكون مشدودًا، فيكون أعلاه إلى الوراء.
** هذه حقيقة رياضية، ولها أقوى الأثر في شد الجسم وانتصاب القامة إذا اعتادها الإنسان.. والمراد بالطوق: البنيقة "الياقة".
(3/50)

وكلاهما يقبل صاحبه قبلًا ظمئة لا عهد لي بمثلها في صديقين، حتى لخيل إلي أنهما لا يتعانقان ولا يتلاءمان، ولكن بينهما فكرة يعتنقانها ويقبلانها معًا..
وقلت: ما هذا أيها العجوزان؟
فضحك "م" وقال: هذا صديقي القديم "ن"، تركته منذ أربعين سنة معجزة من معجزات الشباب، فها هو ذا معجزة أخرى من معجزات الهرم، ولم يبق منه كاملًا إلا اسمه ...
ثم التفت إليه وقال: كيف أنت يا رينا؟
قال العجوز "ن": لقد أصبحت كما ترى؛ زاد العمر في رجلي رجلًا من هذه العصا، ورجع مصدر الحياة في مصدرًا للآلام والأوجاع ودخلت في طبيعتي عادة رابعة من تعاطي الدواء.
فضحك "م" وقال: قبح الله هذه الدخيلة، فما هي العادات الثلاث الأصلية؟
قال العجوز: هي الأكل والشرب والنوم.. ثم أنت يا ريت كيف تقرأ الصحف الآن؟
قال "م": أقرؤها كما يقرؤها الناس، فما سؤالك عن هذا؟ وهل تقرأ الصحف يومًا غير ما تقرأ في يوم؟
قال: آه! إن أول شيء أقرأ في الصحف أخبار الوفيات؛ لأرى بقايا الدنيا، ثم "إعلانات الأدوية" ... ولكن كيف أنت يا ريت؟ إني لأراك ما تزال من وراء أربعين سنة في ذلك العيش الرخي، وأراك تحمل شيخوختك بقوة كأن الدهر لم يخرمك من هنا ولا من هنا، وكأنه يلمسك بأصابعه لا بمساميره، فهل أصبت معجزة من معجزات العلم الحديث؟
قال: نعم.
قال: ناشدتك الله، أفي معجزات العلم الحديث معجزة لعظمي؟
قال "م": ويحك يا رينا! إنك على العهد لم تبرح كما كنت مزبلة أفكار.. ماذا يصنع فيك العلم الحديث وأنت كما رأى بمنزلة بين العظم والخشب؟!
قال المحدث: وضحكنا جميعًا، ثم قلت للأستاذ "م": ولكن ما "رينا وريت"؟ وما هذه اللغة؟. وفي أي معجم تفسيرها؟
قال: فتغامز الشيخان، ثم قال "م": يا بني، هذه لغة ماتت معانيها وبقيت ألفاظها، فهي كتلك الألفاظ الأثرية الباقية من الجاهلية الأولى.
(3/51)

قلت: ولكن الجاهلية الأولى لم تنقضِ إلا فيكما ... ولا يزال كل شاب في هذه الجاهلية الأولى، وما أحسب "رينا، وريت" في لغتكما إلا بمعنى "سوسو، وزوزو" في اللغة الحديثة؟
فقال "م": اسمع يا بني: إن رجل سنة 1935* متى سأل فيَّ رجل سنة 1895: ما معنى رينا وريت؟ فرد عليه: إن "رينا" معناها "كاترينا"؛ وكان "ن" بها صبًّا مغرمًا، وكان مقتتلًا قتله حبها. أما "ريت" فهو لا يعرف معناها.
فامتعض العجوز "ن"، وقال: سبحان الله! اسمع يا بني: أن رجل سنة 1895 فيَّ يقول لك: إن "ريت" معناها "مرغريت"، وكانت الجوى الباطن وكانت اللوعة والحريق الذي لا ينطفئ في قلب الأستاذ "م".
قلت: فأنتما أيها العجوزان من عشاق سنة 1895، فكيف تريان الحب الآن؟
قال العجوز "ن": يا بني، أن أواخر العمر كالمنفي.. ونحن نتكلم بالألفاظ التي تتكلم بها أنت وأنتما وأنتم.. غير أن المعاني تختلف اختلافًا بعيدًا.
قلت: واضرب لهم مثلًا.
قال: واضرب لهم مثلًا كلمة "الأكل"، فلها عندنا ثلاثة معانٍ: الأكل وسوء الهضم، ووجع المعدة؛ وكلمة "المشي" فلها أيضًا ثلاثة معانٍ: المشي، والتعب، وغمزات العظم ... وكلمة "النسيم"، النسيم العليل يا بني، زيد لنا في معناها: تحرك "الروماتيزم"..
فضحك "م" وقال: يا شيخ..
قال العجوز: وتلك الزيادة يا بني لا تجيء إلا من نقص، فهنا بقية من يدين، وبقية من رجلين، وبقية من بطن، وبقية من، ومن، ومن ... ومجموع كل ذلك بقية من إنسان.
قال الأستاذ "م": والبقية في حياتك.
قال "ن": وبالجملة يا بني فإن حركة الحياة في الرجل الهرم تكون حول ذاتها لا حول الأشياء؛ وما أعجب أن تكون أقصر حركتي الأرض حول نفسها كذلك، وإذا قال الشاب في مغامرته: ليمض الزمن ولتتصرم الأيام! فإن الأيام هي التي تتصرم والزمن هو الذي يمر؛ أما الشيوخ فلن يتمنوه أبدًا؛ فمن قال منهم: ليمض الزمن، فكأنما قال: فلأمض أنا..
__________
* كانت هذه القصة في صيف سنة 1935 في اسكندرية.
(3/52)

فصاح "م": يا شيخ يا شيخ....
ثم قال العجوز: واعلم يا بني أن العلم نفسه يهرم مع الرجل الهرم، فيصبح مثله ضعيفًا لا غناء عنده ولا حيلة له؛ وكل مصانع لنكشير ومصانع بنك مصر واليابان والأمريكتين، وما بقي من مصانع الدنيا، لا فائدة من جميعها؛ فهي عاجزة أن تكسر عظامي ...
قال المحدث: فقهقه الأستاذ "م"، وقال: كدت والله أتخشب من هذا الكلام، وكادت معاني العظم تخرج من عظامي؛ لقد كان المتوحشون حكماء في أمر شيوخهم، فإذا علت السن بجماعة منهم لم يتركوهم أحياء إلا بامتحان، فهم يجمعونهم ويلجئونهم إلى شجرة غضة لينة المهزة، فيكرهونهم أن يصعدوا فيها ثم يتدلوا منها وقد عقلت أيديهم بأغصانها؛ فإذا صاروا على هذه الهيئة اجتمع الأشداء من فتيان القبيلة فيأخذون بجذع الشجرة يرجونها وينفضونها ساعة من نهار؛ فمن ضعفت يداه من أولئك الشيوخ أو كلت حوامل ذراعيه فأفلت الغصن الذي يتعلق به فوقع، أخذوه فأكلوه؛ ومن استمسك أنزلوه فأمهلوه إلى حين!
فاقشعر العجوز "ن"، وقال: أعوذ بالله! هذه شجرة تخرج في أصل الجحيم، ولعنها الله من حكمة، فإنما يطبخونهم في الشجرة قبل الأكل، أو هم يجعلونهم كذلك؛ ليتوهموهم طيورًا فيكون لحمهم أطيب وألذ، ويتساقطون عليهم من الشجرة حمائم وعصافير.
قال "م": إن كان في الوشيحة منطق فليس في هذا المنطق "باب لم"، ولا "باب كيف"، ولو كان بهم أن يأكلوهم، غير أنها تربية الطبيعة لأهل الطبيعة؛ فإن رؤية الرجل هذه الشجرة وهزها وعاقبتها يبعد عنه الضعف والتخلخل، ويدفعه إلى معاناة القوة، ويزيد نفسه انتشارًا على الحياة وطمعًا فيها وتنشطًا لأسبابها، فيكون ساعده آخر شيء يهرم، ولا يزال في الحدة والنشاط والوثبان؛ فلا يعجز قبل يومه الطبيعي، ويكون المتوحشون بهذا قد احتالوا على الطبيعة البشرية فاضطروها إلى مجهودها، وأكرهوها على أن تبذل من القوة ما يسع الجسم.
قال "ن": فنعم إذن، ولعن الله معاني الضعف؛ كدت والله أظن أني لم أكن يومًا شابًّا، وما أراك إلا متوحشًا تخاف أن تؤكل، فتظل شيخًا رجلًا لا شيخًا طفلًا، وترى العمر كما يرى البخيل ذهبه: مهما يبلغ فكثرته غير كثيرة.
(3/53)

قال المحدث: وأضجرني حوارهما؛ إذ لم يعد فيه إلا أن جسم هذا يرد على جسم هذا؛ وإنما الشيخ من أمثال هؤلاء زمان يتكلم ويقص ويعظ وينتقد، ولن يكون الشيخ معك في حقيقته إن لم ترحل أنت فيه إلى دنيا قديمة؛ فقلت لهما: أيها العجوزان! أريد أن أسافر إلى سنة 1895 ...
(3/54)

العجوزان * "2":
قال محدثي: ولما قلت لهما: أيها العجوزان، أريد أن أسافر إلى سنة 1895 نظر إلي العجوز الظريف "ن"، وقال: يا بني، أحسب رؤيتك إياي قد دنت بك من الآخرة ... فتريد أن نلوذ بأخبار شبابنا؛ لتنظر إلينا وفينا روح الدنيا.
قال الأستاذ "م": وكيف لا تريه الآخرة وأكثرك الآن في "المجهول"؟
قال: ويحك يا "م"! لا تزال على وجهك مسحة من الشيطان هنا وهنا؛ كأن الشيطان هو الذي يصلح في داخلك ما اختل من قوانين الطبيعة، فلا تستبين فيك السن وقد نيفت على السبعين، وما أحسب الشيطان في تنظيفك إلا كالذي يكنس بيته..
قال "م": فأنت أيها العجوز الصالح بيت قد تركه الشيطان وعلق عليك كلمة "الإيجار".. فضحك "ن"، وقال: تالله إن الهرم لهو إعادة درس الدنيا، وفهمها مرة أخرى فهمًا لا خطأ فيه؛ إذ ينظر الشيخ بالعين الطاهرة، ويسمع بالأذن الطاهرة،
__________
* الجمهور من أهل اللغة على أن "العجوز" وصف خاص بالمرأة إذا شاخت وهرمت، ولكن جاء في اللسان: "ويقال للرجل عجوز"، ونقله صاحب التاج عن الصاغاني، ونحن على هذا الرأي، ولو لم يأت فيه نص عن العرب لابتدعناه وزدناه في اللغة؛ ووجهه عندنا أن الرجل والمرأة إذا بلغا الهرم فقدا خصائص الذكورة والأنوثة، فلم يعودا رجلًا وامرأة، فاستويا في العجز، فكان الرجل قمينًا أن يشارك المرأة في وصفها، فيقع اللفظ عليهما جميعًا!
وإنما امتنع العرب أن يقولوا للرجل "عجوز"، وخصوا ذلك بالمرأة، تعسفًا وظلمًا وطغيانًا، كدأبهم مع النساء، فإذا شاخت المرأة فقد بطلت أنوثتها عندهم وعجزت عن حاجة الرجل وعجزت في كثير، ونفتها الطبيعة وبرأت منها؛ أما الرجل فبالخلاف؛ لأنه رجل؛ وإذا شاخ وبطل وعجز ولم يستطع أن يكابر في المعنى- كابر في اللفظ.. وأبى أن يقال إنه "عجوز"، وزعم أن ذلك خاص بالمرأة..
إلا أن هذا تزوير في اللغة، وإن كان للرجال عليهن درجة فذلك في أوصاف القدرة لا في أوصاف العجز!
(3/55)

ويلمس باليد الطاهرة ... وتالله إن الشيطان لا معنى له إلا أنه وقاحة الأعصاب.
قال "م": فأنت أيها العجوز الصالح إنما أصبحت بلا شيطان؛ لأن الهرم قد أدب أعصابك ...
قال العجوز الظريف: وعند من غيرنا -نحن الشيوخ- تطاع الأوامر والنواهي الأدبية حق طاعتها؟ عند من غير الشيوخ تقدس مثل هذه الحكم العالية: لا تعتد على أحد ... لا تفسد امرأة على زوجها ...
قال المحدث: وضحكنا جميعًا، وكان العجوز "ن" من الآيات في الظرف والنكتة، فقال: تظنني يا بني في السبعين؟ فوالله ما أنا بجملتي في السبعين، والله والله.
قال "م": لقد أُهتر الشيخ* يا بني؛ فإن هذا من خرفه فلا تصدقه.
قال "ن": والله ما خرقت وما قلت إلا حقًا، فههنا ما عمره خمس سنوات فقط، وهو أسناني..
قلت: "ورينا وريت" وسنة 1895؟
قال الأستاذ "م": أنت يا بني من المجددين، فما هواك في القديم وما شأنك به؟
وما كاد العجوز "ن" يسمع هذا حتى طرف بعينيه** وحدد بصره إلي وقال: أئنك لأنت هو؟ لعمري إن في عينيك لضجيجًا وكذبًا وجدالًا واختيالًا وزعمًا ودعوى وكفرًا وإلحادًا؛ ولعمري ...
فقطعت عليه وقلت: "لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون"، لقد وقع التجديد في كل شيء إلا في الشيوخ أجسامًا والشيوخ عقولًا؛ فهؤلاء وهؤلاء عند النهاية، وغير مستنكر من ضعفهم أن يدينوا بالماضي، فإن حياتهم لا تلمس الحاضر إلا بضعف!
قال العجوز: رحم الله الشيخ "ع"؛ كان هذا يا بني رجلًا ينسخ للعلماء في زمننا القديم، وكان يأخذ عشرة قروش أجرًا على الكراسة الواحدة، وهو رديء الخط، فإذا ورق لأديب، ولم يعجبه خطه فكلمه في ذلك تعلق الشيخ به وطالبه بعشرين قرشًا عن الكراسة؛ منها عشرة للكتابة، وعشرة غرامة لإهانة الكتابة ...
__________
* أي أخطأ في الرأي من تأثير الكبر.
** أي حرك أجفانهما.
(3/56)

نعم يا بني، إن للماضي في قلوبنا مواقع ينزل فيها فيتمكن، ولكن قاعدة "اثنان واثنان أربعة"، لا تعد في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل، والحقيقة بنفسها لا باسمها؛ وليست تحتاج النار إلى ثوب المرأة إلا في رأي المغفل.
قال الأستاذ "م": وكيف ذلك؟
قال العجوز: زعموا أن مغفلًا كان يرى امرأته تضرم الحطب فتنفخ فيه حتى يشتعل، فاحتاج يومًا في بعض شأنه إلى نار، ولم تكن امرأته في دارها فجاء بالحطب وأضرم فيه وجعل ينفخ، وكان الحطب رطبًا فدخن ولم يشتعل، ففكر المغفل قليلًا ثم ذهب فلبس ثوب امرأته وعاد إلى النار، وكان الحطب قد جف فلم يكد ينفخ حتى اشتعل وتضرم؛ فأيقن المغفل أن النار تخاف امرأته ... وأنها لا تتضرم إلا إذا رأت ثوبها!
قال الأستاذ "م": إن الكلام في القديم والجديد أصبح عندنا كفنون الحرب تبدع ما تبدع لتغيير ما لا يتغير في ذات نفسه، وعلى ما بلغت وسائل الموت في القديم والجديد فإنها لم تستطع أن تميت أحدًا مرتين.
لقد قرأت يا بني كثيرًا فلم أر إلى الآن من آثار المجددين عندنا شيئًا ذا قيمة؛ ما كان من هراء وتقليد فهو من عندهم، وما كان جيدًا فهو كالنفائس في ملك اللص: لها اعتباران، إن كان أحدهما عند مقتنيها ... فالآخر عند القاضي*.
كلا أيها اللص، لن تسمى مالكًا بهذا الأسلوب؛ إنما هي كلمة تسخر بها من الناس ومن الحق ومن نفسك.
يقولون: العلم والفن والغريزة والشهوة والعاطفة والمرأة وحرية الفكر واستقلال الرأي ونبذ التقاليد وكسر القيود، إلى آخره وإلى آخرها ... فهذا كله حسن مقبول سائغ في الورق إن كان في مقالة أو قصة، وهو سائغ كذلك حين ينحصر في حدوده التي تصلح له من ثياب الممثلين أو من بعض النفوس التي يمثل بها القدر فصوله الساخرة أو فصوله المبكية، ولكنهم حين يخرجون هذا كله للحياة على أنه من قوته الموجبة، ترده الحياة عليهم بالقوة السالبة؛ إذ لا تزال تخلق خلقها وتعمل أعمالها بهم وبغيرهم، وإذا كان في الإنسانية هذا القانون الذي يجعل الفكر
__________
* في كتابنا "تحت راية القرآن" كلام كثير عن التجديد والمجددين، وما نراه من ذلك حقًا وما نراه باطلًا.
(3/57)

المريض حين يهدم من صاحبه -يهدم في الكون بصاحبه؛ ففيها أيضًا القانون الآخر الذي يجعل الفكر الصحيح السامي حين يبني من أهله- يبنى في الكون بأهله.
قال العجوز "ن": زعموا أن أحد سلكي الكهرباء كان فيلسوفًا مجددًا، فقال للآخر: ما أراك إلا رجعيًا؛ إذ كنت لا تتبعني أبدًا ولا تتصل بي ولا تجري في طريقتي؛ ولن تفلح أبدًا إلا أن تأخذ مأخذي وتترك مذهبك إلى مذهبي. فقال له صاحبه: أيها الفيلسوف العظيم، لو أني اتبعتك لبطلنا معًا فما أذهب فيك ولا تذهب في؛ وما علمتك تشتمني في رأيك إلا بما تمدحني به في رأيي.
قال العجوز: وهذا هو جوابنا إذا كنا رجعيين عندهم من أجل الدين أو الفضيلة أو الحياة أو العفة إلى آخرها وإلى آخره؛ ونحن لا نرى هؤلاء المجددين عند التحقيق إلا ضرورات من مذاهب الحياة وشهواتها وحماقاتها تلبست بعض العقول كما يتلبس أمثالها بعض الطباع فتزيغ بها؛ وللحياة في لغتها العملية مترادفات كالمترادفات اللفظية: تكون الكلمتان والكلمات بمعنى واحد، فالمخرب والمخرف والمجدد بمعنى!
كل مجدد يريد أن يضع في كل شيء قاعدة نفسه هو، فلو أطعناهم لم تبق لشيء قاعدة.
قال الأستاذ "م" إن هذه الحياة الواحدة على هذه الأرض يجب أن تكون على سنتها وما تصلح به من الضبط والإحكام، والجلب لها والدفع عنها والمحافظة عليها بوسائلها الدقيقة الموزونة المقدرة، والسهلة في عملها الصعبة في تدبيرها؛ فعلى نحو مما كانت الحياة في بطن الأم يجب أن نعيش في بطن الكون بحدود مرسومة وقواعد مهيأة وحيز معروف؛ وإلا بقيت حركات هذا الإنسان كحركات الجنين؛ يرتكض ليخرج عن قانونه، فإن استمر عمله ألقى به مسخًا مشوهًا من جسد كان يعمل في تنظيمه، أو قذف به ميتًا من جسم كان كل ما فيه يعمل لحياته وصيانته.
هذا الجسم كله يشرع للجنين ما دام فيه، وهذا الاجتماع كله يشرع للفرد ما دام فيه؛ فكيف يكون أمر من أمر إذا كان الجنين مجددًا لا يعجبه مثلًا وضع القلب ولا يرضيه عمل الدم، ولا يريد أن يكون مقيدًا؛ لأنه حر.
انظر إلى هذا الشرطي في هذا الشارع يضرب مقبلًا ليدبر، ومدبرًا ليقبل، وقد ألبسته الحكومة ثيابًا يتميز بها، وهي تتكلم لغة غير لغة الثياب، وكأنها تقول:
(3/58)

أيها الناس، إن ههنا الإنسان الذي هو قانون دائمًا، والذي هو قوة أبدًا، والذي هو سجن حينًا، والذي هو الموت إذا اقتضى الحال.
أتحسب يا بني هذا الشرطي قائمًا في هذا الشارع كجدران هذه المنازل؟ كلا يا بني؛ إنه واقف أيضًا في الإرادة الإنسانية وفي الحس البشري وفي العاطفة الحية؛ فكيف لا يمحوه المجددون مع أنه في ذاته إرغام بمعنى، وإكراه بمعنى غيره، وقيد في حالة، وبلاء في حالة أخرى؟
لكنه إرغام ليقع به التيسير، وإكراهٌ لتنطلق به الرغبة، وقد لتتمجد به الحرية؛ وكان هو نفسه بلاء من ناحية؛ ليكون هو نفسه عصمة من الناحية التي تقابلها.
يا بني، كل دين صالح، وكل فضيلة كريمة، وكل خلق طيب -كل شيء من ذلك إنما هو على طريق المصالح الإنسانية كهذا الشرطي بعينه: فإما تخريب العالم أيها المجددون، وإما تخريب مذهبكم..
قال العجوز "ن": أنبحث عما نتسلط به أم نبحث عما يتسلط علينا؟ وهل نريد أن تكون غرائزنا أقوى منا وأشد، أو نكون نحن أشد منها وأقوى؟ هذه هي المسألة لا مسألة الجديد والقديم.
فإن لم يكن هناك المثل الأعلى الذي يعظم بنا ونعظم به، فسد الحس وفسدت الحياة؛ وكل الأديان الصحيحة والأخلاق الفاضلة إن هي إلا وسائل هذا المثل الأعلى للسمو بالحياة في آمالها وغايتها عن الحياة نفسها في وقائعها ومعانيها.
قال المحدث: ورأيتني بين العجوزين كأني بين نابين؛ ولم أكن مجددًا على مذهب إبليس الذي رد على الله والملائكة وظن لحمقه أن قوة المنطق تغير ما لا يتغير؛ فسكت، حتى إذا فرغا من هذه الفلسفة قلت: والرحلة إلى سنة 1895؟
(3/59)

العجوزان "3":
قال المحدث: وتبين في العجوز "ن" أثر التعب، فتوجع وأخذ يئن كأن بعضه قد مات لوقته.. أو وقع فيه اختلال جديد، أو نالته ضربة اليوم؛ والشيخ متى دخل في الهرم دخل في المعركة الفاصلة بينه وبين أيامه.
ثم تأفف وتململ وقال: إن أول ما يظهر على من شاخ وهرم، هو أن الطبيعة قد غيرت القانون الذي كانت تحكمه به.
قال الأستاذ "م": إن صاحبنا كان قاضيًا يحكم في المحاكم، وأرى المحاكم قد حكمت عليه بهذه الشيخوخة "مطبقة فيها" بعض المواد من قانون العقوبات فما خرج من المحكمة إلا في الحبس الثالث.
فضحك "ن" وقال: قد عرفنا "الحبس البسيط" و"الحبس مع الشغل" فما هو هذا الحبس الثالث؟
قال: هو "الحبس مع المرض" ...
قال "ن": صدقت لعمري، فإن آخر أجسامنا لا يكون إلا بحساب من صنعة أعمالنا؛ وكأن كرسي الوظيفة الحكومية قد عرف أنه كرسي الحكومة، فهو يضرب الضرائب على عظام الموظفين ... أتدري معنى قوله تعالى: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ} [النحل: 70] ولم سماه الأرذل؟
قلنا: فلم سماه كذلك؟
قال: لأنه خلط الإنسان بعضه ببعض، ومسه من أوله إلى آخره، فلا هو رجل ولا شباب ولا طفل، فهو أردأ وأرذل ما في البضاعة ...
فاستضحك الأستاذ "م" وقال: أما أنا فقد كنت شيخًا حين كنت في الثلاثين من عمري، وهذا هو الذي جعلني فتى حين بلغت السبعين.
قال "ن": كأن الحياة تصحح نفسها فيك.
(3/60)

قال: بل أنا كرهتها أن تصحح نفسها؛ فقد عرفت من قبل أن سعة الإنفاق في الشباب هي ضائقة الإفلاس في الهرم، وأيقنت أن للطبيعة "عدادًا" لا يخطئ الحساب، فإذا أنا اقتصدت عدت لي، وإذا أسرفت عدت علي؛ ولن تعطيني الدنيا بعد الشباب إلا مما في جسمي؛ إذ لا يعطي الكون حيًّا أراد أن ينتهي منه، فكنت أجعل نفسي كالشيخ الذي تقول له الملذات الكثيرة: لست لك؛ ومن ثم كانت لذاتي كلها في قيود الشريعتين: شريعة الدين وشريعة الحياة.
قال: وعرفت أن ما يسميه الناس وهن الشيخوخة لا يكون من الشيخوخة ولكن من الشباب؛ فما هو إلا عمل الإنسان في تسميم جسمه ثلاثين أو أربعين سنة بالطعام والشراب والإغفال والإرهاق والسرور والحزن واللذة والألم، فكنت مع الجسم في شبابه ليكون معي بعد شبابه، ولم أبرح أتعاهده كما يتعاهد الرجل داره: يزيد محاسنها وينفي عيوبها، ويحفظ قوتها ويتقي ضعفها؛ ويجعلها دائمًا باله وهمه، وينظر في يومها القريب لغدها البعيد، فلا ينقطع حساب آخرها وإن بعد هذا الآخر، ولا يزال أبدًا يحتاط لما يخشى وقوعه وإن لم يقع.
قال العجوز "ن": صدقت -والله- فما أفلح إلا من اغتنم الإمكان؛ وما نوع الشيخوخة إلا من نوع الشباب؛ وهذا الجسم الإنساني كالمدينة الكبيرة فيها "مجلسها البلدي" القائم على صيانتها ونظامها وتقويتها؛ ورئيس هذا المجلس الإرادة، وقانونه كله واجبات ثقيلة، وهو كغيره من القوانين: إذا لم ينفذ من الأول لم يغن في الآخر.
قال الأستاذ "م": وكل جهاز في الجسم هو عضو من أعضاء ذلك "المجلس البلدي" فجهاز التنفس وجهاز الهضم والجهاز العضلي والجهاز العصبي والدورة الدموية، هذه كلها يجب أن تترك على حريتها الطبيعية وأن تعان على سنتها، فلا يحال بينها وبين أعمالها برشوة من لذة، أو مفسدة من زينة، أو مطمعة في رفاهية، أو دعوة إلى مدنية، أو شيء مما يفسد حكمها أو يعطل عملها ويضعف طبيعتها.
والقاعدة في العمر أنه إذا كان الشباب هو الطفولة الثانية في براءته وطهارته، كانت الشيخوخة هي الشباب الثاني في قوتها ونشاطها؛ وما رأيت كالدين وسيلة تجعل الطفولة ممتدة بحقائق إلى آخر العمر في هذا الإنسان؛ فسر الطفولة إنما هو في قوتها على حذف الفضول والزوائد من هذه الحياة، فلا يطغيها الغنى، ولا يكسرها الفقر، ولا تذلها الشهوة، ولا يفزعها الطمع، ولا يهولها الإخفاق، ولا يتعاظمها الضر، ولا يخيفها الموت؛ ثم لا تمل وهي الصابرة، ولا تبالغ وهي
(3/61)

الراضية، ولا تشك وهي الموقنة، ولا تسرف وهي القانعة، ولا تتبلد وهي العاملة، ولا تجمد وهي المتجولة؛ ثم هي لا تكلف الإنسانية إلا العطف والحب والبشاشة وطبائع الخير التي يملكها كل قلب؛ ولا توجب شريعتها في المعاملة إلا قاعدة الرحمة، ولا تقرر فلسفتها للحياة إلا طهارة النظر؛ ثم تتهكم بالدنيا أكثر ما تهتم لها، وتستغني فيما أكثر مما تحتاج، وتستخرج السعادة لنفسها دائمًا مما أمكن، قل أو كثر.
وبكل هذا تعمل الطفولة في حراسة الحياة الغضة واستمرارها ونموها، ولولا ذلك لما زها طفل ولا شب غلام، ولا رأت العيون بين هموم الدنيا ذلك الرواء وذلك المنظر على وجوه الأطفال يثبتان أن البراءة في النفس أقوى من الطبيعة.
وكل ذلك هو أيضًا من خصائص الدين وبه يعمل الدين في تهذيب الحياة واطرادها على أصولها القوية السليمة، ومتى قوي هذا الدين في إنسان لم تكن مفاسد الدنيا إلا من وراء حدوده، حتى كأنه في أرض وهي في أرض أخرى، وأصبحت البراءة في نفسه أقوى من الطبيعة.
ثم قال: والعجيب أن اعتقاد المساواة بين الناس لا يتحقق أبدًا بأحسن معانيه وأكملها إلا في قلبين: قلب الطفل؛ لأنه طفل، وقلب المؤمن؛ لأنه مؤمن.
فقال العجوز "ن": إنه لكما قلت، ولعنة الله على هذه الشهوات الآدمية الباطلة، فإن الشهوة الواحدة في ألف نفس لتجعل الحقيقة الواحدة كأنها ألف حقيقة متعادية متنازعة؛ والطامعان في امرأة واحدة قد تكون شهوة أحدهما هي الشهوة وهي القتل؛ ولعنة الله على الملحدين وإلحادهم، يزرون على الأديان بأنها تكاليف وقيود وصناعة للحياة، ثم لا يعلمون أن كل ذلك لصناعة الآلة النفسية التي تستطيع أن تحرك المختلفين حركة واحدة، فما ابتليت الإنسانية بشيء كما ابتليت بهذا الخلاف الذي يفتح من كل نفس على كل نفس أبواب التجني، ويجعل النفرة وسوء الظن أقرب إلى الطبيعة البشرية من الألفة والثقة.
لقد جاء العلم بالمعجزات، ولكن فيما بين الإنسان والطبيعة، وبين الإنسان ومنافعه، وبين الإنسان وشهواته؛ فهل غير الدين يجيء بالمعجزات العملية فيما بين النفس والنفس، وبين النفس وهمومها، وبين ما هو حق وما هو واجب؟
قال المحدث: ثم نظر إليَّ العجوز "ن" وقال: صل عمك يا بني بالأحاديث الذي مضى، فأين بلغنا آنفًا من أمر التجديد والمجددين؟ وماذا قلنا وماذا قلت؟ أما
(3/62)

إن الحماقة الجديدة والرذيلة الجديدة والخطأ الجديد، كل ذلك إن كان جديدًا من صاحبه فهو قديم في الدنيا؛ وليس عندنا أبدًا من جديد إلا إطلاق الحرية في استعمال كل أديب حقه في الوقاحة والجهل والغرور والمكابرة.
قال الأستاذ "م": وليس الظاهر بما يظهر لك منه، ولكن بالباطن الذي هو فيه، فمستشفى المجاذيب قصر من القصور في ظاهره، ولكن المجاذيب هم حقيقته لا البناء، وكل مجدد عندنا يزعم لك أنه قصر عظيم، وهو في الحقيقة مستشفى مجانين، غير أن المجانين فيه طباع وشهوات ونزوات؛ وعلى هذا ما الذي يمنع الفجور المتوقح أن يسمي نفسه الأدب المكشوف؟
قال "ن": وإذا أنت ذهبت تعترض على هذه التسمية زعموا لك أن للفن وقاحة مقدسة ... وأن "لا أدبية" رجل الفن هي "اللا أخلاقية العالمية"....
قال الأستاذ "م": فوقاحة الشهوة إذا استعلنت بين أهل الحياء وأهل الفضيلة ودعت إلى مذهبها، كانت تجديدًا ما في ذلك ريب؛ ولكن هذا المذهب هو أقدم ما في الأرض، إذا هو بعينه مذهب كل زوجين اجتمعا من البهائم منذ خلق الله البهائم..
قال "ن": وقل مثل ذلك في متسخط على الله وعلى الناس يخرج من كفره بين أهل الأديان أدبًا جديدًا، وفي مغرور يتغفل الناس، وفي لص آراء، وفي مقلد تقليدًا أعور -كل واحد من هؤلاء وأشباههم مبتلى بعلة، فمذهبه رسالة علته؛ وأكثرهم لا يكون ثباته على الرأي الفاسد إلا من ثبات العلة فيه.
قال المحدث: وكنت من المجددين، فأرمضني ذلك وقلت للعجوزين: إن هذا نصف الصحيح، أما النصف الآخر فهو في كثير من هؤلاء الذين ينتحلون الدفاع عن الدين والفضيلة؛ نعم إنهم لا يستعملون حقهم في الوقاحة، ولكن القروش تستعمل حقها..
فضحك العجوز "ن"، وقال: يا بني، إن الجديد في كل حمار هو أن يزعم أن نهيقه موسيقى ... فالحمار والنهيق والموسيقى كل ذلك لا جديد فيه، ولكن التسمية وحدها هي الجديدة؛ ولو كان البرهان في حلق الحمار لصح هذا الجديد، غير أن التصديق والتكذيب هنا في آذان الموسقيين لا في حلق حمارنا المحترم....
قال "م": وزعموا أن رجلًا نصب فخًّا لصيد العصافير، فجاء عصفور فنظر من هذا الفخ إلى شيء جديد، فقال: يا هذا، ما لك مطمورًا في التراب؟ قال الفخ:
(3/63)

ذلك من التواضع لخلق الله! قال: فمم كان انحناؤك؟ قال الفخ: ذلك من طول عبادتي لله! قال: فما هذه الحبة عندك؟ قال الفخ: أعددتها لطيور الله الصائمين يفطرون عليها! قال العصفور: فتبيحها لي؟ قال: نعم.
فتقدم المسكين إليها، فلما التقطها وقع الفخ في عنقه، فقال وهو يختنق: إن كان العباد يخنقون مثل هذا الخنق فقد خلق إبليس جديد.
قال "ن": فالحقيقة أن إبليس هو الذي تجدد؛ ليصلح لزمن الآلات والمخترعات والعلوم والفنون وعصر السرعة والتحول؛ وما دام الرقي مطردًا وهذا العقل الإنساني لا يقف عند غاية في تسخير الطبيعة، فسينتهي الأمر بتسخير إبليس نفسه مع الطبيعة؛ لاستخراج كل ما فيه من الشر.
قال "م": ولكن العجب من إبليس هذا؛ أتراه انقلب أوربيًا للأوربيين؟ وإلا فما باله يخرج مجددين من جبابرة العقل والخيال، ثم لا يؤتينا نحن إلا مجددين من جبابرة التقليد والحماقة؟
قال المحدث: فقلت لهما: أيها العجوزان القديمان، سأنشر قولكما هذا اليقرأه المجددون.
قال الأستاذ "م": وانشر يا بني أن الربيع -صاحب الإمام الشافعي، مر يومًا في أزقة مصر فنثرت على رأسه إجانة* مملوءة رمادًا، فنزل عن دابته وأخذ ينفض ثيابه ورأسه، فقيل له: ألا تزجرهم؟ قال: من استحق النار وصولح بالرماد فليس له أن يغضب! ...
ثم قال محدثنا: واستولى علي العجوزان، ورأيت قولهما يعلو قولي، وكنت في السابعة والعشرين، وهي سن الحدة العقلية، فما حسبتني معهما إلا ثلث عجوز.. مما أثرا علي، وانقلبت لا أرى في المجددين إلا كل سقيم فاسد، واعتبرت كل واحد منهم بعلته، فإذا القول ما قال الشيخان، وإذا تحت كل رأي مريض مرض، ووراء كل اتجاه إبرة مغناطيسية طرقها إلي الشيطان....
وفرغنا من هذا، فقلت للشيخين: لقد حان وقت نزولكما من بين الغيوم أيها الفيلسوفان، أما كنتما في سنة 1895 من الجنس البشري..؟
__________
* قصعة.
(3/64)

العجوازن "4":
قال محدثنا: وكنت قد ضقت بهذه اللجاجة الفلسفية، ورأيتني مضطعنا على الشيخين معًا، فقلت العجوز "ن": حدثني "رحمك الله" بشيء من قديمكما، فأنتما اختصار لكل ما مر من الحياة يستدل به على أصله المطول إلا في الحب.. وما زلتما في جد الحديث تعبثان بي منذ اليوم، فقد عدلتما بي إلى شأنكما ورأيكما في القديم والجديد، وبقي أن أميل بكما ميلة إلى سنة 1895، وقد -والله- كاد ينتحر قلبي يأسا من خبر "كاترينا ومرغريت"؛ ولكأنك تخشي إذ أعلمتني خبر صاحبتك هذه وهي وراء أربعين سنة- ما تخافه من رجل سيفجؤك معها في الخلوة على حال من الربية فيأخذك "متلبسا بالجريمة" كما تقولون في لغة المحاكم....
قال: فضحك العجوزان وقال "ن": لا -والله- يا بني، ولكني أقول ما قال ذلك الحكيم العربي* لقومه وقد بلغ مائتي سنة: "قلبي مضغة من جسدي، ولا أظنه إلا قد نحل سائر جسدي"، واعلم يا بني أنه إذا ذهب الحب عن الشيخ بقي منه الحنان يعمل مثل عمله، فيحب العجوز مكانا أو شيئا أو معنى أي ذلك كان، ليعيده ذلك إلى الدنيا أو يبقيه فيها "بقدر الإمكان" ...
فضحك الأستاذ "م" وقال: ولعل ثرثرة العجوز "ن" هي الآن معشوقة العجوز "ن".
ثم قال: وكل شيء يرق في قلب الرجل الهرم ويحول وجهة كأنه لا يطبق أن ينظر إلى معناه الغليظ؛ ولا بد أن يخرج العجوز من معاني الدنيا قبل أن يخرج من الدنيا؛ ولهذا لا يهنأ الشيخ إلا إذا عاش بأفكار جسمه الحاضر، وقدر الأمور على
__________
* هو أكثم بن صيفي حكيم العرب، قالها لقومه في سفرهم إلى النعمان بن المنذر كيلا يتكلوا عليه في حيلة ولا منطق؛ ويقال: إنه عاش ثلاثمائة وثلاثين سنة، وفي معنى السنة عن العرب كلام ليس هذا موضعه.
(3/65)

ما هو فيه لا على ما كان فيه؛ والفرف بين جسمه الحاضر وبين جسمه الماضي أن هذا الماضي كانت تحمل أعضاؤه، فهو مجتمع من أعمالها وشهواتها، ماضٍ في تحقيق وجودها ومعانيها؛ أما الحاضر، أما الجسم الهرم، فهو يشعر أنه يحمل أعضاءه كلها ملفوفة في ثيابه كمتاع المسافر قبل السفر.. وكأن بعضها يسلم على بعض سلام الوداع يقول: تفارقني وأفارقك*.
فتململ الأستاذ "م" وقال: أُفٍّ لك ولما تقول! لا جرم أن هذه لغة عظامك التي لا صلابة فيها، فمن ذلك لا تجيء معانيك في الحياة إلا واهنة ناحلة فقدت أكثرها وبقي من كل شيء منها شيء عند النهاية؛ أليس في الهرم إلا أن يبقى الجسم ليكون ظاهرًا فقط كعمشوش العنقود** بعد ذهاب الحب منه، يقول: كان هنا وكان هنا؟
ألا فاعلم يا "ن" أن هذه الشيخوخة إنما هي غلبة روحانية الجسم على بشريته، فهذا طور الحياة لا تدعه الحياة إلا وفيه لذته وسروره كما تصنع بسائر أطوارها؛ غير أن لذاته بين الروح والجمال، ومسراته بين العقل والطبيعة، وكل ما نقص من العمر وجب أن يكون زيادة في إدراك الروح وقوتها وشدتها ونورها؛ قد قيل لبعض أهل هذا الشأن وكان في مرض موته: كيف تجد العلة؟ فقال: سلوا العلة عني كيف تجدني.
وإنما تثقل الشيخوخة على صاحبها إذا هي انتكست فيه وكانت مراغمة بينه وبين الحياة، فيطمع الشيخ فيما مضي ولا يزال يتعلق به ويتسخط على ذهابه وتصنع له ويتكلف أسبابه، وقد نسي أن الحياة ردته طفلاً كالطفل، أكبر سعادته في التوفيق بين نفسه وبين الأشياء الصغيرة البريئة، وأقوى لذته أن يتفق الجمال الذي في خياله والجمال والذي في الكون، وإنه لكما قلت أنت: لا يهنأ الشيخ إلا إذا عاش بأفكار جسمه الحاضر.
وما أصدق وأحكم هذا الحديث الشريف: "إن الله تعالى بعدله وقسطه جعل الروح والفرح في الرضى واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط". فهذه في قاعدة الحياة: لا تعاملك الحياة بما تملك من
__________
1 في الحديث الشريف: إن العبد ليعالج كرب الموت وسكرات الموت وإن مفاصله ليسلم بعضها على بعض، تقول: عليك السلام، تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة.
2 هو ما يبقى من العنقود بعد أكل ما فيه من الحب.
(3/66)

نفسك، وبذلك تكون السعادة في أشياء حقيقة ممكنة موجودة، بل تكون في كل ما أمكن وكل ما وجد؛ وإذا كان الرضى هو الاتفاق بين النفس وصاحبها، وكان اليقين هو الاتفاق بين النفس وخالقها، فقد أصبح قانون السعادة شيئًا معنويًّا من فضيلة النفس وإيمانها وعقلها، ومن الأسرار التي فيها، لا شيئًا ماديًّا من أعضائها ومتاعها ودنياها والأخيلة المثقلة عليها.
فأطرق العجوز "ن" قليلًا ثم قال: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} [مريم: 4] ، ألا ما أحكم هذه الآية! فوالله إن قرأت ولا قرأ الناس في تصوير الهرم الفاني أبدع منها ولا أدق ولا أوفى؛ ألا تحس أن قائلها يكاد يسقط من عجف وهزال وإعياء؛ وأنه ليس قائمًا في الحياة قيامه فيها من قبل، وأن تناقض هذه الحياة قد وقع في جسمه فأخل به، وأن معاني التراب قد تعلقت بهذا الجسم تعمل فيها عملها، فأخذ يتفتت كأنما لمس القبر عظامه وهو حي، وأنه بهذا كله أوشك أن ينكسر انكسار العظم بلغ المبرد فيه آخر طبقاته؟
قال محدثنا: فقلت له: ترى لو أن نابغة من نوابغ التصوير في زمننا هذا تناول بفنه ذلك المعنى العجيب فكتبه صورة وألوانًا، لا أحرفًا وكلمات، فكيف تراه كان يصنع؟
قال: كان يصنع هكذا: يرسم منظر الشتاء في سماء تعلق سحابها كثيفًا متراكبًا بعضه على بعض يخيل أن السماء تدنو من الأرض، وقد سدت السحب الآفاق وأظلم الجو ظلامه تحت النهار المغطى، واستطارت بينها وشائع من البرق، ثم يترك من الشمس جانب الأفق لمعة كضوء الشمعة في فتق فن فتوق السحاب، ثم يرسل في الصورة ريحًا ياردة هو جاء يدل عليها انحناء الشجر وتقلب النبات، ثم يرسم رجالًا ونساء يغلي الشباب فيهم غليانه من قوة وعافية، وحب وصبابة، وتغلي فيهم أفكار أخرى ... وهم جميعًا في هيئة المسرعين إلى مرقص؛ وهم جميعًا من المجددين.
ثم يرسم يا بني في آخرهم "على بعد منهم" عمك العجوز "ن"، يرسمه كما تراه منحل القوة منحني الصلب، مرعشًا متزلزلًا متضعضعًا؛ قد زعزعته الريح، وضربه البرد، وخنقته السحب؛ وله وجه عليه ذبول الدنيا، ينبئ أن دمه قد وضع من جسمه في برادة، والكون كله من حوله ومن فوقه أسباب روماتيزم..
(3/67)

ثم يصوره وقد وقف هناك ساهمًا كئيبًا، رافعًا رأسه ينظر إلى السماء.
قال المحدث: وضحكنا جميعًا، ثم قال الأستاذ "م": لعمري إن هذه الحياة الآدمية كالآلة صاحبها مهندسها؛ فإن صلحت واستقامت فمن علمه بها وحياطته لها، وإن فسدت واختلت فمن عبثه فيها وإهماله إياها، وليس على الطبيعة في ذلك سبيل لائمة؛ والشيخ الضعيف ليس في هذه الدنيا إلا الصورة الهزلية لمفاسد شبابه وضعفه ولينه ودعته، تظهرها للدنيا ليسخر من يسخر ويتعظ من يتعظ.
قال "ن": أكذلك هو يا أستاذ؟
قال الأستاذ: بل هي الصورة الجدبة من هذه الباطلة التي دأبها ألا تصرح عن حقيقتها إلا في الآخر، فتظهرها الدنيا ليجل الحقيقة من يجلها؛ وليس إلا بهذه الطريقة يعرف من خراب الصورة خراب المعنى.
قال العجوز "ن": آه من إجلال الشيخوخة واحترام الناس إياها! إنهم يرونه احترامًا للشيخ والشيخ لا يراه إلا تعزية، وما الأشياخ الهرمي إلا جنازات قبل وقتها، لا توحي إلى الناس شيئًا غير وحي الجنازة من مهابة وخشوع.
قال الأستاذ: بل هي الصورة الجدية من هذه الباطلة التي دأبها ألا تصرح عن حقيقتها إلا في الآخر، فتظهرها الدنيا ليجل الحقيقة من يجلها؛ وليس إلا بهذه الطريقة يعرف من خراب الصورة خراب المعنى.
قال العجوز "ن": آه من إجلال الشيخوخة واحترام الناس إياها إنهم يرونه احترامًا للشيخ والشيخ لا يراه إلا تعزية. وما الأشياخ الهرمى إلا جنازات قبل وقتها، لا توحي إلى الناس شيئًا غير وحي الجنازة من مهابة وخشوع.
قال الأستاذ: إنما أنت دائمًا في حديث نفسك، ولو كنت نهرًا يا مستنقع لما كان في لغتك هذه الأحرف من البعوض.
قال العجوز الظريف: إن هذا ليس من كلام الفلسفة التي نتنازعها بيننا، ترد علي وأرد عليك، ولكنه كلام القانون الذي لك وحدك أن تتكلم به أيها القاضي.
قال "م": صرح وبيِّن؛ فما فهمنا شيئًا.
قال العجوز: هذا كلام قلته قديمًا في حادثة عجيبة، فقد رفعت إلي ذات يوم قضية شيخ هرم كان قد سرق دجاجة؛ وتوسمته فإذا هو من أذكى الناس، وإذا هو يجل عن موضعه من التهمة، ولكن صح عندي أنه قد سرق، وقامت البينة عليه ووجب الحكم؛ فقلت له: أيها الشيخ، ما تستحي وأنت شائب أن تكون لصًا؟
قال: يا سيدي القاضي، كأنك تقول لي: ما تستحي أن تجوع؟
فورد علي من جوابه ما حيرني، فقلت له: وإذا جعلت أما تستحي أن تسرق؟ قال: يا سيدي القاضي، كأنك تقول لي: وإذا جعلت أما تستحيي أن تأكل؟
فكانت هذه أشد علي، فقلت له: وإذا أكلت أما تأكل إلا حرامًا؟
فقال: يا سيدي القاضي، إنك إذا نظرت إلي محتاجًا لا أجد شيئًا، لم ترني سارقًا حين وجدت شيئًا.
(3/68)

فأقحمني الرجل على جهله وسذاجته، وقلت في نفسي: لو سرق أفلاطون لكان مثل هذا؟ فتركت الكلام بالفلسفة وتكلمت بالقانون الذي لا يملك الرجل معه قولًا يراجعني به، فقلت: ولكنك جئت إلى هذه المحكمة بالسرقة، فلا تذهب من هذه المحكمة إلا بالحبس سنتين.
قال محدثنا: وأرمضني هذا العجوز الثرثار وملأ صدري، إذ ما برح يديرني وأديره عن "كاترينا ومرغريت"، ورأيت كل شيء قد هرم فيه إلا لسانه، فحملني الضجر والطيش على أن قلت له: وهب القضية كانت هي قضية "كاترينا" وقد رفعت إليك متهمة، أفكنت قائلًا لها: جئت إلى المحكمة بالسرقة فلا تذهبين من المحكمة إلا بالحبس سنتين؟
وجرت الكلمة على لساني وما ألقيت لها بالًا ولا عرفت لها خطرًا؛ فاكفهر القاضي العجوز وتربد وجهه غضبًا، وقال: يا بغيض! أحسبتني كنت قائلًا لها: جئت إلى المحكمة بالسرقة فلا تذهبين من المحكمة إلا بالقاضي ... ؟
وغضب الأستاذ "م": وقال: ويحك! أهذا من أدبكم الجديد الذي تأديتم به على أساتذة منهم الفجرة الذين يكذبون الأنبياء ولا يؤمنون إلا بدين الغريزة ويسوغونكم مذاهب الحمير والبغال في حرية الدم..؟ أما إني لأعلم أنكم نشأتم على حرية الرأي، ولكن الكلمة بين اثنين لا تكون حرة كل الحرية إلا وهي أحيانًا سفيهة كل السفاهة، كهذه القولة التي نطقت بها.
لقد كان الناس في زمننا الماضي أناسًا على حدة، وكانت الآداب حالات عقلية ثابتة لا تتغير ولا يجوز أن تتغير، وكان الأستاذ الكافر بينه وبين نفسه لا يكون مع تلاميذه إلا كالمومس؛ تجهد أن تربي بنتا على غير طريقتها!
قال المحدث: فلجلجت وذهبت أعتذر، ولكن العجوز "ن" قطع علي وأنشأ يقول وقد انفجر غيظه: لقد تمت في هؤلاء صنعة حرية الفكر، كما تمت من قبل في ذلك الواعظ* المعلم القديم الذي حدثوا عنه أنه كان يقص على الناس في المسجد كل أربعاء فيعلمهم أمور دينهم ويعظهم ويحذرهم ويذكرهم الله وجنته وناره؛ قالوا: فاحتبس عليهم في بعض الأيام وطال انتظارهم له، فبينما هم كذلك إذ جاءهم
__________
* هو أبو كعب القاص، ذكره الجاحظ في الحيوان وقال إنه كان يقص كل أربعاء في مسجد عتاب بالبصرة.
(3/69)

رسوله فقال: يقول لكم أبو كعب: انصرفوا قد أصبحت مخمورًا ...
هذا القاص المخمور هو عند هؤلاء السخفاء إمام في مذهب حرية الفكر، وفضيلته عندهم أنه صريح غير منافق ... وكان يكون هذا قولًا في إمام المسجد لولا أنه إمام المسجد؛ غير أن حرية الفكر تبنى دائمًا في كل ما تبنى على غير الأصل، وعندها أن المنطق الذي موضوعه ما يجب، ليس بالمنطق الصحيح؛ إذ لا يجب شيء ما دام مذهبها الإطلاق والحرية.
كل مفتون من هؤلاء يتوهم أن العالم لا بد أن يمر من تفكيره كما مر من إرادة الخالق، وأنه لا بد له أن يحكم على الأشياء ولو بكلمة سخيفة تجعله يحكم، ولا بد أن يقول "كن وإن لم يكن إلا جهله؛ ومذهبه الأخلاقي: اطلب أنت القوة للمجموع، أما أنا فألتمس لنفسي المنفعة واللذة! ويحسبون أنهم يحملون المجتمع، فإنهم ليحملونه، ولكن على طريقة البراغيث في جناح النسر.
قال "م": وكيف ذلك؟
قال: زعموا أن طائفة من البراغيث اتصلت بجناح نسر عظيم واستمرأته ورتعت فيه، فصابرها النسر زمنًا، ثم تأذى بها وأراد أن يرميها عنه، فطفق يخفق بجناحيه يريد نفضها، فقالت له البراغيث: أيها النسر الأحمق! أما تعلم أننا في جناحيك لنحملك في الجو؟..
أما أساتذة هذه الحرية الدينية الفكرية الأدبية، فقد قال الحكماء: إن بعرة من البعر كانت معلمة في مدرسة.
قال "م": وكيف ذلك؟
قال: زعموا أن بعرة كبش كانت معلمة في مدرسة الحصى، فألفت لتلاميذها كتابًا أحكمته وأطالت له الفكرة، وبلغت فيه جهد ما تقدر عليه لتظهر عبقريتها الجبارة؛ فكان الباب الأكبر فيه أن الجبل خرافة من الخرافات، لا يسوغ في العقل الحر إلا هذا، ولا يصح غير هذا في المنطق؛ قالت: والبرهان على ذلك أنهم يزعمون أن الجبل شيء عظيم، يكون في قدر الكبش الكبير ألف ألف مرة؛ فإذا كان الجبل في قدر الكبش ألف ألف مرة فكيف يمكن أن يبعره الكبش؟....
قال الأستاذ "م": هذا منطق جديد سديد لولا أنه منطق بعرة!
قال "ن": وكل قديم له عندهم جديد، فكلمة "رجل" قد تخنثت، وكلمة "شاب" قد تأنثت، وكلمة "عفيفة" قد تدنست، وكلمة "حياء" قد تنجست؛ والزمن
(3/70)

الجديد ألا يعرف الطالب في هذا العام ماذا تكون أخلاقه في العام القادم.. والحياة الجديدة أن تتقن الغش أكثر مما تتقن العمل.. والذمة الجديدة أن مال غيرك لا يسمى مالًا إلا حين يصير في يدك.. والصدق الجديد أن تكذب مائة مرة، فعسى أن يصدق الناس منها مرة.. ثم الإنسان الجديد، والحب الجديد، والمرأة الجديدة، والأدب الجديد، والدين الجديد، والأب الجديد، والابن الجديد، وما أدري وما لا أدري.
قالوا: السوبرمان، وتنطعوا في إخراج المخلوق الكامل بغير دينه وأخلاقه، فسخرت منهم الطبيعة فلم تخرج إلا الناقص أفحش النقص، وتركتهم يعملون في النظرية وعملت هي الحقيقة.
قال محدثنا: ونهض العجوز "ن" وهو يقول: تباركت وتعاليت يا خالق هذا الخلق! لو فهموا عنك لفهموا الحكمة في أنك قد فتحت على العلم الجديد بالغازات السامة ...
قال: ولما انصرف العجوز، قلت للأستاذ "م": ولكن ما خبر "كاترينا" و "مرغريت" وسنة 1895؟
فقال: أيها الأبله، أما أدركت بعد أن العجوزين قد سخرا منك بأسلوب جديد..
(3/71)

السطر الأخير من القصة 1:
رجعت إلى أوراق لي قديمة يبلغ عمرها ثلاثين سنة أو لواذها، تزيد قليلًا أو تنقص قليلًا، وجعلت أفلي هذه الأوراق واحدة واحدة، فإذا أنا على أطلال الأيام في مدينة قائمة من تاريخي القديم، نائمة تحت ظلماتها التي كانت أنوار عهد مضى؛ وإذا أنا منها كالذي اغترب ثلاثين سنة عن وطنه ثم آب إليه، فما يرى من شيء كان له به عهد في أيام حدثانه ونشاطه إلا اتصل بينهما سر؛ ومن طبيعة القلب العاشق في حنينه أن يجعل كل شيء يتصل به كأنه ذو قلب مثله له حنين ونجوى!
وذلك التلاشي المحفوظ في هذه الأوراق، يحفظ لي فيها وفيما تحتويه نفسًا وطبيعة كانت نفس شاعر وطبيعة روضة، في عهد من الصبى كنت فيه أتقدم في الشباب وفي الكون معًا كأن الأشياء تخلق في خلقًا آخر؛ فإذا قرضت شعرًا واستوى لي على ما أحب، أحسست إحساس الملك الذي يضم إلى مملكته مدينة جديدة؛ وإذا تناولت طاقة من الزهر وتأملها على ما أحب، شعرت بها كأجمل غانية من النساء توحي إلي وحي الجمال كله؛ وإذا وقفت على شاطئ البحر، ترجرج البحر بأمواجه في نفسي، فكنت معه أكبر من الأرض وأوسع من السماء.
أما الحب ... أما الحب فكانت له معانيه الصغيرة التي هي كضرورات الطفل للطفل: ليس فيها كبير شيء، ولكن فيها أكبر السعادة، وفيها نضرة القلب.
عهد من الصبى كانت فيه طريقة العقل من طريقة الحلم؛ وكانت العاطفة هي عاطفة في النفس، وهي في وقت معًا خدعة من الطبيعة؛ وكان ما يأتي ينسي دائمًا ما مضى ولا يذكر به؛ وكانت الأيام كالأطفال السعداء: لا ينام أحدهم إلا على فكرة لعب ولهو، ولا يستيقظ إلا على فكرة لهو ولعب وكانت اللغة نفسها كأن فيها ألفاظًا من الحلوى؛ وكانت الآلام -على قلتها- كالمريض الذي معه دواؤه المجرب، وكانت فلسفة الجمال تضحك من فيلسوفها الصغير، الواضح كل
__________
1 انظر ص 219-220 "حياة الرافعي".
(3/72)

الوضوح، المقتصر بكل لفظ على ما يعرف من معناه، المتفلسف في تحقيق الرغبة أكثر مما يتفلسف في تخيل الفكرة!
هو العهد الذي من أخص خصائصه أن تعمل، فيكون العمل في نفسه عملًا ويكون في نفسك لذة.
في أوراقي تلك بحثت عن قصة عنوانها "الدرس الأول في علبة كبريت" كتبتها في سنة1905، وأنا لا أدري يومئذ أنها قصة يسبح في جوها قدر روائي عجيب، سيأتي بعد ثلاثين سنة فيكتب فيها السطر الأخير الذي تتم به فلسفة معناها.
وها أنذا أنشرها كما كتبتها؛ وكان هذا القلم إذ ذاك غضًا لم يصلب، وكان كالغصن تميل به النسمة، على أن أساس بلاغته قد كان ولم يزل، بلاغة فرحه أو بلاغة حزنه؛ وهذه هي القصة:
"عبد الرحمن عبد الرحيم" غلام فلاح، قد شهد من هذه الدنيا تسعة أعوام، مرت به كما يمر الزمن على ميت؛ لا تزيده حياة الأحياء إلا إهمالًا، فنشأ منشأ أمثاله ممن فقدوا الوالدين وانتزعوا من شملهم فتركوا للطبيعة تفصلهم وتصلهم بالحياة، وتضيق لهم فيها وتوسع.
وهيأت الطبيعة منه إنسانًا حيوانيًا، لا يبلغ أشده حتى يغالب على الرزق بالحيلة أو الجريمة، ويستخلص قوته كما يرتزق الوحش بالمخلب والناب؛ ولن يكون بعد إلا مجموعة من الأخلاق الحيوانية الفاتكة الجريئة، فإن الطبيعة متى ابتدأت عملها في تحويل الإنسان عن إنسانيته، نزلت به إلى العالم الحيواني ووصلته بما فيه من الشر والدناءة، ثم لا تترك عملها حتى يتحول هو إليها.
وألف "عبد الرحمن" في بلده حانوت رجل فقير، يستغني بالبيع عن التكفف وعن المسألة؛ فكان الغلام يكثر الوقوف عنده، وكان يطعم من صاحبه أحيانًا كرزق الطير، فتاتًا وبقايا؛ إذ كان الغلام شحاذًا، وكان صاحب الحانوت لا يرتفع عن الشحاذة إلا بمنزلة تجعل الناس يتصدقون عليه بالشراء من هناته التي يسميها بضاعة: كالخيط، والإبرة، والكبريت والملح، وغزال للولد، وكحل للصبايا، ونشوق للعجائز، ونسخة الشيخ الشعراني، وما لف لفها مما يصمد ثمنه من كسور المليم، إلى المليم وكسوره!
وتغفله الغلام مرة وأهوى بيده إلى ذخائر الحانوت، فالتقطته "علبة كبريت"
(3/73)

كان الفرق كل الفرق بين أن يسرقها وأن يشتريها -نصف مليم؛ ولكن من له "بالعشرين الخردة" وهي عند مثله دينار من الذهب يرن رنينًا ويرقص على الظفر رقصة إنجليزية؟
وماذا يصنع بالعلبة؟ همت نفسه أن تجادله ولما تسكن رعشة يده من هول الإثم، ولكن الغلام كان طبيعيًّا ولم يكن فيسلوفًا، ولذلك رأى أن يحرز الحقيقة بعد أن وقعت يده عليها، وقد اصطلح الناس على أن مادة السرقة هي "مد اليد" أخطأت أم أصابت، وجاءت بالغالي أو جاءت بالرخيص؛ فضم أصابعه على العلبة وانتزعها، وترك في مكانها فضيلة الأمانة التي لم يعرف له الناس قيمتها فهانت كذلك على نفسه وانطلق وهي تناديه:
أيها الغلام، أتدفع ثمن علبة الكبريت سنتين من عمرك؟ وهلا خلا الناس ممن يعرفون لعمرك قيمة؟
وارتد رجع الصوت الخفي إلى قلبه من حيث لا يشعر، فضرب قلبه ضربات من الخوف، ونزا نزوة مضطربة؛ فالتفت الغلام مرة أخرى، ثم أمعن في الفرار وترك الأمانة تناديه:
أيها الغلام، إن لك في الآخرة نارًا لا توقد بهذا الكبريت، ولك في الدنيا سجن كهذه العلبة، فالعب العب ما دام الناس قد أهملوك! العب بالثقات الذي في يدك فيسمتد فيك معنى اللهب حتى يجعل حياتك في أعمار الناس دخانًا ونارًا؛ وستكون أيامك أعوادًا كهذا الكبريت: تشتعل في الدنيا وتحرق.
وكأن أذناب السياط كانت تلهب ظهر الغلام المسكين، ولكنه ما كاد يلتفت هذه المرة حتى كان في قبضة صاحب الحانوت، وإذا هو بكلمة من لغة كفه الغليظة، خيلت له في شعرها أن جدارًا انقض عليه، وتلتها جملة من قوافي الصفع جلجلت في أذنيه كالرعد، وأعقب ذلك مثل الموج من جماعات الأطفال أحاط به فترك هذا الزورق الإنساني الصغير يتكفأ على صدمات الأيدي، فما أحس الغلام التعس إلا أن الكبريت الذي في يده قد انقدح في رأسه، وكانت أنامل صاحب الحانوت كأنما تحك أعواده في جلد وجهه الخشن!
وذهبوا به إلى "دوار" العمدة يقضي فيه الليل ثم يصبح على رحلة إلى المركز والنيابة، وانطرح المسكين منتظرًا حكم الصباح، مؤملًا في عقله الصغير ألا يفصح
(3/74)

النهار حتى يكون "سيدنا عزرائيل" قد طمس الجريمة وشهودها، ثم أغفى مطمئنًا إلى ملك الموت وأنه قد أخذ في عمله بجد، وأيقن عند نفسه أن سيشحذ في الخميس مما يوزع في المقبرة صدقة على أرواح العمدة، وصاحب الحانوت، والخفير الذي عهدوا إليه جره إلى المراكز ... وكيف يشك في أن هذا واقع بهم وهو قد توسل بالولي فلان ونذر له شمعة يسرقها من حانوت آخر ... !
هكذا عرف الشر قلب هذا الصبي، وانتهى به عدل الناس إلى أفظع من ظلم نفسه، وكأنهم بذلك القانون الذي يصلحونه به على زعمهم، قد ناولوه سبحة؛ ليظهر بها مظهر الصالحين؛ ولم يفهموه شيئًا ففهم أنهم يقولون له: هذه الجريمة واحدة، فعد جرائمك على هذه السبحة؛ لتعرف كم تبلغ!
كانت في الحقيقة لعبة لا سرقة، وكانت يد الغلام فيما فعلت مستجيبة لقانون المرح والنشاط والحركة، كما تكون أعضاء الطفل لا كما تكون يد اللص؛ وكان أشبه بالرضيع يمد يده لكل ما يراه، لا يميز ضارة ولا نافعة، وإنما يريد أن يشعر ويحقق طبيعته؛ وكان كل ما في الأمر وقصارى ما بلغ -أن خيال هذا الغلام ألف قصة من قصص اللهو، وأن الكبار أخطؤوا في فهمها وتوجيهها ... ليست سرقة الطفل سرقة، ولكنها حق من حقوق ذكائه يريد أن يظهر.
وانتهى "عبد الرحمن" إلى المحكمة، فقضت بسجنه في "إصلاحية الأحداث" مدة سنتين، واستأنف له بعض أهل الخير في بلدة؛ صدقة واحتسابًا؛ إذ لم يكف الاستئناف إلا كناية ورقة؛ فلما مثل الصغير أمام رئيس المحكمة لم يكن معه لفقره محامٍ يدفع عنه، ولكن انطلق من داخله محامٍ شيطاني يتكلم بكلام عجيب، هو سخرية الجريمة من المحكمة، وسخرية عمل الشيطان من عمل القاضي..!
سأله الرئيس: "ما اسمك؟ "
- "اسمي عبده، ولكن العمدة يسميني: يابن الكلب!.
- "ما سنك؟ "
- "أبويا هو اللي كان سنان"*
- "عمرك إيه؟ "
- "عمري؟ عمري ما عملت شقاوة! "
__________
* كان أبو الغلام سنانًا، ومثل هذا القدر من العامية في القصة هو ملح القصة.
(3/75)

النيابة للمحكمة: "ذكاء مخيف يا حضرات القضاة! عمره تسع سنوات! "
الرئيس: "صنعتك إيه؟ "
- صنعتي ألعب مع محمود ومريم، وأضرب اللي يضربني! "
- "تعيش فين؟ "
- "في البلد"
- "تأكل منين؟ "
- "آكل من الأكل! "
النيابة للمحكمة: "يا حضرات القضاة، مثل هذا لا يسرق عليه كبريت إلا ليحرق بها البلد ... ! ".
الرئيس: ألك أم؟ "
- أمي غضبت على أبويا، وراحت قعدت في التربة؛ ما رضيتش ترجع! ".
- "وأبوك؟ "
- "أبويا لاخر غضب وراح لها".
الرئيس ضاحكًا: "وأنت؟ "
- "والله يا أفندي عاوز أغضب، مش عارف أغضب ازاي! ".
- "إنت سرقت علبة الكبريت؟ "
- "دي هي طارت من الدكان، حسبتها عصفورة ومسكتها ... "
النيابة: "وليه ما طارتش العلب اللي معاها في الدكان؟ "
- "أنا عارف؟ يمكن خافت مني! ".
النيابة للمحكمة: "جراءة مخيفة يا حضرات القضاة، المتهم وهو في هذه السن، يشعر في ذات نفسه أن الأشياء تخافه! ".
فصاح الغلام مسرورًا من هذا الثناء: "والله يا أفندي إنت راجل طيب! أديك عرفتني، ربنا يكفيك شر العمدة والغفير! "
وأمضي الحكم في الاستئناف، وخرج الصغير مع رجال مع المجرمين يسوقهم الجند، ثم احتبسوا الجميع فترة من الوقت عند كاتب المحكمة؛ ليستوفي أعماله الكتابية، ثم يساقون من بعد إلى السجن.
وجلس "عبد الرحمن" على الأرض، وقد اكتنفه عن جانبيه طائفة من
(3/76)

المجرمين يتحادثون ويتغامزون، وكلهم رجال ولكنه وحده الصغير بينهم؛ فاطمأن شيئًا قليلًا، إذ قدر في نفسه أنه لو كان هؤلاء قد أريد بهم شر لما سكنوا هذا السكون، وأن الذي يراد بهم لا يناله هو إلا أصغر منه، كصفعة أو صفعتين مثلًا.. وهو يسمع أن الرجال يقتلون ويحرقون ويسمون ويعتدون وينهبون؛ وما تكون "علبة الكبريت" في جنب ذلك؟ وخاصة بعد أن استردها صاحبها، وقد نال هو ما كفاه قبل الحكم!
وما لبث بعد هذا الخاطر الجميل أن رد الاطمئنان في عينه دموعًا كاد يريقها الجزع، غير أن القلق اعتاده، فالتفت إلى كتاب المحكمة مرة وإلى الجند مرة، ثم لوى وجهه ولم يستبح لنفسه أن يتجرأ على الفكر فيهم؛ لأنه قابل مهابتهم بآلهة بلده: العمدة والمشايخ والحفراء؛ فأدرك أن الجنود هم الحكومة القادرة، واستدل على ذلك بأزرارهم اللامعة، وخناجرهم الصقيلة: وتمشت في قلبه رهبة هذه الخناجر، فاضطرب خشية أن يكونوا قد أسلموه من يذبحه، فنظر إلى الذي يليه من المجرمين وسأله: "راح ياخدوني فين؟ "، فأجابته لكمة خفية انطلق لها دمعه، حتى أسكته الذي يليه من الجانب الآخر، وكان في رأيه من الصالحين؟
ثم اتصل الجزع بين قلبه وعينيه، فهما تضطربان إلى الجهات الأربع، وكأنما يحاول أن يستشف من أيها سيأتيه الموت ذبحًا؛ ولم يكن فهم معنى "الإصلاحية"، وحكم القضاة عليه كأنه رجل يفهم كل شيء، ولم يرحموا هذه الطفولة بكلمة مفسرة، وعدل التربية غير عدل القانون، فكان الواجب على القاضي الذي يحكم على الطفل، أن يجعل حكمه أشبه بصيغة القصة منه بصيغة الحكم، وأن يدع الجريمة تنطلق وتذهب فلا يقول لها امكثي..
وبقي الخناجر رهبتها في نفس هذا المسكين، فلو أنهم قادوه إلى حبل الشناقة لأفهمه "الحبل" معنى العقوبة، أما وهو بين هذه الخناجر المغمدة -وفي الخناجر معنى الذبح- فإنما هو الذبح لا غيره.
وطرقت أذنيه قهقهة المجرم عن يمينه فاستنقذته من هذا الخطر، فثبت عينيه في الرجل، فإذا هو يرى وجهًا متلألئًا، وجسمًا رابط الجأش، وهزؤًا وسخرية بهؤلاء الجنود وخناجرهم.
واستراح الغلام إلى صاحبه هذا، وألح بنظره عليه، وابتدأ يتعلم من وجهه الفلسفة؛ وليست الفلسفة مقصورة عى الكتب، بل إن لكل إنسان حالة تشغله، فنظره في اعتبار دقائقها وكشف مستورها هو الفلسفة بعينها.
(3/77)

وقال الغلام لنفسه: "هذا الرجل أقوى من كل قوة؛ فهو محكوم عليه ولا يبالي، بل يقهقه ضحكًا؛ فهذا الحكم إذن لا يخيف؛ لا، بل هو تعود الأحكام؛ إذن فمن تعود الأحكام لم يخف الأحكام؛ إذن يا عبد الرحمن ستتعود، فإن الخوف هذه المرة قد غطك من "علبة الكبريت" في حريق متسعر، وما قدر "علبة الكبريت"؟ فلو كانت السرقة جاموسة ما لقيت أكثر من ذلك؛ يا ليتني إذن ... ولكني لا أزال صغيرًا، فمتى كبرت ... آه متى كبرت..".
وبدأ القانون عمله في الغلام؛ فطرد منه الطفل وأقر فيه المجرم.
وأطرق "عبد الرحمن" هادئًا ساكنًا. وقامت في نفسه محكمة من الأبالسة بقضاتها ونيابتها؛ يجادل بعضهم بعضًا، ويداولون بينهم أمر هذا الغلام على وجه آخر.
وقال شيطان منهم: "ولكنا نخشى أمرين: أحدهما أن "الإصلاحية" ستخرجه بعد سنتين شريفًا يحترف؛ والثاني أن الناس ربما تولوه بالتربية والتعليم في المدارس رحمة وشفقة؛ فيخرج شريفًا يحترف".
وما أسرع ما نفى الخوف عنهم قول الغلام نفسه بلهجة فيها الحقد والغيظ وقد صفعه الجندي الذي يقوده إلى السجن: "ودا كله على شأن علبة كبريت؟ ... ".
...........................................................................................
في سنة 1934 قضت محكمة الجنايات بالموت شنقًا على قاتل مجرم خبيث عيار متشطر؛ اسمه "عبد الرحمن عبد الرحيم".
(3/78)

عاصفة القدر 1:
على شاطئ النيل في إقليم "الغربية" من هذا البر، قرية ليس فيها من جبل، ولكن روح الجبل في رجل من أهلها، فإذا أنت اعتبرته بالرجال قوة وضعفًا رأيته ينهض فيهم بمنكبيه نهضة الجبل فيما حوله؛ وهو بطل القرية ولواء كل معركة تنشب فيها بين فتياتها وبين فتيان القرى المتناثرة حولها؛ ولا تزال هذه المعارك بين شبان القرى كأنها من حركة الدم الحر الفاتح المتوارث فيهم من أجيال بعيدة ينحدر من جبل إلى جبل وفيه تلك القطرات الثائرة التي كانت تغلي وتفور، وهي كعهدها لا تزال تفور وتغلي، ويلقبون هذا الرجل الشديد "بالجمل"؛ لما يعرفونه من جسامة خلقه وصبره على الشدائد، واحتماله فيها، وكونه مع ذلك سلس القياد سليم الفطرة رقيق الطبع؛ على أنه أبطش ذي يدين إن ثار ثائره، وله إيمان قوي يستمسك به كما يتماسك الجبل بعنصره الصخري، إلا أنه يخلطه ببعض الخرافات؛ إذ لابد له من بعض الجرائم الشريفة التي يمل عليها فرط القوة والمروءة في مثله مع مثله.
وليس في تلك القرية من بحر، غير أن فيها شابًا أعنف طيشًا وعتوًًا من الموجة على بحرها في يوم ريح عاتية، حلو المنظر لكنه مر الطعم، صافي الوجه لكن له غورًا بعيدًا من الدهاء والخبث، وهو ابن عمدة البلدة وواحد أبويه والوارث من دنياهما العريضة، يبسط يديه على خمسمائة فدان، وقد أفسدته النعمة وأهانته عزته على أهله؛ ولو اجتمعت حسنتان التخرج منهما سيئة من السيئات بأسلوب من الأساليب، لما وسعها إلا أسلوب نشأته من أبويه الطيبين، تعلم وهو يعرف أنه لا حاجة به إلى العلم، فجعلت تلفظه المدارس واحدة بعد واحدة كأنه نواة ثمرة إنسانية فإذا قيل له في ذلك قال: إن خمسمائة فدان لا تسعها مدرسة.... وذهب إلى فرنسا يطلب العلم الذي استعصى عليه في مصر، فأرهف ذلك العلم خياله وصقل حسه، ورجع من باريس رقيق الحاشية خنثًا متطرفًا لا يصلح شرقيًا ولا غربيًا!
__________
1 أنشأها للمقتطف سنة 1925.
(3/79)

وليس في تلك القرية غاية لكن فيها عذراء تلتف من جسمها في رداء الجمال الطبيعي الرائع، ولها نفس أشد وعورة مما تنطوي الغابة عليه؛ ففي ظاهرها الرونق الذي يفتن فيجذب إليها، وفي باطنها القوة التي تلتوي فتدفع عنها؛ وهي ابنة عم "الجمل" واسمها "خضراء" وكأن فيها زهو خضرة الربيع، ولم تكن تعشق إلا القوة، فما يزين لها من الرجال إلا ابن عمها، وهي شديدة الإعجاب به، وإنما إعجاب المرأة برجل من الرجال مفتاح من مفاتيح قلبها.
وكانت "خضراء" جاهلة كنساء القرى، بيد أنها تلميذة بارعة للطبيعة التي نشأت فيها وزاولت أعمالها؛ فهي بذلك أقوى نفسًا وأشد مراسًا من الفتيات المتعلمات؛ إذ اتخذت شكلًا ثابتًا من أشكال الحياة، والحياة هي صنعتها هذه الصنعة أو قامتها على هذه الهيئة، على حين أن المتعلمات يمضين أيام النشأة وسن الغريزة في التلقي عن الألفاظ والكتب، وفي توهم الصور المختلفة للاجتماع دون مباشرتها وفي توقي أعمال الحياة بدلًا من مخالطتها؛ فيؤول ذلك منهن إلى قوة في التخيل قلما ترضي الحقيقة الإنسانية المؤلمة حين تصادمها يومًا ما؛ وتتم الواحدة منهن، ولكن باعتبار أنها تمت تلميذة للمدرسة لا امرأة للحياة بما فيها مما يعجب وما لا يعجب.
وكانت خضراء أشبه بدورة النهار: تفتح أجفانها على أشعة الفجر كل يوم، ولا تزال نهارها في دأب وعمل، فنفى ذلك عن أخلاقها ما يجلبه السكون من الخمول والميل إلى العبث والدعابة، وحصلت لها من الحياة حقيقة عرفت منها أن المرأة عامل من أكبر العوامل في النظام الإنساني؛ عليه أن يصبر على الكد والتعب إذا أراد أن يظهر بطبيعته الحقيقية لا بطبيعته المزورة المصنوعة؛ ورأت الرجل يستأثر بجلائل الأعمال ولا يترك للمرأة إلا كما يترك عقرب الساعات لعقرب الثواني في الرقعة التي تجمعها؛ فهذا الصغير لا يبرح يضطرب في "دائرته الضيقة" يهتز من جزء إلى جزء، حتى إذا أتم الدقيقة في ستين هزة كاملة ذهب الأول بفضلها كلها وخطا بها خطوة واحدة: ثم يعود المستضعف المسكين إلى مثل عمله ولا يزال دأبهما وإن أكثرهما عملًا وتبعًا هو أقلهما قيمة وظهورًا؛ ولكن هذا الضعيف المغبون لم ينله ما ناله إلا من كونه هو وحده الذي بني في هذا النظام على فضيلة الصبر والدقة، ليكون أساسًا للآخر؛ فعرفت "خضراء" كيف تقيد طبيعتها من تلقاء نفسها، وتقرها على الصبر والرضا والسكون إلى حظها الطبيعي والاغتباط به؛ إذ كان فضل الرجل على المرأة ليس في كونه أكثر منها فضلًا أو
(3/80)

أسباب فضل، بل في كونها هي أكثر منه حبًّا وتسامحًا وصبرًا وإيثارًا؛ ففضائلها الحقيقية هي التي جعلته الأفضل، كما تجوع الأم لتطعم ابنها!.
ورآها "ابن العمدة" ولما تمض أيام على رجوعه من أوربا، وقد لبث هناك بضع سنين، وكان عهده بالفتاة صغيرة، فوثبت إلى نفسه في وثبة واحدة، ورأى شبابًا وجمالًا وروعة زينتها في قلبه، وسولت له مطمعًا من المطامع، وجعلته يرى ما يرى بمعنى ويفهم منه ما يفهم بمعنى غيره.
وكانت حين رآها واقفة على النيل تملأ جرتها مع نساء من قومها وهن يتعابثن ويتضاحكن، كأن لخصب الأرض في أرواحهن أثرًا باديًا، فإذا ما أقبلن على النهر لشأن من شؤونهن تندت روح الماء على ذلك الأثر فاهتز واهتزت المرأة به، فإن كانت ذات مسحة من جمال رأيت لها رفيفًا كرفيف الزهرة حين يمسحها الندى، وذهبت تتموج في جسمها، وقد حسرت عن ذراعيها، ولمس الماء دمها الجذاب فأرسل فيه تيارًا من العافية والنشاط يتصل منها بقلب من يراها إن هو كان شاعرًا يحس؛ فإن كانت روح الرجل ظمأى ورأى المرأة على هذه الهيئة، فما أحسبه إلا يشرب منها بعينيه شربًا يجد له في قلبه نشوة كنشوة الخمر؛ وكذلك وقعت الفتاة من نفس هذا الفتى فزينها له الخبث الذي فيه أضعاف ما زينها له الجمال الذي فيها، وقذفها القدر إلى قلبه ليخرج من هذا القلب تاريخ جريمة؛ فوقف يتأملها بعين أحد من آلة التصوير لا تفوتها حركة، وسلط عليها فكره وذوقه، وأيقظ لها في نفسه المعاني الراقدة، فنصبت في قلبه عدة من تماثيل الجمال تجسدت في كل واحد منها على شكل كأنما أفرغت فيه إفراغًا.
وكانت نفس ابن العمدة من النفوس الخيالية المتوثبة؛ إذ قامت من نشأتها على أن تطلب فتجاب، وتأمر فتطاع، وتشتهي فتجد؛ وكأنه ما خلق إلا ليستعيد قلبي والديه، وكانا ساذجين لا يعرفان من علم التربية إلا أن للحكومة مدارس للتربية، وموسرين لا يفهمان من معنى الحاجة في هذه الدنيا إلا أنها الحاجة إلى المال، منقطعين من النسل إلا منه، فكأنه لم يولد لهما، بل قد ولدا له.. فله الأمر عليهما من كونه لا أمر لهما عليه؛ وبذلك أسرف له من فضائل الرقة والحنان والإشفاق وما إليها، وهي في نفسها فضائل، ولكن متى أسرف بها الآباء على أولادهم لم تنشئ في أولادهم إلا مما يكون من أضدادها، كالشجر تفرط عليه
(3/81)

الري فلا يحدث فيه إلا اليبس والذوي، وإنما أنت تستقيه الموت ما دمت ترويه بمقدار من هواك بمقدار حاجته.
ونشأ الفتى في أحوال اجتماعية مختلفة جعلت من أخص طباعه تمويه نفسه على الناس، والتباهي بالغنى، والتنبل بالأصدقاء والحاشية من وزرائه وعماله، والتهيؤ بالثياب والأزياء؛ فانصرف باطنه إلى تجميل ظاهره، ورد ظاهره على باطنه بالشهوات والدنايا، وأعانه على ذلك أنه جميل فاتن كأنما خلقت صورته "للصفحة الحساسة" من قلوب النساء؛ وذلك ملك عظيم لم يكن أبوه الرجل الطيب منه إلا كما يكون وزير مالية الدولة.. ولما أرسل إلى باريس وقع منها في بلد عجيب كأنه خيال متخيل لا يؤمه رجلًا في الدنيا من كامل أو ناقص وعالم أو جاهل وشريف أو ساقط إلا رأى فيه ما يملأ كل مداخل نفسه ومخارجها، فلو قامت مدينة من أحلام النفوس الإنسانية في خيرها وشرها وطهرها وفجورها واختلالها ونظامها لكانت هي باريس؛ وانقطع الشاب هناك إلى نفسه وإلى صور نفسه من أصدقاء السوء، فلا أهل فيلزموه الفضيلة، ولا إخوان فيردوه إلى الرأي، ولا خلق متبين فيعتصم به، ولا نفس مرة فيفيء إليها، ولا فقر ... فيحد له حدودًا في الشهوات يقف عندها؛ وما هو إلا خيال متوقفد ومزاج مشبوب وتربية مدللة وطبع جريء ومال يمر في إنفاقه، ومن ورائه أب غني مخدوع كأنه في يد ابنه كرة الخيط: كلما جذب منها مدت له مدًا، ثم ما هنالك من فنون الجمال ومتع اللذات وأسباب اللهو، مما يتناهى إليه فساد الفاسد، وما هو في ذاته كأنه عقوبة مستأصلة للأخلاق الطيبة؛ فكان الشيطان الباريسي من هذا المسكين في سمعه وبصره ورجله ويده، ويجهه حيث شاء؛ وبالجملة فقد ذهب ليدرس فدرس ما شاء ورجع أستاذًا في كل علوم النفس المختلة الطائشة وفنونها، وأضاف إلى هذه وتلك كلمات يلوي بها لسانه من علوم وأقاويل ليس فيها إلا ما ما يدل الحاذق على أن هذا الشاب لم يفلخ قط في مدرسة.
فلما وقعت "خضراء" منه ذلك الموقع وأخذت مأخذها في نفسه، اعتدها نزوة من نزواته؛ فما بمثله أن يحب مثلها، ولا هي كفايته في شيء إلا أن تكون لهو ساعة من ساعاته، أو حادثة تجري فيها حال من أحواله الغرامية؛ وحسبها امرأة ليس لقلبها أبواب تمتنع على مثله، فقدر أن غناه وفقرها يقتلعان بابًا، وعلمه وجهلها يحطمان بابًا آخر، وجماله وحده يضع ما بقي من الأقفال عما بقي من الأبواب! وكان يحسب أن جمال المرأة من المرأة كالحلية من بائعيها؛ فكل من
(3/82)

ملك ثمنها فليس بينه وبينها إلا هذا الثمن؛ ولكن الأيام جعلت تأتي وتمر وهو لا يزيد على أن يعرض لها وهي ترميه من صدودها كل يوم بداعية من دواعي الهوى؛ وكان لا يجد بنفسه قوة أن يزيدها على النظر شيئًا، وترك لوجهه وثيابه ونظراته وغناه أن تصل بين قلبه وقلبها بسبب، فلم ينل طائلًا؛ وتمادى في حبه، واستولت عليه فكرة مرته بهذه المرأة؛ أما هي فأشعرتها غريزتها بما في قلبه منها، وكانت مسماة لابن عمها* فكانت تتحاشى هذا الشاب وتحذره حذرًا شديدًا، وتتوهم أن الناس يحصون عليها النظرة والالتفاتة ويحصون عليه في مثلهما، ووقع في نفسها أن لهذا الرجل شأنًا غير شأن الرجال الآخرين، فهم لا يستطيعون معها حيلة وهو يستطيعها بغناه ومنزلته.
وكان للرجل خادم داهية قد تخرج في مجالس القضاء.. من كثرة ما حكم عليه في تزوير واحتيال وغش وادعاء وإنكار ونحوها، وقد استخلصه لنفسه واتخذه موانسًا ورفيقًا؛ وجعله دسيسًا** إلى شهواته السافلة وكان يسميه فيما بينهما "إبليس"؛ فلما أراد أن يرميها به قال: يا سيدي، هذه قضية احتيال عليها، فإذا دخل ابن عمها خصمًا في الدعوى كانت قضية احتيال على عمري أنا! قال: ويحك أيها الأبله! فأين دهاؤك ومكرك؟ وإنما أرسلك إلى امرأة فقيرة عيشها كفافها، وأنت تعدها وتمشيها وتبذل عني ما شئت، ومتى أطمعتها في المال فإن هذا المال سيوجد ما يوجده في كل مكان، فيشري ما لا يشرى، ويبيع ما لا يباع! قال "إبليس": نعم يا سيدي، وكذلك هو ولكن خوف العار يطرد حب المال! قال: فأنت إذن لا تقبل؟ قال: ولا أرفض.. قال الشاب: قاتلك الله! لقد فهمت سأشتريها منك بثمنين: أحدهما لك والآخر لها؛ ولكن أخبرني كيف تصنع معها ومن أين تبلغ إليها؟ قال "إبليس": لما كنت في السجن عرفت لصًّا فاتكًا أعيا قومه خبثًا وشرًّا؛ وهذا السجن يحسبه عقابًا وردعًا ومنهاة عن الإثم، على أنه المدرسة التي تنشئها الحكومة بنفسها لتلقي علوم الجريمة عن كبار أساتذتها؛ إذ لا يمكن أن يجتمع كبارهم في مكان من الأرض إلا فيه؛ فالسجن طريقة من طرق حل المشكلة الإنسانية، ولكنه هو نفسه يحدث للإنسانية مشكلة لا تحل! قال الفتى: ويحك! أين يذهب بك؟ إنما أرسلك إلى المرأة إلى السجن! قال: ترسلني أنت إليها ولكن لا يعلم إلا الله أين يرسلني ابن عمها: إلى السجن أم إلى
__________
* معدة لخطبته، أو كما يقولون: قرأت مع أهلها الفاتحة.
** جاسوسًا وصاحب سر.
(3/83)

المستشفى..! فاسمع يا سيدي: كان من نصائح أستاذي في ذلك السجن: أن الحيلة على رجل ينبغي لإحكامها أن يكون في بعض أسبابها امرأة، والكيد لامرأة يجب أن يكون في بعض وسائله رجل.. صه! انظر انظر! فالتفت الشاب، فإذا "الجمل" مقبل يتكفأ في مشيته، وكان غليظًا، فإذا خطا شد على الأرض بقدميه وتكدس بعضه في بعض؛ وكان منطلقًا وقتئذ إلى بعض مذاهبه، فلما حاذاهما قال: السلام عليكم! فرد جميعًا، ورمى ابن العمدة بنظرة، ثم مضى لوجهه فلم يجاوز غير بعيد حتى بلغه صوت الشاب يناديه: يا فلان! فانكفأ إليه، فقال له الشاب: لقد بعد عهدك بالقوة على ما أرى. قال: فما ذاك؟ قال: أما بلغك أن فلانًا في هذه القرية التي تجاوزنا سيقترن بزوجته بعد أيام، وأنت تعرف الموقعة التي كانت بيد بلدنا وتلك البلدة يوم عرس فلان في السنة الماضية، وكيف اندفعوا على أهل بلدنا وحطموا فيهم تلك الحطمة الشديدة ولولا أنت أدركتهم ورميتهم بنفسك حتى دفعتهم عن الناس وسقتهم أمامك سوق النعاج، لكانت بلدنا اليوم أذلّ البلاد، ولاستطالوا علينا بأنهم غلبونا؛ ولقد حدثني صاحبي هذا كيف تلقيت بهراوتك يومئذ خمسًا وعشرين هراوة، فأطرتها كلها في جولتك، وهزمت أصحابها بعد أن أحاطوا بك وتكلبوا عليك؛ فأنت فخر بلدنا وصاحب زعامتها، وما أرى لك إلا أن تنتهز هذه الفرصة وتسرع الوثنية إليهم برجالك، فتجزيهم في أرضهم صنيعًا بصنع مثله!
فهز الجمل كتفيه العريضتين وقال: بل سأنتظرهم في يوم عرسي بابنة عمي ... ! قال الشاب: أبلغت ما أرى فإنك لتخافهم! قال: لا أخافهم ولكن أخاف الحكومة أن تؤخر يوم زواجي ... سنة أو سنتين! قال الفتى: فإن عملك هذا لا يشد من نفوس رجالنا، ولا بد أن أولئك سينتظرونكم ويعدون لكم، فإذا لم تناجزوهم في بلدهم عدوها عليكم هزيمة من الهزائم، وكأنهم ضربوكم بلا ضرب!
قال الجمل: هم لا يعرفون معنى الضرب بلا ضرب؛ لأنهم رجال؛ والذي يضرب بلا ضرب لا يكون رجلًا ... والسلام عليكم! ثم انطلق، فلما أبعد قال الشاب: لقد بدأت الحرب ولا بد لي أن أحطم هذا الفلاح اللعين! ولقد عرفت الآن من وجهه أن عينه علي، ولست أشك في أن بنت عمه لا تمتنع بقوتها بل بقوته، ولولا معرفتي أنه من انحطاط الغريزة كالوحش في الدفاع عن أنثاه لقال "إبليس": لقد تأملت القصة فرأيت أنه لا سبيل لك إلى الفتاة وهي بعد فتاة، فإذا هو وصل إلى امرأته قطعت أنت بهذه الخطوة نصف الطريق إليها ... وستبلو هي
(3/84)

من غلظته وخشونة طبيعة ما يسهل لك أن تعلمها قيمة ظرفك ورقتك، وستجد من سوء معاملته وقبح تسلطه ما يفتح قلبها لمن يأتيها قبل الرفق واللين، وستصب عنده من ضيق المعيشة وقلتها ويبسها ما يفهمها معنى ذلك العيش الحلو الخضر الذي تعرضه عليها؛ ثم إنه لا بد مبتليها بغيرته العمياء بعد ما عرف من حبك إياها، والغيرة منك هي توجدك بينهما دائمًا وتنبه المرأة إليك كلما كرهت من رجلها شيئًا لا ترضاه.
ولم تكن إلا مدة يسيرة حتى أهديت المرأة إلى زوجها، وإنما تعجل الزفاف ليأتي أنه أن ينصب يده القوية حجابًا بينهما وبين هذا المفتون، وليكتسب من القانون حقًّا لم يكن له من قبل إذا هو مد هذه اليد وعصر في قبضتها تلك الرقبة التي تتطلع إلى امرأته؛ ورأى الشاب أن هذه الحال لا تعتدل به وبخصمه معًا، وكانت الغيرة تأكل من قلبه أكلًا، وكان يعرض للمرأة كلما خرجت بمكتلها* إلى السوق أو بجرتها إلى الماء؛ لأنه حينئذ يكون في الطريق الذي لا يملكه أحد.. فكانت إذا رأته لم تزد على ما يكون منها إذا هي أبصرت حمارًا يمد عينه إليها!. فعمد إلى امرأة مقينة تزف العرائس، وهي التي زفت "خضراء" فأكرمها وأتحفها وسألها أن تسعفه ببعض ما تحتال به، وأن يكون سبيله إلى المرأة؛ وتحمل عليها "بإبليسه" حتى استوثق منها، فكانت تتحدث عنه أمام "خضراء"؛ تستجر بذلك أن تلفتها إلى نعمته وجماله، ولكن المرأة أغلظت لها وسبتها وحذرتها أن تعود إلى مثل كلامها، وقالت لها آخر ما قالت: واعلمي أنني لو دفعت إلى طريقين وكان لا بد من أحدهما، ثم كان أحدهما حصاه الدنانير وهو طريق العار، والآخر حصباؤه الجمر ويفضي إلى الشرف، إذن لتنزهت أن أدنس نعلي بالذهب ولنثرت لحم قدمي على الجمر نثرًا.
والحب لا يبقى حبًّا أبدًا، فإما فاز فبرد ورجع سلوًا، وإما خاب فاضطرم وتحول إلى حقد ونقمة؛ وكذلك انفجر الشاب غيظًا، ووجد على الخيبة موجدة شديدة، وأخذ يدير رأيه، ففتقت له الحيلة أن يقتل الشهم بشهامته، والمرأة العفيفة بعفتها؛ فواطأ إبليسه على أن يدفع إلى تلك المقيَّنة منديلًا من الحرير عقد طرفه على دينار من الذهب، تلقيه في صندوق "خضراء" وتدسه في طي من أطواء ثيابها فذهبت المرأة، وما زالت بخضراء تستصلحها وتعتذر إليها حتى استلت ضغينة قلبها، ثم سألتها أن تأتيها "بالعيش والملح" لتصيب كلتاهما منه وتتحرم بحرمته؛ فلما نهضت تأتيها أسرعت الخبيثة إلى الصندوق فدست المنديل في أبعد
__________
* هو ما يسمى الغلق.
(3/85)

مواضع وأخفاها؛ وكان مندّى بالعطر؛ لينم على نفسه إذا لم ينم أحد عليه، ثم رجعت بما فعلت إلى الشاب، فأطلق خادمه يهمس لبعض أصدقاء الجمل أنه رأى اليوم في يد "خضراء" دينارًا ذهبًا على ندرة الذهب وعزته؛ فجعل هذا الدينار يطير من نفس إلى نفس بقوة الذهب الذي فيه، والحب الذي أعطاه، والجمال الذي أخذه؛ ثم انتهى إلى الجمل، فكأنما حمله وطار به إلى داره كالمجنون وقد حمى دمه الحرُّ، وجاش جأشه العنيف ولم تكن امرأته في الدار، فنثر ما في الصندوق، وما كادت تفعمه رائحة العطر حتى نفخ الشيطان بها نفخة الغضب الكافر، ثم عثر على المنديل، ورأى بصيص الدينار، فدارت به الأرض، وأيقن أن العار قد طرق ببابه، وأن الباب قد فتح له؛ ثم رد نفسه على مكروهها ورد معها كل شيء إلى موضعه، وتلقف رأيه على جريمتين، وخرج وروحه تصرخ من ضربة بمنديل، وهو الذي كانت تتهاوى عليه الضربات القاتلة تهشم منه ولا يتأوه!
وذكر أن "حماته" أثنت من عهد قريب على ابن العمدة ووصفته بالرقة والغنى، فوجه إليها أن تأتي فتبيت عند امرأته؛ لأنه على سفر، وكان كالأعمى في ضلالته: لا يرى الأشياء إلا كما يتخيلها في نفسه دون ما هي في نفسها، فسألته زوجته: أين أزمعت من سفرك وكم تلبث عنا؟ فكأنه سمعها تقول: ارحل إلى مكان بعيد وغب عنا زمنًا طويلًا، فبنا إلى غيابك حاجة شديدة! وكاد يبطش بها، ولكنه كاتم صدره اللوعة اسم جهة بعيدة ومضى الانكسار يعرف فيه!
فزع الناس بعد أيام في جوف الليل، فإذا بيت الجمل يحترق من أرضه وسمائه، واقتحموه فإذا المرأة وأمها فحمتان: وانطلقت أسرار الألسنة، وقبض على الرجل في بلد آخر، وتولى ابن العمدة توجيه البينة عليه، وشهد الشهود على الدينار، وشهد الدينار على النار، وأنكر "الجمل" ولم يقصر في إقامة الحجة ودافع عن امرأته وبالغ في أمانتها وعفتها وشهد أنه لا يعلم عليها من سوء، وإنها أطهر النساء وأبرّهن، ثم كان الحكم أن قضى عليه بالموت شنقًا!
فلما كان يوم إنفاذ الحكم سئل الرجل: هل من شيء تريده؟ فطلب دخينة* فقدمها له قيم السجن، فأشعلها ونفخ من دخانها نفخة. ثم أخذ يتكلم وعمره يفنى مع
__________
* وضعناها للسيجارة، وهي أليق الألفاظ بها.
(3/86)

