Advertisement

نهاية الأرب في فنون الأدب 009

[مقدمة الجزء التاسع]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بيان عن الجزء التاسع
من نهاية الأرب
فى دار الكتب من نسخ هذا الجزء نسخة واحدة كاملة مأخوذة بالتصوير الشمسىّ، وقطعة من نسخة أخرى مأخوذة بالتصوير الشمسىّ أيضا، تبتدئ من (الفنّ الثالث فى الحيوان الصامت) فى صفحة 224، وقد شمل التحريف والتصحيف ألفاظ هذا الجزء فى كلتا النسختين بظلمة كثيفة لا يكاد يبدو فيها الصواب إلا بالتفكير الطويل والبحث المستقصى، فما زلنا نستخرج الصحيح من المعتلّ، ونتعرّف الصواب من الخطإ بما يجاوره ويتصل به من الألفاظ الصحيحة التى لم يمسّها مسخ ولا تحريف، مراعين فى ذلك سياق الكلام وما تقتضيه أساليب الكتّاب والشعراء فى مختلف العصور والبيئات، مستعينين بعد ذلك بالمصادر الكثيرة التى بين أيدينا، من دواوين الشعراء ورسائل الكتّاب وكتب المحاضرات والمنتخبات الأدبية ومصنّفات اللغة وغيرها من علوم العربية، والمعجمات المختصّة بأسماء الرواة وأنسابهم، وما ألّفه العلماء فى الأمكنة والبلاد وضبط أسمائها وتعيين مواقعها، وغير ذلك من أنواع المؤلّفات التى تراها مفصّلة بعد فى بيان الكتب والمصادر التى رجعنا اليها فى تصحيح هذا الجزء، كلّ نوع منها فيما يتعلّق به من أغراضه وأبوابه، غير مكتفين من كلّ كتاب بنسخة واحدة، بل جمعنا ما استطعنا جمعه من نسخه لنتخيّر أصحّها رواية وأقومها لفظا؛ منبّهين فى الحواشى على اختلاف
(مقدمةج 9/1)

هذه النّسخ فى رواياتها وعلى ما نرجّحه منها؛ وعسى أن نكون قد وفّقنا فى هذا الجزء الى ما نقصد إليه فى جميع أجزاء هذا الكتاب من إصلاح المحرّف من ألفاظها، وتكميل ما نقص من عباراتها، وتفسير غريبها، وشرح ما أشكل من جملها وأبياتها، وضبط ما التبس من ألفاظها، وتحقيق ما اشتملت عليه من أسماء الأمكنة والبلاد والقبائل والأشخاص وضبطها على الوجه الصحيح، والتنبيه على كثير مما ورد فيها من الألفاظ والصّيغ والعبارات الدّخيلة والعامّيّة، وغير ذلك من الأغراض.
ومما ينبغى التنبيه عليه فى هذا الموضع أننا لم نضع لفظا مكان لفظ آخر فى الأصل إلا إذا كان التحريف فى لفظ الأصل ظاهرا لا يستقيم به المعنى على وجه من الوجوه، بشرط أن يتقارب اللفظان فى رسم الحروف تقاربا يجعلهما كالمتّفقين، ليكون الظنّ أرجح فى اشتباه اللّفظين على الناسخ، والاحتمال أقرب فى تحريف أحدهما عن الآخر، مؤثرين فى ذلك النقل عن المصادر الموثوق بمؤلّفيها، منبّهين فى الحواشى على ما كان فى الأصل من حروف هذا اللّفظ ووجه اختيار غيره والمصدر الذى أخذناه عنه؛ سواء أكان هذا اللفظ منقولا عن كتاب، أم كان من عندنا؛ فاذا أفاد لفظ الأصل معنى يستقيم به الكلام على وجه من الوجوه ولو كان ضعيفا أبقيناه على حاله لم نغيّر منه حرفا، وإن بدا لنا من الألفاظ ما هو أفضل منه وأقرب إلى السياق أثبتناه فى الحواشى، كما أننا لم نضبط علما من الأعلام المشتمل عليها هذا الجزء إلا إذا ورد بضبطه نصّ صريح لا يحتمل التأويل فيما لدينا من الكتب الموثوق بمؤلّفيها ومصحّحيها، فاذا ورد هذا الاسم فى الكتب مضبوطا بالقلم ولم نجد من النصوص الدالّة على ضبطه ما نطمئن إليه، نبّهنا على ذلك فى الحواشى، فنقول:
«كذا ضبط هذا الاسم بالقلم لا بالعبارة فى كتاب كذا» .
(مقدمةج 9/2)

وإنّ من النعم الكبرى على العلم والأدب التى لا يفى بحقّها شكر، ولا يقوم بحمدها نثر ولا شعر، تلك العناية العظيمة والرعاية الكبرى من مولانا مليك البلاد، وشبل إسماعيل (صاحب الجلالة فؤاد الأوّل) أيّد الله ملكه، وأدام ظلّه، وحرس للبلاد ولىّ عهده (سموّ الأمير فاروق) فقد تمّ فى عهده السعيد طبع كثير من الكتب النافعة فى مختلف الفنون، والكشف عن ثروة علميّة واسعة مما تركه السلف تذكرة للخلف.
ولا يفوتنا فى هذا المقام أن نذكر بالشكر والثناء هذا الجهد العظيم الذى بذله ويبذله المدير الحازم والمربّى الفاضل الأستاذ (محمد أسعد برّادة بك) مدير دار الكتب المصريّة، واهتمامه الصادق باخراج هذه الكتب فى أقرب وقت ممكن على أحسن وجه وأكمله، تحقيقا لما تتوق إليه الأمّة العربيّة جمعاء من إحياء لغتها وآدابها بنشر الكتب الثمينة فى الدين واللغة والأدب والتاريخ، وغيرها من أنواع العلوم.
كما لا يفوتنا أن نثنى الثناء الجميل على حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ (السيد محمد الببلاوى) مراقب إحياء الآداب العربية على ما يسديه الى مصحّحى هذه الكتب من الإرشادات القويمة، والآراء السديدة؛ ونسأل الله سبحانه التسديد فى القول، والتوفيق فى العمل
مصحّحه أحمد الزين
تحريرا بالقاهرة فى يوم الأربعاء 15 محرّم سنة 1352 10 مايو سنة 1933
(مقدمةج 9/3)

فهرس الجزء التاسع
من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويرى
ذكر كتابة الحكم والشروط وما يتّصف به الكاتب ويحتاج اليه 1
أما اشتراط العدالة والديانة والأمانة 2
وأما طلاقة العبارة وذلاقة اللسان 3
وأما حسن الخط 3
وأما معرفة العربية 4
وأما معرفة الفقه 4
وأما علم الحساب والفرائص 5
وأما معرفة صناعة الوراقة 6
ذكر صورة ما اصطلح عليه الكتّاب من أوضاع الوراقة 6
ذكر كيفية ما يصنعه الكاتب فى كلّ واقعة 9
أما الإقرارات وما يتّصل بها من الرهن والضمان 10
وأما الحوالة 17
فصل وأما الشركة 17
وأما القراض 19
(مقدمةج 9/4)

وأما العارية 20
وأما الهبة والنحلة 20
وأما الصدقة والرجوع 22
وأما التمليك 23
وأما البيوع 24
وأما الرد بالعيب والفسخ 73
فى مقايلة تكتب على ظهر المبايعة 73
وأما الشفعة 74
وأما السلم والمقايلة فيه 84
وأما القسمة والمناصفة 85
وأما الأجائر 88
وأما المساقاة 103
وأما الوصايا والشهادة على الكوافل بالقبوض 104
وأما العتق والتدبير وتعليق العتق 110
وأما الكتابة 113
وأما النكاح وما يتعلق به 115
وأما أقرار الزوجين بالزوجية واعتراف الزوج بمبلغ الصداق وما يتصل بذلك من فرض الزوجة والإشهاد عليها بقبض الكسوة 124
وأما الطلاق وما يتصل به من الفروض الواجبة 126
وأما تعليق الطلاق وفسخ النكاح 131
وأما نفى ولد الجارية والإقرار باستيلاد الأمة 134
(مقدمةج 9/5)

وأما الوكالات 135
وأما المحاضر على اختلافها 137
وأما الإسجالات 145
وأما الكتب الحكمية 152
وأما التقاليد الحكمية 155
وأما الأوقاف والتحبيسات 156
المؤتلف والمختلف من أسماء نقلة الحديث 160
المؤتلف والمختلف من نسب رجال الحديث 179
وأما من ينسخ العلوم 214
وأما من ينسخ التاريخ 214
وأما من ينسخ الشعر 217
ذكر كتابة التعليم وما يحتاج من تصدّى لها إلى معرفته- فأما تعليم الابتداء 218
وأما تعليم الانتهاء 220
الفن الثالث فى الحيوان الصامت 224
القسم الأوّل من هذا الفن فى السباع وما يتصل بها من جنسها، وفيه ثلاثة أبواب
الباب الأوّل فى الأسد والببر والنمر
أما أسماء الأسد 226
وأما أصناف الآساد وأجناسها 227
(مقدمةج 9/6)

وأما عاداتها فى حملها ووضعها وحضانتها 228
وأما عادتها فى وثباتها وثباتها وأفعالها وصبرها وسرعة مشيها وأكلها 229
وأما ما فى الآساد من الجراءة والجبن 230
ذكر شىء مما وصف به الأسد نظما ونثرا 234
وأما الببر وما قيل فيه 242
ذكر ما قيل فى النمر 243
ما قاله الشعراء فى وصف النمر 245
الباب الثانى من القسم الأوّل من الفن الثالث فيما قيل فى الفهد والكلب والذئب والضبع والنمس- ذكر ما قيل فى الفهد
ما قيل فى وصف الفهود من النظم والنثر 248
ذكر ما قيل فى الكلاب 254
(فصل) قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ 255
ذكر دلائل النجابة والفراهة فى كلاب الصيد 260
ذكر شىء مما وصفت به كلاب الصيد نظما ونثرا 261
ذكر ما قيل فى الذئب 270
ذكر ما وصف به الذئب 272
ذكر ما قيل فى الضبع 274
ذكر ما قيل فى النمس 276
(مقدمةج 9/7)

الباب الثالث من القسم الأوّل من الفنّ الثالث فيما قيل فى السنجاب والثعلب والدب والهرّ والخنزير
فأما السنجاب ذكر ما وصف به السنجاب 278
ذكر ما قيل فى الثعلب 279
ذكر ما وصف به الثعلب 281
ذكر ما قيل فى الدبّ 282
ذكر ما قيل فى الهرّ 283
ذكر ما وصف به الهرّ 285
ذكر ما قيل فى الخنزير 299
ذكر ما وصف به الخنزير 301
القسم الثانى من الفن الثالث فى الوحوش والظباء وما يتصل بها من جنسها
وفيه ثلاثة أبواب
الباب الأوّل من هذا القسم فيما قيل فى الفيل والكركدّن والزرافة والمها والإيّل
ذكر ما قيل فى الفيل 302
ذكر شىء مما وصف به الفيل نظما 308
ذكر ما قيل فى الكركدّن 315
ذكر ما قيل فى الزرافة 317
(مقدمةج 9/8)

ذكر ما وصفت به الزرافة 318
ذكر ما قيل فى البقر الوحشية- وهى المها، والأيّل- أما سنّها 322
وأما ما قيل فى المها 322
ذكر ما وصفت به المها 322
وأما ما قيل فى الأيّل 324
ذكر ما قيل فى امتناعه عن شرب الماء مع حاجته إليه 325
الباب الثانى من القسم الثانى من الفن الثالث فيما قيل فى الحمر الوحشية والوعل واللمط
ذكر ما قيل فى الحمر الوحشية 326
ذكر ما وصفت به الحمر الوحشية من النثر والنظم 327
ذكر ما قيل فى الوعل 329
ذكر ما وصف به الوعل 330
ذكر ما قيل فى اللمط 331
الباب الثالث من القسم الثانى من الفن الثالث فى الظبى والأرنب والقرد والنعام
ذكر ما قيل فى الظبى 332
فصل وممّا يلتحق بهذا النوع غزال المسك 333
ذكر ما وصف به الغزال من الشعر 333
ذكر ما قيل فى الأرنب 334
منافع الأرنب 335
(مقدمةج 9/9)

ذكر ما وصف به الأرنب 336
ذكر ما قيل فى القرد 336
ذكر ما قيل فى النعام 339
ذكر ما وصفت به النعامة 340
القسم الثالث من الفن الثالث فى الدواب والأنعام؛
وفيه ثلاثة أبواب
الباب الأوّل من هذا القسم فى الخيل
ذكر ما ورد فى ابتداء خلق الخيل 343
ذكر ما ورد فى فضل الخيل وبركتها وفضل الإنفاق عليها 346
ذكر ما جاء فى فضل الطّرق 353
ذكر ما جاء من دعاء الفرس لصاحبه 354
ذكر ما ورد من أن الشيطان لا يخبل من فى داره فرس عتيق ولا يدخل دارا فيها فرس عتيق 355
ذكر ما جاء فى التماس نسل الخيل والنهى عن خصائها والرخصة فيه والنهى عن هلبها وجزّ أعرافها ونواصيها 356
ذكر ما قيل فى أكل لحوم الخيل من الإباحة والكراهة 358
ذكر ما جاء فى النهى عن عسب الفحل وبيع مائه 360
ذكر ما جاء فى إكرام الخيل ومنع إذالتها 360
ذكر ما ورد من الأمر بارتباط الخيل وما يستحبّ من ألوانها وشياتها وذكورها وإناثها 361
(مقدمةج 9/10)

ذكر ترجيح إناث الخيل على فحولها وترجيح فحولها على إناثها وما جاء فى ذلك 365
ذكر ما ورد فى شؤم الفرس وما يذمّ من عصمها ورجلها 366
ذكر ما جاء فى سباق الخيل وما يحلّ منه وما يحرم 368
وأما أسماء السوابق فى الحلبة 373
ومما يتصل بهذا الفصل ترتيب عدو الفرس 375
كيفية تضمير الخيل 375
ذكر ما يقسم لصاحب الفرس من سهام الغنيمة والفرق فى ذلك بين العراب والهجن والبراذين 375
ذكر سقوط الزكاة فى الخيل 378
تمّ الفهرس
(مقدمةج 9/11)

بيان اهمّ الكتب والمصادر التى رجعنا إليها فى تصحيح هذا الجزء مرتبة على حروف المعجم
(إرشاد السارى لشرح صحيح البخارى) لشهاب الدين القسطلّانى.
(الإرشاد الشافى على متن الكافى فى علمى العروض والقوافى) للدمنهورى.
(أساس البلاغة) للزمخشرى.
(أسماء الوحوش) للاصمعى.
(الإصابة فى تمييز الصحابة) لابن حجر العسقلانى.
(الأغانى) لأبى الفرج الأصفهانى.
(أقرب الموارد) لسعيد الخورى الشرتونى اللبنانى.
(الإكمال فى رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والانساب) لابن ماكولا.
(الأنساب) للسمعانى.
(الأموال) لأبى عبيدة.
(بدائع الزهور فى وقائع الدهور) وهو تاريخ مصر لابن إياس.
(تاج العروس) وهو شرح القاموس للزبيدى.
(تاج اللغة وصحاح العربية) للجوهرى.
(تاريخ ابن الأثير) .
(تاريخ الأدب او حياة اللغة العربية) للمرحوم حفنى بك ناصف.
(تاريخ بغداد) للخطيب.
(مقدمةج 9/12)

(تاريخ الطبرى) .
(تبصير المنتبه بتحرير المشتبه) لابن حجر العسقلانى.
(تقريب التهذيب فى أسماء الرجال) له أيضا.
(التبيان) وهو شرح ديوان أبى الطيب المتنبّى، للعكبرىّ.
(تحفة ذوى الأرب فى مشكل الأسماء والنسب) لابن خطيب الدهشة.
(تقويم البلدان) لأبى الفداء.
(تكملة القواميس العربية) لدوزى.
(تهذيب الكمال فى أسماء الرجال) لأبى الحجاج المزّى.
(جواهر العقود ومعين القضاة والموقّعين والشهود) لأبى عبد الله الأسيوطىّ.
(حاشية الصبّان) على شرح الأشمونى.
(الحيوان) للجاحظ.
(حياة الحيوان) للدميرى.
(الخطط) للمقريزى.
(خلاصة تذهيب تهذيب الكمال فى أسماء الرجال) لصفىّ الدين الخزرجىّ.
ديوان أبى نواس.
ديوان ابن حمديس.
ديوان الحيوان، للسيوطى.
ديوان ابن هانئ الأندلسىّ.
ديوان عروة بن الورد.
ديوان الأخطل.
ديوان الأرّجانى.
(مقدمةج 9/13)

ديوان ابن خفاجة.
ديوان ابن المعتزّ.
(ديوان المعانى) لأبى هلال العسكرى.
(الذخيرة فى محاسن أهل الجزيرة) لابن بسام.
(رشحات المداد فيما يتعلّق بالصافنات الجياد) للبخشىّ الحلبىّ.
(شذرات الذهب فى أخبار من ذهب) لابن العماد الحنبلى.
(شرح الأشمونى) على ألفية ابن مالك.
(شرح الرضى) على الكافية.
(شرح ابن هشام) على قصيدة بانت سعاد.
(شرح المنهج) لشيخ الإسلام زكريا الأنصارى.
(شرح مقامات بديع الزمان الهمذانى) للأستاذ المرحوم الشيخ محمد عبده.
(شرفنامه- وهو كتاب باللغة الفارسية فى تاريخ الأكراد) - للأمير شرفخان البدليسى.
(شفاء الغليل فيما فى كلام العرب من الدخيل) لشهاب الدين الخفاجىّ.
(شرح النووى) على صحيح مسلم.
(صبح الأعشى فى صناعة الإنشاء) للقلقشندى.
صحيح البخارى.
(طبقات الشافعية الكبرى) لابن السبكىّ.
(الطبقات الكبرى) لابن سعد.
(عقد الأجياد فى الصافنات الجياد) للسيد محمد الجزائرى الحسنى.
(العقد الفريد) لابن عبد ربه.
(مقدمةج 9/14)

(عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان) لبدر الدين العينى.
(العمدة فى صناعة الشعر ونقده) لابن رشيق القيروانى.
(فتح العزيز وهو الشرح الكبير للرافعىّ على كتاب الوجيز) للغزالى.
(الفتاوى الهندية) لجماعة من أفاضل الهند رئيسهم الشيخ نظام الدين.
(فهرست ابن النديم) .
(فضل الخيل) للحافظ شرف الدين الدمياطى.
(القاموس المحيط) لمجد الدين الفيروزابادى.
(قوانين الدواوين) للأسعد بن مماتى.
(القانون) لابن سينا.
(قلائد العقيان) للفتح بن خاقان.
(كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون) لحاجى خليفة.
(الكوكب المشرق فيما يحتاج اليه الموثّق) لمحمد بن عبد الله الحسن الجروانى.
(الكامل للمبرّد) .
(لب اللباب فى تحرير الأنساب) للجلال السيوطى.
(لسان العرب) لابن منظور.
(المصباح المنير) للفيومى.
(معجم ما استعجم) للبكرى.
(معجم البلدان) لياقوت الحموى.
(المشترك وضعا والمختلف صقعا) له أيضا.
(مختصر أخبار مصر) لعبد اللطيف البغدادى.
(محيط المحيط) لبطرس البستانى.
(مقدمةج 9/15)

(مبادئ اللغة) لأبى عبد الله الخطيب الإسكافى.
(المخصّص) لابن سيده.
(المغرب فى ترتيب المعرب) للمطرّزى.
(المعرّب والدخيل) للشيخ مصطفى المدنى.
(المعرّب من الكلام الأعجمى) لأبى منصور الجواليقى.
(المعجم الفارسى الإنجليزى) لستاينجاس.
(المؤتلف والمختلف من أسماء نقلة الحديث) للحافظ عبد الغنى بن سعيد المصرى.
(مشتبه النسبة) له أيضا.
(المشتبه فى أسماء الرجال) لشمس الدين الذهبىّ.
(المكتبة الأندلسية) طبع أسبانيا، وهى تشتمل على عدّة كتب، وهى (الصلة) لابن بشكوال، (والتكملة لكتاب الصلة) للقضاعى، (والمعجم) لابن الأبار، (وبغية الملتمس فى تاريخ رجال أهل الأندلس) للضبى، (وتاريخ علماء الأندلس) لابن الفرضى.
(المكتبة الجغرافية) طبع ليدن، وهى تشتمل على عدّة كتب، وهى (مسالك الممالك) للإصطخرى، (والمسالك والممالك) لابن حوقل، (وأحسن التقاسيم فى معرفة الأقاليم) للبشّارى المقدسى، (ومختصر كتاب البلدان) لابن الفقيه، (والمسالك والممالك) لابن خرداذبة، (والتنبيه والإشراف) للمسعودىّ.
(ما خالف فيه الإنسان البهيمة) لقطرب.
(المرصّع فى الآباء والأمهات والأبناء والبنات والأدواء والذوات) لابن الأثير.
(مباهج الفكر ومناهج العبر) لجمال الدين الوطواط الورّاق.
(محاضرات الأدباء) للراغب الأصبهانى.
(مقدمةج 9/16)

(مروج الذهب) للمسعودى.
(ما يعوّل عليه فى المضاف والمضاف إليه) للمحبّى الحموى.
(مجمع الأمثال) للميدانى.
(المعجب فى تلخيص أخبار المغرب) لمحيى الدين عبد الواحد التميمى المراكشى.
(مطمح الأنفس ومسرح التأنّس فى ملح أهل الأندلس) للفتح بن خاقان.
(مسند الإمام أحمد) .
(نهاية الأرب) لشهاب الدين النويرىّ.
(النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية وهى سيرة السلطان يوسف صلاح الدين الأيوبى) للقاضى ابن شدّاد.
(نسب عدنان وقحطان) لأبى العباس المبرّد.
(نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب) للمقرّى.
(نكت الهميان فى نكت العميان) لصلاح الدين الصفدى.
(الوافى بالوفيات) له أيضا.
(النهاية فى غريب الحديث) لابن الأثير.
(وفيات الأعيان) لابن خلّكان.
(الوجيز) للغزالى.
(يتيمة الدهر) للثعالبى.
(مقدمةج 9/17)

الجزء التاسع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[تتمة الفن الثاني في الإنسان وما يتعلق به]
[تتمة القسم الخامس في الملك وما يشترط فيه و..]
تتمة باب الرابع عشر في ذكر الكتاب والبلغاء والكتابة و..
تتمة ثم الكتابة بحسب من يحترفون بها على أقسام
ذكر كتابة الحكم والشروط وما يتّصف به الكاتب ويحتاج اليه
ينبغى أن يكون كاتب الحكم والشروط عدلا، ديّنا، أمينا، طلق العبارة فصيح اللسان، حسن الخطّ؛ ويحتاج مع ذلك إلى معرفة علوم وقواعد تعينه على هذه الصناعة، لا بدّ له منها، ولا غنية عنها: وهى أن يكون عارفا العربيّة والفقه متقنا علم الحساب، محرّرا القسم والفرائض، دربا بالوقائع، خبيرا بما يصدر عنه من المكاتبات الشرعيّة، والإسجالات الحكميّة على اختلاف أوضاعها، وأن يكون قد أتقن صناعة الوراقة «1» وعلم قواعدها، وعرف كيفيّة ما يكتب فى كلّ واقعة وحادثة:
من الدّيون على اختلافها، والحوالات، والشّركات، والقراض، والعارية، والهبة والنّحلة، والصدقة والرجوع، والتمليك، والبيوع، والردّ بالعيب والفسخ، والشّفعة والسّلم، والمقايلة «2» ، والقسمة والمناصفة «3» ، والأجائر على اختلافها، والمساقاة، والوصايا
(9/1)

والشهادة على الكوافل بالقبوض «1» ، والعتق، والتدبير، وتعليق العتق، والكتابة «2» ، والنكاح وما يتعلّق به، وإقرار الزّوجين بالزوجيّة عند عدم كتاب الصّداق، واعتراف الزوج بمبلغ الصّداق، والطلاق، وتعليق الطلاق «3» ، وفسخ النكاح، ونفى ولد الجارية والإقرار باستيلاد الأمة، والوكالات، والمحاضر، والإسجالات، والكتب الحكميّة والتقاليد، والأوقاف، وغير ذلك، على ما نوضّحه ونبيّنه ان شاء الله تعالى. فنقول وبالله التوفيق:
أما اشتراط العدالة والديانة والأمانة
- فلأنّه يتصرّف بشهادته فى الأموال والدّماء والفروج، فإذا لم يكن فيه من الدّيانة والعدالة والأمانة ما يستمسك به، ويقف عند أوامر الشرع الشريف ونواهيه بسببه؛ تولّاه- والعياذ بالله تعالى- الشيطان بالغرور، وأوقعه فى محظور يتوقّع فى الدار الآخرة منه وقوع المحذور؛ وربّما انكشفت فى الدّنيا عورته، وبدت سريرته؛ وإذن هو المعنىّ والمشار اليه بقولهم:
«شاهد الزور قتل ثلاثة: نفسه والمشهود له والمشهود عليه» فلم يفز ممّا ارتكبه بطائل، بل جمع لنفسه بين نكال عاجل وعقاب آجل، خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ.
(9/2)

وأما طلاقة «1» العبارة وذلاقة اللسان
- فلأنه يجلس بين يدى الحاكم فى مجلسه العامّ، ويحضره من يحضره: من العلماء والفقهاء، وذوى المناصب، وأصحاب الضرورات، وخصوم المحاكمات على اختلاف طبقاتهم وأديانهم؛ وهو المتصدّى لقراءة ما يحضر فى المجلس: من إسجالات حكميّة، ومكاتيب شرعيّه؛ وكتب مبايعات، ووثائق إقرارات؛ وقصص وفتاوى، وغير ذلك مما يتّفق فى المجلس؛ فمتى لم يكن الكاتب طلق العبارة فصيح اللّسان، جيّد القراءة حسن البيان؛ تعذّرت قراءة ذلك عليه ولكن فى المجلس، فرمقته العيون شزرا، وتلمّظت «2» به الألسن سرّا؛ ونظر بعض القوم بسببه بعضا، وكان عندهم فى الرتبة سماء فغدا أرضا؛ ثم تتعدّى هذه المفسدة الى إفساد المكتوب، والتباس المعنى المراد والأمر المطلوب؛ وذلك لأنّه إذا توقّف فى القراءة احتاج إلى إعادة اللّفظة وتكريرها، وترديد الكلمة وتدويرها؛ فتشكل قراءته على سامعه ومستكتبه، ويكون قد أخلّ برتبته ومنصبه.
وأما حسن الخطّ
- فلأنه مندوب إليه فى مثل ذلك، وله من الفوائد ما لا يحصى، ولأنّ المكتوب إذا كان حسن الخطّ قبلته النفوس، وانشرحت له ومالت إليه؛ وإذا كان على خلاف ذلك كرهته وملته وسئمته؛ وقد ذكرنا ما قيل
(9/3)

فى حسن الخطّ وما وصفت به الكتابة عند ذكرنا لكتابة الإنشاء «1» ، فلا فائدة فى إعادته هنا.
وأما معرفة العربيّة
- فلأنّه إنّما يكتب عن حاكم المسلمين فى الأمور الشرعيّة، فلا يجوز أن يصدر عنه لحن بلفظه، فكيف إذا سطّره بقلمه!؟ فإن وقع ذلك كان من أقبح العيوب وأشنعها، وربّما أخلّ بالمقصود، وحرّف المعنى المراد وأخرجه عن وضعه، ونقله إلى غير ما أريد به، سيّما «2» فى شروط الأوقاف.
وأما معرفة الفقه
- فلأنه يجلس بين يدى حاكم عالم، لا يكاد يخلو مجلسه غالبا من الفقهاء والعلماء، فيوردون المسائل أو تورد عليهم، فيحصل البحث فيها فيتكلّم كلّ من القوم بما علمه بقدر اشتغاله ونقله، فإذا كان الكاتب عاريا من الفقه والمدارسة ومطالعة كتب العلوم الشرعيّة اقتضى ذلك عدم مشاركته لهم فيما هم فيه فيصير بمثابة الأجنبىّ من المجلس، وهو فى ذلك بين أمرين: إمّا أن يسكت، فلا فرق بينه وبين جماد شغلت به تلك البقعة التى جلس فيها؛ أو يتكلّم بما لا يعلم، فيردّ عليه قوله، فيحصل له الخجل فى ذلك المجلس الحفل، ويستزريه القوم؛ هذا من هذا الوجه؛ ثم هو فيما يكتبه عن الحاكم أو فى أصل «3» المكتوب بين أمرين: إمّا أن يجيد ويبرز المكتوب وهو محرّر على مقتضى قواعد الفقه، فلا بدّ له فيه من الاستعانة بالغير وتقليده، بحيث إنه لو سئل عن معنى أجاد فيه وأحسن لعجز عن الجواب؛ وإمّا أن يستقلّ بنفسه فيكتب غير الواجب، فيكون قد أفسد المكتوب على أهله
(9/4)

ولزمه غرم ما أفسد من القراطيس والرّقوق «1» ، وكلتاهما خطّة خسف ما فيهما «2» حظّ لمختار؛ وربّما اغترّ جاهل ممن تلبّس بالكتابة لوثوقه من نفسه بمعرفة مصطلح الوراقة دون الفقه، فيظنّ أنه استغنى بذلك عنه، وهذا غلط وجهل، لأنه قد يقع له من الوقائع ما لم يعلمه، فلا يخلّصه منه إلا تصريفه على القواعد الشرعيّة؛ ولا يعتمد الكاتب على اطّراد قاعدة الأشباه والنظائر، فيقيس الشىء على ما يظنّ أنّه شبهه أو نظيره، وقد لا يكون كذلك، فإنّ الفقه أمر نقلّى لا عقلىّ، فلا بدّ للكاتب من معرفته؛ والله أعلم.
وأما علم الحساب والفرائض
- فلأنه لو وقع فى المجلس قسمة شرعيّة بين ورثة أو شركة «3» ، ولم تكن له معرفة «4» بهذا العلم، كان ذلك عجزا منه وتقصيرا
(9/5)

ونقصا فى صناعته؛ ويقبح به أن يعتمد على غيره فيه ويقلّده، ويرجع اليه فى المجلس الذى هو ممّن يشار اليه فيه، فيصير فى ذلك المجلس تابعا بعد أن كان متبوعا، ومقلّدا لغيره، ومسطّرا بقلمه ما لم يعرفه وما هو أجنبىّ عنه؛ هذا إن اتّفق أن يحضر المجلس من له معرفة بهذا العلم؛ فأمّا إن خلا المجلس ممن يعلم ذلك جملة كان أشدّ لتوقيف «1» الأمر وتعطيله، ودفعه من وقت الى آخر، وفى هذا من النقص والتقصير والإخلال برتبته، وعدم الاتصاف بالكمال فى صناعته، ما لا يخفى على متأمّل.
وأما معرفة صناعة الوراقة فى الأمور التى ذكرناها
- فلذلك من الفوائد ما لا يخفى على ذى لبّ، لأنّ الكاتب إذا أخرج المكتوب من يده بعد إتقانه وتحرير ألفاظه على ما استقرّ عليه الاصطلاح: من التقديم والتأخير ومتابعة الكلام وسياقته، وترصيعه وترصيفه، حسن موقعه، وعذبت ألفاظه، واشرأبّت له النفوس، ولو بلغ الكاتب فى الفقه والعربيّة واللغة ما عساه أن يبلغ ولم يدر المصطلح، وخرج الكتاب من يده وقد حرّره على قواعد الفقه والعربيّة من غير أن يسلك فيه طريق الكتّاب واصطلاحهم، مجّته الأسماع، ولم تقبله النفوس كلّ القبول، وثقل على قارئه وسامعه؛ والله أعلم.
فهذه لمعة كافية من فوائد ما قدّمناه ممّا يحتاج الكاتب الشّروطىّ الى معرفته؛
[ذكر ما اصطلح عليه الكتاب من أوضاع الوراقة]
فلنذكر الآن صورة ما اصطلح عليه الكتّاب من أوضاع الوراقة فى الأمور التى قدّمنا ذكرها على ما استقرّ عليه الحال فى زماننا هذا، ممّا يضطرّ إليه المبتدئ، ولا يكاد يستغنى عنه المنتهى؛ فنقول:
(9/6)

أوّل ما ينبغى أن يبدأ به الكاتب فيما يصدر عنه من جميع المكاتيب الشرعيّة حين ابتدائه بكتابة شىء منها أن يكتب:
(بسم الله الرّحمن الرّحيم) ثمّ يصلّى على النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ يكتب لقب المشهود عليه وكنيته واسمه، ولقب أبيه وجدّه وكنيتيهما واسميهما، إن كانوا ممّن يلقّبون ويكنّون، وإلّا فأسماؤهم كافية؛ وينسب المشهود عليه إلى قبيلته، أو صناعته وحرفته أو مجموع ذلك؛ وذلك بحسب ما تقتضيه رتبته وحاله فى علوّ القدر والرفعة؛ فإن كان من ذوى الأقدار المشهورين ذكر ألقابه وكناه، ونسبه إلى قبيلته وحرفته، إن كانت ممّا تزيده رفعة وتعريفا؛ وإن كان غير مشهور برتبة أو منصب لكنّه ممّن يعرفه الشهود بالحلية والنّسب قال: «وشهود هذا المكتوب به عارفون» واستغنى بذلك عن وصف حليته «1» ؛ وإن كان ممّن عرفه بعضهم ولم يعرفه البعض قال: «وبعض شهوده به عارفون» وذكر حليته؛ وإن كان ممّن لا يعرفه الشهود جملة ذكر حلاه وضبطها على ما نشرحه عند ذكرنا للحلى؛ ثم يذكر المشهود له ويسلك فى ألقابه ونعوته وكناه وتعريفه نحو ما تقدّم فى المشهود عليه بحسب ما تقتضيه حاله أيضا ويذكر بعد ذلك ما اتفقا عليه. فاذا انتهى الى آخر الكلام فيه أرّخ المكتوب باليوم من الشهر، وبما مضى من سنين الهجرة النبويّة؛ ولا بأس بأن يؤرّخه بالساعة من اليوم، لاحتمال تعارض مكتوب آخر فى ذلك اليوم يناقض هذا المكتوب، مثال ذلك أنّ امرأة طلّقت فى يوم قبل دخول الزوج المطلّق بها، فتزوّجت فى يومها، وتمادى الأمر على ذلك، ثم ادّعى مدّع أنها تزوّجت قبل وقوع الطلاق
(9/7)

ولم يكن فى الكتاب ما يمنع دعواه؛ فانه يحتاج فى مثل هذا ونحوه إلى تحديد الطلاق والزواج بالساعات، فإنّ فيه إزالة للشكّ، وحسما لمادّة الالتباس؛ فاذا كملت كتابة المكتوب استوعبه الكاتب قراءة، فإن كان على السّداد والتحرير أشهد فى ذيله عليهما بما اتّفقا عليه، أو على المقرّ بما أقرّ به، وذلك بحسب ما تقتضيه الحال.
وإن احتاج المكتوب إلى إصلاح: من كشط أو ضرب أو إلحاق حرّره، واعتذر فى ذيل المكتوب تلو التاريخ قبل وضع رسم الشهادة عمّا أصلحه فيقول فيه: «مصلح على «1» كشط كذا وكذا، وفيه ضرب ما بين كلمة كذا الى كلمة كذا» إن كان الضرب قد أخفى ما كان تحته؛ وإن كانت الأحرف المضروب عليها ظاهرة قال: «فيه ضرب على كذا وكذا، وفيه ملحق بين سطوره أو بهامشه كذا وكذا» ويشرح ذلك، ثم يقول: «وهو صحيح فى موضعه، معمول به، معتذر عنه بخطّ كاتبه» .
وإن كان المكتوب فى درج «2» موصول بالإلصاق، أو رقّ «3» مخروز الأوصال أشار على فواصل الأوصال بقلمه إشارة له يعرفها وتعرف عنه: إمّا علامته أو اسمه؛ ويكتب فى آخر أسطره عدد أوصال المكتوب، وعدّة أسطره؛ وقد أهمل الكتّاب ذلك فى غالب مكاتيبهم، وهو زيادة حسنة فى التحرير؛ والله أعلم.
(9/8)

وإن كان المكتوب نسخا متعدّدة ككتب الأوقاف كتب عند رسم شهادته فى كلّ نسخة عدد النّسخ؛ والقاعدة عندهم فى هذه الصناعة أنّ الكاتب كلّما زادها عرفانا «1» زادته بيانا؛ فيكون هذا دأبه فى كلّ ما يكتبه أو غالبه؛ والله أعلم بالصواب.
*** ولنذكر كيفيّة ما يصنعه الكاتب فى كلّ واقعة على معنى ما أورده «أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن المخزومىّ «2» ،
المعروف بابن الصّيرفىّ فى مختصره الذى ترجمه «بمختصر المكاتبات البديعة فيما يكتب من أمور الشريعة» الذى قال فيه إنه اختصره من كتابه المترجم «بجامع العقود فى علم المواثيق والعهود» .
(9/9)

أما الإقرارات وما يتصل بها من الرهن والضمان
- فسبيل الكاتب فيها أنّه إذا أقرّ رجل لرجل بدين كتب: أقرّ فلان عند شهوده طوعا إقرارا صحيحا شرعيّا بأن فى ذمته بحقّ صحيح شرعىّ لفلان من الذهب المسكوك «1» ، أو من الدراهم النّقرة «2» المتعامل بها يومئذ كذا وكذا، إن كان نقدا.
وإن كان غلّة «أو صنفا «3» من الأصناف الموزونة أو المعدودة أو غير ذلك» قال: من الغلال الطيّبة النقيّة السالمة من العيوب والغلث «4» ؛ ويعيّن الغلّة، وينسبها الى جهتها فيقول إن كان بالدّيار المصريّة: الصعيديّة، أو البحريّة، أو الفيّوميّة؛ وإن كان بالشأم أو بغيره نسبها الى جهتها فيقول: البلقاويّة «5» ، أو «الحورانيّة» «6» أو السواديّة «7» ، أو الجبليّة «8» ، أو المرجيّة «9» ، أو غير ذلك من النواحى؛ يعيّنها بناحيتها
(9/10)

وبأصنافها، وبأكيالها؛ ويذكر الجملة وينصّفها فيقول: «النصف من ذلك تحقيقا لأصله وتصحيحا لجملته كذا وكذا» ؛ ثم يقول: «يقوم له بذلك على حكم الحلول وسبيله، أو التنجيم» «1» ؛ أو يقول: «على ما يأتى ذكره وبيانه، فمن ذلك ما يقوم به على حكم الحلول كذا، وما يقوم به فى التاريخ الفلانىّ كذا» على حسب ما يقع عليه الاتّفاق؛ ثم يقول: «وأقرّ المقرّ المذكور بأنه ملىء بالدّين المعيّن، قادر عليه وأنّه قبض العوض عنه» ؛ فإن كان ذلك على حكم الحلول اكتفى فيه بالشهادة على المقرّ دون المقرّ له؛ وإن كان لأجل فلا غنية عن الشهادة على المقرّ له بأنّه صدّقه على ذلك فإنه لو ادّعى الحلول فيما وقعت الشهادة فيه على المقرّ بمفرده بأنّه إلى أجل، كان القول قوله مع يمينه؛ «2» وكذلك فى الشهادة بالغلّة أو الصنف، هل ذلك محمول إلى منزل المقرّ له، أو هو موضوع بمكان آخر، فإنّ «3» فى الشهادة عليهما معا قطعا للنزاع والاختلاف؛ والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولا يجوز أن يشهد فى الإقرار إلا على حرّ بالغ عاقل، أو مريض مع حضور حسّه وفهمه، ويجوز أن يكتب على العبد البالغ وتتبع به ذمّته بعد عتقه.
(9/11)

وان كان الدّين المقرّ به ثمن مبيع كتب فى آخر المكتوب: وهذا الدّين هو ثمن ما ابتاعه المقرّ من المقرّ له، وتسلّمه، وهو جميع الشىء الفلانىّ، أو جميع الحصّة التى مبلغها كذا وكذا، الجارى ذلك فى يد البائع وملكه وتصرّفه على ما ذكرا «1» -- ويذكر المبيع ويصفه- وذلك بعد النظر والمعرفة، والمعاقدة الشرعيّة، والتفرّق «2» بالأبدان عن تراض، وضمان الدّرك «3» فى صحّة البيع «4» حيث يجب شرعا. ويؤرّخ المكتوب، ويشهد عليهما معا.
وإن كان الدّين لرجل واحد [أو اثنين «5» أو جماعة] على اثنين أو على جماعة قال:
أقرّ كلّ واحد من فلان وفلان وفلان إقرارا صحيحا شرعيا بأن فى ذمّتهم بحقّ صحيح شرعىّ بالسويّة بينهم أو على مقتضى ما وجب عليهم، لكلّ واحد من فلان وفلان؛ ويعيّن المقرّ به نقدا كان أو صنفا على حكمه فى الحلول والأجل والمدد، ويعيّن لكلّ واحد من المقرّ لهم ما يخصّه، إن كان بينهم تفاوت، أو بالسويّة بينهم؛ ويشهد على من أقرّ بالملاءة «6» وقبض العوض على ما تقدّم.
(9/12)

وإن تضامنوا وتكافلوا قال: وكلّ واحد منهم ضامن فى ذمّته ما فى ذمّة الآخر من ذلك للمقرّ لهم بإذن كلّ واحد منهم للآخر فى الضمان والأداء والرجوع؛ وأقرّوا بأنهم مليئون بما ضمنوه؛ ويؤرّخ.
وإن كان كلّ واحد من المقرّين يقوم بما عليه من الدّين من غير ضمان ولا كفالة لغيره فلا بأس بأن يبرهن الكاتب على ذلك بأن يقول: «من غير ضمان ولا كفالة» .
فصل
وان حضر من يضمن فى الذمّة كتب بعد تمام الإقرار: «وحضر بحضور المقرّ المذكور فلان، وأشهد عليه طوعا منه أنّه ضمن ما فى ذمّة المقرّ المذكور من الدّين المعيّن للمقرّ له على حكمه» .
وإن كان الدّين على حكم الحلول فحضر من يضمنه فى ذمّته إلى أجل، عيّنه فى حقّ الضامن إلى الأجل، وأشهد عليه بالملاءة بما ضمنه؛ فان كان بإذن المضمون قال: «بإذنه له فى الضمان والأداء والرجوع عليه» ، وإن تبرّع الضامن بالضمان صحّ ضمانه، ويقول الكاتب: «إنّه ضمن الدّين المعيّن تبرّعا واختيارا، من غير إذن صادر من المضمون، وليس للضامن أن يرجع على ذمّة المضمون بما يقوم به عنه» .
وإن حضر من يضمن الوجه والبدن دون المال فلا يجوز إلّا بإذن المضمون؛ ومثال ما يكتب فى ذلك أن يقول: وحضر بحضوره فلان، وضمن وكفل إحضار وجه وبدن المقرّ المذكور للمقرّ له المذكور، متى التمس إحضاره منه فى ليل أو نهار، أو فى مدّة معلومة أحضره له؛ وذلك بإذنه له فى ذلك.
وينحلّ هذا الضمان عن الضامن بموت «1» المضمون دون سفره وغيبته؛ والله أعلم.
(9/13)

