Advertisement

نهاية الأرب في فنون الأدب 001


الكتاب: نهاية الأرب في فنون الأدب
المؤلف: أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشي التيمي البكري، شهاب الدين النويري (المتوفى: 733هـ)
الناشر: دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة
الطبعة: الأولى، 1423 هـ
عدد الأجزاء: 33
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الجزء الأول
[مقدمة الكتاب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رافع السماء وفاتق رتقها، ومنشئ السّحاب وموكف ودقها؛ ومجرى الأفلاك ومدبّرها، ومطلع النّيّرات ومكوّرها، ومرسل الرياح ومسخّرها؛ ومزيّن سماء الدنيا بزينة الكواكب، وحافظها عند استراق السمع بإرسال الشّهب الثواقب، وهادى السارى بمطالع نجومها فى ظلم الغياهب؛ وجاعل الليل سكنا ولباسا، ومبدّل وحشة ظلمائه يفلق الإصباح إيناسا؛ وماحى آيته بآية النهار المبصرة، ومذهب دجنّته بإشراق شمسه النّيره؛ وباسط الأرض فراشا ومهادا، ومرسى الجبال وجاعلها أوتادا؛ ومفجّر العيون من جوانبها وخلالها، ومضحك ثغور الأزهار ببكاء عيون الأمطار وانهمالها؛ ومكرّم بنى آدم بتفضيلهم على كثير من خلقه، ومذلّل الأرض لهم ليمشوا فى مناكبها وليأكلوا من رزقه؛ وحاملهم على ظهر اليمّ فى بطون الجوارى المنشآت، ومعوّضهم عن أعواد السّفن غوارب اليعملات [1] . خلق كلّ دابّة من ماء وأودعها من خفىّ حكمه ما أودع، وباين بين أشكالهم (فمنهم من يمشى على بطنه ومنهم من يمشى على رجلين ومنهم من يمشى على أربع) . وهدى الطير إلى ما اتخذته من الأوكار واتّخذ لها من المبانى، وجعلها من رسائل المنايا ووسائل الأمانى.
أحمده على نعمه التى كم أولت من منّه؛ ومننه التى كم والت من نعمه، وأشكره على ألطافه التى كم كشفت من غمّه، وأزالت من نقمه.
__________
[1] اليعملة (بفتح الياء والميم) الناقة النجيبة المعتملة المطبوعة والجمع يعمل. وهو اسم لا وصف.
(1/1)

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبد نطق بها لسانه وقلبه، وأنس بها ضميره ولبّه.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذى جعلت له الأرض مسجدا وترابها طهورا، وأنزل عليه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً
. صلّى الله وسلّم عليه وعلى آله الذين رقوا بنسبهم إليه أعلى المراتب، وتسنّموا من ذروة الشرف والثناء كاهل الكواكب، وعلى أصحابه الذين اتّطدت بهم قواعد الشريعة وعلا منارها، وهدمت معاقل الكفر وعفت آثارها؛ وأنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وجالدوا فى دين الله وجادلوا: صلاة ترفع منار قائلها، وترسل عليه سحائب المغفرة بوابلها! وبعد، فمن أولى ما تدبّجت به الطروس والدفاتر، ونطقت به ألسنة الأقلام عن أفواه المحابر؛ وأصدرته ذوو الأذهان السليمه، وانتسبت إليه ذوو الأنساب الكريمة؛ وجعله الكاتب ذريعة يتوصّل بها إلى بلوغ مقاصده، ومحجّة لا يضلّ سالكها فى مصادره وموارده: فنّ الأدب الذى ما حلّ الكاتب بواديه، إلّا وعمرت بواديه؛ ولا ورد مشارعه، إلّا واستعذب شرائعه؛ ولا نزل بساحته إلّا واتّسعت له رحابها، ولا تأمّل مشكلاته إلّا وتبيّنت له أسبابها.
وكنت ممن عدل فى مباديه، عن الإلمام بناديه؛ وجعل صناعة الكتابة فننه الذى يستظلّ بوارفه، وفنّه الذى جمع له فيه بين تليده وطارفه. فعرفت جليّها، وكشفت خفيّها؛ وبسطت الخرائد [1] ونظمت منها الارتفاع، وكنت فيها كموقد نار على
__________
[1] لعلها: الجرائد. أى جرائد الحسبانات التى يستخرج منها الارتفاع أى مقدار الإيراد. وبقية الكلام تدل على ذلك لأنه استعار اصطلاحات أهل الحساب.
(1/2)

يفاع. واسترفعت القوانين، ووضعت الموازين؛ وعانيت المقترحات، واعتمدت على المقايسات؛ وفذلكت على الأصل وما أضيف إليه، وحررت ما بعد الفذلكة فكان العمل على ما استقرّت الجملة عليه؛ واستخرجت وحصّلت، وجمّلت من عرضه وخصّلت؛ وسقت الحواصل، وأوردت المحاسيب وفذلكت على الواصل؛ وطردت ما انساق إلى الباقى والموقوف، ونضّدت شواهد المصروف؛ وشطبت شواهد الارتفاع، وقرنت أعمال المبيع بالمبتاع؛ واستوفيت أعمال الاعتصار وتوالى الغلّات، وتأمّلت سياق الأصناف والآلات؛ ونظرت فى سياقات العلوفات والعوامل، وأجبت عن المخرج والمردود فأعجزت المناظر والمناضل؛ وأتقنت موادّ هذه الصناعة، وتاجرت فيها بأنفس بضاعه.
ثمّ نبذتها وراء ظهرى، وعزمت على تركها فى سرّى دون جهرى؛ وسألت الله تعالى الغنية عنها، وتضرّعت إليه فيما هو خير منها. ورغبت فى صناعة الآداب وتعلّقت بأهدابها، وانتظمت فى سلك أربابها، فرأيت غرضى لا يتمّ بتلقّيها من أفواه الفضلاء شفاها، وموردى منها لا يصفو ما لم أجرّد العزم سفاها.
فامتطيت جواد المطالعه، وركضت فى ميدان المراجعه. وحيث ذلّ لى مركبها، وصفا لى مشربها، آثرت أن أجرّد منها كتابا أستأنس به وأرجع إليه، وأعوّل فيما يعرض لى من المهمّات عليه. فاستخرت الله سبحانه وتعالى وأثبتّ منها خمسة فنون حسنة الترتيب، بيّنة التقسيم والتبويب: كلّ فنّ منها يحتوى على خمسة أقسام.
(1/3)

الفن الأوّل فى السماء والآثار العلويّة، والأرض والمعالم السّفليّة ويشتمل على خمسة أقسام:
القسم الأوّل- فى السماء وما فيها.
وفيه خمسة أبواب:
الباب الأوّل- فى مبدإ خلق السماء.
الباب الثانى- فى هيئتها.
الباب الثالث- فى الملائكة.
الباب الرابع- فى الكواكب السبعة.
الباب الخامس- فى الكواكب الثابتة.
القسم الثانى- فى الآثار العلويّة.
وفيه أربعة أبواب:
الباب الأوّل- فى السّحاب، وسبب حدوثه، وفى الثلج، والبرد.
الباب الثانى- فى الصواعق، والنّيازك، والرعد، والبرق.
الباب الثالث- فى أسطقسّ الهواء.
الباب الرابع- فى أسطقسّ النار، وأسمائها.
القسم الثالث- فى الليالى، والأيام، والشهور، والأعوام، والفصول، والمواسم، والأعياد.
وفيه أربعة أبواب:
الباب الأوّل- فى الليالى، والأيّام.
(1/4)

الباب الثانى- فى الشهور، والأعوام.
الباب الثالث- فى الفصول.
الباب الرابع- فى المواسم، والأعياد.
القسم الرابع- فى الأرض، والجبال، والبحار، والجزائر، والأنهار، والعيون.
وفيه سبعة أبواب:
الباب الأوّل- فى مبدإ خلق الأرض.
الباب الثانى- فى تفصيل أسماء الأرض.
الباب الثالث- فى طول الأرض، ومساحتها.
الباب الرابع- فى الأقاليم السبعة.
الباب الخامس- فى الجبال.
الباب السادس- فى البحار، والجزائر.
الباب السابع- فى الأنهار، والغدران، والعيون.
القسم الخامس- فى طبائع البلاد، وأخلاق سكّانها، وخصائصها، والمبانى القديمة، والمعاقل، والقصور، والمنازل.
وفيه خمسة أبواب:
الباب الأوّل- فى طبائع البلاد، وأخلاق سكّانها.
الباب الثانى- فى خصائص البلاد.
الباب الثالث- فى المبانى القديمة.
الباب الرابع- فيما وصفت به المعاقل.
الباب الخامس- فيما وصفت به القصور، والمنازل.
(1/5)

الفن الثانى فى الإنسان وما يتعلّق به ويشتمل على خمسة أقسام:
القسم الأوّل- فى اشتقاقه، وتسميته، وتنقّلاته، وطبائعه؛ ووصف أعضائه، وتشبيهها، والغزل، والنّسيب، والمحبة، والعشق، والهوى، والأنساب.
وفيه أربعة أبواب:
الباب الأوّل- فى اشتقاقه، وتسميته، وتنقّلاته، وطبائعه.
الباب الثانى- فى وصف أعضائه، وتشبيهها. وما وصف به طيب الرّيق، والنّكهة، وحسن الحديث والنّغمة، واعتدال القدود. ووصف مشى النساء.
الباب الثالث- فى الغزل، والنسيب، والهوى، والمحبّة، والعشق.
الباب الرابع- فى الأنساب.
القسم الثانى- فى الأمثال المشهورة عن النبىّ (صلى الله عليه وسلم) .
وعن جماعة من الصحابة (رضى الله عنهم) ، والمشهور من أمثال العرب، وأوابد العرب، وأخبار الكهنة، والزجر، والفأل، والطّيرة، والفراسة، والذّكاء، والكنايات، والتعريض، والأحاجىّ، والألغاز.
وفيه خمسة أبواب:
الباب الأوّل- فى الأمثال.
(1/6)

الباب الثانى- فى أوابد العرب.
الباب الثالث- فى أخبار الكهنة، والزجر، والفأل، والطّيرة، والفراسة، والذّكاء.
الباب الرابع- فى الكنايات، والتعريض.
الباب الخامس- فى الأحاجىّ، والألغاز.
القسم الثالث- فى المدح، والهجو، والمجون، والفكاهات، والملح، والخمر، والمعاقرة، والنّدمان، والقيان، ووصف آلات الطرب.
وفيه سبعة أبواب:
الباب الأوّل- فى المدح.
وفيه ثلاثة عشر فصلا. وهى:
حقيقة المدح، وما قيل فيه.
ما قيل فى الجود، والكرم، وأخبار الكرام.
ما قيل فى الإعطاء قبل السؤال.
ما قيل فى الشجاعة، والصبر، والإقدام.
ما قيل فى وفور العقل.
ما قيل فى الصدق.
ما قيل فى الوفاء، والمحافظة.
ما قيل فى التواضع.
ما قيل فى القناعة، والنزاهة.
(1/7)

ما قيل فى الشكر، والثناء.
ما قيل فى الوعد، والإنجاز.
ما قيل فى الشفاعة.
ما قيل فى الاعتذار، والاستعطاف.
الباب الثانى- فى الهجاء.
وفيه أربعة عشر فصلا:
ما قيل فى الهجاء، ومن يستحقّه.
ما قيل فى الحسد.
ما قيل فى السّعاية والبغى.
ما قيل فى الغيبة والنميمة.
ما قيل فى البخل واللّؤم، وأخبار البخلاء، واحتجاجهم.
ما قيل فى التطفّل. ويتصل به أخبار الأكلة والمؤاكلة.
ما قيل فى الجبن، والفرار.
ما قيل فى الحمق، والجهل.
ما قيل فى الكذب.
ما قيل فى الغدر، والخيانة.
ما قيل فى الكبر، والعجب.
ما قيل فى الحرص، والطمع.
ما قيل فى الوعد، والمطل.
ما قيل فى العىّ، والحصر.
(1/8)

الباب الثالث- فى المجون، والنوادر، والفكاهات، والملح.
الباب الرابع- فى الخمر، وتحريمها، وآفاتها، وجناياتها، وأسمائها. وأخبار من تنزّه عنها فى الجاهليّة، ومن حدّ فيها من الأشراف، ومن اشتهر بها، ولبس ثوب الخلاعة بسببها. وما قيل فيها من جيّد الشعر، وما قيل فى وصف آلاتها، وآنيتها، وما قيل فى مبادرة اللذّات، وما وصفت به المجالس، وما يجرى هذا المجرى.
الباب الخامس- فى النّدمان، والسّقاة.
الباب السادس- فى الغناء، والسّماع، وما ورد فى ذلك من الحظر والإباحة، ومن سمع الغناء من الصحابة (رضوان الله عليهم) والتابعين، والأئمة، والعبّاد، والزّهّاد، ومن غنّى من الخلفاء، وأبنائهم، والأشراف، والقوّاد، والأكابر، وأخبار المغنّين ممن نقل الغناء من الفارسيّة إلى العربيّة.
الباب السابع- فيما يحتاج إليه المغنّى، ويضطرّ إلى معرفته، وما قيل فى الغناء، وما وصفت به القيان، وما وصفت به آلات الطرب.
(1/9)

القسم الخامس- فى الملك، وما يشترط فيه، وما يحتاج إليه؛ وما يجب له على الرعيّة، وما يجب للرعيّة عليه. ويتّصل به ذكر الوزراء، وقادة الجيوش، وأوصاف السلاح، وولاة المناصب الدينيّة، والكتّاب، والبلغاء.
وفيه أربعة عشر بابا:
الباب الأوّل- فى شروط الإمامة: الشرعيّة، والعرفيّة.
الباب الثانى- فى صفات الملك وأخلاقه، وما يفضل به على غيره. وذكر ما نقل من أقوال الخلفاء والملوك الدّالة على علوّ همّتهم، وكرم شيمتهم.
الباب الثالث- فيما يجب للملك على الرعايا من الطاعة، والنصيحة، والتعظيم، والتوقير.
الباب الرابع- فى وصايا الملوك.
الباب الخامس- فيما يجب على الملك للرعايا.
الباب السادس- فى حسن السياسة، وإقامة المملكة. ويتّصل به الحزم، والعزم، وانتهاز الفرصة، والحلم، والعفو، والعقوبة، والانتقام.
الباب السابع- فى المشورة، وإعمال الرأى، والاستبداد، ومن يعتمد على رأيه، ومن كره أن يستشير.
الباب الثامن- فى حفظ الأسرار، والإذن. والحجاب.
(1/10)

الباب التاسع- فى الوزراء، وأصحاب الملك، الباب العاشر- فى قادة الجيوش، والجهاد، ومكايد الحروب؛ ووصف الوقائع، والرباط، وما قيل فى أوصاف السلاح.
الباب الحادى عشر- فى القضاة، والحكام.
الباب الثانى عشر- فى ولاية المظالم، وهى نيابة دار العدل.
الباب الثالث عشر- فى نظر الحسبة، وأحكامها.
الباب الرابع عشر- فى ذكر الكتّاب، والبلغاء؛ والكتابة، وما تفرّع عنها من الوظائف والكتابات، وهى: كتابة الإنشاء، وكتابة الديوان، والتصرّف، وكتابة الحكم، والشروط، وكتابة النسخ، وكتابة التعليم.
(1/11)

الفن الثالث فى الحيوان الصامت ويشتمل على خمسة أقسام:
القسم الأوّل- فى السباع، وما يتصل بها من جنسها.
وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأوّل- فى الأسد، والببر، والنّمر.
الباب الثانى- فى الفهد، والكلب، والذئب، والضّبع، والنّمس.
الباب الثالث- فى السّنجاب، والثّعلب، والدّبّ، والهرّ، والخنزير.
القسم الثانى- فى الوحوش، والظباء، وما يتّصل بها من جنسها.
وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأوّل- فيما قيل فى الفيل، والكركدّن، والزّرافة، والمهاة، والإيّل [1] .
الباب الثانى- فى الحمر الوحشيّة، والوعل، واللّمط.
الباب الثالث- فيما قيل فى الظّبى، والأرنب، والقرد، والنّعام.
__________
[1] ويقال أيضا: الأيّل والأيّل (قاموس) .
(1/12)

القسم الثالث- وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأوّل- فى الخيل.
الباب الثانى- فى البغال، والحمير.
الباب الثالث- فى الإبل، والبقر، والغنم.
القسم الرابع- وفيه بابان:
الباب الأوّل- فى ذوات السموم القواتل.
الباب الثانى- فيما هو ليس بقاتل بفعله، من ذوات السموم.
القسم الخامس- وفيه سبعة أبواب: ستّة منها فى الطير، وباب فى السمك.
(وذيّلت عليه بباب ثامن، أوردت فيه ما قيل فى آلات صيد البرّ، والبحر) .
الباب الأوّل- فى سباع الطير، وهى: العقبان، والبوازى، والصقور، والشواهين.
الباب الثانى- فى كلاب الطير، وهى: النّسر، والرّخم، والحدأة، والغراب.
الباب الثالث- فى بهائم الطير، وهى: الدّرّاج، والحبارى، والطاووس، والدّيك، والدّجاج، والإوزّ، والبطّ، والنّحام، والأنيس، والقاوند، والخطّاف، والقيق، والزّرزور، والسّمانى [1] ، والهدهد، والعقعق، والعصافير.
__________
[1] فى الأصل السّمّان. وقال فى الصحاح والسّمانى ولا شدّد الميم.
(1/13)

الباب الرابع- فى بغاث الطير، وهو: القمرى، والدّبسىّ، والورشان، والفواخت، والشّفنين، والعبطبط، والنّواح، والقطاة، واليمام، وأصنافه، والببّغاء.
الباب الخامس- فى الطير الليلىّ، وهو: الخفّاش، والكروان، والبوم، والصّدى.
الباب السادس- فى الهمج، وهو: النمل، والزّنبور، والعنكبوت، والجراد، ودود القزّ، والذّباب، والبعوض، والبراغيث، والحرقوص.
الباب السابع- فى أنواع الأسماك.
الباب الثامن- يشتمل على ذكر شىء مما وصفت به آلات الصيد فى البرّ، والبحر، ووصف زماة البندق، وما يجرى هذا المجرى.
(1/14)

الفن الرابع فى النبات ويشتمل على خمسة أقسام:
(وذيّلت على هذا الفن، فى القسم الخامس، بشىء من أنواع الطّيب، والبخورات، والغوالى، والنّدود، والمستقطرات، وغير ذلك) .
القسم الأوّل- فى أصل النبات، وما تختصّ به أرض دون أرض.
(ويتّصل به ذكر الأقوات، والخضراوات، والبقولات) .
وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأوّل- فى أصل النبات، وترتيبه.
الباب الثانى- فيما تختصّ به أرض دون أرض، وما يستأصل شأفة النبات الشاغل للأرض عن الزراعة.
الباب الثالث- فى الأقوات، والخضراوات، والبقولات.
القسم الثانى- فى الأشجار.
وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأوّل- فيما لثمره قشر لا يؤكل.
الباب الثانى- فيما لثمره نوى لا يؤكل.
الباب الثالث- فيما ليس لثمره قشر ولا نوى.
(1/15)

القسم الثالث- فى الفواكه المشمومة.
وفيه بابان:
الباب الأوّل- فيما يشمّ رطبا، ويستقطر.
ويشتمل على أربعة أنواع: وهى «الورد، والنّسرين، والخلاف، والنّيلوفر» .
الباب الثانى- فيما يشمّ رطبا، ولا يستقطر.
ويشتمل على ما قيل فى البنفسج، والنرجس، والياسمين، والآس، والزعفران، والحبق.
القسم الرابع- فى الرياض، والأزهار.
(ويتصل به الصّموغ، والأمنان، والعصائر) .
وفيه أربعة أبواب:
الباب الأوّل- فى الرياض، وما وصفت به نظما، ونثرا.
الباب الثانى- فى الأزهار، وما وصفت به.
الباب الثالث- فى الصموغ.
وفيه ثمانية وعشرون صنفا.
الباب الرابع- فى الأمنان.
القسم الخامس- فى أصناف الطيب، والبخورات، والغوالى، والنّدود، والمستقطرات، والأدهان، والنّضوحات، وأدوية الباه، والخواصّ.
وفيه أحد عشر بابا:
الباب الأوّل- فى المسك، وأنواعه
(1/16)

الباب الثانى- فى العنبر، وأنواعه، ومعادنه.
الباب الثالث- فى العود، وأصنافه، وأنواعه، ومعادنه.
الباب الرابع- فى الصّندل، وأصنافه، ومعادنه.
الباب الخامس- فى السّنبل الهندىّ، وأصنافه؛ والقرنفل، وجوهره.
الباب السادس- فى القسط، وأصنافه.
الباب السابع- فى عمل الغوالى، والنّدود.
الباب الثامن- فى عمل الرامك، والسّكّ من الرامك والأدهان.
الباب التاسع- فى عمل النّضوحات، والمياه المستقطرة، وغير المستقطرة.
الباب العاشر- فى الأدوية التى تزيد فى الباه، وتلذّذ الجماع، وما يتصل بذلك.
الباب الحادى عشر- فما يفعل بالخاصّيّة.
(1/17)

الفن الخامس فى التاريخ ويشتمل على خمسة أقسام:
القسم الأوّل- فى مبدإ خلق آدم (عليه السلام) وحوّاء، وأخبارهما، ومن كان بعد آدم إلى نهاية خبر أصحاب الرّس.
وفيه ثمانية أبواب:
الباب الأوّل- فى مبدإ خلق آدم (عليه السلام) ، وموسى (عليه السلام) ، وما كان من أخبارهما إلى حين وفاتهما.
الباب الثانى- فى خبر شيث بن آدم (عليهما السلام) ، وأولاده.
الباب الثالث- فى أخبار إدريس: النبىّ (عليه السلام) .
الباب الرابع- فى قصّة نوح (عليه السلام) ، وخبر الطّوفان.
الباب الخامس- فى قصّة هود (عليه السلام) مع عاد، وهلاكهم بالريح العقيم.
الباب السادس- فى قصة صالح (عليه السلام) مع ثمود، وعقرهم الناقة، وهلاكهم.
الباب السابع- فى أخبار أصحاب البئر المعطّلة، والقصر المشيد، وهلاكهم.
الباب الثامن- فى أخبار أصحاب الرّسّ، وما كان من أمرهم.
(1/18)

القسم الثانى- فى قصّة إبراهيم، الخليل (عليه السلام) ، وخبره مع نمرود؛ وقصّة لوط؛ وخبر إسحاق، ويعقوب؛ وقصّة يوسف؛ وأيّوب؛ وذى الكفل؛ وشعيب (عليهم السلام) .
وفيه سبعة أبواب:
الباب الأوّل- فى قصّة إبراهيم، الخليل (عليه الصلاة والسلام) ، وأخبار نمرود بن كنعان.
الباب الثانى- فى خبر لوط (عليه السلام) مع قومه، وقلب المدائن.
الباب الثالث- فى خبر إسحاق، ويعقوب (عليهما السلام) .
الباب الرابع- فى قصّة يوسف بن يعقوب (عليهما السلام) .
الباب الخامس- فى قصّة أيوب (عليه السلام) ، وابتلائه، وعافيته.
الباب السادس- فى خبر ذى الكفل بن أيوب (عليهما السلام) .
الباب السابع- فى خبر شعيب (عليه السلام) ، وقصته مع مدين.
القسم الثالث- يشتمل على قصّة موسى بن عمران (عليه السلام) ، وخبره مع فرعون؛ وخبر يوشع، ومن بعده؛ وحزقيل، وإلياس، واليسع، وعيلا، وأشمويل، وطالوت، وجالوت، وداود، وسليمان بن داود، وشعيا، وأرميا، وخبر بخت نصّر، وخراب بيت المقدس، وعمارته؛ وما يتصل بذلك من خبر عزيز؛ وقصّة
(1/19)

يونس بن متّى، وخبر بلوقيا؛ وزكريا، ويحيى، وعمران، ومريم، وعيسى (عليهم السلام) ، وقصص الحواريّين، وما كان من أمرهم فيمن أرسلوا إليه، وخبر جرجيس.
وفيه ستة أبواب:
(وذيّلت على هذا القسم ذيلا يشتمل على أربعة أبواب، ذكرت فيها ما قيل فى الحوادث التى تظهر قبل نزول عيسى- عليه السلام- إلى الأرض ومدّة إقامته بها، ووفاته، وما يكون بعده، وشيئا من أخبار الحشر والمعاد) .
الباب الأوّل- فى قصّة موسى بن عمران، وهرون؛ وغرق فرعون؛ وأخبار بنى إسرائيل؛ وأخبار قارون؛ وخبر بلعم بن باعوراء، والجبّارين، وغير ذلك.
الباب الثانى- فيما كان بعد موسى بن عمران (عليه السلام) من أخبار يوشع بن النون، ومن بعده؛ وخبر حزقيل، وإلياس، واليسع، وعيلا، وأشمويل، وطالوت، وجالوت، وداود، وسليمان.
الباب الثالث- فى أخبار شعيا، وأرميا، وخبر بخت نصّر، وخراب بيت المقدس، وعمارته؛ وما يتّصل بذلك من خبر عزيز.
(1/20)

الباب الرابع- فى قصّة ذى النون يونس بن متّى (عليه السلام) ، وخبر بلوقيا.
الباب الخامس- فى خبر زكريّا، ويحيى، وعمران، ومريم ابنته؛ وعيسى بن مريم (عليهما السلام) .
الباب السادس- فى أخبار الحواريّين الذين أرسلهم عيسى (عليه السلام) ، وما كان من أمرهم بعد رفعه؛ وخبر جرجيس.
التذييل على هذا القسم- ويشتمل على أربعة أبواب:
الباب الأوّل- فى ذكر الحوادث التى تظهر قبل نزول عيسى بن مريم.
الباب الثانى- فى خبر نزول عيسى إلى الأرض؛ وقتل الدجّال؛ وخروج يأجوج، ومأجوج، وهلاكهم؛ ووفاة عيسى (عليه السلام) .
الباب الثالث- فى ذكر ما يكون بعد وفاة عيسى ابن مريم إلى النفخة الأولى.
الباب الرابع- فى أخبار يوم القيامة والحشر، والمعاد؛ والنفخة الثانية فى الصّور.
(1/21)

القسم الرابع- فى أخبار ملوك الأصقاع، وملوك الأمم، والطوائف؛ وخبر سيل العرم، ووقائع العرب فى الجاهليّة.
وفيه خمسة أبواب:
الباب الأوّل- فى أخبار ذى القرنين، المذكور فى سورة الكهف.
الباب الثانى- فى أخبار ملوك الأصقاع، وهم: ملوك مصر، والهند، والصين، وجبل الفتح.
الباب الثالث- فى أخبار ملوك الأمم من الأعاجم، وهم: ملوك الفرس الأول، وملوك الطوائف منهم؛ والملوك الساسانيّة؛ وملوك اليونان والسريان؛ والكلدانيين؛ والصقالبة؛ والبوكبرد؛ والإفرنجة؛ والجلالقة؛ وطوائف السودان.
الباب الرابع- فى أخبار ملوك العرب.
(ويتّصل به خبر سيل العرم) .
الباب الخامس- فى أيّام العرب، ووقائعها فى الجاهليّة.
القسم الخامس- فى أخبار الملة الإسلاميّة؛ وذكر شىء من سيرة نبيّنا محمد (صلى الله عليه وسلم) ، وأخبار الخلفاء من بعده (رضى الله عنهم) ؛ وأخبار الدولة الأمويّة؛ والعباسيّة؛ والعلويّة؛ ودول ملوك الإسلام، وأخبارهم، وما فتح الله (سبحانه وتعالى) عليهم- على ما سنبيّن ذلك- إن شاء الله (تعالى) .
وفيه اثنا عشر بابا:
(1/22)

الباب الأوّل- فى سيرة سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الباب الثانى- فى أخبار الخلفاء من بعده: أبى بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ، وابنه: الحسن (رضى الله عنهم أجمعين) .
الباب الثالث- فى أخبار الدولة الأمويّة بالشام وغيره.
الباب الرابع- فى أخبار الدولة العباسيّة بالعراق، ومصر.
الباب الخامس- فى أخبار الدولة الأمويّة بالأندلس، وأخبار الأندلس بعد انقراض الدولة الأموية.
الباب السادس- فى أخبار إفريقيّة، وبلاد المغرب، ومن وليها من العمّال، ومن استقلّ منهم بالملك.
الباب السابع- فى أخبار من نهض فى طلب الخلافة من الطالبيّين، فى مدّة الدولتين: الأمويّة، والعباسية، فقتل دونها، بعد مقتل الحسين ابن علىّ (رضى الله عنهما) .
الباب الثامن- فى أخبار صاحب الزنج، والقرامطة، والخوارج بالموصل.
الباب التاسع- فى أخبار من استقلّ بالملك، والممالك، بالبلاد الشرقيّة والشماليّة، فى خلال الدولة العباسيّة، وهم: ملوك خراسان، وما وراء النهر، والجبال، وطبرستان، وغزنة، والغور
(1/23)

وبلاد السند، والهند: كالدولة السامانيّة.
والصّفّاريّة، والغزنويّة، والغوريّة، والدّيلميّة الختليّة.
الباب العاشر- فى أخبار ملوك العراق. وما والاه؛ وملوك الموصل، والديار الجزيرية، والبكريّة، والبلاد الشاميّة، والحلبيّة: كالدولة الحمدانيّة.
والدّيلميّة البهويهيّة، والسّلجقيّة، والأتابكيّة.
الباب الحادى عشر- فى أخبار الدولة الخوارزميّة. والجنكزخانيّة، وهى دولة التتار، وما تفرّع منها.
الباب الثانى عشر- فى أخبار ملوك الديار المصريّة الذين ملكوا فى خلال الدولة العباسيّة، نيابة عن خلفائها، وهم: الملوك العبيديّون الذين انتسبوا إلى علىّ بن أبى طالب (رضى الله عنه) ، وما كان من أمرهم، وما ملكوه من بلاد المغرب، وكيف استولوا على الديار المصريّة، والبلاد الشاميّة، والخلبيّة، والثغور، والسواحل، وغير ذلك إنى أن انقرضت دولتهم؛ وقيام الدولة الأيّوبيّة، وأخبار ملوكها بمصر، والشام إلى حين انقراضها؛ وقيام دولة الترك، ومن ملك منهم من أبنائهم، وما حازوه من الأقاليم، وما فتحوه من الممالك، وغير ذلك من
(1/24)

أخبارهم، وما استقرّ فى ملك ملوك هذه الدولة إلى حين وضعنا لهذا التأليف فى سنة......
وسبعمائة (فى أيّام مولانا السلطان السيد الأجل المالك الملك الناصر، ناصر الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، أبى الفتح محمد، بن السلطان الشهيد، الملك المنصور، سيف الدنيا والدين، أبى المظفر قلاون، الصالحىّ. خلد الله ملكه على ممرّ الزمان، وسقى عهد والده صوب الرّحمة والرّضوان، ببركة سيد ولد عدنان!) هذا مجموع ما يشتمل عليه هذا الكتاب، من فنون وأقسام وذيول وأبواب.
ثم ينطوى كل باب منها على فصول وأخبار، ويحتوى على وقائع وآثار.
ولما انتهت أبوابه وفصوله، وانحصرت جملته وتفصيله، ترجمته:
بنهاية الأرب فى فنون الأدب وأتيت فيه بالمقصود والغرض، وأثبتّ الجوهر ونفيت العرض، وطوّقته بقلائد من مقولى، ورصّعته بفرائد من منقولى. فكلامى فيه كالسارية تلتها السحائب، أو السريّة ردفتها الكتائب. فما هو إلّا مترجم عن فنونه، وحاجب لعيونه.
وما أوردت فيه إلّا ما غلب على ظنّى أنّ النفوس تميل إليه، وأن الخواطر تشتمل عليه. ولو علمت أنّ فيه خطأ لقبضت بنانى، وغضضت طرفى، ولو خبرت طريق
(1/25)

المعترض لعطفت عنانى، وثنيت عطفى. لكنّى تبعت فيه آثار الفضلاء قبلى، وسلكت منهجهم فوصلت بحبالهم حبلى. فإن يكن اعتراض، فعلى علاهم لا علىّ العار. وقد علمت أنه من صنف كتابا فقد استهدف، وأصمّ الأسماع وإن كان لبعضها قد شنّف.
وخليق للواقف عليه أن يسدّ ما يجد به من خلل، وأن يغفر ما يلمح فيه من زلل.
فأسبل عليها ستر معروفك الذى سترت به قدما على عوارى. والذى أدّى إليه اجتهادى من تأليفه فقد أصدره، والذى وقفت عنده غايتى فقد أوردته. قد تبلّغت فيه وسعى، لكن ليس من عثرة الكتاب أمان. وبالله سبحانه المستعان! وعليه أتوكّل، وإليه أتضرّع فى التيسير وأتوسل؛ ومن فضله أستمدّ الصواب، وباسمه أستفتح الكتاب [1] !
__________
[1] ورد فى النسخة الفوتغرافية التى اعتمدنا الطبع عليها (وهى المحفوظة بكتبخانة الكوپريلى بالقسطنطينية) ما نصه فى هذا الموضع: «هذا آخر الفهرست لهذا الكتاب. ولنبتدئ إن شاء الله تبارك وتعالى بما بدأ به مؤلفه عفا الله تعالى عنه وهو الفن الأوّل. ونرجو بعون الله وحوله وقوّته الإتمام بسلام. وصلى الله وسلم على أشرف الأنام، سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم السلام» - وهى من زيادات الناسخ.
(1/26)

الفن الأوّل فى السماء والآثار العلويّة، والأرض والمعالم السّفليّة
وقد أوردت فى هذا الفن نبذة من وصف السماء، التى هى قبلة الدعاء، وباب الرجاء؛ والكواكب السيّارات ذوات السنا والسناء؛ والملائكة الذين هم أولو أجنحة، مثنى، وثلاث، ورباع؛ والسحائب التى تجود بوبلها فتعدل فى قسمها بين السهل واليفاع؛ والرعد الذى إن ونت يحثّها؛ والريح الذى إن اجتمعت يبثّها؛ والبرق الذى شبّه ببنان الحاسب والكفّ الخضيب؛ والثلج الذى خلع على الأرض رداء المشيب؛ وقوس السّحاب الذى تنكّبه الجوّ فأفرغ عليه مصبّغات الحلل، ورمى الجدب ببنادق البرد فتباشرت بالخصب أهل الحلل؛ والنّيران وعبّادها وعددها، والمياه وأمدادها ومددها؛ والليالى والأيام، والشهور والأعوام؛ والسّنة وفصولها ومباديها، والأعياد والمواسم ومتّخذيها؛ والأرض والجبال، والبرارى والرمال؛ والجزائر والبحار، والعيون والأنهار؛ وطبائع البلاد، وأخلاق من سكنها من العباد؛ والمبانى والمعاقل، والقصور والمنازل.
وجعلته خمسة أقسام يستدلّ بها عليه، ويتوصّل من أبوابها إليه.
(1/27)

القسم الأوّل فى السماء وما فيها وفيه خمسة أبواب:
الباب الأوّل من القسم الأوّل من الفن الأوّل
1- فى مبدإ خلق السماء
قال الله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها.
والسماء تذكّر وتؤنّث.
فشاهد التذكير قول الله (عزّ وجلّ) : (السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ)
؛ وقول الشاعر:
فلو رفع السماء إليه قوما، ... لحقنا بالسماء مع السّحاب!
وشاهد التأنيث، قوله (تبارك وتعالى) : (إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ)
؛ وقول الشاعر:
يا ربّ، ربّ الناس فى سماته! [1]
__________
[1] هكذا فى الأصول، أى بالتاء المثناة. ولو همزت، لفات الشاهد.
(1/28)

2- ذكر ما قيل فى أسماء السماء وخلقها
قد نطقت العرب للسماء بأسماء.
منها: الجرباء. وسمّيت بذلك لكثرة النّجوم بها.
ومنها: الخلقاء. لملاستها.
وبرقع [1] . والرّقيع. ومنه
قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لسعد بن معاذ: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة»
. أى من فوق سبع سماوات.
ومنها: الطرائق. قال الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ) .
والسماء مخلوقة من دخان.
3- حكى فى سبب حدوثه
أنّ الله تعالى خلق جوهرة، وصف من طولها وعرضها عظما. ثم نظر إليها نظر هيبة، فانماعت، وعلاها من شدّة الخوف زبد ودخان. فخلق الله من الزبد الأرض، وفتقها سبعا؛ ومن الدخان السماء، وفتقها سبعا. ودليله قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
. قال: ولما فتق الله تعالى السماوات، أوحى فى كل سماء أمرها.
واختلف المفسّرون فى الأمر، ما هو؟ فقال قوم: خلق فيها جبالا من برد وبحارا؛ وقال قوم: جعل فى كل سماء كوكبا، قدّر عليه الطلوع والأفول، والسير والرجوع.
وقال قوم: أسكنها ملائكة سخّرهم للعالم السّفلىّ، فوكّل طائفة بالسحاب وطائفة بالريح، وجعل منهم حفظة لبنى آدم وكاتبين لأعمالهم ومستغفرين لذنوبهم.
__________
[1] كز برج وقنفذ كما فى القاموس.
(1/29)

الباب الثانى
1- فى هيئتها
ذهب المفسّرون لكتاب الله عزّ وجلّ أنّ السماء مسطوحة، بدليل قوله تعالى:
(أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) .
وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) .
ويطلق على مجموعها فلك، لقوله تعالى: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) .
وذهب الحسن إلى أنّ الفلك غير السماوات، وأنّه الحامل بأمر الله تعالى للشمس والقمر والنجوم.
قالوا: ولمّا فتق الله تعالى رتق السماوات، جعل بين كلّ سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام.
وروى عن أبى هريرة (رضى الله عنه) ، قال: «بينما رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جالس هو وأصحابه، إذ أتى عليهم سحاب. فقال النبىّ (صلى الله عليه وسلم) هل تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا العنان [1] ، هذه روايا الأرض، يسوقها الله تعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه. ثم قال: أتدرون ما فوقكم؟ قالوا:
الله ورسوله أعلم. قال: هذا الرقيع: سقف محفوظ، وموج مكفوف. ثم قال: هل تدرون ما بينكم وبينها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: بينكم وبينها خمسمائة سنة.
ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: سماء فى بعد ما بينهما
__________
[1] العنان السحاب. واحدته بهاء. (قاموس) .
(1/30)

خمسمائة سنة. قال ذلك حتّى بلغ سبع سماوات، ما بين كل سماءين، ما بين السماء والأرض. ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إنّ فوق ذلك العرش. وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين. ثم قال: هل تدرون ما تحتكم؟
قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إنّها الأرض. ثم قال: أتدرون ما تحت ذلك؟ قالوا:
الله ورسوله أعلم. قال: إنّ تحتها أرضا أخرى، بينهما مسيرة خمسمائة سنة. حتّى عدّ سبع أرضين، بين كل أرض وأرض خمسمائة سنة» .
أخرجه أبو عيسى الترمذىّ، في «جامعه» .
ويروى عن ابن عبّاس (رضى الله عنهما) أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان جالسا بالبطحاء، بين أصحابه، إذ مرّت عليهم سحابة. فنظروا إليها. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هل تدرون ما اسم هذه؟ قالوا: نعم. هذا السحاب. فقال (صلى الله عليه وسلم) : والمزن. قالوا: والمزن. قال: والعنان. قالوا: والعنان.
فقال: هل تدرون ما بين السماء والأرض؟ قالوا: لا ندرى. قال: خمسمائة عام. وبينها وبين السماء التى فوقها كذلك. (حتّى عدّ سبع سماوات) . ثمّ قال: وفوق السماء السابعة بحر، بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء (وفى لفظ: كما بين السماء والأرض) . وفوق ذلك ثمانية أوعال، بين أظلافهم وركبهم [1] مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم [2] العرش، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض.
وجاء فى رواية أخرى ذكر الكرسىّ، وقال: «ثم ما بين السماء السابعة والكرسىّ مسيرة خمسمائة عام. ثم ما بين الكرسىّ إلى الماء مسيرة خمسمائة عام. والعرش فوق الماء.»
ولم يذكر الأوعال.
__________
[1] فى الترمذىّ: أظلافهنّ وركبهنّ......... ظهورهنّ.
[2] فى الترمذىّ: أظلافهنّ وركبهنّ......... ظهورهنّ.
(1/31)

وجاء فى رواية أخرى ذكر الكرسىّ، وأنّ السماوات فى ضمنه. وهى بالنسبة إليه كحلقة ملقاة فى أرض فلاة، والكرسىّ بالنسبة إلى العرش كذرّة ملقاة فى أرض فلاة فيحاء. (وفى رواية كحلقة) .
وروى أن أبا ذرّ (رضى الله عنه) قال: «يا رسول الله: أىّ آية أنزلت عليك أعظم؟ قال: آية الكرسىّ. ثم قال: يا أبا ذرّ! أتدرى ما الكرسىّ؟ قلت: لا؛ فعلّمنى يا رسول الله، مما علّمك الله. فقال: ما السماوات والأرض وما فيهنّ فى الكرسىّ، إلا كحلقة ألقاها ملق فى فلاة. وما الكرسىّ فى العرش، إلا كحلقة ألقاها ملق فى فلاة. وما العرش فى الماء، إلا كحلقة ألقاها ملق فى فلاة. وما الماء فى الريح، إلا كحلقة ألقاها ملق فى فلاة. وجميع ذلك فى قبضة الله كالحبّة، وأصغر من الحبّة، فى كفّ أحدكم. تعالى الله سبحانه»
. رواه أبو حاتم فى كتاب العظمة.
والقول فى هيئة السماء، على مذاهب أصحاب علم الهيئة، كثير. أغضينا عنه، لأنه لا يقوم عليه دليل واضح. فلذلك اقتصرنا على ذكر المنقول دون المعقول.
فلنذكر ما جاء فى الأمثال التى فيها ذكر السماء، وما وصفها الشعراء به وشبّهوها.
2- أما الأمثال
فقولهم: أرفع من السماء، للبالغة.
وقول الشاعر:
من ذا رأى أرضا بغير سماء؟
إنّ السماء ترجّى حين تحتجب.
إنّ السماء، إذا لم تبك مقلتها، ... لم تضحك الأرض عن شىء من الزّهر.
(1/32)

3- وأما الوصف والتشبيه
فمنه قول عبد الله بن المعتزّ:
كأنّ سماءنا، لمّا تجلّت ... خلال نجومها عند الصّباح،
رياض بنفسج خضل، نداه ... تفتّح بينه نور الأقاح.
وقال آخر:
كأنّ سماءنا، والشّهب فيها، ... وأصغرها لأكبرها مزاحم،
بساط زمرّد نثرت عليه ... دنانير تخالطها دراهم.
ونحوه قول الآخر:
كأنّ سماء الأرض نطع زمرّد، ... وقد فرشت فيه الدّنانير للصّرف.
وقال آخر:
ورأيت السّماء كالبحر إلّا ... أنّ مرسوبه من الدّرّطافى.
فيه ما يملأ العيون كبير ... وصغير ما بين ذلك خافى.
وقال التّنوخىّ يصف ليلة:
كأنما نجومها، ... نصب عيون الرّمّق،
دراهم قد نثرت ... على بساط أزرق.
وقال أبو طالب الرّقّىّ:
وكأنّ أجرام السماء، لوامعا، ... درر نثرن على بساط أزرق.
وقال ظافر الحدّاد:
كأنّ نجوم الليل، لما تبلجت، ... توقّد جمر فى خلال رماد.
حكى، فوق ممتدّ المجرّة شكلها، ... فواقع تطفو فوق لجّة وادى.
(1/33)

وقال آخر:
كأنّ النّجوم، نجوم السما، ... وقد لحن للعين من فرط بعد،
مسامير من فضّة سمّرت ... على وجه لوح من اللّازورد.
وقال محمد بن عاصم:
ترى صفحة الخضراء، والنّجم فوقها، ... ككفّ سدوسىّ بدا فيه درهم.
ترى، وعلى الآفاق أثواب ظلمة، ... وأزرارها منها شمال ومرزم [1] .
4- ومما قيل فى الفلك
قال أبو العلاء المعرّىّ:
يا ليت شعرى! وهل ليت بنافعة؟ ... ماذا وراءك أو ما أنت يا فلك؟
كم خاض فى إثرك الأقوام واختلفوا ... قدما! فما أوضحوا حقّا ولا تركوا.
شمس تغيب ويقفو إثرها قمر، ... ونور صبح يوافى بعده حلك.
طحنت طحن الرّحى من قبلنا أمما ... شتّى، ولم يدر خلق أيّة سلكوا.
وقال، إنّك طبع خامس، نفر. ... عمرى! لقد زعموا بطلا وقد أفكوا!
راموا سرائر للرحمن حجّبها، ... ما نالهنّ نبىّ، لا ولا ملك.
وقال الرئيس أبو علىّ بن سينا [2] :
بربّك! أيّها الفلك المدار، ... أقصد ذا المسير أم اضطرار؟
مدارك، قل لنا، فى أىّ شيء؟ ... ففى أفهامنا منك ابتهار!
__________
[1] المرزم: الثبت القائم على الأرض.
[2] . قال صاحب عيون الأنباء (ج 1 ص 248- 249) إن بعض الناس ينسب هذه القصيدة لابن سينا وليست له، ونص على أنها لابن الشل البغدادى وقد أوردها فى خمسين بيتا.
(1/34)

وعندك ترفع الأرواح؟ أم هل ... مع الأجساد يدركها البوار؟
وفيك الشّمس رافعة شعاعا، ... بأجنحة قوادمها قصار؟
قطوف، ذى النّجوم أم الّلآلى؟ ... هلال أم يد فيها سوار؟
وشهب، ذى المجرّة أم ذبال [1] ... عليها المرخ [2] يقدح والعفار [3] ؟
وترصيع، نجومك أم حباب ... تؤلّف بينها اللّجج الغزار؟
تمدّ رقومها ليلا وتطوى ... نهارا، مثل ما طوى الإزار!
فكم بصقالها صدئ البرايا! ... وما يصدا لها أبدا غرار.
وتبدو ثمّ تخنس راجعات ... وتكنس مثل ما كنس الصوار [4] .
فبينا الشّرق يقدمها صعودا ... تلقّاها من الغرب انحدار.
هى العشواء، ما خبطت هشيم ... هى العجماء، ما جرحت جبار [5] .
وقال أبو عبادة البحترىّ:
أناة! أيّها الفلك المدار! ... أنهب ما تصرّف أم خيار؟
ستبلى مثل ما نبلى، وتفنى ... كما نفنى، ويؤخذ منك ثار.
__________
[1] الذبال: الفتائل.
[2] المرخ: شجر سريع الورى كثيره. وقد وصفه المؤلف فيما بعد (ص 39) بأنه شجر تحتك بعض أغصانه ببعض فتورى نارا.
[3] العقار: شجر يتخذ منه الزناد وهو من شجر النار.
[4] الصوار كالصيار بكسر الصاد وضمها: القطيع من البقر.
[5] الجبار (بضم الجيم) الهدر.
(1/35)

الباب الثالث من القسم الأوّل من الفن الأوّل
1- فى ذكر الملائكة
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : «أطّت [1] السماء، وحقّ لها أن تئطّ.
ما فيها موضع أربع أصابع، إلّا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد» .
والملائكة أولو أجنحة: مثنى، وثلاث، ورباع، وأكثر من ذلك. فإنه قد ورد أن جبريل (عليه السلام) له ستمائة جناح. وهى الصورة التي رآه النبىّ (صلى الله عليه وسلم) فيها مرّتين:
إحداهما فى الأرض، وقد سدّ ما بين الخافقين. ووصفه الله تعالى بالقوّة، فقال تعالى: (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ)
. ومن قوّته، أنه اقتلع مدائن قوم لوط، وكانت خمس مدائن، من الماء الأسود، وحملها على جناحه، ورفعها إلى السماء، حتّى إنّ أهل السماء يسمعون نبّاح كلابهم، وأصوات دجاجهم؛ ثمّ قلبها.
والمرّة الثانية، رآه (صلى الله عليه وسلم) عند سدرة المنتهى. قال الله تعالى:
(وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى) .
وكان هبوط جبريل (عليه السلام) على الأنبياء (صلوات الله عليهم) ورجوعه فى أوحى [2] من رجع الطّرف.
__________
[1] أطّ: صوّت.
(1/36)

وعظماء الملائكة أربعة، وهم: إسرافيل، وميكائيل، وجبرائيل، وعزرائيل.
وأقربهم من الله تعالى منزلة، إسرافيل.
فإذا أراد الله تعالى بوحى، جاء اللوح المحفوظ حتّى يقرع جبهة إسرافيل، فيرفع رأسه، فينظر فيه. فإن كان إلى السماء، دفعه إلى ميكائيل؛ وإن كان إلى الأرض، دفعه إلى جبرائيل؛ وإن كان بموت أحد، أمر به عزرائيل. صلوات الله عليهم! وقد روى فى قوله تعالى: (فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً)
، هم أربعة من الملائكة:
جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل. فجبريل على الجنود والرياح، وميكائيل على القطر والنبات، وعزرئيل على قبض الأرواح، وإسرافيل يبلّغهم ما يؤمرون به.
وجعل الله تعالى لهم أن يتمثلوا للبشر على ما شاءوا من الصور، كما كان جبريل يتمثل سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على صورة دحية الكلبىّ مرارا، وفى صورة غيره من لرجال؛ وكما تمثّل لمريم عليها السلام بشرا سويا. ونزلت الملائكة فى غزوة بدر على الخيول المسوّمة، وقد سدلوا ذوائب عمائمهم على مناكبهم. وهم مخلوقون من نور. صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين!
(1/37)

الباب الرابع من القسم الأوّل من الفن الأوّل
1- فى الكواكب السبعة المتحيرة
قال الله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ)
. ذهب المفسرون إلى أنها هى الكواكب السبعة: زحل، والمشترى، والمرّيخ، والشمس، والزّهرة، وعطارد، والقمر.
وقالوا: إن هذه الكواكب هى المعنيّة بقوله تعالى: (فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً) .
وسميت كنّسا لأنها تجرى فى البروج ثم تكنس أى تستتر كما تكنس الظباء؛ وخنسا لاستقامتها ورجوعها. وقيل الخنّس والكنّس منها خمسة، دون الشمس والقمر.
وسميت خنّسا لأن الخنوس فى كلام العرب الانقباض. وفى الحديث الشريف «الشيطان بوسوس للعبد، فإذا ذكر الله تعالى خنس» أى انقبض ورجع. فيكون فى الكوكب بمعنى الرجوع. وكنّسا من قول العرب كنس الظبى اذا دخل الكناس، وهو مقرّه؛ ويكون فى الكوكب اختفاءه تحت ضوء الشمس.
وأسماء هذه الكواكب عند العرب مشتقة من صفاتها.
فقالوا فى زحل: زحل فلان إذا أبطأ، وبذلك سمّى هذا الكوكب لبطئه فى السماء.
وقيل الزّحل والزّحيل [1] الحقد وهو فى طبعه. وهذا الكوكب عند المفسرين هو المعنى بقول الله عز وجل وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ) .
__________
[1] الذحل الذى بمعنى الحقد بالذال المعجمة ولم يذكره أحد من أئمة اللغة فى الزاى. فهو أشتباه على الناقل.
والذى «فى اللسان» أنه سمى بذلك لبعده.
(1/38)

وقالوا فى المشترى: إنه إنما سمّى بذلك لحسنه، كأنه اشترى الحسن لنفسه. وقيل لأنه نجم الشراء والبيع، ودليل الأموال، والأرباح.
وقالوا فى المرّيخ: إنه مأخوذ من المرخ (وهو شجر تحتك بعض أغصانه ببعض فتورى نارا) فسمّى بذلك لأحمراره. وقال آخرون المرّيخ سهم لا ريش له إذا رمى به لا يستمرّ فى ممرّه. وكذلك المرّيخ، فيه التواء كثير فى سيره وحكمه، فشبه بذلك.
وقالوا فى الشمس: إنها لما أن كانت واسطة بين ثلاثة كواكب علوية وثلاثة سفلية، سميت بذلك لأن الواسطة التى فى المخنقة تسمّى «شمسة» .
وقالوا فى الزّهرة: إنها مشتقة من الزاهر، وهو الأبيض النّيّر من كل شىء.
وقالوا فى عطارد: إنه النافذ فى الأمور، ولهذا سمّى بالكاتب. وهكذا هذا الكوكب كثير التصرف مع ما يلابسه ويقارنه.
وقالوا فى القمر: إنه مأخوذ من القمرة، وهى البياض؛ والأقمر الأبيض.
والفرس تسمّى هذه الكواكب بلغتها «كيوان» ويعنون به زحل؛ و «تير» ، ويعنون به المشترى (وبعضهم يسميه «البرجيس» ) ؛ و «بهرام» ويعنون به المرّيخ؛ و «مهر» ويعنون به الشمس؛ و «أناهيد» ويعنون به الزّهرة (وبعضهم يسميها «بيدخت» ) ، و «هرمس» (ويعنون به عطارد) ، و «ماه» (ويعنون به القمر) .
وقد جمع بعض الشعراء أسماء هذه الكواكب فى بيت واحد من بيتين يمدح بهما بعض الرؤساء فقال:
لا زلت تبقى وترقى للعلا أبدا ... مادام للسّبعة الأفلاك أحكام!
مهر، وماه، وكيوان، وتير معا ... وهرمس، وأناهيد، وبهرام!
(1/39)

وقال أبو إسحاق الصابى:
نل المنى فى يومك الأجود، ... مستنجحا بالطالع الأسعد!
وارق كمرقى زحل صاعدا ... إلى المعالى أشرف المقصد!
وفض كفيض المشترى بالنّدى ... إذا اعتلى فى أفقه الأبعد!
وزد على المرّيخ سطوا بمن ... عاداك من ذى نخوة أصيد!
واطلع كما تطلع شمس الضّحى ... كاسفة للحندس الأسود!
وخذ من الزّهرة أفعالها ... فى عيشك المستقبل الأرغد!
وضاه بالأقلام فى جريها ... عطارد الكاتب ذا السّودد!
وباه بالمنظر بدر الدّجى ... وافضله فى بهجته وازدد!
وقد اختص كلّ كوكب من هذه الكواكب بقول. سنذكر من ذلك ما تقوم به الحجة، وينهض به الدليل من الكتاب والسنة، وما يتمثّل به مما فيه ذكرها، وما ورد فى ذلك من الأوصاف والتشبيهات: نظما ونثرا مما وقفت عليه فى أثناء مطالعتى لكتب الفضلاء وتصانيفهم ودواوينهم. وعدلت عن أقوال المنجمين لما فيها من سوء الطويّة وقبح الأعتقاد: لأن منهم من يرى أن للنجوم فى الوجود تأثيرات وأفعالا. أعاذنا الله تعالى من ذلك!
2- ذكر ما قيل فى الشمس
(والشمس هى النيّر الأعظم) وقد ذهب بعض المفسرين لكتاب الله تعالى إلى أن نور الشمس والقمر فى سائر السماوات بدليل قول الله عز وجل (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً) .
(1/40)

وجاء فى الحديث
عن النبىّ (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «الشمس والقمر وجوههما إلى السماء وأقفاؤهما إلى الأرض»
وفى حديث آخر
«وجوههما إلى العرش وأقفاؤهما إلى الأرض»
. وفى حديث آخر
«ان الشمس تكون فى الصيف فى السماء الخامسة، وفى الشتاء فى السماء السابعة تحت عرش الرحمن»
. وزعموا أن حركتهما وحركة سائر الكواكب مستقيمة غير مستديرة، وأن الشمس تقطع سماء الدنيا فى يومها، وتغيب فى الأرض فى عين حمئة. ومعنى حمئة ذات حمأة.
وقد جاء فى تفسير قوله تعالى (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها)
أى إلى موضع قرارها، لأنها تجرى إلى أبعد منازلها فى الغروب، ثم ترجع؛ ومن قرأ «لا مستقرّ» لها أى هى دائبة السير ليلا ونهارا. وهى قراءة شاذة [1] .
وقد قال الله تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ)
وروى عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنها تجرى لمستقر لها تحت العرش، فتخرّ ساجدة؛ فلا تزال كذلك حتّى يؤذن لها فى الطلوع. ويوشك أن يقال لها: ارجعى من حيث جئت؛ وذلك طلوعها من مغربها.
وذهب وهب بن منبّه إلى أن الشمس على عجلة لها ثلاثمائة وستون عروة، وقد تعلق بكل عروة ملك؛ يجرّونها فى السماء ودونها البحر المسجور فى موج مكفوف كأنه جبل ممدود فى الهواء، ولو بدت الشمس من ذلك البحر لأحرقت ما على وجه الأرض من شىء حتّى الجبال والصخور. وروى عن كعب أنه قال: «خلق الله القمر من نور وخلق الشمس من نار» .
__________
[1] هذا الرأى هو الذى استقر عليه علماء الفلك أخيرا، بعد التحقيق والتدقيق. فلله در صاحبه! فإنه، وإن كان قد خالفه فيه الدهماء، لكنه قد أقرّه الراسخون فى العلم الآن.
(1/41)

وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً)
، والسراج لا يكون إلا من نار؛ وهما مضيآن لأهل السماوات؛ كما يضيآن لأهل الأرض.
وقد تقدّم الدليل على ذلك.
3- ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الشمس
يقال: أشهر من الشمس، أحسن من الشمس. أدلّ على الصبح من الشمس.
ومن أنصاف الأبيات:
وهل شمس تكون بلا شعاع
فى طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
ولو لم تغب شمس النهار، لملّت
الشمس نمّامة واللّيل قوّاد
الشمس طالعة إن غيّب القمر
وربّما تنكسف الشمس
والشمس تنحطّ فى المجرى وترتفع
إذا الشمس لم تغرب، فلا طلع البدر
ومن الابيات قول الطائى:
فإنّى رأيت الشّمس زيدت محبّة ... إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد.
وقال علىّ بن الجهم.
والشّمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد.
وقال أبو تمّام:
وإنّ ضريح الرأى والحزم لأمرئ ... إذا بلغته الشمس، أن يتحوّلا.
(1/42)

وقوله:
وكلّ كسوف فى الدّرارى شنيعة، ... ولكنّه فى الشمس والبدر أشنع.
وقوله أيضا:
أعندك الشمس تجرى فى منازلها، ... وأنت مشتغل الالحاظ بالقمر؟
وقال البحترىّ:
كذاك الشّمس تبعد أن تسامى، ... ويدنو الضّوء منها والشّعاع.
وقال ابن الرومى:
ورأيته كالشّمس: إن هى لم تنل ... فالدّفء منها والضّياء ينال.
وقال أيضا:
كالشّمس لا تبدو فضيلتها ... حتّى تغشّى الأرض بالظّلم.
وقال أيضا:
كالشمس فى كبد السماء محلّها، ... وشعاعها فى سائر الآفاق.
وقال العبّاس بن الأحنف:
هى الشمس مسكنها فى السماء. ... فعزّ الفؤاد عزاء جميلا!
وقال أبو عبيد البكرىّ:
والشمس يستغنى، إذا طلعت، ... أن يستضاء بغرّة البدر.
وقال أبو الطيب المتنبى:
كالشمس لا تبتغى بما صنعت ... منفعة عندهم ولا جاها.
(1/43)

وقال ابن لنكك البصرىّ:
وهبك كالشّمس فى حسن؛ ألم ترها ... يفرّ منها إذا مالت إلى الضّرر؟
وقال ابن عبّاد:
فقلت: وشمس الضّحى تحتمى ... إذا بسطت فى المصيف الأذى.
وقال ابن مسعويه الخالدىّ:
لا يعجبنّك حسن القصر تنزله ... فضيلة الشمس ليست فى منازلها.
وقال أبو الفتح البستىّ:
فالحرّ حرّ عزيز النّفس حيث ثوى، ... والشّمس فى كلّ برج ذات أنوار.
4- ذكر ما جاء فى وصف الشمس وتشبيهها
من ذلك قول الوزير المهلّبىّ:
الشّمس فى مشرقها قد بدت ... منيرة ليس لها حاجب.
كأنّها بودقة أحميت، ... يجول فيها ذهب ذائب.
وقال ظافر الحدّاد:
أنظر لقرن الشّمس بازغة ... فى الشّرق تبدو ثم ترتفع!
كسبيكة الزّجّاج ذائبة ... حمراء ينفخها فتتّسع.
وقال أبو هلال العسكرىّ:
والشمس واضحة الجبين كأنّها ... وجه المليحة فى الخمار الأزرق!
(1/44)

وكأنّها عند انبساط شعاعها ... تبر يذوب على فروع المشرق!
وقال أحمد بن عبد العزيز القرطبىّ:
أو ما ترى شمس الأصيل عليلة ... تزداد من بين المغارب مغربا؟
مالت لتحجب شخصها فكأنها ... مدّت على الدّنيا ملاء مذهبا!
ومما وصفت به- وقد قابلت القمر- قول الشاعر:
أما ترى الشمس، وهى طالعة، ... تمنع عنّا إدامة النّظر؟
حمراء صفراء فى تلوّنها ... كأنّها تشتكى من السّهر.
مثل عروس غداة ليلتها ... تمسك مرآتها من القمر.
وقال مؤيد الدين الطغرائى، عفا الله عنه ورحمه:
وكأنّما الشمس المنيرة إذ بدت، ... والبدر يجنح للمغيب وما غرب،
متحاربان: لذا مجنّ صاغه ... من فضّة، ولذا مجنّ من ذهب.
ومن أحسن ما وصفت به فى الطلوع والزوال والغروب قول أعرابىّ.
مخبّأة: أمّا إذا اللّيل جنّها ... فتخفى وأما فى النّهار فتظهر.
إذا انشقّ عنها ساطع الفجر وانجلى ... دجى الليل وانجاب الحجاب المسترّ
وألبس عرض الأفق لونا كأنّه ... على الأفق الغربىّ ثوب معصفر
عليها دروع الزّعفران، يشوبه ... شعاع تلالا فهو أبيض أصفر:
ترى الظّلّ يطوى حين تبدو وتارة ... تراه إذا زالت عن الأرض ينشر.
فأفنت قرونا، وهى فى ذاك لم تزل ... تموت وتحيا كلّ يوم وتنشر!
(1/45)

وقال آخر:
وبدالنا ترس من الذّهب الذى ... لم ينتزع من معدن بتعمّل.
مرآة نور لم تشن بصياغة ... كلّا ولا جليت بكفّ الصّيقل.
تسمو إلى كبد السماء كأنّها ... تبغى هناك دفاع أمر معضل.
حتّى إذا بلغت إلى حيث انتهت ... وقفت كوقفة سائل عن منزل.
ثم انثنت تبغى الحدور كأنها ... طير أسفّ مخافة من أجدل.
ومما وصفت به، وقد قابلت الغيم، قول ابن المعتز:
تظلّ الشمس ترمقنا بطرف ... خفىّ لحظه من خلف ستر.
تحاول فتق غيم وهو يأبى ... كعنّين يحاول نيل بكر.
وقال آخر:
وعين الشمس ترنو من بعيد ... رنوّ البكر من خلف السّتور.
وقال محمد بن رشيق:
فكأنّ الشّمس بكر حجّبت ... وكأنّ الغيم ستر قد ستر [1] .
5- ذكر شىء مما وصفت به على طريق الذمّ
فمن ذلك ما قاله عبد الملك بن عمير، وقد سئل عنها فقال: مظهرة للدّاء، مثقّلة للهواء، مبلاة للثوب، جالبة للهب.
وقال آخر: الشمس تشحب اللون، وتغيّر العرق، وترخى البدن، وتثير المرّة.
إذا احتجمت فيها، أمرضتك؛ وإن أطلت النوم فيها، أفلجتك؛ وإن قربت منها، صرت زنجيّا، وإن بعدت عنها، صرت صقلّيّا.
__________
[1] كذا بالأصل ولعل يد الناسخ حرفته عن «سدل» كما هو ظاهر.
(1/46)

وقال ابن سنا الملك:
لا كانت الشمس! فكم أصدأت ... ضفحة خدّ كالحسام الصّقيل!
وكم وكم صدّت بوادى الكرى ... طيف خيال جاءنى عن خليل!
وأعدمتنى من نجوم الدّجى ... ومنه روضا بين ظلّ ظليل!
تكذب فى الوعد؛ وبرهانه ... أنّ سراب القفر منها سليل.
وهى إذا أبصرها مبصر ... حديد طرف، راح عنها كليل.
يا علّة المهموم، يا جلدة ال ... محموم، يا زفرة صبّ نحيل!
يا قرحة المشرق عند الضّحى، ... وسلحة المغرب عند الأصيل!
أنت عجوز، لم تبرّجت لى، ... وقد بدا منك لعاب يسيل؟
وقال التيفاشىّ، عفا الله تعالى عنه ورحمه:
فى خلقة الشمس وأخلاقها ... شتّى عيوب ستة تذكر.
رمداء، عمشاء، إذا أصبحت؛ ... عمياء عند اللّيل، لا تبصر.
ويغتدى البدر لها كاسفا ... وجرمها من جرمه أكبر.
حرورها فى القيظ لا تتّقى ... ودفؤها فى القرّ مستحقر.
وخلقها خلق المليك الذى ... ينكث فى العهد ولا يصبر.
ليست بحسناء. وما حسن من ... يحسر عنه اللحظ لا يبصر؟
وقال أبو الطيب المتنبى:
تسوّد الشّمس منّا بيض أوجهنا ... ولا تسوّد بيض العذر واللّمم.
وكان حالهما فى الحكم واحدة ... لو اختصمنا من الدّنيا إلى حكم.
(1/47)

6- ذكر ما قيل فى الكسوف
روى أن الشمس كسفت فى عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ووافق ذلك موت إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال الناس: إنما كسفت الشمس لأجله
فقال النبىّ (صلى الله عليه وسلم) «إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى يخوّف بهما عباده، وإنهما لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته. فإذا رأيتم ذلك، فادعوا الله وكبّروا وصلّوا حتّى يكشف ما بكم» .
وقال محمد بن هانئ فى الكسوف.
هى الحوادث لا تبقى ولا تذر! ... ما للبريّة من محتومها وزر!
لو كان ينجى علوّ من بوائقها، ... لم تكسف الشمس بل لم يخسف القمر!
7- ذكر أسماء الشمس اللغوية
وللشمس أسماء نطقت بها العرب. فمنها: ذكاء، والجارية، والجونة، والغزالة، واللاهة [1] ، والضّحى، والضّحّ، ويوح (بالياء المثناة والباء الموحدة) ، والشّرق، وحناذ، والعين، والمؤوّبة، والسّراج.
__________
[1] الذى فى كتب اللغة أن اللاهة اسم محيّة. وأما الشمس فاسمها إلاهة مثلثة، وأليهة. فلعل ما هنا تصحيف من الناسخ.
(1/48)

8- ذكر عبّاد الشمس
قال الشهرستانىّ فى كتابه المترجم «بالملل والنحل» : إن عبدة الشمس طائفة من الهنود يسمّون الديبكينية [1] أى عباد الشمس؛ ومذهبهم مذهب الصابئة. وتوجههم إلى الهياكل السماوية دون قصر الإلهية والربوبيّة عليها. ويزعمون أن الشمس ملك من الملائكة، وأن لها نفسا وعقلا، ومنها نور الكواكب، وضياء العالم، وتكوّن الموجودات السفلية. وهى ملك يستحق التعظيم، والسجود، والتبخير، والدعاء. ومن سنتهم أنهم اتخذوا لها صنما بيده جوهرة على لون النار. وللصنم بيت خاصّ بنوه باسمه ووقفوا عليه ضياعا، وله سدنة وقوّام. فتأتى هذه الطائفة إلى البيت، ويصلّون فيه ثلاث كرّات.
ويأتى أصحاب العلل والأمراض فيصومون له، ويصلّون، ويدعون، ويستشفون به.
9- ذكر ما قيل فى القمر
(وهو النير الثانى) ذهب وهب بن منبّه أن القمر موضوع على عجلة فى فلك، والفلك يدور بأمر الله تعالى إلى ناحية المغرب، والعجلة يجرّها ثلاثمائة وستون ملكا إلى ناحية المشرق؛ وتدوير العجلة من تدوير الفلك الأعظم؛ وتدوير فلك القمر من تدوير العجلة.
ويقال: إن القمر كان كالشمس فى الضياء. فلم يكن يعرف الليل من النهار، فأمر الله تعالى جبريل أن يمرّ عليه بجناحه، فمرّ عليه، فمحاه. فهو ما ترى فيه من السواد.
__________
[1] الذى فى الشهرستانى طبع لويدرة: «الدينكيتيّة» . وهو الأقرب للصواب ويقول مترجمه الألمانى العلامة هاربرد كرانه ولعله من «ديكرت» ومعناه «صانع النهار» .
(1/49)

وبهذا القول فسر قوله تعالى (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً) .
قالوا: ولا يسمّى قمرا إلا بعد مضىّ ثلاث ليال من استهلاله. والأقمر هو الأبيض.
10- ذكر ما قيل فى القمر
(من استهلاله إلى انقضاء الشهر وأسماء لياليه) قالوا: وللقمر من أوّل الشهر إلى آخره خمس حالات؛ وللياليه عشرة أسماء أما حالاته الخمس:
فالأولى: الهلالية، وهى خروجه من تحت شعاع الشمس وظهوره فى الغرب فى أوّل الشهر.
الثانية: أن يفضل فيه النور على الظلمة، وذلك فى الليلة السابعة من الشهر.
الثالثة: الاستقبال، وهو كونه فى البرج السابع من بروج الشمس، ويسمّى الامتلاء لامتلاء القمر فيه نورا، وذلك فى الليلة الرابعة عشرة من الشهر، ويسمّى القمر فيها بدرا لكماله، ويسمّى بذلك لامتلائه، وقيل لمبادرته الشمس بالطلوع، وتسمّى الليلة التى قبلها (وهى الثالثة عشرة) ليلة السّواء لاستواء القمر فيها، وقيل: لاستواء ليلها ونهارها فى الضياء، وهى ليلة التّمام.
الرابعة: أن تفضل الظلمة فيه على النور، وذلك فى الليلة الثانية والعشرين من الشهر.
(1/50)

الخامسة: المحاقيّة، وهى مدّة استتاره بشعاع الشمس؛ ويسمّى ذلك أيضا سرارا، وذلك فى الليلة التاسعة والعشرين، ويمكن أن يغيب ثلاث ليال لا يرى ويهلّ فى اليوم الرابع، ويسمّى حينئذ قمرا لا هلالا؛ والشمس تعطيه من نورها كلّ ليلة ما يستضىء به نصف سبع قرصه حتّى يكمل، ثم يسلبه من الليلة الخامسة عشرة، فى كل ليلة نصف سبع قرصه حتّى لا يبقى فيه نور فيستتر.
وأما أسماء لياليه، فإنه يقال لأوّل ثلاثة منها غرر، والثانية شهب، والثالثة زهر، والرابعة بهر، والخامسة بيض، والسادسة درع، والسابعة [1] حنادس، والثامنة ظلم، والتاسعة داد، والعاشرة ليلتان منها محاق وليلة سرار؛ ويسمّون الليلة الثامنة والعشرين الدّعجاء، والليلة التاسعة والعشرين الدّهماء، والليلة الموفية ثلاثين اللّيلاء، ويسمّونها ليلة البراء لتبرّى القمر من الشمس.
11- ذكر أسماء القمر اللّغوية
وللقمر أسماء نطقت بها العرب. فمنها: القمر، والباهر، والبدر، والطّوس، والجلم، والغاسق، والوبّاص، والزّبرقان، والمنشقّ، والواضح [2] ، والباحور، والأبرص، والزّمهرير. ومنه قول الله سبحانه وتعالى: (لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً)
وقول بعض العرب.
وليلة ظلامها قد اعتكر ... قطعتها والزّمهرير ما ظهر.
__________
[1] الذى فى اللسان والقاموس: ان الظّلم، ثلاث ليال يلين الدّرع. والحنادس، ثلاث ليال بعد الظلم. ويؤيده ما فى الصحاح: ان الحندس الليل الشديد الظلمة. وقد ذكر ابن سيدة هذه الأسماء فى المخصص (ج 9 ص 30- 31) وأوردها على هذا الترتيب. وعليه فصواب العبارة هكذا:
(والسادسة درع، والسابعة ظلم، والثامنة حنادس اخ) اهـ.
[2] الذى فى كتب اللغة: ان الوضح القمر، فلعله تحريف من الناسخ.
(1/51)

ومن أسمائه: السّنمّار، والسّاهور.
والفخت ضوءه، والأخذ [1] منزلته. وكذلك الوكس، وهى المنزلة التى يكسف فيها:
والهالة دارته.
12- ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر القمر
يقال فى أمثالهم:
أضيع من قمر الشتاء! قيل لأنه لا يجلس فيه.
إن يبغ عليك قومك، لا يبغ عليك القمر.
ويقال: أضوأ من القمر؛ وأتمّ من البدر.
ومن أنصاف الأبيات:
أريها السّها وترينى القمر
لا تخرج الأقمار من هالاتها
هكذا البدر فى الظّلام يوافى
كذاك كسوف البدر عند تمامه
ومن الأبيات قول الطائى:
إنّ الهلال إذا رأيت نموّه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا.
وقال ابن أبى البغل، والبيت الثانى لابن بحر:
المرء مثل هلال حين تبصره ... يبدو ضعيفا ضئيلا ثم يتّسق.
«يزداد حتّى إذا ما تمّ أعقبه ... كرّ الجديدين نقصا ثم ينمحق» .
وقال أبو الفرج الببغا:
ستخلص من هذا السّرار وأيّما ... هلال توارى فى السّرار فما خلص!
__________
[1] عبارة اللسان فى مادة (اخ ذ) : ونجوم الأخذ منازل القمر لأن القمر يأخذ كل ليلة فى منزل منها اهـ.
(1/52)

13- ذكر ما قيل فى وصفه وتشبيهه
من ذلك قول عبد الله بن المعتتر فى الهلال:
وانظر إليه كزورق من فضّة ... قد أثقلته حموله من عنبر!
وقول عبد الجبار بن حمديس الصقلىّ:
وربّ صبح رقبناه، وقد طلعت ... بقيّة البدر فى أولى بشائره!
كأنّما أدهم الإظلام حين نجا ... من أشهب الصّبح، ألقى نعل حافره!
وقال آخر:
قد انقضت دولة الصّيام وقد ... بشّر سقم الهلال بالعيد!
يتهلو الثّريّا كفاغر شره ... يفتح فاه لأكل عنقود!
وقال أبو هلال العسكرىّ:
فى هلال كأنّه حيّة الرّم ... ل أصابت على اليفاع مقيلا
. بات فى معصم الظّلام سوارا ... وعلى مفرق الدّجى إكليلا.
وقال آخر:
والجوّ صاف والهلال مشنّف ... بالزّهرة الزّهراء نحو المغرب.
كصحيفة زرقاء فيها نقطة ... من فضة من تحت نون مذهب.
وقال آخر:
قلت لمّا دنت لمغربها الشّم ... س ولاح الهلال للنّظّار:
أقرض الشّرق صنوه الغرب دينا ... را فأعطاه الرّهن نصف سوار.
(1/53)

وقال أبو العلاء المعرّى:
ولاح هلال مثل نون أجادها ... بذوب النّضار الكاتب ابن هلال.
وقال آخر:
وكأنّ الهلال نون لجين ... غرقت فى صحيفة زرقاء.
وقال أبو عاصم البصرىّ من شعراء اليتيمة:
رأيت الهلال، وقد أحدقت ... نجوم الثّريّا لكى تسبقه.
فشبّهته وهو فى إثرها ... وبينهما الزّهرة المشرقه،
بقوس لرام رمى طائرا ... فأتبع فى إثره بندقه.
وقال آخر:
ولاح لنا الهلال كشطر طوق ... على لبّات زرقاء اللّباس.
وقال الواوا الدمشقىّ رحمه الله:
وكأنّ الهلال تحت الثّريّا ... ملك فوق رأسه إكليل!
وقال إبراهيم بن محمد المرادىّ، من شعراء الأنموذج، ملغزا فيه:
دع ذا! وقل للنّاس: ما طارق، ... يطرقكم جهرا ولا يتّقى؟
ليس له روح على أنّه ... يركب ظهر الأدهم الأبلق.
شيخ رأى آدم فى عصره ... وهو إلى الآن بخدّ نقى.
ومدّ وسط السّجن مع قومه ... لا ينبرى من نهجه الضّيّق.
هذا ويمشى الأرض فى ليلة ... أعجب به من موثق مطلق.
(1/54)

فتارة ينزل تحت الثّرى ... وتارة وسط السّما يرتقى.
وتارة يوجد فى مغرب ... وتارة يوجد فى المشرق.
وتارة تحسبه سابحا ... يسرى بشاطى البحر كالزّورق.
وتارة تحسبه وهو فى ... أستاره والبعض منه بقى،
ذبابة من صارم مرهف ... بارزة من جفنه المطبق.
يدنو إلى عرس له حسنها ... يختطف الأبصار بالرّونق.
حتّى اذا جامعها يرتدى ... بحلّة سوداء كالمحرق.
وهو على عادته دائما ... يجامع الأنثى ولا يتّقى.
ثم يجوب القفر من أجلها ... مشتملا فى مطرف أزرق.
حتّى اذا قابلها ثانيا ... تشكّه بالرّمح فى المفرق.
وبعد ذا تلبسه حلّة ... يا حسنها فى لونها المونق!
فجسمه من ذهب جامد ... وجلده صيغ من الزّئبق.
وهو إذا أبصرته هكذا ... أملح من صاحبة القرطق.
وقال ابن المعتز:
نظرت فى يوم لذّة عجبا ... وافى به للسّعود مقدار.
يقابل الشمس فيه بدردجى ... يأخذ من نورها ويمتار.
كصيرفىّ يروح منتقدا ... فى كفّه درهم ودينار.
(1/55)

وقال عبد الله بن علىّ الكاتب:
كشف البدر وجهه لتمام، ... فوجوه النّجوم مستترات
. وكأنّ البدر التّمام عروس، ... وكأنّ النّجوم مستنقبات.
14- ذكر شىء مما قيل فيه على طريق الذم
حكى أن أعرابيا رأى رجلا يرقب الهلال. فقال له: ما ترقب فيه، وفيه عيوب لو كانت فى الحمار لردّ بها؟ قال: وما هى؟ فقال: إنه يهدم العمر، ويقترب الأجل، ويحلّ الدّين، ويقرض الكتّان، ويشجب اللون، ويفسد اللحم، ويفضح الطارق، ويدلّ السارق.
ومن عيوبه أن الإنسان إذا نام فى ضوئه حدث فى بدنه نوع من الاسترخاء والكسل، ويهيج عليه الزكام والصّداع؛ وإذا وضعت لحوم الحيوانات مكشوفة فى ضوئه، تغيرت طعومها وروائحها.
وقال ابن الرومىّ:
ربّ عرض منزّه عن قبيح ... دنّسته معرّضات الهجاء.
لو أراد الأديب أن يهجو البد ... ر، رماه بالخطّة الشّنعاء.
قال: يا بدر أنت تغدر بالسّا ... رى وتزرى بزورة الحسناء.
كلف فى شحوب وجهك يحكى ... نكتّا فوق وجنة برصاء.
يعتريك المحاق ثمّ يحليّ ... ك شبيه القلامة الحجناء.
(1/56)

ويليك النّقصان فى آخر الشّهر ... فيمحوك من أديم السّماء.
فإذا البدر نيل بالهجو، هل يأ ... من ذو الفضل ألسن الشّعراء؟
لا لأجل المديح، بل خيفة الهج ... وأخذنا جوائز الخلفاء!
هذا ما أمكن إيراده فى القمر، فلنذكر خبر عبّاد القمر.
15- ذكر عبّاد القمر
قال الشهرستانىّ: عبّاد القمر طائفة من الهنود يسمّون الحندر بكتية [1] ، أى عبّاد القمر. يزعمون أن القمر ملك من الملائكة يستحق التعظيم والعبادة، وإليه تدبير هذا العالم السفلىّ، ومنه نضج الأشياء المتكوّنة واتصالها إلى كمالها؛ وبزيادته ونقصانه تعرف الأزمان والساعات؛ وهو تلو الشمس وقرينها، ومنها نوره، وبالنظر إليها زيادته ونقصانه؛ ومن سنّتهم أنهم اتخذوا صنما على عجلة تجرّه أربعة، [2] وبيده جوهرة؛ ومن دينهم أن يسجدوا له ويعبدوه، وأن يصوموا النصف من كل شهر، ولا يفطروا حتّى يطلع القمر، ثم يأتون الصنم بالطعام والشراب واللبن، ثم يرغبون إليه وينظرون إلى القمر، ويسألونه حوائجهم؛ فإذا استهل الشهر علوا السّطوح، وأوقدوا الدّخن، ودعوا عند رؤيته، ورغبوا إليه، ثم نزلوا عن السطوح إلى الطعام والشراب والفرح والسرور، ولم ينظروا إليه إلا على وجوه حسنة. وفى نصف الشهر إذا فرغوا من الإفطار، أخذوا فى الرقص واللعب بالمعازف بين يدى الصنم والقمر.
__________
[1] فى الشهرستانى طبع لوندرة: «الجندريكنية» . وأفادنا مترجمه إلى الألمانية أن «چندراكا» معناه القمر فى لغتهم.
[2] الذى فى الشهرستانى: صنما على صورة عجل وبيد الصم الخ.
(1/57)

16- ذكر ما قيل فى الكواكب المتحيرة
والكواكب الخمسة الباقية من الكواكب السبعة تسمّى المتحيرة. ثلاثة منها علوية تعلو أفلاكها فلك الشمس، وهى: زحل، والمشترى، والمرّيخ؛ واثنان سفلية فلكهما تحت فلك الشمس، وهى: الزّهرة، وعطارد.
وسمّيت هذه الكواكب المتحيرة لأنها ترجع أحيانا عن سمت مسيرها بالحركة الشرقية، وتتبع الغربية. فهذا الأرتداد فيها شبه التحير.
17- ذكر عباد الروحانيات
(وما احتجوا به فى سبب عبادتهم لها [1] ) وعباد الروحانيات هم الصابئة. يقال: صبأ الرجل إذا مال وزاغ.
ومذهب هؤلاء أن للعالم صانعا فاطرا حكيما مقدّسا عن سمات الحدثان.
وكانت الصابئة تقول: إنا نحتاج فى معرفة الله تعالى ومعرفة طاعته وأوامره وأحكامه، إلى متوسط؛ ولكن ذلك المتوسط يجب أن يكون روحانيا لا جسمانيا.
وذلك لزكاء الروحانيات وطهارتها وقربها من رب الأرباب؛ والجسمانىّ بشر مثلنا يأكل مما نأكل، ويشرب مما نشرب، يماثلنا فى الصورة والمادّة.
قالوا: (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ) .
وقالوا: الواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله، وإنما يتقرّب إليه بالمتوسطات المقرّبين لديه، وهم الروحانيون المقدّسون المطهرون، جوهرا وفعلا وحالة.
__________
[1] نقل المؤلف هنا بعض عبارات الشهرستانى في الملل والنحل مع تقديم وتأخير (أنظر ص 203 من طبعة الأب كرتون الانكليزى فى لندرة سنة 1842- 1846) .
(1/58)

أما الجوهر فهم المقدّسون عن الموادّ الجسمانية، المبرؤون عن القوى الجسدانية، أى منزّهون عن الحركات المكانية، والتغييرات الزمانية؛ قد جبلوا على الطهارة، وفطروا على التقديس والتسبيح (لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) .
وإنما أرشدنا إلى هذا معلمنا الأوّل، عاذيمون، وهرمس. فنحن نتقرّب إليهم، ونتوكل عليهم، وهم أربابنا، وآلهتنا، ووسائلنا، وشفعاؤنا عند رب الأرباب، وإله الآلهة. فالواجب علينا أن نطهّر نفوسنا من دنس الشهوات الطبيعية، ونهذّب أخلاقنا عن علائق القوى الشهوانية والغضبية، حتّى يحصل لنا مناسبة ما بيننا وبين الروحانيات. فحينئذ نسأل حاجاتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونصبأ فى جميع أمورنا إليهم. فيشفعون لنا إلى خالقنا وخالقهم، ورازقنا ورازقهم. وهذا التطهير والتهذيب ليس إلا باكتسابنا، ورياضتنا، وفطامنا لأنفسنا عن دنيّات الشهوات، باستمداد من جهة الرّوحانيات؛ والاستمداد هو التضرّع والابتهال. بالدعوات، وإقامة الصلوات، وبذل الزكوات، والصيام عن المطعومات والمشروبات، وتقريب القرابين والذبائح، وتبخير البخورات، وتعزيم العزائم. فيحصل لنفوسنا استعداد أو استمداد من غير واسطة، بل يكون حكمنا وحكم من يدعى الوحى واحدا.
قالوا: والأنبياء أمثالنا فى النوع، وأشكالنا فى الصورة، ومشاركونا فى المادّة.
يأكلون مما نأكل، ويشربون مما نشرب، ويساهموننا فى الصورة. أناس بشر مثلنا، فمن أين لنا طاعتهم، وبأيّة مزية لهم لزم مشايعتهم؟ (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ) .
قال: وأما الفعل، فالروحانيات هم الأسباب المتوسطون فى الاختراع، والإيجاد،
(1/59)

وتصريف الأمور من حال إلى حال، وتوجيه المخلوقات من مبدإ إلى كمال، يستمدّون القوّة من الحضرة القدسية، ويفيضون الفيض على الموجودات السفليه.
فمنها- مدبرات الكواكب السبعة السيّارة فى أفلاكها، وهى هياكلها. فلكل روحانى هيكل، ولكل هيكل فلك. ونسبة الروحانىّ إلى ذلك الهيكل الذى اختص به نسبة الروح إلى الجسد. فهو ربه ومديره ومدبره.
وكانوا يسمون الهياكل أربابا (وربما يسمونها أباء) ، والعناصر أمهات.
ففعل الروحانيات تحريكها على قدر مخصوص ليحصل من حركاتها انفعالات فى الطبائع والعناصر، فيحصل من ذلك تركيبات وامثراجات فى المركبات فتتبعها قوّى جسمانية، وتركب عليها نفوس روحانية، مثل أنواع النبات والحيوان. ثم قد تكون التأثيرات كلية صادرة عن روحانىّ كلىّ، وقد تكون جزئية صادرة عن روحانىّ جزئىّ. فمع جنس المطر ملك، ومع كل قطرة ملك.
ومنها- مدبرات الآثار العلوية الظاهرة فى الجوّ مما يصعد من الأرض فينزل مثل الأمطار والثلوج والبرد والرياج؛ وما ينزل من السماء مثل الصواعق والشهب؛ وما يحدث فى الجوّ من الرعد والبرق والسحاب وقوس قزح وذوات الأذناب والهالة والمجرّة؛ وما يحدث فى الأرض من الزلازل والمياه والأبخرة إلى غير ذلك.
ومنها- متوسطات القوى السارية فى جميع الموجودات، ومدبرات الهداية الشائعة فى جميع الكائنات، حتى لا ترى موجودا ما خاليا عن قوّة وهداية، إذا كان قابلا لهما.
قالوا: وأما الحالة، فأحوال الروحانيات من الرّوح، والرّيحان، والنعمة، واللذة، والراحة، والبهجة، والسرور فى جوار رب العالمين، كيف تخفى؟ ثم طعامهم وشرابهم
(1/60)

التسبيح والتقديس والتهليل والتمجيد؛ وأنسهم بذكر الله وطاعته، فمن قائم وراكع وساجد، ومن قاعد لا يريد تبدل حالته لما هو فيه من النعمة واللذة، ومن خاشع بصره لا يرفع، ومن ناظر لا يغمض، ومن ساكن لا يتحرّك، ومتحرّك لا يسكن، وكروبىّ [1] فى عالم القبض، وروحانىّ فى عالم البسط (لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ) .
وقد جرت مناظرات ومحاورات بين الصابئة والحنفاء فى المفاضلة بين الروحانىّ المحض والبشرية النبوية، ليس هذا موضع إيرادها.
فلنذكر إن شاء الله تعالى بيوت الهياكل، تلو ما ذكرناه من عباد الروحانيات ومحتجّاتهم!
18- ذكر بيوت الهياكل (وأماكنها ونسبتها إلى الكواكب)
قالوا: ثم لم تقتصر الصابئة على التقرّب إلى الروحانيات بأعيانها، والتلقى بذواتها حتّى اتخذوا أصناما على هيئة الكواكب السبعة، وجعلوا لها بيوتا، وسمّوا البيوت بالهياكل، وجعلوا الهياكل الأفلاك للكواكب. وعظموا هذه الأصنام التى صنعوها، وزعموا أنهم إذا عظموها تحرّكت لهم الكواكب السبعة العلوية بكل ما يريدون.
وحكى المسعودىّ فى كتابه المترجم «بمروج الذهب ومعادن الجوهر» أن هذه الطائفة تزعم أن البيت الحرام هيكل زحل، وإنما طال بقاء هذا البيت على مرور الدهور، معظما فى سائر العصور، لأن زحل تولّاه: إذ من شأنه الثبوت [2] .
__________
[1] الكروبيون سادة الملائكة المقرّبون.
[2] راجع الشهرستانى طبعة كرتن (ص 430- 431) .
(1/61)

