Advertisement

نهاية الأرب في فنون الأدب 007

[مقدمة الجزء السابع]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فقد تم بمعونة الله وحسن توفيقه تصحيح السفر السابع من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب.
وقد بذلنا وسعنا، وغاية جهدنا، في سبيل إظهاره للقرّاء سليما من التحريف والتصحيف، اللذين ملئت بهما أصوله التي بين أيدينا، وهى نسخة واحدة، مأخوذة بالتصوير الشمسى محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 2570 تاريخ- فلم ندع فيه- بحسب الطاقة- لفظا محرّفا إلا أصلحناه، ولا كلاما ناقصا غير متصل الأجزاء إلا رجعنا اليه فى مظانه وأكملناه ولا علما من الأعلام إلا عنينا بتحقيقه وضبطه، ولا لفظا غريبا إلا فسرناه، ولا عبارة غامضة المعنى إلا أوضحنا الغرض منها، ولا بيتا يستغلق فهمه على القارئ إلا شرحناه ونسبناه إلى قائله، ولا اسم مكان أو بلد إلا نقلنا باختصار ما كتبه العلماء عنه، ولا لفظا يلتبس على القارئ إلا ضبطناه بما يزيل التباسه.
ومما هو جدير بالذكر والشكر هذه العناية الكبيرة التى كان يبذلها عن طيب نفس ذلك المدير الحازم، والمربى الفاضل، حضرة صاحب العزة الأستاذ محمد أسعد بك برادة مدير دار الكتب المصرية، فقد كان حفظه الله يختلف إلينا
(مقدمةج 7/1)

فى أكثر الأيام، ويبذل لنا من نصائحه الغالية وارشاداته القويمة ما يبعث فى نفوسنا الجدّ في العمل، والسعى فى إتقانه، ولا يفوتنا فى هذه الكلمة أن نشكر أيضا حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير السيد محمد على الببلاوى مراقب إحياء الآداب العربية بالدار لما كان يبذله لنا من الإعانة على عملنا بمعلوماته الثمينة عن البحوث ومراجعها، والكتب وأغراضها ومكان الفائدة منها، والله نسأل أن يجعل عملنا خالصا لوجهه إنه قريب مجيب.
مصححه أحمد الزين.
(مقدمةج 7/2)

فهرس الجزء السابع
من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويرى
يتضمن ما يشتمل عليه من الأبواب والفصول ورسائل الكتاب وخطب البلغاء
.... صفحة
الباب الرابع عشر من القسم الخامس من الفن الثانى فى الكتابة وما تفرّع من أصناف الكتاب أصل الكتابة 1
وأما شرفها 1
وأما فوائدها 2
ثم الكتابة بحسب من يحترفون بها على أقسام 4
ذكر كتابة الإنشاء وما اشتملت عليه من البلاغة والايجاز الخ 4
فأما البلاغة 4
وأما الفصاحة 6
ذكر صفة البلاغة 7
ومن أمثالهم فى البلاغة 9
فصول من البلاغة 10
جمل من بلاغات العجم وحكمها 11
صفة الكاتب وما ينبغى أن يأخذ به نفسه 12
وأما ما ينبغى للكاتب أن يأخذ به نفسه 13
(مقدمةج 7/3)

وأما ما قيل فى حسن الخط وجودة الكتابة ومدح الكتّاب والكتاب 14
ذكر شىء مما قيل فى آلات الكتابة 19
ذكر شىء مما قيل فى القلم 20
ذكر ما يحتاج الكاتب الى معرفته من الأمور الكلية 27
وأما الأمور الخاصة التى تزيد معرفتها قدره الخ 35
فأما علوم المعانى والبيان والبديع 35
وأما الحقيقة والمجاز 37
وأما التشبيه 38
وأما الاستعارة 49
فصل فيما تدخله الاستعارة وما لا تدخله 52
فصل فى أقسام الاستعارة 56
وأما الكناية 59
وأما التعريض 60
وأما التمثيل 60
وأما الخبر وأحكامه 61
وأما التقديم والتأخير 63
فصل فى مواضع التقديم والتأخير- أما التقديم 69
وأما التأخير 70
وأما الفصل والوصل 70
وأما الحذف والاضمار 75
فصل فى حذف المبتدا والخبر 77
فصل- الإضمار على شريطة التفسير الخ 79
وأما مباحث إن وإنما. أما إنّ 80
وأما إنما 83
(مقدمةج 7/4)

فصل- اذا دخل ما وإلا على الجملة المشتملة على المنصوب الخ 84
وأما النظم 87
وأما التجنيس- فمنه المستوفى التام 90
ومنه المختلف 91
ومنه المذيّل 91
ومنه المركّب 92
ومن أنواع المركب المرفق 92
ومنه المزدوج 93
ومن أجناس التجنيس المصحف 93
ومنه المضارع 94
ومنه المشوّش 94
ومنه تجنيس الاشتقاق 95
ومما يشبه المشتق 95
ومن أجناس التجنيس تجنيس التصريف 96
ومنها التجنيس المخالف 97
ومنها تجنيس المعنى 97
وأما الطباق 98
وأما المقابلة 101
وأما السجع 103
وأما الترصيع 104
وأما المتوازى 104
وأما المطرّف 105
وأما المتوازن 105
فصل فى الفقر المسجوعة ومقاديرها 107
(مقدمةج 7/5)

وأما رد العجز على الصدر 109
وأما الإعنات 113
وأما المذهب الكلاميّ 114
وأما حسن التعليل 115
وأما الالتفات 116
وأما التمام 118
وأما الاستطراد 119
وأما تأكيد المدح بما يشبه الذم 121
وأما تأكيد الذم بما يشبه المدح 122
وأما تجاهل العارف 123
وأما الهزل الذى يراد به الجدّ 124
وأما الكنايات 124
وأما المبالغة 124
وأما عتاب المرء نفسه 125
وأما حسن التضمين 126
وأما التلميح 127
وأما إرسال المثل 127
وأما ارسال مثلين 128
وأما الكلام الجامع 128
وأما اللف والنشر 129
وأما التفسير 129
وأما التعديد 130
وأما تنسيق الصفات 131
وأما الإيهام 131
(مقدمةج 7/6)

وأما حسن الابتداءات 133
وأما براعة التخليص 135
وأما براعة الطلب 135
وأما براعة المقطع 135
وأما السؤال والجواب 136
وأما صحة الأقسام 136
وأما التوشيح 137
وأما الإيغال 138
وأما الإشارة 140
وأما التذييل 140
وأما الترديد 141
وأما التفويف 141
وأما التسهيم 142
وأما الاستخدام 143
وأما العكس والتبديل 144
وأما الرجوع 144
وأما التغاير 145
وأما الطاعة والعصيان 146
وأما التسميط 147
وأما التشطير 147
وأما التطريز 148
وأما التوشيع 148
وأما الاغراق 149
وأما الغلوّ 149
(مقدمةج 7/7)

وأما القسم 150
وأما الاستدراك 151
وأما المؤتلفة والمختلفة 151
وأما التفريق المفرد 152
وأما الجمع مع التفريق 153
وأما التقسيم المفرد 153
وأما الجمع مع التقسيم 154
وأما التزاوج 154
وأما السلب والإيجاب 154
وأما الاطراد 155
وأما التجريد 156
وأما التكميل 157
وأما المناسبة 158
وأما التفريع 160
وأما نفى الشىء بإيجابه 163
وأما الإيداع 164
وأما الإدماج 164
وأما سلامة الاختراع 164
وأما حسن الاتباع 165
وأما الذم فى معرض المدح 166
وأما العنوان 166
وأما الإيضاح 169
وأما التشكيك 169
وأما القول بالموجب 170
(مقدمةج 7/8)

وأما القلب 171
وأما التندير 172
وأما الإسجال بعد المغالطة 173
وأما الافتنان 173
وأما الإبهام 174
وأما حصر الجزئىّ والحاقة بالكلىّ 174
وأما المقارنة 175
وأما الإبداع 175
وأما الانفصال 177
وأما التصرف 177
وأما الاشتراك 178
وأما التهكم 179
وأما التدبيج 180
وأما الموجّه 181
وأما تشابه الأطراف 181
وأما ما يتصل بذلك من خصائص الكتابة فالاقتباس الخ 182
وأما الاستشهاد بالآيات 183
وأما الحل 183
ذكر ما يتعين على الكاتب استعماله والمحافظة عليه والتمسك به وما يجوز فى الكتابة وما لا يجوز 185
واذا كتب فى التهانى بالفتوح 193
وأما التقاليد والمناشير والتواقيع وما يتعلق بذلك 201
ذكر شىء من الرسائل المنسوبة الى الصحابة رضى الله عنهم والتابعين وشىء من كلام الصدر الأوّل وبلاغتهم- فمن ذلك الرسالة المنسوبة الى أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه إلى علىّ وما يتصل بها من كلام عمر بن الخطاب وجواب علىّ رضى الله عنهم 213
(مقدمةج 7/9)

ومن كلام عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها 230
ذكر شرح غريب رسالتها رضى الله عنها 232
ومن كلام على بن أبى طالب رضى الله عنه 233
ومن كلام الأحنف بن قيس 237
ومن كلام أم الخير بنت الحريش البارقية 241
خطبة الحجاج لما قدم البصرة 244
خطبته بعد وقعة دير الجماجم 245
ومن مكاتباته إلى المهلب بن أبى صفرة وأجوبة المهلب له 246
ومن كلام قطرى بن الفجاءة- خطبته فى ذم الدنيا 250
ومن كلام أبى مسلم الخراسانى 253
ومن كلام جماعة من أمراء الدولتين- خطبة ليوسف بن عمر 255
خطبة لخالد بن عبد الله القسرى 255
خطبة لأبى بكر بن عبد الله لما ولى المدينة 256
ذكر شىء من رسائل وفصول الكتاب والبلغاء المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين من المشارقة والمغاربة 259
ذكر شىء من رسائل فضلاء المغاربة ووزرائهم وكتابهم- فمن ذلك رسالة ابن زيدون التى كتبها على لسان ولادة الى إنسان استمالها الى نفسه عنه 271
وقال أيضا فى رقعة خاطب بها ابن جهور 290
ومن كلام أبى عبد الله محمد بن أبى الخصال 303
ومن كلام الوزير الفقيه أبى القاسم محمد بن عبد الله بن الجد 304
ومن كلام أبى عبد الله محمد بن الخياط 306
ومن كلام أبى حفص عمر بن برد الأصغر الأندلسى 306
ومن كلام أبى الوليد بن طريف 308
ومن كلام ذى الوزارتين أبى المغيرة بن حزم 310
ومن كلام الوزير الكاتب أبى محمد بن عبد الغفور 311
(مقدمةج 7/10)

الكتب والمصادر التى رجعنا اليها فى تصحيح هذا الجزء وقد رتبناها على حروف المعجم
إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطىّ،
أساس البلاغة للزمخشرى،
الأمالى لأبى علىّ القالى،
أقرب الموارد، أدب الكتاب للصولى،
إرشاد السارى لشهاب الدين القسطلانى.
البيان والتبيين للجاحظ.
تحرير التحبير لابن أبى الإصبع،
تاج العروس للسيد محمد مرتضى الزبيدى،
تاريخ ابن جرير الطبرى،
تاريخ أبى الفداء،
تهذيب التهذيب فى أسماء الرجال للحافظ
ابن حجر،
تمام المتون فى شرح رسالة ابن زيدون للصفدى.
الحماسة لأبى تمام،
حسن التوسل إلى صناعة الترسل لشهاب الدين محمود الحلبي.
خزانة الأدب لابن حجة الحموى،
خلاصة تذهيب تهذيب الكمال فى أسماء الرجال للخزرجى.
دلائل الإعجاز للجرجانىّ،
ديوان أبى تمام،
ديوان أبى الطيب المتنبى،
ديوان أبى نواس،
ديوان لبيد بن ربيعة،
ديوان البحترى،
ديوان امرئ القيس،
ديوان أبى فراس الحمدانى،
ديوان حسان بن ثابت رضى الله عنه.
الذخيرة فى محاسن أهل الجزيرة لابن بسام.
رسائل بديع الزمان الهمذانى.
زهر الآداب للحصرى.
سرح العيون فى شرح رسالة ابن زيدون لابن نباتة.
(مقدمةج 7/11)

شذور العقود لابن الجوزى،
شرح الباعونية،
شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد،
شرح رسائل بديع الزمان الهمذانى،
شروح تلخيص المفتاح،
شرح ديوان أبى تمام للخطيب التبريزى،
شرح شواهد المبانى. الشفاء للقاضى عياض،
الشعر والشعراء لابن قتيبة،
شرح ديوان امرئ القيس للبطليوسى.
صبح الأعشى للقلقشندى،
الصحاح للجوهرى،
الصناعتين لأبى هلال العسكرى.
العقد الفريد لابن عبد ربه،
العمدة لابن رشيق القيروانى.
فهرست ابن النديم.
القاموس المحيط للفيروزبادى.
لسان العرب لابن منظور.
المفضليات للضبى،
المعجب فى تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد بن على التميمى،
المثل السائر لابن الأثير الجزرى،
مجمع الأمثال للميدانى،
المحاسن والأضداد للجاحظ،
المشتبه فى أسماء الرجال للحافظ الذهبى،
المصباح المنير للفيومى،
معاهد التنصيص فى شرح شواهد التلخيص لعبد الرحيم العباسى،
معجم الأدباء لياقوت،
مختار الصحاح مغنى اللبيب لابن هشام،
المقتضب من جمهرة النسب لياقوت،
المضاف والمنسوب للثعالبى،
محاضرة الأبرار لابن العربى،
معلّقات العرب.
نقد الشعر لقدامة بن جعفر،
النهاية فى غريب الحديث لابن الأثير،
نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويرى.
وفيات الأعيان لابن خلكان،
الوافى بالوفيات للصفدى.
يتيمة الدهر للثعالبى.
(مقدمةج 7/12)

الجزء السابع
من نهاية الأرب فى فنون الأدب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[تتمة الفن الثاني في الإنسان وما يتعلق به]
[تتمة القسم الخامس في الملك وما يشترط فيه و ... ]
الباب الرابع عشر من القسم الخامس من الفن الثانى فى الكتابة وما تفرّع من أصناف الكتّاب
ولنبدأ باشتقاق الكتابة،
ولم سمّيت الكتابة كتابة، ثم نذكر شرفها وفوائدها، ثم نذكر ما عدا ذلك من أخبار المحترفين بها، وما يحتاج كلّ منهم إليه، فنقول وبالله التوفيق والإعانة:
أصل الكتابة مشتقّ من الكتب وهو الجمع، ومنه سمّى الكتاب كتابا، لأنه يجمع الحروف، وسمّيت الكتيبة كتيبة، لأنها تجمع الجيش، وقد ورد فى المعارف: أن حروف المعجم أنزلت على آدم عليه السلام فى إحدى وعشرين صحيفة، وسنذكر من ذلك طرفا عند ذكرنا لأخبار آدم عليه السلام فى فنّ التاريخ، فهذا اشتقاقها.
وأما شرفها
- فقد نص الكتاب العزيز عليه، فقال تعالى- وهو أوّل ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن بغار حراء «1» فى شهر رمضان المعظّم-:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ)
«2» وقال تعالى: (الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ)
وقال تعالى فى وصف الملائكة: (كِراماً كاتِبِينَ)
، الى غير ذلك من الآى.
(7/1)

ومن شرف الكتابة نزول الكتب المتقدّمة مسطورة فى الصّحف كما ورد فى الصحف المنزلة على شيث وإدريس ونوح وابراهيم وموسى وداود وغيرهم صلّى الله عليهم كما أخبر به القرآن، قال الله تعالى: (إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى)
وقال تعالى: (وَأَلْقَى الْأَلْواحَ)
، وما ورد فى الأخبار الصحيحة والأحاديث الصريحة أنه مكتوب على العرش وعلى أبواب الجنة ما صورته:
لا إله إلا الله محمد رسول الله. وكفى بذلك شرفا.
وأمّا فوائدها:
فمنها رسم المصحف الكريم الموجود بين الدّفّتين فى أيدى الناس، ولولا ذلك لاختلف فيه ودخل الغلط وتداخل الوهم قلوب الناس.
ومنها رقم الأحاديث المرويّة عن النبي صلّى الله عليه وسلم
التى عليها بنيت الأحكام، وتميّز الحلال من الحرام، وضبط كتب العلوم المنقولة عن أعلام الإسلام وتواريخ من انقرض من الأنام فيما سلف من الأيام.
ومنها حفظ الحقوق، ومنع تمرّد ذوى العقوق؛
بما يقع عليهم من الشّهادات ويسطّر عليهم من السجلّات التى أمر الله تعالى بضبطها بقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) .
ومنها المكاتبة بين الناس بحوائجهم من المسافات البعيدة،
إذ لا ينضبط مثل ذلك برسول «1» ، ولا تنال الحاجة «2» به بمشافهة قاصد، ولو كان على ما عساه عليه يكون من البلاغة والحفظ لوجود المشقّة، وبعد الشقّة.
(7/2)

ومنها ضبط أحوال الناس،
كمناشير الجند، وتواقيع العمّال، وإدرارات أرباب الصّلات فى سائر الأعمال، إلى ما يجرى هذا المجرى، فكان وجودها فى سائر الناس فضيلة، وعدمها نقيصة إلا فى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فانها إحدى معجزاته لأنه صلّى الله عليه وسلم أمّىّ [أتى] «1» بما أعجز البلغاء، وأخرس الفصحاء، وفلّ حدّ المؤرّخين من غير مدارسة كتب ولا ممارسة تعليم، ولا مراجعة لمن عرف بذلك واشتهر به.
والكتابة العربية أشرف الكتابات لأن الكتاب العزيز لم يرقم بغيرها خلافا لسائر الكتب المنزّلة. وهذه الكتابة العربية أوّل «2» من اخترعها على الوضع الكوفىّ سكّان مدينة الأنبار «3» ، ثم نقل هذا القلم إلى مكة فعرف بها، وتعلّمه من تعلّمه، وكثر فى الناس وتداولوه، ولم تزل الكتابة به على تلك الصورة الكوفيّة إلى أيام الوزير أبى «4» علىّ بن مقلة، فعرّبها تعريبا غير كاف، ونقلها نقلا غير شاف، فكانت كذلك إلى أن ظهر علىّ بن هلال الكاتب المعروف بابن «5» البوّاب، فكمّل تعريبها، وأحسن تبويبها؛ وأبدع نظامها، وأكمل التئامها؛ وحلّاها بهجة وجمالا، وأولاها بل أولى بها منّة وإفضالا؛ وألبسها من رقم أنامله حللا، وجلاها للعيون فكان أوّل من أحسن فى ترصيعها وترصيفها عملا؛ ولا زال يتنوّع فى محاسنها، و «6» يتنوّع فى ترصيع عقود
(7/3)

ميامنها؛ حتى تقرّرت على أجمل قاعدة، وتحرّرت على أكمل فائدة؛ وسنزيد ما قدّمناه من هذه الفصول وضوحا وتبيانا، ونقيم على تفصيل مجملها وبسط مدمجها أدلّة وبرهانا.
[ثم الكتابة «1» بحسب من] يحترفون بها على أقسام:
وهى كتابة الإنشاء، وكتابة الديوان والتصرّف، وكتابة الحكم والشروط، وكتابة النّسخ، وكتابة التعليم؛ ومنهم من عدّ فى الكتابة كتابة الشرط «2» ، ولم نرد ذكرها تنزيها لكتابنا عنها، ولا حكمة فى إيرادها.
ولنبدأ بذكر كتابة الإنشاء وما يتعلّق بها.
ذكر كتابة الإنشاء وما اشتملت عليه من البلاغة والإيجاز والجمع فى المعنى الواحد بين الحقيقة والمجاز؛ والتلعب بالألفاظ والمعانى والتوصّل إلى بلوغ الأغراض والأمانى
ولنبدأ من ذلك بوصف البلاغة وحدّها والفصاحة:
فأما البلاغة
- فهى أن يبلغ الرجل بعبارته كنه ما فى نفسه. ولا يسمّى البليغ بليغا إلا إذا جمع المعنى الكثير فى اللفظ القليل، وهو المسمّى إيجازا.
وينقسم الإيجاز إلى قسمين: إيجاز حذف، وهو أن يحذف شىء من الكلام وتدلّ عليه القرينة، كقوله تعالى: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها)
والمراد أهل القرية وكقوله تعالى: (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى)
والمراد ولكن البرّ برّ من اتقى، وكقوله تعالى:
(وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا)
والمراد من قومه، وقوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ)
والمراد لا يطيقونه؛ ونظائر هذا وأشباهه كثير.
(7/4)

وإيجاز قصر، وهو تكثير المعنى وتقليل الالفاظ، كقوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مما جمع فيه شرائط الرسالة: (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ)
وسمع أعرابىّ رجلا يتلوها فسجد وقال: سجدت لفصاحته، ذكره أبو عبيد. وقوله تعالى مما جمع فيه مكارم الأخلاق: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ)
وقوله تعالى:
(إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)
فجمع فى ثلاث كلمات بين العنوان والكتاب والحاجة؛ وقوله تعالى: (قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)
فجمع فى هذا على لسان النملة بين النداء والتنبيه والأمر والنهى «1» والتحذير والتخصيص والعموم والإشارة والإعذار؛ ونظير ذلك ما حكى عن الأصمعىّ أنه سمع جارية تتكلّم فقال لها:
قاتلك الله، ما أفصحك! فقالت: أو يعدّ هذا فصاحة بعد قول الله تعالى:
(وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)
فجمع فى آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.
ولما سمع الوليد بن المغيرة من النبى صلّى الله عليه وسلم قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)
قال: والله إنّ له لحلاوة «2» ، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق «3» ، وإن أعلاه لمثمر، ما يقول هذا بشر.
(7/5)

وسمع آخر رجلا يقرأ: (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا)
فقال: أشهد أنّ مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام.
وقال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: البيان اسم جامع لكل ما كشف لك من قناع المعنى، وهتك الحجاب عن الضمير، حتى يفضى السامع إلى حقيقة اللفظ ويهجم على محصوله كائنا ما كان.
وقيل لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ فقال: أن يكون اللّفظ محيطا بمعناك كاشفا عن مغزاك، وتخرجه من الشركة، ولا تستعين عليه بطول الفكرة، ويكون سليما من التّكلّف، بعيدا من سوء الصنعة، بريئا من التعقيد، غنيّا عن التأمّل.
وقال آخر: خير البيان ما كان مصرّحا عن المعنى ليسرع إلى الفهم تلقّيه، وموجزا ليخفّ على اللسان تعاهده.
وقال أعرابىّ: البلاغة التقرّب من معنى البغية، والتّبعّد من وحشىّ الكلام وقرب المأخذ، وإيجاز فى صواب، وقصد إلى الحجة، وحسن الاستعارة. قال على رضى الله عنه: البلاغة الإفصاح عن حكمة مستغلقة «1» ، وإبانة علم مشكل.
وقال الحسن بن على رضى الله عنهما: البلاغة إيضاح الملتبسات، وكشف عورات الجهالات، بأحسن ما يمكن من العبارات.
وأما الفصاحة
- فهى مأخوذة من قولهم: أفصح اللبن إذا أخذت عنه الرّغوة. وقالوا: لا يسمّى الفصيح فصيحا حتى تخلص لغته عن اللّكنة الأعجميّة ولا توجد الفصاحة إلا فى العرب. وعلماء العرب يزعمون أن الفصاحة فى الألفاظ، والبلاغة فى المعانى، ويستدلّون بقولهم: لفظ فصيح، ومعنى بليغ.
(7/6)

ومن الناس من استعمل الفصاحة والبلاغة بمعنى واحد فى الألفاظ والمعانى والأكثرون عليه.
ذكر صفة البلاغة
قيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: ما بلّغك الجنّة، وعدل بك عن النار؛ قال السائل «1» : ليس هذا أريد؛ قال: فما بصّرك مواقع رشدك وعواقب غيّك؛ قال:
ليس هذا أريد؛ قال: من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يسمع، ومن لم يحسن أن يسمع لم يحسن أن يسأل، ومن لم يحسن أن يسأل لم يحسن أن يقول؛ قال:
ليس هذا أريد؛ قال: قال النبى صلّى الله عليه وسلم: «إنّا «2» معشر النبيّين بكاء» - أى قليلوا الكلام، وهو جمع بكىء- وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله؛ قال السائل: ليس هذا أريد؛ قال: فكأنك تريد تخيّر اللفظ فى حسن إفهام؛ قال:
نعم؛ قال: إنّك إن أردت تقرير حجّة الله فى عقول المتكلمين، وتخفيف المؤونة على المستمعين، وتزيين المعانى فى قلوب المستفهمين بالألفاظ الحسنة رغبة فى سرعة استجابتهم، ونفى الشّواغل عن قلوبهم بالمواعظ الناطقة عن الكتاب والسّنة كنت قد أوتيت فصل الخطاب.
وقيل لبعضهم: ما البلاغة؟ قال: معرفة الوصل من الفصل. وقيل لآخر:
ما البلاغة؟ قال: ألّا يؤتى القائل من سوء فهم السامع، ولا يؤتى السامع من سوء بيان القائل.
(7/7)

وقيل للخليل بن أحمد: ما البلاغة؟ فقال: ما قرب طرفاه، وبعد منتهاه.
وقيل لبعض البلغاء: من البليغ؟ قال: الذى إذا قال أسرع، وإذا أسرع أبدع وإذا أبدع حرّك كلّ نفس بما أودع.
وقالوا: لا يستحقّ الكلام اسم البلاغة حتى يكون معناه الى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك.
وسأل معاوية صحارا «1» العبدىّ: ما هذه البلاغة؟ قال: أن تجيب فلا تبطئ وتصيب فلا تخطئ «2» .
وقال الفضل: قلت لأعرابىّ: ما البلاغة؟ قال: الإيجاز فى غير عجز والإطناب فى غير خطل.
وقال قدامة: البلاغة ثلاثة مذاهب: المساواة وهو مطابقة اللفظ المعنى لا زائدا ولا ناقصا؛ والإشارة وهو أن يكون اللفظ كاللّمحة الدالّة؛ والدليل وهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد، ليظهر لمن لم يفهمه، ويتأكد عند من فهمه.
قال بعض الشعراء:
يكفى قليل كلامه وكثيره ... بيت إذا طال النّضال مصيب
وقال أحمد بن محمد بن عبد ربّه صاحب العقد: البلاغة تكون على أربعة أوجه: تكون باللفظ والخط والإشارة والدّلالة، وكل وجه منها له حظ من البلاغة والبيان، وموضع لا يجوز فيه غيره، وربّ إشارة أبلغ من لفظ.
(7/8)

وقال رجل للعتّابىّ: ما البلاغة؟ قال: كلّ ما أبلغك حاجتك، وأفهمك معناه بلا إعادة ولا حبسة ولا استعانة فهو بليغ؛ قالوا: قد فهمنا الإعادة والحبسة، فما معنى الاستعانة؟ قال: أن يقول عند مقاطع الكلام: إسمع منّى، وافهم عنّى، أو يمسح عثنونه «1» ، أو يفتل أصابعه، أو يكثر التفاته، أو يسعل من غير سعلة، أو ينبهر «2» فى كلامه قال بعض الشعراء:
ملىء ببهر والتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل الأصابع
ومن كلام أحمد بن اسماعيل الكاتب المعروف بنطاحة «3» ، قال: البليغ من عرف السقيم من المعتلّ، والمقيّد من المطلق، والمشترك من المفرد، والمنصوص من المتأوّل، والإيماء من الإيحاء، والفصل من الوصل، والتلويح من التصريح.
ومن أمثالهم فى البلاغة
قولهم: يقلّ الحزّ «4» ويطبّق المفصل. وذلك أنهم شبهوا البليغ الموجز الذى يقلّ الكلام ويصيب نصوص المعانى «5» بالجزّار الرفيق الذى يقلّ حزّ اللحم ويصيب مفاصله؛ وقولهم: يضع الهناء مواضع النّقب، أى لا يتكلّم إلا فيما يجب الكلام فيه. والهناء: القطران. والنّقب: الجرب. وقولهم: قرطس «6» فلان فأصاب الغرّة، وأصاب عين القرطاس «7» . كلّ هذه أمثال للمصيب فى كلامه الموجز فى لفظه.
(7/9)

فصول من البلاغة
قيل: لما قدم قتيبة بن مسلم خراسان واليا عليها، قال: من كان فى يده شىء من مال عبد الله بن حازم فلينبذه، ومن كان فى فيه فليلفظه، ومن كان فى صدره فلينفثه. فعجب الناس من حسن ما فصّل.
وكتب المعتصم إلى ملك الروم جوابا عن كتاب تهدّده فيه: الجواب ما ترى لا ما تسمع (وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ «1» لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ) .
وقيل لأبى «2» السّمّال الأسدىّ أيام معاوية: كيف تركت الناس؟ قال: تركتهم بين مظلوم لا ينتصف، وظالم لا ينتهى. وقيل لشبيب بن شبّة عند باب الرشيد:
كيف رأيت الناس؟ قال: رأيت الداخل راجيا، والخارج راضيا.
وقال حسّان بن ثابت فى عبد الله بن عباس رضى الله عنهم:
إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فضلا «3»
كفى وشفى ما فى النفوس فلم يدع ... لذى إربة فى القول جدّا ولا هزلا
قال سهل بن هارون: البيان ترجمان العقول، وروض القلوب؛ البلاغة ما فهمته العامّة، ورضيته الخاصّة؛ أبلغ الكلام ما سابق معناه لفظه؛ خير الكلام ما قلّ وجلّ، ودلّ ولم يملّ؛ خير الكلام ما كان لفظه فحلا، ومعناه بكرا.
(7/10)

وقال ابن المعتزّ: البلاغة أن تبلغ المعنى ولم تطل سفر الكلام؛ خير الكلام ما أسفر عن الحاجة؛ أبلغ الكلام ما يؤنس مسمعه، ويوئس «1» مضيّعه؛ أبلغ الكلام ما حسن إيجازه، وقلّ مجازه، وكثر إعجازه، وتناسبت صدوره وأعجازه؛ البلاغة ما أشار اليه البحترىّ حيث قال:
وركبن اللّفظ القريب فأدركن ... به غاية المراد البعيد
جمل من بلاغات العجم وحكمها
قال أبرويز لكاتبه: إذا فكّرت فلا تعجل، وإذا كتبت فلا تستعن بالفضول فإنها علاوة على الكفاية، ولا تقصّرن عن التحقيق فإنها هجنة فى المقالة، ولا تلبسن كلاما بكلام، ولا تباعدنّ معنى عن معنى، واجمع الكثير مما تريد فى القليل مما تقول. ووافق كلامه قول ابن المعتزّ: ما رأيت بليغا إلا رأيت له فى المعانى إطالة وفى الألفاظ تقصيرا. وهذا حثّ على الإيجاز. وقال أبرويز أيضا لكاتبه: اعلم أن دعائم المقالات أربع إن التمس إليها «2» خامسة لم توجد، وإن نقص منها واحدة لم تتمّ وهى: سؤالك الشىء، وسؤالك عن الشىء، وأمرك بالشىء، وخبرك عن الشىء؛ فإذا طلبت فأنجح، وإذا سألت فأوضح، وإذا أمرت فأحكم، وإذا أخبرت فحقّق.
وقال بهرام جور: الحكم ميزان الله فى الأرض. ووافق ذلك قول الله تعالى:
(وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ)
وقال أنوشروان لابنه هرمز: لا يكون عندك لعمل البرغاية فى الكثرة، ولا لعمل الإثم غاية فى القلّة. ووافق من كلام العرب قول الأفوه:
والخير تزداد منه ما لقيت به ... والشر يكفيك منه قلّما زاد
(7/11)

وقال أزدشير بن بابك: من لم يرض بما قسم الله له طالت معتبته، وفحش حرصه، ومن فحش حرصه ذلّت نفسه، وغلب عليه الحسد، ومن غلب عليه الحسد لم يزل مغموما فيما لا ينفعه، حزينا على ما لا يناله. وقال: من شغل نفسه بالمنى لم يخل قلبه من الأسى.
وقال بعضهم: الحقوق أربعة: حقّ لله، وقضاؤه الرضا بقضائه، والعمل بطاعته، وإكرام أوليائه؛ وحقّ لنفسك، وقضاؤه تعهّدها بما يصلحها ويصحّها ويحسم موادّ الأذى عنها؛ وحقّ للنّاس، وقضاؤه عمومهم بالمودّة، ثم تخصيص كلّ امرئ منهم بالتوقير والتفضيل والصّلة؛ وحقّ للسلطان، وقضاؤه تعريفه بما خفى عليه من منفعة رعيّة، وجهاد عدوّ، وعمارة بلد، وسدّ ثغر. وقال بزرجمهر:
إلزام الجهول الحجّة يسير، وإقراره بها عسير.
[صفة الكاتب «1» ] وما ينبغى أن يأخذ به نفسه
قال إبراهيم بن محمد الشيبانىّ: من صفة الكاتب اعتدال القامة، وصغر الهامة وخفة اللهازم «2» ، وكافة اللحية، وصدق الحسّ، ولطف المذهب، وحلاوة الشمائل وخطف الإشارة، وملاحة الزّىّ. وقال: من كمال آلة الكاتب أن يكون بهىّ الملبس، نظيف المجلس، ظاهر المروءة، عطر الرائحة، دقيق الذهن، صادق الحسّ حسن البيان، رقيق حواشى اللسان، حلو الإشارة، مليح الاستعارة، لطيف المسلك مستفره «3» المركب، ولا يكون مع ذلك فضفاض الجثّة، متفاوت الأجزاء، طويل اللحية
(7/12)

عظيم الهامة؛ فإنهم زعموا أن هذه الصورة لا يليق بصاحبها الذكاء والفطنة.
قال بعض الشعراء:
وشمول كأنما اعتصروها ... من معانى شمائل الكتّاب
هذا ما قيل فى صفة الكاتب.
وأما ما ينبغى للكاتب أن يأخذ به نفسه،
فقد قال إبراهيم الشيبانىّ:
أوّل ذلك حسن الخط الذى هو لسان اليد، وبهجة الضمير، وسفير العقول، ووحى الفكر، وسلاح المعرفة، وأنس الإخوان عند الفرقة، ومحادثتهم «1» على بعد المسافة ومستودع السرّ، وديوان الأمور.
وقد قيل فى قوله تعالى: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ)
: إنه الخطّ الحسن.
وقد اختلف الكتّاب فى نقط الخطّ وشكله، فمنهم من كرهه قال سعيد بن حميد الكاتب:
لأن يشكل الحرف على القارئ أحبّ إلىّ من أن يعاب الكاتب بالشكل.
وعرض خطّ على عبد الله بن طاهر فقال: ما أحسنه لولا أنه أكثر شونيزه «2» ونظر محمد بن عبّاد إلى أبى عبيد وهو يقيّد البسملة فقال: لو عرفته ما شكلته.
ومنهم من حمده فقال: حلّوا عواطل الكتب بالتقييد، وحصّنوها من شبه التصحيف والتحريف.
وقيل: إعجام الكتب يمنع من استعجامها «3» ، وشكلها يصونها عن إشكالها.
(7/13)

قال الشاعر «1» :
وكأنّ أحرف خطّه شجر ... والشكل فى أغصانه «2» ثمره «3» .
وأما ما قيل فى حسن الخطّ وجودة الكتابة ومدح الكتّاب والكتاب.
قال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: الخط الحسن يزيد الحقّ وضوحا.
وقال: حسن الخطّ إحدى البلاغتين.
وقال عبيد الله بن العباس: الخط لسان اليد. وقال جعفر بن يحيى: الخطّ سمط «4» الحكمة، به تفصّل شذورها، وينتظم منثورها؛ وقال أبو هلال العسكرىّ:
الكتب عقل شوارد الكلم ... والخطّ خيط فى يد الحكم
والخطّ نظّم كلّ منتثر ... منها وفصّل كلّ منتظم
والسيف وهو بحيث تعرفه ... فرض عليه عبادة القلم.
وقد اختلف الناس فى الخطّ واللفظ، فقال بعضهم: الخطّ أفضل من اللفظ لأن اللفظ يفهم الحاضر، والخطّ يفهم الحاضر والغائب.
قالوا: ومن أعاجيب الخطّ كثرة اختلافه والأصل فيه واحد، كاختلاف صور الناس مع اجتماعهم فى الصبغة. قال الصّولى «5» : سئل بعض الكتاب عن الخطّ متى
(7/14)

يستحقّ أن يوصف بالجودة؟ قال: اذا اعتدلت أقسامه، وطالت ألفه ولامه؛ واستقامت سطوره، وضاهى سعوده حدوره؛ وتفتّحت عيونه، ولم تشتبه راؤه ونونه؛ وأشرق قرطاسه، وأظلمت أنقاسه «1» ، ولم تختلف أجناسه؛ وأسرع الى العيون تصوّره، والى القلوب ثمره «2» ؛ وقدّرت فصوله، [واندمجت «3» وصوله، وتناسب دقيقه وجليله] ؛ وتساوت أطنابه، واستدارت أهدابه؛ وخرج عن [نمط «4» الورّاقين] ، وبعد عن تصنّع المحرّرين؛ [وقام لكاتبه «5» مقام النسبة والحلية] وكان حينئذ كما قلت فى صفة الخطّ:
اذا ما تخلّل قرطاسه ... وساوره القلم الأرقش «6»
تضمّن من خطّه حلّة ... كمثل الدنانير أو أنقش
حروف تكون لعين الكليل ... نشاطا ويقرؤها الأخفش «7»
وقال ابن المعتزّ:
إذا أخذ القرطاس خلت يمينه ... تفتّح نورا أو تنظّم جوهرا
وقيل لبعضهم: كيف رأيت ابراهيم الصّولىّ؟ فقال:
يؤلّف اللّؤلؤ المنثور منطقه ... وينظم الدرّ بالأقلام فى الكتب
(7/15)

وقال آخر «1» :
أضحكت قرطاسك عن جنّة ... أشجارها من حكم مثمره
مسودّة سطحا ومبيضّة ... أرضا «2» كمثل الليلة المقمره
وقال آخر:
كتبت فلولا أن هذا محلّل ... وذاك حرام قست خطّك بالسحر
فو الله ما أدرى أزهر خميلة ... بطرسك أم درّ يلوح على نحر
فان كان زهرا فهو صنع سحابة ... وإن كان درّا فهو من لجج البحر
وقال آخر:
وكاتب يرقم فى طرسه ... روضا به ترتع ألحاظه
فالدرّ ما تنظم أقلامه ... والسحر ما تنثر ألفاظه
وقال آخر:
وشاذن من بنى الكتّاب مقتدر ... على البلاغة أحلى الناس إنشاء
فلا يجاريه فى ميدانه أحد ... يريك سحبان فى الإنشاء إن شاء
وقال آخر:
إن هزّ أقلامه يوما ليعملها ... أنساك كلّ كمىّ هزّ عامله «3»
وإن أمرّ على رقّ «4» أنامله ... أقرّ بالرّق كتّاب الأنام له
(7/16)

وقال أبو الفتح كشاجم:
واذا نمنمت بنانك خطّا ... معربا عن بلاغة وسداد
عجب الناس من بياض معان ... تجتنى من سواد ذاك المداد
وقال الممشوق «1» الشامىّ شاعر اليتيمة:
لا يخطر الفكر فى كتابته ... كأنّ أقلامه لها خاطر
القول والفعل يجريان معا ... لا أوّل فيهما ولا آخر
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: الكتاب نعم الذّخر والعقدة «2» ، ونعم الجليس والعمدة، ونعم النّشرة «3» والنّزهة، ونعم المستغلّ والحرفة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدّخيل، والوزير والنّزيل؛ والكتاب وعاء ملئ علما، وظرف حشى ظرفا، وإناء شحن مزاحا وجدّا، إن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت كان أعيا من باقل، وإن شئت ضحكت من نوادره وعجبت من غرائب فوائده، وإن شئت ألهتك نوادره، وإن شئت شجتك مواعظه ومن لك بواعظ مله، وبزاجر مغر، وبناسك فاتك، وناطق أخرس، وببارد حارّ ومن لك بطبيب أعرابىّ، وبرومىّ «4» هندىّ، وفارسىّ يونانىّ، وبقديم مولّد، وبميت ممتع، ومن لك بشىء يجمع لك الأوّل والآخر، والناقص والوافر، والشاهد والغائب
(7/17)

والرفيع والوضيع، والغثّ والسمين، والشكل وخلافه، والجنس وضدّه؛ وبعد: فمتى رأيت بستانا يحمل فى ردن «1» ؟ وروضة تقلّب فى حجر؟ ينطق عن الموتى، ويترجم كلام الأحيا، ومن لك بمؤنس لا ينام إلّا بنومك، ولا ينطق إلّا بما تهوى، «آمن من الأرض» وأكتم للسر من صاحب السرّ، وأضبط لحفظ الوديعة من أرباب الوديعة، وأحضر لما استحفظ من الأمّيين، ومن الأعراب المعربين، بل من الصّبيان قبل اعتراض الأشغال، ومن العميان قبل التمتّع بتمييز الأشخاص، حين العناية تامة لم تنتقص والأذهان فارغة لم تقتسم، والإرادات وافرة لم تستعتب «2» ، والطينة لينة فهى أقبل ما تكون للطابع، والقضيب رطب فهو أقرب ما يكون للعلوق، حين هذه الخصال لم يلبس جديدها، ولم تتفرّق قواها، وكانت كقول الشاعر:
أتانى هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبى فارغا فتمكّنا
وقال ذو الرمّة لعيسى بن عمر: اكتب شعرى، فالكتاب أعجب إلى من الحفظ لأن الأعرابىّ ينسى الكلمة قد تعب فى طلبها يوما أو ليلة، فيضع موضعها كلمة فى وزنها «3» لم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدّل كلاما بكلام. قال: ولا أعلم جارا أبرّ، ولا خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، ولا معلّما أخضع، ولا صاحبا أظهر كفاية، ولا أقلّ خيانة، ولا أقلّ إبراما وإملالا، ولا أقل خلافا وإجراما ولا أقلّ غيبة، ولا أكثر أعجوبة وتصرّفا، ولا أقلّ صلفا وتكلّفا، ولا أبعد من مراء، ولا أترك لشغب، ولا أزهد فى جدال، ولا أكفّ عن قتال من كتاب؛ ولا أعلم شجرة أطول عمرا، ولا أجمع «4» أمرا، ولا أطيب ثمرة، ولا أقرب مجتنى
(7/18)

ولا أسرع إدراكا، ولا أوجد فى كل إبان «1» من كتاب؛ ولا أعلم نتاجا فى حداثة سنة وقرب ميلاده، وحضور ذهنه، وإمكان موجوده، يجمع من التدابير العجيبة، والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأذهان اللطيفة، ومن الأخبار عن القرون الماضية، والبلاد المتراخية، والأمثال السائرة، والأمم البائدة ما يجمع الكتاب؛ وقد قال الله تبارك اسمه لنبيه صلّى الله عليه وسلم: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
فوصف نفسه تعالى جدّه بأن علّم بالقلم، كما وصف به نفسه بالكرم، واعتد بذلك من نعمه العظام، وفى أياديه الجسام.
ذكر شىء مما قيل فى آلات الكتابة
قال ابراهيم بن محمد الشّيبانىّ فيما يحتاج إليه الكاتب:
من ذلك أن يصلح الكاتب آلته التى لا بدّ منها، وأداته التى لا تتمّ صناعته إلا بها، وهى دواته، فلينعم «2» ربّها وإصلاحها، ثم يتخير من أنابيب «3» القصب أقلّه عقدا وأكثفه لحما، وأصلبه قشرا، وأعدله استواءا، ويجعل لقرطاسه سكّينا حادّا لتكون عونا له على برى أقلامه، ويبريها من جهة نبات القصبة، فان محلّ القلم من الكاتب كمحلّ الرمح من الفارس. وقد خصّ الفضلاء القلم بأوصاف كثيرة، ومزايا خطيرة فلنذكر منها طرفا.
(7/19)

ذكر شىء مما قيل فى القلم
قال الله تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ
وقال: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ.
وقال الحكماء: القلم أحد اللسانين، وهو المخاطب للعيون بسرّ القلوب.
وقالوا: عقول الرجال تحت أسنّة أقلامها. بنوء «1» الأقلام يصوب غيث الحكمة.
القلم صائغ الكلام، يفرغ ما يجمعه القلب، ويصوغ ما يسبكه «2» اللّب.
وقال جعفر بن يحيى: لم أر باكيا أحسن تبسما من القلم.
وقال المأمون: لله درّ القلم كيف يحوك وشى المملكة!.
وقال ثمامة بن أشرس: ما أثّرته الأقلام، لم تطمع فى درسه الأيام. بالأقلام تدبّر الأقاليم. كتاب المرء عنوان عقله، ولسان فضله. عقل الكاتب فى قلمه.
وقال ابن المعتزّ: القلم مجهّز لجيوش الكلام، يخدم الإرادة كأنه يقبّل بساط سلطان، أو يفتّح نوّار بستان.
وقال الحسن بن وهب: يحتاج الكاتب إلى خلال: منها جودة برى القلم وإطالة جلفته «3» ، وتحريف قطّته، وحسن التأتّى لامتطاء الأنامل، وإرسال المدّة بعد إشباع الحروف، والتحرّز عند فراغها من الكسوف، وترك الشكل على الخطإ والإعجام على التصحيف.
(7/20)

وقال العتّابىّ: سألنى الأصمعىّ فى دار الرشيد: أىّ الأنابيب للكتابة أصلح وعليها أصبر؟ فقلت له: ما نشف «1» بالهجير ماؤه، وستره من تلويحه غشاؤه؛ من التّبريّة القشور، الدّرّيّة الظهور، الفضّيّة الكسور؛ قال: فأى نوع من البرى أصوب وأكتب؟ فقلت: البرية المستوية القطّة التى عن يمين سنها برية تؤمن معها المحبّة عند المدة والمطّة، للهواء فى شقّها فتيق، والريح فى جوفها خريق «2» ، والمداد فى خرطومها رقيق. قال العتابىّ: فبقى الأصمعى شاخصا إلىّ ضاحكا، لا يحير مسألة ولا جوابا.
وكتب على بن الأزهر إلى صديق له يستدعى منه أقلاما: أما بعد: فإنا على طول الممارسة لهذه الكتابة التى غلبت على الاسم، ولزمت لزوم الوسم «3» ؛ فحلّت محل الأنساب، وجرت مجرى الألقاب؛ وجدنا الأقلام الصّحريّة «4» أجرى فى الكواغد «5» وأمرّ فى الجلود، كما أنّ البحريّة منها أسلس فى القراطيس، وألين فى المعاطف وأشد لتعريف «6» الخط فيها، ونحن فى بلد قليل القصب رديئه، وقد أحببت فى أن تتقدّم فى اختيار «7» أقلام صحريّة، وتتنوّق «8» فى اقتنائها قبلك، وتطلبها من مظانّها ومنابتها من شطوط الأنهار، وأرجاء الكروم، وأن تتيمّن «9» باختيارك منها الشديدة الصّلبة
(7/21)

النقيّة الجلود، القليلة الشحوم، الكثيرة اللحوم، الضيقة الأجواف «1» ، الرزينة المحمل فإنها أبقى على الكتابة، وأبعد من الحفا، وأن تقصد بانتقائك للرقاق القضبان المقوّمات المتون، الملس المعاقد «2» ، الصافية القشور، الطويلة الأنابيب، البعيدة ما بين الكعوب، الكريمة الجواهر، المعتدلة القوام، المستحكمة يبسا وهى قائمة على أصولها، لم تعجل عن إبّان ينعها، ولم تأخّر إلى الأوقات المخوفة عليها من خصر «3» الشتاء وعفن الأنداء؛ فإذا استجمعت عندك أمرت بقطعها ذراعا ذراعا قطعا رقيقا، ثم عبأت منها حزما فيما يصونها من الأوعية، «4» [ووجّهتها مع من يؤدّى الأمانة فى حراستها وحفظها وإيصالها] وتكتب معها بعدّتها وأصنافها بغير تأخير ولا توان، إن شاء الله تعالى.
وأهدى ابن الحرون «5» إلى بعض إخوانه أقلاما وكتب إليه:
إنه لما كانت الكتابة- أبقاك الله- أعظم الأمور، وقوام الخلافة، وعمود المملكة أتحفتك من آلتها بما يخفف حمله، وتثقل قيمته، ويعظم نفعه، ويجلّ خطره، وهى أقلام من القصب النابت فى الصحراء الذى نشف بحرّ الهجير [فى قشره «6» ] ماؤه، وستره من تلويحه غشاؤه؛ فهى كاللآلئ المكنونة فى الصدف، والأنوار المحجوبة فى السدف «7» ؛ تبريّة القشور، درّية الظهور، فضية الكسور؛ قد كستها الطبيعة جوهرا كالوشى المحبّر، ورونقا «8» كاالديباج «9» المنيّر.
(7/22)

ومن كتاب لأبى الخطاب الصابى- يصف فيه أقلاما أهداها فى جملة أصناف- جاء منه:
وأضفت إليها أقلاما سليمة من المعايب، مبرّأة من المثالب؛ جمّة المحاسن بعيدة عن المطاعن؛ لم يربها طول ولا قصر، ولم ينقصها ضعف ولا خور؛ ولم يشنهالين ولا رخاوة، ولم يعبها كزازة «1» ولا قساوة؛ فهذه «2» آخذة بالفضائل من جميع جهاتها، مستوفية للمادح بسائر صفاتها؛ صلبة المعاجم، ليّنة المقاطع؛ موفية القدود والألوان، محمودة المخبر والعيان؛ قد استوى فى الملاسة خارجها وداخلها، وتناسب فى السلاسة عاليها وسافلها؛ نبتت بين الشمس والظلّ، واختلف عليها الحرّ والقر؛ فلفحها «3» وقدان الهواجر، وسفعتها [سمائم «4» ] شهر ناجر «5» ؛ ووقذها الشّفّان «6» بصرده، وقذفها الغمام ببرده؛ وصابتها الأنواء بصيّبها، واستهلّت عليها السحائب بشآبيبها «7» ؛ فاستمرّت مرائرها «8» على إحكام، واستحصد سحلها «9» بالإبرام؛ جاءت شتّى «10» الشيات، متغايرة الهيئات، متباينة المحالّ والبلدان؛ تختلف بتباعد ديارها، وتأتلف بكرم نجارها؛ فمن أنابيب ناسبت رماح الخط فى أجناسها، وشاكلت الذهب فى ألوانها، وضاهت
(7/23)

الحرير فى لمعانها؛ بطيئة «1» الحفا، نمرة «2» القوى؛ لا يشظيها «3» القطّ، ولا يشعّث «4» بها الخط؛ ومن مصريّة بيض، كأنها [قباطىّ «5» مصر نقاء، وغرقئ البيض صفاء؛ غذاها الصعيد من ثراه بلبّه] وسقاها النيل من نميره وعذبه؛ فجاءت ملتئمة الأجزاء، سليمة من الالتواء؛ تستقيم شقوقها فى أطوالها، ولا تنكّب عن يمينها ولا شمالها؛ تقترن بها صفراء كأنها معها عقيان «6» قرن بلجين، أو ورق خلط بعين؛ تختال فى صفر ملاحفها، وتميس فى مذهب مطارفها «7» ؛ بلون غياب الشمس، وصبغ ثياب الورس «8» ، ومن منقوشة تروق العين، وتونق النّفس؛ ويهدى حسنها الأريحيّة إلى القلوب، ويحلّ الطرب لها حبوة الحكيم اللبيب؛ كأنها اختلاف الزهر اللامع، وأصناف الثمر اليانع؛ [ومن بحريّة موشيّة الليط «9» ] رائقة التخليط «10» ؛ كأنّ داخلها قطرة دم، أو حاشية رداء
(7/24)

معلم، وكأنّ خارجها أرقم، أو متن واد مفعم، نثرت ألوانا تزرى بورد الخدود، وأبدت قامات تفصح بأود القدود.
وقد أكثر الشعراء القول فى وصف القلم، فمن ذلك قول أبى تمّام الطائىّ:
لك القلم الأعلى الذى بشباته ... تصاب من الأمر الكلى والمفاصل
لعاب الأفاعى القاتلات لعابه ... وأرى «1» الجنى اشتارته أيد عواسل
له ريقة طلّ ولكنّ وقعها ... بآثاره فى الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمس الّلطاف وأفرغت ... عليه شعاب «2» الفكر وهى حوافل
أطاعته أطراف القنا وتقوّضت ... لنجواه تقويض الخيام والجحافل
إذا استغزر الذهن الجلىّ «3» وأقبلت ... أعاليه فى القرطاس وهى أسافل
وقد رفدته الخنصران وسدّدت ... ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل
رأيت جليلا شأنه وهو مرهف ... ضنّى وسمينا خطبه وهو ناحل
وقال آخر:
قوم إذا أخذوا الأقلام من غضب ... ثم استمدّوا بها ماء المنيّات
نالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا ... ما لم ينالوا بحدّ المشرفيّات
وقال ابن المعتزّ:
قلم ما أراه أم فلك يجرى ... بما شاء قاسم ويسير «4»
خاشع فى يديه يلثم قرطا ... سا كما قبّل البساط شكور
(7/25)

ولطيف المعنى جليل نحيف ... وكبير الأفعال وهو صغير
كم منايا وكم عطايا وكم ... حتف وعيش تضم تلك السطور
نقشت بالدجى نهارا فما أدرى ... أخطّ فيهن أم تصوير
وقال محمد «1» بن علىّ:
فى كفه صارم لانت مضاربه ... يسوسنا رغبا إن شاء أو رهبا
السيف والرمح خدّام له أبدا ... لا يبلغان له جدّا ولا لعبا
تجرى دماء الأعادى بين أسطره ... ولا يحس له صوت إذا ضربا
فما رأيت مدادا قبل ذاك دما ... ولا رأيت حساما قبل ذا قصبا
وقال ابن الرومىّ:
لعمرك ما السيف سيف الكمىّ ... بأخوف من قلم الكاتب
له شاهد إن تأمّلته ... ظهرت على سره الغائب
أداة المنيّة فى جانبيه ... فمن مثله رهبة الراهب
ألم تر فى صدره كالسنان ... وفى الردف كالمرهف القاضب؟
وقال الرفّاء «2» :
أخرس ينبيك بإطراقه ... عن كل ما شئت من الأمر
يذرى على قرطاسه دمعه ... يبدى لنا السرّ وما يدرى
كعاشق أخفى هواه وقد ... نمّت عليه عبرة تجرى
تبصره فى كل أحواله ... عريان يكسو الناس أو يعرى
يرى أسيرا فى دواة وقد ... أطلق أقواما من الأسر
(7/26)

وقال آخر:
وذى عفاف راكع ساجد ... أخو صلاح دمعه جارى
ملازم الخمس لأوقاتها ... مجتهد فى خدمة البارى
وقال ابن الرومىّ:
إن يخدم القلم «1» السيف الذى خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم
فالموت والموت لا شىء يغالبه ... ما زال يتبع ما يجرى به القلم
كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم
وقال أبو الطيّب الأزدىّ:
قلم قلّم أظفار العدى ... وهو كالإصبع مقصوص الظّفر
أشبه الحيّة حتى أنه ... كلما عمّر فى الأيدى قصر
وقال أبو الحسن بن عبد الملك بن صالح الهاشمىّ:
وأسمر طاوى الكشح أخرس ناطق ... له زملان «2» فى بطون المهارق.
[ «3» ذكر ما يحتاج الكاتب الى معرفته من الأمور الكلية [من كتاب حسن التوسل]
قال شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سليمان الحلبىّ فى كتابه «حسن التوسل»
فأوّل ما يبدأ به من ذلك حفظ كتاب الله تعالى،
ومداومة قراءته، وملازمة درسه
(7/27)

وتدبّر معانيه حتى لا يزال مصوّرا فى فكره، دائرا على لسانه، ممثّلا فى قلبه، ذاكرا له فى كل ما يرد عليه من الوقائع التى يحتاج الى الاستشهاد به فيها، ويفتقر الى اقامة الأدلّة القاطعة به عليها؛ وكفى بذلك معينا له فى قصده، ومغنيا له عن غيره، قال الله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
؛ وقد أخرج من الكتاب العزيز شواهد لكل ما يدور بين الناس فى محاوراتهم ومخاطباتهم مع قصور كل لفظ ومعنى عنه، وعجز الإنس والجنّ عن الاتيان بسورة من مثله؛ ومن ذلك أن سائلا قال لبعض العلماء: أين تجد فى كتاب الله تعالى قولهم:
الجار قبل الدار؟ قال: فى قوله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ
فطلبت الجار قبل الدار، ونظائر ذلك كثيرة. وأين قول العرب: «القتل أنفى للقتل» لمن أراد الاستشهاد فى هذا المعنى من قوله عزّ وجلّ: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
. وأكثر الناس على جواز الاستشهاد بذلك ما لم يحوّل عن لفظه، ولم يغيّر معناه.
فمن ذلك ما روى فى عهد أبى بكر رضى الله عنه: هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلم آخر عهده بالدنيا، وأوّل عهده بالآخرة، إنى استخلفت عليكم عمر بن الخطّاب، فإن برّ وعدل فذلك ظنّى به، وان جار وبدّل فلا علم لى بالغيب، والخير أردت بكم، ولكل امرئ ما اكتسب من الإثم وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.
وروى أن عليا رضى الله عنه قال للمغيرة بن شعبة لما أشار عليه بتولية معاوية:
وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً.
(7/28)

وكتب فى آخر كتاب الى معاوية: وقد علمت مواقع سيوفنا فى جدّك وخالك وأخيك وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ.
وقول الحسن بن على عليه السلام لمعاوية: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
وروى مثل ذلك عن ابن عباس رضى الله عنهما.-
وكتب الحسن الى معاوية: أما بعد، فان الله بعث محمدا صلّى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، ورسولا الى الناس أجمعين لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ.
وكتب محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على الى المنصور فى صدر كتاب لمّا حاربه: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ
الى قوله: مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ
. ونقض عليه المنصور فى جوابه عن قوله: «إنه ابن رسول الله صلّى الله عليه وسلم» بقوله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ.
ونقل عن الحسن البصرىّ رحمه الله ما يدل على كراهية ذلك، فقال حين بلغه أن الحجاج أنكر على رجل استشهد بآية: أنسى نفسه حين كتب الى عبد الملك ابن مروان: بلغنى أن أمير المؤمنين عطس فشمّته من حضر فردّ عليهم يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً
؟ واذا صحت هذه الرواية عن الحسن فيمكن أن يكون انكاره على الحجاج لأنه أنكر على غيره ما فعله هو. وذهب بعضهم الى أن كل ما أراد الله به نفسه لا يجوز أن يستشهد به إلا فيما يضاف الى الله سبحانه وتعالى مثل قوله تعالى:
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
. وقوله تعالى: بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ
ونحو ذلك مما يقتضيه الأدب مع الله سبحانه وتعالى.
ومن شرف الاستشهاد بالكتاب العزيز إقامة الحجة، وقطع النزاع، وارغام الخصم كما روى أن الحجاج قال لبعض العلماء: أنت تزعم أن الحسين رضى الله عنه من ذرية
(7/29)

رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فأتنى على ذلك بشاهد من كتاب الله عز وجل، وإلا قتلتك؛ فقرأ: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ
الى قوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى
وعيسى هو ابن بنته؛ فأسكت الحجاج. وقد تقوم الآية الواحدة المستشهد بها فى بلوغ الغرض وتوفية المقاصد ما لا تقوم به الكتب المطوّلة، والأدلّة القاطعة؛ وأقرب ما اتفق من ذلك أن صلاح الدين رحمه الله كتب الى بغداد كتابا يعدّد فيه مواقفه فى إقامة دعوة بنى العباس بمصر، فكتب جوابه بهذه الآية: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
] وكتب أمير المسلمين يعقوب بن عبد المؤمن الى الأذفونش «1» ملك الفرنج جوابا عن كتابه اليه- وكان قد أبرق وأرعد فكتب فى أعلاه-:
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ
ومما جوّزوا الاستشهاد به ما لا يقصد به إلا التلويح الى الآية دون اطّراد الكلام نحو قول القاضى الفاضل مما كتب به الى الخليفة عن الملك الناصر صلاح الدين فى الاستصراخ [وتهويل أمر «2» الفرنج] : رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي
وها هى فى سبيلك مبذوله، وأخى وقد هاجر اليك هجرة يرجوها مقبوله. وأما تغيير شىء من اللفظ أو إحالة معنى عما أريد به فلا يجوز، وينبغى العدل عنه ما أمكن.
ويتلو ذلك الاستكثار من حفظ الأحاديث النبوية- صلوات الله وسلامه على قائلها
- وخصوصا فى السير والمغازى والأحكام، والنظر فى معانيها وغريبها وفصاحتها
(7/30)

وقفه ما لا بدّ من معرفته من أحكامها، ليحتج بها فى «1» مكان الحجة، ويستدل بموضع الدليل، فإن الدليل على المقصد إذا استند الى النص سلّم له، والفصاحة اذا طلبت غايتها فإنها بعد كتاب الله فى كلام من أوتى جوامع الكلم. وينبغى أن يراعى فى الحلّ لفظ الحديث ما أمكن، وإلا فمعناه.
ويتلو ذلك قراءة ما يتفق من كتب النحو
التى يحصل بها المقصود من معرفته العربية، فإنه لو أتى الكاتب من البلاغة بأتمّ ما يكون ولحن ذهبت محاسن ما أتى به وانهدمت طبقة كلامه، وألغى جميع [ما حسّنه «2» ] ، ووقف به عند ما جهله.
ويتعلق بذلك [قراءة «3» ] ما يتهيأ من مختصرات اللغة،
كالفصيح، وكفاية المتحفظ وغير ذلك من كتب الألفاظ ليتسع عليه مجال العبارة، وينفتح له باب الأوصاف فيما «4» يحتاج الى وصفه، ويضطر الى نعته.
ويتصل بذلك حفظ خطب البلغاء من الصحابة وغيرهم،
ومخاطباتهم ومحاوراتهم ومراجعاتهم ومكاتباتهم، وما ادّعاه كلّ منهم لنفسه أو لقومه، وما نقضه عليه خصمه، لما فى ذلك من معرفة الوقائع بنظائرها، وتلقّى الحوادث بما شاكلها والاقتداء بطريقة من فلج «5» على خصمه، واقتفاء آثار من اضطر الى عذر، أو إبطال دعوى أو اثباتها، والأجوبة الدامغة؛ فتأمله فى موضعه فإنك ستقف منه على ما استغنى به عن ذلك.
(7/31)

