Advertisement

نهاية الأرب في فنون الأدب 008

فهرس الجزء الثامن
من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويري
.... صفحة
ذكر نبذة من كلام القاضى الفاضل محيى الدين أبى على عبد الرحيم البيسانى 1
ذكر شىء من رسائل الإمام الفاضل ضياء الدين أبى العباس أحمد بن أبى عبد الله محمد بن عمر بن يوسف بن عمر بن عبد المنعم الأنصارى القرطبىّ 51
ذكر شىء من إنشاء المولى القاضى الفاضل محيى الدين عبد الله بن عبد الظاهر 101
ذكر شىء من إنشاء المولى الماجد علاء الدين علىّ بن فتح الدين محمد بن محيى الدين عبد الله بن عبد الظاهر 126
ذكر شىء من إنشاء المولى الفاضل تاج الدين عبد الباقى بن عبد المجيد اليمانى 149
ذكر شىء من الأبيات الداخلة فى هذا الباب 163
ومما يتصل بهذا الباب ويلتحق به ويحتاج الكاتب الى معرفته والاطلاع عليه الحجة البالغة والأجوبة الدامغة 166
هفوات الأمجاد وكبوات الجياد 175
ذكر شىء من الحكم 181
ومن الأبيات المناسبة لهذا الفصل 189
ذكر كتابة الديوان وقلم التصرف وما يتصل بذلك 191
ذكر اشتقاق تسمية الديوان ولم سمى ديوانا ومن سمّاه بذلك 195
ذكر ما تفرّع عن كتابة الديوان من أنواع الكتابات 195
(مقدمةج 8/1)

... صفحة
ذكر مباشرة ديوان الجيش وسبب وضع الدواوين وأوّل من وضعها فى الإسلام 196
وأما دواوين الأموال 198
ذكر ما يحتاج اليه كاتب الجيش 200
وأما مباشرة الخزانة 213
وأما مباشر بيت المال 217
وأما مباشر أهراء الغلال 219
ذكر مباشرة البيوت السلطانية:- فيحتاج مباشر الحوائج خاناه الى أمور 221
وأما الشراب خاناه 224
وأما الطشت خاناه 225
وأما الفراش خاناه 226
وأما السلاح خاناه 227
ذكر جهات أموال الهلالىّ ووجوهها وما يحتاج اليه مباشروها 228
ذكر الجزية الواجبة على أهل الذمة وما ورد فيها من الأحكام الشرعية الخ:- أما الأحكام الشرعية 234
وأما ما اصطلح عليه كتّاب التصرّف فى زماننا هذا من استخراجها وموضع إيرادها فى حسباناتهم 241
وأما نسبتها فى الإقطاعات الجيشية 241
وأما ما يلزم مباشر الجوالى وما يحتاج إلى عمله 242
ذكر جهات الخراجىّ وأنواعه وما يحتاج اليه مباشره 245
أما الديار المصرية وأوضاعها وقوانينها وما جرت عليه قواعدها الخ 246
وأما جهات الخراجىّ بالشأم وكيفيتها وما يعتمد عليه مباشروها 255
ومن أبواب الخراجىّ الخ 261
(مقدمةج 8/2)

وأما ما يشترك فيه الهلالىّ والخراجىّ ويختلف باختلاف أحواله:- أما المراعى 262
وأما المصايد 262
وأما الأحكار 264
وأما أقصاب السكّر ومعاصرها:- قاعدتها الكلية التى لا تكاد تختلف فى الديار المصرية 264
ذكر كيفية الاعتصار والطبخ وتقدير المتحصّل 267
وأما أقصاب الشأم 271
ذكر أوضاع الحساب وما يسلكه المباشر ويعتمده فيها:- تعليق اليوميّة 273
ذكر ما ينتج عن التعليق من الحسبانات بعد المخازيم:- فأما الختم 275
وأما التوالى:- توالى الغلال 276
ولهم أيضا توال يسمونها توالى الارتفاع 277
ولهم أيضا توالى الاعتصار 278
وأما الأعمال 278
فأما أعمال الغلال والتقاوى 278
وأما عمل الاعتصار 278
وأما عمل المبيع 280
وأما عمل المبتاع 281
وأما عمل الجوالى 281
وأما عمل الخدم والجنايات والتأديبات 282
وأما السياقات 282
فأما سياقة الأسرى والمعتقلين 283
وأما سياقة الكراع 283
وأما سياقة العلوفات 284
(مقدمةج 8/3)

... صفحة
وأما سياقات الأصناف والزرد خاناه والعدد والآلات والخزائن والبيمارستانات 284
وأما الارتفاع 285
ومن أبواب المضاف ما يضاف بالقلم 287
ومن وجوه المضاف الغريبة الخ 287
وأما الحواصل المعدومة المساقة بالأقلام 290
وان انفصل الكاتب أثناء السنة الخ 292
ومما يلزم الكاتب رفعه المحاسبات-: محاسبة أرباب النقود الجيشية والمكيلات الخ 293
ومنها محاسبات أرباب الأجر والاستعمالات 294
ومما يلزم الكاتب رفعه ضريبة أصول الأموال ومضافاتها الخ 294
ويلزمه رفع المؤامرات 296
ويلزمه رفع ضريبة ما يستأدى من الحقوق 296
ومما يلزمه رفعه فى كل سنة تقدير الارتفاع 297
ويلزمه فى كل ثلاث سنين رفع الكشوف الجيشية 297
وأما المقترحات 297
ذكر أرباب الوظائف وما يلزم كلا منهم مع حضور رفقته ومع غيبتهم وما يسترفعه كل مباشر عند مباشرته وما يلزمه عمله-: اما المشدّ أو المتولّى 298
وأما الناظر على ذلك 299
وأما صاحب الديوان 300
وأما مقابل الاستيفاء 300
وأما المستوفى 301
وأما المشارف 304
وأما الشاهد 304
وأما العامل 304
(مقدمةج 8/4)

بيان
ليس لدينا من نسخ هذا الجزء غير نسخة واحدة مأخوذة بالتصوير الشمسى ومحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 2570 تاريخ، وهى المشار اليها فى بعض حواشى هذا الجزء بحرف (ا) ، وقطعتين من نسختين أخريين أخذتا بالتصوير الشمسى وحفظتا بدار الكتب المصرية: إحداهما تحت رقم 416 (معارف عامة) ؛ وهى المشار اليها فى بعض حواشى الجزء بحرف (ب) وتنتهى فى السطر التاسع من صفحة 69 من هذا الجزء؛ وقد نبّهنا الى موضع انتهائها فى حواشيه؛ والثانية تحت رقم 551 (معارف عامة) ، وهى المشار اليها فى بعض الحواشى بحرف (ج) وتبتدئ من السطر السادس من صفحة 101 وتنتهى فى السطر السادس من صفحة 113 وقد نبهنا على موضع انتهائها فى الحواشى أيضا.
وليس التحريف فى هاتين القطعتين بأقلّ منه فى النسخة الأولى، فإن التحريف فى جميع هذه الأصول يكاد يكون متفقا، كما يتبين ذلك مما كتبناه فى بعض الحواشى إذ نقول: «فى كلا الأصلين» أو «فى كلتا النسختين كذا؛ وهو تحريف» أو «تصحيف» .
وعلى كل حال فقد بذلنا ما نستطيع فى إصلاح المحرّف والمصحّف من كلماته، وتكميل الناقص من جمله؛ وتحقيق أعلامه وضبطها، وضبط الملتبس من ألفاظه، وتفسير غريبه، وإيضاح الغامض من عباراته، وشرح ما أشكل من أبياته ونسبتها الى قائليها، وشرح ما فيه من أسماء البلاد والأمكنة، والتنبيه على ما فى هذا الجزء- ولا سيّما فى كتابة الديوان- من الكلمات العاميّة، والألفاظ الاصطلاحية التى لم ترد فيما لدينا من كتب اللغة، وبيان المراد منها؛ فإن المؤلف قد استعمل بعض
(مقدمةج 8/5)

هذه الكلمات جريا على مصطلح كتّاب الدواوين فى استعمالها؛ كما أننا لم ندع التنبيه أيضا على ما استعمله المؤلف فى هذا الباب (أى كتابة الديوان) من مخالفات لغويّة فى صيغ الجموع وتعدية الأفعال، كأن يعدّى الفعل بنفسه ومقتضى اللغة أن يتعدّى بالحرف، أو العكس، أو أن يعدّيه بحرف واللغة تقتضى تعديته بحرف آخر؛ وغير ذلك مما استعمله المؤلف متّبعا فيه اصطلاح كتّاب الدواوين فى ذلك العهد ولم نجده فى كتب اللغة التى بين أيدينا؛ ولم نغيّر بعض هذه الاستعمالات، بل أبقينا الأصل فيها على حاله لعلمنا أنها ترد كثيرا فى عبارات كتّاب الدواوين، وأوّلنا ما يستطاع تأويله منها.
أمّا الصعوبات التى صادفناها فى تصحيح هذا الجزء فإننا لم نكد نجد صفحة من أصوله التى بين أيدينا خالية من عدّة كلمات وعبارات محرّفة أو مصحّفة غير مستقيمة المعنى ولا واضحة الغرض، يحتاج إصلاحها إلى زمن طويل، وبحث غير قليل، وتحفّظ من الخطإ، وحسن اختيار فى المحو والإثبات، وتفهّم لما يقتضيه السياق من المعانى والأغراض، ومعرفة بأساليب الكتّاب ومصطلحاتهم فى كل عصر، ليكون المحو والإثبات تابعين لما تقتضيه هذه الأساليب وتلك المصطلحات وخبرة بالكتب وأغراضها، ومكان الفائدة منها، لئلا يضيع الزمن فى البحث عنها وتصفّح جملتها.
أمّا طريقتنا فى التصحيح فقد كنّا نقف بالكلمة المحرّفة أو العبارة المغلقة فنحملها على ما يستطاع حملها عليه من المعانى، ونقلّبها على ما تحتمله من الوجوه، ونقرأ مادّة الكلمة فيما لدينا من كتب اللغة، ونرجع إلى ما نعرفه من مظانّها، فاذا لم يستقم المعنى بعد ذلك قلّبنا حروفها بين التحوير والتغيير، والتقديم والتأخير، والحذف والزيادة،
(مقدمةج 8/6)

والإعجام والإهمال، حتى يستقيم المعنى ويظهر الغرض، منبهين فى الحواشى على ما كان فى الأصل من حروف هذا اللفظ ووجه اختيار غيره وإثباته مكانه.
وقد تمّ طبع هذا الجزء فى عهد المدير الحازم، والمربىّ الفاضل، الأستاذ «محمد أسعد براده بك» مدير دار الكتب المصرية.
فلا يسعنا فى هذا المقام إلا أن نشكره الشكر الجزيل على ما بذله ويبذله من العناية الصادقة بهذه الكتب، وما يسديه إلى مصححيها من الإرشادات القوية، والاراء السديدة.
كما لا يفوتنا أن نثنى الثناء الجميل على حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ «السيد محمد الببلاوى» مراقب إحياء الاداب العربيّة على حسن معاونته بما لديه من المعلومات الواسعة عن الكتب وأغراضها، والبحوث ومظانّها. ونسأل الله سبحانه حسن المعونة والتوفيق فى العمل.
مصحّحه أحمد الزين
(مقدمةج 8/7)

أسماء أهمّ الكتب والمصادر التى رجعنا اليها فى تصحيح هذا الجزء
وهى مرتبة على حروف المعجم ومبين فيها ما هو مطبوع فى غير مصر وما هو مخطوط أو مأخوذ بالتصوير الشمسى، ورقمه فى دار الكتب المصرية.
أساس البلاغة، لجار الله أبى القاسم محمود بن عمر الزمخشرى.
الأغانى، لأبى الفرج على بن الحسين الأصفهانى.
إرشاد الأريب الى معرفة الأديب، وهو معجم الأدباء لأبى عبد الله ياقوت الرومى الحموى.
أعيان العصر وأعوان النصر، لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدى المأخوذ منه بالتصوير الشمسى بعض أجزاء محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 1091
تاريخ.
الأمالى، لأبى علىّ القالى.
الإرشاد الشافى على متن الكافى فى العروض والقوافى، وهو الحاشية الكبرى للسيد محمد الدمنهورى.
أقرب الموارد فى فصح العربية والشوارد، لسعيد الخورى الشرتونى اللّبنانى.
إرشاد السارى لشرح صحيح البخارى، لشهاب الدين أحمد بن محمد الخطيب القسطلانى.
إخبار العلماء بأخبار الحكماء، للوزير جمال الدين أبى الحسن على بن يوسف القفطى، طبع أوربا.
(مقدمةج 8/8)

الأحكام السلطانية، لأبى الحسن على بن محمد بن حبيب المعروف بالماوردى طبع أوربا ومصر.
الأوائل، لأبى هلال العسكرى، المحفوظ منه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم 2705 تاريخ.
الأطعمة المعتادة، المأخوذ منه بالتصوير الشمسى نسخة محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 51 علوم معاشية؛ ولم يعلم مؤلّفه.
بدائع الزهور فى وقائع الدهور، المشهور بتاريخ مصر، لمحمد بن أحمد المعروف بابن إياس المصرى.
تاريخ العينى، المسمى بعقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان، للحافظ بدر الدين محمود، المعروف بالعينى المأخوذ منه بالتصوير الشمسى نسخة محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 1584 تاريخ.
تاج العروس، وهو شرح القاموس، لمحب الدين السيد محمد مرتضى الحسينى الواسطى الزبيدى.
تاج اللغة وصحاح العربية، لأبى نصر اسماعيل بن حمّاد الجوهرىّ الفارابى.
التذكرة الصفدية، لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدى، المحفوظ منها بدار الكتب المصرية بعض أجزاء مخطوطة تحت رقم 420 أدب.
تاريخ أبى الفداء، وهو المختصر فى أخبار البشر، للملك المؤيد أبى الفداء، المعروف بصاحب حماة.
تاريخ ابن الأثير، وهو المسمى بالكامل، لعز الدين على بن أبى الكرم المعروف بابن الأثير الجزرىّ، طبع ليدن.
تاريخ الأمم والملوك، لأبى جعفر محمد بن جرير الطبرى، طبع أوربا.
(مقدمةج 8/9)

تمام المتون شرح رسالة ابن زيدون، لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدى، طبع بغداد.
التحفة السنية فى أسماء البلاد المصرية، لشرف الدين يحيى المعروف بابن الجيعان.
الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى.
الجامع لديوان الأدب، فى اللغة، المحفوظ منه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم 25 لغة تأليف أبى ابراهيم اسحاق بن ابراهيم الفارابى.
حاشية الخضرى، على شرح ابن عقيل على الفية ابن مالك.
حاشية الصبّان، على شرح الأشمونى على ألفية ابن مالك.
الحاوى الكبير، فى الفقه، لأبى الحسن على بن محمد بن حبيب البصرى المعروف بالماوردى، المحفوظ منه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم 82 فقه شافعى.
خريدة القصر وجريدة أهل العصر، للوزير أبى عبد الله محمد بن محمد بن أبى الرجاء الكاتب الأصبهانى. وهذا الكتاب مأخوذ منه بالتصوير الشمسى بعض أجزاء محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 4255 أدب.
الخراج، ليحيى بن آدم بن سليمان القرشى.
الخراج، لأبى يوسف يعقوب صاحب الإمام أبى حنيفة.
خطط المقريزى، وهو المسمى بالمواعظ والاعتبار فى ذكر الخطط والآثار.
ديوان الشريف الرضىّ.
ديوان جرير.
ديوان الحماسة، لأبى تمّام حبيب بن أوس الطائى.
(مقدمةج 8/10)

ديوان أبى الطيّب المتنبىّ.
دائرة المعارف، للبستانى.
درّة الغوّاص فى أوهام الخواصّ، تأليف أبى محمد القاسم بن على الحريرى.
الروضتين فى أخبار الدولتين، لشهاب الدين أبى شامة المقدسى.
روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى، للسيد محمود بن عبد الله الألوسى البغدادى.
زهر الآداب وثمر الألباب، لأبى اسحاق ابراهيم بن على المعروف بالحصرى القيروانى.
سقط الزند، لأبى العلاء المعرّى.
سيرة ابن هشام، وهو عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميرىّ.
سرح العيون، شرح رسالة ابن زيدون، لجمال الدين أبى بكر محمد بن محمد المعروف بابن نباتة المصرىّ.
شرح التنوير على سقط الزند، لأبى يعقوب يوسف بن طاهر النحوىّ.
شرح ديوان أبى تمّام حبيب بن أوس الطائى، لأبى زكريا يحيى بن على المعروف بالخطيب التبريزى؛ وهذا الكتاب محفوظة منه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم 50 أدب ش.
شرح حماسة أبى تمّام، لأبى زكريا يحيى بن على المعروف بالخطيب التبريزى.
شرح ديوان أبى الطيّب المتنبىّ، وهو المسمى بالتبيان لأبى البقاء عبد الله بن الحسين المعروف بالعكبرى.
شفاء الغليل فيما فى كلام العرب من الدخيل، لشهاب الدين الخفاجى.
(مقدمةج 8/11)

شرح كافية ابن الحاجب فى النحو، لرضىّ الدين محمد بن الحسن الإسترابادى النحوىّ.
صبح الأعشى فى كتابة الإنشا، لشهاب الدين القلقشندى.
صحيح البخارى.
الطالع السعيد الجامع لأسماء الفضلاء والرواة بأعلى الصعيد، لكمال الدين أبى الفضل الإدفوى.
طبقات الشعراء، تأليف أبى عبد الله محمد بن سلّام الجمحىّ البصرىّ، طبع أوربا.
الطبقات الكبرى، لأبى محمد بن عبد الله بن مسلم المعروف بابن قتيبة الدينورى.
عيون الأخبار، لأبى محمد عبد الله بن مسلم المعروف بابن قتيبة الدينورى.
العقد الفريد، لأحمد بن محمد بن عبد ربه القرطبىّ.
الفاضل من كلام القاضى الفاضل، اختيار جمال الدين أبى بكر المعروف بابن نباتة المصرىّ، وهذا الكتاب مأخوذة منه نسخة بالتصوير الشمسى محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 3882 أدب.
القاموس، لمجد الدين الفيروزابادى.
قوانين الدواوين، للأسعد بن مماتى.
لسان العرب، لأبى الفضل جمال الدين المعروف بابن منظور الإفريقىّ المصرىّ.
لزوم ما لا يلزم، لأبى العلاء المعرّى.
مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار، لشهاب الدين المعروف بابن فضل الله العمرى القرشى؛ وهذا الكتاب مأخوذة منه نسخة بالتصوير الشمسى محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 2568 تاريخ.
مغنى اللبيب، لجمال الدين بن هشام الأنصارى.
(مقدمةج 8/12)

ملخّص تاريخ الخوارج، للشيخ محمد شريف سليم.
المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى، لأبى المحاسن جمال الدين المعروف بابن تغرى بردى وهذا الكتاب محفوظة منه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم 1113 تاريخ.
المصباح المنير، لأحمد بن محمد المقرى الفيومى.
المغرب فى ترتيب المعرب، لأبى الفتح ناصر بن عبد السيد المطرّزى.
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، لأبى القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى.
المستطرف فى كل فن مستطرف، لشهاب الدين أحمد الأبشيهى.
معاهد التنصيص على شواهد التلخيص، لأبى الفتح عبد الرحيم العباسى.
معيد النعم ومبيد النقم، لتاج الدين عبد الوهاب بن تقى الدين السبكى، طبع أوربا.
المعرّب والدخيل، للشيخ مصطفى المدنى، المحفوظ منه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم 64 لغة.
المعرّب من الكلام الأعجمى، لأبى منصور موهوب المشهور بالجواليقى، طبع أوربا.
معجم البلدان، لياقوت، طبع أوربا.
مقدّمة ابن خلدون.
المعجم الفارسى الإنجليزى، تأليف ستاين جاس.
مفاتيح العلوم، لأبى عبد الله محمد بن أحمد الخوارزمىّ، طبع أوربا.
(مقدمةج 8/13)

مناقب الليث بن سعد، للحافظ أبى الفضل شهاب الدين أحمد الشهير بابن حجر العسقلانى.
المخصّص، فى اللغة، لأبى الحسن على بن اسماعيل المعروف بابن سيده.
مفردات الأدوية والأغذية، لضياء الدين أبى محمد عبد الله بن أحمد الأندلسى المعروف بابن البيطار.
نهاية الأرب فى فنون الأدب، للنويرى.
النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة، للأمير أبى المحاسن جمال الدين المعروف بابن تغرى بردى المأخوذ منه نسخة بالتصوير الشمسى محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 1343 تاريخ.
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لشمس الدين المعروف بابن خلّكان.
يتيمة الدهر فى شعراء أهل العصر، لأبى منصور عبد الملك بن محمد الثعالبى النيسابورى.
(مقدمةج 8/14)

الجزء الثامن
[تتمة الفن الثاني في الإنسان وما يتعلق به]
[تتمة القسم الخامس في الملك وما يشترط فيه و ... ]
[تتمة الباب الرابع عشر في الكتابة وما تفرع من أصناف الكتاب]
[تتمة ثم الكتابة بحسب من يحترفون بها على أقسام]
[تتمة ذكر كتابة الإنشاء وما اشتملت عليه]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ذكر نبذة من كلام القاضى الفاضل الأسعد محيى الدين
أبى علىّ عبد الرحيم ابن القاضى الأشرف [أبى المجد «1» علىّ] بن «2» الحسن بن الحسين ابن أحمد بن اللّخمىّ الكاتب المعروف بالبيسانىّ- رحمه الله تعالى- إليه انتهت صناعة الإنشاء ووقفت، وبفضله أقرّت أبناء البيان واعترفت، ومن بحر علمه رويت ذو والفضائل واغترفت؛ وأمام فضله ألقت البلاغة عصاها «3» ، وبين يديه استقرّت «4» بها نواها؛ فهو كاتب الشرق والغرب فى زمانه وعصره، وناشر ألوية الفضل فى مصره وغير مصره؛ ورافع علم البيان لا محاله، والفاصل بغير إطاله؛ وقد أنصف بعض الكتّاب فيه، ونطق من تفضيله بملء فيه؛ حيث قال:
(8/1)

كلّ فاضل بعد الفاضل فضله، وكلّ قد عرف له فضله؛ وستقف إن شاء الله من كلامه على السحر الحلال، فتروى صداك من ألفاظه بالعذب الزّلال؛ فمن ذلك قوله: وافينا «1» قلعة نجم [وهى «2» نجم] فى سحاب، وعقاب فى عقاب «3» ؛ وهامة لها الغمامة عمامه، وأنملة اذا خضبها الأصيل كان الهلال لها «4» قلامه.
ومن رسائله ما كتب به الى النظام أمير حلب: ورد كتاب المجلس السامى- حرس الله به نظام المجد [وأطلق فيه «5» لسان الحمد] ، ودامت مساعيه مصافحة ليد السعد، وأحسن له التدبير فى اليومين: من قبل ومن بعد- فمرحبا بمقدمه، وأهلا بمنجمه؛ والشوق تختلف وفود «6» صروفه، وتتنوّع صنوف ضيوفه؛ فلا بد أن تتبعّض اذا تبعّضت المسافات، وتبرد وتخمد اذا عبّدت «7» ودنت الطّرقات؛ ولو بمقدار ما يدنو اللقاء على الرسول السائر، بالكتاب الصادر، والخيال الزائر، بالحبيب العاذر، والنسيم الخاطر، من رسائل الخواطر؛ وقد وجدت عندى أنسا لا أعهده؛ وعددت نقص البعد أحد اللقاءين، كما كنت أعدّ زيادة البعد أحد النأيين؛ فزاده الله من القلوب
(8/2)

حظوه، ولا أخلاه من بسط يد وقدم فى حظّ وحظوه «1» ؛ ووقفت على هذا الكتاب المشار اليه وما وقفت عنه لسانا شاكرا، ولا صرفت عنه طرفا ناظرا، وبلغت من ذلك جهدى وإن كان قاصرا، واستفرغت له خاطرى وما أعدّه اليوم خاطرا؛ ومما أسرّ به أن يكون فى الخدمة السلطانية- أعلاها الله ورفعها، ووصلها ولا قطعها، وألّف عليها القلوب وجمعها، واستجاب فيها الأدعية وسمعها- من يكثّر قليلى، ويشفى فى تقبيل الأرض غليلى، فإن تقبيل سيدنا كتقبيلى؛ فلو شرب صديق وأنا عطشان لأروانى، ولو استضاء بلمعة فى الشرق وأنا فى الغرب لأرانى؛ كما أنّ الصّديق اذا مسّته نعمة وجب عنها شكرى، واذا وصلت اليه يد منعم وصلتنى وتغلغلت الىّ ولو كنت فى قبرى.
ومنها: وأعود الى جواب الكتاب، الأخبار لا تزال غامضة إلى أن يشرحها، ومقفلة إلى أن يفتحها؛ بخلاف حالى مع الناس، فإن القلوب لا تزال سالمة إلا أن يجرحها، والهموم خفيفة إلا أن يرجّحها؛ والحقّ من جهته ما تحقّق، وما استنطق بشكر من أنطق؛ وفى الخواطر فى هذا الوقت موجود يجعلها [فى «2» ] العدم، ويخرجها من الألم الى اللّم «3» ، ويعادى بين الألسنة والأسماع وبين العيون والقلم؛ وكلّما قلّت الحيلة المشكوك فى نجحها، فتح الله باب الحيلة المطموع فى فتحها؛ وهى من فضل الله سبحانه والاستجارة بالاستخاره، فتلك تجارة رابحة وكلّ تجارة لا تخلو من خساره؛ والله تعالى يجمع كلمة المسلمين على يد سلطاننا، ولا يخلينا منه ومن [بنيه «4» ] حلّى زماننا، وشنوف إيماننا، ويسعدنا من أكابرهم بتيجان رءوسنا، ومن أصاغرهم بخواتم أيماننا؛
(8/3)

ولو تفرّغت العزمة الفلانية لهذا الكلب العدوّ فترجم كلبه، وتكفّ غربه؛ وتذيقه وبال أمره، وتطفئ شرار شرّه، وتعجّل له عاقبة خسره؛ فقد غاظ المسلمين وعضّهم، وفلّ جموعهم وفضّهم؛ وما وجد من يكفى فيه ويكفّه، ويشفى الغليل منه بما يشفّه «1» ؛ ولو جعل السلطان- عزّ نصره- غزو هذا الطاغية مغزاه «2» ، وبلاده مستقرّ عسكره ومثواه، لأخذ الله الكافر بطغواه؛ ولأبقى ذكرا، وأجرى فى الصحيفة أجرا؛ ولأطفأ الحقد الواقد، بالحديد البارد، وغنم المغنم البارد، وسدّد الله ذلك العزم الصادر والسهم الصارد «3» ؛ فلا بدّ أن يجرى سيّدنا هذا الذكر، ولو لما أحتسبه أنا من الأجر؛ وما أورده المجلس عن فلان من صفو شربه، وأمن سربه؛ واستقراره تحت الظلّ الظليل السلطانى- جعله الله ساكنا، وأحلّه منه حرما آمنا- ومن معافاته فى نفسه وولده وجماعته، وأهل ولائه وولايته، فقد شكرت له هذه البشرى، وفرحت بما يسّر الله ذلك المولى له من اليسرى؛ غير أنى أريد أن أسمع أخباره منه لا عنه وبمباشرته لا باستنابته، فلا عرفت مودّته من المودّات الكسالى، ولا أقلامه إلا بلبس السواد- على أنها مسرورة سارّة لا ثكالى؛ واذا قنع صديقه منه بفريضة حجيّة، لا تؤدّى إلا فى ساعة حوليّه، فإن يبخل بها ذلك الكريم فقد انتحل الاسم الآخر- أعاذه الله منه، وصرف عنه لفظه كما صرف معناه عنه؛ وللمودّة عين لا يكحلها اذا رمدت إلا إثمد مداد الصديق، وما فى الصبر وسع لصحبة أيام العقوق بعد صحبة أيام العقيق؛ وقد بلغنى أنّ ولد المذكور نزع «4» وترعرع، ونفع
(8/4)

وأينع؛ وخدم فى المجلس السلطانىّ، فسررت بأن تجمع فى خدمته الأعقاب والذّرارى؛ والله تعالى يحفظ علينا تلك الخدمة جميعا، ولا يعدمنا من يدها سحابا ولا من جنابها ربيعا؛ وقد فتح سيّدنا بابا من الأنس ونهجه، وأوثر ألّا يرتجه؛ بمكاتباته التى يده فيها بيضاء، ويد الأيام عندى خضراء؛ بحيث لا يستوفى على الحساب، فى كل جواب؛ وأنا فى هذه الأحوال أوثر العزلة وأبدأ فيها بلسانى وقلمى، وأتوخّى أن أشبّه حالة وجودى بعدمى؛ فإنى أرى من تحتها أروح ممن فوقها، ومن خرج منها أحظى ممن أقام بها؛ وللمودّات مقرّ ما هو إلا الألسنه، والقلوب قضاة لا تحتاج الى بيّنه.
وكتب [جوابا «1» ] أيضا الى آخر وهو: وقفت على كتاب الحضرة- يسر الله مطالبها وجمّل عواقبها، وصفّى من الأكدار مشاربها، وحاط من غير الأيّام جوانبها، ووسّع فى الخيرات سبلها ومذاهبها؛ ووقاها ووقى ولدها، وأسعدها وأسعد يومها وغدها؛ وجمع الشمل بها قريبا، وأحدث لها فى كلّ حادثة صنعا غريبا- من يد الحضرة الفلانيّة- لا عدمت يدها ومدّها، وأدام الله سعدها- وشكرت الله على [ما «2» ] دلّ عليه هذا الكتاب من سلامة حوزتها «3» ، ودوام نعمتها؛ وسبوغ كفايتها؛ وسألته سبحانه أن يصحّ جسمها، ويميط همّى وهمّها؛ فهما همان لا يتعلّقان إلا بخدمة المخدوم- أجارنا الله فيه من كلّ هم، وأجرى بتخصيصه السعد الأعمّ، واللّطف الأتمّ- وعرفت ما أنعمت بذكره من المتجدّدات بحضرته، ومن الأمور الدالّة على سعادته وقوّته؛ وللأمور أوائل وأواخر، وموارد ومصادر؛ فنسأل الله سبحانه أن يجعل
(8/5)

العواقب لكم، والمصادر إليكم، والنعمة عندكم، والنّصرة خاصّة بسلطانكم، والكفاية مكتنفة بجماعتكم «1» ؛ وقد قاربت الأمور بمشيئة الله أن تسفر وجوهها، والخواطر أن يستروح مشدوها «2» ، «إنّ الله لذو فضل على النّاس» وفى كلّ أقدار الله الخيرة، وفى حكمته أنه جعل الخيرة محجوبة تحت أستار الأقدار؛ وقد علم الله تقسّم فكرى لما هى عليه من المشقّات المحمولة بالقلب والجسد، والأمور الحاضرة فى اليوم والمستقبلة فى غد؛ وهى فى جانب الخير، والخير يعمّ الوكيل لصاحبه، ومن أصلح جانبه مع الله كان الله جديرا بإصلاح جانبه.
ومنه: وعليه السلام الطيّب الذى لو مرّ بالبهيم لأشرق، أو بالهشيم لأورق؛ وكتبها الكريمة إن تأخّرت فمأموله، وان وصلت فمقبوله؛ وان أنبأت بسارّ فمشهوره وان أنبأت بشرّ فمستوره؛ وخادمها فلان يخدم مجلسها خدمة الخادم لمخدومه، ويكرر التسليم على وجهه الكريم المحفوف من كلّ قلب بحبّه، ومن كلّ سلام بتسليمه.
وكتب أيضا: وصل كتاب الحضرة- وصل الله أيّامها بحميد العواقب، وبلوغ المآرب، وصحبت الدهر [على خير «3» ما صحبه صاحب] ، وأنهضنا بواجب طاعته، فإنه بالحقيقة الواجب- وكلّ واجب غيره غير واجب- من يد فلان، فرجوت أن يكون طليعة للاقتراب، ومبشّرا بالإياب، ومخبرا بعودها الذى هو كعود الشباب لو يعود الشباب؛ وأعلمنى من سلامة جسمها، وقلبها من همّها؛ ما شكرت الله عليه، واستدمت العادة الجميلة منه، وسألته أن يوزعها «4» شكر النعمة فيه؛ وعرفت الأحوال جملة من كتابها، وكلّها
(8/6)

تشهد بتوفيق سلطاننا، وبأيّامه التى تعود بمشيئة الله بإصلاح شانه وشاننا؛ والذى مدّه ظلّا، يمدّه فضلا؛ فالفضل الذى فى يديه، فى يخلق الله الذى أحالهم فى الرزق عليه؛ فكيفما دعونا لأنفسنا، وكيفما كانت أسنّة رماحه فهى نجوم حرسنا، فلا عدمت أيامه التى هى أيام أعيادنا، ولا لياليه التى هى ليالى أعراسنا.
ومن أجوبته: ورد على الخادم- أدام الله أيام المجلس وصفّاها من الأكدار، وأبقى بها من تأثيراته أحسن الآثار، وأسمع منه وعنه أطيب الأخبار وجعل التوفيق مقيما حيث أقام، وسائرا أينما سار- كتابه الكريم، الصادر عن القلب السليم، والطبع الكريم، والباطن الذى هو كالظاهر كلاهما المستقيم؛ ولا تزال الأخبار عنّا محجمه، والأحاديث مستعجمه؛ والظنون مترجّحه «1» ، والأقوال مسقمة ومصحّحه؛ الى أن يرد كتابه فيحقّ الحقّ ويبطل الباطل، ويتّضح الحالى ويفتضح العاطل؛ ويعرف الفرق ما بين تحرير قائل، وتحوير ناقل «2» ؛ فتدعو له الألسنة والقلوب وتستغفر بحسناته الأيام من الذنوب؛ والشجاعة شجاعتان: شجاعة فى القلب وشجاعة فى اللسان؛ وكلتاهما لديه مجموع، ومنه وعنه مروىّ ومسموع؛ وذخائر الملوك هم الرجال، وآراء الحزماء هى النصال، ومودّات القلوب هى الأموال، ومجالس آرائهم هى المعركة الأولى التى هى ربما أغنت عن معارك القتال؛ والله تعالى يمدّ المسلمين به حال تجمّعهم على جهاد الكفّار، ويلهمهم أن يبذلوا فى سبيله النفس والسيف والدّرهم والدينار؛ ويزيل ما فى طريق المصالح من الموانع، ويفطم السيوف عن الدّماء الإسلاميّة ويحرّم عليها المراضع؛ ويجعل للمجلس فى ذلك اليد العليا، والطريقة المثلى، ويجمع له بين خيرى الآخرة والأولى؛ والأحوال هاهنا بمصر مع بعد سلطانها
(8/7)

وتمادى غيبته عن مباشرة شانها؛ على ما لم يشهد مثله فى أوقات السكون فكيف فى أوقات القلق، على من يحفظ الله به من فى البلاد من الجموع ومن فى الطّرقات ومن الرّفق؛ والأمير الولد صحيح فى جسمه وعزمه، متصرّف فى مصالحه على عادته ورسمه؛ جعله الله نعم الخلف المسعود، وأمتعه بظلّ المجلس الممدود، فى العمر الممدود؛ وعرف الخادم أن المجلس ناب عنه مرّة بمجلس فلان ويشكر على ما سلف من ذلك المناب، ويستزيد ما يستأنفه من الخطاب؛ والبيت الكريم أنا فى ولائه وخدمته كما قيل:
إنّ قلبى لكم لكالكبد الحرّى ... وقلبى لغيركم كالقلوب
يسرّنى أن يمدّ الله ظلّهم، وأن يجمع شملهم؛ كما يسوءنى أن تختلف آراؤهم ولا تنتظم أهواؤهم؛ وهذا المولى يبلغنى أنه سدّ وساد، وجدّ وجاد، وخلف من سلف من كرام هذا البيت من الآباء والأجداد؛ واشتهرت حسن رعايته لمن جعله الله من الرعايا وديعه، وحسن «1» عنايته بمن جعله الله له من الأجناد شيعه؛ وإذ بلغنى ذلك سررت له ولابنه ولجدّه، وعلمت أنه لم يمت من خلّفه لإحياء مجده؛ ومن استعمله بحسن فقد أراد الله به حسنا، ومن أحسن إلى خلق الله كان الله له محسنا؛ إن الله أكرم الأكرمين، وأعدل العادلين؛ وكتب المجلس السامى ينعم بها متى خفّ أمرها، وتيسّر حملها، وتفرّغ وقته لها؛ والثقة حاصلة بالحاصل من قلبه، وعاذرة وشاكرة فى المبطئ «2» والمسرع من كتبه؛ ورأيه الموفّق إن شاء الله تعالى.
وكتب: ورد كتاب الحضرة السامية- أحسن الله لها المعونه، ويسّر لها العواقب المأمونه، وأنجدها على حرب الفئة الكافرة الملعونه- بخبر خروج الخارج
(8/8)

من قلعة كذا، وما صرّح به من الخوف الذى ملأ الصدور، والاستحثاث فى مسير العسكر المنصور؛ وكلّ ضيقة «1» وردت على القلوب ففزعت فيها إلى ربّها فرجت فرجه وأذكى لها اليقين سرجه؛ ولم تشرك معه غيره مستعانا، ولم تدع معه من خلقه إنسانا؛ فما الضّيقة وإن كانت منذرة إلا مبشّره، والخطة وإن كانت وعرة إلا ميسّره؛ لا جرم أن هذا الكتاب أعقبه وصول خبر نهضة فلان- نصر الله نهضاته، وأدّى عنه مفترضاته- فاستنهض العساكر، وقوتل العدوّ الكافر؛ فنفّس ذلك الخناق، وتماسكت الأرماق؛ وما أحسب أنّ الأمر يتمادى مع القوم، بل أقول: لا كرب على الإسلام بعد اليوم؛ تتوافى بمشيئة الله ولاة الأطراف، ويزول من نفس العدوّ وسمعه ما استشعره بين المسلمين من الخلاف؛ ويجتمعون إن شاء الله على عدوّهم، ويذهب الله بأهل دينه ما كان [من فساد «2» ] أعدائه فى أرضه وعلوّهم؛ وقد شممنا رائحة الهدنة بطلب الرسول، وبخبر هلاك ملك الألمان الذى هو بسيف الله مقتول، والموت سيف الله على الرقاب مسلول.
ومنها: فأما ما أشار إليه من القلاع التى شحنها «3» ، والحصون التى حصّنها؛ والأسلحة التى نقلها إليها، والأفوات التى ملأ بها عيون مقاتلتها وأيديها؛ فإن الله يمنّ عليه بأن يسّره لهذه الطاعه، ورزقه لها الاستطاعه؛ فكم رزق الله عبدا رزقا حرمه منه وفتح عليه بابا من الخير وصرفه عنه؛ لا جرم أنه وفّى قوما أجرهم بغير حساب، ووقف
(8/9)

قوما بموقف مناقشة الحساب، الذى المصرف عنه إلى ما بعده من العذاب؛ الآن والله ملّك الملك العادل ماله الذى أنفقه، وأودعه لخير مستودع من الذى رزقه؛ وشتّان بين الهمم: همّة ملك ذخر ماله فى رءوس القلاع لتحصين الأموال، وهمّة ملك أودع ماله فى أيدى المقاتلة لتحصين القلاع
يبنى الرجال وغيره يبنى القرى ... شتّان بين مزارع ورجال
والحمد لله الذى جعل ماله له مسرّه، يوم يرى الذين يكنزون الذهب والفضّة المال عليهم حسره؛ ما أحسب أحدا من هذه الأمّة إن كان عند «1» الله من أهل الشهادات بين يديه، وإن كان كريم الوفادة لديه؛ إلا تلقّاه شاكرا لهذا السلطان شاهدا بما يولى هذه الأمّة من الإحسان، «وفى ذلك فليتنافس المتنافسون» سيحصد الزارعون ما زرعوا، والله يزيده توفيقا إلى توفيقه، ويلهم كلّ مسلم [القيام «2» ] بمفترض برّه ويعيذه من محذور عقوقه؛ وأنا أعلم أنّ الحضرة تفرد لى شطرا من [زمانها المهم، لكتاب تلقيه «3» الىّ، وخبر سارّ تورده علىّ؛ وأنا أفرد شطرا من] زمانى لشكرها، وأسرّ والله لها بتوفيق الله فى جميع أمرها، فإن الذّاكر لها بالخير كثير، فزاد الله طيب ذكرها؛ ورأيه الموفّق فى أن يجرينى على كنف العادة، و [لا «4» ] يقطع عنى هذه المادّة؛ إن شاء الله تعالى.
وكتب: ورد كتاب المجلس السامى- نصر الله عزائمه، وأمضى فى رءوس الأعداء صوارمه، وشدّ به بنيان الإسلام ودعائمه، واستردّ به حقوق الإسلام من
(8/10)

الكفر ومظالمه، وأخلف نفقاته فى سبيل الله ومغارمه، وجعلها مغانمه- وكان العهد به قد تطاول، والقلب فى المطالبة ما تساهل، ولمحت أشغاله بالطاعة التى هو فيها وما كلّ من تشاغل تشاغل؛ فهنّأه الله بما رزقه، وتقبّل فى سبيل الله ما أنفقه وعافى الجسم الذى أنضاه فى جهاد عدوّه وأخلقه، وقد وفق من أتعب نفسا فى طاعة من خلقها، وجسما فى طاعة من خلقه؛ فهذه الأوقات التى أنتم فيها أعراس الأعمار، وهذه النفقات التى تجرى على أيديكم مهور الحور فى دار القرار؛ قال الله سبحانه فى كتابه الكريم: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
وأما فلان وما يسّره الله له، وهوّنه عليه، من بذل نفسه وماله، وصبره على المشقّات واحتماله، وإقدامه فى موقف الحقائق قبل رجاله؛ فتلك نعمة الله عليه، وتوفيقه الذى ما كلّ من طلبه وصل اليه؛ وسواد العجاج فى تلك المواقف، بياض ما سوّدته الذنوب من الصحائف «يا ليتنى كنت معهم فأفوز فوزا عظيما» فما أسعد تلك الوقفات، وما أعود بالطّمأنينة تلك المرجفات «1» ؛ وقد علم الله سبحانه وتعالى منّى ما علم من غيرى من المسلمين من الدعاء الصالح فى الليل إذا يغشى، ومن الذكر الجميل لكم فى النهار إذا تجلّى؛ والله تعالى يؤيّد بكم إيمانكم، وينصركم وينصر سلطانكم، ويصلحكم ويصلح بكم زمانكم، ويشكر هجرتكم التى لم تؤثروا عليها أهليكم ولا أموالكم ولا أوطانكم؛ ويعيدكم إليها سالمين سالبين، غانمين غالبين؛ إنه على كل شىء قدير.
وكتب: وصل كتاب الحضرة السامية- أيد الله عزمها، وسدّد سهمها وجعل فى الله همّها، ووفّر فى الخيرات قسمها- مبشّرا بالحركة الميمونة السلطانيّة
(8/11)

إلى العدوّ خذله الله، ومسير المسلمين- نصرهم الله- تحت أعلامه أعلاها الله؛ ومباشرة العدوّ واستبشار المسلمين بما أسعدهم الله من الجراءة عليه، ومن إضمار العود اليه؛ وهذه مقدّمة لها ما بعدها، وهى وان كانت نصرة من الله فما نقنع بها وحدها فالهمّة العالية [السلطانيّة] للحرب التى تسلب الأجسام رءوسها، والسيوف حدّها؛ فإن الجنّة غالية الثمن، والخطاب بالجهاد متوجّه الى الملك العادل دون ملوك الأرض وإلا فمن؟ فهذه تشترى بالمشقّات، كما أن الأخرى- أعاذنا الله منها- رخيصة الثمن وتشترى بالشهوات؛ والحضرة السامية نعم القرين ونعم المعين، وفرض ذى اللهجة المبين، أن يستجيش ذا القوة المتين، وكلمة واحدة فى سبيل الله أنمى من ألوف المقاتلة والمئين؛ والله تعالى يوسّع إلى الخيرات طرقها، ويطلق بها منطلقها، ويمتع الإخوان بخلقها الكريم فما منهم إلا من يشكر خلقها؛ ورأيها الموفّق فى إجرائى على العادة المشكورة من كتبها، وإمطارى من خواطرها، لا عدمت صوب سحبها.
ومن كتاب كتبه الى القاضى محيى الدين بن الزكىّ: بعد أن أصدرت هذه الخدمة الى المجلس- لا عدمت عواطفه وعوارفه، ولطائفه ومعارفه؛ وأمتع الله الأمة عموما بفضائله وفواضله، ونفعهم بحاضره كما نفعهم بسلفه الصالح وأوائله، وعادى الله عدوّه ودلّ سهامه على مقاتله-[ورد كتاب «1» منه فى كذا وما بقيت أذكر الإغباب، فإن سيّدنا يقابله] بمثله، ولا العتاب فإن سيدنا يساجله بأفيض من سجله؛ ولا ألقى عليه من قولى قولا ثقيلا، ولا أقابل به من قوله قولا جليّا
(8/12)

جليلا؛ فقد شبّ «1» عمرو عن الطّوق، وشرف البراق عن السّوق؛ وذلك العمرو «2» ما برح محتنكا «3» والطّوق للصّبىّ، وذلك البراق حمى لا يقدّم إلا للنّبىّ؛ ومع هذا فلا تقلّص عنّى هذه الوظيفه، واعتقدها من قرب الصحيفه؛ فإنك تسكّن بها قلبا أنت ساكنه وتسرّبها وجها أنت على النوى معاينه.
وكتب إلى العماد: كانت كتب المجلس- لا غيّر الله ما به من نعمه ولا قطع عنه موادّ فضله وكرمه، ولا عدمت الدنيا خطّ قلمه وخطو قدمه؛ وأعاذنا الله بنعمة وجوده من شقوة عدمه- تأخّرت وشقّ علىّ تأخّرها، وتغيّرت علىّ عوائدها والله يعيذها مما يغيّرها؛ ثم جاءت ببيت ابن حجاج:
غاب ما غاب ووافا ... نى على ما كنت أعهد «4»
وأجبته ببيت الرّضىّ:
ومتى تدن النوى بهم ... يجدوا قلبى كما عهدوا
كتابة لا ينبغى ملكها إلا لخاطره السليمانىّ، وفيض لا يسند إلا عن «5» نوح قلمه
(8/13)

الطّوفانىّ، أوجبت على كل بليغ أن يتلو، «ومنهم أمّيّون لا يعلمون الكتاب إلّا أمانىّ» وبالجملة فالواجب على كلّ عاقل ألّا يتعاطى ما لم يعطه، وأن يدخل باب مجلس سيّدنا ويقول حطّه؛ فأما ما أفاض فيه من سكون الأحوال بتلك البلاغة فقد كدت أسكر لما استخرجته من تلك المحاسن التى لو أن الزمان الأصم يسمع لأسمعته، ولو أن الحظّ الأشم يخضع لأخضعته؛ وبالجملة فإنه لا يشنأ زمن أبقى من سيّدنا نعمة البقيّة التى مهما وجدت فالخير كلّه موجود، والمجد بحفيظته مشهود؛ وكما تيسّرت راحة جسمه، فينبغى أن يقتدى به قلبه فى راحة من همّه؛ وأعراض الدنيا متاع المتاعب، وقد رفع الله قدره، وإلا فهذه الدنيا وهدة إليها مصاب المصائب؛ والحال التى هو الآن عليها عاكف [إلا «1» ] من علم يدرسه، وأدب يقتبسه، وحريم عقائل يذبّ عنه ويحرسه؛ هى خير الأحوال، فالواجب الشكر لواهبها، والمسرّة بالإفضاء إلى عواقبها؛ وما ينقص شىء من المقسوم، وإن زاد عند المجلس فليس من حظّه، ولكن من حظّ السائل والمحروم؛ فلا يسمح المجلس بكتاب من كتبه على يد من الأيدى التى لا تؤدّى، ولا يؤمن أن تكون أناملها حروف التعدّى، وهى إحدى ما تعلّقت به الشهوات من اللذّات، وهو ينعم بها على عادته فى كفّ ضراوة القلب ودفع عاديته؛ موفّقا إن شاء الله تعالى.
وكتب إلى القاضى محى الدين بن الزكىّ أيضا: كان كتابى تقدّم الى المجلس السامى- أدام الله نفاذ أمره، وعلو قدره، وراحة سرّه ونعمة يسره؛ وأجراه على أفضل ما عوّده، وأسعد جدّه وأصعده، وأحضره أمثال العام المقبل وأشهده؛ ولا زال يلبس الأيّام ويخلعها، ويستقبل الأهلّة ويودّعها
(8/14)

وهو محروس فى دنياه ودينه، مستلئم من نوب الدهر بدرع يقينه، كاشف لليل الخطب بنور جبينه، وليوم الجدب بفيض يمينه؛ وأعماله مقبوله، ودعواته على ظهر الغمام محموله؛ والدنيا ترعاه وهى تأتى «1» برغمها، والآخرة تدّخر له وهو يسعى لها سعيها- من أيدى عدّة من المسافرين، ولثقتى بهم ما قدّرت «2» أسماءهم، ولضيق صدرى بتأخير كتب المجلس ما حفظتها.
وجاء منها: وما كأنا إلا أن دعونا الله سبحانه دعوة الأوّلين أن يباعد بين أسفارنا، وأردنا أن يقطع بيننا وبين أخبارنا؛ فأجيبت الدّعوه، ولا أقول لسابق الشّقوه، ولكن للاحق الحظوه؛ فإن مكابدة الأشواق الى الأبرار، تسوق الى الجنّة ولا تسوق إلى النار، وأقسم اننى بالاجتماع به فى تلك الدار، أبهج منى بالاجتماع به لو أتيح فى هذه الدار؛ فعليه وعلىّ من العمل ما يجمع هنا لك سلك الشمل ويصل جديد الحبل؛ فثمّ لا يلقى العصا إلا من ألقى هنا «3» العصيان، وهناك لا تقرّ العين إلا ممن سهرت منه هاهنا العينان؛ فلا وجه لجمع اسمى مع اسمه فى هذه الوصيّة مع علمى بسوء تقصيرى، وخوفى من سوء مصيرى، ولكن ليزيد سيّدنا من وظائفه وعوارفه،- فكلّ فعله تفضّل من فضله- ما يخلّصنى بإخلاصه فإننى أستحق شفاعته لشفعة جوار قلبى لقلبه، وهذا معنى ما بعث على شغل الكتّاب به، مع علمى باستقرار نفسه النفيسة، إلا أنه- أبقاه الله- قد أبعد عهدى من كتبه ما يقع التفاوض فيه، والمراجعة عنه؛ والخواطر فى هذا الوقت منقبضه، والشواغل لها معترضه، وأيام العمر فى غير ما يفرض من الدنيا للآخرة
(8/15)

منقرضه؛ ومتجدّد نوبة بيروت قد غمّت كلّ قلب، وهاجت المسلمين أشواقا الى الملك الناصر، وذكرى بما ينفعه الله به من كلّ ذاكر، وأخذ الناس فى الترحّم على أوّل هذا البيت والدعاء للحاضر والآخر- وليس إن شاء الله بآخر، فما ادّخر المولى لهذه الحرب مجهودا، ولا فلّلت عسكرا مجرورا ولا مالا ممدودا
فإن كان ذنبى أنّ أحسن مطلبى ... إساة ففى سوء القضاء لى العذر
ومنه: وسيّدنا يستوصى «1» بالدار بدمشق فقد خلت، وإنما الناس نفوس الديار؛ وأنا أعلم أن سيّدنا فى هذا الوقت مشدوه الخاطر عن الوصايا، ومشغول اللسان بتنفيذ ما ينفّذه مما هو منتصب له من القضايا؛ فما فى وقته فضلة ولكن فضل، وسيّدنا يحسن فى كلّ قضيّة من بعد كما أحسن من قبل؛ فهو الذى جعل بينى وبين الشام نسبا [وأنشأنى فيه الى أن ادّخرت «2» عقارا ونشبا] فعليه أن يرعى ما أقناه «3» ، وينفى الشّوك عن طريق اليد إلى جناه؛ والجار إلى هذا التاريخ ما اندفع جوره، ولا أدرك غوره؛ يعد لسانه ما تخلف يده، ويدّعى يومه ما يكذّبه فيه غده؛ وأنا على انتظار عواقب الجائرين، وقد عرف الغيظ منّى ألفاظا مجهولة ما كنت أسمح بأن أعرفها، وكشف مستورا من أسباب الحرج ما يسرّنى أن أكشفها لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
وأسوأ خلقا من السيّىء الخلق من أحوجه إلى سوء الخلق؛ وما ذكرت هذا ليذكر، ولا طويت الكتاب عليه لينشر، والسرّ عند سيّدنا ميت وهو يقضى حقّه بأن يقبر.
(8/16)

وكتب: أدام الله أيام المجلس وخصه من لطفه بأوفر نصيب، ومنحه من السعادة كلّ عجيب وغريب، وأراه ما يكون عنه بعيدا مما يؤمّله أقرب من كلّ قريب- الخادم يخدم وينهى وصول كتاب كريم تفجّرت فيه ينابيع البلاغه، وتبرّعت [له «1» ] بالحكم أيدى البراعه؛ وجاد منه بسماء مزينة بزينة الكواكب، وهطل منها لأوليائه كلّ صوب ولأعدائه كلّ شهاب واصب «2» ، وتجلّى فما الغيد الكواعب؛ وما العقود فى التّرائب، وتفرّق منه جيش الهمّ فانظر ما تفعل الكتب فى الكتائب؛ وما ورد إلا والقلب إلى مورده شديد الظما، وما كحل به إلا ناظره الذى عشى عن الهدى وقرب من العمى؛ وما نار إبراهيم بأعظم من نوره، ولا سروره- صلّى الله عليه وسلّم- حين نجا أعظم يوم وصوله من سروره؛ فحيّا الله هذه اليد الكريمة التى تنهلّ بالأنواء وتجزل سوابغ النعماء؛ وتعطى أفضل عطاء يسرّها فى القيامه، وتحوز به أفضل أنواع الكرامه؛ فأما شوقه لعبده فالمولى- أبقاه الله- قد أوتى فصاحة لسان، وسحب ذيل العىّ على سحبان؛ ولو أنّ للخادم لسانا موات «3» ، وقلبا يقال له هى «4» هات؛ لقال
(8/17)

ما عنده، وأذكر عهده وودّه؛ وباح بأشواقه، وذمّ الزمن على اعتياقه؛ وأما تفضّله بكذا فالخادم ما يقوم بشكره، ولا يقدّره حقّ قدره؛ وقد أحال «1» مكافأة المجلس على ملىء «2» قادر، ومسرّة خاطرة عليه يوم تبلى السرائر؛ والله تعالى يصله برزق سنىّ يملأ إناه، ويوضح هداه؛ ولا يخلى المجلس من جميل عوائده، ويمنحه أفضل وأجزل فوائده إن شاء الله تعالى.
ومن مكاتباته يتشوّق الى إخوانه وأودّائه، ومحبّيه وأوليائه- كتب إلى بعضهم:
أأحبابنا هل تسمعون على النوى ... تحيّة عان أو شكيّة عاتب
ولو حملت ريح الشّمال إليكم ... كلاما طلبنا مثله فى الجنائب
أصدر العبد هذه الخدمة وعنده شوق يغور به وينجد، ويستغيث من ناره بماء الدمع فيجيب وينجد؛ ويتعلّل بالنسيم فيغرى ناره بالإحراق، ويرفع النواظر إلى السّلوان فيعيدها الوجد فى قبضة الإطراق؛ أسفا على زمن تصرّم، ولم يبق إلا وجدا تضرّم، وقلبا فى يد البين المشتّ يتظلّم
ليالى نحن فى غفلات عيش ... كأنّ الدّهر عنّا فى وثاق
فلا تنفّس خادمه نفسا إلا وصله بذكره، ولا أجرى كلاما إلا قيّده بشكره، ولا سار فى قفر إلا شبّه برحيب صدره، ولا أطلّ على جبل إلا احتقره بعلىّ قدره، ولا مرّ بروضة إلا خالها تفتّحت أزهارها عن كريم خلقه ونسيم عطره، ولا أوقد المصطلون نارا إلا ظنّهم اقتبسوها من جمره، ولا نزل على نهر إلا كاثر دمعه ببحره
(8/18)

سقى الله تلك الدار عودة أهلها ... فذلك أجدى من سحاب وقطره
لئن جمع الشّمل المشتّت شمله ... فما بعدها ذنب يعدّ لدهره
فكيف ترى أشواقه بعد عامه ... اذا «1» كان هذا شوقه بعد شهره
بعيد قريب منكم بضميره ... يراكم «2» اذا ما لم تروه بفكره
ترحّل عنكم جسمه دون قلبه ... وفارقكم فى جهره دون سرّه
اذا ما خلت منكم مجالس ودّه ... فقد عمرت منكم مجالس شكره
فيا ليل لا تجلب عليهم بظلمة ... وطلعة بدر الدين طلعة بدره
ونسأل الله تعالى أن يمنّ بقربه ورحاب الآمال فسائح، وركاب الهموم طلائح والزمن المناظر «3» بالقرب «4» مسامح؛ هنالك تطلق أعنّة الآمال الحوابس، ويهتزّ مخضرّا من السعود عود يابس
وما أنا من أن يجمع الله شملنا ... بأحسن ما كنا عليه بآيس
وقد كان الواجب تقديم عتبه، على تأخير كتبه؛ ولكنه خاف أن يجنى ذنبا عظيما ويؤلم قلبا كريما
ولست براض من خليل بنائل ... قليل ولا راض له بقليل «5»
(8/19)

وحاشى «1» جلاله من الإخلال بعهود الوفاء، ومن انحلال عقود الصفاء، وما عهدت عزمه القوىّ فى حلبة الشوق إلا من الضعفاء، وحاشية خلقه إلا أرقّ من مدامع غرماء الجفاء
من لم يبت والبين يصدع قلبه ... لم يدر كيف تقلقل الأحشاء
وكتب أيضا فى مثل ذلك: كتب مملوك المولى الأجلّ عن شوق قدح الدمع من الجفون شرارا، وأجرى من سيل الماء نارا، واستطال واستطار فما توارى أوارا، ووجد على تذكّر الأيام التى عذبت «2» قصارا، والليالى التى طابت فكأنما خلقت جميعها أسحارا
وبى غمرة للشوق من بعد غمرة ... أخوض بها ماء الجفون غمارا
وما هى إلا سكرة بعد سكرة ... اذا هى زالت لا تزال خمارا
رحلتم وصبرى والشباب وموطنى ... لقد رحلت أحبابنا تتبارى
ومن لم تصافح عينه نور شمسه ... فليس يرى حتى يراه نهارا
سقى الله أرض الغوطتين «3» مدامعى ... وحسبك سحبا قد بعثت غزارا
وما خدعتنى مصر عن طيب دارها ... ولا عوضتنى بعد جارى جارا
أدار الصّبا لا مثل ربعك مربع ... أرى غيرك الربع الأنيس قفارا
(8/20)

فما اعتضت أهلا بعد أهلك جيرة ... ولا خلت دار الملك بعدك دارا
وما ضرّ اليد الكريمة التى أياديها بيض فى ظلمات الأيّام، وأفعالها لا يقوم بمدحها إلا ألسنة الأسنّة والأقلام؛ لو قامت للمودّة بشرطها، ومحت «1» خطّ الأسى بخطّها؛ وكتبت ولو شطر سطر ففرّغت قلبا من الهمّ مشحونا، وأطلقت صبرا فى يد الكمد مسجونا؛ ونزّهت ناظر المملوك فى رياض منثورة الحلى، وحلّت عهوده بمكارم مأثورة العلا
وما كنت أرضى من علاك بذا الجفا ... ولكنه من غاب غاب نصيبه
ولو غيركم يرمى الفؤاد بسهمه ... لما كان ممن قد أصاب يصيبه
وما لى فيمن فرق الدهر أسوة ... كأن محبّا ما نآه حبيبه
والمملوك مذ حطّت مصر أثقاله، وجهّز الشام رحاله؛ وألقت النوى عصاها وحلّت الأوبة عراها؛ يكتب فلا يجاب، ويستكشف «2» الهمّ بالجواب فلا ينجاب
يا غائبا بلقائه وكتابه ... هل يرتجى من غيبتيك إياب
ومتى يصفّى الله ورد الحياة من التكدير، ويتحقّق بلقائه أحسن التقدير «وهو على جمعهم إذا يشاء قدير» .
وزمان مضى فما عرف الأوّل ... إلا بما جناه الأخير
أين أيّامنا بظلّك والشّم ... ل جميع والعيش غضّ نضير
(8/21)

وحوشى المولى أن يكون عونا على قلبه، وأن يرحل إثره الرّى على «1» سربه، وأن ينسيه بإغباب الكتب ساعات قربه، وأن يحوجه الى إطلاق لسانه بما يصون السمع الكريم عنه من عتبه «2» ؛ الأخ فلان مخصوص بسلام كما تفتّحت عن الورد كمائمه، وكما توضّحت عن القطر غمائمه
اذا سار فى ترب «3» تعرّف تربها ... بريّاه والتفّت عليها لطائمه «4»
وقد تبع الخلق الكريم فى الإغباب والجفوه، وأعدت عزائمه قلبه فاستويا فى الغلظة والقسوه
ان كنت أنت مفارقى ... من أين لى فى الناس أسوه
وهب أن المولى اشتغل- لا زال شغله بمسارّه، وزمنه مقصورا على أوطاره- فما الذى شغله عن خليله، وأغفله عن تدارك غليله؟ هذا وعلائقه قد تقطّعت وعوائقه قد ارتفعت؛ وروضة هواه قد صارت بعد الغضارة هشيما، وعهوده قد عادت بعد الغضاضة رميما
إن عهدا لو تعلمان ذميما ... أن تناما عن مقلتى أو تنيما
وما أولى المولى أن يواصل بكتبه عبده، ويجعل ذكره عقده، ولا ينساه ويألف بعده، ويستبدل غيره بعده.
وكتب أيضا:
أكذا كلّ غائب ... غاب عمّن يحبّه
غاب عنه بشخصه ... وسلا عنه قلبه
(8/22)