ومن البيوت المشهورة [1] :
بيت على رأس جبل أصفهان، يسمّى مارس [2] ، ثم اتخذه بعض ملوك المجوس بيت نار؛ وبيت ببلاد الهند، وبيت ببلخ، بناه منوشهر على اسم القمر، وكان الموكل بسدانته يسمونه برمك، وإليه تنسب البرامكة؛ وبيت غمدان باليمن، بناه الضحاك على اسم الزّهرة؛ وبيت بفرغانة [3] ، على اسم الشمس، يعرف بكاوسان، بناه كاوس [4] أحد ملوك الفرس، وخربه المعتضد [5] بالله؛ وبيت ببلاد الصين، بناه ولد عامور بن شوبل [6] بن يافث، وقيل بناه بعض ملوك الترك [7] .
وحكى غير المسعودى أن البيت الأوّل الكعبة. ويذكرون أن إدريس (عليه السلام) أوصى به، وأوصى أن يكون الحج إليه وهو عندهم بيت زحل؛ والبيت
__________
[1] وراجع الشهرستانى (ص 431، 432) .
[2] فى الشهرستانى: فارس.
[3] من مدن خراسان.
[4] فى الأصل: مكاوس [وهو خطأ من الناسخ. والتصويب عن المسعودى وعن الشهرستانى] .
[5] فى الشهرستانى أنه المعتصم.
[6] فى بعض نسخ المسعودى: سوبل (بالسين المهملة) .
[7] انظر الباب الرابع والستين من مروج الذهب، ففيه تفصيل لما أورده النويرى هنا بغاية التلخيص.
(1/62)

الثانى وهو بيت المرّيخ، يزعمون انه كان بصور من الساحل الشامىّ؛ والبيت الثالث وهو بيت المشترى، كان بدمشق بناه جيرون بن سعد بن عاد، وموضعه الآن الجامع الأموىّ؛ والبيت الرابع وهو بيت الشمس بمصر، ويسمى عين شمس، وآثاره باقية الى وقتنا هذا [1] ؛ والبيت الخامس وهو بيت الزهرة، كان بمنبج وخرب؛ والبيت السادس بيت عطارد، وكان بصيدا من الساحل الشامىّ وخرب؛ والبيت السابع وهو بيت القمر، كان بحرّان؛ وهو بيت الصابئة الأعظم.
الباب الخامس من القسم الأوّل من الفن الأوّل
1- فى الكواكب الثابتة
ذهب بعض من تكلم فى ذلك أن هذه الكواكب معلقة فى سماء الدنيا كالقناديل، وأنها مخلوقة من نور.
وقال آخرون: إنها معلقة بأيدى ملائكة. وفسر بهذا القول قوله تعالى (إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ)
. يقال انتثارها يكون بموت من كان يحملها من الملائكة.
وهذه الكواكب فى سماء الدنيا بنص الكتاب العزيز، لقول الله عز وجل: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ) .
__________
[1] زالت هذه الآثار الآن.
(1/63)

وقال قتادة: خلق الله تعالى هذه النجوم لثلاثة: جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها فى البر والبحر. فمن تأوّل غير هذا فقد أخطأ.
قالوا: وإنما سميت بالثوابت، وإن كانت متحرّكة لأنها ثابتة الابعاد على الأبد، لا يقرب أحدها من الآخر، ولا يبعد عنه، ولا يزيد، ولا ينقص، ولا تتغيّر عن جهاتها. لأنها تتحرّك بحركتها الطبيعية حول قطبى العالم. ولهذا سميت ثابتة. وهى فى فلك ثامن غير أفلاك الكواكب السبعة السيارة. ودليل ذلك أن للكواكب السبعة حركات أسرع من حركات هذه.
2- ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الكواكب
يقال: أناى من كوكب؛ أبعد من مناط النجم؛ أهدى من النجم.
ومن أنصاف الأبيات:
وأين نزيل الأرض عند الكواكب؟ ... وأين الثّريّا من يد لمتناول؟
والكوكب النّحس يسقى الأرض أحيانا
ومن الأبيات قول أبى تمّام عفا الله عنه:
كالنّجم إن سافرت كان مواكبا ... وإذا حططت الرحل كان جليسا.
وقال أبو نواس:
أين النّجوم الثّابتا ... ت من الأهلّة والبدور؟
وقال آخر:
وكنّا فى اجتماع كالثّريّا، ... فصرنا فرقة كبنات نعش!
(1/64)

وقال آخر:
كالفرقدين إذا تأمّل ناظر، ... لم يعل موضع فرقد من فرقد.
وقال الوزير أبو الفتح البستىّ:
وللنّجم من بعد الرّجوع استقامة ... وللشّمس من بعد الغروب طلوع.
وقال جحظة:
مثل الّذى يرجو البلو ... غ إلى الكواكب وهو مقعد.
وقال عمر بن أبى ربيعة:
أيّها المنكح الثّريّا سهيلا، ... عمرك الله! كيف يلتقيان؟
هى شاميّة إذا ما استهلّت، ... وسهيل إذا استهلّ يمانى.
وقال آخر:
وكلّ أخ مفارقه أخوه، ... لعمر أبيك، إلا الفرقدان!
3- ذكر ما قيل فى وصف الكواكب وتشبيهها
من ذلك ما قاله ابن حجّاج فى المجرّة:
يا صاحبىّ استيقظا من رقدة ... تزرى على عقل اللّبيب الأكيس!
هذى المجرّة والنّجوم كأنّها ... نهر تدفّق فى حديقة نرجس!
وقال آخر:
وكأنّ المجرّ جدول ماء ... نوّر الأقحوان فى جانبيه.
(1/65)

وقال المهذب بن الزبير فيها:
وترى المجرّة والنّجوم كأنّها ... تسقى الرياض بجدول ملآن.
لو لم يكن نهرا، لما عامت به ... أبدا نجوم الحوت والسّرطان.
وقال أبو هلال العسكرىّ:
تبدو المجرّة منجرّا ذوائبها ... كالماء ينساح أو كالأيم [1] ينساب.
وقال هشام بن إلياس فى الجوزاء:
فكأنّما جوزاؤه فى غربها ... بيضاء سابحة ببركة زئبق.
وكأنّما أومت ثلاث أنامل ... منها تقول: إلى ثلاث نلتقى!
وقال آخر:
وكأنّ الجوزاء لمّا استقلّت ... وتدلّت، سرادق ممدود.
وقال العلوىّ فيها أيضا:
ها إنّها الجوزاء فى أفقها ... واهية ناعسة تسحب.
نطاقها واه لدى أفقها ... ينسلّ منها كوكب كوكب.
وقال ابن وكيع فيها:
قم فاسقنى صافية ... تهتك جنح الغسق!
أما ترى الصّبح بدا ... فى ثوب ليل خلق؟
__________
[1] الأيم، والأين: ضرب من الحيات. (عن النوادر فى اللغة) .
(1/66)

أما ترى جوزاءه ... كأنّها فى الأفق،
منطقة من ذهب ... فوق قباء أزرق؟
وقال كعب الغنوىّ:
وقد مالت الجوزاء حتّى كانّها ... فساطيط ركب بالفلاة نزول.
وقال امرؤ القيس فى الثّريّا:
إذا ما الثّريّا فى السّماء تعرّضت ... تعرّض أثناء الوشاح المفصّل.
وقال ابن الطّثريّة:
إذا ما الثّريّا فى السّماء كأنّها ... جمان وهى من سلكه، فتبدّدا.
وقال المبرّد:
إذا ما الثّريّا فى السّماء تعترضت، ... يراها حديد العين ستّة أنجم.
على كبد الجرباء وهى كأنّها ... جبيرة درّ ركّبت فوق معصم.
وقال عبد الله بن المعتز:
فناولنيها، والثّريّا كأنّها ... جنى نرجس حيّا النّدامى بها الساقى.
وقال أيضا:
كأنّ الثّريّا فى أواخر ليلها ... تفتّح نور أو لجام مفضّض.
وقال السلامىّ، شاعر اليتيمة فيها:
فسمونا، والفجر يضحك فى الشّر ... ق إلينا مبشّرا بالصّباح.
(1/67)

والثّريّا كراية أو لجام ... أو بنان أو طائر أو وشاح،
وكأنّ النّجوم فى يد ساق ... يتهادى تهادى الأقداح.
وقال ابن المعتز:
ولاحت لساريها الثّريّا كأنّها ... على الأفق الغربىّ قرط مسلسل.
وقال أبو نضلة:
وتأمّلت الثّريّا ... فى طلوع ومغيب.
فتخيّرت لها التش ... بيه فى المعنى المصيب.
وهى كأس فى شروق ... وهى قرط فى غروب.
وقال آخر:
كأنّ الثّريّا هودج فوق ناقة ... يسير بها حاد مع الليل مزعج،
وقد لمعت بين النّجوم كأنّها ... قوارير فيها زئبق يترجرج.
وقال ابن سكرة الهاشمىّ:
ترى الثّريّا، والغرب يجذبها ... والبدر يهوى والفجر ينفجر.
كفّ عروس لاحت خواتمها ... أو عقد درّ فى البحر ينتثر.
وقال محمد بن الحسن الحاتمىّ:
وخلت الثّريّا كفّ عذراء طفلة ... مختّمة بالدّرّ منها الأنامل.
تخيّلتها فى الجوّ طرّة جعبة ... ملوكيّة لم تعتلقها حمائل.
كأنّ نبالا ستّة من لآلئ ... يوافى بها فى قبّة الأفق نابل.
(1/68)

وقال أحمد بن إبراهيم الضبىّ، شاعر اليتيمة:
خلت الثريا إذ بدت ... طالعة فى الحندس:
مرسلة من لؤلؤ ... أو باقة من نرجس
وقال أبو العلاء المعترىّ فى سهيل.
وسهيل كوجنة الحبّ فى اللّو ... ن وقلب المحبّ فى الخفقان.
مستبدّا كأنّه الفارس المع ... لّم يبدو معارض الفرسان.
وقال عبد الله بن المعتز:
وقد لاح للسّارى سهيل كأنّه ... على كلّ نجم فى السّماء رقيب!
وقال الشريف بن طباطبا:
وسهيل كأنّه قلب صبّ ... فاجأته بالخوف عين الرقيب.
وقال أبو عبادة البحترىّ:
كأنّ سهيلا شخص ظمآن جانح ... من اللّيل فى نهر من الماء يكرع.
وقال ابن طباطبا:
كأنّ سهيلا، والنّجوم أمامه ... يعارضها، راع أمام قطيع.
وقال الشريف الرضىّ فى الفرقدين:
وهبّت لضوء الفرقدين نواظرى ... إلى أن بدا ضوء من الفجر ساطع.
كأنّهما إلفان قال كلاهما ... لشخص أخيه: قل فإنّى سامع!
(1/69)

وقال آخر:
قلت للفرقدين واللّيل مرخ ... ستر ظلمائه على الآفاق:
ابقيا ما بقيتما سوف يرمى ... بين شخصيكما بسهم الفراق!
وقال القاضى التنوخىّ:
وأشقر الجوّ قد لاجت كواكبه ... فيه كدرّ على الياقوت منثور.
وقال القاضى الفاضل، عبد الرحيم من رسالة:
«سرنا، وروضة السماء فيها من الزهر زهر، ومن المجرّة نهر؛ والليل كالبنفسج تخلله من النجوم أقاح، أو كالزّنج شعله من الرمح جراح، والكواكب سائرات المواكب لا معرّس لها دون الصّباح؛ وسهيل كالظمآن تدلّى إلى الأرض ليشرب، أو الكريم أنف من المقام بدار الذّل فتغرّب. فكأنه قبس تتلاعب به الرياح، أو زينة قدمها بين يدى الصباح؛ أو ناظر يغضّه الغيظ ويفتحه، او معنى يغمضه الحسن ثم يشرحه؛ أو صديق لجماعة الكواكب مغاضب، أو رقيب على المواكب مواكب؛ أو فارس يحمى الأعقاب، أو داع به إليها وقد شردت عن الأصحاب. والجوزاء كالسرادق المضروب، أو الهودج المنصوب؛ أو الشجرة المنوّرة، أو الحبر المصوّرة. والثريا قد همّ عنقودها أن يتدلّى، وجيش الليل قد همّ أن يتولّى» .
(1/70)

القسم الثانى من الفن الأوّل فى الآثار العلوية وفيه أربعة أبواب
الباب الأوّل من القسم الثانى من الفن الأوّل
1- فى السحاب، وسبب حدوثه، وفى الثّلج والبرد
والسحاب من الآثار العلوية.
روى أبو الفرج بن الجوزىّ بإسناد يرفعه إلى عبيد ابن عمير أنه قال: يبعث الله ريحا فتقمّ الأرض، ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب، وذلك أنها تحمل الماء فتمجّه.
فى السحاب، ثم يمريه فيدرّكما تدرّ اللّقحة.
وقد روى فى الأثر أن الرياح أربع: ريح تقم؛ وريح تثير، فتجعله كسفا؛ وريح تؤلّف، فتجعله ركاما؛ وريح تمطر.
وروى عن عبد الله بن عباس (رضى الله عنهما) أنه قال: إن الله تعالى يرسل الرياح فتثير سحابا، وينزل عليه المطر فتتمخض به الريح كما تمخض النّتوج بولدها.
وروى عن عكرمة (رضى الله عنه) أنه قال: ينزل الله الماء من السماء السابعة
(1/71)

فتقع القطرة على السحاب مثل البعير، والسحاب للمطر كالغربال ينزل منه بقدر.
ولولا ذلك لأفسد ما على الأرض.
وقال الزمخشرى فى تفسيره: السحاب من السماء ينحدر، ومنها يأخذ ماءه لا كزعم من يزعم أنه يأخذ من البحر. ويؤيد ذلك قوله عز وجل (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ) .
2- ذكر ما قيل فى ترتيب السحاب
(وأسمائه اللغوية وأصنافه) قال أبو منصور، عبد الملك بن محمد الثعالبىّ فى فقه اللغة، ينقله عن أئمتها:
أوّل ما ينشأ السحاب، فهو نشء.
فإذا انسحب فى الهواء، فهو السحاب.
فإذا تغيرت وتغممت له السماء، فهو الغمام.
فإذا كان غيم ينشأ فى عرض السماء فلا تبصره، وإنما تسمع رعده، فهو العقر.
فإذا أطلّ وأظلّ السماء، فهو العارض.
فإذا كان ذا رعد وبرق، فهو العرّاص.
فإذا كانت السحابة قطعا صغارا متدانيا بعضها من بعض، فهى النّمرة.
فإذا كانت متفرّقة، فهى القزع.
فإذا كانت قطعا متراكمة، فهى الكرفئ (واحدتها كرفئة) .
فإذا كانت قطعا كأنها قطع الجبال، فهى قلع، وكنهور (واحدتها كنهورة) .
فإذا كانت قطعا رقاقا، فهى الطّخارير (واحدتها طخرور) .
(1/72)

فإذا كانت حولها قطع من السحاب، فهى مكلّلة.
فإذا كانت سوداء، فهى طخياء، ومتطخطخة.
فإذا رأيتها وخسبتها ما طرة، فهى مخيّلة.
فإذا غلظ السحاب وركب بعضه بعضا، فهو المكفهّر.
فإذا ارتفع ولم ينبسط، فهو النّشاص.
فإذا تقطع فى أقطار السماء وتلبّد بعضه فوق بعض، فهو القرد.
فإذا ارتفع وحمل الماء وكثف وأطبق، فهو العماء، والعماية، والطّخاء، والطّخاف، والطّهاء.
فإذا اعترض اعتراض الجبل قبل أن يطبق السماء، فهو الحبىّ.
فإذا عنّ، فهو العنان.
فإذا أظل الأرض، فهو الدّجن.
فإذا اسودّ وتراكب، فهو المحمومى.
فإذا تعلق سحاب دون السحاب، فهو الرّباب.
فإذا كان سحاب فوق سحاب، فهو الغفارة.
فإذا تدلّى ودنا من الأرض مثل هدب القطيفة، فهو الهيدب.
فإذا كان ذا ماء كثير، فهو القنيف.
فإذا كان أبيض، فهو المزن، والصّبير.
فإذا كان لرعده صوت، فهو الهزيم.
__________
[1] اسم فاعل من احمومى الشيء اذا اسودّ. يوصف به نحو السحاب والليل.
(1/73)

فإذا اشتدّ صوت رعده، فهو الأجشّ.
فإذا كان باردا وليس فيه ماء، فهو الصّرّاد [1] .
فإذا كان ذا صوت شديد، فهو الصّيّب.
فإذا أهرق ماءه، فهو الجهام (وقيل بل الجهام الذى لا ماء فيه) .
3- ذكر ما قيل فى ترتيب المطر
قال الثعالبىّ رحمه الله: أخفّ المطر وأضعفه الطّلّ، ثم الرّذاذ، ثم البغش والدّثّ ومثله الرّكّ، ثم الرّهمة.
ويقال أيضا: أوّله رشّ وطشّ، ثم طلّ وزذاذ، ثم نضح ونضخ، وهو قطر بين قطرين، ثم هطل وتهتان، ثم وابل وجود.
4- ذكر ما قيل فى فعل السحاب والمطر
يقال إذا أتت السماء بالمطر اليسير [2] الخفيف: حفشت، وحشكت.
فإذا استمرّ قطرها، قيل: هطلت، وهتنت.
فإذا صبّت الماء، قيل: همعت، وهضبت.
فإذا ارتفع صوت وقعها، قيل: انهلّت، واستهلّت.
__________
[1] فى فقه اللغة بعده: فإذا كان خفيف تسفره الريح فهو الزّبرج، وبعده فإذا كان ذا صوت الخ.
[2] كذا فى فقه الثعالبى وعبارة اللسان: حفشت السماء تحفش حفشا: جاءت بمطر شديد ساعة ثم أقلعت؛ ومثله حشكمت وأغبت فالحفشة والحشكة والغبيه بمعنى واحد.
(1/74)

فإذا سال المطر بكثرة، قيل: انسكب، وانبعق.
فإذا سال يركب بعضه بعضا، قيل: اثعنجر، واثعنجج.
فإذا دام أياما لا يقلع، قيل: أثجم، وأغبط، وأدجن.
فإذا أقلع، قيل: أنجم، وأفصم، وأفصى.
5- ذكر أسماء أمطار الأزمنة
قالت العرب: أوّل ما يبدأ المطر فى إقبال الشتاء، فاسمه الخريف، ثم يليه الوسمىّ، ثم الرّبيع، ثم الصّيّف، ثم الحميم.
وقيل المطر الأوّل هو الوسمىّ، ثم يليه الولى، ثم الربيع، ثم الصّيّف، ثم الحميم.
6- ذكر أسماء المطر اللغوية
قال الثعالبىّ:
إذا أحيا الأرض بعد موتها، فهو الحيا.
فإذا جاء عقيب المحل أو عند الحاجة إليه، فهو الغيث.
فإذا دام مع سكون، فهو الدّيمة. والضّرب فوق ذلك قليلا، والهطل فوقه.
فإذا زاد، فهو الهتلان، والهتّان، والتّهتان.
فإذا كان القطر صغارا كانه شذر، فهو القطقط.
فإذا كانت مطرة ضعيفة، فهى الرّهمة.
فإذا كانت ليست بالكثيرة، فهى الغبية، والحفشة، والحشكة.
(1/75)

فإذا كانت ضعيفة يسيرة، فهى الذّهاب، والهميمة. [1]
فإذا كان المطر مستمرّا، فهو الودق.
فإذا كان ضخم القطر شديد الوقع، فهو الوابل.
فإذا انبعق بالماء، فهو البعاق.
فإذا كان يروى كل شىء، فهو الجود.
فإذا كان عامّا، فهو الجدا.
فإذا دام أيّاما لا يقلع، فهو العين.
فإذا كان مسترسلا سائلا، فهو المرثعنّ.
فإذا كان كثير القطر، فهو الغدق.
فإذا كان شديد الوقع كثير الصّوب، فهو السّحيفة. [2]
فإذا كان شديدا كثيرا، فهو العزّ، والعباب.
فإذا جرف ما مرّ به، فهو السّحيقة. [3]
فاذا قشرت وجه الأرض، فهى السّاحية.
فإذا أثرت فى الأرض من شدّة وقعها، فهى الحريصة.
فإذا أصابت القطعة من الأرض وأخطأت الأخرى، فهى النّفضة.
فإذا جاءت المطرة لما يأتى بعدها، فهى الرّصدة، والعهاد نحو منها.
__________
[1] فى فقه الثعالبى: الهيمة. بإسقاط الميم الأولى وهو تحريف كما يعلم من مراجعة القاموس.
[2] نقل صاحب اللسان فى مادة (س ح ف) عن الأصمعى: (ان السحيفة بالفاء، المطرة الحديدة التى تجرف كل شىء. والسحيقة بالقاف، المطرة العظيمة القطر الشديدة الوقع القليلة العرض) وهو عكس ما نقله النويرى عن الثعالبى.
[3] نقل صاحب اللسان فى مادة (س ح ف) عن الأصمعى: (ان السحيفة بالفاء، المطرة الحديدة التى تجرف كل شىء. والسحيقة بالقاف، المطرة العظيمة القطر الشديدة الوقع القليلة العرض) وهو عكس ما نقله النويرى عن الثعالبى.
(1/76)

فإذا أتى المطر بعد المطر، فهو الولى.
فإذا رجع وتكرر، فهو الرّجع.
فإذا تتابع، فهو اليعلول.
فإذا جاءت المطرة دفعات، فهى الشّآبيب.
7- ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر المطر
يقال: أبرد من غبّ المطر. أرقّ من دمع الغمام. أسرع من السيل إلى الحدور. أطغى من السيل. أغشم من السيل. أمضى من السيل. يذهب يوم الغيم ولا يشعر به. قد بلغ السيل الزّبى. اضطره السيل إلى معطشه. أرنيها نمره، أريكها مطره. سبق سيله مطره. قبل السحاب أصابنى الوكف.
ومن أنصاف الأبيات:
هل يرتجى مطر بغير سحاب
وأوّل الغيث طلّ ثم ينسكب
سحابة صيف عن قريب تقشّع
فدرّكما درّ السّحاب على الرّعد
أسرع السّحب فى المسير الجهام
ومن يسدّ طريق العارض الهطل؟
سحاب عدانى فيضه وهو صيّب
يحسب الممطور أن كلّ مطر
سال به السّيل وما يدرى به
ومن الأبيات قول الطائى:
وكذا السّحائب، قلّما تدعو إلى ... معروفها الرّوّاد ما لم تبرق.
(1/77)

وقال البحترىّ عفى عنه:
واعلم بأنّ الغيث ليس بنافع ... ما لم يكن للنّاس فى إبّانه.
وقال أبو الطّيّب:
ليت الغمام الّذى عندى صواعقه ... يزيلهنّ إلى من عنده الدّيم!
وقال كثيّر:
كما أبرقت يوما عطاشا غمامة. ... فلمّا رجوها، أقشعت وتجلّت.
وقال آخر:
أنا فى ذمّة السّحاب وأظما! ... إنّ هذا لوصمة فى السّحاب!
وقال آخر:
والله ينشى سحابا تطمئنّ به النّ ... فوس من قبل بلّ الأرض بالمطر.
8- ذكر شىء مما قيل في وصف السحاب والمطر
قال أبو تمّام الطائى:
سحابة صادقة الأنواء ... تجرّ أهدابا على البطحاء.
تجمع بين الضّحك والبكاء: ... بدت بنار وثنت بماء.
وقال أبو عبادة البحترىّ عفا الله تعالى عنه:
ذات ارتجاس بحنين الرّعد ... مجرورة الذّيل صدوق الوعد،
مسفوحة الدّمع بغير وجد ... لها نسيم كنسيم الورد،
(1/78)

ورنّة مثل زئير الأسد ... ولمع برق كسيوف الهند.
جاءت بها ريح الصّبا من نجد ... فانتثرت مثل انتثار العقد.
وراحت الأرض بعيش رغد ... من وشى أنوار الثّرى فى برد.
كأنما غدرانها فى الوهد ... يلعبن ترحابا بها بالرّند.
وقال أبو الحسن علىّ بن القاسم القاشانى من شعراء اليتيمة عفى عنه:
إذا الغيوم ارجحنّ باسقها ... وحفّ أرجاءها بوارقها،
وعبّيت للثّرى كتائبها ... وانتصبت وسطها عقائقها،
وجلجل الرعد بينها فحكى ... خفق طبول ألحّ خافقها،
وابتسمت فرحة لوامعها ... واختلفت عبرة حمالقها،
وقيل: طوبى لبلدة نتجت ... بجوّ أكنافها بوارقها.
أيّة نعماء لا تحلّ بها؟ ... وأىّ بأساء لا تفارقها؟
وقال القاضى التّنوخىّ:
سحاب أتى كالأمن بعد تخوّف ... له فى الثّرى فعل الشّفاء بمدنف.
أكبّ على الآفاق إكباب مطرق ... يفكّر أو كالنّادم المتلهف.
ومدّ جناحيه على الأرض جانحا ... فراح عليها كالغراب المرفرف.
غدا البرّ بحرا زاخرا وانثنى الضّحى ... بظلمته فى ثوب ليل مسجّف.
فعبّس عن برق به متبسّم ... عبوس بخيل فى تبسّم معتف.
تحاول منه الشمس فى الجوّ مخرجا ... كما حاول المغلوب تجريد مرهف.
(1/79)

وقال ابن الرومىّ:
سحائب قيست بالبلاد فألفيت ... غطاء على أغوارها ونجودها.
حدتها النّعامى مقبلات فأقبلت ... تهادى رويدا سيلها كركودها.
وقال أبو هلال العسكرىّ:
وبرق سرى، واللّيل يمحى سواده ... فقلت: سوار فى معاصم أسمرا!
وقد سدّ عرض الأفق غيم تخاله ... يزرّ على الدّنيا قميصا معنبرا.
تهادى على أيدى الحبائب والصّبا ... كخرق من الفتيان نازع مسكرا.
تخال به مسكا وبالقطر لؤلؤا ... وبالرّوض ياقوتا وبالوحل عنبرا.
سواد غمام يبعث الماء أبيضا ... وغرّة أرض تنبت الزّهر أصفرا.
أتتك به أنفاس ريح مريضة ... كمفظعة رعناء تستاق عسكرا.
فألقى على الغدران درعا مسرّدا ... وأهدى إلى القيعان بردا محبّرا.
تخال الحيا فى الجوّ درّا منظّما ... وفى وجنات الرّوض درّا منثّرا.
وأقبل نشر الأرض فى نفس الصّبا ... فبات به ثوب الهواء معطّرا.
إذا ما دعت فيه الرّعود فأسمعت ... أجاب حداة واستهلّ فأغزرا.
ويبكى إذا ما أضحك البرق سنّه ... فيجعل نار البرق ماء مفجّرا.
كأنّ به رؤد الشّباب خريدة ... قد اتّخذت ثنى السّحابة معجرا.
فثغر يرينا من بعيد تبلّجا ... ودمع يرينا من بعيد تحدّرا.
(1/80)

وقال مؤيد الدين الطّغرائى:
سارية ذات عبوس برقها ... يضحك والأجفان منها تهمل.
كحلّة دكناء فى حاشية ... فيها طراز مذهب مسلسل.
إذا دنت عشارها، صاح بها ... قاصف رعد وحدتها الشمأل.
وقال عبد الله بن المعتزّ:
ومزنة جاد من أجفانها المطر: ... فالرّوض منتظم والقطر منتثر.
ترى مواقعه فى الأرض لائحة ... مثل الدراهم تبدو ثم تستتر.
وقال أيضا:
ما ترى نعمة السّماء على الأر ... ض وشكر الرّياض للأمطار؟
وكأنّ الرّبيع يجلو عروسا ... وكأنّا من قطره فى نثار!
وقال ابن عوف الكاتب فى إطباق الغيم وقربه:
فى مزنة أطبقت فكادت ... تصافح التّرب بالغمام.
وقال آخر:
تبسّمت الرّيح، ريح الجنو ... ب فيها هوى غالبا وادّكارا.
وساقت سحابا كمثل الجبال ... إذا البرق أومض فيه، أنارا.
إذا الرّعد جلجل فى جانبي ... هـ، روّى النّبات وأروى الصّحارى.
تطالعنا الشّمس من دونه ... طلاع فتاة تخاف اشتهارا،
تخاف الرّقيب على نفسها ... وتحذر من زوجها أن يغارا.
فتستر غرّتها بالخما ... ر طورا، وطورا تزيل الخمارا.
(1/81)

فلمّا رآه هبوب الجنو ... ب وانهمز الماء فيه انهمارا،
تبسّمت الأرض لمّا بكت ... عليها السّماء دموعا غزارا!
وقال الأسعد بن بليطة من شعراء الذخيرة:
لو كنت شاهدنا عشيّة أمسنا ... والمزن تبكينا بعينى مذنب،
والشمس قد مدّت أديم شعاعها ... فى الأرض تجنح غير أن لم تذهب
خلت الرّذاذ برادة من فضّة ... قد غربلت من فوق نطع مذهب!
وقال أبو عبد الله محمد بن الخياط من شعرائها:
راحت تذكّر بالنّسيم الرّاحا ... وطفاء تكسر للجنوح جناحا.
أخفى مسالكها الظلام فأوقدت ... من برقها
كى تهتدى، مصباحا. ... وكأنّ صوت الرّعد خلف سحابها
حاد إذا ونت السحائب، صاحا. ... جادت على التّلعات فاكتست الرّبا
حللا أقام لها الرّبيع وشاحا.
وقال ابن برد الأصغر الأندلسىّ من شعرائها:
وما زلت أحسب فيه السّحاب، ... ونار بوارقها تلتهب:
نجاتىّ توضع فى سيرها ... وقد قرعت بسياط الذّهب.
ومما ورد فى وصفها نثرا قال بعض الأندلسيّين من رسالة:
ثم أرسل الله الرياح من كنائنها، وأخرجها من خزائنها؛ قجرّت ذيولها، وأجرت خيولها؛ خافقة بنودها، متلاحقة جنودها؛ فأثارت الغمام، وقادته بغير زمام؛ وأنشأت بحريّة من السحاب، ذات أتراب وأصحاب؛ كثيرا عددها، غزيرا مددها،
(1/82)

فبشّرت بالقطر كلّ شائم، وأنذرت بالورد كلّ حائم، والريح تنثّها، والبرق يحثّها، كأنه قضيب من ذهب، أو لسان من لهب؛ وللسحاب من ضوء البرق هاد، ومن صوت الرعد حاد؛ والريح توسع بلحمتها سداها، وتسرع فى حياكتها يداها. فلما التحم فتقها، والتأم رتقها؛ وامتدّت أشطانها، واتسعت أعطانها؛ وانفسحت أجنابها، وانسدلت أطنابها؛ وتهدّل خملها، وتمخض حملها؛ ومدّت على آفاق السماء نطاقها، وزرّت على أعناق الجبال أطوافها، كأنها بناء على الجوّ مقبوب، أو طبق على الأرض مكبوب؛ تمشى من الثقل هونا، وتستدعى من الريح عونا؛ ومخايلها تقوى، وعارضها أحوى. فلما أذن الله لها بالأنحدار، وأنزل منه الودق بمقدار، أرسلت الريح خيوط القطر من رود السحائب، وأسبلتها إسبال الذوائب. فدرّت من خلف مصرور، ونثرت طلّها نثر الدرور. ثم انخرق جيبها، وانبثق سيبها؛ وصار الخيط حبلا، والطلّ وبلا. فالسحاب يتعلّق، والبرق يتألّق؛ والرعد يرتجس، والقطر ينبجس؛ والنّقط تترامى طباقا، وتتبارى اتساقا؛ فيردف السابق المصلّى، ويتصل التابع بالمولّى؛ كما يقع من المنخل البر، وينتثر من النظام الدّرّ؛ فجيوب السماء تسقطه، وأكفّ الغدران تلقّطه؛ والأرض قد فتحت أفواها، وجرعت أمواها. حتّى أخذت ريّها من المطر، وبلغت منه غاية الوطر، خفى من الرعد تسبيحه، وطفئت من البرق مصابيحه، وحسرت السماء نقابها، وولّت المطر أعقابها؛ وحكت فى ردّها طلق السابق، وهرب الآبق.
ومن رسالة لمحمد بن شرف القيروانى:
برئ عليل البرى، وأثرى فقير الثرى، وتاريخ ذلك انصرام ناجر [1] ، وقد بلغت القلوب
__________
[1] رجب أو صفر. وكل شهر من شهور الصيف (قاموس) .
(1/83)

الحناجر، محمارّة احمرت لها خضرة السماء، واغبرّت مرآة الماء، حتّى انهلّ طالع وسمىّ، وتلاه تابع ولىّ، دنا فأسفّ، ووكف فما كفّ. فما فتئ مسكوبا قطره، محجوبا شمسه وبدره، وجليت عروس الشمس، معتذرة عن مغيبها بالأمس. فعندها مزّق عن الدقعاء صحيح إهابها، واختزن درّ البر فى أصداف ترابها. فما مرّت أيام إلا والقيعان مسندسه، والآكام مطوّسه.
ومن رسالة لأبى القاسم، محمد بن عبد الله بن أبى الجد فى وصف مطر بعد قحط:
قال: لله تعالى فى عباده أسرار، لا تدركها الأفكار، وأحكام، لا تنالها الأوهام.
تختلف والعدل متّفق، وتفترق والفضل مجتمع متّسق. ففى منحها نفائس المأمول، وفى محنها مداوس [1] العقول. وفى أثناء فوائدها حدائق الإنعام رائقه، وبين أرجاء سرائرها بوارق الإعذار والإنذار خافقه. وربما تفتحت كمائم النوائب، عن زهرات المواهب.
وانسكبت غمائم الرزايا، بنفحات العطايا. وصدع ليل اليأس صبح الرجاء، وخلع عامل البأس والى الرخاء. ذلك تقدير اللطيف الخبير، وتدبير العزيز القدير! ولما ساءت بتثبط الغيث الظّنون، وانقبض من تبسط الشك اليقين، واسترابت حياض الوهاد، بعهود العهاد، وتأهبت رياض النّجاد، لبرود الحداد، واكتحلت أجفان الأزهار، بإثمد النقع المثار، وتعطلت أجياد الأنوار، من حلى الديمة المدرار، أرسل الله بين يدى رحمته ريحا بليلة الجناح، مخيلة النّجاح، سريعة الإلقاح. فنظمت عقود السحاب، نظم السّخاب، وأحكمت برود الغمام، رائقة الأعلام. وحين ضربت تلك المخيلة فى الأفق قبابها، ومدّت على الأرض أطنابها، لم تلبث أن انهتك رواقها،
__________
[1] جمع مدوس [أى مصاقل العقول] :
(1/84)

وانبتك وشيكا نطاقها، وانبرت مدامعها تبكى بأجفان المشتاق، غداة الفراق، وتحكى بنان الكرام، عند أريحيّة المدام، فاستغربت الرياض ضحكا ببكائها، واهتزّ رفات النبات طربا لتغريد مكّائها، واكتست ظهور الأرض من بيض إنائها، خضر ملائها. فكأنّ صنعاء قد نشرت على بسيطها بساطا مفوّفا، وأهدت إليها من زخارف بزّها ومطارف وشيها ألطافا وتحفا. وخيّل للعيون أن زواهر النجوم، قد طلعت من مواقع التّخوم، ومباسم الحسان، قد وصلت بافترار الغيطان. فيا برد موقعها على القلوب والأكباد! ويا خلوص ريها إلى غلل النفوس الصّواد! كأنما استعارت أنفاس الأحباب، أو ترشّفت شنب الثنايا العذاب، أو تحملت ماء الوصال، إلى نار البلبال. أو سرت على أنداء الأسحار وريحان الآصال. لقد تبين للصنع الجليل، من خلال ديمها تنفس ونصول، وتمكن للشكر الجميل، من ظلال نعمها معرّس ومقيل. فالحمد لله على ذلك ما انسكب قطر، وانصدع فجر؛ وتوقّد قبس، وتردّد نفس؛ وهو الكفيل تعالى بإتمام النعمى، وصلة أسباب الحياة والحيا بعزته! وقال الوزير أبو عمرو الباجىّ فى مثل ذلك:
إن لله تعالى قضايا واقعة بالعدل، وعطايا جامعة للفضل؛ ونعما يبسطها إذا شاء إنعاما وترفيها، ويقبضها متى أراد إلهاما وتنبيها؛ ويجعلها لقوم صلاحا وخيرا، ولآخرين فسادا وضيرا. (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ)
. وإنه كان من امتساك السّقيا، وتوقّف الحيا؛ ما ريع به الآمن، واستطير له الساكن؛ ورجفت الأكباد فزعا، وذهلت الألباب جزعا؛ وأذكت ذكاء حرّها، ومنعت السماء درّها؛ واكتست الأرض غبرة بعد خضرة، ولبست شحوبا بعد نضرة؛ وكادت برود الرياض تطوى، ومدود نعم الله تزوى؛
(1/85)

ثم نشر الله تعالى رحمته، وبسط نعمته، وأتاح منّته، وأزاح محنته. فبعث الرياح لواقح، وأرسل الغمام سوافح؛ بماء يتدفّق، ورواء غدق، من سماء طبق. استهلّ جفنها فدمع، وسمح دمعها فهمع، وصاب وبلها فنقع. فاستوفت الأرض ريّا، واستكملت من نباتها أثاثا وريّا؛ فزينة الأرض مشهوره، وحلّة الزهر منشوره، ومنّة الرب موفوره؛ والقلوب ناعمة بعد بوسها، والوجوه ضاحكة إثر عبوسها؛ وآثار الجزع ممحوّه، وسور الشكر متلوّه؛ ونحن نستزيد الواهب نعمة التوفيق، ونستهديه فى قضاء الحقوق إلى سواء الطريق؛ ونستعيذ به من المنّة أن تعود فتنه. والمنحة أن تصير محنه! والحمد لله رب العالمين!
9- ذكر شىء مما وصف به الثلج والبرد
قال أبو الفتح كشاجم:
الثّلج يسقط أم لجين يسبك، ... أم ذا حصى الكافور ظلّ يفرّك؟
راحت به الأرض الفضاء كأنّها ... فى كلّ ناحية بثغر تضحك!
شابت ذوائبها فبيّن ضحكها ... طربا وعهدى بالمشيب ينسّك!
وتردّت الأشجار منه ملاءة ... عمّا قليل بالرّياح تهتّك!
وقال أيضا:
ثلج وشمس وصوب غادية ... فالأرض من كلّ جانب غرّه!
باتت. وقيعانها زبرجدة. ... فأصبحت قد تحوّلت درّه!
كأنها والثّلوج تضحكّها ... تعار ممن أحبّه ثغره!
شانت فسرّت بذاك وابتهجت ... وكان عهدى بالشّيب يستكره!
(1/86)

وقال الصاحب بن عبّاد:
أقبل الثّلج فى غلائل نور ... تتهادى بلؤلؤ منثور!
فكأنّ السماء صاهرت الأر ... ض فصار النّثار من كافور!
وقال النميرىّ:
أهدى لنا بردا يلوح كأنه ... فى الجو حبّ لآلئ لم يثقب،
أو ثغر حواء اللّثات تبسّمت ... عن واضح مثل الأقاحى أشنب!
الباب الثانى من القسم الثانى من الفن الأوّل
فى النيازك، والصواعق، والرعد، والبرق، وقوس قزح
(أ) فأما النيازك، فهو ما يرى من الذوائب المتصلة بالشّهب والكواكب.
روى عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال لجماعة من الأنصار: «ما كنتم تقولون فى هذا النجم الذى يرمى به؟ قالوا: يا رسول الله، كنا نقول إذا رأيناها يرمى بها: مات ملك، ولد مولود. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ليس ذلك كذلك، ولكن الله تعالى كان إذا قضى فى خلقه أمرا سمعه الملائكة فيسبحون، فيسبّح من تحتهم لتسبيحهم، فيسبّح من تحت أولئك حتّى ينتهى إلى السماء الدنيا فيسبحون، ثم يقولون ألا تسألون من فوقكم ممّ يسبحون؛ فيقولون قضى الله فى خلقه كذا وكذا، للأمر الذى كان. فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتّى ينتهى إلى السماء الدنيا فيتحدّثون به، فتسترقه الشياطين بالسمع على توهم واختلاف. ثم يأتون
(1/87)

به الكهّان، فيصيبون بعضا، ويخطئون بعضا. ثم إن الله تعالى حجب الشياطين بهذه النجوم التى يقذفون بها، فانقطعت الكهانة، فلا كهانة اليوم» .
والشهب التى يقذف بها الشياطين غير النجوم الثوابت التى منها البروج والمنازل لقول الله تعالى (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ) .
وقال بعض الشعراء:
وكوكب نظر العفريت مسترقا ... للسّمع فانقضّ يذكى إثره لهبه
كفارس حلّ من تيه عمامته ... وجرّها كلّها من خلفه عذبه
وكتب ابن الحرون إلى صديق له، وقد كثر انقضاض الكواكب، وذلك فى أيام المتوكل على الله:
أما بعد. فإن الفلك قد تفرّى عن شهب ثواقب، كنيران الحباحب، متّقدة كشرر الزنود، وشعل زبر الحديد؛ مازجها عرض حمرة البهرمان، وصفرة العقيان [1] .
فهى كأرسال جراد منتشر، وهشيم ذرته ريح صرصر، فى سرعة الكفّ، ووحى لحظ الطّرف.
(ب) وأما الصواعق، فهى ما قاله الزمخشرىّ فى تفسيره: الصاعقة قصفة من رعد ينقضّ معها شقّة من نار.
وقالوا: إنها تنقدح من السحاب إذا اصطكّت أجرامه. وهى نار لطيفة حديدة لا تمرّ بشىء إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدّتها سريعة الخمود. على أنها متى سقطت على نخلة أحرقت عاليها.
__________
[1] العقبان الذهب.
(1/88)

وقال صاحب كتاب «مناهج الفكر ومباهج العبر» فى كتابه:
ومن عجيب شأنها أنها تحرق ما فى الكيس، ولا تحرق الكيس؛ وإن احترق فإنما يحترق باحتراق ما ذاب فيه وسال. قال: وهى إذا سقطت على جبل أو حجر كلسته ونفذته، وإذا سقطت فى بحر غاصت فيه وأحرقت ما لاقت من جوانبه.
وربما عرض لها عند انطفائها فى الأرض برد ويبس، فتكوّن منها أجرام حجرية، أو حديدية، أو نحاسية. وربما طبعت الحديد سيوفا لا يقوم لها شىء.
(ج) وأما الرعد وما قيل فيه. قال الله تبارك وتعالى: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) .
قال المفسرون: الرعد ملك موكل بالسحاب، معه كرّ من حديد، يسوقه من بلد إلى بلد كما يسوق الراعى إبله. فكلما خالف سحاب، صاح به فزجره. فالذى يسمع هو صوت الملك.
وقال الزمخشرىّ من تفسيره: الرعد الذى يسمع من السحاب، كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتفض إذا حدتها الريح فتصوّت عند ذلك.
وأما صوت الرعد، تقول العرب: رعدت السماء.
فإذا ازداد صوتها، قيل: ارتجست.
فإذا زاد، قيل: أرزمت، وقعقعت [1] .
فإذا بلغت النهاية، قيل: جلجلت، وهدهدت.
__________
[1] عبارة فقه اللغة: (فإذا زاد، قيل: أرزمت، ودرّت. فإذا زاد واشتدّ، قيل: قصفت، وقعقعت. فإذا بلغ النهاية الخ) اهـ.
(1/89)

المثل
ربّ صلف تحت الراعدة. (للبخيل المتكبر) .
(د) وأما البرق وما قيل فيه، فقد ذهب المفسرون لقول الله تعالى إلى أنه ضرب الملك الذى هو الرعد للسحاب بمخراق من حديد. وروى عن مجاهد: ان الله عز وجل وكّل بالسحاب ملكا. فالرعد قعقعة [1] صوته، والبرق سوطه [2] .
وأما ترتيبه فى لمعانه
تقول العرب إذا برق كأنه يتبسم، وذلك بقدر ما يريك سواد الغيم من بياضه:
أنكلّ انكلالا.
فإذا بدا من السماء برق يسير، قيل: أوشمت السماء. ومنه قيل: أوشم النبت إذا أبصرت أوّله.
فإذا برق برقا ضعيفا، قيل: خفا.
فإذا لمع لمعا خفيفا، قيل: لمح، وأومض.
فإذا تشقق، قيل: انعقّ انعقاقا.
فإذا ملأ السماء وتكشف واضطرب، قيل: تبوّج.
فإذا كثر وتتابع، قيل: ارتعج.
فإذا لمع وأطمع ثم عدل، قيل له: خلّب.
__________
[1] فى الأصل نغنغة: وهو محرّف عن قعقعة بالقاف كما يقتضيه السياق.
[2] فى الأصل صوته. وهو محرّف عن سوطه وهو مخراق الحديد الذى ذكر فى السطر الذى قبله.
(1/90)

المثل:
«ليس فى البرق اللّامع مستمتع» .
ذكر ما قيل فى وصف الرعد والبرق
قال أبو هلال العسكرىّ، عفا الله عنه:
والرعد فى أرجائه مترنّم ... والبرق فى حافاته متلهّب.
كالبلق ترمح، والصّوارم تنتضى ... والجوّ يبسم، والأنامل تحسب.
وقال آخر:
إذا ونت السّحب الثّقال وحثّها ... من الرعد حاد ليس يبصر أكمه،
أحاديثه مستهولات وصوته ... إذا انخفضت أصواتهنّ مقهقه،
إذا صاح فى آثارهنّ حسبته ... يجاوبه من خلفه صاحب له.
وقال ابن الدقّاق الأندلسىّ:
أرى بارقا بالأبلق الفرد يومض ... يذهّب أكناف الدّجى ويفضّض.
كأنّ سليمى من أعاليه أشرفت ... تمدّ لنا كفّا خضيبا وتقبض.
وقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسىّ:
ويوم جرى برقه أشقرا ... يطارد من مزنه أشهبا:
ترى الأرض فيه وقد فضّضت ... ووجه السّماء وقد ذهّبا!
وقال أحمد بن عبد العزيز القرطبىّ، شاعر الذخيرة:
ولما تجلّى اللّيل والبرق لامع ... كما سلّ زنجى حساما من التّبر،
وبتّ سمير النجم وهو كأنه ... على معصم الدّنيا جبائر من درّ.
(1/91)

وقال محمد بن عاصم، شاعر الخريدة عفا الله عنه:
أضاء بوادى الأثل واللّيل مظلم ... بريق كحدّ السّيف ضرّجه الدّم.
إذا البرق أجرى طرفه فصهيله ... إذا ما تفرّى رعده المترنّم.
فشبّهته إذ لاح فى غسق الدّجى ... بأسنان زنجىّ بدت تتبسّم.
وقال أيضا:
والبرق يضحك كالحبيب وعنده ... رعد يخشّن كالرّقيب مقاله!
وقال آخر:
أرقت لبرق غدا موهنا ... خفىّ كغمزك بالحاجب.
كأنّ تألّقه فى السما ... يدا كاتب أويدا حاسب.
وقال عبد الله بن المعتزّ، يشير إلى سحابة:
رأيت فيها برقها منذ بدت ... كمثل طرف العين أو قلب يحب.
ثم حدت بها الصّبا حتّى بدا ... فيها إلى البرق كأمثال الشّهب.
تحسبه فيها إذا ما انصدعت ... أحشاؤها عنه شجاعا يضطرب.
وتارة تبصره كأنّه ... أبلق مال جلّه حين وثب.
حتّى إذا ما رفع اليوم الضّحى ... حسبته سلاسلا من الذّهب.
قوله شجاعا يضطرب مأخوذ من قول دعبل:
أرقت لبرق آخر الليل منصب ... خفىّ كبطن الحيّة المتقلّب.
وقال ايضا:
ما زلت أكلأ برقا فى جوانبه ... كطرفة العين تخبو ثم تختطف.
برق تجاسر من حفّان لامعه ... يقضى اللّبانة من قلبى وينصرف.
(1/92)

(هـ) وأما قوس قزح وما قيل فيه. قالوا: وإنما سمى بذلك لتلوّنه.
وكان ابن عبّاس (رضى الله عنهما) يكره أن يسميه قوس قزح، ويسميه قوس الله، ويقول: قزح اسم الشيطان.
وزعم القدماء فى علة تلوّنه وتكوّنه، أنه إذا تكاثف جزء من الهواء بالبرد ثم أشرق عليه نور بعض الكواكب انصبغ ذلك الجزء، وانعطف منه الضوء إلى مايليه من الهواء، كالحمرة الصافية إذا طلعت عليها الشمس سطع نورها، وانعطف منه ألوان مختلفة إلى ما يقرب منها. وحمرته وصفرته من قبل الرّطوبة واليبس.
قالوا: وقياس ذلك النار، فإنها إذا كانت من حطب رطب، كان لونها أحمر كدرا، فإن كانت من حطب يابس، كان لونها أصفر صافيا.
وقال آخرون: القوس يحدث عن رطوبة الهواء وصقالته، حتّى يمكن أن ترسم فيه دائرة الشمس كما ترسم الأشباح فى المرايا، وتشتبك الأشعة بما يكون فيه البخار الرطب فيتولد، فيكون منها تلك الألوان. وإنما توجد دائرة على الناظر، لأن الشمس أبدا تكون فى قفاها، ولذلك ترى فى مقابلة الجهة التى تكون فيها الشمس، فترى فى المغرب إذا كانت الشمس فى المشرق، وترى فى المشرق إذا كانت فى المغرب.
وزعم بعض القدماء أن أثر القوس غير حقيقىّ، وإنما هو تخييل لا وجود له فى نفسه. وقال إن إدراكه على نحو إدراك صورة الإنسان فى المرآة من غير أن تكون منطبعة على الحقيقة فيها ولا قائمة بها. وذلك بحسب غلظ الحس الباصر، وهو لا يرى إلا أن يكون وراء السحاب الصقيل، إذ ذاك يكون كالمرآة مؤديا للبصر على نحو تأدية البلّور، إذا جعل وراءه شىء غير مشفّ، ولا يكون ذلك عن السحاب الصقيل وحده، كما لا يكون عن البلّور وحده، ولا عن غير المشفّ وحده. والله أعلم.
(1/93)

ذكر ما قيل فى وصفه وتشبيهه
قال أبو الفرج الوأواء، عفا الله تعالى عنه:
سقيا ليوم بدا قوس الغمام به ... والشّمس طالعة والبرق خلّاس!
كأنه قوس رام والبروق له ... رشق السّهام وعين الشمس برجاس.
وقال سعيد بن حميد القيروانى، رحمة الله عليه:
أما ترى القوس فى الغمام وقد ... نمّق فيه الهواء نوّارا؟
حكى الطّواويس وهى جاعلة ... أذنابها للمياه أستارا.
أخضر فى أحمر على يقق ... على وشاح السّحاب قد دارا.
كأنما المزن وهى راهبة ... شدّت على الأفق منه زنّارا.
وقال ظاهر الدين الحريرى. شاعر الخريدة عفا الله عنه:
ألست ترى الجوّ مستعبرا ... يضاحكه برقه الخلّب؟
وفد بات من قزح قوسه ... بعيدا وتحسبه يقرب؟
كطاقى عقيق وفيروزج ... وبينهما آخر مذهب.
وقال سيف الدولة بن حمدان، من أبيات:
وفد نشرت أيدى الجنوب مطارفا ... على الجوّ دكنّا والحواشى على الأرض.
يطرّزها قوس السّحاب بأصفر ... على أحمر فى أخضر وسط مبيضّ.
كأذيال خود أقبلت فى غلائل ... مصبّغة، والبعض أقصر من بعض.
وقال عبد المحسن الصّورىّ، عفا الله تعالى عنه:
تأمّل الجوّ ترى واليا ... قد ولى العهد على السّحب!
سار، وقوس الله تاج له، ... ركضا من الشّرق إلى الغرب!
(1/94)

الباب الثالث من القسم الثانى من الفن الأوّل
1- فى أسطقسّ [1] الهواء
روى عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «الريح من روح الله تعالى، تأتى بالرحمة، وتأتى بالعذاب. فلا تسبّوها، واسألوا الله خيرها؛ واستعيذوا بالله من شرّها» .
أخرجه البيهقىّ فى سننه.
وروى أبو الفرج بن الجوزىّ بإسناده أن الريح تنقسم إلى قسمين: رحمة وعذاب؛ وينقسم كل قسم إلى أربعة أقسام. ولكل قسم اسم. فأسماء أقسام قسم الرحمة: المبشّرات، والنّشر، والمرسلات، والرّخاء. وأسماء أقسام قسم العذاب:
العاصف، والقاصف (وهما فى البحر) ، والعقيم، والصرصر (وهما فى البر) .
وقد جاء القرءان بكل هذه الأسماء.
2- ذكر ما قيل فى حدّ الهواء
قال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا فى حدّه: الهواء حرم بسيط، طباعه أن يكون حارّا رطبا مشفا متحرّكا إلى المكان الذى تحت كرة النار التى فوق كرة الأرض والماء.
__________
[1] كلمة معربة عن اليونانية معناها: العنصر.
(1/95)

وقال إبّقراط: إنّ تغير حالات الهواء هو الذى يغير حالات الناس مرة إلى الغضب، ومرة إلى السكون، وإلى الهمّ والسرور، وغير ذلك. وإذا استوت حالات الهواء، استوت حالات الناس وأخلاقهم.
وقال: إن قوى النفوس تابعة لأمزجة الأبدان، وأمزجة الأبدان تابعة لتصرف الهواء، إذا برد مرة، وسخن مرة، خرج مرة الزرع نضيجا، ومرة غير نضيج، ومرة قليلا، ومرة كثيرا، ومرة حارّا، ومرة باردا، فتتغير لذلك صورهم ومزاجاتهم. وإذا استوى واعتدل الهواء، خرج الزرع معتدلا، فاعتدلت بذلك الصور والمزاجات.
قال: والعلة فى تشابه التّرك، هو أنه لما استوى هواء بلادهم فى البرد استوت صورهم وتشابهوا.
وقال: إنّ الرياح تقلب الحيوان حالا إلى حال، وتصرفه من حرّ إلى برد، ومن يبس إلى رطوبة، ومن سرور إلى حزن؛ وإنها تغير ما فى البيوت من أصناف المآكل كالتمر، والعسل، والسمن، والشراب، فتسخنها مرة، وتبردها أخرى، وتصلّبها مرة، وتيبّسها مرة. وعلة ذلك أنّ الشمس والكواكب تغير الهواء بحركاتها؛ وإذا تغير الهواء، تغير بتغيره كل شىء.
وقال: إنّ الجنوب إذا هبت، أذابت الهواء وبرّدته، وسخنت البحار والأنهار.
فكل شىء فى رطوبة تغير لونه وحالاته. وهى ترخى الأبدان والعصب، وتورث الكسل، وتحدث ثقلا فى الأسماع، وغشاوة فى الأبصار. وأما الشّمال فإنها تصلب الأبدان، وتصحح الأدمغة، وتحسن اللون، وتصفى الحواس، وتقوّى الشهوة والحركة، غير أنها تهيج السعال، ووجع الصدر.
(1/96)

وزعم بعض من تأخر فى الإسلام من الحكماء: أن الجنوب إذا هبت بأرض العراق، تغير الورد، وتناثر الورق، وتشقق القنّبيط، وسخن الماء، واسترخت الأبدان، وتكدّر الهواء.
وزعم آخرون من القدماء: ان الهواء جسم رقيق متى تموّج من المشرق إلى المغرب سمى ريح الصّبا.
قيل: سميت ريح الصّبا، لأن النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها.
والصّبوة الميل. وجاء فى بعض الآثار: ما بعث نبىّ إلا والصّبا معه، وهى الريح التى سخّرت لسليمان (عليه السلام) غدوّها شهر، أى من أوّل النهار إلى الزوال، ورواحها شهر، أى من الزوال إلى المغرب. كان يغدو من تدمر من بلاد الشام فيقيل فى إصطخر من بلاد فارس، ويبيت بكابل من بلاد الهند.
وعن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور» .
وإذا تموّج من الجنوب إلى الشّمال، سمى ريح الجنوب، وهى الريح التى أهلك الله عز وجل بها عادا.
وسيأتى ذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى الفن الخامس من كتابنا هذا.
وإذا تموّج من الشّمال إلى الجنوب، سمى ريح الشّمال.
وهم يزعمون أن مبادئ الرياح شمالية أخذت إلى الجنوب، وغربية أخذت إلى المشرق للطف الهواء فى هاتين الجهتين،.
والعرب تحبّ الصّبا لرقتها، ولأنها تجىء بالسحاب. والمطر فيها والخصت.
وهى عندهم اليمانية.
(1/97)

3- ذكر أسماء الرياح اللغوية
قال الثعالبىّ فى فقه اللغة:
إذا وقعت الريح بين ريحين، فهى النّكباء.
فإذا وقعت بين الجنوب والصّبا، فهى الجربياء.
فإذا هبّت من جهات مختلفة، فهى المتناوحة.
فإذا كانت ليّنة، فهى الرّيدانة.
فإذا جاءت بنفس ضعيف وروح، فهى النّسيم.
فإذا كان لها حنين كحنين الإبل، فهى الحنون.
فإذا ابتدأت بشدّة [1] ، فهى العاصف، والسّيهوج.
فإذا كانت شديدة ولها زفزفة وهى الصوت، فهى الزّفزافة.
فإذا اشتدّت حتّى تقلع الخيام، فهى الهجوم.
فإذا حرّكت الأغصان تحريكا شديدا أو قلعت الأشجار، فهى الزّعزاع، والزّعزعان، والزّعزع.
فإذا جاءت بالحصباء، فهى الحاصبة.
فإذا درجت حتّى ترى لها ذيلا كالرّسن فى الرمل، فهى الدّروج.
فإذا كانت شديدة المرور، فهى النّؤوج.
فإذا كانت سريعة، فهى المجفل، والجافلة.
فإذا هبّبت من الأرض كالعمود نحو السماء، فهى الإعصار.
فإذا هبّت بالغبرة، فهى الهبوة.
__________
[1] عبارة الثعالبى. فإذا ابتدأت بشدة، فهى النافجة. فإذا كانت شديدة، فهى العاصف الخ.
(1/98)

فإذا حملت المور وجرّت الذيل، فهى الهوجاء.
فإذا كانت باردة، فهى الحرجف، والصّرصر، والعريّة.
فإذا كان مع بردها ندى، فهى البليل.
فإذا كانت حارّة، فهى الحرور، والسّموم.
فإذا كانت حارّة وأتت من قبل اليمن، فهى الهيف.
فإذا كانت باردة شديدة تخرق البيوت، فهى الخريق [1] .
فإذا ضعفت وجرت فويق الأرض، فهى المسفسفة.
فإذا لم تلقح شجرا ولم تحمل مطرا، فهى العقيم. (وقد نطق بها القرآن) .
4- فصل فيما يذكر منها بلفظ الجمع
يقال: الرياح الحواشك: المختلفة الشديدة. البوارح: الشّمال الحارّة فى الصيف.
الأعاصير: التى تهيج بالغبار. المعصرات: التى تأتى بالأمطار. المبشّرات: التى تهبّ بالسحاب والغيث. السّوافى: التى تسفى التراب.
5- ذكر ما يتمثّل به مما فيه ذكر الهواء
يقال:
أخفّ من النسيم. أسرع من الرّيح. ريحهما جنوب (يضرب للمتصافيين) . هو ساكن الريح (اذا كان حليما) . قد هبّت ريحه (إذا قامت دولته) .
ومن أنصاف الأبيات.
إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا
وبعض القول يذهب بالرياح
تجرى الرياح بما لا تشتهى السّفن
لو كنت ريحا كانت الدّبورا
__________
[1] فى اللسان أنها الريح الباردة الشديدة الهبوب كأنها خرقت، أماتوا الفاعل بها.
(1/99)

ومن الأبيات:
إذا هبّت رياحك، فاغتنمها. ... فإن لكلّ خافقة سكون!
وقال آخر:
وكلّ ريح لها هبوب ... يوما فلا بدّ من ركود.
وقال آخر:
والريح ترجع عاصفا ... من بعد ما ابتدأت نسيما.
وقال أبو تمّام، عفا الله عنه:
إنّ الرياح إذا ما أعصفت، قصفت ... عيدان نجد ولم يعبأن بالرّتم.
وقال ابن الرومىّ، رحمة الله عليه:
لا تطفئنّ جوى بلوم إنه ... كالريح تغرى النّار بالإحراق.
6- ذكر ما جاء فى وصف الهواء وتشبيهه
قال عبد الله بن المعتزّ، رحمة الله عليه:
ونسيم يبشّر الأرض بالقط ... ر كذيل الغلالة المبلول.
ووجوه البلاد تنتظر الغي ... ث انتظار المحبّ ردّ الرسول.
وقال ابن الرومىّ:
حيّتك عنّا شمال طاف طائفها ... تحيّة، فجرت روحا وريحانا.
هبّت سخيرا فناجى الغصن صاحبه ... سرّا بها، وتنادى الطير إعلانا
. ورقّ تغنّى على خضر مهدّلة ... تسمو بها وتشمّ الأرض أحيانا.
يخال طائرها تشوان من طرب ... والغصن من هزّه عطفيه نشوانا.
(1/100)

وقال أيضا:
كأنّ نسيمها أرج الخزامى ... ولاها بعد وسمىّ ولىّ.
هديّة شمال هبّت بليل ... لأفنان الغصون بها نجىّ.
إذا أنفاسها نسمت سحيرا ... تنفّس كالشّجىّ لها الخلىّ.
وقال آخر:
وأنفاس كأنفاس الخزامى ... قبيل الصّبح بلّتها السماء.
تنفّس نشرها سحرا فجاءت ... به سحريّة المسرى رخاء.
وقال إسحاق الموصلىّ:
يا حبّذا ريح الجنوب إذا جرت ... فى الصّبح وهى ضعيفة الأنفاس!
قد حمّلت برد النّدى وتحمّلت ... عبقا من الجثجاث [1] والبسباس [2] !
__________
[1] فى الأصل بالإهمال وهو من إهمال الناسخ. فقد ورد فى مادة (ج ث ث) من لسان العرب:
«الجثجاث شجر أصفر مرّ طيب الريح تستطيبه العرب وتكثر ذكره فى أشعارها» . وقال أبو حنيفة الدينورى إنه من أحرار الشجر وهو أخضر ينبت بالقيظ له زهرة صفرا، كأنها زهرة العرفجة طيبة الريح. وقال ابن البيطار: أول ما رأيته بساحل نيل مصر فى أعلاه فى صحاريه بمقربة من ضيعة هناك، تسمى شاهور، وهى على طريق الطرانة. وقال داود فى تذكرته إنه يسمى باليونانية ترديسيون.
[2] فى اللسان: «البسباس نبات طيب الريح» . وهو المعروف عند علماء العرب بالاسم الفارسى «الرازيانج» وبهذا الاسم كان يعرف فى الأندلس والمغرب ولا يزال معروفا به إلى اليوم فى قطر الجزائر واسمه السريانى «برهليا» ويعرف فى مصر والشام باسم «الشمار» ومنه نوع برى ينبت بالقيروان ويسميه
(1/101)

وقال آخر:
إذا خلا الجوّ من هواء، ... فعيشهم غمّة وبوس.
فهو حياة لكلّ حىّ، ... كأنّ أنفاسه نفوس.
وقال ابن سعيد الأندلسىّ:
الرّيح أقود ما يكون لأنّها ... تبدى خفايا الرّدف والأعكان [1] .
وتميّل الأغصان بعد علوّها ... حتّى تقبّل أوجه الغدران.
وكذلك العشّاق يتّخذونها ... رسلا إلى الأحباب والأوطان.
وقال آخر:
أيا جبلى نعمان بالله خلّيا ... سبيل الصّبا يخلص إلىّ نسيمها.
أجد بردها أو تشف منّى خرارة ... على كبد لم يبق إلا صميمها.
فإنّ الصّبا ريح إذا ما تنفّست ... على كبد حرّاء، قلّت همومها.
وقال ابن هتيمل اليمنىّ:
هبّت لنا سحرا، والصبح ملتثم، ... واللّيل قد غاب فيه الشّيب والهرم.
سقيمة من بنات الشّرق أضعفها ... عن قوّة السّير، لمّا هبّت، السّقم.
فبلّغت بلسان الحال قائلة ... ما لم يبلّغه يوما إلىّ فم،
سرّا لغانية تسرى إلىّ به ... من النّسيم رسول ليس يتّهم.
أصافح الرّيح إجلالا لما حملت ... إلىّ من ريح برديها وأستلم.
__________
[1] واحده عكنة بالضم، وهى ما تثنّى من لحم البطن سمنا.
(1/102)

الباب الرابع من القسم الثانى من الفن الأوّل
1- فى أسطقس النار [1] وأسمائها، وعبادها، وبيوت النيران
حكى أصحاب التواريخ فى حدوث النار أن آدم عليه السلام لما هبط إلى الارض وحجّ، نزل جبل أبى قبيس. فأنزل الله إليه مرختين من السماء، فحكّ إحداهما بالأخرى فأوريا نارا. فلهذا سمى الجبل بأبى قبيس.
ويدل على أن النار من الشجر، قوله عز وجل: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) .
والعرب تقول: «فى كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار» . لأنهما أسرع اقتداحا.
قال الله عز وجل: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ) .
وقال أصحاب الكلام فى الطبائع: إن الله عز وجل جمع فى النار الحركة، والحرارة، واليبوسة، واللّطافة، والنور. وهى تفعل بكل صورة من هذه الصور خلاف ما تفعل بالأخرى.
فبالحركة تعلى الأجسام؛ وبالحرارة تسخن؛ وباليبوسة تجفف؛ وباللطافة تنفذ؛ وبالنور تضىء ما حولها.
__________
[1] أنظر فى كتاب الحيوان للجاحظ تفصيلات ومعلومات عن النار. وهى مما يجب الوقوف عليه والاحاطة به من الوجهة العلمية والفلسفية. أما من حيث اللغة والأدب فيراجع ما ورد فى كتاب «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس» للتيفاشى باختصار صاحب لسان العرب، وهو موجود بالفتو غرافية فى «دار الكتب المصرية» ومحل الشاهد هو الباب الثامن من ص 391 الى ص 423
(1/103)

ومنفعة النار تختص بالإنسان دون سائر الحيوان. فلا يحتاج إليها شىء سواه، وليس به عنها غنى فى حال من الأحوال.
ولهذا عظمتها المجوس، [1] وقالوا: إذ أفردتنا بنفعها، فنفردها بتعظيمها. على أنهم يعظمون جميع ما فيه منفعة على العباد، فلا يدفنون موتاهم فى الأرض، ولا يستنجون فى الأنهار.
2- ذكر أسماء النار
(وأحوالها فى معالجتها وترتيبها) أما أسماؤها، فمنها:
النار، والصّلاء، والسّكن، والضّرمة، والحرق، والحمدة (وهو صوت التهابها) ، والحدمة، والجحيم، والسّعير، والوحى.
وأما تفصيل أحوالها ومعالجتها وترتيبها، فقد قال الثعالبىّ فى فقه اللغة:
إذا لم يخرج الزّند النار عند القدح، قيل: كبايكبو.
فإذا صوّت ولم يخرج، قيل: صلد يصلد.
فإذا أخرج النار، قيل: ورى يرى.
فإذا ألقى الإنسان عليها ما يحفظها ويذكيها، تقول: شيعتها وأثقبتها.
فإذا عالجها لتلتهب، قال: حضأتها وأرّثتها [2] .
فإذا جعل لها مذهبا تحت القدر، قال: سخوتها.
__________
[1]
guebres.mages.
عند الفرنسيين. والمجوس لفظ مشتق من «موغ» و «مغ» ومعناه النور فى اللغة الطورانية.
[2] فى فقه الثعالبى: وأرشيها بالشين وعبارة القاموس فى مادة (ارش) وتأريش النار تأريثها.
(1/104)

فإذا زاد فى إيقادها وإشعالها، قال: أحجبتها.
فإذا اشتدّ تأجّجها، فهى جاحمة [1] .
فإذا طفئت البتة، فهى هامدة.
فإذا صارت رمادا، فهى هابية.
والله تعالى أعلم.
3- ذكر عبّاد النار
(وسبب عبادتها وبيوت النيران) أوّل من عبد النار قابيل بن آدم.
وذلك أنه لما قتل أخاه هابيل هرب من أبيه إلى اليمن، فجاءه إبليس لعنه الله، وقال له: إنما قبل قربان هابيل وأكلته النار لأنه كان يخدمها ويعبدها.
فانصب أنت أيضا نارا تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار.
فهو أوّل من نصب النار وعبدها.
وأوّل من عظمها من ملوك الفرس، جم. وهو أحد ملوك الفرس الأوّل، عظمها ودعا الناس إلى تعظيمها، وقال: إنها تشبه ضوء الشمس والكواكب، لأن النور عنده أفضل من الظلمة.
ثم عبدت النار بالعراق، وأرض فارس، وكرمان، وسجستان، وخراسان، وطبرستان، والجبال، وأذربيجان، وأرّان، وفى بلاد الهند، والسند، والصين.
__________
[1] عبارة فقه اللغة بعده: (فاذا سكن لهبها ولم يطفأ حرها فهى خامدة) وبعده فاذا طفئت البتة الخ
(1/105)

وبنى فى جميع هذه الأماكن بيوت للنّيران، نذكرها بعد إن شاء الله تعالى.
ثم انقطعت عبادة النيران من أكثر هذه الأماكن إلا الهند. فإنهم يعبدونها إلى يومنا هذا. وهم طائفة تدعى الإكنواطرية. [1] زعموا أن النار أعظم العناصر جرما، وأوسعها حيزا، وأعلاها مكانا، وأشرفها جوهرا، وأنورها ضياء وإشراقا، وألطفها جسما وكيانا؛ وأن الأحتياج إليها أكثر من الاحتياج إلى سائر الطبائع؛ ولا نور فى العالم إلا بها؛ ولا نموّ ولا انعقاد إلا بممازجتها.
وعبادتهم لها أن يحفروا أخدودا مربعا فى الأرض ويحشوا النار فيه، ثم لا يدعون طعاما لذيذا، ولا شرابا لطيفا، ولا ثوبا فاخرا، ولا عطرا فائحا، ولا جوهرا نفيسا، إلا طرحوه فيها: تقرّبا إليها، وتبرّكا بها. وحرّموا إلقاء النفوس فيها، وإحراق الأبدان بها، خلافا لجماعة أخرى من زهّاد الهند.
وعلى هذا المذهب أكثر ملوك الهند وعظمائها. يعظمون النار لجوهرها تعظيما بالغا، ويقدّمونها على الموجودات كلها.
ومنهم زهّاد وعبّاد يجلسون حول النار صاغين، يسدّون منافسهم حتّى لا يصل إليها من أنفاسهم نفس صدر عن صدر مجرم. وسنّتهم الحثّ على الأخلاق الحسنة، والمنع من أضدادها، وهى: الكذب، والحسد، والحقد، والكفاح، والحرص، والبغى، والبطر. فإذا تجرّد الإنسان عنها، تقرّب من النار.
__________
[1] أفادنا المترجم الألمانى لكتاب الملل والنحل أن هذه الكلمة مأخوذة من «أجنيهترا» وهى لنار المقدّسة (أى التى تتأجج إكراما للإله أجنى.)
(1/106)

4- وأما بيوت النيران
(ومن رسمها من ملوك الفرس) قال المسعودىّ:
أوّل من حكى ذلك عنه أفريدون الملك. وذلك أنه وجد نارا يعظمها أهلها، [وهم] [1] معتكفون على عبادتها. [فسألهم عن خبرها ووجه الحكمة منهم فى عبادتها. فأخبروه بأشياء اجتذبت نفسه إلى عبادتها] [2] وأنها واسطة بين الله تعالى وبين خلقه، وأنها من جنس الآلهة النورية، وأشياء ذكروها له. وجعلوا للنور مراتب وقوانين [وفرقوا بين طبع النار والنور] [3] وزعموا أن الحيوان يجتذبه النور، فيحرق نفسه: كالفراش الطائر بالليل فما لطف جسمه، يطرح نفسه فى السراج فيحرقها. وغير ذلك مما يقع فى صيد الليل من الغزلان، والوحش، والطير؛ وكظهور الحيتان من الماء إذا قربت من السراج فى الزوارق كما يصاد السمك ببلاد البصرة فى الليل، فإنهم يجعلون السّرج حوالى المركب، فيثب السمك من الماء إليها؛ وأن بالنور صلاح هذا العالم، وشرف النار على الظلمة إلى غير ذلك.
فلما أخبروا الملك أفريدون بذلك أمر أن تحمل جمرة منها إلى خراسان، فحملت. فاتخذ لها بيتا بطوس. [واتخذ بيتا آخر بمدينة بخارا يقال له برد سورة] [4] .
وبيتا آخر بسجستان كواكر [5] ، كان اتخذه بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن يهراسف.
__________
[1] الزيادة عن المسعودىّ.
[2] الزيادة عن المسعودىّ.
[3] الزيادة عن المسعودىّ.
[4] سماه الشهرستانى: «قباذان» (ص 197) .
[5] سماه الشهرستانى: «كركرا» (ص 197) .
(1/107)

وبيت آخر ببلاد الشير والرّان، كانت فيه أصنام أخرجها منه أنوشروان، وقيل إنه صادف هذا البيت، وفيه نار معظمة فنقلها إلى الموضع المعروف بالبركة.
وبيت آخر للنار يقال له كوسجة [1] : بناه كيخسرو الملك.
وقد كان بقومس بيت نار معظم لا يدرى من بناه، يقال له حريش. [2] ويقال إن الإسكندر لما غلب عليها، تركها ولم يطفئها.
وبيت نار آخر يسمّى كنكدز، بناه سياوش بن كاوس الجبار، وذلك فى زمن لبثه بشرق الصين مما يلى البركة.
وبيت نار بمدينة أرّجان من أرض فارس؛ بناه قمار.
وبيت بأرض فارس اتّخذ فى أيام يهراسف. [3]
فهذه البيوت كانت قبل ظهور زرادشت.
ثم اتخذ زرادشت بعد ذلك بيوتا للنيران. فكان مما اتخذ بيت بمدينة نيسابور من بلاد خراسان، وبيت بمدينة نسا والبيضاء من أرض فارس. وقد كان زرادشت أمر يستاسف [4] الملك بطلب نار كان يعظمها جم [5] فطلبت، فوجدت بمدينة خوارزم.
فنقلها يستاسف إلى مدينة دارا بجرد من أرض فارس............ والمجوس تعظم هذه النار ما لا تعظم غيرها من النيران والبيوت............ وللفرس بيت نار
__________
[1] سماه الشهرستانى: «كويسة» (ص 197) .
[2] سماه الشهرستانى: «جرير» (ص 197) .
[3] هو لهراسب.
[4] فى الشهرستانى: كشتاسف.
[5] هو الملك جمشيد.
(1/108)

بإصطخر فارس، يعظمه المجوس. كان فى قديم الزمان للأصنام، فأخرجتها جمان بنت بهمن بن اسپنديار وجعلته بيت نار. ثم نقلت عنه النار فخرب...... وفى مدينة سابور من أرض فارس بيت معظم عندهم اتخذه دارا بن دارا. وفى مدينة جور من أرض فارس...... بيت بناه أردشير بن بابك......... وقد كان أردشير بنى بيت نار يقال له بارنوا فى اليوم الثانى من غلبته على فارس. وبيت نار على خليج القسطنطينية من بلاد الروم بناه سابور الجنود ابن أردشير بن بابك حين نزل على هذا الخليج وحاصر القسطنطينية. ولم يزل هذا البيت إلى خلافة المهدىّ. وكان سابور اشترط على الروم بقاء هذا البيت......... وبأرض العراق بيت نار بالقرب من مدينة السلام. بنته بوران [1] بنت كسرى أبرويز، الملكة، بالموضع المعروف بأسنيبا [2] .
وبيوت النيران كثيرة تعظمها المجوس. والذى ذكرناه هو المشهور منها [3] .
5- ذكر نيران العرب
ونيران العرب أربعة عشر نارا.
1- نار المزدلفة. توقد حتّى يراها من دفع من عرفة. وأوّل من أوقدها قصىّ بن كلاب.
2- نار الاستسقاء. كانت الجاهلية الأولى، إذا تتابعت عليهم الأزمات، واشتدّ الجدب، واحتاجوا إلى الأمطار. يجمعون لها بقرا، معلقة فى أذنابها وعراقيبها
__________
[1] فى الشهرستانى: توران.
[2] فى المسعودى: استينيا. وفى الشهرستانى: إسفينيّا.
[3] هذا الباب كله منقول عن مروج الذهب (أنظر طبعة باريس ج 4 ص 72- 86) .
(1/109)

السّلع [1] والعشر [2] ، ويصعدون بها إلى جبل وعر، ويشعلون فيها النار، ويضجّون بالدعاء والتضرّع. وكانوا يرون ذلك من الأسباب المتوصّل بها إلى نزول الغيث [3] . وفى ذاك يقول الوديك الطائى:
لا درّ درّ رجال خاب سعيهم، ... يستمطرون لدى الأزمات بالعشر!
أجاعل أنت بيقورا مسلّعة ... ذريعة لك بين الله والمطر؟
وقال أمية بن أبى الصّلت:
ويسوقون باقر السّهل للطّو ... د مهازيل خشية أن تبورا.
عاقدين النّيران فى بكر الأذ ... ناب منها، لكى تهيج النّحورا.
سلع ما ومثله عشر ما ... عائل ما وعالت الببقورا.
3- نار الزائر والمسافر. ويسمونها نار الطّرد. وذلك أنهم كانوا إذا لم يحبوا رجوع شخص، أوقدوا خلفه نارا ودعوا عليه. ويقولون فى الدعاء: أبعده الله وأسحقه! وأوقدوا نارا إثره. قال الشاعر:
وجمّة قوم قد أتوك ولم تكن ... لتوقد نارا خلفها للتندّم.
__________
[1] قال العلامة الدكتور أوغمت هفتر الألمانى والأب المحقق الفاضل لويس شيخو اليسوعى فى حاشية صفحة 36 متن كتاب النبات والشجر الأصمعى الذى عنيا بتحقيقه وطبعه فى بيروت سنة 1908، ما نصه:
السلع نبات. وقيل شجر مر، وقيل أنه سمّ. له ورقة صغيرة شاكة كأن شوكها زغب. وهو بقلة تنفرش كأنها راحة الكلب.
[2] قال الفاضلان المذكوران فى ذلك الموضع أيضا مانصه: «قيل إن العشر من كبار شجر العضاه وهو ذو صمغ حلو وحرّاق مثل القطن. يقتدح به. وهو عريض الورق. يخرج من شعبه ومواضع زهره سكر فيه شىء من المرارة يقال له سكر العشر. ويخرج له نفاخ كشقاشق الجمال. وله نور كالدفلى، مشرق حسن النظر. وله ثمر:
l AselePiasgigaN tea.Le AselePiade:FoRsk GalotRoP isPRoeRa:
[3] أما الافرنج والأمريكان فى هذا العصر فانهم يستنزلون الغيث باطلاق المدافع لاحداث الدوىّ والضجيج والالتهاب فى الجو..
(1/110)

والجمّة: الجماعة يمشون فى الدّم، وفى الصلح. ومعنى هذا البيت: لم تندم على ما أعطيت فى الحمالة عند كلام الجماعة، فتوقد خلفهم ناراكى لا يعودوا.
4- نار التحاليف. كانوا لا يعقدون حلفهم إلا عليها، فيذكرون منافعها، ويدعون الله بالحرمان والمنع من منافعها على الذى ينقض العهد، ويطرحون فيها الكبريت والملح. فإذا فرقعت هوّل على الحالف. قال الكميت:
همو خوّفونى بالعمى هوّة الرّدى ... كما شبّ نار الحالفين المهوّل.
وقال أوس بن حجر:
إذا استقبلته الشّمس، صدّ بوجهه ... كما صدّ عن نار المهوّل حالف.
5- نار الغدر. كانت العرب إذا غدر الرجل بجاره، أوقدوا له نارا بمنى، أيام الحج على الأخشب (وهو الجبل المطلّ على منّى) . ثم صاحوا: هذه غدرة فلان.
قالت امرأة من هاشم:
فإن نهلك فلم نعرف عقوقا ... ولم توقد لنا بالغدر نار.
6- نار السّلامة. وهى نار توقد للقادم من سفره، إذا قدم بالسلامة والغنيمة. قال الشاعر:
يا سليمى أوقدى النارا ... إنّ من تهوين قد زارا.
7- نار الحرب. وتسمّى نار الأهبة والإنذار. توقد على يفاع، فتكون إعلاما لمن بعد. قال ابن الرومى:
له ناران: نار قرى وحرب. ... ترى كلتيهما ذات التهاب.
8- نار الصّيد. يوقدونها لصيد الظباء، لتعشى أبصارها.
(1/111)

9- نار الأسد. كانت العرب توقدها إذا خافوه؛ فإن الأسد إذا عاين النار حدّق إليها وتأمّلها.
10- نار السّليم. توقد للملدوغ، والمجروح، ومن عضّه الكلب الكلب حتّى لا يناموا فيشتدّ بهم الألم. قال النابغة:
يسهّد من ليل التّمام سليمها ... لحلى النّساء فى يديه قعاقع.
وذلك لأنهم كانوا يعلقون عليه حلى النساء ويتركونه سبعة أيام.
11- نار الفداء. وذلك أن ملوكهم كانوا إذا سبوا قبيلة وخرجت إليهم السادات فى الفداء وفى الاستيهاب، كرهوا أن يعرضوا النساء نهارا فيفتضحن.
وأما فى الظلمة فيخفى قدر ما يحبسون من الصيفىّ لأنفسهم، وقدر ما يجودون به، وما يأخذون عليه الفداء. فيوقدون لذلك النار. قال الشاعر:
نساء بنى شيبان يوم أوارة ... على النّار إذ تجلى له فتياتها.
12- نار الوسم. كانوا يقولون للرجل: ما نارك؟ (فى الاستخبار عن الإبل) أو ما سمتك؟ [فيقول] : حياط، أو علاط، أو حلقة، أو كذا، أو كذا.
حكى أن بعض اللصوص قرّب إبلا كان قد أغار عليها وسلبها من قبائل شتّى إلى بعض الأسواق، فقال له بعض التجّار: ما نارك؟ وإنما سأله عن ذلك، لأنهم كانوا يعرفون ميسم كل قوم وكرم إبلهم من لؤمها، فقال:
تسألنى الباعة: ما نجارها، ... إذ زعزعوها فسمت أبصارها؟
وكلّ دار لأناس دارها! ... وكلّ نار العالمين نارها [1] !
__________
[1] يقول العرب فى أمثالهم: «كل نجار إبل نجارها» وشطره الثانى «ونار إبل العالمين نارها» يضربون المثل للمخلط الذى فيه كل لون من الأخلاق وليس له رأى يثبت عليه.
(1/112)

13- نار القرى. وهى من أعظم مفاخر العرب. كانوا يوقدونها فى ليالى الشتاء، ويرفعونها لمن يلتمس القرى. فكلما كانت أضخم وموضعها أرفع، كان أفخر.
وهم يتمادحون بها، قال الشاعر:
له نار تشبّ بكلّ واد ... إذا النّيران ألبست القناعا.
وقال إبراهيم بن هرمة:
إذا ضلّ عنهم ضيفهم، رفعوا له ... من النار فى الظّلماء ألوية حمرا.
14- وكانت للعرب نار عظمى تسمّى نار الحرّتين. وهى التى أطفأها الله تعالى بخالد بن سنان العبسىّ. وكانت حرّة ببلاد عبس، تسمّى حرّة الحدثان.
روى عن ابن الكلبىّ أنه قال: كان يخرج منها عنق فيسيح مسافة ثلاثة أو أربعة أميال، لا تمرّ بشىء إلا أحرقته. وأن خالد بن سنان أخذ من كل بطن من بنى عبس رجلا فخرج بهم نحوها، ومعه درّة حتّى انتهى إلى طرفها، وقد خرج منها عنق كأنه عنق بعير فأحاط بهم، فقالوا: هلكت والله أشياخ بنى عبس آخر الدهر! فقال خالد كلّا! وجعل يضرب ذلك العنق بالدّرّة ويقول: «بدّا بدّا، كلّ هدى الله يؤدّى! أنا عبد الله خالد بن سنان!» فما زال يضربه حتّى رجع، وهو يتبعه والقوم معه كأنه ثعبان يتملك حجارة الحرّة حتّى انتهى إلى قليب، فانساب فيه وتقدّم عليه، فمكث طويلا. فقال ابن عم لخالد، يقال له عروة بن شب: لا أرى خالدا يخرج إليكم أبدا! فخرج ينطف عرقا، وهو يقول: زعم ابن راعية المعزى أنى لا أخرج. فقيل لهم بنو راعية المعزى إلى الآن.
وفى هذه النار يقول الشاعر:
كنار الحرّتين لها زفير ... تصمّ مسامع الرجل السّميع.
(1/113)

6- ذكر النيران المجازية
ومن النيران، نيران مجازية لا حقيقية. فمنها:
نار البرق. وقد وصفها بعض الأعراب فقال:
نار تجدّد للعيدان نضرتها ... والنار تشعل عيدانا فتحترق
إشارة إلى أن النار تحرق العيدان، إلا نار البرق فإنها تجىء بالغيث.
نار المعدة. وهى التى تهضم الطعام. وهى كنار الحياة، ونار الغريزة. وقوّتها مادّة للصحة، كما أن ضعفها سبب للعلة.
نار الحمّى. وقد قيل: النيران ثلاثة: نار لا تأكل ولا تشرب، وهى نار الآخرة؛ ونار تأكل وتشرب، وهى نار الحمّى، تأكل اللحم وتشرب الدّم؛ ونار تأكل ولا تشرب، وهى نار الدّنيا.
ومن النيران المجازية:
نار الشوق، نار الشّره، نار الشباب، نار الشراب.
قال شاعر يمدح بعض الملوك:
وقيت نار الجحيم يا ملك، ... أربع نيرانه له نسق!
نار شباب تروق نضرتها، ... ونار راح كأنّه شفق،
ونار سلطانه، تقارنها ... نار قرى لا تزال تأتلق،
(1/114)

7- ذكر النيران التى يضرب المثل بها
يضرب المثل:
بنار الحباحب. وهى نار لبخيل كان يوقدها. فإذا استضاء بها إنسان، أطفأها.
وقيل: إنها النار التى توريها الخيل بسنابكها من الحجارة. قال الله تعالى:
(فَالْمُورِياتِ قَدْحاً)
. وقال النابغة:
ويوقدن بالصّفّاح نار الحباحب
وهذا المثل يضرب لما لا منفعة فيه ولا حاصل له.
نار الغضى، يضرب بها المثل فى الحرارة. وهى جمر أبيض لا يصلح إلا للوقود.
نار العرفج. هى نار تتقد سريعا. قال قتيبة بن مسلم لعمرو بن عباد بن الحصين:
«للسّؤدد أسرع إليك من النار فى يبس العرفج» . إذا التهبت فيه النار انتشرت وتسمى نار الزّحفتين، لأن العرفج إذا انتشرت فيه النار عظمت واستفاضت.
فمن كان بالقرب منها زحف عنها، ثم لا تلبث أن تنطفئ من ساعتها. فيحتاج الذى زحف عنها أن يزحف إليها. فلا يزال المصطلى بها كذلك، فلذلك سميت نار الزحفتين.
نار الحلفاء. يضرب بها المثل فى سرعة الاتقاد، كما قيل:
فما ظنّك بالحلفا ... ءأدنيت له نارا.
وفى سرعة الانطفاء، كما قيل: نار الحلفاء، سريعة الانطفاء.
(1/115)

8- ذكر ما جاء منها على لفظ أفعل
يقال:
آكل من النار؛ أحرّ من النار؛ أحرّ من الجمر؛ أحسن من النار؛ أسرع من شرارة فى قصباء.
ويقال:
فلان وارى الزناد؛ وريت بك زنادى؛ فلان ثاقب الزّند؛ فلان كابى الزّناد؛ صلدت زناده؛ فلان ما يصطلى بناره؛ هو القابس العجلان؛ هما زندان فى وعاء.
ومن أنصاف الأبيات:
والنار قد يخمدها النّافخ
كملتمس إطفاء نار بنافخ
والجمر يوضع فى الرّماد فيخمد
كذا كلّ نار روّحت تتوهّج
هيهات تكتم فى الظّلام مشاعل
ومن الأبيات قول علىّ بن الجهم:
والنّار فى أحجارها مكنونة ... لا تصطلى إن لم تثرها الأزند
وقال آخر:
والنار بالماء الذى هو ضدّها ... تعطى النّضاج، وطبعها الإحراق.
وقال آخر:
والكاتم الأمر ليس يخفى ... كالموقد النار باليفاع.
وقال آخر:
لا تتّبع كلّ دخان ترى، ... فالنّار قد توقد للكىّ.
(1/116)