ثم النظر فى أيام العرب ووقائعهم وحروبهم،
وتسمية الأيام التى كانت بينهم، ومعرفة يوم كل قبيلة على الأخرى، وما جرى بينهم فى ذلك من الأشعار والمنافسات، لما فى ذلك من العلم بما يستشهد به من واقعة قديمة، أو يرد عليه فى مكاتبة من ذكر يوما مشهورا، أو فارسا معيّنا. وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى فنّ التاريخ على ما ستقف عليه؛ فإن صاحب هذه الصناعة إذا لم يكن عارفا بأيام العرب، عالما بما جرى فيها لم يدر كيف يجيب عمّا «1» يرد عليه من مثلها، ولا ما يقول إذا سئل عنها، وحسبه ذلك نقصا فى صناعته وقصورا.
ثم النظر فى التواريخ ومعرفة أخبار الدول،
لما فى ذلك من الاطلاع على سير الملوك وسياساتهم، وذكر وقائعهم ومكايدهم فى حروبهم، وما اتفق لهم من التجارب؛ فإن الكاتب قد يضطرّ إلى السؤال عن أحوال من سلف، أو يرد عليه فى كتاب ذكر واقعة بعينها، أو يحتجّ عليه بصورة قديمة فلا يعرف حقيقتها من مجازها؛ وقد أوردنا فى فن التاريخ ما لا يحتاج الكاتب معه إلى غيره من هذا الفن.
ثم حفظ أشعار العرب ومطالعة شروحها،
واستكشاف غوامضها والتوفّر على ما اختاره العلماء بها «2» منها، كالحماسة، والمفضّليّات، والأصمعيّات، وديوان الهذليّين، وما أشبه ذلك، لما فى ذلك من غزارة الموادّ، وصحّة الاستشهاد، والاطلاع على أصول اللّغة، ونوادر العربيّة؛ وقد كان الصدر الأول يعتنون بذلك غاية الاعتناء، وقد حكى أن الإمام الشافعىّ رحمه الله كان يحفظ ديوان هذيل؛ فإذا أكثر المترشّح للكتابة من حفظ ذلك وتدبّر معانيه سهل عليه حلّه، وظهرت له مواضع
(7/32)

الاستشهاد به، وساقه الكلام إلى إبراز ما فى ذخيرة حفظه منه، ووضعه فى مكانه ونقله فى الاستشهاد والتضمين الى ما كأنه وضع له، كما اتفق للقاضى أبى بكر «1» الأرّجانىّ فى تضمين أنصاف أبيات العرب فى بعض قصائده، فقال:
وأهد الى الوزير المدح يجعل ... «لك المرباع «2» منها والصفايا»
ورافق رفقة حلّوا إليه ... «فآبوا «3» بالنهاب وبالسبايا»
وقل للراحلين الى ذراه ... «ألستم «4» خير من ركب المطايا»
ولا تسلك سوى طرقى فإنّى ... «أنا «5» ابن جلا وطلّاع الثّنايا»
وقال بديع الزمان الهمذانىّ:
أنا لقرب دار مولاى «كما طرب التشوان مالت به الخمر» ومن الارتياح إلى لقائه كما انتفض العصفور بلله القطر» ومن الامتزاج بولائه «كما التقت الصهباء والبارد العذب» ومن الابتهاج بمزاره «كما اهتزّ تحت البارح «6» الغصن الرطب» .
وكما قال ابن القرطبىّ وغيره فى رسائلهم على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
(7/33)

وكذلك حفظ جانب جيّد من شعر المحدثين،
كأبى تمّام ومسلم ابن الوليد والبحترىّ وابن الرومىّ والمتنبىّ، للطف مأخذهم، ودوران الصناعة فى كلامهم، ودقّة توليد المعانى فى أشعارهم، وقرب أسلوبهم من أسلوب الخطابة والكتابة.
وكذلك النظر فى رسائل المتقدّمتين دون حفظها
لما فى النظر فيها من تنقيح القريحة، وإرشاد الخاطر، وتسهيل الطرق، والنسج على منوال المجيد، والاقتداء بطريقة المحسن، واستدراك ما فات «1» القاصر، والاحتراز مما أظهره النقد، وردّ ما بهرجه السبك؛ فأمّا النهى عن حفظ ذلك فلئلا يتّكل الخاطر على ما فى حاصله، ويستند الفكر إلى ما فى مودعه، ويكتفى بما ليس له، ويتلبّس بما لم يعط «كلابس ثوبى زور» ؛ وأمّا من قصد المحاضرة بذلك دون الإنشاء فالأحسن به حفظ ذلك وأمثاله.
وكذلك النّظر فى كتب الأمثال الواردة عن العرب نظما ونثرا
كأمثال الميدانىّ والمفضّل بن سلمة الضبىّ وحمزة الأصبهانىّ وغيرهم، وأمثال المحدثين الواردة فى أشعارهم، كأبى العتاهية وأبى تمّام والمتنبىّ، وأمثال المولّدين؛ وقد أوردنا من ذلك فى باب الأمثال جملا.
وكذلك النّظر فى الأحكام السّلطانيّة،
فإنه قد يأمر بأمر فيعرف منها كيف يخلص قلمه على حكم الشريعة المطهّرة من تولية القضاء والحسبة وغير ذلك؛ وقد قدّمنا فى هذا الكتاب من ذلك طرفا جيّدا. قال: فهذه أمور كليّة لا بدّ للمترشّح لهذه الصناعة من التصدّى للاطلاع عليها، والإكباب على مطالعتها، والاستكثار منها
(7/34)

لينفق من تلك الموادّ، وليسلك فى الوصول إلى صناعته تلك الجواد «1» ، وإلا فليعلم أنه فى واد والكتابة فى واد.
قال: وأمّا الأمور الخاصّة التى تزيد معرفتها قدره، ويزين العلم بها نظمه ونثره،
فإنّها من المكمّلات لهذا الفنّ وإن لم يضطرّ إليها ذو الذهن الثاقب، والطبع السليم، والقريحة المطاوعة، والفكرة المنقّحة، والبديهة المجيبة، والرويّة المتصرّفة، لكنّ العالم بها متمكّن من أزمّة المعانى، يقول عن علم، ويتصرّف عن معرفة، وينتقد بحجّة، ويتخيّر بدليل، ويستحسن ببرهان، ويصوغ الكلام بترتيب؛ فمن ذلك علم المعانى والبيان والبديع، والكتب المؤلّفة فى إعجاز الكتاب العزيز، ككتب الجرجانىّ والرمّانىّ والإمام فخر الدين السكّاكىّ والخفاجىّ وابن الاثير وغيرهم؛ وذكر فى كتابه جملا بهذه المعانى [وأورد أيضا أمورا أخرى تتصل بذلك «2» من خصائص] الكتابة وهى الاقتباس والاستشهاد والحلّ، وأتى على ذلك بشواهد وأمثلة، وسأذكر فى هذا الكتاب ملخّص ما اورده فى ذلك باختصار «3» وزيادة عليه.
فأمّا علوم المعانى والبيان والبديع،
فمنها: ذكر الفصاحة، والبلاغة والحقيقة والمجاز، والتشبيه، والاستعارة، والكناية، والخبر وأحكامه، والتقديم والتأخير، والفصل والوصل، والحذف والإضمار، ومباحث إنّ وإنّما، والنظم والتجنيس، والطباق، والمقابلة، والسجع، وردّ العجز على «4» الصدر، والإعنات «5»
(7/35)

والمذهب الكلامىّ، وحسن التعليل، والالتفات، والتمام، والاستطراد، وتأكيد المدح بما يشبه الذّم، وتأكيد الذّم بما يشبه المدح، وتجاهل العارف، والهزل الذى يراد به الجدّ، والكنايات، والمبالغة، وإعتاب المرء نفسه، وحسن التضمين والتلميح، وإرسال المثل، وإرسال مثلين، والكلام الجامع، واللّفّ والنشر والتفسير، والتعديد- ويسمّى سياقة الأعداد- وتنسيق الصفات، والإيهام- ويقال له: التورية- والتخييل، وحسن الأبتداءات، وبراعة التخليص، وبراعة الطلب وبراعة المقطع، والسؤال والجواب، وصحة الأقسام، والتوشيح، والإيغال، والإشارة والتذييل، والترديد، والتفويف، والتسهيم، والاستخدام، والعكس، والتبديل والرجوع، والتغاير، والطاعة والعصيان، والتسميط، والتشطير، والتطريز، والتوشيع والإغراق، والغلوّ، والقسم، والأستدراك، والمؤتلفة والمختلفة، والتفريق المفرد والجمع مع التفريق، والتقسيم المفرد، والجمع مع التقسيم، والتزاوج، والسّلب والإيجاب والاطّراد، والتجريد، والتكميل، والمناسبة، والتفريع، ونفى الشىء بإيجابه والإيداع «1» ، والإدماج، وسلامة الاختراع، وحسن الاتّباع، والذّمّ فى معرض المدح والعنوان، والإيضاح، والتشكيك، والقول بالموجب، والقلب، والتندير، والإسجال بعد المغالطة، والافتنان، والإبهام، وحصر الجزئى وإلحاقه بالكلّى، والمقارنة والإبداع، والانفصال، والتصرّف، والاشتراك، والتهكّم، والتدبيج، والموجّه وتشابه الأطراف. هذا مجموع ما أورده منها، واستشهد «2» عليه بأدلّة، وأورد أمثلة سنشرح منها ما يكتفى به اللّبيب، ويستغنى به اللّبيب «3» .
(7/36)

أما الفصاحة والبلاغة،
فقد تقدّم الكلام فيهما فى أوّل الباب، فلا فائدة فى إعادته.
وأما الحقيقة والمجاز-
فالحقيقة فى اللّغة فعيلة بمعنى مفعولة، من حقّ الأمر يحقّه بمعنى أثبته، أو من حققته إذا كنت منه على يقين. والمجاز من جاز الشىء يجوزه إذا تعدّاه، فإذا عدل بالّلفظ عما يوجبه أصل اللّغة وصف بأنه مجاز على أنهم قد جازوا به موضعه الأصلىّ، أو جاز هو مكانه الذى وضع فيه أوّلا، لأنه ليس بموضع أصلىّ لهذا الّلفظ ولكنّه مجازه ومتعدّاه يقع فيه كالواقف بمكان غيره ثم يتعدّاه [إلى] مكانه الأصلىّ. ولهما حدود فى المفرد والجملة، فحدّهما فى لامفرد: أن كل كلمة أريد بها ما وضعت له فهى حقيقة، كالأسد للحيوان المفترس، ولايد للجارحة ونحو ذلك. وإن أريد بها غيره لمناسبة بينهما فهى مجاز، كالأسد للرّجل الشجاع واليد للنّعمة أو للقوّة، فإن النعمة تعطى باليد، والقوّة تظهر بكمالها فى اليد. وحدّهما فى الجملة: أن كلّ جملة كان الحكم الذى دلّت عليه كما هو فى العقل «1» فهى حقيقة كقولنا: خلق الله الخلق؛ وكلّ جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضعه فى العقل بضرب من التأويل فهى مجاز، كما إذا أضيف الفعل إلى شىء يضاهى الفاعل، كالمفعول به فى قوله عزّ وجلّ: فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ*
ومِنْ ماءٍ دافِقٍ
؛ أو المصدر، كقولهم:
شعر شاعر؛ أو الزمان، كقول النعمان بن بشير لمعاوية:
وليلك عمّا ناب قومك نائم؛
أو المكان، كقولك: طريق سائر؛ أو المسبّب، كقولهم: بنى الأمير المدينة؛ أو السبب، كقوله تعالى: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً
. فمجاز المفرد
(7/37)

لغوىّ، ويسمّى مجازا فى المثبت، ومجاز الجملة عقلىّ، ويسمّى مجازا فى الإثبات.
قال: فالمجاز قد يكون فى الإثبات وحده، وهو أن يضيف الفعل إلى غير الفاعل الحقيقىّ كما ذكرناه، وقد يكون فى المثبت وحده، كقوله تعالى: فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
جعل خضرة الأرض ونضرتها حياة، وقد يكون فيهما جميعا، كقولك:
أحيتنى رؤيتك، تريد سرّتنى، فقد جعلت المسرّة حياة «1» وهو مجاز فى المثبت وأسندتها إلى الرؤية وهو مجاز فى الإثبات.
قال: واعلم أنهم تعرّضوا فى اعتبار كون اللّفظ مجازا إلى اعتبار شيئين:
الأوّل أن يكون منقولا عن معنى وضع اللّفظ بإزائه، وبهذا يتميّز عن اللّفظ المشترك.
الثانى أن يكون هذا النقل لمناسبة بينهما، فلا توصف الأعلام المنقولة بأنّها مجاز إذ ليس نقلها لتعلّق نسبة [بين «2» ] المنقول عنه ومن له العلم، وإذا تحقّق الشرطان سمى مجازا، وذلك مثل تسمية النعمة والقوّة باليد، لما بين اليد وبينهما من التعلّق وكما قالوا: رعينا الغيث، يريدون النبت الذى الغيث سببه، وصابتنا السّماء، يريدون المطر، وأشباه ذلك ونظائره.
وأما التشبيه
- فهو الدّلالة على اشتراك شيئين فى وصف هو من أوصاف الشىء فى نفسه، كالشجاعة فى الأسد، والنّور فى الشمس. وهو ركن من أركان البلاغة لإخراجه الخفىّ الى الجلىّ، وإدنائه البعيد من القريب. وهو حكم إضافىّ لا يوجد إلا بين الشيئين بخلاف الاستعارة.
(7/38)

ثم التّشبيه على أربعة أقسام: تشبيه محسوس [بمحسوس «1» ] ، وتشبيه معقول [بمعقول «2» ] ، وتشبيه معقول بمحسوس، وتشبيه محسوس بمعقول.
فأما تشبيه محسوس بمحسوس فلاشتراكهما إمّا فى المحسوسات الأولى: وهى مدركات السمع والبصر والذّوق والشمّ واللّمس، كتشبيه الخدّ بالورد والوجه بالنهار، [وأطيط الرّحل «3» بأصوات الفراريح] والفواكه الحلوة بالسكّر والعسل ورائحة بعض الرياحين بالمسك والكافور، والّليّن الناعم بالحرير، والخشن بالمسح» .
أو فى المحسوسات الثانية «5» : وهى الأشكال المستقيمة والمستديرة، والمقادير، والحركات كتشبيه المستوى المنتصب بالرّمح، والقدّ اللّطيف بالغصن، والشّىء المستدير بالكرة والحلقة، والعظم بالجبل، والذاهب على الاستقامة بنفوذ السهم. أو فى الكيفيّات الجسمانيّة، كالصلابة والرخاوة. أو فى الكيفيّات النفسانيّة، كالغرائز والأخلاق.
أو فى حالة إضافية، كقولك: هذه حجّة كالشّمس، وألفاظ كالماء فى السّلاسة وكالنّسييم فى الرقّة، وكالعسل فى الحلاوة. وربّما كان التشبيه بوجه عقلىّ، كقول فاطمة بنت الخرشب الأنماريّة حين وصفت بنيها الكملة فقالت: هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها.
وأما تشبيه المعقول بالمعقول فهو كتشبيه الوجود العارى عن الفوائد بالعدم، وتشبيه الفوائد التى تبقى بعد عدم الشّىء بالوجود، كقول الشاعر:
رب حىّ كميّت ليس فيه ... أمل يرتجى لنفع وضرّ
وعظام تحت التراب وفوق ... الأرض منها آثار «6» حمد وشكر
(7/39)

وأمّا تشبيه المعقول بالمحسوس فهو كقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ.
وأما تشبيه المحسوس بالمعقول فهو غير جائز، لأن العلوم العقليّة مستفادة من الحواسّ ومنتهية إليها، ولذلك قيل: من فقد حسّا فقد علما، فإذا كان المحسوس أصلا للمعقول فتشبيه به يكون جعلا للفرع أصلا والأصل فرعا ولذلك لو حاول محاول المبالغة فى وصف الشمس بالظهور والمسك بالثناء «1» فقال:
الشمس كالحجّة فى الظّهور، والمسك كالثّناء فى الطّيب، كان ذلك سخفا من القول فأمّا ما جاء فى الشعر من تشبيه المحسوس بالمعقول فوجهه أن يقدّر المعقول محسوسا، ويجعل كالأصل «2» المحسوس على طريق المبالغة، فيصحّ التشبيه حينئذ وذلك كما قال الشاعر:
وكأنّ النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهنّ ابتداع
فإنّه لما شاع وصف السنّة بالبياض والإشراق، واشتهرت البدعة وكلّ ما ليس بحقّ بالظلمة «3» تخيّل الشاعر أن السنن كأنها من الأجناس التى لها إشراق ونور، وأن البدع نوع من الأنواع الّتى لها اختصاص بالسواد والظلمة، فصار ذلك كتشبيه محسوس بمحسوس، فجاز له التشبيه، وهو لا يتمّ إلا بتخييل ما ليس بمتلوّن [متلوّنا «4» ] ثم يتخيّله أصلا فيشبّه به، وهذا هو الّذى تؤوّل فى قول أبى طالب الرّقّىّ:
(7/40)

ولقد ذكرتك والظلام كانّه ... يوم النّوى وفؤاد من لم يعشق
فإنّه لمّا كانت الأوقات التى تحدث فيها المكاره توصف بالسواد كما يقال:
اسودّت الدنيا فى عينه، جعل يوم النوى كأنه أشهر بالسواد من الظلام، فعرّفه به وشبّه، ثم عطف عليه فؤاد من لم يعشق لأنّ من لم يعشق عندهم قاسى القلب والقلب القاسى يوصف بشدّة السواد، فأقامه أصلا، فقس على هذا المثال. قال:
واعلم أنّ ما به المشابهة قد يكون مقيّدا بالانتساب إلى شىء، وذلك إما الى المفعول به كقولهم: «أخذ القوس باريها» وإلى ما يجرى مجرى المفعول به وهو الجارّ والمجرور كقولهم لمن يفعل ما لا يفيد: «كالراقم على الماء» وإمّا الى الحال، كقولهم:
«كالحادى وليس له بعير» وإما الى المفعول والجارّ والمجرور معا، كقولهم: «هو كمن يجمع السيفين فى غمد» و «كمبتغى الصيد فى عرينة الأسد» ، ومن ذلك قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
فإنّ التشبيه لم يحصل من مجرد الحمل، بل لأمرين آخرين، لأن الغرض توجيه الذّم إلى من أتعب نفسه فى حمل ما يتضمّن المنافع العظيمة ثم لا ينتفع به لجهله، وكقول لبيد:
وما النّاس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلّوها وغدوا «1» بلاقع
فإنّه لم يشبّه الناس بالديار، وإنّما شبّه وجودهم فى الدنيا وسرعة زوالهم بحلول أهل الدّيار فيها، ووشك رحيلهم منها. قال: وكلّما كانت التقييدات أكثر كان التشبيه أو غل فى كونه عقليّا، كقوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
. فإن التشبيه منتزع من مجموع هذه الجمل من غير أن يمكن
(7/41)

فصل بعضها عن بعض، فإنّك لو حذفت منها جملة واحدة من أىّ موضع كان أخلّ ذلك بالمغزى من التشبيه. قال:
ثم ما به المشابهة إن كان مركّبا فإنّه على قسمين:
الأوّل ما لا يمكن إفراد أحد أجزائه بالذّكر، كقول القاضى التنوخىّ:
كأنّما المرّيخ والمشترى ... قدّامه فى شامخ الرّفعه
منصرف باللّيل من دعوة ... قد أسرجت قدّامه شمعه
فإنّك لو اقتصرت على قوله: كأنّ المرّيخ منصرف من دعوة، أو كأن المشترى شمعة لم يحصل ما قصده الشاعر، فإنّه إنّما قصد الهيئة التى يلبسها المرّيخ من كون المشترى أمامه.
الثانى ما يمكن إفراده بالذّكر ويكون إذا أزيل منه التركيب صحيح التشبيه فى طرفيه إلّا أن المعنى يتغيّر، كقول أبى طالب الرقىّ:
وكأنّ أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
فلو قلت: كأن النجوم درر، وكأن السماء بساط أزرق، وجدت التشبيه مقبولا ولكن المقصود من الهيئة المشبّه بها قد زال. قال: وربّما كان التشبيه فى أمور كثيرة لا يتقيّد بعضها عنها ببعض، وإنّما يكون مضموما بعضها إلى بعض وكلّ واحد منها منفرد بنفسه، كقولك: زيد كالأسد بأسا، والبحر جودا، والسيف مضاء والبدر بهاء؛ وله خاصيتان: إحداهما أنه لا يجب فيه الترتيب، والثانية أنّه إذا سقط البعض لم يتغيّر حكم الباقى.
ومن المتأخرين من ذكر فى التشبيه سبعة أنواع:
الأوّل التشبيه المطلق،
وهو أن يشبّه شيئا بشىء من غير عكس ولا تبديل كقوله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
وقوله تعالى:
(7/42)

وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
وقوله تعالى: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ.
وقول النّبى صلّى الله عليه وسلم: «الناس كأسنان المشط» .
الثّانى التّشبيه المشروط،
وهو أن يشبّه شيئا بشىء لو كان بصفة كذا، ولولا أنّه بصفة كذا، كقوله: اشبّه وجه ملوانا بالعيد المقبل لو كان العيد تبقى ميامنه وتدوم محاسنه، وكقوله: وجه هو كالشمس لولا كسوفها، والقمر لولا خسوفه وكقول البديع:
قد كان يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيّا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا
وكقول الآخر «1» :
عزماته مثل النجوم ثواقبا ... لو لم يكن للثّاقبات أفول.
الثالث تشبيه الكناية،
وهو أن يشبّه شيئا بشىء من غير أداة التشبيه، كقول المتنبّى:
بدت قمرا وماست خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا
وقول الواوا «2» الدّمشقىّ:
فأمطرت لؤلؤا من نرجس فسقت ... وردا وعضّت على العنّاب بالبرد.
الرابع تشبيه التسوية،
وهو أن يأخذ صفة من صفات نفسه، وصفة من الصفات المقصودة، ويشبّههما بشىء واحد، كقوله:
(7/43)

صدغ الحبيب وحالى ... كلاهما كالّليالى
و «1» ثغره فى صفاء ... وأدمعى كاللآلى.
الخامس التشبيه المعكوس،
وهو أن تشبّه شيئين كلّ واحد منهما بالآخر كقول الشاعر:
الخمر تفاح جرى ذائبا ... كذلك التفاح خمر جمّد
فاشرب على جامد ذوبه «2» ... ولا تبع لذّة يوم بغد
وكقول الصّاحب بن عبّاد:
رقّ الزّجاج وراقت الخمر ... فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنّه خمر ولا قدح ... وكأنّه قدح ولا خمر
وكقول بعضهم فى النثر: كم من دم أهرقناه فى البرّ، وشخص أغرقناه فى البحر؛ فأصبح البرّ بحرا من دمائهم، والبحر برّا بأشلائهم.
السادس تشبيه الإضمار،
وهو أن يكون مقصوده التّشبيه بشىء فدلّ ظاهر لفظه أنّ مقصوده غيره، كقول المتنبّى:
ومن كنت جارا له يا علىّ ... لم يقبل الدرّ إلّا كبارا
فيدلّ ظاهره على أنّ مقصوده الدرّ، وإنّما غرضه تشبيه الممدوح بالبحر.
السابع تشبيه التفضيل،
وهو أن يشبّه شيئا بشىء ثمّ يرجع فيرجّح المشبّه على المشبّه به، كقوله:
حسبت جماله بدرا مضيئا ... وأين البدر من ذاك الجمال
(7/44)

وكقول ابن هندو «1» :
من قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف فى الحكم بين شيئين
أنت إذا جدت ضاحك أبدا ... وذاك إن «2» جاد دامع العين.
قال: وقد تقدّم تشبيه شىء بشىء.
فأمّا تشبيه شىء بشيئين فكقول امرئ القيس:
وتعطو «3» برخص غير شثن كأنّه ... أساريع رمل «4» أو مساويك إسحل.
وأمّا تشبيه شىء بثلاثة أشياء فكقول البحترىّ:
كأنّما يبسم عن لؤلؤ ... منضّد أو برد أو أقاح.
وأمّا تشبيه شىء بأربعة أشياء
فكما قال المولى شهاب الدّين أبو الثناء محمود الحلبىّ الكاتب:
يفترّ طرسك عن سطور جادها ال ... فكر السليم بصوب مسك أذفر
فكأنّما هو روضة أو جدول ... أو سمط درّ أو قلادة عنبر.
وأمّا تشبيه شىء بخمسة أشياء فكقول الحريرىّ:
يفترّ عن لؤلؤ رطب وعن برد ... وعن أقاح وعن طلع وعن حبب.
وأمّا تشبيه شيئين بشيئين
فكقول امرئ القيس:
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى
(7/45)

وأمّا تشبيه ثلاثة بثلاثة
فكقول الآخر:
ليل وبدر وغصن ... شعر ووجه وقدّ
خمر ودرّ وورد ... ريق وثغر وخد.
وأمّا تشبيه أربعة بأربعة
فكقول امرئ القيس:
له أيطلا «1» ظبى وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
وكقول أبى نواس:
تبكى فتذرى الدّر من نرجس ... وتلطم الورد بعناب،
وأمّا تشبيه خمسة بخمسة
فكقول أبى الفرج الواوا الدمشقى «2» :
قالت متى البين يا هذا فقلت لها ... إمّا غدا زعموا أولا فبعد غد
فأمطرت لؤلؤا من نرجس فسقت ... وردا وعضّت على العنّاب بالبرد
وشبّه قاضى القضاة نجم الدين بن البارزىّ سبعة أشياء بسبعة أشياء وهى:
يقطّع بالسّكين بطّيخة ضحى ... على طبق فى نجلس لان صاحبخ
كشمس ببرق قدّ بدر أهلة ... لدى هالة فى الأفق شتّى كواكبه.
قال: والغرض من التشبيه قد يكون بيان إمكان وجود الشىء عند ادعاء ما لا يكون إمكانه بيّنا، كقول ابن الرّومىّ:
وكم أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علت برسول الله عدنان
وكقول المتنبى:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
(7/46)

أو بيان مقداره، كما إذا حاولت نفى الفائدة عن فعل إنسان قلت: هذا كالقابض على الماء، لأن لخلوّ الفعل عن الفائدة مراتب مختلفة فى الإفراط والتفريط والوسط، فإذا مثّل بالمحسوس عرفت مرتبته، ولذلك لو أردت الإشارة إلى تنافى الشيئين فأشرت إلى ماء ونار فقلت: هذا وذاك هل يجتمعان؟ كان تأثيره زائدا على قولك: هل يجتمع الماء والنار؟ وكذلك إذا قلت فى وصف طول يوم: كأطول ما يتوهّم، أو لا آخر له، أو أنشدت «1» قوله:
فى ليل «2» صول تناهى العرض والطول ... كأنّما ليله بالليل موصول
لم تجد فيه «3» من الأنس ما تجده فى قوله:
ويوم كظلّ الرمح قصّر طوله ... دم الزقّ عنّا واصطفاق المزاهر
وما ذاك إلّا للتشبيه بالمحسوس، وإلّا فالأوّل أبلغ، لأن طول الرمح متناه وفى الأوّل حكمت أنّ ليله موصول باللّيل، وكذلك لو قلت فى قصر اليوم: كأنّه ساعة، أو كلمح البصر، لوجدته دون قوله:
ظللنا عند دار أبى أنيس ... بيوم مثل سالفة «4» الذّباب
وقوله:
ويوم كإبهام القطاة مزيّن ... إلىّ صباه غالب لى باطله.
قال: وقد يكون غرض التشبيه عائدا على المشبه به، وذلك أن تقصد على عادة التخييل أن توهم فى الشىء القاصر عن نظيره أنه زائد، فتشبّه الزائد به، كقوله:
(7/47)

وبدا «1» الصباح كأنّ غرّته ... وجه الخليفة حين يمتدح
وهذا أبلغ وأحسن وأمدح من تشبيه الوجه بالصباح، لأن تشبيه الوجه بالصباح أصل متّفق عليه لا ينكر ولا يستكثر، وإنما الذى يستكثر تشبيه الصباح بالوجه.
قال: ثم الغرض بالتشبيه إن كان الحاق الناقص بالزائد امتنع «2» عكسه مع بقاء هذا الغرض، وإن كان الجمع بين شيئين فى مطلق الصورة والشكل واللون صحّ العكس كتشبيه الصبح بغرّة الفرس الأدهم لا للمبالغة فى الضياء، بل لوقوع منير فى مظلم وحصول بياض قليل فى [سواد] كثير.
قال: والتشبيه قد يجىء غريبا يحتاج فى إدراكه الى دقّة نظر، كقول ابن المعتزّ:
والشمس كالمرآة فى كفّ الأشل
والجامع الاستدارة والإشراق مع تواصل الحركة التى تراها للشمس إذا أنعمت التأمّل فى اضطراب نور الشمس، ويقرب منه قول الآخر:
كأن شعاع الشمس فى كلّ غدوة ... على ورق الأشجار أوّل طالع
دنانير فى كفّ الأشلّ يضمّها ... لقبض «3» وتهوى [من «4» ] فروج الأصابع
وكقول المتنبىّ:
الشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب
كأنها بودقة «5» أليت ... يجول فيها ذهب ذائب
(7/48)

ومن لطيف ما جاء فى هذا المعنى من التشبيه قول الأخطل فى مصلوب:
أو قائم من نعاس فيه لوثته «1» ... مواصل لتمطّيه من الكسل
شبّهه بالمتمطّى «2» ، لأنّ المتمطّى يمدّ يديه وظهره ثم يعود إلى حالته الأولى، فزاد فيه أنّه مواصل لذلك، وعلّله بالقيام من النعاس لما فى ذلك من الّلوثة والكسل.
قال: والتشبيه ليس من المجاز، لأنه معنى من المعانى، وله ألفاظ تدلّ عليه وضعا فليس فيه نقل اللفظ عن موضوعه، وإنّما هو توطئة لمن يسلك سبيل الاستعارة والتمثيل، لأنه كالأصل لهما وهما كالفرع له، والذى يقع منه فى حيّز المجاز عند أهل هذا الفنّ هو الذى يجىء على حدّ الاستعارة، كقولك لمن يتردّد فى الأمر [بين «3» ] أن يفعله أو يتركه: «أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى» والأصل فيه أراك فى تردّدك كمن يقدّم رجلا ويؤخر أخرى.
وأما الاستعارة
- فهى ادعاء معنى الحقيقة فى الشىء للمبالغة فى التشبيه مع طرح ذكر المشبّه من البيّن «4» لفظا وتقديرا. وإن شئت قلت: هو جعل الشّىء الشّىء [أو جعل «5» الشىء للشىء] لأجل المبالغة فى التشبيه.
فالأوّل كقولك: لقيت أسدا وأنت تعنى الرجل الشجاع.
والثانى كقول لبيد:
إذ «6» أصبحت بيد الشمال زمامها
أثبت اليد للشمال مبالغة فى تشبيهها بالقادر فى التصرف فيه على ما يأتى بيان ذلك.
(7/49)

وحدّ الرّمانىّ الاستعارة فقال: هى تعليق العبارة على غير ما وضعت له فى أصل الّلغة على سبيل النقل للإبانة.
وقال ابن المعتزّ: هى استعارة الكلمة من شىء قد عرف بها إلى شىء لم يعرف بها. وذكر الخفاجىّ كلام الرّمانىّ وقال: وتفسير هذه الجملة أن قوله عز وجل:
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
استعارة، لأن الاشتعال «1» للنار، ولم يوضع فى أصل اللغة للشيب فلما نقل اليه بان المعنى لما اكتسبه من التشبيه، لأن الشيب لما كان يأخذ فى الرأس شيئا فشيئا حتى يحيله إلى غير لونه الأوّل كان بمنزلة النار التى تسرى فى الخشب حتى تحيله إلى غير [حالته «2» ] المتقدّمة؛ فهذا هو نقل العبارة عن الحقيقة فى الوضع للبيان، ولا بدّ من أن تكون أوضح من الحقيقة لأجل التشبيه العارض فيها لأن الحقيقة لو قامت مقامها لكانت أولى بها «3» ، لأنها الأصل، وليس يخفى على المتأمّل أن قوله عزّ وجلّ: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
أبلغ من كثر شيب الرأس، وهو حقيقة هذا المعنى.
ولا بدّ للاستعارة من حقيقة هى أصلها، وهى مستعار منه، ومستعار، ومستعار له، فالنار مستعار منها، والاشتعال مستعار، والشيب مستعار له. قال: وأمّا قولنا مع طرح ذكر المشبّه، فاعلم أننا اذا طرحناه كقولنا: رأيت أسدا، وأردنا الرجل الشجاع فهو استعارة بالاتفاق، وإن ذكرنا معه الصيغة الدالّة على المشابهة كقولنا:
زيد كالأسد أو مثله أو شبهه فليس باستعارة؛ وإن لم نذكر الصيغة وقلنا: زيد أسد فالمختار أنه ليس باستعارة إذ فى اللفظ ما يدلّ على أنّه ليس بأسد فلم تحصل
(7/50)

المبالغة، فاذا قلت: زيد الأسد فهو أبعد عن الاستعارة، فإنّ الأوّل خرج بالتنكير عن أن يحسن فيه كاف التشبيه، فإنّ قولك: زيد كأسد كلام نازل بخلاف الثانى.
قال ضياء الدين بن الأثير: وهذا التشبيه المضمر الأداة قد خلطه قوم بالاستعارة ولم يفرّقوا بينهما، وذلك خطأ محض.
قال: وسأوضح وجه الخطإ فيه وأحقق القول فى الفرق بينهما فأقول: أمّا التشبيه المظهر الأداة فلا حاجة بنا إلى ذكره لأنّه لا خلاف فيه، ولكن نذكر التشبيه المضمر الأداة فنقول: إذا ذكر المنقول والمنقول اليه على أنّه تشبيه مضمر الأداة قيل فيه: زيد أسد، أى كالأسد، فأداة التشبيه فيه مضمرة مقدرة، وإذا أظهرت حسن ظهورها، ولم تقدح فى الكلام الذى أظهرت فيه، ولم تزل عنه فصاحته؛ وهذا بخلاف ما إذا ذكر المنقول إليه «1» دون المنقول فإنه لا يحسن فيه ظهور أداة التشبيه، وإذا ظهرت زال عن ذلك الكلام ما كان متّصفا به من الحسن والفصاحة.
قال: ولنضرب لذلك مثالا يوضحه فنقول: قد ورد هذا البيت لبعض الشعراء وهو:
فرعاء «2» إن نهضت لحاجتها ... عجل القضيب وأبطأ الدعص
وهذا لا يحسن تقدير أداة التشبيه فيه، فلا يقال: عجل [قدّ «3» ] كالقضيب وأبطأ [ردف] كالدّعص؛ فالفرق إذن بين التشبيه المضمر أداة التشبيه فيه وبين
(7/51)

الاستعارة أن التشبيه المضمر الأداة يحسن إظهار أداة التشبيه فيه، والاستعارة لا يحسن ذلك فيها. والاستعارة أخصّ من المجاز إذ قصد المبالغة شرط فى الاستعارة دون المجاز، وأيضا فكلّ استعارة من البديع وليس كلّ مجاز منه. والحقّ أن المعنى يعار أوّلا ثم بواسطته يعار اللّفظ؛ ولا تحسن الاستعارة إلا حيث كان التشبيه مقرّرا بينهما ظاهرا، وإلا فلا بدّ من التصريح بالتشبيه، فلو قلت: رأيت نخلة أو خامة وأنت تريد مؤمنا إشارة إلى قول النّبى صلّى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن كمثل النخلة «1» » أو «كمثل «2» الخامة» لكنت كالملغز التارك لما «3» يفهم. وكلّما زاد التشبيه خفاء زادت الاستعارة حسنا بحيث تكون ألطف من التصريح بالتشبيه، فإنّك لو رمت أن تظهر التشبيه فى قول ابن المعتزّ:
أثمرت أغصان راحته ... لجناة الحسن عنّابا
احتجت أن تقول: أثمرت أصابع راحته التى هى كالأغصان لطالب الحسن.
شبه العنّاب من أطرافها المخضوبة، وهذا ممّا لا خفاء بغثاثته.
وربّما جمع بين عدّة استعارات إلحاقا للشكل بالشكل لإتمام التشبيه فتريد الاستعارة به حسنا، كقول امرئ القيس فى صفة اللّيل:
فقلت له لمّا تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
فصل فيما تدخله الاستعارة وما لا تدخله
قال: الأعلام لا تدخلها الاستعارة لما تقدّم فى المجاز. وأما الفعل فالاستعارة تقع أوّلا فى المصدر، ثم تقع بواسطة ذلك فى الفعل، فإذا قلت: نطقت الحال بكذا
(7/52)

فهذا إنّما يصحّ لأنّك وجدت الحال مشابهة للنطق فى الدلالة على الشىء، فلا جرم [أنك «1» ] استعرت النطق لتلك الحالة ثم نقلته إلى الفعل. والأسماء المشتقّة فى ذلك كالفعل؛ فظهر أنّ الاستعارة إنّما تقع وقوعا أوّليّا فى أسماء الأجناس. ثم الفعل إذا كان مستعارا فاستعارته إمّا من جهة فاعله، كقوله: نطقت الحال بكذا ولعبت بى الهموم، وقول جرير:
تحيى الروامس «2» ربعها فتجدّه ... بعد البلى وتميته الأمطار
وقول أبى حيّة:
وليلة مرضت من كل ناحية ... فما تضىء لها شمس ولا قمر
أو من جهة مفعوله، كقول ابن المعتز:
جمع الحقّ لنا فى إمام ... قتل الجوع «3» وأحيى السماحا
أو من جهة مفعوليه، كقول الحريرى:
وأقرى المسامع إمّا نطقت ... بيانا يقود الحرون الشموسا
أو من جهة أحد مفعوليه، كقول الشاعر «4» :
نقريهم لهذميّات نقدّ بها ... ما كان خاط عليهم كلّ زرّاد
أو من جهة الفاعل والمفعول، كقوله تعالى: يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ.
(7/53)

قال: ويتصل بهذا ترشيح الاستعارة وتجريدها، أما ترشيحها فهو أن ينظر فيها إلى المستعار، ويراعى جانبه، ويوليه ما يستدعيه، ويضمّ إليه ما يقتضيه، كقول كثير:
رمتنى بسهم ريشه الهدب لم يصب ... بظاهر «1» جسمى وهو فى القلب جارح
وكقول النابغة:
وصدر أراح الليل عازب همّه ... تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب
فالمستعار فى كل واحد منهما وهو الرمى والإراحة منظور اليهما فى لفظ السهم والعازب، وكما أنشد صاحب الكشّاف «2» :
ينازعنى ردائى عند عمرو ... رويدك يا أخا عمرو بن بكر
لى الشطر الذى ملكت يمينى ... ودونك فاعتجر منه بشطر
أراد بردائه سيفه، ثم نظر إلى المستعار فى لفظ الاعتجار. وأما تجريدها فهو أن يكون المستعار له منظورا إليه، كقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
فإن الإذاقة لمّا وقعت عبارة عما يدرك من أثر الضرر «3» والألم تشبيها له بما يدرك من الطعم المرّ البشع، واللباس عبارة عما يغشى منهما ويلابس فكأنه قال: فأذاقها الله ما غشيها من ألم الجوع والخوف، وكقول زهير:
لدى أسد شاكى «4» السلاح مقذّف ... له لبد أظفاره لم تقلّم
فلو نظر الى المستعار لقال: أسد دامى المخالب أو دامى البراثن، ونظر زهير فى آخر البيت الى المستعار أيضا، ومنه قول كثّير:
غمر الرداء اذا تبسّم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال
(7/54)

استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه ووصفه «1» بالغمر الذى هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء.
قال: ويقرب من ذلك الاستعارة بالكناية، وهى أن لا يصرّح بذكر المستعار بل بذكر بعض لوازمه تنبيها به عليه، كقولهم: شجاع يفترس أقرانه، وعالم يغترف منه الناس.
وكقول أبى ذؤيب:
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
تنبيها على أنّ الشجاع أسد، والمنيّة سبع، والعالم «2» بحر، وهذا وإن كان يشبه الاستعارة المجرّدة إلّا أنّه أغرب وأعجب، ويقرب منه قول زهير:
ومن يعص أطراف الزجاج «3» فإنه ... يطيع العوالى ركّبت كلّ لهذم
أراد أن يقول: من لم يرض بأحكام الصلح رضى بأحكام الحرب، وذلك أنهم كانوا اذا طلبوا الصلح قلبوا زجاج الرماح وجعلوها قدّامها مكان الأسنّة، واذا أرادوا الحرب أشرعوا الأسنّة؛ وقد يسمّى هذا النوع المماثلة أيضا.
قال: وقد ينزلون الاستعارة منزلة الحقيقة، وذلك أنهم يستعيرون الوصف المحسوس للشىء المعقول ويجعلون كأنّ تلك الصفة ثابتة لذلك الشىء فى الحقيقة، وأنّ الاستعارة لم توجد أصلا، مثاله استعارتهم العلوّ لزيادة الرجل على غيره فى الفضل والقدر والسلطان ثم وضعهم الكلام وضع من يذكر علوّا مكانيّا «4» ، كقول أبى تمّام:
(7/55)

ويصعد حتى يظنّ الحسود ... بأنّ له حاجة فى السماء
وكقوله أيضا:
مكارم لجت فى علوّ كأنّما ... تحاول ثأرا «1» عند بعض الكواكب
ولذلك يستعيرون اسم شىء لشىء من نحو شمس أو بدر أو أسد ويبلغون الى حيث يعتقد أنه ليس هناك استعارة، كقول ابن العميد:
قامت تظلّلنى من الشمس ... نفس أعزّ علىّ من نفسى
قامت تظلّلنى ومن عجب ... شمس تظللنى من الشمس
وكقول آخر:
أيا شمعا يضىء بلا انطفاء ... ويا بدرا يلوح بلا محاق
فأنت البدر ما معنى انتقاصى؟ ... وأنت الشمع ما معنى احتراقى «2» ؟
[ «3» فلولا أنه أنسى نفسه أن هاهنا استعارة لما كان لهذا التعجب معنى، ومدار هذا النوع على التعجب] وقد يجئ على عكسه، كقول الشاعر «4» :
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زرّ أزراره على القمر.
فصل فى أقسام الاستعارة
قال: وهى على نوعين:
الأوّل أن تعتمد نفس التشبيه،
وهو أن يشترك شيئان فى وصف وأحدهما أنقص من الآخر، فتعطى الناقص اسم الزائد مبالغة فى تحقّق ذلك الوصف له
(7/56)

كقولك: رأيت أسدا وأنت تعنى رجلا شجاعا، وعنّت لنا ظبية وأنت تريد امرأة.
والثانى أن تعتمد لوازمه عند ما تكون جهة الاشتراك وصفا،
وإنما ثبت كماله فى المستعار منه بواسطة شىء آخر فتثبت ذلك الشىء للمستعار له مبالغة فى إثبات المشترك، كقول لبيد:
وغداة ريح قد كشفت وقرّة «1» ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها
وليس هناك مشار اليه يمكن أن يجرى اسم اليد عليه كما جرى الأسد على الرجل لكنّه خيّل الى نفسه أن الشمال فى تصريف الغداة على حكم طبيعة الإنسان المتصرّف فيما زمامه ومقادته بيده، لأن تصرف الإنسان إنما يكون باليد فى أكثر الأمور فاليد كالآلة التى تكمل بها القوّة على التصرف، ولما كان الغرض إثبات التصرف- وذلك مما لا يكمل إلا عند ثبوت اليد- أثبت اليد «2» للشمال تحقيقا للغرض، وحكم الزمام فى استعارته للغداة حكم اليد فى استعارتها للشمال، وكذلك قول تأبّط شرّا:
اذا هزّه فى عظم قرن تهلّلت ... نواجذ «3» أفواه المنايا الضواحك
لمّا شبّه المنايا عند هزّة السيف بالمسرور- وكمال الفرح والسرور إنما يظهر بالضحك الذى تتهلّل فيه النواجذ- أثبته تحقيقا للوصف المقصود، وإلّا فليس للمنايا ما ينقل اليه اسم النواجذ، وهكذا الكلام فى قول الحماسىّ:
سقاه الردى سيف إذا سلّ أو مضت ... إليه ثنايا الموت من كلّ مرقب
(7/57)

ومن هذا الباب قولهم: فلان مرخى العنان، وملقى الزمام.
قال: ويسمّى هذا النوع استعارة تخييليّة، وهو كإثبات الجناح للذلّ فى قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ.
قال: اذا عرف هذا فالنوع الأوّل على أربعة أقسام:
الأوّل- أن يستعار المحسوس للمحسوس،
وذلك إما بأن يشتركا فى الذات ويختلفا فى الصفات، كاستعارة الطيران لغير ذى جناح فى السرعة، فإن الطيران والعدو يشتركان فى [الحقيقة «1» وهى] الحركة الكائنة»
إلّا أن الطيران أسرع. أو بأن يختلفا فى الذات ويشتركا فى صفة إما محسوسة كقولهم: رأيت شمسا ويريدون إنسانا يتهلّل وجهه، وكقوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
فالمستعار منه النار، والمستعار له الشيب، والجامع الانبساط، ولكنّه فى النار أقوى؛ وإمّا غير محسوسة كقوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ
المستعار له الريح، والمستعار منه المرء والجامع المنع من ظهور النتيجة.
الثانى- أن يستعار شىء معقول لشىء معقول
لاشتراكهما فى وصف عدمىّ أو ثبوتىّ وأحدهما أكمل فى ذلك الوصف، فيتنزّل الناقص منزلة الكامل كاستعارة اسم العدم للوجود إذا اشتركا فى عدم الفائدة، أو استعارة اسم الوجود للعدم اذا بقيت آثاره المطلوبة منه، كتشبيه الجهل بالموت لاشتراك الموصوف «3» بهما فى عدم الإدراك والعقل، وكقولهم: فلان لقى الموت اذا لقى الشدائد، لاشتراكهما فى المكروهيّة، وقوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ
والسكوت والزوال أمران معقولان.
(7/58)

الثالث- أن يستعار المحسوس للمعقول كاستعارة النور الذى هو محسوس للحجّة، واستعارة القسطاس للعدل، وكقوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ
فالقذف والدمغ مستعاران، وقوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
استعارة لبيانه عما أوحى اليه كظهور ما فى الزجاجة عند انصداعها، وكلّ خوض فى القرآن العزيز فهو مستعار من الخوض فى الماء، وقوله تعالى: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
جعل لهما طاعة وقولا.
الرابع- أن يستعار اسم المعقول للمحسوس
على ما تقدّم ذكره فى التشبيه كقوله تعالى: إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ
فالشهيق والغيظ مستعاران، وقوله تعالى: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها
والأقوال فى الاستعارة كثيرة، وقد أوردنا فيها ما يستدلّ به عليها.
وأما الكناية
قال: اللفظة إذا أطلقت وكان الغرض الأصلىّ غير معناها فلا يخلو: إما أن يكون معناها مقصودا أيضا ليكون دالّا على ذلك الغرض الأصلىّ وإما أن لا يكون كذلك.
فالأوّل هو الكناية، ويقال له: الإرداف أيضا.
والثانى المجاز.
فالكناية عند علماء البيان أن يريد المتكلّم إثبات معنى من المعانى لا يذكره باللفظ الموضوع له فى اللغة، ولكن يجىء الى معنى هو تاليه «1» وردفه فى الوجود فيومى به اليه، ويجعله دليلا عليه، مثال ذلك قولهم: طويل النجاد وكثير رماد القدر، يعنون به أنه طويل القامة، كثير القرى، ومن ذلك قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
كنى بنفى قبول التوبة عن الموت على الكفر.
(7/59)

وقول الشاعر «1» :
بعيدة مهوى الفرط إما لنوفل ... أبوها وإمّا عبد شمس وهاشم
أراد يذكر طول جيدها [فأتى بتابعه «2» وهو بعد مهوى القرط] ، وكقول ليلى الأخيليّة:
ومخرّق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما
كنت عن جوده بخرق القميص من جذب العفاة له عند ازدحامهم لأخذ العطاء، وأمثال ذلك. قال:
والكناية تكون فى المثبت كما ذكرنا، وقد تكون فى الإثبات وهى ما إذا حاولوا إثبات معنى من المعانى لشىء فيتركون التصريح بإثباته له، ويثبتونه لما له به تعلّق، كقولهم: المجد بين ثوبيه، والكرم بين برديه، وقول الشاعر «3» :
إن المروءة والسماحة والندى ... فى قبّة ضربت على ابن الحشرج.
قال: واعلم أن الكناية ليست من المجاز لأنك تعتبر فى ألفاظ الكناية معانيها «4» الأصلية، وتفيد بمعناها معنى ثانيا هو المقصود، فتريد بقولك: كثير الرماد حقيقته «5» وتجعل ذلك دليلا على كونه جوادا، فالكناية ذكر الرديف وإرادة المردوف.
وأما التعريض-
فهو تضمين الكلام دلالة ليس لها ذكر، كقولك: ما أقبح البخل! لمن تعرّض ببخله، وكقول محمد بن عبد الله بن الحسن: لم يعرق فى أمّهات الأولاد، يعرّض بالمنصور بأنه ابن أمة، وأمثال ذلك.
وأما التمثيل
- فإنما يكون من باب المجاز اذا جاء على حدّ الاستعارة، مثاله قولك للمتحيّر «6» : فلان يقدّم رجلا ويؤخر أخرى، فلو قلت: إنه فى تحيّره كمن يقدّم
(7/60)

رجلا ويؤخر أخرى لم يكن من باب المجاز، وكذلك قولك لمن أخذ فى عمل لا يتحصّل منه مقصود: أراك تنفخ فى غير ضرم، وتخطّ على الماء.
قال: وأجمعوا على أن للكناية مزيّة على التصريح لأنك اذا أثبت كثرة القرى بإثبات شاهدها ودليلها فهو كالدعوى التى [معها «1» ] شاهد ودليل، وذلك أبلغ من إثباتها بنفسها.
وأما الخبر وأحكامه
- فقد قال: الخبر هو القول المقتضى تصريحه نسبة معلوم الى معلوم بالنفى أو الإثبات. وتسمية أحد جزئيه بالخبر مجازيّة. ثم المقصود من الخبر إن كان هو الإثبات المطلق فيكون بالاسم، كقوله تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ
وإن لم يتمّ ذلك إلا بإشعار زمانه فيكون بالفعل، كقوله تعالى:
هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
فإن المقصود لا يتمّ بكونه معطيا للرزق [بل بكونه معطيا للرزق «2» ] فى كل حين وأوان، والإخبار بالفعل أخصّ من الإخبار بالاسم، واذا أنعمت النظر وجدت الاسم موضوعا على أن تثبت به المعنى للشىء من غير إشعار بتجدّده شيئا فشيئا، بل جعل الانطلاق أو البسط مثلا صفة ثابتة ثبوت «3» الطول أو القصر فى قولك: زيد طويل أو قصير، بخلاف ما إذا أخبرت بالفعل فإنه يشعر بالتجدّد وأنه يقع جزءا فجزءا، وإذا أردت شاهدا على ذلك فتأمّل هذا البيت:
لا يألف «4» الدرهم المضروب صرّتنا ... إلا «5» يمرّ عليها وهو منطلق
(7/61)

فجاء بالاسم، ولو أتى بالفعل لم يحسن هذا الحسن. والفعل المتعدى الى جميع مفعولاته خبر واحد، حتى اذا قلت: ضرب زيد عمرا يوم الجمعة خلف المسجد ضربا شديدا تأديبا له كان الخبر «1» شيئا واحدا وهو إسناد الضرب المقيّد بهذه القيود الى زيد، فظهر من ذلك [أن «2» ] قولك: جاءنى رجل مغاير لما دلّ عليه قولك: جاءنى رجل ظريف، وإنك لست فى ذلك [إلا «3» ] كمن يضمّ معنى الى معنى. وحكم المبتدإ «4» والخبر أيضا كذلك، فقول بشّار:
كأن مثار النّقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
خبر واحد. وإذا قلت: الرجل خير من المرأة فاللام فيه قد تكون للعموم أو للخصوص بأن ترجع الى معهود، أو لتعريف الحقيقة مع قطع النظر عن عمومها وخصوصها. واذا قلت: زيد المنطلق، أو زيد هو المنطلق أفاد انحصار المخبر به فى المخبر عنه، فان أمكن الحصر ترك على حقيقته، وإلّا فعلى المبالغة. واذا قلت:
المنطلق زيد فهو إخبار عما عرف بما لم يعرف، فكأن المخاطب عرف أن انسانا انطلق ولم يعرف صاحبه، فقلت: الذى تعتقد انه منطلق زيد.
وأما الذى «5» - فهو للإشارة الى مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة كقولك: ذهب الرجل الذى أبوه منطلق، وهو تحقيق قولهم: إنه يستعمل لوصف المعارف بالجمل. والتصديق والتكذيب يتوجهان الى خبر المبتدا لا إلى صفته، فاذا
(7/62)

كذّبت القائل فى قوله: زيد بن عمرو كريم، فالتكذيب لم يتوجه الى كونه ابن عمرو بل الى كونه كريما.
وأما التقديم والتأخير
- قال: اذا قدّم الشىء على غيره فإما أن يكون فى نيّة التأخير، كما اذا قدّم الخبر على المبتدإ؛ وإما أن يكون فى نية التأخير ولكن انتقل الشىء من حكم الى آخر، كما اذا جئت الى اسمين جاز أن يكون كلّ واحد منهما مبتدأ فجعلت أحدهما مبتدأ، كقولك: زيد المنطلق، والمنطلق زيد. قال الجرجانىّ: قال صاحب الكتاب: كأنهم يقدّمون الذى بيانه أهمّ لهم وهم بشأنه أعنى، وإن كانا جميعا يهمّانهم ويعنيانهم، مثاله: أن الناس اذا تعلق غرضهم بقتل خارجىّ مفسد ولا يبالون من صدر القتل منه، وأراد مريد الإخبار بذلك فإنه يقدّم ذكر الخارجىّ [فيقول «1» ] قتل الخارجىّ زيد، ولا يقول: قتل زيد الخارجىّ لأنه يعلم أن قتل الخارجىّ هو الذى يعنيهم، وإن كان قد وقع قتل من رجل يبعد فى اعتقاد الناس وقوع القتل من مثله قدّم المخبر ذكر الفاعل فيقول: قتل زيد رجلا لاعتقاد الناس فى المذكور خلاف ذلك. انتهى كلام الجرجانىّ.
قال: ولنذكر ثلاثة مواضع يعرف بها ما «2» لم يذكر:
الأوّل الاستفهام
- فإذا أدخلته على الفعل وقلت: أضربت زيدا؟
كان الشكّ فى وجود الفعل، وإذا أدخلته على الاسم وقلت: أأنت ضربت زيدا؟
كان الفعل محقّقا والشكّ فى تعيين الفاعل. وهكذا حكم النكرة، فإذا قلت: أجاءك رجل؟ كان المقصود: هل وجد المجىء من رجل؟ فإذا قلت: أرجل جاءك؟ كان ذلك سؤالا عن جنس من جاء بعد الحكم بوجود المجىء من إنسان؛ وقس عليه
(7/63)

الخبر فى قولك: ضربت زيدا، وزيدا ضربت، وجاءنى رجل، ورجل جاءنى؛ ثم الاستفهام قد يجىء للانكار، فإن كان [فى «1» ] الكلام فعل ماض وأدخلت الاستفهام عليه كان لانكاره، كقوله تعالى: أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ
وإن أدخلته على الاسم فإن لم يكن الفعل مترددا بينه وبين غيره كان لانكار أنه الفاعل، ويلزم منه نفى ذلك الفعل، كقوله تعالى: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ
أى لو كان إذن لكان من الله، فلمّا لم يوجد منه دلّ على أن لا إذن، كما تقول: متى كان هذا، فى ليل أم «2» نهار؟ أى لو كان لكان فى ليل أو نهار، فلما لم يوجد فى واحد منهما لم يوجد أصلا، وعليه قوله تعالى: آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ*
. وإن كان مردّدا بينه وبين غيره كان إما للتقرير والتوبيخ، وعليه قوله تعالى حكاية عن قول نمرود: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ
. وإمّا لانكار أنه الفاعل مع تحقيق الفعل، كقولك لمن انتحل شعرا: أأنت قلت هذا؟.
وان كان الفعل مضارعا، فإن أدخلت حرف الاستفهام عليه كان إمّا لانكار وجوده، كقوله تعالى: أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ
. أو لانكار أنه يقدر على الفعل، كقول امرئ القيس:
أيقتلنى والمشرفىّ مضاجعى ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال.
أو لإزالة طمع من طمع فى أمر لا يكون، فيجهّله فى طمعه، كقولك:
أيرضى عنك فلان وأنت على ما يكره؟. أو لتعنيف من يضيّع الحق، كقول الشاعر:
أتترك «3» إن قلّت دراهم خالد ... زيارته إنى إذن للئيم
(7/64)

أو لتنديم الفاعل، كما تقول لمن يركب الخطر: أتخرج فى هذا الوقت؟.
وإن أدخلته على الاسم فهو لإنكار صدور الفعل من ذلك الفاعل إما للاستحقار كقولك: أأنت تمنعنى؟. أو للتعظيم كقولك: أهو يسأل الناس؟. أو للمبالغة إما فى كرمه، كقولك: أهو يمنع سائله؟؛ وإما فى خساسته، كقولك: أهو يسمح بمثل هذا؟. وقد يكون لبيان استحالة فعل ظنّ ممكنا، كقوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ
وكذلك إذا أدخلته على المفعول، كقوله تعالى: أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا
وأَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ
وأَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ.
الثانى فى التقديم والتأخير فى النفى
- إذا أدخلت النفى على الفعل فقلت:
ما ضربت زيدا فقد نفيت عن نفسك ضربا واقعا بزيد، وهذا لا يقتضى كون زيد مضروبا.
وإذا أدخلته على الاسم فقلت: ما أنا ضربت زيدا اقتضى من باب دليل الخطاب كون زيد مضروبا، وعليه قول المتنبى:
وما أنا وحدى قلت ذا الشعر كلّه ... ولكن لشعرى فيك من نفسه شعر
ولهذا يصح أن تقول: ما ضربت إلا زيدا، وما ضربت زيدا ولا ضربه أحد من الناس، ولا يصح أن تقول: ما أنا ضربت إلا زيدا، وما أنا ضربت زيدا ولا ضربه أحد من الناس.
أما الأوّل فلأنّ نقض النفى بإلّا يقتضى أن تكون ضربته، [وتقديمك «1» ضميرك وإيلاءه حرف النفى يقتضى ألا «2» تكون ضربته] فيتدافعان.]
(7/65)

وأما الثانى فلأن أوّل الكلام يقتضى أن يكون زيد مضروبا، وآخره يقتضى ألا يكون مضروبا فيتناقضان. إذا عرف هذا فى جانب الفاعل فإنه مثله فى جانب المفعول، فإذا قلت: ما ضربت زيدا لم يقتض أن تكون ضاربا لغيره، وإذا قلت:
ما زيدا ضربت اقتضى ذلك، ولهذا صحّ ما ضربت زيدا ولا أحدا من الناس ولا يصح [ما «1» ] زيدا ضربت ولا أحدا من الناس.
وحكم الجار والمجرور حكم المفعول، فإذا قلت: ما أمرتك بهذا لم يقتض أن تكون قد أمرته بشىء غير هذا، وإذا قلت: ما بهذا أمرتك اقتضاه.
وإذا قدّمت صيغة العموم على السلب وقلت: كلّ ذا لم أفعله، برفع كلّ كان نفيا عامّا، ويناقضه الإثبات الخاصّ، فلو فعلت بعضه كنت كاذبا.
وإن قدّمت السلب وقلت: لم أفعل كلّ ذا كان نفيا للعموم ولا ينافى الإثبات الخاصّ، فلو فعلت بعضه لم تكن كاذبا، ومن هذا ظهر الفرق بين رفع كلّ ونصبه فى قول أبى النجم:
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى ... علىّ ذنبا كلّه لم أصنع
فإن رفعته كان النفى عامّا، واستقام غرض الشاعر فى تبرئة نفسه من جملة الذنوب، وإن نصبته كان النفى نفيا للعموم، وهو لا ينافى إتيان بعض الذنب فلا يتم غرضه.
الثالث فى التقديم والتأخير فى الخبر المثبت
- ما تقدّم فى الاستفهام والنفى قائم هنا، فإذا قدّمت الاسم وقلت: زيد فعل وأنا فعلت فالقصد الى الفاعل، إما لتخصيص ذلك الفعل به، كقولك: أنا شفعت فى شأنه مدّعيا الانفراد بذلك
(7/66)

