Advertisement

نهاية الأرب في فنون الأدب 004

فهرس الجزء الرابع
من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب للنويرى
.... صفحة
الباب الثالث فى المجون والنوادر والفكاهات والملح 1
ذكر مزاحات رسول الله صلّى الله عليه وسلم 3
- ذكر من اشتهر بالمزاح من الصحابة رضوان الله عليهم 3
- ذكر شىء من مجون الأعراب 7
- من نوادر القضاة 9
- من نوادر النحاة 13
- من نوادر المتنبئين 14
- من نوادر المغفلين والحمقى 16
- من نوادر النبيذيين 17
- من نوادر النساء والجوارى 18
- من نوادر العميان 22
- من نوادر السؤال 23
- من نوادر من اشتهر بالمجون 23
- من نوادر أشعب وأخباره 24
- من نوادر أبى دلامة 36
- من نوادر أبى صدقة 48
- من نوادر الأقيشر 52
- من نوادر ابن سيابة 56
- من نوادر مطيع بن إياس الكنانى وأخباره 57
- من نوادر أبى الشبل 63
- من نوادر حمزة بن بيض الحنفى 65
- من نوادر أبى العيناء عفا الله عنه 68
- ذكر ما ورد في كراهة المزح 72
- من الشعر المناسب لهذا الباب والداخل فيه 74
الباب الرابع فى الخمر وتحريمها، وآفاتها، وجناياتها، وأسمائها، وأخبار من تنزّه عنها فى الجاهلية، ومن حدّ فيها من الأشراف، ومن اشتهر بها، ولبس ثوب الخلاعة بسببها، وما قيل فيها من جيّد الشعر، وما قيل في وصف آلاتها وآنيتها، وما قيل في مبادرة اللذات، وما وصفت به المجالس، وما يجرى هذا المجرى 102
ذكر ما قيل في الخمر وتحريمها 76
- ما ورد في تحريمها في كتاب الله وبينته السنة 81
- ما قيل في إباحة المطبوخ 82
- آفات الخمر وجناياتها 83
- أسماء الخمر من حيث تعصر الى أن تشرب 86
- أخبار من تنزه عنها في الجاهلية وتركها ترفعا عنها 88
(مقدمةج 4/1)

... صفحة
ذكر من حدّ فيها من الأشراف ومن شربها منهم ومن اشتهر بها ولبس فيها ثوب الخلاعة ومن افتخر بشربها: 90
من حدّ فيها من الأشراف 90
- من شربها منهم واشتهر بها 92
- من افتخر بشربها وسبائها 103
ذكر شىء مما قيل فيها من جيّد الشعر: 107
ما قيل فيها على سبيل المدح لها 107
- ما قيل في وصفها وتشبيهها 108
- ما قيل في أفعالها 112
- ما وصفت به غير ما قدّمناه 113
- ما قيل فيها اذا مزجت بالماء 115.
ذكر ما قيل في مبادرة اللذات ومجالس الشراب وطيها: 118
ما وصفت به مجالس الشرب 119
- ما قيل في طىّ مجالس الشراب 121
ذكر ما قيل في وصف آلات الشراب وأوانيها: 121
ما قيل في الراووق 122
- ما وصفت به زقاق الخمر 123
- ما وصفت به الأباريق 123
- ما وصفت به الكاسات والأقداح 124
الباب الخامس فى الندمان والسقاة 126
ما قيل في السقاة 129
الباب السادس فى الغناء والسماع وما ورد في ذلك من الحظر والإباحة وما استدل به من رأى ذلك ومن سمع الغناء من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ومن التابعين ومن الأئمة والعبّاد والزهّاد، ومن غنّى من الخلفاء وأبنائهم والأشراف والقوّاد والأكابر، وأخبار المغنين الذين نقلوا الغناء من الفارسية الى العربية، ومن أخذ عنهم، ومن اشتهر بالغناء وأخبار القيان 160
ذكر ما ورد في الغناء من الحظر والاباحة 133
- ما قيل في تحريم الغناء وما استدل به من رأى ذلك 133
- دليلهم من الكتاب العزيز 134
- دليلهم من السنة 134
- أقوال الصحابة والتابعين رضى الله عنهم 135
- أقوال الأئمة رحمهم الله تعالى 136
- ما ورد في إباحة الغناء والسماع والضرب بالآلة 137
- ما استدلوا به على إباحة الغناء من الأحاديث النبوية 138
- ما ورد في الضرب بالآلة 140
- فى اليراع 142
- فى القصب والأوتار 143
- فى المزامير والملاهى 145
- ذكر ما ورد في توهين
(مقدمةج 4/2)

ما استدلوا به على تحريم الغناء والسماع 147
- ما احتجوا به من الآيات 147
- ما احتجوا به من الحديث 151
- ذكر أقسام السماع وبواعثه 167
- ذكر العوارض التى يحرم معها السماع 171
- العارض الأوّل 171
- الثانى في الآلة 172
- الثالث في نظم الصوت 172
- الرابع في المستمع 173
- العارض الخامس 174
- ذكر آثار السماع وآدابه 174
- من سمع الغناء من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم 190
- من سمع الغناء من الأئمة والعباد والزهاد 194
- من غنى من الخلفاء وأبنائهم ونسبت له أصوات من الغناء نقلت عنه 200
- من غنى من الخلفاء 200
- وممن غنى من خلفاء الدولة العباسية 201
- أبناء الخلفاء الذين لهم صنعة ويد في هذا الفن 205
- من غنى من الأشراف والعلماء رحمهم الله 227
- من غنى من الأعيان والأكابر والقوّاد ممن نسبت له صنعة في الغناء 231
ذكر أخبار المغنين الذين نقلوا الغناء من الفارسية الى العربية ومن أخذ عنهم ومن اشتهر بالغناء: 239
أخبار سعيد بن مسجح 239
- أخبار سائب خاثر 243
- أخبار طويس 246
- أخبار عبد الله بن سريج 249
- أخبار معبد 262
- أخبار الغريض وما يتصل بها من أخبار عائشة بنت طلحة 267
- أخبار محمد ابن عائشة 280
- أخبار ابن محرز 287
- أخبار مالك بن أبى السمح 288
- أخبار يونس الكاتب 292
- أخبار حنين 293
- أخبار سياط 295
- أخبار الأبجر 297
- أخبار أبى زيد الدلال 298
- أخبار عطرّد 302
- أخبار عمر الوادى 304
- أخبار حكم الوادى 305
- أخبار ابن جامع 306
- أخبار عمرو بن أبى الكنات 308
- أخبار أبى المهنأ مخارق 312
- أخبار يحيى بن مرزوق المكىّ 320
- أخبار أحمد بن يحيى المكى الملقب بطنين 321
- أخبار هاشم بن سليمان مولى بنى أمية 322
- أخبار يزيد حوراء 323
- أخبار فليح بن أبى العوراء 326
- أخبار إبراهيم الموصلى عفا الله عنه 328
- نبذة من أخبار إبراهيم الموصلى مع البرامكة رحمهم الله تعالى 335.
(مقدمةج 4/3)

الجزء الرابع
من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
اللهم صل أفضل صلاة على أفضل خلقك سيدنا محمد وآله وسلّم.
[تتمة الفن الثاني في الإنسان وما يتعلق به]
[تتمة القسم الثالث في المدح والهجو و ... ]
الباب الثالث من القسم الثالث من الفن الثانى (فى المجون والنوادر والفكاهات والملح)
وهذا الباب مما تنجذب النفوس اليه، وتشتمل الخواطر عليه؛ فإن فيه راحة للنفوس إذا تعبت وكلّت، ونشاطا للخواطر إذا سئمت وملّت؛ لأن النفوس لا تستطيع ملازمة الأعمال، بل ترتاح إلى تنقل الأحوال. فإذا عاهدتها بالنوادر فى بعض الأحيان، ولا طفتها بالفكاهات في أحد الأزمان، عادت إلى العمل الجدّ بنشطة جديدة، وراحة في طلب العلوم مديدة.
وقد روى عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلّت عميت» .
وقال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: أجمّوا «1» هذه القلوب والتمسوا لها طرق الحكمة، فإنها تملّ كما تملّ الأبدان، والنفس مؤثرة للهوى، آخذة بالهوينى، جانحة إلى
(4/1)

اللهو، أمّارة بالسوء، مستوطنة بالعجز، طالبة للراحة، نافرة عن العمل؛ فإن «1» أكرهتها أنضيتها، وإن أهملتها أرديتها.
وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يضحك حتى تبدو نواجذه. وكان محمد بن سيرين يضحك حتى يسيل لعابه.
وقال هشام بن عبد الملك: قد أكلت الحلو والحامض حتى ما أجد لواحد منهما طعما، وشممت الطّيب حتى ما أجد له رائحة، وأتيت النساء حتى ما أبالى أمرأة أتيت أم حائطا؛ فما وجدت شيئا ألذّ إلىّ من جليس تسقط بينى وبينه مؤنة «2» التحفّظ.
وقال أحمد بن عبد ربه: الملح نزهة النفس، وربيع القلب، ومرتع السمع، ومجلب الراحة، ومعدن السرور. وقال أيضا: إن في بعض الكتب المترجمة أن يوحنّا وشمعون كانا من الحواريّين، فكان يوحنا لا يجلس مجلسا إلا ضحك وأضحك من حوله، وكان شمعون لا يجلس مجلسا إلا بكى وأبكى من حوله. فقال شمعون ليوحنا:
ما أكثر ضحكك! كأنك قد فرغت من عملك! فقال له يوحنا: ما أكثر بكاك! كأنك قد يئست من ربك. فأوحى الله إلى عيسى بن مريم عليه السّلام: أنّ أحبّ السيرتين إلىّ سيرة يوحنا.
والعرب إذا مدحوا الرجل قالوا: هو ضحوك السنّ، بسّام العشيّات «3» ، هشّ الى الضيف. وإذا ذمّته قالت: هو عبوس الوجه، جهم المحيّا، كريه المنظر، حامض الوجه «كأنما وجهه بالخل منضوح» . وكأنما أسعط خيشومه بالخردل.
وقيل لسفيان: المزاح هجنة؛ فقال: بل سنّة، لقوله عليه الصلاة والسلام:
«إنى لأمزح ولا أقول إلا الحق» ، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.
(4/2)

ذكر مزاحات رسول الله صلّى الله عليه وسلم
وقد مزح رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ فمن ذلك: أنه قال صلّى الله عليه وسلم لرجل استحمله: «نحن حاملوك على ولد الناقة» يريد: البعير. وقال صلّى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار: «الحقى زوجك ففى عينه بياض» . فسعت المرأة نحو زوجها مرعوبة؛ فقال لها: مادهاك؟ فقالت: قال لى رسول الله صلّى الله عليه وسلم: إنّ في عينك بياضا؛ فقال: إن في عينى بياضا لا لسوء. وأتته عجوز أنصاريّة فقالت: يا رسول الله، ادع لى بالمغفرة. فقال لها: «أما علمت أنّ الجنة لا يدخلها العجز» ! فصرخت؛ فتبسّم صلّى الله عليه وسلم وقال لها: «أما قرأت (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً) .
ونظر عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى أعرابىّ قد صلّى صلاة خفيفة، فلما قضاها قال: اللهم زوّجنى بالحور العين؛ فقال عمر: يا هذا! أسأت النقد، وأعظمت الخطبة.
ذكر من اشتهر بالمزاح من الصحابة رضوان الله عليهم
كان أشهرهم بالمزاح رضى الله عنهم نعيمان، وهو أحد أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم البدريّين، وله رضى الله عنه مزاحات مشهورة، منها ما روى: أنه خرج مع أبى بكر الصّدّيق إلى بصرى، وكان في الحملة سويبط، وهو بدرىّ أيضا، وكان سويبط على الزاد؛ فجاءه نعيمان فقال له: أطعمنى؛ قال: لا، حتى يأتى أبو بكر.
فقال نعيمان: والله لأغيظنّك. وجاء إلى أناس جلبوا ظهرا، فقال ابتاعوا منى غلاما عربيا فارها إلا أنه دعّاء، له لسان، لعله يقول: أنا حرّ؛ فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوه،
(4/3)

لا تفسدوا علىّ غلامى. قالوا: بل نبتاعه منك بعشر قلائص. فأقبل بها يسوقها، وأقبل بالقوم حتى عقلها، ثم قال: دونكم! هذا هو. فقالوا: قد اشتريناك. فقال سويبط: هو كاذب، أنا رجل حرّ؛ فقالوا: قد أخبرنا خبرك، ووضعوا في عنقه حبلا وذهبوا به. فجاء أبو بكر رضى الله عنه فأخبر بذلك، فذهب هو وأصحابه، فردّوا القلائص على أربابها وأخذوه. وأخبر النبىّ صلّى الله عليه وسلم بالقصة فضحك منها حولا.
ومن مزاحاته: أنه أهدى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم جرّة عسل اشتراها من أعرابىّ، وأتى بالأعرابىّ إلى باب النبىّ صلّى الله عليه وسلم فقال: خذ الثمن من هاهنا. فلما قسمها النبىّ صلّى الله عليه وسلم نادى الأعرابىّ: ألا أعطى ثمن عسلى؟! فقال النبى صلّى الله عليه وسلم: «إحدى هنات نعيمان» . وسأله: لم فعلت هذا؟ فقال: أردت برّك يا رسول الله، ولم يكن معى شىء. فتبسّم النبىّ صلّى الله عليه وسلم وأعطى الأعرابىّ حقّه.
ومن مزاحاته أيضا: أنه مرّ يوما بمخرمة بن نوفل الزّهرىّ، وهو ضرير، فقال له: قدنى حتى أبول، فأخذ بيده حتى إذا كان في مؤخّر المسجد قال له:
اجلس؛ فجلس مخرمة ليبول؛ فصاح الناس: يا أبا المسور، أنت في المسجد. فقال:
من قادنى؟ فقيل له: نعيمان. قال: لله علىّ أن أضربه بعصاى إن وجدته. فبلغ ذلك نعيمان، فجاء يوما فقال لمخرمة: يا أبا المسور، هل لك في نعيمان؟ قال نعم.
قال: هو ذا يصلى. وأخذ بيده وجاء به إلى عثمان بن عفّان رضى الله عنه وهو يصلّى، فقال: هذا نعيمان؛ فعلاه مخرمة بعصاه؛ فصاح به الناس: ضربت أمير المؤمنين. فقال: من فادنى؟ قالوا: نعيمان؛ فقال: لا جرم لا عرضت له بسوء أبدا.
(4/4)

ومنهم ابن أبى عتيق، وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصدّيق رضى الله عنهم. وكان ذا ورع وعفاف وشرف، وكان كثير المجون، وله نوادر مستظرفة، منها: أنه لقى عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال: ما تقول فى إنسان هجانى بشعر، وهو:
أذهبت مالك غير متّرك ... فى كل مؤنسة وفي الخمر «1»
ذهب الإله بما تعيش به ... وبقيت وحدك غير ذى وفر
فقال عبد الله بن عمر: أرى أن تأخذ بالفضل وتصفح. فقال له عبد الله بن محمد ابن عبد الرحمن: والله أرى غير ذلك. فقال: وما هو؟ قال: أرى أن أنيكه. فقال ابن عمر: سبحان الله! ما تترك الهزل! وافترقا. ثم لقيه بعد ذلك فقال له: أتدرى ما فعلت بذلك الإنسان؟ فقال: أىّ إنسان؟ قال: الذى أعلمتك أنه هجانى. قال:
ما فعلت به؟ قال: كل مملوك لى حرّ إن لم أكن نكته. فأعظم ذلك عبد الله بن عمر واضطرب له. فقال له: امرأتى والله التى قالت الشعر وهجتنى به. وكانت امرأته أمّ إسحاق «2» بنت طلحة بن عبيد الله.
وقد مدح الشعراء اللعب في موضعه، كما مدح الجدّ في موضعه؛ فقال أبو تمّام:
الجدّ شيمته وفيه فكاهة ... طورا ولا جدّ لمن لم يلعب
وقال الأبيرد رحمة الله عليه:
اذا جدّ عند الجدّ أرضاك جدّه ... وذو باطل إن شئت ألهاك باطله
(4/5)

ومن مجون عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ما حكى أنّ جاريته قالت له:
إن فلانا القارىء، وكان يظهر النسك، قد قطع علىّ الطريق وآذانى ويقول لى:
أنا أحبّك. فقال لها: قولى له: وأنا أحبّك أيضا، وواعديه المنزل؛ ففعلت وأدخلته المنزل؛ وكان عبد الله قد واعد جماعة من أصحابه ليضحكوا من الرجل. ودخلت الجارية الى البيت الذى فيه الرجل، فدعاها فاعتلّت عليه؛ فوثب إليها [فاحتملها «1» وضرب بها الأرض؛ فدخل عليه ابن أبى عتيق وأصحابه وقد تورّكها؛ فخجل وقام وقال: يا فسّاق، ما تجمّعتم هاهنا إلا لريبة. فقال له ابن أبى عتيق: استر علينا ستر الله عليك. ثم لم يرتدع عن العبث بها، فشكت ذلك الى سيّدها؛ فقال لها: هيّئى من الطعام طحن ليلة الى الغداة ففعلت، ثم قال لها: عديه الليلة، فإذا جاء فقولى له:
إنّ وظيفتى الليلة طحن هذا كله، ثم اخرجى الى البيت واتركيه، ففعلت. فلما دخل طحنت الجارية قليلا، ثم قالت له: أدر الرحى حتى أفتقد سيّدى؛ فاذا نام وأمنّا أن يأتينا أحد، صرت إلى ما تحبّ، ففعل؛ ومضت الجارية الى مولاها، وأمر ابن أبى عتيق عدّة من مولياته أن يتراوحن على سهر ليلتهنّ ويتفقّدن أمر الطّحن ويحثثن عليه، ففعلن وجعلن ينادين الفتى كلما كفّ عن الطحن: يا فلانة إنّ مولاك مستيقظ والساعة يعلم أنك قد كففت عن الطحن، فيقوم إليك بالعصا كعادته مع من كانت نوبتها قبلك إذا هى نامت وكفّت عن الطحن. فلم يزل كلما سمع ذلك الكلام منهن اجتهد في العمل والجارية تتفقّده وتقول له: استيقظ مولاى والساعة ينام فأصير الى ما تحبّ وهو يطحن، حتى أصبح وفرغ القمح. فأتته الجارية بعد فراغه فقالت له: قد أصبح فانج بنفسك. فقال: أو قد فعلتها يا عدوّة الله!
(4/6)

وخرج تعبا نصبا، وأعقبه ذلك مرضا شديدا أشرف منه على الموت، وعاهد الله ألّا يعود الى كلام الجارية، فلم تر منه بعد ذلك شيئا تكرهه. قال: وتعشّى عبد الله ليلة ومعه رجل من الأنصار، فوقع حجر في الدار ووقع آخر وثالث؛ فقال للجارية:
اخرجى فانظرى: أذّنوا المغرب أم لا؛ فخرجت وجاءت بعد ساعة، وقالت: قد أذّنوا وصلّوا. فقال الرجل الذى كان عنده: أليس قد صلّينا قبل أن تدخل الجارية؟
قال: بلى، ولكن لو لم أرسلها تسأل عن ذلك لرجمنا الى الغداة، أفهمت؟! قال:
نعم، قد فهمت. قال وسمع عبد الله بن أبى عتيق قول عمر بن أبى ربيعة.
من رسولى الى الثّريّا فإنى «1» ... ضقت ذرعا بهجرها والكتاب
فركب بغلته من المدينة، وسار يريد مكة، فلما بلغ ذا الحليفة «2» قيل له: أحرم؛ قال:
ذو الحاجة لا يحرم، وجاء حتى دخل على الثريّا. فقال لها: ابن عمك يقول:
ضقت ذرعا بهجرها والكتاب
ثم ركب بغلته وعاد.
ذكر شىء من مجون الأعراب
سئل أعرابىّ عن جارية له يقال لها زهرة، فقيل له: أيسرّك أنك الخليفة وأن زهرة ماتت؟ فقال: لا والله! تذهب الأمة وتضيع الأمّة. وجد أعرابىّ مرآة وكان قبيح الصورة، فنظر فيها فرأى وجهه فاستقبحه، فرمى بها وقال: لشرّ ما طرحك أهلك. وقيل لأعرابىّ: لم يقال: باعك الله في الأعراب؟ فقال: لأنّا نجيع كبده، ونعرى جلده، ونطيل كدّه. وتزوّج أعرابىّ على كبر سنه، فقيل له
(4/7)

فى ذلك؛ فقال: أبادره باليتم، قبل أن يبادرنى بالعقوق. ومرّ أعرابىّ وفي يده رغيف برجل في يده سيف، فقال: بعنى هذا السيف بهذا الرغيف؛ فقال: أمجنون أنت؟ فقال الأعرابىّ: ما أنكرت منى؟ أنظر أيهما أحسن أثرا في البطن.
وحكى أن المهدىّ خرج للصيد فغلبه فرسه حتى انتهى به الى خباء لأعرابىّ، فقال: يا أعرابىّ، هل من قرى؟ قال نعم، وأخرج له فضلة من خبز ملّة فأكلها وفضلة من لبن فسقاه، ثم أتى بنبيذ في زكرة «1» فسقاه قعبا «2» . فلما شرب قال: أتدرى من أنا؟
قال: لا والله. قال: أنا من خدم الخاصّة؛ قال: بارك لك الله في موضعك.
ثم سقاه آخر؛ فلمّا شربه قال: أتدرى من أنا؟ قال: نعم، زعمت أنك من خدم الخاصة؛ قال: بل أنا من قوّاد أمير المؤمنين؛ فقال له الأعرابىّ: رحبت بلادك؛ وطاب مزادك ومرادك. ثم سقاه قدحا ثالثا؛ فلما فرغ منه قال: يا أعرابىّ، أتدرى من أنا؟ قال: زعمت أخيرا أنك من قوّاد أمير المؤمنين؛ قال: لا ولكنى أمير المؤمنين. فأخذ الأعرابىّ الزكاة فأوكاها «3» وقال: والله لئن شربت الرابع لتقولنّ:
إنك لرسول الله؛ فضحك المهدىّ. ثم أحاطت بهم الخيل، فنزل أبناء الملوك والأشراف؛ فطار قلب الأعرابىّ؛ فقال له المهدىّ: لا بأس عليك! وأمر له بصلة. فقال: أشهد أنك صادق، ولو ادّعيت الرابعة لخرجت منها.
ودخل أعرابىّ على يزيد بن المهلّب وهو على فرشه والناس سماطان، فقال:
كيف أصبح الأمير؟ قال يزيد: كما تحبّ. فقال الأعرابىّ: لو كنت كما أحبّ كنت أنت مكانى وأنا مكانك؛ فضحك يزيد.
(4/8)

ذكر شىء من نوادر القضاة
قيل: أتى عدىّ بن أرطاة شريحا القاضى ومعه امرأة له من أهل الكوفة يخاصمها اليه؛ فلما جلس عدىّ بين يدى شريح، قال عدىّ: أين أنت؟ قال: بينك وبين الحائط. قال: إنى امرؤ من أهل الشام؛ قال: بعيد الدار. قال: وإنى قدمت العراق؛ قال: خير مقدم. قال: وتزوّجت هذه المرأة؛ قال: بالرفاء والبنين. قال: وإنها ولدت غلاما؛ قال: ليهنك الفارس. قال: وقد أردت أن أنقلها إلى دارى؛ قال: المرء أحق بأهله. قال: كنت شرطت لها دارها؛ قال:
الشرط أملك. قال: اقض بيننا؛ قال: قد فعلت. قال: فعلى من قضيت؟
قال: على ابن أمّك.
ودخل على الشعبىّ في مجلس قضائه رجل وامرأته، وكانت المرأة من أجمل النساء، فاختصما اليه، فأدلت المرأة بحجتها، وقويت بيّنتها. فقال للزوج: هل عندك من دافع؟ فأنشأ يقول:
فتن الشّعبىّ لمّا ... رفع الطّرف إليها
فتنته بدلال ... وبخطّى حاجبيها
قال للجلواز «1» قرّب ... ها وقدّم شاهديها
فقضى جورا على الخص ... م ولم يقض عليها
قال الشعبىّ: فدخلت على عبد الملك بن مروان؛ فلما نظر إلىّ تبسّم وقال:
فتن الشعبىّ لما ... رفع الطرف اليها
ثم قال: ما فعلت بقائل هذه الأبيات؟ قلت: أوجعته ضربا يا أمير المؤمنين بما انتهك من حرمتى في مجلس الحكومة وما افترى به علىّ. قال: أحسنت!.
(4/9)

وأحضر رجل امرأته الى بعض قضاة البصرة، وكانت حسنة المنتقب، قبيحة المسفر؛ فمال القاضى لها على زوجها وقال: يعمد أحدكم الى المرأة الكريمة فيتزوّجها ثم يسىء اليها. ففطن الرجل لميله اليها فقال: أصلح الله القاضى، قد شككت فى أنها امرأتى، فمرها تسفر عن وجهها؛ فوقع ذلك بوفاق من القاضى، فقال لها:
اسفرى رحمك الله؛ فسفرت عن وجه قبيح. فقال القاضى لمّا نظر الى قبح وجهها:
قومى عليك لعنة الله! كلام مظلوم، ووجه ظالم.
قيل: بينا رقبة بن مصقلة القاضى في حلقته، إذ مرّ به رجل غليظ العنق؛ فقال له بعض جلسائه: يا أبا عبد الله، هذا أعبد الناس. فقال رقبة: إنى لأرى لهذا عنقا ما دقّقتها»
العبادة. قال: فمضى الرجل وعاد قاصدا اليهم. فقال رجل لرقبة:
يا أبا عبد الله، أخبره بما قلت حتى لا تكون غيبة؛ قال: نعم، أخبره أنت حتى تكون نميمة. ودخل رقبة الى المسجد الأعظم فألقى نفسه الى حلقة قوم، ثم قال: قتيل فالوذج رحمكم الله! قالوا: عند من؟ قال: عند من حكم في الفرقة وقضى في الجماعة، يعنى: بلال بن أبى بردة.
واختصم رجلان الى إياس بن معاوية وهو قاضى البصرة لعمر بن عبد العزيز فى مطرف خزّو أنبجانىّ، وادّعى كل واحد منهما أن المطرف له وأن الأنبجانىّ لصاحبه.
فدعا إياس بمشط وماء، فبلّ رأس كل واحد منهما، ثم قال لأحدهما: سرّح رأسك فسرّحه، فخرج في المشط عفر المطرف، وفي مشط الآخر عفر الأنبجانىّ؛ فقال:
يا خييث! الأنبجانىّ لك، فأقرّ، فدفع المطرف لصاحبه. وقال رجل لإياس: هل ترى علىّ من بأس إن أكلت تمرا؟ قال لا. قال: فهل ترى علىّ من بأس ان أكلت معه كيسوما؟ قال لا. قال: فإن شربت عليهما ماء؟ قال: جائز.
(4/10)

قال: فلم تحرّم السكر، وإنما هو ما ذكرت لك؟ قال له إياس لو صببت عليك ماء هل كان يضرّك؟ قال لا. قال: فلو نثرت عليك ترابا هل كان يضرّك؟ قال لا.
قال: فإن أخذت ذلك فخلطته وعجبته وجعلت منه لبنة عظيمة فضربت بها رأسك هل كان يضرّك؟ قال: كنت تقتلنى. قال: فهذا مثل ذاك.
دعا الرشيد أبا يوسف القاضى فسأله عن مسألة فأفتاه؛ فأمر له بمائة ألف درهم.
فقال] إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بتعجيلها قبل الصبح! فقال: عجلّوها له.
فقيل: إن الخازن في بيته والأبواب مغلقة. فقال أبو يوسف: وقد كنت في بيتى والدروب مغلقة، فلما دعيت فتحت. فقال له الرشيد: بلغنى أنك لا ترى لبس السواد. فقال: يا أمير المؤمنين، ولم وليس في بدنى شىء أعزّ منه؟ قال: وما هو؟
قال: السواد الذى في عينىّ.
وسأل الرشيد الأوزاعىّ عن لبس السواد، فقال: لا أحرّمه، ولكنى أكرهه.
قال: ولم؟ قال: لأنه لا تجلى فيه عروس، ولا يلبّى فيه محرم، ولا يكفّن فيه ميت. فالتفت الرشيد الى أبى يوسف وقال: ما تقول أنت في السواد؟ قال:
يا أمير المؤمنين، النور في السواد. فاستحسن الرشيد ذلك. ثم قال: وفضيلة أخرى يا أمير المؤمنين، قال: وما هى؟ قال: لم يكتب كتاب الله إلا به؛ فاهتزّ الرشيد لذلك.
تقدّم رجل الى أبى حازم عبد الحميد بن عبد العزيز السّكونىّ قاضى المعتمد، وقدّم أباه يطالبه بدين له عليه، فأقرّ الأب بالدين، وأراد الابن حبس والده. فقال القاضى: هل لأبيك مال؟ قال: لا أعلمه. قال: فمذكم داينته بهذا المال؟ قال:
منذ كذا وكذا. قال: قد فرضت عليك نفقة أبيك من وقت المداينة؛ فحبس الابن وخلّى الأب.
(4/11)

كان عبد الملك بن عمر قاضى الكوفة، فهجاه هذيل الأشجعىّ بأبيات منها:
اذا ذات دلّ كلّمته بحاجة ... فهمّ بأن يقضى تنحنح أو سعل
فكان عبد الملك يقول: قاتله الله! والله لربما جاءتنى النحنحة وأنا في المتوضّأ فأذكر ما قال فأردّها.
وقيل: شهد سلمى الموسوس عند جعفر بن سليمان على رجل، فقال: هو- أصلحك الله- ناصبىّ، رافضىّ، قدرىّ، مجبرىّ، يشتم الحجاج بن الزبير الذى يهدم الكعبة على علىّ بن أبى سفيان. فقال له جعفر: ما أدرى على أى شىء أحسدك: على علمك بالمقالات، أم على معرفتك بالأنساب! فقال: أصلح الله الأمير، ما خرجت من الكتّاب، حتى حذفت هذا كله ورائى.
واستفتى بعض القضاة، وقد نسبت الى القاضى أبى بكر بن قريعة، فقيل له:
ما يقول سيدنا القاضى أيده الله في رجل باع حجرا «1» من رجل، فحين رفع ذنبها ليقلّبه خرجت منها ريح مصوّتة اتصلت بحصاة ففقأت عين المشترى؟ أفتنا في الدية والردّ يرحمك الله. فأجاب: لم تجر العادة بمثل هذه البدائع، بين مشتر وبائع؛ فلذلك لم يثبت في كتب الفقهاء، ولم يستعمل في فتوى العلماء؛ لكن هذا وما شاكله يجرى مجرى الفضول، المستخرج من أحكام العقول، والقول فيه- وبالله العصمة من الزلل والخطل-:
أن دية ما جنته الحجر ملغى في الهدر، عملا بقول النبىّ المختار، صلى الله عليه وعلى آله الأطهار، «جرح العجماء جبار» ؛ لا سيما والمشترى عند كشفه لعورتها، استثار كامن سورتها. وعلى البائع لها ارتجاعها، وردّ ما قبض من ثمنها، لأنه دلّس حجرا مضيقا منجنيقها. وإذا كانت السهام طائشة، فهى من العيوب الفاحشة. وكيف يمتنع ردّها وأغراضها نواظر الحدق، وقلّما يستظهر المقلّبون الخيل بالدّرق.
(4/12)

ذكر شىء من نوادر النّحاة
قدّم رجل من النحاة خصما الى القاضى، وقال: لى عليه مائتان وخمسون درهما.
فقال لخصمه: ما تقول؟ فقال: أصلح الله القاضى، الطلاق لازم له، إن كان له إلا ثلاثمائة، وإنما ترك منها خمسين ليعلم القاضى أنه نحوىّ.
ومرّ أبو علقمة بأعدال قد كتب عليها: ربّ سلّم لأبو فلان؛ فقال لأصحابه:
لا إله إلا الله! يلحنون ويربحون.
وجاء رجل الى الحسن البصرىّ فقال: ما تقول في رجل مات فترك أبيه وأخيه؟ فقال الحسن: ترك أباه وأخاه. فقال: ما لأباه وأخاه؛ فقال الحسن: ما لأبيه وأخيه. فقال الرجل: إنى أراك كلما طاوعتك تخالفنى!. وقيل سكر هارون بن محمد ابن عبد الملك ليلة بين يدى الموفّق، فقام لينصرف فغلبه السكر فنام في المضرب. فلما انصرف الناس جاء راشد الحاجب فأنبهه وقال: يا هارون انصرف، فقال: هارون لا ينصرف، فأعاد راشد القول على هارون، فقال هارون: سل مولاك فهو يعلم أن هارون لا ينصرف. فسمع الموفّق فقال: هارون لا ينصرف؛ فتركه راشد.
فلما أصبح الموفّق وقف على أن هارون بات في مضربه؛ فأنكر على راشد، وقال:
يا راشد، يبيت في مضربى رجل لا أعلم به! فقال: أنت أمرتنى بهذا، قلت:
هارون لا ينصرف. فضحك وقال: ما أردت إلا الإعراب وظننت أنت غيره.
وقيل: قدم العريان بن الهيثم على عبد الملك، فقيل له: تحفّظ من مسلمة فإنه يقول: لأن يلقمنى رجل بحجر أحبّ إلىّ من أن يسمعنى رجل لحنا. فأتاه العريان ذات يوم فسلّم عليه. فقال له مسلمة: كم عطاءك؟ قال: ألفين. فنظر الى رجل عنده وقال له: لحن العراقىّ؛ فلم يفهم الرجل عن مسلمة، فأعاد مسلمة القول على
(4/13)

العريان وقال: كم عطاؤك؟ فقال: ألفان. فقال: ما الذى دعاك الى اللحن أوّلا والإعراب ثانيا؟ قال: لحن الأمير فكرهت أن أعرب، وأعرب فأعربت.
فاستحسن قوله وزاد في عطائه.
ووقف نحوىّ على بقّال يبيع الباذنجان فقال له: كيف تبيع؟ قال: عشرين بدانق، فقال: وما عليك أن تقول: عشرون بدانق؟ فقدّر البقّال أنه يستر يده، فقال ثلاثين بدانق. فقال: وما عليك أن تقول: ثلاثون؟ فما زال على ذلك الى أن بلغ سبعين، فقال: وما عليك أن تقول: سبعون؟ فقال: أراك تدور على الثمانون وذلك لا يكون أبدا.
ذكر شىء من نوادر المتنبئين
قيل: ادّعى رجل النبوّة في أيام المهدى، فأدخل عليه؛ فقال له: الى من بعثت؟
فقال: ما تركتمونى أذهب الى من بعثت اليهم، فإنى بعثت بالغداة وحبستمونى بالعشىّ. فضحك المهدىّ منه وأمر له بجائزة وخلّى سبيله.
وتنبأ رجل وادّعى أنه موسى بن عمران، فبلغ خبره الخليفة، فأحضره وقال له: من أنت؟ قال: أنا موسى بن عمران الكليم. قال: وهذه عصاك التى صارت ثعبانا! قال نعم. قال: فألقها من يدك ومرها أن تصير ثعبانا كما فعل موسى. قال: قل أنت (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى)
كما قال فرعون حتى أصيّر عصاى ثعبانا كما فعل موسى.
فضحك الخليفة منه واستظرفه. وأحضرت المائدة، فقيل له: أكلت شيئا؟ قال:
ما أحسن العقل! لو كان لى شىء آكله، ما الذى كنت أعمل عندكم؟ فأعجب الخليفة وأحسن اليه.
وادّعت امرأة النبوّة على عهد المأمون؛ فأحضرت اليه فقال لها: من أنت؟
قالت: أنا فاطمة النبيّة. فقال لها المأمون: أتؤمنين بما جاء به محمد صلّى الله عليه
(4/14)

وسلم؟ قالت: نعم، كل ما جاء به فهو حق. فقال المأمون: فقد قال محمد صلّى الله عليه وسلم «لا نبىّ بعدى» . قالت: صدق عليه الصلاة والسلام، فهل قال:
لا نبية بعدى؟ فقال المأمون لمن حضره: أمّا أنا فقد انقطعت، فمن كانت عنده حجة فليأت بها، وضحك حتى غطّى على وجهه.
وادّعى رجل النبوّة؛ فقيل له: ما علامات نبوّتك؟ قال: أنبئكم بما في نفوسكم.
قالوا: فما في أنفسنا؟ قال: فى أنفسكم أننى كذبت ولست بنبىّ.
وتنبأ رجل في أيام المأمون، فأتى به إليه؛ فقال له: أنت نبىّ؟ قال نعم. قال:
فما معجزتك؟ قال: ما شئت. قال: أخرج لنا من الأرض بطّيخة. قال: أمهلنى ثلاثة أيام. قال المأمون: بل الساعة أريدها. قال: يا أمير المؤمنين، أنصفنى، أنت تعلم أن الله ينبتها في ثلاثة أشهر، فلا تقبلها منى في ثلاثة أيام! فضحك منه، وعلم أنه محتال، فآستتابه ووصله.
وادّعى آخر النبوّة في زمانه فطالبه بمعجزة، فقال: أطرح لكم حصاة في الماء فأذيبها حتى تصير مع الماء شيئا واحدا. قالوا: قد رضينا. فأخرج حصاة كانت معه فطرحها في الماء فذابت. فقالوا: هذه حيلة، ولكن أذب حصاة غيرها نأتيك بها نحن. فقال لهم: لا تتعصّبوا، فلستم أضلّ من فرعون، ولا أنا أعظم من موسى، ولم يقل فرعون موسى: لا أرضى بما تفعله بعصاك حتى أعطيك عصا من عندى تجعلها ثعبانا. فضحك المأمون منه وأجازه.
وادّعى رجل النبوّة في أيام المعتصم، فأحضر بين يديه؛ فقال له: أنت نبى؟ قال نعم. قال: إلى من بعثت؟ قال: إليك. قال: أشهد إنك لسفيه أحمق. قال: إنما يذهب إلى كل قوم مثلهم. فضحك منه وأمر له بشىء.
(4/15)

وادّعى آخر النبوّة في أيام المأمون؛ فقال له: ما معجزتك؟ قال: سل ما شئت؛ وكان بين يديه قفل، فقال: خذ هذا القفل فافتحه. فقال: أصلحك الله، لم أقل إنى حدّاد. فضحك منه واستتابه وأجازه.
وادّعى آخر النبوّة، فطلب ودعى له بالسيف والنّطع؛ فقال: ما تصنعون؟ قالوا:
نقتلك، قال: ولم تقتلوننى؟ قالوا: لأنك ادّعيت النبوّة. قال: فلست أدّعيها.
قيل له: فأىّ شىء أنت؟ قال: أنا صدّيق. فدعى له بالسياط؛ فقال: لم تضربوننى؟
قالوا: لادّعائك أنك صدّيق؛ قال: لا أدّعى ذلك. قالوا: فمن أنت؟ قال:
من التابعين لهم بإحسان. فدعى له بالدّرة. قال: ولم ذلك؟ قالوا: لادّعائك ما ليس فيك؛ فقال: ويحكم! أدخل إليكم وأنا نبىّ تريدون أن تحطّونى في ساعة واحدة الى مرتبة العوامّ! لا أقلّ من أن تصبروا «1» علىّ الى غد حتى أصير لكم ما شئتم.
وادّعى آخر النبوّة، وسمّى نفسه نوحا، فنهاه صديق له عن ذلك فلم ينته؛ فأخذه السلطان وصلبه؛ فمرّ به صديقه الذى كان ينهاه، فقال: يا نوح! ما حصل لك من السفينة غير الدّقل.
ذكر شىء من نوادر المغفّلين والحمقى
قال بعضهم: رأيت ابن خلف الهمدانىّ في صحراء وهو يطلب شيئا، فقلت له:
ما تبغى هاهنا؟ قال: دفنت شيئا ولست أهتدى اليه. قلت: فهلّا علّمت عليه بشىء! قال: جعلت علامتى قطعة من الغيم كانت فوقه، وما أراها الساعة. ونظر مرة في الحبّ (وهو الزير) فرأى وجهه، فعدا الى أمّه فقال: يا أمّى في الحبّ لصّ.
فجاءت أمه وتطلّعت فيه، فقالت: إى والله ومعه قحبة. ورئى في وسط داره
(4/16)

وهو يعدو عدوا شديدا ويقرأ بصوت عال. فسئل عن ذلك فقال: أردت أن أسمع صوتى من بعيد. ودخل إلى رجل يعزّيه، فقال: عظّم الله مصيبتكم، وأعان أخاك على ما يرد عليه من يأجوج ومأجوج. فضحك الناس. فقال: تضحكون مما قلت! وإنما أردت هاروت وماروت.
وقيل: كتب المنصور إلى زياد بن عبد الله الحارثىّ، ليقسّم بين القواعد والعميان والأيتام مالا. فدخل عليه أبو زياد التميمىّ، وكان مغفّلا فقال: أصلحك الله! اكتبنى في القواعد، فقال له: عافاك الله، القواعد هنّ النساء اللّاتى قعدن عن أزواجهنّ. فقال: فاكتبنى في العميان. قال: اكتبوه منهم؛ فإن الله تعالى يقول:
(فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)
. قال أبو زياد:
واكتب ابنى في الأيتام؛ قال: نعم! من كنت أباه فهو يتيم.
وسئل بعضهم عن مولده، فقال: ولدت رأس الهلال للنصف من رمضان بعد العيد بثلاثة أيام، فاحسبوا الآن كيف شئتم.
ذكر شىء من نوادر النبيذيّين
قال رجل لبعض أصحاب النبيذ: وجّهت إليك رسولا عشيّة أمس فلم يجدك؛ فقال: ذاك وقت لا أجد فيه نفسى.
وقيل لبعضهم: كم الصلاة؟ فذكر الغداة والظهر. قالوا: فالعصر؟ قال:
تعرف وتنكر. قالوا: فالعشاء؟ قال: يبلغها الجواد. قالوا: فالعتمة؟ قال: ما كانت لنا في حساب قطّ.
شرب الأقيشر في حانوت خمّار حتى نفد ما معه، ثم شرب بثيابه وبقى عريانا، فجلس في تبن يستدفىء به. فمرّ رجل ينشد ضالّة؛ فقال الأقيشر: اللهم اردد عليه،
(4/17)

واحفظ علينا. فقال له الخمار: سخنت عينك، أىّ شىء يحفظ عليك ربّك! قال:
هذا التبن، لئلا يأخذه صاحبه فأهلك من البرد.
وباع بعضهم ضيعة له؛ فقال له المشترى: بالعشىّ أشهد عليك. فقال: لو كنت ممن يفرغ بالعشىّ ما بعت ضيعتى.
ذكر شىء من نوادر النساء والجوارى
قال رجل: قلت لجارية أريد شراءها: لا يريبك شيبى؛ فإن عندى قوّة.
فقالت: أيسرك أنّ عندك عجوزا مغتلمة! أدخل على المنصور جاريتان فأعجبتاه. فقالت التى دخلت أوّلا: يا أمير المؤمنين، إن الله فضّلنى على هذه بقوله: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ)
. وقالت الأخرى: لا، بل الله فضّلنى عليها بقوله: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) .
وعرض على المعتصم جاريتان بكر وثيّب؛ فمال إلى البكر. فقالت الثيب: ما بيننا إلا يوم واحد. فقالت البكر: (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) .
قيل لامرأة ظريفة: أبكر أنت؟ قالت: أعوذ بالله من الكساد.
وقال المتوكل لجارية استعرضها: أنت بكر أم إيش؟ قالت: أنا إيش يا أمير المؤمنين.
واستعرض رجل جارية فاستقبح قدميها. فقالت: لا تبال؛ فإنى أجعلهما وراء ظهرك.
وقال الرشيد لبغيض جاريته: إنك لدقيقة الساقين. قالت: أحوج ما تكون إليهما لا تراهما.
(4/18)

وروى أبو الفرج الأصفهانىّ عن إسحاق: أن الرشيد أحضره مجلسه ذات ليلة، وقد مضى شطر الليل؛ قال: فأخرج جارية كأنها مهاة، فأجلسها في حجره، ثم قال غنّينى؛ فغنته:
جئن من الروم وقاليقلا «1» ... يرفلن في المرط ولين الملا
مقرطقات بصنوف الحلى ... يا حبذا البيض وتلك الحلى
فاستحسنه وشرب عليه.
طلبت جارية محمود الورّاق للمعتصم بسبعة آلاف دينار، فامتنع من بيعها، واشتريت له بعد ذلك من ميراثه بسبعمائة دينار. فذكر المعتصم ذلك لها، فقالت:
إن كان أمير المؤمنين ينتظر بشهواته المواريث فسبعون دينارا في ثمنى كثير، فكيف بسبعمائة! واستعرض رجل جارية فقال لها: فى يديك عمل؟ قالت: لا، ولكن في رجلىّ.
وحكى أنّ بعض المجّان كان يعشق جارية أمجن منه. فضاق يوما، فكتب إليها: قد طال عهدى بك يا سيّدتى، وأقلقنى الشوق إليك. فإن رأيت أن تستدركى رمقى بمضغة علك وتجعليه بين دينارين وتنفذيه إلىّ لأستشفى به فعلت إن شاء الله.
ففعلت ذلك وكتبت إليه: ردّ الظّرف من الظّرف، وقد سارعت إلى إنفاذ ما طلبت؛ فأنعم بردّ الطبق والمكبّة، واستعمل الخبر: «استدرّوا الهدايا بردّ الظّروف» .
وطلب آخر من عشيقته خاتما كان معها؛ فقالت: يا سيّدى، هذا ذهب وأخاف أن تذهب، ولكن خذ هذا العود حتّى تعود.
(4/19)

وكتب رجل الى عشيقته: مرى خيالك أن يلم بى. فكتبت اليه: ابعث إلىّ بدينارين حتى آتيك بنفسى.
قدّم بعضهم عجوزا دلّالة الى القاضى وقال: أصلح الله القاضى، زوّجتنى هذه امرأة، فلما دخلت بها وجدتها عرجاء. فقالت: أصلح الله القاضى! زوّجته امرأة يجامعها، ولم أعلم أنه يريد أن يحج عليها أو يسابق بها في الحلبة أو يلعب عليها بالكرة والصولجان!.
كتب رجل الى عشيقته رقعة، قال في أوّلها: عصمنا الله وإياك بالتقوى.
فكتبت اليه في الجواب: يا غليظ الطبع، إن استجاب الله دعاءك لم نلتق أبدا.
قال عقيل بن بلال: سمعتنى أعرابيّة أنشد:
وكم ليلة قد بتّها غير آثم ... بمهضومة الكشحين ريّانة القلب «1»
فقالت: هلّا أثمت! أخزاك الله!.
كان أبو نواس يوما عند بعض إخوانه؛ فخرجت عليه جارية بيضاء عليها ثياب خضر. فلما رآها مسح عينيه وقال: خيرا رأيت إن شاء الله تعالى. فقالت:
وما رأيت؟ قال: ألك معرفة بعلم التعبير؟ قالت: ولا أعرف غيره. قال:
رأيت كأنى راكب دابة شهباء، وعليها جلّ أخضر وهى تمرح تحتى. فقالت: إن صدقت رؤياك فستدخل فجلة. وقد روى أن هذه الحكاية اتفقت له مع عنان جارية الناطفىّ.
وكان بعضهم جالسا مع امرأته في منظرة؛ فمرّ غلام حسن الوجه؛ فقالت:
أعيذ هذا بالله؛ ما أحسنه وأحسن وجهه وقدّه! فقال الزوج: نعم، لولا أنه خصىّ. فقالت: لعنه الله ولعن من خصاه!.
(4/20)

قال أبو العيناء: خطبت امرأة فاستقبحتنى. فكتبت اليها:
فإن تنفرى من قبح وجهى فإننى ... أريب أديب لا غبىّ ولا فدم
فأجابتنى: ليس لديوان الرسائل أر يدك.
وخطب ثمامة العوفىّ امرأة. فسألت عن حرفته؛ فكتب اليها يقول:
وسائلة عن حرفتى قلت حرفتى ... مقارعة الأبطال في كل مازق
وضربى طلى الأبطال بالسيف معلما ... إذا زحف الصفان تحت الخوافق
فلما قرأت الشعر، قالت للرسول: قل له: فديتك! أنت أسد، فاطلب لك لبؤة؛ فإنى ظبية أحتاج الى غزال.
خرجت حبّى المدنيّة في جوف الليل؛ فلقيها إنسان فقال لها: تخرجين في هذا الوقت! قالت: ما أبالى، إن لقينى شيطان فأنا في طاعته، وإن لقينى رجل فأنا فى طلبه. وجاءت الى شيخ يبيع اللبن، ففتحت ظرفا فذاقته ودفعته إليه وقالت: لا تعجل بشدّة؛ ثم فتحت آخر فذاقته ودفعته إليه. فلما أشغلت يديه جميعا، كشفت ثوبه من خلفه، وجعلت تصفق «1» بظاهر قدميها استه وخصييه، وتقول: يا ثارات ذات النّحيين، والشيخ يستغيث، فلم يخلص منها إلا بعد جهد.
غاب رجل عن امرأته فبلغها أنه اشترى جارية، فاشترت غلامين. فبلغه ذلك فجاء مبادرا، وقال لها: ما هذا؟ فقالت: أما علمت أنّ الرحى الى بغلين أحوج من البغل الى رحيين! ولكن بع الجارية حتى نبيع الغلامين؛ ففعل ذلك ففعلت.
ومثل ذلك ما حكى عن الأحنف: أنه اعتمّ ونظر في المرآة؛ فقالت له امرأته: كأنك قد هممت بخطبة امرأة! قال: قد كان ذلك. قالت: فإذا فعلت
(4/21)

فاعلم أن المرأة الى رجلين أحوج من الرجل الى امرأتين. فنقض عمته وترك ما كان قد همّ به.
ذكر شىء من نوادر العميان
قال إبراهيم بن سيابة لبشّار الأعمى: ما سلب الله من مؤمن كريمتيه إلا عوّضه عنهما: إمّا الحفظ والذكاء، وإمّا حسن الصوت. فما الذى عوّضك الله عن عينيك؟ قال: فقد «1» النظر لبغيض ثقيل مثلك! ونظير هذه الحكاية ما حكى عن بعضهم، قال: خرجت ليلة من قرية لبعض شأنى، فإذا أنا بأعمى على عاتقه جرّة وبيده سراج، فلم يزل حتى انتهى إلى النهر، وملأ جرّته وعاد. قال: فقلت له: يا هذا، أنت أعمى، والليل والنهار عندك سواه، فما تصنع بالسراج؟ قال: يا كثير الفضول، حملته لأعمى القلب مثلك، يستضىء به لئلا يعثر في الظلمة، فيقع علىّ ويكسر جرّتى.
قالوا: بلغ أبا العيناء «2» أنّ المتوكل يقول: لولا عمى أبى العيناء لاستكثرت منه؛ فقال: قولوا لأمير المؤمنين: إن كان يريدنى لرؤية الأهلّة ونظم اللآلىء واليواقيت وقراءة نقوش الخواتيم، فأنا لا أصلح لذلك؛ وإن كان يريدنى للمحاضرة والمنادمة والمذاكرة والمسامرة، فناهيك بى، فانتهى ذلك الى المتوكل فضحك منه، وأمر بإحضاره، فحضر ونادمه.
تزوّج بعض العميان بسوداء؛ فقالت له: لو نظرت الى حسنى وجمالى وبياضى لازددت فيّ حبّا. فقال لها: لو كنت كما تقولين ما تركك لى البصراء.
(4/22)

ذكر شىء من نوادر السؤّال
سأل أبو عون رجلا فمنعه، فألحّ عليه فأعطاه؛ فقال: اللهم آجرنا وإياهم، نسألهم إلحافا ويعطوننا كرها، فلا يبارك الله لنا فيها ولا يؤجرهم عليها.
وقف أعرابىّ سائل على باب وسأل؛ فأجابه رجل وقال: ليس هاهنا أحد.
فقال: إنك أحد لو جعل الله فيك بركة.
ووقف سائل على باب، وكانت صاحبة الدار تبول في البالوعة؛ فسمع السائل صوت بولتها فظنه نشيش المقلى، فقال: أطعمونا من هذا الذى تقلونه؛ فضرطت المرأة وقالت: حطبنا رطب ليس يشعل.
ووقف سائل على باب وقال: تصدّقوا علىّ فإنى جائع. قالوا: إلى الآن لم نخبز.
قال: فكفّ سويق. قالوا: ليس عندنا سويق. قال: فشربة من ماء فإنى عطشان.
قالوا: ما أتانا السقاء. قال: فيسير دهن أجعله في رأسى. قالوا: من أين لنا دهن.
فقال: يا أولاد الزنا، فما قعودكم هنا! قوموا واشحتوا «1» معى!
ذكر شىء من نوادر من اشتهر بالمجون
كان مزبّد ممن اشتهر بالمجون والنوادر، وله نوادر. فمنها ما قيل: إنه أخذه بعض الولاة وقد اتّهم بالشّرب، فاستنكهه، فلم يجد منه رائحة؛ فقال: قيّئوه.
فقال مزبّد: ومن يضمن عشائى أصلحك الله؟ فضحك منه وأطلقه. وهبّت ريح شديد فصاح الناس: القيامة، القيامة! فقال مزبّد: هذه قيامة على الريق بلا دابة، ولا دجّال، ولا القائم، ولا عيسى بن مريم، ولا يأجوج ومأجوج. وقيل له:
(4/23)

لم لا تكون كفلان؟ (يعنون رجلا موسرا) فقال: بأبى أنتم! كيف أشبّه بمن يضرط فيشمّت «1» وأعطس فألطم!. وقيل له: ما بال حمارك يتبلّد إذا توجّه نحو المنزل وحمير الناس إلى منازلها أسرع؟ قال: لأنه يعرف سوء المنقلب. ونظرت امرأته وهى حبلى الى قبح وجهه، فقالت: الويل لى إن كان الذى في بطنى يشبهك.
فقال لها: الويل لك إن لم يكن يشبهنى. وسمع رجلا يقول عن ابن عباس:
من نوى حجّة وعاقه عائق، كتبت له. فقال مزبّد: ما خرج العام كراء أرخص من هذا.
وممن اشتهر بالمجون أشعب.
ذكر شىء من نوادر أشعب وأخباره
هو أشعب بن جبير. واسمه شعيب، وكنيته أبو العلاء. وأمه أمّ الجلندح، وقيل:
أمّ حميد حميدة «2» . وهى مولاة أسماء بنت أبى بكر الصدّيق رضى الله عنها. وكان أبوه قد خرج مع المختار بن أبى عبيد؛ فأسره مصعب بن الزبير؛ فقال له: ويلك! تخرج علىّ وأنت مولاى! وقتله صبرا. وقد قيل في ولائه: إن أباه مولى عثمان ابن عفّان رضى الله عنه، وإن أمه كانت مولاة أبى سفيان بن حرب، وإن ميمونة أمّ المؤمنين أخذتها لمّا تزوّجها رسول الله صلّى الله عليه وسلم. وكانت تدخل على أزواج النبىّ صلّى الله عليه وسلم، فيستظر فنها؛ ثم صارت تنقل أحاديث بعضهنّ الى بعض، وتغرى بينهن. فدعا عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلم فماتت. وقد حكى
(4/24)

عن أشعب: أنه جلس يوما في مجلس فيه جماعة، فتفاخروا وذكر كل واحد منهم مناقبه وشرفه أو شجاعته أو شعره وغير ذلك مما يتمدّح به الناس ويتفاخرون؛ فوثب أشعب وقال: أنا ابن أمّ الجلندح، أنا ابن المحرّشة بين أزواج النبىّ صلّى الله عليه وسلم. فقيل له: ويلك! أو بهذا يفتخر الناس! قال: وأىّ افتخار أعظم من هذا! لو لم تكن أمّى عندهن ثقة لما قبلن روايتها في بعضهنّ بعضا. وقد حكى:
أنها زنت، فحلقت، وطيف بها على جمل، فكانت تنادى على نفسها: من رآنى فلا يزنين. فقالت لها امرأة: نهانا الله عزوجل عنه فعصيناه، ونطيعك وأنت مجلودة محلوقة، راكبة على جمل!. ونشأ أشعب بالمدينة في دور آل أبى طالب، وكفلته وتولّت تربيته عائشة بنت عثمان. وعمّر أشعب عمرا طويلا. وحكى عنه أنه قال: كنت مع عثمان رضى الله عنه يوم الدار لمّا حصر؛ فلما جرّد مماليكه السيوف ليقاتلوا كنت فيهم؛ فقال عثمان: من أغمد سيفه فهو حرّ. فلما وقعت في أذنى كنت والله أوّل من أغمد سيفه فعتقت. وكانت وفاته بعد سنة أربع وخمسين ومائة. وهذا القول يدل على أنه كان مولى عثمان بن عفّان رضى الله عنه.
وقد روى أبو الفرج الأصفهانىّ بإسناد رفعه الى إبراهيم بن المهدىّ عن عبيد ابن أشعب عن أبيه: أنه كان مولده في سنة تسع من الهجرة، وأن أباه كان من مماليك عثمان بن عفان. وعمّر أشعب حتى هلك في أيام المهدىّ. قال: وكانت فى أشعب خلال، منها: أنه كان أطيب أهل زمانه عشرة، وأكثرهم نادرة، وكان أقوم أهل دهره لحجج المعتزلة، وكان امرأ منهم. وقال مصعب بن عبد الله:
كان أشعب من القرّاء حسن الصوت بالقراءة، وكان قد نسك وغزا؛ وقد روى الحديث عن عبد الله بن جعفر. وقال الأصمعىّ: قال أشعب: نشأت أنا وأبى الزّناد
(4/25)

فى حجر عائشة بنت عثمان؛ فلم يزل يعلو وأسفل حتى بلغنا هذه المنزلة. وقال إسحاق ابن إبراهيم: كان أشعب مع ملاحته ونوادره يغنّى أصواتا فيجيدها. وفيه يقول عبد الله ابن مصعب الزبيرى عفا الله عنه:
اذا تمززت صراحيّة «1» ... كمثل ريح المسك أو أطيب
ثم تغنّى لى بأهزاجه ... زيد أخو الأنصار أو أشعب
حسبت أنى ملك جالس ... حفّت به الأملاك والموكب
وما أبالى وإله العلا «2» ... أشرّق العالم أم غرّبوا
ولأشعب نوادر مستظرفة وحكايات مستحسنة، وقد آن أن نذكرها. فمنها ما حكى أنه كان يقول: كلبى كلب سوء، يبصبص للأضياف، وينبح على أصحاب الهدايا. وقيل له: قد لقيت رجالا من أصحاب النبىّ صلّى الله عليه وسلم فلو حفظت أحاديث تتحدّث بها! فقال: أنا أعلم الناس بالحديث. قيل: فحدّثنا. قال: حدّثنى عكرمة عن ابن عبّاس رضى الله عنهم قال: خلّتان لا تجتمعان في مؤمن إلا دخل الجنة، ثم سكت، فقيل له: هات، ما الخلتان؟ قال: نسى عكرمة إحداهما ونسيت أنا الأخرى. وكان أشعب يحدّث عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما فيقول:
حدّثنى عبد الله، وكان يبغضنى في الله. وكان أشعب يلازم طعام سالم بن عبد الله ابن عمر رضى الله عنهم. فآشتهى سالم أن يأكل مع بناته فخرج الى البستان؛ فجاء أشعب الى منزل سالم على عادته؛ فأخبر بالقصة؛ فاكترى جملا بدرهم وجاء الى البستان. فلما حاذى الحائط وثب فصار عليه؛ فغطّى سالم بناته بثوبه وقال:
بناتى بناتى! فقال أشعب: (لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ) .
(4/26)

قال أشعب: جاءتنى جارية بدينار وقالت: هذا وديعة عندك؛ فجعلته بين ثنى الفراش. فجاءت بعد أيام وقالت: بأبى أنت! الدينار؛ فقلت ارفعى فراشى وخذى ولده فإنه قد ولد، وكنت قد تركت الى جنبه درهما، فأخذت الدرهم وتركت الدينار. وعادت بعد أيام فوجدت معه درهما آخر فأخذته، وفي الثالثة كذلك.
وجاءت في الرابعة، فلما رأيتها بكيت؛ فقالت: ما يبكيك؟ قلت: مات دينارك فى النفاس. فقالت: وكيف يكون للدينار نفاس؟ قلت: يا فاسقة! تصدّقين بالولادة ولا تصدّقين بالنفاس!.
ومن أخباره المستظرفة ما حكاه المدائنىّ، قال: قال أشعب: تعلّقت بأستار الكعبة فقلت: اللهم أذهب عنّى الحرص والطلب إلى الناس؛ فمررت بالقرشيين وغيرهم فلم يعطنى أحد شيئا. فجئت الى أمى، فقالت: مالك قد جئت خائبا؟
فأخبرتها بذلك؛ فقالت: والله لا تدخل حتى ترجع فتستقيل ربك. فرجعت فجعلت أقول: يا ربّ أقلنى، ثم رجعت، فما مررت بمجلس لقريش ولا غيرهم إلا أعطونى، ووهب لى غلام؛ فجئت الى أمى بجمال موقرة من كل شىء. فقالت:
ما هذا الغلام؟ فخفت أن أخبرها فتموت فرحا إن قلت: وهبوه لى. فقالت:
أىّ شىء هذا؟ فقلت: غين. قالت: أىّ شىء [غين] «1» ؟ قلت: لام. قالت:
أىّ شىء [لام] «2» ؟ [قلت: ألف. قالت: وأى شىء ألف «3» ] ؟ قلت: ميم.
قالت: وأىّ ميم؟ قلت: غلام؛ فغشى عليها. ولو لم أقطّع الحروف لماتت الفاسقة فرحا. قال: وجلس أشعب يوما الى جانب مروان بن أبان بن عثمان؛ فانفلتت من مروان ريح لها صوت؛ فانصرف أشعب يوهم الناس أنه هو الذى خرجت منه الريح. فلما انصرف مروان الى منزله جاءه أشعب فقال له: الدية،
(4/27)

قال: دية ماذا؟ قال: دية الضرطة التى تحملتها عنك، وإلا شهرتك؛ فلم يدعه حتى أخذ منه شيئا صالحه عليه.
وقال محمد بن أبى قبيلة: غذّى أشعب جديا بلبن أمّه وغيرها حتى بلغ غاية، ثم قال لزوجته أمّ ابنه وردان: إنى أحبّ أن ترضعيه بلبنك ففعلت. ثم جاء به الى إسماعيل بن جعفر بن محمد، فقال: تالله إنه لابنى، رضع بلبن زوجتى، قد حبوتك به، ولم أر أحدا يستأهله سواك. فنظر إسماعيل إليه وأمر به فذبح وسمط. فأقبل عليه أشعب وقال: المكافأة؛ فقال: ما عندى والله اليوم شىء، ونحن من تعرف، وذلك غير فائت لك. فلما يئس أشعب منه قام من عنده فدخل على أبيه جعفر، ثم اندفع فشهق حتى التقت أضلاعه، ثم قال: أخلنى.
قال: ما معنا أحد يسمع، ولا عليك عين. قال: وثب ابنك إسماعيل على ابنى فذبحه وأنا أنظر اليه. فارتاع جعفر وصاح: ويلك! وفيم؟ وتريد ماذا؟ قال:
أمّا ما أريد فو الله مالى في إسماعيل حيلة ولا يسمع هذا سامع أبدا بعدك. فجزاه خيرا وأدخله منزله وأخرج اليه مائتى دينار فقال: خذ هذه، ولك عندنا ما تحبّ.
قال: وخرج الى إسماعيل وهو لا يبصر ما يطأ عليه، فإذا به مسترسل في مجلسه.
فلما رأى وجه أبيه أنكره وقام إليه؛ فقال: يا إسماعيل، فعلتها بأشعب! قتلت ولده؟ قال: فاستضحك وقال: جاءنى، وأخبره الخبر. فأخبره أبوه بما كان منه وما صار إليه. قال: فكان جعفر يقول لأشعب: رعتنى راعك الله! فيقول:
روعة ابنك بنا في الجدى أكثر من روعتك بالمائتى الدينار.
قال المدائنىّ: دخل أشعب على الحسين بن علىّ رضى الله عنهما، وعنده أعرابىّ قبيح المنظر، مختلف الخلقة؛ فسبّح أشعب حين رآه وقال للحسين: بأبى أنت وأمى، أتأذن لى أن أسلح عليه؟ فقال: إن شئت. ومع الأعرابىّ قوس وكنانة، ففوّق
(4/28)

نحوه سهما، وقال: والله لئن فعلت لتكونن آخر سلحة سلحتها. فقال أشعب للحسين: جعلت فداك، أخذنى القولنج «1» . وعنه قال: توضأ أشعب فغسل رجله اليسرى وترك اليمنى. فقيل له: لم تركت غسل اليمنى؟ فقال: لأن النبىّ صلّى الله عليه وسلم قال: «أمتى غرّ محجّلون من آثار الوضوء «2» » وأنا أحب أن أكون أغرّ محجّلا مطلق اليمين. وقال: سمع أشعب حبّى المدنيّة تقول: اللهم لا تمتنى حتى تغفر لى ذنوبى؛ فقال لها: يا فاسقة! أنت لم تسألى الله تعالى المغفرة، وإنما سألته عمر الأبد! (يريد: أن الله لا يغفر لها أبدا) .
وقال الزبير بن بكّار: كان أشعب يوما في المسجد يدعو، وقد قبّض وجهه فصيّره كالصّبرة «3» المجموعة. فرآه عامر بن عبد الله بن الزبير فحصبه وناداه:
يا أشعب، إنما أنت تناجى ربك فناجه بوجه طليق. قال: فأرخى لحييه حتى وقعا على زوره «4» . قال: فأعرض عنه، وقال: ولا كلّ ذا.
وقال مصعب: بلغ أشعب أنّ الغاضرىّ قد أخذ في مثل مذهبه ونوادره، وأن جماعة استطابوه؛ فرقبهم حتى علم أنه في مجلس من مجالس قريش يحادثهم ويضحكهم، فصار اليهم، ثم قال: قد بلغنى انك قد نحوت نحوى، وشغلت عنى من كان يألفنى؛ فإن كنت مثلى فافعل كما أفعل. ثم غضّن وجهه وعرّضه وشنّجه، حتى صار عرضه أكثر من طوله، وصار في هيئة لم يعرفه أحد بها، ثم أرسل
(4/29)

وجهه حتى كاد ذقنه يجوز صدره، وصار كأنه وجه الناظر في سيف؛ ثم نزع ثيابه وتحادب، فصار في ظهره حدبة كسنام للبعير، وصار طوله مقدار شبر، ثم نزع سراويله، وجعل يمد جلد خصييه حتى حك بهما الأرض، ثم خلّاهما من يده، وجعل يميس، وهما يخطان الأرض، ثم قام فتطاول وتمدّد وتمطّى، حتى صار كأطول ما يكون من الرجال. فضحك القوم حتى أغمى عليهم، وقطع بالغاضرىّ فما تكلم بنادرة ولا زاد على أن يقول: يا أبا العلاء، لا أعاود ما تكره أبدا، إنما أنا عبدك وتخريجك؛ ثم انصرف أشعب وتركه.
وقال الزبير بن بكّار: حدثنى عمّى، قال: لقى أشعب صديق لأبيه، فقال له:
ويلك يا أشعب! كان أبوك الحى وأنت أقطّ «1» ، فإلى من خرجت تشبه؟ قال:
إلى أمّى.
وقال الهيثم بن عدىّ: لقيت أشعب فقلت له: كيف ترى أهل زمانك هذا؟ قال: يسألوننى عن أحاديث الملوك؛ ويعطوننى عطاء العبيد.
وقال مصعب بن عثمان: لقى أشعب سالم بن عبد الله بن عمر، فقال له:
يا أشعب، هل لك في هريس أعدّ لنا؟ قال: نعم، بأبى أنت وأمى. فمضى أشعب إلى منزله؛ فقالت له امرأته: قد وجّه عبد الله بن عمرو بن عثمان يدعوك، قال: ويحك! إن لسالم بن عبد الله هريسة قد دعانى اليها، وعبد الله بن عمرو فى يدى متى شئت، وسالم إنما دعوته للناس فلتة، وليس لى بدّ من المضىّ اليه.
قالت: إذا يغضب عبد الله. قال: آكل عنده ثم أصير إلى عبد الله. فجاء إلى منزل سالم فجعل يأكل أكل متعالل. فقال له: كل يا أشعب، وابعث ما فضل
(4/30)

عنك إلى منزلك. قال: ذلك أردت، بأبى أنت وأمّى. قال: فقال: يا غلام، احمل هذا إلى منزله، فحمله ومشى أشعب معه. فقالت امرأته: ثكلتك أمّك، قد حلف عبد الله لا يكلّمك شهرا؛ قال: دعينى وإياه، هاتى شيئا من زعفران؛ فأعطته، فأخذه ودخل الحمّام، فمسحه على وجهه وبدنه، وجلس في الحمام حتى صفّره، وخرج متوكأ على عصا يرعد حتى أتى دار عبد الله بن عمرو بن عثمان. فلما رآه حاجبه قال: ويحك! بلغت بك العلّة ما أرى. ودخل فأعلم صاحبه، فأذن له.
فلما دخل عليه، إذا سالم بن عبد الله عنده، فجعل يزيد في الرعدة، ويقارب الخطو، وجلس وما كاد أن يستقلّ. فقال عبد الله: ظلمناك يا أشعب في غضبنا عليك.
فقال له سالم: ويلك! مالك؟ ألم تكن عندى آنفا وأكلت هريسة! قال: لقد شبّه لك، لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: لعل الشيطان يتشبّه بك. قال أشعب:
علىّ وعلىّ إن كنت رأيتك منذ شهر. فقال له عبد الله: اعزب ويلك عن خالى! أتبهته لا أمّ لك! قال: ما قلت إلا حقّا. قال: بحياتى اصدقنى وأنت آمن من غضبى. قال: وحياتك لقد صدق؛ وحدّثه بالقصة؛ فضحك حتى استلقى على قفاه.
وقال المدائنىّ والهيثم بن عدىّ: بعث الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان إلى أشعب بعد ما طلق امرأته سعدة، فقال له: يا أشعب، لك عندى عشرة آلاف درهم على أن تبلّغ رسالتى سعدة. فقال له: أحضر المال حتى أنظر اليه، فأحضر الوليد بدرة، فوضعها أشعب على عنقه، وقال: هات رسالتك. قال:
قل لها يقول لك:
أسعدة هل اليك لنا سبيل ... وهل حتى القيامة من تلاق
بلى! ولعلّ دهرا أن يؤاتى ... بموت من حليلك أو طلاق
(4/31)

فأصبح شامتا وتقرّ عينى ... ويجمع شملنا بعد افتراق
قال: فأتى أشعب الباب فأخبرت بمكانه، فأمرت ففرش لها فرش وجلست وأذنت له؛ فدخل فأنشدها. فلما أنشد البيت الأوّل:
أسعدة هل اليك لنا سبيل ... وهل حتى القيامة من تلاق
قالت: لا والله، لا يكون ذلك أبدا. فلما أنشد البيت الثانى:
بلى! ولعلّ دهرا أن يؤاتى ... بموت من حليلك أو طلاق
قالت: كلّا إن شاء الله، بل يفعل الله ذلك به. فلما أنشد البيت الثالث:
فأصبح شامتا وتقرّ عينى ... ويجمع شملنا بعد افتراق
قالت: بل تكون الشماتة به. ثم قالت لخدمها: خذوا الفاسق. فقال:
يا سيّدتى، إنها عشرة آلاف درهم. قالت: والله لأقتلنّك أو تبلّغه كما بلّغتنى. قال:
وما تهبين لى؟ قالت: بساطى الذى تحتى. قال: قومى عنه؛ فقامت، فطواه، ثم قال: هاتى رسالتك، جعلت فداك! قالت: قل له:
أتبكى على لبنى وأنت تركتها ... فقد ذهبت لبنى فما أنت صانع؟
فأقبل أشعب، حتى دخل على الوليد، فأنشده البيت. فقال: أوّه قتلتنى والله! فما ترانى صانعا بك يا ابن الزانية! اختر إمّا أنّ أدليك منكّسا في بئر، أو أرميك من فوق القصر منكّسا، أو أضرب رأسك بعمودى هذا ضربة. قال له: ما كنت فاعلا بى شيئا من ذلك. قال: ولم؟ قال: لأنك لم تكن لتعذّب عينين قد نظرتا إلى سعدة! قال: صدقت يا ابن الزانية! وروى أبو الفرج الأصفهانىّ بإسناده إلى إبراهيم بن المهدىّ عن ابن أشعب عن أبيه، قال: دعى ذات يوم بالمغنّيين إلى الوليد بن يزيد، وكنت نازلا معهم،
(4/32)

فقلت للرسول: خذنى فيهم؛ قال: لم أؤمر بك، إنما أمرت بإحضار المغنيين، وأنت بطّال لا تدخل في جملتهم. فقلت له: أنا والله أحسن غناء منهم؛ ثم اندفعت فغنّيت. فقال: لقد سمعت حسنا، ولكن أخاف. قلت: لا خوف عليك؛ ولك مع ذلك شرط. قال: وما هو؟ قلت: كل ما أصبت فلك شطره؛ فأشهد علىّ الجماعة، ومضينا حتى دخلنا على الوليد، وهو لقس النفس؛ فغنّاه المغنّون في كل فنّ فلم يتحرّك ولم ينشط. فقام الأبجر إلى الخلاء، وكان خبيثا داهيا، فسأل الخادم عن خبره؛ فقال: بينه وبين امرأته شرّ، لأنه عشق أختها فغضبت عليه، وهو إلى أختها أميل، وقد عزم على طلاقها، وحلف ألّا يذكرها أبدا بمراسلة أو مخاطبة، فخرج على هذه الحال من عندها. فعاد الأبجر الينا، وجلس ثم اندفع يغنّى:
فبينى فإنى لا أبالى وأيقنى ... أصعّد باقى حبّكم أم تصوّبا
ألم تعلمى أنى عزوف عن الهوى ... إذا صاحبى من غير شىء تغضّبا
فطرب الوليد وارتاح، وقال للأبجر: أصبت والله يا عبيد ما في نفسى، وأمر له بعشرة آلاف درهم وشرب حتى سكر، ولم يحظ أحد بشىء سوى الأبجر. فلما أيقنت بانقضاء المجلس وثبت فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر من يضر بنى مائة سوط الساعة بحضرتك! فضحك، ثم قال: قبّحك الله! وما السبب في ذلك؟ فأخبرته بقصّتى مع الرسول، وقلت له: إنه بدأنى بالمكروه في أوّل يومه فاتصل «1» علىّ إلى آخره، فأريد أن أضرب مائة سوط ويضرب بعدى مثلها. فقال: لقد لطّفت، بل أعطوه مائة دينار، وأعطوا الرسول خمسين دينارا من مالنا عوض الخمسين التى أراد أخذها من أشعب، فقبضتها وانصرفت.
(4/33)

قال ابن زبنّج «1» : كان أبان بن عثمان من أهزل الناس وأعبثهم «2» ، فبينا نحن ذات يوم عنده وعنده أشعب، إذ أقبل أعرابىّ معه جمل، والأعرابىّ أشقر أزرق أزعر يتلظّى كأنه أفعى، والشرّبيّن في وجهه، ما يدنو منه أحد إلا شتمه ونهره؛ فقال أبان: هذا والله من البادية «3» ، ادعوه لى، فدعوه له وقيل: إن الأمير أبان بن عثمان يدعوك؛ فأتاه فسلّم عليه، فسأله أبان بن عثمان عن نسبه، فانتسب له. فقال له أبان:
حيّاك الله يا خال، اجلس، فجلس. فقال له: إنى أطلب جملا مثل جملك هذا منذ زمان فلم أجده كما أشتهى بهذه الصفة وهذه الهامة والصورة والورك والأخفاف، والحمد لله الذى جعل ظفرى به عند من أحبّه، أتبيعنيه؟ فقال: نعم أيها الأمير.
قال: فإنى قد بذلت لك به مائة دينار؛ فطمع الأعرابىّ وسرّ بذلك وانتفخ، وبان الطمع في وجهه. فأقبل أبان على أشعب ثم قال له: ويلك يا أشعب! إن خالى هذا من أهلك وأقاربك (يعنى: فى الطمع) فأوسع له مما عندك؛ قال: نعم، بأبى أنت وزيادة. فقال له أبان: يا خال، إنما زدتك في الثمن على بصيرة أنّ الجمل يساوى ستين دينارا، ولكنى بذلت لك مائة دينار لقلة النقد عندنا، وإنى أعطيك عروضا تساوى مائة دينار؛ فزاد طمع الأعرابىّ وقال: قد قبلت ذلك أيها الأمير.
وأسرّ أبان الى أشعب، فأخرج شيئا مغطّى، فقال له: أخرج ما جئت به؛ فأخرج جرد عمامة تساوى أربعة دراهم. فقال له: قوّمها يا أشعب. فقال: عمامة الأمير يشهد فيها الأعياد والجمع ويلقى فيها الخلفاء! خمسون دينارا. قال: ضعها بين يديه،
(4/34)

وقال لابن زبنّج: أثبت قيمتها، فكتب ذلك، ووضعت العمامة بين يدى الأعرابىّ؛ فكاد يدخل بعضه في بعض غيظا، ولم يقدر على الكلام. قال: هات قلنسوتى، فأخرج قلنسوة طويلة خلقا «1» قد علاها الوسخ والدّهن وتخرّقت تساوى نصف درهم.
قال: قوّم؛ فقال: قلنسوة الأمير تعلو هامته، ويصلّى فيها الصلوات الخمس، ويجلس فيها للحكم! ثلاثون دينارا. قال: أثبت، فأثبت ذلك، ووضعت القلنسوة بين يدى الأعرابىّ فاربدّ وجهه وحجظت عيناه وهمّ بالوثوب، ثم تماسك وهو مقلقل. ثم قال لأشعب: هات ما عندك؛ فأخرج خفّين خلقين قد نقبا وتقشّرا وتفتّتا، فقال: قوّم؛ فقال: خفّا الأمير يطأ بهما الروضة، ويعلو بهما منبر النبىّ صلى الله عليه وسلم! أربعون دينارا، فقال: ضعهما بين يديه. ثم قال للأعرابى:
أضمم اليك متاعك، وقال لبعض الأعوان: امض مع الأعرابىّ واقبض ما بقى لنا عليه من ثمن المتاع، وهو عشرون دينارا. فوثب الأعرابىّ فأخذ القماش فضرب به وجوه القوم لا يألو في شدّة الرمى، ثم قال له: أتدرى في أى شىء أموت؟ قال لا؛ قال: لم أدرك «2» أباك عثمان فأشترك والله في دمه إذ ولد مثلك! ثم نهض كالمجنون حتى أخذ برأس بعيره؛ وضحك أبان حتى سقط، وضحك من كان معه. فكان الأعرابىّ بعد ذلك إذا لقى أشعب يقول له: هلمّ إلىّ يابن الخبيثة، حتى أكافئك على تقويمك «3» المتاع يوم قوّمت؛ فيهرب منه أشعب.
وقال المدائنىّ: حدّثنى شيخ من أهل المدينة قال: كانت امرأة شديدة العين، لا تنظر الى شىء فتستحسنه إلا عانته؛ فدخلت على أشعب وهو في الموت، وهو
(4/35)

يقول لابنته: يا بنية، إذا أنا مت فلا تندبينى، والناس يسمعونك، وتقولين: وا أبتاه، أندبك للصوم والصلاة، للفقه والقرآن، فيكذّب الناس ويلعنوننى. ثم التفت فرأى المرأة، فغطّى وجهه بكمه وقال لها: يا فلانة، بالله إن كنت استحسنت شيئا مما أنا فيه، فصلى على النبىّ صلّى الله عليه وسلم ولا تهلكينى؛ فغضبت المرأة وقالت:
سخنت عينك! وفي أى شىء أنت مما يستحسن؟ أنت في آخر رمق! قال: قد علمت، ولكن قلت لئلا «1» تكونى قد استحسنت خفة الموت علىّ وسهولة النزع، فيشتدّ ما أنا فيه. فخرجت من عنده وهى تسبّه، وضحك من كان حوله من كلامه ومات.
ذكر شىء من نوادر أبى دلامة
هو أبو دلامة زند بن الجون. وزند بالنون. وهو كوفىّ، أسود، مولى لبنى أسد؛ كان أبوه عبدا لرجل منهم يقال له قصاقص، فأعتقه. وأدرك آخر زمن بنى أمية ولم يكن له نباهة في أيامهم، ونبغ في أيام بنى العباس، فانقطع الى أبى العباس السفّاح وأبى جعفر المنصور والمهدىّ، وكانوا يقدّمونه ويفضّلونه ويستطيبون مجالسته ونوادره.
قال أبو الفرج الأصفهانىّ: كان أبو دلامة ردىء المذهب، مرتكبا للمحارم، مضيّعا للفروض، متجاهرا بذلك؛ وكان يعلم هذا منه ويعرف به، فيتجافى عنه للطف محلّه. وله أخبار وأشعار ليس هذا موضع ذكرها، وإنما نثبت في هذا الموضع ما له من نادرة أو حكاية مستظرفة. فمن ذلك أنه دخل على أبى جعفر المنصور، وكان المنصور قد أمر أصحابه بلبس السواد والقلانس الطوال، تدعم «2» بعيدان من
(4/36)

داخلها، وأن يعلّقوا السيوف في المناطق، ويكتبوا على ظهورهم: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
. فلما دخل عليه أبو دلامة في هذا الزىّ قال له المنصور:
ما حالك؟ قال: شرّ حال يا أمير المؤمنين، وجهى في نصفى، وسيفى في استى، وقد صبغت بالسواد ثيابى ونبذت كتاب الله وراء ظهرى؛ ثم أنشد:
وكنا نرجى منحة من إمامنا ... فجاءت بطول زاده في القلانس
تراها على هام الرجال كأنها ... دنان «1» يهود جلّلت بالبرانس
فضحك منه المنصور وأعفاه وحذّره من ذلك، وقال: إياك أن يسمع هذا منك أحد.
وحكى عنه: أنه كان واقفا بين يدى السفاح أو المنصور، فقال له: سلنى حاجتك؛ فقال أبو دلامة: كلب صيد؛ قال: أعطوه إياه. قال: ودابّة أتصيّد عليها. قال: أعطوه. قال: وغلام يقود الكلب ويتصيّد به؛ قال: أعطوه غلاما.
قال: وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه؛ قال: أعطوه جارية. قال: هؤلاء يا أمير المؤمنين عيال «2» فلا بدّ لهم من دار يسكنونها؛ قال: أعطوه دارا تجمعهم.
قال: فإن لم يكن ضيعة فمن أين يعيشون؟ قال: قد أقطعتك مائة جريب»
عامرة ومائة جريب غامرة. قال: وما الغامرة؟ قال: مالا نبات فيه. قال: قد أقطعتك يا أمير المؤمنين خمسمائة ألف جريب غامرة من فيافى بنى أسد. فضحك وقال:
اجعلوا المائتين كلها عامرة. قال: فأذن لى أن أقبّل يدك؛ قال: أمّا هذه فدعها، فإنى لا أفعل. قال: والله ما منعت عيالى شيئا أقلّ عليهم ضررا منها.
(4/37)

وروى: أنه دخل على المنصور فأنشده قصيدته التى يقول فيها:
إنّ الخليط أجدّوا البين فانتجعوا ... وزوّدوك خبالا بئس ما صنعوا
والله يعلم أن كادت، لبينهم ... يوم الفراق، حصاة القلب تنصدع
عجبت من صبيتى يوما وأمّهم ... أمّ الدّلامة لمّا هاجها الجزع
لا بارك الله فيها من منبّهة ... هبّت تلوم عيالى بعد ما هجعوا
ونحن مشتبهو الألوان، أوجهنا ... سود قباح، وفي أسمائنا شنع
إذا تشكّت إلىّ الجوع، قلت لها ... ما هاج جوعك إلا الرّىّ والشّبع
أذابك الجوع مذ صارت عيالتنا ... على الخليفة منه الرىّ والشبع «1»
لا والذى يا أمير المؤمنين قضى ... لك الخلافة في أسبابها الرّفع
ما زلت أخلصها كسبى فتأكله ... دونى ودون عيالى ثم تضطجع
شوهاء مشنأة «2» فى بطنها ثجل «3» ... وفي المفاصل من أوصافها فدع «4»
ذكّرتها بكتاب الله حرمتنا ... ولم تكن بكتاب الله ترتجع
فاخر نطمت «5» ثم قالت وهى مغضبة «6» ... أأنت تتلو كتاب الله يا لكع!
(4/38)