وقال أبو تمام:
لولا اشتعال النّار فيما جاورت، ... ما كان يعرف طيب عرف العود.
وقال آخر:
وفتيلة المصباح تحرق نفسها ... وتضىء للسّارى، وأنت كذاكا.
9- ذكر ما قيل فى وصف النار وتشبيهها
قال عبد الله بن المعتزّ، غفر الله له:
كأنّ الشّرار على نارها ... وقد راق منظرها كلّ عين.
سحالة تبر إذا ما علا، ... فإمّا هوى ففتات اللّجين.
أخذه العسكرىّ فقال:
أوقدت بعد الهدوّ نارا ... لها على الطارقين عين
. شرارها إن علا نضار، ... لكنّه إن هوى لجين.
وقال السّرىّ الرّفّاء:
والتهبت نارنا، فمنظرها ... يغنيك عن كلّ منظر عجب
. إذا رمت بالشّرار فاطّردت ... على ذراها مطارد اللهب،
رأيت ياقوتة مشبّكة ... تطير عنها قراضة الذّهب.
وقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسىّ:
حمراء نازعت الرّياح رداءها ... وهنا وزاحمت السّماء بمنكب.
ضربت سماء من دخان فوقها، ... لم تدر منها شعلة من كوكب.
وتنفّحت عن كلّ نفحة جمرة ... باتت لها ريح الشّمال بمرقب.
قد ألهبت فتذهّبت فكأنها ... شقراء تمرح فى عجاج أكهب [1] .
__________
[1] الكهبة لون ليس بخالص فى الحمرة. وهو فى الحمرة خاصة (صحاح الجوهرى) .
(1/117)

وقال أبو الفتح كشاجم:
كأنما النار والرّماد وقد ... كاد يوارى من نورها النّورا:
ورد جنىّ القطاف أحمر قد ... ذرّت عليه الأكفّ كافورا.
وقال تاج الملوك بن أيوب:
أما ترى النار وهى تضرم فى ... أحشاء كانونها وتلتهب؟
كأنّما الفحم فوقها قضب ... من عنبر وهى تحته ذهب.
وقال أبو مروان بن أبى الخصال:
لابنة الزّند فى الكوانين جمر ... كالدّرارىّ فى دجى الظّلماء.
خبّرونى عنها ولا تكتمونى، ... ألديها صناعة الكيمياء؟
سبكت فحمها صفائح تبر ... رصّعتها بالفضّة البيضاء.
كلّما رفرف النّسيم عليها ... رقصت فى غلالة حمراء.
هذا البيت مأخوذ من قول الخفاجىّ:
وكأنّها والريح عابثة بها ... تزهى فترقص فى قميص أحمر.
وقال أبو هلال العسكرىّ:
نار تلعّب بالسّقوف كأنها ... حلل مشقّقة على حبشان.
ردّت عليها الريح فضل دخانها ... فأتت به سبجا على عقيان.
فالجوّ يضحك فى ابيضاض شرائر ... منها ويعبس فى اسوداد دخان.
(1/118)

وقال ابن أبى الخصال:
وعوجوا على ياقوته ذهبيّة، ... يهيم بها المقرور بالسّبرات [1] .
إذا ما ارتمت من فحمها بشرارها، ... رأيت نجوم اللّيل منكدرات.
وقال سيف الدّولة بن حمدان:
كأنما النار والرّماد معا ... وضوءها فى ظلامه يحجب:
وجنة عذراء مسّها خجل ... فاستترت تحت عنبر أشهب.
وقال آخر:
فحم كيوم الفراق تشعله ... نار كنار الفراق فى الكبد.
أسود قد صار تحت حمرتها ... مثل العيون اكتحلن بالرّمد.
وقال أبو طالب المأمونىّ:
ما نرى النار كيف أسقمها القرّ ... فأضحت تخبو وطورا تسعّر؟
وغدا الجمر والرّماد عليه ... فى قميص مذهّب ومعنبر؟
وقال أبو فراس الحمدانىّ:
لله برد ما أش ... دّ ومنظر ما كان أعجب!
جاء الغلام بناره ... هو جاء فى فحم تلهّب.
فكأنما جمع الحلىّ ... فمحرق منه ومذهب.
ثم انطفت فكأنها ... ما بيننا ندّ معشّب.
__________
[1] السّبرة: الغداة الباردة.
(1/119)

10- ذكر شىء مما قيل فى الشّمعة والشّمعدان
(والسراج [1] والقنديل [2] )
1- أما الشمعة، فمن جيّد ما قيل فيها
قول الأرّجانىّ:
نمّت بأسرار ليل كان يخفيها ... وأطلعت قلبها للنّاس من فيها.
قلب لها لم يرعنا وهو مكتمن ... إلا برقية نار من تراقيها.
سقيمة لم يزل طول اللسان لها ... فى الحىّ يجنى عليها ضرب هاديها.
غريقة فى دموع، وهى تحرقها ... أنفاسها بدوام من تلظّيها.
تنفّست نفس المهجور إذ ذكرت ... عهد الخليط فبات الوجد يبكيها.
يخشى عليها الرّدى مهما ألمّ بها ... نسيم ريح إذا وافى يحيّيها.
بدت كنجم هوى فى إثر عفرية ... فى الأرض فاشتعلت منه نواصيها.
نجم رأى الأرض أولى أن يبوّأها ... من السماء، فأمسى طوع أهليها.
كأنها غرّة قد سال شادخها ... فى وجه دهماء يزهيها تجلّيها.
أو ضرّة خلقت للشّمس حاسدة؛ ... فكلّما حجبت، قامت تحاكيها.
وحيدة كشباة الرّمح هازمة ... عساكر الليل إن حلّت بواديها.
ما طنّبت قطّ فى أرض مخيّمة ... إلا وأقمر للأبصار داجيها.
__________
[1] مما يجب التنبية اليه ان «سورج» و «سرج» معناهما الشمس فى اللغة الهندية عن السنسكريتيه (أنظر القاموس الهندى الانكليزى تأليف فوربس) .
[2] فى اللغة اللاتينية CaNdella وفى الفرنسية ChaNdelle بمعنى الشمعة وعنها.CaNdelaBRe
ويقول علماء الافرنج ان اختراع الشمع للاستضاءة مما توصل اليه الغاليون وعلى ذلك يكون الأصل افرنكيا ثم نقله العرب لمعنى المصباح المعرف بالقنديل.
(1/120)

لها غرائب تبدو من محاسنها، ... إذا تفكّرت يوما فى معانيها.
كصعدة فى حشا الظّلماء طاعنة ... تسقى أسافلها ريّا أعاليها
. فالوجنة الورد إلا فى تناولها ... والقامة الغصن إلا فى تثنّيها
. صفراء هنديّة فى اللّون إن نعتت، ... والقدّ واللّين إن أتممت تشبيها
. فالهند تقتل بالنّيران أنفسها ... وعندها أنّ ذاك القتل يحييها
. قد أثمرت وردة حمراء طالعة ... تجنى على الكفّ إن أهويت تجنيها
. ورد تشاك به الأيدى إذا قطفت، ... وما على غصنها شوك يوقّيها
. ما إن تزال تبيت اللّيل ساهرة ... وما بها غلّة فى الصّدر تطفيها
. صفر غلائلها، حمر عمائمها، ... سود ذوائبها، بيض لياليها
. تحيى الليالى نورا، وهى تقتلها. ... بئس الجزاء لعمر الله تجزيها!
قدّت على قدّ ثوب قد تبطّنها ... ولم يقدّر عليها الثوب كاسيها.
غرّاء فرعاء ما تنفكّ قالية ... تقصّ لمتّها طورا وتفليها.
شبّاء شعثاء لا تكسى غدائرها ... لون الشّبيبة إلا حين تبليها.
قناة ظلماء لا تنفك يأكلها ... سنانها طول طعن أو يشظّيها.
مفتوحة العين تفنى ليلها سهرا؛ ... نعم، وإفناؤها إيّاه يفنيها.
وربّما نال من أطرافها مرض ... لم يشف منه بغير القطع مشفيها.
وقال آخر:
بيضاء أضحكت الظلام فراعها ... فبكت وأسبلت الدّموع بوادرا.
جفّت دموع جفونها فكأنّما ... كسيت من الطّلع النّضيد ضفائرا.
(1/121)

وقال أبو القاسم المطرّز من أبيات:
وللشّموع عيون كلّما نظرت ... تظلّمت من يديها أنجم الغسق.
من كلّ مرهفة الأعطاف كالغصن ال ... ميّاد لكنّه عار من الورق.
إنى لأعجب منها وهى وادعة ... تبلى، وعيشتها من ضربة العنق!
وقال آخر:
جاءت بجسم كأنّه ذهب ... تبكى وتشكى الهوى وتلتهب.
كأنها فى أكفّ حاملها ... رمح لجين سنانه ذهب.
وقال محمد بن أبى الثبات، شاعر اليتيمة:
ومجدولة مثل صدر القناة ... تعرّت، وباطنها مكتسى.
لها مقلة هى روح لها، ... وتاج على الرأس كالبرنس.
إذا غازلتها الصّبا حرّكت ... لسانا من الذّهب الأملس.
وتنتج من حيث ما ألقحت ... ضياء يجلّى دجى الحندس.
فنحن من النّور فى أسعد، ... وتلك من النار فى أنحس!
وقال آخر:
ورشيقة بيضاء تطلع فى الدّجى ... صبحا وتشفى الناظرين بدائها.
شابت ذوائبها أوان شبابها، ... واسودّ مفرقها أوان فنائها.
كالعين: فى طبقاتها ودموعها ... وبياضها وسوادها وضيائها.
(1/122)

وقال الصاحب بن عبّاد:
وشمعة قدّمت إلينا ... تجمع أوصاف كلّ صبّ:
صفرة لون، وذوب جسم، ... وفيض دمع، وحرّ قلب.
وقال السرىّ الرفّاء:
مفتولة مجدولة ... تحكى لنا قدّ الأسل.
كأنّها عمر الفتى ... والنار فيها كالأجل.
ومما ورد فى وصفها نثرا.
من رسالة لابن الأثير الجزرىّ جاء منها:
وكان بين يدىّ شمعة تعمّ مجلسى بالإيناس، وتغنى بوجودها عن كثرة الجلّاس؛ وكانت الريح تتلعّب بشعبها، وتدور على قطب لهبها؛ فطورا تقيمه فيصير أنمله، وطورا تميله فيصير سلسله؛ وتارة تجوّفه فيصير مدهنه، وتارة تجعله ذا ورقات فيمثل سوسنه؛ وآونة تنشره فيبسط منديلا، وآونة تلفّه على رأسها فيستدير إكليلا.
ومن رسالة أخرى له:
وكانت الريح تتلعّب بلهبها لدى الخادم فتشكله أشكالا، فتارة تبرزه نجما، وتارة تبرزه هلالا؛ ولربما سطع طورا كالجلّنارة فى تضاعيف أوراقها، وطورا كالأصابع فى انضمامها وافتراقها.
وقال سيف الدّين المشدّ فى الفانوس:
وكانّما الفانوس فى غسق الدّجى ... دنف براه سقمه وسهاده.
حنيت أضالعه ورقّ أديمه ... وجرت مدامعه وذاب فؤاده.
(1/123)

2- ومما قيل فى السراج.
من رسالة لأبى عبد الله محمد بن أبى الخصال، جاء منها:
عذرا إليك أيّدك الله! فإنى خططت والنوم مغازل، والقرّ نازل؛ والريح تلعب بالسراج، وتصول عليه صولة الحجّاج؛ فطورا تبرزه سنانا، وتحرّكه لسانا؛ وآونة تطويه جنّابه، وأخرى تنشره ذؤابه؛ وتارة تقيمه إبرة لهب، وتعطفه برة ذهب؛ وحينا تقوّسه حاجب فتات، ذات غمزات؛ وتسلطه على سليطه، وتديله على خليطه؛ وربما نصبته أذن جواد، ومسخته حدق جراد؛ ومشقته حروف برق، بكفّ ودق؛ ولثمت بسناه قنديله، وألقت على أعطافه منديله؛ فلا حظّ منه للعين، ولا هداية فى الطّرس ميدين.
3- رسالة القنديل والشمعدان.
من إنشاء المولى الفاضل البارع البليغ تاج الدين عبد الباقى بن عبد المجيد اليمانى، سمعتها من لفظه، وقرأتها عليه، وأجاز لى روايتها عنه. وهى الموسومة «بزهر الجنان، فى المفاخرة بين القنديل والشمعدان» .
ابتدأها بأن قال:
الحمد لله الذى أنار حالك الظّلماء، بأنوار بدر السماء؛ وحلّى جيدها، بعقود النجوم، وحرس مشيدها، بسهام الرجوم؛ وجعلها عبرة للاستبصار، ونزهة للأبصار؛ غشاؤها لا زورد مكلل بنضار، أو أقاحىّ خميلة تفتحت فيها أزرار الأزهار؛ تهدى السارى بسواريها، وتزرى بالدرر أنوار دراريها؛ كرع فى نهر مجرّتها النّسران، ورتع فى مراعى رياضها الفرقدان.
(1/124)

أحمده على نعمه التى لا يقوم بشكرها لسان، ولا يؤدّى واجب حقها إنسان؛ حمدا يجلب إلى الحامد أنواع الإحسان، ويسوق إلى الشاكر ركائب الخيرات الحسان.
وأصلى وأسلم على سيدنا محمد الذى أنار الله بوجوده ظلمة الوجود، وأظهر بظهوره أفعال الركوع والسجود؛ صلّى الله وسلم عليه وعلى آله الوافين بالعهود، وعلى أصحابه أهل الإفضال والجود، صلاة وسلاما دائمين إلى اليوم الموعود! وبعد فإن فنون الاداب كثيرة الشعوب، متباينة الأسلوب؛ طالما تلاعب الأديب بفنونها بين جدّ ومجون، وكيف لا والحديث ذو شجون. وكنت بحمد الله ممن هو قادر على إبراز ملح الأدب، وعلى إظهار لطائف لغة العرب؛ فتمثّل فى خاطرى المفاخرة بين الشمعدان والقنديل، ولا بدّ من إبراز المفاخرة بينهما فى أحسن تمثيل؛ لأنهما آلتا نور، ونديما سرور؛ طالما مزّقا جلباب الدّجى بأضوائهما، وحسما مادّة الظلمة بأنوارهما؛ وطلعا فى سماء المجالس بدورا، وأخجلا نور الرياض لما أصدرا من جوهرهما نورا. سماكل واحد منهما إلى أنه الأصل، وأن بمدحه يحسن الفصل والوصل؛ وأنه الجوهرة اليتيمه، والبدرة التى ليست لها قيمه؛ سارت بمحاسنه ركائب الركبان، ونظمت فى جيد مجده قلائد العقيان.
فأحببت أن أنظمهما فى ميدان المناظرة ليبرز كل واحد منهما خصائصه الواضحه، ويظهر نقائص صاحبه الفاضحه؛ وليتسنم غارب الاستحقاق بالفضيله، ويؤكد فى تقرير فضائله الراجحة دليله؛ مع أنه لا تقبل الدّعاوى إلا بالبرهان، ولعمرى لقد قيل قدما:
من تحلّى بغير ما هو فيه ... فضحته شواهد الإمتحان.
(1/125)

فأتلع الشمعدان جيده للمطاوله، وعرض سمهريّه اللجينىّ للمناضله. وقال:
استنّت الفصال حتّى القرعى
لست بنديم الملوك فى المجالس، كلّا ولا الروضة الغنّاء للمجالس! طالما أحدقت بى عساكر النظار، ووقفت فى استحسان هياكلى رؤية الأبصار؛ وحملت على الرؤوس إذا علّقت بآذانك، وجليت كجلاء المرهفات إذا اسودّ وجهك من دخانك.
فنضنض لسان القنديل نضنضة الصّلّ، وارتفع ارتفاع البازى المطلّ. وقال:
إن كان فخرك بمجالسة السلاطين، فافتخارى بمجالسة أهل الدين!، طالما طلعت فى أفق المحراب نجما ازداد علا، وازدانت الأماكن المقدّسة بشموس أنوارى حلا؛ جمع شكلى مجموع العناصر، فعلى مثلى تعقد الخناصر؛ يحسبنى الرائى جوهرة العقد الثمين، إذا رأى اصفرار لونك كصفرة الحزين؛ ولقد علوتك فى المجالس زمانا، ومن صبر على حرّ المشقة ارتفع مكانا.
فنظر إليه الشمعدان مغضبا، وهمّ بأن يكون عن جوابه منكّبا. وقال:
أين ثمنك من ثمنى، ومسكنك من مسكنى؟ صفائحى صفحات الإبريز، فلذا سموت عليك بالتّبريز؛ تنزّه العيون فى حمائلى الذهبيه، وتسر النفوس ببزوغ أنوارى الشمسيه؛ ولا يملكنى إلا من أوطنته السعادة مهادها، وقرّبت له الرياسة جيادها؛ ولقد نفعت فى الصحة والسّقم، وازدادت قيمتى إذا نقصت فى القيم؛ إن انفصمت عراك فلا تشعب، ولا تعاد إلى سبك نار فتصبّ وتقلب؛ لست من فرسان مناظرتى، ولا من قرناء مفاخرتى.
فالتفت القنديل التفات الضّرغام، وفوّق إلى قرينه سهام الملام. وقال:
(1/126)

أنت عندى كثعاله، لا محاله؛ طالك العنقود، فأبرزت أنواع الحقود؛ وأين الثريّا من يد المتناول؟ أم أين السها من كف المتطاول؟ تالله إنك فى صرفك بصفرك مغلوط! لقد خصصت بالعلوّ وخصصت بالهبوط. ترى باطنى من ظاهرى مشرقا، وتخالنى لخزائن الأنوار مطلقا؛ فحديث سيادتى مسلسل، وتاج فضائلى بجواهر العلوّ مكلّل.
فلحظه الشّمعدان بطرف طرفه، وأرسل فى ميدان المناظرة عنان طرفه. وقال:
إنّ افتخارك بالعلوّ غير مفيد، ومزية اختصاصك به ليس له أبّهة مزيد؛ طالما علا القتام وانحطت الفرسان، ومكث الجمر وسما الدّخان؛ ولقد صيّرتك كنظر المشنوق حاله، وكضوء السّها ذباله؛ وأنت الخليق بما قيل:
وقلب بلا لبّ، وأذن بلا سمع
وسلاسلك تشعر بعقلك، وعتوك ينبئ عن غلوّ إسقاط كمثلك؛ عادلت التبر كفّة بكفّه، ووزنته إذ كان فيه خفه؛ فأصخ لمفاخرى الجليله، واستمع مناقبى الجميله. أطارد جيوش الظّلماء برمحى، وأمزق أثوب الديجور بصبحى؛ جمع عاملى بين طلع النخل.
وحلاوة النحل؛ يتلو سورة النور لسانى، ويقوى فى مصادمة عساكر الليل البهيم جنانى؛ أسامر المليك خلوه، ويستجلى من محاسنى أحسن جلوه.
ولله درّ القائل:
انظر إلى شمعدان شكله عجب ... كروضة روّضت أزهارها السّحب.
يطارد الليل رمح فيه من ورق ... سنانه لهب من دونه الذّهب.
فمثل هذه المناقب تتلى، ومثل هذه المحاسن تظهر وتجلى.
(1/127)

فأضرم نار تبيينه، فى أحشاء قرينه. فعندها قال القنديل:
لقد أطلت الأفتخار بمحاسن غيرك، لّما وقفت فى المناظرة ركائب سيرك؛ فاشكر اليد البيضاء من شمعك، واحرص على معرفة قيمتك ووضعك؛ وأما افتخارك بتلاوة سورة النور، فأنا أحق بها منك إذ محلى الجوامع، والفرقان فارق بينى وبينك مع أنه ليس بيننا جامع؛ ففضيلتى فيه بيّنه، وآية نورى فى سورة النور مبيّنه؛ فاقطع موادّ اللجاجة، واقرأ الآية المشتملة على الزجاجة؛ يظهر لك من هو الأعلى، ومن بالافتخار الأولى؛ تخالنى درّة علّقت فى الهواء، أو كوكبا من بعض كواكب الجوزاء.
ولله درّ القائل:
قنديلنا فاق بأنواره ... نور رياض لم تزل مزهره.
ذبالة فيه إذا أوقدت ... حكت بحسن الوضع نيلوفره.
لا يحمل الأقذاء خاطرى، ولا يغتمّ مشاهدى وناظرى؛ فأنا خلاصة السبك، والتبر الذى لا يفتقر إلى الحكّ؛ اشتقاق اسمك من النحوس، ومن جرمك تقام هياكل الفلوس؛ لقد عرّضت نفسك للمنيه، وانعكست عليك موادّ الأمنيه؛ مع أن الحق أوضح من لبّة الصباح، وأسطع من ضوء المصباح؛ والآن غضصت بريقك، وخفيت لوامع بروقك؛ فهذه الشهباء والحلبه، وهذه ميادين المناضلة رحبه.
فحار الشمعدان فى الجواب، وجعل ما أبداه أوّلا فصل الخطاب فقال القنديل:
لا بدّ من الإقرار بأن قدحى المعلّى، وأنى عليك بالتقديم الأولى؛ وأن مقامى العالى، ونورى المتوالى.
(1/128)

فقال الشمعدان:
لا منازعة فيما جاء به الكتاب من تفضيلك، وكونك الكوكب الدّرّىّ الذى قصر عن بلوغك باع مثيلك.
فجنح الشمعدان للسلّم، وترفع عن استيطان مواطن الإثم؛ وشرع يبدى شعائر الخضوع، وينشر أعلام الأوبة عما قال والرجوع؛ وقال:
لولا حميّة النفوس، ما تجمّلت بمفاخرنا صفحات الطروس؛ ولولا القال والقيل، ما ضمّنا معرض التمثيل؛ ولكن أين صفاؤك من كدرى، وأين نظرك من نظرى؛ خصك الله بنوره، وذكرك فى فرقانه وزبوره.
فعندها تهلك أسارير القنديل، وتبسم فرحا بالتعظيم والتبجيل. وقال:
حيث رجعنا إلى شرع الإنصاف، وإظهار محاسن الأوصاف؛ ففضلك لا يبارى، ووصفك لا يجارى؛ يحسبك الرائى خميلة نور تفتّحت أزهارها، وحديقة نرجس اطّردت أنهارها؛ تسرّ بك النفوس، وتدار على نضارتك الكؤوس؛ وإن اللائق بحالنا طىّ بساط المنافسه، وإخماد شرر المقابسه؛ والاستغفار فيما فرط من كلامنا، والرجوع إلى الله فى إصلاح أقوالنا وأفعالنا.
ونقول:
الأصل فيما نقلناه عدمه، فقد حفى كل واحد منا فى إبراز معايبه قلمه. ونسأل الله أن تدوم لنا نعمه، ويتعاهدنا فى المساء والصباح كرمه! بمنه وجوده وكرمه! آمين!
(1/129)

القسم الثالث من الفن الأوّل فى الليالى والأيام، والشهور والأعوام، والفصول والمواسم والأعياد
وفيه أربعة أبواب
الباب الأوّل من هذا القسم
1- فى الليالى والأيام
روى عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: خلق الله الخلق فى ظلمة.
(وروى: فى عماء) ثم رش عليهم من نوره.
وهذا يدل على أن الظلمة خلقت قبل النور.
وروى أن عبد الله بن عباس (رضى الله عنهما) سئل عن الليل، أكان قبل أو النهار؟ قال: أرأيتم حيث كانت السماوات والأرض رتقا، هل كان بينهما إلا ظلمة؟ ذلك لتعلموا أن الليل كان قبل النهار.
والذى ورد فى القرآن من ذكر الليل والنهار، والظلمات والنور بدأ الله (عز وجل) بذكر الليل قبل النهار، وبالظلمات قبل النور.
ويروى أن الله (عز وجل) لما خلق السماء والأرض، وقع ظل السماء على الأرض فأظلمت، فجعل الشمس ضياء والقمر نورا.
(1/130)

ثم خلق الزمان وقسمه قسمين: ليلا، ونهارا. فجعل حصة الليل للقمر، وحصة النهار للشمس. فكانا يتعاقبان بالطلوع فيهما، فلم يكن بين الليل والنهار فرق فى الإضاءة.
فلما أراد الله عز وجل خلق النوع الإنسانىّ- وعلم أنه لا غنى له عن حركته للمعاش نهارا وسكونه للراحة ليلا- أمر جبريل فأمرّ جناحه على القمر فمحا نوره. فالسواد الذى يرى فى القمر هو أثر المحو، وصار الليل مظلما، والنهار مبصرا.
وروى أيضا أن الله (عز وجل) خلق حجابا من ظلمة مما يلى المشرق، ووكّل به ملكا يقال له سراهيل. فإذا انقضت مدّة النهار، قبض الملك قبضة من تلك الظلمة واستقبل بها المغرب، فلا تزال الظلمة تخرج من خلل أصابعه وهو يراعى الشفق.
فإذا غاب الشفق، بسط كفه فطبق الدّنيا ظلمة. فإذا انقضت مدّة الليل، قبض كفه على الظلمة، إصبعا بعد إصبع إلى أن يذهب الظلام، حتّى تنتقل الشمس من الشرق إلى الغرب. وذلك من أشراط الساعة. والله أعلم!
2- ذكر ما قيل فى الليل وأقسامه
الليل طبيعىّ، وشرعىّ.
أما الطبيعىّ، فهو من حين غروب الشمس واستتارها إلى طلوعها وظهورها.
وأمّا الشرعىّ، فهو من حين غروبها إلى طلوع الفجر الثانى، وهو المراد بقوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) .
والليل ينقسم إلى اثنتى عشرة ساعة، لها أسماء وضعتها العرب، وهى:
(1/131)

الشاهد، ثم الغسق، ثم العتمة، ثم الفحمة، ثم الموهن، ثم القطع، ثم الجوشن ثم العبكة [1] ، ثم التّباشير، ثم الفجر الأوّل، ثم الفجر الثانى، ثم المعترض.
هذا ما ذكره ابن النحاس فى وصف صناعة الكتاب.
وحكى الثعالبىّ فى فقه اللغة- عن حمزة الأصفهانىّ، قال: وعليه عهدته- أسماء غير هذه، وهى:
الجهمة، والشّفق، والغسق، والعتمة، والسّدفة، والزّلّة [2] ، والزّلفة، والبهرة، والسّحر، والفجر، والصّبح، والصّباح.
فصل
وقد عبّر بالليالى عن الأيام، كقول الله عزّ وجلّ: (وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً)
؛ وقوله تعالى: (وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ)
. فعبر عن الأيام بالليالى، لأن كل ليلة تتضمن يوما.
3- ذكر الليالى المشهورة
من الليالى المشهورة:
ليلة البراءة. وهى ليلة النصف من شعبان، قيل سميت بذلك لأنها براءة لمن يحييها؛ وليلة القدر. والصحيح أنها فى مفردات العشر الأخير من شهر رمضان؛ وليلة الغدير. وهى ليلة الثامن عشر من ذى الحجة؛
__________
[1] كذا بالأصل والذى فى كتب اللغة بهذا المعنى «الهتكة» فلعل ما هنا تحريف من الناسخ.
[2] لا توجد هذه الكلمة بهذا المعنى لا فى اللسان ولا فى القاموس ولا فى مستدرك شارحه. وهذا هو الذى دعا الثعالبى لجعل العهدة على حمزة الاصفهانى.
(1/132)

وليلة الهرير. وهى ليلة من ليالى صفّين، قتل فيها خلق كثير من أصحاب معاوية (رضى الله عنه) ؛ وليلة الخلعاء. وهى ليلة باتها أبو الطّمحان القينىّ عند ديرانية، فأكل طفيشلها [1] بلحم الخنزير، وشرب خمرها، وزنى بها، وسرق كساءها؛ وليلة النابغة. يضرب بها المثل فى الخوف؛ وليلة المتوكل. تضرب مثلا فى موت نتج من سرور، لأنه قتل فى مجلس أنسه، على ما نذكره فى أخباره إن شاء الله تعالى.
4- ذكر ما يتمثّل به مما فيه ذكر الليل
يقال:
أطغى من الليل. أطفل من ليل على نهار. أحير من الليل. أستر من الليل. أظلم من الليل. أندى من ليلة ماطرة.
ويقال:
الليل أخفى للويل. الليل نهار الأريب. الليل طويل وأنت مقمر. الليل وأهضام الوادى. الليل أغور (لأنه لا يبصر فيه) .
ويقال:
اتخذ الليل جملا. شمّر ذيلا، وادّرع ليلا. أمر نهار قضى بليل.
__________
[1] نوع من المرق (قاموس) . وقال ابن الخشّاب فى تفسير ألفاظ الكتاب المنصورى للرازى ما نصه:
طفشيل (بهذا الضبط) طعام يتخذ من الحبوب كالباقلىّ والحمّص ونحوهما (عن تكملة المعجمات العربية لدوزى) .
(1/133)

ومن أنصاف الأبيات:
الليل حبلى ليس تدرى ما تلد
ما أقصر الليل على الراقد!
ما أشبه الليلة بالبارحه!
وليل المحبّ بلا آخر
إحدى لياليك فهيسى هيسى!
فإنّك كالليل الذى هو مدركى
ومن الأبيات:
إن اللّيالى لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد إحسان.
واللّيالى كما عهدت حبالى ... مقربات يلدن كلّ عجيب.
أما ترى اللّيل والنهارا ... جارين لا يبقيان جارا؟
وقال حميد بن ثور:
ولن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تمنّيا!
وقال أبو حية النّميرىّ:
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة، ... تقاضاه شىء لا يملّ التّقاضيا.
5- ذكر ما قيل فى وصف الليل وتشبيهه
قد أكثر الشعراء فى وصف الليل بالطّول والقصر. وذكروا سبب الطول الهموم وسبب القصر السرور.
ولهذا أشار بعض الشعراء فى قوله:
إنّ الليالى للأنام مناهل ... تطوى وتنشر بينها الاعمار.
فقصارهنّ مع الهموم طويلة، ... وطوالهنّ مع السرور قصار.
(1/134)

وقال آخر:
إنّ التّواصل فى أيامه قصر، ... كما التهاجر فى أيّامه طول.
فليس يعرف تسهيدا ولا رمدا ... جفن برؤية من يهواه مشغول.
وقال ابن بسّام:
لا أظلم الليل ولا أدّعى ... أنّ نجوم الليل ليست تغور.
ليل كما شاءت فإن لم تزر، ... طال؛ وإن زارت، فليل قصير.
أصله من قول علىّ بن الخليل:
لا أظلم الليل ولا أدّعى ... أنّ نجوم الليل ليست تعول.
ليل كما شاءت قصير إذا ... جادت، وإن صدّت، فليل طويل.
وقال آخر:
أخو الهوى يستطيل الليل من سهر، ... والليل فى طوله جار على قدره.
ليل الهوى سنة فى الهجر مدّته؛ ... لكنّه سنة فى الوصل من قصره.
وقال الوليد بن يزيد بن عبد الملك:
لا أسأل الله تغييرا لما صنعت: ... نامت وقد أسهرت عينىّ عيناها.
فالليل أطول شىء حين أفقدها ... والليل أقصر شىء حين ألقاها.
6- وأما ما وصف به من الطول
قال الخبّاز:
وليل كواكبه لا تسير ... ولا هو منها يطيق البراحا.
كيوم القيامة فى طوله ... على من يراقب فيه الصّباحا.
(1/135)

وقال ابن المعتزّ:
مالى أرى الليل مسبلا شعرا ... عن غرّة الصّبح غير مفروق.
وقال بشار:
خليلىّ! ما بال الدّجى لا يزحزح، ... وما بال ضوء الصّبح لا يتوضّح؟
أضلّ النّهار المستنير طريقه؟ ... أم الدّهر ليل كلّه ليس يبرح؟
وقال الرّفاء:
ألا ربّ ليل بتّ أرعى نجومه ... فلم أغتمض فيه ولا اللّيل أغمضا.
كأنّ الثّريّا راحة تشبر الدّجى ... لتعلم طال اللّيل لى أم تعرّضا.
عجبت لليل بين شرق ومغرب ... يقاس بشبر كيف يرجى له انقضا؟
وقال محمد بن عاصم:
أقول، واللّيل دجى مسبل ... والأنجم الزّهر به مثّل:
يا طول ليل ما له آخر ... منك، وصبح ماله أوّل!
وقال التنوخىّ:
وليلة كأنّها قرب أمل ... ظلامها كالدّهر ما فيه خلل.
كأنّما الإصباح فيها باطل ... أزهقه الله بحقّ، فبطل.
ساعاتها أطول من يوم النّوى ... وليلة الهجر وساعات العذل.
مؤصدة على الورى أبوابها ... كالنار لا يخرج منها من دخل.
وقال أبو محمد، عبد الله بن السيّد البطليوسىّ:
ترى ليلنا شابت نواصيه كبرة ... كما شبّ، أوفى الجوّ روض نهار؟
كأنّ الليالى السّبع فى الأفق جمّعت ... ولا فصل فيما بينها بنهار.
(1/136)

وقال الشريف البياضىّ:
أقول لصحبى والنجوم كأنّها، ... وقد ركدت فى بحر حندسها غرقى:
أرى ثوب هذا اللّيل لا يعرف البلى! ... فهل أرين للصّبح فى ذيله فتقا؟
وقال أيضا:
أقول وللدّجى عمر مديد ... وآخره يردّ إلى معاد.
وقد ضلّت كواكبه، فظلّت ... حيارى ما لها فى الأفق هادى:
لعلّ الليل مات الصّبح فيه، ... فلازم بعده لبس الحداد.
وقال آخر:
أما لظلام ليلى من صباح؟ ... أما للنّجم فيه من براح؟
كأنّ الأفق سدّ، فليس يرجى ... به نهج إلى كلّ النواحى.
كأنّ الشّمس قد مسخت نجوما ... تسير مسير روّاد طلاح.
كأنّ الصّبح مهجور طريد، ... كأنّ الليل مات صريع راح.
كأنّ بنات نعش متن حزنا، ... كأنّ النّسر مكسور الجناح.
وقال آخر:
يا ليلة طالت على عاشق، ... منتظر للصّبح ميعادا!
كادت تكون الحول فى طولها؛ ... إذا مضى أوّلها، عادا.
وقال ابن الرومىّ:
ربّ ليل كأنّه الدّهر طولا ... قد تناهى فليس فيه مزيد.
ذى نجوم كأنّهنّ نجوم الشّ ... يب ليست تزول، لكن تزيد.
(1/137)

وقال أبو الأحنف:
حدّثونى عن النّهار حديثا ... أو صفوه، فقد نسيت النّهارا.
وقال بشّار:
طال هذا اللّيل بل طال السّهر! ... ولقد أعرف ليلى بالقصر.
لم يطل حتّى دهانى فى الهوى ... ناعم الأطراف فتّان النّظر.
فكأنّ الهجر شخص ماثل ... كلّما أبصره النّوم نفر.
وقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسىّ:
يا ليل وجد ينجد ... أما لطيفك مسرى؟
وما لدمعى طليق ... وأنجم الجوّ أسرى؟
وقد طما بحر ليل ... لم يعقب المدّ جزرا.
لا يعبر الطّرف فيه ... غير المجرّة جسرا.
وقال أبو مروان بن أبى الخصال:
وليل كأنّ الدّهر أفضى بعمره ... جميعا إليه، فانتهى فى ابتدائه.
يحدّث بعض القوم بعضا بطوله، ... ولم يمض منه غير وقت عشائه.
وقال إبراهيم ولد ابن لنكك البصرىّ، شاعر اليتيمة:
وليلة أرّقنى طولها ... فبتّها فى حيرة الذّاهل.
كأنّما اشتقّت لإفراطها ... فى طولها من أمل الجاهل.
وقال امرؤ القيس:
وليل كموج البحر مرخ سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى.
فقلت له لما تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل:
(1/138)

ألا أيّها الليل الطويل، ألا انجلى ... بصبح! وما الإصباح منك بأمثل!
فيا لك من ليل كأنّ نجومه ... بأمراس كتّان إلى صمّ جندل.
وقال آخر:
أراقب فى السّماء بنات نعش؛ ... ولو أسطيع، كنت لهنّ حادى.
كأنّ اللّيل أوثق جانباه ... وأوسطه بأمراس شداد.
وقال أخرم بن حميد:
وليل طويل الجانبين قطعته ... على كمد، والدّمع تجرى سواكبه.
كواكبه حسرى عليه كأنها ... مقيّدة دون المسير كواكبه.
وقال ابن الرقاع:
وكأنّ ليلى حين تغرب شمسه ... بسواد آخر مثله موصول.
أرعى النجوم. إذا تغيب كوكب، ... أبصرت آخر كالسّراج يجول.
وقال آخر:
ما لنجوم اللّيل لا تغرب؟ ... كأنّها من خلفها تجذب!
رواكد ما غار فى غربها ... ولا بدا من شرقها كوكب.
وقال سعيد بن حميد:
يا ليل، بل يا أبد! ... أنائم عنك غد؟
يا ليل لو تلقى الّذى ... ألقى بها أو تجد،
قصّر من طولك أو ... ضعّف منك الجلد!
(1/139)

وقال سيف الدّين المشدّ:
مات الصّباح بليل ... أحييته حين عسعس.
لو كان فى الدّهر صبح ... يعيش، كان تنفّس.
7- أما ما وصف به من القصر
فمن ذلك قول إبراهيم بن العباس:
وليلة إحدى الليالى الزّهر، ... قابلت فيها بدرها ببدرى.
لم تك غير شفق وفجر، ... حتّى تولّت وهى بكر الدّهر.
وقال الشريف الرضىّ:
يا ليلة كاد من تقاصرها ... يعثر فيها العشاء بالسّحر.
وقال آخر:
يا ليلة جمعتنا بعد فرقتنا ... فبتّ من صبحها لمّا بدا، فرقا.
لما خلوت بآمالى بها، قصرت ... وكاد يسبق فيها فجرها الغسقا.
وقال آخر:
يا ربّ ليل سرور خلته قصرا ... يعارض البرق فى أفق الدّجى برقا.
قد كاد يعثر أولاه بآخره ... وكاد يسبق منه فجره الشّفقا.
وقال القاضى السعيد بن سناء الملك:
يا ليلة الوصل، بل يا ليلة العمر! ... أحسنت، إلا إلى المشتاق، فى القصر.
يا ليت زيد بحكم الوصل فيك لنا ... ما طوّل الهجر من أيامك الأخر.
(1/140)

أو ليت نجمك لم تقفل ركائبه، ... أو ليت صبحك لم يقدم من السّفر.
أو ليت لم يصف فيك الشرق من غبش، ... فذلك الصّفو عندى غاية الكدر.
أو ليت كلّا من الشرقين ما ابتسما، ... أو ليت كلّا من النّسرين لم يطر.
أو ليت كنت كما قد قال بعضهم: ... «ليل الضّرير فصبحى غير منتظر» .
أو ليت فجرك لم ينفر به رشئى، ... أو ليت شمسك ما جارت على قمرى.
أو ليت قلبى وطرفى تحت ملك يدى ... فزدت فيه سواد القلب والبصر.
أو ليت ألقى حبيبى سحر مقلته ... على العشاء فأبقاها بلا سحر.
أوليت كنت سألتيه مساعدة ... فكان يحبوك بالتكحيل والشّعر.
كأنّها حين ولّت قمت أجذبها ... فانقد فى الشّرق منها الثّوب من دبر.
لا مرحبا بصباح جاءنى بدلا ... من غرّة النّجم أو من طلعة القمر!
وقال عبد الله بن المعتز:
يا ليلة ما كان أط ... يبها سوى قصر البقاء!
أحييتها فأمتّها ... وطويتها طىّ الرداء.
حتّى رأيت الشمس تت ... لو البدر فى أفق السماء.
فكأنه وكأنّها ... قدحان من خمر وماء.
وقال المهلبى:
قد قصر الليل عند ألفتنا ... كأن حادى الصّباح صاح به.
وقال آخر:
كأنّما الليل راكب فرسا ... منهزما والصّباح فى طلبه.
(1/141)

8- أما ما وصف به من الإشراق
فمن ذلك قول شاعر أندلسىّ:
ربّ ليل عمرته ... فيك خال من الفكر.
كثرت حوله الحجو ... ل وسارت به الغرر.
وقال أبو بكر الصنوبرى:
يا ليلة طلعت بأسعد طالع ... تاهت على ضوء النهار السّاطع.
بمحاسن مقرونة بمحاسن ... وبدائع موصولة ببدائع.
ضوء الشّموع وضوء وجهك مازجا ... ضوء العقار وضوء برق لامع.
فكأنّما ألقى الدّجى جلبابه ... وأراك جلباب النّهار الساطع.
9- أما ما وصف به من الظلمة
قال الله عز وجل: (أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ)
. فهذه أتمّ أوصاف الظلمة.
وقال مضرّس بن ربعىّ:
وليل يقول الناس فى ظلماته: ... سواء صحيحات العيون وعورها
كأنّ لنا منه بيوتا حصينة ... مسوح [1] أعاليها وساج كسورها
وقال أبو تمام:
إليك هتكنا جنح ليل كأنّما ... قد اكتحلت منه البلاد بإثمد
__________
[1] جمع مسح بكسر فسكون وهو الكساء يتخذ من الشعر.
(1/142)

وقال أبو نواس:
أبن لى: كيف صرت إلى حريمى، ... وجفن الليل مكتحل بقار
وقال العلوىّ الأصفهانىّ:
وربّ ليل باتت عساكره ... تحمل فى الجوّ سود رايات
لامعة فوقها أسنّتها ... مثل الأزاهير وسط روضات
ومن رسالة لابى عبد الله بن أبى الخصال. جاء منها:
والليل زنجىّ الأديم، تبرىّ النجوم؛ قد جلّلنا ساجه، وأغرقتنا أمواجه؛ فلا مجال للّحظ، ولا تعارف إلا باللفظ؛ ولو نظرت فيه الزرقاء لاكتحلت، ولو خضبت به الشّيبة ما نصلت.
10- ومما قيل فى تباشير الصباح
قال أبو محمد العلوىّ:
كأنّ اخضرار الجوّ صرح ممرّد ... وفيه لآل لم تشن بثقوب.
كأنّ سواد اللّيل فى ضوء صبحه ... سواد شباب فى بياض مشيب.
وقال أبو علىّ بن لؤلؤ، الكاتب:
ربّ فجر كطلعة البدر جلّى ... جنح ليل كطلعة الهجران،
زار فى حلّة النراة فولّى الل ... يل عنه فى حلّة الغربان.
وقال الخالديّان:
وكأنّما الصّبح المنير وقد بدا ... باز [1] أطار من الظّلام غرابا.
__________
[1] البازلغة فى البازى. (عن الجوهرى) ، واخترنا ذلك لأنه منقول عن كلمة فارسية هى «باز» . وتركية «طوغان» وهو نوع من الصقور وأشد الجوارح تكبرا وأضيقها خلقا. يوجد بأرض الترك ويؤخذ للصيد.
(1/143)

وقال النظام البلخىّ، من شعراء الخريدة:
فلاح الصبح مبتسم الثّنايا ... وطار اللّيل مقصوص الجناح.
يطير غراب أو كار الدّياجى ... إذا ما حلّ بازىّ الصّباح.
وقال تميم بن المعزّ:
وكأنّ الصّباح فى الأفق باز ... والدّجى بين مخلبيه غراب.
وقال ابن وكيع:
غرّد الطير فنبّه من نعس. ... وأدر كأسك فالعيش خلس!
سلّ سيف الفجر من غمد الدّجى ... وتعرّى الصبح من ثوب الغلس.
وانجلى فى حلة فضّيّة ... ما بها من ظلمة اللّيل دنس.
وقال أبو مروان بن أبى الخصال:
ولمّا رأيت الغرب قد غصّ بالدّجى ... وفى الشّرق من ثوب الصّباح دلائل،
توهّمت أن الغرب بحر أخوضه ... وأن الذى يبدو من الشّرق ساحل.
وقال أسعد بن بليطة الأندلسىّ:
جرت بمسك الدّجى كافورة السّحر ... فغاب، إلا بقايا منه فى الطّرر،
صبح يفيض وجنح الليل منغمس ... فيه كما غرق الزنجىّ فى نهر.
قد حار بينهما فى برزخ قمر ... يلوح كالشّنف بين الخدّ والشّعر.
وقال أحمد بن عبد العزيز القرطبىّ:
بتنا كأنّ حداد الليل شملتنا ... حتّى بدا الصبح فى ثوب سحولىّ.
كأنّ ليلتنا، والصبح يتبعها، ... زنجيّة هربت قدّام رومىّ.
(1/144)

وقال أبو نواس:
فقمت والليل يجلوه الصّباح، كما ... جلا التّبسم عن غرّ الثّنيّات.
وقال عبد الله بن المعتزّ:
قد أغتدى واللّيل فى جلبابه ... كالحبشىّ فرّ من أصحابه.
والصّبح قد كشّر عن أنيابه ... كأنّما يضحك من ذهابه.
وقال السرىّ:
وشرّد الصبح عنّا الليل فاتّضحت ... سطوره البيض فى آياته السّود.
وقال أبو فراس:
مددنا علينا الليل، والليل راضع ... إلى أن تردّى رأسه بمشيب.
بحال تردّ الحاسدين بغيظهم ... وتطرف عنّا عين كلّ رقيب.
إلى أن بدا ضوء الصّباح كأنه ... مبادى نصول فى عذار خضيب.
وقال عبد الصمد بن بابك، شاعر اليتيمة:
واستهلّت لمصرع الليل ورق ... ثاكلات، حدادها التّطويق.
فتضاحكت شامتا وكأنّ الص ... بح جيب على الدّجى مشقوق.
وقال أبو بكر الصنوبرىّ:
وليلة كالرّفرف المعلم ... محفوفة الظّلماء بالأنجم.
تعلّق الفجر بأرجائها، ... تعلّق الأشقر بالادهم.
وقال السلامىّ، شاعر اليتيمة:
وقد خالط الفجر الظّلام كما التقى ... على روضة خضراء ورد وأدهم.
(1/145)

وعهدى بها، والليل ساق ووصلنا ... عقار، وفوها الكأس أو كأسها الفم.
إلى أن بدرنا بالنجوم، وغربها ... يفضّ عقود الدّرّ والشّرق ينظم.
ونبّهت فتيان الصّبوح للذّة ... تلوح كدينار يغطّيه درهم.
ومن رسالة للقاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانى، عفا الله عنه. جاء منها:
«فلما قضى الليل نحبه، وأرسل الصباح على دهمه شهبه؛ شمّر الليل إزاره، ووضع النجم أوزاره؛ ونزح بالطّيف طاردا، وظلّ وراء الصبح ناشدا؛ وفجر الفجر نهر النهار، واستردّ البنفسج وأهدى البهار؛ فمواكب الكواكب منهزمه، وغرّة الفجر كغرّة مولاى مبتسمه» .
ومما يدخل فى هذا الباب، ما حكى أن بعض الأعراب تزوّج بأربع نسوة، فأراد أن يختبر عقولهنّ.
فقال لإحداهنّ: إذا دنا الصبح فأيقظينى. فلما دنا الصبح، قالت له: قم، فقد دنا الصبح! فقال: وما يدريك؟ قالت: غارت صغار النجوم وبقى احسنها وأضوؤها وأكبرها، وبرد الحلىّ على جسدى، واستلذذت باستنشاق النسيم. فقال لها: إن فى ذلك دليلا.
ثم بات عند الثانية، فقال لها مثل مقالته للأولى. فلما دنا الصبح، أيقظته.
فقال لها: وما يدريك؟ قالت: ضحكت السماء من جوانبها، ولم تبق نابتة إلا فاحت روائحها، وعينى تطالبنى بإغفاءة الصباح. فقال لها: إن فى ذلك دليلا.
(1/146)

ثم بات عند الثالثة، فقال لها مثل ذلك. فلما دنا الصبح، أيقظته. فقال لها:
وما يدريك؟ فقالت: لم يبق طائر إلا غرد، ولا ملبوس إلا برد، وقد صار للطّرف:
فى الليل مجال، وليس ذلك إلا من دنوّ الصباح. فقال لها: إن فى ذلك لدليلا.
ثم بات عند الرابعة، فقال لها مثل ذلك. فلما دنا الصبح، قالت له: قم، فقد دنا الصبح! فقال لها: وما يدريك؟ قالت: أبت نفسى النوم، وطلبنى فمى بالسواك واحتجت إلى الوضوء. فقال لها: أنت طالق، فإنك أقبحهنّ وصفا.
11- ذكر ما قيل فى النهار
والنهار طبيعىّ، وشرعىّ.
فالطبيعىّ زمان بين طلوع نصف قرص الشمس من المشرق، وإلى غيابه فى المغرب. والشرعىّ ما بين انفجار الفجر الثانى إلى غروب الشمس.
والفجر فجران: الفجر الكاذب، وهو بياض مستطيل؛ والفجر الصادق بياض مستطير.
وقد وضعت العرب لساعات النهار أسماء، كما وضعت لساعات الليل، وهى:
الذّرور، ثم البزوغ، ثم الضّحى، ثم الغزالة، ثم الهاجرة، ثم الزّوال، ثم الدّلوك، ثم العصر، ثم الأصيل، ثم الصّبوب، ثم الحدور، ثم الغروب.
ويقال أيضا: البكور، ثم الشّروق، ثم الإشراق، ثم الرّاد، ثم الضّحى، ثم المتوع، ثم الهاجرة، ثم الأصيل، ثم العصر، ثم الطّفل، ثم العشىّ، ثم الغروب.
ذكر ذلك معا أبو جعفر النحاس.
(1/147)

وحكى الثعالبىّ فى كتاب فقه اللغة- عن حمزة بن الحسن- قال: وعليه عهدتها:
الشّروق، ثم البكور، ثم الغدوة، ثم الضّحى، ثم الهاجرة، ثم الظّهيرة، ثم الرّواح، ثم العصر، ثم القصر، ثم الأصيل، ثم العشىّ، ثم الغروب.
وكانت العرب العاربة تسمّى أيام الأسبوع بأسماء غير هذه التى تتداولها الناس فى وقتنا هذا، وهى:
«أوّل» وهو الأحد «أهون» وهو الاثنان «جبار» وهو الثلاثاء «دبار» وهو الأربعاء «مؤنس» وهو الخميس «عروبة» وهو الجمعة «شيار» وهو السبت.
نظم ذلك شاعر فقال:
أؤمّل أن أعيش وأنّ يومى ... لأوّل أو لأهون أو جبار،
أو التالى دبار وإن أفته ... فمؤنس أو عروبة أو شيار.
12- ذكر الأيام التى خصّت بالذكر
منها:
الأيام المعلومات. وهى عشر ذى الحجة، وفيها يوم التّروية. وهو اليوم الثامن سمى بذلك لأنهم يرتوون من الماء لما بعده، لأن منى لا ماء بها.
الأيام المعدودات. هى أيام التشريق. وعدّتها ثلاثة بعد يوم النحر. سميت بذلك لأنهم كانوا يشرّقون فيها لحوم الأضاحى فى الشمس والهواء، لئلا تفسد.
أيام العجوز. ويقال فيها الأيام الأعجاز، وهى سبعة: أوّلها السادس والعشرون من شباط من شهور الروم؛ والخامس من برمهات من شهور القبط. وهى لا تخلو من رياح وبرد. وسميت بالعجوز: لأنها فى عجز الشتاء.
(1/148)

يوم عبيد، مثل لليوم المنحوس. كان عبيد بن الأبرص قد تصدّى للنعمان فى يوم بؤسه الذى لا يفلح من لقيه فيه، كما لا يخيب من لقيه فى يوم نعيمه، قال أبو تمّام:
من بعد ما ظنّ الأعاذى أنّه ... سيكون لى يوم كيوم عبيد.
يوم المطر. يضرب مثلا فى كفر النعمة. وذلك أنه حكى عن المعتمد على الله ابن عباد صاحب إشبيلية أنه خلا بزوجته الرميكية فى مجلس أنس، والزمان فيه قيظ.
فتمنّت عليه غيما ومطرا. فأمر بمجامر العنبر والعود والنّدّ، حتّى انعقد الدّخان كالضّباب، ثم أمر برشّ صحن المجلس بماء الورد من أعلاه. وحصل بينهما بعد ذلك نبوة، فقالت له: ما رأيت معك يوم سرور قطّ! فقال لها: ولا يوم المصر؟ [1] ؟
صدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم فى قوله: إنّهنّ يكفرن العشير.
يوم عاشوراء. وهو اليوم العاشر من المحرّم. ورد فى فضله أحاديث كثيرة.
ويقال إن نوحا (عليه السلام) ركب السفينة فيه فصامه وأمر من معه بصومه.
وصحّ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما هاجر، رأى اليهود فى المدينة صياما فى هذا اليوم. فسألهم عنه، فقالوا: هذا اليوم الذى نجىّ الله تعالى فيه موسى وبنى إسرائيل، وأغرق فرعون وقومه. فنحن نصومه شكرا لله تعالى. فقال (عليه الصلاة والسلام) : أنا أحقّ بأخى موسى. ثم أمر مناديا فنادى: من أكل فليمسك، ومن لم يأكل فليصم! وفيه قتل الحسين بن علىّ (رضى الله عنهما) .
__________
[1] راجع رواية أوفى فى نفح الطيب.. سماه «يوم الطين» . (ص 287 ج 1 طبعة ليدن) .
(1/149)

13- ذكر أيام أصحاب الملل الثلاث
يوم الجمعة، للمسلمين. وسبب اتخاذهم له أنه اليوم الذى أتمّ الله فيه خلق العالم، وأوجد فيه أبا البشر آدم (عليه السلام) وفيه قبض، وفيه يكون النفخ فى الصّور، وفيه الصّعق، وفيه الساعة التى لا يصادفها عبد مسلم يسأل الله فيها حاجة إلا قضاها له.
يوم السبت، لليهود. وحجّتهم على اتخاذهم له أن الله تعالى ابتدأ خلق العالم يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة، وأن يوم السبت يوم فراغ ودعة. ولهم فى ذلك أقوال كثيرة.
يوم الأحد، للنصارى. ذكر فى سبب اتخاذهم له أن الله (سبحانه وتعالى) ابتدأ فيه بخلق الأشياء.
14- ذكر ما يتمثّل به مما فيه ذكر النهار
يقال:
أطول من يوم الفراق. أضوأ من نهار. أنور من وضح النهار.
ويقال:
يذهب يوم الهمّ ولا يشعر به. ما يوم حليمة بسرّ. من ير يوما ير به. يوم السّرور قصير. اليوم خمر وغدا أمر. اليوم عيش وغدا خيش. اليوم فعل وغدا ثواب.
يوم لنا ويوم علينا. لكلّ قوم يوم.
ومن أنصاف الأبيات:
وهل يخفى على الناس النهار
وفى اللّيالى والأيام معتبر
(1/150)

ومن الأبيات:
واله ما أمكن يوم صالح ... إنّ يوم الشّر لا كان عتيدا!
وقال آخر:
أمام! لا أدرى، وإن سألت: ... ما نسك يوم جمعة من سبت.
وقال آخر:
وأيام! الشّرور مقصّصات ... وأيّام السّرور تطير طيرا.
وقال آخر:
لا تحملنّ هموم أيّام على ... يوم، لعلّك أن تقصّر عن غده.
15- ذكر شىء مما قيل فى وصف النهار وتشبيهه
فمن ذلك قول شاعر، يصفه بالقصر:
ويوم سرور قد تكامل وصفه ... سوى قصر، لا عيب فيه سواه!
وعهدى به كالرّمح طولا، فعندما ... هززناه للهو التقى طرفاه.
وقال آخر:
بأبى من نعمت منه بيوم، ... لم يزل للسّرور فيه نموّ!
يوم لهو، قد التقى طرفاه ... فكأنّ العشىّ فيه غدوّ.
وقال آخر:
لم ينتشر فلق الإصباح من؟؟؟ صر ... فيه إلى أن طواه فيلق الغسق.
ولم يكن ما تقى جفنى أخى رمد ... كملتقى طرفيه: الصّبح والشّفق.
وما تناولت فيه الرّطل مصطبحا ... إلا أعادته منّى كفّ مغتبق.
(1/151)

وقال آخر:
لله يوم مسرّة ... أضوا وأقصر من ذباله!
لما نصبنا للمنى ... فيه بأشراك حباله،
طار النّهار مروّعا ... فيه وأجفلت الغزاله!
وقال آخر:
حثّ الكؤوس! فذا يوم به قصر، ... وما به من تمام الحسن تقصير.
صحو وغيم، يروق الطّرف حسنهما: ... فالصّبحو فيروزج، والغيم بلّور.
وقال آخر:
ويوم كحلى الغانيات سلبته ... حلىّ الرّبا حتّى انثنى وهو عاطل.
سبقت إليه الشمس، والشمس غضّة ... وصبغ الدّجى من مفرق الفجر ناصل.
ومن كلام ابن برد الأصغر الأندلسىّ:
اليوم يوم بكت أمطاره، وضحكت أزهاره؛ وتقنعت شمسه، وتعطّر نسيمه؛ وعندنا بلبل هزج، وساق غنج؛ وسلافتان: سلافة إخوان، وسلافة دنان؛ قد تشاكلتا فى الطباع، وازدوجنا فى إثارة السرور. فاخرق إلينا سرادق الدّجن تجد مرأى لم يحسن إلا لك، ولا يتم إلا بك.
ومن كلامه أيضا:
لم نلتق منذ عرّينا مركب اللهو، وأخلينا ربع الأنس، وقصصنا جناح الطّرب، وعبسنا فى وجوه اللذات. فإن رأيت أن تخفّ إلى مجلس قد نسخت فيه الرياحين
(1/152)

بالدواوين، والمجامر بالمحابر، والأطباق، بالأوراق، وتنازع المدام، بتنازع الكلام؛ واستماع الأوتار، باستماع الأخبار؛ وسجع البلابل، بسجع الرسائل؛ كان أشحذ لذهنك، وأرشد لرأيك.
16- ذكر شىء مما وصفت به الآلات
الموضوعة لمعرفة الأوقات قد وضع أهل هذا الفنّ لمعرفة درجات الليل وساعات النهار آلات، يستدلّون بها على معرفة ما مضى من ذلك وما بقى، ولتحرير المواقيت: كالاصطرلاب، والطّرجهارة والبنكام.
ووصف الشعراء والفضلاء ذلك بأوصاف، نذكر منها إن شاء الله تعالى ما نقف عليه.
1- فأما الاصطرلاب وما قيل فيه.
فقال أبو طالب، عبد السلام المأمونى:
وشبيه بالشّمس يسترق الأن ... وار من نور جرمها فى خفاء.
فتراه أدرى وأعلم منها، ... وهو فى الأرض، بالذى فى السّماء.
وقال أيضا:
وعالم بالغيب من غير ما ... سمع، ولا قلب، ولا ناظر! يقابل الشمس فيأتى بما
ضمّنها من خبر حاضر. ... كأنها ناجته لمّا بدا
لعينها بالفكر والخاطر. ... وألهمته علم ما يحتوى
عليه صدر الفلك الدّائر.
(1/153)

وقال أبو إسحاق الصابى، وقد أهداه فى مهرجان إلى مخدومه:
أهدى إليك بنو الآمال واجتهدوا ... فى مهرجان جديد أنت تبليه.
لكنّ عبدك إبراهيم، حين رأى ... سمّو قدرك عن شىء يساميه.
لم يرض بالأرض يهديها إليك فقد ... أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه!
وقال أبو الصلت أميّة بن عبد العزيز:
أفضل ما استصحب النبيل فلا ... يعدل به فى المقام والسّفر،
جرم إذا ما التمست قيمته ... جلّ عن التّبر وهو من صفر.
مختصر وهو إذ تفتّشه ... عن ملح العلم غير مختصر.
ذو مقلة تستنير ما رمقت ... عن صائب اللحظ صادق النّظر.
تحمله وهو حامل فلكا ... لو لم يدر بالبنان لم يدر.
مسكنه الأرض وهو ينبئنا ... عن جلّ ما فى السماء من خبر.
أبدعه ربّ فكرة بعدت ... فى اللّطف عن أن تقاس بالفكر.
فاستوجب الشّكر والثناء به ... من كلّ ذى فطنة من البشر.
فهو لذى اللّبّ شاهد عجب ... على اختلاف العقول والفطر.
وكتب أبو الفرج الببغاء يصف اصطرلابا أهداه فقال:
آثرتك- أيدك الله- ببرهان الحكمة ونسبها، ومدار الفلسفة وقطبها؛ ومرشد الفكر ومناره، وميزان الحسن ومعياره؛ ونافى الشك ومزيله، وشاهد الأثير ودليله؛ مصوّر الحكمة وممثّلها، ومقسم البروج ومعدّلها؛ وموقف النجوم ومسيّرها، وجامع الأقاليم ومدبّرها؛ مرآة الحبك، وصورة الفلك؛ وأمين الكواكب، وحدّ المشارق والمغارب؛ مما اخترعت العقول تسطيحه، وأتقن الحسّاب تصحيحه؛ وتمارت الفطن
(1/154)

فى ترتيبه، واصطلحت الحكماء على تركيبه؛ فأوضحت بالنقش تقسيمه، وأبانت بالكتابة رسومه؛ إلى أن شافهنا بالارتفاع على بعد مسافته، وحصر متفرّق الأمور فى خرقى عضادته؛ واحتوى على قطرى الشّمال والحنوب، واطلع باللطف على خفيّات الغيوب؛ الملقب بالاصطرلاب، الفاصل بين الخطإ والصواب.
وقال أبو نصر الكاتب فيه:
قطب الزمن ومداره، وميزان الفلك ومعياره؛ وأساس الحكمة وموضوعها، وتفصيل الفطنة ومجموعها؛ الناطق فى صمته، الموفى على نعته؛ مظهر السّر المكنون، المخبر بما كان وما يكون؛ ذو شكل مقمر مستدير، ولون مشمس مستنير؛ ومنطقة محيطة بأجزائه، وخطوط معدّلة على اعضائه؛ وكتابة مطبقة بتدويره، ورموز بائحة بضميره؛ متقابل الأهداف، متكامل الأوصاف؛ بحجرة مسكونه، وصفائح مصونه؛ وقدّ موموق، وباب مطروق؛ للعلم فتحه ورتاجه، وعليه طريقه ومنهاجه؛ إذا انتصب قال فحمد، وإذا اضطجع عيى فلم يفسد؛ صفرىّ الانتساب، ذهىّ الإهاب؛ يخترق الأنوار من نقابه، ويستخدم الشّمس فى حسابه؛ يجمع الشرق والغرب فى صفحته، ويستره الحامل فى راحته؛ رافعه ينظر من تحته، وأخباره تسند عن خرته.
2- ومما قيل فى طرجهارة.
قال أبو الفتح كشاجم يصفها [1] :
روح من الماء فى جسم من الصّفر ... مؤلّف بلطيف الحسّ والفكر.
__________
[1] هى من الآلات التى تعرف بها الساعات. ولهم آلات أخرى فى هذا المعنى مثل صندوق الساعات، دبّة الساعات، الرخامة، المكحلة، اللوح (أنظر مفاتيح العلوم للخوارزمى طبع ليدن ص 235) .
(1/155)

له على الظّهر أجفان محجّرة ... ومقلة دمعها جار على قدر.
تنشاله حركات فى أسافله ... كأنها حركات الماء فى الشّجر.
وفى أعاليه حسّاب مفصّلة ... للناظرين بلا ذهن ولا نظر.
إذا بكى، دار فى أحشائه فلك ... خافى المسير؛ وإن، لم يبك لم يدر.
ومخرج لك بالأجزاء ألطفها ... من النهار، وقوس اللّيل فى السّحر.
مترجم عن مواقيت يخبّرنا ... عنها فيوجد فيها صادق الخبر.
تقضى به الخمس فى وقت الوجوب وإن ... غطّى على الشمس أو غطّى على القمر.
وإن سهرت لأسباب تؤرّقنى ... عرفت مقدار ما ألقى من السّهر.
محدّد كلّ ميقات، تخيّره ... ذوو التّخيّر للأسباب والسّفر.
الباب الثانى من القسم الثالث من الفن الأوّل فى الشهور والأعوام
نذكر فى هذا الباب الشهور العربية، واشتقاقها، والشهور العجمية، ودخول بعضها فى بعض، والسنين القمرية، والشمسية، والنسىء ومعناه، وما يجرى هذا المجرى، مما لمحناه أثناء المطالعة بعون الله تعالى وقدرته. وإياه أسأل التوفيق بكرمه ومنته!.
1- ذكر الشهور وما قيل فيها
الشهر إما طبيعىّ، وإما اصطلاحىّ.
فالطبيعىّ هو مدّة مسير القمر من حين يفارق الشمس إلى حين يفارقها مرة أخرى.
(1/156)

وقال آخرون: هو عود شكل القمر فى جهة بعينها إلى شكله الأوّل.
وأما الاصطلاحىّ، فهو مدّة قطع الشمس مقدار برج من بروج الفلك. وذلك ثلاثون يوما، وثلث عشر يوم بالتقريب. وهذا مذهب الروم، والسريان، والفرس والقبط. والله (سبحانه وتعالى) أعلم!
2- ذكر الأشهر العربية
(وما يختص بها من القول) والأشهر العربية قسمان: قسم غير مستعمل، وهو الذى وضعته العرب العاربة؛ وقسم مستعمل، وهو الذى وضعته العرب المستعربة. وكلا القسمين موضوع على الأشهر القمرية.
فأما القسم غير المستعمل، فهو أسماء كانت العرب العاربة اصطلحوا عليها، وهى:
مؤتمر، ناجر، خوّان، صوان (ويقال فيه: بصان) ، رنّى، أيّدة، الأصمّ، عادل، ناطل، واغل، ورنة، برك.
وفى هذه الأسماء خلاف عند أهل اللغة. والذى ذكرناه منها هو المشهور، ويدل عليه قول الشاعر:
بمؤتمر وناجر ابتدأنا ... وبالخوّان يتبعه البصان
ورنّى ثم أيّدة تليه ... تعود أصمّ صمّ به السّنان
وعادله وناطله جميعا ... وواغله فهم غرر حسان
وورنة بعدها برك فتمت ... شهور الحول يعقدها البنان.
(1/157)

وأما القسم المستعمل، فهو هذه الأسماء المشهورة:
المحرّم، صفر، الربيعان، الجماديان، رجب، شعبان، رمضان، شوّال، ذو القعدة،.
ذو الحجّة.
قيل: وإنما وضعوا هذه الأسماء على هذه الشهور لاتفاق حالات وقعت فى كل شهر، فسمى الشهر بها عند ابتداء الوضع. فسموا المحرّم محرّما: لأنهم أغاروا فيه فلم ينجحوا، فحرّموا القتال فيه، فسمّوه محرّما. وسموا صفرا: لصفر بيوتهم فيه منهم عند خروجهم إلى الغارات. وقيل: لأنهم كانوا يغيرون على الصّفريّة، وهى بلاد.
وشهرا ربيع: لأنهم كانوا يخصبون فيهما بما أصابوا فى صفر، والربيع الخصب.
والجماديان: من جمد الماء، لأن الوقت الذى سميا فيه بهذه التسمية كان الماء جامدا فيه لبرده. ورجب: لتعظيمهم له. والترجيب التعظيم. وقيل: لأنه وسط السنة فهو مشتق من الرواجب، وهى أنامل الأصبع الوسطى. وقيل: إن العود رجب النبات فيه أى أخرجه، فسمى بذلك. وكذلك تشعّب العود فى الشهر الذى يليه، فسمى شعبان. وقيل: سمى بذلك لتشعبهم فيه للغارات. وسمى رمضان، أى شهر الحر.
مشتق من الرمضاء. وشوّال، من شالت الإبل أذنابها إذا حالت، أو من شال يشول إذا ارتفع. وذو القعدة: لقعودهم فيه عن القتال إذ هو من الأشهر الحرم. وذو الحجة، لأن الحج اتفق فيه، فسمى به.
ويقال إن أوّل من سماها بهذه الأسماء، كلاب بن مرّة.
ومن مجموع هذه الأشهر أربعة حرم، ثلاثة سرد، وهى: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم؛ وواحد فرد، وهو رجب.
(1/158)

هذا ما رواه الأصمعىّ عن العرب فى ترتيب الأشهر الحرم. واختار غيره أن الواحد الفرد هو المحرّم؛ والسرد رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، لتكون الأربعة أشهر فى سنة واحدة. وهذا مروى عن ابن عباس رضى الله عنهما.
ومنها أربعة أشهر لا تكاد العرب تنطق بها إلا مضافة، وهى: شهرا ربيع، وشهر رجب، وشهر رمضان [1] .
فهذه الشهور العربية وما قيل فيها.
3- وأما شهور اليهود
فأسماؤها:
تشرى، مرحشوان، كسلاو، طابات، شباط، آذار، نيسان، أيّار، سيوان، تموز، آب، أيلول.
4- وأما الشهور العجمية
فإنها شمسية. وهى أقسام، بحسب الأمم التى تنسب إليهم.
فمنها الشهور القبطية، وتنسب لدقلطيانوس. وكل شهر منها ثلاثون يوما.
وما فضل من عدد أيام السنة الشمسية جعلوه كبيسا فى آخر شهر منها، وهى:
توت، بابه، هاتور، كيهك، طوبه، أمشير، برمهات، برموده، بشنس، بؤونه، أبيب، مسرى.
وأوّل توت يكون النوروز. وفى أوّل يوم من كيهك تدخل الأربعينيات، وهى أربعون يوما باردة تؤذن بالشتاء. وفى الرابع من برمودة تدخل الخمسينيات، وهى أيام حارّة تؤذن بالصيف.
__________
[1] أى لا يقال: ربيع الأوّل، ربيع الثانى، رجب، رمضان. بل يضيفون الى كل منها لفظة «شهر» .
(1/159)

ومنها شهور السريان والروم. وهما متفقان فى العدد والدّخول. والسريانيون ينسبون شهورهم لأغسطش [1] ، وهو قيصر. وهذه الشهور منها ما ينقص عن الثلاثين، ومنها ما يوفيها، ومنها ما يزيد عليها. وفيها يقول الكيزانىّ:
شهور الروم ألوان: ... زيادات ونقصان.
فتشرينهم الثانى، ... وأيلول ونيسان.
ثلاثون، ثلاثون، ... سواء، وحزيران.
وأشباط ثمان بع ... د عشرين له شان.
والسبعة التى تركها، كل شهر منها يزيد يوما.
ووضع لها بعض المغاربة ضابطا، وهو حروف معجمة ومهملة يجمعها فى أربع كلمات، وهى: «فاز رجل ختم بحجّ» . وجمعها آخر فى مثل ذلك فقال: «غاب عنك زيد فحجّ» . فما كان معجما فهو أحد وثلاثون يوما، وما كان مهملا فهو ثلاثون، والشهر الموافق للألف ثمانية وعشرون.
وأوّل سنة السريان تشرين الأوّل. ودخوله رابع بابه، ويوافق أكتوبر من شهور الروم، وهو أحد وثلاثون يوما؛ ثم تشرين الثانى، ودخوله فى الخامس من هتور، ويوافقه نومبر [2] من شهور الروم، وهو ثلاثون يوما؛ ثم كانون الأوّل، ودخوله فى الخامس من كيهك، ويوافقه دچنبر [3] من شهور الروم، وهو أحد وثلاثون يوما؛
__________
[1] هو القيصر الرومانى المشهور، نقلا عن اللاتينية.Augustus ولكن العرب حينما عربوا الشهر المعروف باسمه اكتفوا بقولهم أغشت) August (للتمييز بين اللفظين. وأما نحن فى هذه الأيام فقد تركنا هذا الفارق ونقول فى تسمية هذا الشهر «أغسطس» أيضا.
[2]
NovemBRe
ونقول فى مصر الآن نومبر.
[3]
DeeemBRe
ونقول فى مصر الآن ديسمبر.
(1/160)

ثم كانون الثانى، ودخوله فى السادس من طوبه، ويوافقه ينير [1] من شهور الروم، وهو أوّل سنتهم، وعدد أيامه أحد وثلاثون يوما؛ ثم شباط، ودخوله فى السابع من أمشير ويوافقه فبرير [2] من شهور الروم، وهو ثمانية وعشرون يوما وربع يوم؛ ثم آذار، ودخوله فى الخامس من برمهات، ويوافقه مارس من شهور الروم، وهو أحد وثلاثون يوما؛ ثم نيسان، ودخوله فى السادس من برمودة، ويوافقه أبريل من شهور الروم، وهو ثلاثون يوما؛ ثم أيّار، ودخوله فى السادس من بشنس، ويوافقه مايه من شهور الروم، وهو أحد وثلاثون يوما؛ ثم حزيران، ودخوله فى السابع من بؤونة، ويوافقه يونيه من شهور الروم، وهو ثلاثون يوما؛ ثم تموز، ودخوله فى السابع من أبيب، ويوافقه يوليه من شهور الروم، وهو أحد وثلاثون يوما؛ ثم آب، ودخوله فى الثامن من مسرى، ويوافقه أغشت [3] من شهور الروم، وهو أحد وثلاثون يوما؛ ثم أيلول، ودخوله فى الرابع من توت، ويوافقه ستنبر [4] من شهور الروم، وهو ثلاثون يوما.
ونظم بعض الشعراء أرجوزة فى مداخلة الشهور، فقال:
وإن حفظت أشهر السّريان ... وكنت من ذاك على بيان.
ورمت منها عمل المنازل ... فإنها معلومة التداخل.
__________
[1]
JaNvieR
ونقول في مصر الآن يناير. (وقد كان عربه المرحوم رفاعه بك بقوله: «ينويه» ) غير ان هذا الاصطلاح لم يعمل به.
[2]
FevRieR
ونقول فى مصر الآن فبراير (مع الإشباع) .
[3] أنظر حاشية رقم (1) من صفحة 160
[4] نقول الآن فى مصر «سبتمبر» مجاراة للنطق الفرنسى الحديث SePtemBRe.على انهم يقولون «ست» عند ما يريدون السبعة SePt بإهمال حرف الباء، فاذا أرادوا السبعين لفظوا بالباء.
(1/161)

أيلول يبدو رابعا من توت ... هذا بحكم النظر المثبوت.
وهكذا تشرين وهو الأوّل ... من بابة أربعة تكمل.
أوّل تشرين الأخير يدخل ... ومن هتور خمسة يا رجل.
أوّل كانون وأعنى الأوّلا ... وخامس من كيهك تعدّلا.
أوّل كانون الأخير سادس ... من طوبة فيها يقيس القائس.
ومن شباط أوّل يوافى ... سابع أمشير بلا خلاف.
أوّل آذار حساب صادق ... من برمهات خامسا يوافق.
برمودة سادسه وأوّل ... نيسان وفق ليس عنه معدل.
أوّل أيّار بغير لبس ... يوافق السادس من بشنس.
بؤونة وافق منه سابعه ... أوّل حزيران لما يتابعه.
أوّل تموز على الترتيب ... يدخل فى السامع من أبيب.
أوّل آب ثامن من مسرى، ... العلم بالمرء اللبيب أحرى.
وقال بعض الشعراء فى مثل ذلك:
متى تشأ معرفة التداخل ... من أوّل الشهور فى المنازل.
فعدّ من توت بلا تطويل ... أربعة فهى ابتدا أيلول.
وبابة كذاك من تشرين ... الأوّل السابق فى السّنين.
والخامس المعدود من هاتور ... أوّل تشرينهم الأخير.
أوّل كانون بغير دلسه ... إذا نقصت من كيهك خمسه.
وطوبة إن مرّ منه ستّة ... أتاك كانون الأخير بغته.
(1/162)

ومن شباط أوّل يوافق ... سابع أمشير، حساب صادق.
أوّل آذار إذا جعلته ... لبرمهات خامسا وجدته.
أوّل نيسان لدى التجريد ... السادس المعدود من برمود.
ومثله أيّار مع بشنس ... واحدة مقرونة بخمس.
أما حزيران فيحسبونه ... من أوّل السابع من بؤونه.
كذلك السابع من أبيب ... أوّل تموز بلا تكذيب.
أوّل آب عند من يحصّل ... ثامن مسرى ذاك ما لا يجهل.
وأما شهور الفرس، فهى موافقة لشهور القبط فى العدد. لأن كل شهر منها ثلاثون يوما، إلا أبان ماه، وهو الشهر الثامن، فإنهم يصيفون إليه خمسة أيام لأجل النسىء، ويسمونها الاندركاه. ولكل يوم من أيام الشهر اسم خاص، يزعمون أنه اسم ملك من الملائكة موكل به. فأسماء المشهور منها: افريدون ماه (وهو رأس سنتهم) ، أرديهشت ماه، حرداد ماه، تير ماه، ترد ماه، برماه، مهر ماه، أبان ماه، ادر ماه، دى ماه، بهمن ماه، اسفندار ماه. ويعنون بقولهم «ماه» القمر.
المثل- قول بعض الشعراء:
شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهنّ ولا سرار
(1/163)

5- ذكر ما يختص بالسنة من القول
وما جاء من اختلاف الأمم فى ابتدائها وانتهائها، والفرق بين السنة والعام أما الفرق بين السنة والعام، فإنهم يقولون «سنة جدب» و «عام خصب» . قال الله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ)
. وقال تعالى:
(ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) .
والصحيح أنهما اسمان موضوعان على مسمّى واحد. قال الله تعالى: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً) .
والسنة طبيعية، واصطلاحية.
فالطبيعية قمرية؛ وأوّلها استهلال القمر فى غرّة المحرّم، وانسلاخها بسراره فى ذى الحجة. وهى اثنا عشر شهرا، وعدد أيامها ثلاثمائة يوم وأربعة وخمسون يوما وخمس وسدس يوما تقريبا؛ ويتم من هذا الخمس والسدس فى ثلاث سنين يوم، فتصير السنة فى الثالثة ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوما. ويبقى شىء يتم منه ومن خمس اليوم وسدسه المستأنف فى السنة يوم واحد إلى أن يبقى الكسر أصلا بأحد عشر يوما عند تمام ثلاثين سنة. وتسمّى تلك السنين كبائس العرب.
وأما السّنة الاصطلاحية فإنها شمسيّة، وعدد أيامها عند سائر الأمم ثلاثمائة يوم وخمسة وستون يوما وربع يوم. فتكون زيادتها على السنة العربية عشرة أيام ونصف يوم وربع يوم وثمن يوم وخمسا من خمس يوم.
ويقال: إنهم كانوا فى صدر الإسلام يسقطون عند رأس كل اثنتين وثلاثين سنة عربية سنة، ويسمونها الازدلاف. لأن كل ثلاث وثلاثين سنة قمرية اثنتان
(1/164)

وثلاثون سنة شمسية تقريبا. وذلك لتحرزهم من الوقوع فى النسىء الذى أخبر الله عز وجل أنه زيادة فى الكفر. وهذا الازدلاف هو الذى نسميه فى عصرنا هذا بين كتاب التصرف «التحويل» . لأنا نحوّل السنة الخراجية إلى الهلالية، ولا يكون ذلك إلا بأمر السلطان.
وسنة العالم- على ما اتفق عليه المنجمون- هى من حين حلول الشمس رأس الحمل، وهو الاعتدال الربيعىّ. ومنهم من يجعل أوّلها من حين حلول الشمس رأس الميزان، وهو الاعتدال الخريفىّ.
وابتداء سنة القبط قطع الشمس اثنتى عشرة درجة من السنبلة، وابتدؤا بفعل ذلك فى زمن أغسطش، وهو قيصر الأوّل على ما ذكره أصحاب الزيجات.
وأما الفرس، فأوّل سنتهم عند حلول الشمس أوّل نقطة من الحمل [1] .
وأما السّريانيون، فأوّل سنتهم عند قطع الشمس من الميزان ستّ عشرة درجة.
6- ذكر النسىء ومذهب العرب فيه
يقال إن عمرو بن لحىّ، وهو خزاعة- ويقال اسمه عمرو بن عامر الخزاعىّ- هو أوّل من نسأ الشهور، وبحر البحيرة، وسيّب السائبة، وجعل الوصيلة، والحامى. وهو أوّل من دعا الناس إلى عبادة هبل، قدم به معه من هيت.
ومعنى النسىء أنهم ينسئون المحرم إلى صفر، ورجب إلى شعبان.
__________
[1] وهذا اليوم هو عيد نيروزهم إلى الآن.
(1/165)

وكان جملة ما يعتقدونه من الدّين تعظيم الأشهر الحرم الأربعة، وكانوا يتحرّجون فيها من القتال. وكانت قبائل منهم يستبيحونها فإذا قاتلوا فى شهر حرام، حرموا مكانه شهرا من أشهر الحلّ، ويقولون نسئ الشهر.
وحكى ابن إسحاق صاحب السيرة النبوية (على صاحبها أفضل الصلاة والسلام) أن أوّل من نسأ الشهور على العرب، وأحلّ منها ما أحلّ، وحرّم ما حرّم، القلمّس.
وهو حذيفة بن فقيم بن عامر بن الحرث بن مالك بن كنانة بن خزيمة.
ثم قام بعده ولده عباد، ثم قام بعد عباد ابنه قلع، ثم قام بعد قلع ابنه أمية، ثم قام بعد أمية ابنه عوف، ثم قام بعد عوف ابنه أبو ثمامة جنادة، وعليه ظهر الإسلام.
فكانت العرب إذا فرغت من حجها، اجتمعت عليه بمنى، فقام فيها على جمل، وقال بأعلى صوته: «اللهم إنى لا أخاف ولا [1] أعاف، ولا مردّ لما قضيت! اللهم إنى أحللت شهر كذا (ويذكر شهرا من الأشهر الحرم، وقع اتفاقهم على شنّ الغارات فيه) وأنسأته إلى العام القابل (أى أخرت تحريمه) وحرمت مكانه شهر كذا من الأشهر البواقى!» وكانوا يحلون ما أحلّ، ويحرّمون ما حرّم.
وفى ذلك يقول عمرو بن قيس بن جذل الطّعان، من أبيات يفتخر:
ألسنا الناسئين على معدّ ... شهور الحلّ، نجعلها حراما؟
وحكى السهيلىّ فى كتابه المترجم «بالروض الأنف» أن نسىء العرب كان على ضربين: أحدهما تأخير المحرّم إلى صفر لحاجاتهم إلى شنّ الغارات وطلب الثأر، والثانى تأخير الحج عن وقته تحرّيا منهم للسنة الشمسية. فكانوا يؤخرونه فى كل عام
__________
[1] فى اللسان: «أنا الذى لا أعاب ولا أجاب ولا يرد لى قضاء» .
(1/166)

أحد عشر يوما حتّى يدور الدّور فى ثلاث وثلاثين سنة فيعود إلى وقته. فلما كانت السنة التاسعة من الهجرة، حج بالناس أبو بكر الصدّيق (رضى الله عنه) فوافق حجه فى ذى القعدة، ثم حج رسول الله (صلى الله عليه وسلم فى العام القابل فوافق عود الحج إلى وقته فى ذى الحجة كما وضع أوّلا. فلما قضى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حجه، خطب فكان
مما قال فى خطبته (صلى الله عليه وسلم) : «إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض»
. يعنى أن الحج قد عاد فى ذى الحجة.
7- ذكر السنين التى يضرب بها المثل
يضرب المثل:
بعام الجراد. كان سنة ثمان من الهجرة.
عام الحزن. وهى السنة التى مات فيها أبو طالب عم النبىّ (صلى الله عليه وسلم) وخديجة (رضى الله عنها) وهى سنة عشر من الهجرة، وكان موتها بعده بثلاثة أيام وقيل بسبعة.
عام الرّمادة. كان سنة ثمانى عشرة من الهجرة، فى خلافة عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) . أصاب الناس فيه قحطّ حتّى صارت وجوههم فى لون الرماد من الجوع. وقيل: كانت الريح تسفى ترابا كالرّماد لشدّة يبس الأرض، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى «التاريخ» .
عام الرّعاف. كان سنة أربع وعشرين من الهجرة، سمى بذلك لكثرة ما أصاب الناس فيه من الرّعاف.
(1/167)

عام الجماعة. كان سنة أربعين من الهجرة. فيه سلّم الحسن بن علىّ (رضى الله عنهما) الخلافة لمعاوية، فاجتمعت الكلمة فيه.
عام الجحاف. كان سنة ثمانين من الهجرة، وقع بمكة سيل عظيم ذهب بالإبل وعليها الحمول.
عام الفقهاء. وهو سنة أربع وتسعين من الهجرة. فيها مات علىّ بن الحسين زين العابدين، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصدّيق (رضى الله عنهم) وسعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، وعطاء بن يسار، وسعيد بن زيد بن ثابت.
وفيه قتل الحجاج بن يوسف الثقفىّ سعيد بن جبير.
سنيّات خالد. يضرب بها المثل فى الجدب. وهو خالد بن عبد الملك بن الحارث المعروف بأبى مطير. كان قد تولّى لهشام بن عبد الملك المدينة سبع سنين توالى القحط فيها حتّى أجلى أهل البوادى.
سنة عشر ومائة. مات فيها قرينان فى الزهد: الحسن البصرى ومحمد بن سيرين، وقرينان فى الشعر: جرير والفرزدق.
سنة ست وخمسين وثلاثمائة. مات فيها جماعة من الملوك، وهم: شمكير بن زياد صاحب طبرستان وجرجان، ومعز الدّولة بن بويه، وكافور الأخشيدىّ صاحب مصر، ويقفور ملك الروم، وأبو علىّ محمد بن إلياس صاحب كرمان، وسيف الدّولة ابن حمدان ممدوح المتنبى، والحسن بن فيرزان صاحب أذربيجان.
(1/168)

الباب الثالث من القسم الثالث من الفن الأوّل
1- فى الفصول وأزمنتها
وفصول السنة أربعة: الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء. ولكل فصل منها ثلاثة بروج، وثلاثة أشهر، وسبع منازل، وموافقة من الطبائع الأربع.
1- فأما فصل الربيع، وهو عند العرب الصيف، فطبعه حارّ رطب.
ودخوله عند حلول الشمس برج الحمل، والثور، والجوزاء. وهذه البروج عندهم تدل على الحركة. وله من السن الطفوليّة والحداثة، ومن الرياح الجنوب، ومن الساعات الأولى والثانية والثالثة، ومن القوى القوّة الجاذبة، ومن الأخلاط الدّم، ومن الكواكب القمر والزّهرة، ومن المنازل بعض الفرغ المقدّم والفرغ المؤخر، والرشاء، والسّرطان، والبطين، والثّريّا، والدّبران، وبعض الهقعة. وعدد أيامه أربعة وتسعون يوما.
وحلول الشمس [1] فى الثانى عشر من آذار، ويوافقه مارس من شهور الروم، وفى السادس عشر من برمهات من شهور القبط، وفى العشرين من اسفندار ماه من شهور الفرس. وإذا حلت الشمس برج الحمل، اعتدل الليل والنهار، وصار كل واحد منهما اثنتى عشرة ساعة. ثم يأخذ النهار فى الزيادة، والليل فى النقصان.
وفى هذا الفصل تتحرّك الطبائع، وتظهر الموادّ المتولدة فى الشتاء. فيطلع النبات وتزهر الأشجار وتورق، ويهيج الحيوان للسّفاد، وتذوب الثلوج، وتنبع العيون، وتسيل الأودية.
__________
[1] أى برج الحمل الذى هو أول فصل الربيع.
(1/169)

ذكر ما قيل فى وصف فصل الربيع وتشبيهه نظما ونثرا.
فمن ذلك ما قاله الصنوبرىّ:
ما الدّهر إلّا الرّبيع المستنير إذا ... جاء الرّبيع، أتاك النّور والنّور.
فالأرض ياقوتة، والجوّ لؤلؤة، ... والنّبت فيروزج، والماء بلّور.
وقال آخر:
اشرب هنيئا قد أتاك زمان ... متعطّر، متهلّل، نشوان!
فالأرض وشى، والنّسيم معنبر، ... والماء راح، والطّيور قيان.
وقال الثعالبىّ:
أظنّ الرّبيع العام قد جاء زائرا ... ففى الشّمس بزّازا، وفى الرّيح عطّارا.
وما العيش إلا أن تواجه وجهه ... وتقضى بين الوشى والمسك أوطارا.
وقال آخر:
وفصّل فصل الربيع الرياض ... عقودا ورصّع منها حليّا.
وفاخر بالأرض أفق السّماء ... فحلّى الثّرى بنجوم الثّريّا.
وقال الحسن بن وهب:
طلعت أوائل للرّبيع فبشّرت ... نور الرّياض بجدّة وشباب!
وغدا السحاب يكاد يسحب فى الثّرى ... أذيال أسحم حالك الجلباب.
فترى السّماء إذا أجدّ ربابها ... فكأنّما التحفت جناح غراب.
وترى الغصون إذا الرّياح تناوحت ... ملتفّة كتعانق الأحباب.
وقال بعض فضلاء أصفهان فى وصف فصل الربيع من رسالة ذكرها العماد الأصفهانىّ فى الخريدة:
(1/170)

أما بعد. فإن الزمان جسد وفصل الربيع روحه، وسرّ حكمة إلهية وبه كشفه ووضوحه؛ وعمر مقدور وهو الشبيبة فيه، ومنهل جمّ وهو نميره وصافيه؛ ودوحة خضرة وهو ينعها وجناها، وألفاظ مجموعة وهو نتيجتها ومعناها؛ فمن لم يستهو طباعه نسيم هوائه، ولم يدرك شفاء دائه فى صفاء دوائه؛ لم يذق لطعم حياته نفعا، ولم يجد لخفض حظه من أيامه رفعا.
2- وأما فصل الصيف، فإن طبيعته الحرارة واليبس، ودخوله عند حلول الشمس برج السرطان، والأسد، والسنبلة.
وهذه البروج تدل على السكون. وله من السنّ الشباب؛ ومن الرياح الصبا؛ ومن الساعات الرابعة والخامسة والسادسة؛ ومن القوى القوّة الماسكة؛ ومن الأخلاط المرّة الصفراء؛ ومن الكواكب المرّيخ، والشمس؛ ومن المنازل بعض الهقعة، والهنعة، والذراع، والنّثرة والطّرف والجبهة (وهى أربعة عشر يوما) والخراتان وبعض الصّرفة. وتنزل الشمس فى برج السرطان فى الرابع عشر من حزيران. وعدد أيامه ثلاثة وتسعون يوما، ويوافقه ينير من شهور الروم؛ وفى العشرين من بؤونه، وإذا حلت الشمس برج السرطان، أخذ الليل فى الزيادة، والنهار فى النقصان. والله أعلم.
ذكر ما قيل فى وصف فصل الصيف وتشبيهه نظما ونثرا
فمن ذلك ما قاله ذو الرمّة:
وهاجرة حرّها واقد ... نصبت لحاجبها حاجبى.
تلوذ من الشمس أطلاؤها ... لياذ الغريم من الطّالب.
وتسجد للشمس حرباؤها ... كما يسجد القسّ للرّاهب.
(1/171)