ولو أن لى يدا تكتب، او لسانا يسهب؛ أو خاطرا يستهلّ، أو فؤادا يستدلّ؛ لوصفت إليه شوقا إن استمسك بالجفون نثر عقدها، أو نزل بالجوانح أسعر وقدها؛ أو تنفّس مشتاق أعان على نفسه، وظنّه استعاره من قبسه؛ أو ذكر محبّ حبيبا خاله خطر فى خلده، وتفادى من أن يخطر به ذكر جلده
حتى كأنّ حبيبا قبل فرقته ... لا عن أحبّته ينأى ولا بلده
بالله لا ترحموا قلبى وإن بلغت ... به الهموم فهذا ما جنى بيده
ولولا رجاؤه أنّ أوقات الفراق سحابة صيف تقشعها الرياح، وزيارة طيف يخلعها الصباح؛ لاستطار فؤاده كمدا، ولم يجد ليوم مسرّته أمدا؛ ولكنه يتعلّل بميعاد لقياه، ويدافع ما أعلّه بلعلّه أو عساه
غنى فى يد الأحلام لا أستفيده ... ودين على الأيّام لا أتقاضاه
ومن غرائب هذه الفرقه، وعوارض هذه الشّقة؛ أنّ مولاى قد بخل بكتابه وهو الذى يداوى به أخوه غليل اكتئابه، ويستعديه على طارق الهمّ إذا لجّ فى انتيابه
كمثل يعقوب ضلّ يوسفه ... فاعتاض عنه بشم أثوابه
وهب أنّ فلانا عاقه عن الكتب عائق، واختدع ناظره كمن هو فى ناضر عيش رائق؛ فما الذى عرض لمولانا حتى صار جوهر ودّه عرضا، وجعل قلبى لسهام إعراضه غرضا؟
بى منه ما لو بدا للشمس ما طلعت ... من المكاره أو للبرق ما ومضا «1»
وما عهدته- أدام الله سعادته- إلا وقد استراحت عواذله، وعرّى «2» به أفراس
(8/23)

الصّبا ورواحله؛ إلا أن يكون قد عاد إلى تلك اللّجج، ومرض قلبه فما على المريض حرج؛ وأيّا «1» ما كان ففى فؤادى اليه سريرة شوق لا أذيعها ولا أضيعها، ونفسى أسيرة غلّة لا أطيقها بل أطيعها
وانى لمشتاق اليك وعاتب ... عليك ولكن عتبة لا أذيعها
والأخ النّظام- أدام الله انتظام السعد ببقائه، وأعدانى على الوجد بلقائه- مخصوص بالتحية إثر التحيّه، ووالهفى على تلك السجيّة السخيّة؛ وردت منها البابلىّ معتّقا، وظلت من أسر الهموم بلقائها معتقا
خلائق إما ماء مزن بشهدة ... أغادى بها أو ماء كرم مصفّقا «2»
وقد اجتمعت آراء الجماعة على هجرانى، ونسوا كلّ عهد غير عهد نسيانى
وما كنتم تعرفون الجفا ... فبالله ممّن تعلّمتم.
وكتب أيضا: إن أخذ العبد- أطال الله بقاء المجلس وثبت رفعته وبسط بسطته، ومكن قدرته، وكبت حسدته- فى وصف أشواقه إلى الأيام التى كانت قصارا وأعادت الأيام بعدها طوالا، والليالى التى جمعت من أنوار وجهه شموسا ومن رغد العيش فى داره ظلالا
وجدت اصطبارى بعدهنّ سفاهة ... وأبصرت رشدى بعدهنّ ضلالا
وإن أخذ فى ذكر ما ينطق به لسانه من ولاء صريح، ويعتقده جنانه من من ثناء فصيح «3»
(8/24)

تعاطى منالا لا ينال بعزمه ... وكلّ اعتزام عن مداه طليح
ولكنه يعدل عن هذين إلى الدعاء بأن يبقيه الله للإسلام صدرا، وفى سماء الملّة بدرا، وفى ظلمات الحوادث فجرا؛ وأن يجمع الشّمل بمجلسه وعراص الآمال مطلوله «1» وسهام القرب على نحور البعد مدلوله، وعقود النوى بيد اللّقاء محلوله؛ «وما ذلك على الله بعزيز» .
فقد «2» يجمع الله الشّتيتين بعد ما ... يظنّان كلّ الظنّ أن لا تلاقيا
وما رمت به النوى مراميها، ولا سلكت به الغربة مواميها «3» ؛ إلا استنجد شوقه من الجفون هاميا، واستدعى من الزّفرة ما يعيد مسلكه من الجوانح داميا، وصدر عن منهل الماء العذب النمير ظاميا، وتعلّل بالأمانى فى الاجتماع «وآخر «4» ما يبقى الإياس الأمانيا «5» » والسلوة أن الطريق بحمد الله أسفرت «6» عن فضل اجتهاده، وفضيلة جهاده؛ ونصرة الإسلام، وإعلاء الأعلام؛ وخدمة المجلس الفلانى- أعزّ الله نصره، وأسعد بها جدّه، وبلغ بها قصده، وأمضى فى الكفر حدّه؛ وأورى بها للإسلام قدحا، وشرفت حديثا وشرحا، وأجهدت الأعداء إثخانا «7» وجرحا
(8/25)

وأبقى بها فى جبهة الدهر أسطرا ... اذا ما انمحى خطّ الكواكب لا تمحى
اذا جاء نصر الله فالفتح بعده، وقد جاء نصر الله فليرقب الفتحا فأما الخادم فيودّ ألّا يزال لشرف محصّلا، ولتلك اليد الكريمة مقبّلا، وللغرّة المتهلّلة كالصباح مستقبلا
محيّا اذا حيّاك منه بنظرة ... فتحت به بابا من اللطف مقفلا
ويرى أن خير أوقاته ما كان فيه بالحاشية الفلانيّة مكاثرا، وتحت ظلال ألويتها سائرا
فثمّ ترى معنى السعادة ظاهرا ... وثمّ ترى حزب الهداية ظاهرا
والخادم يؤثر من المجلس المواصلة بالمراسم «1» [التى يعدّ أيامها «2» من المواسم] ، ويقابل بها أوجه المسارّ طلقة المباسم؛ ويرتقبها ارتقاب الصّوّام للأهلّه، والرّوّاد لمواقع السحائب المنهلّة.
وكتب عن الملك الناصر صلاح الدين الى تقى الدين بن عبد الملك:
سقى الله أرض الغوطتين وأهلها ... فلى بجنوب الغوطتين جنون
وما ذكرتها النفس إلا استفزّنى ... الى طيب ماء النّير بين «3» حنين
وقد كان شكّى فى الفراق مروّعى ... فكيف أكون اليوم وهو يقين
(8/26)

كم جهد ما تسلّى القلوب، وتسرّى «1» الكروب؛ لا سيّما إذا كان الذى فارقته أعلق بالأكباد من خلبها «2» ، وأقرب الى القلوب من حجبها؛ وهل يستروح إلا أن يفضّ ختام الدمع، ويخترق حجاب السمع، ويستغيث بسماء العيون ذات الرّجع «3» ، لتجود أرض الخواطر ذات الصدع؛ وهنا لك أوفى ما يكون الشوق جندا، وأورى ما يورى الوجد زندا
إلى زفرة أو عبرة مستباحة ... لهذى مراح عنده ولذى مغدى
وقد علم الله أنّى مذ فارقته ما دعانى الذكر إلا لبّيته بجواب من ماء الغليل غير قليل ولا ذكرت خلقه الجميل إلا ورأيت الصبر الجميل غير جميل
وغير كثير فيه وجد كثير ... ولوعة قيس والتياح «4» جميل
أهيم برسم فيك للمجد واضح ... وهاموا برسم للغرام محيل «5»
وقد كتبت اليه حتى كاد يشيب له المداد، لو لم يخلع عليه الناظر حلّة السواد وحبّة الفؤاد، فما ردّ، وجار عن خلقه الكريم فإنه قطّ ما ودّ «6» وصدّ؛ وأوثر منه ألّا يحكم الفراق علىّ فيشتطّ، ولا يمكن اللوعة من مهجتى فتخبط «7»
فجد لى بدرّ من بحارك إننى ... من الدمع فى بحر وليس له شطّ
(8/27)

بكفّ بها للحرب والسلم آية ... فيحيى لديها الخطّ أو يقتل «1» الخطّ
ونسأل الله الرغبة فى اجتماع لا يكدر ورده، ولا ينثر عقده، ولا يعزب عن آفاق الوفاق سعده
وما كان حكمى أن أفارق أرضكم ... ولكنّ حكم الله لسنا نردّه
وكتب عنه أيضا إلى عز الدين فرّوخ شاه «2» :
أحبابنا لو رزقت الصبر بعدكم ... لما رضيت به عن قربكم عوضا
إنى لأعجب أنّى بعد فرقتكم ... ما صحّ جسمى إلا زادنى مرضا
أنبيكم عن يقين أنّ قلبى لو ... أضحى مكان جناحى طائر نهضا
هذا ولو أنه بالعهد فيك وفى ... لكان حين قضى الله الفراق قضى
كتبت- أطال الله بقاء المولى الولد- عن قريحة قريحه «3» ، وإنسان مقلة جريح فى جريحه، ولوعة صريحه، وذكرة اذا ذكر الصبر كانت طريحه
وليل بطىء طلوع الصبا ... ح شوقا الى القسمات «4» الصّبيحه
أبحت فؤادى وأنت المباح «5» ... وما كان من حقّه أن تبيحه
وما أصحبت «6» فى قتال العذول ... أعنّة قلب عليهم جموحه
(8/28)

معنّى بريح شمال الشآم ... لقد عذّب الله بالريح روحه
فلا روّح الله من قربكم ... فؤادى بخطرة يأس مريحه
ولولا التعلّل بأبنية المنى الخادعه، والنزول بأفنية الاسا «1» الواسعه؛ لتصدّعت أكباد وتفطّرت، وتجدّلت «2» أفراس دموع وتقطّرت «3»
يا صاحبى إنّ الدموع تنفّست ... فدع الدموع تبيح ما قد أضمرت
قد كنت أكتم عن وشاتى سرّها ... ولقد جرى طرف الحديث كما جرت
لله ليلات قرنّ نجومها ... بل بدرها بوجوه عيش أقمرت
أغلت على السّلوان شوقكم فما ... باعت كما أمر الغرام من اشترت
ومذ فارقت تلك الغرّة البدريّه، والطلعة العزيزة العزّيّه؛ ما ظفرت بشخصه نوما ولا بكتابه يوما
فوا عجبا حتى ولا الطيف طارقا! ... وأعجب له «4» فى الحرب نثر كتائب
بكفّ أبت «5» فى السّلم نظم كتاب ... يحاسبنى فى لفظة بعد لفظة
ومعروفه يأتى بغير حساب
ولو رضيت- وكلّا- بأن أحمل من هذا الجفاء كلّا؛ لما رضى به لخلقه الرّضى، ولأخذ بقول الرّضىّ:
(8/29)

هبونى «1» أرضى فى الإياس بهجركم ... أترضى لمن يرجوك ما دون وصله
والرغبة مصروفة العنان إلى الله أن يبيح من اللقاء منيعا، وينتج من اللّطف صنيعا
لو تأخذون بساعة ... من وصلكم عمرى جميعا
لرغبت فى أن تشترى ... ان كنت ترضى أن تبيعا
ومفارقين مع الصّبا ... عزما «2» فهل أرجو الطلوعا «3»
أقسمت لو رجعوا لأع ... قبنى الصّبا معهم رجوعا
هبكم منعتم [قربكم «4» ] ... ولبستم بعدا منوعا
أفتمنعون بكم ضلو ... عاقد شفين بكم ولوعا «5»
ما غايتى إلا الدمو ... ع وأستقلّ لك الدموعا
وكتب [أيضا رحمه «6» الله تعالى] يتشوق:
فيا رب إن البين أنحت صروفه ... علىّ وما لى من معين فكن معى
على قرب عدّالى وبعد أحبّتى ... وأمواه أجفانى ونيران أضلعى
هذه تحيّة القلب المعذّب، وسريرة الصبر المذبذب، وظلامة عزم السلو المكذّب؛ أصدرتها الى المجلس وقد وقدت فى الحشى نارها، الزّفير أوارها، والدموع شرارها، والشوق أثارها وفى الفؤاد ثارها:
(8/30)

لو زارنى منكم خيال هاجر ... لهدته فى ظلماته أنوارها
أسفا على أيّام الاجتماع التى كانت مواسم لسرور الأسرار، ومباسم لثغور الأوطار؛ وتذكّرا لأوقات عذب مذاقها، وعذّب فراقها «1» ؛ وروّحت بكرها، وزوّعت ذكرها
والله ما نسيت نفسى حلاوتها ... فكيف أذكر أنّى اليوم أذكرها
ومذ فارقت الجناب النّورىّ- لا زال جنى جنابه نضيرا، وسنا سنائه «2» مستطيرا؛ وملكه فى الخافقين خافق الأعلام، وعزّه على الجديدين جديد الأيام؛ لم أقف منه على كتاب يخلف سواد سطوره ما غسل الدمع من سواد ناظرى، ويقدم «3» ببياض منظومه ومنثوره ما وزعه البين من سواد «4» خاطرى
ولم يبق فى الأحشاء إلا صبابة «5» ... من الصبر تجرى فى الدموع البوادر
وأسأله المناب «6» بشريف الجناب، وأداء فرض، تقبيل الأرض؛ حيث تلتقى وفود
(8/31)

الدنيا والآخره، وتغمر البيوت العامرة المنن الغامره؛ ويظلّ الظلّ غير منسوخ بهجيره، وينشر المجد بشخص لا تسمح الدنيا بنظيره
تظاهر فى الدنيا بأشرف ظاهر ... فلم ير أنقى منه غير ضميره
كفانى عزّا أن أسمّى بعبده ... وحسبى هديا أن أسير بنوره
فأىّ أمير ليس يشرف قدره ... إذا ما دعاه صادقا بأميره
وإننى فى السؤال بكتبه أن يوصلها ليوصل بها لدى تهانئ تملأ يدى، ويودع بها عندى مسرّة تقتدح فى الشكر زندى
عهدتك ذا عهد هو الورد نضرة ... وما هو مثل الورد فى قصر العهد
وأنا أرتقب كتابه ارتقاب الهلال لتفطر عين عن الكرى صائمه، وترد نفس على موارد الماء حائمه.
وكتب أيضا يتشوّق:
لا عتب أخشاه لقطع كتابكم ... واسمع فعذرى بعده لا يعتب
مهما وجدتك فى الضمير ممثّلا ... أبدا تناجينى إلى من أكتب
كتب عبد حضرة مولاه- حرس الله سمّوه، وأدام مزيد علائه ونموّه «1» ، وقرن بالمسارّ رواحه وغدوّه، وكبت حاسده وأهلك عدوّه- عن سلامة ما استثنى فيها الدهر إلا ألم فراقه، وعافية موصولة بمرض قلب لا أرجو موعد إفراقه «2»
لو لم يكن إنسان عينى سابحا ... لخشيت حين بكيت من إغراقه
(8/32)

وعندى اليه «1» وجد يكلم الضلوع، ويتكلّم بألسنة الدموع؛ والنفس قريبة استعبار، لذكر أوقات السرور القصار، وأنوارها التى يكاد سنا برقها يخطف الأبصار «2» .
شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهنّ ولا سرار «3»
إذ العيش غضّ وريق، والمهج لم يتقسّمها التفريق، ولا سار منها إلى بلد فريق وبقى فى بلد فريق، ولا سقاها كؤوس وجد للجفون المترعة تريق
ثملت منها ومالى ... سوى الغرام رحيق
وإلى الله الشكوى من شوق فى الصّميم، وصبر راحل وغرام لا يريم، كأنه غريم
زعموا أنّ من تباعد يسلو ... لا ومحيى العظام وهى رميم
ولقد استغرب وصول الرفاق وقد صفرت من كتابه الكريم عيابهم، ولو زاره لعدّه تحفة الخصيص «4» بالتخصيص، وأدرك به بغية الحريص، ورأى للدّهر المذنب مزيّة التمحيص، وصال به على نوائب الأيام المنتابه صولة لا يجد عنها من محيص
وحسبتنى لوصوله ... يعقوب بشّر بالقميص
(8/33)

هنالك يرتع فى تلك الرّياض التى غصونها أسطارها، وشكلها أطيارها، وألفاظها نوّارها، ومعانيها ثمارها، وبلاغتها أنهارها، وجزالتها تيارها
إن أظلمت للنفس فيها ليلة ... قمر المعانى عندنا سمسارها «1»
ويتلقّاه قبل يده بقلبه، ويكاد يسبق ضميره إلى أكله وشربه
ويظنّه والطرف معقود به ... شخص الرقيب «2» بدا لعين محبّه
وإذا ضنّ مولاه بمأثوره، جاد عليه بميسوره؛ ... «3»
فكأنّنى أهديت للشمس السّنا ... وطرحت ما بين المصاحف دفترا
وعلى كلّ حال فيسأله أن يواصله من مراسمه بما ينتظره ناظره ليجد نورا، وقلبه ليستشعر به سرورا، وخاطره ليجعله بينه وبين الهمّ سورا؛ وألّا يخلى رفقة من كتاب ولو بالقلائد القلائل من درر أقلامه، ودرارىّ كلامه.
وكتب: لو استعار الخادم- أدام الله نعمة المجلس- أنفاس البشر كلاما، وأغصان الشجر أقلاما؛ وبياض النهار أطراسا، وسواد الليل أنفاسا «4» ؛ ما عبّر عن الوجد الذى عبّرت عنه عبراته، ولا عن الشوق الذى لا يستثير مثله معبدا «5»
(8/34)

إذا هزجت «1» فى الثقيل الأوّل نبراته «2» ؛ أسفا على ما عدمه فى هذه الطريق، من ذلك المحيّا الطّليق، والخلق الذى هو بكل مكرمة خليق، والصفات التى يحسن بها كلّ حسن ويليق، ويعذر كلّ جفن يسفح ذخيرته شوقا إليها ويريق
قفا أو خذا فى العذل أىّ طريق ... فما أنا من سكر الهوى بمفيق
أما والهوى إنّ الهوى لأليّة ... يعظّمها فى الحبّ كلّ مشوق
لو أنّ الهوى مما تصحّ هباته ... لقاسمت منه قلب كلّ صديق
وما زار ناظر خادمه الكرى إلا تمثّل له مولاه طيفا يهمّ أن يتعلّق بأذياله، وقبل تمويه ناظره على قلبه فى وصاله
وودّ أن سواد الليل مدّ له ... وزاد فيه سواد القلب «3» والبصر
ولقد وجد طعم الحياة لبعده مرّا، وقال بعده للذّتى العين والقلب: مرّا
وها هو يرجو فى غد [وعد «4» ] يومه ... لعلّ غدا يأبى «5» لمنتظر عذرا
وإلى الله سبحانه وتعالى يرغب أن يجعله بالسلامة مكنوفا، وصرف الحدثان عن ساحته مكفوفا «6» ، وعنان الصّروف عن فنائه مصروفا، ووفود الرجاء على أرجائه عكوفا؛ وأن يمتع الوجه «7» بوصفه الذى هو أشرف من كلّ وجه موصوفا
(8/35)

من كان يشرك فى علاك فإنّنى ... وجّهت وجهى نحوهنّ حنيفا
وقد «1» كان ينتظر كتابا يشرّفه ويشنفه، ويستخدمه على الأوامر ويصرّفه؛ ويجتنى ثمر السرور غضّ المكاسر ويقتطفه؛ فتأخّر ولم يحدث له التأخير ظنّا، ولا صرفه [عن] أن يعتقد أنّ مولاه لا تحدث له الأيام بخلا بفضله ولا ضنّا
ولو تصرف السحب الغزاز عن الثّرى ... لما انصرفت عن طبعك الشّيم الحسنى
وهو ينتظر من الأمر والنهى ما يكون عمله بحسبه، ويثبت له عهد الخدّام بنسبه
ومن عجب أنّى أحنّ إليهم ... وأسأل عنهم من أرى وهم معى
وتطلبهم عينى وهم فى سوادها ... ويشتاقهم قلبى وهم بين أضلعى.
وكتب أيضا: كتبت والعبرات تمحو السطور، ويوقد ماؤها نار الصدور ويهتك «2» وجدا كان تحت السّتور، ويرسل من بين أضلعى نفس الموتور
قد ذكرنا عهودكم بعد ما طالت ... ليال من بعدها وشهور
عجبا للقلوب كيف أطاقت ... بعدكم! ما القلوب إلّا صخور
وما وردت الماء إلّا وجدت له على كبدى وقدا لا بردا، ولا تعرّضت لنفحات النسيم إلا أهدى إلىّ جهدا، ولا زارنى طيف الخيال إلا وجدنى قد قطعت طريقه سهدا، ولا خطف «3» لى البارق الشّامىّ إلا باراه قلبى خفوقا ووقدا
وأيسر ما نال منّى الغليل ... ألا أحسّ من الماء بردا
(8/36)

فسقى الله داره ما شربت [من «1» ] الغمام، وأيّامنا بها وبدور ليالى تلك الأيّام تمام
ذمّ اللّيالى «2» بعد منزلة اللّوى ... والعيش بعد أولئك الأقوام «3»
وكان قد وصل منه كتاب كالطّيف أو أقصر زورا، وكالحبّ أو أظهر جورا، والربيع أو أبهر نورا، والنجم أو أعلى طورا، والماء الزلال أو أبعد غورا؛ فنثرت عليه قبلى، وجعلت سطوره قبلى «4» بل قبلى «5» ، ووردت منه موردا
أهلا به وعلى الإظماء «6» أنشده ... لو بلّ من غللى أبللت من عللى
إلا أنه- أبقاه الله- ما عزّزه «7» بثان، ... ولا آنس غريبه، وإنى وإيّاه غريبان
وكم ظلّ أو كم بات عندى كتابه ... سمير ضمير أو جنان جنان
وأرغب إليه- لا زالت الرّغبات اليه-، وأسأله- لا خيّم السؤال إلا لديه-؛ أن يلاطف بكتابه قلبى، ويمثّل لى بمثاله أيّام قربى
(8/37)

والله لولا أنّنى ... أرجو اللّقا لقضيت نحبى
هذا وما فارقتكم «1» ... لكنّنى فارقت قلبى.
وكتب جواب كتاب ورد عليه:
شكرت لدهرى جمعه الدار مرّة ... وتلك يد عندى له لا أضيعها
وطلعة مولانا يطالع عبده ... وكلّ ربوع كان فيها ربوعها
فؤاد سقاه لا يعود غليله ... وعين رأته لا تفيض دموعها
ورد على الخادم كتاب المجلس- أعلى الله سلطانه وأثبته، وأرغم أنف عدوّه وكبته، وأصماه بسهام أسقامه وأصمته؛ ولا أخلى الدنيا من وجوده، كما لم يخل أهلها من جوده، ولا عطّل سماء المجد من صعوده، كما لم يعطّل أرضها من سعوده- وهو كتاب ثان يثنى إليه عنان الثناء، ويصف لى حسن العهد على التّناء، ويستنهض الأدعية الصالحة فى الأطراف والآناء، ويبشّر الخادم بأنه وإن كان بعيد الدار فإنه بمثابة المقيم فى ذلك الفناء، وأن هذه الخدمة التى أنعم الله عليه بها وثيقة الأساس على الدهر شامخة البناء؛ فقام له قائما على قدمه، وسجد فى الطّرس ممثّلا سجود قلمه، واسترعى الله العهد على أنه تعالى قد رعى ما أودعه فى ذمّة كرمه؛ وصارت له نجران «2» علاقة خير صرف إليها وجهه فكأنها قبله، ودعا بنى الآمال إلى اعتقاد فضل مالكها فكأنّما يدعوهم إلى
(8/38)

ملّه؛ والله يوزعه شكر هذا الافتقاد «1» على البعاد، ولا يخله من هذا الرأى الجميل الذى هو ملجأ الاستناد؛ وعقد الاعتقاد؛ والخادم لا ينفكّ متطلّعا لأخبار المولى فترده مفضلة ومجمله، ومفصّلة ومجمله؛ ويعرف منها ما يعرف به موقع اللطف بالمولى فى أحواله، ومكان النجح فى آماله؛ وأنّه بحمد الله فى نعمة منه- لا غيّر الله ما به منها، ولا صرفها عنه ولا صرفه عنها- فيجدّد لله الشكر والحمد، ويبلّغه ما يبلغه منها المراد والقصد؛ ونسأل الله ألّا يخلى الدولة الناصريّة منه ناصرا لسلطانها، وعينا لأعيانها؛ وسيفا فى يد الإسلام يناضل عن حقّه، وفرعا شريفا يشهد مرآه بشرف عرقه؛ والرأى أعلى فى إجرائه على ما عوّد من هذا الإنعام، وزيادته شرفا بالاستنهاض- إن صلح له- والاستخدام.
ومن جواب آخر: ورد كتاب المجلس- أدام الله واردات الإقبال على آماله، و [لا] سلبت «2» الأيام نعمتى جميله وإجماله، ولا انحطّ قدر بدره عن درجتى تمامه وكماله، وأحسن جزاءه عن ميثاق «3» الفضل الذى نهض باحتماله- ووقفت منه على ما لا يجد الشكر عنه محيدا، وآنست «4» به القلب الذى كان وحيدا، وعددت يوم وصوله السعيد عيدا، ووردت منه بئرا معطّلة «5» وحللت قصرا مشيدا؛ ولا يكلّف الله نفسا إلّا وسعها، وتلك الغاية ليست فى وسعى، ولا تعلم نفس إلا ما طرق سمعها، وتلك المحاسن ما طرق مثلها سمعى، ولا تتناول يد إلّا ما وسعه ذرعها، وهذه الأوابد الأباعد ما طالها ذراعى ولا استقلّ بها ذرعى.
(8/39)

ومن آخر: خلّد الله أيّام المجلس، وعضّد الملّة الحنيفيّة منه بحاميها، والأركان الإسلاميّة من سيفه بشائدها وبانيها، وأمتع الدولة المحمديّة بعزمته التى حسنت الكفاية بها، فلا غرو أن تحسن الكفاية فيها؛ ولا عدمت الدنيا نضرة بأيّامه النّضيره، والدين نصرة بأعلامه النصيره؛ المملوك يقبّل التراب الذى يوما يستقرّ بحوافر «1» سيله، ويوما يستقرّ بحوافر خيله- فلا زال فى يوم السلم جوده سحابا صائبا، ويوم الحرب شهابا ثاقبا- وينهى أنه وردت عليه المكاتبة التى استيقظت بها آماله من وسنها، وأفادته معنى من الجنّة فإنها أذهبت ما بالنفوس من حزنها، وتلقّى المملوك قبلها «2» بالسجود والتقبيل، وتحلّى بعقود سطورها فهيهات بعد هذا شكوى التعطيل؛ واكتحل من داء السهد بإثمدها «3» ، وأدار على الايّام كأس مرقدها «4» ، وأسمعته نغم النّعم التى هى أعجب إلى النفس من نغمات معبدها، وأطالت الوقوف عليها ركاب طرفه [فما وقوف ركاب «5» طرفة] ببرقة «6» ثهمدها؛ وضرع إلى من يشفّع وسائل المتضرّعين،
(8/40)

ويملأ مواقع آمال المتوقّعين؛ أن يغلّ عنه كلّ يد للخطوب بسيطه، ويفكّ به كلّ ربقة «1» للأيّام بأعناق بنيها «2» محيطه.
ومن آخر: رفع الله عماد الإسلام ببقاء المجلس، وبسط ظلّه على الخلق، وملّك يده الكريمة قصب السّبق، وجمع بتدبيره بين ناصيتى الغرب والشرق؛ وألّف لقدرته طاعتى الجهر والسرّ، وصرّف بعزمته زمامى النّهى والأمر، وأحرز لجدّه مسّرّتى الأجر والنصر، وقطّ «3» بفتكته شوكتى النفاق والكفر- وردت على المملوك مكاتبة كريمة رفعها حيث ترفع العمائم، ومدّ اليد اليها كما تمدّ إلى الغمائم؛ وفضّها، بعد أن قضى باللّثم فرضها، واستمطرت نفسه سماءها فأرضت أرضها؛ وكاد المملوك يتأمّلها لولا أنّ دمع الناظر إلى العين سبقه، على أنه دمع قد تلوّن بتلوّن الأيّام فى فراقه، فلو فاض لعصفر «4» الكتاب وخلّقه «5» ؛ فلا أعدمه الله المولى حاضرا وغائبا، ومشافها ومكاتبا، وأحلّه»
فى جانب السعادة ويعزّ على المملوك أن يحلّ من مولاه جانبا.
ومن آخر: ورد كتابه ووقفت على ما أودعه من فضل خطّ وفصل خطاب، وعقائل عقول ما كنا لها من الأكفاء وإن كنا «7» من الخطّاب، وآثار أقلام
(8/41)

تناضل عن الملّة نضال النّصال، وكأنها فضل سبق «1» لما تحوزه من حقّ السّبق وخصل «2» الخصال؛ فأعيذ الإسلام من عدمه، ولا عدم بسطة تلمه، وثبوت قدمه؛ فإنه الآن عين الآثار، وأثر الأعيان، وخاطر الحفظ إلا أنّ الخطوب تصحب فيه خواطر النّسيان؛ وليّن اهتصر الدهر سطوا «3» ، واختصر خطوا «4» ؛ وإنه سيف يمان إن قدم عهدا، فقد حسن فرندا «5» ، وخشن حدّا؛ وأجرى نهرا، وأورى شررا؛ واخضرّ خميله، وقطع الأيّام جميله؛ وضارب الأيّام فأجفلت «6» عن مضاربه ضرائبها «7» ، وشردت عن عزمه غرائبها؛ ولبسها حتى أنهجت «8» بواليا، ثم اختار منها أياما وأبى أن يلبسها لياليا؛ لا جرم أن صحيفته البيضاء شعار شعره، وروضة علمه الغنّاء «9» قد جلت أنوار نوره، وزواهر زهره؛ فالزمان لا يعدو عليه بزمانة تعدو، ولا يتجاوز أوقاته إلّا موسومة بمحاسنه ولا يعدو؛ حتى يمتّ إليه «10» عدوّ يلتفت «11» أمس، ويروى اليوم
(8/42)

أنّ قرابته من فضله أمسّ؛ والله يعلم أنّنى لأرى له ولا أرى فيه، وأسدّ عنه كلّ خرق تعجز عنه يد رافيه؛ ضنّا بالصدور أن تخلو من صدر كقلبها، ومحاماة عن حقوق تقدمته التى أوجبها أن تعارض بسلبها.
ومن آخر: وصل كتاب الحضرة فجعل مستقرّه النّعمة فى الصدور، وأخرجتنى ظلمات خطّه إلى نور السرور؛ ووقفت وكأنّى واقف على طلل من الأحبّة قد بكى عليه السحاب بطلّه، وابتسم له الروض عن أخبار أهله وآثار منهلّه؛ فلم أزل أرشف مسك سطوره ولماها، وأنزّه العين والقلب بين حسنها وجناها؛ وأطلق عنان شوق جعلت الأقلام له لجما، وحسبت النّقس ليلا، والكتاب طيفا، والوقوف عليه حلما؛ إلى أن قضت النفوس وطرا، وحملت الخواطر خطرا، وقرنت «1» بما ظنّه سحابا ما ظنّه مطرا؛ هذا على أنه قريب العهد بيد النّعماء، فإن هرب فمن ماء إلى ماء.
ومن آخر: فلمّا وقف على الكتاب جدّد العهد بلثمه ما لم يصل إلى اليد [التى «2» ] بعثته، وشفى القلب بضمّه عوضا عن الجوانح التى نفثته
وأين المطامع من وصله ... ولكن أعلّل قلبا عليلا.
ومن آخر: وصل كتابه، وكان من لقائه طيفا إلا أنه أنس بالضّحى، وأثار حرب الشوق وكان قطب الرّحى
تخطّى إلىّ الهول والقفر دونه ... وأخطاره لا أصغر الله ممشاه.
(8/43)

ومن كلامه رحمه الله يصف بلاغة كتاب، قال: كتاب إلى نحرى ضممته، وذكرت به الزمن الذى ما ذممته، وأكبرت قدره فحين تسلّمته [استلمته «1» ] والتقطت زهره فحين لمحته استملحته، وامتزج بأجزاء نفسى فحين لحظته حفظته؛ وجمعت بينه وبين مستقرّه من صدرى، واستطلت به مع قصره على حادثات دهرى، وجعلت سحره بين سحرى «2» ونحرى، واستضأت به ورشفته فهو نهارى وهو نهرى؛ فإن أردت العطر بلا أثر أمسكت مسكه بيدى، وإن أردت السكر بلا إثم أدرت كأسه فى خلدى؛ فلله أنامل رقمته، ما أشرف آثارها! وخواطر أملته، ما أشرق أنوارها! ولم أزل متنقلا منه بين روضة فيها غدير، وليلة فيها سمير؛ وإمارة لها سرير، ومسرّة أنالها طليق أسير، ونعمة أنا لها عبد بل بها أمير؛ حتى أدبرت عنى جيوش الأسى مفلوله، وقصرت عنّى يد الهمّ مغلوله؛ وملئت منّى مسامع المكارم حمدا، وخواطر الصنائع ودّا؛ وحطّ الأمل بربعى رحله، وأنبت الربيع بفنائى بقله؛ ولبست من الإقبال أشرف خلعه، ووردت من القبول أغزر شرعه، وانتجعت من رياض الرجاء أرجى نجعه.
وقال أيضا من آخر: هذا من عفو الخواطر، فكيف إذا استدعى المجلس خطّيّة «3» خطّه فجاءت تعسل «4» ، وحشد حشود بلاغته فأتت من كل حدب «5» تنسل!.
(8/44)

ومن آخر: ورتع فى رياض بلاغته التى لم يقتطفهنّ من قبله غارس ولا جان، واجتلى الحور المقصورات فى الطروس التى لم يطمثهنّ «1» إنس قبله ولا جانّ؛ وغنى بتلك المحاسن غنى خيرا من المال، واعتقد «2» فيها كنوزا إذا شاء أنفق منها الجمل، وإذا شاء أمسك منها الجمال.
وقال أيضا: كتاب اشتمل على بديع المعانى وباهرها، وزخرت بحار الفضل إلا أننى ما تعبت فى استخراج جواهرها؛ بل سبحت حتى تناولتها، وجنحت إلىّ فما حاولتها؛ واقتبست من محاسن أوصافه، وبدائع أصنافه؛ نكتا استقلت أجسادها بالارواح، وزهيت جيادها بما فيها من الغرر والأوضاح؛ فيا لله من بدائع وروائع، ولطائف وطرائف! فيها ما تشتهى الأنفس وتلذّ الأعين، وما يقرّط الأسماع ويقرّط «3» الألسن؛ فكأنه طرف طرف «4» صوبه مدرار، وعلم علم منصوب فى رأسه نار؛ صحّح السحر وإن كان ظنّا، وفضح الدّرّ إذ كان أبرع معنى، وأسنى حسنا، وأدنى مجنى، وأغنى مغنى؛ فما ضره تأخير زمانه، مع تقدّم بيانه؛ ولا من سبقه فى عصره، مع أنه قد سبق فى شعره.
(8/45)

ومن آخر: ولله هو من كتاب لمّا وقفت عليه الغلّة شفاها، ورأت وردها كلّ ماء غيره سفاها «1» ، ووطّأ مضاجع أنسها بعد أن كان الشوق يقلّب «2» الجنوب على سفاها «3» ؛ فلا عدم ودّها الذى به عن كلّ مودّة سلوة، ولا برحت كفاية الله تحلّها فى الذّرا وتعلى قدرها فى الذّروه، ولا فقد مما ينعم به أىّ نعمه، ولا مما ينشيه أىّ نشوه.
ومن آخر: كتاب كريم تبسّم إلىّ ضاحكا، وظنّ مداده أنه قد جلا سطره علىّ حالكا؛ فما هو إلّا سواد الحدقة منه انبعثت الأنوار، وما هو إلا سويداء «4» ليلة الوصل اشتملت على دجى تحته نهار، فلله هو من كتاب استغفر الدهر ذنب المشيب بسواده، واستدرك الزمان غلطه بسداده.
ومن آخر: كتاب تقارعت الجوارح عليه فكادت تتساهم، فقالت اليد:
أنا أولى به، شددت على مولاه ومولاى عقد خنصرى، ورفعت اسمه فوق منبرى؛ وقبضت عليه قبضتى، وبسطت فى بسط راحته وقت الدّعاء راحتى؛ وقالت العين:
أنا أولى به، أنا وعاء شخصه، والىّ يرجع القلب فى تمثيله ونصّه «5» ؛ وأنا سهرت بعد رحيله وحشة، وأنا إذا ذكر هجير القلب عللته «6» رشّة بعد رشّة؛ فقال القلب:
طمعتها فى حقّى لأنى غائب، وهل أنت لى يايد إلّا خادم؟ وهل أنت لى
(8/46)

يا عين إلا حاجب؟ أنا مستقرّه ومستودعه، ومرتعه ومشرعه، وأنا أذكره وبه أذكركما، وأحضره ولخدمته أحضركما؛ فاليد استخدمها مرّة فى الكتابة إليه، ومرّة فى شدّ الخنصر عليه؛ ومرّة فى الإشارة الى فضله، ومرّة فى الدعاء بكلّ صالح هو من أهله؛ والعين استخدمتها فى ملاحظة وجهه آئبا، وفى توقع لقائه غائبا «1» ؛ وفى السهد شوقا الى قربه، والمطالعة لما يخرج أمرى بكتبه من كتبه؛ فهنالك سلّمتا واستجرّتا «2» ، وألقتا واستأخرتا؛ وكدت أرشف نقسه «3» لأنقله الى سويداه، لولا أنّ سواد العين قال: أنا أحوج الى الاستمداد من هداه.
ومن كلامه رحمه الله تعالى ما ركّب نصف قرائنه على نصف بيت نحو قوله:
وصل كتاب مولاى بعد ما ... أصات «4» المنادى للصلاة «5» فأعتما
فلما استقرّ لدىّ، «تجلّى الذى من جانب البدر أظلما» فقرأته، «بعين اذا استمطرتها أمطرت دما» وساءلته، «فساءلت مصروفا عن النطق أعجما» ولم يردّ جوابا، «وماذا عليه لو أجاب المتيّما» وردّدته قراءة، «فعوجلت دون الحلم أن أتحلما» وحفظته، «كما يحفظ الحرّ الحديث المكتّما» وكرّرته، «فمن حيثما واجهته قد تبسّما» وقبّلته، «فقبّلت درّا فى العقود منظّما» وقمت له، «فكنت بمفروض
(8/47)

المحبّة قيّما» وأخلصت لكاتبه، «وليس «1» على حكم الحوادث محكما» ولم أصدّفه «2» ، «ولكنّه قد خالط اللحم والدما» وأرّخت وصوله، «فكان لأيام المواسم موسما» وداويت عليل «حشا ضرّ ما فيه من النار ضرّما» وشفيت غليل «فؤاد أمنّيه وقد بلغ الظما» فأما تلك الأيام التى «حماها من «3» اللوم المقام على الحمى» والليالى العذاب التى «ملأن نحور الليل بيضا «4» وأنجما» [فإنّى «5» لأذكرها، «بصبر كما قد صرّمت قد تصرّما» ] وأرسل «6» الزفره «فلو «7» صافحت رضوى لرضّ «8» وهدّما» وأرسل العبره، «كما أنشأ «9» الأفق السحاب المديّما «10» » وأخطب السلوه، «فأسأل معدوما وأقفل «11» معدما»
(8/48)

فأما الشكر فإنما «أفضّ به مسكا عليك مختما» وأقوم منه بفرض «أرانى به دون البريّة أقوما» وأوفّى واجب قرض، «وكيف توفّى الأرض قرضا من السما» .
وقال أيضا: وصل «1» كتاب الحضرة بعد أن عددت الليالى لطلوع صديعه «2» «وقد عشت دهرا لا أعدّ اللياليا» ، وبعد أن انتظرت القيظ والشتاء لفصل ربيعه «فما للنوى ترمى بليلى المراميا» ! واستروحت إلى نسيم سحره، «إذا الصيف ألقى فى الديار المراسيا» ومددت يدى لاقتطاف ثمره، «فلله ما أحلى وأحمى المجانيا «3» !» ووقفت على شكواه من زمانه، «فبث لشكواه من الدهر شاكيا» وعجبت لعمى الحظّ عن مكانه «وقد جمع الرحمن فيه المعانيا» وتوقّعت له دولة يعلو بها الفضل «إذا هزّ من تلك اليراع عواليا» ورتبة يرتقى صهوتها بحكم العدل «فربّ مراق يعتددن مهاويا» وإلى الله أرغب فى إطلاع سعوده، «زواهر فى أفق المعالى زواهيا» وفى إنهاض عثرات جدوده، «فقد أعثرت بعد النهوض المعاليا» .
وقال أيضا:
وصل من الحضرة
كتاب به ماء الحياة ونقعة ال ... حيا فكأنى إذ ظفرت به الخضر
ووقف عبدها منه على
عقود هى الدرّ الذى أنت بحره ... وذلك ما لا يدّعى مثله البحر
(8/49)

ورتعت منه فى
رياض [يد «1» ] تجنى وعين وخاطر ... تسابق فيها النّور والزهر والثّمر «2»
وكرعت منه فى حياض
تسرّ مجانيها اذا ما جنى الظما ... وتروى مجاريها اذا بخل القطر
وما زلت منه أنشد
كانّى سار فى سريرة ليلة ... فلمّا بدا كبّرت إذ طلع الفجر
ووافى على ما كنت أعهد ف
خلت بأنّ العين من سحب كفّه ... فمن ذى ومن ذى [فيه «3» ] ينثر الدرّ
وأسترجع فائت الدنيا من مورده
وما كان عندى بعد ذنب فراقه ... بأنّى أرى يوما به يعد الدهر
ونفّس عن النفس بأبيض ثماده «4» ، ... وعن العين بأسود إثمده
به لهما سبح طويل فهذه ... على خاطر برد وفى خطر «5» بدر
وجدّد اليه أشواقا جديدها
يمرّ به ثوب الجديدين دائما ... فيبلى ولا تبلى وإن بلى الدهر
وذكّر أياما لا يزال يستعيدها
وهيهات أن يأتى من الدهر فائت ... فدع عنك هذا الأمر قد قضى الأمر.
(8/50)

وكلام «1» القاضى الفاضل- رحمه الله- كثير، بأيدى الناس منه عدّة مجلّدات، أخبرنى من أثق بقوله من القضاة الحكام الأعيان أنه يزيد على خمسين مجلّدا قد جمعت، أما ما لم يجمعه الناس فكثير جدا؛ وقد نقل بعض من أرّخ، أنه وجد للقاضى الفاضل مسوّدات كتب صدرت عنه وأجوبة تزيد اذا جمعت على مائة مجلّد، ولا يحتمل الحال أن نورد له أكثر مما أوردناه، ورسائله المختارة كثيرة قد يكون فيها أجود مما اخترناه ونحوه، وإنما أوردنا له ما حضر فى هذا الوقت، إذ لم يمكن البحث عن كلامه والاستقصاء، وإن كان كلّ رسائله مختارة رحمه الله.
ذكر شىء من رسائل الشيخ الإمام الفاضل ضياء الدين
أبى العباس أحمد ابن الشيخ الإمام العابد القدوة أبى عبد الله محمد بن عمر بن يوسف بن عمر «2» بن عبد المنعم الأنصارىّ القرطبىّ رحمه الله،- وكانت وفاته بقنا من أعمال قوص فى سنة اثنتين وسبعين وستمائة- كتب إلى شيخنا الإمام العلّامة تقىّ الدين محمد ابن الشيخ الإمام الحبر مجد الدين أبى الحسن علىّ بن وهب بن مطيع القشيرىّ المعروف بابن دقيق العيد رحمهم الله تعالى: تخدم المجلس العالى صفات يقف الفضل عندها، ويقفو الشرف مجدها، وتلتزم المعالى حمدها؛ وسمات يبتسم ثغر الرياسة منها، وتروى أحاديث السيادة عنها؛ الصدرىّ الرئيسىّ المفيدىّ؛ معان استحقّها بالتمييز، واستوجبها بالتبريز، وسبكته الإمامة لها فألفته خالص الإبريز؛ ومعال أقرّته فى سويدائها، وأطلعته فى سمائها،
(8/51)

وألبسته أفضل صفاتها وأشرف أسمائها؛ العلّامىّ الفاضلىّ التقوىّ؛ نسب اختص به اختصاص التشريف، لا تعريفا «1» فالشمس تستغنى عن التعريف؛ لا زالت إمامته كافلة بصون الشرائع، واردة من دين الله وكفالة أمّة رسول الله أشرف الموارد وأعذب الشرائع «2» ، آخذة بآفاق سماء الشرف فلها قمراها والنجوم الطّوالع «3» ، قاطعة أطماع الآمال عن إدراك فضله وما زالت تقطّع أعناق الرجال المطامع «4» ، صارفة عن جلاله مكاره الأيام صرفا لا تعتوره القواطع، ولا تعترضه الموانع؛ وينهى ورود عذرائه التى «لها الشمس خدن «5» والنجوم ولائد» وحسنائه التى «لها الدرّ لفظ والدّرارى «6» قلائد» ومشرّفته التى «لها من براهين البيان شواهد» وكريمته التى «لها الفضل ورد والمعالى موائد «7» ووديعته التى «لها بين أحشائى وقلبى معاهد»
وآيته الكبرى التى دلّ فضلها ... على أن من لم يشهد الفضل جاحد
وأنك سيف سلّه الله للهدى ... وليس لسيف سلّه الله غامد
(8/52)

فلمثلها يحسن صوغ السوار، ولفضلها يقال: «أناة أيها الفلك المدار» وإنها فى العلم أصل فرع نابت، والأصل علّة النشأة والقرار، وفرع أصل «1» ثابت، والفرع فيه الورق والثمار؛ هذه التى وقفت قرائح الفضلاء على استحسانها، وأوقفتنى «2» على قدم التعبّد لإحسانها، وأيقنت أنّ مفترق الفضائل مجتمع فى إنسانها، وكنت أعلم علمها بالأحكام الشرعية فاذا هى فى النثر ابن مقفّعها، وفى القصائد أخو حسّانها؛ هذه وأبيك أمّ الرسائل المبتكره، وبنت الأفكار التى هذّبتها الآداب فهى فى سهل الإيجاز البرزة «3» وفى صون الإعجاز المخدّره، والمليئة ببدائع البدائه، فمتى تقاضاها متقاض لم تقل: «فنظرة الى ميسرة» ؛ والبديعة التى لم توجّه اليها الآمال فكرها لاستحالة غير مسبوق بالشعور، ولم تسم اليها مقل الخواطر لعدم الإحاطة بغيب الصدور قبل الصدور، والبديهة التى فصّل البيان كلماتها تفصيل الدرر بالشذور؛ إنّ كلمها ليميس فى صدورها وإعجازها، ويختال فى سطورها وإعجازها، وتنثال «4» عليها أغراض المعانى بين إسهابها وإيجازها؛ فهى فرائد ائتلفت من أفكار الوائلىّ والإيادىّ، وقلائد انتظمت انتظام الدرارىّ، ولطائم «5» فضّت عن العنبر الشّحرىّ «6» والمسك الدارىّ «7» ؛ لا جرم أن غوّاصى الفضائل ظلوا فى غمراتها خائضين، وفرسان
(8/53)

الكلام أضحوا فى حلباتها راكضين، وأبناء البيان تليت عليهم آياتها «فظلّت أعناقهم لها خاضعين» .
ما إن لها فى الفضل مثل كائن ... وبيانها أحلى البيان وأمثل
فالعجز عنها معجز «1» متيقّن ... ونبيّها بالفضل فينا مرسل
ما ذاك إلا أنّ ما يأتى به ... وحى الكلام على اليراعة ينزل
بزغت شمسا لا ترضى غير صدره فلكا، وانقادت معانيها طاعة لا تختار سواه ملكا، وانتبذت بالعراء فلا تخشى إدراك الإنكار ولا تخاف دركا، وندّت شواردها فلا تقتنصها الخواطر ولو نصبت هدب الجفون شركا
فللأصائل «2» فى عليائها سمر ... إن الحديث عن العلياء أسمار «3»
وللبصائر هاد من فضائلها ... يهدى أولى الفضل إن ضلّوا وإن جاروا
بادى الإبانة لا يخفى على أحد ... «كأنه علم فى رأسه نار»
أعجب بها من كلم جاءت كغمام الظّلال على سماء الأنهار! وسرت كعليل النسيم عن أندية الأسحار، وجليت محاسنها كلؤلؤ الطلّ على خدود الأزهار، وتجلّت كوجنة الحسناء فى فلك الأزرار، وأهدت نفحة الروض متأوّد الغصن بليل الإزار، فأحيتنا بذلك النفس المعطار، وحيّتنا بأحسن [من «4» ] كأسى لمى وعقار، وآسى ريحان وعذار؛
(8/54)

ولؤلؤى حبب وثغر، وعقيقى شفة وخمر، وربيعى زهر ونهر، وبديعى نظم ونثر؛ ولم أدر ما هى أثغور ولائد؟ أم شذور قلائد؛ أم توريد خدود، أم هيف قدود؛ أم نهود صدور، أم عقود نحور؛ أم بدور ائتلفت فى أضوائها، أم شموس أشرقت فى سمائها؟
جمعن شتيت الحسن من كلّ وجهة ... فحيّرن أفكارى وشيّبن مفرقى
وغازلها قلبى بودّ محقّق ... وواصلها ذكرى بحمد مصدّق
وما كنت عشّاقا لذات محاسن ... ولكن من يبصر جفونك يعشق
ولم أدر والألفاظ منها شريفة ... الى البدر تسمو أم إلى الشمس ترتقى
إنما هى جملة إحسان يلقى الله الرّوح من أمره على قلبها، أو روضة بيان «تؤتى أكلها كلّ حين بإذن ربّها» ؛ أو ذات فضل اشتملت على ذوات الفضائل، وجنت ثمر العلوم فأجنتها بالضحى والأصائل؛ أو نفس زكت فى صنيعها، ونفث روح القدس فى روعها؛ فسلكت سبل البيان ذللا، وعدمت مماثلا فأضحت فى أبناء المعالى مثلا؛ وسرت الى حوز الأمانى والأنام نيام، فوهب لها واهب النعم أشرف الأقسام؛ فجادت فى الإنفاق، ولم تمسك خشية إملاق، وقيّدت نفسها فى طلق «1» الطاعة فجاءها توقيع التفضيل على الإطلاق
أبن لى معزاها أخا الفهم إنها ... الى الفضل تعزى أم الى المجد تنسب
هى الشمس إلّا أنّ فكرك مشرق ... لإبدائها عندى وصدرى مغرب
وقد أبدعت فى فضلها وبديعها ... فجاءت الينا وهى عنقاء مغرب «2»
(8/55)

فأعرب عن كلّ المعانى فصيحها ... بما عجزت عنه نزار ويعرب
ومذ أشرقت قبل التناهى بأوجها ... عفا فى سناها بدر تمّ وكوكب
تناهت علاء والشباب رداؤها ... فما ظنكم بالفضل والرأس أشيب
لئن كان ثغرى بالفصاحة باسما ... فثغرك بسّام الفصاحة أشنب
وإن ناسبتنى بالمجاز بلاغة ... فأنت إليها بالحقيقة أنسب
ومذ وردت سمعى وقلبى فإنها ... لتؤكل حسنا بالضمير وتشرب
وإنى لأشدو فى الورى بثنائها ... كما ناح فى الغصن الحمام المطرّب
وتشهد أبناء البيان إذا انتدوا ... بأنى من قسّ الإيادى أخطب
وإنّى لتدنينى الى المجد عصبة ... كرام حوتهم «1» أوّل الدهر يثرب
وانّى إذا خان الزمان وفاءه ... وفىّ على الضراء حرّ مجرّب
إباء أبت نفسى سواه وشيمة ... قضى لى بها فى المجد أصل مهذّب
ونفس أبت الا اهتزازا إلى العلا ... كما اهتزّ يوم الرّوع رمح ومقضب «2»
ولى نسب فى الأكرمين تعرّفت ... إليه المعالى فهو ريّان «3» مخصب «4»
نمته أصول فى العلاء أصيلة ... لها المجد خدن والسيادة مركب
تلاقى عليه المطعمون تكرّما ... اذا احمرّ «5» أفق بالمجرّة «6» مجدب
من اليمنيّين الذين سما بهم ... الى العزّ بيت فى المعالى مطنّب
(8/56)

قروا تبّعا بيض المواضى ضحاءه «1» ... وكوم «2» عشار بالعشيّات تضهب «3»
فرحّله الجود العميم ومنصل «4» ... له الغمد شرق والذوائب مغرب
وهم «5» نصروا والدين عزّ نصيره ... وآووا وقد كادت يد الدين تقضب
وخاضوا غمار الموت فى حومة الوغى ... فعاد نهارا بالهدى وهو غيهب
أولئك قومى حسبى الله مثنيا ... عليهم وآى الله تتلى وتكتب
هذه اليتيمة أيدك الله ملحتها الإحماض «6» ، وتحليتها «7» الألفاظ فى أبعاض الاعتراض لتسرح مقل «8» الخواطر فى مختلفات الأنواع، ويتنوع «9» الوارد على القلوب والأسماع، وإلا فلا تماثل فى الأدوات، وان وقع التماثل فى الذوات، كالجمع بين النّوريّة فى
(8/57)

السراج والشمس، واشتمال الإنسانيّة على «1» القلامة والنفس، والتوارد الإدراكىّ بين كلّىّ بالعقل، وجزئىّ بالحسّ «2» ؛ وكالعناصر فى افتقار الذوات اليها، وان تميّزت الحرارة عليها؛ وكالمشاركة الحيوانيّة فى البضعة اللسانيّة، واختصاص الناطقيّة بالذات الإنسانيّة؛ فسيّدنا ثمر الروض ونسيمه، وسواه ثراه وهشيمه، وزهره وأنداؤه، وغيره شوكه وغثاؤه؛ والبدر وإشراقه، وسواه هلاليّته ومحاقه؛ اشتراك فى الأشخاص، وامتياز فى الخواصّ؛ ومشابهة فى الأنواع والأجناس، ومغايرة فى العقول والحواسّ؛ كالورد والشّقيق، والقهرمان «3» والعقيق؛ تماثلا فى الجواهر والأعراض، وتغايرا فى تمييز الأغراض؛ فسيّدنا من كلّ جنس رئيسه، ومن كلّ جوهر نفيسه؛ وأما حسناء المملوك على مذهبهم فى تسمية القبيح بالحسن، والحسن بالقبيح، والضرير بالبصير والأخرس بالفصيح؛ فما صدّت ولا صدّت يمنى»
كاسها. ولا شذّت فى مذهب ولائه عن اطّراد قياسها، ولا زوت عن وجه جلالته وجه إيناسها، ولا جهلت أنه فى العلوم الشرعيّة ابن أنسها، وفى المعانى الأدبيّة أبو نواسها؛ ولا خفى عنها أن سيّدنا مجرى اليمين «5» ، وفى وجه السيادة إنسان المقلة وغرّة الجبين، والدرّة فى تاج الجلالة
(8/58)

والشّذرة فى العقد الثمين؛ وأنه الصدر الذى يأرز «1» العلم إلى صدره، وتقترح «2» عقائل المعانى من فكره، وتأتمّ الهداة ببدره، وتنتمى «3» الهداية الى سرّه، وانّها فى الإيمان بمحمديّته أمّ عمارة «4» لا أمّ عمره؛ وانّه غاية فخارها؛ ونهاية إيثارها، [وآية نهارها «5» ] ومستوطن إفادتها بين شموس فضائله وأقمارها؛ فكيف تصدّ وفيه كلّيّة أغراضها، ومنه علّيّة جملتها وأبعاضها، وفى محلّه قامت حقائق جواهرها وأعراضها؛ لكنّها توارت بالحجاب، ولاذت بالاحتجاب؛ وقرب بالمجلس الكمالى ليكمّل ما بها من نقص كمال وكمال عيب، وتجمع بين حقيقتى إيمان الشهادة والغيب، وتعرض على الرأى التقوىّ سليمة الصدر نقيّة الجيب، وأشهد أنها جاءت تمشى على استحياء وليست كبنت شعيب «6» ؛ هذا ولم تشاهد وجه حسنائه، ولا عاينت سكينة «7» حسينه وهند «8»
(8/59)

أسمائه، ولا قابلت نيّر فضله وبدر سمائه؛ أقسم لقد كان يصرفها الوجل، ويقيّدها الخجل؛ عالمة أنّ البحر لا يساجل، والشمس لا تماثل؛ والسيف لا يخاشن، والبدر لا يحاسن؛ والأسد لا يكعم «1» ، والطّود لا يزحم؛ والسحاب لا يبارى، والسيل لا يجارى؛ وأنّى تبلغ الفلك هامة المتطاول، «وأين الثريّا من يد المتناول» ؛ تلك عوارف استولت على المعالى استيلاءها على المعالم، وشهدت لها الفضائل بالسيادة شهادة النبوّة بسيادة قيس بن عاصم «2» ؛ ولا خفاء بواضح هذا الصواب، عند مقابلة البداية بالجواب؛
فالشمس أوضح من ضياء الأنجم ... ما البيّن الأعلى كداج مظلم
يا مثريا من كلّ علم نافع ... أيقاس مثر فى العلوم بمعدم
أو كفت «3» فضلك فى رذاذ غمائمى ... ما للرذاذ يد بنوء المرزم «4»
وانصبّ بحرك فى ربيع «5» خواطرى ... ما للربيع وفيض بحر أعظم
وسللت سيف العلم أبيض مخذما ... كالبرق يلمع فى غمام مثجم «6»
فللت حدّى معضد «7» فى راحتى ... ما للكهام وحدّ أبيض مخذم «8»
(8/60)

يا سابقا جهدى «1» مصلّى عفوه ... ما للسّكيت «2» يد بعفو مظهم «3»
بذّ السوابق فى العلوم وحازها ... بالكسب منه والتراث الأعظم
العلم علم محمد وكفى به ... وعلىّ الباب المبلّغ فاعلم
ما كنت أوّل محجم عن مورد ... عذبت موارده لقرن مجحم «4»
سابقت سبّاقا شأوت «5» بيانهم ... ببديع نثر أو بليغ منظّم
وسقيت بالكأس الكبيرة منهما ... لما سقوا بالأصغر المتثلّم
حتى اذا سابقته وهو «6» ابن بح ... رأو أبو بحر إليه ينتمى
طارت فضائله إلى عليائها ... بجناح فتخاء «7» ونسر قشعم
وسما به العلم الأجلّ محلّه ... حتى توقّل «8» فى المحلّ الأعظم
ومشى حضارا «9» فانثنيت مقصّرا ... أتجول خيلى فى مقرّ الهيثم «10»
(8/61)

لا عار إن عضلت بدائه فكرتى ... بابن المقفّع أو بنجل الأهتم «1»
يا أعلم الفضلاء لست مقاولا ... فصحى بناتك «2» باللسان الأعجم
لو حاولت فكرى مساواة لها ... يوما لجاءت بالغراب الأعصم «3»
أقتصر فللبيان فى بحر فضائله سبح طويل، وللسعى فى غاياته معرّس ومقيل، وللمحامد ببثينة محاسنه صبابة جميل، وإنّى وإن كنت كثّير عزّة ودّه، إلا أنّى فى حلبة الفضل لست من فرسان ذلك الرّعيل؛ لا سيّما وقد وردت مشرع ألفاظه التى راقت معانيها، ورقّت حواشيها، وأدنت ثمرات الفضل من يمين جانيها؛ فجاءت كالنسيم العليل، والشذا من نفحة الأصيل، والشراب البارد والظلّ الظليل
طبع تدفّق رقّة وسلاسة ... كالماء عن متن الصفاة يسيل
كالمقلة الحسناء زان جفونها ... كحل وأخرى زانها التكحيل
والروضة الغناء يحسن عرفها ... وتزاد حسنا والنسيم عليل
والخاطر التقوىّ كمّل ذاته ... علما وليس لكامل تكميل
والله تعالى يبقيه جامعا للعلوم جمع الراحة بنانها، رافعا له رفع القناة سنانها، حافظا له حفظ العقائد أديانها، والقلوب إيمانها
(8/62)

ليضحى نديما للمعالى كأنه ... نديما صفاء مالك وعقيل «1»
ويصبح ظلّ الفضل من فىء ظلّه ... على كنف الإسلام وهو ظليل
وينشأ أبناء العلوم وكلّهم ... بحسنائه فى العاشقين جميل
دلالته فى الفضل من ذات نفسه ... وليس على شمس النهار دليل
وكتب- رحمه الله تعالى- رسالة الى الصاحب شرف الدين الفائزىّ «2» عند ما ورد عليه كتاب يذكر أن رسول الخليفة وصل يلتمس إجابة الملك المعزّ «3» أوّل ملوك الترك إلى صلح الملك الناصر صلاح الدين يوسف «4» - وقد كان الناس يذكرون أن الملك الناصر يريد أن يهجم بعساكره على الديار المصرية، وأنه لا يجيب إلى الصلح، [فلما «5» ] جاء الرسول بذلك ظهر للناس خلاف ما ظنّوه-:
(8/63)

لأمرك أمر الله بالنجح عاضد ... فصل آمرا فالدهر سيف وساعد
وقل ما اقتضت علياك فالعزّ قائم ... بأمرك والمجد المؤثّل «1» قاعد
ونم وادعا فالجدّ يقظان حارس ... لمجدك والعادى لبأسك راقد
فما تبرم الأيّام ما الله ناقض ... ولا تنقض الأيّام ما الله عاقد
وقد برزت بكر المكارم والعلا ... وفى جيدها من راحتيك قلائد
فحفّت بها الأملاك وهى مواهب ... وسارت بها الرّكبان وهى محامد
وزفّت لها النعماء وهى مصادر ... رفعنا لها الأمداح «2» وهى موارد
فنثّرها الإحسان وهى لآلئ ... ونظّمها الإفضال وهى فرائد
فلا زلت محروس العلا يا ابن صاعد ... وجدّك فى أفق السيادة صاعد
تسرّ بك الدنيا ويبتهج الورى ... وتستوكف النّعمى وتحوى المقاصد
ورد كتاب كريم، ونبأ عظيم؛ لم تجر ينبوعه جياد الأقلام، ولم تجد بنوئه عهاد الأيام، ولم تظفر بمثله أعياد الإسلام؛ فتلى على عذبات «3» المنابر، وجلى على آماق الأبصار وأحداق البصائر؛ وكانت بشراه البكر العوان «4» ، لما ابتدأت «5» به من البشارة
(8/64)

ولما تلده من البشائر، وطليعة المسارّ التى واجهت الآمال ووجه السعد سافر، ومقدّمة الأمن التى لا يسرّ بها إلا مؤمن ولا يساء بها إلّا كافر؛ وتحيّة الله التى أحيت قلوب العباد، ومنّة «1» الله التى سكنت لها السيوف فى الأغماد، ونعمة الله التى عمّت كلّ حاضر وباد؛ ورحمة الله التى رحم بها هذه الأمّة وما زال بالمؤمنين رحيما، وفضل الله على هذه الملّة «2» وكان فضل الله عليها عظيما؛ وسعادة سارت بها الأيام الى المقام المعزّىّ بين الخبب والتقريب، ومركب عزّ قدّمته عناية الله تقدمة الجنيب، وكتابا عنايته «3» هذا عطاء الله، وعنوانه «نصر من الله وفتح قريب» ، وسلّم «4» جلّل وجه الإسلام برد لباسه القشيب، وسلامة جنت يمين الإيمان ثمر غصنها الرطيب، وعزّ ألبس الملك خلع شبابه بعد ما خلع غبار الوقائع [عليه «5» ] رداء المشيب، وشمس سعادة منذ طلعت فى أفقها لم تجنح للمغيب، ولطف خفىّ قعد له كلّ حمد وقام به كلّ خطيب، ومملكة تسمعها الأيّام: قفا نضحك بمسارّ الإنعام لا قفا نبك من ذكرى حبيب، وغنيمة باردة حازتها يد الملك ولسان السنان غير ناطق وكفّ السيف غير خضيب
بتسديد «6» رأى لو رأته أميّة ... لما احتفلت «7» يوما بقتل شبيب «8»
(8/65)