أخرج تبغّ لنا مالا ومزرعة ... كما لجيراننا مال ومزدرع
واخدع خليفتنا عنّا بمسألة ... إنّ الخليفة للسّؤال ينخدع
قال: فضحك أبو جعفر وقال: أرضوها عنه بمائتى جريب عامرة- ويروى ستمائة جريب عامرة وغامرة- فقال: أنا أقطعك يا أمير المؤمنين أربعة آلاف جريب غامرة فيما بين الحيرة والنّجف، وإن شئت زدتك. فضحك وقال: اجعلوها كلها عامرة.
قال: ولما توفّى السفّاح دخل أبو دلامة على المنصور والناس عنده يعزّونه، فقال:
أمسيت بالأنبار يابن محمد ... لم تستطع عن عقرها تحويلا
وبلى عليك وويل أهلى كلّهم ... ويلا وعولا في الحياة طويلا
فلتبكينّ لك السماء بعبرة ... ولتبكينّ لك الرجال عويلا
مات الندى إذ متّ يابن محمد ... فجعلته لك في التراب عديلا
إنى سألت الناس بعدك كلّهم ... فوجدت أسمح من سألت بخيلا
ألشقوتى أخّرت بعدك للتى ... تدع العزيز من الرجال ذليلا؟
فلأحلفنّ يمين حقّ برّه ... تالله ما أعطيت بعدك سولا
قال: فأبكى الناس قوله: فغضب المنصور غضبا شديدا وقال: إن سمعتك تنشد هذه القصيدة لأقطعنّ لسانك. قال: يا أمير المؤمنين، إنّ أبا العباس أمير المؤمنين كان لى مكرما، وهو الذى جاء بى من البدو، كما جاء الله بإخوة يوسف اليه؛ فقل كما قال يوسف: (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)
. فسرّى عن المنصور وقال: قد أقلناك يا أبا دلامة، فسل حاجتك. قال: يا أمير المؤمنين، قد كان أبو العباس أمر لى بعشرة آلاف درهم وخمسين ثوبا وهو مريض ولم أقبضها. فقال المنصور: ومن يعلم ذلك؟ قال: هؤلاء (وأشار الى جماعة ممن حضر) فوثب سليمان ابن مجالد وأبو الجهم فقالا: صدق أبو دلامة، نحن نعلم ذلك. فقال المنصور لأبى
(4/39)

أيّوب الخازن [وهو مغيظ «1» ] : يا سليمان ادفعها اليه وسيّره الى هذا الطاغية (يعنى عبد الله بن علىّ، وكان قد خرج بالشام وأظهر الخلاف) فوثب أبو دلامة وقال:
يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله أن أخرج معهم، وو الله إنى مشئوم. قال المنصور:
امض فإن يمنى يغلب شؤمك. فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما أحبّ أن يجرّب ذلك منّى على مثل هذا العسكر، فإنى لا أدرى أيّهما يغلب: يمنك أو شؤمى؛ إلّا أنى بنفسى أوثق وأعرف وأطول تجربة. فقال: دعنى وهذا، فمالك من الخروج بدّ.
قال: فإنى أصدقك الان، شهدت والله تسعة عشر عسكرا كلها هزمت، وكنت سببها، فإن شئت الآن على بصيرة أن يكون عسكرك تمام العشرين فافعل. فضحك المنصور وأمره أن يتخلّف مع عيسى بن موسى بالكوفة.
وعن جعفر بن حسين اللهبىّ قال: حدثنى أبو دلامة قال: أتى بى المنصور او المهدىّ وأنا سكران، فحلف ليخرجنّى في بعث حرب؛ فأخرجنى مع روح بن حاتم المهلّبىّ لقتال الشّراة «2» . فلما التقى الجمعان قلت لروح: أما والله لو أنّ تحتى فرسك ومعى سلاحك لأثّرت في عدوّك اليوم أثرا ترتضيه! فضحك وقال: والله العظيم لأدفعنّ اليك ذلك ولآخذنّك بالوفاء بشرطك؛ فنزل عن فرسه ونزع سلاحه ودفع ذلك إلىّ، ودعا بغيره فاستبدل به. فلمّا حصل ذلك في يدى قلت: أيها الأمير، هذا مقام العائذ بك، وقد قلت أبياتا فاسمعها. قال: هات، فأنشدته:
إنى استجرتك أن أقدّم في الوغى ... لتطاعن وتنازل وضراب
فهب السيوف رأيتها مشهورة ... وتركتها ومضيت في الهرّاب
ماذا تقول لما يجىء ولا يرى ... من بادرات الموت بالنّشّاب
(4/40)

فقال: دع هذا عنك، وبرز رجل من الخوارج يدعو الى المبارزة فقال:
اخرج اليه يا أبا دلامة. فقال: أنشدك الله أيها الأمير في دمى. فقال: والله لتخرجنّ! فقلت: أيها الأمير، فإنه أوّل يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا، وأنا والله جائع ما تنبعث منى جارحة من الجوع، فمر لى بشىء آكله ثم أخرج؛ فأمر لى برغيفين ودجاجة؛ فأخذت ذلك وبرزت عن الصفّ. فلما رآنى الشارى أقبل نحوى وعليه فرو قد أصابه المطر فابتلّ، وأصابته الشمس فاقفعلّ «1» وعيناه تقدان، فأسرع إلىّ؛ فقلت: على رسلك يا هذا! فوقف؛ فقلت: أتقتل من لا يقاتلك؟
قال لا. قلت: أنستحلّ أن تقتل رجلا على دينك؟ قال لا. قلت: أفتستحلّ ذلك قبل أن تدعو من تقاتله الى دينك؟ قال: لا، فاذهب عنى الى لعنة الله، فقلت: لا أفعل أو تسمع منى. قال: قل. فقلت: هل كانت بيننا عداوة أو ترة أو تعرفنى بحال تحفظك علىّ أو تعلم بينى وبين أهلك وترا؟ قال: لا والله؛ قلت:
ولا أنا والله لك إلا على جميل [الرأى «2» ] ، فإنى لأهواك وأنتحل مذهبك وأدين دينك وأريد السوء لمن أرادك. فقال: يا هذا، جزاك الله خيرا فانصرف. قلت: إنّ معى زادا أريد أن آكله وأريد مؤاكلتك لتتوكّد المودّة بيننا ويرى أهل العسكرين هوانهم علينا؛ قال: فافعل. فتقدّمت اليه حتى اختلفت أعناق دوابّنا وجمعنا أرجلنا على معارفها وجعلنا نأكل والناس قد غلبوا ضحكا. فلما استوفينا ودّعنى، ثم قلت له:
إنّ هذا الجاهل، إن أقمت على طلب المبارزة ندبنى اليك فتتعب وتتعبنى، فإن رأيت ألّا تبرز اليوم فافعل. قال: قد فعلت؛ فانصرف وانصرفت. فقلت لروح:
أمّا أنا فقد كفيتك قرنى، فقل لغيرى يكفيك قرنه كما كفيتك. وخرج آخر يدعو الى البراز؛ فقال لى: اخرج اليه، فقلت:
(4/41)

إنى أعوذ بروح أن يقدّمنى ... الى القتال فتخزى بى بنو أسد
إن البراز الى الأقران أعلمه ... مما يفرّق بين الرّوح والجسد
قد حالفتك المنايا إذ رصدت لها ... وأصبحت لجميع الخلق كالرّصد
إنّ المهلّب حبّ الموت أورثكم ... فما ورثت اختيار الموت عن أحد
لو أنّ لى مهجة أخرى لجدت بها ... لكنها خلقت فردا فلم أجد
قال: فضحك روح وأعفانى.
قال: وشرب أبو دلامة في بعض الحانات وسكر، فمشى وهو يميل، فلقيه العسس فأخذه؛ فقيل له: من أنت؟ وما دينك؟ فقال:
دينى على دين بنى العبّاس ... ما ختم الطّين على القرطاس
إذا اصطحبت أربعا بالكاس ... فقد أدار شربها براسى
فهل بما قلت لكم من باس
فأخذوه وخرقوا ثيابه وساجه «1» ، وأتى به الى أبى جعفر، فأمر بحبسه مع الدّجاج فى بيت. فلما أفاق جعل ينادى غلامه مرّة وجاريته أخرى فلا يجيبه أحد، وهو مع ذلك يسمع صوت الدّجاج وزقاء «2» الديك. فلمّا أكثر قال له السجّان:
ما شأنك؟ قال: ويلك! من أنت؟ وأين أنا؟ قال: أنت في الحبس، وأنا فلان السجّان. قال: ومن حبسنى؟ قال: أمير المؤمنين. قال: ومن خرق طيلسانى؟
قال: الحرس. فطلب أن يأتيه بدواة وقرطاس، ففعل فأتاه؛ فكتب الى أبى جعفر المنصور يقول:
أمير المؤمنين فدتك نفسى ... علام حبستنى وخرقت ساجى
(4/42)

أمن صهباء صافية المزاج ... كأنّ شعاعها لهب السّراج
وقد طبخت بنار الله حتى ... لقد صارت من النّطف النّضاج
تهشّ لها القلوب وتشتهيها ... اذا برزت ترقرق في الزّجاج
أقاد الى السجون بغير جرم ... كأنى بعض عمّال الخراج!
فلو معهم حبست لكان سهلا ... ولكنى حبست مع الدجاج
وقد كانت تخبّرنى ذنوبى ... بأنى من عقابك غير ناج
على أنّى وإن لاقيت شرّا ... لخيرك بعد ذاك الشرّ راجى
فاستدعاه المنصور وقال: أين حبست يا أبا دلامة؟ قال: مع الدّجاج. قال:
فما كنت تصنع؟ قال: أقوقىء «1» معهم الى الصباح؛ فضحك وخلّى سبيله وأمر له بجائزة. فلما خرج قال الربيع: إنه شرب الخمر يا أمير المؤمنين، أما سمعت قوله:
وقد طبخت بنار الله؟ (يعنى الشمس) قال: لا والله، ما عنيت إلا نار الله الموقدة التى تطّلع على فؤاد الربيع. فضحك المنصور وقال: خذها يا ربيع ولا تعاود التعرّض له.
وروى عن المدائنىّ قال: دخل أبو دلامة على المهدىّ وعنده إسماعيل بن على وعيسى بن موسى والعبّاس بن محمد بن إبراهيم الإمام وجماعة من بنى هاشم؛ فقال له المهدىّ: أنا أعطى الله عهدا إن لم تهج واحدا ممن في البيت، لأقطعنّ لسانك أو لأضربنّ عنقك. فنظر اليه القوم، وكلما نظر إلى أحد منهم غمزه بأنّ علىّ رضاك. قال أبو دلامة: فعلمت أنى قد وقعت وأنها عزمة من عزماته لا بدّ منها، فلم أر أحدا أحقّ بالهجاء منّى ولا أدعى الى السلامة من هجاء نفسى، فقلت:
ألا أبلغ لديك أبا دلامه ... فلست من الكرام ولا كرامه
(4/43)

إذا لبس العمامة كان «1» قردا ... وخنزيرا إذا نزع العمامه
جمعت دمامة وجمعت لؤما ... كذاك اللؤم تتبعه الذمامه
فإن تك قد أصبت نعيم دنيا ... فلا تفرح فقد دنت القيامه
فضحك القوم ولم يبق منهم أحد إلا أجازه.
قال: وخرج المهدىّ وعلىّ بن سليمان الى الصيد، فسنح لهما قطيع من ظباء.
فأرسلت الكلاب وأجريت الخيل، ورمى المهدىّ سهما فأصاب ظبيا، ورمى علىّ بن سليمان فأصاب بعض الكلاب فقتله؛ فقال أبو دلامة:
قد رمى المهدىّ ظبيا ... شكّ بالسهم فؤاده
وعلىّ بن سليما ... ن رمى كلبا فصاده
فهنيئا لهما كلّ ... امرىء يأكل زاده
فضحك المهدىّ حتى كاد يسقط عن سرجه، وقال: صدق والله أبو دلامة، وأمر له بجائزة سنية؛ فلقّب علىّ بن سليمان بعد ذلك صائد الكلب، فغلب عليه.
قال: وتوفّيت حمادة بنت عيسى، وحضر المنصور جنازتها؛ فلما وقف على حفرتها قال لأبى دلامة: ما أعددت لهذه الحفرة؟ قال: ابنة عمك يا أمير المؤمنين حمادة بنة عيسى يجاء بها الساعة فتدفن فيها. فضحك المنصور حتى غلب وستر وجهه.
قال الهيثم بن عدىّ رحمة الله عليه: حجّت الخيزران، فلما خرجت، صاح أبو دلأمة: جعلنى الله فداك، الله الله في أمرى! فقالت: من هذا؟ قالوا: أبو دلامة.
فقالت: سلوه ما أمره؛ قالوا له: ما أمرك؟ قال: أدنونى من محملها؛ قالت أدنوه؛ فأدنى، فقال لها: أيها السيدة، إنى شيخ كبير وأجرك فيّ عظيم. قالت:
(4/44)

فمه! قال: تهبينى جارية من جواريك تؤنسنى، وترفق بى وتريحنى من عجوز عندى؛ قد أكلت رفدى، وأطالت كدّى؛ فقد عاف جلدى جلدها، وتشوّقت فقدها.
فضحكت الخيزران وقالت: سوف آمر لك بما سألت. فلمّا رجعت تلقاها وأذكرها وخرج معها الى بغداد، فأقام حتى غرض «1» . ثم دخل على أمّ عبيدة حاضنة موسى وهارون فدفع اليها رفعة قد كتب بها الى الخيزران، فيها:
أبلغى سيّدتى بالله ... يا أمّ عبيده
أنّها أرشدها الله ... وإن كانت رشيده
وعدتنى قبل أن تخرج ... للحج وليده
فتأنّيت وأرسلت ... بعشرين قصيده
كلما أخلقن أخلفت ... لها أخرى جديده
ليس في بيتى لتمهيد ... فراشى من قعيده
غير عجفاء عجوز ... ساقها مثل القديده
وجهها أقبح من حو ... ت طرىّ في عصيده
ما حياة مع أنثى ... مثل عرسى بسعيده
فلما قرئت عليها، ضحكت ودعت بجارية من جواريها فائقة الجمال، فقالت لها:
خذى كل مالك في قصرى، ففعلت؛ ثم دعت بعض الخدم وقالت له: سلّمها الى أبى دلامة. فانطلق الخادم بها فلم يصادفه في منزله؛ فقال لامرأته: اذا رجع أبو دلامة فادفعيها اليه وقولى له: تقول لك السيدة: أحسن صحبة هذه الجارية فقد أمرت لك بها. فقالت له نعم. فلما خرج الخادم دخل ابنها دلامة فوجد أمّه تبكى؛ فسألها عن خبرها فأخبرته وقالت: إن أردت أن تبرّنى يوما من الأيام فاليوم.
(4/45)

قال: قولى ما شئت فإنى أفعله. قالت: تدخل عليها فتعلمها أنك مالكها وتطؤها فتحرّمها عليه وإلا ذهبت بعقله فجفانى وجفاك، ففعل ودخل الى الجارية فوطئها ووافقها ذلك منه، وخرج. فدخل أبو دلامة فقال لامرأته: أين الجارية؟ قالت:
فى ذلك البيت، فدخل اليها شيخ محطّم ذاهب، فمدّ يده اليها وذهب ليقبّلها؛ فقالت:
مالك ويحك! تنحّ وإلّا لطمتك لطمة دققت منها أنفك. فقال لها: أبهذا أوصتك السيّدة؟ قالت: إنها بعثت بى الى فتى من هيئته وحاله كيت وكيت، وقد كان عندى آنفا ونال منى حاجته. فعلم أنه قد دهى من أمّ دلامة وابنها. فخرج أبو دلامة الى دلامة فلطمه ولبّبه «1» وحلف ألّا يفارقه إلا الى المهدىّ. فمضى به ملببّا «2» حتى وقف بباب المهدىّ، فعرّف خبره؛ وأنه جاء بابنه على تلك الحال. فأمر بإدخاله فلما دخل قال: مالك؟ قال: فعل بى هذا ابن الخبيثة ما لم يفعله ولد بأبيه، ولا يرضينى إلا أن تقتله. قال: ويحك! وما فعل بك؟ فأخبره الخبر؛ فضحك حتى استلقى ثم جلس. فقال له أبو دلامة: أعجبك فعله فتضحك منه؟! فقال: علىّ بالسيف والنّطع. فقال له دلامة: قد سمعت قوله يا أمير المؤمنين، فاسمع حجّتى. قال:
هات! قال: هذا الشيخ أصفق الناس وجها، هو يفعل بأمّى منذ أربعين سنة ما غضبت، وفعلت أنا بجاريته مرّة واحدة غضب وصنع بى ما ترى. فضحك المهدىّ أشدّ من ضحكه الأوّل، ثم قال: دعها له يا أبا دلامة، وأنا أعطيك خيرا منها؛ قال: على أن تخبأها لى بين السماء والأرض وإلا فعل بها والله كما فعل بهذه؛ فتقدّم إلى دلامة ألّا يعاود مثل فعله، وحلف أنه إن عاود قتله، ثم وهب له جارية.
(4/46)

قال عبد الله بن صالح رحمه الله: جاء ابن أبى دلامة يوما الى أبيه وهو في محفل من جيرانه وعشيرته فجلس بين يديه، ثم أقبل على الجماعة فقال لهم: إنّ شيخى كما ترون قد كبر سنّه ورقّ جلده ودقّ عظمه، وبنا الى حياته حاجة شديدة، فلا أزال أشير عليه بالشىء يمسك رمقه ويبقى قوّته فيخالفنى فيه، وإنى أسألكم أنّ تسألوه قضاء حاجة لى أذكرها بحضرتكم فيها صلاح جسمه وبقاء حياته، فأسعفونى بمسألته معى.
فقالوا: نفعل حبّا وكرامة؛ ثم أقبلوا على أبى دلامة بألسنتهم فتناولوه بالعتاب حتى رضى ابنه وهو ساكت، قال: قولوا للخبيث فليقل ما يريد، فستعلمون أنه لم يأت إلا ببليّة.
فقالوا له: قل؛ فقال: إن أبى إنما قتله كثرة الجماع، فتعاونونى حتى أخصيه، فلن يقطعه عن ذلك غير الخصاء فيكون أصحّ لجسمه وأطول لعمره. فعجبوا بما أتى به وضحكوا. ثم قالوا لأبى دلامة: قد سمعت فأجب. قال: قد سمعتم أنتم فعرّفتكم أنه لم يأت بخير. قالوا: فما عندك في هذا؟ قال: قد جعلت أمّه حكما فيما بينى وبينه، فقوموا بنا اليها. فقاموا بأجمعهم ودخلوا اليها، وقصّ أبو دلامة القصة عليها وقال: قد حكّمتك. فأقبلت على الجماعة فقالت: إن ابنى هذا أبقاه الله قد نصح أباه ولم يأل جهدا، وما أنا إلى «1» بقاء أبيه أحوج منى الى بقائه، وهذا أمر لم يقع به تجربة منّا ولا جرى بمثله عادة لنا؛ وما أشك في معرفته بذلك، فليبدأ بنفسه فليخصها، فاذا عوفى ورأينا ذلك قد أثّر عليه أثرا محمودا استعمله أبوه. فضحك أبوه والقوم وانصرفوا يعجبون من خبثهم جميعا.
ومنهم أبو صدقة.
(4/47)

ذكر شىء من نوادر أبى صدقة
هو أبو صدقة مسكين بن صدقة من أهل المدينة مولى لقريش، قال أبو الفرج:
وكان مليح الغناء طيب الصوت كثير الرواية صالح الصنعة، من أكثر الناس نادرة وأخفّهم روحا وأشدّهم طمعا وألحّهم مسألة، وهو من المغنّين الذين أقدمهم الرشيد من الحجاز في أيامه. قيل: إنه عوتب على كثرة إلحاحه في المسألة، فقال: وما يمنعنى من ذلك، واسمى مسكين وكنيتى أبو صدقة وابنتى فاقة وابنى صدقة، فمن أحقّ بهذا منى؟ وكان الرشيد يعبث به كثيرا؛ فقال ذات يوم لمسرور: قل لابن جامع وإبراهيم الموصلىّ وزبير بن دحمان وزلزل وبرصوما وابن أبى مريم المدينىّ: إذا رأيتمونى قد طابت نفسى، فليسأل كل واحد منكم حاجة، مقدارها مقدار صلته، وذكر لكل واحد منهم مبلغ ذلك، وأمرهم أن يكتبوا أمرهم عن أبى صدقة؛ فقال لهم مسرور ما أمر به الرشيد. ثم أذن الرشيد لأبى صدقة قبل إذنه لهم. فلما جلس قال له:
يا أبا صدقة، لقد أضجرتنى بكثرة مسألتك وأنا في هذا اليوم ضجر وأحببت أن أتفرّج وأفرح، ولست آمن أن تنغص علىّ مجلسى بمسألتك، فإما أن تعفينى أن تسألنى اليوم حاجة وإلّا فانصرف. فقال له: لست من يومى هذا الى شهر أسألك حاجة. فقال له الرشيد: أمّا إذ شرطت لى هذا على نفسك فقد اشتريت منك حوائجك بخمسمائة دينار وها هى ذه فخذها طيبة معجلة، فإن سألتنى شيئا بعدها من هذا اليوم فلا لوم علىّ إن لم أصلك سنة بشىء. فقال: نعم وسنتين. فقال له الرشيد: زدنى في الوثيقة.
فقال: قد جعلت أمر أمّ صدقة في يدك فطلّقها متى شئت، إن شئت واحدة وإن شئت ألفا إن سألتك في يومى هذا حاجة، وأشهدت الله ومن حضر على ذلك. فدفع اليه المال، ثم أذن للجلساء والمغنّين فدخلوا وشرب القوم. فلما طابت نفس الرشيد، قال له ابن جامع: يا أمير المؤمنين، قد نلت منك ما لم تبلغه أمنيّتى،
(4/48)

وكثر إحسانك إلىّ حتى كبتّ أعدائى وقتلتهم، وليس لى بمكة دار تشبه حالى، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لى بمال أبنى به دارا وأفرشها بباقيه لأفقأ عيون أعدائى وأزهق نفوسهم فعل. فقال له: وكم قدّرت لذلك؟ قال: أربعة آلاف دينار، فأمر له بها. وقام إبراهيم الموصلىّ فقال: يا أمير المؤمنين، قد ظهرت نعمتك علىّ وعلى الكبار من ولدى؛ وفي أصاغرهم من أحتاج [إلى «1» ] ختانه، وفيهم صغار أحتاج أن أتخذ لهم خدما؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يحسن معونتى على ذلك فعل. فأمر له بمثل ما أمر به لابن جامع. وجعل كل واحد منهم يقول في الثناء ما يحضره ويسأل حاجته على قدر جائزته، وأبو صدقة ينظر إلى الأموال تفرّق يمينا وشمالا، فوثب قائما ورمى بالدنانير من كمّه وقال للرشيد: أقلنى أقال الله عثرتك. فقال الرشيد: لا أفعل.
فجعل يستحلفه ويضطرب ويلّح والرشيد يضحك ويقول: مالى إلى ذلك سبيل، الشرط أملك. فلمّا عيل صبره أخذ الدنانير ورمى بها بين يدى الرشيد وقال:
هاكها قد رددتها عليك وزدتك أمّ صدقة فطلّقها واحدة إن شئت وإن شئت ألفا.
وإن لم تلحقنى بجوائز القوم فألحقنى بجائزة هذا البارد عمرو الغزّال- وكانت جائزته ثلاثة آلاف دينار- فضحك حتى استلقى ثم رد عليه الخمسمائة الدينار وأمر له بألف أخرى معها، وكان ذلك أكثر ما أخذه منذ خدمه إلى أن مات، رحمة الله عليهم.
وروى أبو الفرج عن أبى إسحاق قال: مطرنا ونحن مع الرشيد بالرّقّة مع الفجر فاتّصل إلى غد ذلك اليوم، وعرفنا خبر الرشيد أنه مقيم عند أمّ ولده المسماة سحر، فتشاغلنا عنه في منازلنا. فلما كان من غد جاءنا رسول الرشيد فحضرنا جميعا، وأقبل يسأل كلّ واحد منا عن يومه الماضى وما صنع فيه؛ فيخبره إلى أن انتهى
(4/49)

إلى جعفر بن يحيى، فسأله عن خبره فقال له: كان عندى أبو زكّار الأعمى وأبو صدقة، وكان أبو زكّار كلّما غنّى صوتا، لم يفرغ منه حتى يأخذه أبو صدقة؛ فإذا انتهى الدور اليه أعاده وحكى أبا زكّار فيه وحركاته وشمائله، ويفطن أبو زكّار لذلك فيجنّ ويموت غيظا ويشتم أبا صدقة كلّ الشتم حتى يضجر، وهو لا يجيبه ولا يدع العبث به وأنا أضحك من ذلك، إلى أن توسّطنا الشرب وسمئنا من عبثه به؛ فقلت له: دع هذا عنك وغنّ غناءك. فغنّى رملا ذكر أنه من صنعته، فطربت له والله يا أمير المؤمنين طريا ما أذكر أنى طربت مثله منذ حين «1» وهو:
فتنتنى بفاحم اللون جعد ... وبثغر كأنه نظم درّ
وبوجه كأنه طلعة البد ... روعين في طرفها نفث سحر
فقلت له: أحسنت والله يا أبا صدقة! فلم أسكت من هذه الكلمة حتى قال:
يا سيدى إنى قد بنيت دارا أنفقت عليها جميع مالى وما أعددت لها فرشا فآفرشها لى.
فتغافلت عنه. وعاود الغناء فتعمّدت أن «2» قلت: أحسنت، فسألنى فتغافلت؛ فقال:
يا سيدى، هذا التغافل متى حدث لك؟ سألتك بالله وبحقّ أبيك عليك إلا أجبتنى عن كلامى ولو بشتم. فأقبلت عليه وقلت له: أنت والله بغيض، اسكت يا بغيض، واكفف عن هذه المسألة الملحّة. فوثب من بين يدىّ، فقلت: إنه قد خرج لحاجة، فإذا هو قد نزع ثيابه وتجرّد منها خوفا من أن تبتلّ ووقف تحت السماء لا يواريه شىء والمطر يأخذه ورفع رأسه وقال: يا ربّ أنت تعلم أنى مله ولست نائحا، وعبدك الذى قد رفعته وأحوجتنى الى خدمته يقول لى: أحسنت لا يقول لى: أسأت، وأنا مذ جلست أقول له: بنيت ولا أقول له: هدمت، فيحلف
(4/50)

بك جرأة عليك أنى بغيض، فاحكم بينى وبينه فأنت خير الحاكمين. فغلبنى الضحك وأمرت به فتنحّى، وجهدت به أن يغنّى فامتنع، حتى حلفت له بحياتك أنى أفرش له داره يا أمير المؤمنين، وخدعته فلم أسمّ له بما أفرشها. فقال له الرشيد: طيّب والله! الآن تمّ لنا به اللهو، أدعه فإنه اذا رآك سوف يتنجّزك الفرش لأنك حلفت له بحياتى فهو يقتضيك ذاك بحضرتى ليكون أوفق له؛ فقل له: أنا أفرشها لك بالبوارىّ «1» وحاكمه الىّ. ثم دعا به فحضر؛ فلما استقرّ في المجلس قال لجعفر: الفرش الذى حلفت بحياة أمير المؤمنين أنك تفرش به دارى، تقدّم به. فقال له جعفر: اختر، إن شئت فرشتها لك بالبوارىّ وإن شئت فبالبردىّ من الحصر؛ فصاح واضطرب.
فقال له الرشيد: وكيف كانت القصة؟ فأخبره، فقال له: أخطأت يا أبا صدقة إذ لم تسمّ النوع ولا حدّدت «2» القيمة؛ فاذا فرشها لك بالبردىّ أو بما دون ذلك فقد برّ فى يمينه، وإنما خدعك ولم تفطن أنت ولا توثّقت وضيّعت حقّك. فسكت ثم قال:
نوفّر أيضا البردىّ والبوارىّ عليه أعزّه الله. وغنّى المغنّون حتى انتهى الدور اليه، فأخذ يغنّى غناء الملّاحين والبنّائين والسقّائين وما يجرى مجراه من الغناء. فقال له الرشيد: أى شىء هذا الغناء؟ قال: من فرش داره بالبوارىّ والبردىّ فهذا الغناء كثير منه، [وكثير «3» ] أيضا لمن هذه صلته. فضحك الرشيد وطرب وصفّق وأمر له بألف دينار من ماله، وقال له: افرش دارك بهذه. فقال: وحياتك يا أمير المؤمنين لا آخذها أو تحكم لى على جعفر بما وعدنى وإلا متّ والله أسفا لفوات ما حصل في طمعى ووعدت به؛ فحكم له على جعفر بخمسمائة دينار أخرى، فأمر له جعفر بها.
(4/51)

ذكر شىء من نوادر الأقيشر «1»
هو أبو معرض المغيرة بن عبد الله بن معرض بن عمرو بن معرض بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر. والأقيشر لقب غلب عليه لأنه كان أحمر الوجه أقيشر. قال أبو الفرج الأصفهانىّ: وعمّر الأقيشر عمرا طويلا، ولعله ولد في الجاهلية ونشأ في الإسلام، وكان أبعد بنى أسد نسبا. قال: وكان كوفيّا خليعا ماجنا مدمنا للخمر. وهو الذى يقول لنفسه:
فإنّ أبا معرض إذ حسا ... من الرّاح كأسا على المنبر
خطيب لبيب أبو معرض ... فإن ليم في الخمر لم يصبر،
أحلّ الحرام أبو معرض ... فصار خليعا على المكبر
يحبّ اللئام ويلحى الكرام ... وإن أقصروا عنه لم يقصر
قال: وشرب الأقيشر في بيت خمّار بالحيرة، فجاءه الشّرط ليأخذوه، فتحرّز منهم وأغلق الباب وقال: لست أشرب فما سبيلكم علىّ؟ قالوا: قد رأينا العسّ فى كفّك وأنت تمثرب. فقال: إنما شربت من لبن لقحة لصاحب هذه الدار، فما برحوا حتى أخذوا منه درهمين. فقال:
إنما لقحتنا باطية «2» ... فاذا ما مزجت كانت عجب
لبن أصفر صاف لونه ... ينزع الباسور من عجب «3» الذّنب
إنما نشرب من أموالنا ... فسلوا الشرطىّ ما هذا الغضب؟
(4/52)

وروى أبو الفرج الأصفهانىّ عن أبى عمرو الشيبانىّ وغيره قال: كان الأقيشر لا يسأل أحدا أكثر من خمسة دراهم، يجعل درهمين للشراب ودرهما للطعام ودرهمين في كراء بغل الى الحيرة. وكان له جاريكنى أبا المضاء، له بغل يكريه، فكان يعطيه درهمين ويأخذ بغله فيركبه الى الحيرة حتى يأتى به بيت الخمّار فينزل عنه ويربطه، ثم يجلس للشرب حتى يمسى ثم يركبه. وله في ذلك أشعار كثيرة.
قال وتزوّج الأقيشر ابنة عمّ له يقال لها الرّباب، على أربعة آلاف درهم- ويقال: على عشرة آلاف درهم- فأتى قومه فسألهم فلم يعطوه شيئا، فأتى ابن «1» رأس البغل وهو دهقان «2» الصين، وكان مجوسيّا، فسأله فأعطاه الصّداق كاملا؛ فقال:
كفانى المجوسىّ همّ «3» الرّباب ... فدى للمجوسىّ خال وعمّ
شهدت بأنك رطب «4» اللسان ... وأنك بحر جواد خضمّ
وأنك سيد أهل الجحيم ... اذا ما تردّيت فيمن ظلم
تجاور هامان»
فى قعرها ... وفرعون والمكتنى بالحكم
فقال له المجوسىّ: ويحك! سألت قومك فما أعطوك شيئا، وجئتنى فأعطيتك فجزيتنى هذا القول ولم أفلت من شرّك! قال: أو ما ترضى أن جعلتك مع الملوك وقرين أبى جهل؟. قال: ثم جاء الى عكرمة بن ربعىّ التميمىّ، فسأله فلم يعطه؟
شيئا؛ فقال فيه:
(4/53)

سألت ربيعة من شرّها ... أبا ثم أمّا فقالوا لمه
فقلت لأعلم من شرّكم ... وأجعل للسبّ فيه سمه
فقالوا لعكرمة المخزيات ... وماذا يرى الناس في عكرمة
فإن يك عبدا زكا ماله ... فما غير ذا فيه من مكرمه
قال الأصمعى: قال عبد الملك بن مروان للأقيشر: أنشدنى أبياتك في الخمر؛ فأنشده قوله:
تريك القذى من دونها وهى دونه ... لوجه أخيها في الإناء قطوب
كميت اذا شجّت «1» وفي الكأس وردة ... لها في عظام الشاربين دبيب
فقال له: أحسنت والله يا أبا معرض! لقد أجدت في وصفها، وأظنك قد شربتها. فقال: والله يا أمير المؤمنين، إنه ليريبنى معرفتك بها. قال: وكان الأقيشر يأتى إخوانا له فيسألهم فيعطونه، فأتى رجلا منهم فأمر له بخمسمائة درهم فأخذها ومضى الى الحانة فدفعها الى صاحبها، وقال له: أقم لى ما أحتاج اليه، ففعل.
فانضم اليه رفقاء له فلم يزل معهم حتى نفدت الدراهم؛ فأتاهم بعد إنفاقها فاحتملوه يوما ويوما. فلما أتاهم في اليوم الثالث نظروا اليه من بعيد، فقالوا لصاحب الحانة: اصعد بنا الى الغرفة، وأعلم الأقيشر أنا لم نأت اليوم، ففعل. فلما جاء الأقيشر أعلمه بما قالوا، فعلم أنه لا فرج له عند صاحب الحانة إلا برهن، فطرح اليه بعض ثيابه وقال له: أقم لى ما أحتاج اليه، ففعل. فلما أخذ منه الشراب أخذ يقول:
يا خليلىّ اسقيانى كأسا ... ثمّ كأسا حتى أخرّ نعاسا
(4/54)

إن في الغرفة التى فوق رأسى ... لأناسا يخادعون أناسا
يشربون المعتّق الراح صرفا ... ثم لا يرفعون للزّور «1» راسا
قال: فلما سمع أصحابه هذا الشعر، فدّوه بآبائهم وأمهاتهم، ثم قالوا له: إمّا أن تصعد الينا وإما أن ننزل اليك، فصعد اليهم.
قال: وكان يختلف الى رجل من بنى تميم وكان يجرى عليه في كل شهر عشرة دراهم؛ فجاءه مرة فوجده قد أصيب بابنه، فردّته امرأته عنه، ثم عاد بعد ذلك بيومين فردّته عنه أيضا؛ فكتب اليه بيتى شعر ودفع الرقعة اليها وقال: أوصليها اليه؛ فقرأها، فاذا فيها:
ألا أبلغ لديك أبا هشام ... فإن الريح أبردها الشّمال
عداتك في الهلال عدات صدق ... فهل سمنت كما سمن الهلال
فلما قرأ الرقعة أمر بردّه وقال: لقد سمنت وما بقى إلا الهزال إن تأخرت، فأمر له بها وزادها خمسة دراهم.
وكان الأقيشر مع شرفه وشعره يرضيه اليسير ويسخطه. وأخباره كثيرة ونوادره مشهورة، وفيما أوردناه منها كفاية. ومات الأقيشر قتيلا. وقيل: إنه مدح عبد الله بن إسحاق بن طلحة بن عبيد الله فلم يعطه شيئا فهجاه؛ فزعموا أنّ غلمانا لعبد الله بن إسحاق قتلوه؛ فاجتمع بنو أسد وادّعوا عليه قتل الأقيشر؛ فاقتدى منهم بديته. وقال ابن الكلبىّ: كان الأقيشر مولعا بهجاء عبد الله بن إسحاق ومدح أخيه زكريا. فقال لغلمانه: ألا تريحوننى منه! فانطلقوا فجمعوا بعرا وقصبا
(4/55)

بظهر الكوفة وجعلوه في وسط إرة «1» ، وأقبل الأقيشر سكرانا من الحيرة على بغل أبى المضاء المكارى، فأنزلوه عن البغل وشدّوه رباطا ثم وضعوه في تلك الإرة وألهبوا النار في القصب والبعر فمات، ولم يعلم من قتله. والله أعلم.
ذكر شىء من نوادر ابن سيّابة
هو إبراهيم بن سيّابة مولى بنى هاشم. كان يقال: إن جدّه حجام أعتقه بعض الهاشميين. قدّمه إبراهيم الموصلىّ وابنه إسحاق لأنه مدحهما فرفعا من قدره وغنيّا بشعره ونوّها بذكره. وكان خليعا ما جنا حسن النادرة. وله نوادر نذكر منها نبذا فيما رواه أبو الفرج الأصفهانىّ. منها مارواه عن إسحاق الموصلىّ قال: أتى إبراهيم ابن سيابة وهو سكران ابنا لسوّار بن عبد الله القاضى أمرد، فعانقه وقبّله؛ وكانت معه داية يقال لها رحاص، فقيل لها: إنه لم يقبّله تقبيل التسليم، وإنما قبّله شهوة؛ فلحقته الداية فشتمته وأسمعته كلّ ما يكره، وهجره الغلام بعد ذلك؛ فقال:
لئن لثمتك سرّا ... فأبصرتنى رحاص
وقال في ذاك قوم ... على انتقاصى حراص
هجرتنى وأتتنى ... شتيمة وانتقاص
فهاك فاقتصّ منى ... إنّ الجروح قصاص
وقد قيل: إنّ رحاص هذه كانت مغنّية كان الغلام يهواها، وإنه سكر ونام، فقبّله ابن سيّابة. فلما انتبه قال للمغنيّة: ليت شعرى! ما كان خبرك مع ابن سيّابة؟
فقالت له: سل عن خبرك أنت معه، وحدّثته بالقصة؛ فهجره الغلام، فقال هذا الشعر.
(4/56)

وقال إسحاق بن إبراهيم: كان ابن سيّابة عندنا يوما مع جماعة تتحدّث ونتناشد وهو ينشد شيئا من شعره، فتحرّك فضرط فضرب بيده على استه غير مكترث وقال:
إما أن تسكتى حتى أتكلّم، وإما أن تتكلّمى حتى أسكت.
وقال جعفر الكاتب: قال لى إبراهيم بن سيّابة الشاعر: اذا كان عند جيرانك جنازة وليس في بيتك دقيق فلا تحضر الجنازة، فإن المصيبة عندك أكبر منها عند القوم، وبيتك أولى بالمأتم من بيتهم. وقال سليمان بن يحيى بن معاذ:
قدم علىّ إبراهيم بن سيّابة بنيسابور فأنزلته علىّ، فجاء ليلة من الليالى فجعل يصيح:
يا أبا أيّوب، فخشيت أن يكون قد غشيه شىء، فقلت: ما تشاء؟ فقال:
أعيانى الشادن الربيب
قلت بماذا؟ فقال:
أكتب أشكو فلا يجيب
فقلت: داره وداوه، فقال:
من أين أبغى شفاء قلبى ... وإنما دائى الطبيب
فقلت: لا دواء إذا إلا أن يفرّج الله عزّوجلّ عنك. فقال:
يا رب فرّج إذا وعجّل ... فإنك السامع المجيب
ثم انصرف. وقد تقدّمت هذه الحكاية. والسلام.
ذكر شىء من نوادر مطيع بن إياس الكنانىّ وأخباره
قال أبو الفرج الأصفهانىّ: هو شاعر من مخضرمى الدولتين الأمويّة والعباسيّة. كان ظريفا خليعا ما جنا حلو العشرة مليح النادرة قال: وكان متهما فى دينه بالزندقة. وكان مولده ومنشؤه بالكوفة، وكان منقطعا الى الوليد بن عبد الملك، ثم اتصل بخدمة الوليد بن يزيد. وكان سبب ذلك ما حكى عن حكم
(4/57)

الوادىّ المغنّى، قال: غنّيت الوليد بن يزيد وهو غلام حديث السنّ بشعر مطيع بن أياس وهو:
إكليلها ألوان ... ووجهها فتّان
وخالها فريد ... ليس له جيران
اذا مشت تثنّت ... كأنها ثعبان
قد جدلت فجاءت ... كأنها عنان
فطرب حتى زحف عن مجلسه الىّ، واستعادنى الصوت حتى صحل «1» صوتى؛ ثم قال: ويحك! من يقول هذا؟ فقلت: عبد لك يا أمير المؤمنين أرضاه لخدمتك.
قال: ومن هو؟ قلت: مطيع بن إياس. قال: وأين هو؟ قلت: بالكوفة؛ فأمر أن يحمل اليه مع البريد، فحمل اليه؛ فسأله عن الشعر فقال: من يقول هذا؟ فقال:
عبدك أنا يا أمير المؤمنين. فقال له: أدن منى، فدنا منه فضمّه الوليد اليه وقبّل فاه وبين عينيه، وقبّل مطيع رجليه والأرض بين يديه؛ ثم أدناه حتى جلس في أقرب المجالس اليه، واصطبح معه أسبوعا متوالى الأيام على هذا الصوت. وكان في خلال الدولة الأمويّة ينقطع الى أوليائها وعلمائها، ثم انقطع في الدولة العباسيّة الى جعفر ابن أبى جعفر المنصور فكان معه حتى مات جعفر. ومات مطيع في خلافة الهادى بعد ثلاثة أشهر مضت منها. وله نوادر وأخبار مستظرفة هذا موضع ذكرها، فلنقتصر هاهنا من أخباره عليها دون غيرها.
قيل: سقط لمطيع حائط؛ فقال له بعض أصحابه: احمد الله على السلامة.
قال: احمد الله أنت إذ لم ترعك هدته، ولم يصبك غباره، ولم تغرم أجرة بنائه.
(4/58)

ومن أخباره ما رواه أبو الفرج الأصفهانىّ بإسناده الى عبد الملك المروانىّ عن مطيع بن إياس، قال: قال لى حماد عجرد يوما: هل لك أن أريك «خشّة» صديقتى وهى المعروفة بظبية الوادى! قلت نعم. قال: إنك إن قعدت عندها «1» وخبثت عينك فى النظر أفسدتها علىّ. فقلت: لا والله لا أتكلّم بكلمة تسوءك ولأسرنّك. فمضى بى وقال: والله لئن خالفت ما قلت لأخرجنّك. قال: قلت: إن خالفت إلى ما تكره فاصنع بى ما أحببت. قال: امض بنا فمضينا، فأدخلنى على أحسن خلق الله وأظرفهم وأحسنهم وجها. فلما رأيتها أخذنى الزّمع «2» ؛ وفطن لى فقال: اسكت يابن الزانية، فسكتّ قليلا، فلحظتنى ولحظتها لحظة أخرى فغضب ووضع قلنسوته عن رأسه، وكانت صلعته حمراء كأنها است قرد؛ فلما وضعها وجدت للكلام موضعا، فقلت:
وإن السوءة السوءا ... يا حمّاد عن خشّه
عن الأترجّة الغضّ ... ة والتفّاحة الهشّه
فالتفت الىّ وقال: فعلتها يابن الزانية! فقالت له: أحسن، فو الله ما بلغ صفتك بعد، فما تريد منه! فقال لها: يا زانية! فسبّته وتثاورا، فشقّت قميصه وبصقت في وجهه وقالت له: ما يصادقك ويدع مثل هذا إلا زانية، وخرجنا وقد لقى كلّ بلاء، وقال لى: ألم أقل لك يابن الزانية: إنك ستفسد علىّ مجلسى! فأمسكت عن جوابه، وجعل يهجونى ويسبنى ويشكونى الى أصحابنا؛ فقالوا لى:
اهجه ودعنا وإياه؛ فقلت:
ألا يا ظبية الوادى ... وذات الجسد الرادى
وزين المصر والدار ... وزين الحىّ والنادى
(4/59)

وذات المبسم العذب ... وذات المبسم البادى
أما بالله تستحي ... ين من خلّة حمّاد
فحمّاد فتى ليس ... بذى عزّ فتنقادى
ولا مال ولا طرف ... ولا حظّ «1» لمرتاد
فتوبى واتقى الله ... وبتّى حبل عجراد
فقد ميّزت بالحسن ... عن الخلق بإفراد
وهذا البين قد حمّ ... فجودى لى بالزاد
قال: فأخذ أصحابنا رقاعا فكتبوا الأبيات فيها وألقوها في الطريق، وخرجت أنا فلم أدخل عليهم ذلك اليوم، فلما رآها وقرأها قال لهم: يا أولاد الزنا فعلها ابن الزانية وساعدتموه؟ قال: وأخذها حكم الوادىّ فغنّى بها، فلم يبق بالكوفة سقّاء ولا طحّان ولا مكار إلا غنّى فيها ثم غبت مدّة وقدمت فأتانى فما سلّم علىّ حتى قال لى:
أما بالله تستحي ... ين من خلّة حمّاد
قتلتنى قتلك الله! والله ما كلمتنى حتى الساعة. قال: قلت: اللهم أدم هجرها له وسوء رأيها فيه وأسفه عليها وأغوه بها؛ فشتمنى ساعة. قال مطيع: ثم قلت له: قم امض بنا حتى أريك أختى- وكانت لمطيع صديقة يسمّيها أختى وتسمّيه أخى، وكانت مغنّية- فلما خرجت الينا، دعوت قيّمة لها فأسررت إليها في أن تصلح لنا طعاما وشرابا، وعرفتها أن الذى معى حمّاد فضحكت. ثم أخذت صاحبتى في الغناء وقد علمت بموضعه وعرفت، فكان أوّل ما غنّت:
أما بالله تستحيين ... من خلّة حمّاد
(4/60)

فقال لها: يا زانية! وأقبل علىّ وقال: وأنت يا زانى يابن الزانية! أسررت هذا الى قيّمتها! فقلت: لا والله كذبت. وشاتمته صاحبتى ساعة ثم قامت فدخلت، وجعل يتغيّظ علىّ. فقلت: أنت ترى أنى أمرتها أن تغنّى بما غنّت؟ فقال: أرى ذلك وأظنّه ظنّا لا والله ولكنى أتيقنه. فحلفت له بالطلاق على بطلان ظنّه وانصرفنا.
وحكى قال يحيى بن زياد المحاربىّ لمطيع وكان صديقا له: انطلق بنا الى فلانة صديقتى، فإن بينى وبينها مغاضبة لتصلح بيننا وبئس المصلح والله أنت. قال:
فدخلا «1» عليها، فأقبلا يتعاتبان ومطيع ساكت، حتى اذا أكثر قال يحيى: ما يسكتك؟
أسكت الله نأمتك «2» ! قال مطيع:
أنت معتلّة عليه وما زا ... ل مهينا لنفسه في رضاك
فأعجب يحيى وهشّ له. فقال مطيع:
فدعيه وواصلى ابن إياس ... جعلت نفسه الغداة فداك
فقام يحيى اليه بوسادة في البيت فما زال يجلد بها رأسه ويقول: ألهذا جئت بك يابن الزانية! ومطيع يغوّث «3» حتى ملّ يحيى، والجارية تضحك منهما، ثم تركه.
وروى عن محمد بن الفضل السكونىّ قال: رفع صاحب الخبر الى المنصور أن مطيع بن إياس زنديق وأنه يلازم ابنه جعفر وجماعة من أهل بيته، ويوشك أن يفسد أديانهم أو ينسبوا الى مذهبه. فقال له المهدىّ: أنا به عارف، أما الزندقة فليس من أهلها، ولكنه خبيث الدين فاسق مستحلّ للمحارم؛ قال: فأحضره وانهه «4» عن صحبة جعفر وسائر أهله؛ فأحضره المهدىّ وقال له: يا خبيث يا فاسق! لقد
(4/61)

أفسدت أخى ومن تصحبه من أهلى، والله لقد بلغنى أنهم يتقارعون عليك، ولا يتم لهم سرور إلا بك، وقد غررتهم وشهرتهم في الناس، ولولا أنى شهدت لك عند أمير المؤمنين بالبراءة مما نسبت اليه من الزندقة، لقد كان أمر بضرب عنقك! يا ربيع اضربه مائة سوط واحبسه. قال: ولم يا سيدى؟ قال: لانك سكّير خميّر قد أفسدت أهلى كلّهم بصحبتك. فقال له: إن أذنت لى وسمعت احتججت.
فقال له: قل؛ فقال: أنا امرؤ شاعر، وسوقى إنما تنفق مع «1» الملوك وقد كسدت عندكم، وأنا في أيامكم مطّرح «2» ، وقد رضيت منها مع سعتها للناس جميعا بالأكل على مائدة أخيك، لا يتبع ذلك غيره، وأصفيته على ذلك شكرى وشعرى؛ فإن كان ذلك غاليا عندك تبت منه. فأطرق المهدىّ ثم رفع رأسه فقال: قد رفع إلىّ صاحب الخبر أنك تتماجن على السؤّال، وتضحك منهم. قال: لا والله ما ذاك من فعلى ولا شأنى ولا جرى منّى قط إلا مرة واحدة؛ فإن سائلا أعمى اعترضنى وقد عبرت الجسر على بغلتى، فظنّنى من الجند فرفع عصاه في وجهى، ثم صاح: اللهم سخّر الخليفة لأن يعطى للجند أرزاقهم فيشتروا من التجار الأمتعة وتربح التجار عليهم فتدرّ أموالهم فتجب فيها الزكاة عليهم فيتصدّقوا علىّ منها. فنفرت بغلتى من صياحه ورفعه عصاه في وجهى حتى كدت أسقط في الماء. فقلت: يا هذا، ما رأيت أكثر فضولا منك، سل الله أن يرزقك ولا تجعل بينك وبينه هذه الحوالات والوسائط التى لا يحتاج إليها فإن هذه المسائل فضول. فضحك الناس منه ورفع علىّ في الخبر [قولى له هذا «3» ] . فضحك المهدىّ وقال: خلّوه ولا يضرب ولا يحبس. فقال له:
أدخل عليك لموجدة وأخرج عن رضا وتبرأ ساحتى وأنصرف بلا جائزة! قال:
(4/62)

لا يجوز هذا، اعطوه مائتى دينار، ولا يعلم أمير المؤمنين فتجدّد عنده ذنوبه؛ وقال له: اخرج عن بغداد ودع صحبة جعفر حتى ينساك أمير المؤمنين، ثم عد إلىّ.
فقال له: فأين أفصد؟ قال: أكتب الى سليمان بن علىّ فيولّيك عملا ويحسن اليك. قال: قد رضيت. فوفد الى سليمان بكتاب المهدىّ فولّاه الصدقة بالبصرة، وكان عليها داود بن أبى هند فعزله به.
وأخباره في هذا الباب كثيرة أغضينا عن كثير منها.
ذكر شىء من نوادر أبى الشّبل
هو عاصم بن وهب بن البراجم. مولده الكوفة. نشأ وتأدّب بالبصرة. وفد إلى سامرّاء «1» أيام المتوكل ومدحه. وكان طيّبا كثير الغزل والنوادر والمجون. فنفق عند المتوكل وخدمه واختصّ به وامتدحه بقوله:
أقبلى فالخير مقبل ... واتركى قول المعلّل
وثقى بالنّجح إن ... أبصرت وجه المتوكّل
ملك ينصف يا ظا ... لمتى فينا ويعدل
فهو الغاية والمأ ... مول يرجوه المؤمّل
فأمر له بثلاثين ألف درهم. وله أخبار مستظرفة تتضمن شعرا ونوادر تدلّ على ظرفه سنذكر منها طرفا. فمن ذلك ما حكى عنه: أنه مدح مالك بن طوق، وقدّر أن يعطيه ألف درهم. فبعث اليه بصرة مختومة فيها مائة دينار، فظن أنها دراهم فردها اليه وكتب معها:
فليت الذى جادت به كفّ مالك ... ومالك مدسوسان في است أمّ مالك
(4/63)

وكان الى يوم القيامة في استها ... فأيسر مفقود وأيسر هالك
وكان مالك يومئذ أميرا على الأهواز. فلما قرأ الرقعة أمر بإحضاره فأحضر وقال:
ما هذا؟ ظلمتنا واعتديت علينا. فقال: قدّرت عندك ألف درهم فوصلتنى بمائة درهم. فقال: افتحها؛ ففتحها فإذا فيها مائة دينار؛ فقال: أقلنى أيها الأمير. فقال:
قد أقلتك ولك كل ما تحب أبدا ما بقيت وقصدتنى.
قال: وكان له جار طبيب أحمق، فمات فرثاه فقال:
قد بكاه بول المريض بدمع ... واكف فوق مقلتيه ذروف
ثم شقّت جيوبهن القواري ... ر عليه ونحن نوح اللهيف
يا كساد الخيار شنبر والأقراص ... طرّا ويا كساد السفوف
كنت تمشى مع القوىّ فإن جا ... ضعيف لم تكترث بالضعيف
لهف نفسى على صنوف رقاعا ... ت تولّت منه وعقل سخيف
وقال أبو الشبل: كان خالد بن يزيد بن هبيرة يشرب النبيذ، وكان يغشانا، وكانت له جارية صفراء مغنية يقال لها لهب، كانت تغشانا معه، وكنت أعبث بها كثيرا. فقام مولاها يوما الى الخابية «1» يستقى نبيذا، فاذا قميصه قد انشقّ؛ فقلت فيه:
قالت له لهب يوما وجاد لها ... بالشّعر في باب فعلان ومفعول
أمّا القميص فقد أزرى «2» الزمان به ... فليت شعرى ما حال السراويل
قال أبو الشبل: وكانت أمّ خالد هذا ضرّاطة تضرط على صوت العيدان وغيرها فى الإيقاع. فقلت فيه:
فى الحىّ من لا عدمت خلّته ... فتى إذا ما قطعته وصلا
(4/64)

له عجوز بالحبق «1» أبصر من ... أبصرته ضاربا ومرتجلا
نادمته مرّة وكنت فتى ... ما زلت أهوى وأشتهى الغزلا
حتى إذا ما أمالها سكر ... يبعث «2» فى قلبها لها مثلا
اتّكأت يسرة وقد خرفت «3» ... أشراجها كى تقوّم الرّملا
فلم تزل إستها تطارحنى ... اسمع إلى من يسومنى العللا
وقال محمد بن المرزبان: كنت أرى أبا الشبل كثيرا عند أبى، وكان إذا حضر أضحك الثكلى بنوادره. فقال له أبى يوما: حدّثنا ببعض نوادرك وطرائفك.
قال نعم. من طرائف أمورى أن ابنى زنى بجارية سنديّة لبعض جيرانى، فحبلت وولدت؛ وكانت قيمة الجارية عشرين دينارا. فقال: يا أبت، الصبىّ والله ابنى، فساومت فيه فقيل لى: خمسون دينارا. فقلت له: ويلك! كنت تخبرنى وهى حبلى فأشتريها بعشرين دينارا ونربح الفضل بين الثمنين! وأمسكت عن المساومة بالصبى حتى اشتريته من القوم بما أرادوا. ثم أحبلها ثانيا فولدت ابنا آخر، فجاء يسألنى أن أبتاعه؛ فقلت: عليك لعنة الله، أى شىء حملك على أن تحبل هذه، هلا عزلت عنها! فقال: إنى لا أستحلّ العزل. ثم أقبل على جماعة عندى فجعل يقول: شيخ كبير يأمرنى بالعزل ويستحلّه. فقلت له: يابن الزانية! تستحلّ الزنا وتتحرّج من العزل! فضحكنا منه.
ذكر شىء من نوادر حمزة بن بيض الحنفى
كان شاعرا من شعراء الدولة الأمويّة، وهو كوفىّ خليع ماجن. وكان منقطعا إلى المهلّب بن أبى صفرة وولده، ثم إلى أبان بن الوليد وبلال بن أبى بردة،
(4/65)

واكتسب بالشعر من هؤلاء مالا عظيما. يقال: إنه أخذ بالشعر من مال وشاء ورقيق وحملان وغير ذلك ألف ألف درهم. وله نوادر، منها ما حكاه أبو الفرج الأصفهانىّ عنه:
أنه كان يسامر عبد الملك بن بشر بن مروان، وكان عبد الملك يعبث به عبثا شديدا. فوجّه اليه ليلة برسول وقال: خذه على أىّ حالة وجدته، وأحلفه وغلّظ عليه الأيمان على ذلك. فمضى الرسول فهجم عليه فوجده يريد أن يدخل الخلاء؛ فقال له:
أجب الأمير، فقال: ويحك! إنى أكلت طعاما كثيرا وشربت نبيدا حلوا وأخذنى بطنى. فقال: والله ما تفارقنى أو أمضى بك اليه ولو سلحت في ثيابك. فجهد فى الخلاص فلم يقدر عليه. ومضى به، فوجده قاعدا في طارمة «1» له وجارية جميلة جالسة بين يديه، وكان يتحظّاها، تسجر «2» الندّ. فجلس حمزة يحادثه وهو يعالج ما هو فيه. قال حمزة: فعرضت لى ريح فقلت: أسرّحها وأستريح لعل ريحها لا يظهر مع هذا الندّ، فأطلقتها، فغلبت والله ريح البخور وغمرته. فقال: ما هذا يا حمزة؟ فقلت:
علىّ عهد الله وميثاقه وعلىّ المشى والهدى إن كنت فعلتها! وما هذا إلا عمل هذه الجارية الفاجرة. فغضب، وخجلت الجارية فما قدرت على الكلام. ثم جاءتنى أخرى فسرّحتها، فسطع والله ريحها. فقال: ما هذا؟ ويلك! أنت والله الآفة. فقلت: امرأتى طالق ثلاثا إن كنت فعلتها. فقال: وهذه اليمين لازمة إن كنت فعلتها، وما هو إلا عمل هذه الجارية؛ وقال لها: ما قصّتك؟ ويلك! قومى إلى الخلاء إن كنت تجدين شيئا. فزاد خجلها، وطمعت فيها فسرّحت الثالثة فسطع من ريحها مالم يكن في الحساب. فغضب عبد الملك حتى كاد يخرج من جلده؛ ثم قال: يا حمزة، خذ بيد الزانية فقد وهبتها لك وامض، فقد نغّصت علىّ ليلتى. فأخذت بيدها
(4/66)

وخرجت. فلقينى خادم له فقال: ما تريد أن تصنع؟ فقلت له: أمضى بهذه الجارية.
فقال: لا تفعل، فو الله لئن فعلت ليبغضنّك بغضا لا تنتفع به بعده أبدا، وهذه مائتا دينار خذها ودع هذه الجارية فإنه يتحظّاها، وسيندم على هبته إيّاها لك. فأبيت إلا بخمسمائة دينار. فقال: ليس غير ما ذكرت لك. فأخذتها وتركت الجارية. فلما كان بعد ثلاث دعانى عبد الملك. فلما قربت من داره لقينى الخادم وقال لى:
هل لك في مائة أخرى وتقول مالا يضرّك ولعله ينفعك؟ قلت: وما ذاك «1» ؟ قال:
إذا دخلت فادّع الفسوات الثلاث وانسبها إلى نفسك وانضح «2» عن الجارية ما قرفتها به. فأخذتها ودخلت على عبد الملك. فلما وقفت بين يديه قلت له: الأمان حتى أخبرك بخبر يسرّك ويضحكك. قال: لك الأمان. فقلت: أرأيت ليلة كذا وكذا وما جرى؟ قال نعم. قلت: فعلىّ وعلىّ إن كان فسا تلك الفسوات غيرى.
فضحك حتى سقط على قفاه وقال: ويلك! فلم لم تخبرنى؟ قال فقلت: أردت بذلك خصالا، منها أنى قمت فقضيت حاجتى وقد كان رسولك منعنى من ذلك.
ومنها أنى أخذت جاريتك. ومنها أنى كافأتك على أذاك لى بمثله. قال:
وأين الجارية؟ قلت: ما برحت من دارك ولا خرجت حتى سلّمتها الى فلان الخادم وأخذت مائتى دينار. فسرّ بذلك وأمر لى بمائتى دينار أخرى، وقال:
هذه لجميل فعلك فيّ وتركك أخذ الجارية. قال حمزة: ودخلت اليه يوما وكان له غلام لم ير الناس أنتن إبطا منه. فقال لى: يا حمزة، سابق غلامى هذا حتى يفوح صنانكما، فأيّكما كان صنانه أنتن فله مائة دينار. فطمعت في المائة ويئست منها لما أعلمه من نتن إبط الغلام؛ فقلت: أفعل. وتعادينا ساعة فسبقنى، فسلحت في يدى ثم طليت إبطى بالسّلاح؛ وقد كان عبد الملك جعل بيننا حكما؛ فلمّا
(4/67)

دنا الغلام منه وشمّه وثب وقال: هذا والله لا يشاكله شىء. فصحت به: لا تعجل علىّ بالحكم، مكانك! ثم دنوت منه فألقمت أنفه إبطى حتى علمت أنه قد خالط دماغه وأنا ممسك رأسه تحت يدى؛ فصاح: الموت والله! هذا بالكنف أشبه منه بالإبط. فضحك عبد الملك ثم قال: أفحكمت له؟ قال نعم. فأخذت الدنانير.
قال: ودخلت يوما على سليمان بن عبد الملك. فلما مثلت بين يديه قلت:
رأيتك في المنام شتنت «1» خزّا ... علىّ بنفسجا وقضيت دينى
فصدّق يا فدتك النفس رؤيا ... رأتها في المنام لديك عينى
قال سليمان: يا غلام، أدخله خزانة الكسوة واشتن عليه كلّ ثوب خزّ بنفسجىّ، فخرجت كأنى مشجب «2» . ثم قال: كم دينك؟ قلت: عشرة آلاف؛ فأمر لى بها وما أعلم والله أنّى رأيت من ذلك شيئا.
ذكر شىء من نوادر أبى العيناء عفا الله عنه
هو محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر بن سليمان، من بنى حنيفة أهل اليمامة.
وأسر ياسر في سباء في خلافة المنصور. فلما صار في يد المنصور أعتقه؛ فهم موالى بنى هاشم. وكان أبو العيناء ضرير البصر، يقال: إنّ جدّه الأكبر لقى علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه فأساء مخاطبته فدعا عليه وعلى ولده بالعمى؛ فكلّ من عمى منهم فهو صحيح النسب. وهو ممن اشتهر بالمجون، وله نوادر وحكايات مستظرفة، ومراسلات عجيبة، سأورد منها طرفا، وأسطّر طرفا. فمن ذلك: أنّ بعض الرؤساء قال له: يا أبا العيناء، لو متّ لرقص الناس طربا وسرورا. فقال بديهة:
أردت مذمّتى فأجدت مدحى ... بحمد الله ذلك لا بحمدك
(4/68)

فلا تك واثقا أبدا بعمد ... فقد يأتى القضاء بغير عمدك
ثم قال: أجل! الناس قد ذهبوا، فلو رآنى الموتى لطربوا لدخول مثلى عليهم، وحلول عقلى لديهم، ووصول فضلى اليهم؛ فما زال الموتى يغبطونكم ويرحموننى بكم.
وقال: واتّصلت أشغال أبى الصّقر الوزير، فتأخّر توقيعه عن أبى العيناء برسومه. فكتب اليه: رقعتى، أطال الله بقاء الوزير، رقعة من علم شغلك فاطّرح عدلك؛ وحقّق أمرك فبسط عدرك. أمّا والليل اذا عسعس، فالبنان لبنات الدّنان، وملامسات الحسان؛ وأمّا والصبح اذا تنفّس، فالبنان للعنان، ومؤامرات السلطان؛ فمن أبو العيناء القرنان «1» !. فوقّع أبو الصّقر تحت سطوره:
لكل طعام مكان، ولكل معوز إمكان؛ وقد وقّعنا لك بالرسوم، وجعلنا لك حظّا من المقسوم؛ وكفينا أنفسنا عذرك الذى هو تعزير، ولسانك الذى هو تحذير.
والسلام.
ثم لقيه أبو العيناء في صدر موكبه فقال: طاعة شيمك لسلطان كرمك، ألزمتك الصبر على ذنوبى إليك، وتجنّى خلقى عليك. فقال أبو الصقر: كبير حسناتك، يستغرق يسير سيئاتك. فدعا له وانصرف شاكرا. قال: وبسط أبو العيناء لسانه على أهله في بعض الدواوين. فقال له فتى من أبناء الكتّاب كانت فيه جرأة: كلّ الناس لك يا أبا العيناء زوجة، وأنت زوجة أبى علىّ البصير. فقال له أبو العيناء:
قد ملكنا عصمتك بيقين فحواك، ثم ننظر في شكوك دعواك، وقد طلّقت الناس كلهم سواك؛ ذلك أدنى ألّا نعول، وفيك ما يروى الفحول، ويتجاوز السول.
قال: ففضحه بهذا الكلام، فلم يجبه. قال: وكان في بنى الجراح فتى خليع ما جن فأراد العبث بأبى العيناء؛ فنهاه نصحاؤه فأبى؛ فقالوا: شأنك. فقال له:
(4/69)

يا أبا العيناء، متى أسلمت؟ فقال: حين آمن أهلك وأبوك الذين لم يؤدّبوك. فقال له الفتى: إذا قد علمت أنك ما أسلمت. فقال أبو العيناء: شهادتك لأهلك دعوى، وشهادتى عليهم بلوى، وسترى أىّ السلطانين أقوى، وأىّ الشيطانين أغوى؛ وسيعلم أهلك، ما جنى عليهم جهلك. قال: فأتاه أبوه فتبرّأ من ذمّته، ودفعه اليه برمّته. فقال له أبو العيناء: قد وهبت جوره لعدلك، وتصدّقت بحمقه على عقلك.
ومن أخبار أبى العيناء أيضا: أنّ محمد بن عبيد الله بن خاقان حمله على برذون زعم أنه غير فاره، فكتب الى أبيه: أعلم الوزير أعزّه الله تعالى أنّ أبا علىّ محمدا أراد أن يبرّنى فعقّنى، وأن يركبنى فأرجلنى! أمر لى بدابّة تقف للنبرة، وتعثر بالبعرة، كالقضيب اليابس عجفا، وكالعاشق المجهود دنفا؛ يساعد أعلاه لأسفله «1» ، حباقه «2» مقرون بسعاله؛ فلو أمسك لترجّيت، أو أفرد لتعزّيت؛ ولكنه يجمعهما في الطريق المعمور، والمجلس المشهور، كأنه خطيب مرشد، أو شاعر منشد؛ تضحك من فعله النسوان، ويتناغى من فعله الصبيان؛ فمن صائح يصيح: داوه بالطباشير، ومن قائل يقول: نقّ له من الشعير. قد حفظ الأشعار، وروى الأخبار، ولحق العلماء فى الأمصار؛ فلو أعين بنطق، لروى بحقّ وصدق، عن جابر الجعفىّ، وعامر الشّعبىّ. وإنما أتيت من كاتبه الأعور، الذى اذا اختار لنفسه أطاب وأكثر، وإذا اختار لغيره أخبث وأنزر. فإن رأى الوزير أن يبدلنى ويريحنى بمركوب يضحكنى كما يضحك منى، يمحو بحسنه وفراهته، ما سطّره العيب بقبحه ودمامته.
ولست أردّ كرامه، سرجه ولجامه؛ لأن الوزير أكرم من أن يسلب ما يهديه، أو ينقض ما يمضيه. فوجّه اليه عبيد الله برذونا من براذينه بسرجه ولجامه. ثم اجتمع محمد
(4/70)

ابن عبيد الله عند أبيه. فقال عبيد الله لأبى العيناء: شكوت دابّة محمد، وقد أخبرنى إنه ليشتريه منك الآن بمائة دينار، وما هذا ثمنه فلا يشتكى. فقال: أعزّ الله الوزير لو لم أكذب مستزيدا، لم أنصرف مستفيدا. وإنى وإياه لكما قالت امرأة العزيز:
(الآن حصحص الحقّ أنا راودته عن نفسه وإنّه لمن الصّادقين) . فضحك عبيد الله وقال: حجّتك الداحضة، بملاحتك وظرفك أبلغ من حجة غيرك البالغة. ودخل أبو العيناء على أبى الصّقر وكان قد تأخّر عنه، فقال: ما أخّرك عنا؟ قال: سرق حمارى.
قال: وكيف سرق؟ قال: لم أكن مع اللص فأخبرك. قال: فلم لم تأت على غيره؟
قال: أبعدنى عن الشراء قلّة يسارى، وكرهت ذلّة المكارى، ومنّة العوارى. قال:
وصار يوما الى باب صاعد بن مخلد، فقيل له: هو مشغول يصلّى؛ فقال: لكلّ جديد لذّة. وكان صاعد نصرانيّا قبل الوزارة. وقال له صاعد يوما: ما الذى أخّرك عنّا؟
قال: بنتى. قال: وكيف؟ قال: قالت لى: يا أبت، قد كنت تغدو من عندنا فتأتى بالخلعة السّريّة، والجائزة السنيّة، ثم أنت الآن تغدو مسدفا، وترجع معتما، فإلى من؟
قلت: إلى أبى العلاء ذى الدرايتين. قالت: أيعطيك؟ قلت: لا، قالت: أفيشفّعك؟
قلت: لا. قالت: أيرفع مجلسك؟ قلت: لا. قالت: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا!.
وقال له رجل من بنى هاشم: بلغنى أنك بغّاء. قال: ولم أنكرت ذلك مع قول رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مولى القوم منهم» ؟ قال: إنك دعىّ فينا.
قال: بغائى صحّح نسبى فيكم. وسأل أبو العيناء الجاحظ كتابا الى محمد بن عبد الملك فى شفاعة لصاحب له؛ فكتب الكتاب وناوله الرجل؛ فعاد به الى أبى العيناء وقال:
قد أسعف. قال: فهل قرأته؟ قال: لا، لأنه مختوم. قال: ويحك! فضّه لا يكون صحيفة المتلمّس. ففضّه فاذا فيه: موصّل كتابى سألنى فيه أبو العيناء، وقد عرفت
(4/71)

سفهه وبذاء لسانه، وما أراه لمعروفك أهلا. فإن أحسنت اليه فلا تحسبه علىّ يدا، وإن لم تحسن اليه لم أعدّه عليك ذنبا، والسلام. فركب أبو العيناء الى الجاحظ وقال له: قد قرأت الكتاب يا أبا عثمان. فخجل الجاحظ وقال: يا أبا العيناء، هذه علامتى فيمن أعتنى به. قال: فإذا بلغك أنّ صاحبى قد شتمك فآعلم أنها علامته فيمن شكر معروفه. وقال أبو العيناء: مررت يوما بدرب بسامرّاء؛ فقال لى غلامى:
يا مولاى، فى الدرب حمل سمين والدرب خال. فأمرته أن يأخذه وغطّيته بطيلسانى وصرت به الى منزلى. فلما كان من الغد جاءتنى رقعة من بعض رؤساء ذلك الدرب مكتوب فيها: جعلت فداك، ضاع لنا بالأمس حمل، فأخبرنى صبيان دربنا أنك أنت سرقته، فأمر بردّه متفضّلا. قال أبو العيناء: فكتبت اليه: أى سبحان الله! ما أعجب هذا الأمر! مشايخ دربنا يزعمون أنك بغّاء وأكذّبهم ولا أصدّقهم، وتصدّق أنت صبيان دربكم أنى سرقت الحمل!. قال فسكت وما عاودنى.
ولأبى العيناء أخبار كثيرة وحكايات مشهورة قد أوردنا منها ما يدخل في هذا الباب وتركنا ما سواه.
ذكر ما ورد في كراهة المزح
روى عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «من مزح استخفّ به» .
وقال حكيم: خير المزاح لا ينال، وشرّه لا يقال؛ سكرات الموت به محدقة، وعيون الآجال اليه محدّقة. وقال آخر: تجنّب شؤم الهزل ونكد المزاح؛ فإنهما بابان إذا فتحا لم يغلقا إلا بعد عسر، وفحلان إذا لقحا لم ينتجا غير ضرّ. وقالوا:
المزاح يضع قدر الشريف، ويذهب هيبة الجليل. وقالوا: لا تقل ما يسوءك عاجله، ويضرّك آجله. وقالوا: إيّاك وما يستقبح من الكلام، فإنه ينفر عنك
(4/72)

الكرام، ويجسّر عليك اللئام. وقال عمر بن عبد العزيز: اتّقوا المزاح، فإنها حمقة تورث ضغينة. وقال حكيم لابنه: يا بنىّ، إياك والمزاح؛ فإنه يذهب ببهاء الوجه ويحطّ من المروءة. قال شاعر:
اكره لنفسك ما لغيرك تكره ... وافعل لنفسك فعل من يتنزّه
وارفع بصمتك عنك سبّات الورى ... خوف الجواب فإنه بك أشبه
ودع الفكاهة بالمزاح فإنها ... تودى وتسقط من بها يتفكّه
وقيل:
ألا ربّ قول قد جرى من ممازح ... فساق اليه الموت في طرف الحبل
فإنّ مزاح المرء في غير حينه ... دليل على فرط الحماقة والجهل
وقيل:
فإياك إيّاك المزاح فإنه ... يجرّى عليك الطفل والرجل النّذلا
ويذهب ماء الوجه بعد بهائه ... ويورث بعد العزّ صاحبه ذلّا
وقال بعض البلغاء: المزاح خرف، والاقتصاد فيه ظرف، والإفراط فيه ندامة.
وقالوا: من كثر مزحه لم يسلم من استخفاف به أو حقد عليه. ويقال: أكثر أسباب القطيعة المزاح. وإن كان لا غنى للنفس عنه للجمام «1» ، فليكن بمقدار الملح فى الطعام. قال أبو الفتح البستىّ رحمه الله:
أفد طبعك المكدود بالهمّ راحة ... تراح وعلّله بشىء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما يعطى الطعام من الملح
(4/73)

وقيل:
امزح بمقدار الطلاقة واجتنب ... مزحا تضاف به الى سوء الأدب
لا تغضبنّ أخا إذا مازحته ... إن المزاح على مقدّمة الغضب
وقيل:
مازح صديقك ما أحبّ مزاحا ... وتوقّ منه في المزاح جماحا
فلربما مزح الصديق بمزحة ... كانت لبدء عداوة مفتاحا
وقال سعيد بن العاص لولده: يا بنىّ، اقتصد في مزحك؛ فإن الإفراط فيه يذهب البهاء، ويجزّىء السفهاء. ويقال: المزاح أوّله فرح، وآخره ترح. قال أبو العتاهية:
وترى الفتى يلقى أخاه وخدنه ... فى بعض منطقه بما لا يغفر
ويقول كنت ملاعبا وممازحا ... هيهات! نارك في الحشا تتسعّر
ألقيتها وطفقت تضحك لاهيا ... وفؤاده مما به يتفطّر
أو ما علمت ومثل جهلك غالب ... أنّ المزاح هو السّباب الأكبر
فهذه نبذة مما قيل في الفكاهات والمجون، يفرح لها قلب المحزون، وتزول عنه الشجون. فلنذكر ما قيل مما يناسب هذا الباب من أشعار المزّاحين.
ذكر شىء من الشعر المناسب لهذا الباب والداخل فيه
وسنورد في هذا الفصل من أشعار هذا الفن، ما رفلت معانيه في حلل أنفاسها على صفحات أطراسها، وأهلت مغانيه بما أودعه لسان القلم صدر قرطاسها من بديغ إيناسها. يضحك سامعه وإن كان ثكلا. ويستوفيه وإن كان عجلا. هذا مع ما فيه من فحش القول الذى إذا تأمّلته في موضعه كان أزين من عقود اللآلى،
(4/74)

وإن لمحته في غيره كان أقفر من ظلم الليالى. نسأل الله المسامحة لكاتبه وقائله، ومستمعه وناقله. فمن ذلك ما كتب به ابن حجاج لمن شرب دواء:
يا أبا أحمد بنفسى أفديك ... وأهلى من سائر الأسواء
كيف كان انحطاط جعسك «1» فى طاعة ... شرب الدواء يوم الدواء
كيف أمسى سبال مبعرك النّد»
ل غريقا في المرّة الصفراء
وقال الحسن بن هانىء:
للطمة يلطمنى أمرد ... تأخذ منّى العين والفكّا
أطيب من تفّاحة من يدى ... ذى لحية محشوّة مسكا
وقال أبو عبد الله محمد بن الحسن الحجاج:
قومى تنحّى فلست من شانى ... قومى اذهبى لا يراك شيطانى
لا كان دهر عليك حصّننى ... ولا زمان اليك ألجانى
قعدت تفسين فوق طنفستى ... ما بين راحى وبين يحانى
فما عدمنا من الكنيف وقد ... حضرت إلا بنات وردان «3»
وقال أبو بكر محمد الخوارزمىّ:
فسا الشيخ سهوا وفي كفّه ... شراب فلمناه لوما قبيحا
فقال لى الدخل والخرج لى ... فأدخلت راحا وأخرجت ريحا
وقال ابن سكّرة الهاشمىّ:
وبات في السطح معى صاحب ... من أكرم الناس ذوى الفضل
أفسو فيفسو فهو لى مسعد ... وإنما أملى ويستملى
(4/75)

الباب الرابع من القسم الثالث من الفنّ الثانى فى الخمر
وتحريمها وآفاتها وجناياتها وأسمائها، وأخبار من تنزّه عنها في الجاهليّة، ومن حدّ فيها من الأشراف، ومن اشتهر بها، ولبس ثوب الخلاعة بسببها، وما قيل فيها من جيّد الشعر، وما قيل في وصف آلاتها وآنيتها، وما قيل فى مبادرة اللذّات، وما وصفت به المجالس وما يجرى هذا المجرى
ذكر ما قيل في الخمر وتحريمها
أجمع الناس على أنّ الخمر المحرّمة في كتاب الله عزّوجلّ هى المتّخذة من عصير العنب بعد أن يغلى ويقذف بالزّبد من غير أن يمسّها نار. واذا انقلبت بنفسها وتخلّلت طهرت من غير أن يتسبّب في ذلك بشىء يلقى فيها. وطهارتها إذا غلبت عليها الحموضة وفارقتها النشوة. والخمر المتّخذة أيضا من التمر، لقول النبىّ صلّى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه عن أبى هريرة رضى الله عنه: «الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة» . وفي حديث آخر: «من هاتين الشجرتين الكرمة والنخلة» . وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: سمعت عمر رضى الله عنه على منبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «أمّا بعد، أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهى من خمسة، من التمر والعنب والعسل والحنطة والشعير» . والخمر ما خامر العقل.
ولا خلاف بين أحد من الأئمة في أن الخمر حرام، لما ورد في ذلك من الكتاب والسنة. أما ما ورد في كتاب الله عزّوجلّ فأربع آيات، منها ما يقتضى الإباحة، ومنها ما يقتضى الكراهة والتحريم. فأوّل ما نزل فيها بمكة قوله عزّوجلّ: (وَمِنْ
(4/76)

ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً)
. فكان المسلمون يشربونها يومئذ وهى حلال لهم. ثم أنزل الله عزّوجلّ بالمدينة: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما)
نزلت هذه الآية فى عمر بن الخطّاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إن ربكم تقدّم فى تحريم الخمر» . فتركها قوم للإثم الكبير وقالوا: لا حاجة لنا في شربها ولا في شىء فيه إثم كبير، وشربها قوم لقوله تعالى: (وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) *
. وكانوا يستمتعون بمنافعها ويتجنّبون مآثمها؛ الى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعا ناسا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا وحضرت صلاة المغرب، فقدّموا بعضهم ليصلّى بهم؛ فقرأ قل يأيها الكافرون أعبد ما تعبدون الى آخر السورة بحذف «لا» فأنزل الله عزّوجلّ: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ)
فحرّم السكر في أوقات الصلاة. فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: إن الله عزّوجلّ تقارب في النهى عن شرب الخمر وما أراه إلا سيحرّمها. فلما نزلت هذه الآية تركها قوم، وقالوا: لا خير فى شىء يحول بيننا وبين الصلاة. وقال قوم: نشربها ونجلس في بيوتنا؛ فكانوا يتركونها وقت الصلاة ويشربونها في غير حين الصلاة؛ الى أن شربها رجل من المسلمين، فجعل ينوح على قتلى بدر ويقول:
تحيّا بالسلامة أمّ بكر ... وهل لى بعد رهطك من سلام
ذرينى أصطبح بكرا فإنى ... رأيت الموت كفّت عن هشام
وودّ بنو المغيرة لو فدوه ... بألف من رجال أو سوام
(4/77)

فى أبيات أخر. فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فجاء فزعا يجرّ رداءه، حتى انتهى اليه، ورفع شنّا كان في يده ليضربه؛ فلما عاينه الرجل قال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، والله لا أطعمها أبدا؛ ثم نزلت آية التحريم وهى قوله عزّوجلّ: (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)
. وروى أن هذه الآية نزلت فى شأن حمزة بن عبد المطّلب، وكان نزولها وتحريم الخمر في شهر ربيع الأوّل سنة أربع من الهجرة.
وكان من خبر حمزة بن عبد المطّلب ما رواه مسلم بن الحجاج بن مسلم في صحيحه عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه قال: أصبت شارفا «1» مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في مغنم يوم بدر، وأعطانى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شارفا أخرى من الخمس. قال علىّ: فلما أردت أن أبتنى بفاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واعدت رجلا صوّاغا من بنى قينقاع «2» يرتحل معى فنأتى بإذخر «3» أردت أن أبيعه من الصوّاغين فأستعين به على وليمة عرسى. فبينا أنا أجمع لشارفىّ متاعا من الأقتاب والغرائر والحبال، وشارفاى مناختان الى جنب حجرة رجل من الأنصار ورجعت حين جمعت ما جمعت، فاذا شارفاى قد اجتبّت أسنمتهما وبقرت خواصرهما وأخذ من أكبادهما، فلم أملك نفسى حين رأيت ذلك المنظر منهما [أن «4» ] قلت: من فعل هذا؟
قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار، غنّته قينة وأصحابه، فقالت في غنائها:
ألا يا حمز للشّرف النّواء
(4/78)

- لم يذكر مسلم في صحيحه من الشعر غير ما ذكرناه. والأبيات التى غنت بها:
ألا يا حمز للشّرف «1» النّواء ... وهنّ معقّلات بالفناء
ضع السكّين في اللّبّات منها ... فضرّجهنّ حمزة بالدماء
وعجّل من شرائحها كبابا ... ملهوجة «2» على وهج الصّلاء
وأصلح من أطايبها طبيخا ... لشربك من قديد أو شواء
فأنت أبا عمارة المرجّى ... لكشف الضرّ عنها والبلاء
- فقام حمزة بالسيف فاجتبّ أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما.
فقال علىّ: فانطلقت حتى أدخل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعنده زيد بن حارثة. قال: فعرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في وجهى الذى لقيت، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مالك» ؟ قلت: يا رسول الله، ما رأيت كاليوم قط، عدا حمزة على ناقتىّ فاجتبّ اسنمتها وبقر خواصرهما وها هو ذا في بيت معه شرب. فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بردائه فارتداه ثم انطلق يمشى واتّبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء الباب الذى فيه حمزة؛ فاستأذن فأذنوا له، فإذا هم شرب؛ فطفق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يلوم حمزة فيما فعل وإذا حمزة محمّرة عيناه؛ فنظر حمزة الى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثم صعّد النظر الى ركبتيه ثم صعّد النظر الى سرّته ثم صعّد النظر فنظر الى وجهه، فقال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبى! فعرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه ثمل، فنكص رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على عقبيه القهقرى وخرج وخرجنا معه. وفي حديث آخر: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعلىّ: «إنّ عمّك قد ثمل وهما لك علىّ» فغرمهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
(4/79)