وقال مسكين الدّارمىّ.
وهاجرة ظلّت كأنّ ظباءها ... إذا ما اتّقتها بالقرون سجود.
تلوذ بسؤبوب من الشمس فوقها ... كما لاذ من حرّ السّنان طريد.
وقال ابن الفقيسىّ:
فى زمان يشوى الوجوه بحرّ، ... ويذيب الجسوم لو كنّ صخرا.
لا تطير النّسور فيه إذا ما ... وقفت شمسه وقارب ظهرا.
ويودّ الغصن النّضير به لو ... أنّه من لحائه يتعرّى.
وقال أيضا:
يا ليلة بتّ بها ساهدا ... من شدّة الحرّ وفرط الأوار.
كأننى فى جنحها محرم ... لو أنّ للعورة منّى استتار.
وكيف لا أحرم فى ليلة ... سماؤها بالشّهب ترمى الجمار؟
وقال آخر:
ويوم سموم خلت أنّ نسيمه ... ذوات سموم للقلوب لوادغ،
ظللت به أشكو مكابدة الهوى ... فكوزى ملآن ومائى فارغ.
وقال محمد بن أبى الثياب، شاعر اليتيمة:
وهاجرة تشوى الوجوه كأنّها ... إذا لفحت خدّىّ نار توهجّ.
وماء كلون الزيت ملح كأنّه ... بوجدى يغلى أو بهجرك يمزج.
وقال الثعالبىّ:
ربّ يوم هواؤه يتلظّى ... فيحاكى فؤاد صبّ متيّم.
قلت إذ صكّ حرّه حرّ وجهى: ... «ربّنا اصرف عنّا عذاب جهنّم» !
(1/172)

ومما وصف به من النثر قول بعضهم:
أوقدت الظّهيرة نارها، وأذكت أوارها؛ فأذابت دماغ الضب، وألهبت قلب الصب؛ هاجرة كأنها من قلوب العشّاق، إذا اشتعلت بنيران الفراق؛ حرّ تهرب له الحرباء من الشمس، وتستجير بمتراكب الرمس؛ لا يطيب معه عيش، ولا ينفع معه سرج [1] ولا خيش؛ فهو كقلب المهجور، أو كالتنور المسجور.
3- وأما فصل الخريف- فإن طبعه بارد يابس؛ ودخوله عند حلول الشمس برأس الميزان والعقرب والقوس.
وهذه البروج تدل على الحركة؛ وله من السن الكهولة؛ ومن الرياح الشّمال؛ ومن الساعات السابعة والثامنة والتاسعة؛ ومن القوى القوّة الهاضمة؛ ومن الأخلاط المرّة السوداء؛ ومن الكواكب زحل؛ ومن المنازل بعض الصّرفة والعوّاء والسّماك والغفر والزّبانيان والقلب وبعض الشولة؛ وعدد أيامه تسعة وثمانون يوما؛ ويكون حلول الشمس الميزان فى الخامس عشر من أيلول، ويوافقه ستمبر من شهور الروم، وفى الثامن عشر من توت.
وفى هذا الفصل يبرد الهواء، ويتغير الزمان، وتصرم الثمار، ويغيّر وجه الأرض، ويصفرّ ورق الشجر، وتهزل البهائم، وتموت الهوامّ، وتنجحر الحشرات، وتطلب الطير المواضع الدّفئة، وتصير الدّنيا كأنها كهلة مدبرة.
ويقال: فصل الخريف ربيع النفس كما أن فصل الربيع ربيع العين.
والله أعلم.
__________
[1] هكذا بالأصل وفى صبح الأعشى ثلج.
(1/173)

ذكر ما قيل فى وصف فصل الخريف وتشبيهه نظما ونثرا.
فمن ذلك ما قاله الصنوبرىّ، عفا الله عنه:
ما قضى فى الربيع حقّ المسرّا ... ت مضيع زمانه فى الخريف.
نحن منه على تلقّى شتاء ... يوجب القصف أو وداع مضيف.
فى قميص من الزمان رقيق ... ورداء من الهواء خفيف.
يرعد الماء منه خوفا إذا ما ... لمسته يد النّسيم الضّعيف.
وقال عبد الله بن المعتز:
طاب شرب الصّبوح فى أيلول! ... برد الظلّ فى الضّحى والأصيل!
وخبت جمرة الهواجر عنّا، ... واسترحنا من النهار الطّويل.
وخرجنا من السّموم إلى بر ... د نسيم، وطيب ظلّ ظليل،
وشمال تبشّر الأرض بالقط ... ر كذيل الغلالة المبلول.
فكأنّا نزداد قربا الى الجن ... ة فى كلّ شارق وأصيل.
ووجوه البقاع تنتظر الغي ... ث انتظار المحبّ ردّ الرّسول.
تبتغى غلّة لتعمل روضا ... بكثير من الحبا أو قليل.
وقال آخر:
اشرب على طيب الزمان فقد حدا ... بالصّيف من أيلول أسرع حاد.
وأشمّنا باللّيل برد نسيمه ... فارتاحت الأرواح فى الأجساد.
وأفاك بالأنداء قدّام الحيا ... فالأرض للأمطار فى استعداد.
كم فى ضمائر تربها من روضة ... بمسيل ماء أو قرارة واد.
تبدو إذا جاد السّحاب بقطره ... فكأنما كانا على ميعاد.
(1/174)

وقال آخر:
لا تصغ للّوم إنّ اللّوم تضليل ... واشرب ففى الشّرب للأحزان تحليل.
فقد مضى القيظ واجتثّت رواحله، ... وطابت الرّاح لما آل أيلول.
وليس فى الأرض نبت يشتكى رمدا ... إلا وناظره بالطّلّ مكحول.
وقال آخر يذمّه:
خذ بالتّدثّر فى الخريف فإنّه ... مستوبل، ونسيمه خطّاف.
يجرى مع الأيّام جرى نفاقها ... لصديقها «ومن الصّديق يخاف» !
ومما وصف به من النثر:
قال أبو إسحاق الصابى يصفه:
الخريف أصح فصول السنة زمانا، وأسهلها أوانا؛ وهو أحد الاعتدالين، المتوسطين بين الانقلابين، حين أبدت الأرض عن ثمرتها، وصرّحت عن زينتها؛ وأطلقت السماء حوافل أنوائها، وتأذّنت بانسكاب مائها؛ وصارت الموارد، كمتون المبارد؛ صفاء من كدرها، وتهذّبا من عكرها؛ واطّرادا مع نفحات الهواء، وحركات الريح الشّجواء؛ واكتست الماشية وبرها القشيب، والطائر ريشه العجيب.
وقال ابن شبل:
كلّ ما يظهر فى الربيع نوّاره، ففى الخريف تجتنى ثماره؛ فهو الحاجب أمامه، والمطرق قدّامه.
وقال ضياء الدّين ابن الأثير الجزرىّ عن الخريف يفتخر على فصل الربيع:
أنا الذى آتى بذهاب السّموم، وإياب الغيوم، واعتصار بنات الكروم، وتكاثر ألوان المشروب والمطعوم؛ وفىّ يترقرق صفاء الأنهار، فتشتبه القوابل بالأسحار، وأيامى
(1/175)

هى الذهبيات وتلك نسبة كريمة النّجار؛ ومن ثمراتى ما لا تزال أمّهاته حوامل، وأوراقه نواضر وغيرها ذوابل، وقد شبه بالمصابيح وشبهت أغصانه بالسلاسل.
ولقد أنصف من قال:
محاسن للخريف بهنّ فخر ... على زمن الربيع، وأىّ فخر!
به صار الزّمان أمام برد ... يراقب نزحه وعقيب حرّ.
4- وأما فصل الشتاء، فإن طبعه بارد رطب، ودخوله عند حلول الشمس رأس الجدى والدّلو والحوت.
وهذه البروج تدل على السكون. وله من السنّ الشيخوخة؛ ومن الرياح الدّبور؛ ومن الساعات العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة؛ ومن القوى القوّة الدّافعة؛ ومن الاخلاط البلغم؛ ومن الكواكب المشترى وعطارد؛ ومن المنازل بعض الشولة والنعائم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية وبعض الفرغ المقدّم؛ وعدد أيامه تسعة وثمانون يوما.
ويكون حلول الشمس برأس الجدى فى الثالث عشر من كانون الأوّل، ويوافقه دچنبر من شهور الروم؛ وفى السابع عشر من كيهك من شهور القبط. وإذا حلت الشمس ببرج الجدى يشتدّ البرد، ويخشن الهواء، ويتساقط ورق الشجر، وتنجحر الحيوانات، وتضعف قوى الأبدان، وتكثر الأنواء، ويظلم الجوّ، وتصير الدّنيا كأنها عجوز هرمة قد دنا منها الموت.
وروى عن علىّ (رضى الله عنه) أنه قال: «توقّوا البرد فى أوّله، وتلقّوه فى آخره، فإنه يفعل فى الأبدان كفعله فى الأشجار: أوّله يحرق، وآخره يورق» .
(1/176)

ذكر ما قيل فى وصف فصل الشتاء وتشبيهه.
فمن ذلك ما قاله جرير شاعر الحماسة:
فى ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب فى ظلمائها الطّنبا.
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتّى يلفّ على خيشومه الذّنبا.
وقال ابن حكينا البغدادىّ:
البس إذا قدم الشّتاء برودا ... وافرش على رغم الحصير لبودا.
الرّيق فى اللهوات أصبح جامدا ... والدّمع فى الآماق صار برودا.
وإذا رميت بفضل كأسك فى الهوا ... عادت عليك من العقيق عقودا.
وترى على برد المياه طيورها ... تختار حرّ النّار والسّفّودا.
يا صاحب العودين لا تهملهما ... أوقد لنا عودا، وحرّك عودا!
وقال آخر:
ويومنا أرواحه قرّة ... تخمّش الأبدان من قرصها.
يوم تودّ الشمس من برده ... لو جرّت النّار إلى قرصها!
وقال عبد الله بن المعتزّ:
قد منع الماء من اللّمس ... وأمكن الجمر من المسّ.
فليس نلقى غير ذى رعدة، ... ومسلم يسجد للشّمس!
وقال آخر:
ليس عندى من آلة البرد إلّا ... حسن صبرى، ورعدتى، وقنوعى.
فكأنّى لشدّة البرد هرّ ... يرقب الشّمس فى أوان الطّلوع.
(1/177)

وقال ابن سكّرة الهاشمىّ، عفا الله تعالى عنه ورحمه:
قيل: ما أعددت للبر ... د وقد جاء بشدّه؟
قلت: درّاعة برد ... تحتها جبّة رعده.
وقال أبو سعيد المخزومىّ:
إذا كنت فى بلدة نازلا ... وحلّ الشّتاء حلول المقيم،
فلا تبرزنّ إلى أن ترى ... من الصّحو يوما صحيح الأديم.
فكم زلقة فى حواشى الطريق ... تردّ الثياب بخزى عظيم!
وكم من لئيم غدا راكبا ... يحبّ البلاء لماش كريم!
وقال الصاحب بن عبّاد:
أنّى ركبت فكفّ الأرض كاتبة ... على ثيابى سطورا ليس تنكتم.
فالأرض محبرة، والحبر من لثق ... والطّرس ثوبى، ويمنى الأشهب القلم.
قال أبو علىّ كاتب بكر شاعر اليتيمة:
يا بلدة أسلمنى بردها ... وبرد من يسكنها للقلق.
لا يسلم الشّاتى بها من أذى ... من لثق، أو دمق، أو زلق.
ومما وصف به نثرا قول بعضهم:
إذا حلّت الشمس برج الجدى مدّ الشتاء رواقه، وحلّ نطاقه؛ ودبّت عقارب البرد لاسبه، ونفع مدخور الكسب كاسبه.
ومن رسالة لابن أبى الخصال، جاء منها:
الكلب قد صافح خيشومه ذنبه، وأنكر البيت وطنبه؛ والتوى التواء الحباب، واستدار استدارة الغراب؛ وجلده الجليد، وضربه الضّريب وصعّد أنفاسه الصعيد؛
(1/178)

فحماه مباح، ولا هرير له ولا نباح؛ والنار كالصّديق، أو كالرّحيق؛ كلاهما عنقاء مغرب، أو نجم مغرّب.
وقال بعضهم:
برد بغير الألوان، وينشّف الأبدان؛ ويجمّد الريق فى الأشداق، والدّمع فى الآماق؛ برد حال بين الكلب وهريره، والأسد وزئيره، والطير وصفيره، والماء وخريره.
وقيل لبعضهم: أىّ البرد أشدّ؟ فقال: إذا دمعت العينان، وقطر المنخران، وتلجلج اللسان، واصطكّت الأسنان.
ووصف ابن وكيع الفصول الأربعة فى أرجوزة فقال:
عندى فى وصف الفصول الأربعه ... مقالة تغنى اللّبيب مقنعه.
ذكر ما قيل فى فصل الصيف
أمّا المصيف، فاستمع ما فيه ... من فطن يفهم سامعيه.
فصل من الدّهر إذا قيل حضر، ... أذكرنا بحرّه نار سقر.
يظلّ فيه القلب مقشعرّا، ... والأرض تشكو حرّه المضرّا.
أوّله فيه ندى منغّص ... كأنه على القلوب يقنص.
يلصق منه الجلد بالثّياب ... ويعلق التّراب بالأثواب.
حتّى إذا ما طردته الشمس ... وفرحت بأن يزول النّفس.
فتّحت النّار لنا أبوابها ... وشبّ فيها مالك شهابها.
حرّ يحيل الأوجه الغرّانا ... حتّى ترى الروم به حبشانا.
يعلو به الكرب ويشتدّ القلق ... وتنضح الأبدان فيه بالعرق.
(1/179)

تبصره فوق القميص قد علا ... حتّى ترى مبيضّه مصندلا.
إن كان رثّا، زاد فى تمزيقه؛ ... أو مستجدّا، جدّ جبل زيقه.
ثم يعيد الماء نارا حاميه ... يزيد فى كرب القلوب الصّاديه.
شاربه يكرع فى حميم ... كأنّه من ساكنى الجحيم.
ينسيه ما يلقى من التهابه ... أن يحمد الله على شرابه.
حتّى إذا أعيا، انقضى نهاره ... وأرخيت من ليله أستاره،
تحرّكت فى جنحه دواهى ... سارية، وأنت عنها لاهى.
من عقرب يسعى كسعى اللّصّ ... سلاحها فى إثره كالشّصّ.
وحيّة تنفث سمّا قاتلا ... تزوّد الملسوع حتفا عاجلا.
تبصر ما بجلدها من الرّقش ... كوجنة مصفرة فيها نمش.
لو نهشت بالنّاب منها الخضرا، ... لنثرت منه الحياة نثرا.
فلا تقل إن جاء يوما أهلا ... فلعنة الله عليه فصلا.
ذكر ما قيل فى فصل الخريف
حتّى إذا زال، أتى الخريف: ... فصل بكلّ سوأة معروف.
أهونه يسرع فى حلّ الجسد ... وهو كطبع الموت يبس وبرد.
يجنى على الأجسام من آفاته، ... وأرضه قرعاء من نباته.
لا يمكن النّاس اتّقاء شرّه ... ولا خلاف برده وحرّه.
تبصره مثل الصّبىّ الأرعن ... من كثرة العشّاق والتلوّن.
فأنت منه خائف على حذر ... لأنه يمزج بالصّفو الكدر.
(1/180)

أحسن ما يهدى لك النّسيما ... يقلبه فى ساعة سموما.
وهو على المعدود من ذنوبه ... خير من الصّيف على عيوبه.
ذكر ما قيل فى فصل الشتاء
حتّى إذا ما أقبل الشّتاء، ... جاءتك منه غمّة عمياء.
لو أنّه روح، لكان فدما ... أو أنه شخص، لكان جهما.
يلقاك منه أسد يزير ... له وعيد وله تحذير.
تأتيك فى أيّامه رياح ... ليس على لاعنها جناح.
حراكها ليس إلى سكون ... تضرّ بالأسماع والعيون.
يحدث من أفعالها الزّكام ... هذا إذا ما فاتك الصّدام.
ثم يليها مطر مداوم ... كأنه خصم لنا ملازم.
يقطعنا بعضا عن الطريق ... وعن قضاء الحقّ للصّديق.
وربما خرّ عليك السّقف، ... فإن عفا عنك أتاك الوكف.
وإن أردت فى النّهار الشّربا ... فيه، فقد قاسيت خطبا صعبا.
واحتجت أن توقد فيه نارا ... تطير نحو الحدق الشّرارا.
يترك مبيضّ الثّياب أرقطا ... يحكى السّعيدىّ لك المنقّطا.
وبعد ذا تسدّد النقابا ... من خوفه وتغلق الأبوابا.
نعم، وترخى دونه السّتورا ... حتّى ترى صباحه ديجورا.
وإن أردت الشّرب فى الظّلام ... عاقك عن تناول المدام.
حسبك أن تندسّ فى اللّحاف ... من خشية البرد على الأطراف!
ورعده يشغل عن كلّ عمل ... ويؤثر النّوم ويستحلى الكسل.
(1/181)

حتّى إذا جئت إلى الرّقاد، ... نمت على فرش من القتاد.
إنّ البراغيث عذاب مزعج ... لكلّ قلب ولجلد ينضج.
لا يستلذّ جلدك المضاجعا ... كأنما أفرشه مباضعا.
تنحّ فصلا فوق ما ذممته ... لو أنه يظهر لى، قتلته.
حتّى إذا ما هو عنّا بانا ... وزال عنّا بعضه، لا كانا!
ذكر ما قيل فى فصل الربيع
جاء إلينا زمن الرّبيع ... فجاء فصل حسن الجميع.
لبرده وحرّه مقدار ... لم يكتنف حدّهما إكثار.
عدّل فى أوزانه حتّى اعتدل ... وحمد التّفصيل منه والجمل.
نهاره فى أحسن النّهار ... فى غاية الإشراق والإسفار.
تضحك فيه الشّمس من غير عجب ... كأنّها فى الأفق جام من ذهب.
وليله مستلطف النّسيم ... مقوّم فى أحسن التّقويم.
لبدره فضل على البدور ... فى حسن إشراق وفرط نور.
كجامة البلّور فى صفائها ... أذابت الجراد فى نقابها.
كأنّها إذا دنت من بدره ... جوزاؤه قبل طلوع فجره.
روميّة حلّتها زرقاء ... فى الجيد منها درّة بيضاء.
هذا وكم تجمع من أمور ... إطراء مطربها من التّقصير.
فيه تظلّ الطّير فى ترنّم ... حاذقة باللّحن لم تعلّم.
غناؤها ذو عجمة لا يفهمه ... سامعه وهو على ذا يغرمه.
من كلّ دبسىّ له رنين ... وكلّ قمرى له حنين.
(1/182)

فى قرطق أعجل أن يورّدا ... خاط له الخيّاط طوقا أسودا.
تبصره منه على الحيزوم ... كمثل عقد سبج منظوم.
هذا وفيه للرّياض منظر ... يفشى الثّرى من سرّه ما يضمر.
سرّ نبات حسنه إعلانه ... إذا سواه زانه كتمانه.
فيه ضروب لنبات [1] الغضّ ... يحكى لباس الجند يوم العرض.
من نرجس أبيض كالثّغور ... كأنّه مخانق الكافور.
وروضة تزهر من بنفسج ... كأنّها أرض من الفيروزج.
قد لبست غلالة زرقاء ... وكايدت بلونها السّماء.
يضحك منها زهر الشّقيق ... كأنّه مداهن العقيق.
مضمّنات قطعا من السّبج ... قد أشرقت من احمرار ودعج.
كأنّما المحمرّ فى المسودّ ... منه إذا لاح عيون الرّمد.
وارم بعينيك إلى البهار ... فإنّه من أحسن الأزهار.
كأنّه مداهن من عسجد ... قد سمّرت فى قضب الزّبرجد.
فانهض إلى اللهو ولا تخلّف ... فلست فى ذلك بالمعنّف.
واشرب عقارا طال فينا كونها ... يصفرّ من خوف المزاج لونها.
دونك هذى صفة الزّمان ... مشروحة فى أحسن التّبيان!
وارض بتقليدى فيما قلته ... فإنّنى أدرى بما وصفته.
__________
[1] لعله للنبات بالتعريف.
(1/183)

الباب الرابع من القسم الثالث من الفن الأوّل
فى ذكر مواسم الأمم وأعيادها، وأسباب اتخاذهم لها، وما قيل فى ذلك
والذى أورده فى هذا الباب، هو مما وقفت عليه أثناء مطالعتى للكتب الموضوعة فيه، ونقلته منها لمّا تعذر علىّ من أتلقاه من فيه. وضمنته أعياد المسلمين، والفرس والنصارى، واليهود.
1- ذكر الأعياد الإسلامية
والأعياد الإسلامية التى وردت بها الشريعة اثنان: عيد الفطر، وعيد الأضحى.
والسبب فى اتخاذهما، ما
روى عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «أنه قدم لمدينة، ولأهلها يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ فقالوا: كنا نلعب فيهما فى الجاهلية. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : إن الله (عز وجل) قد بدّلكم خيرا منهما، يوم الفطر، ويوم الأضحى» .
فأوّل ما بدئ به من العيدين عيد الفطر، وذلك فى سنة اثنتين من الهجرة. وفيها كان عيد الأضحى.
وعيد ابتدعته الشّيعة، وسموه عيد الغدير. وسبب اتخاذهم له مؤاخاة النبىّ (صلى الله عليه وسلم) علىّ بن أبى طالب (رضى الله عنه) يوم غدير خمّ. والغدير على ثلاثة أيام [1] من الجحفة بسرّة الطّريق. قالوا: وهذا الغدير تصبّ فيه عين، وحوله شجر كثير ملتفّ بعضها ببعض. وبين الغدير والعين مسجد لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) .
واليوم الذى ابتدعوا فيه هذا العيد هو الثامن عشر من ذى الحجة، لأن المؤاخاة كانت
__________
[1] فى صبح الأعشى (ج 2 ص 407) ثلاثة أميال، وفى المعجم [بينه وبين الجحفة ميلان] .
(1/184)

فيه فى سنة عشرة من الهجرة، وهى حجة الوداع. وهم يحيون ليلتها بالصلاة، ويصلون فى صبيحتها ركعتين قبل الزوال. وشعارهم فيه لبس الجديد، وعتق الرّقاب، وبرّ الأجانب، والذبائح.
وأوّل من أحدثه معز الدّولة أبو الحسن علىّ بن بويه، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخباره فى سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة.
ولما ابتدع الشيعة هذا اتخذوه من سننهم، عمل عوامّ السّنّة يوم سرور نظير عيد الشيعة فى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة. وجعلوه بعد عيد الشيعة بثمانية أيام، وقالوا: هذا يوم دخول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الغار هو وأبو بكر الصدّيق (رضى الله عنه) . وأظهروا فى هذا اليوم الزينة، ونصب القباب، وإيقاد النيران.
2- ذكر أعياد الفرس
وأعياد الفرس كثيرة جدّا. وقد صنف علىّ بن حمزة الأصفهانىّ فيها كتابا مستقلّا ذكر فيه أعيادهم، وسبب اتخاذهم لها، وسنن ملوكهم فيها. وقد رأيت أن أقتصر على المشهور منها، وهى ثلاثة أعياد: النّيروز، والمهرجان، والسّدق.
1- فأما النّيروز، فهو أعظم أعيادهم وأجلّها. يقال إن أوّل من اتخذه جمشيد أحد ملوك الفرس الأول. ويقال فيه جمشاد، ومعنى جم القمر، وشاد الشعاع والضياء؛ وسبب اتخاذهم لهذا العيد أن طهومرت لما هلك، ملك بعده جمشاد.
فسمى اليوم الذى ملك فيه نوروز، أى اليوم الجديد.
ومن الفرس من يزعم أن النّيروز اليوم الذى خلق الله (عز وجل) فيه النور، وأنه كان معظّم القدر عند جمشاد. وبعضهم يزعم أنه أوّل الزمان الذى ابتدأ فيه الفلك بالدوران.
(1/185)

ومدّته عندهم ستة أيام، أوّلها اليوم الأوّل من شهر أفريدون ماه، الذى هو أوّل شهور سنتهم. ويسمون اليوم السادس النّوروز الكبير، لأن الأكاسرة كانوا يقضون فى الأيام الخمسة حوائج الناس ثم ينتقلون إلى مجالس أنسهم مع خواصّهم.
وحكى ابن المقفّع أنه كان من عادتهم فيه أن يأتى الملك من الليل رجل جميل الوجه، قد أرصد لما يفعله. فيقف على الباب حتّى يصبح. فإذا أصبح دخل على الملك من غير استئذان. فإذا رآه الملك، يقول له: من أنت؟ ومن أين أقبلت؟ وأين تريد؟ وما اسمك؟ ولأىّ شىء وردت؟ وما معك؟ فيقول: أنا المنصور، واسمى المبارك، ومن قبل الله أقبلت، والملك السعيد أردت، وبالهناء [1] والسلامة وردت، ومعى السنة الجديدة. ثم يجلس، ويدخل بعده رجل معه طبق من فضة، وفيه حنطة، وشعير، وجلبان، وحمّص، وسمسم، وأرز (من كل واحد سبع سنابل وتسع حبات) وقطعة سكر، ودينار ودرهم جديدان. فيضع الطبق بين يدى الملك. ثم تدخل عليه الهدايا. ويكون أوّل من يدخل عليه وزيره، ثم صاحب الخراج، ثم صاحب المعونة، ثم الناس على طبقاتهم ومراتبهم. ثم يقدّم للملك رغيف كبير مصنوع من تلك الحبوب، موضوع فى سلّة. فيأكل منه ويطعم من حضره. ثم يقول: هذا يوم جديد، من شهر جديد، من عام جديد، من زمان جديد، يحتاج أن نجدّد فيه ما أخلق من الزمان، وأحقّ الناس بالفضل والإحسان الرأس لفضله على سائر الأعضاء. ثم يخلع على وجوه دولته ويصلهم ويفرّق فيهم ما حمل إليه من الهدايا.
وكانت عادة عوامّ الفرس فيه رفع النار فى ليلته، ورشّ الماء فى صبيحته.
وفى ذلك يقول المعوج:
__________
[1] ؟؟؟؟؟
(1/186)

كيف ابتهاجك بالنّيروز يا سكنى؟ ... وكلّ ما فيه يحكينى وأحكيه!
فناره كلهيب النار فى كبدى! ... وماؤه كتوالى عبرتى فيه!
وقال آخر:
نورز النّاس ونورز ... ت، ولكن بدموعى!
وذكت نارهم، والنّ ... ار ما بين ضلوعى!
2- وأما المهرجان، فوقوعه فى السادس والعشرين من تشرين الأوّل من شهور السّريان، وفى السادس عشر من مهرماه من شهور الفرس.
وهذا الأوان وسط زمان الخريف، وفيه يقول بعض الشعراء:
أحبّ المهرجان لأنّ فيه ... سرورا للملوك ذوى السّناء،
وبابا للمصير إلى أوان ... تفتّح فيه أبواب السّماء.
وهو ستة أيام. ويسمّى اليوم السادس المهرجان الأكبر. قال المسعودىّ:
وسبب تسميتهم لهذا اليوم بهذا الاسم، أنهم كانوا يسمون شهورهم بأسماء ملوكهم.
وكان لهم ملك يسمّى مهر، يسير فيهم بالعنف والعسف. فمات فى نصف الشهر الذى يسمونه مهرماه، فسمى ذلك اليوم مهرجان. وتفسيره «نفس مهر ذهبت» وهذه لغة الفرس الأوّل. وزعم آخرون أن «مهر» بالفارسية حفاظ و «جان» الروح.
وقد نظم عبيد الله بن عبد الله بن ظاهر ذلك، فقال:
إذا ما تحقّق بالمهرجا ... ن من ليس يعرف معناه، غاظا.
ومعناه أن غلب الفرس فيه ... فسمّوه للرّوح حقّا حفاظا.
ويقال إنه إنما عمل فى عهد أفريدون الملك، وأن معنى هذا الاسم «إدراك الثأر» .
(1/187)

وسبب اتخاذهم له، أن بيوراسف (وهو الضحاك) ، ويقال له أزدهاق ذو الحيّتين والأفواه الثلاثة، والأعين الستة، الدّاهى الخبيث المتمرّد، لما قتل جمشاد، وملك بعده، غيّر دين المجوسية. وجاء إبليس فى صورة خادم، فقبّل منكبيه، فنبت فيهما حيتان، فكان يطعمهما أدمغة الناس. فأجحف ذلك بالرعية، فخرج رجل بأصبهان، يقال له كابى، ويقال فيه كابيان. ودعا الناس إلى قتاله، فاجتمع له خلق كثير.
فشخص الضحاك لقتاله، فهاب كثرة جمعه وفرّ منهم. فاجتمع الناس على كابى ليملكوه عليهم، فأبى ذلك وقال: ما أنا من أهل الملك، وأخرج صبيا من ولد جمشاد، يسمّى أفريدون وملّكه، فأطاعه الناس فيه وملّكوه عليهم.
وخرج أفريدون فى طلب الضحاك ليأخذ ثأر جدّه فظفر به، وجعل ذلك اليوم عيدا، وسماه المهرجان. ويقال إن المهرجان هو اليوم الذى عقد فيه التاج على رأس- أردشير بن بابك، أوّل ملوك الفرس الساسانية.
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يفضل المهرجان على النيروز:
أخا الفرس إنّ الفرس تعلم إنّه ... لأطيب من نيروزها مهرجانها:
لإدبار أيّام يغمّ هواؤها ... وإقبال أيّام يسرّ زمانها.
وكان مذهب الفرس فيه أن يدّهن ملوكهم بدهن البان تبرّكا، وكذلك عوامهم، وأن يلبس القصب والوشى، ويتوّج بتاج عليه صورة الشمس وحجلتها الدّائرة عليها، ويكون أوّل من يدخل عليه الموبذان بطبق فيه أترجّة، وقطعة سكّر، ونبق، وسفر جل، وعنّاب، وتفّاح، وعنقود عنب أبيض، وسبع طاقات آس قد زمزم علمها.
(1/188)

ثم يدخل الناس على طبقاتهم بمثل ذلك.
وكان أردشير، وأنو شروان يأمران بإخراج ما فى خزائنهم فى المهرجان والنيروز من أنواع الملابس والفرش، فتفرّق كلّها فى الناس على مراتبهم، ويقولان: إن الملوك تستغنى عن كسوة الصيف فى الشتاء، وعن كسوة الشتاء فى الصيف، وليس من أخلاقهم أن يخبؤوا كسوتهم فى خزائنهم ويساووا العامّة فى فعلها.
وزعم بعض أصحاب التاريخ أن النيروز عملته الفرس قبل المهرجان بألفى سنة وخمسمائة سنة.
3- وأما السّدق، فإنه يعمل فى ليلة الحادى عشر من شهر بهمن ماه.
ويسمّى هذا اليوم عندهم أبان روز، لأن لكل يوم من أيام الشهر عندهم اسما.
ويقال فى سبب اتخاذهم له: إن فراسياب لما ملك، سار إلى بلاد بابل وأكثر فيها الفساد، وخرّب العمران. فخرج عليه دق بن طهماسب، وطرده عن مملكته إلى بلاد التّرك. وكان ذلك فى يوم أبان روز. فاتخذ الفرس هذا اليوم عيدا، وجعلوه ثالثا ليوم النيروز، والمهرجان.
ويقال أيضا فى سبب اتخاذهم له: إن الأب الأوّل، وهو عندهم كيومرث، لما كمل له مائة ولد، زوج الذكور بالإناث، وصنع لهم عرسا أكثر فيه من إشعال النيران، فوافق ذلك الليلة المذكورة، واستسنه الفرس بعده.
وهم يوقدون النيران بسائر الأدهان، ويزيدون فى الولوع بها، حتّى إنهم يلقون فيها سائر الحيوانات.
(1/189)

وفى ذلك يقول ابن حجاج من أبيات يمدح بها عضد الدّولة بن بويه:
مولاى يا من نداه يعدو ... ففات سبتا وليس يلحق.
ليلتنا حسنها عجيب ... بالقصف والعزف قد تحقّق.
لنارها فى السّما لسان ... عن نور ضوء الصّباح ينطق.
والجوّ [1] منها قد صار جمرا ... والنجم منها قد كاد يحرق.
ودجلة أضرمت حريقا ... بألف نار وألف زورق.
فماؤها كلّها حميم ... قد فار مما غلى [2] وبقبق.
وقال أبو القاسم المطرّز، فى سدق عمله السلطان ملك شاه، أشعل فيه الشموع والنيران فى السّميريّات بدجلة، وذلك فى سنة أربع وثمانين وأربعمائة:
وكلّ نار على العشّاق مضرمة ... من نار قلبى أو من ليلة السّدق.
نار تجلّت بها الظّلماء فاشتبهت ... بسدفة الليل فيها غرّة الفلق!
وزارت الشمس فيها الليل واصطلحا ... على الكواكب بعد الغيظ والحنق.
مدّت على الأرض بسطا من جواهرها ... ما بين مجتمع وار ومفترق.
مثل المصابيح إلا أنها نزلت ... من السماء بلا رجم ولا حرق.
أعجب بنار ورضوان يسعّرها ... ومالك قائم منها على فرق!
فى مجلس ضحكت روض الجنان له ... لما جلا ثغره عن واضح يقق.
__________
[1] كذا فى الأصل ولعله «
والجو منها يصير جمرا ... والنجم منها يكاد يحرق
» ليستقيم الوزن.
[2] فى الأصول يغلى.
(1/190)

3- ذكر أعياد النصارى القبط
وأعياد النصارى أربعة عشر عيدا: سبعة يسمونها كبارا، وسبعة يسمونها صغارا.
فأما الكبار:
1- فمنها عيد البشارة. ويعنون بها بشارة غبريال، وهو عندهم جبريل عليه السلام على ما يزعمون أنه بشر مريم ابنة عمران بميلاد عيسى (عليهما السلام) . وهم يعملونه فى التاسع والعشرين من برمهات من شهورهم.
2- ومنها عيد الزيتونة. وهو عيد الشّعانين، وتفسيره التسبيح. يعملونه فى سابع أحد من صومهم. وسنّتهم فيه أن يخرجوا بسعف النخل من الكنيسة. ويزعمون أنه يوم ركوب المسيح اليعفور فى القدس، وهو الحمار، ودخوله صهيون وهو راكب، والناس يسبحون بين يديه، وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
3- ومنها الفصح. وهو العيد الكبير عندهم يقولون إن المسيح قام فيه بعد الصّلبوت بثلاثة أيام.
4- ومنها خميس الأربعين. ويسميه الشاميون السّلّاق [1] . وهو الثانى والأربعون من الفطر. يزعمون أن المسيح عليه السلام تسلّق فيه من بين تلاميذه إلى السماء من بعد القيام، ووعدهم إرسال الفار قليط وهو روح القدس.
5- ومنها عيد الخميس. وهو العنصرة يعمل بعد خمسين يوما من يوم القيام يقولون إن روح القدس حلّت بالتلاميذ، وتفرّقت عليهم ألسنة الناس، فتكلموا بجميع الألسنة، وتوجه كل واحد منهم إلى بلاد لسانه الذى تكلم به يدعوهم إلى دين المسيح.
__________
[1] فى الأصل السلاقى. وفى القاموس [وكرمّان عيد للنصارى] وفى صبح الأعشى بغير ياء على الصواب.
(1/191)

6- ومنها الميلاد. وهو اليوم الذى ولد فيه المسيح. يقولون إنه ولد فى يوم الاثنين فيجعلون عشية الأحد ليلة الميلاد. وهم يوقدون فيه المصابيح بالكنائس ويزينونها. ويعمل فى التاسع والعشرين من كيهك من شهورهم.
7- ومنها الغطاس. ويعمل فى الحادى عشر من طوبة من شهورهم. ويقولون إن يحيى بن زكريا، وينعتونه بالمعمدان، غسل عيسى عليه السلام فى بحيرة الأردنّ، ويزعمون أن عيسى (عليه السلام) لما خرج من الماء اتصل به روح القدس على هيئة حمامة. والنصارى يغمسون أولادهم فى الماء فيه، ووقته شديد البرد.
وأما الأعياد الصغار:
1- فمنها الختان. ويعمل فى سادس بئونة، يقولون إن المسيح ختن فى هذا اليوم، وهو الثامن من الميلاد.
2- ومنها الأربعون. وهو عند دخول الهيكل يقولون إن سمعان الكاهن دخل بعيسى (عليه السلام) مع أمّه [الهيكل] [1] وبارك عليه. ويعمل فى ثامن أمشير من شهورهم.
3- ومنها خميس العهد. ويعمل قبل الفصح بثلاثة أيام. وسنّتهم فيه أن يأخذوا إناء ويملؤوه ماء ويزمزموا عليه، ثم يغسل البطريك به أرجل سائر الناس. ويزعمون أن المسيح عيسى (عليه السلام) فعل مثل هذا بتلاميذه فى مثل هذا اليوم، يعلمهم التواضع، وأخذ عليهم العهد أن لا يتفرّقوا، وأن يتواضع بعضهم لبعض. وعوامّ النصارى يسمون هذا الخميس خميس العدس، وهم يطبخون فيه العدس المقشور
__________
[1] الزيادة من صبح الأعشى.
(1/192)

على ألوان، ويسميه أهل الشام خميس الأرز. ومنها خميس البيض أيضا. ويسميه أهل الأندلس خميس أبريل، وأبريل شهر من شهور الروم.
4- ومنها سبت النّور. وهو قبل الفصح بيوم. يقولون إن النور يظهر على مقبرة المسيح فى هذا اليوم، فتشتعل منه مصابيح كنيسة القيامة التى بالقدس. وليس كذلك، بل هو من تخييلات فعلها أكابرهم ليستميلوا بها عقول أصاغرهم. وقيل إنهم يعلقون القناديل فى بيت المذبح، ويتحيلون فى إيصال النار إليها بأن يمدّوا على سائرها شريطا من حديد فى غاية الدقة، يدهنونه بدهن البلسان ودهن الزّنبق. فإذا صلّوا، وحان وقت الزوال، فتحوا المذبح، فدخل الناس إليه، وقد أشعلت فيه الشموع. ويتوصل بعض القوم إلى أن يعلق بطرف الشريط الحديد النار فتسرى عليه، فتقد القناديل واحدا بعد واحد بسبب الدّهن.
5- ومنها حدّ الحدود. وهو بعد الفصح بثمانية أيام. يعمل أوّل أحد بعد الفطر، لأن الآحاد قبله مشغولة بالصوم. وفيه يجدّدون الآلات، والأثاث، واللباس، ويأخذون فى المعاملات، والأمور الدّنيوية.
6- ومنها التجلى. يقولون: إن المسيح (عليه السلام) ، تجلّى لتلاميذه بعد أن رفع، وتمنّوا عليه أن يحضر لهم إيليا، وموسى، فأحضرهما لهم فى مصلّى بيت المقدس، ثم صعد. ويعمل فى ثالث عشر مسرى من شهورهم.
7- وعيد الصليب. وتزعم النصارى أن قسطنطين بن هيلانى انتقل عن اعتقاد اليونان إلى اعتقاد النصرانية، وبنى كنيسة قسطنطينية العظمى، وسائر كنائس الشام.
(1/193)

وسبب ذلك- على ما نقله المؤرّخون- أنه كان مجاورا للبرجان، فضاق بهم ذرعا من كثرة غاراتهم على بلاده. فهمّ أن يصانعهم ويقرّر لهم عليه إتاوة فى كل عام ليكفّوا عنه. فرأى ليلة فى المنام أن ملائكة نزلت من السماء ومعها أعلام عليها صلبان، فحاربت البرجان فهزموهم. فلما أصبح، عمل أعلاما وصوّر فيها صلبانا، ثم قاتل بها البرجان فهزمهم.
وقيل إنه رأى فى المنام صلبانا من نور فى السماء، وقائلا يقول له: اعمل مثل هذا على رؤوس أعلامك وقاتل بها فنصر. فأمر أهل مملكته بالرجوع عن دينهم والدّخول فى دين النصرانية، وأن يقصوا شعورهم، ويخلقوا لحاهم. وإنما فعل ذلك بهم لأن رسل عيسى عليه السلام كانوا قد وردوا على اليونان من قبل يأمرونهم بالتعبد بدين النصرانية، فأعرضوا عنهم، ومثّلوا بهم هذه المثلة نكالا بهم. ففعلوا ذلك تأسّيا بهم.
ولما تنصر قسطنطين، خرجت أمه هيلانى إلى الشام، فبنت الكنائس، وسارت إلى بيت المقدس، فطلبت الخشبة التى صلب عليها المسيح، على ما يزعمون. وكانت مدفونة فى مزبلة. فأخرجت منها، وفيها مواضع سبعة مسامير فلما حملت إليها، غلفتها بالذهب وحملتها إلى ابنها. واتخذت يوم رؤيتها لها عيدا.
قال المسعودىّ: وذلك لأربع عشرة ليلة خلت من أيلول، ووافق ذلك سبع عشرة ليلة خلت من توت من شهور القبط. وكان من مولد عيسى إلى اليوم الذى وجدت فيه الخشبة ثلاثمائة وثمان وعشرون سنة.
وسيأتى ذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى أخبار الروم فى فنّ التاريخ، وهو فى الجزء الثالث عشر من هذا الكتاب.
(1/194)

4- ذكر أعياد اليهود
وأعياد اليهود التى نطقت بها توراتهم خمسة:
1- منها عيد رأس السنة. ويسمونه رأس هيشا، أى عيد رأس الشهر.
وهو أوّل يوم من تشرين. ينزل عندهم منزلة عيد الأضحية عندنا. ويقولون إن الله عز وجل أمر إبراهيم بذبح إسحاق ابنه عليهما السلام فيه، وفداه بذبح عظيم.
2- ومنها عيد صوماريا. ويسمّى الكبور. وهو عندهم الصوم العظيم الذى فرض عليهم، ويقتل من لم يصمه. ومدّة الصوم خمس وعشرون ساعة، يبدأ فيها قبل غروب الشمس فى اليوم التاسع من شهر تشرين، ويختم بمضىّ ساعة بعد غروبها من اليوم العاشر. ويشترطون رؤية ثلاثة كواكب عند الإفطار. وهى عندهم تمام الأربعين الثالثة التى صام فيها موسى عليه السلام. ولا يجوز أن يقع عندهم فى يوم الأحد، ولا يوم الثلاثاء، ولا فى يوم الجمعة. ويزعمون أن الله تعالى يغفر لهم فيه جميع ذنوبهم إلا الزنا بالمحصنات، وظلم الرجل أخاه، وجحد ربوبية الله تعالى.
3- ومنها عيد المظلّة. وهو ثمانية [1] أيام، أوّلها الخامس عشر من تشرين. وكلها أعياد، واليوم الأخير منها يسمّى عرابا [2] ، وتفسيره شجر الخلاف. وهو أيضا حج لهم.
وهم يجلسون فى هذه الأيام تحت ظلال سعف النخل الأخضر، وأغصان الزيتون.
والخلاف، وسائر الشجر الذى لا ينشر ورقه على الأرض. ويزعمون أن ذلك تذكار منهم لإظلال الله تعالى إياهم فى التّيه بالغمام.
__________
[1] فى صبح الأغشى [سبعة أيام] .
[2] فى صبح الأعشى [عرايا] .
(1/195)

4- ومنها عيد الفطير. ويسمونه الفصح. ويكون فى الخامس عشر من نيسان. وهو سبعة أيام يأكلون فيها الفطير، وينظّفون بيوتهم فيها من خبز الخمير.
لأنها عندهم الأيام التى خلص الله تعالى فيها بنى إسرائيل من فرعون وأغرقه، فخرجوا إلى التيه، وجعلوا يأكلون اللحم، والخبز الفطير، وهم بذلك فرحون. وفى آخر هذه الأيام غرق فرعون.
5- ومنها عيد الأسابيع، وهى الأسابيع التى فرضت عليهم فيها الفرائض، وكمّل فيها الدّين. ويسمّى عيد العنصرة، وعيد الخطاب. ويكون بعد عيد الفطير بسبعة أسابيع. يقولون إنه اليوم الذى خاطب الله تعالى فيه بنى إسرائيل من طور سيناء وإن من جملة ما خوطبو به العشر كلمات، وهى وصايا تتضمن أمرا ونهيا. وهو:
من حجوجهم. وحجوجهم ثلاثة: الأسابيع، والفطير، والمظلّة. وهم يعظمونه ويأكلون فيه القطائف ويجعلونها بدلا عن المنّ الذى أنزل عليهم فى هذا اليوم، على ما يزعمون. واتخاذهم لهذا العيد فى اليوم السادس من سيوان.
6- وعيد الفوز. وهو عيد أحدثوه، ويسمونه الفوريم. وذكروا فى سبب اتخاذهم له أن بختنصر لما أجلى من كان ببيت المقدس من اليهود إلى عراق العجم، أسكنهم مدينة جىّ، وهى إحدى مدينتى أصفهان. فلما ملك أردشير بن بابك، سماه اليهود بالعبرانية أجشادوس. وكان له وزير يسمونه بلغتهم هيمون. ولليهود يومئذ حبر يسمّى بلغتهم مردوخاى. فبلغ أردشير أن له ابنة عمّ جميلة الصورة من أحسن أهل زمانها. فطلب تزويجها منه، فأجابه إلى ذلك. فتزوّجها، وحظيت عنده، وصار مردوخاى قريبا منه. فأراد هيمون الوزير إصغاره حسدا له، وعزم على إهلاك طائفة اليهود التى فى جميع مملكة أردشير. فرتب مع نوّاب الملك فى سائر الأعمال
(1/196)

أن يقتل كلّ واحد منهم من يعلمه من اليهود. وعيّن لهم يوما وهو النصف من آذار.
وإنما خص هذا اليوم دون غيره، لأن اليهود يزعمون أن موسى عليه السلام ولد فيه، وتوفى فيه. وأراد بذلك المبالغة فى نكايتهم ليضاعف الحزن عليهم بهلاكهم، وبموت موسى (عليه السلام) .
فبلغ مردوخاى ذلك، فأرسل إلى ابنة عمه يعلمها بما بلغه، ويحضها على إعمال الحيلة فى خلاصهم، فأعلمت الملك بالحال، وذكرت له أن الوزير إنما حمله على ذلك الحسد، لقرب مردوخاى منه. فأمر بقتل هيمون الوزير، وأن يكتب أمان لليهود.
فاتخذوه عيدا. واليهود يصومون قبله ثلاثة أيام.
وهذا العيد عندهم عيد سرور، ولهو، وخلاعة، وهدايا يهديها بعضهم لبعض، ويصوّرون فيه من الورق صورة هيمون، ويملئون بطن الصورة نخالة ويلقونها فى النار حتّى تحترق.
7- وعيد الحنكة. وهو أيضا مما أحدثوه. وهو ثمانية أيام، أوّلها ليلة الخامس والعشرين من كسلا. وهم يوقدون فى الليلة الأولى من لياليه على كل باب من أبوابهم سراجا؛ وفى الثانية سراجين؛ ويضعف ذلك فى كل ليلة إلى ثمان ليال. فيكون فى الثامنة ثمانية سرج.
وسبب اتخاذهم لهذا العيد، أن بعض الجبابرة تغلّب على البيت المقدّس وقتل من كان فيه من بنى إسرائيل، وافتض أبكارهم. فوثب عليه أولاد كاهنهم، وكانوا ثمانية، فقتله أصغرهم. فطلب اليهود زيتا لوقود الهيكل فلم يجدوا إلا يسيرا، وزعوه على عدد ما يوقدونه من السرج على أبوابهم فى كل ليلة إلى ثمان ليال. فاتخذوا هذه الأيام عيدا وسموه الحنكة، وهو مشتق من التنظيف، لأنهم نظفوا فيها الهيكل من أقذار شيعة الجبار.
(1/197)

القسم الرابع من الفن الأوّل فى الأرض، والجبال، والبحار، والجزائر، والأنهار، والعيون، والغدران
وفيه سبعة أبواب
الباب الأوّل من هذا القسم 1- فى مبدإ خلق الأرض
قال الله تعالى: (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً) .
والأرض سبع، كما أن السماوات سبع. والدّليل على ذلك قوله عز وجل:
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)
واختلف فيها هل هى سبع متطابقات بعضها فوق بعض، أو سبع متجاورات؟
فذهب قوم إلى أنّ الله تعالى خلق سبع سماوات متطابقات متعاليات، وسبع أرضين متطابقات متسافلات؛ وبين كل أرض وأرض، كما بين كل سماء وسماء، خمسمائة عام. وفسر بهذا قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما)
. أى كانت سماء واحدة [1] ففتقناهما سبعا.
قيل: ولكل أرض أهل وسكّان مختلفو الصور والهيئات؛ ولكل أرض اسم خاص.
__________
[1] أى وأرضا واحدة [ولعله سقط من قلم الناسخ] .
(1/198)

وذهب قوم إلى أنها سبع متجاورات متفرّقات لا متطابقات. فجعلوا الصين أرضا، وخراسان أرضا، والسند والهند أرضا، وفارس والجبال والعراق وجزيرة العرب أرضا، والجزيرة والشام وبلاد إرمينية أرضا، ومصر وإفريقيّة أرضا، وجزيرة الأندلس وما جاورها من بلاد الجلالقة والأنكبردة وسائر طوائف الروم أرضا.
ويقال: إنها كانت على ماء، والماء على صخرة، والصخرة على سنام ثور، والثور على كمكم [1] ، والكمكم على ظهر حوت، والحوت على الماء، والماء على الريح، والريح على حجاب ظلمة، والظلمة على الثرى. وإلى الثرى انقطع علم المخلوقين.
قال الله تعالى: (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى) .
وزعم آخرون أن تحت الأرض السابعة صخرة. وتحت الصخرة الحوت، وتحت الحوت الماء، وتحت الماء الظلمة، وتحت الظلمة الهواء، وتحت الهواء الثرى.
وقد تقدّم فى الباب الأوّل من هذا الكتاب أن الأرض مخلوقة من الزّبد.
فلا فائدة فى تكراره.
الباب الثانى من القسم الرابع من الفن الأوّل
1- فى تفصيل أسماء الأرضين وصفاتها
، فى الاتساع، والاستواء، والبعد، والغلظ، والصلابة، والسهولة، والحزونة، والارتفاع، والانخفاض، وغير ذلك قال الثعالبىّ: فى كتابه المترجم «بفقه اللغة» وأسنده إلى أئمة اللغة:
__________
[1] كذا بالأصل؟
(1/199)

إذا اتّسعت الأرض ولم يتخللها شجر أو خمر، فهى الفضاء والبراز والبراح؛ ثم الصّحراء والعراء؛ ثم الرّهاء والجهراء.
فإذا كانت مستوية مع الاتّساع، فهى الخبت والجدد؛ ثم الصّحصح والصّردح؛ ثم القاع والقرقر؛ ثم القرق والصّفصف.
فإذا كانت مع الاستواء والاتساع بعيدة الأكناف والأطراف، فهى السّهب والخرق؛ ثم السّبسب والسّملق والملق.
فإذا كانت مع الاتّساع والاستواء والبعد لا ماء فيها، فهى الفلاة والمهمة؛ ثم التّنوفة والفيفاء؛ ثم النّفنف والصّرماء.
فإذا كانت مع هذه الصفات لا يهتدى فيها لطريق، فهى اليهماء والغطشاء.
فإذا كانت تضلّ سالكها، فهى المضلّة والمتيهة.
فإذا لم يكن بها أعلام ولا معالم، فهى المجهل والهوجل.
فإذا لم يكن بها أثر، فهى الغفل.
فإذا كانت قفراء، فهى القىّ.
فإذا كانت تبيد سالكها، فهى البيداء. والمفازة كناية عنها.
فإذا لم يكن فيها شىء من النّبت، فهى المرت والمليع.
فإذا لم يكن فيها شىء، فهى المروراة والسّبروت والبلقع.
فإذا كانت الأرض غليظة صلبة، فهى الجبوب، ثم الجلد، ثم العزاز، ثم الصّيداء، ثم الجدجد.
فإذا كانت صلبة يابسة من غير حصى، فهى الكلد، ثم الجعجاع.
(1/200)

فإذا كانت غليظة ذات حجارة ورمل، فهى البرقة والأبرق.
فإذا كانت ذات حصّى، فهى المحصاة والمحصبة.
فإذا كانت كثيرة الحصى، فهى الأمعز والمعزاء.
فإذا اشتملت عليها كلّها حجارة سود، فهى الحرّة واللّابة.
فإذا كانت ذات حجارة كأنها السكاكين، فهى الحزيز.
فإذا كانت الأرض مطمئنة، فهى الجوف والغائط؛ ثم الهجل والهضم.
فإذا كانت مرتفعة، فهى النّجد والنّشز.
فإذا جمعت الأرض الارتفاع والصّلابة والغلظ، فهى المتن والصّمد، ثم القفّ والفدفد والقردد.
فإذا كان ارتفاعها مع اتّساع، فهى اليفاع.
فإذا كان طولها فى السماء مثل البيت، وعرض ظهرها نحو عشرة أذرع، فهى التّلّ؛ وأطول وأعرض منها الرّبوة والرّابية؛ ثم الأكمة؛ ثم الزّبية، وهى التى لا يعلوها الماء.
وبها ضرب المثل فى قولهم: «بلغ السيل الزّبى» ؛ ثم النّجوة، وهى المكان الذى تظن أنه نجاؤك؛ ثم الصّمّان، وهى الأرض الغليظة دون الجبل.
فإذا ارتفعت عن موضع السيل وانحدرت عن غلظ الجبل، فهى الخيف.
فإذا كانت الأرض لينة سهلة من غير رمل، فهى الرّقاق والبرث؛ ثم الميثاء والدّمثة.
فإذا كانت طيبة التربة كريمة المنبت بعيدة عن الأحساء والنّزوز، فهى العذاة.
فإذا كانت مخيلة للنبت والخير، فهى الأريضة.
فإذا كانت ظاهرة لا شجر فيها ولا شىء يختلط بها، فهى القراح والقرواح.
فإذا كانت مهيأة للزراعة، فهى الحقل والمشارة والدّبرة.
(1/201)

[فإذا لم تهيأ للزراعة، فهى بور] [1] .
فإذا لم يصبها المطر، فهى الفلّ والجرز فإذا كانت غير ممطورة وهى بين أرضين ممطورتين، فهى الخطيطة.
فإذا كانت ذات ندى ووخامة، فهى الغمقة.
فإذا كانت ذات سباخ، فهى السّبخة.
فإذا كانت ذات وباء، فهى الوبئة والوبيئة.
فإذا كانت كثيرة الشجر، فهى الشّجراء والشّجرة.
فإذا كانت ذات حيّات، فهى المحوّاة [2] .
فإذا كانت ذات سباع أو ذئاب، فهى المسبعة والمذأبة.
2- ذكر تفصيل أسماء التراب وصفاته
قال الثعالبىّ رحمه الله تعالى:
الصّعيد، تراب وجه الأرض.
والبوغاء، والدّقعاء، التراب الرّخو الرقيق الذى كأنه ذريرة.
والثّرى، التراب النّدىّ: وهو كل تراب لا يصير طينا لازبا إذا بلّ.
المور، التراب الذى تمور به الريح.
الهباء، التراب الذى تطيّره الريح فتراه على وجوه الناس وجلودهم وثيابهم [يلتزق لزوقا] [3] .
__________
[1] الزيادة من فقه الثعالبى.
[2] كذا ضبط فى فقه اللغة، وفى اللسان: (وأرض محياة ومحواة كثيرة الجيات) وهو الأولى لاطراد هذا الوزن فى مثل ذلك.
[3] الزيادة من فقه الثعالبى.
(1/202)

[والهابى، الذى دقّ وارتفع] [1] .
السّافياء، التراب الذى يذهب فى الأرض مع الريح.
النّبيئة، التراب الذى يخرج من البئر عند حفرها.
الرّاهطاء والدّامّاء، التراب الذى يخرجه اليربوع من جحره ويجمعه..
الجرثومة، التراب الذى يجمعه النمل عند قريته.
العفاء، التراب الذى يعفّى الآثار. وكذلك العفو.
الرّغام، التراب المختلط بالرمل.
السّماد، التراب الذى يسمّد به النبات. فإذا كان مع السّرقين، فهو الدّمال..
3- ذكر تفصيل أسماء الغبار وأوصافه
النّقع والعكوب، الغبار الذى يثور من حوافر الخيل وأخفاف الإبل.
العجاج، الغبار الذى تثيره الريح.
الرّهج والقسطل، غبار الحرب.
الخيضعة، غبار المعركة.
العثير، غبار الأقدام.
المنين ما تقطّع منه.
4- ذكر تفصيل أسماء الطين وأوصافه
قال:
إذا كان الطين حرّا يابسا، فهو الصّلصال.
فإذا كان مطبوخا، فهو الفخّار.
__________
[1] الزيادة من فقه الثعالبى.
(1/203)

فإذا كان علكا لاصقا، فهو اللّازب.
فإذا غيّره الماء وأفسده، فهو الحمأ.
(وقد نطق القرآن بهذه الأسماء الأربعة) .
فإذا كان رطبا، فهو الثّأطة والثّرمطة والطّثرة.
فإذا كان رقيقا، فهو الرّداغ.
فإذا كان ترتطم فيه الدوابّ، فهو الوحل. وأشدّ منه الرّدغة والرّزغة. وأشدّ منها الورطة تقع فيها الغنم فلا تقدر على التخلّص منها؛ ثم صارت مثلا لكل شدّة يقع فيها الإنسان.
فإذا كان حرّا طيبا علكا وفيه خضرة، فهو الغضراء.
فإذا كان مخلوطا بالتبن، فهو السّياع.
فإذا جعل بين اللّبن، فهو الملاط.
5- ذكر تفصيل أسماء الرّمال
قال:
العداب، ما استرقّ [1] من الرمل.
الحبل، ما استطال منه.
اللّبب، ما انحدر منه.
الحقف، ما اعوجّ منه.
الدّعص، ما استدار منه.
__________
[1] فى الأصل: ما اشتدّ. ولكن الذى فى لقاموس وفقه اللغة: ما استرق.
(1/204)

العقدة، ما تعقّد منه.
العقنقل، ما تراكم منه.
السّقط، ما جعل يتقطّع ويتصل منه.
النّهبورة، ما أشرف منه.
التّيهور، ما اطمأنّ منه.
الشّقيقة، ما انقطع وغلظ منه.
الكثيب والنّقا، ما احدودب وانهال منه.
العاقر، ما لا ينبت شيئا منه.
الهدملة، ما كثر شجره منه.
الأوعس، ما سهل ولان منه.
الرّغام، ما لان منه. وليس هو الذى يسيل من اليد.
الهيام، ما لا يتمالك أن يمسك باليد منه للينه.
الدّكداك، ما التبد بالأرض منه.
العانك، ما تعقّد منه حتّى لا يقدر البعير على المسير فيه.
6- ذكر ترتيب كمية الرمل
قال الثعالبىّ:
الكثير يقال له العقنقل.
فإذا نقص، فهو كثيب.
فإذا نقص، فهو عوكل.
(1/205)

فإذا نقص عنه، فهو سقط.
فإذا نقص عنه، فهو عداب.
فإذا نقص، فهو لبب.
وقال فى كتابه «الغريب [1] » :
إذا كانت الرملة مجتمعة، فهى العوكلة.
فإذا انبسطت وطالت، فهى الكثيب.
فإذا انتقل الكثيب من موضع إلى آخر بالرياح وبقى منه شىء رقيق، فهو اللّبب.
فإذا نقص، فهو العداب.
7- ذكر تفصيل أسماء الطرق وأوصافها
قال الثعالبىّ:
المرصاد والنّجد، الطريق الواضح؛ وكذلك الصّراط والجادّة والمنهج واللّقم والمحجّة، وسط الطريق ومعظمه.
واللّاحب، الطريق الموطّأ.
المهيع، الطريق الواسع.
الوهم، الطريق الذى يرد فيه الموارد.
الشّارع، الطريق الأعظم.
النّقب والشّعب، الطريق فى الجبل.
الخلّ، الطريق فى الرمل.
__________
[1] ليس هذا الكتاب الثعالبى؛ وانما هو كتاب «الغريب المصنف» لأبى عمرو الشيبانى؛ الموجود منه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية.
(1/206)

المخرف، الطريق فى الأشجار. ومنه الحديث: «عائد المريض فى مخارف الجنة» .
النّيسب، الطريق المستقيم؛ وقيل إنه الطريق المستدق الواضح، كطريق النمل والحية وحمر الوحش.
والله أعلم.
الباب الثالث من القسم الرابع من الفن الأوّل
فى طول الأرض ومسافتها ذهب المتكلمون فى ذلك أن مسافة الأرض خمسمائة عام: ثلث عمران، وثلث خراب، وثلث بحار؛ وأن مقدار المعمور من الأرض مائة وعشرون سنة: تسعون منها ليأجوج ومأجوج، واثنا عشر للسودان، وثمانية للروم، وثلاثة للعرب، وسبعة لسائر الأمم.
وقيل إن الدّنيا سبعة أجزاء: ستة منها ليأجوج ومأجوج، وواخذ لسائر الناس.
وقيل إن الأرض خمسمائة عام: البحار منها ثلاثمائة، ومائة خراب، ومائة عمران.
وقيل إن الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ: للسودان منها اثنا عشر ألفا، وللروم ثمانية آلاف فرسخ، ولفارس ثلاثة آلاف، وللعرب ألف.
وقال وهب بن منبه: ما العمارة من الدّنيا فى الخرب إلا كفسطاط فى الصحراء.
وقال أردشير بن بابك: إن الأرض أربعة أجزاء: جزء منها للترك، وجزء للعرب، وجزء للفرس، وجزء للسّودان.
(1/207)

وقيل: إن الأقاليم سبعة، والأطراف أربعة، والنواحى خمسة وأربعون، والمدائن عشرة آلاف، والرساتيق مائتا ألف وستة وخمسون ألفا.
وقال الخوارزمىّ صاحب الزيج: دور المعمور سبعة آلاف فرسخ، وهو نصف سدس الأرض، والجبال، والمفاوز، والبحار. والباقى خراب يباب لا نبات فيه ولا حيوان.
ومثّل المعمور بصورة طائر، رأسه الصين، والجناح الأيمن الهند والسند، والجناح الأيسر الخزر، وصدره مكة والعراق والشام ومصر، وذنبه الغرب.
وزعم أصحاب الهيئة أن قطر الأرض سبعة آلاف وأربعمائة وأربعة عشر ميلا، وأن دورها عشرون ألف ميل وأربعمائة ميل. وذلك جميع ما أحاطت به من برّ وبحر.
وإنما علم ذلك وحرر من عبد الله المأمون، وذلك أنه لما أشكل عليه ما ذكره المتقدّمون من مقدار الأرض بعث جماعة من أهل الخبرة بالحساب والنجوم- منهم علىّ بن عيسى- إلى برّية سنجار. وتفرّقوا من هناك. فذهب بعضهم إلى جهة القطب الشمالىّ، وذهب آخرون إلى جهة القطب الجنوبىّ، وسار كل منهم فى جهته إلى أن وصل غاية ارتفاع الشمس نصف النهار، وقد زال وتغير عن الموضع الذى اجتمعوا فيه وتفرّقوا منه، مقدار درجة واحدة. وكانوا قد ذرعوا الطريق فى ذهابهم، فنصبوا السهام، ووتدوا الأوتاد، وشدّوا الحبال. ثم رجعوا وامتحنوا الذرع ثانية، فوجدوا مقدار درجة واحدة من السماء سامتت وجه بسيط الأرض ستة وخمسين ميلا وثلثى ميل. (والميل أربعة آلاف ذراع؛ والذراع ست قبضات؛ والقبضة أربع أصابع؛ والإصبع ست شعيرات، بطون بعضها إلى بعض؛ والشعيرة
(1/208)

ست شعرات من شعر الخيل) . فضربت هذه الأميال فى جميع درجات الفلك، وهى ثلاثمائة وستون درجة، فخرج من الضرب عشرون ألف ميل وأربعمائة ميل.
فحكم بأن ذلك دور الأرض.
وقال أبو زيد أحمد بن سهل البلخىّ: مسافة طول الأرض من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب نحو من أربعمائة مرحلة، ومسافة عرضها من حيث العمران الذى من جهة الشمال (وهو مساكن يأجوج ومأجوج) إلى حيث العمران الذى من جهة الجنوب (وهو مساكن السودان مائتان وعشرون مرحلة؛ وما بين برارى يأجوج ومأجوج والبحر المحيط فى الجنوب خراب ليس فيه عمارة.
ويقال إن مسافة ذلك خمسة آلاف فرسخ.
حكى هذه الأقوال صاحب كتاب «مباهج الفكر ومناهج العبر» رحمه الله.
الباب الرابع من القسم الرابع من الفن الأوّل
1- فى الأقاليم السبعة
ذهب أصحاب الزيجات إلى أن كل إقليم منها كأنّه بساط ممدود، طوله من المغرب إلى المشرق، وعرضه من الجنوب إلى الشمال.
1- فأما الإقليم الأوّل. فمبدؤه من مشرق أرض الصين إلى مدائن أبوابها.
وهى الأنهار التى تدخل السفن فيها من البحر إلى المدائن الجليلة، مثل خانقو وخانفور. [1]
__________
[1] كذا بالأصل والصواب، خانجو عن كتاب «تقويم البلدان» لأبى الفدا.
(1/209)

وفيه جزيرة سرنديب. ومن أرض اليمن ما كان جنوبيا من صنعاء، مثل ظفار وحضرموت وعدن. وفيه من بلد النوبة دنقلة؛ ومن بلد السودان غانة. ثم ينتهى إلى البحر المحيط. وعرضه من خط الاستواء إلى مقدار ما يبعد عنه عشرون درجة وثلاث عشرة دقيقة.
وذهب بعض الناس إلى أن أوّل المعمور من حيث يكون العرض وخط الاستواء اثنتى عشرة درجة ونصف وربع درجة، وفيما بين هذا العرض وخط الاستواء مسكون بطوائف من السودان فى عداد الوحوش والبهائم. وعدّ فيه بطليموس من البلاد ذوات العروض ستين مدينة. وأهل هذا الإقليم سود، وهو قليل الساكن لإفراط حرّه.
2- وأما الإقليم الثانى. فيبتدئ من بلاد الصين، ويمرّ على بعض بلاد الهند الساحلية، مثل تانة [1] ، وصيمور، وسندان؛ ومن بلاد السند على المنصورة وديبل، ثم يبلغ عمان. ويكون فيه من أرض العرب: نجران، وهجر، وجنّابة [2] ، ومهرة، وسبأ، وتبالة، والطائف، وجدّة، ومكّة، والمدينة، ومملكة الحبشة، وأرض البجة، وأسوان، وقوص، والصعيد الأعلى، وجنوب بلاد المغرب حتّى ينتهى إلى البحر المحيط؛ وعرضه من غاية الإقليم الأوّل إلى سبع وعشرين درجة واثنتى عشرة دقيقة.
وزعم بطليموس أن فيه أربعمائة وخمسين مدينة. وأهله بين السمرة والسواد، وهو كثير الذهب.
__________
[1] اسم لمدينة ببلاد الهند. قال البيرونى: هى على الساحل. والنسبة اليها «تانشى» ومنها الثياب التانشية (انظر تقويم البلدان) .
[2] فى معجم ياقوت: جنابة بلدة صغيرة من سواحل فارس، وهى فى الاقليم الثالث. وفى «تقويم البلدان» (جنابة بلدة قد خرب غالبها، وهى فرضة لفارس، وضبطها ابن خلكان بفتح الجيم والمشهور الضم) .
(1/210)

3- وأما الإقليم الثالث. فمبدؤه من شرق أرض الصين، وفيه مدينة مملكتها، حمدان [1] ؛ وفيه من بلاد الهند تانش والقندهار، ومن بلاد السند المولتان وقزدار [2] . ثم يمرّ ببلاد سجستان، وكرمان، وفارس، وأصبهان، والأهواز، والبصرة، والكوفة، وأرض بابل، وبلاد الجزيرة، والشام، وفلسطين، وبيت المقدس، والقلزم، والتّيه، وأرض مصر، والإسكندرية، وبلاد برقة، وإفريقيّة، وتاهرت، وبلاد طنجة، والسّوس، وينتهى إلى البحر المحيط. وعرضه من غاية الإقليم الثانى فى العرض إلى تمام ثلاث وثلاثين درجة وتسع وأربعين دقيقة.
وزعم بطليموس أن فيه تسعا وخمسين مدينة. وأهله سمر.
4- وأما الإقليم الرابع. فمبدؤه من أرض الصين، ويمرّ على التّبّت والحنق [3] ، ثم على جبال قشمير، ووخان [4] ، وتل حسان، وكابل، والغور، وهراة، وبلخ، وطخارستان؛ ويمتدّ إلى الرىّ، وقمّ، وهمذان، وحلوان [5] ، وبغداد، والموصل، وأذربيجان، ويمتدّ على منبج، وطرسوس، والثغور، وأنطاكية، وجزيرة قبرس، وصقلّيّة، ثم على الزّقاق إلى البحر المحيط؛ وعرضه من غاية الإقليم الثالث فى العرض إلى تتمة تسع وثلاثين درجة وعشرين دقيقة.
__________
[1] هكذا بالأصل. ولعل المراد مدينة واقعة على النهر المشهور باسم خمدان ببلاد الصين.
[2] فى الأصول: «كرورا» وليس بالسند بلد بهذا الاسم. ويترجح أن النساخين حرفوه عن «كردار» ، ويقال فيه «قصدار» (انظر معجم ياقوت) .
[3] فى ياقوت: والختن.... وبرجان، وبذخشان. وهو الصواب.
[4] لم نعثر على بلدة بهذا الاسم ولعلها محرفة عن «وخش» وهى كما فى معجم ياقوت: بلدة من نواحى بلخ. وفى «تقويم البلدان» : انها بلدة بما وراء النهر فى الاقليم الرابع.
[5] أى حلوان العراق، لا حلوان مصر.
(1/211)

وزعم بطليموس أن فيه مائة وثلاثين مدينة. وأهله بين السمرة والبياض.
5- وأما الإقليم الخامس. فمبدؤه من أرض الترك المشرفين على يأجوج ومأجوج إلى كاشغر، وبلاساغون، وفرغانة، وإسبيجاب، [1] والشّاش، وأشروسنة، وسمرقند، وبخارى، وخوارزم، وبحر الخزر إلى باب الأبواب، وبرذعة، وميّافارقين، ودروب الروم، وبلادهم. ثم يمرّ على رومية الكبرى، وأرض الجلالقة [2] ، وبلاد الأندلس؛ وينتهى إلى البحر المحيط. وعرضه من غاية الإقليم الرابع إلى تمام ثلاث وأربعين درجة وثمانى عشرة دقيقة.
وذكر بطليموس أن فيه سبعا وتسعين مدينة. وأكثر أهله بيض.
6- وأما الإقليم السادس. فمبدؤه من مساكن ترك المشرق، وهم الخرخيز، والكيماك، والتّغزغر، ثم على بلاد الخوز من شمال تخومها، واللّان، والسّرير، وأرض برجان، ثم على قسطنطينيّة، وأفرنجة [3] ، وشمال الأندلس؛ وينتهى إلى البحر المحيط؛ وعرضه من غاية الإقليم الخامس إلى تمام سبع وأربعين درجة وخمس عشرة دقيقة.
وزعم بطلميوس أن فيه ثلاثا وثلاثين مدينة، وهو كثير الإمداد والثلوج. وأهله بيض الأبدان، شقر الشعور.
7- وأما الإقليم السابع. فليس فيه كبير عمارة، وإنما هو فى المشرق غياض وجبال يأوى إليها طوائف من الترك كالمتوحشين. ويمرّ على بلاد البجناك، ثم على بلاد البلغار، ثم على الروس والصقالبة، وينتهى إلى البحر المحيط. وعرضه من غاية
__________
[1] هى المشهورة أيضا باسم: إسفيجاب.
[2] أهل جلّيقيّة بشمال الأندلس.
[3] أى فرنسا.
(1/212)

الإقليم السادس إلى تتمة خمسين درجة ونصف. وفيه الأرض المحفورة، وهى وهدة لا يقدر أحد أن ينزل إليها، ولا أن يصعد منها من هو فيها لبعد قعرها. يسكنها أمّة من الناس لا يدرى من هم. وإنما علم أنها معمورة برؤية الدّخان فيها نهارا، والنار ليلا. يشقها نهر يجرى، والعمارة محيطة به.
وزعم بطليموس أن فيها ثلاثا وعشرين مدينة. وأهل هذا الإقليم بيض صهب الشعور.
وما بقى من المعمور إلى نهايته إلى ثلاث وستين درجة مضاف إلى هذا الإقليم ومحسوب فيه. يسكنه طوائف من الناس، هم بالبهائم فى الخلق والخلق أشبه منهم ببنى آدم.
2- ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الأرض
يقال:
أحمل من الأرض. أكتم من الأرض. أصبر من الأرض. آمن من الأرض.
أوثق من الأرض. أوطأ من الأرض. أحفظ من الأرض. أكثر من الرمل.
أظلم من الرمل. أعطش من الرمل. أوجد من التراب.
ويقال:
قتل أرضا عالمها، وقتلت أرض جاهلها. رماه بين سمع الأرض وبصرها. أخذت الأرض زخارفها. أفق قبل أن يحفر ثراك. ابتغوا الرزق فى خبايا الأرض.
ومن أنصاف الأبيات:
الأرض من تربة والناس من رجل
أنّى تمطر الأرض السماء
(1/213)

ومن الأبيات:
والأرض لا تطعم من فوقها ... إلا لكى تطعم من تطعمه
وقال آخر:
إذا الأرض أدّت ريع ما أنت زارع ... من البذر، فهى الأرض. ناهيك من أرض!
وقال آخر:
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا، ... فكم تحتها قوم همو منك أرفع!
وقال آخر:
يا أرض كم وافد أتاك فلم ... يرجع إلى أهله ولم يؤب!
3- ذكر شىء مما قيل فى وصف الأرض وتشبيهها
قال الأخطل:
وتيهاء ممحال كان نعامها ... بأرجائها القصوى أباعر همّل.
ترى لامعات الآل فيها كأنّها ... رجال تعرّى تارة وتسربل.
وجوز فلاة لا يغمّض ركبها ... ولاعين هاديها من الخوف تغفل.
وكلّ بعيد الغور لا يهتدى له ... بعرفان أعلام ولا فيه منهل.
ملاعب جنّان كأنّ ترابها ... إذا اطّردت فيها الرّياح تغربل.
ترى الثعلب الحولىّ فيها كأنّه ... إذا ما علا نشزا حصان محجّل.
وقال ذو الرمّة:
ودوّيّة جرداء جدّاء خيّمت ... بها هبوات الصّف من كلّ جانب.
سباريت يخلو سمع مجتازها بها ... من الصّوت، إلا من صياح الثّعالب.
(1/214)

وقال ذو الرمّة:
وهاجرة السّراب من الموامى ... ترقّص فى عساقلها الأروم.
تموت قطا الفلاة بها أواما ... ويهلك فى جوانبها النّسيم.
مللت بها المقام فأرقتنى ... هموم لا تنام ولا تنيم.
وقال ضابئ البرجمىّ:
وداويّة تيه يحاربها القطا ... على من علاها من ضلول ومهتدى.
مسافهة للعيس ناء نياطها؛ ... إذا سار فيها راكب، لم يغرّد.
وقال مسلم بن الوليد:
وقاطعة رجل السّبيل مخوفة ... كأنّ على أرجائها حدّ مبرد.
مؤزّرة بالآل فيها كأنّها ... رجال قعود فى ملاء معمّد.
وقال الصاحب بن عباد:
وتيهاء لم تطمث بخفّ وحافر ... ولم يدر فيها النّجم كيف يغور.
معالمها أن لا معالم بينها، ... وآياتها أنّ المسير غرور.
ولو قيل للغيث، اسقها: ما اهتدى لها ... ولو ظلّ ملء الأرض وهو جزور.
تجشّمتها، واللّيل وحف جناحه ... كأنّى سرّ والظّلام ضمير.
وقال الشريف الرضى:
وتنوفة حصباؤها ... خلقت لنار القيظ جمرا.
تبدى جنادبها الأن ... ين أسى على المجتاز ظهرا.
وترى بها العصفور متّ ... خذا وجار الضّبّ وكرا.
(1/215)

وقال المتنبى:
مهالك لم يصحب بها الذّئب نفسه ... ولا حملت فيها الغراب قوادمه.
وقال ابراهيم بن خفاجة الاندلسى:
ومفازة لا نجم فى ظلمائها ... يسرى ولا فلك بها دوّار.
تتلهّب الشّعرى بها فكأنّها ... فى كفّ زنجىّ الدّجى دينار.
ترمى بها الغيطان فيها والرّبى ... آل كما يتموّج التّيّار.
والقطب ملتزم لمركزه بها ... فكأنّه فى ساجه مسمار.
قد لفّنى فيها الظّلام وطاف بى ... ذئب يلمّ مع الدّجى زوّار.
طرّاق ساحات الدّيار مغاور ... خبث لأبناء السّرى غدّار.
يسرى، وقد فضح الدّجى وجه الضّيا، ... فى فروة قد مسّها اقشعرار.
فعشوت فى ظلماء لم يقدح بها ... إلا لمقلته، وبأسى نار.
ورفلت فى خلع علىّ من الدّجى ... عقدت بها من أنجم أزرار.
واللّيل يقصر خطوه، ولربّما ... طالت ليالى الرّكب وهى قصار.
وقال آخر:
ومجهولة الأعلام طامسة الصّوى ... إذا عسفتها العيس بالرّكب، ضلّت.
إذا ما تهادى الرّكب فى فلواتها، ... أجابت نداء الرّكب فيها فأصدت.
وقال مسعود، أخوذى الرمّة يصف بعد فلاة:
ومهمهه فيها السّراب يلمح ... يدأب فيها القوم حتّى يطلحوا.
ثمّ يظلّون كأن لم يبرحوا ... كأنّما أمسوا بحيث أصبحوا.
(1/216)

وقال مسلم:
تجرى الرّياح بها مرضى مولّهة ... حسرى تلوذ بأطراف الجلاميد.
وقال آخر:
ودوّيّة مثل السّماء قطعتها ... مطوّقة آفاقها بسمائها.
وقال بعض الاعراب [1] فى الآل:
كفى حزنا أنّى تطاللت كى أرى ... ذرى علمى دمخ فما يريان!
كأنّهما، والآل ينجاب عنهما، ... من البعد عينا برقع خلقان.
قال أبو هلال: وهذا من أغرب ما روى من تشبيهات القدماء.
وقال آخر:
والآل تنزو بالصّوى أمواجه ... نزوالقطا الكدرىّ فى الأشراك.
والظّلّ مقرون بكلّ مطيّة ... مشى المهار الدّهم بين رماك.
وقال ابن المعتز:
وما راعنى بالبين إلا ظعائن ... دعون بكائى، فاستجاب سواكبه.
بدت فى بياض الآل والبعد دونه ... كأسطر رقّ أمرض الخطّ كاتبه.
__________
[1] هو طهمان بن عمرو الدارمى، كما فى ياقوت. وأورد القصيدة بتمامها، وهى 15 بيتا. (معجم البلدان، مادة دمخ) .
(1/217)

الباب الخامس من القسم الرابع من الفن الأوّل
1- فى الجبال
قال الله تعالى: « «وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ» *.
قال المفسرون: خلق الله عز وجل الأرض على الماء فمادت وتكفّأت، كما تتكفّأ السفينة، فأثبتها بالجبال. ولولا ذلك ما أقرّت عليها خلقا.
وروى أبو حاتم فى كتاب العظمة، أن النبىّ (صلى الله عليه وسلم) قال: «إن الله تعالى لما خلق الأرض، جعلت تميد. فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرّت. فعجبت الملائكة من خلق الجبال، وقالت: يا رب هل خلقت خلقا أشدّ من الجبال؟ قال:
الحديد، قالت: فهل من خلق أشدّ من الحديد؟ قال: النار، قالت: فهل من خلق أشدّ من النار؟ قال: الماء، قالت: فهل من خلق أشدّ من الماء؟ قال:
الريح، قالت: فهل من خلق أشدّ من الريح؟ قال: ابن آدم، يتصدّق بيمينه فيخفيها عن شماله» .
وعن ابن عباس (رضى الله عنهما) أنه قال: «كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأرض. فبعث الله ريحا فعصفت الماء فأبرز عن حشفة فى موضع البيت. فدحا الأرض من تحتها فمادت فأوتدها بالجبال» .
فكان أوّل جبل وضع، جبل أبى قبيس. وهو الجبل المطلّ على الكعبة.
وفى كنيته بأبى قبيس قولان:
أحدهما- أن آدم كناه بذلك حين اقتبس منه النار التى بين أيدى الناس (وقد تقدّم بيان ذلك فى الباب الرابع من القسم الثانى من هذا الفنّ فى ذكر النّيران) .
(1/218)

الثانى- أنه أضيف إلى رجل من جرهم كان يتعبد فيه، اسمه أبو قبيس.
ويقال فيه أبو قابوس، وشيخ الجبال. وكان من قبل يسمّى بالأمين.
وقال محمد بن السائب الكلبىّ: «إن الله عز وجل لما خلق الأرض، مادت بأهلها. فضربها بجبل السّراة فاطمأنت» .
وهو أعظم جبال العرب وأكثرها خيرا، ويسمّى الحجاز. وهو الذى حجز بين تهامة ونجد. فتهامة من جهته الغربية مما يلى البحر، ونجد من جهته الشرقية.
وهو آخذ من قعر عدن إلى أطرار [1] الشأم» . ويسمّى هناك جبل لبنان. فإذا تجاوز اللاذقية ومرّ بالثغور، سمّى جبل اللّكّام. ثم يمتدّ فى بلاد الروم إلى بلاد أرمينية، فيسمّى هناك حارثا وحويرثا. ثم يمتدّ إلى بحر الخزر، وفيه «الباب والأبواب» .
وقال بعض المفسرين فى قوله تعالى: «ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ»
إنه جبل محيط بالعالم من زمرّدة خضراء، وإن جبال الدّنيا متفرّعة عنه.
وقال قوم: إن السماء مطبقة عليه والشمس تغرب فيه، وهو الحجاب الساتر لها عن أعين الناس، فى أحد الوجوه المفسّر بها قوله تعالى: «حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ» .
وقال قوم: إن منه إلى السماء مقدار ميل، وإن الذى يرى من خضرة السماء مكتسب من لونه.
وقال ابن حوقل: جميع الجبال الموجودة فى الدّنيا متفرّعه عن الجبل الخارج من بلاد الصين، مشرقا ذاهبا على خط مستقيم إلى بلاد السودان مغرّبا.
__________
[1] فى الأصل أطبران، وهو تحريف. والتصحيح عن البكرى: أطرار الشام وفيه فى موضع آخر «أطراف بوادى الشام» ومثل هذا فى ياقوت. وأطرار الوادى نواحيه وكذلك أطرار البلاد والطريق واحدها طر. وأطرار البلاد أطرافها. (عن تاج العروس) .
(1/219)

وقال أبو الفرج قدامة بن جعفر فى «كتاب الخراج» : وجدت خلف خط الاستواء فى الجنوب وقبل الإقليم الأوّل جبالا تسعة: خمسة منها متقاربة المقادير، أطوالها ما بين أربعمائة ميل إلى خمسمائة ميل؛ وجبلا طوله سبعمائة ميل؛ وجبل القمر، وطوله ألف ميل؛ وجبلا بعضه وراء خط الاستواء، وبعضه فى الإقليم الأوّل؛ وجبلا بعضه وراء خط الاستواء، وبعضه فى الإقليم الثانى.
قال: ومجموع ما عرف فى الأقاليم السبعة من الجبال مائة وثمانية وتسعون جبلا.
منها فى الإقليم الأوّل سبعة عشر جبلا، وفى الإقليم الثانى تسعة وعشرون جبلا، وفى الإقليم الثالث أحد وثلاثون جبلا، وفى الإقليم الرابع أربعة وعشرون جبلا، وفى الإقليم الخامس تسعة وعشرون جبلا، وفى الإقليم السادس أربعة وعشرون جبلا، وفى الإقليم السابع أربعة وأربعون جبلا.
2- ذكر أسماء ما ارتفع من الأرض إلى أن يبلغ الجبيل
ثم ما ارتفع عن ذلك إلى أن يبلغ الجبل العظيم، وترتيب ذلك قال الثعالبىّ فى كتابه المترجم «بفقه اللغة» وأسنده إلى أئمتها:
أصغر ما ارتفع من الأرض النّبكة؛ ثم الرابية أعلى منها؛ ثم الأكمة؛ ثم الزّبية؛ ثم النّجوة؛ ثم الرّيع؛ ثم القفّ؛ ثم الهضبة (وهى الجبل المنبسط على الأرض) ؛ ثم القرن (وهو الجبل الصغير) ؛ ثم الدّكّ (وهو الجبل الذليل [1] ) ؛ ثم الضّلع (وهو الجبل الذى ليس بالطويل) ؛ ثم النّيق (وهو الجبل الطويل) ؛ ثم الطّود؛ ثم الباذخ والشّامخ؛ ثم الشّاهق؛ ثم المشمخرّ؛ ثم الأقود والأخشب؛ ثم الأيهم؛ ثم القهب (وهو العظيم) ؛ ثم الخشام.
__________
[1] فى الأصل: الجبل الدكيك. وقد اعتمدنا ما فى القاموس وفقه اللغة أيضا.
(1/220)

3- ذكر ترتيب أبعاض الجبل
قال الثعالبىّ:
أوّل الجبل الحضيض، وهو القرار من الأرض عند أصل الجبل.
ثم السّفح، وهو ذيله.
ثم السّند، وهو المرتفع فى أصله.
ثم الكيح، وهو عرضه.
ثم الحضن، وهو ما أطاف به.
ثم الرّيد، وهو ناحيته المشرفة على الهواء.
ثم العرعرة، وهى غلظه ومعظمه.
ثم الحيد، وهو جناحه.
ثم الرّعن، وهو أنفه.
ثم الشّعفة، وهى رأسه.
وقال صاحب كتاب «الفاخر» : يقال من أسماء الجبال: العظيم منها الطّور، والطّود، والكفر، والقهب، والعمود، والعلم، والأرعن، [1] والمشمخرّ.
والأيهم الطويل، وهو الشامخ، والشاهق، والباذخ، والباسق، والأقود.
والأخشب، الخشن.
والعقاب، الصّعاب.
والثّنايا، التى ليست بصعبة.
__________
[1] كذا بالأصل: والذى فى القاموس واللسان والمخصص (الرّعن أنف الجبل المتقدّم أو الجبل.
الطويل) فما هنا من تحريف النساخ.
(1/221)

والهرشمّ، النّخر.
والخشام، جبل طويل ذو أنف.
والوزر، والملجأ، والقلعة، ما يحصّن فيه.
والقرن، جبل صغير.
والضّلع والدّكّ، فيه دقّة وانحناء.
والنّيق، الذى لا يستطاع أن يرتقى إليه.
وأعلى الجبل قلّته وقنّته وذؤابته.
وعرعرته، غلظه.
والفند، القطعة منه.
وشعفه ومصاده، أعلاه.
والكيح والكاح، عرضه.
والرّكح [1] ، ناحيته المشرفة على الهواء.
والحضيض، أسفله.
قال: وصغار الجبال، اليفع، والضّرس، والضّرب والعنتيبة [2] ، والعنتوت، والأكمة، والهضبة.
والذّريحة، ما انبسط على وجه الأرض.
واللّوذ، حضن الجبل وما يطيف به.
__________
[1] فى الأصل: الوكح بالواو. وهو تصحيف من الناسخ. وقد صححناه اعتمادا على ما فى القاموس والمخصص.
[2] كذا بالأصل ولم نعثر عليها فى القاموس واللسان والمخصص.
(1/222)

والرّيد والرّيود، نواحيه المحدّدة.
والحيد، شاخص يتقدّم كالجناح. ومثله الشّنعوف.
والصّدع والشّقب، شقّ فيه.
والغار والكهف، مثل البيوت فيه.
والقردوعة، الزاوية فيه.
واللهب والنّفنف والغار، مهواة بين جبلين.
والشّؤون، خطوط فيه.
والمخرم، منقطع أنفه.
والقرناس، شبه الأنف.
والإرم، العلم فيه.
4- ذكر ترتيب مقادير الحجارة
قال الثعالبى:
إذا كانت صغيرة، فهى حصاة.
فإذا كانت مثل الجوزة وصلحت للاستنجاء بها، فهى نبلة. وفى الحديث:
«اتّقوا الملاعن وأعدّوا النّبل» . يعنى عند إتيان الغائط.
فإذا كانت أعظم من الجوزة، فهى قنزعة.
فإذا كانت أعظم منها وصلحت للقذف، فهى مقذاف ورجمة ومرداة. ويقال:
إن المرداة، حجر الضبّ الذى ينصبه علامة لحجره.
فإذا كانت ملء الكفّ، فهى يهيرّ.
(1/223)