أو لتأكيد إثبات الفعل له لا للحصر، كقولك: هو يعطى الجزيل، لتمكّن فى نفس السامع أن ذلك دأبه دون نفيه عن غيره، ومنه قوله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ
فإنه ليس المراد تخصيص المخلوقية بهم، وقوله تعالى: وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ
وكقول درنى بنت عبعبة «1» :
هما يلبسان المجد أحسن لبسة ... شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما
وقول الآخر:
همو يفرشون اللّبد كلّ طمرّة «2» ... وأجرد سبّاح يبذ «3» المغالبا
قال: والسبب فى هذا التأكيد أنك إذا قلت مثلا: زيد، فقد أشعرت بأنك تريد الحديث عنه فيحصل للسامعه تشوّق إلى معرفته، فإذا ذكرته قبلته النفس [قبول العاشق معشوقه «4» ] فيكون ذلك أبلغ فى التحقيق ونفى الشكّ والشبهة، ولهذا تقول لمن تعده: أنا أعطيك أنا أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر، وذلك إذا كان من شأن من يسبق له وعد أن يعترضه الشك فى وفائه، ولذلك يقال فى المدح:
أنت تعطى الجزيل، أنت تجود حين لا يجود أحد، ومن هاهنا تعرف الفخامة فى الجمل التى فيها ضمير الشأن والقصّة كقوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
وقوله تعالى: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ*
وأن فيها ما ليس فى قولك: فإن الأبصار لا تعمى، وإن الكافرين لا يفلحون؛ وهكذا
(7/67)

فى الخبر المنفىّ، فإذا قلت: أنت لا تحسن هذا، كان أبلغ من قولك لا تحسن هذا، فالأوّل لمن هو أشدّ إعجابا بنفسه وأكثر دعوى بأنه يحسن.
قال: واعلم أنه قد يكون تقديم الاسم كاللازم نحو قوله:
يا عاذلى دعنى من عذلكا ... مثلى لا يقبل من مثلكا
وقول المتنبى:
مثلك يثنى الحزن عن صوبه ... ويستردّ الدمع عن غربه
وقول الناس «1» : مثلك يرعى الحق والحرمة، وما أشبه ذلك مما لا يقصد فيه إلى إنسان سوى الذى أضيف اليه وجىء به للمبالغة، وقد عبّر المتنبى عن هذا المعنى فقال:
ولم أقل مثلك أعنى به ... سواك يا فردا بلا مشبه.
وكذلك حكم «غير» اذا سلك فيه هذا المسلك، كقول المتنبى:
غيرى بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا أو حدّثوا شجعوا
أى لست ممن ينخدع ويغترّ، ولو لم يقدّم «2» مثلا وغيرا فى هذه الصور لم يؤدّ هذا المعنى.
قال: ويقرب من هذا المعنى تقديم بعض المفعولات على بعض فى نحو قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَ
فإن تقديم شركاء على الجن أفاد أنه ما ينبغى لله شركاء لا من الجنّ ولا من غيرهم، لأن شركاء مفعول ثان لجعلوا، ولله متعلّق به والجنّ مفعوله الأوّل، فقد جعل الإنكار على جعل الشريك لله على الإطلاق من غير اختصاص بشىء دون شىء، لأن الصفة إذا ذكرت مجرّدة عن مجراها على شىء كان
(7/68)

الذى تعلق بها من المنفىّ «1» عاما فى كل ما يجوز أن تكون له تلك الصفة، فإذا قلت:
ما فى الدار كريم، كنت نفيت الكينونة فى الدار عن كل شىء يكون الكرم صفة له، وحكم الإنكار «2» أبدا حكم النفى، فأما إذا أخرت شركاء فقلت: وجعلوا الجنّ شركاء [لله «3» فيكون جعل الشركاء مخصوصا غير مطلق فيحتمل أن يكون المقصود بالإنكار جعل الجنّ شركاء] لا جعل غيرهم، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، فقدّم شركاء نفيا لهذا الاحتمال.
فصل فى مواضع التقديم والتأخير
قال: أما التقديم فيحسن فى مواضع:
الأول أن تكون الحاجة إلى ذكره أشدّ،
كقولك: قطع اللّصّ الأمير.
الثانى: أن يكون ذلك أليق بما قبله من الكلام أو بما بعده،
كقوله تعالى:
وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ
فإنه أشكل بما بعده وهو قوله: فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ*
وبما قبله وهو: مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ*.
الثالث: أن يكون من الحروف التى لها صدر الكلام،
كحروف الاستفهام والنفى، فإنّ الاستفهام طلب فهم الشىء، وهو حالة إضافية فلا تستقلّ بالمفهومية فيشتدّ اتصاله بما بعده.
الرابع: تقديم الكلىّ على جزئياته،
فإن الشىء كلما كان أكثر عموما كان أعرف فإن الوجود لما كان «4» أعمّ الأمور كان أعرفها عند العقل.
الخامس: تقديم الدليل على المدلول.
(7/69)

وأما التأخير فيحسن «1» فى مواضع:
الأوّل: تمام الاسم
كالصلة والمضاف اليه.
الثانى:
توابع الأسماء.
الثالث:
الفاعل.
الرابع: المضمر،
وهو أن يكون متأخرا لفظا وتقديرا، كقولك: ضرب زيد غلامه أو مؤخرا فى اللفظ مقدّما فى المعنى كقوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ
أو بالعكس كقولك: ضرب غلامه زيد؛ وإن تقدّم لفظا ومعنى لم يجز كقولك: ضرب غلامه زيدا.
الخامس: ما يفضى إلى اللّبس،
كقولك: ضرب موسى عيسى، أو أكرم هذا هذا، فيجيب فيه تقديم الفاعل.
السادس: العامل الذى هو ضعيف عمله،
كالصفة المشبّهة والتمييز وما عمل فيه حرف أو معنى، كقولك: هو حسن وجها، وكريم أبا، وتصبب عرقا، وخمسة وعشرون درهما، وإن زيدا قائم، وفى الدار سعد جالسا. ولا يجوز الفصل بين العامل والمعمول بما ليس منه، فلا تقول: كانت زيدا الحمّى تأخذ إذا رفعت اخمّى بكانت «2» للفصل بين العامل وما عمل فيه، فإن أضمرت الحمّى فى كانت صحت المسألة.
وأما الفصل والوصل
- فهو العلم بمواضع العطف والاستئناف، والتهدّى إلى كيفيّة إيقاع حروف العطف فى مواقعها، وهو من أعظم أركان البلاغة، حتى إن
(7/70)

بعضهم حدّ البلاغة بأنها معرفة الفصل والوصل. وقال عبد القاهر: إنه لا يكمل لإحراز الفضيلة فيه أحد إلا كمل لسائر معانى البلاغة.
قال: اعلم أن فائدة [العطف «1» ] التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه، ثم من الحروف العاطفة ما لا يفيد إلا هذا القدر وهو الواو، ومنها ما يفيد «2» فائدة زائدة كالفاء وثمّ وأو، وغرضنا هاهنا متعلق بما لا يفيد إلا الاشتراك فنقول: العطف إما أن يكون فى المفردات، وهو يقتضى التشريك فى الإعراب، وإما أن يكون فى الجمل، وتلك الجملة إن كانت فى قوّة المفرد كقولك: مررت برجل خلقه حسن وخلقه قبيح، فقد أشركت بينهما فى الإعراب [والمعنى «3» ] لاشتراكهما فى كون كل واحد منهما تقييدا للموصوف، ولا يتصور أن يكون اشتراك بين شيئين حتى يكون هناك معنى يقع ذلك الاشتراك فيه، وحتى يكونا كالنظيرين والشريكين، وبحيث إذا عرف السامع حاله الأوّل عساه يعرف حاله الثانى، يدلك على ذلك أنك اذا عطفت على الأول شيئا ليس منه بسبب ولا هو مما يذكر بذكره لم يستقم، فلو قلت:
خرجت اليوم من دارى، وأحسن الذى [يقول «4» ] بيت كذا قلت ما يضحك منه، ومن هاهنا عابوا على أبى تمّام قوله:
لا والذى هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم.
وإن لم تكن فى قوّة المفرد فهى على قسمين:
الأوّل أن يكون معنى إحدى الجملتين لذاته متعلقا بمعنى الأخرى «5» كما إذا كانت كالتوكيد لها أو كالصفة، فلا يجوز إدخال العاطف عليه، لأنّ التوكيد والصفة
(7/71)

متعلقان بالمؤكّد والموصوف لذاتهما، والتعلق الذاتىّ يغنى عن لفظ يدل على التعلق، فمثال التوكيد قوله تعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
فلا ريب فيه توكيد لقوله تعالى:
ذلِكَ الْكِتابُ
كأنه قال: هو ذلك الكتاب، وكذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
وقوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
تأكيد ثان أبلغ من الأوّل، وكذلك قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ
ولم يقل: ويخادعون، لأن المخادعة ليست شيئا غير قولهم: آمنّا مع أنهم غير مؤمنين، وكذلك قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
ولم يقل تعالى: وكأن، وأمثال [ذلك] فى القرآن العزيز كثيرة.
القسم الثانى ألا يكون بين الجملتين تعلق ذاتىّ، فإن لم يكن بينهما مناسبة فيجب ترك العاطف أيضا، لأن العطف للتشريك ولا تشريك، ومن هاهنا أيضا عابوا على أبى تمّام البيت المتقدّم، لا والذى هو عالم ... ، إذ لا مناسبة بين مرارة النوى وبين كرم أبى الحسين، ولذلك لم يحسن جواز العاطف.
وإن كان بينهما مناسبة فيجب ذكر العاطف.
ثم إن كان المحدّث عنه فى الجملتين شيئين فالمناسبة بينهما إما أن تكون بالذى أخبر بهما، أو بالذى أخبر عنهما، أو بهما كليهما؛ وهذا الأخير هو المعتبر فى العطف.
قال: ونعنى بالمناسبة أن يكونا متشابهين، كقولك: زيد كاتب وعمرو [شاعر «1» ] [أو متضادّين تضادّا على الخصوص، كقولك زيد طويل وعمرو «2» ] قصير، وكقولك:
العلم حسن والجهل قبيح، فلو قلت: زيد طويل والخليفة قصير لا اختل معنى عند
(7/72)

ما لا يكون لزيد تعلق بحديث الخليفة، ولو قلت: زيد طويل وعمرو شاعر لا اختل لفظا، إذ لا مناسبة بين الطويل القامة والشاعر.
وإن كان المحدّث عنه فى الجملتين شيئا واحدا، كقولك: فلان يقول ويفعل ويضرّ وينفع، ويأمر وينهى، ويسىء ويحسن، فيجب إدخال العاطف فإن الغرض جعله فاعلا لأمرين، فلو قلت: يقول يفعل بلا عاطف لتوهّم أن الثانى رجوع عن الأوّل.
وإذا أفاد العاطف الاجتماع ازداد الاشتراك «1» ، كقولك: العجب من أنك أحسنت وأسأت، والعجب من أنك تنهى عن شىء وتأتى مثله، وكقوله:
لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكفّ الأذى عنكم وتؤذونا
فإن المعنى جعل الفعلين فى حكم واحد، أى لا تطمعوا أن تروا إكرامنا إيّاكم يوجد مع إهانتكم إيّانا.
قال: وقد يجب إسقاط العاطف فى بعض المواضع لاختلال المعنى عند إثباته كقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ
فقوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ
كلام مستأنف، وهو إخبار من الله تعالى، فلو أتى بالواو لكان إخبارا عن اليهود بأنهم وصفوا أنفسهم بأنهم يفسدون فيختل المعنى، وكذلك قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ
وأمثال ذلك كثيرة؛ واذا كان كذلك فلا حاجة الى العاطف بخلاف قوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
فإن كل واحدة من الجملتين خبر من الله تعالى.
(7/73)

قال: ومما يجب ذكره هاهنا الجملة اذا وقعت حالا فإنها تجىء مع الواو تارة وبدونها أخرى فنقول: الجملة اذا وقعت حالا فلا بدّ أن تكون خبريّة تحتمل الصدق والكذب، وهو «1» على قسمين:
الأوّل وله أحوال:
الأولى: أن يجمع لها بين الواو وضمير صاحب الحال، كقولك: جاء زيد ويده على غلامه، ولقيت زيدا وفرسه سابقه، وهذه الواو تسمّى واو الحال.
الثانية: أن تجىء بالضمير من غير واو، كقولك: كلمته فوه الى فىّ، وهو فى معنى مشافها، والرابط الضمير، فلو قلت: كلّمته الى فىّ فوه، ولقيته عليه جبّة وشى لم يكن من باب وقوع الجملة حالا، لأنه يمكننا أن نرفع فوه وجبة بالجارّ والمجرور فيرجع الكلام الى وقوع المفرد حالا، والتقدير كلّمته كائنا الى فىّ فوه، ولقيته مستقرّة عليه جبّة وشى، وعليه قول بشّار:
اذا أنكرتنى بلدة أو نكرتها ... غدوت مع البازى علىّ سواد.
الثالثة: أن تجىء الواو من غير ضمير وهو كثير، كقولك: لقيتك والجيش قادم وزرتنا والشتاء خارج. ويجوز أن يجمع بين حالين مفرد وجملة اذا أجزنا وقوع حالين كقولك: لقيتك راكبا والجيش قادم، فالجملة حال من التاء أو من الكاف، والعامل فيها لقيت، أو من ضمير «راكبا» و «راكبا» هو العامل فيها.
القسم الثانى الجملة الفعلية، ولا بدّ أن تكون ماضيا أو مضارعا أما الماضى فلا بدّ معه من الإتيان بالواو وقد أو بأحدهما، كقولك: تكلمت وقد
(7/74)

عجلت، وجاء زيد قد ضرب عمرا، وجئت وأسرعت فى المجىء، قال الله تعالى:
قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
ولم يجز البصريّون خلوّه عنهما، وقالوا فى قوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ
وفى قول أبى صخر الهذلىّ:
وإنى لتعرونى لذكراك هزّة ... كما انتفض العصفور بلّله القطر:
إن قد مقدّرة فيهما، فإنّ الشىء اذا عرف موضعه جاز حذفه.
وأما المضارع فإن كان موجبا فلا يؤتى معه بالواو «1» ، فتقول: جاءنى زيد يضحك، ويجىء عمرو يسرع، واجلس تحدّثنا بالرفع أى محدّثا لنا، لأنه بتجرّده عما يغير معناه أشبه اسم الفاعل اذا وقع حالا.
وإن كان منفيا جاز حذف الواو مراعاة لأصل الفعل الذى هو الإيجاب وجاز إثباتها، لأن الفعل ليس هو الحال، فإن معنى قولك: جلس زيد ولم يتكلّم جلس زيد غير متكلّم، فجرى مجرى الجملة الإسمية، فالحذف كقولك: جاء زيد ما يفوه ببنت شفة، قال الله تعالى: الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ
فقوله: لا يمسّنا فى موضع نصب على الحال من ضمير المرفوع فى أحلّنا، والإثبات كقولك: جلس زيد ولم يتكلّم، قال الله تعالى:
أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً
. قال: وشبهوا به الفعل الماضى فقالوا: جاء زيد ما ضرب عمرا، وجاء زيد وما ضرب عمرا.
وأما الحذف والإضمار
- فقد قال: الأفعال المتعدّية التى ترك ذكر مفعولاتها على قسمين:
الأوّل: ألا يكون له مفعول معيّن، فقد يترك مفعوله لفظا وتقديرا ويجعل حاله كحال غير المتعدّى، كقولهم: فلان يحلّ ويعقد، ويأمر وينهى، ويضرّ وينفع
(7/75)

والمقصود إثبات المعنى فى نفسه للشىء من غير التعرّض لحديث المفعول، فكأنك قلت: بحيث يكون منه حلّ وعقد وأمر ونهى ونفع وضرّ، وعليه قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
أى هل يستوى من له علم ومن لا علم له من غير أن ينص على معلوم، وكذلك قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى
الى قوله: وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى
وبالجملة فمتى كان الغرض بيان حال الفاعل فقط فلا تعدّ الفعل، فإنّ تعديته تنقض الغرض. ألا ترى أنك اذا قلت: فلان يعطى الدنانير كان المقصود بيان جنس ما يتناوله الإعطاء لا بيان حال كونه معطيا؟.
الثانى: أن يكون له مفعول معلوم إلا أنه يحذف فى اللفظ لأغراض:
الأوّل: أن يكون المراد بيان حال الفاعل وأنّ ذلك الحال «1» دأبه لا بيان المفعول كقول طفيل:
جزى الله عنا جعفرا حين أزلفت ... بنا نعلنا فى الواطئين فزلّت
أبوا أن يملّونا ولو أنّ أمنا ... تلاقى الّذى لاقوه منّا لملّت
هم خلطونا بالنفوس «2» وألجؤا ... الى حجرات أدفأت وأظلّت
والأصل أن تقول: لملّتنا وألجؤونا وأدفأتنا وأظلّتنا، فحذف المفعول المعيّن من هذه المواضع الأربعة، وكأنه «3» قد أبهم ولم يقصد قصد شىء يقع عليه، كما تقول: قد ملّ فلان، تريد قد دخل عليه الملال من غير أن تخصّ شيئا بل لا تزيد على أن تجعل
(7/76)

الملال من صفته، فلذلك الشاعر جعل هذه الأوصاف من دأبهم، ولو أضاف الى مفعول معيّن لبطل هذا الغرض، وعليه قوله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ
الى قوله تعالى: فَسَقى لَهُما
فقد حذف المفعول فى أربعة مواضع، فإن ذكره ربما يخلّ بالمقصود، فلو قال تعالى مثلا: تذودان غنمهما لتوهّم أنّ الإنكار إنما جاء من ذودهما الغنم لا من مطلق الذّود، كقولك: ما لك تمنع أخاك؟ فإنّ الإنكار من منع الأخ لا من مطلق المنع.
الثانى: أن يكون المقصود ذكره إلا أنك لا تذكره إيهاما بأنك لا تقصد ذكره كقول البحترىّ:
شجو حسّاده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واع
المعنى أن يرى مبصر محاسنه، أو يسمع واع المعنى أن يرى مبصر محاسنه، أو يسمع واع أخباره، ولكنه تغافل عن ذلك إيذانا بأن فضائله يكفى فيها أن يقع عليها بصر أو يعيها سمع حتى يعلم أنه المتفرّد بالفضائل، فليس لحسّاده وعداه أشجى من علم بأن هنا مبصرا وسامعا.
الثالث: أن يحذف لكونه بيّنا، كقولهم: أصغيت اليك، أى أذنى، وأغضيت عليك، أى جفنى.
فصل فى حذف المبتداء والخبر
قال: قد يحسن حذف المبتدإ حيث يكون الغرض أنه قد بلغ فى استحقاق الوصف بما جعل وصفا له الى حيث يعلم بالضرورة أن ذلك الوصف ليس إلا له سواء كان فى نفسه كذلك، أم «1» بحسب دعوى الشاعر على طريق المبالغة، فذكره
(7/77)

يبطل هذا الغرض، ولهذا قال الإمام عبد القاهر: ما من اسم يحذف فى الحالة التى ينبغى أن يحذف فيها إلا وحذفه أحسن من ذكره، فمن حذف المبتدإ قوله تعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها
أى هذه سورة، وقول الشاعر:
لا يبعد الله التلبّب «1» والغارات ... إذ قال الخميس نعم
أى هذه نعم، قال عبد القاهر: ومن المواضع التى يطّرد فيها حذف المبتدإ بالقطع «2» والاستئناف أنهم يبدعون بذكر الرجل ويقدّمون بعض أمره، ثم يدعون الكلام الأوّل ويستأنفون كلاما [آخر «3» ] واذا فعلوا ذلك «4» أتوا فى أكثر الأمر بخبر من غير مبتدإ، مثال ذلك قوله:
وعلمت أنّى يوم ذاك ... منازل كعبا ونهدا
قوم إذا لبسوا الحدي ... د تنمرّوا خلقا «5» وقدا
وقال الحطيئة:
هم حلوا من الشرف المعلّى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا
بناة مكارم وأساة كلم ... دماؤهم من الكلب «6» الشفاء
وأمثلة ذلك كثيرة.
(7/78)

ومن حذف الخبر قوله تعالى: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ
أى لولا أنتم مضلونا وقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه: لولا علىّ لهلك عمر، أى لولا علىّ حاضر أو مفت.
فصل الإضمار على شريطة التفسير
كقولهم: أكرمنى وأكرمت عبد الله أى أكرمنى عبد الله وأكرمت عبد الله، ومما يشبه ذلك مفعول المشيئة اذا جاءت بعد لو، فإن كان مفعولها أمرا عظيما أو غريبا فالأولى ذكره، كقوله:
ولو «1» شئت أن أبكى دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
فإن بكاء الإنسان دما عجيب، وإن لم يكن كذلك فالأولى حذفه، كقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى
والتقدير لو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم، وكذلك قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
وقوله تعالى: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ
ومَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
قال: واعلم أنه قد تترك الكناية الى التصريح لما فيه من زيادة الفخامة كقول البحترىّ:
قد طلبنا فلم نجد لك فى السّو ... دد والمجد والمكارم مثلا
المعنى قد طلبنا لك مثلا، ثم حذف، لأن هذا المدح إنما يتم بنفى المثل، فلو قال:
قد طلبنا لك مثلا فى السّودد والمجد فلم نجده لكان قد أوقع نفى الوجود على ضمير المثل، فلم يكن فيه من المبالغة ما اذا أوقعه على صريح المثل، فإن الكناية لا تبلغ مبلغ
(7/79)

الصريح، ولهذا لو قلت: وبالحق أنزلناه وبه نزل، وقل هو الله أحد وهو الصمد لا تجد من الفخامة ما تجده فى قوله تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ
وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ
وعلى ذلك قول الشاعر:
لا أرى الموت يسبق الموت شىء ... نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا.
وأما مباحث إنّ وإنما
- فإنه قال:
أما إنّ فلها فوائد:
الأولى أن تربط الجملة الثانية بالأولى،
وبسببها يحصل التأليف بينهما حتى كأن الكلامين أفرغا إفراغا واحدا، ولو أسقطتها كان الثانى نائيا عن الأوّل، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
وقوله تعالى:
أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
. وقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
وقد تتكرر فى كلام واحد، كقوله تعالى: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ
. ثم متى أسقطت «إنّ» من الجملة التى أدخلتها عليها، فإن كانت الجملة الثانية إنما تذكر لإظهار فائدة ما قبلها كما فى الآيات المذكورة احتجت إلى الفاء، وإلا فلا، كما فى قوله تعالى: إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ
فلو قلت:
فالمتقون لم يكن كلاما، وكذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
فقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ
فى موضع خبر إنّ، فدخول الفاء يوجب عطف الخبر على المبتدإ، وهو غير جائز عند أكثر النحويين.
(7/80)

الثانية: أنك ترى لضمير الشأن والقصة فى الجملة الشرطيّة مع «إنّ» من الحسن واللطف ما لا تراه إذا هى لم تدخل عليها،
كقوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
وقوله تعالى: أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ
وقوله تعالى: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
الثالثة: أنها تهيّئ النكرة وتصلحها
لأن يحدّث عنها، كقوله «1» :
إنّ شواء ونشوة ... وخبب «2» البازل الأمون
فلولا هى لم يكن كلاما؛ وإن كانت النكرة موصوفة جاز حذفها ولكن دخولها أصلح، كقول حسّان:
إنّ دهرا يلفّ شملى بجمل ... لزمان يهمّ بالإحسان.
الرابعة: أنها قد تغنى عن الخبر،
كما اذا قيل لك: الناس «3» إلب عليكم فهل لكم أحد؟ فقلت: إنّ زيدا وإنّ عمرا، أى لنا، قال الأعشى»
:
إنّ محلّا وإنّ مرتحلا ... وإنّ فى السّفر «5» إذ مضوا مهلا.
(7/81)

الخامسة: قال المبرّد: اذا قلت عبد الله قائم، فهو إخبار عن قيامه،
فاذا قلت:
إنّ عبد الله قائم، فهو جواب عن إنكار منكر لقيامه، سواء كان المنكر هو السائل أو الحاضرين؛ والدليل على أنّ إنّ «1» إنما تذكر لجواب السائل أنهم ألزموها الجملة من المبتدإ والخبر، نحو: والله إنّ زيدا لمنطلق، فالحاجة إنما تدعو الى «إنّ» اذا كان للسامع ظنّ يخالف ذلك، ولذلك تراها تزداد حسنا اذا كان الخبر بأمر يبعد «2» ، كقول أبى نواس:
عليك باليأس من الناس ... إنّ غنى نفسك فى الياس.
ومن لطيف مواقعها أن يدّعى على المخاطب ظنّ لم يظنّه ولكن [صدر «3» ] منه فعل يقتضى ذلك الظنّ، فيقال له: حالك تقتضى أن تكون قد ظننت ذلك، كقول الشاعر «4» :
جاء شقيق عارضا رمحه ... إنّ بنى عمّك فيهم رماح
أى مجيئك هذا مدلّا بنفسك مجىء من يعتقد أنه ليس مع أحد رمح غيره.
وقد تجىء اذا وجد أمر كان المتكلّم يظنّ أنه لا يوجد، كقولك للشىء الذى يراه المخاطب ويسمعه: إنه كان من الأمر ما ترى، إنه كان منى إليه «5» إحسان فقابلنى بالسوء كأنك تردّ على نفسك ظنّك الذى ظننت، وعليه قوله عز وجل حكاية عن أمّ مريم:
قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى
وحكاية عن نوح: قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ.
(7/82)

وأما إنما
- فتارة تجىء للحصر بمعنى أنّ هذا الحكم لا يوجد فى غير المذكور وهى بمنزلة ليس إلا، كقوله تعالى: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ
وقوله:
إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ
وقوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها.
وتارة تجىء لبيان أن هذا الأمر ظاهر عند كلّ حدّ، سواء كان كذلك أم «1» فى زعم المتكلّم، ومنه قول الشاعر «2» :
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلّت عن وجهه الظّلماء
مدّعيا أن ذلك مما لا ينكره أحد من الناس. قال: واعلم أنه يستعمل للتخصيص ثلاث عبارات:
الأولى: إنما جاء زيد؛ الثانية: جاءنى زيد لا عمرو، والفرق أنّ فى الأولى يفهم إيجاب الفعل من زيد ونفيه عن غيره دفعة واحدة، ومن الثانية دفعتين، ثم إنهما كلتيهما «3» يستعملان لإثبات التخصيص لا لنفى التشريك؛ وفيه نظر.
الثالثة: ما جاءنى إلا زيد، وهى بأصل الوضع تفيد نفى التشريك، ولهذا لا يصحّ ما زيد إلّا قائم لا قاعد، لأنك بقولك: إلا قائم نفيت عنه كلّ صفة تنافى القيام، فيندرج فيه نفى القعود، فاذا قلت بعده: لا قاعد كان تكرارا لأن لفظة «لا» موضوعة لأن ينفى بها ما أوجب الأوّل لا لأن يعاد «4» بها نفى ما نفى أوّلا، ويصح إنما زيد قاعد لا قائم، لأن صيغة «إنما» بأصل وضعها تدلّ على تخصيص الحكم بالمذكور،
(7/83)

وأما نفى الشّركة فهو لازم من لوازمها، فليس له من القوّة ما لما يدلّ عليه بوضعه، ولهذا يصحّ: زيد هو الجائى «1» لا عمرو، فثبت أنّ دلالة الأوّليّين على التخصيص أقوى، ودلالة الثالثة على نفى التشريك [أقوى «2» ] ، لكن الثالثة قد تقام مقام الأوّليّين فى إفادة التخصيص، كما اذا ادعى واحد أنك قلت قولا ثم قلت بخلافه، فقلت له:
ما قلت الآن إلا ما قلته قبل، وعليه قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام:
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ
ليس المعنى أنى لم أزد على ما أمرتنى به شيئا، ولكن المعنى أنّى لم أدع مما أمرتنى به [أن «3» ] أقوله شيئا.
قال: وحكم «غير» حكم «إلّا» فاذا قلت: ما جاءنى غير زيد احتمل أن يكون المراد نفى أن يكون جاء معه إنسان آخر، وأن يكون المراد تخصيص الحكم بالمذكور لا نفيه عما عداه.
فصل إذا دخل ما وإلّا على الجملة المشتملة على المنصوب
كان المقصود بالذكر «4» ما اتصل بإلّا متأخّرا عنها، فاذا قلت: ما ضرب عمرا إلا زيد، فالمقصود المرفوع، واذا قلت: ما ضرب زيد إلا عمرا، فالمقصود المنصوب، واذا قلت:
ما ضرب [إلا «5» ] زيد عمرا، فالاختصاص للضارب، واذا قلت: ما ضرب إلا زيدا عمرو، فالاختصاص للمضروب، فاذا قلت: لم أكس إلا زيدا جبّة، فالمعنى تخصيص
(7/84)

زيد من بين الناس بكسوة الجبّة، وإن قلت: لم أكس إلا جبّة زيدا، فالمعنى تختصّ كسوة الجبّة من بين الناس بزيد؛ وكذلك الحكم حيث يكون بدل أحد المفعولين جارّ ومجرور، كقول السيد الحميرىّ:
لو خيّر المنبر فرسانه ... ما اختار إلّا منكم فارسا.
وكذلك حكم المبتدإ والخبر والفعل والفاعل، كقولك: ما زيد إلا قائم، وما قام إلا زيد.
وأما إنما فالاختصاص فيها يقع مع المتأخر، فاذا قلت: إنما ضرب زيدا عمرو فالاختصاص فى الضارب، وقوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
فالغرض بيان المرفوع وهو أن الخاشين هم العلماء، ولو قدّم المرفوع لصار المقصود بيان المخشىّ منه، والأوّل أتمّ، ومنه قول الفرزدق:
أنا الذائد الحامى الذّمار وإنما ... يدافع عن أحسابكم أنا أو مثلى
فإن غرضه أن يحصر المدافع بأنه هو لا المدافع عنه؛ ولو قال: إنما أنا أدافع عن أحسابكم، توجّه التخصيص الى المدافع عنه؛ [وحكم المبتدا والخبر «1» ] اذا أدخلت عليهما إنما، فإن قدّمت الخبر فالاختصاص للمبتدا، وإن لم تقدّمه فللخبر، فاذا قلت: إنما هذا لك فالاختصاص فى «لك «2» » ، بدليل أنك بعده تقول: لا لغيرك، فاذا قلت إنما لك هذا فالاختصاص فى «هذا» ، بدليل أنك بعده تقول: لا ذاك، وعليه قوله تعالى: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ
وقوله تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ
فالاختصاص فى الآية الأولى للبلاغ والحساب، وفى الثانية فى الخبر الذى هو على الذين دون المبتدإ الذى هو السبيل.
(7/85)

وإذا وقع بعدها الفعل فالمعنى أن ذلك الفعل لا يصح إلا من المذكور، كقوله تعالى: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ*
؛ ثم قد يجتمع معه حرف النفى، إما متأخرا عنه كقولك، إنما يجىء زيد لا عمرو: قال تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ
وقال لبيد:
فإذا جوزيت قرضا فاجزه ... إنما يجزى الفتى ليس الجمل «1»
وإما مقدّما «2» عليه، كقولك: ما جاءنى زيد وإنما جاءنى عمرو، فها هنا لو لم تقل: إنما، وقلت: ما جاءنى زيد وجاءنى عمرو لكان الكلام مع من ظنّ أنهما جاءاك جميعا، وإذا أدخلتها فإن الكلام مع من غلط فى الجائى أنه زيد لا عمرو.
قال: واعلم أنّ أقوى ما تكون «إنّما» اذا كان لا يراد بالكلام الذى بعدها نفس معناه، ولكن التعريض بأمر هو مقتضاه، فإنا نعلم أنه ليس الغرض من قوله تعالى:
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ*
أن يعلم السامعون ظاهر معناه، ولكن أن يذمّ الكفّار ويقال لهم: إنهم من فرط العناد فى حكم من ليس بذى عقل، وقوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها
وإِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ
والتقدير إنّ من لم تكن له هذه الخشية، فهو كمن لم تكن له أذن تسمع وقلب يعقل، فالإنذار معه كلا إنذار، وهذا الغرض لا يحصل دون «إنما» لأن من شأنها تضمين الكلام معنى النفى بعد الإثبات، فإذا أسقطت لم يبق إلا إثبات الحكم للمذكورين، فلا يدلّ على نفيه [عن «3» ] غيرهم إلا أن يذكر فى معرض مدح الإنسان بالتيقّظ والكرم وأمثالهما، كما يقال:
كذلك يفعل العاقل، هكذا يفعل الكريم.
(7/86)

تنبيه
قال: كاد تقرّب الفعل من الوقوع، فنفيها ينفى القرب، فإن لم يكن فى الكلام دليل على الوقوع فيفيد نفى الوقوع ونفى القرب منه، كقوله تعالى: لَمْ يَكَدْ يَراها
[أى لم «1» يراها] ولم يقارب وأيتها، وكقول ذى الرمد:
إذا عير النأى المحبين لم يكد «2» ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
المعنى أن براح حبّها «3» لم يقارب الكون فلا عن أن يكون.
وأما النظم
- فهو عبارة عن توخى معانى النحو فيما بين الكلم، وذلك أن تضع كلامك الوضع الذى يقتضيه علم النحو بأن تنظر فى كل باب إلى قوانينه والفروق التى بين معانى اختلاف صيغه «4» ، وتضع الحروف مواضعها وتراعى شرائط التقديم والتأخير، ومواضع الفصل والوصل، ومواضع حروف العطف على اختلاف معانيها، وتعتبر الإصابة فى طريق التشبيه والتمثيل.
وقد أطبق العلماء على تعظيم شأن النظم، وأن لا فضل مع عدمه ولو بلغ الكلام فى غرابة معناه إلى ما بلغ، وأنّ سبب فساده [ترك «5» ] العمل بقوانين النحو واستعمال الشىء فى غير موضعه.
ثم قال: الجمل الكثيرة إذا نظمت نظما واحدا فهى على قسمين:
الأوّل: أن لا يتعلّق البعض بالبعض ولا يحتاج واضعه إلى فكر ورويّد فى استخراجه، بل هو كمن عمد إلى اللآلئ ينظمها فى سلك، ومثاله قول الجاحظ
(7/87)

فى مصنّفاته: جنّبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعروف نسبا، وبين الصدق سببا، وحبّب اليك التثبّت، وزيّن فى عينك الإنصاف وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عزّ الحقّ، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد عنك ذلّ الطمع، وعرّفك ما فى الباطل من الذّلة، وما فى الجهل من القلّة. وكقول النابغة للنّعمان وتفضيله إياه على ذى فائش يزيد «1» بن أبى جفنة، وكقول حسّان ابن ثابت للحارث الجفنّى يفضّله على النعمان بن المنذر، وكقول ضرار بن ضمرة لمعاوية فى وصف علىّ؛ وقد تقدّم شرح أقوالهم فى الباب الأوّل من القسم الثالث من هذا الفن فى المدح، وهو فى السفر الثالث فلا حاجة بنا الى إعادته. وهذا النظم لا يستحق الفضل إلا بسلامة معناه وسلامة «2» ألفاظه، إذ ليس فيه معنى دقيق لا يدرك إلا بثاقب الفكر.
قال: وربما ظنّ بالكلام أنه من هذا الجنس ولا يكون منه، كقول الشاعر:
سالت عليه شعاب الحىّ حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير
فإن الحسن فيه ليس مجرّد الاستعارة، بل لما فى الكلام «3» من التقديم والتأخير، ولهذا لو أزلت ذلك وقلت: سالت شعاب الحىّ بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره، فإنه يذهب بالحسن والحلاوة.
(7/88)

الثانى: أن تكون الجمل المذكورة يتعلّق بعضها ببعض، وهناك تظهر قوّة الطبع، وجودة القريحة، واستقامة الذّهن.
ثم [ليس] «1» لهذا الباب قانون يحفظ، فإنه يجىء على وجوه شتّى:
منها الإيجاز، وهو العبارة عن الغرض بأقلّ ما يمكن من الحروف، وهو على ضربين: إيجاز قصر، وإيجاز حذف، وقد تقدّم الكلام على ذلك وذكر أمثلته عند ذكر الفصاحة.
ومنها التأكيد- وهو تقوية المعنى وتقريره، إما بإظهار البرهان، كقول قابوس:
يا ذا الذى بصروف الدهر عيّرنا ... هل عاند الدهر إلا من له خطر
أما ترى البحر تعلو فوقه جيف ... وتستقرّ بأقصى قعره الدّرر
وفى السماء نجوم ما لها «2» عدد ... وليس يخسف إلا الشمس والقمر
وإما بالعزيمة، كقوله تعالى: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ
وقوله تعالى:
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
وكقول الأشتر النّخعىّ:
بقّيت وفرى وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافى بوجه عبوس
إن لم أشنّ على ابن حرب غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفوس
يريد معاوية بن أبى سفيان، وكقول أبى نواس.
لا فرّج الله عنّى إن مددت يدى ... إليه أسأله من حبّك الفرجا
(7/89)

وكقول أبى تمّام:
حرمت مناى منك إن كان ذا الذى ... تقوّله الواشون حقّا كما قالوا.
أو بالتّكرار، كقولهم: الله الله، والأسد الأسد، وكقول الحادرة «1» :
أظاعنة وما تودّعنا هند ... وهند أتى من دونها النأى والبعد
وهذا فى التنزيل كثير، والعلم فيه سورة الرحمن.
وأما التجنيس
- فهو يتشعّب منه شعب كثيرة:
فمنه المستوفى التامّ-
وهو أن يجىء المتكلّم بكلمتين متفقتين لفظا، مختلفتين معنى، لا تفاوت فى تركيبهما، ولا اختلاف فى حركاتهما، كقول الغزّىّ:
لم يبق غيرك إنسان يلاذبه ... فلا برحت لعين الدهر إنسانا
وقول عبد الله بن طاهر:
وإنّى للثّغر المخوف لكالئ ... وللثغر يجرى ظلمه «2» لرشوف
وكقول البستىّ:
سما وحمى بنى سام وحام ... فليس كمثله سام وحامى
وذكر التّبريزىّ أن التجنيس المستوفى كقول أبى تمّام:
ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله
وقال: وإنما عدّ من هذا الباب لاختلاف المعنين، لأن احدهما فعل، والآخر اسم.
(7/90)

ومنه المختلف
- ويسمّى التجنيس الناقص- وهو مثل الأوّل فى اتفاق حروف الكلمتين إلا أنه يخالفه: إما فى هيئة الحركة، كقوله صلّى الله عليه وسلم «اللهم كما حسّنت خلقى فحسّن خلقى» ؛ وكقول معاذ رضى الله عنه: الدّين يهدم الدّين؛ وكقولهم: جبّة البرد جنّة البرد؛ وكقولهم: الصديق الصدوق أوّل العقد وواسطة العقد؛ وكقول المعرّى:
لغيرى زكاة من جمال فإن تكن ... زكاة جمال فاذكرى ابن سبيل
أو بالحركة والسكون، كقولهم: البدعة شرك الشّرك. أو بالتخفيف والتشديد كقولهم: الجاهل إما مفرط وإما مفرّط.
ومنه المذيّل
- ويقال له: التجنيس الزائد والناقص أيضا- وهو أن تجىء بكلمتين متجانستى اللفظ متّفقتى الحركات، غير أنهما يختلفان بحرف، إما فى آخرهما كقولك: فلان حام حامل لأعباء الأمور، كاف كافل لمصالح الجمهور؛ وقولهم:
أنا من زمانى فى زمانه، ومن إخوانى فى خيانه «1» ؛ وقولهم: فلان سال عن إخوانه «2» ، سالم من زمانه؛ ومن النظم قول أبى تمّام:
يمدّون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب
وقول البحترىّ:
لئن صدفت عنّا فربّت أنفس ... صواد إلى تلك النفوس الصوادف
وإما من أوّلهما، كقوله تعالى: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ)
ومن النظم ما أنشده عبد القاهر:
وكم سبقت منه إلىّ عوارف ... ثنائى من تلك العوارف وارف
وكم غرر من برّه ولطائف ... لشكرى على تلك اللطائف طائف.
(7/91)

ومنه المركب وهو على ضربين:
الأوّل: ما هو متشابه لفظا وخطا،
كقولهم: همّتك الهمّة الفاتره، وفى صميم قلبك ألفاتره، ومن النظم قول البستىّ:
إذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه
وقول الآخر:
عضّنا الدهر بنابه ... ليت ما حلّ بنابه
وقول طاهر البصرى:
ناظراه فيما جنى ناظراه ... أودعانى رهنا بما أودعانى.
الثانى: ما هو متشابه لفظا لا خطا ويسمّى التجنيس [المفروق]
«1» ، كقوله:
كنت أطمع فى تجريبك، ومطايا الجهل تجرى بك؛ ومن النظم قول الشاعر:
لا تعرضنّ على الرواة قصيدة ... ما لم تكن بالغت فى تهذيبها
فإذا عرضت القول غير مهذّب ... عدّوه منك وساوسا تهذى بها
وأمثال ذلك كثيرة.
ومن أنواع المركّب المرفوّ، وهو أن تجمع بين كلمتين إحداهما أقصر من الأخرى، فتضمّ الى القصيرة حرفا من حروف المعانى أو من حروف الكلمة المجاورة لها حتى يعتدل ركنا التجنيس، كقولهم:
يا مغرور أمسك، وقس يومك بأمسك؛ ويقرب منه قول الهمذانىّ:
إن لم يكن لنا حظّ فى درك درّك، فخلّصنا من شرك شرّك؛
(7/92)

وقول الحريرىّ:
إن أخليت منّا مبارك مبارّك، فخلّصنا من معارك معارّك؛ ومن النظم قول البستىّ:
فهمت كتابك يا سيّدى ... فهمت ولا عجب أن أهيما
ومنه قول الآخر:
ذو راحة وكفت ندى وكفت ردى ... وقضت بهلك عداته وعداته
كالغيث فى إروائه وروائه ... والليث فى وثباته وثباته.
ومنه المزدوج
- ويقال له التجنيس المردّد والمكرر أيضا- وهو أن يأتى فى أواخر الأسجاع وقوافى الأبيات بلفظتين متجانستين إحداهما نميمة الأخرى وبعضها، كقولهم: الشراب بغير النّغم غمّ، وبغير الدّسم سمّ؛ وقول البستىّ:
أبا العباس لا تحسب لشينى «1» ... بأنّى من حلى الأشعار عارى
فلى طبع كسلسال معين ... زلال من ذرى الأحجار جارى
اذا ما أكبت الأدوار زندا ... فلى زند على الأدوار وارى.
ومن أجناس التجنيس المصحّف
- ويقال له تجنيس الخط أيضا- وهو أن تأتى بكلمتين متشابهتين خطّا لا لفظا، كقوله تعالى: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ
وقوله تعالى: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
وقوله صلّى الله عليه وسلم: «عليكم بالأبكار فإنهنّ أشدّ حبّا وأقلّ خبّا» وقول [النبىّ صلّى الله عليه «2» وسلم] لعلىّ رضى الله عنه: قصّر من ثيابك فإنه أبقى وأنقى وأتقى.
(7/93)

وكقول أبى فراس:
من بحر شعرك أغترف ... وبفضل علمك أعترف.
ومنه المضارع
- ويسمّى المطمّع- وهو أن يجاء بالكلمة ويبدأ بأختها على مثل أكثر حروفها، فتطمع فى أنها مثلها، فتخالفها بحرف؛ ويسمى المطرّف وهو أن تجمع بين كلمتين متجانستين لا تفاوت بينهما إلا بحرف واحد من الحروف المتقاربة، سواء وقع آخرا أوحشوا، كقوله صلّى الله عليه وسلم: «الخيل معقود بنواصيها الخير» ومنه قول الحطيئة:
مطاعين فى الهيجا مطاعيم فى الدّجى ... بنى لهم آباؤهم وبنى الجدّ
وقول البحترىّ:
ظللت أرجّم فيك الظنون ... أحاجمه أنت أم حاجبه؟
وإن كان التفاوت «1» بغير المتقاربة سمّى التجنيس اللاحق، كقوله تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ
وقوله تعالى: وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
وقول البحترىّ:
هل لما فات من تلاق تلافى ... أم لشاك من الصبابة شافى.
ومنه المشوّش
- وهو كل تجنيس يتجاذبه طرفان من الصنعة «2» فلا يمكن إطلاق اسم أحدهما عليه، كقولهم: فلان مليح البلاغة، صحيح البراعة «3»
(7/94)

ومنه تجنيس الاشتقاق
- ويسمّى الاقتضاب أيضا، ومنهم من عدّه أصلا برأسه، ومنهم من عدّه أصلا فى التجنيس- وهو أن يجىء بألفاظ يجمعها أصل واحد فى اللغة، كقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ
وقوله تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ
وقوله تعالى: فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ
وقول النبى صلّى الله عليه وسلم:
«ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها» وقوله: «الظلم ظلمات يوم القيامة» ومن النظم قول أبى تمّام:
عممت الخلق بالنّعماء حتى ... غدا الثقلان منها مثقلين
وقول المطرّزى:
وإنى لأستحيى من المجد أن أرى ... حليف غوان أو أليف أغانى «1»
وقول الصاحب بن عبّاد:
وقائلة لم عرتك الهموم ... وأمرك ممتثل فى الأمم
فقلت ذرينى على غصّتى ... فإن الهموم بقدر الهمم
وقول آخر:
إن ترى الدنيا أغارت ... ونجوم السعد غارت
فصروف الدهر شتّى ... كلّما جارت أجارت
ومما يشبه المشتقّ «2» - ويسمّيه بعضهم المشابه «3» ، وبعضهم المغاير
- قوله تعالى: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ
وقوله تعالى: لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ
(7/95)

وقوله تعالى: وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ
وقوله تعالى: أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ
ومن النظم قول البحترىّ:
واذا ما رياح «1» جودك هبّت ... صار قول العذّال فيها هباء.
ومن أجناس التجنيس تجنيس التصريف
- وهو ما كان كالمصحّف [إلا] «2» فى اتحاد الكتابة، ثم لا يخلو من أن تتقارب «3» فيه الحروف باعتبار المخارج أو لا تتقارب فإن تقاربت سمّى مضارعا، وإن لم تتقارب سمّى لاحقا.
مثال الأوّل قوله تعالى: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ
وقوله تعالى: بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ
وقول قسّ بن ساعدة الإيادىّ:
«من مات فات» وقول الشاعر:
فيالك من حزم وعزم طواهما ... جديد البلى تحت الصفا والصفائح
وهذا البيت يشتمل على المضارع والمتمّم؛ ومثال الثانى قول على رضى الله عنه: الدنيا دار ممرّ، والآخرة دار مقرّ، وقول عبد الله بن صالح وقد وصف اليمن: ليس فيه إلا ناسج برد، أو سائس «4» قرد.
(7/96)

ومنها التجنيس المخالف
- وهو أن تشتمل كلّ واحدة من الكلمتين على حروف الأخرى دون ترتيبها، كقول أبى تمّام:
بيض الصفائح لا سود الصحائف فى ... متونهنّ جلاء الشك والريب
وقول البحترىّ:
شواجر أرماح تقطّع بينهم ... شواجر أرحام ملوم قطوعها
وقول المتنبىّ:
ممنّعة منعّمة رداح ... يكلّف لفظها الطير الوقوعا
فإن اشتملت كل كلمة على حروف الأخرى، وكان بعض هذه قلب حروف هذه خصّ باسم جناس العكس، كقول النبى صلّى الله عليه وسلم: «يقال لصاحب القرآن يوم القيامة اقرأ وارق» وقول عبد الله بن رواحة يمدح [النبى «1» ] صلّى الله عليه وسلم:
تحمله الناقة الأدماء معتجرا ... بالبرد كالبدر جلّى نوره الظّلما.
ومنها تجنيس المعنى
- وهو أن تكون إحدى الكلمتين دالّة على الجناس بمعناها دون لفظها، وسبب استعمال هذا النوع أن يقصد الشاعر المجانسة لفظا ولا يوافقه الوزن على الإتيان باللفظ المجانس فيعدل إلى مرادفه، كقول الشاعر يمدح المهلّب ويذكر فعله بقطرىّ بن الفجاءة، وكان قطرىّ يكنى أبا نعامة:
حدا بأبى أم الرّئال فأجفلت ... نعامته من عارض متلّبب «2»
أراد أن يقول: حدا بأبى نعامة فأجفلت نعامته أى روحه، فلم يستقم له فقال: بأبى أمّ الرّئال، وأمّ الرّئال هى النعامة، وكقول الشّماخ:
(7/97)

وما أروى وإن كرمت علينا ... بأدنى من موقّفة «1» حرون
أروى: اسم امرأة. والموقّفة الحرون من الوحش: أروى، وبها سميت المرأة فلم يمكنه أن يأتى باسمها فأنى بصفتها، وقد صرح بذلك المعرّى فى قوله:
أروى النّياق كأروى النّيق «2» يعصمها ... ضرب يظلّ له السّرحان مبهوتا
وبعضهم لا يدخل هذا فى باب التجنيس. قال: وإنما يحسن التجنيس إذا قلّ، وأتى فى الكلام عفوا من غير كدّ «3» ولا استكراه، ولا بعد ولا ميل إلى جانب الرّكّة ولا يكون كقول الأعشى:
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنى ... شاو «4» مشلّ شلول شلشل شول
ولا كقول مسلم بن الوليد:
سلّت وسلّت ثم سلّ سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا
ولا كقول المتنبىّ:
فقلقلت بالهمّ الذى قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلّهن قلاقل.
وأما الطّباق
- قال: المطابقة أن تجمع بين ضدّين مختلفين، كالإيراد والإصدار والليل والنهار، والسواد والبياض؛ قال الأخفش وقد سئل عنه: أجد قوما يختلفون
(7/98)

فيه، فطائفة- وهم الأكثر- يزعمون أنه الشىء وضدّه، وطائفة تزعم أنه اشتراك المعنيين فى لفظ واحد، كقول زياد الأعجم:
ونبّئتهم يستنصرون بكاهل ... وللّؤم فيهم كاهل وسنام
ثم قال: وهذا هو التجنيس بعينه، ومن ادعى أنه طباق فقد خالف الأصمعىّ والخليل، فقيل له: أو كانا يعرفان ذلك؟ فقال: سبحان الله! وهل أعلم منهما بالشعر وتمييز خبيثه من طيّبه؟. ويسمونه المطابقة والطّباق والتضادّ والتكافؤ وهو أن تجمع بين المتضادّين مع مراعاة التقابل، فلا تجىء باسم مع فعل ولا بفعل مع اسم، مثاله قوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً
وقوله تعالى: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ
وقوله تعالى: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ
وقوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ
إلى قوله:
بِغَيْرِ حِسابٍ*
وقوله صلّى الله عليه وسلم للأنصار: «إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلّون عند الطمع» ومن النظم قول جرير:
وباسط خير فيكم بيمينه ... وقابض شرّ عنكم بشماليا
وقول البحترىّ:
وأمّة كان قبح الجور يسخطها ... حينا فأصبح حسن العدل يرضيها
وقوله أيضا:
تبسّم وقطوب فى ندى ووغى ... كالبرق والرعد وسط العارض البرد
وقول دعبل:
لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
وقول ابن المعتز:
مها الوحش إلا أنّ هاتا أوانس ... قنا الخطّ إلا أنّ تلك ذوابل
(7/99)

فإنّ هاتا للحاضر، وتلك للغائب، فكانتا متقابلتين؛ وقد تجىء المطابقة بالنفى [والإثبات «1» ] كقول البحترىّ:
تقيّض «2» لى من حيث لا أعلم النوى ... ويسرى إلىّ الشوق من حيث أعلم.
وقال الزكىّ بن أبى الإصبع المصرىّ فى الطباق: وهو على ضربين: ضرب يأتى بألفاظ الحقيقة، وضرب يأتى بألفاظ المجاز، فما كان بلفظ [الحقيقة «3» ] سمّى طباقا وما كان بلفظ المجاز سمّى تكافؤا، فمثال التكافؤ قول أبى الأشعث العبسىّ من إنشادات قدامة:
حلو الشمائل وهو مرّ باسل ... يحمى الذّمار صبيحة الإرهاق
لأن «4» قوله: حلو ومرّ خارج مخرج الاستعارة، إذ ليس الإنسان ولا شمائله مما يذاق بحاسّة الذوق.
ومن أمثلة التكافؤ قول ابن رشيق:
وقد أطفأوا شمس النهار وأوقدوا ... نجوم العوالى فى سماء عجاج
وقد جمع دعبل فى بيته المتقدّم بين الطباق والتكافؤ، وهو:
لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
لأن ضحك المشيب مجاز، وبكاء الشاعر حقيقة.
قال: هكذا قال ابن أبى الإصبع، وفيه نظر، لأنه إذا كان الطباق عنده هو التضادّ من حقيقتين، والتكافؤ التضادّ من مجازين، فليس فى البيت ما شرطه.
(7/100)

قال: ومما جمع بين طباقى السلب والإيجاب قول الفرزدق من إنشادات ابن المعتزّ:
لعن الإله بنى كليب إنّهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار
يستيقظون إلى نهيق حميرهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار.
وذكر فى آخر الباب طباق الترديد، وهو أن يردّ آخر الكلام المطابق إلى أوّله فإن لم يكن الكلام مطابقا فهو ردّ الأعجاز على الصدور، ومثاله قول الأعشى:
لا يرقع الناس ما أوهوا وإن جهدوا ... طول الحياة ولا يوهون ما رقعوا.
وأما «1» المقابلة
- وهى أعم من الطباق، وذكر بعضهم أنها أخص، وذلك أن تضع معانى تريد الموافقة بينها وبين غيرها أو المخالفة، فتأتى فى الموافق بما وافق، وفى المخالف بما خالف أو تشرط شروطا وتعدّ أحوالا فى أحد المعنيين فيجب أن تأتى فى الثانى بمثل ما شرطت وعددت [فى الأوّل «2» ] ، كقوله عزّ وجلّ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى
وقوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ
ومثاله من النظم قول الشاعر:
فيا عجبا كيف اتفقنا فناصح ... وفىّ ومطوىّ على الغلّ غادر!
وقول آخر:
تقاصرن واحلولين لى ثم إنه ... أتت بعد أيام طوال أمرّت
(7/101)

وقول زهير بن أبى سلمى:
حلماء فى النادى إذا ما جئتهم ... جهلاء يوم عجاجة ولقاء.
ومن فساد ذلك أن يقابل الشىء بما لا يوافقه ولا يخالفه، كقول أبى عدىّ القرشىّ:
يا ابن خير الأخيار من عبد شمس ... أنت زين الدنيا وغيث لجود
فليس قوله: غيث لجود موافقا لقوله: زين الدنيا ولا مخالفا له وكقول الكميت:
وقد رأينا بها حورا منعّمة ... بيضا تكامل فيها الدّلّ والشّنب
فالشنب لا يشاكل الدّلّ.
وقول آخر:
رحماء بذى الصلاح وضرّا ... بون قدما لهامة الصّنديد.
قال: وقد ذكر بعض أئمة هذا الفن تفصيلا فى المقابلة فقال:
فمن مقابلة اثنين باثنين قوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً
؛ وقول النابغة:
فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقه ... على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا؛
ومن مقابلة ثلاثة بثلاثة قول الشاعر «1» :
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل
وقول أبى نواس:
أنا استدعيت عفوك من قريب ... كما استعفيت سخطك من بعيد؛
(7/102)

ومن مقابلة أربع بأربعة قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى
المقابل بقوله تعالى: «اسْتَغْنَى» *
قوله تعالى: «وَاتَّقى» *
لأن معناه: زهد فيما عند الله واستغنى بشهوات الدنيا عن نعم الآخرة، وذلك يتضمّن عدم التقوى، ومنه قول النابغة:
إذا وطئا سهلا أثارا عجاجة ... وإن وطئا حزنا تشظّى الجنادل؛
ومن مقابلة خمسة بخمسة قول المتنبّى:
أزورهم وسواد الليل يشفع لى ... وأنثنى وبياض الصبح يغرى بى
قابل أزور بأنثنى، وسواد ببياض، والليل بالصبح، ويشفع بيغرى، ولى بقوله: بى.
وأما السجع
- فهو أن كلمات الأسجاع موضوعة على أن تكون ساكنة «1» الأعجاز موقوفا عليها، لأن الغرض أن يجانس بين قرائن، ويزاوج بينها، ولا يتمّ ذلك إلا بالوقف، ألا ترى الى قولهم: «ما أبعد ما فات، وما أقرب ما هو آت» فلو ذهبت تصل لم يكن بدّ من إعطاء أواخر القرائن ما يقتضيه حكم الإعراب، فتختلف أواخر القرائن، ويفوت الساجع غرضه، واذ رأيناهم يخرجون الكلمة عن أوضاعها للازدواج فيقولون: أتيتك بالغدايا والعشايا، وهنأنى الطعام ومرأنى، وأخذه ما قدم وما حدث، «وانصرفن مأزورات غير مأجورات» ، يريد الغدوات، وأمرأنى وحدث، وموزورات، مع أن فيه ارتكابا لمخالفة اللّغة [فما الظنّ بأواخر «2» الكلم المشبّهة بالقوافى] .
(7/103)

قال: والسجع أربعة أنواع وهى: الترصيع والمتوازى والمطرّف والمتوازن.
أما الترصيع
- فهو أن تكون الألفاظ مستوية الأوزان متّفقة الأعجاز، كقوله تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ
وقوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
وقول النبى صلّى الله عليه وسلم: «اللهم اقبل توبتى، واغسل حوبتى» وقولهم: فلان يفتخر بالهمم العالية، لا بالرمم الباليه؛ وقولهم: عاد تعريضك تصريحا، وتمريضك تصحيحا؛ ومن النظم قول الخنساء:
حامى الحقيقة محمود الخليقة مهدىّ ... الطريقة نفّاع وضرّار
جوّاب قاصية جزّاز ناصية ... عقّاد ألوية للخيل جرّار
وقد يجىء مع التجنيس، كقولهم:
اذا قلّت الأنصار، كلّت الأبصار؛ وما وراء الخلق الدّميم، إلا الخلق الذميم؛ ومن النظم قول المطرّزى «1» :
وزند ندى فواضله ورىّ ... ورند ربا فضائله نضير
ودرّ جلاله أبدا ثمين ... ودرّ نواله أبدا غزير.
وأما المتوازى
- فهو أن يراعى فى الكلمتين الأخيرتين من القرينتين الوزن مع اتفاق الحرف الأخير منهما، كقوله عزّ وجلّ: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ.
(7/104)

وقول الحريرىّ: ألجأنى حكم دهر قاسط، الى أن أنتجع أرض واسط «1» .
وقوله: وأودى الناطق والصامت، ورثى لنا الحاسد والشامت.
وأما المطرّف
- فهو أن يراعى الحرف الأخير فى كلمتى قرينتيه من غير مراعاة الوزن، كقوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً
وقولهم: جنابه محطّ الرحال، ومخيّم الآمال.
وأما المتوازن
- فهو أن يراعى فى الكلمتين الأخيرتين من القرينتين الوزن مع اختلاف الحرف الأخير منهما، كقوله تعالى: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ
وقولهم: اصبر على حرّ القتال، ومضض النّزال «2» ، وشدّة المصاع، ومداومة المراس؛ فإن راعى الوزن فى جميع كلمات القرائن أو أكثرها، وقابل الكلمة منها بما يعادلها وزنا كان أحسن، كقوله تعالى: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
، وقول الحريرىّ: اسودّ يومى الأبيض، وابيضّ فودى الأسود؛ ويسمّى هذا فى الشعر الموازنة، كقول البحترىّ:
فقف مسعدا فيهنّ إن كنت عاذرا ... وسر مبعدا عنهنّ إن كنت عاذلا
(7/105)

قال: ومما هو شرط الحسن فى هذا المحافظة على التشابه، وهو اسم جامع للملاءمة والتناسب.
فالملاءمة: تأليف الألفاظ الموافية بعضها لبعض على ضرب من الاعتدال كقول لبيد:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يعود رمادا بعد إذ هو ساطع
وما المال والأهلون إلا وديعة ... ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع
وبعضهم يعدّ التلفيق من باب الملاءمة، وهو أن تضمّ الى ذكر الشىء ما يليق به ويجرى مجراه، أى تجمع الأمور المناسبة، ويقال له: مراعاة النظير أيضا، كقول ابن سمعون للمهلّبىّ «1» :
أنت أيها الوزير إبراهيمىّ الجود، إسماعيلىّ الوعد، شعيبىّ التوفيق، يوسفىّ العفو، محمدىّ الخلق.
وكقول أبى الفوارس «2» الحمدانىّ:
أأخا «3» الفوارس لو رأيت مواقفى ... والخيل من تحت الفوارس تنحط «4»
لقرأت منها ما تخطّ يد الوغى ... والبيض تشكل والأسنّة تنقط
(7/106)

وكقول آخر:
وكم سائل بالغيب عنك أجبته ... هناك الأيادى الشّفع والسّودد الوتر
عطاء ولا منّ وحكم ولا هوى ... وحلم ولا عجز وعزّ ولا كبر
وقول ابن حيّوس «1» :
يقينك والتقوى وجودك والغنى ... ولفظك والمعنى وسيفك والنصر
والتناسب: هو ترتيب المعانى المتآخية التى تتلاءم ولا تتنافر، كقول النابغة:
والرفق «2» يمن والأناة سعادة ... فاستأن فى رزق تنال نجاحا
واليأس عمّا فات يعقب راحة ... ولرب مطمعة تعود ذباحا
ويسمّى التشابه أيضا، وقيل: التشابه أن تكون الألفاظ غير متباينة بل متقاربة فى الجزالة والرّقة والسّلاسة، وتكون المعانى مناسبة لألفاظها من غير أن يكسو «3» اللفظ الشريف المعنى السخيف، أو على الضدّ، بل يصاغان معا صياغة تناسب وتلائم.
فصل فى الفقر المسجوعة ومقاديرها
قال: قصر الفقرات يدلّ على قوّة التمكّن وإحكام الصناعة، وأقلّ ما تكون كلمتان، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ
وأمثال ذلك فى الكتاب العزيز كثيرة، لكن الزائد على ذلك هو الأكثر، وكان بديع الزمان يكثر من
(7/107)