الدخينة نفسًا في نفس، وعاد هذا الدخان المتطاير كأنه سحاب يسبح فيه الوحي بين حدود الدنيا وحدود الآخرة؛ قال المسكين: لم أتعلم، ولو تعلمت ما وقفت هنا؛ ولكن ربما كنت خرجت نذلًا كبعض المتعلمين الذين يعيشون أشرافًا وفيهم أرواح القتلة واللصوص!
لم أقر لأحد بجريمتي خشية أن تذكر كلمة العار مع اسمي، وآثرت أن أموت بالشنق على أن أحيا ويموت اسمي بالعار!
ولكني سأعترف الآن أمامكم وأنتم الساعة على قبري، فكونوا كالملائكة لا يشهدون بما عرفوا إلا عند الله وحده.
أعترف أني قتلت زوجتي وأمها؛ وقد تقولون: إنه ليس من عمل الرجل أن يقتل امرأة فضلًا عن اثنتين؛ إنني رجل سأشنق، أما النساء فلا يشنقن وإنما يرسلن الرجال إلى المشنقة.. لم أر أبي؛ إذ تركني طفلًا، ولكن يقال: إنه كان رجلًا، فأنا رجل وابن رجل، ولم يذلني رجل قط، ولكن لو خلق الله قوة مائة جبار في جسم رجل واحد لأذلته امرأة!
إنه ليس من شيمة الرجل أن يقتل النساء، ولكن المرأة تذل الرجل ذلًا يهون عليه قتل نفسه، فكيف لا يهون عليه قتلها؟
علموا المتعلمين ليصيروا في الشرف والأمانة والعفة كرجل جاهل مثلي: لا يرى للحياة كلها قيمة إذا كان فيها معنى العار، ويقدم عنقه للمشنقة حتى لا ينكس رأسه للذل.
أصلحوا القانون الذي يحكم بالموت شنقًا ويزهق الأرواح الكبيرة في حين تغلبه الأرواح الصغيرة بحيلها الدنيئة!
ومع ذلك سألقى الله وهو يعلم سريرتي إن كنت بريئًا أو مجرمًا!
قيم السجن: ستلقاه طاهرًا.
السجين: أرأيتم مني خلق سوء؟ أتعتقد علي ذنبًا مدة سجني؟
القيم: كلنا راضون عنك.
السجين: هذا مثل من أخلاقي، والحمد لله على أن آخر كلمة أسمعها من إنسان على الأرض- كلمة الرضا.
أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله!
(3/87)

نظرت ريشة من زغب العصفور إلى النجوم فحسبتها ريشًا متناثرًا، فامتطت العاصفة وقالت: إلى السماء! ودارت بها العاصفة ما شاء الله أن تدور، ثم رمت بها حيث وقعت لم تبال في موضع نفع أم ضر؛ فأقبلت الريشة تتسخط وتزعم أنها فوضى ثائرة لا حكمة في خلقها، وأن الرياح بعثرة في نظام العالم ... وكان إلى جانبها شجرة تهتز ولا تطير ... فلما وعت مقالتها أقبلت عليها فقالت: أيتها الريشة! إن الرياح لا تكون بعثرة في نظام العالم إلا إذا كان العالم ريشًا كله!
(3/88)

القلب المسكين "1": 1
أقبل علي صاحبي الأديب وقال: انظر، هذه هي، وقد حلت بهذا البلد وما لي عهد بها منذ سنة. ومد إلي يده فنظرت إلى صورة امرأة كأحسن النساء وجهًا وجسمًا، تتأود في غلالة من اللاذ*.
وكأن شعاع الضحى في وجهها، وكأنها القمر طالعًا من غيمة، ويكاد صدرها يتنهد وهي صورة، وتبدو هيئة فمها كأنها وعد بقبلة، وفي عينها نظرة كالسكوت بعد الكلمة التي قيلت همسًا بينها وبين محبها..
فقلت: هذه صورة ما أراها قد رسمها إلا اثنان: المصور وإبليس؛ فمن هي؟ قال: سلها، أما تراها تكاد تثب من الورقة؟ إنها إلا تخبرك بشيء أخبرك عنها وجهها أنها أجمل النساء وأظرفهن وأحسن من شاهدت وجهًا وأعينًا، وثغرًا وجيدًا والذي بعد ذلك..
قلت: ويحك، لقد شعرت بعدي، إن هذا شعر موزون:
وأحسن من شاهدت وجهًا وأعينا ... وثغرًا وجيدًا والذي بعد ذلكا ...
قال: إن شيطان هذه لا يكون إلا شاعرًا؛ ألست تراه ناظمًا من فنونها على الرسم شعرًا معجزًا كل شاعر؟
قلت: وهذا أيضًا شعر موزون:
ألست تراه ناظمًا من فنونها ... على الرسم شعرًا معجزًا كل شاعر
قال: بلى والله إنه الشيطان، إنه شيطانها، يريك لهذا الجسم روحًا رشيقة، تلين كلين الجسم، بل هي أرشق.
قلت: وهذا أيضًا، والقافية التي بعد هذا البيت: وبها شقوا ...
__________
1 انظر قصة صاحبة هذا القلب المسكين ص239 "حياة الرافعي" وهي هي صاحبة "الجمال البائس".
2 اللاذ: الحرير الصيني الرقيق، والغلالة: مثل القميص الذي تحت الثياب.
(3/89)

فضحك صاحبنا وقال: حرك الصورة في يدك، فإنك ستراها وما تشك أنها ترقص.
قلت: الآن انقطع شيطانك، فهذا ليس شعرًا ولا يجيء منه وزن.
وتضاحكنا وضحك الشيطان، وظهر الوجه الجميل في الرسم كأنه يضحك.
قال صاحب القلب المسكين: انظر إلى هاتين العينين، إنها من العيون التي تفتن الرجل وتسحره متى نظرت إليه، وتعذبه وتضنيه متى غابت عنه؛ إن في شعاعهما قدرة على وضع النور في القلب السعيد، كما أن في سوادهما القدرة على وضع الظلمة في القلب المهجور.
وانظر إلى هذا الفم، إلى هذا الفم الذي تعجز كل حدائق الأرض أن تخرج وردة حمراء تشبهه.
وانظر إلى هذا الجيد تحته ذلك الصدر العاري، فوقه ذلك الوجه المشرق؛ تلك ثلاثة أنواع من الضوء: أما الوجه ففيه روح الشمس، وأما الجيد ففيه روح النجم، وأما الصدر ففيه روح القمر الضاحي.
انظر إلى هذه المسافة البيضاء من أعلى جبينها إلى أسفل نهديها، تلك منطقة القبلات في جغرافيا هذا الجمال ...
وانظر إلى الصدر يحمل ذينك الثديين الناهدين؛ إنه المعرض الذي اختارته الطبيعة من جسم المرأة الجميلة للإعلان عن ثمار البستان ...
انظر إلى النهدين لم برزا في صدر المرأة إلا إذا كانا يتحديان الصدر الآخر ... ؟!
وانظر لهذا الخصر الدقيق وما فوقه وما تحته، ألا تراه فتنة متواضعة بين فتنتين متكبرتين ... ؟
انظر إليها كلها، انظر إلى كل هذا الجمال، وهذا السحر، وهذا الإغراء؛ ألا ترى الكنز الذي يحول القلب إلى لص..؟
هذه مخلوقة مرتين: إحداهما من الله في العالم، والأخرى من حبي أنا في نفسي أنا: فكلمة "جميلة" التي تصف المرأة التامة، لا تصفها هي بعض الوصف؛ ورسمها هذا الذي تراه هو حدود لتلك الروح التي فيها قوة التسلط، وهيهات يظهر من تلك الروح إلا ما يظهر من الجمرة المشتعلة رسم هذه الجمرة في ورقة.
(3/90)

أشهد ما نظرت مرة إلى هذا الرسم ثم نظرت إليها إلا وجدت الفرق بينها في نفسها وبينها في الصورة، كأنه اعتذار ناطق من آلة التصوير بأنها ليست إلا أداة.
قلت: اللهم غفرا؛ ثم ماذا يا صديقي المجنون؟
فأطرق الأديب مهمومًا، وكانت أفكاره تنفجر في دماغه انفجارًا هنا وانفجارًا هناك؛ ثم رفع إلى رأسه، وقال:
هذه الغانية قد حبست أفكاري كلها في فكرة واحدة منها هي؛ وأغلقت أبواب نفسي ومنافذها إلى الدنيا، وألهبت في دمي جمرة من جهنم فيها عذاب الإحراق وليس فيها الإحراق نفسه؛ كيلا ينتهي منها العذاب!
وبيننا حب بغير طريقة الحب، فإن طبيعتي الروحانية الكاملة تهوى فيها طبيعتها البشرية الناقصة، فأنا أمازجها بروحي فأتألم لها، وأتجنبها بجسمي فأتألم بها.
حب عقيم مهما يكن من شيء فيه لا يكن فيه شيء من الواقع ...
حب عجيب لا تنتفي منه آلامه ولا تكون فيه لذاته.....
حب معقد لا يزال يلقي المسألة بعد المسألة، ثم يرفض الحل الذي لا تحل المسألة إلا به ...
حب أحمق يعشق المرأة المبذولة للناس، ولا يراها لنفسه إلا قديسة لا مطمع فيها ...
حب أبله لا يزال في حقائق الدنيا كالمنتظر أن تقع على شفتيه قبلة من الفم الذي في الصورة ...
حب مجنون كالذي يرى الحسناء أمام مرآتها فيقول لها اذهبي أنت وستبقي في هذه التي في المرآة ...
قلت: اللهم رحمة؛ ثم ماذا يا صاحبي المسكين؟
قال: ثم هذه التي أحبها هي التي لا أريد الاستمتاع بها ولا أطيقه ولا أجد في طبيعتي جرأة عليه، فكأنها الذهب وكأني الفقير الذي لا يريد أن يكون لصًّا؛ يقول له شيطان المال: تستطيع أن تطمع؛ ويقول له شيطان الحاجة: وتستطيع أن تفعل؛ ويقول هو لنفسه: لا أستطيع إلا الفضيلة!
(3/91)

إن عذاب هذا بشيطانين لا بشيطان واحد، غير أن لذته في انتصاره كلذة من يقهر بطلين كلاهما أقوى منه وأشد.
قلت: اللهم عفوًا؛ ثم ماذا يا قاهر الشيطانين؟
فأطرق مليًّا كالذي ينظر في أمر قد حيره لا يتوجه له في أمره وجه، ثم تنهد وقال: يا طول علة قلبي! من أين أجيء لأحلامي بغير ما تجيء الأحلام به، وإنما هي تحت النوم ووراء العقل، وفوق الإرادة؟ لقد بلغ بين هواها أن كل كلمة من كلام الحب في كتاب أو رواية أو شعر أو حديث -أراها موجهة إليّ أنا..
ثم قال: انطلق بنا فتراها حتى تعلم منها علمًا، فهي في ذلك المسرح، هي في ذلك الشر، هي في تلك الظلمات، هي كاللؤلؤة لا تتربى لؤلؤة إلا في أعماق بحر.
وذهبنا إلى مسرح يقوم في حديقة غناء مترامية الجهات بعيدة الأطراف، تظهر تحت الليل من ظلماتها وأنوارها كأنها مثقلة بمعاني الهجر والعشق.
وتقدمنا نسير في الغبش، فقال صاحبنا المحب: إني لأشعر أن الظلام هنا حي كأن فيه غوامض قلب كبير، فما أرى فرقًا بين أن أجلس فيه وبين الجلوس إلى فيلسوف عظيم مهموم بهم اللانهاية، فتعال نبرز إلى ذلك النور حول المسرح لنراها وهي مقبلة، فإن رؤيتها سيدة غير رؤيتها راقصة، ولهذه جمال فن ولتلك فن جمال.
ولم نلبث إلا يسيرًا حتى وافت، ورأيتها تمشي مشية الخفرات كأنما تحترم أفكار الناس، يزهوها على ذلك إحساس نبيل كإحساس الملكة الشاعرة بمحبة شعبها، وانتفض مجنونا وأغمض عينيه كأنها تمر بين ذراعيه لا في طريقها، وكأن لذة قربها منه هي الممكن الذي لا يمكن غيره ...
وكان عجبًا من العجب أن تحرك الهواء في الحديقة واضطربت أشجارها، فقال: أنت ترى؛ فهذا احتجاج من راقصات الطبيعة على دخول هذه الراقصة! قلت: آه يا صديقي! إن المرأة لا تكون امرأة بمعانيها إلا إذا وجدت في جو قلب يعشقها.
ونفذنا إلى المسرح، وتحرى صاحبنا موضعًا يكون فيه منظر العين من صاحبته ويكون مستخفيًا منها، ثم رفع الستار عنها بين اثنين يكتنفانها، وقد لبسن ثلاثتهن أثواب الريفيات، وظهرن كهيئتهن حين يجنين القطن.
وبرزت "تلك" في ثوب من الحرير الأسود، وهي بيضاء بياض القمر حين يتم وقد شدت وسطها بمشدة من الحرير الأحمر، فتحبكت بها وظهرت شيئين:
(3/92)

أعلى وأسفل؛ ثم ألقت على شعرها الذهبي قلنسوة حمراء من ذلك الحرير أمالتها جانبًا فحبست شيئًا منه وأظهرت سائره، وأخذت بيديها صفاقتين* وأقبل الثلاث يرقصن ويغنين نشيد الفلاحة.
لم أنظر إلى غيرها، فقد كانت صاحبتاها دليلين على جمالها لا أكثر ولا أقل، وما أحسب الحرير الأحمر، كان معها أحمر ولا الأسود كان عليها أسود، ولا لون الذهب في معصمها كان لون الذهب؛ كلا كلا، هذه ألوان فوق الطبيعة؛ لأن الوجه يشرق عليها بالجمال والحياة، وذلك الجسم يفيض لها بالخفة والطرب وتلك الروح تبعث فيها المرح والنشوة؛ هذا مزيج من خمر الألوان لا من الألوان نفسها.
وقال مجنوننا: إن أجمل الجمال في المرأة الفاتنة هو ذاك الذي يجعل لكل إنسان نوع شعوره بها، وأنا أشعر الساعة أن قلبي نصف قلب فقط، وأن نصفه الآخر في هذه وحدها؛ فما شعورك أنت؟
قلت: يا صديقي. إن الله رحيم، ومن رحمته أنه أخفى القلب وأخفى بواعثه ليظل كل إنسان مخبوءًا عن كل إنسان؛ فدعني مخبوءًا عنك!
قال: لا بد!
قلت: إن المصباح في الموضع النجس لا يبعث النور نجسًا، وما أشعر إلا أن النور الذي في قلبي قد امتزج بالنور الذي في عينيها.
ثم كأنها أحست بأن إنسانًا قد امتلأ بها، فأدارت وجهها وهي ترقص، فتلمحت صاحبنا، وجعلت تقطع الطرف بينها وبينه كأنها تعرفه وتجهله، ثم تبينت إلحاح نظره فضحكت؛ لأنها تعرفه ولا تجهله!
أما هو، أما المجنون، أما صاحب القلب المسكين!....
__________
* الصفاقات: هي التي يقال لها الساجات، تكون في أصابع الراقصة، والكلمة واردة في كتاب الأغاني.
(3/93)

القلب المسكين "2":
... أما صاحب القلب المسكين فرأى الضحكة التي ألقت بها صاحبته وهي ترقص حين عرفته -غير ما رأيتها أنا وغير ما رأى الناس: كانت لنا نحن ابتسامًا عذبًا من فم جميل يتم جماله بهذه الصورة، وكانت له هو لغة من هذا الفم الجميل يتم بها حديثًا قديمًا كان بينهما؛ واعترانا منها الطرب واعتراه منها الفكر، ووصفت لنا نوعًا من الحسن ووصفت له نوعًا من الشوق، ومرت علينا شعاعًا في الضوء ووقعت في يده هو كبطاقة الزيارة عليها اسم مكتوب ...
وقوي إحساس الراقصة الجميلة بعد ذلك فانبعث يدل على نفسه ضروريا من الدلالة الخفية، ورجعت بهذا الإحساس كالحقيقة الشعرية الغامضة المملوءة بفنون الرمز والإيماء، وكأنها زادت بهذا الغموض زيادة ظاهرة؛ وللمرأة لحظات تكون فيها بكفرين حينما يكون أحد الفكرين ماثلًا أمامها في رجل تهواه؛ ففي هذه الساعة تتحدث المرأة بكلام فيه صمت يشرح ويفسر، وتضطرب بحركة فيها استرخاء يميل ويعتنق، وتنظر بألحاظ فيها انكسار يأمر ويتوسل؛ وكانت هي في هذه الساعة ... فغلبت -والله- على صاحبها المسكين وتركت نفسه كأنها تقطع فيه من أسف وحسرة؛ ثم كانت له كالزهرة العبقة: بينه وبينها جمالها وعطرها هواؤها والحاسة التي فيه.
وجعل يستشفها من خلال أعضائها، ثم قال لي: أنظر -ويحك-! لكأن ثيابها تضمها وتلتصق بها ضم ذي الهوى لمن يهوى.
قلت: ما هي إلا كهاتين اللتين ترقصان معها: امرأة بين امرأتين وإن كانت أحسن الثلاث.
قال: كلا، هذه وحدها قصيدة من أروع الشعر، تتحرك بدلًا من أن تقرأ وترى بدلًا من أن تسمع؛ قصيدة بلا ألفاظ، ولكن من شاء وضع لها ألفاظًا من دمه إذا هو فهمها بحواسه وفكره وشعوره.
(3/94)

قلت: والأخريان؟
قال: كلا كلا، هذا فن آخر، فالواحدة من هؤلاء المسكينات إنما ترقص بمعدتها.. ترقص للخبز لا غير؛ أما "تلك" فرقصها الطرب مصنوعًا على جسمها ومصنوعًا من جسمها؛ إنها كالطاووس يتبختر في أصباغه. في ريشه، في خيلائه، بخترة يضاعفها الحسن ثلاث مرات؛ ولو خلق الله جسمين أحدهما من الجواهر أحمرها وأخضرها وأصفرها وأزرقها، والآخر من الأزهار في ألوانها ووشيها، ثم اختال الطاووس بينهما ناشرًا ذيله في كبرياء روحه الملوثة لظهر فيه وحده اللون الملك بين ألوان هي رعيته الخاضعة.
وانتهى رقص الحسناء الفاتنة وغابت وراء الستارة بعد أن أرسلت قبلة في الهواء.. فقال صاحبنا: آه! لو أن هذه الحسناء تصدقت بدرهم على فقير، لجعلته لمسة يدها درهمًا وقبلة..
قلت: يا عدو نفسه! هذه قبلة محررة مسددة وقد رأيتها وقعت هنا.. ولكنك دائمًا في خصام بين نفسك وبين حقائق الحياة؛ تعشق القبلة وتخاصم الفم الذي يلقيها، وتبني العش وتتركه فارغًا من طيره؛ إن امرأة تحبك لابد منتهية إلى الجنون ما دامت معك في غير المفهوم وغير المعقول وغير الممكن.
ثم بدأ فصل آخر على المسرح، وظهر رجال ونساء وقصة؛ وكان من هؤلاء الرجال شيخ يمثل فقيهًا، وآخر يمثل شرطيًا؛ فقال صاحبنا الفيلسوف: لقد جاءت هذه الثياب فارغة وكأنها الآن تنطق أن صحة أكثر الأشياء في هذه الحياة صحة الظاهر فقط، ما دام الظاهر يخلع ويلبس بهذه السهولة؛ فكم ي هذه الدنيا من شرفاء لو حققت أمرهم وبلوت الباطن منهم- إنما يشرفون الرذائل لأنهم يرتكبونها بشرف ظاهر.. وكم من أغنياء ليس بينهم وبين اللصوص إلا أنهم يسرقون بقانون.. وكم من فقهاء ليس بينهم وبين الفجرة إلا أنهم يفجرون بمنطق وحجة.. ليست الإنسانية بهذه السهولة التي يظنها من يظن، وإلا ففيم كان تعب الأنبياء وشقاء الحكماء وجهاد أهل النفوس؟
العقدة السماوية في هذه الأرض أن الله -سبحانه وتعالى- لم يخلق الإنسان إلا حيوانًا ملطفًا تلطيفًا إنسانيًا، ثم أراه الخير والشر وقال له: اجعل نفسك بنفسك إنسانًا وجئني.
(3/95)

قلت: يا عدو نفسه! فما تقول في حبك هذه الراقصة وأنت حيوان ملطف تلطيفًا إنسانيًا؟
قال: ويحك! وهل العقدة إلا هنا؟ فهذه مبذولة ممكنة، ثم هي لي كالضرورة القاهرة، فلا يكون حبها إلا إغراء بنيلها، ولا تكون سهولة نيلها إلا إغراء لذلك الإغراء؛ فأنا منها لست في امرأة وحب، ولكني في امتحان شديد عسر؛ أغالب ناموسًا من نواميس الكون، وأدافع قانونًا من قوانين الغريزة وأظهر قوتي على قوة الضرورة الميسرة بأسبابها، وهي أشد الضرورات عنفًا وإلحاحًا وقهرًا للنفس، من قيل أنها ضرورة لازمة، وأنها مهيأة سهلة؛ فلو أن هذه المرأة المحبوبة كانت ممنعة بعيدة المنال، لما كانت لي فضيلة في هذا الحب العنيف، ولكنها دانية ميسرة على الشغف والهوى؛ فهذا هو الامتحان لأصنع أنا بنفسي فضيلة نفسي!
ومر الفصل الذي مثلوه وما نشعر منه بتمثيل، فقد كان كالصورة العقلية المعترضة للعقل وهو يفكر في غيرها، وكانت "الحقيقة" في شيء آخر غير هذا؛ ومتى لم يتعلق الشعور بالفن لم يكن فيه فن؛ وهذا هو سر كل امرأة محبوبة، فهي وحدها التي تثير المحب في نفسه فيشعر من حسنها بحقيقة الحسن المطلق، ويجد في معانيها جواب معانيه، وتأتيه كأنها صنعت له وحده، وتجعل له في الزمان زمنًا قلبيًّا يحصر وجوده في وجودها.
وليس فن الحب شيئًا إلا استطاعة الحبيب أن يجعل شهوات المحب شاعرة به ممتلئة منه متعلقة عليه، كأن به وحده ظهور جسدية هذا الجسد وروحانية هذا الروح؛ وكل ما يتزين به المحبوب للمحب، فإنما هو وسائل من المبالغة لإظهار تلك المعاني التي فيه، كيما تكبر فيدركها المحب بدقة، وتثور فيحسها العاشق بعنف وتستبد فيخضع لها المسكين بقوة.
والشهوات كالطبيعة الواحدة في أعصاب الإنسان، وهي تتبع فكره وخياله؛ ولا تفاوت بينهما إلا بالقوة والضعف، أو التنبه والخمود، أو الحدة والسكون، غير أنها في الحب تجد لها فكرًا وخيالًا من المحبوب، فتكون كأنها قد عبرت طبيعتها بسر مجهول من أسرار الألوهية؛ ومن هنا يتأله الحبيب وهو هو لم يزد ولم ينقص ولم يتغير ولم يتبدل، وتراه في وهم محبه يفرض فروضًا ويشرع شريعة من حيث لا قيمة لفروضه وشريعته إلا في الشهوة المؤمنة به وحدها.
(3/96)

ومن ثم لا عصمة على المحب إلا إذا وجد بين إيمانين، أقواهما الإيمان بالحلال والحرام؛ وبين خوفين، أشدهما الخوف من الله؛ وبين رغبتين، أعظمهما الرغبة في السمو.
فإن لم يكن العاشق ذا دين وفضيلة فلا عصمة على الحب إلا أن يكون أقوى الإيمانين الحرص على مكانة المحبوب في الناس، وأشد الخوفين الخوف من القانون ... وأعظم الرغبتين الرغبة في نتيجة مشروعة كالزواج.
فإن لم يكن شيء من هذا أو ذاك فقلما تجد الحب إلا وهو في جراءة كفرين، وحماقة جنونين، وانحطاط سفالتين؛ وبهذا لا يكون في الإنسان إلا دون ما هو في بهيمتين!
ثم جاء الفصل الثالث وظهرت هي على المسرح، ظهرت هذه المرة في ثوب مركزة أوروبية تخاصر عشيقًا لها، فيرقصان في أدب أوروبي متمدن ... متمدن بنصف وقاحة؛ متأدب ... متأدب بنصف تسفل؛ مشروع ... مشروع بنصف كفر؛ هو على النصف في كل شيء، حتى ليجعل العذراء نصف عذراء والزوجة نصف زوجة..!
وكان الذي يمثل دور العشيق فتاة أخرى غلامية مجممة الشعر* ممسوخة بين المرأة والرجل؛ فلما رآها صاحبنا قال: هذا أفضل..
وهشت الحسناء وتبسمت وأخذت في رقصها البديع، فانفصل عني الصديق، وأهملني وأقبل عليها بالنظرة بعد النظرة بعد النظرة، كأنه يكرر غير المفهوم ليفهمه ورجع وإياها كأنه في عالم من غير زمننا تقدمه عن عالمنا ساعة أو تؤخره ساعة؛ وكانت جملة حاله كأنها تقول لي: إن الدنيا الآن امرأة! وكان من السرور كأنما نقله الحب إلى رتبة آدم، ونقل صاحبته إلى رتبة حواء، ونقل المسرح إلى رتبة الجنة!
والعجب أن القمر طلع في هذه الساعة وأفاض نورًا جديدًا على المسرح المكشوف في الحديقة، فكأنه فعل هذا ليتم الحسن والحب؛ وأخذ شعاع القمر
__________
1 المعجمات: هي اللواتي يتخذن شعورهن جمة "بضم الجيم" أي يقصصنها، كما يفعل نساء هذه الأيام، تشبهًا بالرجال؛ وقد كان ذلك مما تصنعه نساء العرب ونهى الإسلام عنه كراهة لهذا التشبه؛ فقص الشعر "على المودة" هو التجميم.
(3/97)

السماوي يرقص حول هذا القمر الأرضي، فكانت الصلة تامة وثيقة بين نفس صاحبنا وبين الأرض والسماء والقمرين.
ما هذا الوجه لهذه المرأة؟ إنه بين اللحظة واللحظة يعبر تعبيرًا جديدًا بقسماته وملامحه الفتانة؛ كل البياض الخاطف في نجوم السماء يجول في أديمه المشرق، وكل السواد الذي في عيون المها يجتمع في عينيه، وكل الحمرة التي في الورد هي في حمرة هاتين الشفتين.
ما هذا الجسم المتزن المتموج المفرغ كأنه يتدفق هنا وهنا؟ إنه جسم كامل الأنوثة، إنه صارخ صارخ، إنه عالم جمال كما تقول الفلسفة حين تصف العالم: فيه "جهة فوق" و"جهة تحت"؛ لو امتدت له يد عاشقه لجعل في خمس أصابعها خمس حواس ...
ما هذا؟ لقد ختم الرقص بقبلة ألقاها الخليل على شفتي الخليلة، وكانت تركت خصرها في يديه وانفلتت تميل بأعلاها راجعة برأسها إلى خلف، نازلة به رويدًا رويدًا إلى الأرض، هاربة بشفتيها من الفم المطل، وكان هذا الفم ينزل رويدًا رويدًا؛ ليدرك الهارب ...
وقبل أن تقع القبلة التفتت لفتة إلي.. ثم تلقَّت القبلة، أما هو، أما مجنوننا، أما صاحب القلب المسكين؟ ...
(3/98)

القلب المسكين "3":
أما صاحب القلب المسكين فرمقها وهي تلتفت إليه التفات الظبية بسواد عينيها: يجعل سوادهما الجميل في النظرة الواحدة نظرتين لعاشق الجمال، تقول إحداهما: أنت، وتقول الأخرى: أنا، ثم رآها وقد كسرت أجفانها وتفترت في يدي الممثل العشيق وأفصح منظرها ببلاغة.. بلاغة جسم المرأة المحبوبة بين ذراعي من تحبه؛ ثم اختلجت وصوبت وجهها، وأهدفت شفتيها. وتلقت القبلة.
وكان به منها ما الله عليم به، فانبعث من صدره آهة معولة تئن أنينًا، غير أنها كلمته بعينيها أنها تقبله هو؛ فلا ريب قد حملت إليه إحدى النسمات شيئًا جميلًا عن ذلك الفم، لمست به النفس النفس، والقبلة هي هي ولكن وقع خطأ في طريقة إرسالها..
وليس تحت الخيال شيء موجود، ولكن الخيال المتسرح بين الحبيبين تكون فيه أشياء كثيرة واجبة الوجود؛ إذ هو بطبيعته مجرى أحلام من فكر إلى فكر، ومسرح شعور يصدر ويرد بين القلبين في حياة كاملة الإحساس متجاورة المعاني؛ وبهذا الخيال يكون مع القلبين المتحابين روح طبيعي كأنه قلب ثالث ينقل للواحد عن الآخر، ويصل السر بالسر، ويزيد في الأشياء وينقص منها، ويدخل في غير الحقيقي فيجعله أكثر من الحقيقي؛ ومن هنا لم يكن فرح ولا حزن، ولا أمل ولا يأس، ولا سعادة ولا شقاء، إلا وكل ذلك مضاعف للمحب الصادق الحب بقدر قلبين؛ والذين يعرفون قبلة الشغف والهوى، يعرفون أن العاشق يقبل بلدة أربع شفاه.
وانسدلت بعد هذه القبلة ستارة المسرح، وغابت الجميلة المعشوقة غيبة التمثيل فقلت لصاحب القلب المسكين: إن روحيكما متزوجتان.. قال: آه! ومدها من قلبه كأنه دنف سقيم.
قلت: وماذا بعد آه؟
(3/99)

قال: وماذا كان قبلها؟ إنه الحب: فيه مثل ما في "عملية جراحية" من تنهدات الألم ولذعاته، غير أنها مفرقة على الأوقات والأسباب، مبعثرة غير مجموعة! "آه" هذه هي الكلمة التي لا تفرغ منها القلوب الإنسانية، وهي تقال بلهفة واحدة في المصيبة الداهمة، ولألم البالغ، والمرض المدنف والحب الشديد؛ الشديد؛ فحينما توشك النفس أن تختنق تتنفس "بآه"!
قلت: أما رأيتها مرة وقد أوشكت نفسها أن تختنق ... ؟
قال: لقد هجت لي داء قديمًا؛ إن لهذه الحبيبة ساعات مغروسة في زمني غرس الشجر، فبين الحين والحين تثمر هذه الساعات مرها وحلوها في نفسي كما يثمر الشجر المختلف؛ ولقد رأيتها ذات مرة في ساعة همها! ثم ضحك وسكت.
قلت: يا عدو نفسه! ماذا رأيت منها؟ وكيف أراك الوجد ما رأيت منها؟
قال: أتصدقني؟ قلت: نعم.
قال: رأيت الهم على وجه هذه الجميلة كأنه هم مؤنث يعشقه هم مذكر؛ فله جمال ودلال وفتنة وجاذبية، وكأن وجهها يصنع من حزنها حزنين: أحدهما بمعنى الهم لقلبها، والآخر بمعنى الثورة لقلبي!
قلت: يا عدو نفسه! هذا كلام آخر؛ فهذه امرأة ناعمة بضة مطوي بعضها على بعضها، لفاء من جهة هيفاء من جهة، ثقيلة شيء وخفيفة شيء، جمعت الحسن والجسم وفنًا بارعًا في هذا وفنًّا مفردًا في ذاك؛ وهي جميلة كل ما تتأمل منها، ساحرة كل ما تتخيل فيها، وهي مزاحة دحداحة* وهي تطالعك وتطعمك؛ وأنت امرؤ عاشق ورجل قوي الرجولة؛ فالجميلة والمرأة هما لك في هذا الجسم الواحد، إن ذهبت تفصلهما في خيالك امتزجتا في دمك؛ ولو أمسكت آلة التصوير نظراتك إليها لبانت فيها أطراف اللهب الأحمر مما في نفسك منها؛ ولعمري لو مرت عربة تدرج في الطريق ونظرت إليها نظرتك لهذه المرأة بهذه الغريزة المحتسبة المكفوفة** لظننتك سترى العجلة الخلفية عاشقًا مهتاجًا يطارد العجلة الأمامية وهي تفر منه فرار العذراء!
__________
* هذه كلمة استعملها بعض المولدين في معنى الظريفة "المدرجة"، وليس كذلك معناها في اللغة، ولكن الاستعمال صحيح عندنا واللغة لا تأباه.
** يستعمل الكتاب في هذا المعنى لفظ "المكبوتة"، وهو تعبير ضعيف، والأفصح ما ذكرنا هنا.
(3/100)

فضحك وقال: لا، لا؛ إن نوع التصوير لإنسان هو نوع المعرفة لهذا الإنسان، ومن كل حبيب وحبيبة تجتمع مقدمة ونتيجة بينهما تلازم في المعنى، والمقدمة عندي أن إبليس هنا في غير إبليسيَّته، فلا يمكن أن تكون النتيجة وضعه في إبليسته؛ وما أتصور في هذه الجميلة إلا الفن الذي أسبغه الجمال عليها، فهي معرفتي وخيالي كالتمثال المبدع إبداعه: لا يستطيع أن يعمل عملًا إلا إظهار شكله الجميل التام حافلًا بمعانيه.
وليست هذه المرأة هي الأولى ولا الثانية ولا الثالثة فيمن أحببت1؛ إنها تكرار وإيضاح وتكملة لشيء لا يكمل أبدًا، وهو هذه المعاني النسوية الجميلة التي يزيد الشيطان فيها من عشق كل عاشق؛ إن بطن المرأة بلد، ووجه المرأة يلد!
قلت: هذا إن كان وجهها كوجه صاحبتك، ولكن ما بال الدميمة؟
قال: لا، هذا وجه عاقر..
قلت: ولكن الخطأ في فلسفتك هذه أنك تنظر إلى المرأة نظرة عملية تريد أن تعمل، ثم تمنعها أن تعمل، فتأتي فلسفتك بعيدة من الفلسفة، وكأن تغذو المعدة الجائعة برائحة الخبز فقط.
قال: نعم هذا خطأ، ولكنه الخطأ الذي يخرج الحقائق الخيالية من هذا الجمال؛ فإذا سخرت من الحقيقة المادية بأسلوب فبهذا الأسلوب عينه تثبت الحقيقة نفسها في شكل آخر قد يكون أجمل من شكلها الأول.
أتعلم كيف كانت نظرتي إلى نور القمر على هذه وإلى حسن هذه على القمر؟ إن القمر كان ينسيني بشريتها فأراها متممة له كأنه ينظر وجهه في مرآة، فهي خيال وجهه؛ وكانت هي تنسيني مادية القمر فأراه متممًا له كأنه خيال وجهها.
أتدري ما نظرة الحب؟ إن في هذا القلب الإنساني شرارة كهربائية متى انقدحت زادت في العين ألحاظًا كشافة، وزادت في الحواس أضواء مدركة؛ فينفذ العاشق بنظره وحواسه جميعًا في الحقائق الأشياء، فتكون له على الناس زيادة في الرؤية وزيادة في الإدراك يعمل بها عمَّا فيما يراه وما يدركه؛ وبهذه الزيادة الجديدة على النفس تكون للدنيا حالة جديدة في هذه النفس؛ ويأتي السرور جديدًا ويأتي الحزن جديدًا أيضًا؛ فألف قبلة يتناولها ألف عاشق من ألف حبيب، هي
__________
1 انظر فصل "الرافعي العاشق" ص73-119 "حياة الرافعي".
(3/101)

ألف نوع من اللذة ولو كانت كلها في صورة واحدة؛ ولو بكى ألف عاشق من هجر ألف معشوق لكان في كل دمع نوع من الحزن ليس في الآخر!
قلت: فنوع تصورك لهذه الراقصة التي تحبها، أن إبليس هنا في غير إبليستيه!
قال: هكذا هي عندي، وبهذا أسخر من الحقيقة الإبليسية.
قلت: أو تسخر الحقيقة الإبليسية منك، وهو الأصح وعليه الفتوى ... ؟
فضحك طويلًا، وقال: سأحدثك بغريبة: أنت تعرف أن هذه الغادة لا تظهر أبدًا إلا في الحرير الأسود؛ وهي رقيقة البشرة ناصعة اللون، فيكون لها من سواد الحرير بياض البياض وجمال الجمال؛ فلقد كنت أمس بعد العشاء في طريقي إلى هذا المكان لأراها، وكان الليل مظلمًا يتدجى، وقد لبس وتلبس وغلب على مصابيح الطريق فحصر أنوارها حتى بين كل مصباحين ظلمة قائمة كالرقيب بين الحبيبين يمنعهما أن يلتقيا؛ فبينا أقلب عيني في النور والغسق وأنا في مثل الحالة التي تكون فيها الأفكار المحزنة أشد حزنًا -إذ رفع لي من بعيد شبح أسود يمشي مشيته متفترًا قصير الخطو يهتز ويتبختر؛ فتبصرته في هيئته فما شككت أنها هي، وفتحت الجنة التي في خيالي وبرزت الحقائق الكثيرة تلتمس معانيها من لذة الحب؛ وكان الطريق خاليًا، فأحسست به لنا وحدنا كالمسافة المحصورة بين ثغرين متعاشقين يدنو أحدهما من الآخر، وأسرعت إسراع القلب إلى الفرصة حين تمكن؛ فلما صرت بحيث أتبين ذلك الشبح إذا هو.. إذا هو قسيس..
فقلت: يا عجبًا! ما أظرف ما داعبك إبليس هذه المرة! وكأنه يقول لك: إيه يا صاحب الفضيلة ...
وكان الممثلون يتناوبون المسرح ونحن عنهم في شغل؛ إذ لم تكن نوبتها قد جاءت بعد؛ وألقى الشيطان على لساني فقلت لصاحبنا: ما يمنعك أن تبعث إليها فلانًا يستفتح كلامها ثم يدعوها، فليس بينك وبينها إلا كلمة "تعالي" أو تفضلي؟
قال: كلا، يجب أن تنفصل عني لأراها في نفسي أشكالًا وأشكالًا؛ ويجب أن تبتعد لألمسها لمسات روحية؛ ويجب أن أجهل منها أشياء لأحقق فيها علم قلبي؛ ويجب أن تدع جسمها وأدع جسمي وهناك نلتقي رجلًا وامرأة ولكن على فهم جديد وطبيعة جديدة. بهذا الفهم أنا أكتب، وبهذه الطبيعة أنا أحب!
(3/102)

ما هو الجزء الذي يفتنني منها؟ هو هذا الكل بجميع أجزائه.
وما هو هذا الكل؟ هو الذي يفسر نفسه في قلبي بهذا الحب.
وما هو هذا الحب؟ هو أنا وهي على هذه الحالة من اليأس.
نعم أنا بائس، ولكن شعور البؤس هو نوع من الغنى في الفن: لا يكون هذا الغنى إلا من هذا الشعور المؤلم، والحبيب الذي لا تناله هو وحده القادر قدرة الجمال والسحر؛ يجعلك لا تدري أين يختبئ منه جماله فيدعك تبحث عنه بلذة؛ ولا تدري أين يسفر جماله منه فيدعك تراه بلذة أخرى؛ أنا أنضج هذه الحلوى على نار مشبوبة، على نار مشبوبة في قلبي!
قلت: يا صديقي المسكين! هذه مشكلة عرضت بها المصادفة وستحلها المصادفة أيضًا. وما كان أشد عجبي إذ لم أفرغ من الكلمة حتى رأينا "المشكلة" مقبلة علينا.
أما هو: أما صاحب القلب المسكين ... ؟
(3/103)

القلب المسكين "4":
أما صاحب القلب المسكين فما كاد يرى الحبيبة وهي مقبلة تتيممنا حتى بغته ذلك، فساوره القلق، واعتراه ما يعتري المحب المهجور إذا فاجأه في الطريق هاجره؛ أرأيت مرة عاشقًا جفاه الحبيب وامتنع عليه دهرًا لا يراه، وصارمه مدة لا يكلمه، فنزع نومه من ليله، وراحته من نهاره، ودنياه من يده، وبلغ به ما بلغ من السقم والضنى، ثم بينا هو يمشي إذ باغته ذلك الحبيب منحدرًا في الطريق؟
إنك لو أبصرت حينئذ قلب هذا المسكين لرأيته على زلزلة من شدة الخفقان، وكأنه في ضرباته متلعثم يكرر كلمة واحدة: هي هي هي..
ولو نفذت إلى حس هذا البائس لرأيته يشعر مثل شعور المحتضر أن هذه الدنيا قد نفته منها!
ولو اطلعت على دمه في عروقه لأبصرته مخذولًا يتراجع كأن الدم الآخر يطرده.
إنها لحظة يرى فيها المهجور بعينيه أن كل شهواته في خيبة، فيرد عليه الحب مع كل شهوة نوعًا من الذل، فيكون بإزاء الحبيب كالمنهزم مائة مرة أمام الذي هزمه مائة مرة.
لحظة لا يشعر المسكين فيها من البغتة والتخاذل والاضطراب والخوف إلا أن روه وثبت إلى رأسه هو هوت فجأة إلى قدميه!
غير أن صاحبنا نحن لم يكن مهجورًا من صاحبته، ولكن من عجائب الحب أنه يعمل أحيانًا عملًا واحدًا بالعاطفتين المختلفتين؛ إذ كان دائمًا على حدد الإسراف ما دام حبًّا، فكل شيء فيه قريب من ضده، والصدق فيه من ناحية مهيأ دائمًا لأن يقابل بتهمة الكذب من الناحية الأخرى، واليقين معد له الشك بالطبيعة؛ والحب نفسه قضاء على العدل، فإنه لا يخضع لقانون من القوانين، والحبيب -مع أنه حبيب- يخافه عاشقه من أجل أنه حبيب!
(3/104)

وقد يصفر العاشق لمباغتة اللقاء كما يصفر لمباغتة الهجر، وهذه كانت حال صاحبنا عندما رآها مقبلة عليه؛ وكان مع ذلك يخشى إلمامتها به، توقيًا على نفسه من ظنون الناس؛ وأكثر ما يحسنه الناس هو أن يسيئوا الظن؛ وهو رجل ذو شأن ضخم، ومقالة السوء إلى مثله سريعة إذا رؤي مع مثلها، وكأنها هي ألمت بكل هذا أو طالعها به وجهه المتوقر المتزمت؛ فعدلت عن طريقها إلينا ووقفت على رئيس فرقة الموسيقى، وما بيننا وبينها إلا خطوات؛ ورأيتها قد هيأت في عينيها نظرة غاضبتنا بها، ثم لم تلبث أن صالحتنا بأخرى!
وكأنها ألقت لرئيس الموسيقى أمرًا ليتأهب أهبته لدورها، ثم همت أن ترجع، ثم عادت إليه فجعلت تكلمه وعيناها إلينا؛ فقال صاحبنا وأعجبه ذلك من فعلها: إنها نبيلة حتى في سقوطها!
ولا أدري ماذا كانت تقول لرئيس الموسيقى، ولكن هذا الرجل لم يظهر لي وقتئذ إلا كأنه تليفون معلق!
كانت عيناها إلى صاحبها لا تنزلان عنه ولا تتحولان إلى غيره، ولا تسارقه النظر بل تغلبه عليه مغالبة؛ ورأيته كذلك قد ثبتت عيناه عليها فخيل إلي أن هذا الوجود قد انحصر جماله بين أربعة أعين عاشقة؛ وكانت تطارحه ويطارحها كلامًا مخبوءًا تحت هذه النظرات، وقد نسيا ما حولهما، وشعرا بما يشعر به كل حبيبين إذا التقيا في بعضه لحظات الروح السامية: أن هذا العالم العظيم لا يعمل إلا الاثنين فقط: هو وهي..
وكان فمها الجميل لا يزال يساقط ألفاظه لرئيس الموسيقى، وكأنها تسرد له حكاية مروية، أو تعارض بحافظته كلامًا تحفظه من كلام التمثيل أو الغناء؛ فهي تتحدث وعيناها مفكرتان شاخصتان، فلم ينكر الرجل هيئتها هذه؛ ولكن كيف كانت عيناها؟
لقد أرادت في البدء أن تجعل قوة نظراتها كلامًا، حتى لحسبت أن هذه النظرات الأولى تهتف من بعيد: أنت يا أنت!
ثم بدا في عينيها فتور الظمأ، ظمأ الحب المتكبر المتمرد؛ لأنه حب المرأة المعشوقة، ولأن له لذتين، إحداهما في أن يبقى ظمأ إلى حين..
ثم أرسلت الألحاظ التي تتوهج أحيانًا فوق كلام المرأة الجميلة في بعض حالاتها النفسية، فتضرم في كلامها شرارة من الروح تظهر الكلام كأنه يحرق ويحترق..
(3/105)

ثم توجعت النظرات؛ لأنها تصلها بالرجل الذي لا يشبه الرجال، فلا يستوهب خضوعها ولا يشتريه؛ والرجل كل الرجل عند هذه المرأة هو الذي لا يشبه الباقين ممن تعرفهم، فإذا أحبها فكأنما أحبها عذراء خفرة لم تمس، وكأنه من ذلك يصلها بماضيها وطهارتها وحياتها وما لا يمكن أن تتمثله إلا في مثل حبه.
ثم ذبلت عيناها الجميلتان، وما هو ذبول عيني امرأة تنظر إلى محبها؛ إنه هو استسلام فكرها لفكرة، أو عناد معنى فيها لمعنى فيه، أو توكيد خاطرة تحتاج إلى التوكيد؛ ومرة هو كقولها: لماذا؟ وتارة هو كقولها: أفهمت؟ وأحيانًا، وأحيانًا هو انتهاء مقاومة.
وتمت الحكاية المروية التي كانت تلقيها للتليفون.. فكرت راجعة إلى المسرح بعد أن صاحت نظراتها مرة أخرى كما بدأت: أنت يا أنت.. فقلت لصاحبنا: ويحك يا عدو نفسه! لو اختار الشيطان عينين ساحرتين ينظر بهما إليك نظر الفتنة، لما اختار إلا عينيها، في وجهها، في هيئتها، في موقفها؛ وأراك مع هذا كمنتظر ما لا يوجد ولا يمكن أن يوجد؛ وأراها معك في حبها كالحيوان الأليف إذا طمع في المستحيل.
قال: وما هو المستحيل الذي يطمع فيه الحيوان الأليف؟
قلت: ذلك يطمع في أن تكون له حقوق على صاحبه فوق الألفة والمنفعة.
قال: لقد أغمضت في العبارة فبين لي شيئًا من البيان.
قلت: هب كلبة تألف صاحبها وتحبه فهي له ذليلة مطواع، ثم يبلغ بها الحب أن تطمع في أن يكون لها تمام الشرف، فلا يقول صاحبها عنها: هذه كلبتي، بل يقول: هذه زوجتي..
قال: وي منك! وي منك* لقد ضربت على رأس المسمار كما يقولون هذا هو المستحيل الذي بيني وبينها، هذا هو المثل. يا لفظ الحلوى! يا لفظ الحلوى! لو كررتك بلساني ألف مرة فهل تضع في لساني طعمها..؟
قلت: خفض عليك يا صاحب القلب المسكين، فلست أكثر من عاشق.
قال: بل أنا مع هذه أكثر من عاشق؛ لأن في العاشق راغبًا وفي أنا راهب، وفيه الجريء وفي المنكمش، ويغترف الغرفة من الشلال المتحدر فيحسوها فيرتوي
__________
* أي عجب، يتعجب من فطنته.
(3/106)

وأغترف أنا الغرفة بيدي، وأبقيها في يدي، وأطمع أن تهدر في يدي كالشلال أنا أكثر من عاشق؛ فإنه يعشق لينتهي من ألم الجمال، وأعشق أنا لأستمر في هذا الألم!
هذه هذه؛ العجيب يا صديقي أن خيال الإنسان يلتقط صورًا كثيرة من صور الجمال تجيء كما يتفق، ولكنه يلتقط صورة واحدة بإتقان عجيب، هي صورة الحب؛ فهذه هذه.
ألم أقل لك إن إبليس هنا في غير حقيقته الإبليسية ولم تفهم علي*؟ فافهم الآن أننا إن كنا لا نرى الملائكة فإنه ليخيل إلينا أننا نراها فيمن نحبهم؛ وما دام سر الحب بيدل الزمن والنفس ويأتي بأشياء من خارج الحياة، فكل حقائق هذا الحب في غير حقيقتها.
هذه هذه؛ لا أطلب في غيرها امرأة أجمل منها، فهذا كالمستحيل، ولكني ألتمس فيها هي امرأة أطهر منها، وهذا كالمستحيل أيضًا؛ إنها أجمل جسم، ولكن وا أسفاه! إنها أجمل جسم للمعاني التي يجب أن أبتعد عنها!
وسكت صاحبنا؛ إذ رفعت ستارة المسرح وظهرت هي مرة أخرى، ظهرت في زينة لا غاية بعدها، تمثل العروس ليلة جلوتها؛ ألا ما أمرَّها سخرية منك أيتها المسكينة! عروس ولكن لمن؟
كانت تبرق على المسرح كأنها كوكب دري نوره نور وجمال وعواطف شعر.
وأقبلت تتمايل بجسم رخص لين مسترسل الأعطاف يتدفق الجمال والشباب فيه من أعلاه إلى أسفله.
وأظهر وجهها حسنًا وأبدى جسمها حسنًا آخر، فتم الحسن بالحسن.
واقفة كالنائمة، فالجو جو الأحلام، وكان الحب يحلم، وكان السرور يحلم!
مهتزة كالموج في الموج، هل خلقت روح البحر في جسمها المترجرج فشيء يعلو وشيء يهبط وشيء يثور ويضطرب؟
ثم دقت الموسيقى بألحانها المتكلمة، ودقت أعضاء هذا الجسم بألحانها المتحركة، وأحسسنا كأن روح الحديثة جالسة بيننا تنظر إليها وتتعجب. تتعجب من قوامها للغصن الحي، ومن بدنها للزهر الحي، ومن عطرها للنسيم الحي.
أما صاحب القلب المسكين..
__________
* مر هذا المعنى في المقالة الثالثة.
(3/107)

القلب المسكين * "5":
أما صاحب القلب المسكين فتزعزعت كبده مما رأى؛ وجعل ينظر إلى هذه الفتانة تمثل العروس وقد أشرق فيها رونقها وسطعت ولمعت، فبدت له مفسرة في هذه الغلائل غلائل العرس؛ وما غلائل العرس؟
إنها تلك الثياب التي تكسو لابستها إلى ساعة فقط.. ثياب أجمل ما فيها أنها تقدم الجمال إلى الحب، فأزهى ألوانها اللون المشرق من روح لابستها، وأسطع الأنوار عليها، النور المنبعث من فرح قلبين.
تلك الثياب التي تكون سكبًا من خالص الحرير ورفيع الخز، وحين تلبسها مثل هذه الفاتنة تكاد تنطق أنها ليست من الحرير؛ إذ تعلم أن الحرير ما تحتها.
ثم تنهد المسكين وقال: أفهمت؟
قلت: فهمت ماذا؟
قال: هذا هو انتقامها.
قلت: يا عجبًا! أتريدها في ثياب راهبة مكبكبة فيها كما ألقيت البضاعة في غرارة، بين سواد هو شعار الحداد على الأنوثة الهالكة، وبياض هو شعار الكفن لهذه الأنوثة؟
قال: أنت لا تعرفها؛ إن الرواية التي تمثل فيها بين الروح والجسم، هي التي احتاجت إلى هذا الفصل يقوى به المعنى؛ وكل عاشقة فعشقها هو الرواية التي تمثل فيها، يؤلفها هذا المؤلف الذي اسمه الحب، ولا تدري هي ماذا يصنع وماذا يؤلف، غير أنه لا يفتأ يؤلف ويصنع وينفع كما تتنزل به الحال بعد الحال، وكما تعرض به المصادفة بعد المصادفة؛ وعليها هي أن تمثل..
__________
1 نرجح أن يكون القراء قد أدركوا الغرض في كتابة هذه المقالات على هذا السرد الذي وصفته لنا إحدى الأدبيات بأن "فيه أشياء مادية" فنحن نرمي إلى تصوير الغزيرة ثائرة مهتاجة بكل أسباب الثورة والاهتياج، ولكنها مكفوحة بأسباب أخرى من الدين والشرف والمروءة وفلسفة العقل..
(3/108)

قلت: فهذا؛ ولكن كيف يكون هذا انتقامًا؟
قال: إن الأفكار أشياء حقيقية، ولو كشف لك الجو هذه الساعة لرأيته مسطورًا عبارات عبارات كأنه مقالة جريدة.
هذا الفصل حوار طويل في الهموم والآلام ورقة الشوق وتهالك الصبوة، ولو كتب له عنوان لكان عنوانه هكذا: ما أشهاها وما أحظاها! إن الهواء بين كل عاشقين متقاتلين يأخذ ويعطي..
قلت: يا عدو نفسه! ما أعجب ما تدقّق! لقد أدركت الآن أن المرأة تتسلح بما شاءت، لا من أجل أن تدافع، ولكن لتزيد أسلحتها في سلاح من تحبه، فتريده قوة على قهرها وإخضاعها..
أما هذه "العروس" فكانت أفكارها لا تجد ألفاظًا تحدها فهي تظهر كيفما اتفق، مرسلة إرسالًا في اللفتة والحركة والهيئة والقومة والقعدة، وهي من علمت؛ امرأة تعيش للحقائق، وبين الحقائق، ككل ذي صنعة في صنعته فكانت في تماديها خطر أي خطر على صاحب القلب المسكين، تمثل شيئًا لا أدري أهو ظاهر بخفائه أم هو خافٍ بظهوره؛ وقد وقع صاحبنا منها فيما لم يدخل في حسابه، فكانت الخبثة الماجنة كأنها تسكره بمسكر حقيقي، غير أنه من جسمها لا من زجاجة خمر.
وكانت لذهنه المتخيل كالسحابة الممتلئة بالبرق؛ تومض كل لحظة بأنوار بعد أنوار، وبين الفترة والفترة ترمي الصاعقة.
وظهرت كأنها امرأة مخلوقة من دم ولهب؛ فلقد أيقنت حينئذ أن الحب إن هو إلا الغريزة البهيمية بعينها محاولة أن تكون شيئًا له وجود فني إلى وجوده الطبيعي، فهو مصيبتان في واحدة، وكل عمله أن يجعل اللذة ألذ، والألم أشد، والقلة كثرة، والكثرة أكثر، وما هو نهاية كأنه لا نهاية..
هذه "العروس" كانت قبل الآن واقفة على حدود صاحبها، أما الآن فإنها تقتحم الحدود وتغزو غزوها وتمتلك ...
يا لسحر الحب من سحر! كل ما في الطبيعة من جمال تظهره الطبيعة لعاشقها في إحدى صور الفهم، أما الحبيب الجميل فهو وحده الذي يظهر لعاشقه في كل صور الفهم، وبهذا يكون الوقت معه أوقاتًا مختلفة متناقضة، ففي ساعة يكون العقل وفي ساعة يكون الجنون.
(3/109)

يا لسحر الحب! لقد أرادت هذه المرأة أن تذهب بعقل صاحبها، وأن تنقله إلى وحشية الإنسان الأول الكامن فيه، وأن تقذف به إلى بعيد بعيد وراء فضائله وعصمته؛ فسنحت له كما يسنح الصيد للصائد يحمل في جسمه لحمه الشهي.. وتركت شعوره جائعًا إلى محاسنها بمثل جوع المعدة.. وبرزت له صريحة كما هي، ولما هي؛ ومن حيث إنها هي هي؛ وكل ذلك حين ألبست جسمها ثياب الحقيقة المؤنثة.
آه من "هي" إذا امتلأت الهاء والياء من قلب رجل يحب! وآه من "هي" إذا خرجت هذه الكلمة من لغة الناس إلى لغة رجل واحد!
إن في كل امرأة.. امرأة يقال لها "هي"1 باعتبار الضمير للتأنيث فقط، كما يعتبر في الدابة والحشرة والإدارة ونحوها من هذه المؤنثات التي يرجع عليها هذا الضمير؛ ولكن "هي" المفردة في الكون كله لا توجد في النساء إلا حين يوجد لها "هو"..
أنا أنا الذي يقص للقراء هذه القصة، قد كابدت من شدة الحب وإفراط الوجد ما يفعم قلبين مسكينين لا قلبًا واحدًا؛ وكانت لي "هي" من إلهيات عانيت فيها الحب والألم دهرًا طويلًا؛ وقد ذهبت بي في هواها كل مذهب إلا مذهبًا يحل حرامًا، أو مذهبًا يخل بمروءة؛ ولقد علمت أن الشيء السامي في الحب هو ألا يخرج من العاشق محرم.
فالشأن كل الشأن أن يستطيع الرجل الفصل بين الحب من أجل جمال الأنثى يظهر عليها، وبين الحب من أجل الأنثى تظهر في جمالها؛ فهو في الأولى يشهد الإلهية في إبداعها السامي الجميل، وفي الأخرى لا يرى غير البشرية حيوانيتها المتجملة..
وقد أدركت من فلسفة الحب أن الحقيقة الكبرى لهذا الجمال الأزلي الذي يملأ العالم -قد جعلت حنين العشق في قلب الإنسان هو أول أمثلتها العملية في تعليمه الحنين إليها إن شاء أن يتعلم، فكما يحب إنسان بروح الشهوة يحب إنسان آخر بروح العبادة؛ وهذا هو الذي يسميه الفلاسفة: "تلطيف السر"، أي جعله مستعدًا للتوجه إلى النور والحق والخير، وقد عدوا فيما يعين عليه، الفكر الدقيق والعشق العنيف.
__________
1 قلت: هنا رسالة إلى "فلانة" من تلك الرسائل التي كانت بينهما بعد القطيعة ... وانظر ص 83 "حياة الرافعي".
(3/110)

وكذلك تبينت مما علمني الحب أن طرد آدم وحواء من الفردوس، كان معناه ثقل معاني الفردوس وعرضها لكل آدم وحواء يمثلان الرواية.. فإذا "قطفا الثمرة" طردا من معاني الجنة*، وهبط بعد ذلك من أخيلة السماء إلى حقائق الأرض.
نعم هو الحب شيء واحد في كل عاشق لكل جميل، غير أن الفرق بين أهله يكون في جماله العمل أو قبح العمل؛ وهذه النفوس مصانع مختلفة لهذه المادة الواحدة؛ فالحب في بعضها يكون قوة وفي بعضها يكون ضعفًا؛ وفي نفس يكون الهوى حيوانيًّا يراكم الظلم على الظلمة في الحياة، وفي أخرى يكون روحانيًّا يكشف الظلام عن الحياة.
والمعجزة في هذا الإنسان الضعيف أنه مع طبيعة كل شيء طبيعية الإحساس به، فهو مستطيع أن يجد لذة نفسه في الألم، قادر على أن يأخذ هبة من معاني الحرمان؛ وبهذه الطبيعة يسمو من يسمو، وهي على أتمها وأقواها في عظماء النفوس، حتى لكأن الأِياء تأتي هؤلاء الظلمة سائلة: ماذا يريدون منها؟
فمن أراد أن يسمو بالحب فليضعه في نفسه بين شيئين: الخلق الرفيع، والحكمة الناضجة؛ فإن لم يستطع فلا أقلّ من شيئين: الحلال، والحرام**.
أنا أنا الذي يقص للقراء هذه القصة، أعرف هذا كله، وبهذا كله فهمت قول صاحب القلب المسكين: إن ظهور صاحبته في فصل العروس هو انتقامها، حاصرت عيناها عينه، وزحفت معانيها على معانيه، وقاتلت قتال جسم المرأة المحبوبة في معركة حبها، وبكلمة واحدة: كأنما ليست هذه الثياب لتظهر له بلا ثياب..
وأردت أن أعيبها بما صنعت نفسها له، وأن أعيبه هو بدخوله فيما لا يشبهه، وقلت في غير طائل ولا جدوى، فما كنت إلا كالذي يعيب الورد بقوله: يا عطر الشذى، ويا أحمر الخدين!
وقد أمسك عن جوابي، وكانت محاسنها تجعل كلماتي شوهاء، وكان وضوحها يجعل معانيَّ غامضة، وكانت حلاوتها تجعل أقوالي مرة، وكانت ثياب العروس وهي تزف تريه ألفاظي في ثياب العجوز المطلقة؛ وكلما غاضبته مع نفسه أوقعت هي الصلح بينه وبين نفسه.
__________
* أي طردًا كالطرد من الجنة.
** بسطنا هذا المعنى في المقالة الثانية من هذه المقالات على وجه آخر.
(3/111)

والعجيب العجيب في هذا الحب أن فتح العينين على الجميل المحبوب هو نوع من تغميضهما للنوم ورؤيا الأحلام؛ ليس إلا هذا، ولا يكون أبدًا إلا هذا؛ فمهما أعطت من جدل فإقناعك المحب المستهام كإقناعك النائم المستثقل؛ وكيف وله ألفاظ من عقله لا من عقلك، وبينك وبينه نسيانه إياك، وقد تركك على ظاهر الدنيا وغاص هو في دنيا باطنه لا يملك فيها أخذًا ولا ردًا إلا ما تعطي وما تمنع.
ثم.... ثم غابت "العروس" بعد أن نظرت له وضحكت.
ضحكت بحزن.. حزن الذي يسخر من حقيقة؛ لأنه يتألم من حقيقة غيرها؛ وكان منظرها الجميل المنكسر فلسفة تامة مصورة للخير الذي اعتدى عليه الشر فأحاله، والإرادة التي أكرهها القدر فأخضعها، والعفة المسكينة التي أذلتها ضرورة الحياة، والفضيلة المغلوبة التي حيل بينها وبين أن تكون فضيلة!
ويا ما كان أجملها ناظرة بمعاني البكاء ضاحكة بغير معاني الضحك؛ تتنهد ملامح وجهها وفمها يبتسم!
كان منظرها ناطقًا بأن قلبها الحزين يسأل سؤالًا أبداه على وجهها بلطف ورقة؛ كان يسأل إنسانًا: ألا تحل هذه العقدة؟ ...
وانقضى التمثيل وتناهض الناس.
أما صاحب القلب المسكين؟..
(3/112)

القلب المسكين "6":
أما صاحب القلب المسكين فقام؛ ليخرج وقد تفارطته الهموم وتسابقت إليه فانكسر وتفتر؛ وكأنما هو قد فارق صاحبته باكيًا وباكية من حيث لا يرى بكاءه غيرها ولا يرى بكاءها غيره!
ورأيته ينظر إلى ما حوله كأنما تغشى الدنيا لون نفسه الحزينة؛ إذ كانت نفسه ألقت ظلها على كل شيء يراه؛ وجعل يدلف ولا يمشي كأنه مثقل بحمل يحمله على قلبه.
إنه ليس أخفُّ وزنًا من الدمع، ولكن النفوس المتألمة لا تحمل أثقل منه، حتى لينثر على النفس أحيانًا وكأنه وكأنها بناء قائم يتهدم على جسم؛ وبعض التنهدات على رقتها وخفتها، قد تشعر بها النفس في بعض همها كأنها جبل من الأحزان أخذته الرجفة فمادت به، فتقلقل، فهو يتفلق ويتهاوى عليها.
آه حين يتغير القلب فيتغير كل شيء في رأي العين! لقد كان صاحبنا منذ قليل وكأن كل سرور في الدنيا يقول له: أنا لك! فعاد الآن وما يقول له: "أنا لك" إلا الهم؛ والتقى هو والظلام والعالم الصامت!
جعل يدلف ولا يمشي كأنه مثقل بحمل يحمله على قلبه؛ ومتى وقع الطائر من الجو مكسور الجناح، انقلبت النواميس كلها معطلة فيه، وظهر الجو نفسه مكسورًا في عين الطائر المسكين؛ وتنفصل روحه عن السماء وأنوارها، حتى لو غمره النور وهو ملقى في التراب لأحسه على التراب وحده لا على جسمه..
ثم خرجنا، فانتبه صاحبنا مما كان فيه؛ وبهذه الانتباهة المؤلمة أدرك ما كان فيه على وجه آخر، فتعذب به عذابين: أما واحد فلأنه كان ولم يدم وأما الآخر فلأنه زال ولم يعد؛ والسرور في الحب شيء غير السرور الذي يعرفه الناس؛ إذ هو في الأول روح تتضاعف به الروح، فكل ما سرك وانتهى شعرت أنه انتهى؛
(3/113)

ولكن ما ينتهي من سرور العاشق المستهام يشعره أنه مات، فله في نفسه حزن الموت وهمّ الثكل، وله في نفسه هم الثكل وحزن الموت!
وينظر صاحب القلب المسكين فإذا الأنوار قد انطفأت في الحديقة، وإذا القمر أيضًا كأنما كان فيه مسرح وأخذوا يطفئون أنواره.
كان وجه القمر في مثل حزن وجه العاشق المبتعد عن حبيبته إلى أطراف الدنيا، فكان أبيض أصفر مكمدًا، تتخايل فيه معاني الدموع التي يمسكها التجلد أن تتساقط.
كان في وجه القمر وفي وجه صاحبنا معًا مظهر تأثير القدر المفاجئ بالنكبة.
وبدت لنا الحياة تحت الظلمة مقفرة خاوية على أطلالها، فارغة كفراغ نصف الليل من كل ما كان مشرقًا في نصف النهار؛ يا لك من ساحر أيها الحب؛ إذ تجعل في ليل العاشق ونهاره ظلامًا وضوءًا ليسا في الأيام والليالي!
أما الحديقة فلبسها معنى الفراق، وما أسرع ما ظهرت كأنما يبست كلها لتوها وساعتها، وأنكرها النسيم فهرب منها فهي ساكنة، وتحولت روحها خشبية جافة، فلا نضرة فيها على النفس؛ وبدت أشجارها في الظلام، قائمة في سوادها كالنائحات يلطمن ويولولن، وتنكر فيها مشهد الطبيعة كما يقع دائمًا حين تنبت الصلة بين المكان ونفس الكائن.
ماذا حدث؟
لا شيء إلا ما حدث في النفس، فقد تغيرت طريقة الفهم، وكان للحديقة معنى من نفسه فسلب المعنى، وكان لها فيض من قلبه فانحبس عنها الفيض؛ وبهذا وهذا بدت في السلب والعدم والتنكر، فلم يبق إبداع في شيء مبدع، ولا جمال في منظر جميل.
أكذا يفعل الحب حين يضع في النفس العاشقة معنى ضئيلًا من معاني الفناء كهذا الفراق؟
أكذا يترك الروح إذا فقدت شيئًا محبوبًا، تتوهم كأنها ماتت بمقدار هذا الشيء؟
مسكين أنت أيها القلب العاشق! مسكين أنت!
ومضينا فملنا إلى نديّ نجلس فيه، وأردت معابثة صاحبنا المتألم بالحب
(3/114)

والمتألم بأنه متألم، فقلت له: ما أراك إلا كأنك تزوجتها وطلقتها فتبعتها نفسك!
قال: آه! من أنا الآن؟ وما بال ذلك الخيال الذي نسق لي الدنيا في أجمل أشكالها قد عاد فبعثرها؟ أتدري أن العالم كان في ثم أخذ مني فأنا الآن فضاء فضاء.
قلت: أعرف أن كل حبيب هو العالم الشخصي لمحبه.
قال: ولذلك يعيش المحب المهجور، أو المفارق، أو المنتظر، وكأنه في أيام خلت، وتراه كأنما يجيء إلى الدنيا كل يوم ويرجع.
قلت: إن من بعض ما يكون به الجمال جمالًا أنه ظالم قاهر عنيف، كالملك يستبد ليتحقق من نفاذ أخره، وكأن الجميل لا يتم جماله إلا إذا كان أحيانًا غير جميل في المعاملة!
قال: ولكن الأمر مع هذه الحبيبة بالخلاف؛ فهي تطلبني وأتنكبها، وهي مقبلة لكنها مقبلة على امتناعي؛ وكأنها طالب يعدو وراء مطلوب يفر، فلا هذا يقف ولا ذلك يدرك.
قلت: فإن هذه هي المشكلة، ومتى كانت الحبيبة مثلها، وكان المحب مثلك، فقد جاءت العقدة بينهما معقودة من تلقاء نفسها فلا حل لها.
قال: كذلك هو، فهل تعرف في البؤس والهم كئوس العاشق الذي لا يتدبر كيف يأخذ حبيبته، ولكن كيف يتركها؟ ما هي المسافة بيني وبينها؟ خطوة، خطوتان؟ كلا، كلا؛ بل فضائل وفضائل تملأ الدنيا كلها، إن مسافة ما بين الحلال والحرام متراخية ممتدة ذاهبة إلى غير نهاية؛ وإذا كان الحب الفاسد لا يقبل من الحبيب إلا "نعم" بلا شرط ولا قيد؛ لأنه فاسد، فالحب الطاهر يقبل "لا" لأنه طاهر! ثم هو لا يرضى "نعم" إلا بشرطها وقيدها من الأدب والشريعة وكرامة الإنسانية في المرأة والرجل.
وإذا لم ينته الحب بالإثم والرذيلة، فقد أثبت أنه حب؛ وشرفه حينئذ هو سر قوته وعنصر دوامه.
أتعرف أن بعض عشاق العرب تمنى لو كان جملًا وكانت حبيبته ناقة.. إنه بهذا يود ألا يكون بينهما العقل والقانون وهذا الحرمان الذي يسمي الشرف، وألا يكون بينهما إلا قيد غريزتها الذي ينحل من تلقاء نفسه في لحظة ما، وأن يترك لقوته وتترك هي لضعفها؛ والقوة والضعف في قانون الطبيعة هما ملك وتمليك واغتصاب وتسليم.
(3/115)

قلت: وهذا ما يفعله كل عاشق لمثل هذه الراقصة إذا لم يكن فيه إلا الحيوان؛ فإن بينهما قوة وضعفًا من نوع آخر، فمعه الثمن وبها الحاجة، وهما في قانون الضرورة ملك وتمليك.
قال: وهذا مما يقطع في قلبي؛ فلو أن للأمة دينًا وشرفًا لما بقي موضع الزوجة فارغًا من رجل، وإن هذه وأمثالها إنما ينزلن في تلك المواضع الخالية أول ما ينزلن، فكل بغي هي في المعنى دين متروك وشرف مبتذل في الأمة.
قلت: فحدثني عنك ما هذا الوجد بها وما هذا الاحتراق فيها، وأنت قد كنت بين يديها خياليًّا محضًا كأنما جمعتها في حواسك فأخذتها وتركتها في وقت معًا، وحواسك هذه لا تزال كما هي، بل هي قد زادت حدة، فكما صنعت لك من قرب تصنع لك من بعد؟
قال: أنا في محضرها أحبها كما رأيت بالقدر الذي تقول هي فيه إنك لا تحبني، إذ كان بيننا آخر اسمه الخلق؛ ولكن يفي غيابها أفقد هذا الميزان الذي يزن المقدار ويحدده، وإذا كنت لم تعلم كيف يصنع العاشق في غيبة المعشوق، فاعلم أن كبرياءه حينئذ لا ترى بإزائها ما تقاومه، فتتخلى عنه وتخذله؛ وفضيلته لا تجد ما تستعلن فيه، فتتوارى وتدعه؛ وشخصيته لا تجد ما تبرز له، فتختفي وتهمله؛ فما يكون من كل ذلك إلا أن يظهر المسكين وحده بكل ما فيه من الوهن والنقص وحدة الشوق؛ وهنا ينتقم الحب مما زورت عليه الكبرياء والفضيلة والشخصية، فيضرب بحقائقه ضربات مؤلمة لا تقوم لا القوة، ويجعل غياب الحبيب كأنه حضوره مستخفيًا لرؤية الحقيقة التي كتمت عنه؛ وكم من عاشقة متكبرة على من تهواه تصد وتباعده، وهي في خلوتها ساجدة على أقدام خياله تمرغ وجهها هنا وهنا على هذه القدم وعلى هذه القدم!
لا إنه لا بد في الحب من تمثيل رواية الامتناع أو الصد أو التهاون أو أي الروايات من مثلها؛ ولكن ثياب المسرح هي دائمًا ثياب استعارة ما دام لابسها في دوره من القصة.
ثم وضع المسكين يده على قلبه وقال: آه! إن هذا القلب يغاضب الحياة كلها متى أراد أن يشعر صاحبه أنه غضبان.
مَنْ مِنَ الناس لا يعرف أحزانه؟ ولكن من منهم الذي يعرف أسرار أحزانه
(3/116)

وحكمتها؟ أما إنه لو كشف السر الأفراح والأحزان عملًا في النفس من أعمال تنازع البقاء؛ فهذا الناموس يعمل في إيجاد الأصلح والأقوى، ثم يعمل كذلك لإيجاد الأفضل والأرق، ومن ثم كانت آلام الحب قوية حتى لكأنها في الرجل والمرأة تهيئ أحد القلبين؛ ليستحق القلب الآخر.
آه من هذا اللواعج! إنها ما تكاد تضطرم حتى ترجع النفس وكأنها موقد يشتعل بالجمر، وبذلك يصهر المعدن الإنساني ويصنع صنعة جديدة؛ وإلى أن ينصهر ويتصفى ويصنع، ماذا يكون للإنسان في كل شيء من حبيبه؟
يكون له في كل شيء روحه النازي.
قلت: بخ بخ*! هكذا فليكن الحب؛ إنها حين تهيج في نفسك الحنين إليها تعطيك ما هو أجمل من جمالها وما هو أبدع من جسمها؛ إذ تعطيك أقوى الشعر وأحسن الحكمة.
قال: وأقوى الألم وأشد اللوعة! يا عجبًا! كأن الحياة لا تقدم في عشق المحبوب إلا عشقها هي؛ فإذا وقعت الجفوة، أو حم البين، أو اعترى اليأس -قدم الموت نفسه فكل ذلك شبه الموت.
إن الحزن الذي يجيء من قبل العدو يجيء معه بقوة تحمله وتتجلد له وتكابر فيه؛ ولكن أين ذلك في حزن مبعثه الحبيب؟ ومن أين القوة إذا ضعف القلب؟
قلت: لا يصنع الله بك إلا خيرًا؛ فإذا كان غد وانسلخ النهار من الليل جئنا إليها فرأيناها في المسرح، ولعل الأمر يصدر مصدرًا آخر، قال: أرجو..
ولم يكد ينطق بهذه الرجية حتى مر بنا سبعة رجال يقهقهون، ثم تلاقينا وجئنا؛ ويا ويلتنا على المسكين حين علم أنها رحلت؛ لقد أدرك أن الشيطان كان يضحك بسبعة أفواه.. من قوله: أرجو..
ولماذا رحلت؟ لماذا؟
وأما هو..؟
__________
* كلمة الإعجاب تقال عند الرضى والمدح، ومثلها "زه" وهذه فارسية.
(3/117)

القلب المسكين "7":
وأما صاحب القلب المسكين فما علم أنها قد رحلت عن ليلته حتى أظلم الظلام عليه، كأنها إذا كانت حاضرة أضاء شيء لا يرى، فإذا غابت انطفأ هذا الضوء؛ ورأيته واجمًا كاسف البال يتنازعه في نفسه ما لا أدري، كأن غيابها وقع في نفسه إنذار حرب.
لماذا كان الشعراء ينوحون على الأطلال ويلتاعون بها ويرتمضون منها وهي أحجار وآثار وبقايا؟ وما الذي يتلقاهم به المكان بعد رحيل الأحبة؟ يتلقاهم بالفراغ القلبي الذي لا يملؤه من الوجود كله إلا وجود شخص واحد؛ وعند هذا الفراغ تقف الدنيا مليًّا كأنها انتهت إلى نهاية في النفس العاشقة، فتبطل حينئذٍ المبادلة بين معاني الحياة وبين شعور الحي؛ ويكون العاشق موجودًا في موضعه ولا تجده المعاني التي تمر به، فترجع منه كالحقائق تلم بالفراغ من وعي سكران.
يا أثر الحبيب حين يفارق الحبيب! ما الذي يجعل فيك تلك القدرة الساحرة؟ أهو فصلك بين زمن وزمن، أم جمعك الماضي في لحظة؛ أم تحويلك الحياة إلى فكرة، أم تكبيرك الحقيقة إلى إضعاف حقيقتها، أم تصويرك روحية الدنيا في المثال الذي تحسه الروح، أم إشعارك النفس كالموت أن الحياة مبنية على الانقلاب، أم قدرتك على زيادة حالة جديدة للهم والحزن، أم رجوعك باللذة ترى ولا تمكن، أم أنت كل ذلك؛ لأن القلب يفرغ ساعة من الدنيا ويمتلئ بك وحدك؟
يا أثر الحبيب حين يفارق الحبيب! ما هذه القوة السحرية فيك تجتذب بها الصدر ليضمك، وتستهوي بها الفم ليقبلك، وتستدعي الدمع لينفر لك، وتهتاج الحنين لينبعث فيك؟ أكل ذلك لأنك أثر الحبيب، أم لأن القلب يفرغ ساعة من الدنيا ولا يجد ما يخفق عليه سواك؟
ووقف صاحبنا المسكين محزونًا كأن شيئًا يصله بكل هموم العالم؛ وتلك
(3/118)

هي طبيعة الألم الذي يفاجئ الإنسان من مكمن لذته وموضع سروره، فيسلبه نوعًا من الحياة بطريقة سلب الحياة نفسها، ويأخذ من قلبه شيئًا مات فيدفنه في قبر الماضي، يكون ألمًا؛ لأن فيه المضض، وكآبة؛ لأن فيه الخيبة، وذهولًا؛ لأن فيه الحسرة؛ وتتم هذه الثلاثة الهموم بالضيق الشديد في النفس؛ لاجتماع ثلاثتها على النفس؛ فإذا المسكين مبغوت كأن الآلام أطبقت عليه من الجهات الأربع، فقلبه منها صدوع صدوع..
وجعلت أعذل صاحبنا فلا يعتذِل، وكلما حاولت أن أثبت له وجود الصبر كنت كأنما أثبت له أنه غير موجود؛ ثم تنفس وهو يكاد ينشق غيظًا وقال: لماذا رحلت؟ لماذا؟
قلت: أنت أذللت جمالها بهذا الأسلوب الذي ترى أنك تعز جمالها به، وقد اشتددت عليها وعلى نفسك، وتعنَّتَّ على قلبك وقلبها؛ كانت ظريفة المذهب في عشقها وكنت خشنًا في حبك، وسوغتك حقًّا فرددته عليها، وتهالكت وانقبضت أنت، ورفعت قدرك عن نفسها تحببًا وتوددًا فخفضت قدرها عن نفسك من اطراح وجفاء، واستفرغت وسعها في رضاك فتغاضبت، ونضت عن محاسنها شيئًا شيئًا تسأل بكل شيء سؤالًا فلم تكن أنت من جوابها في شيء..
ومن طبع المرأة أنها إذا أحبت امتنعت أن تكون البادئة، فالتوت على صاحبها وهي عاشقة، وجاحدت وهي مقرة؛ إذ تريد في أن تتحقق أنها محبوبة، وفي الثانية أن يقدم لها البرهان على أنها تستحق المهاجمة، وفي الثالثة هي تريد ألا تأخذها إلا قوة قوية فتمتحن هذه القوة، ومع هذه الثلاث تأبى طبيعة السرور فيها والاستمتاع بها إلا أن يكون لهذا السرور وهذا الامتناع شأن وقيمة، فتذيق صاحبها المر قبل الحلو؛ ليكبر هذا بهذا.
غير أنها إذا غلبها الوجد وأكرهها الحب على أن تبتدئ صاحبها، ثم ابتدأت ولم تجد الجواب منه، أو لم يأتِ الأمر فيما بينها وبينه على ما تحب، فإن الابتداء حينئذ يكون هو النهاية، وينقلب الحب عدو الحب؛ وأنا أعرف امرأة وضعتها كبرياؤها في مثل هذه الحالة وقالت لصاحبها: سأتألم ولكن لن أغلب، فكان الذي وقع واأسفاه -أنها تألمت حتى جنت، ولكن لم تغلب1..
قال: فما بال هذه؟ أما تراها تبتدئ كل يوم رجلًا؟
__________
1 انظر قصة هذه الحبيبة التي تألمت حتى جنت ص73-101 "حياة الرافعي".
(3/119)

قلت: إنها تبتدئ متكسبة لا عاشقة، فإذا أحبت الحب الصحيح أرادت قيمتها فيما هو قيمتها؛ وأنا أحسبها تحب فيك هذا العنف وهذه القسوة وهذه الروحية الجبارة؛ فإنها لذات جديدة للمرأة التي لا تجد من يخضعها؛ وفي طبيعة كل امرأة شيء لا يجد تمامه إلا في عنف الرجل، غير أنه العنف الذي أوله رقة وآخره رقة؟
أما والله إن عجائب الحب أكثر من أن تكون عجيبة؛ والشيء الغريب يسمى غريبًا فيكفي ذلك بيانًا في تعريفه، غير أنه إذا وقع في الحب سمي غريبًا فلا تكفيه التسمية، فيوصف مع التسمية بأنه غريب فلا يبلغ فيه الوصف، فيقع التعجب مع الوصف والتسمية من أنه شيء غريب، ثم تبقى وراء ذلك منزلة للإغراق في التعجب بين العاشق وبين نسفه؛ وهكذا يشعرون.
فكل أسرار الحب من أسرار الروح ومن عالم الغيب؛ وكأن النبوة نبوتان: كبيرة وصغيرة، وعامة وخاصة. فإحداهما بالنفس العظيمة في الأنبياء، والأخرى بالقلب الرقيق في العشاق؛ وفي هذه من هذه شبه؛ لوجود العظمة الروحية في كلتيهما غالبة على المادة، مجردة من إنسان الطين من النور، محركة هذه الطبيعة الآدمية حركة جديدة في السمو، ذاهبة بالمعرفة الإنسانية إلى ما هو الأحسن والأجمل، واضعة مبدأ التجديد في كل شيء يمر بالنفس، منبعثة بالأفراح من مصدرها العلوي السماوي.
بيد أن في العشق أنبياء كذبة؛ فإذا تسفل الحب في جلال، واستعلنت البهيمية في عظمة، وتجرد من إنسان الطين إنسان الحجر، وتحركت الطبيعة الآدمية حركة جديدة في السقوط، وذهبت المعرفة الإنسانية إلى ما هو الأقبح. والأسوأ، وتجدد لكل شيء في النفس معنى فاسد، وانبعثت الأفراح من مصدرها السفلى- إذا وقع كل هذا من الحب فما عساه يكون؟
لا يكون إلا أن الشيطان يقلد النبوة الصغيرة في بعض العشاق، كما يقلد النبوة الكبيرة في بعض الدجالين.
هكذا قال صاحب القلب المسكين وقد تكلم عن الحب ونحن جالسان في الحديقة، وكنا دخلناها ليجدد عهدًا بمجلسه فلعله يسكن بعض ما به؛ واستفاض
(3/120)

كلامنا في وصف تلك العبهرة* الفتانة التي أحلته هذا المحل وبلغت به ما بلغت وكان في رقة لا رقة بعدها، وفي حب لا نهاية وراءه لمحب؛ وخيل إلى أنه يرى الحديث عنها كأنه إحضارها بصورة ما!
وأنفع ما في حديث العاشق عن حبه وألمه أن الكلام يخرجه من حالة الفكر، ويؤنس قلبه بالألفاظ، ويخفف من حركة نفسه بحركة لسانه، ويوجه حواسه إلى الظاهر المتحرك؛ فتسلبه ألفاظه أكثر معانيه الوهمية، وتأتيه بالحقائق على قدرها في اللغة لا في النفس؛ وفي كل ذلك حيلة على النسيان، وتعلل إلى ساعة؛ وهو تدبير من الرحمة بالعاشقين في هذا البلاء الذي يسمى الفراق أو الهجر.
وكان من أعجب ما عجبت له أن صديقًا مر بنا فدعاه صاحبنا وقال وهو يومئ إلي: أنا وفلان هذا مختلفان منذ اليوم؛ لا هو يقيم عذرًا ولا أنا أقيم حجة، وأحسب أن عندك رأيًا فاقض بيننا ...
ويسأله الصديق: ما القضية؟ فيقول وهو يشير إلي:
إن هذا قد تخرق قلبه من الحب فلا يدري من أين يجيء لقلبه برقعة.. وإنه يعشق فلانة الراقصة التي كانت في هذا المسرح، ويزعم لي.. أنها أجمل وأفتن وأحلى من طلعت عليه الشمس، وأنه ليس بين وجهها وبين القمر وجه امرأة أخرى في كل ما يضيء القمر عليه، وأن عينيها مما لا ينسى أبدًا أبدًا أبدًا ... لأن ألحاظها تذوب في الدم وتجري فيه، وأن الشيطان لو أراد مناجزة العفة والزهد في حرب حاسمة بينه وبين أزهد العباد لترك كل حيله وأساليبه وقدم جسمها وفنها..
فيقول له المسؤول: وما رأيك أنت؟
فيجيبه: لو كان عنها صاحيًا لقد صحا. إن المشكلة في الحب أن كل عاشق له قلبه الذي هو قلبه، وحسبها أن مثل هذا هو يصفها؛ وما يدرينا من تصاريف القدر بهذه المسكينة ما عليها مما لها، فلعلها الجمال حكم عليه أن يعذب بقبح الناس، ولعلها السرور قضي عليه أن يسجن في أحزان!
وقلت له: يا صديقي المسكين! أوَكل هذا لها في قلبك؟ فما هذا القلب الذي تحمله وتتعذب به؟
__________
* هي التي جمعت الحسن والجسم والامتلاء وجمال الخلقة من كل ناحية، كهذه التي نحن في وصفها منذ شهرين....
(3/121)

قال: إنه -والله- قلب طفل، وما حبه إلا التماسه الحنان الثاني من الحبيبة، بعد ذلك الحنان الأول من الأم؛ وكل كلامي في الحب إنما هو إملاء هذا القلب على فكره كأنه يخلق به خلق تفكيره.
آه يا صديقي! من السخرية بهذه الدنيا وما فيها أن القلب لا يستمر طفلًا بعد زمن الطفولة إلا في اثنين: من كان فيلسوفًا عظيمًا، ومن كان مغفلًا عظيمًا!
وافترقنا؛ ثم أردت أن أتعرف خبره فلقيته من الغد، وكان لي في أحلامي تلك الليلة شأن عجيب، وكان له شأن أعجب؛ أما أنا فلا يعني القراء شأني وقصتي.
وأما هو؟ ...
(3/122)

القلب المسكين "8":
وأما هو فحدثني بهذا الحديث العجيب من لطائف إلهامه وفنه، قال: انصرفت إلى داري وقد عز عليَّ أن يكون هذا منها وأن يكون هذا مني، وهي إن غابت أو حضرت فإنها لي كالشمس للدنيا: لا تظلم الدنيا في ناحية إلا من أنها تضيء في ناحية؛ فظلمتها من عمل نورها؛ وكانت ليلتي فارغة من النوم فبت أتململ، وجعل القلب يدق في جنبي كأنه آلة في ساعة لا قلب إنسان؛ وكان في الدنيا من حولي صمت كصمت الذي سكت بعد خطبة طويلة، وفي أنا صمت آخر كصمت الذي سكت بعد سؤال لا جواب عليه؛ وكان الهواء راكدًا كالسكران الذي انطرح من ثقله السكر بعد أن هذى طويلًا وعربد؛ والوجود كله يبدو كالمختنق؛ لأن معنى الاختناق في قلبي وأفكاري؛ ونظرت نظرة في النجوم فإذا هي تتغور نجمًا بعد نجم، كأن معنى الرحيل انتشر في الأرض والسماء إذ رحلت الحبيبة؛ وكأن كل وجه مضيء يقول لي كلمة: لا تنتظر!
فلما عسعس الليل رميت بنفسي فنمت والعقل يقظان، وصنعت الأحلام ما تصنع، فرأيتها هي في تلك الشفوف التي ظهرت فيها عروسًا؛ وما أعجب كبرياء المرأة المحبوبة! إنها لتبدو لعيني محبها كالعارية وراء ستر رقيق يشف عنها كالضوء، ثم تدل بنفسها أن ترفع هذا الستر، فإن لم يتجرأ هو لم تتجرأ هي؛ وكأنها تقول له: قد رفعته بطريقتي فارفعه أنت بطريقتك..
وكانت مصورة في الحلم تصويرًا آخر؛ فلا ينسكب من جسمها معنى الحسن الذي أتأمله وأعقله، ولكن معنى السكر الذي يترك المرء بلا عقل؛ ولم تكن غلائلها عليها كالثياب على المرأة، ولكنها ظهرت لي كاللون على الوردة الزاهية: تظهر فتنة وتتم فتنة.
أيتها الأحلام، ماذا تبدعين إلا مخلوقات الدم الإنساني، ماذا تبدعين؟
(3/123)

قلت: يا صديقي دع الآن هذه الفلسفة وخذ في قص ما رأيت، ثم ماذا بعد الوردة ولون الوردة؟
قال: إنه القلب المسكين دائمًا، إنه القلب المسكين، لقد ضحكت لي وقالت: ها أنذا قد جئت! وأقبلت ترائيني بوجهها، وتتغزل بعينيها، وتتنهد بصدرها، وألقت يديها في يدي، فأحسست اليدين تتعانقان ولا تتصافحان؛ ثم تركناهما نائمتين إحداهما على الأخرى، وسكتنا هنيهة وقد خيل إلينا أننا إذا تكلمنا استيقظت يدانا!
أما صافحتك امرأة تحبها وتحبك؟ أما أحسست بيدها قد نامت في يدك ولو لحظة؟ أما رأيت بعينيك نعاس يدها وهو ينتقل إلى عينيها فإذا هما فاترتان ذابلتان، وتحت أجفانهما حلم قصير؟
قلت: يا صديقي دع الفلسفة؛ ثم كان ماذا بعد أن نامت يد على يد؟
قال: ثم كانت سخرية من الشيطان أقبح سخرية قط.
قلت: حسبي لكأنك شرحت لي ما بقي..
فضحك طويلًا، وقال: إن الشيطان يسخر الآن منك أيضًا، وكأني به يقول لك: وكان ما كان مما لست أذكره.. أفتدري ما الذي كان وما بقية الخبر؟
لقد كنت مولعًا بامتحان قوتي في الضغط بيدي على أعواد منصوبة من الحديد، أو على أيدي الأقوياء إذا سلمت عليهم1؛ فلما صافحتني لبثت مدة من الزمن ثم شددت على يدها قليلًا قليلًا، فتنبهت في هذه العادة، فمسخت الحلم وانصرف وهمي إلى أقبح صورة وأشنعها وأبعدها مما أنا فيه من الحب ولذات الحب؛ فإذا بإزائي وجه، وجه من؟ وجه مصارع ألماني كنت أعرفه من عشرين سنة وأضغط على يده..
قلت: إنما هذه كبرياؤك أو عفتك تنبهت في تلك الشدة من يدك، ولا يزال أمرك عجيبًا؛ فهل معك أنت ملائكة ومع الناس شياطين؟
قال: والذي هو أعجب أني رأيت في أضغاث أحلامي كأن قلبي المسكين يخاصمني وأخاصمه؛ وقد خرج من أحناء الضلوع كأنه مخلوق من الظل يرى ولا يرى إذ لا شكل له؛ وسبني وسببته، وقلت له وقال لي، وتغالظنا كأننا عدوان؛
__________
1 انظر ص274-275 "حياة الرافعي".
(3/124)

فهو يرى أني أنا أمنعه لذاته، وأرى أنه هو يمنعني، وأنه أشفى بي على ما أشفى؛ وقلت له فيما قلت: لا قرار على جنايتك، فاذهب عني ولا تتسم باسمي فإنه لا فلان لك* بعد اليوم؛ ولولا أنك مخذول في الحب لعلمت أن لمسة يد الرجل ليد المرأة الجميلة نوع مخفف من التقبيل، فإذا هي تركته يرتفع في الدم انتهى يومًا إلى تقبيل فمه لفمها؛ ولولا أنك مخذول في الحب لعلمت أن هذا الضم بين اليدين نوع مخفف من العناق، فإذا هي تركته يشتد في الدم انتهى يومًا إلى ضم الصدر للصدر؛ ولكنك مخذول في الحب، ولكنك مخذول!.
وقال لي فيما قال: وأنت أيها الخائب؟ أما علمت أن أناملها الرخصة هي أناملها، لا أعوادك من الحديد؟ فكيف شددت عليها ويحك تلك الشدة التي أخرجت لك وجه المصارع؟ ولكنك خائب في الحب، ولكنك خائب!
قلت: فهذه قضية بيني وبينك أيها القلب العدو؛ لقد تركتني من الهموم كالشجرة المنخربة قد بليت وصارت فيها التخاريب؛ فلا حياتها بالحياة ولا موتها بالموت، وكم علقتني بفاتنة بعد فاتنة لا عنها إقصار ينتهي ولا فيها مطمع يبتدئ؛ ما أنت فيّ إلا وحش أكبر لذته لطع الدم!
واستدار الحلم فلم ألبث أن رأيتني في محكمة الجنايات، وكأني شكوت قلبي إليها فهو جالس في القفص الحديدي بين المجرمين ينتظر ما ينتظرون من الفصل في أمرهم؛ وقد ارتفع المستشارون الثلاثة إلى منصة الحكم، وجلس النائب العام في مجلسه يتولى إقامة الدعوى وبين يديه أوراقه ينظر فيها، ورأيت منها غلافًا كتب على ظاهره: قضية القلب المسكين.
وتكلم رئيس المحكمة أول من تكلم فقال: ليس في قضية القلب محامٍ، فابغوه من يدافع عنه؛ ثم التفت إليه وقال: من عسى تختار للدفاع عنك؟
قال القلب: أوَهنا موضع للاختيار يا حضرة الرئيس؟ إنه ليس تحت هذه -وأومأ إلى السماء- ولا فوق هذه -وأومأ إلى الأرض- إلا ...
فبدر النائب العام وقال: إلا الحبيبة؟ أكذلك؟ غير أنها أستاذة في الرقص لا في القانون!
__________
* ذكر اسمه، كما تقول مثلًا: لا محمد لك.
(3/125)

- القلب: ولكنني لا أختار غيرها محكومًا لي أو محكومًا علي؛ أنا أريد أن أنظر فيها وانظروا أنتم في القضية..
- الرئيس: فليكن؛ فهذه جريمة عواطف إيذن لها أيها الآذن.
فنادى المحضر*: الأستاذة! الأستاذة!
وجاءت مبادرة، ودخلت تمشي مشيتها وقد افتر ثغرها عن النور الذي يسطع في النفس؛ وأومضت بوجهها يمينًا وشمالًا، فصرف الناس جميعًا أبصارهم إليها وقد نظروا إلى فتنة من الفتن؛ وثارت في كل قلب نزعة، وغلبت الحقيقة البشرية فانتقضت طباع الموجودين في قاعة الجلسة، وأبطل قانون جمالها قانون المحكمة، فوقعت الضجة وعلت الأصوات واختلطت؛ وترددت بين جدران المكان صدى في صدى كأن الجدران تتكلم مع المتكلمين.
أصوات أصوات: سبحان الله! سبحان الله! تبارك الله! تبارك الله! آه آه! آه آه! وسمع صوت يقول: اتهموني أنا أيضًا.. فنفرت الكلمات: وأنا، وأنا، وأنا! واختفت المحكمة وانبعث المسرح بدخول فاتنته الراقصة؛ وكان المستشارون والنائب العام في أعين الناس كأنهم صور معلقة على الحائط؛ لا يخشاها أحد أن تنظر إلى ما يصنع!
فصاح الرئيس: هنا المحكمة! هنا المحكمة! سبحان الله.. المحكمة المحكمة!
-النائب العام: هذا بدء لا ترضاه النيابة ولا تقبل أن تنسحب عليه، نعم إن هذا الوجه الجميل أبرع محام في هذه القضية، ونعم إن جسمها.. آه ماذا؟ إنكم تأتون بالشهوة الغالبة القاهرة لتدافع عن المشتهي.. عن المتهم، هذا وضع كوضع العذر إلى جانب الذنب، وكأنكم يا حضرات المستشارين..
فبدرت المحامية تقول في نغمة دلال وفتور: وكأنكم يا حضرات المستشارين قد نسيتم أن النائب العام له قلب أيضًا ...
واشتد ذلك على النائب، وتبين الغضب في وجهه؛ فقال: يا حضرة الرئيس..
-الرئيس مبتسمًا: واحدة بواحدة، وأرجو ألا تكون لها ثانية، ومعنى هذا كما هو ظاهر ألا تكون لها ثالثة.. "ضحك".
__________
* هو الموظف الذي يكون في الجلسة للنداء على الخصوم.
(3/126)

قال صاحب القلب المسكين: وكنت بلا قلب.. فلم ألتفت للجمال، بل راعني ذكاء المحامية ونفاذها وحسن اهتدائها إلى الحجة في أول ضرباتها، وتعجبت من ذلك أشد التعجب، وأيقنت أن النائب العام سيقع في لسانها، لا كما يقع مثله في لسان المحامي القدير، ولكن كما يقع زوج في لسان زوجة معشوقة متدللة تجادله بحجج كثيرة بعضها الكلام.. وقلت في نفسي: يا رحمة الله لا تجعلي من النساء الجميلات الفاتنات محاميات في هذه المحاكم، فلو ألبسوهن لحى مستعارة لكان الصوت الرخيم وحده من تلك الأفواه الجميلة العذبة، نداء قانونيًّا للقبلات..
ونهضت المحامية العجيبة فسلطت عينيها الساحرتين على النائب، ثم قالت تخاطب المحكمة: قبل النظر في هذه القضية قضية الحب والجمال، قضية قلبي المسكين.. أريد أن أتعرف الرأي القانوني في اعتبار الجريمة. أهي شخصية، فتقصر على صاحبها؛ أو خاصة، فتضر غير جانبها، أو عامة، فيتناولها العموم المحدود لمن تجمعهم جامعة الحب؛ أو هي أعم، فيتناولها العموم المطلق للهيئة الاجتماعية؛ ما هي جريمة قلبي؟
-الرئيس: ما رأي النيابة؟
النائب "ضاحكًا": "غزالتها رايقة" كما يقول الراقصات والممثلات.. أرى أنها جريمة آتية من ضرب الخاص في العام.. "ضحك".
المحامية: جواب كجواب القائل: حب أبي بكر؛ كان ذلك الرجل يحب زوجته الجميلة ويخافها، وكانت تقسو عليه قسوة عظيمة وتغلظ له الكلام، وهو يفرق منها ولا يخالفها؛ فرآها يومًا وقد طابت نفسها، فأراد أن ينتهز الفرصة ويشكو قسوتها؛ فقال: يا فلانة قد -والله- أحرق قلبي.. ولم تدعه يتم الكلمة، فحددت نظرها إليه وقطبت وجهها وقالت: أحرق قلبك ماذا؟ فخاف ولم يقدر أن يقول لها سوء أخلاقك. فقال؛ حب أبي بكر الصديق رضي الله عنه.. "ضحك"، ورنت ضحكة المحامية فاضطربت لها القلوب، ووقعت في كل دم، وفي دم النائب أيضًا؛ فانخزل ولم يزد على أن يقول: أحتج من كل قلبي..
الرئيس: لندخل في الموضوع ولتكن المرافعة مطلقة؛ فإن الحدود في جرائم القلب تسدل وترفع كهذه الستائر في مسرح التمثيل. وعشرون ستارة قد تكون كلها لرواية واحدة.
(3/127)