وإن رهن المقرّ عند المقرّ له رهنا على دينه كتب ما مثاله: وبعد تمام ذلك ولزومه رهن المقرّ المذكور عند المقرّ له توثقة «1» على الدّين المذكور، وعلى كلّ جزء منه ما ذكر أنّه فى يده وملكه وتصرّفه، وهو جميع الشىء الفلانىّ- ويوصف ويحدّد إن كان له حدود- رهنا صحيحا، شرعيّا، مقبوضا، مسلّما ليد «2» المقرّ له من المقرّ الراهن بإذنه له فى ذلك، بعد النّظر والمعرفة، والمعاقدة الشرعيّة، والإيجاب والقبول الشرعيّين، والتسلّم والتّسليم «3» .
فإذا استعار الرهن بعد ذلك كتب ما مثاله: ثمّ بعد ذلك استعار الراهن من المرتهن المذكور الرهن المذكور لينتفع به، مع بقاء حكم الرّهن، استعارة شرعيّة، من غير فسخ شىء من أحكامه، وصار ذلك بيد الراهن المذكور وقبضه وحوزه.
فإن استقرّ الرهن تحت يد المرتهن كتب: واعترف المرتهن بأنّ الرهن المذكور باق تحت يده وحوزه، وعليه إحضاره عند وفاء الدّين؛ ويؤرّخ.
فصل
وإن حضر من أعار المقرّ شيئا ليرهنه على ما فى ذمّته كتب فى ذيل المسطور:
وحضر بحضور المقرّ المذكور فلان، وأشهد عليه طائعا مختارا أنّه أعار المقرّ المذكور جميع الشىء الفلانىّ- ويوصف ويحدّد إن كان له حدود- ليرهن ذلك عند المقرّ له على ما فى ذمّته له من الدّين المعيّن أعلاه؛ ويعيده «4» بسؤاله فى ذلك، عارية
(9/14)

صحيحة شرعيّة مسلّمة مقبوضة، وذلك بعد النظر، والمعاقدة الشرعيّة، والإيجاب والقبول؛ وأذن المعير للمستعير أن يرهن ذلك عند المقرّ له على الدّين المذكور، ويسلّمه له التسليم الشرعىّ، ثم يستعيد ذلك منه ليعيده إلى المعير المالك لينتفع به، مع بقاء عينه على حكم الرهن.
وإن كان المستعير الراهن ينتفع بالرهن كتب: وأن يستعيد المستعير الرهن لينتفع به دون المعير، مع بقائه «1» على حكم الرهن.
وان كان الرهن تحت يد المرتهن كتب: وهذا الرهن المذكور تحت يد المرتهن حفظا لما له، وصيانة لدينه، وعليه أن يعيده عند وفاء الدّين للمستعير ليسلّمه للمعير.
فإن وكّل الراهن وكيلا فى بيع الرهن عند استحقاق الدّين ووفاء ما عليه كتب:
ثمّ بعد تمام ذلك ولزومه وكّل المقرّ المذكور فلان بن فلان فى قبض الرهن المذكور ممّن هو تحت يده برضا المرتهن، وبيعه «2» ممّن يرغب فى ابتياعه بما يراه من الأثمان وقبض الثمن، وتسليم المبيع لمبتاعه؛ وكتب ما يجب اكتتابه، وقضاء ما عليه من الدّين المعيّن فيه للمقرّ له وأخذ الحجّة منه، والإشهاد على المقرّ له بقبض الدّين المذكور منه «3» على «4» المقرّ؛ وكالة صحيحة شرعيّة، قبلها منه قبولا سائغا «5» ، أقامه فى ذلك مقام نفسه، ورضيه «6» واختاره.
(9/15)

وإن أراد المرتهن أن ينزل عن الرهن كتب خلف المسطور: أقرّ فلان وهو المقرّ له بالدّين باطنه، اقرارا صحيحا شرعيّا بأنّه نزل عن رهنيّة العين المعيّنة باطنه، المرتهنة عنده على دينه المعيّن باطنه، نزولا صحيحا شرعيّا، وأبطل حقّه فى وثيقة الرهن المذكور، وسلم الرهن للراهن المذكور وهو على صفته الأولى فتسلّمه منه بغير حادث غيّره عن صفته؛ وذلك بعد النظر والمعرفة، والإحاطة بذلك علما وخبرة.
فصل
اذا أقرّ ربّ الدّين أنّ الدّين المقرّ له به كان من مال غيره كتب: أقرّ فلان وهو المقرّ له باطنه، عند شهوده طوعا إقرارا صحيحا شرعيّا بأنّه لمّا داين فلانا المقرّ المذكور «1» باطنه بالدّين المعيّن باطنه- وهو كذا وكذا- كان ذلك من مال فلان دون ماله، وأنّ اسم المقرّ له باطنه كان على سبيل النيابة والوكالة، وأنّه كان أذن له فى معاملة المقرّ المذكور باطنه بالدّين المذكور على حكمه، ومداينته؛ وصدّقه المقرّ له «2» على ذلك تصديقا شرعيّا؛ وبمقتضى ذلك وجبت له مطالبة المقرّ باطنه بالدّين المعيّن فيه واستخلاص حقّه منه، وقبضه على الوجه الشرعىّ.
فصل
فان أقرّ المقرّ له بأنّ الدّين أو ما بقى منه صار لغيره كتب على ظهر المكتوب:
أقرّ فلان- وهو المقرّ له باطنه- إقرارا صحيحا شرعيّا بأنّ الدّين المعيّن باطنه، أو أنّ الذى بقى من الدّين المعيّن باطنه- وهو كذا وكذا- صار ووجب من وجه صحيح
(9/16)

شرعى لا شبهة فيه لفلان، وصدّقه على ذلك، وقبل منه هذا الاقرار لنفسه قبولا سائغا؛ وبحكم ذلك وجبت له مطالبة المقرّ باطنه بالدّين المعيّن على الوجه الشرعىّ.
وأما الحوالة- فسبيل الكاتب فيما يكتب فيها أنه اذا كان لرجل داين على آخر وأحال به كتب على ظهر مسطور الدّين ما مثاله: أقرّ فلان- وهو المقرّ له باطنه- عند شهوده إقرارا صحيحا شرعيّا بأنّه أحال فلانا على ذمّة فلان المقرّ المذكور باطنه بما له فى ذمّته من الدّين المعيّن باطنه، وهو كذا وكذا، على الحكم المشروح باطنه، وذلك نظير ما لفلان المحال فى ذمّة فلان المحيل من الدّين الذى اعترف به عند شهوده، وهو نظير المبلغ المحال به فى القدر والجنس والصفة والاستحقاق حوالة صحيحة شرعيّة، قبلها منه قبولا سائغا، ورضى ذمّة المحال عليه؛ تعاقدا على ذلك معاقدة صحيحة شرعيّة، وافترقا عن تراض؛ وبحكم ذلك برئت ذمّة المحيل المبدإ «1» بذكره من الدّين الذى كان فى ذمّته، براءة صحيحة شرعيّة، وقبل كلّ منهما ذلك من الآخر لنفسه قبولا شرعيّا، وبه شهد عليهما؛ ويؤرّخ.
(فصل) «2»
وأمّا الشّركة
- فهى تصحّ فى الذّهب والفضّة؛ وسبيل الكاتب فيها أنّه اذا اتّفق اثنان على الشّركة، فأخرج كلّ واحد منهما مالا وخلطاه، وأرادا المكاتبة بينهما
(9/17)

كتب ما مثاله: أقرّ كلّ واحد من فلان وفلان عند شهوده «1» إقرارا صحيحا شرعيّا بأنّهما اشتركا على تقوى الله تعالى، وإيثار طاعته، وخوفه ومراقبته، والنصيحة من كلّ منهما لصاحبه، والعمل بما يرضى الله تعالى فى الأخذ والعطاء؛ وهو «2» أنّ كلّا منهما أخرج من ماله كذا وكذا، وخلطا ذلك حتى صار شيئا واحدا، لا يتميّز بعضه من بعض وجملته كذا وكذا، ووضعا أيديهما عليه، وتراضيا على أنّهما يبتاعان به من المكان الفلانىّ أو المدينة الفلانيّة ما أحبّا واختارا من أصناف البضائع وأنواع المتاجر ويجلسان به فى حانوت بالبلد الفلانىّ، إن كان اتّفاقهما على ذلك؛ وإن كانا يسافران به كتب: ويسافران به الى البلاد الفلانيّة» فى البرّ والبحر العذب والملح أو أحدهما دون الآخر على حسب اتّفاقهما، ويتولّيان معا ذلك بأنفسهما ومن يختارانه من وكلائهما ونوّابهما، على ما يريان فى ذلك من الحظّ والمصلحة ويبيعان ذلك بالنّقد دون النّسيئة «3» ، ويسلّمان المبيع، ويتعوّضان بالثمن ما أحبّا واختارا، ويديران هذا المال فى أيديهما على ذلك حالا بعد حال، وفعلا بعد فعل، ومهما فتح الله فى ذلك من ربح وفائدة بعد إخراج رأس المال والمؤن والكلف وحقّ الله تعالى إن وجب، كان الربح بينهما مقسوما نصفين بالسويّة؛ تعاقدا على ذلك معاقدة صحيحة شرعيّة شفاها بالإيجاب والقبول؛ وأذن كلّ واحد منهما لصاحبه فى البيع والشراء، والأخذ والعطاء، فى غيبة صاحبه وحضوره، إذنا شرعيّا؛ وعلى كلّ منهما أداء الأمانة، وتجنّب الخيانة، وتقوى الله فى السرّ والعلانية والنصيحة لصاحبه، ومعاملة شريكه بالمعروف والإنصاف.
(9/18)

وإن تسلّم أحدهما المال دون الآخر كتب بعد ذكر جملته: تسلّمه جميعه فلان، وصار بيده وقبضه وحوزه، ليبتاع به ما أراد من البلاد الفلانيّة من أصناف البضائع، وأنواع المتاجر، ويجلس به فى حانوت أو يسافر به؛ ويكمّله على ما تقدّم.
وأما القراض
«1» - فاذا دفع رجل لرجل مالا يعمل فيه، أو لجماعة من الناس كتب ما مثاله: أقرّ فلان عند شهوده إقرارا صحيحا شرعيّا بأنّه قبض وتسلّم من فلان من الذهب العين كذا وكذا، أو من الدراهم الجيّدة المتعامل بها كذا وكذا- ولا يجوز فى الدراهم المغشوشة- وصار ذلك نقده وقبضه وحوزه، على سبيل القراض الشرعىّ الجائز بين المسلمين؛ وأذن ربّ المال له أن يشترى بذلك ما أحبّه واختاره من المدينة الفلانيّة من أصناف البضائع، وأنواع المتاجر على اختلافها، وتباين أجناسها ويسافر به أين شاء من بلاد المسلمين فى الطّرق المأمونة، أو فى البحر العذب والملح ويبيع ذلك بالنّقد دون النسيئة، ويتعوّض بقيمته ما أراد من أنواع المتاجر، ويعود به الى البلد الفلانىّ، ويبيعه بالنّقد دون النسيئة، ويدير هذا المال فى يده على ذلك حالا بعد حال، وفعلا بعد فعل، ومهما أطلعه الله فى ذلك من ربح وفائدة بعد إخراج رأس المال والوزن «2» والكلف وحقّ الله تعالى إن وجب، كان الربح مقسوما بينهما نصفين، أو أثلاثا: لربّ المال الثلثان، وللعامل بحقّ عمله الثلث؛ تعاقدا على ذلك معاقدة صحيحة شرعيّة بالإيجاب والقبول؛ والتفرّق بالأبدان عن تراض وقبل كلّ منهما ذلك لنفسه قبولا شرعيّا، وعلى هذا العامل المذكور الأمانة وتجنّب الخيانة، وتقوى الله فى السرّ والعلانية فى بيعه وابتياعه وجميع أفعاله، وحفظه هذا المال على عادة مثله، وإيصاله عند وجوب ردّه؛ ويؤرّخ.
(9/19)

وإن كان القراض بيد جماعة فلا يصحّ أن يتكافلوا فى الذمّة، ويصحّ ضمان الوجه «1» .
وأما العارية
- فإنّ الرجل إذا أعار لابنته شورة «2» تتجمّل بها، أو أعار لرجل دارا أو عبدا أو غير ذلك كتب الكاتب ما مثاله: أقرّ فلان بأنه أعار لابنته لصلبه فلانة البكر البالغ، التى اعترف برشدها عند شهوده، ما ذكر أنّه له وفى ملكه ويده وتصرّفه، وصدّقته على ذلك، وهو جميع الشّورة الآتى ذكرها فيه، وهى كذا وكذا- وتوصف وتذكر الأوزان والقيم، وإن كان المعار دارا حدّها ووصفها- عارية صحيحة شرعيّة مسلّمة مقبوضة بيد المستعيرة من المعير، بإذنه لها فى ذلك وذلك بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعيّة، وعلى هذه المستعيرة حفظ ذلك والانتفاع به فى منزلها بالموضع الفلانىّ، والتجمّل به، وألّا تخرج ذلك من يدها إلى أن تعيده الى المعير على الصفة المذكورة، وعلمت مقدار العارية وما يلزم فيها؛ ويؤرّخ.
وأما الهبة والنّحلة
- فإنّ الرجل اذا وهب لأجنبىّ دارا أو غير ذلك أو وهب لولده «3» لصلبه فلان «4» الرجل الرشيد مالا أو غيره كتب الكاتب: أقرّ فلان
(9/20)

بأنّه وهب لولده لصلبه فلان الرجل الرشيد، الذى اعترف بأنّه لا حجر له عليه ما ذكر أنّه له وفى ملكه ويده وتصرّفه، وهو جميع الدّار التى بالموضع الفلانىّ- وتوصف وتحدّد- هبة صحيحة شرعيّة جائزة ماضية، بغير عوض عنها ولا قيمة قبلها منه قبولا شرعيّا، وتسلّم الموهوب له من الواهب «1» ما وهب له فيه «2» التسلّم الشرعىّ، وصار بيده وقبضه وحوزه، فبحكم ذلك وجب له التصرّف فيها تصرّف الملّاك فى أملاكهم، وذوى الحقوق فى حقوقهم، وأقرّا بأنّهما عارفان بذلك المعرفة الشرعيّة النافذة «3» .
فإن وهب الرجل دارا لولده الطفل أو لولده البالغ الذى هو تحت حجره كتب موضع القبول ما مثاله: قبل الواهب ذلك من نفسه لولده المذكور، بحكم أنّه تحت حجره وولاية نظره قبولا صحيحا شرعيّا، وتسلّم من نفسه لولده المذكور ما وهب فيه «4» التسلّم الشرعىّ، ورفع عنه يد ملكيّته، ووضع عليه يد نظره وولايته، وأقرّ بأنه عارف بذلك المعرفة الشرعيّة.
فإن نحل الرجل ولده الطفل مالا أو غير ذلك كتب ما مثاله: أقرّ فلان بأنه نحل (أى دفع) لولده لصلبه فلان الطفل، أو المراهق، الذى تحت حجره وولاية نظره ما ذكر أنّه له وفى يده وملكه وتصرّفه، وهو جميع الشىء الفلانىّ- ويوصف بما يليق به- نحلة صحيحة شرعيّة، جائزة مرضيّة، قبلها له من نفسه، وصار ذلك بيده ملكا لولده المذكور، وأقرّ بأنّه عارف بما نحله.
(9/21)

وإن نحل ولده البالغ أو الأجنبىّ كتب نحو ما تقدّم الّا القبول والتسلّم فإنه يقول: قبل ذلك لنفسه قبولا صحيحا شرعيّا، وتسلّم منه ما نحله إيّاه فيه بإذنه وصار بيده وقبضه وحوزه، ومالا من جملة أمواله، وأقرّا بأنهما عارفان بذلك المعرفة الصحيحة الشرعيّة النافية للجهالة.
وأما الصدقة والرجوع
- فإنّ الرجل إذا تصدّق على ولده الطفل أو البالغ أو على أجنبىّ، كتب ما مثاله: أقرّ فلان بأنه تصدّق على ولده الطفل الذى تحت حجره وولاية نظره فلان؛ وان كان بالغا كتب: «البالغ الرشيد باعتراف والده» برّا به، وحنوّا عليه، وابتغاء بذلك وجه الله الكريم، وطلبا لثوابه الجسيم بما ذكر أنه له وفى يده وتصرّفه، وهو جميع الدار الفلانيّة التى بالموضع الفلانىّ- وتوصف وتحدّد- صدقة صحيحة شرعيّة جائزة ماضية نافذة، قبلها من نفسه لولده، أو قبلها الولد البالغ الرشيد لنفسه، على نحو ما تقدّم فى الهبة والنّحلة من القبول والتسلّم.
واذا أراد الأب أو الجدّ وإن علا، والأمّ والجدّة وإن علت الرجوع عن الصدقة والهبة والتمليك اذا كان بغير عوض، كتب الكاتب على ظهر المكتوب ما مثاله:
أشهد فلان على نفسه طائعا مختارا أنّه رجع فى الدّار المذكورة الموصوفة المحدودة باطنه، التى كان تصدّق بها على ولده المذكور باطنه فلان، رجوعا صحيحا شرعيّا، وأعادها الى ملكه ويده وتصرّفه، وأبطل حكمها، ونقض شرطها، وتسلّمها تسلّم مثله لمثلها، وأقرّ بأنّه عارف بها المعرفة الشرعيّة؛ ويؤرّخ.
(9/22)

وأما التمليك- فمنه ما هو بعوض، وما هو بغير عوض،
فأما ما كان بعوض
«1» فيكتب «2» [فيه] «3» ما مثاله: ملّك فلان لفلان جميع الدار الفلانيّة الجارية فى يده وملكه وتصرّفه التى بالموضع الفلانىّ- وتوصف وتحدّد- تمليكا صحيحا شرعيّا، بثمن مبلغه كذا وكذا؛ قبض الفقير المملّك ذلك من المملّك له بإذنه، وصار بيده وحوزه ومالا من جملة أمواله، عوضا عما ملّكه فيه فتسلّمه منه، وصار بيده وقبضه وحوزه، وذلك بعد النظر والمعرفة، والمعاقدة الشرعيّة، والتفرّق بالأبدان عن تراض، وضمان الدّرك «4» فى ذلك.
وأما ما كان بغير عوض،
فيكتب [فيه] «5» : ملّك فلان لفلان جميع الدار- وتوصف وتحدّد نحو ما تقدّم- تمليكا صحيحا شرعيّا، جائزا نافذا مرضيّا، بغير عوض عن ذلك ولا قيمة، قبلها منه قبولا صحيحا شرعيّا، وسلم هذا المملّك لفلان المملّك ما ملّكه إيّاه، فتسلّمه منه، وصار بيده وحوزه، ملكا من جملة أملاكه؛ وأقرّا بأنّهما عارفان بها المعرفة الشرعيّة النافية للجهالة، وأنّهما نظراها وأحاطا بها
(9/23)

علما وخبرة، تعاقدا على ذلك معاقدة شرعيّة بالإيجاب والقبول، ثم تفرّقا بالأبدان عن تراض؛ ويؤرّخ.
وإذا أقرّ رجل بأنّ داره ملك لغيره [كتب «1» ] : أقرّ فلان عند شهوده طوعا إقرارا صحيحا شرعيّا بأنّ جميع الدّار التى بيده وتصرّفه- وتوصف وتحدّد- ملك فلان ملكا صحيحا شرعيّا دونه ودون كلّ أحد بسببه «2» ، وأنّ ملكه لهذه الدّار سابق على هذا الإقرار ومقدّم عليه؛ وصدّقه المقرّ له على ذلك تصديقا شرعيّا وقبل منه هذا الإقرار لنفسه قبولا شرعيّا، وأقرّا بأنّهما عارفان بذلك المعرفة الشرعيّة النافية للجهالة، وسلم المقرّ المذكور للمقرّ له جميع الدار المذكورة، فتسلّمها منه وصارت بيده وقبضه وحوزه، وأقرّ المقرّ المذكور بأنّه لا حقّ له فى هذه الدار ولا طلب بسبب ولا ملك ولا استحقاق منفعة بوجه من الوجوه الشرعيّة كلّها على اختلافها، وتصادقا على ذلك.
وأما البيوع
- فإنّه إذا ابتاع رجل دارا أو حصّة من دار أو غير ذلك كتب الكاتب ما مثاله: هذا ما اشترى فلان بماله لنفسه من فلان جميع الدّار الكاملة أرضا وبناء، الآتى ذكرها ووصفها وتحديدها فيه، التى ذكر البائع أنّها له وفى ملكه ويده وتصرّفه؛ وإن كان عمرها كتب: «ومعروفة بإنشائه وعمارته» .
وإن كان المبيع حصّة من دار كتب: جميع الحصّة التى مبلغها كذا وكذا سهما من أربعة وعشرين سهما شائعا غير مقسوم من «3» جميع الدار التى ذكر البائع أنّ
(9/24)

هذه الحصّة المذكورة له وفى يده وملكه وتصرّفه بجميع حقوقها ومرافقها وما يعرف بها وينسب إليها.
فإن استثنى البائع مكانا منها غير داخل فى البيع كتب بعد ذلك: خلا الموضع الفلانىّ، فإنّه خارج عن هذا العقد، غير داخل فى هذا البيع، وعلم به المشترى ورضى به. ثمّ يقول: شراء صحيحا شرعيّا قاطعا ماضيا جائزا نافذا، بثمن مبلغه كذا وكذا؛ تقابضا وتفرّقا بالأبدان عن تراض، بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعيّة، وضمان الدّرك «1» فى المبيع حيث يجب شرعا.
وإن أراد الكاتب تحسين ألفاظه وتنميقها وتكثيرها فيما لا يضرّ بالعقد ولا يفسد البيع كتب بعد تنصيف الثمن: دفعه المشترى المذكور للبائع المذكور من خالص ماله وصلب حاله، تامّا وافيا، وأقبضه له بعد وزنه ونقده، فقبضه البائع المذكور منه وتسلّمه بتمامه وكماله موزونا منتقدا، وصار بيده وقبضه وحوزه مالا من جملة أمواله؛ وبحكم ذلك برئت ذمّة المشترى المقبوض منه من الثمن المذكور براءة صحيحة [شرعيّة] «2» براءة قبض واستيفاء؛ وسلم البائع المذكور للمشترى المذكور ما باعه إيّاه، فتسلّمه منه خاليا لا شاغل له، ولا مانع له منه، ولا دافع [له عنه] «3» ، وصار بيده وقبضه وحوزه، ملكا من أملاكه، يتصرّف فيه تصرّف الملّاك فى أملاكهم، وذوى الحقوق فى حقوقهم من غير مانع ولا معترض، ولا رافع ليد بوجه ولا سبب، وذلك بعد نظرهما لجميع «4» ذلك، ومعرفتهما إيّاه، وإحاطتهما به علما وخبرة نافيين للجهالة، وتعاقدهما على ذلك كلّه
(9/25)

المعاقدة الصحيحة الشرعيّة المعتبرة شفاها بالإيجاب والقبول، ثم تفرّقا بالأبدان من مجلس العقد التفرّق الشرعىّ عن تراض منهما، وضمان الدّرك «1» فى صحّة البيع «2» حيث يوجبه الشرع الشريف وتقتضيه أحكامه.
وإن اشترط أحدهما الخيار لنفسه ثلاثة أيّام كتب بعد قوله: «عَنْ تَراضٍ» *
:
وانقضاء مدّة الخيار الشرعىّ الذى اشترطه البائع لنفسه خاصّة، أو المشترى، أو الذى اشترطاه لأنفسهما، وهو ثلاثة أيّام من تاريخ العقد.
وإن كانا لم يتفرّقا من مجلس العقد كتب عوض التفرّق بعد الإيجاب والقبول:
واختار كلّ من المتعاقدين المذكورين إمضاء البيع المذكور بينهما فى المبيع المعيّن وإلزامه وإبرامه وتمام إحكامه ونفوذه على الوجه الشرعىّ، والقانون المرضىّ، وضمان «3» الدّرك على ما تقدّم.
وإن أحضر البائع «4» من يده كتابا يشهد له بصحّة ملكه للمبيع كتب: وأحضر هذا البائع «5» من يده كتابا يتضمّن ابتياعه الدّار المذكورة، وأصولا «6» له، وسطّر «7» عليها فصولا بهذه المبايعة، وتسلّم المشترى ذلك توثقة «8» له، وحجّة لليوم ولما بعده.
(9/26)

وإن كان البائع «قد استعاد الحكم «1» على ما بقى» على ملكه منها أو من غيرها كتب عوض «وتسلّم المشترى ذلك» : ثمّ بعد ذلك استعادها البائع بحكم ما بقى على ملكه منها أو من غيرها» .
وإن كان فى ملك المشترى حصّة متقدّمة ثمّ ابتاع حصّة أخرى كتب: وقد كمل للمشترى المذكور بما فى ملكه متقدّما وبهذه المبايعة ملك جميع كذا وكذا سهما أو ملك جميع الدار المذكورة، وصدّقه البائع على ذلك.
وإن كان فى المبيع عيب واشترطه البائع كتب بعد تمام العقد ولزومه: أعلم البائع المشترى أنّ الدّار المبيعة واقعة «2» الجدران، مختلّة «3» البنيان، سبخة الأرض والحيطان مائلة الجدر والزّروب «4» ، مكسورة القوائم والأعراق «5» ، مسوّسة الأخشاب؛ الى غير ذلك ممّا لعلّه يكون فيها من عيب؛ ورضى المشترى بذلك.
وإن كان وكيلا فى الشراء كتب: وعلم المشترى أنّ الدار المذكورة معيبة «6» - أو على ما يصفها به من العيوب- وقال: إنه أعلم موكّله بذلك ورضى به.
وإن كان البيع بناء دون الأرض كتب: جميع البناء القائم على الأرض المحتكرة «7» دارا أو طاحونة أو غير ذلك، الجارى هذا البناء فى يد البائع وملكه وتصرّفه على
(9/27)

ما ذكر؛ ويكمّل المبايعة على ما تقدّم شرحه وبيانه؛ ويكتب فى آخرها: وعلم المشترى المذكور أنّ الأرض الحاملة لهذا البناء المذكور محتكرة، ومبلغ الحكر «1» عنها فى كلّ سنة أو فى كلّ شهر كذا وكذا، ورضى بذلك.
وإن كان المشترى وكيلا كتب: وقال: إنّه أعلم موكّله بذلك، ورضى به.
وإن كان المبيع أرضا دون البناء أو أرضا كشفا «2» كتب: جميع قطعة الأرض الحاملة لبناء البائع؛ أو جميع الساحة الكشف «3» التى لا بناء عليها، الجارية فى يد البائع وملكه وتصرّفه؛ ويذرع ويحدّد، ويكمّل المبايعة على ما تقدّم.
فصل
وان كان المبيع بئرا كتب: جميع بناء البئر المعينة «4» ومكانها من «5» الأرض، المبنيّة بالطوب الآجرّ والطين والجير.
وإن كانت نقرا كتب: جميع البئر المنقورة للماء «6» المعين.
(9/28)

وإن كان صهريجا كتب: جميع الصّهريج المبنىّ بالطوب الآجرّ والطين والجير المتلّص «1» المبيّض بالخافقىّ «2» الذى برسم خزن الماء العذب.
وإن كان بئرا همّاليّة كتب: جميع بناء الهمّاليّة «3» ومكانها من الأرض، المبنيّة بالطوب الآجرّ والطين والجير، الجارى ذلك فى يد البائع وملكه وتصرّفه، وهى فى الموضع الفلانىّ؛ ويذرع ويحدّد ذلك، إن أمكن ذلك.
وإن كان المبيع نخلا دون الأرض كتب: جميع النخل القائم فى الأرض الوقف على الشىء الفلانىّ، الخارجة عن هذا البيع، ومكان «4» كلّ نخلة من الأرض، الجارى النخل المذكور فى يد البائع وملكه وتصرّفه على ما ذكر، الذى ذلك فى الموضع الفلانىّ؛ ويذكر عددها.
وإن كانت الأرض مملوكة للبائع وأراد أن يبيع النخل بمغارسها «5» كتب: جميع النخل النابت فى الأرض الآتى «6» ذكرها فيه، وجميع أماكنها من الأرض، الجارى
(9/29)

النخل والأرض بكمالهما فى يد البائع المذكور وملكه وتصرّفه على ما ذكر، باع من ذلك النخل المذكور ومواضع مغارسها، وتبقّى على ملكه بقيّة الأرض فإنها غير داخلة فى هذا البيع؛ وهذه الأرض بالموضع الفلانىّ؛ وعدّة النخل كذا وكذا. ويحدّد الأرض، ويكمّل المبايعة؛ ويكتب فى آخر المكتوب: ولهذا المشترى العبور فى الأرض المذكورة والاستطراق «1» فيها الى النخل المذكور بحقّ شرعىّ.
وان كان المبيع ثمرا ونخلا كتب: جميع ثمر النخل الجارى ذلك فى ملكه ويده وتصرّفه على ما ذكر، الذى ذلك بالموضع الفلانىّ؛ وعدّتها كذا كذا نخلة، إن أمكن؛ ويحدّد الأرض، ثم يقول: التى بدا صلاحها، وطاب أكلها، واحمرت واصفرّت، وجاز بيعها بشرط القطع؛ وإن شرط التّبقية كتب: بشرط التّبقية إلى أوان الجذاذ، «2» شراء صحيحا شرعيّا؛ ويكمّل «3» المبايعة.
فصل
وان كان المبيع مركبا كتب: جميع المركب العشارىّ «4»
(9/30)

أو الخضارىّ «1» ، أو الدّرمونة «2» ، أو الناريّة «3» ، أو الشّختور «4» ، أو الحرّاقة «5»
(9/31)

أو الشلودة «1» ، أو الدلاج «2» ، أو الكبكة «3» ، أو غير ذلك، وجميع عدّتها المتّخذة برسمها، الآتى ذكر ذلك ووصفه، الجارى ذلك فى يد البائع وملكه وتصرّفه على ما ذكر؛ وصفة المركب أنّها طول كذا كذا ذراعا بالذراع «4» النّجّارىّ «5» ، ومحملها كذا وكذا إردبا بالكيل المصرىّ؛ وصفة العدّة أنها صار قطعة واحدة، وبرأسه جامور «6» ، وقريّة «7» ثلاث قطع
(9/32)

وقوسان، وقلع مزوّى «1» من قماش القطن، أو الملحم «2» ، أو غيره، عدّته كذا وكذا بيلمانا «3» أو قلع ستارة مكمّلة حبال «4» القنّب أو القطن، ورجل «5» طويلة قطعة أو قطعتان، وفراش «6» ، وكذا وكذا مجذافا «7» ، وإسقالة «8» برّ أو أكثر من ذلك
(9/33)

ومذراة «1» أو أكثر، وعروس «2» ، وقلوس «3» ، وقرايا «4» ، وغير ذلك من آلات المركب وعدده؛ فما زاد عن ذلك ذكره، وما نقص وصفه؛ ثم يقال «5» : «وهذا المركب مدسور «6» السّفل والعلو، مسدود الشوبين «7» ، مغطّى الخنّين» «8» ؛ وإن كان له مرساة «9» من حديد وصفها وذكر زنتها؛ ويكمّل المبايعة.
(9/34)

وإن كان المبيع بالغا عبدا أو أمة «أو كانا غير بالغين «1» » كتب: جميع العبد، أو الغلام، أو الوصيف «2» ، أو المملوك، أو الجارية، أو الأمة، أو الوصيفة، الجارى، أو الجارية فى يد البائع وملكه، المقرّ «3» له بالرّقّ والعبوديّة، المدعوّ فلانا؛ ويذكر جنسه ودينه، ثم يقول: وحليته: ... ويذكرها.
وإن كان «4» دون البلوغ كتب: جميع الغلام الذى بيده وملكه وتصرّفه على ما ذكر، المراهق، أو المعصر «5» ، إن كانت جارية؛ ويعيّن البكارة إن كانت؛ ثمّ يقول: «شراء صحيحا شرعيّا بثمن مبلغه كذا وكذا» ؛ ويكمّل المبايعة.
وإن كان بالمبيع عيب ذكره، فيكتب: وعلم المشترى أنّ به أو بها المرض الفلانىّ- ويعيّنه، ويعدّد الأمراض والعيوب وآثار الكىّ وغير ذلك إن كان- ورضى به، ودخل «6» عليه.
(9/35)

وإن كان المبيع عبدا بجارية أو العكس كتب: جميع العبد الذى بيد البائع- على نحو ما تقدّم- بجميع الجارية الفلانيّة الجنس، المسلمة؛ تقابضا «1» وتفرّقا بالأبدان، بعد النظر والمعرفة، والمعاقدة الشرعيّة، وضمان الدّرك «2» فى ذلك حيث يجب شرعا؛ وإن كان فى أحدهما عيب ذكره.
فصل
وإن كانت الدار المبيعة فى بلد والمتبايعان فى بلد آخر كتب التخلية عوض التسليم، فيقول: وخلّى البائع المذكور بين المشترى وبين ما باعه إيّاه فيه «3» تخلية شرعيّة، ووجب «4» له بذلك قبض المبيع وتسلّمه بمقتضى هذا الابتياع الشرعىّ؛ وأقرّا أنهما «5» عارفان بذلك المعرفة الشرعيّة قبل تاريخه، ونظراه النظر الشرعىّ، تعاقدا هذه «6» المبايعة بينهما معاقدة شرعيّة مشافهة بالإيجاب والقبول.
(9/36)

واذا دفع المشترى للبائع من الثمن جوهرة، أو سيفا، أو خاتما بفصّ «1» ثمين، أو غير ذلك ممّا «2» تجهل قيمته، كتب: شراء صحيحا شرعيّا، بثمن مبلغه من الذهب، أو من الدراهم كذا وكذا، وبجوهرة نفيسة، أو لؤلؤة نقيّة، مجهولة القيمة، مرئيّة «3» حال العقد؛ تقابضا وافترقا؛ ويكمّل المبايعة.
وإن حضر من يضمن درك «4» البائع فيما باعه وقبض ثمنه كتب: وحضر بحضور البائع المذكور فلان، وضمن فى ذمّته درك البائع فيما باعه وقبض الثمن بسببه «5» ، ضمانا شرعيّا فى ماله، بإذنه له فى ذلك، وأقرّ أنه «6» ملىء «7» بما فى ضمانه.
فصل
وإن أبرأ البائع ذمّة المشترى من الثمن كتب: بثمن مبلغه كذا وكذا، أبرأ البائع المذكور ذمّة المشترى منه براءة صحيحة شرعيّة، براءة إسقاط، قبلها منه قبولا شرعيّا، ولم تبق للبائع المذكور قبل المشترى المذكور مطالبة بسبب الثمن ولا شىء منه، ولا عوض عنه ولا عن شىء منه، وسلم البائع المذكور للمشترى المذكور ما باعه إيّاه، فتسلّمه بعد النظر والرضا والمعرفة والمعاقدة الشرعيّة.
(9/37)

وان كان البيع بثمن مؤجّل أو منجّم «1» كتب: بثمن مبلغه كذا وكذا يقوم له بذلك جملة واحدة فى التاريخ الفلانىّ، أو فى كلّ شهر يمضى كذا وكذا، على حسب ما يقع عليه الاتّفاق.
فصل
وإن اشترى رجل من رجل دارا بماله فى ذمّته من الدّين كتب ما مثاله:
شراء صحيحا شرعيّا، بما للمشترى فى ذمّة البائع من الدّين الحالّ الذى اعترف به البائع عند شهوده، وهو كذا وكذا، وصدّقه المشترى على ذلك، وسلم البائع للمشترى ما باعه إيّاه، فتسلّمه منه، وصار بيده وقبضه وحوزه، وذلك بعد النظر والرضا والمعرفة والمعاقدة الشرعيّة، والتفرّق بالأبدان عن تراض، وضمان الدّرك فى ذلك وبحكم ذلك برئت ذمّة البائع من الدّين الذى كان قبله للمشترى، ولم تبق للمشترى عنده مطالبة بسبب ذلك، وتصادقا على ذلك.
فصل
وإن كان لرجل على رجل دين فباعه دارا بثمن معلوم، ثم قاصّه «2» بماله فى ذمّته من الدّين، أو امرأة اشترت من زوجها دارا بثمن حالّ وقاصّته بصداقها، كتب
(9/38)

ما مثاله: اشترى فلان بن فلان من فلان جميع الدار الفلانيّة- كما تقدّم شرحه- شراء «1» صحيحا شرعيّا، بثمن مبلغه كذا وكذا حالّ «2» ، وسلم البائع للمشترى ما باعه إيّاه فتسلّمه منه، وصار بيده وقبضه وحوزه، [ومالا] «3» من جملة أمواله، وذلك بعد النظر والمعرفة، والمعاقدة الشرعيّة، والتفرّق بالأبدان عن تراض؛ وضمان الدّرك «4» فى ذلك؛ ثمّ بعد [تمام] «5» ذلك ولزومه قاصّ «6» المشترى المذكور البائع المذكور الثمن المذكور بماله فى ذمّة البائع من الدّين الذى اعترف به عند شهوده، وهو نظير الثمن المذكور فى القدر والجنس والصفة والاستحقاق، مقاصّة «7» صحيحة شرعيّة، قبل كلّ منهما ذلك لنفسه قبولا شرعيّا، ولم تبق لكلّ منهما مطالبة قبل الآخر بسبب ثمن، ولا مثمّن ولا دين، ولا غيره، ولا حجّة، ولا مسطور، ولا ذهب، ولا فضّة، ولا حقّ من الحقوق الشرعيّة على اختلافها لما مضى من الزمان وإلى يوم تاريخه، وتصادقا على ذلك.
(9/39)

وإذا اشترى جماعة من جماعة دارا ورثوها كتب ما مثاله: هذا ما اشترى فلان وفلان وفلان بما لهم لأنفسهم بالسويّة بينهم أثلاثا؛ وإن كانوا متفاوتين فى الابتياع كتب: «فمن ذلك ما اشتراه فلان المبدأ «1» بذكره بماله لنفسه كذا، وما اشتراه فلان بماله لنفسه كذا، وما اشتراه فلان بماله لنفسه كذا» ؛ وإن كان منهم من اشترى حصّة لموكّله قال: «وما اشتراه فلان لموكّله بإذنه وأمره وتوكيله وماله كذا حسب ما وكّله فى ابتياع ما يذكر فيه «2» ، وفى التسليم والتسلّم اللّذين يشرحان فيه «3» ، على ما يشهد به من يعيّنه فى رسم شهادته آخره، أو على ما ذكر الوكيل المشترى» من فلان وفلان وفلان الإخوة الأشقّاء، أو لأب، أولاد فلان بن فلان الفلانىّ، جميع الدار «4» الكاملة الجارية فى أيدى البائعين وملكهم وتصرّفهم بالسويّة بينهم أثلاثا، المنتقلة إليهم بالإرث الشرعىّ عن والدهم فلان المذكور، بحكم أنّه توفّى إلى رحمة الله تعالى قبل تاريخه، وخلّف من الورثة المستحقّين لميراثه المستوعبين جميعه شرعا أولاده لصلبه الإخوة الأشقّاء، وهم البائعون المذكورون أعلاه الذين رزقهم من زوجته التى كانت فى عصمته وعقد نكاحه فلانة، بغير شريك لهم فى ميراثه، ولا حاجب يحجبهم عن استكماله بوجه ولا سبب، وترك من جملة ما خلّفه هذه الدار المذكورة، قسمت بينهم بالفريضة الشرعيّة أثلاثا بالسويّة بينهم؛
(9/40)

وإن كانت وفاة والدهم ثابتة عند حاكم ذكرها، ثم يقول: وهذه الدار بالبلد الفلانىّ، بالحارة الفلانيّة، بالخطّ الفلانىّ- وتوصف وتحدّد- شراء صحيحا شرعيّا بثمن مبلغه من الذهب أو من الدراهم كذا وكذا بين «1» البائعين بالسويّة، من مال المشترين المذكورين على قدر ما ابتاعه كلّ منهم فيه «2» ، تقابضوا، وتفرّقوا بالأبدان، بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعيّة، وضمان الدّرك فى ذلك.
وإن ضمن كلّ من البائعين درك الآخر كتب: «وكلّ واحد من البائعين ضامن فى ماله وذمّته درك الآخرين المذكورين فيما باعاه وقبضا الثمن بسببه ضمانا شرعيّا فى ماله وذمّته، بإذن كلّ منهم للآخرين فى الضمان والأداء والرجوع، وأقرّ كلّ واحد منهم أنّه «3» ملىء بما ضمنه، وقادر عليه» .
وإن صدّق كلّ منهم الآخر على صحّة ملكه لما باعه كتب: «وصدّق كلّ واحد منهم الآخر على صحّة ملكه لما باعه فيه وقبض الثمن بسببه تصديقا شرعيّا» .
وإن حضر من يضمن فى الذمّة كتب: «وحضر بحضورهم فلان، أو كلّ واحد من فلان وفلان، وضمن كلّ منهم وكفل فى ذمّته درك البائعين المذكورين فيما باعوه وقبضوا الثمن بسببه، ضمانا شرعيّا، بإذن كلّ منهم للآخر فى ذلك، وأقرّ كلّ منهم أنّه «4» ملىء بما ضمنه، قادر عليه» .
(9/41)

وإذا ابتاع رجل لموكّله حجر طاحون «1» أو غيرها «2» كتب ما مثاله: هذا ما اشترى فلان لموكّله فلان بماله وإذنه وتوكيله إيّاه فى ابتياع ما يذكر فيه «3» ، وفى التسليم والتسلّم اللّذين يشرحان فيه «4» ، بشهادة من يعيّنه فى رسم شهادته آخره؛ أو يقول:
«على ما ذكر» ؛ وإن كان بيده وكالة كتب: «حسب ما تشهد به الوكالة التى بيده، الثابته بمجلس الحكم العزيز بالمكان الفلانىّ» ، من فلان، جميع حجر الطاحون «5» الفارسىّ «6» وعدّتها «7» ، الداخل ذلك فى عقد هذا البيع، الجارى ذلك فى يد البائع المذكور وملكه وتصرّفه على ما ذكر، وهى بالمكان الفلانىّ؛ ويصف الطاحون «8» والعدّة التى بها، وهى التوابيت «9» والحجارة النجديّة وقواعد الصّوّان، ويصف جميع العدّة، ويحدّد الطاحون «10» ، ويذكر الثمن، ويكتب: دفعه المشترى المذكور من مال موكّله للبائع المذكور، فتسلّمه منه، وصار بيده وقبضه وحوزه، وبحكم ذلك برئت ذمّة المشترى المذكور والمشترى له فيه «11» من الثمن المذكور ومن وزنه ونقده، براءة صحيحة شرعيّة
(9/42)