ذلك فى رسائله، كقوله: كميت «1» نهد، كأنّ راكبه فى مهد؛ يلطم الأرض بزبر وينزل من السماء بخبر. قالوا: لكن التذاذ السامع بما زاد على ذلك أكثر، لتشوقه الى ما يرد متزايدا على سمعه.
فأما الفقر المختلفة فالأحسن أن تكون الثانية أزيد من الأولى ولكن لا بقدر كثير لئلا يبعد على السامع وجود القافية فيقلّ الالتذاذ بسماعها، فإن زادت القرائن على اثنين فلا يضرّ تساوى القرينتين الأوليين وزيادة الثالثة عليهما وإن زادت الثانية عن الأولى يسيرا، [والثالثة «2» على الثانية] فلا بأس، لكن لا يكون أكثر من المثل، ولا بدّ من الزيادة فى آخر القرائن، مثاله فى القرينتين: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً
ومثاله فى الثالثة قوله تعالى: وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً
وأقصر الطّوال ما كان من «3» إحدى عشرة لفظة وأكثرها غير مضبوط، مثاله من إحدى عشرة لفظة: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ
والتى «4» بعدها من ثلاث عشرة كلمة؛ ومثاله من عشرين لفظة قوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ.
(7/108)

وأما ردّ العجز على الصدر
- فهو كل كلام منثور أو منظوم يلاقى آخره أوّله بوجه من الوجوه، كقوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ
وقوله تعالى: لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى
وقولهم:
«القتل أنفى للقتل» و «الحيلة ترك الحيلة» وقولهم: طلب ملكهم فسلب ما طلب، ونهب ما لهم فوهب ما نهب.
وهو فى النّظم على أربعة أنواع:
الأوّل: أن يقعا طرفين،
إما متفقين صورة ومعنى، كقوله:
سريع إلى ابن العم يشتم عرضه ... وليس إلى داعى الندى بسريع
وقوله:
سكران سكر هوى وسكر مدامة ... أنّى يفيق فتى به سكران؛
أو متفقين صورة لا معنى، وهو أحسن من الأوّل، كقول السّرىّ:
يسار من سجيّتها المنايا ... ويمنى من عطيّتها اليسار
وقول الآخر:
ذوائب سود كالعناقيد أرسلت ... فمن أجلها منّا النفوس ذوائب؛
أو معنى لا صورة «1» ، كقول عمر بن أبى ربيعة:
واستبدّت مرّة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد
وقول السّرىّ:
ضرائب أبدعتها فى السّماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا
(7/109)

وقول الآخر:
ثلبك أهل الفضل قد دلّنى ... أنك منقوص ومثلوب
أولا صورة ولا معنى ولكن بينهما مشابهة اشتقاق، كقول الحريرى:
ولاح يلحى على جرى العنان الى ... ملها فسحقا له من لائح لاحى
الثانى: أن يقعا فى حشو المصراع الأوّل وعجز الثانى،
إما متفقين صورة ومعنى كقول أبى تمّام:
ولم يحفظ مضاع المجد شىء ... من الأشياء كالمال المضاع
وقول آخر:
أمّا القبور فإنهن أوانس ... بجوار قبرك والديار قبور
أو صورة لا معنى، كقول الثعالبىّ:
وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء بلابل
فالأوّل جمع بلبل، والثانى جمع بلبلة وهى الهمّ [والثالث «1» جمع بلبلة الإبريق] وقول الزمخشرىّ:
وأخّرنى دهرى وقدّم معشرا ... لأنهم «2» لا يعلمون وأعلم
فمذ أفلح الجهّال أعلم «3» أننى ... أنا الميم والأيام أفلح «4» أعلم
(7/110)

أو معنى لا صورة، كقول امرئ الفيس:
إذا المرء لم يحزن عليه لسانه ... فليس على شىء سواه بخزّان
وقول أبى تمّام:
دمن ألّم بها فقال سلام ... كم حلّ عقدة صبره الإلمام
وقول أبى فراس:
وما إن شبت من كبر ولكن ... لقيت من الأحبّة ما أشابا؛
أو فى الاشتقاق فقط، كقول أبى فراس:
منحناها الحرائب «1» غير أنا ... إذا جرنا منحناها الحرابا؛
الثالث: أن يقعا فى آخر المصراع الأوّل وعجز الثانى،
إما متّفقين صورة ومعنى كقول أبى تمّام:
ومن كان بالبيض الكواعب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغرما؛
أو صورة لا معنى، كقول الحريرىّ:
فمشغوف بآيات المثانى ... ومفتون برنّات المثانى؛
أو معنى لا صورة، كقول البحترىّ:
ففعلك إن سئلت لنا مطيع ... وقولك إن سألت لنا مطاع؛
الرابع: أن «2» يقعا فى أوّل المصراع الثانى والعجز،
إما متّفقين صورة ومعنى كقول الحماسىّ:
(7/111)

فإلّا يكن إلا معلّل «1» ساعة ... قليلا فإنى نافع لى قليلها
أو صورة لا معنى، كقول أبى دؤاد:
عهدت «2» لها منزلا داثرا ... وآلا على الماء يحملن آلا
فالأوّل الأتباع «3» ، والثانى أعمدة الخيام، وكقول آخر:
رماك زمان السّوء من حيث لا ترى ... فرامى ولم يظفر بما هو راما
أو معنى لا صورة، كقول أبى تمّام:
ثوى فى الثرى من كان يحيا به الثرى ... ويغمر «4» صرف الدهر نائله الغمر
وقد كانت البيض البواتر فى الوغى ... بواتر فهى الآن من بعده بتر
قال: ومن نوادر هذا الباب بيتا الحريرىّ اللذان سمّاهما المطرّفين، وهما:
سم سمة تحسن آثارها ... واشكر لمن أعطى ولو سمسمه
والمكرمهما اسطعت لا تأته ... لتبتغى السّودد والمكرمه.
قال: فإن لم يقع فى العجز فليس من هذا الباب، كقوله:
ونبّئتهم يستنصرون بكاهل ... وللّؤم فيهم كاهل وسنام
(7/112)

وكقول الأفوه الأودىّ:
وأقطع الهوجل مستأنسا ... بهوجل عيرانة «1» عنتريس
فالهوجل الأوّل: الفلاة، والثانى: الناقة السريعة.
وأما الإعنات
- ويقال له التضييق والتشديد ولزوم ما لا يلزم- فهو أن يعنت نفسه فى التزام ردف أو دخيل أو حرف مخصوص قبل حرف الروىّ، أو حركة مخصوصة، كقوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ
، وقول النبىّ صلّى الله عليه وسلم: «اللهم بك أحاول، وبك أصاول» وقوله عليه الصلاة والسلام «شرّ ما فى المرء شحّ هالع، أو جبن خالع «2» » وقوله عليه الصلاة والسلام: «زرغبّا تزدد حبّا» وقول عمر رضى الله عنه: لا يكن حبّك كلفا، ولا بغضك تلفا؛ وقول المعرّى:
ضحكنا وكان الضّحك منا سفاهة ... وحقّ لسكّان البسيطة أن يبكوا
يحطّمنا صرف الزمان كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد له السّبك
وقول آخر:
يقولون فى البستان للعين لذّة ... وفى الخمر والماء الذى غير آسن
إذا شئت أن تلقى المحاسن كلّها ... ففى وجه من تهوى جميع المحاسن
وقد التزم ابن الرومىّ الفتح قبل حرف الروىّ- وكان أولع الناس بذلك- فقال:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
(7/113)

وإلا فما يبكيه فيها «1» وإنّها ... لأوسع ممّا كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهلّ كأنه ... بما سيلاقى من أذاها يهدّد
وأمثال ذلك فى الشعر كثيرة.
وأما المذهب الكلامىّ
- فهو إيراد حجة للمطلوب على طريقة أهل الكلام نحو قوله عز وجل: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
ومنه قول النابغة يعتذر إلى النّعمان:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلّغت عنّى جناية ... لمبلغك الواشى أغشّ وأكذب
ولكنّنى كنت امرءا لى جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب
ملوك وإخوان اذا ما مدحتهم ... أحكّم فى أموالهم وأقرّب
كفعلك فى قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم فى مدحهم لك أذنبوا
يقول: أنت أحسنت إلى قوم فمدحوك، وأنا أحسن إلىّ قوم فمدحتهم، فكما أنّ مدح من أحسنت إليه لا يعدّ ذنبا فكذا مدحى لمن أحسن إلىّ لا يعدّ ذنبا.
قال ابن أبى الإصبع، ومن شواهد هذا الباب قول الفرزدق:
لكلّ امرئ نفسان نفس كريمة ... ونفس يعاصيها الفتى ويطيعها
ونفسك من نفسيك تشفع للنّدى ... إذا قلّ من أحرارهنّ شفيعها
يقول: لكلّ إنسان نفسان: نفس مطمئنة تأمره بالخير، ونفس أمّارة تأمره بالشرّ، والإنسان يعاصى الأمارة مرّة ويطيعها أخرى، وأنت إذا أمرتك الأمّارة
(7/114)

بترك النّدى شفعت المطمئنة إليها فى النّدى فى الحالة التى يقلّ فيها الشفيع فى النّدى من النفوس، فأنت أكرم الناس.
وأما حسن التعليل
- فهو أن يدّعى لوصف علّة مناسبة له باعتبار لطيف وهو أربعة أضرب: لأنّ الصفة إمّا ثابتة قصد بيان علّتها، أو غير ثابتة أريد إثباتها فالأولى إمّا لا يظهر لها فى العادة علّة، كقوله:
لم يحك نائلك السحاب وإنّما ... حمّت به فصبيبها الرّحضاء «1»
أو يظهر لها علّة، كقوله:
ما به قتل أعاديه ولكن ... يتّقى إخلاف ما ترجو الذئاب «2»
فإنّ قتل الأعداء فى العادة لدفع مضرّتهم لا لما ذكره.
والثانية إما ممكنة «3» ، كقوله:
يا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجّى حذارك «4» إنسانى من الغرق
فإن استحسان إساءة الواشى ممكن، لكن لمّا خالف الناس فيه عقّبه بما ذكر.
أو غير ممكنة، كقوله:
لو لم تكن نيّة الجوزاء خدمته ... لما أتت وعليها عقد منتطق. «5»
(7/115)

قال: وألحق به ما بنى على الشكّ، كقول أبى تمّام:
ربّا شفعت ريح الصّبا لرياضها ... إلى المزن حتى جادها وهو هامع
كأنّ السحاب الغرّ غيّبن تحتها ... حبيبا فما ترقا لهنّ مدامع
وقد أحسن ابن رشيق فى قوله:
سألت الأرض لم كانت مصلّى ... ولم كانت لنا طهرا وطيبا
فقالت غير ناطقة لأنى ... حويت لكلّ إنسان حبيبا.
وأما الالتفات
- فقد فسّره قدامة بأن قال: هو أن يكون المتكلّم «1» آخذا فى معنى فيعترضه إما شكّ فيه وإما ظنّ أنّ رادّا يردّه عليه، أو سائلا له عن سببه فيلتفت إليه بعد فراغه منه، فإما أن يجلّى الشكّ، أو يؤكّده، أو يذكر سببه، كقول الرمّاح بن ميّادة:
فلا صرمه يبدو ففى اليأس راحة ... ولا وصله يصفو لنا فنكارمه
كأنه توهّم أن فلانا يقول: ما تصنع بصرمه؟ فقال: لأن فى اليأس راحة.
وأما ابن المعتزّ فقال: الالتفات انصراف المتكلّم عن الإخبار إلى المخاطبة، ومثاله فى القرآن العزيز الإخبار بأنّ الحمد لله رب العالمين، [ثم قال «2» ] : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
ومثاله فى الشعر قول جرير:
متى كان الخيام بذى «3» طلوح ... سقيت الغيث أيّتها الخيام؛
(7/116)

أو انصراف المتكلّم عن المخاطبة [الى الإخبار «1» ] ، كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
ومثال ذلك فى الشعر قول عنترة:
ولقد نزلت فلا تظنّى غيره ... منّى بمنزلة المحبّ المكرم
ثم قال مخبرا عنها:
كيف المزار وقد تربّع أهلها، بعنيزتين ... «2» وأهلنا بالغيلم؛
أو انصراف المتكلّم من الإخبار إلى التكلّم، كقوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ
؛ أو انصراف المتكلّم من التكلّم إلى الإخبار، كقوله تعالى: إِنْ يَشَأْ «3» يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ*
وقد جمع امرؤ لاقيس لاالتفاتات الثلاثة فى ثلاثة أبيات متواليات، وهى قوله:
تطاول ليلك بالإثمد «4» ... ونام الخلىّ ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذى العائر «5» الأرمد
وذلك من نبإ جاءنى ... وخبّرته عن أبى الأسود
(7/117)

يخاطب فى البيت الأوّل، وانصرف إلى الإخبار فى البيت الثانى، وانصرف عن الإخبار الى التكلّم فى البيت الثالث على الترتيب.
وأما التمام
- وهو الذى سماه الحاتمىّ التتميم، وسماه ابن المعتز اعتراض كلام فى كلام لم يتم معناه، ثم يعود المتكلم فيتمّمه، وشرح حدّه بأنه الكلمة التى إذا طرحت من الكلام نقص حسن معناه ومبالغته، مع أن لفظه يوهم بأنه تامّ؛ وهو على ضربين: ضرب فى المعانى وضرب فى الألفاظ، فالذى فى المعانى هو تتميم المعنى والذى فى الألفاظ هو تتميم الأوزان، والأوّل هو الذى قدّم حدّه، ومثاله قوله تعالى:
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
فقوله تعالى: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى *
[تتميم، وقوله «1» : وَهُوَ مُؤْمِنٌ*
] تتميم ثان فى غاية البلاغة، ومن هذا القسم قول النبى صلّى الله عليه وسلم: «ما من عبد مسلم يصلى لله كل يوم اثنتى عشرة ركعة من غير الفريضة إلا ابتنى الله له بيتا فى الجنة» فوقع التتميم فى هذا الحديث فى ثلاثة مواضع: قوله عليه السلام: مسلم، ولله، ومن غير الفريضة، ومن أناشيد قدامة على هذا القسم قول الشاعر «2» :
أناس إذا لم يقبل الحقّ منهم ... ويعطوه عادوا «3» بالسيوف القواضب.
وأما الذى فى الألفاظ فهو الذى يؤتى به لإقامة الوزن بحيث لو طرحت الكلمة استقلّ معنى البيت بدونها؛ وهو على ضربين: أحدهما مجىء الكلمة لا تفيد غير إقامة
(7/118)

الوزن فقط، والثانى: مجيئها تفيد مع إقامة الوزن نوعا من الحسن، فالأوّل من العيوب والثانى من المحاسن؛ قال: والكلام هنا فى الثانى، ومثاله قول المتنبىّ:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنّتى لظننت فيه جهنّما
فإنه جاء بقوله يا جنتى لإقامة الوزن، وقصد بها دون غيرها مما يسدّ مسدّها أن يكون بينها وبين قافية البيت مطابقة لا تحصل بغيرها.
وأما الاستطراد
- وهذه التسمية ذكر الحاتمىّ فى حلية المحاضرة أنه نقلها عن البحترىّ، وقيل: أن البحترىّ نقلها عن أبى تمّام، وسماه ابن المعتز: الخروج من معنى إلى معنى، وفسّره بأن قال: هو أن يكون المتكلّم فى معنى فيخرج منه بطريق التشبيه أو الشرط أو الإخبار أو غير ذلك إلى معنى آخر يتضمّن مدحا أو قدحا أو وصفا ما، وغالب وقوعه فى الهجاء، ولا بد من [ذكر «1» ] المستطرد به باسمه بشرط أن لا يكون تقدّم له ذكر.
فمن أوّل «2» ما ورد فى ذلك من النظم قول السموءل بن عادياء:
وإنّا لقوم ما نرى القتل سبّة ... إذا ما رأته عامر وسلول
ومنه قول حسّان:
إن كنت كاذبة الذى حدّثتنى ... فنجوت منجا الحارث بن هشام
ترك الأحبّة لم يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرّة «3» ولجام
(7/119)

وقول أبى تمّام فى وصف حافر «1» الفرس بالصلابة:
أيقنت «2» إن لم تثبّت أنّ حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان
ومن أحسن ما قيل فى ذلك قول ابن الزّمكدم أربعة استطرادات متوالية:
وليل كوجه البرقعيدىّ «3» ظلمة ... وبرد أغانيه وطول قرونه
سريت ونومى فيه نوم مشرّد ... كعقل سليمان بن فهد «4» ودينه
على أولق «5» فيه التفات «6» كأنه ... أبو صالح «7» فى خبطه وجنونه
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... سنا وجه قرواش «8» وضوء جبينه
وقول البحترىّ فى الفرس أيضا:
ما إن يعاف قذّى ولو أوردته ... يوما خلائق حمدويه الأحول
ومما جمع المدح والهجاء قول بكر بن النّطّاح:
فتى شقيت أمواله بنواله ... كما شقيت بكر بأرماح تغلب
(7/120)

ومما جاء «1» به على وجه المجون قول بعضهم:
اكشفى وجهك الذى أوحلتنى ... فيه من قبل كشفه عيناك
غلطى فى هواك يشبه عندى ... غلطى فى أبى علىّ بن زاكى
ومما جاء فى النسيب «2» على وجه التشبيه قول امرئ القيس:
عوجا على الطلل المحيل لعلّنا ... نبكى الديار كما بكى ابن حمام «3» .
وأما تأكيد المدح بما يشبه الذمّ
- فهو ضربان: أفضلهما أن يستثنى من صفة ذمّ منفيّة عن الشىء صفة مدح «4» بتقدير دخولها فيها، نحو قوله تعالى:
(لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً)
فالتأكيد فيه من جهة أنه كدعوى الشىء ببيّنة، وأن الأصل فى الاستثناء الاتصال، فذكر أداته قبل ذكر ما بعدها يوهم إخراج الشىء ممّا قبلها، فإذا وليها صفة مدح جاء التأكيد.
والثانى: أن يثبت لشىء صفة مدح ويعقّب بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى له، كقوله صلّى الله عليه وسلم: «أنا أفصح العرب بيد أنّى من قريش» وأصل الاستثناء فى هذا الضرب أيضا أن يكون منقطعا، لكنه باق على حاله لم يقدّر
(7/121)

متصلا فلا يفيد التأكيد إلا من الوجه الثانى من الوجهين المذكورين، ولهذا كان الأوّل أفضل.
ومن أمثلة الأوّل قول النابغة الذّبيانى:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب
ومن أحسن ما قيل فى ذلك قول حاتم الطائىّ:
ولا تشتكينى جارتى غير أننى ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها
ومن الثانى قول النابغة الجعدىّ:
فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا
ومن أحسن ما ورد فى هذا الباب قول بعضهم «1» :
ولا عيب فينا غير أنّ سماحنا ... أضرّ بنا والبأس «2» من كلّ جانب
فأفنى الردى أعمارنا غير ظالم ... وأفنى الندى أموالنا غير عاتب.
وأما تأكيد الذمّ بما يشبه المدح
- فهو ضربان:
أحدهما أن يستثنى من صفة مدح منفيّة عن الشىء صفة ذمّ بتقدير دخولها فيها
كقولك: فلان لا خير فيه إلّا أنه يسىء «3» إلى من أحسن اليه.
والثانى: أن تثبت للشىء صفة ذمّ وتعقّب بأداة استثناء تليه صفة ذمّ له أخرى
كقولك: فلان فاسق إلّا أنه جاهل، وتحقيق القول فيها على قياس ما تقدّم.
(7/122)

وأما تجاهل العارف
- فهو سؤال المتكلّم عما يعلمه حقيقة تجاهلا منه ليخرج كلامه مخرج المدح أو الذمّ، أو ليدلّ على شدّة التدلّه فى الحبّ، أو لقصد التعجّب أو التوبيخ أو التقرير؛ وقال السكاكىّ: هو سوق المعلوم مساق غيره لنكتة «1» كالتوبيخ، كما فى قول الخارجيّة وهى ليلى بنت طريف:
أيا شجر الخابور «2» مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
والمبالغة فى المدح، كقول البحترىّ:
ألمع برق سرى أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضاحى
أو الذمّ، كما قال زهير:
وما أدرى ولست «3» إخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء
أو التدلّه فى الحبّ، كقوله:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكنّ أم ليلى من البشر «4»
وقول البحترىّ:
بدا فراع فؤادى حسن صورته ... فقلت هل ملك ذا الشخص أم ملك.
(7/123)

وأما الهزل الذى يراد به الجدّ
- فهو أن يقصد المتكلّم ذمّ إنسان أو مدحه فيخرج ذلك مخرج المجون، كقول الشاعر «1» :
إذا ما تميمىّ أتاك مفاخرا ... فقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضبّ.
وأما الكنايات
- فهى أن يعبّر المتكلّم عن المعنى القبيح باللفظ الحسن وعن الفاحش بالطاهر، وقد تقدّم الكلام على ذلك فى باب الكناية والتعريض وهو الباب الرابع من القسم الثانى من هذا الفنّ، وهو فى السّفر الثالث من كتابنا هذا.
وأما المبالغة
- وتسمّى التبليغ والإفراط فى الصفة- فقد حدّها قدامة بأن قال: هى أن يذكر المتكلّم حالا من الأحوال لو وقف عندها لأجزأت فلا يقف حتى يزيد فى معنى ما ذكره ما يكون أبلغ فى معنى قصده، كقول عمير «2» بن كريم التغلبىّ:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا
ومن أمثلة المبالغة المقبولة قول امرئ القيس يصف فرسا:
فعادى عداء «3» بين ثور ونعجة ... دراكا ولم ينضح بماء فيغسل
يقول: إنه أدرك ثورا وبقرة فى مضمار واحد ولم يعرق.
وقول المتنبى:
وأصرع أىّ الوحش قفّيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب
(7/124)

ولا يعاب فى المبالغة إلا ما خرج عن حدّ الإمكان، كقوله:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النّطف التى لم تخلق «1»
وأما إذا كان كقول قيس بن الخطيم:
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشّعاع أضاءها
ملكت بها كفّى فأنهرت «2» فتقها ... يرى قائما من دونها ما وراءها
فإنّ ذلك من جيّد المبالغة إذ لم يكن قد خرج مخرج الاستحالة مع كونه قد بلغ النهاية فى وصف الطعنة، ومن أحسن ذلك وأبلغه قول أحد شعراء الحماسة:
رهنت يدى بالعجز عن شكر برّه ... وما بعد «3» شكرى للشكور مزيد
ولو كان مما يستطاع استطعته ... ولكنّ ما لا يستطاع شديد.
وأما عتاب المرء نفسه
- فهو من أفراد ابن المعتزّ، ولم ينشد عليه سوى بيتين ذكر أن الآمدىّ «4» أنشدهما عن الجاحظ وهما:
عصانى قومى فى الرشاد الذى به ... أمرت ومن يعص المجرّب يندم
فصبرا بنى بكر على الموت إننى ... أرى عارضا ينهلّ بالموت والدم
قال: ولا يصلح أن يكون شاهدا لهذا الباب إلا قول أحد شعراء الحماسة:
أقول لنفسى فى الخلاء ألومها ... لك الويل ما هذا التجلّد والصبر
(7/125)

وقول الآخر:
فقدتك من نفس شعاع «1» فإننى ... نهيتك عن هذا وأنت جميع
وما ناسب ذلك من الأمثلة.
وأما حسن التضمين
- فهو أن يضمّن المتكلّم كلامه كلمة من آية أو حديث أو مثل سائر أو بيت شعر؛ ومن إنشادات ابن المعتزّ عليه:
عوّذ لما بتّ ضيفا له ... أقراصه منّى بياسين
فبتّ والأرض فراشى وقد ... غنّت قفا نبك مصارينى
فضمّن بيته الأوّل كلمة من السورة بتوطئة حسنة، وبيته الثانى مطلع قصيدة امرئ القيس.
ومما ضمّن معنى حديث النبىّ صلّى الله عليه وسلم قول الآخر:
وأخ «2» مسّه نزولى بقرح ... مثلما مسّنى من الجوع قرح
بتّ ضيفا له كما حكم الدهر ... وفى حكمه على الحرّ قبح
قال لى مذ نزلت وهو من السكرة ... بالهمّ طافح ليس يصحو:
لم تغرّبت؟ قلت: قال رسول الل ... هـ والقول منه نصح ونجح:
«سافروا تغنموا» فقال: وقد قال ... تمام الحديث: «صوموا تصحّوا»
ومن تضمين الشعر قول بعضهم:
وقفنا بأنضاء حكتنا «3» لواغب ... «على مثلها من أربع وملاعب»
وهو مطلع قصيدة لأبى تمام،
(7/126)

ومنه قول الغزّى:
طول حياة ما لها طائل ... نغّص عندى كلّ ما يشتهى
أصبحت مثل الطفل فى ضعفه ... تشابه المبدأ والمنتهى
فلا تلم سمعى إذا خاننى ... «إنّ الثمانين وبلّغتها»
المراد من التضمين هاهنا تمام البيت: ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان
وإنما تركه لأن أوّل البيت يدلّ عليه لاشتهاره، وهذا قد أكثر المتأخرون من استعماله فى أشعارهم، وضمّنوا البيت الكامل بعد التوطئة له.
وأما التلميح
- وهو من التضمين، وإنما بعضهم أفرده- فهو أن يشير فى فحوى الكلام إلى مثل سائر، أو بيت مشهور، أو قضية معروفة من غير أن يذكره، كقول الشاعر:
المستغيث بعمرو عند كربته ... كالمستغيث من الرمضاء بالنار
أشار إلى قضيّة كليب حين استغاث بعمرو بن الحارث؛ ومنهم من يسمّى ذلك اقتباسا، وإيراد المثل كما هو تضمينا.
وأما إرسال المثل
- فهو كقول أبى فراس:
تهون علينا فى المعالى نفوسنا ... ومن يخطب العلياء لم يغله «1» المهر
وكقول المتنبىّ:
تبكّى عليهنّ البطاريق فى الدجى ... وهنّ لدينا ملقيات كواسد
بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد.
(7/127)

وأما إرسال مثلين
- فهو الجمع بين مثلين، كقول لبيد:
ألا كلّ شىء ما خلا الله باطل ... وكلّ نعيم لا محالة زائل
وابيات زهير بن أبى سلمى التى فيها ومن ومن، وقد تقدّم ذكر ذلك مستوفى فى باب الأمثال، وهو الباب الأوّل من القسم الثانى من هذا الفنّ، وهو فى السّفر الثالث.
وأما الكلام الجامع
فهو أن يكون البيت كلّه جار يا مجرى مثل واحد كقول زهير:
ومن يك ذا فضل ويبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم
ومن لا يصانع فى أمور كثيرة ... يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم «1»
ومهما تكن عند امرئ من خليفة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وكقول أبى فراس:
إذا كان غير الله فى عدّة الفتى ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد
وكقول المتنبىّ:
وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم
وقوله:
ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى ... عدوّا له ما من صداقته بدّ
وقوله:
ومن البليّة عذل من لا يرعوى ... عن جهله وخطاب من لا يفهم
وقوله:
إنا لفى زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال.
(7/128)

وأما الّلفّ والنشر
- فهو أن يذكر اثنين فصاعدا ثم يأتى «1» بتفسير ذلك جملة مع رعاية الترتيب ثقة بأن السامع يردّ إلى كل واحد منها ما له، كقوله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
؛ ومن النظم قول الشاعر:
ألست أنت الذى من ورد نعمته ... وورد راحته أجنى وأغترف
وقد لا يراعى فيه الترتيب ثقة بأن السامع يردّ كل شىء إلى موضعه سواء تقدّم أو تأخر، كقول الشاعر:
كيف أسلو وأنت حقف «2» وغصن ... وغزال لحظا وقدّا وردفا.
وأما التفسير
- وهو قريب منه- فهو أن يذكر لفظا ويتوهّم أنه يحتاج إلى بيانه فيعيده مع التفسير، كقول أبى مسهر:
غيث وليث [فغيث «3» ] حين تسأله ... عرفا وليث لدى الهيجاء ضرغام
ومنه قول الشاعر:
يحيى ويردى بجدواه وصارمه ... يحيى العفاة ويردى كلّ من حسدا
ومن ذلك أن يذكر معانى ويأتى بأحوالها من غير أن يزيد أو ينقص كقول الفرزدق:
لقد جئت قوما لو لجأت إليهمو ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم
لألفيت فيهم معطيا ومطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج «4» المقوّم
لكنه لم يراع شرط اللّفّ والنشر
(7/129)

وقول آخر:
فوا حسرتا حتى متى القلب موجع ... بفقد حبيب أو تعذّر إفضال
فراق حبيب مثله يورث الأسى ... وخلّة حرّ لا يقوم بها مالى «1»
ومنه قول ابن شرف:
سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ... ملء المسامع والأفواه والمقل
ومن احسن ما فى هذا الباب قول ابن الرومىّ:
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... فى الحادثات إذا دجون نجوم
منها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم
وفساد ذلك أن يأتى بإزاء الشىء بما لا يكون مقابلا له، كقول الشاعر:
فيأيها الحيران فى ظلم الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغى من العدا
تعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفّيه بحرا من الندى
فأتى بالندى بإزاء بغى العدا، وكان يجب أن يأتى بإزائه بالنصر أو العصمة أو الوزر وما جانسه، أو يذكر فى موضع البغى الفقر والعدم وما جانس ذلك.
وأما التعديد
- ويسمّى سياقة الأعداد- فهو إيقاع أسماء مفردة على سياق واحد، فإن روعى فى ذلك ازدواج أو جناس أو تطبيق أو نحو ذلك كان غاية فى الحسن، كقولهم: وضع فى يده زمام الحلّ والعقد، والقبول والردّ، والأمر والنهى، والبسط والقبض، والإبرام والنقض، والإعطاء والمنع؛ ومن النظم قول المتنبىّ:
الخيل والليل والبيداء تعرفنى ... والضرب والطعن والقرطاس والقلم.
(7/130)

وأما تنسيق الصفات
- فهو أن يذكر الشىء بصفات متوالية، كقوله عزّ وجلّ: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
الآية، وقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً*
وقول النبى صلّى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأحبّكم إلىّ وأقربكم منّى مجالس يوم القيامة؟
أحاسنكم أخلاقا، الموطّئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون» ؛ ومن النظم قول أبى طالب فى النبى صلّى الله عليه وسلم:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وقول المتنبىّ:
دان بعيد محبّ مبغض بهج ... أغرّ حلو ممرّ ليّن شرس.
وأما الإيهام
- ويقال له التورية والتخييل- فهو أن يذكر ألفاظا لها معان قريبة وبعيدة، فإذا سمعها الإنسان سبق إلى فهمه القريب، ومراد المتكلّم البعيد مثاله قول عمر بن أبى ربيعة:
أيها المنكح الثريّا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان
هى شاميّة إذا ما استقلّت ... وسهيل إذا استقلّ يمانى
فذكر الثريا وسهيلا ليوهم السامع أنه يريد النجمين، ويقول: كيف يجتمعان والثريّا من منازل القمر الشاميّة، وسهيل من النجوم اليمانيّة؟ ومراده الثريّا التى كان يتغزّل بها لمّا زوّجت بسهيل؛ ومن ذلك قول المعرّى:
إذا صدق الجدّ افترى العمّ للفتى ... مكارم لا تخفى وإن كذب الخال
(7/131)

فإنّ وهم السامع يذهب إلى الأقارب، ومراده بالجدّ: الحظّ، وبالعمّ: الجماعة من الناس، وبالخال: المخيلة، ومن ذلك قول الحريرىّ فى [وصف «1» الإبرة والميل فى] المقامة الثامنة:
وقوله أيضا:
يا قوم كم من عاتق «2» عانس ... ممدوحة الأوصاف فى الأنديه
قتلتها لا أتقى وارثا ... يطلب منّى قودا أو ديه
يريد بالعاتق العانس: الخمر، وبقتلها: مزجها، كما قال حسّان:
إن التى عاطيتنى فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل
وأمثال ذلك كثيرة.
وعند علماء البيان: التخييل تصوير حقيقة الشىء للتعظيم، كقوله تعالى:
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
والغرض منه تصوير عظمته والتوقيف «3» على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو مجاز، وكذلك قوله صلّى الله عليه وسلم: «إنما نحن حفنة من حفنات ربّنا» قال الزمخشرى: ولا يرى باب فى علم البيان أدقّ ولا ألطف من هذا الباب.
(7/132)

وأما حسن الابتداءات
- قال: هذه تسمية ابن المعتزّ، وأراد بها ابتداءات القصائد، وفرّع المتأخرون من هذه التسمية براعة الاستهلال، وهو أن يأتى الناظم أو الناثر فى ابتداء كلامه ببيت أو قرينة تدلّ على مراده فى القصيدة أو الرسالة أو معظم مراده؛ والكاتب أشدّ ضرورة إلى ذلك من غيره ليبتنى كلامه على نسق واحد دلّ عليه من أوّل علم بها مقصده «1» ، إما فى خطبة تقليد، أو دعاء كتاب، كما قيل لكاتب: اكتب إلى الأمير بأن بقرة ولدت حيوانا على شكل الإنسان، فكتب:
أما بعد حمد الله خالق الإنسان فى بطون الأنعام وكقول أبى الطيّب فى الصلح الذى وقع بين كافور وبين ابن مولاه:
حسم الصلح ما اشتهته الأعادى ... وأذاعته ألسن الحسّاد
وأمثال ذلك.
قال: وينبغى أن لا يبتدئ بشىء يتطيّر منه، كقول ذى الرّمّة:
ما بال عينك منها الماء ينسكب
وقول البحترى:
لك الويل من ليل تقاصر آخره
وكقول المتنبىّ:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
وكقوله:
ملثّ «2» القطر أعطشها ربوعا ... وإلّا فاسقها السّمّ النقيعا
(7/133)

قال: وينبغى أن يراعى فى الابتداءات ما يقرب من المعنى إذا لم تتأت له براعة الاستهلال، وتسهيل اللفظ وعذوبته وسلاسة ألفاظه، وقيل: إن أحسن ابتداء ابتدأت به العرب قول النابغة:
كلينى لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطىء الكواكب
ومن أحسن ما ابتدأ به مولّد قول إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ:
هل إلى أن تنام عينى سبيل ... إنّ عهدى بالنوم عهد طويل
ويحسن أن يبتدئ فى المديح بمثل قول أبزون العمانىّ:
على منبر العلياء «1» جدّك يخطب ... وللبلدة العذراء سيفك يخطب
وقول المتنبىّ:
عدوّك مذموم بكلّ لسان ... وإن كان من أعدائك القمران
وقول التّيفاشى:
ما هزّ عطفيه بين البيض والأسل ... مثل الخليفة عبد المؤمن بن على
وفى التشبيب كقول أبى تمّام:
على مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصونات الدموع السواكب
وفى النسيب كقول المتنبىّ:
أتراها لكثرة العشّاق ... تحسب الدمع خلقة فى المآقى
وفى المراثى كقول أبى تمّام:
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر ... وليس لعين لم يفض ماؤها عذر.
(7/134)

وأما براعة التخليص
- فهو أن يكون التشبيب أو النسيب ممزوجا بما بعده من مدح وغيره غير منفصل عنه، كقول مسلم بن الوليد:
أجدّك هل تدرين أن ربّ ليلة ... كأنّ دجاها من قرونك تنشر
نصبت لها حتى تجلّت بغرّة ... كغرّة يحيى حين يذكر جعفر
وكقول المتنبىّ:
نودّعهم والبين فينا كأنه ... قنا ابن أبى الهيجاء فى قلب فيلق.
وأما براعة الطلب
- قال: وهو أن تكون ألفاظ الطلب مقترنة بتعظيم الممدوح، كقول أميّة بن أبى الصّلت:
أأذكر حاجتى أم قد كفانى ... حياؤك إنّ شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرّضه الثناء
وكقول المتنبىّ:
وفى النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتى بيان عندها وخطاب.
وأما براعة المقطع
- فهو أن يكون آخر الكلام الذى يقف عليه المترسّل أو الخطيب أو الشاعر مستعذبا حسنا، لتبقى لذّته فى الأسماع، كقول أبى تمام:
أبقت بنى الأصفر المصفّر كاسمهم ... صفر الوجوه وجلّت أوجه العرب
وكقول المتنبىّ:
وأعطيت الذى لم يعط خلق ... عليك صلاة ربّك والسلام
وكقول الغزّى:
بقيت بقاء الدهر يا كهف أهله ... وهذا دعاء للبريّة شامل.
(7/135)

وأما السؤال والجواب
- فهو كقول أبى فراس:
لك جسمى تعلّه ... فدمى لم تطلّه «1» ؟
قال إن كنت مالكا ... فلى الأمر كلّه
وأمثال ذلك. وقد أوردنا منه فى باب الغزل ما فيه كفاية.
وأما صحة الأقسام
- فهو عبارة عن استيفاء أقسام المعنى الذى هو آخذ فيه بحيث لا يغادر منه شيئا؛ ومثال ذلك قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً
وليس فى رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق، والطمع فى المطر؛ وقوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ
فلم يبق قسما من أقسام الهيئات حتى أتى به؛ وقوله تعالى: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً
، ومن ذلك قوله صلّى الله عليه وسلم: «ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت» ولا رابع لهذه الأقسام؛ ووقف أعرابىّ على حلقة الحسن البصرىّ فقال: رحم الله من تصدّق من فضل، أو واسى من كفاف، أو آثر من قوت؛ فقال الحسن: ما ترك الأعرابىّ منكم أحدا حتى عمّه بالمسألة؛ ومن أمثلة هذا الباب فى الشعر قول بشّار:
فراح فريق فى الإسار ومثله ... قتيل ومثل لاذ بالبحر هاربه
(7/136)

وأصله قول عمرو بن الأهتم:
إشربا ما شربتما فهذيل ... من قتيل وهارب وأسير
ومن جيد صحة الأقسام قول الحماسىّ:
وهبها كشىء لم يكن أو كنازح ... به الدار أو من غيّبته المقابر
فاستوفى جميع أقسام المعدوم؛ وقول أبى تمّام فى الأفشين لما احترق بالنار:
صلّى لها حيّا وكان وقودها ... ميتا ويدخلها مع الفجّار
ومن قديم ما فى ذلك من الشعر قول زهير:
وأعلم ما فى اليوم والأمس قبله ... ولكننى عن علم ما فى غد عمى
ومن النادر فى صحة الأقسام قول عمر بن أبى ربيعة:
تهيم إلى نعم فلا الشّمل جامع ... ولا الحبل موصول ولا أنت مقصر
ولا قرب نعم إن دنت لك نافع ... ولا بعدها يسلى ولا أنت تصبر.
وأما التوشيح
- فهو أن يكون معنى الكلام يدلّ على لفظ آخره، فيتنزل المعنى منزلة الوشاح، ويتنزّل أوّل الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح.
وقال قدامة: هو أن يكون فى أوّل البيت معنى إذا علم علمت منه قافية البيت بشرط أن يكون المعنى المقدّم بلفظه من جنس معنى القافية بلفظه «1» ، كقول الراعى النّميرىّ:
(7/137)

فإن وزن الحصى فوزنت قومى ... وجدت حصى ضريبتهم «1» رزينا
فإن السامع إذا فهم أن الشاعر أراد المفاخرة برزانة الحصى، وعرف القافية والروىّ، علم آخر البيت؛ ومن أمثلته ما حكى عن عمر بن أبى ربيعة أنه أنشد عبد الله ابن عباس رضى الله عنهما:
تشطّ غدا دار أحبابنا
فقال له عبد الله:
وللدار بعد غد أبعد
فقال له عمر: هكذا والله قلت، فقال له عبد الله: وهكذا يكون.
وأما الإيغال
- فمعناه أن المتكلّم أو الشاعر إذا انتهى إلى آخر القرينة أو البيت استخرج سجعة أو قافية تفيد معنى زائدا على معنى الكلام، وأصله من أوغل فى السير إذا بلغ غاية قصده بسرعة.
وفسّره قدامة بأن قال: هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته بتمامه قبل أن يأتى بقافيته، فإذا أراد الإتيان بها أفاد معنى زائدا على معنى البيت، كقول ذى الرّمّة:
قف العيس فى آثار ميّة واسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل «2»
فتمّم كلامه قبل القافية، فلما احتاج إليها أفاد بها معنى زائدا، وكذلك صنع فى البيت الثانى فقال:
أظنّ الذى يجدى عليك سؤالها ... دموعا كتبذير الجمان المفصّل
فإنه تمّم كلامه بقوله: كتبذير الجمان، واحتاج إلى القافية، فأتى بها تفيد معنى زائدا لو لم يؤت بها لم يحصل.
(7/138)

وحكى عن الأصمعىّ أنه سئل عن أشعر الناس فقال: الذى يأتى إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كثيرا، وينقضى كلامه قبل القافية، فإن احتاج إليها أفاد بها معنى، فقيل له: نحو من؟ فقال: نحو الفاتح لأبواب المعانى امرئ القيس حيث قال:
كأنّ عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع «1» الذى لم يثقّب
ونحو زهير حيث يقول:
كأنّ فتات العهن فى كلّ منزل ... نزلن به حبّ الفنا «2» لم يحطّم
ومن أبلغ ما وقع فى هذا الباب قول الخنساء:
وإنّ صخرا لتأتمّ العفاة «3» به ... كأنه علم فى رأسه نار
ومنه قول ابن المعتزّ لابن طباطبا العلوى:
فأنتم «4» بنو بنته دوننا ... ونحن بنو عمّه المسلم
ومن أمثلة ذلك من شعر المتأخرين قول الباخرزىّ:
أنا فى فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترنى فقلت لها وأين فؤادى
وقول آخر:
تعجّبت من ضنى جسمى فقلت لها ... على هواك فقالت عندى الخبر.
(7/139)

وأما الإشارة
- فهى أن يشتمل اللفظ القليل على معان كثيرة بإيماء إليها، وذكر لمحة تدلّ عليها كقوله تعالى: (فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى)
، (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ) .
وكقول امرئ القيس:
فإن تهلك شنوءة «1» أو تبدّل ... فسيرى إنّ فى غسّان خالا
بعزّهمو عززت وإن يذلّوا ... فذلّهمو أنا لك ما أنالا
وكقوله أيضا:
فظلّ لنا يوم لذيذ بنعمة ... فقل فى نعيم نحسه متغيّب.
وأما التذييل
- وهو ضدّ الإشارة- فهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد حتى يظهر لمن لم يفهمه، ويتوكّد عند من فهمه، كقوله:
إذا ما عقدنا له ذمّة ... شددنا العناج «2» وعقد الكرب
وقول آخر:
ودعوا نزال فكنت أوّل نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل
ويقرب منه التكرار، كقول عبيد:
هل لا سألت جموع كن ... دة يوم ولّوا أين أينا؟
(7/140)

وكقول آخر:
وكانت فزارة تصلى بنا ... فأولى فزارة أولى فزارا.
وأما الترديد
- فهو أن تعلّق لفظة فى البيت بمعنى، ثم تردّها فيه بعينها وتعلّقها بمعنى آخر، كما قال زهير:
من يلق يوما على علّاته هرما ... يلقى السماحة منه والندى خلقا
وكقول آخر:
وأحفظ مالى فى الحقوق وإنه ... لجمّ وإنّ الدهر جمّ عجائبه
وكقول أبى نواس:
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسّها حجر مسّته سرّاء.
وأما التفويف
- فهو مشتقّ من الثوب المفوّف، وهو الذى فيه خطوط بيض، وهو فى الصناعة عبارة عن إتيان المتكلم بمعان شتّى من المدح أو الغزل أو غير ذلك من الأغراض، كلّ فنّ فى سجعة منفصلة عن أختها مع تساوى الجمل فى الوزنيّة، وتكون فى الجمل الطويلة والمتوسّطة والقصيرة؛ فمثال ما جاء منه فى الجمل الطويلة قول النابغة الذّبيانىّ:
فلله عينا من رأى أهل قبّة ... أضرّ لمن عادى وأكثر نافعا
وأعظم أحلاما وأكبر سيّدا ... وأفضل مشفوعا إليه وشافعا
ومثال ما جاء منه بالجمل المتوسطة قول أبى الوليد بن زيدون:
ته أحتمل، واستطل أصبر، وعزّ أهنّ ... وولّ أقبل، وقل أسمع، ومر أطع
ومثال ما جاء منه بالجمل القصيرة قول المتنبىّ:
أقل أنل أقطع آعل علّ سلّ أعد ... زد هشّ بشّ تفضّل أدن سرّ صل.
(7/141)

وأما التسهيم
- فهو مأخوذ من البرد المسهّم، وهو المخطّط الذى لا يتفاوت ولا يختلف، ومنهم من يجعل التسهيم والتوشيح شيئا واحدا، ويشرك بينهما بالتسوية، والفرق بينهما أنّ التوشيح لا يدلّك أوّله إلا على القافية فحسب، والتسهيم تارة يدلّ على عجز البيت، وتارة على ما دون العجز؛ وتعريفه أن يتقدّم من الكلام ما يدلّ على ما يتأخر، تارة بالمعنى، وتارة باللفظ، كأبيات جنوب أخت عمرو ذى الكلب، فإن الحذّاق بمعنى الشعر وتأليفه يعلمون أن معنى قولها:
فأقسم يا عمرو لو نبّهاك
يقتضى أن يكون تمامه:
إذن نبّها منك داء عضالا
دون غيره من القوافى، كما لو قالت مكان «داء عضالا» : ليثا غضوبا، أو أفعى قتولا، أو سمّا وحيّا، أو ما يناسب ذلك، لأن الداء العضال أبلغ من جميع هذه الأشياء وأشد، إذ كلّ منها يمكن مغالبته أو التوقّى منه، والداء العضال لا دواء له، فهذا مما يعرف بالمعنى؛ وأما ما يدلّ فيه الأوّل على الثانى دلالة لفظيّة فهو قولها «1» بعده:
إذن نبّها ليث عرّيسة ... حفيتا حفيدا نفوسا ومالا
فإن الحاذق بصناعة الكلام إذا سمع قولها: «حفيتا مفيدا» تحقّق أن هذا اللفظ يقتضى أن يكون تمامه: «نفوسا ومالا» ؛ وكذلك قولها:
فكنت النهار به شمسه
(7/142)

يقتضى أن يكون [بعده «1» ] :
وكنت دجى اللّيل فيه الهلالا
ومن ذلك قول البحترىّ:
وإذا حاربوا أذلّوا عزيزا
يحكم السامع بأن تمامه:
وإذا «2» سالموا أعزّوا ذليلا
وكذلك قوله:
احلّت دمى من غير جرم وحرّمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامى
فليس الذى حلّلته بمحلّل
يعرف السامع أن تمامه:
وليس الذى حرّمته بحرام.
وأما الاستخدام
- فهو أن يأتى المتكلّم بلفظة لها معنيان، ثم يأتى بلفظتين يستخدم كلّ لفظة منهما فى معنى من معنى تلك «3» اللفظة المتقدّمة، وربما التبس الاستخدام بالتورية من كون كل واحد من البابين «4» مفتقرا إلى لفظة لها معنيان، والفرق بينهما أن التورية استعمال أحد المعنيين من اللفظة، وإهمال الآخر، والاستخدام استعمالها معا، ومن أمثلته قول البحترىّ:
فسقى الغضى والسّاكنيه وإن همو ... شبّوه بين جوانح وقلوب
(7/143)

فإن لفظة الغضى محتملة للموضع والشجر، والسّقيا صالحة لهما، فلّما قال:
«والساكنيه» استعمل أحد معنى اللفظ، وهو دلالته بالقرينة على الموضع، ولمّا قال: «شبّوه» استعمل المعنى الآخر، وهو دلالته بالقرينة على الشجر؛ ومن ذلك قول الشاعر «1» :
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
أراد بالسماء الغيث، وبضميره النّبت.
وأما العكس والتبديل
- فهو أن يقدّم فى الكلام أحد جزئيه ثم يؤخّر؛ ويقع على وجوه:
منها أن يقع بين طرفى الجملة، كقول بعضهم: عادات السادات، سادات العادات؛ ومنها أن يقع بين متعلّقى فعلين فى جملتين، كقوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ*
ومنه بيت الحماسة:
فردّ شعورهن السود بيضا ... وردّ وجوههن البيض سودا؛
ومنها أن يقع بين كلمتين فى طرفى جملتين، كقوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ
وقوله تعالى: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَ
وقول أبى الطيّب:
ولا مجد فى الدنيا لمن قلّ ماله ... ولا مال فى الدنيا لمن قلّ مجده.
وأما الرجوع
- فهو أن يعود المتكلّم على «2» كلامه السابق بالنقض لنكتة كقول زهير:
قف بالديار التى لم يعفها القدم ... بلى وغيّرها الأرواح والدّيم
(7/144)

كأنه لمّا وقف على الديار عرته روعة ذهل بها عن رؤية ما حصل لها من التغيّر فقال: «لم يعفها القدم» ثم تاب إليه عقله وتحقّق ما هى عليه من الدروس، فقال:
بلى عفت وغيّرها الأرواح والدّيم؛ ومنه بيت الحماسة:
أليس «1» قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلّا ليس منك قليل.
وأما التغاير
- فهو أن يغاير المتكلّم الناس فيما عادتهم أن يمدحوه فيذمّه أو يذمّوه فيمدحه؛ فمن ذلك قول أبى تمّام يغاير جميع الناس فى تفضيل التكرّم على الكرم:
قد بلونا أبا سعيد حديثا ... وبلونا أبا سعيد قديما
فوردناه سائحا وقليبا ... ورعيناه بارضا وجميعا «2»
فعلمنا أن ليس إلا بشقّ النفس ... صار الكريم [يدعى «3» ] كريما
وهو مغاير لقوله على العادة المألوفة:
لا يتعب النائل المبذول همّته ... وكيف يتعب عين الناظر النظر
ومنه قول ابن الرومىّ فى تفضيل القلم على السيف:
إن يخدم القلم السيف الذى خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم
فالموت والموت لا شىء يعادله ... ما زال يتبع ما يجرى به القلم
(7/145)

كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم
وغايره المتنبىّ على الطريق المألوف فقال:
حتى رجعت وأقلامى قوائل لى ... المجد للسيف ليس المجد للقلم
اكتب بها أبدا قبل الكتاب بنا ... فإنما نحن للأسياف كالخدم.
وأما الطاعة والعصيان
- فإنه قال: هذا النوع استنبطه أبو العلاء المعرّى عند نظره فى شعر أبى الطيّب، وسمّاه بهذه التسمية، وقال: هو أن يريد المتكلّم معنى من المعانى «1» التى للبديع فيستعصى عليه لتعذّر دخوله فى الوزن الذى هو آخذ فيه فيأتى موضعه بكلام غيره يتضمّن معنى كلامه، ويقوم به وزنه، ويحصل به معنى من البديع غير «2» الذى قصده، كقول المتنبىّ:
يردّ يدا عن ثوبها وهو قادر ... ويعصى الهوى فى طيفها وهو راقد
فإنه أراد «3» أن يقول: يردّ يدا عن ثوبها وهو مستيقظ، حتى إذا قال:
ويعصى الهوى فى طيفها وهو راقد
يكون فى البيت مطابقة، فلم يطعه الوزن، فأتى بقادر فى موضع مستيقظ لتضمّنه معناه، فإن القادر لا يكون إلا مستيقظا وزيادة، فقد عصاه فى البيت الطباق وأطاعه الجناس بين قادر وراقد، وهو جناس العكس؛
(7/146)

وأنكر ابن أبى الإصبع أن يكون هذا الشاهد من باب الطاعة والعصيان، لأنه كان يمكنه أن يقول عوض قادر: ساهر، وإنما المتنبىّ قصد أن يكون فى بيته طباق معنوىّ، لأن القادر ساهر وزيادة، إذ ليس كلّ ساهر قادرا، وأن يكون فيه جناس العكس.
وقال: إن شاهد الطاعة والعصيان عنده أن تعصيه إقامة الوزن مع إظهار مراده، فتطيعه لفظة من البديع يتمّم بها المعنى وتزيده حسنا، كقول عوف بن محلّم:
إن الثمانين وبلّغتها ... قد أحوجت سمعى إلى ترحمان
فإنه أراد أن يقول: إن الثمانين قد أحوجت سمعى إلى ترجمان، فعصاه الوزن وأطاعه لفظة من البديع وهى التتميم، فزادته حسنا وكمّلت مراده، وكلّ التتميم من هذا النوع.
وأما التسميط
- فهو أن يجعل المتكلّم مقاطيع أجزاء البيت أو القرينة على سجع يخالف قافية البيت أو آخر القرينة، كقول مروان بن أبى حفصة:
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
فإن أجزاء البيت مسجّعة على خلاف قافيته فتكون القافية بمنزلة السمط، والأجزاء المسجّعة بمنزلة حبّ العقد.
وأما التشطير
- فهو أن يقسم الشاعر بيته شطرين، ثم يصرّع كلّ شطر من الشطرين، ولكنه يأتى بكلّ شطر من بيته مخالفا لقافية الآخر، كقول مسلم ابن الوليد:
موف على مهج فى يوم ذى رهج ... كأنّه أجل يسعى إلى أمل
وكقول أبى تمّام:
تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتقب فى الله مرتغب.
(7/147)

وأما التطريز
- فهو أن يبتدئ الشاعر بذكر جمل من الذوات غير مفصّلة ثم يخبر عنها بصفة واحدة من الصفات مكررة بحسب تعداد جمل تلك الذوات تعداد تكرار واتحاد، لا تعداد تغاير، كقول ابن الرومىّ:
أمور كمو [بنى «1» ] خاقان عندى ... عجاب فى عجاب فى عجاب
قرون فى رءوس فى وجوه ... صلاب فى صلاب فى صلاب
وكقوله:
وتسقينى وتشرب من رحيق ... خليق أن يشبّه بالخلوق
كأنّ الكأس فى يدها وفيها ... عقيق فى عقيق فى عقيق.
وأما التوشيع
- فهو مشتقّ من الوشيعة، وهى الطريقة فى البرد، وكأنّ الشاعر أهمل البيت كلّه إلا آخره، فأتى فيه بطريقة تعدّ من المحاسن؛ وهو عند أهل هذه الصناعة أن يأتى المتكلّم أو الشاعر باسم مثنّى فى حشو العجز، ثم يأتى بعده باسمين مفردين هما عين ذلك المثنّى، يكون الآخر منهما قافية بيته، أو سجعة كلامه كأنهما تفسير لما ثنّاه «2» ، كقول النبى صلّى الله عليه وسلّم: «يشيب ابن آدم وتشبّ فيه خصلتان: الحرص وطول الأمل» ومن أمثلة ذلك فى النظم قول الشاعر:
أمسى وأصبح من تذكاركم وصبا ... يرثى لى المشفقان الأهل والولد
قد خدّد الدمع خدّى من تذكّركم ... واعتادنى المضنيان الوجد والكمد
وغاب عن مقلتى نومى لغيبتكم ... وخاننى المسعدان الصبر والجلد
لم يبق غير خفىّ الرّوح فى جسدى ... فدى لك الباقيان الرّوح والجسد.
(7/148)

قال ابن أبى الإصبع: وما بما قلته فى هذا الباب من بأس، وهو:
بى «1» محنتان ملام فى هوى بهما ... رثى لى القاسيان الحبّ والحجر
لولا الشفيقان من أمنيّة وأسا «2» ... أودى بى المرديان الشوق والفكر
قال: ويحسن أن يسمى ما فى بيته مطرّف التوشيع، إذ وقع المثنّى فى أوّل كلّ بيت وآخره.
وأما الإغراق
- وهو فوق المبالغة ودون الغلوّ، ومن أمثلته قول ابن المعتزّ:
صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
فموضع الإغراق من البيت قوله: ظالمين، يعنى أنها استفرغت جهدها فى العدو فما ضربناها إلا ظلما، فمن أجل ذلك خرجت من الوحشيّة إلى الطّيريّة؛ ولو لم يقل:
«ظالمين» لما حسن قوله: «فطارت» ولكنه بذكر الظلم صارت الاستعارة كأنها حقيقة، وقد عدّ من الإغراق لا المبالغة قول امرئ القيس:
تنوّرتها من أذرعات «3» وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالى.
وأما الغلوّ
- فمنهم من يجعله هو والإغراق شيئا واحدا، ومن شواهده قول مهلهل:
فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذّكور «4»
(7/149)

ومثله قول المتنبىّ فى وصف الأسد:
ورد «1» إذا ورد البحيرة شاربا ... بلغ الفرات زئيره والنّيلا
قالوا: ومن أمثلة الغلوّ قول النّمر بن تولب فى صفة السيف:
تظلّ تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذّراعين والساقين والهادى.
وأما القسم
- فهو أن يريد الشاعر الحلف على شىء فيأتى فى الحلف بما يكون مدحا [له «2» ] وما يكسبه فخرا، أو يكون هجاء لغيره، أو وعيدا، أو جاريا مجرى التغزل والترقق؛
فمثال الأوّل قول «3» مالك بن الأشتر النّخعىّ: ... بقّيت وفرى وانحرفت عن العلا
وقد تقدّم الاستشهاد بهما فى النظم، فإنها تضمّنت فخرا له، ووعيدا لغيره؛ وكقول أبى علىّ البصير يعرّض بعلىّ بن الجهم:
أكذبت أحسن ما يظنّ مؤملى ... وعدمت ما شادته لى أسلافى
وعدمت عاداتى التى عوّدتها ... قدما من الإخلاف والإتلاف
وغضضت من نارى ليخفى ضوءها ... وقريت عذرا كاذبا أضيافى
إن لم أشنّ على علىّ (غارة «4» ) ... تضحى قذى فى أعين الأشراف
وقد يقسم الشاعر بما يزيد الممدوح مدحا، كقول القائل:
إن كان لى أمل سواك أعده ... فكفرت نعمتك التى لا تكفر
(7/150)

ومما جاء من القسم فى النسيب قول الشاعر:
فإن لم تكن عندى كعينى ومسمعى ... فلا نظرت عينى ولا سمعت أذنى
ومما جاء فى الغزل قول الآخر:
لا والذى سلّ من جفنيه سيف ردى ... قدّت له من عذاريه حمائله
ما صارمت مقلتى دمعا ولا وصلت ... غمضا ولا سالمت قلبى بلابله.
وأما الاستدراك
- فهو على قسمين: قسم يتقدّم الاستدراك فيه تقرير لما أخبر به المتكلّم وتوكيد، وقسم لا يتقدّمه ذلك؛ فمن أمثلة الأوّل قول القائل:
وإخوان تخذتهمو دروعا ... فكانوها ولكن للاعادى
وخلتهمو سهاما صائبات ... فكانوها ولكن فى فؤادى
وقالوا قد صفت منّا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادى
وقول الأرّجانىّ:
غالطتنى إذ كست جسمى ضنى ... كسوة أعرت من الجلد العظاما
ثم قالت أنت عندى فى الهوى ... مثل عينى صدقت لكن سقاما
وأما القسم الثانى الذى لا يتقدّم الاستدراك فيه تقرير ولا توكيد فكقول زهير:
أخو ثقة لا يهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله.
وأما المؤتلفة والمختلفة
- فهو أن يريد الشاعر التسوية بين ممدوحين فيأتى بمعان مؤتلفة فى مدحهما، ويروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر بزيادة لا ينقص بها الآخر، فيأتى لأجل الترجيح بمعان تخالف التسوية، كقول الخنساء فى أخيها وأبيها- وراعت حقّ الوالد بما لم ينقص الولد-
(7/151)

جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاقبان ملاءة الحضر «1»
وهما وقد برزا كأنهما ... صقران [قد «2» ] حطّا الى وكر
حتى اذا نزت القلوب وقد ... لزّت هناك العذر «3» بالعذر
وعلا هتاف الناس: أيّهما ... قال المجيب هناك: لا أدرى
برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجرى
أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السنّ والكبر
وأوّل من سبق الى هذا المعنى زهير «4» حيث قال:
هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدّما من صالح سبقا
وتداوله الناس، فقال أبو نواس:
ثم جرى الفضل فانثنى قدما ... دون مداه بغير ترهيق
فقيل راشا سهما تراد به ال ... غاية والنّصل سابق الفوق «5» .
وأما التفريق المفرد
- فهو كقول الشاعر:
ما نوال الغمام يوم ربيع ... كنوال الأمير يوم سخاء
فنوال الأمير بدرة عين ... ونوال الغمام قطرة ماء.
(7/152)

وأما الجمع مع «1» التفريق
- فهو أن يشبّه شيئين بشىء ثم يفرّق بين وجهى الاشتباه، كقول الشاعر:
فوجهك كالنار فى ضوئها ... وقلبى كالنار فى حرّها.
وأما التقسيم المفرد «2»
- فهو أن يذكر قسمة ذات جز أين أو أكثر، ثم يضمّ الى كلّ واحد من الأقسام ما يليق به، كقول ربيعة الرّقىّ:
يزيد سليم سالم المال والفتى ... فتى الأزد للأموال غير مسالم
لشتّان ما بين اليزيدين فى الندى ... يزيد سليم والأغرّ بن حاتم
فهمّ الفتى الأزدى إتلاف ماله ... وهمّ الفتى القيسىّ جمع الدارهم
فلا يحسب التمتام «3» أنّى هجوته ... ولكننى فضّلت أهل المكارم
وكقول ابن حيّوس:
ثمانية لم تفترق إذ جمعتها ... فلا افترقت ما ذبّ عن ناظر شفر
يقينك «4» والتقوى، وجودك والغنى ... ولفظك والمعنى، وسيفك والنصر
(7/153)