الى غير ذلك من فكرة صاحبيّة شرفيّة سكن الملك تحت ظلالها ونام، وقعد بأمرها وقام؛ وتحرّكت لها العزائم، وسكنت لها الصوارم، واستنزلت العصم وذعرت العواصم، وهمم إذا سمت سامت السماء واذا همّت أهمت الغمائم، وعزّ تحت ظل ظلاله الشرف مقيم وفى خدمته المجد قائم، وعزم استيقظ له جفن النصر والسيف فى جفنه نائم، وسيف حزم على عاتق الملك منه نجاد وفى يد جبّار السموات منه قائم؛ وآراء استفتح عقائلها فأنجبت «1» ، ورمى غرض إصابتها فأكثبت، (أى أصابت «2» ) وأعمل رائدها فاستيقظت له الهمم والأنام نيام، وجلس فى صدور رياستها والعالمون قيام، وتدبير أحكم بإبرام النقض ونقض الإبرام، وذعر به رابض الأسد وأنس به نافر الآرام؛ وأجال به خيله فى مسارى الأرقم، ومقرّ الهيثم، وأمضاه فى مضايق خطبه فأغناه عن سنّ السّنان وشفة اللهذم؛ هذا ولما «3» صدقت عزائم المملكة التى نظم الله قلادة ملكها فليس لها انتثار، ولمعت كواكب أسلها «4» فى ليل الرّهج وسماء الغبار، وبنت حوافر خيلها سورا من متراكم النّقع المثار، وحصّنتها يد الله بما أظهرته من
(8/66)

كامن الغيب وأخفته «1» من طلائع الأقدار، وحضنتها «2» رعاية الله وله من القدر أعوان ومن الملائكة أنصار
فعمّت عموم اللّيل واللّيل مظلم ... وجاءت مجىء الصبح والصبح مشرق
ومدّت غماما من سنابك خيلها ... بسلّ المواضى المشرفيّات يبرق
فى كتائب إذا سارت سوابقها ملأت عرض الغبراء، واذا نشرت خوافقها سترت وجه الخضراء؛ وكادت تذعر الآساد بمواضى حتوفها، وتسكن المنايا تحت ظلال سيوفها؛ لا سيما إذا أنجمت «3» أنجم عواليها، ولمعت بروق مواضيها؛ وجاءت خيلها كالصخر الأصمّ والطود الأشم أعجازها وهواديها؛ من كلّ كميت «4» حلو فى الإزار، بين الشّقرة والاحمرار، كأنه ورديّة العقار
يحسّ وقع الرزايا وهى نازلة ... فينهب الجرى نفس الحادث «5» المكر
وكلّ أشقر «6» كأنما قدّ أديمه من لهب النار، معار رداء الحسن، وأحقّ الخيل
(8/67)

بالركض المعار «1» ، لا تعلق به المذاكى «2» يوم رهان ولا تشقّ له الحوادث وجه غبار كأنما لبس ثوبا من خالص النّضار
عتاق لو جرت والريح شأوا ... لفاتته وأوثقه «3» إسار
غدت ولها حجول من لجين ... وراحت وهى من علق نضار
وكلّ أدهم كريم النّجار، غذىّ اللّبان «4» الغزار، كأنما فصّلت ثيابه من سواد الليل وصيغت حجوله من بياض النهار
بأغرّ يبتسم الصباح بوجهه ... حسنا ويسفر عن محيّا مسفر
خلع الظلام عليه فضل ردائه ... وثنى من التحجيل ثوب مقصّر
وكلّ أشهب أفرغ فى قالب الكمال، وجيهىّ»
الأب أعوجىّ «6» الخال، إن مشى ضاق بزهوه فسيح المجال، وإن سعى رأيت البرق ملجما بالثريّا مسرجا بالهلال، كأنّما انتعل خدّ الجنوب واشتمل بثوب «7» الشّمال
(8/68)

من الجياد التى لم تبد فى رهج ... إلّا أرتك بياض الصبح فى غسق
ولا جرين مع النّكباء «1» فى طلق «2» ... إلّا احتقرت التماع البرق فى الأفق
وكلّ مطهّم إن ركض قلق السماط لركضه، وخلت بعضه منفصلا عن بعضه وإن مشى رأيت الطود فى سمائه والرياح فى أرضه؛ وإن خطا ظننته يرتع فى روض المجرّة ويكرع فى حوض الغمام، وخلته الأشمّ من ابنى شمام «3» ، همّه جهة الأمام وصوته حركة اللجام، كأنه قطعة من سماء أو ظلّة من غمام
جرى «4» والريح فى طلقى رهان ... فقامت دونه ومضى أماما
ومدّ من السنابك ثوب غيم ... ولم أر قبلها ثوبا غماما
عليها كلّ كمىّ لابس الحرب ولابسته «5» ، ومارسها ومارسته؛ وكتبت عليه المواضى فى صدره كتابا أعجمته أطراف الأسل، وجنى ثمر الحديد أحلى عنده من العسل وسار إلى مهج الأبطال كسيف القضاء وحثّ «6» الأجل؛ له حنكة الأشيب ونجدة الغلام، وصنعة الضرب الفدّ والطعن التّؤام، والفتكات التى تطلع صبح الصوارم
(8/69)

فى ليل القتام، والفعلات التى لها فتكات الأورق «1» فى النّقد وصولات الأسد فى السّوام
يمشى الى الموت عالى الكعب معتقلا ... أظمى «2» الكعوب كمشى الكاعب الفضل «3»
يحسن فى بحار الدروع سبح «4» الفوارس، بين بدور اليلب «5» ونجوم القوانس «6» ؛ من كلّ سابغة لا تصل إليها ألسنة الحداد، كأنها أثواب الأراقم خيطت بأعين الجراد؛ كفيلة بحماية الأنفس وصيانة المهج، تنير مسالك لابسها فى دياجى الرّهج، إنما هى البحر ولا حرج «7»
اذا ما مشوا فى السابغات حسبتهم ... سيولا وقد سالت بهنّ الأباطح
وكلّ أبيض هندىّ تألّفت من الملح أبعاضه، البرد جسمه والبرق إياضه؛ المفارق مغاربه والأجفان مطالعه، والأنفس موارده والمنايا منابعه؛ لو أثمر لأنبت رءوسا ولو تفجّر لسال نفوسا، ولو تكشّف صافى حديده لرأيت فيه عبوسا
(8/70)

سليل «1» النار دقّ ورقّ حتى ... كأنّ أباه أورثه السّلالا
ودبّت فوقه حمر المنايا ... ولكن بعد ما مسخت نمالا
وكل أسمر اذا انتحى فهو صاح واذا انثنى فهو نشوان، واذا ورد دم القلب فهو ظمآن القناة ريّان السنان؛ اذا خطب النواصى وخط «2» ، واذا كتبت المواضى نقط؛ واذا قصرت يد القرن طال، واذا صليت نار الحرب العوالى صال
توهّم كلّ سابغة غديرا ... فرنّق «3» يشرب الحلق الدّخالا «4»
وكلّ صفراء رقشاء «5» الأديم، كانها أرقم الصّريم «6» ؛ لها فلك بالرزيّة دائر، وسهم بالمنيّة طائر، إن ركب فهو مقيم وإن نزل فهو سائر؛ مع عزائم بنت على «7» الدولة سورا، وجعلت بينها وبين الذين لا يؤمنون بالدولة المعزّيّة حجابا مستورا؛ على أنها غنيمة لم تحتج إلى الإيجاف والإيضاع، وطلبة ألفاها على طرف الثمام «8» وحبل الذراع «9» ؛ وعناية جاءت على اختيار المراد ومراد الاختيار، ونعمة كرّت هى والتوفيق فى قرن
(8/71)

وجرت والسعادة فى مضمار، ومنحة ركضت بها الى المقام المعزّىّ سوابق الأقدار ومعنى خفى من نعم الله لم تلجه عقائل الأفكار؛ واذا سبقت عناية الله فليس لأمر حتمه الله رافع، واذا لحظت السعادة امرأ وقفت دونه آمال المطالب وتقطّعت خلفه أعناق المطامع، واستولت يمينه على آفاق سماء «1» الشرف فلها قمراها والنجوم الطوالع، وهذه مواهب لا تدركها دقائق الأسطرلاب «2» ولا درج الشمس ولا رصد الطوالع
لعمرك ما تدرى الضّوارب بالحصا ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع.
وينهى «3» أنّ حاملها من عقدت عليه الملوك خناصرها، واختصّ منها بالصحبة ناصرها؛ وله فضل لا يذاد عن منهل العلم سوامه، ولا تجهل فى مسالك الشرف
(8/72)

أعلامه؛ وله نفس سمت حتى أخذت سماء السيادة بيمينها، وهمّة اذا رأيت ذاتها الكريمة توسّمت الرّياسة فى جبينها، وأبوّة لا تتّجر من المعالى إلّا فى ثمينها؛ وقد أكلته السنة بل السنوات، وترادفت عليه الملمّات بل المؤلمات؛ وقد صيّر الجناب الزينىّ لما يحاوله ذريعه، وورد المنهل الرّحب وإنه لعذب الشريعه، وقد أصاب به مولانا طريق المصنع فألبسه ثياب الصنيعه؛ ومولانا أولى من أولاه شرف جلاله ونظر اليه بعين كريمة يقابل بها ما يقابله من كرم خلاله؛ فالإبريز قد يشتبه إلّا على نقّاده، والغيث قد يخلف إلا «1» على روّاده، والماء قد يأجن إلا على ورّاده؛ وسيّدنا مصعبىّ الهمم وهذا ابن قيس «2» رقيّاته، ومهلبىّ الشّيم وهذا حبيب أبنائه «3» ، وواثقىّ الإحسان وهذا فى الجلالة ابن [أبى «4» ] دواده وفى الأدب ابن زيّاته «5» ؛ فليضعه حيث
(8/73)

وضعته السيادة صدرا، وليطلعه كما أطلعته الفضائل بدرا؛ وليصرف اليه عناية تعلّق بها الحمد علاقة غيلان «1» بميّه، والحكم «2» بأميّه؛ وهو يعلم- أدام الله أيامه- أن المناصب عرائس، والصنائع قلائدها، والولايات مآدب، والمكارم موائدها، والليالى- كما علمت- حبالى، والسيّئات والحسنات ولائدها؛ وخير من لبس ثوب نعمة كاهل هذا الإمام، وإن الحسنة اليه لأشرف مواهب الأيام، فاغتنمها فإنّها غاية الأغتنام؛ وأعيذ مولانا بالله أن يجعل نظره إليه لمحا، أو يضرب عنه الذكر صفحا، أو يكون مولانا روضة ثم لا يجد هذا الصدر منها نفحا، ومطلع آفاق الشرف ثم لا يستوضح هذا الملتمس من أفقها صبحا.
ومثل صدر هذه الرسالة لبعض الكتاب المتقدّمين «3» :
الحمد لله مقلّب القلوب، وعالم الغيوب؛ الجاعل بعد عسر يسرا، وبعد عداوة ودّا، وبعد تحارب اجتماعا، وبعد تباين اقترابا؛ رأفة منه بعباده ولطفا، وتحنّنا عليهم وعطفا؛ لئلا يستتمّهم «4» التتايع، فى التدابر والتقاطع؛ وليكونوا بررة إخوانا، وعلى الحقّ أعوانا؛ لا يتنكّبون منهجا، ولا يركبون من الشبهة ثبجا؛ بغير دليل يهديهم
(8/74)

قصد المسالك، ولا مرشد يذودهم عن درك المهالك؛ أحمده على نعمه التى لا يحصى الواصفون إحصاءها، ومننه التى لا تحمل الخلق أعباءها؛ حمدا يتجدّد على ممرّ الأزمان والدهور، ويزيد على فناء الأحقاب والعصور؛ وإنّ أحقّ ما استعمله العاملون ولحق به التالون، وآثره المؤمنون، وتعاطى بينهم المسلمون؛ فيما ساء وسرّ، ونفع وضرّ؛ ما أصبح به الشّمل ملتئما، والأمر منتظما؛ والفتق مرتتقا؛ والسيف مغمودا ورواق الأمن ممدودا؛ فحقنت به الدماء، وسكنت معه الدهماء، وانقمع به «1» الأعداء؛ واتصل به السرور، وأمنت معه الشرور؛ وليس بذلك أولى، والى إحراز الثواب به أدنى من الصلح الذى أمر الله تبارك وتعالى به، وخصّ وعمّ ورغّب «2» .
ولنعد الى كلام الشيخ ضياء الدين بن القرطبى
فمن ذلك ما كتب به أيضا الى الصاحب شرف الدين الفائزىّ جوابا عن كتاب شفاعة يوصى على أخيه نجم الدين، فأجابه الشيخ: يخدم الجناب الشرفىّ- رفع الله قدره بين أوليائه، وأطاب ذكره فى مقام عليائه؛ وأطال عمره مقترنا بعزّه، وأقرّه فى كنف سلامته وكهف حرزه- وردت الأوامر المطاعه، المقابلة بالسمع والطاعه؛ فى حق أخى المملوك مولانا نجم الدين، فتلقّى راية طاعتها بيمينه، وأقرّها من تعظيمه فى أسرّة جبينه، وأحلّها من شرف الامتثال فى مستودع دينه؛ وقابل حاملها بأوفر ترحيبه، وأقرب تقريبه؛ وواجهه بإجلال الأخوّه، وخلال «3» البنوّه؛ وأحلّه كنف قلبه، وأودعه بين شغاف «4» القلب وخلبه «5» ، وأعاده الى معهود ولائه وحسبه؛ وقرّر له
(8/75)

فى كلّ شهر عشرة دنانير وهى نهاية قدرته، وأعلمه أنّها أعود نفعا من ولايته وأقرب عونا من إمرته؛ وعاهد الله ألا يتعرّض لجنديّة أبدا، ولا يمدّ لطلب ولاية يدا؛ ولا يقف بين يدى الأمراء بعدها، ولا يتجاوز بجلالة أبويه حدّها، ولا يهمل شرف نسبته التى لم تصاعر «1» [لها «2» ] الأيّام خدّها؛ وأخذ عليه عهود الله والمملوك فى الوفاء مهما عهدها؛ وقد توجّه الى المشارع الصاحبيّة التى استعذب وردها والمكارم الشرفيّة التى ألف حمدها، والصنائع الإحسانيّة التى وجد فى مرارة الفقر حلوها وفى حرارة الغربة بردها؛ وعاود عشّ الفضل الذى منه درج، وبيت الكرم الذى اليه دخل ومنه «3» خرج، وسماء الإحسان التى أطلعت نجم إمامته فعرّج عليها وإليها عرج، وبحر المعروف الذى اذا أطنب لسان ثنائه قالت شواهد بيانه: «حدّث عن البحر ولا حرج» ؛ ومولانا يضعه تحت كنفه، ويرفعه لله ولسلفه، ويقابله الجناب الشرفىّ بما عرفه من شرفه؛ ويعينه على جاريه الذى هو مادّة رفقه، وأوّل ما أجراه الله على يد مولانا من رزقه؛ بكتاب يجزل له العزمات وينميها «4» ، ويسكن روح الحياة فى جسد فاقته ويبقيها؛ فهو ذو ضرّاء لا تسدّها إلا القناعه، وذو فاقة لا ترفعها إلا السّعة التى تمدّ باعه؛ والله يجعل مولانا وقاية لمن لجأ إليه، وإعانة لمن اعتمد عليه؛ إن شاء الله تعالى.
(8/76)

وكتب إليه أيضا شفاعة فى بعض الأعيان
فقال:
وينهى أنّ الله تعالى متولّى سرائر عباده، ومجازيهم على مخالفة أمره وإن كان على وفق مراده؛ أعدّ دارى ثوابه وعقابه، وحذّر أولى العقوبة من أليم عذابه؛ ثم عمّت رحمته فشفّع فى العصاه، وعفا عن الجناه؛ فقال: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ
ثم بذلت عوارف الإحسان، وعواطف الحنان؛ حتى شفع الى خلقه، فى العفو عن حقّهم وحقّه؛ صفة كرم رحمانيّه، وصلة عفو إحسانيّه، وصنائع الطاف ربانيّه، فشفع إلى الصدّيق فى مسطح، فقال:
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا
فقدّم موجبات العطف بما قدّم من القرابة والمسكنة والمهاجرة، ثم تلقّاها من أجر الآخرة بكرم المجازاة وربح المعاملة، وحسن جزاء المنعم، تعريفا بمواقع الإحسان، وتكريما لنوع الإنسان؛ ومملوك مولانا فلان الذى أنزل حاجته بعبدك «1» ، وقصده قبل قصدك؛ وأسكن حريمه مجاورا لحريمه وتشفّع به إلى صدر الزمن وكريمه، واستوهبه الذنب وإن كان معترفا بعظيمه؛ والصنع الجميل ثمرة الأيام، والفضل أثبتته ألسن الأقلام؛ ولله لحظات تلحظ عباده ويرحم الراحمين، ويجزى المتصدّقين، ولا يضيع أجر المحسنين؛ وإن مولانا «2» عقال الشرف وذو الفضل الانف «3» ، والعارف فى صنائع الإحسان كيف تؤكل الكتف؛ وقد أحلته
(8/77)

على ملاءة «1» أياديك، وألبسته ملاءة معاليك، وأحللته بضمان الله كنف ناديك؛ وأنت الكريم أخلاقا ونسبا، والطّيّب أعراقا وأبا، والصّدر الذى إذا سامته الأيّام خطّة ضيم ابى، وإذا أوطأته مهانة «2» وخسفا نبا؛ وأحقّ من قبل هذه الشفاعة كرمك «3» وأولى من رعاها شيمك، والمعالى جنود الشرف وأحقّ علم رفع «4» عليها علمك؛ والله تعالى يبقيه للأنام ملاذا، وللأمل معاذا، ويهب عزمه مضاء وقلمه نفاذا؛ إن شاء الله تعالى.
وكتب الى «5» قاضى القضاة تاج الدين بن خلف:
يخدم الجناب التاجىّ- أدام الله شرف الملّة ببقائه، وأعلى كلمة الأمّة بعلائه وأجرى ألسنة الأقلام بثنائه، ورفع ألوية أوليائه بولائه- وينهى ورود مشرّفته الّتى تجلّت فى سماء السيادة حسنا، وسهلت لفظا وجزلت معنى، وغدا لسان الإحسان عليها يثنى، وعنان الفضائل اليها يثنى؛ وقد أخذت برقاب المعانى، وأطربت إطراب المثانى، وبعثت روح الحياة الى روح الأمانى، وثنت إلى فضلها الأوّل عنان الثانى
فحىّ «6» هلا بالمكرمات وبالعلا ... وحىّ هلا بالفضل والسّؤدد المحض
(8/78)

لا جرم أنّ المملوك سجد لله ثم لجلالة «1» ذلك الاستغفار، وقبول كلمات الاعتذار؛ وعلم أنّ مولانا لبس حلّة التواضع لتمام شرف الاصطناع، وليحوز أقسام السيادة بالصدر الرّحب والخلق الوساع «2»
سجيّة «3» نفس شرّف الله مجدها ... بما شاء من فضل لديها ومن حلم
وسؤدد آباء وكسب سيادة ... تضمّ إلى عزّ العلا شرف العلم
هذا مع إساءتنا التى تسوّد وجوه الأمل، ويقضى كفرها- لولا إيمان مولانا- بإحباط العمل، على أنها ملازمة المعلولات للعلل
وما كنت جانى فتنة غير أنّها ... إذا وقعت أردت مسيئا ومحسنا
ولو رشقتنى مصميات سهامها ... لألفت لها حكما من الله بيّنا
وإن جلال الله يشهد أنّنى ... بذلت من الوسع الذى كان ممكنا
وحذّرت حتى لم أجد متحرّزا «4» ... وأسمعت لكن لم أجد ثمّ أذّنا «5»
وكانت صعاب «6» تقتضيها مشيئة ... وهل لقضاء الله ردّ إذا دنا
وأما إشارة مولانا إلى الحاجب الذى هو لمولانا أشرف من حاجب بن زراره بما «7» أودعه أثناء تلك الكلم من لطيف الإشارة وشريف العباره؛ فجزاء مولانا على الله فى جبره لقلب المملوك المنصدع، وصلة أمله المنقطع.
(8/79)

وكتب إلى الصاحب قاضى القضاة بدر الدين السنجارى-
وهو يوم ذلك متولى الحكم والوزارة بالديار المصرية:
لا زال الإسلام يستضىء ببدره، والإيمان يأرز «1» إلى صدره، والشرف يتضاءل عند قدر جلالته وجلالة قدره، والآمال والآجال مصرّفة بين بسطة نعمته وسطوة قهره، هذه على ذكره وهذه على شكره، والمكارم والمحامد تتعلّق وتتألّق هذه بنشره وهذه ببشره، والعزم والرأى إذا فلّ أو فال «2» استغاث واستضاء هذا بنصره وهذا بفكره
ولا غرو أن تثنى الوزارة جيدها ... إلى ناظم فى جيدها عقد فخره
الى أحوذىّ «3» الرأى إن ناب معضل ... أراك جلىّ الأمر إيحاء سرّه
إذا استغزر الذهن «4» الذكىّ تضاءلت ... له فكرتا قيس «5» الذكاء وعمره «6»
(8/80)

فيطلع رأيا واضحا من سداده ... كما انشقّ برد الليل عن ضوء فجره
إلى سؤدد أجرت معاليه خيله ... سوابق غرّا «1» فى بهيمات دهره
وكم سابق أجرى إلى غاية العلا ... ولكن طوى سبقا ملاءة حضره
بحلم تجلّى فى أسرّة وجهه ... وجود تجلّى من طلاقة بشره
يمينا لقد أضحت جلالة قدرها ... على شرف المقدار من دون قدره
سطّرها المملوك بعد ما لبست الوزارة حلّة فخرها، وسحبت ذيل افتخارها، وبدا معصم شرفها فى حلية سوارها، وتجلت معانيها بين شموس فضلها وأقمارها، وجنينا الغضّ من زهرها، والطيّب من ثمرها، وحمدنا جميل تأثيرها وحميد آثارها
وحيّت على بعد المدى نفثاتها ... بأطيب من رند «2» الرّبا وعرارها «3»
واجتلى المملوك حسناء إحسانها فما ضارعتها البدور مذ فارقت سرارها، ولا الأنجم ولو نظم الفلك أنوارها، ولا الروضة وقد عقدت الغمائم إزارها «4» ، ولا أطلال ميّة وقد دبجت يد الأنواء «5» أزهارها، ولا أردان عزّة «وقد أوقدت بالمندل «6» الرطب
(8/81)

نارها» ؛ صلة جاءت كبرد الشباب «1» ، وبرد الشراب؛ اقتضابا قبل السؤال، وابتداء الآمال؛ والمملوك يحضر عقيبها ليجتلى وجه المنعم قريبا، ويجتنى غصن النّعم رطيبا
ومتى لم أقم بشكرك للنا ... س خطيبا فلا وقيت الخطوبا
وكتب الى الصاحب تاج الدين محمد بن الصاحب بهاء «2» الدين على بن محمد المعروف بابن حنّاء «3» :
رفع الله قدر الجناب الصاحبىّ التاجىّ فى شرف الأقدار، وأجرى بإرادته وسعادته سوابق الأقدار، وألبسه حلية الشرف التى هى على رأس رياسته تاج وفى معصم سيادته سوار، وحلّة النعم التى ينكمش «4» لأجلها ردن المساءة وينسحب بمثلها ذيل المسار، وأمضى عزائم آرائه التى اذا سطت يوم البأس نفذت نفوذ
(8/82)

السهم ومضت مضاء الغرار «1» ، واذا سرت فى ليل الخطب هدت هداية النجم ووضحت وضوح النهار، وأرضى همّته التى اذا همّت أغنت عن الأبيض المرهف والأسمر الخطّار، واذا أمّت شأت «2» ناصية الحنفاء «3» وبذّت قاصية الخطّار «4» ؛ وأرهف أقلامه التى اذا أجراها أثبتت خال النّقس، فى وجنة الطرس، وطرّزت بالظلماء أردية الشمس؛ واذا هزّها أنست هزّ العوامل، وأصابت من الأمر الكلى والمفاصل، وإذا أمضاها لنعمة أو لنقمة فللجانى لعاب الأفاعى القواتل، وللعافى أرى «5» الجنى اشتارته أيد عواسل؛ ولا زال ربعه مربعا للجلال ومصيفا، ومرتعا لسوام الآمال وخريفا، ومشرعا وارد الظلال وريفا؛ وحرما آمنا تجبى اليه ثمرات الحمد وتجنى منه ثمرات الرّفد، وتقف المعالى عليه «وقوف مطايا الشوق بالعلم «6» الفرد» ؛ فإنه الربع الذى وقفت به الآمال وقوف غيلان «7» بدارميّه، وعكفت [عليه «8» ] المحامد «9»
(8/83)

عكوف توبة على حبّ الأخيليّة «1» ؛ والجناب [الذى «2» ] فاءت ظلاله وفاضت مواهبه وجاءت مذانبه «3» ، وجادت سحائبه، وجلّت شيمه وتجلّت غياهبه؛ فى روض المعالى الذى فاحت سائمه، وناحت حمائمه، ومنشإ المجد حيث شاب فأرخيت ذوائبه وشبّ فقطّعت تمائمه، وبيت الرياسة الذى اذا دنوت حباك بإكرامه واذا نأيت حيّتك مكارمه، وصدر السيادة الذى خضعت له الأعناق هيبة «لأبلج لا تيجان إلا عمائمه»
ولا زال بدرا فى سماء سيادة ... يشار إليه فى الورى بالأنامل
بسيط مساعى المجد يركب نجده ... من الشرف الأعلى وبذل الفواضل
إذا سيل «4» أغنى السامعين جوابه ... وان قال لم يترك مقالا لقائل
محدّد أيام الحياة فكلّها ... لطالب علم أو لقاصد نائل
وينهى ولاء مخبوءا بسويداء قلبه، موضوعا بين شغافه وخلبه؛ وثناء مسموعا فى محافل الأنام، معلنا «5» فى صحائف الحمد بألسنة الأقلام، جديدا على ذهاب الليالى واختلاف الأيام؛ ودعاء سابق أراعيل «6» الرياح، ووضحت أنوار إجابته وضوح
(8/84)

الصباح، وطار الى ملإ القبول بقادمة كقادمة الجناح؛ وتحية اذا واجهت وجه الجهام أمطر، واذا هزّت أعطاف الكهام»
أثّر؛ أرقّ من النسيم السّحرى، وأعطر من العنبر الشّحرىّ؛ وأصفى من ماء المناقع «2» ، وأحلى من «جنى النحل ممزوجا بماء الوقائع «3» » يرى ذلك فى شرع المروءة واضحا واجبا «4» ... ؛ تحيّة من أولى النعمة فشكرها وعرف العارفة وما أنكرها، وآمن بيده البيضاء من غير سوء ومذ آمن بها ما كفرها؛ كيف لا وقد امتزج بحبها لحمه ودمه، وسبّح بحمدها قلمه وفمه، وجرت شيم حمده على أعرق جيادها والخيّر من سبقت به إلى شكر المنعم شيمه؛ لا سيّما وقد جنى الطّيب من ثمارها، وورد العذب من أنهارها «5» ؛ فلا أعدم الله مولانا صنائع الإحسان الذى انعقدت عليه كلمة الإجماع، وأنشده لسان المحامد عن شرف الاصطناع
فلو صوّرت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع «6»
ولا زال اللطف صدى صوته إذا دعا، والنجح قرين مساعيه أنّى سعى، وحاكم الفضل يصدّق دعواه حوز كلّ فضيلة كيف ادّعى؛ حضر المملوك مهنّئا نفسه بهنائه، ساعيا فى خدمته سعى الأجدل «7» فى هوائه، والنجم فى سمائه؛ من ملازمة
(8/85)

وجهه الذى ألقى الله عليه محبّة منه فاستنار، واكتسى حلّة الحياء فألبسته حلّة الوقار؛ واجتلته المقل فرأت رونق الخفر عليه باديا، وائتمت به الهداة فألفته نجما فى سماء السيادة هاديا؛ وقالت الأمانى فى ظلّه فأنشأ جوده قائلا:
نزلت على آل المهلّب شاتيا «1»
ورأيته والناس مؤمنون من ليث «2» عليه مهابة فكانوا الكروان «3» أبصرن بازيا «4» ؛ أبّهة الجلاله، وجلالة الأصاله؛ وأصالة الشرف، وشرف الفضل الأنف، ورياسة ورّثها خير سلف لخير خلف، وشيم علّمته فى المعالى كيف تؤكل الكتف؛ فصادف ركابه العالى قد استقلّ، وحلّ من دارة العزّ حيث حلّ؛ فأقام رجاء أن يعاين أسرّة جبينه، ويقبّله كتقبيل الندى فى يمينه؛ وحين جنحت الشمس الى مستقرّ الأنوار وطوى الفلك بيد القدرة رداء النهار، وأشرف اليوم من خشية «5» طيّه على شفا جرف هار؛ وثوّب «6» داعى العصر وحيعل، وعاين نيّر الفلك فى وجه السماء كعين الأقبل «7» ؛
(8/86)

ثنى عنانه إلى مثوى قراره، وانثنى يسابق أدهم ليله بأشهب نهاره؛ وعلى الرغم أخفق مسعاه، ولم يقل «1» قلبه الشوق الذى دعاه؛ لكن سار وأقام خالص ولائه وعاد بعد ما أودع الحفظة مرفوع دعائه؛ فعرّف الله مولانا بركات هذا الشهر الذى سارت به إلى إحسانه مطايا أيامه، وجعله مثبتا لحسناته ممحّيا «2» لآثامه، وحلّاه بالمقبول «3» من صيامه والمشهور من قيامه؛ وأراه صدر برّه أثلج، ووجه بدره أبلج، وثغر ابتسامه عن رضوان القبول أفلج؛ ورقّاه درج تضاعف حسناته، ولقّاه من كرم الله مذخور إحسانه وموعود هباته؛ وأراه الأمل فى بنيه، وأرانا فيهم ما رأينا فيه؛ فهو غاب «4» العلم وهم أغصانه وشجره، ومطهّم السابقين وهم حجوله وغرره؛ وانى لألمح «5» من مخايل شرفهم وشرف مخايلهم، وشمائل شيمهم وشيم شمائلهم؛ نجابة «6» تضعهم من الرّياسة فى أنفها، ومن السيادة بمكان شنفها؛ فهم جذوة فضل مبرقه، ودوحة علم مورقه ونبعة سيادة معرقه، وشموس معال فى أفق كلّ شرف مشرقه؛ سمت بهم أصالة النسب، وفضيلة الأدب المكتسب، وجمعوا بين شرف العمومة والخؤولة فى كرم المنتسب؛ فللعلا ألسن تثنى محامدها على الحميد من فعلهم وشيمهم، وللندى مواهب عزيت مذاهبها «7» الى العليّين من كرمهم وهممهم؛ لا زالت محاسنهم قلائد الأجياد وأيّامهم مواسم الأعياد، وحرمهم المخصب بالمكارم سواء العاكف فيه والباد؛ إن شاء الله تعالى.
(8/87)

وكتب الى القاضى شمس الدين الأصفهانى الحاكم-
وكان بالأعمال القوصيّة- رحمهما الله تعالى-:
أوضح الله صنائع المجلس فى بهيم الآمال غررا، ونظم أياديه فى أجياد الأيّام دررا، وصفّى مشارع أمانيّه إن كان مشرع الأمانىّ كدرا، ولا زال الإسلام يشدو بحمده مفتخرا، والأيّام تتلو مجده سورا، والشرع المحمدىّ يكون بمضائه فى ذات الله منتصرا
فقد نشرت يمناك أردية العلا ... تحلّى بلاد الله بالدين «1» والعلم
وأمضيت أمر الله فى شرع أحمد ... وقيّدت شكر الله فى مطلق الحكم
وترضى كلا الخصمين فى السّخط والرضا ... كأنك تعطى الخصم ما كان للخصيم
الى غير ذلك من محاسن وضحت وضوح النجم فى الليل البهيم، وسرت الى الحمد سرى المجدّ الى الشرف الصميم، وحدّثت عن مساعيه فجاءت بالنثر البديع والدرّ النظيم، وأثنت عليه ثناء وارف الروض على واكف الوبل بألسنة النسيم
وهزّت جناحى فضله وجلاله ... الى درك العلياء من غاية المجد
وقالت معاليه لى المجد كلّه ... فما ابنة ذى «2» البردين والفرس الورد
(8/88)

فلا عدمه الإسلام إماما فاضلا، وحكما فاصلا، وساعيا الى غايات الفضائل واصلا، وفاعل حسنات صيّر الحاصل من ثنائه باقيا والباقى من عمله الصالح حاصلا؛ المجلس- أدام الله أيامه- يعلم أن الأيام مسّتنى بحدّ شباتها، ورمتنى عن قوس أذاتها، وجنتنى الحنظل من شجراتها، والمرّ من ثمراتها، وأضرمت من نار ألمى ما لم تطفئه مقلتى بفيض عبراتها
كأنى لم أطلع بأفق سمائها ... ولم أتقلّب فى ثياب سماتها
ولم أك منها فى سويداء قلبها ... مخايل من هدى العلا وهداتها
- أستغفر الله- فإنها استرجعت ما لم يكن مستحقّا، وأبقت إن شاء الله لمجلسه السامى ما كان حقّا، وأسكنته «1» - أدام الله نعمته- وفلك السعادة شرقا ومطلع الشمس أفقا، وأحلّته «2» من كنف السيادة قلبا ومن رأس الرّياسة فرقا
وتطلعه الآمال خير غمامة ... فتلمعه برقا وتوكفه ودقا
وتبقيه للدين الحنيفىّ عصمة ... وللهدى والإضلال إن أبهما فرقا
وتبرزه فى صدر كلّ فضيلة ... كما بذّ شأو الفاضلين بها سبقا
حضر مملوك مولانا الولد [وقد «3» ] رفع من المحامد الشمسيّة لواء، والتزم العبوديّة والإخلاص ولاء، وعمر الأفنية ودادا والأندية ثناء؛ وقال: أحسن مولانا حين أساءت الأيام، وأولى نعمة حاتمية وإنها أشرف الإنعام
(8/89)

وما لى لا أثنى عليه بصالح ... وأشكره والشكر بعض حقوقه
وأملأ من حسن الثنا كلّ مسمع ... وإنّى لأخشى بعد إثم عقوقه
ثم سار وقلبى يتبعه، ودمعى يشيعه، ولسانى يستحفظه الله ويستودعه؛ وعليه من الديون ما أحاط به إحاطة الجفون بمقلها، والأغماد بمنصلها «1» ؛ لتوالى هذه المغارم التى طمّ جداها «2» ، والمظالم التى عم رداها، والمحنة التى ملكتنى يداها؛ من خراج طمى بحر ظلمه، وزاد على حدّ «3» الجور رسمه وخصصت من بين هذا العالم بوسمه «4» ؛ للزوم قام بوصفى فتبعه لازمه، ومعنى وجب لذاتى فاستحال عدمه؛ وقد كان المملوك وولده فيما سلف يجودان بما يجدان لقانع ومعترّ، وغنىّ ومضطرّ؛ صيانة للأعراض من أعراض اللّوم، ورغبة فى صلة حمد الأمس بفائد «5» اليوم؛ وسجيّة نفس تأنف من علاقة الذم؛ وإن كان هذا فيما لا يجب فالقياس فيما يجب انبعاث النفس اليه من حتم المروءة أمضى»
، والدّين بأداء الواجب أقضى؛ لانه
(8/90)

مؤيّد بإبرام الشرع، وقد صحّ هذا القياس بجامعيّة الأصل والفرع؛ لكن ضاقت «1» يد القدرة عن نفاذها، واعتاضت من وابل الثروة برذاذها؛ واذا توافرت القرائن أفادت فوق ما تفيد غلبات الظنون من مدار الشرعيّات عليها، وانتهاء غالب الأحكام إليها؛ وقد كان المملوك حرّك عزائم سيّدنا قاضى القضاة- شرّف الله قدره، وأدام على الإسلام أمره- إلى تحرّيها «2» العلوم الكريمة بما هى عالمه، وحكمها بما هى حاكمه؛ ليكون «3» له مستند يدفع أقوال المتعرّضين، ويصرف اعتراض المعترضين؛ ولئلّا يقف له واقف فيجرى قلمه الشريف بأمر جازم يجب الوقوف على مثاله، والمسارعة إلى امتثاله؛ فيعزّ استدراك الأمر بعد إحكامه، ويكون السعى فى معارضته كالنقض لأحكامه؛ فكتب بما يقف مولانا عليه، وتشير مروءته وديانته اليه؛ ويقرّر مع نائبه «4» ما يقف عنده، ولا يتجاوز حدّه؛ غير ذاكر عن مولانا منعا ينفّر عنه الرّواه «5» ، ولا مشنّع «6» بكتّاب سيّدنا قاضى القضاه؛ بل يكون كالشافع، اذا صمّم الخصم اعتذر بما هو لهذه المصالح كالجامع؛ ليكون المملّك «7» فى إرضائه بحسب الإمكان ويرى الخصم ما أخذه بعد اليأس نوعا من الإحسان؛ فالنفوس اذا منعت كلّ المنع طلبت كلّ الطلب، وتعلّقت فى درك أغراضها بكل سبب؛ وإذا أخذت بالكلام
(8/91)

البيّن «1» ، وعوملت بالسهل «2» الليّن؛ بعد درء سورتها «3» بالمنع، ودفع شهوتها بالدفع؛ اتّسق حكم الأشياء وانتظم، وانشعب صدع هذا الجرح والتأم؛ وجرى الأمر على سداد بحفظ النظام وحفظ الحرمة والحفظ للشارع، ولذلك قال: «أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم» لا سيما مع شهادات ضروراتهم؛ بسط الله يمين سيدنا فى المعالى كما بسط لسانه فى المعالم، وقيّد عليه لسان المحامد كما أطلق يده بالمكارم «4» ؛ وعليه تحية الله التى توالى عليه نفحاتها، وتهدى إلى آماله العالى [من «5» ] مقترحاتها.
وكتب إلى شهاب الدين محمود متولى سمهود «6» من عمل قوص-
وكان بينهما مودّة، فاستدعاه للسلام عليه- فكتب:
إلينا فإنا قد حللنا بأرضكم ... على فرط شوق لابن عثمان دائم
وزرناك محمودا كما زار أحنف «7» ... لنيل الأمانى ربع قيس بن عاصم «8»
(8/92)

ولسنا بغاة للندى والتماسه ... وان كنت معروف الندى والمكارم
ولكن وفاء بالإخاء لمن وفى ... وقد خان حتى حدّ سيفى وقائمى
وجدتك ذخرى والزمان محاربى ... كما كنت عونى والزمان مسالمى
فلا غرو أن أثنى اليك أعنّتى ... كما قد ثنت يمناى خنصر خاتمى
يهدى الى المجلس السامى الشرفىّ تحيّة الله التى تحملها أنفاس النسيم معطّرة بعرف الرياض، مكلّلة بأندية الكرم الفيّاض؛ تغاديه فى السحر والمقيل، وتراوحه فى الطّفل والأصيل، وتشاهد محاسنه «1» المقل أحسن من محاسن بثينة فى وجه جميل؛ وأثنيته «2» التى تنتظم فى الأجياد انتظام القلائد، وترد على الأسماع ورود الهيم «3» على عذاب الموارد؛ ويوليه «4» من حبّه مزيّة الاختصاص، ومن موالاته السوانح التى لا تمتد إليها يد الاقتناص؛ فهو نسيم الأنس، ومسرّة النفس، وذخر اليوم والأمس؛ مصعبىّ الهمم، مهلّبى الشيم «5» ، حاتمىّ الكرم؛ فاق أخلاقا، وراق أعراقا؛ وسما نفسا، وطلع فى سماء الشرف شمسا
وألفيته فى نفسه وولائه ... وحسن معانيه كما انتظم الدرّ
وضاع شذا أنفاسه فانتشقته ... على النأى منه مثلما ابتسم الزهر
ولاحت معاليه بآفاق مجده ... كما لاح فى ليل التّمام لنا بدر
(8/93)

لا حرم إتيانى «1» اليه، وإيثار تسليمى عليه؛ مع أنى كنت أعهد له خلوة حلوة مع الله ووقفة على بابه، والتجاءه فى جنح الليل إلى جنابه، ودمعة يرسلها إذا استرسل فى محرابه؛ وضراعة يتابعها خشوعه، وزفرة يشتمل عليها قلبه وتفرّق عنها ضلوعه
فيا ليت شعرى هل أقامت بثينة ... على عهدها أم قد ثنتها الشواغل
وهل ذلك الودّ الذى كان بيننا ... بوادى الخزامى مثل ما كان أوّل «2»
وكتب اليه- رحمهما الله- يستدعى منه ثلاثة أسهم ومليات «3» - وقد أوردنا بعض هذه الرسالة فى الفن الأوّل فى السواقى، ونوردها فى هذا الموضع بجملتها لتكون متتابعة يتلو بعضها بعضا-:
والسيف يندب فى الوغى فيهزّه ... ندب الكمىّ الى مضاء غراره
والحرّ أولى بانتداب خلاله ... لمؤمّل فيه قضا أوطاره
فلذلك حرّكت العزائم العالية المولويّة الشرفيّة- أدام الله علاها، ورفع لواها وأودع أسماع الأنام ثناها؛ ولا زالت مرفّهة السرائر، منوّرة الضمائر، سائرة فى قطب المعالى سير الفلك الدائر، آخذة بحظها من شرف المفاخر، جامعة بين درك إحسان
(8/94)

الله فى اليوم الأوّل واليوم الآخر- تحريك الطّسميّة «1» عزائم الأسود بن عفار «2» وبعثتها إلى إنالة الأمل انبعاث الهمم العربيّة يوم ذى قار «3» ، واستجشت عزائمها استجاشة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عزائم الأنصار، واستنجدتها استنجاد العثمانيّة بالهاشميّة يوم الدار «4» ، واستحثثتها سرعة الإجابة استحثاث أدهم الليل أشهب النهار؛ فإنها
(8/95)

للتى ثنيت عليها خنصر الاعتماد، وصرفت اليها عقيدة الاعتداد «1» ، وجعلتها من القلب فى سويدائه ومن المقلة فى السواد، واعتمدت عليها اعتماد بكر على الحارث بن عباد «2» ؛ لا جرم أنها والحمد لله تعالى ساعية لآمالى متى استسعيتها، وصدى صوتى متى دعوتها وفاتحة كتاب المحامد متى تلوتها؛ وأعيذها بالله أن تنكب عن قضائها «3» ، أو تقف دون غاية انقضائها؛ وإنها لأورق «4» فرعا من أفنان السّلمه «5» ، وأعراق أصلا فى الوفاء من أصل السّلمه «6» ، وأرشق سهما فى كنانة سلمه «7» وأوثق فى حفاظ المودّة من ابن شبرمه «8» ؛ يقين
(8/96)

أحطت بأنبائه، إحاطة رسول ابن داود «1» يوم إنبائه؛ فلا أشكّ فى «2» شرف نفسها وسموّ نجمها ووضوح شمسها، وزيادة يومها فى الوفاء على أمسها «3» ، كما لا تشكّ الإياديّة فى فصاحة قسّها، ولا العامريّة فى علاقة قيسها؛ وقد توجّه اليه حاملها لحمل السهام التى أسهمت له من الموالاة «4» أوفر أقسامها، ونشرت رداء ذكره على أفئدة قلوبها وألسنة أقلامها؛ عند اشتداد الحاجة إليها، وجرّ ثقل السواقى عليها؛ وحركة الحرّ التى حلّت شمسه برج حملها «5» ، وتوالت جيوش جنوده بين صدور ظباها وأطراف أسلها؛ تجفّف أنداء الثرى، وتعيد عنبر «6» الأرض عثيرا، وتشيب مفارق نباتها، وتذيق الممات «7» أكباد حبّاتها؛ فاستنصر العزائم العالية المولوية الشرفيّة فى إطفاء لهبه واقتضينا إعانته قبل انتضاء «8» قضبه، وبعثنا لمحلّ الهمة الشرفيّة قبل سطوته على قضبه «9» وقصبه؛ لتجرى جداولها على صفحة الثرى مستفيضه، وتجنى ثمرات رياضها من
(8/97)

أنداء همّته أريضه «1» ؛ وتغازل مقل النفوس لحظات أزهارها، وتفتن أفنان «2» فنونها بنوح بلبلها وهزارها، ويبوح شذا الروض عن «3» سرّها وآثارها «4» ؛ هذا مع أنّها خطبت حسن إحسانه، وتقلّدت جميل برّه وجزيل امتنانه؛ والربيع منمنم العذار، موشّى الإزار؛ قد لبس رداء شبابه، وماس فى خضر ترابه وخضل ربابه «5» ؛ يهزّ أعطاف سنائه «6» ، ويخطر فى برد هوائه وبرد مائه، فكلّل وجنات نوره ببرد أندائه؛ والثرى عنبرىّ الأديم، سحرىّ النسيم، رندىّ الشميم؛ موشّح بقلائد غدرانه، مغازل بعيون نرجسه بسّام بثغر أقحوانه؛ لا يغرّد «7» ذبابه ولا يطرّب، ولا يصرّ «8» بسحراته الجندب؛ تطلع شمسه محتجبة فى ضبابها «9» ، مقنّعة من سحابها؛ جارية فى أثناء حبكها «10» ، جائلة فى أدنى فلكها؛ تسعى فتسرع، وتكاد أن تغرب حين تطلع؛ والجوّ معقود الأزرار، فاختىّ «11»
(8/98)

الإزار؛ غيمه منسكب، ونوره منسحب؛ وليله يضمّ أطراف نهاره، ويلفّ وجهه فى حاشية إزاره؛ ينفى القذاة «1» عن مائه، ويجمع الحواسّ على جلوائه «2» ، ويعشى المقل من ضوء سنائه
فلو أن ليلى زارنى طيف أنسها ... وماء شبابى قاطر فى ذوائبى
ضممت عليها البرد ضمّة آلف ... وألصقت أحشائى بها وترائبى
ولكن أتتنى بعد ما شاب مفرقى ... وودّعت أحبابى له وحبائبى
والحاجة داعية إلى ثلاثة أسهم، كأنها هقعة «3» الأنجم؛ ممتدّة امتداد الرمح، مقوّمة تقويم القدح؛ غير مشعثة الأطراف، ولا معقّدة الأعطاف، ولا مسوّسة الأجواف؛ تحاسن الغصون بقوامها، والقدود بتمامها؛ وتخالف هيفها بامتلاء خصورها، وتساوى [بين «4» ] هواديها وصدورها؛ معتدلة القدود، ناعمة الخدود؛ مع مليات «5» أخذت النار فيها مأخذها فاسودّت، وتطاولت عليها مدّة الجفاف فاشتدّت؛ وترامت بها مدّة القدم، كأنها فى حيّز العدم؛ صلاب المكاسر، غلاظ المآزر؛ تشبه أخلاقه فى هيجاء السّلم، وتحكى «6» صلابة آرائه فى نفاذ الرأى ومضاء العزم؛ تكظم على الماء بقبضها «7» ، فتجود على الأرض بفيضها؛ تمدّ يد أيدها «8» فى اقتضاء إرادتها، وتطلع
(8/99)

طلوع الأنجم فى فلك إدارتها؛ وتعانق أخواتها معانقة التشييع، فآخر التسليم أوّل التوديع؛ على أنها تؤذن بحقائق الاعتبار، وتجرى جرى الفلك المدار فى فناء الأعمار
تمرّ كأنفاس الفتى فى حياته ... وتسعى كسعى المرء أثناء عمره
يفارق خلّ خلّه وهو سائر ... على مثل حال الخلّ فى إثر سيره
ويعلمه التّدوار لو يعقل الفتى ... بأن مرور العمر فيه كمرّه
فمن أدركت أفكاره سرّ أمرها ... فقد أدركت أفكاره سرّ أمره
ومن فاته الإدراك أدركه الردى ... إذا جرّعت أنفاسه كأس مرّه
هذه آخر خطوات القلم، ومنتهى خطرات الكلم؛ فقم فى سرعة وصولها وتعجيل رسولها
بعزم [غدا] ينسى لمروان عزمه ... براهط «1» إذ جاشت عليه القبائل
غير معتمد عليه، ولا مفوّض أمرا اليه؛ فلم أعتمد عليه اعتماد الصّوفه «2» ، وإنما هو العماد عند أهل الكوفة «3» ؛ وإنما هو حمار سير، وذنب طير؛ يحمل ورقة مطويّة عن
(8/100)

علمه، مزويّة عن فهمه؛ «كما يحمل الزّند الشرار إلى العظم» والله تعالى يحلّه من السعادة أشرف آفاقها، ويحرسه فى طفل الشمس وإشراقها
ويجريه من ألطافه نحو غاية ... تبلّغه الألطاف حلو مذاقها
ويلبسه فخر السيادة والعلا ... كما لبست أسماء «1» فخر نطاقها
إن شاء الله تعالى.
ذكر شىء من إنشاء المولى [القاضى «2» الفاضل البارع الأصيل] الأجل محيى الدين عبد الله [بن عبد «3» الظاهر] رحمه الله تعالى
كان رحمه الله من أجلّ كتاب العصر، وفضلاء المصر؛ وأكابر أعيان الدّول والذى افتخر بوجوده أبناء عصره على الأول؛ له من النظم الفائق ما راق صناعة وحسنا، ومن النثر الرائق ما فاق بلاغة ومعنى؛ فقصائده مدوّنة «4» مشهوره، ورسائله بأيدى الفضلاء ودفاترهم مسطوره؛ وكلامه كاد يكون «5» لأهل هذه الصناعة وعليهم
(8/101)

حجّه، وطريقه فى البلاغة أسهل طريق وفى الفصاحة أوضح محجّه؛ وهو رحمه الله ممن عاصرته «1» ولسوء الحظ لم أشاهد محيّاه الوسيم، ولم أفز بالنظر إلى طلاقة وجهه الكريم؛ والذى أورده من كلامه هو ممّا نقلته من خطّه، وتلقّيته ممّن سمعه من لفظه؛ فمن كلامه- رحمة الله عليه- ما كتبه عن السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحىّ- رحمه الله- إلى ملك الغرب، كتب:
تحيّات الله التى تتابع وفودها وتتوالى، وتشرق نجومها وتتلالا، وتنفق إسرافا ولا تخاف من ذى العرش إقلالا؛ تخصّ الحضرة السنيّة السّريّة، العالميّة العادليّة المستنصريّه؛ ذخيرة أمير المؤمنين، وعصمة الدنيا والدين، وعدّة الموحّدين؛ لا زالت سماؤها بالعدل مغدقة الأنواء مشرقة الأنوار، ورياضها بالفضل مورقة الأغصان مونقة الثمار؛ ولا برحت ضوالّ الأمانى فى أبوابها تنشد، وقصائد القصود «2» فى اتصافها تنشد؛ وسرى الآمال عند صباح أمرها يحمد، وأحاديث الكرم عن جودها ترسل والى وجودها تسند؛ وسلامه الذى يكاثر نسيم الروض الأنيق، ويفاخر جديده عتيق «3» المسك وأين الجديد من العتيق؛ يغاديان تلك الأنداء «4» المباركة مغاداة الغوادى
(8/102)

من «1» وابل المطر، ويراوحانها مراوحة الرّقّة للأصل والبكر؛ حيث العزّة القعساء يمتدّ رواقها، والنعمة الغرّاء تخصف «2» أوراقها، والدّيمة الوطفاء «3» يتوالى إغداقها، ويتتالى إغراقها؛ وحيث العدل منشور الجناح، والحقّ مشهور السلاح، والإنصاف مبرور الأقسام لطالبه باق لا يزاح؛ سجيّة تتوارث توارث الفخار، ومزيّة تستأثر بالهداية استئثار النجوم بالأنوار، وشيم تستصحب استصحاب الأهلّة للإبدار؛ فلذلك يتلفّت الأمل اليها تلفّت السارى الى تبلّج الصباح، ويرتاح الى تلقّى إحسانها ارتياح الظامئ إلى ارتشاف الماء القراح؛ ويحتمى بها فى المطالب احتماء الليث بالغابه، ويستمدّ إسعافها استمداد الحديقة من السحابة؛ ويهزّ عدلها كما هزّ الكمىّ المرهف، وينبّه فضلها تنبيه النسيم جفن الزهر الأوطف «4» ؛ فيناجى بالجؤور «5» ، ويلتمس لها حسن الصنع الذى لا يزال مبتسم الثغور؛ فمما قصّ عليه من مناجاته، وطوى عليه طويّة مفاوضاته؛ أنّ القاضى زين الدين بن حباسة من بيت أسلف سلفه جميلا، وغدا هو على مكارمه دليلا؛ وكان له غلام قد سيّر معه جملة «6» ... والاحتفال الحفىّ «7» مسئول
(8/103)

فى تقدّم يجيب النجاح داعيه، ويغدو الفلاح مراوحه ومغاديه؛ واعتناء يستخلص حقّه ممن عليه اعتدى، ويرى من قبسه نورا يجد به هدى؛ فببارقة يضىء لديه الحالك، وبلمحة يهتدى «بحيث اهتدت أمّ النجوم الشوابك «1» » ؛ وما هو إلا رسم يرسم به وقد قرب البعيد، وآب الشريد؛ وخاف الخائف، وكفّ الجانف «2» ؛ وجمعت الضّوالّ، وضاق على المختزل «3» واسع المجال؛ مهابة قد سكنت القلوب، وسياسة قوى الطالب بها وضعف المطلوب، وعزّة لا يزال الرجاء ينيب إليها فيما ينوب؛ وأىّ مطلب تناجى فيه الآلاء المباركة فلا يصحب قياده، ويستسقى له مزن ولا تعاهد عهاده «4» ؛ وأىّ ذاهب لا يسترجع به ولو أنه عشيّات «5» الحمى، وأى فائت لا يردّ ولو أنه زمن الشبيبة المعسول اللّمى؛ وحسب العانى أن يحطّ برحابها رحاله، أو أن يوفد إلى أبوابها آماله؛ وقد تبادرت إليه المناجح متسابقه، وانتظمت لديه المصالح متناسقه؛ فحينئذ يفعم إناء تأميله، ويستوعب الإحسان لجملة «6» قصده وتفصيله؛ ويناديه
(8/104)

السعد من تلك البقعة المباركه، فيوافيه التوفيق بصحائف القبول تحملها الملائكه؛ أمتع الله ببركاتها التى امتدّ رواقها، وأنار الحالك إشراقها؛ ولا زالت يراوحها تسليم عطر النفحه، وتصافحها تحيّات جميلة الصفحة؛ بمنّه وكرمه.
وكتب رسالة صيديّة عن «1» السلطان الملك الظاهر إلى الأمير عز الدين الحلّىّ «2» نائب السلطنة بالقلعة:
هذه المكاتبة إلى المجلس لا توارت شموس أنسه، ولا أذبلت ثمار غرسه ولا برح غده فى السعد مربيا على يومه ويومه على أمسه؛ تتضمّن إعلامه بأنا خرجنا إلى الصيد المبارك بجنود تملا السهل والجبل، وتستحيى الشمس منها فتستتر فى سحابها من كثرة الخجل؛ تسير على الأرض منها جبال، وتأوى الرمال منها الى أورف ظلال؛ وتوجّهنا إلى جهة الطّرّانة «3» وإذا بحشود «4» الوحوش قد توافدت، وعلى مناهل المناهج قد تواردت؛ والأجل يسوقهم، والبيد تعقّهم»
، والمنايا تعوقهم؛
(8/105)

ولم تزل أيدى الخيل تجمعهم فى صعيد، وتطوى بهم سطورا فى طروس البيد؛ حتى أحاطت بهم إحاطة الفلك بالنجوم الزواهر، والأجفان بالعيون النواظر؛ وجرّدت السيوف فظنّتها غدرا، ورميت النبال فحسبتها شررا؛ وعزلت «1» الرماح بالسهام وحيّتها السّلام «2» بالسّلام، وسكنت نهارا من العجاج فى ظلام؛ وضاقت عليها الأرض بما ربحت، وأدركت المنيّة منها ما طلبت؛ وراسلتها المنايا، وأهدت اليها رياحين تحايا؛ فمن صريع وصديع وطريح وطريد، وجريح ومقبل وشريد، وقائم وحصيد؛ ولم تسلم فى هذا اليوم غير غزالة السماء فإنها استترت بالغيوم، وخافت أن يكون الهلال قد نصب فخّا لصيدها وصيد غيرها من النجوم؛ والموت «3» أسر كلّ مهاة مهابه، ونال الحتف من كل طلا «4» طلابه؛ وفتكت الظّبا بالظّبى، وقالت السهام لأجيادها: مرحبا؛ وثنينا الأعنّة والشفار قد أنهلت، والظهور قد أثقلت؛ والكنس «5» خاوية على عروشها، والبيد قد أوحشت من وحوشها؛ وما نشتمل عليه من محبّة المجلس وإيثاره، ونجده من الوحشة له مع دنوّ داره؛ وسروره بما عساه لنا يتجدّد، وحبوره بما يرد من جهتنا وهذا لا نشكّ فيه ولا نتردّد؛ أوجب أن نخصّه به ونتحفه، ونصفه له على جليّته إذ كنّا بالتخصيص به لن ننصفه؛ وقد بعثنا إليه منه قسما، ولم تنس عند ذكرنا أنفسنا له اسما.
(8/106)

وكتب عن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون إلى صاحب اليمن جواب كتاب عزّى فيه السلطان عن ولده الملك الصالح علاء «1» الدّين علىّ- وكان الكتاب الذى ورد فى ورق أزرق، وسيّره فى كيس اطلس أزرق، والعادة أن يكون فى كيس أطلس أصفر-:
أعزّ الله نصرته وأحسن بتسليته الصبر على كل فادح، والأجر على كلّ مصاب قرح القرائح، وجرح الجوارح، وأوفد من تعازيه كلّ مسكّن طاحت «2» به من تلقاء صنعاء اليمن الطوائح، وكتب له جزاء المصبّر عن جار من دمع طافح، على جار لسويداء القلب صالح «3» ؛ المملوك يخدم خدمة لا يذود المواصلة بها حادث، ولا يؤخّرها عن وقتها أمر كارث، ولا تنقصها عن تحسينها «4» وترتيبها بواعث الاختلاف ولا اختلاف البواعث؛ ويطلع العلم الكريم على ورود مثال كريم لولا زرقة طرسه؛ وزرقة لبسه، لقال: «وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم» ؛ يتضمّن ما كان حدث من رزء تلافاه الله بناسيه، وتوافى هو والصبر فتولّى التسليم تبيين عاسيه «5»
(8/107)

وتمرين قاسيه؛ فشكرنا الله على ما أعطى وحمدناه على ما أخذ، وما قلنا: هذا جزع قد انتبه إلا وقلنا: هذا تثبّت قد انتبذ «1» ، ولا توهمنا أن فلذة كبد قد اختطفت إلّا وشاهدنا حولنا من ذرّيّتنا- والحمد لله- فلذ؛ وأحسنّا الاحتساب، ودخلت الملائكة علينا من كلّ باب، ووفّانا الله أجر الصابرين بغير حساب؛ ولنا- والشكر لله- صبر جميل لا نأسف معه على فائت ولا نأسى على مفقود، وإذا علم الله حسن الاستنامة إلى قضائه والاستكانة إلى عطائه عوّض كلّ يوم ما يقول المبشّر به:
هذا مولى مولود؛ وليست الإبل بأغلظ أكبادا ممن له قلب لا يبالى بالصدمات كثرت أو قلّت، ولا بالتباريح حقرت أو جلّت، ولا بالأزمات إن هى توالت أو تولّت، ولا بالجفون إن ألقت ما فيها من الدّموع والهجوع وتخلّت؛ ويخاف من الدهر من لم يحلب أشطره، ويأسف على الفائت من لا تنتابه الخطوب الخطره؛ على أن الفادح بموت الولد الملك الصالح- رضى الله عنه- وإن كان منكيا «2» والنائج بشجوه وإن كان مبكيا، والنائج «3» بذلك الأسف وإن كان لنار الأسى مذكيا؛ فإن وراء ذلك من تثبيت الله ما ينسفه نسفا، ومن إلهامه الصبر ما يجدّد لتمزيق القلوب أحسن ما به يرفا؛ وبكتاب الله وبسنة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم عندنا حسن اقتداء نضرب به عن كلّ رثاء صفحا، وما كنّا مع الله- والمنّة لله- نعطى لمن يؤنّب ويؤبّن «4» أذنا ولا نعيرها لمن يلحى؛ إذ الولد الذاهب مرّ فى رضوان الله تعالى سالكا
(8/108)

طريقا لا عوج فيها ولا أمتا «1» ، وانتقل سارّا بارّا صالحا وما هكذا كلّ الموتى نعيا ولا نعتا؛ وان كان نفعنا «2» فى الدنيا فها نحن بالصدقات والترحّم عليه ننفعه، وان كان الولد عمل أبيه- وقد رفع الله روح ولدنا فى أعلى علّيّين تحقّق أنه العمل الصالح «والعمل الصّالح يرفعه» ؛ وفيما نحن بصدده من اشتغال بالحروب، [ما «3» ] يهوّن ما يهول من الكروب؛ وفيما نحن عاكفون عليه من مكافحات الأعداء [ما «4» ] بين المرء وبين قلبه يحول، ومله عن تخيّل أسف فى الخاطر يجول
اذا اعتاد الفتى خوض المنايا ... فأهون ما يمرّ به الوحول «5»
ولنا بحمد الله ذرّيّة درّيّة «6» ، وعقود والشكر لله كلّها درّيّة
اذا سيّد منهم خلا قام سيّد ... قؤول لما قال الكرام فعول «7»
(8/109)