فإذا كانت أعظم منها، فهى: فهر، ثم جندل، ثم جلمد، ثم صخرة، ثم قلعة. وهى التى تنقلع من عرض الجبل. وبها سميت القلعة التى هى الحصن.
وقال صاحب كتاب «الفاخر» : من أسمائها، الحجارة؛ والجلمود والجلمد الحجر الصّلب.
والبرطيل، الصّخرة العظيمة.
والصّفوان، الأملس.
والرّضمة، الحجر العظيم.
والأتان، صخرة فى مسيل ماء أو حافة نهر.
والإزاء، التى عند مهراق الدلو.
والرّجمة، ما تطوى به البئر.
والكذّان، الرخو.
واليرمع، الأبيض الرّخو.
والمدقّ والمداك والصّلاية، حجر العطار الذى يسحق عليه العطر.
والفهر، ما يملأ الكفّ ويسحق به العطر.
والمرداة، ما يكسر به الحجر.
والمرداس، ما يرمى به فى البئر لينظر أفيها ماء أم لا. قال الشاعر:
من جعل العدّ القديم الّذى ... أنت له عدّة أحراس،
إلى ظنون أنت من مائه ... منتظر رجعة مرداس.
والنّشف، حجر تدلك به الرّجل فى الحمّام.
والنّقل، ما كان في طرق الجبال.
(1/224)

والأثفيّة، ما ينصب عليه القدر.
والقلاعة، ما يرمى به فى المقلاع.
والظّرّان، حجارة محدّدة يذبح بها.
والصّفيح، ما رقّ منه وعرض.
واللّخاف، حجارة عراض.
والفلك، قطعة مستديرة وترتفع عما حولها.
والمدملك، المدوّر.
والكليت، حجر مستدير يسدّ به وجار الضّبع.
والبلّيت، [1] التام.
وقال ابن الأعرابىّ: القبيلة، صخرة على رأس البئر؛ والعقابان من جنبتيها يعضدانها.
ومنها المرو، وهى البيض كالحصى.
والحصباء، الصغار.
والرّضراض، نحوها.
والقضيض، أصغر منها.
والزّنانير، واحدها زنّير، أصغر ما يكون.
__________
[1] كذا بالأصل وعبارة القاموس (والبليت كسكّيت لفظا ومعنى) واللسان (ولبلّيت الرجل الرّمّيت) وهو الحليم الساكن القليل الكلام.
(1/225)

5- ذكر ما يتمثّل به مما فيه ذكر الجبال والحجارة
ما جاء من ذلك على لفظ أفعل. يقال:
أثقل من ثهلان. أثقل من نضاد. أثقل من أحد. أصلب من الحجر. أصلب من الجندل. أقسى من الحجر. أصبر من حجر. أيبس من صخر. أبقى من النّقش فى الحجر.
ويقال:
رمى فلان بحجره. ردّ الحجر من حيث جاءك. وجّه الحجر وجهة ما، أى دبّر الأمر على وجهه. ألقمه الحجر، أى جاوبه بجواب مسكت. رماه بثالثة الأثافى. أنجد من رأى حضنا (وحضن جبل بنجد) أى من رآه لم يحتج أن يسأل هل بلغ نجدا أم لا.
الليل يوارى حضنا، أى يخفى كل شىء حتّى الجبل.
ومن أنصاف الأبيات:
كأنّه علم فى رأسه نار
إذا قطعنا علما بدا علم
قوموا انظروا كيف تزول الجبال
(يضرب لموت الرؤساء) .
جندلتان اصطكّتا اصطكاكا
(يضرب لقرنين يتصاولان) .
ومن الأبيات:
ولو بغى جبل يوما على جبل، ... لانهدّ منه أعاليه وأسفله!
تتناثر الأطواد وهى شوامخ ... حتّى تصير مداوس الأقدام.
جد فقد تنفجر للصّخ ... رة بالماء الزّلال.
(1/226)

6- ذكر شىء مما قيل فى وصف الجبال وتشبيهها
قال السموءل بن عاديا:
لنا جبل يحتلّه من نجيره ... منيع يردّ الطّرف وهو كليل!
رسا أصله تحت الثّرى وسمابه ... إلى النّجم فرع لا يرام طويل!
وقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسىّ:
وأرعن طمّاح الذّؤابة باذخ ... يطاول أعنان السّماء بغارب.
يصدّ مهبّ الرّيح من كلّ وجهة ... ويزحم ليلا شهبه بالمناكب.
وقور على ظهر الفلاة كأنّه ... طوال اللّيالى ناظر فى العواقب.
يلوث عليه الغيم سود عمائم ... لها من وميض البرق حمر ذوائب.
أصخت إليه وهو أخرس صامت ... فحدّثنى ليل السّرى بالعجائب.
وقال: ألاكم كنت ملجأ فاتك ... وموطن أوّاه وموئل تائب!
وكم مرّ بى من مدلج ومؤوّب ... وقال بسفحى من مطىّ وراكب!
ولاطم من نكب الرّياح معاطفى ... وزاحم من خضر البحار جوانبى!
فما كان إلّا أن طوتهم يد الرّدى ... فطارت بهم ريح النّوى والنّوائب.
وما غيّض السّلوان دمعى وإنّما ... نزفت دموعى من فراق الأصاحب.
وأسمعنى من وعظه كلّ عبرة ... يترجمها عنه لسان التّجارب.
فسلّى بما أبكى، وسرّ بما شجى، ... وكان على ليل السّرى خير صاحب.
وقلت وقد نكّبت عنه مطيّتى: ... سلام فإنّا من مقيم وذاهب!
(1/227)

وقال أيضا عفا الله عنه:
وأشرف طمّاح الذّؤابة شامخ ... تمنطق بالجوزاء ليلا، له خصر.
وقور على مرّ اللّيالى كأنّما ... يصيخ إلى نجوى وفى أذنه وقر.
تمهّد منه كلّ ركن زكابه ... فقطّب إطراقا وقد ضحك البدر.
ولاذ به نسر السّماء كأنّما ... يجرّ إلى وكر به ذلك النّسر.
فلم أدر من صمت له وسكينة ... أكبرة سنّ وقّرت منه أم كبر.
وقال أيضا يصفه نثرا من رسالة كتبها إلى بعض الرؤساء:
وكيف لى بقربك ودونك كل علم باذخ، مجّ الليل عليه رضابه، وصافحت النجوم هضابه؛ قد ناء بطرفه، وشمخ بأنفه، وسال الوقار على عطفه؛ قد لاث من غمامه عمامه، وأرسل من ربابه ذؤابه؛ تطرّزها البروق الخواطف، وتهفو بها الرياح العواصف؛ بحيث مدّه البسيط بساطا، وضربت السماء فسطاطا.
الباب السادس من القسم الرابع من الفن الأوّل
1- فى ذكر البحار والجزائر
روى عن ابن عباس (رضى الله عنهما) أنه قال: «لما أراد الله عز وجل أن يخلق الماء خلق ياقوتة خضراء ووصف من طولها وعرضها وسمكها، ثم نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء يترقرق لا يثبت فى ضحضاح. فما يرى من التموّج والاضطراب إنما هو ارتعاده من خشية الله تعالى؛ ثم خلق الريح فوضع الماء على متنه؛ ثم خلق العرش ووضعه على متن الماء» . وفسر بهذا قوله عز وجل: «وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ» .
(1/228)

2- ذكر بحار المعمور من الأرض
وبحار المعمور ثلاثة: أعظمها البحر المحيط، ثم بحر ما نيطش [1] ، ثم بحر الخزر.
فأما البحر المحيط وجزائره، ويسمّى باليونانية أوقيانوس، ويسمّى بحر الظلمات، سمّى بذلك لأن ما يتصاعد من البخار عنه لا تحلله الشمس لأنها لا تطلع عليه. فيغلظ ويتكاثف فلا يدرك البصر هيئته. ولعظم أمواجه، وتكاثف ظلمته، وغلظ مائه، وكثرة أهوائه، لم يعلم العالم من حاله إلا بعض سواحله وجزائره القريبة من المعمور.
والذى علم به من الجزائر ستة من جهة المغرب، تسمّى جزائر السعادات، والجزائر الخالدات.
قال أبو عبيد البكرىّ فى كتابه المترجم «بالمسالك والممالك» : وبإزاء طنجة الجزائر المسماة باليونانية، فرطناتس أى السعيدة. وسميت بذلك لأن فى شعرائها [2] وغياضها كلّها أصناف الفواكه الطيبة من غير غراسة ولا فلاحة، وأن أرضها تحمل الزرع مكان العشب، وأصناف الرياض بدل الشوك. وهى متفرّقة متقاربة.
ويقال إن بعض المراكب عصفت عليها الريح فألقتها إلى جزيرة من هذه الجزائر، فنزل من فيها من الركاب إليها، فوجدوا فيها من أنواع أشجار الفواكه وأشجار الأفاويه وأنواع اليواقيت كل مستحسن. فحملوا منه ما أطاقوا ودخلوا به بلاد الأندلس.
فسألهم ملكها من أين لهم هذا. فأخبروه بأمرهم، فجهز مراكب وسيرها، فلم يقفوا على حزيرة منها. وعدمت المراكب لعظم البحر وشدّة عصف الريح فلم يرجع منها شىء.
__________
[1] كذا فى الأصل، وفى كثير من كتب الجغرافية العربية: وهو المعروف فى كتب الجغرافية العربية مثل أبى الفدا ببحر أزق، وعند الأتراك ببحر آزوف.
[2] الشعراء: الأرض ذات الشجر.
(1/229)

ويقال إن هذه الجزائر مسكونة بقوم هم بالوحوش أشبه منهم بالناس. وبينها وبين ساحل البحر عشرة أجزاء.
ويقال إن فى جهة المشرق مما يلى بلاد الصين ستة جزائر أخرى، تسمّى جزائر السيلى. يقال إن ساكنيها قوم من العلويين، وقعوا إليها لما هربوا من بنى أمية.
ويقال إن جزائر السيلى لم يدخلها أحد من الغرباء وطاوعته نفسه على الخروج منها لصحة هوائها ورقة مائها، وإن كان منها فى عيش قشيف.
وفى هذا البحر من الجزائر العامرة جزيرة برطانية، وهى تحاذى جزيرة الأندلس، وأهلها صهب الشعور، زرق العيون.
ومما يلى بلاد إفرانسية جزائر يغمرها خلق من الفرنج، لا ينقادون لبلد، ولا يدينون بدين.
وفيما يلى الأرض الكبيرة جزيرة ذات أبرجة، يحيط بها سبعمائة ميل وخمسون ميلا، وفيها أربع مدائن، فى كل مدينة ملك.
وجزيرة برفاغة. يحيط بها أربعة آلاف ميل، وفيها ثلاث مدائن عامرة.
والدّاخل إليها قليل. وهى كثيرة الأنواء والأمطار. وأهلها يحصدون زرعها قبل جفافه لقلة طلوع الشمس عندهم، ويجعلونه فى بيت ويوقدون النار حوله حتّى يجف.
وجزيرة أنقلطرة. فيها مدائن عامرة، وجبال شاهقة، وأودية، وأرض سهلة.
والشتاء بها دائم. وبين هذه الجزيرة والبر مجاز سعته اثنا عشر ميلا.
(1/230)

وفيه مما يلى الصقالبة جزيرتان: إحداهما جزيرة أمرنانيوس النساء، لا يسكنها غير النساء فقط. وتسمّى الأخرى أمرنانيوس الرجال، لا يسكنها غير الرجال. وهم فى كل عام يجتمعون زمان الربيع، ويتناكحون نحوا من شهر ثم يفترقون.
ويقال إن هاتين الجزيرتين لا يكاد يقع طرف أحد عليهما لكثرة الغمام، وظلمة البحر، وعظم الأمواج.
3- ذكر ما يتفرّع من البحر المحيط
يتفرّع من البحر المحيط خليجان: أحدهما من جهة المغرب، ويسمى البحر الرومىّ. والآخر من جهة المشرق، ويسمّى البحر الصينىّ، والهندىّ، والفارسىّ، واليمنىّ، والحبشىّ، بحسب ما يمرّ عليه من البلاد.
وهما المرادان بقوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ) .
أى لا يبغى هذا على هذا.
والبرزخ أرض بين الفرما التى هى على بحر الروم، وبين مدينة القلزم التى هى على بحر الحبش [1] ، مسافتها ثلاثة أيام. وقيل: البرزخ إرسال ماء البحر الحلو على ماء البحر الملح، لأنه مغيض له. فلا سبيل لأحدهما على الآخر، بل جعل الله بينهما حاجزا وهو البرزخ.
فأما البحر الرومىّ وجزائره، فإن المؤرّخين قالوا إن الإسكندر حفره وأجراه من البحر المحيط. ويقولون إن جزيرة الاندلس وبلاد البربر كانت أرضا واحدة يسكنها الإشبان والبربر. وكان بعضهم يغير على بعض، والحرب بينهم سجال. فلما
__________
[1] فى الأصل بحر فارس. وكان الأصوب أن يعبر باللفظ الذى اختاره لهذا المقام، وهو البحر الحبشى
(1/231)

ملك الإسكندر، رغب إليه الإشبان فيما يحول بينهم وبين البربر. فرأى ان يجعل بينهما خليجا من البحر يمكن به احتراس كل طائفة من الأخرى. فحفر زقاقا طوله ثمانية عشر ميلا، وعرضه اثنا عشر ميلا. وبنى بجانبيه سكرين [1] ، وعقد بينهما قنطرة يجاز عليها، وجعل عليها حرّاسا يمنعون الجواز عليها من جهة البربر إلا بإذن من جعله نائبا عنه فى بلاد الإشبان. وكان قاموس البحر أعلى من أرض الزقاق، فطما وغطّى السّكرين والقنطرة، وساق بين يديه بلادا وطغا على أخرى. حتّى إن المسافرين فيه يخبرون أن المراكب فى بعض الأوقات يتوقف سيرها فيه مع وجود الريح.
فيسبرون أمرها، فيجدون المانع لها سلوكها بين شرفات السور أو بين حائطين.
فعظم طولا وعرضا، وصار بحرا [2] .
قال صاحب كتاب «مباهج الفكر ومناهج العبر» : وقد زاد عرضه ستة أميال عما كان عليه فى زمن الإسكندر. فصار ثمانية عشر ميلا.
قال: وزعم السالكون فيه أنّ البحر ربما جزر فى بعض الأوقات، فترى القنطرة.
قالوا: وهذا الزقاق صعب شديد متلاطم الأمواج مهول، شبيه بما جاوره من البحر المحيط.
وأهل الأندلس يقولون إن بين هذا البحر وبين البحر المحيط بحرا يسمونه بحر الأيلاية بتفخيم اللام [3] . وهو بحر عظيم الموج صعب السلوك.
__________
[1] السكر (بكسر السين) هو ما سدّ به النهر.
[2] هو المسمى بحر الزقاق واسمه الآن مجاز جبل طارق.
[3] لعل المؤلف يشير إلى خليج ليون فهو مشهور بشدّة التيار وبصعوبة السلوك.
(1/232)

ومبدأ جريه من البحر الرومىّ من الإقليم الرابع. فإذا خرج من الزقاق يمرّ مشرّقا فى جهة بلاد البربر وشمال المغرب الأقصى إلى أن يمرّ بالمغرب الأوسط، إلى إفريقية، إلى برقة، إلى الإسكندرية، إلى شمال أرض التيه وأرض فلسطين. فيمرّ بسواحل الشام إلى أن يصل إلى السويدية التى هى فرضة أنطاكية، وعندها حجز البحر. ومنها يعطف فيمرّ على العلايا وأنطالية (وهما فرضتان لبلاد الروم) ، ثم على ظهر بلاد قسطنطينية إلى أن ينتهى إلى المكان الذى منه خرج. وطوله خمسة آلاف ميل، وقيل ستة آلاف. وعرضه مختلف: ففى موضع ثلاثمائة ميل، وفى موضع ستمائة ميل، وفى موضع سبعمائة.
ويقال إن فيه ما يزيد على مائة وسبعين جزيرة. كانت عامرة بطوائف من الفرنج، أخرب المسلمون أكثرها بالمغازى فى صدر الإسلام.
وأجلّ ما ملك المسلمون منها، ثم انتزع أكثره من أيديهم:
1- جزيرة الأندلس.
2- وجزيرة يابسة. وهى حيال جزيرة الأندلس، ومسافتها يومان فى يوم.
وفيها مدينة صغيرة مسوّرة.
3- وجزيرة منرقة، ومسافتها يومان فى نصف يوم. وفيها مدينة عامرة.
4- وجزيرة ميورقة. ويقال فيها ما يورقة. ومسافتها يومان فى يومين، وبها مدينة.
5- وجزيرة رودس [1] . وهى حيال بلاد أفرنجة [1] . ويحيط بها ثلاثمائة ميل.
وفيها حصنان.
__________
[1] هذا الوصف لا ينطبق على جزيرة رودس، بل على جزيرة قورسقة التى هى حيال بلاد أفرنجة أي فرنسا، وهى تابعة لها.
(1/233)

6- وجزيرة سردانية. وطولها مائتان وثمانون ميلا، وعرضها مائة وثمانون ميلا. وفيها ثلاث مدائن كبار. وسكانها قوم من الفرنج متوحشون.
وبها معدن فضة.
7- وجزيرة صقلية. وهى حيال إفريقية مضاهية لجزيرة الأندلس.
وشكلها مثلث. يحيط بها خمسمائة ميل. كثيرة الجبال، والحصون، والأمصار، والأنهار، والأشجار.
ومما فيها من المدن المشهورة على ساحل البحر:
بلرمو. وبها يكون الملك؛ وكانت قصبة الجزيرة بعد أن فتحها المسلمون ثم انتقل الناس منها إلى الخالصة. وهى محدثة. بنيت فى أيام القائم ابن المهدىّ العبيدىّ فى سنة خمس وعشرين وثلاثمائة. ثم صارت بلرمو وبقيت الخالصة ربضا لها؛ وقطانية. وكانت عظيمة فأحرقها البركان الذى فى الجزيرة. فبنى الأمبرطور مدينة عوضها، وسماها غشطارة.
ومسينى. وهى على أحد أركان الجزيرة.
وسرقوسة. وهى على الركن الآخر، والبحر محيط بها من ثلاث جهاتها.
وطرابنش. وهى على الركن الثالث، والبحر محيط بها. ولها مجاز.
ومن بلاد هذه الجزيرة البرية: والشاقة، ومازر، وكركنت، ونوطس، وطبرمين، وقصريانة، والنور، ورغوص، وغيطة، وغير ذلك.
وبهذه الجزيرة. (ويقال بجزيرة ملاصقة لها) بركان، وهو أطمة يخرج منها أجسام كأجسام الناس بغير رؤوس من النار، فتعلو فى الهواء ليلا ثم تسقط فى البحر، فتطفو على وجه الماء. ومنها يكون حجر المرو الذى تحكّ به الأرجل.
(1/234)

7- وجزيرة بلونس. ودورها ألف ميل. ولها مجاز إلى البر الطويل، عرضه ستة أميال. فيها ما يزيد على خمسين مدينة؛ القواعد منها خمس عشرة مدينة، وهى مشهورة عند الفرنج.
8- وجزيرة مالطة. وطولها أربعة وعشرون ميلا، وعرضها اثنا عشر، وفى وسطها مدينة واحدة.
9- وجزيرة قوسرة. وفيها مواضع متوحشة.
10- وجزيرة أقريطش. وهى حيال برقة. طولها ثلاثمائة ميل، وعرضها مائة وثلاثون ميلا. وبها مدينتان: إحداهما تسمّى الخندق، والأخرى تسمّى ربض الجبن. وفيها معدن ذهب.
11- وجزيرة قبرس. وهو اسم النحاس، لأن بها معدن نحاس. يحيط بها ألف ميل وخمسمائة ميل. وفيها من المدن الجليلة، ليمسون، والباف بباء مفخمة، والماغوصة. وكلها فى البحر. وفى وسط الجزيرة مدينة الأفقسية، وهى القصبة.
وبها يكون متولى الجزيرة.
4- ويخرج من هذا البحر خليجان
أحدهما يسمى جون البنادقة، والآخر يسمى خليج القسطنطينية.
1- فأما خليج البنادقة. فإنه خليج كبير متسع ليس له فوّهة. وإنما هو جون له ركنان، سعة ما بينهما سبعون ميلا. يحيط بهذا الجون مدن جليلة لطائفة من الفرنج تسمى البنادقة. وهى ذوات حصون وقلاع ممتنعة.
(1/235)

ومبدؤه من شرقىّ بلاد قلورية عند مدينة تسمى أذرنت [1] ، ومنتهاه بلاد إيكلاية [2] .
ومن هناك يعطف، وطوله ألف ميل ومائة ميل. وفيه ست جزائر، ثلاثة منها فى ضفة، وثلاثة فى أخرى، بها مدن عامرة. وثلاثة معترضة بين ركنيه مهملة لا ساكن بها.
2- وأما خليج القسطنطينية. ويسمى بحر نيطش فإن فوهته مقابلة لجزيرة رودس، وسعتها غلوة سهم. ويقال إنه كان بين الشطين سلسلة طرفاها فى برجين تمنع المراكب من العبور إلا بإذن الموكل بها.
ويمرّ هذا الخليج نحو مائتى ميل وخمسين ميلا إلى أن ينتهى إلى القسطنطينية فتكون فى غربيه، يحيط بجهتين منها.
وهى مدينة عظيمة مشهورة. وعرض البحر عندها أربعة أميال.
ثم يمرّ ستين ميلا حتّى ينصب فى بحر ما نيطش. وهو بحر سوداق. وعرض فوهته هناك عشرة أميال. وفى موضع أقلّ، وفى موضع أكثر.
فهذا البحر الرومى وجزائره وما تفرّع منه.
والله أعلم.
__________
[1] فى الأصل أكدنت وهو تحريف لمدينة أذرنت قال فى نزهة المشتاق: خليج البنادقيين ومبدؤه من شرقى بلاد قلوريه ... من عند أذرنت ... وينتهى طرفه إلى بلاد إيكلاية.
[2] فى الأصل انكلاية، وهو تحريف ظاهر عن إيكلاية التى ذكرها الإدريسى فى هذا الموضع.
(1/236)

5- وأما بحر الهند وجزائره
فمبدؤه من مشرق الصين فوق خط الاستواء. ويجرى إلى جهة الغرب، فيجتاز ببلاد الواق [1] ، وبلاد سفالة الزنج؛ ثم ببلاد الزنج حتّى يصل إلى بلاد بربرا، وهناك حجزه.
وأما الشرقىّ: فمبدؤه من لوقين، وهى أوّل مرافىء الصين ثم بخانقو فرضة الصين العظمى؛ ثم إلى سمندور من بلاد الهند؛ ثم إلى حارتين، إلى قندرينه [2] ، إلى تانة، إلى سندابور، إلى بروص (ويقال بروج، وإليها ينسب القماش البروجى) ، إلى صيمور [3] ، إلى سندان، إلى سوتارة، إلى كنباية. (وإليها ينسب القماش الكنبايتى) ، إلى ديبل (وهى أوّل مرافئ السند) ؛ ثم إلى سرون، ثم إلى التّيز [4] من بلاد مكران، وهى أحد ركنى الخليج الفارسىّ. والركن الآخر يسمى رأس الجمحة: وهو جبل خارج فى البحر، ومن هناك يسمى بحر اليمن، ثم يمتدّ على ظفار؛ ثم على الشّحر ساحل بلاد مهرة؛ ثم على شرمة ولسعا (ساحلى بلاد حضرموت) ، ثم على أبين، ثم على عدن، ثم المخنق، ثم العارة، ثم يمتدّ إلى باب المندب.
__________
[1] قال البيرونى مانصه: (فى كتاب تحقيق ما للهند ص 103 سطر 7) جزيرة الوقوان من جملة قمير.
وهو اسم لا كما تظنه العوام من أنه شجرة حملها كرءوس الناس تصيح ولكن قمير قوم ألوانهم الى البياض قصار القدود على صور الأتراك ودين الهنود مخرمى الآذان وأهل جزيرة الوقواق منهم سود الألوان والناس فيهم أرغب ويجلب منهم الآبنوس الأسود وهو لب شجرة تلقى حواشيها فأما الملمع والشوحط والصندل الأصفر فمن الزنج. اهـ
[2] لعل المقصود: قندابيل (وقد ذكرها ياقوت) .
[3] ويقال صيمون (انظر ياقوت) .
[4] هى قصبة بلاد مكران بالسند.
(1/237)

ومن هناك يخرج خليج القلزم، وطوله ثمانية آلاف ميل، وعرضه يختلف.
فى موضع ألف ميل وسبعمائة ميل، وفى موضع ألفان، وفى موضع دون ذلك.
ويقال: إن بينه وبين البحر المحيط بحرا آخر يسمى البحر الزفتى، سمى بذلك لظلمته وسواده، وطوله ألف ميل وخمسمائة ميل.
وهذا البحر- أعنى الهندىّ- بجملته قسمه السالكون له ستّ قطع، وضعوا لها أسماء مختلفة.
1- فالذى يمرّ بأرض الصين يسمى بحر صنجى [1] ، ينسب لمدينة فى جزيرة من جزائره. وهو بحر كثير الأمواج مهول. فإذا كان فى أوّل هياجه ظهر فيه بالليل أشخاص سود، طول الواحد منهم خمسة أشبار وأقلّ من ذلك. يصعدون إلى المراكب ولا يضرون أحدا. فإذا عاينهم السّفّار، أيقنوا بالدّمار. وإذا قدّر الله تعالى نجاتهم من هذه الشدّة، أراهم على رأس الدّقل طائرا أبيض كأنما خلق من النور، فيتباشرون به. فإذا ذهب عنهم الروع، فقدوه.
وفيه من الجزائر المعمورة:
جزيرة شريرة [2] . يحيط بها ألف ميل ومائتا ميل. فيها مدائن كثيرة، أجلها المدينة التى تنسب إليها، ومنها يجلب الكافور.
وجزيرة صنجى. وإليها تنسب هذه القطعة. وطولها مائتا ميل؛ وعرضها أقلّ من ذلك. وفيها جواميس وبقر بغير أذناب.
__________
[1] لعل هذا الاسم هو و «شنجو» لمسمى واحد. وهى المعروفة عند العرب باسم مدينة «زيتون» وهى فرضة الصين (راجع أبا الفدا) .
[2] سماها أبو الفدا: سريرة.
(1/238)

وجزيرة أنفوجة. يحيط بها أربعمائة ميل. عمارتها متصلة.
2- ويلى هذه القطعة قطعة تسمّى بحر الصّنف. فى جزيرة من جزائره مدينة.
وهو بحر خبيث كثير الأمطار والرياح الشديدة. وفى جباله معادن الذهب والرصاص، وفيه مغاص اللؤلؤ، وفى غياضه الخيزران. وفيه مملكة المهراج.
ويشتمل على جزائر لا تحصى، ولا يمكن المراكب أن تطوف بها فى سنة. وفيها أنواع الطيب من الكافور، والقرنفل، والعود، والصّندل، والجوزبوّى، والبسباسة، والكبابة.
ومن جزائره المشهورة:
جزيرة الزانج. وتكسيرها سبعمائة فرسخ، وبها يكون المهراج، وهو اسم يطلق على كل من ملكها.
وجزيرة البركان. وهى جزيرة فيها جبل يرمى بالشرر ليلا، وبالرعود القواصف نهارا، وهى أحد آطام الدّنيا المشهورة.
وجزيرة قمار. وإليها ينسب العود القمارىّ. وبها شجر الصندل. دورها أربعة أشهر. وهى مأوى عبّاد الهند وعلمائهم. يسمّى ملكها قامرون.
وجزائر الرامى [1] . وهى نحو ألف جزيرة معمورة. بها الملوك. وفيها معادن الذهب، وشجر الكافور.
وجزائر لنجيالوس. ويقال لنكيالوس. وهى كثيرة، وأهلها سود، مشوّهو الصور لقربها من خط الاستواء. وبها معادن الحديد.
3- ويلى هذه القطعة قطعة تسمّى بحر لاروى، وبحر كله، وبحر الجاوه، وبحر فنصور. وإنما ترادفت عليه هذه الأسماء بحسب ما يمرّ عليه من البلاد والجزائر.
__________
[1] فى الأصل الراقى وفى نزهة المشتاق «الرامى» .
(1/239)

وهو بحر لا يدرك قعره. وفيه نحو ألف جزيرة تسمّى جزائر النارجيل، لكثرته بها.
وكلها عامرة بالناس. وبين الجزيرة والجزيرة الفرسخ والفرسخان. وليس يوجد فى سائر جزائر البحر ألطف صنعة من أهل جزائره فى سائر المهن. وبيوت أمواله الودع.
ومن جزائره المشهورة مما يلى أوائل بلاد الهند:
جزيرة الماند. وهى جزيرة يحيط بها ألف ميل. وفيها ثلاث مدن كبار.
وجزيرة كرموه. يحيط بها ثلاثمائة ميل.
وجزيرة بلى. منسوبة لمدينة من الهند على ساحله. يأتيها التجار لاجل الفلفل.
وجزائر الذئاب. وهى كثيرة. وأكبرها جزيرة ديبى. وسكانها قبائل من العرب. يحيط بها أربعمائة ميل. وفيها الموز، وقصب السكر.
وجزيرة السيلان. وطولها ستمائة ميل، وعرضها قريب من ذلك. وفيها مدن كثيرة. وإليها ينسب العود السيلى.
وجزيرة كله. وإليها ينسب البحر. وهى جزيرة خطيرة، طولها ثمانمائة ميل، وعرضها ثلاثمائة ميل وخمسون ميلا. وبها من المدن فنصور. فيها شجر الكافور (وفيها العود الفاخر) وملاير، ولا روى، وكله (وإليها ينسب الدّهن) . ولكل مدينة من هذه المدن خور تعبره المراكب من البحر.
وجزيرة صندابولات. وطولها نحو من مائتى ميل، وعرضها نحو مائة ميل.
تنسب إلى مدينة هى فيها.
وجزائر بداميان. فيها أمم سود، قباح الوجوه. قامة الرجل منهم أقلّ من ذراع. ليس لهم مراكب. فإذا وقع اليهم غريق أو من يتيه من التجّار، أكلوه.
(1/240)

4- ويلى هذه القطعة قطعة تسمى بحر هركند، وفيه جزائر كثيرة. ويقال إن عدّتها ألف جزيرة وتسعمائة جزيرة. ويقع فيها العنبر الذى تكون القطعة منه مثل البيت. وسكانها أحذق الناس فى الحياكة، ينسجون القميص بكميّه ودخاريزه قطعة واحدة.
وفيه من الجزائر المشهورة:
جزيرة سرنديب [1] . وهى مدوّرة الشكل، يحيط بها ألف فرسخ. يشقّها جبل الراهون، وهو الجبل الذى هبط عليه آدم (عليه السلام) من الجنة. وفى أوديتها الياقوت والماس والسّنباذج. وطولها مائتان وستون ميلا. ومدينة هذه الجزائر العظمى تسمى أغنا، يسكنها مسلمون، ونصارى، ويهود، ومجوس. ولكل أهل ملة من هذه الملل حاكم. لا يبغى بعضهم على بعض. وكلهم يرجع إلى ملك يسوسهم ويجمع كلمتهم. ولهذا البحر أربعة أودية تصب فى البحر تسمى الأغباب [2] .
5- ويلى هذه القطعة قطعة تسمى بحر اليمن. وأوّله بحر الجمحة، وهو بلاد مهرة. معترض فى البحر فيمرّ بحاسك (وهو أوّل مرافئ اليمن) ؛ ثم يمرّ بمرباط [3] (ساحل بلاد ظفار) ؛ ثم يمرّ بالشّحر (ساحل بلاد مهرة) ؛ ثم بشرمة ولسعا (ساحلى بلاد حضرموت) ؛ ثم بأبين؛ ثم بعدن؛ ثم بالمخنق؛ ثم بالعارة؛ ثم الباب بالمندب.
__________
[1] قال البيرونى فى كتابه على الهند: سنكلديب وهى جزيرة سرنديب (ص 102) وفى أبى الفدا سنكاديب.
[2] الأغباب واحدها غبّ. وهو- على ما قال البيرونى- كالزاوية والعطفة يدخل من البحر إلى البر ويكون للسفن فيه مخاوف وخاصة من جهة المد والجزر. والخور هو شبه الغبّ ولكنه ليس من جهة دخول البحر وإنما هو من مجىء المياه الجارية واتصاله بالبحر ساكنا ومخاوف السفن فيه من جهة العذوبة التى لا تستقلّ بالأثقال استقلال الملوحة بها (تحقيق ما للهند ص 102) .
[3] مدينة بين حضرموت وعمان وهى الفرضة لمدينة ظفار الواقعة على خمسة فراسخ منها.
(1/241)

وفيه من الجزائر المشهورة:
جزيرة سقوطرة. وطولها نحو من مائة وثمانين ميلا، وعرضها فى الوسط نحو خمسة عشر ميلا. وبها الصبر. يسكنها قوم من اليونان، تغلبوا على من كان فيها من الهند فى زمن الإسكندر. وبها عيون يقال إن الشرب منها يزيد فى العقل.
ولهذا سميت فى الكتب القديمة جزيرة العقل.
ويلى هذه القطعة قطعة تسمى بحر الزنج، وبحر بربرا؛ ويسمى ساحله الزنجبار.
وفيه مما يلى بلاد اليمن جزائر ومنها:
جزيرة دعون [1] ، وهى مدوّرة.
وجزيرة السود.
وجزيرة حورتان.
وجزيرة مروان. وفيها مدن يسكنها السّرّاق، وهى مقابلة لبلاد مهرة.
وجزائر الديبجات. وهى كثيرة. وأهلها مفرطون فى السواد. وجميع ما عندهم أسود، حتّى قصب السكر والكافور.
وجزيرة القمر. وتسمى جزيرة ملاى. وطولها أربعة أشهر، وعرض الواسع منها يزيد على عشرين يوما. وهى تحاذى جزيرة سرنديب. وفيها بلاد كثيرة أجلها كيدانة، وملاى (وإليها تنسب الجزيرة) ودهمى، وبليق، وخافورا، ودعلى، وقمرية (وإليها ينسب القمر) . ويقال: إن بهذه الجزيرة خشبا، ينحت من الخشبة
__________
[1] من المعلوم أن العرب يسمون شبه الجزيرة بالجزيرة. ولم أجد لهذا الاسم أثرا فيما بين يدىّ من كتب المراجعة فلعلها هى التى ذكرها ياقوت باسم «دغوث» وقال إنها بلد بنواحى الشحر من أرض عمان أو لعلها «دغوطة» التى قال أبو الفدا انها آخر مدن سفالة وآخر العمارة فى البر المتصل.
(1/242)

منه شان [1] يكون طوله ستين ذراعا، يجذف على ظهره مائة وستون رجلا.
ولما ضاقت هذه الجزيرة بأهلها بنوا على الساحل محلات يسكنونها فى سفح جبل يعرف بهم. ومنها يخرج نهر النيل [2] .
6- ويخرج من هذا البحر الذى يجمع هذه القطع خليجان
أحدهما بحر القلزم، والآخر بحر فارس.
1- فأما خليج القلزم. فخروجه من باب المندب. وهو جبل طوله اثنا عشر ميلا، وسعة فوهته بمقدار أن الرجل يرى صاحبه من البرّ الآخر. فاذا قارب المندب يمرّ فى جهة الشمال، بغلافقة، والأهواب (وهما ساحلا زبيد) ثم الجردة، ثم الشّرجة، ثم عثّر (وكانت مقرّ ملك قديم) ثم بالسّرّين، وحلى، وعسفان، والجار (وهى فرضة المدينة) والجحفة، والصّفراء، والحوراء، ومدين، وأيلة، والطّور، وفاران، ثم القلزم (وكانت مدينة مسكونة، وكذلك أيلة) . ومن القلزم ينعطف من جهة الجنوب فيمرّ بالقصير (وهى فرضة لقوص) ثم إلى عيذاب (وهى فرضة لبلاد البجّة) ، ثم يمتدّ إلى زيلع (وهى ساحل بلاد الحبشة) ويتصل ببربرا.
وطوله ألف ميل وخمسمائة ميل. وعرضه فى مواضع أربعمائة ميل، ودون ذلك إلى مائتى ميل إلى ما دون ذلك.
وهو بحر كريه المنظر والرائحة.
__________
[1] أى من السفن المعروفة باسم الشوانى.
[2] يخلط الجغرافيون العرب كثيرا بين هذه الجزائر المعروفة بالقمر (بضم فسكون) وبين الجبل المعروف بالقمر (بفتح فسكون) فيجعلونهما شيئا واحدا ويقولون بخروج منابع النيل من تلك الجزائر. وهذا أمر غير معقول:
(1/243)

وفيه فيما بين القلزم وأيلة المكان المعروف بتاران، وهو مكان يشبه دردور عمان.
لأنه فى سفح جبل إذا وقفت الريح على دردورته انقطعت بنصفين على شعبتين متقابلتين؛ ثم يخرج من كمّى هاتين الشعبتين، فيثير البحر فتتبلّد السفن باختلاف الريح فلا تكاد تسلم. وهاتان الشعبتان تسميان الجبيلين، ومقدار هذا الموضع ستة أميال، ويسمى بركة الغرندن [1] . ويقال: إنها التى أغرق الله فرعون وقومه فيها. فإذا كان للجنوب أدنى مهب، فلا يمكن سلوكه.
وفيه من الجزائر خمس عشرة جزيرة، العامر منها أربعة، وهى:
جزيرة دهلك. يحيط بها نحو مائتى ميل؛ يسكنها قوم من الحبوش. مسلمون.
وجزيرة سواكن. وهى أقل من ميل فى ميل. وبينها وبين البحر الحبشى بحر قصير يخاض. وأهلها طائفة من البجّة تسمى الحاسد وهم مسلمون، ولهم بها ملك.
وجزيرة النعمان. وبها نويس [2] تعيش من لحوم السلاحف.
وجزيرة السامرىّ. يسكنها قوم من اليهود، سامرة، فى عيش قشيف.
2- وأما خليج فارس. فإنه مثلث الشكل على هيئة القلع.
أحد أضلاعه من تيز مكران. فيمرّ فى بلاد كرمان على هرمز، ومن بلاد فارس على سيراف، وتوح [3] ، ونجيرم، وجنّابة، ودارين، وسينيز، ومهروبان؛ ومنها يفضى
__________
[1] الذى فى تقويم أبى الفداء: الغرندل باللام.
[2] تصغير ناس.
[3] هكذا فى الأصل وفى أبى الفدا. وأما ياقوت فقال إنها توّج. (وضبطها أبو الفدا بضم الثاء وسكون الواو) واتفق أبو الفداء وياقوت على أنها هى التى تسمى أيضا توز (ولكن ياقوت يضبطها بفتح فتشديد) . والذى فى ياقوت هو الصواب كما يؤخذ من «لب اللباب» للسيوطى، ومن «لطائف المعارف» للثعالبى.
(1/244)

البحر إلى عبّادان، ومن عبادان ينعطف الضلع الآخر فيمرّ بالخط، وهو ساحل بلاد عمان إلى صور، وهى ساحل بلاد عمان مما يلى بلاد اليمن؛ ثم يمتدّ إلى رأس الجمحة من بلاد مهرة.
والضلع الآخر يمتدّ على سطح البحر من تيز مكران إلى رأس الجمحة.
وهذه الأضلاع غير متفاوتة فى الطول؛ فإن الضلع الذى يمتدّ على سطح البحر طوله خمسمائة ميل، وطول الضلع الآخر من حيث يبتدئ من تيز مكران إلى أن ينتهى إلى عبّادان ثم ينعطف إلى أن يصل إلى رأس الجمحة، تسعمائة ميل.
وفيه مما يلى عبّادان مكان يعرف بالدّردور. وهو بين جبلين، أحدهما يسمى كسير، والآخر عوير. ويضاف إليهما جبل آخر بالقرب منهما يقال فيه «وآخر ما فيه خير» لشدّة ما يرى بها من الأهوال. وهى جبال سود ذاهبة فى الهواء. يتكسر الماء على شعبها. ولا بدّ للمراكب أن تمرّ بينها، وقلّما تسلم.
وفى هذا البحر من الجزائر المشهورة على ألسنة التجار تسع، منها أربعة عامرة، وهى:
جزيرة خارك. يحيط بها اثنا عشر ميلا. وهى عامرة آهلة كثيرة البساتين.
وبها مغاص اللؤلؤ.
وجزيرة كيش. وبها مغاص اللؤلؤ أيضا. وهى آهلة. وتسمى هذه الجزيرة فى عصرنا هذا «قيس» .
وجزيرة أوال. وهى تجاه ساحل البحرين، وبينهما يوم. وبها مدينة. وأوال مدينة من مدائن البحرين.
(1/245)

وجزيرة لافت. وتعرف بجزيرة بنى كاوان [1] . وطولها اثنان وخمسون ميلا، وعرضها تسعة أميال. وهى آهلة.
وهاتان الجزيرتان معدودتان فى بلاد جور من أعمال فارس.
ويقال أيضا إنه يخرج من البحر المحيط خليج ثالث فى شمال الصقالبة، ويمتدّ قرب بلد بلغار المسلمين، ويسمى بحر أدريك، منسوب إلى أمّة على ساحله فى جهة الشمال، ثم ينحرف نحو المشرق؛ وبين ساحله وبين أقصى بلاد الترك أرضون وجبال مجهولة خربة.
فهذا البحر المحيط وما يتفرّع منه.
7- وأما بحر ما نيطش [2]
ويسمى البحر الأسود وبحر سوداق. وهى مدينة على ساحله. هى فرضة لبلاد القفجاق مما يلى القسطنطينية. وعليه أيضا للقفجاق مدينة عظيمة تسمى قرم [3] ،
__________
[1] ويسميها الإدريسى: ابن كاوان، وغيره يسميها: بركاوان.
[2] جرى المؤلف على تعريف هذا البحر بأنه المعروف بالبحر الاسود. والحقيقة أن بحر نيطش هو المعروف الآن بالبحر الأسود، وأما بحر ما نيطش فهو المعروف ببحر آزاق وبحر آزوف. ومما يجب التنبيه عليه أن كثيرا من كتاب العرب يخلطون بين هذين البحرين. ولذلك قال المسعودىّ:
«فبحر نيطش وبحر ما نطش يجب أن يكونا بحرا واحدا، وإن تضايق البحر فى بعض المواضع بينهما أو صار بين الماءين كالخليج. وليست تسمية ما اتسع منه وكثير ماؤه بما نطش. وما ضاق منه وقل ماؤه بنيطش ينبغى أن تجمعهما فى اسم ما نطش أو نيطش. فإذا عبّرنا فى بعض المواضع فى مبسوط هذا الكتاب فقلنا «ما نطش» أو «نيطش» فإنما نريد به هذا المعنى فيما اتسع من البحر وضاق» .
(من مروج الذهب، ص 58) .
[3] وبها سميت شبه الجزيرة الموجودة فى البحر الأسود وهى شبه جزيرة القرم.
(1/246)

مقصودة من كل الجهات. وبها علماء، وفقهاء، ورؤساء. وهى محدثة. مصّرت فيما بين الثلاثين والأربعين وستمائة للهجرة النبوية. ويسمى هذا البحر أيضا بحر الروس، لجزائر فيه يسكنها أمة تسمى الروس، نصارى. وهو بحر ضخم كثير الأخوار والتّروش [1] والجبال الجرش. وطوله من الشمال إلى الجنوب ألف ميل وثلاثمائة، وعرضه مختلف. ففى موضع ستمائة ميل، وفى موضع ثلاثمائة ميل. والناس مختلفون فيه. فمنهم من يقول إنه بحر مستقل بنفسه، يخرج منه خليج القسطنطينية ويصب فى بحر الروم أو هو مغيض لخليج القسطنطينية. وأكثرهم على أنه بحر مستقل بنفسه لطوله وعرضه وكثرة جزائره. وبعضهم يقول إنه خليج يخرج من البحر المحيط على ظهر بلاد الصقالبة، ويحيط به بلاد البطلمية، وبلاد الغامانية، وبلاد الأزكشية، وبلاد الشركسية، وبلاد العلان [2] والعنكر والناشقرد.
وفيه ست جزائر عامرة، وهى كثيرة المدن والقرى، يسكنها الروس.
8- وأما بحر الخزر
وهو بحر جرجان وطبرستان والديلم. وذلك بحسب ما يمرّ عليه من البلاد. وهو- على ما حكاه ابن حوقل- مدوّر الشكل، ليس له اتصال ببحر آخر.
__________
[1] فى الأصل التروس. ولكن الإدريسى يستعمل لفظة «التروش» بالشين المعجمة. ومعناها الشّعب أى لصخور التى تكون تحت سطح الماء قليلا فتنكسر السفن وتتحطم إذا اصطدمت بها.
[2] العلان ترك تنصروا وهم خلق كثير وقلعتهم إحدى قلاع العالم تتعمم بالسحاب (عن أبى الفدا) وبلادهم فى أرض قفجاق أو قفقاسية وهم المشهورون فى كتب العرب أيضا باسم اللان.
(1/247)

قال: ولو أن إنسانا طاف به، لانتهى إلى الموضع الذى ابتدأ منه، لا يقطعه عن ذلك إلّا نهر يصب فيه [1] .
وفى شرقىّ هذا البحر بعض بلاد الديلم، وبلاد طبرستان، وجرجان، وبعض المسافة التى بين جرجان وخوارزم؛ وغربيه بلاد أرّان، وبلاد الخزر، وبعص مفازة الغزية [2] ؛ وشماليه مفازة الطّغزغزية؛ وجنوبيه الجيل [3] ، والديلم. وطوله ثمانمائة ميل، وعرضه ستمائة ميل.
وقال صاحب كتاب «نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق» : طوله من جهة الخزر إلى عين الهم ألف ميل [4] ، وعرضه من ناحية جرجان إلى مصب نهر إتل ستمائة ميل [5] ، وخمسون ميلا وهو يقطع عرضا من طبرستان إلى مدينة باب الأبواب فى أسبوع بالريح الطيبة، وفيه أربع جزائر، وهى:
جزيرة سياكوه [6] . وهى تجاه آبسكون، فرضة جرجان. يسكنها طائفة من الترك.
يصاد بها البزاة البيض.
وجزيرة سهلان. وطولها نحو مائة ميل، وعرضها نحو خمسين ميلا.
__________
[1] هذا ملخص العبارة التى أوردها ابن حوقل (وانظر كتابه ص 13) .
[2] فى الأصل: الغرنة. والتصحيح عن أبى الفدا.
[3] فى الأصل: الختل (وهو تحريف ظاهر من النساخ) .
[4] هكذا فى مقدمة الإدريسى (فى جميع النسخ) ولكنه عند كلامه على الجزء السابع من الإقليم الخامس نص على أن طول هذا البحر 800 ميل وأن عرضه 600 ميل (وهذا هو الذى نقله عنه أبو الفدا) ، ثم عاد الادريسى فقال ان طوله 900 ميل.
[5] فى الأصل مائه ميل [والتصحيح عن الإدريسى] .
[6] فى الاصل: بساه كوه. (والتصحيح عن أبى الفدا) .
(1/248)

وجزيرة البركان [1] . وهى أطمة عظيمة تظهر منها نار فى الهواء، كأشمخ ما يكون من الجبال. ترى من نحو مائه فرسخ من البر.
وجزيرة تجاه باب الأبواب. كثيرة المروج والأنهار. وهذا البحر يقال إنه كثير التنانين.
وقد اختلف فيها. فمن الناس من يقول إنها دواب تعظم فى قعر البحر فتؤذى ما به من دواب، فيبعث الله عز وجل عليها السحاب والملائكة فتخرجها من البحر وتقلبها فى أرض يأجوج ومأجوج، فتكون طعاما لهم. وهذا مما يحكى عن ابن عباس رضى الله عنهما. ومنهم من رأى أنها ريح سوداء تكون فى قعر البحر فتظهر إلى النسيم وتلحق بالسحاب، كالزّوبعة التى تثور من الأرض وتستدير ثم تطول فى الهواء. فيتوهم الناس أنها حيّات سود.
وسائر البحار تمدّ وتجزر، خلا هذا البحر.
ويقال إن علة المدّ والجزر تكون عن وضع الملك الموكل بقاموس البحر عقبه فى أقصى بحر الصين، فيفور فيكون منه المدّ؛ ثم يرفعه فيكون من رفعه الجزر.
(ومنهم من روى مكان العقب الإبهام) .
ومنهم من قال إن العلة فيه غير هذا كله.
والله أعلم!
__________
[1] هى شبه الجزيرة المعروفة الآن باسم يشرون. وفيها مدينة. كو المشهورة وهذه المدينة سماها أبو الفدا «باكوى» وسماها المسعودى «باكه» وقال ان بها معدن النفط الأبيض (أى البترول) ثم قال وفى هذه النفاطة أطمة، وهى عين من عيون النار لا تهدأ على سائر الأوقات تتضرم الصعداء.
فهذا هو الذى عناه النويرى باسم «البركان» .
(1/249)

ذكر ما فى المعمور من البحيرات المالحة المشهورة وما بها من العجائب
وفى المعمور بحيرات مالحة:
فالذى اشتهر منها:
بحيرة خوارزم. وشكلها مثلث كالقلع، وليس فى المعمور بحيرة أعظم منها.
يحيط بها أربعمائة فرسخ. يصبّ فيها نهرا سيحون وجيحون، اللذان فى أرض الهياطلة، وغيرهما من الأنهار العظيمة الجارية فى بلاد الترك. وهى مع ذلك لا تزيد ولا تعذب.
وزعم صاحب كتاب «نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق» أن فى هذه البحيرة حيوانا يظهر على سطحها فى صورة الإنسان يتكلم ثلاث كلمات أو أربعا، بلغة لا تفهم ثم يغوص. وظهوره عندهم يدل على موت ملك من ملوك ذلك الحين.
ومنها بحيرة الطّرّيخ [1] : لسمك صغير يصاد منها ويحمل إلى سائر بلاد أرمينية وأذربيجان. وطولها أربع مراحل، وعرضها مرحلة. يجمع من أطرافها البورق.
والسمك يوجد بها فى زمان مخصوص، يأتيها فى نهر يصب إليها، ويكثر حتّى يصاد بالأيدى. فإذا انقضى ذلك الزمان، لا يوجد منه شىء البتة.
__________
[1] واسمها فى كتب الجغرافية العربية بحيرة أرجيش، وهذا السمك الذى سميت به، كما فى «القاموس» سمك صغار تعالج بالملح وتؤكل. وقد عرّفنا ابن حوقل أنه صغير مقدار الشبر يملح ويحمل الى الجزيرة والموصل والرقة وحران وحلب وسائر الثغور.
(1/250)

وفى بلاد أذربيجان بحيرة كبوذان [1] . وكبوذان قرية فى جزيرة، يسكنها ملّاحو المراكب التى يركب فيها من هذه البحيرة. وطول هذه البحيرة نحو ثلاثة أيام، وعرضها كذلك. وفيها جزائر: منها جزيرة فيها قلعة حصينة تسمّى تلا. ولا يكون بهذه البحيرة حيوان البتة، لأن ماءها منتن ردىء.
وفى بلاد البحرين بحيرة. وبها وبالبحر الكبير سميت أرض هجر: «البحرين» .
وفى الشام بأرض الغور بحيرة زغر، وتسمّى المنتنة والميتة. لأنها لا يعيش بها حيوان ولا يتكوّن فيها شىء مما يتكوّن فى المياه الجارية والراكدة من الحيوانات.
وطولها ستون ميلا، وعرضها اثنا عشر ميلا.
ويقال إنها ديار قوم لوط التى خسفهم الله بها. ويقال إنها كانت خمس مدن، أسماؤها: «ضيعه» ، و «ضعوه» ، و «عمره» ، و «دوما» ، و «سذوم» . وكانت سذوم أكبرها وأعظمها.
ويصبّ فى هذه البحيرة نهر الأردنّ وغيره من الأنهار الصغار والسيول من بلاد الكرك وغيرها، فلا تزيد. ويقال إن لها منفذا إلى بحر القلزم. وبساحلها الشرقىّ إلى حدّ أريحا معدن الكبريت الأبيض، يحفر عليه ويخرج. ويتكوّن فى هذه البحيرة شىء على شكل البقر، ويطفو على وجهها ويتفقع، فيجمع منه شىء أسود يسمونه «الحمر» وينقل إلى قلعة الكرك يدّخر بها، يدخل فى النّفط.
__________
[1] هى التى ذكرها أبو الفدا باسم «بحيرة تلا» وياقوت باسم «بحيرة أرمية» . وقد ذكر أن فى وسطها جبلا يقال له «كبوذان» وجزيرة فيها أربع قرى أو نحو ذلك يسكنها ملّاحو سفن هذا البحر (معجم البلدان ج 2 ص 78) .
(1/251)

وفى أعمال مصر بحيرة تنّيس، مقدارها إقلاع يوم فى [عرض] [1] نصف يوم.
يكون ماؤها فى أكثر السنة ملحا من دخول ماء البحر الرومىّ إليها، فإذا مدّ النيل صبّ فيها فتحلو فإذا جزر ملحت.
ويقال: إنه كان فى مكانها برّ مسلوك تغلّب عليه البحر فى ليلة واحدة، فما كانت أرضه مستفلة غرق، وما كانت أرضه عالية مثل تنّيس وتونة بقى.
وفى وسط هذه البحيرة جزيرة صغيرة تسمى سنجار، يسكنها قوم صيادون.
وقال إبراهيم بن وصيف شاه فى «كتاب العجائب الكبير» : إن بحيرة تنّيس كانت أجنّة وكروما ومنازل ومنتزهات، وكانت مقسومة بين ملكين من ولد أتريب بن مصر، وكان أحدهما مؤمنا والآخر كافرا، فأنفق المؤمن ماله فى وجوه البرّ حتّى باع حصته من أخيه وفرّق مالها أيضا، فأصلحها أخوه وزاد فيها غروسا وفجّر فيها أنهارا وبنى فيها بنيانا، واحتاج أخوه إلى ما فى يده فكان يمنعه ويفتخر عليه بما فى يده من المال والأجنّة، فخاطبه أخوه فى بعض الأيام فسطا عليه، وقال: أنا أكثر منك مالا وولدا وخيرا، فقال له أخوه: فما أراك شاكرا لله تعالى على ما رزقك، ويوشك أن ينزع ذلك منك. ويقال: إنه دعا عليه فغرّق ماء البحر ما كان له فى ليلة واحدة.
وقيل: إن هذين اللذان ذكرهما الله تعالى فى كتابه العزيز، فقال: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ)
الآيات؛ والله تعالى أعلم.
وبالقرب من الإسكندرية بحيرة، طولها إقلاع يوم وعرضها كذلك، يدخل إليها الماء من بحر الروم من مكان الأشتوم، ويخرج منها إلى بحيرة أخرى دونها
__________
[1] الزيادة من «معجم ياقوت» .
(1/252)

فى خليج عليه مدينتان، إحداهما تسمّى الجدية، والأخرى تسمّى أتلو [1] كثيرة المقات والنخل، وكلها فى الرمل. ويصب فى البحيرة خليج من النيل يسمّى «الحافر» طوله نصف يوم إقلاعا، وهو كثير الطير والسمك والعشب.
وفى بلاد إفريقية بحيرة بنزرت ماؤها ملح، وطولها ستة عشر ميلا، وعرضها ثمانية أميال. وعلى عشرة أميال منها بحيرة ماؤها عذب تسمّى بحيرة متّيجة [1] .
فإذا جاء الشتاء وكثرت السيولى، غاضت بحيرة بنزرت، وفاضت بحيرة متّيجة حتّى تمدّها ستة شهور فلا يحلو ماؤها؛ فإذا انقضى زمن الشتاء وجاء الصيف، غاضت بحيرة متّيجة، وفاضت بحيرة بنزرت فلا يملح ماؤها. ويصاد فى هذه البحيرة فى كل شهرين من شهور السنة نوع من السمك لا يخالطه غيره؛ وأهل الناحية يعرفون دخول الشهور بتغيّر السمك فيها.
وحكى صاحب كتاب «مباهج الفكر ومناهج العبر» : أن بتخوم بلاد أرمينية بحيرة يكون فيها الماء والسمك والطير ستة أشهر كوامل، ثم تجف فلا يرى فها ماء ولا سمك ولا طير سبع سنين، فإذا كانت السنة الثامنة ظهر ذلك فيها ستة أشهر ثم ينقطع.
وهذا دأبها مدى الزمان.
وبخلاط بحيرة لا يرى فيها سمك ولا ضفدع ولا سرطان عشرة أشهر من السنة، ثم يظهر ذلك كله فى الشهرين الباقيين.
__________
[1] كذا بالأصل وفى معجم ياقوت «أتكو» بليدة قرية من نواحى مصر قرب رشيد.
[2] وزنها فى القاموس بسكّينة.
(1/253)

وبقرية من ناحية پنجهير [1] من بلاد خراسان بحيرة، ما غمس فيها شىء إلا ذاب:
حديدا كان أو خشبا.
وكذلك بركة النّظرون التى بأرض مصر ما وقع فيها شىء إلا صار نطرونا حتّى العظم والحجارة.
ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر البحر
(ما جاء من ذلك على لفظ أفعل) يقال: أعمق من البحر. أندى من البحر.
ويقال: حدّث عن البحر ولا حرج.
ويقال: جاء بالطّمّ والرّمّ. والطّم البحر؛ والرّم البر.
ومن أنصاف الأبيات:
وهل يملك البحر أن لا يفيضا؟
ومن ورد البحر استقلّ السّواقيا!
أنا الغريق، فما خوفى من البلل؟
ومن الأبيات:
هو البحر إلا أنّه عذب مورد، ... وذا عجب أنّ العذوبة فى البحر!
وقال ابن الرومىّ:
كالبحر يرسب فيه لؤلؤه ... سفلا، وتعلو فوقه جيفه.
__________
[1] فى الأصل «پنجهير» وهى على ما قال ياقوت مدينة بنواحى بلخ. فلذلك أظن أن ذلك الاسم محرف عن «پنجديه» التى قال ياقوت إنها من نواحى خراسان وهو الصقع الذى أشار إليه المؤلف.
نعم إن ياقوت لم يذكر هذه البحيرة عند كلامه على كل من المدينتين ولكن المسعودىّ نص على أن ينجهير من أرض خراسان (ج 2 ص 15 طبع أوروبا) .
(1/254)

ومثله قول الآخر:
كمثل البحر يغرق فيه حىّ، ... ولا ينفكّ تطفو فيه جيفه.
وقال ابن الرومىّ:
ألا فارجه واخشه إنه ... هو البحر: فيه الغنى والغرق!
وقال أبو نواس:
من قاس غيركم بكم، ... قاس الثّماد إلى البحور!
وقال آخر:
إذا كنت قرب البحر مالى مخلص ... إليه، فما يغنى اقترابى من البحر!
وقال آخر:
كالبحر يقذف للقريب جواهرا ... منه، ويرسل للبعيد سحائبا.
ذكر شىء مما قيل فى وصف البحر وتشبيهه قال ابن رشيق عفا الله عنه:
البحر مرّ المذاق صعب ... لا جعلت حاجتى إليه.
أليس ماء ونحن طين؟ ... فما عسى صبرنا عليه؟
وقال ابن حمديس:
لا أركب البحر، أخشى ... علىّ منه المعاطب!
طين أنا وهو ماء، ... والطّين فى الماء ذائب.
وقال آخر:
وزاخر ليس له صولة ... إلّا إذا ما هبّت الرّيح. فهو إذا ما سكنت ساكن
كأنما الرّيح له روح.
(1/255)

وقال أمية بن عبد العزيز بن أبى الصلت:
تناهى البحر فى عرض وطول، ... وليس له على التحقيق كنه.
وأعجب كلّما شاهدت فيه ... سلامتنا على الأهوال منه.
فحسبى أن أراه من بعيد ... وأهرب فوق ظهر الأرض عنه.
ومما وصف به البحر والسفن قول بشر بن أبى خازم:
أطاعن صفّهم ولقد أرانى ... على زوراء تسجد للرّياح.
إذا اعترضت براكبها خليجا، ... تذكّر ما عليه من جناح.
ونحن على جوانبها قعود، ... نغضّ الطّرف كالإبل القماح.
وقال ابن تولو من أبيات:
تحثّ بنا فيه قلاص كأنها ... وعال، تبدّت من جبال شواهق.
لها كافلا ماء وريح كلاهما ... يعلّمها فى الجرى سبق السّوابق
. إذا انحدرت؛ فالماء ألطف قائد، ... وإن صعدت، فالريح أعسف سائق.
وقال السلامىّ:
وميدان تجول به خيول ... تقود الدّارعين ولا تقاد.
ركبت به إلى اللّذّات طرفا ... له جسم، وليس له فؤاد!
جرى فظننت أنّ الأرض وجه، ... ودجلة ناظر، وهو السّواد.
وقال محمد بن هانئ:
معطّفة الأعناق نحو متونها ... كما نبّهت أيدى الحواة الأفاعيا.
(1/256)

إذا اعملوا فيها المجاذيف سرعة، ... ترى عقربا منها على الماء ماشيا.
إذا ما وردن الماء شوقا لبرده، ... صدرن- ولم يشربن- غرثى صواديا.
وقال الرستمىّ:
لم نزل مشفقين مذقيل: سارت ... بك دهم قليلة الأوضاح.
أصلها البرّ وهى ساكنة فى ا ... لبحر سكنى إقامة لا براح.
هى فى الماء وهى صفر من الما ... ء سوى نضح موجها النّضّاح.
فإذا أوقرت، فذات وقار؛ ... وإذا أخليت، فذات جماح.
وتراها فى اللّجّ ذات جناحي ... ن وإن لم تكن بذات جناح.
من مطايا لا يغتذين ولا يس ... أمن سير البكور بعد الرّواح.
منشآت من الجوارى اللّواتى ... لسن من صنعة الجوارى الملاح.
والدات مولّدات بلا ح ... ل نكاح ولا حرام سفاح.
لا من البيض بل من السّود ألوا ... نا وذات الألواح والأرواح.
طائرات مع الرّياح، وطورا ... كاسرات بالجرى حدّ الرّياح.
سائرات لا يشتكين سرى اللي ... ل ولا يرتقبن ضوء الصّباح.
ساكنات بلا خضوع سكون، ... جامحات بلا غرام جماح.
لا يخفن الغمار يقذفن فيها، ... ويخفن المرور بالضّحضاح.
إن صدمن الحصى عطبن ولا يع ... طبن إمّا صدمن حدّ الرّماح.
ما رأى الناس من قصور على الما ... ء سواها يسير سير القداح.
يتسبسبن كالأساود فى الخف ... ة لا فى معادة الأشباح.
فإذا ما تقابلت، قلت: ذود ... من كباش تقابلت للنّطاح.
(1/257)

شرعها البيض كالغمامات فى الصّي ... ف صحاحا منها وغير صحاح.
كم مدلّ بالجاه والمال فيها، ... وبه حاجة إلى الملّاح!
قائد جنده لهم أدوات ... نفعها ثمّ فوق نفع السّلاح.
فإذا البحر صال، صالوا عليها ... بمواض تمضى بغير جراح.
يكثرون الصّياح حتّى كأنّ الس ... فن تجرى من خوف ذاك الصّياح.
ومما وصفت به البحار والسفن نثرا قال أبو عمرو صاحب الصلاة القرطبىّ يصف شانيا [1] سافر فيه:
«فارقت مولاى حين أخذت للسّفر عدّة الحزم، وشددت عقدة العزم؛ وانتظمت مع السّفر فى سلك، وركبنا على اسم الله ظهر الفلك؛ فى شان عظيم الشان، أحدقت به النّطق إحداق الحيازم، وأمسكته إمساك الأبازم؛ ثم تتبّع خلله فسدّ، ورخوه فشدّ؛ حذرا على ألواحه من الإنخاع، واتصلت بعرانيسه اتصال الجلود بالأضلاع؛ ثم جلببت جلبابا من القار، وضمّخ فى المتنين والفقار؛ فامتاز بأغرب ميسم، وعاد كالغراب الأعصم؛ [2] قد حسن منه المخبر، وكأنّ الكافور قد قرن فيه بالعنبر. له من التماسيح أجنابها، ومن الخطاطيف أذنابها؛ واستقلّت رجله بفراشها، استقلال السّهام برياشها؛ وقد مدّ قلعيه ذراعيه متلقيا من وفد الرياح مصافحه، ومستهديا منها منافحة. تقلّد الحكم عليها إشتيام [3] ذو تيقظ واستبصار، واستدلال على الأعماق
__________
[1] الشانى اسم لنوع من السفن التجارية والحربية عند المسلمين وجمعه شوانى.
[2] أى الأبيض الجناحين (عن تاج العروس) .
[3] الإشتيام هو رئيس الملّاحين، لفظ أعجمىّ أخذه العرب (راجع الجواليقىّ)
(1/258)

والأقصار؛ يستدلّ باختلاف المياه إذا جرى، ويهتدى بالنجوم إذا سرى؛ قد جعل السماء مرآة ينظر فيها، ويحذر من دجن يوافيها؛ فإذا أصدأها الظلام بحنادسه، وصقلها الضياء بمداوسه؛ يسبّح الله فى مصبحه وممساه، ويبسمل فى مجراه ومرساه، ويذكر ربّا يحفظه ولا ينساه. قد اتخذ فيه مواتيه، من أنجد النّواتيه؛ مشمّرين الأثواب، مدبّرين بالصواب؛ يفهمون عنه بالإيماء، ويتصرّفون له تصرّف الأفعال للأسماء؛ ويترنّمون عند الجذب والدّفع، والحطّ والرفع: بهينمة تبعثهم على النّشاط.
والجمام [1] ، وتؤدّيهم فى عملهم بالتمام. فخرجنا ونفح الريح نسيم، ووجه البحر وسيم؛ وراحة الرّيح تصافح عبابه مصافحة الخلّ، وتطوى جناحه طىّ السّجل؛ وتجول من لججه أبرادا، وتصوغ من حبكه أزرادا: كأنما ترسم فى أديم رقشا، أو تفتح فى فصوص نقشا. فلما توسطنا ثبج البحر، وصرنا منه بين السّحر والنّحر؛ صحت الريح من سكرها، وطارت من وكرها؛ فسمعنا من دوىّ البحر زئيرا، ومن حبال الثانى صفيرا؛ ورأيناه يزبد ويضطرب، كأنّه بكأس الجنوب قد شرب؛ واستقبلنا منه وجه باسر، وطارت من أمواجه عقبان كواسر؛ يضطرب ويصطفق، ويختلف ولا يتّفق؛ كأن الجوّ يأخذ بنواصيها، ويجذبها من أقاصيها؛ والشانى تلعب به أكفّ الموج، ويفحص منها بكلكله فوجا بعد فوج؛ ويجوب منها ما بين أنجاد وأغوار، وخنادق وأسوار؛ والبحر تحتنا كأرض تميد بأهلها، وتتزلزل بوعرها وسهلها؛ ونحن قعود، دود على عود؛ قد نبت بنا من القلق أمكنتنا، وخرست من الفرق ألسنتنا؛ والرّشّ يكتنفنا من كل جانب، ويسيل من أثوابنا سيل المذانب. فشممنا ريح الموت، وظننّا التلف والفوت؛ وبقينا فى همّ ناصب، وعذاب واصب؛ حتّى انتهينا
__________
[1] ذهاب الإعياء والتعب.
(1/259)

إلى كنف الجون، وصرنا منه فى كنّ وصون؛ وهدأ من البحر ما استشرى، وتنادينا بالبشرى؛ ووطئنا من الأرض جددا، ولبسنا أثواب الحياة جددا! ......»
ومن رسالة لأبى عامر بن عقال الأندلسىّ عفا الله عنه جاء منها:
« ... وكان جوازه، أيده الله على بحر ساكن، قد ذل بعد استصعابه، وسهل بعد أن رأى الشامخ من هضابه؛ وصارحيّه ميتا، وهديره صمتا؛ وجباله لا ترى بها عوجا ولا أمتا؛ وضعف بعد تعاطيه، وعقد السلّم بين موجه وشاطيه. فعبر آمنا من لهواته، متملّكا لصهواته؛ على جواد يقطع البحر سبحا، ويكاد يسبق الريح لمحا؛ لا يحمل لجاما ولا سرجا، ولا يعرف غير اللّجّة سرجا؛ فلله هو من جواد، له جسم وليس له فؤاد؛ يخترق الهواء ولا يرهبه، ويركض فى الماء ولا يشربه! ......»
ومن رسالة للأستاذ ابن العميد فى مثل ذلك جاء منها:
« ... وكأن العشاريات وقد ردّيت بالقار، وحلّيت باللّجين والنّضار؛ عرائس منشورة الذوائب، مخضوبة الحواجب؛ موشحة المناكب، مقلّدة الترائب؛ متوّجة المفارق، مكلّلة العواتق، فضّية الحلل والقراطق؛ أو طواويس أبرزت رقابها، ونشرت أجنحتها وأذنابها؛ وكأنها إذا جدّت فى اللّحاق، وتنافست فى السّباق؛ نوافر نعام، أو حوافل أنعام؛ أو عقارب شالت بالإبر، أودهم الخيل واضحة الحجول والغرر؛ وكأن المجاديف طير تنفض خوافيها، أو حبائب تعانق حبائب بأيديها......»
(1/260)

الباب السابع من القسم الرابع من الفن الأوّل
فى العيون والأنهار والغدران وما وصفت به البرك والدواليب والنّواعير والجداول قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ) .
قال المفسرون: هو المطر. ومعنى سلكه أدخله فى الأرض، وجعله عيونا ومسالك ومجارى كالعروق فى الجسد.
قال أبو الفرج، قدامة بن جعفر: مجموع ما فى المعمور من الأنهار فى الأقاليم السبعة مائة نهر وأربعة وثمانون نهرا، منها:
فى الإقليم الأول ثلاثة وعشرون نهرا؛ وفى الإقليم الثانى تسعة وعشرون نهرا؛ وفى الإقليم الثالث ستة وعشرون نهرا؛ وفى الاقليم الرابع أربعة وعشرون نهرا؛ وفى الإقليم الخامس ثمانية وعشرون نهرا؛ وفى الإقليم السادس ستة وعشرون نهرا؛ وفى الإقليم السابع ثمانية وعشرون نهرا.
ثم قال: وفى هذه الأنهار ما جريانه من المشرق إلى المغرب، كنهر نهاوند ونهر سجستان؛ وما جريانه من الشمال إلى الجنوب كدجلة؛ وما جريانه من الجنوب إلى الشمال، كنهر النّيل ونهر مهران؛ وما جريانه مركّب من هذه الجهات، كنهر الفرات وجيحون ونهر الكرّ.
وسنذكر المشهور منها.
(1/261)

فأما نهر النيل
فزعم قدامة بن جعفر أن انبعاثه من جبل القمر وراء خطّ الاستواء، من عين تجرى منها عشرة أنهار، كلّ خمسة منها تنصب إلى بطيحة. ثم يخرج من كل بطيحة نهران، وتجرى الأنهار الأربعة إلى بطيحة كبيرة فى الإقليم الأوّل. ومن هذه البطيحة يخرج نهر النيل.
وقال صاحب كتاب «نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق» : «إن هذه البحيرة تسمّى بحيرة كورى منسوبة لطائفة من السودان يسكنون حولها، متوحّشون: يأكلون من وقع إليهم من الناس. ومن هذه البحيرة يخرج نهر غانة، ونهر الحبشة؛ فإذا خرج النّيل منها يشق بلاد كورى ثم بلاد ننه (طائفة من السودان أيضا، وهم بين كانم والنّوبة) ، فإذا بلغ دنقلة (مدينة النوبة) عطف من غربيها إلى المغرب، وانحدر الى الإقليم الثانى، فيكون على شطّيه عمارة النّوبة. وفيه هناك جزائر متسعة عامرة بالمدن والقرى.
ثم يشرّق إلى الجنادل، وإليها تنتهى مراكب النوبة انحدارا، ومراكب الصعيد إقلاعا. وهناك أحجار مضرسة لا مرور للمراكب عليها إلا فى إبّان زيادة النيل.
ثم يأخذ على الشّمال فيكون على شرقيّة مدينة أسوان من بلاد الصعيد الأعلى؛ ثم يمرّ بين جبلين هما يكتنفان لأعمال مصر، أحدهما شرقىّ والآخر غربىّ حتّى يأتى مدينة مصر [1] فتكون فى شرقيه. فإذا تجاوزها بمسافة يوم، انقسم قسمين: أحدهما يمرّ حتّى يصب فى بحر الروم عند مدينة دمياط، ويسمّى بحر الشرق؛ والآخر- وهو عمود النيل ومعظمه- يمرّ إلى أن يصب فى بحر الروم أيضا عند مدينة رشيد، ويسمّى بحر الغرب.
__________
[1] يشير إلى الفسطاط، أى مصر العتيقة فى عرفنا الآن.
(1/262)

قالوا: وتكون مسافة النيل من منبعه إلى أن يصب فى رشيد سبعمائة فرسخ وثمانية وأربعين فرسخا. وقيل إنه يجرى فى الخراب أربعة أشهر، وفى بلاد السودان شهرين، وفى بلاد الإسلام شهرا.»
وروى البخارى فى «صحيحه» عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، عن النبىّ (صلى الله عليه وسلم فى حديث المعراج، قال: «ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة. (قال: هذه سدرة المنتهى) وإذا أربعة أنهار نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أمّا الباطنان، فنهران فى الجنة؛ وأمّا الظاهران، فالنيل والفرات» .
وليس فى الأرض نهر يزيد حين تنقص الأنهار وتغيض، غيره. وذلك أن زيادته تكون فى الفيظ الشديد فى شمس السّرطان والأسد والسنبلة.
وقد حكى فى فضائل مصر أن الأنهار تمدّه بمائها، وذلك عن أمر الله تعالى.
وقال قوم: إن زيادته من ثلوج يذيبها الصيف على حسب مددها، كثيرة كانت أو قليلة؛ وفى مدده اختلاف كثير.
وكان منتهى زيادته قديما ستة عشر ذراعا، والذراع أربعة وعشرون إصبعا، بمقياس مصر. فان زاد عن ذلك ذراعا واحدا، زاد فى الخراج مائة ألف دينار: لما يروى من الأراضى العالية.
والغاية القصوى فى الزيادة ثمانية عشر ذراعا فى مقياس مصر. [1] فإذا انتهى إلى هذا الحدّ، كان فى الصعيد الأعلى اثنين وعشرين ذراعا: لارتفاع البقاع التى يمرّ عليها.
(1/263)

فإذا انتهت زيادته، فتحت خلجانات وترع تتخرّق المياه فيها يمينا وشمالا إلى البلاد البعيدة عن مجرى النيل.
وللنيل ثمان خلجانات، وهى: خليج الإسكندرية؛ وخليج دمياط؛ وخليج منف؛ وخليج المنهى (حفره يوسف الصدّيق عليه السلام) ؛ وخليج أشموم طنّاح؛ وخليج سردوس (حفره هامان لفرعون) ؛ وخليج سخا؛ وخليج حفره عمرو بن العاص، يجرى إلى أن يصبّ فى السّباخ.
ويحصل لأهل مصر إذا وفى النيل ستة عشر ذراعا- وهى قانون الرىّ- فرح عظيم: بحيث إن السلطان يركب فى خواصّ دولته وأكابر الأمراء فى الحراريق إلى المقياس، ويمدّ فيه سماطا يأكل منه الخواصّ والعوامّ، ويخلع على القيّاس، ويصله بصلة مقرّرة له فى كلّ سنة.
وقد ذكر بعض المفسرين «للكتاب العزيز» أن يوم «وفاء النيل» هو اليوم الذى وعد فيه فرعون موسى بالاجتماع، وهو قوله تعالى إخبارا عن فرعون (قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى)
. والعادة جارية أن اجتماع الناس للتخليق فى هذا الوقت.
ومتى قصّر النيل عن هذا المقدار، غلت الأسعار.
وهو إذا ابتدأ فى زيادته يكون مخضرّا، ثم محمّرا، ثم كدرا.
وإذا انتهى فى الزيادة غشّى الأرض، وتصير القرى فوق الرّوابى فلا يتوصّل إليها إلا فى المراكب أو على الجسور الممتدّة التى تنفق عليها الأموال الكثيرة وتتخذ لحفظ الماء.
(1/264)

فإذا انتهى رىّ مكان وأخذ حدّه، قطع جسر ذلك المكان من مكان معروف (يعرفه خولة البلاد ومشايخها) تروى منه الجهة التى تليها مع ما تجمع فيها من الماء المختص بها. ولولا إتقان هذه الجسور وحفر الترع لقلّ الانتفاع بالنيل.
وقد حكى أنه كان يرصد لعمارة الجسور فى كل سنة ثلث الخراج لعنايتهم بها:
لما يترتب عليها من المصالح، ويحصل بها من النفع فى رىّ البلاد.
وقد وصف بعض الشعراء، النيل فى طلوعه وهبوطه، فقال:
واها لهذا النّيل، أىّ عجيبة ... بكر بمثل حديثها لا يسمع!
يلقى الثرى فى العام وهو مسلّم ... حتى إذا ما ملّ عاد يودّع.
مستقبل مثل الهلال، فدهره ... أبدا يزيد كما يزيد ويرجع.
وللشعراء فيه أوصاف وتشبيهات، نذكرها بعد إن شاء الله تعالى في موضعها.
وهذا النهر مخالف فى جريه لسائر الأنهار، لأنه يجرى مما يلى الجنوب مستقبل الشمال. وكذلك نهر مهران بالسّند، ونهر الأرنط، وهو نهر حمص وحماة، ويسمّى العاصى لمخالفته للأنهار فى جريها. وما عداها من الأنهار جريها من الشمال إلى الجنوب:
لارتفاع الشمال عن الجنوب وكثرة مياهه.
وهو أخفّ المياه وأحلاها وأعمّها نفعا وأكثرها خراجا.
وقد حكى أنه جبى فى أيام كيقاوش (أحد ملوك القبط الأوّل مائة ألف ألف وثلاثين ألف دينار؛ وجباه عزيز مصر مائة ألف ألف دينار؛ وجباه عمرو بن العاص اثنى عشر ألف ألف دينار؛ ثم رذل إلى أن جبى أيام القائد جوهر (مولى المعزّ العبيدىّ) ثلاثة آلاف ألف ومائتى ألف دينار.
(1/265)

وسبب تقهقره أن الملوك لم تسمح نفوسهم بما كان ينفق فى حفر ترعه وإتقان جسوره وإزالة ما هو شاغل للأرض عن الزراعة كالقصب والحلفاء.
وحكى ابن لهيعة أن المرتّبين لذلك كانوا مائة ألف وعشرين ألف رجل:
سبعون ألفا للصعيد، وخمسون ألفا للوجه البحرىّ.
وحكى ابن زولاق أن أحمد بن المدبر لما ولى الخراج بمصر، كشف أرضها فوجد غامرها أكثر من عامرها، فقال: والله لو عمرها السلطان، لوفت له بخراج الدنيا.
وقيل إنها مسحت أيام هشام بن عبد الملك، فكان ما يركبه الماء العامر والغامر مائة ألف ألف فدان. والفدان أربعمائة قصبة، والقصبة عشرة أذرع.
واعتبر أحمد بن المدبر ما يصلح للزراعة بمصر فى وقت ولايته، فوجده أربعة وعشرين ألف ألف فدان. والباقى استبحر وتلف.
واعتبر مدّة الحرث فوجدها ستين يوما. والحراث يحرث خمسين فدانا، فكانت محتاجة إلى أربعمائة ألف وثمانين ألف حرّاث.
وأما الفرات
فهو أحد الرّافدين، ويقال الوافدين، والآخر دجلة، سميا بذلك لأنهما يجريان فى جانبى بغداد: دجلة من شرقيها، والفرات من غربيها: يأتى إليها من دجلة من واسط، والبصرة، والأبلة، والأهواز، وفارس، وعمان، واليمامة، والبحرين، وسائر بلاد الهند، والسند، والصين؛ ويأتى إليها من الفرات من الموصل، وأذربيجان، وأرمينية، والجزيرة، والثغور، والشام، ومصر، والمغرب؛ وقد تقدّم ذكرنا لحديث البخارى أنه يجرى من تحت سدرة المنتهى.
(1/266)

وأما مبتدأ جريه الذى يعرفه الناس، فمن مدينة قاليقلا من نهر يسمّى أودخش، ويجرى مقدار أربعمائة وخمسين ميلا مغرّبا، ثم يخرج من جهة الجنوب حتّى يمرّ بين ثغرى ملطية، وسميساط؛ ثم إلى جسر منبج؛ ثم يعطف ويأخذ جهة الجنوب حتّى يصل إلى بالمن ويمر بنصيبين، والرّقة، وقرقيسيا، والرّحبة؛ فيلتحف على عانات؛ ثم يمتدّ حتّى يمر بهيت والأنبار. فإذا جاوزها انقسم قسمين: قسم يأخذ نحو الجنوب قليلا وهو المسمّى بالعلقم، ينتهى إلى بلاد سورا وقصر ابن هبيرة والكوفة والحلّة، إلى البطيحة التى بين البصرة وواسط؛ والقسم الآخر يسمّى نهر عيسى، منسوب لعيسى بن علىّ بن عبد الله بن عباس، وهو ينتهى إلى بغداد، ويمرّ حتّى يصبّ فى دجلة.
قال المسعودىّ: وقد كان الأكثر من ماء الفرات ينتهى إلى بلاد الحيرة؛ ثم يتجاوزها ويصب فى البحر الفارسىّ، وكان البحر يوم ذاك فى الموضع المعروف بالنّجف فى هذا الوقت، وكانت مراكب الهند والصين ترد على ملوك الحيرة فيه.
قال: والموضع الذى كان يجرى فيه بيّن إلى زمن وضعى هذا الكتاب، يعنى «كتاب مروج الذهب» وهو فى سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، ويعرف بالعتيق، وعليه كانت وقعة القادسية.
وطول الفرات من حيث يخرج عند ملطية إلى أن يأتى ما يأتى منه إلى بغداد ستمّائة فرسخ وثلاثة وعشرون فرسخا، وفى شطّه مدن فى جزائر تعدّ من أعمال الفرات، وهى الريسة، والناووسة، والقصر، والحديثة، وعانات، والدّالية.
(1/267)

وأما نهر دجلة
ويسمى السلامة، وبه سميت بغداد دار السلام على أحد القولين، والثانى السلام على الخلفاء فيها.
وهذا النهر فارزبين العراق والجزيرة، وانبعاثه من أعين بجبال آمد، ويصب إليه نهران يخرجان من أرزن الروم وميّا فارقين وعيون أخرى من جبال السلسلة، فيمرّ ببلد، ثم بالموصل فيصب فيه نهر الخابور الخارج من بلاد أرمينية بين بلاد سورا وقبر سابور؛ ويصب فيه الزاب الأكبر الخارج من بلاد أذربيجان على فرسخ من الحديثة. ويسمى المجنون لحدّته وشدّة جريه، ثم تمرّ دجلة فيصب فيها الزاب الأوسط، ومخرجه من الفرات ويجرى بين إربل ودقوقاء، ويصب فى دجلة أيضا الزاب الأصغر، ومخرجه أيضا من الفرات.
وهذه الزوابى الثلاثة أنبطها زاب بن طهماسب: أحد ملوك الفرس الأول، ثمّ تمرّ دجلة بتكريت إلى أن تتجاوز سامرّا قليلا فيقع فيها نهر عيسى ويمرّ حتّى يشقّ بغداد.
فاذا تجاوزها صب فيه نهر يخرج من بلاد أرمينية يسمّى تامرّا بعد أن يمرّ بناصلو ثم بباجسرا فيسمّى النهروان، ويشق مدينة تعرف به، ثم تمرّ دجلة بجر جرايا والنّعمانية ثم بواسط، ثم إلى البطائح، ثم تخرج منها فتمرّ بالبصرة وتجرى حتّى تنتهى إلى عبّادان، وعندها تصبّ فى البحر الفارسىّ.
وما يمرّ من دجلة بالبصرة يملح إذا مدّ البحر فلا يشرب منه البتة؛ ويحلو إذا جزر.
فأهل البصرة ينتظرون بالاستقاء منه الجزر، وهو يمدّ بكرة ويجزر عشاء.
(1/268)

وكانت المراكب التى ترد من الهند والصين تدخل فى دجلة من بحر فارس إلى مدينة المداين، فاتفق أن انبثق فى أسافل كسكر بثق عظيم على عهد قباذ بن فيروز فأهمل حتّى طغى ماؤه وغرّق غمارات وضياعا فصارت بطائح.
ويسمّى هذا البثق دجلة العوراء لتحوّل الماء عنه. وصار بين دجلة الآن ودجلة العوراء مسافة بعيدة تسمّى بطن جوخى، وهو من حدّ فارس من أعمال واسط إلى نحو السّوس من أعمال خوزستان.
ويقال إن كسرى أنفق أموالا عظيمة على أن يحوّل الماء إليها فأعياه ذلك.
ورامه خالد بن عبد الله القسرى فعجز عنه.
ومقدار مسافة جرى نهر دجلة إلى أن يصب فى البحر الفارسى ثلاثمائة فرسخ؛ ومقدار البطائح ثلاثون فرسخا طولا وعرضا. وهى تفيض فى كثير من الأوقات حتى يخشى على بغداد الغرق.
وأما نهر سجستان
ويسمّى الهندمند [1] ، فيقال إن منوچهر بن أيراج [2] بن أفريدون أنبطه.
وهو يجرى من عيون فى بلاد الهند ويمرّ ببلد الغور؛ فإذا تجاوزها، مرّ من أعالى سجستان على بررخّج، ثم على بسط [3] ، ثم على دونج [4] فتفرّع منه أنهار تجرى فى شوارعها. ثم يمرّ عمود النهر حتّى يصب فى بحيرة زرة.
__________
[1] وسماه المسعودى «الهرمند» فى كتاب «التنبيه والإشراف» .
[2] فى المسعودى «أيران» وقال: إن أيران تسميه الفرس أيراج.
[3] هى المشهورة باسم «بست» . ومنها أبو الفتح البستىّ الشاعر المعروف.
[4] لم أعثر على هذا الاسم فيما بيدى من كتب الجغرافية العربية، ولعلها هى نفس المدينة التى ذكرها ياقوت وغيره باسم «زربح» وقال إنها قصبة سجستان.
(1/269)

وطول هذا النهر من حيث يبتدئ إلى نهايته مائة فرسخ.
وزعم قوم أنه يخرج من نهر الكنك.
وأما نهر مهران
وهو نهر السند [1] ، فهو يشبه نيل مصر فى زيادته ونقصه واصناف حيوانه وما يتفرّع منه من الخلجان.
وهو يستمدّ من أربعة أنهر: نهران يجريان من السند، ونهر من ناحية كابل، ونهر من بلاد قشمير. وتجتمع فتكون نهرا واحدا، ويجرى حتّى ينتهى إلى الدور فيمرّ بها، ومن ثم يسمّى نهر مهران، ثم يمرّ بالمولتان، ثم بالمنصورة، ثم يجرى إلى ديبل. فإذا تجاوزها صب فى بحر الهند على ستة أميال منها.
وطوله ألف فرسخ.
وأما نهر جيحون [2]
ويسمّى بالفارسية «به روذ» وهو «نهر بلخ [3] » .
وانبعاثه من بحيرة فى بلاد التّبّت، مقدارها طولا وعرضا أربعون ميلا، تجتمع من أنهار الختّل.
__________
[1] لا يزال اسم «مهران» علما يطلقه بعض الهنود إلى الآن على القسم الأسفل من نهر السند.
[2] فى الأصل «جيحان» . وهو خطأ لأن جيحان نهر آخر فى آسيا الصغرى ويعرف بنهر المصيصة ويصب فى بحر الشام. أنظر ياقوت وابن رسته فى «التنبيه والإشراف» .
[3] ويسمى أيضا نهر كالف على ما رواه المسعودى باسم قلعة حصينة، قال ياقوت إنها قائمة على طرفه شبيهة بالمدينة بينها وبين بلخ ثمانية عشر فرسخا.
(1/270)

فإذا خرج منها مربوخّان فيسمّى نهر جرياب [1] ، ويجرى من المشرق إلى المغرب إلى أعلى حدود بلخ. ثم يعطف إلى ناحية الشمال إلى أن يصير إلى التّرمذ، ثم منها إلى زمّ وآمل من بلاد خراسان. ثم يجرى إلى أن يمرّ ببلاد خوارزم فيشق قصبتها.
فإذا تجاوزها تشعّب منه أنهار وخلجان يمينا وشمالا، تصب إلى مستنقعات وبطائح يصاد فيها السمك.
ثم تخرج منها مياه تجتمع وتصير عمودا واحدا، تجرى مقدار أربعة وعشرين فرسخا، ثم تصب فى بحيرة خوارزم.
ويكون مقدار جريه من مبدئه إلى نهايته ثلاثمائة وخمسين فرسخا. وقيل: أربعمائة.
وساحله يسمّى الرّوذبار [2] .
ويقال إنه يخرج منه خليج يأخذ سمت المغرب حتّى يقرب من كرمان، ثم يمضى حتّى يصبّ فى بحر فارس.
ونهر جيحون ربما جمد فى الشتاء حتّى تعبر عليه القفول. قالوا: ويبتدئ جموده من ناحية خوارزم.
وأما نهر سيحون
ويسمّى نهر الشّاش، وهو فارز بين بلاد الهياطلة وبلاد تركستان.
قال ابن حوقل: مبتدؤه من أنهار تجتمع فى حدود بلاد التّرك [والإسلام] ، فتصير عمودا واحدا وتجرى حتّى تظهر فى حدود أوزكند من بلاد فرغانة فتصب فيه
__________
[1] فى الأصول «جواب» والتصحيح عن الاصطخرى وابن حوقل.
[2] قال ياقوت: كأن معناه بالفارسية «موضع النهر» . ثم نقل عن السمعانىّ أن الروذبار لفظة لمواضع عند الأنهار الكبيرة فى بلاد متفرّقة. ثم ذكر روذبار بلخ ثم قال وبالشاش أيضا قرية يقال لها روذبار من وراء جيحون. [ولعل المراد هنا بلاد النهر أى نهر جيحون كما قالوا زنجبار أى بلاد الزنج] .
(1/271)