وقول آخر:
لملتمسى الحاجات جمع ببابه ... فهذا له فن وهذا له فن
فللخامل العليا، وللمعدم الغنى ... وللمذنب الرّحمى، وللخائف الأمن
ويجوز أن يعدّ هذا من الجمع مع التقسيم.
وأما الجمع مع التقسيم
- فهو أن يجمع أمورا كثيرة تحت حكم، ثم يقسّم بعد ذلك، أو يقسّم «1» ثم يجمع، مثال الأوّل قول المتنبىّ:
حتى أقام على أرباض خرشنة «2» ... تشقى به الروم والصّلبان والبيع
للسّبى ما نكحوا، والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا، والنار ما زرعوا
فجمع فى البيت الأوّل أرض العدوّ وما فيها من معنى الشقاوة، وذكر التقسيم فى البيت الثانى.
ومثال الثانى قول حسّان:
قوم إذا حاربوا ضرّوا عدوّهمو ... أو حاولوا النفع فى أشياعهم نفعوا
سجيّة تلك منهم غير محدثة ... إنّ الحوادث فاعلم شرّها البدع.
وأما التزويج
- فهو أن يزاوج بين معنين فى الشرط والجزاء، كقول البحترىّ:
إذا ما نهى الناهى ولجّ بى الهوى ... أصاخت إلى الواشى فلجّ بها الهجر.
وأما السلب والإيجاب
- فهو أن يوقع [الكلام «3» ] على نفى شىء وإثباته فى بيت واحد، كقوله:
(7/154)

وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
وكقول الشّمّاخ:
هضيم الحشى لا يملأ الكفّ خصرها ... ويملأ منها كلّ حجل «1» ودملج.
وأما الاطّراد
- فهو أن يطرد الشاعر أسماء متتالية يزيد الممدوح بها تعريفا، لأنها لا تكون إلا أسماء آبائه تأتى منسوقة غير منقطعة من غير ظهور كلفة على النّظم كاطّراد الماء وانسجامه «2» ، وذلك كقول الأعشى:
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت الذى ترجو حباءك وائل
وكقول دريد:
قتلنا بعبد الله خير لداته ... ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب
وهذا أحسن من الأوّل، لاطّراد الأسماء فى عجز البيت.
وقال ابن أبى الإصبع: وقد أربى على هؤلاء بعض القائلين حيث قال:
من يكن رام حاجة بعدت عنه ... وأعيت عليه كلّ العياء
فلها أحمد المرجّى ابن يحيى بن ... معاذ بن مسلم بن رجاء
لو لم يقع فيه الفصل بين الأسماء بلفظة المرجّى.
ومنه ما كتب الشيخ مجد الدين بن الظّهير الحنفىّ على إجازة:
أجاز ما قد سألوا ... بشرط أهل السّند
محمد بن أحمد بن ... عمر بن أحمد
فلم يفصل «3» بين الأسماء فى البيت بلفظة أجنبيّة.
(7/155)

وأما التجريد-
فهو أن ينتزع الشاعر أو المتكلّم من أمر ذى صفة أمرا آخر مثله فى تلك الصفة مبالغة فى كمالها فيه؛ وهو أقسام: منها نحو قولهم: لى [من «1» ] فلان صديق حميم، أى بلغ من الصداقة حدّا صحّ معه أن يستخلص منه صديق آخر؛ ومنها نحو قولهم: لئن سألت لتسألنّ به البحر، ومنه قول الشاعر:
وشوهاء تعدو بى إلى صارخ الوغى ... بمستلئم مثل الفنيق المرحّل
أى تعدو بى ومعى من استعدادى للحرب لابس لأمة؛ ومنها نحو قوله تعالى: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ
لأن جهنم- أعاذنا الله منها- هى دار الخلد، لكن انتزع منها مثلها وجعل فيها معدّا للكفار تهويا لأمرها؛ ومنها نحو قول الحماسىّ:
فلئن بقيت لأرحلنّ بغزوة ... نحو الغنائم أو يموت كريم
وعليه قراءة من قرأ: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
بالرفع، بمعنى فحصلت سماء وردة، وقيل: تقدير الأوّل أو يموت منّى كريم، والثانى: فكانت منها وردة، وقيل: تقدير الأوّل أو يموت منّى كريم، والثانى: فكانت منها وردة كالدّهان، وفيه نظر؛ ومنها نحو قوله:
يا خير من يركب المطىّ ولا ... يشرب كأسا بكف من بخلا
ونحو قول الآخر:
إن تلقنى- لا ترى غيرى يناظره- ... تنس «2» السلاح وتعرف جبهة الأسد
ومنها مخاطبة الإنسان غيره وهو يريد نفسه، كقول الأعشى:
ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل
(7/156)

وقول المتنبىّ:
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النّطق إن لم تسعد الحال
ومنه قول الحيص بيص:
إلام يراك المجد فى زىّ شاعر ... وقد نحلت شوقا فروع المنابر
كتمت بصيت الشّعر علما وحكمة ... ببعضهما ينقاد صعب المفاخر
أما وأبيك الخير إنك فارس ال ... كلام ومحيى الدّراسات الغوابر.
وأما التكميل-
فهو أن يأتى المتكلّم أو الشاعر بمعنى من مدح أو غيره من فنون الكلم وأغراضه، ثم يرى مدحه بالاقتصار على ذلك المعنى فقط غير كامل، كمن أراد مدح إنسان بالشجاعة، ثم رأى الاقتصار عليها دون مدحه بالكرم مثلا غير كامل أو بالبأس دون الحلم، ومثال ذلك قول كعب بن سعد الغنوىّ:
حليم إذا ما الحلم زيّن أهله ... مع الحلم فى عين العدوّ مهيب
قوله: «إذا ما الحلم زيّن أهله» احتراس لولاه لكان المدح مدخولا، إذ بعض التغاضى قد يكون عن عجز، وإنما يزين الحلم أهله اذا كان عن قدرة، ثم رأى أن يكون «1» مدحه بالحلم وحده غير كامل، لأنه اذا لم يعرف منه إلا الحلم طمع فيه عدوّه فقال: «فى عين العدوّ مهيب» ؛ ومنه قول السّموءل بن عادياء:
وما مات منّا سيّد فى فراشه ... ولا طلّ منّا حيث كان قتيل
لأنّ صدر البيت [وإن «2» ] تضمّن وصفهم بالإقدام والصبر ربّما أوهم العجز «3»
(7/157)

[لأن «1» ] قتل الجميع يدلّ على الوهن والقلّة فكملّه بأخذهم للثأر، وكمّل حسنه بقوله:
«حيث كان» فإنه أبلغ فى الشجاعة؛ ومن ذلك فى النسيب قول كثيّر:
لو أن عزة حاكمت شمس الضحى ... فى الحسن عند موفّق لقضى لها
لأن قوله: «عند موفق» تكميل للمعنى، إذ ليس كلّ من يحاكم إليه موفقا؛ ومنه قول المتنبىّ:
أشدّ من الرياح الهوج بطشا ... وأسرع فى الندى منها هبوبا.
وأما المناسبة-
فهى على ضربين: مناسبة فى المعنى، ومناسبة فى الألفاظ فالمعنويّة أن يبتدئ المتكلّم بمعنى، ثم يتمّم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ، كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ
فقال تعالى فى صدر الآية التى الموعظة فيها سمعيّة: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ
، وقال بعد ذكر الموعظة: أَفَلا يَسْمَعُونَ
وقال فى صدر الآية التى موعظتها مرئية: أَوَلَمْ يَرَوْا*
وقال بعد الموعظة:
أَفَلا يُبْصِرُونَ.
ومن أمثلة المناسبة المعنويّة قول المتنبىّ:
على سابح موج المنايا بنحره ... غداة كأنّ النّبل فى صدره وبل
فإنّ بين لفظة السّباحة ولفظتى الموج والوبل تناسبا صار البيت به متلاحما؛ وقول ابن رشيق:
أصحّ وأقوى ما رويناه فى الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم
(7/158)

أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن جود الأمير تميم
فإنه وفّى المناسبة حقّها فى صحة العنعنة برواية السيول عن الحيى عن البحر، وجعل الغاية فيها جود الممدوح.
والمناسبة اللفظيّة: توخّى الإتيان بكلمات متزنات، وهى على ضربين: تامّة وغير تامّة فالتامّة: أن تكون الكلمات مع الاتّزان مقفّاة، فمن شواهد التامّة قوله تعالى:
ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ
ومن الحديث النبوىّ- صلاة الله وسلامه على قائله- قول النبى صلّى الله عليه وسلم للمحسن والحسين- رضى الله عنهما-: «أعيذكما بكلمات الله التامّة، من كل شيطان وهامّه، ومن كل عين لامّه» ولم يقل: «ملمّه» وهى القياس لمكان المناسبة اللفظيّة التامّة؛ ومن شواهد الناقصة قوله صلّى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأحبّكم إلىّ وأقربكم منّى مجالس يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقا، الموطّئون أكنافا» ومما جمع بين المناسبتين قوله صلّى الله عليه وسلم: «اللهم إنى أسألك رحمة تهدى بها قلبى، وتجمع بها أمرى، وتلمّ بها شعثى، وتصلح بها غايتى، وترفع بها شاهدى، وتزكىّ بها عملى، وتلهمنى بها رشدى، وتردّ بها ألفتى، وتعصمنى بها من كلّ سوء، اللهم إنى أسألك العون فى القضاء، ونزل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء» فناسب صلّى الله عليه وسلم بين قلبى وأمرى، وغايتى وشاهدى مناسبة غير تامّة، لأنها فى الزّنة دون التقفية، وناسب بين القضاء والشهداء والسعداء والأعداء مناسبة تامّة فى الزّنة والتقفية؛
(7/159)

ومن أمثلة المناسبتين قول أبى تمّام:
مها الوحش إلّا أنّ هاتا أوانس ... قنا الخطّ «1» إلا أنّ تلك ذوابل
فناسب بين مها وقنا مناسبة تامّة، وناسب بين الوحش والخطّ، وأوانس وذوابل مناسبة غير تامّة.
وأما التفريع
- فهو أن يصدّر المتكلّم أو الشاعر كلامه باسم منفىّ ب «ما» خاصّة، ثم يصف الاسم المنفىّ بمعظم أوصافه اللائقة به فى الحسن أو القبح، ثم يجعله أصلا يفرّع منه جملة من جارّ ومجرور متعلّقة [به «2» ] تعلّق مدح أو هجاء أو فخر أو نسيب أو غير ذلك، يفهم من ذلك مساواة المذكور بالاسم المنفىّ الموصوف كقول الأعشى:
ما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل
يضاحك الشمس منها كوكب «3» شرق ... مؤزّر بعميم النبت مكتهل
يوما بأطيب منها طيب رائحة ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل
وقول عاتكة المرّية:
وما طعم ماء أىّ ماء تقوله «4» ... تحدّر من غرّ طوال الذوائب
بمنعرج من بطن واد تقابلت ... عليه رياح الصيف من كل جانب
(7/160)

نفت جرية الماء القذى عن متونه ... فليس به عيب تراه لعائب
بأطيب ممن يقصر الطرف دونه ... تقى الله واستحياء بعض العواقب
وقد وقع الأصل والفرع لأبى تمّام فى بيت واحد، وهو:
ما ربع ميّة معمورا يطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب
ولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظرى من خدّها الترب
ومما ورد فى النثر رسالة ابن القمّىّ التى كتبها إلى سبإ بن أحمد صاحب صنعاء:
وأمّا حال عبده بعد فراقه فى الجلد، فما أمّ تسعة من الولد؛ ذكور، كأنهم عقبان وكور؛ اخترم منهم ثمانيه، فهى على التاسع حانيه، فنادى النذير فى البادية، ياللعادية ياللعادية؛ فلما سمعت الداعى «1» ، ورأت الخيل سواعى؛ أقبلت تنادى ولدها:
الأناة الأناه، وهو يناديها: القناة القناه
بطل كأنّ ثيابه فى سرحة «2» ... يحذى نعال السّبت «3» ليس بتوأم
فلما رمقته يختال فى غضون الزّرد الموضون «4» أنشأت تقول:
أسد أضبط يمشى ... بين طرفاء «5» وغيل
لبسه من نسج داود ... كضحضاح «6» المسيل
(7/161)

عرض له فى البادية أسد هصور، كأنّ ذراعه مسد معصور
فتطاعنا وتواقفت خيلاهما ... وكلاهما بطل اللقاء مقنّع
فلما سمعت الرّعيل، برزت من الصّرم «1» بصبر قد عيل؛ فسألت عن الواحد فقيل: لحده اللّاحد «2»
فكرّت تبتغيه فصادفته ... على دمه ومصرعه السباعا
عبثن به فلم يتركن إلا ... أديما قد تمزق أو كراعا
بأشدّ من عبده تأسّفا، ولا أعظم كمدا وتلهّفا.
قال: وذكر ابن أبى الإصبع فى التفريع قسما ذكره فى صدر الباب، وقال:
إنه هو الذى استخرجه، وهو أن يبتدئ الشاعر بلفظة هى إما اسم أو صفة، ثم يكرّرها فى البيت مضافة إلى أسماء وصفات تتفرع عليها جملة من المعانى فى المدح وغيره، كقول المتنبىّ:
أنا ابن اللقاء أنا ابن السخاء ... أنا ابن الضّراب أنا ابن الطّعان
أنا ابن الفيافى أنا ابن القوافى ... أنا ابن السّروج أنا ابن الرّعان «3»
طويل النّجاد طويل العماد ... طويل القناة طويل السّنان
حديد اللّحاظ حديد الحفاظ ... حديد الحسام حديد الجنان.
(7/162)

وأما نفى الشىء بإيجابه-
فهو أن يثبت المتكلّم شيئا فى ظاهر كلامه وينفى ما هو [من «1» ] سببه مجازا، والمنفىّ فى باطن الكلام حقيقة هو الذى أثبته كقول امرئ القيس:
على لا حب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه «2» العود النّباطىّ جرجرا
فظاهر هذا الكلام يقتضى إثبات منار لهذه الطريق، ونفى الهداية «3» به مجازا وباطنه فى الحقيقة يقتضى نفى المنار جملة، والمعنى أن هذه الطريق لو كان لها منار ما اهتدى به، فكيف ولا منار لها، كما تقول لمن تريد أن تسلبه الخير: ما أقلّ خيرك! فظاهر كلامك يدلّ على إثبات خير قليل، وباطنه نفى الخير كثيره وقليله.
وقول الزبير بن عبد المطلب يمدح عميلة بن عبد الدار «4» - وكان نديما له-:
صحبت بهم طلقا يراح الى الندى ... اذا ما انتشى لم تحتضره مفاقره
ضعيف بحثّ الكأس قبض «5» بنانه ... كليل على وجه النديم أظافره
فظاهر هذا أنّ للممدوح مفاقر لم تحتضره إذا انتشى، وأنّ له أظافر يخمش بها وجه نديمه خمشا ضعيفا، وباطن الكلام فى الحقيقة نفى المفاقر جملة، والأظافر بتّة.
(7/163)

وأما الإيداع
- قال: وأكثر الناس يجعلونه من باب التضمين، وهو منه إلّا أنه مخصوص بالنثر، وبأن يكون المودع نصف بيت، إما صدرا أو عجزا فمنه قول علىّ رضى الله عنه فى جواب كتاب لمعاوية:
ثم زعمت أنّى لكلّ الخلفاء حسدت، وعلى كلّهم بغيت، فإن يكن ذلك كذلك فلم تكن الجناية عليك، حتى تكون المعذرة إليك
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
وأما الإدماج
- فهو أن يدمج المتكلم غرضا له فى جملة معنى من المعانى قد نحاه ليوهم السامع أنه لم يقصده، وإنما عرض فى كلامه لتتمّة معناه الذى قصده، كقول عبيد الله بن عبد الله لعبد الله بن سليمان بن وهب حين وزر للمعتضد- وكان ابن عبيد الله «1» قد اختلّت حاله- فكتب الى ابن سليمان:
أبى دهرنا إسعافنا فى نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحبّ ونكرم
فقلت له نعماك فيهم أتمّها ... ودع أمرنا إن المهمّ المقدّم
فأدمج شكوى الزمان فى ضمن التهنئة، وتلطّف فى المسألة مع صيانة نفسه عن التصريح بالسؤال.
وأما سلامة الاختراع-
فهو أن يخترع الشاعر معنى لم يسبق اليه ولم يتبعه أحد فيه، كقول عنترة فى الذباب:
هزجا يحكّ ذراعه بذراعه ... قدح «2» المكبّ على الزناد الأجذم
وكقول عدى بن الرّقاع فى تشبيه ولد الظبية:
تزجى أغنّ كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها
(7/164)

وكقول النابغة فى وصف النسور:
تراهنّ خلف القوم زورا «1» عيونها ... جلوس الشيوخ فى مسوك «2» الأرانب
وكقول أبى تمّام:
لا تنكرى عطل الكريم من الغنى ... فالسّيل حرب للمكان العالى
وقوله:
ليس الحجاب بمقص عنك لى أملا ... إنّ السماء ترجّى حين تحتجب
وقول ابن حجاج:
وإنّى «3» والمولى الذى أنا عبده ... طريفان «4» فى أمر له طرفان
بعيدا ترانى منه أقرب ما ترى ... كأنى يوم العيد فى رمضان.
وأما حسن الاتباع-
فهو أن يأتى المتكلّم إلى معنى قد اخترعه غيره فيتّبعه فيه اتباعا يوجب له استحقاقه، إما باختصار لفظه، أو قصر وزنه أو عذوبة نظمه، أو سهولة سبكه «5» ، أو إيضاح معناه، أو تتميم نقصه، أو تحليته بما توجبه الصناعة، أو بغير ذلك من وجوه الاستحقاقات؛ كقول شاعر جاهلىّ فى صفة جمل:
وعود قليل الذنب عاودت ضربه ... إذا هاج شوقى من معاهدها ذكر
(7/165)

وقلت له ذلفاء ويحك سبّبت ... لك الضرب فاصبر إنّ عادتك الصبر
فأحسن ابن المعتز اتّباعه حيث قال يصف خيله:
وخيل طواها القود «1» حتى كأنها ... أنابيب سمر من قنا الخطّ ذبّل
صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
واتّبع أبو نواس جريرا فى قوله:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلّهمو غضابا
فقال أبو نواس- ونقل المعنى من الفخر إلى المدح-:
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد
وقول النّميرىّ فى أخت الحجّاج:
فهنّ اللواتى إن برزن قتلننى ... وإن غبن قطّعن الحشى حسرات
فاتّبعه ابن الرومىّ فقال:
ويلاه إن نظرت وإن هى أعرضت ... وقع السهام ونزعهنّ أليم.
وأما الذمّ فى معرض المدح
- فهو أن يقصد المتكلّم ذمّ إنسان فيأتى بألفاظ موجّهة، ظاهرها المدح، وباطنها القدح، فيوهم أنه يمدحه وهو يهجوه كقول بعضهم فى الشريف بن الشّجرىّ:
يا سيّدى والذى يعيذك من ... نظم قريض يصدا به الفكر
ما فيك من جدّك النبىّ سوى ... أنك لا ينبغى لك الشعر.
وأما العنوان
- فهو أن يأخذ المتكلّم فى غرض له من وصف أو فخر أو مدح أو هجاء أو غير ذلك، ثم يأتى لقصد تكميله بألفاظ تكون عنوانا لأخبار متقدّمة، وقصص سالفة؛ كقول أبى نواس:
(7/166)

يا هاشم بن حديج ليس فخركمو ... بقتل صهر رسول الله بالسّدد
أدرجتمو فى إهاب العير جثّته ... لبئس ما قدّمت أيديكمو لغد
إن تقتلوا ابن أبى بكر فقد قتلت ... حجرا بدارة ملحوب «1» بنو أسد
ويوم قلتم لعمرو وهو يقتلكم ... قتل الكلاب لقد أبرحت من ولد
وربّ كنديّة قالت لجارتها ... والدمع ينهلّ من مثنى «2» ومن وحد
ألهى امرأ القيس تشبيب بغانية ... عن ثأره وصفات النّؤى والوتد
فقد أتى أبو نواس فى هذه الأبيات بعدّة عنوانات: منها قصة قتل محمد بن أبى بكر، وقتل حجر أبى امرئ القيس، وقتل عمرو بن هند كندة فى ضمن هجو من أراد هجوه، وعيّر «3» المهجوّ بما أشار اليه من الأخبار الدالّة على هجاء قبيلته؛ ومثل ذلك قول أبى تمام فى استعطاف مالك بن طوق على قومه:
رفدوك فى يوم الكلاب «4» وشقّقوا ... فيه المزاد بجحفل غلّاب «5»
وهمو بعين أباغ «6» راشوا للعدا ... سهميك عند الحارث الحرّاب
(7/167)

وليالى الثّرثار «1» والحشّاك قد ... جلبوا الجياد لواحق الأقراب «2»
فمضت كهولهمو ودبّر أمرهم ... أحداثهم تدبير غير صواب
وقال بعد ذلك:
لك فى رسول الله أعظم أسوة ... وأجلّها فى سنّة وكتاب
أعطى المؤلّفة القلوب رضاهمو ... [كملا] وردّ أخائذ الأحزاب «3»
والجعفريّون استقلّت ظعنهم ... عن قومهم وهمو نجوم كلاب
حتى إذا أخذ الفراق بقسطه ... منهم وشطّ بهم عن الأحباب
ورأوا بلاد الله قد لفظتهمو ... أكنافها رجعوا إلى جوّاب
فأتوا كريم الخيم مثلك صافحا ... عن ذكر أحقاد وذكر «4» ضباب
فانظر الى ما أتى به أبو تمّام فى هذه الأبيات من العنونات من السيرة النبوية وأيام العرب، وأخبار بنى جعفر بن كلاب، ورجوعهم الى ابن عمهم جوّاب؛ وكقوله أيضا لأحمد بن أبى دؤاد:
(7/168)

تثبّت إنّ قولا كان زورا ... أتى النعمان قبلك عن زياد
وأرّث «1» بين حىّ بنى جلاح ... لظى حرب وحىّ بنى مصاد
وغادر فى صدور الدهر قتلى ... بنى بدر على ذات الإصاد «2»
فأتى بعنوان يشير به الى قصة النابغة حين وشى به الى النعمان، فجرّ ذلك من الحروب ما تضمّنت أبياته.
وأما الإيضاح-
وهو أن يذكر المتكلّم كلاما فى ظاهره لبس، ثم يوضحه فى بقيّة كلامه، كقول الشاعر:
يذكّرنيك الخير والشّرّ كلّه ... وقيل الخنا والعلم والحلم والجهل
فإن الشاعر لو اقتصر على هذا البيت لأشكل مراده على السامع بجمعه بين ألفاظ المدح والهجاء، فلما قال بعد:
فألقاك عن مكروهها متنزّها ... وألقاك فى «3» محبوبها ولك الفضل
أوضح المعنى المراد، وأزال اللّبس، ورفع الإشكال والشك.
وأما التشكيك-
فهو أن يأتى المتكلّم فى كلامه بلفظة تشكّك المخاطب هل هى فضلة أو أصليّة لا غنى للكلام عنها؟ مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ
فإن لفظة بدين تشكّك السامع هل هى فضلة أو أصليّة؟ فالضعيف النظر يظنّها فضلة لأن لفظة تداينتم تغنى عنها، والناظر فى علم البيان يعلم أنها أصليّة
(7/169)

لأن لفظة الدّين لها محامل، تقول: داينت فلانا المودّة، يعنى جازيته، ومنه:
«كما تدين تدان» ومنه قول رؤبة:
داينت أروى والدّيون تقضى ... فمطلت بعضا وأدّت بعضا
وكلّ هذا هو الدّين المجازىّ الذى لا يكتب ولا يشهد عليه، ولمّا كان المراد من الأية تمييط الدّين المالىّ الذى يكتب ويشهد عليه، وتيسير «1» ، أحكامه، أوجبت البلاغة أن يقول: «بدين» ليعلم حكمه.
وأما القول بالموجب-
فهو ضربان:
أحدهما أن تقع صفة فى كلام مدّع شيئا يعنى به نفسه، فثبتت تلك الصفة لغيره من غير تصريح بثبوتها له، ولا نفيها «2» عنه، كقوله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
فإنهم كنوا بالأعزّ عن فريقهم، وبالأذلّ عن فريق المؤمنين، فأثبت الله عزّ وجلّ صفة العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين من غير تعرّض لثبوت حكم الإخراج بصفة العزّة ولا لنفيه.
والثانى حمل كلام المتكلّم مع تقريره على خلاف مراده مما يحتمله بذكر متعلّقه كقول الشاعر «3» :
(7/170)

قلت: ثقّلت إذ أتيت مرارا ... قال «1» : ثقّلت كاهلى بالأيادى
قلت: طوّلت قال: «2» [لى] بل تطوّلت: ... وأبرمت قال: حبل الوداد
ومنه قول الأرّجانى:
غالطتنى إذ كست جسمى ضنى
البيتين، وقد تقدّم الاستشهاد بهما فى الاستدراك.
وللمولى شهاب الدين محمود الحلبىّ الكاتب فى ذلك:
رأتنى وقد نال منّى النّحول ... وفاضت دموعى على الخدّ فيضا
فقالت: بعينىّ هذا السّقام ... فقلت: صدقت، وبالخصر أيضا
وقول محاسن الشّوّاء:
ولما أتانى العاذلون عدمتهم ... وما فيهمو إلا للحمى قارض
وقد بهتوا لمّا رأونى شاحبا ... وقالوا: به عين فقلت: وعارض.
وأما القلب-
فهو أن يكون الكلام أو البيت كيفما انقلبت حروفه كان بحاله لا يتغيّر، ومنه فى التنزيل قوله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ*
وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ
وقولهم:
ساكب كاس؛ ومنه قول العماد الأصفهانىّ للقاضى الفاضل: سر فلا كبابك الفرس، وجواب القاضى الفاضل له: دام علا العماد، وهى أوّل قصيدة للأرّجانىّ، مطلعها: «دام علا العماد» ، ومن ذلك قول الأرّجانىّ:
مودّته تدوم لكلّ هول ... وهل كلّ مودّته تدوم
(7/171)

وأما التندير-
فهو أن يأتى المتكلّم بنادرة حلوة، أو نكتة مستظرفة يعرّض فيها بمن يريد ذمّه بأمر، وغالب ما يقع فى الهزل، فمنه قول أبى تمام فيمن»
سرق له شعرا:
من بنو بحدل، من ابن الحباب «2» ... من بنو تغلب غداة الكلاب
من طفيل، من عامر، أم من الحا ... رث، أم من عتيبة بن شهاب
إنما الضّيغم الهصور أبو الأش ... بال هتّاك كلّ خيس «3» وغاب
من عدت خيله على سرح شعرى ... وهو للحين راتع فى كتاب
يا عذارى الكلام صرتنّ من بع ... دى سبايا تبعن فى الأعراب
لو ترى منطقى أسيرا لأصبح ... ت أسيرا ذا عبرة واكتئاب
طال رغبى إليك مما أقاسي ... هـ ورهبى يا ربّ فاحفظ ثيابى
ومن ذلك ما قاله شهاب الدين بن الخيمىّ يعرّض بنجم الدين بن اسرائيل لمّا تنازعا فى القصيدة المعروفة لابن «4» الخيمىّ التى أوّلها:
يا مطلبا ليس لى من غيره أرب
فقال من قطعة منها:
هم العريب بنجد مذ عرفتهمو ... لم يبق لى معهم مال ولا نشب
فما ألمّوا بحىّ أو ألمّ بهم ... إلا أغاروا على الأبيات وانتهبوا
لم يبق منطقه قولا يروق لنا ... لقد شكت ظلمه الأشعار والخطب.
(7/172)

وأما الإسجال بعد المغالطة-
فهو أن يقصد الشاعر غرضا من ممدوح فيشترط لحصوله شرطا، ثم يقدّر وقوع ذلك الشرط مغالطة ليسجّل به استحقاق مقصوده، كقول بعضهم:
جاء الشتاء وما عندى لقرّته ... إلا ارتعادى وتصفيقى بأسنانى
فإن هلكت فمولانا يكفّننى ... هبنى هلكت فهبنى بعض أكفانى.
وأما الافتنان-
فهو أن يأتى الشاعر بفنّين متضادّين من فنون الشعر فى بيت واحد، مثل التشبيب والحماسة، [والمديح «1» ] والهجاء، والهناء والعزاء فأما ما جمع فيه بين التشبيب والحماسة فكقول عنترة:
إن تغد فى دونى القناع فإننى ... طبّ «2» بأخذ الفارس المستلئم
وكقول أبى دلف- ويروى لعبد الله بن طاهر-:
أحبّك يا جنان وأنت منّى ... محلّ الرّوح من جسد الجبان
ولو أنى أقول محلّ روحى ... لخفت عليك بادرة الطّعان.
وأما ما جمع فيه بين تهنئة وتعزية فقد تقدّم ذكر ذلك فى بابى التهانى والتعازى ومنه فيما لم نورده هناك ما كتب به المولى شهاب الدين محمود الكاتب تهنئة وتعزية لمن رزق ولدا ذكرا فى يوم ماتت له فيه بنت:
ولا عتب على الدهر فيما اقترف، فقد أحسن الخلف؛ واعتذر بما وهب عما سلب، فعفا الله عمّا سلف.
(7/173)

وأما الإبهام
- بباء موحّدة فهو أن يقول المتكلّم كلاما مبهما يحتمل معنيين متضادّين، كقول بعضهم فى الحسن بن سهل لما تزوّج المأمون ببنته بوران:
بارك الله للحسن ... ولبوران فى الختن
يا إمام الهدى ظفر ... ت ولكن ببنت من
فلم يعرف مراده «ببنت من» هل أراد به الرفعة أو الضعة؟
ومنه قول بشّار فى خياط أعور اسمه عمرو:
خاط عمرو لى قباء ... ليت عينيه سواء
فأبهم المعنى فى الدعاء له بالدعاء عليه.
وأما حصر الجزئىّ وإلحاقه بالكلىّ
- فهو كقول السّلامىّ:
إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر
فكنت وعزمى فى الظلام وصارمى ... ثلاثة أشباه «1» كما اجتمع النّسر
وبشّرت آمالى بملك هو الورى ... ودار هى الدنيا، ويوم هو الدهر.
فأما حصر أقسام الجزئىّ فإن العالم عبارة عن أجسام وظروف زمان وظروف مكان، وقد حصر ذلك؛ وأما جعله الجزئىّ كلّيّا فإن الممدوح جزء من الورى، والدار جزء من الدنيا، واليوم جزء من الدهر.
(7/174)

وأما المقارنة
- فهى أن يقرن الشاعر الاستعارة بالتشبيه أو المبالغة أو غير ذلك بوصل يخفى أثره إلّا على مدمن النظر فى هذه الصناعة، وأكثر ما يقع ذلك بالجمل الشرطيّة، كقول بعض «1» شعراء المغرب:
وكنت إذا استنزلت من جانب الرضى ... نزلت نزول الغيث فى البلد المحل
وإن هيّج الأعداء منك حفيظة ... وقعت وقوع النار فى الحطب الجزل
فإنه لاءم بين الاستعارة والتشبيه المنزوع الأداة «2» فى صدرى بيتيه وعجزيهما.
وأما ما قرنت به الاستعارة من المبالغة فمثاله قول النابغة الذّبيانىّ:
وأنت ربيع ينعش الناس سيبه ... وسيف أعيرته المنيّة قاطع
فإن فى كل من صدر البيت وعجزه استعارة ومبالغة، وإنما التى فى العجز أبلغ.
ومما اقترن فيه الإرداف بالاستعارة قول تميم بن مقبل:
لدن غدوة حتى نزعنا عشيّة ... وقد مات شطر الشمس والشّطر مدنف
فإنه عبّر بموت شطر الشمس عن الغروب، واستعار الدّنف للشطر الثانى.
وأما الإبداع
- فهو أن يأتى فى البيت الواحد من الشّعر، أو القرينة الواحدة من النثر بعدّة ضروب من البديع بحسب عدد كلماته أو جمله، وربما كان فى الكلمة الواحدة المفردة ضربان من البديع، ومتى لم تكن كلّ كلمة بهذه المثابة فليس بإبداع قال ابن أبى الإصبع: وما رأيت فيما استقريت من الكلام كآية استخرجت منها أحدا وعشرين ضربا من المحاسن، وهى قوله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ
(7/175)

وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
: وهى المناسبة التامّة فى «ابلعى» و «أقلعى» ؛ والمطابقة بذكر الأرض والسماء؛ والمجاز فى قوله: «يا سماء» ، فإن المراد- والله أعلم- يا مطر السماء؛ والاستعارة فى قوله تعالى: «أَقْلِعِي»
؛ والإشارة فى قوله تعالى: «وَغِيضَ الْماءُ»
فإنه عبّر بهاتين اللفظتين عن معان كثيرة؛ والتمثيل فى قوله تعالى: «وَقُضِيَ الْأَمْرُ» *
فإنه عبّر عن هلاك الهالكين ونجاة الناجين بغير لفظ المعنى الموضوع له؛ والإرداف فى قوله:
«وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ»
فإنه عبّر عن استقرارها بهذا المكان استقرارا متمكّنا بلفظ قريب من لفظ المعنى؛ والتعليل، لأن غيض الماء علّة الاستواء؛ وصحة التقسيم إذ استوعب الله تعالى أقسام أحوال الماء حالة نقصه، إذ ليس إلا احتباس ماء السماء، واحتقان الماء الذى ينبع من الأرض، وغيض الماء الحاصل على ظهرها؛ والاحتراس فى قوله تعالى: «وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»
إذ الدعاء عليهم يشعر أنهم مستحقّو الهلاك احتراسا من ضعيف العقل يتوهّم أن العذاب شمل من يستحقّ ومن لا يستحقّ، فتأكّد بالدعاء كونهم مستحقّين؛ والإيضاح فى قوله: «لِلْقَوْمِ» *
ليبيّن أن القوم الذين سبق ذكرهم فى الآية المتقدّمة حيث قال: (وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ)
هم الذين وصفهم بالظلم ليعلم أن لفظة القوم ليست فضلة وأنه يحصل بسقوطها لبس فى الكلام؛ والمساواة لأن لفظ الآية لا يزيد على معناها؛ وحسن النّسق، لأنه تعالى عطف القضايا بعضها على بعض بحسن ترتيب؛ وائتلاف اللفظ مع المعنى، لأن كلّ لفظة لا يصلح موضعها غيرها؛ والإيجاز، لأنه سبحانه وتعالى اقتصّ القصّة بلفظها مستوعبة بحيث لم يخلّ منها بشىء فى أقصر عبارة؛ والتسهيم، لأن أوّل الآية الى قوله: «أَقْلِعِي»
(7/176)

يقتضى «1» آخرها؛ والتهذيب، لأنّ مفردات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن، عليها رونق الفصاحة، سليمة من التعقيد والتقديم والتأخير؛ والتمكّن، لأن الفاصلة مستقرّة فى قرارها، مطمئنّة فى مكانها؛ والانسجام، وهو تحدّر الكلام بسهولة كما ينسجم الماء؛ وما فى [مجموع «2» ] الآية من الإبداع، وهو الذى سمّى به هذا الباب. فهذه سبع عشرة لفظة تضمّنت أحدا وعشرين ضربا من البديع غير ما تكرر من أنواعه فيها.
وأما الانفصال-
فهو أن يقول المتكلّم كلاما يتوجّه عليه فيه دخل لو اقتصر عليه، فيأتى بما يفصله عن ذلك الدّخل، كقول أبى فراس:
ولقد نبّيت إبليس ... إذا راك يصدّ
ليس من تقوى ولكن ... ثقل فيك وبرد
والفرق بين هذا وبين الاحتراس خلوّ «3» الاحتراس من الدّخل عليه من كلّ وجه.
وأما التصرف-
فهو أن يتصرّف المتكلّم فى المعنى الذى يقصده، فيبرزه فى عدّة صور: تارة بلفظ الاستعارة، وطورا بلفظ التشبيه، وآونة بلفظ الإرداف وحينا بلفظ الحقيقة، كقول امرئ القيس يصف الليل:
وليل كموج البحر مرخ سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى
فقلت له لمّا تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
فإنه أبرز المعنى بلفظ الاستعارة، ثم تصرّف فيه فأتى بلفظ التشبيه فقال:
(7/177)

فيالك من ليل كأنّ نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل «1»
ثم تصرّف فيه فأخرجه بلفظ الإرداف فقال:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبح وما الإصباح منك «2» بأمثل.
وأما الاشتراك
- فمنه ما ليس بحسن ولا قبيح، وهو الاشتراك فى الألفاظ مثل اشتراك الأبيرد وأبى نواس فى لفظة الاستعفاء، فإن الأبيرد قال فى مرثية أخيه:
وقد كنت أستعفى الإله إذا اشتكى ... من الأجر لى فيه وإن عظم الأجر
وقال أبو نواس:
ترى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحسر «3» حتى ما تقلّ جفونها
ومنه الحسن، وهو الاشتراك فى المعنى، كقول امرئ القيس:
كبكر المقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلّل «4»
وقول ذى الرّمّة:
كحلاء فى برج صفراء فى دعج «5» ... كأنها فضّة قد مسّها ذهب
(7/178)

فوقع «1» الاشتراك بينهما فى وصف المرأة بالصّفرة، غير أنّ الأوّل شبّه الصفرة بيضة النعامة، والآخر وصفها بالفضّة المموّهة؛ ومن الاشتراك المعنوىّ ما ليس بحسن ولا معيب، كقول كثير:
وأنت التى حببت كلّ قصيرة ... إلىّ وما تدرى بذاك القصائر
عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطا، شرّ النساء البحاتر «2»
فإن لفظة قصيرة مشتركة، فلو اقتصر على البيت الأوّل لكان الاشتراك معيبا لكنه لما أتى بالبيت الثانى زال العيب، ولم يبلغ رتبة الحسن لما فيه من التضمين.
وأما التهكّم-
فالفرق بينه وبين الهزل الذى يراد به الجدّ أن التهكّم ظاهره جدّ وباطنه هزل، والهزل الذى يراد به الجدّ على العكس منه، فمن التهكّم قول الوجيه الذروىّ فى ابن أبى حصينة من أبيات:
لا تظنّن حدبة الظّهر عيبا ... فهى فى الحسن من صفات الهلال
وكذاك القسىّ محدودبات ... وهى أنكى من الظّبا والعوالى
وإذا ما علا السّنام ففيه ... لقروم الجمال أىّ جمال
وأرى الانحناء فى مخلب البازى ... ولم يعد مخلب الرئبال
كوّن الله حدبة فيك إن شئت ... من الفضل أو من الإفضال
فأتت ربوة على طود علم ... وأتت موجة ببحر نوال
ما رأتها النساء إلا تمنّت ... أنها حلية لكلّ الرجال
(7/179)

ثم ختمها بقوله:
وإذا لم يكن من الهجر بدّ ... فعسى أن تزورنا «1» فى الخيال
وكقول ابن الرومىّ:
فيا له من عمل صالح ... يرفعه الله إلى أسفل.
وأما التدبيج
- وهو أن يذكر الشاعر أو الناثر ألوانا يقصد بها الكناية أو التورية بذكرها عن أشياء من وصف أو مدح أو هجاء أو نسيب أو غير ذلك من الفنون، فمن ذلك قول الحريرىّ فى بعض مقاماته: فمذ ازورّ المحبوب الأصفر واغبرّ العيش الأخضر، اسودّ يومى الأبيض، وابيضّ فودى «2» الأسود، حتى رثى لى العدوّ الأزرق، فحبّذا الموت الأحمر.
وهذا التدبيج بطريق التورية. وقال بعض المتأخّرين يصف موقف السلطان الملك الناصر بمصاف شقحب «3» الكائن بينه وبين التتار فى شهر رمضان سنة اثنتين وسبعمائة:
وما زال بوجهه الأبيض، تحت علمه الأصفر، يكابد الموت الأحمر، تجاه العدوّ الأزرق، الى أن حال بينهما الليل الأسود، وبكّر فى غرّة نهار الأحد الأشعل وامتطى السبيل الأحوى الى أن حلّ بالأبلق. يريد بالأبلق: القصر الظاهرىّ الذى بالميدان الأخضر بظاهر مدينة دمشق؛ ومن أمثلة هذا الباب «4» قول ابن حيّوس الدّمشقى:
(7/180)

إن ترد علم حالهم عن يقين ... فالقهم يوم نائل أو قتال
تلق بيض الوجوه سود مثار النّقع ... خضر الأكناف حمر النّصال.
وأما الموجّه-
فهو الذى «1» يمدح بشىء يقتضى المدح بشىء آخر، كقول المتنبىّ:
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنّئت الدنيا بأنك خالد
وكقوله أيضا:
عمر العدوّ إذا لاقاه فى رهج ... أقلّ من عمر ما يحوى إذا وهبا
فأوّل البيتين وصف بفرط الشجاعة، وآخر الأوّل بعلوّ الدرجة، وآخر الثانى بفرط الجود.
وأما تشابه الأطراف-
فهو أن يجعل الشاعر [قافية «2» ] بيته الأوّل أوّل البيت الثانى، وقافية الثانى أوّل الثالث، وهكذا إلى انتهاء كلامه، ومن أحسن ما قيل فيه قول ليلى الأخيليّة تمدح الحجّاج:
إذا نزل الحجّاج أرضا مريضة ... تتبّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذى بها ... غلام اذا هزّ القناة سقاها
سقاها فروّاها بشرب سجالها ... دماء رجال يحلبون صراها «3» .
هذا ما أورده فى حسن التوسّل من علوم المعانى والبيان والبديع، وقد أتينا على أكثره بنصّه لما رأيناه من حسن تأليفه، وبديع ترصيفه، وأنّ اختصاره لا يمكن
(7/181)

إلا عند الإخلال بفائدة لا يستغنى [عنها «1» ] فلم نحذف منه إلا ما تكرر من الأمثلة والشواهد، لاستغنائنا بما أوردناه عمّا حذفناه، فالنسبة فيه إلى فضائله وفضله والعمدة على شواهده ونقله؛ فلقد أحسن التأليف، وأجاد التعريف، واحتمل التوقيف؛ وحرّر الشواهد، وأوضح السّبيل حتى صار الغائب عن هذه الصناعة إذا طالع كتابه كالشاهد؛ وأبدع فى صناعة البديع، وبيّن علم البيان بحسن الترصيف والترصيع؛ واعتنى بألفاظ المعانى فصرّف أعنّتها ببنانه، وأبان مشكلها فأحسن فى بيانه؛ وحلّ من التعقيد عقالها الذى عجز غيره عن حلّه، وسهّل للأفهام مقالها فأبرزته الألسنة من محرّم اللفظ إلى حلّه؛ فله المنّة فيما ألّف، والفضل بما صنّف.
وأما ما يتصل بذلك من خصائص الكتابة- فالاقتباس والاستشهاد والحل:
[فالاقتباس
«2» ] هو أن يضمن الكلام «3» شيئا من القرآن أو الحديث، ولا ينبّه عليه للعلم به، كما فى خطب ابن نباتة، كقوله: فيا أيها الغفلة المطرقون، أما أنتم بهذا الحديث مصدّقون؟ ما لكم لا تشفقون؟ فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
. وكقوله أيضا: يوم يبعث الله العالمين خلقا جديدا، ويجعل الظالمين لجهنّم وقودا، يوم تكونون «شهداء على النّاس ويكون الرّسول عليكم شهيدا» يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً.
ومن ذلك ما أورد المولى شهاب الدين محمود فى تقليد عن الإمام الحاكم بأمر الله أبى العباس أحمد بالسلطنة، جاء منه: وجمع بك شمل الأمة بعد أن «كاد يزيغ
(7/182)

قلوب فريق منهم» ، وعضّدك لإقامة إمامته بأولياء دولتك الذين رضى الله عنهم؛ وخصّك بأنصار دينه الذين نهضوا بما أمروا به من طاعتك وهم فارهون، وأظهرك على الذين «ابتغوا الفتنة من قبل وقلّبوا لك الأمور حتّى جاء الحقّ وظهر أمر الله وهم كارهون» وأمثال ذلك.
وأما الاستشهاد بالآيات-
فهو أن ينبّه عليها، كقول الحريرىّ: فقلت وأنت أصدق القائلين: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
ونحو ذلك.
وفى الأحاديث بالتنبيه عليها أيضا، كقول المولى شهاب الدين محمود فى خطبة تقليد حاكمىّ: ونصلى على سيدنا محمد الذى استخرجه الله من عنصر أهله وذويه، وشرّف قدر جدّه بقوله فيه: «إنّ عمّ الرجل صنو أبيه» وسرّه بما أسرّ إليه من أنّ هذا الأمر فتح به ويختم ببنيه. وأمثال ذلك [لا تحصر «1» ] .
[وأما الحلّ «2» ]-
وهو باب متّسع المجال، وملاك أمر المتصدّى له أن يكون كثير الحفظ [للأحاديث «3» النّبويّة والآثار والأمثال والأشعار لينفق منها وقت الاحتياج اليها] .
قال: وكيفيّة الحلّ أن يتوخّى هدم البيت المنظوم، وحلّ فرائده من سلكه، ثم يرتّب تلك الفرائد وما شابهها ترتيب متمكّن لم يحصره الوزن، ويبرزها فى أحسن سلك، وأجمل قالب، وأصحّ سبك، ويكمّلها بما يناسبها من أنواع البديع إن أمكن ذلك من غير كلفة، ويتخيّر لها القرائن، واذا تم معه المعنى المحلول فى قرينة واحدة يغرم له من حاصل فكره، أو من ذخيرة حفظه ما يناسبه، وله أن ينقل المعنى إذا لم يفسده إلى ما شاء، فإن كان نسيبا وتأتّى له أن يجعله مديحا فليفعل، وكذلك غيره
(7/183)

من الأنواع؛ واذا أراد الحلّ بالمعنى فلتكن ألفاظه مناسبة لألفاظ البيت المحلول غير قاصرة عنها، فمتى قصرت عنها ولو بلفظة واحدة فسد ذلك الحلّ وعدّ معيبا؛ واذا حلّ باللفظ فلا يتصرّف بتقديم ولا تأخير ولا تبديل إلا مع مراعاة نظام الفصاحة فى ذلك، واجتناب ما ينقص المعنى ويحطّ رتبته؛ وهذا الباب لا تنحصر المقاصد فيه، ولا حجر على المتصرّف فيه.
قال: ومما وقع التصرّف فيه بزيادة على المعنى قول ضياء الدين بن الأثير الجزرىّ فى ذكر العصا التى يتوكّأ عليها الشيخ الكبير: وهذه لمبتدا ضعفى خبر، ولقوس ظهرى وتر، واذا كان إلقاؤها دليلا على الإقامة فإنّ حملها دليل على السّفر.
والمحلول فى ذلك قول بعضهم:
كأنّنى قوس رام وهى لى وتر
وقول الآخر:
فألقت عصاها واستقرّت بها النوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر.
وأما ما يحتاج فيه الى مؤاخاة القرينة المحلولة بمثلها أو ما يناسبها فكما قال المولى شهاب الدين محمود فى تقليد:
فكم ملّ ضوء الصبح مما يغيره، وظلام النّقع مما يثيره؛ وحديد الهند مما يلاطمه والأجل مما يسابقه الى قبض الأرواح ويزاحمه.
والقرينتان الأوليان نصفا بيتين للمتنبّى، فأضاف الى كل قرينة ما يناسبها، وهذا من أكثر ما يستعمل فى الكتابة، ولا ينبغى للكاتب أن يعتمد فى جميع كتابته على الحلّ، فيتّكل خاطره على ذلك، ويذهب رونق الطبع السليم، وتقلّ مادّة الانسجام بل يكون استعمال ذلك كاستعمال البديع اذا أتى عفوا من غير تكلّف ليكون كالشاهد
(7/184)

على صحة الكلام، والدالّ على الاطلاع، وكالرّقم فى الثوب، والشّذرة فى القلادة والواسطة فى العقد، إذ لا ينبغى للكاتب أن يخلى كلامه من نوع من أنواع المحاسن.
ويقرب من هذا النوع التلميح، وقد تقدّم ذكره فى بعض أبواب البديع، والذى يقع فى بعض استعماله فى مثل ذلك مثل قول الحريرىّ: وإنّى والله لطالما لقيت الشتاء بكافاته، وأعددت الأهبة له قبل موافاته. يشير الى بيتى ابن سكّرة:
جاء الشتاء وعندى من حوائجه
وهى مشهورة.
فإذا عرف الكاتب هذه العلوم، وأتى الصناعة من هذه الأبواب تعيّن عليه أمور أخر نذكرها الآن.
ذكر ما يتعين على الكاتب استعماله والمحافظة عليه والتمسّك به وما يجوز فى الكتابة وما لا يجوز
قال إبراهيم بن محمد الشّيبانىّ: فإن احتجت الى مخاطبة الملوك والوزراء والعلماء والكتّاب والأدباء والخطباء والشعراء وأوساط الناس وسوقتهم، فخاطب كلّا على قدر أبّهته وجلالته، وعلوّه وارتفاعه، وفطنته وانتباهه، ولكلّ طبقة من هذه الطّباق معان ومذاهب يجب عليك أن ترعاها فى مراسلتك إيّاهم فى كتبك، وتزن كلامك فى مخاطبتهم بميزانه، وتعطيه قسمته، وتوفيه نصيبه، فإنك متى أهملت ذلك وأضعته لم آمن عليك أن تعدل بهم عن طريقهم، وتسلك بهم غير مسلكهم، وتجرى شعاع بلاغتك فى غير مجراه، وتنظم جوهر كلامك فى غير سلكه، فلا تعتدّ بالمعنى الجزل ما لم تلبسه لفظا [لائقا بمن «1» كاتبته، وملامسا لمن راسلته] ، فإن إلباسك المعنى
(7/185)

- وإن صحّ وشرف- لفظا مختلفا عن قدر المكتوب اليه لم تجربه عادته تهجين للمعنى وإخلال بقدره، وظلم يلحق «1» المكتوب اليه، ونقص ما يجب له «2» ، كما أنّ فى اتباع تعارفهم، وما انتشرت به عادتهم، وجرت به سنّتهم، قطعا لعذرهم، وخروجا من حقوقهم، وبلوغا إلى غاية مرادهم، وإسقاطا لحجّة أدبهم.
وقال أحمد بن محمد بن عبد ربّه: فامتثل هذه المذاهب، واجر [على هذا «3» ] القوام، وتحفّظ فى صدور «4» كتبك وفصولها وافتتاحها وخواتمها، وضع كل معنى فى موضع يليق به، وتخيّر لكلّ لفظة معنى يشاكلها، وليكن ما تختم به فصولك فى موضع ذكر البلوى بمثل: «نسأل الله دفع المحذور، وصرف المكروه» وأشباه ذلك؛ وفى موضع ذكر المصيبة: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
؛ وفى موضع ذكر النعمة: «الحمد لله خالصا، والشكر لله واجبا» وما يشاكل ذلك، فإن هذه المواضع مما يتعيّن على الكاتب أن يتفقّده ويتحفّظ منه، فإن الكاتب إنما يصير كاتبا بأن يضع كلّ معنى فى موضعه، ويعلّق كلّ لفظة على طبقتها فى المعنى.
قال: واعلم أنه لا يجوز فى الرسائل استعمال ما أتت به آى القرآن من الاختصار والحذف، ومخاطبة الخاصّ [بالعامّ «5» ] والعامّ بالخاصّ، لأن الله تعالى إنما خاطب
(7/186)

بالقرآن قوما فصحاء فهموا عنه- جلّ ثناؤه- أمره ونهيه ومراده، والرسائل إنما يخاطب بها قوم دخلاء «1» على اللغة لا علم لهم بلسان العرب؛ وكذلك ينبغى للكاتب أن يتجنّب اللفظ المشترك، والمعنى الملتبس، فإنه إن ذهب ليكاتب على معنى قول الله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها
وكقوله تعالى:
بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
احتاج أن يبيّن أن معناه: اسأل أهل القرية، وأهل العير، وبل مكركم باليل والنهار؛ قال: وكذلك لا يجوز أيضا فى الرسائل والبلاغات المنثورة ما يجوز فى الأشعار الموزونة، لأن الشاعر مضطرّ، والشعر مقصور مقيّد بالوزن والقوافى، فلذلك أجازوا لهم صرف ما لا ينصرف من الأسماء، وحذف ما لا يحذف منها، واغتفروا «2» فيه سوء النّظم، وأجازوا فيه التقديم والتأخير، والإضمار فى موضع الإظهار، وذلك كله غير سائغ فى الرسائل، ولا جائز فى البلاغات؛ فمما أجيز فى الشعر من الحذف قول الشاعر:
قواطنا مكّة من ورق الحما
يريد الحمام، وكقول الآخر:
صفر الوشاحين صموت الخلخل
يريد الخلخال، وكقول الحطيئة:
فيها الرماح وفيها كلّ سابغة ... جدلاء مسرودة من فعل «3» سلّام
يريد سليمان، وكقول الآخر:
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق «4»
(7/187)

يريد ثعلبة بن سيّار «1» ، وكقول الآخر:
فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقنى إن كان ماؤك ذا فضل
[أراد ولكن «2» ] قال: وكذلك لا ينبغى فى الرسائل أن يصغّر الاسم فى موضع التعظيم وإن كان ذلك جائزا، مثل قولهم: دويهية تصغير داهية، وجذيل وعذيق، تصغير جذل وعذق «3» . قال لبيد:
وكلّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفّر منها الأنامل
قال: فتخيّر فى الألفاظ أرجحها وزنا، وأجزلها معنى، وأشرفها جوهرا وأكرمها حسبا، وأليقها فى مكانها، وأدر الكلام فى أماكنه، وقلّبه على جميع وجوهه، ولا تجعل اللفظة قلقة فى موضعها، نافرة عن مكانها، فإنك متى فعلت ذلك هجّنت الموضع الذى حاولت تحسينه، وأفسدت المكان الذى أردت إصلاحه فإنّ وضع الألفاظ فى غير أماكنها، والقصد بها إلى غير مظانّها، إنما هو كترقيع الثوب الذى إن لم تتشابه رقاعه، ولم تتقارب أجزاؤه، خرج عن حدّ الجدّة، وتغيّر حسنه، كما قال الشاعر:
إنّ الجديد إذا ما زيد فى خلق ... يبين للناس أنّ الثوب مرقوع
انتهى ما أورده ابن عبد ربّه.
وقال المولى الفاضل شهاب الدين محمود الحلبىّ: ومما يتعيّن على الكاتب استعماله، والمحافظة عليه، والتمسّك به، إعطاء كلّ مقام حقّه، فإذا كتب فى أوقات
(7/188)

الحروب إلى نوّاب الملك عنه، وإلى مقدّمى الجيوش والسّرايا، فليتوخّ الإيجاز والألفاظ البليغة الدالّة على القصد من غير تطويل ولا بسط يضيّع المقصد، ويفصل الكلام بعضه من بعض، ولا تهويل لأمر العدو يضعف به القلوب، ولا تهوين لأمر يحصل به الاغترار. وذكر لذلك أمثلة من إنشائه.
قال: فمن ذلك صورة كتاب أنشأته الى مقدّم سريّة كشف- ولم أكتب به- وهو:
لا زال أخفّ فى مقاصده من وطأة ضيف، وأخفى فى مطالبه من زورة طيف، وأسرع فى تنقّله من سحابة صيف، وأروع للعدا فى تطلّعه من سلّة سيف، حتى يعجب عدوّ الدّين فى الاطّلاع على عوراته من أين دهى وكيف؟ ويعلم [أنّ «1» ] من أوّل قسمته الّلقاء حصل عليه فى مقاصده الحيف «2» ؛ أصدرناها إليه نحثّه على الركوب بطائفة أعجل من السّيل، وأهول من الليل، وأيمن من نواصى الخيل؛ وأقدم من النّمر، وأوقع على المقاصد من الغيث المنهمر، وأروغ فى مخاتلة العدا من الذئب الحذر؛ على خيل تجرى ما وجدت فلاه، وتطيع راكبها مهما أراد منها سرعة أو أناه؛ تتسنّم الجبال الصّمّ كالوعل «3» ، وإذا جارتها البروق غدت وراءها
تمشى الهوينا كما يمشى الوجى «4» الوجل ... وليكن كالنجم فى سراه، وبعد ذراه؛
إن جرى فكسهم، وإن خطر فكوهم؛ وإن طلب فكالليل الذى هو مدرك، وإن طلب فكالجنّة التى لا يجد ريحها مشرك؛ حتى يأتى على عدوّ الدّين من كل شرف،
(7/189)

ويرى جمعه من كل طرف، ولا يسرف فى الإقامة عليه إلا إذا علم أن الخير فى السّرف؛ وليحرز جمعهم، ويسبق إلى التحرّز منهم بصرهم وسمعهم؛ وينظرهم بعين منعها الحزم أن ترى العدد الكثير قليلا، وصدّها العزم أن ترى العدوّ الحقير جليلا؛ بل ترى الأمر على فصّه، وتروى الخبر على نصّه؛ وإن وجد مغرّرا فليأخذ خبره، إن قدر على الإتيان بعينه وإلّا فليذهب أثره؛ ولا يهيج فيما لديه نار حرب إلا بعد الثقة بإطفائها، ولا يوقظ [عليه «1» ] عين عدوّ مهما «2» ظهر له أن [المصلحة «3» فى إغفائها] ؛ وليكشف من أمورهم ما يبدى عند الملتقى عورتهم، ويخمد فى حالة الزّحف فورتهم؛ وليجعل قلبه فى ذلك ربيئة طرفه، وطليعة طرفه، وسريّة كشفه والله تعالى يمدّه بلطفه، ويحفظه بمعقّبات من بين يديه ومن خلفه.
واذا كتب عن الملك فى أوقات حركات العدوّ الى أهل الثغور يعلمهم بالحركة للقاء العدوّ، فليبسط القول فى وصف العزائم، وقوّة الهمم، وشدّة الحميّة للدين، وكثرة العساكر والجيوش، وسرعة الحركة، وطىّ المراحل، ومعالجة العدوّ، وتخييل أسباب النصر، والوثوق بعوائد الله فى الظّفر، وتقوية القلوب منهم، وبسط آمالهم، وحثّهم على التيقظ، وحضّهم على حفظ ما بأيديهم، وما أشبه ذلك، ويبرزه فى أمتن «4» كلام وأجلّه وأمكنه، وأقربه من القوّة والبسالة، وأبعده من اللّين والرقّة، ويبالغ فى وصف الإنابة إلى الله تعالى، واستنزال نصره وتأييده، والرجوع إليه فى تثبيت
(7/190)

الأقدام، والاعتصام به فى الصبر، والاستعانة به على العدوّ، والرغبة إليه فى خذلانهم، وزلزلة أقدامهم، وجعل الدائرة عليهم، دون التصريح بسؤال بطلان حركتهم، ورجاء تأخّرهم، وانتظار العرضيّات فى خلفهم، لما فى ذلك من إيهام الضّعف عن لقائهم واستشعار الوهن والخوف منهم، وليسلك فى مثل ذلك كما سلك المولى شهاب الدين محمود فى نحو ما كتب فى صدر كتاب سلطانىّ إلى بعض نوّاب الثغور عند حركة العدوّ، فإنه قال:
أصدرناها ومنادى النّفير قد أعلن: يا خيل «1» الله اركبى، ويا «2» ملائكة الرحمن اصحبى ويا وفود الظّفر والتأييد اقربى؛ والعزائم قد ركضت على سوابق الرّعب إلى العدا والهمم قد نهضت إلى عدوّ الإسلام فلو كان فى مطلع الشمس لاستقربت ما بينها وبينه من المدى؛ والسيوف قد أنفت من الغمود فكادت تنفر من قربها، والأسنة قد ظمئت الى موارد القلوب فتشوقت الى الارتواء من قلبها «3» ؛ والكماة قد زأرت كالليوث إذا دنت من «4» فرائسها، والجياد قد مرحت لما عودتها من الانتعال بجماجم الأبطال فوارسها؛ والجيوش قد كاثرت النجوم أعدادها، وسايرتها للهجوم على أعداء الله من ملائكته الكرام أمدادها؛ والنفوس قد أضرمت الحميّة نار غضبها، وعداها «5» حرّ الإشفاق على ثغور المسلمين عن برد الثغور وطيب شنبها؛ والنصر قد أشرقت
(7/191)

فى الوجود دلائله، والتأييد قد ظهرت على الوجوه مخايله، وحسن اليقين بالله فى إعزاز دينه قد أنبأت بحسن المآل أوائله؛ والألسن باستنزال نصر الله لهجه والأرجاء بأرواح القبول أرجه، والقلوب بعوائد لطف الله بهذه الأمّة مبتهجه والحماة وما منهم إلا من استظهر بإمكان قوّته وقوّة إمكانه، والأبطال وليس فيهم من يسأل عن عدد عدوّ بل عن مكانه؛ والنّيات على طلب عدوّ الله حيث كان مجتمعه والخواطر مطمئنّة بكونها مع الله بصدقها، ومن كان مع الله كان الله معه؛ وما بقى إلا طىّ المراحل، والنزول على أطراف الثغور نزول الغيث على البلد الماحل؛ والإحاطة بعدوّ الله من كل جانب، وإنزال نفوسهم على حكم الأمرين الأمرّين:
من عذاب واصب، وهمّ ناصب؛ وإحالة وجودهم إلى العدم، وإجالة السيوف التى [إن «1» ] أنكرتها أعناقهم فما بالعهد من قدم؛ واصطلامهم «2» على أيدى العصابة المؤيّدة بنصر الله فى حربها، وابتلاؤهم من حملاتها بريح عاد التى تدمّر كل شىء بأمر ربها؛ فليكن مرتقبا لطلوع طلائعها عليه، متيقّنا من كرم الله استئصال عدوّه الذى إن فرّ أدركته من ورئه، وإن ثبت أخذته من بين يديه؛ وليجتهد فى حفظ ما قبله من الأطراف وضمّها، وجمع سوام الرعايا من الأماكن المتخوّفة ولمّها، وإصلاح ما يحتاج إلى إصلاحه من مسالك الأرباض المتطرّفة ورمّها، فإنّ الاحتياط على كل حال من آكد المصالح الإسلاميّة وأهمّها؛ فكأنه بالعدوّ وقد زال طمعه، وزاد ظلعه؛ وذمّ عقبى مسيره، وتحقّق سوء منقلبه ومصيره، وتبرّأ منه الشيطان الذى دلّاه بغروره، وأصبح لحمه موزعا بين ذئاب للفلا وضباعها، وبين عقّبان الجوّ
(7/192)