لعلىّ. فلما أصبح حمزة غدا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعتذر. فقال: «مه يا عمّ فقد سألت الله فعفا عنك» . قالوا: واتخذ عتبان بن مالك صنيعا ودعا رجالا من المسلمين، منهم «1» سعد بن أبى وقّاص، وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى أخذت منهم، ثم إنهم افتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الأشعار، وأنشد سعد قصيدة فيها هجاء الأنصار وفخر لقومه؛ فقام رجل من الأنصار فأخذ لحى البعير فضرب به رأس سعد فشجّه شجّة موضحة. فانطلق سعد الى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وشكا اليه الأنصار. فقال عمر رضى الله عنه: اللهم بيّن لنا رأيك في الخمر بيانا شافيا؛ فأنزل الله عزّوجلّ تحريم الخمر في سورة المائدة (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ)
الآية الى (مُنْتَهُونَ)
. فقال عمر: انتهينا يا ربّ. وقيل: إنها حرّمت بعد غزوة الأحزاب بأيام في ذى القعدة سنة خمس من الهجرة. والله أعلم.
قال أنس رضى الله عنه: حرّمت ولم يكن للعرب يومئذ عيش أعجب منها، وما حرّم عليهم شيء أشدّ من الخمر. قال: فأخرجنا الحباب الى الطريق فصببنا ما فيها، فمنّا من كسر حبّه، ومنّا من غسله بالماء والطين، ولقد غودرت أزقّة المدينة بعد ذلك حينا، كلّما مطرت استبان فيها لون الخمر وفاحت ريحها.
وقال أنس بن مالك رضى الله عنه: كنت ساقى القوم يوم حرّمت الخمر فى بيت أبى طلحة، وما شرابهم إلا فضيخ «2» البسر والتمر، فاذا مناد ينادى، فقال القوم:
اخرج فانظر، فاذا مناد ينادى: ألا إنّ الخمر قد حرّمت، قال: فجرت في سكك المدينة.
فقال لى أبو طلحة: اخرج فاهرقها فهرقتها. فقالوا: أو قال بعضهم: قتل فلان! قتل فلان! وهى في بطونهم، فأنزل الله عزّوجلّ: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) .
(4/80)

وأما ما ورد في تحريمها في كتاب الله وبيّنته السّنّة، فالأحاديث متضافرة
فى تحريمها. فمن ذلك ما روى عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من مات وهو مدمن خمر لقى الله وهو كعابد وثن» . وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«لا يدخل الجنة مدمن خمر» . وأمّا من زعم أنها تباح للتّداوى بها فيردّ عليه ذلك ما صحّ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن طارق بن سويد الجعفىّ سأل النبىّ صلّى الله عليه وسلّم عن الخمر فنهاه أوكره أن يصنعها، وقال: إنما أصنعها للدواء؛ فقال:
«إنها ليست بدواء ولكنه داء» . وعنه صلّى الله عليه وسلّم وقد سأله رجل قدم من جيشان (وجيشان من اليمن) فسأل النبىّ صلّى الله عليه وسلّم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذّرة يقال له المزر؛ فقال النبىّ صلّى الله عليه وسلّم: «أو مسكر هو» قال نعم. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كلّ مسكر حرام إن على الله عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال» . فقالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: «عرق أهل النار» . وعن ابن عمر رضى الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «كلّ مسكر خمر وكلّ مسكر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب لم يشربها في الآخرة» وفي لفظ: «حرمها في الآخرة فلم يسقها» وفي لفظ: «إلا أن يتوب» . وعن عبد الله بن عبّاس رضى الله عنهما قال: حرّمت الخمر قليلها وكثيرها وما أسكر من كلّ شراب. وعنه رضى الله عنه:
من سرّه أن يحرّم ما حرّم الله ورسوله فليحرّم النبيذ. وعن أبى هريرة رضى الله عنه:
أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يزنى الزّانى حين يزنى وهو مؤمن ولا يشرب الشارب حين يشرب وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن» أخرجه البخارىّ في صحيحه والله سبحانه وتعالى أعلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل» .
(4/81)

ذكر ما قيل في إباحة المطبوخ
والمطبوخ يسمّى الظّلاء وهو الذى طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقى ثلثه. سمّى بذلك لأنه شبيه بطلاء الإبل في ثخنه «1» وسواده. وقد اختلف العلماء في المطبوخ، فقال بعضهم: كلّ عصير طبخ حتى ذهب نصفه فهو حلال إلا أنه يكره، وإن طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقى ثلثه فهو حلال مباح شربه وبيعه إلا أن السكر منه حرام. وحجتهم في ذلك ما روى: أن عمر بن الخطّاب رضى الله عنه كتب إلى بعض عماله: أن ارزق المسلمين من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقى ثلثه. وعن عبد الله بن يزيد الخطمىّ قال: كتب الينا عمر بن الخطاب رضى الله عنه: أمّا بعد، فاطبخوا شرابكم حتى يذهب منه نصيب الشيطان في عود الكرم، فإن له اثنين ولكم واحد. وعن أنس بن مالك رضى الله عنه: أنّ نوحا عليه السّلام لمّا نازعه الشيطان في عود الكرم فقال: هذا لى، وقال: هذا لى؛ فاصطلحا على أن لنوح ثلثها وللشيطان ثلثيها. وسئل سعيد بن المسيّب: ما الشراب الذى أحلّه عمر رضى الله عنه؟
فقال: الذى يطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. وحكى أن أبا موسى الأشعرىّ وأبا الدرداء كانا يشربان من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقى ثلثه. وعلى الجملة فمجموع هذه الأخبار في مثلّث «2» لم يسكر البتة. ودليل ذلك ما حكى عن عبد الله بن عبد الملك ابن الطفيل الخزرجىّ قال: كتب الينا عمر بن عبد العزيز: ألّا تشربوا من الطّلاء حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، وكلّ مسكر حرام. هذا الذى عليه أكثر العلماء.
وقال قوم: اذا طبخ العصير أدنى الطبخ صار حلالا، وهو قول إسماعيل بن عليّة
(4/82)

وبشر المرّيسىّ وجماعة من أهل العراق. وذهب بعضهم الى أن الطّلاء الذى رخّص فيه إنما هو الرّبّ «1» والدّبس. والله عزّوجلّ أعلم.
ذكر آفات الخمر وجناياتها
وآفات الخمر وجناياتها كثيرة، لأنها أمّ الكبائر. وأوّل آفاتها أنها تذهب العقل، وأفضل ما في الإنسان عقله، وتحسّن القبيح وتقبّح الحسن. قال أبو نواس الحسن ابن هانىء عفا الله عنه ورحمه وغفر له ما أسلف:
اسقنى حتى ترانى ... حسنا عندى القبيح
وقال أيضا:
اسقنى صرفا حميّا ... تترك الشيخ صبيّا
وتريه الغىّ رشدا ... وتريه الرّشد غيّا
وقال أبو الطّيب:
رأيت المدامة غلّابة ... تهيّج للمرء أشواقه
تسىء من المرء تأديبه ... ولكن تحسّن أخلاقه
وانفس ما للفتى لبّه ... وذو اللبّ يكره إنفاقه
وقد متّ أمس بها ميتة ... وما يشتهى الموت من ذاقه
قالوا: وإنما قيل لمشارب الرجل نديم، من الندامة؛ لأن الرجل معاقر الكأس اذا سكر تكلّم بما يندم عليه وفعل ما يندم عليه، فقيل لمن شاربه «نادمه» لأنه فعل مثل فعله فهو نديم له، كما يقال: جالسه فهو جليس له. والمعاقر: المدمن، كأنه لزم عقر الشىء أى فناءه. وقد شهر أصحاب الشراب بسوء العهد وقلّة الحفاظ،
(4/83)

وقالوا: صاحب الشراب صديقك ما استغنيت عنه حتى تفتقر، وما عوفيت حتى تنكب، وما غلت دنانك حتى تنزف، وما رأوك بعيونهم حتى يفقدوك. قال بعض الشعراء عفا الله تعالى عنه:
أرى كلّ قوم يحفظون حريمهم ... وليس لأصحاب النّبيذ حريم
اذا جئتهم حيّوك ألفا ورحّبوا ... وإن غبت عنهم ساعة فذميم
إخاؤهم ما دارت الكأس بينهم ... وكلّهم رثّ الوصال سئوم
فهذا بيانى لم أقل بجهالة ... ولكننى بالفاسقين عليم
قيل: سقى قوم أعرابيّة مسكرا، فقالت: أيشرب نساؤكم هذا الشراب؟
قالوا نعم. قالت: فما يدرى أحدكم من أبوه. وقال قصىّ بن كلاب لبنيه:
اجتنبوا الخمر فإنه يصلح الأبدان ويفسد الأذهان. وقيل لعدىّ بن حاتم: مالك لا تشرب النبيذ؟ قال: معاف الله! أصبح حليم قوم وأمسى سفيههم. وقيل لأعرابىّ:
مالك لا تشرب النبيذ؟ قال: لا أشرب ما يشرب عقلى. وقيل لعثمان بن عفّان:
ما منعك من شرب الخمر في الجاهليّة ولا حرج عليك؟ قال: إنى رأيتها تذهب العقل جملة وما رأيت شيئا يذهب جملة ويعود جملة. وقال عبد العزيز بن مروان لنصيب ابن رباح: هل لك فيما يثمر المحادثة؟ يريد المنادمة، فقال: أصلح الله الأمير! الشّعر مفلفل واللون مرمدّ، ولم أقعد اليك بكرم عنصر ولا بحسن منظر، وإنما هو عقلى ولسانى؛ فإن رأيت ألّا تفرّق بينهما فافعل. ودخل نصيب هذا على عبد الملك ابن مروان فأنشده فاستحسن عبد الملك شعره فوصله؛ ثم دعا بالطعام فطعم معه.
فقال له عبد الملك: هل لك [أن «1» ] تنادم عليه؟ قال: يا أمير المؤمنين، تأمّلنى. قال: قد أراك. قال: يا أمير المؤمنين، جلدى أسود وخلقى مشوّه ووجهى قبيح ولست
(4/84)

فى منصب، وإنما بلغ بى مجالستك ومؤاكلتك عقلى، وأنا أكره أن أدخل عليه ما ينقصه. فأعجبه كلامه وأعفاه.
وقال الحسن: لو كان العقل عرضا لتغالى الناس في ثمنه؛ فالعجب لمن يشترى بماله شيئا ليشربه فيذهب عقله!.
وقال الوليد بن عبد الملك للحجاج بن يوسف في وفدة وفدها عليه وقد أكلا:
هل لك في الشراب؟ قال: يا أمير المؤمنين، ليس بحرام ما أحللت، ولكن أمنع أهل عملى، وأكره أن أخالف قول العبد «1» الصالح وهو قوله تعالى: (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) .
وقالوا: للنبيذ حدّان، حدّ لا همّ معه، وحدّ لا عقل معه؛ فعليك بالأوّل واتقّ الثانى.
ومن آفات الخمر افتضاح شاربها بريحها عند من يحتشم منه ويتّقيه ويخافه فلا يستطيع مع وجود ريحها إنكار شربها. والولاة تحدّ بالاستنكاه؛ لأن خمارها يثبت في الفم اليوم واليومين بعد تركها. فمن شربها ساعة وهو يحتشم من الناس أن يظهر ذلك عليه احتاج الى الانقطاع في بيته بعد زوال السكر وأوبة العقل حتى تزول الرائحة. وقد تحايل الذين يشربون الخمر على قطع ريحها من الفم وعالجوا ذلك بأدوية صنعوها يستعملونها بعد شربها. فأجود ما صنعوه من هذه الأدوية أن يؤخذ من المرّ والبسباسة «2» والسّعد «3» والجناح «4» والقرنفل أجزاء متساوية وجزءان من الصمغ، ويدقّ
(4/85)

ذلك ويجبل «1» بماء الورد ويستعمل منه فإنه يقطع رائحة الخمر من الفم، كما زعموا.
وقد نظم بعض الشعراء هذه المفردات في أربعة أبيات فقال:
مرّ وبسباسة وسعد ... الى جناح وماء ورد
ينظمها الصمغ إن تلاه ... قرنفل الهند نظم عقد
أجزاؤها كلّها سواء ... والصمغ جزآن، لا تعدّى
فيه لذى مرّة شفاء ... وصون عرض وحفظ ودّ
ذكر أسماء الخمر من حين تعصر الى أن تشرب
الخمر اذا عصر فاسم ما يسيل منه قبل أن تطأه الرجل: السّلاف؛ وأصله من السّلف وهو المتقدّم من كلّ شىء، وهو في مثل ذلك الخرطوم أيضا. ويقال للذى يعصر بالأقدام: العصير، والموضع الذى يعصر فيه: المعصرة. والنّطل: ما عصر فيه السلاف؛ ويقال للعاصر: الناطل، ثم يترك العصير حتى يغلى فاذا غلا فهو خمر، وقيل: سمّيت خمرا لأنها تخامر العقول فتخالطها. وقالوا: لأنها تخمر في الإناء، أى تغطّى وهى مؤنثة. ويقال لها: القهوة، لأنها تفهى عن الطعام والشراب، يقال:
أقهى عن الطعام وأقهم عنه اذا لم يشتهه. ومن أسمائها: الشّمول، سمّيت بذلك لأن لها عصفة كعصفة الشّمال، وقيل: لأنها تشمل القوم بريحها. ومنها: السّلاف والسّلافة والخرطوم وقد تقدّم معناها. ومنها: القرقف لأن شاربها يقرقف اذا شربها، أى يرعد، يقال: قرقف وقفقف. وقال أبو عمرو: القرقف اسم للخمر غير صفة وأنكر قولهم سمّيت بها لأنها ترعد. ومنها: الراح لأنها تكسب صاحبها الأريحيّة أى خفة العطاء. ومنها: العقار لأنها عاقرت الدّنّ، وقيل: لأنها تعقر شاربها
(4/86)

من قول العرب: كلأ بنى فلان عقّار، أى يعقر الماشية. ومن أسمائها: المدامة والمدام لأنها داومت الظّرف الذى انتبذت فيه. والرحيق ومعناه الخالص من الغش. وقيل: الصافى. وقيل: العتيق. والكميت سمّيت بذلك للونها اذ كانت تضرب الى السواد. والجريال وهو صبغ أحمر سمّيت ذلك للونها أيضا. والسبيئة والسّباء وهى المشتراة وأصلها مسبوءة، يقال: سبأت الخمر اذا اشتريتها. والمشعشعة وهى الممزوجة. والصهباء وهى التى عصرت من العنب الأبيض. والشّموس شبّهت بالدابّة التى تجمح براكبها. والخندريس وهى القديمة. والحانيّة: منسوبة الى الحانة. والماذيّة: الليّنة يقال: عسل ماذى اذا كان ليّنا. والعانيّة: منسوبة الى عانة. والسّخامية: اللّينة من قولهم: قطن سخام أى ليّن وثوب سخام. قال الراجز:
كأنه بالصّحصحان «1» الأنجل ... قطن سخامىّ بأيدى غزّل
والمزّة والمزّاء لطعمها. والإسفنط، قال الأصمعىّ: هو بالرومية. والغرب ومعناه الحدّ؛ وغرب كلّ شىء حدّه. ولعلها سمّيت بذلك لحدّتها. والحميّا، وحميّا كلّ شىء سورته وحدّته. والمصطار: الخلّة ويقال: المضطار بالضاد أيضا. والخمطة:
المتغيّرة الطعم. والمعتّقة: التى قد طال مكثها. والإثم: اسم لها لعله وقع عليها لما فى شربها من الإثم. والحمق كذلك. قال الشاعر:
شربت الإثم حتى ضلّ عقلى ... كذاك الإثم يفعل بالعقول
والمعرق: الممزوج قليلا، يقال: عرق من ماء أى ليس بكثير. ومن أسمائها:
القنديد والفيهج وأمّ زنبق والمقطّب والطّوس والسّلسال والسّلسل والزّرجون والكلفاء والجرباء والعانسة والطّابة والنّاجود والكأس والطّلاء، قال عبيد بن الأبرص:
(4/87)

هى الخمر صرفا تكنّى الطلا «1» ... ء كالذئب يسمى أبا جعدة
والباذق والبختج: فارسيّان. والجهورىّ. والمقدىّ منسوبة الى قرية من قرى الشام. والمزاء من قولك: هذا أمزى من هذا أى أفضل. والنبيذ. والبتع: نبيذ العسل والسّكركة من الذرة. والجعة من الشعير. والفضيخ من البسر. والمزر من الحبوب
ذكر أخبار من تنزّه عنها في الجاهليّة وتركها ترفّعا عنها
كان ممن تركها في الجاهلية عثمان بن عفان رضى الله عنه وعبد المطلب بن هاشم وعبد الله بن جدعان التيمىّ وكان سيّدا جوادا من سادات قريش، وسبب تركه لها أنه شرب مع أميّة بن أبى الصلت الثقفىّ فأصبحت عين أميّة مخضرّة فخاف عليها الذهاب، فسأله عبد الله: ما بال عينك؟ فقال: أنت صاحبها أصبتها البارحة، قال: وبلغ منّى الشراب ما أبلغ معه من جليسى هذا المبلغ، فأعطاه عشرة آلاف درهم وقال: الخمر علىّ حرام، لا أذوقها أبدا، وقال فيها:
شربت الخمر حتى قال صحبى ... ألست عن السّقاة بمستفيق؟
وحتى ما أوسد في مبيت ... أنام به سوى التّرب السحيق
وممّن حرّمها في الجاهليّة: قيس بن عاصم المنقرىّ، والسبب في ذلك أنه سكر فغمز عكنة ابنته أو أخته فهربت منه، فلما صحا أخبروه فحرّم الخمر على نفسه، وقال في ذلك:
وجدت الخمر جامحة وفيها ... خصال تفضح الرجل الكريما
فلا والله أشربها حياتى ... ولا أدعو لها أبدا نديما
(4/88)

ولا أعطى لها ثمنا حياتى ... ولا أشفى بها أبدا سقيما
فإنّ الخمر تفضح شاربيها ... وتجشمهم بها أمرا عظيما
اذا دارت حميّاها تعلّت ... طوالع تسفه الرجل الحليما
ومنهم: عامر بن الظّرب العدوانىّ، قال:
سأّلة للفتى ما ليس في يده ... ذهّابة بعقول القوم والمال
أقسمت بالله أسقيها وأشربها ... حتى يفرّق ترب القبر أوصالى
ومنهم: صفوان بن أميّة بن محرّث الكتامىّ وعفيف بن معديكرب الكندىّ والأسلوم بن نامى من همدان ومقيس بن عدىّ السهمىّ وكان سكر فجعل يخط ببوله:
أنعامة أو بعيرا، فلما أفاق وأخبر بذلك حرّمها.
ومنهم: العبّاس بن مرداس السلمىّ قيل له: لم تركت الشراب وهو يزيد فى جرأتك وسماحتك؟ فقال: أكره أن أصبح سيّد قومى وأمسى سفيههم.
ومنهم: سعيد بن ربيعة بن عبد شمس وورقة بن نوفل والوليد بن المغيرة.
وقال زيد بن ظبيان:
بئس الشراب شراب حين تشربه ... يوهى العظام وطورا يوهى «1» العصب
إنى أخاف مليكى أن يعذّبنى ... وفي العشيرة أن يزرى على حسبى
وقال رجل لسعيد بن سلّم: ألا تشرب النبيذ؟ فقال: تركت كثيره لله تعالى وقليله للناس.
(4/89)

ذكر من حدّ فيها من الأشراف ومن شربها منهم ومن اشتهر بها ولبس فيها ثوب الخلاعة ومن افتخر بشربها
فأما من حدّ فيها من الأشراف
فالوليد بن عقبة بن أبى معيط وهو أخو عثمان بن عفّان لأمه، شهد عليه أهل الكوفة أنه صلّى بهم الصبح ثلاث ركعات وهو سكران ثم التفت اليهم فقال: وإن شئتم زدتكم، فجلده عبد الله بن جعفر بين يدى عثمان رضى الله عنه، وسنذكر الواقعة إن شاء الله تعالى بجملتها في الباب الثانى من القسم الخامس من الفن الخامس في التاريخ في خلافة عثمان رضى الله عنه.
ومنهم: عبيد الله بن عمر بن الخطاب شرب بمصر فحدّه بها عمرو بن العاص سرّا، فلما قدم على أبيه جلده حدّا آخر علانية.
ومنهم: عبد الرحمن بن عمر بن الخطّاب المعروف بأبى شحمة «1» ، حدّه أبوه فى الشراب فمات تحت حدّه.
ومنهم: عاصم بن عمر بن الخطّاب، حدّه بعض ولاة المدينة.
ومنهم: قدامة بن مظعون، حدّه عمر بن الخطّاب رضى الله عنه بشهادة علقمة الخصىّ وغيره.
ومنهم: عبد الله بن عروة بن الزبير، حدّه هشام بن إسماعيل المخزومىّ.
ومنهم: عبد العزيز بن مروان، حدّه عمرو بن سعيد الأشدق.
ومنهم: أبو محجن الثقفىّ واسمه عمرو بن حبيب، وكان مغرما بالشراب، حدّه عمر مرارا في الخمر، وحدّه سعيد بن أبى وقّاص مرارا وشهد القادسيّة وأبلى
(4/90)

بلاء حسنا، ثم حلف بعد القادسيّة ألا يذوق الخمر أبدا ومات تائبا عنها، وأنشد رجل عند عبد الله بن مسلم بن قتيبة قوله:
اذا متّ فآدفنّى الى جنب كرمة ... تروّى عظامى بعد موتى عروقها
ولا تدفننّى في الفلاة فإننى ... أخاف اذا مامتّ أن لّا أذوقها
فقال عبد الله: حدّثنى من رأى قبره بأرمينية بين شجرات كرم يخرج اليه الفتيان ويشربون عنده ويتناشدون شعره فاذا جاءت كأسه صبّوها على قبره.
ومنهم: إبراهيم بن هرمة وكان مغرما بالشراب، حدّه جماعة من عمال المدينة فلما طال ذلك عليه رحل الى أبى جعفر المنصور، وقيل: إنما رحل الى المهدىّ وامتدحه بقصيدته التى يقول فيها:
له لحظات في حفافى سريره ... اذا كرّها فيها عقاب ونائل
له تربة بيضاء من آل هاشم ... اذا اسودّ من لؤم التراب القبائل
فاستحسن شعره وقال له: سل حاجتك، فقال: تأمر لى بكتاب الى عامل المدينة ألّا يحدّنى على شراب، فقال له: ويلك! لو سألتنى عزل عامل المدينة وتوليتك مكانه لفعلت؛ قال: يا أمير المؤمنين، ولو عزلته ووليتنى مكانه أما كنت تعرلنى أيضا وتولّى غيرى! قال: بلى، قال: فكنت أرجع الى سيرتى الأولى فأحدّ، فقال المهدىّ لوزرائه: ما تقولون في حاجة ابن هرمة وما عندكم فيها من التلطّف؟
قالوا: يا أمير المؤمنين، إنه سأل مالا سبيل اليه، إسقاط حدّ من حدود الله عزّوجلّ، فقال المهدى: له حيلة اذا أعيتكم الحيل فيه، اكتبوا الى عامل المدينة:
من أتاك بابن هرمة سكرانا فاضربه مائة سوط واجلد ابن هرمة ثمانين، فكان إذا شرب ومشى في أزقة المدينة يقول: من يشترى مائة بثمانين؟
(4/91)

وأما من شربها منهم واشتهر بها، جماعة من الأكابر والأعيان والخلفاء.
منهم: يزيد بن معاوية
شهر بشربها، وكان يقال له: يزيد الخمور، روى هشام ابن الكلبىّ عن أبيه قال: وجّه معاوية جيشا الى أرض الروم فأصابهم الجدرىّ، وعند يزيد امرأته أمّ كلثوم بنت عبد الله بن عامر فسكر وأنشأ يقول:
إذا ارتفقت على الأنماط في غرف ... بدير مرّان عندى أمّ كلثوم
فما أبالى الذى لاقت جيوشهم ... بالغذقذونة «1» من حمّى ومن موم «2»
فبلغ الخبر معاوية، فقال: أنت هاهنا! إلحق بهم، وسيّره الى قتال الروم.
ومنهم: عبد الملك بن مروان،
وكان يسمّى: حمامة المسجد، لاجتهاده فى العبادة، هذا قبل أن يلى الخلافة، فلما أفضت الخلافة اليه شرب، فقال له سعيد بن المسيّب: بلغنى يا أمير المؤمنين، أنك شربت الطلاء، قال: إى والله والدماء.
ومنهم: يزيد بن عبد الملك بن مروان
وهو صاحب حبابة «3» وسلّامة، وأخباره مشهورة.
ومنهم: ابنه الوليد بن يزيد بن عبد الملك
ذهب به الشراب كلّ مذهب حتى خلع وقتل؛ وله في ذلك حكايات وأشعار. منها: أنه سمع بشرّاعة بن الزّندبوذ الكوفىّ، وكان من أهل البطالة المشهورين باللعب واللهو وإدمان الشراب؛ فاستدعاه
(4/92)

بالكوفة الى دمشق فحمل اليه فلما دخل عليه قال له: يا شرّاعة، ما أرسلت اليك لأسألك عن كتاب الله ولا سنّة نبيّه، قال: لو سألتنى عنهما لوجدتنى فيهما حمارا، قال: وإنما أرسلت اليك لأسألك عن القهوة، قال: أنا دهقانها الخبير، ولقمانها الحكيم، وطبيبها الماهر؛ قال: فأخبرنى عن الشراب قال: سل عمّا بدا لك قال: ما تقول في الماء قال: لا بدّ منه، والحمار شريكى فيه. قال: فاللبن؟
قال: ما رأيته إلا استحييت من طول ما أرضعتنى أمّى به، قال: فالسّويق؟
قال: شراب الحزين والمستعجل والمريض. قال: فشراب التمر؟ قال: سريع الامتلاء، سريع الانفشاش. قال: فنبيذ الزبيب؟ قال: حاموا به على الشراب، قال: فالخمر؟ قال: تلك والله صديقة روحى، قال: وأنت والله صديق روحى، قال: فأى المجالس أحسن؟ قال: ما شرب فيه على وجه السماء؛ ومن شعر الوليد:
خذوا ملككم لا ثبّت الله ملككم ... ثباتا يساوى ما حييت عقالا
دعوا لى سلمى والنبيذ وقينة ... وكأسا، ألا حسيى بذلك مالا
أبا لملك أرجو أن أخلّد فيكم ... ألا ربّ ملك قد أزيل فزالا
ومنهم: المأمون بن الرشيد
وشهر بالشراب وله فيه أخبار، منها: أنه شرب هو ويحيى بن أكثم القاضى وعبد الله بن طاهر، فتعامل «1» المأمون وابن طاهر على سكر يحيى، فأشار الى الساقى فأسكره، وكان بين أيديهم رزم من الورد والرياحين، فأمر المأمون فشقّ ليحيى لحد من الورد والرياحين وصيّروه فيه، وعمل بيتى شعر ودعا قينة فجلست عند رأس يحيى وغنّت بالشعر:
دعوته وهو حىّ لا حياة به ... مكفّنا في ثياب من رياحين
فقلت قم قال رجلى لا تطاوعنى ... فقلت خذ قال كفّى لا تواتينى
(4/93)

فانتبه يحيى لرنّة العود وصوت الجارية فقال:
يا سيّدى وأمير الناس كلّهم ... قد جارفى حكمه من كان يسقينى
إنى غفلت عن الساقى فصيّرنى ... كما ترانى سليب العقل والدّين
فانظر لنفسك قاض إننى رجل ... ألراح يقتلنى والرّوح يحيينى
ومنهم: العباس بن علىّ بن عبد الله بن العباس
وهو عمّ المنصور، كان يأخذ الكأس بيده ويقول: أما العقل فتتلفين، وأما المروءة فتمحقين، وأما الدّين فتفسدين، ويسكت ساعة ثم يقول: وأما النّفس فتسخّين، وأما القلب فتشجّعين، وأما الهمّ فتطردين، أفتراك منى تفلتين! ثم يشربها.
ومنهم: بلال بن أبى بردة
فضح بالشراب وفيه يقول يحيى بن نوفل الحميرىّ:
وأما بلال فذاك الذى ... يميل الشراب به حيث مالا
يبيت يمصّ عتيق الشراب ... كمصّ الوليد يخاف الفصالا
ويصبح مضطربا ناعسا ... تخال من السّكر فيه احولا لا
ويمشى ضعيفا كمشى النزيف «1» ... تخال به حين يمشى شكالا
ومنهم: عبد الرحمن بن عبد الله الثقفىّ
قاضى الكوفة وفضح بمنادمة سعد بن هبّار وفيه يقول حارثة بن بدر:
نهاره في قضايا غير عادلة ... وليله في هوى سعد بن هبّار
ومنهم: آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز
وهو الذى يقول:
هاك فاشرب يا خليلى ... فى مدى الليل الطويل
قهوة في ظلّ كرم ... سبيت من نهر نيل
(4/94)

فى لسان المرء منها ... مثل لذع الزنجبيل
إنما أذهب مالى ... طول إدمان الشّمول «1»
وحنين العود تثني ... هـ يدا ظبى كحيل
فالطويل العنق الأ ... هيف كالسيف الصقيل
يا خليلىّ اسقيانى ... واهتفا بالشمس زولى
قل لمن لامك فيها ... من نصيح أو عذول
يبق بين الباب والدا ... ر على نعب الطلول
وقيل لأبيه عبد العزيز بن عمر: إن بنيك يشربون الخمر، فقال: صفوهم لى، فقالوا: أما فلان إذا شرب خرق ثيابه وثياب نديمه، فقال: سوف يدع هذا شربها، قالوا: وأما فلان فاذا شربها تقيّأ في ثيابه، قال: وهذا سوف يدعها، قالوا:
وأما آدم فإذا شربها فأسكن ما يكون لا ينال أحدا بسوء، قال: هذا لا يدعها أبدا.
ومنهم: حارثة بن زيد العدوانىّ
رجل من تميم- دخل يوما على زياد ابن أبيه وبوجهه أثر، فقال له زياد: ما هذا الأثر بوجهك؟ فقال: أصلح الله الأمير ركبت فرسى الأشقر «2» فجمح بى حتى صدمنى الحائط، فقال: أما إنك لو ركبت فرسك الأشهب «3» لم يصبك مكروه. ولحارثة فيها أشعار كثيرة وأخبار مع الأحنف ابن قيس، وكان الأحنف ينهاه عنها وهو لا ينتهى ويجيبه بشعر في مدحها وقيل:
إن حارثة هذا أدرك النبىّ صلّى الله عليه وسلّم بالسنّ في حال صباه وحداثته.
ومنهم: والبة بن الحباب الأسدىّ
وهو الذى ربّى أبا نواس وأدّبه وعلّمه الفتوّة وقول الشعر. حكى أن المنصور قال له يوما: ادخل إلى محمد- يعنى المهدىّ- وحدّثه، فدخل عليه، فأوّل ما أنشده قوله:
(4/95)

قولا لعمرو لا تكن ناسيا ... وسقّنى لا تحبسن كاسيا
واردد على الهيثم مثل الذى ... هجت به ويحك وسواسيا
وقل لساقينا على خلوة ... أدن كذا رأسك من راسيا
فبلغ ذلك المنصور، فقال: لا تعيدوه إليه أردنا أن نصلحه فأراد هو أن يفسده.
ومنهم: أبو الهندىّ
وهو عبد المؤمن بن عبد القدّوس بن شبث بن ربعىّ اليربوعىّ، حجّ به نصر بن سيّار فلما ورد الحرم قال له نصر: إنك بفناء بيت الله الحرام ومحل حرمه فدع الشراب، فلما زال عنه وضعه بين يديه وجعل يشرب ويبكى ويقول:
رضيع مدام فارق الراح روعه ... فظلّ عليها مستهلّ المدامع
أديرا علىّ الكأس إنى فقدتها ... كما فقد المفطوم درّ المراضع
ومرّ به نصر بن سيّار وهو يميل سكرا، فقال له: أفسدت شرفك، فقال:
لو لم أفسد شرفى لم تكن أنت اليوم والى خراسان.
ومنهم: سعيد بن وهب
وكان شاعرا بصريّا.
ومنهم: الحسين بن الضحّاك النديم
صاحب الحسن بن هانىء وكان خليعا ماجنا مليح الشعر وهو الذى يقول:
ألا إنما الدّنيا وصال حبيب ... وأخذك من مشمولة بنصيب
وعيشك بين المسمعات ممتّعا ... بفنّين من عرف وشدو مصبب
وأنس وإنسان تلذّ بقربه ... وبدلة معشوق ويوم رقيب
وعدّى ساعات النهار ورقبتى ... إلى الشمس لما آذنت بمعيب
(4/96)

ومنهم: يحيى بن زياد
وهو الذى يقول:
أعاذل ليت البحر خمر وليتنى ... مدى الدهر حوت ساكن لجّة البحر
فأضحى وأمسى لا أفارق لجّة ... أروّى بها عظمى وأشفى بها صدرى
طوال الليالى، ليس عنّى بناضب ... ولا ناقص حتى أصير الى الحشر
ومنهم: أبو نواس الحسن بن هانىء
ممن اشتهر بالشراب واللهو والطرب ومنادمة القيان، وله في الخمر تشبيهات حسنة وحكايات ظريفة، نذكر هاهنا من أخباره طرفا:
حكى أن مسلم بن الوليد عاتبه وقال: يا أبا نواس، قد خلعت عذارك وأطلت الإكباب على المجون حتى غلب على لبّك وما كذلك يفعل الأدباء! فأطرق ثم قال:
فأوّل شربك طرح الرداء ... وآخر شربك طرح الإزار
وما هنّأتك الملاهى بمثل ... إمانة مجد وإحياء عار
وما جاد دهر بلذّاته ... على من يضنّ بخلع العذار
فانصرف مسلم وقد أيس من فلاحه وهو يقول: جواب حاضر، من كهل فاجر. ومما يحفظ من أخباره، ويروى من أشعاره في ذلك: أنه بلغ إخوانه عنه أنه ترك الشراب واللذّات وأخذ في الزهد والصلاة في أوقاتها فاجتمعوا إليه وأقبلوا يهنّئونه، فوضع بين يديه باطية وجعل لا يدخل اليه أحد يهنئه إلا شرب بين يديه رطلا وأنشد:
قالوا نزعت ولمّا يعلموا وطرى ... فى كلّ أغيد ساجى الطرف ميّاس
كيف النزوع وقلبى قد تقسّمه ... لحظ العيون وقرع السنّ بالكاس
لا خير في العيش إلا في المجون مع ال ... أكفاء والراح والريحان والآس
(4/97)

ومسمع يتغنّى والكئوس لها ... حثّ علينا بأخماس وأسداس
يا مورى الزند قد أكبت قوادحه ... اقبس اذا شئت من قلبى بمقياس
ما أقبح الناس في عينى وأسمجهم ... إذا نظرت فلم أبصرك في الناس
وحدّث الفضل بن سلمة عن الثورىّ، قال: خرج الحسن بن هانىء ومعه مطيط صاحبه، حتى أتيا دار خمّار. فقال الحسن لمطيط: ادخل بنا نمزح بهذا الخمّار. فدخلا فسلّما فردّ عليهما. فقال له الحسن: أعندك خمر عتيقة يا خمّار؟
فقال: عندى منها أجناس، فأيها تريد؟ قال: التى يقول فيها الشاعر:
حجبت خيفة وصينت فجاءت ... كجلاء العروس بعد الصّيان
وكأنّ الأكفّ تصبغ من ضو ... ء سناها بالورس والزعفران
فملأ له الخمّار قدحا من خمر صفراء، كأنها ذهب محلول؛ فشربه الحسن وقال:
أحسن من هذا أريد. فقال له الخمار: أىّ جنس تريد؟ قال: التى يقول فيها الشاعر:
دفعتها أيدى الهواجر حتّى ... صيّرت جسمها كجسم الهواء
فهى كالنّور في الإناء وكالنّا ... ر إذا ما تصير في الأحشاء
فملا له الخمار قدحا من خمر كأنها العقيق. فشربه وقال: أرفع من هذا أريد.
فقال: أىّ جنس؟ قال: التى يقول فيها الشاعر:
وإذا حسا منها الوضيع ثلاثة ... سمح الوضيع كفعل ذى القدر
فى لون ماء الغيث إلا أنها ... بين الضلوع كواقد الجمر
فملأ له قدحا من خمر بيضاء، كأنها ماء المزن. فشرب الحسن وقال للخمار:
أتعرفنى؟ قال: إى والله يا سيدى، أنا أعرف الناس بك. قال: من أنا؟ قال:
(4/98)

أنت الذى يسكر من غير وزن. فضحك الحسن وقال لمطيط: ادفع إليه ما بقى عندك من النفقة، فأعطاه مائة درهم وانصرف.
وقال الحسين بن الضحّاك: كنت مع أبى نواس بمكة عام حجّ، فسمع صبيّا يقرأ (يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا) .
فقال أبو نواس: فى مثل هذا يجىء للخمر صفة حسنة؛ ففكّر ساعة ثم أنشدنى:
وسيّارة ضلّت عن القصد بعد ما ... ترادفهم أفق من الليل مظلم
فأصغوا الى صوت ونحن عصابة ... وفينا فتى من سكره يترنم
فلاحت لهم منّا على النأى قهوة ... كأن سناها ضوء نار تضرّم
إذا ما حسوناها أقاموا مكانهم ... وإن مزجت حثّوا الركاب ويمموا
قال: فحدّث بهذا الحديث محمد بن الحسين فقال: لا ولا كرامة، ما سرقه من القرآن ولكن من قول الشاعر:
وليل بهيم كلّما قلت غوّرت ... كواكبه عادت لنا لتذيّل
به الركب إمّا أومض البرق يمّموا ... وإن لم يلح فالقوم بالسير جهّل
وقال أبو نواس فيها:
ألا دارها بالماء حتى تلينها ... فما تكرم الصهباء حتى تهينها
أغالى بها حتى اذا ما مللتها ... أهنت لإكرام النديم مصونها
وقال أيضا:
نبهته والليل ملتبس به ... وأزحت عنه حثاثة «1» فانزاحا
قال ابغنى المصباح، قلت له اتّئد ... حسبى وحسبك ضوءها مصباحا
(4/99)

فسكبت منها في الزجاجة شربة ... كانت له حتى الصباح صباحا
من قهوة جاءتك قبل مزاجها ... عطلا فألبسها المزاج وشاحا
شكّ البزال» فؤادها فكأنها ... أبدت اليك بريحها تفاحا
وقال أيضا:
ردّا علىّ الكأس، إنكما ... لا تدريان الكأس ما تجدى
خوّفتمانى الله جهدكما ... وكحيفتيه رجاؤه عندى
لا تعذلا في الراح إنكما ... فى غفلة عن كنه ما تسدى
لو نلت ما نلت ما مزجت ... إلا بدمعكما من الوجد
ما مثل نعماها اذا اشتملت ... إلا اشتمال فم على خدّ
إن كنتما لا تشربان معى ... خوف الإله شربتها وحدى
وأخبار الحسن بن هانىء فيها كثيرة، وفيما أوردناه منها كفاية.
ومنهم: الثّروانىّ،
كان شاعرا مطبوعا بليغا، من أهل الخلاعة المشهورين.
وكان آخر أمره أن أصيب في حانة خمّار بين زقّى خمر وهو ميت. وهو القائل فيها:
كرّ الشراب على نشوان مضطجع ... قد هب يشربها والدّيك لم يصح
والليل في عسكر حمر بوارقه ... من النجوم، وضوء الصبح لم يضح
والعيش لا عيش إلا أن تباكرها ... نشوان تقتل همّ النفس بالفرح
حتى يظلّ الذى قد بات يشربها ... ولا مراح به يختال كالمرح
(4/100)

ومنهم: مطيع بن إياس.
وكان شاعرا أديبا ظريفا مشتهرا بالخلاعة واللعب. وكان أصحابه على ذلك، وهم يحيى بن زياد، ووالبة بن الحباب، وحمّاد عجرد.
ومنهم: أبو عبد الرحمن العطوىّ.
كان شاعرا فصيحا، لا يكاد يتقدّمه أحد لجزالة ألفاظه وحلاوة معانيه. وكان مولعا بالخمر مشتهرا بها مدمنا عليها، أكثر أشعاره فيها. فمن شعره:
أخطب لكأسك ندمانا تسرّ به ... أو لا فنادم عليها حكمة الكتب
أخطبه حرّا كريما ذا محافظة ... ترى مودّته من أقرب النسب
وقال أيضا:
وكم قالوا تمنّ، فقلت كأسا ... يطوف بها قضيب في كثيب
وندمانا يساقطنى حديثا ... كصدق الوعد أو غضّ الرقيب
ومنهم: أبو هفّان.
وكان شاعرا محسنا، وخليعا ماجنا. حكى أنه شرب مع أحمد بن أبى طاهر حتى فنى ما عندهما، وكانا بجوار العلاء بن أيّوب. فقال ابن أبى طاهر لأبى هفّان: تماوت حتى نحتال على أبى العلاء في أن ينيلنا شيئا.
فمضى اليه ابن أبى طاهر فقال: أصلحك الله! نزلنا جوارك فوجب حقّنا عليك، وقد مات أبو هفّان وليس له كفن. فقال لوكيله: امض معه وشاهد أمره وادفع اليه كفنا. فأتاه فوجده ملقى عليه ثوب فنقر أنفه فضرط. فقال: ما هذا؟
فقال: أصلحك الله عجّلت له صعقة القبر فإنه مات وعليه دين؛ فضحك وأمر له بدنانير.
ومنهم: الأقيشر.
وكان مغرما بالشراب مدمنا عليه. وهو القائل:
ومقعد قوم قد مشى من شرابنا ... وأعمى سقيناه ثلاثا فأبصرا
(4/101)

كميت كأن العنبر الورد ريحه ... ومسحوق هندىّ من المسك أذفرا
ومنهم: النعمان بن علىّ بن نضلة.
وكان عاملا لعمر بن الخطّاب رضى الله عنه على ميسان، وكان مدمن الشراب. وهو القائل:
ألا أبلغ الحسناء أنّ خليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم «1»
فإن كنت ندمانى فبالأكبر اسقنى ... ولا تسقنى بالأصغر المتثلّم
لعلّ أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا بالجوسق «2» المتهدّم
فبلغ الشعر عمر رضى الله عنه.
فكتب اليه: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ)
أما بعد، فقد بلغنى قولك:
لعلّ أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا بالجوسق المتهدّم
وايم الله لقد ساءنى! وعزله. فلمّا قدم عليه سأله، فقال: والله ما كان من هذا شىء، وما كان إلا فضل شعر وجدته وما شربتها قط. فقال عمر: أظنّ ذلك، ولكن لا تعمل لى عملا أبدا. فنزل البصرة، ولم يزل يغزو مع المسلمين حتى مات رحمه الله.
ومنهم: عمارة بن الوليد بن المغيرة.
خطب امرأة من قومه، فقالت:
لا أتزوّجك حتى تدع الخمر والزنا. فقال: أمّا الزنا فإنى أدعه، وأما الخمر فوجدى بها شديد. ثم اشتدّ وجده بالمرأة فعاود طلبها؛ فقالت: حتى يحلف بطلاقى يوم
(4/102)

يزنى أو يشرب خمرا؛ فحلف لها وتزوّجها. ومكث حينا لا يشرب، الى أن مرّ بخمّار وعنده قوم يشربون وقينة تغنّيهم وهو على ناقة؛ فطرب اليهم وارتاح ورمى بثيابه الى الخمّار، وقال: أسقهم بها؛ ونحر لهم ناقته، ومكث أياما يطعمهم ويسقيهم حتى أنفد ما معه. ثم رجع الى امرأته، فلامته، فأنشأ يقول:
أقلّى علىّ اللوم يا أمّ سالم ... وكفّى فإن العيش ليس بدائم
أسرّك لما صرّع القوم نشوة ... خروجى منهم سالما غير غارم
سليما كأنى لم أكن كنت منهم ... وليس الخداع من تصافى التنادم
ثم قال لها: الحقى بأهلك، وعاد الى ما كان عليه.
وأما من افتخر بشربها وسبائها «1» ،
فقد كانت العرب تفتخر بسبائها، وتضيفه إلى عظيم غنائها، وتقرنه بمذكور بلائها. وشاهد ذلك قول امرىء القيس:
كأنّى لم أركب جوادا للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم أسبأ الزّقّ الروىّ ولم أقل ... لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال
فقرن جوده في سباء الزقّ ببسالته في كرّ الخيل. ولمّا أنشد أبو الطيب المتنبى سيف الدولة بن حمدان قصيدته التى يقول فيها:
وقفت وما في الموت شكّ لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم
فقال له سيف الدولة: انتقدنا عليك يا أبا الطيّب هذين البيتين كما انتقد على امرىء القيس بيتاه، وذكرهما، قال: وبيتاك لا يلتئم شطراهما كما لا يلتئم شطرا هذين البيتين: كان ينبغى لامرىء القيس أن يقول:
(4/103)

كأنى لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال
ولم أسبأ الزقّ الروىّ للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
وأن تقول أنت:
وقفت وما في الموت شكّ لواقف ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال: أيّد الله مولانا! إن كان صحّ أنّ الذى استدرك على امرىء القيس أعلم منه بالشعر فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، والثوب لا يعرفه البزّاز معرفة الحائك لأن البزّاز يعرف جملته والحائك يعرف جملته وتفاريقه، لأنه هو الذى أخرجه من الغزليّة الى الثوبيّة. وإنما قرن امرؤ القيس لذّة النساء بلذّة الركوب للصيد، وقرن السماحة في سباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء؛ وأنا لما ذكرت الموت في أوّل البيت أتبعته بذكر الردى وهو الموت ليجانسه. ولما كان الجريح المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوسا وعينه باكية قلت:
ووجهك وضّاح وثغرك باسم
لأجمع بين الأضداد في المعنى وإن لم يتسع اللفظ لجميعها. فأعجب سيف الدولة بقوله ووصله.
وقال لقيط بن زرارة:
شربت الخمر حتى خلت أنى ... أبو قابوس أو عبد المدان
وقال حسّان بن ثابت الأنصارىّ عفا الله عنه ورحمه:
إذا ما الأشربات ذكرن يوما ... فهنّ لطيّب الراح الفداء
ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهها اللّقاء
(4/104)

حكى أنّ حسّان بن ثابت عنّف جماعة من الفتيان على شرب الخمر وسوء تنادمهم عليها وأنهم يضربون عليها ضرب الإبل ولا يرجعون عنها؛ فقالوا: إنا اذا هممنا بالإقلاع عنها ذكرنا قولك:
ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهها اللقاء
فعاودناها.
وقال الأخطل يخاطب عبد الملك بن مروان:
اذا ما نديمى علّنى ثم علّنى ... ثلاث زجاجات لهنّ هدير
خرجت أجرّ الذيل حتى كأننى ... عليك أمير المؤمنين أمير
وقال آخر:
إذا صدمتنى الكأس أبدت محاسنى ... ولم يخش ندمانى أذاى ولا بخلى
ولست بفحّاش عليه وإن أسا ... وما شكل من آذى نداماه من شكلى
وقال آخر:
شربنا من الدّاذىّ «1» حتى كأننا ... ملوك لهم برّ العراقين والبحر
فلما انجلت شمس النهار رأيتنا ... تولّى الغنى عنّا وعاودنا الفقر
ومثله للمنخّل اليشكرىّ:
فإذا سكرت فإننى ... ربّ الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإننى ... ربّ الشّويهة والبعير
وقال عنترة:
وإذا سكرت فإننى مستهلك ... مالى، وعرضى وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصّر عن ندى ... وكما علمت شمائلى وتكرّمى
(4/105)

أخذه البحترىّ وزاد عليه في قوله:
وما زلت خلّا للندامى إذا انتشوا ... وراحوا بدورا يستحثّون أنجما
تكرّمت من قبل الكؤس عليهم ... فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرّما
والزيادة أن عنترة ذكر أنه يستهلك ماله اذا سكر، والبحترى ذكر أن ممدوحه يتكرم قبل الكؤس فيبالغ حتى لا تستطيع الكؤس أن تزيده تكرّما.
وكان الأعشى ميمون بن قيس مشهورا بتعاطى الخمر مشغوفا بها كثير الذكر لها فى شعره. ومن اشتهاره بها قال المفضّل بين قدماء الشعراء: أشعرهم امرؤ القيس اذا ركب، والنابغة اذا رهب، وزهير اذا رغب، والأعشى اذا طرب. وقصد الأعشى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليسلم وامتدحه بقصيدته التى أوّلها:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبتّ كما بات السليم مسهّدا
فاعترضه في طريقه من أراد منعه، فقالوا له: إنه يحرّم عليك الزنا والخمر.
فقال: أمّا الزنا فقد كبرت فلا حاجة لى فيه، وأمّا الخمر فلا أستطيع تركها. وعاد لينظر في أمره، وقيل: إنه قال: أعود فأشربها سنة وأرجع، فمات قبل الحول.
قالوا: ونظر الحسن بن وهب الى رجل يعبس في كأسه، فقال: ما أنصفتها، تضحك في وجهك وتعبس في وجهها. ومن ذلك قول الشريف الرضىّ:
كالخمر يعبس حاسيها على مقة ... والكأس تجلو عليه ثغر مبتسم
وهو مأخوذ من قول عبد الله بن المعتزّ حيث يقول:
ما أنصف النّدمان كأس مدامة ... ضحكت اليه فشمّها بتعبّس
(4/106)

ذكر شىء مما قيل فيها من جيّد الشعر
قد أوسع الشعراء في هذا المعنى وأطنبوا فيه وتنوّعوا. فمنهم من مدحها ومنهم من وصفها وشبّهها، ومنهم من ذكر أفعالها وتغزّل فيها. وسنورد في هذا الموضع نبذة مما طالعناه في ذلك؛ إذ لو أوردنا مجموع ما وقفنا عليه لطال، ولا تسعت فيه دائرة المقال.
فأمّا ما قيل فيها على سبيل المدح لها، فمن ذلك قول ابن الرومى
حيث يقول:
تالله ما أدرى بأيّة علّة ... يدعون هذا الراح باسم الراح؟
ألريحها ولروحها تحت الحشا ... أم لارتياح نديمها المرتاح؟
إن حرّمت فبحقّها من خمرة ... ما كان مثل حريمها بمباح
أو حلّلت فبحقّها من نشوة ... تشفى سقام قلوبنا بصحاح
وقال أيضا:
خمر اذا ما نديمى ظلّ يكرعها ... أخشى عليه من اللألاء يحترق
لو رام يحلف أن الشمس ما غربت ... فى فيه كذّبه في وجهه الشفق
ومثله قول الطليق المروانىّ:
فإذا ما غربت في فمه ... أطلعت في الخدّ منه شفقا
وقال الناجم:
وقهوة كشعاع الشمس صافية ... مثل السراب ترى من رقّة شبحا
اذا تعاطيتها لم تدر من فرح ... راحا بلا قدح أعطيت أم قدحا؟
(4/107)

وقال الناشى:
يا ربّما كأس تناولتها ... تسحب ذيلا من تلاليها
كأنها النار ولكنها ... منعّم والله صاليها
ومما قيل في وصفها وتشبيهها؛
فمن ذلك ما قاله يزيد بن معاوية:
ومدامة حمراء في قارورة ... زرقاء تحملها يد بيضاء
فالخمر شمس والحباب كواكب ... والكفّ قطب والإناء سماء
وقال السروىّ:
عنيت بالمدامة الشعراء ... وصفوها وذاك عندى عناء
كيف تحصيل علمها وهى موت ... وحياة وعلّة وشفاء
فهى في باطن الجوانح نار ... وهى في ظاهر المحاجر ماء
حلوة مرّة فما أحد يد ... رى أداء خصوصها أم دواء
وقال البحترىّ:
اشرب على زهر الرياض يشوبه ... زهر الخدود وزهرة الصهباء
من قهوة تنسى الهموم وتبعث ال ... شوق الذى قد ضلّ في الأحشاء
يخفى الزجاحة لونها فكأنها ... فى الكفّ قائمة بغير إناء
ولها نسيم كالرياض تنفّست ... فى أوجه الأرواح والأنداء
وفواقع مثل الدموع تردّدت ... فى صحن خدّ الكاعب الحسناء
يسقيكها رشأ يكاد يردّها ... فى صحن خدّ الكاعب الحسناء
يسقيكها رشأ يكاد يردّها ... سكرى بفترة مقلة حوراء
يسعى بها وبمثلها من طرفه ... عودا وإبداء على الندماء
وقال الوأواء الدمشقىّ:
فآمزج بمائك نار كأسك واسقنى ... فلقد مزجت مدامعى بدماء
(4/108)

واشرب على زهر الرياض مدامة ... تنفى الهموم بعاجل السّراء
لطفت فصارت من لطيف محلّها ... تجرى كجرى الروح في الأعضاء
وكأنّ مخنقة عليها جوهر ... ما بين نار أذ كيت وهواء
وكأنها وكأنّ حامل كأسها ... إذ قام بجلوها على الندماء
شمس الضحى رقصت فنقّط وجهها ... بدر الدجى بكواكب الجوزاء
وقال أبو نواس:
أقول لما تحاكيا شبها ... أيّهما للتشابه الذهب
هما سواء وفرق بينهما ... أنهما جامد ومنسكب
وله أيضا:
إذا عبّ «1» فيها شارب القوم خلته ... يقبّل في داج من الليل كوكبا
ترى حيثما كانت من البيت مشرقا ... وما لم تكن فيه من البيت مغربا
يدور بها ساق أغنّ ترى له ... على مستدار الأذن صدغا معقربا
سقاهم ومنّانى بعينيه منية ... فكانت الى نفسى ألذّ وأطيبا
ومثل البيت الأوّل قول ابن المعتزّ:
كأنه قائم والكأس في يده ... هلال أوّل شهر غاب في شفق
وقال ابن الرومىّ:
ومهفهف تمّت محاسنه ... حتى تجاوز منتهى النفس
أبصرته والكأس بين فم ... منه وبين أنامل خمس
فكأنه والكأس في فمه ... قمر يقبّل عارض الشمس
(4/109)

وقال الحسين بن الضحّاك:
كأنما نصب كأسه قمر ... يكرع في بعض أنجم الفلك
وقال آخر:
واكتست من فضّة دررا ... خلتها من تحتها ذهبا
ككميت اللون قلدها ... فارس من لؤلؤ حببا
وقال آخر:
تغشى «1» بياض شاربها ... فتخالها بيمين مختضب
دارت وعين الشمس غائبة ... فحسبت عين الشمس لم تغب
وقال آخر:
حمراء ورديّة مشعشعة ... كأنها في إنائها لهب
صهباء صرفا لو مسّها حجر ... من جامد الصخر مسّه طرب
وقال آخر:
قلت والراح في أكفّ النّدامى ... كنجوم تلوح في أبراج
أمداما خرطتم لمدام ... أم زجاجا سبكتم لزجاج
وقال الحسن بن وهب:
وقهوة صافية ... كالمسك لمّا نفحا
شربت من دنانها ... من كلّ دنّ قدحا
فعدت لا تحملنى ... أعواد سرجى مرحا
من شدة السكر الذى ... على فؤادى طفحا
(4/110)

وقال ابن المعتز:
خليلىّ قد طاب الشراب المبرّد ... وقد عدت بعد النسك والعود أحمد
فهات عقارا من قميص زجاجة ... كيافوتة في درّة تتوقّد
يصوغ عليها الماء شبّاك فضة ... له حلق بيض تحلّ وتعقد
وقال التنوخىّ:
وراح من الشمس مخلوقة ... بدت لك في قدح من نهار
هواء ولكنه ساكن ... وماء ولكنه غير جارى
اذا ما تأملته وهى فيه ... تأمّلت ماء محيطا بنار
فهذا النهاية في الابيضاض ... وهذا النهاية في الاحمرار
وما كان في الحكم أن يوجدا ... لفرط تنافيهما والنّفار
ولكن تجاوز سطحاهما ال ... بسيطان فأتلفا بالحوار
كأنّ المدير لها باليمين ... إذا مال بالسّقى أو باليسار
تدرّع ثوبا من الياسيمين ... له فرد كمّ من الجلّنار
وقال ابن وكيع التّنّيسىّ:
حملت كفّه الى شفتيه ... كأسه والظلام مرخى الإزار
فالتقى لؤلؤا حباب وثغر ... وعقيقان من فم وعقار
وقال آخر:
قم فاسقنى قد تبلّج الغسق ... من قهوة في الزجاج تأتلق
كأننا والكؤس نأخذها ... نشرب نارا وليس نحترق
(4/111)

وقال أبو نواس:
غنّنا بالطلول كيف بلينا ... واسقنا نعطك «1» الجزاء الثمينا
من سلاف كأنها كلّ شىء ... يتمنى مخيّر أن يكونا
أكل الدهر ما تجسّم منها ... وتبقّى لنا «2» بها المكنونا
فإذا ما اجتليتها فهباء ... تمنع الكفّ ما تبيح العيونا
ثم شجّت فاستضحكت عن لآل ... لو تجمّعن في يد لاقتنينا
فى كؤس كأنهن نجوم ... جاريات، بروجها أيدينا
طالعات مع السقاة علينا ... فاذا ما غربن يغربن فينا
لو ترى الشّرب حولها من بعيد ... قلت قوم من قرّة يصطلونا
وقال ابن المعتزّ:
وخمّارة من بنات المجوس ... ترى الدّنّ في بيتها شائلا
وزنّا لها ذهبا جامدا ... فكالت لنا ذهبا سائلا
وأما ما قيل في أفعالها،
فمن ذلك قول أبى تمّام الطائىّ:
وكأس كمعسول الأمانى شربتها ... ولكنها أجلت وقد شربت عقلى
اذا عوتبت بالماء كان اعتذارها ... لهيبا كوقع النار في الحطب الجزل
اذا اليد نالتها بوتر توفّرت ... على ضغنها «3» ثم استقادت من الرّجل
(4/112)

ومثله قول ديك الجنّ واسمه عبد السلام:
فقام تكاد الكأس تخضب كفّه ... وتحسبه من وجنتيه استعارها
مشعشعة من كفّ ظبى كأنما ... تناولها من خدّه فأدارها
فظلنا بأيدينا نتعتع روحها ... وتأخذ من أقدامنا الراح ثارها
وقريب من المعنى الأوّل قول أبى بكر الخالدىّ:
كانت لها أرجل الأعلاج «1» واترة ... بالدوس فانتصفت من أرؤس العرب
[أخذ «2» هذا المعنى أبو غالب الإصباعىّ الكاتب فقال:
عقرتهم معقورة لو سالمت ... شرّابها ما سمّيت بعقار
لانت لهم حتى انتشوا وتمكّنت ... منهم فصاحت فيهم بالثار
ذكرت حقائدها القديمة إذ غدت ... صرعى تداس بأرجل العصّار]
وقال آخر:
أسروها وجه النهار من الدّنّ ... فأمسوا وهم لها أسراء
وقال عبد الصمد بن بابك عفا الله عنه:
عقار عليها من دم الصّبّ نفضة ... ومن عبرات المستهام فواقع
معوّدة غصب العقول كأنما ... لها عند ألباب الرجال ودائع
وأما ما وصفت به غير ما قدّمناه،
فمن ذلك قول أبى الفضل يحيى بن سلامة الحصكفىّ [والحصكفى نسبة الى حصن كيفا] :
وخليع بتّ أعتبه ... ويرى عتبى من العبث
(4/113)

قلت إن الخمر مخبثة ... قال حاشاها من الخبث
قلت منها القىء، قال أجل ... طهرت عن مخرج الحدث
قلت فالأرفاث تتبعها ... قال طيب العيش في الرفث
وسأسلوها فقلت متى ... قال عند الكون في الجدث
وقال آخر:
ثقلت زجاجات أتتنا فرّغا ... حتى اذا ملئت بصرف الراح
خفّت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخفّ بالأرواح
[وقريب من المعنى قول الآخر:
وزنّا الكأس فارغة وملأى ... فكان الوزن بينهما سواء «1» ]
وقال أبو نواس:
قهوة أعمى عنها ... ناظرا ريب المنون
عتّقت في الدنّ حتى ... هى في رقّة دينى
ثم شجّت فأدارت ... فوقها مثل العيون
حدقا ترنو الينا ... لم تحجّر بجفون
ذهبا يثمر درّا ... كلّ إبّان وحين
من يدى ساق عليه ... حلّة من ياسمين غاية في الظرف والشكل
وفرد في المجون
وقال:
ذد بماء الكرم والعنب ... خطرات الهمّ والنّوب
قهوة لو أنها نطقت ... ذكرت ساما أبا العرب
(4/114)

وهى تكسو كفّ شاربها ... دستبانات «1» من الذهب
وقال تاج الملوك بن أيّوب:
وكم ليلة فيها وصلنا غيوقنا ... وكم من صباح كان فيه صبوح
تدار علينا من أكفّ سقاتنا ... عقار من الهمّ الطويل تريح
تلوح لنا كالشمس في كفّ أغيد ... يلوح لعينى البدر حين يلوح
مدام تحاكى خدّه ورضابه ... ونكهته في الطّيب حين تفوح
ولكن لها أفعال عينيه في الحشا ... فكلّ حشا فيها عليه جريح
وقال أيضا:
والكأس أعطاها عقيقا أحمرا ... قان، فأعطيها لجينا يققا «2»
من قهوة ما العيش إلا أن أرى ... مصطبحا في شربها مغتبقا
أشربها شربا هنيئا من يدى ... غصن رشيق وغزال أرشقا
ومما قيل فيها اذا مزجت بالماء،
فمن ذلك قول أبى نواس:
وصفراء قبل المزج بيضاء بعده ... كأن شعاع الشمس يلقاك دونها
ترى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحسر حتى ما تقلّ جفونها
ومنه أخذ ديك الجنّ فقال:
وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... بدت بين ثوبى نرجس وشقائق
حكت وجنة المعشوق صرفا فسلّطوا ... عليها مزاجا فاكتست لون عاشق
وقال أبو هلال العسكرىّ:
راح اذا ما الليل مدّ رواقه ... لاحت تطرّز حلّة الظلماء
(4/115)

حتى اذا مزجت أراك حبابها ... زهرات أرض أو نجوم سماء
وقال أيضا:
وكأس تمتطى أطراف كفّ ... كأنّ بنانها من أرجوان
أنازعها على العلّات شربا ... لهنّ مضاخك من أقحوان
يلوح على مفارقها حباب ... كأنصاف الفرائد والجمان
وطالعنى الغلام بها سحيرا ... فزاد على الكواكب كوكبان
ووافقها بخدّ أرجوان ... وخالفها بفرع أدجوان
قوله:
كأنصاف الفرائد والجمان
مأخوذ من قول ابن الرومىّ:
لها صريح كأنه ذهب ... ورغوة كاللآلىء الفلق
وقال أبو نواس:
فإذا علاها الماء ألبسها ... حببا «1» شبيه جلاجل الحجل
حتى اذا سكنت جوانحها «2» ... كتبت بمثل أكارع النمل
وهو مأخوذ من قول الأوّل، ويقال: إنه ليزيد بن معاوية:
وكأس سباها التّجر من أرض بابل ... كرقّة ماء الحزن في الأعين النّجل
اذا شجّها الساقى حسبت حبابها ... عيون الدّبا «3» من تحت أجنحة النمل
وقال أبو نواس أيضا:
قامت ترينى وأمر الليل مجتمع ... صبحا تولّد بين الماء واللهب
(4/116)

كأنّ صغرى وكبرى من فقاقعها ... حصباء درّ على أرض من الذهب
وقال ابن المعتز:
للماء فيها كتابة عجب ... كمثل نقش في فصّ ياقوت
وقال العسكرىّ:
ذاب في الكأس عقيق فجرى ... وطفا الدّرّ عليه فسبح
نصب الساقى على أقداحها ... شبك الفضّة تصطاد الفرح
وقال ابن الساعاتىّ:
وليلة بات بدر التّمّ ساقينا ... يدير في فلك من شربها شهبا
بكر اذا فرعت بالماء كان بنا ... جدّا وإن كان في كاساتها لعبا
حمراء من خجل حتى اذا مزجت ... لم تدر ما خجلا تحمرّ أم غضبا
تزيد بالبارد السلسال جذوتها ... وما سمعت بماء محدث لهبا
تكسو النديم إذا ما ذاقها وضحا ... حتى كأنّ شعاع الشمس قد شربا
وقال آخر:
فنبّهتنى وساقى القوم يمزجها ... فصار في البيت للمصباح مصباح
قلنا على علمنا والشكّ يغلبنا ... أراحنا نارنا أم نارنا الراح
وقال ابن وكيع التّنّيسىّ:
وصفراء من ماء الكروم كأنها ... فراق عدوّ أو لقاء صديق
كأنّ الحباب المستدير بطوقها ... كواكب درّ في سماء عقيق
صببت عليها الماء حتى تعوّضت ... قميص بهار من قميص شقيق
وقال آخر:
حمراء ما اعتصموا بالماء حين طفت ... إلا وقد حسبوها أنها لهب
(4/117)

وقال الخالديّان:
فهاتها كالعروس محمرّة ال ... خدّين في معجر «1» من الحبب
كادت تكون الهواء في أرج ال ... عنبر لو لم تكن من العنب
من كفّ راض عن الصدود وقد ... غضبت في حبّه على الغضب
فلو ترى الكأس حين يمزجها ... رأيت شيئا من أعجب العجب
نار حواها المزاج يلهبها ... الماء ودرّ يدور في لهب
ذكر ما قيل في مبادرة اللّذات ومجالس الشراب وطيّها
قال أحمد بن أبى فنن:
جدّد اللّدّات فاليوم جديد ... وامض فيما تشتهى كيف تريد
واله ما أمكن يوم صالح ... إن يوم الشرّ- لا كان- عتيد
وقال ديك الجنّ:
تمتّع من الدنيا فإنك فانى ... فى أيدى حوادث عانى
ولا تنظرنّ اليوم لهوا إلى غد ... ممن لغد من حادث بأمان
فإنى رأيت الدهر يسرع بالفتى ... وينقله حالين مختلفان «2»
فأمّا الذى يمضى فأحلام نائم ... وأمّا الذى يبقى له فأمانى
وقال ابن المعتزّ من أبيات:
وبادر بأيام السرور فإنها ... سراع وأيام الهموم بطاء
وخلّ عتاب الحادثات لوجهها ... فإن عتاب الحادثات عناء
تعالوا فسقّوا أنفسا قبل موتها ... ليأتى ما يأتى وهنّ رواء
(4/118)

وقال أحمد الماردانىّ:
عاقر الراح ودع نعت الطلل ... واعص من لامك فيها وعذل
غادها واسع لها واغر بها ... وإذا قيل: تصابى، قل أجل
إنما دنياك- فاعلم- ساعة ... أنت فيها وسوى ذاك أمل
وقال ابن بسّام:
واصل خليلك إنما ال ... دنيا مواصلة الخليل
وانعم ولا تتعجّل ال ... مكروه من قبل النزول
بادر بما تهوى فما ... تدرى متى وقت الرحيل
وارفض مقالة لائم ... إن الملام من الفضول
ومما وصفت به مجالس الشرب؛
فمن ذلك قول أبى نواس:
فى مجلس ضحك السرور به ... عن ناجذيه وحلّت الخمر
وقال ديك الجنّ:
كأنما البيت بريحانة ... ثوب من السندس مشقوق
وقال السرىّ:
ألست ترى ركب الغمام يساق ... وأدمعه بين الرياض تراق
وقد رقّ جلباب النسيم على الثرى ... ولكن جلابيب الغيوم صفاق
وعندى من الرّيحان نوع تجسّه ... وكأس كرقراق الخلوق «1» دهاق
وذو أدب جلّت صنائع كفّه ... ولكن معانى الشعر منه دقاق
له أبدا من نثره ونظامه ... بدائع حلى ما لهنّ حقاق
(4/119)

وأغيد مهتزّ، على صحن خدّه ... غلائل من صبغ الحياء رقاق
أحاطت عيون العاشقين بخصره ... فهنّ له دون النّطاق نطاق
وقد نظم المنثور فهو قلائد ... علينا، وعقد مذهب وخناق
وغرفتنا بين السحائب تلتقى ... لهنّ علينا كلّة ورواق
تقسّم زوّار من الهند سقفها ... خفاف على قلب الكريم رشاق
أعاجم تلتذّ الخصام كأنها ... كواعب زنج راعهنّ طلاق
أنسن بنا أنس الإماء تحبّبت ... وشيمتها غدر بنا وإباق
مواصلة والورد في شجراته ... مفارقة إن حان منه فراق
فزر فتية، برد الشراب لديهم ... حميم اذا فارقتهم وغساق «1»
قوله:
أحاطت عيون العاشقين بخصره ... فهن له دون النطاق نطاق
مأخوذ من قول المتنبّى:
وخصر تثبت الأحداق فيه ... كأنّ عليه من حدق نطاقا
وقال أبو هلال العسكرىّ:
وليل ابتعت به لذّة ... وبعت فيه العقل والدّنيا
أصاب فيه الوصل قلب الجوى ... وبات فيه الهمّ مسكينا
وقد خلطنا بنسيم الصّبا ... نسيم راح ورياحينا
وأكؤس الراح نجوم اذا ... لاحت بأيدينا هوت فينا
تضحك في الكأس أباريقنا ... وحسبما تضحك تبكينا
(4/120)

ومما قيل في طىّ مجالس الشراب؛
فمن ذلك قول بعض الشعراء:
حكم العقار اذا قصدت لشربها ... فى لذّة من مسمع «1» وقيان
ألّا تعود لذكر ما أبصرت من ... أحدوثة من شارب سكران
وقال آخر:
إذا ذكر النبيذ فليس حقّا ... إعادة ما يكون على النبيذ
إعادة ما يكون من السّكارى ... يكدّر صفوة العيش اللذيذ
وقال آخر:
تنازعوا لذّة الصهباء بينهم ... وأوجبوا لرضيع الكأس ما يجب
لا يحفظون على السكران زلّته ... ولا يريبك من أخلاقهم ريب
ذكر ما قيل في وصف آلات الشراب وأوانيها
من ذلك ما قيل في وصف معصرة الخمر:
قال أبو الفرج الببّغاء:
ومعصرة أنخت بها ... وقرن الشمس لم يغب
فخلت قرارها بالرا ... ح بعض معادن الذهب
وقد ذرفت لفقد الكر ... م فيها أعين العنب
وجاش عباب واديها ... بمنهلّ ومنسكب
وياقوت العصير بها ... يلاعب لؤلؤ الحبب
فياعجبا لعاصرها ... وما يفنى به عجبى
وكيف يعيش وهو يخو ... ض في بحر من اللهب
(4/121)

وقال ابن المعتزّ يصف الدّنان:
ودنان كمثل صفّ رجال ... قد أقيموا ليرقصوا دستبندا «1»
وقال القطامىّ يصف جرار الخمر:
واستودعتها رواقيد «2» مقيّرة «3» ... دكن الظواهر قد برنسن بالطّين
مكافحات لحرّ الشمس قائمة ... كأنهنّ نبيط في تبابين «4»
وقال العلوىّ الأصفهانىّ:
مخدّرة مكنونة قد تقشّفت ... كراهبة بين الحسان الأوانس
وأترابها يلبسن بيض غلائل ... هى العرى مغرور بها كلّ لابس
مشعّثة مرهاء «5» ما خلت أننى ... أرى مثلها عذراء في زىّ عانس
ومما قيل في الراووق
؛ قال بعض الشعراء:
كأنما الراووق وانتصابه ... خرطوم فيل سقطت أنيابه
والبيت منه عطر ترابه ... كأنّ مسكا فتّقت عيابه
وقال آخر:
سماء لاذ «6» ، قطرها رحيق ... رحب الذّرى ينحطّ فيه الضّيق
ماء عقيق لو جرى العقيق ... حتى اذا ألهبها التّصفيق
صحنا الى جيراننا: الحريق
(4/122)

ومما وصفت به زقاق الخمر؛
فمن ذلك قول الأخطل:
أناخوا فجرّوا شاصيات «1» كانها ... رجال من السودان لم يتسربلوا
وقال أبو الهندىّ وأجاد في شعره:
أتلف المال وما جمعته ... طلب اللّذات من ماء العنب
واستباء الزقّ من حانوتها ... شائل الرجلين معضوب «2» الذنب
كلّما كبّ لشرب خلته ... حبشيّا قطعت منه الرّكب
وقال ابن المعتزّ:
وتراها وهى صرعى ... فرّغا بين الندامى
مثل أبطال حروب ... قتلوا فيها كراما
وقال العلوىّ الأصفهانىّ:
عجبت من حبشىّ لا حراك به ... لا يدرك الثأر إلا وهو مذبوح
طورا يرى وهو بين الشّرب مضطجع ... رخو الصّفاق «3» وطورا وهو مشبوح
ومما وصفت به الأباريق
؛ فمن ذلك قول شبرمة بن الطفيل:
كأنّ أباريق الشّمول عشيّة ... إوزّ بأعلى الطفّ عوج الحناجر
وقال آخر:
يا ربّ مجلس فتية نادمتهم ... من عبد شمس في ذرى العلياء
وكأنما إبريقهم من حسنه ... ظبى على شرف أمام ظباء
وقال ابن المعتزّ:
وكأنّ إبريق المدام لديهم ... ظبى على شرف أناف مدلها
(4/123)

لما استحثّته السّقاة جثى لها ... فبكى على قدح النديم وقهقها
وقال إسحاق الموصلىّ:
كأن أباريق المدام لديهم ... ظباء بأعلى الرّقمتين قيام
وقد شربوا حتى كأنّ رقابهم ... من اللّين لم يخلق لهنّ عظام
وكلّهم نظروا الى قول علقمة بن عبدة:
كأنّ إبريقهم ظبى على شرف ... مقدّم بسبا «1» الكتّان ملثوم
وقال محمد بن هانىء من أبيات:
والأباريق كالظباء العواطى ... أوجست نبأة الخيول العتاق
مصغيات إلى الغناء مطلا ... ت عليه كثيرة الإطراق
وهى شمّ الأنوف يشمخن كبرا ... ثم يرعفن بالدّم المهراق
وقال أبو نواس عفا الله عنه:
والكوب يضحك كالغزال مسبّحا ... عند الركوع بلثغة الفأفاء
وكأنّ أقداح الرحيق إذا جرت ... وسط الظلام كواكب الجوزاء
وقال بشّار بن برد:
كأنّ إبريقنا والقطر من فمه ... طير تناول ياقوتا بمنقار
ومما وصفت به الكاسات والأقداح
؛ فمن ذلك قول ابن المعتزّ:
غدا بها صفراء كرخيّة ... تخالها في كأسها تتّقد
وتحسب الماء زجاجا لها ... وتحسب الأقداح ماء جمد
وقال ابن المعتزّ أيضا عفا الله عنه:
وكأس تحجب الأبصار عنها ... فليس لناظر فيها طريق
(4/124)

كأن غمامة بيضاء بينى ... وبين الكأس تخرقها البروق
وقال أبو الفرج الببّغاء:
من كلّ جسم كأنه عرض ... يكاد لطفا باللحظ ينتهب
كأنما صاغه النّفاق فما ... يخلص منه صدق ولا كذب
وقال الرفّاء:
كأنّ الكؤس بفضلاتها ... متوّجة بأكاليل نور
جيوب من الوشى مزرورة ... يلوح عليها بياض النحور
وقال آخر:
وكأنما الأقداح مترعة الحشا ... بين الشروب كواكب الجوزاء
وكأنها ياقوتة فضلاتها ... مخروطة من درّة بيضاء
وقال المعوّج:
يعاطيك كأسا غير ملأى كأنها ... إذا مزجت أحداق درع مزرّد
كأنّ أعاليها بياض سوالف ... يلوح على توريد خدّ مورّد
وقال أبو نواس:
وكأنما الروض السماء ونهره ... فيه المجرّة والكؤس الأنجم
وقال الثعالبىّ:
يا واصف الكأس بتشبيهها ... دونك وصفا عالى القدر
كأنّ عين الشمس قد أفرغت ... فى قالب صيغ من البدر
وقال آخر:
أقول للكأس إذ تبدّت ... بكفّ أحوى أغنّ أحور
أخربت بيتى وبيت غيرى ... وأصل ذا كعبك المدوّر
(4/125)

الباب الخامس من القسم الثالث من الفنّ الثانى فى النّدمان والسّقاة
[ومما قيل في الندمان]
قال سهل بن هارون: ينبغى للنديم أن يكون كأنما خلق من قلب الملك يتصرّف بشهواته ويتقلّب بإرادته، لا يملّ المعاشرة، ولا يسأم المسامرة؛ إذا انتشى يحفظ، وإذا صحا يبقظ، ويكون كاتما لسرّه، ناشرا لبرّه. قالوا:
فاخر كاتب نديما، فقال الكاتب: أنا معونة، وأنت مؤونة؛ وأنا للجدّ، وأنت للهزل؛ وأنا للشدّة، وأنت للرخاء؛ وأنا للحرب، وأنت للسلم. فقال النديم:
أنا للنعمة، وأنت للخدمة؛ وأنا للحظوة، وأنت للمهنة؛ تقوم وأنا قاعد، وتحتشم وأنا مؤانس؛ تدأب لراحتى، وتشقى لما فيه سعادتى؛ فأنا شريك وأنت معين، كما أنك تابع وأنا قرين. فلم يحر الكاتب جوابا. والله أعلم.
وسئل إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ رحمه الله عن الندماء، فقال:
واحد غمّ، واثنان همّ، وثلاثة قوام، وأربعة تمام، وخمسة مجلس، وستّة زحام، وسبعة جيش، وثمانية عسكر، وتسعة أضرب طبلك، وعشرة الق بهم من شئت.
وقال الجمّاز: النبيذ حرام على اثنى عشر نفسا، من غنّى الخطأ، واتكأ على اليمين، وأكثر من أكل البقل، وكسر الزجاج، وسرق الريحان، وبل ما بين يديه، وطلب العشاء، وقطع البمّ «1» ، وحبس أوّل قدح، وأكثر الحديث، وامتخط في منديل الشراب، وبات في موضع لا يحتمل المبيت فيه.
(4/126)

قال أبو هلال العسكرىّ:
ما أعاف النبيذ خيفة إثم ... إنما عفته لفقد النّديم
ليس في اللهو والمدامة حظّ ... لكريم دون النديم الكريم
فتخيّر قبل النبيذ نديما ... ذا خلال معطّرات النسيم
وجمال إذا نظرت بديع ... وضمير إذا اختبرت سليم
وقال آخر:
أرى للكأس حقّا لا أراه ... لغير الكأس إلا للنديم
هو القطب الذى دارت عليه ... رحى اللّذات في الزمن القديم
وقال آخر:
وندمان أخى ثقة ... كأنّ حديثه حبره «1»
يسرّك حسن ظاهره ... وتحمد منه مختبره
ويستر عيب صاحبه ... ويستر أنه ستره
وقال آخر:
ونديم حلو الحديث يجاري ... ك بما تشتهيه في ميدانك
ألمعىّ كأنّ قلبك في أض ... لاعه أو كلامه في لسانك
وقال يحيى بن زياد:
ولست له في فضلة الكأس قائلا ... لأصرفه عنها «2» : تحسّ وقد أبى
ولكن أحييّه وأكرم وجهه ... وأشرب ما أبقى وأسقيه ما اشتهى
ولست إذا ما نام عندى بموقظ ... ولا مسمع يقظان شيئا من الأذى
وقال آخر:
ليس من شأنه إذا دارت الكأ ... س فأزرى إدمانها بالحلوم
(4/127)

قول ما يسخط النديم وإن أسخطه ... عند ذاك قول النديم
وقال عبد الرحمن العطوىّ رحمه الله:
اخطب لكأسك ندمانا تسرّ به ... أو لا فنادم عليها حكمة الكتب
أخطبه حرّا كريما ذا محافظة ... ترى مودّته من أقرب النسب
وقال أبو نواس:
وندمان يرى عيبا عليه ... بأن يمشى وليس به انتشاء
إذا نبّهته من نوم سكر ... كفاه مرّة منك النداء
فليس بقائل لك: إيه دعنى ... ولا مستخبرا لك ما تشاء
ولكن سقّنى ويقول أيضا ... عليك الصّرف إن أعياك ماء
اذا ما أدركته الظهر صلّى ... ولا عصر عليه ولا عشاء
يصلّى هذه في وقت هذى ... وكلّ صلاته أبدا قضاء
وقال آخر:
نبهت ندمانى فهبّوا ... بعد المنام لما استحبّوا
هذا أجاب وذا أنا ... ب وذا يسير وذاك يحبو
أنشدتهم بيتا يعلّم ... ذا الصبابة كيف يصبو
«ما العيش إلا أن تحبّ ... وأن يحبّك من تحبّ»
فتطرّبوا والأريحية ... شأنها طرب وشرب
وقال أبو عبادة البحترىّ عفا الله تعالى عنه:
ونديم نبّهته ودجى الليل ... وضوء الصباح يعتلجان
قم نبادر بها الصيام فقد أق ... مر ذاك الهلال من شعبان
(4/128)

وقال أيضا:
بات نديما لى حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح
كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضّد أو برد أو أقاح
يساقط الورد علينا وقد ... تبلّج الصبح، نسيم الرياح
إن لان عطفاه قسا قلبه ... أو ثبّت الخلخال جال الوشاح «1»
أمزج كأسى بجنى ريقه ... وإنما أمزج راحا براح
ومنهم من كره النديم وآثر الانفراد. قال إبراهيم الموصلىّ عفا الله تعالى عنه ورحمه:
دخلت يوما على الفضل بن يحيى فصادفته يشرب وعنده كلب، فقلت له:
تنادم كلبا! قال: نعم، يمنعنى أذاه، ويكفّ عنّى أذى سواه، ويشكر قليلى، ويحفظ مبيتى ومقيلى. وأنشد:
وأشرب وحدى من كراهتى الأذى ... مخافة شرّ أو سباب لئيم
انتهى وأستغفر الله العظيم.
ومما قيل في السّقاة
؛ فمن ذلك قول الصنوبرىّ عفا الله عنه:
ومورد الخدّين يخطر ... حين يخطر في مورّد
يسقيك من جفن اللّجي ... ن اذا سقاك دموع عسجد
حتى تظنّ النجم ين ... زل أو تظنّ الأرض تصعد
فإذا سقاك بعينه ... وبفيه ثم سقاك باليد
حيّاك بالياقوت ثم ... الدّرّ من تحت الزّبرجد
(4/129)

وقال ديك الجنّ:
ومزر بالقضيب اذا تثنّى ... ومزهاة على القمر التمام
سقانى ثم قبّلنى وأوما ... بطرف سقمه يشفى سقامى
فبتّ له على الندمان أسقى ... مداما في مدام في مدام
وقال ابن المعتزّ:
تدور علينا الراح من كفّ شادن ... له لحظ عين يشتكى السقم مدنف
كأنّ سلاف الخمر من ماء خدّه ... وعنقودها من شعره الجعد يقطف
وقال أيضا:
بين أقداحهم حديث قصير ... هو سحر وما سواه الكلام
فكأنّ السّقاة بين الندامى ... ألفات بين السطور قيام
وقال أحمد بن أبى فنن:
بكفّ مقرطق خنث ... تطيب بطيبه الرّيب
تراها وهى في كفّي ... هـ من خدّيه تلتهب
وقال الصنوبرىّ:
وساق اذا همّ ندماننا ... بأن يزجى الكأس لم يزجه
كلعبة عاج على فرشه ... وليث عرين على سرجه
لطيف الممنطق مهتزّه ... ثقيل المؤزّر مرتجّه
سقانى بعينيه أضعاف ما ... سقانى بكفّيه من غنجه
وقال آخر:
يا ساقى القوم إن دارت إلىّ فلا ... تمزج فإنى بدمعى مازج كاسى
ويافتى الحىّ إن غنّيت من طرب ... فغنّ: واحربا من قلبه القاسى
(4/130)