- النائب العام: يا حضرات المستشارين، لا يطول اتهامي؛ فإن هذا القلب هو نفسه تهمة متكلمة.
المحامية: ولكنه قلب.
النائب: وأنا يا سيدتي لم أحرف الكلمة ولم أقل إنه كلب. "ضحك"، وتضرج وجه المحامية وخجلت*.
- الرئيس: الموضوع الموضوع.
- النائب: يا حضرات المستشارين، إن ألم هذه الجريمة إما أن يكون في شخص الجاني أو ماله، أو صفته كأن يكون زوجًا مثلًا، أو صيته الأدبي؛ فإما الشخص فهذا ظاهر، وأما المال فنعم إن القلب المسكين قرار لنفسه ولصاحبه ألا يبتاع أبدًا تذكرة دخول إلى جهنم.. "ضحك".
- المحامية: أستميح النائب عذرًا إذا أنا.. إذا أنا فهمت من هذا التعبير أن حضرته يعرف على الأقل أين تباع هذه "التذاكر".. "ضحك" وتفرج وجه النائب العام وخجل.
- الرئيس: كنت رجوت ألا تكون للأولى ثانية، وقلت: إن معنى هذا كما هو ظاهر ألا يكون لها ثالثة؛ فهل أنا محتاج إلى القول بأن المعنى المنطقي ألا يكون للثالثة رابعة؟
- النائب: يا حضرات المستشارين، وأما الصفة، فهذا القلب المسكين قلب رجل متزوج؛ ولا تغرنكم صوفية هذا القلب، ولا يخدعنكم تألهه وزعمه السمو. إنه على كل حال يعشق راقصة، وهذا اعتداء في ضمنه اعتداء، على الزواج وعلى الشرف؛ وهبوه متصوفًا متألهًا ولم يتصل بالراقصة، فهو على كل حال قد أخذها واتخذها ولكن بأسلوبه الخاص.. وبهذا اقترف الجريمة؛ آه! إن هذه القضية ناقصة؛ وذلك نقص فيها أخشى أن يكون نقصًا في الحكم أيضًا، فأتموه أنتم. يا حضرات المستشارين، إن النقص فيها أنها لا شهود فيها؛ ولكن هذا عمل إلهي لا يظهر إلا يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.
__________
* إذا كان كلبًا فهو يتبع كلبة.. وهذه هي غمزة النائب للمحامية، ولا ينس القراء أن المحكمة في الرؤيا؛ وفي الرؤيا علمنا أن هذا النائب كأكثر شبان العصر في هذه المدنية الفاسدة، لا يتزوجون؛ لأن المدنية جعلتهم بين الفتيان "أنصاف متزوجين" على وزن "أنصاف عذارى" بين الفتيات.. وفي الرؤيا علمنا أنه يخادن راقصة، ويقال ممثلة -بينها وبين صاحب القلب المسكين منافسة ...
(3/128)

-المحامية: هذا تعبير أكبر من قدرة قائله ومن منزلته ووظيفته، هذا تعبير جسور! يا حضرة النائب، من الذي لا يحمل شهودًا في لسانه ويديه ورجليه، بل ألف شاهد على ليلة واحدة.. يجب أن يكون مفهومًا بيننا يا حضرة النائب أن النون والباء في لفظة "نائب" غير النون والباء في لفظة "نبي".
-النائب: يا حضرات المستشارين، لا أرى مما يحرجني في الاتهام أن أصرح لكم أن مما حيرني في هذه الجريمة أن ليس فيها من أوصاف الجرائم إلا ثلم الكرامة، فلا قذف ولا سب ولا هتك عرض ولا فجور، ولا أصغر من ذلك، ولا كأس خمر للراقصة..
-المحامية: لا أرى أمام حضرة النائب كأس ماء، وسيجف حلقه في هذه القضية؛ فلعل المحكمة تأمر لي بكأس.. "ضحك".
-النائب: يا حضرات المستشارين، يعشق راقصة؛ اسم فاعل من رقص يرقص؛ امرأة لا تلبس ثيابًا، بل عريًا في شكل ثياب.. امرأة لا كالنساء، كذبها هو صدق من شفتيها؛ لماذا؟ لأنهما حمراوان رقيقتان عذبتان محبوبتان مطلوبتان..
المحامية: تضحك..
- النائب "بعد أن تتعتع": امرأة لا كالنساء، جعلتها الحرفة امرأة في العمل، ورجلًا في الكسب..
-المحامية: ولكنك لا تدري أي حمل سقطت* المسكينة، وقد يكون في الرذائل رذائل كبعض أصحاب الألقاب: ذات عظمة..
-النائب: يحب راقصة أي يضعها في عقله الباطن ويشتهيها؛ نعم يشتهيها، فمن عقله الباطن، وبتعبير اللغة، من واعيته -تخرج الجريمة أو على الأقل، فكرة الجريمة.
والصيت الأدبي يا حضرات المستشارين؟ هل من كرامة لمن يعشق راقصة؟ لا بل هل من كرامة في الحب؟ ألم يقولوا: إن كرامة الرجل تكون تحت قدمي المرأة المعشوقة كالممسحة الخشنة تمسح فيها نعليها!
الحب؟ ما هو الحب؟ إنه ليس فكرة، بل هو شيطان يتلبس لجسم العاشق؛ ليعمل أعماله بأداة حية، وهذا التركيب الحيواني للإنسان هو الذي يهيئ من الحب
__________
* هذه الكلمة لفيكتور هيجو.
(3/129)

مداخل ومخارج للشياطين في جسمه؛ وهل رضي صاحب القلب المسكين بجناية قلبه عليه، وعظيم ما انتهك من أخلاقه السامية؟ هل رضي عشقه راقصة؟ إن لم يرضَ الرضى الصحيح، أو رضي بقدر ما؛ فعلى كليهما يقوم في نفسه مانع؛ والمانع من الرضى هو الموجب للعقوبة.
-المحامية: ولكن قدرا من الرضى ينزل بالجناية فيردها إلى جنحة كما في القانون الإنجليزي، وقد قرر الشراح أنه ما دام الرضى غير مستلب بكله، فالجريمة غير واقعة بكلها.
-النائب: جنحة كل قلب هي جناية من هذا القلب بخصوصه، على طريقة "حسنات الأبرار سيئات المقربين"؛ والعبرة هنا بالواقع لا بالصفة القانونية، وقد قرر الشراح أن الواقع قد يكون أحيانا سببا في تشديد العقوبة، فلا بد من تشديد العقوبة في هذه القضية. لا أطلب الحكم بالمادة 230 عقوبات بل بالمواد من 230 إلى 241 ضربة واحدة.
-المحامية: قد نسيت أن هذا قلب وعقوبته عقوبة لصاحبه البريء.
-النائب: إذن أطلب عقابه بحرمانه الجمال: وهذا أشق عليه من العقاب باثنتي عشرة مادة وبعشرين وثلاثين.
الرئيس: وما هي الطريقة لتنفيذ الحكم بهذا الحرمان؟
النائب: تأمر المحكم بالمراقص كلها فتغلق، وبالمسارح كلها فتقفل، وبالسينما فتبطل إلا ما لا جمال فيه منها ولا غزل ولا حب، ويحرم السفور على النساء إلا العجائز والدميمات، ويمنع نشر صور الجمال في الصحف والكتب، و ...
المحامية: قل في كلمة واحدة: يجب إصلاح العالم كله لإصلاح القلب الإنساني!
وجلس النائب، فالتفت الرئيس إلى المحامية وقال لها: وأما هو؟..
(3/130)

القلب المسكين "تتمة":
قال صاحب القلب المسكين: ووقفت المحامية وكأنها بين الحراس تزدحم عليها من كل ناحية، وقد ظهرت للموجودين ظهور الجمال للحب، ونقلتهم في الزمن إلى مثل الساعة المصورة التي ينتظر فيها الأطفال سماع القصة العجيبة؛ ساعة فيها كل صور اللذة للقلب.
وكانت تدافع بكلامها ووجهها يدافع عن كلامها، فلو نطقت غيًا أو رشدًا فلهذا صواب ولهذا صواب، لأن أحد الصوابين منظور بالأعين.
كان صوت النائب العام كلامًا يسمع ويفهم: أما صوت المحامية الجميلة فكان يسمع ويفهم ويحس ويذاق، تلقيه هي من ناحية ما يدرك، وتتلقاه النفس من ناحية ما يعشق؛ فهو متصل بحقيقتين من معناه ومعناها، وهو كله حلاوة؛ لأنه من فمها الحلو.
وبدأت فتناولت من أشيائها مرآة صغيرة فنظرن فيها.
- النائب العام: ما هذا يا أستاذة؟
- المحامية: إنكم تزعمون أن هذه الجريمة تأليف عيني، فأنا أسأل عيني قبل أن أتكلم!
- النائب: نعم يا سيدتي، ولكني أرجو ألا تدخلي القضية في سر المرآة وأخواتها.. إن النيابة تخشى على اتهامها إذا تكحلت لغة الدفاع!
فضحكت المحامية ضحكة كانت أول البلاغة المؤثرة..
- النائب: من الوقار القانون أن تكون المحامية الفتانة غير فتانة ولا جذابة أمام المحكمة.
- المحامية: تريد أن تجعلها عجوزًا بأمر النيابة؟ "ضحك".
- النائب: جمال حسناء، في ظرف غانية، في شمائل راقصة، في حماسة عاشقة، في ذكاء محامية، في قدرة حب؛ هذا كثير!
(3/131)

- المحامية: يا حضرات المستشارين، لم تكن المرآة هفوة من طبيعة المرأة، ولكنها الكلمة الأولى في الدفاع، كلمة كان الجواب عنها من النائب العام أنه أقر بتأثير الجمال وخطره، حتى لقد خشي على اتهامه إذا تكحلت له لغتي.
- القضاة يتبسمون.
- النائب: لم أزد على أن طلبت الوقار القانوني، الوقار، نعم الوقار؛ فإن المحامية أمام المحكمة، هي متكلم لا متكلمة.
- المحامية: متكلم بلحية مقدرة منع من ظهورها التعذر "ضحك"..
كلا يا حضرة النائب؛ إن لهذه القضية قانونًا آخر تنتزع منه شواهد وأدلة؛ قانون سحر المرأة للرجل، فلو اقتضاني أن أرقص لرقصت، أو أغني لغنيت، أو سحر الجمال لأثبته أول شيء في النائب..
- الرئيس: يا أستاذة!
- المحامية: لم أجاوز القانون، فالنائب في جريمتنا هو خصم القضية، وهو أيضًا خصم الطبيعة النسوية.
- النائب: لو حدث من هذا شيء لكان إيحاء لعواطف المحكمة ... فأنا أحتج!
- المحامية: احتج ما شئت، ففي قضايا الحب يكون العدل عدلين؛ إذ كان الاضطرار قد حكم بقانونه قبل أن تحكم أنت بقانونك.
النائب: هذه العقدة ليست عقدة في منديل يا سيدتي، بل هي عقدة في القانون.
- المحامية: وهذه القضية ليست قضية إخلاء دار يا سيدي، بل هي قضية إخلاء قلب!
- الرئيس: الموضوع، الموضوع!
- المحامية: يا حضرات المستشارين، إذا انتفى القصد الجنائي وجبت البراءة.
هذا مبدأ لا خلاف عليه؛ فما هو الفعل الوجودي في جريمة قلبي المسكين؟
- النائب: أوله حب راقصة.
- المحامية: آه! دائمًا هذا الوصف؟ هبوها في معناها غير جديرة بأن يعرفها؛ لأنه رجل تقي، أفليست في حسنها جديرة بأن يحبها؛ لأنه رجل شاعر؟ أحكموا يا حضرات القضاة؛ هذه راقصة ترتزق وترتفق، ومعنى ذلك أنها رهن بأسبابها، ومعنى هذا أنها خاضعة للكلمة التي تدفع.. فلماذا لم ينلها وهي متعرضة له، وكلاهما من صاحبه على النهاية، وفي آخر أوصاف الشوق؟ أليس هذا حقيقًا
(3/132)

بإعجابكم القانوني كما هو جدير بإعجاب الدين والعقل؟ وإن لم يكن هذا الحب شهوة فكر، فما الذي يحول دونها وما يمنعه أن يتزوجها؟
- القضاة يتبسمون.
- النائب: نسيت المحامية أنها محامية وانتقلت إلى شخصيتها الواقعة على النهاية وفي آخر أوصاف الشوق.. فأرجو أن ترجع إلى الموضوع، موضوع الراقصة.
- المحامية: آه! دائمًا الراقصة، من هي هذه المسكينة الأسيرة في أيدي الجوع والحاجة والاضطرار؟ أليست مجموعة فضائل مقهورة؟ أليست هي الجائعة التي لا تجد من الفاجرين إلا لحم الميتة؟ نعم إنها زلت، إنها سقطت، ولكن بماذا؟ بالفقر لا غير، فقر الضمير والذمة في رجل فاسد خدعها وتركها، وفقر العدل والرحمة في اجتماع فاسد خذلها وأهملها! يا للرحمة لليتيمة من الأهل، وأهلها موجودون! والمنقطعة من الناس، والناس حولها!
تقولون: يجب ولا يجب، ثم تدعون الحياة الظالمة تعكس ما شاءت فتجعل ما لا ينبغي هو الذي ينبغي، وتقلب ما يجب إلى ما لا يجب، فإذا ضاع من يضيع في هذا الاختلاط، قلتم له: شأنك بنفسك، ونفضتم أيديكم منه فأضعتموه مرة أخرى، ويحكم يا قوم! غيروا اتجاه الأسباب في هذا الاجتماع الفاسد، تخرج لكم مسببات أخرى غير فاسدة.
تأتي المرأة من أعمال الرجل لا من أعمال نفسها، فهي تابعة وتظهر كأنها متبوعة؛ وذلك هو ظلم الطبيعة للمسكينة؛ ومن كونها تظهر كأنها متبوعة، يظلمها الاجتماع ظلمًا آخر فيأخذها وحدها بالجريمة، ويقال: سافلة، وساقطة؛ وما جاءت إلا من سافل وساقط!
لماذا أوجبت الشريعة الرجم بالحجارة على الفاسق المحصن؟ أهي تريد القتل والتعذيب والمثلة؟ كلا؛ فإن القتل ممكن بغير هذا وبأشد من هذا، ولكنها الحكمة السامية العجيبة: إن هذا الفاسق هدم بيتًا فهو يرجم بحجارته!
ما أجلك وأسماك يا شريعة الطبيعة! كل الأحجار يجب أن تنتقم لحجر دار الأسرة إذا انهدم.
تستسقطون المسكينة، ولو ذكرتم آلامها لوجدتم في ألسنتكم كلمات الإصلاح والرحمة لا كلمات الذم والعار؛ إنها تسعى برذيلتها إلى الرزق؛ فهل معنى هذا إلا أنها تسعى إلى الرزق بأقوى قوتها؟ نعم إن ذلك معنى الفجور، ولكن أليس هو نفسه معنى القوت أيها الناس؟
(3/133)

- الرئيس وهو يمسح عينيه: الموضوع الموضوع!
- المحامية: ما هو الفعل الوجودي في جريمة قلبي المسكين؟ ما هو الواقع من جريمة يضرب صاحبها المثل بنفسه للشباب في تسامي غريزته عن معناها إلى أطهر وأجمل من معناها؟ لبئس القانون إن كان القانون يعاقب على أمر قد صار إلى عمل ديني من أعمال الفضيلة!
- النائب: ألا يخجل من شعوره بأنه يحب راقصة؟
- المحامية: ومم يخجل؟ أمن جمال شعوره أم من فن شعوره؟ أيخجل من عظمة في سمو في كمال؟ أيخجل البطل من أعمال الحرب وهي نفسها أعمال النصر والمجد؟
أتأذنون يا حضرات المستشارين أن أصف لكم جمال صاحبته وأن أظهر شيئًا من سر فنها الذي هو سر البيان في فنه؟
- النائب: إنها تتماجن علينا يا حضرات المستشارين، فالذي يحاكم على السكر لا يدخل المحكمة ومعه الزجاجة..
- الرئيس: لا حاجة إلى هذا النوع من ترجمة الكلام إلى أعمال يا حضرة الأستاذة.
- المحامية: كثيرًا ما تكون الألفاظ مترجمة خطأ بنيات المتكلمين بها أو المصغين إليها؛ فكلمة الحب مثلًا قد تنتهي إلى فكر من الأفكار حاملة معنى الفجور، وهي بعينها تبلغ إلى فكر حاملة إلى سموه من سموها؛ وعلى نحو من هذا يختلف معنى كلمة الحجاب عند الشرقيين والأوربيين؛ فالأصل في مدنية هؤلاء إباحة المعاني الخفيفة من العفة.. وإكرام المرأة إكرام مغازلة.. يقولون: إن رقم الواحد غير رقم العشرة، فيضعونه في حياة المرأة، فما أسرع ما يجيء "الصفر" فإذا هو العشرة بعينها!
أما الشرقيون فالأصل في مدنيتهم التزام العفة وإقرار المرأة في حقيقتها، لا جرم كان الحجاب هنا وهناك بالمعنيين المتناقضين: الاستبداد والعدل، والقسوة والرحمة، و ...
- النائب: وامرأة البيت وامرأة الشارع ...
- المحامية: وبصر القانون وعمي القانون ...
- الرئيس: وحسن الأدب وسوء الأدب ... الموضوع الموضوع.
- المحامية: لا والذي شرفكم بشرف الحكم، يا حضرات المستشارين؛ ما
(3/134)

يرى القلب المسكين في حبيبته إلا تعبير الجمال، فهو يفهمها فهم التعبير ككل موضوعات الفن، وما بينه وبينها إلا أن حقيقة الجمال تعرفت إليها فيها، أئن أحس الشاعر سرًا من أسرار الطبيعة في منظر من مناظرها، قلتم أجرم وأثم؟
هذا قلب ذو أفكار، وسبيله أن يعان على ما يتحقق به من هذا الفن، قد تقولون: إن في الطبيعة جمالًا غير جمال المرأة فليأخذ من الطبيعة وليعط منها؛ ولكن ما الذي يحيي الطبيعة إلا أخذها من القلب؟ وما هي طريقة أخذها من القلب إلا بالحب؟ وقد تقولون: إنه يتألم ويتعذب؛ ولكن سلوه: أهو يتألم بإدراكه الألم في الحب، أو بإدراكه قسوة الحقيقة وأسرار التعقيد في الخير والشر؟
إن شعراء القلوب لا يكونون دائمًا إلا في أحد الطرفين: هم أكبر من الهم، فرح أكثر من الفرح؛ فإذا عشقوا تجاوزوا موضوع الوسط الذي لا يكون الحب المعتدل إلا فيه؛ ومن هذا فليس لهم آلام معتدلة ولا أفراح معتدلة.
هذا قلب مختار من القدرة الموحية إليه، فالتي يحبها لا تكون إلا مختارة من هذه القدرة اختيار ملك الوحي، وهما بهذا قوتان في يد الجمال لإيداع أثر عظيم ملء قدرتين كلتاهما عظيمة..
فإن قلتم إن حب هذا القلب جريمة على نفسه، قالت الحقيقة الفنية: بل امتناع هذه الجريمة جريمة.
إن خمسين وخمسين تأتي منهما مائة، فهذا بديهي، ولكن ليس أبين ولا أظهر ولا أوضح من قولنا: إن هذا العاشق وهذه المعشوقة يأتي منهما فن.
قال صاحب القلب المسكين: وانصرف القضاة إلى غرفتهم؛ ليتداولوا الرأي فيما يحكمون به، وأومأت لي المحامية الجميلة تدعوني إليها، فنهضت أقوم فإذا أنا جالس وقد انتبهت من النوم.
جائزة1: لمن يحسن كتابة الحكم في هذه القضية خمس نسخ من كتاب "وحي القلم"، وترسل المقالات "باسمنا إلى طنطا"، والموعد "إلى آخر شهر يناير هذا" والشرط رضى المحكمين، ومنهم صاحب القلب المسكين وصاحبته..
__________
1 قلت: وردت إلى المؤلف مئات الرسائل بحكم أصحابها في قضية "القلب المسكين"، ولكن مسابقة الحكم في هذه القضية لم يفصل فيها؛ لأن قاضيها الأول ومتهمها الأول قد غاله الموت قبل أن يرى رأيه ويحكم حكمه!
(3/135)

انتصار الحب *:
كل ما يكتب عن حبيبين لا يفهم منه بعض ما يفهم من رؤية وجه أحدهما ينظر إلى وجه الآخر.
وما تعرفه العين من العين لا تعرفه بألفاظ، ولكن بأسرار..
والغليل المتسعر في دم العاشق كجنون المجنون: يختص برأسه وحده.
وضمة المحب لحبيبه إحساس لا يستعار من صدر آخر، كما لا يستعار المولود لبطن لم يحمله.
وكلمة القبلة التي معناها وضع الفم، لن ينتقل إليها ما تذوقه الشفتان!
ويوم الحب يوم ممدود، لا ينتهي في الزمن إلا إذا بدأ يوم السلو في الزمن..
فهل يستطيع الخلق أن يصنعوا حدًّا يفصل بين وقتين لينتهي أحدهما..؟
وهبهم صنعوا السلوان من مادة النصيحة والمنفعة، ومن ألف برهان وبرهان، فكيف لهم بالمستحيل، وكيف لهم بوضع السلوان في القلب العاشق؟
وإذا سالت النفس من رقة الحب، فبأي مادة تصنع فيها صلابة الحجر..؟
وما هو الحب إلا إظهار الجسم الجميل حاملًا للجسم الآخر كل أسراره، يفهمها وحده فيه وحده؟
وما هو الحب إلا تعلق النفس بالنفس التي لا يملؤها غيرها بالإحساس؟
وما هو الحب إلا إشراق النور الذي فيه قوة الحياة، كنور الشمس من الشمس وحدها؟
__________
* شغلتنا مقالات "القلب المسكين" عن الكتابة في حادثة "القلب المسكين الأعظم"، قلب الملك إدوارد عندما وقعت الحادثة.
قلت: وحادثة تخلي الملك إدوارد عن عرش الإمبراطورية البريطانية في سنة 1936 من أجل امرأة- ذائعة مشهورة.
(3/136)

وهل في ذهبت الدنيا وملك الدنيا ما يشتري الأسرار، والإحساس، وذلك النور الحي؟..
فما هو الحب إلا أنه هو الحب؟
ما هو هذا السر في الجمال المعشوق، إلا أن عاشقه يدركه كأنه عقل للعقل وما هو هذا الإدراك إلا انحصار الشعور في جمال متسلط كأنه قلب للقلب؟ وما هو الجمال المتسلط بإنسان على إنسان، إلا ظهور المحبوب كأنه روح للروح؟ ولكن ما هو السر في حب المحبوب دون سواه؟.. هنا تقف المسألة وينقطع الجواب.
هنا سر خفي كسرِّ الوحدانية؛ لأنها وحدانيته "أنا وأنت".
ناقشوا الحب؛ فقالوا: أصبحت الدنيا دنيا المادة، والروحانية اليوم كالعظام الهرمة لا تكتسي اللحم العاشق..
وقال الحب: لا بل المادة لا قيمة لها في الروح؛ وهذا القلب لن يتحول إلى يد ولا إلى رجل..
ناقشوا الحب؛ فقالوا: إن العصر عصر الآلات، والعمل الروحي لا وجود له في الآلة ولا مع الآلة..
قال الحب: لا، يصنع الإنسان ما شاء، ويبقى القلب دائمًا كما صنعه الخالق..
وقالوا: الضعيفان: الحب والدين، والقويان: المال والجاه؛ فبماذا رد الحب..؟
جاء بلؤلؤة روحانية في "مسز سمبسون"؛ ووضع لها في ميزان المال والجاه أعظم تاج في العالم إدوارد الثامن "ملك بريطانيا" العظمى وإرلندا والممتلكات البريطانية فيما وراء البحار وملك-إمبراطور الهند".
وتنافست الروحانية والمادية، فرجع التاج وما فيه إلا أضعف المعنيين من القلب.
وأعلن الحب عن نفسه بأحدث اختراع في الإعلان، فهز العالم كله هزة صحافية:
الحب. الحب. الحب. ...
(3/137)

"مسز سمبسون"، تلك الجميلة بنصف جمال، المطلقة مرتين. هذا هو اختيار الحب!
ولكنها المعشوقة؛ وكل معشوقة هي عذراء لحبيبها ولو تزوجت مرتين؛ هذا هو سر الحب!
ولكنها الفاتنة كل الفتنة، والظريفة كل الظرف، والمرأة كل المرأة، هذا هو فعل الحب!
ولكنها العقل للأعصاب المجنونة، والأنس للقلب المستوحش، والنور في ظلمة الكآبة؛ هذا هو حكم الحب!
ومن أجلها يقول ملك انجلترا للعالم: "لا أستطيع أن أعيش بدون المرأة التي أحبها"؛ فهذا هو إعلان الحب..
إذا أخذوها عنه أخذوها من دمه، فلذلك معنى من الذبح.
وإذا انتزعوها انتزعوها من نفسه، فذلك معنى من القتل.
وهل في غيرها هي روح اللهفة التي في قلبه، فيكون المذهب إلى غيرها؟ لكأنهم يسألونه أن يموت موتًا فيه حياة.
وكأنهم يريدون منه أن يجن جنونًا بعقل.. هذا هو جبروت الحب!
وللسياسة حجج، وعند "مسز سمبسون" حجج، وعند الهوى..
التاج، الملكية، امرأة مطلقة، امرأة من الشعب؛ فهذا ما تقوله السياسة.
ولكنها امرأة قلبه، تزوجت مرتين؛ ليكون له فيها إمتاع ثلاث زوجات؛ وهذا ما يقوله الحب!
واللحظة الناعسة، والابتسامة النائمة، والإشارة الحالمة، وكلمة "سيدي"1؛ هذا ما يقوله الجمال.
__________
1 لا تخاطب "مسز سمبسون" إدوارد إلا بكلمة "سيدي"، ولا تتحدث عنه ولا تسميه إلا قالت "سيدي". ولن يأمر الحب أمره بأبلغ ولا أرق من كلمة العبودية اللطيفة هذه حين تنطق بها المرأة في صوت قلبها وغريزتها؛ وقد كان هذا أدب نساء الشرق مع أزواجهن، أما اليوم..
(3/138)

وانتصر الحب على السياسة. وأبى الملك أن يكون كالأم الأرملة في ملك أولادها الكبار..
العرش يقبل رجلًا خلفًا من رجل، فيكون الثاني كالأول.
والحب لا يقبل امرأة خلفًا من امرأة، فلن تكون الثانية كالأولى.
وطارت في العالم هذه الرسالة: "أنا إدوارد الثامن ... أتخلى عن العرش وذريتي من بعدي"!
"وأعلن الحب عن نفسه بأحدث اختراع في الإعلان؛ فهز العالم كله هزة صحافية".
الحب. الحب. الحب ...
(3/139)

قنبلة بالبارود لا بالماء المقطر *:
حياكم الله يا شباب الجامعة المصرية؛ لقد كتبتم الكلمات التي تصرخ منها الشياطين..
كلمات لو انتسبن لانتسبت كل واحدة منهن إلى آية مما نزل به الوحي في كتاب الله.
فطلب تعليم الدين لشباب الجامعة ينتمي إلى هذه الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ} .
وطلب الفصل بين الشبان والفتيات يرجع إلى هذه الآية: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} .
وطلب إيجاد المثل الأخلاقي لهذه الأمة من شبابها المتعلم هو معنى الآية: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} .
قوة الأخلاق يا شباب الجامعة؛ لقد كتبتم الكلمات التي يصفق لها العالم الإسلامي كله.
كلمات ليس فيها شيء جديد على الإسلام، ولكن كل جديد على المسلمين لا يوجد إلا فيها.
__________
1 رفع طلبة الكليات في الجامعة المصرية إلى مديرها وعمدائها وأساتذتها -طلبًا يلتمسون فيه إدخال التعليم الديني في الجامعة والفصل بين الشبان والفتيات؛ إذ "لا إصلاح إلا بعد إصلاح وروح الشباب الناهض، حتى يكون له من قوة روحه وسمو أخلاقه سلاح يحاب به الرذيلة وينصر به الفضيلة". قالوا: "ولا شك أن الأمة بأسرها قد أحست بنقص الناحية الدينية في المجتمع المصري، ونقص أخلاق الفرد ووطنيته تباعًا".
قلت: وكان ذلك في مارس سنة 1937.
(3/140)

كلمات القوة الروحية التي تريد أن تقود التاريخ مرة أخرى بقوى النصر لا بعوامل الهزيمة.
كلمات الشباب الطاهر الذي هو حركة الرقي في الأمة كلها، فسيكون منها المحرك للأمة كلها.
كلمات ليست قوانين، ولكنها ستكون هي السبب في إصلاح القوانين ...
قوة الأخلاق يا شباب، قوة الأخلاق: إن الخطوة المتقدمة تبدأ من هنا ...
يريد الشباب مع حقيقة العلم حقيقة الدين؛ فإن العلم لا يعلِّم الصبر ولا الصدق ولا الذمة.
يريدون قوة النفس مع قوة العقل، فإن القانون الأدبي في الشعب لا يضعه العقل وحده ولا ينفذه وحده.
يريدون قوة العقيدة، حتى إذا لم ينفعهم في بعض شدائد الحياة ما تعلموه نفعهم ما اعتقدوه.
يريدون السمو الديني، لأن فكرة إدراك الشهوات بمعناها هي فكرة إدراك الواجبات بغير معناها.
يريدون الشباب السامي الطاهر من الجنسين، كي تولد الأمة الجديدة سامية طاهرة.
قوة الأخلاق يا شباب، قوة الأخلاق؛ إن الخطوة المتقدمة تبدأ من هنا ...
أحس الشباب أنهم يفقدون من قوة المناعة الروحية بقدر ما أهملوا من الدين.
وما هي الفضائل إلا قوة المناعة من أضدادها؟ فالصدق مناعة من الكذب والشرف مناعة من الخسة.
والشباب المثقل بفروض القوة هو القوة نفسها؛ وهل الدين إلا فروض القوة على النفس؟
وشباب الشهوات شباب مفلس من رأس ماله الاجتماعي، ينفق دائمًا ولا يكسب أبدًا!
والمدارس تخرج شبانها إلى الحياة، فتسألهم الحياة: ماذا تعودتم لا ماذا تعلمتم!
(3/141)

قوة الأخلاق يا شباب، قوة الأخلاق؛ إن الخطوة المتقدمة تبدأ من هنا ...
وأحس الشباب معنى كثرة الفتيات في الجامعة، وأدركوا معنى هذه الرقة التي خلقتها الحكمة الخالقة.
والمرأة أداة استمالة بالطبيعة، تعمل بغير إرادة ما تعمله بالإرادة، لأن رؤيتها أول عملها.
نعم إن المغناطيس لا يتحرك حين يجذب، ولكن الحديد يتحرك له حين ينجذب!
ومتى فهم أحد الجنسين الجنس الآخر، فهمه بإدراكين بإدراك واحد!
وجمال المرأة إذا انتهى إلى قلب الرجل، وجمال الرجل إذا استقر في قلب المرأة ...
هما حينئذ معنيان. ولكنهما على رغم أنف العلم معنيان متزوجان..
لا، لا؛ يا رجال الجامعة، إن كان هناك شيء اسمه حرية الفكر فليس هناك شيء اسمه حرية الأخلاق.
وتقولون: أوروبا وتقليد أوروبا! ونحن نريد الشباب الذين يعملون لاستقلانا لا لخضوعنا لأوربا.
وتقولون: إن الجامعات ليست محل الدين، ومن الذي يجهل أنها بهذا صارت محلًا لفوضى الأخلاق.
وتزعمون أن الشباب تعلموا ما يكفي من الدين في المدارس الابتدائية والثانوية فلا حاجة إليه في الجامعة..
أفترون الإسلام روسًا ابتدائية وثانوية فقط؛ أم تريدونه شجرة تغرس هناك لتقلع عندكم..
لا، لا؛ يا رجال الجامعة، إن قنبلة الشباب المجاهد تملأ بالبارود لا بالماء المقطر..
إن الشباب مخلوقون لغير زمنكم، فلا تفسدوا عليهم الحاسة الاجتماعية التي يحسون بها زمنهم.
(3/142)

لا تجعلوهم عبيد آرائكم وهم شباب الاستقلال؛ إنهم تلاميذكم، ولكنهم أيضًا أساتذة الأمة.
لقد تكلم بلسانكم هذا البناء الصغير الذي يسمى الجامعة، وتكلم بألسنتهم هذا البناء الكبير الذي يسمى الوطن.
أما بناؤكم فمحدود بالآراء والأحلام والأفكار، وأما الوطن فمحدود بالمطامع والحوادث والحقائق.
لا، لا؛ إن المسلمين الذين هدوا العالم، قد هدوه بالروح الدينية التي كانوا يعملون بها لا بأحلام الفلاسفة.
لا، لا، إن الفضيلة فطرة لا علم، وطبيعة لا قانون، وعقيدة لا فكرة؛ وأساسها أخلاق الدين لا آراء الكتب..
من هذا المتكلم يقول للأمة: "الجامعيون لن يقبلوا أن يدخل أحد في شئونهم مهما يكن أمره"؟
أهذا صوت جرس المدرسة لأطفال المدرسة ترن ترن.. فيجتمعون وينصاعون؟
كلا يا رجل! لي في الجامعة قالب يصب فيه المسلمون على قياسك الذي تريد.
إن التعليم في الجامعة بغير دين يعصم الشخصية، هو تعليم الرذيلة تعليمها العالي..
{وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} [يونس: 53] .
قوة الأخلاق يا شباب، قوة الأخلاق.. إن الخطوة المتقدمة تبدأ من هنا.
(3/143)

شيطان وشيطانة *:
شغلني ما شغل الناس من حديث الجامعة المصرية وما أراده طلبتها من ورع يحجزهم عن محارم الله، ودين يخلص به الإيمان إلى قلوبهم، فلا يكون لفظ المسلم على المسلم كأنه مكتوب على ورقة؛ ثم ابتغوه من الفصل بين الشبان والفتيات، تطهيرًا للطباع ونوازع النفس، واتقاء لسوء المخالطة، وبعدًا عن مطية الإثم، وتوفيرًا لأسباب الرجولة على الرجل ولصفات الأنوثة على الأنثى.
وقرأت كل ما نشرته الصحف، واستقصيت وبالغت، ونظرت في الألفاظ ومعانيها ومعاني معانيها؛ وكنت قبل ذلك أتتبع باب "فلان وفلانة" في المجلات الأسبوعية التي تكتب عن حوادث الاختلاط في الجامعة وتسمى الأسماء وتصف الأوصاف وتذكر النوادر؛ فملأ كل ذلك صدري واجتمع الكلام يترجم نفسه إلي في رؤيا رأيتها وها أنذا أقصها:
رأيتني عند باب الجامعة وكأني ذاهب لأقطع باليقين على الظن، وقد علمت أن الظنة تقوم في حكمة التشريع مقام الحقيقية؛ لخفائها وكثرة وجودها؛ فإن كان في اختلاط الجنسين ما يخشى أن يقع فهو كالواقع....
ثم رأيت شيطانة قد خرجت من الجامعة ومضت تتبع أنفها تتشمم الهواء وتستروحه كأنه كأن فيه شيئًا، حتى مالت إلى خمر هناك* من ذلك الشجر الملتف عن يمين الطريق، فوقفت عنده تتنفس وتتنهد؛ ثم تبصرت فإذا شيطان
__________
1 لما كتب المؤلف "رحمه الله" مقاله السابق في تحية شباب الجامعة، راح يتتبع ما نشر الصحف من حديث "فلان وفلانة" في مناهضة دعوة الطلاب؛ فوقع له من حديثهما ما أوحى إليه موضوع هذا فكتب يعرض بفلان وفلانة ويروي من خبرهما ويرد رده عليهما، وبعث به إلى الرسالة، ولكن صاحب الرسالة أبى عليه نشره، حفاظًا على ما بينه وبين فلان من صلات الود، وبقي المقال في مكتب المؤلف حتى غالته منيته!
وانظر ص131 "حياة الرافعي".
* الخمر "بفتح الميم": ما واراك من شجر وغيره.
(3/144)

مقبل إلى الجامعة إقبال المغير في غارته، فأومأت له، فعدل إليها وحياها بتحية الشياطين، ثم قال لها: ما وقوفك هنا أيتها الخبيثة؟ وكيف تركت صاحبتك التي أنت موكلة بها؟ وما عسى أن يعمل الشيطان بين الجنسين إذا لم تؤازره الشيطانة؟
قالت: إنما اجتذبتني إلى هنا رائحة عاشقين كانا في هذا الظل يواريهما عن الأعين، وما أراك إلا مزكومًا، أفكنت في الأزهر..؟
فجعل الشيطان يتضاحك وقال: أنا مرسل من مستشفى المجانين مددًا لشياطين الجامعة؛ فقد احتاجوا إلى النجدة.. ولكن أنت كيف تركت صاحبتك من أجل رائحة قبلة على خمسمائة متر؟ ما أحسبها الآن إلا جالسة تكتب في منع اختلاط الجنسين ووجوب إدخال التعليم الديني في الجامعة!
قالت الشيطانة: إن صاحبتي لأبرع مني في البراعة، وأدق في الحيلة وأهدى للمعاذير، وأنفذ إلى الغرض، ومثلها قليل هنا، ولكن قليل الشر ليس قليلًا، فإنه وصلة وطريق كما تعلم؛ وما تجد الفتاة خيرًا من هذا المكان ينفي عنها الريبة وهو يدنيها منها بهذا الاختلاط مع الفتيان، ويهيئ لعقلها أسبابًا تكون فيها أسباب قلبها؛ وقد كنت في أوربا، أفما رأيت هناك شابًّا وشابة حول كتاب علم وكأنهما على زجاجة خمر؟
إن هذا العلم شيء ومخالطة الشبان شيء آخر؛ فذلك يطلق فكرها يتجاوز الحدود والاختلاط يجعل فكرها، يحصرها في حدود إحساسها؛ وأحدهما يرهف ذهنها لإدراك الأشياء، والآخر يرهف عواطفها لإدراك الرجل؛ وقد فرغ الله من خلقة الأنثى فما تخلق هنا مرة أخرى على غير الطبيعة المفطورة على الحب في صورة من صورة الممكنة، والصورة هي الشاب هنا؛ وأنا الشيطانة قد تعلمت في الجامعة أن قاعدة: "لا حياة في العلم"، هي التي تقرر في بعض الأحيان قاعدة: "لا حياة في الحب".
قال الشيطان: أنت أدري بسلطان الطبيعة في المرأة، ولكن الذي أعرفه أنا أن مفاسد أوربا تدخل إلى الشرق في أشياء كثيرة، منها الخمر والنساء والعادات والقوانين والكتب ونظام المدارس!
قالت الشيطانة: وإن سلطان الطبيعة في المرأة يبحث دائمًا عن رعيته ما لم يكبح ويرد عن البحث؛ إذ هو لا يتحقق أنه سلطان إلا بنفاذ حكمه وجواز أمره؛ ومن رعيته نظرات الإعجاب، وكلمات الثناء، وعبارات الإغراء، وعواطف الميل، ومعاني الخضوع؛ ورب كلمة من الرجل للمرأة لا يكون فيها شيء ويكون الرجل
(3/145)

كله فيها ذاهبًا إلى قلبها متدسسًا إلى خيالها؛ وكم من أم ترى ابنتها راجعة إلى الدار وتحس بالغريزة النسوية أن مع ابنتها خيالًا من الجنس الآخر!.
ومم ينبعث الحب إلا من الألفة والمخاطبة والمجاذبة والمنازعة التي يسمونها هنا منافسة بين الجنسين ويعدونها حسنة من حسنات الاختلاط؟ نعم إنها مشحذة للأذهان وداعية إلى بلوغ الغاية من الاجتهاد، وبها يرق اللسان وتنحل عقدته، ويصبح الشاب كما يقولون: "ابن نكتة ويفهم الطايره ... " وتعود الفتاة وهي تجتهد أن تكون حلاوة تذوقها الروح؛ ولكن الأعمال بالنيات والأمور بخواتيمها: والطبيعة نفسها توازن العقل العلمي بالجهل الخلقي، ولعل أكثر الناس فنونًا في فسقه وفجوره لا يكون إلا عالمًا من أهل الفن أو زنديقًا من أهل العلم، ولا يصحح هذه الموازنة إلا الدين، فهو الذي يقرر القواعد الثابتة في كلتا الناحيتين، وهذا ما يطلبه المجانين من شبان هذه الجامعة ويوشك أن يظفروا به، لولا أن هذه الأمة مبتلاة في كل حادثة من دينها بإجالة الرأي حتى يضيع الرأي.
اسمع -ويحك- هذا الفتى الذي يقرأ.. فألقى الشيطان سمعه فإذا طالب يقرأ على جماعة كلامًا في صحيفة لإحدى خريجات الجامعة تقول فيه: "ولهذا أصرح أن تجربة اشتراك الجنسين في الجامعة نجحت إلى أبعد غاية: ولم يحدث خلالها قط ما يدعو إلى قلق القلقين والمناداة بالفصل؛ بل بالعكس حدث ما يدعو إلى تشجيع الأخذ بالتجربة أكثر مما هي عليه اليوم".
فقهقه الشيطان وقال: "قلق القلقين".. ما رأيت كلامًا أغلظ ولا أجفى من هذا؛ إنها لو دافعت عن الشيطان بهذه القافات لخسر القضية ...
ثم إنه لهز الشيطانة لهزة وقال لها: كذبت علي أيتها الخبيثة، فما لك عمل في الجامعة وأنت تخرجين لرائحة قبلة بين عاشقين على مسافة خمسمائة متر؛ إن هذه القافات لهي الدليل أقوى الدليل على أن الفتاة هنا تنظر فتاة حين ترى، ولكنها تسمع رجلًا حين تتكلم!
قالت الشيطانة: ولكن ألم تسمع قولها: "تشجيع التجربة أكثر مما هي عليه اليوم"..؟ ألا يرضيك هذا الذي لا بد أن يدعو "إلى قلق القلقين؟ " ثم إني أنا فلانة الشيطانة قد كنت السبب في حادثة وقعت وطر فيها طالب من الجامعة، أفلا يرضيك الإغراء والكذب في بضع كلمات؟
قال الشيطان: كل الرضى، فهذا فن آخر والعلم الذي ينكر حادثة وقعت من تلميذة ولا يقر بأنها وقعت، لا يكون إنكاره إلا إجازة لوقوع مثلها!
(3/146)

قالت الشيطانة: وهب الحادثة لم تقع، فكيف تعرف الجامعة ما يحدث في القلوب؟ ومن هذا الذي يستطيع أن يقرأ قصة تؤلفها أربع أعين في وجهين؟ وكيف تكشف الحقيقة التي أول وجودها كتمان الكلام عنها، وأول الكلام عنها الهمس بين اثنين دون غيرهما؟ ومن ذا الذي طاقته أن يمد بيده إلى قلبين في تلقي الرسائل كصندوقي البريد..؟
اسمع اسمع هذا الآخر.. فاسترق الشيطان السمع فإذا طالب يقرأ في صحيفة أخرى على جماعته:
"والذين يزعمون أن الاتصال بين الطالبات والطلة خطر، إنما يسيئون إلى أخلاقكم.. والحق أيها الأصدقاء أن الذي حملني على أن أغصب وأثور إنما هو الدفاع عن الكرامة الجامعية".
قال الشيطان: كل الرضا كل الرضا.. هذا كلام داهية أريب، فلقد أحسن قائله الله! إنها عبارات جامعية محكمة السبك تقوم على أصولها من فن السياسة الخطابية؛ وكل من أظنوه بتهمة فلا يستطيع أن يمخرق على الناس بأحسن من هذا ولا بمثل هذا.
وليس لنا أقوى من هذا الطبع القوي الذي يشعر بالنقص فلا هم له إلا إثبات ذاته في كل ما يجادل فيه دون إثبات الصواب ولو كان الناس جميعًا في هذا الجانب وكان هو وحده في جانب الخطأ.
ولكن أف! ماذا صنع هذا القائل؟ وأين التهمة التي لا تبدل اسمها في اللغة؟ وأين الذنب الذي يرضى أن توضع اليد عليه؟ وهل إنكار المذنب إلا احتجاج من كرامته الزائفة وإظهار الغضب في بعض ألفاظ؟..
إن هذا كغيره من الضعفاء حين يمارون؛ ألا ما أكذب الكذب هنا! فإن الفساد ليقع من اختلاط الجنسين في الجامعة الأوروبية ثم لا يعد ذلك عندهم إساءة إلى الأخلاق، ولا غضًّا من الكرامة الجامعية؛ وفي فرنسا يجتمع الشبان والفتيان من طلبة الجامعة ويحتسون الخمر ويتراقصون ويتواعدون ثم لا تقول لهم الأخلاق: أين أنتم؟.. وهناك في الأندية الخاصة بالطلبة ينتخبون ملكة الجمال من بين الطالبات كل سنة، ثم ينزعون بأيديهم ثيابها التي تسمى ثيابًا، ويطوفون بها غرف النادي كعروس واحدة مجلوة على مائة زوج في المعنى، "وبلنسوار" أيتها الكرامة الجامعية..
(3/147)

والاختلاط هناك يقرب أن يكون ضربًا من المذاهب الاشتراكية، وكل ما بقي عندهم من لغة الحياء هو أن يتلطفوا فيقولوا: إن هذه الطالبة صديقة فلان الطالب؛ يعبرون بلفظ الصداقة عن أول المعنى ويدعون سائر أحواله؛ إذ لا يبالي أمرهما أحد لا من الطلبة ولا من الأستاذين.. وهناك يعتذر للشباب في مثل هذا بأنه شاب، فتقوم كلمة الشباب في العرف بمعنى كلمة الضرورة في الشرع!
وهم قد عرفوا أن الجامعة لحرية الفكر، ومن حرية الفكر حرية النزعة، ومن هذه حرية الميل الشخصي، ومن حرية الميل حرية الحب؛ وهل يعرف الحب في الجامعة أنه في الجامعة فيستحي ويكون شيئًا آخر غير ما هو في كل مكان؟ أو ليس في لغة الزواج عنهم عبارة "نسيان ماضي الفتاة"..
ولكن اسمعي اسمعي..
فأصاخت الشيطانة؛ فإذا طالب من الأزهر يقرأ لطالب من كلية الحقوق في صحيفة من دفاع أحد خريجي الجامعة!
"وما بال إخواننا الأزهريين يسخطون على الجامعة واختلاط الجنسين فيها، وفي مصر نواحٍ أخرى هي أحق بحربهم وأولى باهتمامهم؟ لعلهم قد نسوا حالنا في الصيف على شواطئ البحر، والناس يمكثون هناك شهورًا عرايا أو كالعرايا".
فقالت الشيطانة: ما له ولهذا؟ لقد أخزى نفسه وأخزى الجامعة، وهل صنع شيئًا إلا أنه يقول للأزهريين: إن أهون الفساد من هذا الاختلاط في الجامعة، وأكثره في شواطئ البحر؛ فما بالكم تدعون أشده وتأخذون على أهونه؟
قال الشيطان: ويحه! وهل يأخذون على أهونه في الجامعة؛ إلا لأنه في الجامعة لا في مكان آخر؟ ولكن اسمعي، ما هذا ... ؟
فأرعيا الصوت سمعهما، فإذا طالب يقرأ في مجلة: "ظهرت الآنسة فلانة وهي تلبس فستانًا أحمر شفتشي بمبي كريبي مشجر ببني وفيونكة أحمر على أبيض"..
قالت الشيطانة: هذا هذا، فهل هي إلا ألوان أفكار تحت ألوان ثياب؟ وهل يظهر سلطان الطبيعة في المرأة بحثًا عن رعيته إلا في ألوان جميلة هي، أسئلة للعيون؟ لقد مثل سرب من الطالبات في هذه الجامعة فصلًا في بعض الحفلات سموه "عرض الأزياء" والفتاة تعرض الثوب، والثوب يعرض الجسم، والجسم والثوب معًا يعرضان الفتاة! وعرض الأزياء في الجامعة هو أمر من الجامعة بإهمال هذه الآية: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور: 31] .
(3/148)

قال الشيطان خبريني عن صاحبتك التي أنت موكلة بها، أتريها كانت تأتي إلى هذه الجامعة لو ألبسوهن مثل ثوب الراهبة وخمروهن بالخمار وأضاعوا مساحة الجسم في مساحة الثوب وأجلسوهن في آخر الصفوف كأنهم في المسجد؟ لقد فعلوا مثل هذا في بعض جامعات أوربا، فحرموا صبغ الشفاه على الفتيات، ومنعوهن إبداء الزينة؛ فامتنعت الزينة والمتزينة معًا، وهجرن الجامعة، وقلن فيما قلن: إن المرآة والأحمر والأبيض ونحوها هي الحقائق في علم المرأة، وهي من أساليب بحث كل فتاة عن رجلها المخبوء بين الرجال في الجامعة أو غير الجامعة، والعلم وسيلة عيش، والرجل وسيلة مثلها، غير أنه هو أجدى الوسيلتين على المرأة وأحقهما بالعناية؛ إذ هي لا تتزوج الكيمياء ولا الطبيعة ولا القانون، ومعنى هذا بغير اللغة التي هنا في الجامعة المصرية أن وجود الفتاة مع الشبان للتعليم، هو كذلك وجودها بينهم للاستمالة والمكر النسوي الجذاب.
اسمعي اسمعي؛ ما هذا الصوت المنكر الجافي الخشن؟
فتسمعت، فإذا الطالب الأزهري يقول لصاحبه وهو يحاوره: قالوا: ويحرم على المرأة أن ترى شيئًا من الرجل ولو بلا ميل ولا خوف الفتنة، وإذا هي اضطرت إلى مداواة أو أداء شهادة أو تعليم أو بيع أو نحو ذلك -جاز نظرها بقدر الضرورة.
فقالت الشيطانة: هذا كلام رحمه الله.. لقد كان ذلك سائغًا لو أن الشبان يتعلمون في الجامعة ليحملوا معهم الحق كما يحملون معهم العلم؛ وكيف لهم بهذا ومعاني الدين قد أصبحت منهم كأسماء البلاد البعيدة في كتاب الجغرافيا: لا هم رأوها ولا هم حققوها؟ إنهم يريدون تعليم الدين هنا. فيقول لهم رؤساؤهم: ألم تعرفوا الصلاة وأنها الصلاة، والصيام وأنه الصيام، والزكاة وأنها الزكاة، والحج وأنه الحج؟ وهذا كلام يشبه درس مواقع البلاد على الخريطة، فباريس كلمة، ولندن كلمة، لا غير؛ أما الحقيقة العظيمة الهائلة فشيء غير هذا الكلام الجغرافي التعليمي؛ إذ ما هي كل فروض الدين إلا أعمال دقيقة ثابتة يجب فرضها على الجميع لتحقيق النفسية الواحدة في الجميع، وهي سر القوة والعظمة والنجاح؛ فتعليم الدين في الجامعة هو إقناع النفس بجعل فروضه من قوانينها الثابتة، لا بأداء هذه الفروض فقط، أي باعتباره علم فلسفة الروح العملية للأمة، ثم يجعل المدرسين أول العاملين به؛ ليتحقق معنى الإقناع، فلا ينقلب الدرس هزءًا وسخرية؛ وبذلك يخرج الشاب من
(3/149)

الجامعة وفي روحه قوة ثابتة تعمل به العمل الصالح، وتوجهه إلى الخير، وتحفظه بين أهواء الحياة وشدائدها، وتجعله دائمًا يشعر أنه في موضعه السامي من الإنسانية وإن كان في أقل مراتب المال والجاه، ومن ثم يرجع الشبان في الأمة آلات قوة منظمة عاملة، وأيسر ما تعمله هذه الآلات، إزالة المنكرات، وصنع الشعب صنعة جديدة للسلم والحرب..
قال الشيطان: وماذا أيتها الخبيثة؟ لقد هولت علي!
قالت: وطردنا نحن الشياطين من الجامعة!
قال: اسكتي ويحك! فما أرسلت من مستشفى المجانين إلا لهذا؛ فلن يقع الفصل بين الجنسين، ولن يدخل التعليم الديني في الجامعة، وسيدافعون بأن هذا كله ضرب من الجنون..
(3/150)

نهضة الأقطار العربية 1:
لا ريب في أن النهضة واقعة في الأقطار العربية، مستطيرة في أرجائها استطارة الشرر يضرم في كل جهة نارًا حامية، ويستمد من كل ما يتصل به لعنصره الملتهب، ولا ريب في أن الشرق قد تفلت من أوهام السياسة وخرافاتها، وقد اختلف على الغرب بعد أن طابقه زمنًا، وتابعه مدة، وعرفه بمقدار ما بلاه، وكذبه ما صدقه، ونفر منه بقدر ما اطمأن إليه؛ ولا ريب في أن العقل الشرقي قد تطور وأدرك معنى نكث العهد ونقض الشرط في السياسة الغربية، وعلم أن ذلك هو بعينه العهد والشرط في هذه السياسة ما دامت المفاوضة والتعاقد بين الذئب والشاة.. ولا ريب أن الشرق يجاذب الآن مقاليده التي ألقاها، ويضرب على سلاسله التي تقيد بها، ويكابد الصعود والهبوط في نهضته هذه؛ وقد كان بلغ من رضائه على الذل وقراره على الضيم، وجهله وتجاهله -أن أوربا ربطت أقطاره كلها في بضعة أساطيل تجذبها جذب الكواكب للأرض.
غير أني مع هذا كله لا أسمي هذه النهضة إلا من باب المجاز والتوسع في العبارة، والدلالة بما كان على ما يكون؛ فإن أسباب النهضة الصحيحة التي تطرد اطراد الزمن، وتنمو نمو الشباب، وتندفع اندفاع العمر إلى أجل بعينه -لا يزال بيننا وبينها مثل هذا الموت الذي يفصل بيننا وبين سلفنا وأوليتنا؛ وإلا فأين الأخلاق الشرقية، وأن المزاج العقلي الصحيح لأمم الشرق، وما هذا الذي نحن
__________
1 كتب هذا المقال جوابًا للاستفتاء الآتي الذي وجهته إليه إحدى المجلات العربية:
أ- هل تعتقدون أن نهضة الأقطار العربية قائمة على أساس وطيد يضمن لها البقاء، أم هي فوران وقتي لا يلبث أن يخمد؟
ب- هل تعتقدون بإمكان تضامن هذه الأقطار وتآلفها؟ ومتى؟ وبأي العوامل؟ وما شأن اللغة في ذلك؟
ج- هل ينبغي لأهل الأقطار العربية اقتباس عناصر المدنية الغربية؟ وبأي قدر؟ وعند أي حد يجب أن يقف هذا الاقتباس، في النظامات السياسية الحديثة، وفي الأدب والشعر، وفي العادات الاجتماعية، وفي التربية والتعليم؟
(3/151)

فيه من روح لا شرقية ولا غربية ثم أين المصلحون الذين لا يساومون يملك ولا إمارة، ولا يطلبون بالإصلاح غرضًا من أغراض الدنيا أو باطلًا من زخرفها؟ ثم أين أولئك الذين تجعلهم مبادئهم العالية القوية أول ضحاياها، وتروي منهم عرق الثرى الذي يغتذي من بقايا الأجداد لينبت منه الأحفاد؟
إن الجواب على نهضة أمة نهضة ثابتة لا يكون من الكلام وفنونه، بل من مبدأ ثابت مستمر يعمل عمله في نفوس أهلها؛ ولن يكون هذا المبدأ كذلك إلا إذا كان قائمًا على أربعة أركان: إرادة قوية، وخلق عزيز، واستهانة بالحياة، وصبغة خاصة بالأمة.
فأما الإرادة القوية فلا تنقص الشرقيين، وإنما الفضل فيها لساسة الغرب الذين بصرونا بأنفسنا إذ وضعونا مع الأمم الأخرى أمام مرآة واحدة وجعلوا يقولون مع ذلك إننا غير هؤلاء، وإن هذا الإنسان الذي في المرأة غير هذا الفرد الذي فيها ... ولكن أين الخلق؟ وأين العزة القومية؟ وأين العصبية الشرقية؟ وهذه مفاسد أوربا كلها تنصب في أخلاق الشرقيين كما تنصب أقذار مدينة كبيرة في نهر صغير عذب؛ فلا الدين بقي فينا أخلاقًا، ولا الأخلاق بقيت فينا دينًا، وأصبحت الميزة الشرقية فاسدة من كل وجوهها في الروح والذوق، ولم يعد لنا شيء يمكن أن يسمي المدنية الشرقية، وأخذ الحمقى والضعفاء منا يحاولون في إصلاحهم أن يؤلفوا الأمة على خلق جديد ينتزعونه من المدنية الغربية، ولا يعلمون أن الخلق الطارئ لا يرسخ بمقدار ما يفسد من الأخلاق الراسخة، وهم يغتبطون إذا قيل لهم مثلًا: إن مصر قطعة من أوربا؛ ولا يعلمون ما تحت هذه الكلمة من تعطيل المدنية الشرقية، والذهاب بها، وإفسادها، وتعريضها للذم، وتسليط البلاد عليها، مما لا حاجة بنا إلى التبسط في شرحه.
لست أقول إن نهضة الشرق العربي لا أساس لها؛ فإن لها أساسًا من حمية الشباب، وعلم المتعلمين؛ ومن جهل أوربا الذي كشفته الحرب؛ ولكن هذا كله على قوته وكفايته في بعض الأحيان لإقامة الأحداث الكبرى واهتياج العواصف السياسية -لا يحمل ثقل الزمن الممتد، ولا يكفي لأن يكون أساسًا وطيدًا يقوم عليه بناء عدة قرون من الحضارة الشرقية العالية، بل ما أسرعه إلى الهدم والنقض، لو صدمته الأساليب اللينة من الدهاء الأوروبي على اختلافها ... إذا قدر لأوربا أن تفوز بأسلوبها الجديد، أسلوب استعباد الشرق بالصداقة ... على طريقة ادعاء الثعلب للدجاج أنه قد حج وتاب وجاء ليصلي بها ...
(3/152)

والذي أراه أن نهضة هذا الشرق العربي لا تعتبر قائمة على أساس وطيد إلا إذا نهض بها الركنان الخالدان: الدين الإسلامي، واللغة العربية؛ وما عداهما فعسى أن لا تكون له قيمة في حكم الزمن الذي لا يقطع بحكمه على شيء إلا بشاهدين من المبدأ والنهاية.
وظاهر أن أغلبية الشرق العربي ومادته العظمى هي التي تدين بالإسلام، وما الإسلام في حقيقته إلا مجموعة أخلاق قوية ترمي إلى شد المجموع من كل جهة، ولعمري إني لأحسب عظماء أمريكا كأنهم مسلمو التاريخ الحديث في معظم أخلاقهم، لولا شيء من الفرق هو الذي لا يمنعهم أن ينحطو إذا هم بلغوا القمة؛ فإن من عجائب الدنيا أن قمة الحضارة الرفيعة هي بعينها مبدأ سقوط الأمم، وهذا عندنا هو السر في أن الدين الإسلامي يكره لأهله أنواع الترف والزينة والاسترخاء، ولا يرى النحت والتصوير والموسيقى والمغالاة فيها وفي الشعر إلا من المكروهات، بل قد يكون فيها ما يحرم إن وجد سبب لتحريمه؛ إذ كانت هذه الفنون في الغالب وفي الطبيعة الإنسانية هي التي تؤدي في نهايتها إلى سقوط أخلاق الأمة؛ بما تستتبعه من أساليب الرفاهية والضعف المتفنن، وما تحدثه للنفس من فنون اللذات والإغراق فيها والاستهتار بها؛ وما سقطت الدولة الرومانية ولا الدولة العربية إلا بكأس وامرأة ووتر، وخيال شعري يفتن في هذه الثلاثة ويزينها.
وإذا كان لا بد للأمة في نهضتها من أن تتغير، فإن رجوعنا إلى الأخلاق الإسلامية الكريمة أعظم ما يصلح لنا من التغير وما نصلح به منه، فلقد بعد ما بيننا وبين بعضها، وانقطع ما بيننا وبين البعض الآخر؛ وإذا نحن نبذنا لخمر، والفجور، والقمار، والكذب، والرياء؛ وإذا أنفنا من التخنث، والتبرج، والاستهتار بالمنكرات، والمبالغة في المجون، والسخف، والرقاعة، وإذا أخذنا في أسباب القوة، واصطنعنا الأخلاق المتينة: من الإرادة، والإقدام، والحمية، وإذا جعلنا لنا صبغة خاصة تميزنا من سوانا، وتدل على أننا أهل روح وخلق -إذا كان ذلك كله فلعمري أي ضير في ذلك كله، وهل تلك إلا الأخلاق الإسلامية الصحيحة، وهل في الأرض نهضة ثابتة تقوم على غيرها؟
إن من خصائص هذا الدين الأخلاقي أنه صلب فيما لا بد للنفس الإنسانية منه إذا أرادت الكمال الإنساني، ولكنه مرن فيما لا بد منه لأحوال الأزمنة المختلفة مما لا يأتي على أصول الكريمة. وليس يخفى أنه لا يغني غناء الدين شيء في نهضة الأمم الشرقية خاصة، فهو وحده الأصل الراسخ في الدماء
(3/153)

والأعصاب. ومتى نهض المسلمون وهم مادة الشرق، نهض إخوانهم في الوطن والمنفعة والعادة من أهل الملل الأخرى، واضطروا أن يجانسوهم في أغلب أخلاقهم الاجتماعية، ولا حجر على حريتهم في ذلك إلا كبعض الحجر على حرية المريض إذا أوجرته الدواء المر.
ولما كان المسلمون إخوة بنص دينهم، وكانت مبادئهم واحدة، ومنافعهم واحدة، وكتابهم واحد؛ فلا جرم كان من السهل -لو رجعوا إلى أخلاق دينهم وانتبذوا ما يصدهم عنها- أن يؤلفوا من الشرق كله دولًا متحدة يحسب لها الغرب حسابًا ذا أرقام لا تنتهي..
إن هذا الشرق في حاجة إلى المبادئ والأخلاق، وهي مع ذلك كامنة فيه، ومستقبله كامن فيها؛ غير أنها لا تصلح في الكتب ولا في الفنون، بل في الرجال القائمين عليها. فالقلوب والأدمغة هي أساس النهضة الصحيحة الثابتة، وإذا نحن تأملنا هذه النهضة الراهنة وجدنا أساسها خربًا من جهات كثيرة، ووجدنا المكان الذي لا يملؤه إلا القلب الكبير ليس فيه إلا خيال كاتب من الكتاب والموضع الذي لا يسده إلا الرأس العظيم قد سدته قطعة من صحيفة ...
ولقد تنبأ نبي هذا الدين صلى الله عليه وسلم بهذه الحالة التي انتهى إليها الشرق العربي بإزاء الغرب، فقال لأصحابه يومًا: كيف بكم إذا اجتمع عليكم بنو الأصفر* اجتماع الأكلة على القصاع؟ فقال عمر رضي الله عنه: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله أم من كثرة؟ قال: بل من كثرة، ولكنكم غثاء كغثاء السيل** قد أوهن قلوبكم حب الدنيا.
فوهن القلب بحب الدنيا -على ما ينطوي في هذه العبارة من المعاني المختلفة- هو علة الشرق، ولا دواء لهذه العلة غير الأخلاق، ولا أخلاق بغير الدين الذي هو عمادها، ألا وإن أساس النهضة قد وضع، ولكن بقيت الصخرة الكبرى وستوضع يومًا، وهذا ما اعتقده؛ لأن الغرب يدفع معنا هذه الصخرة؛؛ ليقرها في موضعها من الأساس وهو يحسب أنه يدفعنا نحن إلى الحفرة ليدفعنا فيها..
وهذا عمى في السياسة لا يكون إلا بخذلان من الله قدره وقضاه.
__________
* بنو الأصفر: هم الروم ومن إليهم من الأوربيين.
** الغثاء: ما يحمله السيل من الهشيم ونحوه مما تحطم وتعفن ولا قيمة له ولا قوة فيه.
(3/154)

وإني أرى أنه لا ينبغي لأهل الأقطار العربية أن يقتبسوا من عناصر المدنية الغربية اقتباس التقليد، بل اقتباس التحقيق، بعد أن يعطوا كل شيء حقه من التمحيص ويقلبوه على حالتيه الشرقية والغربية؛ فإن التقليد لا يكون طبيعة إلا في الطبقات المنحطة، وصناعة التقليد وصناعة المسخ فرعان من أصل واحد، وما قلد المقلد بلا بحث ولا روية إلا أتى على شيء في نفسه من ملكة الابتكار وذهب ببعض خاصيته العقلية؛ على أننا لا نريد من ذلك ألا نأخذ من القوم شيئًا؛ فإن الفرق بعيد بين الأخذ في المخترعات والعلوم، وبين الأخذ من زخرف المدنية وأهواء النفس وفنون الخيال ورونق الخبيث والطيب؛ إذ الفكر الإنساني إنما ينتج الإنسانية كلها، فليس هو ملكًا لأمة دون أخرى؛ وما العقل القوي إلا جزء من قوة الطبيعة.
فإن نحن أخذنا من النظامات السياسية فلنأخذ ما يتفق مع الأصل الراسخ في آدابنا من الشورى والحرية الاجتماعية عند الحد الذي لا يجوز على أخلاق الأمة ولا يفسد مزاجها ولا يضعف قوتها.
وإذا نقلنا من الأدب والشعر فلندع خرافات القوم وسخافاتهم الروائية إلى لب الفكر ورائع الخيال وصميم الحكمة، ولنتتبع طريقتهم في الاستقصاء والتحقيق، وأسلوبهم في النقد والجدل، وتأتيهم إلى النفس الإنسانية بتلك الأساليب البيانية الجميلة للتي هي الحكمة بعينها.
وأما في العادات الاجتماعية فلنذكر أن الشرق شرق والغرب غرب -وما أرى هذه الكلمة تصدق إلا في هذا المعنى وحده- والقوم في نصف الأرض ونحن في نصفها الآخر، ولهم مزاج وإقليم وطبيعة وميراث من كل ذلك ولنا ما يتفق ولا يختلف؛ وإن أول الأدلة على استقلالنا أن نتسلخ من عادات القوم، فإن هذا يؤدي بلا ريب إلى إبطال صفة التقليد فينا، ويحملنا على أن نتخذ لأنفسنا ما يلائم طبائعنا وينمي أذواقنا الخاصة بنا، ويطلق لنا الحرية في الاستقلال الشخصي؛ ولقد كنا سادة الدنيا قبل أن كانت هذه العادات الغربية التي رأينا منها ومن أثرها فينا من أفسد رجولة رجالنا وأنوثة نسائنا على السواء؛ وما هؤلاء الشبان المساكين الذين يدعون إلى بعض هذه العادات ويعملون على بثها في طبقات الأمة إلا كالذي يحسب أن أوروبا يمكن أن تدخل تحت طربوشه.. ولقد غفلنا عن أننا ندعو الأوروبيين إلى أنفسنا وإلى التسلط على بلادنا بانتحالنا عاداتهم الاجتماعية؛ لأنها نوع من المشاكلة بيننا وبينهم، ووجه من التقريب بين جنسين يعين على اندماج أضعفهما في أقواهما ويضيق دائرة الخلاف بينهما، ثم هو من أين اعتبرته وجدته
(3/155)

في فائدته للأوروبيين أشبه بتليين اللقمة الصلبة تحت الأسنان القاطعة؛ وهل نسي الشرقيون أن لا حجة للغرب في استبعادهم إلا أنه يريد تمدينهم؟
وحيثما قلنا "الدين الإسلامي" فإنما نريد الأخلاق التي قام بها، والقانون الذي يسيطر من هذه الأخلاق على النفس الشرقية؛ وهذا في رأينا هو كل شيء؛ لأنه الأول والآخر1.
__________
1 حذفنا من هذا المقال بعض عبارات حذفها المؤلف بقلمه في الأصل الذي تحت أيدينا.
(3/156)

لا تجني الصحافة على الأدب 1 ولكن على فنيته:
قالوا: إن الأصمعي كان ينكر أن يقال في لغة العرب "مالح"، ويقول: إنما هو ملح، وإن "مالح" هذه عامية؛ فلما أنشدوه في ذلك شعرًا لذي الرمة يحتجون به عليه قال: إن ذا الرومة قد بات في حوانيت البقالين بالبصرة زمانًا..
يريد شيخنا هذا: أن "المالح" في الأكثر الأعم يكون مما يبيعه البقالون، ولغتهم عامية مزالة عن سننها الفصيح، مصروفة إلى وجهها التجاري؛ ولكن كيف بات ذو الرمة في حوانيت البقالين زمانًا حتى علقت الكلمة بمنطقه وجذبه إليها الطبع العامي، ولم يخالط عربيته غير هذه الكلمة وحدها؟ لم يقل الأصمعي شيئًا، ولكن روايته تخبر أن ذا الرمة انحدر من البادية إلى البصرة يلتمس ما يلتمسه الشعراء، فلم كان بها استضاق فلم يصب لجوفه غير الخبز، ولم يجد للخبز غير "المالحة" والبقلة "المالحة"، ويعرفونه مضيقًا إلى فرج، فينسئون له في الثمن إلى أجل حتى يمتدح وينال الجائزة؛ قالوا: ثم يمطره الممدوح ويلوي به ولا يرى في تلفيق العيش رخصًا إلا في "المالح"، فيتتابع في الشراء ويمضون في إسلافه إبقاء عليه وحسن نظر منهم لمنزلته وشعره، ويرى هو أن لا ضمان للوفاء به عليه إلا نفسه، فما بد أن يتراءى لهم بين الساعة والساعة، فيخالطهم فيحدثهم فيسمع منهم، وهم على طبعهم وهو على سجيته؛ ثم لا يقتضونه ثمنًا، ولا يزالون يمدون له، فلا يزال "المالح" أيسر منالًا عليه، كما هو إلى نفسه أشهى، وفي جوفه أمرًا، لمكان أعرابيته وخشونة عيشه، فيصيب عندهم مرتعة من هذا "المالح". قالوا: ثم يرى البقالون أن لا ضمان لم اجتمع عليه إلا أن يكون الشاعر معهم، فيلزمونه الحوانيت بياض يومه، ويغلقونها عليه سواد ليلته، فهم يمسكونه بالنهار وتمسكه الحيطان والأبواب بالليل!
__________
1 بهذا المقال بدأ المؤلف عمله في الرسالة؛ وانظر ص191 "حياة الرافعي".
(3/157)

فلما عظم الدين وبلغ الجملة التي فاتت حساب الأيام إلى حساب الأهلة أحضر الشاعر كربه وهمه، ولم يعد "المالح" ينجع فيه، ولا يجد به غذاء، بل حريقًا في الدم، ورأى أنه قد امتحن بهذا "المالح" الخبيث وأشرط نفسه فيه وارتهنها به؛ فلا يزال من "المالح" هم في نفسه، ومغص في جوفه، ولفظ على لسانه، ودين على ذمته؛ ولا يزال مهمومًا به؛ إذ كان على طريق من طريقين: إما الوفاء ولا قدرة عليه من مفلس، وإما الحبس ولا طاقة به لشاعر؛ وحبس ذي الرمة في ثمن "المالح" هو حبس عند الشرطة، ولكنه قتل أو شر من القتل عند صاحبته "مية" إذا ترامى إليها الخبر؛ والأعرابي الجلف الذي يحبس في ثمن "المالح" عند الوالي بعد أن بات زمانًا رهنًا به في حوانيت البقالين لا يصلح عاشقًا لمي وهي: من هي: "لها بشر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي.." فلا "المالح" من غذائها، ولا لفظ "المالح" من الكلام الذي يكون في فمها العذب، وأبعد الله جاريتها الزنجية إن لم تأنف لنفسها ومكانها من عشق هذا الأعرابي الغليظ الخشن الذي ألحقه "المالح" باللصوص والغارمين، وأخزاها الله إن لم يكن عشق هذا الأعرابي لها سوادًا على سوادها في الناس، فكيف بمي وهي أصفى من المرأة النقية، وأبيض من الزهرة البيضاء؟
قالوا: ويصنع الله لغيلان المسكين، فيمدح وينافق ويحتال، ويعده الممدوح بالجائزة إذا غذا عليه، ويكون ذلك والشمس نازلة إلى خدرها، فينكفئ الشاعر إلى حوانيت غرمائه من البقالين يبيت فيها أخرى لياليه، ويغلقون عليه وقد سئموه آكلًا وماطلًا، وهان عليهم فلا يعتدونه إلا فأرًا من فئران حوانيتهم غير أنه يأكل فيستوفي، ولم يعد اسمه عندهم ذا الرمة، بل ذا الغمة.. فلم يعطوه لعشائه هذه المرة إلا ما فسد وخبث من عتيق "المالح"، فهو نتن يسمى طعامًا، وداء يباع بثمن، وهلاك يحمل عليه الاضطرار كما يحمل على أكل الجيفة؛ وكانوا قد وضعوه في آنية قذرة متلجنة طال عهدها بالغسل والنظافة وفيها بقية من عفن قديم، فلصق بها ما لصق وتراكب عليها ما تراكب، ووقع فيها ما وقع.
ثم يتهيأ الشاعر لصلاة العشاء يرجو أن تناله بركتها، فيستجيب الله له ويفرج عنه، وقد كان لديه قدح من الماء لوضوئه، ولكن "المالح" الذي تغذى به كان قد أحرق جوفه وأضرم على أحشائه وهو في صيف قائظ، فما زال يطفئه بالشربة بعد الشربة، والمصة بعد المصة، حتى اشتف القدح وأتى عليه، فيكسل عن الصلاة ويلعن "المالح" وما جر عليه! ثم يعضه الجوع فيكسر خبرته
(3/158)

ويسمى ويغمس اللقمة ثم يرفعها فيجد لها رائحة منكرة، فينظر في الآنية وقد نفذ إليه الضوء من قنديل الحارس، فإذا في "المالح" خنفساء قد انفجرت شبعًا، ويدقق النظرة فإذا دويبة أخرى قد تفسخت وهرأها "المالح" وفعل بها وفعل! قالوا: وتثب نفسه إلى حلقه، ولا يرى الطاعون والبلاد الأصفر والأحمر إلا هذا "المالح"، فيتحول إلى كوة الحانوت يتنسم الهواء منها ويتطعم الروح وهي مضببة بالحديد، ولا يزال يراعي منها الليل ويقدره منزلة منزلة بحساب البادية، وهو بين ذلك يلعن "المالح" عدد ما يسبح العابد القائم في جوف الليل، ويطول ذلك عليه، حتى إذا كان ينشق لمع الفجر لعينه، فلا يراه الشاعر إلا كالغدير يتفجر بالماء الصافي ويود لو انصب هذا الضوء في جوفه ليغسله من "المالح" وأوضار "المالح"؛ ثم يأتي الله بالفرج وبصاحب الحانوت فيفتح له، ويغدو ذو الرمة على الممدوح فيقبض الجائزة، وينقلب إلى حوانيت البقالين فيوفي أصحابها ما عليه؛ ولا يبقى معه إلا دراهم معدودة، فيخرج من البصرة على حمار اكتراه وقد فتحت له آفاق الدنيا، وكأنما فر من موت غير الموت، ليس اسمه البوار ولا الهلاك ولا القتل، ولكن اسمه "المالح"!
قالوا: ويحركه الحمار للشعر كما كانت تحركه الناقة، فيقول: أخزاك الله من حمار بصري، إن أنت في المراكب إلا "كالمالح" في الأطعمة! ثم يغلبه الطبع ينزو به الطرب وتهزه الحياة، فيهتاج للشعر ويذكر شوقه وحبه ودار مي، وفي "عقله الباطن" حوانيت وحوانيت من "المالح"، فيأتي هذا "المالح" في شعره ويدخل في لغته، فيقول الشعر الذي أهمل الأصمعي روايته لأن فيه "المالح" وما أدري أنا ما هو، ولكن لعله مثل قول الآخر:
ولو تفلت في البحر والبحر "مالح" ... لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا
أو مثل قول القائل:
بصرية تزوجت بصريا ... يطعمها "المالح" والطريا
هذه في الرواية التمثيلية التي تفسر كلام الأصمعي، ولا مذهب عنها في التعليل؛ إذ صار "المالح" كلمة نفسية في لغة ذي الرمة، على رغم أنف الأحمر والأسود والأصمعي وأبي عبيدة؛ فالرجل من الحجج في العربية إلا في كلمة "المالح"، فإنه هنا عامي بقال حوانيتي نزل بطبعه على حكم
(3/159)

العيش، وغلبه ما لا بد أن يغلب من تسلط "واعيته الباطنة"*.
والحكمة التي تخرج من هذه الرواية أن أبلغ الناس ينحرف بعمله كيف شاءت الحرفة، ولا بد أن تقع المشابهة بين نفسه وعمله، فربما أراد بكلامه وجهًا وجاء به الهاجس على وجه آخر؛ وإذا كان في النفس موضع من مواضعها أفسده العمل- ظهر فساده في الذوق والإدراك فطمس على مواضع أخرى؛ فلا تنتظر من صحافي قد ارتهن نفسه بحرفة الكلام ألا يكون له في الأدب والبلاغة "مالح" كمالح ذي الرمة، وإن كان أبلغ الناس لا أبلغ كتاب الصحف وحدهم.
و"المالح" الذي رأيناه لكاتب بليغ من أصحابنا1 أنه كتب في إحدى الصحف عن ديوان هو في شعر هذه الأيام كالبعث بعد موت شوقي وحافظ رحمهما الله فيأتي بالمجاز بعد الاستعارة بعد الكناية مما قاله الشاعر، ثم يقول: هذا عجيب تصوره. لا أعرف ماذا يريد. البلى للشعاع غير مقبول؛ ولا يزال ينسحب على هذه الطريقة من النقد ثم يعقب على ذلك بقوله: "والأصل في الكتابة أنها للإفهام، أي نقل الخاطر أو الإحساس من ذهن إلى ذهن ومن نفس إلى نفسي، ولا سبيل إلى ذلك إذا كانت العبارة يتعاورها الضعف والإبهام والركاكة وقلة العناية بدقة الأداء؛ وإذا كنت تستعمل اللفظ في غير موضعه ولغير ما أريد به فكيف تتوقع مني أن أفهم منك؟
لا، لا، هذا "مالح" من مالح الأدب، فإذا كان الضعف والإبهام والركاكة وسوء الإفهام وضعف الأداء -آتية في رأي الكاتب من استعمال اللفظ في غير موضعه ولغير ما أريد له -فإن محاسن البيان من التشبيه واستعارة والمجاز والكناية ليس لها مأتى كذلك إلا استعمال اللفظ في غير موضعه ولغير ما أريد له.
وعلى طريقة الكاتب كيف يصنع في قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23]
أتراه يقول: كيف قدم الله، وهل كان غائبًا أو مسافرًا، وكيف قدم إلى عمل، وهل العمل بيت أو مدينة؟
__________
* وضعنا هذه الكلمة لما يسمى "العقل الباطن"، وهي أدق في التعبير تستوفي كل معاني الكلمة، ولا معنى لأن يكون هناك عقل، ثم يكون باطنًا غافلًا، فإن هذا لا يسوغه الاشتقاق.
1 يعني المازني، وكان له نقد لديوان "الملاح التائه".
(3/160)

ثم كيف يصنع في هذه الآية: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} [هود: 44] ، أيسأل: وهل للأرض حلق تحركه عضلاته للبلع، وإذا كان لها حلق أفلا يجوز أن ترمي فيه فتحتاج إلى غرغرة وعلاج وطب؟
وماذا يقول في حديث البخاري: "إني لأسمع صوتًا كأنه صوت الدم، أو صوتًا يقطر منه الدم -كما في الأغاني- أيوجه الاعتراض على الصوت وجرحه ودمه، ويسأل: بماذا جرح، وما لون هذا الدم، وهل للصوت عروق فيجري الدم فيها؟
إن الإفهام ونقل الخاطر والإحساس ليست هي البلاغة وإن كانت منها، وإلا فكتابة الصحف كلها آيات بينات في الأدب؛ إذ هي من هذه الناحية لا يقدح فيها ولا يغض منها، وما قصرت قط في نقل خاطر ولا استغلقت دون إفهام.
ههنا خوان في مطعم كمطعم "الحاتي" مثلًا عليه الشواء والملح والفلفل والكواميخ أصنافًا مصنفة، وآخر في وليمة عرس في قصر وعليه ألوانه وأزهاره، ومن فوقه الأشعة ومن حوله الأشعة الأخرى من كل مضيئة في القلب ينور وجهها الجميل، أفترى السهولة كل السهولة إلا في الأول؟ وهل التعقيد كل التعقيد إلا في الثاني؟ ولكن أي تعقيد هو؟ إنه تعقيد فني ليس إلا، به ينضاف الجمال في المنفعة، فتجتمع الفائدة والاستمتاع وتزين المائدة والنفس معًا؛ وهو كذلك تعقيد فني لاءم بين إبداع الطبيعة وإبداع الفكر، وجاء بروح الموسيقى التي يقوم عليها الكون الجميل فبثها في هذه الأشياء التي تقوم بها المائدة الجميلة، واستنزل سر الجاذبية فجعل للمائدة بما عليها شعورًا متصلًا بالقلوب من حيث جعل للقلوب شعورًا متصلًا بالمائدة.
وهذا التعقيد الذي صور في الجماد دقة فن العاطفة، هو بعينه فنية السهولة وروحيتها؛ وتلك السذاجة التي في المائدة الأخرى هي السهولة المادية بغير فن ولا روح، وفرق بينهما أن إحداهما تحمل قصيدة رائعة من الطعام وما يتصل به، والأخرى تحمل من الطعام وما يتصل به مقالة كمقالات الصحف!
والوجه في الشوهاء وفي الجميلة واحد: لا يختلف بأعضائه ولا منافعه، ولا في تأديته معاني الحياة على أتمها وأكملها؛ بيد أن انسجام الجميل يأتي من إعجاز تركيبه وتقدير قسماته وتدقيق تناسبه، وجعله بكل ذلك يظهر فنه النفسي بسهولة منسجمة هي فنيَّته وروحيته؛ أما الآخر فلا يقبل هذا الفن ولا يظهر منه شيئًا؛ إذ كان قد فقد التدقيق الهندسي الذي هو تعقيد فن التناسب، وجاء على المقاييس السهلة من طويل إلى قصير، إلى ما يستدير وما يعرض، إلى ما ينشأ من هنا وينخسف من
(3/161)

هناك، كالوجنة البارزة، والشدق الغائر، فهذه السهولة في الوضع كما يتفق، هي بعينها التعقيد المطلق عند الفن الذي لا محل فيه للفظة "كما يتفق".
والطريقة التي يكون بها الجمال جميلًا هي بعينها الطريقة التي يكون بها البيان بليغًا، فالمرجع في اثنيهما إلى تأثيرهما في النفس، وأنت فقل: إن هذا مفهوم وهذا غير مفهوم، وذاك سهل والآخر معقد، وواضح ومغلق، ومستقيم على طريقته ومحول عن طريقته؛ إنك في ذلك لا تدل على شيء تعيبه أو تمدحه في الجمال أو البلاغة أكثر مما تدل على ما يمدح أو يعاب في نفسك وذوقها وإدراكها.
ومعاني الاختلاف لا تكون في الشيء المختلف فيه، بل في الأنفس المختلفة عليه؛ فإن محالًا أن تكون الجميلة ممدوحة مذمومة لجمالها في وقت معًا، وإلا كانت قبيحة بما هي به حسناء، وهذا أشد بعدًا في الاستحالة، وحكمك على شيء هو عقلك أنت في هذا الشيء.
ومتى اتفق الناس على معنى يستحسنونه وجدت دواعي الاستحسان في أنفسهم مختلفة، وكذلك هم في دواعي الذم إذا عابوا؛ ولكن متى تعينت الوجوه التي بها يكون الحكم، ورجع إليها المختلفون، والتزموا الأصول التي رسمتها وتقررت بها الطريقة عندهم في الذوق والفهم، فذلك ينفي أسباب الاختلاف لما يكون من معاني التكافؤ وخاصة المناسبة، ولهذا كان الشرط في نقد البيان أن يكون من كاتب مبدع في بيانه لم تفسده نزعة أخرى، وفي نقد الشعر أن يكون من شاعر علت مرتبته وطالت ممارسته لهذا الفن فليس له نزعة أخرى تفسده.
وما المجازات والاستعارات والكنايات ونحوها من أساليب البلاغة إلا أسلوب طبيعي لا مذهب عنه للنفس الفنية؛ إذ هي بطبيعتها تريد دائمًا ما هو أعظم، وما هو أجمل، وما هو أدق؛ وربما ظهر ذلك لغير هذه النفس تكلفًا وتعسفًا ووضعًا للأشياء في غير مواضعها، ويخرج من هذا أنه عمل فارغ وإساءة في التأدية وتمحل لا عبرة به، ولكن فنية النفس الشاعرة تأبى إلا زيادة معانيها، فتصنع ألفاظها صناعة توليها من القوة ما ينفذ إلى النفس ويضاعف إحساسها؛ فمن ثم لا تكون الزيادة في صور الكلام وتقليب ألفاظه وإدارة معانيه إلا تهيئة لهذه الزيادة في شعور النفس؛ ومن ذلك يأتي الشعر دائمًا زائدًا بالصناعة البياينة؛ لتخرجه هذه الصناعة من أن يكون طبيعيًّا في الطبيعة إلى أن يكون روحانيًّا في الإنسانية، والشعور المهتاج المتفزز غير الساكن المتبلد، والبيان في صناعة اللغة يقابل هذا النحو، فتجد من التعبير ما هو حي متحرك، وما جامد مستلقٍ كالنائم
(3/162)

أو كالميت؛ وبهذا لا تكون حقيقة المحسنات البيانية شيئًا أكثر من أنها صناعة فنية لا بد منها لإحداث الاهتياج في ألفاظ اللغة الحساسة كي تعطي الكلمات ما ليس في طاقة الكلمات أن تعطيه.
لقد تكلموا أخيرًا في جنابة الصحافة على الأدب، والصحافة عندي لا تجني على الأدب، ولكن على فنيته؛ فلها من الأثر على سليقة البليغ وطبعه قريب مما كان لحوانيت البقالين في البصرة على طبع ذي الرمة وسليقته، وكلما قرب الصحافي من الصنعة وحقها على الجمهور، بعد عن الفن وجماله وحقه على النفس، وهذا واضح بلا كبير تأمل، بل هو واضح بغير تأمل..
(3/163)

صعاليك الصحافة "1":
لما ظهر كتابي "وحي القلم"1 حملت منه إلى فضلاء كتابنا في دور الصحف والمجلات أهديه إليهم؛ ليقرؤوه ويكتبوا عنه، وأنا رجل ليس في أكثر مما في، كالنجم يستحيل أن يكون فيه مستنقع؛ فما أعلم في طبيعتي موضعا للنفاق تتحول فيه البصلة إلى تفاحة، ولا مكانًا من الخوف تنقلب فيه التفاحة إلى بصلة، ولست أهدي من كتبي إلا إحدى هديتين: فإما التحية لمن أثق بأدبهم وكفايتهم وسلامة قلوبهم، وإما إنذار حرب لغير هؤلاء!
والقرآن نفسه قد أثبت اللهُ فيه أقوال من عابوه، ليدل بذلك على أن الحقيقة محتاجة إلى من ينكرها ويردها، كحاجتها إلى من يقربها ويقْبلها، فهي بأحدهما تثبت وجودها، وبالآخر تثبت قدرتها على الوجود والاستمرار.
والشعور بالحق لا يخرس أبدًا؛ فإذا كانت النفس قوية صريحة مر من باطنها إلى ظاهرها في الكلمة الخالصة، فإن قال: لا أو: نعم صدق فيهما؛ وإذا كانت النفس ملتوية اعترضته الأغراض والدخائل، فمر من باطن إلى باطن حتى يخلص إلى الظاهر في الكلمة المقلوبة؛ إذ يكون شعورًا بالحق يغطيه غرض آخر كالحسد ونحوه، فإن قال: لا أو نعم كذب فيهما جميعًا.
وكنت في طوافي على دور الصحف والمجلات أحس في كل منها سؤالًا يسألني به المكان: لماذا لم تجئ؟ فإني في ابتداء أمري كنت نزعت إلى العمل في الصحافة، وأنا يومئذ متعلم ريض ومتأدب ناشئ، ولكن أبي رحمه الله ردني عن ذلك ووجهني في سبيلي هذه والحمد لله، فلو أنني نشأت صحافيًّا لكنت الآن كبعض الحروف المكسورة في الطبع..
__________
1 يعني الجزأين الأول والثاني في طبعتهما الأولى.
(3/164)

وللصحافة العربية شأن عجيب، فهي كلما تمت نقصت، وكلما نقصت تمت؛ إذ كان مدار الأمر فيها على اعتبار أكثر من يقرؤونها أنصاف قراء أو أنصاف أميين؛ وهي بهذا كالطريقة لتعليم القراءة الاجتماعية أو السياسية أو الأدبية؛ فتمامها بمراعاة قواعد النقص في القارئ.. وما بد أن تتقيد بأوهام الجمهور أكثر مما تتقيد بحقيقة نفسها، فهي معه كالزوجة التي لم تلد بعد، لها من رجلها من يأمرها ويجعلها في حكمه وهواه، وليس لها من أبنائها من تأمرهم وتجعلهم في طاعتها ورأيها وأدبها؛ ثم هي عمل الساعة واليوم، فما أبعدها من حقيقة الأدب الصحيح؛ إذ ينظر فيه إلى الوقت الدائم لا إلى الوقت الغابر، ويراد به معنى الخلود لا معنى النسيان.
ولا يقتل النبوغ شيء كالعمل في هذه الصحافة بطريقتها؛ فإن أساس النبوغ "ما يجب كما يجب"؛ ودأبه العمق والتغلغل في أسرار الأشياء وإخراج الثمرة الصغيرة من مثل الشجرة الكبيرة بعمل طويل دقيق؛ أما هي فأساسها "ما يمكن كما يمكن" ودأبها السرعة والتصفح والإلمام وصناعة كصناعة العنوان لا غير.
فليس يحسن بالأديب أن يعمل في هذه الصحافة اليومية إلا إذا نضج وتم وأصبح كالدولة على "الخريطة"، لا كالمدينة في الدولة في الخريطة؛ فهو حينئذ لا يسهل محوه ولا تبديله.. ثم هو يمدها بالقوة ولا يستمد القوة منها، ويكون تاجًا من تيجانها لا خرزة من خرزاتها، ويقوم فيها كالمنارة العظيمة تلقي أشعتها من أعلى الجو إلى مدى بعيد من الآفاق، لا كمصباح من مصابيح الشارع!
وحالة الجمهور عندنا تجعل الصحافة مكانًا طبيعيًّا لرجل السياسة قبل غيره؛ إذ كان الرجل السياسي هو صوت الحوادث سائلًا ومجيبًا، ثم يليه الرجل شبه العالم، ثم الرجل شبه الممثل الهزلي.. والأديب العظيم فوق هؤلاء جميعًا، غير أنه عندنا في الصحافة وراء هؤلاء جميعًا!.
ولما فرغت من طوافي على دور الصحف جاءت هي تطوف بي في نومي فرأيتني ذات ليلة أدخل إحداها لأهدي "وحي القلم" إلى الأديب المتخصص فيها للكتابة الأدبية؛ ودلوني عليه فإذا رجل مربوع مشوه الخلق صغير الرأس دقيق العنق جاحظ العينين، تدوران في محجريهما دورة وحشية كأنما رعبته الحياة مذ كان جنينًا في بطن أمه؛ لأنه خلق للإحساس والوصف، أو كأنما ركب فيه هذا النظر الساخر ليرى أكثر مما يرى غيره من أسرار السخرية فينبغ في فنونها، أو هو قد
(3/165)

خلق بهاتين الجاحظتين دلالة عليه من القدرة الإلهية بأنه رجل قد أرسل لتدقيق النظر.
وقال الذي عرفني به: حضرته عمرو أفندي الجاحظ.. وهو أديب الجريدة.
قلت: شيخنا أبو عثمان عمرو بن بحر؟
فضحك الجاحظ وقال: وأديب الجريدة، أي شحاذ الجريدة، يكتب لها كما يقرأ القارئ على ضريح: بالرغيف والجبن والبيض والقرش..
قلت: إنا لله! فكيف انتهيت يا أبا عثمان إلى هذه النهاية وكنت من أعاجيب الدنيا؟ وكيف خبت في الصحافة وكنت رأسًا في الكلام؟
قال: نجحت أخلاقي فخابت آمالي، ولو جاء الوضع بالعكس لكان الأمر بالعكس؛ والمصيبة في هذه الصحف أن رجلًا واحدًا هو قانون كل رجل هنا.
قلت: وذاك الرجل الواحد ما قانونه؟
قال: له ثلاثة قوانين: الجهات العالية وما يستوحيه منها، والجهات النازلة وما يوحيه إليها، وقانون الصلة بين الجهتين وهو..
قلت: وهو ماذا؟
فحملق في وقال: ما هذه البلادة؟ وهو الذي "هو".. أما ترى الصحيفة ككل شيء يباع؟ وأنت فخيرني -ولك الدولة والصولة عند القراء- ألم تر بعينيك أنك لو جئت تدفع ثمانمائة قرش، لكنت في نفوسهم أعظم مما أنت وقد جئت تهدي ثمانمائة صفحة من البيان والأدب؟
قلت: يا أبا عثمان، فماذا تكتب هنا؟
قال: إن الكتابة في هذه الصحافة صورة من الرؤية، فماذا ترى أنت في ... وفي ... وفي؟ ... لقد كنا نروي في الحديث: "يكون قوم يأكلون الدنيا بألسنتهم كما تلحس الأرض البقرة بلسانها"؛ فلعل من هذه الألسنة الطويلة لسان صاحب الجريدة ...
قلت: ولكنك يا شيخنا قد نسيت القراء وحكمهم على الصحيفة.
قال: القراء ما القراء؟ وما أدراك ما القراء؟ وهل أساس أكثرهم إلا بلادة المدارس، وسخافة الحياء، وضعف الأخلاق، وكذب السياسة؟ إن الإبداع كل الإبداع في أكثر ما تكتب هذه الصحف، أن تجعل الكذب يكذب بطريقة جديدة ... وما دام المبدأ هو الكذب، فالمظهر هو الهزل؛ والناس في حياة قد ماتت فيها
(3/166)

المعاني الشديدة القوية السامية، فهم يريدون الصحافة الرخيصة، واللغة الرخيصة، والقراءة الرخيصة؛ وبهذا أصبح الجاحظ وأمثاله هم "صعاليك الصحافة".
ودق الجرس يدعو أبا عثمان إلى رئيس التحرير، فنهض إليه، ثم رجع بعينين لا يقال فيهما جاحظتان، بل خارجتان ... وقال: أف. {وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 16] .
"كلا والذي حرم التزيد على العلماء، وقبح التكلف عند الحكماء، وبهرج الكذابين عند الفقهاء، لا يظن هذا إلا من ضل سعيه"*.
قلت: ماذا دهاك يا أبا عثمان؟
قال: ويحها صحافة! قل في عمك ما قال المثل: جحظ إليه عمله**.
قلت: ولكن ما القصة؟
قال: ويحها صحافة! وقال الأحنف: أربع من كن فيه كان كاملًا، ومن تعلق بخصلة منهن كان من صالحي قومه: دين يرشده، أو عقل يسدده، أو حسب يصونه، أو حياة يقناه". وقال: "المؤمن بين أربع: مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يجاهده، وشيطان يفتنه، وأربع ليس أقل منهن: اليقين، والعدل، ودرهم حلال، وأخ في الله". وقال الحسن بن علي: *** ...
قلت: يا شيخنا، دعنا الآن من الرواية والحفظ والحسن والأحنف؛ فماذا دهاك عند رئيس التحرير؟
قال: لم أحسن المهاترة في المقال الذي كتبته اليوم ... ويقول رئيس التحرير: إن كان نصف التمويه رذيلة؟ فإن نصفه الآخر يدل على أنه تمويه. ويقول: إن سمو الكتابة انحطاط فصيح؛ لأن القراء في هذا العهد لا يخرجون من حفظ القرآن والحديث ودراسة كتب العلماء والفصحاء، بل من الروايات والمجلات الهزلية. وحفظ القرآن والحديث وكلام العلماء يضع في النفس قانون النفس، ويجعل معانيها مهيأة بالطبيعة للاستجابة لتلك المعاني الكبيرة في الدين والفضيلة والجد والقوة؛ ولكن ماذا تصنع الروايات والمجلات وصور
__________
1 هذه الجملة من كلام الجاحظ.
2 يريدون أنه إذا نظر في عمله رأى سوء ما صنع.
3 هذه طريقة الجاحظ، يخلط الكلام دائمًا بالنقل.
(3/167)

الممثلات المغنيات وخبر الطالب فلان والطالبة فلانة والمسارح والملاهي؟
ويقول رئيس التحرير: إن الكاتب الذي لا يسأل نفسه ما يقال عني في التاريخ، هو كاتب الصحافة الحقيقي؛ لأن القروش هي القروش والتاريخ هو التاريخ؛ ومطبعة الصحيفة الناجحة هي بنت خالة مطبعة البنك الأهلي؛ ولا يتحقق نسب ما بينهما إلا في إخراج الورق الذي يصرف كله ولا يرد منه شيء!
إنهم يريدون إظهار المخازي مكتوبة، كحوادث الفجور والسرقة والقتل والعشق وغيرها؛ يزعمون أنها أخبار تروى وتقص للحكاية أو العبرة، والحقيقة أنها أخبارهم إلى أعصاب القراء ...
ودق الجرس يدعو أبا عثمان إلى رئيس التحرير ...
(3/168)