ما منهم الا من نظر سعده ومن سعده ينتظر، ومن يحسن أن يكون المبتدا وأن تسدّ حاله بكفالته وكفايته مسدّ «1» الخبر «والشمس طالعة إن غيّب القمر» لا سيّما من الدين به إذ هو صلاحه أعرف، ومن إذا قيل لبناء ملك هذا عليه قد وهى قيل: هذا خير منه من أعلى بناء سعد أشرف «2» ؛ وعلى كلّ حال لا عدم إحسان المولى الذى يتنوّع فى برّه، ويعاجل قضاء الحقوق فتساعف مرسومه فى توصيله طاعة بحره وبرّه؛ وله الشكر على مساهمة المولى فى الفرح والترح، ومشاركته فى الهناء إذا سنح، وفى الدمع اذا سفح؛ وما مثل مكارم المولى من يعزب مثل ذلك عن علمها، ولا يعزى الى غير حكمها وحلمها؛ وهو- أعزه الله- ذو التجارب التى مخضت له من هذه وهذه الزّبده، وعرضت عليه منهما الهضبة والوهده؛ والرغبة الى الله تعالى فى أن يجعل تلك المصيبة للرزايا خاتمه وكما لم يجعلها للظهور قاصمة فلا يجعلها لعرا الشكر فاصمه «3» ، وان يجعلها بعد حمل هذا الهمّ وفصاله على عليه فاطمه؛ وأن يحبّب الينا كلّ ما يلهى عن الأموال والأولاد من غزو وجهاد، وأن يجعلنا ليس يحدّ لدينا على مفقود تأدّبا مع الله غير السيوف فإنها تعرف بالحداد، وألّا تقصف رماحنا إلا فى فود أو فى فؤاد، ولا تحوّل
(8/110)

سروج خيلنا من ظهر جواد فى السّرايا إلّا إلى ظهر جواد، وألا تشقّ لدينا إلا أكباد أكناد «1» ، ولا تجزّ «2» غير شعور ملوك التتار تتوّج «3» بها رءوس الرماح ويصعد بها على قمم الصّعاد «4» ؛ والله يشكر للمولى سعى مراثيه التى لولا لطف الله بما صبّرنا «5» به لأقامت الجنائز، واستخفّت «6» النحائز، ولهوت بالنفوس فى استعمال الجائز من الأسف وغير الجائز، ولا شغل الله لبّ المولى [بفادحه] ، ولا خاطره بسانحة من الحزن ولا بارحه ولا أسمعه بغير المسرّات من هواتف الإبهاج صادحه؛ بمنّه وكرمه.
ومن إنشائه رحمه الله تقليد السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل بولاية عهد السلطنة
من أبيه السلطان الملك المنصور- سقى الله عهدهما صوب الرحمة- وهو:
الحمد لله الذى لم يزل له السمع «7» والطاعة فيما أمر، والرضا والشكر فيما هدم من الأعمار وما عمر، والتفويض فى التعويض «8» إن غابت الشمس وبقى القمر
(8/111)

نحمده على أن جعل سلطاننا ثابت الاركان، نابت الأغصان، كلّ روضة من رياضه ذات أفنان؛ لا تزعزعه ريح عقيم «1» ، ولا يخرجه رزء عظيم عن الرضا والتسليم، ولا يعتبط «2» من جملته كريم إلا ويغتبط من أسرته بكريم؛ ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تزيد قائلها لله تفويضا، وتجزل له تعويضا وتحسن له على «3» الصبر الجميل فى كل خطب جليل تحريضا؛ ونشهد أن محمدا عبده الذى أنزل فى التسلية به: «وما محمّد إلّا رسول قد خلت من قبله الرّسل» والنبىّ الذى أوضح الله به المناهج وبيّن السّبل؛ صلّى الله عليه وعلى آله ما تجاوبت المحابر والمنابر فى «4» البكر والأصل؛ وما بدّدت عقود ونظّمت، ونسخت آيات وأحكمت ونقضت أمور وأبرمت، وما عزمت «5» آراء فتوكّلت وتوكلت فعزمت؛ ورضى الله عن أصحابه الذين منهم من كان للخليقة نعم الخليفة، ومنهم من لم يدرك أحد فى تسويد النفس الحصيفة «6» ولا فى تبييض الصحيفة مدّه ولا نصيفه «7» ، ومنهم من يسرّه الله
(8/112)

لتجهيز جيش العسرة «1» فعرف الله ورسوله معروفه، ومنهم من عمل صالحا أرضى ربه فأصلح فى ذريّته الشريفه؛ وبعد، فإن من الطاف الله بعباده، واكتناف عواطفه ببلاده «2» ؛ أن جعلنا كلّما وهى للملك ركن شديد شيّدنا ركنا عوضه، وكلّما اعترضت للمقادير جملة بدّلنا آية مكان آية وتناسينا تجلّدا تلك الجملة المعترضه؛ فلم نحوج اليوم لأمسه وإن كان حميدا، ولا الغارس لغرسه وإن كان ثمره يانعا وظلّه مديدا؛ فأطلعنا فى أفق السلطنة كوكب سعد «3» كان لحسن الاستخلاف معدّا، ومن لقبيل المسلمين خير ثوابا وخير مردّا، ومن بشّر الله به الأولياء المتقين وينذر به من الأعداء قوما لدّا، ومن لم يبق [إلّا به «4» ] أنسنا بعد ذهاب الذين نحبّهم [وبقى «5» ] كالسيف
(8/113)

فردا، والذى ما أمضى حدّه [فى «1» ] ضريبة إلا قدّ البيض «2» والأبدان قدّا، ولا جهّز «3» راية كتيبة إلا
أغنى «4» غناء الذاهبين ... وعدّ «5» للأعداء عدّا
ولا بعثه جزع فقال: «كم من أخ لى صالح» إلا لقيه ورع فقال: «وخلقت يوم خلقت «6» جلدا» ؛ وهو الذى بقواعد السلطنة الأدرى وقوانينها الأعرف، وعلى الأولياء الأعطف وبالرعايا الأرأف، والذى ما قيل لبناء ملك: هذا عليه قد وهى إلا وقيل: هذا بناء مثله منه أسمى ملكا وأشرف، والذى ما برح النصر يتنسّم من مهابّ
(8/114)

تأميله والفلاح، ويتبسّم ثغره فتتوسّم الثغور من تبسّمه النجاح، وينقسم نوره على البسيطة فلا مصر من الأمصار إلا وهو يشرئبّ الى ملاحظة جبين عهده الوضّاح ويتّفق اشتقاق النعوت فيقول التسلّى للتملّى سواء الصالح والصلاح؛ والذى ما برح لشعار السلطنة الى توقّله «1» وتنقّله أتمّ حنين، وكأنّما كوشفت الإمامة العبّاسيّة بشرف مسمّاه فيما تقدّم من زمن من سلف من حين «2» ، فسمّت ووسمت باسمه أكابر الملوك [وأخاير «3» السلاطين] فخوطب كلّ منهم مجازا لا كهذه الحقيقة ب «خليل» أمير المؤمنين؛ والذى كم جلا بهاء جبينه من بهيم، وكم غدا الملك بحسن رأيه «4» ويمن آرائه يهيم وكم أبرأ مورده العذب هيم عطاش ولا ينكر الخليل اذا قيل عنه: إنه إبراهيم «5» ؛ ومن تشخص الأبصار لكماله يوم ركوبه حسيره، وتلقى البنان سلاحها ذهلا وهى لا تدرى لكثرة الإيماء إلى جلاله إذا يبدو مسيره؛ والذى ألهم الله الأمّة بجوده ووجوده صبرا جميلا، وآتاهم من نفاسة كرمه وحراسة سيفه وقلمه تأمينا وتأميلا، وعظم فى القلوب والعيون، بما من برّه سيكون، فسمّته الأبوّة الشريفة ولدا «6» وسمّاه الله: خليلا؛ ولمّا تحتّم من تفويض أمر الملك اليه ما كان الى
(8/115)

وقته المعلوم قد تأخّر، وتحيّن «1» حينه فكمل بزيادة «2» كزيادة الهلال حين بادر تمامه فأبدر؛ اقتضى حسن المناسبة لنصائح الجمهور، والمراقبة لمصالح الأمور، والمصاقبة «3» لمناحج البلاد والثغور، والمقاربة «4» من فواتح كل أمر ميسور؛ أن نفوّض اليه ولاية العهد الشريف بالسلطنة الشريفة المعظّمه، المكّرمة المفخّمة المنظّمة؛ وأن تبسط يده المنيفة لمصافتحها بالعهود، وتحكيمها فى العساكر والجنود، وفى البحور والثغور وفى التّهائم والنجود؛ وأن يعقد بسيفها وقلمها كلّ قطع ووصل، وكلّ فرع وأصل وكلّ نصر ونصل؛ وكلّ ما يحمى سرحا، ويهمى منحا، وفى المثيرات فى الإعداء «5» على الأعداء نقعا وفى المغيرات صبحا؛ وفى المنع والإطلاق، وفى الإرفاد «6» والإرفاق وفى الخميس إذا ساق «7» ، وفى الخمس «8» اذا انساق، وفى السيوف «إذا بلغت التّراقى وقيل:
من راق» ، وفى الرماح إذا التفّت الساق منها بالساق؛ وفى المعاهدات والهدن
(8/116)

وفى الفداء بما عرض من عرض وبالبدن للبدن «1» ، وفيما ظهر من أمور الملك وما بطن، وفى جميع ما تستدعيه بواعثه فى السرّ والعلن، وتسترعيه «2» نوافثه من كبت وكتب متفرّقين أو فى قرن؛ عهدا مباركة عوذه «3» وتمائمه، وفواتحه وخواتمه، ومناسمه «4» ومواسمه، وشروطه ولوازمه
[على «5» عاتق الملك الأغرّ نجاده ... وفى يد جبّار السموات قائمه]
لا رادّ لحكمه، ولا ناقض لبرمه «6» ، ولا داحض لما أثبتته الأقلام من مكنون علمه.
ويزيده «7» مرّ الليالى جدّة ... وتقادم الأيام حسن شباب
(8/117)

وتلزم السنون والأحقاب، استيداعه حتى «1» الذّرارىّ والأعقاب؛ فلا سلطان ذا قدر وقدره، وذا أمر وإمره؛ ولا نائب فى مملكة قربت أو بعدت، ولا مقدّم جيوش أتهمت أو أنجدت؛ ولا راعى ولا رعيّه، ولا ذا حكم فى الأمور الشرعيّه؛ ولا قلم إنشاء ولا قلم حساب، ولا ذوى أنساب ولا ذوى أسباب؛ إلا وكلّ داخل «2» فى قبول عقد هذا العهد الميمون، ومتمسّك بمحكم آيات كتابه المكنون والتسليم لنصّه الذى شهدته من الملائكة الكرام الكاتبون؛ وأمست بيعته بالرضوان محفوفه، والأعداء يدعونها تضرّعا وخيفه، فليشكروا الصنع الذى بعد أن كانت الخلفاء تسلطن الملوك قد صار سلطانهم يقيم لهم من ولاة العهد خليفة بعد خليفه؛ وأمّا الوصايا فأنت يا ولدنا الملك الأشرف- أعزّك الله- بها الدّرب ولسماع شدوها وحدوها الطّرب، الذى للّغو لا يضطرب؛ فعليك بتقوى الله فإنها ملاك سدادك، وهلاك أضدادك؛ وبها يراش جناح نجاحك، ويحسن اقتداء اقتداحك؛ فاجعلها دفين جوانح تأمّلك ووعيك، ونصب عينى أمرك ونهيك؛ والشرع الشريف فهو قانون الحقّ المتّبع، وناموس «3» الأمر المستمع؛ وعليه مدار إيعاء كلّ إيعاز «4» ، وبه يتمسّك من أشار «5» وامتاز، وهو جنّة والباطل نار
(8/118)

فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ
؛ فلا تخرج فى كلّ حال عن لوازمه وشروطه ولا تنكب عن معلّقه ومنوطه؛ والعدل، فهو مثمّر غروس الأموال، ومعمر بيوت الرجاء والرجال، وبه تزكو الأعمار والأعمال؛ فاجعله جامع أطراف مراسمك، وأفضل أيّام مواسمك؛ وسم به فعلك، وسمّ به فرضك ونفلك؛ ولا تفرد به فلانا دون فلان ولا مكانا دون مكان، واقرنه «1» بالفضل، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
؛ وأحسن التخويل، وأجمل «2» التنويل، وكثّر لمن حولك التموين والتمويل؛ وضاعف الخير فى كلّ مضاف لمقامك، ومستضيف «3» بإنعامك، حتى لا تعدم فى كلّ مكان وكلّ زمان من النعماء ضيافة الخليل «4» ؛ والثغور، فهى للممالك مباسمها فاجعل نواجذها تفترّ عن أحسن ثنايا الصّون، ومراشفها شنبة «5» الشّفاه «6» بحسن العون؛ ومنها بما يحمى السّرح منها، وأعنها بما يدفع المكاره عنها؛ فإنها للنصر مقاعد، وبها حفظ البلاد من كلّ مارّ من الأعداء مارد؛ وأمراء الجيوش، فهم السّور الواقى بين يدى كلّ
(8/119)

سور، وما منهم إلّا بطل بالنصر مشهور كما سيفه مشهور؛ وهم ذخائر الملوك وجواهر السلوك، وأخاير الأكابر الذين خلصوا من الشكوك؛ وما منهم إلا من له حرمات «1» سلفت، وحقوق عرفت، وموات على استلزام «2» الرعاية للعهود وقفت؛ فكن لجنودهم «3» متحبّبا، ولمرابعهم مخصبا، ولمصالحهم مرتّبا، ولآرائهم مستصوبا وللاعتضاد بهم مستصحبا، وفى حمدهم مطنبا، وفى شكرهم مسهبا؛ والأولياء المنصوريّين الذين هم كالأولاد، ولهم سوابق أمتّ من سوابق الإيجاد «4» ؛ وهم من عملت استكانة «5» من «6» قربنا، ومكانة من قلبنا، وهم المساهمون فيما ناب، وما برحوا للدولة الظفر والناب؛ فأسهم لكلّ منهم من احترامك نصيبا، وأدم لهم ارتياحك، وألن «7» جماحك وقوّ بهم سلاحك، تجد منهم ضروبا، وتر كلّا منهم فى أعدائك ضروبا؛ وكما أنّا نوصيك بجيوش الإسلام، كذلك نوصيك بالجيش الذى له المنشآت فى البحر كالأعلام؛ فهو جيش الأمواه والأمواج، المضاف الى الأفواج من جيش الفجاج؛ وهو الجيش السّليمانىّ فى إسراع السّير، وما سمّيت شوانيه «8» غربانا إلا ليجمع بها لنا
(8/120)

ما اجتمع لسليمان صلّى الله عليه وسلّم من تسخير الريح والطير؛ وهى من الديار المصريّة على ثبج البحر الأسوار، فإن قذفت قذفت الرعب فى قلوب الأعداء وإن أقلعت «1» قلعت منهم الآثار؛ فلا تخله من تجهيز جيشه، وسكّن طيش البحر بطيشه؛ فيصبح لك جيشان كلّ منهما ذو كرّ وفرّ، هذا فى برّ بحر وهذا ببحر برّ؛ وبيوت العبادات فهى التى الى مصلّى سميّك خليل الله تنتهى محاريبها، وبها لنا ولك وللمسلمين سرى الدعوات وتأويبها «2» ؛ فوفّها نصيبها المفروض غير منقوص، ومر برفعها وذكر اسم الله فيها حسب الأمر المنصوص؛ وأخواتها من بيوت الأموال الواجدات»
الواجبات من حيث أنها كلّها بيوت لله هذه للصّلاة وهذه للصلات؛ وهذه كهذه فى رفع المنار، وجمع المبارّ، واذا كانت تلك مما أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فهذه ترفع ويذكر فيها اسمه حتى على الدرهم والدينار؛ فاصرف اليها اجتهادك فيما يعود [عليها] بالتثمير، كما يعود على تلك بالتنوير؛ وعلى هذه بإشحانها «4» بأنواع الصروف، كإشحان «5» تلك باستواء الصفوف؛ فإنها إذا أصبحت مصونه، احتملت بحمد الله المعونه
(8/121)

وكفلت بالمؤونة وبالزيادة على المؤونه، فتكمّل هذه لكلّ ولىّ دنياه كما كمّلت تلك لكل ولىّ دينه؛ وحدود الله، فلا يتعدّاها أحد، ولا يرأف فيها ولد بوالد ولا والد بولد؛ فأقمها وقم فى أمرها حتى تنضبط أتم الضبط، ولا تجعل يد القتل مغلولة إلى عنقها ولا تبسطها كلّ البسط، فلكلّ من الجنايات والقصاص شرط شرطه الله وحدّ حدّه فلا يتجاوز أحد ذلك الحدّ ولا يخرج عن ذلك الشرط؛ والجهاد فهو الدّيدن المألوف من حين نشأتنا ونشأتك فى بطون الأرض وعلى ظهور الخيل فمل على الأعداء كل الميل، وصبّحهم من فتكاتك بالويل بعد الويل، وارمهم بكلّ شمّرىّ «1» قد شمّر من يده عن الساعد ومن رمحه عن الساق ومن جواده الذّيل «2» ؛ واذهب بهم فى ذلك كلّ مذهب، وأبن «3» بنجوم الخرصان «4» كلّ غىّ وغيهب وتكثّر «5» فى غزوهم من الليل بكلّ أدهم ومن الشّفق بكلّ أحمر وأشقر [ومن الأصيل بكلّ أصفر «6» ] ومن الصبح بكلّ أشهب، وانتهب «7» أعمارهم واجعلها آخر ما يسلب
(8/122)

وأوّل ما ينهب؛ ونرجو أن يكون الله قد خبأ لك من الفتوحات ما يستنجزها لك صادق وعده، وأن ينصر بك جيوش الإسلام فى كلّ إنجاد وإتهام وما النصر إلا من عنده؛ وبيت الله المحجوج من كلّ فجّ، المقصود من كل نهج؛ يسّر سبيله، ووسّع الخير وأحسن تسبيله «1» ، وأوصل من برّك لكلّ من الحرمين ما هو «2» له، لتصبح ربوعه بذلك مأهوله؛ واحمه ممّن يرد فيه بإلحاد بظلم، وطهّره من كلّ مكس «3» وغرم؛ ليعود نفعك على البادى والعاكف، ويصبح واديه وناديه مستغنيين بذلك عن السحاب الواكف؛ والرّعايا، فهم للعدل زروع، وللاستثمار فروع، ولاستلزام «4» العمارة شروع «5» ؛ فمتى جادهم غيث أعجب الزّرّاع نباتهم، ونمت بالصلاح أقواتهم، وصلحت بالنّماء أوقاتهم، وكثرت للجنود مستغلّاتهم، وتوافرت زكواتهم، وتنوّرت مشكاتهم «والله يضاعف لمن يشاء» ؛ هذا عهدنا للسيّد الأجلّ الولد الملك الأشرف صلاح الدنيا والدّين، فخر الملوك والسلاطين، خليل أمير المؤمنين- أعزّنا الله ببقائه- فليكن
(8/123)

بعروته متمسّكا، وبنفحته متمسّكا «1» ؛ وليتقلّد سيف هذا التقليد، ويفتح مغلق كلّ فتح منه بخير إقليد «2» ، وها نحن قد كثّرنا لديه جواهره فدونه ما يشاء تحليته:
من تتويج مفرّق وتختيم أنامل وتسوير زند وتطويق جيد، ففى كلّ ذلك تبجيل وتمجيد؛ والله تعالى يجعل استخلافه للمتقين إماما، وللدين قواما، وللمجاهدين اعتصاما، وللمعتدين انقصاما، ويطفئ بمياه سيوفه نار كلّ خطب حتى تصبح كما أصبحت نار سميّه صلّى الله عليه وسلّم بردا وسلاما؛ إن شاء الله تعالى.
وكلامه رحمه الله كثير ورسائله مشهورة، وبيد الناس من إنشائه ما لو استقصيناه لطال وانبسط، وقد قدّمنا فى كتابنا هذا من كلامه فى باب التهانى بالفتوح ما تجده فى موضعه ونختم كلامه بشىء من أدعية الملوك، وهى:
ومكّن الله له فى الأرض، وجعل طاعته واجبة وجوب الفرض، وأيّد آراءه بالملائكة فى الحلّ والعقد والإبرام والنقض.
آخر: وأنجز له من النصر صادق وعده، وجعل الملوك من عبيده والملائكة من جنده، ومتّعه بما وهبه من الملك الذى لا ينبغى لأحد من بعده.
آخر: وحفظه بمعقّبات من أمره، وحمى حمى الدين بقصار بيضه وطوال سمره، وجعل قدر مملكته فى الدهر كليالى قدره، وألبس أولياءه من طاعته ما يجرّون أذيال فخره.
(8/124)

آخر: ولا زالت الدنيا بعدله مخضرّة الوهاد والرّبا، والامال بفضله قائلا لها النجح: مرحبا، والأقدار لنصره مسدّدة السهام مرهفة الظّبا، والأيّام لا تعدم من جميل أثره وجليل تأثيره فعلا مطربا، ووصفا مطيّبا. وجعلت ملكه موصولا بحبل لا يحلّ عقده، وحرمه محروسا بسيف التوفيق لا يفلّ حدّه. ولا زالت راياته ألسنة تنذر أعداءه بالفرار، وتبشّر أولياءه بالقرار، وآراؤه أعلاما عالية المنار واضحة الأنوار. وأنجز له عداته فى عداته، وجعل النصر والتوفيق مصاحبين لآرائه وراياته. وأناله النصر الذى يغنيه عن الحيلة والحول، وعقد السعد بعرا «1» ما يمضيه من الفعل والقول، وبوّأ أولياءه جنّة من النصر ما فيها غائلة وجنّة من العزّ ما فيها غول. وقصم بمهابته كلّ جبّار عنيد، وعصم كلّ من يأوى من رجائه إلى ركن شديد. وآتاه من التأييد سلطانا نصيرا، وجعل جيشه أكثر قوى وأقوى نفيرا. ولا زالت الآمال بسحابه مخضرّة الرّبا والوهاد، والتأييد بتمكينه مناديا فى كلّ ناد، والدنيا بملكه مسرورة الأسرار «2» حالية الأجياد، والأقدار لأمره متكفّلة بالنفاد «3» .
وطرّز بأيامه ملابس السّير، وأحلّ أمره أعلى هضبات النصر والظّفر، وحلّى أجياد الممالك من عدله وبذله بأشرف الدّرر، ولا برح القدر يوافق قصوده «4» فيقول للقدر:
(8/125)

«لقد جئت على قدر» . وأتمّ نعمته عليه كما أتمّها «1» ، وعمر بعدله الآفاق وعمّها، وأوضح مناهج كرمه لمن قصدها وأمّها، وأنجز عداته فى عداته فأصماها وأصمّها. وأتمّ نعمته عليه كما أتمها على أبويه من قبله، وحمى حمى الدين بنصره وفضله، وكسا الدنيا بملكه حلّة فخار معلمة بإحسانه وعدله، وجعل أقاليم الأرض معمورة بسلطانه مغمورة بعطائه وبذله.
ذكر شىء من إنشاء المولى الماجد السالك
من طريقى الفضل والفضائل أوضح الطرق وأنهج المسالك، المفصح بلسان براعته والموضح بأنوار بلاغته ما أبهم واستبهم من ليل العىّ الحالك، المتصرّف بقلمه وكلمه لوثوق «2» ملوك الإسلام بديانته وأمانته وأصالته ونزاهته فى الأقاليم والثغور والحصون والممالك، العامر بفضله وفضائله والغامر بجوده ونائله باطن وظاهر من أمّله وأمّ له من زائر وقاطن ومارّ وسالك؛ فينفصل هذا عن بابه وهو بجوده مغمور، وهذا عن مجلسه وقلبه بولائه لما أولاه من إحسانه معمور؛ وهذا وهو ينفق الجمل من ماله، وذاك وهو يجود على المعدم من فضل نواله؛ والآخر وقد امتلأ صدره سرورا، وأشرق وجهه بهجة ونورا؛ وانطلق لسانه من عقاله بعد تقييده، وانبسط أمله لطلب الفضائل لمّا ظفر بمعدنها بعد تعقيده «3» ؛ فتجده وقد اعتلق «4» منه جملا واعتنق جمالا، وأنفق الدّرر بعد ضنّه بالأصداف فهو لا يخشى عدما ولا يخاف إقلالا؛ والمولى المعنىّ
(8/126)

بهذه المعالى التى ابتسمت ثغورها، وتحلّت نحورها؛ والمكارم التى جادت سحائبها وامتدّت مذانبها «1» ، وترادفت مواهبها، واتّسعت مذاهبها؛ والفضائل التى لجنابه الكريم تعزى ولفضله العميم تنتسب، والسيادة التى شادها لنفسه لاستغنائه عمّا مهدته له آباؤه النّجب، والمراد بهذه الأوصاف التى
خلّيت والحسن تأخذه ... تنتقى منه وتنتخب «2»
هو لسان الدولة ويمينها، وسفير المملكة وأمينها؛ وجامع أشتات الفضائل، وناظم أخبار الأواخر وسير الأوائل؛ وسيّد الرؤساء وجليس الملوك، ومؤلّف كتاب نظم السلوك؛ المولى المالك علاء الدين علىّ ابن المولى المرحوم فتح الدين محمد ابن المولى المرحوم محيى الدين عبد الله بن عبد الظاهر، ذو الفضائل والمآثر، والنسب العريق والأصل الطاهر، والسبب الوثيق والفضل الباهر؛ فهذه نبذة من أوصافه أثبتناها، ولمعة من محاسنه أوردناها، أسام لم تزده معرفة وإنما لذّة ذكرناها؛ وله- أعزّه الله وأوفر نعمه لديه، وأتمّ نعمته عليه كما أتمها على أبويه؛ وأرانا فى نجله الكريم ما رأيناه فى سلفه وفيه، وأنطق الواصف لمحاسنهم بملء فيه- من الرسائل البليغه، والتّقاليد البديعه؛ والعهود التى عاهدتها البلاغة ألا تتعدّاها فوفت بعهدها، وأقسمت معانيها أنها لم تقصد سواه من قبل لعلمها أنّ غيره لا يوفّيها حقّ قصدها؛ وسنورد إن شاء الله من كلامه ما هو بالنسبة الى مجموعه نبذة يسيره، ونرصّع فى كتابنا هذا من فضائله لمعة خطيره؛ ونرفع بما نضعه فيه من كلامه قدر هذا التصنيف، ونطرّز به
(8/127)

أردان هذا التأليف، ولا نحتاج إلى التعريف بمكانه وتمكّنه من هذه الصناعة فالشمس تستغنى عن التعريف؛ ونحن الآن نعتذر من التقصير فى الانتهاء إلى وصف محاسنه، ونعترف بالعجز عن إدراك كنه مناقبه الشريفة وميامنه؛ ونأخذ فى ذكر كلامه لنمحو ذنب التقصير بحسن الإخبار «1» ، ونسأل الصفح عن اختصارنا واجب حقّه ونرجو قبول كلمات الاعتذار فمن إنشائه ما كتبه عن الخليفة المستكفى بالله أبى الربيع سليمان- جمّل الله به الدين، وأيّد ببقائه الإسلام والمسلمين- للسلطان الملك المظفّر ركن الدين بيبرس المنصورىّ فى شوّال سنة ثمان وسبعمائة، ابتدأه بأن قال:
هذا عقد شريف انتظمت به عقود مصالح الممالك، وابتسمت ثغور الثغور ببيعته التى شهدت بصحّتها الكرام الملائك؛ وتمسّكت النفوس بمحكم عقده النّضيد ومبرم عهده «2» النظيم، ووثقت الآمال ببركة ميثاقه فتقرأه الألسنة مستفتحة فيه بقول الله الكريم: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذى جعل الملّة الإسلاميّة تأوى من سلطانها الى ركن شديد، وتحوى من مبايعة «3» مظفّرها كلّ ما كانت ترومه من تأييد التأييد، وتروى أحاديث النصر عن ملك لا يملّ من نصرة الدّين الحنيفىّ وإن ملّ الحديد من الحديد؛ مؤتى ملكه من يشاء من عباده وملقى مقاليده للولىّ الملىّ «4» بقمع أهل عناده؛ ومانحه من لم يزل بعزائمه ومكارمه
(8/128)

مرهوبا مرغوبا، وموليه [ومولّيه «1» ] من غدا محبوّا من الأنام بواجب الطاعة محبوبا وباسط أيدى الرغبات لمن حكم له كمال وصفه ووصف كماله بأن يكون مسئولا مخطوبا ومفوّض «2» أمره ونهيه إلى من طالما صرف خطّيّه عن حمى الدين أخطارا وخطوبا؛ والحمد لله مجرى الأقدار برفع الأقدار، ومظهر سرّ الملك فيمن أضحى عند الإمامة العباسيّة بحسن الاختبار من المصطفين الأخيار، جامع أشتات الفخار، ورافع لواء الاستظهار «3» ، ودافع لاواء «4» الأضرار، بجميل الالتجاء الى ركن أمسى بقوّة الله تعالى عالى المنار وافى المبارّ، بادى الآثار الجميلة فى «5» الإيثار؛ والحمد لله على أن قلّد أمور السلطنة الشريفة لكافلها وكافيها، وأسند عقدها وحلّها لمن يدرك بكريم فطنته وسليم فطرته عواقب الأمور من مباديها، وأيّد الكتائب الإيمانيّة بمن لم تزل عواليه تبلّغها من ذرا الأمانىّ معاليها؛ يحمده أمير المؤمنين على إعلاء كلمة الإيمان بأعيان أعوانها، وإعزاز نصرها بأركان تشييدها وتشييد أركانها؛ ويشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة [لا] تبرح الألسن ترويها، والقلوب تنويها، والمواهب تجزل لقائلها تنويلا وتنويها؛ ويشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أكمل نبىّ وأفضل مبعوث، وأشرف مورّث لأجلّ موروث؛ صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة تنمو بركاتها وتنمّ «6» ، وتخصّ حسناتها وتعمّ؛ ورضى الله عن عمّه العباس بن عبد المطلب جدّ أمير المؤمنين، وعن أبنائه الأئمّة المهديّين؛ الذين ورثوا الخلافة كابرا عن كابر، وسمت ووسمت بأسمائهم ونعوتهم
(8/129)

ذرا المنابر؛ أما بعد، فإن الله تعالى لمّا عدق «1» لمولانا أمير المؤمنين مصالح الجمهور وعقد له البيعة فى أعناق أهل الإيمان فزادتهم نورا على نور؛ وأورثه عن أسلافه الطاهرين إمامة خير أمّه، وكشف بمصابرته من بأس العدا غمام كلّ غمّه؛ وأنزل عليه السكينة فى مواطن النصر والفتح المبين، وثبّته عند تزلزل الأقدام وثبّت به قلوب المؤمنين؛ وأفاض عليه من مهابة الخلافة ومواهبها ما هو من أهله، وأتمّ نعمته عليه كما أتمّها على أبويه من قبله؛ بايع الله تعالى على أن يختار للتمليك على البرايا، والتحكيم فى الممالك والرّعايا؛ من أسّس بنيانه على التقوى، وتمسّك من خشية الله سبحانه بالسبب الأقوى؛ ووقف عند أوامر الشرع الشريف فى قضائه وحكمه، ونهض لأداء فرض الجهاد بمعالى عزمه وحزمه؛ وكان المقام الأشرف العالى المولوىّ السلطانىّ الملكىّ المظفّرىّ الركنىّ، سلطان الإسلام والمسلمين، سيّد الملوك والسلاطين؛ ناصر الملّة المحمّديّه، محيى الدولة العباسيّه (أبو الفتح بيبرس) قسيم أمير المؤمنين- أعزّ الله تعالى ببقائه حمى الخلافة وقد فعل، وبلغ فى دوام دولته الأمل- هو الملك الذى انعقد الإجماع على تفضيله، وشهدت مناقبه الطاهرة باستحقاقه لتحويل الملك [اليه «2» ] وتخويله؛ وحكم التوفيق والاتفاق بترقّيه إلى كرسىّ السلطنة وصعوده، وقضت الأقدار بأن يلقى اليه أمير المؤمنين أزمّة عهوده؛ والذى كم خفقت قلوب الأعادى عند رؤية رايات نصره، ونطقت ألسنة الأقدار بأن سيكون مليك عصره وعزيز مصره؛ واهتزّت أعطاف المنابر شوقا للافتخار باسمه، واعتزّت الممالك بمن زاده الله بسطة فى علمه وجسمه؛ وهو الذى ما برح
(8/130)

مذ نشأ يجاهد فى الله حقّ جهاده، ويساعد فى كل معركة بمرهفات سيوفه ومتلفات صعاده، ويبدى فى الهيجاء صفحته للصّفاح فيقيه الله ويبقيه ليجعله ظلّه فى الأرض على عباده وبلاده، فيردى الأعداء فى مواقف تأييده فكم عفّر من خدّ لملوك الكفر تحت سنابك جياده؛ ويشفى بصدور سيوفه صدور قوم مؤمنين، ويسقى ظماء أسنّته فيرويها من مورد ورود «1» المشركين؛ ويطلع فى «2» سماء الملك من غرر رأيه نيّرات لا تأفل ولا تغور، ويظهر من مواهبه ومهابته ما تحسّن به انمالك وتحصّن به الثغور؛ فما من حصن أغلقه «3» الكفر إلا وسيفه مفتاحه، ولا ليل خطب دجا إلا وغرّته الميمونة صباحه، ولا عزّ أمل لأهل الإسلام إلّا وكان فى رأيه المسدّد نجاحه، ولا حصل خلل فى قطر «4» من الممالك إلّا وكان بمشيئة الله تعالى وبسداد تدبيره صلاحه؛ ولا اتّفق مشهد غزو إلا والملائكة بمضافرته فيه أعدل شهود، ولا تجدّد فتوح للإسلام إلا جاد فيه بنفسه وأجاد، «والجود بالنفس أقصى غاية الجود» كم أسلف فى غزو الأعداء من يوم أغرّ محجّل، وأنفق ماله ابتغاء مرضات الله فحاز النصر المعجّل والأجر
(8/131)

المؤجّل؛ وأحيا من معالم العلوم ودوارس المدارس كلّ داثر، وحثّه إيمانه على عمارة بيوت الله تعالى الجامعة لكلّ تال وذاكر، «إنّما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر» ؛ وهو الذى ما زالت الأولياء تتخيّل مخايل السلطنة فى أعطافه معنى وصوره، والأعداء يرومون إطفاء ما أفاضه الله عليه من أشعّة أنواره «ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره» ؛ طالما تطاولت إليه أعناق الممالك فأعرض عنها جانبا، وتطفّلت «1» عليه «2» فغدا لها رعاية لذمّة الوفاء مجانبا؛ حتى أذن الله سبحانه لكلمة سلطانه أن ترفع وحكم له بالصعود فى درج الملك الى المحلّ الأعلى والمكان الأرفع، وأدّى له من المواهب ما هو على اسمه فى ذخائر الغيوب مستودع؛ فعند ذلك استخار الله تعالى سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين (المستكفى بالله) جعل الله الخلافة [كلمة «3» ] باقية فى عقبه، وأمتع الإسلام والمسلمين بشريفى حسبه ونسبه- وعهد إلى المقام العالى السلطانىّ بكلّ ما وراء سرير خلافته، وقلّده جميع ما هو متقلّده من أحكام إمامته؛ وبسط يده فى السلطنة المعظّمه، وجعل أوامره هى النافذة وأحكامه [هى «4» ] المحكّمه؛ وذلك بالدّيار المصريّة والممالك الشاميّه، والفراتيّة والحلبيّة «5» والساحليّه، والقلاع والثغور المحروسة والبلاد الحجازيّة واليمانيّه؛ وكلّ ما هو من الممالك الإسلاميّة الى خلافة أمير المؤمنين منسوب، وفى أقطار إمامته محسوب؛ وألقى إلى أوامره أزمّة البسط والقبض
(8/132)

والإبرام والنقض، والرفع والخفض، وما جعله الله فى يده من حكم الأرض، ومن إقامة سنّة وفرض؛ وفى كلّ هبة وتمليك، وتصرّف فى ولاية أمير «1» المؤمنين من غير شريك؛ وفى تولية القضاة والحكام، وفصل القضايا والأحكام؛ وفى سائر التّحكّم فى الوجود، وعقد الألوية والبنود، وتجنيد الكتائب والجنود، وتجهيز الجيوش الإسلامية فى التأييد لكلّ مقام محمود؛ وفى قهر الأعداء الذين نرجو بقوّة الله تعالى أن يمكّنه من نواصيهم، ويحكّم قواضبه فى استنزالهم من صياصيهم، واستئصال شأفة عاصيهم؛ حتى يمحو الله بمصابيح سيوفه سواد خطوب الشّرك المدلهمّه، وتغدو سراياه فى اقتلاع قلاع الكفر مستهمّه «2» ؛ وترهبهم خيل بعوثه وخيالها فى اليقظة والمنام، ويدخل فى أيّامه أهل الإسلام مدينة السلام بسلام؛ تفويضا تامّا عامّا منضّدا منظّما، محكما محكّما؛ أقامه مولانا أمير المؤمنين فى ذلك مقام نفسه الشريفه، واستشهد الكرام الكاتبين فى ثبوت هذه البيعة المنيفه؛ فليتقلّد المقام الأشرف السلطانىّ- أعزّ الله نصره- عقد هذا العهد الذى لا تطمح لمثله الآمال، وليستمسك منه بالعروة الوثقى التى لا انفصام لها ولا انفصال؛ فقد عوّل أمير المؤمنين على يمن أرائك «3» التى ما برحت الأمّة بها فى المعضلات تستشفى، واستكفى بكفايتك وكفالتك فى حياطة الملك فأضحى وهو بذلك (المستكفى) ؛ وهو يقصّ عليك من أنباء الوصايا أحسن القصص، وينصّ لديك ما أنت آخذ منه بالعزائم اذا أخذ
(8/133)

غيرك فيه بالرّخص؛ فإن نبّهت على التقوى فطالما تمسّكت منها بأوثق عروه، وإن هديت الى سبيل الرشاد فما زلت ترقى منه أشرف ذروه؛ وإن استرهفنا «1» عزمك الماضى الغرار، واستدعينا حزمك الذى أضاء به دهرك وأنار «2» واستنار؛ فى إقامة منار الشرع الشريف، والوقوف عند أمره ونهيه فى كل حكم وتصريف؛ فما زلت- خلّد الله سلطانك- قائما بسننه وفرضه، دائبا فى رضى الله تعالى بإصلاح عقائد عباده فى أرضه؛ وما برح سيفك المظفّر للأحكام الشرعيّة خادما، ولموادّ الباطل حاسما، ولأنوف ذوى الزّيغ والبدع مرغما؛ وكلّ ما نوصيك به من الخير فقد جبلت عليه طباعك، ولم يزل مشتدّا فيه ساعدك ممتدّا إليه باعك؛ غير أننا نورد لمعة اقتضاها أمر الله تعالى فى الاقتداء بالتذكرة فى كتابه المبين، وأوجبها نصّ قوله تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
، ويندرج تحت أصولها فروع يستغنى بدقيق ذهنه الشريف عن نصّها، وبفكره الثاقب عن قصّها؛ فأعظمها للملّة نفعا، وأكثرها للباطل دفعا؛ الشرع الشريف، فليكن- أعزّ الله نصره- عاملا على تشييد قواعد أحكامه، وتنفيذ أوامر حكّامه؛ فالسعيد من قرن أمره بأمره، ورضى فيه بحلو الحق ومرّه؛ والعدل، فلينشر لواءه حتى يأوى اليه الخائف وينكفّ بردعه حيف كلّ حائف؛ ويتساوى فى ظلّه الغنىّ والفقير، والمأمور والأمير؛ ويمسى الظلم فى أيامك وقد خمدت ناره، وعفت آثاره؛ وأهمّ ما احتفلت به العزائم، واشتملت عليه همم الملوك العظائم «3» ، وأشرعت له الأسنّة وأرهفت من أجله الصوارم؛ أمر الجهاد الذى جعله الله سبحانه حصنا للإسلام وجنّه، واشترى
(8/134)

فيه من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنّة؛ فجنّد له الجنود وجمّع له الكتائب واقض فى مواقفه على الأعداء من بأسك بالقواضى القواضب؛ واغزهم فى عقر الدار، وأرهف سيفك البتّار، لتأخذ منهم للمسلمين بالثار؛ والثغور والحصون، فهى سرّ الملك المصون، وهى معاقل النفوس «اذا دارت رحى الحرب الزّبون «1» » ؛ فلتقلّد أمرها لكفاتها، وتحصّن حماها بحماتها، وتضاعف لمن بها أسباب قوّتها ومادّة أقواتها؛ وأمراء الإسلام، وجنود الإيمان، فهم أولياء نصرك، وحفظة شامك ومصرك؛ وحزبك الغالب، وفريقك الذى تفرق منه قلوب العدوّ فى المشارق والمغارب؛ فليكن المقام العالى السلطانىّ- نصره الله تعالى- لأحوالهم متفقّدا وببسط وجهه لهم متودّدا؛ حتى تتأكّد لمقامه العالى طاعتهم، وتتجدّد لسلطانه العزيز ضراعتهم؛ وأما غير ذلك من المصالح فما برح تدبيره الجميل لها ينفّذ ورأيه الأصيل بها يشير، ولا يحتاج مع علمه بغوامضها الى إيضاحها «ولا ينبئّك مثل خبير» والله تعالى يخصّ دولته من العدل والإحسان بأوفر نصيب، ويمنح سلطانه ما يرجوه من النصر المعجّل والفتح القريب؛ بمنّه وكرمه.
وكتب تقليدا مظفّريّا للأمير سيف الدين سلار المنصورىّ بنبابة السلطنة الشريفة
فى سنة ثمان وسبعمائة، وهو:
الحمد لله الذى شيّد ركن الإسلام بسيفه المنتضى، وجدّد للملك مزيد التأييد بكافله الذى ما برح وفاؤه للملوك الأواخر والأوائل مرتضى، وأنجز من وعوده الاتفاق والتوفيق ما كان من ذمّة الدهر مقتضى، جامع شمل الأوامر والنواهى بتفويضها
(8/135)

الى من تبيت العدا من مهابته على جمر الغضى، ومنيل المنى بمواهبه التى تحوز موادّ الاختيار وتجوز أمد الرضا، وملقى مقاليد التدبير الى من أضحى جميل التأثير اذا تصرّف فى الرفع والخفض حكم القضا، ومصرّف أزمّة الأمور فى يد من غدا ثابت العزمات فى الأزمات، فما أظلم خطب إلا انجلى بمصابيح آرائه وأضا؛ نحمده على أن عضّد دولتنا بالكافل الكافى الذى اختاره الله لنا على علم، ومنح أيّامنا موالاة الولىّ الذى جمعت فيه خلّتان يحبّهما الله ورسوله: وهما الأناة والحلم؛ ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مشرقة الأنوار، مغدقة سحبها بأنواء المنن الغزاز؛ ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذى بعثه الله لإقامة شعائر الإيمان، وخصّ ملّته فى الدنيا والآخرة باليمن والأمان؛ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين منهم من أضحى بفضل السّبق للإيمان به صدّيقه وصديقه، وأمسى لفرط الألفة أنيسه فى الغار ورفيقه؛ ومنهم من ضافره فى إظهار النبوّة ووازره «1» ، وظاهره على إقامة منارها بإطفاء كل تائرة وإخماد كلّ نائره «2» ؛ ومنهم من ساعد وساعف فى تجهيز جيش العسره «3» ، وأحسن وحسّن مع إخوانه المؤمنين الصحبة والعشره؛ ومنهم من كان سيفه الماضى الحدّ، ومهنّده الذى كم فلّ بين يديه الجموع فما اعترض إلا قطّ «4» ولا اعتلى إلا قدّ؛ وسلّم تسليما كثيرا؛ أما بعد، فان الله تعالى لما هنّأ لنا مواهب الظّفر، وهيّأ لنا من الملك موادّ إدراك المنى وبلوغ الوطر، وأيدنا من أنصارنا بكلّ ذى فعل أبرّ ووجه أغرّ؛ وشدّ أزرنا بمضافرة سيف يزهى الملك بتقليده، وأمدّنا بمؤازر تتصرّف المنى والمنون
(8/136)

بين وعده ووعيده؛ وجب علينا أن نحوط دولتنا بمن لم تزل حقوق مودّته بحسن الثناء حقيقه، وعهود محبّته فى ذمام الوفاء متمكّنة وثيقه، وطريقته المثلى فى المحاسن والإحسان مشهورة ولا نرى مثلا لتلك الطريقه؛ وتقلّد كفالة ممالكنا للولىّ الذى ما برح يتلقّى أمورنا بفسيح صدره، ويتوقّى حدوث كلّ ما نكرهه فينهض فى دفعه بصائب رأيه وثاقب فكره؛ وكان الجناب الكريم العالى الأميرىّ الكبيرىّ العالمىّ العادلىّ الكافلىّ المؤيّدىّ الزعيمىّ الغياثىّ «1» المسندىّ الممهّدىّ المثاغرىّ المظفّرىّ المنصورىّ السّيفىّ، معزّ الإسلام والمسلمين، سيّد أمراء العالمين؛ سند الممالك، مدبّر الدّول، مقدّم العساكر، أمير الجيوش، كهف الله، حصن الأمّة، نصرة الملوك والسلاطين، (سلار المنصورىّ) نائب السلطنة المعظّمة، وكافل الممالك الاسلامية،- أعز الله نصره- هو واسطة عقد الأولياء، وسيف الدولة الفاتك بالأعداء، والذى أسلف فى نصرة الإسلام حقوقا غدت مرقومة فى صحف الفخار، واستأنف فى مصالح الأمّة المحمديّة تدبيرات أظهر بها أسباب التأييد على الأعداء والاستظهار؛ كم أصلح بيمن سياسته ذات البين، وكم أبهج ببركة تأتّيه «2» وتأنّيه كلّ قلب وأقرّ كلّ عين؛ وكم ساس من ملك فأضحى ثابت الأساس، وجعل شعاره دفعا للباس ونفعا للناس؛ ما عوهد إلا وأوفى، ولا عوند إلا وعفّ وعفا، ولا استشفى فى طبّ معضلة إلا وشفى، ولا استدرك تدبيره فارط «3» أمر كان على شفا؛ فما يومه فى الفضل بواحد، ولا أحد لمثل محاسنه الجميلة بواجد؛ لعزماته فى مواقف الجهاد السوابق
(8/137)

الغرّ المحجّله، ولتدبيراته فى مصالح العباد والبلاد المنافع المعجّلة والمؤجّله؛ وهو الذى خافت مهابته الكتائب، وأمّلت مواهبه الرغائب «1» ، ولعبت «2» سطواته للعدا خيالا فى المراقد وخيلا فى المراقب، وامتطى من الشهامة كاهلها فأحجم عنه لمّا أقدم كلّ محارب، وصدق من نعته بالسيف، فلو لم ينعت به لقيل: هذا سيف يفتك بالضّريبة ولا تفلّ له مضارب؛ وكم لقى بصدره الألوف من التتار- خذلهم الله- والمنايا قد بلغت من النفوس المنى، وأمضى سيفه فى الحروب وما شكا الضنى؛ وحمل حملة فرّق بها كلّ شمل للكفّار اجتمع، وقطع أعناق العدافى رضى الله تعالى ولا ينكر السيف إذا قطع؛ ووصل من العلياء إلى غاية تزاحم الكواكب بالمناكب، وتفرّد بأمر الجيوش فأضحى بدر الكتائب وصدر المواكب؛ إذا جاش الجيش ثبت عند مشتجر الرماح، وإذا أظلم ليل النّقع وضحت أسارير جبينه وضوح الصباح، وإذا أقدم فى كتيبة «رأيت البرّ بحرا من سلاح» واذا رفعت راياته يوم الوغى كبّرت بالظّفر على ألسنة الرماح، وإذا كان فى جحفل كانت عزائمه للقلب قلبا وصوارمه جناحا للجناح، وإذا قدر فى السلم عفا لكنه فى الحرب قليل الصفح بيّن الصّفاح؛ وهو الذى ما برحت أيدى انتقامه تهدم من أهل الشرك العمائر والأعمار، وبروق سيوفه تذهب بالنفوس لا بالأبصار، ويمن يمينه وصبح جبينة هذا يستهلّ بالأنواء وذا بالأنوار؛ اقتضى حسن الرأى الشريف أن نوفى حقوق مودّته التى أسلفها لنا فى كل نعمى وبوسى، وأن نضاعف علوّ مكانه من أخوّتنا ليكون منا كهرون
(8/138)

من موسى؛ فلذلك رسم بالأمر الشريف العالى المولوىّ السلطانىّ الملكىّ المظفّرىّ الركنى- لا برح يوفى بعهود الأولياء ويفى، ويمنح من أخلص النّية فى ولائه البرّ الخفىّ والفضل الحفى- أن تكون كلمة الجناب الكريم العالى الأميرىّ السيفىّ المشار إليه- أعزّ الله نصره- نافذة فى كفالة الممالك الإسلاميّة، متحكّمة فى نيابة السلطنة المعظّمة، وأوامره المطاعة فى إمرة الجيوش وحياطة الثغور التى غدت بدوام كفالته متبسّمة؛ على أجمل عوائده «1» ، وأكمل قواعده؛ نيابة ثابتة الأساس، نامية الغراس؛ لا يضاهى فيها ولا يشارك، ولا يخرج شىء من أحوالها عن رأيه المبارك؛ فليبسط نهيه وأمره فى التدبير والإحكام، وليضبط الممالك حتى لا تسامى ولا تسام؛ وليطلع من آرائه فى سماء الملك نجوما بها فى المصالح يهتدى، وليرفع من قواعده ما يخفض به قدر العدا؛ وليضاعف ما ألفته الأمّة من عدله، وليجر على أكرم عاداته من نشر إنصافه وشمول فضله، وليعضّد جانب الشرع المطهّر فى عقده وحلّه، وتحريمه وحلّه؛ ولينفذ كلمته على ما هو من ديانته مألوف، وليستكثر من الافتداء بأحكامه فى النهى عن المنكر والأمر بالمعروف؛ وأمراء الإسلام وجنوده، فهم ودائع سرّه، وصنائع شكره، وطلائع نصره، وما منهم إلا من غذى بلبان «2» درّه، وغدا [من «3» ] ثناء «4» عصره متقلدا لعقود درّه؛ فليستخدم حنوّه عليهم وإشفاقه، وليوال إليهم برّه وإرفاده وإرفاقه؛ والوصايا كثيرة لكنها منه تستملى، والتنبيهات على المصالح منه تستفاد نقلا وعقلا، وما زلنا نستضئ فى المهمّات بيمن آرائه التى جمعت للمصالح شملا؛ فمثله لا يدلّ على صواب وهو المتفرّد بالسداد، والخبير بتفريج كرب الخطوب والسيوف
(8/139)

غامضة الجفون فى الأغماد؛ والله تعالى يمتعنا من بركة كفالته بالخلّ الموافى «1» والأخ المواسى، ويشدّ أزر سلطاننا من مضافرته بمن أمسى جبل الحلوم «2» الرواسى؛ إن شاء الله تعالى.
ومن انشائه أيضا أعزه الله تعالى مقامة عملها فى سنة اثنتين وسبعمائة،
على لسان من التمسها منه، فقال:
حكى أليف الغرام، وحليف السّقام؛ وقتيل العيون، وصريع الجفون؛ وفريسة الأسود، والمصاب بنبال الحدق السود؛ عن قصّته فى هواه، وقضيته التى كان فى أوّلها غناه، وفى آخرها عناه «3» ؛ قال: لم أزل فى مدّة العمر أترقّب حبيبا أتلذّذ بحبّه، وأتنعّم بقربه؛ وأحيا بانعطافه، وأسكر من ريقه بسلافه؛ وأستعذب العذاب فيه، وأرشف خمر الرضاب من فيه، وأقتطف ورد السرور من وجنتيه وأجتنيه؛ وأكتسى به لطفا، وأكتسب بمصاحبته ظرفا؛ حتى ظفرت يداى بمن رقّ وراق، ولطفت حدائق معانيه حتى كادت تخفى عن الأحداق
لطفت معانيه فهبّ مع الصّبا ... ورقيبه بهبوبه لا يعرف
قد جمع أوصاف المحاسن والمعانى، وفاق كلّ مليح فليس له فى الحسن ثانى؛ أما قوامه، فقد ملك الفؤاد فأضحى ملكا عادلا، واستباح النفوس من اعتداله فلا غرو إن أضحى لها قاتلا
(8/140)

عجبا لقدّك ما ترنّح مائلا ... إلا وقد سلب الغصون شمائلا
وأما لحاظه فقد غنيت عن الكحل بالكحل، وأذابت حبّات القلوب فى حبّ تلك المقل
وإذا رأيت الطرف يعمل فى الحشا ... عمل الأسنّة فالقوام مثقّف
إلى غير ذلك من وجه كالبدر فى تمامه، يعلوه من شعره ما يصير به كالبدر تحت غمامه
قمر تبلّج وجهه فى حندس ... من شعره فأضاء منه الحندس
ومقبّل أشهى من الراح، وأعطر من زهر الربا تفتّحت أكمامه عند الصباح
ومقبّل عذب كأنّ ... رضابه برد وراح
وخدّ أمسى شقيق الشّقيق «1» ، ومبسم يرشف من شفاهه العقيق الرحيق
شفة كمحمرّ العقيق ... ومبسم مثل الأقاح «2»
وصدغ سال على خدّه القانى، وامتدّ كدمع محبّه الأسير العانى
صبّ له دمع كصدغك سائل ... فعساك يا مثرى الجمال تواسى
وخصر لطف ودقّ، وعلاه كثيب ردف فأثقله حتى ضنى ورقّ
يا ردفه رفقا على خصره ... بينكما حرمة جيران
الى غير ذلك من أنواع حسن قصر عن وصفها قلمى، وعجز عن حصرها كلمى؛ وأشفقت من شرحها خوفا أن أنمّ عليه، أو أذكر ما تفرّد به من الحسن فأكون
(8/141)

قد أشرت اليه؛ وأنا قد تدرّعت ثوب الكتمان، وتستّرت حتى غاض من الدمع وأغضى الطرف وسكت اللسان
يقولون من هذا الذى متّ فى الهوى ... به كلفا يا ربّ لا علموا الذى
غير أنّى قد متعت بذكر ملاحته فؤادى، ولا بدّ أن أوردها مجملة لأكمد «1» بلفظها «2» المعادى
حكاه من الغصن الرطيب وريقه ... وما الخمر إلّا وجنتاه وريقه
هلال ولكن أفق قلبى محلّه ... غزال ولكن سفح عينى عقيقه
بديع التثنّى راح قلبى أسيره ... على أن دمعى فى الغرام طليقه
أقرّ له من كل حسن جليله ... ووافقه من كل معنى دقيقه
من التّرك لا يصبيه وجد إلى الحمى ... ولا ذكر بانات الغوير «3» يشوقه
ولا حلّ فى حىّ تلوح قبابه ... ولا ساق فى ركب يساق وسيقه «4»
ولا بات صبّا للفريق «5» وأهله ... ولكن إلى خاقان يعزى فريقه
يهدّد منه الطرف من ليس خصمه ... ويسكر منه الريق من لا يذوقه
على خدّه جمر من الحسن مضرم ... يشبّ ولكن فى فؤادى حريقه
له مبسم ينسى المدام بريقه ... ويخجل نوّار الأقاحى بريقه
(8/142)

قال الراوى: فأعلمته ما خامر قلبى من هواه، وبذلت نفسى ابتغاء لرضاه
بثثت له سرّى ونحن بروضة ... فمالت لتصغى للحديث غصون
فتلقّى ضراعتى بالرّحب والإقبال، وسفر عن وجه الرضا فبشّرت نفسى ببلوغ الآمال؛ وقلت «1» :
تذلّلت فى الشكوى إليه فرقّ لى ... حنوّا لدمعى فى الهوى وتذلّلى
غزال لبست السّقم خلعة جفنه ... على أننى فيه خلعت تجمّلى
تعدّل بالأعذار حتى خدعته ... بسحر الرّقى أفديه من متعلّل
فراقب إغفاء الرقيب وهجعة السّمير ... وراعى حين غفلة عذّلى
ووافى أخا الأشواق حلف صبابة ... أسير هوى من وجده فى تململ
فلم أر روضا كان أحسن بهجة ... - لعمر الهوى- من وجهه المتهلّل
فأعظمت مسراه وقبّلت خاضعا ... ثرى خطوه شكرا الفضل التطوّل
وانعطف علىّ انعطاف الغصن الرطيب، وتمازجت قلوبنا حتى أشكل علىّ أينا «2» الحبيب؛ وفزت منه ببديع جمال تلذّ به النفوس، ورشفت من رضابه أحلى ما ترشفه الأفواه من شفاه الكؤوس
تعلّقته صائدا للقلوب ... بألحاظه سالبا للنّهى
بديع الجمال إذا ما بدا ... ترى فيه للعين مستنزها «3»
فكم فيه للعين من روضة ... وكم فيه للنفس من مشتهى
(8/143)

يا حسنه لمّا أتى بوعد وعلى غير وعد، ويا لذاذة قربه ويا حرارة ما ذقناه بعدها من هجر وصدّ؛ فلم نزل على ذلك مدّة أغفى الدهر عنّا فيها، أقضّى حياة طابت تلذّذا وترفيها
رعى الله محبوبا نعمت بوصله ... وقد بعدت عنّا الغداة عيون
حتى شعر بنا الدهر الخؤون، ورمانى بسهم فرقة أبعدت المنى وجلبت المنون؛ وعلم بما كتمناه الرقيب، وعجز عن داء قلبى الطبيب
لو كان للعشاق حظّ فى الهوى ... ما كان يخلق فى الزمان فراق
فتجرّعت بعد الشّهد علقما، ولم أستطع أفتح «1» من الحزن فما؛ وهمت فى ساحة الشوق والالتياح «2» ، وفضحتنى الأدمع التى طال بها على المحبّين الافتضاح
لا جزى الله دمع عينىّ خيرا ... وجزى الله كلّ خير لسانى
نمّ دمعى فليس يكتم شيئا ... ووجدت اللسان ذا كتمان
كنت مثل الكتاب أخفاه طىّ ... فاستدلّوا عليه بالعنوان
فاذا هو مرّ المذاق، وأمنع الدمع فيقول: وهل خبأتنى لأعظم من يوم الفراق
أبى الوجد أن يخفيه قلب متيّم ... يكابده والدمع يبديه والضّنى
(8/144)

وكم ذاب القلب حسره، وتفتّتت الكبد فى تلك الفتره؛ على خلوة أبثّ فيها حزنى، وأفسح فيها المجال الذى ضاق به عطنى؛ فلم أظفر بخلوة فى لمحة بصر، ولا فزت بذكر كلمة أفرّج بها ما عرض من حصر
تعرّضت من شوق إليه فأعرضا ... ولولا الهوى لم أمنح الحبّ مبغضا
وبحت إليه أنّ عندى رياضة «1» ... عليه وما تلك الرّياضة عن رضا
قضى حبّه أنّى إذا عزّ فى الهوى ... أذلّ وإنى قد رضيت بما قضى
لقلبى من عينيه سقم وصحّة ... فكم مرّة فى الحبّ داوى وأمرضا
مضى لى به عيش بكيت لفقده ... وهيهات أن يرتدّ عيش إذا مضى
وبليت «2» برقيب قد سلب الله من قلبه الإيمان، وسلّطه علىّ بغلظ الطباع وفظاظة اللسان؛ كأنه شيطان لا بل هو بعينه، لكنّه أربى عليه فى بهتانه ومينه؛ يحاقّ «3» على الكلمة الواحده، ولا يسمح بأن طرفى يمتدّ إلى تلك المحاسن التى غدت القلوب بها واجده؛ يودّ لو غطّى على بصرى، ويبدلنى مغيبى من محضرى؛ لا يفتر عن اللّوم والعذل، ولا يرى أن يقضى ساعاته إلّا فى بذل الحيل؛ يرغب فى شتات شملى، وانقطاع وصلى؛ وليس لى فى دفعه حيله، ولا فى الانتقام منه وسيله؛ وما زال حتى أحال الحبيب عن وداده، وكدر ما صفا من حسن ظنّه واعتقاده؛ وأنا أروض نفسا كادت تذوب، وأتسلّى بأيام وصاله وأقول: لعلها ترجع وتؤوب
لئن ذقت مرّ الصبر أو ملح أدمعى ... لقد أعذبت تلك المذاقات منهلى
(8/145)

فلم يقنع الدهر لى بذلك، ولا رضى بالصدّ والعذل والهجر الذى هو أعظم المهالك؛ حتى قضى بالفرقة والبعاد، ورمتنى النوى بسهم فلم يخطئ الفؤاد؛ وكنت أتعلّل بالنظر، وأقول: مشاهدة هذا الوجه القمرىّ عندى أكبر وطر؛ حتى منعت الوصال والمشاهده، وندبت قلبى القريح بأدمع عينى الجامده
أحباب قلبى لقد قاسيت بعدكم ... نوائبا صيرتنى فى الهوى مثلا
وقد تعجّبت أنّى بعد فرقتكم ... أحيا وأيسر ما لاقيت «1» ما قتلا
وانقطعت عنّى الرسائل، وذهبت لذاذة ما اعتدته من تلك الوسائل
هل مخبر عنكم يعيش بقربه ... ميت الرجا والصبر بعد إياس
أحبابنا قسما بساعة وصلنا ... لم أكتحل من بعدكم بنعاس
غبتم فعندى بالفراق مآتم ... فمتى تعود بعودكم أعراسى
وذوى غصن السرور بعد أن كان رطيبا، وفقدت لنداء ألمى مجيبا؛ وأغلقت باب الدّعه، وأسبلت هواطل أدمعى قائلا للأجفان: لا تخشى فأنت متفقة من سعه؛ ولولا التعلّل بالذكرى، والتأمّل «2» فى حسنه «3» الذى تشكّل فى مرآة القلب فسرّ سرّا؛ لقلت:
كأنّك قد ختمت على ضميرى ... فغيرك لا يمر على لسانى
ولى عين تراك وأنت تنآى ... كما ترنو إليك وأنت دانى
وأقرب ما يكون هواك منّى ... إذا ما غاب شخصك عن عيانى
(8/146)

شغلت عن الورى بصرى وسمعى ... كأنهما بحبّك مفردان
فهأنا لا أعاين ما بدا لى ... سواك ولا أصيخ لمن دعانى
ثم إنّى فارقت الحياه، وبذلتها راغبا فى هواه؛ ولم أزل كذلك الى أن ظهرت آثار قربه، وسرى النسيم عطرا فعلمت قرب ركبه
وأذكرنى ذاك الصّبا «1» زمن الصّبا ... وما الشوق إلا ما تجدّد بالذكر
فكاد قلبى يطير للقائه، ولولا تستّره بحجب الفؤاد لخرج من قوّة برحائه؛ وتذكرت كيف يكون اللقاء والاجتماع، والرقباء قد أزمعوا على المنع والدّفاع، وقلت: فارقنى على غير رضا، وجفانى من غير ذنب، ونآى عنّى من غير وداع؛ وهأنا فى غيابه وحضوره، وسخطه وسروره؛ لا أحول عن ودّه، ولا أرى إلا الوفاء بعهده
هيهات ما وجدى عليك بزائل ... فإلام يطنب فى الملامة عاذلى
ناشدتك العهد القديم ومنا ... بلوى الصّريم وبانه المتمايل «2»
هل تعلمنّ سوى هواك وسيلة ... تدنى رضاك وقد جهلت وسائلى
أدنيتنى حتى إذا تيّمتنى ... بمحاسن ومعاطف «3» وشمائل
وبحسن وجه لو تجلّى فى الدجى ... سجد الصباح لضوئه المتكامل
ونواظر سحّارة لجفونها ... فضل الصناعة «4» لا لساكن بابل «5»
(8/147)