ونسوره؛ ثقة من وعد الله الذى تمسّكنا منه باليقين، وتحقّقنا أن الله ينصر من ينصره وأن العاقبة للمتقين.
قال: وزيادة البسط فى ذلك ونقصها بحسب المكتوب إليه.
وإذا كتب فى التهانى بالفتوح، فليس إلّا بسط الكلام، والإطناب فى شكر نعم الله، والتبرّؤ من الحول والقوّة إلّا به، ووصف ما أعطى من النصر، وذكر ما منح من الثّبات، وتعظيم ما يسّر من الفتح؛ ثم ما وصف بعد ذلك من عزم وإقدام وصبر وجلد عن الملك وعن جيشه حسن وصفه، ولاق ذكره، وراق التوسيع فيه، وعذب بسط الكلام فيه؛ ثم كلّما اتسع مجال الكلام فى ذكر الواقعة ووصفها كان أحسن [وأدلّ على البلاغة، وأدعى لسرور المكتوب إليه، وأحسن «1» ] لموقع المنّة عنده، وأشهى إلى سمعه، وأشفى لغليل تشوّقه إلى معرفة الحال على جليّته، ولا بأس «2» بتهويل [أمر «3» ] العدوّ، ووصف جمعه وإقدامه، فإن تصغير أمره تحقير للظّفر به؛ وقد ذكرنا فى باب التهانى من ذلك ما تقدّم شرحه، فلنذكر فى هذا الموضع من كلامه فيه ما لم نورده فى باب التهانى؛ قال: وإن كان المكتوب إليه ملكا صاحب مملكة منفردة تعيّن أن يكون البسط أكثر، والإطناب أمدّ، والتهويل أبلغ، والشرح أتمّ؛ فمن ذلك فصل كتبته فى جواب ابن الأحمر صاحب غرناطة من جزيرة الأندلس، قال:
أما بعد حمد الله الذى أيّدنا بجنوده، وأنجز لنا من نصر الأمّة صادق وعوده وخصّنا من استدامة الفتوح بمزايا مزيده، وأيّدنا بنصره، ونصرنا بتأييده، والصّلاة
(7/193)

والسلام على سيدنا محمد أشرف رسله، وخاتم أنبيائه، وأكرم عبيده، وأعزّ من دعا الأمم وقد أنكرت خالقها الى الإقرار بتوحيده، وعلى آله وصحبه الذين أشرق أفق الدين منهم بكواكب سعوده؛ فإنا أصدرناها ونعم الله تعالى بنا مطيفه، ومواقع نصره عندنا لطيفه، وجنود تأييده لممالك الأعداء الى ممالكنا الشريفة مضيفه، وثغور الإسلام بذبّنا عن دين الله منيره، وبإعلائنا منار الهدى منيفه؛ ونحن نحمد الله على ذلك حمدا نستدرّ به أخلاف الظّفر، ونستديم به موادّ التأييد على من كفر؛ ونستمدّ به عوائد النصر التى كم أقدمها علينا إقدام، وأسفر لنا عنها وجه سفر؛ ونهدى إليه ثناء تعبق بنشر الرياض خمائله، وتنطق بمحض الوداد مخايله، وتشرق على أفق مفاخره غدواته وأصائله؛ يشافه مجده بمصونه «1» ، ويصارح فخره بمكنونه، ويجلو على حضرته العليّة عقائل الشّرف من أبكار الهناء وعونه؛ ونبدى لعلمه الكريم ورود كتابه الجليل مسفرا عن لوامع صفائه، منبئا بجوامع ودّه ووفائه؛ مشرقا بلآلئ فرائده، محدقا بروض كرمه الذى سعد رأى رائده؛ محتويا على سروره بما بلغه من أنباء النّصرة التى سارت بها إليه سرعان الرّكبان، وذلّت بعزّ ما تلى منها عليه عبّاد الصلبان؛ وطبّق ذكرها المشارق والمغارب، ومزّقت مواكب أعداء الله التّتار وهم فى رأى العين أعداد الكواكب، وخلطت التراب بدمائهم حتى لم يبح بها التيمّم، ومزجت بها الفرات حتى ما تحلّ لشارب؛ وهى النّصرة التى لا يدرك الوصف كنهها، ولا تعرف لها البلاغة مشبها فتذكر شبهها؛ ولا يتّسع نطاق النطق لذكرها، ولا تنهض الألسنة على طول الأبد بشكرها؛ فإنّ التّتار المخذولين اقبلوا كالرّمال، واصطفوا كالجبال؛ وتدفّقوا كالبحار الزّواخر، وتوالوا كالأمواج التى لا يعرف لها الأوّل من الآخر؛ فصدمتهم جيوشنا المنصورة صدمة بدّدت شملهم، وعلّمت الطير أكلهم؛ وحصرتهم
(7/194)

فى الفضاء، وطالبت أرواحهم الكافرة بدين دينها وأسرفت فى الاقتضاء؛ وحصدت منهم سيوفنا المنصورة ما يخرج عن وصف الواصف، ومزّقت بقيّتهم فى الفلوات فكانوا كرماد اشتدّت به الرّيح فى يوم عاصف؛ وأحاطت بهم كتائبنا المنصورة فلم ينج إلا من لا يؤبه له من فريقهم، وقسمتهم جيوشنا المؤيّدة من الفلوات الى الفرات بين القتل والأسر، فلم يخرج عن تلك القسمة غير غريقهم؛ وأعقبتهم تلك الكسرة أن هلك طاغيتهم أسفا وحسره، وحزنا على من قتل من تلك المقاتلة، وأسر من تلك الأسره، وأماته الرّعب من جيوشنا المنصورة فجاءه، واستولى عليه الوجل فجاءه من أمر الله ما جاءه؛ وقعد أخوه بعده مكانه، والخوف من عساكرنا يضعضع أركانه، والفرق من جيوشنا يفرّق أعوانه، ويمزّق إخوانه، ويوهى سلطانه ويبرّئ منه شيطانه؛ فلاذ بالالتجاء الى سلمنا، وعاذ بإسناد الرجاء الى كفّنا عنه وحلمنا؛ فكرّر رسله ورسائله مستعطفا، ووالى كتبه ووسائله مستعفيا من حربنا ومستسعفا؛ وهاهو الآن وجنوده يتوسّلون بالخضوع الى مراحمنا، ويتوصّلون ببذل الطاعة الى مكارمنا؛ ويسألون صفح الصّفاح الإسلاميّة عن رقابهم، ويبدون ما أظهره الله عليهم من الذلّ الذى جعلته تلك النّصرة خالدا فى أعقابهم؛ وسيوفنا تأبى قبول وسائلهم، وتصرّ على نهز سائلهم، وتمنع من الكفّ عن مقاتلهم، وتأنف أن تغمد إلّا فى قمم محاربهم ومقاتلهم؛ ونحن على ما نحن من الأهبة لغزوهم فى عقر دارهم، وانتزاع مواطن الخلافة وغيرها من ممالك الإسلام من بين نيوبهم وأظفارهم؛ مستنصرين بالله على من بقى فى خطّ «1» المشرق منهم، قائمين فيهم بفرض الجهاد الذى لولا دفاع الله به لم يمتنع خطّ المغرب عنهم؛ «ولينصرنّ الله من ينصره» ، ولو عددنا نعم الله علينا حاولنا عدّ ما لا نحصيه ولا نحصره.
(7/195)

وإن اضطرّ أن يكتب بمثل ذلك الى ملك غير مسلم لكنّه غير محارب، فالحكم فى ذلك أن يذكر من أسباب المودّة ما يقتضى المشاركة فى المسارّ، وأنّ أمر هذا العدد مع كثرته أخذ بأطراف الأنامل، وآل أمره الى ما آل، ويعظّم ذكر ما جرى عليه من القتل والأسر، وتلك عوائد نصر الله، وانتقامه «1» ممّن عادانا؛ فمن ذلك ما أنشأه المشار اليه لبعض ملوك البحر- ولم يكتب به- وهو:
صدرت هذه المكاتبة مبشّرة له بما منحنا الله من نصرة أجزل الصفاء منها سهمه، وأكمل الوفاء من التهنئة بها قسمه؛ وخصّه الوداد بأجلّ أجزائها، وأجلسه الاتحاد على أسرّة مسرّتها إذا أجلس العناد غيره على بساط عزائها؛ علما بأنه الصديق الذى تبهجه مسارّ صديقه، والصاحب الذى يرى مساهمة صاحبه فى بشرى الظّفر بأعدائه أدنى حقوقه؛ وذلك أنه قد علم ما كان من أمر هؤلاء التّتار فى حركاتهم الذميمة، وعزماتهم التى ما احتفلوا لها إلا وكان أحدّ سلاحهم فيها الهزيمة، وغاراتهم التى ما حشدوا لها إلّا وقنعوا فها بالإياب من الغنيمه؛ وأنهم ما أقدموا علينا إلا وعدموا، ولا سلكوا الينا إلّا وهلكوا؛ حتى إنّ الأرض الى الآن لم تجفّ من دمائهم، وإنّ الفرات يكاد يشفّ «2» للمتأمّل عن أشلائهم؛ وأن الشيطان بعد ذلك جدّد طمعهم، وسكّن هلعهم؛ وأنساهم مصارع إخوانهم، وأسلاهم بما زيّن لهم من بلوغ أوطارهم عن أوطانهم؛ وقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس، وتلك الوقائع التى أصبتم فيها قد لا يجرى الأمر فيها على القياس؛ وحسّن لهم المحال وغرّهم وجرّأهم على قصد البلاد المحروسة، وفى الحقيقة استجرّهم؛ فحشدوا جموعهم
(7/196)

وجمعوا حشودهم، واستفرغوا فى الاستنفار والاستظهار طاقتهم ومجهودهم؛ ومالأهم على ذلك من المجاورين من أبطن شقاقه، وكنتم نفاقه، وأنساه الشيطان ما سلف من تنفيسنا عنه وقد لازم الحتف خناقه؛ ونحن فى ذلك نوسعهم إمهالا؛ ونبسط لهم فى التّوغل آمالا، ونأخذا أمرهم بالأناة استدرجا لهم لا إهمالا؛ الى أن بعدوا عن مواطن الهرب، وحصل من استدراجهم الأرب؛ فوثبنا عليهم وثوب الليث إذا ظفر بصيده، ونهضنا نحوهم نهوض الحازم إذا وقع [عدوّه «1» ] فى أحبولة كيده؛ وصدمتهم جيوشنا المنصورة صدمة فللت غربهم، وأبطلت طعنهم وضربهم، وصبغت بدمائهم تربهم؛ وحكّمت السيوف فى مقاتلهم، [ومكّنت الحتوف من صاحب رأيهم ومقاتلهم «2» ] ؛ وسلّطت العدم على وجودهم، وحطّتهم عن سروجهم الى مصارعهم أو قيودهم؛ «فغلبوا هنا لك وانقلبوا صاغرين» ، وعادوا على عادتهم خاسئين، ورجعوا على أعقابهم خاسرين؛ وما أغنى عنهم جمعهم، وما أفادهم بصرهم فيما شاهدوه من قبل ولا سمعهم؛ فركن من بقى منهم الى الفرار، وعاذ ببرد الهرب من لهب تلك السيوف الحرار وظنّ من انهزم منهم أنه فات الرماح، فتناولته بأرماح من العطش القفار؛ فولّوا والرعب يزلزل أقدامهم، والذّعر يقلّل إقدامهم؛ والصّفاح تتخطّفهم من ورائهم والجراح تطمع الطّير فى أكلهم حتى تقع على أحيائهم؛ حتى أصبحوا هشيما تلعب «3» بهم الصّبا والدّبور، أو أحياء يئس منهم أهلهم «كما يئس الكفّار من أصحاب القبور» وصفحنا عمّن نافقنا ووافقهم ولولا ذلك لما نجا، ورجا عواطفنا فى الإبقاء على نفسه، فأجابه حلمنا- وعلمنا أنه فى القبضة- الى ما رجا؛ فليأخذ الملك حظّه من
(7/197)

هذه البشرى التى تسرّ قلب الولىّ المحبّ بوادرها، وتشرح صدر الحفىّ «1» المحقّ مواردها ومصادرها؛ والله تعالى يبهجه عنا بسماع أمثالها، ويديم سروره بما جلوناه عليه من مثالها «2» .
قال: فإن كان المكتوب إليه متّهما بممالأة العدوّ كتب اليه بما يدلّ على التقريع والتهكّم، وإبراز التهديد فى معرض الإخبار، كما كتب المشار اليه عن السلطان الى متملّك سيس «3» - وكان قد شهد الوقعة مع العدوّ- قال منه:
بصّره الله برشده، وأراه مواقع غيّه فى الإصرار على مخالفته ونقض عهده وأسلاه بسلامة نفسه عمّن روّعته السيوف الإسلاميّة بفقده؛ صدرت تعرّفه أنه قد تحقّق ما كان من أمر العدوّ الذى دلّاه بغروره، وحمله التمسّك بخداعه على مجانبة الصواب فى أموره؛ وأنهم استنجدوا بكلّ طائفه، وأقدموا على البلاد الإسلاميّة بنفوس طامعة وقلوب خائفه؛ وذلك بعد أن أقاموا مدّة يشترون «4» المخادعة بالموادعه، ويسرّون المصارمة فى المسالمه؛ ويظهرون فى الظاهر أمورا، ويدبّرون فى الباطن أمورا، ويعدون كل طائفة من أعداء الدين مثله ويمنّونهم «وما يعدهم الشّيطان إلّا غرورا» ؛ وكنّا بمكرهم عالمين، وعلى معالجتهم عاملين؛ وحين تبيّن مرادهم وتكمّل احتشادهم؛ استدرجناهم الى مصارعهم، واستجريناهم «5» ليقربوا فى القتل من مضاجعهم، ويبعدوا فى الهرب عن مواضعهم؛ وصدمناهم بقوّة أو صدمة
(7/198)

لم يكن لهم بها قبل، وحملنا عليهم حملة ألجأهم طوفانها الى ذلك الجبل، وهل تعصم من أمر الله حيل؟ فحصرناهم فى ذلك الفضاء المتّسع، وضايقناهم كما قد رأى ومزّقناهم كما قد سمع، وأنزلناهم على حكم السيف الذى نهل من دمائهم حتى روى وأكل من لحومهم حتى شبع، وتبعتهم جيوشنا المنصورة تتخطّفهم رماحها، وتتلقّفهم صفاحها، ويبدّدهم فى الفلوات رعبها، ويفرّقهم فى القفار طعنها المتدارك وضربها؛ ويقتل من فات السيوف منهم العطش والجوع، ويخيّل للحىّ منهم أنّ وطنه كالدنيا التى ليس للميت اليها رجوع؛ ولعله قد رأى ذلك فوق ما وصف عيانا، وتحقّق من كل ما لا يحتاج أن نزيده به علما ولا نقيم له عليه برهانا؛ وقد علم أنّ أمر هذا العدوّ المخذول ما زال معنا على هذه الوتيره، وأنهم ما أقدموا إلا ونصر الله عليهم فى مواطن كثيره؛ وما ساقتهم الأطماع فى وقت إلا الى حتوفهم، ولا عاد منهم قطّ فى وقعة إلا آحاد تخبر عن مصارع ألوفهم؛ ولقد أضاع الحزم من حيث لم يستدم نعم الله عليه بطاعتنا التى كان فى مهاد أمنها، ووهاد يمنها؛ وحماية عفوها، وبرد رأفتها التى كدّرها بالمخالفة بعد صفوها؛ يصون رعاياه بالطاعة عن القتل والإسار، ويحمى أهل ملّته بالحذر من الحركات التى ما نهضوا اليها إلا وجرّوا ذيول الخسار؛ ولقد عرّض نفسه وأصحابه لسيوفنا التى كان من سطواتها فى أمان، ووثق بما ضمن له التّتار من نصره وقد رأى ما آل اليه أمر ذلك الضّمان؛ وجرّ لنفسه بموالاة التتار عناء كان عنه فى غنى، وأوقع روحه بمظافرة المغول فى حومة السيوف التى تخطّفت أولياءه من هنا ومن هنا؛ واقتحم بنفسه موارد هلاك سلبت رداء الأمن عن منكبيه واغترّ هو وقومه بما زيّن لهم الشيطان من غروره «فلمّا تراءت الفئتان نكص على عقبيه» وما هو والوقوف فى هذه المواطن التى تتزلزل فيها أقدام الملوك الأكاسره وأنّى لضعاف النّقاد قدرة على الثّبات لوثبات الأسود الضارية واللّيوث الكاسره؛
(7/199)

لقد اعترض بين السهم والهدف بنحره، وتعرّض للوقوف بين ناب الأسد وظفره؛ وهو يعلم أننا مع ذلك نرعى له حقوق أسلافه التى ماتوا عليها، ونحفظ له خدمة آبائه التى بذلوا نفوسهم ونفائسهم فى الوصول اليها؛ ونجريه وأهل بلاده مجرى أهل ذمّتنا الذين لا نؤيسهم من عفونا مهما «1» استقاموا، ونسلك بهم حكم من فى أطراف البلاد من رعايانا الذين هم فى قبضتنا نزحوا أو أقاموا؛ ونحن نتحقّق أنه ما بقى ينسى ملازمة ربقة الحتف خناقه، ولا يرجع يهوّر «2» نفسه فى موارد الهلاك، وهل يرجع الى الموت «3» [من] ذاقه؟ فيستدرك باب الإنابة قبل أن يغلق دونه، ويصون نفسه وأهله قبل أن تبذل السيوف الإسلاميّة مصونه، ويبادر الى الطاعة قبل أن يبذلها فلا تقبل، ويتمسّك بأذيال العفو قبل أن ترفع دونه فلا تسبل؛ ويعجّل بحمل أموال القطيعة وإلّا كان أهله وأولاده فى جملة ما يحمل منها الينا، ويسلّم مفاتح ما عدا عليه من فتوحنا، وإلّا فهو يعلم أنها وجميع ما تأخّر فى بلاده بين يدينا؛ ويكون هو السبب فى تمزّق شمله، وتفرّق أهله، وقلع «4» بيته من أصله؛ وهدم كنائسه، وابتذال نفسه ونفائسه؛ واسترقاق حرمه، واستخدام أولاده قبل خدمه؛ واقتلاع «5» قلاعه، وإحراق
(7/200)

ربوعه ورباعه «1» ، وتعجيل رؤية ما أوعد «2» به قبل سماعه، ومن لقازان بأن يجاب الى مثل ذلك، أو يسمح له مع الأمن من سيوفنا ببعض ما فى يده من الممالك؛ ليقنع بما أبقت جيوشنا المؤيّدة فى يده من الخيل والخول، ويعيش فى الأمن ببعض ما نسمح له به، ومن للعور «3» بالحول؛ والسيوف الآن مصغية الى جوابه لتكفّ إن أبصر سبل الرشاد، أو تتعوّض برءوس حماته وكماته عن الأغماد إن أصرّ على العناد، والخير يكون.
وأما التقاليد والمناشير والتواقيع وما يتعلّق بذلك- فالأحسن فيها بسط الكلام، وتعتبر كثرته وقلّته بحسب الرتب، ويجب أن يراعى فيها أمور:
منها براعة الاستهلال بذكر الرتبة أو الحال، أو قدر النعمة، أو لقب صاحب التقليد أو اسمه بحيث لا يكون المطلع أجنبيّا من هذه الأحوال، ولا بعيدا منها، ولا مباينا لها، ثم يستصحب ما يناسب الغرض ويوافق المقصد من أوّل الخطبة
(7/201)

الى آخرها؛ قال: ويحسن أن يكون الكلام فى التقليد منقسما إلى أربعة أقسام متقاربة المقادير، فالرّبع الأوّل الخطبة، والثانى ذكر موقع الإنعام فى حقّ المقلّد، وذكر الرتبة وتفخيم أمرها، والثالث فى أوصاف المقلّد وذكر ما يناسب تلك الرتبة ويناسب حاله من عدل وسياسة ومهابة وبعد صيت، وسمعة وشجاعة إن كان نائبا، ووصف العدل والرأى وحسن التدبير، والمعرفة بوجوه الأموال، وعمارة البلاد، وصلاح الأحوال، وما يناسب ذلك إن كان وزيرا؛ وكذلك فى كلّ رتبة بحسبها، والرابع فى الوصايا؛ ومنها [أن يراعى «1» ] المناسبة وما تقضيه الحال، فلا يعطى أحدا فوق حقّه، ولا يصفه بأكثر مما يراد من مثله، ويراعى أيضا مقدار النعمة والرتبة، فيكون وصف المنّة على مقدار ذلك.
ومنها أن لا يصف المتولّى بما يكون فيه تعريض بالمعزول وتنقّص له، فإنّ ذلك مما يوغر الصدور، ويؤرّث الضغائن فى القلوب، ويدلّ على ضعف الآراء فى اختيار الأوّل، وله أن يصف الثانى بما يحصل به المقصود من غير تعريض بالأوّل؛ ومنها أن يتخيّر الكلام والمعانى، فإنه مما يشيع ويذيع، ولا يعذر «2» المقصّر فى ذلك بعجلة ولا ضيق وقت، فإنّ مجال الكلام عليه متّسع، والبلاغة تظهر فى القليل والكثير، والأمر الجارى فى ذلك على العادة معروف، لكن تقع أشياء خارجة عن العادة، نادرة الوقوع، فيحتاج الكاتب فيها الى حسن التصرّف على ما تقتضيه الحال؛
(7/202)

فمن ذلك تقليد [من «1» ] إنشاء المولى الفاضل شهاب الدين محمود الحلبىّ كتبه لمتملّك سيس بإقراره على ما قاطع النهر من بلاده، وهو:
الحمد لله الذى خصّ أيامنا الزاهرة باصطناع ملوك الملل، وفضّل دولتنا القاهرة بإجابة من سأل بعض ما أحرزته لها البيض والأسل، وجعل من خصائص ملكنا إطلاق الممالك وإعطاء الدّول، والمنّ بالنفوس التى جعلها النصر لنا من جملة الخول، وأغرى عواطفنا بتحقيق رجاء من مدّ إلى عوارفنا كفّ الأمل، وأفاض بمواهب نعمائنا على من أناب الى الطاعة حلل الأمن بعد الوجل، وانتزع بآلائنا [لمن تمسّك «2» بولائنا] أرواح رعاياه من قبضة الأجل، وجعل برد العفو عنه وعنهم بالطاعة نتيجة ما أذاقهم العصيان من حرارة الغضب، إذ ربما صحّت الأجسام بالعلل؛ نحمده على نعمه التى جعلت عفونا ممن رجاه قريبا، وكرمنا لمن دعاه بإخلاص الطاعة مجيبا، وبرّنا لمن أقبل اليه منيبا بوجه الأمل مثيبا، وبأسنا مصيبا لمن لم يجعل الله له فى التمسّك بمراحمنا نصيبا؛ ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تعصم دم من تمسّك بذمامها، وتحسم موادّ من عاندها بانتقام حسامها، وتفصم عرا الأعناق ممن أطمعه الغرور فى انفصال أحكامها وانفصامها، وتقصم من قصد إطفاء ما أظهره الله من نورها، وانقطاع ما قضاه من دوامها، وتجعل كلمة حملتها هى العليا، فلا تزال أعناق جاحديها فى قبضة أوليائها وتحت أقدامها؛ ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المبعوث بالهدى ودين الحق الى كلّ أمّه، المنعوت فى الكتب المنزّلة بالرأفة والرحمه، المخصوص مع عموم المعجزات بخمس منهنّ الرعب الذى كان يتقدّمه الى من قصده، ويسبقه مسيرة شهر الى [من «3» ] أمّه، المنصوص
(7/203)

فى الصحف المحكمة على جهاد أمته، الذى لا حياة لمن لم يتمسّك من طاعته بذمته؛ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين فتحوا بدعوته الممالك، وأوضحوا بشرعته الى الله المسالك، وجلوا بنور سنّته عن وجه الزمن كلّ حال حالك، وأوردوا من كفر بربهم ورسله موارد المهالك، ووثقوا بما وعد الله نبيّه حين زوى له مشارق الأرض ومغاربها من أنّ ملكهم سيبلغ ما زوى الله له من ذلك؛ صلاة لا تزال الأرض لها مسجدا، ولا يبرح ذكرها مغيرا فى الآفاق ومنجدا؛ ما استفتحت ألسنة الأسنّة النصر بإقامتها، وأبادت أعداءها باستدامتها، وسلم تسليما كثيرا؛ وبعد، فإنه لمّا آتانا الله ملك البسيطه، وجعل دعوتنا بأعنّة ممالك الأقطار محيطه؛ ومكّن لنا فى الآفاق «1» ، وأنهضنا من الجهاد فى سبيله بالسنّة والفرض، وجعل كلّ يوم تعرض [فيه «2» ] جيوشنا من أمثلة يوم العرض؛ وأظلّتنا بوادر الفتوح، وأظلّت على الأعداء سيوفنا التى هى على من كفر بالله وكفر النعمة دعوة نوح وأيّدنا بالملائكة والرّوح، على من جعل الواحد سبحانه ثلاثة فانتصر بالأب والابن والرّوح؛ وألقت إلينا ملوك الأقطار السّلم، وبذلت كرائم بلادها رغبة فى الالتجاء من عفونا الى ظل أعلى من علم؛ وتوسّل من كان منهم يظهر الغلظة بالذلّة والخضوع وتوصّل من كان منهم يبدى القوّة بالإخلاص الذى رأوه لهم أقوى الجنن وأوقى الدروع؛ عاهدنا الله تعالى ألّا نردّ منهم آملا، ولا نصدّ عن مشارع كرمنا ناهلا؛ ولا نخيّب من إحساننا راجيا، ولا نجلى عن ظلّ برّنا لاجيا؛ علما أنّ ذلك شكر للقدرة التى جعلها الله لنا على ذلك الآمل، ووثوقا بأنه حيث كان فى قبضتنا كما نشاء
(7/204)

نجمع عليه الأنامل؛ اللهمّ إلّا أن يكون ذلك اللّاجئ للغلّ مسرّا، وعلى عداوة الإسلام مصرّا؛ فيكون هو الجانى على نفسه، والجانى على موضع رمسه؛ ولمّا كان من تقدّم بالمملكة الفلانية قد زيّن له الشيطان أعماله، وعقد بحبال الغرور آماله؛ وحسّن له التمسّك بالتّتار الذين هم بمهابتنا محصورون فى ديارهم، مأسورون فى حبائل إدبارهم؛ عاجزون عن حفظ ما لديهم، قاصرون عن ضبط ما استلبته سرايانا المنصورة من يديهم؛ ليس منهم إلا من له عند سيوفنا ثار، ومن يعلم أنه لا بدّله عندنا من خطّتى خسف: إما القتل أو الإسار؛ وحين تمادى المذكور فى غيّه، وحمله الغرور على ركوب جواد بغيه؛ أمرنا جيوشنا المنصورة فجاست خلال تلك الممالك وداست حوافر خيلها ما هنالك، وساوت فى عموم القتل والأسر بين العبد والحرّ والمملوك والمالك؛ وألحقت رواسى جبالهم بالصّعيد، وجعلت حماتهم كزروع فلاتهم منها قائم وحصيد؛ فأسلمهم الشيطان ومرّ، وتركهم وفرّ، وماكرهم وما كرّ وأعلمهم أن الساعة موعدهم «والسّاعة أدهى وأمرّ» وأخلقهم ما ضمن لهم من العون وقال لهم: «إنّى برىء منكم إنّى أرى ما لا ترون» ؛ وكان الملك فلان ممّن يريد طرق النجاة فلم ير إليها بسوى الطاعة سبيلا، ويأمل أسباب النجاح فلم يجد عليها غير صدق الانتماء دليلا؛ فأبصر بالخدمة موضع رشده، وأدرك بسعيه نافر سعده؛ وأراه الإقبال كيف تثبت قدمه فى الملك الذى زلّت عنه قدم من سلف، وأظهر له الإشفاق على رعاياه مصارع من أورده سوء تدبير أخيه موارد التّلف، وعرّفه التمسّك بإحساننا كيف احتوت يده على ما لم يبق غضبنا فى يد أخيه منه إلا الأسى والأسف؛ وحسّنت له الثقة بكرمنا كيف يجمل الطلب، وعلّمته الطاعة كيف تستنزل عوارفنا عن بعض ما غلبت عليه سيوفنا وإنما الدنيا لمن غلب؛ وانتمى إلينا فصار من خدم أيّامنا، وصنائع إنعامنا، وقطع علائقه من غيرنا؛ فلجأ منا الى
(7/205)

ركن شديد، وظلّ مديد، ونصر عتيد؛ وحرم يأوى آمله إليه، وكرم تقرّ نضارته ناظريه، وإحسان يمتّعه بما أقرّه عطاؤنا فى يديه، وامتنان يضع عنه إصره والأغلال التى كانت عليه؛ اقتضى إحساننا أن نغضى له عن بعض ما حلّت جيوشنا ذراه وحلّت سطوات عساكرنا عراه؛ وأضعفت عزمات سرايانا قواه، ونشرت طلائع جنودنا ما كان ستره صفحنا عنهم من عورات بلادهم وطواه؛ وأن نخوّله بعض ما وردت خيولنا مناهله، ووطئت جيادنا غاربه وكاهله؛ وسلكت كماتنا فملكت دارسه واهله؛ وأن نبقى مملكة البيت الذى مضى سلفه فى الطاعة عليه، ويستمرّ ملك الأرمن الذى أهمل «1» السعى فى مصالحه بيديه؛ ليتيمّن رعاياه به، ويعلموا أنهم أمنوا على أرواحهم وأولادهم بسببه؛ ويتحقّقوا أنّ أثقالهم بحسن توصّله الى طاعتنا قد خفّت، وأنّ بوادر الأمن بلطف توسّله الى مراضينا قد أطافت بهم وحفّت وأنّ سيوفنا التى كانت مجرّدة على مقاتلهم بجميل استعطافه قد كفتهم بأسنا وكفّت وأنّ سطواتنا الحاكمة على أرواحهم قد عفت [عنهم بملاطفته «2» وعفت] ؛ فرسم أن يقلّد كيت وكيت من المملكة الفلانية، ويستقرّ بيده استقرار لا ينازع فى استحقاقه ولا يعارض فيما سبق من إعطائه وإطلاقه؛ ولا يطالب عنه بقطيعه «3» ، [ولا يطلب منه بسببه غير طويّة مخلصة ونفس مطيعه] ؛ ولا يخشى عليه يدا جائره، ولا سريّة فى طلب الغرّة سائره؛ ولا يطرق كناسه أسد جيوش مفترسه، ولا سباع نهاب مختلسه؛ بل تستمرّ بلاده المذكورة فى ذمام رعايتنا، وحصانة عنايتنا؛ وكنف إحساننا، ووديعة برّنا وامتناننا؛ لا تطمح اليها عين معاند، ولا يمتدّ اليها إلّا ساعد
(7/206)

مساعد، وعضد معاضد؛ فليقابل هذه النعمة بشكر الله الذى هداه الى الطاعه وصان بإخلاص ولائه نفسه ونفائس بلاده من الإضاعه؛ وليقرن ذلك بإصفاء موارد المودّه، وإضفاء ملابس الطاعة التى لا تزداد بحسن الوفاء إلا جدّه؛ واستمرار المناصحة فى السّرّ والعلن، واجتناب المخادعة ما ظهر منها وما بطن، وأداء الأمانة فيما استقرّ معه الحلف «1» عليه، ومباينة ما يخشى أن يتوجّه بسببه وجه عتب إليه؛ واستدامة هذه النعمة بحفظ أسبابها، واستقامة أحوال هذه المنّة برفض موجبات الكدر واجتنابها، وإخلاص النيّة التى لا تعتبر ظواهر الأحوال الصالحة إلّا بها.
ومن تقليد كتبه المشار اليه أيضا لسلامش بمملكة الروم حين ورود كتابه يسأل ذلك قبل حضوره، أوّله:
الحمد لله الذى أيّدنا بنصره، وأمدّنا من جنود الظّفر بما لم يؤت ملك فى عصره، وجعل مهابتنا قائمة فى جهاد عدوّ الدين، إن قرب مقام كسره، وإن بعد مقام حصره، ونشر دعوة ملكنا فى الأقطار كلّها اذا اقتصرت دعوة غيرنا من ملوك الأمصار على مصره، وأنجد من نادانا بلسان الإخلاص من جنود الله وجنودنا بالجيش الذى لم تزل أرواح العدا بأسرها فى أسره، وعضد من تمسّك بطاعة الله وطاعتنا من إجابة عساكرنا بما هو أقرب الى مقاتل عدوّه من بيضه المرهفة وسمره، وأعاد بنا من حقوق الدّين كلّ ضالّة ملك ظنّ العدوّ أنّ أمره غالب عليها والله غالب على أمره؛ فجنودنا إلى نصرة من دعاها بالإيمان أقرب من رجع نفسه اليه، وأسرع من ردّ «2» الصدى جوابه عليه؛ وأسبق الى عدوّ
(7/207)

الدين من مواقع عيانه، وأقدر على التصرّف فى أرواح أهل الشّرك من تصرّف الكمىّ فى عنانه؛ وأذب عن حمى الدين من الجفون عن نواظرها، وأضرى على نفوس المعتدين من أسود عنت الفرائس «1» لكواسرها؛ قد عوّدها النصر الإلهىّ ألّا تسلّ ظباها فتغمد حتى تستباح ممالك، وضمن لها الوعد المحمّدىّ أنها الطائفة الذين لا يزالون ظاهرين الى يوم القيامة حتى يأتى أمر الله وهم على ذلك؛ نحمده على نعمه التى لم نزل نصون بها حمى الدين ونصول، ونقلّد بيمنها من لجأ إلينا سيف نصر يصدع به ليل العدا ولو أن النجوم نصول، ونورد بآسمها من انتصر بنا مورد عزّ يحرّمه «2» لمع الأسنّة فوقه، فليس لظمآن من العدا إليه وصول؛ وبعد، فإن أولى من أصغت عزائمنا الشريفة إلى نداء إخلاصه، وأجابت مكارمنا العميمة دعاء تميّزه بالولاء واختصاصه، وقابلت مراسمنا انتصاره فى الدين بالنّفير لإعانته على ما ظفر باقتلاعه من يد الكفر واقتناصه، وتكفلت له مهابتنا بالأمن على ملك مذ وسمه باسمنا الشريف يئس العدوّ من استخلاصه؛ وأجيبت كتبه فى الاستنجاد بسرعان «3» الكتائب، ولمعان القواضب، وتتابع أمداد جيوشنا التى تنوء بحملها كواهل المشارق والمغارب، وتدفّق أمواج عساكرنا التى تنشد طلائعها ملوك العدا:
«أين الفرار ولا مفرّ لهارب» وتألّق بروق النصر من خفق ألويتنا الشاهدة بأن قبيلنا «إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب» .
(7/208)

ومنه:
وفوّضت إليه مراسمنا الحكم فى الرعايا بالعدل والإحسان، وقلّدته «1» أوامرنا من عقود النظر فى تلك الممالك [ما تودّ جباه الملوك «2» ] لو حلّت «3» بدرّها معاقد التيجان، وعلّقت «4» به من الأوامر ما بنا تنفذ مواقعه، وكذا الأمور المعتبرة لا تنفذ إلا بسلطان؛ من ألقى الله الإيمان فى قلبه، وهداه إلى دين الإسلام فأصبح فيه على بيّنة من ربّه، وأراد به خيرا فنقله من حزب الشيطان إلى حزبه، وأنقذه بطاعته من موارد الهلاك بعد أن كان قد أذن بحرب من الله ورسوله، ولقد خسر الدين «5» والدنيا والآخرة من أذن من الله بحربه؛ وأيقظه من طاعتنا التى أوجبها على الأمم لما أبصر به رشده، ورأى قصده، وعلم به أن الذى كان فيه كسراب بقيعة «6» لم يجده شيئا، وأنّ الذى انتقل إليه وجد الله عنده؛ وأنهضه من موالاتنا بما حتّم به النّهوض على كل من كان مسلما، وأخرجه بنور الهدى من عداد أعدائه الذين تركهم خوفنا «كأنّما أغشيت وجوههم قطعا من اليّل مظلما» ؛ وأراه الرشد ما علم به أن الله تعالى أورثنا ملك الإسلام فبطاعتنا يتمّ الانتماء إليه، وأعطانا مقاليد البسيطة فمن اغتصب منها شيئا انتزعه الله لنا بجنوده المسوّمة من يديه؛ فلجأ من أبوابنا العالية الى الظلّ الذى يلجأ اليه كلّ ذى منبر وسرير، ورجا من كرمنا الاعتصام بجيوشنا التى ما رمينا بها
(7/209)

عدوّا إلا ظنّ أن الرمال تسيل والجبال تسير؛ وتحيز منّا إلى فئة الإسلام، وانتصر بسيوفنا التى هو يعلم كيف تسلّها على العدا الأحلام؛ ومتّ إلينا بذمّة الإسلام وهى عندنا أبرّ الذمم، وطلب تقليده الحكم منا من عرف «1» بإعاذته «2» النظرات الصادقة أنه كان يحسب الشحم فيمن شحمه ورم؛ وعقد بنا بناء رجائه، وهل لمسلم عن ملك الإسلام من معدل؟ وأنزل بنا ركائب آماله، وهل بعد رامة لمرام «3» من منزل؟ فتلقّت نعمنا كرائم قصده بالترحيب، وأحلّت وفادة انتمائه «4» بالحرم الذى شأوه بعيد ونصره قريب؛ وتسارعت إلى نصرته جنودنا التى أيّامها مشهورة فى عدوّها، وآثارها مشكورة فى رواحها وغدوّها، وأعلامها منصورة فى انتزاحها ودنوّها؛ وتتابعت يتلو بعضها بعضا تتابع الغمام المتراكم، والموج المتلاطم؛ تقدم عليه بالنصر القريب من الأمد البعيد، وتعلم بوادرها أنّ طلائعها عنده وساقتها بالصعيد؛ ولما كان فلان هو الذى أراد الله به من الخير ما أراد، ووطّد له بعنايته أركان الرشاد؛ وجعل له بعد الجهل به علما، وتداركه برحمته، فما أمسى للإسلام عدوّا حتى أصبح هو ومن معه له سلما؛ «قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا» ، وبكرمه العميم فليفسحوا صدورهم ويشرحوا، وبإرشاده الجلىّ وهدايته فليدعوا قومهم الى ذلك وينصحوا؛ وحين وضحت له هذه الطرق أرشدته من خدمتنا الشريفة الى الطاعة، ودلّته على
(7/210)

موالاة ملك الإسلام التى من لم يتمسّك [بها «1» ] فقد فارق الجماعة؛ فإن الله تعالى قرن طاعته وطاعة رسوله صلّى الله عليه وسلم بطاعة أولى الأمر، وحثّ على ملازمة الجماعة فى وقت يكون المتمسّك فيه بدينه كالقابض على الجمر؛ وهذا فعل من أراد الله به خيرا، وسعى من يحسن فى دين الله سيرة وسيرا؛ ولذلك اقتضت آراؤنا الشريفة إمضاء عزمه على الجهاد بالإمجاد، وإنفاذ سهمه فى أهل العناد بالإسعاف والإسعاد؛ وأرسلنا الجيوش الإسلاميّة كما تقدّم شرحه يطئون الصّحاصح، ويستقربون المدى النازح، ويأخذون كلّ كمىّ فلو استطاع السّماك لم يتسمّ بالرامح، ويحتسبون الشّقّة فى طلب عدوّ الإسلام علما أنهم لا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم به عمل صالح؛ فرسم بالأمر الشريف- لا زال يهب الدّول، ويقلّد أجياد العظماء ما تودّ لو تحلّت ببعض فرائده تيجان الملوك الأوّل- أن تفوّض إليه نيابة الممالك الفلانيّة تفويضا يصون به قلاعها، [ويصول «2» بمهابته على من حاول انتزاعها من يده واقتلاعها] ؛ ويجريها على [ما «3» ] ألفت مما لكنا من أمن لا يروّع سربه، ولا يكدّر شربه؛ ولا يوجد فيه باغ تخاف السبيل بسببه، ولا من يجرّد سيف بغى وطن جرّده قتل به؛ وليحفظ من الأطراف ما استودعه الله وهذا التقليد الشريف حفظه، وليعمل فى قتال محاربيه من العدا بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً.
(7/211)

ومنه: وليعلم أن جيوشنا فى المسير إليه متى قصدت عدوّا سابقت خيولها خيالها، وجارت جيادها ظلالها، وأنفت سنابكها أن تجعل غير جماجم الأعداء نعالها؛ وها هى قد تقدّمت ونهضت لإنجاده، فلو سامها أن تخوض البحار فى سبيل الله لخاضت، أو تصدم الجبال لصدمت.
ومنه: والشرع الشريف مهمّه المقدّم، وأمره السابق على كلّ ما تقدّم؛ فليعل مناره، ويستشفّ من أموره أنواره؛ وينفّذ أحكامه، ويعاضد حكّامه؛ ومن عدل عن حكمه معاندا، أو ترك شيئا من أحكامه جاحدا؛ فقد برئت الذمّة من دمه حتى يفىء الى أمر الله، ويرجع عن عناده وينيب إلى الله؛ فإن الله يهدى إليه من أناب «وهو الّذى يقبل التّوبة عن عباده» .
وأما الرسائل التى تتضمّن أوصاف السلاح وآلات الحرب وأوصاف الخيل والجوارح وأنواع الرياضات وما أشبه ذلك، فالكاتب فيه مطلق العنان، مخلّى بينه وبين فصاحته، موكول إلى اطّلاعه وبلاغته؛ وقد تقدّم من أوصاف السلاح ما فيه كفاية لمن يريد ذلك.
وأما الخيل والجوارح وما يلتحق «1» بذلك من الفهود والضّوارى فلا غنية للكاتب عن معرفته جيادها، والأمارات الدالّة على فراهتها، وكلّ طير من الجارح وأفعاله واستطالته، وكيفيّة فعله، وتمكّنه من الطير والوحش؛ وسنورد إن شاء الله تعالى فى فنّ الحيوان الصامت- وهو الفنّ الثالث من هذا الكتاب- ما يقتدى الكاتب بمثاله، وينسج على منواله.
(7/212)

وأما الرسائل التى تعمل رياضة للخواطر وتجربة للقرائح، كالمفاخرات بين الفواكه والأزهار، ووصف الرياحين والأنهار والغدران والسّواقى والجداول والبحار والمراكب وأمثال ذلك، فقد تقدّم منها فى الفنّ الأوّل من هذا الكتاب ما وقفت أو تقف عليه، وسنورد منها إن شاء الله تعالى فى الفن الرابع فى النبات ما تجده هناك.
وأما الرسائل الإخوانيّة وما يتجدّده من الأمور ويطرأ من الحوادث وغير ذلك، فسنورد إن شاء الله تعالى منها فى هذا الباب ما انتجبناه من رسائل الكتّاب والبلغاء المشارقة والمغاربة على ما تقف عليه؛ ولنبدأ من ذلك بذكر شىء من كلام الصحابة والصدر الأوّل.
ذكر شىء من الرسائل المنسوبة إلى الصحابة رضى الله عنهم والتابعين وشىء من كلام الصدر الأوّل وبلاغتهم
قدّمنا أنّ الكاتب يحتاج فى صناعته إلى حفظ مخاطبات الصحابة رضى الله عنهم، ومحاوراتهم ومراجعاتهم، فأحببنا أن نورد من ذلك فى هذا الموضع ما ستقف إن شاء الله عليه؛
فمن ذلك الرسالة المنسوبة إلى أبى بكر الصّدّيق إلى علىّ، وما يتّصل بها من كلام عمر بن الخطاب وجواب علىّ رضى الله عنهم،
وهذه الرسالة قد اعتنى الناس بها وأوردها [فى] المجاميع، ومنهم من أفردها فى جزء، وقطع بأنها من كلامهم رضى الله عنهم، ومنهم من أنكرها ونفاها عنهم، وقال: إنها موضوعة، واختلف القائلون بوضعها، فمنهم من زعم أنّ فضلاء الشّيعة وضعوها، وأرادوا بذلك الاستناد إلى
(7/213)

[أن «1» ] عليّا بن أبى طالب رضى الله عنه إنما بايع أبا بكر الصّدّيق بسبب ما تضمّنته؛ وهذا الاستناد ضعيف، وحجّة واهية، والصحيح أن عليّا بن أبى طالب رضى الله عنه بايع بيعة رضى باطنه فيها كظاهره، والدليل على ذلك أنه وطئ من السّبى الذى سبى فى خلافة أبى بكر، واستولد منه محمد بن الحنفيّة، ولا جواب لهم عن هذا؛ ومنهم من زعم أن فضلاء السنّة وضعوها، والله أعلم؛ وعلى الجملة فهذه الرسالة لم نوردها فى هذا الكتاب إثباتا لها أنها من كلامهم رضى الله عنهم ولا نفيا، وإنما أوردناها لما فيها من البلاغة، واتّساق الكلام، وجودة الألفاظ، وها نحن نوردها على نص ما وقفنا عليه قال أبو حيّان علىّ بن محمد التوحيدىّ البغدادىّ:
سمرنا ليلة عند القاضى أبى حامد بن بشر المرورّوذىّ ببغداد، فتصرّف فى الحديث كلّ متصرّف- وكان غزير «2» الروايه، لطيف الدرايه- فجرى حديث السّقيفة، فركب كلّ مركبا، وقال قولا، وعرّض بشىء، ونزع إلى فنّ؛ فقال:
هل فيكم من يحفظ رسالة لأبى بكر الصّدّيق إلى علىّ بن أبى طالب رضى الله عنهما وجواب علىّ عنها، ومبايعته إياه عقب تلك المناظرة؟ فقال الجماعة: لا والله، فقال:
هى والله من بنات الحقائق، ومخبّآت الصنادق، ومنذ حفظتها ما رويتها إلا لأبى محمد المهلّبىّ فى وزارته، فكتبها عنّى بيده، وقال: لا أعرف رسالة أعقل منها ولا أبين، وإنها لتدلّ على علم وحلم وفصاحة ونباهة، وبعد غور، وشدّة غوص؛ فقال له
(7/214)

العبّادانىّ «1» : أيها القاضى، لو أتممت المنّة علينا بروايتها سمعناها «2» ، فنحن أوعى لها عنك من المهلّبىّ، وأوجب ذماما عليك؛ فاندفع وقال: حدّثنا الخزاعىّ بمكّة، عن أبى «3» ميسرة قال: حدّثنا محمد بن فليح «4» عن عيسى بن دأب «5» [نبّأ «6» صالح بن كيسان ويزيد بن رومان، قالا: حدّثنا هشام بن عروة، نبّأ] أبو النفّاح «7» قال: سمعت
(7/215)

مولاى أبا عبيدة يقول: لما استقامت الخلافة لأبى بكر رضى الله عنه بين المهاجرين والأنصار بعد فتنة كاد الشيطان بها، فدفع الله شرّها، ويسّر خيرها؛ بلغ أبا بكر عن علىّ تلكّؤ وشماس، وتهمّم «1» ونفاس، وتهمّم ونفاس، فكره أن يتمادى الحال فتبدو العوره، وتشتعل الجمره، وتفرّق ذات البين، فدعانى، فحضرته فى خلوة، وكان عنده عمر بن الخطّاب رضى الله عنه وحده، فقال: يا أبا عبيدة، ما أيمن ناصيتك، وأبين الخير بين عينيك، وطالما أعزّ الله بك الإسلام، وأصلح شأنه على يديك، ولقد كنت من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمكان المحوط، والمحلّ المغبوط، ولقد قال فيك فى يوم مشهود: «لكلّ أمّة أمين، وأمين هذه الأمّة أبو عبيدة» ولم [تزل «2» ] للدّين ملتجا، وللمؤمنين مرتجى، ولأهلك ركنا، ولإخوانك ردءا؛ قد أردتك لأمر له خطر مخوف، وإصلاحه من أعظم المعروف؛ ولئن لم يندمل جرحه بيسارك «3» ورفقك، ولم تجبّ حيّته برقيتك، فقد وقع اليأس، وأعضل البأس؛ واحتيج بعد ذلك إلى ما هو أمرّ منه وأعلق، وأعسر منه وأغلق؛ والله أسأل تمامه بك، ونظامه على يديك، فتأتّ له يا أبا عبيدة، وتلطّف فيه، وانصح لله عزّ وجلّ، ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم، ولهذه العصابة غير آل جهدا، و [لا] قال حمدا؛ والله كالئك وناصرك، وهاديك ومبصّرك، إن شاء الله؛ امض إلى علىّ واخفض له جناحك، واغضض
(7/216)

عنده صوتك، واعلم أنه سلالة أبى طالب، ومكانه ممّن فقدناه بالأمس صلّى الله عليه وسلّم مكانه، وقل له: البحر مغرقه، والبرّ مفرقه؛ والجوّ أكلف، والليل أغذف «1» ؛ والسماء جلواء، والأرض صلعاء؛ والصّعود متعذّر، والهبوط متعسّر؛ والحقّ عطوف رءوف، والباطل عنوف «2» عسوف، والعجب قدّاحة «3» الشرّ، والضّغن رائد البوار، والتعريض سجال «4» الفتنة، والقحة ثقوب «5» العداوة، وهذا الشيطان متّكئ على شماله، متحبّل «6» بيمينه، نافخ حضنيه «7» لأهله، ينتظر الشّتات والفرقة، ويدبّ بين الأمّة بالشّحناء والعداوة، عنادا لله عز وجلّ أوّلا، ولآدم ثانيا، ولنبيّه صلّى الله عليه وسلّم ودينه ثالثا، يوسوس بالفجور، ويدلى بالغرور، ويمنّى أهل الشرور، يوحى إلى أوليائه زخرف القول غرورا بالباطل، دأبا له منذ كان على عهد أبينا آدم صلّى الله
(7/217)

عليه، وعادّة له منذ أهانه الله تعالى فى سالف الدهر، لا منجى منه إلا بعضّ الناجذ على الحقّ، وغضّ الطرف عن الباطل، ووطء هامة عدوّ الله بالأشدّ فالأشدّ، والآكد فالآكد، وإسلام النفس لله عزّ وجلّ فى ابتغاء رضاه؛ ولا بدّ الآن من قول ينفع اذا ضرّ السكوت وخيف غبّه، ولقد أرشدك من أفاء ضالّتك، وصافاك من أحيا مودّته بعتابك، وأراد لك الخير من آثر البقاء معك، ما هذا الذى تسوّل لك نفسك، ويدوى «1» به قلبك، ويلتوى عليه رأيك، ويتخاوص «2» دونه طرفك، ويسرى فيه ظعنك، ويترادف معه نفسك، وتكثر عنده صعداؤك، ولا يفيض به لسانك؟
أعجمة بعد إفصاح؟ أتلبيس بعد إيضاح؟ أدين غير دين الله؟ أخلق غير خلق القرآن؟ أهدى غير هدى النبى صلّى الله عليه وسلّم؟ أمثلى تمشى إليه الضّراء وتدبّ له الخمر «3» ؟ أو مثلك ينقبض عليه الفضاء ويكسف «4» فى عينه القمر؟ ما هذه القعقعة «5» بالشّنان؟ وما هذه الوعوعة باللسان؟ إنك والله جدّ عارف باستجابتنا إلى الله عزّ وجلّ ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم، وبخروجنا عن أوطاننا وأموالنا وأولادنا وأحبّتنا لله «6» عزّ وجلّ ولرسوله ونصرة لدينه، فى زمان أنت فيه فى كن الصّبا،
(7/218)

وخدر الغرارة، وعنفوان الشّبيبة [غافلا «1» عما] يشيب ويريب «2» ، لا تعى ما يراد ويشاد، ولا تحصّل ما يساق ويقاد، سوى ما أنت جار عليه إلى غايتك التى إليها عدل بك، وعندها حطّ رحلك، غير مجهول القدر، ولا مجحود الفضل، ونحن فى أثناء ذلك نعانى أحوالا تزيل الرواسى، ونقاسى أهوالا تشيب النّواصى؛ خائضين غمارها، راكبين تيّارها؛ نتجرّع صابها، ونشرج «3» عيابها؛ ونحكم أساسها، ونبرم أمراسها؛ والعيون تحدّج «4» بالحسد، والأنوف تعطس بالكبر، والصدور تستعر بالغيظ، والأعناق تتطاول بالفخر، والشّفار تشحذ بالمكر، والأرض تميد بالخوف، لا تنتظر عند المساء صباحا، ولا عند الصباح مساء، و [لا «5» ] ندفع فى نحر أمر إلّا بعد أن نحسو الموت دونه، ولا نبلغ مرادا إلى شىء إلّا بعد جرع العذاب معه، ولا نقيم منارا إلا بعد الإياس من الحياة عنده، فادين فى جميع ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالأب والأمّ، والخال والعمّ، والمال والنّشب، والسّبد واللّبد «6» ، والهلّة والبلّة «7» ، بطيب أنفس، وقرّة أعين، ورحب أعطان، وثبات عزائم، وصحّة عقول، وطلاقه أوجه، وذلاقة ألسن؛ هذا مع خفيّات أسرار، ومكنونات أخبار كنت عنها غافلا،
(7/219)

ولولا سنّك لم تكن عن شىء منها ناكلا؛ كيف وفؤادك مشهوم «1» ، وعودك معجوم! والآن قد بلغ الله بك، وأنهض الخير لك، وجعل مرادك بين يديك، وعن علم أقول ما تسمع؛ فارتقب زمانك، وقلّص «2» أردانك؛ ودع التقعّس «3» والتجسّس لمن لا يظلع لك إذا خطا، ولا يتزحزح عنك إذا عطا؛ فالأمر غضّ، والنفوس فيها مضّ «4» ؛ وإنك أديم هذه الأمّة فلا تحلم «5» لجاجا، وسيفها العضب فلا تنب اعوجاجا، وماؤها العذب فلا تحل أجاجا؛ والله لقد سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن هذا الأمر فقال لى: «يا أبا بكر، هو لمن يرغب عنه لا لمن يحاحش «6» عليه، ولمن يتضاءل عنه لا لمن ينتفج «7» إليه، هو لمن يقال: هو لك، لا لمن يقول: هو لى» ولقد شاورنى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى الصّهر، فذكر فتيانا من قريش، فقلت:
أين أنت من علىّ؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: إنى لأكره لفاطمة ميعة شبابه، وحداثة سنّه، فقلت له: متى كنفته يدك، ورعته عينك، حفّت بهما البركة، وأسبغت عليهما النعمة، مع كلام كثير خاطبته به رغبة فيك، وما كنت عرفت منك فى ذلك حوجاء ولا للوجاء، فقلت ما قلت وأنا أرى مكان غيرك، وأجد
(7/220)

رائحة سواك، وكنت إذ ذاك خيرا لك منك الآن لى؛ ولئن كان عرّض بك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى هذا الأمر فلم يكن معرضا عن غيرك، وإن كان قال فيك فما سكت عن سواك، وإن تلجلج فى نفسك شىء فهلمّ فالحكم مرضىّ، والصواب مسموع، والحقّ مطاع؛ ولقد نقل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى ما عند الله عزّ وجلّ وهو عن هذه العصابة راض، وعليها حدب، يسرّه ما يسرّها، ويسوءه ما يسوءها «1» ، ويكيده ما كادها، ويرضيه ما أرضاها، ويسخطه ما أسخطها، أما تعلم أنه لم يدع أحدا من أصحابه وأقاربه وسجرائه «2» إلا أبانه بفضيلة، وخصّه بمزيّة، وأفرده بحالة؟ أتظنه صلّى الله عليه وسلّم ترك الأمة سدى بددا، عباهل مباهل «3» ، طلاحى «4» ، مفتونة بالباطل، معنونة «5» عن الحقّ، لا ذائد ولا رائد، ولا ضابط ولا حائط ولا رابط، ولا ساقى ولا واقى، ولا هادى ولا حادى «6» ؛ كلا، والله ما اشتاق الى ربه تعالى، ولا سأله المصير الى رضوانه وقربه إلّا بعد أن ضرب المدى «7» ، وأوضح
(7/221)

الهدى، وأبان الصّوى «1» ؛ وأمّن المسالك والمطارح، وسهّل المبارك والمهايع «2» ، وإلا بعد أن شدخ يافوخ الشّرك بإذن الله تعالى، وشرم وجه النفاق لوجه الله سبحانه، وجدع أنف الفتنة فى ذات الله، وتفل فى عين الشيطان بعون الله، وصدع بملء فيه ويده بأمر الله عزّ وجلّ؛ وبعد، فهؤلاء المهاجرون والأنصار عندك ومعك فى بقعة واحدة، ودار جامعة، إن استقالونى «3» لك، وأشاروا عندى بك، فأنا واضع يدى فى يدك، وصائر الى رأيهم فيك، وإن تكن الأخرى فادخل فى صالح ما دخل فيه المسلمون، وكن العون على مصالحهم، والفاتح لمغالقهم «4» ، والمرشد لضالّتهم، والرادع لغوابتهم، فقد أمر الله تعالى بالتعاون على البرّ والتقوى، والتناصر على الحق، ودعنا نقض هذه الحياة بصدور بريئة من الغلّ، سليمة من الضغائن «5» والحقد، ونلق الله تعالى بقلوب سليمة من الضغن؛ وبعد، فالناس ثمامة «6» فارفق بهم، واحن عليهم، ولن لهم، ولا تشق «7» نفسك بنا خاصّة منهم، واترك ناجم الحقد
(7/222)

حصيدا، وطائر الشرّ واقعا، وباب الفتنة مغلقا، فلا قال ولا قيل، ولا لوم ولا تعنيف «1» ، والله على ما نقول شهيد، وبما نحن عليه بصير.
قال أبو عبيدة: فلما تأهّبت للنهوض قال عمر رضى الله عنه: كن لدى الباب هنيهة فلى معك دور من القول، فوقفت وما أدرى ما كان بعدى إلّا أنه لحقنى بوجه يبدى تهلّلا، وقال لى: قل لعلىّ: الرّقاد محلمه، والهوى مقحمه؛ وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
، وحقّ مشاع أو مقسوم، ونبأ ظاهر أو مكتوم؛ وإنّ أكيس الكيسى من منح الشارد تألّفا، وقارب البعيد تلطّفا؛ ووزن كلّ شىء بميزانه، ولم يخلط خبره بعيانه؛ ولم يجعل فتره مكان شبره دينا كان أو دنيا، ضلالا كان أو هدى، ولا خير فى علم مستعمل فى جهل، ولا خير فى معرفة مشوبة بنكر، ولسنا كجلدة رفغ «2» البعير بين العجان «3» والذّنب، وكلّ صال فبناره، وكلّ سيل فإلى قراره؛ وما كان سكوت هذه العصابة إلى هذه الغاية لعىّ «4» وشىّ، ولا كلامها اليوم لفرق أو رفق، وقد جدع الله بمحمد صلّى الله عليه وسلّم أنف كلّ ذى كبر، وقصم ظهر كلّ جبّار، وقطع لسان كلّ كذوب «فماذا بعد الحقّ إلّا الضّلال» ما هذه الخنزوانة «5» [التى «6» ] فى فراش «7»
(7/223)

رأسك؟ ما هذا الشجا المعترض فى مدارج أنفاسك؟ ما هذه القذاة التى تغشّت ناظرك؟ وما هذه الوحرة «1» التى أكلت شرا سيفك؟ وما هذا الذى لبست بسببه جلد النّمر، واشتملت عليه بالشّحناء والنّكر، ولسنا فى كسرويّة كسرى، ولا فى قيصريّة قيصر، تأمّل لإخوان فارس وأبناء الأصفر؛ قد جعلهم الله جزرا لسيوفنا، ودريئة لرماحنا، ومرعى لطعاننا، وتبعا لسلطاننا؛ بل نحن نور نبوّة، وضياء رسالة، وثمرة حكمة، وأثرة رحمه، وعنوان نعمه، وظلّ عصمه؛ بين أمّة مهديّة بالحق والصدق، مأمونة على الرّتق والفتق، لها من الله إباء أبىّ، وساعد قوىّ؛ ويد ناصره، وعين ناظره؛ أتظن ظنّا يا علىّ أن أبا بكر وثب على هذا الأمر مفتاتا على الأمّة، خادعا لها، أو متسلّطا [عليها] ؟ أتراه حلّ عقودها [وأحال عقولها «2» ] ؟ أتراه جعل نهارها ليلا، ووزنها كيلا؛ ويقظتها رقادا، وصلاحها فسادا؟ لا والله، سلا عنها فولهت له، وتطامن لها فلصقت به، ومال عنها فمالت إليه، واشمأزّ دونها فاشتملت عليه، حبوة حباه الله بها، وعاقبة بلّغه الله إليها، ونعمة سربله جمالها، ويدا أوجب عليه شكرها وأمّة نظر الله به لها، والله تعالى أعلم بخلقه، وأرأف بعباده، يختار ما كان لهم الخيرة، وإنك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ولا يجحد حقّك فيما أتاك الله، ولكن لك من يزاحمك بمنكب أضخم من منكبك، وقرب أمسّ من قرابتك، وسنّ أعلى من سنّك، وشيبة أروع من شيبتك، وسيادة لها أصل فى الجاهليّة وفرع فى الإسلام، ومواقف ليس لك فيها جمل ولا ناقه، ولا تذكر فيها
(7/224)