براءة قبض واستيفاء، وسلم البائع للمشترى ما باعه إيّاه، فتسلّمه منه لموكّله المذكور، وصار بيده وقبضه وحوزه ملكا لموكّله، وذلك بعد النظر والمعرفة الشرعيّة والمعاقدة والتفرّق بالأبدان عن تراض، وضمان الدّرك «1» حيث يوجبه الشرع الشريف.
فصل
إذا باع الوكيل عن موكّله حمّاما كتب: هذا ما اشترى فلان بماله لنفسه من فلان القائم فى بيع ما يذكر فيه «2» بالثمن الذى تعيّن فيه «3» ، وقبض الثمن، وتسليم المبيع لمبتاعه، عن موكّله فلان، حسب ما يشهد على موكّله بذلك من يعيّنه فى رسم شهادته آخره؛ وإن كان بيده وكالة كتب: «حسب ما يشهد بذلك كتاب الوكالة «4» الذى بيده، الثابت حكمه بمجلس الحكم العزيز بالمكان الفلانىّ» ؛ ويشرح مقاصد الثّبوت، ثم يكتب:
جميع الحمّام المعروفة «5» بدخول الرجال والنساء، وقدورها الرّصاص الأربع، وميازيبها «6» النّحاس والرّصاص، ومستوقدها، وبيت نارها، الآتى ذكر جميع ذلك فيه «7» ، الجارى جميع ذلك فى يد البائع ملكا لموكّله المبيع عنه، على ما ذكر الوكيل البائع، وذلك بالبلد الفلانىّ، بالموضع الفلانىّ- ويوصف ويحدّد- شراء صحيحا شرعيّا، بثمن مبلغه
(9/43)

كذا وكذا، ودفع المشترى الثمن من ماله للبائع المذكور، فتسلّمه منه لموكّله المذكور وصار بيده وقبضه وحوزه، وسلم «1» البائع المذكور للمشترى ما باعه إيّاه عن موكّله فتسلّمه منه، وصار بيده وملكه وحوزه، وذلك بعد النظر ... ؛ ويكمّل على ما تقدّم.
واذا ابتاع الأخرس الأصمّ دارا،
كتب: اشترى فلان الأخرس اللسان، الأصمّ الأذنين، الصحيح البصر والعقل والبدن، العارف بما يلزمه شرعا الخبير بالبيع والشراء والأخذ والعطاء، كلّ ذلك بالإشارة المفهومة عنه، المعلومة عند البائع وعند شهود هذا المكتوب، القائمة مقام النطق، التى لا تجهل ولا تنكر من فلان الفلانىّ جميع الدار الفلانيّة ... ؛ ويكمل نحو ما تقدّم.
واذا ابتاع رجل من آخر دارا بثمن معيّن مقبوض وكتب بينهما مكتوب على ما تقدّم، ثم حضر المشترى وادّعى أنه كان ابتاع الدار لموكّله
كتب على ظهر المكتوب: أقرّ فلان- وهو المشترى المذكور باطنه- أنه «2» لمّا ابتاع الدار الموصوفة الحدود فى باطنه فى التاريخ الفلانىّ من فلان «3» بالثمن المعيّن وهو كذا وكذا، كان وكيلا فى ابتياعها عن فلان بإذنه وأمره وتوكيله إيّاه فى ذلك وأنّ اسمه على سبيل النيابة «4» والوكالة، وأنّ الثمن المعيّن باطنه من مال هذا المقرّ له
(9/44)

فيه «1» وصلب حاله، وصدّقه على ذلك تصديقا شرعيّا، وقبل منه هذا الإقرار لنفسه وسلم له الدار المذكورة، فتسلّمها منه، وصارت بيده وقبضه وحوزه، ملكا له وأقرّ المقرّ له أنه كان قد أذن له فى ذلك ووكّله فى ابتياعها الوكالة الشرعيّة، وصدّقه المقرّ، وأقرّا أنّهما عارفان بالدار المذكورة المعرفة الشرعيّة النافية للجهالة، وبحكم هذا الإقرار صارت هذه الدار المذكورة ملكا للمقرّ له دون المقرّ، ودون كلّ احد بسببه «2» ولم يبق للمقرّ فيها حقّ ولا طلب، وتصادقا على ذلك تصادقا «3» شرعيّا، ويؤرّخ.
وإذا ابتاع رجل من آخر دارا، ومات البائع ولم يكن بينهما مكاتبة فأراد ورثته مكاتبة ببراءة ذمّة مورّثهم والإشهاد له بذلك،
كتب ما مثاله:
أقرّ كلّ واحد من فلان وفلان [وفلان] «4» الإخوة الأشقّاء، أو غير الأشقّاء، أولاد فلان عند شهوده «5» طوعا إقرارا شرعيّا، أنّ «6» والدهم المذكور توفّى إلى رحمة الله تعالى فى التاريخ الفلانىّ، وأنه كان قبل تاريخ وفاته فى تاريخ كذا وكذا باع لفلان جميع الدار الفلانيّة، الجارية فى يده وملكه وتصرّفه- وتوصف وتحدّد- بما مبلغه كذا وكذا، بيعا صحيحا شرعيّا قاطعا ماضيا جائزا نافذا، وأنّ المشترى المذكور
(9/45)

دفع إليه جميع الثمن من ماله، وصلب حاله، بتمامه وكماله، وسلم والدهم البائع هذا المشترى المذكور الدار المذكورة، فتسلّمها منه، وصارت بيده وقبضه وحوزه وذلك بعد النظر والمعرفة، والمعاقدة الشرعيّة، والتفرّق بالأبدان عن تراض وصدّقهم المشترى المقرّ له على ذلك، واعترف كلّ من المقرّين والمشترى أنهم «1» عارفون بالدار المذكورة المعرفة الشرعيّة النافية للجهالة، وأقرّوا أنّ البائع المذكور كان عارفا بها، وتصادقوا على ذلك، واعترف المشترى المذكور أنّ الدار المذكورة بيده وتصرّفه، وجارية فى ملكه، وأنّه سأل الورثة المذكورين الإشهاد على أنفسهم بذلك، فأجابوا سؤاله، وأشهدوا على أنفسهم براءة لذمّة أبيهم، ومراعاة لحقه عليهم وأقرّ المقرّون أنّهم «2» لا يستحقّون فى هذه الدار ملكا، ولا يدا، ولا إرثا، ولا موروثا ولا حقّا من الحقوق الشرعيّة، وأنّ المشترى المذكور المقرّ له مالك لهذه الدار دونهم ودون كلّ أحد بسببهم «3» ، وتصادقوا على ذلك، وقبل منهم المشترى هذا الإقرار قبولا شرعيّا؛ ويؤرّخ.
اذا «4» ابتاع رجل من بائع قد ثبت رشده بعد الحجر عليه
كتب ما مثاله:
هذا ما اشترى فلان من فلان البالغ الرشيد، الثابت رشده فى مجلس الحكم العزيز بالبلد الفلانىّ، عند القاضى فلان ... «5»
(9/46)

«1» ... من نفقة ومؤونة وكسوة ولوازم شرعيّة، ولكونه ليس له موجود غير ما يذكر فيه «2» ، وأنّ والده لا تلزمه نفقته بحكم ماله من هذا الموجود، اشترى من نفسه بقضيّة ذلك وحكمه جميع الحصّة التى مبلغها كذا وكذا سهما من أربعة وعشرين سهما شائعا «3» فى جميع الدار الفلانيّة التى بالمكان الفلانىّ، أو الدار الكاملة- وتوصف وتحدّد- شراء صحيحا شرعيّا، بثمن مبلغه كذا وكذا، وقبضه المشترى من نفسه لولده المذكور المبيع عليه «4» ، من مال أخيه فلان الطفل المشترى له فيه «5» ، الذى تحت يده وحوطه، وصار ذلك فى حوزه لولده فلان المبيع عليه «6» وتسلّم من نفسه الدار المذكورة لولده المشترى له، وذلك بعد مشاهدته لها ونظره إيّاها، ومعرفته بها المعرفة الشرعيّة، كلّ ذلك بالمعاقدة الشرعيّة الجائزة
(9/47)

باع على ولده فلان المثنّى باسمه المذكور، واشترى لولده فلان المبدإ «1» باسمه فيه من نفسه على ما شرح أعلاه، واعترف أنّ «2» الثمن المذكور هو ثمن المثل يومئذ لا حيف فيه ولا شطط، ولا غبينة»
ولا فرط «4» ولا بخس ولا وكس، ولا تفاوت «5» فيه بوجه ولا سبب، وقبل ذلك من نفسه لولده المشترى له فيه قبولا صحيحا شرعيّا وضمن الدّرك «6» حيث يوجبه الشرع الشريف.
اذا ابتاع رجل دارا من نفسه لنفسه- وهو أن يكون له ولد تحت حجره، ولولده دار، فأراد أن يشتريها لنفسه من ولده
- كتب ما مثاله: اشترى فلان من ماله لنفسه من نفسه جميع الدار الكاملة، الجارية فى يده ملكا لولده لصلبه فلان الطفل الذى تحت حجره وكفالته وولاية نظره، لما رأى له فى ذلك من الحظّ والمصلحة، والغبطة «7» الزائدة على ثمن المثل، أو لمصلحة اقتضت ذلك، وهذه
(9/48)

الدار بالبلد الفلانىّ، بالخطّ الفلانىّ- وتوصف وتحدّد- شراء صحيحا شرعيّا بثمن مبلغه كذا وكذا، قبض الثمن من نفسه لولده عن داره التى ابتاعها منه لنفسه وصار بيده وقبضه وحوزه، ويصرفه فى مصالح ولده المذكور، وتسلّم من نفسه لنفسه الدار المذكورة، وصارت بيده ملكا له، ورفع عنها يد نظره وولايته، ووضع عليها يد ملكه وحيازته، وأقرّ أنه «1» عارف بالدار المذكورة، وأنّه نظرها النظر الشرعىّ وأحاط بها علما وخبرة نافية للجهالة؛ ويؤرّخ.
اذا أراد أمين الحكم- وهو الناظر على الأيتام من قبل الحاكم- أن يبيع دارا على «2» يتيم محجور عليه
كتب محضرا بالقيمة، وأثبته عند الحاكم بشهادة شهود القيمة والمهندسين، وأشهر «3» الدار بحضرة عدلين؛ وصفة المحضر فى فصل المحاضر؛ فإذا ثبت المحضر وأراد البيع وكتب كتاب المبايعة، فسبيل الكاتب أن يكتب:
هذا ما اشترى فلان من القاضى فلان أمين الحكم العزيز بالبلد الفلانىّ، القائم فى بيع ما يذكر فيه على فلان بن فلان المحجور عليه من قبل الحكم العزيز، لما دعت حاجته إليه: من نفقة ومؤونة وكسوة ولوازم شرعيّة، وذلك بإذن سيّدنا قاضى القضاة فلان الحاكم المشار اليه فى بيع الدار التى تذكر فيه، بالثمن الذى تعيّن فيه وقبضه، وفى تسليم الدار لمبتاعها، الإذن الشرعىّ، يشهد عليه بذلك من يعيّنه فى رسم شهادته آخر هذا المكتوب؛ اشترى منه بقضيّة ذلك وحكمه جميع الدار الفلانيّة
(9/49)

الجارية فى يده ملكا لفلان المحجور عليه- وتعيّن فيه- وله بيعها، وقبض ثمنها وتسليمها لمبتاعها بطريق شرعىّ؛ وإن صدّقه المشترى قال: «وصدّقه المشترى على ذلك تصديقا شرعيّا» وهى الدار التى بالبلد الفلانىّ، بالخطّ الفلانى- وتوصف وتحدّد- شراء صحيحا شرعيّا، بثمن مبلغه كذا وكذا، دفعه المشترى من ماله لأمين الحكم العزيز، فتسلّمه منه وصار بيده وقبضه لفلان المذكور المحجور عليه، وسلّم أمين الحكم العزيز المذكور للمشترى المذكور ما باعه إيّاه، فتسلّمه منه، وصار بيده وقبضه وملكه وحوزه وتصرّفه، وذلك بعد النظر والرضا والمعرفة والمعاقدة الشرعيّة والتفرّق بالأبدان عن تراض.
وإن شرط أمين الحكم الخيار
كتب: «وانقضاء مدّة الخيار الشرعىّ الذى اشترطه أمين الحكم البائع لنفسه ثلاثة أيّام» ، والسبب فى هذه المبايعة احتياج المبيع عليه إلى نفقة ومؤونة وكسوة ولوازم شرعيّة، وثبوت ذلك عند الحاكم المذكور وثبت عنده أيضا- أيّد الله أحكامه- أنّ قيمة الدّار المذكورة كذا وكذا وهو الثمن المعيّن أعلاه، ثبوتا صحيحا شرعيّا، بشهادة ذوى عدل: هما فلان وفلان ومهندسين: هما فلان وفلان؛ فحينئذ تقدّم إذن الحاكم المذكور بالنّداء على الدّار المذكورة، وإشهارها «1» بصقعها وغيره فى مظانّ الرغبة فيها مدّة ثلاثة أيّام، آخرها اليوم الفلانيّ، فلم يسمعا «2» من بذل زيادة على ذلك، وقد أقام كلّ من شاهدى القيمة والمهندسين
(9/50)

وشاهدى النّداء شهادته بما يشهد به فيه «1» عند الحاكم المذكور، وأعلم تحت رسم شهادتهم علامة الأداء على الرسم المعهود حسب ما تضمّنه المحضر الشرعىّ المؤرّخ بكذا وكذا، وبأعلاه علامة الثّبوت، ومثالها كذا وكذا، فلمّا تكامل ذلك عند الحاكم المذكور، وسأله «2» من جازت مسألته، وسوّغت الشريعة المطهّرة إجابته «3» الإذن لأمين الحكم المذكور فى بيع الدار المذكورة بالثمن المذكور؛ والإشهاد عليه بما ثبت عنده فأجاب الحاكم المذكور سؤاله، وأشهد عليه بثبوت ذلك عنده على الوجه الشرعىّ وأذن لأمين الحكم فى بيع ذلك على ما شرح أعلاه، فشهد على الحاكم المذكور بذلك من يعيّنه فى رسم شهادته آخره، فامتثل أمين الحكم ذلك، وعاقد المشترى المذكور على ذلك كذلك «4» على ما شرح أعلاه، وبمضمونه شهد على المتعاقدين بتاريخ كذا وكذا.
اذا مات رجل وترك دارا وفى ذمّته لزوجته صداق وأثبتته، واشترت الدار من أمين الحكم بمبلغ صداقها،
فالذى يفعل فى ذلك أنّ الزوجة تحضر عدلين [يشهدان] «5» بشخصه وهو ميت، ويكتبان لها فى ذيل صداقها «6» أنّهما عايناه ميتا؛ وإن كانا شاهدى الصداق كان ذلك أجود، وإن لم يكونا عايناه شهدا بالاستفاضة؛
(9/51)

ثم يؤدّى «1» شهود العقد والتشخيص عند الحاكم، ثم تحلّف الزوجة، ويكتب الحلف، وصورة ما يكتب: أحلفت المشهود لها أعلاه، أو باطنه، فلانة المرأة الكاملة ابنة فلان بالله الذى لا إله إلّا هو، يمينا شرعيّة، مؤكّدة مستوفاة جامعة لمعانى الحلف، إنّها مستحقّة فى تركة المصدق المسمّى باطنه فلان مبلغ صداقها عليه وإنّ الشاهدين بذلك صادقان فيما شهدا لها [به] «2» من ذلك، وإنّ ذمّته لم تبرأ من الصداق المذكور ولا من شىء منه، وإنّها ما قبضته ولا شيئا منه ولا تعوّضت عنه ولا عن شىء منه، ولا أبرأته منه ولا من شىء منه، ولا أحالت به ولا بشىء منه، ولا اختلعت «3» به ولا بشىء منه، ولا برئ «4» إليها منه، ولا من شىء منه بقول ولا فعل، وإنّها تستحقّ قبض ذلك من تركته حال حلفها، وإنّ من يشهد لها به صادق فيما يشهد لها به من ذلك، فحلفت كما أحلفت بالتماسها لذلك، وحضور من يعتبر حضوره [على] «5» الأوضاع الشرعيّة، بعد تقدّم الدّعوى المسموعة وما ترتّب
(9/52)

عليها بتاريخ كذا وكذا. ويشهد شهود الحلف فى آخره بما صورته: «حضرت الحلف المذكور وشهدت به» .
وإن كان صداقها لم يثبت إلا بشهادة عدل واحد أحلفت على ذلك، ويكتب حلفها، وهو: أحلفت الزوجة، المشهود لها فيه، فلانة المشخّصة لمستحلفها بالله الذى لا إله إلّا هو يمينين شرعيّتين «1» مؤكّدتين مستوفاتين جامعتين لمعانى الحلف معتبرتين شرعا: إحداهما أنّها محقّة فيما ادّعت به على زوجها المصدق المذكور فلان، وهو مبلغ صداقها عليه، الشاهد به كتابها، وهو كذا وكذا، وأنّ شاهدها بذلك صادق فيما شهد لها به من ذلك، واليمين «2» الثانية أنّها تستحقّ قبض المبلغ المذكور من تركته، وأنّها ما قبضت ذلك ولا شيئا منه، كما تقدّم ذكره فى الحلف الأوّل إلى التاريخ. ثمّ يكتب بعد ذلك إسجال الحاكم، ومثاله: هذا ما أشهد عليه سيّدنا ومولانا العبد الفقير إلى الله تعالى قاضى القضاة، أو أقضى القضاة فلان، الحاكم بالمكان الفلانىّ، «3» من حضر مجلس حكمه ومحلّ قضائه وولايته، فى اليوم الفلانىّ من الشهر الفلانىّ، من السّنة الفلانيّة «4» ... بعد صدور دعوى محرّرة، مقابلة بالإنكار
(9/53)

على الوجه المعتبر الشرعىّ، بشهادة العدول الذين أعلم تحت رسم شهادتهم بالأداء فى باطنه، ويمين المشهود لها فيه «1» فلانة على استحقاقها فى ذمّة المصدق المسمّى باطنه فلان «2» مبلغ صداقها عليه، وهو كذا وكذا، على ما تضمّنه الصداق باطنه، أو على ما تضمّنه فصل الاسترجاع «3» المسطّر باطنه، المؤرّخ بكذا، [وقال «4» كلّ منهم: إنّه عارف بالمصدق والزوجة المذكورين، وما علم مغيّرا لشهادته إلى أن أقامها عنده] بشروط الأداء المعتبرة شرعا، وشخّص له الشهود المشهود لها تشخيصا معتبرا، وقبل ذلك منهم القبول السائغ فيه، وسطّر ما جرت العادة به من علامة الأداء والتشخيص على الرسم المعهود فى مثله، وذلك بعد ثبوت وفاة المصدق المذكور الثّبوت الشرعىّ وأحلفت الزوجة المشهود لها المذكورة على استحقاقها ذلك بالله العظيم الذى لا إله
(9/54)

إلّا هو، اليمين الثابتة «1» الشرعيّة المسطّرة فى فصل الحلف باطنه على ما نصّ وشرح فيه، فحلفت كما أحلفت بالتماسها لذلك، وحضور من يعتبر حضوره على الأوضاع الشرعيّة فى تاريخ الحلف المذكور؛ ولما تكامل ذلك كلّه عنده وصحّ لديه- أحسن الله إليه- سأله من جاز سؤاله الإشهاد على نفسه بثبوت ذلك عنده، فأجابه إلى سؤاله، وتقدّم بكتابة هذا الإسجال، فكتب عن إذنه الكريم، وأشهد على نفسه بثبوت ذلك لديه، وأبقى كلّ ذى حجّة معتبرة على حجّته إن كانت، وهو فى ذلك نافذ القضاء والحكم ماضيهما، بعد تقدّم الدّعوى الموصوفة «2» وما ترتّب عليها، وحضر سماع الدّعوى وإقامة البيّنة القاضى فلان أمين الحكم العزيز، واعترف بأنّه لا مطعن له فى ذلك، فحينئذ أذن الحاكم فى إيصال الحقّ لمستحقّه «3» شرعا، ووقع الإشهاد فيه بتاريخ كذا وكذا.
ثمّ يكتب ابتياعها من أمين الحكم فى ذيل الإسجال «4» ... : هذا ما اشترت فلانة المرأة الكاملة ابنة فلان- وهى المشهود لها باطنه المستحلفة فيه-
(9/55)

لنفسها من القاضى فلان أمين الحكم العزيز بالجهة الفلانيّة، القائم فى بيع ما يذكر فيه على المصدق المسمّى المحلّى «1» باطنه فلان، فيما «2» ثبت عليه من صداق زوجته المشترية المذكورة بمجلس الحكم العزيز بالجهة الفلانيّة، وهو كذا وكذا، وفى المقاصّة «3» الشرعيّة على الأوضاع الشرعيّة المعتبرة، بإذن صحيح شرعىّ من يد قاضى القضاة فلان الحاكم بالجهة الفلانيّة لأمين الحكم المذكور فى ذلك، اشترت منه بقضيّة ذلك وحكمه جميع الدّار الكاملة الجارية فى يده وتصرّفه منسوبة لملك فلان المتوفّى إلى رحمة الله تعالى، وهى «4» بالمكان الفلانىّ- وتوصف وتحدّد- شراء صحيحا شرعيّا بثمن مبلغه كذا وكذا حالّ «5» ، وسلم البائع أمين الحكم المذكور للمشترية المذكورة ما ابتاعته منه فيه، فتسلّمته منه، وصار بيدها وقبضها وملكها وحوزها، ومالا من جملة أموالها، وذلك بعد النظر والرضا والمعرفة والتفرّق بالأبدان عن تراض وأقرّت المشترية المذكورة أنّ «6» الدّار المذكورة جارية فى ملك زوجها المذكور، ثمّ بعد تمام ذلك ولزومه قاصّ القاضى فلان أمين الحكم العزيز البائع المذكور المشترية بما فى ذمّتها من الثمن المذكور ما ثبت لها على المبيع عليه من الصداق المذكور، وهو كذا وكذا، وهو قدر الثمن المذكور وصفته وجنسه وحلوله «7» ، مقاصّة «8» شرعيّة برّأت
(9/56)

ما فى «1» ذمّة المبيع عليه من الصداق، وبرّأت ما فى «2» ذمّة المشترية من الثمن براءة صحيحة شرعيّة، براءة إسقاط، وذلك بعد أن ثبت عند سيّدنا قاضى القضاة فلان بشهادة من يضع خطّه آخره، من العدول والمهندسين المندوبين لتقويم الأملاك أهل الخبرة بذلك، أنّ قيمة الدار المذكورة جميع الثمن المذكور، وأنّه قيمة المثل يومئذ، لا حيف فيه ولا شطط، ولا غبينة «3» ولا فرط «4» ، وأنّ الحطّ والمصلحة فى البيع بذلك؛ ويؤرّخ. ثمّ يكتب شهود القيمة والمهندسين خطوطهم أنّ الثمن المذكور هو ثمن المثل يومئذ، ويؤدّون «5» عند الحاكم، ويعلم تحت رسم شهادتهم، ثم يكتب شهود المعاقدة الشهادة عليهما «6» بالابتياع [وأنّه] قد تمّ ذلك.
وإن كانت الزوجة لم تشتر بل اشترى غيرها لنفسه
كتب ما مثاله:
هذا ما اشترى فلان من القاضى فلان أمين الحكم العزيز، القائم فى بيع ما يذكر فيه على فلان المصدق فيما «7» ثبت عليه من صداق زوجته فلانة بمجلس الحكم العزيز
(9/57)

- وهو كذا وكذا- وفى «1» وفاء الصّداق المذكور للزوجة المذكورة، وذلك بإذن صحيح شرعىّ من سيّدنا العبد الفقير إلى الله تعالى قاضى القضاة فلان الحاكم بالجهة الفلانيّة وشهد عليه بذلك من يعيّنه فى رسم شهادته آخره؛ اشترى منه بقضيّة ذلك وحكمه جميع الدّار الكاملة «2» الجارية فى يده وتصرّفه ملكا لفلان المتوفّى المبيع عليه. وتوصف وتحدّد، ويذكر الثمن، ويقال: قبضه أمين الحكم من المشترى المذكور، وصار بيده وحوزه، وسلم البائع للمشترى المذكور ما باعه إيّاه، فتسلّمه منه، وصار بيده وقبضه ومالا من جملة أمواله، بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعيّة، والتفرّق بالأبدان عن تراض؛ والسبب فى هذه المبايعة أنّ فلانة زوجة فلان المتوفّى المذكور أثبتت صداقها فى مجلس الحكم العزيز عند الحاكم المذكور على زوجها المذكور، بشهادة العدول المشار إليهم فى الإسجال المذكور، الذين أعلم تحت رسم شهادتهم علامة الأداء آخره، وقال كلّ منهم: إنّه عارف بالمصدق والزوجة المذكورين، وما علم مغيّرا لشهادته إلى أن أقامها عنده بشروط الأداء. وشخّص الزوجة المذكورة، وقبله «3» فى ذلك، وأعلم تحت رسم شهادته علامة الأداء والتعريف بالتشخيص على الرسم المعهود فى مثله
(9/58)

وأحلف الزوجة المذكورة بالله الذى لا إله إلّا هو اليمينين «1» الشرعيّتين، الجامعتين لمعانى الحلف، المشروحتين فى مسطور الحلف بكذا وكذا، وذلك بحضور من يعتبر حضوره؛ فلما تكامل ذلك عند الحاكم المذكور سألت الزوجة الحاكم المذكور إيصالها إلى «2» مبلغ صداقها المشهود لها به من موجود زوجها المذكور، فأذن الحاكم لأمين الحكم العزيز فى بيع ذلك، وقبض ثمنه، وإيصال الزوجة المذكورة إلى «3» ما ثبت لها فى ذمّة زوجها من الصّداق المذكور، والإشهاد عليها بقبض ذلك، إذنا شرعيّا، فشهد عليه بذلك من يضع خطّه آخره، وذلك بعد أن ثبت عند الحاكم المذكور أنّ هذه القيمة المبيع بها قيمة المثل يومئذ، وأنّ الحظّ والمصلحة فى البيع بذلك، يشهد به المحضر المؤرّخ بكذا وكذا، وفيه خطّ جماعة من العدول والمهندسين أرباب الخبرة بالعقار وتقويمه وذلك بعد أن شهد أمين الحكم المذكور أنّ الدار المذكورة أقامت «4» بيد الدلّالين على العقار ليشهروها فى الشوارع والأسواق الجارية بها العادة أيّاما متوالية بحضرة عدلين:
(9/59)

هما فلان وفلان، فكان الذى انتهى [إليه] «1» البذل فيها من هذا المشترى كذا وكذا، وهو الثمن المذكور؛ فلمّا تكامل ذلك كلّه وقع الإشهاد على الحاكم المذكور وأمين الحكم والمشترى بما نسب الى كلّ منهم فيه بتاريخ كذا وكذا.
ثمّ يكتب خلف الصداق قبض الزوجة، ومثال ذلك: أقرّت فلانة المرأة الكاملة عند شهوده طوعا أنّها قبضت وتسلّمت من القاضى فلان أمين الحكم العزيز جميع مبلغ صداقها الذى فى ذمة زوجها فلان المتوفّى المذكور، وهو كذا وكذا، وصار بيدها وقبضها وحوزها، وهو ثمن الدّار التى باعها أمين الحكم العزيز على زوجها فلان لأجل وفاء صداقها المذكور، فبحكم ذلك برئت ذمّة المصدق من الصداق المذكور براءة صحيحة شرعيّة، براءة قبض واستيفاء؛ ويؤرّخ.
إذا باع الوصىّ دارا بالغبطة «2» الزائدة على ثمن المثل بغير حاجة لمن هو تحت الحجر
فالطريق فى ذلك أن يكتب محضرا بالقيمة يشهد فيه شهود القيمة والمهندسون وينادى عليها بحضرة عدلين، ويثبت ذلك عند الحاكم؛ وصورة المحضر فى باب المحاضر؛ ثم يكتب المبايعة، وصورة ما يكتب: هذا ما اشترى فلان لنفسه من فلان القائم فى بيع ما يذكر فيه على فلان بن فلان الذى هو تحت ولاية نظره بمقتضى الوصيّة المفوّضة اليه من والده، الثابتة بمجلس الحكم العزيز وعدالته، ونسختها ...
وأرخها «3» ... وأسماء شهودها ... والحاكم الذى ثبتت عنده ... وصورة علامته ... -
(9/60)

وإن اختصر ولم يذكر نسختها فذلك كاف- لما رأى له فى ذلك من الحظّ والمصلحة، وحسن النظر، والغبطة «1» الزائدة على ثمن المثل، حسب ما يشهد بذلك محضر القيمة والغبطة «2» المشروح آخره، الثابت بمجلس الحكم العزيز الثبوت الشرعىّ يشهد على الحاكم بذلك من يعيّنه فى رسم شهادته آخره؛ اشترى منه بقضيّة ذلك وحكمه جميع الدّار الفلانيّة- وتوصف وتحدّد- شراء صحيحا شرعيّا بثمن مبلغه كذا وكذا، تقابضا وتفرّقا بالأبدان عن تراض، بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعيّة؛ والسبب فى هذه المبايعة أنّ الوصىّ البائع المذكور نجّز محضرا يتضمّن مسير أرباب الخبرة بالعقار وتقويمه والعدول والمهندسين المندوبين من مجلس الحكم العزيز لذلك- وهم فلان وفلان شاهدا القيمة، وفلان وفلان المهندسان- الى الدّار «3» المذكورة، وشاهدوها، وأحاطوا بها علما وخبرة، وذكروا أنّ القيمة عنها كذا وكذا، وأنّها قيمة المثل يومئذ، لا حيف فيها ولا شطط، ولا غبينة «4» ولا فرط «5» ، وأنّ الحظّ والمصلحة فى بيع الدار المذكورة بزيادة كذا وكذا لتتمّة كذا وكذا، وهو الثمن المعاقد عليه، وأقام كلّ منهم شهادته عند القاضى فلان بذلك، وأعلم تحت شهادتهم ما جرت العادة به من علامة الأداء والقبول، ثم أشهرت «6» الدار المذكورة بحضرة عدلين:
هما فلان وفلان، فى صقعها وغيره من الأصقاع ومظانّ الرّغبة مدّة ثلاثة أيّام فلم يحضر من بذل زيادة على ذلك، وقد أقام كلّ من شاهدى النداء شهادته عند الحاكم المذكور بذلك، وأعلم تحت رسم شهادته علامة الأداء حسب ما تضمّنه
(9/61)

المحضر المذكور المؤرّخ بكذا وكذا، الذى بأعلاه علامة الثبوت، ومثالها كذا وكذا وشهد على الحاكم بثبوت ذلك عنده من يعيّنه فى رسم شهادته آخر هذا المكتوب؛ فلمّا تكامل ذلك كلّه وقع الإشهاد «1» على الوصىّ البائع والمشترى بما نسب إلى كلّ منهما بعاليه بتاريخ كذا وكذا.
وإن كان الوصىّ باع بإذن الحاكم كتب ذلك كما تقدّم فى حقّ أمين الحكم؛ ويجوز أن يبيع «2» الوصىّ بغير محضر، وإنّما المحضر أقطع للتنازع، وأدفع للطاعن.
اذا باع الوصىّ دارا على يتيم للحاجة من غير أن يثبت الحاجة ولا القيمة
فذلك جائز، وإنّما يخاف من التنازع؛ فإذا أراد ذلك كتب ما مثاله: هذا ما اشترى فلان بماله لنفسه من فلان وصىّ فلان بن فلان على ولده لصلبه فلان الطفل الذى هو تحت حجره وولاية نظره، متصرّفا فيما له وعليه بمقتضى الوصيّة التى بيده، الثابتة فى مجلس الحكم العزيز بالجهة الفلانيّة، القائم فى بيع ما يذكر فيه على فلان الطفل الذى تحت حجره وولاية نظره، لما دعت اليه الحاجة من نفقته وكسوته ولوازمه الشرعيّة، وأنّه ليس له موجود غير هذه الدار المذكورة، وليس منها أجرة تكفيه، ولما رأى له فى ذلك من الحظّ والمصلحة وحسن النظر؛ اشترى
(9/62)

منه بقضيّة ذلك وحكمه جميع الدّار الفلانيّة، الجارية فى يده وتصرّفه ملكا لفلان المبيع عليه- وتوصف وتحدّد- شراء صحيحا شرعيّا، بثمن مبلغه كذا وكذا، دفعه المشترى المذكور من ماله للبائع المذكور، فقبضه منه وتسلّمه، وصار بيده وقبضه وحوزه لفلان المبيع عليه، وسلم الوصىّ البائع المذكور للمشترى المذكور ما باعه إيّاه، فتسلّمه وصار بيده وملكه وحوزه، ومالا من أمواله، وذلك بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعيّة، والتفرّق بالأبدان عن تراض، وضمان الدّرك فى صحّة البيع «1» ، وبعد أن اعترف الوصىّ البائع أنّ الثمن المذكور هو قيمة المثل يومئذ، لا حيف فيه ولا شطط ولا غبينة «2» فيه ولا فرط «3» ، وصدّقه المشترى على ذلك؛ ويؤرّخ.
إذا ابتاع الوصىّ دارا ليتيم على يده
كتب ما مثاله:
هذا ما اشترى فلان لفلان بن فلان الطفل الذى فى حجره وكفالته وولاية نظره، بماله الذى تحت يده، المنتقل إليه بالإرث عن والده المذكور، الذى كان فى حال حياته وصّاه عليه، وجعله ناظرا فى مصلحته، وذلك بمقتضى الوصيّة التى بيده، الثابتة بمجلس الحكم الشريف وعدالته، لما رأى له فى ذلك من الحظّ والمصلحة وحسن النظر؛ اشترى له بقضيّة ذلك وحكمه من فلان جميع الدار الفلانيّة- وتوصف وتحدّد، ويكمّل المبايعة على ما تقدّم- وذلك بعد أن اعترف الوصىّ بأن الثمن المذكور هو ثمن المثل، لا حيف فيه ولا شطط، وصدّقه البائع على ذلك؛ ويؤرّخ.
(9/63)

إذا عوّض الرجل ابنته الطفلة دارا بدار «1» لها
كتب ما مثاله:
حضر الى شهوده فى يوم تاريخه فلان، وأشهد على نفسه طوعا أنه عوّض ابنته لصلبه فلانة الطفلة، التى تحت حجره وكفالته وولاية نظره- لما رأى لها فى ذلك من الحظّ والمصلحة وحسن النظر- جميع الدّار التى بيده وملكه وتصرّفه- على ما ذكر- بجميع «2» الدّار التى بيده وتصرّفه ملكا لابنته المذكورة- وتوصف وتحدّد- لما رأى لها فى ذلك من الحظّ والمصلحة والغبطة، ولعلمه أنّ الدّار التى عوّض ابنته بها «3» - وهى المبتدأ بذكرها- أجود من الدّار التى تعوّضت منها وأعمر، وأكثر أجرة وقيمة، معاوضة صحيحة جائزة، قبلها من نفسه لابنته، وسلّمها من نفسه لنفسه لابنته المذكورة، ورفع عنها يد ملكه، ووضع عليها يد ولايته ونظره، وأخرج الدّار الفلانيّة المثنّى بذكرها من ملك ابنته المذكورة إلى ملكه، وسلّمها من نفسه لنفسه وصارت بيده وقبضه وحوزه، ومالا من جملة أمواله، ورفع عنها يد نظره وولايته ووضع عليها يد ملكه، كلّ ذلك بحقّ هذا التعويض، وبحكم ذلك صارت الدار المبتدأ بذكرها ملكا لابنته المذكورة دونه ودون كلّ أحد بسببه «4» ، وصارت الدّار
(9/64)

المثنّى بذكرها ملكا له دون ابنته المذكورة ودون كلّ أحد بسببها، وأقرّ بأنه عارف بذلك المعرفة الشرعيّة النافية للجهالة، وأنّه رآها الرؤية المعتبرة، وأحاط بها علما وخبرة؛ ويؤرّخ.
[اذا] «1» اعترف رجل بأنه كان من مدّة باع لرجل دارا
كتب ما مثاله:
أقرّ فلان بأنه كان بتاريخ كذا وكذا باع لفلان جميع الدّار الكاملة، التى كانت يوم تعاقدهما عليها فى يده وملكه وتصرّفه، على ما ذكر- وتوصف وتحدّد- بيعا صحيحا شرعيّا، بثمن مبلغه كذا وكذا، وأنّه قبض الثمن منه لنفسه، وتسلّمه وصار بيده وقبضه وحوزه، وأنّه «2» من التاريخ المذكور اشتراها منه بالثمن المعيّن أعلاه وسلّمه له، وتسلّم منه الدار المذكورة أعلاه، وصارت بيده وقبضه وحوزه، ومالا من جملة أمواله؛ وأقرّا بأنّهما كانا تعاقدا على ذلك كذلك من التاريخ المذكور معاقدة صحيحة شرعيّة شفاها بينهما بالإيجاب والقبول، ثم تفرّقا عن تراض؛ وأقرّا بأنّهما عارفان بها، وأنّهما نظراها قبل ذلك، وأحاطا بها علما وخبرة نافية للجهالة، وضمن البائع المذكور درك «3» ما باعه فيه وقبض ثمنه بسببه ضمانا شرعيّا، ولم تبق لكلّ منهما مطالبة قبل الآخر بسبب من الأسباب، ولا حقّ من الحقوق الشرعيّة، وأنّ الدّار صارت ووجبت بطريق الابتياع المذكور ملكا لفلان المقرّ له ملكا صحيحا شرعيّا دون البائع ودون كلّ أحد بسببه؛ ويؤرّخ.
(9/65)

إذا كان البائع هو السلطان
كتب ما مثاله: هذا كتاب مبايعة شرعيّة، جائزة مرضيّة؛ أمر بكتبه وتسطيره، وإنشائه وتحريره؛ واستيفاء مقاصده، واستكمال معانيه وفوائده، المولى السيّد الأجلّ السلطان المالك الملك الفلانىّ أبو فلان- وتذكر ألقابه ونعوته الملوكيّة وسلطنته على العادة، ويدعى له بما يدعى للملوك من النصر والاقتدار وغير ذلك- وأشهد على نفسه الشريفة من حضر مقامه الشريف من العدول الواضعى خطوطهم آخره أنه باع لفلان جميع كذا؛ ويكمّل المبايعة.
إذا اشترى للسلطان وكيله قدّم اسم السلطان،
وهو أن يكتب: هذا ما اشترى للمولى السيّد الأجلّ السّلطان المالك الملك الفلانىّ، وكيله فلان، بماله المبارك النّامى، وتوكيله إيّاه فى ابتياع ما يذكر فيه بالثمن الذى تعيّن فيه، والتسليم والتسلّم اللّذين يشرحان «1» فيه، يشهد عليه- خلّد الله ملكه- بذلك من يعيّنه فى رسم شهادته آخره؛ من فلان «2» جميع الشىء الفلانىّ؛ ويكمّل.
وان كان البائع وكيل بيت المال
كتب مشروح على العادة بالشهادة على بعض المهندسين، مثاله: مشروح رفعه كلّ واحد من فلان وفلان المهندسين على العقار بالبلد الفلانىّ، بقضيّة حال الدّار الكاملة، الجارية فى ديوان المواريث الحشريّة «3»
(9/66)

التى بالمكان الفلانىّ- وتوصف وتحدّد- شاهدا «1» الدار المذكورة على الصفة المشروحة أعلاه، وأحاطا بها علما وخبرة، وكتب هذا المشروح ليثبت علمه بالديوان المعمور؛ ويؤرّخ.
ثمّ يكتب مكتوب على المهندسين، ويشهد فى آخره شهود القيمة، مثاله:
يقول كلّ واحد من فلان وفلان المهندسين على العقار بالبلد الفلانىّ: إنّهما سارا «2» صحبة فلان وكيل بيت المال المعمور الى حيث الدار الآتى ذكرها ووصفها وتحديدها فيه، الجارية فى ديوان المواريث الحشريّة «3» ، وهى بالمكان الفلانىّ- وتوصف وتحدّد- وأحاطا بها علما وخبرة، وقوّماها بما مبلغه كذا وكذا، وقالا: إنّ ذلك قيمة المثل التى لا حيف فيها ولا شطط، ولا غبينة «4» ولا فرط «5» ، وأنّ الحظّ والمصلحة فى البيع بذلك؛ ويؤرّخ.
وتكتب على ظهره «6» حجّة على سماسرة العقار، صورتها: يقول كلّ واحد من فلان وفلان المناديين على العقار: إنّهما أشهرا «7» ما ذكر «8» باطنه فى مظانّ الرّغبات، ومواطن الطلبات، فى صقعها وغيره من الأصقاع دفعات متفرّقة، وأوقات متعدّدة، فلم
(9/67)

يسمعا من بذل زيادة على ما قوّم باطنه؛ ويؤرّخ، ويشهد عليهما فيه. ثمّ تكتب قصّة باسم المشترى للمقام الشريف السلطانىّ، ويكتب عليها صاحب الدّيوان ويجاوب وكيل بيت المال المعمور، ويخرج الحال على ظهرها، ثم يوقّع «1» صاحب الدّيوان بحمل المبلغ إلى بيت المال المعمور، فاذا حمل وقّع صاحب الدّيوان وتلصق الحجّة على القصّة، فاذا كمل ذلك عاقد «2» وكيل بيت المال، وصورة المكاتبة:
هذا ما اشترى فلان بماله لنفسه من القاضى فلان، وكيل بيت المال المعمور والقائم فى بيع ما يذكر فيه بأحكام الوكالة التى بيده، المفوّضة إليه من المقام الشريف السلطانىّ الملكىّ الفلانىّ الذى جعل له فيها بيع ما هو جار فى أملاك بيت المال المعمور، وغير ذلك على ما نصّ وشرح فيها، وما مآله الى بيت المال المعمور بالقضايا الشرعيّة، الثابتة وكالته فى مجلس الحكم العزيز الثبوت الشرعىّ، المتوّجة بالعلامة الشريفة، ومثالها كذا وكذا؛ اشترى منه بقضيّة ذلك وحكمه جميع الدّار الفلانيّة، الجارية فى رباع المواريث «3» الحشريّة، الموروثة عن فلان المتوفّى إلى رحمة الله تعالى، أو التى أظهرها الكشف- وتوصف وتحدّد- شراء صحيحا شرعيّا بثمن مبلغه كذا وكذا دينارا أو درهما حالّة، وذلك محمول الى بيت المال المعمور [على ما شهد «4» به وصول بيت المال المعمور] المشروح فى آخره؛ وتسلّم المشترى
(9/68)