ووقعت من قلبى بودّ قد جرى «1» ... مجرى دمى بجوانحى ومفاصلى
قاطعتنى وسمعت قول حواسدى ... وصرمت من بعد الوصال حبائلى «2»
ولرب ليل بتّ فيه مسهّدا ... فردا أسامر لوعتى وبلابلى
أطوى على حرّ الغرام أضالعا ... يطوين فيه «3» على قداح «4» النابل «5»
وهأنا أترقّب وصله، وأتوقّع عدله.
أتراه من جور الصبابة ينصف ... ويرقّ للعانى عليه ويعطف
صبّ يرى السّلوان عنه محرّما ... فله إليه تولّه وتلهّف
يا أهل كاظمة «6» وحقّ هواكم ... قسما بكم وبغيركم لا يحلف
مشتاقكم ألف الصبابة فيكم ... فكأنه لسواكم لا يعرف
فعدوه منكم بالوصال تعلّة ... ولكم بأن تعدوا الوصال ولا تفوا
وحياتكم «7» يرعاكم فى بعدكم ... ولقربكم فى بعدكم «8» يتشوّف
(8/148)

وليس لى ما أمت به إلا صدق الغرام، والإقدام فى حبّه «1» على ارتكاب «2» الحمام
جدّد عهود تواصل وتلاق ... واستبق لى رمقا فليس بباق
واشفع إلى ما رقّ من ترف الصّبا ... من وجنتيك برقّة الأخلاق
ما حقّ ذى قلب صفا لك ودّه ... تقطيعه بقطيعه وفراق
مع ذا وذا كيف استهنت فكن أنا ال ... موثوق «3» بى مولاى فى الميثاق
قال الراوى: فسمع شكواى وما أشكى «4» ، وقابل رقّتى بجفوة بها القلب أنكى «5» والطرف أبكى؛ ولفق أعذارا، وأقسمت عليه أن يزور فلم ير لقسمى إبرارا هذا ما اتّفق إيراده من كلامه- أدام الله علوّه- فى هذا الموضع، وسنورد إن شاء الله من كلامه أيضا ما تقف عليه فى آخر فن الحيوان فى السفر الذى يليه إن شاء الله تعالى.
ذكر شىء من إنشاء المولى الفاضل الصدر الكبير الكامل؛ البارع الأصيل، الأوحد النبيل؛ تاج الدين عبد الباقى بن عبد المجيد اليمانى
هو الذى أتقن صناعة الأدب فى غرّة شبابه، وبرزّ على من اكتهل فى طلبها وشاب فى الترقّى الى رتبها، فما ظنّك بأترابه؛ وجارى «6» ذوى الفضل فى «7» الأقطار اليمنيّة
(8/149)

فطلع مجلّى «1» الحلبة، وبارى نجباء الأفاضل بالمملكة التّعزّيّة «2» وكان المؤمّل «3» منهم بالنسبة إليه أرفعهم رتبه؛ وسما إلى سماء البلاغة فكان نجمها الزاهر، وارتقى إلى أفلاك البراعة فكان نيّرها الباهر، ورام من سواه الارتقاء إلى محلّه والمناوأة «4» لفضله فغدا وهو فى ذيول حيرته عاثر؛ فعند ذلك علموا عجزهم عن إدراك غاياته، واعترفوا بالتقصير عن مجاراته ومباراته؛ وحين لم يجد لفضله مجاريا، ولا عاين لفضائله مباريا؛ صار بها كالغريب وإن كان فى أهله ووطنه، والفريد «5» مع كثرة أبنائه وإخوان زمنه؛ فسمت «6» به نفسه إلى طلب العلوم من مظانّها، والاحتواء عليها فى إبّانها؛ واللّحاق بأعيان أهلها، والاختلاط بمن ارتدى بأردية فضلها؛ ورؤية من توشّح بقلائدها، وترشّح لبذل فوائدها ونظم فرائدها؛ ففارق الأقطار اليمنيّة وهى تسأله التأنّى، وتبذل لرضاه الرغبة والتمنّى؛ وهو لا يجيب مناديها ولا يعرّج على ناديها، ولا يميل الى حاضرها ولا ينظر الى باديها؛ وصرف وجهه عنها، ونفض يده منها؛ والتحق «7» بالديار
(8/150)

المصريّه، وانبتّ «1» فى طلب العلوم بأجمل سريرة وأحسن سيرة وأخلص نيّه؛ فبلغ فيها «2» مناه، وأدرك بها ما تمنّاه؛ وغدا وثغر فصاحته بالعلوم أشنب، وبرد بلاغته بالآداب مذهب
تناهى علاء والشباب رداؤه ... فما ظنّكم بالفضل والرأس أشيب
ولما عاينه أعيان أهل هذا الوادى، وشاهدوه يبكّر فى طلب العلوم ويغادى؛ تلقّوه بالإكرام والترحيب، وقابلوه بالتبجيل والتقريب، وأنزلوه بالمحلّ الأرفع والفناء الخصيب؛ وعاملوه بمحض الوداد، وساواه شبابهم بالإخوة ومشايخهم بالأولاد؛ وخلطوه بالنفس والمال، وظهر له فى ابتداء أمره بقرائن الأحوال حسن المآل؛ فأصبح من عدول المصر، وأمسى وهو من أعيان العصر؛ فشكر عاقبة مسيره وحمد صباح سراه، وأجابه لسان الفضائل بالتّلبية لمّا دعاه؛ ثم ارتحل الى الشأم فجعل دمشق مقرّ وطنه، وموطن سكنه؛ ومحلّ استفادته وإفادته، ونهاية رحلته وغاية إرادته؛ فعامله أهلها بفوق «3» ما فى نفسه، فحمد يومه بها على أمسه؛ وغدا لأهل المصرين شاكرا، ولمناقبهم تاليا ولمحاسنهم ذاكرا؛ وله من النظم ما رقّت حواشيه، وراقت معانيه؛ ومن النثر ما عذب وصفا، وكمل بلاغة ولطفا؛ وحسن إعجازا، وتناسب صدورا وأعجازا؛ وقد قدّمنا من كلامه فى هذا الكتاب ما باسمه ترجمناه، ولفضائله نسبناه؛ مما تقف عليه فى مواضعه، وتغتذى بلبان مراضعه؛ فلنورد له
(8/151)

فى هذا الباب غير ما تقدّم إيراده وما تأخّر، ونأخذ لتصنيفنا من بلاغته بالنصيب الأوفى والحظّ الأوفر.
فمن إنشائه كتاب عن الخليفة المستكفى بالله أمير المؤمنين أبى الربيع سليمان لملك «1» اليمن-
عمله تجربة لخاطره عند ما رسم بمكاتبته، ابتدأه بأن قال:
أما بعد حمد الله مانح القلوب السليمة هداها، ومرشد العقول إلى أمر معادها ومبتداها؛ وموفّق من اختاره الى محجّة صواب لا يضلّ سالكها، ولا تظلم عند اختلاف الأمور العظام مسالكها؛ وملهم من اصطفاه اقتفاء آثار السنن النبويّه، والعمل بموجب القواعد الشرعيّه؛ والانتظام فى سلك من طوّقته الخلافة عقودها، وأفاضت على سدّته الجليلة برودها؛ وملّكته أقاصى البلاد، وناطت بأحكامه السديدة أمور العباد؛ وسارت تحت خوافق أعلامه الملوك الأكاسره، وسرت «2» بأحكامه النيّرة مناجح الدنيا ومصالح الآخره؛ وتبختر «3» كلّ منبر من ذكره فى ثوب من السيادة معلم، وتهلّلت من ألقابه الشريفة أسارير كلّ دينار ودرهم؛ يحمده أمير المؤمنين على أن جعل أمور الخلافة ببنى العباس منوطه، وجعلها كلمة باقية فى عقبه الى يوم
(8/152)

القيامة محوطه؛ ويصلّى على ابن عمه محمد الذى أحمد الله بمبعثه ما ثار من الفتن، وأطفأ برسالته ما اضطرم من نار الإحن؛ صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين حموا حمى الخلافة فذادوا عن مواردها، وتجهّزوا «1» لتشييد المعالم الدينيّة فأقاموها على قواعدها؛ صلاة دائمة الغدوّ والرواح، متصلا أوّلها بطرّة الليل وآخرها بجبين الصباح؛ هذا وإن الذين الذى فرض الله على الكافّة الانضمام الى شعبه، وأطلع فيه شموس هداية تشرق من مشرقه ولا تغرب فى غربه؛ جعل الله حكمه بأمرنا منوطا، وفى سلك أحكامنا مخروطا «2» ؛ وقلّدنا من أمر الخلافة سيفا طال نجاده، وكثر أعوانه وأنجاده «3» ؛ وفوّض إلينا أمر الممالك الإسلاميّة فإلى حرمنا تجبى ممراتها، ويرفع الى ديواننا العزيز نفيها وإثباتها؛ يخلّف الأسد إن مضى فى غابه شبله، ويلفى فى الخبر والخبر مثله؛ ولما أفاض الله علينا حلّة الخلافة، وجعل حرمنا الشريف محلّ الرحمة والرافه؛ وأقعدنا على سدة خلافة طالما أشرقت بالخلائف من آبائنا، وابتهجت بالسادة الغطاريف»
من أسلافنا؛ وألبسنا خلعة هى من سواد السؤدد مصبوغه، ومن
(8/153)

سواد العيون وسويداوات القلوب مصوغه؛ وأمضينا على سدّتنا أمور الخاصّ والعامّ، وقلّدنا أرباب الكفاية كلّ إقليم من عملنا ممن تصلح سياسته على الدوام؛ واستكفينا بالكفاة من عمّالنا على أعمالنا، واتخذنا مصر دار مقامنا، وبها سدة مقامنا لما كانت فى هذا العصر قبّة الإسلام، وفيئة «1» الإمام، وثانية دار السلام؛ تعيّن علينا أن نتصفّح جرائد عمّالنا، ونتأمّل نظام أعمالنا؛ مكانا فمكانا، وزمانا فزمانا؛ فتصفّحناها فوجدنا «2» قطر اليمن، خاليا من ولايتنا فى هذا الزمن، والعادة مستمرّة بأن لم تزل نوّابنا فى بلاد اليمن «3» ؛ عرّفنا هذا الامر من اتخذناه للممالك الإسلاميّة عينا وقلبا، وصدرا ولبّا؛ وفوّضنا اليه أمر الممالك الإسلامية فقام فيها قياما أقعد الأضداد، وأحسن فى ترتيب ممالكنا نهاية الإصدار وغاية الإيراد؛ وهو السلطان الأجلّ السيّد الملك الناصر، لا زالت أسباب المصالح على يديه جاريه، وسحائب الإحسان من أفق راحته ساريه؛ فلم يعدّ جوابا لما رسمناه، ولا عذرا عما ذكرناه؛ إلا تجهيز شرذمة من حجافله المنصوره، وتعيين أناس من فوارسه المذكوره؛ يقتحمون الأهوال، ولا يعبأون
(8/154)

بتغيّرات الأحوال؛ يرون الموت مغنما إن صادفوه، وشبا المرهف مكسبا إن صافحوه؛ لا يشربون سوى الدماء مدامه، ولا يلبسون غير التّرائك «1» عمامه؛ ولا يعرفون طربا إلا ما أصدره «2» صليل الحسام من غنا، ولا ينزلون قفرا إلا وأنبت ساعة نزولهم عن صهوات خيلهم قنا؛ ولما وثقنا منه بإنفاذهم راجعنا رأينا الشريف فاقتضى أن نكاتب من بسط يده فى ممالكها، وملك جميع مسالكها؛ واتخذ أهلها خولا، وأبدى فى خلال ديارها من عدم سياسته خللا؛ فبرز مرسومنا الشريف النبوىّ أن نكاتب من قعد على تخت مملكتها، وتصرّف فى جميع أمور دولتها؛ فطولع بأنه ولد السلطان الملك المظفّر يوسف بن عمر الذى له شبهة «3» تمسّك بأذيال المواقف المستعصميّة «4» ، وهو مستصحب الحال على زعمه، أو ما علم الفرق بين الأحياء والأموات؟ أو ما تحقّق الحال بين النفى والإثبات؟ أصدرناها إلى الرّحاب التّعزّيّه «5» ، والمعالم اليمنيّه؛ تشعر من تولّى فيها فاستبدّ، وتولّى كبره فلم يعرّج على أحد؛ أنّ أمر اليمن ما برحت حكّامنا ونوّابنا تحكم فيه بالولاية الصحيحه، والتفويضات التى هى غير جريحه «6» ؛ وما زالت تحمل إلى بيت المال المعمور ما تمشى به الجمال وئيدا «7» ، وتقذفه بطون الجوارى «8» الى ظهور
(8/155)

اليعملات «1» وليدا؛ وتطالعنا بأمر مصالحه ومفاسده، وبحال معاهده ومقاصده «2» ؛ ولك أسوة بوالدك السلطان الملك المظفّر، هلّا اقتفيت ما سنّه من آثاره، ونقلت ما دوّنته أيدى الزمن من أخباره؛ واتصل بمواقفنا الشريفة أمور صدرت منك: منها «3» - وهى العظمى التى ترتّب عليها ما ترتّب- قطع الميرة عن البيت الحرام، وقد علمت أنه واد غير ذى زرع، ولا يحلّ لأحد أن يتطرّق إليه بمنع؛ وكفتك الآية «4» دليلا على ما صنعت، وبرهانا على ما فعلت؛ ومنها انصبابك «5» على تفريغ مال بيت المال فى شراء «6» لهو الحديث، ونقض العهود القديمة بما تبديه من حديث؛ ومنها تعطيل أجياد المنابر من عقود اسمنا، وخلوّ تلك الأماكن من أمر عقدنا وحلّنا؛ ولو أوضحنا لك ما اتصل بنا من أمرك لطال، ولا اتسعت فيه [دائرة «7» ] المقال؛ رسمنا بها والسيف يودّ لو سبق القلم حدّه، والعلم المنصور يحب لو فات القلم واهتزّ بتلك الروابى قدّه؛ والكتائب المنصورة تختار لو بدرت «8» عنوان الكتاب و [أهل «9» ] العزم والحزم يودّون اليك إعمال الرّكاب؛ والجوارى المنشآت قد
(8/156)

تكوّنت من ليل ونهار، وبرزت كصور الفيلة «1» لكنها على وجه الماء كالأطيار، وما عمدنا «2» الى مكاتبتك إلا للإنذار، وما جنحنا لمخاطبتك الا للإعذار؛ فأقلع عما أنت بصدده من الخيلاء والإعجاب، وانتظم فى سلك من استخلفناه على أعمالنا فأخذ بيمينه ما أعطى من كتاب؛ وصن بالطاعة نفوس من زعمت أنهم مقيمون تحت لواء علمك، ومنتظمون فى سلك أوامر كلمك، وداخلون تحت طاعة قلمك؛ فلسنا نشنّ الغارات على من نطق بالشهادتين لسانه وقلبه، وامتثل أوامر الله المطاعة عقله ولبّه؛ ودان الله «3» بما يجب من الدّيانه، وتقلّد عقود الصلاح والتحف بمطارف «4» الأمانه؛ ولسنا ممن يأمر بتجريد سيف الا على من علمنا أنه خرج عن طاعتنا، ورفض كتاب الله ونزع عن مبايعتنا؛ [فأصدرنا «5» ] مرسومنا هذا اليه يقصّ عليه من أنباء حلمنا ما أطال مدّة دولته، وشيّد قواعد صولته؛ ويستدعى منه رسولا إلى مواقفنا الشريفه، ورحاب ممالكنا المنيفه؛ لينوب عنه فى قبول الولاية مناب نفسه، وليجنى بعد ذلك ثمار شفقاتنا إن غرس شجر طاعتنا ومن سعادة المرء أن يجنى ثمار غرسه؛ بعد أن يصحبه من ذخائر الأموال ما كثر قيمة وخفّ حملا، وتغالى «6» فى القيمة «7» رتبة وحسن مثلا؛ واشرط على نفسك فى كل
(8/157)

سنة قطيعة «1» ترفعها الى بيت المال، وإيّاك ثم إيّاك أن تكون عن هذا الأمر ممن مال؛ ورتّب جيشا مقيما تحت لواء علم السلطان الأجلّ الملك الناصر للقاء العدوّ المخذول التتار، ألحق الله أوّلهم بالهلاك وآخرهم بالبوار؛ وقد علمت تفاصيل أحوالهم المشهوره، وتواريخ سيرهم المذكوره؛ واحترص «2» على أن يخصك من هذا المشرب السائغ أوفى نصيب، و [أن تكون «3» ] ممن جهّز جيشا فى سبيل الله فرمى بسهم فله أجر كان مصيبا أو غير مصيب؛ ليعود رسولك من دار الخلافة بتقاليدها وتشاريفها حاملا أهلّة أعلامنا المنصوره، شاكرا برّ موافقنا المبروره؛ وإن أبى حالك «4» إلا أن استمررت على غيّك، واستمرأت مرعى بغيك؛ فقد منعناك التصرّف فى البلاد، والنظر فى أحكام العباد؛ حتى تطأ خيلنا العتاق مشمخرّات حصونك، وتعجّل حينئذ ساعة منونك؛ وتمسى لهوادى قلاعك عقودا، ولعرائس حصونك نهودا؛ وما علّمناك غير ما علمه قلبك، ولا فهّمناك غير ما حدسه «5» لبّك؛ فلا تكن كالصغير تزيده كثرة التحريك نوما، ولا ممن غرّه الإمهال يوما فيوما؛ وقد أعلمناك ذلك فاعمل بمقتضاه، موفّقا إن شاء الله تعالى؛ والحمد لله وحده.
(8/158)

ومن إنشائه تقليد السلطان الملك الناصر لما ترك الديار المصرية وأقام بالكرك «1» -
وكتب له بذلك من ديوان الإنشاء عن الملك المظفّر ركن الدين، فلم يمكن الكاتب الإطناب، ولا وسعه «2» غير الاختصار، فلم يرضه الكتاب، وعمل جماعة منهم فى ذلك تجربة لخواطرهم ولم يكتب بشىء منها فعمل هو-:
الحمد لله مدبّر الأمر على ما يشاء فى عباده، ومنقّل الحال على حكم اختياره ووفق مراده، ومجرى أسباب الممالك على يد من اختاره من عباده لإصدار الأمر وإيراده، ومجيب من أصبح قاصدا بابه الشريف والزهادة فيما حوله من اعتقاده، ومعزّ من أضحى له من حقونا «3» ركن استند إليه الدهر فى استناده، يلبّى دعوة مرامه حيث كان من بلاده؛ ويجيب داعى نداه وإن بعد فيكون أقرب من سرّه الى فؤاده؛ يذبّ عن حوزة نسائه ببيض مرهفاته وسمر صعاده، ويحمى بيضة جاهه بالغلب من أشياعه والجرد من جياده؛ نحمده على أن جعل موالاتنا لهذا البيت الشريف المنصورىّ تستديم عهوده، وتلتحف من المحافظة على مراضيه الشريفة فى كلّ حال بروده؛ وترد من القيام بواجب حقّه أعذب منهل شرعه الصفاء وسنّه، وأكّد موالاته الوفاء وحسن الوفاء من شعار أهل السّنّة؛ ونشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له شهادة ترفع أعلام الهدى بكلمها، وتخمد نار الشرك بنور هداية
(8/159)

علمها وعلمها، وتطهّر أديم البسيطة من أرجاس الكفرة بالحدّين من غربى «1» صمصامها وقلمها، وتروى كلّ قطر أصبح ما حلا من قطرى عدلها ونعمها؛ ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذى كانت الزهادة ملاك أمره و [الملوك «2» ] تحت وطأة أقدامه، والملائكة يحفّونه من حوله «3» ومن أمامه، ومعادن الذهب تعرض عليه فيساوى لديه لزهادته بين نضاره ورغامه؛ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تحاكى أرج الصّبا وقد سرى عن خزامه «4» ، وتضاهى فتيق «5» المسلك وقد تنفّس عن ختامه، مشفوعة إلى يوم القيامة برضوانه وسلامه؛ وبعد، فإنه لما كان المقام العالى الملكىّ الفلانىّ هو الذى ربّته الممالك فى حجرها وليدا، وخوّلته السلطنة الشريفة من نفائس ذخائرها طارفا وتليدا؛ وبوّأته من مراتب العز أقصى غاية لا ترام، وأبادت بمرهفه البتّار جمع التتار الطّغام؛ واستخدمت لطاعته جيشين:
جيش نهار بكّر فيه مواليه على أعدائه بسابق خيله ومرهف حسامه، وجيش ليل تبسط أولياء دولته أكفّهم للدعاء ببقائه فى جنح ظلامه؛ طالما هزّت المنابر أعطافها طربا عند ذكر اسمه، وازدادت وسامة الدّينار حسنا لمّا شرّفها بحسن
(8/160)

وسمه ورسمه؛ وتلت أوصاف بأسه ألسنة خرصانه «1» ، ورجعت سوابق الهمم عن التطاول للمطاولة فى ميدانه، وقالت فوارس الحروب لمّا رأت كرّه: هذا سباق لسنا من رهانه؛ كم فرّق بجيشه اللهام «2» جيشا أرمد جفن الشمس بقتامه، ونصر الأحزاب يوم الكريهة بالعاديات من خيله والمرسلات من سهامه، فالدهر يشكر مواقف إقدامه، والعدل ينشر منشور فضله وسديد أحكامه؛ والممالك تثنى على عليائه بالسداد، والمسالك تهدى لسالكها ما خصّها به من أمنها المعتاد؛ والناس فى ظلّ عدل لياليه [خلقت «3» ] كما شاءوا أسحارا، والوحش والغنم كلّ منهما قد جعل صاحبه جارا؛ ومواطن العلوم أمست تطرّز بمحاسن أوصافه، وحكّام الشرع الجليل أضحت تميس فى حلل عدله وإنصافه؛ والأماكن التى تشدّ لها الرحال يفترّ ثغرها عن عدله، والمشاعر المعظّمة قد حمى حوزتها بالسهم من نصله والشهم من رجله «4» ؛ تنقّل فى مراتب الملك صغيرا الى أن اشتدّ بالعزم القوىّ كاهله، واستوطن ربع العزّ مذ كان يجتلى بدوره وتجتليه عقائله؛ فلم تبق له مأربة إلا قضاها، ولا حالة إلا ابتلاها، ولا غمّة إلا جلاها، ولا آية شكر إلا تلاها؛ الى أن قمع بحدّ
(8/161)

سيفه كلّ مجترى، وقال للسحابة كما قيل: امطرى «1» ؛ رأى «2» أن الموارد الدنيويّة لا بدّ لها من مصادر، وأن أوائل الأمور تستدعى الأواخر، وأن للزهادة فى الدنيا وإن عظم قدرها الشأن الكبير، وأن الانقطاع الى الله تعالى منهل صفو لا يقبل شوائب التكدير؛ وقوى عزمه فى الرّحلة عن مقرّ ملكه الى أعزّ حصونه المنيعه، بل الى أجلّ معاقله الشامخة الرفيعه؛ قاصدا بها الانفراد، عالما بأن الله يطلع على خفيّات الفؤاد؛ فرحل ركابه العالى ونظام المملكة من حسن الهيئة قائم على ساق، وقلوب كفّال الممالك الشريفة متّفقة على الاتفاق؛ واثقا بأن للملك من أولياء بيته الشريف كلّ ولىّ عهد لا تخفر لديه الذمم، وكلّ سلطان أفق «3» تضؤل دون عزمه الهمم؛ يحمى بيضة خدره من كلّ متطاول إليها، ويقصّر أسباب الحرص من كلّ شأن «4» عليها؛ واختار الانفراد، وتيقّن أنّا لا نعدل عمّا أراد؛ ونصب عمد خيامه الشريفة على سفح روض الكرك النّضر، وحلّ منه رأس شاهقة نبتها خضر؛ ورغب فى الزهادة وشعارها، واستوت «5» عنده الدنيا فى حالتى إقبالها وإدبارها؛ فاقتضى اعتناؤنا الشريف أن نبلّغه من مآربه الشريفة أقصى المرام، وأن نساعده فى كلّ أمر يعرف منه الموافقة منّا على الدوام؛ وأن ننظم الأمر فى سلك الإرادة على مراده، وأن نبادر إلى راحة سرّه الشريف وفؤاده؛ ولسوف نعامل مقامه العالى بكلّ احترام يصل
(8/162)

إليه تفصيلا وإجمالا، ونراعى معه أدب أسلافه الكرام حالا فحالا، وإنّا لا نخليه من تجهيز مثال يتضمّن من محاسنه سيرا وأمثالا، ولولا عرف السلطنة ونظام المملكة يقتضيان ذلك ما جهّزنا إلى بابه الشريف مثالا، فلذلك خرج الأمر الشريف بكذا وكذا.
هذا ما اتفق إيراده فى هذا الفصل من رسائل الكتّاب، وكتّاب العصر- أعزّهم الله تعالى- كثير، وكلامهم مشهور، ومدوّن بأيدى الناس ومحفوظ فى صدورهم، ولم نشترط أن نورد لجميعهم فنلتزم الشرط، ولو فعلنا ذلك لطال الكتاب وخرج عن شرطه، وانما خصصنا هؤلاء بالذكر لتعلّقنا بهم، واتصال سببنا فى الوداد بسببهم.
ذكر شىء من الأبيات الداخلة فى هذا الباب «1»
فمن ذلك قول بعض الشعراء:
إنّى لعظم تشوّقى ... وشديد وجدى واكتئابى
أصبحت أحسد من يفو ... ز بقربكم حتى كتابى
وقال آخر:
وما تأخّر كتبى عنك من ملل ... طوبى «2» لودّك يا بن السادة النّجب
لكن حسدت كتابى أن يراك وما ... أراك فاخترت إمساكى عن الكتب
(8/163)

[وقال «1» آخر] :
عقت الرسائل طامعا أن نلتقى ... فأبى الزمان يتيح لى ما أطلب
وتأخّرت كتبى فقلت أعاتب ... فى ذاك أنت علىّ أم متعتّب «2»
فإذا «3» وجدتك فى الضمير ممثّلا ... أبدا تناجينى إلى من أكتب
وقال آخر:
الكتب تكتب للبعي ... د وانت من قلبى قريب
فإذا وجدتك فى الفؤا ... د فمن أكاتب أو أجيب
وقال آخر:
لو أنّ كتبى بقدر الشوق واصلة ... كانت إليك مع الأنفاس تتّصل
لكنّنى والذى يبقيك لى أبدا ... على جميل اعتقادى فيك أتّكل
وقال آخر:
وفى الكتب نجوى من يعزّ لقاؤه ... وتقريب من لم يدن منه مزار
فلم تخلنى «4» منها وتعلم أنّها «5» ... لعينى وقلبى قرّة وقرار
وقال آخر:
سألتك عوّذنى بكتبك إنّ لى ... شياطين شوق لا تفارق مضجعى
إذا استرقت أسرار فكرى تمرّدا ... بعثت إليها فى الدجى شهب أدمعى
(8/164)

وقال آخر:
أتبخل بالقرطاس والخط عن أخ ... وكفّاك أندى بالعطايا من المزن
لعمرى لقد قوّى جفاؤك ظنّتى ... وأوهن تأميلى وما كان ذا وهن
وقال آخر:
أظنّ القراطيس فى مصركم ... تخوّنها ريب دهر خؤون
فلو أنها صفحات الخدو ... د يكتب فيها بماء الجفون
لما أعوزتك ولكن جفوت ... فألقيت شأنى خلال الشؤون
وقال المتنبّى فى جواب كتاب ورد عليه:
بكتب الأنام كتاب «1» ورد ... فدت يد كاتبه كلّ يد
يعبّر عما له عندنا ... ويذكر من شوقه ما نجد
وقال أبو الفتح البستىّ:
لمّا أتانى كتاب منك مبتسم ... عن كل فضل وبرّ غير محدود
حكت معانيه فى أثناء أسطره ... آثارك البيض فى أحوالى السود
وقال آخر:
طلع الفجر من كتابك عندى ... فمتى باللقاء يبدو الصباح
وقال آخر:
ولمّا أتانى بعد هجر كتابكم ... وفيه شفاء الواله الدنف المضنى
سررت به حتى توهّمت أنه ... كتابى وقد أعطيته بيدى اليمنى
(8/165)

وقال آخر:
نفسى الفداء لغائب عن ناظرى ... ومحلّه فى القلب دون حجابه
لولا تمتّع مقلتى بلقائه ... لوهبتها لمبشّرى بكتابه
وقال آخر:
ورد الكتاب مبشّرا ... نفسى بأوقات «1» السرور
وفضضته فوجدته ... ليلا على صفحات نور
مثل السوالف والخدو «2» ... د البيض زينت بالشعور
أنزلته منّى بمنزلة ... القلوب من الصدور
وقال آخر فى كتاب عدم فلم يصل إليه:
نبّئت أنّ كتابا ... أرسلته مع رسول
ملأته منك طيبا ... فضاع قبل الوصول
ومما يتصل بهذا الباب ويلتحق «3» به، ويحتاج الكاتب إلى معرفته والاطلاع عليه الحجّة البالغة والأجوبة الدامغة.
فمن ذلك فى التنزيل قوله عزّ وجل: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ.
وقوله تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً* أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى * ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى* فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى * أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى.
(8/166)

وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم: وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ.
وقوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا.
وقوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ.
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ.
وقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ.
وقال تعالى فى الدّلالة على إثبات نبوّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ* أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
، فإنه صلّى الله عليه وسلّم كان يعرف فى قريش بالصادق الأمين وقوله تعالى: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ
ولمّا بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «يا معشر قريش لو قلت لكم إنّ خيلا تطلّع عليكم من هذا الجبل كنتم تصدّقونى «1» ؟ قالوا: نعم؛ قال:
(8/167)

فإنّى «نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ»
فلمّا أقرّوا بصدقه خاطبهم بالإنذار، ودعاهم إلى الإسلام. فهذه حجج من الكتاب والسنّة لا جواب عنها ولمّا انتهى إلى علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه يوم السّقيفة أنّ الأنصار قالت: منّا أمير ومنكم أمير؛ قال علىّ: فهلّا احتججتم عليهم بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أوصى بأن يحسن إلى محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم؛ قالوا: وما فى هذا من الحجة عليهم؟ قال: لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصيّة بهم.
ولمّا قال الحباب بن المنذر فى يوم السّقيفة أيضا: أنا جذيلها «1» المحكّك وعذيقها «2» المرجّب، إن شئتم كررناها جذعة «3» ، منّا أمير ومنكم أمير، فإن عمل المهاجرىّ شيئا فى الأنصارىّ ردّه عليه الأنصارىّ، وإن عمل الأنصارىّ شيئا فى المهاجرىّ ردّه عليه المهاجرىّ؛ أراد عمر الكلام، فقال أبو بكر رضى الله عنه: على رسلك «4» ، نحن المهاجرين أوّل الناس إسلاما، وأوسطهم دارا، وأكرم الناس حسبا، وأحسنهم وجوها، وأكثر الناس ولادة «5» فى العرب، وأمسّهم رحما بالرسول صلّى الله
(8/168)

عليه وسلّم، أسلمنا قبلكم، وقدّمنا فى القرآن عليكم، وأنتم إخواننا فى الدّين، وشركاؤنا فى الفىء، وأنصارنا على «1» على العدوّ، آويتم وواسيتم، فجزاكم الله خيرا، نحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تدين العرب الا لهذا الحىّ من قريش. قالوا: قد رضينا وسلّمنا.
قال بعض اليهود لعلى رضى الله عنه: ما دفنتم «2» نبيّكم حتى اختلفتم؛ فقال: انما اختلفنا عليه «3» لا فيه، ولكنكم ما جفّت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيّكم: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ.
وقال حاطب بن أبى بلتعة: لما بعثنى النبىّ صلّى الله عليه وسلّم الى المقوقس ملك الإسكندريّة بكتابه، أتيته وأبلغته الرسالة، فضحك ثم قال: كتب إلىّ صاحبك يسألنى أن أتّبعه على دينه، فما يمنعه إن كان نبيا أن يدعو الله فيسلّط علىّ البحر فيغرقنى فيكتفى مؤنتى، ويأخذ ملكى؟ قلت: ما منع عيسى عليه السلام إذ أخذته اليهود فربطوه فى حبل، وحلقوا وسط رأسه، وجعلوا عليه إكليلا من شوك، وحملوا خشبته التى صلبوه عليها على عاتقه، ثم أخرجوه وهو يبكى حتى نصبوه على الخشبة ثم طعنوه حيّا بحربة حتى مات- على زعمكم- فما منعه أن يدعو الله فينجيه ويهلكهم، ويكتفى مؤنتهم، ويظهر هو وأصحابه عليهم؟ وما منع يحيى بن زكريّا حين سألت امرأة الملك الملك أن يقتله فقتله وبعث برأسه اليها حتى وضع بين يديها أن يسأل الله أن يحميه ويهلكهم؟ فأقبل على جلسائه وقال: والله إنه لحكيم، وما تخرج الحكم إلّا من عند الحكماء.
(8/169)

وخطب معاوية بن أبى سفيان ذات يوم وقال: إن الله تعالى يقول:
(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)
فما نلام نحن؛ فقام اليه الأحنف بن قيس فقال له: يا معاوية، إنا والله ما نلومك على ما فى خزائن الله، وإنّما نلومك على ما آثرك الله [به «1» ] «2» علينا من خزائنه فأغلقت بابك دونه.
وقال معاوية لرجل من اليمن: ما كان أحمق قومك حين ملّكوا عليهم امرأة! قال: قومك أشدّ حماقة إذ قالوا: «اللهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السّماء أو ائتنا بعذاب أليم» أفلا قالوا: اهدنا له.
وقيل: مرّت امرأة من العرب بمجلس من مجالس بنى نمير، فرماها جماعة منهم بأبصارهم، فوقفت ثم قالت: يا بنى نمير، لا أمر الله تعالى أطعتم، ولا قول الشاعر سمعتم، قال الله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ)
وقال الشاعر «3» :
فغضّ الطرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
فما اجتمع منهم بعد ذلك اثنان فى مجلس.
وقيل: استعمل عتبة بن أبى سفيان رجلا من أهله على الطائف، فظلم رجلا من أزد شنوءة، فأتى الأزدىّ عتبة فقال:
أمرت من كان مظلوما ليأتيكم ... فقد أتاكم غريب الدار مظلوم
(8/170)

ثم ذكر ظلامته، فقال عتبة: إنّى أرى أعرابيّا جافيا، والله ما أحسبك تدرى كم تصلّى فى اليوم والليلة؛ فقال: إن أنبأتك ذلك تجعل لى عليك مسألة؟ قال:
نعم؛ فقال الأعرابىّ:
إنّ الصلاة أربع وأربع ... ثم ثلاث بعدهنّ أربع
ثم صلاة الفجر لا تضيّع
قال: صدقت فاسأل؛ فقال: كم فقار ظهرك؟ فقال: لا أدرى؛ قال: أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك؟ فأمر بردّ ظلامته عليه.
وقال الحجّاج بن يوسف ليحيى بن سعيد بن العاصى «1» : بلغنى أنّك تشبه إبليس فى قبح وجهك؛ قال: وما ينكر الأمير من أن يكون سيّد الإنس يشبه سيّد الجنّ؟.
وقال لسعيد بن جبير: اختر لنفسك أىّ قتلة شئت؛ قال: اختر أنت فإنّ القصاص أمامك.
وحكى أن حويطب «2» بن عبد العزّى بلغ عشرين ومائة سنة، ستين فى الجاهليّة وستين فى الإسلام، فلما ولى مروان بن الحكم المدينة دخل عليه حويطب، فقال له مروان: لقد تأخّر إسلامك أيها الشيخ حتى سبقك «3» الاحداث؛ فقال: والله لقد «4» هممت
(8/171)

بالإسلام غير مرّة كلّ ذلك يعوقنى أبوك عنه «1» وينهانى، ويقول: أتدع دين آبائك «2» [لدين «3» محدث] ؟! أما أخبرك عثمان ما كان قد لقى من أبيك حين أسلم.
وقيل: لمّا ظفر الحجّاج بابن الأشعث وأصحابه أمر بضرب أعناقهم، حتى أتى على رجل من تميم، فقال التميمىّ: أيها الأمير، والله لئن «4» أسأنا فى الذنب ما «5» أحسنت فى العقوبة؛ فقال الحجاج: وكيف ذاك؟ قال: لأنّ الله تعالى يقول: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً)
فو الله ما مننت ولا فاديت «6» ؛ فقال الحجّاج: أفّ «7» لهذه الجيف، أما كان منهم من يحسن مثل هذا؟ وأمر بإطلاق من بقى وعفا عنهم.
وحكى أن الرشيد سأل موسى بن جعفر فقال: لم قلتم إنّا ذرّيّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وجوّزتم للناس أن ينسبوكم اليه ويقولوا: يا [بنى «8» ] نبىّ الله وأنتم
(8/172)

بنو علىّ، وانما ينسب الرجل إلى أبيه دون جدّه؛ فقرأ «1» : (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ)
وليس لعيسى أب، وانما لحق بذرّيّة الأنبياء من قبل أمّه؛ وكذلك ألحقنا بذرّيّة الرسول صلّى الله عليه وسلّم من قبل أمّنا فاطمة- عليها السلام- وأزيدك يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ)
ولم يدع صلّى الله عليه وسلّم فى مباهلة «2» النصارى غير فاطمة والحسن والحسين «3» ، وهما «4» الأبناء.
قيل: لما ولّى يحيى بن أكثم قضاء البصرة استصغر الناس سنّه، فقال له رجل: كم سنّ القاضى- أعزّه الله-؟ فقال: سنّ عتّاب «5» بن أسيد حين ولّاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قضاء مكّة. فجعل جوابه احتجاجا.
قال يزيد بن عروة: لمّا مات كثير لم تتخلّف بالمدينة امرأة ولا رجل عن جنازته، وغلب النساء عليها، وجعلن يبكينه ويذكرن عزّة فى ندبهنّ له؛ فقال
(8/173)

أبو جعفر محمد بن علىّ الباقر: أفرجوا «1» لى عن جنازة كثيّر لأرفعها، فجعلنا ندفع النساء عنها ومحمد بن علىّ يقول: تنحّين يا صويحبات يوسف؛ فانتدبت له امرأة منهن فقالت: يا بن رسول الله، لقد صدقت، إنّا لصويحباته، ولقد كنّا له خيرا منكم له؛ فقال أبو جعفر [لبعض مواليه «2» ] : احتفظ بها حتى تجيئنى «3» بها إذا انصرفت؛ قال: فلما انصرف أتى بها وكأنّها شررة النار؛ فقال لها محمد بن علىّ: إيه «4» ، أنت القائلة: إنّكنّ ليوسف خير منّا؟ قالت: نعم، تؤمّننى غضبك يا بن رسول الله؟
فقال: أنت آمنة من غضبى فأنبئينى؛ فقالت: نحن دعوناه إلى اللّدّات من المطعم والمشرب والتمتّع والتنعّم، وأنتم معاشر الرجال ألقيتموه فى الجبّ وبعتموه بأنجس الأثمان، وحبستموه فى السجن؛ فأيّنا كان عليه أحنى، وبه أرأف؟ فقال محمد:
لله درّك! لن تغالب امرأة إلّا غلبت؛ ثم قال لها: ألك بعل؟ فقالت: لى من الرجال من أنا بعله؛ فقال أبو جعفر: ما أصدقك! مثلك من تملك الرجل «5» ولا يملكها؛ فلمّا انصرفت قال رجل من القوم: هذه فلانة «6» بنت معقب «7» .
وقال المأمون ليحيى بن أكثم: من الذى يقول:
قاض يرى الحدّ فى الزناء ولا ... يرى على من يلوط من باس
(8/174)

فقال: يا أمير المؤمنين، هو «1» الذى يقول:
شاهدنا «2» يرتشى وحاكمنا ... يلوط والراس شرّ ما راس
لا أحسب الجور ينقضى و «3» على الأمّة ... وال من آل عبّاس
قال ومن هو؟ قال: أحمد بن [أبى «4» ] نعيم؛ فأمر بنفيه إلى السّند «5» .
وحكى أنّ أهل الكوفة تظلّموا إلى المأمون من عامل ولّاه عليهم؛ فقال:
ما علمت فى عدد عمّالى أعدل ولا أقوم بأمر الرعيّة ولا أعود بالرفق عليهم منه؛ فقام رجل من القوم فقال: يا أمير المؤمنين، ما أحد أولى بالعدل والإنصاف منك، فاذا كان الأمر على هذه الصفة فينبغى أن تعدل فى ولايته بين أهل البلدان، وتسوّى بنا «6» أهل الأمصار، حتى يلحق أهل كلّ بلد من عدله وإنصافه مثل الذى لحقنا، فاذا فعل أمير المؤمنين ذلك فلا يخصّنا منه أكثر من ثلاث سنين؛ فضحك المأمون وعزل العامل عنهم.
ولنصل هذا الفصل بذكر هفوات الأمجاد وكبوات الجياد «7»
وقد رأيت بعض أهل الأدب ممن يستحقّ الأدب تعرّض فى هذا الفصل الى ذكر قصص
(8/175)

الأنبياء- صلوات الله عليهم- كآدم ويوسف وداود وسليمان فكرهت ذلك منه، ونزّهت كتابى عنه- قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
فكانت هذه هفوة من المسلمين غفرها الله وعفا عنها.
وقال الأحنف بن قيس: الشريف من عدّت سقطاته.
وقال النابغة:
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث «1» أىّ الرجال المهذّب
وقالوا: كلّ صارم ينبو، وكلّ جواد يكبو.
وكان الأحنف بن قيس حليما سيّدا يضرب به المثل، وقد عدّت له سقطات فمن ذلك أنه نظر الى خيل لبنى مازن فقال: هذه خيل ما أدركت بالثار، ولا نقصت الأوتار «2» ؛ فقال له سعيد بن القاسم المازنىّ: أمّا يوم قتلت أباك فقد أدركت بثارها؛ فقال الأحنف: لشىء ما قيل: «دع الكلام حذر الجواب» - وكانت بنو مازن قتلت [أبا «3» ] الأحنف فى الجاهليّة.
ومنها أنه لمّا خرج مع مصعب بن الزبير أرسل اليه مائة ألف درهم، ولم يرسل الى زبراء «4» جاريته بشىء، فجاءت حتى وقفت بين يدى الأحنف، ثم أرسلت عينيها؛
(8/176)

فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما لى لا أبكى عليك إذ لم تبك على نفسك، أقعدتها وتذر مرو الرّوذ «1» تجمع بين غارين «2» من المسلمين؛ فقال: نصحتنى والله فى دينى إذ لم أتنبّه لذلك؛ ثم أمر بفسطاطه فقوّض، فبلغ ذلك مصعبا فقال: ويحكم، من دهانى فى الأحنف؟ فقيل: زبراء، فبعث إليها بثلاثين ألف درهم، فجاءت حتى أرخت عينيها بين يديه؛ فقال: ما لك يا زبراء؟ قالت: عجبت لأحوالك فى «3» أهل البصرة، تزفّهم كما تزفّ العروس، حتى اذا ضربت بهم فى نحور أعدائهم أردت أن تفتّ فى أعضادهم؛ قال: صدقت والله، يا غلام دع الفساطيط؛ فاضطرب العسكر بمجىء «4» زبراء مرّتين.
ومن سقطاته التى عدّت عليه أن عمرو بن الأهتم «5» دسّ إليه رجلا ليسفّهه، فقال له: يا أبا بحر، من كان أبوك فى قومه؟ قال: كان من أوسطهم، لم يسدهم ولم يتخلّف عنهم؛ فرجع إليه ثانية، ففطن الأحنف إلى أنه من قبل عمرو، فقال:
(8/177)

ما كان مال أبيك؟ قال: كانت له صرمة «1» يمنح منها ويقرى، ولم يكن أهتم سلّاحا.
وقيل: إن الحسن «2» سئل عن قوله تعالى: (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا)
فقال: إن كان لسريّا، وإن كان لكريما؛ فقيل له: من هو؟ قال: المسيح؛ فقال له حميد «3» بن عبد الرحمن: أعد نظرا، إنما السرىّ: الجدول؛ فأنعم «4» له، وقال:
يا حميد، غلبنا عليك الأمراء.
ومات ولد طفل لسليمان «5» بن علىّ، فأتاه الناس بالبصرة يعزّونه وفيهم شبيب بن شيبة وبكر «6» بن حبيب السّهمىّ؛ فقال شبيب: أليس يقال: إنّ الطفل لا يزال
(8/178)

محبنظئا «1» بباب الجنّة حتى يدخل أبواه؟ فجاء بظاء معجمة؛ فقال له بكر «2» بن حبيب: محبنطئا، بطاء مهملة؛ فقال شبيب: إلّا أنّ من بين لابتيها يعلم أنّ القول كما أقول «3» ؛ فقال بكر: وخطأ ثان، ما للبصرة لابتان «4» ، أذهبت إليه «5» بالمدينة؟.
(من بين لابتيها: أى «6» حرتيها) .
قيل: جلس محمد بن عبد الملك»
يوما للمظالم، وحضر فى جملة الناس رجل زيّه زىّ الكتّاب، فجلس بإزاء محمد، ومحمد ينقد الأمور وهو لا يتكلّم، ومحمد يتأمّله؛ فلما خفّ المجلس قال له: ما حاجتك؟ قال: جئتك- أصلحك الله- متظلّما؛ قال: ممّن؟ قال: منك، ضيعة لى فى يد وكيلك يحمل إليك غلّتها، ويحول بينى وبينها؛ قال: فما تريد؟ قال: تكتب بتسليمها إلىّ؛ قال: هذا يحتاج فيه إلى شهود وبيّنة وأشياء كثيرة؛ فقال له الرجل: الشهود هم البيّنة، وأشياء كثيرة عىّ منك؛ فخجل محمد وهاب الرجل، وكتب له بما أراد.
(8/179)

ووصف ذو «1» الرّمّة لعبد «2» الملك بن مروان بالذكاء وحسن الشعر، فأمر بإحضاره، فلما دخل عليه أنشده قصيدة أفتتحها بقوله: «ما بال عينك منها الماء ينسكب» وكانت عينا عبد الملك تدمعان دائما، فظنّ أنه عرّض به، فغضب وقال: مالك ولهذا السؤال يا بن اللّخناء؟ وقطع إنشاده، وأمر بإخراجه.
ودخل أبو النجم «3» على هشام بن عبد الملك وأنشده أرجوزته التى أوّلها:
«الحمد لله الوهوب المجزل «4» » حتى انتهى إلى قوله يصف الشمس عند الغروب:
«وهى على الأفق كعين الأحول» ، واستدرك سقطة لسانه، وقطع إنشاده، وعلم أنها زلّة، لأنّ هشاما كان أحول، فقال له هشام كمّل إنشادك ويلك وأتمم البيت، وأمر بوجء «5» عنقه وإخراجه من الرّصافة «6» .
(8/180)

قال المدائنىّ: كان رجل من ولد عبد الرحمن بن سمرة أراد الوثوب بالشام فى زمن المهدىّ، فأخذ وحمل إليه، فلمّا مثل بين يديه اعتذر، فرأى منه المهدىّ نبلا وفضلا، فعفا عنه وخلطه بجلسائه؛ ثم قال له يوما: أنشدنى شيئا من شعر زهير، فأنشده قصيدته التى أوّلها: «لمن الديار بقنّة «1» الحجر» حتى أتى على آخرها؛ فقال المهدىّ: مضى من يقول مثل هذا؛ فقال السّمرىّ: وذهب والله من يقال «2» فيه مثله؛ فاستشاط «3» المهدىّ غضبا، وأمر أن يجرّ برجله، وألّا يؤذن له بعدها.
ولنختم ما ذكرناه من أمر كتابة الإنشاء بشىء من الحكم.
ذكر شىء من الحكم
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الحكمة ضالّة المؤمن» .
وقال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: لكلّ جواد كبوه، ولكلّ حكيم هفوه؛ ولكلّ نفس ملّة «4» ، فاطلبوا لها طرائف الحكمة.
ومن الحديث النبوىّ- صلوات الله تعالى وسلامه على قائله- ممّا يدخل فى هذا الفصل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «كرم الرجل دينه، ومروءته عقله، وحسبه عمله» . «خير الأمور أوسطها» «5» . «كلّ ميسّر لما خلق له» .
(8/181)

«زر غبّا تزدد حبّا» . «الوحدة خير من قرين السوء» . «البركة فى الحركة» .
«صلوا أرحامكم ولو بالسلام» . «من كثر سواد قوم فهو منهم» . «ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى» . «ليس الغنى عن كثرة العرض، إنّما الغنى غنى النفس» .
وقال أبو بكر الصّدّيق- رضى الله عنه-: صنائع المعروف تقى مصارع السوء.
وقال علىّ بن أبى طالب: استغن عمّن شئت فأنت نظيره، واحتج إلى من شئت فأنت أسيره، وأفضل على من شئت فأنت «1» أميره.
قال بعض الشعراء:
وإذا ما الرجاء أسقط بين الناس ... فالناس كلّهم أكفاء
وقال لقمان لابنه: ثلاثة لا يعرفون إلّا فى ثلاثة مواضع: لا يعرف الحليم إلّا وقت الغضب، ولا الشجاع إلا فى الحرب اذا لاقى الأقران، ولا أخوك إلا عند حاجتك.
وقال عمر بن الخطّاب رضى الله تعالى عنه: أحبّكم إلينا قبل أن نختبركم «2» أحسنكم صمتا، فإذا تكلّم فأبينكم منطقا، فإذا اختبرناكم فأحسنكم فعلا.
وفى رواية: أحبّكم إلينا أحسنكم اسما، فإذا رأيناكم فأجملكم منظرا، فإذا اختبرناكم فأحسنكم مخبرا.
وخطب علىّ رضى الله عنه يوما فقال فى خطبته: وأعجب ما فى الإنسان قلبه، له أمداد «3» من الحكمة، وأضداد من خلافها، فإذا سنح له الرجاء هاج به
(8/182)

الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتدّ به الغيظ، وإن أسعد بالرضا نسى التحفّظ، وإن ناله الخوف شغله الحزن، وإن أصابته مصيبة قصمه الجزع، وإن أفاد ما لا أطغاه الغنى، وإن عضّته فاقة شغله البلاء، وإن جهده الجوع أقعده الضعف، فكلّ تقصير به مضرّ، وكلّ إفراط له مفسد.
ومن كلامه- رضى الله عنه-: فرض الله تعالى الإيمان تطهيرا من الشّرك، والصّلاة تنزيها عن الكبر، والزكاة سببا للرزق، والصيام ابتلاء لإخلاص الخلق، والحجّ تقوية للبدن، والجهاد عزّ للإسلام، والأمر بالمعروف مصلحة للعوامّ «1» ، والنهى عن المنكر ردعا للسفهاء، وصلة الرحم منماة للعدد، والقصاص حقنا للدماء، وإقامة الحدود إعظاما للمحارم، وترك شرب الخمر تحصينا للعقل، ومجانبة السرقة إيجادا «2» للعفّة، وترك الزنى تصحيحا للنّسب، وترك اللواط تكثيرا للنسل، والشهادات استظهارا على المجاحدات، وترك الكذب تشريفا للصدق، والسلام أمانا من المخاوف، والإمامة نظاما للأمّة، والطاعة تعظيما للإمامة «3» .
وقال فرفوريوس «4» : لو تميزت الأشياء بأشكالها لكان الكذب مع الجبن، والصدق مع الشجاعة، والراحة مع اليأس، والتعب مع الطمع، والحرمان مع الحرص، والعزّ مع القناعة، والأمن «5» مع العفاف، والسلامة مع الوحدة.
(8/183)

وقال آخر: الشكر محتاج إلى القبول، والحسب محتاج إلى الأدب، والسرور محتاج إلى الأمن «1» ، والقرابة محتاجة إلى المودّة، والمعرفة محتاجة إلى التجارب، والشرف محتاج إلى التواضع، والنّجدة محتاجة إلى الجدّ.
وقال حكيم يونانىّ: السعادات كلّها فى سبعة أشياء: حسن الصورة، وصحّة الجسم، وطول العمر، وكثرة العلم، وسعة ذات اليد، وطيب الذكر، والتمكّن من الصديق والعدوّ.
وقال بعض الأدباء- وقد سئل عن العيش- فقال: فى الغنى فإنى رأيت الفقير لا يلتذّ بعيش أبدا؛ فقال له السائل: زدنى، قال: فى الصحّة، فإنى رأيت المريض لا يلتذّ بعيش أبدا؛ فقال له: زدنى، قال: فى الأمن، فإنى رأيت الخائف لا يلتذّ بعيش أبدا؛ قال: زدنى؛ قال: لا أجد مزيدا. وهذا الكلام مأخوذ من قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«من أصبح آمنا فى سربه «2» ، معافى فى بدنه، عنده «3» قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدنيا بحذافيرها» .
وقال فيلسوف: كثير من الأمور لا تصلح إلّا بقرنائها: لا ينفع العلم بغير ورع، ولا الحفظ بغير عقل، ولا الجمال بغير حلاوة، ولا الحسب بغير أدب، ولا السرور بغير أمن، ولا الغنى بغير كفاية، ولا الاجتهاد بغير توفيق.
(8/184)

وقالوا: المنظر يحتاج إلى القبول، والحسب إلى الأدب، والسرور إلى الأمن، والقربى إلى المودّة، والمعرفة إلى التجارب، والشرف إلى التواضع، والنجدة إلى الجدّ «1» .
وقال علىّ رضى الله عنه: يغلب المقدار على التقدير، حتى تكون الآفة فى التدبير.
أخذه ابن الرومىّ فقال:
غلط الطبيب علىّ غلطة مورد ... عجزت موارده «2» عن الإصدار
والناس يلحون الطبيب وإنّما ... غلط الطبيب إصابة المقدار
وقال: اذا انقضت المدّه، كان الهلاك فى العدّة.
وقال القدماء: لا خير فى القول إلّا مع الفعل، ولا فى المنظر إلّا مع المخبر، ولا فى المال إلّا مع الجود، ولا فى الصديق إلّا مع الوفاء، ولا فى الفقه إلّا مع الورع، ولا فى الصدقة إلّا مع حسن النيّة، ولا فى الحياة إلّا مع الصحّة، ولا فى السرور إلّا مع الأمن.
قال بعض بنى تميم: حضرت مجلس الأحنف بن قيس وعنده قوم مجتمعون، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الكرم، منع الحرم؛ ما أقرب النّقمة من أهل البغى! لا خير فى لذّة تعقب ندما؛ لن يهلك من قصد، ولن يفتقر من زهد؛ ربّ هزل قد عاد جدّا؛ من أمن الزمان خانه، ومن تعظّم عليه أهانه؛ دعوا المزاح فإنه
(8/185)

يؤرّث «1» الضغائن؛ وخير القول ما صدّقه الفعل؛ احتملوا من أدلّ عليكم، واقبلوا عذر من اعتذر إليكم؛ أطع أخاك وإن عصاك، وصله وإن جفاك؛ أنصف من نفسك قبل أن ينتصف منك؛ وإيّاكم ومشاورة النساء؛ واعلم أنّ كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم؛ ومن الكرم، الوفاء بالذمم؛ ما أقبح القطيعة بعد الصّلة؛ والجفاء بعد اللّطف، والعداوة بعد الودّ! لا تكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا إلى البخل أسرع منك إلى البذل؛ واعلم أنّ لك من دنياك، ما أصلحت به مثواك، فأنفق فى حقّ ولا تكوننّ خازنا لغيرك؛ واذا كان الغدر موجودا فى الناس فالثقة بكلّ أحد عجز؛ اعرف الحقّ لمن عرفه لك؛ واعلم أنّ قطيعة الجاهل، تعدل صلة العاقل، قال: فما رأيت كلاما أبلغ منه، فقمت وقد حفظته. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
ومن كلام علىّ رضى الله عنه: من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره؛ ومن سلّ سيف البغى قتل به؛ ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيها؛ ومن هتك حجاب أخيه انهتكت عورات بيته «2» ؛ ومن نسى خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن تكبّر على الناس زلّ؛ ومن سفه على الناس شتم؛ ومن خالط العلماء وقّر، ومن خالط الأنذال حقر؛ ومن أكثر من شىء عرف به؛ والسعيد من وعظ بغيره؛ وليس مع قطيعة الرحم تقى، ولا مع الفجور غنى؛ رأس العلم الرفق، وآفته الخرق؛ كثرة الزيارة تورث الملالة.
وقال موسى بن جعفر: ما تسابّ «3» اثنان إلّا انحطّ الأعلى إلى مرتبة الأسفل.
(8/186)

وقال آخر: ما تسابّ اثنان إلا غلب ألأمهما.
وقال الحسن بن علىّ بن موسى الرّضا: اعلم أن للحباء «1» مقدار فإن زاد عليه فهو سرف، وللحزم مقدارا فإن زاد عليه فهو جبن، وللاقتصاد مقدارا فإن زاد عليه فهو بخل.
قال مهدىّ بن أبان: قلت لولّادة العبديّة- وكانت من أعقل النساء-:
إنّى أريد الحج فأوصينى، قالت: أوجز فأبلغ، أم أطيل فأحكم؟ فقلت: ما شئت؛ فقالت: جد تسد، واصبر تفز؛ قلت: أيضا؛ قالت: لا يبعد غضبك حلمك، ولا هواك علمك؛ وق دينك بدنياك، وق عرضك بعرضك؛ وتفضّل تخدم، واحلم تقدّم؛ قلت: فبمن أستعين؟ قالت: بالله؛ قلت: من الناس؛ قالت: الجلد النشيط، والصالح الأمين؛ قلت: فمن أستشير؟ قالت: المجرّب الكيّس، أو الأديب الأريب؛ قلت: فمن أستصحب؟ قالت: الصديق المسلّم، أو المؤاخى «2» المتكرّم؛ ثم قالت: يا بناه، إنك تفد إلى ملك الملوك فانظر كيف يكون مقامك بين يديه.
وقال حكيم: من الذى بلغ جسيما فلم يبطر «3» ، واتّبع الهوى فلم يعطب؛ وجاور النساء فلم يفتتن، وطلب إلى اللئام فلم يهن، وواصل الأشرار فلم يندم، وصحب السلطان فدامت سلامته.
(8/187)

وقال: الاعتبار يفيدك «1» الرشاد، وكفاك أدبا لنفسك ما كرهت من غيرك.
وكان يقال: عليكم بالأدب فإنه صاحب فى السّفر، ومؤنس فى الوحدة، وجمال فى المحفل، وسبب إلى طلب الحاجة.
وقال بعضهم: احذر كلّ الحذر من أن يخدعك «2» الشيطان فيمثّل لك التوانى فى صورة التوكّل، ويورثك الهوينى «3» بالإحالة على القدر، فإن الله تعالى أمر بالتوكّل عند انقطاع الحيل، وبالتسليم للقضاء بعد الإعذار، فقال تعالى: «خُذُوا حِذْرَكُمْ» *
«وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» .
وقال آخر: لا تجاهد الطلب جهاد الغالب، ولا تتّكل على القدر اتّكال المستسلم، فإنّ ابتغاء الفضل «4» من السنّة، والإجمال فى الطلب من العفّة، وليست العفّة بدافعة رزقا، ولا الحرص بجالب فضلا.
وقالوا: عشر خصال فى عشرة أصناف أقبح منها فى غيرهم: الضيق فى الملوك، والغدر فى الأشراف، والكذب فى القضاة، والخديعة فى العلماء، والغضب فى الأبرار، «5» والحرص فى الأغنياء، والسّفه «6» فى الشيوخ، والمرض فى الأطبّاء، والزّهو فى الفقراء، والفجور فى القرّاء «7» .
(8/188)

وقالوا: ثمانية إذا أهينوا «1» فلا يلوموا إلّا أنفسهم: الآتى طعاما لم يدع إليه، والمتأمّر على ربّ البيت فى بيته، وطالب المعروف «2» من غير أهله، وراج منن الفضل من اللئام، والداخل بين اثنين لم يدخلاه، والمستخفّ بالسلطان، والجالس مجلسا ليس له بأهل، والمقبل بحديثه على من لا يسمعه.
ومن الأبيات المناسبة لهذا الفصل قول الأضبط بن قريع:
لكلّ ضيق من الهموم سعه ... والمسى والصبح لا بقاء معه
فصل حبال البعيد إن وصل ال ... حبل وأقص القريب إن قطعه
وخذ من الدهر ما أتاك به ... من قرّ عينا بعيشه نفعه
لا تحقرنّ «3» الفقير علّك أن ... تركع «4» يوما والدهر قد رفعه
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
وقال أحيحة:
فما يدرى الفقير متى غناه ... ولا يدرى الغنىّ متى يعيل «5»
ولا تدرى إذا أزمعت أمرا ... بأىّ الأرض يأتيك المقيل
(8/189)

وقال الصّلتان العبدىّ «1» :
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كرّ «2» الغداة ومرّ العشى
إذا ليلة هرّمت «3» يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتى
نروح ونغدو لحاجتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضى
تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقى
وقال المتنبّى:
ذكر الفتى عمره الثانى وحاجته ... ما قاته وفضول العيش أشغال
وقد جمع من شعر أبى الطيّب فى ذلك ما وافق كلام أرسطوطاليس فى الحكمة؛ فمن ذلك قول أرسطوطاليس: إذا كانت الشهوة فوق القدرة كان هلاك الجسم «4» دون بلوغ الشهوة.
قال المتنبّى:
وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت فى مرادها الأجسام
وقال أرسطوطاليس: قد يفسد العضو لصلاح أعضاء، كالكىّ والفصد اللّذين يفسدان الأعضاء لصلاح غيرها. نقله المتنبّى إلى شعره فقال:
(8/190)