وقال ابن المعتزّ:
وعاقد زنّار على غصن الآس ... دقيق المعانى مخطف الخصر ميّاس
سقانى عقارا صبّ فيها مزاجها ... فأضحك عن ثغر الحباب فم الكاس
وقال أيضا:
قام كالغصن في النقا ... يمزج الشمس بالقمر
وسقانى المدام ... والليل بالصبح مؤتزر
والثريّا كنور غصن ... على الغرب قد نثر
وقال البحترىّ:
وفي القهوة أشكال ... من الساقى وألوان
حباب مثل ما يضحك ... عنه وهو جذلان
ويسكر مثل ما يسكر ... طرف منه وسنان
وطعم الريق إن جاد ... به والصبّ هيمان
لنا من كفّه راح ... ومن ريّاه ريحان
وقال أبو القاسم الهبيرىّ الكاتب رحمة الله تعالى عليه:
سقانا الراح ساق، كلّ راح ... سوى ألحاظ عينيه سراب
يدير الكأس مبتسما علينا ... فما ندرى أثغر أم حباب؟
وقد سفر الدجى عن ثوب فجر ... منير مثل ما سفر النقاب
فخلت الصبح في أثر التريّا ... بشيرا جاء في يده كتاب
وقال أبو الشّيص:
يطوف علينا به أحور ... يداه من الكأس مخضوبتان
غزال تميل بأعطافه ... قناة تعطّف كالخيزران
(4/131)

وقال أبو بكر محمد بن عمّار:
وهويته يسقى المدام كأنه ... قمر يطوف بكوكب في حندس
متأرّج الحركات تندى ريحه ... كالغصن هزّته الصّبا بتنفّس
يسعى بكأس في أنامل سوسن ... ويدير أخرى في محاجر نرجس
وقال المعوّج يصف ساقية:
لا عيش إلا من كفّ ساقية ... ذات دلال في طرفها مرض
كأنما الكأس حين تمزجها ... نجوم ليل تعلو وتنخفض
وقال آخر يصف امرأة ساقية:
وساقية كأنّ بمفرقيها ... أكاليلا على طبقات ورد
لها طيب المنى وصفاء لون ... وحمرة وجنة ومذاق شهد
وقال ديك الجنّ يصف ساقيا وساقية:
أفديكما من حاملى قدحين ... قمرين في غصنين في دعصين
رود منعّمة ومهضوم الحشا ... للناظرين منّى وقرّة عين
قامت مؤنّثة وقام مؤنّثا ... فتناهبا الألحاظ بالنظرين
صبّا علىّ الراح إن هلالنا ... قد صبّ نعمته على الثّقلين
وإلىّ كأسكما على ما خيّلت ... بالتبر معجونا بماء لجين
(4/132)

الباب السادس من القسم الثالث من الفنّ الثانى فى الغناء والسماع،
وما ورد في ذلك من الحظر والإباحة، وما استدلّ به من رأى ذلك؛ ومن سمع الغناء من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ومن التابعين ومن الأئمة والعبّاد والزّهاد، ومن غنّى من الخلفاء وأبنائهم والأشراف والقوّاد والأكابر، وأخبار المغنّين الذين نقلوا الغناء من الفارسيّة الى العربيّة، ومن أخذ عنهم، ومن اشتهر بالغناء وأخبار القيان.
ذكر ما ورد في الغناء من الحظر والإباحة
قد تكلم الناس في الغناء في التحريم والإباحة واختلفت أقوالهم وتباعدت مذاهبهم وتباينت استدلالاتهم؛ فمنهم من رأى كراهته وأنكر استماعه، واستدلّ على تحريمه؛ ومنهم من رأى خلاف ذلك مطلقا وأباحه وصمّم على إباحته؛ ومنهم من فرّق بين أن يكون الغناء مجرّدا أو أضيف اليه آلة كالعود والطنبور وغيرهما من الالات ذوات الأوتار والدفوف والمعازف والقصب، فأباحه على انفراده وكرهه إذا انضاف إلى غيره وحرّم سماع الالات مطلقا. ولكل طائفة من أرباب هذه المقالات أدلّة استدلّت بها. وقد رأينا أن نثبت في هذا الموضع نبذة من أقوالهم على سبيل الاختصار وحذف النظائر المطوّلة فنقول وبالله التوفيق.
أما ما قيل في تحريم الغناء وما استدلّ به من رأى ذلك،
فإنهم استدلّوا على التحريم بالكتاب والسنّة وأقوال الصحابة والتابعين والأئمة من علماء
(4/133)

المسلمين.
أما دليلهم من الكتاب العزيز
فقول الله عزّوجلّ: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)
. وقوله عزّوجلّ:
(وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ)
. وقوله سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً)
. وقوله تبارك وتعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) .
وقوله سبحانه وتعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ)
، وقوله: (أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سامِدُونَ)
. قال ابن عباس:
(سامدون) هو الغناء بلغة حمير، وقال مجاهد: هو الغناء بقول أهل اليمن، سمد فلان اذا غنّى. وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال في هذه الآية (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ)
: إنه الغناء، ومن طريق آخر: إنه الغناء وأشباهه.
وروى عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: هو- والذى لا إله إلا هو- الغناء. وعن مجاهد رضى الله عنه في قوله تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ)
قال: صوته الغناء والمزامير. وعنه في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ)
قال: الغناء.
وأمّا دليلهم من السنّة،
فما روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: إن الله عزّوجلّ حرّم القينة وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها، ثم قرأت (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ)
الآية. وروى أبو أمامة رضى الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «ما رفع أحد صوته بغناء إلّا بعث الله عزّوجلّ اليه شيطانين على منكبيه يضربان بأعقابهما على صدره حتى يمسك» . وروى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:
«كان إبليس أوّل من ناح وأوّل من تغنّى» . وعن عبد الرحمن بن عوف رضى الله
(4/134)

عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نعمة وصوت عند مصيبة» .
وأمّا أقوال الصحابة والتابعين رضى الله عنهم،
فقد روى عن عثمان بن عفّان رضى الله عنه أنه قال: ما تغنّيت قطّ. فتبرّأ من الغناء وتبحّح بتركه. وروى عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل. وروى أنّ ابن عمر رضى الله عنهما مرّ على قوم محرمين ومعهم قوم ورجل يغنّى فقال: الا لا أسمع والله لكم، ألا لا أسمع والله لكم. وروى عن عبد الله ابن دينار قال: مرّ ابن عمر رضى الله عنهما بجارية صغيرة تغنّى، فقال: لو ترك الشيطان أحدا ترك هذه. وعن إسحاق بن عيسى قال: سألت مالك بن أنس رضى الله عنه عما ترخّص فيه بعض أهل المدينة من الغناء فقال: ما يفعله عندنا إلا الفسّاق. وقال الشعبىّ: لعن المغنّى والمغنّى له. وقال الحكم بن عتيبة: حبّ السماع ينبت النفاق في القلب. وروى أن رجلا سأل القاسم بن محمد فقال: ما تقول فى الغناء، أحرام هو؟ فأعاد عليه؛ فقال له في الثالثة: اذا كان يوم القيامة فأتى بالحق والباطل أين يكون الغناء؟ قال: مع الباطل. قال القاسم: فأفت نفسك. وقال الفضيل بن عياض: الغناء رقية الزنا. وقال بعضهم: الغناء رائد من روّاد الفجور. وقال الضحّاك: الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للرب. وقال يزيد ابن الوليد مع اشتهاره بما اشتهر به: يا بنى أميّة، إيّاكم والغناء؛ فإنه ينقص الحياء ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعله السكر؛ فإن كنتم لا شكّ فاعلين فجنّبوه النساء؛ فإن الغناء رقية الزنا. وإنى لأقول ذلك فيه على أنه أحبّ إلىّ من كلّ لذّة، وأشهى الى نفسى من الماء الى ذى الغلّة الصادى، ولكن الحقّ أحقّ أن يقال.
(4/135)

وأمّا أقوال الأئمة رحمهم الله تعالى
فقد قال الإمام الشافعىّ رضى الله عنه فى كتاب أدب القضاة: الغناء لهو مكروه يشبه الباطل. وقال: من استكثر منه فهو سفيه تردّ شهادته. قال القاضى حسين بن محمد: وأمّا سماعه من المرأة التى ليست بمحرم، فإن أصحاب الشافعىّ قالوا: لا يجوز بحال سواء كانت بارزة أو من وراء حجاب وسواء كانت حرّة أو مملوكة. وقال الشافعىّ: وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه تردّ شهادته. ثم غلّظ القول فيه وقال:
هو دياثة. قال: وإنما جعل صاحبها سفيها لأنه دعا الناس إلى الباطل، ومن دعا الى باطل كان سفيها فاسقا. وقال مالك بن أنس: اذا اشترى جارية فوجدها مغنّية كان له ردّها بالعيب، قال: وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد وحده. وكره أبو حنيفة ذلك وجعل سماع الغناء من الذنوب. قال: وذلك مذهب سائر أهل الكوفة وسفيان الثورىّ، وحمّاد بن سلمة، وإبراهيم النّخعىّ، والشعبىّ وغيرهم لا خلاف بينهم في ذلك. قال: ولا يعرف أيضا بين أهل البصرة خلاف في كراهة ذلك والمنع منه. وقال بعض الزهّاد: والغناء يورث العناد في قوم، ويورث التكذيب في قوم، ويورث القساوة في قوم.
وقال بعضهم عن حاله عند السماع:
أتذكر وقتنا وقد اجتمعنا ... على طيب الغناء الى الصباح
ودارت بيننا كأس الأغانى ... فأسكرت النفوس بغير راح
فلم تر فيهم إلا نشاوى ... سرورا والسرور هناك صاحى
إذا لبّى أخو اللذّات فيه ... منادى اللهو حىّ على السماح
ولم يملك سوى المهجات شيئا ... أرقناها لألحاظ ملاح
(4/136)

هذا ملخص ما ذكروه في تحريم الغناء. وقد استدلّ من أباحه بما يناقض ما تقدّم على ما نذكر ذلك إن شاء الله في إباحة الغناء.
ذكر ما ورد في إباحة الغناء والسماع والضرب بالآلة
وقد تكلم الناس في إباحة الغناء وسماع الأصوات والنغمات والآلات، وهى الدفّ واليراع والقصب والأوتار على اختلافها من العود والطّنبور وغيره، وأباحوا ذلك واستدلّوا عليه وضعفّوا الأحاديث الواردة في تحريمه، وتكلّموا على رجالها وجرّحوهم وبسطوا في ذلك المصنّفات ووسّعوا القول وشرحوا الأدلّة. وطالعت من ذلك عدّة تصانيف في هذا الفنّ مجرّدة له ومضافة الى غيره من العلوم. وكان ممّن تكلّم فى ذلك وجرّد له تصنيفا الشيخ الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن على المقدّسى رحمه الله تعالى، فقال في ذلك ما نذكر مختصره ومعناه:
اعلم أن الله تعالى بعث محمدا صلّى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة الى الكافّة.
قال الله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
. فبلّغ رسول الله صلّى الله عليه وسلم الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وسنّ وشرع، وأمر ونهى، كما أمر صلّى الله عليه وسلم. فليس لأحد بعده وبعد الخلفاء الراشدين الذين أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالاقتداء بهم والاتباع لسنّتهم أن يحرّم ما أحلّ الله عزّوجلّ ورسوله صلّى الله عليه وسلّم إلا بدليل ناطق من آية محكمة، أو سنّة ماضية صحيحة، أو إجماع من الأمة على مقالته.
(4/137)

وأما الاستدلال بالموضوعات والغرائب والأفراد من رواية المكذّبين والمجرحين الذين لا تقوم بروايتهم حجّة، وبأقاويل من فسّر القرآن على حسب مراده ورأيه، فلا يرجع إلى قولهم ولا يسلك طريقهم؛ إذ لو جاز ذلك لم يكن قول أحد من الناس أولى من قول غيره، وإنما يلزم بقول من أيّد بالوحى والتنزيل، وعصم من التغيير والتبديل. قال الله تعالى: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى)
. فعلمنا أنه صلّى الله عليه وسلّم لم يأمر ولم ينه عن أمر إلا بوحى من الله تعالى. وكذلك كان صلّى الله عليه وسلم اذا سئل عن أمر لم ينزل فيه وحى توقّف حتى يأتيه الوحى، وليست هذه المنزلة لغيره فيلزم قبول قوله.
ذكر ما استدلّوا به على إباحة الغناء من الأحاديث النبوية
قد استدلّوا على إباحة الغناء بأحاديث صحيحة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
منها ما روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: دخل علىّ أبو بكر رضى الله عنه وعندى جاريتان من جوارى الأنصار تغنّيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث وليستا بمغنّيتين؛ فقال أبو بكر: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم! وذلك يوم عيد. فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا» . ومن طريق آخر عنها رضى الله عنها قالت: دخل علىّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعندى جاريتان تغنّيان بغناء بعاث؛ فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهزنى وقال: مزمارة الشيطان عند النبىّ صلى الله عليه وسلم! فأقبل عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «دعهما» . فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدّرق والحراب، فإمّا سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإمّا قال: «تشتهين تنظرين» فقلت نعم.
(4/138)

فأقامنى وراءه، خدّى على خدّه وهو يقول: «دونكم يا بنى أرفدة «1» » حتى اذا مللت قال. «حسبك؟» قلت نعم. قال: «فاذهبى» . ومن طريق آخر عنها رضى الله عنها: أنّ أبا بكر رضى الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منّى تدفّفان وتضربان والنّبى صلّى الله عليه وسلّم متغشّ بثوبه؛ فانتهرهما أبو بكر؛ فكشف النبىّ صلّى الله عليه وسلّم عن وجهه وقال: «دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد» .
وتلك الأيام أيام منى. وقالت عائشة: رأيت النبىّ صلّى الله عليه وسلّم يسترنى وأنا أنظر الى الحبشة وهم يلعبون في المسجد فزجرهم عمر، فقال النبىّ صلّى الله عليه وسلّم:
«دعهم أمنا بنى أرفدة» (يعنى من الأمن) . قال أبو محمد علىّ بن أحمد بن سعيد ابن حزم رحمه الله عند ذكر هذه الأحاديث: أين يقع إنكار من أنكر من إنكار سيّدى هذه الأمة بعد نبيها صلّى الله عليه وسلّم، أبى بكر وعمر رضى الله عنهما! وقد أنكر عليه الصلاة والسلام عليهما إنكارهما، فرجعا عن رأيهما إلى قوله صلّى الله عليه وسلّم. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: كانت جارية من الأنصار فى حجرى فزففتها؛ فدخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولم يسمع غناء، فقال:
«يا عائشة ألا تبعثين معها من يغنّى فإن هذا الحىّ من الأنصار يحبّون الغناء» . وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: نكح بعض الأنصار بعض أهل عائشة فأهدتها إلى قباء؛ فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أهديت عروسك» ؟
قالت نعم. قال: «فأرسلت معها بغناء فإن الأنصار يحبّونه» ؟ قالت لا. قال:
«فأدركيها يا زينب» (امرأة كانت تغنّى بالمدينة) رواه أبو الزبير محمد بن الزبير بن مسلم المكّى عن جابر. وعنه أيضا قال: أنكحت عائشة رضى الله عنها ذات قرابة لها رجلا من الأنصار؛ فجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أهديتم الفتاة» ؟
(4/139)

قالوا نعم. قال: «أرسلتم معها» ؟.- قال أبو طلحة راوى الحديث: ذهب عنى- فقالت لا. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الأنصار قوم فيهم غزل فلو بعثتم معها من يقول:
أتيناكم أتيناكم ... فحيّانا وحيّاكم «1» »
وروى عن فضالة بن عبيد قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لله أشدّ أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن يجهر به من صاحب القينة الى قينته» . قال أبو عبد الله الحاكم في كتابه المستدرك: هذا حديث صحيح على شرط البخارى ومسلم، ولم يخرّجاه؛ وقد خرّجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزوينىّ فى سننه. قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسىّ رحمه الله تعالى: ووجه الاحتجاج من هذا الحديث هو أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أثبت أن الله تعالى يستمع الى حسن الصوت بالقرآن كما يستمع صاحب القينة الى قينته، فأثبت دليل السماع إذ لا يجوز أن يقيس على استماع «2» محرّم. قال: ولهذا الحديث أصل فى الصحيحين أخرجاه عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما أذن الله لشىء ما أذن «3» لنبىّ يتغنّى بالقرآن» . هذا ما ورد في السماع.
وأمّا ما ورد في الضرب بالآلة، فمن ذلك ما ورد في الدّفّ.
روى عن محمد ابن حاطب قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «فصل ما بين الحلال والحرام
(4/140)

الدّفّ والصوت في النكاح» . قال الحافظ أبو الفضل رحمه الله تعالى: هذا حديث صحيح ألزم أبو الحسن الدارقطنىّ مسلما إخراجه في الصحيح، وقال: قد روى عنه (يعنى محمد بن حاطب) أبو مالك الأشجعىّ وسماك بن حرب وابن عون ويوسف بن سعد وغيرهم. قال: وأخرج هذا الحديث أبو عبد الرحمن النسائىّ وأبو عبد الله ابن ماجه في سننهما. وروى الحافظ أبو الفضل بسند رفعه إلى جابر رضى الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم سمع صوت دفّ فقال: «ما هذا» ؟ فقيل: فلان تزوّج. فقال: «هذا نكاح ليس بالسّفاح» . وقد ضعّف أبو الفضل إسناد هذا الحديث، وقال: إنما أخرجته على ضعف إسناده لأنه شاهد الحديث الصحيح المتقدّم. وروى أبو الفضل أيضا بسنده إلى خالد بن ذكوان عن الرّبيّع بنت معوّذ قالت: جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فدخل علىّ صبيحة «1» بنى علىّ، فجلس على فراشى كمجلسك منّى، فجعلت جويريات يضربن بدفّ لهنّ ويندبن من قتل من آبائى يوم بدر إلى أن قالت إحداهن: وفينا نبىّ يعلم ما في غد؛ فقال: «دعى هذا «2» وقولى الذى كنت تقولين قبله» . وهذا حديث صحيح أخرجه البخارىّ قال: وقد رواه حمّاد بن سلمة عن خالد بن ذكوان أتمّ من هذا، قال: كنّا بالمدينة يوم عاشوراء وكان الجوارى يضر بن بالدّفّ ويغنّين، فدخلنا على الرّبيع بنت معوّذ، فذكرنا لها ذلك، فقالت: دخل علىّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صبيحة عرسى وعندى جاريتان تغنّيان وتندبان آبائى الذين قتلوا يوم بدر، ونقولان فيما تقولان: وفينا نبىّ يعلم ما في غد، فقال: «أمّا هذا فلا تقولوه لا يعلم ما في غد إلا الله عزّوجلّ» .
وعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سافر سفرا، فنذرت
(4/141)

جارية من قريش لئن ردّه الله تعالى أن تضرب في بيت عائشة بدفّ. فلما رجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جاءت الجارية فقالت عائشة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: فلانة ابنة فلان نذرت لئن ردّك الله تعالى أن تضرب في بيتى بدفّ؛ قال:
«فلتضرب» . قال أبو الفضل: وهذا إسناد متّصل ورجاله ثقات، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا نذر في معصية الله» . فلو كان ضرب الدف معصية لأمر بالتكفير عن نذرها أو منعها من فعله. وروى عن الشعبىّ قال: مرّ عياض الأشعرىّ في يوم عيد فقال: ما لى لا أراهم يفلّسون فإنه من السنّة!.
والتفليس: الضرب بالدفّ. قاله هشيم.
وأمّا ما ورد في اليراع،
فقد احتجّ بعضهم بحديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما وهو ما خرّجه أبو داود سليمان بن الأشعث السّجستانى في سننه قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله الغدانىّ، حدّثنا مسلم، حدّثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع، قال: سمع ابن عمر رضى الله عنهما مزمارا، فوضع إصبعيه على أذنيه ونأى عن الطريق، وقال لى: يا نافع، هل تسمع شيئا؟ قلت لا. قال:
فرفع إصبعيه من أذنيه وقال: كنت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا. قال أبو عبد الله اللؤلئىّ: سمعت أبا داود يقول: هذا الحديث منكر. وقال الحافظ محمد بن طاهر: هذا حديث خرّجه أبو داود في سننه هكذا وقد أنكره. وقد ورد من غير هذا الطريق أن ابن عمر رضى الله عنهما سمع راعيا وذكره. وفساد هذا الحديث من وجهين: أحدهما فساد طريق الإسناد؛ فإن سليمان هذا هو الأشدق الدمشقىّ تكلم فيه أهل النقل وتفرّد بهذا الحديث عن نافع ولم يروه عنه غيره. وقال البخارىّ: سليمان بن موسى عند، مناكير. والثانى
(4/142)

قول عبد الله بن عمر لنافع رضى الله عنهم: أتسمع؟ ولو كان ذلك منهيّا عنه لم يأمره بالاستماع. وقوله: كنت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا. ولو كان حراما لنهاه عنه وصرح بتحريمه؛ لأنه الشارع المأمور بالبيان. قالت عائشة رضى الله عنها: علّقت على سهوة «1» لى سترا فيه تصاوير، فلما رآه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تلوّن وجهه وهتكه. وسمع النبىّ صلّى الله عليه وسلّم عمر بن الخطاب رضى الله عنه يحلف بآبائه فنهاه عن ذلك. ورأى يزيد بن طخفة مضطجعا على بطنه فنهاه وقال: «هذه ضجعة يبغضها الله عزّوجلّ» .
وسمع صلّى الله عليه وسلّم رجلا يلعن ناقته، فوقف فقال: «لا يتبعنا ملعون» ؛ فنزل عنها وأرسلها. قال الحافظ المقدسىّ: وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال، فثبت فساد هذا الحديث إسنادا ومتنا.
وأمّا ما ورد في القصب والأوتار.
ويقال له التغيير، ويقال له القطقطة أيضا. ولا فرق بينه وبين الأوتار؛ إذ لم يوجد في إباحته وتحريمه أثر لا صحيح «2» ولا سقيم؛ وإنما استباح المتقدّمون استماعه لأنه مما لم يرد الشرع بتحريمه، وكان أصله الإباحة.
وأمّا الأوتار، فالقول فيها القول في القصب، لم يرد الشرع بتحليلها ولا تحريمها.
قال: وكل ما أوردوه في التحريم فغير ثابت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. ولا خلاف بين أهل المدينة في إباحة سماعه. ومن الدليل على إباحته أن إبراهيم بن
(4/143)

سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف مع جلالته وفقهه وثقته كان يفتى بحلّه، وقد ضرب بالعود- وسنذكر خبره في ذلك بعد هذا إن شاء الله تعالى- ولم تسقط عدالته بفعله عند أهل العلم، فكيف تسقط عدالة المستمع! ومكان يبالغ في هذا الأمر أتمّ مبالغة. وقد أجمعت الأئمة على عدالته واتفق البخارىّ ومسلم على إخراج حديثه في الصحيح؛ وقد علم من مذهبه إباحة سماع الأوتار. والأئمة الذين رووا عنه أهل الحلّ والعقد في الآفاق إنما سمعوا منه ورووا عنه بعد استماعهم غناءه وعلمهم أنه يبيحه، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل، سمع منه ببغداد بعد حلفه أنه لا يحدّث حديثا إلا بعد أن يغنّى على عود، وذلك أنه لا شك سمع غناءه ثم سمع حديثه. قال: وهذا أمر لم يرد عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم في تحليله ولا تحريمه نصّ يرجع إليه، فكان حكمه كحكم الإباحة. وإنما تركه من تركه من المتقدّمين تورّعا كما تركوا لبس اللّين وأكل الطّيب وشرب البارد والاجتماع بالنسوان الحسان؛ ومعلوم أن هذا كلّه حلال. وقد ترك رسول الله صلّى الله عليه وسلم أكل الضبّ وسئل عنه أحرام هو؟ قال: «لا ولكن لم يكن بأرض قومى فأجدنى أعافه» وأكل على مائدته صلّى الله عليه وسلم. وقد روى عن زيد بن ثابت رضى الله عنه أنه قال: إذا رأيت أهل المدينة اجتمعوا على شىء فاعلم أنه سنّة.
وقد روى عن محمد بن سيرين رحمه الله أنّ رجلا قدم المدينة بجوار، فنزل على ابن عمر وفيهنّ جارية تضرب؛ فجاء رجل فساومه فلم يهو منهنّ شيئا. فقال:
انطلق إلى رجل هو أمثل لك بيعا من هذا؛ فأتى إلى عبد الله بن جعفر فعرضهنّ عليه؛ فأمر جارية قال: خذى، فأخذت العود حتى ظنّ ابن عمر أنه قد نظر الى ذلك؛ فقال ابن عمر: حسبك سائر اليوم من مزمور الشيطان، قال: فبايعه. ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنى غبنت بسبعمائة درهم. فأتى
(4/144)

ابن عمر إلى ابن جعفر فقال: إنه قد غبن بسبعمائة درهم، فإما أن تعطيها إياه وإمّا أن تردّ عليه بيعه؛ فقال: بل نعطيها إياه. وهذه الحكاية ذكرها أبو محمد بن حزم واستدلّ بها على إباحته فقال: فهذا عبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر رضى الله عنهما قد سمعا الغناء بالعود، وإن كان ابن عمر كره ما ليس من الجدّ فلم ينه عنه، وقد سفر «1» في بيع مغنّية كما ترى، ولو كان حراما ما استجاز ذلك أصلا.
وأما ما ورد في المزامير والملاهى،
قال الشيخ الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسىّ: وأما القول في المزامير والملاهى، فقد وردت الأحاديث الصحيحة بجواز استماعها. فمن ذلك ما رواه بسند رفعه إلى علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «ما هممت بشىء مما كان أهل الجاهليّة يفعلونه غير مرّتين كلّ ذلك يحول الله عزّ وجلّ بينى وبين ما أريده من ذلك ثم ما هممت بعدها بشىء حتى أكرمنى الله برسالته فإنى قلت لغلام من قريش ليلة وكان يرعى معى في أعلى مكة لو أنك أبصرت غنمى حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشباب قال أفعل. فخرجت أريد ذلك حتى جئت أوّل دار من ديار مكة سمعت عزفا بالدفوف والمزامير فقلت ما هذا فقالوا فلان تزوّج فلانة بنت فلان فجلست أنظر إليهم فضرب الله عزّ وجلّ على أذنى فنمت فما أيقظى إلا مسّ الشمس فرجعت إلى صاحبى فقال ماذا فعلت قلت ما صنعت شيئا ثم خبّرته الخبر [فقال «2» ] ثم قلت له ليلة أخرى مثل
(4/145)

ذلك فقال أفعل فخرجت حتى دخلت مكة فسمعت حين دخلت مكة مثل ما سمعت تلك الليلة فسألت عنه فقالوا فلان نكح فلانة فجلست أنظر فضرب الله على أذنى فما أيقظنى إلا مسّ الشمس فخرجت إلى صاحبى فأخبرته الخبر ثم ما هممت بسوء حتى أكرمنى الله تعالى برسالته» . قال الحافظ أبو الفضل:
وكان هذا قبل النبوّة والرسالة ونزول الأحكام والفرق بين الحلال والحرام؛ فإن الشرع لمّا ورد أمره الله تعالى بالإبلاغ والإنذار فأقرّه على ما كان عليه في الجاهلية ولم يحرّمه كما حرّم غيره. قال: والدليل على أنه باق على الإباحة قول الله عز وجلّ:
(وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)
. ثم بيّن الدليل على ذلك بما رواه بسنده إلى جابر قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يخطب قائما، ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائما، يخطب خطبتين. فكانت الجوارى إذا أنكحوهنّ يمرّون فيضربون بالدفّ والمزامير فيتسلّل «1» الناس ويدعون رسول الله صلّى الله عليه وسلم قائما، فعاتبهم الله عز وجل بقوله: (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً)
. وقال:
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم في كتابه عن عبد الله بن حميد عن خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال. والله عز وجلّ عطف اللهو على التجارة وحكم المعطوف حكم ما عطف عليه، والإجماع على تحليل التجارة، فثبت أن هذا الحكم مما أقرّه الشرع على ما كان عليه في الجاهليّة لأنه غير محتمل أن يكون رسول الله صلّى الله عليه وسلم حرّمه، ثم يمرّ به على باب المسجد يوم الجمعة ثم يعاتب الله عز وجلّ من ترك رسوله صلى الله عليه وسلم قائما ثم خرج ينظر إليه ويستمع. ولم ينزل في تحريمه آية ولا سنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم سنّة، فعلمنا بذلك بقاءه على حاله.
(4/146)

قال: ويزيد ذلك بيانا ووضوحا حديث عائشة رضى الله عنها في المرأة التى زفّتها وقد تقدّم ذكر الحديث. وروى أيضا بسند رفعه عن زوج درّة بنت أبى لهب قال: دخل علىّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم حين تزوّجت درّة فقال: «هل من لهو» .
ذكر ما ورد في توهين ما استدلّوا به على تحريم الغناء والسماع
قد ذكر الحافظ أبو الفضل المقدسىّ رحمه الله تعالى الأحاديث التى استدلوا بها على تحريمه وفسّروا بها الآيات والأحاديث التى استدلّوا بها على تحريمه ممّا قدّمنا ذكر ذلك في حججهم ومما لم نذكره مما يستدلّ به على تحريمه وكراهته وضعف رجالها.
وتكلم الإمام أبو حامد الغزالىّ رحمه الله أيضا في ذلك ووهنّ احتجاجهم إذا ثبت الحديث على ما نذكر ذلك.
قال الحافظ أبو الفضل:
أمّا ما احتجّوا به من الآيات في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ)
الآية. وما أوردوه في ذلك من الأسانيد إلى عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر رضى الله عنهم، فنظرت في جميعها فلم أر فيها طريقا يثبت إلا واحدا منها رواه يوسف بن موسى القطّان عن جرير بن عبد الحميد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهم في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ)
قال: الغناء وأشباهه. وسائرها لا يخلو من رواية ضعيف لا تقوم بروايته حجّة.
قال: ورأيت في بعضها رواية عطيّة العوفّى عن ابن عباس من حديث غير ثابت أصلا (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ)
قال: باطل الحديث وهو الغناء
(4/147)

ونحوه؛ وهو أن رجلا من قريش اشترى جارية مغنّية فنزلت فيه. قال: وهذا وإن لم يصحّ عندى الاحتجاج بسندهم فيلزمهم قبوله لأنهم احتجّوا به فيكون فى حقّ هذا الرجل بعينه.
وقد ورد في الآية تفسير ثالث يلزمهم قبوله على أصلهم، وذكر حديثا رفعه إلى نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما: أنه سمع النبىّ صلّى الله عليه وسلم يقول في قوله عز وجلّ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ)
«اللعب والباطل وتشحّ نفسه أن يتصدّق بدرهم» . قال: وهذا أيضا غير ثابت عندى وإنما أوردت هذين التفسيرين مناقضة لما أوردوه فيما تمسّكوا به.
قال: ولن أركن إلى هذا أبدا ولا أقنع به ولا أحتجّ عليه ولا ألزمهم إياه، بل أقول صحّ عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما إجماع أهل السنّة على أن السنّة تقضى على الكتاب، وأن الكتاب لا يقضى على السنة، وقد جاءت السنّة الصحيحة:
أن النبىّ صلّى الله عليه وسلم استمع للغناء وأمر باستماعه، وقد أوردنا في ذلك من الأحاديث ما تقدّم إيراده. قال: وجواب ثان يقال لهؤلاء القوم المحتجين بهذه التفاسير: هل علم هؤلاء الصحابة الذين أوردتم أقاويلهم من هذه الآية ما علمه رسول الله صلّى الله عليه وسلم أو لم يعلمه؟ فإن قالوا: لم يعلمه وعلمه هؤلاء، كان جهلا عظيما بل كفرا. وإن قالوا: علمه، قلنا: نقل إلينا عنه في تفسير هذه الآية مثل ما نقل عن هؤلاء من الصحابة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال. ومن المحال أن يكون تفسير قوله عز وجلّ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ)
هو الغناء، ويقول رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أما كان معكنّ لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو» .
(4/148)

وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: ثلاثة ليس لها أصل: المغازى، والملاحم، والتفسير.
وقال أبو حاتم محمد بن حسان في كتاب الضعفاء: الله عز وجلّ يؤتى رسوله صلّى الله عليه وسلم تفسير كلامه وتأويل ما أنزل عليه حيث قال: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) .
ومن المخلّ المحال أن يأمر الله تعالى نبيّه صلّى الله عليه وسلم أن يبيّن لخلقه مراده حيث جعله موضع الإبانة عن كلامه ومفسّرا لهم حتى يفهموا مراد الله عز وجلّ فلا يفعل ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ بل أبان مراد الله عز وجلّ من الآى وفسّر لأمّته، ما تهمّ الحاجة إليه، وبيّن سنّته صلّى الله عليه وسلم. فمن تتبّع السنن وحفظها وأحكمها فقد عرف تفسير كتاب الله عز وجلّ وأغناه الله تعالى عن الكلبىّ وذويه، وما لم يبيّن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لأمّته في معانى الأى التى أنزلت عليه مع أمر الله عز وجلّ له بذلك وجاز ذلك كان لمن بعده من أمّته أجوز، وترك التفسير لما تركه رسول الله صلّى الله عليه وسلم أحرى.
قال: ومن أعظم الدلائل على أن الله تعالى لم يرد بقوله: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)
القرآن كله أن النبىّ صلّى الله عليه وسلم نزل عليه من الكتاب متشابه من الآى.
فالآيات التى ليس فيها أحكام لم يبين كيفيتها لأمته. فلما فعل ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم دلّ ذلك على أن المراد من قوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)
كان بعض القرآن لا الكلّ.
وقال الإمام أبو حامد الغزالىّ رحمه الله في هذه الآية: وأمّا شراء لهو الحديث بالدّين استبدالا به ليضلّ به عن سبيل الله فهو حرام مذموم، وليس النزاع فيه.
(4/149)

وليس كل غناء بدلا عن الدّين مشترى به ومضلّا عن سبيل الله وهو المراد في الآية، ولو قرأ القرآن: ليضل به عن سبيل الله لكان حراما.
حكى عن بعض المنافقين: أنه كان يؤمّ الناس ولا يقرأ إلا سورة «عبس» لما فيها من العتاب مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فهمّ عمر بقتله [ورأى فعله حراما لما فيه من الإضلال «1» ] فالإضلال بالشعر والغناء أولى بالتحريم.
وقال الثعلبىّ في أحد أقواله عن تفسير هذه الآية عن الكلبىّ ومقاتل: نزلت فى النّضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدار بن قصىّ؛ كان يتّجر فيخرج إلى فارس فيشترى أخبار الأعاجم فيرويها ويحدّث بها قريشا ويقول: إن محمدا يحدّثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدّثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن.
واحتجوا بقوله تعالى: (أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سامِدُونَ)
قال ابن عباس: هو الغناء بلغة حمير، يعنى- السمود- قال الغزالىّ رحمه الله: فنقول ينبغى أن يحرم الضحك وعدم البكاء أيضا، لأن الآية تشتمل عليه، فإن قيل: إن ذلك مخصوص بالضحك على المسلمين لإسلامهم فهذا أيضا مخصوص بأشعارهم وغنائهم في معرض الاستهزاء بالمسلمين كما قال تعالى:
(وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ)
وأراد به شعراء الكفّار ولم يدل ذلك على تحريم نظم الشعر في نفسه.
واحتجّوا بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)
. قال الثعلبىّ:
قال الحسن، عن المعاصى. وقال ابن عباس: الحلف الكاذب. وقال مقاتل:
(4/150)

الشتم والأذى. وقال غيرهم: ما لا يحلّ من القول والفعل. قال: وقيل اللغو الذى لا فائدة فيه.
واحتجّوا بقوله تعالى: (وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ)
. قال الثعلبىّ:
أى القبيح من القول. وبقوله تعالى: (وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً)
. قال مقاتل: إذا سمعوا من الكفّار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا، وبقوله:
(وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ)
. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: بدعائك إلى معصية الله تعالى. وكلّ داع إلى معصية الله تعالى فهو من جنود إبليس.
وأما ما احتجّوا به من الحديث فإنهم احتجّوا بحديث روى عن أبى أمامة الباهلىّ رضى الله عنه أن النبىّ صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يحلّ بيع المغنّيات ولا شراؤهنّ ولا تحلّ التجارة فيهنّ وأثمانهنّ حرام والاستماع إليهنّ حرام» . قال الحافظ أبو الفضل المقدسىّ رحمه الله: هذا حديث رواه عبيد الله بن زحر عن علىّ ابن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة، قال: والصحابة كلهم عدول. وأما عبيد الله ابن زحر وعلىّ والقاسم فهم في الرواية سواء لا يحتجّ بحديث واحد منهم إذا انفرد بالرواية عن ثقة فكيف إذا روى عن مثله. أما عبيد الله بن زحر فيقال: إنه من أهل مصر. قال أبو مسهر الغسّانى: عبيد الله بن زحر صاحب كلّ معضلة ليس على حديثه اعتماد. وقال عثمان بن سعيد الدارمىّ: قلت ليحيى بن معين: عبيد الله ابن زحر كيف حديثه؟ قال: كل حديثه ضعيف، قلت: عن على بن يزيد وغيره؟
قال نعم. وقال عباس الدّورىّ عن يحيى: عبيد الله بن زحر ليس بشىء. وقال أبو حاتم في كتاب الضعفاء والمتروكين: عبيد الله بن زحر منكر الحديث جدّا، روى الموضوعات عن الثّقات وإذا روى عن علىّ بن يزيد أتى بالظلمات، وإذا اجتمع
(4/151)

فى إسناد عبيد الله بن زحر وعلىّ بن يزيد والقاسم بن عبد الرحمن لا يكون متن ذلك الحديث إلا ممّا عملت أيديهم فلا يحلّ الاحتجاج بهذه الصحيفة.
قال المقدسىّ: وهذا الحديث قد اجتمعوا في إسناده، قال: وأما علىّ بن يزيد فهو من أهل دمشق يكنى بأبى عبد الملك روى عن القاسم قال النّسائىّ في كتاب الضعفاء: علىّ بن يزيد متروك الحديث. وقال أبو عبد الرحمن بن حيّان: علىّ بن يزيد مطروح منكر الحديث جدّا. وأما القاسم بن عبد الرحمن ويكنى بأبى عبد الرحمن فقال يحيى بن معين: القاسم بن عبد الرحمن لا يسوى شيئا. وقال أحمد بن حنبل، وذكر القاسم مولى يزيد بن معاوية فقال: منكر الحديث. وقال أبو حاتم بن حسّان: القاسم يروى عنه أهل الشأم، كان يروى عن الصحابة المعضلات ويأتى عن الثقات بالأسانيد المقلوبات، حتى كان يسبق إلى القلب أنه المعتمد لها.
قال المقدسىّ: فهذا شرح أحوال رواة الحديث الذى احتجّوا به في التحريم، هل تجوز روايته كما ذكره الأئمة حتى يستدلّ به في التحليل والتحريم.
واحتجّوا بما روى عن النبىّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «أمرنى ربى عز وجلّ بنفى الطنبور والمزمار» وهو حديث رواه إبراهيم بن اليسع بن الأشعث المكىّ وإسماعيل بن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها، وإبراهيم هذا- قال البخارىّ-: منكر الحديث. وقال النسائىّ: المكّى ضعيف.
واحتجّوا بما روى عن علىّ رضى الله عنه أنه قال: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن ضرب الدّفّ ولعب الصّنج وصوت الزمّارة، وهو حديث رواه عبد الله بن ميمون عن مطر بن سالم عن علىّ قال: وعبد الله هو القدّاح ذاهب الحديث؛ ومطر هذا شبه المجهول.
(4/152)

واحتجّوا بما روى عن علىّ رضى الله عنه أنه قال: نهانى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن المغنّيات والنوّاحات وعن شرائهنّ وبيعهنّ والتجارة فيهنّ وقال: «كسبهنّ حرام» . قال: وهذا حديث رواه علىّ بن يزيد الصّدائىّ عن الحارث بن نبهان عن أبى إسحاق السّبيعىّ عن الحارث عن علىّ رضى الله عنه قال: والحارث بن نبهان ليس بشىء ولا يكتب حديث قاله يحيى بن معين. وقال البخارىّ: الحارث منكر الحديث. وقال أحمد بن حنبل: الحارث رجل صالح ولم يكن يعرف الحديث ولا يحفظ، منكر الحديث. وقال النسائىّ: الحارث بن نبهان متروك الحديث. لم يروه عن أبى إسحاق عمرو بن عبد الله السّبيعى وغيره ولا رواه عنه غير علّى بن يزيد الصّدائىّ. وعلى هذا قال أحمد بن عدىّ: أحاديثه لا تشبه أحاديث الثقات.
والحارث الذى روى عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه هو الحارث بن عبد الله أبو زهير الخارفى «1» الأعور، أجمع أهل النقل على كذبه، والحمل في هذا الحديث على الحارث بن نبهان وإن كان في الإسناد من الضعفاء غيره.
واحتجّوا بما روى عن النبى صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «صوتان ملعونان فى الدنيا والآخرة صوت مزمار عند نعمة وصوت ندبة «2» عند مصيبة» وهذا حديث رواه محمد بن زياد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضى الله عنهما، ومحمد بن زياد هذا هو الطحّان اليشكرىّ. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل:
سألت أبى عنه فقال: أعور كذّاب خبيث يضع الحديث. وقال يحيى بن معين:
(4/153)

أجمع الناس على طرح هؤلاء النفر لا يعتدّ بهم، منهم محمد بن زياد. وكان أبو يوسف الصّيدلانىّ يقول: قدم محمد بن زياد الرّقّة بعد موت ميمون بن مهران.
واحتجّوا بما روى عن النبىّ صلّى الله عليه وسلم: أنه ذكر خسفا ومسخا وقذفا يكون في هذه الأمة، قالوا: يا رسول الله إنهم يقولون: لا إله إلا الله، قال: «نعم إذا أظهروا النّرد والمعازف وشرب الخمور ولبس الحرير» قال:
وهذا حديث رواه عثمان بن مطر عن عبد الغفور عن عبد العزيز بن سعيد عن أبيه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم. قال: وعثمان هو الشيبانىّ من أهل البصرة وكان ضريرا. قال يحيى بن معين: ليس بشىء. وقال البخارىّ: متروك الحديث.
واحتجّوا بما روى عن النبىّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «بعثنى ربّى عز وجلّ بمحق المزامير والمعازف والأوثان التى كانت تعبد في الجاهلية والخمر وأقسم ربى عز وجلّ بعزّته ألا يشربها عبد في الدنيا» الحديث. قال: وهذا حديث رواه محمد بن الفرات عن أبى إسحاق السّبيعىّ عن الحارث الأعور عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، ومحمد بن الفرات هذا من أهل الكوفة. قال أبو بكر بن أبى شيبة:
هذا شيخ كذّاب. وقال يحيى بن معين: ليس بشىء. وقال النسائىّ: متروك.
وقد تقدّم ذكر السبيعىّ والحارث الأعور، ومضى الكلام عليه.
واحتجّوا بما روى عن أبى هريرة رضى الله عنه مسندا: «إن الغناء ينبت النفاق في القلب» وهو حديث عبد الرحمن بن عبد الله العمرىّ ابن أخى عبيد الله ابن عمر عن أبيه عن سعيد بن أبى سعيد المقبرىّ عن أبى هريرة عن النبىّ صلّى الله عليه وسلم، وعبد الرحمن هذا قال أحمد بن حنبل: ليس يسوى حديثه شيئا،
(4/154)

سمعت منه ثم تركناه وكان ولى قضاء المدينة، أحاديثه مناكير وكان كذّابا. قال النسائىّ: وهو متروك الحديث.
واحتجّوا بما روى عن النبىّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «من استمع إلى قيان صبّ في أذنيه الآنك «1» » وهو حديث رواه أبو نعيم الحلبىّ عن عبد الله بن المنذر عن مالك عن محمد بن المنكدر عن أنس بن مالك. وأبو نعيم اسمه عبيد بن هشام «2» من أهل حلب ضعيف ولم يبلغ «3» عن ابن المبارك. مرسل.
واحتجّوا بما روى عن النبىّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «لعن الله النائحة والمستمعة والمغنّى والمغنّى له» وهو حديث رواه عمرو بن يزيد المدائنىّ عن الحسن البصرىّ عن أبى هريرة، وعمرو هذا قال أبو أحمد «4» بن عدىّ: منكر الحديث، والحسن لم يسمع من أبى هريرة شيئا. وقال ابن عدىّ: هذا الحديث غير محفوظ.
واحتجّوا بما روى عن النبىّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «النظر إلى المغنّية حرام وغناؤها حرام وثمنها حرام» وهو حديث يزيد بن عبد الملك بن المغيرة بن نوفل النوفلىّ المدنى «5» عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد عن عمر بن الخطاب رضى
(4/155)

الله عنه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم. ويزيد الأوّل قال النسائىّ: متروك الحديث. وقال أحمد بن حنبل: عنده مناكير. وقال يحيى بن معين: يزيد بن عبد الملك ليس بذاك.
واحتجّوا بما روى عن علىّ رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إذا عملت أمتى خمس عشرة خصلة حلّ فيها البلاء» وذكرها وقال فى جملتها: «واتخذت القيان والمعازف» ، وهو حديث رواه فرج بن فضالة الشيبانىّ من أهل حمص عن يحيى بن سعيد الأنصارىّ عن محمد بن علىّ عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه. قال عبد الرحمن بن مهدى: أحاديث الفرج عن يحيى بن سعيد منكرة. وقال يحيى بن معين: فرج ضعيف. وقال أبو حاتم «1» بن حسّان: فرج بن فضالة كان يقلب الأحاديث الصحيحة ويلصق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة، لا يحلّ الاحتجاج به.
واحتجّوا بحديث جابر رضى الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أخذ بيد عبد الرحمن فذكر حديثا قال فيه: «نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة وصوت عند نعمة لعب ولهو ومزامير الشيطان» وهذا حديث رواه محمد ابن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن عطاء عن جابر، وأنكر عليه هذا الحديث وضعّف لأجله. قال أبو حاتم بن حسّان: كان ردىء الحفظ كثير الوهم فاحش الخطأ يروى الشىء على وجه الوهم ويستحق الترك. وتركه أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين.
(4/156)

واحتجّوا بأنه صلّى الله عليه وسلم سمع صوتا فقال: «انظروا من هذا» فنظرت فإذا معاوية وعمرو يتغنّيان. الحديث، وفيه: «اللهمّ اركسهما في الفتنة ركسا» وهو حديث رواه يزيد «1» بن أبى زياد عن سليمان عن عمرو بن الأحوص عن أبى برزة الأسلمى. ويزيد هذا من أهل الكوفة، وكان الكذبة يلقّنونه على وفق اعتقادهم فيتلّقاها ويحدّث بها ضعفة أهل النقل، وقد روى هذا الحديث من طريق آخر ليس فيه معاوية هذا، وأنه ابن التابوت «2» .
قال المقدسىّ: ولم يصحّ عن النبىّ صلّى الله عليه وسلم أنه ذكر أحدا من أصحابه إلّا تحير.
واحتجّوا بما روى عن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه رفع الحديث، أن النبىّ صلّى الله عليه وسلم قال: «يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف فى متّخذى القيان وشاربى الخمور ولا بسى الحرير» وهو حديث رواه زياد بن أبى زياد الجصّاص عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه. وزياد هذا متروك الحديث.
واحتجّوا بحديث روى عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من مات وله قينة فلا تصلّوا عليه» وهو حديث روى بإسناد مجهول عن خارجة بن مصعب عن داود بن أبى هند عن الشعبىّ عن علىّ.
وخارجة متروك الحديث من أهل سرخس.
(4/157)

واحتجّوا بما روى عبد الرحمن بن الجندىّ قال: قال عبد الله بن بسر «1» صاحب النبىّ صلّى الله عليه وسلم: يابن الجندىّ، فقلت: لبّيك يا أبا صفوان، قال: والله ليمسخنّ قوم وإنهم لفى شرب الخمور وضرب المعازف حتى يكونوا قردة أو خنازير.
والحديث موقوف وابن الجندىّ مجهول. والنبىّ صلّى الله عليه وسلم سأل ربه ألّا يعذّب أمّته بما عذّب به الأمم قبلها فأعطاه ذلك.
واحتجّوا بما روى عن أبى أمامة رضى الله عنه وقد تقدّم بعضه، وفيه زيادة أخرى أن النبىّ صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يحلّ بيع المغنّيات ولا شراؤهنّ ولا الجلوس إليهنّ» ثم قال: «والذى نفسى بيده ما رفع رجل عقيرته بغناء إلا ارتدف على ذلك «2» شيطان على عاتقه هذا وشيطان على عاتقه هذا حتى يسكت» وهذا حديث قد تقدّم أوّله من حديث عبيد الله بن زحر، وهذه الزيادة من رواية مسلمة بن علىّ الدمشقىّ عن يحيى بن الحارث عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبى أمامة. ومسلمة هذا، قال ابن معين: ليس بشىء. وقال البخارىّ: منكر الحديث. وقد تقدّم القول في القاسم بن عبد الرحمن.
واحتجّوا بحديث روى عن عبد الله بن مسعود من رواية سلّام بن مسكين قال: حدّثنى شيخ سمع أبا وائل يقول: سمعت ابن مسعود يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «الغناء ينبت النفاق في القلب» هكذا رواه سلّام عن شيخ مجهول لا يعرف. ورواه جرير بن عبد الحميد عن ليث بن أبى سليم عن محمد ابن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود وقوله «3» ، ولم يذكر النبىّ صلّى
(4/158)

الله عليه وسلم. ورواه الثقات عن شعبة بن الحجاج عن مغيرة عن إبراهيم، قوله «1» ، ولم يذكر أحدا تقدّمه فيه وهذا أصحّ الأقاويل «2» فيه من قول إبراهيم. قال الغزالى رحمه الله تعالى: قول ابن مسعود: ينبت النفاق أراد به في حقّ المغنّى فإنه فى حقه ينبت النفاق إذ غرضه كله أن يعرض نفسه على غيره ويروّج صوته عليه، ولا يزال ينافق ويتودّد إلى الناس ليرغبوا في غنائه، وذلك أيضا لا يوجب تحريما، فإن لبس الثياب الجميلة وركوب الخيل المهملجة وسائر أنواع الزينة والتفاخر بالحرث والأنعام والزرع ينبت الرياء والنفاق في القلب ولا يطلق القول بتحريم ذلك كله.
فليس السبب في ظهور النفاق في القلب المعاصى فقط. بل المباحات التى هى مواقع نظر الخلق أكثر تأثيرا. ولذلك نزل «3» ابن عمر رضى الله عنهما عن فرس هملج تحته وقطع ذنبه لأنه استشعر في نفسه الخيلاء لحسن مشيته، فهذا النفاق من المباحات.
واحتجّوا بحديث روى عن صفوان بن أمية قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه عمرو بن قرّة فقال: يا نبىّ الله إن الله عز وجلّ كتب علىّ الشّقوة ولا أرانى أرزق إلّا من «4» دفّى بكفّى أفتأذن لى في الغناء من غير فاحشة؟
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لا إذن ولا كرامة ولا نعمة» وذكر حديثا طويلا، وهو حديث رواه عبد الرزاق بن همّام الصّنعانى عن يحيى بن العلاء عن بشر بن نمير عن مكحول قال: حدّثنى يزيد بن عبد الملك عن صفوان بن أمية.
ويحيى بن العلاء هذا مدنىّ الأصل رازىّ. قال يحيى بن معين: يكنى ابا عمرو ليس بثقة. وقال عمرو بن على الصيرفىّ: يحيى بن العلاء متروك الحديث والله أعلم.
(4/159)

واحتجّوا بما روى عن النبىّ صلّى الله عليه وسلم أنه نهى عن ثمن الكلب وكسب الزمّارة، وهو حديث نقله سليمان بن أبى سليمان الداودىّ البصرىّ عن محمد ابن بشر عن أبى هريرة. وسليمان هذا متروك الحديث غير ثقة.
واحتجّوا بقول عثمان رضى الله عنه: ما تغنّيت ولا تمنّيت «1» ولا مسست ذكرى بيمينى منذ بايعت النبىّ صلّى الله عليه وسلم. وهذا حديث رواه صقر بن عبد الرحمن عن أبيه عن مالك بن مغول عن عبد الله بن إدريس عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك في حديث القفّ والصيد.
قال المقدسىّ: هذا حديث لم أرفيه تحاملا، ورأيته ذكر من هذا أشياء لم يأت بها غيره توجب ترك حديثه والله أعلم. وقال الغزالىّ رحمه الله تعالى وذكر هذا الحديث: قلنا فليكن التمنّى ومسّ الذكر باليمين حراما إن كان هذا دليل تحريم الغناء، فمن أين ثبت أن عثمان كان لا يترك إلا الحرام.
قال الحافظ أبو الفضل المقدسىّ رحمه الله تعالى: فهذه الأحاديث وأمثالها احتجّ بها من أنكر السماع جهلا منهم بصناعة علم الحديث ومعرفته، فترى الواحد منهم إذا رأى حديثا مكتوبا في كتاب جعله لنفسه مذهبا واحتجّ به على مخالفه، وهذا غلط عظيم بل جهل جسيم. هذا ملخص ما أورده رحمه الله تعالى وفيه من الزيادات ما هو منسوب الى الثعلبىّ والغزالىّ على ما بيّناه في مواضعه.
وقد تكلم الإمام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالىّ الطوسىّ رحمه الله تعالى على السماع في كتابه المترجم ب «إحياء علوم الدين» وبيّن دليل الإباحة وذكر بعد ذلك آداب السماع وآثاره في القلب والجوارح فقال:
(4/160)

اعلم أن السماع هو أوّل الأمر، ويثمر السماع حالة في القلب تسمّى الوجد ويثمر الوجد تحريك الأطراف، إما بحركة غير موزونة فتسمّى الاضطراب، وإمّا موزونة فتسمّى التصفيق والرقص. ثم بدأ بحكم السماع وبيّن الدليل على إباحته ثم ذكر ما تمسّك به القائلون بتحريمه وأجاب عن ذلك بما نذكره أو مختصره إن شاء الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى: نقل أبو طالب المكّى إباحة السماع عن جماعة وقال:
سمع من الصحابة عبد الله بن جعفر، وابن الزّبير، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية وغيرهم. وقد فعل ذلك كثير من السلف صحابىّ وتابعىّ. قال: ولم يزل الحجازيّون عندنا بمكة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة وهى الأيام المعدودات التى أمر الله عز وجلّ عباده فيها بذكره كأيام التشريق. ولم يزل أهل المدينة ومكة مواظبين على السماع إلى زماننا هذا فأدركنا أبا مروان القاضى وله جوار يسمعن [النّاس «1» ] التلحين قد أعدّهنّ للصوفية. قال: وكان لعطاء جاريتان تلحّنان وكان إخوانه يستمعون إليهما. قال: وقيل لأبى الحسن بن سالم: كيف تنكر السماع وقد كان الجنيد وسرىّ السّقطىّ وذو النون يسمعون! فقال: كيف أنكر السماع وأجازه وسمعه من هو خير منّى. وقد كان عبد الله بن جعفر الطيّار يسمع. وإنما أنكر اللهو واللعب فى السماع.
وروى عن يحيى بن معاذ أنه قال: فقدنا ثلاثة أشياء فلا نراها ولا أراها تزداد إلا قلّة: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الديانة، وحسن الإخاء مع الوفاء.
قال الغزالىّ: ورأيت في بعض الكتب هذا بعينه محكيا عن المحاسبىّ وفيه ما يدلّ على تجويزه السماع مع زهده وتصاونه وجدّه في الدّين وتشميره.
(4/161)

وحكى عن ممشاد الدّينورىّ أنه قال: رأيت النبىّ صلّى الله عليه وسلم في النوم فقلت: يا رسول الله، هل تنكر من هذا السماع شيئا؟ فقال: «ما أنكر منه شيئا ولكن قل لهم يفتتحون قبله بالقرآن ويختتمون بعده بالقرآن» . قال الغزالىّ: وعن ابن جريح أنه كان يرخص في السماع فقيل له: تقدّمه يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك؟ فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات لأنه شبيه باللغو، قال الله تعالى: (لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ) *
؛ ثم بيّن الغزالىّ رحمه الله الدليل على إباحة السماع فقال: اعلم أن قول القائل: السماع حرام، معناه أن الله تعالى يعاقب عليه وهذا أمر لا يعرف بمجرّد العقل بل بالسمع، ومعرفة الشرعيّات محصورة في النصّ أو القياس على المنصوص. قال: وأعنى بالنصّ ما أظهره رسول الله صلّى الله عليه وسلم بقوله أو فعله، وبالقياس المعنى المفهوم من ألفاظه وأفعاله، فإن لم يكن فيه نصّ ولم يستقم فيه قياس على منصوص بطل القول بتحريمه ويبقى فعلا لا حرج فيه كسائر المباحات، ولا يدلّ على تحريم السماع نصّ ولا قياس. قال: وقد دلّ القياس والنصّ جميعا على إباحة السماع.
أما القياس فهو أن الغناء اجتمع فيه معان ينبغى ان يبحث عن أفرادها ثم عن مجموعها فإن فيه سماع صوت طيّب موزون مفهوم المعنى المحرّك للقلب. فالوصف الأعمّ أنه صوت طيّب، ثم الطيب ينقسم الى الموزون وغيره. والموزون ينقسم إلى المفهوم كالأشعار، وإلى غير المفهوم كأصوات الجمادات وأصوات سائر الحيوانات.
أما سماع الصّوت الطيّب من حيث إنه طيّب فلا ينبغى أن يحرّم بل هو حلال بالنصّ والقياس.
أمّا القياس فإنه يرجع إلى تلذّذ حاسّة السمع بإدراك ما هو مخصوص به.
وللإنسان عقل وخمس حواس ولكلّ حاسّة إدراك. وفي مدركات تلك الحاسة
(4/162)

ما يستلذّ. فلذّة البصر في المبصرات الجميلة كالخضرة والماء الجارى والوجه الحسن وسائر الألوان الجميلة وهى في مقابلة ما يكره من الألوان الكدرة القبيحة. وللشمّ الروائح الطيّبة وهى في مقابلة الأنتان المستكرهة. وللذّوق الطعوم اللذيذة كالدّسومة والحلاوة والحموضة وهى في مقابلة المرارة والمزازة المستبشعة. وللمسّ لذّة اللين والنعومة والملاسة وهى في مقابلة الخشونة والضّراسة. وللعقل لذّة العلم والمعرفة وهى في مقابلة الجهل والبلادة. فكذلك الأصوات المدركة بالسمع تنقسم إلى مستلذّة كصوت العنادل والمزامير، ومستكرهة كنهيق الحمر وغيرها، فما أظهر قياس هذه الحاسّة ولذّتها على سائر الحواس ولذّاتها.
وأما النصّ فيدلّ على إباحة سماع الصوت الحسن امتنان الله على عباده به إذ قال تعالى: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ)
فقيل: هو حسن الصوت. وفي الحديث:
«ما بعث الله نبيّا إلا حسن الصوت» . وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لله أشدّ أذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته» وفي الحديث فى معرض المدح لداود عليه السّلام: «أنه كان حسن الصوت في النياحة على نفسه وفي تلاوة الزّبور حتى كان يجتمع الإنس والجنّ والوحش والطير لسماع صوته، وكان يحمل من مجلسه أربعمائة جنازة وما يقرب من ذلك في الأوقات» . وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم في مدح أبى موسى الأشعرىّ: «لقد أعطى مزمارا من مزامير آل داود» وقوله تعالى: (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)
يدل بمفهومه على مدح الصوت الحسن. ولو جاز أن يقال: إنما أبيح ذلك بشرط أن يكون فى القرآن للزمه أن يحرّم سماع صوت العندليب لأنه ليس بقرآن. وإذا جاز سماع صوت غفل لا معنى له، فلم لا يجوز سماع صوت يفهم منه الحكمة والمعانى الصحيحة! وإن من الشعر لحكمة. قال: فهذا نظر في الصوت من حيث إنه طيّب حسن.
(4/163)

الدرجة الثانية: النظر في الصوت الطيّب الموزون فإنّ الوزن وراء الحسن، فكم من صوت حسن خارج عن الوزن، وكم من صوت موزون غير مستطاب.
والأصوات الموزونة باعتبار مخارجها ثلاثة، فإنها إمّا أن تكون من جماد كصوت المزامير والأوتار وضرب القضيب والطبل وغيره. وإمّا أن تخرج من حنجرة حيوان وذلك الحيوان إما إنسان وإما غيره. فصوت العنادل والقمارىّ وذوات السجع من الطيور مع طيها موزونة متناسبة المطالع والمقاطع فلذلك يستلذّ سماعها. والأصل فى الأصوات حناجر الحيوانات. وإنما وضعت المزامير على صورة «1» الحناجر وهى تشبيه الصّنعة بالخلقة. وما من شىء توصّل أهل الصناعات بصناعتهم إلى تصويره إلا وله مثال في الخلقة التى استأثر الله تعالى باختراعها، منه تعلّم الصّنّاع وبه قصدوا الاقتداء. فسماع هذه الأصوات يستحيل أن يحرم لكونها طيّبة أو موزونة فلا ذاهب إلى تحريم صوت العندليب وسائر الطيور. ولا فرق بين حنجرة وحنجرة ولا بين جماد وحيوان. فينبغى أن يقاس على صوت العندليب الأصوات الخارجة من سائر الأجسام باختيار الآدمىّ كالذى يخرج من حلقه أو من القضيب والطبل والدّفّ وغيره. ولا يستثنى من هذا إلا الملاهى والأوتار والمزامير، إذ ورد الشرع بالمنع منها لا للذّتها إذ لو كان للذّة لقيس عليها كل ما يلتذّ به الإنسان ولكن حرّمت الخمور واقتضت ضراوة «2» الناس بها المبالغة في الفطام عنها حتى انتهى الأمر في الابتداء الى كسر الدّنان، فحرّم معها ما هو شعار أهل الشرب وهى الأوتار والمزامير فقط. وكان تحريمه من قبيل الإتباع كما حرّمت الخلوة «3» لأنها مقدّمة الجماع. وحرّم النظر الى الفخذ
(4/164)

لاتصاله بالسوأتين. وحرّم قليل الخمر وإن كان لا يسكر لأنه يدعو إلى المسكر.
وما من حرام إلا وله حرم يطيف به. وحكم الحرمة ينسحب على حريمه ليكون حمى للحرام ووفاية له وحظارا «1» مانعا حوله كما قال صلّى الله عليه وسلم: «إن لكلّ ملك حمى وإنّ حمى الله محارمه» فهى محرّمة تبعا لتحريم الخمر.
الدرجة الثالثة: الموزون المفهوم وهو الشعر، وذلك لا يخرج إلا من حنجرة الإنسان فيقطع بإباحة ذلك لأنه ما زاد إلا كونه مفهوما. والكلام المفهوم غير حرام. والصوت الطيب الموزون غير حرام. فإذا لم يحرم الآحاد فمن أين يحرم المجموع؛ نعم ينظر فيما يفهم منه، إن كان فيه أمر محظور جرم نثره ونظمه وحرم التصويت «2» به سواء كان بألحان أو لم يكن.
والحقّ فيه ما قاله الشافعىّ رحمه الله إذ قال: الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح. ومهما جاز إنشاد الشعر بغير صوت وألحان جاز مع الألحان. فإن أفراد المباحات إذا اجتمعت كان مباحا، ومهما انضمّ مباح الى مباح لم يحرم إلا إذا تضمنّ المجموع محظورا لا تتضمّنه الآحاد، ولا محظور هاهنا. وكيف ينكر إنشاد الشعر وقد أنشد بين يدى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وقال صلّى الله عليه وسلم: «إنّ من الشّعر لحكمة» وساق رحمه الله في هذا الموضع الأحاديث الصحيحة التى تضمّنت إنشاد الشعر والحداء به وهى أشهر من أن يحتاج إلى سردها. ثم قال بعد سياق الأحاديث: ولم يزل الحداء وراء الجمال من عادة العرب في زمان سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم وزمان الصحابة، وما هو إلا أشعار تؤدّى بأصوات طيّبة وألحان موزونة. ولم ينقل عن أحد من الصحابة إنكاره. بل ربما كانوا يلتمسون ذلك
(4/165)

تارة لتحريك الجمال وتارة للاستلذاذ، فلا يجوز أن يحرّم من حيث إنه كلام مفهوم مؤدّى بأصوات طيّبة وألحان موزونة.
الدرجة الرابعة: النظر فيه من حيث إنه محرّك للقلب ومهيّج لما هو الغالب عليه، قال أبو حامد: فأقول: لله سبحانه وتعالى سرّ في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح حتى إنها لتؤثر فيها تأثيرا عجيبا. فمن الأصوات ما يفرح ومنها ما يحزن ومنها ما ينوّم ومنها ما يضحك ويطرب ومنها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد والرجل والرأس. ولا ينبغى أن يظنّ أن ذلك لفهم معانى الشعر بل هذا جار فى الأوتار حتى قيل: من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره فهو فاسد المزاج ليس له علاج. وكيف يكون ذلك بفهم المعنى، وتأثيره مشاهد في الصبىّ في مهده فإنه يسكته الصوت الطيّب عن بكائه، وتنصرف نفسه عما يبكيه الى الإصغاء إليه.
والجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثيرا يستخفّ معه الأحمال الثقيلة ويستقصر لقوّة نشاطه في سماعه المسافات الطويلة، وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه؛ فتراها إذا طالت عليها البوادى واعتراها الإعياء والكلال تحت المحامل والأحمال اذا سمعت منادى الحداء تمدّ أعناقها وتصغى إلى الحادى ناصبة آذانها وتسرع في سيرها حتى تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها، وربما تتلف أنفسها في شدّة السير وثقل الحمل وهى لا تشعر به لنشاطها فقد حكى أبو بكر محمد بن داود الدّينورى المعروف بالرّقى، قال:
كنت في البادية فوافيت قبيلة من قبائل العرب فأضافنى رجل منهم وأدخلنى خباء فرأيت في الخباء عبدا أسود مقيّدا بقيد، ورأيت جمالا قد ماتت بين يدى البيت «1» وقد بقى منها جمل وهو ناحل ذابل كأنه ينزع روحه. فقال لى الغلام:
(4/166)

أنت ضيف ولك حقّ فتشفّع في حقّى إلى مولاى فإنه مكرم لضيفه فلا يردّ شفاعتك فعساه يحلّ القيد عنّى. فلما أحضروا الطعام امتنعت وقلت: لا آكل ما لم أشفّع فى هذا العبد، فقال: إن هذا العبد قد أفقرنى وأهلك جميع مالى؛ فقلت: ماذا فعل؟ فقال: إن له صوتا طيّبا، وإنى كنت اعيش من ظهور هذه الجمال فحمّلها أحمالا ثقالا وكان يحدو بها حتى قطعت مسيرة ثلاث ليال في ليلة من طيب نغمته فلما حطّت أحمالها موّتت كلّها إلا هذا الجمل الواحد، ولكن أنت ضيفى فلكرامتك قد وهبته لك قال: فأحببت أن أسمع صوته، فلما أصبحنا أمره أن يحدو على جمل يستقى الماء من بئر هناك، فلما رفع صوته هام ذلك الجمل وقطع حباله ووقعت أنا على وجهى، فما أظنّ أنى قط سمعت صوتا أطيب منه.
قال: فإذا تأثير السماع في القلب محسوس. ومن لم يحرّكه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال بعيد عن الروحانية، زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال والطيور بل على سائر البهائم فإن جميعها تتأثّر بالنغمات الموزونة. ومهما كان النظر فى السماع باعتبار تأثيره في القلوب لم يجز أن يحكم فيه مطلقا بإباحة ولا تحريم، بل يختلف ذلك بالأحوال والأشخاص واختلاف طرق النغمات، فحكمه حكم ما في القلب.
قال أبو سليمان: السماع لا يجعل في القلب ما ليس فيه، ولكن يحرّك ما هو فيه.
ذكر أقسام السماع وبواعثه
وأقسام السماع تختلف بآختلاف الأحوال: فإن منه ما هو مستحبّ وما هو مباح وما هو مكروه وما هو حرام. أما المستحبّ فهو لمن غلب عليه حبّ الله تعالى ولم يحرّك السماع منه إلا الصفات المحمودة. وأما المباح فهو لمن لا حظّ له من السماع إلا التلذّذ بالصوت الحسن، وأما المكروه فهو لمن لا ينزله على صورة المخلوقين
(4/167)

ولكن يتخذه عادة له في أكثر الأوقات على سبيل اللهو. وأما الحرام فهو لأكثر الناس من الشباب ومن غلبت عليه شهوة الدنيا فلا يحرّك السماع منهم إلا ما هو الغالب على قلوبهم من الصفات المذمومة. وقد تكلم على هذه الأقسام الإمام أبو حامد الغزالىّ فقال رحمه الله ما مختصره ومعناه:
الكلمات المسجعة الموزونة تعتاد في مواضع لأغراض مخصوصة ترتبط بها آثار فى القلب وهى سبعة مواضع:
الأوّل: غناء الحجيج فإنهم يدورون أوّلا في البلاد بالطبل والغناء وذلك مباح لما فيه من التشويق إلى الحجّ وأداء الفريضة وشهود المشاعر.
الثانى: ما يعتاده الغزاة لتحريض الناس على الغزو وهو مباح أيضا لما فيه من استثارة النفس وتحريكها على الغزو وإثارة الغضب على الكفّار وتحسين الشجاعة وتقبيح الفرار.
الثالث: ما يرتجزه الشّجعان عند اللقاء في الحرب وهو مباح ومندوب لما فيه من تشجيع النفس وتحريك النشاط للقتال والتمدّح بالشجاعة والنجدة وقد فعله غير واحد من الصحابة رضوان الله عليهم، منهم علىّ بن أبى طالب وخالد بن الوليد وغيرهما.
الرابع: أصوات النّياحة ونغماتها وتأثيرها في تهييج البكاء وملازمة الحزن والكآبة وهذا قسمان: محمود ومذموم.
فأمّا المذموم فالحزن على ما فات. قال الله تبارك وتعالى: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ)
. والحزن على الأموات من هذا القبيل فإنه يغضب الله جلّ جلاله «1» وتأسّف على ما لا تدارك فيه.
(4/168)

وأمّا المحمود فهو حزن الإنسان على تقصيره في أمر دينه وبكاؤه على خطاياه.
والبكاء والتباكى والحزن والتحازن على ذلك محمود لأنه يبعث على التشمير للتدارك.
ولذلك كانت نياحة داود عليه السّلام محمودة، فقد كان يحزن ويحزن ويبكى ويبكى حتى كانت الجنائز ترفع من مجالس نياحته وكان يفعل ذلك بألفاظه وألحانه، وذلك محمود لأن المفضى إلى المحمود محمود. وعلى هذا لا يحرم على الواعظ الطيّب الصوت أن ينشد على المنبر بألحانه الأشعار المحزنة المرقّقة للقلب ولا أن يبكى ويتباكى ليتوصّل به الى بكاء غيره وإثارة حزنه.
الخامس: السماع في أوقات السرور تأكيدا للسرور وتهييجا له إن كان ذلك السرور مباحا كالغناء في أيام العيد وفي العرس وفي وقت قدوم الغائب ووقت الوليمة والعقيقة وعند الولادة والختان وعند حفظ القرآن، وكل ذلك معتاد لأجل إظهار السرور. قال: ووجه جوازه أنّ من الألحان ما يثير الفرح والسرور والطرب وكل ما جاز السرور به جاز إثارة السرور فيه، ويدلّ على هذا إنشادهم بالدفّ والألحان عند مقدم النبىّ صلّى الله عليه وسلم يقولون:
طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داعى
فإظهار هذا السرور بالنغمات والشعر والرقص والحركات محمود. فقد نقل عن جماعة من الصحابة أنهم حجلوا في سرور أصابهم كما سيأتى في أحكام الرقص وهو جائز في قدوم كل غائب وكل ما يجوز الفرح به شرعا. ويجوز الفرح بزيارة الإخوان ولقائهم واجتماعهم في موضع واحد على طعام أو كلام.
السادس: سماع العشّاق تحريكا للشوق وتهييجا للعشق وتسلية للنفس؛ فإن كان في حال مشاهدة المعشوق فالغرض تأكيد اللذّة، وإن كان مع المفارقة فالغرض
(4/169)

تهييج الشوق. والشوق وإن كان مؤلما ففيه نوع لذّة إذا انضاف اليه رجاء الوصال؛ فإن الرجاء لذيذ واليأس مؤلم، وقوّة لذّة الرجاء بحسب قوّة الشوق والحبّ للشىء المرجوّ، ففى هذا السماع تهييج للعشق وتحريك للشوق وتحصيل للذة الرجاء المقدّر في الوصال مع الإطناب في وصف حسن المحبوب. قال:
وهذا حلال إن كان المشتاق إليه ممن يباح وصاله كمن يعشق زوجته أو سرّيته فيصغى إلى غنائها لتتضاعف لذّته في لقائها، فيحظى بالمشاهدة البصر وبالسماع الأذن ويفهم لطائف معانى الوصال والفراق القلب، فتترادف أسباب اللذّة.
فهذا نوع تمتّع من جملة مباحات الدنيا ومتاعها، وما متاع الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وهذا منه. وكذلك إن غصبت منه جارية أو حيل بينه وبينها بسبب من الأسباب فله أن يحرّك بالسماع شوقه وأن يستثير به لذّة رجاء الوصال. فإن باعها أو طلقها حرم عليه ذلك بعده إذ لا يجوز تحريك الشوق حيث لا يجوز تحقيقه بالوصل واللقاء.
وأما من يتمثّل في نفسه صورة صبىّ أو امرأة لا يجوز له النظر إليها وكان ينزّل ما يسمع على ما يتمثّل في نفسه فهو حرام لأنه محرّك للفكر في الأفعال المحظورة ومهيّج للداعية إلى مالا يباح الوصول إليه لا لأمر يرجع إلى نفس السماع. وقد سئل بعض الحكماء عن العشق فقال: دخان يصعد الى دماغ الإنسان يزيله الجماع ويهيّجه السماع.
السابع: سماع من أحبّ الله سبحانه وتعالى وعشقه واشتاق إلى لقائه فلا ينظر إلى شىء إلّا رآه فيه، ولا يقرع سمعه قارع إلّا سمعه منه أو فيه؛ فالسماع في حقه مهيّج لشوقه، ومؤكّد لعشقه وحبّه، ومور زناد قلبه، ومستخرج منه أحوالا من المكاشفات والملاطفات لا يحيط الوصف بها يعرفها من ذاقها وينكرها من كلّ حسّه عن ذواقها؛ وتسمّى تلك الأحوال بلسان الصوفيّة وجدا- مأخوذ من الوجود- وللصوفية على هذا كلام يطول شرحه ليس هذا موضع إيراده. والله أعلم.
(4/170)

ذكر العوارض التى يحرم معها السماع
قال أبو حامد رحمه الله تعالى: والسماع يحرم بخمسة عوارض: عارض في المسمع وعارض في آلة السماع، وعارض في نظم الصوت، وعارض في نفس المستمع أو في مواطنه، لأن أركان السماع هى المسمع والمستمع وآلة السماع.
العارض الأوّل: أن يكون المسمع امرأة لا يحلّ النظر إليها وتخشى الفتنة من سماعها،
وفي معناها الصبىّ الذى تخشى فتنته، وهذا حرام لما فيه من خوف الفتنة، وليس ذلك لأجل الغناء بل لو كانت المرأة بحيث تفتن بصوتها في المحاورة فى غير ألحان فلا يجوز محاورتها ومحادثتها ولا سماع صوتها في القرآن أيضا، وكذلك الصبى الذى تخاف فتنته. فإن قلت: فهل تقول: إن ذلك حرام بكل حال حسما للباب، أو لا يحرم إلا حيث تخاف الفتنة. فأقول: هذه مسئلة محتملة من حيث الفقه يتجاذبها أصلان:
أحدهما: أن الخلوة بالأجنبيّة والنظر إلى وجهها حرام سواء خيفت منها الفتنة أو لم تخف لأنها مظنّة الفتنة على الجملة. فقضى الشرع بحسم الباب من غير التفات إلى الصورة.
والثانى: أن النظر إلى الصبيان مباح إلا عند خوف الفتنة فلا يلحق الصبيان بالنساء في عموم الحسم بل ينبغى أن يفصّل فيه الحال. وصوت المرأة دائر بين هذين الأصلين، فإن قسناه على النظر إليها وجب حسم الباب وهو قياس قريب، ولكن بينهما فرق إذ الشهوة تدعو إلى النظر في أوّل هيجانها ولا تدعو إلى سماع الصوت. وليس تحريك النظر لشهوة المماسّة كتحريك السماع بل هو أشدّ.
وصوت المرأة في غير الغناء ليس بعورة ولكن للغناء مزيد أثر في تحريك الشهوة،
(4/171)

فقياس هذا على النظر إلى الصبيان أولى لأنّهم لم يؤمروا بالاحتجاب كما لم تؤمر النساء بستر الأصوات، فينبغى أن يتّبع مثار الفتن ويقصر التحريم عليه، هذا هو الأقيس عندى. قال: ويتأيّد بحديث الجاريتين المغنّيتين في بيت عائشة رضى الله عنها إذ يعلم أن النبىّ صلّى الله عليه وسلم كان يسمع صوتهما ولم يحترز عنه ولكن لم تكن الفتنة مخوفة عليه فلذلك لم يحترز. فإذا يختلف هذا بأحوال المرأة وأحوال الرجل في كونه شابا وشيخا ولا يبعد أن يختلف الأمر في مثل هذا بالأحوال.
فإنا نقول: للشيخ أن يقبّل زوجته وهو صائم وليس للشاب ذلك. والقبلة تدعو إلى الوقاع في الصوم وهو محظور. والسماع يدعو إلى النظر والمقاربة وهو حرام، فيختلف ذلك أيضا بالأشخاص.
العارض الثانى في الآلة
بأن تكون من شعائر أهل الشرب أو المخنّثين وهى المزامير والأوتار وطبل الكوبة، فهذه ثلاثة أنواع وما عدا ذلك يبقى على أصل الإباحة كالدّفّ وإن كان فيه الجلاجل وكالطبل والشاهين والضرب بالقضيب وسائر الآلات.
العارض الثالث في نظم الصوت
وهو الشعر فإن كان فيه شىء من الخنا والفحش والهجاء أو هو كذب على الله عز وجلّ أو على رسوله أو على الصحابة كما رتبه الروافض في هجاء الصحابة وغيرهم، فسماع ذلك حرام بألحان وغير ألحان، والمستمع شريك القائل وكذلك ما فيه وصف امرأة بعينها فإنه لا يجوز وصف المرأة بين يدى الرجال. وأمّا هجاء الكفّار وأهل البدع فذلك جائز.
فقد كان حسان بن ثابت ينافح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم ويهاجى الكفار، وأمره رسول الله صلّى الله عليه وسلم بذلك.
(4/172)

فأمّا النسيب وهو التشبيب بوصف الخدود والأصداغ وحسن القدّ والقامة وسائر أوصاف النساء فهذا فيه نظر. والصحيح أنه لا يحرم نظمه وإنشاده بلحن وغير لحن «1» ، وعلى المستمع ألّا ينزّله على امرأة معيّنة إلّا على من تحلّ له من زوجة أو جارية، فإن نزّله على أجنبية فهو العاصى بالتنزيل وإجالة الفكر فيه. ومن هذا وصفه فينبغى أن يجتنب السماع رأسا فإن من غلب عليه عشق نزّل كلّ ما يسمعه عليه سواء كان اللفظ مناسبا أو لم يكن، إذ ما من لفظ إلا ويمكن تنزيله على معان بطريق الاستعارة فالذى غلب عليه عشق مخلوق ينبغى أن يحترز من السماع بأىّ لفظ كان، والذى غلب عليه حبّ الله تعالى فلا تضرّه الألفاظ ولا تمنعه عن فهم المعانى اللطيفة المتعلّقة بمجارى همته الشريفة.
العارض الرابع في المستمع
- وهو أن تكون الشهوة غالبة عليه وكان في غرّة الشباب وكانت هذه الصفة أغلب من غيرها عليه، فالسماع حرام عليه سواء غلب على قلبه حبّ شخص معيّن أو لم يغلب. فإنه كيفما كان فلا يسمع وصف الصّدغ والخدّ والوصال والفراق إلا ويحرّك ذلك شهوته وينزّله على صورة معيّنة ينفخ الشيطان بها في قلبه فتشتعل فيه نار الشهوة وتحتدّ بواعث الشرّ. وذلك هو النّصرة لحزب الشيطان والتخذيل للعقل المانع منه الذى هو حزب الله تعالى. والقتال فى القلب دائم بين جنود الشيطان وهى الشهوات، وبين حزب الله وهو نور العقل إلا في قلب قد فتحه أحد الجندين واستولى عليه بالكليّة. وغالب القلوب قد فتحها جند الشيطان وغلب عليها فتحتاج حينئذ الى أن تستأنف أسباب القتال لإزعاجه فكيف يجوز تكثير أسلحته وتشحيذ سيوفه وأسنّته، والسماع مشحّذ
(4/173)

لأسلحة جند الشيطان في حقّ مثل هذا الشخص. فليخرج مثل هذا عن جميع السماع فإنه يستضريه والله أعلم.
العارض الخامس- أن يكون الشخص من عوامّ الخلق ولم يغلب عليه حبّ الله
فيكون السماع له محبوبا ولا غلبت عليه الشهوة فيكون في حقّه محظورا، ولكنه أبيح في حقه كسائر أنواع اللذّات المباحة إلا أنه اتخذه ديدنه وهجيّراه وقصر عليه أكثر أوقاته، فهذا هو السفيه الذى تردّ شهادته فإن المواظبة على اللهو جناية.
وكما أن الصغيرة بالإصرار والمداومة تصير كبيرة؛ فبعض المباحات بالمداومة يصير صغيرة وهو كالمواظبة على متابعة الزنوج والحبشة والنظر إلى لعبهم على الدوام فإنه ممنوع وإن لم يكن أصله ممنوعا إذ فعله رسول الله صلّى الله عليه وسلم. ومن هذا القبيل اللّعب بالشّطرنج فإنه مباح، ولكن المواظبة عليه مكروهة كراهة شديدة، ومهما كان الغرض اللعب والتلذّذ باللهو فذلك إنما يباح لما فيه من ترويح القلب؛ إذ راحة القلب معالجة له في بعض الأوقات لتنبعث دواعيه. هذا ملخص ما أورده في أقسام السماع وبواعثه ومقتضياته، ثم ذكر بعد ذلك آثار السماع وآدابه.
ذكر آثار السماع وآدابه
قال أبو حامد رحمه الله: اعلم أن أوّل درجة السماع فهم المسموع وتنزيله على معنى يقع للمستمع ثم يثمر الفهم الوجد. ويثمر الوجد الحركة بالجوارح. فلينظر إلى هذه المقامات الثلاثة:
المقام الأوّل- فى الفهم،
وهو مختلف باختلاف أحوال المستمع. وللمستمع أربعة أحوال:
(4/174)