المذكور ما ابتاعه بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعيّة، والتفرّق بالأبدان عن تراض، وانقضاء أمد الخيار الشرعىّ الذى اشترطه البائع على المشترى المذكور، وهو ثلاثة أيّام؛ وأقرّ المشترى المذكور أنّ ذلك صائر فى أملاك بيت المال المعمور؛ والسبب فى هذه المبايعة أنّ المشترى المذكور رفع قصّة باسمه أنهى فيها: ...
- وتنقل الى آخرها- فوقّع على ظهرها من جهة متولّى الدّيوان المعمور ما مثاله:
«ليذكر ما بذل «1» عليه «2» للدّيوان المعمور» ؛ ... «3» ومثاله: ... - وينقل إلى عند «4» الصفات المحدودة، ويكتب تاريخه- ثمّ تلاه توقيع كريم، ومثاله: ليتقدّم المجلس ... - وينقل جميع ما فيه- ثمّ تلاه جواب متولّى الوكالة الشريفة بما مثاله:
«المملوك فلان الوكيل» ... - وينقل- ثم نجّز المشترى المذكور وصولا»
من بيت المال المعمور شاهدا له بحمل الثمن المذكور، ونسخته بعد البسملة ... - وينقل ما فيه- ثمّ تلاه توقيع كريم، إذا كان- وينقل جميع ما فيه- وذلك كلّه بعد أن أخذت الحجّة الملصقة بأعلى التوقيع الدّيوانىّ، المتضمّنة الإشهاد على كلّ واحد من فلان وفلان المهندسين على العقار أنّ القيمة المعيّنة فيها- وهى كذا وكذا- قيمة المثل يومئذ- وتشرح الى آخر التاريخ- بشهادة فلان وفلان سماسرة
(9/69)

العقار، بأنّهما أشهرا «1» ذلك على ما تضمّنته «2» ؛ فلمّا تكامل ذلك كلّه وقع «3» الإشهاد على القاضى فلان وكيل بيت المال المعمور والمشترى بما نسب إلى كلّ منهما؛ ويؤرّخ.
وان باع وكيل بيت المال بغير توكيل بيع بل بحجّة قيمة
كتب: هذا ما اشترى فلان من فلان وكيل بيت المال المعمور- كما تقدّم- جميع قطعة الأرض الحاملة لبناء المشترى، الآتى ذكرها وذرعها «4» وتحديدها فيه، الجارية فى أملاك بيت المال المعمور، مضافة الى ديوان المواريث «5» الحشريّة، أو ديوان الأحكار، وهى بالمكان الفلانىّ- وتذرع وتحدّد- شراء صحيحا شرعيّا، بثمن مبلغه كذا وكذا الجميع حالّ محمول إلى بيت المال المعمور، على ما شهد به وصول «6» بيت المال المعمور المشروح فى آخره، وتسلّم المشترى المذكور ما ابتاعه بعد النّظر والرّضا والمعرفة والمعاقدة الشرعيّة، والتفرّق بالأبدان عن تراض، وانقضاء أمد الخيار الذى اشترطه البائع على المشترى، وهو ثلاثة أيّام؛ وأقرّ المشترى المذكور أنّ الأرض المذكورة جارية فى ديوان المواريث؛ وذلك بعد اكتتاب حجّة تتضمّن الإشهاد على كلّ واحد من فلان وفلان المهندسين على العقار- وتشرح كما تقدّم- والشهادة على
(9/70)

السماسرة؛ فحينئذ استظهر «1» القاضى فلان البائع على المشترى بكذا وكذا، فتكون جملة ما تقرّر من القيمة «2» والاستظهار ورسم الوكالة جميع الثمن المذكور أعلاه؛ ثم بعد ذلك حضر وصول «3» من بيت المال المعمور شاهد له بحمل الثمن المذكور، نسخته كذا وكذا، وعلى ظهره توقيع كريم، مثاله كذا وكذا «4» ... ؛ فلمّا تكامل ذلك كلّه «5» وقع الإشهاد؛ ويؤرّخ.
وان كان المشترى أجرى باسمه «6» الثمن من بيت المال وأنعم عليه به
كتب ما مثاله: هذا ما اشترى فلان بن فلان؛ ويذكر الثمن، ويقول:
«وهو مجرى من بيت المال المعمور» ؛ ويكمّل المبايعة نحو ما تقدّم، ويكتب:
«ثمّ أحضر المشترى توقيعا شريفا سلطانيّا بالإنعام عليه بالثّمن» ؛ وينقل إلى آخره؛ والله أعلم بالصواب.
إذا اشترت امرأة من وكيل بيت المال دارا جارية فى رباع المواريث «7» الحشريّة بما لها فى ذمّته «8» ،
ثم قاصّت «9» بما لها
(9/71)

فى رباع ديوان المواريث، يكتب: [هذا «1» ] ما اشترت [فلانة «2» ] من وكيل بيت المال- كما تقدّم- جميع الدار الكاملة الجارية فى ديوان المواريث الحشريّة- على ما ذكرت المشترية- المقبوضة عن فلان المتوفّى إلى رحمة الله تعالى، وهى بالمكان الفلانىّ- وتوصف وتحدّد- شراء صحيحا شرعيّا بثمن مبلغه من الدراهم كذا وكذا، الجميع حالّ، وتسلّمت «3» المشترية ما ابتاعته بعد النظر والرّضا والمعرفة والمعاقدة- نحو ما تقدّم- ثم بعد ذلك قاصّ «4» القاضى فلان المشترية المذكورة بالذى توجّه على الديوان المعمور إيفاؤه من تركة زوج المشترية المذكورة فلان وهو مبلغ صداقها عليه، الثابت لها بمجلس الحكم العزيز، ومبلغه كذا وكذا، وهو نظير الثمن المذكور فى قدره وجنسه وحلوله، مقاصّة «5» صحيحة شرعيّة، برئت بها ذمّة المشترية من الثمن، وذمّة زوجها من نظير ذلك الصداق؛ والسبب فى هذه المبايعة والمقاصّة «6» أنّ المشترية المذكورة أثبتت صداقها على زوجها فلان فى مجلس الحكم العزيز، ومبلغه كذا وكذا، المؤرّخ الصداق بكذا وكذا، وأسجل لها الحاكم على نفسه- وهو القاضى فلان- بثبوت ذلك عنده، والحكم به، وأشهد لها على نفسه بذلك، وذلك بعد استحلافها اليمين الشرعيّة، المؤرّخ الحلف بكذا وكذا؛ ثم بعد ذلك رفعت المشترية قصّة مترجمة باسمها، مثالها: المملوكة ... ؛ ويشرح ما فيها
(9/72)

وما تضمّنه التوقيع «1» كما تقدّم، ويشرح مسطور القيمة نحو ما تقدّم.
هذا ما اتّفق «2» إيراده فى البيوع على اختلاف «3» الوقائع؛ والله أعلم.
وأما الردّ بالعيب والفسخ
- فإنه اذا اشترى رجل من آخر دارا أو عبدا أو أمة أو دابّة، واطّلع على عيب يوجب الردّ بالعيب، وأراد الإشهاد بذلك، كتب ما مثاله: حضر إلى شهوده فى يوم تاريخه فلان، وأشهد عليه أنه ابتاع «4» قبل تاريخه من فلان جميع الشىء الفلانىّ، وأنّه اطّلع فى يوم تاريخه على أنّ به عيبا قديما مزمنا يوجب الردّ، وهو الشىء الفلانىّ- ويذكر العيب- وأنه حين اطّلاعه على العيب حضر إلى شهوده على الفور، واختار فسخ البيع وردّ المبيع على بائعه بالعيب المذكور، وأنّه باق على طلب الردّ، واستعادة الثمن الذى أقبضه له، ورفع يده عن التصرّف فى الشىء الفلانىّ رفعا تامّا؛ ويؤرّخ.
فى مقايلة «5» تكتب على ظهر المبايعة،
ومثالها: أقرّ كلّ واحد من فلان- وهو المشترى باطنه- وفلان- وهو البائع باطنه- بأنّهما تقايلا أحكام
(9/73)

المبايعة المشروحة باطنه، وهى [فى «1» ] جميع الدّار الموصوفة المحدودة، التى كان فلان المبدأ «2» باسمه ابتاعها من فلان المثنّى باسمه بالثمن المعيّن فى باطنه، وهو كذا وكذا مقايلة صحيحة شرعيّة؛ ودفع البائع المذكور للمشترى المذكور جميع الثمن بتمامه وكماله فقبضه منه، وتسلّمه، وصار بيده وقبضه وحوزه؛ ورفع المشترى يده عن الدّار المذكورة، وسلّمها للبائع على صفتها الأولى، فتسلّمها منه، وذلك بعد النظر والمعرفة والتفرّق بالأبدان عن تراض.
وأما الشّفعة
«3» - فالذى يكتب فيها أنّه اذا اشترى رجل حصّة من دار وحضر مالك بقيّة الدار فطلب الحصّة بالشّفعة، وصدّقه المشترى على ذلك، كتب ما مثاله: حضر الى شهوده فى يوم تاريخه كلّ واحد من فلان بن فلان، وفلان بن فلان- وهو المشترى المذكور باطنه- وأعلم فلان المبتدأ بذكره فلانا المشترى باطنه- أنّ فى ملكه من الدّار الموصوفة المحدودة باطنه كذا وكذا سهما من أربعة وعشرين سهما شائعا فى «4» جميع الدّار المذكورة، وأنّه يستحقّ أخذ الحصّة التى ابتاعها منها بالشّفعة الشرعيّة، وأنّه قام على الفور «5» عند سماعه بابتياع الحصّة المذكورة باطنه
(9/74)

من غير إمهال، واجتمع بالمشترى المذكور، وأعلمه بما ذكر؛ فحينئذ صدّقه المشترى على صحّة ذلك جميعه تصديقا شرعيّا، والتمس منه القيام له بنظير الثمن الذى دفعه المشترى «1» المذكور باطنه عن الحصّة المذكورة باطنه؛ فأحضره إليه بكماله، وهو كذا وكذا، وأقبضه له، فقبضه منه، وتسلّمه، وصار بيده وقبضه وحوزه؛ وسلم المشترى المذكور باطنه لفلان المبتدإ بذكره المستشفع «2» المذكور الحصّة المذكورة، ومبلغها كذا وكذا سهما من أربعة وعشرين سهما شائعا فى جميع الدّار الموصوفة المحدودة باطنه، فتسلّمها منه، وصارت بيده وقبضه وحوزه عن هذه «3» الشفعة؛ وأقرّا بأنّهما عارفان بها المعرفة الشرعيّة، وبحكم ذلك كمل لفلان المستشفع «4» بما فى ملكه متقدّما وبهذه الحصّة ملك جميع الدّار المذكورة بالشّفعة المذكورة، ولم يبق لفلان المشترى المذكور باطنه فى الدّار المذكورة حقّ ولا طلب بسبب ملك، ولا يد، ولا ابتياع، ولا حقّ من الحقوق الشرعيّة؛ وبمضمونه شهد؛ ويؤرّخ.
إذا ادّعى رجل على رجل أنّ الحصّة التى ابتاعها من شريكه يستحقّها بالشّفعة ولم يصدّقه على ذلك،
وكلّفه إثبات الملك وقبول «5» القسمة- فالذى يفعل فى ذلك أن يثبت المدّعى ابتياعه عند الحاكم
(9/75)

ثم يثبت محضرا بقبول القسمة؛ فإن لم يكن معه كتاب ابتياع كتب محضرا بأنّه مالك لحصّته من الدّار، وصيغة المحضر: شهد الشهود الواضعون خطوطهم آخره- وهم من أهل الخبرة الباطنة «1» فيما شهدوا به فيه «2» - أنّهم يعرفون فلانا معرفة صحيحة شرعيّة، ويشهدون أنّه مالك لجميع الحصّة التى مبلغها كذا وكذا سهما من أربعة وعشرين سهما شائعا غير مقسوم من جميع الدّار الفلانيّة، التى بالمكان الفلانىّ- وتوصف وتحدّد- ملكا صحيحا شرعيّا، من وجه صحيح شرعىّ، وأنّه متصرّف فى الحصّة المذكورة بالسكن والإسكان والإجارة والعمارة، وأنّها باقية فى ملكه ويده وتصرّفه إلى الآن، ولم تخرج عنه بتمليك «3» ، ولا بيع، ولا هبة، ولا إقرار، ولا صدقة، ولا غيرها ولا بوجه من وجوه الانتقالات كلّها، وهم بالدّار فى مكانها عارفون، وأنّ تلك «4» الحصّة التى مبلغها كذا وكذا سهما من أربعة وعشرين سهما شائعا فى الدّار المذكورة ابتاعها «5» فلان بن فلان من فلان بن فلان شريك فلان متنجّز «6» هذا «7» المحضر، وأنّ متنجّزه قام فى طلب الحصّة المبيعة وأخذها من المشترى المذكور بالشّفعة الشرعيّة بحكم أنّه مالك للحصّة المشهود بها ملكا شرعيّا متقدّما على ابتياع المشترى المدّعى عليه
(9/76)

وأنّه قام على الفور «1» فى طلب الحصّة المبيعة من المشترى من غير تأخير ولا عاقة «2» ؛ يعلمون ذلك ويشهدون به بسؤال «3» من جازت مسألته، وسوّغت الشريعة المطهّرة إجابته؛ ويؤرّخ؛ ثم يشهد فيه الشهود عند الحاكم. ثمّ يكتب تحته محضرا بأنّ الدّار المذكورة قابلة للقسمة «4» ، وصيغته: شهد الشهود الواضعون خطوطهم آخره- وهم من أهل الخبرة بالعقار وتقويمه وقسمته- أنّهم ساروا بإذن صحيح شرعىّ من القاضى فلان الحاكم بالجهة الفلانيّة إلى حيث الدّار الآتى ذكرها فيه، الجارية منها حصّة مبلغها كذا وكذا سهما فى ملك فلان متنجّز المحضر الأوّل المستشفع «5» فيه «6» ، وحصّة مبلغها كذا وكذا سهما فى ملك المشترى المدّعى عليه الشفيع «7» المذكور، منتقلة إليه بالابتياع الشرعىّ [من شريك «8» ] المستشفع «9» المذكور، لكشف حالها، ومعرفة جملتها وتفصيلها، وسبب طلب الشّفعة من متنجّز هذا المحضر فيها «10» ، بحكم ابتياع المشترى الشفيع «11» لحصّته «12» فيها ودخوله على المستشفع «13» ، وأنّها هل تتهيّأ فيها قسمة التعديل بالأجزاء
(9/77)

المقتضية «1» لخير الشّريك؟ فألفوها فى البلد الفلانىّ- وتوصف وتحدّد- وتأمّلوها وأحاطوا بها علما وخبرة، فوجدوها قابلة لقسمة التعديل الموجبة لخير الشّريك وشهدوا أنّها تمكن قسمتها جزأين، أو تمكن قسمتها ثلاثة أجزاء، ومهما كان، على قدر ملك كلّ واحد من الشركاء، كلّ جزء مساو للجزء الآخر فى القيمة والانتفاع به؛ شهدوا بذلك بسؤال من جاز سؤاله، وسوّغت «2» الشريعة المطهّرة إجابته؛ ويؤرّخ، ويشهد فيه عند الحاكم.
ثمّ يكتب إسجال الحاكم، وصورته: هذا ما أشهد على نفسه سيّدنا ومولانا قاضى القضاة فلان من حضر مجلس حكمه ومحلّ ولايته- وهو يومئذ نافذ القضايا والأحكام، ماضى النقض والإبرام- أنّه ثبت عنده وصحّ لديه بمحضر من متكلّم جائز كلامه، مسموعة دعواه على الوجه الشرعىّ، مضمون المحضرين المسطّرين باطنه:
أحدهما- وهو الأوّل- مضمونه: أنّ فلان بن فلان المستشفع المدّعى مالك لجميع الحصّة التى مبلغها كذا وكذا سهما شائعا غير مقسوم فى «3» جميع الدّار الموصوفة المحدودة ملكا صحيحا شرعيّا، من وجه صحيح شرعىّ، وأنه متصرّف فى الحصّة المذكورة بالسكن والإسكان والإجارة والعمارة، وأنّها باقية على ملكه وفى يده وتصرّفه إلى الآن، لم تخرج عنه بتمليك «4» ، ولا بيع، ولا هبة، ولا إقرار، ولا صدقة
(9/78)

ولا بوجه من وجوه الانتقالات كلّها، وأنّ الشهود الواضعى رسم شهادتهم آخر المحضر المذكور بالدّار المذكورة عارفون «1» فى صقعها ومكانها، وأنّ ملكه للحصّة سابق على ابتياع فلان المدّعى عليه الشراء المذكور للحصّة التى ابتاعها من شريك فلان المستشفع المشروح فى المحضر الأوّل، وأنّ متنجّز «2» المحضر قام فى طلب الحصّة المبيعة وأخذها من المشترى بالشّفعة على الفور، بحكم «3» أنّه مالك للحصّة المشهود له بها، وأنّ ملكه متقدّم على ابتياع الشفيع «4» المشترى؛ وقد أقام كلّ من الشهود شهادته بذلك عند الحاكم المذكور، على ما تضمّنه المحضر الأوّل المؤرّخ بكذا وكذا، وقبل ذلك منه القبول السائغ، وأعلم تحت رسم شهادته علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود؛ والمحضر الثانى يتضمّن أنّ الدّار المذكورة قابلة للقسمة الموجبة لخير الشريك وأنّ القسمة تتهيّأ فيها على ما شرح فى «5» المحضر الثانى؛ وأقام كلّ من الشهود شهادته بذلك عند الحاكم المذكور، على ما تضمّنه المحضر الثانى المؤرّخ بكذا وكذا، وقبل ذلك منه القبول السائغ الشرعىّ، وسطّر ما جرت العادة به تحت رسم شهادته من علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود فى مثله؛ فلمّا تكامل ذلك عنده وصحّ لديه- أحسن الله إليه- أشهد عليه بثبوت المحضرين المذكورين لديه على الوجه الشرعىّ؛ وحينئذ سأل فلان متنجّز «6» المحضرين المدّعى الحاكم المذكور الحكم بمقتضى ما ثبت
(9/79)

عنده، فأجابه إلى سؤاله، وأوجب الشّفعة المذكورة، وألزم الحاكم المشار اليه المدّعى بالقيام للمشترى «1» المدّعى عليه بالثمن الذى ابتاع به الحصّة من شريك المدّعى المذكور، وهو كذا وكذا، وحكم على فلان المشترى «2» المدّعى عليه بتسليم الحصّة التى ابتاعها من شريك المستشفع «3» - وهى كذا وكذا سهما- لفلان المدّعى متنجّز المحضرين المذكورين، بحكم ثبوتهما عنده؛ فحينئذ أشهد فلان المشترى الشفيع «4» عليه أنّه قبض من المستشفع «5» نظير الثمن الذى قام به للبائع «6» - وهو كذا وكذا- عن الحصّة التى ابتاعها، وصار بيده وقبضه وحوزه، وسلم للمدّعى المستشفع «7» المذكور الحصّة الثابت أخذها منه بالشّفعة- وهى كذا وكذا سهما- فتسلّمها منه، وصارت بيده وملكه وحوزه، ملكا من جملة أملاكه، ومالا من جملة أمواله، وأضافها الى ما يملكه من الدّار المذكورة من الحصّة المشهود له بها، فقد كمل له جميع الدّار المذكورة؛ وأقرّا بأنّهما عارفان بها المعرفة الشرعيّة؛ فلمّا تكامل ذلك كلّه سأله من جاز سؤاله الإشهاد على نفسه بذلك ... «8» ... وأبقى كلّ ذى حجّة على حجّته، وهو
(9/80)

فى ذلك كلّه نافذ القضاء والحكم ماضيهما، بعد تقدّم الدعوى المسموعة وما ترتّب عليها، وتقدّم «1» - أدام الله أيّامه- بكتابة هذا الإسجال، فكتب عن إذنه متضمّنا لذلك، وذلك بعد قراءة ما تضمّنه باطنا وظاهرا، وأشهد الشفيع «2» والمستشفع «3» عليهما بما نسب الى كلّ منهما فيه، وذلك بتاريخ كذا وكذا.
وان كان بعض الثمن عروضا «4» ، والمشترى يعترف بأنّ المستشفع له حصّة فى الدّار،
وأنّ الدّار قابلة للقسمة، ولم يعترف بقيمة العروض «5» ، وطلب منه الثّمن وتحليفه على ذلك، فردّ عليه الثّمن «6» وأخذ الحصّة بالشّفعة بعد التّرافع إلى الحاكم- فسبيل الكاتب أن يكتب ما مثاله: حضر الى شهوده فى يوم تاريخه من ذكر أنّه حضر الى مجلس الحكم العزيز بالجهة الفلانيّة عند سيّدنا القاضى فلان الحاكم بها، كلّ «7» واحد من فلان ابن فلان، وفلان بن فلان، وهو المشترى باطنه، وذكر فلان المبتدأ بذكره أنه يستحقّ أخذ الحصّة المبيعة بما طلب باطنه- ومبلغها كذا وكذا سهما من أربعة وعشرين سهما شائعا فى «8» جميع الدّار الموصوفة المحدودة باطنه، التى ابتاعها المثنّى
(9/81)

بذكره من شريك المبتدإ بذكره فلان البائع باطنه- بحكم ما يجرى فى ملكه من الدّار المذكورة؛ وأنّه حين علم بابتياع المشترى للحصّة المعيّنة قام على الفور «1» فى طلب الشّفعة، وأحضر المشترى المذكور للحاكم المذكور، وادّعى عليه هذه الدّعوى وأنّ الدّار قابلة للقسمة، وأنّ قيمة العروض التى أخذها البائع باطنه كذا وكذا درهما وأنّه لم يكتم «2» قيمتها إلّا تحيّلا منه فى إقصاء «3» حقّه عن الشّفعة، وسأل سؤاله عن ذلك؛ فسأله الحاكم عن ذلك، فصدّق المدّعى [فى] «4» صحّة ما ادّعاه، وفى كلّ العروض «5» التى سلّمها للبائع المذكور باطنه، وأنّه ما يعلم قيمتها؛ فطلب يمينه على ذلك، فأبى أن يحلف، وردّ عليه اليمين، فأحلف الحاكم المدّعى على قيمة العروض، فحلف أنّ قيمتها كذا وكذا درهما، اليمين الشرعيّة المستوفاة، بمحضر من خصمه المذكور، وسأل المدّعى الحاكم المذكور الحكم له على خصمه بما يوجبه الشرع الشريف، فأجابه الى سؤاله وحكم له بوجوب الشّفعة على خصمه حكما صحيحا شرعيّا، وأوجب عليه القيام بنظير الثّمن، وهو كذا وكذا، وقيمة العروض، وهى كذا وكذا، وأوجب على المشترى تسليم الحصّة؛ فحينئذ أشهد المشترى المذكور على نفسه أنّه تسلّم نظير الثّمن، وهو كذا
(9/82)

وكذا «1» ... وصار بيده وقبضه وحوزه؛ وأشهد المدّعى المستشفع «2» أنّه تسلّم من المشترى الشفيع «3» جميع الحصّة المعيّنة باطنه تسلّما شرعيّا، وصارت بيده وقبضه وحوزه وملكه، وذلك بعد النظر والمعرفة؛ فقد كمل للمدّعى المستشفع «4» بما فى ملكه متقدّما وبهذه الحصّة ملك جميع الدّار المذكورة؛ ويؤرّخ.
فى استشفاع الأب لابنه «5» المحجور عليه، وكذلك الوصىّ وأمين الحكم، مع تصديق المشترى له على دعواه،
يكتب ما مثاله: أقرّ كلّ واحد من فلان- وهو كافل ولده فلان المراهق، أو الطفل الذى تحت حجره وكفالته وولاية نظره-، وفلان- وهو المشترى المذكور باطنه- عند شهوده طوعا بأنّ فلانا المبتدأ بذكره كافل ولده المذكور اجتمع بفلان المثنّى بذكره، وأعلمه بأنّ فى ملك ولده لصلبه فلان المذكور جميع الحصّة التى مبلغها كذا وكذا سهما من أربعة وعشرين سهما شائعا فى جميع الدّار المذكورة ... «6» بحكم تقدّم ملك ولده
(9/83)

للحصّة المذكورة التى فى يد والده المذكور، وبحكم أنّ الدّار قابلة للقسمة وأنّ الثّمن الذى قام به المشترى المذكور للبائع المذكور «1» هو ثمن المثل يومئذ، وقيمة العدل، وأنّه قام فى طلبها على الفور، لما رأى لولده فى ذلك من الحظّ والمصلحة وأنّ المشترى صدّقه على جميع ذلك تصديقا شرعيّا، والتمس منه القيام بنظير ما كان دفعه ثمنا عن الحصّة، وهو كذا وكذا، وأنّه أجابه الى ذلك، وسلم له من مال ولده فلان نظير الثّمن المذكور، وهو كذا وكذا، فقبض ذلك منه، وتسلّمه، وسلم المشترى المذكور له الحصّة المذكورة بحقّ الاستشفاع «2» ، فتسلّمها منه، وصارت بيده وقبضه وحوزه، ملكا لولده فلان، وأضافها الى ما فى يده من الحصّة الجارية فى ملك ولده؛ وبحكم ذلك كمل لولده المذكور جميع الدّار المذكورة باطنه؛ وأقرّا بأنّهما عارفان بها المعرفة الشرعيّة؛ [ويؤرّخ] .
وأما السّلم «3» والمقايلة «4» فيه
- فاذا أسلم رجل لرجل ثمنا فى قمح أو حبوب «5» أو غير ذلك كتب ما مثاله: أقرّ فلان عند شهوده بأنّه أسلم الى فلان من الدراهم
(9/84)

كذا وكذا، وسلّمها له، فتسلّمها منه فى مجلس العقد، وصارت بيده وقبضه وحوزه على حكم السّلم الشرعىّ فى كذا وكذا- ويعيّن ذلك ويصفه- يقوم له بذلك فى التاريخ الفلانىّ، محمولا الى المكان الفلانىّ، أو موضوعا بالمكان الفلانىّ؛ تعاقدا أحكام هذا السّلم بينهما معاقدة صحيحة شرعيّة بالإيجاب والقبول، ثم تفرّقا من مجلس العقد بالأبدان عن تراض؛ ويؤرّخ.
فإن تقايلا فى السّلم كتب ما مثاله: أقرّ كلّ واحد من فلان [المسلم] «1» وفلان المسلم اليه بأنّهما تقايلا أحكام السّلم الذى كانا تعاقدا عليه بينهما باطنه مقايلة صحيحة شرعيّة، وفسخا أحكامه فسخا شرعيّا، وسلم فلان المسلم اليه لفلان المسلم المبلغ المذكور باطنه، وهو كذا وكذا، فتسلّمه منه، وصار بيده وقبضه وحوزه، ولم يبق لكلّ منهما قبل الآخر حقّ من الحقوق الشرعيّة بسبب السّلم المذكور، ولا بسبب شىء منه، وتصادقا على ذلك؛ ويؤرّخ.
وأما القسمة والمناصفة
«2» - فاذا كان بين شريكين دار، وحصل الاتّفاق بينهما على قسمتها، فالذى يكتب فى ذلك: أقرّ كلّ واحد من فلان وفلان بأنّ لهما وفى ملكهما وتصرّفهما بالسوية بينهما- لا مزيّة لأحدهما على الآخر- جميع الدّار الفلانيّة- وتوصف وتحدّد- ملكا صحيحا شرعيّا؛ وأنّ ملكهما لذلك سابق لهذا الإقرار ومتقدّم عليه؛ وأنهما عارفان بها المعرفة الشرعيّة، وأنّ يديهما فيها
(9/85)

متصرّفتان تصرّف الملّاك فى أملاكهم، وذوى الحقوق فى حقوقهم، من غير مانع ولا معترض، ولا رافع ليد بسبب من الأسباب، وتصادقا على ذلك كلّه تصادقا «1» شرعيّا؛ وأنّهما فى يوم تاريخه اتّفقا وتراضيا على قسمة ذلك جزءين: قبليّا، وبحريّا، صفة القبلىّ كذا- ويحدّد- وصفة البحرىّ كذا- ويحدّد-؛ ثم بعد تمام ذلك اشترى فلان من شريكه فلان جميع النّصف الشائع فى جميع الجزء القبلىّ، وكمّل لفلان جميع الجزء البحرىّ؛ وتصادقا على ذلك تصادقا «2» شرعيّا؛ ويؤرّخ.
وإن كانا أحضرا رجلين من المهندسين كتب فى ذيل المكاتبة: وذلك كلّه بعد أن أحضرا رجلين من أهل الهندسة والخبرة بمساحة الأراضى وذرعها وقسمتها، والآدر «3» وقيمتها- وهما فلان وفلان- الى الموضع المذكور وشاهداه، وأحاطا به علما وخبرة، وقسماه بينهما جزأين، لا مزيّة لأحدهما على الآخر؛ وأنّهما اتّفقا وتراضيا على ذلك، ورضيا قولهما، وأمضيا فعلهما.
وإن كان بينهما قرعة كتب ما مثاله: وذلك كلّه بعد قرعة شرعيّة رضيا بها وحصل الاتّفاق على ما ذكر أعلاه.
وإن كان بينهما حوانيت واقتسماها بالتعديل على القرعة كتب ما مثاله: أقرّ كلّ واحد من فلان وفلان بأنّ لهما بالسويّة بينهما جميع الحوانيت- ويذكر عددها وصفتها وتحديدها نحو ما تقدّم- وأنّهما فى يوم تاريخه رغبا فى قسمتها بينهما بالتعديل والقرعة الشرعيّة، وأحضرا رجلين من أهل الهندسة والخبرة بالأراضى وذرعها وقيمة العقار وقسمته- وهما فلان وفلان- الى الحوانيت
(9/86)

المذكورة، وشاهداها، وأحاطا بها علما وخبرة، وقسماها بينهما قسمة عادلة شرعيّة بالذّرع والقيمة والمنفعة، وأقرعا «1» بينهما فى ذلك قرعة شرعيّة، جائزة مرضيّة؛ فكان الذى حصل لفلان المبتدإ بذكره جميع الحوانيت- وتعدّ وتوصف وتحدّد- التى قيمتها كذا وكذا، الجميع حقّه وحصّته من جملة الحوانيت المذكورة؛ والذى حصل لفلان المثنّى بذكره جميع الحوانيت- ويذكر فيها ما تقدّم-؛ وسلم كلّ واحد منهما للآخر ما وجب عليه تسليمه، وصار بيده وقبضه وحوزه؛ وأقرّا بأنّهما عارفان بذلك المعرفة الشرعيّة؛ تعاقدا «2» أحكام هذه القسمة بينهما معاقدة صحيحة شرعيّة شفاها بالإيجاب والقبول، ثم تفرّقا بالأبدان عن تراض؛ وأقرّ كلّ واحد منهما بأنّه لا حقّ له ولا طلب فيما صار لصاحبه مما ذكر أعلاه بوجه من الوجوه الشرعيّة على اختلافها؛ وتصادقا على ذلك، ورضى كلّ منهما بهذه القسمة واعترفا بأنّ الذى قوّم به كلّ موضع قيمة المثل يومئذ لا حيف فيها ولا شطط.
فى صفة ميراث «3» - يكتب ما مثاله: أقرّ كلّ واحد من فلان وفلان وفلان الإخوة أولاد فلان بأنّ والدهم المذكور توفّى ولم يخلّف من الورثة سواهم، وأنهم مستحقّون لميراثه، مستوعبون لجميعه، بغير شريك لهم فى ميراثه، ولا حاجب
(9/87)

يحجبهم عنه [بوجه] «1» ولا سبب، وترك لهم موروثا عنه جميع الدّار الفلانيّة- وتوصف وتحدّد-؛ فلمّا كان فى يوم تاريخه تداعوا إلى قسمة ذلك، فقسم بينهم على الوجه الشرعىّ، فتميّز لكلّ واحد منهم الثلث شائعا فيها، ووضع كلّ واحد منهم يده على ما تميّز له منها بهذا الإرث وضعا تامّا، وعرفه وعرف مقداره، وصار بيده وتصرّفه وملكه وحوزه بالإرث الشرعىّ المشروح أعلاه، يتصرّف كلّ منهم فيما صار إليه تصرّف الملّاك فى أملاكهم، وذوى الحقوق فى حقوقهم، من غير مانع، ولا دافع، ولا رافع ليد، ولا معترض بوجه ولا سبب؛ وأقرّوا بأنّهم عارفون بالدّار المذكورة المعرفة الشرعيّة، ونظروها، وأحاطوا بها علما وخبرة، وتصادقوا على ذلك كلّه، وقبل كلّ منهم هذا الإقرار لنفسه من «2» الآخر قبولا شرعيّا؛ والله مع المتّقين.
وأما الأجائر
- فإذا استأجر رجل من رجل دارا كتب ما مثاله:
استأجر فلان من فلان جميع الدّار الجارية فى يده وملكه وتصرّفه، على ما ذكر وصدّقه المستأجر على ذلك، إن صدّقه.
وإن كانت الدار وقفا عليه كتب: الجارية فى يده وتصرّفه وقفا عليه تناهت «3» منافعها إليه.
(9/88)

وإن كانت فى عقد إجارته نبّه على ذلك، فيكتب: الجارية فى يده وتصرّفه وعقد إجارته بالإيجار الشرعىّ من فلان.
وإن كان يؤجر عن موكّله كتب: الجارية فى يده وتصرّفه ملكا لموكّله فلان، وله إيجارها، وقبض أجرتها عنه بطريق الوكالة الشرعيّة التى بيده.
وإن كانت حصّة من دار كتب: جميع الحصّة التى مبلغها كذا وكذا من جميع الدّار وهى بالمكان الفلانىّ- وتوصف وتحدّد- لينتفع بها فى السكن والإسكان، ووقود النيران- إن أذن له فى ذلك- لمدّة كذا وكذا، أوّل ذلك يوم تاريخه، أو اليوم الفلانىّ من الأشهر الماضية «1» ، بأجرة مبلغها فى كلّ شهر من شهورها كذا وكذا قسط كلّ شهر فى سلخه، أو مستهلّه؛ وتسلّم ما استأجره بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعية، والتفرّق بالأبدان عن تراض؛ ويؤرّخ.
وإن استأجر مدّة كلّ يوم بعض النهار بأجرة حالّة مقبوضة أو أبرأه منها كتب ما مثاله: استأجر فلان من فلان جميع الحانوت- ويوصف ويحدّد كما تقدّم- لمدّة سنة كاملة، أو أقلّ أو أكثر، لينتفع بذلك فى السكن والإسكان طول المدّة فى كلّ يوم من أوّل النهار إلى الوقت الفلانىّ منه، خلا بقيّة
(9/89)

النّهار واللّيل، فإنّ منفعته باقية فى يد الآجر وتصرّفه، ينتفع بذلك كيف شاء، بأجرة مبلغها عن جميع هذه المدّة كذا وكذا حالّة، قبضها الآجر من المستأجر، وتسلّمها.
وإن كان أبرأه منها كتب: حالّة، أبرأه الآجر منها براءة صحيحة شرعيّة، براءة إسقاط، قبلها منه؛ وتسلم ما استأجره بعد النّظر والرّضا والمعرفة والمعاقدة الشرعيّة.
ان استأجر من رجل بماله فى ذمّته من الدّين كتب: ... لمدّة سنة كاملة، أوّلها يوم تاريخه، بما للمستأجر فى ذمّة الآجر من الدّين الحالّ الذى اعترف به عند شهوده، وهو كذا وكذا؛ وتسلّم ما استأجره؛ ويكمّل.
فصل وإن استأجر من رجل دارا لمدّة، ثم استأجر مدّة ثانية قبل انقضاء المدّة الأولى
كتب: ... لمدّة سنة كاملة مستأنفة «1» على مدّته الأولى، أوّلها اليوم الفلانىّ من الشهر الفلانىّ، بحكم أنّ الدّار مستأجرة معه على «2» [مدّة] «3» معلومة آخرها اليوم الفلانىّ، وقد استؤنفت هذه المدّة الثانية زيادة على تلك المدّة الأولى إجارة صحيحة شرعيّة، بأجرة مبلغها كذا وكذا؛ [تعاقدا على ذلك] «4» معاقدة شرعيّة
(9/90)

شفاها بالإيجاب والقبول؛ واعترف المستأجر بأنّ الدّار المذكورة فى يده وتصرّفه وأنّه عارف بها المعرفة الشرعيّة.
فصل وإن استأجر بأجرة حالّة ثم قاصّه «1» المستأجر بماله فى ذمّته
كتب: ... بأجرة مبلغها عن جميع المدّة كذا وكذا حالّة- ويكمّل الإجارة-؛ ثمّ بعد ذلك قاصّ «2» المستأجر المذكور الآجر المذكور بماله فى ذمّته من الدّين الذى اعترف به عند شهوده- وهو نظير الأجرة المذكورة فى القدر والجنس والصّفة والحلول- مقاصّة «3» شرعيّة، قبل كلّ منهما ذلك لنفسه قبولا شرعيّا؛ ولم تبق لكلّ منهما مطالبة قبل الآخر بسبب دين ولا أجرة ولا حقّ من الحقوق الشرعيّة كلّها.
وإن استأجر جماعة من رجل أرضا لبناء «4» وغيره كتب ما مثاله:
استأجر فلان وفلان وفلان من فلان جميع قطعة الأرض الطين السواد، الجارية فى يد المؤجر «5» وملكه، وهى بالمكان الفلانىّ، ومساحتها كذا وكذا قصبة بالقصبة الحاكميّة «6» ، وذرعها كذا وكذا ذراعا بذراع العمل «7» ، ليبنوا عليها ما أرادوا بناءه، ويحفروا
(9/91)

فيها ما أرادوا حفره: من الآبار المعينة «1» وآبار السّراب «2» والقنىّ والمجارى، ويعلّوا ما أرادوا تعليته، ويزرعوا ويغرسوا ما أحبّوا زراعته وغرسه، وينتفعوا بها كيف شاءوا على الوجه الشرعىّ، لمدّة ثلاثين سنة كوامل، أوّلها يوم تاريخه؛ ويكمل.
وإن كان كلّ منهم يقوم بما عليه برهن على «3» ذلك، وكذلك إن تضامنوا.
وإن استأجر وكيل دارا لموكله [من جماعة]
«4» كتب: استأجر فلان لموكّله فلان بإذنه وتوكيله إيّاه فى استئجار ما يذكر فيه بالأجرة التى تعيّن فيه للمدّة التى تذكر فيه، وفى تسلّم ما استأجره له، التوكيل الشرعىّ، على ما ذكر، أو على ما تشهد به الوكالة التى بيده؛ من فلان وفلان وفلان جميع الدّار الكاملة، الجارية فى ملكهم ويهم وتصرّفهم بالسويّة، أو بقدر حصصهم- وتوصف وتحدّد وتذكر المدّة والأجرة- ما هو لفلان عن أجرة حصّته كذا، وما هو لفلان كذا، [وما هو لفلان «5» كذا] ؛ وتسلّم ما استأجره لموكّله بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعيّة.
(9/92)

وإن آجر رجل دارا عن موكّله
كتب: استأجر [فلان] «1» من فلان القائم فى إيجار ما يذكر فيه عن موكّله فلان، بالأجرة التى تعيّن فيه، للمدّة التى تذكر فيه؛ وفى تسليم ما يؤجر لمستأجره، حسب ما تشهد به الوكالة التى بيده؛ استأجر منه بقضيّة ذلك وحكمه جميع ... ويكمّل؛ والله أعلم بالصواب.
فصل فى معاقدة حمولة «2»
عاقد فلان بن فلان السّيروان «3» فلانا على حمله وحمل محارمه وزاده «4» - وهو كذا وكذا رطلا- من البلد الفلانىّ الى البلد الفلانىّ، على ظهر جماله التى بيده وتصرّفه، بما مبلغه كذا وكذا، قبضه منه؛ تعاقدا معاقدة شرعيّة بعد النظر والمعرفة والإحاطة بذلك علما وخبرة، وعليه الشروع فى ذلك من يوم كذا وكذا.
(9/93)

فصل وإن استأجر دارا بدار
كتب: استأجر فلان من فلان جميع الدار الفلانيّة الجارية فى يد الآجر، لمدّة كذا وكذا، بجميع الدّار الجارية فى يد المستأجر- ويحدّد كلّا منهما- وتسلّم كلّ منهما ما وجب له تسلّمه من الآخر «1» تسلّما شرعيّا وصار بيده، وذلك بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعيّة؛ ويؤرّخ.
فصل وإن استأجر مركبا
كتب طولها ومحملها وعدّتها ... «2» لينتفع بها فى حمل الغلال والرّكبان، فى البحر الفلانىّ؛ وإن كان فى بحر النيل قال: «مصعدا «3» ومنحدرا» ؛ ويكمّل كما تقدّم.
فصل وإن استأجر بغلا أو حمارا
كتب: ... «4» جميع «5» الحمار، لينتفع به فى حمله وحمل قماشه «6» من المكان الفلانىّ الى المكان الفلانىّ، أو فى حمل ما يختاره من القماش «7» والأثاث، ونقل الحواصل على ظهره على قدر طاقته، لمدّة كذا وكذا؛ ويكمّل.
(9/94)

فصل إذا أجر رجل عبده أو ولده
كتب: أجر فلان ولده لصلبه فلانا المراهق الذى تحت حجره وولاية نظره، لفلان، ليعمل عنده فى صناعة كذا فى حانوته بالمكان الفلانىّ، لمدّة كذا، بأجرة مبلغها فى كلّ يوم كذا من استقبال تاريخه؛ تعاقدا [على] ذلك معاقدة شرعيّة بالإيجاب والقبول والتسليم الشرعىّ.
وان أجر نفسه كتب: أجر فلان نفسه لفلان، ليعمل عنده فى صناعة كذا؛ ويكمّل.
فصل وإن أجرت امرأة نفسها لمطلّقها
كتب: أجرت فلانة نفسها لمطلّقها الطلقة الأولى- أو مهما كان من عدد الطلاق- فلان، فى رضاع «1» ابنها منه وحضانته وغسل خرقه، وتسريح رأسه، والقيام بمصالحه فى منزلها بالمكان الفلانىّ لمدّة كذا؛ ويكمّل؛ والله أعلم بالصواب.
وإذا أجر رجل دارا على ولده الطفل أو أجر الوصىّ أو أمين الحكم
كتب: استأجر فلان من فلان القائم فى إيجار ما يذكر فيه على ولده لصلبه فلان الطفل الذى هو تحت حجره وكفالته، لما رأى له فى ذلك من الحظّ والمصلحة.
(9/95)