لعلّ عتبك محمود عواقبه ... فربّما صحّت الأجساد بالعلل
وقال أرسطوطاليس: الظلم من طبع النفوس، وإنما يصدّها عن ذلك إحدى علّتين: إمّا علّة دينيّة خوف معاد، أو علّة سياسيّة خوف سيف قال المتنبّى:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفّة فلعلّة لا يظلم
هذا ما اتفق إيراده فى هذا الباب من أمر كتابة الإنشاء، وكلام الصحابة والخلفاء، وذوى الفصاحة من الأمراء، وبلاغات الخطباء والفصحاء، ورسائل الفضلاء والبلغاء، وفقر الكتّاب والأدباء، وحكم أوائل الحكماء؛ وهو ممّا يضطرّ الكاتب إليه، ويعتمد فى الاطلاع على ما خفى من أمر هذه الصناعة عليه؛ وهى إشارات إلى مجموعها، ورشفات من ينبوعها؛ وباب يتوصّل منه إلى رحابها، وسلّم يرتقى عليه إلى هضابها، ومسيل عذب يتّصل بعبابها؛ فقد وضح لك أيّها الطالب السبيل، وظهر لك أيّها الراغب قيام الدليل؛ وفيما أوردناه كفاية لمن تمسّك بهذه الصناعة ورغب فيها، وغنية لمن تأمّل مقاصدها وتدبّر معانيها؛ فلنذكر كتابة الديوان والتصرّف.
ذكر كتابة الديوان وقلم التصرف وما يتصل بذلك
قد ذكرنا فى أوّل هذا الباب فى السفر السابع من هذا الكتاب اشتقاق الكتابة، ولم سمّيت بذلك، وذكرنا أيضا أصلها وشرفها وفوائدها، فلا حاجة إلى إعادته فى هذا الموضع، فلنذكر الآن ما يتعلّق بقلم الديوان والتصرّف والحساب؛ وإن كنا قدّمنا ذكر كتّاب الإنشاء لما هم بصدده من الصدارة والوجاهه، والنبالة والنباهه؛ والفصاحة والصباحه، والنزاهة والسماحه؛ والأمانة والديانه، والسيادة والصيانه؛
(8/191)

ولما تصدّوا له من كتم أسرار الدّول، وتردّوا به من محاسن الأواخر ومآثر الأول، والتحفوا به من مطارف الفضائل والمكارم، وتحلّوا به من صفات الأفاضل والأكارم؛ الى غير ذلك من مناقبهم الجمّه، وأياديهم التى وضحت غررا فى ليالى الخطوب المدلهمّه؛ فكتّاب الحساب أكثر تحقيقا، وأقرب إلى ضبط الأموال طريقا، وأدلّ برهانا، وأوضح بيانا، قال الله تعالى فى كتابه العزيز: لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا
وذهب بعض المفسرين لكتاب الله تعالى فى قوله تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام: قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
، أى كاتب حاسب.
وروى البخارىّ عن أبى حميد الساعدىّ قال: «استعمل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجلا من الأسد «1» على صدقات بنى سليم يدعى ابن اللّتبيّة «2» فلمّا جاء حاسبه» فقد صحّ أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حاسب؛ وبكتّاب الحساب تحفظ الأموال وتضبط الغلال؛ وتحدّ قوانين البلاد؛ وتميّز الطوارف من التّلاد؛ لم يفخر كتّاب الإنشاء بمنقبة إلا فخروا بمناقب، ولا سموا إلى مرتبة إلّا وقد رقوا إلى مراتب؛ ولا تميّزوا برسالة «3» إلّا ولهؤلاء فيها القدح المعلّى، ولا نسبوا إلى نباهة إلّا ومحلّهم فيها
(8/192)

المحلّ الأرفع ومقامهم المقام الأعلى؛ ولا اتصفوا بكتمان سرّ إلّا اتصف هؤلاء بمثله، ولا شهروا ببذل برّ إلا وهؤلاء هم أعيان أهله؛ ثم اختصّ كتّاب التصرف بأمور منع أولئك منها، وأطلقت أقلامهم فى أقلام «1» حبست أقلام أولئك عنها؛ وارتقوا إلى قلل مراتب كبت جيادهم عن إدراك غايتها، وتسنّموا ذرا مناصب لا تمتدّ الآمال «2» إلى أكثر من نهايتها؛ ولسنا نقيمهم فى محلّ المناظره، ولا نوقفهم فى موقف المكاثرة والمفاخره؛ بل لكلّ طائفة فضل لا ينكر، وفضائل هى أشهر من أن تملى وتسطّر؛ ولمّا انتهيت فى كتابى هذا إلى باب الكتابة، أردت أن أضرب عن ذكر كتابة التصرّف صفحا، ولا أعيرها من النظر لمحا، وأقتصر على كتابة الإنشاء جريا على عادة من صنّف، وقاعدة من ألف؛ فسألنى بعض إخوانى أن أضع فى ذلك ملخّصا يعلم منه المباشر كيف المباشره، ويستضىء به فيما يسترفعه «3» أو يرفعه من ضريبة وموافره «4» ؛ فأوردت «5» هذه النّبذة إزالة «6» لسؤاله، وتحقيقا لآماله؛ وذكرت من صناعة الكتابة ما هو بالنسبة الى مجموعها قطرة من بحرها، وشذرة من عقود درّها؛ ممّا «7» لا بدّ للمبتدى من الإحاطة بعلمه، والوقوف عند رسمه؛ وحين وضعت ما وضعت من هذه الصناعة لم أقف قبل ذلك على كتاب فى فنّها
(8/193)

مصنّف، ولا انتهيت إلى فصل «1» مترجم بها أو مؤلّف؛ ولا لمحت فى ذلك إشاره، ولا سمعت من لخّص فيها عباره؛ ولا من تفوّه فيها ببنت شفة ولسان، ولا من صرّف ببنان «2» بلاغته فى ميادينها العنان؛ حتى أقتدى بمثاله، وأنسج «3» على منواله؛ وأسلك طريقه فى الإجاده، وأحذو حذوه فى الإفاده؛ بل وجدتها مقفلة الباب، مسبلة الحجاب؛ قد اكتفى كلّ كاتب فيها بعلمه، واقتصر على حسب فهمه؛ فراجعت فيها الفكره، وعطفت بالكرّة بعد الفرّه؛ ثم قرعت بابها ففتح بعد غلقه «4» ، ورفعت حجابها ففتق بعد رتقه؛ وامتطيت صهوتها «5» فلانت بعد جماحها، وارتقيت ذروتها فظهر للفكرة طريق نجاحها؛ فشرعت عند ذلك فى تأليف ما وضعته «6» ، وترصيف «7» ما صنّفته؛ وبدأت باشتقاق تسمية الديوان، ولم سمّى ديوانا، ثم ذكرت ما تفرّع من كتابة الديوان من أنواع الكتابات، وأوّل ديوان وضع فى الإسلام، وسبب وضعه، ثم ذكرت ما يحتاج اليه كلّ مباشر من كيفيّة المباشرة وأوضاعها، وما استقرّت عليه القواعد العرفيّة، والقوانين الاصطلاحيّة، وما يرفعه كلّ مباشر ويسترفعه «8» ، والأوضاع الحسابية، على ما ستقف إن شاء الله تعالى عليه، وترجع فيما أشكل من أمورها إليه.
(8/194)

ذكر اشتقاق تسمية الديوان ولم سمّى ديوانا ومن سمّاه بذلك
قد اختلف فى تسمية الديوان ديوانا على وجهين: أحدهما أنّ كسرى اطّلع ذات يوم على كتّاب ديوانه، فرآهم يحسبون مع أنفسهم، فقال: ديوانه:
أى مجانين؛ فسمّى موضعهم بهذا الاسم، ثم حذفت الهاء لكثرة الاستعمال تخفيفا للاسم، فقيل: ديوان. والثانى أن الديوان بالفارسيّة اسم للشياطين، فسمّى الكتّاب باسمهم لحذقهم بالأمور «1» ، ووقوفهم على الجلىّ والخفىّ، وجمعهم لما شذّ «2» وتفرّق، واطلاعهم على ما قرب وبعد، ثم سمّى مكان جلوسهم باسمهم، فقيل:
ديوان. هذا ما قيل فى تسميته «3» على ما حكاه الماوردىّ فى الأحكام السلطانيّة؛ والله أعلم.
ذكر ما تفرّع عن كتابة الديوان من أنواع الكتابات
هذه الكتابة تنقسم إلى أقسام ووظائف: أصول وفروع، وهى: مباشرة الجيوش، ومباشرة الخزانة، وبيت المال، وأهراء «4» الغلال، ومباشرة البيوت، ومباشرة الهلالىّ «5» ، ومباشرة الخراجىّ، ومباشرة الأقصاب والمعاصر ومطابخ السكّر؛ ويحتاج مباشر كلّ وظيفة من هذه الوظائف إلى معرفة قواعد يأتى ذكرها إن شاء الله تعالى؛ ولنبدأ بذكر مباشرة الجيوش.
(8/195)

ذكر مباشرة ديوان الجيش وسبب وضع الدواوين وأول من وضعها فى الإسلام
وديوان الجيش هو أوّل ديوان وضع فى الإسلام «1» ، وضعه عمر بن الخطّاب- رضى الله عنه- فى خلافته؛ وقيل: بل وضع فى عهد النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، ويدلّ على ذلك أن البخارىّ- رحمه الله- ترجم على هذا بقوله: باب كتابة الإمام الناس، قال: حدّثنا محمد بن يوسف، قال: حدّثنا سفيان عن الأعمش عن أبى وائل عن حذيفة: قال النبى صلّى الله عليه وسلّم: «اكتبوا لى من تلفّظ بالإسلام من الناس، فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل» وقد روى البخارىّ أيضا بسنده عن ابن عبّاس- رضى الله عنهما- قال: «جاء رجل إلى النبى صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، إنّى اكتتبت «2» فى غزوة كذا وكذا، وامرأتى حاجّة؛ قال: ارجع فاحجج مع امرأتك» واختلف الناس فى سبب وضعه فى أيّام عمر، قال قوم: سببه أنّ أبا هريرة- رضى الله عنه- قدم بمال من البحرين، فقال له عمر رضى الله عنه: ماذا
(8/196)

جئت به؟ قال خمسمائة ألف درهم، فاستكثره عمر وقال: أتدرى ما تقول؟ قال:
نعم، مائة ألف خمس مرات؛ فقال عمر: أطيّب «1» هو؟ فقال: لا أدرى؛ فصعد عمر رضى الله عنه المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيّها الناس، قد جاءنا مال كثير، فإن شئتم كلنا لكم كيلا، وإن شئتم عددنا [لكم عدّا «2» ] ؛ فقام إليه رجل فقال:
يا أمير المؤمنين، قد رأيت الأعاجم يدوّنون ديوانا لهم، فدوّن أنت [لنا «3» ] ديوانا.
وقال آخرون: بل سببه أنّ عمر- رضى الله عنه- بعث بعثا وعنده الهرمزان «4» ، فقال لعمر: هذا بعث قد أعطيت أهله الأموال، فإن تخلّف رجل منهم وأخلّ «5» بمكانه فمن أين يعلم صاحبك «6» ؟ فأثبت لهم ديوانا؛ فسأله عن الديوان حتى فسّره له.
وروى [عابد بن يحيى] عن [الحارث «7» ] بن نفيل أن عمر رضى الله عنه استشار المسلمين فى تدوين الدواوين، فقال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: تقسم فى كلّ سنة ما اجتمع إليك من المال ولا تمسك منه شيئا؛ وقال عثمان بن عفّان- رضى الله عنه-: أرى مالا كثيرا يسع الناس، وإن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر؛ فقال خالد بن الوليد: قد كنت بالشأم
(8/197)

فرأيت ملوكها دوّنوا ديوانا، وجنّدوا جنودا، [فدوّن «1» ديوانا، وجنّد جنودا] فأخذ بقوله، ودعا عقيل بن أبى طالب ومخرمة «2» بن نوفل وجبير بن مطعم- وكانوا من كتّاب قريش- فقال: اكتبوا الناس على منازلهم، فبدءوا ببنى هاشم فكتبوهم، ثم أتبعوهم قوم أبى بكر، ثم عمر وقومه، وكتبوا القبائل ووضعوها على الخلافة «3» ، ثم رفعوا ذلك إلى عمر رضى الله عنه، فلمّا نظر فيه قال: لا، [ما «4» ] وددت أنّه كان هكذا، ولكن ابدءوا بقرابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأقرب فالأقرب، حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله؛ فشكره العباس رضى الله عنه على ذلك؛ وكان ذلك فى المحرّم سنة عشرين من الهجرة، وقيل فى سنة خمس عشرة،- والله أعلم-؛ فلما استقرّ ترتيب الناس فى الدواوين على قدر «5» النسب المتصل برسول الله صلّى الله عليه وسلّم فضّل بينهم فى العطاء على قدر السابقة فى الإسلام. وسنذكر إن شاء الله فى خلافة عمر رضى الله عنه ما فرضه من العطاء لكلّ طائفة على ما ستقف عليه- إن شاء الله تعالى- فى موضعه من فنّ التاريخ؛ وهو فى السفر السابع عشر من كتابنا هذا؛ فهذا كان سبب وضع ديوان الجيش.
وأما دواوين الأموال
- فإنها كانت بعد ظهور الإسلام بالشام والعراق على ما كانت عليه قبل الإسلام، فكان ديوان الشأم بالروميّة لأنه كان من ممالك
(8/198)

الروم؛ وكان ديوان العراق بالفارسيّة لأنه كان من ممالك الفرس؛ فلم يزل أمرهما جاريا على ذلك إلى زمن عبد الملك بن مروان، فنقل ديوان الشأم إلى العربيّة فى سنة إحدى وثمانين من الهجرة؛ وكان سبب نقله- على ما حكاه المدائنىّ- أن بعض كتّاب الروم فى ديوانه أراد ماء لدواته، فبال فى الدواة، فبلغه ذلك فأدّبه، وأمر سليمان بن سعد أن ينقل الديوان إلى العربيّة، فسأله أن يعينه بخراج الأردن «1» سنة، ففعل وولّاه الأردنّ، وكان خراجه مائة ألف وثمانين ألف دينار، فلم تنقض السنة حتى فرغ من الديوان ونقله، وأتى به عبد الملك فدعى سرجون «2» كاتبه فعرضه عليه فغمّه وخرج كئيبا، فلقيه قوم من كتّاب الروم، فقال لهم: اطلبوا المعيشة من غير هذه الصناعة فقد قطعها الله عنكم.
وأما ديوان العراق-
فكان سبب نقله إلى العربيّة أنّ كاتب الحجّاج بن يوسف كان زاذان فرّوخ، وكان معه صالح بن عبد الرحمن يكتب بين يديه بالعربيّة والفارسيّة، فأوصله زاذان فرّوخ إلى الحجّاج، فخفّ على قلبه، فقال صالح لزاذان فرّوخ «3» إنّ الحجّاج قد قرّبنى ولا آمن أن يقدّمنى عليك؛ فقال: لا تظنّ ذلك فهو إلىّ أحوج منّى إليه، لأنه لا يجد من يكفيه حسابه غيرى؛ فقال له صالح: والله لو شئت أن أحوّل الحساب إلى العربيّة لفعلت؛ فقال: فحوّل منه ورقة أوسطرا حتى أرى، ففعل؛ ثم قتل زاذان فرّوخ فى حرب عبد الرحمن بن الأشعث، فاستخلف
(8/199)

الحجّاج صالحا مكانه، فذكر له ما جرى بينه وبين زاذان فرّوخ فأمره أن ينقله، فأجابه إلى ذلك وأجله فيه أجلا حتى نقله إلى العربيّة، فلمّا عرف مردانشاه بن زاذان فرّوخ ذلك بذل له مائة ألف درهم ليظهر للحجّاج العجز عنه، فلم يفعل؛ فقال له: قطع الله أصلك من الدنيا كما قطعت أصل الفارسيّة.
وكان عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان يقول: لله درّ صالح ما أعظم منّته على الكتّاب!.
هذا ما حكى فى ابتداء نقل الدواوين، فلنرجع إلى الجيش وما يحتاج إليه مباشره.
ذكر ما يحتاج اليه كاتب الجيش على ما استقر فى زماننا «1» هذا من المصطلح
يحتاج كاتب الجيش إلى أن يرصّع «2» أسماء أرباب الإقطاعات والنقود والمكيلات من الأمراء على اختلاف طبقاتهم،
والمماليك السلطانيّة، وأجناد الحلقة، وأمراء التّركمان والعربان؛ ويضع لذلك جريدة مقفّاة على حروف المعجم يثبت فيها أسماءهم، ويذكر الاسم وابتداء إمرته أو جنديّته فى أىّ سنة كانت من السنين الهلاليّة لاستقبال ما يكتب من مغلّ السنة الخراجيّة، وعمن انتقل إليه الإقطاع؛
(8/200)

ويرمز قبالة كلّ اسم إلى عبرة «1» إقطاعه رمزا لا تصريحا، ويشير فى جندىّ الحلقة إلى مقدّمه، ويعيّن فى اسم التّركمانىّ أو البدوىّ ما قدّمه إلى الإصطبلات السلطانيّة والمناخات من الخيل والجمال، وفى عربان مصر المقرّر عليهم فى مقابلة الإقطاعات من التّقادم «2» وإقامة خيل البريد فى المراكز، وغير ذلك من نقل الغلال، وما هو مقرّر عليهم فى ابتداء أمرهم عند خروج الإقطاعات بأسمائهم، وغير ذلك على جارى العادة، فإن انتقل أحد منهم من إقطاع إلى غيره فى ذلك العمل بعينه وضع تحت إقطاعه الأوّل ما صورته: ثم انتقل إلى غيره بمقتضى منشور تاريخه كذا عن فلان المنتقل إلى غيره، أو المتوفّى، أو المفارق، أو غير ذلك؛ فإن كان على سياقته فى إقطاعه الأوّل قال: على سياقته؛ وضبط تاريخ الأوّل؛ وإن كان لاستقبال مغلّ أو شىء من مغلّ ميّزه، واحتاج إلى محاسبة ربّ الإقطاع على إقطاعه الأوّل؛ والمحاسبات غالبا إنما تقع بعد وفاة الأمير أو الجندىّ، أو انفصاله بوجه من وجوه الانفصالات، وأما ما دام فى الخدمة فهى يتلو بعضها بعضا؛ وصورة المحاسبة أن يقيم تاريخ منشوره إلى تاريخ انفصاله أو نقلته، ويعقد على ذلك جملة، ويوجب له عن نظير خدمته استحقاقا، وينظر إلى ما قبضه من المغلّات فيجمعها، فإن كان قبضه نظير خدمته فلا شىء له ولا عليه، وإن زاد قبضه على مدّة خدمته استعاد منه ما زاد بنسبته، وإن كانت خدمته أكثر من قبضه أفرج له عن نظير ما فضل له؛ ومن العادة فى غالب الأوقات أن يسقط من استحقاق أرباب الإقطاعات فى كل سنة أحد عشر يوما وربع يوم، وهى التفاوت بين السنة الشمسيّة والقمريّة، ويبرز له ما بقى
(8/201)

ويعطيه المثل من نسبة البارز، وقد سومح بذلك فى بعض الأوقات دون بعض؛ وهذه الجريدة تسمّى الجريدة الجيشيّة.
ويحتاج إلى بسط جريدة إقطاع صورتها:
أنه يرصّع «1» الأعمال كلّ عمل وبلاده وضياعه وكفوره وقراه وجزائره وجروفه وجهات الهلالىّ والجوالى، وغير ذلك من معالمه وحدوده «2» والجهات المستظهر بها والبذول «3» ، وسائر ما هو متعلّق بذلك المكان؛ ويذكر عبرة «4» البلد الجيشيّة، وما استقرّ عليه حال متحصّلها أخيرا، وإن كان بالشأم ذكر العبرة الجيشيّة ومتحصّل البلد لثلاث سنين:
مبقلة «5» ومتوسّطة ومجدبة، ثم يشطب «6» قبالة كلّ جهة أسماء مقطعيها، وما هو باسم كلّ واحد منهم، ليتحرّر «7» له بذلك هل استوعب الإقطاع جملة النواحى والجهات، ويتميّز له ما بقى من المحلولات؛ وإن انتقل ربّ إقطاع من إقطاع إلى غيره بادر بشطبه لوقته فى موضعه لئلا يدخل عليه الوهم «8» والاختلاف.
(8/202)

ويحتاج إلى أن يتعاهد مباشرى المعاملات والبرور «1»
بطلب الكشوف الجيشيّة فى كل ثلاث سنين ويشطبها «2» على ما عنده لتتحرّر «3» عنده العبر «4» ، ويتميّز له ما تعيّن من الزيادة والنقص.
ويحتاج أيضا إلى بسط جريدة ثالثة بأسماء أرباب النقود والمكيلات خاصّة،
لأنه يحتاج أن يفرج لكلّ منهم فى كلّ سنة عن نقده ومكيله بمقتضى ما شهد به منشوره، وعادة قبضه وجهته، أو ممّا تعيّن بقلم الاستيفاء إن كان، فإذا أفرج لكلّ منهم شطب «5» تاريخ إفراجه قبالة اسمه لتنضبط له بذلك تواريخ قبوضهم ويأمن من التّكرار والغلط؛ وهذه الجريدة هى فرع من الجريدة الجيشيّة، فإنه يبسطها منها.
ويحتاج فى أجناد «6» الحلقة السلطانيّة
إلى أن يضيف كل جماعة منهم إلى مقدّم مشهور من أعيانهم ممن هو متميّز الإقطاع، ويقيم عليهم نقيبا يعرف مساكنهم ومظانّهم، فإذا طلبوا جمعهم، أو طلب أحد منهم أحضره، ويسمّى هذا المقدّم: مقدّم الحلقة؛ ويضيف كلّ جماعة من أمراء الطّبلخاناه «7» وأمراء العشرات،
(8/203)

ومقدّمى الحلقة، ومضافيهم إلى مقدّم كبير من أمراء المائة، ويسمّى هذا الأمير:
مقدّم الألف؛ ويحتاج إلى أن يضع لهاتين الطائفتين «1» جريدة عدّة، يضع فيها اسم مقدّم الألف وعدّته من غير تفصيل لأسمائهم وقبالة اسمه عبرة «2» إقطاعه، ما هو لخاصّه، وما هو لأصحابه؛ ثم أمراء الطّبلخاناه كلّ أمير وعدّته، وعبرة إقطاعه، على ما تقدّم فى مقدّم الألف، ويرتّبهم فى التقديم والتأخير على مراتبهم؛ ثم أمراء العشرات كذلك؛ ثم يذكر مقدّمى الحلقة فيعيّن اسم المقدّم ونسبته وأتباعه إن كان له أتباع، وعبرة إقطاعه، ثم يذكر مضافيه من الحلقة على هذا الحكم، ويرتّبهم بحسب مراتبهم، يبدأ فى كلّ تقدمه باسم المقدّم، ويختم باسم النقيب، ليسهل عليه طلب كلّ جندىّ من مقدّمه، ويطلبه مقدّمه من نقيبه؛ وإن انتقل أمير أو جندىّ من مقدّم ألف أو مقدّم حلقة وانضاف إلى مقدّم آخر نقله لوقته لئلّا يضطرب عليه حالهم، ويلتبس أمرهم؛ وكذلك أيضا يفعل فى المماليك السلطانيّة من إضافة كلّ جماعة منهم إلى مقدّم من أعيانهم، ويميّز أرباب الوظائف منهم: من السلاحداريّة «3» والحربداريّة والرّمحداريّة والجمقداريّة «4» والزّردكاشيّة «5»
(8/204)

والبندقداريّة «1» ومن السّقاة «2» والجمداريّة «3» والخزنداريّة «4» والحرّاس «5» والبشمقداريّة «6» وغيرهم؛ ويضيف كلّ جماعة من كلّ طائفة منهم إلى متعيّن من جملتهم، ويجمع عدّة كلّ طائفة ويقدّم عليهم أمثلهم؛ وأمّا المماليك الكتابيّة «7» أرباب الجامكيّات «8» فينسب كلّ جماعة منهم إلى طبقة مقدّمها من الطواشيّة، وينسب المماليك البرجيّة «9»
(8/205)

الى مساكنهم ومقدّمهم، والبحريّة «1» إلى مراكزهم ومقدّمهم، والأوشاقيّة الّذين إقامتهم بالإسطبل إلى المقدّم عليهم من الطواشيّة، ويرجع سائر المماليك السلطانيّة إلى مقدّمهم الكبير، ولا يكون فى الغالب إلّا من الطواشيّة الأمراء.
ويحتاج أيضا الى أوراق أخر تتضمن أسماء أمراء الميمنة وأمراء الميسرة، والجالس
- وهو المقدّم- أمام قلب الجيش، وهذه الأوراق تكون جمليّة يستغنى فيها بذكر مقدّمى الألوف دون مضافيهم.
ويتلو هذه الأوراق أوراق أخر- تتضمّن أسماء الأمراء الذين جرت عادتهم بصحبة ركاب السلطان فى الصّيد والركوب للمتنزّهات وفى الميادين للّعب بالكرة، وفى غير ذلك؛ هذا ما يحتاج إليه فى الأمراء والمماليك السلطانيّة ورجال الحلقة.
وأما أجناد الأمراء فإنّ مباشر الجيش يسترفع «2» من دواوينهم أوراقا بعدّة أجناد كلّ أمير منهم، يصدرها كاتب عدّة «3» الأمير على عدّة نسخ بحسب المباشرين للجيش، ويقول فى صدرها ما مثاله: عرض رفعه «4» المملوك فلان الفلانىّ على ما استقرّ عليه الحال إلى آخر كذا، والعدّة خاصّته، وكذا كذا طواشيّا؛ ويشرح أسماء
(8/206)

الجند، وما أقطع باسم كلّ منهم من إقطاع ونقد ومكيل، مبتدئا برأس المدرّج ومن يليه فى الجند، ثم مماليك الأمير وألزامه، ويختمهم بالنقيب، ثم يعيّن فى آخر المدرّج ما بقى الخاصّ الأمير من النواحى والجهات، وما عليه منه لأصحابه من نقد ومكيل إن كان؛ ويلزمه عمل مسير على نواحى الإقطاع يشطب «1» كلّ جهة بأسماء من أقطعت لهم، وما بقى منها للخاصّ إن كان فإن كان منشور الأمير قد عيّن فيه ما هو لخاصّه وما هو لأصحابه فليس له أن يقتطع من المعيّن لجنده ما يضيفه لخاصّه، ولا يمنع أن يقطع من خاصّه زيادة لأصحابه؛ وهذه القاعدة لاحقة بقواعد الفقه، فإنّ له التصرّف فى ماله دون مال غيره، وله أن يميّز بعضهم على بعض بحسب أحوالهم ومراتبهم؛ فإذا رفعت إليه هذه الأوراق عرض جند كلّ أمير فى مجلس ولىّ الأمر بمشهد من الأمراء وغيرهم، فمن أجاز ولىّ الأمر عرضه حلّاه «2» قبالة اسمه، ويعيّن فى حلاه سنّه ولونه وقامته، ثم يذكر حلية وجهه، ويصف ما يتميّز به عن غيره من أثر فى وجهه أو غير ذلك؛ ومن ردّه ولىّ الأمر من العرض طولب الأمير بإقامة غيره، فإذا أقامه وعرضه وأجاز ولىّ الأمر عرضه حلّاه عند ذلك، وعيّن تاريخ عرضه إن كان عرضه بعد يوم العرض الشامل؛ ويرقم المباشر بقلمه على رأس أوراق العرض تاريخ عرض الجند؛ وتستحقّ هؤلاء الجند الإقطاعات والنقود والهلالىّ من تاريخ عرضهم وتدوينهم فى الديوان، والأمير من تاريخ منشوره؛ فإن مات جندىّ منهم أو فارق الخدمة أقام الأمير عوضه، وعرضه على ولىّ الأمر، وأثبت اسمه بالديوان؛ وإن قطعه الأمير فلا يخلو قطعه:
إمّا أن يكون لسبب كالعجز ونحوه فله ذلك، وإما أن يكون بغير سبب فلا يخلو:
(8/207)

إما أن يكون قطعه له فى قرب زمن إدراك المغلّ فلولىّ الأمر منعه من ذلك، أو فى غير وقت المغلّ، فإن عرض من هو أكفى منه وأقدر على الجنديّة أجيز، وإن عرض من هو دونه منع أميره من ذلك، وألزم باستمرار الكافى أو إقامة من يماثله فى الكفاية والقدرة؛ وإذا عرض الأمير أصحابه فى السنة الثانية جدّد كاتبه أوراقا بالعرض نظير الأولى، وشطب «1» كاتب الجيش حلى «2» الجند من العرض الأوّل، ثم يقابلها بالصورة الجديدة «3» فى وقت العرض الثانى، فإن وافقت وطابقت أجازه، وإن اختلفت الحلى وتباينت ردّه وطالع ولىّ الأمر به ليقع الإنكار على من تجاسر على فعل ذلك لما فيه من التلبيس؛ فهذه هى القواعد التى استقرّت فى زماننا والله أعلم.
ويحتاج الكاتب إلى تحرير شواهده وحفظها،
فإن كان بين يدى السلطان ورسم له بإقطاع أمير أو جندىّ كتب مثالا بالإقطاع، وكتب السلطان أو نائبه بقلمه أعلى المثال ما مثاله: يكتب؛ وعيّن ناظر الجيش بقلمه تحت خطّ السلطان أو نائبه ما مثاله: رسم أن يكتب باسم فلان لاستقبال مغلّ سنة كذا، ولاستقبال كذا من مغلّ سنة كذا؛ وخلّد الكاتب هذا الشاهد عنده، وكتب مثالا ثانيا مربّعا بما مثاله: رسم بالأمر الشريف العالى المولوىّ السلطانىّ الملكىّ الفلانىّ- ويدعو للسلطان- أن يقطع ويقرّر باسم فلان الفلانىّ- وينعته بما يستحقّ- ما رسم له به الآن من الإقطاع والنقد والمكيل إن كان فيه نقد أو مكيل فى السنة، خارجا
(8/208)

عن الجوالى «1» والمواريث الحشريّة «2» والرّزق «3» الإحباسيّة، إن كان الإقطاع بالديار المصريّة؛ وإن كان بالشام قال: خارجا عن الملك والوقف، ثم يقول: خبز «4» فلان الفلانىّ، إن كان عن أحد؛ وإن كان من الخاصّ أو مستجدّا أو مستظهرا به عيّنه، ويذكر خاصّته وعدّته وأتباعه، أو بمفرده، ثم يعيّن جهات إقطاعه، ويثبت هذا المثال الثانى فى الديوان، وتشمله علامة السلطان ونائبه، ثم يخلّد بديوان الإنشاء، وهو شاهد الموقّع، ويكتب منشوره بمقتضى ذلك المثال، وتشمله علامة السلطان وخطّ نائبه ووزيره بالامتثال، ويثبت بديوان الجيش ثم بالدواوين؛ وإن كان الكاتب فى جهة خارجة عن باب الملك من الممالك الشاميّة وأمره النائب بإقطاع أحد كتب مثالا بالإقطاع، وكتب النائب بأعلاه: يكتب، ثم يكتب عليه الناظر نحو ما تقدّم، وهو شاهد الكاتب، ثم يكتب المثال الثانى فى ورقة مربّعة بما مثاله: رسم بالأمر الشريف العالى المولوىّ السلطانىّ الملكىّ الفلانىّ أن يقطع ويقرّر باسم فلان ما رسم له به الآن من الإقطاع، ويعيّن خبز «5» من كان وسبب حلّه عنه، إما بوفاة، أو بمفارقة، أو بانتقال إلى غيره، أو غير ذلك من الأسباب الموجبة لإخراج الإقطاع عنه،
(8/209)

ويكتب نائب السلطنة عليه بالتّرجمة، ويترجم عليه الناظر بقلمه تحت خطّ النائب بما مثاله: المملوك فلان يقبّل الأرض وينهى أن هذا مثال كريم باسم فلان المرسوم إثباته فى جملة الأمراء والمماليك السلطانيّة، أو البحريّة، أو رجال الحلقة المنصورة، أو رجال التّركمان، أو العربان، أو الجبليّة بالمملكة الفلانيّة، أو بالجهة الفلانيّة «1» بما رسم له به الآن من الإقطاع عن فلان، والعدّة خاصّته «2» ، وكذا كذا طواشيا، أو بحسب ما يكون لاستقبال ما عيّن فيه على ما شرح باطنه، والأمر فى ذلك معذوق «3» بإمضائه أو بما يؤمر به من الأبواب. ثم يثبت بديوان الجيش، ويجهّز إلى باب السلطان، فإذا وصل إلى الباب كتب عليه الناظر ومن معه من الرّفاق بالمقابلة، وقوبل به، ثم تشمله علامة السلطان أو نائبه بالكتابة، ويخلّده كاتب الجيش بالباب عنده، ويكتب مثالا من جهته على ما تقدم، فإذا خرج المنشور الشريف ووصل الى تلك المملكة شمل خطّ نائبها بالامتثال، وكتب عليه ناظر الجيش ورفقته بالثبوت تحت خط ناظر الجيش بالباب ورفاقه، ثم يثبت بالدواوين، ويفرج لربّ الإقطاع على حكمه، ويثبت إفراجه، ويسلّم اليه إقطاعه؛ فهذه شواهد المناشير والأمثلة.
وأما غيرها من شواهد الكشوف فعلى حسب الوقائع؛ والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
ويحتاج إلى ضبط أسماء من توجّه بدستور «4» إلى جهة من الجهات،
ويراعى انقضاء مدّة الدّستور، ثم يكشف عنه، ويطالب مقدّمه به،
(8/210)

وكذلك من توجّه إلى الحجاز وغيره، وكذلك من تخلّف عن العود مع الجيش المجرّد فى المهمّات، فيراعى ذلك حسب الطاقة والإمكان، وإن تعذّرت عليه معرفة من تأخّر بعينه يستعلم «1» أخبارهم مجملة من مقدّميهم ونقبائهم.
ويحتاج إلى أنه مهما انحلّ من الإقطاعات،
أو تعيّن من تفاوت المدد عمّن درج «2» وفارق «3» وانتقل «4» ، أو ما تعيّن فى خلال المدد بين منفصل ومتّصل يحرّر ذلك، ويكتب به حوطة «5» جيشيّة يضمّنها اسم ربّ الإقطاع المتّصل ونواحى إقطاعه ونقده ومكيله إن كان، ويعيّن استقبال الحوطة، ويميّز ما استحقّه الديوان من المغلّ، وتصدر الى ديوان التصرّف بعد شمولها بالعلامة وثبوتها، ويطالب المستوفى «6» بكتابة رجعة بوصول ذلك إليه ليبرأ من عهدته، ويلزم المثبتون التعريف بذلك وإضافة ما يتحصّل منه، فإن أخّر كاتب الجيش إصدار الحوطات الى ديوان التصرّف حتى يفوت الزمن الذى يمكن فيه تحصيل ما فيها، كان تحت دركه «7» وتبعته؛ والله أعلم.
(8/211)

ويحتاج مباشر الجيش إلى مراجعة جرائده:
الجيشيّة والإقطاعيّة وأوراق العدّة فى كلّ وقت من غير احتياج إلى كشف، لتكون على خاطره أسماء الجند ونواحى إقطاعهم، فإنه بصدد أن يسأل عن شىء من ذلك بين يدى ملك أو نائب، فإن أخّر الجواب بالجملة «1» إلى أن يكشف عنه ربّما ينسب إلى عجز فيتعيّن أن يكون على خاطره من جليّات الأحوال ما يجيب به فى المجلس على الفور، ولا يتأتّى له ذلك إلا بمراجعة حسابه ومداومة النظر فيه، والناظر إلى ذلك أحوج من غيره من المباشرين، لأنه المسؤول والمخاطب فى غالب الأوقات؛ والله أعلم بالصواب.
ويحتاج أيضا إلى معرفة الحلى «2» واختلافها
على ما نذكره فى فصل الوراقة «3» ، ولا بدّ له من معرفة الأوضاع التى اصطلح عليها كتّاب الجيوش فى كتابة الحلىّ من الاختصار؛ فهذه أمور كليّة لا بدّ لمباشر الجيش من معرفتها وإتقانها.
ويتجنّب «4» مباشر الجيش أن يرقم بقلمه عدّة جيش تصريحا، لما يتعيّن من إخفاء عدّته وذكر تكثيره، فإنه إن وضع ذلك بقلمه لا يأمن من الاطّلاع عليه
(8/212)

فيشيع «1» ويذيع، وقد يتّصل بالعدوّ والمعاند «2» والمناوئ فيترتّب عليه من الفساد ما يترتّب وهذا باب يجب على كاتب الجيش الاحتفال «3» به، والاحتراز من الوقوع فيه، وكتمانه عن سائر الناس؛ وإن دعته الضرورة الى تسطير ذلك خشية «4» أن يسأله ولىّ الأمر عن شىء منه، فليكن وضعه لذلك رمزا خفيّا يصطلح عليه مع نفسه لا يعرفه إلا هو، أو من له دربة بمباشرة الجيش.
ويتجنّب أن يكشف عبرة «5» إقطاع أو متحصّله، أو يذكر ذلك لأحد إلا بمرسوم ولىّ الأمر، ثم يذكره باللفظ دون الخط، ووجوه الاحتراز كثيرة، وهى بحسب الوقائع، فيتعيّن على مباشر الجيش ملاحظة ذلك والاحتراز من الوقوع فيما ينتقد عليه، أو يصل سبب ضرر منه إليه؛ هذا ما أمكن إيراده مما يحتاج مباشر الجيش إلى اعتماده؛ والله أعلم.
وأما مباشرة الخزانة
- فالعمدة فيها على العدالة والأمانة، لأن خزائن الملوك فى هذا العصر لسعتها، وكثرة حواصلها، وعظم ذخائرها لا تنضبط بسياقه، فإنه لو طولب كاتب الخزانة بعمل سياقه لحواصلها عن سنة احتاج إلى أن ينتصب لكتابتها سنة كاملة لا يشتغل فيها بغيرها، فإذا تحرّرت سياقه السنة فى آخر السنة الثانية وكشفها مباشر الأصل وحرّرها فى مدّة أخرى من السنة الثالثة فاتت المصلحة المستقبلة، وتعطّل على المباشر ما بعد تلك السنة، لاشتغاله بنظر «6» تلك السّياقة، فإذا تقرّر عجز
(8/213)

الكاتب عن عمل السّياقة بهذه المقدّمة فقد تعيّن أنّ «1» العمدة فى مباشرتها على الأمانة والعدالة؛ ومع ذلك فيحتاج كاتبها إلى أمور:
منها ضبط ما يصل «2» إليه من حمول الأموال والأصناف،
ويقابل ما يصل منها على رسائله، ويحرّره بالوزن والذّرع والعدد والأحمال على اختلاف أجناسه وأنواعه وأوصافه، ويميّز ما يصل إليه من الأقاليم والثغور والأعمال والممالك، وما يصل من الهدايا والتّقادم «3» على اختلافها، فيضيف كلّ نوع إلى نوعه، وصنف إلى صنفه؛ وكذلك يحرّر ما يبتاعه من الأصناف التى تدعو الضرورة اليها وجرت العادة بابتياعها.
ومنها معرفة عوائد «4» أرباب الصّلات والإنعام،
ومصاريف «5» أرباب المناصب عند ولاياتهم، وما جرت عليه عوائدهم «6» من الإنعام فى خلال مباشراتهم بالأسباب الموجبة لذلك وغير الأسباب، وعوائد أرباب التّقادم والصنّاع وغيرهم.
ومنها ضبط ما يصل إلى الخزانة من تقادم الملوك والنوّاب،
ويقابل ما يصل منها فى الوقت الحاضر على ما تقدّم، ويحرّر زيادته من نقصه، ويكون ذلك على خاطره،
(8/214)

فإن سأله ولىّ الأمر عنه أجابه، وإلّا فلا يبدؤه؛ ويضبط عادات مهاداة الملوك وما جهّز إلى كلّ منهم فى السنين الخالية، وما كان قد وصل من هداياهم، وما جرت عليه عادات رسلهم وقصّادهم «1» من التشاريف والإنعام.
ومنها ضبط ما جرت به العادة من كسا أرباب العوائد «2» المقرّرة فى كلّ سنة
على اختلاف طبقاتهم من أرباب الرتب والمناصب والمماليك السلطانيّة وغيرهم، وتواريخ صرف الكسوة اليهم.
ومنها تجهيز ما جرت العادة بأن يجهّز فى خزائن الصحبة عند استقلال ركاب السلطان من مقرّ ملكه،
إما إلى الصيد والنزهة، وإما لكشف ممالكه «3» عند انتقاله من مملكة إلى أخرى، أو فى حروبه عند ملاقاة الأعداء، فيجهّز ما جرت به العادة فى ذلك، ولا يزيد عليه إلا بمرسوم ولىّ الأمر، ولا يستكثر من استصحاب صنف من الأصناف عند توجّهه إلى معدن ذلك الصنف ومظنته، ولا إلى الخزانة منه بحمله «4» ، بل يستصحب منه ما يكون معه ذخيرة واحتياطا، إذ لو طلب الملك ذلك الصنف فى مسيره قبل وصوله إلى معدن ذلك الصنف كان معه منه ما يسدّ به الضرورة، ولا يعتذر بأنه ما استصحبه معه بحكم توجّهه إلى معدنه، وأنه فعل ذلك للمصلحة الظاهرة، فإن الملوك لا تحتمل مثل ذلك، ولا تصبر على أن يفقد
(8/215)

من ذخائرها ما تطلبه؛ ويستكثر من استصحاب الصنف المعدوم فى ذلك الوجه الذى يتوجّه إليه، ويحمل منه ما يعلم أنه يكفيه فى مسيره وعوده؛ والله أعلم.
ومنها «1» ضبط ما يتسلّمه الصّنّاع
من مزركش وخيّاط وفرّاء ونجّاد «2» وسرّاج وخردفوشى «3» وغيرهم بالوزن والذّرع والعدد، ويحرزه عند استعادته من صانعه.
ومنها تحرير ما يصل إليه من الأقمشة من دار الأعمال
وما جرت به العادة أن يحمل منها فى كلّ مدّة ليطالب به إن تأخّر عن وقته؛ وإن قلّ صنف من الأصناف عنده يبادر بمطالعة وزير المملكة أو مدبّرها بذلك ليخلص من عهدته، وعلى وزير المملكة ومدبّرها طلب ذلك الصنف من مظانّه وحمله إلى الخزانة.
وأما ملبوس الملك المختصّ بنفسه وعادته فى التفصيل والحبس «4» والطّول والسّعة فهو أمر متعلّق برأس نوبة الجمداريّة «5» ، وهو المقدّم عليهم، فعليه أن يحضر إلى الخزانة ويختار من الأقمشة ما يعلم أنه ملائم لخاطر السلطان وموافق لغرضه، فيفصّل منه ما يراه على ما يراه من أنواع التفصيل، وعلى معلّم الخيّاطين الدّرك فى طوله وسعته وهندامه، ولا يستغنى المباشر عن معرفة ذلك، ولا يستغنى أيضا عن معرفة
(8/216)

قيم الأشياء على اختلافها وعادة التفصيل والتّرفئة «1» والجندرة «2» والحشو ليشارك ربّ كل صنعة فى صناعته بنظره ولسانه، ولا يكون فى ذلك مقلّدا جملة، بل يشاركهم فيما هم فيه، وعليهم الدّرك دونه فيما لعلّه يعرض فى ذلك من خلل إن وقع، لأن هذه الصناعات زائدة على وظيفته ولازمة لأولئك؛ فأيّما رجل اجتمعت فيه هذه الأوصاف تعيّن على ولىّ الأمر ندبه لمباشرة الخزانة، وقرّر له كفايته، وألزمه إن امتنع.
وأما مباشر بيت المال
- فعمدته على ضبط ما يدخل إليه وما يخرج منه، ويحتاج فى ضبط ما يصل إليه من الأموال إلى أن يقيم لكلّ عمل من الأعمال وجهة من الجهات أوراقا مترجمة باسم العمل أو الجهة، ووجوه أموالها، فإذا وصل إليه المال وضع الرسالة الواصلة قريبة من ذلك العمل «3» ، ثم شطبها «4» بما يصحّ عنده من الواصل إليه، وذلك بعد وضعه فى تعليق المياومة، فإن صحّ الواصل صحبة الرسالة كتب لمباشر ذلك العمل رجعة بصحّته، وإن نقص ضمّن رجعته: من جملة كذا؛ واستثنى بالعجز والردّ، وبرز بما صحّ، وأعاد الردّ على مباشر ذلك العمل وأثبت فى بيت المال ما صحّ فيه، فإن كان العجز عن اختلاف الصّنج «5» عيّنه فى رجعته
(8/217)

ولا شىء على مباشر العمل، وإن كان مع اتفاقها فلا يعتدّ لمباشر العمل أو الجهة إلا بما صحّ فى بيت المال.
ويحتاج كاتب بيت المال إذا عمل جامعة لسنة إلى أن يضمّ كلّ مال وصل إليه إلى ما هو مثله، من الخراج والجوالى والأخماس وغير ذلك بحسب ما يصل اليه، ويفصّل جملة كلّ مال بنواحيه التى وصل منها، ويستشهد فيه برسائل الحمول، ويضيف إلى جملة ما انعقد عليه صدر الجامعة من الأموال ما انساق عنده من الحاصل إلى آخر السنة التى قبلها، ويفذلك «1» [بعد «2» ذلك] ، ويعرف ما لعلّه صرفه من نقد بنقد فى تواريخه، ويستقرّ بالجملة بعد ذلك؛ ثم يشرع فى الخصم، فيبدأ منه بما حمله إلى المقام على يد من حمل على يده وتسلّمه، من الخزنداريّة «3» والجمداريّة وغيرهم إن كان، ثم يذكر ما نقله إلى الخزانة ويستشهد فيه برجعاته، وما نقله إلى الحوائج خاناه والبيوت والعمائر وغيرها بمقتضى استدعاءات «4» هذه الجهات ووصولات مباشريها، وفى أرباب الجامكيّات «5» والرواتب والصّلات بمقتضى الاستئمارات «6» والتواقيع السلطانيّة؛ فإذا تكامل الحمل والمصروف عقد عليهما جملة وساق ما بقى إلى الحاصل؛ والله أعلم.
وطريق مباشر بيت المال فى ضبط المصروف أن يبسط جريدة على ما يصل إليه من الاستدعاءات «7» والوصولات من الجهات، وأسماء أرباب الاستحقاقات
(8/218)

والجامكيّات والرواتب والصّلات، وما هو مقرّر لكلّ منهم فى كلّ شهر بمقتضى تواقيعهم أو ما شهدت به الاستثمارات القديمة المخلّدة فى بيت المال، ويشطب «1» قبالة كل اسم ما صرفه له على مقتضى عادته إما نقدا من بيت المال، أو حوالة تفرّع «2» على جهة تكون مقرّرة له فى توقيعه، ويوصل إلى تلك الجهة ما فرّعه عليها، وكذلك إذا أحال ربّ استحقاق غير ثمن مبيع «3» أو غيره على جهة عادتها تحمل إلى بيت المال سوّغ «4» ذلك المال فى بيت المال، وأوصله إلى تلك الجهة، والتسويغ «5» فى بيت المال هو نظير المجرى «6» ؛ وإذا وصل إليه استدعاء من جهة من الجهات أو وصول وضعه فى جريدته، وخصمه بما يقبضه لربّه، ويشهد عليه بما يقبضه، ويورد جميع ذلك فى تعليق المياومة.
وأما مباشر أهراء «7» الغلال
- فمبنىّ أمره أيضا على ضبط ما يصل إليه، وما يصرف من حاصله؛ ويحتاج فى مبدإ مباشرته إلى تحرير ما انساق من حواصل الغلال بأصنافها، وإن أمكنه تمييز ذلك بيّنه، ويكون أتقن لعمله؛ ثم يبسط جريدة يرصّع «8» فيها أسماء نواحى الخاصّ السلطانىّ التى تصل الغلال منها إلى الأهراء
(8/219)

فإذا جاءته رسالة من جهة «1» من تلك الجهات وضعها تحت اسم الجهة وعبر «2» ما وصل قرينها، فإن صحّ صحّتها كتب لتلك الجهة رجعة بالصّحة، وإن نقص فلا يخلو: إما أن يكون المركب أو الظهر الذى حمل ذلك الصنف قد سفّر من ديوان الأصل، أو سفّره مباشر العمل من جهته، فإن كان قد سفّر من ديوان التسفيرات طالب مباشر الأهراء مقدّم رجال المركب والأمين المسفّر عليه بالعجز، وألزمهما بحمله، فإن كان قد سفّر من الأعمال كان درك ذلك على من سفّره، ومباشر الأهراء بالخيار بين أن يطالب محضر الغلّة بالعجز، أو يرجع على مباشر العمل به، ويكون مباشر العمل هو المطالب لمن سفّره، والأولى طلب محضر الغلّة، فإنه إذا أطلقه ورجع إلى المباشر الذى سفّره فقد يعود إلى العمل وقد لا يعود، فإن لم يعد كان مباشر الأهراء قد أضرّ بمباشر العمل، لأنه ألزمه الغرم «3» مع قدرته وتمكّنه من استرجاعه ممن عدا عليه، ويكون هو أيضا ممن شارك فى التفريط؛ وإن وصلت إليه الغلّة متغيّرة تغيّرا ظهر له منها أنها خلطت بغيرها، إما بوصول عين تلك الغلّة اليه، أو بقرينة الحال التى يعلم منها أن تلك الغلة لا يوجد مثلها من فلّاح، ولا يعتدّ بها من خراج السلطنة لظهور غلثها «4» ، أو وصلت إليه الغلّة مبلولة بللا ظاهر التزيد عند الكيل وتتميّز «5» نظير ما أخذ منها، فله أن يعمل لذلك معدّلا، وهو أن يكيل منها جزءا معلوما ويغربله حتى يصير مثل العين التى عنده، أو بتخفيف ذلك حتى يعود إلى حالته
(8/220)

الأولى، ويحرّر العجز على هذا الحكم، ويطالب به محضر الغلّة؛ وينبغى له أن يبدأ بصرف ما وصل إليه من الغلال المبلولة ولا يخلطها بغيرها، فإنها بعد بللها لا تحمل طول البقاء؛ هذا ما يعتمده فى القبض.
وأما فى المصروف، فإن كان لصاحب جراية أو صلة أو إنعام أو تقا «1» لفلّاح صرف ذلك من عرض حاصله، ويراعى فى صرف التّقاوى أن «2» تكون من أطيب الغلال وأفضلها، لأنه يجنى ثمرة ذلك عند استيفاء الخراج؛ وإن كان ما يصرفه مما ينقله إلى الطواحين برسم المخابز، أو للاسطبلات والمناخات برسم العليق غربله، وحرّر نقصه، وأورده فى جامعته من الفذلكة «3» واستقرار الجملة؛ ومباشرة الأهراء مناسبة فى أوضاعها لمباشرة بيت المال.
ذكر مباشرة البيوت السلطانية
وهى الحوائج خاناه، والشراب خاناه، والطشت خاناه، [والفراش خاناه «4» ] ، والسلاح خاناه؛ وأمر «5» البيوت معذوق «6» بأستاذ الدار.
فيحتاج مباشر الحوائج خاناه إلى أمور: منها ما يحتاج إليه من راتب السّماط العامّ والطارئ- وهو الطعام الثانى الذى يمدّ بعد قيام السلطان من المجلس العامّ، ويأكله
(8/221)

خواصّ الملك ومن يحضره بين يدى السلطان، وهو أخصّ من السّماط الأوّل- وطارئ الطارئ وهو الطعام الثالث الذى يمدّ بعد رفع الطارئ، ومنه يأكل الملك وخواصّه، وقد يأكل السلطان من الطارئ الذى قبله؛ فيحرّر ما يحتاج إليه من لحوم وتوابل وخضراوات وأبازير «1» وتحال وقلوب «2» وطيب وبخور وأحطاب وغير ذلك؛ ولذلك عندهم معدّل قد عرفوه فلا يتجاوزه، فإنه إن صرف زيادة عنه بغير سبب ظاهر خرج عنه «3» وكان تحت دركه.
ومنها معرفة مقادير الأسمطة فى أوقات المهمّات والأعياد ليجرى الأمر فيها على العادة، ولا يتجاوزها إلا بمرسوم.
ومنها تعاهد أسماء الحوائج خاناه، فيستدعى ما يراه قد قلّ عنده منها قبل نفاده بوقت يمكن فيه تحصيله، فإن أخّر طلب ذلك إلى أن ينفد، أو طلبه فى وقت ولم يبق عنده منه ما يكفيه إلى أن يأتيه ذلك الصنف من بلد آخر كان المباشر تحت درك إهماله «4» ، ومتى طلب ذلك فى وقته وطالع ولىّ الأمر به فقد خلص من عهدته.
ويحتاج إلى بسط أسماء من يعامل «5» بالحوائج خاناه من قصّاب وحيوانىّ وطيورىّ وغيرهم، ويحصر «6» لكلّ منهم ما أحضره فى كلّ يوم، فإذا اجتمع له من ذلك
(8/222)

ما يقتضى محاسبته جرّد له محاسبة ضمّ فيها كلّ صنف إلى صنفه وثمّنه، إما بتعريف الحسبة، أو بعادة استقرّت له، وأحاله بمبلغ ما وجب له على بيت المال، أو استدعى من بيت المال ما ينفق منه «1» وأشهد عليه بقبض ذلك.
ويحتاج أيضا إلى بسط أسماء أرباب الرواتب السلطانيّة وأرباب الصّلات، وما لكلّ منهم فى كلّ يوم، وخصمه بقبوضهم مياومة أو مشاهرة، صنفا أو حوالة؛ ويراعى حال من مرض من المماليك السلطانيّة ونقل من اللّحم إلى المزاوير «2» أو المساليق «3» فيقطع مرتّبه من اللحم فى مدّة مرضه، ونظير ذلك من التوابل فى مدّة مرضه.
ويحتاج إلى معرفة عادات الرّسل الواردين، والأضياف «4» المتردّدين، ومرتّب الصدقة فى شهر رمضان، وعادات الأضاحى والصّلات فى عيد النحر، فيجرى الأمر على حكم العادة؛ ويضبط جميع ما يصل إليه من ديوان المتجر ومطابخ السكّر وغيرها، ويكتب لهم بما يحملونه إليه من الأصناف؛ ويضبط أيضا ما استقرّ فى كلّ ليلة من الوقود من شمع وزيت، ويصرف على ما استقرّ عنده، وإذا سلّم شمع الوقود إلى الطّشتداريّة وزنه عليهم، وعبره «5» عند إعادته فى بكرة النهار ليتميّز له النقص؛
(8/223)

ويضبط غير ذلك مما يصل إليه وينزل عنده من عادات من قنع «1» وتبتّل، وغير ذلك من جميع ما يرد وما يرتّب ويزاد ويقطع.
وأما الشراب خاناه
- وهى بيت يشتمل على أنواع المشروب من المياه على اختلافها، والسكّر والأشربة والدّرياقات «2» والسّفوفات والمعاجين والأقراص والأقسما «3» والفقّاع «4» والبلح والأبقال والحلويّات «5» والجوارشات «6» والفواكه، وما يجرى هذا المجرى؛ وأمر هذا البيت الخاصّ «7» معذوق «8» بأمير مجلس، والعامّ بأستاذ الدار؛ فيحتاج مباشر هذه الوظيفة الى ضبط ما يصل إليه من جميع هذه الأصناف،
(8/224)

وما يستعمله من ذلك فى عقد الأشربة والحلويّات، وما يعقده للمشروب وما يصرفه من ذلك، ومعرفة عادات الأسمطة والطّوارئ والرواتب المقرّرة فى كلّ يوم، فيجرى الأمر فيها على العادة المستقرّة، وما يستدعيه السلطان على حسب الاتفاق، وما يصرف للمرضى من المماليك السلطانيّة من أنواع الأشربة والمعاجين وغيرها بمقتضى أوراق الأطبّاء؛ هذا ما يعتمد عليه مباشرها والله أعلم.
وأما الطّشت «1» خاناه
- فهى بيت تكون فيه آلة الغسل والوضوء، وقماش «2» السلطان البياض «3» الذى لا بدّ له من الغسل، وآلة الحمّام، وآلات الوقود؛ فيكون فى هذا البيت من الآلات: الطّشوت والأباريق والسخّانات والطاسات والكراسىّ والستائر واللّبابيد «4» المختصّة بالحمّامات والسّجادات والنّمرقات «5» والمناشف وفوط الخدمة ومقاعد الجلوس من الجوخ والبسط، وغير ذلك، والمباخر وأنواع البخورات والطّيب والغوالى «6» وماء الورد والممسّك، وغير ذلك من الأصناف التى تلائم هذا البيت؛ ويستدعى ما يحتاج اليه برسم هذا البيت من الحوائج خاناه والخزانة؛ والله أعلم.
(8/225)

وأما الفراش خاناه
- فيكون فيها أنواع الفرش والخيام والخركاهات «1» والتّخوت وقصور الخشب التى تنصب فى الدهاليز، وحمّامات الخشب التى تنقل على الظّهر فى الأسفار، وما يتعلّق بذلك من اللّبابيد «2» وشلائت «3» النوم وغير ذلك؛ وهو بيت متّسع فيه حواصل كثيرة لها قيم جليلة تحتاج الى ضبط ومعرفة، فإن «4» مباشر هذا البيت يحتاج الى معرفة ما يحتاج الى استصحابه فى أسفار السلطان لخاصّته «5» ولمماليكه على اختلاف طبقاتهم ووظائفهم، وما ينصب برسم آدر «6» السلطان ومن يتبعها من الخدّام وما ينصب برسم البيوت السلطانيّة الخزائن فما دونها، وما ينصب لأرباب الوظائف من المباشرين الذين يكونون فى صحبة الرّكاب السلطانىّ، ومن غير المباشرين الذين يكونون فى صحبة الرّكاب السلطانىّ، ومن غير المباشرين حتى الكلاب السلطانيّة والكلابزيّة «7» والجوارى؛ ويميّز بين خيام «8» الصيد والنّزه والأسفار والحروب، وغير ذلك من الحركات التى يحتاج فيها إلى استصحاب الخيام
(8/226)

ولكلّ حركة منها ما جرت به العادة من خيام المقام والسّفر «1» ؛ ويعرض ما يسلّمه للفرّاشين عليهم، ويضبط صفاته عند السّفر، ويستعيده منهم عند العود بعرض ثان، وكذلك ما يسلّمه لأرباب الوظائف؛ ويضبط أيضا ما يتسلّمه الصّنّاع الذين يفصّلون الخام الجديد وغيره من آلات الفراش خاناه: من قماش بياض «2» ومصبوغ وغزل وجلود ومشمّعات وشعر وأخشاب، وغير ذلك، ويعرف عوائدهم «3» فى الأجر، ويحاسبهم على ما يستحقّونه من الأجر بحسب أعمالهم فيحيلهم بمبلغه.
وأما السلاح خاناه
- فهى من أعظم البيوت وأهمّها، وأمرها راجع الى أمير سلاح؛ وعلى المباشر فيها «4» حفظ ما يدخل إليها، وضبط ما يخرج منها مما يتسلّمه السلاح داريّة والزّردكشيّة «5» والحرب داريّة والرّمح داريّة من أنواع السلاح وأصنافه إذا ركب السلطان أو جلس فى المجلس العامّ، واستعادته منهم، وإعادته لهم، والاعتداد لهم بما أنعم به السلطان وذهّبه مما كان بأيديهم؛ ويوصل ما يصل إلى السلاح خاناه من خزائن السلاح وغيرها، وما يصل اليه من سيوف الأمراء الذين يرسم باعتقالهم، وما يحمل اليه من سلاح من توفّى من الأمراء على جارى العادة. «ويميّز «6» ذلك من غيره» وعليه أن ينبّه أمير سلاح على ما عنده من العدد التى يخشى عليها التلف
(8/227)

بتطاول المدّة ليأمر بكشفها وإصلاحها: من مسح ودهان وصقل وجلاء وشحذ «1» وتثقيف وخرز، وغير ذلك.
وجميع ما قدّمنا ذكره من البيوت ليس بشىء من صناعة الكتابة العلميّة، بل العمليّة خاصّة، فإن علوم الكتابة إنما تظهر فى نظم الحسبانات، ولا نظم فيما قدّمناه؛ والعمدة فى صناعة الكتابة على مباشرة الهلالىّ والخراجىّ على ما يأتى بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
ذكر جهات أموال الهلالىّ ووجوهها «2» وما يحتاج إليه مباشرها
والهلالىّ عبارة عمّا تستأدى أجوره مشاهرة، كأجر الأملاك المسقّفة من الآدر «3» والحوانيت والحمّامات والأفران وأرحية «4» الطواحين الدّائرة بالعوامل «5» ، والراكبة على المياه المستمرّة الجريان، لا الطواحين التى تدور بالمياه الشّتويّة فى بعض نواحى الشام، فإنها تجرى مجرى الخراجىّ، وسنذكر ذلك إن شاء الله فى موضعه؛ ومما نورد فى أبواب الهلالىّ عداد الأغنام والمواشى، ومن الهوائىّ «6» الجهات الهلاليّة المضمونة والمحلولة؛ والذى يعتمد عليه مباشره أن يتخيّر لكلّ جهة من يستأجرها بقيمتها، وما لعلّه يتعيّن
(8/228)

من الحيطة «1» ، ويلزم المستأجر بكتابة إجارة شرعيّة لمدّة معلومة بأجرة معيّنة؛ ويخلّدها فى ديوانه؛ وإن كانت الجهة هوائيّة ألزم ضامنها بكتابة حجّة بمبلغ الضّمان، وطالبه بمن يكفله من الضّمّان الأملئاء «2» القادرين بالمال «3» فى الذمّة، فإن تعذّر فبالوجه «4» ؛ فإذا خلّدت الحجّة عنده كتب له من ديوانه تقريرا عيّن له فيه استقبال مدّة ضمانه، ومبلغ الضمان وأقساطه مبسوطة «5» أو منجّمة «6» ، ويذكر فيه ما يستأديه من رسوم تلك الجهة على ما تشهد به الضرائب المخلّدة فى الدّيوان، وسلّم اليه؛ فإذا تكاملت عنده إجارات الأملاك وحجج الضّمان بسط على ذلك جريدة يشرح فيها الجهة، واسم مستأجرها أو ضامنها، واستقبال مدة إيجاره «7» أو ضمانه، ومبلغ الأجرة أو الضّمان فى السنة والشهر واليوم؛ وإنما ذكرنا اليوم لما يتحصّل من أقساط أيّام سلوخ «8» الشهور الناقصة، ولما كانت العادة جارية به من استخراج قسط يوم التعديل من سائر ضمّان الجهات
(8/229)