فيعظم ويكثر ماؤه، ثم يمتدّ إلى فاراب. فإذا تجاوزها يجرى فى برّية فيكون على جانبيه الأتراك الغزّيّة، ويمرّ إلى أن يصب فى نهر جيحون [1] .
وبين موقعه فى النهر وبين بحيرة خوارزم عشرة أيام.
وأما نهر الكنك [2]
وهو نهر تعظّمه الهند، فينبعث من بلاد قشمير ويجرى فى أعالى بلاد الهند.
وهم يزعمون أنه من الجنة فيعظّمونه غاية التعظيم.
ومن عجائبه أنه إذا ألقى فيه شىء من القاذورات، أظلم جوّه ورجفت أرجاؤه وكثرت الأمطار والرياح والصواعق.
وقد وصفه العتبىّ فى «التاريخ اليمينىّ» فقال:
«وهذا النهر الذى يتواصف الهنود قدره وشرفه، فيرون من عين الخلد التى فى السماء مغترفه؛ إذا أحرق منهم ميت ذرّوه فيه بعظامه، فيظنون أنّ ذلك طهر لآثامه؛ وربما أتاه الناسك من المكان البعيد فيغرق نفسه فيه، يرى أنّ هذا الفعل ينجيه.
والهنود يفرطون فى تعظيمه حتّى إن الرجل منهم إذا أراد الفوز، أحرق نفسه وألقى رماده فيه، أو يأتى إلى النهر (وهناك شجر القنا فى غاية الارتفاع، وقوم هناك بأيديهم سيوف مسلولة وخناجر) فيربط نفسه فى طرف قناة، ثم يحزّ رأسه بيده
__________
[1] اختصر المؤلف كلام ابن حوقل اختصارا خفيفا (وانظر كلام ابن حوقل فى كتابه «المسالك والممالك» ص 392- 393) .
[2] قال أبو الفدا إن اسمه الهندى: كانكو وسماه المسعودى «جنجس» فى كتاب «التنبيه والإشراف» .
(1/272)

فيبقى الرأس معلقا فى طرف القناة وتسقط الجثة، أو يلقى نفسه من شاهق على تلك السيوف والخناجر فيتقطع، ومنهم من يلقى نفسه فى النهر فيغرق» .
وأما نهر الكر
فهو نهر بأرض أرمينية.
وانبعاثه من بلاد اللّان، فيمرّ ببلاد الأنجاز [1] حتّى يأتى ثغر تفليس فيشقّه ويجرى فى بلاد الساوردية. [2] ثم يخرج بأرض برذعة، ويحرى إلى برزنج فيصب فيه نهر الرّسّ.
وهذا النهر هو المذكور فى القرآن العزيز فى قوله تعالى (وَأَصْحابَ الرَّسِّ) *
[3] على ما ذهب إليه بعض المفسرين. فإذا صب فيه هذا النهر، صارا نهرا واحدا يصب فى بحر الخزر.
ونهر الرّسّ يخرج من أقاصى بلاد الروم، على ما زعم المسعودى.
وأما نهر إتل
وهو نهر عظيم، فهو نهر الخزر.
ويمرّ جانبه الشرقىّ على ناحية خرخيز، ويجرى ما بين الكيماكية والغزّية. ثم يمتدّ غربا على ظهر بلغار [4] وبرطاس والخزر. ثم ينقسم قسمين: أحدهما إلى مدينة إتل
__________
[1] فى الأصل «الأبحار» . والأصوب «الابخاز» وهو اسم لجهة من بلاد أرمينيه (وقد ذكر الابخاز كل من الإصطخرى وابن حوقل والمقدسى وابن خرداذبة والمسعودى) .
[2] جيل من الأرمن يسميهم العرب أيضا «السياوردية» ويصفونهم بأنهم «أهل العبث والفساد والتلصص (عن حاشية فى ص 192 من «مسالك الممالك» للإصطخرى) .
[3] فى الاصل «كذب أصحاب الرس المرسلين» وهو غير نظم القرآن، فتنبه.
[4] مدينة كانت على نهر؟؟؟ لاد الروسيا. ومنها خرج البلغار الى البلاد المعروفة الآن فأسمهم.
(1/273)

يشقّها بنصفين ويجرى إلى أن يصب فى بحر الخزر، ويجرى الآخر فيمرّ ببلد الرّوس حتّى يصب فى بحرهم وهو بحر سوداق.
ويقال إنه يتشعب منه نيّف وتسعون نهرا، وإذا وقع فى البحر، يجرى فيه مسيرة يومين ثم يغلب عليه.
وقيل إنه يجمد فى الشتاء، ويتبين لونه فى لون البحر.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ذكر ما فى المعمور
من الأنهار والعيون التى يتعجّب منها قال صاحب «مباهج الفكر ومناهج العبر» فى كتابه:
«وذكر المعتنون بتدوين العجائب فى كتبهم التى وضعوها لذلك أن فى المعمور أنهارا وعيونا يتعجّب منها إذا أخبر عنها. فذكروا منها نهر الكنك (وقد تقدّم ذكره) وأن بأرض الهند مكانا يعرف بعقبة عورك فيه عين ماء لا تقبل نجسا ولا قذرا، وإن ألقى فيها شىء من ذلك، اكفهرّت السماء وهبّت الريح وكثر الرعد والبرق والمطر. فلا تزال كذلك إلى أن يخرج منها ما طرح فيها.
«وذكروا أن فى ناحية الباميان عينا تسمّى ديواش تفور من الأرض كغليان القدر؛ متى بصق فيها إنسان أورمى فيها شيئا من القاذورات، ازداد غليانها وفورانها وفاضت. فربما أدركت من جعل ذلك فيها فغرّقته.
«وبناحية الباميان أيضا عين تجرى من جبل فى بعض الأحيان. فإذا خرج ماؤها، صار حجرا أبيض.
(1/274)

«وبقرية من أعمال فارس كهف بين جبال شاهقة فيه حفرة بقدر الصّحفة، يقطر فيها من أعلى الكهف ماء: إن شرب منه واحد لا يفضل عنه منه شىء، وإن شرب منه ألف عمّهم وأرواهم.
«وبناحية أردشير [1] جرد عين يجرى منها ماء حلو يشرب لشفية الجوف. فمن شرب منه قدحا أقامه مرة، وإن زاد فعلى قدر الزيادة.
«وبدارين من أعمال فارس نهر ماؤه شروب. إذا غطّت فيه الثياب خضّرها.
«وفى بعض رساتيق همذان عيون متى خرج منها الماء تحجّر.
«وبنواحيها أيضا ماء يخرج من تحت قلعة ويجرى فى جداول إلى بعض الرساتيق.
فما تشبّث منه فى صدع أو شقّ صار حجرا صلدا، وإذا صبّ فى خزفة وأقام فيها ثلاثة أيام ثم كسرت، وجد فى جوفها أخرى قد تحجرت من الماء.
«وبناحية تفليس عين تنبع، فإذا خرج منها الماء صار حيّات.
«وبأرض القدموس من حصون الدّعوة بربضها حمّام يجرى إليها الماء من عين هناك. فإذا كان فى أوّل شهر تمّوز ينبع فى الحمّام حيّات فى طول شبرين أوّلا، ثم فى طول شبر، وتكثر. ولا توجد فى غير الحمام. فإذا انقضى شهر تمّوز، عدمت تلك الحيّات، فلا توجد إلى العام القابل.
«وبأرض أرمينية واد لا يقدر أحد ينظر إليه ولا يقف عليه ولا يدرى ما هو.
إذا وضعت القدر على ضفّته غلت ونضج ما فيها. وفيها واد عليه الأرحاء والبساتين.
ماؤه حامض؛ فإذا نزل فى الإناء، عذب وحلا.
__________
[1] فى معجم ياقوت «أردشير خرّه» مضبوطا بالعبارة.
(1/275)

«وبالمراغة عيون اذا خرج ماؤها لم يلبث إلا قليلا حتى يتحجّر. فمنه تفرش دورهم.
«وبنواحى أرزن الروم ماء يستقى فيستحجر ويصير ملحا.
«وأكثر مياه بلاد اليمن تستحيل شبّا.
«وبنواحى واحات من أعمال مصر عيون مياهها ألوان مختلفة: من الحمرة والصّفرة والخضرة. تسيل إلى مستنقعات، فتكون ملحا بحسب ألوانها.
«وفى هذه الناحية عيون يطبخ بمائها بدلا عن الخلّ.
«وبنواحى أسوان من الصعيد الأعلى مستنقعات منها النّفط.
«وكذلك بتكريت من أرض العراق.
«وبأرض كتامة [1] من بلد إفريقيّة عين تسمّى عين الأوقات. تجرى فى أوقات الصلوات الخمس. فإذا حضر جنب أو امرأة حائض، لا تبضّ بشىء من الماء. وإذا اتّهم رجلان، أتت بالماء للصادق وشحّت على الكاذب.
«وببلد إفريقية أيضا عين تنبع بالمداد، يكتب به أهل تلك الناحية.
«وبطرطوشة من بلاد الأندلس واد يجرى رملا.
قال: وذكر بعض أصحاب المجاميع أنه كان بمدينة طحا من كورة الأشمونين من صعيد مصر بئر فيها ماء معين يشرب منها طول أيام السنة فيكون الماء كسائر المياه، حتّى إذا كان أوّل يوم من برمودة من شهور القبط فمن شرب من ذلك الماء
__________
[1] فى الأصل: «كامة» وهو غلط من الناسخ، لأن «كتامة» قبيلة من البربر منتشرة فيما بين برقة الى أرض الجزائر.
(1/276)

يومئذ خدمته الطبيعة مقدار ما شرب. فاذا كان وقت الزوال عاد الماء إلى حالته الاولى، ثم لا يفعل كذلك إلا فى مثل ذلك اليوم من العام القابل.
وقال: إنه كان بمدينة الأشمونين كنيسة تعرف ببوجرج إلى جانبها بئر لا نداوة فيها ولا بلل فى سائر أيام السنة، فاذا كان اليوم العاشر من طوبة من شهور القبط تمتلئ تلك البئر ماء شروبا. فلا يبقى أحد من نصارى ذلك البلد إلا ويأخذ من ذلك الماء للتبرّك به. حتّى إذا كان عند الزوال، غاض الماء فلا يبقى فى البئر منه شىء ويجفّ لوقته.
«وبأرض مرمنيثا من عمل حصن الأكراد عين تسمّى الفوّارة. تكون فى غالب الأوقات بينها وبين وجه الأرض تقدير ثلاثة أذرع. وتفور فى بعض الأيام ويخرج منها ماء يدير أرحية الطواحين ويسقى البساتين فيستمرّ كذلك بعض يوم ثم يغور.
ويتكرر ذلك فى الأسبوع مرتين وثلاثة.
«وبقلعة بعلبك من الشام بئر تعرف ببئر الرحمة لا يرى فيها الماء إلا إذا حوصرت.
فإنها عند ذلك تمتلئ حتّى تفيض. فإذا زال الحصار جفّت» .
ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الماء
(ما جاء من ذلك على لفظ افعل) الأمثال:
يقال:
أسرع من الماء إلى قراره.
أرقّ من الماء.
أحمق من لاعق الماء.
(1/277)

أحمق من القابض على الماء.
أصفى من ماء المفاصل.
أعذب من ماء المفاصل.
أجرى من الماء.
أعذب من ماء الحشرج.
أعذب من ماء البارق.
ألطف من الماء.
أوجد من الماء.
ويقال:
أن ترد الماء بماء أكيس.
ماء ولا كصدّاء.
قد بلغ الماء الزّبى.
ويقال:
فلان يرقم على الماء. (إذا كان حاذقا) .
ثأطة مدّت بماء. (للامر يزداد فسادا) .
ليس الرّىّ فى التّشافّ. (فى ذم الاستقصاء) .
الماء إذا طال مكثه، ظهر خبثه؛ وإذا سكن متنه، تحرّك نتنه.
الكدر من رأس العين.
إذا عذبت العيون، طابت الأنهار.
هذا غيض من فيض، وبرض من عدّ. (أى قليل من كثير) .
(1/278)

ومن أنصاف الابيات:
والمرء يشرق بالزّلال البارد!
كذلك غمر الماء يروى ويغرق!
والمشرب العذب كثير الزّحام!
مواقع الماء من ذى الغلّة الصادى!
وكيف يعاف الرّنق من كان صاديا؟
ومن الابيات:
يا سرحة الماء قد سدّت موارده ... أما إليك سبيل غير مسدود؟
لحائم حام حتّى لا حيام به ... محلّا عن طريق الماء مصدود!
وقال آخر:
أيجوز أخذ الماء من ... متلهّب الأحشاء صادى؟
وقال آخر:
أرى ماء وبى عطش شديد، ... ولكن لا سبيل إلى الورود!
وقال آخر:
من غصّ داوى بشرب الماء غصّته، ... فكيف يصنع من قد غصّ بالماء؟
وقال آخر:
وما كنت إلّا الماء جئنا لشربه، ... فلمّا وردناه إذا الماء جامد!
وقال آخر:
وفى نظرة الصادى إلى الماء حسرة، ... إذا كان ممنوعا سبيل الموارد!
وقال آخر:
وإنّى للماء المخالط للقذى ... إذا كثرت ورّاده، لعيوف!
(1/279)

وقال آخر:
سأقنع بالثّماد، لعلّ دهرا ... يسوق الماء من حرّ كريم!
وقال آخر:
ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء، خانته فروج الأصابع.
وقال آخر:
وإنّى وإشرافى عليك بهمّتى ... لكالمبتغى زبدا من الماء بالمخض.
وقال آخر:
فقل فى مكرع عذب، ... وقد وافاه عطشان!
وقال آخر:
وكيف الصّبر عنك، وأىّ صبر ... لظمآن عن الماء الزّلال؟
وقال آخر:
وإنّ الماء فى العيدان يجرى، ... وربّتما تغيّر فى الحلوق!
وقال آخر:
إذا أنا عاتبت الملول فإنّما ... أخطّ بأقلام على الماء أحرفا!
وقال آخر:
والماء لس عجيبا أنّ أعذبه ... يفنى، ويمتدّ عمر الآجن الأسن.
وقال آخر:
المال يكسب أهله، ما لم يفض ... فى الراغبين إليه، سوء ثناء.
كالماء تأسن بئره إلا إذا ... خبط السّقاة جمامه بدلاء.
(1/280)

ذكر شىء مما قيل فى وصف الماء وتشبيهه
فأما ما اختص به نهر النيل من الوصف.
فمن ذلك قول ابن النّقيب:
كأنّ النّيل ذو فهم ولبّ ... لما يبدو لعين الناس منه.
فيأتى حين حاجتهم إليه، ... ويمضى حين يستغنون عنه!
وقال تميم بن المعزّ العبيدىّ:
يوم لنا بالنّيل مختصر ... ولكلّ يوم مسرّة قصر.
والسّفن تجرى كالخيول بنا ... صعدا، وجيش الماء منحدر.
فكأنّما أمواجه عكن ... وكأنما داراته سرر.
ومن رسالة للقاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانى قال:
وأما النيل فقد ملأ البقاع، وانتقل من الإصبع إلى الذّراع. فكأنما غار على الأرض فغطّاها، وعار عليها فاستقعدها وما تخطّاها. فما يوجد بمصر قاطع طريق سواه، ولا مرغوب مرهوب إلا إيّاه.
وأما ما اختصت به دجلة من الوصف.
قال التنوخىّ:
وكأنّ دجلة إذ تغمّض موجها ... ملك يعظّم، خيفة ويبجّل.
عذبت، فما أدرى أماء ماؤها ... عند المذاقة أم رحيق سلسل؟
وكأنّها ياقوتة أو أعين ... زرق يلاءم بينها ويوصّل.
ولها بمدّ بعد جزر ذاهب ... جيشان: يدبرذا، وهذا يقبل.
(1/281)

وقال محمد بن عبد الله السلامىّ، شاعر «اليتيمة» :
وميدان تجول به خيول ... تقود الدّارعين [1] ولا تقاد.
ركبت به إلى اللّذّات طرفا ... له جسم وليس له فؤاد.
جرى فظننت أن الأرض وجه ... ودجلة ناظر وهو السّواد.
وقال الصنوبرىّ:
فلمّا تعالى البدر واشتدّ ضوءه ... بدجلة فى تشرين بالطّول والعرض
وقد قابل الماء المفضّض نوره ... وبعض نجوم الليل يطفى سنا بعض،
توهّم ذو العين البصيرة أنه ... يرى ظاهر الأفلاك فى باطن الأرض.
ومما وصفت به الأنهار
قال الصنوبرى:
والعوجان الذى كلفت به ... قد سوّى الحسن فيه مذعوّج.
ما أخطأ الأيم فى تعوّجه ... شيئا إذا ما استقام أو عرّج.
تدرّج الريح متنه فترى ... جوشن ماء عليه قد درّج.
إن أعنقت بالجنوب أعنق فى ... لطف، وإن هملجت به هملج.
من أين طافت شمس النهار به ... حسبت شمسا من جوفه تخرج.
وقال أبو فراس:
والماء يفصل بين زه ... ر الرّوض فى الشّطّين فصلا.
كبساط وشى جرّدت ... أيدى القيان عليه نصلا.
__________
[1] أنظر قبل هذا ص 256 فى وصف البحر والسفن. وكتب فى بعض الأصول عند هذا الموضع لفظة «مكرر» .
(1/282)

وقال الناجم:
انظر إلى الرّوض الذّك ... ى فحسنه للعين قرّه!
فكأنّ خضرته السما ... ء، ونهره فيه المجرّه.
وقال عبد الله بن المعتزّ:
وترى الرّياح إذا مسحن غديره ... وصفينه ونقين كلّ قذاة،
ما إن يزال عليه ظبى كارع ... كتطلّع الحسناء فى المرآة.
ومثله قول الآخر:
وغدير رقّت حواشيه حتى ... بان فى قعره الذى كان ساخا.
وكأنّ الطّيور إذ وردته ... من صفاء به، تزقّ فراخا.
وقال آخر:
والنّهر مكسوّ غلالة فضّة؛ ... فإذا جرى سيل، فثوب نضار.
وإذا استقام، رأيت صفحة منصل [1] ؛ ... وإذا استدار، رأيت عطف سوار.
وقال أبو مروان بن أبى الخصال:
النّهر قد رقّت غلالة خصره ... وعليه من صبغ الأصيل طراز.
تترقرق الأمواج فيه كأنّها ... عكن الخصور تهزّها الأعجاز.
وقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسى:
لله نهر سال فى بطحاء ... أشهى ورودا من لمى الحسناء!
وغدت تحفّ به الغصون كأنّها ... هدب تحفّ بمقلة زرقاء.
والرّيح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء!
__________
[1] المنصل (بضم فسكون فضم) هو السيف.
(1/283)

وقال أبو القاسم بن العطار:
مررنا بشاطى النهر بين حدائق ... بها حدق الأزهار تستوقف الحدق.
وقد نسجت كفّ النّسيم مفاضة ... عليه، وما غير الحباب لها حلق!
وقال محمد بن سهل البلخى، شاعر «الذخيرة» :
راقنا النهر صفاء ... بعد تكدير صفائه.
كان مثل السيف مدمى ... فجلوه من دمائه.
أو كمثل الورد غضّا ... فهو اليوم كمائه.
وقال القاضى التنوخى، شاعر «اليتيمة» :
أحبب إلىّ بنهر معقل الذى ... فيه لقلبى من همومى معقل!
عذب إذا ما عبّ فيه ناهل ... فكأنّه من ريق حبّ ينهل.
متسلسل فكأنّه لصفائه ... دمع بخدّى كاعب يتسلسل.
فإذا الرّياح جرين فوق متونه ... فكأنّها درع جلاه الصّيقل!
وقال مؤيد الدين الطّغرائىّ فى الغدير:
عجنا إلى الجزع الذى مدّ فى ... أرجائه الغيم بساط الزّهر.
حول غدير ماؤه المنتمى ... إلى بنات المزن يشكو الخصر.
لولاذه [1] الرّيح سموما به ... لانقلبت وهى نسيم السّحر.
حصباؤه درّ ورضراضه ... سحالة العسجد حول الدّرر.
وقد كسته الرّيح من نسجها ... درعا به يلقى نبال المطر.
__________
[1] كذا بالأصل. وفى ديوانه: «لو لاذت الريح الخ» وهو الصواب.
(1/284)

وألبسته الشّمس من صبغها ... نورا به يخطف نور البصر.
كأنّها المرآة مجلوّة ... على بساط أخضر قد نشر.
وقال أيضا:
ملنا إلى النّشر الذى ترتقى ... إليه أنفاس الصبا عاطره.
حول غدير ماؤه دارع ... والأرض من رقّته حاسره.
والشمس إن حاذته رأد الضّحى ... حسناء فى مرآتها ناظره.
والشّهب إن حاذته جنح الدّجى ... تسبح فى لجّته الزاخره.
قد ركّب الخضراء فيه، فمن ... حصبائه أنجمها زاهره.
يخضرّ [1] إن مرت بأرجائه ... لفح سموم فى لظى هاجره.
أنموذج الماء الذى جاءنا ال ... وعد بأن نسقاه فى الآخره!
ومما وصفت به البرك
قال البحترىّ عفا الله عنه:
يا من رأى البركة الحسناء رؤيتها ... والآنسات التى لاحت مغانيها!
ما بال دجلة كالغيرى تنافسها ... فى الحسن طورا، وأطوارا تباهيها؟
كأنّ جنّ سليمان الذين ولوا ... إبداعها فأدقّوا فى معانيها.
فلو تمرّ بها بلقيس عن عرض، ... قالت: هى الصّرح تمثيلا وتشبيها.
تنصبّ فيها وفود الماء معجلة ... كالخيل خارجة من حبل مجريها.
كأنّما الفضّة البيضاء سائلة ... من السبائك تجرى في مجاريها.
__________
[1] فى الأصل «يخضرّ» وفى ديوانه (الموجود منه نسخة مخطوطة «بدار الكتب المصرية» ) «يحضر» ولا معنى لهما. ولعل الصواب «يخصر» من الخصر، وهو شدّة البرد كما يرتضيه السياق.
(1/285)

إذا علتها الصّبا أبدت لها حبكا ... مثل الجواشن مصقولا حواشيها.
إذا النّجوم تراءت فى جوانبها ... ليلا، حسبت سماء ركّبت فيها.
لا يبلغ السّمك المحصور غايتها ... لبعد ما بين قاصيها ودانيها.
يعمن فيها بأوساط مجنحّة ... كالطير تنقضّ فى جوّ خوافيها.
كأنها حين لجّت فى تدفّقها ... يد الخليفة لمّا سال واديها!
وقال ابن طباطبا:
كم ليلة ساهرت أنجمها لدى ... عرصات أرض ماؤها كسمائها.
قد سيّرت فيها النجوم كأنّما ... فلك السماء يدور فى أرجائها.
أحسن بها بحرا إذا التبس الدّجى، ... كانت نجوم الليل من حصبائها!
ترنو إلى الجوزاء وهى غريقة ... تبغى النّجاء، ولات حين نجائها!
تطفو وترسب فى اصطفاق مياهها ... لا مستعان لها سوى أسمائها.
والبدر يخفق وسطها فكأنّه ... قلب لها قد ريع فى أحشائها.
وقال عبد الجبار بن حمديس، يصف بركة يجرى إليها الماء من شاذروان من أفواه طيور وزرافات وأسود، من أبيات:
والماء منه سبائك من فضّة ... ذابت على دولاب شاذروان!
فكأنّما سيف هناك مشطّب ... ألقته يوم الرّوع كفّ جبان!
كم شاخص فيه يطيل تعجّبا ... من دوحة نبتت من العقيان!
عجبا لها تسقى هناك ينائعا ... ينعت من الثّمرات والأغصان!
خصّت بطائرة على فنن لها ... حسنت، فأفرد حسنها من ثانى!
(1/286)

قسّ الطيور الساجعات بلاغة ... وفصاحة من منطق وبيان.
فإذا أتيح لها الكلام تكلّمت ... بخرير ماء دائم الهملان.
وكأنّ صانعها استبدّ بصنعة ... فخر الجماد بها على الحيوان!
أوفت على حوض لها فكأنّها ... منها إلى العجب العجاب روان.
وكأنّها ظنّت حلاوة مائها ... شهدا، فذاقته بكلّ لسان.
وزرافة فى الجوّ من أنبوبها ... ماء يريك الجرى فى الطّيران.
مركوزة كالرّمح حيث ترى له ... من طعنه الحلق انعطاف سنان.
وكأنّما ترمى السماء ببندق ... مستنبط من لؤلؤ وجمان!
لو عاد ذاك الماء نفطا، أحرقت ... فى الجوّ منه قميص كلّ عنان.
فى بركة قامت على حافاتها ... أسد تذلّ لعزّة السّلطان!
نزعت إلى ظلم النفوس نفوسها، ... فلذلك انتزعت من الأبدان.
وكأنّما الحيّات من أفواهها ... يطرحن أنفسهنّ فى غدران.
وكأنّما الحيتان إذ لم تخشها، ... أخذت من المنصور عهد أمان!
وقال آخر:
ولقد رأيت، وما رأيت كبركة ... فى الحسن ذات تدفّق وخرير!
عقدت لها أيدى المياه قناطرا ... من جوهر فى لجّة من نور!
وقال علىّ بن الجهم، يصف فوّارة:
وفوّارة ثارها فى السّماء، ... فليست تقصّر عن ثارها!
تراها اذا صعدت فى السّماء ... تعود الينا بأخبارها.
تردّ على المزن ما أنزلت ... على الأرض من صوب مدرارها!
(1/287)

وقال ابن حجاج فيها:
علمت فى دارك فوّارة، ... غرّقت الأفق بها الأنجما!
فاض على نجم السما ماؤها، ... فأصبحت أرضك تسقى السما!
وقال تميم بن المعزّ العبيدىّ:
وقاذفة بالماء فى وسط بركة ... قد التحفت ظلّا من الأيك سجسجا.
إذا أينعت بالماء سلّته منصلا ... وعاد عليها ذلك النّصل هودجا.
تحاول إدراك النجوم بقذفها، ... كأنّ لها قلبا على الجوّ محرجا!
ومما وصفت به الدواليب والنواعير
قال أبو حفص بن وضّاح:
لله دولاب يطوف بسلسل ... فى روضة قد أينعت أفنانا!
قد طارحت فيه الحمائم شجوها ... بنحيبها، وترجّع الألحانا.
فكانّه دنف يطوف بمعهد، ... يبكى ويسأل فيه عمّن بانا.
ضاقت مجارى طرفه عن دمعه، ... فتفتّحت أضلاعه أجفانا!
وقال الموفقىّ، رحمه الله:
ناعورة تحسب من صوتها ... متيّما يشكو إلى زائر.
كأنّما كيزانها عصبة ... رموا بصرف الزّمن الواتر.
قد منعوا أن يلتقوا فاغتدوا ... أوّلهم يبكى على الآخر!
وقال آخر:
وناعورة قد ضاعفت بنواحها ... نواحى، وأحرت مقلتىّ دموعها!
وقد ضعفت مما تئنّ، وقد غدت ... من الصّعف والشّكوى بعدّ صلوعها!
(1/288)

وقال ابن منير الطرابلسى:
لنواعيرها على الماء ألحا ... ن تهيج الشّجا لقلب المشوق.
فهى مثل الأفلاك شكلا وفعلا، ... قسمت قسم جاهل بالحقوق:
بين عال، سام، ينكّسه الح ... ظ ويعلو بسافل مرزوق.
وقال أبو الفرج الوأواء:
وكريمة سقت الرياض بدرّها، ... فغدت تنوب عن السّحاب الهامع.
بلباس محزون، ودمعة عاشق، ... وحنين مشتاق، وأنّه جازع.
فكأنّها فلك يدور، وعلوه ... يرمى القرار بكلّ نجم طالع.
وقال الصنوبرىّ:
فلك من الدّولاب فيه كواكب ... من مائه تنقضّ ساعة تطلع.
متلوّن الأصوات: يخفض صوته ... بغنائه، طورا وطورا يرفع.
ومما وصفت به نثرا
من رسالة للشيخ ضياء الدين القرطبى إلى بعض إخوانه يستدعى منه ثلاثة أسهم ومليّات. جاء منها:
« ... والحاجة داعية إلى ثلاثة أسهم، كأنها هقعة الأنجم؛ ممتدّة امتداد الرّمح، مقوّمة تقويم القدح؛ غير مشعّثة الأطراف، ولا معقّدة الأعطاف؛ ولا مسوسة الأجواف؛ تحاسن الغصون بقوامها، والقدود بتمامها؛ وتخالف هيفها متلاء خصورها، وتساوى [بين] هواديها وصدورها؛ معتدله القدود، ناعمة الحدود؛
(1/289)

مع مليّات أخذت النار منها مأخذها فاسودّت، وتطاولت عليها مدّة الجفاف فاشتدّت؛ وترامت بها مدّة القدم، كأنها فى حيّز العدم؛ صلاب المكاسر، غلاظ المآزر؛ تشبه أخلاقه [1] فى هيجاء السلّم، وتحكى صلابة آرائه فى نفاذ الرأى ومضاء العزم؛ تكظم على الماء بغيظها، فتجود على الأرض بفيضها؛ تمدّ يد أيدها فى اقتضاء إرادتها، وتطلع طلوع الأنجم فى فلك إدارتها؛ وتعانق أخواتها معانقة التشييع، فآخر التسليم أوّل التوديع؛ على أنها تؤذن بحقائق الاعتبار، وتجرى جرى الفلك المدار فى قناة الأعمار:
تمرّ كأنفاس الفتى فى حياته ... وتسعى كسعى المرء أثناء عمره.
يفارق خلّ خلّه، وهو سائر ... على مثل حال الخلّ فى إثر سيره.
ويعلمه التّدوار، لو يعقل الفتى ... بأن مرور العمر فيه كمرّه.
فمن أدركت أفكاره سرّ أمرها، ... فقد أدركت أفكاره سرّ أمره.
ومن فاته، الإدراك أدركه الرّدى: ... إذا جرّعت أنفاسه كأس مرّه.»
ومما وصفت به الجداول
قال ابن المعتزّه عفا الله عنه:
على جدول ريّان، لا يقبل القذى: ... كأنّ سواقيه متون المبارد.
وقال الناجم:
أحاطت أزاهير الرّبيع سويّة ... سماطين مصطفّين، تستنبت المرعى.
على جدول ريّان كالسّهم مرسلا، ... أو الصارم المسلول، أو حيّة تسعى.
__________
[1] أى أخلاق المرسل إليه.
(1/290)

وقال المفجّع:
على جدول ريّان ينساب متنه ... صقيلا، كمتن السيف وافى مجرّدا.
إذا الرّيح ناغته، تحلّق وجهه ... دروعا وضاء، أو تحزّز مبردا.
وقال ابن الرومىّ:
على حفافى جدول مسجور ... أبيض مثل المهرق المنشور.
أو مثل متن المنصل المشهور ... ينساب مثل الحيّة المذعور.
وقال ذو الرمّة:
فما انشقّ ضوء الصّبح حتّى تبيّنت ... جداول: أمثال السّيوف القواطع.
وحيث انتهينا من ذكر المياه إلى هذه الغاية فلنذكر عباد الماء.
ذكر عبّاد الماء [1]
وعبّاد الماء طائفة من الهند يسمّون الجلهكيّة [2] ، يزعمون أن الماء ملك، ومعه ملائكة، وأنه أصل كل شىء، وبه كلّ ولادة ونموّ ونشوء وبقاء وطهارة وعمارة، وما من عمل فى الدنيا إلا ويحتاج إلى الماء.
فإذا أراد الرجل منهم عبادته، تجرّد وستر عورته. ثم دخل الماء حتى يصل إلى وسطه، فيقيم ساعتين وأكثر. ويأخذ ما أمكنه من الرّياحين فيقطّعها صغارا ويلقى فى الماء بعضها بعد بعض، وهو يسبّح ويقرأ. وإذا أراد الانصراف، حرّك الماء بيده. ثم أخذ منه فنقّط على رأسه ووجهه وسائر جسده. ثم يسجد وينصرف.
__________
[1]- هذه العبارة كلها منقولة عن كتاب «الملل والنحل» للشهرستانى.
[2] فى الأصل: المهكنية. [وهو تصحيف وصوابه من الشهرستانى] .
(1/291)

القسم الخامس من الفن الأوّل فى طبائع البلاد، وأخلاق سكانها، وخصائصها، والمبانى القديمة، والمعاقل، وما وصفت به القصور والمنازل
وفيه خمسة أبواب
الباب الأوّل من هذا القسم (فى طبائع البلاد، وأخلاق سكّانها)
روى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه سأل كعب الأحبار عن طبائع البلاد وأخلاق سكّانها، فقال: إن الله تعالى لما خلق الأشياء، جعل كل شىء لشىء.
فقال العقل: أنا لاحق بالشأم، فقالت الفتنة: وأنا معك. وقال الخصب: أنا لاحق بمصر، فقال الذّلّ: وأنا معك. وقال الشقاء: أنا لاحق بالبادية، فقالت الصّحّة:
وأنا معك.
وقال محمد بن حبيب: لمّا خلق الله تعالى الخلق، خلق معهم عشرة أخلاق:
الايمان، والحياء، والنجدة، والفتنة، والكبر، والنفاق، والغنى، والفقر، والذل، والشقاء. فقال الإيمان: أنا لاحق باليمن، فقال الحياء: وأنا معك. وقالت النجدة:
أنا لاحقة بالشأم، فقالت الفتنة: وأنا معك. وقال الكبر: أنا لاحق بالعراق، فقال النّفاق: وأنا معك. وقال الغنى: أنا لاحق بمصر، فقال الذّلّ: وأنا معك. وقال الفقر: أنا لاحق بالبادية، فقال الشقاء: وأنا معك.
(1/292)

وحكى عن الحجاج انه قال: لما تبوّأت الأشياء منازلها، قال الطاعون: أنا نازل بالشأم، فقالت الطاعة: وأنا معك. وقال النّفاق: أنا نازل بالعراق، فقالت النعمة:
وأنا معك. وقال الشقاء: أنا نازل بالبادية، فقال الصبر: وأنا معك.
نوع آخر منه
روى عن عبد الله بن عباس (رضى الله تعالى عنهما) أنه قال: إن الله تعالى خلق البركة عشرة أجزاء: فتسعة منها فى قريش، وواحد فى سائر الناس. وجعل الكرم عشرة أجزاء: فتسعة منها فى العرب، وواحد فى سائر الناس. وجعل الغيرة عشرة أجزاء: فتسعة منها فى الأكراد، وواحد فى سائر الناس. وجعل المكر عشرة أجزاء:
فتسعة منها فى القبط، وواحد فى سائر الناس. وجعل الجفاء عشرة أجزاء: فتسعة منها فى البربر، وواحد فى سائر الناس. وجعل النّجابة عشرة أجزاء: فتسعة منها فى الرّوم، وواحد فى سائر الناس. وجعل الصناعة عشرة أجزاء: فتسعة منها فى الصين، وواحد فى سائر الناس. وجعل الشهوة عشرة أجزاء: فتسعة منها فى النّساء، وواحد فى سائر الناس. وجعل العمل عشرة أجزاء: فتسعة منها فى الأنبياء، وواحد فى سائر الناس. وجعل الحسد عشرة أجزاء: فتسعة منها فى اليهود، وواحد فى سائر الناس.
ويقال: قسم الحقد عشرة أجزاء: فتسعة منها فى العرب، وواحد فى سائر الناس. وقسم البخل عشرة أجزاء: فتسعة منها فى الفرس، وواحد في سائر الناس.
وقسم الكبر عشرة أجزاء: فتسعة منها فى الروم، وواحد فى سائر الناس. وقسم
(1/293)

الطّرب عشرة أجزاء: فتسعة منها فى السّودان، وواحد فى سائر الناس. وقسم الشّبق عشرة أجزاء: فتسعة منها فى اليهود، وواحد فى سائر الناس.
ويقال: أربعة لا تعرف فى أربعة: السّخاء فى الروم، والوفاء فى التّرك، والشجاعة فى القبط، والغمّ فى الزّنج.
نوع آخر منه
حكى عن الحجاج أنه سأل أيوب بن القرّيّة عن طبائع أهل البلاد، فقال:
أهل الحجاز أسرع الناس إلى فتنة وأعجزهم عنها؛ رجالها جفاة، ونساؤها كساة عراة.
وأهل اليمن أهل سمع وطاعه، ولزوم الجماعه. وأهل عمان عرب استنبطوا، وأهل البحرين نبط استعربوا. وأهل اليمامة أهل جفاء، واختلاف آراء. وأهل فارس أهل بأس شديد، وعزّ عتيد. وأهل العراق أبحث الناس عن صغيره، وأضيعهم لكبيره. وأهل الجزيرة أشجع فرسان، وأقتل للأقران. وأهل الشام أطوعهم لمخلوق وأعصاهم لخالق. وأهل مصر عبيد لمن غلب؛ أكيس الناس صغارا، وأجهلهم كبارا.
وحكى عن أبي عثمان «عمرو بن بحر الجاحظ» أنه قال: كنا نعلّم فى المكتب كما نعلّم القرآن: احذروا حماقة أهل بخارى، وغلّ أهل مرو، وشغب أهل نيسابور، وحسد أهل هراة، وحقد أهل سجستان.
وقال أبو حامد القاضى: أعيانى أن أرى خراسانيّا ذكيّا، وطبريا رزينا، وهمدانيا لبيبا، وبصريّا ركيكا، وكوفيّا رئيسا، وبغداديّا سخيّا، وموصليّا لطيفا، وشاميّا خفيفا، وحجازيا منافقا، وبدويّا ظريفا.
(1/294)

وقال بختيشوع: تسعة لا تخلو من تسعة: قمّىّ من رعونة، ويمانى من جنون، وواسطىّ من غفلة، وبصرىّ من جدل، وكوفىّ من كذب، وسوادىّ من جهل، وبغدادىّ من مخرقة، وخوزىّ من لؤم، وطبرىّ [1] من زرق.
وقيل: جاور أهل الشام الروم، فأخذوا عنهم اللؤم وقلة الغيرة. وجاور أهل الكوفة أهل السواد، فأخذوا عنهم السّخاء والغيرة. وجاور أهل البصرة الخوز، فأخذوا عنهم الزنا وقلة الوفاء.
ويقال: إن القدماء اعتبروا البلاد وما امتاز به بعضها عن بعض من الطبائع، فوجدوا أخصب بقاع الدنيا ثمانية مواضع: أرمينية، وأذربيجان، وماه دينور، وماه نهاوند، وكرمان، وأصبهان، وقومس، وطبرستان.
ووجدوا أخف بقاع الدنيا ماء، ماء ثمانية مواضع: دجلة، والفرات، وزندرود أصبهان، وماء سوران، وماء هفيجان، وماء جنديسابور، وماء بلخ، وماء سمرقند.
(وغفلوا عن نيل مصر، ولعله أحقّها بهذه الخصوصية من سائر المياه) .
ووجدوا أو بأبقاع الدنيا ستة مواضع: النّوبندجان، وسابورخواست، وجرجان، وحلوان [2] ، وبرذعه، وزنجان. (وغفلوا عن شيزر) .
ووجدوا أعقل أهل البلاد تسعة: أهل أصبهان، والحيرة، والمداين، وماه دينور، وإصطخر، ونيسابور، والرّىّ، وطبرستان، ونشوى (وهى نقجوان) .
ووجدوا أسرى أهل بقاع الدنيا أهل سبعة مواضع: طوسفون (وهى المداين) ، وبلاشون (وهى حلوان [2] ) ، وماسبذان، ونهاوند، والرّىّ، وأصبهان، ونيسابور.
__________
[1] من أهل طبرستان. وأما النسبة إلى طبرية الشام فطبرانىّ.
[2] أى حلوان العراق، لا حلوان مصر.
(1/295)

ووجدوا أهل [1] بقاع الدنيا أهل عشرة مواضع: ماسبذان، ومهر جانقذق [2] ، وسورستان، والرّىّ، والرّويان، وأذربيجان، والموصل، وأرمينية، وشهرزور، والصّامغان.
ووجدوا البخل فى أهل ثمان بقاع: مرو، وإصطخر، ودارايجرد، وخوزستان، وماسبذان، وديبل، وماه دينور، وحلوان.
ووجدوا أسفل أهل بقاع الأرض أربعة: أهل السّدجان [3] ، وبادرايا، وماكسايا، وخوزستان.
ووجدوا أقل أهل الأرض نظرا فى العواقب أهل سبعة مواضع: طبرستان، وأرمينية، وقومس، وكرمان، وكوسان، ومكران، وشهرزور.
ويقال: إنه وفد رجل من عجم خراسان على كسرى، فقال له: أخبرنى من أحسن أهل خراسان لقاء؟ قال: أهل بخارى. قال: فمن أوسعهم بذلا للخبز والملح؟
قال: أهل جوزجان. قال: فمن أحسنهم ضيافة؟ قال: أهل سمرقند. قال:
فمن أدقّهم نظرا وتقديرا؟ قال: أهل مرو. قال: فمن أسوأهم طاعة؟ قال:
__________
[1] فى بعض النسخ «آهل» بالمدّ.
[2] هذا الاسم يتركب من ثلاث كلمات: مهر (أى الشمس، المحبة، الشفقة) ؛ جان (أى النفس، الروح) ؛ قذق (وقد يضم أوله ولعله اسم رجل) . فيكون معناه: محبة أو شمس نفس قذق. وهى كورة حسنة من نواحى بلاد الجبل (عن ياقوت) .
[3] كذا فى الأصل ولم يذكرها ياقوت. وإنما ذكر «السيرجان» ، مدينة بين كرمان وفارس. فلعلها مصحفة عنها.
(1/296)

أهل خوارزم. قال: فمن أخبثهم طويّة؟ قال: أهل مرو الروذ، إن رضى بذلك أهل أبيورد. قال: فمن أسقطهم عقلا؟ قال: أهل طوس، إن رضى بذلك أهل نسا. قال: فمن أكثرهم شغبا وجدلا؟ قال: أهل سرخس، إن رضى بذلك أهل قوهستان. قال: فمن أضعفهم وأخبثهم؟ قال: أهل نيسابور. قال: فمن أقلّهم غيرة على النساء؟ قال: أهل هراة.
الباب الثانى من القسم الخامس من الفن الأوّل فى خصائص البلاد
ولنبدأ من ذلك بمكة ويثرب، وأعرب عما أنقله من فضلهما ولا أغرب؛ وأصله بذكر البيت المقدّس والمسجد الأقصى، ولا أشترط الاستيعاب لأن فضائلها لا تحصى.
فأما مكة (شرّفها الله تعالى وعظمها)
ففضائلها مشهورة بيّنة. قال الله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً)
. وقال الله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً) .
قال بعض المفسرين: «أمنا» من النار. وقيل: كان يأمن من الطلب من أحدث حدثا ولجأ إليه فى الجاهلية.
وحكى القاضى عياض فى «كتاب الشفا» أنه حدّث أن قوما أتوا سعدون الخولانى بالمنستير، وأعلموه أن كتامة قتلوا رجلا وأضرموا عليه النار طول الليل، فلم
(1/297)

تعمل فيه وبقى أبيض البدن، فقال: لعله حجّ ثلاث حجج؟ قالوا: نعم. قال:
حدّثت أن «من حجّ حجّة أدّى فرضه، ومن حجّ ثانية داين ربّه، ومن حجّ ثلاث حجج حرّم الله شعره وبشره على النار» .
ولما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قال: «مرحبا بك من بيت، ما أعظمك وأعظم حرمتك!»
. وجاء فى الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد يدعو الله عند الرّكن الأسود إلا استجاب له»
. وكذلك عند الركن [1] .
وعنه صلى الله عليه وسلم: «من صلّى خلف المقام ركعتين، غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر وحشر يوم القيامة مع الآمنين» .
ذكر ما كانت الكعبة عليه فوق الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأرض
قال أبو الوليد الأزرقىّ بسند يرفعه إلى كعب الأحبار أنه قال: كانت الكعبة غثاء على الماء قبل أن يخلق الله عز وجل السماوات والأرضين بأربعين سنة. ومنها دحيت الأرض.
وقال يرفعه إلى مجاهد: خلق الله تعالى هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرضين.
وعنه يرفعه إلى ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بعث الله ريحا فصفّقت الماء فأبرزت عن حشفة فى موضع البيت كأنها قبّة. فدحا الله عز وجل الأرض من تحتها فمادت ثم مادت.
فأوتدها الله تعالى بالجبال، فكان أوّل جبل وضع فيها أبو قبيس، فلذلك سميت مكة أمّ القرى
__________
[1] كذا فى جميع النسخ ولعله «الركن اليمانى» .
(1/298)

وعنه يرفعه إلى مجاهد أنه قال: لقد خلق الله عز وجل موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفى سنة، وإن قواعده لفى الأرض السابعة السّفلى.
ذكر بناء الملائكة الكعبة قبل خلق آدم عليه السلام، ومبدإ الطواف
قال أبو الوليد الأزرقىّ، يرفعه إلى علىّ بن الحسين رضى الله عنهما إنه أتاه سائل يسأله، فقال له: عمّ تسأل؟ فقال: أسألك عن بدء الطواف بهذا البيت لم كان؟
وأنّى كان؟ وحيث كان؟ وكيف كان بالحجر؟ فقال له: نعم، من أين أنت؟
فقال: من أهل الشام. فقال: أين مسكنك؟ قال: فى بيت المقدس. قال:
فهل قرأت الكتابين؟ (يعنى التوراة والإنجيل) . قال له الرجل: نعم. فقال له: يا أخا أهل الشام احفظ، ولا تروينّ عنّى إلا حقا:
أمّا بدء هذا الطواف بهذا البيت، فإنّ الله تعالى قال للملائكة: (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)
، قالت الملائكة: أى ربّ، أخليفة من غيرنا: ممن يفسد فيها ويسفك الدماء، ويتحاسدون، ويتباغضون، ويتنازعون؟ أى ربّ، اجعل ذلك الخليفة منا، فنحن لا نفسد فيها، ولا نسفك الدماء، ولا نتباغض، ولا نتحاسد، ولا نتباغى؛ ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك، ونطيعك ولا نعصيك. قال الله تبارك وتعالى: (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ)
. قال: فظنّت الملائكة أن ما قالوه ردّ على ربهم عز وجل وأنه قد غضب من قولهم، فلاذوا بالعرش، ورفعوا رءوسهم، وأشاروا بالأصابع يتضرّعون ويبكون إشفاقا لغضبه. فطافوا بالعرش ثلاث ساعات. فنظر الله عز وجل إليهم، فنزلت الرحمة عليهم، فوضع الله سبحانه تحت العرش بيتا على أربع
(1/299)

أساطين من زبرجد، وغشاه بياقوتة حمراء وسمّى البيت الضراح. ثم قال للملائكة:
طوفوا بهذا البيت، ودعوا العرش، فطافت الملائكة بالبيت وتركوا العرش، وصار أهون عليهم، وهو البيت المعمور الذى ذكره الله عز وجل: يدخله كلّ يوم وليلة سبعون ألف ملك لا يعودون فيه أبدا. ثم إن الله سبحانه بعث ملائكة فقال:
ابنوا لى بيتا فى الأرض بمثاله وقدره. فأمر الله سبحانه من فى الأرض من خلقه أن يطوفوا بهذا البيت، كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.
فقال الرجل: صدقت يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، هكذا كان،
ذكر زيارة الملائكة البيت الحرام
قال الأزرقىّ، يرفعه إلى ابن عباس رضى الله عنهما: إن جبريل عليه السلام وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه عصابة حمراء قد علاها الغبار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا الغبار الذى أرى على عصابتك، أيّها الرّوح الأمين؟ قال: إنى زرت البيت فازدحمت الملائكة على الركن، وهذا الغبار الذى ترى مما تثير بأجنحتها.
وقال،
رفعه إلى ليث بن معاذ رضى الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هذا البيت خامس خمسة عشر بيتا، سبعة منها فى السماء إلى العرش، وسبعة منها إلى تخوم الأرض السّفلى، وأعلاها الذى يلى العرش: البيت المعمور. لكل بيت منها حرم كحرم هذا البيت. لو سقط منها بيت، لسقط بعضها على بعض إلى تخوم الأرض السّفلى، ولكل بيت من أهل السماء ومن أهل الأرض من يعمره، كما يعمر هذا البيت.
(1/300)

ذكر هبوط آدم عليه السلام إلى الأرض، وبنيانه الكعبة المشرفة وحجه وطوافه بالبيت
قال الأزرقىّ، يرفعه إلى ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: لما أهبط الله عز وجل آدم عليه السلام إلى الأرض من الجنة، كان رأسه فى السماء ورجلاه فى الأرض.
وهو مثل الفلك من رعدته. قال: فطأطأ الله عز وجل منه إلى الأرض ستين ذراعا، فقال: يا رب مالى لا أسمع أصوات الملائكة ولا حسّهم؟ قال: خطيئتك يا آدم، ولكن اذهب فابن لى بيتا تطف به واذكرنى حوله كنحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشى، قال: فأقبل آدم عليه السلام يتخطّى، فطويت له الأرض وقبضت له المفاوز، فصارت كل مفازة يمرّ بها خطوة، وقبض له ما كان فيها من مخاض أو بحر فجعله خطوة، ولم يقع قدمه فى شىء من الأرض إلا صار عمرانا وبركة حتّى انتهى إلى مكة. فبنى البيت الحرام. وإن جبريل عليه السلام ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن أسّ ثابت فى الأرض السّفلى فقذفت الملائكة فيه الصخر، ما يطيق الصخرة منها ثلاثون رجلا. وإنه بناه من خمسة أجبل: من لبنان، وطورزيتا، وطور سينا، والجودى، وحراء [1] ، حتّى استوى على وجه الأرض.
قال ابن عباس رضى الله عنهما: فكان أوّل من أسس البيت وصلّى فيه وطاف به، آدم عليه السلام. حتّى بعث الله سبحانه الطّوفان، فدرس موضع البيت فى الطّوفان. حتّى بعث الله تبارك وتعالى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فرفعا قواعده وأعلامه. ثم بنته قريش بعد ذلك. وهو بحذاء البيت المعمور، لو سقط، ما سقط إلا عليه.
__________
[1] فى النسخ «حبرى» . والتصحيح من حاشية الجمل على الجلالين، فقد نقل أثر ابن عباس.
(1/301)

وقال أبو الوليد أيضا، ورفعه إلى وهب بن منبّه: إن الله تبارك وتعالى لما تاب على آدم عليه السلام، أمره أن يسير إلى مكة. فطوى له الأرض وقبض له المفاوز، فصارت كلّ مفازة يمرّ بها خطوة، وقبض له ما كان فيها من مخاض ماء أو بحر فجعله له خطوة. فلم يضع قدمه فى شىء من الأرض إلا صار عمرانا وبركة حتّى انتهى إلى مكة. وكان قبل ذلك قد اشتدّ بكاؤه وحزنه لما كان فيه من عظم المصيبة، حتّى إن كانت الملائكة لتحزن لحزنه ولتبكى لبكائه. فعزّاه الله عز وجل بخيمة من خيام الجنة، ووضعها له بمكة فى موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة. وتلك الخيمة ياقوتة حمراء من ياقوت الجنة: فيها ثلاثة قناديل من ذهب من تبر الجنة، فيها نور يتلهّب من نور الجنة. ونزّل معها الركن، وهو يومئذ ياقوتة بيضاء من ربض الجنة.
وكان كرسيّا لآدم عليه السلام، يجلس عليه. فلما صار آدم بمكة، حرسها الله تعالى، حرسه الله تعالى وحرس تلك الخيمة بالملائكة. كانوا يحرسونها ويذودون عنها ساكن الأرض، وساكنوها يومئذ الجنّ والشياطين، فلا ينبغى لهم أن ينظروا إلى شىء من الجنة، لأنه من نظر إلى شىء من الجنة وجبت له. والأرض يومئذ طاهرة نقيّة لم تنجس ولم يسفك فيها الدم، ولم تعمل فيها الخطايا. فلذلك جعلها الله عز وجل مسكن الملائكة، وجعلهم فيها كما كانوا فى السماء يسبّحون اللّيل والنّهار، لا يفترون. وكان وقوفهم على أعلام الحرم صفّا واحدا مستديرين بالحرم كلّه: الحلّ من خلفهم، والحرم كله من أمامهم. ولا يجوزهم جنىّ ولا شيطان. ومن أجل مقام الملائكة، حرّم الحرم حتّى اليوم. ووضعت أعلام حيث كان مقام الملائكة. وحرم الله على حوّاء دخول الحرم والنظر إلى خيمة آدم من أجل خطيئتها التى أخطأت فى الجنة. فلم تنظر إلى شىء من ذلك حتّى قبضت. وإن آدم عليه السلام كان إذا أراد لقاءها ليلمّ بها
(1/302)

للولد، خرج من الحرم كله حتّى يلقاها. فلم تزل خيمة آدم مكانها حتّى قبض الله آدم عليه السلام ورفعها الله. وبنى بنو آدم بها من بعدها مكانا: بيتا بالطّين والحجارة.
فلم يزل معمورا، يعمرونه ومن بعدهم حتّى كان زمن نوح عليه السلام. فنسفه الغرق وخفى مكانه. فلما بعث الله تعالى إبراهيم عليه السلام طلب الأساس، فلما وصل إليه ظلّل الله مكان البيت بغمامة. فكانت حفاف البيت الأوّل، ثم لم تزل راكزة على حفافه تظل إبراهيم عليه السلام وتهديه مكان القواعد حتّى رفع الله القواعد قامة. ثم انكشفت الغمامة، فذلك قوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ)
أى الغمامة التى ركزت على الحفاف لتهديه مكان القواعد.
وعن وهب بن منبه أنه قال: قرأت فى كتاب من الكتب الأول، ذكر فيه أمر الكعبة، فوجدت فيه أن ليس من ملك من الملائكة بعثه الله تعالى إلى الأرض إلا أمره بزيارة البيت. فينقضّ من عند العرش محرما ملبّيا، حتّى يستلم الحجر.
ثم يطوف بالبيت سبعا ويركع فى جوفه ركعتين، ثم يصعد.
وقال الأزرقىّ، يرفعه إلى ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: لما أهبط الله آدم إلى الأرض، أهبطه إلى موضع البيت الحرام. وهو مثل الفلك من رعدته.
ثم أنزل عليه الحجر الأسود يعنى الركن، وهو يتلألأ من شدّة بياضه. فأخذه آدم صلى الله عليه وسلم فضمّه إليه أنسابه. ثم أنزلت عليه العصى فقيل له: تخطّ يا آدم، فتخطّى، فإذا هو بأرض الهند والسند. فمكث هنالك ما شاء الله، ثم استوحش إلى الركن فقيل له: احجج، قال فحج فلقيته الملائكة فقالوا: برّ حجّك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفى عام.
(1/303)

قال: وسأل عمر بن الخطاب رضى الله عنه كعب الأحبار فقال: اخبرّنى عن البيت الحرام. فقال كعب: أنزله الله من السماء ياقوتة مجوّفة مع آدم، فقال له:
يا آدم إن هذا بيتى أنزلته معك، يطاف حوله كما يطاف حول عرشى، ويصلّى حوله كما يصلّى حول عرشى. ونزلت معه الملائكة فرفعوا قواعده من حجارة ثم وضع البيت عليه. فكان آدم يطوف حوله كما يطاف حول العرش، ويصلّى عنده كما يصلّى عند العرش. فلما أغرق الله تعالى قوم نوح، رفعه إلى السماء وبقيت قواعده.
وقال وهب بن منبه: كان البيت الذى بوّأه الله تعالى لآدم عليه السلام يومئذ من ياقوت الجنة. وكان من ياقوتة حمراء تلتهب، لها بابان: أحدهما شرقىّ والآخر غربىّ. وكان فيه قناديل من نور آنيتها ذهب من تبر الجنة. وهو منظوم بنجوم من ياقوت أبيض. والركن يومئذ نجم من نجومه وهو يومئذ ياقوتة بيضاء.
والله أعلم.
ذكر فضل البيت الحرام، والحرم
قال أبو الوليد، يرفعه عن وهب بن منبه أنه قال: إن آدم لما أهبط إلى الأرض استوحش فيها ما رأى من سعتها ولم يرفيها أحدا غيره، فقال: يا رب، أما لأرضك هذه من عامر يسبّحك فيها ويقدّس لك غيرى؟ قال: إنى سأجعل فيها من ذرّيتك من يسبّح بحمدى ويقدّس لى، وسأجعل فيها بيوتا ترفع لذكرى ويسبّحنى فيها خلقى، وسأبوّئك فيها بيتا أختاره لنفسى، وأخصّه بكرامتى، وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمى، فأسمّيه بيتى، وأنطعه [1] بعظمتى، وأحوزه بحرماتى، وأجعله أحق بيوت الأرض
__________
[1] أنطعه: بسط له النطع بالكسر، بساط من أديم (تفسير بهامش الأصل) . وفى بعض النسخ «وأنطفه» بالفاء» .
(1/304)

كلها وأولاها بذكرى، وأضعه فى البقعة التى اخترت لنفسى، فإني اخترت مكانه يوم خلقت السماوات والأرض؛ وقبل ذلك قد كان بعينى: فهو صفوتى من البيوت، ولست أسكنه، ولبس ينبغى لى أن أسكن البيوت؛ ولا ينبغى لها أن تسعنى، ولكن على كرسىّ الكبرياء ولجبروت؛ وهو الذى استقلّ بعزتى، وعليه وضعت عظمتى وجلالى، وهنالك استقرّ قرارى؛ ثم هو بعد ضعيف عنّى لولا قوّتى؛ ثم أنا بعد ذلك ملء كل شىء، وفوق كلّ شىء، ومحيط بكلّ شىء، وأمام كلّ شىء، وخلف كلّ شىء، وليس ينبغى لشىء أن يعلم علمى ولا يقدر قدرتى، ولا يبلغ كنه شانى. أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرما وأمنا، أحرّم بحرماته ما فوقه وما تحته وما حوله. فمن حرّمه بحرمتى فقد عظّم حرماتى، ومن أحلّه فقد أباح جرماتى، ومن أمّن أهله فقد استوجب بذلك أمانى، ومن أخافهم أخفرنى فى ذمتى، ومن عظّم شأنه عظم فى عينى، ومن تهاون به صغر فى عينى؛ ولكل ملك حيازة ما حواليه مما حواليه، وبطن مكة خيرتى وحيرتى؛ وجيران بيتى وعمّارها وزوّارها، وفدى وأضيافى فى كنفى وأفنيتى، ضامنون على ذمتى وجوارى؛ فأجعله أوّل بيت وضع للناس، وأعمره بأهل السماء وأهل الأرض:؟؟؟ نه أفواجا شعثا غبر على كل ضامر يأتين من كلّ فجّ عميق، يعجّون بالتكبير عجيجا، ويرجّون بالتلبية رجيجا، وينتحبون بالبكاء نحيبا. فمن اعتمره لا يريد غيره، فقد زرنى ووفد إلىّ ونزل بى؛ ومن نزل بى، فحقيق علىّ أن أتحفه بكرامتى؛ وحقّ على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه، وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته. تعمره آدم من كنت حيا، ثم تعمره من بعدك الأمم والقرون والأنبياء: أمة بعد أمة، وقرن بعد قرن، ونبىّ بعد نبىّ، حتّى ينتهى ذلك إلى نبىّ من ولدك وهو خاتم النبيين، فأجعله من عمّاره وسكّانه وحماته، وولاته وسقاته، يكون أمينى عليه من كان حيا. فإذا انقلب إلىّ،
(1/305)

وجدنى قد ذخرت له من أجره وفضيلته ما يتمكن به القربة منى والوسيلة إلىّ، وأفضل المنازل فى دار المقام. وأجعل اسم ذلك البيت ودكره وشرفه ومجده وثناءه ومكرمته لنبىّ من ولدك يكون قبل هذا النبى وهو أبوه يقال له إبراهيم، أرفع له قواعده، وأقضى على يديه عمارته، وأنبط له سقايته، وأريه حلّه وحرمه ومواقفه، وأعلمه مشاعره ومناسكه، وأجعله أمة واحدة قانتا لى، قائما بأمرى، داعيا إلى سبيلى؛ أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم؛ أبتليه فيصبر، وأعافيه فيشكر؛ وينذر لى فيفى؛ ويعد لى فينجز؛ أستجيب له فى ولده وذرّيته من بعده وأشفّعه فيهم، وأجعلهم أهل ذلك البيت وولاته وحماته وسقاته وخدّامه وخزّانه وحجّابه حتّى يبتدعوا ويغيروا؛ فإذا فعلوا ذلك فأنا الله أقدر القادرين على أن أستبدل من أشاء بمن أشاء. أجعل إبراهيم إمام أهل ذلك البيت وأهل تلك الشريعة، يأتمّ به من حضر تلك المواطن من جميع الإنس والجن؛ يطئون فيها آثاره، ويتبعون فيها سنّته، ويقتدون فيها بهديه.
فمن فعل ذلك منهم أوفى نذره، واستكمل نسكه؛ ومن لم يفعل ذلك منهم ضيّع نسكه، وأخطأ بغيته. فمن سأل عنى يومئذ فى تلك المواطن: أين أنا؟ فأنا مع الشّعث الغبر الموفين بنذورهم، المستكملين مناسكهم، المبتهلين إلى ربهم الذى يعلم ما يبدون وما يكتمون. وليس هذا الخلق ولا هذا الأمر الذى قصصت عليك شأنه؛ يا آدم، بزائدى فى ملكى ولا عظمتى ولا سلطانى ولا شىء مما عندى إلا كما زادت قطرة من رشاش وقعت فى سبعة أبحر تمدّها من بعدها سبعة أبحر لا تحصى، بل القطرة أزيد فى البحر من هذا الأمر فى شىء مما عندى. ولو لم أخلقه لم ينتقص شىء من ملكى ولا عظمتى ولا مما عندى من الغناء والسّعة، إلا كما نقصت الأرض ذرّة وقعت من جميع ترابها وجبالها وحصاها ورمالها وأشجارها، بل الذرّة أنقص للأرض من هذا الأمر لو لم أخلقه. ليس مما عندى ويعدّ هذا مثلا للعزيز الحكيم.
(1/306)

ذكر ما جاء فى طواف سفينة نوح عليه السلام بالبيت
قال أبو الوليد الأزرقىّ، ورفعه إلى ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: كان مع نوح عليه السلام فى السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم، وإنهم كانوا فى السفينة ماله وخمسين يوما، وإن الله جل ثناؤه وجّه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوما، ثم وجهها إلى الجودىّ فاستقرّت عليه.
وقال عن مجاهد: كان موضع الكعبة قد خفى ودرس زمن الغرق فيما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام. فكان موضعه أكمة حمراء مدوّرة، لا تعلوها السيول. غير أن الناس يعلمون أن موضع البيت فيما هنالك ولا يثبت موضعه. وكان يأتيه المظلوم والمبعود من أقطار الأرض، ويدعو عنده المكروب. فقلّ من دعا هنالك، إلا استجيب له. وكان الناس يحجّون إلى مكة، إلى موضع البيت، حتّى بوّأ الله تعالى مكانه لإبراهيم عليه السلام. فلم يزل منذ أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض معظما محرّما تتناسخه الأمم والملل أمّة بعد أمّة، وملّة بعد ملة. قال: وكانت الملائكة تحجّه قبل آدم عليه السلام.
ذكر ما جاء من تخير إبراهيم عليه السلام موضع البيت
قال عثمان بن ساج: بلغنا (والله أعلم) أن إبراهيم خليل الله عليه السلام عرج به إلى السماء فنظر إلى الأرض، مشارقها ومغاربها، فاختار موضع الكعبة. فقالت له الملائكة: يا خليل الرحمن اخترت حرم الله فى الأرض، قال: فبناه من حجارة سبعة أجبل (ويقولون خمسة) . وكانت الملائكة تأتى بالحجارة إلى إبراهيم عليه السلام من تلك الجبال.
(1/307)

ذكر حج إبراهيم عليه السلام وإذنه بالحج وحج الأنبياء بعده وطوافهم
قال أبو الوليد عن محمد بن إسحاق: لما فرغ إبراهيم خليل الرحمن من بناء البيت الحرام، جاءه جبريل عليه السلام فقال: طف به سبعا، فطاف به سبعا، هو وإسماعيل.
يستلمان الأركان كلّها فى كل طواف، فلما أكملا سبعا، صلّيا خلف المقام ركعتين.
قال: فقام معه جبريل فأراه المناسك كلها: الصّفا والمروة ومنى ومزدلفة وعرفة.
فلما دخل منى وهبط من العقبة، مثّل له إبليس عند جمرة العقبة، فقال له جبريل:
ارمه، فرماه بسبع حصيات، فغاب عنه؛ ثم برزله عند الجمرة الوسطى، فقال له جبريل:
ارمه، فرماه إبراهيم بسبع حصيات، فغاب عنه؛ ثم برز له عند الجمرة السفلى، فقال له جبريل: ارمه، فرماه بسبع حصيات مثل حصى الحذف، فغاب عنه إبليس؛ ثم مضى إبراهيم فى حجه وجبريل يوقفه على المواقف ويعلمه المناسك حتّى انتهى إلى عرفة.
فلما انتهى إليها، قال له جبريل: أعرفت مناسكك؟ قال: نعم، قال: فسميت عرفات بذلك. قال: ثم أمر إبراهيم عليه السلام أن يؤذّن فى الناس بالحج، فقال إبراهيم: يا ربّ وما يبلغ صوتى؟ قال الله جل ثناؤه: أذّن، وعلىّ البلاغ، قال:
فعلا إبراهيم على المقام فأشرف به حتّى صار أرفع الجبال وأطولها فجمعت له الأرض يومئذ: سهلها، وجبلها، وبرّها، وبحرها، وإنسها، وجنّها حتّى أسمعهم جميعا، فأدخل إصبعيه فى أذنيه وأقبل بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا وبدأ بشق اليمين فقال:
«أيها الناس كتب عليكم الحجّ إلى البيت العتيق، فأجيبوا ربكم» فأجابوه من تحت التخوم السبعة، ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أقطار الأرض كلها:
(1/308)

(لبّيك، اللهمّ لبّيك) . قال: وكانت الحجارة على ما هى اليوم، إلا أن الله عز وجل أراد أن يجعل المقام آية. فكان أثر قدميه فى المقام آية إلى اليوم. قال: أفلا تراهم اليوم يقولون: (لبيك، اللهم لبيك) . فكل من حج إلى اليوم فهو ممن أجاب إبراهيم.
وأثر قدمى إبراهيم فى المقام آية. وذلك قوله تعالى: (فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) .
قال ابن إسحاق: وبلغنى أن آدم عليه السلام كان استلم الأركان كلها قبل إبراهيم، وحجّه إسحاق وسارة من الشام. قال: وكان إبراهيم يحجّه كل سنة على البراق. قال:
وحجّت بعد ذلك الأنبياء والأمم.
وعن مجاهد، قال: حج إبراهيم وإسماعيل، ماشيين.
وعن عبد الله بن ضمرة السلولى: ما بين الركن إلى المقام إلى زمزم قبر تسعة وتسعين نبيا، جاءوا حجّاجا فقبروا هنالك.
وفى الحديث
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان النبىّ من الأنبياء إذا هلكت أمّته لحق بمكة فتعبّد بها النبىّ ومن معه حتّى يموت. فمات بها: نوح، وهود، وصالح، وشعيب. وقبورهم بين زمزم والحجر.
وعن مجاهد: حج موسى النبىّ عليه السلام على جمل أحمر. فمرّ بالرّوحاء عليه عباءتان قطوانيّتان متّزر بإحداهما، مرتد بالأخرى. فطاف بالبيت ثم سعى بين الصفا والمروة. فبينما هو يلبىّ بين الصفا والمروة، إذ سمع صوتا من السماء يقول: (لبّيك عبدى، أنا معك) قال: فخرّ موسى ساجدا.
(1/309)

وعن عروة بن الزبير رضى الله عنهما قال: بلغنى أن البيت وضع لآدم يطوف به ويعبد الله عنده؛ وأنّ نوحا قد حجّه وجاءه وعظمه قبل الغرق. فلما أصاب البيت ما أصاب الأرض من الغرق فكان ربوة حمراء معروفا مكانه؛ فبعث الله هودا إلى عاد، فتشاغل بأمر قومه حتّى هلك، ولم يحجّه. ثم بعث الله تعالى صالحا إلى ثمود، فتشاغل بهم حتّى هلك، ولم يحجّه. ثم بوّأه الله تعالى لإبراهيم عليه السلام فحجّه وأعلم مناسكه ودعا إلى زيارته. ثم لم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم، إلا حجه.
وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما أنه قال: لقد سلك فجّ الرّوحاء سبعون نبيا، حجّاجا: عليهم لباس الصّوف. مخطّمى إبلهم بحبال اللّيف. ولقد صلّى فى مسجد الخيف سبعون نبيّا.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لقد مرّ بفجّ الرّوحاء (أو لقد مرّ بهذا الفجّ) سبعون نبيا على نوق حمر خطمها الليف، لبوسهم العباء وتلبيتهم شتّى.
فمنهم يونس بن متّى. فكان يونس يقول: (لبّيك فرّاج الكرب، لبّيك) ؛ وكان موسى يقول: (لبّيك، أنا عبدك لديك، لبّيك) قال: وتلبية عيسى: (لبّيك، أنا عبدك ابن أمتك بنت عبديك، لبّيك) » .
وعن عطاء بن السائب أن إبراهيم رأى رجلا يطوف بالبيت فأنكره، فسأله:
ممن أنت؟ فقال: من أصحاب ذى القرنين، قال: وأين هو؟ قال: هو بالأبطح.
فتلقّاه إبراهيم عليه السلام فاعتنقه، فقال لذى القرنين: ألا تركب؟ قال: ما كنت لأركب، وهذا يمشى، فحجّ ماشيا.
(1/310)

ذكر ما جاء من مسئلة إبراهيم عليه السلام الأمن والرزق لأهل مكة والكتب التى وجد فيها تعظيم الحرم
قال أبو الوليد الأزرقىّ، يرفعه إلى محمد بن كعب القرظى أنه قال: دعا إبراهيم عليه السلام للمؤمنين، وترك الكفّار لم يدع لهم بشىء، فقال الله تعالى: (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) .
وقال عثمان بن ساج: وأخبرنى محمد بن السائب الكلبىّ قال: قال إبراهيم عليه السلام (رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)
. فاستجاب الله عز وجل له فجعله بلدا آمنا وآمن فيه الخائف ورزق أهله من الثمرات، تحمل إليهم من الآفاق.
وقال مجاهد: جعل الله هذا البلد آمنا، لا يخاف فيه من دخله.
وقال سعيد بن السائب بن يسار: لما دعا إبراهيم عليه السلام لمكة أن يرزق أهلها من الثمرات، نقل الله أرض الطائف من الشام فوضعها هنالك: رزقا للحرم.
وروى عن محمد بن المنكدر، عن النبىّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما وضع الله الحرم نقل له الطائف من الشام.
وعن الزّهرىّ أنّ الله نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف، لدعوة إبراهيم خليل الله: (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ) .
وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: جاء إبراهيم يطالع إسماعيل عليهما السلام فوحده غائبا، ووجد امرأته الآخرة، وهى السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمى.
فوقف وسلم فردّت عليه السلام واستنزلته وعرضت عليه الطعام والشراب،
(1/311)

فقال: ما طعامكم وشرابكم؟ قالت: اللحم والماء، قال: هل من حبّ أو غيره من الطعام؟ قالت: لا، قال: بارك الله لكم فى اللحم والماء.
قال ابن عباس رضى الله عنهما: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو وجد عندها يومئذ حبّا لدعا لهم بالبركة فيه، فكانت تكون أرضا ذات زرع» .
وعن سعيد بن جبير مثله، وزاد فيه: «ولا يخلو أحد على اللحم والماء فى غير مكة إلا وجع بطنه؛ وإن خلا عليهما بمكة لم يجد لذلك أذى» .
وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: «وجد فى المقام كتاب فيه» هذا بيت الله الحرام بمكة، توكّل الله برزق أهله من ثلاث سبل، مبارك لأهله فى اللحم واللّبن» ووجد فى حجر فى الحجر كتاب من خلقة الحجر «أنا الله ذو بكّة الحرام صغتها يوم صغت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتّى يزول أخشباها مبارك لأهلها فى اللحم والماء» .
وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: لما هدموا البيت وبلغوا أساس إبراهيم عليه السلام وجدوا فى حجر من الأساس كتابا، فدعوا له رجلا من أهل اليمن، وآخر من الرّهبان، فإذا فيه: «أنا الله ذو بكة حرّمتها يوم خلقت السموات والأرض والشمس والقمر ويوم صغت هذين الجبلين وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها مبارك لأهلها فى الماء واللبن» .
وعن مجاهد رضى الله عنه قال: وجد فى بعض الزبور «أنا الله ذو بكّة جعلتها بين هذين الجبلين وصغتها يوم صغت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء
(1/312)

وجعلت رزق أهلها من ثلاث سبل فليس يوتا [1] أهل مكة إلا من ثلاثة طرق أعلى الوادى وأسفله وكدى وباركت لأهلها فى اللحم والماء» .
ذكر أسماء الكعبة ومكة
عن ابن أبى نجيح قال: إنما سمّيت «الكعبة» لأنها مكعّبة على خلقة الكعب.
قال: وكان الناس يبنون بيوتهم مدوّرة تعظيما للكعبة. فأوّل من بنى بيتا مربّعا حميد بن زهير، فقالت قريش: «ربّع حميد بن زهير بيتا، إمّا حياة وإمّا موتا» .
وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: إنما سمّيت «بكة» لأنه يجتمع فيها الرجال والنساء جميعا. وقالوا: «بكّة» موضع البيت، ومكّة القرية.
وقال ابن أبى أنيسة: «بكّة» موضع البيت، ومكة هو الحرم كلّه.
وكان ابن جريح يقول: إنما سميت «بكة» لتباكّ الناس بأقدامهم قدّام الكعبة.
ويقال: إنما سميت «بكة» لأنها تبكّ أعناق الجبابرة.
وعن الزهرى: أنه بلغه إنما سمّى «البيت العتيق» من أن الله تعالى أعتقه من الجبابرة.
وعن مجاهد والسدّى: إنما سمى «البيت العتيق» الكعبة، أعتقها الله من الجبابرة؛ فلا يتجبّرون فيه إذا طافوا. وكان البيت يدعى «قادسا» ويدعى «بادرا» ويدعى «القرية القديمة» ويدعى «البيت العتيق» .
وعن مجاهد قال: من أسمائها «مكّة» و «بكّة» و «أمّ رحم» و «أمّ القرى» و «صلاح» و «كوثى» و «الباسّة» .
__________
[1] فى الأصل «بيوت» . وفى بعض النسخ كما فى الصلب بدون نقط. ولعل الصواب يؤتى.
(1/313)

وعن ابن أبى نجيح قال: بلغنى أن أسماء مكة «مكة» ؛ و «بكة» ؛ و «أم رحم» ؛ و «أم القرى» : و «الباسّة» ؛ و «البيت العتيق» ؛ و «الحاطمة» :
(تحطم من يستخفّ بها) ؛ و «الناسّة» (تنسّهم، أى تخرجهم إخراجا إذا غشموا وظلموا) .
ذكر ما جاء فى فضل الركن الأسود
عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: ليس فى الأرض من الجنة إلا الرّكن الأسود والمقام، فإنهما جوهرتان من جواهر الجنة؛ ولولا ما مسّهما من أهل الشّرك ما مسّهما ذو عاهة إلا شفاه الله عز وجل.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما أنه قال فى الرّكن الأسود:
لولا ما مسّه من أنجاس الجاهلية وأرجاسهم. ما مسّه ذو عاهة إلا برأ. وقال: نزل الركن، وإنه لأشدّ بياضا من الفضّة.
وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبىّ صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضى الله عنها، وهى تطوف معه بالكعبة حين استلم الركن: «لولا ما طبع على هذا الحجر، يا عائشة، من أرجاس الجاهلية وأنجاسها، إذن لاستشفى به من كل عاهة، وإذن لألفى كهيئته يوم أنزله الله، وليعيدنه الله إلى ما خلقه أوّل مرة، وإنه لياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة، ولكنّ الله غيره بمعصية العاصين، وستر زينته عن الظّلمة والأثمة لأنهم لا ينبغى لهم أن ينظروا إلى شىء كان بدؤه من الجنة»
. وعنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله يبعث الركن الأسود، وله عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به: يشهد لمن استلمه بحق»
.
(1/314)

وعنه رضى الله عنه: الركن يمين الله فى الأرض: يصافح بها عباده كما يصافح أحدكم أخاه.
وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى مكة. فلما دخلنا الطواف، قام عند الحجر وقال: والله إنى لأعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبّلك، ما قبّلتك. ثم قبّله ومضى فى الطواف فقال له علىّ رضى الله عنه: بل يا أمير المؤمنين هو يضرّ وينفع، قال: وبم قلت ذلك؟ قال: بكتاب الله، قال: وأين ذلك من كتاب الله؟ قال:
قال الله عز وجل: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا)
. فلما خلق الله تعالى آدم مسح ظهره وأخرج ذرّيته من صلبه فقرّرهم أنه الربّ وهم العبيد، ثم كتب ميثاقهم فى رقّ، وكان هذا الحجر له عينان ولسان، فقال له: افتح فاك، فألقمه ذلك الرّقّ وجعله فى هذا الموضع، وقال: تشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش فى قوم لست فيهم، يا أبا الحسن.
وعن عكرمة: أنّ الحجر الأسود يمين الله فى الأرض، فمن لم يدرك بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح الركن فقد بايع الله ورسوله.
وعن مجاهد: يأتى الركن والمقام يوم القيامة، كلّ واحد منهما مثل أبى قبيس:
يشهدان لمن وافاهما بالموافاة.
والله أعلم.
(1/315)

ذكر ما جاء فى فضل استلام الركن الأسود، واليمانى
عن عطاء بن السائب أن عبيد بن عمير قال لابن عمر رضى الله عنهما: إنى أراك تزاحم على هذين الركنين، فقال: إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«إنّ استلامهما يحطّ الخطايا حطّا» .
وسئل رضى الله عنه، فقيل له: إنا نراك تفعل خصالا أربعا لا يفعلها الناس:
نراك لا تستلم من الأركان إلا الحجر والركن اليمانى، ونراك لا تلبس من النّعال إلا السّبتية، ونراك تضفّر شعرك وقد يصبغ الناس بالحنّاء، ونراك لا تحرم حتّى تستوى بك راحلتك وتوجّه. فقال عبد الله: إنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك.
وعن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدع الركن الأسود والركن اليمانى أن يستلمهما فى كل طواف أتى عليهما. قال: كان لا يدعهما فى كل طواف طاف بهما حتّى يستلمهما، لقد زاحم على الركن مرة فى شدّة الزحام حتّى رعف، فخرج فغسل عنه ثم رجع. فعاد يزاحم فلم يصل إليه حتّى رعف الثانية، فخرج فغسل عنه ثم رجع. فما تركه حتّى استلم.
وعن نافع قال: لقد رأيت ابن عمر رضى الله عنهما، زاحم مرة على الركن اليمانى حتّى انبهر فتنحّى فجلس فى ناحية الطواف حتّى استراح، ثم عاد فلم يدعه حتّى استلمه.
قالوا: وليس هذا واجبا على الناس، ولكنه كان يحب أن يصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1/316)

ذكر ما جاء فى فضل الطواف بالكعبة
عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من طاف بالبيت، كتب الله له بكلّ خطوة حسنة ومحا عنه سيّئة» .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه رضى الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خرج المرء يريد الطّواف بالبيت، أقبل يريد الرحمة. فإذا دخله غمرته. ثم لا يرفع فدما ولا يضع قدما إلا كتب الله له بكلّ قدم خمسمائة حسنة، وحطّ عنه خمسمائة سيئة (أو قال خطيئة) ، ورفعت له خمسمائة درجة. فإذا فرغ من طوافه فصلّى ركعتين دبر المقام، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، وكتب له أجر عتق عشر رقاب من ولد إسماعيل، واستقبله ملك على الركن فقال له: استأنف العمل فيما بقى فقد كفيت ما مضى، وشفّع فى سبعين من أهل بيته»
. وعن حسّان بن عطية: أن الله خلق لهذا البيت عشرين ومائة رحمة ينزلها فى كل يوم، فستّون منها للطائفين، وأربعون للمصلّين، وعشرون للناظرين. قال حسان:
فنظرنا فإذا هى كلها للطائفين هو يطوف ويصلى وينظر.
ذكر ما جاء فى فضل زمزم
عن وهب بن منبة أنه قال فى زمزم: والذى نفسى بيده، إنها لفى كتاب الله مضنونة، وإنها لفى كتاب الله برّة، وإنها لفى كتاب الله شراب الأبرار، وإنها لفى كتاب الله طعام طعم وشفاء سقم.
وعن ابن خثيم قال: قدم علينا وهب بن منبه مكة فاشتكى، فجئناه نعوده، فإذا عنده من ماء زمزم. قال: فقلنا له: لو استعذبت، فإن هذا ماء فيه غلظ؟ قال: ما أريد
(1/317)

أن أشرب حتّى أخرج منها غيره، والذى نفس وهب بيده، إنها لفى كتاب الله زمزم لا تنزف ولا تذم، وإنها لفى كتاب الله برّة شراب الأبرار، وإنها لفى كتاب الله مضنونة، وإنها لفى كتاب الله طعام من طعم وشفاء من سقم، والذى نفس وهب بيده لا يعمد أحد إليها فيشرب منها حتّى يتضلع إلا نزعت منه داء أو أحدثت له شفاء.
وعن كعب أنه قال لزمزم: إنا نجدها مضنونة ضنّ بها لكم، وإن أوّل من سقى ماءها إسماعيل عليه السلام، طعام من طعم، وشفاء من سقم.
وعن مجاهد قال: ماء زمزم لما شرب له، إن شربته تريد به شفاء شفاك الله.
وإن شربته لظمإ أرواك الله، وإن شربته لجوع أشبعك الله، وهى هزمة جبريل عليه السلام بعقبه.
وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التضلّع من ماء زمزم براءة من النّفاق» .
وعن الضحاك بن مزاحم أنه قال: بلغنى أنّ التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق، وأن ماءها يذهب بالصّداع، وأن التطلّع فيها يجلو لبصر، وأنه سيأتى عليها زمان تكون أعذب من النيل والفرات. قال: قال لنا الخزاعىّ: وقد رأينا ذلك فى سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومائتين، وذلك أنه أصاب مكة أمطار كثيرة وسال واديها فى سنة تسع وسبعين، وسنة ثمانين ومائتين، فكثر ماء زمزم وارتفع حتّى قارب رأسها، فلم يكن بينه وبين شفتها العليا إلا سبع أذرع أو نحوها، وعذبت حتّى كان ماؤها أعذب مياه مكة التى يشربها أهلها. وإنا رأيناها أعذب من مياه العيون.
(1/318)

وعن الضحاك بن مزاحم أيضا أن الله عز وجل يرفع المياه العذاب قبل يوم القيامة غير زمزم، وتغور المياه العذبة غير زمزم.
ذكر ما جاء من اتساع منى أيام الحج ولم سميت منى
عن أبى الطّفيل، قال: سمعت ابن عباس رضى الله عنهما يسأل عن منى، ويقال له: عجبا لضيقه فى غير أيام الحج! فقال ابن عباس: إن منى يتسع بأهله كما يتسع الرحم للولد.
وعن ابن عباس، قال: إنما سميت منى منى لأن جبريل حين أراد أن يفارق آدم، قال له. تمنّ، قال: أتمنّى الجنة، فسميت منى لتمنى آدم.
وقيل: إنما سميت منى لمنى [1] الدماء بها.
ذكر ما جاء فى فضائل مقبرة مكة
عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبىّ صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «نعم المقبرة هذه!» (لمقبرة أهل مكة)
. وعن محمد بن عبد الله بن صيفىّ أنه قال: من قبر فى هذه المقبرة، بعث آمنا يوم القيامة (يعنى مقبرة مكة) .
ذكر شىء من خصائص مكة
من خصائصها أن الذئب فيها يروّع الظبى ويعارضه ويصيده. فإذا دخل الحرم، كفّ عنه.
__________
[1] المنى هو إراقة الدماء.
(1/319)

ومنها أنه لا يسقط على الكعبة حمام إلا إن كان عليلا؛ وأن عادة الطير إذا حاذت الكعبة أن تفترق فرقتين ولا تعلوها. والله أعلم.
وأما المدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام
ففضائلها أوسع من أن أحصرها، وأعظم من أن أسبرها. ناهيك بها من بلد اختاره الله تعالى لرسوله، ونص على فضله في محكم تنزيله، قال الله عز وجل: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) .
وروى عن النبىّ صلى الله عليه وسلم أنه سئل: أىّ مسجد هو؟ فقال: مسجدى هذا،
وهو قول ابن المسيّب وزيد بن ثابت وابن عمر رضى الله تعالى عنهم، وبه أخذ مالك رحمه الله. وقال ابن عباس: هو مسجد قباء.
وروى عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا لمسجد الحرام» .
قال القاضى عياض رحمه الله: إختلف الناس فى معنى هذا الاستثناء على اختلافهم فى المفاضلة بين مكة والمدينة. فذهب مالك أن الصلاة فى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل من الصلاة فى سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام، فان الصلاة فى مسجد النبىّ صلى الله عليه وسلم أفضل من الصلاة فيه بدون الألف. واحتج مالك وأشهب وابن نافع وجماعة أصحابه بما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه «صلاة فى المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه» فتأتى
(1/320)

فضيلة مسجد الرسول عليه بتسعمائة وعلى غيره بألف. وهذا مبنىّ على تفضيل المدينة على مكة، وهو قول عمر بن الخطاب ومالك وأكثر المدنيين.
وذهب أهل مكة والكوفة إلى تفضيل مكة. وهو قول عطاء وابن وهب وابن حبيب، من أصحاب مالك. وحكاه الباجى عن الشافعى.
قال القاضى أبو الوليد الباجى: الذى يقتضيه الحديث مخالفة حكم مكة لسائر المساجد، ولا يعلم منه حكمها مع المدينة.
قال القاضى عياض: ولا خلاف أن موضع قبر النبى صلى الله عليه وسلم أفضل بقاع الأرض.
قال النبىّ صلى الله عليه وسلم: «ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة» .
قالوا: هذا يحتمل معنيين، (أحدهما) . أنه موجب لذلك وأن الدعاء والصلاة فيه تستحق ذلك من الثواب كما قيل: «الجنة تحت ظلال السّيوف» . (والثانى) أن تلك البقعة قد ينقلها الله فتكون فى الجنة بعينها. قاله الداودىّ.
وروى ابن عمر وجماعة من الصحابة رضى الله عنهم أن النبىّ صلى الله عليه وسلم قال فى المدينة: «لا يصبر على لأوائها وشدّتها أحد، إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة» .
وقال صلى الله عليه وسلم فيمن تحمّل عن المدينة: «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» . وقال: «إنما المدينة كالكير: تنفى خبثها وتنصع طيبها» .
وقال: «لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها الله خيرا منه» .
(1/321)

وعنه صلّى الله عليه وسلم: «من مات فى أحد الحرمين حاجّا أو معتمرا، بعثه الله يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب» . وفى طريق آخر: «بعث من الآمنين يوم القيامة» .
وعن ابن عمر رضى الله عنهما: «من استطاع أن يموت بالمدينة، فليمت بها فإنّى أشفع لمن يموت بها» .
وعن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال: «هذا جبل يحبّنا ونحبّه. اللهم إنّ إبراهيم حرّم مكة، وأنا أحرّم ما بين لا بتيها» .
وعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم حبّب إلينا المدينة كما حبّبت إلينا مكة أو أشدّ، وانقل حمّاها إلى الجحفة، اللهم بارك لنا فى صاعنا ومدّنا» .
ودعا النبىّ صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة فقال: «اللهم بارك لهم فى مكيالهم، وبارك لهم فى صاعهم ومدّهم» .
وقال صلى الله عليه وسلم: «من زار قبرى، وجبت له شفاعتى» .
وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من زارنى فى المدينة محتسبا، كان فى جوارى وكنت له شفيعا يوم القيامة» .
وكان مالك رحمه الله لا يركب فى المدينة دابّة، ويقول: أستحيى من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحافر دابّة.
وروى أنه وهب للشافعىّ كراعا كثيرا، فقال له الشافعىّ: أمسك منها دابّة.
فأجابه بمثل هذا الجواب.
وحكى القاضى عياض فى «كتاب الشفاء» قال: حدّث أن أبا الفضل الجوهرىّ لما ورد المدينة زائرا وقرب منها، ترجّل ومشى باكيا منشدا:
(1/322)