وإن كان الاجر الوصىّ كتب: القائم فى إيجار ذلك على فلان المحجور «1» عليه بطريق الوصيّة الشرعية التى بيده، وقبض الأجرة، وتسليم ما يأجره لمستأجره.
وإن كان أمين الحكم هو الآجر كتب: القائم فى إيجار ما يذكر فيه على فلان المحجور عليه من قبل الحكم العزيز؛ فإن كان الحاكم أذن كتب: «وذلك بإذن من سيّدنا القاضى فلان الدّين له فى ذلك» ؛ جميع «2» الدّار؛ ويكمّل.
وإن شهد بقيمة الأجرة شرحه «3» فى ذيل الإجارة.
فصل وإن استأجر رجل لولده دارا أو الوصىّ أو أمين الحكم
كتب ما مثاله: استأجر فلان لولده الذى تحت حجره وولاية نظره، لما رأى له فى ذلك من الحظّ والمصلحة.
وإن كان الوصىّ فكما تقدّم؛ أو أمين الحكم فنحوه؛ ويذكر إذن الحاكم؛ والله أعلم.
إذا استأجر الوصىّ من يحجّ عن الميّت
كتب ما مثاله: أقرّ فلان ابن فلان بأنّه أجر نفسه لفلان وصىّ فلان المتوفّى الى رحمة الله تعالى، القائم
(9/96)

فى معاقدته بالوصيّة الشرعيّة التى بيده، الثابتة بمجلس الحكم العزيز، لأن يحجّ بنفسه عن فلان الموصى المذكور حجّة الإسلام الواجبة عليه؛
وإن كانت غير واجبة
كتب: «لأن يحجّ عنه حجّة تطوّع» على أن يتوجّه من المكان الفلانىّ فى عام تاريخه قاصدا لأداء حجّة الإسلام وعمرته فى «1» البحرين العذب والملح، أو فى «2» البحر الملح، أو فى «3» البرّ، ويحرم من الميقات «4» الذى يجب على مثله، فينوى حجّة مفردة كاملة، أو يدخل الى الحرم الشريف بمكّة- شرّفها الله تعالى- فينوى عنه الحجّة المذكورة كاملة بأركانها وواجباتها وشروطها وسننها ثمّ يعتمر عنه عمرة من ميقاتها مكمّلة فروضها على الأوضاع الشرعيّة؛ وهو بالخيار
(9/97)

إن شاء أفرد، وإن شاء أقرن «1» ؛ وينوى فى جميع أفعاله وقوع ذلك عن المتوفّى الموصى المذكور، وأجر ثوابه «2» له؛ ومتى وقع منه إخلال يلزمه فيه فداء، أو وجب عليه دم كان ذلك متعلّقا به وبماله، دون مال الموصى المتوفّى؛ المشروح جميع ذلك فى كتاب الوصيّة المذكورة؛ عاقده على ذلك معاقدة صحيحة شرعيّة بالأجرة المعيّنة أعلاه «3» وهى كذا وكذا، قبضها منه وتسلّمها، وصارت بيده وقبضه وحوزه، من مال الموصى المذكور الذى فرضه فى ذلك، وأذن فى تسليمه؛ وذلك بعد أن تبيّن أنّ الآجر المذكور حجّ عن نفسه الحجّة الواجبة عليه؛ ويؤرّخ.
إذا استأجر رجل من وكيل بيت المال أرضا ليبنى عليها أو جدرا يعمد «4» عليها أو سطحا أو غير ذلك،
كتب مشروحا، وأخذ فيه خطّ شهود القيمة والمهندسين، ثم يكتب الإجارة، ويشرح فى ذيلها المشروح؛ وإن كانت بتوقيع مثل توقيع المبايعة كتب فى آخر الإجارة مثل ما يكتب فى المبايعة وهو أن يقول: والسبب فى هذه الإجارة أنّ المستأجر المذكور رفع قصّة ... وتشرح.
(9/98)

وصيغة المشروح: مشروح رفعه كلّ واحد من فلان وفلان المهندسين على العقار بقضيّة حال قطعة الأرض الآتى ذكرها وذرعها وتحديدها فيه، الجارية فى ديوان المواريث «1» الحشريّة- وتذرع وتحدّد- تأمّلاها «2» بالنظر، وأحاطا بها علما وخبرة؛ وقالا: إنّ الأجرة عنها لمن يرغب فى استئجارها لينتفع بها كيف شاء وأحبّ واختار على الوجه الشرعىّ، ويبنى عليها ما أحبّ بناءه، ويعلّى ما أراد تعليته ويحفر الآبار المعينة «3» وآبار السراب «4» والقنىّ، ويشقّ الأساسات «5» ، ويخرج الرّواشن «6» .
وإن كان المؤجر سطوحا أو جدرا أو عقودا «7» كتب زنة ما يبنيه، وهو أن يقول: «فتكون زنة ما يبنيه ويعلّيه عليها كذا وكذا قنطارا» لمدّة ثلاثين سنة كوامل ما مبلغه «8» كذا وكذا، الحالّ من ذلك كذا، وباقى ذلك- وهو كذا- يقوم به منجّما فى سلخ كلّ سنة تمضى من تاريخه كذا؛ وقالا: إنّ ذلك أجرة المثل يومئذ، لا حيف فيها ولا شطط، ولا غبينة «9» ولا فرط «10» ، وإنّ الحظّ والمصلحة فى إيجار ذلك بهذه الأجرة، ويؤرّخ.
ومن الكتّاب من يكتب أوّل المشروح ما صورته: لمّا رسم بعمل مشروح بقضيّة حال الموضع الآتى ذكره فيه، الجارى فى ديوان المواريث الحشريّة «11» ، امتثل
(9/99)

المرسوم كلّ واحد من فلان وفلان المهندسين على العقار، وسارا الى الموضع المذكور، فألفياه بالمكان الفلانىّ؛ ويوصف ويحدّد؛ ويكمّل المشروح نحو ما تقدّم.
ثمّ يكتب الإجارة، وصيغتها: استأجر فلان من القاضى فلان وكيل بيت المال المعمور، القائم فى إيجار ما يذكر فيه بأحكام الوكالة التى بيده، المفوّضة اليه من المقام الشريف، التى جعل له فيها إيجار ما هو جار فى أملاك بيت المال المعمور وغير ذلك، على ما نصّ وشرح فيها، وما مآله الى بيت المال المعمور بالقضايا الشرعيّة، الثابتة وكالته بمجلس الحكم، المتوجّة وكالته بالعلامة الشريفة، ومثالها كذا وكذا؛ استأجر منه بقضيّة ذلك وحكمه جميع قطعة الأرض التى لا بناء بها، أو الحاملة لبناء المستأجر، الآتى ذكرها وذرعها وتحديدها فيه، الجارية فى ديوان المواريث الحشريّة «1» ؛ أو جميع السّطح، أو الجدر، ليبنى على ذلك ما أحبّ وأراد بالطوب والطين والجير والجبس وآلة العمارة ما زنته كذا وكذا قنطارا- هذا يكون فى السّطح أو فى الجدار؛ وأمّا الأرض فلا- لمدّة كذا وكذا سنة، أوّلها يوم تاريخه، بأجرة مبلغها عن جميع هذه المدّة كذا وكذا، الحالّ من ذلك كذا وكذا بما فيه من المستظهر «2» [به] «3» وباقى ذلك- وهو كذا وكذا- يقوم به منجّما، فى سلخ كلّ سنة من استقبال تاريخه كذا وكذا؛ وتسلّم ما استأجره بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعيّة؛ وأقرّ المستأجر
(9/100)

بأنّ الأرض جارية فى ديوان المواريث «1» الحشريّة؛ وذلك بعد أن تنجّز «2» المستأجر المذكور مشروحا يتضمّن الإشهاد على كلّ واحد من فلان وفلان المهندسين على العقار بأنّهما سارا إلى ما ذكر أعلاه، وذكرا من الذّرع والتحديد ما وافق أعلاه، وقالا: «إنّ الأجرة فى ذلك عن كلّ سنة كذا وكذا» ؛ ويذكر ما تضمّنه المشروح، ورسم شهادة العدل فلان والعدل فلان بأنّ الأجرة المعيّنة فيه أجرة المثل يومئذ؛ ثم بعد تمام ذلك أحضر المستأجر من يده وصولات «3» بيت المال شاهدة له بحمل المال المذكور ونسخها كذا وكذا؛ فلمّا تكامل ذلك كلّه وقع «4» الإشهاد على القاضى فلان الآجر والمستأجر بما نسب الى كلّ واحد منهما فيه؛ ويؤرّخ «5» .
وإن أجر نائب وكيل بيت المال المعمور أرضا فى ديوان الأحباس
كتب ما مثاله: استأجر فلان من القاضى فلان النائب عن القاضى فلان وكيل بيت المال المعمور، القائم فى إيجار ما يذكر فيه عن مستنيبه المذكور بأحكام الوكالة التى بيد مستنيبه، المفوّضة اليه من المقام الشريف، التى لمستنيبه فيها إيجار ما هو جار فى أملاك بيت المال المعمور وأوقاف الأحباس المعمورة، وغير ذلك، على ما نصّ وشرح فيها، وما مآله الى بيت المال المعمور بالقضايا الشرعيّة، وأن يستنيب عنه
(9/101)

فى ذلك من يراه، الثابتة وكالته فى مجلس الحكم العزيز الثبوت الصحيح الشرعىّ؛ ويشهد على وكيل بيت المال المعمور بالإذن لنائبه المذكور فى ذلك من يعيّنه فى رسم شهادته آخره؛ استأجر منه بقضيّة ذلك وحكمه جميع قطعة الأرض الآتى ذكرها وذرعها وتحديدها فيه، الجارية فى ديوان الأحباس المعمور، الذى صاحب الدّيوان «1» به يومئذ فلان، ومشارف «2» الأحكار به فلان، الاذن كلّ منهما للآجر فى الإيجار المذكور، يشهد عليهما بذلك شهوده؛ وهى بالمكان الفلانىّ؛ وتوصف وتحدّد ويكمّل الإجارة كما تقدّم.
إذا كان بستانا فأجر الأرض وساقى «3» على الأنشاب
«4» كتب ما مثاله:
استأجر فلان من فلان جميع قطعة الأرض السواد، المتخلّلة بالأنشاب «5» الآتى
(9/102)

ذكرها فيه، ومساحتها كذا وكذا فدانا بالقصبة الحاكميّة «1» ؛ الجارية الأرض المذكورة فى يده وعقد إجارته، أو فى ملكه، وجميع بناء البئر المعينة «2» والساقية المركّبة على فوّهتها، المكمّلة العدّة والآلة، الذى ذلك بالموضع الفلانىّ؛ وصفة الأنشاب «3» أنّها النخل والكرم والتين «4» والزيتون والرمّان، وغير ذلك، بحدود ذلك وحقوقه، خلا الأنشاب «5» ومواضع مغارسها، فإنّها خارجة عن عقد هذه الإجارة، لمدّة ... ؛ ويكمّل كما تقدّم.
وأما المساقاة
- فإنّه إن كتبها فى ذيل الإجارة كتب ما مثاله: ثمّ بعد ذلك ساقى الآجر المستأجر ... ويكمّل.
وإن لم يكتبها فى ذيلها كتب ما مثاله: ساقى فلان مالك الأنشاب «6» الآتى ذكرها فيه فلان بن فلان على الأنشاب «7» القائمة فى الأرض الآتى ذكرها فيه، الجارى ذلك فى يد فلان المبتدإ بذكره، وهى الأرض التى بالموضع الفلانىّ، ومساحتها كذا وكذا فدانا بالقصبة الحاكميّة «8» ؛ وصفة الأنشاب «9» المساقى عليها أنّها النخل والكرم وكذا وكذا، بحسب ما يكون؛ ويحيط بذلك حدود أربعة- وتذكر- مساقاة صحيحة شرعيّة جائزة نافذة، لمدّة سنة كاملة، أوّلها يوم تاريخه، على أن يتولّى سقى
(9/103)

ذلك وتنظيفه وتأبيره «1» وغرسه وإصلاحه بنفسه، وبمن يستعين به؛ ومهما أطلعه الله تعالى من ثمر كان مقسوما بينهما على ألف جزء، جزء واحد لفلان «2» المبتدإ بذكره مالك الأنشاب، وباقى «الأجزاء» «3» لفلان المثنّى بذكره المساقى؛ وذلك بعد إخراج المؤن والكلف وحقّ الله تعالى إن وجب؛ تعاقدا على ذلك معاقدة شرعيّة، وسلم فلان المالك لفلان المساقى جميع الأنشاب المذكورة، فتسلّمها منه للعمل عليها، وصارت بيده وحوزه، وذلك بعد النظر والمعرفة، والإحاطة بجميع ذلك علما وخبرة.
وفى المساقاة على اللّيف والسّعف والكرناف «4» خلاف: فإن كان يعدّ من الثمرة جاز «5» ، وإن لم يعدّ منها لم يجز.
وأما الوصايا والشهادة على الكوافل بالقبوض «6» وما يلتحق «7» بذلك
فاذا أوصى رجل رجلا كتب ما مثاله: هذا كتاب وصيّة اكتتبه فلان، حذرا من
(9/104)

هجوم الموت عليه»
، وعملا بالسنّة النبويّة، وامتثالا لأمر «2» رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الندب إلى الوصيّة؛ وأشهد على نفسه فى حال عقله، وتوعّك «3» جسمه، وحضور حسّه، وثبوت فهمه، وجواز أمره؛ وهو عالم بأركان الإسلام، عارف بالحلال والحرام؛ متمسّك بكتاب الله وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ عالم بالموت وحقيقته والقبر ومسألته؛ متيقّن بالبعث والنشور، والصّراط والعبور؛ والجنّة والنّار، والخلود والاستقرار، غير محتاج الى تعليم ولا تكرار؛ أنّ الذين له من الورثة المستحقّين لميراثه «4» المستوعبين لجميعه: زوجته فلانة بنة فلان، التى لم تزل فى عصمته وعقد نكاحه إلى الآن؛ وأولاده منها، وهم فلان وفلان [وفلان] ، بغير شريك لهم فى ميراثه ولا حاجب يحجبهم عن استكماله؛ وأشهد على نفسه أنّ الذى عليه لزوجته كذا وكذا ولفلان كذا وكذا، وأنّ ذلك باق فى ذمّته إلى الآن؛ وأنّ الذى له من الدّين على فلان كذا وكذا، وعلى فلان كذا وكذا، وأنّ ذلك باق فى ذمّتهما إلى الآن، وأنّ الجارى فى ملكه كذا وكذا- ويعيّن ماله إن كان-؛ وأشهد على نفسه أنّه دبّر «5» مملوكه فلانا تدبيرا «6» صحيحا شرعيّا، وقال له: «أنت حرّ بعد موتى، تخرج من ثلث مالى المفسوح لى فى إخراجه» ؛ وأشهد على نفسه أنّه أوصى فلان بن فلان، وجعل له أنه اذا نزل به حادث الموت الذى كتبه الله على خلقه، وساوى فيه بين بريّته، يحتاط على جميع موجوده، ويقبضه
(9/105)

ويحرزه تحت يده، ثم يبدأ من ثلث ماله بتجهيزه وتغسيله وتكفينه ومواراته فى قبره بمن «1» يراه أهلا لذلك على الأوضاع الشرعيّة، والسنّة النبويّة؛ ثم يسارع الى قضاء ديونه الواجبة عليه، وإبراء ذمّته؛ ثم يفرز من ثلث ماله كذا وكذا، ليستأجر به رجلا مشهورا بالخير والصلاح، عارفا بأداء الحجّ، ممن حجّ عن نفسه، ليحجّ عنه، على أن ينشئ السفر من البلد الفلانىّ فى البرّ والبحر على ما يراه، بنيّة الحجّ عن هذا الموصى المذكور، فيحرم من الميقات «2» الواجب عليه فى طريقه، ويؤدّى عنه حجّة الإسلام وعمرته الواجبتين عليه شرعا، مكمّلتين بأركانهما وشروطهما وواجباتهما وسننهما على الأوضاع الشرعيّة، والسّنن المرضيّة، وينوى فى جميع أفعاله وقوع ذلك عن الموصى المذكور؛ وللوصىّ الناظر أن يسلّم اليه المبلغ المذكور فى ابتداء سفره، ليكون عونا له على هذه العبادة؛ وعلى المؤجر أن يشهد على نفسه بأداء ذلك عن الموصى ليثبت علمه عند الوصىّ المذكور؛ كلّ ذلك من رأس ماله؛ ثم يبيع ما يرى بيعه، ويقبض ثمنه، ويستخلص ماله من دين على أربابه، ويحرّر جميع ذلك؛ ثم يعود فيفرّق من ثلث ماله المفسوح له فى إخراجه، فيقوّم العبد المذكور ويخرج قيمته من ثلث ماله ويثبت عتقه؛ وإن تصدّق بشىء يذكره فى هذا الموضع، وهو أن يقول: «ثمّ يخرج لفلان كذا، ولفلان كذا، ويقف عنه الموضع الفلانىّ» - كلّ ذلك على ما يعيّنه «3» -؛
(9/106)

ثم يقسم ثلثى المال وما يفضل من الثلث المفسوح له فى إخراجه على ورثته بالفريضة الشرعيّة، فيسلّم البالغ الرشيد حصّته، ويبقى تحت يده للمحجور عليهم ما يتعيّن لهم من نقد وعروض «1» وعقار وغير ذلك، فيصرف لهم وعليهم على النظر والاحتياط إلى حين بلوغهم وإيناس رشدهم، وينفق عليهم بالمعروف، ويصرف عليهم ما تدعو الحاجة إلى صرفه؛ فمن بلغ منهم أشدّه، وآنس الناظر عليه منه صلاحه ورشده، سلّم إليه ما عساه يبقى له تحت يده من ذلك، ويشهد عليه بقبضه؛ أوصى بجميع ذلك وصيّة صحيحة شرعيّة ثابتة فى حياته، معمولا بها بعد وفاته، أقامه فيها مقام نفسه، لعلمه بدينه وعدالته وأمانته، وله أن يستنيب عنه فى ذلك من يراه؛ فإن تعذّر تصرّف فلان الوصىّ كان الوصىّ فى ذلك فلانا، فإن تعذّر كان لحاكم «2» المسلمين بالمكان الفلانىّ.
اذا عزل الموصى وصيّه بغيره
كتب: هذا ما أشهد عليه فلان أنّه عزل وصيّه فلانا عن وصيّته التى كان وصّاه بها عزلا شرعيّا، ورجع عنها؛ وأشهد عليه أنّه أسند وصيّته إلى فلان، وجعله وصيّا، وأقامه مقام نفسه؛ ويؤرّخ.
فصل اذا كلّف الحاكم الوصىّ بإثبات أهليّته
كتب على ظهر الوصيّة ما مثاله: شهد الشهود الواضعو خطوطهم آخر هذا المحضر- وهم من أهل الخبرة الباطنة «3» بما شهدوا به- أنّهم يعرفون فلانا الوصىّ المذكور باطنه معرفة صحيحة
(9/107)

شرعيّة؛ ويشهدون أنّه أهل لما فوّضه إليه فلان الموصى باطنه المتوفّى الى رحمة الله تعالى من الوصيّة المشروحة باطنه، وأنّه كاف «1» للتصرّف، عدل لهم وعليهم؛ يعلمون ذلك ويشهدون به بسؤال من جاز سؤاله.
فصل فى إسجال الوصيّة ومحضر الوصىّ
يكتب على ظهر الوصيّة: هذا ما أشهد عليه سيّدنا القاضى فلان الحاكم بالعمل «2» الفلانىّ على نفسه الكريمة من حضر مجلس حكمه وقضائه [أنه ثبت عنده «3» وصحّ لديه] بعد صدور دعوى محرّرة، مقابلة بالإنكار على الوضع الشرعىّ، بشهادة من أعلم تحت رسم شهادته علامة الأداء، مضمون الوصيّة- ويذكر تاريخها- وبآخرها رسم شهادة العدلين المذكورين؛ وقال كلّ واحد من هذين العدلين: إنه شهد على الموصى والوصىّ بما نسب الى كلّ منهما فيه، وهو بهما عارف، وإنّ الموصى توفّى الى رحمة الله تعالى فى اليوم الفلانىّ، وما علم مغيّرا لشهادته الى أن أقامها عند الحاكم بشروط الأداء المعتبرة؛ وأعلم تحت رسم شهادة «4» كل منهما علامة الأداء والتعريف
(9/108)

على الرسم المعهود بما رأى معه قبول شهادتهما؛ وأشهد عليه أيضا أنّه ثبت عنده وصحّ لديه، بعد صدور دعوى محرّرة، مقابلة بالإنكار على الوضع المعتبر الشرعىّ بشهادة عدلين، هما فلان وفلان- عرفهما فقبل شهادتهما بما رأى معه قبولها- جميع ما تضمّنه المحضر المكتتب فى ذيل هذه الوصيّة- ويذكر مضمونه وتاريخه- وبآخره رسم شهادة الشاهدين المذكورين؛ وقال كلّ منهما: إنه بما شهد عالم وبفلان الوصىّ المذكور عارف، وما علم مغيّرا لشهادته إلى أن أقامها بشروط الأداء؛ وأعلم تحت رسم شهادة كلّ منهما علامة الأداء والتعريف على الرسم المعهود فى مثله؛ فلمّا تكامل ذلك كلّه سأله من جازت مسألته، وسوّغت الشريعة إجابته الإشهاد على نفسه الكريمة بثبوت ذلك لديه، والحكم به، فأجابه إلى سؤاله، وأشهد عليه بثبوت ذلك عنده على الوجه الشرعىّ، وأطلق يد الوصىّ فى تنفيذ الوصيّة المذكورة باطنه على الوجه المشروح فيها، وحكم بذلك وأمضاه، ونفّذه وارتضاه وهو فى ذلك كلّه نافذ القضاء والحكم ماضيهما، وأبقى كلّ ذى حجّة معتبرة فيه على حجّته، وذلك بعد تقدّم الدعوى المسموعة وما ترتّب عليها بتاريخ كذا وكذا.
فصل إذا قبضت الكافلة نفقة ولدها
كتب: أقرّت فلانة المرأة الكاملة ابنة فلان، كافلة ولدها فلان بن فلان الطفل، عند شهوده، بأنها قبضت وتسلّمت من فلان وصىّ زوجها فلان المذكور والد ولدها كذا وكذا، وذلك عوضا عن نفقة ولدها لبطنها المذكور، لمدّة كذا وكذا شهرا، آخرها يوم تاريخه؛ وصار ذلك بيدها وقبضها وحوزها، من مال الموصى المذكور؛ ويؤرّخ.
(9/109)

فصل إذا خلف الموصى زوجة مشتملة على حمل، فوضعت وأراد الوصىّ إثبات ذلك
كتب: شهد من أثبت اسمه آخره من الرجال الأحرار المسلمين، شهدوا شهادة لا يشكّون فيها ولا يرتابون، أنّ فلانة وضعت الحمل الذى كانت مشتملة عليه من زوجها فلان المتوفّى الى رحمة الله تعالى ولدا ذكرا- واسمه فلان- فى اليوم الفلانىّ، وهو فى قيد الحياة الى الآن، وهم بها وبولدها عارفون؛ ولمّا سألهم من جاز سؤاله أجابوا سؤاله.
وأما العتق والتدبير وتعليق العتق
- فإذا أعتق السيّد عبده كتب:
هذا ما أشهد عليه فلان أنّه أعتق فى يوم تاريخه أو قبل تاريخه مملوكه فلانا المقرّ له بالرّقّ والعبودية، المدعوّ «1» فلانا، الفلانىّ الجنس، المسلم؛ وإن كان دون البلوغ كتب: «مملوكه المراهق، الماسك بيده عند شهوده المدعوّ فلانا» - ويذكر حلاه- عتقا صحيحا شرعيّا منجّزا، لوجه الله الكريم وطلب ثوابه العميم، يوم يجزى الله المتصدّقين، ولا يضيع أجر المحسنين، ولقول النبى صلى الله عليه وسلم: «من أعتق رقبة «2» مؤمنة أعتق الله بكلّ عضو منها عضوا
(9/110)

منه «1» حتى الفرج بالفرج» صار [به] «2» فلان حرّا من أحرار المسلمين، لا سبيل لاحد عليه إلّا سبيل الولاء الشرعىّ، فإنه لمعتقه، ولمن يستحقّه من بعده.
فإن أعتق نصف عبد وهو موسر كتب: أعتق جميع النصف من جميع العبد المقرّ له بالرّقّ والعبوديّة؛ ويكمّل العتق، ثم يكتب: «وأقرّ المعتق بأنه فى يوم تاريخه موسر بقيمة النصف الثانى» ؛ ويؤرّخ.
ثمّ يكتب خلف العتق تقويم حصّة الشريك وتكملة العتق، ومثال ما يكتب:
أقرّ فلان بأن شريكه فلانا أعتق ما يملكه من العبد المذكور باطنه، وهو النصف وهو موسر، وأنّهما أحضرا رجلين خبيرين بقيمة الرقيق، وهما فلان وفلان، وقوّما النصف من العبد المذكور يوم العتق بكذا وكذا، وأنّهما رضيا قولهما، وعلما أنّها قيمة المثل يوم ذاك، وأنّ فلانا المعتق دفع ذلك لشريكه، فقبضه منه وتسلّمه؛ وبحكم ذلك عتق النصف الثانى من العبد على فلان عتقا شرعيّا، وصار العبد بكماله حرّا من أحرار المسلمين، لا سبيل لأحد عليه إلّا سبيل الولاء الشرعىّ.
(9/111)

فصل اذا علّق رجل عتق عبده على موته ليخرج من رأس ماله
كتب: أقرّ فلان بأنّه علّق عتق عبده فلان على موته فى آخر يوم من أيام حياته «1» المتقدّم على وفاته، لاستكمال عتق عبده المذكور من رأس ماله؛ تلفّظ بذلك بتاريخ كذا.
فصل اذا دبّر «2» رجل عبده
كتب ما مثاله: دبّر «3» فلان مملوكه فلانا، الفلانىّ الجنس، المقرّ له بالرّقّ والعبوديّة، تدبيرا «4» صحيحا شرعيّا، وقال له: «متى متّ فأنت حرّ بعد موتى، تخرج من ثلث مالى المفسوح لى فى إخراجه» ؛ فبحكم ذلك صار حكمه حكم المدبّر؛ ويؤرّخ.
فإن أقرّ الورثة بخروج المدبّر من ثلث المال الموروث، أو أقرّ الوصىّ بذلك
كتب ما مثاله: أقرّ فلان وفلان [وفلان] «5» أولاد فلان بأنّ العبد المسمّى باطنه الذى كان والدهم دبّره تدبيرا شرعيّا، قوّمه أهل الخبرة والمعرفة بقيمة الرقيق، فكانت قيمته كذا وكذا، وأنّها قيمة عادلة يكمل خروجها من ثلث مال متوفّاهم؛ وبحكم ذلك صار العبد حرّا من أحرار المسلمين، لا سبيل لأحد عليه إلّا سبيل الولاء الشرعىّ؛ ويؤرّخ.
(9/112)

وأما الكتابة
«1» - فإذا كاتب رجل عبده كتب ما مثاله: كاتب فلان مملوكه الذى بيده وملكه، المقرّ له بالرّقّ، المدعوّ فلانا، الفلانىّ الجنس، المسلم لما علم فيه من الخير والديانه، والعفّة والأمانة؛ ولقوله تعالى: (فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً)
، على مال جملته كذا وكذا، يقوم به منجّما، فى سلخ كلّ شهر كذا وكذا من استقبال تاريخه، وأسقط عنه السيّد من ذلك قسط النّجم «2» الأخير، وهو كذا وكذا وأبرأه منه، لقول الله عزّ وجلّ: (وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ)
؛ مكاتبة صحيحة شرعيّة؛ وأذن له سيّده فى التكسّب والبيع والشراء؛ فمتى أوفى ذلك كان حرّا من أحرار المسلمين، له مالهم، وعليه ما عليهم، لا سبيل لأحد عليه إلّا سبيل الولاء الشرعىّ؛ ومتى ما عجز ولو عن الدرهم الفرد كان باقيا على حكم العبوديّة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «المكاتب قنّ «3» ما بقى عليه درهم» ؛ وبمضمونه شهد بتاريخ كذا وكذا.
فإن وفّى العبد مال الكتابة كتب ما مثاله: أقرّ فلان بأنّه قبض وتسلّم من مملوكه فلان المسمّى باطنه جميع المبلغ المعيّن باطنه، وهو كذا وكذا، على حكم التنجيم باطنه، وصار ذلك بيده وقبضه وحوزه، فبحكم ذلك صار فلان حرّا من أحرار المسلمين، على ما تقدّم؛ ويؤرّخ.
(9/113)

فصل وإن عجز المكاتب عن أداء ما كوتب عليه
كتب ما مثاله: حضر الى شهوده فى يوم تاريخه فلان، وأشهدهم على نفسه أنه كان كاتب عبده المذكور باطنه [المكاتبة] «1» المشروحة باطنه الى المدّة المعيّنة [باطنه] «2» ، وزادت مدّة ثانية، واستحقّ عليه كذا وكذا عن قسط كذا وكذا شهرا، ولم يقم له بها، وصدّقه العبد على ذلك واعترف بأنّه عاجز عن القيام بما حصل عليه، وأنّه سأله بعد الاستحقاق الصبر عليه إلى يوم تاريخه ليسعى فى تحصيل ما بقى عليه ... «3» ... لقوله صلى الله عليه وسلم:
«المكاتب قنّ ما بقى عليه درهم» ؛ وتصادقا على ذلك؛ ويؤرّخ.
وان كانا تحاكما عند حاكم
كتب ما مثاله: حضر إلى شهوده فى يوم تاريخه من ذكر أنّه حضر الى مجلس الحكم عند سيّدنا الفقير الى الله تعالى فلان الحاكم بالعمل الفلانىّ، كلّ «4» واحد من فلان بن فلان ومملوكه، وادّعى فلان المبتدأ باسمه على مملوكه عند الحاكم المذكور أنّه كاتبه على مال جملته كذا وكذا؛ فمتى أوفى ذلك كان حرّا من أحرار المسلمين؛ ومتى عجز عن أدائه ووفائه ولو عن درهم
(9/114)

واحد كان قنّا باقيا على العبوديّة، وأنّ المدّة المذكورة «1» انقضت، فاستحقّ عليه كذا وكذا درهما، ولم يقم له بها؛ وأنه صبر عليه مدّة ثانية، آخرها يوم تاريخه، ولم يقم له بشىء منها؛ فسأل الحاكم المملوك عن ذلك، فصدّق سيّده فى دعواه، واعترف بأنه عاجز عن الوفاء، وأنّه لم يقدر على تحصيل ما بقى؛ فحينئذ سألا الحاكم المذكور الحكم لهما بما يوجبه الشرع الشريف، فأذن له «2» الحاكم المذكور فى فسخ المكاتبة المذكورة، لقول النبىّ صلى الله عليه وسلم: «المكاتب قنّ ما بقى عليه درهم» ؛ فحينئذ فسخ السيّد المكاتبة المذكورة فسخا شرعيّا، وأبطل حكمها، وأشهد عليهما بذلك بتاريخ كذا وكذا.
وأما النكاح وما يتعلّق به
فاذا زوّج الوالد ابنته بإذنها أو زوّجها وهى غير بالغ
كتب ما مثاله: هذا ما أصدق فلان فلانة البكر البالغ ابنة فلان، صداقا تزوّجها به، على بركة الله تعالى وعونه، وحسن توفيقه ومنّه ملك به عصمتها، واستدام به- إن شاء الله- صحبتها؛ مبلغه كذا وكذا، الحالّ من ذلك كذا وكذا، قبضته الزوجة وتسلّمته، أو قبضه والد الزوجة لها بإذنها- وإن كانت تحت حجره كتب: «قبضه للزوجة والدها، ليصرفه فى مصالحها» - وباقى ذلك- وهو كذا وكذا- يقوم به منجّما، فى سلخ كلّ سنة من استقبال تاريخه كذا وكذا- وإن كان الصداق بكماله على حكم الحلول كتب: «عجّل لها الزوج من ذلك كذا وكذا، وباقى ذلك فى ذمّته على حكم الحلول» - وولى تزويجها إيّاه بذلك والدها المذكور- ويحلّى «3» فى هذا الموضع إن كان ممّن لا يعرف-
(9/115)

بحقّ ولايته عليها شرعا، وبإذنها له فى ذلك ورضاها، بشهادة من يعيّنه فى رسم شهادته، أو على ما ذكر- وإن كانت دون البلوغ كتب: «بحقّ ولايته عليها شرعا، لما رأى لها فى ذلك من الحظّ والمصلحة وحسن النّظر» - بعد أن وضح للقاضى فلان عاقد الأنكحة بالمكان الفلانىّ بالتولية الشرعيّة عن القاضى فلان أن الزوجة المذكورة بكر بالغ، خالية من موانع النّكاح الشرعيّة، وأنّها ممّن يجوز العقد عليها شرعا، وأنّ أباها المذكور مستحقّ الولاية عليها شرعا بشهادة جماعة «1» من المسلمين وهم فلان وفلان؛ فتقدّم «2» حينئذ بكتابته، وزوّجها والدها المذكور من الزوج المذكور على الصّداق المعيّن، وقبله الزوج لنفسه ورضيه؛ والله تعالى مع المتّقين؛ ويؤرّخ.
وان اعترف الأب برشدها
كتب: واعترف والد الزوجة المذكورة بأنّ ابنته رشيدة، جائزة التصرّف، لا حجر عليها.
وان كان العقد لم يحضره كاشف «3» حاكم
كتب إلى «4» عند «و «5» بإذنها له فى ذلك ورضاها» وباشر والدها المذكور عقد النكاح بنفسه، وزوّجها من خاطبها المصدق على الصداق المذكور، وقبله الزوج لنفسه؛ ويؤرّخ.
(9/116)

وان زوّجها العاقد بإذنها وإذن أبيها، أو بإذنها خاصّة إذا لم يكن لها ولىّ
كتب: وولى تزويجها إيّاه بذلك القاضى فلان عاقد الأنكحة الشرعيّة بالتولية الشرعيّة عن فلان «1» ، بإذنها وإذن والدها له فى ذلك ورضاهما، بعد أن وضح عند فلان العاقد أنّها بكر بالغ، كما تقدّم.
وإن كان الزوج ممّن مسّه الرّقّ وعتق
كتب: وعلمت الزوجة المذكورة ووالدها أنّ الزوج المذكور مسّه الرقّ وعتق، ورضيا بذلك.
وإن كانت الزوجة بكرا وزوّجها من له الولاية عليها شرعا، كالأب أو الجدّ الأعلى،
أو الأخ، أو ابن الأخ، أو العمّ، أو ابن العمّ، أو المعتق، أو ابنه أو وليّه، كتب: وولى نزويجها بذلك فلان- ويذكر نسبته منها «2» - بحقّ ولايته [عليها] شرعا، وبإذنها له فى ذلك ورضاها.
وإن كانوا جماعة إخوة كتب اسم أمثلهم «3» ، بإذنها له، وإذن بقيّة إخوتها الأشقاء- وهم فلان وفلان- له، وإذنها لإخوتها فى هذا الإذن.
وإن زوّجها الحاكم بإذنها وإذن أوليائها أو أحدهم ذكر «4» ، بشهادة من يعيّنه فى رسم شهادته آخره.
وان كانت الزوجة ثيّبا
كتب كما تقدّم، ويكتب: بعد أن حضر الى العاقد المذكور من عرّفها عنده، وهما فلان وفلان، شهدا «5» أنّهما يعرفان هذه الزوجة معرفة
(9/117)

شرعيّة، وأنّها خالية من جميع موانع النكاح الشرعيّة، ومنذ طلّقها زوجها فلان الذى دخل بها وأصابها، الطلقة الأولى الخلع «1» ، أو الثانية، أو الثلاث، أو الرجعيّة التى انقضت عدّتها ولم يراجعها، المسطّرة على ظهر صداقها أو حاشيته، المؤرّخة بكذا وكذا، لم تتّصل بزوج غيره الى يوم تاريخه.
وإن طلّقها قبل الدخول والاصابة كتب ونبّه عليه.
وان كان زوجها توفّى عنها
كتب: ومنذ توفّى عنها زوجها فلان من مدّة تزيد على أربعة أشهر وعشرة أيام لم تتّصل بعده بزوج إلى الآن.
وان طلقها ومات عنها وهى حامل ووضعت
كتب: وإنّ زوجها [طلّقها، و «2» ] توفّى عنها، وهى مشتملة منه على حمل، ووضعته، وانقضت عدّتها بحكم وضعها.
وان كان عن فسخ
«3» كتب: ومنذ فسخ الحاكم فلان نكاحها من زوجها فلان فى التاريخ الفلانىّ [و] انقضت «4» عدّتها، لم تتّصل بزوج إلى يوم تاريخه.
(9/118)

وإن راجع رجل امرأته من طلقة أو طلقتين
كتب: هذا ما أصدق فلان مطلّقته الطلقة الأولى الخلع، أو الثانية، المؤرّخة قرينته «1» أو باطنه، أو المكتتبة فى براءة محرّرة تاريخها كذا وكذا.
وان زوّجها الحاكم عند غيبة وليّها
نبّه عليها «2» بأن يكتب: وولى تزويجها إيّاه فلان «3» ، بعد أن وضح عنده بشهادة فلان وفلان خلوّها من الموانع الشرعيّة؛ وأنّه لا ولىّ لها حاضر سوى الحاكم العزيز، بحكم غيبة وليّها فلان- ويعيّن نسبته «4» منها- فى مسافة تقصر فيها الصلاة، وأنّ هذا الزوج كفء لها الكفاءة الشرعيّة فى الدّين والنّسب والحرّيّة؛ فحينئذ زوّجها الحاكم المذكور من الزوج المذكور على الصداق المعيّن، وقبله الزوج لنفسه ورضيه؛ ويؤرّخ.
وان زوّج الحاكم امرأة عضلها «5» وليّها وقد دعيت الى كفء
كتب: وولى تزويجها إيّاه بذلك القاضى فلان، بإذنها له فى ذلك ورضاها وبحكم أنّ والدها المذكور حضر إلى القاضى فلان، وسألته ابنته المذكورة أن يزوّجها من الزوج المذكور لمّا ثبتت كفاءته عند الحاكم، فامتنع، فوعظه القاضى فلان وأعلمه بماله من الأجر فى تزويجها، وما عليه من الإثم فى المنع، فلم يرجع إلى عظته وأصرّ على الامتناع، وعضلها «6» العضل الشرعىّ؛ وقال بمحضر من شهوده: «عضلتها «7» فلا أزوّجها» ؛ وبعد أن حضر إلى الحاكم المذكور كلّ واحد من فلان وفلان
(9/119)

وشهدا عنده أنّ الزوجة المذكورة خالية من جميع موانع النكاح الشرعيّة، وأنّ أباها المذكور عضلها العضل الشرعىّ، وأنّ هذا كفء لها الكفاءة الشرعيّة فى النّسب والدّين والصناعة «1» والحرّيّة؛ فلمّا وضح له ذلك من أمرها أذن بكتبه فكتب وزوّجها من الزوج المذكور على الصداق المعيّن، وقبله الزوج لنفسه ورضيه.
فصل إذا زوّج الصغير أو المراهق للصغيرة [أو «2» ] المعصرة
«3» كتب ما مثاله: هذا ما أصدق فلان عن ولده لصلبه فلان- ويذكر سنّه- الذى تحت حجره وكفالته وولاية نظره، لما رأى له فى ذلك من الحظّ والمصلحة فى دينه ودنياه فلانة البكر- ويعيّن سنّها- ابنة فلان التى تحت حجر والدها المذكور وكفالته وولاية نظره، لما رأى لها فى ذلك من الحظّ والمصلحة، صداقا مبلغه كذا وكذا عجّل لها من ذلك من ماله عن ولده المذكور كذا وكذا، قبضه منه والدها لابنته المذكورة ليصرفه فى مصالحها- وإن كان من مال ولده [كتب «4» : «من مال ولده المذكور] الذى تحت يده وحوطه «5» » - وباقى ذلك- وهو كذا وكذا- يقوم به
(9/120)

الولىّ من ماله عن ولده، فى سلخ كلّ سنة من استقبال العقد بينهما كذا وكذا؛ أو من «1» مال ولده المذكور الذى تحت يده وحوزه؛ وولى تزويجها إيّاه بذلك والدها المذكور، بحقّ ولايته عليها شرعا، بعد أن وضح للقاضى فلان أنّها بكر معصر «2» لم يعقد عليها عقد إلى يوم تاريخه؛ أو يكتب: «خالية من جميع موانع النكاح الشرعيّة» ؛ وأنّ أباها مستحقّ الولاية عليها شرعا، بشهادة فلان وفلان؛ فلمّا وضح ذلك عنده أذن بكتبه فكتب، وزوّجها والدها من الزوج المذكور على الصداق المعيّن، وقبله والد الزوج لولده قبولا شرعيّا.
وإن كان من مال الصغير كتب فى آخر الكتاب: «وشهدت البيّنة أنّ المهر المذكور مهر مثلها على مثله «3» ، لا حيف فى ذلك ولا شطط» ويؤرّخ.
فصل فى صداق المحجور عليه من قبل الحاكم
يكتب ما مثاله: هذا ما أصدق فلان المحجور عليه من قبل الحكم العزيز عند ما دعت حاجته إلى النكاح، وتاقت نفسه إليه، وذكر ذلك للقاضى فلان أمين الحكم بمحضر من شهوده، وسأله الإذن له فى ذلك، فأذن له فيه بالصداق الآتى ذكره الإذن الصحيح الشرعىّ، فلانة «4» بنة فلان، وتزوّجها به «5» ؛ أصدقها على بركة الله تعالى صداقا مبلغه كذا وكذا، الحالّ من ذلك كذا وكذا، قبضته الزوجة المذكورة
(9/121)