إحداها- أن يكون سماعه بمجرّد الطبع
أى لا حظّ له في السماع إلا استلذاذ الألحان والنغمات فهذا مباح وهو أخسّ رتب السماع؛ إذ الإبل شريكة له فيه وكذا سائر البهائم. ولكل حيوان نوع تلذّذ بالأصوات الطيّبة.
الحالة الثانية- أن يسمع بفهم ولكن ينزّله على صورة إما معيّنة أو غير معيّنة
وهو سماع الشباب وأرباب الشهوة ويكون تنزيلهم المسموع على حسب شهواتهم ومقتضى أحوالهم. وهذه الحالة أخسّ من أن يتكلّم فيها إلا ببيان خسّتها والنهى عنها.
الحالة الثالثة- أن ينزّل ما يسمعه على أحوال نفسه في معاملة الله تعالى
وتقلّب أحواله في التمكّن منه «1» مرّة وبعده منه أخرى، وهذا سماع المريدين لا سيّما المبتدئين. فإن للمريد لا محالة مرادا هو مقصده، ومقصده معرفة الله تعالى ولقاؤه والوصول إليه بطريق المشاهدة بالسرّ وكشف الغطاء؛ وله في مقصده طريق هو سالكه، ومعاملات هو مثابر عليها، وحالات تستقبله في معاملاته. فإذا سمع ذكر عتاب أو خطاب أو قبول أو ردّ أو وصل أو هجر أو قرب أو بعد أو تلهّف على فائت أو تعطّش إلى منتظر أو شوق إلى وارد أو طمع أو يأس أو وحشة أو استئناس أو وفاء بالوعد أو نقض للعهد أو خوف فراق أو فرح بوصال أو ذكر ملاحظة الحبيب ومدافعة الرقيب أو همول العبرات أو ترادف الحسرات أو طول الفراق أو عدة الوصال «2» أو غير ذلك مما يشتمل على وصفه الأشعار؛ فلا بدّ أن يوافق بعضها حال المريد في طلبه، فيجرى ذلك مجرى القدّاح الذى يورى زناد قلبه، فتشتعل به نيرانه، ويقوى به انبعاث الشوق وهيجانه، وتهجم عليه بسببه أحوال مخالفة لعادته،
(4/175)

ويكون له مجال رحب في تنزيل الألفاظ على أحواله. وليس على المستمع مراعاة مراد الشاعر من كلامه؛ بل لكلّ كلام وجوه ولكلّ ذى فهم في اقتباس المعنى منه حظّ. وضرب الإمام الغزالىّ لذلك أمثلة يطول شرحها.
الحالة الرابعة- سماع من جاوز الأحوال والمقامات
فعزب عن فهم ما سوى الله تعالى حتى عزب عن نفسه وأحوالها ومعاملاتها وكان كالمدهوش الغائص في عين الشهود الذى يضاهى حاله حال النّسوة اللاتى قطّعن أيديهنّ فى مشاهدة جمال يوسف حتى بهتن وسقط إحساسهنّ. وعن مثل هذه الحالة تعبّر الصوفية بأنه فنى عن نفسه. ومهما فنى عن نفسه فهو عن غيره أفنى؛ فكأنه فنى عن كلّ شىء إلا عن الواحد المشهود، وفنى أيضا عن الشهود فإنّ القلب إن التفت إلى الشهود وإلى نفسه بأنه مشاهد فقد غفل عن المشهود. فالمستهتر بالمرئىّ لا التفات له في حال استغراقه إلى رؤيته و [لا «1» ] إلى عينه التى بها رؤيته ولا إلى قلبه الذى به لذّته. فالسكران لا خبر له في سكره «2» ، والملتذّ لا خبر له في «3» التذاذه، إنما خبره من الملتذّ به فقط، ولكن هذا في الغالب يكون كالبرق الخاطف الذى لا يثبت ولا يدوم وإن دام لم تطقه القوّة البشريّة فربما يضطرب تحت أعبائه اضطرابا تهلك فيه نفسه كما روى عن أبى الحسن النورى أنه سمع هذا البيت:
ما زلت أنزل من ودادك منزلا ... تتحيّر الألباب دون نزوله
فقام وتواجد وهام على وجهه ووقع في أجمة قصب قد قطعت وبقيت أصولها مثل السيوف فصار «4» يعدو فيها ويعيد البيت إلى الغداة والدم يجرى من رجليه حتى ورمت قدماه وساقاه ومات بعد أيام رحمه الله.
(4/176)

قال أبو حامد: وهذه درجة الصدّيقين في الفهم والوجد وهى أعلى الدرجات، لأن السماع على الأحوال وهى ممتزجة بصفات البشرية نوع قصور، وإنما الكمال أن يفنى بالكلية عن نفسه وأحواله. أعنى أنه ينساها فلا يبقى له التفات إليها كما لم يكن للنّسوة التفات الى اليد والسّكّين. فيسمع بالله، ولله، وفي الله، ومن الله؛ وهذه رتبة من خاض لجّة الحقائق وعبر ساحل الأحوال والأعمال واتّحد بصفاء التوحيد وتحقّق بمحض الإخلاص فلم يبق فيه منه شىء أصلا، بل خمدت بالكليّة بشريّته وفنى التفاته إلى صفات البشرية رأسا. قال: ولست أعنى بفنائه فناء جسده بل فناء قلبه، ولست أعنى بالقلب اللحم والدم بل سرّ لطيف له إلى القلب الظاهر نسبة خفيّة وراءها سرّ الرّوح الذى هو من أمر الله عرفها من عرفها وجهلها من جهلها ولذلك السرّ وجود. وصورة ذلك الوجود ما يحضر فيه فإذا حضر فيه غيره فكأنه لا وجود إلا للحاضر. ومثاله المرآة المجلوّة، إذ ليس لها لون في نفسها بل لونها لون الحاضر فيها. وكذلك الزجاجة فإنها تحكى لون قرارها ولونها لون الحاضر فيها وليس لها في نفسها صورة بل صورتها قبول الصّور ولونها هو هيئة الاستعداد لقبول الألوان. قال: وهذه مغاصة من مغاصات علوم المكاشفة منها نشأ خيال من ادّعى الحلول والاتحاد. هذا ملخّص ما أورده في مقام الفهم والله سبحانه وتعالى أعلم.
المقام الثانى- بعد الفهم والتنزيل الوجد.
قال الإمام الغزالىّ رحمه الله تعالى:
قال الإمام الغزالىّ رحمه الله تعالى:
وللناس كلام طويل في حقيقة الوجد أعنى الصوفيّة والحكماء الناظرين في وجه مناسبة السّماع للأرواح فلنتقل من أقوالهم ألفاظا ثم لنكشف عن الحقيقة فيه.
(4/177)

أما الصوفيّة، فقد قال ذو النون المصرىّ رحمه الله في السماع: إنه وارد حقّ جاء يزعج القلوب إلى الحقّ، فمن أصغى إليه بحقّ تحقّق، ومن أصغى إليه بنفس تزندق. فكأنه عبّر عن الوجد بانزعاج القلوب إلى الحق وهو الذى يجده عند ورود وارد السماع، إذ سمّى السماع وارد حقّ. وقال أبو الحسين الدرّاج مخبرا عمّا وجده فى السماع:
والوجد عبارة عما يوجد عند السماع، وقال: جال بى السماع في ميادين البهاء، فأوجدنى وجود الحقّ عند العطاء، فسقانى بكأس الصفاء، فأدركت به منازل الرضاء، وأخرجنى إلى رياض النزهة والفضاء.
وقال الشّبلىّ: السماع ظاهره فتنة وباطنه عبرة، فمن عرف الإشارة حلّ له استماع العبرة وإلا فقد استدعى الفتنة وتعرّض للبليّة. وأقوال الصوفيّة في هذا النوع كثيرة.
وأما الحكماء، فقال بعضهم:
فى القلب فضيلة شريفة لم تقدر قوّة النطق على إخراجها باللفظ فأخرجتها النفس بالألحان، فلما ظهرت سرّت وطربت إليها، فاستمعوا من النفس وناجوها ودعوا مناجاة الظواهر. وقال بعضهم:
نتائج السماع استنهاض العاجز من الرأى واستجلاب العازب من الفكر وحدّة الكالّ من الأفهام والآراء حتى يثوب ما عزب وينهض ما عجز ويصفو ما كدر ويمرح في كل «1» رأى ونيّة فيصيب ولا يخطىء ويأتى ولا يبطىء. ثم ذكر المعنى الذى الوجد عبارة عنه فقال: هو عبارة عن حالة يثمرها السماع وهو وارد [حقّ «2» ] جديد عقيب السماع
(4/178)

يجده المستمع من نفسه. وتلك الحالة لا تخلو من قسمين: فإنها إما أن ترجع إلى مكاشفات ومشاهدات هى من قبيل العلوم والتنبيهات؛ وإما أن ترجع إلى تغيرات وأحوال ليست من العلوم والتنبيهات بل هى كالشوق والخوف والحزن والقلق والسرور والأسف والندم والبسط والقبض. وهذه الأحوال يهيّجها السماع ويقوّيها فإن ضعفت بحيث لم تؤثّر في تحريك الظاهر أو تسكينه أو تغيير حاله حتى يتحرّك على خلاف عادته أو يطرق أو يسكن عن النظر والنطق والحركة على خلاف عادته لم يسمّ وجدا. وإن ظهر على الظاهر سمّى وجدا إما ضعيفا وإما قويّا بحسب ظهوره وتغييره الظاهر وتحريكه بحسب قوّة وروده وحفظ الظاهر عن التغيير بحسب قوّة الواجد وقدرته على حفظ جوارحه، فقد يقوى الوجد في الباطن ولا يتغيّر الظاهر لقوّة صاحبه وقد لا يظهر لضعف الوارد وقصوره عن التحريك وحلّ عقد التماسك.
وإلى المعنى الأوّل أشار أبو سعيد بن الأعرابىّ حيث قال في الوجد: إنه مشاهدة الرقيب وحضور الفهم وملاحظة الغيب ولا يبعد أن يكون السماع منشأ لكشف ما لم يكن مكشوفا قبله؛ فإنّ الكشف يحصل بأسباب: منها التنبيه، والسماع منبّه.
ومنها تغيّر الأحوال ومشاهدتها وإدراكها، فإنّ إدراكها نوع علم يفيد إيضاح أمور لم تكن معلومة قبل الورود.
ومنها صفاء القلب، والسماع مؤثّر في تصفية القلوب، والصفاء سبب المكاشفة.
ومنها انبعاث نشاط القلب بقوّة السماع فيقوى على مشاهدة ما كان تقصر عنه [قبل ذلك «1» ] قوّته كما يقوى البعير على حمل ما كان لا يقوى عليه قبله، وهذا الاستكشاف من ملاحظة أسرار الملكوت. وكما أنّ حمل الجمل يكون بواسطة، فبواسطة هذه الأسباب يكون سبب الكشف؛ بل القلب إذا صفا تمثّل له الحقّ
(4/179)

فى صورة مشاهدة أو في لفظ منظوم يقرع سمعه يعبّر عنه بصوت الهاتف إذا كان فى اليقظة وبالرؤيا إذا كان في المنام وذلك جزء من النبوّة؛ وعلم تحقيق ذلك خارج عن علم المعاملة. وذلك كما روى عن محمد بن «1» مسروق البغدادىّ أنه قال: خرجت يوما في أيام جهلى وأنا نشوان وكنت أغنّى هذا البيت:
بطيزنا «2» باذكرم ما مررت به ... إلا تعجّبت ممن يشرب الماء
فسمعت قائلا يقول:
وفي جهنّم ماء ما تجرّعه ... خلق فأبقى له في الجوف أمعاء
فقال: وكان ذلك سبب توبتى واشتغالى بالعلم.
قال أبو حامد: فانظر كيف أثّر الغناء في تصفية قلبه حتى تمثّل له حقيقة الحقّ فى صفة جهنم وفي لفظ منظوم موزون وقرع ذلك سمعه الظاهر. وكما يسمع صوت الهاتف عند صفاء القلب. ويشاهد أيضا بالبصر صورة الخضر عليه السّلام فإنه يخيّل لأرباب القلوب بصور مختلفة، وفي مثل هذه الأحوال من الصفاء يقع الاطلاع على ضمائر القلوب؛ ولذلك قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «اتّقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى» . قال: فحاصل الوجد يرجع إلى مكاشفات وإلى حالات ينقسم كل واحد منهما إلى ما لا يمكن التعبير عنه عند الإفاقة منه وإلى ما لا تمكن العبارة عنه أصلا. وضرب لذلك أمثلة، منها أن الفقيه قد تعرض عليه مسألتان متشابهتان في الصورة ويدرك بذوقه أن بينهما فرقا في الحكم، فإذا كلّف ذكر وجه الفرق لم يساعده اللسان على التعبير عنه وإن كان من أفصح الناس، فيدرك بذوقه
(4/180)

الفرق ولا يمكنه التعبير عنه. وإدراكه الفرق علم يصادفه في قلبه بالذوق. ولا شك أنّ لوقوعه في قلبه سببا، وله عند الله تعالى حقيقة، ولا يمكنه الإخبار عنه لقصور فى لسانه بل لدقة المعنى أن تناله العبارة.
وأمّا الحال فكم من إنسان يدرك في قلبه في الوقت [الذى يصبح فيه «1» ] قبضا أو بسطا ولا يعلم سببه، وقد يتفكر في شىء فيؤثّر في نفسه أثرا فينسى ذلك السبب ويبقى الأثر في نفسه وهو يحسّ به. وقد تكون الحالة التى يحسّها سرورا يثبت فى نفسه بتفكره في سبب موجب للسرور؛ أو حزنا فينسى المتفكر فيه ويحس بالأثر عقيبه. وقد تكون تلك الحال حالة غريبة لا يعرب عنها لفظ السرور والحزن ولا يصادف لها عبارة مطابقة مفصحة عن المقصود؛ بل ذوق الشعر الموزون والفرق بينه وبين غير الموزون يختصّ به بعض الناس دون بعض، وهى حالة يدركها صاحب الذوق بحيث لا يشك فيها (أعنى التفرقة بين الموزون والمنزحف) ولا يمكنه التعبير عنها بما يتّضح به مقصوده لمن لا ذوق له. وفي النفس أحوال غريبة هذا وصفها بل المعانى المشهورة من الخوف والحزن والسرور إنما تحصل في السماع عن غناء مفهوم. فأمّا الأوتار وسائر النغمات التى ليست مفهومة فإنها تؤثّر في النفس تأثيرا عجيبا، ولا يمكن التعبير عن عجائب تلك الأوتار، وقد يعبّر عنها بالشوق، ولكن شوق لا يعرف صاحبه المشتاق إليه، فهذا عجيب. والذى اضطربت نفسه بسماع الأوتار والشاهين وما أشبهه ليس يدرى إلى ماذا يشتاق، ويجد في نفسه حالة كأنها تتقاضى أمرا ليس يدرى ما هو، حتى يقع ذلك للعوامّ ومن لا يغلب على قلبه لا حبّ آدمىّ ولا حبّ الله تعالى. وهذا له سرّ، وهو أنّ كل شوق فله ركنان: أحدهما صفة المشتاق وهو نوع مناسبة مع المشتاق إليه. والثانى معرفة المشتاق إليه ومعرفة صورة
(4/181)

الوصول إليه. فإن وجدت الصفة التى بها الشوق ووجد العلم بالمشتاق ووجدت الصفة المشوّقة وحركت قلبك الصفة واشتعلت نارها، أورث ذلك دهشة وحيرة لا محالة. ولو نشأ آدمىّ وحده حيث لم ير صورة النساء ولا عرف صورة الوقاع ثم راهق الحلم وغلبت عليه الشهوة لكان يحسّ من نفسه بنار الشهوة ولا يدرى أنه يشتاق إلى الوقاع لأنه ليس يدرى صورة الوقاع ولا يعرف صورة النساء؛ فكذلك في نفس الآدمىّ مناسبة مع العالم الأعلى واللذّات التى وعد بها في سدرة المنتهى والفراديس العلا، إلا أنه لم يتخيّل من هذه الأمور إلا الصفات والأسماء كالذي يسمع [لفظ «1» ] الوقاع و [اسم «2» ] النساء ولم يشاهد صورة امرأة قط ولا صورة رجل ولا صورة نفسه في المرآة ليعرف بالمقايسة. فالسماع يحرّك منه الشوق؛ والجهل المفرط والاشتغال بالدنيا قد أنساه نفسه وأنساه ربه وأنساه مستقرّه الذى إليه حنينه واشتياقه بالطبع، فيتقاضاه قلبه أمرا ليس يدرى ما هو فيدهش ويضطرب ويتحيّر ويكون كالمختنق «3» الذى لا يعرف طريق الخلاص. فهذا وأمثاله من الأحوال التى لا يدرك تمام حقائقها، ولا يمكن المتّصف بها أن يعبّر عنها. فقد ظهر انقسام الوجد إلى ما يمكن إظهاره وإلى ما لا يمكن إظهاره. قال:
واعلم أيضا أنّ الوجد ينقسم إلى هاجم وإلى متكلّف يسمى التواجد. وهذا التواجد المتكلف، فمنه مذموم وهو الذى يقصد به الرياء وإظهار الأحوال الشريفة مع الإفلاس منها؛ ومنه ما هو محمود وهو التوصّل الى الاستدعاء للاحوال الشريفة واكتسابها واجتلابها بالحيلة؛ فإن للكسب مدخلا في جلب الأحوال الشريفة؛ ولذلك أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم من لم يحضره البكاء في قراءة القرآن أن يتباكى ويتحازن،
(4/182)

فإن هذه الأحوال قد تتكلّف مباديها ثم تتحقّق أواخرها. وكيف لا يكون التكلّف سببا في أن يصير المتكلّف بالآخرة طبعا، وكل من يتعلّم القرآن أوّلا يحفظه تكلّفا ويقرؤه تكلّفا مع تمام التأمّل وإحضار الذهن ثم يصير ذلك ديدنا للسان مطّردا حتى يجرى به لسانه في الصلاة وغيرها وهو غافل فيقرأ تمام السورة وتثوب نفسه إليه بعد انتهائه الى آخرها ويعلم أنه قرأها في حال غفلته. وذكر أبو حامد أمثلة نحو ذلك ثم قال: وكذلك الأحوال الشريفة لا ينبغى أن يقع اليأس منها عند فقدها، بل ينبغى أن يتكلّف اجتلابها بالسماع وغيره؛ فلقد شوهد في العادات من اشتهى أن يعشق شخصا ولم يكن يعشقه فلم يزل يردّد ذكره على نفسه ويديم النظر إليه ويقرّر على نفسه الأوصاف المحبوبة إليه والأخلاق المحمودة فيه حتى عشقه ورسخ ذلك في قلبه رسوخا خرج عن حدّ اختياره، واشتهى بعد ذلك الخلاص منه فلم يتخلّص، فكذلك حبّ الله تعالى والشوق إلى لقائه والخوف من سخطه وغير ذلك من الأحوال الشريفة إذا فقدها الإنسان فينبغى أن يتكلّف اجتلابها بمجالسة الموصوفين بها، ومشاهدة أحوالهم، وتحسين صفاتهم في النفس، وبالجلوس معهم في السماع، وبالدعاء والتضرّع إلى الله تعالى في أن يرزقه تلك الحالة بأن يسّر له أسبابها؛ ومن أسبابها السماع ومجالسة الصالحين والخائفين والمحبّين والمشتاقين والخاشعين؛ فمن جالس شخصا سرت إليه صفاته من حيث لا يدرى. ويدلّ على إمكان تحصيل الحبّ وغيره من الأحوال بالأسباب قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في دعائه: «اللهمّ ارزقنى حبّك وحبّ من أحبّك وحبّ من يقرّبنى إلى حبّك» . فقد فزع «1» إلى الدعاء في طلب الحبّ.
قال: فهذا بيان انقسام الوجد إلى مكاشفات وإلى أحوال، وانقسامه الى ما يمكن الإيضاح عنه وإلى ما لا يمكن، وانقسامه إلى المتكلّف وإلى المطبوع.
(4/183)

المقام الثالث- فى آداب السماع ظاهرا وباطنا، وما يحمد من آثار الوجد ويذمّ.
قال الإمام أبو حامد رحمه الله تعالى: فأما الآداب فهى خمس جمل:
الأوّل- مراعاة الزمان والمكان والإخوان.
قال الجنيد: السماع يحتاج الى ثلاثة أشياء وإلا فلا تسمع: الزمان والمكان والإخوان. قال الغزالىّ: ومعناه أن الاشتغال به في وقت حضور طعام أو خصام أو صلاة أو صارف من الصوارف مع اضطراب القلب لا فائدة فيه، فهذا معنى مراعاة الزمان، فيراعى فراغ القلب. والمكان قد يكون شارعا مطروقا أو موضعا كريه الصورة أو فيه سبب يشغل القلب فيتجنّب ذلك.
وأما الإخوان فسببه أنه إذا حضر غير الجنس من منكر السماع متزهّد الظاهر مفلس من لطائف القلوب كان مستثقلا في المجلس واشتغل القلب به، وكذا إذا حضر متكبّر من أهل الدنيا فيحتاج إلى مراقبته ومراعاته، أو متكلّف متواجد من أهل التصوّف يرائى بالوجد والرقص وتمزيق الثوب، فكل ذلك مشوّشات، فترك السماع عند فقد هذه الشروط أولى.
الثانى- وهو نظر للحاضرين،
أن الشيخ إذا كان حوله مريدون يضرّهم السماع فلا ينبغى أن يسمع في حضورهم؛ فإن سمع فليشغلهم بشغل آخر. والمريد الذى لا يستفيد بالسماع أحد ثلاثة: أقلّهم درجة هو الذى لم يدرك من الطريق إلا الأعمال الظاهرة ولم يكن له ذوق السماع؛ فاشتغاله بالسماع اشتغال بما لا يعنيه؛ فإنه ليس من أهل اللهو فيلهو، ولا من أهل الذوق فيتنعّم بذوق السماع؛ فليشتغل بذكر أو خدمة وإلا فهو مضيّع لزمانه. الثانى: هو الذى له ذوق ولكن فيه بقية من الحظوظ والالتفات إلى الشهوات والصفات البشريّة ولم ينكسر بعد انكسارا تؤمن غوائله، فربما يهيّج السماع منه داعية اللهو والشهوة فينقطع طريقه ويصدّه عن الاستكمال.
(4/184)

الثالث: أن يكون قد انكسرت شهوته وأمنت غائلته وانفتحت بصيرته واستولى على قلبه حبّ الله تعالى، ولكنه لم يحكم ظاهر العلم ولم يعرف أسماء الله وصفاته وما يجوز عليه وما يستحيل، وإذا فتح له باب السماع نزل المسموع في حقّ الله تعالى على ما يجوز وما لا يجوز، فيكون ضرره من تلك الخواطر التى هى كفر أعظم عليه من نفع السماع. قال سهل: كلّ وجد لا يشهد له الكتاب والسنّة فهو باطل.
فلا يصلح السماع لمثل هذا ولا لمن قلبه بعد ملوّث بحبّ الدنيا وشهوة المحمدة والثناء، ولا من يسمع لأجل التلذّذ والاستطابة بالطبع، فيصير ذلك عادة له ويشغله عن عبادته ومراعاة قلبه وتنقطع عليه طريقة الأدب؛ فالسماع مزلّة قدم يجب حفظ الضعفاء عنه.
الأدب الثالث- أن يكون مصغيا إلى ما يقوله القائل،
حاضر القلب، قليل الالتفات إلى الجوانب، متحرّزا عن النظر إلى وجوه المستمعين وما يظهر عليهم من أحوال الوجد، مشتغلا بنفسه ومراعاة قلبه ومراقبة ما يفتح الله له من رحمته في سرّه، متحفّظا عن حركة تشوّش على أصحابه قلوبهم؛ بل يكون ساكن الظاهر، هادىء الأطراف متحرّزا عن التنحنح والتثاؤب، يجلس مطرقا رأسه كجلوسه في فكر مستغرق لقلبه، متماسكا عن التصفيق والرقص وسائر الحركات على وجه التصنّع والتكلّف والمراءاة، ساكتا عن النطق في أثناء القول بكل ما عنه بدّ. فإن غلبه الوجد وحرّكه بغير اختيار فهو فيه معذور وغير ملوم؛ ومهما رجع إليه اختياره فليعد إلى هدوّه وسكونه. ولا ينبغى أن يستديمه حياء من أن يقال: انقطع وجده على القرب، ولا أن يتواجد خوفا من أن يقال: هو قاسى القلب عديم الصفاء والرقّة. قال: وقوّة الوجد تحرّك، وقوّة العقل والتماسك تضبط الظواهر. وقد يغلب أحدهما الآخر إما لشدّة قوّته، وإما لضعف ما يقابله، ويكون النقصان والكمال بحسب ذلك. فلا
(4/185)

تظنن أن الذى يضطرب بنفسه على الأرض أتمّ وجدا من الساكن باضطرابه، بل ربّ ساكن أتمّ وجدا من المضطرب؛ فقد كان الجنيد يتحرّك في السماع في بدايته ثم صار لا يتحرّك فقيل له في ذلك فقال: (وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)
إشارة إلى أن القلب مضطرب جائل فى الملكوت، والجوارح متأدّبة في الظاهر ساكنة.
الأدب الرابع- ألّا يقوم ولا يرفع صوته بالبكاء وهو يقدر على ضبط نفسه؛
ولكن إن رقص أو تباكى فهو مباح إذا لم يقصد به المراءاة؛ لأن التباكى استجلاب للحزن، والرقص سبب في تحريك السرور والنشاط، وكل سرور مباح فيجوز تحريكه؛ ولو كان ذلك حراما لما نظرت عائشة رضى الله عنها إلى الحبشة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهم يزفنون «1» . وقد روى عن جماعة من الصحابة أنهم حجلوا لمّا ورد عليهم سرور أوجب ذلك [وذلك «2» ] فى قصة ابنة حمزة بن عبد المطلب لما اختصم فيها علىّ بن أبى طالب وأخوه جعفر وزيد بن حارثة رضى الله عنهم، فتشاحّوا في تربيتها؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لعلّى: «أنت منّى وأنا منك» فحجل علىّ. وقال لجعفر: «أشبهت خلقى وخلقى» فحجل. وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» فحجل. الحديث. قال: والحجل «3» : الرقص، ويكون لفرح أو شوق، فحكمه حكم مهيّجه إن كان فرحه محمودا؛ والرقص يزيده ويؤكده فهو محمود، فإن كان مباحا فهو مباح، وإن كان مذموما فهو مذموم. نعم لا يليق ذلك بمناصب الأكابر وأهل القدوة لأنه في الأكثر يكون عن لهو ولعب، وما له صورة اللعب في أعين الناس
(4/186)

فينبغى أن يجتنبه المقتدى به لئلا يصغر في أعين الخلق فيترك الاقتداء به. وأما تخريق الثياب فلا رخصة فيه إلا عند خروج الأمر عن الاختيار. ولا يبعد أن يغلب الوجد بحيث يمزّق ثوبه وهو لا يدرى لغلبة سكر الوجد عليه أو يدرى ولكن يكون كالمضطر الذى لا يقدر على ضبط نفسه، وتكون صورته صورة المكره، إذ يكون له في الحركة أو التمزيق متنفّس فيضطرّ إليه اضطرار المريض الى الأنين؛ ولو كلّف الصبر عنه لم يقدر عليه مع أنه فعل اختيارىّ؛ فليس كلّ فعل حصوله بالإرادة يقدر الإنسان على تركه؛ فالتنفّس فعل يحصل بالإرادة، ولو كلّف الإنسان نفسه أن يمسك النفس ساعة اضطر من باطنه إلى أن يختار التنفّس، فكذلك الزعقة وتخريق الثياب قد يكون كذلك فهذا لا يوصف بالتحريم.
الأدب الخامس- موافقة القوم في القيام
إذا قام واحد منهم في وجد صادق من غير رياء وتكلّف، أو قام باختيار من غير إظهار وجد وقام له الجماعة فلا بدّ من الموافقة، فذلك من آداب الصحبة. وكذلك إن جرت عادة طائفة بتنحية العمامة على موافقة صاحب الوجد إذا سقطت عمامته أو خلع الثياب إذا سقط عنه ثوبه بالتخريق «1» . فالموافقة في هذه الأمور من حسن الصحبة والعشرة، إذ المخالفة موحشة. ولكلّ قوم رسم؛ ولا بدّ من مخالفة الناس بأخلاقهم كما ورد في الخبر لا سيما إذا كانت أخلاقا فيها حسن المعاشرة والمجاملة وتطييب القلب بالمساعدة. وقول القائل: إنّ ذلك بدعة لم تكن في الصحابة، فليس كلّ ما يحكم بإباحته منقولا عن الصحابة ولم ينقل النهى عن شىء من هذا. والقيام عند الدخول للداخل لم يكن من عادة العرب، بل كان الصحابة لا يقومون لرسول الله صلّى الله عليه وسلم في بعض الأحوال كما رواه أنس رضى الله عنه، وإن كان لم يثبت فيه نهى عامّ، فلا نرى
(4/187)

به بأسا في البلاد التى جرت العادة فيها بإكرام الداخل بالقيام؛ فإنّ القصد منه الاحترام والإكرام وتطييب القلب به؛ كذلك سائر أنواع المساعدة إذا قصد بها طيبة القلب واصطلح عليها جماعة فلا بأس بمساعدتهم عليها؛ بل الأحسن المساعدة إلا فيما ورد فيه نهى لا يقبل التأويل. ومن الأدب ألّا يقوم للرقص «1» مع القوم إن كان يستثقل رقصه ويشوّش عليهم أحوالهم؛ إذ الرقص من غير إظهار التواجد مباح، والمتواجد هو الذى يلوح للجمع منه أثر التكلّف؛ ومن يقوم عن صدق لا تستثقله الطباع؛ فقلوب الحاضرين إذا كانوا من أرباب القلوب محكّ للصدق والتكلّف. سئل بعضهم عن الوجد الصحيح فقال: صحته قبول قلوب الحاضرين له إذا كانوا أشكالا غير أضداد. هذا ملخّص ما أورده الغزالىّ رحمه الله تعالى فى معنى السماع وقسمه الى هذه الأقسام التى ذكرناها.
وأما أبو محمد علىّ بن أحمد بن سعيد بن حزم
فقد ذكرنا مسألة السماع وبيّن إباحته، فبدأ بذكر الأحاديث التى احتجّوا بها وضعّف رواتها نحو ما تقدّم وذكر الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ)
وأنه قيل: إنه الغناء، فليس عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم ولا ثبت عن أحد من أصحابه رضى الله عنهم، فإنما هو قول بعض المفسّرين ممن لا يقوم بقوله حجّة؛ وما كان هكذا فلا يجوز القول به. ثم لو صحّ لما كان فيه متعلّق؛ لأنّ الله تبارك وتعالى يقول: (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) *
وكلّ شىء اقتنى ليضل به عن سبيل الله فهو إثم وحرام ولو أنه شراء مصحف أو تعليم قرآن. فإذا لم يصحّ في هذا شىء فقد قال الله عز وجلّ: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)
. وقال تعالى:
(4/188)

(خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً)
وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أعظم الناس جرما فى الإسلام من سأل عن شىء لم يحرّم فحرّم من أجل مسألته» ، فصحّ أن كل شىء حرّمه الله عزّوجلّ علينا فقد فصّله لنا، وكل ما لم يفصّل تحريمه لنا فهو حلال.
واستدلّ رحمه الله على إباحته بالأحاديث التى ذكرناها، حديث عائشة عن خبر أبى بكر الصدّيق رضى الله عنهما في غناء الجاريتين، واستدلّ أيضا بحديث نافع أن ابن عمر سمع مزمارا فوضع إصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق وقال: يا نافع، هل تسمع شيئا؟ قلت لا، فرفع إصبعيه عن أذنيه وقال: كنت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم وسمع مثل هذا وصنع مثل هذا. قال: فلو كان حراما ما أباح عليه الصلاة والسلام لابن عمر سماعه ولا أباح ابن عمر لنافع سماعه؛ ولكنّه عليه الصلاة والسلام كره لنفسه كلّ شىء ليس من التقرّب إلى الله عز وجلّ، كما كره الأكل متّكئا، والتنشّف بعد الغسل في ثوب يعدّ لذلك، والستر الموشّى على سهوة عائشة وعلى باب فاطمة رضى الله عنهما، وكما كره صلّى الله عليه وسلم أشدّ الكراهة أن يبيت عنده دينار أو درهم. وإنما بعث عليه الصلاة والسلام منكرا للمنكر، آمرا بالمعروف.
فلو كان ذلك حراما لما اقتصر النبىّ صلّى الله عليه وسلم أن يسدّ أذنيه عنه دون أن يأمر بتركه وينهى عنه، ولم يفعل عليه الصلاة والسلام شيئا من ذلك بل أقرّه وتنزّه عنه، فصحّ أنه مباح وأن الترك له أفضل كسائر فضول الدنيا المباحة.
قال: فإن قال قائل: قال الله تبارك وتعالى: (فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ)
ففى أىّ ذلك يقع الغناء؟ قيل له: حيث يقع التروّح في البساتين وصباغ ألوان الثياب؛ ولكلّ امرىء ما نوى فإذا نوى المرء ترويح نفسه وإجمامها لتقوى على طاعة الله فما أتى ضلالا. قال: ولا يحلّ تحريم شىء ولا إباحته إلا بنص من الله عز وجلّ أو من رسوله صلّى الله عليه وسلم، لأنه إخبار عن الله عز وجلّ، ولا يجوز
(4/189)

عنه تعالى إلا بالنّص الذى لا شكّ فيه. وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:
«من كذب علىّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار» . وقد تكلّم على إباحة السماع جماعة من العلماء. وفيما أوردناه من هذا الفصل كفاية. فلنذكر من سمع الغناء من الصحابة رضى الله عنهم.
ذكر من سمع الغناء من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم
قد روى أن جماعة من الصحابة رضى الله عنهم سمعوا الغناء.
منهم النعمان بن بشير الأنصارىّ الخزرجىّ رضى الله عنه. روى أبو الفرج الأصفهانىّ في كتابه المترجم: «بالأغانى» بسند رفعه إلى أبى السائب المخزومىّ وغيره، قال: دخل النعمان بن بشير المدينة في أيام يزيد بن معاوية وابن الزّبير فقال: والله لقد أخفقت أذناى «1» [من] الغناء فأسمعونى. فقيل له: لو وجّهت إلى عزّة الميلاء. فإنها من قد عرفت؛ فقال: إى وربّ هذه البنيّة «2» ! إنها لممن «3» يزيد النفس طيبا والعقل شحذا، ابعثوا إليها عن رسالتى، فإن أبت صرت إليها. فقال له بعض القوم: إنّ النّقلة تشتدّ عليها لثقل بدنها، وما بالمدينة دابّة تحملها. فقال النعمان: وأين النجائب عليها الهوادج؟
فوجّه إليها بنجيبة فذكرت علّة؛ فلما عاد الرسول إلى النعمان قال لجليسه: أنت كنت أخبر بها، قوموا بنا «4» . فقام هو مع خواصّ أصحابه حتى طرقوها، فأذنت وأكرمت واعتذرت، فقبل النعمان عذرها وقال لها: غنّى، فغنّت:
(4/190)

أجدّ بعمرة غنيانها «1» ... فتهجر أم شأنها «2» شانها؟
وعمرة من سروات النسا ... ء تنفح بالمسك أردانها «3»
قال: وهذا الشعر هو لقيس بن الخطيم في أمّ النعمان بن بشير، وهى عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة؛ قال: فأشير الى عزّة أنها أمه فأمسكت؛ فقال:
غنّنى فو الله ما ذكر إلا كرما وطيبا ولا تغنّى سائر اليوم غيره؛ فلم تزل تغنّيه هذا اللحن حتى انصرف.
ومنهم حسان بن ثابت الأنصارىّ رضى الله عنه. روى أبو الفرج الأصفهانىّ بسنده الى محرز بن جعفر قال: ختن زيد بن ثابت بنيه وأو لم واجتمع إليه المهاجرون والأنصار وعامّة أهل المدينة، وحضر حسان بن ثابت وقد كفّ بصره يومئذ وثقل سمعه فوضع بين يديه خوان ليس عليه غيره إلا عبد الرحمن ابنه، وكان يسأله كلما وضعت صحفة أطعام «4» يد أم يدين؟ فلم يزل يأكل حتى جىء بشواء، فقال: أطعام يد أم يدين؟ فقال: بل طعام يدين، فأمسك يده؛ حتى إذا فرغ من الطعام ثنيت وسادة وأقبلت عزّة الميلاء وهى إذا شابّة، فوضع في حجرها مزهر فضربت به وتغنّت، فكان أوّل ما ابتدأت به شعر حسان:
فلا زال قصر بين بصرى وجلق «5» ... عليه من الوسمىّ جود ووابل
فطرب حسان وجعلت عيناه تنضحان على خدّيه وهو مصغ لها.
(4/191)

وروى أيضا بسنده إلى خارجة بن زيد أنه قال: دعينا الى مأدبة في آل نبيط، فحضرنا وحضر حسان بن ثابت، فجلسنا جميعا على مائدة واحدة وهو يومئذ قد ذهب بصره ومعه ابنه عبد الرحمن، وكان إذا أتى بطعام سأل ابنه عبد الرحمن أطعام يد أم طعام يدين؟ (يعنى بطعام اليد الثريد؛ وطعام اليدين الشواء لأنه ينهش نهشا) فإذا قال: طعام يد أكل، واذا قال: طعام يدين أمسك يده. فلما فرغوا من الطعام أتوا بجاريتين مغنّيتين إحداهما «رائقة» والأخرى «عزّة» فجلستا وأخذتا مزهريهما وضربتا ضربا عجيبا وغنّتا بقول حسان بن ثابت:
انظر خليلى بباب جلّق هل ... تؤنس دون البلقاء من أحد
قال: فأسمع حسان يقول: قد أرانى هناك «1» سميعا بصيرا، وعيناه تدمعان، فإذا سكتتا سكن عنه البكاء واذا غنّتا يبكى. قال: وكنت أرى عبد الرحمن ابنه إذا سكتتا يشير إليهما أن غنّيا، فيبكى أبوه، فيقال: ما حاجته إلى بكاء أبيه!.
وروى أيضا بسنده الى عبّاد بن عبد الله بن الزّبير عن شيخ من قريش قال:
إنى وفتية من قريش عند قينة ومعنا عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت إذ استأذن حسان، فكرهنا دخوله وشقّ علينا؛ فقال لنا عبد الرحمن ابنه: أيسرّكم ألّا يجلس؟
قلنا نعم. قال: فمروا هذه إذا نظرت اليه أن تغنّى:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
قال: فغنّته، فو الله لقد بكى حتى ظنّنا أنه سيلفظ نفسه. ثم قال: أفيكم الفاسق؟ لعمرى لقد كرهتم مجلسى اليوم. وقام فانصرف. وهذا الشعر لحسان بن
(4/192)

ثابت وهو مما امتدح به جبلة بن الأيهم، وهو من قصيدة طويلة منها قوله في مدح آل جفنة:
بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل
وروى أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسىّ رحمه الله تعالى بسند رفعه إلى الحارث بن عبد الله بن العباس: أنه بينما هو يسير مع عمر بن الخطاب رضى الله عنه بطريق مكة في خلافته ومعه من معه من المهاجرين والأنصار، ترنّم عمر ببيت فقال له رجل من أهل العراق- ليس معه عراقىّ غيره-: غيرك فليقلها يا أمير المؤمنين! قال: فاستحيا عمر وضرب راحلته حتى انقطعت من الرّكب. قال المقدسى: ويزيد ذلك وضوحا- وساق حديثا بسند رفعه الى يحيى بن عبد الرحمن- قال:
خرجنا مع عمر بن الخطاب رضى الله عنه في الحجّ الأكبر، حتى اذا كان عمر بالرّوحاء «1» كلّم الناس رباح بن المعترف «2» ، وكان حسن الصوت بغناء الأعراب، فقالوا:
أسمعنا وقصّر عنّا الطريق؛ فقال: إنّى أفرق من عمر. قال: فكلّم القوم عمر.
إنا كلّمنا رباحا أن يسمعنا ويقصّر عنا طريق المسير فأبى إلّا أن تأذن له. فقال له:
يا رباح، أسمعهم وقصّر عنهم المسير، فإذا أسحرت فارفع واحدهم بشعر ضرار بن الخطّاب؛ فرفع عقيرته يتغنّى وهم محرمون.
وروى أيضا بسنده الى يزيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر رضى الله عنه مرّ برجل يتغنّى فقال: إن الغناء زاد المسافر.
وروى سفيان الثّورى وشعبة كلاهما عن أبى إسحاق السّبيعىّ عن عامر بن سعد البجلىّ: أن أبا مسعود البدرىّ، وقرظة بن كعب، وثابت بن يزيد، وهم في عرس
(4/193)

وعندهم غناء، فقلت: هذا وأنتم أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلم! فقالوا: إنه رخّص لنا في الغناء في العرس والبكاء على الميّت في غير نوح. إلا أن شعبة قال:
ثابت بن وديعة مكان ثابت بن يزيد، ولم يذكر أبا مسعود.
وقال الإمام أبو حامد الغزالىّ رحمه الله تعالى عن أبى طالب المكّى: سمع من الصحابة عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية وغيرهم، وقال: قد فعل ذلك كثير من السّلف صحابىّ وتابعىّ بإحسان.
وروى الحافظ أبو الفضل المقدسىّ بسند رفعه إلى عمر بن أبى زائدة قال:
حدّثتنى امرأة عمر «1» بن الأصمّ قالت: مررنا ونحن جوار بمجلس سعيد بن جبير ومعنا جارية تغنّى ومعها دفّ وهى تقول:
لئن فتنتنى فهى بالأمس أفتنت ... سعيدا فأمسى قد قلى كلّ مسلم
وألقى مفاتيح القراءة واشترى ... وصال الغوانى بالكتاب المنمنم
فقال سعيد: تكذبين تكذبين.
ذكر من سمع الغناء من الأئمة والعبّاد والزّهاد
قالوا: وقد سمع الغناء من الأئمة الإمام الشافعى، وأحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى، وغيرهما من أصحابهما. روى الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علىّ المقدسىّ رحمه الله تعالى بسند رفعه إلى المريسىّ، قال: مررنا مع الشافعى وإبراهيم ابن إسماعيل على دار قوم وجارية تغنّيهم:
خليلىّ ما بال المطايا كأنها ... نراها على الأعقاب بالقوم تنكص «2»
(4/194)

فقال الشافعىّ: ميلوا بنا نسمع. فلما فرغت قال الشافعىّ لإبراهيم: أيطريك هذا؟ قال لا. قال: فما لك حسّ! وروى أيضا بسند رفعه إلى صالح بن أحمد بن حنبل قال: كنت أحبّ السماع وكان أبى يكره ذلك، فواعدت ليلة ابن الخبّازة، فمكث عندى إلى أن علمت أنّ أبى قد نام، فأخذ يغنّى، فسمعت خشفة فوق السطح، فصعدت، فرأيت أبى فوق السطح يسمع ما يغنّى وذيله تحت إبطه وهو يتبختر كأنه يرقص. قال: وقد رويت هذه الحكاية أيضا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل- وساق سندا إليه- قال: كنت أدعو ابن الخبّازة وكان أبى ينهانا عن الغناء، وكنت إذا كان عندى كتمته من أبى لئلا يسمع. فكان ذات ليلة عندى وهو يقول، فعرضت لأبى عندنا حاجة- وكانوا فى زقاق- فجاء وسمعه يقول، فوقع في سمعه شىء من قوله، فخرجت لأنظر فإذا بأبى يترّجح «1» ذاهبا وجائيا، فرددت الباب ودخلت. فلما كان من الغد قال أبى: يا بنىّ، إذا كان مثل هذا فنعم الكلام، أو معناه. قال أبو الفضل: وابن الخبّازة هذا هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن زكريا الشاعر، وكان عاصر أحمد ورثاه حين مات.
وروى أبو الفضل أيضا بسند رفعه الى [أبى] مصعب «2» الزّهرىّ أنه قال: حضرت مجلس مالك بن أنس فسأله أبو مصعب عن السماع، فقال مالك: ما أدرى، أهل العلم ببلدنا لا ينكرون ذلك ولا يقعدون عنه ولا ينكره إلا غبىّ جاهل أو ناسك عراقى غليظ الطبع. وقال أيضا: أخبرنا أبو محمد التميمىّ ببغداد قال: سألت الشريف أبا علىّ محمد بن أحمد بن أبى موسى الهاشمىّ عن السماع فقال: ما أدرى ما أقول فيه، غير أنى حضرت دار شيخنا أبى الحسن عبد العزيز بن الحارث التميمى سنة سبعين وثلاثمائة
(4/195)

فى دعوة عملها لأصحابه؛ حضرها أبو بكر الأبهرىّ شيخ المالكية، وأبو القاسم الدّاركى شيخ الشافعية، وأبو الحسن طاهر بن الحسن شيخ أصحاب الحديث، وأبو الحسن ابن سمعون شيخ الوعّاظ والزهّاد، وأبو عبد الله محمد بن مجاهد شيخ المتكلّمين، وصاحبه أبو بكر الباقلانى في دار شيخنا أبى الحسن التميمىّ شيخ الحنابلة؛ فقال أبو علىّ: لو سقط السقف عليهم لم يبق بالعراق من يفتى في حادثة يشبه واحدا منهم، ومعهم أبو عبد الله غلام تامّ، وكان هذا يقرأ القرآن بصوت حسن، وربما قال شيئا. فقيل له: قل لنا شيئا؛ فقال لهم وهم يسمعون:
خطّت أناملها في بطن قرطاس ... رسالة بعبير لا بأنقاس «1»
أن زر فديتك لى من غير محتشم «2» ... فإنّ حبّك لى قد شاع في الناس
فكان قولى لمن أدّى رسالتها ... قف لى لأمشى على العينين والراس
قال أبو على: فبعد أن رأيت هذا لا يمكننى أن أفتى في هذه المسألة بحظر ولا إباحة.
وممن أحبّ السماع والغناء وسمعه من الزهاد والعباد والعلماء أبو السائب المخزومىّ. روى أبو الفرج الأصبهانىّ بسنده الى صفيّة بنت الزّبير بن هشام قالت: كان أبو السائب المخزومى رجلا صالحا زاهدا متقلّلا يصوم الدهر، وكان أرقّ خلق الله قلبا وأشدّهم غزلا. فوجّه غلامه «3» يوما يأتيه بما يفطر عليه، فأبطأ الغلام الى العتمة. فلما جاء قال له: يا عدوّ نفسه، ما أخّرك إلى هذا الوقت؟
قال: اجتزت بباب فلان فسمعت منه غناء فوقفت حتى أخذته. فقال: هاته يا بنىّ، فو الله لئن كنت أحسنت لأحبونّك، وإن كنت أسأت لأضربنّك، فاندفع يغنّى بشعر كثير:
(4/196)

ولمّا علوا شغبا «1» تبيّنت أنه ... تقطّع من أهل الحجاز علائقى
فلا زلن حسرى ظلّعا لم حملنها ... الى بلد ناء قليل الأصادق
فلم يزل يغنيّه ويستعيده الى نصف الليل. فقالت له زوجته: يا هذا، قد انتصف الليل وما أفطرت. فقال لها: أنت الطلاق إن أفطرنا على غيره. فلم يزل يغنّيه ويستعيده حتى أسحر. فقالت له: هذا السّحر وما أفطرنا. فقال لها: أنت الطلاق إن كان سحورنا غيره. ثم قال لابنه: يا بنىّ، خذ جبّتى هذه وأعطنى خلقك ليكون الحباء فضل ما بينهما. فقال له: يا أبت، أنت شيخ وأنا شابّ وأنا أقوى على البرد منك، فقال له: يا بنىّ، ما ترك هذا الصوت للبرد علىّ سبيلا ما حييت.
ويؤيد هذه الحكاية ما حكاه أبو طالب المكّى في كتابه، قال: كان بعض السامعين يقتات بالسماع ليقوى به على زيادة طيّه، كان يطوى اليوم واليومين والثلاثة، فإذا تاقت نفسه الى القوت عدل بها الى السماع، فأثار تواجده، فاستغنى بذلك عن الطعام.
وروى أبو الفرج بسنده إلى عبد الله بن أبى مليكة عن أبيه عن جدّه قال:
كان بالمدينة رجل ناسك من أهل العلم والعفّة، وكان يغشى عبد الله بن جعفر، فسمع جارية مغنّية لبعض النّخاسين تغنّى:
بانت ساعدو أمسى حبلها انقطعا ... واحتلّت الغور فالجدّين فالفرعا
وأنكرتنى وما كان الذى نكرت ... من الحوادث إلا الشّيب والصّلعا
فهام الناسك وترك ما كان عليه، حتى مشى إليه عطاء وطاوس ولا ماه؛ فكان جوابه لهما أن تمثّل:
يلومنى فيك أقوام أجالسهم ... فما أبالى أطار اللّوم أم وقعا
(4/197)

فبلغ عبد الله بن جعفر خبره، فبعث إلى النخاس، فاعترض الجارية وسمع غناءها بهذا الصوت وقال: ممن أخذتيه؟ قالت: من عزّة الميلاء؛ فابتاعها بأربعين ألف درهم. ثم بعث إلى الرجل فسأله عن خبرها فأعلمه إياه؛ فقال:
أتحبّ أن تسمع هذا الصوت ممن أخذته عنه تلك الجارية؟ قال نعم. فدعا عزّة الميلاء فقال: غنيّه إياه. فغنّته، فصعق الرجل [وخرّ «1» ] مغشيّا عليه. فقال ابن جعفر:
أثمنا فيه، الماء الماء! فنضح على وجهه. فلما أفاق قال له: أكلّ هذا بلغ بك عشقها؟ قال: وما خفى عليك أكثر. قال: أفتحبّ أن تسمعه منها؟ قال:
قد رأيت ما نالنى حين سمعته من غيرها وأنا لا أحبّها، فكيف يكون حالى إن سمعته منها وأنا لا أقدر على ملكها! فأخرجها إليه وقال: خذها فهى لك؛ وو الله ما نظرت إليها إلا عن عرض. فقبّل الرجل يديه ورجليه وقال: أنمت عينى، وأحييت نفسى، وتركتنى أعيش بين قومى، ورددت إلىّ عقلى، ودعا له دعاء كثيرا.
فقال عبد الله: ما أرضى أن أعطيكها هكذا، يا غلام، احمل معه مثل ثمنها، ففعل.
قال الغزالىّ رحمه الله في «إحياء علوم الدين» : كان ابن مجاهد لا يجيب دعوة إلا أن يكون فيها سماع. قال: وكان أبو الخير العسقلانىّ الأسود من الأولياء يسمع ويوله عند السماع، وصنّف فيه كتابا وردّ فيه على منكريه. وحكى عن بعض الشيوخ أنه قال: رأيت أبا العباس الخضر عليه السّلام، فقلت: ما تقول في هذا السماع الذى اختلف فيه أصحابنا؟ قال: هو الصّفا «2» الزّلّال الذى لا تثبت عليه إلا أقدام العلماء.
(4/198)

وروى الأصفهانىّ بسند رفعه إلى ابن كناسة قال: اصطحب شيخ مع شابّ فى سفينة في الفرات ومعهم مغنّية. فلما صاروا في بعض الطريق قالوا للشيخ:
معنا جارية وهى تغنّى، فأحببنا أن نسمع غناءها فهبناك، فإن أذنت فعلنا. فقال:
أنا أصعد على أطلال «1» السفينة، فاصنعوا أنتم ما شئتم؛ فصعد وأخذت المغنّية عودها وغنّت:
حتى إذا الصبح بدا ضوءه ... وغابت الجوزاء والمرزم
أقبلت والوطء خفىّ كما ... ينساب «2» من مكمنه الأرقم
فطرب الشيخ وصاح، ثم رمى بنفسه وبثيابه في الفرات وجعل يغوص ويطفو ويقول: أنا الأرقم أنا الأرقم! فألقوا أنفسهم خلفه، فبعد لأى ما استخرجوه، وقالوا: يا شيخ، ما حملك على ما فعلت؟ فقال: إليكم عنّى، فإنى أعرف من معانى الشعر ما لا تعرفون. فقالوا له: ما أصابك؟ قال: دبّ من قدمى شىء إلى رأسى كدبيب النّمل ونزل من رأسى مثله، فلما اجتمعا على قلبى عملت ما عملت.
وقال أحمد بن أبى داود: كنت أعيب الغناء وأطعن على أهله؛ فخرج المعتصم يوما إلى الشّمّاسيّة في حرّاقة، ووجّه في طلبى فصرت إليه. فلما قربت منه سمعت غناء حيّرنى وشغلنى عن كلّ شىء، فسقط سوطى عن يدى، فالتفتّ إلى غلامى أطلب منه سوطا؛ فقال لى: قد والله سقط منّى سوطى. فقلت له: أىّ شىء كان سبب سقوطه؟ قال: صوت سمعته فحيّرنى، فما علمت كيف سقط، فإذا قصّته قصّتى. قال: وكنت أنكر أمر الطرب على الغناء وما يستفزّ الناس منه
(4/199)

فيغلب على عقولهم، وأناظر المعتصم عليه. فلما دخلت عليه يومئذ أعلمته بالخبر، فضحك وقال: هذا عمّى كان يغنّينى:
إنّ هذا الطويل من آل حفص ... أنشر المجد بعد ما كان ماتا
فإن تبت مما كنت تناظر عليه من ذمّ الغناء سألته أن يعيده، ففعلت وفعل، فبلغ بى الطرب أكثر مما يبلغه من غيرى، ورجعت عن رأيى منذ ذلك اليوم.
وعمّه الذى أشار إليه هو إبراهيم بن المهدىّ.
ذكر من غنّى من الخلفاء وأبنائهم ونسبت له أصوات من الغناء نقلت عنه
[أما من غنّى من الخلفاء]
كان من غنّى من الخلفاء- على ما أورده أبو الفرج الأصفهانىّ في كتابه المترجم «بالأغانى» - ونسبت له أصوات جماعة،
منهم عمر بن عبد العزيز
قد نسبت له أصوات، ومنهم من أنكر ذلك. ولعلّ ما نقل عنه كان منه قبل الخلافة. وكان رحمه الله من أحسن الناس صوتا. فكان مما نسب إليه من الغناء:
علق القلب سعادا ... عادت القلب فعادا
كلّما عوتب فيها ... أو نهى عنها تمادى
وهو مشغوف بسعدى ... وعصى فيها وزادا
ومما نسب إليه من الغناء ما قيل إنه غنّاه من شعر جرير:
قفا يا صاحبىّ نزر سعادا ... لو شك فراقها ودعا البعادا «1»
(4/200)

لعمرك إنّ نفع سعاد عنّى ... لمصروف ونفعى عن سعادا
إلى الفاروق ينتسب ابن ليلى «1» ... ومروان الذى رفع العمادا
ومن ذلك ما قيل إنه غنّاه من شعر الأشهب بن رميلة «2» :
ألا يا دين قلبك من سليمى ... كما قد دين قلبك من سعادا
هما سبتا الفؤاد وهاضتاه «3» ... ولم يدرك بذلك ما أرادا
قفا نعرف منازل من سليمى ... دوارس بين حومل أو عرادا
ذكرت لها الشباب وآل ليلى ... فلم يزد الشباب بها مزادا
فإن تشب الذوائب أمّ عمرو ... فقد لاقيت أياما شدادا
وممّن غنّى من خلفاء الدولة العباسية، ممن دوّنت له صنعة، الواثق بالله
أبو جعفر هارون بن المعتصم بالله بن الرشيد. حكى أبو الفرج الأصفهانىّ بسند رفعه إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ قال: دخلت يوما دار الواثق بالله بغير إذن إلى موضع أمر أن أدخله إذا كان جالسا، فسمعت صوت عود من بيت وترنّما لم أسمع أحسن منه. فأطلع خادم رأسه ثم ردّه وصاح بى، فدخلت وإذا أنا بالواثق بالله. فقال:
أىّ شىء سمعت؟ فقلت: الطلاق كامل لازم له وكلّ مملوك له حرّ، لقد سمعت ما لم أسمع مثله قطّ حسنا! فضحك وقال: وما هو؟ إنما هذه فضلة أدب وعلم مدحه الأوائل واشتهاه أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم والتابعون بعدهم وكثر فى حرم الله عز وجلّ ومهاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أتحبّ أن تسمعه؟
قلت: إى والله الذى شرّفنى بخطابك وجميل رأيك. فقال: يا غلام، هات العود وأعط
(4/201)

إسحاق رطلا؛ فدفع الرطل إلىّ وضرب وغنّى في شعر لأبى العتاهية بلحن صنعه فيه:
أضحت قبورهم من بعد عزّتهم ... تسفى عليها الصّبا والحرجف الشّمل
لا يدفعون هواما عن وجوههم ... كأنهم خشب بالقاع منجدل
فشربت الرطل ثم قمت. فدعوت له، فاحتبسنى وقال: أتشتهى أن تسمعه بالله؟ فقلت: إى والله، فغنّانيه ثانية وثالثة، وصاح ببعض خدمه وقال: احمل إلى إسحاق الساعة ثلاثمائة ألف درهم. قال: يا إسحاق، قد سمعت ثلاثة أصوات وشربت ثلاثة أرطال وأخذت ثلاثمائة ألف درهم، فانصرف إلى أهلك مسرورا ليسّروا معك، فانصرفت بالمال. وقال أبو الفرج بسنده إلى عريب المأمونيّة قالت: صنع الواثق بالله مائة صوت ما فيها صوت ساقط. ولقد صنع فيّ هذا الشعر:
هل تعلمين وراء الحبّ منزلة ... تدنى إليك فإن الحبّ أقصانى
هذا كتاب فتى طالت بليّته ... يقول يا مشتكى بثّى وأحزانى
قال: وكان الواثق بالله إذا أراد أن يعرض صنعته على إسحاق نسبها إلى غيره فقال: وقع إلينا صوت قديم من بعض العجائز فاسمعه، وأمر من يغنّيه إياه. وكان إسحاق يأخذ نفسه بقول الحقّ في ذلك أشدّ أخذ، فإن كان جيّدا رضيه واستحسنه وإن كان فاسدا أو مطّرحا أو متوسّطا ذكر ما فيه. فإن كان للواثق فيه هوى سأله تقويمه وإصلاح فاسده وإلّا اطّرحه. وقال إسحاق بن إبراهيم: كان الواثق أعلم الناس بالغناء، وبلغت صنعته مائة صوت، وكان أحذق من غنّى بضرب العود، ثم ذكر أغانيه. وذكر أبو الفرج الأصفهانىّ منها أصواتا؛ منها:
ولم أر ليلى غير موقف ليلة ... بخيف منّى ترمى جمار المحصّب
ويبدى الحصى منها إذا خذفت به ... من البرد أطراف البنان المخضّب
(4/202)

ألا إنما غادرت يا أمّ مالك ... صدى أينما تذهب به الريح يذهب
وأصبحت من ليلى الغداة كناظر ... مع الصبح في أعجاز نجم مغرّب
وذكر أصواتا كثيرة غير هذا تركنا ذكرها اختصارا.
قال: ولما خرج المعتصم إلى عمّوريّة استخلف الواثق. فوجّه الواثق إلى الجلساء والمغنّين أن يبكّروا إليه يوما حدّه لهم، ووجّه إلى إسحاق، فحضر الجميع.
فقال لهم الواثق: إنى عزمت على الصّبوح، ولست أجلس على سرير حتى أختلط بكم ونكون كالشىء الواحد، فاجلسوا معى حلقة، وليكن إلى جانب كلّ جليس مغنّ، فجلسوا كذلك. فقال الواثق: أنا أبدأ، فأخذ العود فغنّى وشربوا وغنّى من بعده، حتى انتهى إلى إسحاق وأعطى العود فلم يأخذه؛ فقال: دعوه. ثم غنوا دورا آخر؛ فلما بلغ الغناء إلى إسحاق لم يغنّ وفعل ذلك ثلاث مرّات. فوثب الواثق فجلس على سريره وأمر بالناس فأدخلوا؛ فما قال لأحد منهم: اجلس. ثم قال: علىّ بإسحاق. فلما رآه قال: يا خوزى «1» يا كلب، أتبذّل لك وأغنّى فتترفّع علىّ! أترانى لو قتلتك كان المعتصم يقيدنى بك! ابطحوه، فبطح وضرب ثلاثين مقرعة ضربا خفيفا وحلف لا يغنّى سائر يومه سواه؛ فاعتذر وتكلّمت الجماعة فيه؛ فأخذ العود، وما زال يغنّى حتى انقضى مجلسه. وللواثق بالله في الغناء أخبار وحكايات يطول بذكرها الشرح.
ومنهم المنتصر بالله أبو جعفر محمد بن المتوكل على الله أبو الفضل جعفر.
قال يزيد المهلّبىّ: كان المنتصر حسن العلم بالغناء، وكان إذا قال الشعر صنع فيه
(4/203)

وأمر المغنّين بإظهاره. فلما ولى الخلافة قطع ذلك وأمر بستر ما تقدّم منه؛ فلذلك لم تظهر أغانيه.
ومنهم المعتزّ بالله أبو عبد الله محمد بن جعفر المتوكل.
ذكر أيضا أنه كان يغنّى أصواتا. فمما غنّى به في شعر عدىّ بن الرّقاع:
لعمرى لقد أصحرت «1» خيلنا ... بأكناف دجلة للمصعب
فمن يك منّا يبت آمنا ... ومن يك من غيرنا يهرب
وهذه الأبيات من قصيدة لعدىّ بن الرّقاع قالها في الوقعة التى كانت بين عبد الملك بن مروان ومصعب بن الزّبير وقتل فيها مصعب بن الزبير، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبار عبد الله بن الزبير.
ومنهم المعتمد على الله أبو العباس أحمد بن المتوكل على الله.
هو ممن له يد في الغناء وصنعة حسنة. ومما نقل من أغانيه أنه غنّى في شعر الفرزدق:
ليس الشفيع الذى يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذى يأتيك عريانا
وقال «2» عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: إن المعتضد جمع النغم العشر في صوت صنعه في شعر دريد بن الصّمّة وهو:
يا ليتنى فيها جذع ... أخبّ فيها وأضع
قال: واستعلمنى هل هو صحيح القسمة والأجزاء أم لا، فعرّفته صحّته ودللته على ذلك حتى تيقّنه فسّر به. قال عبيد الله: وهو لعمرى من جيّد الصنعة ونادرها.
قال: وقد صنع ألحانا في عدّة أشعار قد «3» صنع فيها الفحول من القدماء والمحدثين
(4/204)

وعارضهم بصنعته فأحسن وشاكل وضاهى فلم يعجز ولا قصّر، ولا أتى بشىء يعتذر منه. قال: فمن ذلك أنه صنع في قول الشاعر:
أما القطاة فإنى سوف أنعتها ... نعتا يوافق نعتى بعض ما فيها
فجاء في نهاية الجودة وهو أحسن ما صنع في هذا الشعر على كثرة الصنعة فيه واشتراك القدماء والمحدثين في صنعته مثل معبد ونشيط ومالك وابن محرز وسنان وعمر الوادى وابن جامع وإبراهيم وابنه إسحاق وعلّويه.
قال: وصنع في:
تشكّى الكميت الجرى لمّا جهدته ... وبيّن لو يسطيع أن يتكلّما
فما قصّر في صنعته ولا عجز عن بلوغ الغاية فيها مع أصوات له صنعها تناهز مائة صوت ما فيها ساقط ولا مرذول. فهؤلاء الذين لهم صنعة في الغناء من الخلفاء.
وأما أبناء الخلفاء الذين لهم صنعة بد في هذا الفنّ.
فمنهم إبراهيم بن المهدىّ
وأخته عليّة بنت المهدىّ رحمهما الله تعالى، وإبراهيم يكنى أبا إسحاق أمّه شكلة أمة مولّدة كان أبوها من أصحاب المازيار يقال له: شاه أفرند «1» قتل مع المازيار وسبيت شكلة فحملت إلى المنصور فوهبها لمحيّاة أمّ ولده فربتها وبعثت بها إلى الطائف فنشأت هناك، فلما كبرت ردّت إليها.
فرآها المهدىّ فأعجبته فطلبها من محيّاة فأعطته إياها فولدت له إبراهيم.
(4/205)

قال أبو الفرج الأصفهانىّ بسند رفعه إلى إسحاق بن إبراهيم قال:
كان إبراهيم بن المهدىّ أشدّ خلق الله إعظاما للغناء وأحرصهم عليه وأشدّهم منافسة فيه. قال: وكانت صنعته ليّنة فكان إذا صنع شيئا نسبه إلى غيره لئلا يقع عليه طعن أو تقريع فقلّت صنعته في أيدى الناس مع كثرتها. وكان إذا قيل له فيها شىء يقول: إنما أصنع تطرّبا لا تكسّبا وأغنّى لنفسى لا للناس فأعمل ما أشتهى.
قال: وكان حسن صوته يستر عوار ذلك. وكان الناس يقولون: لم ير في جاهليّة ولا إسلام أخ وأخت أحسن غناء من إبراهيم بن المهدىّ وأخته عليّة. وكان إبراهيم يجادل إسحاق ويأخذ عليه في مواطن كثيرة إلّا أنه كان لا يقوم له «1» ويظهر إسحاق خطأه. ووقع بينهما في ذلك بين يدى الرشيد وفي مجلسه كلام كثير أفضى إلى أمور نذكرها إن شاء الله تعالى في أخبار إسحاق بن إبراهيم.
وكان إبراهيم بن المهدىّ في أوّل أمره يتستّر في الغناء بعض التستّر إلا أنه يذكره فى مجلس الرشيد أخيه. فلما كان من أمره في الوثوب على الخلافة ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة العباسيّة عند ذكرنا لخلافة المأمون بن الرشيد، ثم [لما «2» ] أمّته المأمون بعد هربه منه تهتّك بالغناء ومشى مع المغنّين ليلا إذا خرجوا من عند المأمون، وإنما أراد المأمون بذلك ليظهر للناس أنه قد خلع ربقة الخلافة من عنقه وأنه تهتّك فلا يصلح للخلافة. وكان من أعلم الناس بالنغم والوتر والإيقاعات وأطبعهم فى الغناء وأحسنهم صوتا. وكان مع علمه وطبعه ومعرفته يقصّر عن الغناء القديم وعن أن ينحوه في صنعته. فكان يحذف نغم الأغانى الكثيرة العمل حذفا شديدا
(4/206)

ويحقّقها على قدر ما يصلح له ويفى بأدائه فاذا عيب ذلك عليه قال: أنا ملك وابن ملك وإنما أغنّى على ما أشتهى وكما ألتذّ. فهو أوّل من أفسد الغناء القديم.
وروى عن حمدون بن إسماعيل قال: قال إبراهيم بن المهدىّ: لولا أنّى أرفع نفسى عن هذه الصناعة لأظهرت منها ما يعلم الناس معه أنهم لم يروا قبلى مثلى.
وروى أبو الفرج الأصفهانىّ عن جعفر بن سليمان الهاشمىّ قال: حدّثنا إبراهيم ابن المهدىّ قال:
دخلت يوما على الرشيد وبى فضلة خمار «1» وبين يديه ابن جامع وإبراهيم الموصلىّ فقال: بحياتى يا إبراهيم غنّ، فأخذت العود ولم ألتفت إليهما لما في رأسى من الفضلة فغنّيت:
أسرى بخالدة «2» الخيال ولا أرى ... شيئا ألذّ من الخيال الطارق
إن البليّة من تملّ حديثه ... فانقع فؤادك من حديث الوامق
أهواك فوق هوى النفوس ولم يزل ... مذ بنت قلبى كالجناح الخافق
شوقا إليك ولم تجاز مودّتى ... ليس المكذّب كالحبيب الصادق
فسمعت إبراهيم يقول لابن جامع: لو طلب هذا بهذا الغناء ما نطلب لما أكلنا خبزا أبدا فقال ابن جامع: صدقت، فلما فرغت من غنائى وضعت العود ثم قلت: خذا في حقّكما ودعا باطلنا.
وروى عن إبراهيم قال:
كان الرشيد يحبّ أن يسمعنى فخلا بى مرّات إلى أن سمعنى، ثم حضرته مرّة
(4/207)

وعنده سليمان بن أبى جعفر فقال لى: عمّك وسيّد ولد المنصور بعد أبيك وقد أحبّ أن يسمعك، فلم يتركنى حتى غنّيت بين يديه:
سقيا لربعك من ربع بذى سلم ... وللزمان به إذ ذاك من زمن
إذ أنت فينا لمن ينهاك عاصية ... وإذ أجرّ إليكم سادرا رسنى «1»
فأمر لى بألف ألف درهم، ثم قال لى ليلة ولم يبق في المجلس عنده إلا جعفر ابن يحيى: أنا أحبّ أن تشرّف جعفرا بأن تغنّيه صوتا فغنّيته لحنا صنعته في شعر الدّارمىّ:
كأنّ صورتها في الوصف إذ وصفت ... دينار عين من المضروبة العتق
فأمر لى الرشيد بألف ألف درهم.
وحكى عن إسحاق بن إبراهيم قال: لما صنعت صوتى الذى هو:
قل لمن صدّ عاتبا ... ونأى عنك جانبا
قد بلغت الذى أرد ... ت وإن كنت لاعبا
واعترفنا بما ادّعي ... ت وإن كنت كاذبا
فافعل الآن ما أرد ... ت فقد جئت تائبا
اتصل خبره بإبراهيم بن المهدىّ فكتب إلىّ يسألنى عنه، فكتبت إليه الشعر وإيقاعه وبسيطه «2» ومجراه وإصبعه وتجزئته وأقسامه ومخارج نغمه ومواضع مقاطعه ومقادير أدواره وأوزانه فغنّاه ثم لقينى فغنّانيه، ففضلنى فيه بحسن صوته.
وقال ابن أبى طيبة: كنت أسمع إبراهيم بن المهدىّ يتنحنح فأطرب.
(4/208)

وعن محمد بن خير عن عبد الله بن العباس الرّبيعىّ قال:
كنّا عند إبراهيم بن المهدىّ ذات يوم وقد دعا كلّ محسن من المغنّين يومئذ وهو جالس يلاعب أحدهم بالشّطرنج فترنّم إبراهيم بصوت فريدة في شعر أبي العتاهية:
قال لى أحمد ولم يدر ما بى ... أتحبّ الغداة عتبة حقّا
فتنفّست ثم قلت نعم حبّا ... جرى في العروق عرقا فعرقا
وهو متكىء «1» ، فلما فرغ ترنّم به مخارق فأحسن فيه وأطربنا «2» وزاد على إبراهيم، فغنّاه إبراهيم وزاد في صوته على غناء مخارق. فلما فرغ ردّه مخارق وغنّاه بصوته كلّه وتحفّظ فيه وكدنا نطير سرورا. فاستوى إبراهيم جالسا وكان متّكئا وغنّاه بصوته كلّه ووفّاه نغمه وشذوره ونظرت إلى كتفيه تهتزّان وبدنه أجمع يتحرّك إلى أن فرغ منه ومخارق شاخص نحوه يرعد وقد انتقع لونه وأصابعه تختلج فخيّل إلىّ أن الإيوان يسير بنا، فلما فرغ منه تقدّم إليه مخارق فقبّل يده وقال: جعلنى الله فداك أين أنا منك! ثم لم ينتفع مخارق بنفسه بقيّة يومه في شىء من غنائه، والله لكأنما كان يتحدّث.
وروى عن منصور بن المهدىّ قال:
كنت عند أخى إبراهيم في يوم كانت عليه فيه نوبة لمحمد الأمين، فتشاغل بالشرب فى بيته ولم يمض، وأرسل إليه الأمين عدّة رسل فتأخّر. قال منصور: فلمّا كان من غد قال لى: ينبغى أن نعمل على الرواح إلى أمير المؤمنين فنترضّاه، فما أشكّ فى غضبه علينا. فمضينا فسألنا عن خبره فأعلمنا أنه مشرف على خير «3» الوحش وهو مخمور، وكان من عادته ألّا يشرب إذا لحقه الخمار. فدخلنا، وكان طريقنا على
(4/209)

حجرة تصنع فيها الملاهى، فقال لى: اذهب فاختر منها عودا ترضاه وأصلحه غاية الإصلاح حتى لا يحتاج إلى إصلاحه وتغييره عند الضرب به؛ ففعلت وجعلته فى كمّى. ودخلنا على الأمين وظهره إلينا. فلما بصرنا به من بعد قال: أخرج عودك فأخرجته، فاندفع يغنّى:
وكأس شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها
لكى يعلم الناس أنى امرؤ ... أتيت الفتوّة من بابها
وشاهدنا «1» الورد والياسمي ... ن والمسمعات بقصّابها «2»
وبربطنا «3» دائم معمل ... فأىّ الثلاثة أزرى بها
فاستوى الأمين جالسا وطرب طربا شديدا وقال: أحسنت والله يا عمّ وأحييت لى طربا. ودعا برطل فشربه على الرّيق وابتدأ «4» شربه. قال منصور:
وغنّى إبراهيم يومئذ على أشدّ طبقة يتناهى إليها في العود، وما سمعت مثل غنائه يومئذ قط. ولقد رأبت منه شيئا عجيبا لو حدّثت به ما صدّقت:
كان إذا ابتدأ يغنّى صغت الوحوش إليه ومدّت أعناقها، ولم تزل تدنو حتى تكاد تضع رءوسها على الدّكّان الذى كنّا عليه، فإذا سكت نفرت وبعدت عنّا حتى تنتهى إلى أبعد غاية يمكنها التباعد عنّا فيها، وجعل الأمين يعجب من ذلك. وانصرفنا من الجوائز بما لم ينصرف بمثله قطّ.
وعن الحسن بن إبراهيم بن رباح قال:
كنت أسأل مخارقا: أىّ الناس أحسن غناء؟ فكان يجيبنى جوابا مجملا، حتى
(4/210)

حقّقت عليه يوما فقال: كان إبراهيم المو صلّى أحسن غناء من ابن جامع بعشر طبقات، وإبراهيم بن المهدىّ أحسن غناء منى بعشر طبقات. ثم قال لى: أحسن الناس غناء أحسنهم صوتا. وإبراهيم بن المهدىّ أحسن الإنس والجنّ والوحش والطير صوتا، وحسبك هذا!.
وعن إسحاق بن إبراهيم قال:
غنّى إبراهيم بن المهدىّ ليلة محمدا الأمين صوتا لم أرضه في شعر لأبى نواس، وهو:
يا كثير النوح في الدّمن ... لا عليها بل على السّكن
سنّة العشّاق واحدة ... فإذا أحببت فاستنن «1»
ظنّ بى من قد كلفت به ... فهو يجفونى على الظّنن
رشأ لولا ملاحته ... خلت الدّنيا من الفتن
فأمر له بثلاثمائة ألف دينار. فقال له إبراهيم: يا أمير المؤمنين. أجزتنى إلى هذه الغاية بعشرين ألف ألف درهم! فقال: وهل هى إلا خراج بعض الكور «2» . هكذا رواه إسحاق، وقد حكيت هذه الحكاية عن محمد بن الحارث، وفيها أن إبراهيم لما أراد الانصراف قال: أو قروا زورق عمّى دنانير فأوقروه، فانصرف بمال جليل.
قال: وكان محمد بن موسى المنجّم يقول: حكمت أنّ إبراهيم بن المهدىّ أحسن الناس كلهم غناء ببرهان، وذلك أنّى كنت أراه في مجالس الخلفاء مثل المأمون والمعتصم يغنّى المغنّون ويغنّى، فإذا ابتدأ بالصوت لم يبق من الغلمان أحد إلا ترك ما في يديه وقرب من أقرب موضع يمكنه أن يسمعه فلا يزال مصغيا إليه لاهيا عما
(4/211)

كان فيه مادام يغنّى، حتى إذا أمسك وتغنّى غيره رجعوا إلى التّشاغل بما كانوا فيه ولم ينبعثوا إلى شىء. فلا برهان أقوى من هذا [فى مثل هذا من «1» ] شهادة الفطن به واتّفاق الطبائع مع اختلافها وتشعّب طرقها على الميل اليه والانقياد نحوه.
ولإبراهيم بن المهدىّ أصوات معروفة. منها ما غنّاه بشعر مروان بن أبى حفصة:
هل تطمسون من السماء نجومها ... بأكفّكم أو تسترون هلالها
أو تدفعون مقالة من ربكم ... جبريل بلّغها النبىّ فقالها
طرقتك زائرة فحىّ خيالها ... زهراء تخلط بالدّلال جمالها
وأمّا عليّة بنت المهدىّ،
فقد قيل: ما اجتمع في جاهليّة ولا إسلام أخ وأخت أحسن غناء من إبراهيم بن المهدىّ وأخته عليّة. وروى عن أبى أحمد ابن الرشيد قال: كنت يوما بحضرة المأمون وهو يشرب، ثم قام وقال لى: قم؛ فدخل دار الحرم ودخلت معه، فسمعت غناء أذهل عقلى ولم أقدر أن أتقدّم ولا أتأخّر؛ وفطن المأمون لما بى فضحك وقال: هذه عمّتك عليّة تطارح عمّك إبراهيم.
قال أبو الفرج: وأمّ عليّة أمّ ولد مغنّية يقال لها مكنونة، كانت من جوارى المروانيّة المغنيّة. والمروانيّة هذه ليست من آل مروان بن الحكم، وإنما هى زوجة الحسن بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس. وكانت مكنونة من أحسن جوارى المدينة وجها، وكانت رسحاء «2» ، وكانت حسنة البطن والصدر. فاشتريت للمهدىّ فى حياة أبيه بمائة ألف درهم؛ فغلبت عليه حتى كانت الخيزران تقول: ما ملك
(4/212)

أمّة أغلظ علىّ منها. ولما اشتريت للمهدىّ ستر أمرها عن أبيه المنصور حتى مات، وولدت للمهدىّ عليّة هذه.
وكانت عليّة بنت المهدىّ من أجمل الناس وأظرفهم، نقول الشعر الجيّد وتصوغ فيه الألحان الحسنة. وكان في جبينها فضل سعة، فاتّخذت العصائب المكللّة بالجوهر لتستربها جبينها؛ فهى أوّل من أحدث ذلك.
قال: وكانت عليّة حسنة الدّين، وكانت لا تغنّى ولا تشرب النبيذ إلّا إذا كانت معتزلة الصلاة؛ فإذا طهرت أقبلت على الصلاة وقراءة القرآن وقراءة الكتب. ولم تله بشىء غير قول الشعر في الأحيان، إلّا أن يدعوها الخليفة إلى شىء فلا تقدر على خلافه. وكانت رحمها الله تقول: ما حرّم الله شيئا إلا وقد جعل فيما حلّل منه عوضا، فبأىّ شىء يحتجّ عاصيه والمنتهك لحرماته!. وكانت تقول: لا غفر الله لى فاحشة ارتكبتها قطّ، وما أقول في شعرى إلّا عبثا.
وعن سعيد بن هريم قال: كانت عليّة بنت المهدىّ تحبّ أن تراسل بالأشعار من تختصّه، فاختصّت خادما يقال له طلّ من خدم الرشيد، تراسله بالشعر. فلم تره أيّاما؛ فمشت على ميزاب وحدّثته ثم قالت في ذلك:
قد كان ما كلّفته زمنا ... ياطلّ من وجد بكم يكفى
حتى أتيتك زائرا عجلا ... أمشى على حتف إلى حتفى «1»
فخلف عليها الرشيد ألّا تكلّم طلّا ولا تسمّيه باسمه، فضمنت له ذلك. واستمع عليها يوما وهى تقرأ آخر سورة البقرة حتى بلغت إلى قوله عز وجل: (فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ)
فأرادت أن تقول: (فَطَلٌّ)
فقالت: فالذى نهى عنه أمير المؤمنين. فدخل
(4/213)

الرشيد فقبّل رأسها وقال: قد وهبت لك طلّا ولا أمنعك بعدها من شىء تريدينه.
ولها في طلّ هذا عدّة أشعار صنعت فيها ألحانا، وكانت في بعضها تصحّف اسمه وتكنى عنه بغيره. وكانت أيضا تقول الشعر في خادم لها يقال له: رشأ وتكنى عنه بزينب.
فمن شعرها فيه:
وجد الفؤاد بزينبا ... وجدا شديدا متعبا
أصبحت من كلف بها ... أدعى شقيّا منصبا
ولقد كنيت عن اسمها ... عمدا لكى لا تغضبا
وجعلت زينب سترة ... وكتمت أمرا معجبا
قالت وقد عزّ الوصا ... ل ولم أجد لى مذهبا
والله لا نلت المودّة ... أو تنال الكوكبا
فصحّفت اسمه في قولها: «زينبا» ؛ وهذا من الجناس الخطّى. قال: وكانت لأمّ جعفر جارية يقال لها طغيان، فوشت بعليّة إلى رشأ وحكت عنها ما لم تقل.
فقالت عليّة:
لطغيان خفّ مذ ثلاثين حجّة ... جديد فلا يبلى ولا يتخرّق
وكيف بلى خفّ هو الدهر كلّه ... على قدميها في السماء «1» معلّق
فما خرقت خفّا ولم تبل جوربا ... وأمّا سراويلاتها فتمزّق
وروى عن أبى هفّان قال:
أهديت للرشيد جارية في غاية الجمال؛ فخلا معها يوما وأخرج كلّ قينة في داره واصطبح. وكان من حضر من جواريه الغناء والخدمة في الشراب زهاء ألفى جارية فى أحسن زىّ من كل نوع من أنواع الثياب والجوهر. واتّصل الخبر بأمّ جعفر
(4/214)

فعظم عليها ذلك؛ فأرسلت إلى عليّة تشكو إليها. فأرسلت إليها عليّة: لا يهولنّك هذا، والله لأردّنّه إليك. قد عزمت أن أضع شعرا وأصوغ فيه لحنا وأطرحه على جوارىّ، فلا تبقى عندك جارية إلّا بعثت بها إلىّ وألبسيهنّ أنواع الثّياب ليأخذن الصوت مع جوارىّ؛ ففعلت أمّ جعفر ما أمرتها به. فلما جاء وقت صلاة العصر لم يشعر الرشيد إلا وعليّة وأمّ جعفر قد خرجتا إليه من حجرتيهما معهما زهاء ألفى جارية من جوازيهما وسائر جوارى القصر عليهنّ غرائب اللّباس وكلهنّ في لحن واحد هزج صنعته عليّة وهو:
منفصل عنّى وما ... قلبى عنه منفصل
يا هاجرى اليوم لمن ... نويت بعدى أن تصل
فطرب الرشيد وقام على رجليه حتى استقبل أمّ جعفر وعليّة وهو على غاية السرور، وقال: لم أر كاليوم قطّ. يا مسرور، لا تبقيّن في بيت المال درهما إلا نثرته.
فكان ما نثر يومئذ ستة آلاف درهم، وما سمع بمثل ذلك اليوم.
وروى عن عريب أنها قالت: أحسن يوم رأيته في الدنيا وأطيبه يوم اجتمعت فيه مع إبراهيم بن المهدىّ عند أخته عليّة وعندها أخوهما يعقوب بن المهدىّ، وكان أحذق الناس بالزّمر. فبدأت عليّة فغنّت من صنعتها وأخوها يعقوب يزمر عليها:
تحبّب فإنّ الحبّ داعية الحبّ ... وكم من بعيد الدار مستوجب القرب
تبصّر فإن حدّثت أنّ أخا هوى ... نجا سالما فارج النجاة من الحبّ
إذا لم يكن في الحبّ سخط ولا رضا ... فأين حلاوات الرسائل والكتب
وغنّى إبراهيم في صنعته وزمر عليه يعقوب:
لم ينسنيك سرور لا ولا حزن ... وكيف لا، كيف ينسى وجهك الحسن
ولا خلا منك قلبى لا ولا جسدى ... كلّى بكلّك مشغول ومرتهن
(4/215)