الهوائيّة، وهو قسط يوم واحد فى سلخ ثلاث سنين يؤخذ من الضّمان خالصا للديوان زيادة على الأقساط، وهذا يستأدى فى بعض أقاليم الشأم؛ وإنما أوردناه خشية الإخلال به؛ ويكون بسطه لذلك فى يمنة القائمة إلى الشطر المكسور المعتاد الذى يتخلّله خيط الجريدة؛ فإن اتّفق فى جهة زيادة فى أثناء السنة قرّرها فى تعليق المياومة، ووضعها فى الجريدة بما صورته: ثم استقرّت باسم فلان لاستقبال التاريخ الفلانىّ بكذا وكذا، العبرة «1» كذا، والزيادة كذا؛ ويحاسب المستأجر أو الضامن المنفصل عمّا استحقّ عليه إلى حين انفصاله، ويلزمه بالقيام به، وذلك بعد أن يعرض على الضامن المستقرّ ما زاد عليه، فإن اختار قبول الزيادة على نفسه قبل ذلك منه، وكان ذلك له، فإن زيدت عليه فى الوقت زيادة ثانية لم يكن له الاستمرار فى الجهة إلا بزيادة على تلك الزيادة الثانية؛ وإذا انقضت مدّة مستأجر وضامن وأراد الخروج من تلك الجهة، فإن كان قد غلّق «2» ما عليه من الأجرة أو الضّمان لم يكن للمباشر إلزامه بالاستمرار بها، وإن انطرد «3» عليه باق كثيرا كان أو قليلا لزمه استئناف عقد جديد نظير العقد الأوّل؛ هذا اصطلاحهم فى الديوان، ولهم اصطلاحات أيضا نحن نذكر ما تيسّر منها، إذ لا تمكن الإحاطة بجميعها لاختلاف أحوال المباشرات، ولو استقصينا ذلك لطال؛ فمن اصطلاحاتهم أن المباشر يسلّم للمستأجر الطاحون عند أذان المغرب من اليوم الذى حصل فيه الإيجار أو الزيادة لاستقبال
(8/230)

اليوم الثانى، ويسلّم الحمّام من وقت التسبيح، ويسلّم بقيّة الجهات لاستقبال غرّة النهار؛ وإذا دخل ضامن نيلة «1» قوّم للمنفصل ماله بالخوابى من مياه الأصباغ المختلفة بالقيمة العادلة، ولا يمكّن من أخذ ذلك من المصبغة لما فيه من الإضرار بهما، أما ضرر المنفصل فلفساد المياه، وأما ضرر المتصل فلأنه يتعطّل مدّة إلى أن تختمر له مياه غيرها، ولا يمكّن ضامن المصبغة المنفصل من أخذ خابية وإن كانت ملكه، بل القيمة عنها؛ هذا اصطلاحهم؛ وليحترز مباشر الجهات الهلاليّة من قبول زيادة بسطا فى جهة منجّمة قد مضت أقساطها الخفيفة «2» وبقيت الأقساط الكبار، لما يحصل فى ذلك من التّفاوت والنقص على الدّيوان مع وجود الزيادة الظاهرة، مثال ذلك أن تكون جهة مضمونة فى كلّ سنة بأربعة آلاف درهم منجّمة، قسط ستة شهور ألف درهم، وقسط الستة شهور الثانية ثلاثة آلاف، فانقضت الستّة الأول، وحصلت زيادة فى الجهة فى أوّل الستّة «3» الثانية مبلغ خمسمائة درهم فى السنة على أن تكون قسطين، فيصير بمقتضى البسط قسط الستّة شهور الثانية ألفين ومائتين وخمسين درهما، وهى على الضامن المنفصل بثلاثة آلاف، فتكون هذه الزيادة على هذا الحكم نقصا؛ فيراعى المباشر ذلك، فإنه متى وقع فيه خرج عليه وكان مخرجا لازما؛ ومهما استخرجه المباشر من مستأجر أو ضامن أو أجراه بوصول «4» لربّ استحقاق أو ثمن صنف، أو غير ذلك من وجوه المصارف أورده فى تعليق المياومة، وصورة وضعه لذلك أن يرصّع «5» المحضر أو المجرى عن يمنة القائمة، ويخصم عن يسرتها قبالة
(8/231)

المجرى، فيقول فى يمنتها: من جهة فلان كذا، وفى مقابلته: ينصرف فى كذا؛ ثم يشطب «1» المحضر والمجرى من تلك الجهة فى يسرة قائمة الجريدة التى بسطها قبالة كلّ اسم استخرج منه أو أجرى عليه، يفعل ذلك فى مدّة السنة، ويرمز على تعليقه إشارة الخدمة على الجريدة، وصورته [له «2» ] ؛ وكذلك اذا كتب وصولا رمز عليه إشارة الكتابة، وصورته له؛ فإذا انقضت السّنة عمل محاسبة كلّ جهة بما استخرجه من مستأجرها أو ضامنها وأجراه عليه، وعقد على ذلك جملة، فان كان المستخرج والمجرى نظير الأجرة أو الضّمان فقد تغلّقت «3» تلك الجهة عن تلك السنة، وإن زاد المستخرج على الأجرة أورده فى حسابه مضافا، ويسمّيه: زائد مستخرج، على ما يأتى بيانه فى كيفيّة الأوضاع الحسابيّة، واعتدّ «4» له بذلك فى السنة المستقبلة؛ وإن تعيّن للضامن أو المستأجر اعتداد بما يجب الاعتداد به كباطلة الحمّامات من انقطاع المياه عنها أو وقوفها فيها، وإصلاح القدور، وعطل العمائر، وبطالة الطواحين لانقطاع المياه وانكسار الأحجار أو السهام أو العدد، أو حصول جائحة «5» أرضيّة أو سمائيّة كانقطاع الأجلاب «6» عن الجهات الهوائيّة بسبب مداومة الأمطار، أو سقوط الثلوج، أو طروق عدوّ للبلاد، أو حادثة عطّلت تلك الجهة بسببها اعتدّ له بقسط تلك المدّة محسوبا
(8/232)

«هذا «1» إذا شرط ذلك فى تقريره «2» » على ما يأتى شرح ذلك؛ هذا ما يعتمد عليه المباشر للجهات الهلاليّة فى أصولها.
وأما مضافاتها فلا فرق بينها وبين سائر الأموال، وسيرد الكلام إن شاء الله على ذلك مفصّلا؛ وقد اصطلح بعض مباشرى الجهات على إيراد أحكار البيوت والحوانيت، وريع البساتين التى تستخرج أجورها «3» مشاهرة، ومصايد السمك، ومعاصر الشّيرج «4» والزيت فى مال الهلالىّ؛ ومنهم من يوردها فى أبواب الخراجىّ، وهو الأليق، وإنما نبّهنا عليه لبيان الاختلاف فيه، ولا أرى فى إيراد ريع البساتين فى مال الهلالىّ وجها، بل يتعيّن ألّا يرد إلا فى أبواب الخراجىّ؛ وإن قال قائل منهم: قد يكون فى أرض البستان مسكن يستحقّ أجرة، قلنا: إن أمكن إفراد ذلك المسكن بأجرة معيّنة تقيّد أمواله فى أموال الهلالىّ دون البستان، وان تعذّر إفراده وأوجرا بعقد واحد فالمسكن هنا فرع البستان، والفرع يتبع الأصل ولا ينعكس، هذا ما خلّصناه من حال مال الهلالىّ «5» ، فلنذكر الجوالى.
(8/233)

ذكر الجزية الواجبة على أهل الذمّة و ...
ما ورد فيها من الأحكام الشرعيّة وأوّل من ضربها وقرّرها على الرءوس وما اصطلح عليه كتّاب التصرّف فى زماننا من استخراجها وموضع إيرادها فى الحساب ونسبتها فى الإقطاعات الجيشيّة وما يلزم مباشرها من الأعمال وما يحتاج إليه والله أعلم
أما الأحكام الشرعيّة
فالأصل فى وجوبها قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ
وقد ورد فى هذه الآية تأويلات ذكرها أقضى القضاة أبو الحسن علىّ بن محمد بن حبيب الماوردىّ- رحمه الله- فى الأحكام السلطانيّة، نحن نذكرها على ما أورده، قال: أما قوله: «الّذين لا يؤمنون بالله» فأهل الكتاب [وإن «1» ] كانوا معترفين بأن الله سبحانه واحد، فيحتمل [نفى «2» ] هذا الإيمان بالله تأويلين، أحدهما: لا يؤمنون بكتاب الله سبحانه وهو القرآن، والثانى: لا يؤمنون برسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم، لأن تصديق الرّسل إيمان بالمرسل؛ وقوله: «وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ» *
يحتمل تأويلين، أحدهما: لا يخافون وعيد اليوم الآخر وإن كانوا معترفين بالثواب والعقاب، والثانى: لا يصدّقون بما وصفه الله تعالى من أنواع العذاب؛ وقوله تعالى: «وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»
يحتمل تأويلين،
(8/234)

أحدهما: ما أمر الله سبحانه بنسخه من شرائعهم، والثانى: ما أحلّه لهم وحرّمه عليهم؛ «ولا يدينون دين الحقّ» فيه تأويلان، أحدهما: ما فى التوراة والإنجيل من اتّباع الرسول- وهو قول الكلبىّ-، والثانى: الدخول فى دين الإسلام- وهو قول الجمهور-، وقوله: «مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ» *
فيه تأويلان، أحدهما: من أتباع «1» الذين أوتوا الكتاب، والثانى: من الّذين ملّتهم الكتاب، لأنهم فى اتّباعه كإيتائه «2» ؛ وقوله: «حتّى يعطوا الجزية» فيه تأويلان، أحدهما: حتى يدفعوا الجزية، والثانى حتى يضمنوها، لأنه بضمانها يحب الكفّ عنهم؛ وفى الجزية تأويلان، أحدهما:
أنها من الأسماء المجملة التى لا يعرف منها ما أريد بها إلا أن يرد بيان «3» ، والثانى: أنها من الأسماء العامّة التى يجب إجراؤها على عمومها إلا ما خصصه دليل؛ واسمها مشتق من الجزاء، وهو إما جزاء على كفرهم، أو جزاء على أماننا لهم؛ وفى قوله: «عن يد» [تأويلان، أحدهما: عن غنى «4» وقدرة، والثانى: أن يعتقدوا أن لنا فى أخذها منهم يدا وقدرة عليهم؛ وفى قوله] : «وهم صاغرون» تأويلان، أحدهما: أذلّاء مساكين «5» ، والثانى: أن تجرى عليهم أحكام الإسلام. وقال غيره: الصّغار أن يضرب على فكّ الذمىّ برءوس الأنامل عند قيامه بالجزية ضربا لطيفا غير مؤلم. وقال الماوردىّ:
(8/235)

فيجب على ولىّ الأمر أن يضرب الجزية على رقاب من دخل فى الذمّة من أهل الكتاب ليقرّوا بها فى دار الإسلام؛ ويلتزم لهم ببذلها حقّين: أحدهما الكفّ عنهم، والثانى الحماية لهم، ليكونوا بالكفّ آمنين، وبالحماية محروسين؛ روى نافع عن ابن عمر رضى الله عنهم قال: آخر ما تكلّم به النبىّ صلّى الله عليه وسلّم: «احفظونى فى ذمّتى «1» » قال الماوردىّ: ولا تؤخذ من مرتدّ ولا دهرىّ ولا عابد وثن، وأخذها أبو حنيفة من عبدة الأوثان من العجم، ولم يأخذها منهم إذا كانوا عربا «2» ؛ وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وكتابهم التوراة والإنجيل، وتجرى المجوس مجراهم فى أخذ الجزية منهم؛ وتؤخذ من الصابئين «3» والسامرة»
اذا وافقوا اليهود والنصارى فى أصل معتقدهم وان خالفوهم فى فروعه، ولا تؤخذ منهم إن خالفوا اليهود والنصارى فى أصل معتقدهم؛ ومن جهلت حاله أخذت جزيته، ولا تؤكل ذبيحته؛ والجزية تجب على الرجال الأحرار «5» العقلاء، ولا تجب على صبىّ ولا امرأة ولا مجنون ولا عبد، لأنهم أتباع وذرارىّ؛ ولو تفرّدت امرأة منهم [عن «6» ] أن تكون تبعا لزوج أو نسيب لم تؤخذ منها الجزية، لأنها تبع لرجال قومها وإن كانوا أجانب
(8/236)

منها؛ ولو تفرّدت امرأة فى دار الحرب فبذلت الجزية للمقام فى دار الإسلام لم يلزمها ما بذلته، وكان ذلك منها كالهبة لا يؤخذ منها إن امتنعت؛ ولا تؤخذ الجزية من خنثى مشكل، فإن زال «1» إشكاله وبان رجلا أخذت منه فى مستقبل أمره وماضيه؛ واختلف الفقهاء فى قدر الجزية، فذهب أبو حنيفة إلى تصنيفهم ثلاثة أصناف:
أغنياء يؤخذ منهم ثمانية وأربعون درهما، وأوساط يؤخذ منهم أربعة وعشرون درهما وضرب «2» يؤخذ منه اثنا عشر درهما، [فجعلها مقدّرة الأقلّ والأكثر «3» ] ومنع من اجتهاد الولاة فيها.
وقال مالك: لا يقدّر أقلّها ولا أكثرها، وهى موكولة إلى اجتهاد الإمام فى الطرفين.
وذهب الشافعىّ إلى أنها مقدّرة الأقلّ بدينار لا يجوز الاقتصار على أقلّ منه، وعنده أنها غير مقدّرة الأكثر، يرجع فيه إلى اجتهاد الولاة، ويجتهد رأيه فى التسوية بين جميعهم، أو التفضيل «4» بحسب أحوالهم، فإذا اجتهد رأيه فى عقد الجزية معهم على مراضاة أولى الأمر منهم صارت لازمة لجميعهم ولأعقابهم قرنا بعد قرن، ولا يجوز لوال بعده أن يغيّره «5» الى زيادة عليه أو نقصان منه.
(8/237)

ويشترط عليهم فى عقد الجزية شرطان: مستحقّ ومستحبّ، أما المستحقّ فستة «1» أشياء: أحدها ألّا يذكروا كتاب الله تعالى بطعن فيه ولا تحريف له، والثانى ألّا يذكروا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بتكذيب له ولا ازدراء به، والثالث ألّا يذكروا دين الإسلام بذمّ له ولا قدح فيه، والرابع ألّا يصيبوا مسلمة بزنى ولا باسم نكاح، والخامس ألّا يفتنوا «2» مسلما عن دينه ولا يتعرّضوا لماله ولا دمه «3» ، والسادس ألّا يعينوا أهل الحرب ولا يؤووا أغنياءهم؛ فهذه الستة حقوق ملتزمة بغير شرط، وإنما تشترط إشعارا لهم، وتأكيدا لتغليظ العهد عليهم، فيكون انتهاكها بعد الشرط نقضا لعهدهم.
وأما المستحبّ فستة أشياء: أحدها تغيير هيآتهم بلبس الغيار «4» وشدّ الزّنّار «5» ، والثانى ألّا يعلموا على المسلمين فى الأبنية، ويكونوا إن لم ينقصوا مساوين لهم، والثالث ألّا يسمعوهم أصوات نواقيسهم، ولا تلاوة كتبهم، ولا قولهم فى عزير والمسيح، والرابع ألّا يجاهروهم بشرب خمورهم، ولا بإظهار صلبانهم وخنازيرهم، والخامس أن يخفوا «6» دفن موتاهم ولا يجهروا بندب عليهم ولا نياحة، والسادس أن يمنعوا من ركوب الخيل عتاقا وهجنا، ولا يمنعوا من ركوب البغال والحمير؛ قال: فهذه الستة المستحبّة
(8/238)

لا تلزم بعقد الذّمّة حتى تشترط فتصير بالشرط ملتزمة، ولا يكون ارتكابها بعد الشرط نقضا للعهد، لكن يؤخذون «1» بها إجبارا «2» ، ويؤدّبون «3» عليها زجرا، ولا يؤدّبون إن لم يشترط ذلك عليهم، ويحتاط «4» به.
[وتجب الجزية عليهم «5» ] فى كل سنة مرّة واحدة بعد انقضائها «6» بالشهور الهلاليّة، ومن مات منهم فى أثناء السنة أخذ من تركته بقدر ما مضى منها، ومن أسلم كان ما لزم من جزيته دينا فى ذمّته يؤخذ منه؛ وأسقطها أبو حنيفة بإسلامه وموته؛ ومن بلغ من صغارهم، أو أفاق من مجانينهم استقبل به حول [ثم أخذ «7» ] بالجزية ويؤخذ الفقير بها إذا أيسر، وينتظر بها إذا أعسر؛ ولا تسقط عن شيخ ولا زمن، وقيل: تسقط عنهما وعن الفقير؛ ولأهل العهد إذا دخلوا دار الإسلام الأمان على نفوسهم وأموالهم، ولهم أن يقيموا فيها أربعة أشهر بغير جزية، ولا يقيموا سنة إلا بجزية، وفيما بين «8» الزمانين خلاف؛ ويلزم الكفّ عنهم كأهل الذمّة، ولا يلزم الدفع عنهم؛ واذا أمّن بالغ عاقل من المسلمين حربيّا لزم أمانه كافّة المسلمين، والمرأة
(8/239)

فى بذل الأمان كالرجل، والعبد فيه كالحرّ؛ وقال أبو حنيفة: لا يصحّ أمان العبد إلا أن يكون مأذونا له فى القتال؛ وإذا «1» تظاهر أهل الذّمّة والعهد بقتال المسلمين كانوا حربا لوقتهم، يقتل مقاتلهم، ويعتبر حال من عدا المقاتلة منهم بالرضا بفعلهم والإنكار له؛ وإذا امتنع أهل الذمّة من أداء الجزية كان نقضا لعهدهم؛ وقال أبو حنيفة: لا ينتقض به عهدهم إلّا أن يلحقوا بدار الحرب، وتؤخذ منهم جبرا كالدّيون؛ وإذا نقض أهل الذمّة عهدهم لم يستبح بذلك قتلهم، ولا غنم أموالهم، ولا سبى «2» ذراريّهم ما لم يقاتلوا، ووجب إخراجهم من بلاد المسلمين آمنين حتى يلحقوا مأمنهم من أدنى بلاد الشّرك، فإن لم يخرجوا طوعا أخرجوا كرها؛ فهذه هى الأحكام الشرعيّة فى أمر الجزية.
وأوّل ما ضربت الجزية وجعلت على الرءوس فى خلافة عمر «3» بن الخطّاب
- رضى الله عنه- وكانت قبل ذلك تحمل قطائع؛ واختلف: هل استأداها سلفا أو عند انقضاء الحول.
(8/240)

وأما ما اصطلح عليه كتّاب التصرّف
فى زماننا هذا من استخراجها وموضع إيرادها فى حسباناتهم، فهم يستخرجونها سلفا وتعجيلا فى غرّة السنة، وفى بعض الأقاليم تستخرج قبل دخول السنة بشهر أو شهرين؛ وتورد فى الحسبانات قلما مستقلّا بذاته، بعد الهلالىّ وقبل الخراجىّ، وسبب تأخيرها عن الهلالىّ أنها تستأدى مسانهة، وسبب تقدّمها على الخراجىّ ما ورد من وجوبها مشاهرة على الأشهر من أقوال الفقهاء؛ وقد تقدّم ذكر الحكم فيمن أسلم أو مات فى أثناء الحول، وأنه لا يلزمه منها إلا بقدر ما مضى من السنة قبل إسلامه أو وفاته، فلذلك وردت بين الهلالىّ والخراجىّ.
وأما نسبتها فى الإقطاعات الجيشيّة عند خروج إقطاع ودخول آخر «1» فإنها تجرى مجرى المال الهلالىّ،
لأنها تستخرج على حكم شهور السنة الهلاليّة دون الشمسيّة؛ فإن تعجّلها مقطع فى غرّة السنة على العادة وخرج الإقطاع عنه فى أثنائها بوفاة أو نقلة إلى غيره استحقّ منها نظير ما مضى من شهور السنة إلى حين انتقاله، لا على حكم ما استحقّ من المغلّ؛ ويستحقّ المتّصل من «2» استقبال تاريخ منشوره كعادة النقود «3» ؛ وإن تخلّل بين المنفصل والمتّصل مدّة كان قسطها للديوان، يرد فى جملة المحلولات من الإقطاعات.
(8/241)

وأما ما يلزم مباشر الجوالى وما يحتاج الى عمله،
فالذى يلزمه أن يبسط جريدة على أسماء الذمّة «1» بمقتضى الضريبة المرفوعة إليه، أو الكشف الذى كشفه إن كان العمل «2» مفتوحا «3» أو مستجدّا، يبدأ فيها بذكر أسماء اليهود، ويثنّى بالسامرة»
لأنّهم شعب منهم، ويثلّث بالنصارى، وإن كان فى عمله طائفة من الصابئة والمجوس ذكرهم بعد النصارى؛ وفى بعض بلاد الشأم تؤخذ الجزية من طائفة تعرف بالشّمسيّة، يوحّدون الله تعالى وينكرون نبوّة النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، ومنهم من يقول بنبوّة عيسى عليه السّلام وأن لا نبىّ بعده؛ ويكون بسط الكاتب لهذه الجريدة على التقفية إذا كانت الأسماء كثيرة، ليسهل عليه بذلك الكشف والشطب، وإذا استخرج جالية أوردها فى تعليق المياومة؛ وكتب له بها وصولا «5» ، وشطبها عن اسم من استخرجت منه فى جريدته، ويرمز فى تعليقه إشارة الكتابة والخدمة على ما تقدّم بيانه فى الهلالىّ.
ويحتاج مباشر الجوالى فى كلّ سنة إلى إلزام رئيس اليهود ورئيس السامرة وقسّيس النصارى أو أسقفّهم «6» بكتابة أوراق يسمّونها: الرّقاع بمن عند كلّ منهم من الرواتب «7» ، وما لعلّه استجدّ «8» من الطّوارئ «9» والنّوابت، ويعيّن فى آخر الرّقاع من
(8/242)

اهتدى بالإسلام، ومن هلك بالموت، ومن تسحّب «1» من العمل، وإلى أىّ جهة توجّه، ويجعل تلك الرّقاع شاهدا عنده بعد الإشهاد فيها على «2» الصادرة عنه بأنه لم يخلّ بشىء من الأسماء، ويلزمه بكتب مشاريح بمن ضمّن رقاعه أنه اهتدى أو هلك أو تسحّب كلّ اسم بمشروح، ويخلّد المشاريح عنده ويشطبها «3» على جريدته؛ والكتّاب فى إيراد من اهتدى ونزح وهلك مختلفون: فمنهم من يوصل العدّة المستقرّة عنده عن يمنة العمل «4» ، ويستثنى بالتعدية عمّن اهتدى وهلك وتسحّب، كلّ اسم بمقتضى مشروحه المشهود فيه، ويبرز بما تحرّر بعد ذلك؛ ومنهم من يوصل الجميع على ما استقرّت عليه الحال الى آخر السنة الماضية، ويستخرج ممّن استخرج منه، ويعتدّ «5» بما يجب على المهتدى والهالك والمتسحّب محسوبا فى باب المحسوب قبل فذلكة الواصل فى الرّقاع- على ما نبيّنه إن شاء الله فى الأوضاع الحسابيّة- ويكون ما على النازحين موقوفا الى أن يتحرّى أمرهم؛ فإن عاد أحد منهم الى ذلك الإقليم ولم يكن قد قام بالجزية فى بلد آخر استخرجت منه، ووردت فى باب المضاف فى حساب السنة، وإن كان قد قام بالجزية فى بلد آخر وأحضر وصول مباشر تلك الجهة بما اعتدّ له
(8/243)

به عن تلك السنة، نقل «1» مبلغ الوصول على تلك الجهة التى حضر وصولها قربت أو بعدت، واستشهد فى حسابه بمقتضى الوصول؛ وكلتا الطريقتين سائغة عند الكتّاب؛
وأما النّوابت «2» والطّوارئ
فإنها ترد فى باب المضاف باتفاق الكتّاب فى أوّل سنة، وتستقرّ أصلا فى السنة التى تليها وما بعدها؛ ويحتاج المباشر الى تفقّد أحوال النوابت فى كلّ مدّة لاحتمال بلوغ صبىّ فى أثناء الحول، واختبار ذلك بأمور شرعيّة واصطلاحيّة: أما الشرعية فبإنبات «3» الشّعر الخشن «4» ، أو بكمال خمس «5» عشرة سنة؛ وأما اصطلاحيّة فبانفراق رأس الأنف، وغلظ الصوت، وبظهور شىء «6» على حلمة الثّدى من باطنه كالتّرمسة، وبأن يدار خيط على عنق الصبىّ مرّتين تحريرا، ثم يوضع طرف الخيط بين أسنانه وتدخل أنشوطة «7» فى رأسه، فإن دخلت دلّ ذلك على بلوغه، وإلا فلا؛ واصطلح بعض مباشرى الجوالى فى بعض الأقاليم على إلزام عرفاء الذمّة «8» بالمطالعة بكل صبىّ يولد لوقته، وبمن هلك منهم، ويرصّع «9» أسماءهم
(8/244)

فى جريدة مفردة بهم، فمن بلغ عمره ثلاث عشرة سنة استخرج منه الجزية سواء ظهرت أمارات بلوغه أم لا، ويلازم المباشر الكشف والتنقيب عمّن لعلّه أخفى من الرواتب، أو استجدّ من الطّوارئ والنّوابت ولم يرد الدفع، فمن ظهر له أمره استخرج الجالية منه لاستقبال وجوبها عليه، ويقابل من أخفاه بالإهانة والنكال؛ والمباشرة تظهر ما لا تحيط به الكتب؛ هذا ما يتعلّق بالجوالى، فلنذكر الخراجىّ- إن شاء الله تعالى-.
ذكر جهات الخراجىّ وأنواعه وما يحتاج اليه مباشره
والخراجىّ عبارة عما يستأدى مسانهة مما «1» هو مقرّر على الأراضى المرصدة للزراعة والنخل والبساتين والكروم والطواحين السنويّة التى تدور أحجارها بمياه السيول فى الجهات «2» الشاميّة، وما يستأدى من خدم الفلّاحين، ويسمّى ذلك بمصر:
الضّيافة، وبالشأم: رسم الأعياد والخميس، وهو أغنام ودجاج وكشك «3» وبيض- على ما استقرّ على كلّ جهة- وهو إنما يكون على النواحى الإقطاعيّة غالبا، وأما فى نواحى الخاصّ فلا يستأدى، لما هو مقرر على الأراضى بمصر من الحقوق التى تستخرج دراهم، وبالشأم من التّضييف «4» المقرّر عليهم فى أيّام الفتح «5» عن مدّة ثلاثة
(8/245)

أيّام؛ ومن أبواب الخراجىّ ما يستأدى بالشأم فى خدمة رؤساء الضّياع فى مقابلة ما لهم من المطلق والولاة والوكلاء والنّقباء والصّيارفة والكيّالين والضّوئيّة «1» فى مقابلة ما يستأدونه من الرسم، وذلك يرد فى أبواب المضاف؛ والخراجىّ تختلف أحكامه وقواعده بمصر والشام؛ والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
أما الديار المصريّة وأوضاعها وقوانينها وما جرت عليه قواعدها على ما استقرّ فى زماننا هذا وتداوله الكتّاب،
فقانون الديار المصريّة مبنىّ على ما يشمله الرّى من أراضيها ويعلوه النيل؛ وقد ذكرنا فى باب الأنهار فى الفن الأوّل من كتابنا هذا نيل مصر، ومبدأه، والاختلاف فيه، وما يمرّ عليه من البلاد، وكيفيّة الانتفاع به من حفر التّرع، وضبط الجسور، وتصريف المياه عن الأراضى بعد ريّها؛ ونيل مصر هو من أعاجيب الدنيا، وقد روى عن ذى القرنين أنه كتب كتابا عمّا شاهده من عجائب الوجود فذكر فيه كلّ عجيبة، ثم قال فى آخره: وذلك ليس بعجب، ولكنّ العجب نيل مصر، ولولا ما جعل الله تعالى فيه من حكمة هذه الزيادة فى زمن الصيف على التدريج حتى يتكامل رىّ البلاد، وهبوط الماء عنها عند بدء وقت الزراعة لفسد أمر هذا الإقليم، وتعذّرت سكناه، إذ ليس به أمطار كافية ولا عيون سارحة «2» تعمّ أراضيه، وليس ذلك إلا فى بعض إقليم الفيّوم؛ فسبحان من بيده الخلق والأمر القادر على كلّ شىء، والمدبّر لكلّ شىء، سبحانه وتعالى لا إله إلّا هو.
(8/246)

والذى يحتاج إليه مباشر الخراج بمصر ويعتمد عليه فى مباشرته أنه اذا شمل الرّىّ أرض الجهة التى يباشرها أن يبدأ بإلزام خولة «1» البلاد برفع قوانين الرّىّ، وصورتها أن يكتب فى صدر القانون ما مثاله: قانون رفعه كلّ واحد من فلان وفلان الخولة والمشايخ بالناحية الفلانيّة، بما شمله الرّىّ وعلاه النّيل المبارك من أراضى الناحية لسنة كذا وكذا الخراجيّة، وهو من الفدن «2» ؛ ويذكرون جملة قانون البلد، ويفصّلونه بالرّىّ والشّراقى، فالرّىّ: ما شمله النيل. والشراقى: ما لم يشمله؛ وللرّى تفصيل: منه ما هو نقاء «3» ، ومنه ما هو مزروع، وخرس، وغالب، ومستبحر؛ ويفصّل بقبائله «4» ، ويشرح فى كل قبالة هذا التفصيل؛ والنقاء: هو الطين السواد «5» الذى يصلح للزراعة وينبت فيه اذا لم يزرع الكلأ الصالح للرّعى «6» ، ويسمّى نباته بصعيد مصر:
الكتّيح «7» ، وهو نبات تستغنى به الخيل والدوابّ والماشية عن البرسيم «8» . وأما المزروع:
(8/247)

فهو ما عادته أن يزرع فى كلّ سنة. وأما الخرس: فهو الأرض التى تنبت فيها الحلفاء «1» ، فلا تزرع إلا بعد قلعها منها وتنظيفها، وقطيعته «2» دون قطيعة النّقاء.
وأما الغالب: فهو ما غلبت على أرضه الحلفاء وتكاثفت فلا تقلع إلّا بكلفة، وقطيعته دون قطيعة الخرس، وقلّما يزرع، وأكثر ما يكون الخرس والغالب ببلاد الصعيد الأعلى «3» لسعتها، وكثرة أرضها، وتعطيلها من الزراعة سنة بعد أخرى. وأما المستبحر: فهو أراضى الخلجان المشتغلة التى تستمرّ المياه فيها إلى أن يفوت زمن الزراعة، فمنها ما يبوّر، ومنها ما يزرع مقاثئ «4» ، وقطيعته متوسّطة، وتكون غالبا بالدراهم دون الغلّة. وعندهم أيضا الترطيب «5» : وهو الذى تخلّلت المياه باطن أرضه شبه النّزّ «6» ولم تعلها، ولا تصلح لغير المقاثئ؛ فاذا رفع الى المباشر قانون الرّى أشهد فيه على رافعيه «7» بأن الأمر على ما تضمّنه؛ ثم ينظر المباشر إلى سنة يكون نيلها نظير نيل تلك السنة، ويبرز الكشوف، ويحضّر البلد «8» البلد على الفلّاحين القراريّة نظير ما حضّروه فى السنة الموافق نيلها لنيل تلك السنة الحاضرة «9» ، ويشهد على كلّ مزارع بما يسجّله من
(8/248)

أراضى كلّ قبالة «1» وقطيعتها المستقرّة، ويعيّن منها ما هو بحقوق وما هو بغير حقوق، والحقوق: دراهم يقوم بها المزارع عن كلّ فدّان غير الغلّة، وتكون من أربعة دراهم إلى درهمين، والغلّة بحسب قطيعة الأرض وعادتها، وأكثر ما عرف من الخراج عن كلّ فدّان- وهو أربعمائة قصبة بالقصبة الحاكميّة «2» ، والقصبة ستة أذرع وثلثا ذراع بذراع القماش- ثلاثة «3» أردابّ، وهذه الأرض جزيرة بالأقصر من أعمال قوص، وأقلّ ما علمناه من القطيعة عن كل فدان سدس إردبّ، وهى فى الأراضى التى غلبت عليها الأخراس وقلّ الانتفاع بها، فهى تسجّل بهذه القطيعة عليها، وتنصلح فى المستقبل؛ وأما الأراضى التى تسجّل بالدراهم فأكثر ما علمناه بأراضى الجيزيّة «4» قبالة فسطاط مصر عن كلّ فدّان مائتان وخمسون درهما، وهو كثير فى أراضيها وسجّل فى بعض السنين ثلاثة أفدنة بألف درهم، ولم تستقرّ هذه القطيعة، وهذه الأراضى تزرع غالبا كتّانا؛ فاذا تكامل تحضير «5» البلد على المزارعين القراريّة والطّوارئ نظم المباشر أوراقا بجملة ما اشتمل عليه التحضير، مفصّلة بالأسماء والقبائل «6» والجزائر
(8/249)

والجروف، وتكتب عليها الشهود الذين حضّر «1» البلد بحضورهم، ثم يصرف لكلّ مزارع ما جرت العادة به من التّقاوى «2» بحسب ما يسجّله، ويكون ما يصرفه من التقاوى من أطيب الغلال وأفضلها وأنصعها، ثم يبسط جريدة على أوراق السجلّات يشرح فيها اسم كلّ فلّاح وما يسجّله من الفدن «3» ، ويفصّل ذلك بقبائله وجهاته وقطائعه؛ فاذا نبت الزرع واستوى على سوقه ندب عند ذلك من يباشر مساحة الأراضى:
من شادّ وعدول ذوى خبرة بعلم المساحة، وكاتب عارف خبير أمين، وقصّابين:
وهم الذين يقيسون الأراضى بالأحكام «4» الحاكميّة المحرّرة؛ فيمسحون الأراضى المزروعة بأسماء أربابها وقبائلها، ويعيّنون أصناف المزروعات بها، ويكون مباشر والمساحة قد بسطوا أيضا سجلّات التحضير، فإذا تكاملت المساحة نظم مباشروها أوراقا يسمّونها:
المكلّفة، يترجم صدرها بما مثاله مكلّفة تأريج «5» : هو الأوراق التى يبسطها مباشر المساحة بما فى السّجلّات ويختمها «6» بما انتهت اليه المساحة. والفنداق: هو عبارة عن التعليق، وهو الذى تكتب فيه المساحات حال قياسها. فإذا انتهت ترجمة صدر المكلّفة عقد
(8/250)

جملة فدنها «1» فى صدرها وفصّلها بأصناف المزروعات وأسماء المزارعين، فإن طابقت المساحة السّجلّات من غير زيادة ولا نقص قال: وذلك بمقتضى السّجلّات، وإن تميّزت قال: ما تضمّنته السّجلّات كذا، زائد المساحة كذا، وان نقصت ذكر ما صحّ بمقتضى مساحته، وكمّله بالقلم تتمّة «2» ؛ وإن نقص مزارع عن سجلّه فى قبالة وزاد على سجلّه فى قبالة أخرى كمّل عليه «3» ما نقص بمقتضى سجلّه، وأورد ما زاد فى القبالة الأخرى زيادة، ولا ينقل الزائد إلى الناقص، ويلزمه المباشر بالقيام بخراج ما نقص من تلك القبالة وما زاد فى الأخرى؛ هذا مصطلحهم، وليس هو منافيا للشرع، إلا أنّنى أرى فى هذا النقص تفصيلا هو طريق العدل والحقّ، وهو إن كان النقص مع وجود أرض بائرة «4» بتلك القبالة لزمه القيام بخراج النقص، لأنه عطّلها مع قدرته على الانتفاع بها وزراعتها؛ ويسلّم إليه من الأراضى البائرة التى شملها الرّىّ بتلك القبالة نظير ما نقص عنده لينتفع بما لعلّه نبت فى تلك الأرض من الكلإ؛ وإن كان النقص مع تغليق «5» أرض تلك القبالة بالزراعة فلا شىء عليه لأنه لم يتسلّم ما بسجلّه، ويعتدّ له بما لعلّه زاد على تسجيل غيره بتلك القبالة، فإنه يعلم بالضرورة القطعيّة أن الذى زرع بها أكثر مما بسجلّه أخذ من جملة سجلّ غيره؛ وإن صحّت تلك القبالة فى «6» جميع المزارعين بمقتضى سجلّاتهم بغير زيادة، ونقص عند واحد بعينه
(8/251)

جميع ما اشتملت عليه المساحة بها، فإن وافق جملة قانونها تعيّن أن الخلل إنما جاء من قبل المباشر، لأنه سجّل فى قبالة أكثر من قانونها، فلا يلزم المزارع بالنقص؛ هذا هو العدل والإنصاف، فمن خرج عنه فقد ظلم وحاف؛ فاذا تكمّلت تكملة المساحة وضع المباشر زائد مساحة كلّ اسم تحت اسمه، وضمّه إلى سجلّه، ورفع «1» الجملة بالعين والغلّة، وأضاف [إلى «2» ] كلّ اسم ما لعلّه قد تسلّمه من تقاو وقروض، وما عليه من عشر ووفر ورسوم، وما لعلّه انساق من الباقى الى آخر السنة الماضية إن كان؛ وهم «3» يضيفون عشر التقاوى، وهو حرام لا شبهة «4» فى أخذه، وهو الرّبا بعينه، فإنه يقرض الرجل عشرة فيأخذها أحد عشر؛ ويضيفون أيضا فى بعض البلاد عشر العشر فيقبض كلّ مائة إزدب مائة إدربّ واحد عشر إردبا؛ وإنما اشتدّت هذه المظالم وأحدثت من قبل أرباب البذول «5» الذين يقترفون «6» المظالم ولا يجدون من يردعهم ويردّهم عنها فتستمرّ، وهى من السنن السيئة التى عليهم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.
(8/252)

ثم يعقد المباشر على جميع ذلك جملة ويشطبها «1» بما يستخرجه منه ويحصّله، والذى تنعقد عليه الجملة هو ما تعيّن عليه للديوان أنجب زرعه أو لم ينجب؛ ومهما استخرجه منه وحصّله وأحال به كتب به وصولا؛ فإذا غلّق «2» كلّ اسم ما عليه أجاز عليه إشارة التغليق، وإن بقى عليه شىء ممّا تعيّن عليه طرده للباقى؛ هذا حكم الأرض التى تسجّل بالغلّة؛ وأما ما يسجّل بالنقد فإنه تتساوى عليه ثلاثة أقساط أو قسطان: قسط من ثمن البرسيم الأخضر عند إدراكه وبيعه لربيع الخيل، وقسط من الكتّان عند قلعه إن كان، وقسط عند إدراك المغلّ والمقاثئ، ومنهم من يسجّل بالنقد الحاضر جملة واحدة فى وقت السجلّ؛ هذا حكم خراج الزراعة.
وأما الخراج الراتب،
فهو لا يكون إلا بالنقد عينا «3» أو فضّة؛ وهو خراج السواقى والبساتين والنّخيل؛ وذلك أن أربابه يقاطعون «4» الديوان على فدن «5» معيّنة بمبلغ معيّن عن كلّ فدان فى كلّ سنة يقومون به فى أوقات معلومة، رويت الأرض أو شرّقت «6» ؛ وهم يحفرون فى تلك الأراضى آبارا بقدر ما يعلمون أن المياه التى تطلع منها تروى تلك الأراضى، ويركّبون على أفواه الآبار السواقى
(8/253)

المتّخذة من أخشاب السنط وما ناسبه، المشهورة بالخرير «1» التى تعين على رفع الماء ويسمّونها بديار مصر: المحال «2» ، وبحماة: النواعير، إلا أن النواعير تدور بالماء، وهذه تدور بالأبقار؛ ويزرعون عليها بتلك الأراضى ما أحبّوه واختاروه من أصناف المزروعات والغروس لا يطالبون عليها بغير الخراج المقرّر، إلا أن ينصبوا «3» القصب فلا يقتصر منهم عند ذلك على الخراج، بل للديوان على الأقصاب مقرّر يستأديه عن كلّ فدّان؛ ويستأدى خراج الراتب على أقساط فى زمن الثمار والأعناب والفواكه وعند ضرب الوسمة «4» - وهى النّيل الذى يصبغ به اللون الأزرق- وخراج الراتب يستأدى ممن هو عليه، زرع أرضه أو عطّلها، وهو لا يبطل بوفاة المقاطع «5» على الأرض، بل ينتقل على ورثته، ويطالبون به أبدا ما تعاقبوا وتناسلوا، ولا يوضع عنهم إلا إن ابتلع البحر الأرض المقاطع عليها بعد أن يعملوا بذلك مشاريح «6» تثبت عند حاكم البلد أن البحر ابتلع «7» تلك الأراضى بكمالها أو بعضها، ولا ينهض مباشر الناحية أو ناظر العمل
(8/254)

بوضعه مع وجود المحضر «1» الثابت «2» ، بل يحضر المقاطع على الأرض أو من انتقلت اليه بالإرث أو الابتياع الى باب السلطان، ويرفع قصّة الى الوزير بصورة الحال، ويوقّع عليها بقلمه أن «3» يوضع عنه من خراج الراتب بقدر ما ابتلعه البحر بمقتضى المحضر، ويستمرّ حكم ما بقى، ويكتب على ظهر قصّته: توقيع شريف سلطانىّ؛ ويثبت بدواوين الباب السلطانىّ، ثم يثبت بديوان العمل الجامع، ثم ينزل فى ديوان البلد التى بها تلك الأرض، وبوضع عند ذلك من الضريبة الديوانية؛ هذا حكم الخراج بالديار المصريّة وقاعدته والعادة فيه.
وأما جهات الخراجىّ بالشام وكيفيّتها وما يعتمد عليه مباشروها
- فإن قانون البلاد الشاميّة مبنىّ على نزول الغيث، ووقوع الأمطار فى إبّانها وأوقات «4» الاحتياج اليها، فمن ذلك المطر المسمّى: الوسمىّ، وهو الذى يقع فى فصل الخريف، وعند وقوع هذا المطر يخدّ «5» شقّ الأراضى المكروبة «6» بالسّكك «7» ، ثم يبذر الحبّ فيها، ويعاد شقّ الأرض عليه ليخفى عن الطير «8» خشية التقاطه، فإذا نزل عليه المطر الثانى
(8/255)

بعد ذلك نبت وبرز إلى وجه الأرض، وهو عند ذلك يسمّى: الأحوى «1» ، ثم لا تزال الأمطار تسقيه والأنواء تغذيه حتى يصير غثاء، ثم يقع عليه بعد ذلك المطر المسمّى بالمطر الفاطم، وهو غالبا يكون فى شهر نيسان، ثم يعقد فيه الحبّ بعد ذلك، وينتهى على عادة الزرع؛ هذا حكم ما يزرع على الوسمىّ.
ومن أراضى الشأم [نواح «2» ] يغبّها «3» الوسمىّ فيزرع سكّانها «4» الحبّ عفيرا، ومعنى ذلك أنهم يزرعون فى الأرض الحبّ قبل إبّان الزرع وينتظرون وقوع الأمطار عليه؛ ومن غريب ما اتّفق فى بعض السنين أنهم أودعوا الحبّ الأرض على عادتهم فلم تسقط عليه الأمطار فى تلك السنة، فاستمرّ فى الأرض إلى العام القابل، وأيس أهل البلاد منه، وزرعوا فى السنة الثانية شطر الأراضى التى كانت كرابا غير مزروعة- فإن عادتهم بسائر بلاد الشأم أن كلّ فلّاح يقسم الأراضى التى بيده شطرين، فيزرع شطرا، ويريح شطرا، ويتعاهده بالحرث لتقرع الشمس باطن الأرض، ثم يزرعه فى القابل ويريح الشطر الذى كان به الزرع؛ هذا دأبهم، خلافا لأراضى الديار المصريّة، فإنها تزرع فى كلّ سنة- فلما وقعت الأمطار نبت الشطران معا، وأقبلت الزراعات فى تلك السنة، فتضاعف المغلّ، وهذا غريب نادر الوقوع.
(8/256)

ومن أراضى الشأم ما يسقى بالمياه السارحة من الأنهار والعيون، وتكون مقاسمة أرضه أوفر من مقاسمة ما يسقى بالأمطار، وقيمة الأملاك بها أرفع «1» وأغلى من تلك، ويكون غالبا فى الأراضى المستفلة «2» ؛ والله تعالى أعلم.
والذى يعتمده مباشر الخراج ببلاد الشأم أنه يبدأ بإلزام رؤساء البلاد بتغليق «3» أراضيها بالزراعة والكراب «4» ؛ ومصطلحهم فى ذلك أن يقولوا: أحمر وأخضر، يعنون بالأحمر: الكراب، وبالأخضر: الزرع شتويّا «5» أو صيفيّا، ويعنون بالشّتوىّ:
القمح والشعير والشّوفان «6» والفول والحمّص والعدس والكرسنّة «7» والجلبّان «8» والبستيلية
(8/257)

وهى التى تسمّى بمصر: البسلّى «1» ، وبالساحل الطرابلسىّ: الحالبة؛ ويعنون بالصيفىّ:
الذّرة والدّخن والسّمسم والأرزّ والحبّة السوداء والكسبرة والمقاثئ «2» والوسمة «3» والقرطم «4» والقطن والقنّب «5» ؛ ويكتب عليهم بذلك مشاريح أنهم لا يبوّرون شيئا من الأراضى ومن بوّر شضيئا منها كان عليه القيام بريع «6» الغامر من «7» نسبة العامر؛ فإذا زرعت الأراضى وبدا صلاح الزرع، وأخذ الفول فى العقد خرج الوكلاء على الزراعة إلى النواحى يحفظون الزراعة من التّطرّق إلى شىء منها، ويلازمونها إلى أن تحصد وتنقل إلى البيادر «8» ؛ فعند ذلك يخرج الأمر بحفظ ما يصل إلى البيادر، ويأخذون فى الدّراس؛ فإذا تكامل وطابت البيادر ولم يبق إلا التّذرية أخرج مذرّيا- ووظيفة المذرّى أنه يلزمهم بتخليص الغلال من الأقصال وتنظيفها؛ فإذا فعلوا ذلك وخلصت الغلال من الأتبان والأقصال وصارت بيادر صافية خرج والى العمل ومباشروه إلى تلك الجهة، وتقدّموا «9» بتوزيع بيادرها على ضريبة الناحية وعادتها فى المقاسمة، مناصفة- وذلك فى أراضى السّقى-، ومثالثة ومرابعة- وهو فى غالب
(8/258)

البلاد-، ومخامسة ومسادسة- وذلك فى المزارع والنواحى الخالية من السكّان التى يزرعها المستكرون «1» -، ومسابعة ومثامنة- وذلك فى النواحى المجاورة لسواحل البحر والمتاخمة لأطراف بلاد العدوّ؛ فإذا فرغ توزيعها أخذ المباشرون ما يخصّ الديوان من التوازيع، ثم يحزر «2» ما لعلّه تأخّر من الغلال فى عرصات البيادر والأقصال وأعقاب التّبّانات والعفائر، ويؤخذ منه ما يخصّ الديوان من «3» نسبة المقاسمة، ويكمّل على الفلّاح على حكم ضريبة ذلك العمل؛ وفى بعض النواحى يكون من المواسطة «4» ، فتفرد لها توزيعه بمفردها، ثم يؤخذ من حاصل الفلّاح بعد الرسوم عشر ما بقى له؛ وهذا غير مطّرد فى جميع البلاد، فإنّ فى جهات الأوقاف والبرّ وما يناسبها لا يؤخذ العشر إلا من النصاب الشرعىّ؛ وفى نواحى الخواصّ والإقطاعات يؤخذ ممّا بقى للفلّاح من كلّ عشرة أجزاء جزءا ممّا قلّ أو كثر بحسابه؛ وفى بعض الأقاليم لا يؤخذ العشر من المزارعين الذّمّيّة؛ وأما النواحى الإقطاعيّة والأملاك التى أعشارها ديوانيّة فمنها ما عليه ضريبة مقرّرة تؤخذ فى كلّ سنة زاد المغلّ أو نقص، ومنها ما يندب له من يقف على النواحى ويحزر «5» ما بها من الغلال ويقدّر العشر عنها، ويكون هذا الحزر والزرع قائم أو حصيد قبل دراسه، ثم يستعاد بعد ذلك من الفلّاحين ما لعلّه
(8/259)

عليهم من التقاوى «1» والقروض، وتكون بمفردها مرصدة لتقاوى، السنة الآتية؛ ثم يعتبر ما يتحصّل من الغلال على اختلاف أصنافها بالكيل المتعامل به فى ذلك الإقليم، وتعمل بذلك مخازيم «2» على العادة مفصّلة بالأسماء وأصل المقاسمة والرسوم والعشر وما لعلّه استعيد من التقاوى والقروض؛ وعند تكامل قسم نواحى كلّ عمل ينظم على المخازيم عمل «3» بالمتحصّل على ما نشرحه إن شاء الله تعالى فى الأوضاع الحسابيّة؛ هذا ما يعتمده فى الغلال.
وأما الخرّوب والزيتون والقطن والسّمّاق «4» والفستق والجوز واللّوز والأرزّ فإنّ الوكلاء تستمرّ على حفظ ذلك إلى أن يصير فى بيادره، ويقسم على حكم الضريبة ويحصّل ويورد على المتحصّل؛ وفى بعض الأعمال الشاميّة نواح مفصولة «5» ومضمّنة «6» على أربابها بشىء معلوم يؤخذ منهم عند إدراك المغلّ من غير توكيل ولا مقاسمة، وهى نظير المتأجرات «7»
(8/260)

بالديار المصريّة؛ ولفظ الفصل «1» بالشأم كلّه كلمة فرنجيّة، واستمرّ استعمالها فى البلاد الساحليّة التى ارتجعت من أيدى الفرنج جريا على عادتهم.
وأما خراج العين فهو مقرّر على البساتين والشجريّات والكروم والمقاثئ ويستخرج على حكم الضريبة عند إدراك كلّ صنف.
ومن أبواب «2» الخراجىّ الخدم التى تقدّم «3» ذكرها، ومقرّر القصب والبريد «4» والبسط، وعشر العرق «5» ، وغير ذلك مما يطول شرحه، الّا أن جميع ما يستخرج من الأراضى منسوب الى الخراج.
ومن أبواب الخراجىّ الأحكار على ما فيها من الاختلاف؛ ومهما استخرجه المباشر وحصّله من ذلك يعتمد فى إيراده نحو ما شرحناه فى الهلالىّ: من إيراده فى تعليق المياومة، وشطبه على الجريدة المبسوطة على أبوابه؛ هذا حكم الهلالىّ والجوالى والخراجىّ؛ والله سبحانه وتعالى أعلم.
(8/261)

وأما ما يشترك فيه الهلالىّ والخراجىّ ويختلف باختلاف أحواله فجهات،
وهى المراعى والمصايد والأحكار؛
أما المراعى
«1» - فالذى يرد منها فى أبواب الهلالىّ ما استقرّ حكمه بجهة، وتقرّر فى كل سنة، وصار ضريبة مقرّرة؛ فمن المباشرين من يقبضه على شهور السنة، ويستخرجه أقساطا، ويورده فى جملة أبواب الهلالىّ؛ والذى يرد منه فى أبواب الخراجىّ هو ما يستخرج من أرباب المواشى فى كلّ سنة عند هبوط نيل مصر ونبات الكلإ، فى مقابلة ما رعته مواشيهم من نبات الأرض، وهو يزيد وينقص بحسب كثرة المواشى وقلّتها؛ وعادتهم فيه أن يندب لمباشرة ذلك مشدّ «2» وشهود وكاتب، ويعدّوا الأغنام وغيرها، ويستخرجوا من أربابها عن كلّ رأس شيئا معلوما بحسب ضريبة تلك الجهة وعادتها؛ وهو على هذا الوجه لا ينبغى إيراده إلا فى أبواب الخراجىّ؛ ومن الكتاب من «3» يورده فى أبواب الهلالىّ، وهو غلط.
وأما المصايد
«4» - فمنها أيضا ما يورد فى أبواب الهلالىّ كالنواحى التى تصاد
(8/262)

بها الأسماك على الدوام، مثل ثغر دمياط والبرلّس «1» وجنادل «2» ثغر أسوان وأشباه ذلك بالديار المصريّة، وبالشأم مثل نهر العاصى «3» وبحيرة طبريّة، وغيرهما من الأنهار والبرك؛ ومنها ما يرد فى أبواب الخراجىّ، وهو ما يصاد من الأسماك عند هبوط نيل مصر ورجوع الماء من المزارع الى بحر النيل؛ والعادة فى ذلك اذا انتهت زيادة النيل وشرع الماء فى مبادئ النقص سكروا «4» أفواه التّرع، وسدّوا أبواب القناطر التى عليها حتى يرجع الماء (ويتكاثف «5» مما يلى المزارع) ثم ينصبون الشّباك، ويصرفون المياه، فيأتى السمك وقد اندفع مع الماء الجارى، فيجد الشباك تحول بينه وبين الانحدار مع الماء، فيجتمع فيها، ثم يخرج منها الى البرّ، فيوضع على نخاخ «6» ويملّح ويودع فى الأمطار، وأكثر ما يكون ذلك فى طول الإصبع ونحوه «7» ؛ وله أسماء: منها البلطىّ «8»
(8/263)

والرّاى «1» والبنّىّ «2» وغير ذلك، وما يؤكل منه طريّا بعد قليه يسمّونه الإبسارية «3» ؛ ومنها ما يكون بقدر الفتر، ويسمّى الشال «4» ، وهو يملّح أيضا «5» ؛ فهذا الذى يتعيّن إيراده فى أقلام الخراجىّ، ومنهم من يورده فى الهلالىّ، ومن الكتاب من يورد المصايد والمراعى قلما مستقلّا بعد الجوالى وقبل الخراجىّ.
وأما الأحكار
- فقد تقدّم الكلام عليها عند ذكرنا للهلالىّ.
وهذه الاختلافات بين الكتّاب هى بحسب آرائهم وعادات النواحى وما استقرّت عليه قواعدها؛ وإنما أوردنا ذلك على سبيل التنبيه عليه، وذكر مصطلح الكتّاب فيه.
وأما أقصاب السكّر ومعاصرها
- فهى «6» تختلف بحسب الأماكن والبقاع والنواحى والديار المصريّة والشأم، وتختلف أيضا فى الديار المصريّة بحسب الأعمال والنواحى والأراضى؛ وقاعدتها الكليّة التى لا تكاد تختلف فى الديار المصريّة أن تختار لها الأراضى الجيّدة الدّمثة «7» التى شملها الرّىّ وعلاها النيل، ويقلع ما بها من الحلفاء وتنظّف؛ ثم تبرش بالمقلقلات- وهى محاريث كبار- ستة وجوه، وتجرّف
(8/264)

حتى تمهّد، ثم تبرش ستة وجوه أخرى وتجرّف- ومعنى البرش الحرث «1» -؛ فإذا صلحت وطابت ونعمت وصارت ترابا ناعما وتساوت بالتجريف تشقّ عند ذلك بالمقلقلات، ويرمى القصب فيها قطعتين: [قطعة «2» ] مثنّاة «3» ، وقطعة مفردة؛ وذلك بعد أن تجعل أحواضا وتفرز لها جداول يصل الماء منها الى تلك الأحواض، ويكون طول كلّ؟؟؟ منها ثلاثة أنابيب كوامل وبعض أنبوبة من أعلى القطعة وبعض أخرى من أسفلها؛ و؟؟؟ برسم النّصب من الأقصاب ما قصرت أنابيبها، وكثرت عيونها؛ فإذا تكامل النّصب أعيد التراب عليه؛ وصورة النصب أن تكون القطعة ملقاة لا قائمة؛ ثم يسقى من حال نصبه فى أوّل فصل الربيع فى كلّ أسبوع مرّة؛ فإذا نبت القصب وصار أوراقا ظاهرة على وجه الأرض نبتت معه الحلفاء والبقلة «4» الحمقاء، فعند ذلك تعزق أرضه- ومعنى العزق أن تنكش الأرض وينظّف ما نبت مع القصب- ويتعاهد «5» بذلك «6» مرّة بعد أخرى إلى أن يغزر القصب ويقوى ويتكاثف، فلا يتمكّن العزّاق من الأرض، فيقال فيه عند ذلك: طرد القصب عزّاقه، وذلك عند بروز الأنبوب منه؛ ومجموع ما يسقى بالقادوس ثمانية وعشرون ماء.
(8/265)

والعادة أن الذى ينصب من الأقصاب على كلّ محال «1» بحرانىّ «2» - أى «3» مجاور للبحر- إذا كان مزاح «4» العلّة «5» بالأبقار «6» الجياد مع قرب أرشية الآبار ثمانية أفدنة؛ ويحتاج إلى ثمانية أرؤس بقرا؛ فإذا»
كانت الآبار بعيدة عن مجرى النيل لا يقوم المحال بأكثر من ستة أفدنة الى أربعة أفدنة؛ فإذا طلع النيل وارتفع سقى القصب عند ذلك ماء الراحة؛ وصفة ذلك أنه يقطع عليه من جانب جسر يكون قد أدير عليه ليقيه من الغرق عند ارتفاع الماء بالزيادة، فيدخل الماء من تلك الثّلمة التى فرضت من الجسر، ويعلو على وجه أرضه نحوا من شبر، فتسدّ «8» عند ذلك، ويمنع الماء من الوصول اليه، ويترك ذلك الماء عليه مقدار ساعتين أو ثلاث الى أن يسخن، ثم يصرف عنه من جانب آخر إلى أن ينضب، ثم يجدّد عيه الماء مرّة أخرى؛ يتعاهد بذلك مرارا فى أيّام متفرّقة بقدر معلوم، ثم يفطم بعد ذلك؛ هذا هو القصب الذى يوفّى حقّه فى أيّام متفرّقه بقدر معلوم، ثم يفطم بعد ذلك؛ هذا هو القصب الذى يوفّى حقّه فى حرثه ونصبه «9» وسقيه وعزقه وغير ذلك؛ فما نقص من ذلك كان المباشر قد أخلّ به إلا النصب على الرّىّ وسقى ماء الراحة فإنه أمر ربّانىّ لا قدرة للمباشر على استجلابه.
(8/266)

ولا غنية للقصب عن القطران قبل أن يحلو، فإنه يمنع السوس من الوصول إليه؛ وصفة ذلك أنهم يجعلون القطران فى قادوس مبخوش «1» من أسفله، ويسدّ ذلك البخش «2» بشىء من الحلفاء، ويعلّق القادوس على جدول الماء، ويمزج القطران بالماء فيقطر من خلال ذلك البخش المسدود، ويمتزج قطره بالماء الذى يصل الى القصب، ويحصل به المقصود.
وإن خشى المباشر على القصب من فساد الفأر أدار حوله حيطانا رقيقة مقلوبة الرأس إلى خارج أرض القصب تسمّى حيطان الفأر، وتصنع من الطين المخلوط بالتبن فتمنع الفأر من الوصول إلى القصب، فإنه إذا تسلّق فى «3» الحائط وانتهى إلى آخرها منعته تلك الحافة المقلوبة وأصابت رأسه فيسقط إلى الأرض.
هذا ما يلزم المباشر الاحتفال به واعتماده فى أمر القصب.
فإذا كان فى أوّل كيهك من شهور القبط كسرت الأقصاب وقشرت، ونقلت إلى المعاصر؛ وإذا كان فى أوان نصب القصب من السنة الثانية حرقت آثار الأقصاب وسقيت وعزقت كما تقدّم، فتنبت أرضها القصب؛ ويسمّونه بمصر:
الحلفة، ويسمّون الأوّل: الرأس؛ وقنود «4» الخلفة فى الغالب أجود من قنود الرأس.
ذكر كيفية الاعتصار والطبخ وتقدير المتحصّل
الذى جرت عليه العادة بالديار المصرية أن الأقصاب إذا نقلت من المكسر إلى المعصرة على ظهور الجمال أو الحمير وضعت فى مكان برسمها يسمّى دار القصب،
(8/267)

بها وترات وحطب ورجال مرصدون لإصلاح القصب بالسكاكين الكبار التى «1» مقدار حديدها ثلثا ذراع، فى عرض سدس ذراع فى سمك إبهام، فينظّفون عيدان القصب، ويقطعون من أعلاه ما ليس فيه حلاوة، ويسمّونه اللّكلوك «2» ، وينظّفون اسفل العود ممّا لعلّه به من عروق وطين؛ ويسمّى هذا الإصلاح التطهير؛ ثم ينقل من تلك الوترات الى وترات أخر مؤبّدة بأعلى حائط عريض مرتفع عن الأرض، أحد جانبى الحائط مما يلى دار القصب، والوجه الآخر إلى بيت آخر يسمّى بيت النّوب «3» ؛ وعلى ذلك الحائط رجال جالسون فى مقاعد أعدّت لهم، وبأيديهم السكاكين التى ينظّف بها القصب، والوترات المؤبّدة أمامهم، فيجمع الرجل منهم عدّة عيدان من القصب، ويضعها على الوترة، ويقطّعها قطعا صغارا فتسقط فى بيت النّوب؛ ثم تنقل من بيت النّوب الى الحجر فى أفراد «4» تسمّى العيارات «5» متساوية المقادير؛ فيوضع ذلك القصب المقطّع تحت الحجر؛ ويدوّر الحجر عليه الأبقار الجياد فيعصره؛ وينزل ما يخرج منه من الماء فى أبخاش «6» فى القاعدة التى تحت الحجر إلى مكان ضنك «7»
(8/268)

معدّ له؛ فإذا انتهى ذلك القصب من العصر تحت الحجر نقل إلى مكان آخر، ثم يجعل فى قفاف متّخذة من الحلفاء مشّبكة الأسافل والجوانب، ويلقى تحت دولاب التّخت «1» ، ويدور الدولاب عليه بالأعواد حتى يأخذ حدّه، ويخرج ما بقى فيه من الماء؛ ويجتمع ما تحصّل من ماء القصب من الحجر والتّخت فى مكان واحد؛ ثم ينقل ذلك الماء فيصفّى من منخل موضوع فى قفص معدّ له، وينزل ما يخرج الى مكان متصل يسمّونه البهو «2» ، له عيار معلوم محرّر؛ فإذا امتلأ من ذلك الماء المصفّى نقل إلى المطبخ، وصفّى تصفية ثانية فى قدر كبيرة يسمّونها الخابية يصبّ فيها بعد التصفية جميع ما كان فى البهو، وهو ستون مطرا «3» من ماء القصب ضريبة كلّ مطر نصف «4» قنطار باللّيثىّ على التحرير- والرطل اللّيثىّ مائتا درهم- فيكون ما فى الخابية ثلاثة آلاف رطل وهو ما كان فى البهو؛ ثم يوقد عليها من خارج المعصرة إلى أن يغلى الماء غليانا كثيرا، وينقص نقصا معلوما، فعند ذلك يبطل الوقيد «5» عنها؛ فإذا سكن غليانها نقل ما فيها من الماء المسلوق فى يقاطين كبار، فى كلّ قرعة منها خشبة منجورة طويلة كالساعد نافذة فى جانبى القرعة، ويصبّ فى أكسية من الصوف
(8/269)