ولمّا رأينا رسم من لم يدع لنا ... فؤادا لعرفان الرّسوم ولا لبّا،
نزلنا عن الأكوار نمشى، كرامة ... لمن بان عنه أن نلّم به ركبا.
قال: وحكى بعض المريدين أنه لما أشرف على مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنشأ يقول متمثلا:
رفع الحجاب لنا فلاح لناظر ... قمر تقطّع دونه الأوهام.
وإذا المطىّ بنا بلغن محمدا، ... فظهورهنّ على الرّجال حرام.
قرّبنتا من خير من وطئ الثّرى، ... فلها علينا حرمة وذمام.
وأفتى مالك رحمه الله فيمن قال «تربة المدينة رديّة» بضرب ثلاثين درّة، وأمر بحبسه؛ وكان له قدر. وقال: «ما أحوجه إلى ضرب عنقه، تربة دفن فيها النبىّ صلى الله عليه وسلم، يزعم أنها غير طيّبة!» .
وفى الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فى المدينة: «من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبّل الله منه صرفا ولا عدلا» .
ذكر شىء من خصائص المدينة المشرفة وأسمائها على صاحبها أفضل الصلاة والسلام
من خصائصها، أن العطر والبخور يوجد لهما فيها من الضّوع والرائحة الطيّبة أضعاف ما يوجد فى سائر البلاد؛ ولها فى قصبتها فغمة طيّبة ورائحة عطرة، وإن لم يكن فيها شىء من الطيب البتة. ولهذا سميت «طيبة» و «طابة» .
(1/323)

قال الشاعر:
ماذا على من شمّ تربة أحمد ... أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا؟
وهذا البيت ينسب لفاطمة الزهراء رضى الله عنها.
ومن أسمائها «طيبة» و «طابة» و «يثرب» و «المدينة» و «الدار» .
قال القاضى عياض رحمه الله: وجدير بمواطن عمرت بالوحى والتنزيل، وتردّد بها جبريل وميكائيل، وعرجت منها الملائكة والرّوح، وضجّت عرصاتها بالتقديس والتسبيح؛ واشملت تربتها على جسد سيد البشر، وانتشر عنها من دين الله وسنة رسوله ما انتشر؛ مدارس آيات، ومساجد جماعات وصلوات، ومشاهد الفضل والخيرات، ومعاهد البراهين والمعجزات، ومناسك الدين، ومشاعر المسلمين؛ ومواقف سيد المرسلين، ومتبوّأ خاتم النبيين؛ حيث انفجرت النبوّة، وأين فاض عبابها، ومواطن مهبط الرسالة، وأوّل أرض مسّ جلد المصطفى ترابها: أن تعظّم عرصاتها، وتتنسّم نفحاتها، وتقبّل ربوعها وجدراتها.
وقال:
يا دار خير المرسلين ومن به ... هدى الأنام وخصّ بالآيات.
عندى لاجلك لوعة وصبابة ... وتشوّق متوقّد الجمرات.
وعلىّ عهد إن ملأت محاجرى ... من تلكم الجدرات والعرصات،
لأعفّرنّ مصون شيى بينها ... من كثرة التقبيل والرّشفات.
لولا العوادى والأعادى، زرتها ... أبدا ولو سحبا على الوجنات.
لكن سأهدى من حفيل تحيّتى ... لقطين تلك الدار والحجرات.
(1/324)

أذكى من المسك المفتّق نفحة ... تغشاه بالاصال والبكرات.
وتخصّه بزواكى الصّلوات ... ونوامى التسليم والبركات.
وأما البيت المقدّس، والمسجد الأقصى
فالبيت المقدّس أحد القبلتين، والمسجد الأقصى ثالث الحرمين. إليه تشدّ الرّحال، ويكثر النزول والارتحال؛ وفى الأرض المقدّسة تحشر الخلائق ليوم العرض، ويبسط الله تعالى الصخرة الشريفة حتّى تكون كعرض السماء والأرض؛ وتجتمع الناس هناك لفصل الحساب، ويضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب.
ولنبدأ بذكر الأرض المقدّسة
قال الله عز وجل إخبارا عن موسى عليه السلام: (يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)
. قال الزجاج: والمقدّسة المطهّرة.
وقيل للسّطل «القدس» لأنه يتطهّر منه. وسمى بيت المقدس لأنه يتطهّر فيه من الذنوب. وقيل: سماها مقدّسة لأنها طهّرت من الشرك وجعلت مسكنا للأنبياء والمؤمنين.
وقد اختلف فى الأرض المقدّسة ما هى؟
فذهب ابن عباس رضى الله عنهما إلى أنها أريحا.
وقال السّدّى: أريحا هى أرض بيت المقدس. وقال مجاهد: هى الطّور وما حوله.
وقال الضحاك: هى إيلياء وبيت المقدس. وقال الكلبى: دمشق وفلسطين وبعض الأردنّ. وقال قتادة: هى الشام كلها.
(1/325)

وقال عبد الله بن عمر: والحرم محرّم مقداره من السماوات والأرض، وبيت المقدس مقدّس مقداره من السماوات والأرض.
وقال ابن قتيبة. وقرأت فى مناجاة موسى عليه السلام أنه قال: اللهمّ إنك اخترت من الأنعام الضائنة، ومن الطير الحمامة، ومن البيوت مكة وإيلياء، ومن إيلياء بيت المقدس.
وقال الله تعالى: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) .
والمسجد الأقصى بيت المقدس: سمّى أقصى لأنه أبعد المساجد التى تزار.
وقيل: لبعد المسافة بين المسجدين. وقوله عز وجل «الذى باركنا حوله» قيل:
بالماء والأنهار والأشجار والثمار. وقال مجاهد: سماه مباركا لأنه مقرّ الأنبياء، وفيه مهبط الملائكة والوحى، وهو الصخرة، ومنه يحشر الناس يوم القيامة.
وقال تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) .
قال الثعلبىّ فى تفسيره: قال كعب الأحبار وقتادة وابن زيد وعبد الرحمن بن غنم: «التّين مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس» . وقال الضحاك: «هما مسجدان بالشام» . وقال محمد بن كعب: «التين مسجد أصحاب الكهف، والزيتون مسجد إيلياء» . ومجازه على هذا التأويل: منابت التين والزيتون.
وروى عطية عن ابن عباس: «التين مسجد نوح عليه السلام الذى بنى على الجودى، والزيتون بيت المقدس» .
(1/326)

وروى نهشل عن الضحاك: «التين المسجد الحرام، والزيتون المسجد الأقصى» قال: «وطور سينين، يعنى جبل موسى عليه السلام» .
قال عكرمة: «السّينين الحسن بلغة الحبشة» . وعنه: كل جبل ينبت فهو سينين.
وقال مجاهد: «الطّور الجبل، وسينين المبارك» .
وقال قتادة: «المبارك الحسن» .
وقال مقاتل: «كل جبل فيه شجر فهو سينين، وسيناء وهو بلغة النّبط» .
وقال الكلبىّ: «يعنى الجبل المشجر» .
وقال عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: «أربعة أجبال مقدّسة بين يدى الله تعالى:
طور تينا، وطور زيتا، وطور سينا، وطور تيمانا.
فاما طور تينا: فدمشق.
وأما طور زيتا: فبيت المقدس.
وأما طور سينا: فهو الذى كان عليه موسى عليه السلام.
وأما طور تيمانا: فمكّة.
والبلد الأمين مكة بلا خلاف» .
ومسجد بيت المقدس أحد المساجد الثلاثة التى لا تشدّ الرحال إلا إليها،
لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما ورد فى الصحيح: «لا تشدّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدى هذا، والمسجد الأقصى» .
وفى الصحيح أيضا «أن موسى عليه السلام، لما حضرته الوفاة سأل الله تعالى أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر» .
(1/327)

وكانت عمارة مسجد البيت المقدّس بأمر الله عز وجل لنبيه داود عليه السلام أن يعمره ثم لم يقدّر له عمارته وقدّر الله تعالى ذلك على يدى سليمان بن داود عليهما السلام، فهو الذى عمره. وسيأتى ذكر ذلك إن شاء الله تعالى مبينا فى الفن الخامس فى التاريخ.
وقد وردت آثار وأحاديث فى فضل بيت المقدس، وفضل زيارته، وثواب الصلاة فيه، ومضاعفة الحسنات والسيئات فيه، وفضل السكنى فيه، والإقامة به، والوفاة فيه، وما به من قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومحراب داود، وعين سلوان، وما ورد فى أن الحشر منه، وما ورد فى فضل الصخرة والصلاة إلى جانبها، وما ورد من أن الله عز وجل عرج بنبيه من بيت المقدس إلى السماء، وثواب الإهلال من بيت المقدس، وما ورد من أن الكعبة تزور الصخرة يوم القيامة.
وسنذكر من ذلك طرفا تقف عليه إن شاء الله تعالى ونحذف أسانيد الأحاديث الواردة فيه رغبة فى الاختصار فنقول. وبالله التوفيق:
أما فضل بيت المقدس
فقد ورد عن الزهرىّ أنه قال: لم يبعث الله عز وجل نبيا، إلا جعل قبلته صخرة بيت المقدس. وقد صلّى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته سبعة عشر شهرا، كما روى فى الصحيحين، حتّى أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم: (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) .
(1/328)

وتحويل القبلة أوّل ما نسخ من أمور الشرع. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلّون بمكة إلى الكعبة. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أمره الله تعالى أن يصلّى نحو صخرة بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إيّاه إذا صلّى إلى قبلتهم مع ما يجدون من تعيينه فى التوراة.
هذا قول عامّة المفسرين، على ما حكاه الثعلبىّ عنهم.
وقال عبد الرحمن بن زيد: قال الله تعالى لنبيه صلّى الله عليه وسلم: (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)
، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هؤلاء يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله» .
فاستقبله النبىّ صلى الله عليه وسلم. قالوا جميعا: فصلى النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا، وكانت الأنصار قد صلّت قبل بيت المقدس ستين يوما، قبل قدوم النبىّ صلى الله عليه وسلم.
وكانت الكعبة أحب القبلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واختلفوا فى السبب الذى كان عليه الصلاة والسلام من أجله يكره قبلة بيت المقدس ويهوى قبلة الكعبة.
فقال ابن عباس رضى الله عنهما: لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم عليهما السلام.
وقال مجاهد: من أجل أن اليهود قالوا: يخالفنا محمد فى ديننا، ويتّبع قبلتنا! وقال مقاتل بن حيّان: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى نحو بيت المقدس، قالت اليهود: يزعم محمد أنه نبى، وما نراه أحدث فى نبوّته شيئا! أليس يصلى إلى قبلتنا ويستسنّ بسنتنا؟ فإن كانت هذه نبوّة. فنحن أقدم وأوفر نصيبا.
(1/329)

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشق عليه وزاده شوقا إلى الكعبة.
وقال ابن زيد: لما استقبل النبىّ صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس، بلغه أن اليهود تقول: والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتّى هديناهم، قالوا جميعا:
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: وددت أن الله صرفنى عن قبلة اليهود إلى غيرها، فإنى أبغضهم وأبغض موافقتهم، فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك، ليس لى من الأمر شىء؛ فسل ربّك، فعرج جبريل. وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحبّ من أمر القبلة. فأنزل الله عز وجل: (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ)
الآية
. فلما صرفت القبلة إلى الكعبة قال مشركو مكة: قد تردّد على محمد أمره، واشتاق إلى مولده ومولد آبائه، وقد توجه نحو قبلتهم وهو راجع إلى دينكم عاجلا، وتكلم اليهود والمنافقون فى تحويلها. فأنزل الله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
وروى عن كعب أنه قال: إن الله عز وجل ينظر إلى بيت المقدس كل يوم مرتين.
وأما فضل زيارته، وفضل الصلاة فيه
فقد روى عن مكحول أنه قال: من زار بيت المقدس شوقا إليه، دخل الجنة وزاره جميع الأنبياء فى الجنة وغبطوه بمنزلته من الله تعالى؛ وأيّما رفقة خرجوا يريدون بيت المقدس، شيّعهم عشرة آلاف من الملائكة: يستغفرون لهم ويصلّون عليهم،
(1/330)

ولهم مثل أعمالهم اذا انتهوا إلى بيت المقدس، ولهم بكل يوم يقيمون فيه صلاة سبعين ملكا؛ ومن دخل بيت المقدس طاهرا من الكبائر، تلقاه الله بمائة رحمة، ما منها رحمة إلا ولو قسمت على جميع الخلائق لوسعتهم؛ ومن صلّى فى بيت المقدس ركعتين يقرأ فيهما ب «فاتحة الكتاب» و «قل هو الله أحد» خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، وكان له بكل شعرة على جسده حسنة؛ ومن صلى فى بيت المقدس أربع ركعات، مرّ على الصراط كالبرق وأعطى أمانا من الفزع الأكبر يوم القيامة؛ ومن صلى فى بيت المقدس ستّ ركعات، أعطى مائة دعوة مستجابة، أدناها براءة من النار، ووجبت له الجنة؛ ومن صلّى فى بيت المقدس ثمان ركعات، كان رفيق إبراهيم خليل الرحمن؛ ومن صلّى فى بيت المقدس عشر ركعات، كان رفيق داود وسليمان فى الجنة؛ ومن استغفر للمؤمنين والمؤمنات فى بيت المقدس ثلاث مرات، كان له مثل حسناتهم، ودخل على كل مؤمن ومؤمنة من دعائه سبعون مغفرة، وغفر له ذنوبه كلّها.
وروى عن أنس رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلّى ببيت المقدس خمس صلوات نافلة، كلّ صلاة أربع ركعات يقرأ فى الخمس صلوات عشرة آلاف مرة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)
، فقد اشترى نفسه من الله عز وجلّ؛ ليس للنار عليه سلطان» .
وعنه أيضا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل فى بيته بصلاة واحدة، وصلاته فى مسجد القبائل بستّ وعشرين، وصلاته فى المسجد الذى يجمع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته فى المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة» .
(1/331)

وعن مكحول أن ميمونة رضى الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيت المقدس قال: «نعم المسكن بيت المقدس! ومن صلى فيه صلاة بألف صلاة فيما سواه. قالت: فمن لم يطق ذلك؟ قال: يهدى له زيتا [1] »
وعن مكحول عن النبىّ صلى الله عليه وسلم، قال: لا يسمع أهل السماء من كلام بنى آدم شيئا غير أذان مؤذّن بيت المقدس.
وأما ما ورد فى بيت المقدس من مضاعفة الحسنات والسيئات فيه
فقد روى عن نافع، قال: قال ابن عمر رضى الله عنهما، ونحن فى بيت المقدس:
يا نافع، اخرج بنا من هذا البيت، فإن السيئات تضاعف فيه كما تضاعف الحسنات.
وقال جرير بن عثمان وصفوان بن عمرو: الحسنة فى بيت المقدس بألف، والسيئة بألف.
وأما فضل السكنى فيه والإقامة والوفاة به
فقد روى عن ذى الأصابع أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت يا رسول الله إن ابتلينا بالبقاء بعدك، فأين تأمرنا؟ قال: «عليك ببيت المقدس، لعلّ الله يرزقك ذرّية تغدو إليه وتروح» .
__________
[1] يظهر أن بعض الكلمات قد سقطت فى هذا الموضع. ولذلك رأيت إيراد الحديث بلفظ آخر عن ابن الفقيه الهمذانى فى كتابه «مختصر كتاب البلدان» المطبوع فى ليدن سنة 1302 هـ (سنة 1885 م) وهذا نصه: «قالت ميمونة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
أفتنا عن بيت المقدس، قال: نعم المصلى هو أرض المحشر وأرض المنشر، إيتوه فصلوا فيه فإن الصلاة فيه كألف صلاة. قلت بأبى وأمى أنت من لم يطق أن يأتيه. قال فليهد إليه زيتا يسرج فيه، فإنه من أهدى إليه، كان كمن صلى فيه» .
(1/332)

وعن أبى أمامة الباهلىّ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحقّ، لعدوّهم قاهرين، لا يضرّهم من خالفهم، حتّى يأتيهم أمر الله عز وجل وهم كذلك. قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» .
وعن عطاء، قال: لا تقوم الساعة حتّى يسوق الله عز وجل خيار عباده إلى بيت المقدس وإلى الأرض المقدّسة، فيسكنهم إيّاها.
وعن كعب، قال: قال الله عز وجل لبيت المقدس: أنت جنتى وقدسى وصفوتى من بلادى، من سكنك فبرحمة منى، ومن خرج منك فبسخط منى عليه.
وعن وهب بن منبه، قال: أهل بيت المقدس جيران الله، وحقّ على الله عز وجل أن لا يعذّب جيرانه؛ ومن دفن فى بيت المقدس نجا من فتنة القبر وضيقه.
وعن كعب، قال: اليوم فى بيت المقدس كألف يوم، والشهر فيه كالف شهر، والسنة فيه كألف سنة؛ ومن مات فيه فكأنما مات فى السماء، ومن مات حوله فكأنما مات فيه.
وعن خالد بن معدان قال: سمعت كعبا يقول: مقبور بيت المقدس لا يعذّب.
وأما ما به من قبور الأنبياء ومحراب داود وعين سلوان
ففى الأرض المقدّسة قبر إبراهيم الخليل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف عليهم السلام.
وفى الصحيح أن موسى عليه السلام لما حضرته الوفاة سأل الله عز وجل أن يدنيه من الأرض المقدّسة، رمية حجر.
(1/333)

وروى الحافظ أبو بكر الخطيب بسنده عن بشر بن بكر عن أمّ عبد الله عن ابنها أنه قال: من أتى بيت المقدس، فليأت محراب داود، فليصلّ فيه، ويسبح فى عين سلوان فإنها من الجنة.
وبسنده إلى سعيد بن عبد العزيز، قال: كان فى زمان بنى إسرائيل فى بيت المقدس عند عين سلوان عين. وكانت المرأة إذا قذفت، أتوا بها فشربت منها فإن كانت بريئة لم تضرّها، وإن كانت نطفة ماتت. فلما حملت مريم حملوها، فشربت منها فلم تزدد إلا خيرا. فدعت الله أن لا يفضح بها امرأة مؤمنة. فغارت العين.
وأما ما ورد فى أن الحشر من البيت المقدس
فقد روى عن أبى ذرّ رضى الله عنه أنه قال: قلت يا رسول الله «أخبرنا عن بيت المقدس. قال: أرض المحشر والمنشر. ايتوه فصلّوا فيه وليأتينّ على بيت المقدس [1] ! ولبسطة قوس أو مسحة قوس فى بيت المقدس أو من حيث يرى بيت المقدس خير من كذا وكذا» .
وعن كعب قال: العرض والحساب من بيت المقدس.
__________
[1] بياض فى الأصل بمقدار كلمة. وقد روى ابن فضل الله العمرى فى «مسالك الأبصار» المطبوع بدار الكتب المصرية (ج 1 ص 136) حديثا تقرب ألفاظه جدا من هذا الحديث ان لم يكونا حديثا واحدا. فلأجل تكملة النقص الموجود فى نسخ النويرى فى هذا الموضع نورد ما
رواه أبن فضل الله وهو: وعن أبى ذر قال: قيل يا رسول الله صلاة فى البيت المقدس أفضل، أم صلاة فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: صلاة فى مسجدى هذا أفضل من أربع صلوات فيه. ولنعم المصلى هو أرض المحشر والمنشر! وليأتين على الناس زمان، ولبسطة قوس من حيث يرى بيت المقدس، أفضل وخير من الدنيا جميعا.
(1/334)

وعن قتادة فى قوله تعالى (يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ)
قال: من صخرة بيت المقدس.
وعن يزيد بن جابر «يوم ينادى المناد من مكان قريب» قال: يقف إسرافيل على صخرة بيت المقدس فينفخ فى الصّور فيقول: أيّتها العظام النّخرة، والجلود المتمزّقة، والأشعار المتقطّعة؛ إن الله تعالى أمرك أن تجتمعى للحساب.
وقال المفسرون فى قوله تعالى (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ)
هو أن إسرافيل يقف على صخرة بيت المقدس فينادى: «يأيها الناس، هلمّوا إلى الحساب، إن الله يأمركم أن تجتمعوا لفصل القضاء، وهذه هى النفخة الأخيرة.»
والمكان القريب صخرة بيت المقدس.
قال كعب ومقاتل: هى أقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال ابن السائب:
باثنى عشر ميلا.
وعن ابن عمر رضى الله عنهما فى قوله تعالى (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ)
قال: هو حائط بيت المقدس الشرقىّ الذى من ورائه واد يقال له وادى جهنم، ومن دونه باب يقال له باب الرحمة.
وأما ما ورد فى فضل الصخرة، والصلاة إلى جانبها
فقد روى عن أنس بن مالك، قال: إن الجنة لتحنّ شوقا إلى بيت المقدس، وإن بيت المقدس من جنة الفردوس، وهى [1] سرّة الأرض.
__________
[1] أى الصخرة.
(1/335)

وعن أبى إدريس الخولانىّ: قال: يحوّل الله صخرة بيت المقدس مرجانة بيضاء كعرض السماء والأرض، ثم ينصب عليها عرشه، ثم يقضى بين عباده: يصيرون منها إلى الجنة وإلى النار.
وعن أبى العالية فى قوله تعالى (إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها) *
قال: من بركتها أن كلّ ماء عذب يخرج من أصل صخرة بيت المقدس.
وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ صلى الله عليه وسلم، قال: «الأنهار كلّها والسّحاب والبحار والرياح من تحت صخرة بيت المقدس» .
وقال ابن عباس رضى الله عنهما: صخرة بيت المقدس من صخور الجنة.
قال الزجاج: يقال إنها فى وسط الأرض.
وعن كعب قال: من أتى بيت المقدس فصلّى عن يمين الصخرة وشمالها، ودعا عند موضع السّلسلة، وتصدّق بما قلّ أو كثر، استجيب دعاؤه، وكشف الله حزنه، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه؛ وإن سأل الله الزيادة أعطاه إياها.
وأما ما ورد فى أن الله عز وجل عرج من بيت المقدس إلى السماء
فقد روى الشيخ الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن أحمد الواسطى الخطيب رحمه الله بسنده إلى سوادة بن عطاء الحضرمىّ، قال: نجد فى الكتاب مكتوبا أن الله عز وجل لمّا أن خلق الأرض وشاء أن يعرج إلى السماء وهى دخان، استشرف لذلك الجبال أيّها يكون ذلك عليه؟ وخشعت صخرة بيت المقدس تواضعا لله عز وجل، فشكر الله لها ذلك وجعل المعراج عنها. وكان عليها ما شاء الله أن
(1/336)

يكون. قال: فمدّ الجبار يديه حتّى كانتا حيث يشاء أن تكونا، ثم قال: «هذه جنتى غربا، وهذه نارى شرقا، وهذا موضع ميزانى طرف الجبل، وأنا الله ديّان يوم الدّين» وكان معراجه إلى السماء عن الصخرة.
وروى أيضا بسنده إلى هانئ بن عبد الرحمن، ورديح بن عطية عن إبراهيم ابن أبى عبلة أحسبه كذا قال: وسئل عبادة بن الصامت ورافع بن خديج وكانا عقيييّن بدريّين، فقيل لهما: أرأيتما ما يقول الناس فى هذه الصخرة أحقّا هو فنأخذ به، أم هو شىء أصله من أهل الكتاب فندعه؟ فقال كلاهما: سبحان الله! ومن يشكّ فى أمرها، إن الله عز وجل لما استوى إلى السماء، قال لصخرة بيت المقدس:
«هذا مقامى وموضع عرشى يوم القيامة، ومحشر عبادى، وهذا موضع نارى عن يسارها وفيه أنصب ميزانى أمامها، وأنا الله ديّان يوم الدّين» ثم أستوى إلى علّيّين.
وروى أيضا بسنده عن كعب، قال: إن فى التوراة أنه يقول لصخرة بيت المقدس «أنت عرشى الأدنى ومنك ارتفعت إلى السماء، ومن تحتك بسطت الأرض وكلّ ما يسيل من ذروة الجبال من تحتك؛ من مات فيك فكأنما مات فى السماء، ومن مات حولك فكأنما مات فيك، لا تنقضى الأيام والليالى حتّى أرسل عليك نارا من السماء فتأكل آثار أكفّ بنى آدم وأقدامهم منك، وأرسل عليك ماء من تحت العرش فأغسلك حتّى أتركك كالمرآة، وأضرب عليك سورا من غمام غلظه اثنا عشر ميلا، وسياجا من نار؛ وأجعل عليك قبة جبلتها بيدى، وأنزل فيك روحى وملائكتى يسبّحون لى فيك؛ لا يدخلك أحد من ولد آدم إلى يوم القيامة؛ فمن برضوء تلك القبة من بعيد، يقول: طوبى لوجه يخرّ فيك لله ساجدا، وأضرب عليك حائطا من نار،
(1/337)

وسياجا من الغمام، وخمسة حيطان من ياقوت ودرّ وزبرجد؛ أنت البيدر، وإليك المحشر، ومنك المنشر» .
وروى أبو الفرج عبد الرحمن بن علىّ بن محمد بن الجوزىّ رحمه الله فى ذلك حديثين، ثم تكلم عليهما وضعّف رواتهما.
أما أحدهما، فقال:
أخبرنا المبارك بن أحمد، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد، قال: أنبأنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن عمر النّصيبى، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن صالح بن عمر المقرى، قال: حدثنا عيسى بن عبيد الله، قال: حدّثنا على ابن جعفر الرازى، قال: حدّثنا العباس بن أحمد بن عبد الله، قال: حدّثنا عبد الله ابن عمر المقدسى، قال: حدّثنا بكر بن زياد الباهلىّ، عن عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسرى بى إلى بيت المقدس مرّ بى جبريل عليه السلام إلى قبر إبراهيم، فقال: انزل، فصلّ ها هنا ركعتين، ها هنا قبر أبيك إبراهيم. ثم مرّ بى ببيت لحم، فقال: انزل، صلّ ها هنا ركعتين، فإن ها هنا ولد أخوك عيسى. ثم أتى بى إلى الصخرة فقال: من ها هنا عرج ربك إلى السماء» .
قال الحافظ أبو حاتم بن حيّان: هذا حديث لا يشك عوامّ أصحاب الحديث أنه موضوع. وكان بكر بن زياد يضع الحديث على الثقات.
وأما الحديث الثانى، فرواه بسند إلى إبراهيم بن أعين عن رديح بن عطية بن النعمان، عن عبد الله بن بسر الحمصىّ، عن كعب الأحبار، قال: يقول الله عز وجل
(1/338)

لبيت المقدس: أنت عرشى الذى منك ارتفعت إلى السماء، ومنك بسطت الأرض، ومن تحتك جعلت كل ماء عذب يطلع فى رءوس الجبال.
قال أبو حاتم الرازىّ: إبراهيم بن أعين منكر الحديث.
هذا ما ورد فى هذا الفصل وقد نبهنا على ما فيه من المآخذ والله أعلم.
وأما ثواب الإهلال من بيت المقدس
فقد
روى عن أم سلمة زوج النبىّ صلى الله عليه وسلم ورضى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أهلّ من بيت المقدس، غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر» .
قال سالم: وأهلّ ابن عمر رضى الله عنهما من بيت المقدس بعمرة.
وروى عن ابن عمر رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أحرم من بيت المقدس، قدم مكة مغفورا له» .
وأما ما ورد من أن الكعبة تزور الصخرة يوم القيامة
فقد روى عن كعب الأحبار قال: لا تقوم الساعة حتّى يزور البيت الحرام بيت المقدس، فينقادان جميعا إلى الجنة وفيهما أهلوهما.
وروى عن خالد بن معدان قال: يحشر الله الكعبة إلى الصخرة زفّا إليها زفّا، متعلقين بجميع من حج إليهما، تقول الصخرة مرحبا: بالزائرة والمزور إليها.
هذا ما اتفق إيراده فى فضائل البيت المقدّس، وسنذكر إن شاء الله تعالى من أخباره طرفا آخر وهو فى الباب الثانى، من القسم الثالث، من الفن الخامس فى التاريخ عند ذكرنا لأخبار سليمان بن داود عليهما السلام. فلنذكر خلاف ذلك.
(1/339)

وأما اليمن وما يختص به
فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية» .
وقال الجاحظ: من خصائص اليمن السيوف، والبرود، والقرود.
ويقال: ان السيف متى قلع بالهند وطبع باليمن، فناهيك به! وقال الأصمعىّ: أربعة ملأت الدنيا ولا تكون إلا باليمن، وهى الورس، والكندر، والخضض، والعقيق.
وأما الشام وما يختص به
فمن ذلك أن الشام موطن الأنبياء عليهم السلام، ومعدن الزّهّاد والعبّاد.
وحكى أن الابدال السبعين بأرض الشام، بجبل لكام وجبل لبنان.
ومن خصائص الشام:
مسجد دمشق
الذى ما عمر على وجه الأرض مثله وكانت عمارته فى سنة ست وثمانين، عمّره الوليد بن عبد الملك. ووقع الحريق فيه فى سنة إحدى وستين وأربعمائة، فدثرت محاسنه وزال ما كان فيه من الأعمال النفيسة.
وعن قتادة، قال: أقسم الله تعالى بمساجد أربعة، قال: «والتّين» وهو مسجد دمشق، «والزّيتون» وهو بيت المقدس، «وطور سينين» وهو حيث كلم الله موسى، «وهذا البلد الأمين» وهو مكة.
(1/340)

وقال محمد بن شعيب: سمعت غير واحد من قدمائنا يذكرون أن التين مسجد دمشق، وأنهم قد أدركوا فيه شجرا من تين قبل أن يبنيه الوليد.
وعن هشام بن عبد الملك قال: لما أمر الوليد ببناء مسجد دمشق، وجدوا فى الحائط القبلىّ من المسجد لوحا فيه نقش فأتوا به الوليد، فبعث إلى الروم والعبرانيين وغيرهم، فلم يستخرجوه. فدلّ على وهب بن منبّه فبعث إليه، فلما قدم أخبره بموضع ذلك اللوح فإذا الحائط الذى وجد فيه بناء هود عليه السلام.
وعن زيد بن واقد قال: وكّلنى الوليد على العمال فى بناء جامع دمشق، فوجدنا فيه مغارة فعرّفنا الوليد ذلك. فلما كان الليل وافى، وبين يديه الشّمع، فنزل فإذا هى كنيسة لطيفة: ثلاثة أذرع فى ثلاثة أذرع، وإذا فيها صندوق، ففتح فإذا فيه سفط، وفى السّفط رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام، مكتوب عليه: «هذا رأس يحيى بن زكريا» . فأمر الوليد، فردّ إلى مكانه، وقال: اجعلوا العمود الذى فوقه مغيّرا من الاعمدة، فجعلوا عليه عمودا مسفّط الرأس. وكانت البشرة والشعر على رأسه لم يتغير.
وقال أبو زرعة: مسجد دمشق خطّه أبو عبيدة بن الجرّاح، وكذلك مسجد حمص. وقيل: لما قدم المهدىّ يريد بيت المقدس، دخل مسجد دمشق ومعه أبو عبد الله الأشعرىّ كاتبه، فقال: يا أبا عبد الله سبقنا بنو أمية بثلاث، قال:
وما هنّ يا أمير المؤمنين؟ قال: بهذا البيت (يعنى المسجد) لا أعلم على وجه الأرض مثله، وبنبل الموالى فإن لهم موالى ليس لنا مثلهم، وبعمر بن عبد العزيز، لا يكون والله فينا مثله أبدا! ثم أتى بيت المقدس فدخل الصخرة، فقال: يا أبا عبد الله وهذه رابعة.
(1/341)

وحكى عمرو بن مهاجر الأنصارىّ قال: حسبوا ما أنفق على الكرمة التى فى قبلة مسجد دمشق، فإذا هو سبعون ألف دينار.
وقال أبو قصىّ: أنفق فى عمارة مسجد دمشق أربعمائة صندوق، كل صندوق أربعة عشر ألف دينار.
وقال بعض شعراء المحدثين فى وصفه:
دمشق قد شاع ذكر جامعها ... وما حوته ربى مرابعها.
بديعة المدن فى الكمال لما ... يدركه الطّرف من بدائعها.
طيّبة أرضها مباركة ... باليمن والسّعد أخذ طالعها.
جامعها جامع المحاسن قد ... فاقت به المدن فى جوامعها.
تذكر فى فضله ورفعته ... أخبار صدق راقت لسامعها.
قد كان قبل الحريق مدهشة ... فغيّرته نار بلاقعها.
فأذهبت بالحريق بهجته ... فليس يرجى إياب راجعها.
إذا تفكّرت فى الفصوص وما ... فيها، تيقّنت حذق واضعها.
أشجارها لا تزال مثمرة ... لا ترهب الريح فى مدافعها.
كأنّها من زمرّد غرست ... فى أرض تبر يغشى بفاقعها.
فيها ثمار تخالها ينعت ... وليس يخشى فساد يانعها.
تقطف باللحظ لا بجارحة ال ... ايدى ولا تجتنى لبائعها.
وتحتها من رخامه قطع، ... لا قطع الله كفّ قاطعها.
أحكم ترخيمها المرخّم قد ... بان عليها إحكام صانعها.
(1/342)

وإن تفكّرت فى قناطره ... وسقفه، بان حذق رافعها.
وان تبيّنت حسن قبّته ... تحيّر اللّبّ فى أضالعها.
تخترق الريح فى مخارمها ... عصفا فتقوى على زعازعها.
وأرضه بالرّخام قد فرشت ... ينفسح الطّرف فى مواضعها.
مجالس العلم فيه مونقة ... ينشرح الصدر فى مجامعها.
وكلّ باب عليه مطهرة ... قد أمن الناس دفع مانعها.
يرتفق الخلق من مرافقها ... ولا يصدّون عن منافعها.
ولا تزال المياه جارية ... فيها لما شقّ من مشارعها.
وسوقها لا تزال آهلة ... يزدحم الناس فى شوارعها.
لما يشاءون من فواكهها ... وما يريدون من بضائعها.
كأنّها جنّة معجّلة ... فى الأرض، لولا سرى فجائعها.
دامت برغم العدا مسلّمة ... وحاطها الله من قوارعها.
وقال عبد الله بن سلام: بالشام من قبور الأنبياء ألفا قبر وسبعمائة قبر؛ وقبر موسى بدمشق؛ ودمشق معقل الناس فى آخر الزمان.
وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: من أراد أن ينظر إلى الموضع الذى قال الله عز وجل فيه (وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ)
فليأت النّيرب الأعلى بدمشق بين النهرين، وليصعد الغار فى جبل قاسيون، فليصلّ فيه فإنه بيت عيسى وأمّه. ومن أراد أن ينظر إلى إرم، فليأت نهرا فى دمشق يقال له بردى.
ومن أراد أن ينظر إلى المقبرة التى فيها مريم بنت عمران والحواريّون. فليأت مقبرة الفراديس.
(1/343)

ومن خصائصها التّفّاح الذى يضرب به المثل فى الحسن والطّيب. وكان يحمل منه إلى الخلفاء فى كل سنة ثلاثون ألف تفاحة.
وبها الغوطة، وهى أحد متنزّهات الدنيا الأربعة. وهى أجلّها.
وسنذكر وصفها فى باب الرياض إن شاء الله تعالى.
وأما مصر وما يختصّ بها من الفضائل
فمن فضلها أن الله عز وجل ذكرها فى كتابه العزيز فى أربعة وعشرين موضعا.
منها ما هو بصريح اللفظ، ومنها ما دلّت عليه القرائن والتفاسير.
فأما صريح اللفظ، فقوله تعالى: (اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ) .
وقوله تعالى مخبرا عن فرعون: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) .
وقوله عز وجل مخبرا عن يوسف عليه السلام: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) .
وقوله تعالى: (وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) .
وأما ما دلت عليه القرائن، فمنه قوله تعالى: (وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) .
وقوله عز وجل: (وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ)
. قال ابن عباس، وسعيد بن المسيب، ووهب بن منبه وغيرهم: هى مصر.
وقوله تعالى: (فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ) .
(1/344)

وقوله تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها)
. يعنى مصر.
وقوله تعالى: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ)
. يعنى قوم فرعون، وأن بنى إسرائيل ورثوا أرض مصر.
وقوله عز وجل: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ) .
وقوله تعالى مخبرا عن نبيه موسى عليه السلام: (يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ) .
وقوله عز وجل مخبرا عن فرعون: (يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ) .
وقوله تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ) .
وقوله تعالى مخبرا عن قوم فرعون: (أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) .
يعنى أرض مصر.
وقوله عز وجل مخبرا عن نبيه يوسف عليه السلام: (اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) .
وقوله تعالى: (وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ) .
(1/345)

وقوله عز وجل مخبرا عن بنى إسرائيل: (رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) .
وقوله تعالى مخبرا عن نبيه موسى عليه السلام: (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ) .
وقوله تعالى: (أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ)
. يعنى أرض مصر.
وقوله تعالى: (وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى) .
وقوله عز وجل: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً) .
وقوله تعالى مخبرا عن ابن يعقوب: (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ)
. يعنى أرض مصر.
وقوله تعالى: (إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ) .
وذكر ابن عباس مصر، فقال: سميت مصر بالأرض كلها فى عشرة مواضع من القرآن. والله تعالى أعلم.
وأما ما ورد فيها من الحديث النبوى صلوات الله وسلامه على قائله
فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ستفتح عليكم بعدى مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا فإنّ لهم ذمّة ورحما»
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا فتح الله عليكم مصر فاتّخذوا بها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد الأرض» فقال أبو بكر رضى الله عنه: ولم يا رسول الله؟ فقال: «لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة» .
وعنه صلى الله عليه وسلم، وذكر مصر: «ما كادهم أحد إلا كفاهم الله مؤونته» .
وتكررت الأحاديث فى فضلها.
(1/346)

وقال عبد الله بن عمرو: وأهل مصر أكرم الأعاجم كلّها، وأسمحهم يدا، وأفضلهم عنصرا، وأقربهم رحما بالعرب عامة وبقريش خاصّة.
وقال أيضا: لما خلق الله عز وجل آدم، مثّل له الدنيا: شرقها، وغربها، وسهلها، وجبلها، وأنهارها، وبحارها، وبناءها، وخرابها، ومن يسكنها من الأمم، ومن يملكها من الملوك. فلما رأى مصر، رآها أرضا سهلة ذات نهر جار، مادّته من الجنة، تنحدر فيه البركة، ورأى جبلا من جبالها مكسوّا نورا لا يخلو من نظر الربّ عز وجل إليه بالرحمة. فى سفحه أشجار مثمرة، فروعها فى الجنة تسقى بماء الرحمة.
فدعا آدم فى النيل بالبركة، ودعا فى أرض مصر بالرحمة والبر والتقوى، وبارك على نيلها وجبلها سبع مرات. وقال: «يا أيها الجبل المرحوم، سفحك جنة وتربتك مسكة تدفن فيها عرائس الجنة، أرض حافظة مطبقة رحيمة. لا خلتك يا مصر بركة، ولا زال بك حفظ، ولا زال منك ملك وعزّ، يا أرض مصر فيك الخباء والكنوز، ولك البر والثّروة، سال نهرك عسلا. كثّر الله زرعك، ودرّ ضرعك، وزكا نباتك، وعظمت بركتك وخصبت، ولا زال فيك يا مصر خير ما لم تتجبّرى وتتكبّرى أو تخونى، فاذ فعلت ذلك، عراك شرّ، ثم تغوّر خيرك» .
فكان آدم أوّل من دعا لها بالخصب والرحمة والرأفة والبركة.
وقال عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: دعا نوح عليه السلام لابن ابنه بيصر ابن حام وهو أبو مصر، فقال: اللهم إنه قد أجاب دعوتى، فبارك فيه وفى ذرّيته وأسكنه الأرض الطيبة لمباركة التى هى أمّ البلاد.
قال عبد الله بن عمرو: لما قّسم نوح عليه السلام الأرض بين ولده، جعل لحام مصر وسواحلها والمغرب وشاطئ النيل. فلما دخل بيصر بن حام وبلغ العريش،
(1/347)

قال: «اللهم إن كانت هذه الارض التى وعدتنا على لسان نبيك نوح عليه السلام وجعلتها لنا منزلا فاصرف عنا وباها، وطيّب لنا ثراها، واجمع ماها، وأنبت كلاها، وبارك لنا فيها، وتمم لنا وعدك، إنك على كل شىء قدير، وإنك لا تخلف الميعاد» وجعلها بيصر لابنه مصر وسماها به. والقبط ولد مصر بن بيصر بن حام ابن نوح.
وسنذكر إن شاء الله تعالى أخبار مصر وبنيه عند ذكرنا لملوك مصر، وهو فى الفن الخامس فى التاريخ.
وعن كعب الأحبار: لولا رغبتى فى بيت المقدس لما سكنت إلا مصر. فقيل له: ولم؟ فقال: لأنها معافاة من الفتن ومن أرادها بسوء كبّه الله على وجهه، وهو بلد مبارك لأهله فيه.
وقال أبو بصرة الغفارى: سلطان مصر سلطان الأرض كلّها.
قال: وفى التوراة مكتوب: مصر خزائن الأرض كلّها، فمن أرادها بسوء قصمه الله تعالى.
وقال عمرو بن العاص: ولاية مصر جامعة، تعدل الخلافة.
وقال أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز، قاضى العراق: سألت أحمد بن المدبّر عن مصر فقال: كشفتها فوجدت غامرها أضعاف عامرها. ولو عمرها السلطان، لوفت له بخراج الدنيا.
(1/348)

ذكر من ولد بمصر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن كان بها منهم
ولد بمصر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جماعة، منهم: موسى، وهرون، ويوشع بن نون، ودانيال، وأرميا، ولقمان، وعيسى بن مريم. ولدته أمّه بأهناس، وبها النخلة التى ذكرها الله تعالى لمريم على أحد الأقوال.
ولما سار عيسى إلى الشأم أخذ على سفح المقطم ماشيا، عليه جبة صوف مربوط الوسط بشريط، وأمّه تمشى خلفه، فالتفت إليها وقال: يا أمّاه، هذه مقبرة أمّة محمد صلى الله عليه وسلم.
وأما من كان بها منهم، فكان: إبراهيم الخليل، وإسماعيل، ويعقوب، ويوسف عليهم السلام، واثنا عشر سبطا.
ذكر من كان بها من الصدّيقين والصدّيقات رضى الله عنهم
كان بها من الصدّيقين مؤمن آل فرعون الذى ذكره الله عز وجل فى القرآن.
وقيل: إنه ابن لفرعون لصلبه. آمن بموسى ولحق به وجعله الله نبيا وآية.
وكان بها وزراء فرعون الذين وصفهم الله تعالى وفضّلهم على قوم نمرود حين قالوا:
«أرجئه وأخاه» وقال وزراء النمرود: «اقتلوه أو حرّقوه» .
وأخرجت مصر السحرة الذين أحضرهم فرعون لموسى. وكانت عدّتهم مائتى ألف واثنين وثلاثين ألفا وقيل أكثر من ذلك، آمنوا كلّهم فى ساعة واحدة.
ولم نعلم ممن آمن فى ساعة واحدة مثل هذا العدد.
(1/349)

ومن فضائل مصر ونبل أهلها أنهم لم يفتنوا بعبادة العجل.
وكان بها من الصدّيقات آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وأم إسحاق، ومريم ابنة عمران، وماشطة بنت فرعون، التى مشطها فرعون بأمشاط الكتّان لما آمنت بموسى.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شممت ليلة أسرى بى فى الجنة رائحة ما شممت أطيب منها، فقلت: يا جبريل ما هذا؟ فقال: هذا رائحة ماشطة بنت فرعون» .
ذكر من صاهر أهل مصر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
منهم:
إبراهيم الخليل عليه السلام، تزوّج بهاجر أمّ إسماعيل.
ويوسف الصدّيق، تزوّج بنت صاحب عين شمس، وتزوّج زليخا بعد أن عجزت وعميت. دعا الله لها فردّها الله إلى حالتها الأولى، ورزق منها الولد.
وتسرّى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمارية القبطية التى أهداها له المقوقس، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى السيرة النبوية.
ذكر من أظهرته مصر من الحكماء
(الذين عمروا الدنيا بكلامهم وحكمهم وتدبيرهم، وأظهروا ما خفى من العلوم [1] ) قال الحسن بن إبراهيم، صاحب تاريخ مصر:
__________
[1] بعض الحكماء المذكورين فى هذا الفصل ليسوا من أهل مصر بل وفدوا عليها وأقاموا بها مدّة قليلة أو كثيرة.
(1/350)

منهم: ذو القرنين، وهو الإسكندر [1] من قرية يقال لها لوبية [2] . وهو الذى قتل دارا بن دارا. وسيأتى خبره إن شاء الله تعالى فى التاريخ فى ذكر ملوك اليونان.
ومنهم: هرمس، وهو المثلث بالنعمة: نبىّ، وحكيم، وملك: وهو الذى صير الرّصاص ذهبا، وبنى الهرمين الكبيرين على أحد الأقوال. وقيل: هو إدريس عليه السلام.
ومنهم تلميذاه: أغاثاذيمون وفيثاغورس، ولهما من العلوم الموروثة صناعة الكيمياء، والنّجوم، والسّحر، وعلم النارنجيات، والطلسمات، والبرابى، وأسرار الطبيعة.
ومنهم أوسلا وسيزوارس وبندقليس، أصحاب الكهانة والزّجر.
ومنهم سقراط، صاحب الحكمة، والكلام على البارئ جل ذكره، وهو صاحب البلاغة.
ومنهم أفلاطون، صاحب السّياسة، والنواميس، والكلام على المدن والملوك.
ومنهم بطليموس، صاحب الرّصد، والمساحة، والحساب؛ وهو صاحب كتاب المجسطى من كتب الأفلاك، وحركة الشمس، والقمر، والكواكب المتحيرة والثابتة، وصورة فلك البروج. وله صفة الأمم الذين يعمرون الأرض، وكتاب الثمرة فى علم النجوم وتسطيح الكرة.
__________
[1] هو الاسكندر الأكبر، ابن فيلّبوس وهو ليس من مصر وإنما غزاها بجيوشه وأسس فيها مدينة الاسكندرية التى صارت بعده مدينة العلم والحكمة.
[2] هذا اللفظ محرف عن «پيلا» وهى احدى مدائن افريقية، وفيها كانت ولادة الاسكندر الاكبر.
(1/351)

ومنهم أرسطاطاليس، صاحب المنطق، والآثار العلوية، والحس والمحسوس، والكون والفساد، والسماء والعالم، وسمع الكيان والسمع الطبيعى، ورسالة نبت الذهب، قالوا: وليعقوب بن إسحاق الكندىّ نحو ألف كتاب مستخرجة من كتب أرسطاطاليس.
ومنهم أراطس، صاحب البيضة ذات الثمانية والأربعين صورة فى تشكيل صورة الفلك، والألف كوكب، واثنان وعشرون كوكبا من الكواكب الثابتة، والزيج.
ومنهم أنطوليوس [1] ، صاحب الفلاحة.
ومنهم إبّرخس، صاحب الرصد والآلة المعروفة بذات الحلق.
ومنهم ثاون، صاحب الزيج المنسوب إليه.
ومنهم أسطنس، ودروثيوس، ووالنس، أصحاب كتب أحكام النجوم، وعنهم انتشر ذلك.
ومنهم إيرن، صاحب الهندسة والمقادير، وكتاب جر الأثقال، والحيل الروحانية، وعمل البناكيم والآلات لقياس الساعات.
ومنهم فيلون البزنطى، وله عمل الدواليب والأرحية والحركات بالحيل اللطيفة.
ومنهم أرشميدس، صاحب الحيل والهندسة والمرايا المحرقة وعمل المجانيق ورمى الحصون، والحيل على الجيوش والعساكر برّا وبحرا.
__________
[1] ورد هذا الاسم فى الاصل هكذا: «أفلطيونس» وليس هناك رجل بهذا الاسم. وإنما المشهور بكتابه فى الفلاحة هو «انطوليوس الأفريقى» . وقد ذكره ابن العوام فى كتاب الفلاحة الأندلسية، ويقل عنه.
(1/352)

ومنهم ماريه وقلبطره، أصحاب الطّلّسمات، والخواص للطبائع.
ومنهم أبلونيوس، وله كتاب المخروطات وقطع الخطوط.
ومنهم ثيودوسيس، وهو صاحب كتاب الأكر.
ومنهم ذيوفنطس، وله كتاب الحساب.
ومنهم أوطوقيس، وله كتاب الكرة والأسطوانة.
ومنهم المشاءون [1] ، أصحاب الرواق.
وبمصر من العلوم التى عمرت بها الدنيا علم الطب اليونانى، وعلم النجوم، وعلم المساحة، وعلم الهندسة، وعلم الكيمياء، وغير ذلك وبها الطلسمات العشرة.
وبادى [2] الاسكندرانى صاحب الزيج.
والذين نشروا الطب وشرحوه جالينوس، صاحب الطب، تعلمه بمصر، ومن كتبها أخذ.
ومنهم ديسقريد: صاحب الحشائش، وديوچانس، واركاغانس، وارباسيوس، وفريقونوس، وروفس، هؤلاء أصحاب الطب اليونانى.
فهؤلاء حكماء الأرض وعلماؤهم الذين ورثوا الحكمة، من مصر خرجوا، وبها ولدوا؛ ومنها انتشرت علومهم فى الأرض.
قال الحسن بن إبراهيم: وكانت مصر يسير إليها فى الزمن الأوّل طلبة العلم وأصحاب العلم الدقيق لتكون أذهانهم على الزيادة وقوّة الذكاء ودقة الفطنة. والله تعالى أعلم.
__________
[1] فى الأصل: «المساتير» . ولعله يشير إلى أتباع ارسطو الذين يسميهم العرب «المشائين» .
[2] لعل هذا الاسم محرف عن «ثاون» ؟؟؟ دى سبقت الاشارة اليه.
(1/353)

ومن فضائل مصر
أنها تمير الحرمين الشريفين، ولولا مصر لما أمكن أهل الحرمين وأعمالهما المقام بهما، ولما توصل إليهما من يرد من أقطار الأرض.
ومنها أنها فرضة الدنيا، يحمل من خيرها إلى سواحلها، وذلك أن من ساحلها بالقلزم ينقل إلى الحرمين، وإلى جدّة، وإلى عمان، وإلى الهند، وإلى الصين، وصنعاء، وعدن، والشّحر، والسّند، وجزائر البحر.
ومن جهة تنّيس، ودمياط، والفرما فرضة بلد الروم، وأقاصى الأفرنجه، وقبرس.
وسائر سواحل الشام، والثغور إلى حدود العراق.
ومن جهة الإسكندرية فرضة أقريطش، وصقلّيّة، وبلد الروم، والمغرب كلّه إلى طنجة، ومغرب الشمس.
ومن جهة الصعيد فرضة بلد النّوبة، والبجة، والحبشة، والحجاز، واليمن.
وفيها من ثغور الرّباط: البرلّس، ورشيد، والإسكندرية، ورباط ذات الحمام، ورباط البحيرة، ورباط إخنا، ورباط دمياط، وشطا، وتنّيس، والأشتوم، والفرما، والورّاده، والعريش، والشّجرتين، ورباط الحرس. وجهة الحبشة، والبجة.
ورباط أسوان على النّوبة. ورباط الواحات على البربر والسّودان. ورباط قوص.
وبها من المساجد والمشاهد والآثار الصالحة، ما لم يكن فى غيرها. ولو استقصينا ذلك، لطال به الشرح وانبسط القول.
وقال سعيد بن عقبة: كنت بحضرة المأمون حتّى قال، وهو فى قبة الهواء:
لعن الله فرعون حين يقول (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ)
فلو رأى العراق!. فقلت:
(1/354)

يا أمير المؤمنين لا تقل هذا فإن الله عز وجل قال (وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ)
. فما ظنّك يا أمير المؤمنين بشىء دمره الله، هذا بقيّته؟.
قال: ثم قلت: لقد بلغنى أن أرضا لم تكن أعظم من مصر، وجميع أهل الأرض يحتاجون إليها. وكانت الأنهار بقناطر وجسور وتقدير حتّى إن الماء يجرى تحت منازلهم وأفنيتهم: يحبسونه متى شاءوا، ويرسلونه متى شاءوا. وكانت البساتين بحافتى النيل من أوّله إلى آخره، ما بين أسوان إلى رسيد إلى الشام متصلة لا تنقطع.
ولقد كانت الأمة تضع المكتل على رأسها فيمتلئ مما يسقط من الشجر. وكانت المرأة تخرج حاسرة لا تحتاج إلى خمار لكثرة الشجر.
ومن فضائلها النيل، وقد تقدّم ذكره فى باب الأنهار.
ومن عجائبها الهرمان وسيأتى ذكرهما فى باب المبانى القديمة إن شاء الله تعالى.
ومن عجائبها أن أهلها مستغنون عن كل بلد، حتى لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا بسور، استغنى أهلها بما فيها عن سائر بلاد الدنيا.
وفيها ما ليس فى غيرها، وهو حيوان السّقنقور، والنّمس. ولو لاه لأكلت الثعابين أهلها؛ وهو لها كقنافدّ سجستان لأهلها.
وفيها سمك يسمّى الرّعّاد. وهو سمك إذا أمسكه إنسان أو أمسك ما يتصل به من خيط الصّنارة أو الشبكة التى يقع فيها، ارتعدت يده.
والحطب السّنط الذى لو وقد منه يوما وجمع ما وجد من رماده كان ملء كفّ. وهو صلب العود، سريع الوقود، بطىء الخمود. ويقال: إنه الآبنوس، وإنما البقعة قصّرت عن الكيان فجاء أحمر شديد الحمرة.
(1/355)

ودهن البلسان. والأفيون، وهو عصارة الخشخاش. وكان بها اللّبخ، وهو ثمر فى قدر اللوز الأخضر إلا أن المأكول منه الظاهر. ورأيته أنا بها وأكلت منه سنة ثلاث وتسعين وستمائة.
وبها الأترجّ الأبلق.
وبها من المعادن: معدن الزّمرّد، ومعدن النّفط، والشّبّ، والبرام، والرّخام.
وقيل: إن بها سائر المعادن كلّها.
وأهلها يأكلون صيد بحر الرّوم وبحر فارس [1] طريّا.
وفى كل شهر من شهور القبط صنف من المأكول والمشروب والمشموم، يوجد فيه دون غيره. فيقال: رطب توت، ورمّان بابه، وموز هاتور، وسمك كيهك، وماء طوبة، وخروف أمشير، ولبن برمهات، وورد برموده، ونبق بشنس، وتين بئونة، وعسل أبيب، وعنب مسرى.
ومنها أن صيفها خريف، وشتاءها ربيع؛ وما يقطعه الحرّ والبرد فى سائر البلاد من الفواكه يوجد فيها فى الحرّ والبرد: لأنها فى الإقليم الثالث والرابع، فسلمت من حرّ الأوّل والثانى، وبرد السادس والسابع [2] .
ويقال: لو لم يكن من فضل مصر إلا أنها تغنى فى الصيف عن الخيش والثلج وبطون الأرض، وفى الشتاء عن الوقود والفراء.
__________
[1] يشير إلى البحر الأحمر المتصل بالخليج الفارسى بواسطة بحر الهند.
[2] قارن ذلك بما ورد فى المقريزىّ (طبع بولاق ج 1 ص 28) .
(1/356)

ومما وصفت به
أن صعيدها حجازىّ. حجره كحجر الحجاز ينبت النخل والدّوم (وهو شجر المقل) ، والعشر، والقرظ، والإهليلج، والفلفل، والخيار شنبر. وأسفل أرضها شامىّ: يمطر كمطر الشام، وتقع فيه الثلوج، وينبت التين والزيتون والعنب والجوز واللّوز والفستق وسائر الفواكه، والبقول والرياحين.
وهى ما بين أربع صفات: فضة بيضاء، أو مسكة سوداء، أو زبرجدة خضراء، أو ذهبة صفراء. وذلك أن النيل يعمّ أرضها فتصير كالفضة البيضاء، ثم ينصبّ عنها فتصير مسكة سوداء، ثم تزرع فتصير زبرجدة خضراء، ثم تستحصد فتصير ذهبة صفراء [1] .
وحكى ابن زولاق فى «فضائل مصر» أن أميرها موسى بن عيسى [الهاشمى] [2] وقف بالميدان عند بركة الحبش، فالتفت يمينا وشمالا، وقال لمن كان معه: أترون ما أرى؟ قالوا: وما يرى الأمير؟ قال: أرى عجبا ما فى الدنيا مثله! فقالوا: يقول الأمير! فقال: أرى ميدان رهان، وحيطان نخل، وبستان شجر، ومنازل سكنى، وذروة جبل، وجبّانة أموات، ونهرا عجّاجا، وأرض زرع، ومراعى ماشية، ومراتع خيل، وساحل بحر. [وصائد نهر] وقانص وحش، وصائد سمك، وملّاح سفينة، وحادى إبل، ومفازة رمل، وسهلا، وجبلا! فهذه ثمانية عشر متنزّها فى أقل من ميل فى ميل.
__________
[1] قارن ذلك بما ورد فى المقريزى (طبع بولاق ج 1 ص 26) .
[2] هو والى مصر فى أيام الرشيد سنة 175 هجرية. والزيادة عن المقريزى (طبع بولاق ج 2 ص 153) .
(1/357)

وأين هذه الأوصاف من وصف الواصف لقصر أنس بالبصرة حيث يقول:
زر وادى القصر نعم القصر والوادى! ... لا بدّ من زورة من غير ميعاد.
زره فليس له شىء يشاكله ... من منزل حاضر إن شئت أو بادى.
ترى به السّفن والظّلمان حاضرة ... والضبّ والنون والملّاح والحادى.
وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسىّ، يصف جبل الرّصد مثل ما وصف به قصر أنس:
يا نزهة الرّصد المصرىّ قد جمعت ... من [1] كلّ شىء حلا فى جانب الوادى.
فذا غدير، وذا روض، وذا جبل: ... فالضّبّ والنّون والملّاح والحادى.
فهذه نبذة من فضائل مصر. ولولا الرغبة فى الاختصار، لكانت فضائلها تكون كتابا مفردا.
وأما جزيرة الأندلس
فقد اقتصرت فى وصفها على رسالة وصفها ابن حزم فيها، فقال:
« ... أرضها شاميّة فى طيبها، تهاميّة فى اعتدالها واستوائها، أهوازية فى عظم خراجها وجبايتها، عدنيّة فى منافع سواحلها، صينيّة فى معادنها، هندية فى عطرها وطيبها وذكائها. وأهلها عرب فى الأنساب والعزّة والأنفة، وفصاحة الألسن، وطيب النّفوس، وإباء الضيم، وقلّة احتمال الذل والإهانة، والنّزاهة عن الخضوع؛ هنديّون فى فرط عنايتهم بالعلوم وحبّهم لها؛ بغداديّون فى ظرفهم ونظافتهم، ورقّة أخلاقهم
__________
[1]- هذه رواية المقريزىّ. أما الاصل فقد ورد فيه الشطر الأول غير موافق فى الوزن للبقية هكذا:
يا نزهة الرصد التى قد نزهت ... عن كل شىء الخ
(1/358)

ونباهتهم، ولطافة أذهانهم، وحدّة أفكارهم؛ نبطيّون فى استنباط المياه، ومعاناتهم للغراسة، وتركيب الشجر والفلاحة؛ صينيّون فى إتقان الصنائع العلمية، وإحكام المهن الصورية؛ تركيّون فى معاناة الحروب ومعالجة آلاتها، والنظر فى مهمّاتها» .
قال إبراهيم بن خفاجة، يصفها:
إنّ للجنّة بالأندلس ... مجتلى عين وريّا نفس!
فسنا صبحتها من شنب ... ودجى ليلتها من لعس.
وقد أظهرت الأندلس جماعة من الفضلاء والأعيان والأكابر، ذكرهم ابن بسّام فى كتابه المترجم «بالذخيرة، فى محاسن أهل الجزيرة» . وذكرهم الفتح بن خاقان فى كتابه «المطمح» و «قلائد العقيان» وغيرهما.
وسنذكر إن شاء الله تعالى حال الأندلس وابتداء عمارتها وملوكها عند ذكرنا فتحها، وهو فى الباب الخامس من القسم الأوّل من الفن الخامس فى التاريخ من اخبار الدولة الأموية فى خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان فى سنة 92 من الهجرة.
وأما البصرة وما اختصت به
فمن خصائصها أن للغربان بها ضربا من العجب. وذلك أنها تقع إليها بالخريف حتّى تكون الأرض بها سوداء، وتقع على كل نخلة أصرم ثمرها، ولا تقع على ما لم تصرم، ولو بقى عليها عذق واحد.
ومن عجائبها أيضا، أن التمر يكون مصبوبا فى بيادره، فلا يقع عليه شىء من الذّباب لا فى الليل ولا فى النهار.
(1/359)

وأهل البصرة يتخذون المظلّات على التمر والعجوة خوفا عليها من الخفّاش. ومن عادة الذباب الفرار من الشمس إلى الظلّ، فلا يوجد فى تلك الظلال شىء منه البتة.
فيتوهم المتوهّم أن هاتين الحالتين من طلّسم، له من الخاصية ما يمنع الغربان والذباب.
وليس كذلك، وإنما هو من حماية الله ووقايته.
ووصف خالد بن صفوان البصرة، فقال: منابتها قصب، وأنهارها عجب، وسماؤها رطب، وأرضها ذهب.
وفي الكوفة عدم الوفاء.
وأما بغداد وما اختصت به
فإنه يقال: إنها جنة الأرض، ومجتمع الوافدين: دجلة والفرات، وواسطة الدنيا، ومدينة السلام، وقبة الإسلام، لأنها غرّة البلاد، ودار السلام والخلافة، ومجمع الطّرائف والطيبات، ومعدن المحاسن واللطائف، وبها أرباب النّهايات فى كل فن، وآحاد الدهر فى كل نوع.
وكان أبو إسحاق الزجّاج يقول: بغداد حاضرة الدنيا، وما عداها بادية.
وكان أبو الفضل بن العميد اذا طرأ عليه أحد وأراد امتحان عقله سأله عن بغداد. فان فطن لفضائلها وخواصّها، جعل ذلك مقدّمة فضله وعنوان عقله.
وقال ابن زريق الكوفىّ، الكاتب:
سافرت أبغى لبغداد وساكنها ... مثلا، فحاولت شيئا دونه الياس.
هيهات! بغداد الدنيا بأجمعها ... عندى، وسكّان بغداد هم الناس.
(1/360)

وقال آخر:
سقى الله بغداد من جنة ... غدت للورى نزهة الأنفس.
على أنّها منية الموسرين، ... ولكنّها حسرة المفلس.
وأما الأهواز وما اختصت به
فقال أبو عثمان «عمرو بن بحر الجاحظ» : إن قصبة الأهواز مخصوصة بالحمّى الدائمة اللازمة، حتّى إنها ليست إلى الغريب بأسرع منها إلى القريب.
وقال إبراهيم بن العباس عن مشيخة من أهلها عن القوابل بها: إنهن ربما قبلن الطّفل المولود بها فيجدنه محموما؛ ولا تكاد توجد بها وجنة حمراء لصبىّ ولا صبية، ولا دم ظاهر.
ومن عجائب خصائصها: أن جميع أصناف الطّيب تستحيل رائحته فيها جدّا، حتّى لا تكاد توجد له رائحة. وذلك من كثرة الرّطوبات، وغلظ الهواء، والأبخرة الفاسدة. (وهذا موجود بأنطاكية والقسطنطينيّة) . ويقال: إن الخيل لا تنزو بها ولا تصهل، وإنها تعتلف الحشيش دون التبن؛ لما يلحقها من الرّبو، لنداوة البلد وعفونته.
وأما فارس وما اختصت به
فمن خصائصها: ماء الورد الذى لا يوجد مثله فى سائر البلاد طيبا، والجورى الموصوف من أحد بلادها يجلب إلى أقاصى البلاد، ويضرب به المثل.
ولشيراز من بلاد فارس فغمة طيبة ليست فيما عداها من بلاد فارس.
(1/361)

وأما أصفهان وما اختصت به
فهى موصوفة بصحة الهواء، وجودة التّربة، وعذوبة الماء.
وحكى أن الحجاج ولّى بعض خواصّه أصفهان، فقال له: قد ولّيتك بلدة حجرها الكحل، وذبابها النّحل، وحشيشها الزّعفران.
ومن خصائص الرّىّ: برودها موصوفة كبرود اليمن، وتسمّى العدنيّات تشبيها لها ببرود عدن. وفيها الثياب المنيّرة.
قالوا: واللص الحاذق ينسب إلى الرّىّ.
وأما جرجان وما اختصت به
فهى سهليّة جبلية، برّية بحريّة. وأهلها يعدّون زيادة على مائة نوع من أنواع الرياحين، والبقول، والحشائش الصّحراوية، والثمار والحبوب السّهلية التى هى مبذولة بها للفقراء والغرباء.
ومن خصائصها: العنّاب الذى لا يكون فى سائر البلاد مثله، ويقال: هى بغداد الصّغرى، إلا أنها وبيّة، مختلفة الهواء فى اليوم الواحد، قتّالة للغرباء، كثيرة الأنداء.
ويقال: جرجان مقبرة أهل خراسان.
وفى بعض الكتب القديمة أن بخراسان بلدة يقال لها جرجان، يساق إليها قصار الأعمار من الناس.
وكان أبو تراب النيسابورىّ يقول: لما قسمت البلاد بين الملائكة، وقعت جرجان فى قسم أبى يحيى (يعنى ملك الموت) .
(1/362)

وأما نيسابور وما اختصت به
فحكى عن عمرو بن الليث الصّفّار أنه كان يقول: كيف لا أقاتل عن بلدة حشيشها الرّيباس، وترابها النّقل، وحجرها الفيروزج. أراد بقوله: «ترابها النّقل» طين الأكل الذى لا يوجد مثله فى الأرض، ويحمل منها إلى أقاصى البلاد وأدانيها، ويتحف به الملوك. قالوا: وربما بيع الرّطل منه بدينار. قال المأمون يصفه:
جد لى من النّقل، فذاك الذى ... منه خلقنا وإليه نصير.
ذاك الذى يحسب فى مثله ... أحجار كافور عليها عبير.
قالوا: والفيروزج لا يكون إلا فى نيسابور، وربما بلغت قيمة الفصّ منه- الذى إذا أربى وزنه على مثقال، وجمع الخضرة والاستدارة، وصبر على النار، وامتنع على المبرد، ولم يتغير بالماء الحارّ- مائتى دينار.
ويقال إن له خاصية فى تقوية القلب بالنظر إليه، كما أنّ للياقوت خاصّيّة فى مسرّة النفس.
ولما دخلها إسماعيل بن أحمد السامانىّ، ملك ما وراء النهر وخراسان. استحسنها واستطابها، وقال: يا لها من بلدة جليلة، لو لم يكن لها عيبان! كان ينبغى أن تكون مياهها التى فى باطن الأرض على ظاهرها، وأن تكون مسالحها [1] التى على ظهرها فى بطنها.
ومن خصائصها الثياب النيسابورية الرّقاق.
وأهلها لا يكرمون الغريب. قال المرادىّ:
لا تنزلنّ بنيسابور مغتربا ... إلّا وحبلك موصول بسلطان.
أولا، فلا أدب يغنى ولا حسب ... يجدى ولا حرمة ترعى لإنسان.
__________
[1] فى الاصل «مشايخها» .
(1/363)

وقال أيضا فيها:
قال المرادىّ قولا غير متّهم، ... والنّصح ما كان من ذى اللّبّ مقبول:
لا تنزلنّ بنيسابور مغتربا، ... إن الغريب بنيسابور مخذول.
وأما طوس وما اختصت به
فمن خصائصها السّبج الذى لا يكون إلا بها، ومنها ينقل إلى الآفاق، والحجر الأبيض الذى تتخذ منه القدور.
ويقال: إن الله عز وجل ألان لأهلها الحجارة كما ألان لداود الحديد، حتّى إنهم يتخذون منها ما يتخذ غيرهم من الزّجاج من سائر الأوانى.
وأما بلخ وما اختصت به
فيقال: هى من أقدم البلاد وأخصّها بالملوك، وهى شبيهة بالعراق، وخراسان، والهند. وإليها ينسب جيحون، فيقال: نهر بلخ.
وكان سعيد بن الحسن يقول: العيش فى الصيف ببلخ كتصحيفها [1] .
ومن خصائصها البخاتى [2] والنّيلوفر.
__________
[1] أى مثل ثلج.
[2] فى الأصل: النجادى. [وهو تحريف لا شك فيه] . «والبخاتى» هى نوع من النياق اشتهرت بها هذه المدينة. قال ابن حوقل الرحالة البغدادىّ الشهير فى كتابه «المسالك والممالك» (ص 328، 329) ما نصه:
«ويرتفع من بلخ وأعمالها فى نفسها النوق المتقدمة على ما فى جنسها وتعرف بالبخاتى ولا نظير لها من جنسها فى جميع الأرض. وبها الأترج والنيلوفر وقصب السكر وما لا يكون الا بالبلدان الحارة الا أنه لا نخيل بها» .
(1/364)

وأما بست وما اختصت به
فيقال: إن هواءها كهواء العراق، وماءها كماء الفرات؛ ومن خصائصها الإجّاص الذى لا يوجد مثله فى غيرها. ويقال: إن من مات ببست مغفورا له فقد انتقل من جنّة إلى جنّة.
وأما غزنة وما اختصت به
فهى موصوفة بصحة الهواء، وجودة التّربة، وعذوبة الماء، وهى جبلية شمالية؛ ومن خصائصها أن الأعمار بها طويلة، والأمراض قليلة. قالوا: وهى أرض تنبت الذهب، ولا تولد الحيات والعقارب والحشرات المؤذية. ومنها خرج الأجلّاء الأنجاد من الرجال.
وقال أبو سعيد منصور زعيم جرجان: لم أر بلدة في الصيف أطيب، وفى الربيع أشبه، ومن الحشرات أنظف من غزنة. ثم قال: إن قلّة ثمارها من منافعها، لأن كثرة الثمار مقترنة بكثرة الأمراض. وقد وصفها صاحب كتاب «لطائف المعارف» فقال:
واها لغزنة إذ غدت ... للملك والإسلام دارا.
من كعبة قد أصبحت ... للمجد والعليا مدارا.
فى صدرها الملك الّذى ... قطب السّعود عليه دارا.
وقال أيضا فيها:
يا دار ملك نرى كلّ الجمال بها ... وأسعد الدهر تبدو من جوانبها.
كأنما جنّة الفردوس قد نزلت ... بأرض غزنة تعجيلا لصاحبها.
(1/365)

وأما سجستان وما اختصت به
فيقال فيها: ماؤها وشل، وثمرها دقل، ولصّها بطل.
ومما تختص به الطاسات وجلاجل البزاة، والطبول الموكبية، والفرش الدّيباج.
وأما الهند وما اختصت به
فيقال: الهند بحرها درّ، وجبلها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر.
وعود الهند يذكر مع أمّهات الطيب.
وفى الهند الفيل، والكركدّن، والببر، والطاووس، والببغاء.
وفيه الياقوت الأحمر، والصّندل الأبيض، والعاج، وأصناف العطر، والثياب المخملة وغيرها، والّلانس [1] ، والأقمشة.
وأما الصين وما اختصّ به
فإن العرب تقول لكل طرفة من الأونى: صينيّة كائنة ما كانت: لاختصاص الصين بالطّرائف.
وأهل الصين خصّوا بصناعة الطّرف، والملح، وخرط التماثيل، والإبداع فى عمل النّقوش والتصاوير، حتّى إن مصوّرهم يصوّر الإنسان فلا يغادر شيئا إلا الرّوح، ثم لا يرضى بذلك حتّى يفصل بين ضحك الشامت وضحك الخجل، وبين المتبسّم والمستغرب، وبين ضحك المسرور والهازئ؛ ويركّب صورة فى صورة.
وفيه مناديل الغمر التى إذا اتّسخت وألقيت فى النار، نقّيت ولم تحترق.
__________
[1] كذا بالأصل ولعلها محرفة عن القلانس.
(1/366)

وفيه الحديد. وربما اشترى بأضعاف وزنه فضة.
وفيه السّنجاب الفارحانىّ الذى هو من أنفس الأوبار. وفيه اللّبود الجياد.
قال الجاحظ فى كتاب «النظر فى التجارة» : إن خير اللّبود الصينية، ثم المغربية الحمر، ثم الطالقانيّة البيض.
وأما سمرقند وما اختصت به
قال قتيبة بن مسلم، لما أشرف على سمرقند لأصحابه: شبّهوها، فلم يأتوا فيها بشىء، فقال: كأنها السماء فى الخضرة، وكأن قصورها النجوم الزاهرة، وكأن أنهارها المجرّة. فاستحسنوا هذا التشبيه.
ومن خصائصها: الكواغد التى عطّلت قراطيس مصر، والجلود التى كان الأوائل يكتبون عليها، لأنها أحسن وأنعم وأرفق وأرقّ. ولا تكون إلا بها وبالصين.
ومن خصائصها: الثياب الوذارية، والنشادر، والزّئبق، والبندق.
وأما بلاد التّرك وما اختصت به
فيه يقال. إنها توازن بلاد الهند في كثرة الخصائص.
وفيها المسك والسّنجاب والسّمور والقاقم والفنك والثّعالب السّود والأرانب البيض وغير ذلك. وفيها البزاة البيض والخيل.
وتثبّتّ من بلاد الترك خاصية: أنه من أقام بها اعتراه سرور لا يدرى ما سببه، ولا يزال متبسما ضاحكا؛ وأن الميت إذا مات فيها لا يدخل على أهله كبير حزن كما يلحق غيرهم عند موت محبوب.
(1/367)

وأما خوارزم وما اختصّت به
فانها تقارب بلاد الترك، بل تنافسها في الخصائص والمتاجر.
ومن خصائصها البطيخ الذى يقال له «النارنج» يقال إنه أحلى البطاطيخ وأطيبها.
وكان يحمل منها إلى المأمون وإلى الواثق في قوالب الرصاص، معبّاة في الثلج. فكانت تقوّم الواحدة منه- إذا سلمت ووصلت- بسبعمائة درهم. والله أعلم.
ذكر الخصائص التى تجرى مجرى الطّلّسمات
منها:
مدينة «خبيص» من مدن كرمان. لا يمطر المطر فيها داخل السور أبدا حتّى إن الرجل يخرج يده من سورها إلى خارجها، فتبتلّ يده ولا يبتلّ ساعده.
وبقرية من قرى كرمان أيضا «حصن عادى» ليس فيه فأر. وإذا دخل إليه فأر، مات.
ومدينة «حمص» لا يوجد فيها عقرب. وإذا تثر ترابها على ظهر عقرب، ماتت.
وكذلك قلعة أعزاز [1] من أعمال حلب. ويقال إنه لا يدخل مدينتها حيّة. ومتى نثر عليها من ترابها، ماتت لوقتها. ولا يوجد فيها بعوض البتة. وإن الرجل متى أخرج يده من السور، وقع عليها؛ فإذا أدخل يده، طار عنها.
و «بمصر [2] » أن التماسيح إذا ساقها الماء إليها وحاذتها، انقلبت على طهرها. فإذا بعدت عنها، لا تضر أحدا. بخلاف ما هى في بلاد الصعيد، فإنها تفترس جميع ما تظفر به من الحيوان حتّى الخيل. ولا يقوى على قتالها إلا الجاموس.
ومدينة «سجلماسة» لا يوجد فيها ذباب البتة.
__________
[1] كذا ذكرها أيضا في التقويم بالهمزة. وفي المعجم «عزاز» بدونها.
[2] يعنى مصر العتيقة أى الفسطاط.
(1/368)

ذكر خصائص البلاد في أشياء مختلفة
(وهى العلم، والعمل، والجواهر، والملابس، والأوبار، والفرش، والمراكب، والحيوانات ذوات السموم، والحلوى، والثمار، والرياحين، والخلق، والأخلاق، والأمراض، والآثار العلوية) أما خصائصها العلمية والعملية، فيقال: حكماء اليونان، وأطباء جنديسابور، وصاغة حرّان، وحاكة اليمن، وكتّاب السّواد.
ومن خصائصها في الجواهر، يقال: فيروزج نيسابور، وياقوت سرنديب، ولؤلؤ عمان، وزبرجد مصر، وعقيق اليمن، وجزع ظفار، وبجادىّ بلخ، ومرجان إفريقيّة.
ومن خصائصها في الملابس، يقال: برود اليمن، ووشى صنعاء، وريط الشام، وقصب مصر، وديباج الرّوم، وقزّ السّوس، وحرير الصين، وأكسية فارس، وحلل أصبهان، وسقلاطون بغداد، وعمائم الأبلّة، ومنيّر الرىّ، وملحم مرو، وتكك أرمينية، ومناديل الدّامغان، وجوارب قزوين.
ومن خصائصها في الأوبار، يقال: سنجاب خرخيز، وسمّور بلغار، وثعالب الخزر، وفنك كاشغر، وحواصل [1] هراة، وقاقم تغزغز.
__________
[1] ورد هذا اللفظ في كثير من كتب العرب بمعنى الجلود السنية التى يتدفأ بها أهل الترف والنعيم فقد ذكر الهمذانى (ص 235) الفنك والسمور والقاقم والحواصل والوشق والدّلق الخ. وذكره ابن البيطار فقال: «أنه طائر يكون بمصر كثيرا يعرف بالكى (بضم الكاف وإسكان الياء المنقوطة باثنتين من أسفل) ...... ولباسه يصلح للشباب وذوى الأمزاج الحارة ومن يغلب عليه الصفراء.» .
وذكر السيوطى في الجزء الثانى من «حسن المحاضرة» لطائف مصر وأورد من جملتها الحوصل (بغير ألف في النسخة المطبوعة طبع حجر بمصر، ص 176) حيث قال ما نصه: «وطير الحوصل يعمل من جلده الخفاف الناعمة والفرا الأبيض الذى يقوم مقام الفنك في لينه ورقته» .
(1/369)

ومن خصائصها في الفرش، يقال: بسط أرمينية، وزلالىّ قاليقلا، ومطارح ميسان، وحصر بغداد [1] .
ومن خصائصها في المراكب، يقال: عتاق البادية، ونجائب الحجاز، وبراذين طخارستان، وحمير مصر، وبغال برذعة.
ومن خصائصها في الحيوانات ذوات السموم، يقال: أفاعى سجستان، وحيّات اصفهان، وثعابين مصر، وعقارب شهرزور، وجرّارات الأهواز، وبراغيث أرمينية، وفأر أرزن، ونمل ميّا فارقين، وذباب تل فافان، واقداح [2] نلد. [3]
ومن خصائصها في الحلواء، يقال: سكّر الأهواز، وعسل أصفهان، وفانيذ ماكسان [4] ودبس أرّجان.
__________
[1] لعله مصحف عن «حصر عبادان» لأن المقريزى طالما يتكلم عن الحصر العبدانية في مواضع كثيرة جدّا من خططه. وكذلك السيوطى قال في لطائف مصر: «وبها من الحصر العبدانى ومن سائر أصناف الحصر ما لا يوجد في غيرها» . وقال المقدسى ص 118 «ان أكثر أهل عبادان صناع الحصر من الحلفاء» وكانت هذه الحصر في غاية من الجمال حتى كان أهل مصر يقلدونها كما رأينا من عبارة السيوطى.
[2] مفرده «قدح» وقال في القاموس: «والقدح والقادح أكال يقع في الشجر والاسنان ... والقادحة الدودة» . وقال ابن البيطار في كلامه على «التربد» نوع من النبات مانصه: «والتربد إذا طال به الزمان عمل فيه القادح كما يعمل في الخشب...... تراه مثقّبا كأنه ثقب برأس ابرة» . ثم قال فى بقية الكلام ما نصه: «لا يجب أن يستعمل منه (أى التربد) إلا...... السليم من السوس» .
[3] هكذا في الأصل. وربما كان محرفا عن «بلد» المدينة المشهورة في العراق.
[4] كذا بالاصل وصوابه «ماسكان» وقد أوردها ياقوت فقال «انها بلد مشهور بالنواحى المجاورة لمكران وراء سجستان» ثم قال «ولا يوجد الفانيذ بغير مكان إلا بهذا الموضع ... واليه ينسب القانيذ الماسكانى» .
(1/370)

ومن خصائصها في الثمار، يقال: رطب العراق، وتمر كرمان، وعنّاب جرجان، وإجّاص بست، وسفرجل نيسابور، وتفّاح الشام، ومشمش طوس، وكمّثرى نهاوند، وأترجّ طبرستان، ونارنج البصرة، وتين حلوان، وعنب بغداد، وقشمش هراة، وموز اليمن، وجوز الهند، وبطّيخ خوارزم، وباقلاء الكوفة.
ومن خصائصها في الرياحين، يقال: نرجس جرجان، وورد جور، ونيلوفر السّيروان، ومنثور بغداد، وزعفران قمّ، وشاهسفرم سمرقند.
ومن خصائصها في الخلق والأخلاق، يقال: شقرة الروم، وسواد الزّنج، وغلظ الترك، وجفاء الجيل، ودمامة الصّين، وقصر يأجوج.
ومن خصائصها في الأمراض، يقال: طواعين الشام، وطحال البحرين، ودماميل الجزيرة، وحمّى خيبر. وجنون حمص، وعرق اليمن، ووباء مصر، وبرسام العراق، والنار الفارسية، وقروح بلخ.
ومن خصائصها في الآثار العلوية، يقال: شتاء أرمينية، ومصيف عمان، وصواعق تهامه، وزلازل دبيل.
وقال الجاحظ في «كتاب الأمصار» : الصناعة بالبصرة، والفصاحة بالكوفة، والتّخنيث ببغداد، والطّرمذة بسمرقند، والغىّ بالرّىّ، والجفاء بنيسابور، والحسن بهراة، والمروءة ببلخ، والبخل بمرو، والعجائب بمصر.
وحكى عن عمرو بن عامر مزيقيا، أنه قال لقومه لما تحقق كون سيل العرم:
من كان ذا شاء وبعير وجمل غير شرود، فليلحق بالشّعب من كوفان، فلحقت به
(1/371)

همدان؛ ومن كان ذا سياسة وصبر على أزمات الدهر فليلحق ببطن مرّ، فلحقت به خزاعة. ومن كان يريد الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، فلحقت بها بنو قيلة، وهم الأوس والخزرج؛ ومن كان يريد الخمر والخمير والأمر والتأمير فليلحق ببصرى وسدير (وهى من أرض الشام) ، فلحقت به غسّان؛ ومن كان يريد الثياب الرّقاق، والخيول العتاق، والذّهب والأوراق، فليلحق بالعراق، فلحقت به لخم. والله سبحانه وتعالى أعلم.
الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الأوّل (فى المبانى القديمة)
والمبانى القديمة كثيرة، فلنذكر منها ما عظم خطره، وشاع في الآفاق ذكره.
ذكر أوّل بناء وضع على وجه الأرض
قيل: أوّل ما بنى على وجه الأرض «الصّرح» ويسمّى «المجدل» بناه النّمرود الأكبر ابن كوش بن حام بن نوح، بكوثى ربّى من أرض بابل. قيل: وبها إلى هذا العصر من أثره كالجبال. وكان طوله في الهواء خمسة آلاف ذراع، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع. وكان مبنيا بالحجارة والرّصاص والكلس والشّمع واللّبان. يناه ليمنعه وقومه من بأس الله عز وجل. وكان قد كفر وطغى وادّعى الألوهية، فأرسل الله تعالى
(1/372)

إليه جبريل، فضربه بخافقة جناحه فهدمه، وهام من كان حوله على وجهه، وقد تبلبلت ألسنتهم من الدّهش والذّعر، فكانت عنه هذه اللغات التى يتكلم بها سائر الأمم، وهى اثنتان وسبعون لغة، وسميت تلك الأرض التى كان بها بابل.
ذكر خبر إرم ذات العماد
وهى التى ذكرها الله عز وجل في كتابه العزيز، فقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ) .
وكان سبب عمارتها أن شدّاد بن عاد بن إرم لما سمع وصف الجنة سوّلت له نفسه أن يبنى مثلها. فبنى مدينة بين حضرموت وصنعاء، طولها اثنا عشر فرسخا، وعرضها مثل ذلك. وأحاط بها سورا ارتفاعه خمسمائة ذراع، غشّاه بصفائح الفضة المموّهة بالذهب، فلا يدركه البصر إذا أشرقت عليه الشمس. وبنى داخلها مائة ألف قصر (بعدد رؤساء أهل مملكته) من الذهب والفضّة، وكذلك جذوع سقوفها وأعمدتها. وأجرى في وسطها نهرا صفّح أرضه بالذهب، وجعل على حافتيه أنواع الجواهر واليواقيت بدلا من الحصباء وألقى فيه المسك والعنبر بدلا من الحمأة. وفرّع منه جداول إلى تلك القصور والمنازل، وغرس على شطوطها من الأشجار ما كان لزهره عرف طيّب ورائحة ذكيّة.
زعموا أنه أقام في بنائها ثلاثمائة سنة، فلما تمّ بناؤها، زاد في طغيانه وخرج من حضرموت إليها ليسكنها. فلما أشرف عليها جاءته صيحة من السماء فأهلكته هو وجنوده.
(1/373)

ويروى أن عبد الله بن قلابة خرج في طلب إبل له ندّت فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه، فبلغ معاوية خبره، فاستحضره وسأله فقصّ عليه قصته. فبعث معاوية إلى كعب الأحبار، فقال: هى إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك:
أحمر قصير، على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له ندّت.
ثم التفت فرأى ابن قلابة فقال: هذا والله ذاك الرجل.
وزعم الأخباريون أنه كان بها أربعمائة ألف وأربعون ألف عمود، ولهذا سميت ذات العماد. وقد ذهب قوم إلى أنها دمشق.
وسنذكر إن شاء الله تعالى خبر إرم ذات العماد بما هو أبسط من هذا عند ذكرنا لخبر شديد وشدّاد، ابنى عاد؛ وهو في الباب الخامس من القسم الأوّل، من الفن الخامس في التاريخ، وذلك في السّفر الحادى عشر من هذه النسخة من كتابنا هذا فتأمله هناك. والله تعالى أعلم.
ذكر خبر سدّ يأجوج ومأجوج
هو في الإقليم السادس في آخر الجزء التاسع من تجزئة عشرة أجزاء.
قال [1] صاحب كتاب «نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق» إن الواثق بالله لما رأى فى المنام كأنّ السّدّ الذى بناه ذو القرنين مفتوح، أحضر سلّاما الترجمان وقال له:
__________
[1] ان ابن خرداذبة هو أوّل من روى خبر هذه البعثة العلمية عن نفس رئيسها ثم استملاه منه من الكتاب الذى كان كتبه في هذا المعنى الخليفة الواثق بالله (انظر المسالك والممالك طبع ليدن سنة 1306 هـ- سنة 1889 م من صفحة 162- 170) . وعن ابن خرداذبة نقل جميع المؤلفين الذين جاءوا بعده مثل الإدريسى وابن رسته وابن الفقيه الهمذانى والمقدسى. وقد نقل النويرى عن الإدريسى. وكلهم قد يزيد وينقص بعض الكلمات أو يبدلها بغيرها.
(1/374)

اذهب فانظر إلى هذا السدّ وجئنى بخبره وحاله وما هو عليه، ثم أمر له بأصحاب يسيرون معه، عددهم خمسون رجلا، ووصله بخمسة آلاف دينار، وأعطاه ديته عشرة آلاف درهم، وأمر أن يعطى كل واحد من أصحابه الخمسين ألف درهم ورزق سنة، وأمر لهم بمائة بغل تحمل الماء والزاد. قال سلام الترجمان: فشخصنا من سامرّا بكتاب الواثق إلى إسحاق بن إسماعيل صاحب أرمينية بالنظر إلى تنفيذنا من هناك؛ فكتب لنا كتابا إلى ملك السّرير وأنفذنا إليه، فلما وردنا عليه، أشخصنا إلى ملك اللّان. فلما وصلنا إليه، أشخصنا إلى صاحب فيلان [1] شاه. فلما وردنا عليه [أرسلنا إلى ملك الخزر وهو] اختار لنا خمسة أدلّاء يدلّون على الطريق.
فسرنا من عنده سبعة وعشرين يوما في تخوم بلاد بسجرت إلى أن وصلنا إلى أرض سوداء طويلة ممتدّة كريهة الرائحة، فشققناها في عشرة أيام. وكنا قد تزوّدنا لقطعها أشياء نشمها خوفا من أذى روائحها الكريهة. ثم انفصلنا عنها. فسرنا مدّة شهر في بلاد خراب قد درست ابنيتها ولم يبق منها إلا رسوم يستدل بها عليها. فسألنا من معنا عن تلك المدن، فأخبرونا أنها لمدن التى كان يأجوج ومأجوج يغزونها ويخرّبونها.
ثم سرنا إلى حصون بالقرب من الجبل الذى في شعبة السدّ وذلك في ستة أيام.
وفي تلك الحصون قوم يتكلمون بالعربية والفارسية. وهناك مدينة يدعى ملكها خاقان بن أدكش، وأهلها مسلمون لهم مساجد ومكاتب. فسألونا من أين أقبلنا، فأخبرناهم أنّا رسل أمير المؤمنين الواثق بالله، فعجبوا منا ومن قولنا «أمير المؤمنين» ثم سألونا عن أمير المؤمنين: أشيخ هو أم شابّ؟ فقلنا: شابّ، فعجبوا أيضا.
ثم قالوا: وأين يكون؟ قلنا: هو بالعراق بمدينة سرّ من رأى. فعجبوا أيضا
__________
[1] فى الأصل: «قبلاه شاه» . والتصويب عن ابن خرداذبة.
(1/375)