يا فردة الحسن مالى منك مذكلفت ... نفسى بحبّك إلّا الهمّ والحزن
نور تولّد من شمس ومن قمر ... حتى تكامل فيك «1» الروح والبدن
قالت عريب: فما سمعت مثل ما سمعت منها قط وأعلم أنى لا أسمع مثله أبدا.
وروى عن خشف الواضحيّة قالت: تماريت أنا وعريب في غناء عليّة بحضرة المتوكل أو غيره من الخلفاء. فقلت أنا: هى ثلاثة وسبعون صوتا، وقالت عريب:
هى اثنان وسبعون صوتا. فقال المتوكل: غنيّا غناءها؛ فلم أزل أغنّى غناءها حتى مضى اثنان وسبعون صوتا، ولم أدر الثالث والسبعين. قالت: فقطع بى واستعلت عريب وانكسرت. قالت خشف: فلما كان الليل رأيت عليّة فيما يرى النائم، فقالت: يا خشف خالفتك عريب في غنائى. قلت: نعم يا سيّدتى.
قالت: الصواب معك، أفتدرين ما الصوت الذى أنسيتيه؟ قلت: لا ولله، ولوددت أنّى فديت ما جرى بجميع ما أملك. قالت: هو:
بنى الحبّ على الجور فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمج
ليس يستحسن في وصف الهوى ... عاشق يعرف تأليف الحجج
وقليل الحبّ صرفا خالصا ... لك خير من كثير قد مزج
وكأنها قد اندفعت تغنّى به، فما سمعت أحسن مما غنّته، وقد زادتنى فيه أشياء في نومى لم أكن أعرفها، فانتبهت وأنا لا أعقل فرحا به. فباكرت الخليفة وذكرت له القصّة. فقالت عريب: هذا شىء صنعته أنت لما جرى أمس، وأمّا الصوت فصحيح. فحلفت للخليفة بما رضى به أنّ القصّة كما حكيت. فقال:
رؤياك والله أعجب، رحم الله عليّة! فما تركت ظرفها حيّة ولا ميّتة. وأجازنى جائزة سنيّة.
(4/216)

وروى أبو الفرج أيضا بسنده إلى محمد بن جعفر بن يحيى بن خالد قال:
شهدت أبى جعفرا وأنا صغير وهو يحدّث جدّى يحيى بن خالد في بعض ما كان يخبره به من خلوته مع هارون الرشيد، قال: يا أبت، أخذ بيدى أمير المؤمنين وأقبل فى حجره يخترقها حتى انتهى إلى حجرة مغلقة، ففتحها بيده ودخلها ودخلت وأغلق بابها من داخل بيده، ثم صرنا إلى رواق ففتحه، وفي صدره مجلس مغلق فقعد على باب المجلس، ونقر الباب بيده نقرات فسمعنا حسّا، ثم أعاد النّقر ثانية فسمعنا صوت عود، ثم أعاد النقر ثالثة فغنّت جارية ما ظننت والله أنّ الله جلّ وعزّ خلق مثلها فى حسن الغناء وجودة الضرب. فقال [لها «1» ] أمير المؤمنين بعد أن غنّت أصواتا:
غنّى صوتى؛ فغنت صوته، وهو:
ومخنّث شهد الزّفاف وقبله ... غنّى الجوارى حاسرا ومنقّبا
لبس الدلال وقام ينقر دفّه ... نقرا أقرّ به العيون وأطربا
إنّ النساء رأينه فعشقنه ... فيشكون شدّة ما بهنّ فأكذبا
قال: فطربت والله طربا هممت معه أن أنطح برأسى الحائط. ثم قال: غنّى:
طال تكذيبى وتصديقى فغنّت:
طال تكذيبى وتصديقى ... لم أجد عهدا لمخلوق
إنّ ناسا في الهوى غدروا ... حسّنوا نقض المواثيق
لا ترانى بعدهم أبدا ... أشتكى عشقا لمعشوق
قال: فرقص الرشيد ورقصت معه؛ ثم قال: امض بنا، فإنى أخشى أن يبدو منّا ما هو أكثر من هذا، فمضينا. فلمّا صرنا إلى الدّهليز قال وهو قابض على يدى:
(4/217)

هل عرفت هذه المرأة؟ فقلت: لا يا أمير المؤمنين. قال: فإنّى أعلم أنك ستسأل عنها ولا تكتم ذلك وأنا أخبرك بها، هذه علية بنت المهدىّ. وو الله لئن لفظت به بين يدى أحد وبلغنى لأقتلنّك. قال: فسمعت جدّى يقول لأبى: فقد والله لفظت به؛ وو الله ليقتلنّك، فاصنع ما أنت صانع.
وأخبار عليّة وأغانيها كثيرة، وقد ذكرنا منها ما يكتفى به.
قال أبو الفرج: وكان مولد عليّة سنة ستين ومائة، وتوفّيت سنة عشرة ومائتين، وقيل: سنة تسع ومائتين، ولها خمسون سنة. وكانت عند موسى بن عيسى ابن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عبّاس رضى الله عنهما. وكان سبب وفاتها أنّ المأمون ضمّها اليه وجعل يقبّل رأسها ووجهها مغطّى، فشرقت من ذلك وسعلت ثم حمّت بعقب هذا أيّاما يسيرة وماتت. رحمها الله.
ومنهم أبو عيسى بن الرشيد.
هو أبو عيسى أحمد، وقيل: بل اسمه صالح «1» بن هارون الرشيد. وأمّه أمّ ولد بربريّة. كان من أحسن الناس وجها ومجالسة وعشرة وأمجنهم وأحدّهم نادرة وأشدّهم عبثا. وكان أبو عيسى جميل الوجه جدّا؛ فكان إذا عزم على الركوب جلس الناس له حتى يروه أكثر مما كانوا يجلسون للخلفاء.
وكانت عريب المأمونية تقول: ما سمعت غناء أحسن من غناء أبى عيسى بن الرشيد، ولا رأيت وجها أحسن من وجهه.
وروى أنّ الرشيد قال يوما لأبى عيسى وهو صبىّ: ليت جمالك لعبد الله! (يعنى المأمون) فقال له: يا أمير المؤمنين، على أنّ حظّه منك لى. فعجب الرشيد من جوابه على صباه وضمّه إليه وقبّله.
(4/218)

قال أبو الفرج: وكان أبو عيسى جيّد الصّنعة، وله أغان منسوبة إليه ومعروفة به. منها:
رقدت عنك سلوتى ... والهوى ليس يرقد
وأطار السهاد نو ... مى فنومى مشرّد
أنت بالحسن منك يا ... حسن الوجه يشهد
وفؤادى بحسن وجهك ... يشقى ويكمد
وله غير هذا من الأصوات. قال: وكان كثير البسط والمجون والعبث.
وكان المأمون أشدّ الناس حبّا له، وكان يعدّه للأمر بعده ويذكر ذلك كثيرا.
حتى لقد حكى عنه أنه قال يوما: إنه ليسهل علىّ أمر الموت وفقد الملك، ولا يسهل شىء منهما على أحد؛ وذلك لمحبّتى أن يلى أبو عيسى الأمر بعدى لشدّة حبّى إياه.
وكانت وفاة أبى عيسى في سنة سبع ومائتين.
روى عن عبد الله بن طاهر قال: حدّثنى من شهد المأمون ليلة وهم يتراءون هلال شهر رمضان وأبو عيسى أخوه معه وهو مستلق على قفاه، فرأوه وجعلوا يدعون. فقال أبو عيسى قولا أنكر عليه؛ كأنه يسخط لورود الشهر، فما صام بعده. ونقل عنه أنه قال:
دهانى «1» شهر الصوم لا كان من شهر ... ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر
فلو كان يعدينى الإمام بقدرة ... على الشهر لاستعديت «2» جهدى على الشهر
فناله بعقب هذا القول صرع، فكان يصرع في اليوم مرّات حتى مات. ولمّا مات وجد المأمون عليه وجدا شديدا.
(4/219)

روى عن محمد بن عبّاد المهلّبىّ قال:
لمّا مات أبو عيسى بن الرشيد دخلت على المأمون فخلعت عمامتى ونبنتها ورائى- والخلفاء لا تعزّى في العمائم- فقال لى: يا محمد، حال القدر، دون الوطر.
فقلت: يا أمير المؤمنين، كلّ مصيبة أخطأتك شوى «1» ، فجعل الله الحزن لك لا عليك!.
قال: فركب المأمون إلى دار أبى عيسى فحضر جهازه وصلّى عليه ونزل في قبره.
وامتنع من الطعام أياما حتى خيف أن يضرّ ذلك به. قال: وما رأيت مصابا حزينا قطّ أجمل أثرا في مصيبته ولا أحرق وجدا منه، صامت ودموعه تهمى على خدّيه من غير كلح «2» ولا استنثار.
وروى عن أحمد بن أبى داود قال: دخلت على المأمون وقد توفّى أخوه أبو عيسى وهو يبكى ويمسح عينيه بمنديل، فقعدت الى جنب عمرو بن مسعدة وتمثّلت قول الشاعر:
نقص من الدّنيا وأسبابها ... نقص المنايا من بنى هاشم
فلم يزل على تلك الحال يبكى ثم يمسح عينيه، وتمثّل:
سأبكيك ما فاضت دموعى فإن تغض ... فحسبك منّى ما تجنّ الجوانح «3»
كأن لم يمت حىّ سواك ولم تقم ... على أحد إلا عليك النوائح
ثم التفت إلىّ وقال: هيه يا أحمد! فتمثّلت بقول عبدة بن الطبيب:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحّما
تحيّة من أوليته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلّما
(4/220)

فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما
فبكى ساعة، ثم التفت إلى عمرو بن مسعدة فقال: هيه يا عمرو! فقال: نعم يا أمير المؤمنين:
بكّوا حذيفة لم تبكّوا مثله ... حتى تعود قبائل لم تخلق
قال: فإذا عريب وجوار معها يسمعن ما يدور بيننا؛ فقالت: اجعلوا لنا معكم فى القول نصيبا. فقال المأمون: قولى، فربّ صواب منك كثير. فقالت:
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
كأنّ بنى العبّاس يوم وفاته ... نجوم سماء خرّ من بينها البدر «1»
فبكى وبكينا. ثم قال لها المأمون: نوحى، فناحت وردّ عليّها الجوارى. فبكى المأمون حتى قلت: قد فاضت نفسه وبكينا معه أحرّ بكاء، ثم أمسكت. فقال المأمون:
اصنعى فيه لحنا على مذهب النّوح وغنّى به؛ ففعلت وغنّته إياه على العود. فو الذى لا يحلف بأعظم منه لقد بكينا عليه غناء أكثر مما بكينا عليه نوحا.
ومنهم عبد الله بن موسى الهادى.
قال أبو الفرج: كان له في الغناء صنعة حسنة، وله أصوات مذكورة، منها قوله:
تقاضاك دهرك ما أسلفا ... وكدّر عيشك بعد الصّفا
فلا تجزعنّ فإن الزمان ... رهين بتشتيت ما ألّفا
ولما رآك قليل الهموم ... كثير الهوى ناعما مترفا
ألحّ عليك بروعاته ... وأقبل يرميك مستهدفا
(4/221)

قال: وكان عبد الله هذا من أضرب الناس بالعود وأحسنهم غناء. وكان له غلام أسود يقال له «قلم» ، فعلّمه الضرب فحذق فيه؛ فاشترته منه أمّ جعفر بثلاثمائة ألف درهم.
وروى عن سليمان بن داود كاتب أمّ جعفر قال:
كنت جالسا مع عبد الله بن موسى الهادى، فمرّ به خادم لصالح بن الرشيد؛ فقال له: ما اسمك؟ قال: اسمى لا تسل. فأعجبه حسنه وحسن منطقه، فقال لى:
قم بنا حتى نشرب اليوم ونذكر هذا البدر، فقمت معه. فأنشدنى في ذلك اليوم:
وشادن مرّ بنا ... يجرح باللّحظ المقل
مظلوم خصر ظالم ... منه إذا يمشى الكفل
اعتدلت قامته ... والطرف منه ما عدل
بدر تراه أبدا ... طالع سعد ما أفل
سألته عن اسمه ... فقال: إسمى لا تسل
وطلعت في وجنتي ... هـ وردتان من خجل
فقلت ما أخطا الذى ... سمّاك بل قال المثل
لا تسألن عن شادن ... فاق جمالا وكمل
وقال فيه:
عزّ الذى تهوى وذلّ ... صبّ الفؤاد مختبل
جدّ به الهجر وذا ال ... هجر اذا جدّ قتل
من شادن ممنطق ... فاق جمالا وكمل
تناصف الحسن به ... فلا تسل عن لا تسل
(4/222)

وعن أحمد بن المكّى قال: دعانى عبد الله بن موسى يوما فقال لى: أتقوّم غلاما ضاربا مغنّيا قيمة عدل لا حيف فيها على البائع ولا على المشترى؟ فقلت نعم. فأخرج إلىّ ابنه القاسم، وكنت قد عرفت خبره وهو أحسن من القمر ليلة البدر، فأخذ عودا يضرب به؛ فأكببت على يديه أقبلّهما فقال لى عبد الله: أتقبّل يد غلام مملوك! فقلت: بأبى وأمى هو من مملوك! وقبّلت رجله أيضا. فقال:
أمّا إذ عرفته فأحبّ أن تضاربه، ففعلت. فلما رأى الغلام زيادتى في الضرب عليه اغتمّ وأقبل على أبيه فقال له كالمعتذر إليه: يا أبت، أنا متلذّذ وهذا متكسّب.
فضحكت وقلت: هو كذلك يا سيّدى. وعجبت من حدّة جوابه معتذرا على صغر سنه.
قال عبد الله بن حبيب:
كان عبد الله بن موسى الهادى معربدا، وكان قد أعضل»
المأمون مما يعربد عليه إذا شرب معه؛ فأمر به أن يحبس في منزله فلا يخرج منه، وأقعد على بابه حرسا؛ ثم تذمّم من ذلك فأظهر له الرضا وصرف الحرس عن بابه. ثم نادمه فعربد عليه أيضا وكلّمه بكلام أحفظه. وكان عبد الله مغرما بالصيد؛ فأمر المأمون خادما من خواصّ خدمه يقال له حسن «2» فسمّه في درّاج؛ فلما أكله أحسّ بالسمّ، فركب في الليل وقال لأصحابه: هو آخر ما ترونى، ومات بعد أيام. وأكل معه خادمان، فمات أحدهما لوقته، وضنى الآخر ثم مات بعد مدّة.
ومنهم عبد الله بن محمد الأمين.
قال أبو الفرج الأصفهانىّ:
كان عبد الله بن محمد الأمين ظريفا غزلا يقول شعرا ليّنا ويصنعه صنعة صالحة. وكان بينه وبين أبى نهشل بن حميد مودّة؛ فاعترض عبد الله جارية مغنّية
(4/223)

لبعض نساء بنى هاشم وأعطى بها مالا عظيما. وعرفت مولاتها منه رغبة فيها فزادت عليه في السّوم فتركها؛ فاشتراها أخ لأبى نهشل، فتبعتها نفس عبد الله، فسأل أبا نهشل أن يسأل أخاه النزول عنها؛ فسأله ذلك فوعده ودافعه. فكتب عبد الله إلى أبى نهشل:
يابن حميد يا أبا نهشل ... مفتاح باب الحدث المقفل
يا أكرم الناس ودادا وأر ... عاهم لحقّ ضائع مهمل
أحسنت في ودّى وأجملت بل ... جزت فعال المحسن المجمل
بيتك في ذى يمن شامخ ... تقصر عنه قنّتا يذبل
خلفت فينا حاتما ذا النّدى ... وجدت جود العارض المسبل
أىّ أخ أنت لذى وحدة ... تركته بالعزّ في جحفل
نجوم حظّى منك مسعودة ... فيما أرجّى ليس بالأقل
فصدّق الظنّ بما قلته ... وسهّل الأمر به يسهل
لا تحرمنّى ولديك المنى ... بالله صيد الرّشأ الأكحل
رميت منه بسهام الهوى ... وما درى ما الرّمى في مقتلى
أدنيتنى بالوعد في صيده ... إدناء «1» عطشان من المنهل
ثم تناسيت وأسلمتنى ... إلى مطال موحش المنزل
تركتنى في لجّة عائما ... لا أعرف المدبر من مقبل
صرّح بأمر واضح بيّن «2» ... لا خير في ذى لبس مشكل
قال: فلم يزل أبو نهشل بأخيه حتى نزل له عنها. ولعبد الله هذا صنعة منها قوله:
(4/224)

ألا يادير حنظلة المفدّى ... لقد أورثتنى سقما وكدّا
أزفّ من الفرات اليك زقّا ... وأجعل حوله «1» الورد المندّى
ومنهم أبو عيسى بن المتوكل.
قال عبد الله بن المعتز:
جمع لأبى عيسى بن المتوكل صنعة مقدارها أكثر من ثلاثمائة صوت، منها الجيّد الصنعة ومنها المتوسّط. وقال النّميرىّ: سمعت أبا عيسى بن المتوكل يقول:
إذا أتممت صنعة ثلاثمائة وستين صوتا عدد أيام السنة تركت الصنعة. فلما أتمها ترك الصنعة. فمنها قوله في شعر علىّ بن الجهم:
هى النفس ما حمّلتها تتحمّل ... وللدهر أيّام تجور وتعدل
وعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأفضل أخلاق الرجال التجمّل
قال أبو الفرج الأصفهانى: وهو لعمرى من جيّد الغناء وفاخر الصنعة، ولو لم «2» يصنع غيره لكفى.
ومنهم عبد الله بن المعتز.
هو أبو العباس عبد الله بن المعتز بالله العباسىّ.
قد وصفه أبو الفرج الأصفهانى فقال: وأمره مع قرب عهده بعصرنا مشهور فى فضائله وأدبه شهرة يشترك في أكثرها الخاصّ والعامّ، وشعره وإن كان فيه رقّة الملوكية وغزل الظرفاء وهلهلة المحدثين، فإنّ فيه أشياء كثيرة تجرى في أسلوب المجيدين، ولا تقصر عن مدى السابقين وأشياء ظريفة من أشعار الملوك في جنس ما هم بسبيله، ليس عليه أن يتشبّه فيها بفحول الجاهلية. وأطنب في وصفه وتقريظه، وهو فوق ما قال. ثم قال:
(4/225)

وكان عبد الله حسن العلم بصناعة الموسيقي والكلام على النّغم وعللها؛ وله فى ذلك وفي غيره من الآداب كتب مشهورة ومراسلات جرت بينه وبين عبيد الله ابن عبد الله بن طاهر وبين بنى حمدون وغيرهم تدلّ على فضله وغزارة أدبه. وذكر منها شيئا ليس هذا موضع إيراده. ثم قال: ومن صنعة عبد الله بن المعتز في شعره:
هل ترجعنّ ليال قد مضين لنا ... والدار جامعة أزمان أزمانا
قال أبو الفرج: ومن صنعته الظريفة الشكل مع جودتها:
وابلائى من محضر ومغيب ... وحبيب منّى بعيد قريب
لم ترد ماء وجهه العين إلّا ... شرقت قبل ايّها برقيب
قال: ومن صنعته التى تظارف فيها وملح:
زاحم كمّى كمّه فالتويا ... وافق قلبى قلبه فاستويا
وطالما ذاقا الهوى فاكتويا ... يا قرّة العين ويا همّى ويا
وحكى عن جعفر بن قدّامة قال: كان لعبد الله بن المعتز غلام يحبّه، فغضب الغلام عليه، فجهد أن يترضّاه، فلم يكن له فيه حيلة. ودخلت عليه فأنشدنى فيه:
بأبى أنت قد تما ... ديت في الهجر والغضب
واصطبارى على صدو ... دك يوما من العجب
ليس لى إن فقدت وج ... هك في العيش من أرب
رحم الله من أعا ... ن على الصّلح واحتسب
قال: فمضيت إلى الغلام، فلم أزل أداريه وأرفق به حتى ترضّيته له وجئته به؛ فمرّ لنا يومئذ أطيب يوم وأحسنه.
(4/226)

ذكر من غنّى من الأشراف والعلماء رحمهم الله
كان ممن غنى من الأشراف والعلماء على ما نقل إلينا من أخبارهم:
عبد العزيز بن المطلب
«1» . روى الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن على المقدسىّ رحمه الله بسند رفعه إلى محمد بن مسلمة قال حدّثنى أبى قال: أتيت عبد العزيز بن المطلب أسأله عن بيعة الجنّ للنبىّ صلّى الله عليه وسلّم بمسجد الأحزاب ما كان بدؤها، فوجدته مستلقيا وهو يغنّى:
فما روضة بالحزن طيّبة الثّرى ... يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها «2»
بأطيب من أردان عزّة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرّطب نارها
من الخفرات البيض لم تلق شقوة ... وبالحسب المكنون صاف نجارها
فإن برزت كانت لعينيك قرّة ... وإن غبت عنها لم يغمّك عارها «3»
فقلت له: تغنّى أصلحك الله وأنت في جلالتك وشرفك! أما والله لأحدونّ بها ركبان نجد. قال: فو الله ما أكترث وعاد يتغنّى:
فما ظبية أدماء خفّاقة الحشى ... تجوب بظلفيها بطون الخمائل
بأحسن منها إذ تقول تدلّلا ... وأدمعها يذرين حشو المكاحل
تمتّع بذا اليوم القصير فإنه ... رهين بأيّام الشهور الأطاول
(4/227)

قال: فندمت على قولى له، فقلت: أصلحك الله، أتحدّثنى في هذا بشىء! فقال:
نعم، حدّثنى أبى قال: دخلت على سالم بن عبد الله بن عمر- رضى الله عنهم- وأشعب يغنّيه:
معقربة كالبدر سنّة «1» وجهها ... مطهّرة الأثواب والعرض وافر
لها نسب زاك وعرض مهذّب ... وعن كل مكروه من الأمر زاجر
من الخفرات البيض لم تلق ريبة ... ولم يستملها عن تقى الله شاعر
فقال له سالم رضى الله عنه: زدنى. فقال:
ألّمت بنا والليل داج كأنه ... جناح غراب عنه قد نفض القطرا
فقلت أعطّار ثوى في رحالنا ... وما احتملت ليلى سوى ريحها عطرا
فقال سالم: أما والله لولا أن تداوله الرّواة لأجزلت جائزتك، فلك من هذا الأمر مكان.
ومنهم ابراهيم بن سعد
«2» . هو أبو إسحاق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزّهرىّ. كان من العلماء الثّقات المحدّثين. سمع أباه وابن شهاب الزهرىّ وهشام بن عروة وصالح بن كيسان ومحمد بن إسحاق بن يسار. روى عنه يزيد بن عبد الله بن الهاد وشعبة بن الحجاج والليث بن سعد، وابناه يعقوب وسعد «3» ابنا إبراهيم وعبد الرحمن بن مهدىّ ويزيد بن هارون ويونس المؤدّب وأبو داود الطيالسىّ وسليمان بن داود الهاشمى وعبد العزيز الآدمىّ وعلىّ بن الجعد ومحمد بن جعفر الور كانىّ وأحمد بن حنبل وغيرهم. كان يبيح السماع
(4/228)

ويضرب بالعود ويغنّى عليه. وله في ذلك قصّة رواها أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسىّ بسند رفعه إلى سعيد بن كثير بن عفير قال:
قدم إبراهيم بن سعد الزهرىّ العراق سنة أربع وثمانين ومائة، فأكرمه الرشيد وأظهر برّه. وسئل عن الغناء فأفتى بتحليله؛ فأتاه بعض أهل الحديث ليسمع منه أحاديث الزهرىّ، فسمعه يتغنّى، فقال: لقد كنت حريصا على أن أسمع منك، فأمّا الآن فلا سمعت منك حديثا أبدا. قال: إذا لا أفقد إلّا شخصك. علىّ وعلىّ ألّا أحدّث ببغداد ما أقمت حديثا واحدا حتى أغنّى قبله. وشاعت هذه الحكاية ببغداد، فبلغت الرشيد، فدعا به فسأله عن حديث المخزوميّة التى قطعها النبىّ صلّى الله عليه وسلم في سرقة الحلىّ؛ فدعا بعود. فقال الرشيد: أعود المجمر؟ قال: لا ولكن عود الطّرب، فتبسّم. ففهمها إبراهيم بن سعد فقال: لعلك بلغك يا أمير المؤمنين حديث السّفيه الذى آذانى بالأمس وألجأنى إلى أن حلفت. قال نعم. فدعا له الرشيد بعود فأخذه وغنّى:
يا أمّ طلحة إنّ البين قد أفدا ... ملّ الثّواء لأن كان الرحيل غدا
فقال له الرشيد: من كان من فقهائكم ينكر السماع؟ قال: من ربط الله على قلبه.
قال: فهل بلغك عن مالك في هذا شىء؟ فقال: لا والله، إلا أن أبى أخبرنى أنهم اجتمعوا في مدعاة كانت في بنى يربوع وهم يومئذ جلّة «1» ، ومالك أقلّهم في فقه وقدر، ومعهم دفوف ومعازف وعيدان يغنّون ويلعبون. ومع مالك دفّ مربّع وهو يغنيهم:
سليمى أزمعت بينا ... وأين لقاؤها أينا
وقد قالت لأتراب ... لها زهر تلاقينا
تعالين فقد طاب ... لنا العيش تعالينا
(4/229)

فضحك الرشيد ووصله بمال عظيم، ومات إبراهيم في هذه السنة وهو ابن خمس وسبعين سنة. قال: وكان ابراهيم بن سعد يبالغ فيه إلى هذا الحدّ. وقد أجمعت الأئمة على ثقته وعدالته والرواية عنه. واتّفق البخارىّ ومسلم على إخراج حديثه فى الصحيح. ولم تسقط عدالته بفعله عند أهل العلم، بل قلّد قضاء بغداد على جلالتها، وقلّد أبوه القضاء بالمدينة على شرفها.
وروى أبو الفرج الأصفهانى بسند رفعه إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلى قال:
شهدت إبراهيم بن سعد يحلف للرشيد وقد سأله عمن بالمدينة ينكر الغناء، فقال:
من قنّعه الله خزيه: مالك بن أنس؛ ثم حلف أنه سمع مالكا يغنّى:
سليمى أزمعت بينا ... فأين لقاؤها أينا
فى عرس لرجل من أهل المدينة يكنى أبا حنظلة.
وروى أيضا بسنده إلى الحسين بن دحمان الأشقر قال:
كنت بالمدينة، فخلا لى الطريق في نصف النهار، فجعلت أتغنّى:
ما بال أهلك يا رباب ... خزرا كأنهم غضاب
قال: فإذا خوخة قد فتحت وإذا وجه قد بدا تتبعه لحية حمراء، فقال:
يا فاسق! أسأت التأدية، ومنعت القائلة، وأذعت الفاحشة؛ ثم اندفع يغنّيه؛ فظننت أنّ طويسا قد نشر يغنّيه، فقلت: أصلحك الله! من أين لك هذا الغناء؟
قال: نشأت وأنا غلام أتبع المغنّين وآخذ عنهم؛ فقالت لى أمّى: يا بنىّ، إن المغنّى إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى غنائه، فدع الغناء واطلب الفقه فإنه لا يضرّ معه قبح الوجه. فتركت المغنّين واتبعت الفقهاء، فبلغ الله بى ما ترى.
فقلت: فأعد جعلت فداءك. فقال: لا ولا كرامة! أتريد أن تقول أخذته عن مالك بن أنس! وإذا هو مالك ولم أعلم.
(4/230)

ومنهم محمد بن إسماعيل بن علىّ بن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما.
كان عالما بالفقه والغناء جميعا. وكان يحيى بن أكثم وصفه للمأمون بالفقه، ووصفه أحمد بن يوسف بالغناء. فقال المأمون: ما أعجب ما اجتمع فيه العلم بالعلم والغناء!.
ذكر من غنّى من الأعيان والأكابر والقوّاد ممن نسبت له صنعة في الغناء
منهم أبو دلف العجلىّ.
هو أبو دلف القاسم بن عيسى بن إدريس أحد بنى عجل بن لجيم بن مصعب بن علىّ بن بكر بن وائل. كان محلّه من الشجاعة وبعد الهمة وعلوّ المحلّ عند الخلفاء وعظم الغناء في المشاهد وحسن الأدب وجودة الشعر محلا كبيرا ليس لكثير من أمثاله.
قال أبو الفرج الأصبهانىّ: وله صنعة حسنة. فمن جيّد صنعته قوله- والشعر له أيضا-:
بنفسى يا جنان وأنت منّى ... مكان الرّوح من جسد الجبان
ولو أنى أقول مكان نفسى ... خشيت عليك بادرة الزمان
لإقدامى إذا ما الخيل حامت ... وهاب كماتها حرّ الطّعان
قال: وكان أحمد بن أبى داود ينكر أمر الغناء إنكارا شديدا؛ فأعلمه المعتصم أن أبا دلف صديقه يغنّى. فقال: ما أراه مع عقله يفعل ذلك! فستر المعتصم أحمد بن أبى داود في موضع وأحضر أبا دلف وأمره أن يغنّى ففعل ذلك وأطال، ثم أخرج أحمد بن أبى داود عليه؛ فخرج والكراهة ظاهرة في وجهه. فلما رآه أحمد
(4/231)

قال: سوءة لهذا من فعل! أبعد [هذه «1» ] السنّ وهذا المحلّ تصنع «2» بنفسك ما أرى! فخجل أبو دلف وتشوّر «3» وقال: إنهم ليكرهونى على ذلك. فقال: هبهم أكرهوك على الغناء أهم أكرهوك على الإحسان فيه والإصابة!.
قال: وكان أبو دلف ينادم الواثق. فوصف للمعتصم فأحبّ أن يسمعه، وسأل الواثق عنه فقال له: يا أمير المؤمنين، أنا على نيّة الفصد غدا وهو عندى. وفصد الواثق فأتاه أبو دلف وأتته رسل الخليفة بالهدايا؛ فأعلمهم الواثق حصول أبى دلف عنده.
فلم يلبث أن أقبل الخدم يقولون: قد جاء الخليفة. فقام الواثق وكلّ من كان عنده حتى تلقّوه؛ وجاء حتى جلس، وأمر بندماء الواثق فردّوا إلى مجالسهم. وأقبل الواثق على أبى دلف فقال: يا قاسم، غنّ أمير المؤمنين. فقال: صوتا بعينه أو ما اخترت؟ قال: بل من صنعتك في شعر جرير. فغنّى:
بان الخليط برامتين فودّعوا ... أو كلّما اعتزموا لبين تجزع
كيف العزاء ولم أجد مذ غبتم ... قلبا يقرّ ولا شرابا ينقع
فقال المعتصم: أحسن أحسن- ثلاثا- وشرب رطلا. ولم يزل يستعيده حتى شرب تسعة أرطال. ثم دعا بحمار فركبه، وأمر أبا دلف أن ينصرف معه؛ فخرج معه فثبّت في ندمائه، وأمر له بعشرين ألف دينار.
قال: وكان أبو دلف جوادا ممدّحا. وفيه يقول علىّ بن جبلة من قصيدة بقول فيها:
ذاد ورد الغىّ عن صدره ... وارعوى واللهو من وطره
ندمى أنّ الشباب مضى ... لم أبلّغه مدى أشره
(4/232)

حسرت عنّى بشاشته ... وذوى المحمود من ثمره
ودم أهدرت من رشأ ... لم يرد عقلا على هدره
جاء منها:
دع جدا قحطان أو مضر ... فى يمانيه وفي مضره
وامتدح من وائل رجلا ... عصر «1» الآفاق من عصره
ومنها:
المنايا في مقانبه ... والعطايا في ذرا حجره
ملك تندى أنامله ... كانبلاج النّوء عن مطره
مستهلّ عن مواهبه ... كابتسام الرّوض عن زهره
ومنها:
إنما الدنيا أبو دلف ... بين باديه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلف ... ولّت الدنيا على أثره
كلّ من في الأرض من عرب ... بين باديه إلى حضره
مستعير منه مكرمة ... يكتسيها يوم مفتخره
وهذان البيتان اللذان أحفظا المأمون على علىّ بن جبلة حتى سلّ لسانه من قفاه.
وقوله فيه:
أنت الذى تنزل الأيام منزلها ... وتنقل الدهر من حال إلى حال
وما مددت مدى طرف إلى أحد ... إلّا قضيت بأرزاق وآجال
تزورّ سخطا فتضحى البيض ضاحكة ... وتستهل فتبكى أعين المال
وكان سبب مدح علىّ بن جبلة أبا دلف بقوله:
إنما الدنيا أبو دلف
(4/233)

ما رواه أبو الفرج الأصفهانى بسنده عن علىّ بن جبلة قال: زرت أبا دلف بالجبل، فكان يظهر من برّى وإكرامى والتحفّى بى أمرا عظيما مفرطا حتى تأخرت عنه حياء، فبعث إلىّ معقلا وقال: يقول لك الأمير: قد انقطعت عنّى، وأظنّك قد استقللت برّى، فلا يغضبنك ذلك فإنى سأزيد فيه حتى ترضى. فقلت: والله ما قطعنى إلا الإفراط في البرّ، وكتبت إليه:
هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة ... وهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر
ولكننى لمّا أتيتك زائرا ... فأفرطت في برّى عجزت عن الشكر
فم الآن لا آتيك إلّا مسلّما ... أزورك في الشهرين يوما وفي الشهر
فإن زدتنى برّا تزايدت جفوة ... ولم تلقنى طول الحياة إلى الحشر
فلما قرأها معقل استحسنها وقال: أحسنت والله! أمّا إن الأمير يعجبه هذا من المعانى. فلما أوصلها إلى أبى دلف قال: قاتله الله! ما أشعره وأرقّ معانيه! وأجابنى لوقته- وكان حسن البديهة حاضر الجواب-:
ألا ربّ طيف طارق قد بسطته ... وآنسته قبل الضّيافة بالبشر
أتانى يرجّينى فما حال دونه ... ودون القرى والعرف من نائلى سترى
وجدت له فضلا علىّ بقصده ... إلىّ وبرّا زاد فيه على برّى
فزوّدته ما لا يدوم بقاؤه ... وزوّدنى مدحا يدوم على الدهر
قال: وبعث بالأبيات وصيفا وبعث إلىّ معه بألف دينار. فقلت حينئذ:
إنما الدنيا أبو دلف
الأبيات.
وروى أبو الفرج عن أحمد بن عبيد الله بن عمّار قال: كنا عند أبى العبّاس المبرّد يوما وعنده فتى من ولد أبى البخترىّ وهب بن وهب، أمرد حسن الوجه،
(4/234)

وفتى من ولد أبى دلف البجلىّ شبيه به في الجمال. فقال المبرّد لابن أبى البخترىّ:
أعرف لجدّك قصّة ظريفة من الكرم حسنة لم يسق إليها. قال: وما هى؟ قال:
دعى رجل من أهل الأدب إلى بعض المواضع فسقوه نبيذا غير الذى يشربون منه؛ فقال فيهم:
نبيذان في مجلس واحد ... لإيثار مثر على مقتر
فلو كان فعلك ذا في الطعام ... لزمت قياسك في المسكر
ولو كنت تفعل فعل الكرام ... صنعت صنيع أبى البخترى
تتّبع إخوانه في البلاد ... فأغنى المقلّ عن المكثر
فبلغت الأبيات أبا البخترىّ فبعث إليه ثلاثمائة دينار. قال ابن عمار: فقلت وقد فعل جدّ هذا الفتى في هذا المعنى ما هو أحسن من هذا. قال: وما فعل؟
قلت: بلغه أنّ رجلا افتقر من ثروة، فقالت له امرأته، افترض في الجند، فقال:
إليك عنّى فقد كلّفتنى شططا ... حمل السلاح وقول الدّارعين قف
تمشى المنايا إلى قوم فأكرهها ... فكيف أمشى إليها عارى الكتف
حسبت أنّ نفاد المال غيّرنى ... أو أنّ روحى في جنبى أبى دلف
فأحضره أبو دلف وقال: كم أمّلت امرأتك أن يكون رزقك؟ قال: مائة دينار، قال: كم أمّلت أن تعيش؟ قال: عشرين سنة. قال: فذلك لك على ما أمّلت وأمّلت امرأتك في مالنا دون مال السلطان، وأمر بإعطائه إياه. قال: فرأيت وجه ابن أبى دلف يتهلّل وانكسر ابن أبى البخترىّ. وهذه الأبيات رويت لابن أبى فنن.
(4/235)

ومنهم أخوه معقل بن عيسى.
كان فارسا شاعرا جوادا مغنّيا فهما بالنّغم والوتر، ذكره الجاحظ مع ذكر أخيه أبى دلف. وهو القائل لمخارق- وقد كان زار أبا دلف بالجبل ثم رجع الى العراق، وله في ذلك غناء-:
لعمرى لئن قرّت بقربك أعين ... لقد سخنت بالبعد عنك عيون
فسر أو أقم، وقف عليك مودّتى ... مكانك من قلبى عليك مصون
فما أوحش الدنيا إذا كنت نازحا ... وما أحسن الدنيا بحيث تكون
ومنهم عبد الله بن طاهر بن الحسين وابنه عبيد الله.
فأمّا عبد الله
فكان محلّه من علوّ المنزلة وعظم القدر والتمكّن عند الخلفاء ما هو مشهور مذكور فى أخبارهم. وتقلّد الولايات الكبيرة مثل مصر والجزيرة وما يلى ذلك، ثم نقل إلى خراسان. وله عطايا وهبات وصلات لا ينكرها أحد. ومحلّه من الشجاعة والإقدام معروف. وكان يعتنى بالغناء ويصنعه، إلا أنه كان يترفّع عن ذكره والاعتراف به ونسبته إليه.
قال أبو الفرج: والأصوات التى غنّى فيها عبد الله بن طاهر كثيرة. وكان ابنه عبيد الله إذا ذكر شيئا منها من صنعته قال: الغناء للدار الكبيرة، وإذا ذكر شيئا من صنعة نفسه قال: الغناء للدار الصغيرة. فمن الأصوات التى صنع فيها عبد الله بن طاهر قوله:
هلّا سقيتم بنى حزم «1» أسيركم ... نفسى فداؤك من ذى غلّة صادى
الطاعن الطّعنة النجلاء يتبعها ... مضرّج بعد ما جادت بإزباد
قال: فقد جاء به عبد الله صحيح العمل مزدوج النغم [بين «2» ] لين وشدّة على رسم
(4/236)

الحذّاق القدماء. قال عبيد الله- وذكر صوتا من أصواته-: لمّا صنع أبى هذا الصوت لم يحبّ أن يسمع عنه شىء من الغناء ولا ينسب إليه؛ لأنه كان يترفّع «1» عن ذلك، وما جسّ بيده وترا قطّ ولا تعاطاه، ولكنه كان يعلم من هذا الشأن بطول الدّربة وحسن الثقافة ما لا يعرفه كثير. قال: وبلغ من علم ذلك إلى أن صنع في أبيات أصواتا كثيرة، فألقاها على جواريه، فأخذتها عنه وغنّين بها وسمعها الناس منهنّ [وممن أخذ عنهنّ. فلما أن صنع هذا الصوت:
هلا سقيتم بنى سهم أسيركم ... نفسى فداؤك من ذى غلّة صادى «2» ]
نسبه إلى مالك بن أبى السمح. وكانت لآل الفضل بن الربيع جارية يقال لها راحة «3» ، وكانت ترغب إلى عبد الله لمّا ندبه المأمون إلى مصر، وكانت تغنّيه؛ وأخذت هذا الصوت عن جواريه، وأخذه المغنون عنها، وروى لمالك بن أبى السمح مدّة. ثم قدم عبد الله العراق، فحضر مجلس المأمون وغنّى الصوت بحضرته ونسب إلى مالك؛ فضحك عبد الله ضحكا كثيرا؛ فسئل عن القصة فصدق فيها «4» واعترف بصنعة الصوت. وكشف المأمون عن القصة؛ فلم يزل كلّ من سئل عنه يخبر عمن «5» أخذه، فينتهى بالقصة إلى راحة ويقف فلا يعدوها. فأحضرت راحة وسئلت فأخبرت بقصته؛ فعلم أنه من صنعته حينئذ بعد أن جاز على إسحاق وطبقته أنه لمالك. ويقال: إنه لم يعجب من شىء عجبه من حذق عبد الله بمذاهب الأوائل وحكاياتهم.
وأمّا عبيد الله،
ويكنى أبا أحمد. قال أبو الفرج الأصبهانى: له محلّ من الأدب والتصرّف في فنونه ورواية الشعر وقوله والعلم باللغة وأيام الناس
(4/237)

وعلوم الأوائل من الفلاسفة «1» فى الموسيقى والهندسة وغير ذلك [مما «2» ] يجلّ عن الوصف ويكثر ذكره. وله صنعة في الغناء حسنة متقنة عجيبة [تدلّ على ما ذكرناه هاهنا من توصّله «3» ] إلى ما عجز عنه الأوائل من جمع النّغم كلها في صوت واحد تتّبعه هو «4» وأتى به على ما فصّله فيها وطلبه منها.
وكان المعتضد بالله ربما أراد أن يصنع في بعض الأشعار غناء ويحضره أكابر المغنّين فيعدل عنهم إليه فيصنع فيه أحسن صنعة، ويترفّع عن إظهار نفسه بذلك فيومىء إلى أنه من صنعة جاريته ساجى «5» . وسنذكر ساجى إن شاء الله تعالى في أخبار القيان، وكانت تخريج عبيد الله وتأديبه.
قال: ولمّا اختلّت حال عبيد الله كان المعتضد بالله يتفقّده بالصّلات. ومن أصوات عبيد الله التى جمع فيها النّغم العشر قوله في شعر إبراهيم بن علىّ بن هرمة:
وإنك إذ أطمعتنى منك بالرّضا ... وأيأستنى من بعد ذلك بالغضب
كممكنة من درّها كفّ حالب ... ودافقة من بعد ذلك ما حلب
وأخبار عبيد الله كثيرة سنذكر منها في هذا الباب في أخبار ساجى طرفا، ونورد منها إن شاء الله تعالى في فنّ التاريخ ما يناسب. وأستغفر الله العظيم.
(4/238)

ذكر أخبار المغنّين الذين نقلوا الغناء من الفارسيّة إلى العربيّة ومن أخذ عنهم ومن اشتهر بالغناء
والغناء قديم في الفرس والروم، ولم يكن للعرب قبل ذلك إلا الحداء والنشيد، وكانوا يسمّونه «الركبانية» . وأوّل من نقل الغناء العجمىّ إلى العربىّ من أهل مكة «سعيد بن مسجح» ومن أهل المدينة «سائب خاثر» . وأوّل من صنع الهزج «طويس» . ولنبدأ بذكر أخبار هؤلاء ثم نذكر من أخذ عنهم إن شاء الله تعالى.
ذكر أخبار سعيد بن مسجح
هو أبو عثمان سعيد بن مسجح، مولى بنى جمح، وقيل: مولى بنى مخزوم، وقيل: مولى بنى نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب. مكّى أسود- وقيل:
أصفر- حسن اللّون. وقيل: كان مولّدا، يكنى أبا عيسى. وقيل: كان هو وابن سريح لرجل واحد. مغنّ متقدّم من فحول المغنّين وأكابرهم. وهو أوّل من وضع الغناء منهم، وأوّل من غنّى الغناء العربىّ بمكة؛ وذلك أنه مرّ بالفرس وهم يبنون المسجد الحرام في أيام عبد الله بن الزّبير، فسمع غناءهم بالفارسيّة فقلبه في شعر عربىّ، ثم رحل إلى الشأم فأخذ ألحان الرّوم والبربطية والأسطو خوسيّة «1» ، وانقلب
(4/239)

إلى فارس فأخذ غناء كثيرا وتعلّم الضرب، ثم قدم إلى الحجاز وقد أخذ محاسن تلك النّغم وألقى منها ما استقبحه من النّبرات والنّغم؛ وكان أوّل من فعل ذلك، وتبعه الناس بعد؛ وعلّم ابن سريج، وعلّم ابن سريح الغريض. قالوا: وكان في صباه فطنا ذكيّا، وكان مولاه معجبا به، فكان يقول: ليكونن لهذا الغلام شأن، وما يمنعنى من عتقه إلّا حسن فراستى فيه، ولئن عشت لأتعرّفنّ ذلك، وإن متّ قبله فهو حرّ. فسمعه مولاه يوما يتغنّى بشعر ابن الرّقاع يقول:
ألمم على طلل عفا متقادم ... بين الذّؤيب «1» وبين غيب النّاعم
لولا الحياء وأنّ رأسى قد عسا ... فيه المشيب لزرت أمّ القاسم
فدعاه مولاه فقال: أعد يا بنىّ؛ فأعاده فإذا هو أحسن مما ابتدأ به، وقال:
إنّ هذا لبعض ما كنت أقول. ثم قال له: أنّى لك هذا؟ قال: سمعت هذه الأعاجم تتغنّى بالفارسيّة فقلبتها في هذا الشعر. قال: فأنت حرّ لوجه الله. فلزم مولاه وكثر أدبه واتّسع في غنائه وشهر بمكة وأعجبوا به. فدفع إليه مولاه عبيد بن سريج وقال: يا بنىّ علّمه واجتهد فيه. وكان ابن سريج أحسن الناس صوتا، فتعلّم منه ثم برّز عليه. وقد قيل: إنه إنما سمع الغناء من الفرس لمّا أمر معاوية ببناء دوره بمكة التى يقال لها «الرّقط» ، وكان قد حمل إليها بنّائين من الفرس الذين كانوا بالعراق فكانوا يبنونها، وكان سعيد بن مسجح يأتيهم فيسمع غناءهم على بنائهم؛ فما استحسن من ألحانهم أخذه ونقله إلى الشعر العربىّ، ثم صاغ على نحو ذلك. وكان من قديم غنائه الذى صنعه على تلك الألحان شعر الأحوص، وهو:
أسلام إنك قد ملكت فأسجحى ... قد يملك الحرّ الكريم فيسجح
منّى على عان أطلت عناءه ... فى الغلّ عندك والعناة تسرّح
(4/240)

إنى لأنصحكم وأعلم أنّه ... سيّان عندك من يغشّ وينصح
وإذا شكوت إلى سلامة حبّها ... قالت أجدّ منك ذا أم تمزح
وهذا من أقدم الغناء العربىّ المنقول عن الفارسىّ. قال: وعاش سعيد بن مسجح حتى لقيه معبد وأخذ عنه في أيام الوليد بن عبد الملك.
ومن أخبار سعيد مارواه أبو الفرج الأصفهانىّ بسند رفعه قال: كتب عامل لعبد الملك بن مروان بمكة إليه أنّ رجلا أسود يقال له سعيد بن مسجح قد أفسد فتيان قريش وأنفقوا عليه أموالهم. فكتب إليه: أن اقبض ماله وسيّره إلىّ. فتوجّه ابن مسجح الى الشأم؛ فصحبه رجل له جوار مغنّيات في الطريق. فقال له: أين تريد؟ فأخبره الخبر وقال: أريد الشأم؛ فصحبه حتى بلغا دمشق، فدخلا مسجدها فسألا: من أخصّ الناس بأمير المؤمنين؟ فقالوا: هؤلاء النفر من قريش وبنو عمّه.
فوقف ابن مسجح عليهم فسلّم، ثم قال: يا فتيان، هل فيكم من يضيف رجلا غريبا من أهل الحجاز؟ فنظر بعضهم إلى بعض وكان عليهم موعد أن يذهبوا إلى قينة يقال لها «برق الأفق» ، فتثاقلوا به إلّا فتى منهم تذمّم»
فقال له: أنا أضيفك، وقال لأصحابه: انطلقوا أنتم وأنا أذهب مع ضيفى. فقالوا: لا، بل تجىء معنا أنت وضيفك. فذهبوا جميعا الى بيت القينة. فلما أتوا بالغداء قال لهم سعيد:
إنى رجل أسود، ولعل فيكم من يقذرنى، فأنا أجلس وآكل ناحية وقام؛ فاستحيوا منه وبعثوا له بما أكل. فلما صاروا إلى الشّراب قال لهم مثل ذلك ففعلوا.
ثم أخرجوا جاريتين، فجلستا على سرير قد وضع لهما فغنّتا إلى العشاء ثم دخلتا؛ وخرجت جارية حسنة الوجه والهيئة وهما معها فجلستا أسفل السرير عن يمينه وشماله وجلست هى على السرير. قال ابن مسجح: فتمثلت هذا البيت:
(4/241)

فقلت أشمس أم مصابيح بيعة ... بدت لك خلف السّجف أم أنت حالم
فغضبت الجارية وقالت: أيضرب مثل هذا الأسود بى الأمثال! فنظروا إلىّ نظرا منكرا، ولم يزالوا يسكّنونها. ثم غنّت صوتا. قال ابن مسجح: فقلت:
أحسنت والله! فغضب مولاها وقال: أمثل هذا الأسود يقدم على جاريتى! فقال لى الرجل الذى أنزلنى عنده: قم فانصرف إلى منزلى، فقد ثقلت على القوم.
فذهبت أقوم. فتذمّم القوم وقالوا: بل أقم وأحسن أدبك: فأقمت. فغنّت، فقلت:
أخطأت والله وأسأت! ثم اندفعت فغنّيت الصوت؛ فوثبت الجارية فقالت لمولاها: هذا أبو عثمان سعيد بن مسجح. فقلت: إى والله، أنا هو، والله لا أقيم عندكم ووثبت؛ فوثب القرشيون: فقال هذا: تكون عندى، وقال هذا: تكون عندى، [وقال هذا: بل عندى «1» ] . فقلت: والله لا أقيم إلا عند سيّدكم! (يعنى الرجل الذى أنزله منهم) وسألوه عما أقدمه. فأخبرهم. فقال له صاحبه: إنى أسمر الليلة عند أمير المؤمنين، فهل تحسن أن تحدو؟ فقال: لا والله، ولكنى أنا حداء.
فقال له: إنّ منزلى بحذاء منزل أمير المؤمنين، فإذا وافقت منه طيب نفس أرسلت إليك. ومضى إلى عبد الملك. فلما رآه طيّب النفس أرسل إلى ابن مسجح؛ فأخرج رأسه من وراء شرف القصر ثم حدا:
إنك يا معاذ يابن الفضّل «2» ... إن زلزل الأقدام لم تزلزل
عن دين موسى والكتاب المنزل ... تقيم أصداغ «3» القرون الميّل
للحق حتى ينتحوا للأعدل
(4/242)

فقال عبد الملك للقرشىّ: من هذا؟ فقال: رجل حجازىّ قدم علىّ. قال:
أحضره، فأحضره. ثم قال له: [هل «1» ] تغنّى غناء الرّكبان؟ فغنّى. فقال له: هل تغنّى الغناء المتقن؟ قال نعم. قال: هيه، فغنّى؛ فاهتزّ عبد الملك طربا، ثم قال: أقسم بالله إنّ لك في القوم اسما كبيرا، من أنت؟ ويلك! قال: أنا المظلوم المقبوض ماله المسيّر عن وطنه «سعيد بن مسجح» ، قبض مالى عامل الحجاز ونفانى. فتبسّم عبد الملك ثم قال: قد وضح عذر فتيان قريش في أن ينفقوا عليك أموالهم؛ وأمّنه ووصله وكتب إلى عامله بالحجاز أن اردد إليه ماله، ولا تتعرّض اليه بسوء.
والله أعلم.
ذكر أخبار سائب خاثر
هو أبو جعفر سائب خاثر بن يسار، مولى لبنى ليث. وأصله من فيء كسرى، واشتراه عبد الله بن جعفر فأعتقه. وقيل: بل كان على ولائه لبنى ليث، ولكنه انقطع إلى عبد الله بن جعفر ولزمه وعرف به. وهو أوّل من عمل العود بالمدينة وغنّى به. قال: وكان عبد الله بن عامر بن كريز سبىّ «2» إماء صنّاجات «3» فأتى بهنّ المدينة. فكنّ يلعبن في يوم الجمعة ويسمع الناس منهنّ، فأخذ عنهنّ. وقدم رجل فارسىّ يعرف بنشيط، فغنّى، فعجب عبد الله بن جعفر منه. فقال له سائب خاثر:
أنا أصنع لك مثل غناء هذا الفارسىّ بالعربيّة. ثم غدا على عبد الله بن جعفر وقد عمل في:
(4/243)

لمن الديار رسومها قفر ... لعبت بها الأرواح والقطر
وخلا لها من بعد ساكنها ... حجج مضين ثمان أو عشر
والزعفران على ترائبها ... شرق به اللّبات والنحر
قال ابن الكلبىّ: وهو أوّل صوت غنّى به في الإسلام من الغناء العربىّ المتقن الصّنعة. قال: ثم اشترى عبد الله بن جعفر نشيطا بعد ذلك؛ فأخذ عنه سائب خاثر الغناء العربىّ، وأخذ عنه ابن سريج وجميلة ومعبد وعزّة الميلاء وغيرهم. وقيل:
إنه لم يكن يضرب بالعود وإنما كان يقرع بالقضيب ويغنّى مرتجلا. قال ابن الكلبى: وكان [سائب تاجرا «1» ] موسرا يبيع الطعام بالمدينة، وكان تحته أربع نسوة. وكان انقطاعه إلى عبد الله بن جعفر، وهو مع ذلك يخالط سروات الناس وأشرافهم لظرفه وحلاوته وحسن صوته. وكان قد آلى على نفسه ألّا يغنّى أحدا سوى عبد الله بن جعفر إلا أن يكون خليفة أو ولىّ عهد أو ابن خليفة؛ فكان على ذلك الى أن قتل، على ما نذكره. وأخذ عنه معبد غناء كثيرا. قال: وسمع معاوية غناء سائب خاثر مرارا، فالمرّة الأولى لمّا وفد عبد الله بن جعفر إلى معاوية وهو معه، فسأل عنه معاوية، فأخبره عبد الله خبره واستأذنه في دخوله عليه، فأذن له.
فلما دخل قام على الباب ثم رفع صوته فغنّى:
لمن الديار رسومها قفر ... الأبيات
فالتفت معاوية إلى عبد الله وقال: أشهد لقد حسّنه. وقضى معاوية حوائجه وأحسن اليه ووصله. وقيل: أشرف معاوية ليلة على منزل يزيد، فسمع صوتا أعجبه، واستخفّه السماع فاستمع حتى ملّ؛ ثم دعا بكرسىّ فجلس عليه واشتهى الاستزادة، فاستمع بقيّة ليلته. فلما أصبح غدا عليه يزيد؛ فقال: يا بنىّ، من كان
(4/244)

جليسك البارحة؟ قال: أىّ جليس يا أمير المؤمنين؟ واستعجم عليه. فقال: عرّفنى به فإنه لم يخف علىّ شىء من أمرك. قال: هو سائب خاثر. قال معاوية: فأكثر له يا بنىّ من برّك وصلتك، فما رأيت بمجالسته بأسا.
قال ابن الكلبىّ: وقدم معاوية المدينة في بعض ما كان يقدم، فأمر حاجبه بالإذن للنّاس؛ فخرج ثم رجع فقال: ما بالباب أحد. فقال معاوية: وأين الناس؟
قال: عند عبد الله بن جعفر. فركب معاوية بغلته ثم توجّه اليهم. فلما جلس قال بعض القرشيّين لسائب خاثر: مطرفى هذا لك إن اندفعت تغنّى (وكان المطرف من خز) ؛ فقام بين السّماطين وغنّى فقال:
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى «1» ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
فسمع منه معاوية وطرب وأصغى اليه حتى سكت وهو مستحسن لذلك، ثم انصرف، وأخذ سائب خاثر المطرف «2» .
وكان مقتل سائب خاثر بالمدينة يوم الحرّة. قال: وكان يخشى على نفسه من أهل الشأم. فخرج اليهم وجعل يقول: أنا مغنّ، ومن حالى ومن قصتى كيت وكيت، وقد خدمت أمير المؤمنين يزيد وأباه قبله. فقالوا له: غنّ لنا، ففعل.
فقام أحدهم فقال: أحسنت والله، ثم ضربه بالسيف فقتله. وبلغ يزيد خبره ومرّ به اسمه في أسماء من قتل فلم يعرفه وقال: من سائب خاثر؟ فعرّف به، فقال: ويله ما له وما لنا! ألم نحسن إليه ونصله ونخلطه بأنفسنا! فما الذى حمله على عداوتنا! لا جرم أنّ بغيه علينا صرعه. وقيل: إنه لمّا بلغه قتله قال: إنا لله! أو بلغ
(4/245)

القتل إلى سائب خاثر وطبقته! ما أرى أنه بقى بالمدينة أحد، وقال. قبحكم الله يأهل الشأم! تجدهم وجدوه في حائط أو حديقة مستترا فقتلوه. وقد قيل: إنه تقدّم يوم الحرّة وقاتل حتى قتل. والله أعلم.
ذكر أخبار طويس
هو عيسى بن عبد الله. وكنيته أبو عبد المنعم، وغيّرها المخّنثون فقالوا:
أبو عبد النعيم. وطويس لقب غلب عليه، وقيل: اسمه طاوس، مولى بنى مخزوم.
وكان أيضا يلقّب بالذائب؛ لأنه غنّى:
قد برانى الحبّ حتى ... كدت من وجدى أذوب
وهذا أوّل غناء غنّاه وهزج هزجه. وقد ضرب المثل به في الشؤم فقالوا:
«أشأم من طويس» لأنه ولد يوم مات رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وفطم يوم مات أبو بكر رضى الله عنه، وختن يوم مات عمر رضى الله عنه، وتزوّج يوم قتل عثمان، وولد له يوم مات علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه. وكان مخنّثا أحول طويلا؛ وقيل: إنه ولد ذاهب العين اليمنى. قالوا: وكانت أمّه تمشى بين نساء الأنصار بالنمائم. وطويس أوّل من صنع الهزج والرمل في الإسلام، وكان الناس يضربون به المثل فيقولون: «أهزج من طويس» . وكان لا يضرب بالعود وإنما ينقر بالدّفّ. وكان ظريفا عالما بأمر المدينة وأنساب أهلها.
حكى أبو الفرج الأصفهانىّ بسنده إلى المدائنىّ قال: قدم ابن سريح المدينة، فجلس يوما في جماعة وهم يقولون له: أنت والله أحسن الناس غناء، إذ مرّ بهم طويس فسمعهم وما يقولون، فاستلّ دفّه من حضنه ونقره وغنّى؛ فلما سمعه
(4/246)

ابن سريج قال: هذا والله أحسن الناس غناء لا أنا. وقال المدائنىّ، قال مسلمة «1» ابن محارب: حدّثنى رجل من أصحابنا قال: خرجنا في سفر ومعنا رجل من أصحابنا فانتهينا إلى واد، فدعونا بالغداء، فمدّ الرجل يده إلى الطعام فلم يقدر عليه، وكان قبل ذلك يأكل معنا؛ فخرجنا نسأل عن حاله فنلقى «2» رجلا طويلا أحول مضطرب الخلق في زىّ الأعراب؛ فقال لنا: ما لكم؟ فأنكرنا سؤاله لنا؛ فأخبرناه خبر الرجل فقال: ما اسم صاحبكم؟ فقلنا: أسيد؛ فقال: هذا واد قد أخّذت «3» سباعه فارتحلوا، فلو قد جاوزتم الوادى استمرّ «4» صاحبكم وأسد «5» وأكل. قلنا في أنفسنا: هو من الجنّ، ودخلتنا فزعة. ففهم ذلك وقال: ليفرخ روعكم فأنا طويس. فقال له رجل منّا:
مرحبا بك أبا عبد النعيم، ما هذا الزّىّ؟! فقال: دعانى بعض أودّائى من الأعراب فخرجت إليهم وأحببت أن أتخطّى الأحياء فلا ينكرونى. فسأله رجل منّا أن يغنّينا؛ فاندفع ونقر بدفّ كان معه مربّع، فلقد خيّل لى أنّ الوادى ينطق معه حسنا.
وتعجّبنا من علمه وما أخبرنا به من أمر صاحبنا.
قال المدائنىّ: وكان طويس ولعا بالشعر الذى قالته الأوس والخزرج فى حروبهم، وكان يريد بذلك الإغراء؛ فقلّ مجلس اجتمع فيه هذان الحيّان فغنّى فيه طويس إلا وقع فيه شىء. فنهى عن ذلك، فقال: والله لا تركت الغناء بشعر الأنصار حتى يوسّدونى التراب؛ وذلك لكثرة تولّع القوم به، وكان يبدى السرائر ويخرج الضغائن؛ وغناؤه يستحسن ولا يصبر عن حديثه.
(4/247)

وحكى الأصبهانىّ عفا الله عنه قال: كان بالمدينة مخنّث يقال له النّغاشى.
فقيل لمروان بن الحكم: إنه لا يقرأ من كتاب الله تعالى شيئا. فبعث إليه فاستقرأه أمّ الكتاب؛ فقال: والله ما معى بناتها، أو ما أقرأ البنات فكيف أقرأ أمّهنّ! فقال: أتهزأ لا أمّ لك! فأمر به فقتل ببطحان «1» ، وقال: من جاءنى بمخنّث فله عشرة دنانير. فأتى طويس وهو في بنى الحارث بن الخزرج فأخبر بمقالة مروان؛ فقال: أما فضّلنى الأمير عليهم بفضل حتى جعل فيّ وفيهم شيئا واحدا!. ثم خرج حتى نزل السويداء (على ليلتين من المدينة في طريق الشأم) فنزلها، فلم يزل بها بقيّة عمره. وعمّر حتى مات في ولاية الوليد بن عبد الملك. ثم ساق الأصفهانىّ هذه القصة في موضع آخر بسند آخر قال: خرج يحيى بن الحكم وهو أمير على المدينة، فبصر بشخص في السّبخة مما يلى مسجد الأحزاب؛ فلما نظر إلى يحيى جلس؛ فاستراب به، فوجّه إليه أعوانه، فأتى به كأنه امرأة في ثياب مصبّغة مصقولة وهو ممتشط مختضب. فقال له أعوانه: هذا ابن نغاش المخنث. فقال: ما أحسبك تقرأ من كتاب الله تعالى شيئا! اقرأ أمّ القرآن؛ فقال: لو عرفت أمّهن عرفت البنات. فأمر به فضربت عنقه. وساق نحو ما تقدّم، إلا أنه قال: جعل في كل مخنّث ثلاثمائة درهم.
وحكى أيضا بسند رفعه إلى صالح بن كيسان وغيره: أنّ أن بن عثمان لمّا أمّره عبد الملك على الحجاز أقبل، حتى [اذا «2» ] دنا من المدينة تلقّاه أهلها وخرج إليه أشرافها، فخرج معهم طويس. فلما رآه سلّم عليه، ثم قال له: أيها الأمير،
(4/248)

إنى كنت قد أعطيت الله تعالى عهدا إن رأيتك أميرا لأخضبن يدى إلى المرفقين ثم أزدو «1» بالدّف بين يديك. ثم أبدى عن دفّه وتغنّى [بشعر ذى جدن الحميرىّ «2» ] :
ما بال أهلك يا رباب ... خزرا كأنهم غضاب
فطرب أبان حتى كاد يطير، ثم جعل يقول: حسبك يا طاوس! - ولم يقل له طويس لنبله في عينه- ثم قال له: اجلس، فجلس. فقال له أبان: قد زعموا أنك كافر. فقال له: جعلت فداءك! والله إنى لأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله [صلّى الله عليه وسلّم] وأصلّى الخمس وأصوم رمضان وأحجّ البيت. قال:
أفأنت أكبر أم عمرو بن عثمان؟ - وكان عمرو أخا أبان لأبيه وأمه- فقال طويس: جعلت فداءك! أنا والله مع جلائل نساء قومى أمسك بذيولهن يوم زفّت أمّك المباركة إلى «3» أبيك الطيب. فاستحيا أبان ورمى بطرفه الى الأرض.
ذكر أخبار عبد الله «4» بن سريج
هو أبو يحيى عبد الله بن سريج، مولى بنى نوفل بن عبد مناف. وقال ابن الكلبى:
إنه مولى لبنى الحارث بن عبد المطلب. وقيل: إنه مولى لبنى ليث، ومنزله بمكة.
وقال الحسن بن عتبة اللهبىّ: إنه مولى لبنى عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم.
وحكى أبو الفرج الأصبهانىّ أنه كان آدم أحمر ظاهر الدّم سناطا «5» ، فى عينيه قبل «6» ، وبلغ خمسا وثمانين سنة، وكان منقطعا إلى عبد الله بن جعفر.
(4/249)

ونقل أيضا عن ابن الكلبىّ أنه كان مخنّثا أحول أعمش، يلقّب وجه الباب.
وكان لا يغنّى إلا متنقّبا، مسبل القناع على وجهه. قال: وكان أحسن الناس غناء، وكان يغنّى مرتجلا ويوقع بقضيب، وقيل: كان يضرب بالعود. وغنّى في زمن عثمان بن عفّان، ومات في خلافة هشام بن عبد الملك. وقيل: كان اسمه عبيد بن سريج من أهل مكة. وقال ابن جريج: كان عبيد بن سريج مولى آل خالد بن أسيد، وقيل: كان أبوه تركيا. وقيل: كان عوده على صنعة عيدان الفرس، وهو أوّل من ضرب به على الغناء العربىّ بمكة؛ وذلك أنه رآه مع العجم الذين قدم بهم ابن الزبير لبناء الكعبة، فأعجب أهل مكة غناؤهم. فقال ابن سريج: أنا أضرب به على غنائى، فضرب به فكان أحذق الناس. وأخذ الغناء عن سعيد بن مسجح، وقد تقدّم ذكر ذلك. وأوّل ما اشتهر بالغناء في ختان ابن مولاه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى حسين. قال ابن سريج لأمّ الغلام: خفّضى عليك بعض المغرم والكلفة، فو الله لألهين نساءك حتى لا يدرين ما جئت به. وكان معبد إذا أعجبه غناء نفسه قال: أنا اليوم سريجىّ.
ومن أخباره أيضا أن عطاء بن أبى رباح لقيه بذى طوى وعليه ثياب مصبّغة وفي يده جرادة مشدودة الرّجل بخيط يطيرها ويجذبها كلما تخلّفت؛ فقال له عطاء:
يا فتّان، ألا تكفّ عما أنت فيه! كفى الله الناس مئونتك. فقال له ابن سريج:
وما على الناس من تلوبنى ثيابى ولعبى بجرادتى! فقال: تغنّيهم أغانيك الخبيثة.
فقال له ابن سريج: بحقّ من تبعته من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبحق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليك إلّا سمعت منّى بيتا من الشعر، فإن سمعت منكرا أمرتنى بالإمساك عما أنا عليه، وأنا أقسم بالله وبحقّ هذه البنيّة إن أمرتنى
(4/250)

بعد استماعك منّى بالإمساك عما أنا عليه لأفعلنّ. فأطمع ذلك عطاء في ابن سريج وقال له: قل. فاندفع يغنّى بشعر جرير:
إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا
غيّضن من عبراتهنّ وقلن لى ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
قال: فلما سمعه عطاء اضطرب اضطرابا شديدا وداخلته أريحيّة، فحلف ألّا يكلّم أحدا بقيّة يومه إلا بهذا الشعر، وصار إلى مكانه من المسجد الحرام، فكان كل من يأتيه يسأل عن حلال أو حرام أو خبر لا يجيبه إلا بأن يضرب إحدى يديه على الأخرى وينشد هذا الشعر حتى صلّى المغرب، ولم يعاود ابن سريج بعدها ولا تعرّض له.
وحكى عنه أيضا أنّ عمر بن أبى ربيعة حجّ في عام من الأعوام ومعه ابن سريج، فلما رموا الجمرات تقدّما الحاجّ إلى كثيب على خمسة أميال من مكة مشرف على طريق المدينة وطريق الشأم والعراق، وهو كثيب شامخ مفرد عن الكثبان، فصارا إليه فأكلا وشربا. فلما انتشيا أخذ ابن سريج الدفّ فنقره وجعل يتغنّى وهم ينظرون إلى الحاجّ. فلما أمسيا رفع ابن سريج صوته وتغنّى بشعر لعمر بن أبى ربيعة، فسمعه الرّكبان، فجعلوا يصيحون به: يا صاحب الصوت، أما تتّقى الله! قد حبست الناس عن مناسكهم، فيسكت قليلا حتى إذا مضوا رفع صوته فيقف آخرون؛ إلى أن وقف عليه في الليل رجل حسن الهيئة على فرس عتيق حتى وقف بأصل الكثيب، ثم نادى:
يا صاحب الصوت، أيسهل عليك أن تردّد شيئا مما سمعته منك؟ قال: نعم ونعمة عين، فأيّها تريد؟ فاقترح صوتا فغنّاه. ثم قال له ابن سريج: ازدد إن شئت؛ فاقترح صوتا آخر فغنّاه، فقال له: والثالث ولا أستزيدك، فغناه الثالث. وقال له ابن سريج: أبقيت «1» لك حاجة؟ قال نعم، تنزل لأخاطبك؛ فنزل إليه فإذا هو يزيد
(4/251)

ابن عبد الملك، فأعطاه حلّته وخاتمه وقال: خذهما ولا تخدع فيهما فإن شراءهما ألف وخمسمائة دينار؛ فعاد ابن سريج بهما فأعطاهما لعمر بن أبى ربيعة وقال:
هما بك أشبه منهما بى، فأخذهما وعوّضه عنهما ثلاثمائة دينار؛ وغدا فيهما إلى المسجد، فعرفهما الناس وجعلوا يتعجّبون ويسألون عمر عنهما؛ فيخبرهم أن يزيد بن عبد الملك كساه ذلك. وقيل: إن عمر بن عبد العزيز مرّ به فسمع ابن سريج وهو يغنّى، فقال: لله درّ هذا الصوت لو كان بالقرآن!.
قال إبراهيم بن المهدىّ: كان ابن سريج رجلا عاقلا أديبا، وكان يعاشر الناس بما يشتهون فلا يغنّيهم بما مدح به أعداؤهم ولا بما فيه عار عليهم أو غضاضة منهم.
ومن أخباره ما حكاه أبو الفرج الأصبهانى بإسناده، قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عامل مكة أن أشخص إلىّ ابن سريج، فأشخصه إليه. فلما قدم مكث أياما لا يدعوه ولا يلتفت إليه، ثم ذكره فاستحضره، فدخل عليه وسلّم فأذن له بالجلوس واستدناه حتى كان قريبا منه؛ فقال: ويحك يا عبيد! لقد بلغنى عنك ما حملنى على الوفادة بك من كثرة أدبك وجودة اختيارك مع ظرف لسانك وحلاوة مجلسك. قال: جعلت فداءك يا أمير المؤمنين! «تسمع بالمعيدىّ لا أن تراه «1» » ، قال الوليد: إنى لأرجو ألا تكون أنت ذاك، ثم قال: هات ما عندك؛ فاندفع يغنّى بشعر الأحوص:
وإنّى إذا حلّت ببيش «2» مقيمة ... وحلّ بوجّ «3» جالسا أو تتهما
(4/252)

يمانية شطّت وأصبح نفعها ... رجاء وظنّا بالمغيب مرجّما
أحبّ دنوّ الدّار منها وقد أبى ... بها صدع شعب الدار إلّا تثلّما
بكاها وما يدرى سوى الظنّ ما بكى ... أحيّا يبكّى أم ترابا وأعظما
فدعها وأخلف للخليفة مدحة ... تزل عنك بؤسى أو تفيدك مغنما «1»
فإن بكفّيه مفاتيح رحمة ... وغيث حيا يحيا به الناس مرهما «2»
إمام أتاه الملك عفوا ولم يثب ... على ملكه مالا حراما ولا دما
تخيّره ربّ العباد لخلقه ... وليّا وكان الله بالناس أعلما
ينال الغنى والعزّ من نال ودّه ... ويرهب موتا عاجلا من تشأما «3»
فقال الوليد: أحسنت والله وأحسن الأحوص. ثم قال: يا عبيد هيه! فغنّاه بشعر عدى بن الرّقاع العاملىّ يمدح الوليد:
طار الكرى وألمّ الهمّ فاكتنعا «4» ... وحيل بينى وبين النوم فامتنعا
كان الشباب قناعا أستكنّ به ... وأستظلّ زمانا ثمّت انقشعا
واستبدل الرأس شيبا بعد داجية ... فينانة ما ترى في صدغها نزعا «5»
فإن تكن ميعة من باطل ذهبت ... وأعقب الله بعد الصّبوة الورعا
فقد أبيت أراعى الخود رابية «6» ... على الوسائد مسرورا بها ولعا
(4/253)

برّاقة الثغر يشفى القلب لذّتها ... إذا مقبّلها في ريقها كرعا
كالأقحوان بضاحى الروض صبّحه ... غيث أرشّ بتنضاح وما نقعا
صلى الذى الصلوات الطيّبات له ... والمؤمنون إذا ما جمّعوا الجمعا
على الذى سبق الأقوام ضاحية ... بالأجر والحمد حتى صاحباه معا
هو «1» الذى جمع الرحمن أمّته ... على يديه وكانوا قبله شيعا
عذنا بذى العرش أن نحيا ونفقده ... وأن نكون لراع بعده تبعا
إن الوليد أمير المؤمنين له ... ملك أعان عليه الله فارتفعا
لا يمنع الله «2» ما أعطى الذين هم ... له عباد ولا يعطون ما منعا
فقال الوليد: صدقت يا عبيد، أنّى لك هذا؟ قال: (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) *.
قال الوليد: لو غير هذا قلت لأحسنت أدبك. قال ابن سريج: (ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) *
قال الوليد: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ)
. قال ابن سريج: (هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ)
. قال الوليد: لعلمك والله أكثر وأعجب إلىّ من غنائك! غنّنى؛ فغنّاه بشعر عدىّ بن الرّقاع يمدح الوليد «3» فقال:
عرف الدّيار توهما فاعتادها ... من بعد ما شمل البلى أبلادها «4»
(4/254)

[إلا رواسى كلهنّ قد اصطلى ... جمرا وأشعل أهلها إيقادها «1»
كانت رواحل للقدور فعرّيت ... منهنّ واستلب الزمان رمادها
وتنكّرت كلّ التنكّر بعدنا ... والأرض تعرف بعلها وجمادها «2» ]
ولربّ واضحة العوارض حرّة «3» ... كالرّيم قد ضربت به أوتادها
تصطاد بهجتها المعلّل بالصبا ... عرضا فتقصده ولن يصطادها «4»
كالظّبية البكر الفريدة ترتعى ... من أرضها قفّاتها وعهادها «5»
خضبت لها عقد البراق جبينها ... من عركها علجانها وعرادها «6»
كالزّين في وجه العروس تبذّلت ... بعد الحياء فلاعبت أرآدها
تزجى أغنّ كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدّواة مدادها
ركبت به من عالج متحيّرا ... قفرا تريّث وحشه أولادها «7»
فترى محانيه التى تسق الثرى ... والهبر يونق نبتها روّادها «8»
بانت سعاد وأخلفت ميعادها ... وتباعدت عنا لتمنع زادها
(4/255)

إنى إذا ما لم تصلنى خلّتى ... وتباعدت عنّى اغتفرت بعادها «1»
[إمّا ترى شيبى تقشّع لمّتى ... حتى علا وضح يلوح «2» سوادها
فلقد ثنيت يد الفتاة وسادة ... لى جاعلا يسرى يدىّ وسادها
وأصاحب الجيش العرمرم فارسا ... فى الخيل أشهد كرّها وطرادها
وقصيدة قد بتّ أجمع بينها ... حتى أقوّم ميلها وسنادها «3»
نظر المثقّف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها «4»
فسترت عيب معيشتى بتكرّم ... وأتيت في سعة النعيم سدادها «5»
وعلمت حتى ما أسائل واحدا ... عن علم واحدة لكى أزدادها]
صلّى الإله على امرىء ودّعته ... وأتمّ نعمته عليه وزادها
وإذا الربيع تتابعت أنواؤه ... فسقى خناصرة الأحصّ فجادها «6»
نزل الوليد بها فكان لأهلها ... غيثا أغاث أنيسها وبلادها
أولا ترى أن البريّة كلّها ... ألقت خزائمها إليه فقادها
ولقد أراد الله إذ ولّاكها ... من أمّة إصلاحها ورشادها
أعمرت أرض المسلمين فأقبلت ... وكففت عنها من يروم فسادها
وأصبت في أرض العدوّ مصيبة ... عمّت أقاصى غورها ونجادها
ظفرا ونصرا ما تناول مثله ... أحد من الخلفاء كان أرادها
(4/256)

فإذا نشرت له الثناء وجدته ... جمع المكارم طرفها وتلادها
[غلب المساميح الوليد سماحة ... وكفى قريش المعضلات وسادها
تأتيه أسلاب الأعزّة عنوة ... قسرا ويجمع للحروب عتادها
وإذا رأى نار العدوّ تضرّمت ... سامى جماعة أهلها فاقتادها
بعرمرم تبدو الرّوابى ذى وعى ... كالحرّة احتمل الضحى أطوادها «1»
أطفأت نارا للحروب وأوقدت ... نار قدحت براحتيك زنادها
فبدت بصيرتها لمن يبغى الهدى ... وأصاب حرّ شديدها حسّادها
وإذا غدا يوما بنفحة نائل ... عرضت له الغد مثلها فأعادها
واذا عدت خيل تبادر غاية ... فالسابق الجالى يقود جيادها]
فأشار الوليد إلى بعض الخدم فغطّوه بالخلع، ووضعوا بين يديه كيس الدنانير وبدر الدراهم، ثم قال الوليد: يا مولى بنى نوفل بن الحارث لقد أوتيت أمرا جليلا فقال ابن سريج: وأنت يا أمير المؤمنين لقد آتاك الله ملكا عظيما وشرفا عاليا وعزا بسط يدك فيه فلم يقبضه عنك ولا يفعل إن شاء الله، فأدام الله لك ما ولّاك وحفظك فيما استرعاك؛ فإنك أهل لما أعطاك، ولا ينزعه منك إذ رآك له موضعا.
قال: يا نوفلىّ، وخطيب أيضا! قال ابن سريج: عنك نطقت، وبلسانك تكلّمت، وبعزّك بيّنت، وكان قد أمر بإحضار الأحوص بن محمد الأنصارىّ وعدىّ بن الرّقاع العاملىّ، فلما قدما عليه أمر بإنزالهما حيث ابن سريج فأنزلا منزلا بجوار منزله.
فقالا: والله لقرب أمير المؤمنين كان أحبّ إلينا من قربك يا مولى بنى نوفل، وإن فى قربك لما يلذّنا ويشغلنا عن كثير مما نريد. فقال لهما ابن سريج: أو قلّة شكر!
(4/257)

فقال له عدىّ: كأنك يابن اللّخناء تمنّ علينا، [علىّ وعلىّ «1» ] إن جمعنا وإياك سقف بيت أو صحن دار عند أمير المؤمنين، فقال الأحوص: أو لا تحتمل لأبى يحيى الزّلّة والهفوة، وكفّارة يمين خير من لجاج في غير منفعة. فتحوّل عدىّ وبقى الأحوص. وبلغ الوليد ما جرى بينهم، فدعا ابن سريج فأدخله بيتا وأرخى دونه سترا ثم أمره إذا فرغ الأحوص وعدىّ من كلمتيهما أن يغنّى، فلما دخلا وأنشداه مدائح لهما فيه، رفع ابن سريج صوته من حيث لا يرونه وضرب بعود. فقال عدىّ: يا أمير المؤمنين، أتأذن لى أن أتكلّم؟ قال: قل يا عاملىّ، قال: مثل هذا عند أمير المؤمنين ويبعث إلى ابن سريج يتخطّى رقاب قريش والعرب من تهامة إلى الشأم ترفعه أرض وتخفضه أخرى ليسمع غناءه! قال: ويحك يا عدىّ! أو لا تعرف هذا الصوت؟ قال: لا والله ما سمعته قط ولا سمعت مثله، ولولا أنه فى مجلس أمير المؤمنين لقلت طائفة من الجنّ يتغنّون، فقال: اخرج عليهم، فخرج فإذا ابن سريج. فقال عدىّ: حقّ لهذا أن يحمل! حقّ لهذا أن يحمل! ثلاثا، ثم أمر لهما بمثل ما أمر به لابن سريج وارتحل القوم.
وروى أبو الفرج أيضا عن سهل بن بركة وكان يحمل عود ابن سريج قال:
كان على مكة نافع بن علقمة الكنانىّ فشدّد في الغناء والمغنّين والنبيذ ونادى فى المخنّثين. فخرج فتية من قريش إلى بطن محسّر «2» وبعثوا برسول لهم، فجاءهم براوية من شراب الطائف، فلما شربوا وطربوا قالوا: لو كان معنا ابن سريج تم سرورنا، فقلت: هو علىّ لكم، فقال لى بعضهم: دونك هذه البغلة فاركبها وامض إليه، فأتيته فأخبرته بمكان القوم وطلبهم إيّاه؛ فقال لى: ويحك! وكيف لى بذلك
(4/258)

مع شدّة السلطان في الغناء وندائه فيه. فقلت له: أتردّهم؟ قال: لا والله! فكيف لى بالعود؛ فقلت: أنا أخبؤه لك فشأنك. فركب وسترت العود فأردفنى. فلما كنّا ببعض الطريق إذا بنافع بن علقمة قد أقبل؛ فقال لى: يابن بركة، هذا الأمير. فقلت له: لا بأس عليك! أرسل عنان البغلة وامض ولا تخف، ففعل.
فلما حاذيناه عرفنى ولم يعرف ابن سريج، فقال لى: يابن بركة، من هذا أمامك؟
قلت: من ينبغى أن يكون! هذا ابن سريج؛ فتبسّم ثم تمثّل:
فإن تنج منها يا أبان مسلّما ... فقد أفلت الحجّاج خيل شبيب
ثم مضى ومضينا. فلما كنّا قريبا من القوم نزل إلى شجرة يستريح. فقلت له: غنّنى مرتجلا؛ فرفع صوته فخيّل إلىّ أن الشجرة تنطق معه، فغنّى وقال:
كيف الثّواء ببطن مكة بعد ما ... همّ الذين تحبّ بالإنجاد
أم كيف قلبك إذ ثويت مخمّرا ... سقما خلافهم وكربك «1» بادى
هل أنت إن ظعن الأحبّة غادى ... أم «2» قبل ذلك مدلج بسواد
قال: فقلت: أحسنت والذى فلق الحبّة وبرأ النّسمة! ولو أن كنانة كلّها سمعتك لاستحسنتك «3» ، فكيف بنافع بن علقمة! المغرور من غرّه نافع. ثم قلت: زدنى وإن كان القوم متعلّقة قلوبهم بك؛ فغنّى وتناول عودا من الشجرة فوقّع به على الشجرة؛ فكان صوت الشجرة أحسن من خفق بطون الضّأن على العيدان إذا أخذتها عيدان الدّفلى «4» ، وغنّى:
لا تجمعى هجرا علىّ وغربة ... فالهجر في تلف المحبّ سريع
(4/259)

من ذا فديتك يستطيع لحبه ... دفعا إذا اشتملت عليه ضلوع
فقلت: بنفسى أنت والله، من لا يكلّ ولا يملّ! والله ما جهل من فهمك، اركب بنا فدتك نفسى. قال: أمهلنى كما أمهلتك أقض بعض شأنى. فقلت: وهل عما تريد مدفع!. فقام فصلّى ركعتين ثم ضرب بيده إلى الشجرة وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. ثم مضينا والقوم مستشرفون. فلما دنونا منهم إذا الغريض يغنّيهم:
من خيل حىّ لا تزال مغيرة ... سمعت على شرف صهيل حصان
فبكى ابن سريج حتى ظننت أن نفسه قد خرجت. فقلت: ما يبكيك يا أبا يحيى؟
جعلت فداك لا يسوءك الله ولا يريك سوءا «1» ! قال: أبكانى هذا المخنّث بحسن غنائه وشجا صوته، والله ما ينبغى لأحد أن يغنّى وهذا الصبىّ حىّ؛ ثم نزل واستراح وركب. فلما سرنا هنيهة اندفع الغريض يغنّى لهم بلحنه:
يا خليلىّ قد مللت ثوائى ... بالمصلّى وقد سئمت البقيعا
بلّغانى ديار هند وسعدى ... وارجعانى فقد هويت الرجوعا
قال: ولصوته دوىّ في تلك الجبال. فقال ابن سريج: يابن بركة، أسمعت مثل هذا الغناء قط؟! قال: ونظروا إلينا فأقبلوا نشاوى يسحبون أعطافهم وجعلوا يقبلّون وجه ابن سريج. فنزل فأقام عندهم ثلاثا، والغريض لا ينطق بحرف، وأخذوا في شرابهم وقالوا: يا حبيب النفس وشقيقها، أعطها بعض شأنها «2» . فضرب بيده إلى جيبه «3» فأخرج منه مضرابا ثم أخذه بيده ووضع العود في حجره- فما رأيت [يدا «4» ] أحسن من يده
(4/260)