تحتها دنان كبار فيصفّى الماء منها تصفية ثالثة، ويستقرّ فى تلك الدّنان؛ ثم ينقل من الدنان فى دسوت «1» إلى القدور، فيطبخ فيها إلى أن يأخذ حدّه من الطبخ؛ ويحتاج كلّ حجر الى خابية وثمانى قدور لطبخ ما يعتصر تحت الحجر والتّخت؛ ثم ينقل بعد طبخه فى دسوت من النّحاس، لكلّ دست منها قبضتان من الخشب مسمورتان فى أعلاه يقبض الرجل عليهما ليقياه حرارة الدّست؛ ويصبّ ذلك المطبوخ- ويسمّى إذ ذاك المحلب- فى أباليج من الفخّار ضيّقة «2» الأسافل، متسعة الأعالى، مبخوش فى أسفل كلّ أبلوجة منها ثلاثة أبخاش «3» مسدودة بقشّ القصب، وهذه الأباليج موضوعة فى مكان يسمّى بيت الصبّ، فيه مصاطب مبنيّة مستطيلة تشبه المذاود «4» ، ويجعل تحت كلّ أبلوجة من تلك الأباليج قادوس يقطر فيه ما يتخلّص من رقيق ذلك المحلب «5» - وهو العسل القطر- ثم يخدمها الرجال بالكرانيب «6» مرّة بعد أخرى حتى تمتلئ تلك الأباليج، وهى تختلف، فمنها ما يسع أكثر من قنطار، وأقلّ منه؛ فإذا امتلأت وتكاملت خدمتها وأخذت فى الجفاف نقلت من بيت الصبّ الى بيت الدفن «7» ؛ فتعلّق فيه على قواديس يقطر فيها ما بقى من أعسالها.
(8/270)

وأما أوساخ الأقصاب التى تنظّف منها فى دار القصب فإنها تعتصر على انفرادها، وتطبخ بمفردها، وتسمّى الخابية، وهى أردأ من عسل القصب.
ولما يتحصّل من الاعتصار أسماء وعبر «1» : منها الضريبة، ومنها الوضعة «2» ، ومنها اليد؛ فالضريبة عبارة عن ثمانى أياد؛ واليد ملء خابية؛ والخابية ثلاثة آلاف رطل من عصير القصب بالرطل اللّيثىّ كما تقدّم؛ فتكون الضربية أربعة وعشرين ألف رطل من الماء، يجمد منها مع جودة القصب وصلاحه من القند خمسة وعشرون قنطارا إلى خمسة عشر قنطارا، ومن الأعسال اثنا عشر قنطارا إلى ثمانية قناطير؛ ونهاية ما يتحصّل من الفدان القصب ثلاث ضرائب: منها قند وقطر ضريبتان ونصف وعسل خابية نصف ضريبة مقدارها أربعة وعشرون قنطارا بالمصرىّ؛ ومن الأقصاب ما يفسد فلا يجمد طبيخ مائه ولا يصير قندا، فيطبخ عسلا، ويسمّونه المرسل؛ وهذا الذى ذكرناه من الوضع «3» والمتحصّل والتسمية اصطلاح بلاد قوص من الصعيد الأعلى بالديار المصريّة، وهو وإن اختلف فى غيرها من البلاد فلا يبعد من هذا الترتيب.
وأما أقصاب الشأم
- فهى تختلف أوضاعها بحسب البقاع والنواحى والأعمال، فمنها ما هو بالسواحل الطّرابلسيّة والبيروتيّة والعكّاويّة؛ ولهم اصطلاح فى نصب الأقصاب واعتصارها: فمنها ما يعتصر بحجارة الماء، ومنها ما يعتصر بالأبقار، ومنها ما يعتصر بالسّهام «4» ؛ وليس ذكرها وبسط القول فيها من المهمّات التى
(8/271)

تقتضى الانصباب «1» اليها؛ والذى قدّمنا ذكره أيضا من أمر أقصاب مصر هو على الحقيقة فلاحة ودولبة «2» ، وليس هو كتابة، وهو للمباشر زيادة على صناعته، على أنه لا يستغنى عن معرفته والاطلاع عليه.
وعمدة المباشر فى الاعتصار ضبط ما يتحصّل، وحراسته من السارق والخائن والمفرّط؛ ويلزم مباشر الاعتصار أن ينظم فى كلّ يوم وليلة مخزومة»
بما اعتصر وبما تحصّل؛ فإذا انتهى الاعتصار نظم عملا «4» شاملا لجميعه على ما نشرحه فى الأوضاع الحسابيّة.
والقند إذا جفّ وأخذ حدّه من البياض نقل إلى مطابخ السكّر، فيحلّ بالماء وشىء من اللبن الحليب، ويطبخ فيصير منه السكّر البياض «5» والقطارة؛ ويتحصّل من كلّ «6» قنطار من القند ربعه وسدسه سكّرا، وثلثه وربعه قطارة؛ ومنه ما يكرّر ثانيا فيصير فى غاية البياض والنقاء، وقطارته تقارب قطر النبات؛ ومنه أيضا ما يطبخ نباتا؛ وهذه أمور جمليّة يستدلّ منها على المقاصد، والمباشرة تشمل ما لا يمكن إيراده فى كتاب، وتظهر ما لا يكاد ينحصر بخطاب، فلنذكر الأوضاع الحسابيّة.
(8/272)

ذكر أوضاع الحساب وما يسلكه المباشر ويعتمده فيها
أوّل ما يحتاج اليه كلّ مباشر أن يضع له تعليقا ليوميّته،
يذكر فيه تاريخ اليوم والشهر من السنة الهلاليّة، ويذكر فيه جميع ما يتجدّد ويقع فى ذلك اليوم فى ديوانه:
من محضر ومستخرج ومجرى ومبتاع «1» ومباع ومبيع ومصروف، وما يتجدّد من زيادات فى الأجر والضمانات، وعطل، وتقرير أجائر، وترتيب أرباب استحقاقات على جهات، وتنزيل «2» من يستخدمه، وصرّف من يصرفه من أرباب الخدم، وغير ذلك بحيث لا يخلّ بشىء مما وقع له فى مباشرته قلّ أو جلّ؛ وهذا التعليق هو أصل المباشرة، فمن ضبط اليوم انضبط ما بعده «3» ؛ وكلّ المباشرين فى وضعه سواء، يضع الشاهد «4» فيه ما يضعه العامل «5» فإذا كان فى آخر النهار قوبل على مجموعه بين المباشرين، ويساق ما يحتاج إلى سياقته من العين والغلّة والأصناف.
(8/273)

ثم يكتب العامل مخزومة يورد فيها المستخرج والمحضر والمجرى والمصروف «1» ،
ويرفعها على عدّة نسخ بحسب المسترفعين؛ وإن شاحّه «2» المسترفع لزمه أن يوردها فيما أورده فى مياومته من سائر المتجدّدات والأحوال، فيصير بها المسترفع الغائب كالمباشر الحاضر، وتشمل المخزومة خطّ من هو مباشر: من ناظر مباشرة فمن دونه؛ وقد قدّمنا ذكر بسط الجرائد على الأموال والغلال، وكيفيّة خدمتها فى الأصول؛ ونظير ذلك أن يبسط أسماء أرباب الاستحقاقات وأرباب المصاريف تلو أصول الأموال ومضافاتها، ويضع لكلّ اسم ما يستحقّه مشاهرة ومسانهة عينا وغلّة، أو ثمن صنف أو غير ذلك؛ ثم يشطب قبالة كلّ اسم ما قبضه مفصّلا بتواريخه من جهة قبضه، لتسهل عليه بذلك محاسبة كلّ نفر «3» عند الاحتياج الى محاسبته كما شرحناه فى الأصول؛ ولا بدّ لكلّ مباشر من جريدة على هذه الصفة تشتمل على الأصل والخصم؛ والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
(8/274)

ذكر ما ينتج عن التعليق من الحسبانات بعد المخازيم «1»
وهى الختم والتّوالى والأعمال والسياقات التى «2» تلك كلّها شواهد الارتفاع:
فأما الختم
- فتختصّ بجهات العين من سائر الأموال؛ وكيفيّتها أنه إذا مضت على المباشر مدّة لا تتجاوز أحد عشر شهرا فما دون الشهر إلى عشرة أيام- وما دون «3» الشهر لا يقع إلا عند انفصال كاتب فى أثناء الشهر أو اقتراح مقترح- نظم «4» حسابا سمّاه الكتّاب فى مصالحهم: الختمة، يشرح فى صدرها ما مثاله بعد البسملة: ختمة بمبلغ المستخرج والمجرى من أموال الجهات، أو المعاملة الفلانيّة لاستقبال كذا، والى آخر كذا؛ ويذكر أسماء المباشرين فيقول: بولاية فلان، ونظر فلان، ومشارفة فلان، وكتابة فلان؛ ويعقد فى صدرها جملة على ما استخرجه فى تلك المدّة وأجراه من أصول الأموال، يفصّل ذلك بسنيه، ويشرحه بجهاته وأسماء أربابه وتواريخ محضره ومجراه، إلى نهاية ذلك؛ ثم يقول: وأضيف إلى ذلك ما وجبت إضافته؛ يبدأ بالحاصل المساق إلى آخر المدّة التى قبلها، ثم يذكر ما لعلّه استخرجه من الجهات التى ترد فى باب المضاف، وما ورد من أثمان المبيعات والمصالحات والخدم، وما لعلّه اقترضه، وما لعلّه حصّل من المواريث «5» الحشريّة والمجتذبات والتأديبات، وما لعله اعتدّ به لمعاملة أخرى ونقل عليه «6» ، إلى غير ذلك من أبواب
(8/275)

المضاف على اختلافها. مما يطول شرحه لو استقصى؛ ثم يفذلك «1» على الأصل والإضافة؛ وإن صرف نقدا بنقد ذكره بعد الفذلكة، واستقرّ بالجملة بعده وإلّا فالفذلكة بمفردها؛ ثم يخصم تلك الجملة بما لعلّه حمله أو نقله على «2» معاملة أخرى أو صرفه، ويذكر الحمل بتواريخه ورسائله، واسم من حمل على يده، والمنقول كذلك والمصروف بأسماء أربابه وتواريخه، ثم يسوق إلى التحصيل «3» إن انطرد «4» له حاصل وإلّا فيقول فى آخرها: ولم يبق حاصل فنذكره.
وقد اقترح فى بعض الممالك الشاميّة فى بعض السنين على المباشرين أن يضمّنوا ختمهم ما يوردونه فى الأصل من جهات الأصول- كلّ جهة من المستخرج والمجرى- الأصل مختوما والخصم مفصّلا بجهاته؛ مثال ذلك أن يقول فى الأصل:
الجهة الفلانيّة فى التاريخ الفلانىّ كذا [و] كذا درهما؛ ويذكر تحت ذلك التاريخ خصم تلك الجملة؛ وفى الخصم إذا ذكر اسم ربّ استحقاق وما وصل اليه فى كل تاريخ يقول: التاريخ الفلانىّ؛ ويعيّن جهاته؛ ويشطب المسترفع الأصل على الخصم؛ وفى هذا تضييق كثير على المباشر، ولم يستقرّ ذلك، وعادت الأوضاع على ما بيّنّاه؛ هذا مصطلحهم فى الختم؛ والله أعلم.
وأما التوالى
- فهى إذا أطلقت أريد بها توالى الغلال؛ وكيفيتها أنه إذا مضت مدّة على ما قدّمناه فى شرح الختم نظم كاتب الجهة حسابا للغلّة اسمه التالى
(8/276)

يشرح فى صدره بعد البسملة: قال بما انساق حاصلا من الغلال بالجهة الفلانيّة إلى آخر المدّة الفلانيّة، مضافا مخصوما إلى آخر كذا؛ ويذكر أسماء المباشرين على ما تقدّم، ثم يوصل فى صدره ما انساق إلى آخر المدّة التى قبلها من الغلال على اختلافها، ويفسّر «1» الغلال بسنيها، ويضيف اليه ما لعلّه انضاف «2» من متحصّل ومبتاع وقرض وغير ذلك؛ ثم يفذلك عليه، ويذكر بعد الفذلكة ما لعلّه وقع من تبديل صنف بصنف لوجود ذلك الصنف وعدم غيره، إما فيما قبضه أو فيما صرفه، وما لعلّه أبيع «3» وثمّن، وما لعلّه ينقل من كيل إلى كيل؛ ويستقرّ بالجملة بعد ذلك على ثمن ما أبيع وما استقرّ من الغلال بعد التبديل والتنقيل، ويستخرج ثمن البيع بمقتضى ختمة تلك المدّة، وهى شاهده؛ ويخصم بالمحمول والمنقول والمصروف على اختلافه؛ ويفصّل ذلك بتواريخه على ما شرحناه فى الختمة، ويسوق الحاصل من الغلّة إن كان؛ هذا مصطلحهم فى توالى الغلال.
ولهم أيضا توال يسمّونها توالى الارتفاع
- تشتمل على العين والغلّة والأصناف، ولا تعمل إلّا عند اقتراحها؛ وصورتها أن يوصل فى صدر تالى الارتفاع ما انساق آخر الارتفاع الذى قبله من الحاصل والباقى عينا وغلّة؛ ويفصّله بسنيه؛ ثم يضيف اليه ما استحقّ فى تلك السنة أصلا ومضافا، ويخصم بالخصم السائغ المقبول، ويطرده بعد ذلك إلى حاصل وباق.
(8/277)

ولهم أيضا توالى الاعتصار
- وصورتها أن يوصل ما انساق حاصلا آخر [المدّة «1» ] على الاعتصار أو تاليه «2» ، ويضيف ما لعلّه تحصّل من قطر وغيره، ويفذلك عليه، ويكرّر منه ويبيع، ويستقرّ بالجملة، ويخصم، ويسوق إلى الحاصل.
وأما الأعمال
- وهى تختلف-: فمنها أعمال متحصّل الغلال والتقاوى، وأعمال الاعتصار، وأعمال المبيع، وأعمال المبتاع، وأعمال الجوالى، وأعمال الخدم والتأديبات والجنايات «3» .
فأما أعمال الغلال والتقاوى
- فكيفيّتها أن يشرح فى صدر العمل بعد البسملة ما مثاله: عمل بما تحصّل من الغلال بالناحية الفلانيّة لمغلّ سنة كذا وكذا الخراجيّة، المدرك فى شهور سنة كذا وكذا الهلاليّة، مضافا إلى ذلك ما «4» وجبت إضافته، ويوصل فى صدره ما تحصّل من الغلال على اختلافها وأكيالها مفصّلا بأسماء الفلّاحين؛ ويضيف إليه ما لعلّه استعاده من التّقاوى والفروض أو حصّله من رسوم أو غير ذلك؛ ويفذلك عليه؛ فمن الكتّاب من يسوقه بجملته حاصلا، ويخصم بمقتضى التالى؛ ومنهم من يخصم بما حمله وصرفه فى مدّة تحصيله للمغلّ، ويسوق ما بقى إلى الحاصل، ويستغنى بذلك عن تال لتلك المدّة.
وأما عمل الاعتصار
- فصورته أن يترجم فى صدره بعد البسملة بما مثاله: عمل بما تحصّل من اعتصار الأقصاب بالجهة الفلانيّة لاعتصار أفصاب سنة
(8/278)

كذا وكذا الخراجيّة؛ ويقول فى يمنة العمل: عن كذا وكذا فدانا أو منظرة «1» إن كان بالأغوار، أو قسما إن كان بالسواحل؛ ويفصّل الفدن بما فيها رأسا «2» وما فيها خلفة إن كان بمصر، ومقنطرا «3» أو قائما «4» إن كان بالشأم، ويبرز عن يسرته بكميّة ما تحصّل فيقول: من أصناف الحلو كذا وكذا قنطارا، ويفصّل ذلك بالقند والأعسال على اختلافها: من المرسل وانقطر والحر والأسطروس «5» والمردودة؛ والمرسل هو من القصب الذى لا يجمد ولا يصير قندا. والقطر هو ما يتحصّل من قطر أباليج القند. والحرّ هو ما يتحصّل من أطراف الأقصاب، وهذه الأطراف يسمّونها بالشأم: العيكون «6» ، ولا يعتصرونها ألبتّة، بل ترصد للنّصب «7» ، فإنّهم يستغنون
(8/279)

بها عن العيدان «1» ، ومنهم من يسمّى الحرّ المردودة. وأما الأسطروش «2» : فهو ما يعمل من جرادة وجوه الأباليج حال الطبخ، وما يتأخّر على البوارىّ «3» عند خلعه بالشأم.
وأما الخابية «4» فهى ما يتحصّل من الأوساخ والرّيم «5» . والمرسل والحرّ والخابية لا تعرف بالشأم ألبتّة، وإنما يعرفون القطر والأسطروش «6» ؛ ثم يذكر بعد ذلك تفصيل المتحصّل بجهاته إن كان بمصر- يفصّل كلّ ساقية وفدنها وما يحصّل منها من الضرائب- وتفصيل الأقصاب الرأس والخلفة، ويذكر اسم الطبّاخ؛ ثم يبيع من عرض ذلك ويثمّن، ويستقرّ بالجملة، ويحمل ويصرف ويسوق إلى الحاصل.
وأما عمل المبيع
- فصورته أن يقول فى صدره بعد البسملة: [عمل «7» ] بما بيع من الغلال والأصناف بالجهة الفلانيّة لمدّة كذا وكذا؛ ويعقد على الثمن جملة، ثم يفصّلها بأصنافها، يذكر عن يمنة القائمة الصنف، وفى الوسط السعر إن كان سعرا واحدا، وإلّا فيقول مكانه: بأسعار تذكر، وفى اليسرة الثمن، ثم يفصّله بأسماء مبتاعيه؛ فإذا كمّل ذلك أضاف ما انساق له آخر العمل الذى قبله
(8/280)

من أثمان المبيعات؛ ويفصّل ذلك بأسماء من تأخّر عليه منها شىء إن كان؛ ثم يفذلك على الجملة، ويستخرج من عرضه بمقتضى ختم المدّة، ويسوق إلى الباقى دون الحاصل.
وأما عمل المبتاع
- فيقول فى صدره: عمل بالمبتاع بالجهة الفلانيّة من الأصناف التى نذكر لمدّة كذا وكذا؛ ويعقد على ثمن المبتاع جملة يجعلها عن يمنة نصف القائمة، ويبرز بالأصناف المبتاعة إن أمكن، وإلّا فيقول: ما يذكر؛ ويشرح ما ابتاعه صنفا صنفا بتواريخه، وأسماء من ابتاع منهم، وأسعاره، ويضيف إلى جملة الثمن ما لعلّه تأخّر عليه من ثمن ما ابتاعه فى العمل الذى قبله، ويفصّله بأسماء أربابه؛ ويفذلك على ذلك، ويخصم بما صرفه من عرضه بمقتضى ختم المدّة، ويسوق إلى متأخّر أو فائض «1» إن كان قد سلف عليه [شىء «2» ] .
وأما عمل الجوالى
- فيقول فى صدره ما مثاله بعد البسملة: عمل بما وجب من مال الجوالى بالمعاملة «3» الفلانيّة لسنة كذا وكذا الهلاليّة مخصوما مساقا إلى آخر المدّة؛ ويوصل ما كان قد استقرّ من الأنفار «4» على ما تقدّم «5» ؛ ويضيف النوابت والطوارئ «6» بأسمائها ومللها، وما لعلّه انساق باقيا إن كان، وقلّما يكون، ويفذلك
(8/281)

على ذلك؛ ثم يذكر بعد الفذلكة من اهتدى بالإسلام، أو هلك بالموت، أو تسحّب «1» إلى عمل آخر على ما قدّمناه «2» من الاختلاف فى ايراد ذلك فى هذا الموضع، والاستثناء به فى الصدر بالتعدية «3» أو إيراده فى باب المحسوب؛ وكلّ ذلك سائغ فى الوضع؛ ثم يستقرّ بالجملة بعد ذلك، ويستخرج بمقتضى الختم، ويسوق ما لعلّه انساق إلى الباقى؛ وإن عاد اليه متسحّب «4» أو نازح وبيده وصول «5» من مباشر عمل آخر اعتدّ له به، وأورده فى باب المحسوب، وفذلكه على الجملة.
وأما عمل الخدم والجنايات والتأديبات
- فصورته أن يوصل فى صدر العمل بعد الترجمة عليه ما تعيّن من أموال الخدم أو ما تقرّر من الجنايات والتأديبات، يذكر فيه الأسماء والجرائم؛ ويضيف إلى ذلك ما لعلّه انساق قبل تقرير هذا المال آخر العمل الذى قبله؛ ويفذلك عليه؛ ويستخرج من عرضه بمقتضى ختم المدّة، ويعتدّ بما لعلّه رسم بالمسامحة به مما كان قرّر، ويسوق ما ينطرد بعد ذلك إلى الباقى؛ فهذه هى الأعمال.
وأما السياقات
- فهى مختلفة: فمنها «6» سياقة الأسرى والمعتقلين، وسياقة الكراع «7» ، وسياقة العلوفات، وسياقات الأصناف والعدد.
(8/282)

فأما سياقة الأسرى والمعتقلين
- فصورتها أن يوصل فى صدرها عدّة من انساق عنده الى آخر المدّة التى قبلها، ويفصّلها بالمعتقلين وأسمائهم وجرائمهم، والأسرى ومللهم وأجناسهم؛ ويضيف اليها ما لعلّه تجدّد عنده من معتقل أو أسير، ويفذلك عليها، ثم يذكر من أفرج عنه: إما بمقتضى المراسيم «فيذكر تواريخها وأسماء من حضرت على يده، ومن تسلّم المعتقل» وإما بالهداية الى دين الإسلام من الأسرى «فيذكر اسم المهتدى وجنسه، ومن أىّ الملل كان، وتاريخ إسلامه والإفراج عنه، أو من فودى به، أو من تسحّب «1» ، أو من هلك بالموت بعد اعتبار ما يجب اعتباره فى الهالك؛ ويستقرّ بالجملة بعد ذلك؛ واستقرار الجملة هو الحاصل.
وأما سياقة الكراع
«2» - فهى سياقة تشتمل على الخيل والجمال والدوابّ والأبقار والأغنام؛ وصورتها أن يوصل الكاتب ما انساق عنده حاصلا آخر السياقة التى قبلها؛ ويضيف «3» [الى] ذلك ما لعلّه ابتاعه بتواريخه وأسماء من ابتيع منهم، وما لعلّه نتج، وما لعلّه اجتذب؛ ويفذلك على ذلك؛ ثم يذكر بعد ذلك ما باعه من عرض الجملة وما نفق «4» وتنبّل «5» وذكّى «6» ؛ ويستقرّ بالجملة على ما استقرّ من حيوان وجلود وثمن، ويصرف وينقل ما لعلّه صرفه أو نقله، ويسوق الى الحاصل.
(8/283)

ويحتاج المباشر لذلك الى ملاحظة أحوال الأغنام، ومعرفة أوقات نتاجها وما يكون منها توأما، واستقبال النّتاج لينضبط له نتاج النّتاج.
وأما سياقة العلوفات
-[فصورتها «1» ] أن يوصل فى صدرها ما صرفه على الكراع فى المدّة التى نظم لها السّياقة، ثم يفصّل ذلك كلّ صنف من الكراع وعدده فى الزيادة والنقص، وما صرفه على ذلك النوع فى كلّ مدّة، فى اليوم كذا فى المدّة كذا، والزيادة والنقص على حسب الاتفاق، ويراعى فى ذلك ما تضمّنته سياقة الكراع؛ وإن صرف علوفة لطارئ لا يستقرّ عنده ميّزه فى التفصيل من المستقرّ فيقول: المستقرّ كذا والطارئ كذا إضافة إلى هذه السياقة؛ ولا فذلكة، ويتجنّب أن يصرف علوفة عن أيّام نقص «2» الشهور الهلاليّة، وهى ستة أيام فى السنة فإن ذلك من المخرّج اللازم، وكذلك أيّام الربيع.
وأما سياقات الأصناف والزّردخاناه «3» والعدد والآلات والخزائن والبيمارستانات «4»
- فإنه لا يمكن استيعابها لمؤلّف كتاب، وقلّما عملت فيما كثر،
(8/284)

وإنما تعمل فيما قلّ من الأصناف؛ وصفتها إذا أمكن عملها أن يوصل ما عنده من الأصناف مفصّلة، ويضيف إليها ما ابتاعه أو ما وصل اليه، ويفذلك على ذلك ثم يذكر بين الفذلكة واستقرار الجملة ما يرد من الأبواب: من المنتقل «1» والمستهلك وغير ذلك على كثرته؛ وإذا استقصى ما يرد بين الفذلكة واستقرار الجملة زاد على مائة باب لا يعرفها إلا أفاضل الكتّاب ومن له حذق بهذه الصناعة، واختلفت مباشراته وتكررت؛ فاذا ذكر ما وقع عنده استقرّ حينئذ بالجملة على ما قام عليه ميزان عمله؛ ثم يخصم بما يسوغ الخصم به، ويسوق إلى حاصله.
فهذه هى الختم والتّوالى والأعمال والسياقات، وهى شواهد الارتفاع.
وأما الارتفاع
- فهو العمل الجامع الشامل لكلّ عمل؛ وصورة وضعه أن يشرح الكاتب فى صدره بعد البسملة ما مثاله: عمل بما اشتمل عليه ارتفاع المعاملة «2» الفلانيّة لمدّة سنة كاملة، أوّلها المحرّم سنة كذا وكذا، وآخرها سلخ ذى الحجّة منها، ممّا اعتمد فى إيراد ذلك الهلالىّ والجوالى للسنة المذكورة، والخراجىّ والأقصاب لسنة كذا وكذا الخراجيّة، مضافا إلى ذلك ما وجبت إضافته، مفذلكا عليه، وما استقرّت عليه الجملة، مخصوما «3» مساقا إلى حاصل، وما اعتدّ به محسوبا إن كان، وما اشتملت عليه فذلكة الواصل، وما انساق إلى الباقى والموقوف فى المدّة؛ ويذكر أسماء المباشرين كما قدّمناه فى الختمة؛ وإن انفصل أحد من المباشرين
(8/285)

فى أثناء تلك السنة وباشر آخر بعده قال: بمباشرة فلان الى آخر المدّة الفلانيّة وفلان بعده الى آخر المدّة؛ ويقول فى صدره عن يسرة نصف القائمة: ما مبلغه من الذهب كذا، ومن الدراهم كذا، ومن الغلات كذا، ومن الأقصاب كذا، ومن الأصناف كذا، ومن الكراع كذا؛ يفصّل ذلك بسنيه، ثم يأخذ فى تفصيل كلّ مال بجهاته، فيبدأ بمال الهلالىّ، يذكر كلّ جهة، واسم مستأجرها أو ضامنها، واستقبال عقد إجارته أو تقريره، ويوجب عليه فى الشهر وفى السنة، الى أن يستوعب أبواب الهلالىّ، ويشطب فى مسوّدته التى ينظمها لنفسه قبالة كلّ جهة ما استخرجه بمقتضى ختمات المستخرج ليقوم له ميزان كلّ جهة فى الباقى والفائض «1» ؛ ولا يلزمه هذا العمل فى الحساب المرفوع منه؛ فاذا انتهت أبواب الهلالىّ ذكر الجوالى واعتمد فيها كذلك؛ ثم يذكر الخراجىّ، ويفصّله بأقلامه وجهاته مستقصى واضحا جليّا، ويعتمد من الشطب قبالة كلّ جهة ما تقدّم شرحه؛ فاذا تحرّرت له جهات الأصول قال:
وأضيف الى ذلك ما وجبت إضافته؛ ويعقد على المضاف جملة، ويذكر أبوابه يبدأ فيها بالحاصل والباقى المساقين «2» آخر العمل الذى قبله، ويعقد عليهما جملة، ثم يقول: الحاصل كذا، والباقى كذا؛ ويفصّل ما أمكن تفصيله من الحاصل بسنيه ويفصّل الباقى بجهاته وأسماء أربابه وسنيه وأسماء مباشريه إن أمكن، ويشطب فى مسوّدته قبالة كلّ اسم ما لعلّه استخرجه من عرض ما هو عليه كما تقدّم؛ ثم يذكر جهات مضاف السنة الحاضرة، يبدأ بما هو مستقرّ من الأموال التى ترد [فى] جهات المضاف، ويشطب قبالة كلّ اسم ما تقدّم بيانه؛ ثم يذكر بعد ذلك ما لعلّه وصل اليه أو اعتدّ به: من الأموال والغلال على اختلافها، وأثمان المبيعات
(8/286)

والمواريث «1» الحشريّة والمجتذبات والجنايات والتأديبات والقروض والأصناف المبتاعة، يستقصى أبواب المضاف على حسب ما ورد عنده منها فى طول السنة بمقتضى ما ورد فى الشواهد التى ذكرناها بحيث لا يخلّ منها بشىء.
ومن أبواب المضاف ما يضاف بالقلم
- ولا أصل له، بل يكلّمه الكاتب على نفسه فى حسابه لينطرد نظيره الى الباقى، ويقوم به الميزان، وهو نظير التقاوى «2» والقروض؛ وكتّاب الشأم يفعلون ذلك دون كتّاب الديار المصريّة، وهم على الصواب فى إيراده، لأن الكاتب إذا أورد نظير التقاوى والقروض انطرد له الى الباقى نظير ذلك، وصحّ ميزان العمل، فإنه لا يمكن أن ينطرد الى الباقى إلا بإضافة نظيره، فاذا انطرد الى الباقى وجب إيراده [فى] المضاف فى السنة الثانية وما بعدها الى أن يستخرج ويحصّل؛ وكتّاب مصر يقتصرون فى ذلك على أعمال التقاوى والقروض؛ والتحرير ما يورد كتّاب الشأم فى ذلك.
ومن وجوه المضاف الغريبة: المستعاد نظير المعاد،
مثال ذلك أن يكون المباشر أحال ربّ استحقاق على ضامن جهة بمبلغ بمقتضى وصول «3» أجراه
(8/287)

واعتدّ به لضامن تلك الجهة، واعتدّ على ربّ الاستحقاق بمبلغه، وقطع الباقى والمتأخّر بعده، وصدر حسابه بذلك، فأعيد «1» عليه وصوله فى أثناء السنة الثانية فمثل هذا تجب إضافته وإضافة نظيره، فيكون خصم إضافته الأولى المعاد على الضامن، وخصم الثانية الباقى المساق، ويكمّل لربّ الاستحقاق نظير ذلك المبلغ فى محاسبته- على ما يأتى بيانه فى المحاسبات؛ فاذا استوعب ما ورد عنده من أبواب المضاف فذلك على ذلك فيقول: فذلك الأصل وما أضيف اليه؛ ويعقد على الفذلكة جملة، ومعناها أن يضمّ ما عقد عليه الجملة فى صدر الارتفاع الى ما عقد عليه جملة المصاريف، فتشتمل الفذلكة على الجملتين، ويفصّل ذلك عينا وغلّة وأصنافا وكراعا على ما تقدّم، ويفصّل ما هو متميّز بسنيه؛ وما لم يتميّز كالحواصل من العين والكراع وغير ذلك يقول فيه: ما لم يتميّز بسنة؛ ويشرحه؛ ثم يذكر الأبواب التى ترد بين الفذلكة واستقرار الجملة على اختلافها بحسب ما وقع عنده منها، يبدأ بالصرف من نقد إلى نقد، والمبدّل من صنف إلى صنف، والمنتقل من سنة إلى سنة، ومن كيل إلى كيل ومن وزن إلى وزن، ومن عدد إلى وزن، ومن وزن إلى عدد، ومن صفة إلى صفة وما وقع من مبيع ومثمّن ونافق «2» ومستهلك، وغير ذلك؛ وقد جمع بعض فضلاء الكتّاب جميع ذلك واختصره فى لفظتين فقال: هو عبارة عن منقول ومعدوم؛ وإذا نظرت إلى حقيقة هاتين اللفظتين وجدت جميع هذه الأبواب وإن كثرت مندرجة فيها «3» ، كما أن جميع الكلام لا يتعدّى أن يكون اسما أو فعلا أو حرفا؛ فإذا انتهت هذه الأبواب قال: واستقرّت الجملة بعد ذلك على ... ويذكر ما استقرّت عليه الجملة بمقتضى
(8/288)

قيام ميزانه، ويفصّله بسنيه، ثم يقول: استخرج من ذلك وتحصّل ... ويذكر المستخرج بمقتضى الختم، فيشرح ما استقرّت عليه جملة الختمة الأولى، وما اشتملت عليه فذلكتها بعد وضع الحاصل من الجهة «1» الثانية وما بعدها لئلا يتكرّر عليه؛ ويحصّل بمقتضى الأعمال والتّوالى والسّياقات على هذا الحكم؛ ويفصّل المستخرج والمتحصّل بسنيه، ثم يختصم ما استخرجه وحصّله، فيبدأ فى الخصم بالحمل من الأموال، والحمول من الغلال والأصناف، والمساق من الكراع؛ ويتلوه ما لعلّه نقله على «2»
معاملة أخرى مفصّلا بأبوابه ومعقود الجملة على كل باب فيها؛ فإذا تكامل له الخصم فى العين والغلّة والمواشى والأصناف ساق ما تأخّر من جملة ما استخرجه وحصّله إلى حاصل، ويفصّله بالعين والغلّة والصنف وغيره، فيكون ما حمله ونقله وصرفه وساقه إلى الحاصل خصم ما استخرجه وحصّله؛ ثم يذكر بعد سياقة الحاصل ما لعلّه ورد عنده «3» من المحسوب على اختلافه: من عطلة، ويذكر أسبابها، وما لعلّه ثبت من الجوائح الأرضيّة «4» والسمائيّة «5» بمقتضى المحاضر «6» الشرعيّة إذا برزت المراسيم بالحمل على حكمها؛ فيذكر كلّ جهة واسم مستأجرها أو ضامنها، وتاريخ محضر الجائحة، وتاريخ المرسوم بحمل الأمر على حكمه، وجملة المبلغ المتروك بسبب ذلك، وما لعلّه سومح به من البواقى المساقة، وغير ذلك ممّا هو داخل فى باب
(8/289)

المحسوب؛ وسائر المسامحات ترد بعد سياقة الحاصل، وترد فى أماكن نذكرها بعد إن شاء الله تعالى؛ فإذا استوعب الكاتب جملة ما عنده من المحسوب فى بابه قال بعد ذلك: فتلك جملة المستخرج والمتحصّل والمحسوب؛ ويعقد عليه جملة يفصّلها بسنيها وأقلامها؛ ويسمّون هذه الفذلكة فذلكة الواصل؛ وما بقى بعد ذلك مما استقرّت عليه الجملة بعد هذه الفذلكة تعيّنت سياقته إلى الباقى والموقوف، فيطرده باقيا وموقوفا، أو باقيا بغير موقوف، معقود الجملة، مفصّلا بالسنين والجهات والأسماء والمباشرات، ويميّز ما يرجى استخلاصه وتحصيله منه وما لا يرجى؛ وما انعقد عليه الباقى والموقوف واشتملت عليه فذلكة الواصل هو خصم ما استقرّت عليه جملة الارتفاع.
وأما الحواصل المعدومة المساقة بالأقلام
- ولا حقيقة لوجودها، وإنما يوردها الكتّاب حفظا لذكرها، كالحواصل المسروقة والمنهوبة- فإنه إذا رسم بالمسامحة بها فقد اختلفت آراء الكتّاب فى إيرادها على وجوه كثيرة: منها ما يسوغ، ومنها ما لا يجوز فعله، ونحن نذكر أقوالهم وطرقهم فى ذلك، ونوضح ما يجوز منها وما لا يجوز، ونذكر ما ينبغى أن يسلك فيها: فمن الكتّاب من يرى أن ينقل هذا الحاصل بين الفذلكة واستقرار الجملة من الحاصل الى الباقى، ولا يورده فى باب المستخرج، ويطرده إلى الباقى، ويورده فى باب المسموح بعد سياقته الحاصل؛ وهذا لا يجوز، وفى إيراده على هذا الوجه غلط وسوء صناعة، لأن الحاصل لا يجوز نقله إلى الباقى، والباقى أيضا، فلا بدّ أن يكون باسم إنسان أو أناس، فإن ساقه باقيا باسم مباشره فقد أتى بغير الواقع، وعرّض المباشر الى الغرامة، ولا يفيده، إذ «1» مرسوم المسامحة يتضمّن المسامحة بحاصل معدوم، وقد انتقل هذا من تسمية الحاصل إلى الباقى.
(8/290)

ومن الكتّاب من يرى استثناءه من جملة المستخرج، ثم يورده أيضا [فى] باب «1» المسموح؛ وفى هذا أيضا ما فيه من نقله من الحاصل إلى غيره تسمية، فإنه لا عبرة عند ذلك بتسميته ولا بنسبته إلى الباقى والموقوف؛ وإن نقل فلا يجوز، لأن الحواصل لا يجوز نقلها إلى تسمية أخرى ألبتّة؛ فهذه الوجوه لا تجوز فى صناعة الكتابة.
وأما الذى يجوز فى هذا فوجوه «2» : منها أن يكمّله الكاتب فى باب المستخرج من ذلك، ويخصم إلى نهاية المصروف، ويقول قبل سياقة الحاصل: ما نقل رسم بالمسامحة به عن الحاصل المعدوم المساق بالقلم حفظا لذكره، بمقتضى مرسوم «3» تاريخه كذا؛ ويشرح مقاصد المرسوم، وسبب عدم الحاصل، وجملته؛ ويكتفى بذلك عن إيراده فى باب المسموح؛ ويعقد جملة الخصم على الحمل والمصروف «4» والمسموح به.
ومنها أنه إذا ساق الحاصل بعد الحمل والمصروف يقول: من جملة كذا بعد مأمنه ما سومح به عن الحاصل المعدوم والمساق بالقلم؛ ويشرح ما تقدّم، ويبرز بالحاصل بعد ذلك.
ومنها أن يستثنيه عند «5» ذكر المضاف، فيقول عند إضافة الحاصل ما صورته! الحاصل المساق إلى آخر السنة الحاليّة من جملة كذا بعد مأمنه ما عدم فى تاريخ كذا
(8/291)

وورد فى سياقات الحاصل حفظا لذكره، ورسم بالمسامحة به بمقتضى مرسوم شريف تاريخه كذا؛ ويعيّن جملة المسموح به، وهى جملة المعدوم، ويبرز بما بقى، ويستثنيه أيضا من المستخرج عند ما يستشهد بالختم والتّوالى والأعمال.
فهذه صورة نظم الارتفاع وشواهده التى قدّمناها قبله؛ والارتفاع هو جلّ العمل، وقاعدة الكتابة، والجامع لسائر ما يرد فى المعاملة.
وإن انفصل الكاتب أثناء السنة لزمه أن ينظم لما مضى من السنة فى مباشرته حسابا يسمّونه بالشأم الملخّص، وبمصر التالى، وهو نظير الارتفاع فى نظمه، إلا أنه يكون لما دون السنة، والملخّص عند المصريّين هو الارتفاع، ويلزم الكاتب المباشر بعده عمل ملخّص أو تال يتلوه لما بقى من المدّة، ثم يعمل جامعة على الملخّصين أو «1» التاليين، وهما شاهداها «2» ؛ ويستغنى الكاتب فى إيراد المستخرج والمتحصّل والمصروف عن الاستشهاد بالختم والتّوالى والأعمال، ويستشهد بهذين الملخّصين فيقول: ما تضمّنه ملخّص مدة كذا وكذا [كذا «3» ] وما تضمّنه ملخّص مدّة كذا وكذا كذا؛ وقد تكون الملخصات أكثر من اثنين بحسب الاستبدال «4» بالأعمال.
(8/292)

ومما يلزم الكاتب رفعه المحاسبات
- وتختلف:
فمنها محاسبة أرباب النقود الجيشيّة والمكيلات والجامكيّات «1» والجرايات،
وأرباب الوظائف والرواتب والصّلات عما هو مستقرّ مشاهرة أو مسانهة؛ وهذه المحاسبة تنظم من الجريدة المبسوطة على أسمائهم، المشتملة على كمّيّة استحقاقاتهم، المشطوبة بقبوضهم؛ وصورة عملها أن يقول الكاتب: محاسبة لأرباب النقد والمكيل والقرارات «2» والجامكيّات والرواتب والصّلات بالمعاملة الفلانيّة الاستقبال مدّة كذا، والى آخر كذا؛ ويعقد جملة صدرها على ما يستحقّ لهم فى تلك المدّة المعيّنة من عين وغلّة وأصناف، ويضيف الى تلك الجملة ما تأخّر لهم الى آخر المدّة التى قبلها، ويفذلك على ذلك، ويقبضهم ما صرفه لهم بمقتضى ختم المدّة وأعمالها وتواليها، ويعتدّ عليهم بما لعلّه انساق فائضا «3» على من قبض منهم زيادة على استحقاقه فى المدّة التى قبلها، ثم يطرد ما انساق لهم الى متأخّر، وما انساق عليهم الى فائض، ثم يفصّل ذلك بالأسماء، فيضع الاسم ويذكره واستحقاقه فى الشهر وعن المدّة، ويضيف اليه ما لعلّه تأخّر له إن كان، ويفذلك عليه، ويخصم بقبضه، ويسوق إلى متأخّر إن بقى له، أو فائض إن زاد قبضه على استحقاقه؛ ومن كان منهم قد تعجّل قبل تلك المدّة زيادة على استحقاقه استحقّ له ما وجب له فى المدّة، واعتدّ عليه بما انساق فائضا «4» ؛ وما لعلّه صرفه له فى تلك المدّة يسوقه «5» إلى متأخّر أو فائض «6» ، يفعل ذلك فى جميع الأسماء.
(8/293)

وهذه المحاسبة إذا كان الكاتب مستمرّ المباشرة عملها لسنة، وان انفصل قبل استكمال السنة أو اقترحها مقترح عليه لزمه عملها؛ والله أعلم.
ومنها محاسبات أرباب «1» الأجر والاستعمالات «2» ،
ويعتمد الكاتب فيها نظير تلك، إلا أنه لا يستحقّ لكلّ نفر «3» إلّا بمقدار عمله، ويضيف إليه ما لعلّه تأخّر له ويفذلك عليه، ويخصمه بالقبض والاعتداد بالمسلف ان كان؛ وهذه المحاسبة على منوال تلك، إلا أنها تعمل بمفردها.
ومما يلزم الكاتب رفعه ضريبة أصول الأموال ومضافاتها عن كلّ سنة كاملة،
يذكر فيها كلّ جهة من جهات الهلالىّ، واسم مستأجرها أو ضامنها، ومبلغ إجارتها أو تقرير ضمانها مشاهرة ومسانهة، واستقبال العقد، وتاريخ الحجّة المكتتبة به، ويشطب «4» قبالتهاأسماء كفلاء «5» ضامن الجهة؛ ويذكر الجوالى ويفصّلها بالأسماء والملل، ويفصّل الخراجىّ بجهاته وأقلامه، والأحكار بأسماء أربابها؛ وإن كان بتلك المعاملة «6» شىء من نواحى الخاصّ
(8/294)

ذكر كلّ ناحية، واسم رئيسها، وحدودها وعدّة فدنها «1» الرومية «2» والكادية «3» والعاطلة، وأسماء من بها من الفلّاحين القراريّة «4» ، وما يبذره كلّ فدان من الشّتوىّ والصيفىّ، وريعه فى الثلاث سنين المقبلة «5» والمتوسّطة والمجدبة، وشروط المقاسمة، وما على كلّ فدان من الحقوق والرسوم، وما بها من المطلق، وما فيها من جهات العين وما عليها من الخدم «6» والضيافات، وغير ذلك من معالمها بحيث لا يخلّ بشىء من جميع أحوال القرية، بل يوضحها إيضاحا شافيا كافيا حتى يعلم الغائب عنها جليّة أمرها كالحاضر فيها.
فإذا تكامل ذكر جهات الأصل «7» فى هذه الضريبة ذكر جهات المضاف الراتبة كالخدم وما يناسبها، وذكر فى آخرها ما تتعيّن إضافته من المتوفّر من العين والغلّة على اختلاف ضرائبه؛ وهذه القواعد تكون فى ضياع الشأم.
(8/295)

ويلزمه رفع المؤامرات
- وتسمّى ضرائب المستقرّ إطلاقه- وهى تشتمل على أسماء من هو مرتّب على تلك المعاملة: من ربّ نقد ومكيل ومقرّر «1» وصدقة، يذكر اسم كلّ واحد واستحقاقه مشاهرة ومسانهة، ويعقد على ذلك جملة فى صدر المؤامرة مشاهرة ومسانهة؛ فإن كان فى حصن ذكر فى صدر الأوراق عدّة أرباب الاستحقاقات، ثم يفصّلهم بوظائفهم وأسمائهم من الخرجيّة «2» والأقجيّة «3» وغيرهم.
ويلزمه رفع ضريبة ما يستأدى من الحقوق،
يذكر فيها ما يستأديه ضامن كلّ جهة من رسومها وحقوقها، وما لعلّه يستأدى بالدّروب من الخفر «4» ، وغير ذلك من سائر ما يستأدى من حقوق تلك المعاملة، وما لعلّه يقتطع من أرباب النقود والمكيلات وغيرهم من الوفر والمقتطع على اختلاف الضرائب، بحيث لا يخلّ بشىء منها، لتعلم بذلك أحوال تلك الجهة، فلا يمكن للضّمّان أن يستأدوا زيادة على ذلك، لما فيه من تجديد الحوادث على الرعيّة.
(8/296)

ومما يلزمه رفعه فى كلّ سنة تقدير الارتفاع
- وهو الارتفاع بعينه إلا أنه لا يضيف فيه حاصلا ولا باقيا، ولا يفصّل فيه الجوالى بالأسماء، بل يعقد الجملة فى صدره على ما يستحقّ بتلك المعاملة من جهات الأصول والمضاف، ويخصم بالمرتّب عليها عن سنة كاملة، ويسوقه إلى خالص أو فائض «1» ، ليظهر بذلك ميزان تلك الجهة.
هذا ما يلزم المباشر رفعه مشاهرة ومسانهة.
ويلزمه فى كل ثلاث سنين رفع الكشوف الجيشيّة،
يذكر فيها أسماء النواحى العامرة والغامرة، والفدن الكادية «2» والعاطلة وما تقدّم شرحه فى الضريبة: من ذكر البذار والرّيع والشروط والمطلق وغيره؛ ثم يذكر المتحصّل منها فى ثلاث سنين لثلاث مغلّات، يعقد على ذلك جملة، ويفصّله بسنيه وأقلامه، ولا يخلّ بشىء مما بكلّ ناحية من الحقوق الديوانيّة والإقطاعيّة، ويعقد فى صدر الكشف جملة على عدّة النواحى وعدّة الفدن، وجملة جهات العين والغلّة، مفصّلا بالمعاملات «3» ؛ هذه هى الحسابات اللازمة.
وأما المقترحات- فلا يمكن ضبطها، إلّا أنه مهما اقترح مما يكون سائغ الاقتراح ممكن العمل لزم الكاتب عمله.
وحيث انتهينا إلى هذه الغاية فلنذكر أرباب الوظائف.
(8/297)

ذكر أرباب الوظائف وما يلزم كلا منهم مع حضور رفقته ومع غيبتهم وما يسترفعه كل مباشر عند مباشرته وما يلزمه عمله
أما المشدّ «1» أو المتولّى
- فالذى يحتاج إلى استرفاعه عند مباشرته ضرائب أصول الأموال والمرتّب عليها ليعلم حال المعاملة، وما بها من الخالص، أو عليها من الفائض؛ ويسترفع أوراقا بالحاصل والباقى والفائض والمتأخّر «2» ، ليعلم أحوال الناس ومحاسباتهم، ويعلم ممّن يطلب وإلى من يصرف؛ والذى يلزمه عمارة البلاد، واستجلاب من نزح منها، وإقامة السطوة، وإظهار المهابة والحرمة، وتسهيل السّبل، وإقامة الخفراء عليها، وتشييد منار الشرع الشريف، والتسوية بين القوىّ والضعيف؛ ويلزمه استخراج الأموال من سائر جهاتها ووجوهها المستحقّة «3» فى مباشرته، والبواقى التى رفعت إليه بعد تحقيقها بحيث لا ينطرد إلى الباقى الدرهم الفرد؛ ومتى انساق فى مباشرته شىء لزمه؛ ويلزمه تقرير الجنايات «4» والتأديبات على أرباب الجرائم لتنحسم بذلك موادّ المفسدين.
(8/298)

وأما الناظر على ذلك
- فيحتاج عند مباشرته الى استرفاع ضرائب أصول الأموال ومضافاتها، والمستأدى من الحقوق، وضرائب «1» بما استقرّ إطلاقه، وأوراق الحاصل والباقى، وأوراق الفائض والمتأخّر، وتقدير الارتفاع، والكشوف الجيشيّة، ويطالب بمخازيم «2» المياومة لاستقبال مباشرته، والختم والتّوالى عند مضىّ المدّة، والأعمال وسائر الحسبانات المتقدّم ذكرها فى أوقاتها، وما لعلّه يقترحه ممّا يسوغ اقتراحه ويمكن عمله؛ والذى يلزمه الاجتهاد فى عمارة نواحى الخاصّ، وتمييز الجهات ونموّها «3» ، والنظر فى أحوال المعاملات «4» ، وإزاحة أعذارها، وتقرير قواعدها، واختبار من بها من المباشرين، والكشف عن أحوالهم، وكتب «5» كلّ واحد منهم بما يلزمه مباشرة وعملا، ويتصفّح ما يرد عليه من الحسبانات الصادرة عنهم؛ وينظر فيما يتجدّد من أحوال المعاملات «6» وما يطرأ من الحوادث على اختلافها مما لا يحصره ضبط، بل هو بحسب ما يقع؛ وإنما جعلنا هذه الإشارات أنموذجا يستدلّ بها على ما بعدها؛ ويقيّد بخطّه الاستدعاءات والإفراجات والمراسيم والتواقيع وغير ذلك مما جرت به العادة: من الكتابة بالمقابلة والثبوت والتّمحية «7» والاعتماد وغير ذلك.
(8/299)

وأما صاحب الديوان
- فإنه يسترفع ما يسترفعه الناظر من المعالم خاصّة، وليس [له] أن يسترفع الارتفاعات ولا شواهدها؛ فإن استرفعها لزمه من دركها «1» ما يلزم المستوفى؛ وهو يكتب على ما يكتب عليه الناظر، وله زيادة على ذلك:
وهى الترجمة على التذاكر والاستدعاءات، والكتابة على تواقيع المباشرين بأخذ خطوطهم عند استخدامهم، والكتابة على محرّراتهم بالتخليد، والكتابة على تذاكر المخرّج والمردود الصادرة عن مستوفى العمل بأن يجيب المباشرون عنها بما يسوغ قبوله، والكتابة بقبول الجواب عند عوده إن كان سائغا، والكتابة على الحساب الصادر عن المباشرين بتخليده [فى] ديوان الاستيفاء بعد أن يتصفّحه وتظهر له سياقة «2» أوضاعه؛ وكلّ عمل لا يكون له صاحب ديوان قام الناظر بهذه الوظيفة إلّا الكتابة بقبول الحساب.
وأما مقابل الاستيفاء
- وهو بمنزلة الشاهد فى ديوان الأصل- فله أن يسترفع المعالم لنفسه فى كلّ سنة، ويسترفع نتيجة الحسبانات اللازمة التى تصدّر الى الديوان العالى بالباب الشريف، ويضبط «3» مياومة المجلس، ويكتب على ما يكتب عليه المستوفى، ويكتب على الحسبانات الواصلة من جهة المباشرين بتاريخ حضورها إلى الديوان قبل تخليدها [فى] ديوان الاستيفاء، ويسدّ «4» بقلمه تواريخ التذاكر والمراسيم، ويتصفّح ما يصدر عن المستوفى من المخرج والمردود
(8/300)

ويطالب بحمل ما ثبت منه، ويطالب أرباب الخطوط والبذول «1» بما يستحقّ عليهم وينيب شاد «2» الدواوين عنه «3» ، ويكتب فى كلّ يوم بما يطالب به؛ واذا لم يكن للديوان مقابل قام المستوفى بوظيفته.
وأما المستوفى
- فله أن يسترفع سائر الحسبانات اللازمة، وما تدعو إليه حاجته من المقترحات فى المدد الماضية والحاضرة مما يمكن عمله، فاذا صار الحساب إليه مشمولا بخطّ صاحب الديوان بتخليده ومؤرّخا حضوره بخطّ المقابل تصفّحه واستوفى تفاصيله على جمله أصلا وخصما، وشطب ما يحتاج إلى شطبه- كلّ عمل على شواهده- وخرّج وردّ ما يتعيّن تخريجه وردّه، وكتب بذلك مطالعة تعرض على المقابل، فإذا وافقه عليها عرضت على صاحب الديوان وكتب بالإجابة عنها، ثم يطالب المباشر بالإجابة عمّا تجب الإجابة عنه، وإضافة ما تجب إضافته [الى «4» ] حساب المدّة التالية لتلك المدّة، وحمل ما يجب حمله؛ وتكون إضافته فى الحساب منسوبة إلى قلم مستدركه؛ فإن أخّر استيفاء الحسبانات وشطبها وتخريج «5» ما يلوح فيها ومضت عليها مدّة يمكن فيها العمل، كان
(8/301)

ما يتعيّن فيها لازما له إذا عنّت «1» ، وإلا فتلزمه إعادة ما تناوله من الجامكيّة «2» عن تلك المدّة، ويطالب من صدر عنه الحساب بما يلزمه؛ ويتعيّن على المستوفى أنه إذا رفع اليه حساب معاملة تأمّل «3» خطوط المباشرين على عاداتهم، [و] «4» نظر فيه «5» بعد ذلك، فإن تغيّرت عن العادة، فإن كان بزيادة تأكيد فلا بأس، وإن كان بإخلال مثل أن يكتب الشاهد على الحساب بالمقابلة، وعادته أن يكتب: «الأمر على ما شرح» يلزمه الكشف عن موجب ذلك؛ ويلزم المستوفى ضبط مياومة المجلس، وكتابة الكشوف بخطّه والتذاكر ونسخ المحرّرات، وتعيين الجهات لأربابها بعد كتابة الناظر بتعيين الجهة، وعليه نظم جوامع التقدير بعد عمل موازينها وتحريرها وشطبها على التقادير الصادرة عن المباشرين وجوامع الحواصل: من العين والغلال والكراع «6» والأصناف المعدودة والموزونة والمذروعة «7» والسلاح خاناه والعدد والآلات وغير ذلك، يسدّ على ما أمكن سدّه جملة، وما لا يمكن نثره أقلاما يستشهد فيها بما رفع اليه من جهة المباشرين؛ وكذلك يعتمد فى جامعة البواقى، يعقد عليها جملة، ويفصّلها بمعاملاتها وجهاتها وسنيها وأسماء
(8/302)

مباشريها، وما يرجى منها وما لا يرجى بمقتضى أوراق المباشرين؛ وكذلك يعتمد فى جامعة الفائض والمتأخّر وغير ذلك من الجوامع؛ وعليه عمل ما يطلب من الأبواب من المقترحات والمطاولات؛ ويلزمه عمل المقايسات وفوائد المتأخّر، وغير ذلك من لوازم قلم الاستيفاء؛ ويلزمه محاسبات أرباب النّقد والكيل المرتّبين على ما تعيّن بقلم الاستيفاء، فيحاسبهم على استحقاقاتهم، ويعتدّ «1» عليهم بما ثبت مما عيّنه لهم بقلمه؛ ويلزمه التنبيه على خوالص المعاملات وطلبها: حملا «2» الى بيت المال، أو حوالة على ما يعيّنه بقلمه؛ ويلزمه تخريج تفاوت «3» المدد والمحلولات «4» وغير ذلك؛ ويلزمه التفريع «5» بما يصل اليه من الحوطات الجيشيّة لوقته على ما جرت به العادة.
ووظيفة الاستيفاء كبيرة، كثيرة الأعمال، لا تنحصر لوازمها فى كتاب، وانما هى بحسب الوقائع.
فاذا انفصل المستوفى من المباشرة فليس له أن يأخذ ورقة من حسابه الذى استرفعه أو وضعه بقلمه، ويتلقّاه المباشر بعده.
(8/303)

وأما المشارف
- فله أن يسترفع عند مباشرته معالم الجهة ليستعين بها على المباشرة: من ضرائب وتقادير «1» وحاصل وباق وفائض ومتأخّر وغير ذلك؛ وهو مطلوب بتحقيق الحواصل، وله الختم عليها؛ وهو مطلوب بنظم سائر الحسبانات اللازمة والمقترحة إن تسحّب «2» العامل أو مات، ومع وجود العامل إن كان قد التزم عند مباشرته العمل؛ وتلزمه المقابلة مع العامل على الحساب الصادر عنهما، وسياقة التعليق معه، والكتابة على الوصولات «3» والحسبانات؛ وهو مطلوب بجميع ما يطلب به العامل من المخرّج وغيره.
وأما الشاهد
- فيلزمه ضبط تعليق المياومة، والكتابة على الوصولات والحسبانات؛ ومتى فقد العامل والمشارف لزمه رفع الحساب اللازم دون المقترحات؛ ولا بدّ له من جريدة مبسوطة على الأصل والخصم.
وأما العامل
- فقد قدّمنا ذكر ما يحتاج إليه كلّ مباشر من ضبط تعليق المياومة «4» وبسط الجريدة وخدمتها فى الأصل والخصم أوّلا فأوّلا، والتيقّظ لذلك وأنّ من أهمله فقد قصّر فى مباشرته وأخلّ بوظيفته؛ والعامل أحرى بجميع ذلك ممن سواه من سائر المستخدمين، لما هو مطلوب به من نظم الحسبانات وموقعه «5» من
(8/304)

عمل المقترحات والأجوبة عن المخرّج والمردود، وأنه هو الملتزم لذلك «1» دون غيره وأنه لا يلزم من سواه شىء من الأعمال مع وجوده.
وقد ذكرنا تلخيص قواعد هذه الكتابة والمباشرين وأوضاعهم ولوازمهم والأوضاع الحسابيّة وغير ذلك من معالم المباشرات، مجملا غير مفصّل، وبعضا من كلّ، وقليلا من كثير، إذ لو استقصينا ذلك لطال ولتعذّر لاختلاف المباشرات والوقائع والأوضاع والآراء؛ ولقد حصل الاجتماع لجماعة من مشايخ أهل هذه الصناعة ممّن اتّخذها حرفة من مبادئ عمره إلى أن طعن فى سنّه، وما منهم إلا من يخبر أنه يستجدّ «2» له فى كلّ وقت من أحوال المباشرات ما لم يسمع به قبل، ولا طرأ «3» له فيما سلف من عمره؛ فكيف يمكن حصر ما هو بهذه السبيل؟! وفيما نبّهنا عليه مقنع لطالب هذه الصناعة، والعمدة فيها على الدّربة والمباشرة، وقد قيل:
ولا بدّ من شيخ يريك شخوصها ... وإلّا فنصّ العلم عندك «4» ضائع
كمل الجزء الثامن من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويرى- رحمه الله تعالى- ويليه الجزء التاسع وأوّله:
ذكر كتابة الحكم والشروط
(8/305)

استدراك راجعنا هذا الجزء بعد طبعه فبدت لنا فى تفسير بعض ألفاظه معان أخرى نرجّحها على ما كتبناه أوّلا فى حواشيه فرأينا أن نستدركها فى آخره خدمة للعلم وتتميما للفائدة.
ص س 60 9 «بنوء المرزم» وكتبنا على قوله: «المرزم» ما نصه: المرزم: «من أرزم الرعد اذا اشتدّ صوته» اهـ ومع صحة هذا الضبط واحتمال اللفظ لذلك التفسير المتقدّم فإننا نرجّح أن يضبط: «المرزم» بكسر الميم وفتح الزاى، وهو من نجوم المطر قال فى اللسان: «المرزمان، نجمان من نجوم المطر، وقد يفرد» .
193 11 «من ضريبة وموافرة» وكتبنا على قوله: «وموافرة» ما نصه:
«فى الأصل: «وموامرة» بالميم؛ وهو تحريف» اهـ وقد بدا لنا بعد أنّ للفظ «المؤامرة» معنى مصطلحا عليه بين كتاب الدواوين، وتصح إرادته فى هذا الموضع؛ فقد ورد فى مفاتيح العلوم ص 56 طبع أوربا ما نصه: «المؤامرة عمل تجمع فيه الأوامر الخارجة فى مدّة أيام الطمع، ويوقّع السلطان فى آخره بإجازة ذلك؛ وقد تعمل المؤامرة فى كل ديوان تجمع ما يحتاج اليه من استثمار واستدعاء توقيع» اهـ وانظر صفحة 296 من هذا الجزء.
202 5 «والبذول» ؛ وكتبنا على هذه الكلمة ما نصه: «كذا فى الأصل؛ ولم نجد من معانى هذه الكلمة ما يناسب سياق ما هنا» اهـ ويظهر لنا أن البذول فى هذا الموضع جمع بذل؛ والمراد ما يبذله السلطان من الإقطاعات لخواصّه وأجناده؛ وقد نبهنا على هذا المعنى فى الحاشية رقم 1 من صفحة 301، فانظره.
(8/306)

ص س 202 8 «مبقلة» وكتبنا على هذه الكلمة ما نصه: «فى الأصل: «مقبلة» ، وفيه قلب صوابه ما أثبتنا كما يرشد اليه عطف المتوسطة والمجدبة عليه الخ» .
ومع جواز ما اخترناه واستقامة الكلام به فقد بدا لنا أنه يصح أن يراد بقوله: «مقبلة» ، السنة التى تقبل بالنبات، أى تجىء به.
وقد ذكرنا هذا المعنى فى الحاشية رقم 5 من صفحة 295، فانظره.
203 1 «ويحتاج الى أن يتعاهد مباشرى المعاملات» ولم نفسّر لفظ المعاملات فى هذا الموضع، وقد فسرناه فى الحاشية رقم 3 من صفحة 281، فانظره.
204 13 كلمة «الزردكشية» وكتبنا عن هذه الكلمة ما نصه: «الزردكشية» هم لابسو الدروع؛ وكش باللغة الفارسية معناه لابس انظر المعجم الفارسى الإنجليزى تأليف ستاين جاس مادة (كشيدن) .
هذا ما كتبناه فى تفسير هذا اللفظ؛ وقد وقفنا بعد ذلك على أنهم يريدون بالزردكاشية: صانعو الزرد والأسلحة انظر صبح الأعشى ج 4 ص 12 ونحن نرجّح هذا المعنى ونؤثره على الأوّل.
229 3 قوله: «فإن تعذر فبالوجه» وكتبنا فى تفسير هذه العبارة ما نصه:
«الظاهر أنه يريد بالوجه هنا: الجاه، أى إن تعذر الكفيل ذو المال والغنى قبلت الكفالة بذى الجاه وإن لم يكن غنيا» اهـ وقد بدا لنا بعد ذلك فى تفسير هذه العبارة معنى آخر نرجّحه على الأوّل، وهو أن الكفالة بالوجه هى أن يضمن الكافل إحضار المكفول بوجهه، أى بذاته، اذا طلب منه أن يحضره؛ فمعنى العبارة إذن أنه إن تعذّر الكفيل بالمال قبلت الكفالة بأن يحضر الكافل شخص المكفول.
(8/307)