صعاليك الصحافة "2":
وغاب شيخنا أبو عثمان عند رئيس التحرير بعض ساعة، ثم رجع تدور عيناه في جحاظيهما وقد اكفهر وجهه وعبس كأنما يجري فيه الدم الأسود لا الأحمر، وهو يكاد ينشق من الغيظ، وبعضه يغلي في بعضه كالماء على النار؛ فما جلس حتى جاءت ذبابتان فوقعتا على كنفي أنفه تتمان كآبة وجهه المشوه، فكان منظرهما من عينيه السوداوين الجاحظتين منظر ذبابتين ولدتا من ذبابتين..
وتركهما الرجل لشأنهما وسكت عنهما؛ فقلت له: يا أبا عثمان، هاتان ذبابتان، ويقال إن الذباب يحمل العدوى.
فضحك ضحكة المغيظ وقال: إن الذباب هنا يخرج من المطبعة لا من الطبيعة، فأكثر القول في هذه الجرائد حشرات من الألفاظ: منها ما يستقذر وما تنقلب له النفس، وما فيه العدوى، وما فيه الضرر؛ وما بد أن يعتاد الكاتب الصحافي من الصبر على بعض القول مثل ما يعتاد الفقير من الصبر على بعض الحشرات في ثيابه، وقد يريده صاحب الجريدة أو رئيس التحرير على أن يكتب كلامًا لو أعفاه منه وأراده على أن يجمع القمل والبراغيث من أهدام الفقراء والصعاليك بقدر ما يملأ مقالة.. كان أخف عليه وأهون، وكان ذلك أصرح من معنى الطلب والتكليف*.
وكيفما دار الأمر فإن كثيرًا من كلام الصحف لو مسخه الله شيئًا غير الحروف المطبعية، لقطار كله ذبابًا على وجوه القراء!
قلت: ولكنك يا أبا عثمان ذهبت متلطفًا إلى رئيس التحرير ورجعت متعقدًا فما الذي أنكرت منه؟
قال: "لو كان الأمر على ما يشتهيه الغرير والجاهل بعواقب الأمور؛ لبطل
__________
* هذه طريقة الجاحظ في الإغراق حين يتهكم.
(3/169)

النظر وما يشحذ عليه وما يدعو إليه، ولتعطلت الأرواح من معانيها والعقول من ثمارها، ولعدمت الأشياء حظوظها وحقوقها1، هناك رجل من هؤلاء المعنيين بالسياسة في هذا البلد ... يريد أن يخلق في الحوادث غير معانيها، ويربط بعضها إلى بعض بأسباب غير أسبابها، ويخرج منها نتائج غير نتائجها، ويلفق لها من المنطق رقعًا كهذه الرقع في الثوب المفتوق؛ ثم لا يرضى إلا أن تكون بذلك ردًّا على جماعة خصومه وهي رد عليه وعلى جماعته، ولا يرضى مع الرد إلا أن يكون كالأعاصير تدفع مثل تيار البحر في المستنقع الراكد.
ثم لم يجد لها رئيس التحرير غير عملك أبي عثمان في لطافة حسه وقوة طبعه وحسن بيانه واقتداره على المعنى وضده، كأن أبا عثمان ليس عنده ممن يحاسبون أنفسهم، ولا من المميزين في الرأي، ولا من المستدلين بالدليل، ولا من الناظرين بالحجة؛ وكأن أبا عثمان هذا رجل حروفي..
كحروف المطبعة: ترفع من طبقة وتوضع في طبقة وتكون على ما شئت، وأدنى حالاتها أن تمد إليها اليد فإذا هي في يدك.
وأنا امرؤ سيد في نفسي، وأنا رجل صدق، ولست كهؤلاء الذين لا يتألمون ولا يتذممون؛ فإن خضت في مثل هذا انتقض طبعي وضعفت استطاعتي وتبين النقص فيما أكتب، ونزلت في الجهتين؛ فلا يطرد لي القول على ما أرجو، ولا يستوي على ما أحب؛ فذهبت أناقضه وأرد عليه؛ فبهت ينظر إلي ويقلب عينيه في وجهي، كأن الكاتب عنده خادم رأيه كخادم مطبخه وطعامه، هذا من هذا.
ثم قال لي: يا أبا عثمان، إني لأستحي أن أعنفك؛ وبهذا القول لم يستح أن يعنف أبا عثمان.. ولهممت والله أن أنشده قول عباس بن مرداس:
أكليب مالك كل يوم ظالما ... والظلم أنكد وجهه معلون
لولا أن ذكرت قول الآخر:
وما بين من لم يعط سمعا وطاعة ... وبين تميم غير حز الغلاصم
وحز الغلاصم "وقطع الدراهم" من قافية واحدة.. وقال سعيد بن أبي عروبة: "لأن يكون لي نصف وجه ونصف لسان على ما فيهما من قبح المنظر وعجز المخبر- أحب إلى من أن أكون ذا وجهين وذا لسانين وذا قولين مختلفين". وقال أيوب السختياني:
__________
1 هذه الجملة من كلام الجاحظ.
(3/170)

وهم شيخنا أن يمر في الحفظ والرواية على طريقته، فقلت: وقال رئيس التحرير ... ؟
فضحك وقال: أما رئيس التحرير فيقول: إن الخلابة والمواربة وتقليب المنطق هي كل البلاغة في الصحافة الحديثة، ولهي كقلب الأعيان في معجزات الأنبياء -صلوات الله عليهم- فكما انقلبت العصا حية تسعى، وهي عصا وهي من الخشب، فكذلك تنقلب الحادثة في معجزات الصحافة إذا تعاطاها الكاتب البليغ بالفطنة العجيبة والمنطق الملون والمعرفة بأساليب السياسة؛ فتكون للتهويل، وهي في ذاتها اطمئنان، وللتهمة وهي في نفسها براءة، وللجناية وهي في معناها سلامة، ولو نفخ الصحافي الحاذق في قبضة من التراب لاستطارت منها النار وارتفع لهبها الأحمر في دخانها الأسود. قال: وإن هذا المنطق الملون في السياسة إنما هو إتقان الحيلة على أن يصدقك الناس؛ فإن العامة وأشباه العامة لا يصدقون الصدق لنفسه، ولكن للغرض الذي يساق له؛ إذ كان مدار الأمر فيهم على الإيمان والتقديس، فأذقهم حلاوة الإيمان بالكذب فلن يعرفوه إلا صدقًا وفوق الصدق، وهم من ذات أنفسهم يقيمون البراهين العجيبة ويساعدون بها من يكذب عليهم متى أحكم الكذب؛ ليحققوا لأنفسهم أنهم بحثوا ونظروا ودققوا ...
ثم قال أبو عثمان: ومعنى هذا كله أن بعض دور الصحافة لو كتبت عبارة صريحة للإعلان لكانت العبارة هكذا: سياسة للبيع ...
قلت: يا شيخنا، فإنك هنا عندهم؛ لتكتب كما يكتبون، ومقالات السياسة الكاذبة كرسائل الحب الكاذب: تُقرأ فيها معانٍ لا تكتب، ويكون في عبارتها حياة وفي ضمنها طلب ما يستحي منه ... والحوادث عندهم على حسب الأوقات، فالأبيض أسود في الليل، والأسود أبيض في النهار؛ ألم تر إلى فلان كيف يصنع وكيف لا يعجزه برهان وكيف يخرج المعاني؟
قال: بلى، نعم الشاهد هو وأمثاله!؛ إنهم مصدقون حتى في تاريخ حفر زمزم.
قلت: وكيف ذلك؟
قال: شهد رجل عند بعض القضاة على رجل آخر، فأراد هذا أن يجرح شهادته، فقال للقاضي: أتقبل منه وهو رجل يملك عشرين ألف دينار ولم يحج إلى بيت الله؟ فقال الشاهد: بلى قد ححجت. قال الخصم؛ فاسأله أيها القاضي عن زمزم كيف هي؟ قال الشاهد: لقد حججت قبل أن تحفر زمزم فلم أرها ...
(3/171)

قال أبو عثمان: فهذه هي طريقة بعضهم فيما يزكي به نفسه: ينزلون إلى مثل هذا المعنى وإن ارتفعوا عن مثل هذا التعبير؛ إذ كانت الحياة السياسية جدلًا في الصحف لنفي المنفي وإثبات المثبت، لا عملًا يعملونه بالنفي والإثبات؛ ومتى استقلت هذه الأمة وجب تغيير هذه الصحافة وإكراهها على الصدق، فلا يكون الشأن حينئذ في إطلاق الكلمة الصحافية إلا من معناها الواقع.
والحياة المستقلة ذات قواعد وقوانين دقيقة لا يترخص فيها ما دام أساسها إيجاد القوة وحياطة القوة وأعمال القوة، وما دامت طبيعتها قائمة على جعل أخلاق الشعب حاكمة لا محكومة؛ وقد كان العمل السياسي إلى الآن هو إيجاد الضعف وحياطة الضعف وبقاء الضعف؛ فكانت قواعدنا في الحياة مغلوطة؛ ومن ثم كان الخلق القوي الصحيح هو الشاذ النادر يظهر في الرجل بعد الرجل والفترة بعد الفترة، وذلك هو السبب في أن عندنا من الكلام المنافق أكثر من الحر، ومن الكاذب أكثر من الصادق، ومن المماري أكثر من الصريح؛ فلا جرم ارتفعت الألقاب فوق حقائقها، وصارت نعوت المناصب وكلمات "باشا" و"بك" من الكلام المقدس صحافيًّا ...
يا لعباد الله! يأتيهم اسم الأديب العظيم فلا يجدون له موضعًا في "محليات الجريدة"؛ ويأتيهم اسم الباشا أو البك أو صاحب المنصب الكبير فبماذا تتشرف "المحليات" إلا به؟ وهذا طبيعي، ولكن في طبيعة النفاق؛ وهذا واجب، ولكن حين يكون الخضوع هو الواجب؛ ولو أن للأديب وزنًا في ميزان الأمة لكان له مثل ذلك في ميزان الصحافة؛ فأنت ترى أن الصحافة هنا هي صورة من عامية الشعب ليس غير.. ومن ذا الذي يصحح معنى الشرف العامل لهذه الأمة وتاريخها، وأكثر الألقاب عندنا هي أغلاط في معنى الشرف ... ؟
ثم ضحك أبو عثمان وقال: زعموا أن ذبابة وقعت في بارجة "أميرال" إنجليزي أيام الحرب العظمى؛ فرأت القائد العظيم وقد نشر بين يديه درجًا من الورق وهو يخطط فيه رسمًا من رسوم الحرب؛ ونظرت فإذا هو يلقي النقطة بعد النقطة من المداد ويقول: هذه مدينة كذا، وهذا حصن كذا، وهذا ميدان كذا. قالوا: فسخرت منه الذبابة وقالت: ما أيسر هذا العمل وما أخف وما أهون! ثم وقعت على صفحة بيضاء وجعلت تلقي ونيمها* هنا وهناك وتقول: هذه مدينة، وهذا حصن ...
__________
* ونيم الذباب: هو " ... " أي هذه النقط السود التي يحدثها.
(3/172)

والتفت الجاحظ كأنما توهم الجرس يدق ... فلما لم يسمع شيئًا قال:
لو أنني أصدرت صحيفة يومية لسميتها "الأكاذيب" فمهما أكذب على الناس فقد صدقت في الاسم، ومهما أخطئ فلن أخطئ في وضع النفاق تحت عنوانه.
قال: ثم أخط تحت اسم الجريدة ثلاثة أسطر بالخط الثالث هذا نصفها:
ما هي عزة الأذلاء؟ هي الكذب الهازل.
ما هي قوة الضعفاء؟ هي الكذب المكابر.
ما هي فضيلة الكذابين؟ هي استمرار الكذب.
قال: ثم لا يحرر في جريدتي إلا "صعاليك الصحافة" من أمثال الجاحظ؛ ثم أكذب على أهل المال فأمجد الفقراء العاملين، وعلى رجال الشرف فأعظم العمال المساكين، وعلى أصحاب الألقاب فأقدم الأدباء والمؤلفين، و ...
ودق الجرس يدعو أبا عثمان إلى رئيس التحرير ...
(3/173)

صعاليك الصحافة "3":
ولم يلبث أن رجع أبو عثمان في هذه المرة وكأنه لم يكن عند رئيس التحرير في عمل وأدائه، بل كان عند رئيس الشرطة في جناية وعقابها؛ فظهر منقلب السحنة انقلابًا دميمًا شوه تشويهه وزاد فيه زيادات ... ورأيته ممطوط الوجه مطا شنيعًا بدت فيه عيناه الجاحظتان كأنهما غير مستقرتين في وجهه، بل معلقتان على جبهته ...
وجعل يضرب إحدى يديه بالأخرى ويقول: هذا باب على حدة في الامتحان والبلوى، وما فيه إلا المؤنة العظيمة والمشقة الشديدة؛ والعمل في هذه الصحافة إنما هو امتحانك بالصبر على اثنين: على ضميرك، وعلى رئيس التحرير! وسأل بعض أصحابنا أبا لقمان الممرور عن الجزء الذي لا يتجزأ ما هو؟ فقال: الجزء الذي لا يتجزأ علي بن أبي طالب عليه السلام. فقال له أبو العيناء محمد: أفليس في الأرض جزء لا يتجزأ غيره! قال: بلى، حمزة جزء لا يتجزأ ... قال: فما تقول في أبي بكر وعمر؟ قال: أبو بكر يتجزأ ... قال: فما تقول في عثمان؟ قال: ويتجزأ مرتين، والزبير يتجزأ مرتين ... قال: فأي شيء تقول في معاوية؟ قال: لا يتجزأ.
"فقد فكرنا في تأويل أبي لقمان حين جعل الأيام أجزاء لا تتجزأ إلى أي شيء ذهب؟ فلم نقع عليه إلا أن يكون أبو لقمان كان إذا سمع المتكلمين يذكرون الجزء الذي لا يتجزأ، هاله ذلك وكبر في صدره وتوهم أنه الباب الأكبر من علم الفلسفة، وأن الشيء إذا عظم خطره سموه بالجزء الذي لا يتجزأ"*.
قلت: ورجع بنا القول إلى رئيس التحرير ...
فضحك حتى أسفر وجهه ثم قال: إن رئيس التحرير قد تلقى الساعة أمرًا بأن الجزء الذي لا يتجزأ اليوم هو فلان؛ وأن فلانًا الآخر يتجزأ مرتين ... وأن المعنى الذي يبنى عليه رأي الصحيفة في هذا النهار هو شأن كذا في عمل كذا؛ وأن هذا الخبر
__________
* هذه الجملة من كلام الجاحظ.
(3/174)

يجب أن يصور في صيغة تلائم جوع الشعب فتجعله كالخبز الذي يطعمه كل الناس، وتثير له شهوة في النفوس كشهوة الأكل وطبيعة كطبيعة الهضم ... وقد رمى إلي رئيس التحرير بجملة الخبر، وعلي أنا بعد ذلك أن أضرم النار وأن أجعل التراب دقيقًا أبيض يعجن ويخبز ويؤكل ويسوغ في الحلق وتستمرئه المعدة ويسري في العروق.
وإذا أنا كتبت في هذا احتجت من الترقيع والتمويه، ومن التدليس والتغليط، ومن الخب والمكر، ومن الكذب والبهتان -إلى مثل ما يحتاج إليه الزنديق والدهري والمعطل في إقامة البرهانات على صحة مذهب عرف الناس جميعًا أنه فاسد بالضرورة؛ إذ كان معلومًا من الدين بالضرورة أنه فاسد؛ وأين ترى إلا في تلك النحل وفي هذه الصحافة أن ينكر المتكلم وهو عارف أنه منكر، وأن يجترئ وهو موقن أنه مجترئ، ويكابر وهو واثق أنه يكابر؟ فقد ظهر تقدير من تقدير، وعمل من عمل، ومذهب من مذهب؛ والآفة أنهم لا يستعملون في الإقناع والجدل والمغالطة إلا الحقائق المؤكدة؛ يأخذونها إذ وجدت ويصنعونها إن لم توجد؛ إذ كان التأثير لا يتم إلا بجعل القارئ كالحالم: يملكه الفكر ولا يملك هو منه شيئًا، ويلقي إليه ولا يمتنع ويعطي ولا يرد على من أعطاه.
قلت: ولكن ما هو الخير الذي أرادوك على أن تجعل من ترابه دقيقًا أبيض؟
قال: هو بعينه ذلك الشأن الذي كتبت فيه لهذه الصحيفة نفسها أنقضه وأسفهه وأرد عليه، وكان يومئذ جزءًا يتجزأ.. فإن صنعت اليوم بلاغتي في تأييده وتزيينه والإشادة به، ولم يكن هذا كاسرًا لي، ولا حائلًا بيني وبين ذات نفسي- فلا أقل من أن يكون الجاحظ تكذيبًا للجاحظ، آه لو وضع الرديو في غرف رؤساء التحرير ليسمع الناس ...
قلت: يا أبا عثمان، هذا كقولك: لو وضع الرديو في غرف قواد الجيوش أو رؤساء الحكومات.
قال: ليس هذا من هذا، فإن للجيش معنى غير الحذق في تدبير المعاش والتكسب وجمع المال؛ وفي أسراره أسرار قوة الأمة وعمل قوتها؛ وللحكومة دخائل سياسية لا يحركها أن فلانًا ارتفع وأن فلانًا انخفض، ولا تصرفها العشرة أكثر من الخمسة؛ وفي أسرارها أسرار وجود الأمة ونظام وجودها.
قال أبو عثمان: وإنما نزل بصحافتنا دون منزلتها أنها لا تجد الشعب القارئ المميز الصحيح القراءة الصحيح التمييز، ثم هي تريد أن تذهب أموالها في إيجاده
(3/175)

وتنشئته؛ وعمل الصحافة من الشعب عمل التيار من السفن في تحريكها وتيسير مجراها، غير أن المضحك أن تيارنا يذهب مع سفينة ويرجع مع سفينة ... ولو أن الصحافة العربية وجدت الشعب قارئًا مدركًا مميزًا معتبرًا مستبصرًا لما رمت بنفسها على الحكومات والأحزاب عجزًا وضعفًا وفسولة، ولا خرجت عن النسق الطبيعي الذي وضعت له، فإن الشعب تحكمه الحكومة، وإن الحكومة تحكمها الصحافة، فهي من ثم لسان الشعب؛ وإنما يقرؤها القارئ ليرى كلمته مكتوبة؛ وشعور الفرد أن له حقًا في رقابة الحكومة وأنه جزء من حركة السياسة والاجتماع، هو الذي يوجب عليه أن يبتاع كل يوم صحيفة اليوم.
قال أبو عثمان: فالصحافة لا تقوى إلا حيث يكون كل إنسان قارئًا، وحيث يكون كل قارئ للصحيفة كأنه محرر فيها، فهو مشارك في الرأي؛ لأنه واحد ممن يدور عليهم الرأي، متتبع للحوادث؛ لأنه هو من مادتها أو هي من مادته، وهو لذلك يريد من أن الصحيفة حكاية الوقت وتفسير الوقت، وأن تكون له كما يكون التفكير الصحيح للمفكر، فيلزمها الصدق ويطلب منها القوة ويلتمس فيها الهداية، وتأتي إليه في مطلع كل يوم أو مغربه كما يدخل إلى داره أحد أهله الساكنين في داره.
وفي قلة القراءة عندنا آفتان: أما واحدة فهي القلة التي لا تغني شيئًا؛ وأما الأخرى فهم على قلتهم لا ترى أكبر شأنهم إلا عبادة قوم لقوم، وزراية أناس بآخرين، وتعلق نفاق بنفاق، وتصديق كذب لكذب؛ وآفة ثالثة تخرج من اجتماع الاثنين: وهي أن أكثرهم لا يكونون في قراءتهم الصحيفة إلا كالنظارة اجتمعوا ليشهدوا ما يتلهون به، أو كالفراغ يلتمسون ما يقطعون به الوقت؛ فهم يأخذون السياسة مأخذ من لا يشارك فيها، ويتعاطون الجد تعاطي من يلهو به، ويتلقون الأعمال بروح البطالة، والعزائم بأسلوب عدم المبالاة، والمباحثة بفكرة الإهمال، والمعارضة بطبيعة الهزء والتحقير؛ وهم كالمصلين في المسجد؛ فمثل لنفسك نوعًا من المصلين إذا اصطفوا وراء الإمام تركوه يصلي عن نفسه وعنهم انصرفوا.
قال أبو عثمان: بهذا ونحوه جاءت الصحف عندنا وأكثرها لا ثبات له إلا في الموضع الذي تكون فيه بين منافعه ووسائل منافعه؛ ومن هذا ونحوه كان أقوى المادة عندنا أن تظهر الصحيفة مملوءة حكومة وسلطة وباشوات وبيكوات ... وكان من الطبيعي أن محل الباشا والبك والحوادث الحكومية التفهة لا يكون من الجريدة إلا في موضع قلب الحي من الحي.
(3/176)

ثم استضحك شيخنا وقال: لقد كتبت ذات يوم مقالة أقترح فيها على الحكومة تصحيح هذه الألقاب، وذلك بوضع لقب جديد يكون هو المفسر لجميعها ويكون هو اللقب الأكبر فيها، فإذا أنعم به على إنسان كتبت الصحف هكذا: أنعمت الحكومة على فلان بلقب "ذو مال".
ودق الجرس يدعو أبا عثمان إلى رئيس التحرير ...
فلم يلبث إلا يسيرًا ثم عاد متهللًا ضاحكًا وقد طابت نفسه فليس له جحوظ العينين إلا بالقدر الطبيعي، وجلس إلي وهو يقول:
بيد أن رئيس التحرير لم ينشر ذلك المقال، ولم ير فيه استطرافًا ولا ابتكارًا ولا نكتة ولا حجة صادقة، بل قال: كأنك يا أبا عثمان تريد أن يأكل عدد اليوم عدد الغد، فإذا نحن زهدنا في الألقاب وأصغرنا أمرها وتهكمنا بها وقلنا إنها أفسدت معنى التقدير الإنساني وتركت من لم ينلها من ذوي الجاه والغنى يرى نفسه إلى جانب من نالها كالمرأة المطلقة بجانب المتزوجة ... وقلنا إنها من ذلك تكاد تكون وسيلة من وسائل الدفع إلى التملق والخضوع والنفاق لمن بيدهم الأمر، أو وسيلة إلى ما هو أحط من ذلك كما كان شأنها في عهد الدولة العثمانية البائدة حين كان الوسام كالرقعة من جلد الدولة يرقع بها الصدر الذي شقوه وانتزعوا ضميره -إذا نحن قلنا هذا وفعلنا هذا، لم نجد الشعب الذي يحكم لنا، ووجدنا ذوي المال والجاه والمناصب الذي يحكمون علينا؛ فكنا كمن يتقدم في التهمة بغير محام إلى قاض ضعيف.
يا أبا عثمان، إنما هي حياة ثلاثة أشياء: الصحيفة، ثم الصحيفة، ثم الحقيقة.. فالفكرة الأولى للصحيفة، والفكرة الثانية هي للصحيفة أيضًا؛ ومتى جاء الشعب الذي يقول: لا، بل هي الحقيقة، ثم الحقيقة، ثم الصحيفة -فيومئذ لا يقال في الصحافة ما قيل لليهود في كتاب موسى: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} [الأنعام: 91] .
قلت: أراك يا أبا عثمان لم تنكر شيئًا من رئيس التحرير في هذه المرة، فشق عليك ألا تثلبه، فغمزته بالكلام عن مرة سالفة.
قال: أما هذه المرة فأنا الرئيس لا هو، وفي مثل هذا لا يكون عمك أبو عثمان من "صعاليك الصحافة"؛ إن الرجل اشتبه في كلمة: ما وجهها: أمرفوعة
(3/177)

هي أم منصوبة؟ وفي لفظة ما هي: أعربية أم مولدة؟ وفي تعبير أعجمي ما الذي يؤديه من العربية الصحيحة؟ وفي جملة: أهي في نسقها أفصح أم يبدلها.
إن المعجم هنا لا يفيدهم شيئًا إلا إذا نطق ...
ولقد ابتليت هذه الأمة في عهدها الأخير بحب السهولة مما أثر فيها الاحتلال وسياسته وتحمله الأعباء عنها واستهدافه دونها للخطر، فشبه العامية في لغة الصحف وفي أخبارها وفي طريقها إنما هو صورة من سهولة تلك الحياة، وكأنه تثبيت للضعف والخور، وأنت خبير أن كل شيء يتحول بما تحدث له طبيعته عاليًا أو نازلًا، فقد تحولت السهولة من شبه العامية إلى نصف العامية في كتابة أكثر المجلات وفي رسائل طلبة المدارس، حتى لتبدو المقالات في ألفاظها ومعانيها كأنها القنفد أراد أن يحمل مأكلة صغاره، فقرض عنقودًا من العنب، فألقاه في الأرض وأتربه وتمرغ فيه، ثم مشى يحمل كل حبة مرضوضة في عشرين إبرة من شوكه.
ثم مد أبو عثمان يده فتناول مجلة مما أمامه وقعت يده عليها اتفاقًا ثم دفعها إلي وقال: اقرأ ولا تجاوز عنوان كل مقالة. فقرأت هذه العناوين.
"مسئولية طبيب عن فتاة عذراء"، "مودة الراقصات الصينيات"، "تخر مغشيًا عليها؛ لأنهم اكتشفوا صورة حبيبها"، "هل يعتبر قبول الهدية دليلًا على الحب، وإذا كانت ملابس داخلية ... فهل تعتبر وعدًا بالزواج؟ هل يحق للأب أن يطالب صديق ابنته بتعويض إذا كانت ابنته غير شرعية، "بين خطيبتين لشاب واحد"، "بعد أن قص على زوجته أخبار السهرة ... لماذا أطلقت عليه الرصاص"، "عروس تأخذ "شبكة" من شابين ثم تطردهما"، "زوجة الموظف أين ذهبت"، "لماذا خطفت العروس في اليوم المحدد للزفاف؟ "، "في الطريق: حب بالإكراه" فلانون وفلانات، زواج وطلاق، وأخبار المراقص، وحوادث أماكن الدعارة" ... الخ الخ.
فقال أبو عثمان: هذه هي حرية النشر؛ ولئن كان هذا طبيعيًّا في قانون الصحافة إنه لإثم كبير في قانون التربية؛ فإن الأحداث والضعفاء يجدونه عند أنفسهم كالتخيير بين الأخذ بالواجب وبين تركه، ولا يفهمون من جواز نشره إلا هذا. "وباب آخر من هذا الشكل فبكم أعظم حاجة إلى أن تعرفوه وتقفوا عنده، وهو ما يصنع الخبر ولا سيما إذا صادق من السامع قلة تجربة، فإن قرن بين قلة
(3/178)

التجربة وقلة التحفظ دخل ذلك الخبر إلى مستقره من القلب دخولًا سهلًا، وصادف موضعًا وطيئًا وطبيعةً قابلة ونفسًا ساكنة، ومتى صادف القلب كذلك رسخ رسوخًا لا حيلة في إزالته.
ومتى ألقي إلى الفتيان شيء من أمور الفتيات في وقت الغرارة وعند غلبة الطبيعة وشباب الشهوة وقلة التشاغل و ... "*.
ودق الجرس يدعو أبا عثمان إلى رئيس التحرير ...
__________
* هذه الجملة من كلام الجاحظ.
(3/179)

صعاليك الصحافة * "تتمة":
وجاء أبو عثمان وفي بروز عينيه ما يجعلهما في وجهه شيئًا كعلامتي تعجب ألقتهما الطبيعة في هذا الوجه، وقد كانوا يلقبونه "الحدقي" فوق تلقيبه بالجاحظ، كأن لقبًا واحدًا لا يبين عن قبح هذا النتوء في عينيه إلا بمرادف ومساعد من اللغة ... وما تذكرت اللقبين إلا حين رأيت عينيه هذه المرة.
وانحط في مجلسه كأن بعضهم يرمي بعضه من سخط وغيظ، أو كأن من جسمه ما لا يريد أن يكون من هذا الخلق المشوه، ثم نصب وجهه يتأمل، فبدت عيناه في خروجهما كأنما تهمان بالفرار من هذا الوجه الذي تحيا الكآبة فيه كما يحيا الهم في القلب؛ ثم سكت عن الكلام؛ لأن أفكاره كانت تكلمه.
فقطعت عليه الصمت وقلت: يا أبا عثمان، رجعت من عند رئيس التحرير زائدًا شيئًا أو ناقصًا شيئًا؛ فما هو يرحمك الله؟
قال: رجعت زائدًا أني ناقص، وههنا شيء لا أقوله ولو أن في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لوقفوا على عمك وأمثال عمك من كتاب الصحف يتعجبون لهذا النوع الجديد من الشهداء!
__________
* كتب الدكتور زكي مبارك مقالًا في جريدة المصري الغراء زعم فيه أننا قلنا: "إن الصحافة لا تنجح إلا في أيدي الصعاليك"، ولا ندري كيف أحس هذا المعنى، ثم تهددنا!! فقال: "ما رأيك إذا وقفت لك أحد الصحفيين "ولعله يعني نفسه" في معركة فاصلة!! ورماك بحب التكلف والافتعال في عالم الإنشاء والتأليف؟ "ما رأيك إذا حملك رجل منهم "ولعله يعني نفسه" على عاتقه وألقى بك في هاوية التاريخ لتعيش مع صعصعة بن صوحان؟ -أبلغ خطباء العرب وأنطقهم.
وجوابنا لصاحبنا هذا: أن وزارة الداخلية اطلعت على مقالة فأمرت جميع المحال التي تبيع لعب الأطفال، ألا يبيعوا "معركة فاصلة" ولا "هاوية تاريخ" ...
(3/180)

وقال ابن يحيى النديم: دعاني المتوكل ذات يوم وهو مخمور فقال: أنشدني قول عمارة في أهل بغداد، فأنشدته:
ومن يشتري مني ملوك مخرمِ ... ابع حسنًا وابني هشام بدرهمِ
وأعطي "رجاءً" بعد ذاك زيادة ... وأمنح "دينارًا" بغير تندمِ
قال أبو عثمان:
فإن طلبوا مني الزيادة زدتهم ... "أبا دلف" و"المستطيلَ بن أكثمِ"
ويلي على هذا الشاعر! اثنان بدرهم، واثنان زيادة فوقهما لعظم الدرهم، واثنان زيادة على الزيادة لجلالة الدرهم: كأنه رئيس تحرير جريدة يرى الدنيا قد ملئت كتابًا، ولكن ههنا شيئًا لا أقوله.
وزعموا أن كسرى أبرويز كان في منزل امرأته شيرين، فأتاه صياد بسمكة عظيمة، فأعجب بها وأمر له بأربعة آلاف درهم، فقالت له شيرين: أمرت للصياد بأربعة آلاف درهم، فإن أمرت بها لرجل من الوجوه قال: إنما أمر لي بمثل ما أمر للصياد! فقال كسرى: كيف أصنع وقد أمرت له؟
قالت: إذا أتاك فقل له: أخبرني عن السمكة، أذكر هي أم أنثى؟ فإن قال أنثى، فقل له: لا تقع عليك حتى تأتيني بقرينها، وإن قال غير ذلك فقل له مثل ذلك.
فلما غدا الصياد على الملك قال له: أخبرني عن السمكة، أذكر هي أم أنثى؟ قال: بل أنثى، قال الملك: فأتني بقرينها. فقال الصياد: عمر الله الملك، إنها كانت بكرًا لم تتزوج بعد..
قلت: يا أبا عثمان، فهل وقعت في مثل هذه المعضلة مع رئيس التحرير؟
قال: لم ينفع عمك أن سمكته كانت بكرًا، فإنما يريدون إخراجه من الجريدة؛ وما بلاغة أبي عثمان الجاحظ بجانب بلاغة التلغراف وبلاغة الخبر وبلاغة الأرقام وبلاغة الأصفر وبلاغة الأبيض ... ولكن ههنا شيئًا لا أريد أن أقوله.
وسمكتي هذه كانت مقالة جودتها وأحكمتها وبلغت بألفاظها ومعانيها أعلى منازل الشرف وأسنى رتب البيان، وجعلتها في البلاغة طبقة وحدها، وقيل أن يقول الأوروبيون "صاحبة الجلالة الصحافة" قال المأمون: "الكتاب ملوك على الناس"، فأراد عمك أبو عثمان أن يجعل نفسه ملكًا بتلك المقالة فإذا هو بها من "صعاليك الصحافة".
(3/181)

لقد كانت كالعروس في زينتها ليلة الجلوة على محبها، ما هي إلا الشمس الضاحية، وما هي إلا أشواق ولذات، وما هي إلا اكتشاف أسرار الحب، وما هي إلا هي؛ فإذا العروس عند رئيس التحرير هي المطلقة، وإذا المعجب هو المضحك، ويقول الرجل: أما نظريًّا فنعم، وأما عمليًّا فلا؛ وهذا عصر خفيف يريد الخفيف، وزمن عامي يريد العامي، وجمهور سهل يريد السهل؛ والفصاحة هي إعراب الكلام لا سياسته بقوى البيان والفكر واللغة، فهي اليوم قد خرجت من فنونها واستقرت في علم النحو.
وحسبك من الفرق بينك وبين القارئ العامي: أنك أنت لا تلحن وهو يلحن.
قال أبو عثمان: وهذه -أكرمك الله- منزلة بقل فيها الخاصي ويكثر العامي فيوشك ألا يكون بعدها إلا غلبة العامية، ويرجع الكلام الصحافي كله سوقيًا بلديًّا "حنشصيًّا"، وينقلب النحو نفسه وما هو إلا التكلف والتوعر والتقعر كما يرون الآن في الفصاحة، والقليل من الواجبات ينتهي إلى الأقل؛ والأقل ينتهي إلى العدم، والانحدار سريع يبدأ بالخطوة الواحدة، ثم لا تملك بعدها الخطى الكثيرة.
لا جرم فسد الذوق وفسد الأدب وفسدت أشياء كثيرة كانت كلها صالحة، وجاءت فنون من الكتابة ما هي إلا طبائع كتابها تعمل فيمن يقرؤها عمل الطباع الحية فيمن يخالطها، ولو كان في قانون الدولة تهمة إفساد الأدب أو إفساد اللغة، لقبض على كثيرين لا يكتبون إلا صناعة لهو ومسلاة فراغ وفسادًا وإفسادًا؛ والمصيبة في هؤلاء ما يزعمون لك من أنهم يستنشطون القراء ويلهونهم، ونحن إنا نعمل في هذه النهضة لمعالجة اللهو الذي جعل نصف وجودنا السياسي عدمًا؛ ثم لملء الفراغ الذي جعل نصف حياتنا الاجتماعية بطالة؛ وهذا أيضًا مما جعل عمك أبا عثمان في هذه الصحافة من "صعاليك الصحافة"، وتركه في المقابلة بينه وبين بعض الكتاب كأنه في أمس وكأنهم في غد.
ودق الجرس يدعو أبا عثمان إلى رئيس التحرير ...
فما شككت أنهم سيطردونه، فإن الله لم يرزقه لسانًا مطبعيًا ثرثارًا يكون كالمتصل من دماغه بصندوق حروف ... ولم يجعله كهؤلاء السياسيين الذين يتم بهم النفاق ويتلون، ولا كهؤلاء الأدباء الذين يتم بهم التضليل ويتشكل.
ورجع شيخنا كالمخنوق أرخي عنه وهو يقول: ويلي على الرجل! ويلي من
(3/182)

الكلام الظريف الذي يقال في الوجه ليدفع في القفا ... كان ينبغي ألا يملك هذه الصحافة اليومية إلا مجالس الأمة؛ فذلك هو إصلاح الأمة والصحافة والكتاب جميعًا؛ أما في هذه الصحف، فالكاتب يخبز عيشه على نار تأكل منه قدر ما يأكل من عيشه؛ ولو أن عمك في خفض ورفاهية وسعة، لكان في استغنائه عنهم حاجتهم إليه؛ ولكن السيف الذي لا يجد عملًا للبطل، تفضله الإبرة التي تعمل للخياط، وماذا يملك عمك أبو عثمان؟ يملك ما لا ينزل عنه بدون الملوك، ولا بالدنيا كلها، ولا بالشمس والقمر؛ إذ يملك عقله وبيانه، على أنه مستأجر هنا بعقله وبيانه، ويعقل ما شاءوا ويكتب ما شاءوا.
لك الله أن أصدقك القول في هذه الحرفة اليومية: إن الكاتب حين يخرج من صحيفة إلى صحيفة، تخرج كتابته من دين إلى دين ...
ورأيت شيخنا كأنما وضع له رئيس التحرير مثل البارود في دماغه ثم أشعله، فأردت أن أمازحه وأسري عنه، فقلت: اسمع يا أبا عثمان، جاءتني بالأمس قضية يرفعها صاحبها إلى المحكمة، وقد كتب في عرض دعواه أن جار بيته غصبه قطعة من أرض فنائه الذي تركه حول البيت، وبنى في هذه الرقعة دارًا، وفتح لهذه الدار نافذات، فهو يريد من القاضي أن يحكم برد الأرض المغصوبة، وهدم هذه الدار المبنية فوقها ... وسد نافذتها المفتوحة!..
فضحك الجاحظ حتى أمسك بطنه بيده وقال: هذا أديب عظيم كبعض الذين يكتبون الأدب في الصحافة؛ كثرت ألفاظه ونقص عقله، "وسئل بعض الحكماء: متى يكون الأدب شرًّا من عدمه؟ قال: إذا كثر الأدب ونقصت القريحة. وقد قال بعض الأولين: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب خصال الخير عليه؛ وهذا كله قريب بعضه من بعض" 1 والأدب وحده هو المتروك في هذه الصحافة لمن يتولاه كيف يتولاه؛ إذ كان أرخص ما فيها، وإنما هو أدب؛ لأن الأمم الحية لا بد أن يكون لها أدب؛ إذ كان أرخص ما فيها، وإنما هو أدب؛ لأن الأمم الحية لا بد أن يكون لها أدب، ثم هو من بعد هذا الاسم العظيم ملء فراغ لا بد أن يملأ، وصفحة الأدب وحدها هي التي تظهر في الجريدة اليومية كبقعة الصدأ على الحديد: تأكل منه ولا تعطيه شيئًا.
ثم يأبى من تترك هذه الصفحة إلا أن يجعل نفسه "رئيس تحرير" على الأدباء، فما يدع صفة من صفات النبوغ ولا نعتًا من نعوت العبقرية إلا نحله نفسه
__________
1 هذه الجملة من كلام الجاحظ.
(3/183)

ووضعه تحت ثيابه؛ وما أيسر العظمة وما أسهل منالها إذا كانت لا تكفك إلا الجراءة والدعوى والزعم، وتلفيق الكلام من أعراض الكتب وحواشي الأخبار.
وقد يكون الرجل في كتابته كالعامة، فإذا عبته بالركاكة والسخف والابتذال وفراغ ما يكتب، قال: هذا ما يلائم القراء، وقد يكون من أكذب الناس فيما يدعي لنفسه وما يهول به لتقوية شأنه وإصغار من عداه، فإذا كذبه من يعرفه قال: هذا ما يلائمني، وهو واثق أنه في نوع من القراء ليس عليه إلا أن يملأهم بهذه الدعاوى كما تملأ الساعة، فإذا هم جميعًا يقولون: تك تك ... تك ... تك
فمن زعم أن البلاغة أن يكون السامع يفهم معنى القائل، جعل الفصاحة واللكنة والخطأ والصواب والإغلاق والإبانة والملحون والمعرب، وكله سواء وكله بيانًا1 وكان المكي طيب الحجج، ظريف الحيل، عجيب العلل، وكان يدعي كل شيء على غاية الإحكام ولم يحكم شيئًا قط من الجليل ولا من الدقيق؛ وإذ قد جرى ذكره فسأحدثك ببعض أحاديثه، قلت له مرة: أعلمت أن الشاري حدثني أن المخلوع "أي الأمين" بعث إلى المأمون بجراب فيه سمسم، كأنه مخبره أن عنده من الجند بعد ذلك، وأن المأمون بعث له بديك أعور، يريد أن ظاهر بن الحسين يقتل هؤلاء كلهم كما يلقط الديك الحب؟
قال: فإن هذا الحديث أنا ولدته، ولكن انظر كيف سار في الآفاق ... 2
ثم قال أبو عثمان: وقد زعم أحد أدبائكم أنه اكتشف في تاريخ الأدب اكتشافًا أهمله المتقدمون وغفل عنه المتأخرون، فنظر عمك في هذا الذي ادعاه، فإذا الرجل على التحقيق كالذي يزعم أنه اكتشف أمريكا في كتاب من كتب الجغرافيا ...
وما يزال البلهاء يصدقون الكلام المنشور في الصحف، لا بأنه صدق، ولكن بأنه "مكتوب في الجريدة" ... فلا عجب أن يظن كاتب صفحة الأدب -متى كان مغرورًا- أنه إذا تهدد إنسانًا فما هدده بصفحته، بل بحكومته ...
نعم أيها الرجل إنها حكومة ودولة؛ ولكن ويحك إن ثلاث ذبابات ليست ثلاث قطع من أسطول إنجلترا! ...
وضحك أبو عثمان وضحكت! فاستيقظت.
__________
1، 2 هذا من كلام الجاحظ.
3 يعني زكي مبارك في دعوى معرفته أول من اخترع فن المقامات.
(3/184)

أبو حنيفة ولكن بغير فقه 1:
قد انتهينا في الأدب إلى نهاية صحافية عجيبة، فأصبح كل من يكتب ينشر له، وكل من ينشر له يعد نفسًا أديبًّا، وكل من عد نفسه أديبًا جاز له أن يكون صاحب مذهب وأن يقول في مذهبه ويرد على مذهب غيره.
فعندنا اليوم كلمات ضخمة تدور في الصحف بين الأدباء كما تدور أسماء المستعمرات بين السياسيين المتنازعين عليها، يتعلق بها الطمع وتنبعث لها الفتنة وتكون فيها الخصومة والعداوة، منها قولهم: أدب الشيوخ وأدب الشباب؛ ودكتاتورية الأدب وديمقراطية الأدب، وأدب الألفاظ وأدب الحياة، والجمود والتحول، والقديم والجديد، ثم ماذا وراء ذلك من أصحاب هذا المذهب؟
وراء ذلك أن منهم أبا حنيفة ولكن بغير فقه، والشافعي ولكن بغير اجتهاد، ومالك ولكن بغير رواية، وابن حنبل ولكن بغير حديث؛ أسماء بينها وبين العمل أنها كذب عليه وأنه رد عليها.
وليس يكون الأدب أدبًا إلا إذا ذهب يستحدث ويخترع على ما يصرفه النوابغ من أهله حتى يؤرخ بهم فيقال: أدب فلان وطريقة فلان ومذهب فلان؛ إذ لا يجري الأمر فيما علا وتوسط ونزل إلا على إبداع غير تقليد، وتقليد غير اتباع، واتباع غير تسليم؛ فلا بد من الرأي ونبوغ الرأي واستقلال الرأي حتى يكون في الكتابة إنسان جالس هو كاتبها، كما أن الحي الجالس في كل حي هو مجموعه العصبي، فيخرج ضرب من الآداب كأنه من التحول في الوجود الإنساني يرجع بالحياة إلى ذرات معانيها، ثم يرسم من هذه المعاني مثل ما أبدعت ذرات الخليقة في تركيب من تركيب، فلا يكون للأديب تعريف إلا أنه المقلد الإلهي*.
وإذا اعتبرنا هذا الأصل فهل يبدأ الأدب العربي في عصرنا أو ينتهي؛ وهل
__________
1 وهذا فصل من المعركة الأخيرة بينه وبين زكي مبارك.
* استوفينا هذه المعاني في مقالة "الأدب والأديب".
(3/185)

تراه يعلو أو ينزل؛ وهل يستجمع أو ينقض، وهل هو من قديمه الصريح بعيد من بعيد أو قريب من قريب أو هو في مكان بينهما؟
هذه معانٍ لو ذهبت أفضلها لاقتحمت تاريخًا طويلًا أمر فيه بعظام مبعثرة في ثيابها لا في قبورها ... ولكني موجز مقتصر على معنى هو جمهور هذه الأطراف كلها، وإليه وحده يرجع ما نحن فيه من التعادي بين الأذواق والإسفاف بمنازع الرأي والخلط والاضطراب في كل ذلك؛ حتى أصبح أمر الأدب على أقبحه وهم يرونه على أحسنه، وحتى قيل في: الأسلوب أسلوب تلغرافي، وفي الفصاحة فصاحة عامية، وفي اللغة لغة الجرائد، وفي الشعر شعر المقالة؛ ونجمت الناجمة من كل علة ويزين لهم أنها القوة قد استحصفت واشتدت، ونازع الأدب العربي إلى سخرية التقليد وإلى أن يكون لصيقًا دعيًّا في آداب الأمم، واستهلكه التضييع وسوء النظر له على حين يؤتى له أن كل ذلك من حفظه وصيانته وحسن الصنيع فيه ومن توفير المادة عليه.
أين تصيب العلة إذا التمستها؟ أفي الأدب من لغته وأساليب لغته، ومعانيه وأغراض معانيه؟ أم في القائمين عليه في مذاهبهم ومناحيهم وما يتفق من أسبابهم وجواذبهم؟
إن تقل إنها في اللغة والأساليب والمعاني والأغراض، فهذه كلها تصير إلى حيث يراد بها، وتتقلد البلية من كل من يعمل فيها؛ وقد استوعبت واتسعت ومادَّت العصور الكثيرة إلى عهدنا فلم تؤت من ضيق ولا جمود ولا ضعف ثم هي مادَّة ولا عليها ممن لا يحسن أن يضع يده منها حيث يملأ كفه أو حيث تقع يده على حاجته.
وإن قلت إن العلة في الأدباء ومذاهبهم ومناحيهم ودواعيهم وأسبابهم، سألناك: ولم قصروا عن الغاية، ولم وقعوا بالخلاف، وكيف ذهبوا عن المصلحة، وكيف اعتقمت الخواطر وفسدت الأذواق مع قيام الأدب الصحيح في كتبه مقام أمة من أهله أعرابًا وفصحاء وكتابًا وشعراء، ومع انفساح الأفق العقلي في هذا الدهر واجتماعه من أطرافه لمن شاء، حتى لتجد عقول نوابغ القارات الخمس تحتقب في حقيبة من الكتب، أو تصندق* في صندوق من الأسفار.
كيف ذهب الأدباء في هذه العربية نشرًا متبددين تعلو بهم الدائرة وتهبط،
__________
* كلمة وضعناها على قياس تحتقب.
(3/186)

فكل أعلى وكل أسفل؟ هذا فلان شاعر قد أحاط بالشعر عربية وغريبه وهو ينظمه ويفتن في أغراضه ويولد ويسرق وينسخ ويمسخ، وهو عند نفسه الشاعر الذي فقدته كل أمة من تاريخها ووقع في تاريخ العربية وحدها ابتلاء ومحنة؛ وهو ككل هؤلاء المغرورين يحسبون أنهم لو كانوا في لغات غير العربية لظهروا نجومًا، ولكن العربية جعلت كلًّا منهم حصاة بين الحصى، وتقرأ شعره فإذا هو شعر تتوهم من قراءته تقطيع ثيابك، إذا تجاذب نفسك لتفر منه فرارًا.
وهذا فلان الكاتب الذي والذي ... والذي يرتفع إلى أقصى السموات على جناحي ذبابة.
وهذا فرعون الأدب الذي يقول: أنا ربكم الأعلى! وهذا فلان وهذا فلان ...
أين يكون الزمام على هؤلاء وأمثالهم؛ ليعرفوا ما هم فيه كما هم فيه، وليضبطوا آراءهم وهواجسهم، وليعلموا أن حسابهم عند الناس لا عند أنفسهم فالواحدة منهم واحدة وإن توهموها مائة وتوهمها بعضهم ألفًا أو ألفين، ومتى قال الناس: غلطوا، فقد غلطوا، ومتى قالوا: سخفاء فهم سخفاء.
وأين الزمام عليهم وقد انطلقوا كأنهم مسخرون بالجبر على قانون من التدمير والتخريب، فليس فيهم إلا طبيعة مكابرة لا إقرار منها، باغية لا إنصاف معها، نافرة لا مساغ إليها، متهمة لا ثقة بها؛ طبيعة يتحول كل شيء فيها إلى أثر منها كما يتحول ماء الشجر في العود الرطب المشتعل إلى دخان أسود!
يرجع هذا الخلط في رأيي إلى سبب واحد: هو خلو العصر من إمام بالمعنى الحقيقي يلتقي عليه الإجماع ويكون ملء الدهر في حكمته وعقله ورأيه ولسانه ومناقبه وشمائله؛ فإن مثل هذا الإمام يخص دائمًا بالإرادة التي ليس لها إلا النصر والغلبة والتي تعطي القوة على قتل الصغائر والسفاسف؛ وهو إذا ألقي في الميزان عند اختلاف الرأي، وضع فيه بالجمهور الكبير من أنصاره والمعجبين بآدابه، وبالسواد الغالب من كل الفاعليات المحيطة به والمنجذبة إليه؛ ومن ثم تتهيأ قوة الترجيح ويتعين اليقين والشك؛ والميزان اليوم فارغ من هذه القوة فلا يرجح ولا يعين.
ومكانة هذا الإمام تحد الأمكنة، ومقداره يزن المقادير، فيكون هو المنطق الإنساني في أكثر الخلاف الإنساني: تقوم به الحجة، فتلزم وإن أنكرها المنكر،
(3/187)

وتمضي وإن عاند فيها المعاند، ويؤخذ بها وإن أصر المصر على غيرها؛ لأن بالإجماع على القياس بين التطرف في الزيادة أو التقصير؛ والإجماع إذا ضرب ضرب المعصية بالطاعة، والزيغ بالاستقامة، والعناد بالتسليم؛ فيخرج من يخرج وعليه وسمه. ويزيغ من يزيغ وفيه صفته، ويصر المكابر واسمه المكابر ليس غير، وإن هو تكذب وتأول، وإن زعم ما هو زاعم.
ولكل القواعد شواذ ولكن القاعدة هي إمام بابها؛ فما من شاذ يحسب نفسه منطلقًا مخلى، إلا هو محدود بها مردود إليها، متصل من أوسع جهاته بأضيق جهاتها؛ حتى ما يعرف أنه شاذ إلا بما تعرف به أنها قاعدة، فيكون شأنه في نفسه بما تعين هي له على مكرهته ومحبته.
والإمام ينبث في آداب عصره فكرًا ورأيًا، ويزيد فيها قوة وإبداعًا، ويزين ماضيها بأنه في نهايته، ومستقبلها بأنه في بدايته، فيكون كالتعديل بين الأمنة من جهة، والانتقال فيها من جهة أخرى؛ لأن هذا الإمام إنما يختار لإظهار قوة الوجود الإنساني من بعض وجوهها وإثبات شمولها وإحاطتها كأنه آية من آيات الجنس يأنس الجنس فيها إلى كماله البعيد، ويتلقى منه حكم التمام على النقص، وحكم القوة على الضعيف، وحكم المأمول على الواقع؛ ويجد فيه قومه كما يجدون في الحقيقة التي لا يكابر عندها متنطع بتأويل، وفي القوة التي لا يخالف عندها مبطل بعناد، وفي الشريفة التي لا يروغ منها متعسف بحيلة؛ ولن يضل الناس في حق عرفوا حده، فإن ما وراء الحد هو التعدي؛ ولن يخطئوا في حكم أصابوا وجهه فإن ما عدا الوجه هو الخلاف والمراء.
وقد طبع الناس في باب القدوة على غريزة لا تتحول، فمن انفرد بالكمال كان هو القدوة، ومن غلب كان هو السمت؛ ولابد لهم ممن يقتاسون به ويتوازنون فيه حتى يستقيموا على مراشدهم ومصالحهم، فالإمام كأنه ميزان من عقل، فهو يتسلط في الحكم على الناقص والوافي من كل ما هو بسبيله، ثم لا خلاف عليه؛ إذ كانت فيه أوزان القوى وزنًا بعد وزن، وكانت فيه منازل أحوالها منزلة بعد منزلة.
هو إنسان تتخير بعض المعاني السامية؛ لتظهر فيه بأسلوب عملي، فيكون في قومه ضربًا من التربية والتعليم بقاعدة منتزعة من مثالها، مشروحة بهذا المثال نفسه، فإليه يرد الأمر في ذلك وبتلوه يتلى وعلى سبيله ينهج، فما من شيء يتصل بالفن الذي هو إمام فيه، إلا كان فيه شيء منه، وهو من ذلك متصل بقوى النفوس
(3/188)

كأنه هداية فيها؛ لأنه بفنه حكم عليها، فيكون قوة وتنبيهًا، وتسهيلًا وإيضاحًا، وإبلاغًا وهداية؛ ويكون رجلًا وإنه لمعانٍ كثيرة، ويكون في نفسه وإنه لفي الأنفس كلها، ويعطي من إجلال الناس ما يكون به اسمه كأنه خلق من الحب طريقه على العقل لا على القلب.
ولعل ذلك من حكمة إقامة الخليفة في الإسلام ووجوب ذلك على المسلمين؛ فلا بد على هذه الأرض من ضوء في لحم ودم، وبعض معاني الخليفة في تنصيبه كبعض معاني "الشهيد المجهول" في الأمم المحاربة المنتصرة المتمدنة: رمز التقديس، ومعنى المفاداة، وصمت يتكلم، ومكان يوحي، وقوة تستمد، وانفراد بجمع، وحكم الوطنية على أهلها بأحكام كثيرة في شرف الحياة والموت؛ وبل الحرب مخبوءة في حفرة، والنصر مغطى بقبر؛ بل المجهول الذي فيه كل ما ينبغي أن يعلم.
فعصرنا هذا مضطرب مختل؛ إذ لا إمام فيه يجتمع الناس عليه، وإذ كل من يزعم نفسه إمامًا هو من بعض جهاته كأنه أبو حنيفة ولكن بغير فقه!
ولعمري ما نشأ قولهم: "الجديد والقديم" إلا لأن ههنا موضعًا خاليًا يظهر خلاؤه مكان الفصل بين الناحيتين ويجعل جهة تنماز من جهة، فمنذ مات الإمام الكبير الشيخ محمد عبده -رحمه الله- جرت أحداث، ونتأت رءوس، وزاغت طبائع وكأنه لم يمت رجل، بل رفع قرآن.
(3/189)

الأدب والأديب 1:
إذا اعتبرت الخيال في الذكاء الإنساني وأوليته دقة النظر وحسن التمييز، لم تجده في الحقيقة تقليدًا من النفس للألوهية بوسائل عاجزة منقطعة، قادرة على التصور والوهم بمقدار عجزها عن الإيجاد والتحقيق.
وهذه النفس البشرية الآتية من المجهول في أول حياتها، والراجعة إليه آخر حياتها، والمسددة في طريقه مدة حياتها، لا يمكن أن يتقرر في خيالها أن الشيء الموجود قد انتهى بوجوه، ولا ترضى طبيعتها بما ينتهي؛ فهي لا تتعاطى الموجود فيما بينها وبين خيالها على أنه قد فرغ منه فما يبدأ، وتم فما يزاد، وخلد فلا يتحول؛ بل لا تزال تضرب ظنها وتصرف وهمها في كل ما تراه أو يتلجلج في خاطرها، فلا تبرح تتلمح في كل وجود غيبًا، وتكشف من الغامض وتزيد في غموضه، وتجري دأبًا على مجاريها الخيالية التي توثق صلتها بالمجهول؛ فمن ثم لا بد في أمرها مع الموجود مما لا وجود له، تتعلق به وتسكن إليه؛ وعلى ذلك لا بد في كل شيء -مع المعاني التي له في الحق- من المعاني التي له في الخيال؛ وها هنا موضع الأدب والبيان في طبيعة النفس الإنسانية، فكلاهما طبيعي فيها كما ترى.
وإذا قيل: الأدب، فاعلم أنه لا بد معه من البيان؛ لأن النفس تخلق فتصور فتحسن الصورة؛ وإنما يكون تمام التركيب في معرضه وجمال صورته ودقة لمحاته؛ بل ينزل البيان من المعنى الذي يلبسه منزلة النضج من الثمرة الحلوة إذا كانت الثمرة وحدها قبل النضج شيئًا مسمى أو متميزًا بنفسه، فلن تكون بغير النضج شيئًا تامًا ولا صحيحًا، وما بد من أن تستوفي كمال عمرها الأخضر الذي هو بيانها وبلاغتها.
وهذه مسألة كيفما تناولتها فهي هي حتى تمضيها على هذا الوجه الذي رأيت في الثمرة ونضجها، فإن البيان صناعة الجمال في شيء جماله هو من فائدته،
__________
1 انظر ص234 "حياة الرافعي".
(3/190)

وفائدته من جماله؛ فإذا خلا من هذه الصناعة التحق بغيره، وعاد بابًا من الاستعمال بعد أن كان بابًا من التأثير؛ وصار الفرق بين حاليه كالفرق بين الفاكهة؛ إذ هي باب من النبات، وبين الفاكهة إذ هي باب من الخمر؛ ولهذا كان الأصل في الأدب البيان والأسلوب في جميع لغات الفكر الإنساني، لأنه كذلك في طبيعة النفس الإنسانية.
فالغرض الأول للأدب المبين أن يخلق للنفس دنيا المعاني الملائمة لتلك النزعة الثابتة فيها إلى المجهول وإلى مجاز الحقيقة، وأن يلقي الأسرار في الأمور المكشوفة بما يتخيل فيها، ويرد القليل من الحياة كثيرًا وافيًا بما يضاعف من معانيه، ويترك الماضي منها ثابتًا قارًا بما يخلد من وصفه، ويجعل المؤلم منها لذًّا خفيفًا بما يثبث فيه من العاطفة والمملول ممتعًا حلوًا بما يكشف فيه من الجمال والحكمة؛ ومدار ذلك كله على إيتاء النفس لذة المجهور التي هي في نفسها لذة مجهولة أيضًا؛ فإن هذه النفس طلعة متقلبة، لا تبتغي مجهولًا صرفًا ولا معلومًا صرفًا، كأنها مدركة بفطرتها أن ليس في الكون صريح مطلق ولا خفي مطلق؛ وإنما تبتغي حالة ملائمة بين هذين، يثور فيها قلق أو يسكن منها قلق.
وأشواق النفس هي مادة الأدب؛ فليس يكون أدبًا إلا إذا وضع المعنى في الحياة التي ليس لها معنى، أو كان متصلًا بسر هذه الحياة فيكشف عنه أو يومئ إليه من قريب، أو غيَّر للنفس هذه الحياة تغييرًا يجيء طباقًا لغرضها وأشواقها؛ فإنه كما يرحل الإنسان من جو إلى جو غيره، ينقله الأدب من حياته التي لا تختلف إلى حياة أخرى فيها شعورها ولذتها وإن لم يكن لها مكان ولا زمان؛ حياة كملت فيها أشواق النفس؛ لأن فيها اللذات والآلام بغير ضرورات ولا تكاليف؛ ولعمري ما جاءت الجنة والنار في الأديان عبثًا؛ فإن خالق النفس بما ركبه فيها من العجائب، لا يحكم العقل أنه قد أتم خلقها إلا بخلق الجنة والنار معها؛ إذ هما الصورتان الدائمتان المتكافئتان لأشواقها الخالدة إن هي استقامت مسددة أو انعكست حائلة.
وقد صح عندي أن النفس لا تتحقق من حريتها ولا تنطلق انطلاقتها الخالدة فتحس وحدة الشعور ووحدة الكمال الأسمى إلا في ساعات وفترات تنسل فيها من زمنها وعيشها ونقائضها واضطرابها إلى "منطقة حياد" خارجة وراء الزمان والمكان؛ فإذا هبطتها النفس فكأنما انتقلت إلى الجنة واستروحت الخلد؛ وهذه المنطقة السحرية لا تكون إلا في أربعة: حبيب فاتن معشوق أعطي قوة سحر النفس، فهي تنسى به؛ وصديق محبوب وفي أوتي قوة جذب النفس، فهي تنسى
(3/191)

عنده؛ وقطعة أدبية آخذة، فهي ساحرة كالحبيب أو جاذبة كالصديق؛ ومنظر فني رائع، ففيه من كل شيء شيء.
وهذه كلها تنسي المرء زمنه مدة تطول وتقتصر؛ وذلك فيها دليل على أن النفس الإنسانية تصيب منها أساليب روحية لاتصالها هنيهة بالروح الأزلي في لحظات من الشعور كأنها ليست من هذه الدنيا وكأنها من الأزلية؛ ومن ثم نستطيع أن نقرر أن أساس الفن على الإطلاق هو ثورة الخالد في الإنسان على الفاني فيه؛ وأن تصوير هذه الثورة في أوهامها وحقائقها بمثل اختلاجاتها في الشعور والتأثير- هو معنى الأدب وأسلوبه.
ثم إن الاتساق والخير والحق والجمال -وهي التي تجعل للحياة الإنسانية أسرارها- أمور غير طبيعية في عالم يقوم على الاضطراب والأثرة والنزاع والشهوات؛ فمن ذلك يأتي الشاعر والأديب وذو الفن علاجًا من حكمة الحياة للحياة، فيبدعون لتلك الصفات الإنسانية الجميلة عالمها الذي تكون طبيعية فيه، وهو عالم أركانه الاتساق في المعاني التي يجري فيها، والجمال في التعبير الذي يتأدى به، والحق في الفكر الذي يقوم عليه، والخير في الغرض الذي يساق له، ويكون في الأدب من النقص والكمال بحسب ما يجتمع له من هذه الأربعة، ولا معيار أدق منها إن ذهبت تعتبره بالنظر والرأي؛ ففي عمل الأديب تخرج الحقيقة مضافًا إليها الفن، ويجيء التعبير مزيدًا فيه الجمال، وتتمثل الطبيعة الجامدة خارجة من نفس حية، ويظهر الكلام وفيه رقة حياة القلب وحرارتها وشعورها وانتظامها ودقها الموسيقي؛ وتلبس الشهوات الإنسانية شكلها المهذب لتكون بسبب من تقرير المثل الأعلى، الذي هو السر في ثورة الخالد من الإنسان على الفاني، والذي هو الغاية الأخيرة من الأدب والفن معًا؛ وبهذا يهب لك الأدب تلك القوة الغامضة التي تتسع بك حتى تشعر بالدنيا وأحداثها مارة من خلال نفسك، وتحس الأشياء كأنها انتقلت إلى ذاتك؛ وذلك سر الأديب العبقري؛ فإنه لا يرى الرأي بالاعتقاب1 والاجتهاد كما يراه الناس، وإنما يحس به؛ فلا يقع له رأيه بالفكر، بل يلهمه إلهامًا؛ وليس يؤاتيه الإلهام إلا من كون الأشياء تمر فيها بمعانيها وتعبره كما تعبر السفن النهر، فيحس أثرها فيه فيلهم ما يلهم، ويحسبه الناس نافذًا بفكره من خلال الكون، على حين أن حقائق الكون هي النافذة من خلاله.
__________
1 الاعتقاب: إطالة النظر وكذا الفكر.
(3/192)

ولو أردت أن تعرف الأديب من هو، لما وجدت أجمع ولا أدق في معناه من أن تسميه الإنسان الكوني، وغيره هو الإنسان فقط؛ ومن ذلك ما يبلغ من عمق تأثره بجمال الأشياء ومعانيها، ثم ما يقع من اتصال الموجودات به بآلامها وأفراحها؛ إذ كانت فيه مع خاصة الإنسان خاصية الكون الشامل، فالطبيعة تثبت بجمال فنه البديع أنه منها، وتدل السماء بما في صناعته من الوحي والأسرار أنه كذلك منها، وتبرهن الحياة بفلسفته وآرائه أنه هو أيضًا منها؛ وهذا وذاك وذلك هو الشمول الذي لا حد له، والاتساع الذي كل آخر فيه لشيء، أولٌ فيه لشيء.
وهو إنسان يدله الجمال على نفسه ليدل غيره عليه، وبذلك زيد على معناه معنى، وأضيف إليه في إحساسه قوة إنشاء الإحساس في غيره؛ فأساس عمله دائمًا أن يزيد على كل فكرة صورة لها، ويزيد على كل صورة فكرة فيها، فهو يبدع المعاني للأشكال الجامدة فيوجد الحياة فيها، ويبدع الأشكال للمعاني المجردة فيوجدها هي في الحياة، فكأنه خلق ليتلقى الحقيقة ويعطيها للناس ويزيدهم فيها الشعور بجمالها الفني؛ وبالأدباء والعلماء تنمو معاني الحياة، كأنما أوجدتهم الحكمة؛ لتنقل بهم الدنيا من حالة إلى حالة؛ وكأن هذا الكون العظيم يمر في أدمغتهم ليحقق نفسه.
ومشاركة العلماء للأدباء توجب أن يتميز الأديب بالأسلوب البياني؛ إذ هو كالطابع على العمل الفني، وكالشهادة من الحياة المعنوية لهذا الإنسان الموهوب الذي جاءت من طريقه، ثم لأن الأسلوب هو تخصيص لنوع من الذوق وطريقة من الإدراك، كأن الجمال يقول بالأسلوب: إن هذا هو عمل فلان.
وفضل ما بين العالم والأديب، أن العالم فكرة، ولكن الأديب فكرة وأسلوبها؛ فالعلماء هم أعمال متصلة متشابهة يشار إليهم جملة واحدة، على حين يقال في كل أديب عبقري: هذا هو، هذا وحده؛ وعلم الأديب هو النفس الإنسانية بأسرارها المتجهة إلى الطبيعة، والطبيعة بأسرارها المتجهة إلى النفس؛ ولذلك فموضع الأديب من الحياة موضع فكرة حدودها من كل نواحيها الأسرار.
وإذا رأى الناس هذه الإنسانية تركيبًا تامًّا قائمًا بحقائقه وأوصافه، فالأدب العبقري لا يراها إلا أجزاء، كأنما هو يشهد خلقها وتركيبها، وكأنما أمرها في "معمله"، أو كأن الله -سبحانه- دعاه ليرى فيها رأيه ... وبذلك يجيء النابغ من أدب العباقرة وبعضه كالمقترحات لتجميل الدنيا وتهذيب الإنسانية، وبعضه كالموافقة وإقرار الحكمة؛ وأساسه على كل هذه الأحوال النقد، ثم النقد، ولا
(3/193)

شيء غير النقد؛ كأن القوة الأزلية تقول لهذا الملهم: أنت كلمتي فقل كلمتك..
وترى الجمال حيث أصبته شيئًا واحدًا لا يكبر ولا يصغر، ولكن الحس به يكبر في أناس ويصغر في أناس؛ وها هنا يتأله الأدب؛ فهو خالق الجمال في الذهن، والممكن للأسباب المعينة على إدراكه وتبين صفاته ومعانيه، وهو الذي يقدر لهذا العالم قيمته الإنسانية بإضافة الصور الفكرية والجميلة إليه، ومحاولته إظهار النظام المجهول في متناقضات النفس البشرية، والارتفاع بهذه النفس عن الواقع المنحط المجتمع من غشاوة الفطرة وصولة الغريزة وغرارة الطبع الحيواني.
وإذا كان الأمر في الأدب على ذلك؛ فباضطرار أن تتهذب فيه الحياة وتتأدب، وأن يكون تسلطه على بواعث النفس دربة لإصلاحها وإقامتها، لا لإفسادها والانحراف بها إلى الزيغ والضلالة؛ وباضطرار أن يكون الأديب مكلفًا تصحيح النفس الإنسانية، ونفي التزوير عنها، وإخلاصها مما يلتبس بها على تتابع الضرورات؛ ثم تصحيح الفكرة الإنسانية في الوجود، ونفي الوثنية عن هذه الفكرة، والسمو بها إلى فوق، ثم إلى فوق، ودائمًا إلى فوق!
وإنما يكلف الأديب ذلك لأنه مستبصر من خصائصه التمييز وتقدم النظر وتسقط الإلهام، ولأن الأصل في عمله الفني ألا يبحث في الشيء نفسه، ولكن في البديع منه؛ وألا ينظر إلى وجوده، بل إلى سره؛ ولا يعني بتركيبه، بل بالجمال في تركيبه؛ ولأن مادة عمله أحوال الناس، وأخلاقهم، وألوان معايشهم، وأحلامهم، ومذاهب أخيلتهم وأفكارهم في معنى الفن، وتفاوت إحساسهم به، وأسباب مغاويهم ومراشدهم؛ يسدد على كل ذلك رأيه، ويجيل فيه نظره، ويخلطه في نفسه، وينفذه من حواسه، كأنما له في السرائر القبض والبسط، وكأنه ولي الحكم على الجزء الخفي في الإنسان يقوم على سياسته وتدبيره، ويهديه إلى المثل الأعلى، وهل يخلق العبقري إلا كالبرهان من الله لعباده على أن فيهم من يقدر على الذي هو أكمل والذي هو أبدع، حتى لا ييأس العقل الإنساني ولا ينخذل، فيستمر دائبًا في طلب الكمال والإبداع اللذين لا نهاية لهما؟
فالأديب يشرف على هذه الدنيا من بصيرته فإذا وقائع الحياة في حذو واحد من النزاع والتناقض، وإذا هي دائبة في محق الشخصية الإنسانية، تاركة كل حي من الناس كأنه شخص قائم من عمله وحوادثه وأسباب عيشه؛ فإذا تلجلج ذلك في نفس الأديب اتجهت هذه النفس العالية إلى أن تحفظ للدنيا حقائق الضمير
(3/194)

والإنسانية والإيمان والفضيلة، وقامت حارسة على ما ضيع الناس، وسخرت في ذلك تسخيرًا لا تملك معه أن تأبى منه، ولا يستوي لها أن تغمض فيه؛ ونقلت الإنسانية كلها ووضعت على مجاز طريقها أين توجهت، فتأكد الأمر فيها، ووصل بها، وعلمت أنها من خالصة الله، رسالتها للعالم هي تقرير الحب للمتعادين، وبسط الرحمة للمتنازعين، وأن تجمع الكل على الجمال وهو لا يختلف في لذته وتصل بينهم بالحقيقة وهي لا تتفرق في موعظتها، وتشعرهم الحكمة وهي لا تتنازع في مناحيها: فالأدب من هذه الناحية يشبه الدين: كلاهما يعين الإنسانية على الاستمرار في عملها، وكلاهما قريب من قريب؛ غير أن الدين يعرض للحالات النفسية ليأمر وينهي، والأدب يعرض لها ليجمع ويقابل؛ والدين يوجه الإنسان إلى ربه، والأدب يوجهه إلى نفسه؛ وذلك وحي الله إلى الملك إلى نبي مختار، وهذا وحي الله إلى البصيرة إلى إنسان مختار.
فإن لم يكن للأديب مثل أعلى يجهد في تحقيقه ويعمل في سبيله، فهو أديب حالة من الحالات، لا أديب عصر ولا أديب جيل؛ وبذلك وحده كان أهل المثل الأعلى في كل عصر هم الأرقام الإنسانية التي يلقيها العصر في آخر أيامه ليحسب ربحه وخسارته ...
ولا يخدعنك عن هذا أن ترى بعض العبقريين لا يؤتى في أدبه أو أكثره إلا إلى الرذائل، يتغلغل فيها، ويتملأ بها، ويكون منها على ما ليس عليه أحد إلا السفلة والحشوة من طغام الناس ورعاعهم؛ فإن هذا وأضرابه مسخرون لخدمة الفضيلة وتحقيقها من جهة ما فيها من النهي؛ ليكونوا مثلًا وسلفًا وعبرة؛ وكثيرًا ما تكون الموعظة برذائلهم أقوى وأشد تأثيرًا مما هي في الفضائل؛ بل هم عندي كبعض الأحوال النفسية الدقيقة التي يأمر فيها النهي أقوى مما يأمر الأمر، على نحو ما يكون من قراءتك موعظة الفضيلة الأدبية التي تأمرك أن تكون عفيفًا طاهرًا؛ ثم ما يكون من رؤيتك الفاجر المبتلى المشوه المتحطم الذي ينهاك بصورته أن تكون مثله؛ ولهذه الحقيقة القوية في أثرها -حقيقة الأمر بالنهي- يعمد النوابغ في بعض أدبهم إلى صرف الطبيعة النفسية عن وجهها، بعكس نتيجة الموقف الذي يصورونه، أو الإحالة في الحادثة التي يصفونها؛ فينتهي الراهب التقي في القصة ملحدًا فاجرًا، وترتد المرأة البغي قديسة، ويرجع الابن البر قاتلًا مجنونًا جنون الدم؛ إلى كثير مما يجري في هذا النسق، كما تراه لأناطول فرانس وشكسبير وغيرهما، وما كان ذلك عن غفلة منهم ولا شر، ولكنه أسلوب من الفن، يقابله
(3/195)

أسلوب من الخلق؛ ليبدع أسلوبًا من التأثير؛ وكل ذلك شاذ معدود ينبغي أن ينحصر ولا يتعدى؛ لأنه وصف لأحوال دقيقة طارئة على النفس، لا تعبير عن حقائق ثابتة مستقرة فيها.
والشرط في العبقري الذي تلك صفته وذلك أدبه، أن يعلو بالرذيلة ... في أسلوبه ومعانيه، آخذًا بغاية الصنعة، متناهيًا في حسن العبارة؛ حتى يصبح وكأن الرذائل هي اختارت منه مفسرها العبقري الشاذ الذي يكون في سمو فنه البياني هو وحده الطرف المقابل لسمو العبارة عن الفضيلة، فيصنع الإلهام في هذا وفي هذا صنعه الفني بطريقة بديعة التأثير، أصلها في أديب الفضيلة ما يريده ويجاهد فيه، وفي أديب الرذيلة ما يقوده ويندفع إليه، كأن منهما إنسانًا صار ملكًا يكتب، وإنسانًا عاد حيوانًا يكتب ...
وإذا أنت ميَّلت بين رذيلة الأديب العبقري في فنه، ورذيلة الأديب الفسل الذي يتشبه به -في التأليف والرأي والمتابعة والمذهب- رأيت الواحدة من الأخرى كبكاء الرجل الشاعر من بكاء الرجل الغليظ الجلف: هذا دموعه ألمه، وذاك دموعه ألمه وشعره؛ وفي كتابة هذه الطبقة من العبقريين خاصة يتحقق لك أن الأسلوب هو أساس الفن الأدبي، وأن اللذة به هي علامة الحياة فيه؛ إذ لا ترى غير قطعية أدبية فنية، شاهدها من نفسها على أنها بأسلوبها ليست في الحقيقة إلا نكتة نفسية لاهتياج البواعث في نفوس قرائها، وأنها على ذلك هي أيضًا مسألة من مسائل الإنسانية مطروحة للنظر والحل، بما فيها من جمال الفن ودقائق التحليل.
واللذة بالأدب غير التلهي به واتخاذه للعبث والبطالة فيجيء موضوعًا على ذلك فيخرج إلى أن يكون ملهاة وسخفًا ومضيعة؛ فإن اللذة به آتية من جمال أسلوبه وبلاغة معانيه وتناوله الكون والحياة بالأساليب الشعرية التي في النفس، وهي الأصل في جمال الأسلوب؛ ثم هو بعد هذه اللذة منفعة كله كسائر ما ركب في طبيعة الحي؛ إذ يحس الذوق لذة الطعام مثلًا على أن يكون من فعلها الطبيعي استمراء التغذية لبناء الجسم وحفظ القوة وزيادتها؛ أما التلهي فيجيء من سخف الأدب؛ وفراغ معانيه، ومؤاتاته الشهوات الخسيسة والتماسه الجوانب الضيقة من الحياة؛ وذلك حين لا يكون أدب الشعب ولا الإنسانية بل أدب فئة بعينها وأحوالها؛ فإن أديب صناعته أو أديب جماعته، غير أديب قومه وأديب عصره، أحدهما إلى حد محدود من الحياة، والآخر عمل جامع مستمر متفنن؛ لأن عمله
(3/196)

الأدبي وهو وجوده، وكل شيء في قومه لا يبرح يقول له: اكتب ...
ومن الأصول الاجتماعية التي لا تتخلف، أنه إذا كانت الدولة للشعب، كان الأدب أدب الشعب في حياته وأفكاره ومطامحه وألوان عيشه، وزخر الأدب بذلك وتنوع وافتن وبني على الحياة الاجتماعية؛ فإن كانت الدولة لغير الشعب، كان الأدب أدب الحاكمين وبني على النفاق والمداهنة والمبالغة الصناعية والكذب والتدليس، ونضب الأدب من ذلك وقل وتكرر من صورة واحدة؛ وفي الأولى يتسع الأديب من الإحساس بالحياة وفنونها وأسرارها في كل من حوله، إلى الإحساس بالكون ومجاليه وأسراره في كل ما حوله؛ أما الثانية فلا يحس فيها إلا أحوال نفسه وخليطه، فيصبح أدبه أشبه بمسافة محدودة من الكون الواسع لا يزال يذهب فيها ويجيء حتى يمل ذهابه ومجيئه.
والعجب الذي لم يتنبه له أحد إلى اليوم من كل من درسوا الأدب العربي قديمًا وحديثًا، أنك لا تجد تقرير المعنى الفلسفي الاجتماعي للأدب في أسمى معانيه إلا في اللغة العربية وحدها، ولم يغفل عنه مع ذلك إلا أهل هذه اللغة وحدهم!
فإذا أردت الأدب الذي يقرر الأسلوب شرطًا فيه، ويأتي بقوة اللغة صورة لقوة الطباع، وبعظيمة الأداء صورة لعظمة الأخلاق، وبرقة البيان صورة لرقة النفس، وبدقته المتناهية في العمق صورة لدقة النظر إلى الحياة؛ ويريك أن الكلام أمة من الألفاظ عاملة في حياة أمة من الناس، ضابطة لها المقاييس التاريخية، محكمة لها الأوضاع الإنسانية، مشترطة فيها المثل الأعلى، حاملة لها النور الإلهي على الأرض ...
.... وإذا أردت الأدب الذي ينشئ الأمة إنشاء ساميًا، ويدفعها إلى المعالي دفعًا، ويردها عن سفاسف الحياة، ويوجهها بدقة الإبرة المغناطيسية إلى الآفاق الواسعة، ويسددها في أغراضها التاريخية العالية تسديد القنبلة خرجت من مدفعها الضخم المحرز المحكم، ويملأ سرائرها يقينًا ونفوسها حزمًا وأبصارها نظرًا وعقولها حكمة، وينفذ بها من مظاهر الكون إلى أسرار الألوهية ...
... إذا أردت الأدب على كل هذه الوجوه من الاعتبار -وجدت القرآن الحكيم قد وضع الأصيل الحي في ذلك كله، وأعجب ما فيه أنه جعل هذا الأصل مقدسًا، وفرض هذا التقديس عقيدة، واعتبر هذه العقيدة ثابتة لن تتغير؛ ومع ذلك كله لم يتنبه له الأدباء ولم يحدوا بالأدب حذوه، وحسبوه دينًا فقط، وذهبوا بأدبهم
(3/197)

إلى العبث والمجون والنفاق؛ كأنه ليس منهم إلا بقايا تاريخ محتضر بالعلل القائلة، ذاهب إلى الفناء الحتم!
والقرآن بأسلوبه ومعانيه وأغراضه لا يستخرج منه للأدب إلا تعريف واحد هو هذا: إن الأدب هو السمو بضمير الأمة.
ولا يستخرج منه للأديب إلا تعريف واحد هو هذا: إن الأديب هو من كان لأمته وللغتها في مواهب قلمه لقب من ألقاب التاريخ.
(3/198)

سر النبوغ في الأدب 1:
لو ترجمنا الخاطرة التي تمر في ذهن الحيوان الذكي حين ينقاد في يد رجل ضعيف أبله يصرفه ويديره على أغراضه، فنقلناها من فكر الحيوان إلى لغتنا، وأديناها بمعنى مما بين الإنسان والحيوان -لكانت في العبارة هكذا: ما أنت أيها الأبله فيما يبني وبين الحقيقة المدبرة للكون إلا نبي مرسل صلى الله عليه وسلم ... ذلك أن التركيب الذي يبين به الإنسان من الحيوان قد جعل دماغ هذا الحيوان خاتمًا من الله دمغ به على خصائصه فأفرغه الله في جلده، ووضع في رأسه ذلك القفل الإلهي الذي حبسه في باب الاضطرار من غرائزه البهيمية، وأقفل به على الدنيا العقلية المتسعة بينه وبين الإنسان؛ فالكون عنده لغو كله ليس فيه إلا حقائق يسيرة، ثم لا تفسير لهذه الحقائق إلا من طبيعته هو، فجلده أدق تفسير فلكي ... للشمس والنور والهواء وما يجيء منها؛ وجوفه أصح تعبير جغرافي ... للكرة الأرضية وما تحمل، وجوعه وشبعه هما كل فلسفة الشر والخير في العالم! ...
فأساس الذكاء عاليًا ونازلًا هو التركيب الطبيعي لا غيره: لو زادت في الدماغ ذرة أو نقصت لزادت للدنيا صورة أو نقصت؛ فبالضرورة تكون هذه هي القاعدة فيما نرى من تباين حدة الذكاء في أفراد كل نوع من الحيوان، وما نشهد من ذلك في أحوال الناس، من الفطنة إلى الذكاء* إلى الألمعية إلى الجهبذة إلى النبوغ إلى العبقرية؛ وهي طبقات من ألفاظ اللغة لأحوال قائمة من هذه المعاني ترجع إلى درجات ثابتة في تركيب الدماغ.
ومما يسجد له العقل الإنساني سجدة طويلة إذا هو تأمل في حكمة الله ومر يتصفح من أسرار ما نحن بسبيله من الكلام على النبوغ -أن هذا الوجود الذي يحمل أسرار الألوهية في كرة متقاذفة في الفضاء الأبدي، وأن الأرض التي تحمل
__________
1 المقتطف: يناير سنة 1933.
* عندنا أن الفطنة في اللغة، دون الذكاء؛ تقابل ما عند الحيوان من التنبه؛ والذكاء: والتوقد واللهيان.
(3/199)

أسرار الإنسانية، هي كرة طائرة فيما مد لها من الوجود، وأن كل حي فيها يحمل أسرار حياته في كرة خاصة به هي رأسه، وأن الوجود من كل حي هو بعد ذلك ليس شيئًا في النظر ولا في الحس ولا في الفهم إلا كما يرى ويحس ويفهم في هذا الرأس بعينه على طريقته وتركيبه، فيصعد التدريج إلى الكبير إلى الأكبر، وينزل إلى الصغير إلى الأصغر؛ ثم لا معنى لما صعد إلا مما نزل، وبهذا ستكون آخرة جميع العلوم متى نفذ العلماء إلى السر الحقيقي، أن العقل الإنساني فهم كل شيء ولم يفهم شيئًا ...
والناس يختلفون بتركيب أدمغتهم على شبيه من هذا التدريج؛ فأما واحد فيكون دماغه باعتباره من سائر الناس في الذكاء والعقل كالوجود المحيط، وأما آخر فكالشمس، ثم غيرهما كالأرض، ثم الرابع كالإنسان، ثم يكون منهم كالحيوان ومنهم كالحشرة؛ ولا علة لك لهذا إلا ما هيأت الأقدار "بأسبابها الكثيرة"، لكل إنسان في تركيب دماغه في نوع المادة السنجابية من المخ، وأحوال التركيب في الملايين من الخلايا العصبية، وما لا يعد من فروع هذه الخلايا وشعبها: ثم ما يكون من قبل العلاقات بين هذه الفروع التي هي لكل رأس كرمل الكرة الأرضية، ثم اختلاف مقادير المواد الكيماوية التي تتخلق في غدد الجسم وتنفثها الغدد في الدم.
فقد يكون العمل النابغ المتمرد على العقول آتيًا من قطرة في هذه الغدد، كما ينبعث العملاق المارد بعظامه الممتدة وألواحه المشبوحة من غدته النخامية لا غيرها.
فالذكي من ذكي مثله إنما هو كالجيش من جيش بإزائه: يقع الاختلاف بينهما فيما اشتملا عليه من كثرة الجند، وصفاتهم من القوة والضعف، وأحوالهم من النظام والاختلال، وقوة آلاتهم ومقدارها ونوع الاختراع فيها، ثم طبيعة موضعهم وحسن توجيههم وقيادتهم، وما اكتنفهم من صعب أو سهل، وما تظاهر علهيم من الحوادث والأقدار، ثم التوفيق الذي لا حيلة فيه إن وقع في حصة أحدهما واستقر، أو وقع هونًا وطار للآخر، وبنحو من هذا كله تكون المفاضلة إذا وازنت بين اثنين من النوابغ في حقيقة نبوغهما.
فالنابغة خلق من خالقه، يصنع كما ترى بأقدار الله؛ إذ هو قدر على قومه وعلى عصره، وهو من الناس كالورقة الرابحة من ورق السحب "اليانصيب": سلة يد جعلتها مالًا وتركت الباقيات ورقًا وأحدثت بينهما الفرق الذهبي؛ وبهذا لا يستطيع العالم أن يزيد الدنيا نابغة إلا إذا استطاع أن يزيد في الكوكب نجمًا
(3/200)

فيصنعه؛ وهبه صنعه من الكهرباء، فيبقى أن يحمله، وإذا حمله بقي أن يرفعه إلى السموات؛ وهبه قد رفعه فيبقى كل شيء ... يبقى عليه أن يقحمه في النجوم ويرسله فيها يدور وينفلك.
وكما يخلق النابغة بتركيبه، تخلق له الأحوال الملائمة لعمله الذي خص به في أسرار التقدير عاملًا نافعًا، وإن كانت لا تلائمه هو منتفعًا؛ فإنه هو غير مقصود إلا من حيث إنه وسيلة أو آلة تكابد ما تحتمل في أعمالها، ويؤتى لها لتأخذ على طريقة وتعطي على طريقة؛ وبذلك يرجع التقدير إلى أن يكون العقل لنابغة دليلًا للناس من الناس أنفسهم على الخالق الذي هو وحده أمره الأمر.
وإذا كان الجمال يستعلن في كلام هؤلاء النوابغ، والخيال يظهر في تعبيرهم، والحكمة تهبط إلى الدنيا في تفكيرهم، والمثل الأعلى هم الداعون إليه، والأشواق النفسية هم موقظوها، والعواطف هم المصورون لها، وسرور الحياة هم الذين حولوه إلى الفن -إذا كان هذا كله فهذا كله إنما هو توكيد لاتصالهم بالقوة الأزلية المدبرة، وأنهم أدواتها في هذه المعاني؛ فما هي أعمالهم أكثر مما هي أعمالها؛ وقد يظن الناس أن النابغة يلتمس القوى المحيط به ليبدع منها، والحقيقة أنها هي تلتمسه لتبدع به.
وبعده؛ فالنابغة كأنه إنسان من الفلك، فهو يخزن الأشعة العقلية ويريقها، وفي يده الأنوار والظلال والألوان يعمل بها عمل الفجر كلما أظلمت على الناس معاني الحياة؛ ولا تزال الحكمة تلقي إليه الفكرة الجميلة ليعطيها هو صورة فكرتها، وتوحي إليه معنى الحلق ليؤتيها هو معنى جمال الحلق؛ والطبيعة خلقها الله وحده، ولكنها ليست معقولة إلا بالعلم، وليست جميلة إلا بالشعر، وليست محبوبة إلا بالفن؛ فالنوابغ في هذا كله هم شروح وتفاسير حول كلمات الله، وكلهم يشعر بالوجود فنًّا كاملًا ويشعر بنفسه شرحًا لأشياء من هذا الفن، ويرى معاني الطبيعة كأنما تأتيه تلتمس في كتابته وشعره حياة أكبر وأوسع مما هي فيه من حقائقها المحدودة، وتتعرض له أحزان الإنسانية تسأله أن يصحح الرأي فيها باستخراج معناها الخيالي الجميل، فإنها وإن كانت آلامًا وأحزانًا إلا أن معناها الخيالي هو سرور تحمله للناس؛ إذ كان من طبيعة النفس البشرية أن تسكن إلى وصف آلامها وفلسفة حكمتها حين تبدو بصائرها حاملة أثرها الإلهي، كأن المؤلم ليس هو الألم، وإنما هو جهل سره.
وبالجملة فالكون يختار في كل شيء مفسره العبقري ليكشف من غموضه
(3/201)

ويزيد فيه أيضًا ... ثم ليؤتى الناس المثل الأعلى من المعنى على يد المثل الأعلى من الفكر؛ ولهذا تصيب الكلام الذي يكتبه النابغة الملهم في أوقات التجلي عليه كأنه كلام صور نفسه وصاغها، أو كأنه قطعة من الحس قد جمدت في أسطر؛ ولا بد أن تشعرك الجملة أنها قذفت وحيا؛ إذ لا تجدها إلا وكأن في كلماتها روحًا يرتعض؛ ولقد يخطر لي وأنا أقرأ بعض المعاني الجميلة لذهن من الأذهان الملهمة كشكسبير والمتنبي وغيرهما -حين أتأمل اختراع المعنى وإبداع سياقه وضحى البيان عليه وإشراقه فيه وما أتيح له من جلال ظاهر في شكل حي يلمح بسره في النفس- يخيل إلي من ذلك أن سر الطبيعة القادر يعمل عمله أحيانًا بذهن إنساني ليخلق تعبيرًا عن جلاله في مثل جلاله.
وأنت فلو أخذت معنى من هذه المعاني الآتية من الإلهام وأجريته في كتابة كاتب أو شعر شاعر من الدين ليس لهم إلا أذهانهم يكدونها، وكتبهم يجعلونها أذهانهم أحيانًا ... لرأيت الفرق بين شيء وشيء في أحسن ما أنت واجده لهم على نحو ما ترى بين زهرة حريرية جاءت من عمل الإنسان بالإبرة والخيط، وزهرة أخرى قد انبثقت عطرة ناضرة في غصنها الأخضر من عمل الحياة بالسماء والأرض.
والعبقري هو أبدًا وراء ما لا ينتهي من جمال، أوله في نفسه وآخره في الجمال الأقدس الذي مسح على هذه النفس الجميلة السامية؛ فما دام فيه سر العبقرية فهو دائب يعمل ممزقًا حياته في سبحات النور تمزيقًا يجتمع منه أدبه؛ وما أدبه إلا صورة حياته؛ وهو كلما أبدع شيئا طلب الذي هو أبدع منه؛ فلا يزال متألمًا إن عمل لأن طبيعته لا تقف عند غاية من عمله، ومتألمًا إن لم يعمل؛ لأن تلك الطبيعة بعينها لا تهدأ إلا في عمل، وهي طبيعة متمردة بذلك الجمال الأقدس تمرد العشق في حامله؛ إذ هما صورتان لأمر واحد كما سنشير إليه؛ فكل ما تجده في نفس العاشق المتدلة مما يترامى به إلى جنونه وهلاكه، تجد شبهًا منه في نفس العبقري؛ فكلاهما قانونه من طبيعة وحدها؛ إذ قد اتخذت حياته شكلها الفني من ذوقه هو وحده؛ فليس يتبع طريقة أحد، بل هو في طريقة نفسه1، وكلاهما مسترسل
__________
1 لا وجه عندنا لما استعمله بعض الكتاب في الأدب من قولهم مدرسة امرئ القيس، ومدرسة النابغة ونحو ذلك، ترجمة حرفية لقول الأوروبيين مدرسة فلان ومدرسة فلان؛ فإن الأدب إن كان تقليدًا فهو أدب منحطٌّ لا يجعل مدرسة يحتذى عليها ويتخرج بها، وإن كان إبداعًا فليس الإبداع مدرسة تكون بالتعليم والتلقين ويتخرج بها الواحد والمائة والألف على طراز لا يختلف؛ إنما تنطبق هذه الكلمة على المذاهب المستقرة في الفنون التعليمية، وفي هذا لا
(3/202)

أبدًا إلى جمال مستفيض على روحه يتقلب فيها باللذة والألم يرجع إليه ويستمد منه، وكلاهما لا يجد المعنى الجميل في الطبيعة معنى، بل رسولًا من الجمال أرسل إليه وحده، ولا يزال يشعر في كل وقت أن له رسائل ورسلًا هو بعد في انتظارها، وكلاهما متى ظفر بشيء من مصدر الجمال انتهى من شدة فرحه إلى الظن أنه ربح من الكون ربحًا لم يكن له من قبل، وكلاهما متهالك بين قيود الحياة التي في الحياة والواقع، وبين حريتها التي في خياله وأمله، كأن عليه في سبيل هذه الحرية أن يقطع الليل والنهار لا قيدًا من قيود الاجتماع أو العيش؛ وكلاهما متصل بقوة غيبية وراء ما يرى وما يحس تجعل نظرته في الأشياء خاضعة لقانون النظرة العاشقة في العينين الساحرتين المعشوقتين، فإذا مد عينيه في شيء جميل فهناك سؤال وجوابه، ووحي وترجمته، ومرور من يقظة إلى حلم، وانتقال من حقيقة إلى خيال!
غير أن طبيعة العبقري تزيد على كل ذلك ألمًا تنفرد به لا تستقر معه على رضا، ولا يبرح يسلط الإعنات عليها ويستغرقها قالهموم السامية؛ وذلك ألم الكمال الفني الذي لا يدرك العبقري غايته عند نفسه، وإن كان عند الناس قد أدرك غايات وغايات؛ فطبيعة كل عبقري تجهد جهدها في العمل لتخرج به مما يستطيعه الناس، فإذا تأتى صاحبها لذلك وكابد فيه وأدرك منه وبلغ وأعجز، اندفعت طبيعته إلى الخروج مما يستطيع هو.. كأنه خارج عن الطبيعة وداخل في الطبيعة في وقت معًا، وكأنه نفسه وفوق نفسه في حال، وهذا سر حريته وسموه، كما أنه سر ألمه وحيرته.
ومن أثر ذلك ما تحسه أنت إذا قرأت للأديب البليغ التام صاحب الفكر والأسلوب والذهن الملهم؛ فإنك تقف على المعنى من معانيه يملأ نفسك ويتمدد فيها ويهتز بها طربًا وإعجابًا، فنقول: لا أحس من هذا! ثم تؤمل مع ذلك أن تجد منه ما هو أحسن من هذا.. كأنه وإن تناهى إلى الغاية لا يزال عندك فوق الغاية؛
__________
= تطلق في الأدب العربي إلا على فئتين فقط، هما البصريون والكوفيون، على أن كلمة مذهب هي المستعملة في هذا، وهي أسد منها؛ إذ يدل المذهب على منحى اختاره الرأي وذهب إليه، فكأنه عن تحقيق في صاحبه وتابعيه؛ أما تسمية مجموعة الإلهامات التي مرت في ذهن نابغة من النوابغ بالمدرسة، فتسمية مضحكة باردة؛ إذ الإلهام بصيرة محضة، وما هو مما يقلد، وقلما تشابه ذهنان على الأرض في عناصر التكوين التي يأتي منها النبوغ؛ وقد قال علماؤنا: طريقة فلان وطريقة فلان؛ فالطريقة هي الكلمة الصحيحة؛ لأن عليها ظاهر العمل وأسلوبه يتوجه بها من يتوجه، ويقلد فيها من يقلد، أما سر العمل فهو سر العامل أيضًا، وهو شيء في الروح والبصيرة، وهو في العبقري أمر لا يستطيعه إنسان وشذ في إنسان بخصوصه.
(3/203)

وهذا غريب، ولكن لا دليل على العبقرية إلا الغرابة دائما؛ فهي نظام لا نظام فيه؛ لأها طريقة لا طريقة لها؛ وبهذه الغرابة جاءت العبقرية كلها أمثلة وليس فيها قواعد يحتذى عليها ولا هداية فيها إلا من الروح؛ وإذا كان الفن قدرة متصرفة في الجمال، فالعبقرية قدرة متصرفة في الفن، والنابغة كالمتكيس* الذي معه قوي العقل ويريد أن يزداد على قدره منها، ولكن العبقري كالإلهي الذي معه قوى الروح ويريد أن يزيد الناس على قدرهم بها؛ وذاك مرجعه الفكر الدقيق الباحث؛ وهذا مناطه البصيرة الشفافة النافذة، وهي أغرب الغرائب في الإنسان؛ إذ هي الجهة المطلقة في هذا المخلوق المقيد، وبها تتسع الناس لإدراك المطلق الظاهر من خلال الموجودات، وفيها تتحول الأشياء من نظام الحاسة إلى نظام الروح فيسمع المرئي ويبصر المسموع، وتخلع الأجسام أنغاما، وتلبس الأصوات أشكالا، ويبدو عندها كل مخلوق وكأن فيه بقية زائدة على خلقه تركت ليعمل فيها الكاتب أو الشاعر المحدث2 عمل فنه، الزائد على الطبيعة بالحاسة الزائدة على ذهنه، وهي التي نسميها الإلهام.
وهذه الحاسة هي كذلك من بعض الغرابة، تكون في صاحبها الموهوب كما تكون حاسة الاتجاه في الطيور التي تقطع في جو السماء إلى غاياتها البعدية من قطب الأرض إلى قطبها الآخر بغير دليل تحمله، ولا رسم تنظر فيه، ولا علم ترجع إليه؛ وكما تكون حاسة التمييز في النحل الذي يبني عسلته على هندسة ليست من كتاب ولا مدرسة، وحاسة التدبير في النمل الذي يدبر مملكته بغير علوم الممالك وسياستها؛ وكثيرا ما يجيء الأديب الملهم من حقائق الفكر وبيانه وأسرار الطبائع وأوصافها بما يغطي على فلسفة الفلاسفة وعلم العلماء، ومثل هذا العبقري هو عندي فوق العلم، لا أقول بدرجة، ولكن بحاسة.
وبالإلهام يكون لكل عبقري ذهنه الذي معه وذهنه الذي ليس معه؛ إذ كنت له من وراء خياله قوة غير منظورة ليست فيه، ومع ذلك تعمل كما تعمل الأعضاء في جسمه، هينة منقادة كأنها تتصرف على اطراد العادة بلا فكر ولا روية ولا عسر ما دامت تتجلى عليه.
__________
* من الكيس وهو العقل فيكون عاقلا ويريد أن يزداد على مقداره.
** هذه هي الكلمة القديمة التي تقابل ما نسميه العبقري بلغة عصرنا، كأن الأشياء تحدثه بأسرارها، أو تحدثه بها قوة أعلى من القوى الإنسانية؛ وإذا كان محدثا فمعنى ذلك أنه ينطق عن سمع من الغيب؛ ومن ذلك ما زعم العرب من أن لكل شاعر شيطانا ينفث على لسانه، وهووصف دقيق للعبقرية إلا أنه باللغة الجاهلية، وقد صححه النبي صلى الله عليه وسلم فقال لشاعره حسان: قل وروح القدس معك. وفي كلمة "روح القدس" تنطوي فلسفة العبقرية كلها.
(3/204)