ولا خشبة تخيّلت لى أنها جوهرة إلّا هى- ثم ضرب فلقد ضجّ «1» القوم جميعا؛ ثم غنّى فكلّ قال: لبّيك لبّيك! فكان ممّا غنّى به [واللحن له»
] هزج:
لبّيك يا سيّدتى ... لبّيك ألفا عددا
لبيك من ظالمة ... أحببتها مجتهدا
قومى إلى ملعبنا ... نحك الجوارى الخرّدا
وضع يد فوق يد ... نرفعها يدا يدا
فكلّ قال: نفعل ذاك؛ فلقد رأيتنا نستبق أيّنا تقع يده على يده. ثم غنّى:
ما هاج شوقك بالصّرائم ... ربع أحال لآل «3» عاصم
ربع تقادم عهده ... هاج المحبّ على التقادم
فيه النواعم والشبا ... ب النّاعمون مع النواعم
من كل واضحة الجبين عميمة ريّا المعاصم
ثم غنّى بقوله:
شجانى مغانى الحىّ وانشقّت العصا ... وصاح غراب البين أنت مريض
ففاضت دموعى عند ذاك صبابة ... وفيهنّ خود كالمهاة غضيض
وولّيت محزون الفؤاد مروّعا ... كئيبا ودمعى في الرداء يفيض
قال: فلقد رأيت جماعة من الطير وقعن بقربنا وما نحسّ من قبل ذلك منها شيئا. فقالت الجماعة: يا تمام السرور وكمال المجالس، لقد سعد من أخذ بحظّه «4» منك وخاب من حرمك، يا حياة القلوب ونسيم النفوس جعلنا الله فداءك، غنّنا.
فغنّى:
(4/261)

يا هند إنك لو علم ... ت بعاذلين تتابعا
قال: فبدرت من بينهم فقبّلت عينيه، فتهافت القوم عليه يقبّلونه، ولقد رأيتنى وأنا أرفعهم عنه شفقة عليه.
وكانت وفاة ابن سريج بالعلّة التى أصابته من الجذام بمكة في خلافة سليمان ابن عبد الملك أو في خلافة الوليد، ودفن في موضع يقال له «دسم «1» » . رحمة الله عليه وعفا عنه وغفر له. والحمد لله ربّ العالمين.
حكى أنه لما احتضر نظر إلى ابنته نبكى فبكى وقال: إنه من أكبر همّى أنت وأخشى أن تضيعى بعدى. فقالت: لا تخف فما غنّيت شيئا إلا وأنا أغنّيه.
فقال: هاتى، فاندفعت فغنّت وهو مصغ إليها. فقال: قد أصبت ما في نفسى وهوّنت علىّ أمرك. ثم دعا سعيد بن مسعود الهذلى فزوّجه إيّاها؛ فأخذ أكثر غناء أبيها وانتحله.
ذكر أخبار معبد
هو معبد بن وهب، وقيل: ابن قطنىّ مولى ابن قطن؛ وقيل: إن قطنا مولى العاص بن واقصة «2» المخزومىّ، وقيل: مولى معاوية بن أبى سفيان. غنّى معبد فى أيام بنى أميّة في أوائلها، ومات في أيام الوليد بن يزيد بدمشق.
قال أبو الفرج الأصفهانى:
إنه لمّا مات خرجت سلامة جارية الوليد بن يزيد بن عبد الملك وأخذت بعمود السرير والناس ينظرون إليها وهى تندبه وتقول شعر الأحوص:
(4/262)

قد لعمرى بتّ ليلى ... كأخى الداء الوجيع
ونجىّ الهمّ منّى ... بات أدنى من نجيعى
كلما أبصرت ربعا ... خاليا فاضت دموعى
قد خلا من سيّد كا ... ن لنا غير مضيع
لا تلمنا إن خشعنا ... أو هممنا بخشوع
وكان معبد قد علّمها هذا الصوت فندبته به. قال إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ:
كان معبد من أحسن الناس غناء، وأجودهم صنعة، وأحسنهم حلقا «1» ؛ وهو إمام أهل المدينة في الغناء، وأخذ عن سائب خاثر ونشيط الفارسىّ مولى عبد الله بن جعفر، وعن جميلة مولاة بهز (بطن من بنى سليم) . وفي معبد يقول الشاعر:
أجاد طويس والسّريجىّ بعده ... وما قصبات السّبق إلا لمعبد
وحكى أبو الفرج أيضا:
أن الوليد بن يزيد اشتاق إلى معبد، فوجّه اليه البريد إلى المدينة فأحضره. فلما بلغ الوليد قدومه أمر ببركة ملئت ماء ورد وخلط بمسك وزعفران، ثم جلس الوليد على حافة البركة وفرش لمعبد مقابله وضرب بينهما ستر ليس معهما ثالث. وجىء بمعبد فقيل له: سلّم على أمير المؤمنين واجلس في هذا الموضع؛ فسلّم فردّ عليه من خلف السّجف، ثم قال له: أتدرى لم وجّهت إليك؟ قال: والله أعلم وأمير المؤمنين.
قال: ذكرتك فأحببت أن أسمع منك. فقال له معبد: أأغنّى ما حضر أو ما يقترحه أمير المؤمنين؟ قال: [بل «2» ] غنّ:
مازال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عدّاء
(4/263)

فغنّاه. فرفع الجوارى السّجف، ثم خرج الوليد فألقى نفسه في البركة فغاص فيها، ثم خرج منها، فاستقبله الجوارى بثياب غير الثياب التى كانت عليه، ثم شرب وسقى معبدا ثم قال له: غنّنى يا معبد:
يا ربع مالك لا تجيب متيّما ... قد عاج نحوك زائرا ومسلّما
جادتك كلّ سحابة هطّالة ... حتى ترى عن زهرة «1» متبسّما
لو كنت تدرى من دعاك أجبته ... وبكيت من حرق عليه إذا دما
قال: فغنّاه. وأقبل الجوارى فرفعن السّتر، وخرج الوليد فألقى نفسه في البركة فغاص فيها ثم خرج، فلبس ثيابا غير تلك الثياب، ثم شرب وسقى معبدا وقال له:
غنّنى يا معبد:
عجبت لمّا رأتنى ... أندب الربع المحيلا
واقفا في الدار أبكى ... لا أرى إلّا الطلولا
كيف تبكى لأناس ... لا يملّون الذّميلا «2»
كلما قلت اطمأنت ... دارهم جدّوا «3» الرحيلا
قال: فلما غنّاه ألقى نفسه في البركة ثم خرج فردّوا عليه ثيابه، ثم شرب وسقى معبدا وقال له: يا معبد، من أراد أن يزداد حظوة عند الملوك فليكتم أسرارهم. فقال:
ذلك ممّا لا يحتاج أمير المؤمنين إلى إيصائى به. فقال الوليد: يا غلام احمل إلى معبد عشرة آلاف دينار تحصّل «4» له في بلده وألفى دينار لنفقة طريقه؛ فحملت إليه كلّها، وحمل على البريد من وقته إلى المدينة. وقد قيل: إنه أعطاه في ذلك المجلس خمسة عشر ألف دينار.
(4/264)

وقال أبو الفرج بسند رفعه:
إن معبدا كان قد علّم جارية من جوارى الحجاز الغناء تدعى «طيبة «1» » وعنى بتخريجها؛ فاشتراها رجل من أهل العراق وأخرجها إلى البصرة وباعها هناك، فاشتراها رجل من أهل الأهواز فأعجب بها وذهبت به كلّ مذهب وغلبت عليه، ثم ماتت بعد أن أقامت عنده برهة من الزمان؛ فأخذ جواريه أكثر غنائها عنها.
فكان لمحبّته إيّاها وأسفه عليها لا يزال يسأل عن أخبار معبد وأين مستقرّه، ويظهر التعصب له والميل إليه والتقديم لغنائه على سائر الأغانى من أهل عصره، إلى أن عرف ذلك منه وبلغ معبدا خبره. فخرج من مكة حتى أتى البصرة؛ فلما وردها صادف الرجل قد خرج عنها في ذلك الوقت واليوم إلى الأهواز. فجاء معبد في طلب سفينة تحمله إلى الأهواز، فلم يجد غير سفينة الرجل، فركب فيها وكلاهما لا يعرف الآخر؛ وانحدرت السفينة. فلما صاروا بفهم نهر الأبلّة «2» ، أمر الرجل جواريه بالغناء فغنّين، إلى أن غنّت إحداهنّ صوتا من غناء معبد فلم تجد أداءه؛ فصاح بها معبد:
يا جارية، إن غناءك هذا ليس بمستقيم. فقال مولاها وقد غضب: وأنت ما يدريك الغناء ما هو! ألا تمسك «3» وتلزم شأنك! فأمسك. ثم غنّت أصواتا من غناء غيره وهو ساكت لا يتكلّم حتى غنّت من غنائه فأخلّت ببعضه؛ فقال لها معبد: يا جارية، قد أخللت بهذا الصوت إخلالا كثيرا. فغضب الرجل وقال له:
ويلك! ما أنت والغناء! ألا تكفّ عن هذا الفضول! فأمسك معبد. وغنّى الجوارى
(4/265)

مليّا؛ ثم غنّت إحداهنّ صوتا من غنائه فلم تصنع فيه شيئا. فقال لها معبد:
يا هذه، أما تقومين «1» على أداء صوت واحد! فغضب الرجل وقال له: ما أراك تدع هذا الفضول بوجه ولا حيلة! فأقسم بالله إن عاودت لأخرجنّك من السفينة.
فأمسك معبد، حتى سكتت الجوارى سكتة، فاندفع يغنّى الصوت الأوّل حتى فرغ منه. فصاح الجوارى: أحسنت والله يا رجل، فأعده. قال: لا والله ولا كرامة.
ثم اندفع يغنّى الثانى؛ فقلن لسيّدهن: ويحك! هذا والله أحسن الناس غناء، فسله أن يعيده علينا ولو مرّة واحدة لعلنا نأخذه منه، فإنه إن فاتنا لم نجد مثله أبدا.
قال: قد سمعتنّ سوء ردّه عليكنّ وأنا خائف مثله منه، وقد استقبلناه بالإساءة، فاصبرن حتى نداريه. قال: ثم غنّى الثالث فزلزل عليهم الأرض. فوثب الرجل فقبّل رأسه، وقال: يا سيّدى أخطأنا عليك ولم نعرف موضعك. فقال له: وهبك لم تعرف موضعى، قد كان ينبغى لك أن تتثبّت ولا تسرع إلى سوء العشرة وجفاء القول.
فلم يزل يرفق به حتى نزل إليه، وكان معبد قد أجلس في مؤخّر السفينة. فقال له الرجل: ممن أخذت هذا الغناء؟ قال: من بعض أهل الحجاز، فمن أين أخذه جواريك؟ قال: أخذنه من جارية كانت لى، كانت قد أخذت الغناء عن أبى عبّاد معبد وكانت تحلّ منى مكان الروح من الجسد، ثم استأثر الله بها وبقى هؤلاء الجوارى وهنّ [من «2» ] تعليمها، فأنا إلى الآن أتعصّب لمعبد وأفضّله على المغنّين جميعا، وأفضّل صنعته على كل صنعة. فقال له معبد: وإنك لأنت هو! أفتعرفنى؟ قال لا.
قال: فصكّ معبد بيده صلعته ثم قال: فأنا «3» والله معبد وإليك قدمت من الحجاز ووافيت البصرة ساعة نزلت السفينة لأقصدك بالأهواز، وو الله لا قصّرت في جواريك
(4/266)

هؤلاء ولأجعلنّ لك في كل واحدة خلفا من الماضية. فأكبّ الرجل والجوارى على يده ورجليه يقبّلونها ويقولون: كتمتنا نفسك حتى جفوناك في المخاطبة وأسأنا عشرتك وأنت سيّدنا ومن تتمنّى أن تلقاه. ثم غيّر الرجل أثواب معبد وخلع عليه عدّة خلع وأعطاه في ذلك الوقت ثلاثمائة دينار وطيّبا وهدايا مثلها، وانحدر معه إلى الأهواز فأقام عنده حتى رضى حذق جواريه، ثم ودّعه وانصرف إلى الحجاز.
ذكر أخبار الغريض وما يتّصل بها من أخبار عائشة بنت طلحة
هو عبد الملك، وكنيته أبو زيد «1» ، وقيل: أبو مروان. والغريض لقب لقّب به؛ لأنه [كان «2» ] طرىّ الوجه نضرا غضّ الشباب حسن المنظر، فلقّب بذلك.
والغريض: الطّرىّ من كل شىء. وقال ابن الكلبى: شبّه بالإغريض وهو الجمّار ثم ثقل ذلك على الألسنة فحذفت الألف فقيل: الغريض. وهو من مولّدى البربر.
وولاؤه للثريّا (صاحبة عمر بن أبى ربيعة) وأخواتها الرّضيّا وقريبة وأم عثمان بنات علىّ بن عبد الله بن الحارث بن أميّة الأصغر. قالوا: وكان يضرب بالعود وينقر بالدّفّ ويوقع بالقضيب. وكان قبل الغناء خيّاطا. وأخذ الغناء في أوّل أمره عن عبيد بن سريج، لأنه كان قد خدمه؛ فلما رأى ابن سريج طبعه وظرفه وحلاوة منطقه، خشى أن يأخذ غناءه فيغلبه عليه ويفوقه بحسن وجهه، وحسده، فاعتلّ عليه وشكاه الى مولياته، وكنّ دفعنه اليه ليعلّمه الغناء، وجعل يتجنّى عليه ثم طرده.
فعرّف مولياته غرض ابن سريج فيه وأنه حسده؛ فقلن له: هل لك أن تسمع
(4/267)

نوحنا على قتلانا فتأخذه وتغنّى عليه؟ قال نعم. فأسمعنه المراثى فآحتذاها وخرّج غناءه عليها. وكان ينوح مع ذلك فيدخل المآتم وتضرب دونه الحجب ثم ينوح فيفتن كلّ من سمعه. فلما كثر غناؤه عدل الناس إليه لما كان فيه من الشّجا «1» ؛ فكان ابن سريج لا يغنّى صوتا إلا عارضه فيه فيغنّى فيه لحنا آخر. فلما رأى ابن سريج موقع الغريض اشتدّ عليه وحسده، فغنّى الأرمال والأهزاج، فاشتهاها الناس. فقال له الغريض: يا أبا يحيى قصّرت الغناء وحذفته. قال: نعم يا مخنّث حين جعلت تنوح على أبيك وأمّك. قال: ولم يفضّل ابن سريج عليه إلا بالسّبق، وأما غير ذلك فلا.
وقال بعضهم: كان الغريض أشجى غناء، وابن سريج أحكم صنعة. وحكى أبو الفرج الأصفهانى بسند رفعه إلى أيّوب بن عباية عن مولى لآل الغريض قال:
حدّثنى بعض مولياتى وقد ذكرن الغريض فترحّمن عليه وقلن: جاءنا يوما فحدّثنا بحديث أنكرناه عليه ثم عرفناه بعد ذلك حقيقة. قالت: وكان ابن سريج بجوارنا فدفعناه إليه ولقّن الغناء، وكان من أحسن الناس صوتا، ففتن أهل مكة بحسن وجهه مع حسن صوته. فلما رأى ذلك ابن سريج نحّاه «2» عنه. فكان بعض مولياته تعلّمه النّياحة فبرّز فيها. فجاءنى يوما فقال: نهتنى الجنّ أن أنوح وأسمعتنى صوتا عجيبا، فقد ابتنيت عليه لحنا فاسمعيه منى، فاندفع فغنّى بصوت عجيب في شعر لمرّار الأسدىّ:
حلفت لها بالله ما بين ذى الغضا ... وهضب القنان «3» من عوان ومن بكر
(4/268)

أحبّ إلينا منك دلّا وما نرى ... به عند ليلى من ثواب ولا أجر
قالت: فكذّبناه وقلنا: شىء فكّر فيه وأخرجه على هذا الجنس. فكان في كل يوم يأتينا فيقول: سمعت البارحة صوتا من الجنّ بترجيع وتقطيع، فقد بنيت عليه صوت كذا وكذا بشعر فلان، فلم يزل على ذلك ونحن ننكر عليه. فإنا لكذلك ليلة وقد اجتمع جماعة من نساء أهل مكة في جمع لنا سمرنا فيه ليلتنا والغريض يغنّينا بشعر عمر بن أبى ربيعة حيث يقول:
أمن آل زينب جدّ البكور ... نعم فلأىّ هواها تصير
إذ سمعنا في بعض الليل عزيفا عجيبا وأصواتا ذعرتنا وأفزعتنا. فقال لنا الغريض:
إن في هذه الأصوات صوتا إذا نمت سمعته وأصبح أبنى عليه غنائى؛ فأصغينا إليه فإذا نغمته نغمة الغريض بعينها، فصدّقناه تلك الليلة.
وكانت وفاة الغريض باليمن في خلافة سليمان بن عبد الملك أو عمر بن عبد العزيز، وكان قد هرب من نافع بن علقمة لمّا ولى مكة من مكة إلى اليمن واستوطنها ومات بها.
وللغريض أخبار مستظرفة وحكايات مستحسنة قد رأينا أن نثبت في هذا الموضع ما سنقف عليه إن شاء الله تعالى.
فمن ذلك ما حكاه أبو الفرج الأصبهانىّ في كتابه المترجم بالأغانى في أخبار الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومىّ، بعد أن ساق قطعة من أخباره مع عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، وأنه كان يهواها ويشبّب بها في شعره، ثم قال في أثناء ذلك: لمّا قدمت عائشة بنت طلحة مكة أرسل إليها الحارث وهو أمير مكة يومئذ، وكان وليها من قبل عبد الملك بن مروان، فأرسل إليها:
إنى أريد السلام عليك؛ فإذا خفّ ذلك عليك أذنت، وكان الرسول الغريض.
(4/269)

فأرسلت إليه: إنّا حرم، فإذا أحللنا أذنّاك. فلما أحلّت خرجت سرّا على بغلتها، ولحقها الغريض بعسفان أو قريب منه ومعه كتاب الحارث إليها، وفيه:
ما ضرّكم لو قلتم سددا ... إنّ المطايا عاجل غدها
ولها علينا نعمة سلفت ... لسنا على الأيام نجحدها
لو أتممت أسباب نعمتها ... تمّت بذلك عندنا يدها
فلما قرأت الكتاب قالت: ما يدع الحارث باطله!. ثم قالت للغريض: هل أحدثت شيئا؟ قال: نعم فاسمعى، ثم اندفع يغنّى في هذا الشعر. فقالت عائشة: والله ما قلنا «1» إلا سددا ولا أردنا إلا أن نشترى لسانه؛ واستحسنت الشعر، وأمرت للغريض بخمسة آلاف درهم وأثواب، [وقالت «2» ] : زدنى. فغنّى في قول الحارث أيضا حيث يقول:
زعموا بأنّ البين بعد غد ... فالقلب ممّا أحدثوا يجف
والعين منذ أجدّ بينهم ... مثل الجمان دموعها تكف
نشكو وتشكو ما أشتّ بنا ... كلّ بوشك البين معترف
ومقالها ودموعها سجم ... أقلل حنينك حين تنصرف
فقالت عائشة: يا غريض، بحقّى عليك أهو أمرك أن تغنّينى في هذا الشعر؟
قال: لا وحياتك يا سيّدتى؛ فأمرت له بخمسة آلاف درهم، ثم قالت: غنّنى فى [غير «3» ] شعره؛ فغنّاها بشعر عمر بن أبى ربيعة- وكان عمر قد سأله ذلك- فقال:
أجمعت خلّتى مع الهجر بينا ... جلّل الله ذلك الوجه زينا
أجمعت بينها ولم نك منها ... لذّة العيش والشباب قضينا
(4/270)

فتولّت حمولها واستقلّت ... لم تنل طائلا ولم تقض دينا
ولقد قلت يوم مكّة لمّا ... أرسلت تقرأ السلام علينا
أنعم الله بالرسول الذى أر ... سل والمرسل الرسالة عينا
قال: فضحكت ثم قالت: وأنت يا غريض فأنعم الله بك عينا وأنعم بابن أبى ربيعة عينا، لقد تلطّفت «1» حتى أدّيت إلينا رسالته، وإنّ وفاءك له لمما يزيدنا رغبة فيك وثقة بك. وكان عمر سأل الغريض أن يغنّيها بشعره هذا لأنه كان قد ترك ذكرها لمّا غضبت بنو تيم من ذلك، فلم يحبّ التصريح بها وكره إغفال ذكرها. فقال له عمر بن أبى ربيعة: إن أبلغتها هذه الأبيات في غناء فلك خمسة آلاف درهم، فوفّى له، وأمرت له عائشة بخمسة آلاف درهم. ثم انصرف الغريض من عندها، فلقى عاتكة بنت يزيد بن معاوية امرأة عبد الملك بن مروان وقد كانت حجّت فى تلك السنة؛ فقال لها جواريها: هذا الغريض. فقالت لهنّ: علىّ به؛ فجئن به إليها. قال الغريض: فلما دخلت سلّمت فردّت علىّ وسألتنى عن الخبر، فقصصته «2» عليها. فقالت: غنّنى بما غنّيتها به، ففعلت؛ فلم أرها تهشّ لذلك؛ فغنيتها معرّضا ومذكّرا بنفسى في شعر مرّة بن محكان السّعدىّ يخاطب امرأته وقد نزل به أضياف:
أقول والضيف مخشىّ ذمامته «3» ... على الكريم وحقّ الضيف قد وجبا
يا ربّة البيت قومى غير صاغرة ... ضمّى إليك رحال القوم والقربا
فى ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب في ظلمائها الطّنبا
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتى يلفّ على خيشومه الذّنبا
(4/271)

فقالت وهى مبتسمة: نعم وقد وجب حقّك يا غريض، فغنّنى؛ فغنّيتها:
يا دهر قد أكثرت فجعتنا «1» ... بسراتنا ووقرت «2» فى العظم
وسلبتنا ما لست «3» مخلفه ... يا دهر ما أنصفت في الحكم
لو كان لى قرن أناضله ... ما طاش عند حفيظة سهمى
لو كان يعطى النّصف «4» قلت له ... أحرزت قسمك فاله عن قسمى
فقالت: نعطيك النّصف فلا يضيع سهمك عندنا ونجزل لك قسمك، وأمرت له بخمسة آلاف درهم وثياب عدنيّة وغير ذلك من الألطاف. قال الغريض: فأتيت الحارث بن خالد فأخبرته الخبر وقصصت عليه القصة؛ فأمر لى بمثل ما أمرتا لى جميعا؛ وأتيت ابن أبى ربيعة فأعلمته بما جرى، فأمر لى بمثل ذلك. فما انصرف أحد من ذلك الموسم بمثل ما انصرفت به: نظرة من عائشة، ونظرة من عاتكة- وهما أجمل نساء عالمهما- وبما أمرتا لى به، والمنزلة عند الحارث- وهو أمير مكة- وابن أبى ربيعة وما أجازانى به جميعا من المال.
ولنصل هذا الفصل بشىء من أخبار عائشة بنت طلحة؛ لأن الشىء بالشىء يذكر.
هى عائشة بنت طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم. وأمّها أمّ كلثوم بنت أبى بكر الصّديق رضى الله عنه. وكانت عائشة لا تستر وجهها من أحد. فعاتبها مصعب في ذلك فقالت: إن الله تبارك وتعالى وسمنى بميسم جمال أحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضلى عليهم فما كنت لأستره، وو الله ما في وصمة يقدر أن يذكرنى بها أحد.
(4/272)

قال أبو الفرج الأصبهانىّ: وكانت شرسة الخلق، وكذلك نساء بنى تيم، هنّ أشرس خلق الله خلقا وأحظاهنّ عند أزواجهنّ. قال: وآلت عائشة من زوجها مصعب بن الزبير، فقالت: أنت علىّ كظهر أمّى، وقعدت في غرفة وهيّأت ما يصلحها. فجهد مصعب أن تكلّمه فأبت. فبعث إليها ابن قيس الرّقيّات فسألها كلامه. فقالت: كيف بيمينى؟ فقال: هاهنا الشّعبىّ فقيه أهل العراق فاستفتيه.
فدخل الشّعبىّ عليها فأخبرته؛ فقال: ليس هذا بشىء؛ فأمرت له بأربعة آلاف درهم.
وحكى أبو الفرج أنّ مصعب بن الزبير لمّا عزم على زواج عائشة بنت طلحة، جاء هو وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصدّيق وسعيد بن العاص إلى عزّة الميلاء- وكانت عزّة هذه يألفها الأشراف وغيرهم من أهل المروءات، وكانت من أظرف الناس وأعلمهم بأمور النساء- فقالوا لها: إنّا خطبنا فانظرى لنا.
فقالت لمصعب: يابن أبى عبد الله، ومن خطبت؟ قال: عائشة بنت طلحة.
قالت: فأنت يابن أبى أحيحة؟ قال: عائشة بنت عثمان بن عفّان. قالت:
فأنت يابن الصّدّيق؟ قال: أمّ الهيثم بنت زكريا بن طلحة. فقالت: يا جارية، هاتى منقلىّ (تعنى خفّيها) ، فلبستهما وخرجت ومعها خادم لها، فبدأت بعائشة بنت طلحة، فقالت: فديتك، كنّا في مأدبة أو مأتم لقريش، فتذاكروا جمال النساء وخلقهن فذكروك فلم أدر كيف أصفك، فديتك، فألقى ثيابك؛ ففعلت فأقبلت وأدبرت فارتجّ كلّ شىء منها. فقالت لها عزّة: خذى ثوبك. فقالت عائشة:
قد قضيت حاجتك وبقيت حاجتى. فقالت عزّة: وما هى؟ فديتك! قالت:
تغنّينى صوتا. فاندفعت تغنّى لحنها في شعر لجميل بن عبد الله بن معمر العذرىّ:
خليلىّ عوجا بالمحلّة من جمل ... وأترابها بين الأصيفر فالحيل
نقف بمغان قد عفا رسمها اليلى ... تعاقبها الأيام بالرّيح والوبل
(4/273)

فلو درج النّمل الصغار بجلدها ... لأندب أعلى جلدها مدرج النّمل
وأحسن خلق الله جيدا ومقلة ... تشبّه [فى النسوان بالشادن الطّفل «1» ]
فقبّلت عائشة ما بين عينيها ودعت لها بعشرة أثواب وطرائف من أنواع الفضّة، فدفعته إلى مولاتها. وأتت النّسوة على مثل ذلك تقول ذلك لهنّ. ثم أتت القوم فى السقيفة. فقالوا: ما صنعت؟ فقالت: يابن أبى عبد الله، أمّا عائشة فلا والله ما رأيت مثلها مقبلة ولا مدبرة، محطوطة «2» المتنين، عظيمة العجيزة، ممتلئة الترائب، نقيّة الثغر وصفحة الوجه، فرعاء الشعر، ممتلئة الصدر، خميصة البطن ذات عكن، ضخمة السّرّة، مسرولة الساق، يرتجّ ما بين أعلاها إلى قدميها؛ وفيها عيبان، أمّا أحدهما فيواريه الخمار، وأما الآخر فيواريه الخفّ: عظم الأذن والقدم. وكانت عائشة بنت طلحة كذلك. ثم قالت عزّة: وأمّا أنت يابن أبى أحيحة فإنى والله ما رأيت مثل خلق عائشة بنت عثمان لامرأة قط! ليس فيها عيب والله لكأنما أفرغت إفراغا ولكن في الوجه ردّة، وإن استشرتنى أشرت عليك. قال: هات. قالت: عليك بوجه تستأنس به. وأمّا أنت يابن الصدّيق: فو الله ما رأيت مثل أمّ الهيثم، كأنها خوط بانة تنثنى، أو كأنها جانّ يتثنى على رمل، لو شئت أن تعقد طرفيها لفعلت، ولكنها شختة الصدر «3» وأنت عريض الصدر، فاذا كان كذلك كان قبيحا، لا والله حتى يملأ كلّ شىء مثله. قال: فوصلها الرجال والنساء وتزوّجوهنّ.
وحكى أبو الفرج أيضا: أنّ مصعب بن الزبير إنما تزوّجها بعد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر. وقال: وكانت عائشة بنت طلحة تشبّه بخالتها عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها، فزوّجتها عائشة من ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر، وهو
(4/274)

أوّل من تزوّجها. ولم تلد عائشة بنت طلحة من أحد من أزواجها غيره، ولدت له عمران وبه كانت تكنى «1» ، وعبد الرحمن وأبا بكر وطلحة ونفيسة، ولكلّ من هؤلاء عقب. وأنا من عقب طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر من ولده ليث ابن طلحة. وليس هذا موضع سرد نسبى فأسرده.
قال أبو الفرج: وصارمت عائشة بنت طلحة زوجها عبد الله بن عبد الرحمن وخرجت من داره مغضبة تريد عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها. فرآها أبو هريرة فسبّح الله تعالى وقال: كأنها من الحور العين. فمكثت عند عائشة قريبا من أربعة أشهر. وكان عبد الله قد آلى منها؛ فأرسلت عائشة إليه: إنى أخاف عليك الإيلاء؛ فضمّها إليه وكان موليا منها «2» . فقيل له: طلّقها؛ فقال:
يقولون طلّقها لأصبح ثاويا ... مقيما علىّ الهمّ، أحلام نائم
وإنّ فراقى أهل بيت أحبّهم ... لهم زلفة عندى لإحدى العظائم
وتوفّى عبد الله بعد ذلك وهى عنده، فما فتحت فاها عليه؛ وكانت عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها تعدّ هذا عليها في ذنوبها التى تعدّدها. ثم تزوّجها بعده مصعب بن الزبير، فمهرها خمسمائة ألف درهم وأهدى لها مثل ذلك.
وكانت عائشة تمتنع على مصعب في غالب الأوقات. فحكى أنه دخل عليها يوما وهى نائمة ومعه ثمانى لؤلؤات قيمتها عشرون ألف دينار، فأنبهها ونثر اللؤلؤ في حجرها.
فقالت: نومتى كانت أحبّ الىّ من هذا اللؤلؤ. ولم تزل حالها معه على مثل ذلك حتى شكا ذلك الى كاتبه ابن أبى فروة. فقال له: أنا أكفيك هذا إن أذنت لى.
قال: نعم! افعل ما شئت. فأتاها ليلا ومعه أسودان فاستأذن عليها. فقالت: أفى
(4/275)

مثل هذه الساعة؟ قال نعم؛ فأذنت له فدخل. فقال للأسودين: احفرا هاهنا بئرا. فقالت له جاريتها: وما تصنع بالبئر؟ قال: شؤم مولاتك، أمرنى هذا الظالم أن أدفنها حيّة، وهو أسفك خلق الله لدم حرام. قالت عائشة: فأنظرنى أذهب اليه؛ قال: هيهات لا سبيل إلى ذلك، وقال للأسودين: احفرا. فلما رأت الجدّ منه بكت وقالت: يابن أبى فروة، إنك لقاتلى ما منه بدّ؟ قال: نعم، وإنى لأعلم أن الله عزّوجلّ سيخزيه بعدك، ولكنّه قد غضب وهو كافر الغضب. قالت:
وفي أى شىء غضبه؟ قال: من امتناعك عليه وقد ظنّ أنك تبغضينه وتتطلّعين إلى غيره، فقد جنّ. فقالت: أنشدك الله إلّا عاودته. قال: أخاف أن يقتلنى؛ فبكت وبكى جواريها. فقال لها: قد رققت لك وحلف لها إنه يغرّر بنفسه، وقال لها:
فما أقول؟ قالت: تضمن له عنّى أنى لا أعود أبدا. قال: فمالى عندك؟ قالت:
قيام بحقّك ما عشت. قال: فأعطينى المواثيق فأعطته. فقال للأسودين: مكانكما.
وأتى مصعبا فأخبره. فقال: استوثق منها بالأيمان؛ فاستوثق منها ففعلت، وصلحت بعد ذلك لمصعب.
قال: وكان مصعب من أشدّ الناس إعجابا بها. ولم يكن لها شبيه في زمانها حسنا وديانة «1» وجمالا وهيئة وشارة وعفّة. وإنها دعت يوما نسوة من قريش، فلما جئنها أجلستهن في مجلس قد نضد فيه الريحان والفواكه والطّيب والمجامر، وخلعت على كلّ امرأة منهن خلعة من الوشى والحزّ ونحو ذلك، ودعت عزّة الميلاء ففعلت بها مثل ذلك وأضعفته؛ ثم قالت لعزّة: هات يا عزّة فغنّينا. فغنّتهن في شعر امرىء القيس فقالت:
وثغر أغرّ شنيب اللّثات ... لذيذ المقبّل والمبتسم
(4/276)

وما ذقته غير ظنّ به ... وبالظنّ يقضى عليك الحكم
وكان مصعب قريبا منهن ومعه إخوان له، فقام فانتقل حتى دنا منهنّ والستور مسبلة، فصاح بها: يا هذه، إنا قد ذقناه فوجدناه على ما وصفت، فبارك الله فيك يا عزة، ثم أرسل إلى عائشة: أمّا أنت فلا سبيل لنا اليك مع من عندك، وأمّا عزّة فتأذنين لها أن تغنّينا هذا الصوت ثم تعود إليك، ففعلت وخرجت عزّة اليهم فغنّتهم هذا الصوت مرارا، وكاد مصعب أن يذهب عقله فرحا. ثم قال لها: يا عزّة، إنك لتحسنين القول والوصف، وأمرها بالعود إلى مجلسها.
قال: ولم تزل عند مصعب حتى قتل عنها. فخطبها بشر بن مروان، وقدم عمر ابن عبيد الله بن معمر التّيمى من الشأم فنزل الكوفة، فبلغه أن بشرا خطبها، فأرسل إليها جارية لها وقال: قولى لابنة عمّى: ابن عمك يقرئك السلام ويقول لك:
أنا خير لك من هذا المبسور المطحول، وأنا ابن عمك أحقّ بك، وإن تزوجت بك ملأت بيتك خيرا. فتزوّجته فبنى عليها بالحيرة، فمهّدت له سبعة أفرشة عرضها أربع أذرع؛ فأصبح ليلة بنى بها عن تسعة. فلقيته مولاة لها فقالت:
أبا حفص، فديتك! قد كملت في كلّ شىء حتى في هذا. وقيل إنه لمّا تزوّجها حمل إليها ألف ألف درهم، خمسمائة ألف مهر، وخمسمائة ألف هديّة، وقال لمولاتها:
لك علىّ ألف دينار إن دخلت بها الليلة، وأمر بالمال فحمل فألقى في الدار وغطّى بالثياب؛ وخرجت عائشة فقالت لمولاتها: ما هذا؟ أفرش أم ثياب؟ قالت:
انظرى إليه؛ فنظرت فاذا هو مال، فتبسّمت. فقالت الجارية: أجزاء من حمل هذا المال أن يبيت عزبا! قالت: لا والله، ولكن لا يجوز دخوله إلا بعد أن أتزيّن له وأستعدّ. قالت: وماذا؟ فو الله لوجهك أحسن من كلّ زينة وما تمدّين يديك إلى طيب أو ثوب أو مال أو فراش إلا وهو عندك، وقد عزمت عليك أن تأذنى له.
(4/277)

فقالت: افعلى. فذهبت إليه فقالت له: بت بنا الليلة. فجاءهم عند العشاء الآخرة فأدنى إليه طعام فأكل الطعام كلّه حتى أعرى الخوان وغسل يده وسأل عن المتوضّأ فأخبر به، فقام فتوضّأ وقام يصلّى حتى ضاق صدرى ونمت، ثم قال: أعليكم آذن؟
قلت: نعم فادخل، فأدخلته وأسبلت السّتر عليهما. فلما أصبحنا وقفت على رأسه فقال: أتقولين شيئا؟ قلت: نعم والله ما رأيت مثلك! فضحك وضرب بيده على منكب عائشة وقال لها: كيف رأيت ابن عمّك؟ فضحكت وغطّت وجهها وقالت:
قد رأيناك فلم تحل لنا ... وبلوناك فلم نرض الخبر
ومكثت عائشة عند عمر بن عبيد الله ثمانى سنين حتى مات سنة اثنتين وثمانين.
ولما مات ندبته قائمة، ولم تندب أحدا قبله من أزواجها إلا جالسة. فقيل لها في ذلك فقالت: إنه كان أكرمهم علىّ وأمسّهم بى رحما، فأردت ألّا أتزوّج بعده. وكانت المرأة إذا ندبت زوجها قائمة لا تتزوّج بعده أبدا. ولم تتزوّج عائشة بنت طلحة بعد زوجها عمر بن عبيد الله.
ومن أخبار عائشة بنت طلحة أيضا ما رواه أبو الفرج الأصبهانىّ بسنده إلى يزيد ابن عياض، قال:
استأذنت عاتكة بنت يزيد بن معاوية عبد الملك في الحجّ، فأذن لها وقال:
ارفعى حوائجك واستظهرى، فإن عائشة بنت طلحة تحجّ، ففعلت وتجهزت بهيئة جهدت فيها. فلما كانت بين مكة والمدينة إذا موكب قد جاء فضغطها «1» وفرّق جماعتها؛ فقالت: أرى هذه عائشة بنت طلحة، فسألت عنها، فقالوا: هذه جاريتها «2» .
ثم جاء موكب آخر أعظم من ذلك، فقالوا: عائشة عائشة، فضغطهم فسألت عنها،
(4/278)

فقالوا: هذه ما شطتها. ثم جاءت مواكب على هذا لحاشيتها، ثم أقبلت في ثلاثمائة راحلة عليها القباب والهوادج؛ فقالت عاتكة: ما عند الله خير وأبقى. قال: ووفدت عائشة بنت طلحة على هشام بن عبد الملك، فقال لها: ما أوفدك؟ قالت: حبست السماء مطرها ومنع السلطان الحقّ. قال: فأنا أصل رحمك وأعرف حقّك. ثم بعث إلى مشايخ بنى أميّة فقال: إن عائشة عندى فاسمروا عندى الليلة فحضروا؛ فما تذاكروا شيئا من أخبار العرب وأشعارها وآثارها إلا أفاضت معهم فيه، وما طلع نجم ولا غار إلا أسمته. فقال لها هشام: أمّا الأوّل فلا أنكره، وأمّا النجوم فمن أين لك؟
قالت: أخذته «1» عن خالتى عائشة رضى الله عنها؛ فأمر لها بمائة ألف درهم وردّها إلى المدينة.
قال: ولما تأيّمت عائشة كانت تقيم «2» بمكة سنة وبالمدينة سنة، وتخرج إلى مال لها بالطائف عظيم وقصر لها هناك فتتنزه وتجلس فيه بالعشيّات، فتتناضل بين [يديها «3» ] الرّماة. فمرّ بها النّميرىّ الشاعر، فسألت عنه فانتسب لها؛ فقالت: ائتونى به، فجىء به.
فقالت له: أنشدنى مما قلت في زينب؛ فامتنع وقال: بنت عمّى وقد صارت عظاما بالية. قالت: أقسمت عليك لمّا فعلت؛ فأنشدها قوله:
نزلن بفخّ «4» ثم رحن عشيّة ... يلبّين للرحمن معتمرات
يخمّرن أطراف الأكفّ من التّقى ... ويخرجن جنح اللّيل معتجرات «5»
ولما رأت ركب النّميرىّ راعها ... وكنّ من ان يلقينه حذرات
تضوّع مسكا بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوة خفرات
(4/279)

- وزينب هذه هى زينب بنت يوسف الثّقفىّ أخت الحجّاج، وكان النميرىّ يهواها ويشبّب بها، وله معها أخبار يطول شرحها ليس هذا موضع إيرادها- قال: فقالت له عائشة لما أنشدها هذا الشعر: والله ما قلت إلا جميلا، ولا وصفت إلا كرما وطيّبا ودينا وتقى، أعطوه ألف درهم. فلما كانت الجمعة الأخرى تعرّض لها، فقالت: علىّ به؛ فجاء فقالت له: أنشدنى من شعرك في زينب؛ قال:
فأنشدك من قول الحارث فيك. فوثب مواليها إليه، فقالت: دعوه فإنه أراد أن يستقيد لابنة عمّه، هات؛ فأنشدها:
ظعن الأمير بأحسن الخلق ... وغدا بلبّك مطلع الشرق
وتنوء تثقلها عجيزتها ... نهض الضعيف ينوء بالوسق
ما صبّحت زوجا بطلعتها ... إلا غدا بكواكب الطّلق
بيضاء من تيم كلفت بها ... هذا الجنون وليس بالعشق
فقالت: والله ما ذكر إلا جميلا، ذكر أنى إذا صبّحت زوجا بوجهى غدا بكواكب الطّلق، وأنى غدوت مع أمير تزوّجنى الى الشرق، أعطوه ألف درهم واكسوه حلّتين ولا تعد لإنياننا يا نميرىّ؛ والله أعلم [ولنرجع إلى أخبار المغنّين «1» ] .
ذكر أخبار محمد بن عائشة
يكنى أبا جعفر ولم يكن له أب يعرف فنسب الى أمه؛ وكان يزعم أن اسم أبيه جعفر. وعائشة أمه مولاة لكثير بن الصّلت الكندىّ حليف قريش، وقيل:
هى مولاة لآل المطلب بن [أبى «2» ] وداعة السّهمى. وقال ابن عائشة- وقد سأله
(4/280)

الوليد بن يزيد فقال: يا محمد ألبغية أنت «1» ؟ -: كانت أمى يا أمير المؤمنين ماشطة وكنت غلاما، وكانت إذا دخلت إلى موضع قالت «2» : ارفعوا هذا لابن عائشة، فغلبت على نسبى. قالوا: وكان ابن عائشة يفتن كلّ من سمعه، وكان فتيان [من «3» ] المدينة قد فسدوا في زمانه بمحادثته ومجالسته. وأخذ عن معبد ومالك بن أبى السّمح، ولم يموتا حتى ساواهما على تقديمه لهما واعترافه بفضلهما. وكان تيّاها سيىء الخلق، إن قال له إنسان: تغنّ قال: ألمثلى يقال هذا! فإن غنّى وقال له إنسان:
أحسنت، سكت؛ فكان قليلا ما ينتفع به.
وكان ابن عائشة منقطعا إلى الحسن بن الحسن، وكان الحسن مكرما له. فسأله الحسن أن يخرج معه إلى البغيبغة «4» ، فامتنع ابن عائشة؛ فأقسم عليه وأظهر الجدّ.
فلما عاين ما ظهر عليه قال: أخرج طائعا لا كارها؛ فأمر له ببغلة فركبها ومضيا الى البغيبغة، فنزلا الشّعب ثم أكلوا. وقال له: غنّنى، فاندفع فغنّاه صوتا فاستحسنه.
فقال ابن عائشة: والله لا غنّيتك في يومى هذا شيئا. فأقسم الحسن ألّا يفارق البغيبغة ثلاثة أيام. فاغتمّ ابن عائشة ليمينه وندم. فلما كان في اليوم الثانى قال له:
غنّ فقد برّت يمينك؛ فنظر إلى ناقة تقدم جماعة إبل فاندفع يغنّى:
تمرّ كجندلة المنجنيق ... يرمى بها السّور يوم القتال
وهى أبيات لأميّة بن أبى عائذ الهذلىّ يصف حمارا وحشيّا؛ والبيت «يمر» بالياء.
وقيل: سال العقيق مرّة فدخل عرصة سعيد بن العاص [الماء «5» ] حتى ملأها،
(4/281)

فخرج الناس إليها، وخرج ابن عائشة فجلس على قرن البئر. فبينا هم كذلك إذ طلع الحسن على بغلة ومعه غلامان أسودان، فقال لهما: امضيا رويدا حتى تقفا بأصل القرن الذى عليه ابن عائشة، ففعلا ذلك. ثم ناداه الحسن: كيف أصبحت يابن عائشة قال: بخير. قال: انظر من تحتك، فنظر فإذا العبدان. قال: أتعرفهما؟ قال نعم. قال: فهما حرّان لئن لم تغنّنى مائة صوت لآمرنّهما بطرحك في البئر، وهما حرّان لئن لم يفعلا لأقطعنّ أيديهما «1» . فاندفع ابن عائشة وغنّى بشعر الهذلىّ:
ألا لله درّك من ... فتى قوم إذا رهبوا
وقالوا من فتى للحر ... ب يرقبنا ويرتقب «2»
فكنت فتاهم فيها ... إذا تدعى لها تثب
ذكرت أخى فعاودنى ... صداع الرأس والوصب
كما يعتاد ذات البوّ ... بعد سلوّها الطّرب
على عبد بن زهرة بتّ ... طول الليل أنتحب
وروى أبو الفرج الأصفهانىّ بسند رفيه إلى حمّاد الراوية:
أن الوليد بن يزيد استقدمه من العراق إلى الشأم على دوابّ البريد. وكان ممّا حكاه عنه قال: قدمت عليه فأذن لى، فدخلت فإذا هو على سرير ممهّد وعليه ثوبان أصفران وعنده معبد ومالك بن أبى السّمح وأبو كامل مولاه، فاستنشدنى:
أمن المنون وريبها «3» تتوجّع
(4/282)

فأنشدته حتى أتيت على آخرها. ثم قال: يا مالك، غنّنى:
ألا هل هاجك الأظعا ... ن إذ جاوزن مطّلحا
فغنّاه. ثم قال: غنّنى:
جلا أميّة عنّى كلّ مظلمة ... سهل الحجاب وأوفى بالذى وعدا
فغنّاه. ثم قال: غنّنى:
أتنسى «1» إذ تودّعنا سليمى ... بفرع بشامة، سقى البشام!
فغنّاه؛ ثم أتاه الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين، الرجل الذى طلبت بالباب، فأذن له فدخل شابّ لم أر أحسن وجها منه. فقال له: غنّنى:
وهى إذ ذاك عليها مئرر ... ولها بيت جوار من لعب
فغنّاه، فنبذ إليه الثوبين، ثم قال: غنّنى:
طاف الخيال فمرحبا ... ألفا برؤية زينبا
فغضب معبد وقال: يا أمير المؤمنين، إنّا مقبلون عليك بأقدارنا وأسناننا وإنك تركتنا بمزجر الكلب وأقبلت على هذا الصبىّ. فقال: يا أبا عبّاد، ما جهلت قدرك ولا سنّك، ولكن هذا الغلام طرحنى في مثل الطّناجير من حرارة غنائه. قال حماد:
فسألت عن الغلام فقيل لى: هو ابن عائشة.
وحكى عن شيخ من تنوخ قال: كنت صاحب ستر الوليد بن يزيد، فرأيت ابن عائشة عنده وقد غنّاه:
إنى رأيت صبيحة النّفر ... حورا نفين عزيمة الصبر
مثل الكواكب في مطالعها ... بعد العشاء أطفن بالبدر
(4/283)

وخرجت أبغى الأجر محتسبا ... فرجعت موفورا من الوزر
فطرب الوليد حتى كفر وألحد، وقال: يا غلام، اسقنا بالسماء السابعة «1» ، ثم قال:
أحسنت والله يا أميرى، أعد بحقّ عبد الشمس فأعاد، ثم قال: أحسنت يا أميرى والله، أعد بحق أميّة فأعاد، ثم قال: أعد بحق فلان حتى بلغ من الملوك نفسه، فقال: أعد بحياتى فأعاده؛ فقام فأكبّ عليه، فلم يبق عضو من أعضائه إلّا قبّله؛ ثم نزع ثيابه فألقاها عليه وبقى مجرّدا إلى أن أتوه بمثلها، ووهب له ألف دينار وحمله على بغلة وقال: اركبها بأبى أنت وانصرف، فقد تركتنى على مثل المقلى من حرارة غنائك. فركبها على بساطه وانصرف.
وحكى أيضا أن ابن عائشة انصرف من عند الوليد وقد غنّاه:
أبعدك معقلا أرجو وحصنا ... قد اعيتنى «2» المعاقل والحصون
فأمر له بثلاثين ألف درهم وبمثل كارة القصّار «3» كسوة. فبينا ابن عائشة يسير إذ نظر إليه رجل من أهل وادى القرى، وكان يشتهى الغناء ويشرب النبيذ، فقال لغلامه: من هذا الراكب؟ قال: ابن عائشة المغنّى، فدنا منه فقال: جعلت فداءك! أنت ابن عائشة أمّ المؤمنين؟ قال: لا أنا مولى لقريش وعائشة أمى، وحسبك هذا. قال: وما هذا الذى أراه بين يديك من المال والكسوة؟ قال: غنّيت أمير المؤمنين صوتا فأطربه فكفر وترك الصلاة وأمر لى بهذا المال وهذه الكسوة.
قال: جعلت فداءك! فهل تمنّ علىّ أن تسمعنى ما أسمعته إيّاه؟ فقال: ويلك!
(4/284)

أمثلى يكلّم بهذا في الطريق! قال: فما أصنع؟ قال: الحقنى بالباب. وحرّك ابن عائشة بغلته لينقطع عنه، فعدا معه حتى وافيا الباب كفرسى رهان. ودخل ابن عائشة فمكث طويلا طمعا ان يضجر فينصرف، فلم يفعل حتى أعياه. فقال لغلامه:
أدخله، فلما دخل، قال له: ويلك! من أين صبّك الله علىّ! قال: أنا رجل من أهل وادى القرى أشتهى هذا الغناء. فقال له: هل لك فيما هو أنفع لك منه؟ قال:
وما ذاك؟ قال: مائتا دينار وعشرة أثواب تنصرف بها الى أهلك. فقال له: جعلت فداءك! والله إن لى بنيّة ما في أذنها- علم الله- حلقة من الورق فضلا عن الذهب، وإن لى زوجة ما عليها- شهد الله- قميص، ولو أعطيتنى جميع ما أمر لك به أمير المؤمنين على هذه الحالة والفقر اللّذين عرّفتكهما وأضعفت لى هذا لكان الصوت أعجب إلىّ. فتعجّب ابن عائشة وغنّاه الصوت، فجعل يحرّك رأسه ويطرب له طربا شديدا حتى ظنّ أن عنقه ستنقصف؛ ثم خرج من عنده ولم يرزأه شيئا. وبلغ الخبر الوليد بن يزيد، فسأل ابن عائشة عنه، فجعل يغيب عن الحديث؛ فلم يزل به حتى صدقه الحديث، فطلب الرجل، فطلب حتى أحضر إليه ووصله صلة سنيّة وجعله من ندمائه ووكلّه بالسّقى؛ فلم يزل معه حتى قتل رحمه الله.
وعن علىّ بن الجهم الشاعر قال: حدّثنى رجل أن ابن عائشة كان واقفا بالموسم مهجّرا «1» فمرّ به بعض أصحابه فقال: ما يقيمك هاهنا؟ قال: إنى أعرف رجلا لو تكلم لحبس الناس هاهنا فلم يذهب أحد ولم يجئ. فقال له الرجل: ومن ذاك؟ قال: أنا؛ ثم اندفع يغنّى:
جرت سنحا فقلت لها أجيزى ... نوى مشمولة فمتى اللّقاء
بنفسى من تذكّره سقام ... أعانيه ومطلبه عناء
(4/285)

قال: فحبس الناس واضطربت المحامل ومدّت الإبل أعناقها، فكادت الفتنة أن تقع. فأتى به هشام بن عبد الملك، فقال له: يا عدوّ الله! أردت أن تفتن الناس! قال: فأمسك عنه وكان تيّاها؛ فقال له هشام: ارفق بتيهك. فقال: يحقّ لمن كانت هذه مقدرته على القلوب أن يكون تيّاها! فضحك هشام وخلّى سبيله.
واختلف في وفاة ابن عائشة وسببها. فقيل: كانت وفاته في أيام هشام بن عبد الملك، وقيل: فى أيام الوليد بن يزيد وهو أشبه، لأنه قد تقدّم أنه نادم الوليد وغنّاه. والذى يقول: إنه توفّى في أيام هشام يزعم أنه نادم الوليد في أيام ولايته العهد. وكانت وفاته بذى خشب، وهو على أميال من المدينة. قيل: كان سبب وفاته أن الغمر بن يزيد خرج إلى الشأم؛ فلما نزل قصر ذى خشب جلس على سطحه، فغنى ابن عائشة صوتا طرب له الغمر، فقال: أعده فأبى، وكان لا يردّد صوتا لسوء خلقه. فأمر به فطرح من أعلى السطح فمات. وقيل: بل قام من الليل يبول وهو سكران فسقط من السطح فمات. وقيل: بل كان قد رجع من عند الوليد بن يزيد، فلما قرب من المدينة نزل بذى خشب، وكان والى المدينة إبراهيم بن هشام المخزومىّ وكان في قصره هناك، فدعاه فأقام عنده ذلك اليوم. فلما أخذوا في الشّرب أخرج المخزومىّ جواريه، فنظر إلى ابن عائشة وهو يغمز جارية منهنّ؛ فقال لخادمه:
إذا خرج ابن عائشة يريد حاجته فارم به من القصر، وكانوا يشربون في سطح القصر، فلما قام رماه الخادم فمات. وقيل: بل أقبل من الشأم فنزل بقصر ذى خشب فشرب فيه ثم صعد إلى أعلى القصر فنظر إلى نسوة يمشين في ناحية الوادى، فقال لأصحابه:
هل لكم فيهنّ؟ فقالوا: وكيف لنا بهنّ! فلبس ملاءة مدلوكة ثم قام على شرفة من شرفات القصر وتغنّى بشعر ابن أذينة:
وقد قالت لأتراب ... لها زهر تلاقينا
(4/286)

تعالين فقد طاب ... لنا العيش تعالينا
فأقبلن عليه، فطرب واستدار فسقط فمات، عفا الله تعالى عنه ورحمه. وقيل: بل مات بالمدينة. وأوّل هذه الأبيات:
سليمى أزمعت بينا ... وأين لقاؤها أينا
وقد قالت لأتراب ... لها زهر تلاقينا
تعالين فقد طاب ... لنا العيش تعالينا
فأقبلن إليها مس ... رعات يتهادينا
إلى مثل مهاة الرم ... ل تكسو المجلس الزّينا
إلى خود منعّمة ... حففن بها وفدّينا تمنّين «1» مناهنّ
فكنّا ما تمنّينا
ذكر أخبار ابن محرز
هو مسلم، وقيل: عبد الله بن محرز. ويكنى أبا الخطاب. مولى عبد الدار بن قصىّ. وكان أبوه من سدنة الكعبة، وأصله من الفرس. وكان يسكن المدينة مرّة ومكة مرّة. فكان إذا أتى المدينة أقام بها ثلاثة أشهر يتعلّم الضرب من عزّة الميلاء ثم يرجع إلى مكة فيقيم بها ثلاثة أشهر. ثم شخص إلى فارس فتعلّم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشأم فتعلّم ألحان الروم «2» وأخذ غناءهم. وأسقط من ذلك مالا يستحسن من غناء الفريقين ونغمهم وأخذ محاسنها، فمزج بعضها ببعض وألّف منها الأغانى التى صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يسمع مثله. وكان يقال له صنّاج العرب.
(4/287)

وقيل: إنه أوّل من أخذ الغناء عن ابن مسجح. وهو أوّل من غنّى بالرّمل وما غنّى قبله. وكان ابن محرز قليل الملابسة للناس، فأخمل ذلك ذكره. وأخذ أكثر غنائه جارية كانت لصديق له من أهل مكة كانت تألفه فأخذه الناس عنها.
ومات بعلّة الجذام، وكان ذلك سبب امتناعه من معاشرة الخلفاء ومخالطة الناس.
وحكى أنه رحل إلى العراق، فلما بلغ القادسيّة لقيه حنين فقال له: كم منّتك نفسك من العراق؟ قال: ألف دينار؛ قال: هذه خمسمائة دينار فخذها وانصرف واحلف ألّا تعود، ففعل. فلما شاع ما فعل حنين لامه أصحابه: فقال: والله لو دخل العراق ما كان لى معه خبزا آكله ولاطّرحت ثم سقطت إلى آخر الدهر. ولم أقف من أخبار ابن محرز على أكثر من هذا فأورده. والسلام.
ذكر أخبار مالك بن أبى السّمح
هو أبو الوليد مالك بن أبى السّمح. واسم أبى السمح جابر بن ثعلبة الطائى. وأمّه قرشيّة من بنى مخزوم؛ وقيل: بل أمّ أبيه [منهم»
] ؛ وقيل فيه: مالك بن أبى السمح بن سليمان. وكان أبوه منقطعا إلى عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ويتيما في حجره أوصى به أبوه إليه. وكان مالك أحول طويلا. وأخذ الغناء عن جميلة ومعبد وعمر، وأدرك الدولة العباسيّة. وكان منقطعا إلى بنى سليمان بن علىّ، ومات في خلافة أبى جعفر المنصور.
وروى الأصفهانىّ بسنده إلى الوردانىّ، قال:
كان مالك بن أبى السمح المغنّى من طيىء، فأصابتهم حطمة «2» فى بلادهم بالجبلين،
(4/288)

فقدمت به أمّه وبإخوة له وأخوات أيتام لا شىء لهم. وكان يسأل الناس على باب حمزة بن الزبير. وكان معبد منقطعا إلى حمزة يكون عنده في كل يوم. فسمع مالك غناءه فأعجبه واشتهاه. وكان لا يفارق باب حمزة يسمع غناء معبد إلى الليل ولا يطوف بالمدينة ولا يطلب من أحد شيئا ولا يريم موضعه «1» ، فينصرف إلى امه ولم يكسب شيئا فتضربه، وهو مع ذلك يترنّم بألحان معبد فيؤدّيها نغما بغير لفظ.
وجعل حمزة كلما غدا أو راح رآه ملازما لبابه؛ فقال لغلامه يوما: أدخل هذا الغلام إلىّ فأدخله الغلام اليه؛ فقال له حمزة: من أنت؟ قال: غلام من طيئ أصابتنا حطمة بالجبلين فهبطنا إليكم ومعى أمّ لى وإخوة، وإنى لزمت بابك فسمعت من دارك صوتا أعجبنى ولزمت بابك من أجله. قال: فهل تعرف منه شيئا؟
قال: أعرف لحنه كلّه ولا أعرف الشعر. فقال: إن كنت صادقا إنك لفهم.
ودعا بمعبد فأمره أن يغنّى صوتا فغنّاه، ثم قال لمالك: هل تستطيع أن تقوله؟
قال نعم. قال: هاته؛ فاندفع فغنّاه فأدّى نغمه بغير شعر «2» ، يؤدّى مدّاته وليّاته وعطفاته ونبراته ومتعلقاته لا يخرم منه حرفا. فقال لمعبد: خذ هذا الغلام إليك وخرّجه فليكوننّ له شأن. قال معبد: ولم أفعل ذلك؟ قال: لتكون محاسنه منسوبة إليك وإلّا عداك إلى غيرك فكانت محاسنه منسوبة إليه. فقال معبد: صدق الأمير، وأنا أفعل ما أمرتنى به. قال حمزة لمالك: كيف [وجدت «3» ] ملازمتك لبابنا؟ قال: أرأيت إن قلت فيك غير الذى أنت له مستحقّ من الباطل أكنت ترضى بذلك؟ قال لا. قال: وكذلك لا يسرّك أن تحمد بما لم تفعل؛ قال نعم. قال: فو الله ما شبعت على بابك شبعة قط، ولا انقلبت إلى أهلى منه بخير. فأمر له ولأمّه ولإخوته بمنزل
(4/289)

وأجرى عليهم رزقا وكسوة وأمر لهم بخادم يخدمهم وعبد يسقيهم الماء، وأجلس مالكا معه في مجالسه، وأمر معبدا أن يطارحه فلم ينشب أن مهر. فخرج مالك يوما فسمع امرأة تنوح على زيادة الذى قتله هدبة بن خشرم- والشعر لأخى زيادة-:
أبعد الذى بالنّعف نعف كويكب ... رهينة رمس ذى تراب وجندل
أذكّر بالبقيا على من أصابنى ... وذلك أنّى جاهد غير مؤتلى «1»
فلا يدعنى قومى لزيد بن مالك ... لئن لم أعجّل ضربة أو أعجّل
وإلّا أنل ثأرى من اليوم أو غد ... بنى عمّنا فالدّهر ذو متطوّل
أنختم علينا كلكل الحرب «2» مرّة ... فنحن منيخوها «3» عليكم بكلكل
فغنّى في هذا الشعر لحنين، أحدهما نحا فيه نحو المرأة في نوحها ورقّقه وأصلحه، والآخر نحا فيه نحو معبد في غنائه. ثم دخل على حمزة فقال له: أيها الأمير، إنى قد صنعت غناء في شعر سمعت أهل المدينة ينشدونه وقد أعجبنى، فإن أذن الأمير غنّيته. قال:
هات؛ فغنّى اللحن الذى نحا فيه نحو معبد؛ فطرب حمزة وقال: أحسنت يا غلام، هذا الغناء غناء معبد بطريقته. قال: لا تعجل أيها الأمير واسمع منّى شيئا ليس من غناء معهد ولا طريقته؛ فغنّاه اللحن الذى تشبّه فيه بنوح المرأة. فطرب حمزة حتى ألقى عليه حلّة كانت عليه قيمتها مائتا دينار. ودخل معبد فرأى حلّة حمزة على مالك فأنكرها. وعلم حمزة بذلك فأخبر معبدا بالسبب، وأمر مالكا فغنّاه الصوتين. فغضب معبد لمّا سمع الصوت الأوّل وقال: قد كرهت أن آخذ هذا الغلام فيتعلّم غنائى فيدّعيه
(4/290)

لنفسه. فقال حمزة: لا تعجل واسمع غناء [صنعه «1» ] ليس من شأنك ولا غنائك، وأمره أن يغنّى الصوت الآخر فغنّاه، فأطرق معبد. فقال له حمزة: والله لو انفرد بهذا لضاهاك ثم تزايد على الأيام، وكلما كبر وزاد شخت أنت وانتقصت، فلأن يكون منسوبا إليك أجمل. فقال له معبد وهو منكسر: صدق الأمير. فأمر حمزة لمعبد بخلعة من ثيابه وجائزة حتى سكن وطابت نفسه. فقام مالك على رجليه وقبّل رأس معبد وقال له: يا أبا عبّاد، أساءك ما سمعت منى؟ والله لا أغنّى لنفسى شيئا أبدا ما دمت حيّا! وإن غلبتنى نفسى فغنّيت في شعر استحسنته لا نسبته إلا إليك، فطب نفسا وارض عنّى. فقال له معبد: أتفعل هذا وتفى به؟ قال: إى والله وأزيد. فكان مالك إذا غنّى صوتا وسئل عنه قال: هذا لمعبد، ما غنّيت لنفسى شيئا قط، وإنما آخذ غناء معبد فأنقله إلى الأشعار وأحسّنه وأزيد فيه وأنقص منه. وحضر مالك بن أبى السّمح عند يزيد بن عبد الملك مع معبد وابن عائشة فغنّوه، فأمر لكلّ واحد منهم بألف دينار.
وحكى عن ابن الكلبىّ قال: قال الوليد بن يزيد لمعبد:
قد آذتنى ولولتك هذه، وقال لابن عائشة: قد آذانى استهلالك هذا، فاطلبا لى رجلا يكون مذهبه متوسّطا بين مذهبيكما. فقالا له: مالك بن أبى السمح؛ فكتب فى إشخاصه إليه وسائر من بالحجاز من المغنّين. فلما قدم مالك على الوليد بن يزيد فيمن معه نزل على الغمر بن يزيد، فأدخله على الوليد فغنّاه فلم يعجبه. فلما انصرف قال له الغمر: إنّ أمير المؤمنين لم يعجبه شىء من غنائك، فقال له: جعلنى الله فداك! اطلب لى الإذن عليه مرّة أخرى، فإن أعجبه شىء ممّا أغنّيه وإلا انصرفت إلى بلادى. فلما جلس الوليد في مجلس اللهو ذكره الغمر له؛ فأذن له فشرب مالك
(4/291)

ثلاث صراحيّات «1» صرفا، ودخل على الوليد وهو يخطر في مشيته، فلما بلغ باب المجلس وقف ولم يسلّم وأخذ بحلقة الباب ثم رفع صوته فغنّى:
لا عيش إلا بمالك بن أبى السّمح ... فلا تلحنى ولا تلم
أبيض كالبدر أو كما يلمع ال ... بارق في حالك من الظّلم
فليس يعصيك إن رشدت ولا ... يهتك حقّ الإسلام والحرم
يصيب من لذّة الكرام ولا ... يجهل آى الترخيص في اللّمم
يا ربّ ليل لنا كحاشية ال ... برد ويوم كذاك لم يدم
نعمت فيه ومالك بن أبى السّمح ... الكريم الأخلاق والشّيم
فطرب الوليد ورفع يديه حتى بان إبطاه وقام فاعتنقه، ثم أخذ في صوته ذلك فلم يزالوا فيه أياما، وأجزل له العطيّة حين أراد الانصراف. قال: ولما أتى مالك على قوله: «أبيض كالبدر» قال الوليد:
أحول كالقرد أو كما يرقب السّارق ... فى حالك من الظّلم
قالوا: وكان مالك بن أبى السمح مع الوليد بن يزيد يوم قتل هو وابن عائشة.
قال ابن عائشة: وكان مالك من أحمق الخلق، فلما قتل الوليد قال: اهرب بنا؛ قلت: وما يريدون منّا؟ قال: وما يؤمنّك أن يأخذوا رأسينا فيجعلوا رأسه بينهما ليحسّنوا أمرهم بذلك!.
ذكر أخبار يونس الكاتب
هو يونس بن سليمان بن كرد بن شهريار من ولد هرمز، مولى «2» لعمرو بن الزبير، ومنشؤه ومنزله بالمدينة، وكان أبوه فقيها فأسلمه في الديوان وكان من كتابه. وأخذ
(4/292)

الغناء عن معيد وابن سريج وابن محرز والغريض، وكان أكثر روايته عن معبد. ولم يكن في أصحاب معبد أحذق منه ولا أقوم بما أخذ عنه منه. وله غناء حسن، وصنعة كثيرة، وشعر جيّد. وهو أوّل من دوّن الغناء. وله كتاب في الأغانى نسبها إلى من غنّى فيها. وخرج إلى الشأم في تجارة، فبلغ الوليد بن يزيد مكانه فأحضره والوليد إذ ذاك ولىّ العهد. قال: فلما وصلت إليه سلّمت عليه، فأمرنى بالجلوس، ثم دعا بالشراب والجوارى. قال يونس: فمكثنا يومنا وليلتنا في أمر عجيب، وغنّيته فأعجب بغنائى إلى أن غنّيته:
إن يعش مصعب فنحن بخير ... قد أتانا من عيشنا ما نرجّى
ثم تنبهت فقطعت الصوت وأخذت أعتذر من غنائى بشعر في مصعب، فضحك ثم قال: إن مصعبا قد مضى وانقطع أثره ولا عداوة بينى وبينه وإنما أريد الغناء، فأمض الصوت؛ فعدت فيه فغنّيته ولم يزل يستعيده حتى أصبح فشرب مصطبحا وهو يستعيدنى هذا الصوت ولا يتجاوزه. فلما مضت ثلاثة أيام قلت: جعلنى الله فداك إنى رجل تاجر خرجت مع تجّار وأخاف أن يرتحلوا فيضيع مالى، فقال: أنت تغدو غدا، وشرب باقى ليلته وأمر لى بثلاثة آلاف دينار. فحملت إلىّ وغدوت إلى أصحابى. فلما استخلف بعث إلىّ فأتيته فلم أزل معه حتى قتل.
ذكر أخبار حنين
هو حنين بن بلوع الحيرى. واختلف في نسبه، فقيل: هو من العباديّين من تميم، وقيل: إنه من بنى الحارث بن كعب، وقيل: إنه من قوم بقوا من طسم وجديس، فنزلوا في بنى الحارث بن كعب فعدّوا فيهم. ويكنى أبا كعب. وكان شاعرا مغنّيا من فحول المغنّين، وكان يسكن الحيرة ويكرى الجمال إلى الشأم، وكان
(4/293)

نصرانيّا. وعن المدائنىّ قال: كان حنين غلاما يحمل الفاكهة بالحيرة، وكان إذا حمل الرياحين إلى بيوت الفتيان «1» ومياسير أهل الكوفة وأصحاب القيان والمتطرّبين ورأوا رشاقته وحسن قدّه وحلاوته وخفّة روحه استحلوه وأقام عندهم، فكان يسمع الغناء ويصغى له، حتى شدا منه أصواتا فاستمعه الناس، وكان مطبوعا حسن الصوت. واشتهر غناؤه وشهر بالغناء ومهر فيه وبلغ فيه مبلغا كبيرا. ثم رحل إلى عمر «2» بن داود الوادى وإلى حكم الوادىّ وأخذ منهما وغنّى لنفسه واستولى على الغناء في عصره، وهو الذى بذل لابن محرز خمسمائة دينار حتى رجع عن العراق، كما قدّمناه في أخبار ابن محرز.
وبلغ من الناس بالغناء مبلغا عظيما، حتى قيل له فيما حكى: إنك تغنّى منذ خمسين سنة فما تركت لكريم مالا ولا دارا ولا عقارا إلا أتيت عليه. فقال: بأبى أنتم! إنما هى أنفاسى أقسمها بين الناس، أفتلوموننى أن أغلى بها الثمن.
وحكى المدائنىّ قال: حجّ هشام بن عبد الملك وعديله الأبرش الكلبىّ؛ فوقف له حنين بظهر الكوفة ومعه عود وزامر له. فلما مرّ به هشام عرض له فقال:
من هذا؟ قيل: حنين؛ فأمر به هشام فحمل في محمل على جمل وعديله زامره وسيّره أمامه، فغنّاه:
أمن سلمى بظهر الكوفة ... الآيات والطّلل
تلوح كما تلوح على ... جفون الصّيقل الخلل
فأمر له هشام بمائتى دينار وللزّامر بمائة دينار.
وحكى أن خالد بن عبد الله القسرىّ حرّم الغناء بالعراق في أيامه ثم أذن للناس يوما في الدخول عليه عامّة؛ فدخل عليه حنين في جملة الناس ومعه عود تحت ثيابه
(4/294)

فقال: أصلح الله الأمير! كانت لى صناعة أعود بها على عيالى فحرّمها الأمير فأضرّ ذلك بى وبهم. فقال: وما كانت صناعتك؟ فكشف عن عوده وقال: هذا.
فقال له خالد: غنّ؛ فعرك «1» أوتاره وغنّى:
أيّها الشّامت المعيّر بالدهر ... أأنت المبرّأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيام ... بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلّدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير
قال: فبكى خالد وقال: قد أذنت لك وحدك خاصّة، ولا تجالس سفيها ولا معربدا. فكان إذا دعى قال: أفيكم سفيه أو معربد؟ فإذا قالوا لا، دخل.
وقال بشر بن الحسين بن سليمان بن سمرة بن جندب: عاش حنين بن بلوع مائة سنة وسبع سنين.
ذكر أخبار سياط
هو عبد الله بن وهب ويكنى أبا وهب، وسياط لقب غلب عليه. وهو مكىّ مولى خزاعة. كان مقدّما في الغناء رواية وصنعة، مقدّما في الطرب. وهو أستاذ ابن جامع وإبراهيم الموصلىّ وعنه أخذا، وأخذ هو عن يونس الكاتب. وكان سياط زوج أمّ ابن جامع. قيل: وإنما لقّب سياط بهذا اللقب لأنه كان كثيرا ما يغنّى:
كأنّ مزاحف الحيّات فيها «2» ... قبيل الصبح آثار السّياط
حكى أن إبراهيم الموصلىّ غنّى صوتا لسياط، فقال ابنه إسحاق: لمن هذا الغناء يا أبت؟ قال: لمن لو عاش ما وجد أبوك خبزا يأكله، سياط.
(4/295)

وحكى أن سياطا مرّ بأبى ريحانة في يوم بارد وهو جالس في الشمس وعليه سمل ثوب رقيق رثّ؛ فوثب إليه أبو ريحانة المدنىّ وقال: بأبى أنت يا أبا وهب! غنّنى صوتك في شعر ابن جندب:
فؤادى رهين في هواك ومهجتى ... تذوب وأجفانى عليك همول
فغنّاه إياه، فشقّ قميصه ورجع إلى موضعه من الشمس وقد ازداد بردا وجهدا.
فقال له رجل: ما أغنى عنك هذا من شقّ قميصك؟! فقال: يابن أخى، إن الشعر الحسن من المغنّى المحسن ذى الصوت المطرب أدفأ للمقرور من حمّام محمّى. فقال له رجل: أنت عندى من الذين قال الله تعالى فيهم: (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ)
فقال: بل أنا ممّن قال الله تعالى فيهم: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)
. وقد حكيت هذه الحكاية أيضا من طريق آخر: أنّه لمّا غنّاه هذا الصوت شقّ قميصه حتى خرج منه وبقى عاريا وغشى عليه واجتمع الناس حوله، وسياط واقف يتعجّب مما فعل، ثم أفاق فقام إليه. فقال له سياط: مالك «1» يا مشئوم! أىّ شىء تريد؟ قال: غنّنى بالله عليك يا سيدى:
ودّع أمامة حان منك رحيل ... إنّ الوداع لمن تحبّ قليل
مثل القضيب تمايلت أعطافه ... فالرّيح تجذب متنه فيميل «2»
إن كان شأنكم الدّلال فإنه ... حسن دلالك يا أميم جميل
فغنّاه، فلطم وجهه حتى خرج الدّم من أنفه ووقع صريعا. ومضى سياط وحمل الناس أبا ريحانة إلى الشمس. فلما أفاق قيل له في ذلك فقال نحو ما تقدّم. قال:
ووجّه إليه سياط بقميص وسراويل وجبّة وعمامة.
(4/296)

وكانت وفاة سياط في أيام موسى الهادى. ودخل عليه ابن جامع وقد نزل به الموت فقال له: ألك حاجة؟ قال: نعم لا تزد في غنائى شيئا ولا تنقص منه، فإنما هو ثمانية عشر صوتا دعه رأسا برأس. وقيل: بل كانت وفاته فجأة، وذلك أنه دعاه بعض إخوانه فأتاهم وأقام عندهم وبات؛ فأصبحوا فوجدوه ميّتا في منزلهم؛ فجاءوا إلى أمه وقالوا: يا هذه إنا دعونا ابنك لنكرمه ونسرّ به ونأنس بقربه فمات فجأة، وها نحن بين يديك، فاحكمى ما شئت، وناشدناك الله أن [لا «1» ] تعرّضينا للسلطان أو تدّعى علينا ما لم نفعله. قالت: ما كنت لأفعل، وقد صدقتم، وهكذا مات أبوه فجأة، وتوجّهت معهم فحملته إلى منزله ودفنته.
ذكر أخبار الأبجر
هو عبيد الله بن القاسم بن منبّه «2» ، ويكنى أبا طالب. وقيل: اسمه محمد بن القاسم، والأبجر لقب غلب عليه. وهو مولى لكنانة ثم لبنى ليث بن بكر «3» . وكان يلقّب بالحسحاس. وكان مدنيّا منشؤه مكة أو مكيّا منشؤه المدينة. قال عورك اللهبىّ:
لم يكن بمكة أحد أظرف ولا أسرى ولا أحسن هيئة من الأبجر؛ كانت حلته بمائة دينار وفرسه بمائة دينار ومركبه بمائة دينار؛ وكان يقف بين المأزمين ويرفع عقيرته، فيقف الناس له فيركب بعضهم بعضا. وروى الأصفهانىّ بسنده إلى اسحاق ابن إبراهيم الموصلىّ قال:
(4/297)

جلس الأبجر في ليلة اليوم السابع من أيام الحجّ على قريب من التّنعيم فإذا عسكر جرّار [قد أقبل «1» ] فى آخر الليل وفيه دوابّ تجنب ومنها فرس أدهم عليه سرج حليته ذهب، فاندفع يغنّى:
عرفت ديار الحىّ خالية قفرا ... كأن بها لمّا توهّمتها سطرا
فلما سمعه من في القباب والمحامل أمسكوا وصاح صائح: ويحك أعد الصوت! فقال: لا والله إلا بالفرس الأدهم بسرجه ولجامه وأربعمائة دينار؛ وإذا الوليد بن يزيد صاحب العسكر. فنودى: أين منزلك؟ ومن أنت؟ فقال: أنا لأبجر، ومنزلى على زقاق باب الخرّازين «2» . فغدا عليه رسول الوليد بذلك الفرس وأربعمائة دينار وتخت ثياب وشى وغير ذلك، ثم أتى به الوليد، فأقام وراح مع أصحابه عشيّة التّروية وهو أحسنهم هيئة، وخرج معه أو بعده إلى الشأم.
وحكى عن عمرو بن حفص بن أمّ كلاب «3» ، قال:
كان الأبجر مولانا وكان مكيّا، وكان إذا قدم من مكة نزل علينا. فقال لنا يوما:
أسمعونا غناء ابن عائشتكم هذا؛ فأرسلنا إليه فجمعنا بينهما في بيت ابن هبّار. فغنّى ابن عائشة؛ فقال الأبجر: كلّ مملوك له حرّ إن غنّيت معك إلّا بنصف صوتى، ثم أدخل إصبعه في شدقه وغنّى فسمع صوته من في السوق، فحشر الناس علينا، فلم يفترقا حتى تشاتما.
ذكر أخبار أبى زيد الدّلال
هو أبو زيد ناقد مدنىّ، مولى عائشة بنت سعيد بن العاص، وكان مخنّثا.
قال إسحاق:
(4/298)

لم يكن في المخنّثين أحسن وجها ولا أنظف ثوبا ولا أظرف من الدّلال. قالوا:
ولم يكن بعد طويس أظرف منه ولا أكثر ملحا. وكان كثير النوادر نزر الحديث، فإذا تكلم أضحك الثّكالى، وكان ضاحك السنّ، ولم يكن يغنّى إلّا غناء مضعّفا (يعنى كثير العمل) .
وقال أيّوب بن عباية:
شهدت أهل المدينة إذا ذكروا الدّلال وأحاديثه طوّلوا رقابهم وفخروا به، فعلمت أن ذلك لفضيلة كانت عنده. قالوا: وكان مبتلى بالنّساء والكون معهنّ، فكان يطلب فلا يقدر عليه. وكان صحيح الغناء حسن الجرم. قالوا: وإنما لقّب بالدلال لشكله وحسن ظرفه ودلّه وحلاوة منطقه وحسن وجهه. وكان مشغوفا بمخالطة النساء يكثر وصفهنّ للرجال. وكان يشاغل كلّ من يجالسه عن الغناء بأحاديث النساء كراهة منه للغناء. وكان إذا غنّى أجاد، كما حكاه ابن الماجشون عن أبيه قال: غنّانى الدّلال يوما بشعر مجنون بنى عامر، فلقد خفت الفتنة على نفسى. واستحضره سليمان بن عبد الملك من المدينة سرّا وغنّاه وأقام عنده شهرا ثم صرفه إلى الحجاز مكرما.
قال الأصمعىّ:
حجّ هشام بن عبد الملك؛ فلما قدم المدينة نزل رجل من أشرف أهل الشأم وقوّادهم بجنب دار الدّلال، فكان الشامىّ يسمع غناء الدلال ويصغى إليه ويصعد فوق السطح ليقرب من الصوت، ثم بعث إلى الدّلال: إمّا أن تزورنا وإمّا أن نزورك.
فبعث إليه الدّلال بل تزورنا. فبعث الشامىّ ما يصلح ومضى إليه بغلامين من غلمانه كأنهما درّتان مكنونتان. فغنّاه الدّلال، فاستحسن الشامىّ غناءه فقال: زدنى؛ قال: أو ما يكفيك ما سمعت! قال: لا والله ما يكفينى. قال: فإنّ لى حاجة.
(4/299)

قال: وما هى؟ قال: تبيعنى أحد هذين الغلامين أو كليهما، فقال: اختر أيّهما شئت، فاختار أحدهما، فقال له الشامىّ: هو لك؛ فقبله منه الدلال، ثم غنّاه وغنّى:
دعتنى دواع من أريّا فهيّجت ... هوى كان قدما من فؤاد طروب
لعل زمانا قد «1» مضى أن يعود لى ... فتغفر أروى عند ذاك ذنوبى
سبتنى أريّا يوم نعف محسّر ... بوجه جميل للقلوب سلوب
فقال له الشامىّ: أحسنت. ثم قال له: أيّها الرجل الجميل، إن لى [إليك «2» ] حاجة، قال الدّلال: وما هى؟ قال: أريد وصيفة ولدت في حجر صالح ونشأت في خير، جميلة الوجه مجدولة وضيئة جعدة في بياض مشربة حمرة حسنة الهامة سبطة أسيلة الخدّ عذبة اللّسان لها شكل [ودلّ «3» ] تملأ العين والنفس. فقال له الدّلال: قد أصبتها لك، فما لى عندك إن دللتك عليها؟ قال: غلامى هذا. قال: إذا رأيتها وقبلتها فالغلام لى؟ قال نعم. قال: فأتى امرأة كنّى عن اسمها، فقال لها: جعلت فداءك! نزل بقربى رجل من قوّاد هشام، له ظرف وسخاء، وجاءنى زائرا فأكرمته، ورأيت معه غلامين كأنهما الشمس الطالعة المنيرة والكواكب الزاهرة ما وقعت عينى على مثلهما ولا يطول لسانى بوصفهما، فوهب لى أحدهما والآخر عنده، وإن لم يصر إلىّ فنفسى ذاهبة. قالت: وتريد ماذا؟ قال: طلب منى وصيفة على صفة لا أعلمها إلا في ابنتك، فهل لك أن تريه إيّاها؟ قالت: وكيف لك بأن يدفع الغلام إليك إذا رآها؟ قال: إنى قد شرطت عليه ذلك عند النظر لا عند البيع.
قالت: شأنك، لا يعلم هذا أحد. فمضى الدّلال وأتى بالشامىّ. فلما صار إلى المرأة وضع له كرسىّ وجلس. فقالت له المرأة: أمن العرب أنت؟ قال نعم. قالت:
(4/300)

من أيّهم؟ قال: من خزاعة. قالت: مرحبا بك وأهلا! أىّ شىء طلبت؟
فوصف لها الصّفة. قالت: قد أصبتها؛ وأسرّت إلى جارية لها فدخلت فمكثت هنيهة ثم خرجت فنظرت فقالت: اخرجى، فخرجت وصيفة ما رأى [الراءون «1» ] مثلها. فقالت لها: أقبلى فأقبلت، ثم قالت: أدبرى فأدبرت تملأ العين والنفس، فما بقى منها شىء إلا وضع يده عليه. فقالت له: أتحبّ أن نؤزّرها لك؟ قال نعم.
قالت: ائتزرى؛ فضمّها الإزار وظهرت محاسنها الخفيّة؛ فضرب بيده إلى عجيزتها وصدرها. ثم قالت: أتحب أن نجرّدها لك؟ قال نعم. قالت: [أى حبيبتى «2» ] وضحّى؛ فألقت الإزار فإذا أحسن خلق الله كأنها سبيكة. فقالت: يا أخا العرب، كيف رأيت؟ قال: منية المتمنّى. قال: بكم تقولين؟ قالت: ليس يوم النظر يوم البيع، ولكن تعود غدا حتى نبايعك فلا تنصرف إلا عن رضا، فانصرف من عندها. فقال له الدّلال: أرضيت؟ قال: نعم، ما كنت أحسب أن مثل هذه فى الدنيا، وإن الصفة لتقصر دونها، ثم دفع إليه الغلام الثانى. فلما كان من الغد قال له الشامىّ: امض بنا. فمضيا حتى قرعا الباب، فأذن لهما فدخلا فسلّما، فرحّبت المرأة بهما ثم قالت للشامىّ: أعطنا ما تبذل؛ فقال: ما لها عندى ثمن إلا وهى أكثر منه، فقولى أنت يا أمة الله. قالت: بل قل أنت، فإنا لم نوطئك أعقابنا ونحن نريد خلافك وأنت لها رضا. قال: ثلاثة آلاف [دينار «3» ] . قالت: والله لقبلة منها خير من ثلاثة آلاف [دينار «4» ] . قال: أربعة آلاف [دينار «5» ] . قالت: غفر الّه لك أعطنا أيّها الرجل. قال: والله ما معى غيرها- ولو كان لزدتك- إلا رقيق ودوابّ.
قالت: ما أراك إلا صادقا، أتدرى من هذه؟ قال: تخبرينى. قالت: هذه
(4/301)