فى مقدّمة ولا ساقه؛ ولا تضرب فيها بذراع ولا إصبع، ولا تخرج منها ببازل ولا هبع «1» ؛ ولم يزل أبو بكر حبة قلب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعلاقة نفسه وعيبة سرّه، ومفزع رأيه، وراحة كفّه، ومرمق طرفه؛ وذلك كلّه بمحضر الصادر والوارد من المهاجرين والأنصار شهرة مغنية عن الدليل عليه، ولعمزى إنك أقرب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قرابة، ولكنه أقرب منك قربة «2» ، والقرابة لحم ودم، والقربة نفس وروح، وهذا فرق عرفه المؤمنون، ولذلك صاروا إليه أجمعون؛ ومهما شككت فى ذلك فلا تشكّ أن يد الله مع الجماعة، ورضوانه لأهل الطاعه، فادخل فيما هو خير لك اليوم وأنفع غدا، والفظ من فيك ما يعلق بلهاتك، وانفث سخيمة صدرك عن تقاتك، فإن يك فى الأمل طول، وفى الأجل فسحة، فستأكله مريئا «3» أو غير مرىء، وستشر به هنيئا أو غير هنىء، حين لا رادّ لقولك إلا من كان منك، ولا تابع لك إلّا من كان طامعا فيك، يمصّ إهابك، ويعرك أديمك، ويزرى على هديك، هنالك تقرع السنّ من ندم، وتجرع الماء ممزوجا بدم، وحينئذ تأسى على ما مضى من عمرك، ودارج قوّتك، فتودّ أن لو سقيت بالكأس التى أبيتها، ورددت إلى حالتك التى استغويتها، ولله تعالى فينا وفيك أمر هو بالغه، وغيب هو شاهده، وعاقبة هو المرجوّ لسرّائها وضرّائها، وهو الولىّ الحميد، الغفور الودود.
(7/225)

قال أبو عبيدة: فمشيت متزمّلا «1» أنوء كأنما أخطو على رأسى فرقا من الفرقة، وشفقا على الأمّة، حتى وصلت إلى علىّ رضى الله عنه فى خلاء، فأبثثته «2» بثّى كلّه، وبرئت إليه منه، ورفقت به؛ فلمّا سمعها ووعاها، وسرت فى مفاصله حميّاها؛ قال:
حلّت معلوطة «3» ، وولت مخروّطة «4» ، وأنشأ يقول:
إحدى لياليك فهيسى هيسى ... لا تنعمى الليلة بالتعريس
نعم يا أبا عبيدة، أكلّ هذا فى أنفس القوم يحسّون به، ويضطبعون «5» عليه؟
قال أبو عبيدة: فقلت: لا جواب لك عندى، إنما أنا قاض حقّ الدّين، وراتق فتق المسلمين، وسادّ ثلمة الأمّة، يعلم الله ذلك من جلجلان «6» قلبى، وقرارة نفسى؛ فقال علىّ رضى الله عنه: والله ما كان قعودى فى كسر هذا البيت قصدا للخلاف، ولا إنكارا للمعروف، ولا زراية على مسلم، بل لما وقذنى «7» به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من فراقه، وأودعنى من الحزن لفقده، وذلك أننى لم أشهد بعده مشهدا إلا جدّد علىّ حزنا، وذكّرنى شجنا، وإن الشوق [إلى] اللّحاق به كاف عن الطمع فى غيره، وقد عكفت على عهد الله أنظر فيه، وأجمع ما تفرّق [منه]
(7/226)

رجاء ثواب معدّ لمن أخلص لله عمله، وسلّم لعلمه ومشيئته، وأمره ونهيه؛ على أنى ما علمت أن التظاهر علىّ واقع، ولى عن الحقّ الذى سبق لى دافع، وإذ قد أفعم الوادى بى، وحشد النادى من أجلى، فلا مرحبا بما ساء أحدا من المسلمين وسرّنى، وفى النفس كلام لولا سابق عقد، وسالف عهد، لشفيت نفسى بخنصرى وبنصرى، وخضت لجته بأخمصى ومفرقى، ولكنى ملجم الى أن ألقى ربّى، وعنده أحتسب ما نزل «1» بى، وإنى غاد إلى جماعتكم، مبايع لصاحبكم، صابر على ما ساءنى وسرّكم، «ليقضى الله أمرا كان مفعولا» .
قال أبو عبيدة: فعدت الى أبى بكر رضى الله عنه، فقصصت القول على غرّه «2» ، ولم أختزل شيئا من حلوه ومرّه، وبكّرت غدوة إلى المسجد، فلما كان صباح يومئذ إذا علىّ يخترق الجماعة إلى أبى بكر رضى الله عنهما، فبايعه، وقال خيرا، ووصف جميلا، وجلس زميّتا «3» ، واستأذن للقيام فمضى، وتبعه عمر مكرما له، مستثيرا لما عنده، فقال علىّ رضى الله عنه: ما قعدت عن صاحبكم كارها له، ولا أتيته فرقا، ولا أقول ما أقول تعلّة، وإنّى لأعرف منتهى طرفى، ومحطّ قدمى، ومنزع قوسى، وموقع سهمى، ولكن قد أزمت على فأسى «4» ثقة بربّى فى الدنيا والآخرة.
فقال له عمر رضى الله عنهما: كفكف غربك، واستوقف سربك؛ ودع العصا بلحائها، والدّلاء على رشائها، فإنّا من خلفها وورائها؛ إن قدحنا أورينا، وإن
(7/227)

متحنا أروينا، وإن قرحنا أدمينا، ولقد سمعت أماثيلك التى لغّزت»
فيها عن صدر أكل بالجوى، ولو شئت لقلت [على «2» ] مقالتك ما إن سمعته ندمت على ما قلت؛ وزعمت أنك قعدت فى كسر بيتك لما وقذك به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من فقده، فهو وقذك ولم يقذ غيرك؟ بل مصابه أعمّ وأعظم من ذلك، وإنّ من حقّ مصابه ألا تصدع شمل الجماعة بفرقة لا عصام لها، ولا يؤمن كيد الشيطان فى بقائها، هذه العرب حولنا، والله لو تداعت علينا فى صبح نهار لم نلتق فى مسائه؛ وزعمت أن الشوق الى اللّحاق به كاف عن الطمع فى غيره، فمن علامة الشوق إليه نصرة دينه، ومؤازرة أوليائه ومعاونتهم؛ وزعمت أنك عكفت على عهد الله تجمع ما تفرّق منه، فمن العكوف على عهد الله النصيحة لعباد الله، والرأفة على خلق الله، وبذل ما يصلحون به، ويرشدون عليه؛ وزعمت أنك لم تعلم أن التظاهر وقع عليك، وأىّ حقّ لطّ دونك؟ قد سمعت وعلمت ما قالت الأنصار بالأمس سرّا وجهرا، وتقلّبت عليه بطنا وظهرا، فهل ذكرتك، أو أشارت بك، أو وجدت رضاهم عنك؟ هل قال أحد منهم بلسانه: إنك تصلح لهذا الأمر، أو أومأ بعينه، أو همهم «3» فى نفسه؟ أتظنّ أن الناس ضلّوا من أجلك، وعادوا كفّارا زهدا فيك وباعوا الله تعالى تحاملا عليك؟ لا والله، لقد جاءنى عقيل بن زياد الخزرجىّ [فى نفر من أصحابه ومعهم شرحبيل بن يعقوب الخزرجىّ «4» ] وقالوا: إن عليّا ينتظر الإمامة، ويزعم أنه أولى بها من غيره، وينكر على من يعقد الخلافة، فأنكرت عليهم،
(7/228)

ورددت القول فى نحورهم حين قالوا: إنه ينتظر الوحى، ويتوكّف «1» مناجاة الملك، فقلت: ذلك أمر طواه الله تعالى بعد نبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم، أكان الأمر معقودا بأنشوطة «2» ، أو مشدودا بأطراف ليطة «3» ؟ كلّا والله، لا عجماء بحمد الله إلا وقد أفصحت، ولا شوكاء إلّا وقد تفتّحت؛ ومن أعجب شأنك قولك: لولا سالف عهد، وسابق عقد، لشفيت غيظى، وهل ترك الدّين لأهله أن يشفوا غيظهم بيد أو لسان؟ تلك جاهليّة قد استأصل الله شأفتها، واقتلع جرثومتها؛ وهوّر «4» ليلها، وغوّر سيلها؛ وأبدل منها الرّوح والرّيحان، والهدى والبرهان؛ وزعمت أنك ملجم، ولعمرى إنّ من اتقى الله، وآثر رضاه، وطلب ما عنده، أمسك لسانه، وأطبق فاه، وجعل سعيه لما وراه.
فقال علىّ رضى الله عنه: مهلا مهلا يا أبا حفص، والله ما بذلت ما بذلت وأنا أريد نكثه، ولا أقررت ما أقررت وأنا أبتغى حولا عنه؛ وإن أخسر الناس صفقة عند الله من آثر النفاق، واحتضن الشّقاق؛ وفى الله سلوة عن كل حادث، وعليه التوكّل فى كلّ الحوادث؛ ارجع يا أبا حفص إلى مجلسك ناقع القلب، مبرود الغليل، فسيح اللّبان «5» ، فصيح اللسان. فليس وراء ما سمعت وقلت إلا ما يشدّ الأزر، ويحط الوزر، ويضع الإصر، ويجمع الألفة بمشيئة الله وتوفيقه.
قال أبو عبيدة رضى الله عنه: فانصرف علىّ وعمر رضى الله عنهما، وهذا أصعب ما مرّ علىّ بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
(7/229)

ومن كلام عائشة أمّ المؤمنين بنت أبى بكر الصّدّيق رضى الله عنهما،
وهو مما اتصل إلينا بالرواية الصحيحة، والأسانيد الصريحة، عن محمد بن أحمد ابن [أبى «1» ] المثنّى، عن جعفر بن عون، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضى الله عنها: أنه بلغها أنّ أقواما يتناولون أبا بكر رضى الله عنه، فأرسلت الى أزفلة من الناس، فلمّا حضروا أسدلت أستارها، وعلت وسادها، ثم قالت: أبى وما أبيه! أبى والله لا تعطوه الأيدى، ذاك طود منيف، وظلّ مديد؛ هيهات، كذبت الظّنون، أنجح «2» إذ أكديتم، وسبق إذ ونيتم «سبق الجواد إذا استولى على الأمد» فتى قريش ناشئا، وكهفها كهلا، يفكّ عانيها، ويريش مملقها، ويرأب شعبها، ويلمّ شعثها، حتى حليته «3» قلوبها، ثم استشرى فى دين الله، فما برحت شكيمته فى ذات الله عزّ وجلّ حتى اتّخذ بفنائه مسجدا يحيى فيه ما أمات المبطلون، وكان رحمه الله غزير الدّمعة، وقيد الجوانح، شجىّ النّشيج، فانعطفت اليه نسوان مكّة وولدانها يسخرون منه، ويستهزئون به، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
فأكبرت ذلك رجالات قريش، فحنت قسيّها، وفوّقت سهامها، وامتثلوه «4» غرضا فما فلّوا له صفاة، ولا قصفوا له قناة، ومرّ على سيسائه، حتى اذا ضرب الدّين بجرانه، وألقى بركه، ورست أوتاده، ودخل الناس فيه أفواجا، ومن كلّ فرقة أرسالا
(7/230)

وأشتاتا، اختار الله لنبيّه ما عنده، فلمّا قبض الله نبيّه صلّى الله عليه وسلّم نصب «1» الشيطان رواقه، ومدّ طنبه، ونصب حبائله، وأجلب بخيله ورجله، واضطرب حبل الإسلام، ومرج عهده، وماج أهله، وبغى الغوائل، وظنّت رجال أن قد أكثب «2» نهزها، ولات حين الذى يرجون، وأنّى والصّدّيق بين أظهرهم؟ فقام حاسرا مشمّرا، فجمع حاشيتيه، ورفع قطريه، فردّ رسن الإسلام على غربه، ولم شعثه بطبّه، وأقام أوده بثقافه، فابذعرّ النفاق بوطئه، وانتاش الدّين فنعشه، فلمّا أراح الحقّ على أهله، وقرّر الرءوس على كواهلها، وحقن الدماء فى أهبها، أتته منيّته، فسدّ ثلمته بنظيره فى الرحمة، وشقيقه فى السّيرة والمعدلة، ذاك ابن الخطّاب، لله درّ أمّ حفلت «3» له، ودرّت عليه! لقد أوحدت به، ففنّخ الكفرة وديّخها، وشرّد الشّرك شذر مذر، وبعج الأرض وبخعها، فقاءت أكلها، ولفظت جنينها «4» ، ترأمه ويصدف عنها، وتصدّى له ويأباها، ثم وزّع فيها فيئها، وودّعها كما صحبها؛ فأرونى ما ترتابون؟ وأىّ يومى أبى تنقمون؟ أيوم إقامته إذ عدل فيكم، أم يوم ظعنه وقد نظر لكم؟ أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم.
ثم أقبلت على الناس بوجهها فقالت: أنشدكم الله، هل أنكرتم مما قلت شيئا؟
قالوا: اللهمّ لا.
(7/231)

ذكر شرح غريب رسالتها رضى الله عنها
الأزفلة: الجماعة. وتعطوه: تناوله. والطّود: الجبل. والمنيف: المشرف.
وأكديتم: خبتم ويئس من خيركم. وونيتم: فترتم وضعفتم. والأمد: الغاية.
ويريش: يعطى ويفضل. والمملق: الفقير. ويرأب: يجمع. والشّعب: المتفرّق.
ويلمّ: يضمّ. واستشرى: جدّ وانكمش. والشّكيمة: الأنفة والحميّة. والوقيذ:
العليل. والجوانح: الضلوع القصار التى تقرب من الفؤاد. والشجىّ: الحزين.
والنّشيج: صوت البكاء. وانعطفت: انثنت. وامتثلوه: مثلوه «1» . والغرض:
الذى يقصد للرّمى. وفلّوا: كسروا. والصّفاة: الصخرة الملساء. وقصفوا:
كسروا. وسيساؤه: شدّته، والسّيساء: عظم الظهر، والعرب تضربه مثلا لشدّة الأمر، قال الشاعر «2» :
لقد حملت قيس بن عيلان حربنا «3» ... على يابس السّيساء محدودب الظّهر
والجران: الصّدر. ورست: ثبتت. ومرج: اختلط. وماج أهله:
اضطربوا وتنازعوا. وبغى الغوائل، معناه وطلب البلايا. وأكثب: قرب.
والنّهز: اختلاس الشىء والظفر به مبادرة. ولات حين الذى يطلبون «4» ، معناه:
وليست الساعة «5» حين ظفرهم. وقولها: فجمع «6» حاشيتيه ورفع قطريه، معناه تحزم
(7/232)

للأمر وتأهّب له. والقطر: الناحية. والطبّ: الدواء. والأود: العوج.
والثّقاف: تقويم الرماح وغيرها. وابذعرّ: تفرّق. وانتاش الدّين، أى أزال عنه ما يخاف عليه. ونعشه: رفعه. وأراح الحقّ على أهله، أى أعاد الزكاة التى منعتها العرب فقاتل عليها حتى ردّت الى حكم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وقرّر الرءوس على كواهلها، معناه وقى المسلمين القتل. والكاهل: أعلى الظهر وما يتصل به.
وحقن الدماء فى أهبها، معناه أنه حقن دماء المسلمين فى أجسادهم. والأهب:
جمع إهاب، وأصل الإهاب الجلد، فكنت به عن الجسد. وقولها: لله درّ أمّ حفلت له، أى جمعت له اللبن. وقولها: أوحدت به، معناه جاءت به منفردا لا نظير له. وقولها: ففنّخ الكفرة، معناه أذلّها. وديّخها: صغّر بها «1» . وبعج الأرض وبخعها، معناه شقّها واستقصى غلّتها «2» . وشذر مذر، معناه تفريقا، يقال:
شذر مذر، وشغر بغر، بمعنى واحد. وقولها: حتى قاءت أكلها، معناه أخرجت خبزها. وترأمه: تعطف عليه. وتصدّى له: تعرّض له.
ومن كلام على بن أبى طالب رضى الله عنه
ما كتب به إلى معاوية بن أبى سفيان جوابا عن كتابه- وهو من محاسن الكتب- كتب رضى الله عنه:
أما بعد، فقد أتانى كتابك تذكر فيه اصطفاء الله تعالى محمدا صلّى الله عليه وسلّم لدينه، وتأييده إيّاه بمن أيّده به من أصحابه، فلقد خبأ «3» لنا الدهر منك عجبا،
(7/233)

أفطفقت تخبرنا بآلاء الله عندنا؟ فكنت فى ذلك كناقل التمر الى هجر، أو داعى مدره الى النّضال؛ وزعمت أنّ أفضل الناس فى الإسلام فلان وفلان، فذكرت أمرا إن تمّ اعتزلك كلّه، وإن نقص «1» لم يلحقك قلّه؛ وما أنت والفاضل والمفضول، والسائل والمسئول؟ وما الطّلقاء وأبناء الطّلقاء والتمييز «2» بين المهاجرين الأوّلين، وترتيب درجاتهم، وتعريف طبقاتهم؟ هيهات لقد «حنّ «3» قدح ليس منها» ، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها، ألا تربع على ظلعك، وتعرف قصور ذرعك، وتتأخّر حيث أخّرك القدر، فما عليك غلبة المغلوب، ولا لك ظفر الظافر، وإنك لذهاب فى التّيه، روّاغ عن الفضل «4» ، ألا ترى- غير مخبر لك، ولكن بنعمة الله أحدّث- أن قوما استشهدوا فى سبيل الله من المهاجرين- ولكلّ فضل- حتى إذا استشهد شهيدنا (هو حمزة) قيل: سيّد الشهداء، وخصّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه؛ ألا ترى أن قوما قطّعت أيديهم فى سبيل الله- ولكلّ فضل- حتى إذا فعل بأحدنا ما فعل بواحدهم قيل: الطيّار فى الجنة، وذو الجناحين (هو جعفر) ولولا [ما «5» ] نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه لذكر ذاكر فضائل جمّة تعرفها قلوب المؤمنين، ولا تمجّها آذان السامعين، فدع عنك من مالت به الدّنية «6» فإنا
(7/234)

صنائع ربنا، والناس بعد صنائع لنا، لم يمنعنا قديم عزّنا، وعادىّ»
طولنا على قومك أن خلطناهم بأنفسنا، فنكحنا وأنكحنا فعل الأكفاء ولستم هناك، وأنّى يكون ذلك كذلك؟ ومنّا النبىّ ومنكم المكذّب «2» ، ومنّا «3» أسد الله، ومنكم أسد «4» الأحلاف، ومنا سيدا «5» شباب أهل الجنة، ومنكم صبية «6» النار، ومنا خير نساء «7» العالمين، ومنكم حمّالة «8» الحطب؛ فإسلامنا قد سمع، وجاهليّتنا لا تدفع، كتاب الله يجمع لنا ما شذّ عنّا و [هو «9» ] قوله سبحانه: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ*
وقوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ
فنحن مرّة أولى بالقرابة، وتارة أولى بالطاعة؛ ولما احتجّ المهاجرون على الأنصار يوم السّقيفة برسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلجوا عليهم، فإن يكن الفلج به فالحقّ لنا دونكم، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم؛ وزعمت أنّى لكلّ الخلفاء حسدت، وعلى كلّهم بغيت، فإن يكن ذلك كذلك فليست الجناية عليك، فتكون المعذرة إليك.
«وتلك شكاة ظاهر «10» عنك عارها»
(7/235)

وقلت: إنى كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش «1» حتى أبايع، ولعمر الله [لقد «2» ] أردت أن تذمّ فحمدت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة فى ان يكون مظلوما ما لم يكن شاكّا فى دينه، ولا مرتابا فى يقينه، وهذه حجّتى إلى غيرك قصدها، ولكنى أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها؛ ثم ذكرت ما كان من أمرى وأمر عثمان، [فلك «3» ] أن تجاب عن هذه لرحمه «4» منك، فأيّنا كان أعدى له، وأهدى الى مقاتله؟ أمن بذل له نصرته فاستقعده واستكفّه، أمن استنصره فتراخى عنه، وبثّ المنون إليه، حتى [أتى «5» ] قدره عليه؟
كلّا والله قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا
وما كنت أعتذر من أنّى كنت أنقم عليه أحداثا، فإن كان الذنب إليه إرشادى وهدايتى له «فربّ ملوم لا ذنب له»
وقد يستفيد الظّنّة «6» المتنصّح
وما أردت إلا الإصلاح ما استطعت «وما توفيقى إلّا بالله عليه توكّلت» ؛ وذكرت أنه ليس لى ولأصحابى إلا السيف، فلقد أضحكت بعد استعبار، متى ألفيت بنى عبد المطّلب عن الأعداء ناكلين، وبالسيوف مخوّفين؟ «لبث «7» قليلا يلحق الهيجا
(7/236)

حمل» فسيطلبك من تطلب، ويقرب منك ما تستبعد، وأنا مرقل نحوك فى جحفل من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم، متسربلين سرابيل الموت، أحبّ اللقاء إليهم لقاء ربّهم، قد صحبتهم ذرّية بدرية، وسيوف هاشميّة، قد عرفت مواقع نصالها فى أخيك وخالك وجدك «1» وأهلك «وما هى من الظّالمين ببعيد» .
ومن كلام الأحنف بن قيس
حين وبّخه معاوية بن أبى سفيان بتخذيله عائشة رضى الله عنها، وأنه شهد صفّين، وقال له: فعلت وفعلت؛ فقال:
يا أمير المؤمنين، لم تردّ الأمور على أعقابها؟ أما والله إنّ القلوب النى أبغضناك بها لبين جوانحنا، والسيوف التى قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن مددت بشبر من غدر، لنمدّنّ باعا من ختر «2» ، ولئن شئت لتسصفين كدر قلوبنا بصفو حلمك؛ قال معاوية: أفعل.
وجلس معاوية يوما وعنده وجوه الناس، وفيهم الأحنف، فدخل رجل من أهل الشام، فقام خطيبا، فكان آخر كلامه أن لعن عليّا رضى الله عنه، فأطرق الناس، وتكلّم الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا القائل آنفا ما قال لو علم أن رضاك فى لعن المرسلين للعنهم، فاتّق الله، ودع عليّا فقد لقى الله، وأفرد فى حفرته، وخلا بعمله، وكان والله- ما علمنا- المبرّز بسبقه، الطاهر فى خلقه؛ الميمون النّقيبه، العظيم المصيبة. قال معاوية: يا أحنف، لقد أغضيت العين على القذى، وقلت بغير ما ترى، وايم الله لتصعدنّ المنبر فلتلعننّه طائعا أو كارها؛ فقال الأحنف:
إن تعفنى فهو خير، وإن تجبرنى على ذلك فو الله لا تجرى به شفتاى؛ فقال معاوية:
قم فاصعد؛ قال: أما والله لأنصفنّك فى القول والفعل؛ قال معاوية: وما أنت
(7/237)

قائل إن أنصفتنى؟ قال: أصعد فأحمد الله وأثنى عليه وأصلّى على نبيّه، ثم أقول:
أيها الناس، إنّ معاوية أمرنى أن ألعن عليّا، ألا وإنّ عليّا ومعاوية اختلفا واقتتلا، وادّعى كلّ واحد منهما أنه مبغىّ عليه وعلى فئته، فإذا دعوت فأمّنوا رحمكم الله؛ ثم أقول: اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك ورسلك وجميع خلقك الباغى منهما على صاحبه، والفئة الباغية على المبغىّ عليها، آمين يا ربّ العالمين؛ فقال معاوية:
إذن نعفيك يا أبا بحر.
وأتى الأحنف مصعب بن الزبير يكلّمه فى قوم حبسهم فقال: أصلح الله الأمير، إن كانوا حبسوا فى باطل فالحقّ يخرجهم، وإن كانوا حبسوا فى حقّ فالعفو يسعهم؛ فحلّاهم.
ولما قدم وفد العراق على معاوية وفيهم الأحنف، خرج الآذن فقال: إنّ أمير المؤمنين يعزم عليكم الّا يتكلّم أحد إلّا لنفسه، فلما وصلوا اليه قال الأحنف:
لولا عزمة أمير المؤمنين لأخبرته «1» أن دافّة (أى الجماعة) دفّت «2» ، ونازلة نزلت، ونائبة نابت، وكلّهم بهم الحاجة إلى معروف أمير المؤمنين وبرّه؛ فقال: حسبك يا أبا بحر، فقد كفيت الغائب والشاهد.
ولما خطب زياد بن أبيه بالبصرة قام الأحنف فقال:
لله الأمير! قد قلت فأسمعت، ووعظت «3» فأبلغت؛ أيها الأمير، إنما السّيف بحدّه، والقوس بشدّه، والرجل بمجده؛ وإنما الثناء بعد البلاء، والحمد بعد العطاء؛ ولن نثنى حتى نبتلى، ولا نحمد حتّى نعطى.
(7/238)

ولما حكّم أبو موسى الأشعرىّ أتاه الأحنف فقال له: يا أبا موسى، إنّ هذا مسير له ما بعده من عزّ الدنيا أو ذلّها آخر الدهر، ادع القوم إلى طاعة علىّ، فإن أبوا فادعهم أن يختار أهل الشام من قريش العراق من أحبّوا، ويختار أهل العراق من قريش الشام من أحبّوا، وإياك إذا لقيت ابن العاص أن تصافحه بنيّة، وأن يقعدك على صدر المجلس، فإنها خديعة، وأن يضمّك وإيّاه بيت فيكمن لك فيه الرجال، ودعه فليتكلّم لتكون عليه بالخيار، فالبادئ مستغلق «1» ، والمجيب ناطق؛ فما عمل أبو موسى إلّا بخلاف ما قال الأحنف وأشار به، فكان من الأمر ما كان؛ فلقيه الأحنف بعد ذلك فقال له: أدخل والله قدميك فى خفّ واحدة.
وقال بخراسان: يا بنى تميم، تحابّوا [تجتمع «2» كلمتكم] وتباذلوا «3» تعتدل أموركم، وابدءوا بجهاد بطونكم وفروجكم يصلح دينكم، ولا تغلّوا «4» يسلم لكم جهادكم.
ولمّا قدمت الوفود على عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قام هلال بن بشر «5» فقال: يا أمير المؤمنين: إنا غرّة من خلفنا من قومنا، وسادة من وراءنا من أهل مصرنا؛ وإنك إن تصرفنا بالزيادة فى أعطياتنا، والفرائض لعيالاتنا، يزدد بذلك
(7/239)

الشريف تأميلا، وتكن «1» لهم أبا وصولا؛ وإن تكن مع ما نمت «2» [به «3» ] من وسائلك، وندلى [به «4» ] من أسبابك كالجدل «5» لا يحلّ ولا يرتحل، نرجع بأنوف مصلومة»
، وجدود عاثرة، فمحنا «7» وأهالينا بسجل مترع (أى الدّلو الملآنة) من سجالك المترعة.
وقام زيد بن جبلة فقال: يا أمير المؤمنين، سوّد الشريف، وأكرم الحسيب، وازرع عندنا من أياديك ما تسدّ به الخصاصة، وتطرد به الفاقة؛ فإنا بقفّ «8» من الأرض يابس «9» الأكناف، مقشعرّ الذّروة، لا متّجر «10» ولا زرع، وإنا من العرب اليوم إذ أتيناك بمرأى ومسمع.
فقام الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين، إن مفاتيح الخير بيد الله، والحرص قائد الحرمان، فاتق الله فيما لا يغنى عنك يوم القيامة قيلا ولا قالا، واجعل بينك وبين رعيّتك من العدل والإنصاف شيئا يكفيك وفادة الوفود، واستماحة الممتاح، فإنّ كلّ امرئ إنما يجمع فى وعائه إلا الأقلّ ممن عسى أن تقتحمه الأعين فلا يوفد إليك.
(7/240)

ومن كلام أمّ الخير بنت الحريش البارقيّة،-
وكانت من الفصحاء- حكى أنها لما وفدت على معاوية قال لها كيف كان كلامك يوم قتل عمّار بن ياسر؟ قالت: لم أكن والله زوّرته «1» قبل ولا رويته بعد، وإنما كانت كلمات نفثهن لسانى حين الصدمة، فإن شئت أن أحدث لك مقالا غير ذلك فعلت، قال:
لا أشاء ذلك، ثم التفت إلى أصحابه فقال: أيّكم حفظ كلام أمّ الخير؟ فقال رجل من القوم: أنا أحفظه يا أمير المؤمنين كحفظى سورة الحمد، قال: هاته، قال:
نعم، كأنّى بها يا أمير المؤمنين عليها برد زبيدىّ، كثيف الحاشية، وهى على جمل أرمك «2» ، وقد أحيط حولها وبيدها سوط منتشر الضّفر «3» ، وهى كالفحل يهدر فى شقشقته تقول: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
إن الله قد أوضح الحقّ، وأبان الدليل، ونوّر السبيل، ورفع العلم، فلم يدعكم فى عمياء مبهمة، ولا سوداء مدلهمّة؛ فأنّى «4» تريدون رحمكم الله؟ أفرارا عن أمير المؤمنين، أم فرارا من الزّحف، أم رغبة عن الإسلام، أم ارتدادا عن الحق؟ أما سمعتم الله عزّ وجلّ يقول: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ
ثم رفعت رأسها إلى السماء وهى تقول: اللهمّ قد عيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشرت الرغبة، وبيدك يا رب أزمّة القلوب، فاجمع الكلمة على التقوى، وألّف القلوب على الهدى، وردّ الحقّ إلى أهله؛ هلمّوا رحمكم الله إلى الإمام العادل،
(7/241)

والوصىّ الوفىّ، والصّدّيق الأكبر؛ إنها إحن بدريّة، وأحقاد جاهلية، وضغائن أحديّه، وثب بها معاوية حين الغفلة ليدرك بها ثارات بنى عبد شمس؛ ثم قالت:
قاتلوا أئمّة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون؛ صبرا معشر المهاجرين والأنصار، قاتلوا على بصيرة من ربّكم، وثبات من دينكم، وكأنّى بكم غدا قد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة، فرّت من قسورة، لا تدرى أين يسلك بها من فجاج الأرض، باعوا الآخرة بالدنيا، واشتروا الضّلالة بالهدى، وباعوا البصيرة بالعمى، و «عمّا قليل ليصبحنّ نادمين» ، حين تحلّ بهم الندامة، فيطلبون الإقالة، إنه والله من ضلّ عن الحقّ وقع فى الباطل، ومن لم يسكن الجنّة نزل النار؛ أيها الناس، إنّ الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها، واستبطئوا «1» مدّة الآخرة فسعوا لها؛ والله أيها الناس، لولا أن تبطل الحقوق، وتعطّل الحدود، ويظهر الظالمون، وتقوى كلمة الشيطان، لما «2» اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه، فإلى أين تريدون- رحمكم الله-؟
عن ابن عمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وزوج ابنته، وأبى ابنيه، خلق من طينته، وتفرّع عن نبعته، وخصّه بسرّه، وجعله باب مدينته، وأعلم بحبّه المسلمين، وأبان ببغضه المنافقين؛ فلم يزل كذلك يؤيّده الله بمعونته، ويمضى على سنن استقامته، لا يعرّج لراحة اللذّات؛ وهو مفلّق الهام، ومكسّر الأصنام؛ إذ صلّى والناس مشركون، وأطاع والناس مرتابون؛ فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزى بدر، وأفنى أهل أحد، وفرّق جمع هوازن، فيا لها وقائع زرعت فى قلوب قوم نفاقا، وردّة وشقاقا! وقد اجتهدت فى القول، وبالغت فى النصيحة، وبالله التوفيق؛ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
(7/242)

فقال معاوية: والله يا أمّ الخير ما أردت بهذا إلا قتلى، والله لو «1» قتلتك ما حرجت فى ذلك؛ قالت: والله ما يسوءنى يا ابن هند أن يجرى الله ذلك على يدى من يسعدنى الله بشقائه؛ قال: هيهات يا كثيرة الفضول، ما تقولين فى عثمان بن عفّان؟ قالت:
وما عسيت أن أقول فيه؟ استخلفه الناس «2» وهم كارهون، وقتلوه وهم راضون؛ فقال:
إيها «3» يا أمّ الخير، هذا والله أصلك الذى تبنين عليه؛ قالت: لكن الله يشهد «وكفى بالله شهيدا» ما أردت بعثمان نقصا، ولقد كان سبّاقا الى الخيرات، وإنه لرفيع الدّرجات؛ قال: فما تقولين فى طلحة بن عبيد الله؟ قالت: وما عسى أن أقول فى طلحة؟ اغتيل من مأمنه، وأتى من حيث لم يحذر، وقد وعده رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الجنّة؛ قال: فما تقولين فى الزّبير؟ قالت: يا هذا لا تدعنى كرجيع الضّبع يعرك فلى المركن «4» ؛ قال: حقا لتقولنّ ذلك، وقد عزمت عليك؛ قالت: وما عسيت أن أقول فى الزّبير ابن عمة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وحواريّه، وقد شهد له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالجنّة، ولقد كان سبّاقا الى كلّ مكرمة فى الإسلام؛ وإنى أسألك بحق الله يا معاوية- فإن قريشا تحدّث أنك من أحلمها- أن تسعنى بفضل حلمك، وأن تعفينى من هذه المسائل، وامض الى ما شئت من غيرها؛ قال: نعم وكرامة، قد أعفيتك، وردّها مكرّمة الى بلدها.
(7/243)

وممن اشتهر بالفصاحة والبلاغة زياد بن أبيه، والحجّاج بن يوسف الثّقفى،
وسنذكر نبذة من كلامهما فى التاريخ عند ذكرنا لأخبارهما لمّا ولى كلّ منهما العراق، وما خطب الناس به، ولنذكر فى هذا الموضع من كلام الحجّاج ما لم نورده هناك قيل: لما قدم الحجّاج البصرة خطب فقال: أيها الناس، من أعياه داؤه، فعندى دواؤه؛ ومن استطال أجله، فعلىّ أن أعجّله، ومن ثقل عليه رأسه وضعت عنه ثقله؛ ومن استطال ماضى عمره قصّرت عليه باقيه؛ إن للشّيطان طيفا. وللسّلطان سيفا؛ فمن سقمت سريرته، صحّت عقوبته؛ ومن وضعه ذنبه. رفعه صلبه، ومن لم تسعه العافية، لم تضق عنه الهلكة؛ ومن سبقته بادرة فمه، سبق بدنه بسفك دمه؛ إنى أنذر ثم [لا] أنظر، وأحذّر ثم لا أعذر، وأتوعّد ثم لا أعفو، إنما أفسدكم ترنيق «1» ولاتكم، ومن استرخى لببه «2» ساء أدبه، إنّ الحزم والعزم سلبانى سوطى، وأبدلانى [به] سيفى، فقائمه فى يدى، ونجاده فى عنقى، وذبابه قلادة لمن عصانى، والله لا آمر أحدكم أن يخرج من باب من أبواب المسجد فيحرج من الباب الذى يليه إلا ضربت عنقه.
قال مالك بن دينار: ربّما سمعت الحجّاج يذكر ما صنع فيه أهل العراق وما صنع بهم، فيقع فى نفسى أنهم يظلمونه لبيانه وحسن تخليصه للحجج.
(7/244)

وخطب الحجّاج بعد وقعة دير الجماجم «1» فقال: يا أهل العراق، إنّ الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدّم والعصب والمسامع والأطراف والأعضاء «2» والشّغاف «3» ، ثم أفضى الى المخاخ والأصماخ «4» ، ثم ارتفع فعشّش، ثم باض ففرّخ، فحشاكم نفاقا وشقاقا، وأشعركم خلافا، واتخذتموه دليلا تتّبعونه، وقائدا تطيعونه، ومؤامرا «5» تستشيرونه؛ فكيف تنفعكم تجربة، أو تعظكم وقعة؛ أو يحجزكم إسلام، أو ينفعكم بيان؟ ألستم أصحابى بالأهواز؟ حيث رمتم المكر «6» ، وسعيتم بالغدر، واستجمعتم للكفر «7» ، وظننتم أنّ الله خذل «8» دينه وخلافته، وأنا أرميكم بطرفى، تتسلّلون لو اذا، وتنهزمون سراعا، ثم يوم الزاوية [وما يوم «9» الزاوية] ! بها كان «10» فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وبراءة الله منكم، ونكوص وليّكم «11» عنكم إذ ولّيتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها
(7/245)

[النوازع «1» إلى أعطانها] ؛ لا يسأل المرء عن أخيه، ولا يلوى الشيخ على بنيه؛ حتى عظّكم «2» السلاح، وقصمتكم الرماح، ثم دير الجماجم، وما دير الجماجم! بها كانت المعارك والملاحم؛ بضرب يزيل الهام عن مقيله، ويصرف الخليل عن خليله؛ يا أهل العراق، والكفرات بعد الفجرات، والغدرات بعد الخترات، والثّورة بعد الثّورات؛ إن بعثتكم إلى ثغوركم غللتم «3» وجبنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم؛ لا تذكرون حسنة، ولا تشكرون نعمة؛ [يا أهل العراق «4» ] هل استخفّكم ناكث، أو استغواكم غاو، أو استفزّكم عاص، أو استنصركم ظالم، أو استعضدكم خالع، إلا اتّبعتموه وآويتموه ونصرتموه وزكّيتموه؟ يا أهل العراق، قلّما شغب شاغب، أو نعب ناعب، أو زفر كاذب «5» إلا كنتم أتباعه وأنصاره؛ يا أهل العراق، ألم تنهكم المواعظ، ولم تزجركم الوقائع. ثم التفت الى أهل الشام فقال: يا أهل الشام، أنا لكم كالظّليم «6» الرامح عن فراخه «7» ، ينفى عنها المدر، ويباعد عنها الفجر، ويكنّها من المطر؛ ويحميها من الضّباب، ويحرسها من الذئاب؛ يا أهل الشام، أنتم الجنّة والرّداء، وأنتم العدّة والحذاء.
ومن مكاتباته الى المهلّب بن أبى صفرة وأجوبة المهلّب له
كتب الحجاج إليه وهو فى وجه الخوارج: أما بعد، فإنه بلغنى أنك قد أقبلت على جباية الخراج، وتركت قتال العدوّ، وإنى ولّيتك وأنا أرى مكان عبد الله
(7/246)

ابن حكيم المجاشعىّ، وعبّاد بن حصين الحبطىّ، واخترتك وأنت رجل من الأزد، وأنا أقسم إن لم تلقهم فى يوم كذا أشرعت «1» إليك صدر الرمح. فأجابه المهلّب:
ورد علىّ كتابك تزعم أنى أقبلت على جباية الخراج، وتركت قتال العدوّ لعجز؛ وزعمت أنك ولّيتنى وأنت ترى مكان عبد الله بن حكيم وعبّاد بن حصين، ولو ولّيتهما لكانا مستحقّين لذلك فى فضلهما وغنائهما؛ وأنك اخترتنى وأنا رجل من الأزد، ولعمرى إنّ شرّا من الأزد لقبيلة تنازعها ثلاث قبائل لم تستقرّ فى واحدة منهنّ؛ وزعمت أنّى إن لم ألقهم فى يوم كذا أشرعت إلىّ صدر الرمح، فلو فعلت لقلبت إليك ظهر المجنّ «2» .
ووجّه إليه الحجّاج يستبطه فى مناجزة القوم، وكتب إليه: أما بعد، فإنك جبيت الخراج بالعلل، وتحصّنت بالخنادق، وطاولت القوم وأنت أعزّ ناصرا وأكثر عددا، وما أظنّ بك مع هذا معصية ولا جبنا، ولكنك اتخذتهم أكلا، ولإبقاؤهم أيسر عليك من قتالهم، فناجزهم وإلّا أنكرتنى، والسلام.
فقال المهلّب للجرّاح: يا أبا عقبة، والله ما تركت حيلة إلّا احتلتها، ولا مكيدة إلّا عملتها، وليس «3» العجب من إبطاء النصر، وتراخى الظّفر، ولكن العجب أن يكون الرأى لمن يملكه دون من يبصره «4» ؛ ثم ناهضهم ثلاثة أيّام يغاديهم، ولا يزالون كذلك الى العصر حتى قال الجرّاح: قد اعتذرت؛ وكتب الى الحجّاج: أتانى كتابك
(7/247)

يستبطئ لقاء القوم، على أنك لا تظنّ بى معصية ولا جبنا، وقد عاتبتنى معاتبة الجبان، وأوعدتنى وعيد العاصى، فسل الجرّاح والسلام. فكتب إليه الحجّاج:
أما بعد، فإنك تتراخى عن الحرب حتى تأتيك رسلى ويرجعون بعذرك، وذاك أنك تمسك حتى تبرأ الجراح وتنسى القتلى «1» ، ويجمّ الناس، ثم تلقاهم فتحمل منهم مثل ما يحملون منك من وحشة القتل وألم الجراح، ولو كنت تلقاهم بذلك الجدّ لكان الداء قد حسم، والقرن قد قصم، ولعمرى ما أنت والقوم سواء، لأنّ من ورائك رجالا، وأمامك أموالا، وليس للقوم إلّا ما معهم، ولا يدرك الوجيف بالدّبيب، ولا الظّفر بالتعذير «2» .
فكتب إليه المهلّب: أمّا بعد، فإنى لم أعط رسلك على قول الحق أجرا، ولم أحتج منهم مع المشاهدة الى تلقين؛ وذكرت أنّى أجمّ القوم، ولا بدّ من راحة يستريح فيها الغالب ويحتال المغلوب؛ وذكرت أن فى الإجمام «3» ما ينسى القتلى، ويبرئ الجراح، وهيهات أن ينسى ما بيننا وبينهم، يأبى ذلك قتل من لم يجن، وقروح لم تتقرّف «4» ؛ ونحن والقوم على حالة، وهم يرقبون حالات، إن طمعوا حاربوا، وإن ملّوا وقفوا، ونطلب اذا هربوا، فإن تركتنى فالداء «5» بإذن الله محسوم، وإن أعجلتنى لم أطعك ولم أعص، وجعلت وجهى الى بابك، وأنا أعوذ بالله من سخط الله ومقت الناس.
(7/248)

وقال المهلّب لبنيه: يا بنىّ تباذلوا «1» تحابّوا، فإن بنى الأمّ يختلفون، فكيف بنى العلّات «2» ؛ إنّ البرّ ينسأ فى الأجل، ويزيد فى العدد، وإنّ القطيعة تورث القلّة، وتعقب النار بعد الذّلّة؛ واتقوا زلّة اللسان، فإنّ الرجل تزلّ رجله فينتعش، ويزلّ لسانه فيهلك؛ وعليكم فى الحرب بالمكيدة، فإنّها أبلغ من النّجدة.
ولمّا استخلف ابنه المغيرة على حرب الخوارج، وعاد هو الى عند «3» مصعب ابن الزّبير، جمع الناس فقال لهم: إنى قد استخلفت عليكم المغيرة، وهو أبو صغيركم رقّة ورحمة، وابن كبيركم طاعة وتبجيلا وبرّا، وأخو مثله مواساة ومناصحة، فلتحسن له طاعتكم، وليلن له جانبكم، فو الله ما أردت صوابا قطّ إلا سبقنى إليه.
وخطب عبد الملك بن مروان،
فلما بلغ الغلظة قام إليه رجل من آل صوحان فقال: مهلا مهلا يا بنى مروان، تأمرون ولا تأتمرون، وتنهون ولا تنهون، وتعظون ولا تتعظون؛ أفنقتدى بسيرتكم فى أنفسكم، أم نطيع أمركم بألسنتكم؟ فإن قلتم:
اقتدوا بسيرتنا، فأنّى وكيف، وما الحجّة، وما المصير من الله؟ أنقتدى بسيرة الظّلمة الفسقة الجورة الخونة، الذين اتخذوا مال الله دولا، وعبيده خولا؟ وإن قلتم:
اسمعوا نصيحتنا، وأطيعوا أمرنا، فكيف ينصح لغيره من يغشّ نفسه؟ أم كيف تجب الطاعة لمن لم تثبت عند الله عدالته؟ وإن قلتم: خذوا الحكمة من حيث وجدتموها، واقبلوا العظة ممّن سمعتموها، فعلام وليّناكم أمرنا، وحكّمناكم فى دمائنا وأموالنا؟ أما علمتم أنّ فينا من هو أنطق منكم باللغات، وأفصح بالعظات؟
(7/249)

فتخلّوا عنها، وأطلقوا عقالها، وخلّوا سبيلها، ينتدب إليها آل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذين شرّدتموهم فى البلاد، ومزّقتموهم فى كل واد، بل تثبت فى أيديكم لانقضاء المدّة، وبلوغ المهلة، وعظم المحنة؛ إنّ لكلّ قائم قدرا «1» لا يعدوه، ويوما لا يخطوه، وكتابا بعده يتلوه، «لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها» «وسيعلم الّذين ظلموا أىّ منقلب ينقلبون» . ثم التمس الرجل فلم يوجد.
ومن كلام قطرىّ بن الفجاءة-
وكان من البلغاء الأبطال، فمن ذلك خطبته المشهورة التى قال فيها:
أما بعد، فإنى أحذّركم الدنيا فإنها حلوة خضرة، حفّت بالشهوات، وراقت بالقليل، وتحببت بالعاجلة، وحليت بالآمال، وتزيّنت بالغرور؛ لا تقوم «2» نضرتها، ولا تؤمن فجيعتها؛ غرّارة ضرّارة، وحائلة زائلة، ونافدة بائدة «3» ، أكّالة غوّالة؛ لا تعدو اذا تناهت الى أمنيّة أهل الرغبة فيها والرضا عنها أن تكون كما قال الله تعالى: كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً
مع أن امرا لم يكن معها «4» فى حبرة (أى السرور) ، إلا أعقبته بعدها حسرة، ولم يلق من سرّائها بطنا إلا منحته من ضرّائها ظهرا، ولم تصله «5» غيثة رخاء، إلّا هطلت عليه مزنة بلاء؛ وحريّة اذا أصبحت له منتصرة، أن
(7/250)

تمسى [له «1» ] خاذلة متنكّره؛ وإن جانب منها اعذوذب واحلولى، أمرّ عليه منها جانب وأوبا «2» ، فإن أتت امرأ من غصونها «3» ورقا أرهقته من نوائبها تعبا، ولم يمس منها امرؤ فى جناح أمن إلا أصبح منها «4» فى قوادم خوف، غرّارة غرور ما فيها، فانية فان من عليها؛ لا خير من شىء من زادها إلا التقوى، من أقلّ منها استكثر مما يؤمّنه ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه ويطيل حزنه، ويبكى عينه؛ كم واثق بها قد فجعته، وذى حلم تنبّه إليها قد صرعته، وذى احتيال فيها قد خدعته؛ وكم ذى أبّهة فيها قد صيّرته حقيرا، وذى نحوة قد ردّته ذليلا، ومن «5» ذى تاج قد كبّته لليدين والفم؛ سلطانها دول، وعيشها رنق (أى الماء الكدر) وعذبها أجاج، وحلوها صبر، وغذاؤها سمام، وأسبابها «6» رمام، وقطافها «7» سلع؛ حيّها بعرض موت، وصحيحها «8» بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام؛ وملكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وسليمها منكوب وجارها محروب؛ مع أنّ وراء ذلك سكرات الموت، وهول المطّلع، والوقوف بين يدى الحكم العدل «ليجزى الّذين أساؤا بما عملوا ويجزى الّذين أحسنوا بالحسنى»
(7/251)

ألستم فى مساكن من كان قبلكم أطول منكم أعمارا، وأوضح منكم آثارا؛ وأعد عديدا، وأكثف جنودا، وأشدّ عقودا، تعبّدوا «1» للدنيا أىّ تعبّد، وآثروها أىّ إيثار، وظعنوا «2» بالكره والصّغار، فهل بلغكم أنّ الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية، أو أغنت عنهم فيما قد أهلكتهم بخطب «3» ؟ بل قد أرهقتهم بالفوادح، وضعضعتهم بالنوائب، وعقرتهم بالفجائع؛ وقد رأيتم تنكّرها لمن رادها وآثرها وأخلد إليها، حين ظعنوا عنها لفراق الأبد، الى آخر المسند «4» ؛ هل زوّدتهم إلا السّغب، وأحلّتهم إلا الضّنك، أو نوّرت لهم إلا الظّلمة، أو أعقبتهم إلّا الندامة؟ أفهذه تؤثرون، أم على هذه تحرصون، أم إليها تطمئنون؟ يقول الله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ
فبئست الدار لمن أقام فيها، فاعلموا إذ أنتم تعلمون أنكم تاركوها لا بدّ، فإنما هى كما وصفها الله باللعب واللهو، وقد قال الله [تعالى] : أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ.
وذكر الذين قالوا: من أشد منا قوّة ثم قال: لموا الى قبورهم فلا يدعون ركبانا، وأنزلوا فلا يرعون «5» ضيفانا، وجعل الله لهم من الضريح أكنانا «6» ، ومن الوحشة ألوانا، ومن الرّفات جيرانا «7» ؛ وهم فى جيرة لا يجيبون داعيا، ولا يمنعون ضيما، إن
(7/252)

أخصبوا «1» لم يفرحوا، وإن قحطوا لم يقنطوا؛ [جمع «2» ] وهم آحاد، جيرة وهم أبعاد؛ متناءون «3» ، لا يزورون ولا يزارون؛ حلماء قد ذهبت أضغانهم، وجهلاء قد ماتت أحقادهم؛ لا يرجى نفعهم، ولا يخشى دفعهم؛ وكما قال الله تعالى: فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ
فاستبدلوا بظهر الأرض بطنا، وبالسّعة ضيقا، وبالأهل غربة، وبالنّور ظلمة، ففارقوها كما دخلوها، حفاة عراة فرادى، غير أن ظعنوا بأعمالهم الى الحياة الدائمة، وإلى خلود الأبد، يقول الله تعالى: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ
فاحذروا ما حدّركم الله، وانتفعوا بمواعظه، واعتصموا بحبله، عصمنا الله وإيّاكم بطاعته، ورزقنا وإيّاكم أداء حقّه.
ومن كلام أبى مسلم الخراسانى صاحب الدولة «4» ،
قيل له: ما كان سبب خروج الدولة عن بنى أميّة؟ فقال: لأنهم أبعدوا أولياءهم ثقة بهم، وأدنوا أعداءهم تألّفا لهم، فلم يصر العدوّ بالدّنوّ صديقا، وصار الصديق بالبعاد عدوّا.
وقيل له فى حداثته: إنا نراك تأرق كثيرا ولا تنام، كأنك موكّل برعى الكواكب، أو متوقع الوحى فى «5» السماء، فقال: والله ما هو ذاك، ولكن لى رأى جوّال، وغريزة
(7/253)

تامّة، وذهن صاف، وهمّة بعيدة، ونفس تتوق الى معالى الأمور، مع عيش كعيش الهمج والرّعاع، وحال متناهية من الاتّضاع، وإنى لأرى بعض هذا مصيبة لا تجبر بسهر، ولا تتلافى بأرق؛ قيل له: فما الذى يبرد غليلك، ويشفى إجاج «1» صدرك؟
قال: الظّفر بالملك؛ قيل له: فاطلب؛ قال: إن الملك لا يدرك إلا بركوب الأهوال؛ قيل: فاركب الأهوال؛ قال: هيهات، العقل مانع من ركوب الأهوال؛ قيل: فما تصنع وأنت تبلى حسرة، وتذوب كمدا؟ قال: سأجعل من عقلى بعضه جهلا، وأحاول به خطرا، لأنال بالجهل ما لا ينال إلّا به، وأدبّر بالعقل ما لا يحفظ إلا بقوّته، وأعيش عيشا يبين مكان حياتى فيه من مكان موتى عليه، فإن الخمول أخو العدم، والشهرة أبو الكون.
وكتب إليه عبد الحميد بن يحيى كتابا عن مروان بن محمد، وقال لمروان:
قد كتبت كتابا إن نجع فذاك، وإلّا فالهلاك، وكان لكبر حجمه يحمل على جمل، نفث فيه حواشى صدره، وضمّنه غرائب عجره وبجره «2» ، فلمّا ورد على أبى مسلم دعا بنار فطرحه فيها إلّا قدر ذراع فإنه كتب عليه:
محا السيف أسطار البلاغة وانتحى ... ليوث الوغى يقدمن من كلّ جانب
فإن يقدموا نعمل سيوفا شحيذة ... يهون عليها العتب من كلّ عاتب
وردّه، فأيس الناس من معالجته.
وقيل: إنه شجر بينه وبين صاحب مرو كلام أربى فيه صاحب مرو عليه، فاحتمله أبو مسلم وقال: مه، لسان سبق، ووهم أخطأ، والغضب شيطان،
(7/254)

وأنا جرّأتك علىّ باحتمالك، فإن كنت للذنب متعمّدا فقد شاركتك فيه، وإن كنت مغلوبا فالعفو يسعك؛ فقال له صاحب مرو: عظم ذنبى يمنع قلبى من الهدوء؛ فقال ابو مسلم: يا عجبا، أقابلك بإحسان وأنت تسىء، ثم أقابلك بإساءة وأنت تحسن! فقال صاحب مرو: الآن وثقت بعفوك.
ومن كلام جماعة من أمراء الدولتين
خطب يوسف بن عمر فقال: اتقوا الله عباد الله، فكم من مؤمّل أملا لا يبلغه، وجامع مالا لا يأكله، ومانع ما سوف يتركه؛ ولعلّه من باطل جمعه، ومن حقّ منعه؛ أصابه حراما، وورّثه عدوّا؛ واحتمل إصره، وباء بوزره، وورد على ربّه آسفا لاهفا «خسر الدّنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين» .
وقام خالد بن عبد الله القسرىّ «1» على المنبر خطيبا،
فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبى صلّى الله عليه وسلّم، ثم قال: أيها الناس، نافسوا فى المكارم، وسارعوا الى المغانم، واشتروا الحمد بالجود، ولا تكسبوا بالمطل ذمّا، ولا تعتدّوا «2» بالمعروف ما لم تعجّلوه، ومهما يكن لأحدكم عند أحد نعمة فلم يبلغ شكرها فالله أحسن لها جزاء، وأجزل عليها عطاء؛ واعلموا أنّ حوائج الناس إليكم نعمة من الله عليكم؛ فلا تملّوا النعم فتحوّل نقما؛ واعلموا أنّ أفضل المال ما أكسب أجرا، وأورث ذكرا؛ ولو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسنا جميلا يسرّ الناظرين، ولو رأيتم البخل رجلا رأيتموه مشوّها قبيحا، تنفر عنه القلوب، وتغضّ عنه الأبصار؛ أيها الناس، إنّ أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، وأعظم الناس عفوا من عفا عن
(7/255)

قدرة، وأوصل الناس من وصل من قطعه، ومن لم يطب حرثه لم يزك نبته؛ والأصول عن مغارسها تنمو، وبأصولها تسمو؛ أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم.
قيل لما ولى أبو بكر بن عبد الله «1» المدينة وطال مكثه عليها
كان يبلغه عن قوم من أهلها أنهم ينالون من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإسعاف من آخرين لهم على ذلك، فأمر أهل البيوتات ووجوه الناس فى يوم جمعة أن يقربوا من المنبر، فلما فرغ من خطبة الجمعة قال: أيها الناس، إنى قائل قولا، فمن وعاه وأدّاه فعلى الله جزاؤه، ومن لم يعه فلا يعدو «2» من ذمامها، إن قصرتم عن تفصيله «3» ، فلن تعجزوا عن تحصيله، فأرعوه أبصاركم، وأوعوه أسماعكم، وأشعروه قلوبكم؛ فالموعظة حياة، والمؤمنون إخوة «وعلى الله قصد السّبيل» «ولو شاء لهداكم أجمعين» فأتوا الهدى تهتدوا، واجتنبوا الغى ترشدوا، «وتوبوا إلى الله جميعا أيّه المؤمنون لعلّكم تفلحون» والله جلّ ثناؤه، وتقدّست أسماؤه، أمركم بالجماعة ورضيها لكم، ونهاكم عن الفرقة وسخطها منكم، ف «اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النّار فأنقذكم منها» جعلنا الله وإيّاكم ممّن تبع رضوانه، وتجنب سخطه، فإنما نحن به وله؛ وإنّ الله بعث محمدا صلّى الله عليه وسلّم بالدّين، واختاره على العالمين، واختار له أصحابا على
(7/256)

الحقّ، ووزراء دون الخلق، اختصّهم به، وانتخبهم له، فصدّقوه ونصروه، وعزّروه ووقّروه، فلم يقدموا إلّا بأمره، ولم يحجموا إلّا عن رأيه، وكانوا أعوانه بعهده، وخلفاءه من بعده، فوصفهم فأحسن صفتهم، وذكرهم فأثنى عليهم، فقال- وقوله الحقّ-: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ
الى قوله: مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً*
فمن غاظوه «1» كفر وخاب، وفجر وخسر، وقال الله عزّ وجلّ: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً
الى قوله: رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
فمن خالف شريطة الله عليه لهم، وأمره إيّاه فيهم، فلا حقّ له فى الفىء، ولا سهم له فى الإسلام فى آى كثيرة من القرآن؛ فمرقت مارقة من الدّين، وفارقوا المسلمين، وجعلوهم عضين «2» ؛ وتشعّبوا أحزابا، أشابات وأوشابا «3» ؛ فخالفوا كتاب الله فيهم، وثناءه عليهم، وآذوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيهم، فخابوا وخسروا الدنيا والآخرة ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ*
أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
؛ ما لى أرى عيونا خزرا «4» ، ورقابا صعرا، وبطونا بجرا «5» ؟ شجى لا يسيغه الماء، وداء لا يشرب فيه الدواء؛ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ
كلّا والله، بل هو
(7/257)

الهناء «1» والطّلاء حتى يظهر العذر «2» ، ويبوح السرّ، ويضح الغيب، ويسوّس «3» الجنب؛ فإنكم لم تخلقوا عبثا، ولم تتركوا سدى؛ ويحكم، إنى لست أتاويّا «4» أعلم، ولا بدويّا أفهّم؛ قد حلبتكم أشطرا، وقلبتكم أبطنا وأظهرا؛ فعرفت أنحاءكم وأهواءكم، وعلمت أنّ قوما أظهروا الإسلام بألسنتهم، وأسرّوا الكفر فى قلوبهم، فضربوا بعض أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم [ببعض «5» ] ، وولّدوا الروايات فيهم، وضربوا الأمثال، ووجدوا على ذلك من أهل الجهل من أبنائهم أعوانا يأذنون لهم، ويصغون إليهم؛ مهلا مهلا قبل وقوع القوارع، وطول الروائع، هذا لهذا ومع هذا «6» ، فلست أعتنش «7» آئبا ولا تائبا، عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ
فأسروا خيرا وأظهروه، واجهروا به وأخلصوا، فطالما مشيتم القهقرى ناكصين، وليعلم من أدبر وأصرّ أنها موعظة بين يدى نقمة؛ ولست أدعوكم الى أهواء تتبع، ولا الى رأى يبتدع؛ إنما أدعوكم إلى الطريقة المثلى، التى فيها خير الآخرة والأولى؛ فمن أجاب فإلى رشده، ومن عمى فعن قصده؛ فهلمّ إلى الشرائع الجدائع «8» ، ولا تولّوا عن سبيل المؤمنين، ولا تستبدلوا الذى هو أدنى بالذى هو خير،
(7/258)

«بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا»
إيّاكم وبنيّات «1» الطريق، فعندها الترنيق والرّهق «2» ، وعليكم بالجادّة، فهى أسدّ وأورد، ودعوا الأمانىّ فقد أردت من كان قبلكم، وليس للإنسان إلا ما سعى، ولله الآخرة والأولى، و «لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى» رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.
هذا ما اتفق إيراده من رسائل وخطب بلغاء الصحابة- رضى الله عنهم- وكلام التابعين وغيرهم مما يحتاج الكاتب الى حفظه.
وأما رسائل المتقدّمين والمعاصرين التى يحتاج الى النظر اليها دون حفظها- فهى كثيرة جدا، سنورد من جيّدها ما تقف عليه إن شاء الله.
ذكر شىء من رسائل وفصول الكتاب والبلغاء المتقدّمين والمتأخّرين والمعاصرين من المشارقة والمغاربة
وهذه الرسائل والفصول كثيرة جدّا، وقد قدّمنا منها فيما مرّ من كتابنا هذا ما حلا ذكره، وفاح نشره؛ وأنس به سامعه، وأيس من الإتيان بمثله صانعه، وأوردنا فى كل باب وفصل منه ما يناسبه، وسنورد إن شاء الله فى فنّى الحيوان والنبات عند ذكر كلّ حيوان أو نبات يستحقّ الوصف ما سمعناه وطالعناه من وصفه نظما ونثرا، مع ما يندرج فى فنّ التاريخ من الرسائل والفصول والأجوبة والمحاورات
(7/259)

عند ذكر الوقائع، وإنما نورده ثمّ وإن كان هذا موضعه ليكون الكلام فيه سياقة، وترد الوقائع يتلو بعضها بعضا، فلا ينقطع الكلام على ما تقف إن شاء الله تعالى عليه فى مواضعه، فلنورد فى هذا الموضع ما هو خارج عن ذلك النّمط من كلامهم، ولنبدأ بذكر شىء من المكاتبات البليغة الموجزة؛ من ذلك ما كتب به عبد الحميد بن يحيى بالوصاة على إنسان فقال: حقّ موصل هذا الكتاب عليك كحقّه علىّ إذ رآك موضعا لأمله، ورآنى أهلا لحاجته، وقد أنجزت حاجته، فحقّق أمله.
ومنه ما حكى أن المأمون قال لعمرو بن مسعدة: اكتب الى فلان كتاب عناية بفلان فى سطر واحد، فكتب: هذا كتاب واثق بمن كتب اليه، معتن بمن كتب له «1» ، ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله.
وكتب عمرو بن مسعدة الى المأمون يستعطفه على الجند: كتابى الى أمير المؤمنين ومن قبلى من أجناده وقوّاده فى الطاعة على أفضل ما تكون عليه طاعة جند تأخّرت أرزاقهم، واختلّت أحوالهم. فأمر بإعطائهم رزق ثمانية أشهر.
وكتب أحمد بن يوسف الى المأمون يذكّره بمن على بابه من الوفود فقال:
إنّ داعى نداك، ومنادى جدواك، جمعا ببابك الوفود، يرجون نائلك العتيد؛ فمنهم من يمتّ بحرمة، ومنهم من يدلى»
بخدمة؛ وقد أجحف بهم المقام، وطالت عليهم الأيام؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعشهم بسيبه «3» ، ويحتوش ظنونهم بطوله فعل.
فوقّع المأمون فى كتابه: الخير متّبع، وأبواب الملوك مواطن لذوى الحاجات،
(7/260)