وليست تتصل هذه القوة إلا بتركيب عصبي تكون فيه الخصائص التي تصلح أن تتلقى عنها، وهي في العبقريين خصائص مرضية في الأعم الأغلب، بل لعلها كذلك دائما؛ ليتسرَّ بها العبقري لحالة خفيفة من الموت ... يحمل بها كده وتعبه وما يعانيه من مضض الفكر وثقلته؛ ثم لتكون هذه الحالة كالتقريب بين عالم الشهادة فيه وبين عالم الغيب منه؛ فالتركيب العصبي في دماغ العبقري إنسان على حياله مع إنسان آخر، أحدها لما في الطبيعة والثاني لما وراء الطبيعة؛ ومن ثم كان الرجل من هذه الفئة كالمصباح: يتقد وينطفئ؛ لأنه آلة نور تعرض لها العلل فتذهب بقدرتها عليه، وتنضب مادة النور منها، فكذلك لا تقدر عليه، وتكون مضيئة فتنطفئ بسبب ليس منها ولا من نورها، وهي على كل هذه الأحوال لا تملك منها حالة؛ فبينما العبقري الذي يملأ الدنيا من آثاره النابغة، تراه في حالة من أحواله يدأب لا يأتلي فيجد في العمل ويبذل الوسع فيه ويصبر على مطاولة التعب في إحكامه ويفيض به فيضا وكأن في طبيعة الربيع المتفتح طول أيامه بالجمال - إذا هو في حالة أخرى يتلكأ ويتربص لا يعمل شيئا كأنما دخل في قريحته الشتاء، وفي ثالثة يتباطأ ويتلبث فلا يعنُّ له جديد كأنما حبس عنه فكره أو نبا طبعه أو هو في قيظ طبيعته وخمولها وضجرها؛ ثم لا تمضي على ذلك إلا توَّةٌ وساعة فإذا على صيفه هواء نوفمبر وديسمبر ... وإذا هو منبعث ملء القوة والنشاط؛ وربما يأخذ في غرض من الكتابة قد رسم له المعنى وهيأ له المادة، فلا يكاد يمضي لنحو منه حتى تتناسخ في ذهنه المعاني فإذا هو يكتب ما لا يستملي؛ وقد يبتدئ معنى ثم يقطع عنه بطارئ من عمل أو حديث، ثم يعاوده فإذا هو معنى آخر وإذا جهة من الفكر هي جهة الإبداع والاختراع في موضوعه، وإذا هو إنما كان يجر بذلك الصارف عن معناه الأول جرًّا ليدعه إلى الأكمل والأصح، وأيقن أنه لو كان استوفى على ما بدأ لأسف وضعف وجاء بما غيره أقدر عليه؛ كأن هذه القوة الخفية التي تلهمه تنقح له أيضًا بأساليبها الغريبة؛ وقد يكون آخذًا في عمله ماضيًا على طبعه مسترسلًا إلى ما ينكشف له من أسرار المعاني ثقفًا من هنا لقفًا من هناك*، ثم ينظر فإذا هو قد مسح لوح خياله، ويطلب المعنى فلا يتاح له، ويتمادى فلا يزيد إلا كدًّا وعسرا كأنما ذهب إلهامه في غمض من غموض
__________
* يقال: هو ثقف لقف: أي سريع الفهم لما يلقى إليه، ولكنا استعملناه كما ترى فجاء أشد تمكنًا من أصله.
(3/205)

الأبدية*؛ وكل من ارتاض بصناعة الفكر واستحكمت له عادتها ومر في درجاتها حتى بلغ المكانة التي يستشرف منها للإلهام ويتعرض فيها بروحه وبصيرته لنبضات الوحي وانكشافات الغيب، يعلم أن كل معنى بديع يأتي به في صناعته إنما يقع له إلهامًا من ذلك المعنى الحي المتمدد في الكائنات كلها، ظاهرًا في شيء منها بالضوء، وفي أشياء بالألوان، وفي بعضها بالحركة، وفي بعضها بالانسجام، وفي بعضها بالروعة والفخامة، وفي غيرها بنبضة الهيئة؛ وظاهرًا في حالات كثيرة بأنه غير ظاهر؛ ويعرف كذلك أن هذا المعنى الشامل الذي لا يحد هو الذي ينقل الوجود كله إلى نفوس النوابغ** متى نبض في هذه النفوس الرقيقة وأشعرها سره، وإذا هم النابغة أن يتوضحه لا يرى شيئًا، وإذا أراد حجة عليه لم يستطع الجلاء عن بيانه بكلمة، وإذا التمس التعريف به لم يجد إلا ما يشهد له إحساسه وقلبه، وهذا الذي ينقدح في أذهان النوابغ أفكارًا حين يفيض لكل منهم بسبب من قراءة أو مشاهدة أو حالة أو مراس، وهو هو بعينه الذي ينقدح عشقًا في قلوب المحبين حين يتراءى لكل منهم في معنى على وجه جميل؛ ومن ثم كان النابغة في الأدب لا يتم تمامه إلا إذا أحب وعشق، وكان الأدب نفسه في تحصيل حقيقته الفلسفية ليس شيئًا سوى صناعة جمال الفكر..
وهذا العمل في ذلك الجهاز العصبي الخاص به في بعض الأدمغة هو الذي كان يسميه علماء الأدب العربي بالتوليد، وقد عرفوا أثره، ولكنهم لم يتنبهوا إلى حقيقته ولا أدركوا من سره شيئًا؛ وأحسن ما قرأناه فيه قول ابن رشيق في كتاب العمدة: "إنما سمي الشاعر شاعرًا؛ لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره؛ فإذا لم يكن
__________
* قالوا: كان الفرزدق وهو فحل مضر في زمانه يقول: تمر علي الساعة وقلع ضرس من أضراسي أهون على من عمل بيت من الشعر! وذكروا أنه كان من عمله إذا استصحب الشعر عليه أن يركب ناقته ويطوف وحده خاليًا منفردًا في شعاب الجبال وبطون الأودية فينقاد له الكلام؛ وأخبارهم كثيرة في الطرق التي يستعان بها على الشعر ويجتلب بها نافره، والحقيقة أنها علل من النفس تعارض حالة الإلهام إلى أن تزول وتصفو النفس منها، أو أسباب تتفق ولا تلهم شيئًا إلى أن تتغير بأسباب ملهمة.
** هناك فرق علمي بين ما يسمى نبوغًا وما يسمى عبقرية، ولكنا في هذا الفصل أطلقنا الكلام وقيدنا في مواضع بخصوصها، ويكاد الفرق بين النابغة والعبقري في جماع أمره أن يكون كالفرق بين التلغراف الذي طريقه مادة السلك وبين الآخر الذي طريقه روح الجو؛ فكلاهما هو الآخر ولكن أحدهما لا بد له من طريق سلوك والآخر طريقه كل الطرق، أي فوق أن يقيد بطريقة.
(3/206)

عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه، أو استطراف لفظ وابتداعه، أو زيادة فيما أجحف فيه غيره من المعاني، أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ، أو صرف معنى إلى وجه عن وجه آخر- كان اسم الشاعر عليه مجازًا لا حقيقة، ولم يكن له إلا فضل الوزن". هذا كلام ابن رشيق، وليس لهم أحسن منه، وهو مع ذلك تخليط لا قيمة له وليس فيه من موضوعنا إلا لفظ التوليد.
ومما لا نقضي منه عجبًا في تتبع فلسفة هذه اللغة العربية العجيبة، أننا نرى أكثر ألفاظها كالتامة لا ينقصها شيء من دقائق المعنى في أصل وضعها، على حين لا يفهم علماؤنا من هذه الألفاظ إلا بعض ما تدل عليه، كأنها منزلة تنزيلًا ممن يعلم السر؛ وقد نبهنا إلى هذا في كتاب "تاريخ آداب العرب" وأفضنا فيه واستوفينا هناك من فلسفته، وجاء القرآن الكريم من هذا بالعجائب التي تفوت العقل، حتى أن أكثر ألفاظه لتكاد تكون مختومة نزلت كذلك لتفض العلوم والفلسفة خواتمها في عصور آتية لا ريب فيها*؛ وكلمة التوليد التي لم يفهم منها العلماء إلا أخذ معنى من معنى غيره بطريقة من طرق الأخذ التي أشاروا إليها في كتب الأدب -هي الكلمة التي لا يخرج عنها شيء من أسرار النبوغ ولا تجد ما يسد في ذلك مسدها أو يحيط إحاطتها، ولا نظن في لغة من اللغات ما يشبهها في هذه الدلالة واستيعابها كل أسرار المعنى؛ إذ هو بلفظها نص على حياة الكون في الذهن الإنساني، وأنه يتخذه وسيلة لإبداع معانيه، كما يتخذ سر الحياة بطن الأم وسيلة لإبداع موجوداته؛ وأن المعاني تتلاقح فيلد بعضها بعضًا في أسلوب من الحياة، وأن هذه هي وحدها الطريقة لتطور الفكر وإخراج سلالات من المعاني بعضها أجمل من بعض، كما يكون مثل ذلك في النسل بوسائل التلقيح من الدماء المختلفة، وأن النبوغ ليس شيئًا إلا التركيب العصبي الخاص في الذهن، ثم نمو هذا التركيب مع الحياة في طريقة سواء هي وطريقة الولادة المحيية التي مرجعها كذلك إلى تركيب خاص في أحشاء الأنثى؛ ينمو، ثم يدرك ثم يعمل عمله المعجز؛ وإذا كان من كل شيء في الطبيعة زوجان، فالكلمة نص على أن أذهان النوابغ أذهان مؤنثة في طباعها التي بنيت عليها؛ وهذا صحيح؛ إذ هي أقوى الأذهان على الأرض في الحس بالآلام والمسرات، ومعاني الدموع والابتسام أسرع إليها من غيرها، بل هي طبيعة فيها؛ وهي وحدها المبدعة للجمال والمنشئة للذوق، وعملها في ذلك هو قانون وجودها؛ ثم هي قائمة على الاحتمال والإعطاء والرضا
__________
* على هذا المعنى وكشف أسراره في آيات القرآن سيبنى كتابنا الجديد "أسرار الإعجاز". قلت: وانظر ص289 "حياة الرافعي".
(3/207)

بالحرمان في سبيل ذلك وإدمان الصبر على التعب والدقة والاهتمام بالتفاصيل وأساسها الحب؛ وكل ذلك من طباع الأنثى وهي النابغة فيه، بل هي النابغة به.
فسر النبوغ في الأدب وفي غيره هو التوليد، وسر التوليد في نضج الذهن المهيأ بأدواته العصبية، المتجه إلى المجهول ومعانيه كما تتجه كل آلات المرصد الفلكي إلى السماء وأجرامها؛ وبذلك العنصر الذهني يزيد النابغة على غيره، كما يزيد الماس على الزجاج، والجوهر على الحجر، والفولاذ على الحديد، والذهب على النحاس؛ فهذه كلها نبغت نبوغها بالتوليد في سر تركيبها؛ ويتفاوت النوابغ أنفسهم في قوة هذه الملكة، فبعضهم فيها أكمل من بعض، وتمد لهم في الخلاف أحوال أزمانهم ومعايشهم وحوادثهم ونحوها؛ وبهذه المباينة تجتمع لكل منهم شخصية وتتسق له طريقة؛ وبذلك تتنوع الأساليب، ويعاد الكلام غير ما كان في نفسه، وتتجدد الدنيا بمعانيها في ذهن كل أديب يفهم الدنيا وتتخذ الأشياء الجارية في العادة غرابة ليست في العادة ويرجع الحقيقي أكثر من حقيقته.
وقد سئل مصور مبدع بماذا يمزج ألوانه فتأتي ولها إشراقها وجمالها ونبوغ مبانيها وزهو الحياة بها في الصورة، فقال: إنما أمزجها بمخي، وهذا هذا؛ فإن الألوان عند الناس جميعًا، ولكن مخه عنده وحده وله تركيبه الخاص به وحده وسر الصناعة في توليد هذا الدماغ فكأن ألوانه في صناعته جاءت منه بخصوصه، وكذلك كل ما يتناوله العبقري فإنك لتجد الشعر في وزن خاص به يدل عليه ويتمم الغرض منه ويضيف إلى معانيه أنقًا من الجمال وحسنه وإلى صورته نغمًا من الموسيقى وطربها، فما أشبه الجهاز العصبي في دماغ كل نابغة أن يكون وزنًا شعريًا لهذا النابغة بخاصته، ألا ترى أنك لا تقرأ الأديب الحق إلا وجدت كل ما يكتبه يجيء في وزن خاص به حتى لا يخرج عنه مرة، أو تزيد أنت فيه وتنقص إلا ظهر لك أنه مكسور ... ؟
والذهن العبقري لا يتخذ المعاني موضوع بحث ونظر وتعقب يستخرج منها أو يتعلق عليها فهذا عمل الذهن الذكي وحده وهو غاية الغايات فيه يبحث وينظر ويتصفح ويجمع من هنا ويأخذ من ثم ويعترض ويصحح ويأتيك بالمقالة يحسب فيها كل شيء وما فيها إلا أشياؤه هو وأمثاله. أما الذهن العبقري فليس له من المعاني إلا مادة عمل فلا تكاد تلابسه حتى تتحول فيه وتنمو وتتنوع وتتساقط له أشكالًا وصورًا في مثل خطرات البرق، وربما غمر بالمعنى الواحد في جماله وسموه وقوة تأثيره مقالات عدة لأولئك الأذكياء فنسخها نسخًا وجعلها منه كالشموع الموقدة بإزاء الشمس. فإذا ذهبت توازن بين مثل هذا المعنى ومثل هذه المقالات في الروعة
(3/208)

والجلال ورأيت عربدة المقالة وغرورها لم تستطع إلا أن تقول لها: يا حصاة الميزان في إحدى كفتيه ألا يكفيك الجبل في الكفة الأخرى ... ؟
وقد عرف الأدباء جميعًا أن كاتب فرنسا العظيم أناتول فرانس كان يكتب الجملة، ثم ينقحها، ثم يهذبها، ثم يعيدها، ثم يرجع فيها، وهكذا خمس مرات إلى ثمان ويقدم ويؤخر من موضع إلى موضع ويحتسبون هذا تحكيكًا وتهذيبًا، وما هو منها في شيء ولا أحسب الأوروبيين أنفسهم تنبهوا إلى سر هذه الطريقة، وإنما سرها من جهاز التوليد في رأس ذلك الكاتب العظيم فإذا قرأ كتابة حولها فكرة وأبدع له منها من غير أن يعمل في ذلك أو يتكلف له إلا ما يتكلف من يهز إليه بجذع الشجرة؛ لتساقط عليه ثمرًا ناضجًا حلوًا جنيًّا، فكلما قرأ ولد ذهنه فيثبت ما يأتيه فلا تزال صورة تخرج من صورة حتى يجيء المعنى في النهاية وإنه لأغرب الغرائب لا يكاد العقل يهتدي إلى طريقته وسياق الفكر فيه إذ كان لم يأت إلا محولًا عن وجهه مرات لا مرة واحدة.
فجهاز التوليد متى استمر واستحكم في إنسان أصبح له بمقام ملك الوحي من النبي وهو عندنا دليل من أقوى الأدلة على صحة النبوة وحدوث الوحي وإمكانه؛ إذ لا تتصرف به إلا قوة غيبية لا عمل للإنسان فيها، بل هي تبدع إبداعها وتلقى عليه إلقاء. وليس كل من تعرض لها أدرك منها، ولا كل من أدرك منها بلغ بها، بل لا بد لها من الجهاز العصبي المحكم كجهاز اللاسلكي الدقيق المصنوع لتلقي أبعد الأمواج الكهربائية وأقواها. وهذه القوة إن أرادت معاني الجمال أخرجت الشاعر وإن أرادت كشف السر عن الأشياء أخرجت الأديب وإن أرادت حقائق الوجود أخرجت الحكيم. فإن كان الآمر أكبر من هذا كله وكان أمر تغيير الحياة وصب أزمان جديدة للإنسانية والوثوب بهذه الدنيا درجة أو درجات في الرقي فهنا تكون الوسيلة أكبر من البصيرة، فليس لها من قوة الغيب إلا الوحي، ويكون الغرض أكبر من الشاعر والأديب والحكيم، فلا يختار إلا النبي ثم لا يوحى إليه إلا وهو في حس لساعة الوحي وحدها، وهي ساعة ليست من الزمن بل من الروح المنصرف عن الزمن وما فيه؛ ليتلقى عن روح الخلد؛ وقريب من ذلك خلوة النابغة بنفسه في ساعة التوليد؛ فسر النبوغ من سر الوحي، لا ريب في ذلك، وما أسهل سر الوحي وأيسر أمره، ولكن في الأنبياء وحدهم، وهنا كل الصعوبة ... "أن نكون أو لا نكون؛ هذه هي المسألة".
(3/209)

نقد الشعر وفلسفته 1:
الشاعر في رأينا هو ذاك الذي يرى الطبيعة كلها بعينين لهما عشق خاص وفيهما غزل على حدة، وقد خلقتا مهيأتين بمجموعة النفس العصبية لرؤية السحر الذي لا يرى إلا بهما، بل الذي لا وجود له في الطبيعة الحية لولا عينا الشاعر، كما لا وجود له في الجمال الحي لولا عينا العاشق.
فإذا كان الشاعر العظيم أعمى كهوميروس وملتون وبشار والمعري وأضرابهم، انبعث البصر الشعري من وراء كل حاسة فيه، وأبصر من خواطره المنبثة في كل معنى، فأدى بالنفس في الوجود المظلم أكثر ما كان يؤديه بهذه النفس في الوجود المضيء، وقصر عن المبصرين في معانٍ وأربى عليهم في معانٍ أخرى، فيجتمع الشعر من هؤلاء وأولئك مد النفس الملهمة مما بين أطراف النور إلى أغوار الظلمة.
والشعر في أسرار الأشياء لا في الأشياء ذاتها، ولهذا تمتاز قريحة الشاعر بقدرتها على خلق الألوان النفسية التي تصبغ كل شيء وتلونه لإظهار حقائقه ودقائقه حتى يجري مجراه في النفس ويجوز مجازه فيها؛ فكل شيء تعاوره الناس من أشياء هذه الدنيا فهو إنما يعطيهم مادته في هيئته الصامتة، حتى إذا انتهى الشاعر أعطاه هذه المادة في صورتها المتكلمة، فأبانت عن نفسها في شعره الجميل بخصائص ودقائق لم يكن يراها الناس كأنها ليست فيها.
فبالشعر تتكلم الطبيعة في النفس وتتكلم النفس للحقيقة وتأتي الحقيقة في أظرف أشكالها وأجمل معارضها، أي في البيان الذي تصنعه هذه النفس الملهمة حين تتلقى النور من كل ما حولها وتعكسه في صناعة نورانية متموجة بالألوان في المعاني والكلمات والأنغام.
والإنسان من الناس يعيش في عمر واحد، ولكن الشاعر يبدو كأنه في أعمار
__________
1 مجلة أبوللو: مايو سنة 1932.
(3/210)

كثيرة من عواطفه، وكأنما ينطوي على نفوس مختلفة تجمع الإنسانية من أطرافها، وبذلك خلق ليفيض من هذه الحياة على الدنيا، كأنما هو نبع إنساني للإحساس يغترف الناس منه ليزيد كل إنسان معاني وجوده المحدود ما دام هذا الوجود لا يزيد في مدته، ثم ليرهف الإنسان بذلك أعصابه فتدرك شيئًا مما فوق المحسوس، وتكننه طرفًا من أطراف الحقيقة الخالدة التي تتسع بالنفس وتخرجها من حود الضرورات الضيقة التي تعيش فيها لتصلها بلذات المعاني الحرة الجميلة الكاملة؛ وكأن الشعر لم يجئ في أوزان إلا ليحمل فيها نفس قارئه إلى تلك اللذات على اهتزازات النغم؛ وما يطرب الشعر إلا إذا أحسسته كأنما أخذ النفس لحظة وردها.
والشاعر الحقيق بهذا الاسم -أي الذي يغل بعلى الشعر ويفتتح معانيه ويهتدي إلى أسراره ويأخذ بغاية الصنعة فيه- تراه يضع نفسه في مكان ما يعانيه من الأشياء وما يتعاطى وصفه منها، ثم يفكر بعقله على أن عقل هذا الشيء مضافًا إليه الإنسانية العالية، وبهذا تنطوي نفسه على الوجود فتخرج الأشياء في خلقة جميلة من معانيها وتصبح هذه النفس خليقة أخرى لكل معنى داخلها أو اتصل بها؛ ومن ثم فلا ريب أن نفس الشاعر العظيم تكاد تكون حاسة من حواس الكون.
ولو سئلت أزمان الدنيا كيف فهم أهلها معاني الحياة السامية وكيف رأوها في آثار الألوهية عليها، لقدم كل جيل في الجواب على ذلك معاني الدين ومعاني الشعر.
وليست الفكرة شعرًا إذا جاءت كما هي في العلم والمعرفة، فهي في ذلك علم وفلسفة، وإنما الشعر في تصوير خصائص الجمال الكامنة في هذه الفكرة على دقة ولطافة كما تتحول في ذهن الشاعر الذي يلونها بعمل نفسه فيها ويتناولها من ناحية أسرارها.
فالأفكار مما تعانيه الأذهان كلها ويتواطأ فيه قلب كل إنسان ولسانه، بيد أن فن الشاعر هو فن خصائصها الجميلة المؤثرة، وكأن الخيال الشعري نحلة من النحل تلم بالأشياء لتبدع فيها المادة الحلوة للذوق والشعور، والأشياء باقية بعد كما هي لم يغيرها الخيال، وجاء منها بما لا تحسبه منها؛ وهذه القوة وحدها هي الشاعرية.
فالشاعر العظيم لا يرسل الفكرة لإيجاد العلم في نفس قارئها حسب، وإنما هو يصنعها ويحذر الكلام فيها بعضه على بعض، ويتصرف بها ذلك التصرف ليوجد بها العلم والذوق معًا؛ وعبقرية الأدب لا تكون في تقرير الأفكار تقريرًا علميًّا بحتًا، ولكن في إرسالها على وجه من التسديد لا يكون بينه وبين أن يقرها في مكانها من النفس الإنسانية حائل. وكثيرًا ما تكون الأفكار الأدبية العالية التي
(3/211)

يلهمها أفذاذ الشعر والكتاب هي أفكار عقل التاريخ الإنساني، فلا تنفصل عنهم الفكرة في أسلوبها البياني الجميل حتى تتخذ وضعها التاريخي في الدنيا، وتقوم على أساسها في أعمال الناس، فتتحقق في الوجود ويعمل بها؛ وهذا طرف مما بين الأدب العالي وبين الأديان من المشابهة.
ومتى نزلت الحقائق في الشعر وجب أن تكون موزونة في شكلها كوزنه، فلا تأتي على سردها ولا تؤخذ هونًا كالكلام بلا عمل ولا صناعة، فإنها إن لم يجعل لها الشاعر جمالًا ونسقًا من البيان يكون لها شبيهًا بالوزن، ويضع فيها روحًا موسيقية بحيث يجيء الشعر بها وله وزنان في شكله وروحه -فتلك حقائق مكسورة تلوح في الذوق كالنظم الذي دخلته العلل فجاء مختلًا قد زاغ أو فسد.
والخيال هو الوزن الشعري للحقيقة المرسلة، وتخيل الشاعر إنما هو إلقاء النور في طبيعة المعنى ليشف به، فهو بهذا يرفع الطبيعة درجة إنسانية، ويرفع الإنسانية درجة سماوية؛ وكل بدائع العلماء والمخترعين هي منه بهذا المعنى، فهو في أصله ذكاء العلم، ثم يسمو فيكون هو بصيرة الفلسفة، ثم يزيد سموه فيكون روح الشعر؛ وإذا قلبت هذا النسق فانحدرت به نازلًا كما صعدت به، حصل معك أن الخيال روح الشعر، ثم ينحط شيئًا فيكون بصيرة الفلسفة، ثم يزيد انحطاطًا فيكون ذكاء العلم، فالشاعر كما ترى هو الأول إن ارتقت الدنيا، وهو الأول إن انحطت الدنيا؛ وكأنما إنسانية الإنسان تبدأ منه.
إذا قررنا للشعر هذا المعنى وعرفنا أنه فن النفس الكبيرة الحساسة الملهمة حين تتناول الوجود من فوق وجوده في لطف روحاني ظاهر في المعنى واللغة والأداء -وجب أن نعتبر نقد الشعر باعتبار مما قررناه، وأن نقيمه على هذه الأصول؛ فإن النقد الأدبي في أيامنا هذه -وخاصة نقد الشعر- أصبح أكثره ما لا قيمة له، وساء التصرف به، ووقع الخلط فيه، وتناوله أكثر أهله بعلم ناقص، وطبع ضعيف، وذوق فاسد، وطمع فيه من لا يحصل مذهبًا صحيحًا، ولا يتجه لرأي جيد، حتى جاء كلامهم وإن في اللغو والتخليط ما هو خير منه وأخف محملًا، فإنك من هذين في حقيقة مكشوفة تعرفها تخليطًا ولغوًا، ولكنك من نقد أولئك في أدب مزور ودعوى فارغة وزوائد من الفضول والتعسف يتزيدون بها للنفخ والصولة وإيهام الناس أن الكاتب لا يرى أحدًا إلا هو تحت قدرته ... على أن جهد عمله إذا فتشته واعتبرت عليه ما يخلط فيه، أنه يكتب حيث يريد النقد أن يحقق، ويملأ فراغًا من الورق حيث يقتضيه البحث أن يملأ فراغًا من المعرفة.
(3/212)

وقد قلنا في كتابنا "تحت راية القرآن": إن أستاذ الآداب يجب أن يجمع إلى الإحاطة بتاريخها وتقصي موادها ذوقًا فنيًا مهذبًا مصقولًا، وليس يمكن أن يأتي له هذا الذوق إلا من إيداع في صناعتي الشعر والنثر، ثم يجمع إلى هذين: "أي الإحاطة والذوق" تلك الموهبة الغريبة التي تلف بين العلم والفكر والمخيلة فتبدع من المؤرخ الفيلسوف الشاعر العالم شخصًا من هؤلاء جميعًا هو الذي نسميه الناقد الأدبي.
هذه هي صفات الناقد في رأينا؛ فانظر أين تجده بين هؤلاء الأساتذة المختصرين ... في أدبهم، المطولين ... في ألقابهم، وإنهم ليتعاطون النقد وليس لهم وسائله إلا ما كان ضعفة وقلة وإدبارًا، وقد فاتهم ما لا تحمله أقدارهم ولا تبلغه قواهم، وجهلوا أن الناقد الأدبي إنما يلقي درسًا عاليًا لا يدل فيه على العيوب الفنية إلا بإظهار المحاسن التي تقابلها في أسمى ما انتهى إليه الفن من آثار تاريخه، فيكون النقد تهذيبًا وتخليصًا لفنون الأدب كلها؛ وهو بهذه الطريقة يجلوها على الناس ويبدع فيها ويزيد في مادتها ويسهلها على القراء ويحصلها لهم تحصيلًا لا يبلغونه بأنفسهم، ويعطيهم من كل ضعيف ما هو قوي، ومن كل قوي ما هو أقوى.
ورأيناهم في نقد الشعر لا يزيدون على أن يعلقوا على كلام الشاعر، فيجيء عملهم في الجملة كأنه تصنيف من هذا الشعر وشرح له وتصفح على بعض معانيه؛ وبهذا يرجع الشاعر وإنه هو المتصرف في ناقده يديره كيف شاء، ويجيء هذا الناقد زائدًا متطفلًا، فتأتي كتابته وإنها لضرب من سخرية المنقود بناقده، ويصبح وضع الكلام على العكس، فالشاعر المنقود لم يتكلم ولكنه أبان قصور الناقد وجهله، فهو الناقد وإن سكت، وذاك هو المنقود وإن تكلم.
وهذا المتعلق على أخبار الشاعر وشعره كتعلق التلخيص على أصله المطول والشرح على متنه الموجز، إنما هو كاتب يجد من ذلك مادة إنشائية فيتصرف بها ليكتب؛ ولا يراد من النقد أن يكون الشاعر وشعره مادة إنشاء، بل مادة حساب مقدر بحقائق معينة لا بد منها؛ فنقد الشعر هو في الحقيقة علم حساب الشعر، وقواعده الأربع التي تقابل الجمع والطرح والضرب والقسمة: هي الاطلاع والذوق والخيال والقريحة الملهمة.
وثم ضرب آخر من تعلق الضعفاء، يتناول الشاعر باعتباره رجلًا له موضعه من الناس ومنزلة من الحياة، ثم لا يعدو ذلك* وهو تزوير للمؤرخ بجعله ناقدًا،
__________
* لم نذكر في هذه المقالة أمثلة ولم نعين أسماء حتى لا يمتد الكلام فتخرج المقالة إلى أن تكون كتابا، ولكنك إذا قرأت الشعر وما يكتب في نقده، والمحاضرات التي تلقى عن الشعراء فقد وجدت الأمثلة والأسماء.
(3/213)

وتزوير للناقد برده مؤرخًا؛ على أن هذا لا بد منه منه في النقد الصحيح، ولكنه لا يقوم بنفسه ولا تنفذ به بصيرة النقد؛ إذ الشاعر لم يكن شاعرًا بأنه رجل من الناس وحي في الأحياء وعمر من الحوادث المؤرخة، ولكن بموضوعه من أسرار الحياة وصلة نفسها بها وقدرة هذه النفس على أن تنفذ إلى حقائق الطبيعة في كائناتها عامة، وفي إنسانها خاصة، ثم بقدرة مثل هذه في النفاذ إلى أسرار اللغة الشعرية التي هي الوجود المعنوي لكل ذلك، والتصرف بها على طبقات معانيه حتى لا تقصر عن الغاية ولا تقع دون القصد، فإن الشعر إن هو إلا ظهور عظمة النفس الشاعرة بمظهرها اللغوي، ولئن كان في نقد الشعر تاريخ لا يتم النقد إلا به، فهو تاريخ الشعر في نفس قائله، ثم تاريخ هذه النفس في معاني الشعر من عصرها، ثم أدب هذا الشاعر من الوجود الأدبي للغة التي نظم بها؛ وذلك لا بد أن يقع فيه تاريخ الشاعر نفسه محصلًا من نواحيه في جهات الحياة، متعمقًا فيه بالاستقصاء، متغلغلًا إليه بالنقد ...
وإن لنا رأيًا بسطناه مرارًا، وهو أنه لا ينبغي أن يعرض لنقد الشاعر والكلام عنه إلا شاعر كبير يكون ذا طبيعة في النقد، أو كاتب عظيم يكون ذا طبيعة في الشعر؛ أي لا بد من الأدب والشعر معًا لنقد الشعر وحده فيأتي الكلام فيه من العلم والذوق والإحساس والإلهام جميعًا، فيتبين الناقد وجوه النقص الفني، ويعرف بما نقصت وماذا كان ينبغي لها وما وجه تمامها، ثم يعرف من الكمال الفني مثل ذلك، ويحس على الحالتين بالمعاني التي أحسها الشاعر حين انتزع شعره منها، وما كان يتخالجه وقتئذ من الفكر ويتمثل له من الصور المعنوية التي ألهمته إلهامها؛ فإن المعاني المكتوبة هي شعر الشاعر، ولكن تلك المعاني المحسوسة هي شعر الشعر، وإنما يوقف عليها بالتوهم والاسترسال إلى ما وراء الطبيعة من بواعثه، وما تموجت به روح الشاعر عند عمله، وما عرضت لها به طبائع المعاني؛ وهذا كله لا يحسه الناقد إن لم يكن شاعرًا في قوة ما ينقده أو أقوى منه طبيعة شعر.
والنقد إنما هو إعطاء الكلام لسانًا يتكلم به عن نفسه كلام منهم في محكمة؛ ليقيم أو يزيح شبهة أو يقر حقيقة أو يبسط معنى أو يوجه علة أو يكشف خافيًا أو
(3/214)

يثبت نقيصة أو يظهر إحسانًا؛ وبالجملة فهو نقص السيئة والحسنة، ووقوع أدلة العلم والفن والذوق مواقعها، وتكلم الكلام بذات نفسه ما تنكر منه وما تستجيد؛ والشاعر. والناقد يلتقيان جميعًا في القارئ فوجب من ثم أن يكون الناقد قوة تكشف قوة مثلها أو دونها؛ ليصحح فن فنًّا مثله أو يقره أو يزيد عليه فضل بيان ومزية فكر؛ وبهذا يصبح القارئ كالسائح الذي معه الدليل وأمامه المنظر، أي معه التاريخ الناطق وبإزائه التاريخ الصامت. وإذا كان الشاعر وشعره إنما هما النفس الممتازة وحوادثها ومعاني الحياة فيها، فليس يتجه أن يكون الناقد تامًا إلا بنفس من نوعها في دقة الحس ولطف النظر والاستشفاف وقوة التأثر بمعاني الحياة وسمو الإلهام والعبقرية، وبذلك يجيء النقد الصحيح بيانًا خالصًا منخولًا كأنه شرح نفس لنفس مثلها.
وليس الأنف هو الذي ينقد الوردة العطرة الفياحة، وإنما تنقدها الحاسة التي في الأنف، وناقد الشعر إن لم يكن شاعرًا فهو أنف صحيح التركيب، ولكن بالجلد والعظم دون تلك الحاسة التي هي روح العصب المنبث في هذا التركيب والمتصل بما وراءه من أعصاب الدماغ، فهذا الأنف ... يستطيع أن يتناول الوردة، ولكن يحس غليظ محقته الآفة كما يتناول حجرًا أو حديدًا أو خشبًا أيها كان، فالوردة عنده شيء من الأشياء يمتاز باللين ويختص بالنعومة ويسطع بالرونق ويزهو باللون، ويذهب يتكلم في هذا كله، وهذا كله في الوردة، ولكنه ليس الوردة.
ومتى كان البحث هو البحث في السماء وأفلاكها وأجرامها فلا يستقل به إلا الناظر المركب أي الذي معه عينه وتلسكوبه وعلمه جميعًا، إن نقص من ذلك فبقدر نقصانه يكون ضعفه، وإن تم فبقدر تمامه يكون وفاؤه؛ ولو أمكن أن ينفصل الشاعر من شعره فيقطع ما بينه وبين المعاني من نسبه نفسه، ويبتعد عن الشعر ليراه جديدًا عليه ويميزه من كل جهاته -لكان هو الناقد؛ فناقد الشعر هو الشاعر نفسه، ولكن في وضع أتم وأوفى، وحالة أبين وأبصر، أي كأنه الشاعر نفسه منقحًا تامًا بغير ضعف ولا نقص.
ومن أجل ذلك ترى من آية النقد البديع المحكم إذا قرأته ما يخيل إليك أن الشعر يعرض نفسه عليك عرضًا ويحصل لك أمره ويبين حالته في ذهن شاعره.
وكيف توافى وائتلف، وكيف انتزعه الشاعر من الحياة، وما وقع فيه من قدر الإلهام، وما أصابه من تأثير الإنسان وما اتفق من خظ الطبيعة والأشياء، وبالجملة يورد النقد عليك ما ترى معه كأن حركة الدم والأعصاب قد عادت مرة أخرى إلى الشعر.
(3/215)

ألا وإن شعرنا العربي الجميل قد أصبح اليوم في أشد الحاجة إلى من يعلم القارئ كيف يذوقه ويتبينه ويخلص إلى سر التأثير فيه، ويخرجه مخرجًا سريًّا في أنغامه وألحانه ويأتي به من نفس شاعره ومن نفسه جميعًا؛ فقوة التمييز في هذا كله على تسديد وصواب هي التي يعطيها الناقد لقرائه؛ والشعر فكر وقراءته فكر آخر، فإن قصر هذا عن أن يبلغ ذاك ليتصل به ويتغلغل فيه فلابد للمفكرين من صلة فكرية هي كتابة الناقد الذي هو من ناحية كمال للطبيعة الناقصة، ومن ناحية أخرى شرح للطبيعة الكاملة، ومن ناحية ثالثة هو بذوقه وفنه قانون الانتظام الدقيق الذي يبين به ما استقام في الكلام وما اعوجَّ.
وطريقتنا نحن في نقد الشعر تقوم على ركنين: البحث في موهبة الشاعر، وهذا يتناول نفسه وإلهامه وحوادثه؛ والبحث في فنه البياني، وهو يتناول ألفاظه وسبكه وطريقته، وسنقول فيهما معًا:
فأما الكلام في فن الشعر، فالمراد بالشعر -أي نظم الكلام- هو في رأينا التأثير في النفس لا غير، والفن كله إنما هو هذا التأثير، والاحتيال على رجة النفس له واهتزازها بألفاظ الشعر ووزنه وإدارة معانيه وطريقة تأديتها إلى النفس، وتأليف مادة الشعور من كل ذلك تأليفًا متلائمًا مستويًا في نسجه لا يقع فيه تفاوت ولا اختلال، ولا يحمل عليه تعسف ولا استكره؛ فيأتي الشعر من دقته وتركيبه الحي ونسقه الطبيعي كأنما يقرع به على القلب الإنساني ليفتح لمعانيه إلى الروح؛ والشعر العربي إذا تمت له في صناعته وسائل التأثير وأحكم من كل جهاته، كان أسمى شعر إنساني فتراه يطرد بألفاظه الجميلة السائغة وكأنه لا يحمل فيها معاني، بل يحمل حركات عصبية ليس بينها وبين أن تنساب في الدم حائل، فما يكون إلا أن يغمرك بالطرب ويهزك من أعماق النفس ويورد عليك في نفحة الروح ما إن تدبرته في نفسك وأفصحت عنه شعورك رأيته في حقيقته وجهًا من نسيان الحياة الأرضية والانتقال إلى حياة أخرى من السرور والاهتياج والألم والشجو يحياها الدم التأثر وحده غير مشارك فيها إلا من القلب.
والذين يجهلون ذلك من أمر الشعر العربي في مزاجه الخاص -فلا يعتبرونه حيًا ذا طباع وخصائص لابد من مراعاتها والنزول على حكمها والتلقي بما يوافقها كما لا بد من أشباه ذلك لامرأة جميلة -تراهم يخلون بقوانين صناعته البيانية وينزلون ألفاظه دون منازلها ويرسلون معانيه على غير طريقتها الشعرية ويبتلونه بفضول كثيرة هي كالآفات والأمراض، فيأتون بنظم تقرؤه إذا قرأته وأنت تتلوى
(3/216)

كأنما يقرع على قلبك بقبضة يد عليه بحجر ... وقد فشا هذا النوع من الشعر في هذه الأيام وأصبح لما فسد من ذوق الأدب وما التاث من أمر اللغة وما اعوج من طرق الفلسفة وما عمت به البلوى من التقليد الأوروبي، وكثيرًا ما رأيت القصيدة من هذا الشعر كامرأة سلخ وجهها ووضعت لها جلدة وجه ميت ... والناظم من هؤلاء لا يصرف الشعر على حدوده النفسية ولا يحكمه فيها، بل تصرفه الألفاظ كيف اتفقت له على وجوهها الملتوية، وتسوسه المعاني سياسة عمياء فقدت باصرتيها معًا، ويحسبون كلامهم من النور العقلي، ولكنه النور في قطعه ثمانين ألف ميل في الثانية، فلا يكاد يقال في هذا العالم، حتى يخرج منه وينسى ويلحق باللانهاية ...
وهذا الضرب من الصناعة الفاسدة هو بعينه ذلك النوع الصناعي الذي أفسد الشعر منذ القرن الخامس، غير أن القديم كان فسادًا في الألفاظ يجعلها كلها أو أكثرها محالًا من الصنعة، والحديث جاء فسادًا في المعاني يجعلها كلها أو أكثرها محالًا من البيان.
ويزعم أصحاب هذا الشعر أنهم فلاسفة، ولكنهم كذلك في سرقة الفلاسفة لا غير ... ولو علموا لعلموا أن ألفاظ الشعر هي ألفاظ من الكلام يضع الشعر فيها الكلام والموسيقى معًا، فتخرج بذلك من طبيعة اللغة القائمة على تأدية المعنى بالدلالة وحدها إلى طبيعة لغة خاصة أرقى منها تؤدي المعنى بالدلالة والنغم والذوق، فكل كلمة في الشعر تجتلب لمعناها من تركيبه، ثم لموضعها من نسقه، ثم لجرسها في ألحانه؛ وذلك كله هو الذي يجعل للكلمة لونها المعنوي في جملة التصوير بالشعر؛ وما يمر الشاعر العظيم بلفظة من اللغة إلا وهي كأنها تكلمه تقول: دعني أو خذني.
وكما أنه لا بد للأزهار من جو الأشعة، كذلك لابد للمعاني الشعرية من جو اللغة البيانية، فالبيان إنما هو أشعة معاني القصيدة؛ وقد يحسبون أن الصناعة البيانية صناعة متكلفة لا شأن لها في جمال الشعر ودقة التعبير، وما ننكر أن من البيان الجميل أشياء متكلفة، ولكنها تنزل من أساليب البلاغة العالمية منزلة كمنزلة الظرف والدل والخلاعة في الحبيبة الجميلة.
إن هذه الفنون ليست من جمال الخلقة والتركيب في المرأة، ولكنها متى ظهرت في الجمال الفاتن أصبح بدونها -وهو جميل دائمًا- كأنه غير جميل أحيانًا.
هنا صناعة هي روح الحسن في الحياة، وصناعة مثلها هي روح الحسن
(3/217)

أحيانًا في البلاغة*، وما التراكيب البيانية في مواضعها من الشعر الحي إلا كالملامح والتقاسيم في مواضعها من الجمال الحي؛ وكثيرًا ما يخيل إلي حين أتأمل بلاغة اللفظ الرشيق إلى جانب لفظ جميل في شعر محكم السبك، أن هذه الكلمة من هذه الكلمة كحب رجل متألق يتقرب من حب امرأة جميلة، وعطف أمومة على طفولة، وحنين عاطفة لعاطفة، إلى أشباه ونظائر من هذا النسق الرقيق الحساس؛ فإذا قرأت في شعر أصحابنا أولئك رأيت من لفظ كالشرطي أخذ بتلابيب لفظ كالمجرم ... إلى كلمتين هما معًا كالضارب والمضروب ... إلى همج ورعاع وهرج ومرج وهيج وفتنة؛ أما القافية فكثيرًا ما تكون في شعرهم لفظًا ملاكمًا ... ليس أمامه إلا رأس القارئ.
وكما يهملون اختيار اللفظ والقافية يتسهلون في اختيار الوزن الملائم لموسيقية الموضوع فإن من الأوزان ما يستمر في غرض من المعاني ولا يستمر في غيره؛ كما أن من القوافي ما يطرد في موضوع ولا يطرد في سواه، وإنما الوزن من الكلام كزيادة اللحن على الصوت: يراد منه إضافة صناعة من طرب النفس إلى صناعة الفكر، فالذين يهملون كل ذلك لا يدركون شيئًا من فلسفة الشعر ولا يعلمون أنهم إنما يفسدون أقوى الطبيعتين في صناعته؛ إذ المعنى قد يأتي نثرًا فلا ينقصه ذلك عن الشعر من حيث هو معنى، بل ربما زاده النثر إحكامًا وتفصيلًا وقوة بما يتهيأ فيه من البسط والشرح والتسلسل، ولكنه في الشعر يأتي غناء، وهذا ما لا يستطيعه النثر بحال من الأحوال.
فإذا لم يستطع الشاعر أن يأتي في نظمه بالروي المونق والنسج المتلائم والحبك المستوي والمعاني الجيدة التي تخلص إلى النفس خلوص طبيعة إلى طبيعة تمازجها، ورأيته يأتي بالشعر الجافي الغليظ والألفاظ المستوخمة الرديئة والقافية القلقة النافرة والمجازات المتفاوتة المضطربة والاستعارات البعيدة الممسوخة -فاعلم أنه رجل قد باعده الله من الشعر وابتلاه مع ذلك بزيغ الطبيعة وسرف التقليد، فما يجيء الشعر على لسانه في بيت إلا بعد أن يجيء اللغو على لسانه في مائة بيت أو أكثر أو أقل.
ذلك قولنا في فن الشاعر، أما الكلام في موهبته التي بها صار شاعرًا وعلى
__________
1 لنا كلام طويل في فلسفة الأسلوب البياني سنذكره إن شاء الله في كتابنا الجديد "أسرار الإعجاز".
[قلت: واقرأ حديثنا عن "أسرار الإعجاز" في كتاب "حياة الرافعي" ص 289] .
(3/218)

مقدارها يكون مقداره واتصال أسبابه أو انقطاعها من الشعر، فذلك باب لا يمكن بسط المعنى فيه ولا تحصيل دقائقه إلا إذا صورت روح الشاعر الدقيق المعجز ووزنت في ميزانها الإلهي وعرف نقصها إن نقصت وتمامها إن تمت، وأمكن تتبع مواقعها من أسرار الأشياء ومساقطها من منازل الإلهام، وهذا ما لا سبيل إليه إلا بالتوهم النفسي، فإن الأرواح القوية يلمح بعضها بعضًا، وقد تكون لمحة الروح الشاعرة لروح مثلها هي تدبرها ووزنها وإدراك ما تنطوي عليه كما ترى من وضع النور بإزاء النور، فإن هذا الوضع هو نفسه وزن لكليهما في ميزان البصر دون أن يكون ثمة موازنة إلا في التألق والشعاع؛ فهما في هذه الحالة نوران يضيئان، ولكنهما أيضًا كلمتان يبينان عما فيهما من الأكثر والأقل.
لهذا قلنا: إن الشاعر لا يستع لنقده ولايحيط به إلا من كانت له روح شعرية تكافئه في وزنها أو تربى على مقداره؛ فإن هناك قوى روحية لإدراك الجمال وخلقه في الأشياء خلقًا هو روح الشعر وروح فنه، وقوى أخرى لصلة العواطف بالفكر صلة هي سر الشعر وسر فنه، وقوى غير هذه وتلك لتحويل ما يخالج النفس الشاعرة تحويل المبالغة التي هي قوة الشعر وقوة فنه؛ وبمجموع هذه القوى كلها تمتاز روح الشاعر من غير الشاعر: أما ما تمتاز به هذه الروح من روح شاعرة مثلها فهو ما يكون من تفاوت المقادير التي يهبها الله وحده، فيخص شاعرًا بالزيادة وآخر بالنقص، ويهب أسبابها التي تكون عنها فيوسع لواحد ويضيق على الآخر؛ وإذا تمت تلك القوى واستحكمت تهيأ منها للشاعر جهاز عصبي خالص هو جهاز التوليد لا يمر به معنى إلا تجسد فيه بصورة غير صورته.
وقد استوفينا الكلام على ذلك في مقالنا "سر النبوغ في الأدب". وهو لا غير سر العبقرية.
فأمثل الطرق في نقد موهبة الشاعر إدراكها بالروح الشعرية القوية من ناحية إحساسها والنفاذ إلى بصيرتها، واكتناه مقادير الإلهام فيها، وتأمل آثارها في الفرح والحزن بأشجى وأرق ما تهتاج في النفس الحساسة، ومعرفة قوة التحويل في عواطفها للمعاني الإنسانية والطبيعة تحويلًا يجعل القوة أقوى مما تبلغ، والحقيقة أكبر مما تظهر، وتأتي بكل شيء ومعه شيء؛ وليس ينتهي الناقد إلى ذلك إلا بالبحث في الأغراض أي "المواضيع" التي نظم فيها الشاعر وما يصله بها من أمور عيشه وأحوال زمنه وكيف تناولها من ناحيته ومن ناحيتها وماذا أبدع، ثم في أي
(3/219)

المنازل يقع شعره من شعر غيره في تاريخ لغته وآدابه، ثم نظرته الفلسفية إلى الحياة ومسائلها واتساعه لأفراحها وآلامها وقوة أمواجه الروحية في هذا البحر الإنساني الرجاف المتضرب الذي يبلغ في نفوس بعض الشعراء أن يكون كالأقيانوس وفي بعضها أن يكون كالمستنقع ... ثم دقة فهمه عن وحي الطبيعة والإشراف على جلية معناها بالهمسة واللمسة، وتسقط إلهام الغيب منها بالإيماءة واللحظة؛ وهذا كله لا يستوسق للناقد العظيم إلا إذا كان مع روحه الشعرية التي اختص بها محيطًا بآثار الشعراء في لغته، بصيرًا بمآخذها؛ محكمًا لأسباب الموازنة بينها، متصرفًا مع ذلك بأداة قوية من صناعة اللغة والبيان وفنون الأدب.
وإذا كان من نقد الشعر علم فهو علم تشريح الأفكار، وإذا كان منه فن فهو فن درس العاطفة، وإذا كان منه صناعة فهي صناعة إظهار الجمال البياني في اللغة ...
(3/220)

فيلسوف وفلاسفة 1:
أتأمل الآن هذا القلم في يدي -وأنا أفكر فيما سأكتبه للزهراء- فأرى نصاب القلم أضلاعًا حمرًا في لون المرجان، تنسرح قليلًا، ثم تستدير، ثم تستدق، ثم تخرج منها قادمة سوداء كأنها قصبة ريشة من جناح، وقد خيل إلي أن هذا اللون الأحمر المزهو يقول للأسود: إنما أنت غلطة الذي صنعني، فكيف ألهم في الإلهام فوسمني بهذا الميسم من حسن ولون وتركيب، ثم اعترضته الغفلة فيك فأخطأ، وأدركه العجز فلم يميز، ودخل على رأيه الوهن فإذا هو يصلك بي كالسيئة بعد الحسنة، وينزلك مني منزلة القبح من الجمال! فأين كانت صحة رأيه التي بلغ بها في أحسن ما وفق إليه حين بلغ فيك أسوأ ما يمكن أن يصنع؟ فيقول الأسود؛ إنما فيك أنت غلطة الصانع وبك أخطأ جهة الفن، فلم يزن منك ما كان وزن مني، ولا قدر لك مثل ما قد لي، وجئت غليظًا غير مقدود، وكنت إلى العرض ولم تكن إلى الطول، وكنت أحمر ولم تكن أسود؛ وما أراك إلا فاسد الحس، متغير الذوق، وما أراك صنعك هذا الرجل إلا في ساعة هم قاربت بين نفسه ورأيه، فما زجت بين رأيه وعمله، فجمعت بين عمله وغلطه.
ذلك منطق اللونين فيما أدركت منهما، وكلاهما مخطئ في جهة ما هو مستدل به أو متنظر فيه؛ والحقيقة من ورائهما، إذ الحكمة ليست في أحدهما لحمزة أو سواد، بل هي في اثنيهما جميعًا لائتلافهما جميعًا، فلا تنقسم عليهما قسمة ما؛ لأنها آتية بالمقابلة بين اثنيهما، وما لا يخرج أبدًا إلا من اثنين فهو أبدًا واحد لا نصف له؛ كالطفل من أبويه: لن تعرف شطره من أمه لأنك لن تعرف شطره من أبيه.
أفي الأرض كلها من يستطيع أن يقسم طفلًا واحدًا فيجعله طفلين تعتدل بهما الحياة وتمدهما بروحين من روح واحدة؟ إنك لن تجد هذا الخالق الأرضي ... إلا في طائفتين: الأولى قوم من ذاهبي العقول يخلقون كل شيء لأنهم لا يخلقون
__________
1 مجلة الزهراء سنة 1925.
(3/221)

شيئًا؛ والثانية قومن من جبابرة العقول ... تعرف لهم من الخلط وسخف الرأي ما يريدون أن يعلوا به على الناس؛ إذ كان الناس لا يجاوزون الحقائق، فظن هؤلاء أنهم إن جاوزوها وعدوا عليها خرجوا إلى طبقة فوق العقل الإنساني. وللجنون طرفان: أحدهما ألا يعقل المجنون عن الناس، والآخر ألا يعقل الناس عن العاقل: فذلك ذلك وهذا هذا؛ وكأن في رأس كل منهما مضمرة من قوة الخلق تنطوي على محجوبة إلهية، فكل منهما يزيد في الخلق ما يشاء، وكل منهما فوق الطبيعة لأنه من ذوي الأسرار المجهولة التي لا تستبين عندنا من خفائها، ثم لا تخفى عندهم من استبانتها.
يضحكني من جبابرة العقول هؤلاء أنهم يرون الدين مرة عادة، وتارة اختراعًا، وحينًا خرفة، وطورًا استبعادًا؛ وكل ذلك لهم رأي، وكل ذلك كانوا يعقدونه بالحجة ويشدونه بالدليل؛ فلما جاء طاغور الشاعر الهندي المتوصف إلى مصر، وجلسوا إليه وسمعوه، خرجوا يتكلمون كأنما كانوا في معبد، وكأنما تنزلت عليهم حقيقته الإلهية، وكأنما اتضعت هذه الدنيا عن المكان الذي جلس فيه الرجل، فلا يعرفونه من الأرض، ولا من هذا العالم؛ بل كانوا في غشية قد فروا لها وسكنوا إليها، وما أراهم صرفوا عن عقولهم ولا صرفت عقولهم عنهم؛ ولكن طاغور شاعر فيلسوف، وهم يعرفون أنفسهم من لصوص كتبه وآرائه، ويقعون منه موقع السفسطة الفارغة من البرهان القائم، وإذا قيسوا إليه كانوا كالذباب تزعم أنفسها نسور المزابل، ولكنها لا تكابر في أن من الهزؤ بها قياسها بنسور الجو.
لقد ضربهم طاغور، لا بأنه لمسهم، بل بأنهم لمسوه ... وفضحهم فضيحة اللؤلؤة للزجاج المدعى أنه لؤلؤ، وأظهر لنا تجملهم العقلي كهذه الأصباغ في وجه الشوهاء: تذهب تتصنع ولا تدري أنه إن كان أدهانها وأصباغها روح النقاش ففي وجهها هي معنى الحائط!
لقد قرأت كل ما كتبوا عن طاغور ألتمس فيه هذه الحقيقة لأرى كيف يكون جبابرة العقول حين تنكشف عنهم المعاذير وتنزاح العلل وتنهتك الأستار، فإذا هم في كل ما كتبوه لا يحسون إلا هذه الحقيقة، ولا يصفون إلا هذا الحس، فلم يزهم عندنا إلا هذا الوصف؛ لا جرم فكل ما أثنوا به على الشاعر الفيلسوف قرأناه ذمًا لهم، وعرفناه قدحًا فيهم، وأخذناه تهمة عليهم، وكل ما أعظموه من أمره صغر من أمرهم، ولقد جعلواه إنسانًا كأنما تنتهي قمة هذه الدنيا عند قدمه، وتبدأ قدمه من قمة الدنيا، فما عرفنا من ذلك قياسًا لسمو طاغور وارتفاع نفسه، بل
(3/222)

قياسًا لانحطاط أنفسهم وهوان أمرهم وقلة خطرهم؛ فإن الرجل المقلد المخدوع لا يزال يطول في تقليده، ولا يزال يتوعر في الرأي الذي يراه ويعتسف طرق العلم اعتسافًا؛ حتى يرميه الله بأصل من هذه الأصول الإنسانية التي يقلدها؛ فإذا هو مفحم يتقاصر من طول، ويتسهل من وعر، ويهتدي من تعسف، وينحط إلى الوهدة بعد أن كان على الجبل، ويسلم في نفسه، ويذعن برأيه، وينقاد من حيث يأبى ومن حيث لا يأبى، ويصبح وقد غمرته تلك النفس أشبه بالظل مما يرميه ويفيء به؛ فهو مسخ في تمثيله الصورة، وهو كذب عليها بما يطول ويقصر، وهو على كل أحواله إبهام سخيف مظلم لحقيقة شريفة نيرة.
وأنت أفلا ترى هذا من جبابرة العقول كتلك الشيمة في أخلاق العامة، إذ لا يصلحون أبدًا إلا أن يكونوا تبعًا، ولا علم لهم إلا ما يربط في صدورهم من فلان وفلان، ثم يعملون بلا تحقيق، ويحملون بلا تمييز، ثم لا تكون نهمة أنفسهم مع الرجل العالم -إذا اجتمعوا به- إلا في التسليم له، واتقاء حقائقه، والنزول عن آرائهم إلى رأيه، والخروج من أنفسهم إلى نفسه!
لقد قلنا من قبل: إن جبابرة العقول هؤلاء الذين يأبون إلا أن يكونوا علماءنا وسادتنا؛ ليصرفوا عقولنا ويغيروا عقائدنا ويصلحوا آدابنا ويدخلونا في مساخط الله ويهجموا بنا على محارمه ويركبونا معاصيه- إن هم في أنفسهم إلا عامة وجهلة وحمقى إذا وزنوا بعلماء الأمم وقيسوا إلى حكماء الدنيا، وما يكتبون للأمة في نصيحتها وتعليمها إلا ما يتحول من كلمات وجمل في الصحف والكتب إلى أن يصيروا في الواقع فساقًا وفجرة وملحدين وساخرين ومفسدين؛ فالمصيبة فيهم من ناحية العلم الناقص في وزن المصيبة بهم من ناحية الخلق الفاسد، وهاتان معًا في وزن المصيبة الكبرى التي يجنون بها على الأمة لتهديمها فيما يعلمون، وتجديدها فيما يزعمون..
لم أنخدع قط في هؤلاء من فلاسفة أو دكاترة أو جبابرة، ولست أضع أمرهم إلا على حقه، فإني لأعرف أن الهر من قبيلة الأسد، ولكن أسديته على الفأرية وحدها ... ولعلما عاقبة الجهل خير للأمة من عواقب علمهم وتخبطهم وحماقاتهم فإنهم قوم مقلدون، ولهم طباع معتلة زائغة، وعقول لا مساك لها من دين أو ضمير؛ فما يجنحون إلا إلى بدعة سيئة، أو آفة محذورة، أو فكرة متهمة؛ ولا يعملون إلا ما يشبه الظن بهم، والرأي فيهم؛ من تمدين الأخلاق السافلة وإلحاقها بالعلم أو الفلسفة، مع بقاء العقل صحيحًا يحكم على هذا الخبيث
(3/223)

كما كان يحكم على ذلك الطيب؛ وليس من سبيل إلى هذا إلا من جهة تحويل الأخلاق، فإن هي استمسكت ولم تتحول فيها هنا موضع النزاع ومحل الخلاف، ولا بد من حرب منا كحرب الاستقلال، ثم حرب منهم كحرب الاستعمار ...
فالذي بيننا وبينهم ليس القديم والجديد، ولا التأخر والتقدم، ولا الجمود والتحول؛ ولكن أخلاقنا وتجردهم منها، وديننا وإلحادهم فيه، وكمالنا ونقصهم، وتوثقنا وانحلالهم، واعتصامنا بما يمكننا وتراخيهم تراخي الحبل لا يجد ما يشده.
والآن انظر إلى قلمي فأرى شطره الأسود ما جعل كذلك إلا ليزيد في جمال حمرته وبريقها، ويكسبها لمعة لا تأتيها إلا من السواد خاصة؛ والشر خير إلا إذا بقي محصورًا في موضعه ولم يتجاوزه؛ فإذا تنبهت الأمة لجبابرة العقول هؤلاء، قلنا لا بأس بالسواد المظلم إذا كانت حكمته حمراء ...
(3/224)

شيطاني وشيطان طاغور ... 1:
طاغور هذا شاعر الهند، مر بمصر مرور شمس الشتاء باليوم المطير: لا يقع نورها إلا في القلوب مما تستخف وتستهوي، ومما تمتنع وتتأبى، ومما ترق وتلطف؛ وتنقدح بين السحب الهامية فإذا لها من الجمال والسحر والعجب ما يكون لجمرة تخرجها السماء معجزة للناس فيرونها ترسل الشعاع مرة وتمطر الماء مرة.
لم ألق طاغور ولكني أنفذت إليه شطاني وقلت أوصيه قبل أن يخرج لوجهه: قد علمت أن هذا الرجل هندي؛ ولكنه إنسان، فما أرض أولى به من أرض؛ وأنه شاعر، ولكنه مخلوق، فما طبيعة أغلب عليه من طبيعة؛ وأنه حكيم، ولكنه تركيب ما جبلت له طينة غير الطينة؛ وأنه سماوي، غير أنه سماوي كعلماء الفلك: سماؤه في منظار وكتاب وقلم وحبر ... فاذهب إليه فداخل شيطانه، فإنك واجد له من ذلك ما لكل الشعراء، وربما عرفت شيطانه من ذوي قرابتك أو خالصة أهلك، ثم ائتني بكلامه على جهة ما هو مفكر فيه، لا على جهة ما متكلم به؛ وخذ ما يهجس على قلبه، ودع ما يجري في لسانه؛ فإن هذا سيأتي به إخوانك من "مندوبي الصحف" ... واعلم أن كل حكيم مهيئ لمسائل من حوله كلامًا. غير أن معاني من حوله مهيئة له مسائل أخرى يفكر في كل جواب عليها ولا ينطق بجواب عليها.
فحدثني شيطاني بعد رجوعه قال: حدثني شيطان طاغور قال: لما هبط طاغور هذا الوادي نظر نظرة في الشمس، ثم قال: أنت هنا وأنت هناك، تقربين بأثر وتبعدين بأثر، وتطلعين بجو وتغربين بجو، فلا تختلفين وتختلف بك الأقاليم، ثم تتغير بالأقاليم الأمم، ثم تتغير بالأفكار والمنازع أغراضها ومصالحها، ثم تتغير بمصالحها وأغرضها الحقائق الإنسانية؛ وإنما الباطل والحق فيما تستقبل هذه الحقائق أو تستدبر، وقد غلبت
__________
1 البلاغ الأسبوعي سنة 1926.
(3/225)

السياسة على كل شيء حتى أصبحت هذه الحقائق الإنسانية جغرافية، لها شعوب ولها مستعمرات؛ فالإخاء في الغرب سيادة في الشرق، والمساواة هناك امتياز هنا، والحرية في مملكة استعباد لمملكة، والتحية في موضع صفعة في موضع والضيافة في مكان استئكال في مكان؛ {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118، 119] فلن يتصل الناس بالروح الأعلى إلا من الجهة الواحدة التي لم تتغير ولن تتغير فيهم، جهة الدموع التي لا تختلف في أسود ولا أحمر، والتي لا تنبعث إلا من الرقة والوجد والأحزان والآلام، وهي بذلك نسب كل قلب إلى كل قلب، فلو غمر العالم كله بلاء واحد لا تحرز منه أرض أهلها ولا تتحاجز الأمم فيه، لاستلب مطامع الناس بعضهم في بعض، وأرجع الإنسانية الزائغة إلى مستقرها، فتجردوا من الدنيا وهم في الدنيا، فاتصلوا باللانهاية وهم في النهاية؛ فإن لم يكن بلاء عام ففكر عام في بلاءٍ يميت الشهوات المتطلقة ويكون كالداء تلبس بالجنس الإنساني كالذي تصفه الأديان من جهنم والمصير إليها والحساب عندها والجزاء على الشر بها، حتى لا تبقى نفس إلا وهي في وثاق من حلالها وحرامها، ولا يبقى شر يتخيل أو يشتهى إلا وهو كالمتاع النفيس بين أربعة جدران تتساقط وتحترق لا يجد في كل اللصوص لصًّا، فإن لم يكن هذا ولا ذاك فالحب العام حتى لا يبقى جيش ولا سلاح ولا سياسة ولا دول، ولا تكون الممالك إلا بيوتًا إنسانية بين الواحدة والكل من الشابكة واللحمة ما بين الكل والواحدة، وحتى تقول مصر لانجلترا: يا بنت عمي ... فإن استحال كل هذا فالحرية العامة على أن تكون محدودة من كل جهاتها بالشعر، وعلى أن يكون الشعر محدودًا بالطبيعة والطبيعة محدودة بالله، فينتزع النوم من الأرض لتتصل اليقظة بالحلم ... من طريق غير النوم.
قال شيطان طاغور: ثم ابتأس طاغور وقال: كل ذلك مستحيل أو كالمستحيل ولكنه في الأمل ممكن أو كالممكن؛ وللفظ معنيان: أحدهما ما يكون، والثاني ما يحسن أن يكون؛ ذلك لا بد له منا؛ لأنه جانب النظام الإلهي، وهذا لا بد لنا منه؛ لأنه جانب الخيال الإنساني؛ ذلك من الطبيعة التي تعمل ولا تتكلم، وهذا من الشعر الذي يتكلم ولا يعمل. آه آه! إنما السلام العام أن يكون الوجود شركة إلهية إنسانية برضى واتفاق بين الطرفين ... ولعمري إن كل المستحيلات ممكنة بالإضافة إلى هذا المستحيل. ثم تبسم طاغور إذ خطر له أنه شاعر عليه أن يصف الوردة ويقول فيها ما يجعلها بيت شعر في كتاب الطبيعة له
(3/226)

وزن ونغم، ولكن على الطبيعة قبل ذلك أن تنبتها ناضرة عطرة جميلة تتميز عن غيرها برائحة ولون وشكل.
قال شيطانه: ولما انتهى من تأمله إلى هذه الخاطرة قدمت له سيدة هندية عقود الزهر، وبينا هي تقلده إياها قال في نفسه: إن هذه الأزهار من معاني الماء العذب؛ فإذا انطلقنا في أوهامنا وراء الحب العام والسلام العام فلمن تكون معاني الماء الملح، وهو ثلاثة أرباع الأرض، ومن أزهاره الأسطول الإنجليزي.
حدثني شيطاني قال: حدثني شيطان طاغور قال: ولما استقر طاغور في قصر شوقي بك ورآه في مثل حسن الدينار ونقشه ونفاسته، قال: لا جرم هذه أمة أغنت شاعرها، فما أخطئ التقدير، وإن أخطأته فلا أبعد عن المقارنة إذا حسبت أن هذا الشاعر يطبع لهذه الأمة نصف مليون نسخة من كل ديوان شعر أو دفتر حكمة أو كتاب قصة، وليتني أعرف العربية لأعرف كيف يبدع هذا الشعب فلسفته في أغانيه المتصلة بغيوم السماء المتكلم بأحسن وأطهر ما يمكن أن يكون ترجمة للحقيقة الخالدة التي يتوارثها شعب خالد.
الشعر فكرة الوجود في الإنسان، وفكرة الإنسان في الوجود، ولا يكفي أن يخلق هذا الإنسان مرة واحدة من لحم ودم، بل لابد أن يخلق مرة أخرى من معان وألفاظ، وإلا خرج حيوانًا أعجم؛ فالشاعر يبدع أمة كاملة، إن لم يخلقها فإنه يخلق أفكارها الجميلة وحكمتها الخالدة وآدابها العالية وسياستها الموفقة وما أحسب النهضة المصرية إلا بالأغاني والأناشيد، فتأتي من انجلترا جنود وتخرج لها من دور الغناء والتمثيل جنود أخرى؛ لقد كنت ملهمًا حين قلت مرة: "إن الله يخاطب الناس عن طريق الموسيقى"*.
نعم عن طريق الموسيقى، فكل شيء هو موسيقى في نفسه حتى حين يتطاحن الناس ويذبح بعضهم بعضًا، فإن صلصلة الأسلحة ودوي القنابل وأزيز الرصاص وتصايح الجند -كل ذلك لحن أعده الله جلت قدرته "وموسيقاه" ... لجنازات الأمم.
حدثني شيطاني قال: حدثني شيطان طاغور قال: ولما رأى طاغور الأستاذ
__________
* هذه العبارة من كلام طاغور في محاضرته مما ترجمته جريدة السياسة.
(3/227)

الفاضل مدير الجامعة المصرية -وهي التي دعته إلى إلقاء محاضرته- قال: نعم وحبًا وكرامة، إنه لا يستقيم في العقل أن تدعو هذه الجامعة شاعرًا روحانيًّا مثلي إلا وهي فلك نير يعده الله من نجومه، وما أحسب أستاذ آدابها العربية إلا تلك الذرة اللؤلؤية التي كانت تجاورني في طينة الخلق الأزلية، فلو أن الذرات الثماني التي كانت حولنا خلقت في عصرنا هذا وتوزعت على الأمم الفلسفية لكنا وإياها كوصايا الله العشر في هذا العصر المادي ... ولملأنا طياتها إيمانًا بالله، ولصار الله -تعالى- في أرضه عشر آلات سماوية لاسلكية بينه وبين الخلق، تباهي الجامعة المصرية بأن فيها إحداها ... لقد نغص علي هذه الشيخوخة أني لم أتعلم العربية، وكيف لي بأن أرتل أناشيد أستاذ الآداب في الجامعة المصرية لأستمتع بألحانه السماوية في شعره وأغانيه، وأسمع الملائكة من هذه المئذنة الإنسانية في الجامعة تهتف بكلمة الإسلام الرهيبة صارخة بحقيقة الوجود في الوجود: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله ...
قال شيطاني: وكان شيطان الدكتور طه حسين أستاذ الجامعة حاضرًا معنا، فلما ألمَّ بما في نفس طاغور قال لي: حقًّا إن من الخير أن لا يعرف هذا الهندي اللغة العربية؛ لأنه لو عرف اللغة العربية لما أرضته اللغة العربية ولا أداب اللغة العربية ولا أستاذ آداب اللغة العربية! فقلت: اسكت ويحك ودع الرجل في أحلامه، ولا تكن غيمة سمائه المشرقة؛ أما تراه يحلم، أما سمعته يقول: "والحقيقة من حيث هي جمال ليس يعدله جمال؛ ألست ترى إلى صورة هذه المرأة العجوز أبدعها فنان ماهر، إنك تنظر إلى الصورة فتقر بجمالها، ولكن المرأة العجوز التي فيها ليست على شيء من الجمال؛ لكنما جمال الصورة أنها تمثل هذه المرأة العجوز على حقيقتها*"، فهذه كلمات في سبحات النور، وهي من لغة السماء ذات الكواكب لا من لغة النفس ذات العواطف؛ وإلا فهل يصح في العقل أن تصوير العجوز التي اضطرب ميزان الخلق فيها حتى لا يزن منها إلا بقايا الخلقة وأنقاض العمر وخرائب المرأة ... يكون بما يظهر من شوهتها وتهدمها وتشنن جلدها وموت ظاهرها -جمالًا في الصورة؛ لأنه قبيح في الأصل؟ أفليس لو كان
__________
* هذه العبارة مما ترجمته السياسة من محاضرة طاغور، وإذا قيل إن الصناعة في نقل الصورة محكمة فليس معنى ذلك أن الصورة جميلة، والمعنى الذي يرمي إليه الشاعر معروف وقد كتبناه في "السحاب الأحمر" ولكنه أخطأ في العبارة عنه أو أخطأت الترجمة.
(3/228)

ذلك صحيحًا لملئت المتاحف والقصور بألواح العجائز، ولما بقيت على الأرض عجوز إلا ذهبت لأحد المصورين تقول له: اخلقني! ...
حدثني شيطان قال: حدثني شيطان طاغور قال: وكان طاغور رطب اللسان في محاضرته كأن غابة من غابات الهند أمدته بكل ما اعتصرته الشمس فيها ماء وحياة ونضرة، فهو في كلامه ومعانيه ورق وزهر ونسيم وظل وحفيف وتغريد، يسحر الناظر؛ إذ لا يرى الناظر شكله الإنساني فيه، بل يراه شيئًا من خياله كأنما انفصل منه فتمثل بشرًا سويًّا، ولو أنك اطلعت يومًا في المرأة فإذا خيالك فيها يكلمك ويستأنسك ويطلف لك، لما أدهشك من ذلك ولا أطربك ولا استخرج من عجبك وذهولك إلا كالذي يعتري نفسك حين يكلمك طاغور؛ وتراه يستخلص آراءه المتصرفة بكلامه من روح النواميس الإلهية المدبرة للكون، فتحسه يضيق إليك زيادة ليست فيك؛ فمما كبرت به تصغر نفسك عندك بين يديه؛ ثم هو يتصل بروحك مرة في جلال حب الأب لطفله، ومرة في رقة فرح الطفل بأبيه؛ فإذا أنت منه بموقف عجيب من معجزة إنسانية تروعك بطفل شيخ قد اجتمع فيه طرفًا العمر وجاء كأنه مظهر روحه التي لا عمر لها.
إنسان كهربائي يحاول أن يزيد في تركيب الناس عظمة من حديد أو عصبًا من سلك؛ لتصل بهم جميعًا تلك الشعلة الطائفة؛ فإذا هم خلق آخر كأهل الجنة: {يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} [الحديد: 12] ؛ ولكنه بصر وهو خارج من المسرح بإعلان السيما التي تجاوره وما عليه من التصاوير والتهاويل، فقال في نفسه: بعد قليل تجيء إلى هنا لندن وباريس ونيويورك وغيرها من أرض الله بناسها وحيوانها ونباتها، يراها الجالسون رأي العين ويتصلون بها اتصالًا بعيدًا لا يجعلهم فيها ولكنه لا يخليهم منها؛ ويجب لعمران هذه الأرض أن يبقى أهل مصر في مصر فلا يدعوها جميعًا؛ ليتصلوا جميعا بما تشتاقه أنفسهم من باريس أو غير باريس من حقائق العالم الكبرى، ولا يحسن هذا الاتصال إلا إذا خص ولم يعم، فيقوم به الواحد والاثنان والجماعة وتبقى الأمة بما هي وكما هي؛ لأنها بذلك وحده أمة، كما أن الناس بطبائعهم ناس، والكون باختلافه كون، فهيهات هيهات الحب العام والسلام العام والاتصال العام بالحقيقة الروحية العليا. ثم تبسم وقال: ما أشبهني بهذه السيما، غير أن شريطي لا يرى فيه الناس رواية من لندن وباريس، بل رواية وقعت حوادثها في جنة الخلد ...
(3/229)

فلسفة القصة ولماذا لا أكتب فيها ... ؟ *
لم أكتب في القصة إلا قليلًا، إذا أنت أردت الطريقة الكتابية المصطلح على تسميتها بهذا الاسم، ولكني مع ذلك لا أراني وضعت كل كتبي ومقالاتي إلا في قصة بعينها، هي قصة هذا العقل الذي في رأسي، وهذا القلب الذي بين جنبي ...
أنا لا أعبأ بالمظاهر والأغراض التي يأتي بها يوم وينسخها يوم آخر، والقبلة التي أتجه إليها في الأدب إنما هي النفس الشرقية في دينها وفضائلها، فلا أكتب إلا ما يبعثها حية ويزيد في حياتها وسمو غايتها، ويمكن لفضائلها وخصائصها في الحياة؛ ولذا لا أمسُّ من الآداب كلها إلا نواحيها العليا؛ ثم إنه يخيل إلي دائمًا أني رسول لغوي بعثت للدفاع عن القرآن ولغته وبيانه، فأنا أبدًا في موقف الجيش "تحت السلاح": له ما يعانيه وما يكلفه وما يحاوله ويفي به، وما يتحاماه ويتحفظ فيه، وتاريخ نصره وهزيمته في أعماله دون سواها؛ وكيف اعترضت الجيش رأيته فنَّ نفسه، لا فنك أنت ولا فن سواك؛ إذ هو لطريقته وغايته وما يتأدى به للحياة والتاريخ.
ألا ترى أن تلك الروايات توضع قصصًا، ثم تقرأ فتبقى قصصًا؟ وإن هي صنعت شيئًا في قرائها لم تزد على ما تفعل المخدرات؛ تكون مسكنات عصبية إلى حين، ثم تنقلب هي بنفسها بعد قيل إلى مهيجات عصبية؟
وأنا لا أنكر أن في القصة أدبًا عاليًا، ولكن هذا الأدب العالي في رأيي لا يكون إلا بأخذ الحوادث وتربيتها في الرواية كما يربي الأطفال على أسلوب سواء في العلم والفضيلة؛ فالقصة من هذه الناحية مدرسة لها قانون مسنون، وطريقة ممحصة، وغاية معينة؛ ولا ينبغي أن يتناولها غير الأفذاذ من فلاسفة الفكر الذين تنصبهم
__________
* وجه إلينا سؤال: لماذا لا تكتب في القصة؟ وكان هذا قبل أن نكتب مقالاتنا في مجلة الرسالة، فرددنا بهذا الرد.
[قلت: وانظر ص189 من "حياة الرافعي"] .
(3/230)

مواهبهم لإلقاء الكلمة الحاسمة في المشكلة التي تثير الحياة أو تثيرها الحياة؛ والأعلام من فلاسفة البيان الذين رزقوا من أدبهم قوة الترجمة عما بين النفس الإنسانية والحياة، وما بين الحياة وموادها النفسية في هؤلاء وهؤلاء، تتخيل الحياة فتبدع أجمل شعرها، وتتأمل فتخرج أسمى حكمتها، وتشرع فتضع أصح قوانينها.
وأما من عداهم ممن يحترفون كتابة القصص، فهم في الأدب رعاع وهمج، كان من أثر قصصهم ما يتخبط فيه العالم اليوم من فوضى الغرائز، هذه الفوضى الممقوتة التي لو حققتها في النفوس لما رأيتها إلا عامية روحانية منحطة تتسكع فيها النفس مشردة في طرق رذائلها.
إذا قرأت الرواية الزائفة أحسست في نفسك بأشياء بدأت تسفل، وإذا قرأت الرواية الصحيحة أدركت من نفسك أشياء بدأت تعلو، تنتهي الأولى فيك بأثرها السيئ، وتبدأ الثانية منك بأثرها الطيب؛ وهذا عندي هو فوق ما بين فن القصة وفن التلفيق القصصي!!.
(3/231)

شعر صبري *:
في الحادي والعشرين من شهر مارس من سنتنا1 هذه نزع الشعر العربي عن رأسه عمامة المشيخة ونشرها للموت، فكانت الكفن الذي طوي فيه بقية شيوخ الأدب: المرحوم إسماعيل باشا صبري.
كان -رحمه الله- من الرجال الذين نشأوا في تاريخ لا ينشئ رجلًا، وجاءوا في غير زمنهم ليجيء بهم زمنهم بعد؛ وهؤلاء إن لم يكن فيهم قوة أكبر من القوة، فهم أقدار وأحداث تولد وتنشأ وتنمو في أسلوب إنساني؛ ليتم بها شيء كان نقصًا، ويحسن شيئًا كان هجنة، ويوجد أمرًا كان عدمًا؛ ثم ليكون للزمن منها حدود يبدأ عند الواحد منها فيتغير فيه ويتحول به ويخرج معه في بعض معانيه زمنًا جديدًا في رجل جديد.
كذلك كان صبري في منحى من مناحي الشعر، وكان البارودي -رحمهما الله- في منحى آخر؛ فهما طرفا المحور الذي استدار عليه هذا الفلك ليبدأ بعد تاريخه الميت تاريخًا حيًّا، وليخرج من الجو القاتم في أعراض الأرض إلى الفضاء المشرق بمعاني السماء، ثم لينفض عنه في مهب الرياح العلوية ما لصق به من طباع أهله وأخلاقهم، ويغلق بها ما فتح الزمن عليهم من أبواب هذه الحرفة، فكان الشعر في حاجة إلى رجل كالملك، فأصاب رجلين؛ وعلم الله ما رأيت في كل من رأيتهم من الشعراء نفسًا تعد معهما، ولا خلقًا يجري في أخلاقهما، ولا ظرفًا ولا رقة ولا أدبًا ولا شيئًا يصلح أن يكون شرحًا منهما أو توكيدًا لشيء فيهما أو تقوية لمعنى من معانيهما، كأنما وجدا ليكون أحدهما مبدأ والآخر نهاية، ولينفردا انفراد الطرفين من المسافة بالغة ما بلغت.
كان الشعر لعهدهما بقية رثة في معرض خلق مما كان يسميه أدباء الأندلس بالأغراض المشرقية وطريقة المشارقة، وهم يعنون بذلك الصناعة والتكلف للبديع
__________
* هو إسماعيل باشا صبري، توفي رحمه الله في شهر مارس سنة1923م.
1 المقتطف: مايو سنة1923.
(3/232)

والانصراف إلى اللفظ واستكراهه على الوجه الذي أرادوا، إلى ما يتشعب من ذلك ويخرج أو يدخل في بابه؛ وقد كان هذا ومثله مما يساغ ويحتمل في القرن الثامن وأكثر التاسع للهجرة، ثم في أيام بعد ذلك؛ غير أنه بلي وتهتك في مصر خاصة ولم يبق منه إلى منتصف القرن الثالث عشر إلا رقع وخيوط في قصائد ومقاطيع.
ثم كان أكثر الشعراء يومئذ إنما يحترفون فن الأدب صناعة كسائر المهن والصناعات التي بها قوام العيش لهؤلاء المستأكلين والمتكسبين من السوقة والمرتزقة.
ظهر البارودي ونبغ في شعره قبل أن يقول صبري الشعر بسنوات، ولكن الأدب الفارسي والجزالة العربية هما اللذان تحولا فيه؛ ثم نبغ صبري بعد ذلك بزمن، فتحول فيه الأدب الإفرنجي والرقة العربية؛ وهذا موضع التفاوت في شعر الرجلين اللذين اقتنصا الخيال الشعري من طرفي الأرض، وكلاهما يذهب مذهبًا ويرجع إلى طبع ويروض شعره على وجه؛ فالبارودي يستجزل ويجمع إلى سبكه الجيد قوة الفخامة وشدة الجزالة، ثم يعترض الخيال من حيث يهبط على النفس في ممر الوحي؛ وصبري يسترق ويضيف إلى صفاء لفظه جمال التخير وحلاوة الرقة، ويعارض الفكر من حيث يتصل بالقلب؛ والبارودي لا يرى إلا ميزان اللسان يقيم عليه حروفه وكلماته، وصبري لا يرى إلا ميزان الذوق الذي هو من وراء اللسان؛ وقد يسرت لكليهما أسباب ناحيته في أحسن ما يتصرف فيه؛ فجاء البارودي حافظًا كأنه مجموعة من دواوين العرب والمولدين، وجاء صبري مفكرًا كأنه مجموعة أذواق وأفكار؛ وهما يشتركان معًا في التلوم على صنعة الشعر والتأني في عمله وتقليبه على وجوه من التصفح، وتمحيصه بالنقد والابتلاء لفظًا لفظًا وجملة جملة، ثم مطاولة معانيه ومصابرتها كأنما ينتزعان محاسنها من أيدي الملائكة؛ وأنا أعرف ذلك فيهما؛ وقال لي صبري باشا مرة وقد جاريته في بعض هذا المعنى: إنه يعلم هذا من البارودي ومن نفسه. قلت: أفيبلغ به ذلك أن يمحو بياض اليوم في سواد بيت واحد؟ قال: وفي سواد شطرة أحيانًا! وليس ينقصهما هذا الأمر شيئًا، فإن خبر زهير في حولياته معروف، وقد عمل سبع قصائد في سبع ستين: يحوك القصيدة منها في سنة.
ونقلوا عن مروان بن أبي حفصة أنه قال: كنت أعمل القصيدة في أربعة أشهر، وأحككها في أربعة أشهر، وأعرضها في أربعة أشهر، ثم أخرج بها إلى الناس؛ فقيل هذا هو الحولي المنقح.
(3/233)

كان مرجع البارودي إلى الحفظ، فنبغ في وثبات قليلة؛ أما صبري فاحتاج إلى زمن حتى استحكمت ناحيته وآتته أسبابه على الإجادة، لأن مرجعه إلى الذوق، وهذا يكتسب بالمران وينضج عند نضوج الفكر ولا يأتي بالماء والرونق حتى تأتي له أسباب كثيرة؛ وأنت تعرف ذلك في الرجلين من أوائل شعرهما، فقد رثى البارودي أباه في سن العشرين بأبياته الدالية الشهيرة التي مطلعها:
لا فارس اليوم يحمي السرح بالوادي ... طاح الردى بشهاب الحي والنادي
وهي ثمانية عشر بيتًا، وجيدها جيد، وكأنها خرجت من لسان أعرابي؛ وإنما جاءته من صنعة الحفظ، كالذي اتفق للشريف الرضي في أبياته الخائية التي كتب بها إلى أبيه وعمره أربع عشرة سنة، وكان أبوه معتقلًا بقلعة شيراز ومطلعها:
أبلغا عني الحسين ألوكًا ... إن ذا الطود بعد بعدك ساخا
والشهاب الذي اصطليت لظاه ... عكست ضوءه الخطوب فباخا
هذا على أن البداية كما يقال مزلة؛ وقد وفقنا إلى الوقوف على أول ما نشر من شعر صبري باشا، وذلك قصيدتان نشرتا في مجلة روضة المدارس في مدح إسماعيل باشا، فنشرت الأولى في العدد الصادر في غاية شوال سنة 1287 للهجرة -1870 للميلاد؛ ونشرت الثانية في عدد شهر ربيع الآخر من سنة 1288هـ 1871م؛ وبينهما خمسة أشهر، كانت وثبته فيها ضعيفة متقاصرة، مما يدل على بطء نضجه بطبيعة الأسباب التي تسبب بها إلى الشعر؛ وكانت الروضة يومئذ تنشر لطائفة من فحول دهرهم: كالسيد صالح مجدي، ورفاعة بك رافع، ومحمد أفندي قدري "ونابغة الزمان محمد أفندي رضوان"، وغيرهم. وكانت تستقبل قصائدهم بسجعات داوية مفرقعة، هي لذلك العهد أشبه الأشياء بطلقات مدافع التحية للملوك والأمراء؛ فلما نشرت لصبري قالت في القصيدة الأولى: تهنئة بالعيد الأكبر للخديوي الأعظم بقلم إسماعيل صبري أفندي". وقالت في الثانية: "قصيدة رائية في مدح الحضرة الخديوية من نظم الشاب النجيب إسماعيل صبري أفندي من تلامذة مدرسة الإدارة". ومطلع القصيدة الأولى:
سفرت فلاح لنا هلال سعود ... ونما الغرام بقلبي المعمود
ولا شيء فيها أكثر من حروف المطبعة ... ومطلع الثانية:
أغرتك الغراء أم طلعة البدر ... وقامتك الهيفاءُ أم عادل السمرِ
(3/234)

وفي هذه القصيدة بيت وقفت عنده أرى صبري باشا في صبري أفندي كأنه خيال مولود يستهل، وذلك قوله:
فطول من الهجران عل وقوفنا ... طول معا -يا قاتلي- ساعة الحشر
ويكاد هذا البيت يكون أول انقلاب للفكرة فيه: وهو غريب، والتأمل فيه أغرب، ولكنه يدل على خيال سيثب يومًا على أقطار السموات.
وفي ذلك الزمن عينه كان البارودي شهابًا يتلهب، وكان قد بلغ مبلغه واستجمع أسباب نهايته، بل هو نظم قبل ذلك بست سنوات قصيدته الشهيرة:
أخذ الكرى بمعاقد الأجفان ... وهفا السرى بأعنة الفرسان
فلم يكن ليذهب وجه الشعر عن صبري، ولم يكن ليغضي عند احتذاء هذه الصنعة البارعة ويأخذ في غيرها لولا أن فيه طبعًا مستقلًا يذهب إلى كماله في أسلوب آخر كأسلوب كل زهرة في غصنها؛ وأخص أحوال صبري أنه لم يرد أن يكون شاعرًا فجاء أكبر من شاعر، وكان السبب الذي صرفه من ناحية هو نفسه الذي جاء به من ناحية أخرى.
ينبغ الشاعر بأربعة أشياء لا بد منها: طريقة الدرس التي عالج بها الشعر، وكتب هذه الطريقة، والرجال الذين هم أمثلتها في نفسه، ثم ... ويالله من "ثم" هذه، فهي اللمحة السماوية التي تشرق على فؤاد الشاعر من وجه جميل، والثلاث الأولى تنشئ نبوغًا معروفًا في نوعه ومقداره، ولكن الأحيرة هي طريق القدر التي لا يعرف آخرها؛ وإذا تجددت في حياة الشاعر أو اتصلت تجدد بها نبوغه أو اتصل، فعلى قدر ما يحب تحبوه السماء من أسرار الجمال، وهي نفسها أجمل أسباب الشعر وأجمل معانيه وأجمل غاياته، فهي هي المادة التي تؤلف بين نفس الشاعر وبين معنى الجمال الشعري في هذا الكون كله؛ وإذا أنت نزعت النظرة والابتسامة -وهما عنصرا تلك المادة- من حياة الشاعر، نزعت الحياة نفسها في شعره فما يبقى منه إلا أنه مقبرة للألفاظ والمعاني، وتسمع شعره فلا تجزيه به أحسن من قولك: يرحمك الله ... وصبري لم يدرس الشعر في الكتب أكثر مما درسه في الوجوه والعيون، وقد عالج هذا الشعر في بدايته ليتأتى إليه من طرقه البعيدة؛ أما الرجال الذين كانوا أمثلته فكانوا رجال الظرف والرقة والنكتة المصرية الشهيرة التي انفرد بها الطبع المصري ونص عليها علماء البلاغة، كالسكاكي
(3/235)

وغيره؛؛ بل كان عصره كله عصر هذه النكتة، فتحولت في طبعه الرقيق المبتكر تحولًا رقيقًا أرجعها إلى الظرف المحض الذي اجتمعت فيه كل طباعه كما يجتمع السحاب من الماء.
ولقد كان في شعره أحق الناس بقول ابن سعيد المغربي:
أسكان مصر جاور النيل أرضكم ... فأكسبكم تلك الحلاوة في الشعر
وكان بتلك الأرض سحر فما بقي ... سوى أثر يبدو على النظم والنثر
وإني لأعلم أنه كان دائم الحب: يمزج ذكرى ماضيه بحاضره فيخرج منهما حبًّا جديدًا؛ وكان الرجل كأنه مجروح القلب، فلا يزال يئن حتى في بعض أنفاسه؛ إذ يرسل النفس الطويل بين هنيهة وأخرى، وكأنه يريد أن يطمئن أن نفسه فيه، أو أن شيئًا باقيًا في نفسه؛ وتلك همهمة لا تكون في شاعر من الشعراء بغير معنى.
كانت النظرة والابتسامة تتمثل له حيث شاء وتعترضه حيث أراد أن يراها، فيجد في كل شيء روحًا من الشعر، ويقرأ لمحاتها متى التمعت، وكان يعيش في ذات نفسه كأنه معنى في قصيدة هو أمير أبياتها.
فشاعرنا هذا أخرجه اثنان: الظرف والجمال؛ وهذا سر إبائه أن يعد من الشعراء؛ لأنه أرفع من أن يدخل بينهم في هذه المحنة والبلوى التي ابتلوا بها ...
ولقد هم صبري في أواخر عمره بمحو شعره لو أنه كان في منال يده على أنه محا منه بإهماله أكثر مما أثبت؛ وعلمت منه أنه لم يدون شيئًا، وأنه ينسى متى انتهوا إلى التحقيق رأوا عمرهم كله بداية ورأوا ما فعلوا باطلًا فغسلوا كتبهم أو أحرقوها، ولكنا لم نعرف هذه الطبيعة في شاعر بعد عصر الكتابة والتدوين، وإن كان بعضهم يأنف لنفسه أن يعد من الشعراء وهو مع ذلك يجمع يده على شعره، كالشريف الرضي الذي يقول:
ما لك ترضى أن تعد شاعرًا ... بعدًا لها من عدد الفضائل
ويقول في مدح أبيه:
إني لأرضى أن أراك ممدحًا ... وعلاك لا ترضى بأني شاعر
ومثله أبو طالب المأموني وآخرون يدعون ذلك دعوى وفي ألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
(3/236)

ولإفراط صبري في الظرف والجمال وقيام شعره على هذين الركنين، جاء مقلًّا من أصحاب القصار، وزاد إقلاله في قيمة شعره، فخرجت مقاطيعه مخرج الشيء الطريف الذي يتعجب منه في وجوده أكثر مما يتعجب منه لقلة وجوده؛ وبذلك ربح تعب المكثرين والمطيلين؛ إذ كان لا يقول إلا فيما تؤاتيه السجية وينزع الطبع، فيدنو مأخذه ويكثر بقليله ويرمي منه بمثل الحجة والبرهان، فيطمس بهما على كلام طويل وجدل عريض.
ولا يعيب المقل أنه مقل إذا كثرت حسناته، بل ذلك أعون له على القلوب والنفوس إذا أصابت في شعره ما يغريها بطلب المزيد منه؛ وقد عدوا بين المقلين في الجاهلية: طرفة بن العبد، وعبيد بن الأبرص، وعلقمة الفحل، وعدي بن زيد، وسلامة بن جندل، وحصين بن الحمام، والمتلمس، والحارث بن حلزة، وابن كلثوم، وغيرهم أتينا على أسمائهم في الجزء الثالث من "تاريخ آداب العرب"؛ ومن أولئك من يعرف بالقصيدة الواحدة: كطرفة، ومنهم من يعرف بثلاث قصائد: كعلقمة، أو بأربع: كعدي بن زيد؛ ومنهم من يعرف بالأبيات المتفرقة، ولا عبرة بما ينسب إليهم عند غير المصححين وأهل التحقيق، فإن الحمل على شعراء الجاهلية كثير؛ وقد يعرفون الشاعر بالبيت الفرد؛ لأن العرب إنما يعتبرون الشعر بمقدار ما يحرك من ميزانه الطبيعي الذي هو القلب، لا بالطول ولا بالقصر، وقد قالوا في بيت النابغة:
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث؛ أي الرجال المهذب؟
إنه لا نظير له في كلام العرب؛ وما ذلك إلا على الاعتبار الذي أشرنا إليه. وكانوا يسمون البيت الواحد: يتيمًا، فإذا بلغ البيتين والثلاثة فهي نتفة، وإلى العشرة تسمى قطعة، وإذا بلغ العشرين استحق أن يسمي قصيدًا.
وكان من الشعراء من يعتمد أن لا يجيء في شعره الجيد بغير البيتين والثلاثة إلى القطع الصغيرة، كشاعرنا صبري باشا؛ ومنهم عقيل بن علقمة: كان يقصر هجاءه ويقول: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق. ومنهم أبو المهوس، وكان يحتج لذلك بأنه لم يجد المثل النادر إلا بيتًا واحدًا، ولم يجد الشعر السائر إلا بيتًا واحدًا؛ ومنهم الجماز: قال له بعضهم وقد أنشده بيتين: ما تزيد على البيت والبيتين؟ فقال: أردت أن أنشدك مذارعة؟؟ وابن لنكك المصري، وابن فارس، ومنصور الفقيه الذي كان يقال فيه: إذا رمح بزوجيه قتل. ولا نستقصي في هذا فلندعه فإن له موضعًا.
غير أن صبري كان له مع جودة المقاطيع جودة القصيد إذا قصَّد، كقوم
(3/237)

عرفوا بذلك في التاريخ، منهم العباس بن الأحنف وسواه، وكان من أسباب إقلاله ما أعلمني به من أن طريقته في أكثر ما ينظم معارضة معنى يقف عليه، أو تضمين حكمة، أو ضرب مثل على طريقة النظر والملاحظة، أو تدوين خطرة عرضت له، أو لمحة أوحيت إليه؛ وهو ينزل في ذلك على النصفة والمعدلة فلا ينتحل شيئًا ليس له، بل يدلك بنفسه على الأصل الذي منه أخذ أو المثال الذي عليه احتذى.
قال لي مرة: إن البستاني عقد حكمة فارسية في قوله:
قضيت إلهي بالعذاب فيا ترى ... بأي مكان بالعذاب تدين
وليس عذاب حيثما أنت كائن ... وأي مكان لست فيه تكون؟
ثم قال: فأخذت من هذا المعنى وقلت:
يا رب أين ترى تقام جهنم ... للظالمين غدًا وللأشرار
لم يبق عفوك في السموات العلى ... والأرض شبرًا خاليًا للنار
يا رب ألهني لفضلك واكفني ... شطط العقول وفتنة الأفكار
ومُرِ الوجود يشف عنك لكي أرى ... غضب اللطيف ورحمة الجبار
يا عالم الأسرار حسبي محنة ... علمي بأنك عالم الأسرار
والفرق بين الشعرين أن البستاني جاء بكلامه على طريقة المتصوفة التي يسمونها طريقة أهل التحقيق، كابن العربي والششتري؛ وأما صبري فانظر كيف استوفى وكيف لاءم وكيف امتلأت أعطاف شعره. وقد يأخذ المأخذ الدقيق الذي لا ينتبه له إلا المطَّلع الحاذق بصناعة الكلام، كقوله:
إذا ما صديق عقني بعداوة ... وفوقت يومًا في مقاتله سهمي
تعرض طيف الود بيني وبينه ... فكسر سهمي فانثنيت ولم أرم
فهذا ينظر إلى قول الحارث بن وعلة:
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
ولكنه ليس بذاك؛ فإن أساس المعنى قوله: "تعرض طيف الود بيني وبينه" وهو من قول العباس بن الأحنف:
وإذا ما مددت طرفي إلى غيـ ... ـرك مثِّلت دونه فأراكا
فتأمل كيف أبدع في انتزاع المعنى وكيف جعل له معرضًا جديدًا وكيف أداه أحسن تأدية في ألطف وجه كأنه شيء مخترع.
(3/238)