ابنتى فلانة بنت فلان وأنا فلانة بنت فلان، قم راشدا. فقال للدّلال: خدعتنى.
قال: أو ما ترضى أن ترى ما رأيت من مثلها وتهب مائة غلام مثل غلامك؟ قال:
أمّا هذا فنعم. وخرجا من عندها.
والدّلال أحد من خصى من المخنّثين بالمدينة لمّا أمر سليمان بن عبد الملك عامله على المدينة أبا بكر بن عمرو بن حزم بخصيهم.
ذكر أخبار عطرّد
هو أبو هارون «1» عطرّد، مولى الأنصار [ثم مولى «2» ] بنى عمرو بن عوف، وقيل:
إنه مولى مزينة. مدنىّ كان ينزل قباء. وكان جميل الوجه حسن الغناء طيّب الصوت جيّد الصنعة حسن الزىّ والمروءة فقيها قارئا للقرآن. وقيل: إنه كان معدّل الشهادة بالمدينة. وأدرك دولة بنى أميّة وبقى إلى أوّل أيام الرشيد. وكان يغنّى مرتجلا.
وحكى أبو الفرج الأصفهانىّ بسند رفعه قال:
لمّا استخلف الوليد بن يزيد كتب إلى عامله بالمدينة فأمره بإشخاص عطرّد المعنّى إليه، ففعل. قال عطرّد: فدخلت على الوليد وهو جالس في قصره على شفير بركة مرصّصة مملوءة خمرا ليست بالكبيرة ولكنّها يدور الرجل فيها [سباحة «3» ] . قال:
فو الله ما تركنى أسلّم حتى قال: أعطرّد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ما زلت إليك مشتاقا يا أبا هارون، غنّنى:
(4/302)

حىّ الحمول بجانب العزل «1» ... إذ لا يشاكل شكلها شكلى
الله أنجع ما طلبت به ... والبرّ خير حقيبة الرّحل
إنى بحبلك واصل حبلى ... وبريش نبلك رائش نبلى
وشمائلى ما قد علمت وما ... نبحت كلابك طارقا مثلى
قال: فغنّيته إياه، فو الله ما أتممته حتى شقّ حلّة وشى كانت عليه لا أدرى كم قيمتها، فتجرّد منها كما ولدته أمّه، وألقى نفسه في البركة فنهل منها حتى تبيّنت أنها قد نقصت نقصانا بيّنا، وأخرج منها وهو كالميت سكرا، فأضجع وغطّى؛ فأخذت الحلّة وقمت وانصرفت إلى منزلى متعجّبا من فعله. فلما كان في غد، جاءنى رسوله فى مثل الوقت فأحضرنى. فلما دخلت عليه قال: يا عطرّد! قلت: لبّيك يا أمير المؤمنين! قال: غنّنى:
أيذهب عمرى هكذا لم أنل به ... مجالس تشفى قرح قلبى من الوجد
وقالوا تداو إنّ في الطبّ راحة ... فعلّلت نفسى بالدواء فلم يجد
فغنّيته إيّاه، فشقّ حلّة وشى كانت تلمع عليه بالذّهب احتقرت والله الأولى عندها، ثم ألقى نفسه في البركة فنهل منها حتى تبيّنت نقصانها وأخرج كالميت سكرا، فألقى وغطّى ونام؛ وأخذت الحلّة وانصرفت. فلما كان اليوم الثالث، جاءنى رسوله فدخلت إليه وهو في بهو قد ألقيت ستوره، فكلّمنى من وراء الستور وقال:
يا عطرّد! قلت: لبّيك يا أمير المؤمنين! قال: كأنى بك الآن قد أتيت إلى المدينة فقمت في مجالسها وقعدت وقلت: دعانى أمير المؤمنين فدخلت عليه فاقترح علىّ فغنّيته فأطربته فشقّ ثيابه وأخذت سلبه وفعل وفعل! وو الله يابن الزّانية إن تحرّكت شفتاك بشىء مما جرى لأضربنّ عنقك يا غلام أعطه ألف دينار؛ خذها
(4/303)

وانصرف إلى المدينة. فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لى في تقبيل يده ويزوّدنى نظرة منه وأغنّيه صوتا! فقال: لا حاجة بى ولا بك إلى ذلك، فانصرف.
قال عطرّد: فخرجت من عنده وما علم الله أنّى ذكرت شيئا مما جرى حتى مضت من دولة بنى هاشم مدّة. ودخل عطرّد على المهدىّ وغنّاه. قيل: ودخل على الرشيد وغنّاه. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
ذكر أخبار عمر الوادىّ
هو عمر بن داود بن زاذان. وجدّه زاذان مولى عمرو بن عثمان بن عفّان.
وأخذ الغناء عن حكم، وقيل: بل أخذ حكم عنه. وهو من أهل وادى القرى.
قدم الحرم وأخذ من غناء أهله فحذق وصنع فأجاد. وكان طيّب الصوت شجيّا مطربا. وهو أوّل من غنّى من أهل وادى القرى، واتصل بالوليد بن يزيد في أيام إمارته فتقدّم عنده جدّا، وكان يسمّيه «جامع لذّاتى ومحيى طربى» . وقتل الوليد وهو يغنّيه، وكان آخر الناس به عهدا. قال: وكان يجتمع مع معبد ومالك بن أبى السّمح وغيرهما من المغنّين عند الوليد بن يزيد، فلا يمنعه حضورهم من تقديمه والإصغاء إليه والاختصاص به. وفي عمر هذا يقول الوليد بن يزيد:
إنما فكّرت في عمر ... حين قال القول واختلجا
إنه للمستنير به ... قمر قد طمّس السّرجا
ويغنّى الشعر ينظمه ... سيّد القوم الذى فلجا
أكمل الوادىّ صنعته ... فى كتاب الشعر فاندمجا
أراد الوليد بن يزيد بقوله: «سيّد القوم» نفسه.
(4/304)

ذكر أخبار حكم الوادىّ
هو أبو يحيى الحكم بن ميمون، وقيل: الحكم بن يحيى بن ميمون. مولى الوليد بن عبد الملك، كان أبوه حلّاقا «1» يحلق رأس الوليد، فاشتراه فأعتقه. وكان حكم طويلا أحول، يكرى الجمال ينقل [عليها «2» ] الزيت من الشأم إلى المدينة. وقيل: كان أصله من الفرس. وكان واحد عصره في الحذق، وكان يغنّى بالدّفّ ويغنّى مرتجلا. وعمّر عمرا طويلا، غنّى الوليد بن عبد الملك، وغنّى الرشيد، ومات في الشّطر من خلافته.
وأخذ الغناء عن عمر الوادىّ، وقد قيل: إن عمر أخذ عنه. قال حمّاد بن إسحاق قال لى أبى: أربعة بلغت في أربعة أجناس من الغناء مبلغا قصّر عنه غيرهم: «معبد» فى الثقيل، و «ابن سريج» فى الرّمل، و «حكم» فى الهزج، و «إبراهيم» فى الماخورىّ.
قال أبو الفرج الأصفهانىّ: وزار حكم الوادىّ الرشيد، فبرّه ووصله بثلاثمائة ألف درهم، وخيّره فيمن يكتب له بها عليه؛ فقال: اكتب لى بها على إبراهيم بن المهدىّ- وكان إبراهيم إذ ذاك عاملا له بالشأم- فقدم عليه حكم بكتاب الرشيد؛ فأعطاه ما كتب له به، ووصله بمثل ذلك، إلّا أنه نقصه ألف درهم من الثلاثمائة ألف وقال له: لا أصلك بمثل ما وصلك أمير المؤمنين. قال إبراهيم بن المهدىّ: وأقام عندى ثلاثين يوما أخذت عنه فيها ثلاثمائة صوت، كلّ صوت أحبّ إلى من الثلاثمائة ألف التى وهبتها له. وقيل: إنه لم يشتهر بالغناء حتى صار إلى بنى العبّاس، فانقطع إلى محمد بن أبى العباس، وذلك في خلافة المنصور، فأعجب به واختاره على المغنّين وأعجبته أهزاجه. وكان يقال: إنه أهزج الناس. ويقال: إنه غنّى الأهزاج في آخر عمره؛ فلامه ابنه على ذلك وقال: أبعد الكبر تغنّى غناء المخنّثين! فقال له: اسكت
(4/305)

فإنّك جاهل، غنّيت [الثقيل «1» ] ستين سنة فلم أنل إلا القوت، وغنّيت الأهزاج منذ سنتين فكسبتك ما لم تر مثله قطّ. والله أعلم.
ذكر أخبار ابن جامع
هو أبو القاسم إسماعيل بن جامع بن عبد الله بن المطلب بن أبى وداعة ابن صبيرة بن سهم بن هصيص بن كعب بن لؤىّ. قالوا: وكان ابن جامع من أحفظ خلق الله لكتاب الله تعالى، كان يخرج من منزله مع الفجر يوم الجمعة فيصلّى الصبح ثم يصفّ قدميه حتى تطلع الشمس، فلا يصلّى الناس الجمعة حتى يختم القرآن ثم ينصرف إلى منزله. وكان حسن السّمت، كثير الصلاة. وكان يعتمّ بعمامة سوداء على قلنسوة ويلبس لباس الفقهاء ويركب حمارا مرّيسيّا «2» فى زىّ أهل الحجاز. وروى عنه أنه قال: لولا أن القمار وحبّ الكلاب قد شغلانى لتركت المغنّين لا يأكلون الخبز. قال ابن جامع: أخذت من الرشيد ببيتين غنّيته إياهما عشرة آلاف دينار.
قالوا: وكان إبراهيم بن المهدىّ يفضّل ابن جامع فلا يقدّم عليه أحدا. قال: وكان ابن جامع منقطعا إلى موسى الهادى في أيام أبيه، فضربه المهدىّ وطرده. فلما مات المهدىّ بعث الفضل بن الربيع إلى مكة فأحضر ابن جامع في قبّة ولم يعلم به أحدا.
فذكره موسى الهادى ذات ليلة فقال لجلسائه: أما فيكم أحد يرسل إلى ابن جامع وقد عرفتم موقعه منى؟ فقال الفضل بن الربيع: هو والله عندى يا أمير المؤمنين وأحضره إليه. فوصل الفضل في تلك الليلة بعشرة آلاف دينار وولّاه حجابته.
(4/306)

وحكى أنه دخل على الهادى فغنّاه فلم يعجبه؛ فقال له الفضل: تركت الخفيف وغنّيت الثقيل. قال: فأدخلنى عليه أخرى فأدخله؛ فغنّاه الخفيف، فأعطاه ثلاثين ألف دينار. قال أحمد بن يحيى المكىّ: كان ابن جامع أحسن ما يكون غناء إذا حزن. وأحبّ الرشيد أن يسمع ذلك، فقال للفضل بن الربيع: ابعث بخريطة فيها نعى أمّ ابن جامع- وكان برّا بأمّه- ففعل. فقال الرشيد: يابن جامع، فى هذه الخريطة نعى أمّك؛ فاندفع ابن جامع يغنّى بتلك الحرقة والحزن الذى فى قلبه:
كم «1» بالدروب وأرض السّند من قدم ... ومن جماجم صرعى ما بها قبروا
بقندهار «2» ومن تكتب منيّته ... بقندهار يرجّم دونه الخبر
قال: فو الله ما ملكنا أنفسنا، ورأيت الغلمان يضربون برءوسهم الحيطان والأساطين، وأمر له الرشيد بعشرة آلاف دينار.
وروى أبو الفرج بسنده إلى عبد الله بن علىّ بن عيسى بن ماهان قال: سمعت يزيد يحدّث عن أمّ جعفر أنه بلغها أنّ الرشيد جالس وحده وليس معه أحد من الندماء ولا المسامرين، فأرسلت إليه: يا أمير المؤمنين، إنّى لم أرك منذ ثلاث وهذا اليوم الرابع. فأرسل إليها: عندى ابن جامع. فأرسلت إليه: أنت تعلم أنى لا أتهنّأ بشرب ولا سماع ولا غيرهما إلا أن تشركنى فيه، ما كان عليك أن أشركك فى هذا الذى أنت فيه! فأرسل إليها: إنى صائر إليك الساعة. ثم قام وأخذ بيد ابن جامع وقال للخادم: امض إليها واعلمها أنّى قد جئت. وأقبل الرشيد؛ فلما نظر
(4/307)

إلى الخدم والوصائف قد استقبلوه علم أنّها قد قامت تستقبله؛ فوجّه إليها: إن معى ابن جامع، فعدلت إلى بعض المقاصير. وجاء الرشيد وصيّر ابن جامع في بعض المواضع التى يسمع منه فيها، ثم أمر ابن جامع فاندفع يغنّى:
ما رعدت رعدة ولا برقت ... لكنها أنشئت لنا خلقه «1»
الماء يجرى ولا نظام «2» له ... لو يجد الماء مخرقا خرقه
بتنا وباتت على نمارقها ... حتى بدا الصبح عينها أرقه
أن قيل إن الرحيل بعد غد ... والدّار بعد الجميع مفترقه
فقالت أمّ جعفر للرشيد: ما أحسن ما اشتهيت والله يا أمير المؤمنين! ثم قالت لمسلم خادمها: ادفع إلى ابن جامع بكل بيت مائة ألف درهم. فقال الرّشيد:
غلبتينا يابنة أبى الفضل وسبقتينا إلى برّ ضيفنا وجليسنا. فلما خرج حمل الرشيد إليها مكان كل درهم دينارا.
ذكر أخبار عمرو بن أبى الكنّات «3»
قال أبو الفرج الأصفهانىّ: هو أبو عثمان، وقيل: أبو معاذ عمرو بن أبى الكنّات، مولى بنى جمح. وهو مكىّ مغنّ حسن الصوت، من طبقة ابن جامع وأصحابه. وفيه يقول الشاعر:
أحسن الناس فاعلموه غناء ... رجل من بنى أبى الكنّات
(4/308)

قال محمد بن عبد الله بن فروة: قلت لإسماعيل بن جامع يوما: هل غلبك أحد من المغنّين قط؟ قال: نعم، كنت ليلة ببغداد إذ جاءنى رسول أمير المؤمنين هارون الرشيد فأمرنى بالرّكوب، فركبت حتى صرت إلى الدار، فإذا أنا بالفضل بن الربيع ومعه زلزل العوّاد وبرصوما؛ فسلّمت وجلست يسيرا. فطلع خادم فقال للفضل:
هل جاء؟ قال لا. قال: فابعث إليه. ولم يزل المغنّون يدخلون واحدا واحدا حتى كنّا ستّة أو سبعة. ثم طلع الخادم فقال: هل جاء؟ فقال لا؛ فقال: قم فابعث فى طلبه؛ فقام فغاب غير طويل فإذا هو قد جاء بعمرو بن أبى الكنّات. فسلّم وجلس إلى جنبى، فقال لى: من هؤلاء؟ قلت: مغنّون، هذا «زلزل» وهذا «برصوما» .
فقال: لأغنّينّك غناء يخرق هذا السقف وتجيبه الحيطان. ثم طلع الخصىّ فدعا بكراسىّ، وخرج الجوارى. فلما جلسن قال الخادم: شدّوا فشدّوا عيدانهم؛ ثم قال:
يغنّى ابن جامع، فغنّيت سبعة أو ثمانية أصوات؛ قال: اسكت، وليغنّ إبراهيم الموصلىّ؛ فغنّى مثل ذلك أو دونه ثم سكت، وغنّى القوم كلّهم واحدا بعد واحد حتى فرغوا. ثم قال لابن أبى الكنّات: غنّ؛ فقال لزلزل: شدّ طبقتك فشدّ؛ ثم قال له: شدّ فشدّ، ثم أخذ العود من يده فجسّه حتى وقف على الموضع الذى يريده، ثم قال: على هذا. وابتدأ الصوت الذى أوّله «ألالا» ؛ فو الله لقد خيّل إلىّ أن الحيطان تجاوبه؛ ثم رجّع النّغمة فيه؛ فطلع الخصىّ فقال: اسكت لا تتمّ الصوت فسكت. ثم قال: يجلس عمرو بن أبى الكنّات وينصرف سائر المغنّين؛ فقمنا بأسوأ حال وأكسف بال، ولا والله ما زال كلّ واحد منّا يسأل صاحبه عن كلّ ما يرويه من الغناء الذى أوّله «ألالا» طمعا في أن يعرفه وأن يوافق غناءه فما عرفه منا أحد. وبات عمرو عند الرشيد ليلته وانصرف من عنده بجوائز وصلات وطرف سنية.
(4/309)

وقال موسى بن أبى المهاجر: خرج ابن جامع وابن أبى الكنّات حين دفع الإمام «1» من عرفة، حتى إذا كانوا بين المأزمين جلس عمرو على طرف الجبل ثم اندفع يغنّى، فركب الناس بعضهم بعضا حتى صاحوا به واستغاثوا: يا هذا، الله الله! اسكت عنا يجز الناس؛ فضبط ابن جامع بيده على فيه حتى مضى الناس إلى مزدلفة.
قال علىّ بن الجهم: حدّثنى من أثق به قال: واقفت ابن أبى الكنّات على جسر بغداد أيام الرشيد فحدّثته بحديث اتّصل بى عن ابن عائشة أنه وقف في الموسم فى أيام هشام، فمرّ به بعض أصحابه فقال: ما تصنع؟ فقال: إنى لأعرف رجلا لو تكلم لحبس الناس فلم يذهب منهم أحد ولم يجئ. فقلت له «2» : من هذا الرجل؟ قال:
أنا، ثم اندفع فغنّى فحبس الناس، فاضطربت المحامل ومدّت الإبل أعناقها. فقال ابن أبى الكنّات وكان معجبا بنفسه: أنا أفعل كما فعل وقدرتى على القلوب أكثر من قدرته. ثم اندفع فغنّى الصوت الذى غنّى فيه ابن عائشة، وهو:
جرت سنحا فقلت لها أجيزى ... نوى مشمولة فمتى اللّقاء
بنفسى من تذكرّه سقام ... أعالجه ومطلبه عناء
قال: فغنّاه، وكنا إذ ذاك على جسر بغداد، وكان على دجلة ثلاثة جسور، فانقطعت الطّرق وامتلأت الجسور بالناس فآزدحموا عليها واضطربت حتى خيف عليها أن تنقطع لثقل من عليها من الناس. فأخذ فأتى به الرشيد؛ فقال له: يا عدوّ الله، أردت أن تفتن الناس! قال: لا والله يا أمير المؤمنين ولكنّه بلغنى أن ابن عائشة فعل مثل هذا في أيام هشام، فأحببت أن يكون في أيامك مثله. فأعجبه ذلك،
(4/310)

وأمر له بمال وأمره أن يغنّى فغنّى؛ فسمع شيئا لم يسمع مثله، فآحتبسه عنده شهرا يستر يده، وكلّ يوم يستأذن له في الانصراف فلا يأذن له حتى تمّم شهرا، وانصرف بأموال جسيمة.
وقال عثمان بن موسى: كنّا على شراب يوما ومعنا عمرو بن أبى الكنّات إذ قال لنا قبل طلوع الشمس: من تحبّون أن يجيئكم؟ قلنا: منصور الحجبىّ. فقال:
أمهلوا حتى يكون الوقت الذى ينحدر فيه إلى سوق البقر. فمكثنا ساعة ثم اندفع يغنّى:
أحسن الناس فاعلموه غناء ... رجل من بنى أبى الكنّات
عفت الدّار فالهضاب اللّواتى ... بين «1» ثور فملتقى عرفات
فلم نلبث أن رأينا منصورا من بعد قد أقبل يركض دابّته نحونا. فلما جلس إلينا قلت له: من أين علمت بنا؟ قال: سمعت صوت عمرو وأنا في سوق البقر، فخرجت أركض دابّتى حتى صرت إليكم. قال: وبيننا وبين ذلك الموضع ثلاثة أميال.
وقال يحيى بن يعلى بن سعيد: بينا أنا ليلة في منزلى في الرّمضة بأسفل مكة، إذ سمعت صوت عمرو بن أبى الكنّات كأنّه معى، فأمرت الغلام فأسرج لى دابّتى وخرجت أريده، فلم أزل أتبع الصوت حتى وجدته جالسا على الكثيب العارض ببطن عرفة يغنّى:
خذى العفو منى تستديمى مودّتى ... ولا تنطقى في سورتى حين أغضب
(4/311)

ولا تنقرينى نقرة الدّفّ مرّة ... فإنّك لا تدرين كيف المغيّب
فإنى رأيت الحبّ في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب
ذكر أخبار أبى المهنّأ مخارق
هو أبو المهنّأ مخارق بن يحيى بن ناووس الجزّار مولى الرشيد. وقيل: بل ناووس لقب أبيه يحيى؛ وإنما لقّب بناووس لأنه بايع رجلا أنه يمضى إلى ناووس الكوفة فيطبخ فيه قدرا بالليل حتى تنضج، فطرح رهنه بذلك؛ فدسّ الرجل الذى راهنه رجلا فألقى نفسه في الناووس بين الموتى. فلما فرغ ناووس من الطبخ مدّ الرجل يده من بين الموتى وقال له: أطعمنى؛ فغرف بالمغرفة من المرق وصبّها في يد الرجل فأحرقها وضربها بالمغرفة وقال له: اصبر حتى نطعم الأحياء أوّلا ثم نتفرّغ للموتى؛ فلقّب ناووسا لذلك.
قال: وكان مخارق لعاتكة بنت شهدة، وهى من المغنّيات المحسنات المتقدّمات فى الضرب. نشأ مخارق بالمدينة؛ وقيل: كان منشؤه بالكوفة. وكان أبوه جزارا مملوكا، وكان مخارق وهو صبىّ ينادى على ما يبيعه أبوه من اللحم. فلما بان طيب صوته علّمته مولاته طرفا من الغناء، ثم أرادت بيعه، فاشتراه إبراهيم الموصلىّ منها وأهداه للفضل بن يحيى، فأخذه الرشيد منه ثم أعتقه. وقيل: اشتراه إبراهيم من مولاته بثلاثين ألف درهم وزادها ثلاثة آلاف درهم. قال: ولما اشتراه قال له الفضل بن يحيى: ما خبر غلام بلغنى أنك اشتريته؟ فقال: هو ما بلغك. قال:
فأرنيه، فأحضره، فغنّى بين يديه؛ فقال له: ما أرى فيه الذى رأيت. قال: تريد أن يكون في الغناء مثلى في ساعة واحدة! فقال: بكم تبيعه؟ قال: اشتريته بثلاثين ألف درهم، وهو حرّ لوجه الله تعالى إن بعته إلا بثلاثة وثلاثين ألف دينار. فغضب
(4/312)

الفضل وقال: إنما أردت ألّا تبيعه أو تجعله سببا لأن تأخذ منّى ثلاثة وثلاثين ألف دينار. فقال إبراهيم: أنا أصنع بك خصلة واحدة، أبيعك نصفه بنصف هذا المال وأكون شريكك في نصفه [وأعلّمه «1» ] ، فإن أعجبك إذا علمته أتممت لى باقى المال وإلا بعته بعد، وكان الرّبح بينى وبينك. فقال الفضل: إنما أردت أن تأخذ منّى المال الذى قدّمت ذكره، فلما لم تقدر على ذلك أردت أن تأخذ نصفه، وغضب. فقال إبراهيم له: فأنا أهبه لك على أنه يساوى ثلاثة وثلاثين ألف دينار؛ قال: قد قبلته؛ قال: وقد وهبته لك. وغدا إبراهيم على الرشيد؛ فقال له:
يا إبراهيم، ما غلام بلغنى أنك وهبته للفضل؟ قال: غلام يا أمير المؤمنين لم تملك العرب ولا العجم مثله، ولا يكون مثله أبدا. قال: فوجّه إلى الفضل يأمره بإحضاره. فوجّه به إليه، فغنّى بين يديه؛ فقال له: كم يساوى؟ قال إبراهيم: يساوى خراج مصر وضياعها. قال: ويحك! أتدرى ما تقول! مبلغ هذا المال كذا وكذا! قال: وما مقدار هذا المال في غلام لم يملك أحد مثله قطّ! قال: فالتفت الرشيد إلى مسرور الكبير وقال: قد عرفت يمينى أنى لا أسأل أحدا من البرامكة شيئا.
فقال مسرور: فأنا أمضى إلى الفضل فأستوهبه منه، فإذا كان عندى فهو عندك.
فقال له: شأنك. فمضى مسرور إلى الفضل واستوهبه منه، فوهبه له. وقيل:
بل إبراهيم هو الذى أهداه للرشيد؛ فأمره الرشيد بتعليمه فعلّمه حتى بلغ ما بلغه.
قال: وكان مخارق يقف بين يدى الرشيد مع الغلمان لا يجلس ويغنّى وهو واقف.
فغنّى ابن جامع ذات يوم بين يدى الرشيد:
كأنّ نيراننا «2» فى جنب قلعتهم ... مصبّغات على أرسان قصّار «3»
(4/313)

هوت هرقلة لمّا أن رأت عجبا ... جواثما «1» ترتمى بالنّفط والنّار
فطرب الرشيد واستعاده مرارا؛ وهو شعر مدح به الرشيد في فتح هرقلة. فأقبل الرشيد على ابن جامع دون غيره. فغمز مخارق إبراهيم بعينه وتقدّمه إلى الخلاء، فلما جاء قال له: مالى أراك منكسرا؟ فقال له: أما ترى إقبال أمير المؤمنين على ابن جامع بسبب هذا الصوت! فقال مخارق: قد والله أخذته. فقال: ويحك! إنه الرشيد، وابن جامع من تعلم، ولا يمكن معارضته إلا بما يزيد على غنائه وإلا فهو الموت! فقال: دعنى وخلاك ذمّ، وعرّفه أنّى أغنّى به، فإن أحسنت فإليك ينسب، وإن أسأت فإلىّ يعود. فقال إبراهيم للرشيد: يا أمير المؤمنين، أراك متعجّبا من هذا الصوت بغير ما يستحقّه وأكثر مما يستوجبه! فقال: لقد أحسن فيه ابن جامع ما شاء. قال: أو لابن جامع هو؟ قال: نعم، كذا ذكر. وقال: فإنّ عبدك مخارقا يغنيه. فنظر إلى مخارق؛ فقال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: هاته؛ فغنّاه وتحفّظ فيه فأتى بالعجائب، وطرب الرشيد حتى كاد يطير؛ ثم أقبل على ابن جامع فقال:
ويلك! ما هذا؟ فابتدأ يحلف بالطلاق وكلّ محرجة أنه لم يسمع ذلك الصوت قطّ من غيره وأنه صنعه وأنها حيلة جرت عليه. فأقبل على إبراهيم وقال: اصدقنى بحياتى؛ فصدقه عن قصّة مخارق. فقال لمخارق: اجلس إذا مع أصحابك، فقد تجاوزت مرتبة من يقوم. وأعتقه ووصله بثلاثة آلاف دينار وأقطعه ضيعة ومنزلا.
وقد روى أبو الفرج الأصفهانىّ عن هارون بن مخارق، قال: كان أبى إذا غنّى هذا الصوت:
يا ربع سلمى لقد هيّجت لى طربا ... زدت الفؤاد على علّاته وصبا
ربع تبدّل ممن كان يسكنه ... عفر الظباء وظلمانا به عصبا
(4/314)

يبكى ويقول: أنا مولى هذا الصوت. فقلت له: كيف يا أبت؟ فقال: غنّيته مولاى الرشيد، فبكى وشرب عليه رطلا ثم قال: أحسنت يا مخارق! فسلنى حاجتك؛ فقلت: تعتقنى يا أمير المؤمنين أعتقك الله من النار؛ فقال: أنت حرّ لوجه الله تعالى، فأعد الصوت فأعدته؛ فبكى وشرب رطلا، ثم قال: أحسنت يا مخارق! فسلنى حاجتك؛ فقلت: ضيعة تقيمنى غلّتها «1» ؛ فقال: قد أمرت لك بها، أعد الصوت فأعدته؛ فبكى وقال: سل حاجتك؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، تأمر لى بمنزل وفرس وخادم؛ فقال: ذلك لك، أعد الصوت فأعدته؛ فبكى وقال:
سل حاجتك؛ فقبّلت الأرض بين يديه وقلت: حاجتى أن يطيل الله بقاءك ويديم عزّك ويجعلنى من كل سوء فداءك؛ فأنا مولى هذا الصوت بعد مولاى.
ويروى أيضا عن الحسين بن الضحّاك عن مخارق أنّ الرشيد قال يوما للمغنّين وهو مصطبح: من منكم يغنّى:
يا ربع سلمى لقد هيّجت لى طربا
فقمت وقلت: أنا يا أمير المؤمنين. فقال: هاته؛ فغنّيته فطرب وشرب ثم قال:
علىّ بهرثمة؛ فقلت في نفسى: ماذا يريد منه! فجاء هرثمة فقال له: مخارق الشّارىّ الذى قتلناه بنواحى الموصل ما كانت كنيته؟ فقال: أبو المهنّأ؛ فقال: انصرف فانصرف؛ ثم أقبل الرشيد علىّ فقال: قد كنّيتك أبا المهنّأ لإحسانك؛ وأمر لى بمائة ألف درهم؛ فانصرفت بها وبالكنية.
قال أبو عبد الله بن حمدون: كنّا عند الواثق وأمّه عليلة. فلما صلّى المغرب دخل إليها وأمر ألا نبرح، فجلسنا في صحن الدار، وكانت ليلة مقمرة وأبطأ الواثق علينا؛ فاندفع مخارق يغنّى، فاجتمع علينا الغلمان، وخرج الواثق فصاح: يا غلام، فلم يجبه
(4/315)

أحد، ومشى في المجلس الى أن توسّط الدار؛ فلما رأيته بادرت إليه؛ فقال لى:
ويلك! هل حدث في دارى شىء؟ فقلت: لا يا سيّدى. قال: فما بالى أصيح فلا أجاب؟ فقلت: مخارق يغنّى والغلمان قد اجتمعوا اليه فليس فيهم فضل لسماع غير ما يسمعونه. فقال: عذر والله لهم يابن حمدون وأىّ عذر! ثم جلس وجلسنا بين يديه الى السّحر. وقد روى نحو هذه الحكاية في أمر الغلمان مع مخارق عند المعتصم. وقال محمد بن عبد الملك الزيّات: قال لى الواثق: ما غنّانى مخارق قط إلا قدّرت أنه من قلبى خلق. وكان يقول: أتريدون أن تنظروا فضل مخارق على جميع أصحابه؟ انظروا الى هؤلاء الغلمان الذين يقفون في السّماط، فكانوا يتفقّدونهم وهم وقوف فكلّهم يسمع الغناء من المغنّين جميعا وهو واقف مكانه ضابط لنفسه، فاذا تغنّى مخارق خرجوا عن صورهم فتحرّكت أرجلهم ومناكبهم وبانت أسباب الطرب فيهم، وازدحموا على الحبل الذى يقفون من ورائه.
وحكى أنّه خرج مرّة الى باب الكناسة بمدينة السلام والناس يرحلون الى مكة؛ فنظر إلى كثرتهم وازدحامهم، فقال لأصحابه الذين معه: قد جاء في الخبر أنّ ابن سريج كان يغنّى في أيام الحجّ والناس يمشون فيستوقفهم بغنائه، وسأستوقف لكم هؤلاء الناس وأستلهيهم جميعا لتعلموا أنّه لم يكن ليفضلنى إلّا بصنعته دون صوته؛ ثم اندفع يؤذّن، فاستوقف أولئك الخلق واستلهاهم، حتى جعلت المحامل يغشى بعضها بعضا.
قالوا: وجاء أبو العتاهية الى باب مخارق وطرقه فخرج اليه؛ فقال له: يا حسّان هذا الإقليم، يا حكيم أرض بابل، أصبب في أذنى شيئا يفرح به قلبى وتتنّعم به نفسى- وكان في جماعة منهم محمد بن سعيد اليزيدىّ- فقال: انزلوا، فنزلوا، فغنّاهم.
فقال محمد بن سعيد: فكدت أسعى على وجهى طربا. قال: وجعل أبو العتاهية
(4/316)

يبكى، ثم قال: يا دواء المجانين، لقد رققت حتى كدت أن أحسوك، فلو كان الغناء طعاما لكان غناؤك أدما، ولو كان شرابا لكان ماء الحياة.
وقال أبو الفرج عن عمر بن شبّة قال: حدّثنى بعض آل نوبخت قال: كان أبى وعبد الله بن أبى سهل وجماعة من آل نوبخت وغيرهم وقوفا بكناسة الدّوابّ فى الجانب الغربىّ ببغداد يتحدّثون، وإنهم لكذلك إذ أقبل مخارق على حمار أسود وعليه قميص رقيق ورداء مسهّم؛ فقال: فيم كنتم؟ فأخبروه. فقال: دعونا من وسواسكم هذا، أىّ شىء لى عليكم إن رميت بنفسى بين قبرين من هذه القبور وغطّيت وجهى وغنّيت صوتا فلم يبق أحد بهذه الكناسة ولا في الطريق من مشتر ولا بائع ولا صادر ولا وارد إلا ترك عمله وقرب منّى واتّبع صوتى؟ فقال عبد الله: إنى لأحبّ أن أرى هذا، فقل ما شئت. فقال مخارق: فرسك الأشقر الذى طلبته منك فمنعتنيه. قال:
هو لك إن فعلت ما قلت. قال: فرمى بنفسه بين قبرين وتغطّى بردائه، ثم اندفع يغنّى بشعر أبى العتاهية:
نادت بوشك رحيلك الأيّام ... أفلست تسمع أم بك استصمام
ومضى أمامك من رأيت وأنت لل ... باقين حتى يلحقوك أمام
مالى أراك كأنّ عينك لا ترى ... عبرا تمرّ كأنهنّ سهام
تمضى الخطوب وأنت منتبه لها ... فإذا مضت فكأنها أحلام
قال: فرأيت الناس يأتون إلى المقبرة أرسالا بين راكب وراجل وصاحب شغل ومار في الطريق حتى لم يبق أحد. ثم قال لنا من تحت ردائه: هل بقى أحد؟
قلنا: لا، وقد وجب الرّهن. فقام فركب حماره، وعاد الناس إلى صنائعهم؛ وقال لعبد الله: أحضر الفرس؛ قال: على أن تقيم عندى؛ قال نعم! فسلّم الفرس إليه وبرّه وأحسن رفده.
(4/317)

وروى عن يحيى المكىّ قال: خرج مخارق مع بعض إخوانه إلى بعض المتنزّهات، فنظر إلى قوس مذهبة مع بعض من خرج معه، فسأله إيّاها، وكان المسئول ضنّ بها، وسنحت ظباء بالقرب منه؛ فقال لصاحب القوس: أرأيت إن تغنّيت صوتا فعطفت علىّ به خدود هذه الظباء أتدفع إلىّ القوس؟ قال نعم! فاندفع يغنّى:
ماذا تقول الظباء ... أفرقة أم لقاء
أم عهدها بسليمى ... وفي البيان شفاء
مرّت بنا سانحات ... وقد دنا الإمساء
فما أحارت جوابا ... وطال فيها العناء
قال: فعطفت الظباء راجعة إليه حتى وقفت بالقرب منه تنظر إليه مصغية إلى صوته. فعجب من حضر من رجوعها ووقوفها؛ وناوله الرجل القوس، فأخذها وقطع الغناء [فعاودت الظباء نفارها ومضت راجعة على سننها «1» ] .
وروى عن إسحاق بن إبراهيم قال: دخلت على أبى وهو جالس بين بابين له ومخارق بين يديه وهو يغنّيه:
يا ربع بشرة إن أضرّبك البلى ... فلقد رأيتك آهلا معمورا
قال: فرأيت أبى ودموعه تجرى على خدّيه من أربعة أماكن وهو ينشج أحرّ نشيج. فلما رآنى قال: يا إسحاق، هذا والله صاحب اللّواء غدا إن مات أبوك.
وروى عن مخارق قال: رأيت وأنا حدث كأنّ شيخا جالسا على سرير في روضة حسنة، فدعانى فقال لى: غنّنى يا مخارق؛ فقلت: أصوتا تقترحه أو ما حضر؟ فقال:
ما حضر. فغنّيته:
(4/318)

دعى القلب لا يزدد خبالا مع الذى ... به منك أو داوى جواه المكتّما
وليس بتزويق اللسان وصوغه ... ولكنّه قد خالط اللّحم والدّما
فقال لى: أحسنت يا مخارق! ثم أخذ وترا من أوتار العود فلفّه على المضراب ودفعه الىّ، فجعل المضراب يطول ويغلظ والوتر ينتشر ويعرض حتى صار المضراب كالرمح والوتر كالعذبة [عليه «1» ] وصار في يدى علما، ثم انتبهت فحدّثت برؤياى إبراهيم الموصلىّ؛ فقال لى: الشيخ بلا شك إبليس، وقد عقد لواء صنعتك فانت ما حييت رئيس أهلها.
وقال أحمد بن حمدون: غضب المعتصم على مخارق فأمر أن يجعل في المؤذّنين ويلزمهم ففعل ذلك؛ وأمهل حتى علم أن المعتصم يشرب، فأذّنت العصر، فدخل الى السّتر حيث يقف المؤذّن للسلام، ثم رفع صوته جهده وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله. فبكى حتى جرت دموعه وبكى كلّ من حضر، ثم قال: أدخلوه علىّ وأقبل علينا؛ ثم قال: سمعتم هكذا قط! هذا الشيطان لا يترك أحدا يغضب عليه!. فدخل اليه فقبّل الأرض بين يديه؛ فدعاه المعتصم اليه فأعطاه يده فقبّلها وأمره بإحضار عوده فأحضره، وأعاده الى مرتبته.
وأخباره كثيرة، وفيما أوردناه منها كفاية. وكانت وفاته في أوّل خلافة المتوكّل؛ وقيل: بل في آخر خلافة الواثق. وغنّى خمسة من الخلفاء: الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق. رحمهم الله تعالى.
(4/319)

ذكر أخبار يحيى بن مرزوق المكّىّ
هو أبو عثمان يحيى بن مرزوق المكىّ، مولى بنى أميّة، وكان يكتم ذلك لخدمته للخلفاء من بنى العبّاس؛ وكان إذا سئل عن ولائه انتمى الى قريش، ولم يذكر البطن الذى ولاؤه له، ويستعفى من يسأله عن ذلك.
قال الأصفهانىّ:
وعمّر يحيى المكىّ مائة وعشرين سنة، وأصاب بالغناء ما لم يصبه أحد من نظرائه ومات وهو صحيح العقل والسمع والبصر. وكان قدم مع الحجازيّين الذين قدموا على المهدىّ في أوّل خلافته فبقى بالعراق. وكان ابن جامع وإبراهيم الموصلىّ وفليح يفزعون اليه في الغناء القديم فيأخذونه عنه، ويعابى بعضهم بعضا بما يأخذونه منه. فإذا خرجت لهم الجوائز أحذوه «1» منها ووفّروا نصيبه. وله صنعة عجيبة نادرة متقدّمة. قال: وله كتاب في الأغانى ونسبها وأجناسها كبير جليل مشهور، إلّا أنّه كالمطروح عند الرواة لكثرة تخليطه في رواياته؛ والعمل على كتاب ابنه أحمد، فإنه صحّح كثيرا مما أفسده وأزال ما عرفه من تخاليط أبيه، وحقّق ما نسبه من الأغانى الى صانعه. قال: وهو يشتمل على نحو ثلاثة آلاف صوت.
قال أحمد بن سعيد:
كانت صنعة يحيى ثلاثة آلاف صوت، منها زهاء ألف صوت لم يقاربه فيها أحد. وسئل ابنه أحمد عن صنعة أبيه فقال: الذى صحّ عندى منها ألف صوت وثلاثمائة صوت، منها مائة وسبعون صوتا، غلب «2» فيها على الناس جميعا من تقدّم منهم و [من «3» ] تأخّر، فلم يقم له أحد فيها.
(4/320)

قال أحمد بن يحيى قال لى إسحاق: يا أبا جعفر لأبيك مائة وسبعون صوتا من أخذها عنه بمائة وسبعين ألف درهم فهو الرّابح. والله أعلم.
ذكر أخبار أحمد بن يحيى المكىّ الملقّب بطنين «1»
هو أبو جعفر أحمد بن يحيى المكىّ، وكان يلقّب طنينا «2» . وهو أحد المحسنين المبرّزين الرّواة للغناء المحكمى الصنعة. كان إسحاق يقدّمه ويؤثره ويشدو «3» بذكره ويجهر بتفضيله.
قال أبو الفرج: وكتابه المجرّد في الأغانى ونسبها أصل من الأصول المعوّل عليها. قال: وكان مع جودة غنائه وحسن صنعته أحد الضّرّاب الموصوفين المتقدّمين.
قال علىّ بن يحيى: قلت لإسحاق بن إبراهيم الموصلىّ- وقد جرى ذكر أحمد ابن يحيى المكىّ-: يا أبا محمد لو كان أبو جعفر أحمد بن يحيى مملوكا كم كان يساوى؟
قال: أخبرك عن ذلك، انصرفت ليلة من دار الواثق فاجتزت بدار الحسن بن وهب فدخلت اليه فإذا أحمد عنده. فلما قاموا لصلاة العشاء الآخرة قال لى الحسن بن وهب كم يساوى أحمد لو كان مملوكا؟ قلت: يساوى عشرين ألف دينار. قال:
ثم رجع فغنّى صوتا؛ فقال لى الحسن: كم يساوى أحمد لو كان مملوكا؟ قلت: يساوى ثلاثين ألف دينار. ثم تغنّى صوتا آخر؛ فقلت للحسن: يا أبا علىّ أضعفها. ثم أردت الانصراف فقلت لأحمد: غنّنى
لولا الحياء وأنّ السّتر «4» من خلقى ... إذا قعدت إليك الدهر لم أقم
(4/321)

أليس عندك سكر «1» للتى جعلت ... ما ابيضّ من قادمات الرأس كالحمم
فغنّاه فأحسن فيه كلّ الإحسان. فلما قمت للانصراف قلت: يا أبا علىّ، أضعف الجميع. فقال له أحمد: ما هذا الذى أسمعكما تقولانه ولست أدرى ما معناه؟ فقال:
نحن نبيعك ونشتريك منذ الليلة وأنت لا تدرى. وقال محمد بن عبد الله بن مالك:
سألنى إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ يوما: من بقى من المغنّين؟ قلت: وجه القرعة محمد بن عيسى. فقال: صالح كيّس؛ ومن أيضا؟ قلت: أحمد بن يحيى المكىّ.
قال: بخ بخ! ذاك المحسن المجمل الضارب المغنّى، القائم بمجلسه لا يحوج أهل المجلس الى غيره. وكانت وفاته في أوّل خلافة المستعين.
ذكر أخبار هاشم بن سليمان مولى بنى أميّة
يكنّى أبا العباس. وكان موسى الهادى يسمّيه أبا الغريض. قال أبو الفرج:
وهو حسن الصنعة غزيرها؛ وفيه يقول الشاعر:
يا وحشتى بعدك يا هاشم ... غبت فشجوى بك لى لازم»
اللهو واللّذّة يا هاشم ... ما لم تكن حاضره ماتم
وقال الأصبهانىّ بسند رفعه إلى هاشم:
أصبح موسى أمير المؤمنين يوما وعنده جماعة فقال: يا هاشم غنّنى:
أبهار قد هيّجت لى أوجاعا
فإن أصبت مرادى فيه فلك حاجة مقضية. قال: فغنّيته، وهو:
أبهار قد هيّجت لى أوجاعا ... وتركتنى عبدا لكم مطواعا
(4/322)

بحديثك الحسن الذى لو كلّمت ... وحش الفلاة به لجئن سراعا
وإذا مررت على البهار منضّدا ... فى السوق هيّج لى إليك نزاعا
والله لو علم البهار بأنها ... أضحت سمّيته لصار ذراعا
فقال: أصبت وأحسنت، سل حاجتك؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، تأمر بأن يملأ هذا الكانون دراهم- وكان بين يديه كانون عظيم- فأمر به فملىء فوسع ثلاثين ألف درهم. فلمّا حصّلتها قال لى: يا ناقص الهمة، والله لو سألت أن أملأه لك دنانير لفعلت. فقلت: أقلنى يا أمير المؤمنين. قال: لا سبيل الى ذلك ولم يسعدك الجدّ به. وقد رويت هذه الحكاية في موضع آخر، وذكر أنّ الذى غنّاه غير هذا الشعر، وأن الكانون وسع ستّ بدر، فدفعها اليه.
ذكر أخبار يزيد حوراء
هو رجل من أهل المدينة من موالى بنى ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة؛ ويكنى أبا خالد. مغنّ محسن كثير الصنعة، من طبقة ابن جامع وإبراهيم الموصلىّ.
وكان ممن قدم على المهدىّ في خلافته فغنّاه. وكان حسن الصوت حلو الشمائل.
فحسده إبراهيم الموصلىّ على شمائله وإشاراته في الغناء، فاشترى عدّة جوار وشاركه [فيهنّ «1» ] ، وقال له: علّمهنّ، فما رزق الله تعالى من ربح فيهنّ فهو بيننا. وأمرهنّ أن يجعلن وكدهنّ «2» أخذ إشاراته ففعلن ذلك. فكان إبراهيم يأخذها عنهنّ هو وابنه ويأمرهنّ بتعليم كل من يعرفنه ذلك حتى شهرها في الناس، فأبطل عليه ما كان منفردا به من ذلك.
(4/323)

قال عبد الله بن العباس الرّبيعىّ:
كان يزيد حوراء نظيفا ظريفا حسن الوجه شكلا، لم يقدم علينا من الحجاز أنظف منه ولا أشكل، وما كنت تشاء أن ترى خصلة جميلة لا تراها في أحد منهم إلا رأيتها فيه. وكان يتعصّب لإبراهيم الموصلىّ على ابن جامع، فكان إبراهيم يرفع منه ويشيع ذكره بالجميل وينبّه على مواضع تقدّمه [وإحسانه «1» ] ، ويبعث بابنه إسحاق [إليه «2» ] يأخذ عنه.
وحكى أبو الفرج بسند رفعه الى يزيد حوراء قال:
كلّمنى أبو العتاهية في أن أكلّم المهدى في عتبة؛ فقلت: إن الكلام لا يمكننى، ولكن قل شعرا أغنّيه به؛ فقال:
نفسى بشىء من الدنيا معلّقة ... الله والقائم المهدىّ يكفيها
إنى لأيأس منها ثم يطمعنى ... فيها احتقارك للدّنيا وما فيها
قال: فعملت فيه لحنا وغنّيته. فقال: ما هذا؟ فأخبرته خبر أبى العتاهية؛ فقال: ننظر فيما سأل؛ فأخبرت بذلك أبا العتاهية. ثم مضى شهر فجاءنى فقال: هل حدث خبر؟ قلت لا. قال: فاذكرنى للمهدىّ. فقلت: إن أحببت ذلك فقل شعرا تحرّكه به وتذكّره وعده حتى أغنّيه به؛ فقال:
ليت شعرى ما عندكم ليت شعرى ... فلقد أخّر الجواب لأمر
ما جواب أولى بكل جميل ... من جواب يردّ من بعد شهر
قال يزيد: فغنّيت المهدىّ، فقال: علىّ بعتبة فأحضرت؛ فقال: إن أبا العتاهية كلّمنى فيك، فما تقولين ولك عندى وله ما تحبّان مما [لا «3» ] تبلغه أمانيكما؟ فقالت:
(4/324)

قد علم أمير المؤمنين ما أوجب الله علىّ من حقّ مولاتى، وأريد أن أذكر هذا لها.
قال: فافعلى. قال: فأعلمت أبا العتاهية. ومضت أيام فسألنى معاودة المهدىّ؛ فقلت: قد عرفت الطريق، فقل ما شئت حتى أغنّيه به؛ فقال:
أشربت قلبى من رجائك ما له ... عنق يخبّ إليك بى ورسيم
وأملت نحو سماء جودك ناظرى ... أرعى مخايل برقها «1» وأشيم
ولقد تنسّمت الرّياح لحاجتى ... فإذا لها من راحتيك نسيم
ولربما استيأست ثم أقول لا ... إن الذى وعد النّجاح كريم
قال يزيد: فغنّيته الشعر، فقال: علىّ بعتبة فجاءت؛ فقال: ما صنعت؟ فقالت:
ذكرت ذلك لمولاتى فكرهته وأبت أن تفعل، فليفعل أمير المؤمنين ما يريد. قال:
ما كنت لأفعل شيئا تكرهه. فأعلمت أبا العتاهية بذلك، فقال:
قطّعت منك حبائل الآمال ... وأرحت من حلّ ومن ترحال
ما كان أشأم إذ رجاؤك قاتلى ... وبنات وعدك يعتلجن ببالى
ولئن طمعت لربّ برقة خلّب ... مالت بذى طمع ولمعة آل
وقد حكى أبو الفرج أيضا هذه الحكاية واختصرها، ولم يذكر الأبيات التى منها
أشربت قلبى من رجائك ماله
إلا أنّه غيّر قوله: «أشربت قلبى» بقوله: «أعلمت نفسى من رجائك» . وقال:
فصنع فيه يزيد لحنا وغنّاه المهدىّ. فدعا بأبى العتاهية وقال له: أما عتبة فلا سبيل إليها، لأن مولاتها قد منعت منها، ولكن هذه خمسون ألف درهم فاشتر ببعضها خيرا من عتبة فحملت إليه، فأخذها وانصرف.
(4/325)

وحكى عن حماد بن إسحاق قال:
قال يزيد حوراء: كنت أجلس بالمدينة على أبواب قريش، وكانت تمرّ بى جارية تختلف الى الزرقاء تتعلّم منها الغناء. فقلت لها يوما: افهمى قولى وردّى جوابى وكونى عند ظنّى؛ فقالت: هات ما عندك. فقلت: بالله ما اسمك؟ فقالت:
ممنّعة. فأطرقت طيرة من اسمها مع طمعى فيها، ثم قلت: بل باذلة ومبذولة إن شاء الله فاسمعى منّى. فقالت وهى تتبسّم: إن كان عندك شىء فقل. فقلت:
ليهنك منّى أنّنى لست مفشيا ... هواك إلى غيرى ولو متّ من كربى
ولا ما نحا خلقا سواك محبّة ... ولا قائلا ما عشت من حبكم حسبى
فنظرت إلىّ طويلا ثم قالت: أنشدك الله، أعن فرط محبّة أم اهتياج غلمة [تكلمت «1» ] ؟ فقلت: لا والله إلا عن فرط محبّة. فقالت:
فو الله ربّ الناس لا خنتك الهوى ... ولا زلت مخصوص المحبّة من قلبى
فثق بى فإنى قد وثقت ولا تكن ... على غير ما أظهرت لى يا أخا الحبّ
قال: فو الله لكأنما أضرمت في قلبى نارا. فكانت تلقانى في الطريق الذى كانت تسلكه فتحدّثنى فأتفرّج بها؛ ثم اشتراها بعض أولاد الخلفاء، وكانت تكاتبنى وتلاطفنى دهرا طويلا.
ذكر أخبار فليح بن أبى العوراء
هو رجل من أهل مكّة مولى لبنى مخزوم، وهو أحد مغنّى الدولة العبّاسية؛ له محلّ كبير من صناعته، وهو أحد الثلاثة الذين اختاروا المائة الصوت للرّشيد التى بنى أبو الفرج الأصفهانى كتابه المترجم بالأغانى عليها. قال إسحاق بن إبراهيم الموصلى: ما سمعت أحسن من غناء فليح وابن جامع. وكان المهدى لا يغنّيه مغنّ
(4/326)

إلا من وراء الستارة إلا فليح فإن الستارة كانت ترفع بينه وبين المهدىّ. وهو أوّل مغنّ نظر وجه المهدىّ.
وروى أبو الفرج الأصفهانىّ عن يوسف بن إبراهيم عن إبراهيم بن المهدىّ قال: كتب إلىّ جعفر بن يحيى وأنا عامل الرشيد على [جند «1» ] دمشق: قد قدم علينا فليح بن أبى العوراء، فأفسد علينا بأهزاجه وخفيفه كلّ غناء سمعناه قبله. وأنا محتال لك في تخليصه إليك لتسمع منه كما أسمعنا. فلم ألبث أن ورد على فليح بكتاب الرشيد يأمر له بثلاثة آلاف دينار؛ فورد علىّ منه رجل أذكرنى لقاؤه الناس وأخبرنى أنه قد ناهز المائة. فأقام عندى ثلاث سنين، وأخذ جوارى عنه كلّ ما كان معه من الغناء، وانتشر بعض غنائه بدمشق.
وروى أيضا بسنده إلى أحمد بن يحيى المكّىّ عن فليح بن أبى العوراء قال:
كان بالمدينة فتى يعشق ابنة عمّ له، فوعدته أنها تزوره؛ وشكا إلىّ أنها تأتيه ولا شىء عنده؛ فأعطيته دينارا للنفقة. فلما زارته قالت له: من يلهينا؟ قال:
صديق لى، ووصفنى لها؛ ودعانى فأتيته؛ وكان أوّل ما غنّيته:
من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها شنارا
فقامت إلى ثوبها فلبسته لتنصرف. فتعلّق بها وجهد كلّ الجهد في أن تقيم فم تفعل وانصرفت. فأقبل يلومنى في أن غنّيتها ذلك الصوت. فقلت: والله ما هو شىء اعتمدت به مساءتك ولكنّه شىء اتّفق. قال: فلم نبرح حتى عاد رسولها ومعه صرّة فيها ألف دينار، فدفعها إلى الفتى وقال: تقول لك ابنة عمّك: هذا مهرى، فادفعه إلى أبى واخطينى، ففعل وتزوّجها.
(4/327)

ذكر أخبار إبراهيم الموصلىّ عفا الله عنه
هو إبراهيم بن ماهان بن ميمون، وأصله من فارس، ومولده في سنة خمس وعشرين ومائة بالكوفة، ووفاته ببغداد في سنة ثمان وثمانين ومائة. قالوا: ومات ماهان وترك إبراهيم صغيرا، فكفله آل خزيمة بن خازم، فكان ولاؤه لبنى تميم. وكان السبب فى نسبه إلى الموصل أنه لما كبر واشتدّ وأدرك صحب الفتيان واشتهى الغناء وطلبه؛ فاشتدّ أخواله بنو عبد الله بن دارم عليه في ذلك وبلغوا منه، فهرب منهم إلى الموصل فأقام بها سنة؛ فلما رجع إلى الكوفة قال له إخوانه من الفتيان: مرحبا بالفتى الموصلىّ، فغلب عليه «1» ثم ارتحل إلى الرّىّ في طلب الغناء، فطال مقامه هناك، وأخذ الغناء الفارسى والعربى.
قال إسحاق: حدّثنى أبى قال:
أوّل شىء أعطيته بالغناء أنى كنت بالرىّ أنادم أهلها بالسويّة لا أرزؤهم شيئا ولا أنفق إلا من بقية مال كان معى. فمرّ بنا خادم أبو جعفر المنصور إلى بعض عمّاله برسالة، فسمعنى عند رجل من أهل الرّىّ فشغف بى وخلع علىّ دوّاج «2» سمّور له قيمة، ومضى بالرّسالة فرجع وقد وصله العامل بسبعة آلاف درهم وكسوة كثيرة، فجاءنى إلى منزلى الذى كنت أسكنه، فأقام عندى ثلاثة أيام ووهب لى نصف الكسوة [التى معه «3» ] وألفى درهم. وكان ذلك أوّل مال كسبته من الغناء. فقلت:
والله لا أنفق هذه الدراهم إلّا على الصناعة التى أفادتنيها. ووصف لى رجل بالأبلّة «4»
(4/328)

اسمه: «جوانويه «1» » وكان حاذقا، فخرجت إليه، وصحبت فتيانها وأخذت عنهم وغنّيتهم فشغفوا بى.
قال إبراهيم: ولما أتيت «جوانويه» لم أصادفه في منزله فأقمت حتى جاء.
فلما رآنى احتشمنى وكان مجوسيا؛ فأخبرته بصناعتى والحال التى قصدته فيها؛ فرحّب بى وأفرد لى جناحا في داره ووكّل بى جارية «2» ، فقدّمت لى ما أحتاج إليه. فلما كان العشاء عاد إلى منزله ومعه جماعة من الفرس ممن يغنّى؛ فنزلت إليه فجلسنا وأخذوا فى شأنهم وضربوا وغنّوا؛ فلم أجد في غناء أحد منهم فائدة؛ وبلغت النّوبة إلىّ فضربت وغنّيت؛ فقاموا جميعا إلى فقبّلوا رأسى وقالوا: سخرت بنا، نحن إلى تعليمك إيّانا أحوج منك إلينا. فأقمت على تلك الحال أياما حتى بلغ [محمد بن «3» ] سليمان بن علىّ خبرى، فوجّه إلىّ فأحضرنى وأمرنى بملازمته. فقلت: أيها الأمير، لست أتكسّب بهذه الصناعة وإنما ألتذّ بالغناء فلذلك تعلّمته، وأريد العود الى الكوفة؛ فلم أنتفع بذلك عنده وأخذنى بملازمته وسألنى: من أين أنا؟ فانتسبت الى الموصل، فلزمتنى وعرفت بها. ولم أزل عنده مكرّما، حتى قدم عليه خادم المهدىّ. فلما رآنى عنده قال له: أمير المؤمنين أحوج إلى هذا منك، فدافعه عنّى. فلما قدم الخادم على المهدىّ سأله عمّا رأى في طريقه ومقصده، فأخبره بما رأى، حتى انتهى إلى ذكرى فوصفنى له. فأمره المهدىّ بالرّجوع وإشخاصى إليه، فجاء وأشخصنى إلى المهدىّ، وحظيت عنده وقدّمنى.
قال: وما سمع المهدىّ قبلى أحدا من المغنّين سوى فليح بن أبى العوراء وسياط؛ فإن الفضل بن الربيع وصفهما له.
(4/329)

قال: وكان المهدىّ لا يشرب، فأرادنى على ملازمته وترك الشّرب، فأبيت عليه. وكنت أغيب عنه الأيام، فاذا جئته جئته منتشيا؛ فغاظه ذلك منّى وضربنى وحبسنى؛ فحذقت القراءة والكتابة في الحبس. ثم دعانى يوما فعاتبنى على شربى فى منازل الناس والتبذّل معهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنما تعلّمت «1» هذه الصناعة للذّتى وعشرة إخوانى ولو أمكننى تركها تركتها وجميع ما أنا فيه لله تعالى. فغضب غضبا شديدا وقال: لا تدخل على موسى وهارون، فو الله لئن دخلت عليهما لأفعلنّ وأصنعنّ. فقلت نعم. ثم بلغه أنّى دخلت عليهما وشربت معهما وكانا مشتهرين «2» بالنّبيذ، فضربنى ثلاثمائة سوط وستين سوطا. فقلت له وأنا أضرب: إن جرمى ليس من الأجرام التى يحلّ بها سفك دمى، وو الله لو كان سرّ ابنيك تحت قدمىّ ما رفعتهما عنه ولو قطعتا، ولو فعلت ذلك كنت في حالة أبان العبد «3» الساعى. فلما قلت ذلك ضربنى بالسيف في جفنه «4» فشجّنى، فسقطت مغشيّا علىّ. وقال لعبد الله ابن مالك: خذه إليك واجعله في مثل القبر. فدعا عبد الله بكبش فذبحه وسلخه وألبسنى جلده ليسكن الضّرب عنى، ودفعنى الى خادم له يقال له أبو عثمان سعيد التركىّ، فجعلنى في قبر ووكّل بى جارية. فتأذّيت بنزّ كان في القبر وببقّ «5» . فقلت للجارية: أصلحى لى مجمرة وكندرا «6» ليذهب عنى هذا البقّ ففعلت. فلما دخّنت أظلم القبر وكادت نفسى تذهب، ثم خفّ ذلك وزال البقّ، وإذا حيّتان مقبلتان نحوى من شقّ في القبر تدوران حولى، فهممت أن آخذ واحدة بيدى اليمنى
(4/330)

والأخرى بيدى اليسرى، فإمّا علىّ وإمّا لى، ثم كفيتهما، فدخلتا في الثّقب الذى خرجتا منه. فمكثت في ذلك القبر ما شاء الله، ثم أخرجت منه. وأحلفنى المهدىّ بالطّلاق والعتاق وكلّ يمين لا فسحة لى فيها ألّا أدخل على ابنيه موسى وهارون أبدا ولا أغنّيهما، وخلّى سبيلى. قال إبراهيم: وقلت وأنا في الحبس:
ألا طال ليلى أراعى النجوم ... أعالج في السّاق كبلا ثقيلا
بدار الهوان وشرّ الديار ... أسام بها الخسف صبرا جميلا
كثير الأخلّاء عند الرخاء ... فلما حبست أراهم قليلا
لطول بلائى ملّ الصديق ... فلا يأمننّ خليل خليلا
قال: فلمّا ولى موسى الهادى الخلافة استتر إبراهيم منه ولم يظهر له بسبب الأيمان التى حلف بها للمهدىّ. فلم يزل يطلبه حتى أتى به فلما عاينه قال: يا سيّدى، [فارقت «1» ] أمّ ولدى أعز الخلق علىّ؛ ثم غنّاه:
يابن خير الملوك لا تتركنّى ... غرضا للعدوّ يرمى حيالى
فلقد في هواك فارقت أهلى ... ثم عرّضت مهجتى للزوال
ولقد عفت في هواك حياتى ... وتغرّبت بين أهلى ومالى
قال إسحاق بن إبراهيم: فموّله الهادى وخوّله؛ وبحسبك أنه أخذ منه مائة ألف وخمسين ألف دينار في يوم واحد، ولو عاش لنا لبنينا حيطان دورنا بالذهب والفضّة.
قال حمّاد بن إسحاق قال لى أبى:
والله ما رأيت أكمل مروءة من جدّك، وكان له طعام يعدّ أبدا في كل وقت.
فقلت لأبى: كيف كان يمكنه ذلك؟ قال: كان له في كل يوم ثلاث شياه،
(4/331)

واحدة مقطّعة في القدور، وأخرى مسلوخة معلّقة، وأخرى قائمة في المطبخ؛ فإذا أتاه قوم طعموا ممّا في القدور، فإذا فرغت القدور قطّعت الشّاة المعلّقة ووضعت فى القدور وذبحت القائمة وأتى بأخرى فأقيمت في المطبخ. وكانت وظيفته لطعامه وطيبه وما يتّخذ له في كل شهر ثلاثين ألف درهم سوى ما كان يجرى وسوى كسوته. ولقد كان مرّة عندنا من الجوارى الودائع لإخوانه ثمانون جارية، ما فيهنّ واحدة إلا ويجرى عليها من الطعام والكسوة والطّيب مثل ما يجرى لأخصّ جواريه، فإذا ردّت الواحدة الى مولاها وصلها وكساها. ومات وما في ملكه إلا ثلاثة آلاف دينار وعليه من الدّين سبعمائة دينار قضيت منها.
وروى عن إسحاق بن إبراهيم قال:
اشترى الرشيد من أبى جارية بستة وثلاثين ألف دينار، فأقامت عنده ليلة ثم أرسل الى الفضل بن الرّبيع وقال له: إنا اشترينا هذه الجارية من إبراهيم ونحن نحسب أنها على صفة وليست كما ظنّنا وما قربتها، وقد ثقل علىّ الثمن وبينك وبينه ما بينكما؛ فاذهب اليه فسله أن يحطّنا من ثمنها ستة آلاف دينار. قال: فأتاه الفضل، فخرج اليه وتلقّاه؛ فقال له: دعنى من هذه الكرامة التى لا مؤنة فيها، قد جئتك فى أمر، ثم أخبره الخبر. فقال له إبراهيم: إنما أراد أن يبلو قدرك عندى. قال: هو ذاك؟ قال: فمالى في المساكين صدقة إن لم أضعفه لك، قد حططتك اثنى عشر ألف دينار. فرجع الفضل اليه بالخبر؛ فقال: ويحك! احمل اليه المال بجملته، فما رأيت سوقة أنبل «1» منه نفسا. قال إسحاق: وكنت قد أتيت أبى فقلت: ما كان لحطيطة هذا المال معنى ولا هو قليل يتغافل عنه، قال لى: يا أحمق، أنا أعرف الناس به، والله لو أخذت المال منه كملا ما أخذته إلا وهو كاره ولحقد ذلك، وكنت أكون
(4/332)

عنده صغير القدر، وقد مننت عليه وعلى الفضل وانبسطت نفسه وعظم قدرى عنده، وإنما اشتريت الجارية بأربعين ألف درهم وقد أخذت بها أربعة وعشرين ألف دينار. فلما حمل اليه المال بكماله دعانى وقال: كيف رأيت يا إسحاق، من البصير أنا أم «1» أنت؟ فقلت: أنت، جعلنى الله فداك. قال: وإبراهيم أوّل من علّم الجوارى المثمّنات الغناء فإنه بلغ بالقيان كلّ مبلغ ورفع من أقدارهنّ.
ومن أخباره مع الرشيد ما روى عن إسحاق قال حدّثنى أبى قال:
إنّ الرشيد غضب علىّ فقيّدنى وحبسنى بالرّقّة وجلس للشرب يوما في مجلس قد زينه وحسّنه. فقال لعيسى بن جعفر: هل لمجلسنا عيب؟ قال: نعم، غيبة إبراهيم الموصلىّ عنه. فأمره باحضارى؛ فأحضرت في قيودى، ففكّت عنّى بين يديه، وأمرهم فناولونى عودا؛ ثم قال: غنّ يا إبراهيم؛ فغنّيته:
تضوّع مسكا بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوة عطرات
فاستعاده وشرب وطرب وقال: هنأتنى وسأهنئك بالصلة، وقد وهبت لك الهنىء والمرىء «2» ، فانصرفت؛ فلما أصبحت عوّضت منهما مائتى ألف درهم.
قال إبراهيم: دخلت على موسى الهادى فقال لى: يا إبراهيم، غنّ من الغناء ما ألذّ وأطرب عليه ولك حكمك. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن لم يقابلنى زحل ببرده رجوت ذلك؛ فغنيّته:
وإنى لتعرونى لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلّله القطر
(4/333)

فضرب بيده إلى جيب درّاعته «1» فحطّه ذراعا؛ ثم قال: أحسنت والله! زدنى؛ فغنّيت:
فيا حبّها زدنى جوى كلّ ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
فضرب بيده الى درّاعته فحطها ذراعا آخر وقال: زدنى ويلك! أحسنت والله ووجب حكمك؛ فغنّيت:
هجرتك حتى قيل ما يعرف الهوى ... وزرتك حتى قيل ليس له صبر
فرفع صوته وقال: أحسنت والله! لله أبوك! هات ما تريد. فقلت: يا سيّدى عين مروان بالمدينة. فدارت عيناه في رأسه حتى صارتا كأنهما جمرتان وقال:
يابن اللخناء! أردت أن تشهرنى بهذا المجلس فيقول الناس: أطربه فحكم عليه فتجعلنى سمرا وحديثا! يا إبراهيم الحرّانى «2» ، خذ بيد هذا الجاهل فأدخله بيت مال الخاصة، فإن أخذ كلّ ما فيه فخلّه وإياه. فدخلت فأخذت خمسين ألف دينار. وهذا الشعر لأبى صخر الهذلىّ، وأوّله:
عجبت لسعى الدّهر بينى وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدّهر
فيا حبّها زدنى جوى كلّ ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
ويا هجر ليلى قد بلغت بى المدى ... وزدت على ما ليس يبلغه «3» الهجر
وإنى لتعرونى لذكراك هزّة ... كما انتفض العصفور بلّله القطر
هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى ... وزرتك حتى قيل ليس له صبر
(4/334)

أما والذى أبكى وأضحك والذى ... أمات وأحيا والذى أمره الأمر
لقد تركتنى أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذّعر
ذكر نبذة من أخبار إبراهيم الموصلى مع البرامكة رحمهم الله تعالى
كان لإبراهيم الموصلىّ مع البرامكة أخبار مستحسنة، سنورد منها طرفا. منها ما حكى عن مخارق قال:
أذن لنا أمير المؤمنين الرشيد أن نقيم في منازلنا ثلاثة أيام وأعلمنا أنه يشتغل فيها مع الحرم. فمضى الجلساء أجمعون الى منازلهم وقد أصحبت السماء متغيّمة تطشّ طشيشا خفيفا. فقلت: والله لأذهبنّ الى أستاذى إبراهيم فأعرف خبره ثم أعود، وأمرت من عندى أن يسوّوا لنا مجلسا الى وقت رجوعى. فجئت الى إبراهيم، فدخلت اليه، فإذا هو جالس في رواق له والستارة منصوبة والجوارى خلفها؛ فدخلت أترنّم ببعض الأصوات وقلت له: ما بال السّتارة لست أسمع من ورائها صوتا؟ فقال: اقعد ويحك! إنى أصبحت فجاءنى خبر ضيعة تجاورنى قد والله طلبتها زمانا وتمنيتها ولم أملكها، وقد أعطى بها مائة ألف درهم. فقلت له: ما يمنعك منها؟
فو الله لقد أعطاك الله أضعاف هذا المال وأكثر. قال: صدقت، ولكن لست أطيب نفسا بأن أخرج هذا المال. فقلت: فمن يعطيك الساعة مائة ألف درهم؟
قال «1» : والله ما أطمع في ذلك من الرشيد، فكيف بمن دونه! ثم قال: اجلس، خذ هذا الصوت. ثم نقر بقضيب على الدّواة وألقى علىّ هذا الصوت:
نام الخلّيون من همّ «2» ومن سقم ... وبتّ من كثرة الأحزان لم أنم
(4/335)

يا طالب الجود والمعروف مجتهدا ... اعمد ليحيى حليف الجود والكرم
قال: فأخذت الصوت وأحكمته. ثم قال لى: انصرف الى الوزير يحيى بن خالد فإنك تجد الناس على بابه قبل أن يفتح الباب، ثم تجد الباب قد فتح ولم يجلس بعد، فاستأذن عليه قبل أن يصل اليه أحد، فإنه ينكر مجيئك ويقول: من أين أقبلت فى هذا الوقت؟ فحدّثه بقصدك إيّاى وما ألقيت إليك من خبر الضيعة وأعلمه أنى قد صنعت هذا الصوت وأعجبنى ولم أر أحدا يستحقه إلا جاريته فلانة، وأنى ألقيته عليك [حتى أحكمته «1» ] لتطرحه عليها؛ فسيدعوها ويأمر بالستارة فتنصب ويوضع لها كرسىّ ويقول لك: اطرحه عليها بحضرتى؛ فافعل وأتنى بما يكون بعد ذلك من الخبر. قال مخارق: فجئت الى باب يحيى بن خالد فوجدته كما وصف. وسألنى فأعلمته بما أمرنى به؛ ففعل كل شىء قاله لى إبراهيم وأحضر الجارية فألقيته عليها.
ثم قال لى: تقيم عندنا يا أبا المهنّأ أو تنصرف؟ فقلت: بل أنصرف، أطال الله بقاءك، فقد علمت ما أذن لنا فيه. فقال يا غلام، احمل مع أبى المهنّأ عشرة آلاف درهم واحمل الى أبى إسحاق مائة ألف درهم ثمن هذه الضيعة. فحملت عشرة الآلاف معى، وأتيت منزلى وقلت: أسرّ يومى هذا وأسرّ من عندى. ومضى الرسول بالمال الى إبراهيم؛ فدخلت منزلى ونثرت على من عندى دراهم من تلك البدرة وتوسّدتها وأكلت وشربت وطربت وسررت يومى كلّه. فلما أصبحت قلت: والله لآتينّ أستاذى ولأعرفنّ خبره؛ فأتيته فوجدته كهيئته بالأمس ملى مثل ما كان عليه، فترنّمت وطربت فلم يتلقّ ذلك بما يجب؛ فقلت: ما الخبر؟ ألم يأتك المال بالأمس؟! فقال: بلى، فما كان خبرك أمس؟ فأخبرته بما كان وقلت: ما تنتظر؟
فقال: ارفع السّجف، فرفعته فإذا عشر بدر؛ فقلت: فأىّ شىء بقى عليك في أمر
(4/336)

الضيعة؟ فقال: ويحك! ما هو والله إلا أن دخلت منزلى حتى شححت عليها وصارت مثل ما حويت قديما. فقلت: سبحان الله! فتصنع ماذا؟ قال: قم حتى ألقى عليك صوتا صنعته يفوق ذاك. فقمت فجلست بين يديه؛ فألقى علىّ:
ويفرح بالمولود من آل برمك ... بغاة النّدى، والسيف والرمح والنصل
وتنبسط الآمال فيه لفضله ... ولا سيما إن كان والده الفضل
قال مخارق: فلما ألقى علىّ الصوت سمعت ما لم أسمع مثله قطّ وصغر في عينى الأوّل، فأحكمته. ثم قال: امض الساعة إلى الفضل بن يحيى، فإنك تجده لم يأذن لأحد بعد وهو يريد الخلوة مع جواريه اليوم؛ فاستأذن عليه وحدّثه بحديثنا وما كان من أبيه إلينا، وأعلمه أنى صنعت هذا الصوت وكان عندى أرفع منزلة من الصوت الأوّل الذى صنعته بالأمس، وأنى ألقيته عليك حتى أحكمته ووجّهت بك قاصدا لتلقيه على فلانة جاريته. فصرت إلى باب الفضل فوجدت الأمر على ما ذكر، فاستأذنت فوصلت إليه؛ وسألنى عن الخبر، فأعلمته بخبرى وما وصل إلىّ وإليه من المال؛ فقال: أخرى الله إبراهيم! ما أبخله على نفسه! ثم دعا خادما فقال له:
اضرب السّتارة، فضربها؛ فقال لى: ألقه. فلما ألقيته وغنّته الجارية لم أتمّه حتى أقبل يجرّ مطرفه، ثم قعد على وسادة دون الستارة وقال: أحسن والله أستاذك وأحسنت أنت يا مخارق. ولم أبرح حتى أحكمته الجارية؛ فسرّ بذلك سرورا عظيما وقال: أقم عندى اليوم. فقلت: يا سيّدى إنما بقى لنا يوم واحد، ولولا أنّنى أحبّ سرورك لم أخرج من منزلى. فقال: يا غلام، احمل مع أبى المهنّأ عشرين ألف درهم وإلى أبى إسحاق مائتى ألف درهم. فانصرفت إلى منزلى بالمال، وفتحت بدرة ونثرت منها على الجوارى وشربت وسررت أنا ومن عندى يومنا.
فلما أصبحت بكّرت إلى إبراهيم أتعرّف خبره وأعرّفه خبرى، فوجدته على الحال
(4/337)

التى كان عليها أوّلا وآخرا؛ فدخلت أترنّم وأصفّق. فقال لى: أدن؛ فقلت:
ما بقى عليك؟ فقال: اجلس وارفع سجف هذا الباب؛ فرفعته فاذا عشرون بدرة مع تلك العشر. فقلت: ما تنتظر الآن؟ فقال: ويحك! ما هو إلا أن حصلت حتى جرت مجرى ما تقدّم. فقلت: والله ما أظن أحدا نال من هذه الدولة ما نلت! فلم تبخل على نفسك بشىء تمنيته دهرا وقد ملّكك الله أضعافه! ثم قال:
اجلس فخذ هذا الصوت. فألقى علىّ صوتا أنسانى صوتى الأوّلين وهو:
أفى كلّ يوم أنت صبّ وليلة ... إلى أمّ بكر لا تفيق فتقصر
أحبّ على الهجران أكناف بيتها ... فيالك من بيت يحبّ ويهجر
إلى جعفر سارت بنا كلّ جسرة ... طواها سراها نحوه والتهجّر
إلى واسع للمجتدين فناؤه ... تروح عطاياه عليهم وتبكر
- وهو شعر مروان بن أبى حفصة يمدح جعفر [بن يحيى «1» ]- قال مخارق: ثم قال لى إبراهيم: هل سمعت مثل هذا قطّ؟ فقلت: ما سمعت قط مثله! فلم يزل يردّده علىّ حتى أخذته، ثم قال لى: امض إلى جعفر فافعل به كما فعلت بأبيه وأخيه. قال: فمضيت ففعلت مثل ذلك وأخبرته بما كان وعرضت عليه الصوت؛ فسرّ به ودعا خادما فأمره أن يضرب السّتارة، وأحضر الجارية وقعد على كرسىّ؛ ثم قال: هات يا مخارق؛ فألقيت الصوت عليها حتى أخذته؛ فقال: أحسنت يا مخارق وأحسن أستاذك، فهل لك في المقام عندنا اليوم؟ فقلت: يا سيّدى، هذا آخر أيامنا، وإنما جئت لموقع الصوت منّى حتى ألقيته على الجارية. فقال: يا غلام، احمل معه ثلاثين ألف درهم وإلى الموصلىّ ثلاثمائة ألف درهم. فصرت إلى منزلى بالمال وأقمت ومن عندى مسرورين نشرب طول يومنا ونطرب. ثم بكّرت إلى إبراهيم
(4/338)

فتلقّانى قائما، ثم قال لى: أحسنت يا مخارق! فقلت: ما الخبر؟ قال: اجلس فجلست؛ فقالت لمن خلف الستارة: خذوا فيما أنتم عليه «1» ثم رفع السّجف فإذا المال. فقلت ما خبر الضّيعة؟ فأدخل يده تحت مسورة «2» وهو متكىء عليها فقال: هذا صكّ الضّيعة اشتراها يحيى بن خالد وكتب إلىّ: «قد علمت أنك لا تسخو نفسك بشراء هذه الضّيعة من مال يحصل لك ولو حويت الدنيا كلّها، وقد ابتعتها من مالى» . ووجّه إلىّ بصكها، وهذا المال كما ترى، ثم بكى وقال: يا مخارق، إذا عاشرت فعاشر مثل هؤلاء، وإذا خنكرت «3» فخنكر لمثل هؤلاء، ستمائة ألف، وضيعة بمائة ألف، وستون ألف درهم لك، حصّلنا ذلك أجمع وأنا جالس في مجلسى لم أبرح منه، متى يدرك مثل هؤلاء!.
وروى عنه قال: أتيت الفضل بن يحيى يوما فقلت له: يا أبا العبّاس، جعلت فداك! هب لى دراهم فإن الخليفة قد حبس برّه. فقال: ويحك يا أبا إسحاق ما عندى ما أرضاه لك. ثم قال: هاه! إلا أنّ هاهنا خصلة، أتانا رسول صاحب اليمن فقضينا حوائجه، ووجّه [الينا «4» ] بخمسين ألف دينار يشترى لنا بها محبّتنا. فما فعلت ضياء جاريتك؟ قلت: عندى جعلت فداك. قال: فهو ذا، أقول لهم يشترونها «5» منك فلا تنقصها من خمسين ألف دينار؛ فقبّلت رأسه ثم انصرفت. فبكّر علىّ رسول صاحب اليمن ومعه صديق له ولى، فقال: جاريتك فلانة [عندك «6» ] ؟ قلت: عندى.
قال: اعرضها علىّ فعرضتها عليه؛ فقال: بكم؟ فقلت: بخمسين ألف دينار ولا أنقص منها دينارا واحدا، وقد أعطانى الفضل بن يحيى أمس هذه العطيّة،
(4/339)

فقال: هل لك في ثلاثين ألف دينار مسلّمة؟ وكان مشترى الجارية أربعمائة دينار، فلما وقع في أذنى ذكر ثلاثين ألف دينار أرتج علىّ ولحقنى زمع «1» ، وأشار علىّ صديقى الذى معه بالبيع، وخفت والله أن يحدث بالجارية حدث أو بى أو بالفضل «2» بن يحيى، فسلّمتها وأخذت المال. ثم بكّرت على الفضل، فإذا هو جالس وحده. فلما نظر إلىّ ضحك وقال لى: يا ضيّق العطن والحوصلة، حرمت نفسك عشرين ألف دينار.
فقلت له: جعلت فداك، دع ذا عنك، فو الله لقد دخلنى شىء أعجز عن وصفه وخفت أن تحدث بى حادثة أو بالجارية أو بالمشترى أو بك أعاذك الله من كل سوء، فبادرت بقبول الثلاثين ألف دينار. فقال: لا ضير، يا غلام جىء بجاريته، فجىء بها، فقال: خذ بيدها وانصرف بارك الله لك فيها، ما أردنا إلّا منفعتك ولم نرد الجارية.
فلما نهضت قال لى: مكانك، إن رسول صاحب أرمينية قد جاءنا فقضينا حوائجه ونفّذنا كتبه، وقد ذكر أنه قد جاء بثلاثين ألف دينار يشترى لنا بها ما نحبّ، فاعرض عليه جاريتك هذه ولا تنقصها من ثلاثين ألف دينار؛ فانصرفت بالجارية. وبكّر علىّ رسول صاحب أرمينية ومعه صديق لى آخر، فقاولنى بالجارية؛ فقلت: لن أنقصها من ثلاثين ألف دينار. فقال لى: معى عشرون ألف دينار مسلّمة خذها بارك الله لك فيها. فدخلنى والله مثل الذى دخلنى في المرّة الأولى وخفت مثل خوفى الأوّل، فسلّمتها وأخذت المال. وبكّرت على الفضل، فإذا هو وحده. فلما رآنى ضحك وضرب برجله ثم قال: ويحك، حرمت نفسك عشرة آلاف دينار. فقلت: أصلحك الله، خفت والله مثل ما خفت في المرّة الأولى. فقال:
لا ضير، [أخرج «3» ] يا غلام جاريته فجىء بها؛ فقال: خذها، ما أردناها وما أردنا إلا
(4/340)

منفعتك. فلما ولّت الجارية صحت بها: ارجعى فرجعت؛ فقلت: أشهدك جعلت فداك هى حرّة لوجه الله تعالى، وإنى قد تزوّجتها على عشرة آلاف درهم، كسبت لى في يومين خمسين ألف دينار فما جزاؤها إلا هذا. فقال: وفّقت إن شاء الله تعالى.
وأخباره مع البرامكة كثيرة وصلاتهم له وافرة. وقد ذكرنا منها ما فيه غنية عن زيادة. فلنذكر وفاة إبراهيم. كانت وفاته ببغداد في سنة ثمان وثمانين ومائة، ومات في يوم وفاته العباس بن الأحنف الشاعر، وهشيمة الخّمارة؛ فرفع ذلك إلى الرشيد فأمر المأمون أن يصلّى عليهم، فخرج وصلّى عليهم.
قال إسحاق: لمّا مرض إبراهيم مرض موته ركب الرشيد حمارا ودخل على إبراهيم يعوده وهو جالس في الأبزن «1» ، فقال له: كيف انت يا إبراهيم؟ فقال: أنا والله يا سيّدى كما قال الشاعر:
سقيم ملّ منه أقربوه ... وأسلمه المدواى والحميم
فقال الرشيد: إنّا لله! فخرج، فما بعد حتى سمع الواعية «2» عليه.
(4/341)

صورة ما ورد بآخر الجزء الرابع في أحد الأصلين الفتوغرافيين:
هذا آخر الجزء الرابع من نهاية الأرب في فنون الأدب.
والحمد لله وحده، وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلم؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل.
صورة ما ورد بآخر الجزء الرابع في الأصل الآخر الفتوغرافى:
كمل الجزء الرابع من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب على يد مؤلفه فقير رحمة ربه أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم البكرىّ التيمىّ القرشىّ المعروف بآلنويرى عفا الله عنهم.
تمّ الجزء الرابع من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب، يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الخامس وأوّله ذكر أخبار إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ
(4/342)