فأحص أسماءهم، واجل موائنهم «1» ، ليصير الى كلّ امرئ منهم قدر استحقاقه، ولا تكدّر معروفا بالمطل والحجاب، فإنّ الأوّل يقول:
فإنك لن ترى طردا لحرّ ... كإلصاق به طرف الهوان
ولم يجلب مودّة ذى وفاء ... كمثل البذل أو بسط اللسان.
وكتب محمد «2» إلى يحيى بن هرمة «3» - وكان عامله على أصفهان، وقد تظلّم منه أهلها-: يا يحيى «4» ، قد كثر شاكوك، وقلّ شاكروك؛ فإمّا عدلت، وإمّا اعتزلت.
وكتب أبو بكر الخوارزمىّ جوابا عن هديّة: وصلت التّحفة، ولم يكن لها عيب إلّا أنّ باذلها «5» مسرف فى البرّ، وقابلها مقتصد فى الشكر؛ والسّرف مذموم إلّا فى المجد، والاقتصاد محمود إلّا فى الشكر والحمد.
وكتب ملك الروم إلى المعتصم يتوعّده ويتهدّده، فأمر الكتّاب أن يكتبوا جوابه، فكتبوا فلم يعجبه مما كتبوا شىء، فقال لبعضهم: اكتب: بسم الله الرّحمن الرّحيم،
(7/261)

أمّا بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع، «وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ «1» لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ» .
ومن كلام بديع الزّمان أبى الفضل أحمد بن الحسين الهمذانىّ-
قيل: ذكر الهمذانىّ فى مجلس أبى الحسين بن فارس فقال ما معناه: إنّ البديع قد نسى حقّ تعليمنا إيّاه، وعقّنا وشمخ بأنفه عنّا، فالحمد لله على فساد الزمان، وتغيّر نوع الإنسان؛ فبلغ ذلك البديع، فكتب الى أبى الحسين:
نعم أطال الله بقاء الشيخ الإمام، إنّه «2» الحمأ المسنون، وإن ظنّت الظنون؛ والناس لآدم، وإن كان العهد قد تقادم؛ وارتبكت «3» الأضداد، واختلط الميلاد؛ والشيخ يقول: فسد الزمان، أفلا يقول: متى كان صالحا؟ أفى الدّولة العبّاسيّة وقد رأينا آخرها وسمعنا أوّلها؛ أم المدّة المروانيّة وفى أخبارها «لا تكسع الشّول بأغبارها «4» » ؛ أم السنين الحربيّة «5»
(7/262)

والسيف يعمل «1» فى الطّلى ... والرّمح يركز فى الكلى ومبيت حجر «2» فى الفلا
والحرّتان «3» وكربلا «4»
أم البيعة الهاشميّة [وعلىّ يقول «5» : ليت] العشرة [منكم «6» ] براس، من بنى فراس؛ أم الأيّام الأمويّة «7» والنّفير إلى الحجاز، [والعيون إلى «8» الأعجاز] ؛ أم الإمارة العدويّة «9» وصاحبها يقول: هلمّوا «10» إلى النزول؛ أم الخلافة التّيميّة «11» وهو «12» يقول: طوبى لمن
(7/263)

مات فى نأنأة «1» الإسلام؛ [أم «2» ] على عهد الرسالة ويوم الفتح قيل: اسكنى «3» يا فلانة، فقد ذهبت الأمانة؛ أم فى الجاهليّة ولبيد يقول:
[وبقيت «4» فى خلف «5» كجلد الأجرب
أم قبل ذلك وأخو عاد يقول] :
بلاد بها كنا وكنا نحبّها ... إذ الناس ناس والزمان زمان
أم قبل ذلك ويروى لآدم عليه السلام:
تغيّرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح
أم قبل ذلك والملائكة تقول لبارئها: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
ما فسد الناس، ولكن اطّرد القياس؛ ولا أظلمت الأيام، إنما امتدّ الإظلام؛ وهل يفسد الشىء إلّا عن صلاح؛ ويمسى المرء إلّا عن صباح؟
ولعمرى إن كان كرم العهد كتابا يرد، وجوابا يصدر، إنّه لقريب المنال، وإنّى على توبيخه لى لفقير إلى لقائه، شفيق على بقائه، منتسب إلى ولائه، شاكر لالائه.
وكتب بديع الزمان يستعطفه: إنّى خدمت مولاى، والخدمة رقّ بغير إشهاد، وناصحته، والمناصحة للودّ أوثق عماد؛ ونادمته، والمنادمة رضاع ثان؛ وطاعمته، والمطاعمة [نسب «6» ] دان، وسافرت معه، والسّفر والأخوّة رضيعا لبان، وقمت بين
(7/264)

يديه، والقيام والصلاة شريكا عنان «1» ؛ وأثنيت عليه، والثناء عند الله بمكان؛ وأخلصت له، والإخلاص مشكور بكلّ لسان.
ومن كلام أبى الفضل محمد بن الحسين بن العميد
- وكان وزيرا كاتبا- كتب عن ركن الدّولة بن بويه كتابا لمن عصى عليه:
كتابى وأنا مترجّح بين طمع فيك، وإياس منك، وإقبال عليك، وإعراض عنك»
؛ فإنك تدلى بسابق خدمة، وتمتّ بسالف حرمة؛ أيسرها يوجب رعاية، ويقتضى محافظة وعناية؛ ثم تشفعهما بحادث غلول وخيانة، وتتبعهما بآنف خلاف ومعصية؛ وأدنى ذلك يحبط أعمالك، ويمحق كلّ ما يرعى لك؛ لا جرم أنّى وقفت بين ميل إليك، وميل عليك؛ أقدّم رجلا لصمدك «3» ، [وأؤخّر «4» ] أخرى عن قصدك؛ وأبسط يدا لاصطلامك واجتياحك، وأثنى ثانية نحو «5» استبقائك واستصلاحك؛ وأتوقّف عن امتثال بعض المأمور فيك ضنا بالنعمة عندك، ومنافسة فى الصّنيعة لديك؛ وتأميلا [لفيئتك «6» ] وانصرافك، ورجاء لمراجعتك وانعطافك؛ فقد يعزب العقل ثم يؤوب، ويغرب اللّبّ ثم يثوب، ويذهب العزم ثم يعود، ويفسد الحزم ثم يصلح، ويضاع الرأى ثم يستدرك، ويسكر المرء ثم يصحو، ويكدر الماء ثمّ يصفو؛ وكلّ ضيقة فإلى رخاء، وكلّ غمرة فإلى انجلاء؛ وكما أنك أتيت من إساءتك ما لم تحتسبه أولياؤك، فلا تدع «7» أن تأتى من إحسانك ما لم ترتقبه أعداؤك؛ وكما
(7/265)

استمرّت بك الغفلة حتى ركبت ما ركبت، واخترت ما اخترت، فلا عجب أن تنتبه انتباهة تبصر فيها قبيح ما صنعت، وسوء ما آثرت؛ وسأقيم على رسمى فى الإبقاء والمماطلة ما صلح، وعلى الاستيناء والمطاولة ما أمكن، طمعا فى إنابتك، وتحكيما «1» لحسن الظنّ بك؛ فلست أعدم فيما أظاهره من إعذارك، وأرادفه من إنذارك، احتجاجا عليك، واستدراجا لك؛ وإن يشإ الله يرشدك، ويأخذ بك الى حظّك ويسدّدك؛ فإنه على كلّ شىء قدير.
وفى فصل منه: وزعمت أنك فى طرف من الطاعة بعد أن كنت متوسّطها، وإن كنت كذلك فقد عرفت حالتيها، وحلبت شطريها، فناشدتك الله لما صدقت عما أسألك: كيف وجدت ما زلت عنه، وتجد ما صرت إليه؟ ألم تكن من الأوّل فى ظلّ ظليل، ونسيم عليل، وريح بليل؛ وهواء ندىّ «2» ، وماء روىّ، ومهاد وطىّ؛ وكنّ كنين، ومكان مكين، وحصن حصين؛ يقيك المتالف، ويؤمنك «3» المخاوف؛ ويكنفك من نوائب الزمان، ويحفظك من طوارق الحدثان؛ عززت «4» به بعد الذّلّة، وكثرت بعد القلّة؛ وارتفعت بعد الضّعة، وأيسرت بعد العسر، وأثريت بعد المتربة، واتّسعت بعد الضيق، وأطافت «5» بك الولايات، وخفقت فوقك الرايات؛ ووطئ عقبك الرجال، وتعلّقت بك الآمال؛ وصرت تكاثر ويكاثر بك، وتشير ويشار اليك؛
(7/266)

ويذكر على المنابر اسمك، وفى المحاضر ذكرك؛ ففيم أنت الآن من الأمر؟ وما العوض مما ذكرت وعددت، والخلف عمّا وصفت؟ وما استفدت حين أخرجت من الطاعة نفسك، ونفضت منها كفّك، وغمست فى خلافها يدك؟ وما الذى أظلّك بعد انحسار ظلّها عنك؟ أظلّ ذو ثلاث شعب، لا ظليل ولا يغنى من الّلهب؟
قل: نعم، فذاك والله أكنف ظلالك فى العاجلة، وأروحها فى الآجلة؛ إن أقمت على المحادّة والعنود «1» ، ووقفت على المشاقّة والجحود.
ومنه: تأمّل حالك وقد بلغت هذا الفصل من كلامى فستنكرها «2» ، والمس جسدك فانظر هل يحسّ، واجسس عرقك هل ينبض، وفتّش ما حنى عليه اضلاعك هل تجد فى عرضها قلبك؟ وهل حلا بصدرك أن تظفر بفوت مزيح «3» أو موت مريح؟ ثمّ قس غائب أمرك بشاهده، وآخر شأنك بأوّله.
وكتب الصاحب أبو القاسم كافى الكفاة فى وصف كتاب:
ومن هو الذى لا يحبّه وهو علم الفضل، وواسطة الدهر؛ وقرارة الأدب والعلم، ومجمع الدّراية والفهم؛ أمن يرغب عن مكاثرة بمن «4» ينسب الربيع الى خلقه، ويكتسب محاسنه من طبعه، ويتوشّح بأنواره، ويتوضّح بآثار لسانه ويده؟ وصل كتابه، فارتحت لعنوانه قبل عيانه، حتى اذا فضضت ختامه أقبلت الفقر تتكاثر، والدّرر تتناثر؛ والغرر تتراكم، والنّكت تتزاحم؛ فإذا حكمت للفظة بالسّبق أتت أختها تتنافس «5» ،
(7/267)

واقبلت لديها تتفاخر؛ حتى استعفيت من الحكومة، ونفضت يدى من غبار الخصومة؛ وأخذت أقول: كلّكنّ صوادر عن أصل واحد فتسالمن، وأرفاد عن معدن رافد «1» فتصالحن، وقد ولّيت النظر بينهما من كمل لنسج برودهما، ووفّى بنظم عقودهما؛ على أننى يا مولاى أنشأت هذه الأحرف وحولى أعمال وأشغال لا يسلم معهما فكر، ولا يسلم بينهما طبع؛ وتناولت قلما كالابن العاقّ، بل العدوّ المشاقّ؛ اذا أردته استقال، واذا قوّمته مال؛ واذا حثثته وقف، واذا وقفته انحرف؛ أحدل «2» الشّقّ؛ متفاوت البرى، معدوم الجرى؛ محرّف القطّ، مثبّج «3» الخطّ؛ ثم رأيت العدول عنه ضربا من الانقياد لأمره، والانخراط فى سلكه، فجهدته على رغمه، وكددته على صعره؛ لا جرم أنّ جناية اللّجاج بادية على صفحات الحروف لا تخفى، وعادية المحك «4» لائحة على وجوه السطور تتجلّى.
وكتب: والله يعلم أنى أخبرت بورود كتابه واستفزّنى الفرح قبل رؤيته، وهزّ عطفى المرح أمام مشاهدته؛ فما أدرى، أسمعت بورود كتاب، أم ظفرت برجوع شباب؟ ثم وصل بعد انتظار له شديد، وتطلّع الى وصوله طويل عريض؛ فتأمّلته فلم أدر ما تأمّلت، أخطّا مسطورا، أم روضا ممطورا، أم كلاما منثورا، أم وشيا منشورا؟ ولم أدر ما أبصرت فى أثنائه، أأبيات شعر، أم عقود درّ؟ ولم أدر ما جملته، أغيث حلّ بوادى ظمآن، أم غوث سبق إلى لهفان؟.
وكتب: وصل كتاب القاضى فأعظمت قدر النعمة فى مطلعه، وأجللت محلّ الموهبة بموقعه؛ وفضضته عن السحر حلالا، والماء زلالا؛ وسرّحت الطّرف منه
(7/268)

فى رياض رقّت حواشيها، وحلل تأنق واشيها؛ فلم أتجاوز فصلا إلّا إلى أخطر «1» منه فضلا، ولم أتخطّ «2» سطرا إلا الى أحسن منه نظما ونثرا.
وكتب أيضا: وصل كتابك فجعلت وصوله عيدا أؤرّخ به أيّام بهجتى، وأفتتح به مواقيت غبطتى؛ وعرفت من خبر سلامتك ما سألت الله الكريم أن يصله بالدوام، ويرفعه على أيدى الأيام.
وكتب أيضا: وصل كتابه- أيّده الله- يضحك عن أخلاقه الأرجة، ويتهلّل عن عشرته العطرة؛ ويخبر عن عافية الله لمن «3» رأيت شمل الحرّيّة به منتظما، وشعب المروءة له ملتئما؛ ويحمل من أنواع برّه ما أقصر عن ذكره، ولا أطمع فى شكره؛ ويؤدّى من لطيف اعتذاره فى أثناء عتبه، ما تزداد أسباب المودّة تمهيدا به؛ وفهمته، ورغبت إلى الله بأخلص طويّة، وأمحض نيّة «4» .
وقال أبو الفرج الببغاء من رسالة إلى عدّة الدّولة أبى تغلب
جاء منها: أصحّ دلائل الإقبال، وأصدق براهين السعادة- أطال الله بقاء سيّدنا- ما شهدت العقول بصحّته، ونطقت البصائر بحقيقته، ونعمة الله على الدّنيا والدّين بما أولاهما من اختيار سيّدنا لحراستهما بناظر فضله، وسترهما بظلّ عدله؛ مفصحة بتكامل الإقبال، مبشّرة بتصديق الامال
محروسة ضمن الشكر الوفىّ لها ... على الزيادة نيل السّؤل والدّرك
(7/269)

تحقّق العصر أنّ الملك منذ نشا ... له أبو تغلب اسم غير مشترك
واستخلف الفلك الدوّار همّته ... فلوونى أغنت الدنيا عن الفلك
مأمون الهفوات، متناصر «1» الصفات؛ ربعىّ «2» النّفاسة، حمدانىّ السياسة، ناصرىّ الرياسة؛ عطاردى الذّكاء، موفّق الآراء؛ شمسىّ التأثير، قمرىّ التصوير، فلكىّ التدبير؛ للصّدق كلامه، وللعدل أحكامه، وللوفاء ذمامه؛ وللحسام غناؤه، وللقدر مضاؤه، وللسحاب عطاؤه
دعوته فأجابتنى مكارمه ... ولو دعوت سوى نعماه لم تجب
وجدته الغيث مشغوفا «3» بعادته ... والروض يحيا بما فى عادة السّحب
لوفاته النسب الوضّاح كان له ... من فضله نسب يغنى عن النسب
إذا دعته ملوك الأرض سيّدها ... طرّا دعته المعالى سيّد العرب.
وكتب أبو الحسن «4» علىّ بن القاسم القاشانىّ:
ما أرتضى نفسى لمخاطبة مولاى إذا كنت منفىّ الشواغل، فارغ الخواطر، مخلى الجوارح، مطلق الإسار، سليم الأفكار، فكيف مع كلال الحدّة، وانغلاق الفهم، واستبهام القريحة، واستعجام الطبيعة؛ والمعوّل على النيّة، وهى لمولاى بظهر الغيب مكشوفة، والمرجع إلى العقيدة، وهى بالولاء المحض معروفة؛ ولا مجال للعتب عن هذه الأحوال، للعذر وراء هذه الخلال.
(7/270)

وقال محمد بن العباس الخوارزمىّ:
الحمد لله الذى جعل الشيخ يضرب فى المحاسن بالقدح المعلّى، ويسمو منها إلى الشرف الأعلى، ولم يجعل فيه موضعا للولا، ولا مجالا لإلّا؛ فإن الاستثناء إذا اعترض فى المدح انصب ماؤه، وكدّر صفاؤه، وانطلق فيه حسّاده وأعداؤه؛ ولذلك قالوا: ما أحسن الظّبى لولا خنس «1» أنفه! وما أحسن البدر لولا كلف وجهه! وما أطيب الخمر لولا الخمار! وما أشرف الجود لولا الإقتار! وما أحمد مغبة الصبر لولا فناء العمر! وما أطيب الدنيا لو دامت
ما أعلم الناس أنّ الجود مكسبة ... للحمد لكنّه يأتى على النّشب.
ذكر شىء من رسائل فضلاء المغاربة ووزرائهم وكتابهم ممن ذكرهم ابن بسام فى كتابه المترجم بالذخيرة فى محاسن أهل الجزيرة
منهم ذو الوزارتين أبو الوليد بن زيدون،
فمن كلامه رسالة كتبها على لسان محبوبته ولّادة بنت محمد بن عبد الرحمن الناصرىّ الى إنسان استمالها إلى نفسه عنه، وهى:
أما بعد، أيها المصاب بعقله، المورّط بجهله؛ البيّن سقطه، الفاحش غلطه؛ العاثر فى ذيل اغتراره، الأعمى عن شمس نهاره؛ الساقط سقوط الذباب على الشراب، المتهافت تهافت الفراش فى «2» الشهاب؛ فإنّ العجب أكذب، ومعرفة المرء نفسه أصوب؛ وإنك راسلتنى مستهديا من صلتى ما صفرت منه أيدى أمثالك، متصدّيا من
(7/271)

خلّتى لما قرعت فيه «1» أنوف أشكالك؛ مرسلا خليلتك مرتادة، مستعملا عشيقتك فوّادة؛ كاذبا نفسك [أنك «2» ] ستنزل عنها إلىّ، وتخلف بعدها علىّ
ولست» بأوّل ذى همّة ... دعته لما ليس بالنائل
ولا شكّ فى أنها قلتك إذ لم تضنّ بك، وملّتك إذ لم تغر عليك، فإنها أعذرت فى السّفارة لك، وما قصرت فى النيابة عنك؛ زاعمة أنّ المروءة لفظ أنت معناه، والإنسانيّة اسم أنت جسمه وهيولاه؛ قاطعة أنّك انفردت بالجمال، واستأثرت بالكمال، واستعليت فى مراتب الجلال، واستوليت «4» على محاسن الخلال؛ حتى خيّلت أنّ يوسف عليه السلام حاسنك فغضضت منه، وأنّ امرأة العزيز رأتك فسلت عنه؛ وأنّ قارون أصاب بعض ما كنزت، والنّطف «5» عثر على فضل
(7/272)

ما ركزت «1» ؛ وكسرى حمل غاشيتك «2» ، وقيصر رعى ماشيتك؛ والإسكندر قتل دارا «3» فى طاعتك، وأردشير «4» جاهد ملوك الطوائف لخروجهم عن جماعتك؛ والضّحّاك «5» استدعى مسالمتك، وجذيمة «6» الأبرش تمنّى منادمتك؛ وشيرين «7» نافست بوران «8» فيك؛
(7/273)

وبلقيس «1» غايرت الزّباء «2» عليك؛ وأنّ مالك «3» بن نويرة إنما ردف لك؛ وعروة «4» بن جعفر إنما رحل إليك؛ وكليب «5» بن ربيعة إنما حمى المرعى بعزّتك؛ وجسّاسا «6» إنما قتله بأنفتك؛ ومهلهلا «7» إنما طلب ثأره بهمّتك؛ والسموءل «8» إنما وفى عن عهدك،
(7/274)

والأحنف «1» إنما احتبى فى بردك؛ وحاتما «2» إنما جاد بوفرك، ولقى الأضياف ببشرك؛ وزيد «3» بن مهلهل إنما ركب بفخذيك، والسّليك «4» بن السّلكة إنّما عدا على رجليك، وعامر «5» بن مالك [إنما لاعب الألسنة بيديك «6» ؛ وقيس بن زهير] إنما استعان بدهائك «7» ، وإياس «8» بن معاوية إنما استضاء بمصباح ذكائك؛ وسحبان «9» إنما تكلّم بلسانك،
(7/275)

وعمر «1» بن الأهتم إنما سحر ببيانك؛ وأنّ الصلح بين بكر وتغلب «2» تمّ برسالتك، والحمالات فى دماء عبس وذبيان أسندت إلى كفالتك «3» ؛ وأن احتيال هرم «4» لعامر وعلقمة حتى رضيا كان عن رأيك؛ وجوابه لعمر وقد سأله عن أيّهما كان ينفّر «5» وقع بعد مشورتك؛
(7/276)

وأنّ الحجّاج «1» تقلّد ولاية العراق بجدّك، وقتيبة «2» فتح ماوراء النهر بسعدك؛ والمهلّب «3» أو هى شوكة الأزارقة بأيدك، وأفسد ذات بينهم بكيدك؛ وأنّ هرمس «4» أعطى بلينوس ما أخذ منك، وأفلاطون «5» أورد على أرسطوطاليس ما حدّث عنك؛
(7/277)

وبطلميوس «1» سوّى الأسطرلاب بتدبيرك، وصوّر الكرة على تقديرك؛ وأبقراط «2» علم العلل والأمراض بلطف حسّك، وجالينوس «3» عرف طبائع الحشائش بدقة نظرك «4» ؛ وكلاهما قلّدك فى العلاج، وسألك عن المزاج؛ واستوصفك تركيب الاعضاء، واستشارك فى الداء والدواء؛ وأنك نهجت لأبى معشر «5» طريق القضاء، وأظهرت
(7/278)

جابر «1» بن حيّان على سرّ الكيمياء؛ وأعطيت النظّام «2» أصلا أدرك به الحقائق، وجعلت للكندىّ «3» رسما استخرج به الدقائق؛ وأن صناعة الألحان اختراعك، وتأليف الأوتار توليدك وابتداعك؛ وأن عبد الحميد «4» بن يحيى بارى أقلامك، وسهل «5» بن
(7/279)

هارون مدوّن كلامك؛ وعمر «1» بن بحر مستمليك، ومالك «2» بن أنس مستفتيك؛ وأنك الذى أقام البراهين، ووضع القوانين؛ وحدّ الماهيّة، وبيّن الكيفيّة والكميّة؛ وناظر فى الجوهر والعرض، وبيّن الصحّة من المرض؛ وفكّ المعمّى، وفصل بين الاسم والمسمّى؛ وضرب وقسّم، وعدل وقوّم؛ وصنّف الأسماء والأفعال، وبوّب الظّرف والحال؛ وبنى وأعرب، ونفى وتعجّب؛ ووصل وقطع، وثنّى وجمع؛ وأظهر وأضمر، وابتدأ وأخبر؛ واستفهم وأهمل وقيّد، وأرسل وأسند، وبحث ونظر، وتصفّح الأديان، ورجّح بين مذهبى مانى وغيلان «3» ؛ وأشار بذبح الجعد «4» ، وقتل بشار «5»
(7/280)

ابن برد؛ وأنك لو شئت خرقت العادات، وخالفت المعهودات؛ فأحلت البحار عذبة، وأعدت السّلام «1» رطبة؛ ونقلت غدا فصار أمسا، وزدت فى العناصر فكانت خمسا؛ وأنك المقول فيه: «كلّ الصيد «2» فى جوف الفرا»
و: ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد «3»
والمعنىّ بقول أبى تمّام:
فلو صوّرت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع
والمراد بقول أبى الطيّب:
ذكر الأنام لنا فكان قصيدة ... كنت البديع الفرد من أبياتها
ف «كدمت غير «4» مكدم» ونفخت فى غير فحم؛ ولم تجد لرمح مهزّا، ولا لشفرة محزّا؛ بل رضيت من الغنيمة بالإياب، وتمنّيت الرجوع بخفىّ حنين، لأنى قلت لها:
«لقد هان من بالت عليه الثعالب «5» » وأنشدت:
على «6» أنها الأيام قد صرن كلّها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب
(7/281)

ونخرت «1» وكفرت، وعبست وبسرت «2» ؛ وأبدأت وأعدت، [وأبرقت وأرعدت «3» ] و «هممت ولم أفعل وكدت [وليتنى «4» ] » ولولا [أنّ] للجوار ذمّة، وللضيافة حرمة؛ لكان الجواب فى قذال الدّمستق «5» ، ولكنّ النعل حاضرة إن عادت العقرب، والعقوبة ممكنة إن أصرّ المذنب؛ وهبها لم تلاحظك بعين كليلة عن عيوبك، ملؤها حبيبها، وحسن فيها من تودّ، وكانت إنما حلّتك بحلاك «6» ، ووسمتك بسيامك؛ ولم تعرك شهاده، ولا تكلّفت لك زياده؛ بل صدقتك سنّ بكرها «7» فيما ذكرته عنك، ووضعت الهناء «8» مواضع النّقب فيما نسبته إليك؛ ولم تكن (كاذبة فيما أثنت «9» به عليك) ،
(7/282)

فالمعيدىّ «1» تسمع به لا أن تراه، هجين «2» القذال، أرعن السّبال؛ طويل العنق والعلاوة «3» ، مفرط الحمق والغباوة؛ جافى الطبع، سيّئ الجابة «4» والسّمع؛ بغيض الهيئة، سخيف الذّهاب والجيئة؛ ظاهر الوسواس، منتن الأنفاس؛ كثير المعايب، مشهور المثالب؛ كلامك تمتمة، وحديثك وغمغمة؛ وبيانك فهفهة، وضحكك قهقهة؛ ومشيك هرولة، وغناك مسألة؛ ودينك زندقة، وعلمك مخرقة
مساو «5» لو قسمن على الغوانى ... لما أمهرن إلا بالطّلاق
حتى إنّ باقلا «6» موصوف بالبلاغة إذا قرن بك، وهبنّقة «7» مستحقّ لاسم العقل إذا نسب منك «8» ، وأبا غبشان «9» محمود منه سداد الفعل إذا أضيف إليك،
(7/283)

وطويسا «1» مأثور عنه يمن الطائر إذا قيس عليك؛ فوجودك عدم، والاغتباط بك ندم؛ والخيبة منك ظفر، والجنّة معك سقر؛ كيف رأيت لؤمك لكرمى كفاء، وضعتك لشرفى وفاء؟ وأنّى جهلت أن الأشياء إنما تنجذب إلى أشكالها، والطير إنّما تقع على ألّافها؟ وهلّا علمت أن الشرق والغرب لا يجتمعان، وشعرت أن نادى المؤمن والكافر لا يتراءيان، وقلت: الخبيث والطيّب لا يستويان «2» ، وتمثلت:
أيها «3» المنكح الثريّا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان
وذكرت أنّى علق لا يباع ممن زاد، وطائر لا يصيده من أراد، وغرض لا يصيبه إلا من أجاد؛ ما أحسبك إلا كنت قد تهيّأت للتهنئة، وترشّحت للترفئة؛ أولى لك، لولا أنّ جرح العجماء «4» جبار، للقيت ما لقى من الكواعب يسار «5» ؛ فما همّ إلا بدون
(7/284)

ما هممت به، ولا تعرّض «1» إلا لأيسر ما تعرّضت له؛ أين ادّعاؤك رواية الأشعار، وتعاطيك حفظ السّير والأخبار؟
بنو دارم أكفاؤهم آل مسمع ... وتنكح فى أكفائها الحبطات «2»
وهلّا عشّيت «3» ولم تغترّ، وما أمّنك «4» أن تكون وافد البراجم، أو ترجع بصحيفة المتلمّس «5» ، وأفعل بك ما فعله عقيل بن علفة «6» بالجهنىّ إذ جاءه خاطبا فدهن اسنته بزيت وأدناه من قرية «7» النمل؟ ومتى كتر تلاقينا، واتصل ترائينا؛ فيدعونى اليك
(7/285)

ما دعا ابنة «1» الخسّ الى عبدها من طول السواد، وقرب الوساد؟ وهل فقدت الأراقم «2» فأنكح فى جنب «3» ، أو عضلنى «4» همّام بن مرّة فأقول: «زوج من عود، خير من قعود» ؟ ولعمرى لو بلغت هذا المبلغ لارتفعت عن»
هذه الحطّة، وما رضيت بهذه الخطّة؛ ف «النار ولا العار» و «المنيّة ولا الدّنيّة» والحرّة تجوع ولا تأكل بثدييها:
فكيف وفى أبناء قومى منكح ... وفتيان هزّان «6» الطوال الغرانقة
ما كنت لأتخطّى المسك الى الرّماد، ولا لأمتطى الثّور دون الجواد؛ فإنما يتيمّم من لا يجد ماء، ويرعى الهشيم من عدم الجميم «7» ، ويركب الصّعب من لا ذلول
(7/286)

له؛ ولعلك «1» إنما غرّك من علمت صبوتى اليه، وشهدت مساعفتى له، من أقمار العصر، ورياحين المصر؛ الذين هم الكواكب علوّ همم، والرياض طيب شيم
من تلق منهم تقل: لاقيت سيّدهم ... مثل النجوم التى يسرى بها السارى «2»
فيحنّ «3» قدح ليس منها؛ ما أنت وهم؟ وأين تقع منهم؟ وهل أنت إلّا واو عمرو فيهم، وكالوشيظة «4» فى العظم بينهم؟ وان كنت إنما بلغت قعر تابوتك «5» ، وتجافيت لقميصك عن بعض قوتك؛ وعطّرت أردانك، وجررت هميانك؛ واختلت فى مشيتك، وحذفت فضول لحيتك؛ وأصلحت شاربك، ومططت حاجبك؛ ودققت خطّ عذارك، واستأنفت عقد إزارك؛ رجاء الا كتتاب «6» فيهم، وطمعا فى الاعتداد منهم؛ فظننت عجزا، وأخطأت استك الحفرة؛ والله لو كساك محرّق «7»
(7/287)

البردين، وحلّتك مارية «1» بالقرطين؛ وقلّدك عمرو «2» بالصّمصامة، وحملك الحارث «3» على النّعامة؛ ما شككت فيك، ولا تكلمت بملء فيك؛ ولا سترت أباك، ولا كنت إلا ذاك؛ وهبك ساميتهم فى ذروة المجد والحسب، وجاريتهم فى غاية الظرف والأدب؛ ألست تأوى الى بيت قعيدته لكاع؟ اذ كلّهم عزب خالى الذراع؛ وأين من أنفرد به، ممن لا أغلب إلا على الأقلّ الأخسّ منه؟ وكم بين من يعتمدنى بالقوّة الظاهرة، والشهوة الوافرة؛ والنفس المصروفة الىّ، واللذة الموقوفة علىّ؛ وبين آخر قد نزحت بيره، ونضب غديره؛ وذهب نشاطه، ولم يبق إلا ضراطه؛ وهل كان يجمع لى فيك إلا الحشف «4» وسوء الكيلة. ويقترن علىّ بك إلا الغدّة والموت فى بيت سلوليّة «5» ؟
تعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذلّ الحرص أعناق الرجال
(وهذا الشعر لأبى العتاهية يخاطب به سلم بن عمرو، ويلومه على حصرصه، ويتلوه) :
هب الدنيا تصير اليك عفوا ... أليس مصير ذاك الى زوال
ما كان أحقّك بأن تقدر بذرعك، وتربع على ظلعك؛ ولا تكون براقش «6» الدالّة
(7/288)

على أهلها «1» ، وعنز السوء المستثيرة لحتفها؛ فما أراك إلا قد سقط العشاء بك على السّرحان «2» ، وبك لا بظبى أعفر «3» ، قد أعذرت إن أغنيت شيّا، وأسمعت لو ناديت حيّا؛ وقرعت عصا العتاب، وحذّرت سوء العقاب. «إنّ العصا قرعت لذى الحلم» «والشىء «4» تحقره وقد ينمى» . فإن بادرت بالندامة، ورجعت على نفسك بالملامة؛ [كنت «5» ] قد اشتريت العافية لك بالعافية منك؛ وإن قلت: «جعجعة ولا طحنا» و «ربّ صلف تحت الراعدة «6» » وأنشدت:
لا يؤيسنّك من مخبّأة ... قول تغلّظه وإن جرحا
فعدت لما نهيت عنه، وراجعت ما استعفيت منه؛ بعثت من يزعجك إلى الخضراء «7» دفعا، ويستحثّك نحوها وكزا وصفعا؛ فاذا صرت «8» بها عبث أكّاروها «9»
(7/289)

بك، وتسلّط نواطيرها «1» عليك؛ فمن قرعة معوجّة تقوّم فى قفاك، وفجلة منتنة يرمى بها تحت خصاك؛ لكى تذوق وبال أمرك، وترى ميزان قدرك.
فمن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى «2» .
وقال أيضا فى رقعة خاطب بها ابن جهور- وهى من رسائله المشهورة- أوّلها:
يا مولاى وسيّدى الذى ودادى له، واعتدادى به، واعتمادى عليه- أبقاك الله ماضى حدّ العزم، وارى زند الأمل، ثابت عهد النعمة- إن سلبتنى أعزّك الله لباس إنعامك، وعطّلتنى من حلى إيناسك، وغضضت عنى طرف حمايتك؛ بعد أن نظر الأعمى الى تأميلى لك، وسمع الأصمّ ثنائى «3» عليك، وأحسّ الجماد باستنادى اليك؛ فلا غرو قد يغصّ بالماء شاربه، ويقتل الدواء المستشفى به، ويؤتى الحذر من مأمنه، وتكون منيّة المتمنّى فى أمنيّته «والحين «4» قد يسبق جهد الحريص» وإنّى لأتجلّد، وأرى الشامتين أنّى لا أتضعضع «5» ، وأقول:
(7/290)

هل أنا إلّا يد أدماها سوارها، وجبين عضّه «1» إكليله، ومشرفىّ «2» الصقه بالأرض صاقله، وسمهرى «3» عرضه على النار مثقّفه، وعبد ذهب «4» سيّده مذهب الذى يقول:
فقسا ليزدجروا «5» ومن يك حازما ... فليقس أحيانا على من يرحم
والعتب «6» محمود عواقبه، والنّبوة «7» غمرة ثم تنجلى، والنكبة «سحابة صيف عن قريب تقشّع «8» » وسيّدى إن أبطأ معذور «9» .
فإن يكن الفعل الذى ساء واحدا ... فأفعاله اللاتى سررن ألوف «10»
فليت شعرى ما الذنب الذى أذنبت ولم يسعه العفو؟ ولا أخلو من أن أكون بريئا فأين العدل؟ أو مسيئا فأين الفضل؟ وما أرانى إلا لو أمرت بالسجود لآدم فأبيت واستكبرت، وقال لى نوح: «اركب معنا» فقلت: «سآوى إلى جبل يعصمنى
(7/291)

من الماء» وتعاطيت فعقرت «1» ، وأمرت ببناء صرح لعلّى أطّلع إلى إله موسى «2» ، وعكفت على العجل «3» ، واعتديت فى السّبت «4» ، وشربت من النهر الذى ابتلى به جنود طالوت «5» ، وقدت الفيل لأبرهة «6» ، وعاهدت قريشا على ما فى الصحيفة «7» ، وتأوّلت فى بيعة العقبة «8» ،
(7/292)

ونفرت الى العير ببدر «1» ، وانخذلت «2» بثلث الناس يوم أحد، وتخلّفت عن صلاة العصر فى بنى قريظة «3» ، وجئت بالإفك على عائشة «4» ، وأبيت «5» من إمارة أسامة،
(7/293)

وزعمت أن خلافة أبى بكر كانت فلتة «1» ... وروّيت رمحى من كتيبة خالد «2»
ومزّقت الأديم الذى باركت يد الله فيه «3» ، وضحّيت بالأشمط الذى عنوان السجود به «4» ، وكتبت الى عمر بن سعد [أن] جعجع «5» بالحسين، وبذلت لقطام.
(7/294)

ثلاثة آلاف وعبدا وقينة ... وضرب علىّ بالحسام المخذّم «1»
وتمثّلت عند ما بلغنى من وقعة الحرّة «2» :
ليت أشياخى ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل «3»
قد قتلنا القرن «4» من أشياخهم ... وعدلناه ببدر فاعتدل «5»
ورجمت الكعبة «6» ، وصلبت العائذ بها على الثنيّة؛ لكان فيما جرى علىّ ما يحتمل أن يسمّى نكالا، ويدعى ولو على المجز عقابا.
وحسبك من حادث بامرئ ... يرى حاسديه له راحمينا
(7/295)

فكيف ولا ذنب إلا نميمة أهداها كاشح، ونبأ جاء به فاسق؛ والله ما غششتك بعد النصيحة، ولا انحرفت عنك بعد الصاغية «1» ، ولا نصبت «2» لك بعد التشيّع فيك، ففيم عبث الجفاء بأذمّتى، وعاث فى مودّتى «3» ؟ وأنّى غلبنى المغلّب، وفخر علىّ الضعيف «4» ، ولطمتنى غير ذات سوار «5» ؟ وما لك لم تمنع منى قبل أن أفترس، وتدركنى ولمّا أمزّق «6» ، [أم كيف لا تتضرّم «7» جوانح الأكفاء حسدا لى على الخصوص بك، وتتقطّع أنفاس
(7/296)

النّظراء منافسة فى الكرامة عليك] وقد زاننى اسم خدمتك، [وزهانى وسم نعمتك «1» ] وأبليت [البلاء «2» ] الجميل فى «3» سماطك، وقمت المقام المحمود على بساطك.
ألست الموالى فيك نظم قصائد ... هى الأنجم اقتادت مع الليل أنجما «4»
وهل لبس الصباح إلا بردا طرّزته بمحامدك، وتقلّدت الجوزاء إلا عقدا فصّلته بمآثرك، وبثّ المسك إلا حديثا أذعته «5» بمفاخرك؛ «ما يوم حليمة «6» بسرّ» وحاش لله أن أعدّ من العاملة الناصبة، وأكون كالذّبالة المنصوبة تضىء للناس وهى تحترق.
وفى فصل منه: ولعمرى ما جهلت [أن] «7» الرأى فى أن أتحوّل إذا بلغتنى الشمس، ونبا بى المنزل، وأضرب عن المطامع التى تقطع أعناق الرجال، ولا أستوطئ العجز فيضرب بى المثل: «خامرى «8» أمّ عامر» وإنى مع المعرفة بأن الجلاء
(7/297)

سباء، «1» والنّقلة مثلة، لعارف أن الأدب الوطن الذى لا يخشى «2» فراقه، والخليط الذى لا يتوقّع زواله «3» ؛ والنّسب «4» الذى لا يخفى، [والجمال [الذى] لا يخفى؛ ثم ما قران السّعد للكواكب أبهى أثرا، ولا أسنى خطرا، من اقتران غنى النفس به، وانتظامها نسقا معه؛ فإنّ الحائز لهما، الضارب بسهم فيهما- وقليل ما هم «5» -] أينما توجّه ورد منهل برّ، وحطّ «6» فى جناب قبول، وضوحك قبل إنزال رحله «7» ، وأعطى حكم الصبىّ على أهله
وقيل له: أهلا وسهلا ومرحبا ... فهذا مبيت صالح وصديق
غير أنّ الموطن محبوب، والمنشأ مألوف؛ واللبيب يحنّ إلى وطنه، [حنين النجيب «8» إلى عطنه] ؛ والكريم لا يجفو أرضا فيها قوابله، ولا ينسى بلدا فيه مراضعه؛ وأنشد قول الأوّل:
أحبّ بلاد الله ما بين منعج «9» ... إلىّ وسلمى «10» أن يصوب سحابها
(7/298)

بلاد بها «1» عقّ الشّباب تمائمى ... وأوّل أرض مسّ جلدى ترابها
هذا إلى مغالاتى فى تعلّق «2» جوارك، ومنافستى فى الحظّ من قربك، واعتقادى أنّ الطمع فى غيرك طبع «3» ، والغنى من سواك عناء، والبدل منك أعور «4» ، والعوض لفاء «5» .
وإذا نظرت إلى أميرى زادنى ... ضنّا به نظرى إلى الأمراء «6»
«كلّ الصّيد فى جوف الفرا» و «فى كلّ شجر نار، واستمجد المرخ «7» والغفار» ؛ فما هذه البراءة ممن تولّاك، والميل عمّن يميل إليك؟ وهلّا كان هواك فيمن هواه فيك، ورضاك لمن رضاه لك؟
(7/299)

يا من «1» يعزّ علينا أن نفارقهم ... وجداننا كلّ شىء بعدكم عدم
أعيذك ونفسى من أن «2» أشيم خلّبا، واستمطر جهاما «3» ، وأكدم غير مكدم، وأشكو شكوى الجريح إلى العقبان والرّخم؛ وإنما أبسست «4» لك لتدرّ، وحرّكت لك الحوار «5» لتحنّ؛ وسريت لك «6» ليحمد المسرى «7» إليك؛ بعد اليقين من أنك إن شئت عقد أمرى تيسّر، ومتى أعذرت فى فكّ أسرى «8» لم يتعذّر؛ وعلمك يحيط بأنّ المعروف ثمرة النعمة، والشفاعة زكاة المروءة، وفضل الجاه تعود به صدقة.
واذا امرؤ «9» أسدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنّها من ماله
لعلّى ألقى العصا بذراك «10» ، وتستقرّ بى النوى فى ظلّك، فتستلذّ جنى شكرى من غرس عارفتك، وتستطيب عرف ثنائى من روض صنيعتك؛ وأستأنف التأدّب
(7/300)

بأدبك «1» ، والاحتمال على مذهبك؛ فلا أوجد للحاسد مجال لحظة، ولا أدع للقادح مساغ لفظة؛ والله ميسّرك «2» من إطلابى هذه الطّلبة «3» ، وإشكائى «4» من هذه الشكوى لصنيعة تصيب بها طريق المصنع، ويد تستودعها أحفظ مستودع؛ حسبما أنت خليق له، وأنا منك حرىّ به؛ فذلك بيده، وهيّن «5» عليه. وشفعها بأبيات فقال:
الهوى فى طلوع تلك النجوم ... والمعنى فى هبوب ذاك النسيم
سرّنا عيشنا الرقيق الحواشى ... لو يدوم السرور للمستديم
وطر ما انقضى إلى أن تقضّى ... زمن ما ذمامه بالذّميم
زار مستخفيا وهيهات أن يخ ... تفى البدر فى الظلام البهيم
فوشى الحلى إذ مشى وهفا الطّي ... ب إلى حيث كاشح بالنّميم
أيها المؤذنى بظلم الليالى ... ليس يومى بواحد «6» من ظلوم
(7/301)

ما ترى البدر إن تأمّلت والشم ... س هما «1» يكفان دون النجوم
وهو الدهر ليس ينفك ينحو ... بالمصاب العظيم نحو العظيم
بوّأ الله جهورا أشرف السّؤد ... د فى السّرّ «2» واللّباب الصميم
واحد سلّم الجميع له الفض ... ل وكان الخصوص وفق العموم
قلّد الغمر ذا التجارب «3» فيه ... واكتفى جاهل بعلم عليم
ومنها فى ذكر اعتقاله:
سقم لا أعاد منه وفى الع ... ائد أنس يفى ببرء السقيم
نار بغى سرت إلى جنّة الأر ... ض بياتا فأصبحت كالصريم
بأبى أنت إن «4» تشأتك بردا ... وسلاما كنار إبراهيم
للشفيع الثناء «5» ، والحمد فى صو ... ب الحيا للرياح لا للغيوم
ثم قال: هاكها أعزّك الله يبسطها الأمل، ويقبضها الخجل؛ لها ذنب التقصير، وحرمة الإخلاص، فهب ذنبا لحرمة، واشفع نعمة بنعمة؛ لتأتى الإحسان من جهاته، وتسلك الفضل من طرقاته؛ إن شاء الله تعالى.
(7/302)

ومن كلام أبى عبد الله محمد بن أبى الخصال من جواب لابن بسّام
- وكان قد كتب إليه يسأله إنفاذ بعض رسائله ليضمّنها كتابه الذى ترجمه بالذخيرة، فكتب:
وصل من السيّد المسترقّ، والمالك المستحقّ- وصل الله أنعمه لديه، كما قصر الفضل عليه- كتابه البليغ، واستدراجه المريغ «1» ؛ فلولا أن يصلد «2» زند اقتداحه، ويردّ طرف افتتاحه؛ وتقبض يد انبساطه، وتغبن صفقة اغتباطه؛ للزمت معه قدرى، وظنّ بسرّه صدرى؛ لكنه بنفثة سحره يستنزل العصم فتجنب «3» ، ويقتاد الصّعب فيصحب، ويستدرّ الصخور فتحلب؛ ولما جاءنى كتاب ابتداه، وقرع سمعى نداه؛ فزعت «4» إلى الفكر، وخفق القلب بين الأمن والحذر؛ فطاردت من الفقر أو ابد قفر، وشوارد عفر، تغبر «5» فى وجه سائقها، ولا يتوجّه اللّحاق إلى وجيهها ولاحقها «6» ؛ فعلمت أنها الإهابة والمهابة، والإجابة والاسترابة؛ حتى أيأستنى الخواطر،
(7/303)

وأخلفتنى المواطر، إلا زبرجا «1» يعقب جوادا، وبهرجا لا يحتمل انتقادا؛ [وأنى لمثلى والقريحة مرجاة «2» ] والبضاعة مزجاة؛ ببراعة الخطاب، ويراعة الكتاب، ولولا دروس معالم البيان، واستيلاء العفاء على هذا اللسان؛ ما فاز لمثلى فيه قدح، ولا تحصّل لى فى سوقه ربح؛ ولكنه جوّ خال، ومضمار جهّال؛ وأنا أعزك الله أربأ بقدر الذخيرة، عن هذه النّتف الأخيرة؛ وأرى أنها قد بلغت مداها، واستوفت حلالها؛ وإنما أخشى القدح فى اختيارك، والإخلال «3» بمختارك؛ وعذرا اليك- أيدك الله- فإنى خطّطت والنوم مغازل، والقرّ نازل؛ والريح تلعب بالسراج، وتصول عليه صولة الحجّاج.
ثم أخذ فى وصف السراج كما ذكرناه فى الباب الرابع من القسم الثانى من الفن الأوّل فى السّفر الأوّل من هذا الكتاب.
ومن كلام الوزير الفقيه أبى القاسم محمد بن عبد الله بن الجدّ «4» ،
من رسالة خاطب بها ذا الوزارتين أبا بكر المعروف بابن القصيرة- وقد قربت بينهما المسافة ولم يتفق اجتماعهما-:
لم أزل- أعزك الله- استنزل قربك براحة الوهم، عن ساحة النجم؛ وأنصب لك شرك المنى، فى خلس الكرى «5» ، وأعلّل فيه نفس الأمل، بضرب سابق المثل:
(7/304)

ما أقدر الله أن يدنى على شحط ... من داره الحزن ممن داره صول «1»
فما ظنّك به وقد نزل على مسافة يوم [وطالما نفر عن حبالة نوم «2» ] ، ودنا حتى همّ بالسلام، وقد كان من خدع الأحلام، وناهيك «3» من ظمئى وقد حمت حول المورد الخصر، وذممت الرّشاء «4» بالقصر، ووقف بى ناهض القدر، وقفة العير بين الورد والصّدر؛ فهلّا وصل ذلك الأمل بباع، وسمح الزمن باجتماع؛ وطويت بيننا رقعة الأميال، كما زويت مراحل «5» أيّام وليال؛ وما كان على الأيّام لو غفلت قليلا، حتى أشفى بلقائك غليلا، وأتنسّم من روح مشاهدتك نفسا بليلا؛ ولئن أقعدتنى بعوائقها عن لقاء حرّ، وقضاء برّ؛ وسفر قريب، وظفر غريب؛ فما تحيّفت «6» ودادى، ولا ارتشفت مدادى؛ ولا غاضت كلامى، ولا أحفت أقلامى «7» ؛ وحسبى بلسان النّبل «8» رسولا، وكفى بوصوله أملا وسولا؛ ففى الكتاب بلغة الوطر، ويستدلّ على العين بالأثر؛ على أنى إنما وحيت «9» وحى المشير باليسير، وأحلت فهمك على المسطور فى الضمير؛ وإن فرغت للمراجعة ولو بحرف، أو لمحة طرف؛ وصلت صديقا، وبللت ريقا؛ وأسديت يدا، وشفيت صدى؛ لا زالت أياديك بيضا، وجاهك عريضا؛ ولياليك أسحارا، ومساعيك أنوارا.
(7/305)

ومن كلام أبى عبد الله محمد بن الخيّاط
من رقعة طويلة الى الحاجب المظفّر، أوّلها:
حجب الله عن الحاجب المظفّر أعين النائبات، وقبض دونه أيدى الحادثات.
وجاء منها: ورد له كتاب كريم جعلته عوض يده البيضاء فقبلته، ولمحته بدل غرّته الغرّاء فأجللته؛ كتاب ألقى عليه الحبر «1» حبره، وأهدى اليه السحر فقره؛ أنذر «2» ببلوغ المنى، وبشّر بحصول الغنى؛ تخيّر له البيان فطبّق مفصله، ورماه البنان «3» فصادف مقتله؛ ووصل معه المملوك والمملوكة اللذان سمّاهما هديّة، وتنزّه كرما أن يقول عطيّة؛ همّة ترجم السّماكين، ونعمة تملأ الأذن والعين؛ وما حرّك- أيده الله- بكتابه ساكنا بحمده، ولا نبّه نائما عن قصده؛ كيف وقد طلعت الشمس التى صار بها المغرب شرقا، وهبّت الريح التى صار بها الحرمان رزقا؛ صاحب لواء الحمد، وفارس ميدان المجد.
وهى رقعة طويلة قد ذكرنا منها فى المديح فصلا لا فائدة فى إعادته.
ومن كلام أبى حفص عمر بن برد الأصغر الأندلسى،
فمن ذلك أمان كتبه لمن عصى وعاود الطاعة:
أما بعد، فإن الغلبة لنا والظهور عليك جلباك «4» إلينا على قدمك، دون عهد ولا عقد يمنعان من إراقة دمك؛ ولكنا بما وهب الله لنا من الإشراف على سرائر «5»
(7/306)

الرّياسة، والحفظ لشرائع السياسة؛ تأمّلنا من ساس جهتك قبلنا فوجدنا يد سياسته خرقاء، وعين حراسته عوراء، وقدم مداراته شلّاء، لأنه غاب عن ترغيبك فلم ترجه، وعن ترهيبك فلم تخشه؛ فأدتك حاجتك إلى طلاب المطامع الدنيّة، وقلّة مهابتك الى التهالك على المعاصى الوبيّة؛ وقد رأينا أن تظهر فضل سيرتنا فيك، وتعتبر بالنظر فى أمرك، فمهّدنا لك الترغيب لتأنس إليه، وظلّلنا لك الترهيب لتفرق منه، فإن سوّت الحالتان طبعك، وداوى الثّقاف والنار عودك، فذلك بفضل الله عليك، وبإظهاره حسن السياسة فيك؛ وأمان الله تعالى مبسوط منّا، ومواثيقه بالوفاء معقودة علينا؛ وأنت الى جهتك مصروف، وبعفونا والعافية منا مكنوف، إلّا أن تطيش الصّنيعة عندك فتخلع الرّبقة، وتمرق من الطاعة، فلسنا بأوّل من بغى عليه، ولست بأوّل من تراءت لنا مقاتله من أشكالك إن بغيت، وانفتحت لنا أبواب استئصاله من أمثالك إن طلبت.
ومن كلامه يعاتب بعض إخوانه:
أظلم لى جوّ صفائك، وتوعّرت علىّ طرق إخائك؛ وأراك جلد الضمير على العتاب، غير ناقع الغلّة من الجفاء؛ فليت شعرى ما الذى أقصى بهجة ذلك الودّ، وأذبل زهرة ذلك العهد؛ عهدى بك وصلتنا تفرق من اسم القطيعة، ومودّتنا تسأل عن صفة العتاب ونسبة الجفاء، واليوم هى آنس بذلك من الرضيع بالثدى، والخليع بالكأس؛ وهذه ثغرة إن لم تحرسها المراجعة، وتذك فيها عيون الاستبصار «1» توجّهت منها الحيل على هدم ما بنينا، ونقض ما اقتنينا؛ وتلك نائحة الصفاء، والصارخة «2» بموت الإخاء؛ لا أستند «3» أعزك الله من الكتاب إليك- وان رغم أنف
(7/307)

القلم، وانزوت أحشاء القرطاس، وأجرّ «1» فم الفكر، فلم يبق فى أحدها إسعاد لى على مكاتبتك، ولا بشاشة عند محاولة مخاطبتك- لقوارص «2» عتابك، وقوارع ملامك [التى أكلت أقلامك «3» ] ، وأغصّت «4» كتبك، وأضجرت رسلك، وضميرى طاو لم يطعم تجنيا عليك، ونفسى وادعة لم تحرّك ذنبا إليك، وعقدى مستحكم «5» لم يمسسه وهن فيك؛ وأنا الآن على طرف الإخاء معك، فإما أن تبهرنى بحجّة فأتنصّل «6» عندك، وإما أن تفى بحقيقة فأستديم خلّتك «7» ، وإما أن تأزم «8» على يأسك فأقطع حبلى منك؛ كثيرا ما يكون عتاب المتصافين حيلة تسبر المودّة بها، وتستثار دفائن «9» الأخوة عنها، كما يعرض الذهب على اللهب، ويصفّى المدام بالفدام «10» ، وقد يخلص الودّ على العتب خلوص الذهب على السبك، فأما إذا أعيد وأبدى وردّد وتوالى فإنه يفسد غرس الإخاء، كما يفسد الزرع توالى الماء.
ومن كلام أبى الوليد بن طريف
من جواب عن المعتمد الى ذى الوزارتين ابن يحفور صاحب شاطبة بسبب أبى بكر بن عمّار:
(7/308)

وقفت «1» على «2» الإشارة الموضوعة من قبلك على إخلاص دلّ «3» على وجوه السلامة، المستنام فيها الى شرف محتدك وصفاء معتقدك أكرم استنامة؛ بالشفاعة فيمن أساء لنفسه حظّ الاختيار، وسبّب لها سبب النكبة والعثار؛ بغمطه لعظيم النعمة؛ وقطعه لعلائق العصمة؛ وتخبّطه فى سنن غيّه واستهدافه، وتجاوزه فى «4» ارتكاب الجرائم وإسرافه؛ حتى لم يدع للصلح موضعا، وخرق ستر الإبقاء بينه وبين مولى النعمة عنده فلم يترك فيه مرقعا؛ وقد كان قبل استشراء رأيه، وكشفه لصفحة المعاندة، وإبدائه غدره فى جميع جناياته مقبولا، وجانب الصفح له معرّضا مبذولا؛ لكن عدته جوانب الغواية، عن طرق الهداية؛ فاستمرّ على ضلاله، وزاغ عن سنن اعتداله؛ وأظهر المناقضة، وتعرّض بزعمه الى المساورة والمعارضة؛ فلم يزل يريغ «5» الغوائل، وينصب الحبائل؛ ويركب فى العناد أصعب المراكب، ويذهب منه فى أوعر المذاهب؛ حتى علقته تلك الأشراك التى نصبها، وتشبّثت به مساوى المقدّمات التى جرّها وسبّبها؛ فذاق وبال فعله، «ولا يحيق المكر السّىّء إلّا بأهله» ولم يحصل فى الأنشوطة التى تورّطها، والمحنة التى اشتملت عليه وتوسّطها؛ إلا ووجه العفو له قد أظلم، وباب الشفاعة فيه قد ابهم «6» ؛ ومن تأمّل أفعاله الذميمة، ومذاهبه اللئيمة؛ رأى أنّ الصفح عنه بعيد، والإبقاء عليه داء حاضر عتيد.
وفى فصل منه: ففوّق لمناضلة الدولة نباله، وأعمل فى مكايدها جهده واحتياله؛ ثم لم يقتصر على ذلك بل تجاوزه الى إطلاق لسانه بالذمّ الذى صدر عن
(7/309)

لؤم نجاره، والطعن الشاهد بخبث طويّته وإضماره؛ ومن فسد هذا الفساد كيف يرجى استصلاحه، ومن استبطن مثل غلّه كيف يؤمّل فلاحه؛ ومن لك بسلامة الأديم «1» النّغل، وصفاء القلب الدّغل؛ وعلى ذلك فلا أعتقد عليك فيما عرضت به من وجه الشفاعة غير الجميل، ولا أتعدّى فيه حسن التأويل؛ ولو وفدت شفاعتك فى غير هذا الأمر الذى سبق فيه السيف العذل، وأبطل عاقل «2» الأقدار فيه الإلطاف والحيل؛ لتلقّيت بالإجلال، وقوبلت ببالغ المبرّة والاهتبال «3» .
ومن كلام ذى الوزارتين أبى «4» المغيرة بن حزم من رسالة.
لم أزل أزجر للقاء سيّدى السانح، وأستمطر الغادى والرائح «5» ؛ وأروم اقتناصه ولو بشرك المنام، وأحاول اختلاسه ولو بأيدى الأوهام؛ وأعاتب الأيّام فيه فلا تعتب، وأقودها اليه فلا تصحب؛ حتى إذا غلب الياس، وشمت الناس؛ وضربت بى الأمثال، فقيل: أكثر الآمال ضلال؛ تنبّه الدهر من رقدته، وحلّ من عقدته؛ وقبل منّى، وأظهر الرضى عنّى؛ وقال: دونك ما طمح «6» فقد سمح «7» ، وإليك فقد دنا ما قد جمح؛ فطرت بجناح الارتياح، وركبت الى الغمام كواهل الرّياح؛ وقلت:
فرصة تغتنم، وركن يستلم؛ وطرقت روضة [العلم «8» ] عميمة الأزهار، فصيحة الأطيار؛
(7/310)

ريّا الجداول، باردة الضحى والأصائل؛ وطفت بكعبة الفضل مصونة الحبر «1» ، ملثومة الحجر؛ عزيزة المقام، معمورة المشعر الحرام؛ فما شئنا من محاضرة، تجمع بين الدنيا والآخرة؛ بين يدى نثر يدنى الإعجاز، ونظم ما أشبه الصدور بالأعجاز؛ وحديث تثقّف العقول بآرائه «2» ، وتروّى بصافى مائه؛ فحين شمخ بالظّفر أنفى، واهتزّ لنيل الأمل عطفى- والدهر يضحك سرّا، ويتأبّط شرّا؛ وقد أذهلنى الجذل عن سوء ظنّى به، وأوهمنى نزوعه «3» عن ذميم مذهبه- أتت ألوانه، وفسا «4» ظربانه؛ ونادى: ليقم من قعد، وينتبه من رقد؛ إنما فترت تلك الفترة، ليكون ما رأيت عليك حسرة؛ وسمحت لك مرّة، لتذوق من الأسف عليها كأسامرّة؛ فرأيت وقد غطّى على بصرى، وعقلت وكنت فى عمياء من خبرى؛ وقلت: هو الذى أعهده من لؤمه، وأعرفه من شؤمه؛ فما وهب، إلا وسلب؛ ولا أعطى، إلا ساعات كإبهام القطا؛ فيا له من قادر ما ألأم قدرته، وذابح ما أحدّ شفرته! ولو تسلّط علينا، من يظهر شخصه إلينا، لأدركته رماحنا، [وعصفت به رياحنا «5» ] ؛ لكنه أمير من وراء سجف، يسعى بلا رجل ويصول بلا كفّ.
ومن كلام الوزير الكاتب أبى محمد بن عبد الغفور الى بعض إخوانه-
وكان قد وصف له امرأة ومدحها وحضّه على زواجها، وكان لذلك الصديق امرأة سوداء- فأجابه ابن عبد الغفور:
(7/311)

بينما كنت ناظرا من المرآة فى شعر أحمّ «1» ، ورأس أجمّ، لا أخاف معه الذم؛ إذ تقدّم رسولك إلىّ، يخطب بنت فلان علىّ؛ ويرغّب منها فى سعة مال، وبراعة جمال؛ ويقسم إنها لبرة بالزوج بريكة، لا تحوجه عند النوم الى أريكة؛ ولو يسّرت- وعياذا بالله- لهذا النكاح، لرزقت قبل الولد منها آلة النّطاح «2» ؛ ولا حاجة لى بعد الدّعة والسكون، [الى حرب زبون، وقراع بالقرون «3» ] ، ولو حملت الىّ تاج كسرى وكنوز قارون؛ فاطلب لهذه السّلعة المباركة مشتريا غيرى، ولا تسقها ولو فى النوم الى ... «4» ؛ وابتعها ولو بأرفع الأثمان إلى نفسك، وأضف عاجها النفيس الى أبنوس «5» عرسك؛ ولا عذر لها فى النّشوز والإعراض، فإنما يحسن السواد الحالك بالبياض؛ والله يمدّك بقرنين قبل الحين، ويضع لك صنعتين «6» وبيلين، فيسقطك بهذا النكاح الثانى للفم كما أسقطت بالأوّل لليدين.
كمل السفر السابع من كتاب «نهاية الأرب فى فنون الأدب» للنويرى رحمه الله تعالى- ويليه الجزء الثامن منه، وأوّله:
ذكر نبذة من كلام القاضى الفاضل
(7/312)