ومن شعره السائر قوله في العناق وتلازم الحبيبين:
ولما التقينا قرب الشوق جهده ... شجيين فاضا لوعة وعتابا
كأن صديقًا في خلال صديقه ... تسرب أثناء العناق وغابا
وهذا المعنى على إبداعه فيه متداول، وأصله لبشار -أظن- في قوله1:
وبتنا جميعًا لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما بيننا لم تسرب
فأبدع صبري في أخذه وجعل من هذه الزجاجة المنصدعة جوهرة تتألق؛ على أني لا أستحسن قوله: "كأن صديقًا ... " فما هذا بعناق الأصدقاء، ولو كان الصديق راجعًا من سفر الآخرة؛ وإذا غاب واحد في الآخر، فالآخر حامل به ... وقد أخذت أنا هذا المعنى منه، ولولاه ما اهتديت إليه، فقلت في ذلك:
ولما التقينا ضمنا الحب ضمة ... بها كل ما في مهجتينا من الحب
وشد الهوى صدرًا لصدر كأنما ... يريد الهوى إنفاذ قلب إلى قلب
وأحسن ما تجد شعر صبري في الغزل والنسيب والوصف والحكمة، فهي عناصر قلبه وذوقه، ولا يتصرف معه أقوى ما يتصرف إلا في هذه الأغراض، ولعله إن جاوزها قصر معه شيئًا ما وضعفت أداته ضعفًا ما؛ لأنه يكون شاعر الصنعة وهو يأباها ويكره أن يكون شاعرًا من أجلها؛ وقلما يجاريه أحد في تلك الأغراض، وهو الذي فتح أبوابها؛ وحسبك أنه المثال الذي احتذى عليه شوقي بك؛ وقد ينقسم المعنى الواحد في رجلين حين يقدر، فإذا لم يوجد أحدهما لم يوجد الآخر، وأنا أرى وأعلم أنه لولا صبري لما نبغ شوقي، وكان هذا يختلف إليه يعرض عليه شعره ويرجع بآثار ذوقه فيه، وكذلك كان يفعل خليفة البارودي حافظ بك إبراهيم، واسترفد شوقي من صبري باشا هذا البيت السائر:
صوني جمالك عنا إننا بشر ... من التراب وهذا الحسن روحاني
__________
1 البيت لعلي بن الجهم، وقبله:
ألا رب ليل ضمنا بعد هجعة ... وأدنى فؤادًا من فؤاد معذب
أخذه من قول بشار:
ومرتجة الأعطاف مهضومة الحشا ... تمور بسحر عينها وتدور
إذا نظرت صبت عليك صبابة ... وكادت قلوب العاشقين تطير
خلوت بها لا يخلص الماء بيننا ... إلى الصبح دوني حاجب وستور
(3/239)

فهو لصبري باشا، والمرافدة سنة معروفة من قديم، وهي غير الانتحال وغير السرقة وما يسمى إغارة وغصبًا؛ وقد استرفد النابغة زهيرًا ابنه كعبًا فرفده، والحكاية في ذلك مشهورة عنه وعن سواه.
ولم يكن في مصر ممن يحسن ذوق البيان وتمييز أقدار الألفاظ بعضها من بعض وألوان دلالاتها كالبارودي وصبري وإبراهيم المويلحي والشيخ محمد عبده، رحمهم الله جميعا؛ والبارودي يذوق بالسليقة، وصبري بالعاطفة، والمويلحي بالظرف، والشيخ بالبصيرة النفاذة؛ وذلك شيء ركبه الله في طبيعة صبري لم يحصله بالدرس أكثر مما حصله بالحس، ومن أجله كان يفضل البحتري على غيره، وهو بلا نزاع بحتري مصر، كما لقبوا ابن زيدون بحتري المغرب؛ وإنك لتجد بعض الألفاظ في شعر الرجل كأنها شعر مع الشعر، فتقف على العبارة منها وقلبك يتنفس عليها كأنها إنما وضعت لقلبك خاصة، فهي تغمز عليه غمزًا وكأنها نفثة ملك من الملائكة جاءتك في نفس من أنفاس الجنة.
ويمتاز نسيبه بأنه يكاد يكون في طهارته وعفته ضوءًا من جمال الشمس والقمر، وهو عندي أنسب من العباس بن الأحنف الذي صرف كل شعره إلى هذا المعنى؛ ولو أن عصره كان عصر أدب صحيح لأخمل كل شعراء هذا الباب، من ابن أبي ربيعة إلى طبقة عشاق العرب إلى أئمة الطريقة الغرامية لآخر القرن السابع.
ومن غزله البديع قوله:
يا من أقام فؤادي إذ تملكه ... ما بين نارين من شوق ومن شجن
تفديك أعين قوم حولك ازدحمت ... عطشى إلى نهلة من وجهك الحسن
جردت كل مليح من ملاحته ... لم تتق الله في ظبي ولا غصن
وقوله:
أقصر فؤادي فما الذكرى بنافعة ... ولا بشافعة في رد ما كانا
سلا الفؤاد الذي شاطرته زمنًا ... خفق الصبابة فاخفق وحدك الآنا
ويا رحمة الله للقلب الذي يفهم هذا البيت، فإنه ليجن به من يكون فيه استعداد لهذا النوع من الجنون.
ومن قلائده الغرامية قوله:
يا آسى الحي هل فتشت في كبدي ... وهل تبينت داء في زواياها
أواه من حرق أودت بمعظمها ... ولم تزل تتمشى في بقاياها
(3/240)

يا شوق رفقًا بأضلاع عصفت بها ... فالقلب يخفق ذعرًا في حناياها
وله قصيدة "تمثال جمال" وقد نظمها لتنقل إلى الفرنسوية، ومن عيونها قوله:
وابسمي، من كان هذا ثغره ... يملأ الدنيا ابتسامًا وازدهاء
لا تخافي شططًا من أنفس ... تعثر الصبوة فيها بالحياء
راضت النخوة من أخلاقنا ... وارتضى آدابنا حسن الولاء
فلو امتدت أمانينا إلى ... ملك ما كدرت ذاك الصفاء
والشعراء من أول تاريخ الأدب إلى اليوم يقولون في معنى قوله: "لا تخافي شططا" الأبيات، وما منهم من وفق إلى مثل هذا البيت الأخير، وإن كان بعضهم بلغ الغاية، كابن نباتة السعدي والسري الرفاء وغيرهما.
ومن أبدع ما اتفق له في الوصف أبيات في الدواة تخلص في آخرها إلى مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وهو تخلص ليس في الشعر العربي كله مثله في الإبداع وحسن الاختراع، يقول فيها:
أكرمي العلم وامنحي خادميه ... ماءك الغالي النفيس الثمينا
وابذلي الصافي المطهر منه ... لهداة السرائر المرشدينا
وإذا الظلم والظلام استعانا ... يوم نحس بأجهل الجاهلينا
واستمدا من الشرور مدادًا ... فاجعليه من قسمة الظالمينا
واقذفي في النقطة التي بات فيها ... غضب القاهر المذل كمينا
ليراع امرئ إذا خط سطرا ... نبذ الحق وارتضى المين دينا
وإذا كان فيك نقطة سوء ... كونت من خباثة تكوينا
فاجعليها قسط الذين استباحوا ... في السياسات حرمة الأضعفينا
وإذا خفت أن يكون من الصخـ ... ـر جلاميد ترجم السامعينا
فابخلي بالمداد بخلا وإن أعـ ... ـطيت فيه المئين ثم المئينا
فإذا أعوز المداد طبيبا ... يصف الداء دائبًا مستعينا
فامنحيه المراد منا وعرفًا ... واستطيبي معونة المحسنينا
وإذا مهجة الحمائم أسدت ... نقطة سرها الزكي المصونا
فاجعليها على المودات وقفًا ... وهبيها رسائل الشيقينا
(3/241)

فإذا لم يكن بقلبك إلا ... ما أعد الإخلاص للمخلصينا
فاجعليه حظي لأكتب منه ... شرح حالي لسيد المرسلينا
هذا والله هو الشعر، وما وفق إلى مثله أحد كائنًا من كان في هذا العصر.
ولا نطيل بالنقل من شعره وتتبع أغراضه، فهو كالألماس في الشمس: يشع من كل جهة، ولا يختلف ضوءه إلا في بعض اللون مما يكون الأجمل فيما كله جمال، ويمج من الشعاع ما لا تجد حسنه في الشعاع نفسه، وأحيانًا يرق كبعض البلور فيمتص حرارة الشمس ويستوقد بها في ذاته ليضرم ما وراء قلبه، وما وارءه إلا قلوبنا الحزينة.. عليه رحمة الله!.
(3/242)

حافظ إبراهيم 1:
فرغت الآن من قراءة شعر حافظ بعد أن لم يعد حافظ بيننا إلا شعره ونثره، وفبالله أحلف ما نظرت في صفحة مما بين يدي إلا وأحسست أن ذلك الشاعر العيظم يقول في بيانه الرائع وصناعته البديعة: أنا هنا!
ولغة هذا الشعر المتدفعة بالحياة كأن كلماتها القوية عروق في جسم حي متوثب لم تخرج عن أن تكون هي العربية المبينة في جزالتها ونصاعتها ودقة تركيبها البياني، ومع ذلك فليس في هذا العصر كله من يكابر أو يماري في أنها هي لغة حافظ وحده، كأنه أرغم التاريخ أن يحتفظ به في أجمل آثاره.
وأنا أعرف في شعره مواضع من الاضطراب والضعف والنقص سأشير إلى بعضها، ولكني على ما أعرفه أجد هذا الشعر كالتيار يعب عبابه لا يبالي ما تناثر منه وما ركد وما وقع في غير موقعه، إذ كانت عظمته في اجتماع مادته لا في أجزاء منها، وفي السر الذي يدفعها في كل موضع لا في المظهر الذي تكون به في موضع دون موضع؛ فهو أبدًا يقول لمن يتصفح عليه أو ينتقده: انظر لما بقي.
ترجع صداقتي لحافظ رحمه الله إلى سنة 1900، أول عهدي بالأدب وطلبه، وقد شهدت من يومئذ بناءه الأدبي عاليًا فعاليًّا إلى الذروة التي انتهى إليها، وأخلص لي ثقته وأصفاني مودته، وكان همك من أخ كريم، وله في نفسي مكان لم ينكره مذ عرفته، ولم يضق بمحبته منذ اتسع لها. وكنت وإياه يرى أحدنا الآخر من هذه اللغة كالجانبين لصورة واحدة: لا يتهيأ في الطبيعة أن يختلفا والصورة بعد قائمة، ولا أن يضطرب ما بينهما والصورة منهما على وزن وتقدير.
ولكن هذا لا يمنعني أن أقرر أنه كان عندي أكبر من شعره -ولعله كذلك عند كل من خلطوه بأنفسهم- فإنه يتعاظمك بنفسه القوية وبالمعنى الذي تحسه في
__________
1 المقتطف: أكتوبر 1932.
(3/243)

العبقري ولا تدري ما هو؛ وذلك من سحر العبقريين وأثرهم في نفس من يتصل بهم، فيتسق لهم أمران من أمر واحد، وحظان بحظ، ونصيبان بنصيب؛ لأن مع الإعجاب بآثارهم إعجابًا آخر بالقوة التي أبدعت هذه الآثار؛ ففي ذواتهم المحبوبة يستمر الإعجاب كالسائر على طريق لا موقف عليه، وفي آثارهم يكون الإعجاب في موقف قد انتهت الطريق به، فوقف على حد إن بعد وإن قرب.
لا جرم كان شاعرنا عبقريًّا عجيب الصنعة قوي الإلهام بليغ الأثر في عصره، يشبه تحولًا وقع في صورة من صور التاريخ، ولكنه كذلك في مذاهب من الشعر دون غيرها، فلم يكن معه من التمام في فنون الشعر ما يكون به الشاعر التام أو الأديب الكامل الأداء؛ وكم من مرة كلمته في ذلك ونبهته إلى أنه كالنمط الواحد، وأنه يجب أن يترسل شعره بين النفوس الإنسانية وأغراضها الكثيرة المختلفة، فإذا كانت السياسة من الحياة فليست الحياة هي السياسة، ولا ينبغي أن يكون شعره كله كشمس الصيف، فإن للربيع شمسًا أجمل منها وأحب كأنها مجتمعة من أزهاره وعطره ونسيمه.
ولقد كان يفخر بأنه "الشاعر الاجتماعي"، وهذا لقب ميزه به صديقنا الأستاذ محمد كرد علي أيام كان في مصر قديمًا، فتعلق به حافظ ورآه تعبيرًا صحيحًا لما في نفسه وللملكة التي اختص بها، قال لي يومًا في سنة 1903: أنا لا أعد شاعرًا إلا من كان ينظم في الاجتماعيات، فقلت له: وما لك لا تقول بالعبارة المكشوفة: إنك لا تعد الشاعر إلا من ينظم مقالات الجرائد..
ولا بد لي أن أبسط هذا المعنى في هذا الفصل، فإنه كان يخيل إلي دائمًا أن شاعرنا "حافظ" خلق للتاريخ في أصل طبيعته، ثم زيدت فيه موهبة الشعر؛ ليكون مؤرخًا حي الوصف بليغ التأثير قوي التصرف؛ ومن ثم جاء أكثر ما نظمه وأساسه التاريخ والسياسة، وصح له بهذا الاعتبار أن يقول إنه الشاعر الاجتماعي، ولكن مادة الشعر غير روح الشعر، فإذا كان في المادة اجتماعي وسياسي فليس في الروح إلا الشاعر على إطلاقه؛ والاجتماعيات ليست كل حقائق الحياة، وهي بعد ذلك معانٍ خاصة محصورة في زمنها ومكانها؛ على أن الحقائق ليست هي الشعر، وإنما الشعر تصويرها والإحساس بها في شكل حي تلبسه الحقيقة في النفس، فالشاعر الاجتماعي شاعر في حيز محدود من وجوه الشعر ومذاهبه، وإذا كان الاجتماع كل شعره فلا يسمى شعره فنًّا؛ إذ كان الفن إنسانيًّا وكان شاملًا عامًّا والمقاييس التي يطرد عليها الفن الأدبي لا تكون في الزمن ولا في الموضع، بل في النفس الإنسانية التي لا
(3/244)

تخص بوقت ولا مكان، فإذا لم يكن الشعر إنسانيًّا عامًّا يولد ك لجيل من الناس فيجده كأنما وضع له وارتهن بأغراضه وحقائقه، فهو شعر "كالأخبار المحلية"، وهذا وجه الشبه بينه وبين ما أشرت إليه آنفًا من نظم مقالات الجرائد.
فمقالات الجرائد هذه لا تأتينا بالأشياء التي نحن منها في الإنسانية والطبيعة والجمال وحقائق الحياة والموت، بل التي يكون منها يومنا المرقوم بأنه يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا.. فإذا مات اليوم ماتت الجريدة، ثم تولد ثم تموت، وقد أدرك المتنبي سر الشعر وأنه قائم على تحويل الشعور الإنساني إلى معرفة إنسانية، فخلد شعره، فلا يمكن أن يمحى من العربية ما بقيت. وهذا على ما يقدح من وجوه الاعتراض والنقص، وعلى أن المتنبي كان ضعيفًا في ناحية الجمال والحب ضعفًا ظاهرًا كضعف شاعرنا حافظ في هذا المعنى، ولكن حكمته الإنسانية ودقة أوصافه وإقامته الفضائل والرذائل في كمالها الفني مقام تماثيل بارعة من الجمال، كل ذلك ترك شعره مستمرًّا باستمرار الحياة وباستمرار الإنسانية وباستمرار الذوق.
إن هذا الكون مبني في نفسه مما يعلم العلم تركيبه ولا يعلم سر تركيبه إلا الله وحده، ولكنه مبني في أنفسنا من عمل الحواس، ثم من التعليل والتفسير؛ أما الحواس ففي كل حي، لا تخلق بصناعة ولا عمل؛ وأما التعليل والتفسير فهما من صناعة الشاعر والأديب، فكلاهما يخلق لإتمام الخلق في الحقيقة، وهي منزلة لا أدري كيف يمكن أن تمسخ حتى تقتصر على معنى الشاعر الاجتماعي أو السياسي، فترجع به نمطًا واحدًا، مع أن الآثار الأدبية وفي جملتها الشعر -إن هي إلا قوى الفكرة وإلهام النفس وبصيرة الروح مسجلة كلها في بواعثها وأسبابها من نفس عالية ممتازة؛ وهذه القوى كثيرة التحول، فيجب ضرورة أن تكون آثارها كثيرة التنوع، وتنوع الصور الفكرية في آثار الشاعر أو الأديب ومجيئها متوافرة متتابعة هو معيار أدبه وقياس نبوغه عاليًا أو نازلًا، ومتبعًا أو مبتكرًا، وفيما يضيء من نواحيه وما ينطفئ.
على أن شاعرنا الاجتماعي "كما كان يجب أن يوصف -رحمه الله- وإن كان قد نفخ في روح الشعب أنفاسه إلهية، وأحسن في وصف حوادثه وآلامه وعيوبه، وأبلغ البيان في كل ذلك- فإنه نزل في هذه المرتبة عن وضعه الصحيح، فكان في منزلته بمكان الشرطي في الطريق: يقف للجرائم والحوادث، على حين أن مقامه الاجتماعي من الشعب مقام المعلم في مدرسته: يجلس للطباع والأخلاق، ليس الشأن أن تجد في شعر الشاعر حوادث عصره أكثرها أو أقلها، فإن فوق هذه منزلة أعلى منها، وهي أن توجد حوادث
(3/245)

النهضة بشعر الشاعر، وأن يكون في شعره العنصر الناري من اللغة الشعبية.
على أن "حافظ" -رحمه الله- أدرك كل هذا في آخر عهده، فكان يريد أن يميت ديوانه ويستخرج منه جزءًا صغيرًا يختار فيه ألف بيت ويسقط ما عداها وإن ... وإن كان فيه شعر اجتماعي ... ومع هذا النقص الذي بعثت عليه طبيعة الزمن وطبيعة الشاعر معًا، فإن تمام حافظ في مذهبه الاجتماعي الذي نبغ فيه جاء من وراء القوة وفوق الطاقة، لا يجاريه فيه شاعر آخر، بحيث دل على أن النابغة قدر إلهي لا ينقص من عظمته أن يكون حادثة واحدة تدوي دويها في الدنيا، فهو ميسر منذ نشأته لما خلق له من ذلك، فأحكمته المدرسة الحربية، ثم قيده الجيش، ثم تقاذفه السودان، ثم قذف به الظلم، ثم تولاه إمام عصره الشيخ محمد عبده، وهو كذلك في غاياته الوعرة ومقاصده العمرانية ومعاناته لإصلاح- مدرسة حربية وجيش وفلاة، فلم يكن حافظ إلا الصوت الإنساني الذي أعد بخصائصه للتعبير عن حوادث أمته وخصائصها، وكأنه في نقلته من السودان إلى مصر قد انتقل من جيش يحارب الأقوام الأعداء لأمته، إلى جيش آخر يحارب المعاني الأعداء لأمته.
ولد حافظ إبراهيم سنة1871، وكان الكتاب الأول الذي هداه إلى سر الأدب العربي وأرهف ذوقه وأحكم طبيعته، هو كتاب "الوسيلة الأدبية" للشيخ حسين المرصفي، المطبوع في مصر لخمس وخمسين سنة؛ ففي هذا الكتاب قرأ حافظ خلاصة مختارة محققة من فنون الأدب العربي في عصوره المختلفة ودرس ذوق البلاغة في أسمى ما يبلغ بها الذوق، ووقف على أسرار تركيبها، وعرف منه الطريقة التي نبغ بها البارودي، وهي قراءته دواوين فحول الشعراء من العرب ومن بعدهم، وحفظه الكثير منها؛ فبنى شاعرنا من يومئذ قريحته على الحفظ، ولم يزل يحفظ إلى آخر عمره؛ إذ كانت قريحته كآلة التصوير: لا تنبه لشيء إلا علقته وهذا سبب من أسباب ضعف خياله، ولكنه رد عليه من القوة في اللغة ما تناهى فيه إلى الغاية.
واتفق لذلك العهد أن طبعت لزوميات المعري في مصر، فتناولها حافظ واستظهر أكثرها، فكانت باعث ميله ونزعته إلى الشعر الاجتماعي؛ والفرق بين حافظ وبين المعري في الموهبة الفلسفية هو الذي نفذ بالمعري إلى أسرار كثيرة ووقف بحافظ عند الظاهر وما حوله، يطير هناك ويقع.
وقد كان صاحبنا ضعيف من هذه الناحية، فاستصعبت عليه أسرار واستغلقت أخرى من أسرار الخير والشر في الحياة، والجمال والحسن في الخليقة، والجلال
(3/246)

والإبداع في الكون، والإقرار والشك في كل ذلك؛ وقد بلغ المعري من هذا مبلغًا لا بأس به، إلا أنه لم يصف كما تصفي الأشياء في عين مبصرة؛ فخبط وخلط؛ ووضع من أغراض نفسه المريضة على الصحيح والمريض جميعًا. وتابعه حافظ في طريقة أخرى سنشير إليها بعد.
وفتن شاعرنا بما قرأ في "الوسيلة" من شعر البارودي، فأصبح من يومئذ تلميذه، وسار على نهجه في قوة اللفظ وجزالة السبك ومتانة الصنعة وجودة التأليف على نغم الألفاظ وأجراس الحروف، ولكنه لم يدرك شأو البارودي في ذلك؛ لأن هذا جمع من دواوين الشعراء وكتب الأدب ما لم يتفق لغيره في عصره، وأدخل في شعره أحسن ما صنعت الدنيا في ألف سنة من تاريخ البلاغة العربية؛ ولذا انتقل عنه حافظ إلى طريقة مسلم بن الوليد في التصنيع ولزمها إلى آخر مدته.
وابتدأ يعالج الشعر في السودان وينظم في جنس ما هو بسبيله من وصف الهم المستولي عليه من جميع جهاته؛ إذ كان يتيمًا فقيرًا مشردًا، ويرى نفسه شاعرًا تصده الحياة عن منزلة الشاعر وعن أمكنة الشعر، كالذي غصب ميراثه من عرش وملك، ونفي إلى غير أرضه، ووضعت روحه بإزاء روح الفقر وقيل لها: عدو ما من صداقته بد.
ثم جاء إلى مصر واتصل بالإمام الشيخ محمد عبده، واستقال من الجيش وفرغ للأدب؛ فبدأ من ثم تكوينه الأدبي المندمج المحكم، أما قبل ذلك إلى سنة 1901 التي طبع فيها الجزء الأول من ديوانه، فكان شعره قليلًا ظاهر التكلف، وأكثره يدل على طريقة مضطربة لم تستحكم، وفكر لم ينضج، وموهبة في التوليد الشعري بينها وبين الاستقلال أمد قريب.
ودرس في مدرسة الشيخ محمد عبده من سنة 1899 إلى سنة 1905، وهذا الإمام -رحمه الله- كان من كل نواحيه رجلًا فذًّا، وكأنه نبي تأخر عن زمنه؛ فأُعطي الشريعة، ولكن في عزيمته، ووُهب الوحي ولكن في عقله، واتصل بالسر القدسي ولكن من قلبه؛ ولولا هو ولولا أنه بهذه الخصائص، لكان حافظ شاعرًا من الطبقة الثانية، فإنه من الشيخ وحده كانت له هذه القوة التي جعلته يصيب الإلهام من كل عظيم يعرفه، وكان له من أثرها هذا الشعر المتين في وصف العظماء والعظائم وهو أحسن شعره.
ولم يجد حافظ من قومه ما يجعله لسانهم حتى تنطقه بالوحي نفسيتهم التاريخية الكبرى، ولا تولاه ملك أو أمير يرغب في أدبه رغبة أديب ملك، أو
(3/247)

أديب أمير، ليظهر منه عبقرية جديدة في التاريخ؛ ولا عرف الحب الذي يجعل للشاعر من سحر الحبيب ما يجمع النفسية التاريخية والملكية معًا ويزيد عليهما؛ وهذه الثلاثة التي لم تتفق لحافظ، هي التي لا ينبغ الشاعر نبوغًا يفرده ويميزه إلا بواحد منها أو باثنين أو بها كلها؛ غير أن "حافظ" وجد في الإمام ما هو أسمى من كل هؤلاء في النفس والجاذبية، وعرف فيه من ذوق الأدب والبلاغة ما لم يعرف شاعر في ملك ولا أمير؛ وقد حضر درسه في المنطق وأسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، وخرج منها بذوقه الدقيق وأسلوبه المتمكن، وحضر مجالسه وخرج منها بمواضيعه الاجتماعية وأغراضه الوثابة، وحضر نظرات عينيه وخرج منها بروحانية قوية هي التي تنضرم في شعره إلى الأبد، فحافظ إحدى حسنات الشيخ على العالم العربي، وهو خطة من خططه في عمله للإصلاح الشرقي الإسلامي والنهضة المصرية الوطنية وإحياء العربية وآدابها؛ وإذا ذكرت حسنات الشيخ أو عدت للتاريخ، وجب أن يقال: أصلح وفعل وفعل وفسر القرآن وأنشأ حافظ إبراهيم ...
ومضى شاعرنا موجَّهًا بفكرة الإمام وروحه، واستمر في ذلك بعد موت الشيخ كما يستمر النهر إذا احتفر مجراه: لا يستطيع أن يخرج عنه ما دام يجري إلى مقارِّه.
وكان حافظ في بديعه وصناعته على مذهب مسلم بن الوليد كما قلنا، وهو مثله إبطاء في عمل الشعر، وتلومًا على حوكه، وانفرادًا بكل لفظة منه، وتقليبًا للنظر فيما بين الكلمة والكلمة، واعتبار كل بيت كالعروس: لها معرض وحلية وزينة؛ فإذا عمل شعرًا انبث خواطره في كل وجه، وذهب وراء الألفاظ والمعاني، وترك هاجسه "العقل الباطن"1 يعمل عمله فيما التوى عليه أو استصعب، وهو واثق أنه سينقاد ويتسهل بقوة إن لم تكن فيه الآن فستكون فيه؛ ثم ينظم ما يتسمح إن جاء في موضعه من القصيدة أو في غير موضعه، فلا يتبع فيها نسقًا بعينه، وإنما القصيدة عنده كل سيجتمع من بعد، تتهيأ أجزاؤه متسقة ومبعثرة كما يجيء بها الإلهام وأسباب الاتفاق؛ فالقصيدة أولًا في أبياتها، ثم تكون أبياتها فيها، أي ثم ترتب الأبيات وتنزل في منازلها، ولا ينظم إلا متغنيًا، يروض الشعر بذلك؛ لأن النفس تتفتح للموسيقى فتسمح وتنقاد، وهو يتبع في ذلك طريقة
__________
1 كذا سماه المؤلف هنا، وقد سماه في غير هذا الموضع "الواعية الباطنة".
(3/248)

معروفة ذكرها ابن حجة الحموي في كتابه "خزانة الأدب"، وهي من وصية أبي تمام البحتري، وكان المتنبي يعمل عليها؛ وبالجملة فإن "حافظ" يرتهن فكره بالقصيدة التي ينظمها ويتوفر عليها وعلى أسبابها، لا كما يفرغ الشاعر للشعر، ولكن كما يتوفر المؤلف العظيم على كتاب يؤلفه، وهو كذلك يبطئ في نثره أكثر مما يبطئ في الشعر، دلني بنفسه رحمه الله على صفحة في الجزء الثاني من ترجمة البؤساء، وقال: إنه ترجمها بخمسة عشر يومًا*.
وحضرته مرة يترجم أسطرًا من الجزء الأول "في قهوة الشيشة" يخطها في دفتر صغير دون حجم الكف، فاجتمعت له ثلاثة أسطر في ثلاث ساعات، وهذا لا يعيبه ما دام يريد قسط الفن، وما دام يحاول أن يخرج الكلمات من عالمها إلى عالمه هو المتموج من الألفاظ والعبارات بمثل الكواكب في الاستواء والجاذبية والشعاع والرونق والجمال.
ويرى مع الصناعة أن يكون سبك شعره سبك البدوي المطبوع: جزلًا سهلًا مشرقًا ممتلئًا متعادل الأجزاء والتقاسيم، يرن رنينًا كأنما قذفت به سليقة أعرابي فصيح، تحت ضوء كواكب البادية، على برد الرمل، في نسمات الليل، حين تمتلئ تلك النفس البدوية بحنين الحب، أو شوق الجمال، أو عظمة القوة؛ وهذا هو الأصل الذي اتبعه، وقفني عليه هو بنفسه في سنة1902، وقرظني به في الجزء الأول من ديواني فقال:
أنت والله كاتب حضريُّ ... إن عددناك شاعرًا بدويَّا
ولو أنك أجريت شعر حافظ في أبلغ ما قاله المطبوعون من الأعراب وشعراء القرن الأول، لالتأم به وزاد عليه في الصناعة وبعض المعنى؛ وقل أن تجد في شعره كلمة ينبو بها مكانها، إلا ألفاظًا قليلة كان يستكرهها، يحسب أنه يستطرف منها ويرى في غرابتها جديدًا؛ وهذا من خطأ رأيه في الأسلوب؛ لأنه مع بلاغته كان ينقصه أن يكون فيلسوفًا في البلاغة، وأنا أرى أنه لو تمت له الموهبة الفلسفية لما جاراه شاعر آخر، ولكن الكمال عزيز في البشرية؛ وقد عرفت رأيه في الأسلوب في سنة 1906، إذ نشرت له مجلة الأقلام التي كان يصدرها صاحبنا الأديب جورج طنوس كلمات كان يريد أن يضمنها كتابه "ليالي سطيح"، أظهر فيها
__________
* لما أهدي إلي هذا الجزء كنا قبل الظهر، فلم يدعني حتى قرأته كله معه إلى العصر وكتبت عنه في المقطم بعد ذلك.
(3/249)

رأيه في الشعراء، فقال في إسماعيل صبري: يقول الشعر لنفسه لا للناس، وفي شوقي: أرق الشعراء، طبعًا وأسماهم خيالًا وفي مطران: أسرعهم بديهة وأقدرهم ابتكارًا. وقال فيَّ -ولم يكن مضى علي إلا ست سنين في طلب الأدب: مكثار راقي الخيال بعيد الشوط في ميادين الأدب، غير ناضج الأسلوب. فلما اجتمعت به فاتحته في ذلك وسألته رأيه في الأسلوب الناضج، فلم أر عنده طائلًا، وكل ما قاله في ذلك: أن الشيخ عبد القاهر الجرجاني قرر أن البلاغة ليست في اللفظ ولا في المعنى، ولكنها في الأسلوب. وعبد القاهر لم يقل هذا ولا قاله غيره، فإن الأسلوب عنده "طريقة مخصوصة في نسق الألفاظ بعضها على بعض لترتيب المعاني في النفس وتنزيلها"، و"أن المنزلة من حيز المعاني دون الألفاظ، وأنها ليست لك حيث تسمع بأذنك، بل حيث تنظر بقلبك وتستعين بفكرك".
وقد قررت أن للألفاظ ما يشبه الألوان، فليست كلها زرقاء ولا صفراء ولا حمراء، ورب لفظة رقيقة تقع ضعيفة في موضع فيكون ضعفها في موضعها ذاك هو كل بلاغتها وقوتها، كفترة السكوت بين أنغام الموسيقى: هي في نفسها صمت لا قيمة له: ولكنها في موضعها بين الأنغام نغم آخر ذو تأثير بسكونه لا برنينه؛ وهذا من روح الفن في الأسلوب.
وأدرك شاعرنا من يومئذ ما سميته "قوة الضعف"، ولعل هذا هو السبب في أن طبعه رجع يعدل به إلى التسهيل، حتى أنه لتقع في شعره أبيات متهافتة فيأتي بها ولا ينكرها؛ ولقيني مرة فأنشدني قول الشاعر:
نا لم أرزق محبتها ... إنما للعبد ما رزقا
وجعل يعجني من بلاغة قوله "لم أرزق" وأنها مع ذلك ضعيفة مبتذلة تجري في منطق كل عامي، قلت: ولكن "محبتها" جعلتها كمحبتها ...
وضعف الموهبة الفلسفية في حافظ عوضه ناحية أخرى من أقوى القوة في الشعر، وهي اهتداؤه إلى حقيقة الغرض الذي ينظم فيه، وتركه الحواشي والزيادات، وانصراف قواه إلى دقة الوصف حين يصف، وتعويله على إحساسه أكثر من تعويله على فكره؛ فزاد ذلك في رونق شعره ومائة، ونحا به منحى المطبوعين، فخرج يتدفق سلاسة وحلاوة، ممتلئًا من صواب المعنى وبلاغة الأداء وقوة التأثير؛ وبهذا نبغ في الرثاء ووصف الفجائع نبوغًا انفرد به، حتى لأحسب أن
(3/250)

هناك روحًا يمده في هذه المواقف، وأن الحقيقة تتبرج له في هذه العظائم خاصة ليرى منها ما لا يراه غيره؛ وهو يتحدّ بالعظيم الذي يرثيه فيجيد فيمن يعرفه إجادة منقطعة النظير، تتبين الفرق بينها وبين شعره فيمن لا يعرفه تلك المعرفة؛ وأحسبه يسأل روح العظيم الذي يصفه أو يرثيه: أين المعنى الذي فيه حقيقتك؟ وأين الحقيقة التي فيها معناك؟
والفلسفة الشعرية كلها أن يحل في الشاعر الملهم ذلك السر الجميل الجاذب والمنجذب معًا، المستقر والمتحول جميعًا، الباطن والظاهر في وقت؛ فيكتنه الشاعر ما لا يدركه غيره، فيقف على الجمال والحسن والرقة، ويلهم الحكمة والبصيرة ويتناول الأغراض بالتحليل والتركيب، ويؤتى التعبير عن كل ذلك في طريقة خاصة به هي أسلوبه، وهذا لم يتفق على أتمه وأحسنه في حافظ، فقصر به في توليد المعاني المبتكرة، ونزل به في الغزل ووصف الجمال؛ بيد أنه اتفق له مثل هذا الجلال بعينه في "الجانب المتألم من شعره"، أي الرثاء والشكوى ووصف الفجيعة، ولو ذهبت تستعرض المراثي في الشعر العربي، ومثلت بينها وبين رثاء حافظ للعظماء الذين خالطهم، كالأستاذ الإمام، والبارودي، ومصطفى كامل، وثروت، لراعك أنك واجد للشعراء ما هو أسمى من معانيه وأقوى من خياله، ولكنك لا تجد البتة ما هو أفخر وأدق مما جاء به في هذا الباب، كأنه منفرد في العربية بهذه الخاصة.
وهذا المعري يقول:
ولولا قولك الخلاق ربي ... لكان لنا بطلعتك افتتان
ويقول في شعر آخر:
أسهب في وصفه علاك لنا ... حتى خشينا النفوس تعبدها
وهذان البيتان تراهما صعلوكين إذا قستهما بقول حافظ في رثاء الشيخ محمد عبده:
فلا تنصبوا للناس تمثال "عبده" ... وإن كان ذكرى حكمة وثبات
فإني لأخشى أن يضلوا فيومئوا ... إلى نور هذا الوجه بالسجدات
مع أن معنى حافظ مأخوذ منهما، ولكن انظر كيف جاء به؟ ويقول المعري في رثاء أبيه:
ولو حفروا في درة ما رضيتها ... لجسمك إبقاء عليك من الدفن
(3/251)

ويقول في رثاء غيره:
واخْبُوَاه الأكفان من ورق المصـ ... ـحف كبرًا عن أنفس الأبرار
وهذان أيضًا كالصعاليك عند قول حافظ في البارودي:
لو أنصفوا أودعوه جوف لؤلؤة ... من كنز حكمته لا جوف أخدود
وكفنوه بدرج من صحيفته ... أو واضح من قميص الصبح مقدود
مع أن "حافظ" ألمَّ بقول المعري. ومن بديع ما اتفق له في قصيدة "الأمتان تتصافحان" قوله يصف السوريين:
رادوا المناهل في الدنيا ولو وجدوا ... إلى المجرة ركبًا صاعدًا ركبوا
أو قيل في الشمس للراجين منتجع ... مدوا لها سببًا في الجو وانتدبوا
فاقرأ هذين وأقرأ بعدهما قول المتنبي في سيف الدولة:
وصول إلى المستصعبات بخيله ... فلو كان قرن الشمس ماء لأوردا
فإنك تجد بيت المتنبي صعلوكًا على بيتي حافظ، مع أنه المبتدع السابق.
وأعجب ما عجبت له هذا البيت من شعر صاحبنا في مقطوعة يخاطب بها الأمريكان، نشرها في المقطم من ثلاث سنوات أو نحوها، قال:
وتخذتم موج الأثير بريدا ... حين خلتم أن البروق كسالى
واتفق يومئذ أن كنت جالسًا في زيارة الصديق الأستاذ فؤاد صروف محرر المقتطف، فجاء حافظ، فلم يكد يصافحني حتى قال: كيف ترى هذا البيت: وتخذتم موج الأثير بريدا ... الخ؟ فأثنيت عليه الذي يهوى، وهنأته بهذا المعنى، وأظهرت له ما شاء من الإعجاب، ولكني أضمرت عجبي من حسن ما اتفق له فإن الجمال الشعري في البيت إنما هو في استعارة الكسل للبروق، وهذا بعينه من قول ابن نباتة السعدي في سيف الدولة:
وما تمهل يومًا في ندى وردًى ... إلا قضيت للمح البرق بالكسل
غير أن "حافظ" نقل المعنى إلى حقه، ومكن له أحسن تمكين في صدر كلامه، وأتم جماله في قوله "حين خلتم"، فاقتطع المعنى وانفرد به، وعاد معنى السعدي كالصعلوك على باب بيته؛ وكانت هذه المقابلة في المقتطف آخر عهدي بحافظ، فلم أره من بعدها؛ رحمه الله!
وما مر بك إنما كان من صناعة الشعر في غير الجزء الأول من ديوانه بعد
(3/252)

أن استفحل وتخرج في مدرسة الإمام، أما في الجزء الأول فله هو صعاليك ... كقوله في الخمر:
خمرة قيل إنهم عصروها ... من خدود الملاح في يوم عرس
فهذا البيت صعلوك عند قول ابن الجهم:
مشعشعة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها
وقول حافظ: "عصروها في خدود الملاح" كلام من لم ينضج في البيان ولا الذوق، لا يكاد يتوهم معه إلا أن في خدود الملاح "خراجات" عصرت ...
وعلى ضد هذا قول ابن الجهم: "تناولها من خده"، فهي كلمة أكثر نعومة من ذلك الخد وأجمل نضرة.
وقول حافظ في مدح الخديو:
يا من تنافس في أوصافه كلمي ... تنافس العرب الأمجاد في النسب
فهو صعلوك على بيت أبي تمام:
تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل
ولا نطيل الاستقصاء، فإنما نريد التمثيل حسب.
وكان الشاعر أول نشأته يأخذ في طريقة المعري الذي عمي عن الطبيعة فجعل يخلقها من فكره ومحفوظه بمبالغات كاذبة يغرق فيها يحسب أنه بذلك يعظم الحقائق فتخرج له الأخيلة الكبيرة، وما يدري أنه بهذا الغلو لا يجيء إلا بالأباطيل الكبيرة ... ولكن حافظ في مزاجه وتركيبه ونشأته كان رجلًا مبنيًا على الوضوح والقصد. فلم يفلح في طريقة المعري؛ ووضوحه كذلك باعده من الفلسفة وإبهامها، ومن الطبيعة وألغازها، ومن الغزل ووساوسه؛ وهو الذي أداه إلى الشغف بالحقيقة واستخلاصها في كل أغراضه التي أجاد فيها؛ ومن ثم خلا شعره أو كأنه خلا ... من أوصاف الطبيعة في جمالها بلغة الفكرة المتأمل، ومن أوصاف الجمال في سحره بلغة القلب العاشق.
وأنت فلا تحسبن الشاعر يجيد في الغزل والنسيب من أنه شاعر يحسن الصنعة ويجيد الأسلوب، فيكون غرض من الشعر سبيلًا إلى غرض، وفن عونًا على فن، وتكون رقة الألفاظ وهلهلة النسج، وقلبي، وكبدي، ويا ليلة ويا قمرًا،
(3/253)

ويا غزالًا ... وأشباه ذلك- غزلًا ونسيبًا؛ كلا ثم كلا، والثالثة كلا أيضًا....
إن الغزل وأوصاف الجمال موهبة في الشاعر أو الكاتب تسخر لها قوى هي أشبه في معجزاتها بما سخر لسليمان من قوى الجن والريح، غير أنها قوى آلام ولذات ووساوس؛ تلك عظمة في بعض النفوس الشاعرة كعظمة الملوك والأبطال، غير أنها لا تكمل إلا خائبة أو مغلوبة، فإذا انتصرت سقطت فلا بد لها من تاريخ وحوادث ومزاج عصبي يهيئ لها بروحانية شديدة الحس شديدة الفورة ثائرة أبدًا لا تهدأ إلا على توليد معنى بديع في جمال من تحبه أو كجماله؛ ثم إذا هدأت بذلك أثارها أنها هدأت، فتعود إلى التوليد، فلا تزال تبتدع وتصف كأنها آلة تعبير تدور بقلب وعصب؛ هناك قوتان: إحداهما توتي الحب كما يصلح غرامًا وعشقًا، والأخرى فوق هذه تؤتي الحب كما يصلح فكرًا وتعبيرًا؛ والأولى تجعل صاحبها عاشقًا يحب ويدرك ليس غير، والثانية تجعله محبًا عمله أن ينقل من لغة ما في نفسه إلى ما حوله، ومن لغة ما حوله إلى ما في نفسه؛ فهو مترجم النفس إلى الطبيعة، ومترجم الطبيعة إلى النفس؛ والذي أعرفه أن "حافظ" لم يرزق لا هذه ولا تلك، فلا طبيعة فيه للغزل وفلسفة الجمال؛ ثم إن التاريخ حصره في "الشاعر الاجتماعي" الذي اختار أن يمتاز به، فهو في أكثر شعره كان ليس فيه شخص، بل فيه شعب مأسور غفل عن الجمال وعن الطبيعة وعن النشوة بهما؛ إذ يعيش في معاناة الحرية لا في التأمل الجميل، وفي أسباب القوة لا في أسباب الرقة، ويريد أن يعمل؛ ليوجد حقيقته قبل أن يعمل؛ ليبدع خياله.
ومع ذلك فقد جاء في ديوان حافظ غزل قليل كان كله متابعة وتقليدًا في فن يحسن التقليد إلا فيه خاصة؛ عمل صدرًا لقصيدة مدح بها الخديو مطلعها:
كم تحت أذيال الظلام متيم ... دامي الفؤاد وليله لا يعلم
وقلد ابن أبي ربيعة في حكاية حب لفقها تلفيقًا ظاهرًا، ثم زعم أن الحبيبة قالت له في آخرها:
فاذهب بسحرك قد عرفتك واقتصد ... فيما تزيَّن للحسان وتوهم
وكلمة صاحبة ابن أبي ربيعة:
أهذا سحرك النسوان ... قد عرفتني الخبرا
أهذا سحرك النسوان؟ ... هذه كلمة لا تخرج إلا من فم حبيبته آية في الظرف، وفيها تجاهلها وعرفانها وابتسامها وإشراق وجنتيها، وأكاد والله أرى فيها
(3/254)

تلك الجميلة وهي تدق بيدها على صدرها دقة الاستفهام المتدلل المتظاهر بالدهشة؛ ليتنهد فيه الكلام والمتكلم معًا، أما قول حبيبة حافظ الخشبية، أو الحجرية ... اذهب ... قد عرفتك واقتصد ... فهذا خليق أن يكون من فم قاضٍ وهو ينصح المتهم بعد الأمر بالإفراج عنه ... أو مأمور قسم عند ضبط الحادثة!
أكبر ظني أن روح حافظ نفسه هي التي أوحت إلى الآن هذه "النكتة"، فإنه -رحمه الله- كان آية في الباب، وله من النوادر محفوظة ومخترعة ما لا يلحق فيه؛ ولو كان كاتبًا على قدر ما كان شاعرًا، وزاول النقد واستظهر للكتابة فيه بتلك الملكة المبدعة في التندر والتهكم، مع ما أوتي من القوة في اللغة والبيان -لكانت النعمة قد تمت به على الأدب العربي، ولقلنا في شعره وكتابته وأدبه ما قال هو في الأستاذ الإمام:
فأطلعت نورًا من ثلاث جهات
وما دمنا قد ذكرنا النقد فمن الوفاء للتاريخ الأدبي أن نذكر مذهب شاعرنا فيه: فلم يكن عنده منه إلا ذوق الكلام، وإدراك النفرة والنبوة في الحرف، والغلظ والجسأة في اللفظ، والضعف والتهافت في التركيب، ثم ما يجيش في الخاطر أو يتلجلج في الفكر من ذوق المعنى وإدراك كنهه والنفاذ إلى آثار النفس الحية فيه؛ فكأن النقد هو الحس بالكلام كما تلمس الحار والبارد وما بينهما؛ ووصف لي مرة إسماعيل صبري باشا وأراد أن يبالغ في دقة تمييزه وحسن بصره بالشعر وإدراكه دقائق المعاني، فقال: "ذواق يا مصطفى" ولم يزد.
ومذهب الحس بالكلام هذا وإن صلح أن يكون من بعض معاني النقد، فلا يتهيأ أن يكون هو النقد بمعناه الفلسفي أو الأدبي، وهو في جملة أمره كقولك حسن حسن؛ وردي رديء، أما كيف كان حسنًا أو رديئًا، وبماذا ولماذا، فذلك ما لا سبيل إليه من مذهب "ذواق" ... ولا وسيلة له إلا العلم المستفيض، والاطلاع الواسع، والحس المرهف، والقدرة المتمكنة، مضافة كلها إلى الأدب البارع وفلسفته الدقيقة؛ ولا نعرف لحافظ كتابة في النقد البتة، وقد كان حاول شيئًا من هذا في مقدمة كتابه "ليالي سطيح"، فتناول بعض خصومه بكلمات رأى هو أن يمحوها بعد أن طبعت الكراسة الأولى، فأسقطها وأعاد كتابة المقدمة وطبعها مرة ثانية، وكانت عندي النسخة التي محاها، وهذا ما لا أظن أحدًا يعرفه الآن؛ رحم الله شاعرًا كان أصفى من الغمام، وكان شعره كأنه البرق والرعد ...
(3/255)

كلمات 1 عن حافظ *
ذهبت بقلبي إلى كل مكان فوجدت أمكنة الأشياء ولم أجد مكان قلبي؛ أيها القلب المسكين، أين أذهب بك؟
هذا ما أجبت به "حافظ" حين سألني مرة: ما لك لا ترضى ولا تهدأ ولا تستقر؟ وكان يخيل إلي أنه هو راضٍ مستقر هادئ، كأنما قضى من الحياة نهمته ولم يبق في نفسه ما تقول نفسه ليست ذلك لي!. وكنت أعجب لهذا الخلق فيه ولا أدري ما تعليله إلا أن يكون قد خلق مطبوعًا بطابع اليتم فلم يعرف منذ أدرك إلا أنه ابن القدر؛ تأتيه الأفراح والأحزان من يد واحدة مقبلة كما تنال الصبي ألطاف أبيه ولطمات أبيه ...
وقد قلت له مرة: كأنك يا حافظ تنام بلا أحلام! فضحك وقال: أو كأنني أحلم بغير نوم ...
ولقد عرفته منذ سنة 1900 إلى أن لحق بربه في سنة 1932، فما كنت أراه على كل أحواله إلا كاليتيم: محكومًا بروح القبر، وفي القبر أوله؛ ولما أزمع السفر إلى اليونان قلت له: ألا تخشى أن تموت هناك فتموت يونانيًا ... فقال: أو تراني لم أمت بعد في مصر؟ ... إن الذي بقي هين!
ومن عجائب هذا اليتيم الحزين أنه كان قوي الملكة في فن الضحك، كأن القدر عوضه به؛ ليوجده في الناس عطف الآباء ومحبة الإخوة. ولم يخل مع فقره من ذريعة قوية إلى الجاه، ووسيلة مؤكدة إلى ما هو خير من الغنى؛ فكانت أسبابه إلى الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، ثم حشمت باشا، ثم سعد باشا زغلول؛ وهذا نظام عجيب في زمن "حافظ" يقابل الاختلال العجيب في نفس حافظ؛ فالرجل
__________
1 كتبها في الذكرى الثالثة لوفاته.
* لما توفي حافظ رحمه الله كتبنا فصلًا طويلًا عن أدبه للمقتطف، فلم نعرض في كلماتنا هذه لشيء من أدب الرجل وإنما هي ذكرى وبقايا من الأيام.
(3/256)

كالسفينة المتكفئة: تميل بها موجة وتعدلها موجة، وهي بهذه وبهذه تمر وتسير.
وأولئك الرؤساء العظماء الذين جعلهم القدر نظامًا في زمن حافظ، كانوا من أفقر الناس إلى الفكاهة والنادرة، فكان لهم كالثروة في هذا الباب، ووقع إصلاحًا في عيشهم وكانوا إصلاحًا في عيشه؛ ولو أن الأقدار تشبه بالمدارس المختلفة، لقلنا إن "حافظ" تخرج منها في مدرسة التجارة العليا ... فهو كان أبرع من يتاجر بالنادرة.
وهذه النوادر كأنها هي أيضًا صنعت "حافظ" في شكل نادرة؛ فكان فقيرًا، ومع هذا كان للمال عنده متمم، هو إنفاقه وإخراجه من يده؛ وكان يتيمًا، ولكنه دائمًا متودد؛ وكان حزينًا، ولكنه أنيس الطلعة؛ وكان يائسًا، ولكنه سليم الصدر، وكان في ضيق، ولكنه واسع الخلق؛ وتمام النادرة فيه أنه كان طوال عمره متبسطًا مهتزًا كأن له زمنًا وحده غير زمن الناس، فتتراكم عليه الهموم وهو مستنيم إلى الراحة، ويعتريه من الجوع مثل مكسلة الشبع ويسترسل إلى البطالة وكأنه مشمر للجد، ويستمكن الحزن منه في ساعة فيتهدد حزنه بالساعة التالية ...
رأيته في أحد أيام بؤسه الأولى قبل أن يتصل عيشه، وكان يعد قروشًا في يده، فقلت: ما هذه القروش؟
قال: كنت أقامر الساعة فأضعت ثلاثين قرشًا ولم يبق لي غير هذه القروش الملعونة، فهلم نتعشَّ. ودخل إلى مطعم كان وراء حديقة الأزبكية، فزعمت له أني تعشيت ... فأكل هو ودفع ثمن طعامه ثلاثة قروش؛ وكنت أطالع في وجهه وهو يأكل، فما أتذكره الآن إلا كما طالعته بعد عشرين سنة من ذلك التاريخ حين دعاني "حافظ" إلى مطعم بار اللواء وقد فاضت أنامله ذهبًا وفضة، وكان رحمه الله قد أصدر الجزء الثاني من "البؤساء" ورآني في القاهرة فأمسك بي حتى قرأت معه الكتاب كله فيما بين الظهر والمغرب، وركبنا في الأصيل عربة وخرجنا نتنزه، أي خرجنا نقرأ ...
وكان على وجه "حافظ" لون من الرضى لا يتغير في بؤس ولا نعيم، كبياض الأبيض وسواد الأسود؛ وهذا من عجائب الرجل الذي كان في ذات نفسه فنًّا من الفوضى الإنسانية، حتى لكأنه حلم شعري بدأ من أبويه ثم انقطع وترك لتتممه الطبيعة!
ومن نظر إلى "حافظ" على اعتبار أنه فن من الفوضى الإنسانية رآه جميلًا جمال الأشياء الطبيعية لا جمال الناس؛ ففيه من الصحراء والجبال والصخور والغياض والبرق والرعد وأشباهها؛ وكنت أنا أراه بهذه العين فأستجمله، ويبدو لي
(3/257)

جزلًا مطهمًا، وأرى في شكله هندسة كهندسة الكون؛ تتمم محاسنها بمقابحها وكم قلت له: إنك يا حافظ أجمل من القفر ...
أما هو فكان يرى نفسه دميمًا شنيع المرآة متفاوت الخلق كأنه إنسان مغلوط في تركيبه ...
وقد سألته مرة: هل أحب؟
فقال: النساء اثنتان: فإما جميلة تنفر من قبحي، وإما دميمة أنفر من قبحها! ولهذا لم يفلح في الغزل والنسيب، ولم يحسن من هذا الباب شيئًا يسمى شيئًا؛ وبقي شاعرًا غير تام، فإن المرأة للشاعر كحواء لآدم: هي وحدها التي تعطيه بحبها عالمًا جديدًا لم يكن فيه، وكل شرها أنها تتخطى به السموات نازلًا ...
وتهدم حافظ في أواخر أيامه من أثر المرض والشيخوخة، وكان آخر العهد به أن جاء إلى إدارة "المقتطف" وأنا هناك، فلم يرني حتى بادرني بقوله: ماذا ترى في هذا البيت في وصف الأمريكان:
وتخذتمْ موج الأثير بريدًا ... حين خلتم أن البروق كسالى*
فنظرت إلى وجهه المعروق المتغضن وقلت له: لو كان فيك موضع قبلة لقبلتك لهذا البيت! فضحك وأدار لي خده؛ ولكن بقي خده بلا تقبيل.
وشهرة هذا الأديب العظيم بنوادره ومحفوظاته من هذا الفن أمر مجمع عليه؛ وكان يتقصص النوادر والفكاهات ومطارحات السمر من مظانها في الكتب ورجال الأدب وأهل المجون، فإذا قصها على من يجالسه زاد في أسلوبها أسلوبه هو، وجعل يقلبها ويتصرف فيها ويبين عنها أحسن الإبانة بمنطقه ووجهه ونبرات في لسانه ونبرات في يده.
وهو أصمعي هذا الباب خاصة، يروي منه رواية عريضة، فإذا استهل سح بالنوادر سحًا كأنها قوافي قصيدة تدعو الواحدة منها أختها التي بعدها.
وقد أذكرتني "ألقوافي" مجلسًا حضرته قديمًا في سنة1901 أو1900،
__________
* هذا البيت من قصيدة نظمها حافظ يخاطب فيها الأمريكيين، وقد أشرنا في مقالنا في المقتطف إلى أن معناه مسروق.
(3/258)

وكان "مصباح الشرق" قد نشر قصيدة رائية لابن الرومي، فتعجب المرحوم الشيخ محمد المهدي من بسطة ابن الرومي في قوافيه، فقال له "حافظ": هلم نتساجل في هذا الوزن حتى ينقطع أحدنا؛ وكانت القافية من وزن: قدرها، أحمرها، أخضرها ... الخ، وجعلت أنا أحصي عليهما؛ فلما ضاق الكلام كان الشيخ المهدي يفكر طويلًا ثم ينطق باللفظ، ولا يكاد يفعل حتى يرميه حافظ على البديهة، فيعود الرجل إلى الإطراق والتفكير؛ ثم انقطع أخيرًا وبقي حافظ يسرد له من حفظه الغريب.
أما في النوادر فالعجيبة التي اتفقت له في هذا الباب أنه جاء إلى طنطا في سنة 1912 ومديرها يومئذ المرحوم "محمد محب باشا" وكان داهية ذكيًا وظريفًا لبقًا، وكنت أخالطه وأتصل به، فدعا "حافظ" إلى العشاء في داره؛ فلما مدت الأيدي قال الباشا: لي عليك شرط يا حافظ، قال: وما هو؟ قال: كل لقمة بنادرة!
فتهلل حافظ وقال: نعم، لك عليَّ ذلك، ثم أخذ يقص ويأكل، والعشاء حافل، وحافظ كان نهمًا، فما انقطع ولا أخل حتى وفى بالشرط؛ وهذا لا يمنع أن الباشا كان يتغافل ويتغاضى ويتشاغل بالضحك، فيسرع حافظ ويغالط بفمه ...
ولكن هذه المضحكات أضحكت من "حافظ" مرة كما أضحكت به؛ فلما كان يترجم "مكبث" لشكسبير -وهي كأعماله الناقصة دائمًا- دعوه لإلقاء محاضرة في نادي المدارس العليا، والنادي يومئذ يجمع خير الشباب حمية وعلمًا وكان صاحب السر فيه "السكرتير" زينة شباب الوطنية المرحوم أمين بك الرافعي؛ فقام حافظ فأنشدهم بعض ما ترجمه نظمًا عن شكسبير، ومثله تمثيلًا أفرغ فيه جهده، فأطرب وأعجب: ثم سألوه المحاضرة فأخذ يلقي عليهم من نوادره، وبدأ كلامه بهذه النادرة: عرضت على المعتصم جارية يشتريها، فسألها أنت بكر أم ثيب؟ فقالت: كثرت الفتوح على عهد المعتصم ...
ونظر حافظ إلى وجوه القوم فأنكرها ... وبقيت هذه الوجوه إلى آخر المحاضرة كأنها تقول له: إنك لم تفلح!
ولقد كان هذا من أقوى الأسباب في تنبه "حافظ" إلى ما يجب للشباب عليه إن أراد أن يكون شاعره، فأقبل على القصائد السياسية التي كسبهم بها من بعد؛ ونادرة المعتصم كالعورة المكشوفة؛ ولست أدري أكان حافظ يعرف النادرة البديعة الأخرى
(3/259)

أم لا؛ فقد عرضت جارية أديبة ظريفة على الرشيد فسألها: أنت بكر أم إيش؟
فقالت: أنا "أمُّ إيش" يا أمير المؤمنين ...
وفن "الشعر الاجتماعي" الذي عرف به حافظ، لم يكن فنه من قبل، ولا كان هو قد تنبه له أو تحراه في طريقته؛ فلما جاءت إلى مصر الإمبراطورة "أوجيني" نظم قصيدته النونية التي يقول فيها:
فاعذرينا على القصور، كلانا ... غيرته طوارئ الحدثان
ولقيته بعدها فسألني رأيي في هذه القصيدة، وكان بها مدلًا معجبًا، شأنه في كل شعره؛ فانتقدت منها أشياء في ألفاظها ومعانيها، وأشرت إلى الطريقة التي كان يحسن أن تخاطب بها الإمبراطورة؛ فكأنني أغضبته؛ فقال: إن الشيخ محمد عبده، وسعد زغلول، وقاسم أمين -أجمعوا على أن هذا النمط هو خير الشعر، وقالوا لي: إذا نظمت فانظم مثل هذا "الشعر الاجتماعي"، ثم كأنه تنبه إلى أنها طريقة يستطيع أن ينفرد بها، إن كل قصائد شوقي الآن غزل ومدح، ولا أثر فيها لهذا الشعر، على أنه هو الشعر.
وتتابعت قصائده الاجتماعية، فلقيني بعدها مرة أخرى فقال لي: إن الشاعر الذي لا ينظم في الاجتماعيات ليس عندي بشاعر. وأردت أن أغيظه فقلت له: وما هي الاجتماعيات إلا جعل مقالات الصحف قصائد؟ ...
فالأستاذ الإمام وسعد زغلول وقاسم أمين: أحد هؤلاء أو جميعهم أصل هذا المذهب الذي ذهب إليه حافظ، وهو كثيرًا ما كان يقتبس من الأفكار التي تعرض في مجلس الشيخ محمد عبده، من حديثه أو حديث غيره، فيبني عليها أو يدخلها في شعره، وهو أحيانًا رديء الأخذ جدًّا حين يكون المعنى فلسفيًّا؛ إذ كانت ملكة الفلسفة فيه كالمعطلة، وإنما هي في الشاعر من ملكة الحب، وإنما أولها وأصلها دخول المرأة في عالم الكلام بإيهامها وثرثرتها ...
وكنت أول عهدي بالشعر نظمت قصيدة مدحت فيها الأستاذ الإمام وأنفذتها إليه، ثم قابلت حافظ بعدها فقال لي: إنه هو تلاها على الإمام، وإنه استحسنها؛ قلت: فماذا كانت كلمته فيها؟ قال: إنه قال: لا بأس بها ...
فاضطرب شيطاني من الغضب، وقلت له: إن الشيخ ليس بشاعر، فليس
(3/260)

لرأيه في الشعر كبير معنى!. قال: ويحك!. إن هذا مبلغ الاستحسان عنده.
قلت: وماذا يقول لك أنت حين تنشده؟ قال: أعلى من ذلك قليلًا.. فأرضاني والله أن يكون بيني وبين حافظ "قليل" وطمعت من يومئذ.
وأنا أرى أن "حافظ إبراهيم" إن هو إلا ديوان الشيخ "محمد عبده": لولا أن هذا هذا، لما كان ذلك ذلك.
ومن أثر الشيخ في حافظ أنه كان دائمًا في حاجة إلى من يسمعه، فكان إذا عمل أبياتًا ركب إلى إسماعيل باشا صبري في القصر العيني، وطاف على القهوات والأندية يسمع الناس بالقوة ... إذ كانت أذن الإمام هي التي ربت الملكة فيه؛ وقد بينا هذا في مقالنا في "المقتطف".
وكان تمام الشعر الحافظي أن ينشده حافظ نفسه؛ وما سمعت في الإنشاد أعرب عربية من البارودي، ولا أعذب عذوبة من الكاظمي، ولا أفخم فخامة من حافظ -رحمهم الله جميعًا.
وكان أديبنا يجل البارودي إجلالًا عظيمًا، ولما قال في مدحه:
فمر كل معنى فارسي بطاعتي ... وكل نفور منه أن يتوددا
قلت له: ما معنى هذا؟ وكيف يأمر البارودي كل معنى فارسي وما هو بفارسي؟ قال: إنه يعرف الفارسية، وقد نظم فيها، وعنده مجموعة جمع فيها كل المعاني الفارسية البديعة التي وقف عليها؛ قلت: فكان الوجه أن تقول له: أعرني المجموعة التي عندك ...
أما الكاظمي فكان حافظ يجافيه ويباعده، حتى قال لي مرة وقد ذكرته به: "عققناه يا مصطفى! ".
وما أنسى لا أنسى فرح حافظ حين أعلمته أن الكاظمي يحفظ قصيدة من قصائده، وذلك أنهم في سنة 1901 -على ما أذكر- أعلنوا عن جوائز يمنحونها من يجيد في مدح الخديو، وجعلوا الحكم في ذلك إلى البارودي وصبري والكاظمي، ثم تخلى البارودي وصبري، وحكم الكاظمي وحده، فنال حافظ الميدالية الذهبية، ونال مثلها السيد توفيق البكري.
ولما زرت الكاظمي وكنت يومئذ مبتدئًا في الشعر، ولا أزال في الغرزمة*
__________
* الغرزمة: أول قول الشعر، حين يكثر الرديء فيه، يقال: فلان يغرزم.
(3/261)

قال: لماذا لم تدخل في هذه المباراة؟ قلت: وأين أنا من شوقي وحافظ وفلان وفلان فقال: "ليه تخلي همتك ضعيفة؟ " ثم أسمعني قصيدة حافظ وكان معجبًا بها، فنقلت ذلك إلى حافظ، فكاد يطير عن كرسيه في القهوة.
وكان تعنت حافظ على الكاظمي؛ لأنه غير مصري، ففي سنة 1903 كانت تصدر في القاهرة مجلة اسمها "الثريا"، فظهر في أحد أعدادها1 مقال عن الشعراء بهذا التوقيع، وانفجر هذا المقال انفجار البركان، وقام به الشعراء وقعدوا، وكان له في الغارة عليهم كزفيف الجيش وقعقعة السلاح، وتناولته الصحف اليومية، واستمرت رجفته الأدبية نحو الشهر؛ وانتهى إلى الخديو؛ وتكلم عند الأستاذ الإمام في مجلسه، واجتمع له جماعة من كبار أساتذة العصر السوريين، كالعلامة سليمان البستاني، وأديب عصره الشيخ إبراهيم اليازجي، والمؤرخ الكبير جورجي زيدان -إذ كان صاحب المجلة سوريا- وجعلوا ينفذون إلى صاحب المجلة دسيسًا بعد دسيس ليعلموا من هو كاتب المقال.
وشاع يومئذ أني أنا الكاتب له؛ وكان الكاظمي على رأس الشعراء فيه، فغضب حافظ لذلك غضبًا شديدًا، وما كاد يراني في القاهرة حتى ابتدرني بقوله: ورب الكعبة أنت كاتب المقال، وذمة الإسلام أنت صاحبه!
ثم دخلنا إلى "قهوة الشيشة"، فقال في كلامه: إن الذي يغيظني أن يأتي كاتب المقال بشاعر من غير مصر فيضعه على رءوسنا نحن المصريين!. فقلت: ولعل هذا قد غاظك بقدر ما سرك ألَّا يكون الذي على رأسك هو شوقي ...
وغضب السيد توفيق البكري غضبًا من نوع آخر، فاستعان بالمرحوم السيد مصطفى المنفلوطي استعانة ذهبية ... وشمر المنفلوطي فكتب مقالًا في "مجلة سركيس" يعارض به مقال "الثريا"، وجعل فيه البكري على رأس الشعراء ... ومدحه مدحًا يرن رنينًا.
أما أنا فتناولني بما استطاع من الذم، وجردني من الألفاظ والمعاني جميعًا، وعدني في الشعراء ليقول إني لست بشاعر ... فكان هذا رد نفسه على نفسه*.
__________
1 عدد يناير سنة 1905، وانظر ص38-43 "حياة الرافعي".
2 نشر المرحوم المنفلوطي مقاله في الطبعة الأولى من كتابه "النظرات" بعد أن هذبه، ثم حذفه من الطبعات الأخرى؛ لأنه هو كان يعلم أن النائحة المستأجرة لا يسمى بكاؤها بكاء ...
(3/262)

وتعلق مقال المنفلوطي على المقال الأول فاشتهر به لا بالمنفلوطي؛ وغضب حافظ مرة ثانية، فكتب إلي كتابا يذكر فيه تعسف هذا الكاتب وتحامله، ويقول: قد وكلت إليك أمر تأديبه1....
فكتب مقالًا في جريدة "المنبر"، وكان يصدرها الأستاذان محمد مسعود وحافظ عوض، ووضعت كلمة المنفلوطي التي ذمني بها في صدر مقالي أفاخر بها ... وقلت: إني كذلك الفيلسوف الذي أرادوه أن يشفع إلى ملكه، فأكب على قدم الملك حتى شفعه؛ فلما عابوه بأنه أذال حرمة الفلسفة بانحنائه على قدم الملك وسجوده له، قال: ويحكم!. فكيف أصنع إذا كان الملك قد جعل أذنيه في رجليه ...
ولم يكن مضى لي في معالجة الشعر غير سنتين حين ظهر مقال "الثريا"، ومع ذلك أصبح كل شاعر يريد أن يعرف رأيي فيه؛ فمررت ذات يوم "بحافظ" وهو في جماعة لا أعرفهم، فلما اطمأن بي المجلس قال حافظ: ما رأيك في شعر اليازجي؟ فأجبته: قال: فالبستاني؟ فنجيب الحداد؟ ففلان؟ ففلان؟ فداود عمون؟ قلت: هذا لم أقرأ له إلا قليلًا لا يسوغ معه الحكم على شعره. قال: فماذا قرأت له؟ قلت: رده على قصيدتك إليه:
شجتنا مطالع أقمارها
قال: فما رأيك في قصيدته هذه؟ قلت: هي من الشعر الوسط الذي لا يعلو ولا ينزل.
فما راعني إلا رجل في المجلس يقول: أنصفت والله!. فقال حافظ: أقدم لك داود بك عمون! ...
رحم الله تلك الأيام!.
__________
1 انظر ص121 "حياة الرافعي".
(3/263)

شوقي 1:
هذا هو الرجل الذي يخيل إلي أن مصر اختارته دون أهلها جميعًا لتضع فيه روحها المتكلم، فأوجبت له ما لم توجب لغيره، وأعانته بما لم يتفق لسواه، ووهبته من القدرة والتمكين وأسباب الرياسة وخصائصها على قدر أمة تريد أن تكون شاعرة، لا على قدر رجل في نفسه؛ وبه وحده استطاعت مصر أن تقول للتاريح: شعري وأدبي!
شوقي: هذا هو الاسم الذي كان في الأدب كالشمس من المشرق: متى طلعت في موضع فقد طلعت في كل موضع، ومتى ذكر في بلد من بلاد العالم العربي اتسع معنى اسمه فدل على مصر كلها كأنما قيل النيل أو الهرم أو القاهرة؛ مترادفات لا في وضع اللغة ولكن في جلال اللغة.
رجل عاش حتى تم، وذلك برهان التاريخ على اصطفائه لمصر، ودليل العبقرية على أن فيه السر المتحرك الذي لا يقف ولا يكل ولا يقطع نظام عمله، كأن فيه حاسة نحلة في حديقة، ويكبر شعره كلما كبر الزمن، فلم يتخلف عن دهره، ولم يقع دون أبعد غاياته، وكأنه مع الدهر على سياق واحد، وكأن شعره تاريخ من الكلام يتطور أطواره في النمو فلم يجمد ولم يرتكس، وبقي خيال صاحبه إلى آخر عمره في تدبير السماء كعراص الغمامة، سحابه كثير البرق ممتلئ ممطر ينصب من ناحية ويمتلئ من ناحية.
والناس يكتب عليهم الشباب والكهولة والهرم، ولكن الأديب الحق يكتب عليه شباب وكهولة وشباب؛ إذ كانت في قلبه الغايات الحية الشاعرة، ما تنفك يلد بعضها بعضًا إلى ما لا انقطاع له، فإنها ليست من حياة الشاعر التي خلقت في قلبه، ولكنها من حياة المعاني في هذا القلب.
__________
1 المقتطف: نوفمبر سنة1932، وانظر ص156-157 "حياة الرافعي".
(3/264)

أقرر هذا في شوقي -رحمه الله- وأنا من أعرف الناس بعيوبه وأماكن الغميزة في أدبه وشعره؛ ولكن هذا الرجل انفلت من تاريخ الأدب لمصر وحدها كانفلات المطرة من سحابها المتساير في الجو، فأصبحت مصر به سيدة العالم العربي في الشعر، وهي لم تذكر قديمًا في الأدب إلا بالنكتة والرقة وصناعات بديعية ملفقة، ولم يستفض لها ذكر بنابغة ولا عبقري، وكانت كالمستجدية من تاريخ الحواضر في العالم، حتى أن أبا محمد الملقب بولي الدولة صاحب ديوان الإنشاء في مصر للظاهر بن المستنصر -"وقد توفي سنة 341هـ"، وكان رزقه ثلاثة آلاف دينار في السنة غير رسوم يستوفيها على كل ما يكتبه- سلم لرسول التجار إلى مصر من بغداد جزأين من شعره ورسائله يحملهما إلى بغداد ليعرضهما على الشريف المرتضي وغيره من أدبائها، فيستشيرهم في تخليد هذا الأدب المصري بدار العلم إن استجادوه وارتضوه، كأن حفظ ديوان من شعر مصر ونثرها في مكتبة بغداد قديمًا يشبه في حوادث دهرنا استقلال مصر وقبولها في عصبة الأمم.
وهذا أحمد بن علي الأسواني إمام من أئمة الأدب في مصر "توفي سنة 562"، وكان كاتبًا شاعرًا يجمع إلى علوم الأدب الفقه والمنطق والهندسة والطب والموسيقى والفلك- أراد أن يدون شعر المصريين، فجمع من شعرهم "وشعر من طرأ عليهم" أربع مجلدات، كأن الشعر المصري وحده إلى آخر القرن السادس للهجرة، في العهد الذي لم يكن ضاع فيه شيء من الكتب والدواوين لا يملأ أربع مجلدات ... على اختلافهم في مقدار المجلدة، فقد تكون جزءًا لطيف الحجم؛ والأسواني نفسه يبلغ ديوانه نحو مائة ورقة.
وأخوه الحسن المعروف بالمهذب "الأسواني المتوفى سنة 561" قال العماد الكاتب: إنه لم يكن بمصر في زمنه أشعر منه، وسارت له في الناس قصيدة سموها النواحة، وصف فيها حنينه إلى أخيه وقد رحل إلى مكة وطالت غيبته بها وخيف عليه؛ فالرجل أشعر أهل مصر في زمنه، وحادثة النواحة تجعله في هذا المعنى أشعر من نفسه، على أنه مع هذا لم يقل إلا من هذا:
يا ربع أين نرى الأحبة يمموا ... هل أنجدوا من بعدنا أم أتهموا
رحلوا وفي القلب المعنَّى بعدهم ... وجد على مر الزمان مخيم
وتعوضت بالأنس نفسي وحشة ... لا أوحش الله المنازل منهم ...
ولولا ابن الفارض والبهاء زهير وابن قلاقس الإسكندري وأمثالهم، وكلهم
(3/265)

أصحاب دواوين صغيرة، وليس في شعرهم إلا طابع النيل، أي الرقة والحلاوة لولا هؤلاء في المتقدمين لأجدب تاريخ الشعر في مصر؛ ولولا البارودي وصبري وحافظ في المتأخرين؛ وكلهم كذلك أصحاب دواوين صغيرة، لما ذكرت مصر بشعرها في العالم العربي؛ على أن كل هؤلاء وكل أولئك لم يستطيعوا أن يضعوا تاج الشعر على مفرق مصر، ووضعه شوقي وحده!
والعجب أن دواوين المجيدين من شعراء المصريين لا تكون إلا صغيرة، كأن طبيعة النيل تأخذ في المعاني كأخذها في المادة، فلا فيض ولا خصب إلا في وقت بعد أوقات، وفي ثلاثة أشهر من كل اثني عشر شهرًا؛ ومن جمال الفراشة أن تكون صغيرة، وحسبها عند نفسها أن أجنحتها منقطة بالذهب، وأنها هي نكتة من بديع الطبيعة!
على أنك واجد في تاريخ الأدب المصري عجيبة من عجائب الدنيا لا تذكر معها الإلياذة ولا الإنيادة ولا الشاهنامة ولا غيرها، ولكنها عجيبة ملأتها روح الصحراء إن كانت تلك الدواوين الصغيرة من روح النيل؛ وهي قصيدة نظمها أبو رجاء الأسواني المتوفى سنة 335هـ، وكان شاعرًا فقيهًا أديبا عالمًا كما قالوا، وزعموا أنه اقتص في نظمه أخبار العالم وقصص الأنبياء واحدًا بعد واحد، قالوا: وسئل قبل موته كما بلغت قصيدتك؟ فقال: ثلاثين ومائة ألف بيت.... وما أشك أن هذا الرجل وقع له تاريخ الطبري وكتب السير وقصص الإسرائيليات فنظمها متونًا متونًا ... وأفنى عمره في 130 ألف بيت حولها التاريخ إلى خبر مهمل في ثلاثة أسطر1.
كل شاعر مصري هو عندي جزء من جزء، ولكن شوقي جزء من كل، والفرق بين الجزأين أن الأخير في قوته وعظمته وتمكنه واتساع شعره جزء عظيم كأنه بنفسه الكل؛ ولم يترك شاعر في مصر قديمًا وحديثًا ما ترك شوقي، وقد اجتمع له ما لم يجتمع لسواه؛ وذلك من الأدلة على أنه هو المختار لبلاده، فساوى الممتازين من شعراء دهره وارتفع عليهم بأمور كثيرة هي رزق تاريخه من القوة المدبرة التي لا حيلة لأحد أن يأخذ منها ما لا تعطي، أو يزيد ما تنقص، أو ينقص ما تزيد؛ وقد حاولوا إسقاط شوقي مرارًا فأراهم غباره ومضى متقدمًا،
__________
1 انظر خبر "مصر الشاعرة" ص146-147 "حياة الرافعي".
(3/266)

ورجع من رجع منهم ليغسل عينيه ... ويرى بهما أن شوقي من النفس المصرية بمنزلة المجد المكتوب لها في التاريخ بحرب ونصر، وما هو بمنزلة شاعر وشعره.
ولد شاعرنا سنة 1868 في نعمة الخديو إسماعيل باشا، ونثر له الخديو الذهب وهو رضيع في قصة ذكرها شوقي في مقدمة ديوانه القديم، ثم كفله الخديو توفيق باشا وعلمه وأنفق عليه من سعة، وأنزل نفسه منه منزلة أب غني كما يقول شوقي في مقدمته، ثم تولاه الخديو عباس باشا وجعله شاعره وتركه يقول:
شاعر العزيز وما ... بالقليل ذا اللقب
وإذا أنت فسرت لقب شاعر الأمير هذا بالأمير نفسه في ذلك العهد، خرج لك من التفسير: شاعر مرهف معانٌ بأسباب كثيرة؛ ليكون أداة سياسية في الشعب المصري، تعمل لإحياء التاريخ في النفس المصرية، وتبصيرها بعظمتها، وإقحامها في معارك زمنها، وتهيئتها للمدافعة، وتصل الشعر بالسياسة الدينية التي توجهت لها الخلافة يومئذ لتضرب فكرة أوروبا في تقسيم الدولة بفكرة الجامعة الإسلامية ولا يخرج لك شوقي من هذا التفسير على أنه رجل في قدر نفسه، بل في قدر أميره ذلك؛ وكان ممتلئًا شبابًا يغلي غليانًا، ومعدًا يوميذ لمطامع بعيدة ملفقة حشوها الديناميت السياسي ...
كنت ذات مرة أكلم صديقي الكاتب العميق فرح أنطون صاحب "الجامعة" وكان معجبًا بشوقي إعجابًا شديدًا، فقال لي: إن شوقي الآن في أفق الملوك لا في أفق الشعراء! قلت: كأنك نفيته من الملوك والشعراء معًا؛ إذ لو خرج من هؤلاء لم يكن شيئًا، ولو نفذ إلى أولئك لم يعد شيئًا، إنما الرجل في السياسة الملتوية التي تصله بالأمير، هو مرة كوزير الحربية، ومرة كوزير المعارف.
وهذه السياسة التي ارتاض بها شوقي ولابسها من أول عهده، واتجه شعره في مذاهبها، من الوطنية المصرية، إلى النزعة الفرعونية، إلى الجامعة الإسلامية، فكانت بهذا سبب نبوغه ومادة مده الشعري هي بعينها مادة نقائصه؛ فلقد ابتلته بحب نفسه وحب الثناء عليها، وتسخير الناس في ذلك بما وسعته قوته، إلى غيرة أشد من غيرة الحسناء تقشعر كل شعرة منها إذا جاءها الحسن بثانية، وهي غيرة وإن كانت مذمومة في صلته بالأدباء الذين لذعوه بالجمر ... ونحن منهم، غير أنها ممدوحة في موضعها من طبيعته هو؛ إذ جعلته كالجواد العتيق الكريم ينافس حتى ظله، فعارض المتقدمين بشعره كأنهم معه، ونافس المعاصرين ليجعلهم كأنهم ليسوا معه، ونافس ذاته أيضًا ليجعل شوقي أشعر من شوقي؛ وعندي أن كل
(3/267)

ما في هذا الرجل من المتناقضات فمرجعه إلى آثار تلك السياسة الملتوية التي ردت بطبيعة القوة عن وجوهها الصريحة، فجعلت تضطرب في وجوه من الحيل والأسباب مدبرة مقبلة، متهدية في كل مجاهلها بإبرة مغناطيسية عجيبة لا يشبهها في الطبيعة إلا أنف الثعلب المتجه دائمًا إلى رائحة الدجاج.
ومؤرخ الأدب الذي يريد أن يكتب عن شوقي لا يصنع شيئًا إن هو لم يذكر أن هذا الشاعر العظيم كان هدية الخديو توفيق والخديو عباس لمصر، كالدلتا بين فرعي النيل؛ وما أصابه المتنبي من سيف الدولة مما ابتعث قريحته وراش أجنحته السماوية وأضفى ريشها وانتزى بها على الغايات البعيدة في تاريخ الأدب أصاب شوقي من سمو الخديو عباس أكثر منه، فكان حقيقًا أن يساوي المتنبي أو يتقدمه، ولكنه لم يبلغ منزلته؛ لأن الخديو لم يكن كسيف الدولة في معرفته بالأدب العربي ورغبته فيه؛ وسر المتنبي كان في ثلاثة أشياء: في جهازه العصبي العجيب الذي لا يقل في رأيي عما في دماغ شكسبير، وفي ممدوحه الأديب الملك الذي ينزل من هذا الجهاز منزلة المهندس الكهربائي من آلة عظيمة يديرها بعلم ويقوم عليها بتدبير ويحوطها بعناية، ثم في أفق عصره المتألق بنجوم الأدب التي لا يمكن أن يظهر بينها إلا ما هو في قدرها، ولا يتميز فيها إلا ما هو أكبر منها، ولا يتركها كالمنطفئة إلا شمس كشمس المتنبي تتفجر على الدنيا بمعجزاتها النورانية.
ولقد -والله- كان هذا المتنبي كأنه يوزع الشرف على الملوك والرؤساء؛ وهل أدل على ذلك من أن أبا إسحاق الصابي شيخ الكتاب في عصره يراسله أن يمدحه بقصيدتين ويعطيه خمسة آلاف درهم، فيرسل إليه المتنبي: ما رأيت بالعراق من يستحق المدح غيرك، ولكني إن مدحتك تنكر لك الوزير "يعني المهلبي" لأني لم أمدحه، فإن كنت لا تبالي هذا الحال فأنا أجيبك ولا أريد منك مالًا ولا من شعري عوضًا! فأين في دهرنا من تشعره عزة الأدب مثل هذا الشعور ليأتي بالشعر من نفس مستيقنة أن الدنيا في انتظار كلمتها؟
على أن شوقي لم يكن ينقصه باعتبار زمنه إلا "الجمهور الشعري"، وكل بلاء الشعر العربي أنه لا يجد هذا الجمهور، فالشاعر بذلك منصرف إلى معانٍ فردية من ممدوح عظيم أو حبيب عظيم أو سقوط عظيم ... حتى الطبيعة تظهر في الشعر العربي كأنها قطع مبتورة من الكون داخلة في الحدود لابسة الثياب؛ ومن ذلك ينبغ الشاعر وليس فيه من الإحساس إلا قدر نفسه لا قدر جمهوره، وإلا ملء حاجاته لا ملء الطبيعة؛ فلا جرم يقع بعيدًا عن المعنى الشامل المتصل بالمجهول، ويسقط
(3/268)

بشعره على صور فردية ضيقة الحدود، فلا تجد في طبعه قوة الإحاطة والتبسط والشمول والتدقيق، ولا تؤاتيه طبيعته أن يستوعب كل صورة شعرية بخصائصها، فإذا هو على الخاطر العارض يأخذ من عفوه ولا يحسن أن يتوغل فيه، وإذا هو على نزوات ضعيفة من التفكير لا يطول لها بحثه ولا يتقدم فيها نظره، وإذا نفسه تمر على الكون مرًّا سريعًا، وإذا شعره مقطع قطعًا، وإذا آلامه وأفراحه أوصاف لا شعور، وكلمات لا حقائق، وظل طامس ملقى على الأرض إذا قابلته بتفاصيل الجسم الحي السائر على الأرض.
واجتمع لشوقي في ميراث دمه ومجاري أعراقه عنصر عربي، وآخر تركي، وثالث يوناني، ورابع شركسي؛ وهذه كثرة إنسانية لا يأتي منها شاعر إلا كان خليقًا أن يكون دولة من دول الشعر، وإلى هذا ولد شاعرنا باختلاله العصبي في عينيه، كأن هذا دليل طبيعي على أن وراءهما عينين للمعاني تزاحمان عيني البصر؛ وما لم يكن التركيب العصبي في الشاعر مهيأ للنبوغ، فاعلم أنه وقع من تقاسيم الدنيا في غير الشعر، وليس في الطبيعة ولا في الصناعة قوة تجعل حنجرة البلبل في غير البلبل؛ ومع كل ما تقدم فقد أعين شوقي على الشعر بفراغه له أربعًا وأربعين سنة، غير مشترك العمل، ولا متقسم الخاطر، على سعة في الرزق وبسطة في الجاه وعلو في المنزلة، وبين يديه دواوين الشعر العربي والأوروبي والتركي والفارسي؛ وإن تنس فلا تنس أن شاعرنا هذا خص بنشاط الحياة، وهو روح الشعر لا روح للشعر بدونه، فسافر ورحل وتقلب في الأرض، وخالط الشعوب واستعرض الطبيعة يتخللها ببصره ما بين الأندلس والأستانة، وظهيره على ذلك ماله وفراغه، وإنما قوة الشعر في مساقط الجو، ففي كل جو جديد روح للشاعر جديدة؛ والطبيعة كالناس: هي في مكان بيضاء وفي مكان سوداء، وهي في موضع نائمة تحلم وفي موضع قائمة تعمل، وفي بلد هي كالأنثى الجميلة، وفي بلد هي كالرجل المصارع؛ ولن يجتمع لك روح الجهاز العصبي على أقواه وأشده إلا إذا أطعمته مع صنوف الأطعمة اللذيذة المفيدة، ألوان الهواء اللذيذ المفيد.
وعندي أنه لا أمل أن ينشأ لمصر شاعر عظيم في طبقة الفحول من شعراء العالم، إلا إذا أعيد تاريخ شوقي مهذبًا في رجل وهبه الله مواهبه، ثم تهبه الحكومة المصرية مواهبها.
والكتاب الأول الذي راض خيال شوقي وصقل طبعه وصحح نشأته الأدبية،
(3/269)

هو بعينه الذي كانت منه بصيرة حافظ وذكرناه في مقالنا عنه، أي كتاب "الوسيلة الأدبية" للمرصفي؛ وليس السر في هذا الكتاب ما فيه من فنون البلاغة ومختارات الشعر والكتابة، فهذا كله كان في مصر قديمًا ولم يغنِ شيئًا ولم يخرج لها شاعرًا كشوقي، ولكن السر ما في الكتاب من شعر البارودي؛ لأنه معاصر، والمعاصرة اقتداء ومتابعة على صواب إن كان الصواب، وعلى خطأ إن كان الخطأ؛ وقد تصرمت القرون الكثيرة والشعراء يتناقلون ديوان المتنبي وغيره، ثم لا يجيئون إلا بشعر الصناعة والتكلف، ولا يخلد الجيل منهم إلا لما رأى في عصره، ولا يستفتح غير الباب الذي فتح له، إلى أن كان البارودي، وكان جاهلًا بفنون العربية وعلوم البلاغة، لا يحسن منها شئًا، وجهله هذا هو كل العالم الذي حول الشعر من بعد؛ فيا لها عجيبة من الحكمة! وهي دليل على أن أعمال الناس ليست إلا خضوعًا لقوانين نافذة على الناس. وأكب البارودي على ما أطاقه، وهو الحفظ من شعر الفحول؛ إذ لا يحتاج الحفظ إلى غير القراءة، ثم المعاناة والمزاولة؛ وكانت فيه سليقة، فخرجت مخرج مثلها في شعراء الجاهلية والصدر الأول من الحفظ والرواية، وجاءت بذلك الشعر الجزل الذي نقله المرصفي بإلهام من الله -تعالى- ليخرج به للعربية حافظ وشوقي وغيرهما، فكل ما في الكتاب أنه ينقل روح المعاصرة إلى روح الأديب الناشئ، فتبعثه هذه الروح على التمييز وصحة الاقتداء، فإذا هو على ميزة وبصيرة، وإذا هو على الطريق التي تنتهي به إلى ما في قوة نفسه ما دام فيه ذكاء وطبع؛ وبهذا ابتدأ شوقي وحافظ من موضع واحد، وانتهى كلاهما إلى طريقة غير طريقة الآخر، والطريقتان معًا غير طريقة البارودي.
تحول شوقي بهذا الشعر لا إلى طريقة البارودي، فإنه لا يطيقها ولا تتهيأ في أسبابه، وخاصة في أول عهده، وكأن لغة البارودي فيها من لقبه، أي فيها البارود ... ولكن تحول نابغتنا كان عن طريقة معاصريه من أمثال الليثي وأبي النصر وغيرهما، فترك الأحياء وانطلق وراء الموتى في دواوينهم التي كان من سعادته أن طبع الكثير منها في ذلك العهد: كالمتنبي وأبي تمام والبحتري والمعري، ثم أهل الرقة أصحاب الطريقة الغرامية: كابن الأحنف والبهاء زهير والشاب الظريف والتلعفري والحاجري، ثم مشاهير المتأخرين: كابن النحاس والأمير منجك والشرقاوي. وقد حاول شوقي في أول أمره أن يجمع بين هذا كله، فظهر في شعره تقليده وعمله في محاولة الابتكار والإبداع وإحكام التوليد، مع السهولة والرقة وتكلف الغزل بالطبع المتدفق لا بالحب الصحيح.
(3/270)

وأنا حين أكتب عن شاعر لا يكون همي إلا البحث في طريقة ابتداعه لمعانيه، وكيف ألم وكيف لحظ، وكيف كان المعنى منبهة له، وهل أبدع أم قلد، وهل هو شعر بالمعنى شعورًا فخالط نفسه وجاء منها، أم نقله نقلًا فجاء من الكتب؛ وهل يتسع في الفكرة الفلسفية لمعانيه، ويدقق النظرة في أسرار الأشياء، ويحسن أن يستشف هذه الغيوم التي يسبح فيها المجهول الشعري ويتصل بها ويستصحب للناس من وحيها؛ أم فكره استرسال وترجيم في الخيال وأخذ للموجود كما هو موجود في الواقع؟ وبالجملة هل هو ذاتية تمر فيها مخلوقات معانيه لتخلق فتكون لها مع الحياة في نفسها حياة من نفسه، أم هو تبعية كالسمسار بين طرفين: يكون بينهما، وليس منهما ولا من أحدهما؟ في هذه الطريقة من البحث تاريخ موهبة الشاعر، ولا يؤديك إلى هذا التاريخ إلا ذلك المذهب إليه إن أطقته، أما تاريخ الشاعر نفسه فما أسهله؛ إذ هو صورة أيامه وصلته بعصره، وليس في تأريخ ما كان إلا نقله كما كان.
وإذا عرضنا شوقي بتلك الطريقة رأيناه نابغة من أول أمره، ففيه تلك الموهبة التي أسميها حاسة الجو؛ إذ يتلمح بها النوابغ معاني ما وراء المنظور، ويستنزلون بها من كل معنى معنى غيره.
انظر أبياته التي نظمها في أول شبابه وسنه يومئذ 23 سنة على ما أظن، وهي من شعره السائر:
خدعوها بقولهم حسناء ... والغواني يغرهن الثناء
ما تراها تناست اسميَ لما ... كثرت في غرامها الأسماء
إن رأتني تميل عني كأن لم ... تك بيني وبينها أشياء
نظرة فابتسامة فسلام ... فكلام فموعد فلقاء
دع غلطته في قوله "تميل عني"1، فإن صوابها: تمل؛ إذ هي جواب إن الشرطية؛ ولكن تأمل كيف استخرج معانيه؛ وأنا كنت دائمًا وما أزال معجبًا بالبيتين الثاني والرابع، لا إكبارًا لمعناهما، فهما لا شيء عندي، ولكن إعجابًا بموهبة شوقي في التوليد، فإنه أخذ البيت الثاني من قول أبي تمام:
أتيت فؤادها أشكو إليه ... فلم أخلص إليه من الزحام
فمر المعنى في ذهن شوقي كما يمر الهواء في روضة، وجاء نسيمًا يترقرق
__________
1 انظر المساجلات بين الرافعي والعقاد في هذه القولة بالمقتطف.
(3/271)

بعدما كان كالريح السافية بترابها؛ لأن الزحام في بيت أبي تمام حقيق بسوق قائمة للبيع والشراء، لا بقلب امرأة يحبها، بل هو يجعل قلب المرأة شيئًا غريبًا كأنه ليس عضوًا في جسمها، بل غرفة في بيتها ... وقد سبق شاعرنا أبا تمام بمراحل في إبداعه وذوقه ورقته.
والبيت الرابع من قول الشاعر الظريف:
قف واستمع سيرة الصب الذين قتلوا ... فمات في حبهم لم يبلغ الغرضا
رأى فحب فسام الوصل فامتنعوا ... فرام صبرًا فأعيا نيله فقضى
وهذه "فاءات" تجر إلى القبر ونعوذ بالله منها ... ومما كنت أعيبه على شوقي ضعفه في فنون الأدب، فإن المويلحي الكاتب الشهير انتقد في جريدته "مصباح الشرق" أبيات "خدعوها" عند ظهور الشوقيات في سنة 1899، فارتاع شوقي وتحمل عليك ليمسك عن النقد، مع أن كلام المويلحي لا يسقط ذبابة من ارتفاع نصف متر ... ومن مصيبة الأدب عندنا، بل من أكبر أسرار ضعفه، أن شعراءنا لا طاقة لهم بالنقد، وأنهم يفرون منه فرارًا ويعملون على تفاديه وأنهم لا يحسنون غير الشعر؛ فلا البارودي ولا صبري ولا حافظ ولا شوقي كان يحسن واحد منهم أن يدفع عن نفسه أو يكتب فصلًا في النقد الأدبي، أو يحقق مسألة في تاريخ الأدب.
ومن معاني شوقي السائرة:
لك نصحي وما عليك جدالي ... آفة النصح أن يكون جدالًا
وكرره في قصيدة أخرى فقال:
آفة النصح أن يكون جدالًا ... وأذى النصح أن يكون جهارًا
والبيتان في شعر صباه أيضًا، وهما من قول ابن الرومي:
وفي النصح خير من نصيح موادع ... ولا خير فيه من نصيح مواثبِ
فصحح شوقي المعنى وأبدل المواثبة بالجدال، وذلك هو الذي عجز عنه ابن الرومي؛ ومن إبداعه في قصيدته "صدى الحرب" يصف هزيمة اليونان:
يكادون من ذعر تفر ديارهم ... وتنجو الرواسي لو حواهن مشعب
يكاد الثرى من تحتهم يلج الثرى ... ويقضم بعض الأرض بعضًا ويقضب
وهذا خيال بديع في الغاية، جعل هزيمتهم كأنها ليست من هول الترك، بل من
(3/272)

هول القيامة؛ وهو مع ذلك مولد من قول أبي تمام في وصف كرم ممدوحه أبي دلف:
تكاد مغانيه تهش عراصها ... فتركب من شوق إلى كل راكب
فقاس شاعرنا على ذلك؛ وإذا كادت الدار تركب إلى الراكب إليها من فرحها، فهي تكاد تفر مع المنهزم من ذعرها؛ ولكن شوقي بني فأحكم وسما على أبي تمام بالزيادة التي جاء بها في البيت الثاني.
ومن أحسن شعره في الغزل:
حوت الجمال فلو ذهبت تزيدها ... في الوهم حسنًا ما استطعت مزيدًا
وهو من قول القائل:
ذات حسن لو استزادت من الحسـ ... ـن إليها لما أصابت مزيدا
غير أن شوقي قال: لو ذهبت تزيدها في الوهم ... والشاعر قال: لو استزادت هي؛ فلو خلا بيت شوقي من كلمة "في الوهم" لما كان شيئًا، ولكن هذه الكلمة حققت فيه المعنى الذي تقوم عليه كل فلسفة الجمال؛ فإن جمال الحبيب ليس شيئًا إلا المعاني التي هي في وهم محبه؛ فالزيادة تكون من الوهم، وهو بطبيعته لا ينتهي؛ فإذا لم تبق فيه زيادة في الحسن فما بعد ذلك حسن، وقد بسطنا هذا المعنى في صور كثيرة في كتبنا: "رسائل الأحزان" و "السحاب الأحمر"، و "أوراق الورد"؛ فانظر فيها.
ومما يتمم ذلك البيت قول شوقي في قصيدة النفس:
يا دمية لا يستزاد جمالها ... زيديه حسن المحسن المتبرع
وهذا المعنى يقع من نفسي موقعًا وله من إعجابي محل؛ فهذه الزيادة التي فيه كزيادة العمر لو أمكنت، وهي في موضعها كما ينقطع الخط ثم يتصل، وكما يستحيل الأمل ثم يتفق ويسهل؛ وقد علمت مأخذ الشطر الأول، أما الثاني فهو من قول ابن الرومي:
يا حسن الوجه لقد شنته ... فاضمم إلى حسنك إحسانا
وفي القصيدة التي رثى بها ثروت باشا وهي من أحسن شعره تجد من أبياته هذا البيت النادر:
وقد يموت كثير لا تحسهمو ... كأنهم من هوان الخطب ما وجدوا
وشوقي يعارض بهذه القصيدة أبا خالد بن محمد المهلبي في داليته التي رثى
(3/273)

بها المتوكل، وكان المهلبي حاضرًا قتله هو والبحتري، فرثاه كل منهما بقصيدة قالوا: إنها من أجود ما قيل في معناهما؛ وبيت شوقي مأخوذ من قول المهلبي:
إنا فقدناك حتى لا اصطبار لنا ... ومات قبلك أقوام فما فقدوا
أي لم يحس موتهم أحد؛ ولكن البيت غير مستقيم؛ لأن الذي يموت فلا يفقد هو الخالد الذي كأنه لم يمت؛ فاستخرج شوقي المعنى الصحيح وجعل العدم الذي هو آخر الوجود في الناس، أول الوجود ووسطه وآخره في هؤلاء الذين هانوا على الحياة فوُجدوا وماتوا كأنهما ماتوا وما وجدوا.
وإلى ما علمت من قوة هذه الشاعرية، ودقتها فيما تتأتى له، ومجيئها بالمعاني النادرة مستخرجة استخراج الذهب، مصقولة صقل الجوهر، معدلة بالفكر، موزونة بالمنطق- تجد لها تهافتًا كتهافت الضعفاء، وغرة كغرة الأحداث؛ حتى لتحسب أن طفولة شوقي كثيرًا ما تنبعث في شعره لاعبة هازلة، أو كأن للرجل شخصيتين كما يقول الأطباء، فهما تتعاوران شعره كمالًا ونقصًا، وعلوًا ونزولًا، أو قل هي العربية واليونانية في ناحية من نفسه، والتركية والشركسية في ناحية أخرى: لتلك الابتكار والبلاغة والمنطق، ولهذه التهويل والمبالغة والخلط؛ وشوقي هو بهما جميعًا؛ تفتنه القوية منهما فيعجب بها إعجاب القوة، وتخدعه الضعيفة فيعجب بها إعجاب الرقة؛ ما أعجب بيته الذي قاله في الحنين إلى الوطن من قصيدته الأندلسية الشهيرة:
وطني لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني إليه في الخلد نفسي
وهذا البيت مما يتمثل به الشبان وكتاب الصحافة، ولم يفطن أحد إلى فساده وسخافة معناه؛ فإن الخلد لا يكون خلدًا إلا بعد فناء الفاني من الإنسان وطبائعه الأرضية، وبعد أن لا تكون أرض ولا وطن ولا حنين ولا عصبية؛ فكان شوقي يقول: لو شغلت عن الوطن حين لا أرض ولا وطن ولا دول ولا أمم ولا حنين إلى شيء من ذلك- فإني على ذلك أحن إلى الوطن الذي لا وجود له في نفسي ولا في نفسه.... وهذا كله لغو ... والمعنى بعد من قول ابن الرومي:
وحبب أوطان الرجال إليهموا ... مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمو ... عهود الصبي فيها فحنوا لذلكا
ومنازعة النفس هي الحنين، ومعنى ابن الرومي وإن كان صحيحًا غير أنه لا يصلح لفلسفة الوطنية في زمننا.
(3/274)