من القاضى فلان أمين الحكم العزيز، من مال هذا الزوج الذى له تحت يده وصار بيدها وقبضها وحوزها، وباقى الصداق- وهو كذا وكذا- مقسّط فى سلخ كلّ سنة كذا وكذا، وولى تزويجها إيّاه بذلك ... ويكمّل؛ ويكتب فى آخره:
وشهدت البيّنة أنّ الصداق المذكور مهر مثلها «1» على مثله.
وإن تزوّج رجل امرأة محجورا عليها كتب فى القبض: «بيد الوصىّ أو أمين الحكم، ليصرفه فى مصالحها» . ويكتب فى آخره: «وشهدت البيّنة أنّ هذا المهر مهر المثل» .
فصل اذا أصدق رجل عن موكّله
كتب ما مثاله: هذا ما أصدق فلان عن موكّله فلان بإذنه له فى ذلك وتوكيله- ويشرح الوكالة إن كانت مفوّضة أو مقيّدة على الزوجة بعينها- يشهد بذلك على الموكّل من يعيّنه فى رسم شهادته من شهود هذا العقد، فلانة البكر البالغ؛ أو المرأة الكاملة؛ ويكمّل. ويكتب فى القبول: «وقبل هذا الوكيل المذكور عقد هذا النكاح لموكّله فلان على الصداق المعيّن قبولا شرعيّا» ويؤرّخ.
فصل اذا تزوّج الحرّ أمة
كتب: هذا ما أصدق فلان فلانة مملوكة فلان المقرّة لسيّدها بالرقّ والعبوديّة، عند ما خشى على نفسه العنت «2» ، وخاف الوقوع فى المحظور لعدم الطّول، وأنّه ليس فى عصمته زوجة، ولا يقدر على صداق حرّة على ما شهد له به من يعيّنه فى رسم شهادته، صداقا تزوّجها به، مبلغه كذا وكذا
(9/122)

وولى تزويجها إيّاه بذلك سيّدها المذكور بحقّ ولايته عليها شرعا- ولا يفتقر إلى إذنها- ويكمّل الصداق. ويكتب: «وشهدت البيّنة أنّ الزوج المذكور فقير ليس له موجود ظاهر، ولا مال باطن، ولا له قدرة على نكاح حرّة، ولا فى عصمته زوجة، وأنّه عادم للطّول» .
وان تزوّج العبد حرّة
كتب: هذا ما أصدق فلان مملوك فلان، المقرّ لسيّده بالرقّ والعبوديّة، بسؤال منه لسيّده، وإذن سيّده له فى ذلك الإذن الصحيح الشرعىّ، وشهد عليه بذلك شهود هذا الكتاب، فلانة بنة فلان، صداقا تزوّجها به، جملته كذا وكذا، الحالّ من ذلك كذا وكذا، قبضته الزوجة من مال سيّده الذى بيده بإذن سيّده له فى ذلك، وباقى ذلك- وهو كذا وكذا- يقوم به سيّده لها عن عبده من ماله، فى سلخ كلّ سنة تمضى من تاريخ العقد كذا وكذا- وان كان من مال العبد من كسبه ذكره- وأذن له سيّده فى السعى والتكسّب والبيع والشراء، والأخذ والعطاء، وولى تزويجها ... ويكمّل.
ويكتب فى آخره: «وعلمت الزوجة المذكورة أنّ الزوج مملوك، ورضيت بذلك» . وان كان لهما أولياء كتب رضاهم.
فصل وان زوّج السيّد جاريته لعبده
كتب ما مثاله: هذا كتاب تزويج اكتتبه فلان لعبده فلان من أمته «1» فلانة، المقرّ له كلّ منهما بالرقّ والعبوديّة، وهو أنّه أشهد على نفسه أنّه زوّج عبده المذكور لأمته المذكورة تزويجا صحيحا شرعيّا بسؤال كلّ منهما لسيّده المذكور فى ذلك، وقبل الزوج المذكور من سيّده عقد
(9/123)

هذا النكاح لنفسه قبولا شرعيّا. ولا يعيّن الصداق؛ ولا اعتبار بإذنها؛ وإن كشفه «1» عاقد كتب كما تقدّم «2» .
فصل وان تزوّج رجل أخرس بامرأة ناطقة
كتب: هذا ما أصدق فلان الأخرس اللّسان، الأصمّ الاذان «3» ، العاقل، الذى يفهم ما يجب عليه شرعا، كلّ ذلك بالإشارة المفهومة عنه، يعلمها منه شهوده، ولا ينكرها منه من يعلمها عنه فلانة بنة فلان، ويكمّل على ما تقدّم.
ويكتب عند القبول: «وقبل الزوج لنفسه هذا العقد بالإشارة المفهومة عنه» .
وان كانا أخرسين
كتب: هذا ما أصدق فلان فلانة، وكلّ منهما أخرس لا ينطق بلسانه، أصمّ لا يسمع بآذانه «4» ، صحيح العقل والبصر، عالم بما يجب عليه شرعا، كلّ ذلك بالإشارة المفهومة عنه، يفهمها من كلّ منهما شهود هذا العقد صداقا تزوّجها به؛ ويكمّل كما تقدّم.
وان كان الزوج مجبوبا كتب فى آخر الكتاب: «وعلمت الزوجة أنّ الزوج مجبوب، لا قدرة له على النكاح، ورضيت به» .
وأمّا إقرار الزوجين بالزوجيّة واعتراف الزوج بمبلغ الصداق وما يتصل بذلك من فرض الزوجة والإشهاد عليها بقبض الكسوة
(9/124)

فيحتاج فى إقرار الزوجين بالزوجيّة الى تسطير محضر بأنّهما زوجان متناكحان ويشهد فيه جماعة من المسلمين الذين يعلمون ذلك، ثم يكتب كتاب الإقرار وصورته: أقرّ فلان وفلانة بأنّهما زوجان متناكحان بنكاح صحيح شرعىّ، وأنّ الزوج منهما دخل بالزوجة وأصابها، وأولدها «1» على فراشه ولدا ذكرا يسمّى فلانا- إن كان- وأنّ الزوجة المذكورة لم تبن من الزوج المذكور بطلاق بائن ولا رجعىّ «2» ولا فسخ ولا غيره؛ ومنذ تزوّجها إلى الآن أحكام الزوجيّة قائمة بينهما، وتصادقا على ذلك، واعترف الزوج بأنّ فى ذمّته مبلغ صداقها عليه الذى عدم «3» ، وهو كذا وكذا.
وإن «4» كشفه عاقد كتب: وذلك بعد أن وضح للعاقد فلان بشهادة فلان وفلان مضمون ما أقرّا به فيه؛ فحينئذ أذن فى كتبه؛ ويؤرّخ.
فصل فى فرض زوجة
إن فرض الرجل على نفسه كتب: فرض قرّره على نفسه فلان لزوجته فلانة التى دخل بها وأصابها، واستولدها على فراشه- إن كان ذلك- لما تحتاج إليه من طعام وإدام وماء وزيت وصابون حمّام «5» ، فى غرّة كلّ يوم كذا وكذا حسب ما اتّفقا على ذلك وتراضيا عليه، وذلك خارج عمّا يوجبه الشرع الشريف لها.
(9/125)

وإن قرّره حاكم كتب: هذا ما أشهد على نفسه القاضى فلان أنّه فرض على فلان لزوجته فلانة لما تحتاج إليه من نفقة ومؤونة وماء وزيت وصابون حمّام فى كلّ يوم كذا وكذا، وذلك خارج عمّا يلزمه لها من اللوازم الشرعيّة غير ذلك؛ قرّر ذلك الحاكم عليه، وأوجبه فى ماله، ورضيت الزوجة به.
فصل وإن قبضت المرأة كسوتها
كتب: أقرّت فلانة بأنّها قبضت وتسلّمت من زوجها فلان كسوتها الواجبة عليه شرعا، وهى ثوب وسراويل ومقنعة «1» ، وذلك عن فصل واحد، أوّله يوم تاريخه، وصار ذلك بيدها وقبضها وحوزها. وكذلك إن قبضت كسوة ولدها الطفل.
وأما الطلاق وما يتصل به من الفروض الواجبة
- فإذا طلّق الرجل زوجته قبل الدخول كتب: طلّق الزوج المسمّى باطنه فلان زوجته المسمّاة باطنه فلانة قبل الدخول بها والإصابة، طلقة واحدة بانت منه بذلك، بحكم أنّه لم يدخل بها ولم يصبها، وبحكم ذلك تشطّر الصداق المعقود عليه باطنه نصفين سقط عنه النصف، وبقى النصف الثانى.
فإن طلّق الزوج الزوجة قبل الدخول بها على ما يتشطّر لها من الصداق
كتب ما مثاله: سألت الزوجة المسمّاة «2» باطنه فلانة زوجها فلانا
(9/126)

الذى لم يدخل بها ولم يصبها- وتصادقا على ذلك- أن يخلعها من عصمته وعقد نكاحه على ما يتشطّر «1» من الصداق باطنه، أو على ما يتّفقان عليه، فأجابها إلى سؤالها وقبل منها العوض المذكور، وطلّقها عليه الطلقة المسئولة، بانت منه بذلك وملكت نفسها عليه، وبحكم ذلك تشطّر «2» الصداق المعقود عليه باطنه نصفين سقط عنه النصف، وبرئت ذمّته من النصف الثانى بحكم هذا.
وإن سأل الأب «3» أو غيره الزوج أن يطلّق زوجته على نظير ما بذله له فى ذمّته «4» ، ثم أحال المطلّق مطلّقته بذلك
كتب: سأل فلان فلانا- وهو الزوج المسمّى باطنه- أن يخلع زوجته فلانة المسمّاة باطنه التى لم يدخل بها ولم يصبها؛ أو التى دخل بها وأصابها، بطلقة واحدة: أولى أو ثانية، أو ثالثة، على «5» ما بذله فى ذمّته، وهو كذا وكذا، من ذلك ما هو حالّ كذا وكذا، وما هو مؤجّل كذا وكذا؛ فأجابه الى سؤاله، وقبل منه العوض المذكور وطلّق زوجته طلقة واحدة أولى خلعا «6» بانت بها منه، وملكت نفسها عليه، وبحكم هذا الطلاق تشطّر «7» الصداق المذكور نصفين، سقط عنه النصف، وبقى فى ذمّته النصف الثانى، وأقرّ المطلّق بأنّه قبض من السائل مبلغ الحالّ الذى اختلع له به
(9/127)

واعترف أيضا بأنّه قبض نصف المعجّل باطنه، وصار بيده وقبضه وحوزه؛ ثم بعد تمام ذلك ولزومه أحال المطلّق المذكور مطلّقته المذكورة على أبيها بالمبلغ المؤجّل وهو نظير نصف مؤخّر الصداق المعيّن باطنه فى قدره وجنسه وصفته واستحقاقه حوالة شرعيّة، قبلها منه لها والدها، بحكم أنّها تحت حجره وولاية نظره، قبولا شرعيّا، وبحكم ذلك وجبت لها مطالبة أبيها.
فإن طلّق طلقة رجعيّة بعد الدخول
كتب: طلّق الزوج المسمّى باطنه فلان زوجته المسمّاة باطنه فلانة، التى دخل بها وأصابها، طلقة واحدة أو ثانية رجعيّة، يملك بها رجعتها ما لم تنقض عدّتها، فاذا انقضت فلا سبيل له عليها ولا رجعة إلّا بأمرها ورضاها وعقد جديد لها عليه، على ما يوجبه الشرع الشريف.
وإن استرجعها «1» منها
«2» كتب: ثمّ بعد ذلك استرجع «3» المطلّق المذكور مطلّقته؛ أو أقرّ بأنه استرجع «4» مطلّقته من الطلقة الأولى، أو الثانية، استرجاعا «5» شرعيّا، وردّها، وأمسكها، وصار حكمها حكم الزوجات؛ ويؤرّخ.
فإن طلّقها ثلاثا
كتب: طلّق فلان زوجته فلانة التى دخل بها وأصابها طلاقا ثلاثا، حرمت عليه بذلك، (فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) .
فإن اختلعت المرأة من «6» زوجها على أن يطلّقها
كتب: سألت فلانة زوجها فلانا الذى دخل بها وأصابها أن يخلعها من عصمته وعقد نكاحه على
(9/128)

مؤخّر صداقها عليه، الشاهد به كتابه «1» المتعذّر حضوره، وهو كذا وكذا، فأجابها الى سؤالها، وقبل منها العوض المذكور، وطلّقها عليه طلقة واحدة أولى خلعا، أو ثانية خلعا، أو ثالثة، بانت منه بذلك، وملكت نفسها عليه، وأقرّت بأنّها لا تستحقّ عليه صداقا، ولا بقيّة من صداق، ولا نفقة ولا كسوة ولا حقّا من حقوق الزوجيّة كلّها.
والعبد لا يملك إلّا طلقتين. وإذا طلّق المجبوب لا يكتب فى طلاقه إصابة.
وإن وكّل رجلا أن يطلّق عنه
كتب: سألت فلانة فلان بن فلان الوكيل عن زوجها فلان، القائم عنه فى طلاقها بالوكالة التى جعل له فيها أن يطلّق عنه زوجته المذكورة طلقة واحدة أولى خلعا على مؤخّر صداقها عليه، وهو كذا وكذا، المشروح ذلك فى الوكالة المؤرّخة بكذا وكذا، أن يطلّقها عن موكّله فلان المذكور بطلقة واحدة أولى خلعا على جميع مؤخّر صداقها، وهو كذا وكذا؛ فأجابها الى سؤالها، وقبل منها العوض المذكور، وطلّقها عن موكّله طلقة واحدة أولى خلعا، بانت منه بها، وملكت نفسها عليه، فلا تحلّ له إلّا بعد عقد جديد وأقرّت بأنّها لا تستحقّ عليه صداقا، كما تقدّم.
فصل فى فرض امرأة مطلّقة ظهرت حاملا
يكتب ما مثاله: فرض قرّره على نفسه فلان لمطلّقته [الطلقة «2» ] الأولى أو الثانية، أو الثلاث، فلانة المرأة الكاملة، المشتملة منه على حمل، وتصادقا على
(9/129)

ذلك، عوضا عما تحتاج اليه من طعام وإدام وماء، فى كلّ يوم من الأيّام كذا وكذا قسط كلّ يوم فى أوّله من استقبال تاريخه، حسب ما اتّفقا على ذلك وتراضيا عليه وذلك خارج عمّا يوجبه الشرع الشريف لها، وأذن لها أن تقترض على ذمّته بقدر ما قرّر لها عند تعذّر وصول ذلك اليها، وتنفقه عليها، وترجع به عليه، إذنا شرعيّا قبلته منه.
فإن قرّر على نفسه لولده
كتب: فرض قرّره على نفسه فلان لولده الطفل، الذى فى كفالة والدته مطلّقته فلانة، لما يحتاج اليه من طعام وادام وماء وزيت وصابون حمّام، فى كلّ يوم من الأيّام كذا وكذا من استقبال تاريخه، حسب ما اتّفقا وتراضيا عليه، وذلك خارج عمّا يوجبه الشرع الشريف، وأذن لها أن تقترض على ذمّته، وتنفق على ولدها، وترجع به عليه، إذنا شرعيّا.
فان قرّر لوالده أو والدته
كتب ما مثاله: فرض قرّره على نفسه فلان لوالدته «1» فلانة، بحكم عجزها وفقرها وحاجتها، لما تحتاج اليه من طعام وإدام وزيت وصابون، فى كلّ يوم كذا وكذا؛ ويكمّل.
فصل إذا قرّر القاضى للمحجور عليه من ماله له ولزوجته
كتب: هذا ما أشهد على نفسه القاضى فلان الفارض أنّه قرّر لفلان المحجور عليه بيد الحكم العزيز ولزوجته فيما له من أجرة العقار المنسوب إليه، الّذى تحت نظر الحكم العزيز، لما يحتاجان إليه من طعام وإدام وماء وزيت، فى كلّ يوم كذا وكذا من استقبال تاريخه، قسط كلّ
(9/130)

يوم فى أوّله، وقرّر له ولزوجته وللخادم عوضا عن كسوتهم لفصل الصيف كذا وكذا ولفصل الشتاء كذا وكذا؛ وبذلك شهد عليه؛ ويؤرّخ.
وأما تعليق الطلاق وفسخ النكاح
- فإذا علّق الزوج طلاق زوجته على سفره، أو أنّه يسافر «1» بها، كتب على ظهر كتابه ما مثاله: قال الزوج المسمّى باطنه فلان لزوجته فلانة، التى دخل بها وأصابها: «متى سافرت عنك من البلد الفلانىّ، واستمرّت غيبتى عنك شهرا واحدا ابتداؤه من حين سفرى، أو متى سفّرتك إلى بلد من البلاد بنفسى أو وكيلى، أو متى تسرّيت عليك بأمة فأنت طالق ثلاثا» ؛ تلفّظ بذلك عند شهوده؛ ويؤرّخ.
فصل إذا سافر الزوج عن زوجته وتركها بغير نفقة ولا كسوة، وأرادت فسخ نكاحها منه
، كتب محضر بالغيبة، مثاله: شهد الشهود الواضعون خطوطهم آخر هذا المحضر- وهم من أهل الخبرة الباطنة «2» فيما شهدوا به فيه «3» - أنّهم يعرفون كلّ واحد من فلان وفلانة معرفة صحيحة شرعيّة، ويشهدون أنّهما زوجان متناكحان بنكاح صحيح شرعىّ دخل الزوج منهما بالزوجة، وأولدها «4» على فراشه ولدا ذكرا، أو أولادا- إن كان ذلك؛ وان كان لم يدخل بها كتب: «وانّ الزوج لم يدخل بها، ولم يصبها، وأنّها
(9/131)

عرضت نفسها عليه ليدخل بها فامتنع من ذلك، وأخّره الى وقت آخر» - وأنّه سافر عنها بعد ذلك من البلد الفلانىّ، وتوجّه الى البلاد الفلانيّة، من مدّة تزيد على أشهر سنة تتقدّم على تاريخه، وهى مطاوعة له؛ وأنّه تركها معوزة عاجزة عن الوصول إلى ما يجب لها عليه، من النفقة والكسوة واللّوازم الشرعيّة، بحكم أنّه ليس له موجود حاضر، ولا مال متعيّن، وقد تضرّرت «1» بسبب غيبته عنها، وتعذّر وصول ما يجب لها عليه شرعا من جهته ومن جهة أحد بسببه «2» ، وأنّها لم تجد من يقرضها على ذمّته، ولا من يتبرّع بالإنفاق عليها عنه، وأنّه مستمرّ الغيبة عنها الى الآن، وأنّها مستمرّة على الطاعة له؛ يعلمون ذلك ويشهدون به بسؤال من جازت مسألته، وسوّغت الشريعة المطهّرة إجابته؛ ويؤرّخ.
فاذا وضع الشهود رسم شهادتهم، وأدّوا «3» عند الحاكم،
كتب على ظهره الحلف بعد حلفها «4» ، وصورته: أحلفت المشهود لها باطنه فلانة بالله العظيم الذى لا إله إلّا هو، اليمين الشرعيّة المستوفاة، الجامعة لمعانى الحلف، المعتبرة شرعا، أنّ الزوج المذكور معها باطنه فلانا سافر عنها من البلد الفلانىّ، متوجّها إلى البلد الفلانىّ من مدّة تزيد على سنة كاملة تتقدّم على تاريخه، وهى مطاوعة له، وانّه تركها معوزة عاجزة عن الوصول إلى ما يجب لها عليه، من النفقة والكسوة واللّوازم الشرعيّة، بحكم أنّه ليس له موجود- ويصف كلّ ما فى المحضر الى عند «5» «وأنّها
(9/132)

مستمرّة على الطاعة له» - وأنّ من شهد لها باطنه صادق فيما شهد لها به؛ فحلفت كما أحلفت، بالتماسها لذلك على الأوضاع الشرعيّة، وبحضور من يعتبر حضوره شرعا، بعد تقدّم الدّعوى وما ترتّب عليها؛ ويؤرّخ.
ثمّ يكتب الإسجال قرين الحلف أو تحته، وهو: هذا ما أشهد على نفسه الكريمة سيّدنا العبد الفقير الى الله تعالى فلان الحاكم، من حضر مجلسه من العدول الواضعى خطوطهم آخره، أنّه ثبت عنده وصحّ لديه فى اليوم الفلانىّ، بعد دعوى محرّرة مقابلة بالإنكار على الوجه الشرعىّ، بشهادة «1» من أعلم تحت رسم شهادته باطنه وزكّى لديه التزكية الشرعيّة على الوجه المعتبر الشرعىّ، مضمون «2» المحضر المسطّر باطنه «على ما نصّ «3» وشرح فيه بكذا وكذا» ثبوتا صحيحا شرعيّا؛ وقد أقام كلّ من الشهود به «4» شهادته عنده بذلك، وأعلم تحت رسم شهادة كلّ منهم ما جرت به العادة، وأحلفت الزوجة المذكورة الحلف المشروح فيه؛ فلمّا تكامل ذلك عنده وصحّ لديه وعظها، وأعلمها بمالها من الأجر فى الصبر على البقاء فى عصمة زوجها المذكور، فأبت الصبر، وذكرت أنّ ضرورتها تمنعها من ذلك، وسألت الحاكم المذكور الإذن لها فى فسخ نكاحها من زوجها المذكور؛ فحين زالت الأعذار من إجابتها «5» أذن لها الحاكم المذكور فى فسخ نكاحها من زوجها المذكور؛ وأشهدت
(9/133)

على نفسها شهود هذا الإسجال أنّها فسخت نكاحها من زوجها المذكور، واختارت فراقه- وإن كان الحاكم هو الفاسخ كتب: «فحينئذ سألت برّ «1» الحاكم فسخ نكاحها من زوجها المذكور، وأصرّت على ذلك؛ فحين زالت الأعذار من إجابتها قدّم خيرة الله تعالى، وأجابها الى ما التمسته، وفسخ نكاحها من زوجها المذكور الفسخ الصحيح الشرعىّ، وفرّق بينهما» - فلمّا تكامل ذلك كلّه سأله من جازت مسألته وسوّغت الشريعة المطهّرة إجابته، التقدّم بكتابة هذا الإسجال، والإشهاد عليه بذلك، فأجابه الى سؤاله، وتقدّم بكتابته «2» ، فكتب عن إذنه، وأشهد على نفسه بذلك فى مجلس حكمه وقضائه- وهو فى ذلك كلّه نافذ القضاء والحكم ماضيهما- وأبقى كلّ ذى حجّة معتبرة فيه على حجّته ان كانت، وذلك بعد تقدّم الدعوى الموصوفة وما ترتّب عليها. ويشهد على الزوجة أيضا بما نسب اليها.
وأما نفى ولد الجارية والإقرار باستيلاد الأمة
- فإنّه اذا أراد السيّد نفى ولد جاريته بعد الوطء والاستبراء على قول من قال «3» به كتب ما مثاله: أقرّ فلان بأنّه كان قبل تاريخه وطئ مملوكته فلانة- ويذكر جنسها- المسلمة المقرّة له بالرقّ والعبوديّة، ثم استبرأها بعد الوطء استبراء صحيحا شرعيّا، وأنّه لم يطأها بعد
(9/134)

الاستبراء، وأنّها بعد ذلك أتت بولد، وسمّته فلانا، وأنّه الان فى قيد الحياة، وأنّ هذا الولد ليس منه ولا من صلبه، ولا نسب بينه وبينه؛ وحلف على ذلك بالله العظيم اليمين الشرعيّة، وأشهد عليه بحضورها بتاريخ كذا وكذا.
وان أقرّ بأنّه استولد جاريته
كتب: أقرّ فلان بأنّه كان قبل تاريخه وطئ مملوكته التى بيده وملكه، المقرّة له بالرقّ والعبوديّة، المدعوة فلانة، الفلانيّة الجنس؛ الوطء الصحيح الشرعىّ، فى حال مملكته «1» لها على فراشه، واستولدها عليه ولدا ذكرا يسمّى فلانا، الطفل يومئذ، وهو الآن فى قيد الحياة، وأنّه من صلبه ونسله، ونسبه [لاحق «2» ] بنسبه، وصدّقته على ذلك.
واما الوكالات
- فاذا وكّل رجل رجلا وكالة مطلقة كتب: وكّل فلان فلانا فى المطالبة بحقوقه كلّها، وديونه بأسرها، من غرمائه وخصومه قبل من كانت وحيث تكون، والمحاكمة بسببها عند القضاة والحكّام وخلفائهم وولاة أمور الإسلام، والدّعوى على غرمائه وخصومه، واستماع الدّعوى عليه وردّ الأجوبة عنها بما يسوغ شرعا، والحبس «3» والإطلاق والترسيم «4» والملازمة
(9/135)

والإفراج، وأخذ الكفلاء والضّمناء بالوجه «1» والمال، وقبول الحوالات على الأملئاء «2» وإثبات حججه ومساطيره، وإقامة بيّناته، وقبض كلّ حقّ متوجّه له قبضه بكلّ طريق شرعىّ، والإشهاد على الحكّام والقضاة بما يثبت له شرعا، وطلب الحكم من الحكّام، وفى إيجار ما يجرى فى ملكه من العقار الكامل «3» والمشاع «4» لمن يرغب فى استئجاره بما يراه من الأجر: حالّها ومنجّمها ومؤجّلها ومعجّلها، لما يراه من المدد: قليلها وكثيرها، وقبض الأجرة، واكتتاب ما يجب اكتتابه فى ذلك، وتسليم ما يؤجره- ومهما وكّله فيه كتبه وعيّنه بما يليق تعيينه «5» -؛ وكّله فى ذلك كلّه وكالة شرعيّة قبلها منه قبولا شرعيّا، وأذن له أن يوكّل عنه فى ذلك كلّه وفيما شاء منه من شاء، ويعزله متى شاء، ويعيده متى أراد.
فإن وكّله وأراد ألّا يعزله
كتب فى ذيل الوكالة: ثمّ بعد تمام ذلك ولزومه قال الموكّل لوكيله: «متى عزلتك فأنت وكيل متصرّف لا منصرف» .
فاذا أراد عزله
كتب على ظهر الوكالة: قال الموكّل لوكيله: «متى عدت وكيلى فأنت معزول» ؛ وبحكم ذلك العزل بطل تصرّفه فى الوكالة المشروحة باطنه؛ ويؤرّخ.
(9/136)

واذا وكّل ذمّىّ مسلما قدّم اسم الوكيل،
فيكتب: هذا كتاب وكالة اكتتبه لفلان فلان الذّمّىّ، وأشهد على نفسه أنّه وكّله فى كيت وكيت؛ ويكمّل كما تقدّم.
وأما المحاضر على اختلافها
فسنذكرها، اذا أراد أمين الحكم أن يبيع على يتيم للحاجة كتب محضرا بالقيمة، مثاله: شهد الشهود الواضعون خطوطهم آخره- وهم من أهل الخبرة بالعقار وتقويمه- أنهم ساروا بإذن شرعىّ الى حيث الدّار الكاملة الآتى ذكرها ووصفها وتحديدها فيه، المقوّمة بكمالها، أو المقوّم منها حصّة مبلغها كذا وكذا سهما، ملك فلان المحجور عليه، لتباع عليه فى نفقته ومؤونته ولوازمه الشرعيّة، وهى بالمكان الفلانىّ- وتوصف وتحدّد- وتأمّلوا ذلك بالنظر، وأحاطوا به علما وخبرة، وقوّموا الحصّة المذكورة بما مبلغه كذا وكذا وقالوا: «إنّ ذلك قيمة المثل يومئذ، لا حيف فيها ولا شطط، ولا غبينة «1» ولا فرط «2» وإنّ الحظّ والمصلحة فى البيع بذلك» .
فإن كان بالغبطة على القيمة
«3» كتب كما تقدّم الى قوله: «لتباع عليه» لما له فى ذلك من الحظّ والمصلحة والغبطة «4» الزائدة على قيمة المثل، وهى الدّار [التى] «5» بالموضع الفلانىّ- وتوصف وتحدّد- وتأمّلوا ذلك بالنظر، وأحاطوا به
(9/137)

علما وخبرة، وقوّموا الحصّة بكذا وكذا درهما، وقالوا: «إنّ ذلك قيمة المثل- نحو ما تقدّم- وإنّ الحظّ والمصلحة والغبطة فى بيع الحصّة المذكورة بزيادة كذا وكذا» ؛ وبذلك وضعوا خطوطهم؛ ويؤرّخ.
فان قوّمت لتباع فيما ثبت على المتوفّى من صداق زوجته، أو من دين
، كتب أوّل المحضر كما تقدّم، وقيل: المنسوبة لفلان المتوفّى الى رحمة الله تعالى، لتباع عليه فيما ثبت فى ذمّته من صداق زوجته فلانة، الثبوت الصحيح الشرعىّ؛ أو فيما ثبت عليه من دين شرعىّ لفلان، حسب ما يشهد بذلك مسطوره الذى بيده، الذى ثبت بمجلس الحكم العزيز؛ ويكمّل كما تقدّم.
فصل فى محضر وفاة وحصر ورثة
يكتب: شهد الشهود الواضعون خطوطهم آخر هذا المحضر- وهم من أهل الخبرة الباطنة فيما شهدوا به- أنّهم يعرفون فلان بن فلان، وورثته الاتى ذكرهم فيه، معرفة صحيحة شرعيّة؛ ويشهدون أنّه توفّى الى رحمة الله تعالى بالبلد الفلانىّ من مدّة كذا وكذا، وخلّف من الورثة المستحقّين لميراثه المستوعبين لجميعه زوجته فلانة التى لم تزل فى عصمته وعقد نكاحه الى حين وفاته، وأولاده منها أو من غيرها- ويذكر أبويه إن كانا أو أحدهما- بغير شريك لهم فى ميراثه، ولا حاجب يحجبهم عنه بوجه ولا سبب؛ يعلمون ذلك ويشهدون «1» به بسؤال من جازت مسألته وسوّغت الشريعة المطهّرة إجابته؛ ويؤرّخ.
(9/138)

فصل اذا مات رجل وخلّف أبوين وأخوين
كتب ما مثاله: شهد الشهود أنهم يعرفون فلانا ووالديه الآتى ذكرهما فيه، ويشهدون بالخبرة الباطنة أنّه خلّف وارثيه: والده فلانا، ووالدته فلانة، بغير شريك لهما فى ميراثه، ولا حاجب يحجبهما حجب حرمان عن استكماله؛ ويشهدون أنّ المتوفّى له أخوان، وهما فلان وفلان؛ وبحكم ذلك يكون للأب من ميراثه النصف والثلث، وللأمّ السدس، بحكم أنّ الأخوين حجباها عن الثلث الى السدس حجب تنقيص «1» للفريضة «2» الشرعيّة، لا حجب حرمان؛ يعلمون ذلك ويشهدون به.
وان مات رجل فى بلد بعيدة واستفاض موته وشهد به بالاستفاضة
كتب كما تقدّم «3» ، [و «4» ] : أنّهم يعرفون فلانا، ويشهدون بالاستفاضة الشرعيّة بالشائع الذائع، والنقل الصحيح المتواتر، أنّه مات الى رحمة الله تعالى من مدّة كذا وكذا بالمدينة الفلانيّة؛ ويشهدون أنّه خلّف من الورثة ... ويكمّل.
(9/139)

فصل إذا مات قوم بعد قوم
يكتب: ... «1» أنّهم يعرفون فلان بن فلان وورثته الآتى ذكرهم، ومن توفّى منهم على الترتيب الآتى ذكره فيه، معرفة صحيحة شرعيّة؛ ويشهدون أنّ فلانا المبتدأ بذكره توفّى إلى رحمة الله تعالى بالبلد الفلانىّ، وخلّف من الورثة المستحقّين لميراثه المستوعبين لجميعه زوجته فلانة التى لم تزل فى عصمته وعقد نكاحه إلى حين وفاته، وأولاده «2» منها، وهم فلان وفلان، ثم توفّيت الزوجة بعده فى تاريخ كذا وكذا، وخلّفت من الورثة المستحقّين لميراثه أولاده لصلبه، وهم- ويسمّيهم- يعلمون ذلك ويشهدون به؛ ويكمّل، ويؤرّخ. وهذا مثال فقس عليه.
فصل إذا مات العبد وخلّف سيّده
كتب: شهد «3» من أثبتوا أسماءهم «4» آخره- وهم من أهل الخبرة الباطنة فيما شهدوا به- أنّهم يعرفون كلّ واحد من فلان ومملوكه [فلان] «5» ، الفلانىّ الجنس، المسلم، ويشهدون أنّ فلانا المثنّى باسمه توفّى إلى رحمة
(9/140)

الله تعالى، وخلّف سيّده المذكور، الذى لم يزل فى ملكه إلى حين موته؛ وأنّه مستحقّ لجميع ما يخلّفه بغير شريك له فى ميراثه، ولا حاجب يحجبه عنه.
وإن كان قد أعتقه ومات
كتب كما تقدّم «1» ، [و] : أنّهم يعرفون فلان ابن فلان، وعتيقه فلان بن فلان، معرفة صحيحة شرعيّة، ويشهدون أنّه مات الى رحمة الله تعالى، وأنّه كان مملوكا لفلان، وأنّه أعتقه عتقا منجّزا قبل موته، ولم يخلّف من الورثة سواه، بغير شريك له فى ميراثه؛ ويكمّل.
فصل إذا أراد إثبات ملكه لدار
كتب ما مثاله: ... «2» ... أنّهم يعرفون فلان بن فلان، ويشهدون أنّه مالك لجميع الدّار الفلانيّة- وتوصف وتحدّد- ملكا صحيحا شرعيّا، وأنّه متصرّف فيها بالسكن والإسكان والإجارة والعمارة وقبض الأجرة، وأنّها باقية فى يده وملكه وتصرّفه الى الآن، لم تخرج عنه بتمليك «3» ولا بيع ولا إقرار ولا صدقة، ولا بوجه من الوجوه الشرعيّة كلّها على اختلافها، وأنّها باقية على ملكه وتصرّفه وحيازته الى يوم تاريخه؛ وهم بالدّار المذكورة فى مكانها عارفون؛ يعلمون ذلك ويشهدون به.
(9/141)

فصل إذا أثبت رجل أنّه باع بالإجبار والإكراه
كتب: ... أنّهم يعرفون كلّ واحد من فلان وفلان، ويشهدون أنّ فلانا المبتدأ باسمه جبر فلانا المثنّى باسمه وخوّفه واعتقله وضربه وأوجعه، وطلب منه بيع داره التى بالموضع الفلانىّ- وتوصف وتحدّد- بغير ثمن، وأن يشهد عليه بالبيع وقبض الثمن، وأنّه امتنع من ذلك، فأعاد عليه الضرب، وهدّده بالقتل، وسجنه، ولم يزل على ذلك حتى جبره وأكرهه، وابتاعها منه بكذا وكذا، واعترف بقبضها، وأنّه وضع يده عليها، وتسلّمها من مدّة كذا وكذا، وهم بالدّار عارفون؛ يعلمون ذلك ويشهدون به.
وان كان جبره حتّى باعه بدون القيمة كتب صدر المحضر كما تقدّم؛ وطلب منه بيع الدّار بكذا وكذا، وأنّ قيمتها أزيد من ذلك، وأنّه امتنع من ذلك، فضربه وسجنه، وأعاد عليه العقوبة، وأكرهه وجبره إلى أن باعه الدّار المذكورة بالثمن المذكور، وقبضه منه، وأنّه دون قيمتها، وأنّ قيمتها أضعاف ذلك، وأنّه وضع يده عليها، وتسلّمها من مدّة كذا وكذا؛ يعلمون ذلك....
فصل فيما يكتب بعيب فى جارية
شهد الشهود المسمّون آخره- وهم من أهل الخبرة الباطنة «1» بالرقيق وعيبه «2» - أنّهم نظروا الجارية المدعوّة فلانة، الفلانيّة الجنس، التى بيد فلان متنجّز «3» هذا
(9/142)

المحضر، الذى ذكر أنّه ابتاعها من فلان، نظر مثلهم لمثلها، بمحضر من الخصمين المذكورين، فوجدوا بها من العيوب المرض الفلانىّ، وأنّ ذلك مرض مزمن متقدّم على تاريخ العهدة «1» التى أظهرها المشترى من يده، المؤرّخة بكذا وكذا؛ وأنّ ذلك عيب منقص «2» للثمن؛ يعلمون ذلك ويشهدون به.
فصل إذا شهد لإنسان أنه من أهل الخير
كتب: ... ويشهدون أنّه من أهل الخير والصلاح، والعفّة والفلاح؛ والصّيانة والأمانه، والثّقة والدّيانه؛ محافظ على صلاته، أهل لأن يجلس بين أطهر المسلمين، وأنّه [محقّ] «3» فى جميع أفعاله، صادق فى جميع أقواله؛ يعلمون ذلك....
فصل اذا شهد برشد إنسان
كتب: ... ويشهدون أنّه رشيد، صالح فى دينه، مصلح لماله، مستحقّ لفكّ الحجر عنه، غير مبذّر ولا مفرّط، حسن «4» التصرّف؛ يعلمون ذلك....
(9/143)

فصل فى نسب رجل شريف
... ويشهدون بالاستفاضة الشرعيّة، بالشائع الذائع، والنقل الصحيح المتواتر، [أنّه «1» ] شريف النّسب، صحيح الحسب، من ذريّة الحسين بن علىّ- رضى الله عنهما- من أولاد الصلب، أبا عن أب، إلى أن يرجع نسبه إليه، ويدلى «2» بأصله إلى أصل الحسين؛ يعلمون ذلك ويشهدون به.
فصل فى عدالة رجل
... ويشهدون شهادة علموا صحّتها، وتيقّنوا معرفتها، لا يشكّون فيها ولا يرتابون، أنّه من أهل الصدق والوفاء، والعفّة والصّفاء؛ صادق فى أقواله، محقّ فى أفعاله؛ حسن السيره، طاهر السريره؛ متيقّظ فى أموره، سالك شروط العدالة وأفعالها؛ صالح لأن يكون من العدول المبرّرين «3» ، والأعيان المعتبرين، مستحقّ أن يضع خطّه فى مساطير المسلمين، عدل رضىّ لهم وعليهم؛ يعلمون ذلك ويشهدون به.
فصل فى إعسار رجل
... ويشهدون أنّه فقير لا مال له، معسر لا حال له، عاجز عن وفاء ما عليه من الدّيون، أو عن شىء منها؛ يعلمون ذلك....
(9/144)

فصل فى إسلام ذمّىّ
يكتب: حضر الى شهوده فى يوم تاريخه من ذكر أنّه حضر الى مجلس فلان- أدام الله أيّامه- فلان «1» بن فلان الفلانىّ، وأشهدهم على نفسه أنّه تلفّظ بالشهادتين المعظّمتين، وهما شهادة أن لا إله الّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، أرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون، وأنّ عيسى عبد الله ونبيّه، ومريم أمة الله، وأنّ محمدا صلّى الله عليه وسلم خاتم النبيّين، وأفضل المرسلين، وأنّ شريعته أفضل الشرائع وملّته أفضل الملل، وأنّ ما جاء به عن الله حقّ؛ وقال: «أنا برئت من كلّ دين يخالف دين الإسلام» ، ودخل فى ذلك طالبا «2» مختارا؛ وأشهد عليه بذلك، وتلفّظ به بتاريخ كذا وكذا.
فإن أسلم يهودىّ كتب موضع عيسى: وأنّ موسى عبد الله ونبيّه، وأنّ محمدا صلّى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، وشريعته أفضل الشرائع، وأنّ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم نسخت شريعة موسى وجميع الشرائع؛ وقال: «أنا مسلم برئت من كلّ دين يخالف دين الإسلام، ومن كلّ ملّة تخالف ملّة محمد صلى الله عليه وسلم» ؛ وأشهد على نفسه بتاريخ ... «3» .
وأما الإسجالات
- فهى بحسب الوقائع، وقد ذكرنا منها فى أثناء ما قدّمناه ما هو وارد فى مواضعه، فلنذكر ما لم نورده هناك؛ فمن ذلك إسجال بثبوت العدالة.
(9/145)

قد استقرّت القاعدة بين الناس فى إسجالات العدالة ان يبتدئ الكاتب بخطبة يذكر فيها شرف العدالة وعلوّها، وارتفاع رتبتها وسموّها؛ ويصف المعدّل بأوصاف تليق به بحسب حاله ورتبته، وأصالته وأبوّته؛ ولا حجر على الكاتب فيما يأتى به من القرائن والفقر والكلام المسجوع ما لم يتعدّ به حقّ المنعوت، أو يخرج به عن طوره ورتبته، ويراعى مع ذلك قيود الشرع وضوابطه؛ والكاتب فيها بحسب «1» قدرته وتصرّفه فى أساليب الكلام وبراعة الاستهلال واختيار المعانى؛ فاذا انتهى إلى آخر الخطبة وذكر أوصاف المعدّل قال: فلذلك استخار الله تعالى سيّدنا ومولانا العبد الفقير إلى الله تعالى قاضى القضاة، حاكم الحكّام؛ وينعته بنعوته، ويذكر مذهبه وولايته للدّولة القاهرة السلطانيّة الملكيّة الفلانيّة، بالولاية الصحيحة الشرعيّة، المتّصلة بالمواقف الشريفة النبويّة، الإماميّة العبّاسيّة، (المستكفى) أمير المؤمنين- أعزّ الله به الدّين، وأمتع ببقائه الإسلام والمسلمين- وأشهد على نفسه من حضر مجلس حكمه وقضائه، وهو يومئذ نافذ القضايا والأحكام ماضى النقض والإبرام، وذلك فى اليوم المبارك؛ ويكتب الحاكم التاريخ بخطّه؛ ثمّ يكتب الكاتب: أنّه ثبت عنده وصحّ لديه بالبيّنة العادلة المرضيّة، التى ثبتت بمثلها الحقوق الشرعيّة، عدالة فلان- وينعته بما يستحقّه- ثبوتا ماضيا شرعيّا معتبرا تامّا مرضيّا؛ وحكم بعدالته، وقبول قوله فى شهادته؛ وأجاز ذلك وأمضاه واختاره وارتضاه، وألزم ما اقتضاه مقتضاه؛ وأذن سيّدنا قاضى القضاة فلان لفلان المحكوم بعدالته فى تحمّل الشهادات وأدائها، لتحفظ الحقوق على أربابها وأوليائها؛
(9/146)

وسمع شهادته فقبلها وأجازها، وأمره أن يرقم على حلل «1» الطروس طرازها؛ وبسط قلمه بسطا كلّيّا، ونصبه بين الناس عدلا مبرّرا «2» مرضيّا، وأجراه مجرى أمثاله من العدول المبرّرين «3» ، وسلك به مسلك الشهداء المتميّزين؛ وتقدّم- أدام الله تعالى أيّامه- بكتابة هذا الإسجال، فكتب عن إذنه الكريم فى التاريخ المقدّم ذكره أعلاه المكتب بخطّه الكريم، شرّفه الله تعالى. والكاتب فى ذلك بحسب ما توصله إليه عباراته.
فصل فى ثبوت إقرار متبايعين
يكتب: هذا ما أشهد على نفسه الكريمة سيّدنا ومولانا العبد الفقير إلى الله تعالى قاضى القضاة، حاكم الحكّام فلان- وتستوفى ألقابه ونعوته وولايته، ويدعى له- من حضر مجلس حكمه وقضائه، وهو نافذ القضاء والحكم ماضيهما، أنه ثبت عنده وصحّ لديه- أحسن الله اليه- فى المجلس المذكور، بمحضر من متكلّم جائز كلامه، مسموعة دعواه على الوجه المعتبر الشرعىّ، بشهادة العدول الثلاثة- أو بحسب ما يكونون- الّذين أعلم تحت رسم شهادتهم بالأداء فى باطنه، إقرار «4» فلان وفلان بما نسب إلى كلّ منهما فى كتاب الإقرار باطنه على ما شرح فيه، وهو مؤرّخ بكذا وكذا، وبآخره رسم شهادتهم، وقد أرّخ شاهدان منهم شهادتهما بتاريخ الكتاب، والثالث أرّخ شهادته بكذا وكذا [و «5» ] جميع ما تضمّنه كتاب الابتياع المشروح باطنه- ويذكر جميع ما فيه-
(9/147)