من ذلك، وقالوا: ما سمعنا هذا قطّ. فسألناهم عن إسلامهم من أين وصلهم ومن علّمه لهم؟ فقالوا: وصل إلينا منذ أعوام كثيرة رجل راكب على دابة طويلة العنق طويلة اليدين والرجلين، لها في موضع صلبها حدبة، (فعلمنا أنهم يصفون الجمل) قالوا: فنزل بنا وكلمنا بكلام فهمناه، ثم علّمنا شرائع الإسلام فقبلناها، وعلمنا أيضا القرآن ومعانيه فتعلمناه وحفظناه. قال سلام: ثم خرجنا بعد هذا إلى السدّ لنبصره، فسرنا عن المدينة نحوا من فرسخين، فوصلنا السدّ. فإذا جبل مقطوع بواد عرضه مائة وخمسون ذراعا، وله في وسط هذا الفناء باب من حديد طوله خمسون ذراعا قد اكتنفه عضادتان، عرض كل عضادة منهما خمسة وعشرون ذراعا. والظاهر من تحتها عشرة أذرع خارج الباب. وكله مبنىّ بلبن الحديد مغيب بالنّحاس. وارتفاع العضادتين خمسون ذراعا، وعلى أعلى العضادتين دروند حديد، طوله مائة وعشرون ذراعا. والدّروند للعتبة العليا، وقد ركب منها على كل واحدة من العضادتين مقدار عشرة أذرع. ومن فوق الدّروند بنيان متصل بلبن الحديد المغيب بالنحاس إلى رأس الجبل، وارتفاعه مدّ البصر. وفوقه شرّافات حديد، فى طرف كل شرّافة قرنتان تنثنى أطراف كل واحدة منهما على الأخرى [1] ، وللباب مصراعان مغلقان، عرض كل مصراع خمسون ذراعا في ثخن خمسة أذرع؛ وقائمتاهما في دوّارة على قدر الدروند. وعلى الباب قفل طوله سبعة أذرع في غلظ ذراع في الاستدارة؛ وارتفاع القفل من الأرض خمسة وعشرون ذراعا. وفوق القفل بخمسة أذرع غلق طوله أكثر من طول القفل،
__________
[1]- هذه رواية ابن حرداذبة. وفي الأصل «قرنان مشى الأطراف بعضها الى بعض» . ورواية المقدسى: «قرنان ينثنى كل واحد في صحبه» .
(1/376)

وعلى الغلق مفتاح طوله ذراع ونصف، وله اثنتا عشرة دنداجة [1] ، كل دنداجة منها كأغلظ ما يكون من دساتج [2] الهواوين، معلق كل واحد منها بسلسلة على قدر حلقة المنجنيق [3] . وعتبة الباب السفلى عشرة أذرع بسط مائة ذرع سوى ما تحت العضادتين، الظاهر منها خمسة أذرع. وكلها مكتالة بالذراع السوادىّ. ورئيس ذلك الحصن يركب فى كل جمعة مع عشرة فوارس، مع كل فارس إرزبّة حديد، كل إرزبّة خمسة أمنان.
فيضرب القفل بتلك الإرزبّات في كل يوم ثلاث مرات ليسمع من خلف الباب.
فيعلم أنّ هناك حفظة، وليعلم هؤلاء أن يأجوج ومأجوج لم يحدثوا في الباب حدثا.
وإذا ضرب أصحاب الإرزبّات القفل، وضعوا آذانهم ليسمعوا ما وراء الباب، فيسمعون من ورائه دويّا يدلّ على أن خلفه بشرا. وبالقرب من هذا الموضع حصن يكون عشرة [فراسخ] فى عشرة [فراسخ] . ومع الباب حصنان يكون كل واحد منهما مائتى ذراع في مائتى ذراع؛ وبين هذين الحصنين عين ماء عذبة، فى أحد الحصنين آلة البناء التى بنى بها السدّ من قدور الحديد ومغارف الحديد؛ والقدور فوق ديكدانات [4] على كل ديكدان أربع قدور مثل قدور الصابون؛ وهناك أيضا بقايا من لبن الحديد
__________
[1]- هذه رواية الإدريسى. والذى في ابن خرداذبة «دندانكة» وهى كلمة فارسية معناها «سن» والمراد أسنان المفتاح.
[2] الدستج كلمة فارسية معناها «يدالهاون» أى المدقّ الذى تدق به الأشياء في الهاون.
[3] فى ابن خرداذبة ما يفيد أن المفتاح وحده هو المعلق في السلسلة وهذا نص روايته: «معلق فى سلسلة ملحومة بالباب طولها ثمانى أذرع في استدارة أربعة أشبار والحلقة التى فيها السلسلة مثل حلقة المنجنيق» وهى رواية معقولة أكثر مما ورد في المتن لان المفتاح فقط هو الذى يصح تعليقه دون القفل والغلق.
[4] كلمة فارسية يقابلها عند العرب «الأثافى» .
(1/377)

التى بنى بها السدّ وقد التصق بعضها ببعض من الصدإ، وطول اللّبنة ذراع ونصف فى ارتفاع شبر.
قال سلام الترجمان: وقد سألنا من خاطبناه من أهل تلك الجهات هل رأوا أحدا من يأجوج ومأجوج قطّ، فأخبرونا أنهم رأوا منهم [مرّة] عددا فوق شرفات الردم، فهبّت عليهم ريح عاصفة، فرمت منهم ثلاثة إلى ناحيتنا. [1] وكان مقدار الرجل منهم شبرين ونصفا.
قال سلام: فكتبت هذه الصفات كلّها، ثم انصرفنا مع الأدلّاء من تلك الحصون، فأخذوا بنا على ناحية خراسان. فسرنا إلى مدينة بختان، إلى غربان، إلى مدينة برساخان، إلى انطرار، إلى سمرقند، فوصلنا إلى عبد الله بن طاهر، ثم وصلنا إلى الرىّ، ثم رجعنا إلى سرّ من رأى بعد خروجنا عنها. فكان مغيبنا في سفرنا ثمانية وعشرين شهرا.
قال: فهذا جميع ما حدّث به سلام.
وقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبىّ في تفسيره: إن ارتفاع السدّ مائتا ذراع وخمسون ذراعا. قال: وروى في طوله ما بين طرفى الجبلين مائة فرسخ، وفي عرضه خمسون ذراعا. نقله عن وهب بن منبه.
وسنذكر إن شاء الله تعالى من أخبار السدّ وكيفية بنائه وطوله وعرضه، وغير ذلك مما هو متعلق به عند ذكرنا لأخبار ذى القرنين. فتأمّله هناك، وهو في الباب
__________
[1] فى ابن خرداذبه: «فهبت ريح سوداء فألقتهم الى جانبهم» أى الى الجهة التى ظهر منها أولئك الناس، وهو المعقول، لانه عقب بأن طول الرجل كان شبرين ونصفا، ومعنى ذلك في رأى العين من هذا العدو فتنيه.
(1/378)

الأوّل من القسم الرابع من الفن الخامس في التاريخ، وهو في السفر الثانى عشر من هذه النسخة من كتابنا هذا.
ذكر مبانى الفرس المشهورة
ومبانى الفرس كثيرة: قديمة وحديثة.
فمن قديمها «سدّ اللّبن» . بناه قباذ بن فيروز، وقيل إن الذى بناه ابنه كسرى ابن قباذ بن فيروز. كذا ورد في التاريخ.
وهذا السدّ من أرض شروان إلى بلاد اللّان، وبينهما مائة فرسخ، بين شعاب جبل القبق. وهو جبل عظيم قد اشتمل على اثنتين وسبعين أمّة، لكل أمّة لسان وملك، لا يعرف بعضهم بعضا لكثرة غياضه وأشجاره؛ وفيه عيون وأنهار؛ وتقدير مسافته طولا وعرضا نحو شهرين.
ومبدأ السّور من جوف بحر الخزر على مقدار مسافة ميل مارّا إلى البرّ، ثم يمرّ إلى أن يتصل بقلعة طبر شروان. وهو مبنىّ بالصخر والحديد والرّصاص. بناه على زقاق البقر المنفوخة، فكان كلما ارتفع البناء نزلت تلك الزّقاق إلى أن استقرّت في قعر البحر، فغاصت الرجال بالخناجر فشقّوها فتمكن البناء. وجعل بين كل ثلاثة أميال من السور وأقل وأكثر بابا من الحديد على حسب الطريق التى تجعل من أجله، وبنى عليه حصنا وأسكن فيه من يحفظ ذلك الباب ويحرسه.
وزعم المؤرّخون أن سبب بنائه لهذا السور أن الخزر كانت تغير على بلد فارس إلى أن تبلغ همذان والموصل، فحجزهم بهذا السور.
(1/379)

ومن مبانى الفرس إيوان كسرى
زعم المسعودىّ أن سابور ذا الأكتاف بناه في نيف وعشرين سنة، وطوله مائة ذراع في عرض خمسين ذراعا في ارتفاع مائة ذراع، وطول كل شرفة منه خمسة عشر ذراعا.
ولما ملك المسلمون المداين، أحرق ستر هذا الإيوان فأخرجوا منه مائة ألف دينار ذهبا.
ولما بنى المنصور بغداد، أحب أن ينقضه ويبتيها به، فاستشار خالد بن برمك فى ذلك فنهاه، وقال: «هو آية للإسلام، ومن رآه علم أن الذى بناه لا يزيل ملكه إلا نبىّ والمؤونة على نقضه أكثر من الارتفاق به» . فقال له: «أبيت إلا ميلا إلى العجم» فهدمت منه ثلمة. فبلغت النفقة عليها مالا كثيرا، فأمسك المنصور عن هدمه، فقال له خالد: «أنا الآن، يا أمير المؤمنين، أشير بهدمه لئلا يتحدّث الناس بعجزك عن هدم ما بناه غيرك» فلم يفعل.
وحكى مثل هذه القصة أنها وقعت ليحيى بن خالد مع الرشيد، وهو إذ ذاك فى اعتقاله. وكان الرشيد بلغه أن تحته كنزا فأراد هدمه واستشار يحيى فأشار عليه بمثل هذا.
ومن عجيب ما يحكى من تقلب الأحوال أن بعض شرفاته هدمت وجعلت فى أساس سور بغداد.
وقال ابن الأثير في تاريخه إن الإيوان باق إلى الآن. (وكان يوم ذاك في سنة خمس وعشرين وستمائة) ، والله أعلم.
(1/380)

ومن المبانى القديمة الحضر
وكان حصنا حصينا مبنيّا بالرّخام، يسكنه ملوك الضّيازن. وهو بين دجلة والفرات، بحيال تكريت.
ويقال إن بانيه الساطرون. وذكر أن قصر ملكه قائم إلى وقتنا هذا فى وسط المدينة، وفى وسطه هيكل مربّع مبنىّ بالصخر، وفيه صور دقيقة المعانى.
حكى أن سابور الجنود حاصره أربع سنين فلم يقدر عليه. واتفق أن بنت ملكه وهى النضرة [1] بنت الضّيزن حاضت، فأخرجت من القصر إلى ربضه لأجل ذلك.
فرأت سابور، وكان جميل الصورة، فعشقته. فأرسلت إليه تقول: إن ملّكتك الحصن فما تجعل لى؟ قال: حكّمتك. قالت: تتزوّج بى. فأجابها إلى ذلك، فقالت له: خذ حمامة ورقاء مطوّقة، فاخضب رجليها بدم حيض جارية بكر زرقاء، وأرسلها. فإنها تقع على سور البلد فيقع لوقته. وكان ذلك حلّ طلّسم له. ففعل ذلك، فوقع السّور ودخل سابور الحصن وقتل ملكه وأصحابه واصطفى ابنته لنفسه. فلما كانت ليلة دخولها عليه، لم تزل متململة قلقلة طول ليلتها، فالتمس سابور ما الذى قلقت من أجله، فاذا ورقة آس قد لصقت بعكنة من عكنها، فقال لها: ما كان أبوك يغذوك؟
فقالت: الزّبد والمخّ وشهد أبكار النحل والخمر، فقال لها: أنا أحقّ منك بثار أبيك، ثم أمر رجلا أن يركب فرسا جموحا وأن يربط غدائرها في ذنبه ويركض به.
ففعل ذلك، فتقطّعت.
__________
[1] فى ياقوت: «النضيرة» .
(1/381)

وهذا الحصن قد اختلف في موضعه. فقيل: بحيال تكريت بين دجلة والفرات.
وقيل: بالجزيرة. ويقال إنه كان حاجزا بين الرّوم والفرس، وملكته الزّبّاء بنت مليح [1] واسمها فارعة.
وفيه يقول عدىّ بن زيد العبادىّ من قصيدة:
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور.
شاده مرمرا وكلّله كل ... سا فللطّير في ذراه وكور.
لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور.
ومن المبانى القديمة القليس
وهى كنيسة كانت باليمن بناها أبرهة بن الصباح، ملك اليمن بصنعاء. ونقل إليها الرخام المجزّع والملّون، والحجارة المنقوشة بالذهب من قصر بلقيس. وكان أراد أن يرفع بناءها حتّى يشرف منها على بحر عدن. فلما أهلكه الله تعالى وفرّق ملكه، أقفر ما حول هذه الكنيسة، وكثرت حولها السّباع والحشرات. وبقيت إلى زمن السّفّاح فذكر له أمرها، فبعث إليها من خرّبها وأخذ ما كان فيها. حكى ذلك السهيلى في «الروض الأنف» .
وحكى أن كيفية بناء هذه الكنيسة أنه كان لها باب من نحاس طوله عشرة أذرع وعرضه أربعة أذرع، يدخل منه إلى بيت طوله ثمانون ذراعا وعرضه أربعون ذراعا، مسقّف بالساج المنقوش، مسمّر بمسامير الذهب والفضّة. ثم يدخل من البيت إلى إيوان معقود طوله أربعون ذراعا، عن يمينه ويساره عقود مزخرفة.
__________
[1] كذا في الأصل «بنت فريح» . وذكر في تاج العروس في مادة زب ب أنها بنت عمرو بن الظرب وأن أسمها بارعة أو ميسون أو نابلة. فتنبه.
(1/382)

ثم يدخل من الإيوان إلى قبّة، ثلاثون ذراعا في ثلاثين ذراعا، جدرها مموّهة بالذهب والفضة. وفي صدر القبّة منبر من الآبنوس المرصّع بالعاج، المصفّح بالذهب والفضة. ولما تم بناؤها، خرج رجل من بنى كنانة فقعد فيها ليلا (أى أحدث) .
فأغضب أبرهة ذلك، فحلف ليهدمنّ الكعبة، فخرج بجيش كثيف من الحبشة، فكان من أمره ما قصه الله تعالى في كتابه العزيز في سورة النمل: (وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) .
وذكر لى أن الذى خرّبها العباس بن الربيع بن عبد الله العامرىّ، عامل المنصور على اليمن.
ومن المبانى المشهورة قنطرة صنجة
وهى من مبانى الروم على نهر عظيم يسمّى بهذا الاسم، يصبّ في الفرات، لا يمكن خوضه: لأن قراره رمل سائل متى وطئه الإنسان برجله سال. وهو ما بين حصن منصور وكيسوم من ديار بكر.
وهذه القنطرة طاق واحد، ما بين جدرانها مائة خطوة. وهى مبنية بحجارة مهندمة، طول الحجر منها عشرة أذرع في ارتفاع خمسة أذرع.
ومن المبانى القديمة ملعبا بعلبك
وهما كبير وصغير.
فالكبير، يحكى أنه من بناء سليمان بن داود عليهما السلام. وهو مبنىّ على عمد شاهقة. وحجارته منها ما هو عشرة أذرع وأكثر.
(1/383)

والملعب الصغير تهدّم أكثره، وبقى منه حائط طوله عشرون ذراعا وارتفاعه كذلك.
ليس فيه إلا سبعة أحجار: واحد من أسفله، وحجران فوقه، وأربعة أحجار فوقهما.
ويقال إنه البيت الذى كان فيه الصنم الذى كان يدعى «بعلا» .
ذكر مبانى العرب المشهورة
وهى غمدان، وحصن تيما، والخورنق، والسّدير، والغريّان.
قال الجاحظ: أحبّت العرب أن تشارك الفرس في البناء وتنفرد بالشعر، فبنوا:
غمدان، وكعبة نجران، وحصن مارد، والأبلق الفرد.
فأما غمدان
فكان بصنعاء. زعم بعض المؤرّخين أن بانيه حام بن نوح. وزعم آخرون أن بيوراسب بناه على اسم الزّهرة.
وقال ابن هشام إن الذى أسسه يعرب بن قحطان، وأكمله بعده وائل بن حمير ابن سبإ بن يعرب. وخرّبه عثمان بن عفّان، رضى الله عنه.
وقيل في صفته إنه كان مربّعا، أحد أركانه مبنىّ بالرخام الأبيض، والثانى بالرّخام الأصفر، والثالث بالرخام الأخضر، والرابع بالرّخام الأحمر. وفيه سبعة سقوف طباقا، ما بين السّقف والآخر خمسون ذراعا. وعلى كل ركن تمثال أسد من نحاس، إذا هبّت الريح دخلت من دبره وخرجت من فيه، فيسمع لها صوت كزئير الأسد.
وقال ابن الكلبىّ: كان على كل ركن من أركان غمدان مكتوب «اسلم غمدان، معاديك مقتول بسيف العدوان» .
(1/384)

ويقال: إن سليمان بن داود عليهما السلام أمر الشياطين أن يبنوا لبلقيس أربعة قصور: غمدان، وصرواح، وبينين، وسلحين. وكلّها باليمن.
ويروى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال: لا يستقيم أمر العرب ما دام فيها غمدانها. وهذا القول هو الذى حضّ عثمان على هدمه.
ويقال إن آثاره باقية إلى عصرنا هذا، وإنه تلّ عال مطلّ على صنعاء.
وأما حصن تيماء
فهو الأبلق الفرد. سمّى بالأبلق الفرد لأنه كان مبنيا بحجارة مختلفة الألوان وهو بأرض تيماء.
بناه السموءل بن عاديا اليهودىّ. ويقال إنه من بناء سليمان بن داود عليه السلام.
وبه تضرب العرب المثل في المنعة والحصانة. وفيه يقول الشاعر:
طلب الأبلق العقوق فلمّا ... لم ينله فرام بيض الأنوق.
وقصدت الزّبّاء هذا الحصن وحصن مارد فلم تقدر عليهما، فقالت: «تمرّد مارد وعزّ الأبلق» .
ومارد حصن كان بدومة الجندل. مبنىّ بحجارة سود. ويقال إنه أيضا من بناء السموءل بن عاديا، اليهودىّ.
وأما الخورنق والسّدير
فكان الخورنق على ثلاثة أميال من الحيرة، والسّدير في برّية بالقرب منها.
بناهما النعمان بن امرئ القيس، وهو النعمان الأكبر. ويقال في سبب بنائه لهما:
ن يزدجرد بن سابور كان لا يعيش له ولد، فسأل عن مكان صحيح الهواء، فذكر له
(1/385)

ظهر الحيرة. فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان وأمره ببناء الخورنق. فبناه على نهر سنداد في عشرين سنة. بناه له رجل يسمّى سنمار.
فلما فرغ من بنائه، عجب النّعمان من حسن بنائه وإتقانه، فأمر أن يلقى سنمّار من أعلاه حتّى لا يبنى مثله لأحد. ويقال إنه إنما فعل ذلك به لأنه لما أعجبه، شكره على عمله ووصله، فقال: لو علمت أن الملك يحسن إلىّ هذا الإحسان، لبنيت له بناء يدور مع الشمس كيفما دارت؛ فقال له النعمان: وإنك لتقدر على أن تبنى أفضل منه، ولم تبنه؟ فأمر به؛ فطرح من أعلاه.
وقيل: بل قال: أنا أعرف فيه حجرا متى أخذ من موضعه، تداعى البناء. فخاف النعمان إن هو لم ينصفه في أجرته فعل ذلك، فقتله.
والعرب تضرب المثل بفعل النّعمان مع سنمّار في المكافأة على الفعل الحسن بالقبيح، فيقال: جازاه مجازاة سنمّار.
وفيه يقول بعض الشعراء:
جزانى جزاه الله شرّ جزائه ... جزاء سنمّار، وما كان ذا ذنب.
سوى رفعه البنيان عشرين حجّة ... يعلّى عليه بالقراميد والسّكب.
والخورنق تعريب خورنقاه [1] ، وهو الموضع الذى يؤكل فيه ويشرب. والسّدير تعريب سادل أى قبّة في ثلاث قباب متداخلة.
وفي هذه الأبنية يقول الأسود ابن يعفر:
ماذا أؤمّل بعد آل محرّق ... تركوا منازلهم، وبعد إياد؟
أهل الخورنق والسّدير وبارق ... والقصر ذى الشّرفات من سنداد.
__________
[1] والأصح خانقاه. (من هامش الأصل) .
(1/386)

وقال عدىّ بن زيد العبادىّ:
وتفكّر ربّ الخورنق إذ أش ... رف يوما، وللهدى تفكير.
سرّه ملكه وكثرة ما يح ... ويه والبحر معرضا والسّدير.
فارعوى قلبه، فقال: فما غب ... طة حىّ إلى الممات يصير؟
وأما الغريّان
فهما أسطوانتان كانتا بظاهر الكوفة.
بناهما النعمان بن المنذر بن ماء السماء، على جاريتين كانتا قينتين تغنّيان بين يديه.
فمائتا، فأمر بدفنهما وبنى عليهما الغريّين.
ويقال إن المنذر غزا الحارث بن أبى شمر الغسّانىّ، وكان بينهما وقعة على عين أباغ، وهى من أيام العرب المشهورة. فقتل للحارث ولدان، وقتل المنذر وانهزمت جيوشه. فأخذ الحارث ولديه وجعلهما عدلين على بعير، وجعل المنذر فوقهما، وقال: «ما العلاوة بدون العدلين» فذهبت مثلا. ثم رحل إلى الحيرة فانتهبها وحرّقها ودفن ابنيه بها، وبنى الغريّين عليهما. حكاه ابن الأثير فى تاريخه «الكامل» .
وأمر المنصور بهدم أحدهما، لكنز توهّم أنه تحتهما. فلم يجد شيئا.
وقيل في سبب بنائهما غير ذلك. والله أعلم.
ذكر الأبنية القديمة التى بالديار المصرية
وهى الأهرام، وحائط العجوز، وملعب أنصنا، ومدينة عين شمس، والبرابى، وحنيّة اللازورد، ومنارة الإسكندرية، ورواق الإسكندرانيّين.
(1/387)

فأما الأهرام
التى بأرض مصر فهى كثيرة. وأعظمها الهرمان اللذان بالجيزة غربىّ مصر.
وقد اختلف في بانيهما.
فقال قوم: بانيهما سوريد بن سهلوق بن سرناق. بناهما قبل الطوفان لرؤيا رآها، فقصّها على الكهنة، فنظروا فيما تدل عليه الكواكب النيرة من أحداث تحدث فى العالم، فأقاموا مراكزها في وقت المسألة. فدلت على أنها نازلة من السماء تحيط بوجه الأرض. فأمر حينئذ ببناء البرابى والأهرام، وصوّر فيها صور الكواكب ودرجها وما لها من الأعمال وأسرار الطبائع والنواميس وعمل الصنعة.
ويقال إن هرمس المثلث بالحكمة (وهو الذى يسميه العبرانيون أخنخ، وهو إدريس عليه السلام) استدلّ من أحوال الكواكب على كون الطوفان. فأمر ببناء الأهرام وإيداعها الأموال وصحائف العلوم وما يخاف عليه الذهاب والدّثور.
وكل هرم منها مربع القاعدة، مخروط الشكل، ارتفاع عموده ثلاثمائة ذراع وسبعة عشر دراعا، يحيط به أربعة سطوح متساويات الأضلاع، كل ضلع منها أربعمائة ذراع وستون ذراعا، ويرتفع إلى أن يكون سطحه مقدار ستة أذرع فى مثلها.
ويقال إنه كان عليه حجر شبه المكبّة فرمته الرياح العواصف.
وهو مع هذا العظم من إحكام الصنعة وإتقان الهندسة وحسن التقدير بحيث إنه لم يتأثر إلى يومنا هذا بعصف الرياح وهطل الأمطار وزعزعة الزلازل؛ وطول الحجر منه خمسة أذرع في سمك ذراعين.
(1/388)

ويقال إن بانيهما جعل لهما أبوابا على آزاج مبنية بالحجارة في الأرض، طول كل أزج منها عشرون ذراعا. وكل باب من حجر واحد يدور بلولب، إذا أطبق لم يعلم أحد أنه باب. فأزج الشرقىّ منها في ناحية الجنوب، وأزج الغربىّ في ناحية الغرب. يدخل من كل باب منها إلى سبعة بيوت، كل بيت منها على اسم كوكب من الكواكب السبعة؛ وكلها مقفلة بأقفال. وحذاء كل بيت منها صنم من ذهب مجوّف، إحدى يديه على فيه، وفي جبهته كتابة بالمسند إذا قرئت انفتح فوه فتوجد فيه مفاتيح ذلك القفل فيفتح بها.
والقبط يزعمون أنها والهرم الصغير الملوّن قبور: فالهرم الشرقىّ فيه سوريد الملك، وفي الهرم الغربىّ أخوه هو حيت [1] .
والصابئة تزعم أن أحدها قبر أغاثديمون، والآخر قبر هرمس، والملوّن قبر صاب ابن هرمس؛ وإليه تنسب الصابئة على قول من زعم ذلك منهم؛ وهم يحجّون إليها ويذبحون عندها الدّيكة والعجول السّود، ويبخرون بدخن؛ ويزعمون أنهم يعرفون عند اضطراب ما يذبحون حالة الذبح ما يريدن عمله من الأمور الطبيعية.
وقصرت همم الملوك والخلفاء عن معرفة ما في هذين الهرمين، إلى أن ولى عبد الله المأمون الخلافة وورد مصر، أمر بفتح واحد منها. ففتح بعد عناء طويل، واتفق لسعادته أنه وقع النّقب على مكان يسلك منه إلى الغرض المطلوب، وهو زلّاقة ضيقة من الحجر الصوّان الماتع الذى لا يعمل فيه الحديد، بين حاجزين ملتصقين بالحائط قد نقر في الزّلّاقة حفر، يتمسك السالك بتلك الحفر، ويستعين بها
__________
[1] كذا بالأصل وكذلك في خطط المقريزى. وفي ياقوت «هو جيب» .
(1/389)

على المشى في الزّلّاقة لئلا يزلق، وأسفل الزلاقة بئر عظيمة بعيدة القعر. ويقال إن أسفل البئر أبواب يدخل منها إلى مواضع كثيرة وبيوت ومخادع وعجائب.
وانتهت بهم الزّلّاقة إلى موضع مربّع في وسطه حوض من حجر صلد مغطّى. فلما كشف عنه غطاؤه، لم يوجد فيه إلا رمّة بالية. فأمر المأمون بالكف عما سواه.
وهذا الموضع يدخله الناس إلى وقتنا هذا.
وسنذكر إن شاء الله تعالى خبر الأهرام عند ذكرنا لأخبار ملوك مصر الذين كانوا قبل الطوفان وبعده، وذلك في الباب الثانى من القسم الرابع من الفن الخامس، وهو في السفر الثانى عشر من هذه النسخة من كتابنا هذا فتأمله هناك.
وقال بعض أهل النظر، وقد عاين الأهرام: «كلّ بناء يخاف عليه من الدّهر، إلا هذا البناء فإنى أخاف على الدّهر منه» .
ونظم عمارة اليمنىّ هذا القول، فقال:
خليلىّ، ما تحت السماء بنيّة ... تماثل في إتقانها هرمى مصر!
بناء يخاف الدّهر منه، وكلّ ما ... على ظاهر الدنيا يخاف من الدّهر!
تنزّه طرفى في بديع بنائها، ... ولم يتنزّه في المراد بها فكرى.
وقال بعض الشعراء:
حسرت عقول ذوى النّهى الأهرام، ... واستصغرت لعظيمها الأعلام.
ملس منيّفة البناء شواهق، ... قصرت لعال دونهنّ سهام!
لم أدر حين كبا التفكّر دونها ... واستبهمت لعجيبها الأوهام،
أقبور أملاك الأعاجم هنّ، أم ... طلّسم رمل هنّ، أم أعلام؟
(1/390)

وقال أبو الطيّب المتنبى:
أين الذى الهرمان من بنيانه؟ ... ما قومه؟ ما يومه؟ ما المصرع؟
تتخلّف الآثار عن أصحابها ... حينا، ويدركها الفناء فتتبع.
وقال أميّة بن عبد العزيز الأندلسىّ:
بعيشك هل أبصرت أحسن منظرا ... على طول ما عاينت من هرمى مصر؟
أنافا بأعنان السّماء وأشرفا ... على الجوّ إشراف السّماك أو النّسر
. وقد وافيا نشزا من الأرض عاليا ... كأنّهما ثديان قاما على صدر.
وقال آخر:
انظر إلى الهرمين إذ برزا ... للعين في علو وفى صعد!
وكأنما الأرض العريضة إذ ... ظمئت لفرط الحرّ والومد.
حسرت عن الثّديين بارزة ... تدعو الإله لفرقة الولد.
فأجابها: لبّيك! يوسعها ... ريّا ويشفيها من الكمد.
وقال ابن الساعاتىّ:
ومن العجائب، والعجائب جمّة ... دقّت عن الإكثار والإسهاب.
هرمان قد هرم الزمان وأدبرت ... أيّامه، وتزيد حسن شباب.
لله! أىّ بنيّة أزليّة ... تبغى السّماء بأطول الأسباب؟
ولربّما وقفت وقوف تبلّد ... أسفا على الأيّام والأحقاب.
كتمت عن الأسماع فصل خطابها ... وغدت تشير به إلى الألباب.
(1/391)

وقال سيف الدين بن جبارة:
لله! أىّ غريبة وعجيبة ... فى صنعة الأهرام للألباب؟
أخفت عن الأسماع قصّة أهلها، ... ونضت عن الإبداع كلّ نقاب.
فكأنّما هى كالخيام مقامة ... من غير ما عمد ولا أطناب.
ومن رسالة لضياء الدين بن الأثير الجزرىّ في ذكر مصر ووصف الأهرام، جاء منها:
بلد أشهد بفضله على البلاد، ووجدته هو المصر وما عداه فهو السّواد. فما رآه راء إلا ملأ عينه وصدره، ولا وصفه واصف إلا علم أنه لم يقدره قدره. وبه عجائب من الآثار، لا يضبطها العيان ولا الإخبار. فمن ذلك الهرمان، اللذان هرم الدهر وهما لا يهرمان؛ قد اختص كل منهما بعظم البناء، وسعة الفناء؛ وبلغ من الارتفاع غاية لا يبلغها الطير على بعد تحليقه، ولا يدركها الطّرف على مدّة تحديقه؛ فإذا أضرم برأسه قبس ظنه المتأمل نجما، وإذا استدارت عليه قوس السماء كان لها سهما» .
وبالقرب من الأهرام صنم على صورة إنسان، تسميه العامّة «أبو الهول» لعظمه.
والقبط يزعمون أنه طلّسم للرمل الذى هناك، لئلا يغلب على أرض الحيزة.
وأما حائط العجوز
والعجوز هى دلوكا ملكة مصر.
وهذا الحائط من العريش (وهو حدّ مصر من جهة الشام) إلى أسوان (وهى حدّ مصر من جهة النوبة) ، شاملا للديار المصرية من الجانب الشرقىّ.
وزعمت القبط أنّ سبب بنائها أن الله عز وجل لما أغرق فرعون وقومه، خافت دلوكا على مصر أن يطمع الملوك فيها. فبنته، وزوّجت النساء بالعبيد حتّى يكثر النّسل والذرّية.
(1/392)

وقيل في سبب بنائه: إن دلوكا ولدت ولدا فأخذت لمولده رصدا، فرأت أن التمساح يقتله، فبنت هذا الحائط وقاية له من التّمساح. فلما شبّ الغلام رأى فى مولده ذلك، فأحب أن يراه. فصوّر له من خشب. فلما رآه، هاله منظره واستولى على نفسه الوهم والفزع، فمات [1] .
وأما ملعب أنصنا
فإنه كان مقياسا للنيل.
ويقال: إنه من بناء دلوكا. وكان بناؤه كالطّيلسان، وعليه أعمدة بعدد أيام السنة من الصوّان الأحمر الماتع، بين العمود والعمود خطوة. وكان النيل يدخل إليه من فوهة فيه عند زيادة النيل. فاذا بلغ الحدّ الذى يحصل به الرّىّ، جلس الملك فى مشترف له، ويصيعد قوم إلى رءوس الأعمدة فيتعادون عليها ما بين ذاهب وآت.
فمن زلّت به قدمه منهم، سقط إلى البركة.
وأما مدينة عين شمس
فهى من المبانى التى درست.
وكانت مصر فرعون موسى، ومنها خرج بجنوده فى طلب موسى وبنى إسرائيل؛ وكانت عدّتهم ستمائة ألف، ليس فيهم ابن عشرين سنة ولا ابن ستين سنة. واستقلّ فرعون هذا العدد وقال كما أخبر الله تعالى عنه: (إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) .
وكان بها هيكل الشمس فخرب.
__________
[1] لم يرض ابن فضل الله بذكر هذه الخرافة في كتابه. وقد وصف لنا جزءا من هذا السور (انظر مسالك الأنصار المطبوع، ج 1 ص 239) .
(1/393)

والفرس تزعم أن هرسيك بناها.
ويقال: إنه كان قد بقى منها عمودان من حجر صلد، فلكات طول كل عمود منهما أربعة وثمانون ذراعا، على رأس كل عمود صورة إنسان على دابة، وعلى رأسيهما شبه الصومعتين من نحاس. فإذا كان (اللّيل) ، قطر من رأس كل واحد منهما ماء.
لا يتجاوز نصف العمود الذى هو مركب عليه. والموضع الذى يصل إليه الماء لا يزال أخضر رطبا.
وقد وقع العمودان بعد الخمسين وستمائة.
وأما البرابى
وهى بيوت حكمة القبط. ويقال: إنه كان لكل كورة من كور مصر برباة، يجلس فيها كاهن على كرسىّ من ذهب.
ومن أعجب البرابى وأعظمها (برباة إخميم) . وهى مبنية بحجر المرمر، طول كل حجر خمسة أذرع في سمك ذراعين. وهى سبعة دهاليز، سقوفها حجارة، طول كل حجر منها ثمانية عشر ذراعا في عرض خمسة أذرع، مدهونة بالّلازورد وسائر الاصباغ، يخالها الناظر إليها كأنما فرغ الدّهّان منها. يقال إن كل دهليز منها على اسم كوكب من الكواكب السبعة. وجدران هذه الدهاليز منقوشة بصور مختلفة الهيئات والمقادير، يقال إنها رموز على علوم القبط، وهى: الكيمياء، والسّيمياء، والطّلّسمات، والطب. أودعوها هذه الصور.
ويقال إن ذا النون المصرىّ العابد فكّ منها علم الكيمياء.
(1/394)

وأما حنيّة اللازورد
وهى بأرض منف. ومنف هذه هى التى تسمّى مصر القديمة.
يقال إن عقد الحنيّة أحسن من عقد قنطرة صنجة التى تقدّم ذكرها. والحنيّة معقودة من حجارة مهندمة، طول كل حجر منها أكثر من خمسة عشر ذراعا. وفيها نقوش وكتابة وطلّسمات مموّهة باللّازورد. وهى من الشرق إلى الغرب، وفي صدرها فضاء فيه بناء مرتفع، عليه بلاطة من الصوّان الأسود، مكتوب فيها بالقلم البرباوى ثلاثون سطرا. يقال إنه قبر الذى بنى الحنيّة، وأنه ديساره: ملك كان بمصر، حكيم.
وللقبط عيد يسمّى ديساره: وهو عيد هذا الملك، ويسمّى عيد العنب.
وأما منارة الإسكندرية
فهى مبنية بحجارة مهندمة مضبّبة بالرصاص، على قناطر من زجاج، والقناطر على ظهر سرطان من نحاس. وفيها نحو ثلاثمائة بيت بعضها فوق بعض، تصعد الدابة بحملها إلى سائر البيوت من داخلها. وللبيوت طاقات ينظر منها إلى البحر.
وبين أهل التاريخ خلاف فيمن بناها.
فزعم بعضهم أنها من بناء الإسكندر بن فيلبّس المقدونىّ. وزعم آخرون أنها من بناء دلوكا، ملكة مصر. ويقال إن على جانبها الشرقىّ كتابة، وإنها نقلت إلى اللسان العربىّ فوجدت «بنت هذه القنطرة فرتنا بنت مرتيوس اليونانية لرصد الكواكب» .
(1/395)

ويقال: إن طولها كان ألف ذراع.
وكان في أعلاها تماثيل من نحاس.
منها تمثال قد أشار بسبابته اليمنى نحو الشمس: أينما كانت من الفلك، يدور معها حيثما دارت.
ومنها تمثال وجهه في البحر متى صار العدوّ منهم على نحو من ليلة، سمع له صوت هائل يعلم به أهل المدينة طروق العدوّ.
ومنها تمثال كلما مضى من الليل ساعة، صوّت صوتا مطربا.
ويقال: إنه كان بأعلاها مرآة ترى منها قسطنطينيّة، وبينهما عرض البحر. وكلما جهز الروم جيشا رؤى في المرآة.
وحكى المسعودىّ في «مروج الذهب» أن هذه المنارة كانت في وسط الإسكندرية، وأنها تعدّ من بناء العالم العجيب، بناها بعض البطالسة من ملوك اليونان يقال له الإسكندر، لما كان بينهم وبين الروم من الحروب في البرّ والبحر.
فجعلوا هذه المنارة مرقبا، وجعلوا في أعلاها مرآة من الأحجار المشفّة، تشاهد فيها مراكب البحر إذا أقبلت من رومية على مسافة تعجز الأبصار عن إدراكها.
ولم تزل كذلك إلى أن ملكها المسلمون، فاحتال ملك الروم على الوليد بن عبد الملك بأن أنفذ أحد خواصّه ومعه جماعة إلى بعض ثغور الشام على أنه راغب فى الإسلام.
فوصل إلى الوليد وأظهر الإسلام، وأخرج كنوزا ودفائن كانت في الشام حملت الوليد على تصديقه فيما يدّعيه. ثم قال له: إن تحت المنارة أموالا ودفائن وأسلحة، دفنها الإسكندر. فصدّقه وجهّزه مع جماعة من ثقاته إلى الإسكندرية، فهدم ثلث
(1/396)

المنارة وأزال المرآة، ثم فطن الناس أنها مكيدة، فاستشعر ذلك فهرب فى مركب كانت معدّة له. ثم بنى ما هدم بالجص والآجرّ.
ثم قال المسعودىّ: وطول المنارة فى هذا الوقت (يعنى الوقت الذى وضع فيه كتابه، وهو سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة مائتان وثلاثون ذراعا. وكان طولها قديما نحوا من أربعمائة ذراع.
وهى فى عصرنا هذا ثلاثة أشكال: فمنها تقدير الثلث مربع مبنىّ بالحجارة، ثم بعد ذلك بناء مثمّن الشكل بالآجرّ والجص نحو ستين ذراعا، وأعلاها مدوّر الشكل.
ويقال إن أحمد بن طولون بنى فى أعلاها قبة من الخشب فهدمتها الرياح. فبنى فى مكانها مسجدا فى الدولة الظاهرية الركنية بيبرس صاحب مصر رحمه الله تعالى.
ثم هدم فى ذى الحجة سنة اثنتين وسبعمائة بسبب الزّلزلة الحادثة. ثم بنى فى شهور سنة ثلاث وسبعمائة فى دولة السلطان الملك الناصر ولد السلطان الملك المنصور، ثبت الله دولته، وكان المندوب لذلك الأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار المنصورىّ، نائب السلطنة الشريفة فى الغيبة.
وقد وصف الشعراء منارة الإسكندرية.
فمن ذلك ما قاله الوجيه الدروىّ:
وسامية الأرجاء تهدى أخا السّرى ... ضياء، إذا ما حندس الليل أظلما.
لبست لها بردا من الأنس ضافيا ... فكان بتذكار الأحبّة معلما.
وقد ظلّلتنى من ذراها بقبّة ... ألاحظ فيها من صحابى أنجما.
فخيّلت أنّ البحر تحتى غمامة ... وأنّى قد خيّمت فى كبد السّما!
(1/397)

وقال أبو الفتح الأغر بن قلاقس:
ومنزل جاوز الجوزاء مرتقيا ... كأنّما فيه النّسرين أوكار.
راسى القرارة سامى الفرع فى يده ... للنّور والنّون أخبار وأخيار [1] .
أطلقت فيه عنان القول فاطّردت ... خيل لها فى بديع الشّعر مضمار.
وأما رواق الإسكندرانيين
فهو ملعب كان بالإسكندرية.
كانوا حكماء يجتمعون فيه فلا يرى أحد منهم شيئا دون الآخر، ووجه كل واحد منهم- وإن اختلفت جهاتهم- تلقاء وجه الآخر. وإن عمل أحد منهم شيئا أو تكلم، سمعه الآخر. ونظر القريب والبعيد فيه سواء.
وقد بقيت منه بقايا عمد تكسرت، غير عمود منها يسمّى عمود السّوارى فى غاية الطول والغلظ من الحجر الصوّان الأحمر.
ذكر شىء من عجائب المبانى
قال صاحب كتاب «مباهج الفكر ومناهج العبر» :
ذكر بعض المصنفين لكتب العجائب، أن الفرس تزعم أن أوشهنج بنى بأرض بابل سبع مدائن، جعل فى كل مدينة منها أعجوبة ليست فى الأخرى.
__________
[1] هكذا فى الأصل. وفى بدائع البدائه «أخبار وآثار» وفى مسالك الأبصار «إخيار وأخيار» وهذا الوجه الأخير أولى ويكون المعنى أن هذه المنارة تخير عن المراكب المضيئة القادمة الى الإسكندرية وأن فيها أخبارا عن السمك السايح فى البحر حولها.
(1/398)

فكان فى الأولى- التى يكون فيها الملك- مثال أنهار الدنيا كلّها. فإذا التوى عليه أحد من أهل مملكته بخراجهم، خرّج نهرا من تلك الأنهار الشبيهة بنهر تلك الناحية فغرقوا. فإذا أدّوا الخراج، سدّ عليهم من عنده فانسدّ عنهم.
وفى الثانية حوض. فإذا أراد الملك أن يجمع الناس لشراب، أتى من أحبّ منهم بشراب له خاص فيصبه فى الحوض. يفعل ذلك كل إنسان منهم، فيختلط الجميع. ثم تقوم السّقاة فتأخذ الأوانى ويسقى كلّ واحد من شرابه الذى جاء به.
وفى الثالثة طبل. فإذا غاب من البلد أحد وأراد أهله أن يعلموا خبره، أحىّ هو أو ميت، ضربوا الطبل: فإن كان حيا صوّت، وإن كان ميتا لم يصوّت.
وفى الرابعة المرآة. فإذا غاب الرجل عن أهله وأرادوا أن يعلموا حاله، نظروا فى المرآة فرأوه فى الحالة التى هو عليها.
وفى الخامسة إوزّة نحاس. فإذا دخل المدينة غريب، صفّرت. فيعلمون أن غريبا دخلها.
وفى السادسة قاضيان جالسان على الماء. فيجىء المحقّ والمبطل ليجلسا معهما.
فيجلس المحق، ويرسب المبطل.
وفى السابعة شجرة. لا تظل إلا ساقها. فإذا جلس تحتها واحد أظلته إلى ألف.
فإن زاد على الألف واحد، قعدوا كلهم فى الشمس.
وكنت قد أنكرت هذه الحكاية وقصدت حذفها وإلغاءها والإضراب عنها.
فرأيت ابن الجوزىّ وضعها فى كتابه الذى سماه «سلوة الأحزان» فأوردتها.
(1/399)

وحكى أنه كان بمدينة قيساريّة- لما كانت فى أيدى الروم- كنيسة بها مرآة.
إذا اتهم الرجل امرأته بزنا، نظر فى تلك المرآة، فيرى وجه المتّهم فيها. وأن بعض الناس اتّهم فرأوه فيها فقتله الملك، فجاء أهله إلى المرآة حميّة فكسروها.
وحكى الواقدىّ فى فتوح السند: أن عبد الله العبدىّ عامل معاوية على السند غزا بلد القيقان، فأصاب منهم غنائم كثيرة، وأن ملك القيقان بعث إليه يطلب منه الفداء وحمل إليه هدايا كان فيها قطعة من مرآة، يذكر أهل العلم أن الله تعالى أنزلها على آدم عليه السلام، لما كثر ولده وانتشروا فى الأرض، فكان ينظر فيها فيرى من بعد منهم على الحالة التى هو عليها من خير أو شر، فحملها عبد الله إلى معاوية، فبقيت فى ذخائر بنى أمية إلى أن انتقل الملك عنهم إلى بنى العباس، فضاعت فيما فقد من الذخائر [1] .
وقيل: إن بنهاوند حجرا يسمّى الكيلان، بالقرب منه صخرة، من أراد أن يتعرّف حال غائب أو آبق أو سارق، أتى إلى تلك الصخرة فنام تحتها، فيرى فى النوم حال ما تعرف به على ما هو عليه. وعجائب المبانى كثيرة، سنذكر إن شاء الله تعالى منها جملة فى أخبار ملوك مصر الذين كانوا قبل الطوفان وبعده، فتأمّله هناك تجده.
__________
[1] بهامش الأصل ما نصه: «قد ذكر أبو جعفر الطبرى فى تاريخه أن هذه المرآة كانت عند أبى جعفر المنصور فالله أعلم أين صارت بعده» .
(1/400)

الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الأوّل (فيما وصفت به المعاقل والحصون)
وهذا الباب قد ترجمت عليه فى الفن الثانى الذى يلى هذا الفن فيما يحتاج إليه الملك. وإنما ضممته إلى هذا الفن لمناسبته له وشبهه به، واستثنيته من الفن الثانى واقتصرت فيه على مجرّد الترجمة. وبالله التوفيق.
وقد أوسع الفضلاء والأدباء والكتاب والبلغاء القول فى هذا المعنى وتواردوا فيه، فاقتصرنا على ما نورده من ذلك، وهو قليل من كثير.
فمن ذلك ما قاله بعض الأندلسيين يصف قلعة فتحت من غير حصار:
« ... وهذه القلعة التى انتهينا إلى قرارها، واستولينا على أقطارها؛ أرحب المدن أمدا للعيون، وأخصبها بلدا إذا أمحلت السّنون؛ فروعها فوق الثّريّا شامخه، وعروقها تحت الثّرى راسخه؛ تباهى بأزهارها نجوم السماء، وتناجى بأسرارها أذن الجوزاء؛ وكانت فى الزمن الغابر، عتت على عظيم القياصر؛ فنازلها بأكثر من النجوم عددا، وطاولها بأوفى من البحر مددا؛ فأبت على طاعته كلّ الإباء، واستعصت على مقارعته أشدّ استعصاء، ومردت مرود مارد على الزّباء؛ فأمكننا الله من ذروتها، وأنزل ركّابها لنا عن صهوتها» .
وقال القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانى رحمه الله، يصف آمد من رسالة جاء منها:
« ... وآمد ذكرها بين العالم متعالم، وطالما صادم جانبها من تقادم، فرجع عنها مقدوعا أنفه وإن كان فحلا، وفرّ عنها فريدا بهمّه وإن استصحب خيلا ورجلا؛
(1/401)

ورأى حجرها فقدّر أنه لا يفكّ له حجر، وسوادها فظنّ أنه لا ينسخه فجر، وحميّة أنف أنفتها فاعتقد أنه لا يستجيب لزجر؛ من ملوك كلهم قد طوى صدره على الغليل إلى موردها، ووقف وقفة المحب السائل فلم يفز بما أمّل من سؤال معهدها» .
وقال من أخرى يصفها:
« ... وهى العقيلة التى صدر الصّدور الأول محلّا عن وردها، والطريدة التى حصل منها على راحة يأسه وتعب طردها؛ والمحجّبة التى كشفت ستورها، ودار لعصمتها كسوار معصمها سورها، وغلت على أنها السوداء على خطّابها لأن المهج مهورها؛ ولربما نآى بجانبها الإعراض، ونبا جوهرها عن الأعراض، وطاشت دون أوصافها بسهام الأغراض؛ ودرجت الملوك على حسرتها فلم تحسر لها لثاما، وما استطاعت لثغرها ثلما ولا له التثاما» .
وقال من أخرى يصف قلعة نجم، وهى من عيون الرسائل، جاء منها:
« ... هى نجم فى سحاب، وعقاب فى عقاب؛ وهامة لها الغمامة عمامه، وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامه؛ عافدة حبوة صالحها الدهر أن لا يحلّها بقرعه، بادية عصمة صافحها الزمن على أن لا يروّعها بخلعه؛ فاكتنفت بها عقارب منجنيقات لم تطبع طبع حمص فى العقارب، وضربتها بحجارة أظهرت فيها العداوة المعلومة فى الأقارب؛ فلم يكن غير ثلاثة إلا وقد أثّرت فيها الحجارة جدريّا بضربها، ولم يصل إلى السابعة إلا والبحر مؤذن بنقبها؛ فاتسع الخرق على الراقع، وسقط سعده عن الطالع، إلى مولد من هو إليها طالع؛ وفتحت الأبراج فكانت أبوابا، وسيّرت الجبال فكانت سرابا» .
(1/402)

وقال من أخرى فى فتح بيت المقدس، جاء منها:
« ... زاول المدينة من جانب، فاذا هو أودية عميقة: ولجج وعر غريقة؛ وسور قد انعطف عطف السّوار، وأبرجة قد نزلت مكان الواسطة من عقر الدار؛ وقدّم المنجنيقات التى تتولّى عقاب الحصون عصيّها وحبالها، وأوتر لهم قسيّها التى تضرب ولا تفارق سهامها ولا سهامها نصالها؛ فصافحت السّور فإذا سهامها فى ثنايا شرفاتها سواك، وقدّم النصر بشرى من المنجنيق تخلد إخلاده إلى الأرض وتعلو علوّه إلى السّماك؛ فشجّ مرابع أبراجها، وأسمع صوت عجيجها، ورفع مثار عجاجها؛ وأسفر النّقّاب عن الخراب النّقاب، وأعاد الحجر إلى خلقته الأولى من التّراب؛ ومضغ سرد حجارته بأنياب مغوله، وأظهر من صناعته الكثيفة ما يدلّ على لطافة أنمله، وأسمع الصخرة الشريفة أنينه إلى أن كادت ترقّ لمقتله» .
وقال أيضا من أخرى:
« ... فنصبنا عليها المنجنيقات تمطر سماؤها نبل الوبال، وتملأ ارضها بالنّكاية والنّكال، وتهدّ بساريات حجارتها راسيات الجبال؛ وتنزل نوازل الأسواء بالأسوار، وتوسع مجال الدّوائر فى الدّيار، وتخطف بخطّافاتها أعمار الأعمار؛ وتطير حمامها بكتب الحمام، وتديم إغراء سهامها فى أهلها بتوفير سهام الإرغام؛ وكشف النقّابون نقاب السّور المحجوج المحجوب، فتهدّم بنيانه، وتداعت أركانه، بتظاهر المنجنيقات عليها والنّقوب» .
ووصف القاضى الفاضل المنجنيق من رسالة فقال:
«فسلّمت كأنّها بنان، ونضنضت كأنها لسان، وأطّت كأنها مرنان، واهتزّت كأنها جانّ، وتقوّمت كأنها سنان، وانعطفت كأنها عنان، وأقدمت كأنها شجاع وأحجمت
(1/403)

كأنها جبان. ورمت رءوسهم الموقّرة من أحجارها بأمثال الرءوس المحلّقه، فأعادتهم إلى الخلقة الأولى مخلّقة وغير مخلّقه» .
ووصف النامى المنجنيق فقال:
وحصن زياد غدوة السّبت نافثا ... سماما، أراك ابن الأراقم أرقما.
نصبت له فى الأرض بيت حديقة ... تمدّ لها فى الجوّ كفّا ومعصما.
لها أخوات للمنايا كوامن ... وإن لم يكن ما أضمرته مكنّما.
عذارى، ولكن قد وجدن حواملا ... بعرس تراه للجنادل مأتما.
ترى الصّخر فيه الصّخر وهو نسيبه ... عدوّا بيوم أرضه تمطر السّما.
إذا أقعدت جدرا قياما، رأيتها ... تنبّه قيعانا من التّرب نوّما!
ومما وصفت به المعاقل والحصون نظما.
فمن ذلك قول كعب الأشقرى، يصف قلعة:
محلّقة دون السّماء كأنّها ... غمامة صيف زال عنها سحابها.
ولا يبلغ الأروى شماريخها العلى، ... ولا الطّير إلا نسرها وعقابها.
ولا خوّفت بالذّئب ولدان أهلها، ... ولا نبحت إلا النّجوم كلابها.
وقال أبو تمام، يصف عمّورية:
وبرزة الوجه قد أعيت رياضتها ... كسرى وصدّت صدودا عن أبى كرب.
بكر، فما افترعتها كفّ حادثة ... ولا ترقّت إليها همّة النّوب.
من عهد إسكندر أو قبل ذاك، فقد ... شابت نواصى اللّيالى وهى لم تشب!
وقال الخالديان:
وخلقاء قد تاهت على من يرومها ... بمرقبها العالى وجانبها الصّعب.
(1/404)

يزرّ عليها الجوّ جيب غمامه ... ويلبسها عقدا بأنجمه الشّهب.
إذا ما سرى برق، بدت من خلاله ... كما لاحت العذراء من خلل الحجب.
سموت لها بالرأى: يشرق فى الدّجى ... ويقطع فى الجلّى، ويصدع فى الهضب.
فأبرزتها مهتوكة الجيب بالقنا ... وغادرتها ملصوقة الخدّ بالتّرب!
وقالا أيضا فى قلعة:
وقلعة عانق العيّوق سافلها، ... وجار منطقة الجوزا أعاليها.
لا تعرف القطر، إذ كان الغمام لها ... أرضا توطّأ قطريه مواشيها.
إذا الغمامة لاحت، خاض ساكنها ... حياضها قبل أن تهمى عزاليها.
يعدّ من أنجم الأفلاك مرقبها، ... لو أنّه كان يجرى فى مجاريها.
على ذرى شامخ وعر: قد امتلأت ... كبرا به، وهو مملوء بها تيها.
له عقاب: عقاب الجوّ حائمة ... من دونها، فهى تخفى فى خوافيها.
وقال أبو بكر الخوارزمىّ:
وبكر تحامتها البعول مخافة، ... فقد تركت من كثرة المهر أيّما.
ممنّعة لم يغلط الدّهر باسمها، ... ولم يرها فى النّوم إلا توهّما.
تزلّ عقاب الجوّ عن شرفاتها، ... وتبغى إليها الرّيح مرقى وسلّما!
ويسمع فى الأفلاك صيحة ديكها، ... فتحسب ديك العرش صاح ترنّما.
عجوز، ترى فى صحّة الجسم كاعبا؛ ... ولو أرّخت، كانت من الدّهر أقدما!
توارى أساسا بالتّخوم مؤزّرا، ... وتبرز رأسا بالنّجوم معمّما.
تنازعها الأرض السّماء وتدّعى ... لديها بها حقّا لها متهضّما.
وتحسبها زهر الكواكب كوكبا ... هوى خلف شيطان رجيم، فخيّما!
(1/405)

الباب الخامس من القسم الخامس من الفن الأوّل
(فيما وصفت به القصور والمنازل)
ولنبدأ بذكر ما بناه المتوكل من القصور وما أنفق عليها، ثم نذكر ما قيل فى وصفها، وما وصفت به المنازل الخالية، وما قيل فى حبّ الوطن.
فأما قصور المتوكل، فهى: الكامل، والجعفرىّ، وبركوانا [1] ، والعروس، والبركة، والجوسق، والمختار، والغريب، والبديع، والصّبيح، والمليح، والقصر، والبرج، والمتوكّليّة، والقلّاية.
حكى المؤرّخون أنه أنفق فى بنائها مائة ألف دينار وخمسون ألف دينار عينا، ومائتا ألف ألف وثمانية وخمسون ألف ألف وخمسمائة ألف درهم.
قالوا: وكان «البرج» من أحسنها. كان فيه صور عظيمة من الذهب والفضة، وبركة عظيمة غشّى ظاهرها وباطنها بصفائح الفضة، وجعل عليها شجرة من الذهب فيها طيور تصوت وتصفّر سماها «طوبى» بلغت النفقة على هذا القصر ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار.
وقد وصفه الشعراء، فمن ذلك قول السرىّ:
مجلس فى فناء دجلة، يرتا ... ح إليه الخليع والمستور.
طائر فى الهواء، فالبرق يسرى ... دون أعلاه والحمام يطير.
فإذا الغيم سار، أسبل منه ... حلل دون جدره وستور.
وإذا غارت الكواكب صبحا، ... فهو الكوكب الذى لا يغور!
__________
[1] كذا بالأصل. وفى معجم ياقوت «يزكوار» .
(1/406)

وقال أيضا:
منزل كالرّبيع حلّت عليه ... حاليات السّحاب عقد النّطاق.
يمتع العين في طرائف حسن ... تتحامى بها عن الإطراق.
بين ساج كأنّه ذائب التّب ... ر على مثل ذائب الأوراق.
وقال أيضا:
والقصر يبسم عن وجه الضّحى، فترى ... وجه الضّحى- عند ما أبدى له- شحبا.
يبيت أعلاه بالجوزاء منتطقا، ... ويغتدى برداء الغيم محتجبا!
وقال أبو سعيد الرستمىّ، يصف دارا بناها الصاحب بن عبّاد:
وسامية الأعلام تلحظ دونها ... سنا النّجم في آفاقها متضائلا.
نسخت بها إيوان كسرى بن هرمز، ... فأصبح في أرض المداين عاطلا.
فلو أبصرت ذات العماد عمادها، ... لأمست أعاليها حيا، أسافلا.
ولو لحظت جنّات تدمر حسنها، ... درت كيف تبنى بعدهنّ المجادلا.
متى ترها خلت السماء سرادقا ... عليها وأعلام النجوم تماثلا.
وقال علىّ بن يوسف الإيادىّ، يذكر دارا بناها المعز العبيدىّ بمصر وسماها «العروسين» :
بنى منظرا يسمى «العروسين» رفعة، ... كأنّ الثّريّا عرّست في قبابه.
إذا الليل أخفاه بحلكة لونه، ... بدا ضوءه كالبدر تحت سحابه.
تمكّن من سعد السّعود محلّه، ... فأضحى ومفتاح الغنى فتح بابه.
ولو شاده عزم المعزّ ورأيه ... على قدره في ملكه ونصابه.
لكان حصى الياقوت والتّبر مفرغا ... على المسك من أجّره وترابه.
(1/407)

وقال عبد الجبار بن حمديس الصقلىّ، يصف دارا بناها المعتمد بن عبّاد من أبيات:
ويا حبّذا دار قضى الله أنّها ... يجدّد فيها كلّ عزّ ولا يبلى!
وما هى إلا خطّة الملك الّتى ... يحطّ إليها كلّ ذى أمل رحلا.
إذا فتحت أبوابها، خلت أنّها ... تقول بترحيب لداخلها: أهلا.
وقد نقلت صنّاعها من صفاته ... إليها أفانينا، فأحسنت النّقلا.
فمن صدره رحبا، ومن نوره سنا، ... ومن صيته فرعا، ومن حلمه أصلا!
فأعلت به في رتبة الملك ناديا، ... وقلّ له فوق السّماكين أن يعلى.
نسيت به إيوان كسرى، لأنّنى ... أراه له مولى من الحسن لا مثلا.
ترى الشّمس فيه ليقة تستمدّها ... أكفّ، أقامت من تصاويرها شكلا.
لها حركات أودعت في سكونها، ... فما تبعت من نقلهنّ يد رجلا.
ولما عشينا من توقّد نورها، ... تخذنا سناه في نواظرنا كحلا.
وقال أيضا من قصيدة يصف فيها دارا بناها المنصور ببجاية، جاء منها:
واعمر بقصر الملك ناديك الّذى ... أضحى بمجدك بيته معمورا!
قصر لو انّك قد كحلت بنوره ... أعمى، لعاد على المقام بصيرا.
واشتقّ من معنى الحياة نسيمه، ... فيكاد يحدث للعظام نشورا.
فلو أنّ بالإيوان قوبل حسنه، ... ما كان شيئا عنده مذكورا.
نسى «الصّبيح» مع «المليح» بذكره، ... وسما ففاق «خورنقا» و «سديرا» .
أعيت مطالعه على الفرس الألى ... رفعوا البناء وأحكموا التدبيرا.
ومضت على القوم الدّهور وما بنوا ... لملوكهم شبها له ونظيرا.
أذكرتنا الفردوس حين أريتنا ... غرفا رفعت بناءها، وقصورا.
(1/408)

فلك من الأفلاك، إلّا أنه ... حقر البدور فأطلع «المنصورا» .
أبصرته فرأيت أبدع منظرا ... ثم انثنيت بناظرى محسورا.
وظننت أنّى حالم في جنّة ... لمّا رأيت الملك فيه كبيرا.
وإذا الولائد فتّحت أبوابها، ... جعلت ترحّب بالعفاة صريرا.
عضّت على حلقاتهنّ ضراغم ... فغرت بها أفواهها تكشيرا.
فكأنّها لبدت لتهصر عندها ... من لم يكن بدخوله مأمورا.
تجرى الخواطر مطلقات أعنّة ... فيه، فتكبو عن مداه قصورا.
بمرخّم الساحات تحسب أنّه ... فرش البها وتوشّح الكافورا.
ومحصّب بالدّرّ تحسب تربه ... مسكا تضوّع نشره وعبيرا.
يستخلف الإصباح منه إذا انقضى ... صبحا على غسق الظّلام منيرا.
ضحكت محاسنه إليك كأنّما ... جعلت له زهر النّجوم ثغورا.
ومصفّح الأبواب تبرا نظّروا ... بالنّقش بين شكوله تنظيرا.
تبدو مسامير النّضار كما علت ... فلك النّهود من الحسان صدورا.
خلعت عليه غلائلا ورسيّة ... شمس تردّ الطّرف عنه حسيرا.
فإذا نظرت إلى غرائب حسنه، ... أبصرت روضا في السّماء نضيرا.
وعجبت من خطّاف عسجده الّتى ... حامت لتبنى في ذراه وكورا.
وضعت به صنّاعه أقلامها، ... فأرتك كلّ طريدة تصويرا.
فكأنّما للشّمس فيه ليقة ... مشقوا بها التّزويق والتّشجيرا.
وكأنّما فرشوا عليه ملاءة ... تركوا مكان وشاحها مقصورا.
يا مالك الملك الذى أضحى له ... ملك السّماء على العداة نصيرا.
(1/409)

كم من قصور للملوك تقدّمت ... فاستوجبت بقصورك التأخيرا.
فعمرتها وملكت كلّ رياسة ... منها، ودمّرت العدا تدميرا.
وقال عمارة اليمنىّ، يصف دارا بناها فارس الإسلام من أبيات:
فتملّ دارا شيّدتها همّة، ... يغدو العسير بأمرها متيسّرا.
فاقت على الإطلاق كلّ بنيّة، ... وسمت بسعدك عزّة وتكبّرا.
أنشأت فيها للعيون بدائعا ... دقّت، فأذهل حسنها من أبصرا.
فمن الرّخام: مسيّرا، ومسهّما، ... ومنمنمّا، ومدرهما، ومدنّرا.
وسقيت من ذوب النّضار سقوفها ... حتّى يكاد نضارها أن يقطر.
لم يبق نوع صامت أو ناطق ... إلا غدا فيها الجميع مصوّر.
فيها حدائق لم تجدها ديمة، ... كلّا ولا نبتت على وجه الثّرى.
لم يبد فيها الروض إلا مزهرا، ... والنخل والرّمان إلا مثمرا.
والطّير مذ وقعت على أغصانها ... وثمارها، لم تستطع أن تنفرا.
وبها من الحيوان كلّ مشبّه [1] ... لبس الحرير العبقرىّ مصوّرا.
لا تعدم الأبصار بين مروجها ... ليثا ولا ظبيا بوجرة أعفرا.
أنست نوافر وحشها لسباعها: ... فظباؤها لا تتّقى أسد الشّرى.
وكأنّ صولتك المخيفة أمّنت ... أسرابها أن لا تخاف فتذعرا.
وبها زرافات كأنّ رقابها ... فى الطّول ألوية تؤمّ العسكرا.
نوبيّة المنشا تريك من المها ... روقا، ومن بزل المهارى مشفرا.
جبلت على الإقعاء من أعجازها، ... فتخالها في التّيه تمشى القهقرى!
__________
[1] فى الأصول «مسبهن» . ولعلها تصحيف.
(1/410)

وقال أبو الصلت أميّة بن عبد العزيز، يصف قصرا بناه علىّ بن تميم بن المعزّ بمصر:
لله، مجلسك المنيف! فبابه ... بموطّد فوق السّماك مؤسّس.
موف على حبك المجرّة تلتقى ... فيه الجوارى بالجوار الكنّس.
تتقابل الأنوار في جنباته ... فاللّيل فيه كالنّهار المشمس.
عطفت حناياه دوين سمائه ... عطف الأهلّة والحواجب والقسى.
واستشرفت عمد الرّخام وظوهرت ... بأجلّ من زهر الرّبيع وأنفس.
فهواؤه من كلّ قدّ أهيف، ... وقراره من كلّ خدّ أملس.
فلك تحيّر فيه كلّ منجّم، ... وأقرّ بالتقصير كلّ مهندس.
فبدا للحظ العين أحسن منظرا، ... وغدا لطيب العيش خير معرّس.
فاطلع به قمرا، إذا ما أطلعت ... شمس الخدور عليك شمس الأكؤس.
فالناس أجمع دون قدرك رتبة، ... والأرض أجمع دون هذا المجلس!
وقال الوزير أبو سليمان بن أبى أميّة:
يا دار، آمنك الزّما ... ن خطوبة ونوائبه.
وجرت سعودك بالّذى ... يهوى نزيلك دائبه.
فلنعم مأوى الضّيف أن ... ت، إذا تحاموا جانبه.
خطر شأوت به الدّيا ... ر، فأذعنت لك قاطبه.
وقال أبو صخر القرطبىّ:
ديار عليها من بشاشة أهلها ... بقايا، تسرّ النّفس أنسا ومنظرا.
ربوع كساها المزن من خلع الحيا ... برودا، وحلّاها من النّور جوهرا.
(1/411)

وقال الشريف الرضىّ:
ما زلت أطّرق المنازل باللّوى ... حتّى نزلت منازل النّعمان.
بالحيرة البيضاء حيث تقابلت ... شمّ العماد، عريضة الأعطان.
شهدت بفضل الرّافعين قبابها. ... ويبين بالبنيان فضل البانى!
ما ينفع الماضين أن بقيت لهم ... خطط معمّرة بعمر فانى!
وأما ما وصفت به المنازل الخالية
فمن ذلك ما قاله البحترىّ يشير إلى «الكرمان» الذى بناه كسرى أنوشروان من أبيات:
فكأنّ الكرمان من عدم الأن ... س وإخلائه بنيّة رمس.
لو تراه، علمت أنّ اللّيالى ... خلعت فيه مأتما بعد عرس.
وهو ينبيك عن عجائب قوم، ... لا يشاب البيان فيها بلبس.
وإذا ما رأيت صورة أنط ... اكية، ارتعت بين روم وفرس.
والمنايا مواثل وأنوشر ... وان يزجى الصّفوف تحت الدّرفس!
وقال أيضا من قصيدة يرثى فيها المتوكل، ويذكر قصره «الجعفرىّ» :
محلّ على القاطول [1] أخلق داره، ... وعادت صروف الدّهر جيشا تعاوره.
كأنّ الصّبا توفى نذورا، إذا انبرت ... تجرّ به أذيالها وتباكره.
وربّ زمان ناعم تمّ عهده، ... ترقّ حواشيه ويونق ناظره.
تغيّر حسن «الجعفرىّ» وأنسه، ... وقوّض بادى «الجعفرىّ» وحاضره.
تحمّل عنه ساكنوه فجاءة، ... فعادت سواء دوره ومقابره.
إذا نحن زرناه، أجدّ لنا الأسى؛ ... وقد كان قبل اليوم يبهج زائره.
__________
[1] نهر مشهور معروف.
(1/412)

ولم أنس وحش القصر إذريع سربه، ... وإذ ذعرت أطلاؤه وجاذره.
وإذ صيح فيه بالرّحيل فهتّكت ... على عجل أستاره وسرائره.
وأوحشه حتّى كأن لم يكن به ... أنيس، ولم تحسن لعين مناظره.
كأن لم تبت فيه الخلافة طلقة ... بشاشتها، والملك يشرق زاهره.
ولم تجمع الدّنيا إليه بهاءها ... وبهجتها، والعيش غضّ مكاسره.
فأين الحجاب الصّعب حيث تمنّعت ... بهيبتها أبوابه وستائره؟
وأين عمود الملك في كلّ نوبة ... تنوب، وناهى الدّهر فيه وآمره؟
وقال عمر بن أبى ربيعة:
يا دار، أمسى دارسا رسمها ... وحشا قفارا ما بها آهل.
قد جرّت الرّيح بها ذيلها، ... واستنّ في أطلالها الوابل.
وقال شاعر أندلسىّ:
قلت يوما لدار قوم تفانوا: ... أين سكّانك الكرام لدينا؟
فأجابت: هنا أقاموا قليلا ... ثم ساروا، ولست أعلم أينا!
وقال عبد الله بن الخياط الأندلسىّ:
يا دار علوة، قد هيّجت لى شجنا ... وزدتنى حزنا! حيّيت من دار!
كم بتّ فيك على اللّذّات معتكفا، ... والليل مدّرع ثوبا من القار!
كانّه راهب في المسح ملتحف، ... شدّ المجرّ له وسطا بزنّار!
وقال أبو حامد أحمد الأنطاكىّ:
إنّ ربعا عرفته مألوفا ... كان للبيض مربعا ومصيفا.
غيّرت آية صروف اللّيالى، ... وغدا عنه حسنه مصروفا.
(1/413)

ما مررنا عليه، إلّا وقفنا ... وأطلنا شوقا إليه الوقوفا.
آلفا للبكاء فيه، كأنّى ... لم أكن فيه للغوانى أليفا.
حاسدا للجفون لمّا أذالت ... فى مغانيه دمعها المذروفا!
وقال الشريف الرضىّ من أبيات:
ولقد رأيت بدير هند منزلا ... ألما من الضّرّاء والحدثان!
بالى المعالم، أطرقت شرفاته ... إطراق منجذب القرينة عانى.
أمقاصر الغزلان، غيّرك البلى ... حتّى غدوت مراتع الغزلان!
وملاعب الأنس الجميع طوى الرّدى ... منهم، فصرت ملاعب الجنّان!
وقال أبو الحسن علىّ القابوسىّ نثرا:
«قد كان منزله مألف الأضياف، ومأنس الأشراف؛ ومنتجع الرّكب، ومقصد الوفد؛ فاستبدل بالأنس وحشه، وبالنّضارة غبره، وبالضّياء ظلمه؛ واعتاض من تزاحم المواكب، بالأدم النّوادب؛ ومن ضجيج النّداء والصّهيل، عجيج البكاء والعويل» .
ومن رسالة لضياء الدين بن الأثير الجزرىّ، جاء منها:
« ... دار لعبت بها أيدى الزمن، وفرّقت بين الساكن والسّكن. كانت مقاصير جنّة، فأضحت وهى ملاعب جنّه. ولقد عميت أخبار قطّانها، وعفّت آثارها آثار وطّانها، حتى شابهت إحداهما في الجفا، الأخرى في العفا. وكنت أظن أنها لا تسقى بعدهم بغمام، ولا يرفع عنها جلباب ظلام؛ غير أن السحاب بكاهم وأجرى بها سوافح دموعه، والليل شقّ عليهم جيوبه فظهر الصّباح من خلال صدوعه» .
(1/414)

ومما قيل في حب الأوطان
قال ابن الرومىّ (وهو أوّل من بيّن السبب في حب الوطن) :
ولى منزل، آليت أن لا أبيعه ... وأن لا أرى غيرى له الدّهر مالكا!
عهدت به شرخ الشّباب ونعمة ... كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا.
فقد ألفته النفس حتّى كأنّه ... لها جسد، إن غاب غودرت هالكا.
وحبّب أوطان الرّجال إليهم ... مآرب قضّاها الشّباب هنالكا.
إذا ذكروا أوطانهم، ذكّرتهم ... عهود الصّبا فيها فحنّوا لذلكا!
ذكر شىء مما قيل في الحمّام
قال إبراهيم بن خفاجة الأندلسىّ:
أهلا ببيت النار من منزل ... شيد لأبرار وفجّار!
يدخله ملتمس لذّة ... فيدخل الجنة في النار!
وقال أبو عامر بن شهيد الأندلسىّ:
نعم، أبا عامر بلذّته ... واعجب لأمرين فيه قد جمعا!
ببرانه من زنادكم قدحت، ... وماؤه من بنانكم نبعا!
وقال علىّ بن عطية البلنسىّ:
ربّ حمّام تلظّى ... كتلظّى كلّ وامق.
ثم أذرت عبرات ... صوبها بالوجد ناطق.
فغدا منّى ومنه ... عاشق في جوف عاشق!
وقال أبو طالب المأمونىّ، شاعر اليتيمة:
وبيت كأحشاء المحبّ دخلته ... ومالى ثياب فيه غير إهابى.
(1/415)

أرى محرما فيه وليس بكعبة، ... فما ساغ إلا فيه خلع ثيابى.
بماء كدمع الصّبّ في حرّ قلبه ... إذا آذنت أحشاؤه بذهاب.
توهّمت فيه قطعة من جهنّم ... ولكنّها من غير مسّ عقاب.
يثير ضبابا بالبخار مجدّلا ... بدور زجاج في سماء قباب!
وقال آخر:
إنّ حمّامك هذا ... غير مذموم الجوار.
ما رأينا قبل هذا ... جنّة في وسط نار!
وأنشدنى جمال الدّين محمد بن الحكم لنفسه:
قالوا: نراك دخلت حمّاما، وما ... حلف الهوى يلتذ بالأهواء.
فأجبتهم: لم تكف أدمع مقلتى ... حتّى بكيت بجملة الأعضاء.
تم السفر الأوّل (نسخة ما هو مكتوب في آخر الأصل بخط المؤلف) نجز السّفر الأوّل من «كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب» على يد مؤلفه فقير رحمة ربه أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم البكرى التيمى القرشى، عرف بالنويرى عفا الله عنه؛ ووافق الفراغ من كتابته في يوم السبت المبارك لعشر بقين من ذى القعدة عام إحدى وعشرين وسبعمائة أحسن الله تقضيه، وذلك بالقاهرة المعزية عمرها الله تعالى يتلوه إن شاء الله تعالى في أوّل السّفر الثانى «الفنّ الثانى في الإنسان وما يتعلق به» والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه، وآله وصحته وسلم آمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل!
(1/416)

فهرس الجزء الأوّل
من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب للنويرى
.... صحيفة
مقدّمة الكتاب 1
الفن الأوّل فى السماء والآثار العلوية، والأرض، والمعالم السفلية 27
القسم الأوّل فى السماء وما فيها، وفيه خمسة أبواب
الباب الأوّل:
مبدأ خلق السماء 28
ذكر ما قيل في أسماء السماء وخلقها 29
ذكر ما حكى في سبب حدوثها 29
الباب الثانى:
فى هيئة السماء 30
فى الأمثال التى ورد فيها ذكر السماء 32
فى وصف السماء وتشبيهها 33
ما قيل في الفلك 34
(1/417)

... صحيفة
الباب الثالث:
فى ذكر الملائكة 36
الباب الرابع:
فى الكواكب السبعة المتحيرة 38
ذكر ما قيل في الشمس 40
ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الشمس 42
ذكر ما جاء في وصف الشمس وتشبيهها 44
ذكر شىء مما وصفت به على طريق الذم 46
ذكر ما قيل في الكسوف 48
ذكر أسماء الشمس اللغوية 48
ذكر عبّاد الشمس 49
ذكر ما قيل في القمر 49
ذكر ما قيل في القمر (من استهلاله الى انقضاء الشهر وأسماء لياليه) 50
ذكر أسماء القمر اللغوية 51
ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر القمر 52
ذكر ما قيل في وصف القمر وتشبيهه 53
ذكر شىء مما قيل فيه على طريق الذم 56
ذكر عبّاد القمر 57
ذكر ما قيل في الكواكب المتحيرة 58
ذكر عبّاد الروحانيات 58
ذكر بيوت الهياكل وأماكنها ونسبتها الى الكواكب 61
(1/418)

... صحيفة
الباب الخامس:
فى الكواكب الثابتة 63
ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الكواكب 64
ذكر ما قيل في وصف الكواكب وتشبيهها 65
القسم الثانى فى الآثار العلوية، وفيه أربعة أبواب
الباب الأوّل:
فى السحاب، وسبب حدوثه، وفي الثلج والبرد 71
ذكر ما قيل في ترتيب السحاب، وأسمائه اللغوية وأصنافه 72
ذكر ما قيل فى ترتيب المطر 74
ذكر ما قيل فى فعل السحاب والمطر 74
ذكر أسماء أمطار الأزمنة 75
ذكر أسماء المطر اللغوية 75
ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر المطر 77
ذكر شىء مما قيل في وصف السحاب والمطر 78
ذكر ما ورد في وصفها نثرا 82
ذكر شىء مما وصف به الثلج والبرد 86
الباب الثانى:
فى النيازك، والصواعق، والرعد، والبرق، وقوس قزح 87
(1/419)

... صحيفة
الباب الثالث:
في أسطقسّ الهواء 95
ذكر ما قيل في حد الهواء 95
ذكر أسماء الرياح اللغوية 98
فصل فيما يذكر منها بلفظ الجمع 99
ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الهواء 99
ذكر ما جاء في وصف الهواء وتشبيهه 100
الباب الرابع:
فى أسطقسّ النار، وأسمائها، وعبّادها، وبيوت النيران 103
ذكر أسماء النار 104
ذكر عبّاد النار 105
بيوت النيران ومن رسمها من ملوك الفرس 107
ذكر نيران العرب 109
ذكر النيران المجازية 114
ذكر النيران التى يضرب بها المثل 115
ذكر ما جاء منها على لفظ أفعل 116
ذكر ما قيل في وصف النار وتشبيهها 117
ذكر شىء مما قيل في الشمعة والشمعدان، والسراج، والقنديل 120
ما ورد في وصفها نثرا 123
ما قيل في السراج 124
رسالة القنديل والشمعدان 124
(1/420)

... صحيفة
القسم الثالث من الفن الأوّل فى الليالى والأيام، والشهور والأعوام، والفصول والمواسم والأعياد، وفيه أربعة أبواب
الباب الأوّل:
فى الليالى والأيام 130
ذكر ما قيل في الليل وأقسامه 131
فصل وقد عبر بالليالى عن الأيام 132
ذكر الليالى المشهورة 132
ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الليل 133
ذكر ما قيل في وصف الليل وتشبيهه 134
ذكر ما وصف به الليل من الطول 135
ذكر ما وصف به الليل من القصر 140
ذكر ما وصف به الليل من الإشراق 142
ذكر ما وصف به الليل من الظلمة 142
ذكر شىء مما قيل في تباشير الصباح 143
ذكر ما قيل في النهار 147
ذكر الايام التى خصت بالذكر 148
ذكر أيام أصحاب الملل الثلاث 150
ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر النهار 150
ذكر شىء مما قيل في وصف النهار وتشبيهه 151
ذكر شىء مما وصفت به الآلات الموضوعة لمعرفة الأوقات 153
(1/421)

... صحيفة
الباب الثانى:
فى الشهور والأعوام 156
ذكر الشهور وما قيل فيها 156
ذكر الأشهر العربية وما يختص بها من القول 157
شهور اليهود 159
الشهور العجمية 159
ذكر ما يختص بالسنة من القول 164
ذكر النسىء ومذهب العرب فيه 165
ذكر السنين التى يضرب بها المثل 167
الباب الثالث:
فى الفصول وأزمنّها 169
ذكر ما قيل في وصف فصل الصيف وتشبيهه نظما ونثرا 171
الباب الرابع:
فى ذكر مواسم الأمم وأعيادها، وأسباب اتخاذهم لها، وما قيل في ذلك 184
ذكر الأعياد الإسلامية 184
ذكر أعياد الفرس 185
ذكر أعياد النصارى القبط 191
ذكر أعياد اليهود 195
(1/422)

... صحيفة
القسم الرابع من الفن الأوّل فى الأرض، والجبال، والبحار، والجزائر، والأنهار، والعيون، والغدران، وفيه سبعة أبواب
الباب الأوّل:
فى مبدأ خلق الأرض 198
الباب الثانى:
فى تفصيل أسماء الأرضين وصفاتها، فى الاتساع، والاستواء، والبعد، والغلظ، والصلابة، والسهولة، والحزونة، والارتفاع، والانخفاض، وغير ذلك 199
ذكر تفصيل أسماء التراب وصفاته 202
ذكر تفصيل أسماء الغبار وأوصافه 203
ذكر تفصيل أسماء الطين وأوصافه 203
ذكر تفصيل أسماء الرّمال 204
ذكر ترتيب كمية الرمل 205
ذكر تفصيل أسماء الطرق وأوصافها 206
الباب الثالث:
فى طول الأرض ومسافتها 207
الباب الرابع:
فى الأقاليم السبعة 209
ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الأرض 213
شىء مما قيل في وصف الأرض وتشبيهها 214
(1/423)

... صحيفة
الباب الخامس:
فى الجبال 218
ذكر أسماء ما ارتفع من الأرض الى أن يبلغ الجبيل 220
ذكر ترتيب أبعاض الجبل 221
ذكر ترتيب مقادير الحجارة 223
ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الجبال والحجارة 226
ذكر شىء مما قيل في وصف الجبال وتشبيهها 227
الباب السادس:
فى ذكر البحار والجزائر 228
ذكر بحار المعمور من الأرض 229
ذكر ما يتفرع من البحر المحيط 231
ذكر الخلجان التى تخرج من البحر الرومى 235
بحر الهند وجزائره 237
ذكر خلجان البحر الهندى 243
بحر ما نيطش 246
بحر الخزر وجزائره 247
ذكر ما في المعمور من المبحيرات المالحة المشهورة وما بها من العجائب 250
ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر البحر 254
ذكر شىء مما قيل في وصف البحر وتشبيهه 255
ذكر ىء مما وصف به البحر والسفن 256
ذكر ما وصفت به البحار والسفن نثرا 258
(1/424)

... صحيفة
الباب السابع:
فى العيون والأنهار والغدران وما وصفت به البرك، والدواليب، والنواعير، والجداول 261
نهر النيل 262
نهر الفرات 266
نهر دجلة 268
نهر سجستان 269
نهر مهران 270
نهر جيحون 270
نهر سيحون 271
نهر الكنك 272
نهر الكر 273
نهر إتل 273
ذكر ما في المعمور من الأنهار والعيون التى يتعجب منها 274
ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الماء 277
ذكر شىء مما قيل في وصف الماء وتشبيهه 281
ذكر شىء مما وصفت به الأنهار 282
ذكر شىء مما وصفت به البرك 285
ذكر شىء مما وصفت به الدواليب والنواعير 288
ذكر شىء مما وصفت به الدواليب والنواعير نثرا 289
(1/425)

... صحيفة
ذكر شىء مما وصفت به الجداول 290
ذكر عبّاد الماء 291
القسم الخامس من الفن الأوّل
فى طبائع البلاد، وأخلاق سكانها، وخصائصها، والمبانى القديمة، والمعاقل، وما وصفت به القصور والمنازل، وفيه خمسة أبواب
الباب الأوّل:
فى طبائع البلاد، وأخلاق سكانها 292
الباب الثانى:
فى خصائص البلاد 297
مكة المشرفة 297
ذكر ما كانت الكعبة عليه فوق الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأرض 298
ذكر بناء الملائكة الكعبة قبل خلق آدم عليه السلام ومبدأ الطواف 299
ذكر زيارة الملائكة البيت الحرام 300
ذكر هبوط آدم عليه السلام الى الأرض، وبنيانه الكعبة المشرفة وحجه وطوافه بالبيت 301
ذكر فضل البيت الحرام، والحرم 304
ذكر ما جاء في طواف سفينة نوح عليه السلام بالبيت 307
ذكر ما جاء من تخير إبراهيم عليه السلام موضع البيت 307
ذكر حج إبراهيم عليه السلام وإذنه بالحج وحج الأنبياء بعده وطوافهم 308
ذكر ما جاء من مسألة إبراهيم عليه السلام الأمن والرزق لأهل مكة والكتب التى وجد فيها تعظيم الحرم 311
(1/426)

... صحيفة
ذكر أسماء الكعبة ومكة 313
ذكر ما جاء في فضل الركن الأسود 314
ذكر ما جاء في فضل استلام الركن الأسود، واليمانى 316
ذكر ما جاء في فضل الطواف بالكعبة 317
ذكر ما جاء في فضل زمزم 317
ذكر ما جاء من اتساع منّى أيام الحج، ولم سميت منّى 319
ذكر ما جاء فى فضائل مقبرة مكة 319
ذكر شىء من خصائص مكة 319
المدينة المشرّفة (على ساكنها أفضل الصلاة والسلام) 320
ذكر شىء من خصائص المدينة المشرفة وأسمائها 323
البيت المقدّس، والمسجد الأقصى 325
البدء بذكر الأرض المقدسة 325
فضل بيت المقدس 328
فضل زيارة بيت المقدس، وفضل الصلاة فيه 330
ما ورد في بيت المقدس من مضاعفة الحسنات والسيئات فيه 332
فضل السكنى فيه والإقامة والوفاة به 332
ما ببيت المقدس من قبور الأنبياء، ومحراب داود وعين سلوان 333
ما ورد في أن الحشر من بيت المقدس 334
ما ورد فى فضل الصخرة والصلاة الى جانبها 335
ما ورد فى أن الله عز وجل عرج من بيت المقدس الى السماء 336
(1/427)

... صحيفة
ثواب الإهلال من بيت المقدس 339
ما ورد من أن الكعبة تزور الصخرة يوم القيامة 339
اليمن وما يختص به 340
الشام وما يختص به 340
مسجد دمشق وما قيل فيه 340
مصر وما يختص بها من الفضائل 344
ذكر من ولد بمصر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن كان بها منهم 349
ذكر من كان بها من الصدّيقين والصدّيقات، رضى الله عنهم 349
ذكر من صاهر أهل مصر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام 350
ذكر من أظهرته مصر من الحكماء 350
ومن فضائل مصر 354
ما وصفت به مصر 357
جزيرة الأندلس 358
البصرة وما اختصت به 359
بغداد وما اختصت به 360
الأهواز وما اختصت به 361
فارس وما اختصت به 361
أصفهان وما اختصت به 362
جرجان وما اختصت به 362
نيسابور وما اختصت به 363
(1/428)

... صحيفة
طوس وما اختصت به 364
بلخ وما اختصت به 364
بست وما اختصت به 365
غزنة وما اختصت به 365
سجستان وما اختصت به 366
الهند وما اختصت به 366
الصين وما اختصت به 366
سمرقند وما اختصت به 367
بلاد الترك وما اختصت به 367
خوارزم وما اختصت به 368
ذكر الخصائص التى تجرى مجرى الطّلّسمات 368
ذكر خصائص البلاد في أشياء مختلفة (وهى العلم، والعمل، والجواهر، والملابس، والأوبار، والفرش، والمراكب، والحيوانات ذوات السموم، والحلوى، والثمار، والرياحين، والخلق، والأخلاق، والأمراض والآثار العلوية) 369
الباب الثالث:
فى المبانى القديمة 372
ذكر أوّل بناء وضع على وجه الأرض 372
ذكر خبر إرم ذات العماد 373
ذكر خبر سدّ يأجوج ومأجوج 374
(1/429)

... صحيفة
ذكر مبانى الفرس المشهورة 379
من مبانى الفرس إيوان كسرى 380
من المبانى القديمة الحضر 381
من المبانى القديمة القليس 382
من المبانى المشهورة قنطرة صنجة 383
من المبانى القديمة ملعبا بعلبك 383
ذكر مبانى العرب المشهورة 384
غمدان 384
حصن تيماء 385
الخورنق والسدير 385
الغريان 387
ذكر الأبنية القديمة التى بالديار المصرية 387
الأهرام 388
حائط العجوز 392
ملعب أنصنا 393
مدينة عين شمس 393
البرابى 394
حنية اللازورد 395
منارة الاسكندرية 395
(1/430)

... صحيفة
رواق الإسكندرانيين 398
ذكر شىء من عجائب المبانى 398
الباب الرابع:
فيما وصفت به المعاقل والحصون 401
الباب الخامس:
فيما وصفت به القصور والمنازل 406
ما وصفت به المنازل الخالية 412
ذكر شىء مما قيل في حب الأوطان 415
ذكر شىء مما قيل فى الحمّام 415
نسخة ما هو مكتوب في آخر الأصل بخط المؤلف 416
تمّ فهرس السفر الأوّل من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب للنويرى
(1/431)