وإن في شوقي عيبين يذهبان بكثير من حسناته: أحدهما المبالغات التركية الفارسية مما تنزعه إليه تركيته ولا مبالغة في الدنيا تقاربها، كقول بعض شعرائهم إن النملة بزفرتها جففت الأبحر السبعة ... وهو إغراق سخيف لا يأتي بخيال عجيب كما يتوهمون، بل يأتي بهذيان عجيب؛ وإذا كان الصدق يأنف من الكذب، فإن الكذب نفسه يأنف من هذا الإغراق؛ ومن هذه التركية في شوقي إضافات وهمية، هي من تلك المبالغات كذيل الحمار من الحمار: قطعة فيه ودليل عليه وآخر لأوله ولا محل لها في ذوق البلاغة العربية، كقوله:
عيسى الشعور إذا مشى ... رد الشعوب إلى الحياة
وقوله في سعد باشا في حادثة الاعتداء عليه:
ولو زلت غيب "عمرو الأمور" ... وأخلى المنابر سحبانها
ويدخل في جنايات هذه التركية على شعره تكراره الأسماء المقدسة والأعلام التاريخية: كيوشع وعيسى وموسى وخالد وبدر وسيناء وحاتم وكعب وغيرها مما هو شائع في نظمه ولا تجده أكثر ما تجده إلا ثقيلًا مملولًا؛ ولهذه الألفاظ عندنا فلسفة لا محل لها الآن، فهي أحيانًا تكون السحر كله والبلاغة كلها، على شرط أن يكون القلب هو الذي وضعها في موضعها، وأن لا يضعها إلا على هيئة قلبية، فيكون كأنه وضع نفسه في الشعر ليخفق خفقانه الحي في بضعة ألفاظ، وهذا ما لم يحسنه شوقي -والعيب الثاني أن ألفاظ شاعرنا يثبت أكثرها على النقد؛ لضعفه في الصناعة البيانية، ثم لضعف الموهبة الفلسفية فيه واعتباره التهويل شعرًا والمبالغة بلاغة وإن فسدت بهما البلاغة والشعر؛ انظر إلى قوله من قصيدته الشهيرة 28 فبراير:
قالوا: الحماية زالت قلت لا عجب ... قد كان باطلها فيكم هو العجبا
رأس الحماية مقطوع فلا عدمت ... كنانة الله حزمًا يقطع الذنبا
قلنا: فإذا قطع "رأس الحماية" وبقيت منها بقية ما ذنب أو يد أو رجل؛ فإن هذه البقية في لغة السياسة التي تنقذ الألفاظ وحروفها ونقط حروفها ... لن تكون ذنبًا ولا يدًا ولا رجلًا، بل هي "رأس الحماية" بعينه.... على أن شوقي إنما عكس قول الشاعر:
لا تقطعنْ ذنب الأفعى وترسلها ... إن كنت شهمًا فأتبع رأسها الذنبا
وهذا كلام على سياقه من العقل، فما غناء قطع ذنب الأفعى إذا بقي رأسها، وإنما الأفعى كلها هي هذا الرأس.
(3/275)

ولقد ظهر لي من درس شوقي في ديوانه أمر عجبت له؛ فإني رأيته يأخذ من أبي تمام والبحتري والمعري وابن الرومي وغيرهم؛ فربما ساواهم وربما زاد عليهم، حتى إذا جاء إلى المتنبي وقع في البر وأدركه الغرق؛ لأنه نشأ على رهبة منه كما تشير إليه عبارته في مقدمة ديوانه الأول؛ وقد وصف خيل الترك في قصيدة أنقرة بقوله:
والصبر فيها وفي فرساها خلق ... توارثوه أبًا في الروع بعد أب
كما ولدتم على أعرافها ولدت ... في ساحة الحرب لا في باحة الرحب
وشعره هذا كله يرتعد أمام قول المتنبي:
أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها
الثابتين فروسة كجلودها ... في ظهرها، والطعن في لباتها
فكأنها نتجت قيامًا تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها
فانظر أين صناعة من صناعة وأين شعر من شعر؟ وقال في "صدى الحرب" يصف مدافع الدردنيل:
قذائف تخشى مهجة الشمس كلما ... علت مصعدات أنها لا تصوب
إذا هب حاميها على السفن انثنت ... وغانمها الناجي فكيف المخيب
وهذا الاستفهام "فكيف المخيب" استفهام مضحك؛ لأنه إذا كان الناجي غانمًا، فالمخيب خاسر بلا سؤال ولا فلسفة؛ والكلمة الشعرية في هذا كله هي قوله "وغانمها الناجي"، وهي كالهاربة تتوارى خوفًا من بيت أبي الطيب:
أغر أعداؤه إذا سلموا ... بالهرب استكبروا الذي فعلوا
فهذا هو الشعر لا ذاك؛ على أني أشهد أن في قصيدة "صدى الحرب" أبياتًا هي من أسمى الشعر، وكأن شوقي -رحمه الله- كان ينظم هذه القصيدة من إيمانه ومن دمه ومن كل مطامع دنياه وآخرته، يبتغي بها الشهرة الخالدة في الناس، والمنزلة السامية عند الخديو، ونباهة الشأن عند الخليفة، والثواب عند الله تعالى؛ ولو هو في أثناء عملها أسقط نصفها أو أكثر لجاءت فريدة في الشعر العربي، غير أن الحرص كان يغتره، وكان طول عمره مفتونًا بشعره؛ فجاء في هذا الشعر بالطم والرم كما يقولون؛ وله كثير من الكلام الرذل الساقط بضعفه وتهافته؛ ولولا تلك التركية الفارسية وضعفه البياني، لما رضي أن يكون ذلك في شعره؛ وليت شعري كيف غاب عن مثله أن التهويل والإغراق والإحالة مما يهجن الشعر ويذهب بأثره
(3/276)

في النفس ويحيله إلى صناعة هي شر من الصناعة البديعية؛ لأن هذه تكون في والألفاظ؛ والألفاظ تحتمل العبث البديعي ويخرج بها الأمر إلى أن يكون ضربًا من الرياضة كمعاناة بعض المسائل في الجبر والهندسة تركيبًا وحلًا؛ ولكن المعاني لا تحتمل ذلك؛ إذ هي تفكير لا يلتوي إلا فسد، والمعاني التي يأتي بها الشاعر يجب أن تكون فيها مزية بخاصتها من الجمال والبيان، وأن تكون أخيلتها هي الحقائق التي أول مواضعها فوق حقائق البشر.
وهناك ضرب آخر من المبالغة يجيء من سقوط الخيال؛ لأن في الأسفل مبالغة كما في الأعلى، وإن كانت مبالغة الأسفل زيادة في السخرية منه والهزء به؛ وهذه المبالغة تأتي من جمع أشتات مختلفة وإدماجها كلها في معنى واحد، كهذا الذي حاول أن يدمج الطبيعة كلها في حبيبته فزعم أن فيها من كل شيء، ونسي أن كل قبيح وكل بغيض هو من كل شيء ...
إن الخيال الشعري يزيغ بالحقيقة في منطق الشاعرلا ليقبلها عن وضعها ويجيء بها ممسوخة مشوهة، ولكن ليعتدل بها في أفهام الناس ويجعلها تامة في تأثيرها؛ وتلك من معجزاته؛ إذ كانت فيه قوة فوق القوة عملها أن تزيد الموجود وجودًا بوضوحه مرة وبغموضه أخرى.
ولعلماء الأدب العربي كلمة ما أراهم فهموها على حقها ولا نفذوا إلى سره؛ قالوا: أعذب الشعر أكذبه؛ يعنون أن الشعر المبالغة والخيال: ولا ينفذون إلى ما وراء ذلك، وما وراءه إلا الحقيقة رائعة بصدقها وجلالها؛ وفلسفة ذلك أن الطبيعة كلها كذب على الحواس الإنسانية، وأن أبصارنا وأسماعنا وحواسنا هي عمل شعري في الحقيقة؛ إذ تنقل الشيء على غير ما هو في نفسه؛ ليكون شيئًا في نفوسنا، فيؤثر بها أثره جمالًا وقبحًا وما بينهما؛ وما هي خمرة الشعر مثلًا؟ هي رضاب الحبيبة؛ ولكن العاشق لو رأى هذا الرضاب تحت المجهر لرأي.. لرأى مستنقعًا صغيرًا. ولو كان هذا المجهر أضعاف الأضعاف مما يجهر به لرأيت ذلك الرضاب يعج عجيجًا بالهوام والحشرات التي لا تخفى بنفسها ولكن أخفاها التدبير الإلهي بأن جعل رتبتها في الوجود وراء النظر الإنساني، رحمة من الله بالناس؛ فأعذب الشعر ما عمل في تجميل الطبيعة كما تعمل الحواس الحية بسر الحياة؛
__________
1 يعني قول العقاد في وحي الأربعين:
فيك مني ومن الناس ومن ... كل موجود وموعود توام
(3/277)

ولهذا المعنى كان الشعراء النوابغ في كل مجتمع هم كالحواس لهذا المجتمع.
ومن سخيف الإغراق في شعر شوقي قوله في رثاء مصطفى باشا كامل، وهي أبيات يظن هو أنه أوقع كلامه فيها موقعًا بديعًا من الإغراب:
فلوَ ان أوطانًا تصور هيكلًا ... دفنوك بين جوانح الأوطان
أو كان يحمل في الجوارح ميت ... حملوك في الأسماع والأجفان
أو كان للذكر الحكيم بقية ... لم تأتِ بعدُ رثيت في القرآن
فهذه فروض فوق المستحيل بأربع درجات ... وتصور أنت ميتًا يحمل في الجوارح فيترمم فيها ويبلى ... وما زال الشاعر في أبياته يخرج من طامة إلى طامة، حتى قال: رثيت في القرآن، ولو سئلت أنا إعراب "لو" في هذه الأبيات لقلبت: إنها حرف نقص وتلفيق وعجز ... وكيف يسوغ في الفرض أن تكون للقرآن بقية لم تنزل، والله تعالى يقول فيه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] ؛ والأمر أمر دين قد تم، وكتاب مقدس ختم، ونبوة انقضت؛ والشاعر ماضٍ في غفلته لم يتنبه لشيء ولم يدر أنه يفرض فرضًا بهدم الإسلام كله، بل حسب أنه جاء بخيال وبلاغة فارسية؛ وشوقي في الحقيقة كامل كناقص، وإن من معجزات هذا الشاعر أن يكون ناقصًا هذا النقص كله ويكمل.
وفي الشوقيات صفحات تكاد تغرد تغريدًا، وفيها صفحات أخرى تنق نقيق الضفادع؛ وفي هذا الديوان عيوب لا نريد أن نقتصها؛ فإن ذلك يحتاج إلى كتاب برأسه إذا ذهبنا نأتي بها ونشرح العلة فيها ونخرج الشواهد عليها، ولكن من عيوبه في التكرار أن له بيتًا يدور في قصائده دوران الحمار في الساقية، وهو هذا البيت:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
بل هذا البيت:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن تولت مضوا على آثارهما قدما
بل هو هذا:
كذا الناس بالأخلاق يبقى صلاحهم ... ويذهب عنهم أمرهم حين تذهب
بل هو هذا البيت:
ولا المصائب إذ يرمي الرجال بها ... بقاتلات إذا الأخلاق لم تصب
وقد تكرر "فيما قرأته من ديوانه" ثلاث عشرة مرة، فعاد المعنى كطيلسان ابن
(3/278)

حرب الذي جعل الشاعر يرقعه ثم يرقعه حتى ذهب الطيلسان وبقيت الرقع.... والبيت الأول من العين النادر، ولكن أفسده في الباقي سوء ملكة الحرص في شوقي، أو ضعف الحس البياني، أو ابتذاله الشعر في غير موضعه، أو وهن فكرته الفلسفية من جوانب كثيرة؛ وهذه الأربعة هي الأبواب التي يقتحم منها النقد على شعر صاحبنا، ولو هو كان قد حصنها بأضدادها لكان شاعر العربية من الجاهلية إلى اليوم، ولكان عسى أن ينقل الشعر إلى طور جديد في التاريخ؛ ولكن الفوضى وقعت في شوقي من أول أمره؛ فأرسل إلى أوربا لدرس الحقوق وكان الوجه أن يرسل لدرس الآداب والفلسفة، وغامر في سياسة الأرض، وكان الحق أن يشتغل بسياسة السماء، وتهالك في مادة الدنيا، وكان الصواب أن يتهالك في معانيها.
إن الفوضى ذاهبة مذاهبها في الأدب والشعر، فكل شاعر عندنا كمؤلف يضع رواية ثم يمثلها وحده وعليه أن يمثلها وحده، فهو يخرج على النظارة في ثياب الملك فيلقى كلامًا ملكيًّا، ثم ينفتل فيجيء في ثواب القائد فيلقى كلامًا حربيًّا، ثم ينقلب فيعود في هيئة التاجر فيلقى كلامًا سوقيًّا، ثم يروح فيرجع في مباذل الخادم، ثم.. ثم.. يتوارى فيظهر في جلدة بربري.. وهذه الفوضى التي أهملتها الحكومة وأهملها الأمراء والكبراء هي حقيقة مؤلمة، ولكن هي الحقيقة!
وشوقي على كل هذا هو شوقي: أول من احتفى بتاريخ مصر من الشعراء، وأول من توسع في نظم الرواية الشعرية فوضع منها ست روايات، وهو صاحب الآيات البديعة في الوصف، وهذه الناحية هي أقوى نواحيه، ولقد ألهمتني قراءة البارع من شعره في أغراضه وفنونه المختلفة أن الله تعالى ينعم على الآداب الجميلة بأفراد ممتازين في جمال أرواحهم وقوتها، تجد الآداب لذتها فيهم وسموها بهم، كأن الأمر قياس على ما يقع من عشق الناس لبعض المعاني، فيكون في المعاني ما يعشق بعض الناس، ومتى بلغ عشق المعنى لإنسان مبلغ الاختصاص والوجد ظهر الفن أبدع ما يرى، كأن المعنى الأدبي يتجمل ويتحبب ليستميل هذا الإنسان الحاكم عليه حكم الحب.
فيا مصر، لقد مات شاعرك الذي كان يحاول أن يخرج بالجيل الحاضر إلى الزمن الذي لم يأت بعد، فإذا جاء هذا الزمن الزاخر بفنونه وآدابه العالية، وذكرت مجد شعرك الماضي، فليقل أساتذتك يومئذ: كان هذا الماضي شاعرًا اسمه شوقي!
(3/279)

بعد شوقي *:
كان يتوجه الظن على شوقي رحمه الله فيزعم الزاعم أن شوقي هو يحيى شعره، وهو يرفع منه، وهو يشيع حوله قوة الجذب من مغناطيس الثروة والمكانة، وأن الرجل ما أوفى على الشعراء جميعًا لأنه أفضلهم، بل لأنه أغناهم؛ ولا من أنه أقواهم قوة، بل لأنه أقواهم حيلة؛ وأن الشاعر لو جاء يومه لبطل السحر والساحر، فترجع العصا وهي عصًا بعد أن انقلبت حية، ويؤول هذا الشعر إلى حقيقته، وتتسم الحقيقة بسمتها؛ كأن شوقي كان يعمل لشعره بقوة السموات والأرض لا بقوة رجل من الناس.
فقد ذهب الرجل إلى ربه، وخلا مكانه، وبطلت كل وسائله، ونام عن شعره نومة الأبدية، وتركه لما فيه يحفظه أو يضيعه إن كان فيه حق من الشعر أو باطل، وأصبح الشاعر هو وماله وجاهه وشعره في حكم الكلمة التي يقولها الزمن، ولم تعد هذه الكلمة في حكمه؛ فهل أثبته الزمن أو نفاه، وهل سلم له أو كابره، وهل رده في أغمار الشعراء أو جعل الشعراء بعده أدلة من أدلته؟
أول ما ظهر لي أن الزمن بعد شوقي أصبح أقوى في الدلالة عليه وأصدق في الشهادة له، كما تكون الظلمة بعد غياب القمر شرحًا طويلًا لمعنى ذلك الضياء، وإن سطعت فيها الكواكب وتوقد منها شيء وتلألأ شيء؛ فقد دل الزمن على أن ذلك الشأن لم يكن لشاعر كالشعراء يقال في وصفه إنه مفتنٌّ مجيد مبدع؛ ولكنه للذي يقال فيه إنه صوت بلاده وصيحة قومه.
كانت تحدث الحادثة، أو يتخالج الناس معنى من الهم الذي يعمهم، أو يستطيرهم فرح من أفراح الوطن، أو يزول عظيم من العظماء فيزيد صفحة في
__________
* لما توفي شوقي كتبنا لشيخ مجلاتنا "المقتطف" فضلًا طويلًا عنه وعن شعره ومنزلة شعره؛ فلم نعرض لشيء من ذلك هنا.
[قلت: وقد نشرناه قبل هذا الفصل] .
(3/280)

التاريخ، أو ينشأ كون صغير من أكوان الحضارة في الشرق كبنك مصر، أو ترتج زلزلة في الحياة العربية أينما ارتجت، فإذا كل ذلك قد وقع في الدنيا بهيئتين: إحداهما في ذهن شوقي، فيرسل قصيدته الشرود السائرة داوية مجلجلة، فلا تكاد تظه رفي مصر حتى تلتقي حولها الأفكار في العالم العربي كله، فتكون شعرًا من أسرى الشعر وأحسنه، ثم تجاوزه فإذا هي صلة من أقوى الصلات الذهنية بين أدباء العربية وأوثقها، ثم تجاوزها فإذا هي عاطفة تجمع القلوب على معناها، ثم تسمو فوق هذا كله فإذا هي من هذا كله زعامة مصر على الشعر العربي.
واليوم يقع مثل ذلك فتتطاير بعض الفقاقيع الشعرية من هنا وثم ملونة منتفخة ماضية على قانون الفقاقيع في الطبيعة، من أن لحظة وجودها هي لحظة فنائها، وأن ظهورها يكون لتظهر فقط لا لتنفع.
ولست أماري في أن بيننا شعراء قليلين يجيدون الشعر، ولهم فكر وبيان ومذهب وطريقة: ولكن ما منهم أحد إلا وهو يشعر من ذات نفسه أن الحوادث لم تختره كما اختارت شوقي، وأنه في الحياة كالواقف على باب ديوان ينتظر أن يعهد إليه، وأن يخرج له التقليد؛ فهو ينتظر وسينتظر.
وهذا عجيب حتى كأنه سحر من سحر الزمن حين تفصل الدنيا بين العبقري الفذ وبين من يشبهونه أو ينافسونه -بضروب خفية من الصرفة والعوائق، لا هي كلها من قوة العبقري، ولا هي كلها من عجز الآخرين.
وأعجب من ذا أن "شوقي" كان في العالم العربي كأنه عمل تاريخي متميز من أعمال مصر، غير أنه مسمى باسم رجل؛ وكان على الحقيقة لا على المجاز- كأن فيه شيئًا من هذه الروح التاريخية المتغلبة التي تخلد بأسماء الآثار الفنية وتكسبها العظمة في الوجودين: من محلها ومن نفس الإنسان.
وأعجب من هذا وذلك أني لم أر شعرًا عربيًا يحسن في وصف الآثار المصرية ما يحسن في وصفها شعر شوقي، حتى لأسأل نفسي: هل تختار بعض الأشياء العظيمة وصفها ومفسر عظمتها، كما تختار المرأة الجميلة عاشقها ومستجلي حسنها؟
وما بان شوقي على غيره إلا بأنه رجل أفرغ في رأسه الذهن الشعري الكبير، فكان في رأسه مصنع عماله الأعصاب، ومادته المعاني، ومهندسه الإلهام؛ والدنيا
(3/281)

ترسل إليه وتأخذ منه؛ وعلامة ذلك من كل شاعر عظيم أن تضع دنياه على اسمه شهادتها له؛ ولهذا ما يكون بعض الشعراء كأن اسمه في وزن اسم مملكة، فإذا قلت: شكسبير وانجلترا، فهما في العظمة النفسية من وزن واحد، وكذلك المتنبي والعالم العربي، وكذلك شوقي ومصر.
قالوا: كان الفرزدق ينقح الشعر، وكان جرير يخشب "أي يرسل شعره كما يجيء فلا يتنوق فيه ولا ينقحه"؛ وكان خشب جرير خيرًا من تنقيح الفرزدق ولم يتنبه أحد إلى السر في ذلك؛ وما هو إلا السر الذي كان في شوقي بعينه، سر الامتلاء الروحي قد أُمد بالطبع، وأعين بالذوق، وأوتي القوة أن يتحول بآثاره في الكلام؛ فكل ما كان منه فهو منه: يجيء دائمًا قريبًا بعضه من بعضه، ولا يكاد ينفذ إلى شعور إلا اتحد به.
وقد كان عمرو بن ذر الواعظ البليغ* إذا تكلم في مجلسه نشر حوله جوًّا من روحه، فيجعل كل ما حوله يتموج بأمواج نفسية؛ فكان كلامه يعصف بالناس عصف الهواء بالبحر يقوم به ويقعد، وكان من الوعاظ من يقلده ويحكيه ولا يدري أنه بذلك يعرض الغلطة على ردها وصوابها، فقال بعض من جالسه وجالسهم: ما سمعت عمرو بن ذر يتكلم إلا ذكرت النفخ في الصور، وما سمعت أحدًا يحكيه إلا تمنيت أن يجلد ثمانين..
فالفرق روحاني طبيعي كما ترى، لا عمل فيه لأحد ولا لصاحبه، وهو يشبه الفرق بين عاصفة من الهواء وبين نسيم من الريح يرسلان على جهتين في البحر؛ ففي ناحية يلتج الماء ويثب ويتضرب ويقصف قصف الرعد، وفي الأخرى يترجرج ويتزحف ويقشعر ويهمس كوسواس الحلي.
والشأن كل الشأن للكمية الوجدانية في النفس الشاعرة أو الممتازة، فهي التي تعين لهذه النفس عملها على وجه ما، وتهيئها لما يراد منها بقدر ما، وتقيمها على دأبها إلى زمن ما، وتخصها بخصائصها لغرض ما؛ وإذا أنت حققت لم تجد الفروق بين النوابغ بعضهم من بعض إلا فروقًا في هذه الكمية ذاتها مقدارًا من مقدار؛ ولولا ذلك لكان أصغر العلماء أعظم من أكبر الشعراء؛ فقد يكون الشاعر كأنه تلميذ في العلم، ثم يكون العلم كأنه تلميذ لقلب هذا الشاعر وعواطفه؛ ولئن عجز النقد العلمي أن ينال من الشاعر العبقري، لقديمًا عجز في كل أمة.
__________
* هو عمر بن ذر الهمذاني الكوفي المتوفى سنة156 للهجرة وكان من أبلغ المتكلمين.
(3/282)

وقد كان فيمن حاولوا إسقاط شوقي من هو أوسع منه اطلاعًا على آداب الأمم، وأبصر بأغراض الشعر وحقيقته، وكان مع ذلك حاسدًا شانئًا قد ثقب في قلبه الحقد؛ والحاسد المبغض هو في اتساع الكلام وطغيان العبارة أخو المحب العاشق؛ فكلاهما يدور الدم في كبده معاني ووساوس، وكلاهما يجري كلامه على أصل مما في سريرته، فلا تجد أحدهما إلا عاليًا بمن يحب، ولا تجد الآخر إلا نازلًا نازلًا بمن يبغض؛ وكان هذا الناقد شاعرًا، فانضاف شعره إلى حسده، إلى بغضه، إلى ذكائه، إلى اطلاعه، إلى جهده، إلى طول الوقت وتراخي الزمن؛ وهذه كلها مفرقات نفسية.. بعضها أشد من بعض كالبارود، إلى الديناميت، إلى الميلينيت؛ ولكن شوقي كان في مرتقى لم يبلغه الناقد، فانقلب جهد هذا عجزًا، وأصبح البارود والتراب في يده بمعنى واحد1..
ومن أعجب ما عجبت له من أمر هذا الناقد، أني رأيته يقرر لناس صواب الحقيقة بزعمه، فإذا هو يقرر غلطه وجهله وتعسفه؛ وهو في كل ما يكتب عن شوقي يكون كالذي يرى الماء العذاب وعمله في إنبات الروض وتوشيته وتلوينه، فيذهب يعيبه للناس بأنه ليس هو البنزين ... الذي يحرك السيارات والطيارات!
تناول شوقي بعد موته فجرده من الشخصية، أي من حاسة الشعر، ومن إدراك السر لا يخلق الشاعر الحق إلا لإدراكه والكشف عن حقائقه؛ وكان فيما استدل به على ذلك أن لا يحسن وصف الربيع بمثل ما وصفه ابن الرومي في قوله:
تجد الوحوش بها كفايتها ... والطير فيه عتيدة الطعم
فظباؤه تضحى بمنتطح ... وحمامه يضحى بمختصم
وزعم أن ابن الرومي قد ولد بحاسة لم يولد بها شوقي، ولهذه الحاسة اندمج في الطبيعة فأدرك سر الربيع، وأنه غليان الحياة في الأحياء، فالظباء تنتطح من الأشر ... الخ الخ وبنى على ذلك ناطحة سحاب.. لا ناطحة ظباء*.
أما شوقي الشاعر الضعيف العاجز لم يولد بمثل تلك الحاسة، فلو أنه شهد ألف ربيع لما أحس هذا الإحساس، ولا استطاع أن يجيء هذا القول المعجزة؛ وكل ذلك من هذا الناقد جهل في جهل في جهل، وأعاليل بأضاليل بأباطيل؛ فابن
__________
1 أحسبه يعني العقاد.
* لا يحضرني كلام الكاتب بنصه، ولكن هذا بعض معناه، وكله تهويل.
(3/283)

الرومي في هذا المعنى لص لا أكثر ولا أقل، فلم يحس شيئًا ولا ابتدع ولا اخترع.
قال الجاحظ: يقال في الخصب "أي الربيع": نفشت العنز لأختها؛ وخلفت أرضًا تظالم معزاها "أي تتظالم"؛ قال: لأنها تنفش شعرها وتنصب روقيها في أحد شقيها فتنطح أختها، وإنما ذاك من الأثر، "أي حين سمنت وأخصبت وأعجبتها نفسها".
فأنت ترى أن ابن الرومي لم يصنع شيئًا إلا أنه سرق المعنى واللفظ جميعًا، ثم جاء للقافية بهذه الزيادة السخيفة التي قاس فيها الحمام على الظباء والمعزى.. فاستكره الحمام على أن يختصم في زمن بعينه وهو يختصم في كل يوم؛ وإنما شرط الزيادة في السرقة الشعرية أن تضاف إلى المعنى فتجعله كالمنفرد بنفسه أو كالمخترع.
ولعمري لو كان للطبيعة مائة صورة في الخيال الشعري، ثم قدم شوقي للناس تسعًا وتسعين منها، لقال ذلك الناقد المتعنت: لا، إلا الصورة التي لم يقدمها..
وكان شعر شوقي في جزالته وسلاسته كأنما يحمل العصا لبعض الشعراء يردهم بها عن السفسفة والتخليط والاضطراب في اللفظ والتركيب؛ فكثر الاختلال في الناشئين من بعده، وجاءوا بالكلام المخلط الذي تبعث عليه رخاوة الطبع وضعف السليقة، فتراه مكشوفًا سهلًا ولكن سهولته أقبح في الذوق من جفوة الإعراب على كلامهم الوحشي المتروك.
والآفة أن أصحاب هذا المذهب يفرضون مذهبهم فرضًا على الشعر العربي، كأنهم يقولون للناس: دعوا اللغة وخذونا نحن! وليس في أذهانهم إلا ما اختلط عليهم من تقليد الأدب الأوروبي، فكل منهم عابد الحياة، مندمج في وحدة الكون، يأخذ الطبيعة من يد الله ويجاري اللانهاية، ويفنى في اللذة، ويعانق الفضاء، ويغني على قيثارته للنجوم؛ وبالاختصار: فكل منهم مجنون لغوي..
وأنا فلست أرى أكثر هذا الشعر إلا كالجيف، غير أنهم يقولون: إن الجيفة لا تعد كذلك في الوجود الأعظم، بل هي فيه عمل تحليلي علمي دقيق؛ لقد صدقوا؛ ولكن هل يكذب من يقول: إن الجيفة هي فساد ونتن وقذر في اعتبار
(3/284)

وجودنا الشخصي، وجود النظر والشم، والانقباض والانبساط، وسلامة الذوق وفساد الذوق.
وكان حاسدو شوقي يحسبون أنه إذا أزيح من طريقهم ظهر تقدمهم؛ فلما أزيح من الطرق ظهر تأخرهم.. وهذه وحدها من عجائبه -رحمه الله.
وقد كان هذا الشاعر العظيم هبة ثلاثة ملوك للشعب، فهيهات ينبغ مثله إلا إذا عمل الشعب في خدمة الشعر والأدب عمل ثلاثة ملوك.. وهيهات!
(3/285)

الشعر العربي في خمسين سنة 1:
إذا اعتبرت الشعر العربي قبل خمسين سنة خلت "أي قبل إنشاء المقتطف" وتأملت حليته ومعرضه، ونظرت في منهاجه وطريقته، وتصفحت معانيه وأغراضه -لم تر منه إلا شبيهًا بما تراه من بقايا الورق الأخضر في شجرة ثقل عليها الظل فهو جامد مستوخم، وحم في ظلها شعاع الشمس فهو بارد يرتعد، فالحياة فيها ضعيفة متهالكة، لا هي تموت كالموت ولا هي تحيا كالحياة، وما ثم إلا ماء ناشف ورونق عليل ومنظر من الشجرة الواهنة كأنه جسم الربيع المعتل بدت عروقه وعظامه.
كان ذلك الشعر فاسد السبك، متخلف المنزلة، قليل الطلاوة، بين مديح قد أعيد كل معنى من معانيه في تاريخ هذه اللغة بما لا يحصيه إلا الملائكة الموكلون بإحصاء الكذب، وبين هجاء ساقط هو بعض المواد التي تشتعل بها نار الله يوم تطلع على الأفئدة، وبين غزل مسروق من القلوب التي كانت تحب وتعشق، وبين وصف لا عيب لموصوفه سواه، وشكوى من الدهر يشكو الدهر منها، وتحزن وبأس وندب تجعل ديوان الشاعر كما سمي أحد ظرفاء القرن الثاني عشر للهجرة ديوان أحد أصحابه "بالملطمة.." ورثاء كقراءة القراء في جنازات الموتى، لا فيها عظة السكوت ولا فائدة النطق، وتغمر كل ذلك أنواع من الصناعة بينة التعسف، ضعيفة التقليد، لا ترى المتأخر فيها مع المتقدم إلا قريبًا مما يكون عمل اللص في أخذ المال، من عمل صاحب المال في جميعه؛ والعجيب أنك إذا اعترضت الشعر من القرن العاشر للهجرة إلى القرن الثالث عشر "السادس عشر للميلاد إلى التاسع عشر" رأيته نازلًا من عصر إلى عصر بتدريج من الضعيف إلى الأضعف، حتى كأنما ينحط بقوة طبيعية كقوة الجذب، كلما هبطت شيئًا أسرعت شيئًا إلى أن تلصق بالأرض، وبعضهم يسمي هذه العصور بالعصور المظلمة، ولم
__________
1 المقتطف: يناير سنة1926.
(3/286)

يتنبه أحد إلى أن في الأدب ناموسًا كناموس رد الفعل، يخرج أضعف الضعف من أقوى القوة، وأن انحطاط الشعر في تلك العصور -على أنه لم يكن إلا صناعة بديعية- إنما سببه القوة الصناعية العجيبة التي كانت للشعر منذ القرن السادس إلى العاشر، بعد أن نشأ القاضي الفاضل المتوفى سنة 596هـ "1199م"؛ وكان رجلًا من الرجال الذين يخلقون حدودًا للحوادث تبدأ منها أزمنة وتنتهي عندها أزمنة؛ ففتن الناس بأدبه وصناعته، وصرف الشعر والكتابة إلى أساليب النكتة البديعية؛ وظهرت من بعده عصابته التي يسمونها العصابة الفاضلية، وما منهم إلا إمام في الأدب وعلومه، فكان في مصر القاضي ابن سناء الملك، وسراج الدين الوراق، وأبو الحسين الجزار، وأضرابهم؛ وكان في الشام عبد العزيز الأنصاري، والأمير مجير الدين بن تميم، وبدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي، وأمثالهم؛ فهذه العصابة هي التي تقابل في تاريخ الأدب العربي عصابة البديع الأولى: كمسلم، وأبي تمام، وابن المعتز، وغيرهم؛ وكلتا الفئتين استبدت بالشعر وصرفته زمنًا، وأحدثت فيه انقلابًا تاريخيًّا متميزًا؛ بيد أن العصابة الفاضلية بلغت من الصنعة مبلغًا لا مطمع في مثله لأحد من بعدها، حتى كأنهم لم يدعوا كلمة في اللغة يجري فيها نوع من أنواع البديع إلا جاءوا بها وصنعوا فيها صنعة؛ وكان بعضهم يأخذ من بعض ويزيد عليه، إلى آخر المائة الثامنة، فلم يتركوا بابًا لمن يأتي بعدهم إلا باب السرقة بأساليبها المعروفة عند علماء الأدب.
ولهذا لا تكاد تجد شعرًا عربيًّا بعد القرن التاسع إلا أول النهضة الحديثة، إلا رأيته صورًا ممسوخة مما قبله؛ وكل شعراء هذه القرون ليسوا ممن وراءهم إلا كالظل من الإنسان: لا وجود له من نفسه، وهو ممسوخ أبدًا إلا في الندرة حين يسطع في مرآة صافية؛ ومتى كان الشعراء لا ينشئون إلا على فنون البلاغة وصناعاتها، وكانت هذه كلها قد فرغ منها المتقدمون؛ فما ثم جديد في الأدب والفن إلا ولادة الشعراء وموتهم، وإلا تغير تواريخ السنين.. وهذا إذا لم نعد من الأدب تلك الصناعات المستحدثة التي ابتدعها المتأخرون مما سنشير إلى بعضه: كالتاريخ الشعري وغيره.
إن الفكر الإنساني لا يسير التاريخ، ولا يقدر قدرًا فيه، ولا ينقله من رسم إلى رسم؛ لأنه هو نفسه كما خلق مصلحًا خلق مفسدًا وكما يستطيع أن يوجد يستطيع أن يفني، وكما تطرد به سبيل تلتوي به سبيل أخرى؛ وما أشبه هذا الفكر
(3/287)

في روعته بقطار الحديد: يطير كالعاصفة ويحمل كالجبل ويدهش كالمعجزة، وهو مع كل ذلك لا شيء لولا القضيبان الممتدان في سبيله، يحرفانه كيف انحرفا، ويسيران به أين ارتميا، ويقفان به حيث انتهيا؛ ثم هو بجملته ينقلب لأوهى اختلال يقع فيهما.
لا جرم كانت العصور مرسومة معينة النمط ذاهبة إلى الكمال أو منحدرة إلى النقص، حسب الغايات المحتومة التي يسير بها الفكر في طريق القدر الذي يقوده.
فهذه علوم البلاغة التي أحدثت فنًّا طريفًا في الأدب العربي، وأنشأت الذوق الأدبي نشأته الرابعة في تاريخ هذه اللغة، بعد الذوق الجاهلي، والمحدث والمولد -هي بعينها التي أضعفت الأدب وأفسدت الذوق وأصارته إلى رأينا في شعر المتأخرين، كأنما انقلبت عليهم علومًا من الجهل، حتى صار النمط العالي من الشعر كأنه لا قيمة له؛ إذ لا رغبة فيه، ولا حفل به؛ لمباينته لما ألفوا وخلوه من النكتة والصناعة؛ وحتى كان في أهل الأدب ومدرسيه من لا يعرف ديوان المتنبي!
ولا يصف لك معنى الشعر في رأي أدباء ذلك العهد كقول الشيخ ناصيف اليازجي المتوفى سنة 1871:
مللت من القريض وقلت يكفي ... لأمر شاب قوته بضعف
أحاول نكتة في كل بيت ... وذلك قد تقصر عنه كفى
أجل الشعر ما في البيت منه ... غرابة نكتة أو نوع لطف
يريد النكتة البلاغية وأنواع البديع، وذلك ما قصرت عنه كفه وكف غيره؛ لأنه شيء مفروغ منه، حتى لا يأتي المتأخر بمثال فيه إلا وجدته بعينه لمن تقدموه على صور مختلفة ينظر بعضها إلى بعض وما يأتي اختلافها إلا من ناحية الحذق في إخفاء السرقة بالزيادة والنقص، والإلمام والملاحظة والتعريض والتصريح وغيرها مما يعرفه أئمة الصناعة، ولا يتسبب إليه بأقوى أسبابه إلا من رزق القوة على التوليد والاختراع.
إذا عرفت ذلك السر في سقوط الشعر واضطرابه وسفسفته، لم تر غريبًا ما هو غريب في نفسه، ومن أن بدء النهضة الشعرية الحديثة لم تكن العلم الذي يصحح الرأي، ولا الاطلاع الذي يؤتي الفكر، ولا الحضارة التي تهذب الشعور، ولا نظام الحكم الذي يحدث الأخلاق، وإنما كان ضربًا من الجهل وقف حدًّا
(3/288)


منيعًا بين زمن فنون البلاغة وبين زماننا؛ وكان كالساحل لذلك الموج المتدفع الذي يتضرب على مدة ثمانمائة سنة من القرن السادس إلى الرابع عشر للهجرة؛ ولله أسرار عجيبة في تقليب الأمور وخلق الأحداث ودفع الحياة الفكرية من نمط إلى نمط، وإخراج العقل المبتدع من هيئة إلى هيئة، وجعل بعض النفوس كالينابيع للتيار الإنساني في عصر واحد أو عصور متعاقبة، وإقامة بعض الأشخاص حدودًا على الأزمنة والتواريخ؛ فكان الذي أحدث الانقلاب الرابع في تاريخ الشعر العربي، وأنشأ الذوق نشأته الخامسة، هو الشاعر الفحل محمود باشا البارودي الذي لم يكن يعرف شيئًا البتة من علوم العربية أو فنون البلاغة؛ وإنما سمَت به الهمة؛ لأنه حادثة مرسلة للقلب والتغيير، فأبعده الله من تلك العلوم، وأخرجه لنا من دواوين العرب، كما نشأ مثل ابن المقفع والجاحظ من فصحاء الأعراب، ويسر له من أسباب ذلك ما لم يتفق لأحد غيره مما لا محل لبسطه هنا، ولا تكاد تجد شعر أديب متأخر يستقيم له أن يذكر في شعر كل عصر من لدن زمننا إلى صدر الإسلام ثم لا تنحط مرتبته غير كلام البارودي هذا؛ وهو وحده الذي يقابل القاضي الفاضل في أدوار التاريخ الأدبي، على بعد ما بينهما؛ لأن شعره هو الذي نسخ آية الصناعة، ودار في ألسنة الرواة، وكان المثل المحتذى في القوة والجزالة ودقة التصوير وتصحيح اللغة؛ ولم يشأ الله أن يسبقه إلى ذلك أحد؛ لأن النهضة الاجتماعية في هذا الشرق العربي كانت في علم الله مرهونة بأوقاتها وأسبابها؛ ولولا ذلك لسبقه شاعر القرن الحادي عشر الأمير منجك المتوفى سنة 1080هـ "1669م"؛ فقد اتفقت لهذا الأمير نشأة كنشأة البارودي، فكان كثير الحفظ من دواوين العصور الأولى، وكان يقلد أبا فراس الحمداني ويحتذي على مثاله؛ ولكن عصره كان في العصور الهالكة، فخرج الشاعر ضعيفًا كما يخرج كل شيء في غير وقته ولغير تمامه وبغير وسائله الطبيعية.
ونشأت العصابة البارودية وفيها إسماعيل صبري وشوقي وحافظ ومطران وغيرهم، وأدركوا ما لم يدركه البارودي وجاءوا بما لم يجئ به، واتصل الشعر بعضه ببعضه، وسارت به الصحف، وتناقلته الأفواه، وأنسي ذكر البلاغة وفنونها بالنشأة المدرسية الحديثة التي جعلت من ترك البلاغة بلاغة؛ لأنها صادفت أوائل الانقلاب ليس غير؛ وبذلك بطل في مصر عصر أبي النصر والليثي والساعاتي والنديم وطبقتهم، وفي الشام عصر اليازجي والكستي والأنسي والأحدب وأضرابهم، وفي العراق عهد الفاروقي والموصلي والبزاز والتميمي وسواهم؛
(3/289)

واستقل الشعر عربيًّا وخرج كما يخرج الفكر المخترع ماضيًا في سبيل غير محدودة.
لا ريب في أن الطرق التي تتبع في تربية الأمة وتكوين روحها العالمية لا بد أن يكون لها أثر بين في شعر شعرائها؛ فإنما الشعر فكر ينبض وعاطفة تختلج، وما أرى الشاعر الحق من أمته إلا كالزهرة الصغيرة من شجوتها: إن لم تكن خلاصة ما فيها من القوة، فهي خلاصة ما في الشجر من معنى الجمال ولونه وملمسه، ولا تعدم مع هذه الصفة أن تكون وحدها الكوكب الساطع في هذا الأفق الأخضر كله، ولقد اطردت النهضة منذ خمسين سنة أو حولها، في الأدب والعلم؛ وفي الفكر والفن والصناعة؛ وساتوى لنا من ذلك ما لم يتفق لهذه الأمة في عصر من عصورها، حتى بلغنا من ذلك أن صرنا كأنما فتحنا أرضًا من أوربا وتغلبنا عليها، أو أنشأنا أوربا عربية وما نزال نعمرها وننقل إليها العلوم والفنون والآداب، ونستخرج لها الأمثلة والأساليب؛ غير أن الشعر العربي مع هذا كله لم يوف قسطه ولم يبلغ مبلغه في مجاراة هذه النهضة قوة ابتكار وسلامة اختراع وحسن تنوع، لسببين: الأول أنه لا يزال كما كان منذ فسدت اللغة العربية: شعر فئة لا شعر أمة، فهو يوضع للخاصة لا للشعب. ويدور مع الأغراض والحاجات لا مع الطبائع والأذواق؛ وذلك لو تأملت هو من بعض الأسرار في سمو هذا الشعر وقوة إحكامه وإبداع تنسيقه وجمال توشيحه منذ الدولة العباسية إلى القرن الخامس؛ ثم انحطاطه بعد ذلك وتدنيه شيئًا فشيئًا حتى بلغ الدرك الأسفل في العصور المتأخرة؛ إذا كانت الفئة التي يوضع لها ويصف أهواءها وأغراضها وتتقبله وتثيب عليه وتحسن وزنه ونقده، هي في الناحيتين كما ترى من طرفي المنظار الذي يقرب البعيد، فهي بالنظر في أوله واضحة جلية مترامية إلى الجهات، وبالنظر في آخره ضئيلة ممسوخة لا تكاد تعرف. وما أقضي العجب من غفلة بعض الكتاب في هذا الزمن إذ يناهضون العربية ويزرون على الفصاحة ويعملون على انكماش سوادها وتقليل أهلها، وما يدرون أنهم بذلك يسقطون الشعر قبل الكتابة على خطأ أو عمد وقلما تجد واحدًا من هؤلاء يحسن معالجة الشعر، فإن أصبت له شعرًا وجدته لا غناء فيه أو في أكثره، وأين وضعت يدك منه لم تخطئ أن تقع على مثل مما يمثل به لعيب من عيوب البلاغة.
وهذه النهضة التي نحن في صدد الكلام عنها أوسع مدى وأوفر أسبابًا من تلك التي كانت في الدولة العباسية، بما دخلها من أدب كل أمة، وما اتصل بها من
(3/290)

أساليب الفكر: ولكن أين رجال الفصاحة المتمكنون منها، المتعصبون لها العاملون على بثها في الألسنة، مع أن عصرهم أوسع من عصر الرواة، بكثرة ما أخرجت المطابع من أمهات الكتب والدواوين، حتى أغنت كل مطبعة أدبية عن راوية من أئمة الرواة.
والسبب الثاني الذي من أجله لا يزال الشعر متخلفًا عن منزلته الواجبة له سقوط فن النقد الأدبي في هذه النهضة؛ فإن من أقوى الأسباب التي سمت بالشعر فيما بعد القرن الثاني وجعلت أهله يبالغون في تجويده وتهذيبه، كثرة النقاد والحفاظ. وتتبعهم على الشعراء، واعتبار أقوالهم، وتدوين الكتب في نقدهم، كالذي كان في دروس العلماء وحلقات الرواية ومجالس الأدب، وكالذي صنفه مهلهل بن يموت في نقد أبي نواس وأحمد بن طاهر، وابن عمار في أبي تمام، وبشر بن تميم في البحتري، والآمدي في الموازنة، والحاتمي في رسالته، والجرجاني في الوساطة، وما لا يحصى من مثل هذه الكتب والرسائل، وأنت من النقد في هذه النهضة بين اثنين: صديق هو الصديق أو عدو هو العدو.. فإن ابتغيت لهما ثالثًا فكاتب لا تتعادل وسائل النقد فيه فلا خير في كلامه، أما الناقد الذي استعرض علم العربية وآدابها، وكان شاعرًا كاتبًا قوي العارضة، دقيق الحس ثاقب الذهن، مستوي الرأي بصيرًا بمذاهب الأدب متمكنًا من فلسفة النقد مبرزًا في ذلك كله- فهذا الخيال يذكرني كلمة قلتها يومًا للبارودي إذ قلت له: إن الشاعر لا يكون لسان زمنه حتى يوجد معه الناقد الذي هو عقل زمنه؛ فقال: ومن ناقد الشعر في رأيك؟ قلت: الكاتب وهو شاعر، والأديب وهو فيلسوف، والمصلح وهو موفق؛ فكأنما هولت عليه حتى قال -رحمه الله- "فين دا كله؟ " قلت: فلعله لا ينشئ لنا هذا العقل الملتهب إلا العصر الذي يوجد لنا أسطولًا كأسطول انجلترا.
وعلى ما نزل بالشعر العصري من هذين السببين فقد استقلت طريقته وظهر فيه أثر التحول العلمي والانقلاب الفكري، وعدل به أهله إلى صور الحياة بعد أن كان في أكثره صورًا من اللغة، وأضافوا به مادة حسنة إلى مجموعة الأفكار العربية، ونوعوا منه أنواعًا بعد أن كان كالشيء الواحد، واتسعت فيه دائرة الخيال بما نقلوا إليه من المعاني المترجمة من لغات مختلفة، وهو من هذه الناحية أوسع من شعر كل عصر في تاريخ هذه اللغة: إذ كان الأولون إنما يأخذون من اليونانية والفارسية، ثم أخذ المتأخرون قليلًا قليلًا من التركية؛ أما في العهد الأخير فيكاد
(3/291)

العقل الإنساني كله يكون مادة الشاعر العربي، لولا ضعف أكثر المحدثين من النشء الجديد في البيان وأساليبه، وبعدهم من ذوق اللغة واعتياص مرامها عليهم، حتى حسبوا أن الشعر معنى وفكر، وأن كل كلام أدى المعنى فهو كلام، ولا عليهم من اللغة وصناعتها، والبيان وحقيقته؛ وحتى صرنا والله من بعض الغثاثة والركاكة والاختلال في شر من توعر نظم الجاهلية وجفاء ألفاظه وكزازة معانيه؛ وهل ثم فرق بين أن تنفر النفس من الشعر؛ لأنه وعر الألفاظ عسير الاستخراج شديد التعسف، وبين أن تمجه؛ لأنه ساقط اللفظ، متسول المعنى، مضطرب السياق؟ ثم تراهم ينجزون الشعر كله على اختلاف أغراضه نمطًا واحدًا من تسهيل اللفظ ونزوله، حتى كأن هذه اللغة لا تنوع في ألفاظها وأجراس ألفاظها، مع أن هذا التنوع من أحسن محاسنها وأخص خصائصها دون غيرها من اللغات، كما أن كل تنوع هو من أبدع أسباب الجمال والقوة في كل فن؛ ولا يدري أصحابنا أن كل ذلك من عملهم عبث في عبث إذا هم لم يعطوا الشعر حقه من صناعة اللغة؛ وهذا شاعر الفرس الشهير مصلح الدين السعدي الشيرازي إمام من أئمة البلاغة في قومه لا يدفع مكانه وشعره مثل من أسمى الأمثلة في جمال المنطق الروحي، وليس في الناس إلا من يسلم له هذا المحل من النبوغ، وهو مع ذلك حين نظم الشعر لم تنفعه نافعة من حكمة أو خيال أو فكر، وذهب في التعسف كل مذهب، وحمل على كلامه من العيوب ما لم يسلم معه إلا صحة الوزن، كقوله في وصف نكبة بغداد وتخريبها:
فقد ثكلت أم القرى ولكعبة ... مدامع في الميزان تسكب في الحجر
على جدر المستنصرية ندبة ... على العلماء الراسخين ذوي الحجر
نوائب دهر ليتني مت قبلها ... ولم أر عدوان السفيه على الحبر
محابر تبكي بعدهم بسوادها ... وبعض قلوب الناس تألف بالغدر
لحى الله من تسدي إليه بنعمة ... وعند هجوم اليأس أحلك من حبر
فانظر أي شعر هذا في الركاكة والهذيان والسخف، وفي خمود الفكر وضعف الروح وذهاب الرونق، وتأمل كيف هوى به السعدي من مكانته التي بوأه إياها أدبه العالي، وكيف سقط إلى حيث ترى، مع أنه في محراب الفكر إمام وراءه صفوف من عصور البلاغة.
ومن ههنا نشأ في أيامنا ما يسمونه " الشعر المنثور"، وهي تسمية تدل على
(3/292)

جهل واضعها ومن يرضاها لنفسه؛ فليس يضيق النثر بالمعاني الشعرية، ولا هو قد خلا منها في تاريخ الأدب؛ ولكن سر هذه التسمية أن الشعر العربي صناعة موسيقية دقيقة يظهر فيها الاختلال لأوهى علة ولأيسر سبب، ولا يوفق إلى سبك المعاني فيها إلا من أمده الله بأصح طبع وأسلم ذوق وأفصح بيان؛ فمن أجل ذلك لا يحتمل شيئًا من سخف اللفظ أو فساد العبارة أو ضعف التأليف، ولا تستوي فيه أمسى المعاني مع شيء من هذه العلل وأشباهها، وتراه يلقي بمثل "السعدي" من الفلك الأعلى إلى الحضيض، لا يقيم له وزنًا ولا يرعى له محلًا ولا يقبل فيه عذرًا ولا رخصة؛ غير النثر يحتمل كل أسلوب، وما من صورة فيه إلا ودونها صورة إلى أن تنتهي إلى العامي الساقط والسوقي البارد؛ ومن شأنه أن ينبسط وينقبض على ما شئت منه، وما يتفق فيه من الحسن الشعري فإنما هو كالذي يتفق في صوت المطرب حين يتكلم لا حين يغني: فمن قال: "الشعر المنثور" فاعلم أن معناه عجز الكاتب عن الشعر من ناحية وادعاؤه من ناحية أخرى.
والذي أراه جديدًا في الشعر العربي مما أبدعته هذه النهضة أشياء:
أولًا: هذا النوع القصصي الذي توضع فيه القصائد الطوال، فإن الآداب العربية خالية منه؛ وكان العرب ومن بعدهم إذا ذكروا القصة ألموا بها اقتضابًا وجاءوا بها في جملة السياق على أنها مثل مضروب أو حكمة مرسلة أو برهان قائم أو احتجاج أو تعليل وما جرى هذا المجرى مما لا ترد فيه القصة لذاتها ولا لتفصيل حوادثها؛ وهو كثير في شعر الجاهليين والإسلاميين، والجيد منه قليل حتى في شعر الفحول؛ فإن طبيعة الشعر العربي تأباه؛ والذين جاءوا به من العصريين لا يجدون منه إلا قطعًا تعرض في القصيدة وأبياتًا تتفق في بعض معانيها وأغراضها مما يجري على أصله في سائر الشعر طال أو قصر؛ والسبب في ذلك أن القصة إنما يتم تمامها بالتبسط في سردها وسياقة حوادثها وتسمية أشخاصها وذكر أوصافهم وحكاية أفعالهم وما يداخل ذلك أو يتصل به، وإنما بني الشعر العربي في أوزانه وقوافيه على التأثير لا على السرد، وعلى الشعور لا على الحكاية؛ ولا يريدون منه حديث اللسان ولكن حديث النفس؛ فهو في الحقيقة عندهم صناعة روحية يصنعون بها مقادير من الطرب والاهتزاز والفرح والحزن والغضب والحمية والنزعة؛ فلا جرم كان سبيلهم إلى ذلك هو التحديد لا الإطلاق، وضبط المقادير
(3/293)

لا الإسراف؛ إذ كان من شأن هذه الأمور في طبيعة النفس أن ما زاد منها عن مقداره تحول وانقلب في تأثيره، وذلك هو السبب أيضًا في أن هذا الشعر ما لم يكن قائمًا على اختيار اللفظ وصنعة العبارة وتصفيتها وتهذيبها واختيار الوزن للمعنى وإدارة الفكر على ما يلفت من ضروب المجاز والاستعارة ونحوها- سقط ورك بمقدار ما ينقصه من ذلك؛ وليس الشأن في إطالة القصيد؛ فمن الشعراء من نظم رويًّا واحدًا في أربعة آلاف بيت، ومنهم من نظم تفسير القرآن كله؛ ولكن عيب مثل هذا الشعر في العربية أنه شعر ... وما أخمل ابن الرومي على جلالة محله إلا طول قصائده وسياقه الكلام فيها مع ذلك على ما يشبه أسلوب الحكاية وخروجها مخرج المقالة يتحدث بها، فلم تَحْيَ له إلا مقطعات وأبيات ومات سائر شعره وهو حي وميت على السواء، حتى قال فيه صاحب الوساطة: "ونحن نستقرئ القصيدة من شعره وهي تناهز المائة أو تربي أو تضعف، فلا نعثر فيها إلا بالبيت الذي يروق أو البيتين، ثم قد تنسلخ قصائد منه وهي واقفة تحت ظلها جارية تحت رسلها لا يحصل منها السامع إلا على عدد القوافي..".
والعجيب أن بعض الكتاب في عصرنا ممن لا تحقيق لهم في مثل هذه المسائل، يعدون أحسن محاسن ابن الرومي ما هو أقبح عيوبه، وقاتل الله صناعة الكتابة، فكما أنها لملء الفراغ هي كذلك لإفراغ الملآن1..
ثانيًا: صياغة بعض الشعر على أصل التفكير في الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما من لغات الأمم، فيخرج الشعر عربيًّا وأسلوبه في تأدية المعنى أجنبي؛ وأكثر ما يأتي هذا النوع من أمريكا، وأنا أعجب بكثير منه لما فيه من الغرابة والحسن.
وما زالت أجناس الأمم يضيق بعضها بأشياء ويتسع بعضها بأشياء فلسنا مقيدين بالفكر العربي ولا بطريقته، وعلينا أن نضيف إلى محاسن لغتنا محاسن اللغات الأخرى؛ ولكن من غير أن نفسدها أو نحيف عليها أو نبيعها بيع الوكس؛ ومتى كان هذا النوع من الشعر رصينًا محكمًا جيد السبك رشيق المعرض، كان في النهاية من الرقة والإبداع؛ ولم يأت التجديد في هذه اللغة إلا من هذه الناحية، كالذي تراه فيما أخذ عبد الحميد وابن المقفع من نمط الأداء في اللغة الفارسية.
ثالثًا: الانصراف عن إفساد الشعر بصناعة المديح والرثاء، وذلك بتأثير الحرية الشخصية في هذا العصر؛ والمدح إذا لم يكن بابًا من التاريخ الصحيح لم
__________
1 انظر دراسة العقاد لابن الرومي.
(3/294)

يدل على سمو نفس الممدوح، بل على سقوط نفس المادح؛ وتراه مدحًا حين يتلى على سامعه، ولكنه ذم حين يعزى إلى قائله! وما ابتليت لغة من لغات الدنيا بالمديح والرثاء والهجاء ما ابتليت هذه العربية؛ ولذلك أسباب لا محل لتفصيلها.
رابعًا: الإكثار من الوصف والإبداع في بعض مناحيه والتفنن في بعض أغراضه الحديثة: وذلك من أسمى ضروب الشعر، لا تتفق الإجادة فيه والإكثار منه إلا إذا كان الشعر حيًّا، وكانت نزعة العصر إليه قوية، وكان النظر فيه صحيحًا؛ ولما وصف الشيخ أحمد الكردي "من شعراء القرن الثاني عشر" السفينة واستهل بهذا الوصف مدح الوزير راغب باشا، عدُّوا ذلك حادثة من حوادث الأدب في عصره فتأمل!
خامسًا: إهمال الصناعات البديعية التي كان يبنى عليها الشعر، فينظم البيت؛ ليكون جناسًا أو طباقًا أو استخدامًا أو تورية ... الخ، أو ضربًا آخر من صناعة العدد والحساب، كالتاريخ الشعري بأنواعه، أو صناعة الحرف، كالمقلوب والمهمل وغيرهما: أو صناعة الفكر، كاللغز والمعمى؛ أو صناعة الوضع كالتشجير والتطريز، إلى ما يلتحق بهذا الباب الذي ذهب أهله فلا يتيسر لأحد من بعدهم أن يجاريهم فيه، وكانت لهم في كل ذلك عجائب استقصيناها بالتدوين في موضعها من "تاريخ آداب العرب"1؛ بيد أن إهمال صناعة البديع شيء وإهمال فن البديع نفسه شيء آخر؛ ومن هنا جاء ما نراه في بعض الشعر الحديث "والشعر المنثور" من الإغراق السخيف الذي لا يقوم على أصل، من التعدي في ضروب الاستعارة، والبعد في المجاز، والإحالة في الوضع، ونحوها مما يرجع إلى الجهل بطبيعة البلاغة، ومما لا نعده إلا ضربًا من الفساد يلتحق بما كان في العصور الماضية وإن كان على الضد منه.
سادسًا: النظم في الشؤون الوطنية والحوادث الاجتماعية، مما يجعل الشعر محيطًا بروح العصر وفكره وخياله، وهو باب لا ينهض به إلا أفراد قلائل، ولا يزال ضعيفًا لم يستحكم؛ وقد قالوا: إن للقاضي الفاضل اثني عشر ألف بيت في مدح الوطن والحنين إليه، ولكن لا أحسب أن بها مائة من نحو ما ينظم في هذا العصر مما أدى بالشعر إلى أن يدخل في باب السياسة ويعد من وسائلها، وفي طرق التربية ويعد من أسبابها.
سابعًا: اسخراج بعض أوزان جديدة من الفارسية والتركية، وهو قليل، جاء
__________
1 انظر الجزء الثالث من "تاريخ آداب العرب" للرافعي.
(3/295)

به شوقي في قصيدتين ولم يتابعه أحد؛ لإفراط ذلك الوزن في الخفة حتى رجع إلى الثقل.. ثم نظم بعض الشعر من أوزان مختلفة قريبة التناسق على قاعدة الموشح، ولكنه شعر لا توشيح، كما ينظم بعض شعراء أمريكا وسوريا؛ ولم يحدث مثل ذلك في العربية، فإن القصيدة كانت تنظم من بحر واحد، وقد يخرج منه وزن آخر: ولا نعرف في تاريخ الأدب قصيدة تتألف من وزنين إلا الذي قالوا إن حسين بن عبد الصمد المتوفى سنة 984هـ "1576م" قد اخترعه ونظم فيه أبياته التي مطلعها:
فاح عرف الصبا وصاح الديك ... وانثنى البان يشتكي التحريك
قم بنا نجتلي مشعشعة ... تاه من وصفه بها النسيك
وعارضها ولده الإمام الشهير بهاء الدين العاملي صاحب الكشكول بأبيات قالوا: إنها سارت في عصره مسير المثل، ونسج عليها شعراء ذلك العصر، كالنابلسي وغيره، ومطلعها:
يا نديمي بمهجتي أفديك ... قم وهات الكؤوس من هاتيك
خمرة إن ضللت ساحتها ... فسنا نور كأسها يهديك
على أن هذا الوزن بشطريه مستخرج من الخفيف، فليس باختراع كما زعموا، وإنما هو ابتداع في التأليف الشعري؛ وقد اجتزأنا بما مرت الإشارة إليه، فإنه كل ما تغير به الرسم في هذه الصناعة؛ وتركنا الأمثلة تفاديًا من الإطالة.
وبعد فلا ريب أن النفس البشرية في حاجة أبدًا مع دينها الروحي إلى دين إنساني يقوم على الشعور والرغبة والتأثير، فيفسر لها حقائق الحياة، ويكون وسيلة من وسائل تغييرها؛ ليجعلها ألطف مما هي في اللطف؛ وأرق مما تكون في الرقة، وأبدع مما تتفق في الإبداع؛ ذلك الذي يصل بظهوره وإبهامه بين الواضح والغامض، والخالد والفاني؛ ذلك الذي لا يجمل الجمال إلا به، ولا تسكن النفس إلا إليه؛ ذلك هو الشعر!
(3/296)

صروف اللغوي *:
كان شيخنا هذا رجلًا حصيفًا جيد المنزعة حسن الرأي، ممكنًا له فيما كان يعترضه من مسائل اللغة، قويًّا على الأحوال التي تجري له من أوضاعها فيما يعانيه من النقل ويزاوله من الترجمة على اختلاف مناحيها وكثرة فنونها، وعلى أنها لا تزال كل يوم تنبعث من علم وتحتفل من رأي وتمد مد السيل كأنها دنيا عقلية لا يبرح عقل الإنسان دائبًا يحلق فيها ويبنيها من معاني الكون وأسراره، فلا الكون ينفد لتتم، ولا هي تتم قبل أن ينفد الكون.
وثبت شيخنا على ذلك عمر دولة من الدول في خمسين سنة ونيف، يضرب قلمه في السهل والصعب، وفي الممكن والممتنع؛ وإنه ليمر في كل ذلك مرًّا لا ينثني، ويحذو حذوًا لا يختلف، كأن الصعب عنده نسق السهل، والممتنع صوغ الممكن؛ فلو قلت: إنه بني في أصل خلقه وتركيبه على أن يكون قوة من قوى التحويل لتحقيق المشابهة العقلية بين الشرق والغرب لما أبعدت، ولو زعمت أن ذلك القلم الحي لم يكن إلا عرفًا في جسم الإنسانية لكان عسى..
وانتهى شيخنا في العهد الأخير إلى أن صار يعد وحده حجة اللغة العربية في دهر من دهورها العاتية، لا في الأصول والأقيسة والشواذ وما يكون من جهة الحفظ والضبط والإتقان، بل فيما هو أبعد من ذلك وأرد بالمنفعة على اللغة وتاريخها وقومها، بل فيما لا تنتهي إليه مطمعه أحد من علمائها وكتابها وأدبائها؛ إذ وقع الإجماع على أنه انفرد في إقامة الدليل العلمي على سعة العربية وتصرفها وحسن انقيادها وكفايتها، وأنها تؤاتي كل ذي فن على فنه، وتماد كل عصر بمادته؛ وأنها من دقة التركيب ومطاوعته مع تمام الآلات والأدوات بحيث ينزل منها رجل واحد بجهده وعمله منزلة الجماعات الكثيرة في اللغات الأخرى، كأنها آخر ما انتهت إليه الحضارة قبل أن تبدأ الحضارة.
__________
1 هو العلامة الدكتور يعقوب صروف صاحب "المقتطف"، وقد نشر هذا المقال في مقتطف شهر يناير سنة 1928.
(3/297)

ولا يذهبن عنك الفرق بين رجل حافظ والكتاب أحفظ منه، وهو من الكتاب خرج وإلى الكتاب يرجع؛ وبين رجل يكون ترجمانًا من تراجمة العقل الإنساني المعني بتأويل الكون وتفسيره، والطائر بالألفاظ الإنسانية على أجنحة العلوم والفنون والمخترعات والمعاني؛ فإن ذاك ينقل عن الواقع ثم لا يتعدى هذه المنزلة ولا يتجاوز متون الألفاظ، وأما هذا فلا يزال يضطرب مع الألفاظ ومعانيها يجاذبها ويدافعها، ثم لا يزال يضع يده في النسيج اللغوي يسدي ويلحم، فهو مدفوع إلى المسالك الدقيقة من مذاهب الوضع وطرقه، وأساليب الأخذ والانتزاع؛ وهو مقيد أبدًا بخاص المعنى وخاص اللفظ على التعيين والتحديد، لا يجد فسحة من ضيقين؛ فإن لم يكن مثل هذا في منزلة الواضع فهو في المنزلة بعده ولا ريب.
إنما اللغوي الأكبر عندي هو هذا الكون، وما العالم باللغة وفنونها إلا وسيلة لتهذيب الطريقة تهذيبًا عقليًا، فيجب من ثم إن يكون للغوي رأي وعلم وذكاء وبصر، ويجب أن يطابق النواميس، فلا يتعادى ما بينه وبينها؛ لأنه وسيلة إنطاقها ليس غير؛ ومن ذلك أرى الدكتور صروف في الغاية، فقد كان ينزع في مذهبه اللغوي منازع علمية دقيقة توزن وتقاس وتختبر، في حين لا تزيغ ولا تهن ولا تختل، وتراها تنطلق وهي مقيدة، وتتقيد وهي مطلقة؛ إذ كان لا يعتد اللغة عربية للعرب، بل عربية للحياة؛ وما تهدمه وتبنيه وما تحدثه وتنسخه فهي على أصولها فيمن قبلنا، ولكن فروعها فينا نحن وفيمن يلينا وفيمن بعد هؤلاء، قلنا أن نتولاها على تلك الأصول وعلى ما يشبهها في الطريقة حين تنتقل الحال ويتغير الرسم، ولعلة إن وجبت، ولقياس إن جاز. والدكتور بهذا الاعتبار يشتد في التمسك بالقواعد والضوابط ولا يترخص في شيء منها غير أنه لا يكون كأقوام يرون الفروع من الجذوع قد خرجت، فيحسبون الثمرات سبيلها من الجذوع أيضًا.. وإن لم تجيء منها فستجيء منها.
عرض لي يومًا أحد هؤلاء اللغويين فانتقد في المقطم قصيدة من القصائد التي رفعتها إلى الملك فؤاد، وتمحل في نقده ودلل ببعض ما نقله من كتب اللغة، فكان فيما تكلم فيه لفظا: "الأزاهر والورود"، فقال إنهما ليسا من اللغة ولم يجريا في كتبها؛ وكان من ردي عليه أن قلت له: إن العرب جمعوا الجمل ستة جموع، وجمعوا الناقة سبعة؛ لأنها أكرم عليهم منه، وإن لكل حياة صورها الدائرة في ألفاظها، فالزهر والورد عند المولدين والمحدثين أكرم من الجمل والناقة عند العرب، أو هذان كهذين؛ ثم هما من خاص الألفاظ المولدة، فلنا أن نجمعهما
(3/298)

على كل صور الجمع التي يسوغها القياس؛ لأن ههنا الموجبة التي لم تكن مع العرب فيهما؛ فمن الصحيح أن تقول: زهور، وأزهار، وأزاهر، وأزاهير الخ، فلما لقيت الدكتور بعد نشر هذا الرد هنأني به، ثم قال فيما قال: يحسبون أن العرب هم الجمل والناقة وليس غير ما استجمل وما استنوق.. أما هذا الدهر الطويل العريض فليس عندهم شيئًا، وهم يستطيعون أن ينكروا على المولدين ألف كلمة، ولكن هل في استطاعتهم أن ينكروا على التاريخ ألف سنة؟ فذكرت له الأصل الذي قرره أبو علي الفارسي في العربي الصحيح نفسه: من أنه ليس كل ما يجوز في القياس يجب أن يخرج به سماع، فإذا أخذ إنسان على طريقة العرب وأم مذهبهم فلا يسأل ما دليله وما سماعه وما روايته، ولا يجب عليه من ذلك شيء، حتى قال أبو علي: لو شاء شاعر أو متسع أن يبني بإلحاق اللام* اسمًا وفعلًا وصفة لجاز له، ولكان ذلك من كلام العرب؛ وذلك نحو قولك: خرجج أكثر من دخلل، وضربب زيد عمرًا، ومررت برجل ضربب وكرمم، ونحو ذلك. قال تلميذه ابن جني: فقلت له: أترتجل اللغة ارتجالًا؟ قال: ليس بارتجال لكنه مقيس على كلامهم فهو إذًا من كلامهم.
وسألني مرة عن وجه الخلاف بين ما يسمونه القديم والجديد، فقلت له: إن الخلاف ليس علي جديد ولا قديم، ولكن على ضعف وقوة؛ فإن قومًا يكتبون وينظمون ولكن لم تقسم الفصاحة والبلاغة على مقدار ما يطيقونه من ذلك، ولا يتسع الصحيح لآرائهم في اللغة والأدب، وقد أرادوا أن يسعوا كل ذلك من حيث ضاقوا، ويطاولوه من حيث تقاصروا، وينالوه من حيث عجزوا؛ فظنوا بالأمر ما يظن إنسان يمشي على الأرض ويعرف أنها تدور، فيؤول ذلك بأنه هو يدير الأرض على محورها بحركة قدميه ... نحن نقول: أسلوب ركيك، فيقولون: لا بل جديد، وتقول: لغة سقيمة، فيقولون: بل عصرية، ونقول: وجه من الخطأ، فيقولون: بل نوع من الصواب، وهلم جرًّا أو سخيًّا ... ثم قلت له: أفتجد أنت الركاكة واللحن والخطأ والغثاثة وإن وأخواتها بابًا جديدًا أو أمرًا مبتدعًا أو شيئًا يحتاج إلى اسم جديد غير اسمه العربي؟ قال: لا، وأنا معك في هذا، وطريقتي في المقتطف أن اللغة في قواعدها عربية، ولكن من قواعدها أن لكل مقام مقالًا، فنحن نكتب كتابة صحيحة ونريد بها أن ترفع العامة ولا تنزل بالخاصة، فنخدم العربية من الجهتين.
__________
* زيادة حرف من جنس لام الكلمة وإلحاقه بها.
(3/299)

ثم نشر بعد ذلك في عدد شهر مايو سنة 1927 مقالًا جعل عنوانه "أسلوبنا في الترجمة والتعريب" وابتدأه بهذه العبارة: "اللغة جسم حي نامٍ، وشأن من يحاول منعها من النمو شأن الصينيين الذين يربطون أقدام بناتهم لكي لا تنمو وتبلغ حدها الطبيعي، ولكن إذا كان النمو مشوهًا فلا بد من تقييده وتهذيبه؛ وكل ما نقوله نحن هو التقييد والتهذيب واتقاء الشوهة أن تلم باللغة وأساليبها فتترادف على محاسنها بمعايبها، وتطمس مفاتنها بمقابحها؛ فإن هذه المعايب والمقابح إذا هي استجمعت وانساغت في لغة من اللغات لبستها بأشكالها فلا تزال تنكر منها حتى لا تبقي لها وصفًا يعرف، والحسن وحده هو الذي يحد بالأوصاف والتعاريف، وهو الذي يدقق فيه ويبالغ فيه قياسه وتقديره، فإن وقع فيه الفضول واختلطت الحدود وضعفت الملاءمة وجرى الوصف ناقصًا وزائدًا فقد خرج إلى القبح، وإن خرج إلى القبح لم يعد الناس يحدون له حدًّا أو يعبأون له بقاعدة، ووجدوا فيه كل الأوصاف الجميلة مقلوبة منكرة؛ لأنه هو جمال مقلوب؛ "فتقييد التشويه وتهذيبه" كلمتان فيهما الكلام كله، أو هما المصراعان لهذا الباب؛ ومن أجل ذلك كنا نعد الدكتور من حجتنا على أصحاب الجديد؛ لأنه أوسعهم إحاطة وأكثرهم علمًا وأمدهم عملًا، ثم لن يدانيه أحد منهم إلا إذا جمع لنفسه عمرين، وهل في الجديد رجل ذو عمرين؟..
قلنا: إن الشيخ كان في المنزلة التي تلي منزلة الواضع، وقد دفعته العلوم إلى ذلك دفعًا، لأنه مقيد بخاص المعنى في كل ما يترجم أو يعرب، ثم بالخصائص العلمية الدقيقة التي لا تحتمل في أدائها ما تحتمل المعاني الأدبية؛ وقد تصدر للكتابة والترجمة منذ شباب هذا العصر، ومنذ بدأ الناس يقرأون العلوم الحادثة في الشرق؛ فلا جرم لم يكن لغويًّا كأبي عمرو وأبي زيد والخليل والأصمعي وأبي حاتم وأبي عبيدة وأضرابهم ممن يحملون عن العرب ويؤدون ما حملوه، ولا كان لغويًّا في طريقة سيبويه والكسائي والزجاج والأخفش واليزيدي وأشباههم ممن ينظرون في اللغة وعللها وأقيستها وشواذها؛ ولكنه لغوي فيما يعمر بين الشرق والغرب، يحمل بلسان ويؤدي بلسان غيره ويوافق بين المعاني الجديدة والألفاظ القديمة، ويشابك بين خيوط التاريخ في هذه وهذه، ويأخذ اللغة للاستعمال لا للحفظ وللتعليم لا للتدوين وللمنفعة لا للمباهاة وللفائدة لا للتنبل؛ ويترجم وإن في خياله العالم الواسع الذي ينقل عنه بعلمائه وأدبائه وكتبه ومجلاته ومصطلحاته، ويكتب وإن له تلك الملكة الدقيقة التي كونتها العلوم الرياضية
(3/300)

والطبيعية والفلسفية وغيرها؛ فلم يكن بد من أن يبتدع، وأن تكون له طريقة يوافق فيها ويخالف، وقد بسط هو القواعد التي أخذ بها وجرى عليها، فكتب فيها مقالًا في "المقتطف" شهر يوليو لسنة 1906، وأعاد نشره في عدد شهر مايو لسنة 1927، وهو يوافق فيه أكثر العلماء، وخاصة الإمام الجاحظ؛ ومع أن قاعدة الجاحظ لم تكن يومئذ معروفة، ولكن كلا الشيخين حصيف الرأي تام الإدارة في عمله، قوي الحسبة والتدبير فيما يأخذ وما يدع؛ وخلاصة رأي الدكتور أنه ينظر في الكلمة الأعجمية، فإن أصاب لها مرادفًا في العربية يحددها ويفي بها فذاك، وإلا أمرها في كتابته وهو مقيد بقاعدة القارئ وما هو أخف على قارئه في المئونة وأبين له في الدلالة، فإن كانت اللفظة الأعجمية أوفى وأشبع في استعمال عدل إليها، قال: وغني عن البيان أننا التزمنا أن نجاري العلماء في المصطلحات العلمية التي تفقد دلالتها بتعريبها: كالحامض الكبريتوس والكبريتيك ... الخ، فإن لكل من هذه الملحقات والزوائد التي فيها، معنى خاصًّا يدل على تركيب الحامض المراد كما يعلم دارسو الكيمياء؛ قال: فمن يسمي الحامض الكبريتيك بالحامضي الكبريتي كمن يسمي الفرس حمارًا؛ لأن لكل منهما رأسًا وذنبًا..
والجاحظ يقول في مثل ذلك: إن رأيي في هذا الضرب من هذا اللفظ أن أكون ما دمت في المعاني التي هي عبارتها والمادة فيها على أن ألفظ بالشيء العتيد الموجود "يعني اللفظ العلمي الاصطلاحي" وأدع التكلف لما عسى ألا يسلس ولا يسهل إلا بعد الرياضة الطويلة.. ولكل صناعة ألفاظ قد جعلت لأهلها بعد امتحان سواها، فلم تلزق بصناعتهم إلا بعد أن كانت بينها وبين معاني تلك الصناعة مشاكلات.
فأنت ترى الجاحظ لا يمتنع من الألفاظ الأعجمية والعامية كما هي ما دامت المعاني قائمة، وقاعدته هي الأخف والأدل والأفهم والأشيع، وهذا بعينه يقول الدكتور فيه: "يشترط في حسن التعبير أن يؤدي المعنى المراد إلى ذهن السامع بأقل ما يكون من الوقت والكلفة والإسراف في القوة العصبية".
وقد كلمني بعضهم في خطأ الدكتور من ناحية الألفاظ الأعجمية وإقحامها في كتابته، وأنه يجنح إلى ذلك بأوهى سبب؛ ولا أراه خطأ، بل أنا أرد ذلك إلى ما بينه آنفًا من أمر الناقل والواضع ولا يعجزنا أن نجد لصنع الدكتور نصًا يقوم به وينهض بحجته؛ فقد قال أبو علي الفارسي: إن العرب إذا اشتقت من الأعجمي خلطت فيه، فإذا كان هذا في الاشتقاق وهو لا يكون إلا من أصل، فكيف
(3/301)

بالتعريب؟ على أنه لا خلط ولا اضطراب، إنما هو سبيل الوضع وحكمة الدلالة وأن اللغة هكذا تجيء، ثم يأتي بعد ذلك النحوي يقول لماذا ولأن ...
وقد أعجبني حسن تقسيم الدكتور لقواعده التي بسطها في مقاله المستفيض، حتى أني لأراه بابًا جديدًا في التقسيم المعروف عند علماء البلاغة واللغة لابتذاله الألفاظ وغرابتها؛ إذ لم يبق عندنا غريب ومبتذل ولا بيننا عرب ومحدثون.
بيد أن من تلك القواعد أن الأستاذ يترخص في الألفاظ العامية وهو يجد فصيحها، ويقول في ذلك: "إذا أسمعت الفلاح المصري كلمة بذار مرة في الأسبوع أو في الشهر، سمع كلمة "تقاوي" مائة مرة وألف مرة، فرأينا أن محاولة تغيير لغة العامة في هذه الكلمات وأمثالها ضرب من العبث وإضاعة للوقت وتضييع للفائدة، فجاريناهم فيما نكتبه لهم". وهذا ما كنت أجادله فيه ولا أسلم له بشيء منه؛ لأنه أغفل أصلًا اجتماعيًّا عظيمًا، فإن عامتنا غير منقطعة من العربية الفصحى، ولا يزال فيهم ميراثها من القرآن والحديث وكلام العلماء في أمور دينهم، وهذه هي وسائل مزجهم بالفصيح وردهم إليه، ولا تزال هذه الوسائل تفعل ما تفعله النواميس المحتومة ولولاها لما بقي للفصحى بقية بعد.
وقد كان جاء إلى مصر من بضع سنين رجل من أمريكا هو من تلاميذ الدكتور القدماء، فنزح إلى ذلك البر فاتجر فأثرى وفشت له نعمة عظيمة؛ ولما لقيته لقيت في يده صحيفة وضع فيها مسائل في اللغة والنحو، وكأن أعدها ليسأل عنها؛ وفي أولها هذا السؤال: لماذا يقال فصح الرجل فصاحة فهو فصيح، ثم يقول: شعر شعرًا فهو شاعر؟ ألم يكن القياس أن يقال شعر شعارة فهو شعير، والفصاحة والشعر من باب واحد؟
وهذا السؤال وإن كان في ظاهر الرأي لغوًا وعبثًا ولكنه دقيق في تاريخ اللغة وأقيستها، ولا محل لبسط الكلام عليه في هذا الموضع، غير أني أنهيت الخبر للدكتور صروف وقلت له: إن صاحبك هذا يضع قواعد اللغة في الميزان الذي في حانوته.. وأنت كذلك تعالج بعض الألفاظ أحيانًا ببعض الغازات والحوامض.
قلت هذا؛ لأني لم أسلم له قط فيما كان يراه في مثل البذار والتقاوي، على أنه قيد الكلام بقوله "فيما نكتبه لهم"، وهذا احتراس يدافع عنه بقوة كما ترى.
ولا يمتري أحد في أن هذه النهضة اللغوية التي أدركناها وعملنا فيها لم تكن سوى نمو طبيعي لعمل رجال أفذاذ نظن الدكتور صروف في طليعتهم؛ لأنه كان
(3/302)

أطولهم جهادًا وأكثرهم عملًا وأظهرهم أثرًا؛ وكان المقتطف يجيء لها كل شهر كأنه قطعة زمنية مسلطة بناموس كناموس النشوء، حتى لألم هذا المقتطف أن يكون عصرًا من العصور قد خرج في شكل الكتابة؛ ولقد كاشفني الدكتور في آخر أيامه أنه كان يود لو ختم عمله بوضع معجم في اللغة يصلح أن يقال فيه إنه معجم الشعب، وفصل لي طريقته؛ إذ كنت أكلمه في كتاب لغوي افتتحت العمل فيه من زمن ولا يعرف أحد من أمره خبرًا1 فقال لي: خذ بين طريقتي وطريقتك، وامض أنت في هذا العمل؛ فإني لو وجدت فراغًا لما عدلت بهذا الأثر شيئًا، وما كل سهل هو سهل..
على أن شيخنا هذا لو قد كان تفرغ للغة وتوفر عليها واجتمع لها بذلك العمر وتلك العلوم والأدوات، لكان فيها بأمة من الأشياخ الماضين من لدن أبي عمرو بن العلاء إلى الدكتور يعقوب صروف، ولكن لعل الدهر أضيق من أن يتسع أو هو أوسع من أن يضيق ... لإمام آخر كأبي علي الفارسي، يفرغ سبعين سنة لفرع واحد من علوم اللغة هو علم القياس والاشتقاق والعلل الصرفية ويجعله همه وسدسه على ما قال تلميذه ابن جني: "لا يعتاقه عنه ولد، ولا يعارضه فيه متجر، ولا يسوم به مطلبًا، ولا يخدم به رئيسًا؛ فكأنه إنما كان مخلوقًا له".
وكانت للدكتور طريقة جريئة في رد الألفاظ العربية إلى أصولها والرجوع بها إلى أسباب أخذها واشتقاقها وتصاريفها من لغة إلى لغة، وأعانه على ذلك ثقوب فكره وسعة علمه ودقة تمييزه وميله الغالب عليه في تحقيق ناموس النشوء وتبين آثاره في هذه المخلوقات المعنوية المسماة بالألفاظ؛ وكان معجبًا بكل ما جاءه من هذا الباب ولو كان من خطأ؛ لأنه إلى الرأي يقصد وللطريقة يمكن ومع الحاضر يجري.
وهذا باب يحتاج إلى التسمح والتساهل؛ إذ لا يمكن تحقيقه، ولا تتفق الحيطة فيه، وليس إلا أن يتلوح شيء منه ويسنح شيء وتتلامح علة ويعرض سبب؛ ثم هو في الدكتور من بعض الدلالة على استحكام ملكة الوضع فيه، ونزعه إلى أن يقتاس بقياسه ويستخرج من علله؛ وقد تراه يبعد في ذلك فينصب لك الدليل من وراء بضعة آلاف سنة، وأنا الساعة أعان ذاكرتي وأديرها من ههنا وههنا لأجد، كلمة، قال لي مرة في تاريخها: إن العرب أخذوها عن اليونان حين
__________
1 أحسبه يعني المعجم الذي كان يعاون فيه صديقه المرحوم أحمد زكي باشا، وانظر ص262 "حياة الرافعي".
(3/303)

كانت مكة نفسها جارية في حكمهم، ولكن أنسيت هذه الكلمة؛ إذ لم أرتبطها، وإذ كنت لا أرى هذا المذهب ولا أحسن أن أقول فيه قولًا، وأعد كل ما يقال فيه من باب تلفيق الأدلة، كأنه ذئب ذلك الأعرابي الذي يريد أن يجعل في الناس منه مثل غرائز الغنم ... فيقول: "إلا تره تظنه".
والدكتور صروف رجل مالي في المال وفي اللغة جميعًا. فمذهبه القصد في الدلالة والقصد في الوقت والقصد في القوة، وقد صرفته ثلاثتها عن الشعر وعما كان في حكمه من تحبير النثر وتوشيته، على أنه يحسنهما لو أراد ولو سخت نفسه بالوقت ينفقه ولا يتعرف قدر ما مضى منه في هذه الساعات، بل في ساعة الكون الكبرى التي يتعاقب فيها عقربا النهار والليل، كما كان ينفق البارودي يومًا في بيت أو بيتين.
وكان شيخنا في آخر مجالسي معه قبل وفاته بشهر أو نحوه، أطلعني على كل ما نشره في مجلدات "المقتطف" من شعره، فأعجبت بأشياء منه، وأشرت على صديقنا الأستاذ فؤاد صروف أن يعيد نشر قصيدة الرقاش التي ترجمها الدكتور عن الإنجليزية في نسق سلس موشح القوافي، والتي يقول فيها صاحبها يصف مخازي المدنية:
مخازٍ توالت فصالت وصارت ... على الحلم دودًا وفي العظم سوسا
وسألني الدكتور بعد أن فرغت من شعره: في أي طبقة تعدني من شعرائهم؟ ففكرت قليلًا ثم قلت له: في طبقة الدكتور صروف!. فضحك لها كثيرًا.
وكانت له آراء في الشعر العربي غير بعضها في آخر عهده، ومما قاله لي مرة: إن الذي يريد أن يخلد ذكره في هذا الشرق فلا ينسى، لا ينبغي له أن يطمع في هذا إلا إذا بنى هرمًا كهرم الجيزة!. وهي كلمة فلسفية كبيرة تنطوي على شرح طويل يعرفه من يعرفه.
وقد كادت قاعدة القصد التي أومأت إليها تنتهي به في آخر مدته إلى القول بإسقاط الإعراب بتة، وأظن ذلك خاطرًا سنح له فأخذ بأوله وترك أن ينظر في أعقابه، فزرته مرة في شهر يناير لسنة 1927، وكان يصحح تسويده جواب كتبه عن سؤال ورد عليه في هل يمكن الرجوع إلى اللغة الفصحى في القراءة والتكلم، وما الفائدة من ذلك؟ فلما أمر بالجواب على نظره دفعه إلي فقرأته، فإذا هو يرى أن كل حركة من حركات الإعراب والبناء يتهور فيها وقت ما؛ قال: فإذا قضينا
(3/304)

على أبناء العربية ألا يتكلموا إلا كلامًا معربًا نكون قد أضعنا عليهم ثلث الوقت الذي يقضونه في التكلم من غير فائدة تجنى.
ولقد جادلته في ذلك ولججت في الخلاف معه، وقلت له: إن هذه قاعدة مالية، ثم إنك أغفلت أمر العادة وما تيسره، وفي الكلام إيجاز يقوم مع الإعراب، هذا المقام لا يكون من الإيجاز بد، وفي اللهجات العامية من الحشو ومط الصوت وفساد التركيب ما يذهب بأكثر من ثلث الوقت؛ فأحسبه اقتنع وإن كنت رأيته لم يقتنع.
وإنه ليحضرني بعد هذا كلام كثير في فضائل وآدابه وشمائل نفسه الزكية ومنزعه في الأخلاق الطيبة الكريمة، ولو ذهبت فضل لخرجت إلى الإفاضة في فنون مختلفة، ولكني أجتزئ من كل ذلك بأنه كان يظهر لي دائمًا كأنه في ظل من محبة الله.
(3/305)

الشيخ الخضري 1:
تحول الكتاب إلى كتاب، ورجع المفكر إلى فكرة، وأصبح من كان يدارس الناس فإذا هو درس يذكر أو ينسى، وتناول التاريخ عالمًا، من علمائه فجعله نبأ من أنبائه، وكان يبنيه فوضعه في بنائه، وقيل: مات الشيخ الخضري!
آه لو يرجع إنسان واحد من طريق الموت التي أولها هذه النقطة الصغيرة المسماة بالكرة الأرضية، وآخرها حيث تجد كلمة: "الآخرة" بلا معنى لا محدود ولا مظنون! وآه لو استطعنا أن نتكلم عن الميت كأنه حي بيننا، ونحن كثيرًا ما نتكلم عن الحي كأنه مات في زمن! إني لأكتب هذه الكلمات وكأني أنظر إلى وجه أبي -رحمه الله- وأشهد ذلك السمت العجيب، وذلك الوقار الذي يغمر النفس هيبة وجلالًا، وأستروح ذلك الحب الذي هو أحد الطرق الثلاث المنتهية من الأرض إلى السماء، ومن المخلوق إلى الخلق، والمبتدئة من السماء إلى الأرض ومن الخالق إلى المخلوق: طريق الأم، وطريق الأب، وطريق الإنسانية؛ أكتب وكأن يدًا من وراء المادة تمسح على قلبي فأجد ثقلة وفترة، وأستشعر حنينًا وشوقًا، وأحس هذا القلب ينازعني إلى قوم ذهبوا بلا رجعة، وفارقوا بلا وداع، وغابوا عنًا بلا خبر؛ دخلوا إلى أنفسنا ولا تحويهم، وخرجوا منها ولا تخلو منهم؛ فما دخلوا ولا خرجوا، وهذه هي الحيرة التي يتركها الميت العزيز للحي المتفجع كيما يعرف بأمواته ما هو الموت!
كنا منذ بضع وثلاثين سنة في مدينة المنصورة، وكان أبي يومئذ كبير قضاة الشرع في ذلك الإقليم، فإني لألعب ذات يوم في بهو دارنا إذ طرق الباب، فذهبت أفتح فإذا أنا بشيخ لم يبلغ سن العمامة*، ولم أميز من هيئته أهو طالب علم أو هو عالم، فكان حدثًا لكنه يتسم بسمة الجد؛ ورأيته لا تموج به الجبة
__________
1 المقتطف: مايو سنة1927.
* كناية عن الحداثة وأنه شيخ بالمنظر لا بالسن.
(3/306)

كالعلماء، غير أنها لا تمجه كالطلبة؛ وكان في يده مجلد ضخم لو نطق لقال له: دعني لمن هو أسن منك! فما قدرته يزن عشرين مجلدًا من مثله، ونظر إلي نظرة كأني لا أزال أراها في عينه إلى الساعة، فسلمت عليه فقال: أين الشيخ؟ يعني -الوالد- قلت: خرج آنفًا؛ قال: فادفع إليه هذا الكتاب، وقل له جاء به الخضري.
ثم أغلقت الباب وانتحيت جانبًا وفتحت المجلد، فإذا هو جزء من التفسير الكبير للفخر الرازي، كان قد استعاره من مكتبتنا؛ وعرفت الشيخ من يومئذ، وكان أستاذًا للعربية في مدرسة الصنائع، يضع كتاب النحو والصرف مع المطرقة والمنشار والقدوم، فيذهب شيء في شيء، وكأنه لا يعلم شيئًا؛ وقلما كنا نذكره في مدرستنا إذ كان لنا شيخ فحل ثقة من رجال الأزهر، غير أن الخضري كان له موضع في كل مجلس، وكان يداخل قومًا من الخاصة يعنون بالمسائل الإسلامية وفلسفتها وتقريبها من العامة والدهماء، وبإشارة من بعض هؤلاء وضع أول كتبه: "نور اليقين في سيرة سيد المرسلين"، ويكاد هذا الاسم يدل على وزن الأستاذ في أول عهده، وأنه لا يزال وراء السجعة الآتية من القرون الأخيرة لم يمض على وجه ولم يعرف بمذهب.
إن الذي يريد أن يقول قولًا صحيحًا في هذا الفقيه العالم المؤرخ الأديب المربي، يجب أن يرجع بتياره إلى منبعه مبلغ انبعاثه وقوة جريته ومد عبابه؛ فما كان الخضري شيئًا قبل أن يتعلق بمدار ذلك النجم الإنساني العظيم الذي أهدته السماء إلى الأرض وسمى في أسمائها "محمد عبده"، لقد أخرجته دار العلوم كما أخرجت الكثيرين؛ ولكن دار علومه الكبرى كانت أخلاق الأستاذ الإمام وشمائله وآراءه وبلاغته وهمة نفسه. ألا أنه لا بد من رجل واحد يكون هو الواحد الذي يبدأ منه العدد في كل عصر، وأنت فكيف تأملت الخضري فاعلم أنك بإزاء معنى من معاني الشيخ محمد عبده، على فرق ما بين النفسين، بل أنت من الخضري كأنك ترى الشيخ ساريًا في مظهر من مظاهر الزمن.
كان يحضر دروس الشيخ، ويختلف إلى ناديه، ويناقله بعض الرأي، ويعارض معه بعض الكتب التي كان يرجع إلى الشيخ في تصحيحها أو الإشراف على طبعها، فنفذ الشيخ إلى نفسه ووجد السبيل إلى الاستقرار فيها، فهو من بعد حريص على وقته، مجد في عمله، دائب على طريقه، آخذًا بالأخلاق الفاضلة، مصلح مرب غيور، وكل ذلك في سمت وهيبة، وجزالة رأي، وشرف همة، وإخلاص حق الإخلاص؛ وما أرى فوضى عصرنا هذا وانحطاطه وإسفافه وسخافة قولهم: جديد
(3/307)

وقديم، وجريء ورجعي، وحر وجامد -إلا من خلاء العصر وفراغه من النفس الكبيرة، وحاجته إلى إمام عظيم؛ ومتى أصبحنا نضرب في دائرة لا مركز لها، فهي المربع وهي المستطيل وهي كل شكل إلا أن تكون الدائرة؛ والذين رأوا طاغور الشاعر الهندي المتصوف حين نزل بمصر، ورأوا سحره وتحويله كل جديد مدة أيام إلى قديم، وإخراسه هذه الألسنة عن نقده ومعارضته، وعن معاندة الحق طيشًا ونزقًا وضلالًا وتجديدًا ... يستطيعون أن يدركوا ما أومأنا إليه، ويتبينوا السر فيما نحن فيه، ويتمثلوا ما كان للشيخ محمد عبده في عصره، بل في خلق عصره.
وانتهى الخضري إلى مدرسة القضاء الشرعي، فألف كتابه في الأصول، اختصر فيه وهذب وقارب، فهو كتاب في هذا العلم لا كتاب هذا العلم، وأساتذة الأصول قوم آخرون لو أنت منهم مثل الشيخ الرافعي الكبير، لرأيت البحر الذي يذهب في ساحله نصف طول الأرض، وقد بعث الخضري على ذلك أن جماعة يومئذ كان منها صديقنا المرحوم حفني ناصف، والشيخ المهدي، وغيرهما، اجتمعوا على إبداع نهضة في التأليف، فذهب ثلاثة منهم بحصة الأدب، وفرغ الخضري للأصول؛ أخبرني بذلك حنفي بك -رحمه الله- ثم لما اختار القائمون على الجامعة المصرية القديمة صديقنا العلامة المؤرخ جورجي زيدان لدرس التاريخ الإسلامي فيها. طار الخبر في الأمة بأنهم اختاروا القنبلة.. وشعر الناس بمعنى الهدم قبل أن يتهدم شيء، فاضطرت الجامعة إلى أن تنحيه، وعهدت في الدرس إلى الأستاذ الخضري، فألقى دروسه التي جمعها في كتابه "تاريخ الأمم الإسلامية". وقال في مقدمة هذا الكتاب: "أرجو أن أكون قد وفقت لتذليل صعوبة كبرى. وهي صعوبة استفادة التاريخ العربي من كتبه"؛ نقول: وعلى أن الشيخ أحسن في كتابه، وجاء بمادة غزيرة من فكره ورأيه، وبسط واختصر، وباعد وقرب، فإن كلمته هذه إما أن تكون أكبر من التاريخ أو أكبر من كتابه.
وردَّ في السنة الماضية على كتاب "الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين، وكان رده خطابًا أراد أن يحاضر به طلبة الجامعة؛ لأنه أستاذ أستاذهم؛ فكأنه أراد جعل أستاذهم هذا تلميذًا معهم، وأبت عليه الجامعة ما أراد، ولعلها فطنت إلى هذا الغرض؛ ولما علم أني شرعت في طبع ردي على الدكتور طه1، كلمني في
__________
1 المعركة تحت راية القرآن.
(3/308)

استلحاق مقاله وجعله ذيلًا في الكتاب، وقدرناه يومئذ في نحو خمسين صفحة أو دونها، وقد سألته أن ينفي منه ما كان في مقادير الرصاص، ويقتصر على ما هو في وزن القنابل، فقال: "كله قنابل"!. ثم اتسع كتابي وجاوز مقداره إلى الضعف، فوسع هو رده وزاد فيه وطبعه في قريب من ضعفه على حدة.
دع كتابه المشهور "مهذب الأغاني"، فهذا لا يقال: إن الشيخ ألفه، بل ألفته خمس عشرة سنة؛ وأظن كل ذلك لا يذكر في جنب الكتاب الذي كان يعمل فيه أخيرًا، وهو كتاب "الأدب المصري"، أخبرني أنه في جزأين ودعاني إلى داره لأرى "المكتبة الخضرية"؛ ولأطلع على هذا الكتاب، فوعدته ولم يقدر لي؛ وقد حدثني أنه معنيٌّ أشد العناية باستجماع الفروق التي يمتاز بها الأدب المصري عن الأدب الحجازي والشامي والعراقي والأندلسي، وأنه أصاب من ذلك أشياء متميزة منذ الدولة الطولونية، يحق لمصر أن تقول فيها: هذا أدبي؛ وكان يكتم خبر هذا الكتاب، حتى أن صديقنا الأستاذ حافظ بك عوض صاحب جريدة "كوكب الشرق"، اقترح عليه أن يكتب فصلًا في الشعراء المصريين وأدبهم يعقده لكتاب حفلة تكريم شوقي بك؛ ثم لقيه بعد ذلك فقال له الشيخ: إن البحث سائر على أحسن وجوهه!
كان الخضري يفرح للقائي ويهش لي، وكنت أتبين في وجهه أشعة روحه الصافية، ولعله كان يرى بي في نفسه ذلك الشيخ الذي أعطاني المجلد، كما كنت أرى به في نفس ذلك التلميذ الذي أخذ المجلد منه! على أن مرجع ذلك في الحق إلى سعة صدره، وفسحة رأيه، وبسطة ذرعه، وسموِّ أدبه وإنصافه؛ فلا يحقد ولا يحسد، ولا يتجاوز قدره، ولا ينزل بأحد عن قدره، ولا يدعي ما لا يحسن؛ وقد عرف قراء "المقتطف" مثلًا من أخلاقه هذه أو أكثرها حتى انتقده صديقنا الأستاذ عبد الرحيم بن محمود، وتناول الجزء الأول من كتابه "مهذب الأغاني" وراح يتقلقل له كجلمود صخر.. فوسعه الشيخ وعني به ورد عليه في "المقتطف"، ونعته بالأستاذ الجهبذ وانتصف منه، وأنصفه معًا. ولقد اقترحت عليه مرة أن يضع كتابًا في حكمة التشريع الإسلامي وفلسفته، فقال لي: "مش قده" يعني أن العمل أكبر منه، ولكن هذا نبهه إلى وضع كتابه في "تاريخ التشريع الإسلامي.
ولما أصدرت الجزء الأول من "تاريخ آداب العرب" في سنة 1911، لم أهده إلى الشيخ، فاشتراه وقرأه، ثم لقيته وسألته رأيه فيه، فقال: "جدًّا كويس"
(3/309)