وقد أقاموها بذلك عند سيّدنا قاضى القضاة فلان الحاكم المذكور بشروط الأداء المعتبرة فيما عيّنه كلّ منهم فى خطّه باطنه فى التاريخ [المذكور «1» ] ، وقبل ذلك «2» منهم القبول السائغ فيه، وأعلم تحت رسم شهادتهم فى باطنه علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود فى مثله، وثبت ذلك عنده ثبوتا شرعيّا؛ فلمّا تكامل ذلك عند سيّدنا قاضى القضاة فلان الحاكم المذكور سأله من جازت مسألته، وسوّغت الشريعة المطهّرة إجابته، الإشهاد على نفسه بثبوت ذلك عنده، والحكم بموجبه على الوجه «3» المشروح فيه، ... «4» ... وأبقى كلّ ذى حجّة على حجّته، وهو فى ذلك كلّه نافذ القضاء والحكم ماضيهما، بعد تقدّم الدعوى المسموعة وما ترتّب عليها، وتقدّم- أدام الله أيّامه، وأعزّ أحكامه- بكتابة هذا الإسجال، فكتب عن إذنه متضمنا لذلك وذلك بعد قراءة ما يحتاج الى قراءته فى كتاب الإقرار، ووقع الإشهاد بذلك بتاريخ كذا وكذا.
(9/148)

مثال إسجال بثبوت مبايعة بشهود الأصل «1» وشهود الفرع «2» على نائب الحكم
هذا ما أشهد على نفسه العبد الفقير الى الله تعالى أقضى «3» القضاة فلان، خليفة الحكم العزيز بالمكان الفلانىّ عن سيّدنا العبد الفقير الى الله تعالى قاضى «4» القضاة فلان، من حضره من العدول، أنّه ثبت عنده فى مجلس حكمه ومحلّ نيابته فى اليوم الفلانىّ، بعد صدور دعوى محرّرة مقابلة بالإنكار على الوضع الشرعىّ بشهادة عدول الأصل الثلاثة، وهم- ويسمّيهم- وشاهدى الفرع، وهما فلان وفلان، وهم الذين أعلم الحاكم المذكور تحت رسم شهادتهم بالأداء آخر «5» الابتياع المذكور باطنه، إقرار «6» المتبايعين المسمّيين باطنه بما نسب اليهما فيه، على ما نصّ وشرح فيه، المؤرّخ بكذا وكذا، وبآخره رسم شهادة العدول الثلاثة المشار إليهم؛ [وقد أقام شهود الأصل «7» ] شهادتهم بذلك عند الحاكم المذكور بشروط الأداء
(9/149)

وقبل ذلك منهم القبول السائغ فيه؛ وقد أقام شاهدا الفرع المذكوران شهادتهما على أصلهما العدل فلان بما تحمّلاه عنه، وهو أنّه شهد على المتعاقدين المذكورين باطنه بما نسب الى كلّ منهما فيه، وأنّه ذكر لهما ذلك، وأشهدهما على شهادته به، على ما تضمّنه رسم شهادتهما آخر الابتياع باطنه، فى حال سوغ سماع شهادة الفرع على أصله، عند سيّدنا القاضى فلان الحاكم المذكور، وقبلها منهما القبول السائغ فيه وسطّر تحت رسم شهادة كلّ منهما ما جرت العادة به من علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود فى مثله؛ وانّه ثبت عنده- أعزّ الله أحكامه- فى المجلس المذكور على الوضع الشرعىّ، بشهادة عدلين من العدول الثلاثة الأصول، وهما فلان وفلان أنّ البائع المذكور لم تزل يده متصرّفة فيما باعه الى حين انتقاله من يده الى يد هذا المشترى المسمّى باطنه؛ وقد أقام كلّ منهما شهادته بذلك عنده، وقبلها منه القبول السائغ فيه، وسطّر ما جرت العادة به من علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود فى مثله- وان كانت المبايعة ثبتت بعدلين وشهد أنّ البائع مالك لما باعه كتب:
«أنّه ثبت عنده فى المجلس المذكور بمحضر من متكلّم جائز كلامه، مسموعة دعواه على الوضع الشرعىّ المعتبر، بشهادة عدلين، هما فلان وفلان، إقرار المتبايعين باطنه، وهو أنّ فلانا اشترى من فلان جميع كذا وكذا- ويشرح ما فى المبايعة- وبآخرها رسم شهادتهما، وقد أقاماها عند الحاكم على المشترى والبائع بما نسب الى كلّ منهما باطنه وأنّ البائع المذكور مالك لما باعه فيه، وشخّصاه له، فقبل ذلك منهما القبول السائغ فيه، وسطّر ما جرت العادة به من علامة الأداء والتشخيص على الرسم المعهود» - فلمّا تكامل ذلك عنده وصحّ لديه سأله من جاز سؤاله التقدّم بكتابة هذا الفصل وتضمينه الإشهاد عليه بثبوت ذلك لديه، والحكم على المتبايعين المذكورين بما
(9/150)

نسب إليهما بأعاليه، وتضمينه ملك البائع المذكور لما باعه فيه «1» ؛ فأعذر- أعزّ الله أحكامه- إلى البائع المذكور: هل له مطعن فيما شهد [به «2» ] عليه فيه «3» ، أو فى من شهد؟ فأقرّ فى المجلس المذكور بأنّه لا مطعن له فى ذلك ولا فى شىء منه؛ فعند ذلك أجاب السائل الى سؤاله، فكتب عن إذنه، وحكم على المتبايعين المذكورين بما نسب إليهما بأعاليه، وبصحّة ملك البائع المذكور لما باعه بعد قراءة ما تضمّنه باطنه «4» على شهود هذا الإسجال، وأبقى كلّ ذى حجّة معتبرة فيه على حجّته، وهو فى ذلك كلّه نافذ القضاء والحكم ماضيهما، وذلك بعد تقدّم الدعوى المحرّرة وما ترتّب عليها؛ ووقع الإشهاد بذلك بتاريخ كذا وكذا.
فصل فى ثبوت إسجال حاكم على حاكم
هذا ما أشهد عليه سيّدنا العبد الفقير الى الله تعالى قاضى القضاة فلان من حضره من العدول، أنّه ثبت عنده وصحّ لديه فى مجلس حكمه ومحلّ ولايته، بعد صدور دعوى محرّرة مقابلة بالإنكار على الوضع الشرعىّ، بشهادة العدول الذين أعلم تحت رسم شهادة كلّ منهم بالأداء فى باطنه، إشهاد قاضى القضاة فلان الحاكم بالعمل الفلانىّ بما نسب إليه فى إسجاله المسطّر أعلاه، على ما نصّ وشرح فيه، وهو مؤرّخ بكذا وكذا؛ وقد أقام كلّ من الشهود شهادته بذلك عند القاضى فلان الحاكم
(9/151)

المبتدإ باسمه بشروط الأداء على الرسم المعهود عنده فى مثله؛ فلمّا تكامل ذلك عنده وصحّ لديه- أحسن الله إليه- سأله من جاز سؤاله الإشهاد على نفسه بثبوت ذلك لديه، وتنفيذه وإمضاءه والحكم به، فأجابه الى سؤاله، وتقدّم بكتابته فكتب عن إذنه الكريم، وأشهد على نفسه بثبوت ذلك لديه، وتنفيذه وإمضائه وأنّه حكم به وارتضاه، وأبقى كلّ ذى حجّة معتبرة فيه على حجّته، وهو فى ذلك نافذ الحكم والقضاء ماضيهما، بعد تقدّم الدّعوى المسموعة وما ترتّب عليها- وإن حضر من أشهد عليه أنّه لا مطعن له فى ذلك كتب: «وحضر إقامة البيّنة فلان، واعترف بأنّه لا مطعن له فى ذلك ولا فى من شهد به» - ووقع الإشهاد به بتاريخ ... «1» .
فهذه أمثلة ذكرناها؛ والكاتب المجيد المتصرّف يكتب بقدر الوقائع، ويتصرّف فى الألفاظ، ما لم يخلّ بالمقاصد، ولا يدخل عليها من الألفاظ ما يفسدها.
وأما الكتب الحكميّة- فاذا ثبت عند حاكم من الحكّام أمر وسأله المحكوم له كتابا حكميّا لجميع القضاة كتب ما مثاله بعد البسملة: هذه المكاتبة الحكميّة الى كلّ من تصل اليه من قضاة المسلمين وحكامهم- ويدعو لهم- من مجلس الحكم العزيز بالعمل الفلانىّ عن سيّدنا قاضى القضاة فلان، الحاكم بالعمل الفلانىّ- ويدعى له- أنّه ثبت عنده وصحّ لديه فى مجلس حكمه وقضائه بمحضر من متكلّم جائز كلامه، مسموعة دعواه على الوضع الشرعىّ، بشهادة عدلين، وهما فلان وفلان، جميع «2» ما تضمّنه مسطور الدّين المتّصل أوّله بآخر كتابى هذا، الذى مضمونه- وينقل الى آخره- وبآخره رسم شهادة العدلين المشار اليهما؛ وقد أقام كلّ منهما شهادته عنده أنّه بالمقرّ المذكور عارف؛ وقبل ذلك منهما القبول
(9/152)

السائغ، وسطّر تحت رسم شهادتهما ما جرت العادة به من علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود فى مثله، وذلك بعد أن ثبتت عنده على الوضع الشرعىّ بشهادة عدلين- هما فلان وفلان الواضعا «1» رسم شهادتهما فى مسطور الدّين المذكور- الغيبة الشرعيّة وأقام كلّ منهما شهادته عنده بغيبة المقرّ المذكور، وقالا: «إنّهما به عارفان» ، وقبل ذلك منهما القبول الشرعىّ، وسطّر تحت رسم شهادتهما ما جرت العادة به من علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود فى مثله، وأحلف المقرّ له بالله العظيم، اليمين الشرعيّة المتوجّهة عليه، المؤرّخة فى مسطور الحلف المكتتب على ظهر المسطور أو الملصق بذيل مسطور الدين، بالتماسه لذلك على الأوضاع الشرعيّة، ثبوتا «2» شرعيّا معتبرا؛ وأنّه حكم بذلك وأمضاه، وألزم بمقتضاه، على الوجه الشرعىّ، مع إبقاء كلّ ذى حجّة معتبرة على حجّته، وهو فى ذلك كلّه نافذ القضاء والحكم ماضيهما بعد تقدّم الدعوى المسموعة وما ترتّب عليها؛ ولمّا تكامل ذلك كلّه عنده وصحّ لديه- أحسن الله اليه- سأله من جازت مسألته، وسوّغت الشريعة المطهّرة أجابته، المكاتبة عنه بذلك، فأجابه الى سؤاله، وتقدّم بكتابة هذا الكتاب الحكمىّ فكتب عن إذنه؛ فمن وقف عليه من قضاة المسلمين وحكّامهم واعتمد تنفيذه وإمضاءه حاز الأجر والثواب، والرضا «3» وحسن المآب؛ وفّقه الله وإيّانا لما «4» يحبّه ويرضاه؛ وكتب عن مجلس الحكم العزيز بالعمل الفلانىّ فى اليوم الفلانىّ- ويؤرّخ- مثال العلامة بعد البسملة كذا وكذا، وعدد أوصاله كذا وكذا؛ ويختم الكتاب.
(9/153)

ثم يكتب عنوانه، ومثال ما يكتب: «من فلان بن فلان الحاكم بالعمل الفلانىّ» ويشهد عليه بثبوت ذلك عنده.
ويكتب أيضا فى مثل ذلك- وهو أبلغ- ما صورته: هذا كتاب حكمىّ محرّر مرضىّ؛ تقدّم بكتابته وتسطيره، وتنجيزه وتحريره، العبد الفقير الى الله تعالى قاضى القضاة فلان- ويدعى له- الحاكم بالدّيار المصريّة، أو غيرها، للدّولة الفلانيّة، بالولاية المتّصلة بالمواقف الشريفة- نحو ما تقدّم فى إسجال العدالة- الى كلّ من يصل اليه من قضاة المسلمين وحكّامهم ونوّابهم وخلفائهم- ويدعو لهم- متضمّنا «1» أنّه ثبت عنده وصحّ لديه؛ ويكمّل كما تقدّم.
فصل اذا ورد مثل هذا الكتاب من قاض الى قاض- مثاله من قاضى القضاة بدمشق الى قاضى القضاة بمصر
- كتب على ظهره ما مثاله: هذا ما أشهد على نفسه سيّدنا ومولانا قاضى القضاة فلان، الحاكم بالقاهرة ومصر المحروستين وسائر الدّيار المصريّة- ويدعى له- أنّه ورد عليه الكتاب الحكمىّ الصادر عن مصدره قاضى القضاة فلان الحاكم بدمشق- وهو الكتاب المشروح باطنه- ورودا صحيحا شرعيّا، موثوقا به، مسكونا اليه؛ وشهد بوروده عن مصدره قاضى القضاة فلان الحاكم بدمشق المحروسة كلّ واحد من العدول المستورين، أو المزكّين «2» وهم- ويسمّيهم- عند سيّدنا قاضى القضاة فلان، وقالا: «إنّ الحاكم المذكور
(9/154)

أشهدهما على نفسه بما تضمّنه الكتاب الحكمىّ المسطّر باطنه، بعد قراءته على مصدره بحضرتهما وحضور من يعتبر حضوره» وانّ قاضى القضاة فلانا سمع شهادتهما فقبلها القبول السائغ؛ ولمّا تكامل ذلك كلّه سأله من جازت مسألته، وسوّغت الشريعة المطهّرة إجابته، الإشهاد على نفسه بثبوت ذلك لديه، وأنّه قبله قبول أمثاله من الكتب الحكمية قبولا شرعيّا، وحكم به وأمضاه، وألزم بمقتضاه؛ فأجاب السائل الى سؤاله، وأشهد على نفسه بذلك، وذلك كلّه بعد تقدّم الدعوى المسموعة فى ذلك وما ترتّب عليها، وأبقى كلّ ذى حجّة معتبرة فيه على حجّته، وهو فى ذلك كلّه نافذ القضاء والحكم ماضيهما؛ وذلك بتاريخ....
وأما التقاليد الحكميّة
- فيبتدئ الكاتب فى صدرها بعد البسملة بخطبة يورد فيها ما تؤدّيه إليه عبارته، وتبلّغه إيّاه فصاحته وبلاغته؛ ثم يكتب: ولمّا كنت «1» أيّها القاضى فلان- وينعته بما يستحقّه- ممّن اتّصف بكذا وكذا واشتغل بكذا وكذا، واستحقّ كذا وكذا، استخرت الله تعالى، واستنبتك عنّى فى القضاء والحكم فى العمل الفلانىّ، فى جميع أعماله وبلاده وسائر أقطاره؛ فتولّ ما ولّيتك، وباشر ما عذقته «2» بك، وصن أموال الناس عن الضّياع، وزوّج من لا ولىّ له عند «3» الشروط المعتبرة الأوضاع؛ واضبط الأحكام بشهادة الثّقاة العدول وميّز بين المردود منهم والمقبول؛ وراع أحوال النوّاب فى البلاد، وأرهم يقظة تردع
(9/155)

بها المفسد عن الفساد- ويذكر غير ذلك من الوصايا، ويوصيه فى آخرها بتقوى الله تعالى- وكتب عن مجلس الحكم العزيز بالعمل الفلانىّ؛ ويؤرّخ.
وأمّا تقاليد قضاة القضاة فتتعلّق بكتّاب الإنشاء؛ وهذا مثال، والكاتب يتصرّف بحسب نباهته ومعرفته وعلمه.
وأما الأوقاف والتحبيسات
- فهى بحسب آراء أربابها فيما يوقفونه «1» ويحبسونه على أبواب القربات، وأنواع الأجر والمثوبات؛ وسنذكر منها قواعد يقاس عليها- إن شاء الله تعالى- فمن ذلك ما إذا كان لرجل دار وأراد أن يوقفها «2» عليه «3» وعلى أولاده من بعده ونسلهم وعقبهم، فسبيله فى ذلك أن يملّك الدّار لغيره «4» ، ويكتب التمليك على ما تقدّم «5» ؛ ثم يقول: وبعد تمام ذلك ولزومه أشهد عليه فلان المقرّ له فيه شهود هذا المكتوب طوعا منه واختيارا، أنّه وقف وحبّس وسبّل وحرّم «6» وأبّد، وتصدّق
(9/156)

بما هو له وفى يده وملكه وتصرّفه، ورآه وعرفه، وأحاط به علما وخبرة؛ وهو جميع الدّار الموصوفة المحدودة أعلاه، على فلان بن فلان المقرّ المملّك المذكور أعلاه أيّام حياته، ثمّ من بعده على أولاده، وأولاد أولاده، وأولاد أولاد أولاده أبدا ما تناسلوا دائما، وما تعاقبوا، للذّكر مثل حظّ الأنثيين، يتناقلونه بينهم كذلك الى حين انقراضهم، يحجب الآباء منهم والأمّهات أولادهم وأولاد أولادهم وإن سفلوا؛ فإن لم يكن له «1» ولد ولا ولد ولد ولا أسفل من ذلك، كان نصيبه لإخوته الموجودين حين موته، للذّكر مثل حظّ الأنثيين، يحجب الآباء منهم والأمّهات أولادهم وأولاد أولادهم؛ فإن لم يوجد من أولاد الموقوف عليه وأولاد أولاده أحد كان ذلك وقفا مصروفا ريعه على مصالح المسجد الذى بالموضع الفلانىّ- ويوصف ويحدّد- برسم عمارته ومرمّته وفرشه ووقود مصابيحه وشراء ما يحتاج اليه من الزّجاج والنّحاس والحديد، ومن يقوم بخدمته والأذان فيه، ومن يؤمّ فيه بالمسلمين فى الصلوات الخمس المكتوبة المفروضة على سائر المسلمين، على ما يراه الناظر فى ذلك؛ فإن تعذّر الصرف عليه بوجه من الوجوه كان ذلك وقفا على الفقراء والمساكين أينما كانوا وحيثما وجدوا من الديار المصريّة أو الشأم، أو عمل من الأعمال، أو بلد من البلاد، على ما يراه الناظر فى ذلك من مساواة وتفضيل، وإعطاء وحرمان؛ ومتى أمكن الصرف الى ما ذكر من مصالح المسجد كان الوقف عليها والصرف إليها، يجرى الحال فى ذلك كذلك الى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين؛ على أنّ للنّاظر فى هذا الوقف والمتولّى عليه أن يؤجره لمن شاء
(9/157)

ما شاء من المدد: طوالها وقصارها، بما يراه من الأجر: المعجّلة أو المؤجّلة أو المنجّمة؛ أو يكتب: «وعلى الناظر فى هذا الوقف أن يؤجره لسنة كاملة فما دونها، بأجرة المثل فما فوقها» ولا يتعجّل أجرة، ولا يدخل عقدا على عقد إلّا أن يجد فى مخالفة ذلك مصلحة ظاهرة، أو غبطة ظاهرة «1» ، فيؤجره لمدّة كذا وكذا ولمن شاء، ويستغلّ أجره بوجوه الاستغلال الشرعيّة، فما حصل من ريعه بدأ منه بعمارته ومرمّته وإصلاحه وما فيه بقاء عينه ودوام منفعته، ثم ما فضل بعد صرفه لمستحقّه على ما شرح أعلاه؛ وجعل الواقف النّظر فى هذا الوقف والولاية عليه لفلان الموقوف عليه أوّلا، ثم من بعده لأولاده وأولاد أولاده، ينظّر كلّ منهم على حصّته فى حال استحقاقه وعلى حصّة من تعذّر نظره من المستحقّين لصغر أو سفه أو غيبة أو عدم أهليّة، أو سبب من الأسباب، الى حين تمكّنه من النظر، فيعود حكمه حكم باقى المستحقّين فى النظر على حصّته وحصّة غيره؛ فإن تعذّر النظر من أحدهم أو من جميعهم بسبب من الأسباب، أو انقرضوا ولم يوجد منهم أحد، كان النظر فى ذلك لحاكم المسلمين؛ وان عاد إمكان النظر الى مستحقّى الوقف أو إلى أحد منهم قدّم فى النظر على غيره؛ ومن عدمت منهم أهليّته وكان له ولىّ ينظر فى ماله كان النظر له على حصّته فى هذا الوقف دون غيره من المستحقّين ومن الحاكم؛ يجرى الحال فى ذلك كذلك وجودا وعدما، الى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين؛ ولكلّ ناظر فى هذا الوقف أن يستنيب عنه فى ذلك من هو أهل له؛ وعلى كلّ ناظر فى هذا
(9/158)

الوقف أن يتعهّد إثباته عند الحاكم بحفظه بتواتر الشّهادات واتّصال الأحكام، وله أن يصرف فى كلفة إثباته ما جرت العادة به من ريع هذا الوقف؛ وقف فلان المبتدأ باسمه جميع ذلك على الجهات المعيّنة، بالشروط المبيّنة، على ما شرح أعلاه؛ وقفا صحيحا شرعيّا مؤبّدا، وحبسا دائما سرمدا، وصدقة موقوفة، لاتباع ولا توهب، ولا تملّك، ولا ترهن، ولا تتلف بوجه تلف، قائمة على أصولها محفوظة على شروطها، الى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين؛ وقبل هذا الموقوف عليه ذلك لنفسه قبولا شرعيّا، وتسلّم الموقوف عليه الدّار المذكورة وصارت بيده وقبضه وحوزه؛ وذلك بعد النظر والمعرفة، والإحاطة به علما وخبرة؛ فلا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر إخراجه عن أهله، وحرام على من غيّره أو بدّله (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) .
فصل اذا وقف رجل دارا على أولاده وعلى من يحدثه الله من الأولاد، ثمّ على المسجونين ثمّ على فكّ الأسرى، ثمّ على الفقراء والمساكين،
كتب ما مثاله: هذا كتاب وقف صحيح شرعىّ، وحبس صحيح «1» مرضىّ، تقرّب به واقفه الى الله تعالى رغبة فيما لديه وذخيرة له يوم العرض عليه؛ يوم يجزى الله المتصدّقين، ولا يضيع أجر المحسنين؛ اكتتبه فلان، وأشهد على نفسه أنّه وقف وحبّس وسبّل وحرّم وأبّد وتصدّق
(9/159)

بما هو له وفى يده وملكه وتصرّفه، وعرفه ورآه، وأحاط به علما و [خبرة «1» ] .
«2» ...
...
[المؤتلف والمختلف من أسماء نقلة الحديث]
[عقّار «3» بالعين والقاف والراء: عقّار «4» بن] المغيرة بن شعبة، وغيره؛ وغفار، هو أبو غفار «5» ، عن «6» أبى تميمة، وأبو غفار «7» غالب التّمّار.
(9/160)

(وعبيس) (وعنبس) عبيس، هو ابن ميمون أبو عبيدة، وأمّ عبيس، امرأة كانت تعدّب فى الله أعتقها «1» أبو بكر الصدّيق- رضى الله عنه-؛ وعنبس، هو ابن عقبة، وعنبس ابن إسماعيل القزّاز، وغيرهما.
(وعبّاد) (وعباد) (وعياذ) (وعباد) فأمّا عبّاد، فكثير؛ وعباد بضمّ العين، هو قيس بن عباد، تابعىّ كبير؛ وعياذ بكسر العين وياء مثنّاة وذال معجمة، هو عياذ بن عمرو «2» ، له صحبة، وأهبان بن عياذ مكلّم «3»
(9/161)

الذئب، وعياذ بن أبى العيذ، وعياذ بن مغراء؛ وعباد «1» بكسر العين وباء موحّدة:
ربيعة بن عباد، له صحبة، وعباد العبدىّ.
(وعمارة) (وعمارة) عمارة بالضم، كثير؛ وبكسر العين: واحد، هو أبىّ بن عمارة، له صحبة.
(وعابس) (وعائش) عابس، كثير؛ وعائش، هو ابن أنس، وعبد الرحمن بن عائش الحضرمىّ.
(وعدثان) (وعدنان) أمّا عدثان، فهو فى نسب غافق «2» بن «3» العتيك بن عكّ «4» بن عدثان؛ وعدنان، هو عدنان بن أحمد بن طولون.
(9/162)

(وعلىّ) (وعلىّ) ... «1» ... علىّ بضم العين وتشديد الياء، هو علىّ بن رباح، والأصبغ بن علقمة بن علىّ.
(وعيشون) (وعيسون) (وعبسون) أمّا عيشون، فهو عبد الله بن عيشون «2» الحرّانىّ، ومحمد بن عيشون؛ وأمّا عيسون، فهو عبد الحميد بن أحمد بن عيسى، هذا «3» يعرف بعيسون، ومحمّد بن عيسون الأنماطىّ؛ وأمّا عبسون، فهو محمد بن أحمد بن عبسون البغدادىّ.
(وعتيق) (وعتيق) الأوّل بالفتح، كثير؛ وعتيق بالضم، هو عتيق بن محمّد.
(وعتبة) (وعنبة) (وغنيّة) (وعبية «4» ) أما عتبة بضم العين، فكثير؛ وأمّا عنبة بكسر العين وبعدها نون، فهو أبو عنبة الخولانىّ، أدرك الجاهليّة والإسلام، والحارث بن عنبة الكوفىّ؛ وأمّا غنيّة بالغين
(9/163)

المعجمة ونون وياء، فعبد الملك بن حميد بن أبى غنية والد يحيى؛ وأمّا عبيّة، فاسم مشهور «1» .
(وعبّاس) (وعيّاش) (وعيّاس) (وعنّاس) فأمّا عبّاس، فكثير؛ وأمّا عيّاش، فجماعة، منهم عيّاش بن أبى ربيعة؛ وأمّا عيّاس بالياء المثنّاة من تحت والسين المهملة، فهو أبو العيّاس، يروى عن سعيد بن المسيّب؛ وأمّا عنّاس بالنون والسين المهملة، فهو عنّاس بن «2» خليفة.
(وعبدان) (وعيدان) (وعيدان) فعبدان، اسم مشهور؛ وعيدان بفتح العين، هو ربيعة بن عيدان «3» ؛ وأمّا عيدان «4» بكسر العين، فهو واحد من المحدّثين.
(وعقيل) (وعقيل) اسمان مشهوران.
(وعتّاب) (وغياث) كذلك.
(9/164)

(وعليم) (وعلثم) أمّا عليم، فهو الذى يروى عن سلمان الفارسىّ؛ وأمّا علثم، فهو والد عمار ابن علثم.
(وعيسى) (وعبسىّ) أمّا الأوّل، فاسم مشهور معروف؛ والثانى بفتح العين وتسكين الباء الموحّدة وكسر السين، فهو عبسىّ «1» بن قاشىّ «2» ، اجتمع بأحمد بن حنبل.
(وعثيم) (وغنيم) الأوّل: اسم جماعة، منهم عثيم بن نسطاس، روى عن سعيد المقبرىّ؛ وغنيم بالغين المعجمة والنون: غنيم بن قيس، أبو العنبر، أدرك النّبىّ صلى الله عليه وسلم ورآه.
(وعتيبة) (وعيينة) الأوّل: الحكم بن عتيبة، وعتيبة «3» عن بريد «4» بن أصرم عن علىّ؛ وأمّا عيينة، فكثير.
(9/165)

(وعديس) (وعدبّس) عبد الرحمن «1» بن عديس، له صحبة؛ وعدبّس بالباء الموحّدة، هو جدّ عبد الله ابن أحمد بن وهيب بن عدبّس، وأبو العدبّس منيع بن سليمان.
(وعفير) (وغفير) الأوّل بالعين المهملة: جماعة؛ والثانى بالإعجام، هو الحسن بن غفير.
(وعدىّ) (وعدىّ) الأوّل بالفتح، كثير؛ والثانى بالضم، هو زياد بن عدىّ.
(وعائذ) (وعابد) الأوّل بالياء المثنّاة من تحت والذال المعجمة، كثير؛ والثانى بالباء الموحّدة والدال المهملة: حبيس «2» بن عابد، وعابد بن عمر «3» بن مخزوم.
(9/166)

(وغزوان) (وعزوان) الأوّل بالإعجام، كثير؛ والثانى بالعين المهملة، هو عزوان بن زيد «1» الرّقاشى روى عن «2» الحسن البصرىّ.
(وغنّام) (وعثّام) الأوّل: غنّام، بدرىّ، وتسمّى به غيره؛ والثانى: عثّام بن علىّ.
(وغرير) (وعزيز) و (عزيز) (وعزير) الأوّل بالغين معجمة وراء مهملة مكرّرة، هو غرير بن حميد «3» بن عبد الرحمن ابن عوف؛ والثانى عزيز بالعين «4» المهملة مضمومة وزاى مكررة معجمة، هو محمّد ابن عزيز الأيلىّ، ومحمّد بن عزيز «5» السّجستانىّ صاحب غريب القرآن؛ والثالث عزيز بفتح العين المهملة وكسر الزاى الأولى المعجمة، هو والد خيثمة؛ قال خيثمة بن عبد الرحمن: «كان اسم أبى فى الجاهليّة عزيزا، فسمّاه النبىّ صلى الله عليه وسلم
(9/167)

عبد الرحمن» . والرابع عزير بالزاى والياء المثنّاة «1» تحت: أحمد بن عبيد الله حمار العزير.
(وغرّون «2» ) (وعزّون «3» ) الأوّل: من شيوخ الموصل؛ والثانى: بالعين المهملة، هو جدّ علىّ بن الحسين ابن عزّون «4» .
(وغنىّ) (وعتىّ) الأوّل: عطيّة بن غنىّ؛ والثانى: عتىّ بن ضمرة، عن أبىّ بن كعب.
(وفضيل) (وفصيل) الأوّل، كثير؛ والثانى بالفاء والصاد المهملة مكسورة: الحكم بن فصيل يروى عن خالد الحذّاء، عن نافع، عن ابن عمر.
(وفريس) (وقريش) الأوّل بفاء مفتوحة وسين مهملة، هو فريس بن صعصعة؛ والثانى، كثير.
(وفرج) (وفرح) (وفرخ) الأوّل بالجيم: جماعة؛ والثانى بالحاء المهملة: قليل، منهم فرح بن رواحة؛ والثالث بالخاء المعجمة والراء الساكنة، هو جدّ عبد الله بن محمّد بن فرخ «5» الواسطىّ.
(9/168)

(وفتح) (وفنّج) الأوّل اسم مشهور؛ والثانى بالفاء والنون والجيم: واحد، روى [عبد الله «1» ابن] وهب بن منبّه عن أبيه، قال: «حدّثنى فنّج» ... «2» .
(وقهم) (وفهم) الأوّل بالقاف، هو النّهّاس بن القهم «3» ؛ والثانى بالفاء، هو فهم بن عبد الرحمن، وغيره.
(وكثير) (وكنيز) (وكثيّر «4» ) (وكبير) (وكنيز «5» )
(9/169)

الأوّل بالفتح والثاء المثلّثة: اسم مشهور؛ والثانى بالفتح والنون والزاى معجمة، هو بحر بن كنيز السّقّاء؛ والثالث كثير بضم الكاف وتشديد الياء، هو كثيّر بن عبد الرحمن؛ والرابع كبير بالفتح والباء الموحّدة والياء الساكنة، هو أبو أميّة كبير والد جنادة الأزدىّ؛ والخامس كنيز بضم الكاف وفتح النون، هو كنيز الخادم كان يحدّث بمصر.
(وكبشة) (وكيّسة) الأوّل، كثير؛ والثانى بالياء والسين، هو أبو كيّسة «1» البراء بن قيس، وكيّسة بنت أبى بكرة «2» الثّقفى.
(ومسلم) (ومسلّم) ... «3» .
(9/170)

(ومخلد) (ومخلّد) الأوّل بتسكين الخاء، كثير؛ والثانى بضم الميم وفتح الخاء وتشديد اللام: مسلمة «1» ابن مخلّد، له صحبة، والحارث بن مخلّد، عن أبى هريرة رضى الله عنه.
(ومعاوية) (ومغوية) الأوّل، معروف؛ والثانى بالغين المعجمة، هو أبو راشد الأزدىّ، وفد على النّبىّ صلى الله عليه وسلم، فقال له: «ما اسمك» ؟ فقال: «عبد العزّى» ، قال:
«أبو من» ؟ قال: «أبو مغوية» ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلّا، ولكنّك عبد الرحمن أبو راشد» .
(ومبشّر) (وميسّر) الأوّل، اسم مشهور؛ والثانى، هو ميسّر بن عمران بن عمير، مولى عبد الله بن مسعود، وعلىّ بن ميسّر، كوفىّ.
(ومعمر) (ومعمّر) اسمان مشهوران.
(ومعبد) (ومعيد) الأوّل، كثير؛ والثانى، هو أبو معيد حفص بن غيلان.
(ومسور) (ومسوّر) الأوّل بكسر الميم وتسكين السين المهملة، كثير؛ والثانى، هو بضم الميم وفتح السين وتشديد الواو، وهو مسوّر «2» بن يزيد المالكىّ الكاهلىّ؛ له صحبة.
(9/171)

(ومرثد) (ومزيد) (ومريد) (ومزبّد «1» ) الأوّل بفتح الميم وسكون الراء المهملة والثاء المثلّثة، كثير؛ والثانى مزيد بالزاى والياء، هو الوليد بن مزيد [صاحب «2» ] الأوزاعىّ، ومزيد بن هلال، «ووالد يزيد «3» ابن مزيد، [ومزيد «4» ] بن عبد الله» ؛ والثالث مريد بضم الميم والراء المهملة والياء المثنّاة من تحت، هو مريد، روى عن أيّوب السّختيانىّ؛ والرابع مزبّد «5» ، هو [صاحب «6» النوادر، بالزاى والباء المعجمة بواحدة] .
(9/172)

(ومحرز) (ومحرّر) (ومجزّز) الأوّل: محرز بن زهير، له صحبة؛ والثانى محرّر بالحاء والراءين المهملتين هو محرّر «1» بن أبى هريرة، ومحرّر بن قعنب؛ والثالث مجزّز بالجيم وزايين معجمتين هو مجزّز المدلجىّ القائف، وهو فى الصحابة.
(ومغيث) (ومعتّب) (ومعتب) الأوّل: مغيث بن بديل، ومغيث بن أبى بردة، ومغيث «2» زوج بريرة، له صحبة وغيرهم؛ والثانى معتّب، هو ابن قشير، ومعتّب بن أبى معتّب، وغيرهما؛ والثالث معتب، نسمّى به جماعة «3» .
(ومزاحم) (ومراجم) الأوّل، مشهور؛ والثانى مراجم بالراء المهملة والجيم: عوّام بن مراجم.
(ومسهر) (ومشهّر) الأوّل، فيه جماعة؛ والثانى [وبربن «4» ] مشهّر «5» ، له صحبة.
(9/173)

(ومشكان) (ومسكان) ... «1» ...
(ومشرح) (ومسرّح) ... «2» ...
(ومسبّح) (ومسيح) (ومسيح) (ومشنّج) الأوّل، هو مسبّح بن حاتم العكلىّ، وغيره؛ والثانى مسيح بفتح السين المهملة وسكون الياء، هو تميم بن مسيح؛ وبكسر السين المهملة، هو عبد العزيز بن مسيح «3» ؛
(9/174)

والرابع مشنّج بالشين المعجمة والنون والجيم، هو سمعان بن مشنّج «1» ، روى عن سمرة ابن جندب.
(ومثنّى) (وميثاء) الأوّل، مشهور كثير؛ والثانى ميثاء بالياء المثنّاة من تحت والثاء المثلّثة، هو أبو الميثاء المستظلّ «2» بن حصين، وأبو الميثاء أيّوب بن قسطنطين، مصرىّ وأبو الميثاء، عن أبى ذرّ.
(ومنبّه) (ومنية) الأوّل، كثير؛ والثانى، قليل، منهم يعلى بن منية، وهو ابن أميّة، ومنية بنت عبيد بن أبى برزة.
(ونافع) (ويافع) الأوّل بالنون، كثير؛ والثانى بالياء، هو يافع بن عامر.
(ونصر) (ونضر) اسمان معروفان.
(ونميل) (وثميل) الأوّل بالنون: اسماعيل بن نميل؛ والثانى بالثاء المثلّثة: ثميل الأشعرىّ، عن أبى الدّرداء.
(ونعيم) (ويغنم)
(9/175)

الأوّل بالنون، كثير؛ والثانى بالياء وغين معجمة، هو يغنم بن سالم بن قنبر ضعيف جدّا.
(ونزار) (وبراز) الأوّل بالنون، جماعة؛ والثانى بالباء، هو أشعث «1» بن براز، من أهل البصرة، له مناكير.
(ونصير «2» ) (ونضير) (ونضير) (وبصير «3» ) الأوّل: نصير بن الفرج، وغيره؛ والثانى: نضير بنون مضمومة وضاد معجمة هو نضير بن زياد؛ والثالث نضير بنون مفتوحة وضاد معجمة مكسورة، هو نضير ابن قيس؛ والرابع: [أبو «4» ] بصير، روى عنه أبو إسحاق «5» السّبيعىّ، وأبو بصير عتبة بن أسيد.
(والنّجّار) (والنّحّاز)
(9/176)

الأوّل بالجيم والراء: أيّوب بن النّجّار، والنّجّار «1» جدّ الأنصار؛ والثانى النّحّاز بالحاء والزاى، هو النّحّاز «2» بن جدىّ «3» .
(ونجبة) (وتحية) الأوّل بالنون والجيم والباء، هو نجبة بن صبيغ «4» ، عن أبى هريرة، والمسيّب ابن نجبة؛ والثانى تحية بالتاء والحاء والياء، هو الحكم بن أبى تحية «5» .
(ونائل) (ونابل) (وناتل) الأوّل بالياء: نائل بن نجيح، ونائل بن مطرّف؛ والثانى بالباء الموحّدة هو نابل صاحب العباء «6» ، عن ابن عمر، وأيمن بن نابل؛ والثالث ناتل بالتاء المثنّاة هو ناتل الشامىّ، وهو ناتل بن قيس، عن أبى هريرة.
(ونجيب) (ونجيت) الأوّل بالنون والجيم، هو أبو النّجيب، عن أبى سعيد الخدرىّ- رضى الله عنه- واسمه ظليم، والنّجيب بن السّرىّ؛ والثانى نجيت، هو أبو بكر بن نجيت «7» البغدادىّ الدّقّاق.
(9/177)

(وواقد) (ووافد) الأوّل بالقاف، كثير؛ والثانى وافد بالفاء، قليل، منهم وافد بن سلامة، ووافد ابن موسى.
(ووقاء «1» ) (ووفاء) فأمّا وقاء «2» بالقاف، فهو وقاء «3» بن إياس؛ وأمّا وفاء بالفاء، فهو ابن شريح، ووفاء بن سهيل.
(وهدبة) (وهديّة) هدبة بالباء الموحّدة، هو ابن المهال، وهدبة بن خالد أخو أميّة؛ وأمّا هديّة بالياء المثنّاة، فهو هديّة بن عبد الوهّاب، ومحمد بن هديّة الصّدفىّ، ويقال:
«ابن هديّة» ، ويزيد بن هديّة.
(ويسرة) (وبسرة) الأوّل: يسرة بن صفوان؛ والثانى بسرة بالباء الموحّدة، هو أبو بسرة، عن البراء «4» ، وبسرة بنت صفوان، لها صحبة.
(وياسر) (وباشر) (وناشر) الأوّل ياسر، كثير؛ وباشر، هو أبو «5» حازم باشر؛ وناشر بالنون، هو والد أبى ثعلبة الخشنىّ جرثوم؛ وقيل فيه: «ناشب» .
(9/178)

هذا ما اتفق إيراده من مؤتلف الأسماء ومختلفها على سبيل الاختصار ممّا ألّفه الشيخ عبد الغنىّ بن سعيد بن علىّ بن سعيد بن بشر بن مروان الأزدىّ «1» ، الحافظ المصرىّ- رحمه الله تعالى-؛ وقد ألّف أيضا كتابا آخر فى المنسوب من رجال الحديث الى قبيلة أو بلدة أو صنعة، ممّا يأتلف فى صورة الخطّ ويختلف فى المعنى «2» ، لا بأس أن نورد منه نبذة.
[المؤتلف والمختلف من نسب رجال الحديث]
فمن ذلك الأبلّىّ: نسبة إلى الأبلّة «3» ؛ واليها ينسب نهر الأبلّة الذى هو أحد متنزّهات الدنيا الأربعة «4» . والأيلىّ: نسبة إلى أيلة، وأيلة على شاطئ «5» البحر، يمرّ عليها الحاجّ المصرىّ فى مسيره الى مكّة وعوده، وإليها تنسب العقبة، وهى على عشر مراحل من القاهرة. ولهم «6» أيضا (الأبلىّ «7» ) : نسبة الى (أبلة «8» ) بالأندلس.
(9/179)

ومنه «1» (الأسيدىّ) والأسيّدىّ) فالأولى بالفتح: نسبة الى آل أسيد بن أبى العيص؛ والأسيّدىّ بالضم وتشديد «2» الياء: نسبة الى بطن من تميم، منهم حنظلة بن الرّبيع، وأخوه رياح «3» ، لهما صحبة.
ومنه «4» (البصرىّ) (والنّصرىّ) ... «5» ...
(والبكرىّ) (والنّكرىّ) فالبكرىّ: نسبة الى أبى بكر الصّدّيق رضى الله عنه، وإلى بكر؛ والنّكرىّ بالنون، يقال: إنّهم «6» من عبد القيس، منهم عمرو بن مالك.
(9/180)

(والبحرانىّ) (والنّجرانىّ) ... «1» ...
(والبشيرىّ) (والتّسترىّ) ... «2» ...
(والبستىّ) (والبشتىّ) الأوّل: نسبة الى بست، من سجستان؛ والثانى: الى بشت، قرية من قرى نيسابور.
(والبلخىّ) (والثّلجىّ)
(9/181)