فكان تقديم "جدًّا" تقريظًا، و"كويس" تقريظًا آخر؛ وهو يقول هذا على حين كان بعض إخوانه الشيوخ يكاد يموت غمًّا بهذا الكتاب وما كتب عنه، وعلى حين كلمني بعضهم مرتين في ترك هذا العمل ونفض يدي منه؛ لأنه -زعم- عمل شاقٌّ بلا فائدة..
وقد زرت الأستاذ الخضري في وزارة المعارف في السنة الماضية، فبعد أن جلست إلى جانبه نهض مرة ثانية وجعل يثبتني بقوة في الكرسي، كأنه لم يطمئن بعد إلى أني جلست، ثم فاض بكلام كثير، فكان فيما قاله: "أنا الآن أعيش في غير زمني"، وكأنما كان ينعي إلي نفسه بهذه الكلمة من حيث لا يدري ولا أدري، وقال لي: إنه يجلس إلى مكتبة في كل يوم ست ساعات، يقرأ ويؤلف أو ينسخ؛ لأن كل كتبه المخطوطة هو ناقلها وناسخها ومصححها، وأنه يتلو كل يوم أربعة أجزاء من القرآن الكريم. قال: ولا يعتريه البرد ولا مرض من أمراضه، لما اعتاد من رياضة صدره بهذه التلاوة، وقال: إن كل ما هو فيه إنما هو من بركة القرآن.
ولنمسك عند هذا الحد؛ فإن للذكرى غمزًا على القلب، وبالجملة فقد كان -رحمه الله- عالمًا كالكُتَّاب، وكاتبًا كالعلماء؛ فهو من هؤلاء وأولئك يلف الطبقتين، وهو وحده منزلة بين المنزلتين؛ وبذلك تميز وظهر، فإنه في إحدى الجهتين عقل جريء تمده رواية واسعة في علوم مختلفة، فنراه يبعث من عقله الحياة إلى الماضي حتى كأنه لم يمض، وهو في الجهة الأخرى علم مستفيض لا يقف عند حد الصحيفة أو الكتاب، بل لا يزال يلتمس له عقلًا يخرجه ويتصرف به، حتى يكبر عن أن يكون قديمًا بحتًا فينتظم الحاضر إلى ماضيه ويطلقهما إطلاقًا واحدًا.. لم يكن الشيخ جديدًا إلا بالقديم، ولا قديمًا إلا بالجديد؛ فإننا لا نعرف قديمًا محضًا ولا جديدًا صرفًا، ولا نقيم وزن أحدهما إلا بوزن من الآخر إذا أردنا بهما سنة الحياة؛ وأنت لن تجد حيًّا منقطعًا مما وراءه، بل أنت ترى الطبيعة قيدت كل حي جديد إلى أصلين من القديم لا أصل واحد هما أبواه فمنهما يأتي ومنهما يستمد وهُمَا أبدًا فيه وإن كان على حدة؛ وبعد، فلو جاريت السخافة العصرية المشهورة لقلت: إن المذهب القديم.. قد انهد ركن من أركانه، ونقص قنطار كتب من ميزانه؛ ولكن هذه السخافة في رأيي كما ترى من جماعة ائتلوا أن يطفئوا نجمًا في السماء؛ لأنه قديم، فاتفقوا على ذلك وأجمعوه بينهم وفرغوا من أمره، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون كيف يهيئون العربات والمضخات التي تحمل إلى السماء بضعة أبحر ليصبوها على النجم ...
(3/310)

رأي جديد 1 في كتب الأدب القديمة:
أدب الكاتب لابن قتيبة من الدواوين الأربعة التي قال ابن خلدون فيها من كلامه على حد علم الأدب: "وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين: وهي "أدب الكاتب" لابن قتيبة، و "كتاب الكامل" للمبرد، و "كتاب البيان والتبيين" للجاحظ، وكتاب "النوادر" لأبي علي القالي البغدادي؛ وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها".
وقد يظن أدباء عصرنا أن كلمة ابن خلدون هذه كانت تصلح لزمنه وقومه، وأنها تتوجه على طريقة من قبلهم في طبقة بعد طبقة إلى أصول هذه السلسلة التي يقولون فيها: حدثنا فلان عن فلان إلى الأصمعي أو أبي عبيدة أو أبي عمرو بن العلاء وغيرهم من شيوخ الرواية ونقلة اللغة. ولكنها لا تستقيم في آدابنا ولا تعد من آلائنا ولا تقع من معارفنا، بل يكاد يذهب من يتغرر منهم بالآراء الأوروبية التي يسميها علمه ... ومن يسترسل إلى التقليد الذي يسميه مذهبه.. إلى أن تلك الكتب وما جرى في طريقتها هي أموات من الكتب، وهي قبور من الأوراق، وأنه يجب أن يكون بيننا وبينها من الإهمال أكثر مما بينها وبيننا من الزمن، وأن بعث الكتاب منها وإحياءه يوشك أن يكون كبعث الموتى: علامة على خراب الدنيا..
فأما أن يكون ذلك علامة على خراب الدنيا، فهو صحيح إذا كانت الدنيا هي محرر جريدة.. من أمثال أصحابنا هؤلاء، وأما تلك الكتب فأنا أحسبها لم توضع إلا لزمننا هذا ولأدبائه وكتابه خاصة، وكأن القدر هو أثبت ذلك القول في مقدمة ابن خلدون لينتهي بنصه إلينا فنستخرج منه ما يقيمنا على الطريقة في هذا العصر الذي وقع أدباؤه في متسع طويل من فنون الأدب ومضطرب عريض من مذاهب الكتابة وأفق لا تستقر حدوده من العلوم والفلسفة ... فإن هذه المادة
__________
1 كتب مقدمة لشرح الجواليقي على أدب الكاتب لابن قتيبة.
(3/311)

الحافلة من المعاني تحيي آداب الأمم في أوروبا وأمريكا، ولكنها تكاد تطمس آدابنا وتمحقنا محقًا تذهب فيه خصائصنا ومقوماتنا، وتحيلنا عن أوضاعنا التاريخية، وتفسد عقولنا ونزعاتنا، وترمي بنا مراميها بين كل أمة وأمة، حتى كأن ليست منا أمة في حيزها الإنساني المحدود من ناحية بالتاريخ ومن ناحية بالصفات ومن ناحية بالعلوم ومن ناحية بالآداب؛ ومن ذلك ابتلي أكثر كتابنا بالانحراف عن الأدب العربي أو العصبية عليه أو الزراية له، ومنهم من تحسبه قد رمي في عقله لهوسه وحماقته، ومنهم من كأنه في حقده سلح قلبه، ومنهم المقلد لا يدري أعلى قصد هو أم جور، ومنهم الحائر يذهب في مذهب ويجيء من مذهب ولا يتجه لقصد، ومنهم من هو منهم وكفى..
وقلما تنبه أحد إلى السبب في هذا؛ والسبب في حقارته وضعفه "كالمكروب": بذرةٌ طامسةٌ لا شأن لها، ولكن متى تنبت تنبت أوجاعًا وآلامًا وموتًا وأحزانًا ومصائب شتى.
السبب أن أولئك الأدباء كلهم ثم من يتشيع لهم أو يأخذ برأيهم، ليس منهم واحد ترى في أساسه الأدبي تلك الأصول العربية المحضة القائمة على دراسة اللغة وجمعها وتصنيفها وبيان عللها وتصاريفها ومطارح اللسان فيها، والمتأدية بذلك إلى تمكين الأديب الناشئ من أسرار هذه اللغة وتطويعها له، فيكون قيمًا بها وتكون هي مستجيبة لقلمه جارية في طبيعته مسددة في تصرفه، حتى إذا نشأ بها واستحكم فيها أحسن العمل لها وزاد في مادتها وأخذ لها من غيرها وكان خليقًا أن يمد فيها ويحسن الملاءمة بينها وبين الآداب ويجعل ذلك نسجًا واحدًا وبيانًا بعضه من بعضه، فينمو الأدب العربي في صنيعه كما تنمو الشجرة الحية: تأخذ من كل ما حولها لعنصرها وطبيعتها وليس إلا عنصرها وطبيعتها حسب.
إن "أدب الكاتب" وشرحه هذا للإمام الجواليقي* وما صنف من بابهما على طريقة الجمع من اللغة والخبر وشعر الشواهد والاستقصاء في ذلك والتبسط في الوجوه والعلل النحوية والصرفية والإمعان في التحقيق، كل ذلك عمل ينبغي أن يعرف على حقه في زمننا هذا؛ فهو ليس أدبًا كما يفهم من المعنى الفلسفي لهذه
__________
* الجواليق: جمع شاذ لجوالق، وقد نسب هذا الإمام إلى عمل الجوالق وبيعها؛ وهذا الجمع ليس بينه وبين واحده إلا الحركة، فالمفرد جُوالق "بضم الجيم" والجمع بالفتح، ومثله ألفاظ أحصوها: كحلاحل، وعدامل، وخثارم، وغيرها.
(3/312)

الكلمة، بل هو أبعد الأشياء عن هذا المعنى؛ فإنك لا تجد في كتاب من هذه الكتب إلا التأليف الذي بين يديك، أما المؤلف فلا تجده ولا تعرفه منها إلا كالكلمة المحبوسة في قاعدة.. وكأنه لم يكن فيه روح إنسان بل روح مادة مصمتة، وكأنه لم ينشأ ليعمل في عصره بل ليعمل عصره فيه، وكأن ليس في الكتاب جهة إنسانية متعينة، فثم تأليف ولكن أين المؤلف؟ وهذا كتاب ابن قتيبة، ولكن أين ابن قتيبة فيه؟
وما أخطأ المتقدمون في تسميتهم هذه الكتب أدبًا؛ فذلك هو رسم الأدب في عصرهم، غير أن هذا الرسم قد انتقل في عصرنا نحن، فإنا نحن المخطئون اليوم في هذه التسمية، كما لو ذهبنا نسمي الجمل في البادية "الإكسبريس"، والهودج عزبة "بولمان".
ومن هذا الخطأ في التسمية ظهر الأدب العربي لقصار النظر كأنه تكرار عصر واحد على امتداد الزمن، فإن زاد المتأخر لم يأخذ إلا من المتقدم؛ وصارت هذه الكتب كأنها في جملتها قانون من قوانين الجنسية نافذ على الدهر، لا ينبغي لعصر يأتي إلا أن يكون من جنس القرن الأول.
هذه الكتب من هذه الناحية كالخل: يسمَّى لك عسلًا ثم تذوقه فلا يجني عليه عندك إلا الاسم الذي زور له؛ أما هو فكما هو في نفسه وفي فائدته وفي طبيعته وفي الحاجة إليه، لا ينقص من ذلك ولا يتغير.
الحقيقة التي يعينها الوضع الصحيح أن تلك المؤلفات إنما وضعت لتكون أدبًا، لا من معنى أدب الفكر وفنه وجماله وفلسفته، بل من معنى أدب النفس وتثقيفها وتربيتها وإقامتها، فهي كتب تربية لغوية قائمة على أصول محكمة في هذا الباب، حتى ما يقرؤها أعجمي إلا خرج منها عربيًّا أو في هوى العربية والميل إليها؛ ومن أجل ذلك بنيت على أوضاع تجعل القارئ المتبصر كأنما يصاحب من الكتاب أعرابيًّا فصيحًا يسأله فيجيبه، ويستهديه فيرشده؛ ويخرجه الكتاب تصفحًا وقراءة كما تخرجه البادية سماعًا وتلقينًا، والقارئ في كل ذلك مستدرج إلى التعريب في مدرجة مدرجة من هوى النفس ومحبتها، فتصنع به تلك الفصول فيما دبرت له مثلما تصنع كتب التربية في تكوين الخلق بالأساليب التي أديرت عليها والشواهد التي وضعت لها والمعالم النفسية التي فصلت فيها ومن ثم جاءت هذه الكتب العربية كلها على نسق واحد لا يختلف في الجملة فهي أخبار وأشعار ولغة وعربية وجمع وتحقيق وتمحيص، وإنما تتفاوت بالزيادة والنقص والاختصار
(3/313)

والتبسط والتخفيف والتثقيل ونحو ذلك فما هو في الموضوع لا في الوضع، حتى ليخيل إليك أن هذه كتب جغرافية للغة وألفاظها وأخبارها؛ إذ كانت مثل كتب الجغرافية: متطابقة كلها على وصف طبيعة ثابتة لا تتغير معالمها ولا يخلق غيرها إلا الخالق سبحانه وتعالى.
وإذا تدبرت هذا الذي بيناه لم تعجب كما يعجب المتطفلون على الأدب العربي والمتخبطون فيه من أن يروا إيمان المؤلفين متصلًا بكتبهم ظاهر الأثر فيها، وأنهم جميعًا يقرون إنما يريدون بها المنزلة عند الله في العمل لحياطة هذا اللسان الذي نزل به القرآن وتأديته في هذه الكتب إلى قومهم كما تؤدى الأمانة إلى أهلها، حتى لولا القرآن لما وضع من ذلك شيء البتة.
وأنا أتلمح دائمًا العامل الإلهي في كل أطوار هذه اللغة وأراه يديرها على حفظ القرآن الذي هو معجزتها الكبرى، وأرى من أثره مجيء تلك الكتب على ذلك الوضع، وتسخير تلك العقول الواسعة من الرواة والعلماء والحفاظ جيلًا بعد جيل في الجمع والشرح والتعليق بغير ابتكار ولا وضع ولا فلسفة ولا زيغ عن تلك الحدود المرسومة التي أومأنا إلى حكمتها، فلو أنه كان فيهم مجددون من طراز أصحابنا من أهل التخليط، ثم ترك لهم هذا الشأن يتولونه كما نرى بالنظر القصير والرأي المعاند والهوى المنحرف والكبرياء المصممة والقول على الهاجس والعلم على التوهم ومجادلة الأستاذ حيص للأستاذ بيص ... إذن لضرب بعضهم وجه بعض وجاءت كتب متدابرة، ومسخ التاريخ وضاعت العربية وفسد ذلك الشأن كله، فلم يتسق منه شيء.
ومما ترده على قارئها تلك الكتب في تربيته للعربية أنها تمكن فيه للصبر والمعاناة والتحقيق والتورك في البحث والتدقيق في التصفح، وهي الصفات التي فقدها أدباء هذا الزمن، فأصبحوا لا يثبتون ولا يحققون، وطال عليهم أن ينظروا في العربية، وثقل عليهم أن يستبطنوا كتبها؛ ولو قد تربوا في تلك الأسفار، وبذلك الأسلوب العربي لتمت الملاءمة بين اللغة في قوتها وجزالتها وبين ما عسى أن ينكره منها ذوقهم في ضعفه وعاميته وكانوا أحق بها وأهلها.
وذلك بعينه هو السر في أن من لا يقرؤون تلك الكتب أول نشأتهم، لا تراهم يكتبون إلا بأسلوب منحط، ولا يجيئون إلا بكلام سقيم غث، ولا يرون في الأدب العربي إلا آراء ملتوية؛ ثم هم لا يستطيعون أن يقيموا على درس كتاب عربي. فيساهلون أنفسهم ويحكمون على اللغة والأدب بما يشعرون به في حالتهم
(3/314)

تلك، ويتورطون في أقوال مضحكة، وينسون أنه لا يجوز القطع على الشيء من ناحية الشعور ما دام الشعور يختلف في الناس باختلاف أسبابه وعوارضه، ولا من ناحية يجوز أن يكون الخطأ فيها؛ وهم أبدًا في إحدى الناحيتين أو في كلتيهما.
وهذا شرح الجواليقي من أمتع الكتب التي أشرنا إليها، وصاحبه هو الإمام أبو منصور موهوب الجواليقي المولود في سنة 465 للهجرة، والمتوفى سنة540، وهو من تلاميذ الإمام الشيخ أبي زكريا الخطيب التبريزي؛ أول من درس الأدب في المدرسة النظامية ببغداد* وقرأ الجواليقي على شيخه هذا سبع عشرة سنة، استوفى فيها علوم الأدب من اللغة والشعر والخبر والعربية بفنونها، ثم خلف شيخه على تدريس الأدب في النظامية بعد علي بن أبي زيد المعروف بالفصيحى**.
وما نشك أن هذا الشرح هو بعض دروسه في تلك المدرسة، فأنت من هذا الكتاب كأنك بإزاء كرسي التدريس في ذلك العهد، تسمع من رجل انتهت إليه إمامة اللغة في عصره، فهو مدقق محيط مبالغ في الاستقصاء لا يند عنه شيء مما هو بسبيله من الشرح، معنيٌّ بالتصريف ووجوهه مما انتهى إليه من أثر الإمام ابن جني فيلسوف هذا العلم في تاريخ الأدب العربي، فإن بين الجواليقي وبينه شيخين كما تعرف من إسناده في هذا الشرح.
وقد قالوا: إن أبا منصور في اللغة أمثل منه في النحو، على إمامته فيهما معًا؛ إذ كان يذهب في بعض علل النحو إلى آراء شاذة ينفرد بها، وقد ساق منها عبد الرحمن الأنباري مثلين في كتابه "نزهة الألباء"، ولكن هذا الشذوذ نفسه دليل على استقلال الفكر وسعته ومحاولته أن يكون في الطبقة العليا من أئمة العربية***، وهو على ذلك رجل ثقة صدوق كثير الضبط عجيب في التحري والتدقيق؛ حتى
__________
* أنشأها نظام الملك وزير ملك شاه السلجوقي المتوفى سنة485هـ.
** لقب بذلك لكثرة إعادته كتاب الفصيح في اللغة.
*** قال ياقوت في ترجمة أبي علي الفارسي من معجم الأدباء: قرأت بخط الشيخ أبي محمد الخشاب: كان شيخنا "يعني الجواليقي" قلما يتنبل عنده ممارس للصناعة النحوية ولو طال فيها باعه، ما لم يتمكن من علم الرواية وما تشتمل عليه من ضروبها، ولا سيما رواية الأشعار العربية وما يتعلق بمعرفتها من لغة وقصة؛ ولهذا كان مقدمًا لأبي سعيد السيرافي على أبي علي الفارس -رحمهما الله- ويقول: أبو سعيد أروى من أبي علي، وأكثر تحققًا منه بالرواية وأثرى منه فيها.
(3/315)

كان من أثر ذلك في طباعه أن اعتاد التفكير وطول الصمت فلا يقول قولًا إلا بعد تدبر وفكر طويل، فإن لم يهتد إلى شيء قال: لا أدري، وكثيرًا ما كان يسأل في المسألة فلا يجيب إلا بعد أيام.
وكان ورعًا قوي الإيمان، انتهى به إيمانه وعلمه وتقواه إلى أن صار أستاذ الخليفة المقتفي لأمر الله، فاختص بإمامته في الصلوات، وقرأ عليه المقتفى شيئًا من الكتب، وانتفع بذلك وبان أثره في توقيعاته كما قالوا.
والذي يتأمل هذا الشرح فضل تأمل يرى صاحبه كأنما خلقه الله رجل إحصاء في اللغة، لا يفوته شيء مما عرف إلى زمنه، وهو ولا ريب يجري في الطريقة الفكرية التي نهجها ابن جني وشيخه أبو علي الفارس؛ ومن أثر هذه الطريقة فيه أنه لا يتحجر ولا يمنع القياس في اللغة، ويلحق ما وضعه المتأخرون بما سمع من العرب، ويروي ذلك جميعه ويحفظه ويلقيه على طلبته؛ ومن أمتع ما جاء من ذلك في شرحه قوله في صفحة 235، وهو باب لم يستوفه غيره ولا تجده إلا في كتابه، وهذه عبارته:
قولهم: يدي من ذلك فعِلة: المسموع منهم في ذلك ألفاظ قليلة، وقد قاس قوم من أهل اللغة على ذلك فقالوا: يدي من الإهالة سنخة، ومن البيض زهمة، ومن التراب تربة، ومن التين والعنب والفواكه كتنة وكمدة ولزجة، ومن العشب كتنة أيضًا، ومن الجبن نسمة، ومن الجص شهرة، ومن الحديد والشبهة والصفر والرصاص سهكة وصدئة أيضًا، ومن الحمأة ردغة ورزغة، ومن الخضاب ردعة، ومن الحنطة والعجين والخبز نسغة، ومن الخل والنبيذ خمطة، ومن الدبس والعسل دبقة ولزقة أيضًا، ومن الدم شحطة وشرفة ومن الدهن زنخة، ومن الرياحين ذكية، ومن الزهر زهرة، ومن الزيت قنمة، ومن السمك سهكة وصمرة، ومن السمن دسمة ونمسة ونمسة، ومن الشهد والطين لثقة، ومن العطر عطرة، ومن الغالية عبقة، ومن الغسلة والقدر وحرة، ومن الفرصاد قنئة، ومن اللبن وضرة، ومن اللحم والمرق سمرة، ومن الماء بللة وسبرة، ومن المسك ذفرة وعبقة، ومن النتن قنمة، ومن النفط جعدة. انتهى.
فالمسموع من هذه الألفاظ عن العرب لا يتجاوز سبعًا فيما نرى، والباقي كله أجراه علماء اللغة وأهل الأدب على القياس، فأبدع القياس منها أربعًا وثلاثين كلمة: ولو تدبرت كيفية استخراجها ورجعت إلى الأصول التي أخذت
(3/316)

منها لأيقنت أن هذه العربية هي أوسع اللغات كافة، وأنها من أهلها كالنبوة الخالدة في دينها القوي: تنتظر كل جيل يأتي كما ودعت كل جيل غير لأنها الإنسانية، لهؤلاء وهؤلاء.
إن ظهور مثل هذا الشرح كالتوبيخ لأكثر كتاب هذا الزمن أن اقرءوا وادرسوا وخصوا لغتكم بشطر من عنايتكم، وتربوا لها بتربيتها في مدارسكم ومعاهدكم، واصبروا على معاناتها صبر المحب على حبيبته، فإن ضعفتم فصبر البار على من يلزمه حقه؛ فإن ضعفتم عن هذا فصبر المتكلف المتجمل على الأقل!
(3/317)

أمير الشعر في العصر القديم 1:
الوجه في إفراد شاعر أو كاتب من الماضين بالتأليف، أن تصنع كأنك تعيده إلى الدنيا في كتاب وكان إنسانًا وكان عمرًا، وترده حكاية وكان عملًا، وتنقله بزمنه إلى زمنك، وتعرضه بقومه على قومك، حتى كأنه بعد أن خلقه الله خلقة إيجاد بخلقه العقل خلقة تفكير.
من أجل ذلك لا بد أن يتقصى المؤلف في الجمع من آثار المترجم وأخباره، وأن يحمل في ذلك من العنت ما يحمله لو هو كان يجري وراء ملكي من يترجمه لقراءة كتاب أعماله في يديهما.. ولا بد أن يبالغ في التمحيص والمقابلة، ويدقق في الاستنباط والاستخراج، ويضيف إلى عامة ما وجد من العلم والخبر خاصة ما عنده من الرأي والفكر، ويعمل على أن ينقح ما انتهى إليه الماضي في أدبه وعلمه بما بلغ إليه الحاضر في فنه وفلسفته؛ وذلك من عمل العقل المتجدد أبدًا والمترادف على هذه الحياة بمذاهبه المختلفة، يشبه عمل الدهر المتجدد أبدًا والمترادف بالليل والنهار على هذه الأرض، كل نهار أو ليل هو آخر وهو أول، وكذلك العقول كلها آخر من ناحية وأول من ناحية.
والتجديد في الأدب إنما يكون من طريقتين: فأما واحدة فإيداع الأديب الحي في آثار تفكيره بما يخلق من الصور الجديدة في اللغة والبيان، وأما الأخرى فإبداع الحي في آثار الميت بما يتناولها به من مذاهب النقد المستحدثة وأساليب الفن الجديدة وفي الإبداع الأول إيجاد ما لم يوجد، وفي الثاني إتمام ما لم يتم؛ فلا جرم كانت فيهما معًا حقيقة التجديد بكل معانيها، ولا تجديد إلا من ثمة، فلا جديد؛ إلا مع القديم.
__________
1 "المقتطف": وضع الأديب محمد صالح سمك رسالة قيمة في امرئ القيس "أمير الشعر في العصر القديم" تقع في نحو مائتين وخمسين صفحة، سلك فيها مسلكًا طريفًا، وحلاها بمقدمة بليغة للأستاذ الجليل مصطفى صادق الرافعي، فخص المؤلف المقتطف المقدمة وبعض أبحاث الرسالة فيها طبقًا لرغبتنا.
(3/318)

وإذا تبينت هذا وحققته أدركت لماذا يتخبط منتحلو الجديد بيننا وأكثرهم يدعيه سفاهًا ويتقلده زورًا، وجملة عملهم كوضع الزنجي الذرور الأبيض "البودرة" على وجهه ثم يذهب يدعي أنه خرج أبيض من أمه لا من العلبة.. فإن منهم من يصنع رسالة في شاعر وهو لا يفهم الشعر ولا يحسن تفسيره ولا يجده في طبعه؛ ومنهم من يدرس الكاتب البليغ وقد باعده الله من البلاغة ومذاهبها وأسرارها، ومنهم من يجدد في تاريخ الأدب، ولكن بالتكذب عليه والتقحم فيه والذهاب في مذهب المخالفة، يضرب وجه المقبل حتى يجيء مدبرًا، ووجه المدبر حتى يعود مقبلًا، فإذا لكل فريق جديد، وينسى أن جديده بالصنعة لا بالطبيعة وبالزور لا بالحق.
ألا إن كل من شاء استطاع أن يطب لكل مريض، لا يكلفه ذلك إلا قولًا يقوله وتلفيقًا يدبره، ولكن أكذلك كل من وصف دواء استطاع أن يشفي به؟
وبعد؛ فقد قرأت رسالة امرئ القيس التي وضعها الأديب السيد محمد صالح سمك، فرأيت كاتبها -مع أنه ناشئ بعد- قد أدرك حقيقة الفن في هذا الوضع من تجديد الأدب، فاستقام على طريقة غير ملتوية، ومضى في المنهج السديد، ولم يدع التثبت وإنعام النظر وتقليب الفكر وتحصين الرأي، ولا قصر في التحصيل والاطلاع والاستقصاء، ولا أراه قد فاته إلا ما لا بد أن يفوت غيره مما ذهب في إهمال الرواة المتقدمين وأصبح الكلام فيه من بعدهم رجمًا بالغيب وحكمًا بالظن.
فإن امرأ القيس في رأيي إنما هو عقل بياني كبير من العقول المفردة التي خلقت خلقتها في هذه اللغة، فوضع في بيانها أوضاعًا كان هو مبتدعها والسابق إليها، ونهج لمن بعده طريقتها في الاحتذاء عليها والزيادة فيها والتوليد منها؛ وتلك هي منقبته التي انفرد بها والتي هي سرد خلوده في كل عصر إلى دهرنا هذا وإلى ما بقيت اللغة؛ فهو أصل من الأصول، في أبواب من البلاغة كالتشبيه والاستعارة وغيرهما، حتى لكأنه مصنع من مصانع الغة لا رجل من رجالها؛ وكما يقال في أمننا في أمم الصناعة: سيارة فورد وسيارة فيات، يمكن أن يقال مثل ذلك في بعض أنواع البلاغة العربية: استعارة امرئ القيس، وتشبيه امرئ القيس.
ولكن تحقيق هذا الباب وإحصاء ما انفرد به الشاعر وتأريخ كلماته البيانية مما لا يستطيعه باحث وليس لنا فيه إلا الوقوف عند ما جاء به النص.
ولقد نبهنا في "إعجاز القرآن" إلى مثل هذا؛ إذ نعتقد أن أكثر ما جاء في القرآن الكريم كان جديدًا في اللغة، لم يوضع من قبله ذلك الوضع ولم يجر في
(3/319)

استعمال العرب كما أجراه، فهو يصب اللغة صبًّا في أوضاعه لأهلها لا في أوضاع أهلها؛ وبذلك يحقق من نحو ألف وأربعمائة سنة ما لا نظن فلسفة الفن قد بلغت إليه في هذا العصر؛ إذ حقيقة الفن على ما نرى أن تكون الأشياء كأنها ناقصة في ذات أنفسها ليس في تركيبها إلا القوة التي بنيت عليها، فإذا تناولها الصنع الحاذق الملهم أضاف إليها من تعبيره ما يشعرك أنه خلق فيها الجمال العقلي، فكأنها كانت في الخلقة ناقصة حتى أتمها.
وهذا المعنى الذي بيناه هو الذي كان يحوم عليه الرواة والعلماء بالشعر قديمًا، يحسونه ولا يجدون بيانه وتأويله، فترى الأصمعي مثلًا يقول في شعر لبيد؛ إنه طيلسان طبري. أي محكم متين، ولكن لا رونق له؛ أي فيه القوة وليس فيه الجمال؛ أي فيه التركيب وليس فيه الفن.
والعقل البياني كما قلنا في غير هذه الكلمة، هو ثروة اللغة، وبه وبأمثاله تعامل التاريخ، وهو الذي يحقق فيها فنَّ ألفاظها وصورها؛ فهو بذلك امتدادها الزمني وانتقالها التاريخي وتخلقها مع أهلها إنسانية بعد إنسانية في زمن بعد زمن، ولا تجديد ولا تطور إلا في هذا التخلق متى جاء من أهله والجديرين به؛ وهو العقل المخلوق للتفسير والتوليد وتلقي الوحي وأدائه واعتصار المعنى من كل مادة وإدارة الأسلوب على كل ما يتصل به من المعاني والآراء، فينقلها من خلقتها وصيغها العالية إلى خلق إنسان بعينه، هو هذا العبقري الذي رزق البيان.
وللسبب الذي أومأنا إليه بقي امرؤ القيس كالميزان المنصوب في الشعر العربي يبين به الناقص والوافي؛ قال الباقلاني في كتابه "الإعجاز": وقد ترى الأدباء أولًا يوازنون بشعر "يريد امرأ القيس" فلانًا وفلانًا ويضمون أشعارهم إلى شعره، حتى ربما وازنوا بين شعر من لقيناه "توفي الباقلاني سنة 403 للهجرة" وبين شعره في أشياء لطيفة وأمور بديعة، وربما فضلوهم عليه أو سووا بينهم وبينه أو قربوا موضع تقدمه عليهم وبروزه بين أيديهم، اهـ.
ومعنى كلامه أن امرأ القيس أصل في البلاغة، قد مات ولا يزال يخلق، وتطورت الدنيا ولا يزال يجيء معها، وبلغ الشعر العربي غايته ولا تزال عربية عند الغاية.
وعرض الباقلاني في كتابه طويلة امرئ القيس* فانتقد منها أبياتًا كثيرة،
__________
* أي معلقته، وهذه القصائد التي تسمى المعلقات ولم تعلق كما سنبينه في تاريخ آداب العرب.
"قلت: انظر الجزء الثالث".
(3/320)

ليدل بذلك على أن أجود شعر وأبدعه وأفصحه وما أجمعوا على تقدمه في الصناعة والبيان، هو قبيل آخر غير نظم القرآن لا يمتنع من آفات البشرية ونقصها وعوارها؛ فركب في ذلك رأسه ورجليه معًا ... فأصاب وأخطأ، وتعسف وتهدى، وأنصف وتحامل؛ وكل ذلك لمكانة امرئ القيس في ابتكاره البياني الذي لا يمكن أن يدفع عنه؛ ولما انتقد قوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
قال: "فقد قالوا: عنى بذلك أنها كبيضة خدر في صفائها ورقتها، وهذه كلمة حسنة ولكن لم يسبق إليها بل هي دائرة في أفواه العرب". ألا ليت شعري هل كان الباقلاني يسمع من أفواه العرب في عصر امرئ القيس قبل أن يقول "وبيضة خدر"؟
على أن الكناية عن الحبيبة "بيضة الخدر" من أبدع الكلام وأحسن ما يؤتى العقل الشعري، ولو قالها اليوم شاعر في لندن أو باريس بالمعنى الذي أراده امرؤ القيس -بما فسرها به الباقلاني- لاستبدعت من قائلها ولأصبحت مع القبلة على كل فم جميل؛ بل هم يمرون في بعض بيانهم من طريق هذه الكلمة، فيكنون عن البيت الذي يتلاقى فيه الحبيبان "بالعش"، وما يتخذ العش إلا للبيضة. إنما عني الشاعر العظيم أن حبيبته في نعومتها وترفها ولين ما حولها، ثم في مسها وحرارة الشباب فيها، ثم في رقتها وصفاء لونها وبريقها، ثم في قيام أهلها وذويها عليها ولزومهم إياها، ثم في حذرهم وسهرهم، ثم في انصرافهم بجملة الحياة إلى شأنها وبجملة القوة إلى حياطتها والمحاماة عنها -هي في كل ذلك منهم، ومن نفسها كبيضة الجارح في عشه، إلا أنها بيضة خدر، ولذلك قال بعد هذا البيت:
تجاوزت أحراسًا إليها ومعشرًا ... علي حراصًا لو يسرون مقتلي
فتلك بعض معاني الكلمة وهي كما ترى، وكذلك ينبغي أن يفسر البيان....
(3/321)

البؤساء 1:
ترجم حافظ هذا الجزء الثاني من البؤساء فطوى به الأول، وكانوا يحسبون الأول قد عقمت بمثله البلاغة فلا ثاني له. وبين الجزأين زمن لو اتسع به أديب في قراءة كتب الأدب لاستوعبها كلها، فكأن ارتفاع السن بحافظ في هذه المدة جعل منه في قوة الأدب حافظين يترجمان معًا.
وما البؤساء في ترجمته إلا فكر فيلسوف تعلق في قلم شاعر فانطفعت عليه حواشي البيان من كل نواحيه، وجاء ما تدري أشعرًا من النثر أم نثرًا من الشعر، وخرجت به الكتابة في لون من الصفاء والإشراق كأنما تنحل عليه أشعة الضحى.
ترجم حافظ فوضع اللغة بين فكره ولسانه، ووقف تحت سحابة من السحب التي خفق عليها جناح جبريل، فما تخلو كنايته من ظل يتنفس عليك برائحة الإعجاز؛ وتراه يتحدر مع الكلام ويتناول منه ويدع، فما نزع به الكلام منزعًا إلا وجده متمكنًا منه وأصابه حيث أصابه كالتيار جملة واحدة تلف أول النهر وآخره على مد ما يجري؛ فهو حيث كان في السهل وفي الصعب، غير أنه يستسر في موضع ويستعلن في موضع، ويجيش ويهدر ويترامى في العمق فيدوِّي دويًّا.
ومن هنا يحسبه بعضهم يجنح إلى ما يستجفي من الكلام، وإلى استكراه بعض الألفاظ والتكليف لبعضها؛ وإنما ذاك وضع من أوضاع اللغة ومذهب من مذاهب البلاغة، ولا بد أن يشتد القول ويلين، وأن يكون في أجراس الحروف ما في نغم الإيقاع؛ وما أشبه هندسة البيان بهندسة الطبيعة التي تغمز النهر وترمي بالبحر وتقذف بالجبل الأشم، وما الجبل لو تحققت في وجوه التناسب الطبيعي إلا بحر قد تحجر فانتشرت أمواجه من صخوره، وكلا اثنيهما على ما بين الصلابة واللين تعبير في أساليب القوة عن القوة، وتوضح لأقوى ما لا يمكن أن يظهر، بأقوى ما لا يمكن أن يخفى.
__________
1 كتبها عن الجزء الثاني من البؤساء؛ وانظر مقالي المؤلف عن حافظ في هذا الجزء.
(3/322)

يخطئ الضعاف من الكتاب وبخاصة في أيامنا هذه.. إذا حسبوا الفصاحة العربية قبيلًا واحدًا من اللفظ الرقيق المأنوس؛ ولقد تجد بعض هؤلاء الضعفاء وإنه ليرى في الكلام الجزل المتفصح ما يرى في جمجمة الأعاجم إذا نطقوا فلم يبينوا؛ وإنما هي العربية، وإنما فصاحتها في مجموع ما يطرد به القول؛ والفصاحة في جملتها وتفصيلها إحكام التناسب بين الألفاظ والمعاني، والغرض الذي يتجه إليه كلاهما؛ فمتى فصل الكلام على هذا الوجه وأحكم على هذه الطريقة، رأيت جماله واضحًا بينًا في كل لفظ تقوم به العبارة، من النسج المهلهل الرقيق، إلى الحبك المحكم الدقيق، إلى الأسلوب المندمج الموثق الذي يسرد في قوة الحديد؛ إذ يكون كل حرف لموضعه، ويكون كل موضع لحرفه، ويكون كل ذلك بمقدار لا يسرف، وقياس لا يخطئ، ووزن لا يختلف؛ وهذه هي طبيعة الفصاحة العربية دون سائر اللغات، وبها أمكن الإعجاز في هذه اللغة ولم يمكن في سواها.
ومترجم البؤساء أحد الأفراد المعدودين الذين أحكموا هذه الطريقة ونفذوا إلى أسرارها، ففي كل موضع من كتابته موضع روعة، حتى ما تدري أيكتب أم يصوغ أم يصور، وكأنه لا ينقل من لسان إلى لسان، بل من فكر إلى فكر، فترى أكثر جملة كأنها تضيء فيها المصابيح.
ومن الخواص التي انفرد بها حافظ أنه ظاهر في صنعة ألفاظه ظهور هيجو في صنعة معانيه؛ إذ لا تجد غيره من المترجمين يتسع لهذا الأسلوب أو يطيقه؛ وأكثر الكتب المترجمة إلى العربية إنما تطمس على اسم المترجم قبل أن تكشف عن اسم المؤلف، فلا يحيا الميت إلا بموت الحي؛ وهم في أكثر ما يصنعون لا يعدون أن يصححوا العامية أو يفصحوا بها قليلًا، فيستوي في صنعة البيان أن يكون ناقل الكتاب هذا أو ذاك أو ذلك؛ لأنهم سواسية، ولا تؤتيك كتبهم أكثر مما يؤتيك الاسم المعلق على مسماه.
غير أنك في البؤساء ترى مع الترجمة صنعة غير الترجمة، وكأنما ألف هيجو هذا الكتاب مرة وألفه حافظ مرتين، إذ ينقل عن الفرنسية؛ ثم يفتن في التعبير عما ينقل، ثم يحكم الصنعة فيما يفتن، ثم يبالغ فيما يحكم؛ فأنت من كتابه في لغة الترجمة، ثم في بيان اللغة، ثم في قوة البيان؛ وبهذا خرج الكتاب وإن مترجمه لأحق به في العربية من مؤلفه، وجاء وما يستطيع أحد أن ينسى أنه لحافظ دون سواه.
وتلك طريقة في الكتابة لا يستعان عليها إلا بالأدب الغزير، والذوق الناضج، والبيان المطبوع؛ ثم بالصبر على مطاولة التعب ومعاناة الكد في تخير
(3/323)

اللفظ وتجويد الأسلوب وتصفية العبارة؛ فلقد ينفق الكاتب وقتًا في عمر الليل ليخرج من آخره سطرًا في نور الفجر، وبهذا الصنيع جاءت صفحات البؤساء على قلتها كشباب الهوى؛ لكل يوم منه فجره وشمسه، ولكل ليلة قمرها ونجومها.
والذي نغتمزه في هذه الترجمة أن الضجر يستبد أحيانًا بصاحبنا فيستكرهه على غير طبعه، ويرده إلى غير مألوفه؛ ومن ثم يضطرب ذوقه وسليقته أو يذهب به عنهما، فيعدل بالمعنى عن لفظه المعروف الذي استعمله الأدباء فيه، كاستعماله قارن بين كذا وكذا، وإنما يستعملون مثل بينهما، أو يخل بوزن الكلمة في ميزان الذوق، فترى العبارة اليابسة في الجملة الخضراء التي ترف؛ وذلك ما لا مطمع لأحد أن يسلم منه؛ لأنه أثر الضعف الإنساني فيمن ارتهنوا أنفسهم بملابسة القوة العليا في هذه الإنسانية.
ولم يتنزه عنه كتاب إلا ذلك الكتاب العزيز الذي اهتزت له السموات السبع والأرض ومن فيهن.
(3/324)

الملاح التائه 1:
إذا أردت أن أكتب عن شعر فقرأته، كان من دأبي أن أقرأه متثبتًا أتصفح عليه في الحرف والكلمة، إلى البيت والقصيدة والنهج، إلى ما وراء الكلام من بواعث النفس الشاعرة ودوافع الحياة فيها، وعن أي أحوال هذه النفس يصدر هذا الشاعر، وبأيها يتسبب إلى الإلهام، وفي أيها يتصل الإلهام به، وكيف يتصرف بمعانيه، وكيف يسترسل إلى طبعه، ومن أين المأتى في رديئه وسقطه، وبماذا يسلك إلى تجويده وإبداعه.
ثم كيف حدة قريحته وذكاء فكره والملكة النفسية البيانية فيه، وهل هي جبارة متعسفة تملك البيان من حدود اللغة في اللفظ إلى حدود الإلهام في المعنى، ملكة استقلال تنفذ بالأمر والنهي جميعًا، أو هي ضعيفة رخوة ليس معها إلا الاختلال والاضطراب، وليس لها ما يحمل الضعيف على طبعه المكدود كلما عنف به سقط به؟
أتبين كل هذا فيما أقرأ من الشعر، ثم أزيد عليه انتقاده بما كنت أصنعه أنا لو أني عالجت هذا الغرض أو تناولت هذا المعنى، ثم أضيف إلى ذلك كله ما أثبته من أنواع الاهتزاز التي يحدثها الشعر في نفسي؛ فإني لأطرب للشعر الجيد الوثيق أنواعًا من الطرب لا نوعًا واحدًا، وهي تشبه في التفاوت ما بين قطرة الندى الصافية في ورق الزنبقة وقطرة الشعاعة المتألقة في جوهر الماسة وموجة النور المتألهة في كوكب الزهرة.
وأكثر الشعر الذي في أيامنا هذه لا يتصل بنفسي ولا يخف على طبعي، ولا أراه يقع من الشعر الصحيح إلا من بعد، وهو مني أنا كالرجل يمر بي في الطريق لا أعرفه: فلا ينظر إلي ولا أنظر إليه، فما أبصر منه رجلًا وإنسانية وحياة أكثر مما أراه ثوبًا وحذاء وطربوشًا! والعجيب أنه كلما ضعف الشاعر من هؤلاء قوي على
__________
1 ديوان الشاعر المهندس على محمود طه، وانظر "حياة الرافعي" 176-178.
(3/325)

مقدار ذلك في الاحتجاج لضعفه، وألهم من الشواهد والحجج ما لو ألهم بعدده من المعاني والخواطر لكان عسى ...
فإذا نافرت المعاني ألفاظها واختلفت الألفاظ على معانيها قال: إن هذا في الفن.. هو الاستواء والاطراد والملاءمة وقوة الحبك؛ وإذا عوض وخانه اللفظ والمعنى جميعًا وأساء ليتكلف وتساقط ليتحذلق وجاءك بشعره وتفسير شعره والطريقة لفهم شعره قال: إنه أعلى من إدراك معاصريه، وإن عجرفة معانيه هذه آتية من أن شعره من وراء اللغة، من وراء الحالة النفسية، من وراء العصر، من وراء الغيب: كأن الموجود في الدنيا بين الناس هو ظل شخصه لا شخصه، والظل بطبيعته مطموس مبهم لا يبين إبانة الشخص. وإذا أهلك الشاعر الاستعارة وأمرض التشبيه وخنق المجاز بحبل -قال لك: إنه على الطريقة العصرية وإنما سدد وقارب وأصاب وأحكم، وإذا سمى المقالة قصيدة.. وخلط فيها خلطه وجاء في أسوأ معرض وأقبحه وخرج إلى ما لا يطاق من الركاكة والغثاثة- قال لك: هذه هي وحدة القصيدة، فهي كل واحد أفرغ إفراغ الجسم الحي: رأسه لا يكون إلا في موضع رأسه ورجلاه لا تكون إلا في موضع رجليه..
تلك طبقات من الضعف تظاهرت الحجج من أصحابها على أنها طبقات من القوة، غير أن مصداق الشهادة للأقوياء عظامهم المشبوحة، وعضلاتهم المفتولة، وقلوبهم الجريئة، أما الألسنة فهي شهود الزور في هذه القضية خاصة.
هناك ميزان للشاعر الصحيح وللآخر المتشاعر: فالأول تأخذ من طريقته ومجموع شعره أنه ما نظم إلا ليثبت أنه قد وضع شعرًا، والثاني تأخذ من شعره وطريقته أنه إنما نظم ليثبت أنه قرأ شعرًا ... وهذا الثاني يشعرك بضعفه وتلفيقه أنه يخدم الشعر؛ ليكون شاعرًا، ولكن الأول يريك بقوته وعبقريته إلى الشعر نفسه يخدمه؛ ليكون هو شاعره.
أما فريق المتشاعرين فليمثل له القارئ بما شاء وهو في سعة.. وأما فريق الشعراء ففي أوائل أمثلته عندي الشاعر المهندس علي محمود طه. أشهد: أني أكتب عنه الآن بنوع من الإعجاب الذي كتبت به في "المقتطف" عن أصدقائي القدماء: محمود باشا البارودي، وإسماعيل باشا صبري، وحافظ، وشوقي -رحمهم الله وأطال بقاء صاحبنا- فهذا الشاب المهندس أوتي من هندسة البناء قوة التمييز ودقة المحاسبة، ووهب ملكة الفصل بين الحسن والقبح في الأشكال مما
(3/326)

عِلَّته من العلم وما علته من الذوق وهذا إلى جلاء الفطنة وصقال الطبع وتموج الخيال وانفساح الذاكرة وانتظام الأشياء فيها؛ وبهذا كله استعان في شعره وقد خلق مهندسًا شاعرًا، ومعنى هذا أنه خلق شاعرًا مهندسًا؛ وكأن الله -تعالى- لم يقدر لهذا الشاعر الكريم تعلم الهندسة ومزاولتها والمهارة فيها إلا لما سبق في علمه أنه سينبغ نبوعه للعربية في زمن الفوضى وعهد التقلل، وحين فساد الطريقة وتخلف الأذواق وتراجع الطبع ووقوع الغلط في هذا المنطق لانعكاس القضية، فيكون البرهان على أن هذا شاعر وذاك نابغة وذلك عبقري -هو عينه البرهان على أن لا شعر ولا نبوغ ولا عبقرية؛ وهذه فوضى تحتاج في تنظيمها إلى "مصلحة تنظيم" بالهندسة وآلاتها والرياضة وأصولها والأشكال والرسوم وفنونها، فجاء شاعرنا هذا وفيه الطب لما وصفنا؛ فهو ينظم شعره بقريحة بيانية هندسية، أساسها الاتزان والضبط، وصواب الحسبة فيما يقدر للمعنى، وإبداع الشكل فيما ينشئ من اللفظ، وألا يترك البناء الشعري قائمًا ليقع إذ يكون واهنًا في أساسه من الصناعة، بل ليثبت إذ يكون أساسه من الصناعة في رسوخ وعلى قدر.
وديوان "الملاح التائه" الذي أخرجه هذا الشاعر لا ينزل بصاحبه من شعر العصر دون الموضع الذي أومأنا إليه؛ فما هو إلا أن تقرأه وتعتبر ما فيه بشعر الآخرين حتى تجد الشاعر المهندس كأنه قادم للعصر محملًا بذهنه وعواطفه وآلاته ومقاييسه ليصلح ما فسد، ويقيم ما تداعى، ويرمم ما تخرب، ويهدم ويبني.
ديوان الشاعر الحق هو إثبات شخصيته ببراهين من روحه، وههنا في "الملاح التائه" روح قوية فلسفية بيانية، تؤتيك الشعر الجيد الذي تقرؤه بالقلب والعقل والذوق، وتراه كفاء أغراضه التي ينظم فيها؛ فهو مكثر حين يكون الإكثار شعرًا، مقبل حين يكون الشعر هو الإقلال؛ ثم هو على ذلك متين رصين، بارع الخيال، واسع الإحاطة، تراه كالدائرة: يصعد بك محيطها ويهبط لا من أنه نازل أو عالٍ، ولكن من أنه ملتفٌ مندمج، موزون مقدر، وضع وضعه ذلك ليطوح بك.
وهو شعر تعرف فيه فنية الحياة، وليس بشاعر من لا ينقل لك عن الحياة نقلًا فنيًّا شعريًّا، فترى الشيء في الطبيعة كأنه موجود بظاهره فقط، وتراه في الشعر بظاهره وباطنه معًا؛ وليس بشعر ما إذا قرأته، واسترسلت إليه لم يكن عندك وجهًا من وجوه الفهم والتصوير للحياة والطبيعة في نفس ممتازة مدركة مصورة.
ولهذا فليس من الشرط عندي أن يكون عصر الشاعر وبيئته في شعره، وإنما
(3/327)

الشرط أن تكون هناك نفسه الشاعرة على طريقتها في الفهم والتصوير، وأنت تثبت هذه النفس بهذه الطريقة أن لها أن تقول كلمتها الجديدة، وأنها مخولة له الحق في أن تقولها؛ إذ هي للعقول والأرواح أخت الكلمة القديمة: كلمة الشريعة التي جاءت بها النبوة من قبل.
وليس في شعر علي طه من عصرياتنا غير القليل، ولكن العجيب أنه لا ينظم في هذا القليل إلا حين يخرج المعنى من عصره ويلتحق بالتاريخ، كرثاء شوقي، وحافظ، وعدلي باشا، وفوزي المعلوف، والطيارين دوس وحجاج، والملك العظيم فيصل؛ فإن يكن هذا التدبير عن قصد وإرادة فهو عجيب، وإن كان اتفاقًا ومصادفة فهو أعجب؛ على أنه في كل ذلك إنما يرمي إلى تمجيد الفن والبطولة في مظاهرها، متكلمة، وسياسية، ومغامرة، ومالكة.
أما سائر أغراضه فإنسانية عامة، تتغنى النفس في بعضها، وتمرح في بعضها، وتصلي في بعضها؛ وليس فيها طيش ولا فجور ولا زندقة إلا ... ظلالًا من الحيرة أو الشك، كتلك التي في قصيدة "الله والشاعر"، وأظنه يتابع فيها المعري؛ ولست أدري كم ينخدع الناس بالمعري هذا، وهو في رأيي شاعر عظيم، غير أن له بضاعة من التلفيق تعدل ما تخرجه "لا نكشير" من بضائعها إلى أسواق الدنيا.
ومما يعجبني في شعر علي طه أنه في مناحي فلسفته وجهات تفكيره يوافق رأيي الذي أراه دائمًا، وهو أن ثورة الروح الإنسانية ومعركتها الكبرى مع الوجود -ليستا في ظاهر الثورة ولا العراك مع الله كما صنع المعري وأضرابه في طيشهم وحماقتهم، ولكنها في الهدوء الشعري للروح المتأملة، ذلك الهدوء الذي يجعل الطبيعة نفسها تبتسم بكلام الشاعر كما تبتسم بأزهارها ونجومها، ويجعل الشاعر أداة طبيعية متخذة لكشف الحكمة وتغطيتها معًا؛ فإن العجب الذي ليس أعجب منه في التدبير الإلهي للنفوس الحساسة -أن زخرفة الشعر وما يجري مجراه في الفن إنما هي ضرب من زخرف الطبيعة حين تبتدع الشكل الجميل لتتمم أغراضها من ورائه؛ ولو ثارت الأزهار -مثلًا- على الوجود وخالقه ثورة أولئك الشعراء لما صنعت شيئًا غير إفساد حكمتها هي وما يتصل بهذه الحكمة من المصالح والمنافع، ولن تنتصر إلا ببقائها أزهارًا، فذلك حربها وسلمها معًا.
وأسلوب شاعرنا أسلوب جزل، أو إلى الجزالة، تبدو اللغة فيه وعليها لون خاص من ألوان النفس الجميلة يزهو زهوه فيكثر منه في النفس تأثيرها وجمالها،
(3/328)

وهذه هي لغة الشعر بخاصته؛ ولا بد أن ننبه هنا إلى معنى غريب، وذلك أنك تجد بعض النظامين يحسنون من اللغة وفنون الأدب، فإذا نظموا وخلا نظمهم من روح الشعر- ظهرت الألفاظ في أوزانهم وكأنها فقدت شيئًا من قيمتها، كأن موضعها ثم هو الذي أعلن إفلاسه؛ إذ أقام مقام الذي يريد أن يعطي ثم هو إذا وقف لا يصنع شيئًا إلا أن يعتذر بأنه لم يجد ما يعطيه.. فهذا كان رجلًا من الناس، وكان في ستر وعافية، فلما وقف موقفه انقلب مدلسًا كاذبًا مدعيًا فاختلفت به الحال وهو هو لم يتغير.
وما الأسلوب البياني إلا وسيلة فنية لمضاعفة التعبير، فإن لم يكن هذا ما يعطيه كان وسيلة فنية أخرى لمضاعفة الخيبة؛ وهذا ما تحسه في كثير من شعر النظامين أو البديعيين في العصور الميتة، وتحسه في الشعر الميت الذي لا يزال ينشر بيننا.
وعلي طه إذا حرص على أسلوبه وبالغ في إتقانه واستمر بجريه على طريقته الجيدة متقدمًا فيها، متعمقًا في أسرار الألفاظ وما وراء الألفاظ، وهي تلك الروعة البيانية التي تكون وراء التعبير وليس لها اسم في التعبير، معتبرًا اللغة الشعرية -كما هي في الحقيقة- تأليفًا موسيقيًا لا تأليفًا لغويًا.. فإنه ولا ريب سيجد من إسعاف طبعه القوي، وعون فكره المشبوب، وإلهام قريحته المولدة- ما يجمع له النبوغ من أطرافه، بحيث يعده الوجود من كبار مصوريه، وتتخذه الحياة من بلغاء المعبرين عنها في العربية؛ ومن ثم تنظمه العربية في سمط جواهرها التاريخية الثمينة، ويصله السلك بشوقي وحافظ والبارودي وصبري، إلى المتنبي والبحتري وابن الرومي وأبي تمام، إلى ما وراء ذلك، إلى الجوهرة الكبرى المسماة جبل النور البياني، إلى امرئ القيس.
وليس هذا ببعيد على من يقول في صفة القلب:
يا قلب عندك أي أسرار ... ما زلن في نشر وفي طي
يا ثورة مشبوبة النار ... أقلقت جسم الكائن الحي
حملته العبء الذي فرقت ... منه الجبال وأشفقت رهبًا
وأثرت منه الروح فانطلقت ... تحسو الحميم وتأكل اللهبا
وعجبت منك ومن إبائك في ... أسر الجمال وربقة الحب
وتلفت المتكبر الصلف ... عن ذلة المقهور في الحرب
(3/329)

ووهمت نارًا ذات إيماض ... فبسطت كفك نحوها فزعا
مرت بعينك لمحة الماضي ... فوثبت تمسك بارقًا لمعا
والأرض ضاق فضاؤها الرحب ... وخلت فلا أهل ولا سكن
حال الهوى وتفرق الصحب ... وبقيت وحدك أنت والزمن
ولو ذهبنا نختار من هذا الديوان لاخترنا أكثره، فقصائده ومقاطيعه تتعاقب، ولكن تعاقب الشمس على أيامها: تظهر جديدة الجمال في كل صباح؛ لأن وراء الصباح مادة الفجر، وكذلك تأتي القصائد من نفس شاعرها.
(3/330)

"المقتطف" و"المتنبي" 1:
"المقتطف" شيخ مجلاتنا؛ كلهن أولاده وأحفاده؛ وهو كالجد الأكبر: زمن يجتمع، وتاريخ يتراكم، وانفراد لا يلحق، وعلم يزيد على العلم بأنه في الذات التي تفرض إجلالها فرضًا وتجب لها الحرمة وجوبًا ويتضاعف منها الاستحقاق فيتضاعف لها الحق.
وهل الجد إلا أبوة فيها أبوة أخرى. وهل هو إلا عرش حي درجاته الجيل تحت الجيل، وهل هو إلا امتداد مسافاته العصر فوق العصر؟
والمقتطف يكبر ولا يهرم، ويتقدم في الزمن تقدم المخترعات ماضية بالنواميس إلى النواميس، مقيدة بالمبدأ إلى الغاية؛ وهو كالعقل المنفرد بعبقريته: واجبه الأول أن يكون دائمًا الأول؛ فلقد أنشئ هذا المقتطف وما في المجلات العربية ما يغني عنه، ثم طوى في الدهر سبعة وثمانين مجلدًا أقامها سبعة وثمانين دليلًا على أن ليس ما يغني عنه؛ ثم أسفت الدنيا حوله بأخلاقها وطباعها، وتحولت مجلات كثيرة إلى مثل الراقصات والمغنيات والممثلات ... وبقي هو على وفائه لمبدئه العلمي والسمو فيه والسمو به، كأنما أخذ عليه في العلم والأدب ميثاق كميثاق النبيين في الدين والفضيلة؛ فبين يديه الواجب لا الغرض، وهمه الإبداع بقوى العقل لا الاحتيال بها، وهديه الحقيقة الثابتة في الدنيا لا الأحلام المتقلبة بهذه الدنيا، وطريقه في كل ذلك طريق الفيلسوف، من هدوء نفسه لا من أحوال الدهر، فهو ماضٍ على اليقين، نافذ إلى الثقة، متنقل في منزلةٍ منزلةٍ من يقينه إلى ثقته، ومن ثقته إلى يقينه.
وقد بدأ المقتطف مجلدة الثامن والثمانين بعدد ضخم أفرده للمتنبي2. ولئن كانت الأندية والمجلات قد احتفلت بهذا الشاعر العظيم، فما أحسب إلا أن روح الشاعر العظيم قد احتفلت بهذا العدد من المقتطف.
__________
1 كتاب "المتنبي" للصديق محمود محمد شاكر.
2 يناير سنة 1936.
(3/331)

ولست أغلو إذا قلت: إن هذه الروح المتكبرة قد أظهرت كبرياءها مرة أخرى، فاعتزلت المشهورين من الكتاب والأدباء، ولزمت صديقنا المتواضع الأستاذ محمود شاكر مدة كتابته هذا البحث النفيس الذي أخرجه المقتطف في زهاء ستين ومائة صفحة، تدله في تفكيره، وتوحي إليه في استنباطه، وتنبهه في شعوره، وتبصره أشياء كانت خافية، وكان الصدق فيها، ليرد بها على أشياء كانت معروفة، وكان فيها الكذب، ثم تعينه بكل ذلك على أن يكتب الحياة التي جاءت من تلك النفس ذاتها، لا الحياة التي جاءت من نفوس أعدائها وحسادها.
ولقد كان أول ما خطر لي بعد أن مضيت في قراءة هذا العدد أن المؤلف جاء بما يصح القول فيه إنه كتبَ تاريخ المتنبي ولم ينقله؛ ثم لم أكد أمعن في القراءة حتى خيل إلي أنه قد وضع لشعر المتنبي بعد تفسير الشراح المتقدمين والمتأخرين تفسيرًا جديدًا من المتنبي نفسه، وما الكلمة الجديدة في تاريخ هذا الشاعر الغامض إلا الكلمة التي نشرها المقتطف اليوم.
إن هذا المتنبي لا يفرغ ولا ينتهي، فإن الإعجاب بشعره لا ينتهي ولا يفرغ وقد كان نفسًا عظيمة خلقها الله كما أراد، وخلق لها مادتها العظيمة على غير ما أرادت، فكأنما جعلها بذلك زمنًا يمتد في الزمن.
وكان الرجل مطويًا على سر ألقي الغموض فيه من أول تاريخه، وهو سر نفسه، وشر شعره، وسر قوته؛ وبهذا السر كان المتنبي كالملك المغصوب الذي يرى التاج والسيف ينتظران رأسه جميعًا، فهو يتقي السيف بالحذر والتلفف والغموض، ويطلب التاج بالكتمان والحيلة والأمل.
ومن هذا السر بدأ كاتب المقتطف، فجاء بحثه يتحدر في نسق عجيب، متسلسلًا بالتاريخ كأنه ولادة ونمو وشباب؛ وعرض بين ذلك شعر أبي الطيب عرضًا خيل إلي أن هذا الشعر قد قيل مرة أخرى من فم شاعره على حوادث نفسه وأحوالها؛ وبذلك انكشف السر الذي كان مادة التهويل في ذلك الشعر الفخم، إذ كانت في واعية الرجل دولة أضخم دولة، عجز عن خلقها وإيجادها فخلقها شعرًا أضخم شعر، وجاءت مبالغاته كأنها أكاذيب آماله البعيدة متحققة في صورة من صور الإمكان اللغوي.
ومن أعجب ما كشفه من أسرار المتنبي سر حبه، فقال: إنه كان يحب خولة أخت الأمير سيف الدولة، وكتب في ذلك خمس عشرة صفحة كبيرة، وكأنها لم
(3/332)

ترضه فقال: إنه كان يؤمل أن يكتب هذا الفصل في خمسين وجهًا من المقتطف؛ وهذا الباب من غرائب هذا البحث، فليس من أحد في الدنيا المكتوبة "أي التاريخ" يعلم هذا السر أو يظنه، والأدلة التي جاء بها المؤلف تقف الباحث المدقق بين الإثبات والنفي؛ ومتى لم يستطع المرء نفيًا ولا إثباتًا في خبر جديد يكشفه الباحث ولم يهتد إليه غيره، فهذا حسبك إعجابًا يذكر، وهذا حسبه فوزًا يعد.
ولعمري لو كنت أنا في مكان المتنبي من سيف الدولة لقلت إن المؤلف قد صدق.. فهناك موضع لا بد أن يبحث في القلب الشاعر الذي وضعت يه الدنيا حكمتها، وطوت فيه القوة سرها، وبث فيه الجمال وحيه؛ وأصغر هذه الثلاث أكبر من الملوك والممالك، ولكن الحبيبة أكبر منها كلها....
(3/333)

محمد *:
عمل الأستاذ توفيق الحكيم في تصنيف هذا الكتاب أشبه شيء بعمل "كريستوف كولمب" في الكشف عن أمريكا وإظهارها من الدنيا للدنيا: لم يخلق وجودها، ولكنه أوجدها في التاريخ البشري، وذهب إليها فقيل جاء بها إلى العالم، وكانت معجزته أنه رآها بالعين التي في عقله، ثم وضع بينه وبينها الصبر والمعاناة والحذق والعلم حتى انتهى إليها حقيقة ماثلة.
قرأ الأستاذ كتب السيرة وما تناولها من كتب التاريخ والطبقات والحديث والشمائل، بقريحة غير قريحة المؤرخ، وفكرة غير فكرة الفقيه، وطريقة غير طريقة المحدث، وخيال غير خيال القاص، وعقل غير عقل الزندقة، وطبيعة غير طبيعة الرأي، وقصد غير قصد الجدل؛ فخلص له الفن الجميل الذي فيها؛ إذ قرأها بقريحته الفنية المشبوبة، وأمرها على إحساسه الشاعر المتوثب، واستلها من التاريخ بهذه القريحة وهذا الإحساس كما هي في طبيعتها السامية متجهة إلى غرضها الإلهي محققة عجائبها الروحانية المعجزة.
وقد أمدته السيرة بكل ما أراد، وتطاوعت له على ما اشتهى، ولانت في يده كما يلين الذهب في يد صائغه؛ فجاء بها من جوهرها وطبيعتها ليس له فيها خيال ولا رأي ولا تعبير، وجاءت مع ذلك في تصنيفه حافلة بأبدع الخيال، وأسمى الرأي، وأبلغ العبارة؛ إذ أدرك بنظرته الفنية تلك الأحوال النفسية البليغة، فنظمها على قانونها في الحياة، وجمع حوادثها المدونة فصورها في هيئة وقوعها كما وقعت، واستخرج القصص المرسلة فأدارها حوارًا كما جاءت في ألسنة أهلها؛ وبهذه الطريقة أعاد التاريخ حيًّا يتكلم وفيه الفكرة وملائكتها وشياطينها، وكشف ذلك الجمال الروحاني فكان هو الفن، وجلا تلك النفوس العالمية فكانت هي الفلسفة، وأبقى على تلك البلاغة فكانت هي البيان، كانت السيرة كاللؤلؤة في الصدفة، فاستخرجها فجعلها اللؤلؤة وحدها.
__________
1 كتاب توفيق الحكيم.
(3/334)

إن هذا الكتاب يفرض نفسه بهذه الطريقة الفنية البديعة، فليس يمكن أن يقال إنه لا ضرورة لوجوده؛ إذ هو الضروري من السيرة في زمننا هذا، ولا يغتمز فيه أنه تخريف وتزوير وتلفيق؛ إذ ليس فيه حرف من ذلك، ولا يرد بأنه آراء يخطئ المخطئ منها ويصيب المصيب؛ إذ هو على نص التاريخ كما حفظته الأسانيد، ولا يرمي بالغثاثة والركاكة وضعف النسق؛ إذ هو فصاحة العرب الفصحاء الخلص كما رويت بألفاظها؛ فقد حصنه المؤلف تحصينًا لا يقتحم، وكان في عمله مخلصًا أتم الإخلاص، أمينًا بأوفى الأمانة، دقيقًا كل الدقة، حذرًا بغاية الحذر.
ومن فوائد هذه الطريقة أنها هيأت السيرة للترجمة إلى اللغات الأخرى في شكل من أحسن أشكالها يرغم هذا الزمن على أن يقرأ بالإعجاب تلك الحكاية المنفردة في التاريخ الإنساني؛ كما أنها قربت وسهلت فجعلت السيرة، في نصها العربي كتابًا مدرسيًا بليغًا بلاغة القلب واللسان، مربيًا للروح، مرهفًا للذوق، مصححًا للملكة البيانية.
وحسب المؤلف أن يقال بعد اليوم في تاريخ الأدب العربي: إن ابن هشام كان أول من هذب السيرة تهذيبًا تاريخيًّا على نظم التاريخ، وأن توفيق الحكيم كان أول من هذبها تهذيبًا فنيًّا على نسق الفن.
(3/335)

ديوان الأعشاب *:
أبو الوفاء شاعر ملء نفسه، ما في ذلك شك، مذهبه الجمال في المعنى يبدعه كأنما يزهر به، والجمال في الصورة يخرجها من بيانه كما تخرج الغصون والأوراق من شجرتها، وله طبع وفيه ورقة، وهو يجري من البيان على عرق، وسليقته تجعله ألزم لعمود الشعر وأقرب إلى حقيقته، حتى أنه ليعد أحد الذين يعتصم الشعر العربي بهم، وهم قليل في زمننا، فإن الشعر منحدر في هذا العصر إلى العامية في نسقه ومعانيه، كما انحدر التمثيل، وكما انحدرت أساليب الكتابة في بعض الصحف والمجلات.
وللعامية وجوه كثيرة تنقلب فيها الحياة، ومرجعها إلى روح الإباحة الذي فشا بيننا ونشأ عليه النشء في هذه المدنية التي تعمل في الشرق غير عملها في الغرب، فهي هناك رخص وعزائم، وهي هنا تسمح وترخص، في ظل ضعيف من العزيمة، وإهمال البلاغة العربية الجميلة كما هي في قوانينها ليس إلا مظهرًا لتلك الروح تقابله المظاهر الأخرى، من إهمال الخلق، وسقوط الفضيلة، وتخنث الرجولة، وزيغ الأنوثة، وفساد العقيدة، واضطراب السياسة، إلى ما يجري هذا المجرى مما هو في بلاغة الحياة المبينة كالمرذول والمطرح والسفساف في بلاغة الكلام الفصيح؛ كل ذلك في مواضعه تحلل من القيود وإباحة وتسمح وترخص، وكل ذلك عامية بعضها من بعض، وكل ذلك لحن في البلاغة والخلق والفضيلة والرجولة والأنوثة والعقيدة والسياسة.
والشعر اليوم أكثره "شعر النشر" في الجرائد، على طبيعة الجرائد لا على طبيعة الشعر؛ وهذه إباحة صحافية غمرت الصحف، وأخضعت أذواق كتابها لقوانين التجارة، فإنهم لينشرون بعض القصائد كما تنشر "الإعلانات": لا يكون الحكم في هذه ولا هذه لبيان أو تمييز أو منفعة، بل على قدر الثمن أو ما فيه معنى الثمن!
ومن مادية هذا العصر وطغيان العامية عليه، أننا نرى في صدر بعض الجرائد
__________
1 للشاعر المجيد محمود أبو الوفا، وهذا المقال كان حديثًا مع بعض الأصدقاء عن الديوان ونشر في الرسالة الغراء قلت: وانظر "حياة الرافعي" ص 189 - 191".
(3/336)

أحيانًا شعرًا لا يكون في صناعة الشعر ولا في طبقات النظم أضعف ولا أبرد منه. ولا أدل على فساد الذوق الشعري، ولكنه على ذلك الأصل الذي أومأنا إليه يعد كلامًا صالحًا للنشر، وإن يكن صالحًا للشعر.
وهكذا أصبحت العامية في تمكنها تجعل من الغفلة حذقًا تجاريًّا، ومن السقوط علوًا فلسفيًّا، ومن الركاكة بلاغة صحفية، ومتى تغير معنى الحذق، ودخلته الإباحة، ووقع فيه التأويل، وأحيط بالتمويه والشبه فالريبة حينئذ أخت الثقة، والعجز باب من الاستطاعة، والضعف معنى من التمكين، وكل ما لا يقوم فيه عذر صحيح كان هو بطبيعة التلفيق عذر نفسه.
وأكثر ما تنشره الصحف من الشعر هو في رأيي صناعة احتطاب من الكلام.. وقد بطل التعب إلا تعب التقشش والحمل، فلم تعد هناك صناعة نفسية في وشي الكلام، ولا طبع موسيقي في نظم اللغة، ولا طريقة فكرية في سبك المعاني، وبهذه العامية الثقيلة أخذ الشعر يزول عن نهجه، ويضل عن سبيله، ووقع فيه التوغر السهل.. والاستكراه المحبوب.. وصرنا إلى ضرب حديث في الوحشية، هو الطرف المقابل للشعر الوحشي في أيام الجاهلية؛ فما دام الكلام غريبًا، والنظم قلقًا، والمأتي بعيدًا، والمعنى مستهلكًا، والنسج لا يستوي، والطريقة لا تتشابه فذلك كله مسخ وتشويه في الجملة وإن اختلفت الأسباب في التفصيل، وإذا كان المسخ جاهليًّا بالغريب من الألفاظ، والنافر من اللغات، والوحشي من المعاني؛ وكان عصريًّا بالركيك من الألفاظ، والنازل من التعبير، والهجين من الأساليب، والسخيف من المعاني؛ ثم بالسقط والخلط والاضطراب والتعقيد فهل بعض ذلك إلا من بعضه؟ وهل هو في الشعر الجميل إلا كسلخ الإنسان الذي مسخه الله فسلخه من معانٍ كان بها إنسانًا، ليضعه في معانٍ يصير بها قردًا أو خنزيرًا ليس عليه إلا ظاهر الشبه، وليس معه إلا بقية الأصل؟
فالقردية الشعرية، والخنزيرية الشعرية، متحققان في كثير من الشعر الذي ينشر بيننا، ولكن أصحاب هذا الشعر لا يرونهما إلا كمالًا في تطور الفن والعلم والفلسفة؛ وأنت متى ذهبت تحتج لزيغ الشعر من قبل الفلسفة، وتدفع عن ضعفه بحجة العلم، وتعتل لتصحيح فساده بالفن- فذلك عينه هو دليلنا نحن على أن هذا الشعر قردي خنزيري، لم يستو في تركيبه، ولم يأت على طبعه، ولم يخرج في صورته؛ وما يكون الدليل على الشعر من رأي ناظمه وافتتانه به ودفاعه عنه، ولكن من إحساس قارئه واهتزازه له وتأثره به.
(3/337)

والشاعر أبو الوفاء جيد الطريقة، حسن السبك، يقول على فكر وقريحة، ويرجع إلى طبع وسليقة، ولكن نفسه قلقة في موضعه الشعري من الحياة؛ وفي رأيي أن الشاعر لا يتم بأدبه ومواهبه حتى يكون تمامه بموضع نفسه الشعري الذي تضعه الحياة فيه؛ والكلام يطول في صفة هذا الموضع، ولكنه في الجملة كمنبت الزهرة: لا تزكو زكاءها ولا تبلغ مبلغها إلا في المكان الذي يصل عناصرها بعناصر الحياة وافية تامة، فلا يقطعها عن شيء ولا يرد شيئًا عنها؛ إذ هي بما في تركيبها وتهيئتها إنما تتم بموضعها ذاك لتهيئة وتركيبه، فإن كانت الزهرة على ما وصفنا، وإلا فما بد من مرض اللون، وهرم العطر، وهزال النضرة، وسقم الجمال.
ولولا أن الحكمة وفت الأستاذ أبا الوفا قسطه من الألم، ووهبته نفسًا متألمة حصرتها في أسباب ألَمِها حصرًا لا مفر منه -لفقدت زهرته عنصر تلوينها، ولخرج شعره نظمًا حائلًا مضطربًا منقطع الأسباب من الوحي؛ غير أن جهة الألم فيه هي هي جهة السماء إليه، ولو هو تكافأت جهاته المعنوية الأخرى، وأعطيت كل جهة حقها، وتخلصت مما يلابسها -لارتفع من مرتبة الألم إلى مرتبة الشعور بالغامض والمبهم، ولكان عقلًا من العقول الكبيرة المولدة التي يحيا فيها كل شيء حياة شعرية ذات حس.
ولكن ما دامت الحياة قد وزنت له بمقدار، وطفقت مع ذلك وبخست، فقد كان يحسن به أن يقصر شعره على أبواب الزفرة والدمعة واللهفة، أو انقطعت وسيلته إليه أن تبلغ؛ ويظهر لي أن أبا الوفا يحذو على حذو إسماعيل باشا صبري، وهو شبيه به في أنه لم تفتح له على الكون إلا نافذة واحدة؛ غير أن صبري أقبل على نافذته ونظر ما وسعه النظر، أما أبو الوفا فيحاول أن ينقب في الحائط ليجعلهما نافذتين.
أما أنه ليس من الشعر أن تنزل الحيرة الفلسفية عن منزلتها بين اليقين والعقل، أو المشهود والمحجب، أو الواقع والسبب، أو الرسم والمعنى -فتنقلب بين شعر القلب العاشق، وشعر الفكر المتأمل، شعر المعدة الجائعة، وتضع بين أشواق الكون شوقها هي إلى الطعام والثياب والمال..
على أنه كان الأمثل في التدبير، والأقرب إلى طريقة النفس الشاعرة أن يصرف أبو الوفا هذا الشعور المادي الذي يتلذع به، فيحوله فيجعله بابًا من حكمة السخر الشعري بالدنيا وأهلها وحوادثها، كما صرفه ابن الرومي من قبل فأخطأ في تحويله، فجعله مرة بابًا من المدح والنفاق، ومرة بابًا من الهجاء والإقذاع.
(3/338)

ولو بذل الشاعر أبو الوفا مجهوده في ذلك، واتهم الدنيا ثم حاكمها، ونص لها القانون، وأجلس القاضي، وافتتح المجلس، ورفعها قضية قضية، ثم أخذها حكمًا حكمًا، تارة في نادرة بعد نادرة، ومرة في حكمة إلى حكمة، وآونة في سخرية مع سخرية -إذن لاهتدى هذا المتألم الرقيق إلى الجانب الآخر من سر الموهبة التي في نفسه، فأخرج مكنون هذه الناحية القوية منها، فكان ولا ريب شاعر وقته في هذا الباب، وإمام عصره في هذه الطريقة.
على أن في صفحات ديوانه أشياء قليلة تومئ إلى هذه الملكة، ولكنها مبثوثة في تضاعيف شعره، والوجه أن يكون وجهه في تضاعيفها، وإنه ليأتي بأسمى الكلام وأبدعه، حين يعمد إلى ذلك الأصل الذي نبهنا إليه، فيصرف لهفة نفسه إلى بعض وجوهها الشعرية، كقوله في "حلم العذارى" وهي من بدائعه ومحاسن شعره:
ها هما عيناك تغريـ ... ـني على شتى الظنون
فيهما بحر وموج ... وسهول وحزون
ووضوح وغموض ... واضطراب وسكون
ومعانٍ بينات ... ومعانٍ لا تبين
وتهاويل فنون ... من رشاد وجنون
وأشعات حيارى ... من منى أو من حنين
ليت شعري أي سر ... خلف هاتيك الجفون
آه إن السر أنبا ... عنه ذان الطائران
حينما مالا على غصـ ... ـنيهما يعتنقان..
فهذه أبيات في شعر الجمال كالمحراب ملؤه عابده..
(3/339)

النجاح وكتاب سر النجاح 1:
ما خلق الله ذا عقل من بني آدم إلا أودع في تركيبه شيئين كالمقدمة والنتيجة، وأعطاه بهما القدرة على الوسيلة والغاية، "ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة"، ففي تركيب الإنسان قوة الرغبة في النجاح وأن يتأتى إلى سره أو يبلغ منه أو يقاربه، وفي هذا التركيب عينه ما يهتك به هذا الحجاب ويفضي منه إلى هذا السر ويجمع بك عليه، وما أنكر أن النجاح قدر من الأقدار، ولكنه قدر ذو رائحة قوية خاصة به يستروحها من تحت السماء وهو لا يزال في السماء وبينه وبين الأرض أمد ودهر وأسباب وأقدار كثيرة، ولولا أن هذه الخاصية فيه وفي الإنسان منه لما توفرت رغبة في عمل ولا صح نشاط في الرغبة ولا توجه عزم إلى النشاط ولا توثقت عقدة على العزم.
غير أن في الإنسان كذلك ما يفسد هذه الخاصية أو يضعفها أو يعطلها تعطيلًا، فإذا هي تضل ولا تهدي وكانت تهدي ولا تضل، وإذا هي زائغة عن الحق ملتوية عن القصد وكانت هي السبيل إلى الحق وهي الدليل على القصد؛ وما ينال منها شيء إلا واحد من ثلاث: العجز، وضعف الهمة، واضطراب الرأي.
فأما العجز فمنزلة تجعل الإنسان كالنبات يرتفع عن الأرض بعوده ولكنه غائر فيها بأصول حياته، وأما ضعف الهمة فمنزلة الحيوان الذي لا هم له إلا أن يوجد كيفما وجد وحيثما جاء موضعه من الوجود؛ إذ هو يولد ويكدح ويكد ليكون لحمًا وعظمًا وصوفًا ووبرًا وشعرًا أثاثًا ومتاعًا، وكأنه ضرب آخر من النبات إلا أنه نوع آخر من المنفعة.
وأما اضطراب الرأي فمنزلة بين المنزلتين ترجع إلى هذه مرة وإلى هذه مرة وتقع من كلتيهما موقعها، والعجز وضعف الهمة واضطراب الرأي في لغة العقل معانٍ ثلاثة لكلمة واحدة هي الخيبة، وما أسرار النجاح إلا الثلاثة التي تقابلها وهي القوة والعزيمة والثبات.
__________
1 المقطم: مايو سنة 1923.
(3/340)

ولكن في هذا الإنسان طفولة وشبابًا، وهما حالتان لا بد منهما، وهما من الضعف والنزق بطبيعتهما، وفيهما يتثاقل الإنسان إلى أغراضه، ويرتد عن صعابها، وينخذل دون غاياتها؛ وليس يأتي للطفل أن يدرك الرجل في معانيه، ولا للشاب أن يبلغ الحكيم في كماله؛ فكأن هذين ليس لهما أمل في أسباب النجاح، وكأن كليهما لا يحسن أن يطوي فؤاده على شيء ولا أن يجمع رأيه على أمر، غير أن من حكمة الله ورحمته أنه أرصد من نواميسه القوية لضعف الطفولة ونزق الشباب ما هو سناد يمنع، وموئل يعصم، وقوة تصلح، وهو ناموس القدوة الذي يتمثل في الأب والأم والصاحب والعشير والمعلم والكتاب؛ لأن الله جلت قدرته يبث في الخلق ما يوجههم دائمًا إلى الاعتقاد ويحملهم عليه ويبصرهم به، حتى كأن الحياة كلها إنما هي ممارسة لفضيلة الإيمان به من حيث يدري الإنسان أو لا يدري.
و"كتاب سر النجاح" الذي ترجمه أستاذنا العلامة الدكتور يعقوب صروف في سنة 1880، وظهرت طبعته الرابعة في هذه الأيام، هو والله في باب القدوة ناموس على حدة، وما رأيت كتابًا تلاءم نسجه واستوت أجزاؤه ووضع آخر على أوله وانصب كله إلى الغرض الذي كتب فيه وجاء مقطعًا واحدًا في معناه وفائدته -كهذا الكتاب الذي يعلم الضعيف كيف يقوى، والعاجز كيف يعتمد، والمضطرب كيف يقبل، والساقط كيف ينتهض، ويعلمك مع ذلك كيف تريح الكد بالكد، وكيف تسقط التعب بالتعب، وكيف تمضي عزيمتك وتعتقدها وتضرب كرة الأرض بقدميك وإن لم تكن ملكًا ولا قائدًا ولا فاتحًا، وإن كنت من صميم السوقة، وإن كنت من فقرك وراء عتبة واحدة؛ لا أقول: إن هذا الكتاب علم، فإن هذا القول يسقط به دون منزلته ولا يعدو في وصفه أن يجعله مجموعًا من الورق الصقيل على طبع جيد، مع أنه مجموع من الأرواح والعزائم وأعصاب القلوب؛ ولكني أقول في وصفه العلمي إن المدارس تخرج من الكتب تلاميذ.. وهذا الكتاب يخرج من التلاميذ رجالًا أقوياء أشداء معصومين عصيب جذوع الشجر العاتي، من قوة النفس وصلابتها وصحة العزيمة ومضائها، وتصميم الرأي ونفاذه؛ ومما يعطي من قوة الصبر والثبات ومطاولة التعب إلى أبعد حدود الطاقة الإنسانية.
وما تقرؤه حق قراءته وتستوفيه على وجهه من التدبير والإمعان إلا خرجت منه وقد وضع في نفسك شيئًا أعظم من نفسك كائنًا من كنت وكيف كنت، فإن تكن طفلًا خرجت رجلًا، وإن كنت رجلًا خرجت حكيمًا، وإن كنت
(3/341)

حكيمًا استحدث في نفسك ما يجعلك بالحكمة فوق الدنيا وكنت بها في الدنيا.
قال الأستاذ المترجم في مقدمته: "أشهد لأبناء وطني أنني لم أنتفع بكتاب قدر ما انتفعت بهذا الكتاب". وهذه هي الكلمة التي لا يقول غيرها من يقرأ "سر النجاح"، ولا يمكن أن يقول غيرها؛ إذ هو مبني في وضع من فائدة النفس وما يرهف حدها ويبتعث ملكاتها ويستنهض قواها ويستنفذ وسائلها على ما يشبه القواعد التي لا تؤدي إلا إلى نتيجة واحدة من أين اعتبرتها، كـ "اثنان واثنان أربعة"، وثلاثة وواحد أربعة، وأربعة وحداتٍ أربعة، وهلم جرا..
تلك شهادة المترجم، أما أنا فأشهد لقد عرفت منذ زمن طالبًا في الأزهر، فلما تعرف إلي جعل يشكو ويتبرم وينفض لي نفسه ويقول: الأزهر وعلومه وفنونه ومسائله ومشاكله، والمتون وما فيها، والشروح وما إليها، والحواشي وما يرد ويعترض ويجاب به ويقال فيه، وكل كلمة بساعة من العمر، وكل سطر بيوم، وكل جزء بسنة، وتركت ورائي كذا وكذا فدانًا وأقبلت على كذا وكذا علمًا، فلا حصدت من هذه ولا من تلك! قلت: وما يمسكك والباب مفتوح ولا يسألك الأزهر إلى أين ولا تسألك الدنيا إذا خرجت إليها من أين؟ قال: والله ما ربطني إلى هذه الأعمدة خمس عشرة سنة كاملة على يأس ومضض إلا كتاب "سر النجاح" وما أمضيت نيتي مرة على وجه من وجوه العيش إلا رأيت هذا الكتاب قد ضرب وجه هذه النية فردها إلى هذا المكان وألقاها في هذا المستقر، وما هممت بترك الأزهر إلا انتصب في وجهي كل الأبطال الذين قرأت أخبارهم فيه وأمسكوني، لا من يدي ولا من رجلي، ولكن من اعتقادي وإيماني وأملي!
قلت: فوالله لا يدعك حتى تنجح، وما ربط الله على قلبك بهذا الكتاب وثبت فؤادك باليقين الذي فيه إلا وقد كتب لك الخير كله.
(3/342)

أبو تمام الشاعر: تحقيق مدة إقامته بمصر 1
لم يبق بد من أن نبلغ بالكلام في هذا المعنى إلى مقطع الحق فيه، وأن ننفذ بتحقيقه إلى خاصته، وننتهي من خاصته إلى برهانه؛ فإن علماء الأدب قديمًا وحديثًا ألقوا خبر أبي تمام كلامًا مرسلًا بحري في الرواية على طرقها المختلفة، لا على التاريخ في وجهِهِ المتعين، ويؤخذ على أنه خبر كالأخبار إن صدق فقد صدق وإن كذب فهو على ما يجيء؛ إذ لم يكن يعنيهم من الشاعر إلا شعره، يحملونه عنه أو يأخذونه من رواته، أو يجدونه في ديوانه؛ أما أخبار الشاعر فهي لا تتصل بالكتاب ولا بالسنة، فتجتمع لهم كما تجتمع ويتناولونها كما اتفقت بما دخلها من الكذب والتزيد والتلفيق، وما يكون فيها مما يظاهر بعضه بعضًا أو ينقض بعضه على بعض؛ والمحقق منهم من يروي الصدق والكذب معًا ليخرج من التبعة، فلا بد من تبعة في أحد النقيضين؛ وليبرأ بصدق أحدهما من كذب أحدهما كما صنع ابن خلكان في سياقه خبر أبي تمام وهذا نص عبارته:
كانت ولادة أبي تمام ... بجاسم وهو قرية بين دمشق وطبرية، ونشأ بمصر، قيل: إنه كان يسقي الماء بالجرة في جامع مصر، وقيل كان يخدم حائكًا يعمل عنده بدمشق وكان أبوه خمارًا بها.
والذين يعرفون طرق الرواية ومصطلحاتها يدركون من هذه العبارة أن ابن خلكان ينتفي من أن تكون عليه تبعة أحد الخبرين أو كليهما، فإن الرواية متى افتتح
__________
1 لما أنشأ المؤلف مقاله عن شوقي "رحمه الله" غضب من غضب من أدباء مصر، وزعموا أنه يقصد الغض من مكانة "مصر الشاعرة"، ورماه من رماه في وطنيته، وحاول بعضهم أن يرد عليه رأيه في الشعر المصري بتعداد شعراء مصر العربية، واستتبع شيء شيئًا فجاء ذكر أبي تمام وما قالوا عن إقامته في مصر؛ فأنشأ المؤلف هذا المقال، وانظر ص146-147 "حياة الرافعي".
(3/343)

الخبر "بقيل أو يقال" فقد دل على أن هذا الخبر غير مقطوع به؛ إذ تسمى هذه الصيغة عندهم صيغة التمريض، فهي لا تفيد الصحة ولا الجزم بها، وظاهر أن أبا تمام لا يمكن أن يكون قد نشأ بمصر وبدمشق في وقت معًا.
وابن خلكان قد وقف على الكتاب الذي عمله الصولي في أخبار أبي تمام ونقل عنه، وهو المرجع في هذا الباب؛ فلا بد أن يكون هذا الكتاب قد خلا من تحقيق هذه الرواية، بل نحن نرجح أنه قد خلا منها بتة، فلم يذكر أن نشأة أبي تمام كانت بمصر؛ لأن صاحب الأغاني أغفلها ولم يشر إليها بحرف، مع أنه ينقل عن الصولي نفسه ويقول في كتابه: "أخبرني الصولي" وكانت أهملها صاحب مروج الذهب، وهو ينقل أيضًا عن الصولي، وهذا يثبت لنا أن الخبر لم يكن معروفًا يومئذ، وإلا هو التاريخ عند أبي الفرج والمسعودي إن لم يكن هو هذا؟
ولكن ذكرت الرواية في كتاب الأنباري "طبقات الأدباء"، واقتصر ناقلها على أن أبا تمام نشأ بمصر، وأنه كان يسقي الماء بها، ولم يذكر رواية عمله بدمشق؛ والأنباري متأخر توفي سنة577، فهو بعد موت أبي تمام بثلاثة قرون ونصف، فلا قيمة لروايته، وشأنه شأن غيره من الناقلين؛ ونحن نرى أن هذه الرواية قد صنعت في مصر نفسها للغض من أبي تمام والزراية عليه، وبقيت مروية فيها ثم حملت كما تحمل كل رواية لذاتها لا لتحقيقها، سواء أكانت موجهة على الحق أم معدولًا بها عنه؛ ولا أوضع في المهنة من سقاية الماء في الجامع بالجرة، ولعمري ما ذكرت "الجرة" هنا عبثًا؛ والغلو في التحقير هو بعينه الدليل على الكذب، فهذه الكلمة كأثر المجرم في جريمته..
وبعد، فإنا نقرر أن هذا الشاعر العظيم لم ينشأ بمصر، وأنه ولد وتأدب في الشام ثم قدم إلى مصر شاعرًا ناشئًا يتكسب بأدبه كما قدم عليها غيره من الأندلس والمغرب والشام، والعراق، وأنه لم يأتِ إلى مصر إلا في ولاية عبد الله بن طاهر الأديب الشاعر القائد العظيم، وقد جعلت له ولاية مصر والشام والجزيرة في سنة 210 أو 211 على خلاف بين المؤرخين، وكانت سن أبي تمام يومئذ بين 21 و23 سنة؛ وقد كان ابن طاهر مغناطيسًا للشعراء في كل مكان ينزله، حتى قال فيه بعضهم وعزم على الهجرة إلى مصر:
يقول رجال إن مصر بعيدة ... وما بعدت مصر وفيها ابن طاهر
وأبعد من بمصر رجال نراهم ... بحضرتنا معروفهم غير ظاهر
عن الخير موتى ما تبالي أزرتهم ... على طمع أم زرت أهل المقابر
(3/344)

وقد قصده أبو تمام إلى مصر، كما قصده بعد ذلك إلى خراسان في سنة220، وهي السنة التي وضع فيها أبو تمام أو في التي تليها كتاب "الحماسة" كما حققناه ولا محل لذكره هنا.
ونحن نسوق أدلتنا على صحة ما ذهبنا إليه في نفي أن يكون أبو تمام قد نشأ بمصر أو جاءنا طفلًا، أو تكون منها طبيعته في الشعر، أو يكون لها أثر في عبقريته:
1- المجمع عليه بلا خلاف أن الشاعر ولد في الشام، وما دام كذا لقد قالت الطبيعة كلمتها في أصل نبوغه وعبقريته، فإن الأديب يولد ولا يصنع كما يقول الإنجليزي؛ وكل العلماء يعرفونه بالطائي! ولا يطعن في نسبه إلا من لا يحقق وهو نفسه يباهي بطائيته، وذلك كالشرح على كلمة الطبيعة في أسباب نبوغه الوراثية؛ وقد تنقل الرجل بين مصر والشام والعراق وخراسان وأرمينيا وغيرها، فما بلد أولى من بلد بأن يكون مثار عبقريته.
2- إن الشاعر إنما يتكسب من شعره يمدح من يهتز له أو يعطي عليه، ولم يمدح أبو تمام أحدًا من أهل مصر؛ فإن كان مدح فيها عبد الله بن طاهر فإنما إليه قصد وله جاء؛ وابن طاهر ليس مصريًّا، وقد جاء إلى مصر ورجع منها قبل أن يحول عليه الحول، فلو أن نشأة هذا الشاعر كانت بمصر وتأدبه كان فيها لأصبنا له مدحًا كثيرًا في أعيانها وعلمائها؛ إذ هو متى قال الشعر لا يتكسب إلا منه؛ وفي ديوان الشاعر هجاء لابن الجلودي نظمه في مصر، ولكن ابن الجلودي ليس مصريًّا بل هو قائد من قواد المأمون، ولاه محاربة الزط سنة 205، ثم أقدم بعد ذلك مصر، ثم ولي عليها في سنة 214؛ فكل المصرية في شعر أبي تمام هي في هجائه للشاعر المصري يوسف السراج، ولعلها في بعض مقاطيع أخرى من الغزل أو الوصف.
3- ولد أبو تمام في سنة 188 أو190، ومن الثابت أنه كان بمصر في سنة 214، حين نظم قصيدته الدالية والنونية في رثاء عمير بن الوليد -وعمير هذا ليس مصريًّا، بل هو من خراسان، وكان بمصر عاملًا لأبي إسحاق المعتصم بن الرشيد فلو كان أبو تمام قد جاء إلى مصر طفلًا كما يقال لكانت مدة قوله الشعر فيها لا تقل عن عشر سنوات، مع أن كل ما نظمه وهو فيها لا يبلغ عشر قصائد؛ وهذا ديوانه بين أيدينا وإليه وحده المرجع في الدلالة على صاحبه.
4- روى المرزباني في "الموشح" عن العباس بن خالد البرمكي قال: أول ما نبغ "أي قال الشعر" أبو تمام الطائي أتاني بدمشق يمدح محمد بن الجهم فكلمته
(3/345)

فيه فأذن له؛ فدخل عليه وأنشده، ثم خرج فأمر له بدراهم يسيرة، ثم قال: إن عاش هذا ليخرجن شاعرًا.
فهذا نص على أن الشاعر لم يكن يومئذ إلا في ابتداء الشعر، ولم يكن قد خرج شاعرًا بعد وكان شعره من الطبقة التي يثاب عليها "بدراهم يسيرة". وأبو تمام بعد ذلك هو نفسه الذي نثر عليه عبد الله بن طاهر ألف دينار فترفع أن يمسها وترك الخدم ينتهبونها، وكان ذلك سببًا في تغير ابن طاهر عليه.
5- نقل ابن خلكان في ترجمة ديك الجن الشاعر الحمصي المشهور، عن عبد الله بن محمد بن عبد الملك الزبيدي قال: كنت جالسًا عند ديك الجن، "يعني بحمص" فدخل عليه حدث فأنشده شعرًا عمله، فأخرج ديك الجن من تحت مصلاه درجًا كبيرًا فيه كثير من شعره، فسلمه إليه وقال: يا فتى تكسب بهذا واستعن به على قولك. فلما خرج سألته عنه فقال: هذا فتى من أهل جاسم، يذكر أنه من طيء، يكنى أبا تمام، واسمه حبيب بن أوس، وفيه أدب وذكاء وله قريحة وطبع. فهذا نص آخر على أن أبا تمام كان يومئذ حدثًا -أي غلامًا- وكان لا يزال يطلب الأدب، وقد أعانه أستاذه بنسخ من قصائده يتخرج بها ويحذو عليها؛ فهو قد نشأ في الشام وتأدب فيها.
6- نظم أبو تمام قصيدته اللامية:
أصبُّ بحميا كأسها مقتل العذل
يصف تقتير الرزق عليه بمصر وخيبة أمله الذي أمله من المال، وفي هذه القصيدة يحن إلى الشام ويستقي لها ويذكر أرض البقاعين وقرى الجولان التي نشأ فيها: ولا يحن الشاعر لأرض إلا إذا كان فيها حبه أو شبابه وأدبه، أما الطفولة فمنسية بآثارها؛ إذ لا آثار لها في النفس متى شب المرء إلا بعيدًا بعيدًا، وإنما الحنين لما تتعلق به الغريزة المميزة.
7- في هذه القصيدة يقول أبو تمام يخاطب أحبابه:
عدتني عنكم مكرها غربة النوى ... لها وطر في أن تمر ولا تحلى
والنوى في لغة الشاعر هي رحيله للتكسب بشعره؛ ولما رجع عوف بن محلم الشيباني إلى وطنه بعد وفادته على عبد الله بن طاهر في خراسان؛ سئل عن حال فقال: رجعت من عند عبد الله بالغنى "والراحة من النوى"؛ ويؤيده قول أبي تمام في قصيدته تلك:
نأيت فلا مالًا حويت ولم أقم ... فأمتع، إذ فجعت بالمال والأهل
(3/346)

يعني أنه اغترب مكرهًا يطلب الكسب لا غير، ولا كسب للشاعر إلا من شعره، فهو بنص كلامه عن نفسه قدم إلى مصر شاعرًا يتكسب ويتعرض للغني كما يصنع غيره.
8- في هذه القصيدة اللامية يقدم لنا أبو تمام -رحمه الله- دليلًا يأكل الأدلة، كأنما ألهم من وحي الغيب أننا سنحتاج إلى هذا الدليل يومًا لندفع به عنه؛ فهو يحن إلى حيبب له في الشام، ويقول: إن غربة النوى التي وصفها:
أنت بعد هجر من حبيب فحركت ... صبابة ما أبقى الصدود من الوصل
أخمسة أحوال مضت لمغيبه؟ ... وشهران بل يومان ثكل من الثكلِ
يعني أنه قال هذا الشعر وقد مضى على إقامته في مصر خمس سنوات، وكان قد جاء من الشام عاشقًا ذلك العشق الذي فيه "الصدود والوصل"، والطفل لا يحب مثل هذا الحب ولا يحن ذلك الحنين؛ فإذا كان الشاعر قدم إلى مصر في سنة210، كما رجحناه، وسنه بين21 و23 سنة فيكون قد نظم هذه القصيدة في سنة 215، وعمره يومئذ بين 26 و28 سنة؛ فلو أن أبا تمام جاء من الشام طفلًا صغيرًا فكيف للطفل أن يقول مثل هذا الشعر بعد خمس سنوات؟ وما هجر الحبيب "وصبابة ما أبقى الصدود من الوصل"؟
9- مدح شاعرن