البلخىّ: نسبة الى بلخ «1» ؛ والثّلجىّ: محمّد بن شجاع الثّلجىّ.
(والبزّاز) (والبزّار) ... «2»
(والتّيمىّ) (والتّيمىّ) فالتّيمىّ بتسكين الياء: نسبة الى تيم «3» بن مرّة بن كعب، وتيم الرّباب؛ وأمّا التّيمىّ بتحريك الياء، فهم «4» بطن من بنى غافق.
(والثّاتىّ) (والبانى) (والبابىّ) أمّا الثّاتىّ، فهو إبراهيم بن يزيد أبو «5» خزيمة الثّاتىّ قاضى مصر، وثات: قبيلة من حمير؛ وأمّا البانى، فهو محمّد بن إسحاق؛ وأمّا البابىّ، فمنهم زهير بن نعيم البابىّ وغيره، ولعلّها نسبة إلى الباب: قرية «6» من قرى حلب.
(9/182)

(والثّورىّ) (والتّوّزىّ) (والبورىّ) (والنّورىّ) فالثّورىّ: نسبة إلى ثور بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة؛ وأمّا التّوّزىّ [بالزاى «1» بعد تاء معجمة من فوقها بنقطتين، فأبو يعلى محمّد بن الصّلت التّوّزىّ؛ وأمّا البورىّ بالباء المعجمة بواحدة، فمحمّد بن عمر بن حفص البورىّ البصرىّ العنزىّ، كان بمصر ... ؛ وأمّا النّورىّ] ، فأبو الحسن النّورىّ الصوفىّ البغدادىّ.
(والجريرىّ) (والحريرىّ) [والجريرىّ «2» ] (والحزيزىّ) .
أمّا الجريرىّ «3» بالجيم مضمومة، فجماعة، منهم سعيد «4» بن إياس، وأبان «5» بن تغلب وعبّاس «6» بن فرّوخ «7» ؛ وأمّا الحريرىّ بالحاء المهملة، فكثير؛ وأمّا الجريرىّ بالجيم المفتوحة، فجماعة ينسبون الى جرير بن عبد الله البجلىّ؛ وأما الحزيزىّ بالحاء المهملة وزايين، فنسبة إلى قرية اسمها حزيز «8» .
(والجندعىّ) (والخبذعىّ)
(9/183)

فالجندعىّ: نسبة إلى جندع، من ليث، وليث من مضر بن نزار؛ وأمّا الخبذعىّ فهم بطن من همدان.
(والجبيرىّ) (والحبترىّ) (والخيبرىّ) فالجبيرىّ جماعة، منهم سعيد بن عبد الله بن زياد بن جبير، وغيره؛ وأمّا الحبترىّ، فنسبة إلى حبتر، وحبتر من كعب، ثمّ من خزاعة؛ وأمّا الخيبرىّ، فأظنّها نسبة إلى خيبر «1» .
(والحنّاط) (والخيّاط) (والخبّاط) جماعة من المحدّثين.
(والحبرىّ «2» ) (والحيرىّ) (والجيزىّ) (والخبرىّ) (والحترىّ) فأمّا الحبرىّ «3» ، فهو الحسين بن الحكم الحبرىّ «4» ؛ وأمّا الحيرىّ، فنسبة إلى الحيرة محلّة بنيسابور؛ وأمّا الجيزىّ، فنسبة إلى جيزة فسطاط مصر؛ وأما الخبرىّ، فنسبة الى قرية من قرى شيراز، منها الفضل بن حمّاد الخبرىّ؛ وأمّا الحترىّ، فهو أبو عبد الله الحترىّ.
(والحرّانىّ) (والحرابىّ) فالحرّانىّ: نسبة الى حرّان، من مدن الجزيرة «5» ؛ والحرابىّ، هو أحمد بن محمّد شيخ البغداديّين.
(9/184)

(والحنّائىّ) (والجبإىّ) (والجبائىّ) (والجنّابىّ «1» ) أمّا الحنّائىّ بالحاء المهملة والنون، فإبراهيم بن علىّ الحنّائىّ؛ وأمّا الجبإىّ بالجيم والباء، فهو شعيب الجبإىّ، منسوب إلى جبل «2» باليمن؛ وأمّا الجبّائىّ بالجيم المضمومة والباء الموحّدة، فهو أبو علىّ الجبّائىّ «3» المتكلّم؛ وأمّا الجنّابىّ بالجيم والنون والباء الموحّدة، فهو محمّد بن علىّ بن عمران الجنّابىّ» .
(والخزّاز) (والخرّاز) (والجرّار) (والجزّار) أمّا الخزّاز بالخاء والزايين المعجمات، فعدد كثير، منهم النّضر بن عبد الرحمن «5» وأحمد بن «6» علىّ، وغيرهما؛ وأمّا الخرّاز بالخاء والراء والزاى، فجماعة، منهم عبد الله ابن عون الخرّاز، وغيره؛ وأما الجرّار بالجيم والراء المكرّرة المهملة، فعبد الأعلى بن أبى المساور الجرّار، وعيسى بن يونس الرّملىّ الجرّار، وهو الفاخورىّ؛ وأما الجزّار فنسبة إلى صنعة الجزارة.
(9/185)

(والخضرمىّ) (والحضرمىّ) فأمّا الخضرمىّ بالخاء المعجمة المجرورة، فهم عدّة يسكنون بأرض الجزيرة «1» ؛ وأمّا الحضرمىّ بالحاء المهملة، فخلق كثير؛ يرجعون إلى حضرموت «2» .
(والحمصىّ) (والحمّصىّ) فالحمصىّ: منسوب إلى حمص «3» ؛ والحمّصىّ قليل، وهو إبراهيم بن الحجّاج بن منير الحمّصىّ، كان يقلى الحمص.
(والخضرىّ) (والحصرىّ) (والخضرىّ «4» ) فأمّا الخضرىّ بالخاء والضاد، [فأبو «5» ] شيبة الخضرىّ «6» ؛ وأمّا الحصرىّ فسعيد بن محمّد الحصرىّ، وغيره؛ وأمّا الخضرىّ، فهو فقيه أهل مرو أبو عبد الله محمد بن أحمد.
(9/186)

(والخوزىّ) (والجورىّ) (والجوزىّ) ... «1»
(والحسنىّ) (والخشنىّ) (والحبشىّ) (والخيشىّ) ... «2»
(والختّلىّ) (والجبّلىّ) (والحبلىّ) (والختلّىّ) (والجبلىّ) فأمّا الختّلىّ بضم الخاء وتشديد التاء المثنّاة، فنسبة الى ختّل «من بلاد «3» الدّيلم
(9/187)

وإليها تنسب الدّولة الدّيلميّة الختّليّة» ؛ وأمّا الجبّلىّ بالجيم المفتوحة «1» والباء الموحّدة المشدّدة «2» ، فنسبة الى جبّل: قرية بين «3» بغداد «4» وواسط؛ وأمّا الحبلىّ بالحاء المهملة والباء الموحّدة، فهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد الحملىّ «5» ، صاحب عبد الله ابن عمرو «6» ، رضى الله عنهما؛ وأمّا الختلّى «بضم «7» الخاء وضم التاء المثنّاة وتشديد اللام» فنسبة الى ختلّ «8» ؛ وأمّا الجبلىّ، فنسبة إلى جبلة «9» الشأم.
(9/188)

(والخصيبىّ) والحصينىّ ... «1» ...
(والخرقىّ) (والحرقىّ) ... «2» ... الثانى: نسبة الى الحرقة بنت النّعمان «3» .
(والدّهنىّ) (والذّهبىّ) الدّهنىّ بضم الدال المهملة وكسر النون: نسبة إلى حىّ «4» من بجيلة ... «5» ...
(والرّهاوىّ) (والرّهاوىّ) بالفتح «6» : منسوب إلى قبيلة «7» ، منهم مالك بن مرارة الرّهاوىّ، له صحبة؛ وبالضم: نسبة الى بلد الرّها، من أرض الجزيرة.
(9/189)

(والرّياحىّ) (والرّباحىّ) فالرّياحىّ بكسر الراء المهملة وفتح الياء المثنّاة من تحت: إلى بطن «1» من تميم بن مرّة؛ والرّباحىّ بفتح الراء والباء الموحّدة: منسوب الى قلعة رباح بالأندلس.
(والرّبذىّ) (والزّيدىّ) فالرّبذىّ بالراء المهملة والباء الموحّدة المفتوحة والذال المعجمة: نسبة إلى الرّبذة «2» ؛ والزّيدىّ بالزاى المعجمة: نسبة إلى زيد العلوى، وإلى مذهبه.
(والرّفاعىّ) (والرّقاعىّ) ... «3» ...
(والزّمّانىّ»
) (والرّمّانىّ «5» ) فالزّمّانى بكسر الزاى المعجمة: عبد الله بن معبد؛ والرّمّانىّ بالراء المهملة:
جماعة، منهم علىّ بن عيسى النحوىّ المتكلّم، وغيره.
(والزّينبىّ) (والزّبيبىّ) ... «6» ...
(9/190)

(والزّبيدىّ) والزّبيدىّ) بالضم: نسبة الى قبيلة «1» ، منهم عمرو بن معديكرب؛ وبالفتح: نسبة إلى زبيد؛ من أرض اليمن.
(والزّبادىّ) (والزّيادىّ) فالزّبادىّ بفتح الزاى المعجمة، جماعة، منهم خالد بن عامر «2» الزّبادىّ «3» ؛ والزّيادىّ بكسر الزاى المعجمة: نسبة إلى زياد.
(والسّلمىّ) (والسّلمىّ) بضم السين المهملة وفتحها ... «4» ...
(والسّذابىّ «5» ) (والشّذائىّ «6» )
(9/191)

فالسّذابىّ بالسين المهملة، هو عمر بن محمّد السذابىّ؛ وبالشين المعجمة والياء المثنّاة من تحت، هو أبو الطّيّب الشّذائىّ الكاتب، واسمه محمد بن أحمد.
(والسّبإىّ «1» ) (والشّنإىّ) (والسّنائىّ) فأما السّبإى «2» بالسين المهملة والباء الموحّدة، فنسبة ترجع إلى سبإ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان؛ وأمّا الشّنإىّ بالشين المعجمة والنون، فنسبة إلى أزد شنوءه؛ وأمّا السّنائى، فرجل نعرفه، كان يلقّب «3» عزّ الدّين السّنائىّ؛ وقد أورد «4» فى هذا الموضع النّسائىّ بتقديم النون على السين، نسبة إلى نسا «5» من خراسان؛ والأفصح فيها النسوى.
(والسامرّىّ) (والسامرىّ) الأوّل: نسبة إلى سامرّا «6» ؛ والثانى: نسبة معروفة إلى السامرىّ وفى المحدّثين إبراهيم بن [أبى «7» ] العبّاس السّامرىّ.
(9/192)

(والسّبيىّ «1» ) (والشّيبىّ) (والسّيبىّ) (والسّبنىّ) (والسّينىّ) (والسّبتىّ) أمّا السّبيىّ بالسين المهملة والباء الموحّدة والياء باثنتين من تحتها، فهو أبو طالب السّبيىّ «2» ، ينسب إلى قرية من قرى الرّملة، تسمّى سبية «3» ؛ وأمّا الشّيبىّ، فنسبة إلى شيبة بن عثمان، من بنى عبد الدّار بن قصىّ، من سدنة «4» الكعبة؛ وأمّا السّيبىّ «5» بالسين مهملة، تليها ياء مثنّاة من تحتها، بعدها باء موحّدة، فهو صبّاح ابن هارون أبو مروان؛ وأمّا السّبنىّ، بالسين المهملة والنون بعد الباء الموحّدة فهو أحمد بن إسماعيل السّبنىّ «6» ؛ وأمّا السّينىّ، فقبيل من الأكراد يعرفون بالسّينيّة؛ وأمّا السّبتىّ «7» ، فشيخ صالح متأخّر، مدفون بقرافة مصر؛ والسّينىّ، والسّبتىّ لم يذكرهما عبد الغنىّ.
(والشّامىّ) (والسّامىّ) فالشّامىّ بالشين المعجمة: نسبة إلى الشأم؛ والسّامىّ بالسين المهملة: قوم ينسبون إلى سامة بن لؤىّ بن غالب، منهم إبراهيم بن الحجّاج [صاحب الحمّادين «8» :
(9/193)

حمّاد بن سلمة] وحمّاد بن زيد؛ وعلىّ «1» بن الحسن «2» السّامىّ، وعمر بن موسى السّامىّ ومحمّد بن عبد الرحمن السّامىّ الهروىّ، ويحيى بن حجر، وبشر «3» بن حجر.
(والسّجزىّ) (والسّحرىّ) (والشّجرىّ) فأمّا السّجزىّ بفتح «4» السين المهملة، وبالجيم والزاى المعجمة، فعدد كبير ينسبون إلى سجستان «5» ؛ وأمّا السّحرىّ بكسر السين، وبالحاء والراء المهملات، فهو عبد الله بن محمّد السّحرىّ «6» ؛ وأمّا الشّجرىّ بالشين المعجمة والجيم والراء المهملة فإبراهيم بن يحيى الشّجرىّ «7» .
(والشّيبانىّ) (والسّيبانىّ) (والسّينانىّ) أمّا الشّيبانىّ، فنسب معروف؛ وأمّا السّيبانىّ بالسين المهملة، تليها ياء مثنّاة من تحتها وباء موحّدة، فهو يحيى بن أبى عمرو السّيبانىّ «8» ، وأيّوب بن سويد الرّملىّ؛
(9/194)

وأمّا السّينانىّ بكسر السين المهملة، تليها ياء مثنّاة من تحتها ونون، فهو الفضل بن موسى السّينانىّ، ينسب إلى قرية من قرى مرو.
(والسّبخىّ) (والسّنجىّ) (والسّبحىّ) (والشّيخىّ «1» ) أمّا السّبخىّ بالباء الموحّدة والخاء المعجمة، فهو فرقد بن يعقوب السّبخىّ «2» العابد؛ وأمّا السّنجىّ بالنون والجيم، فهو أبو داود سليمان بن معبد السّنجىّ «3» ، خراسانىّ؛ وأمّا السّبحىّ بضم السين المهملة، وبالحاء المهملة، قبلها باء موحّدة، فهو أبو بكر السّبحىّ «4» ؛ وأمّا الشّيخىّ، فجماعة نعرفهم من الأمراء يقال لهم:
الشّيخيّة؛ ويصلح أن يضاف إلى هذه الترجمة السّيحىّ «5» والشّيحىّ «6» .
(والشّعبىّ) (والشّعبىّ) [والشّغبىّ «7» ] فالشّعبىّ بفتح الشين المعجمة، هو عامر بن شراحيل الشّعبىّ «8» ؛ وأمّا الشّعبىّ بضمّها، فهو معاوية بن حفص الشّعبىّ «9» ؛ وأمّا الشّغبىّ بالشين والغين المعجمة
(9/195)

فهو زكريّا بن عيسى الشّغبىّ، منسوب إلى شغب: منهل «1» بين طريق مصر والشأم.
(والشّعيثىّ) (والشّعيبىّ) فالشّعيثىّ: نسبة إلى شعيث بلعنبر «2» من بنى تميم؛ وأمّا الشّعيبىّ، فنسبة إلى من اسمه شعيب.
(والشّنّىّ) (والشّبّىّ) (والسّنّىّ) (والبسّىّ) [فأمّا «3» الشّنّىّ بالشين المعجمة والنون، فعدّة، منهم عقبة بن خالد الشّنّىّ البصرىّ، عن الحسن البصرىّ، روى عنه مسلم بن ابراهيم؛ والعبّاس بن جعفر ابن زيد بن طلق العبدىّ الشّنّىّ؛ وأمّا الشّبّىّ] ، فهو محمّد بن هلال بن بلال «4» الشّبّىّ «5» ؛ وأمّا السّنّىّ بالنون، فهو الحافظ ابن السّنّىّ «6» الدّينورىّ؛ وأمّا البسّىّ، فهو أبو محجن توبة بن نمر قاضى مصر، بطن «7» من حمير يقال لهم: «البسّيّون» .
(9/196)

(والضّبّىّ) (والضّنّىّ) فالضّبّىّ: نسبة إلى «ضبّة» «1» ؛ وأمّا الضّنّىّ بالنون وكسر الضاد، فهو أبو يزيد الضّنّىّ «2» ، يروى عن ميمونة مولاة النبىّ صلى الله عليه وسلم.
(والصّرارىّ) (والضّرارىّ) (والصّرّارىّ «3» ) فأمّا الصّرارىّ، فهو محمد بن عبد الله الصّرارىّ «4» ، يروى عن عطاء بن أبى رباح؛ وأمّا الضّرارىّ بكسر الضاد المعجمة، فهو محمد بن إسماعيل الضّرارىّ «5» ؛ وأمّا الصّرّارىّ بفتح الصاد المهملة والراء المهملة المشدّدة، فأبو القاسم بكر بن الفضل بن موسى النّعالىّ الصّرّارىّ: نسبة إلى صنعة النّعال الصّرّارة «6» .
(والصّائغ) (والضّائع) فالصائغ: نسبة إلى صنعة الصّياغة؛ والضّائع، هو عثمان بن بلج «7» الضّائع.
(9/197)

(والصّعدىّ) (والصّغدىّ) فالصّعدىّ، هو محمد بن إبراهيم بن مسلم الصّعدىّ «1» ؛ وأمّا الصّغدىّ بضم الصاد المهملة وتسكين الغين المعجمة، فهو أيّوب بن سليمان الصّغدىّ، وإسحاق «2» بن إبراهيم بن منصور الصّغدىّ؛ أراها نسبة إلى الصّغد «3» بسمرقند، وهو أحد متنزّهات الدنيا الأربعة «4» .
(والصّباحىّ) (والصّباحىّ) فالصّباحىّ بضم الصاد، هو أبو خيرة «5» الصّباحىّ «6» ، له صحبة؛ وأمّا الصّبّاحىّ بفتح الصاد وتشديد الباء الموحّدة، فهو يزيد بن سعيد الصّبّاحىّ «7» ، يروى عن مالك ابن أنس حديثين.
(والطّيبىّ) (والطّينىّ) (والطّبنىّ) (والطّيّبىّ)
(9/198)

فالطّيبىّ بالطاء والياء المعجمة باثنتين من تحتها وباء موحّدة، هو أحمد بن إسحاق بن نيخاب «1» الطّيبىّ «2» ؛ وأمّا الطّينىّ بالياء المثنّاة من أسفل والنون، فهو عبد الله ابن الهيثمّ الطّينىّ «3» ؛ وأمّا الطّبنىّ بالباء الموحّدة والنون، فنسبة إلى مدينة «4» بالمغرب منها علىّ بن منصور الطّبنىّ، وغيره؛ وأمّا الطّيّبىّ، فنسبة إلى الطّيّبة: بلد بإقليم الغربيّة بمصر، وبلد بالشرقيّة «5» ، وقرية بالسوداء «6» من الشأم تسمّى «طيّبة «7» الاسم» وهذه النسبة إلى الطّيّبة لم يذكرها عبد الغنىّ.
(والعابدىّ) (والعائدىّ «8» ) (والعائذىّ) فالعابدىّ بالباء الموحّدة والدال المهملة: نسبة إلى عابد بن عمر بن مخزوم منهم عبد الله بن المسيّب القرشىّ العابدىّ، وعبد الله بن عمران العابدىّ صاحب سفيان بن عيينة؛ «وأمّا العائدىّ «9» ، فهم من ولد عائد بن عمرو بن مخزوم، فقد
(9/199)

اجتمع فى مخزوم عابد وعائد» ؛ وأمّا العائذيّون بالذال المعجمة، فهم من ولد عمران ابن مخزوم أيضا.
(والقينىّ) (والقتبىّ) فأمّا القينىّ بالياء المثنّاة من تحتها والنون، فجماعة، منهم عبد الله بن نعيم القينىّ «1» وغيره؛ وأمّا القتبىّ بضم القاف وفتح التاء المثنّاة من فوقها وبالباء الموحّدة، فهلال «2» ابن العلاء، وعبد الله بن مسلم بن قتيبة؛ وأضاف عبد الغنىّ إلى هذه الترجمة العتبىّ «3» ، وهو محمد بن عبيد الله العتبىّ «4» الأخبارىّ.
(والعوقىّ) (والعوفىّ) أمّا بالقاف، فهو أبو نضرة منذر بن مالك العوقىّ «5» صاحب أبى سعيد الخدرىّ، ومحمد بن سنان العوقىّ؛ وأمّا العوفىّ «6» بالفاء، فهو عطيّة العوفىّ، وأحمد ابن إبراهيم العوفىّ.
(9/200)

(والعتقىّ) (والغيفىّ) فالعتقىّ بضم العين المهملة وفتح التاء المثنّاة من فوقها وبالقاف، هو الحارث ابن سعيد العتقىّ «1» ، وأبو عبد الرحمن محمد بن عبد «2» الله العتقىّ «3» المقرئ، له تاريخ فى المغاربة؛ وأما الغيفىّ بالغين المعجمة والياء المثنّاة من تحتها والفاء، فالنسبة فيها إلى (غيفة) : قرية من قرى مصر بقرب بلبيس مدينة الشرقيّة، منها الحسين «4» بن إدريس بن عبد الكبير الغيفىّ.
(والعودىّ) (والعوذىّ) ... «5» ...
(والعمرىّ) (والعمرىّ) (والغمرىّ) ... «6» ...
(9/201)

(والعبادىّ) (والعبادىّ) (والعبّادىّ) ... «1» ...
(والعبدىّ) (والعيذىّ) ... «2» ...
(والعبسىّ) (والعنسىّ) (والعيشىّ) فأمّا العبسىّ، فنسبة إلى عبس، منهم جماعة من الصحابة؛ وأمّا العنسى «3» بالنون فجماعة، منهم عمّار بن ياسر؛ وأمّا العيشىّ «4» ، فجماعة كثيرة، منهم أميّة بن بسطام وحمّاد بن عيسى.
(9/202)

(والقيسىّ «1» ) (والفيشىّ «2» ) فالقيسىّ: نسبة إلى قيس «3» ؛ والفيشىّ بالفاء والشين: نسبة إلى قرية من قرى مصر يقال لها: فيشة.
(والعرفىّ «4» ) (والعرقىّ) (والعرقىّ «5» ) فالعرفىّ، هو أبو عبد الله العرفىّ «6» الحجازىّ؛ والعرقىّ، هو عروة بن مروان الرّقّىّ «7» العرقىّ «والعرقىّ «8» : نسبة الى (عرقة) ، من عمل طرابلس الشأم، لم يذكرها عبد الغنىّ» .
(9/203)

(والغبرىّ) (والعنزىّ) (والعترى) (والعنزى «1» ) فأمّا الغبرىّ بالغين المعجمة المضمومة والباء المفتوحة بواحدة والراء المهملة فهم كثير، من بنى غبر «2» ، منهم عبّاد بن شرحبيل، وعبّاد بن قبيصة؛ وأمّا العنزىّ بالعين المهملة والنون والزاى، فنسبة إلى عنزة: حىّ من ربيعة؛ وأمّا العترىّ «3» فجماعة، منهم بكّار بن سلام العترىّ؛ وأمّا العنزىّ بفتح العين وسكون النون وكسر الزاى، فمنهم عامر بن ربيعة العنزى؛ وعنز من ربيعة بن نزار.
(والفزارىّ) (والقرارىّ) فالفزارىّ: نسبة إلى بنى فزارة؛ والقرارىّ بالقاف والراء المهملة المكرّرة، قليل منهم أبو الأسد سهل القرارىّ؛ وقرار: قبيلة «4» .
(9/204)

(والفلّاس) (والقلّاس «1» ) فالفلّاس بالفاء، هو أبو حفص عمرو بن علىّ الصيرفىّ الفلّاس؛ والقلّاس بالقاف والسين المهملة «2» ، هو أبو بكر محمد بن هارون القلّاس.
(والقتبانىّ) (والفتيانىّ) فالقتبانىّ بالقاف: جماعة، منهم عيّاش بن عبّاس القتبانىّ «3» ، وأبو معاوية المفضّل بن فضالة بن عبيد القتبانىّ قاضى مصر؛ وأمّا الفتيانىّ بالفاء، فبطن «4» من بجيلة الكوفة، منهم رفاعة بن «5» عاصم.
(والقبائىّ) (والقنّائىّ) (والقيانىّ) (والقبّانىّ) (والقنائىّ) (والقبّانىّ «6» )
(9/205)

فالقبائىّ بضم القاف: نسبة لمن «1» سكن قباء «2» ؛ وأمّا القنّائىّ بضم القاف أيضا وبالنون، فهو [أبو «3» ] إسحاق [إبراهيم بن «4» أحمد] بن علىّ القنّائىّ «5» الكاتب «6» ؛ وأمّا القيانىّ بكسر «7» القاف وبالياء المثنّاة من تحتها والنون «8» ، فهو عبدوس بن المعلّى القيانىّ والقيانة، بطن من غافق؛ وأمّا القبّانىّ بفتح «9» القاف وبالباء الموحّدة والنون، فهو علىّ
(9/206)

ابن الحسين القبّانىّ؛ وأمّا القنائىّ، فنسبة لمن «1» يكون من قنى من أعمال الدّيار المصريّة، على مرحلة من مدينة قوص؛ وأمّا القبّانىّ «2» ، فنسبة لمن «3» يزن بالقبّان والقنائىّ «4» والقبّانىّ لم يذكرهما «5» عبد الغنىّ رحمه الله.
(والفريابىّ) (والقرنانىّ) فأمّا الفريابىّ، فنسبة إلى فرياب «6» من خراسان؛ وأمّا القرنانىّ بالقاف والنونين فهو شريك بن سويد التّجيبىّ ثمّ القرنانىّ، من بنى القرنان «7» .
(9/207)

(والقرنىّ) (والقربىّ) فأمّا القرنىّ، فنسبة إلى بطن من مراد، منهم أويس القرنىّ؛ وأمّا القربىّ فالحكم بن سنان.
(والغزّىّ «1» ) (والغرّىّ «2» ) فالغزّىّ: نسبة إلى مدينة غزّة بالشأم؛ «والغرّىّ «3» : طائفة من الأكراد يسمّون الغرّية» ، لم يذكرهم عبد الغنىّ.
(والقروىّ) (والفروىّ) فالقروىّ بالقاف: نسبة إلى القيروان من المغرب؛ والفروىّ بالفاء: هم رهط أبى علقمة عبد الله بن محمد الفروىّ «4» .
(9/208)

(والقبّاب) (والقتّات) فالقبّاب بباءين موحّدتين، هو عبد الله بن محمد بن محمد بن فورك «1» القبّاب الأصبهانىّ، وقيل فيه: «القتّات» ؛ والقتّات بتاءين مثنّاتين من فوقهما، هو أبو يحيى زاذان، روى عن مجاهد، وأبو عمرو محمد بن جعفر القتّات.
(والقطرىّ «2» ) (والفطرىّ»
) فالقطرىّ بالقاف، هو محمد بن [عبد «4» ] الحكم؛ والفطرىّ بالفاء، هو محمد بن موسى، روى عن سعيد المقبرىّ.
(والقوصىّ) (والقوصىّ) فالقوصىّ بضم القاف وتسكين الواو: نسبة لمن يكون من أهل مدينة (قوص) من الدّيار المصريّة؛ والقوصىّ بفتح القاف والواو: نسبة لمن يكون من قرية (القوصة) من إقليم مصر، من مرج بنى هميم، لم يذكرهما عبد الغنىّ رحمه الله.
(والكسائىّ) (والكشانىّ)
(9/209)

الأوّل بكسر الكاف وفتح السين المهملة، هو علىّ بن حمزة الكسائىّ النحوىّ أحد القرّاء السبعة؛ وأمّا الكشانىّ بضم «1» الكاف وبالشين المعجمة والنون، فهو محمد بن حاتم الكشانىّ «2» النحوىّ.
(والكليبىّ) (والكلينىّ) الأوّل: نسبة معروفة إلى كليب؛ والكلينىّ بالنون، هو محمد بن يعقوب الكلينىّ «3» ؛ من الشّيعة.
(والكنانىّ) (والكتّانىّ) فالأوّل: نسبة إلى كنانة «4» ؛ والثانى بالتاء المشدّدة، هو محمد بن الحسين الكتّانىّ وأحمد بن عبد الواحد الكتّانىّ، وغيرهما.
(والكرجىّ) (والكرخىّ) (والكرجىّ)
(9/210)

فالكرجىّ: نسبة إلى الكرج «1» ؛ [والكرخىّ «2» : نسبة إلى الكرخ] محلّة ببغداد؛ والكرجىّ: إلى الكرج، طائفة من الأكراد «3» أتراك.
(واللهبىّ) (واللهبىّ) فاللهبىّ بفتح اللام: نسبة إلى أبى لهب؛ وأمّا اللهبىّ بكسر اللام وسكون الهاء فنسبة إلى قبيلة من الأزد.
(والمازنىّ) (والمأربىّ) فالمازنىّ: نسبة إلى مازن أخى سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة «4» بن قيس عيلان بن مضر، وغيره؛ وأمّا المأربىّ بالراء المهملة والباء الموحّدة، فهم جماعة من مأرب باليمن، إليها ينسب سدّ مأرب الذى كان بنى بسبب سيل العرم، وسيأتى ذكره إن شاء الله تعالى.
(9/211)

(والنّجّارىّ) (والبخارىّ) فالنّجّارى: نسبة إلى بنى النّجّار من الأنصار؛ والبخارىّ: نسبة إلى مدينة بخارى بما وراء النّهر.
(والنّاجىّ) (والباجىّ) (والتّاجىّ) فالنّاجىّ بالنون: نسبة إلى بنى ناجية من سامة بن لؤىّ؛ وأمّا الباجىّ بالباء الموحّدة، فنسبة إلى (باجة) من مدن المغرب «1» ؛ وأمّا التّاجىّ، فجماعة من الأتراك ينسبون إلى مواليهم ممّن لقبه تاج الدّين.
(والنّحّاس) (والنّخّاس) فالنّحّاس بالحاء: الذى يصنع أوانى النّحاس؛ والنّخّاس بالخاء، هو دلّال «2» الرقيق.
(والبجلىّ) (والبجلىّ) (والنّخلىّ «3» ) فالبجلىّ بالجيم المفتوحة: من بجيلة؛ وأمّا البجلىّ بسكون الجيم، فهم رهط من سليم بن منصور، يقال لهم: بنو بجلة، نسبوا إلى أمّهم «4» بجلة بنت هنأة بن مالك
(9/212)

ابن فهم الأزدىّ؛ وأمّا النّخلىّ بالخاء المعجمة والنون قبلها، فعمران النّخلىّ «1» روى عنه شريك بن عبد الله القاضى، وإبراهيم بن محمد أبو «2» عبد الله النّخلىّ «3» صاحب التاريخ.
(والهمدانىّ) (والهمذانىّ) فالأوّل: منسوب إلى همدان، قبيلة مشهورة من اليمن؛ والثانى: نسبة إلى مدينة همذان «4» .
(واليزنىّ) (والبرتىّ) فأمّا اليزنىّ، فنسبة إلى سيف بن ذى يزن الحميرىّ؛ وأمّا البرتىّ بالباء الموحّدة والراء المهملة والتاء المثنّاة من فوقها، فمنهم أحمد بن محمد بن عيسى البرتىّ «5» . وذكر عبد الغنىّ فى هذا الموضع (البزّىّ) (والبرّىّ) (والبرّىّ) فقال: أمّا البزّىّ بالباء المعجمة بواحدة والزاى المعجمة، فهو أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن أبى بزّة، صاحب القراءة، يروى عن ابن كثير؛ وأمّا البرّىّ بالباء المضمومة الموحّدة والراء المهملة، فمنهم عثمان بن مقسم البرّىّ «6» أبو سلمة «7» ؛ وأمّا البرّىّ بباء مفتوحة موحّدة فهو علىّ بن بحر [بن «8» ] برّىّ.
(9/213)

هذا مختصر ما ألّفه عبد الغنىّ- رحمه الله تعالى- وفيه زيادة فى مواضع نبّهنا عليها؛ ولم يكن الغرض بإيراد ما أوردناه من المؤتلف والمختلف استيعابه وحصره وإنّما كان الغرض التنبيه على ذلك، وأنّ الناسخ يحتاج إلى ضبط ما يرد عليه من هذه الأسماء وأمثالها، وتقييدها والإشارة عليها؛ وقد أخذ هذا الفصل حقّه، فلنذكر غير ذلك من شروط الناسخ وما يحتاج إلى معرفته.
وأمّا من ينسخ العلوم
، كالفقه واللّغة العربيّة والأصول وغير ذلك، فالأولى له والأشبه به ألّا يتقدّم إلى كتابة شىء منها إلّا بعد اطّلاعه على ذلك الفنّ وقراءته وتكراره، ليسلم من الغلط والتحريف، والتبديل والتصحيف؛ ويعلم مكان الانتقال من باب إلى باب، ومن سؤال إلى جواب؛ ومن فصل إلى فصل، وأصل إلى فرع أو فرع إلى أصل؛ ومن تنبيه إلى فائده، واستطراد لم يجر الأمر فيه على قاعده؛ ومن قول قائل، وسؤال سائل؛ ومعارضة معارض، ومناقضة مناقض؛ فيعلم آخر كلامه، ومنتهى مرامه؛ فيفصل بين كلّ كلام وكلام بفاصلة تدلّ على إنجازه، ويبرز قول الآخر بإشارة يستدلّ بها على إبرازه؛ وإلّا فهو حاطب ليل لا يدرى أين يفجأه الصباح، وراكب سيل لا يعرف الغدوّ من الرواح.
وأمّا من ينسخ التاريخ-
فإنه يحتاج إلى معرفة أسماء الملوك وألقابهم ونعوتهم وكناهم، خصوصا ملوك العجم والتّرك والخوارزميّة والتّتار فإنّ غالب أسمائهم أعجميّة لا تفهم إلّا بالنقل، ويحتاج الناسخ إذا كتبها إلى تقييدها بضوابط وإشارات وتنبيهات تدلّ عليها؛ وكذلك أسماء المدن والبلاد والقرى والقلاع والرّساتيق «1» والكور
(9/214)

والأقاليم، فينبّه على ما تشابه منها خطّا واختلف لفظا، وما تشابه خطّا ولفظا واختلف نسبة، نحو (مرو) ، (ومرو) ؛ إحداهما (مرو الرّوذ «1» ) ، والأخرى (مرو الشّاهجان «2» ) ؛ (والقاهرة) ، (والقاهرة) ؛ إحداهما (القاهرة المعزّيّة «3» ) ، والأخرى (القلعة القاهرة «4» ) التى هى (بزوزن «5» ) التى أنشأها مؤيّد الملك صاحب (كرمان «6» ) ، فإنّ الناسخ متى أطلق اسم القاهرة ولم يميّز هذه بمكانها ونسبتها تبادر ذهن السامع إلى القاهرة المعزّية لشهرتها دون غيرها؛ وأمّا فى أسماء الرجال، فمثل عبيد الله بن زياد، وعبيد الله بن زياد، فالأوّل عبيد الله بن زياد بن أبيه، وزياد هذا، هو ابن سميّة الذى ألحقه معاوية بن أبى
(9/215)

سفيان بأبيه، واعترف بأخوّته، وكان عبيد الله هذا يتولّى أمر العراق بعد أبيه إلى أيّام مروان بن الحكم؛ والثانى عبيد الله بن زياد بن ظبيان؛ وخبرهما يشبه مسائل الدّور، فإنّ عبيد الله بن زياد بن أبيه قتله المختار «1» [بن] أبى عبيد الثّقفىّ والمختار بن أبى عبيد قتله مصعب «2» بن الزّبير، ومصعب بن الزّبير قتله عبيد «3» الله بن زياد بن ظبيان؛ فإذا لم يميّز كلّ واحد منهما بجدّه ونسبه أشكل «4» ذلك على السامع وأنكره ما لم تكن له معرفة بالوقائع، واطّلاع على الأخبار؛ فأمثال ذلك وما شاكله يتعيّن
(9/216)

على الناسخ تبيينه؛ وكذلك أسماء أيّام العرب، نحو أيّام الكلاب «1» بضمّ الكاف، وأيّام الفجار «2» بكسر «3» الفاء وبالجيم، وغير ذلك، فينبّه على ذلك كلّه، ويشير إليه بما يدلّ عليه.
وأمّا من ينسخ الشّعر
- فإنّه لا يستغنى عن معرفة أوزانه، فإنّ ذلك يعينه على وضعه على أصله الذى وضع عليه؛ ويحتاج إلى معرفة العربيّة والعروض ليقيم وزن البيت إذا أشكل عليه بالتفعيل، فيعلم هل هو على أصله وصفته
(9/217)

أو حصل فيه زحاف «1» من نقص به أو زيادة «2» ، فيثبته بعد تحريره، ويضع الضبط فى مواضعه، فإنّ تغييره يخلّ بالمعنى ويفسده، ويحيله عن صفته المقصودة؛ فإذا عرف الناسخ هذه الفوائد وأتقنها، وحرّر هذه القواعد وفنّنها «3» ، وأوضح هذه الأسماء «4» وبيّنها، وسلسل هذه الأنساب وعنعنها؛ ... «5» ... والمرغوب فى علمه وكتابته، فليبسط قلمه عند ذلك فى العلوم، ويضع به المنثور والمنظوم؛ ولنذكر كتابة التعليم.
ذكر كتابة التعليم وما يحتاج من تصدّى لها إلى معرفته
وكتابة التعليم تنقسم إلى قسمين: تعليم ابتداء، وتعليم انتهاء
فأمّا تعليم الابتداء
- فهو ما يعلّمه الصبيان فى ابتداء أمرهم؛ وأوّل ما يبدأ به المؤدّب من تعليم الصبىّ أن يكتّبه حروف المعجم المفردات؛ فإذا علمها
(9/218)

الصبىّ وعرف كيف يضعها، وميّز بين المعجم والمهمل منها امتحنه «1» المؤدّب بتقطيعها وسؤاله عنها على غير وضعها «2» ، مثل أن يسأله عن النون، ثمّ الجيم، والضاد ونحو ذلك؛ فإذا أجابه عمّا فرّقه وعكسه عليه علم من ذلك أنّه أتقن هذه الحروف فيهجّيه الحروف بعد ذلك حرفا حرفا، كلّ حرف وهجاءه فى المنصوب والمجرور والمرفوع والمجزوم، فإذا عرف هجاء هذه الحروف وأتقنه، وامتحنه نحو ما تقدّم جمع له بعد ذلك كلّ حرف إلى آخر كتابة، من الباء والجيم والدال والراء والسين والصاد والطاء والعين والفاء والكاف واللام والميم، يبدأ بالباء مع الألف وما بعدها ثم يكتّبه البسملة، ويأخذ فى تدريجه فى الكتابة، وتدريبه فى استخراج الحروف بالهجاء وما يتولّد منها إذا «3» اجتمعت، إلى أن يقوى فيها لسانه ويده «4» ، ويقرأ ما يكتب له، ويكتب ما يقترح عليه من غير منبّه له ولا مساعد؛ فهذه كتابة الابتداء؛ ولا ينبغى أن يتصدّى لها إلّا من اشتهرت ديانته وحسن اعتقاده والتزامه طريق السنّة، ومن كان بخلاف ذلك، أو ممّن طعن فيه بوجه من وجوه المطاعن وجب على ناظر الحسبة «5» منعه.
(9/219)

وأمّا تعليم الانتهاء
- فهو كتابة التجويد، وهى أصل جميع ما قدّمناه من الكتابات، ويحتاج من تصدّى لها إلى إتقان أقلام الكتابة، ومعرفة أوضاعها على ما وضعه الوزير أبو علىّ بن مقلة «1» حين عرّب الخطّ ونقله من الكوفيّة «2» إلى التوليد، ثم عمدته على طريق علىّ بن هلال الكاتب المعروف بابن البوّاب «3» وما وضعه من أقلام الكتابة، ومعرفة الأقلام الأصول الخمسة، وهى قلم المحقّق، وقلم النسخ وقلم الرّقاع، وقلم التّواقيع، وقلم الثّلث؛ فهذه الأقلام الخمسة هى الأصول؛ ثم تتفرّع عنها أقلام أخر نذكرها بعد إن شاء الله تعالى؛ وقد ذكر لهذه التسمية أسباب واشتقاقات، فقالوا: إنّ قلم المحقّق إنّما سمّى بذلك لأنّه أصل الكتابة، وهو يحتاج
(9/220)

إلى التحقيق فى وضع الحروف وتركيبها؛ وقلم النّسخ، لأنه تنسخ به الكتب ولذلك وضع بحيث أنّ الكتب لا تحسن كتابتها بغيره، لاعتدال أسطره، ودقّة حروفه والتئام أجزائه؛ وقلم الرّقاع لأنه وضع لكتابة الرّقاع المرفوعة فى الحوائج؛ ألا ترى ما على الرّقاع به «1» من البهجة؟ ولو كتبت بغيره ما حسن موقعها من النّفوس؛ وقلم التواقيع «2» لأنّه وضع لتكتب به التواقيع «3» الصادرة عن الخلفاء والملوك؛ وقلم الثّلث لكتابة المناشير التى تكتب فى قطع الثّلث «4» ؛ هذا ما قيل فى سبب تسمية هذه الأقلام بهذه الأسماء.
وأمّا ما يتفرّع عن هذه الأقلام الخمسة التى ذكرناها
فلكلّ قلم منها غليظ وخفيف ومتوسّط، فقلم المحقّق يتفرّع عنه خفيفه، ويتفرّع
(9/221)

عنه أيضا قلم الرّيحان «1» ؛ وقلم النّسخ يتفرّع عنه قلم المتن، وهو غليظه، وقلم الحواشى وهو خفيفه، وقلم المنثور، وهو الذى يفصل بين كلّ كلمة وكلمة ببياض؛ وقلم الرّقاع يتفرّع عنه قلم الغبار «2» ، وهو خفيفه، وينزل منه بمنزلة الحواشى من النّسخ، وهو الذى تكتب به الملطّفات «3» والبطائق «4» ، ويتفرّع عنه أيضا قلم المقترن، وهو ما يكتب سطرين مزدوجين، وقد يكتب بغير قلم الرّقاع، لكن لم تجر عليه هذه التسمية، وفى الرّقاع مسلسل؛ وقلم التّواقيع منه ما هو مسلسل، وهو ما يتّصل بعض حروفه ببعض بتشعيرات رقيقة تلتفّ على الحروف؛ وقلم الثّلث يتفرّع عنه وعن المحقّق جميعا قلم يسمّى قلم الأشعار «5» ؛ ولهم أيضا قلم الذّهب «6» ، وهو قد يكون تارة ثلثا وتارة تواقيع إلّا أنه يكون خاليا من التشعير بسبب ترميكه باللّون المغاير للون الذّهب، والترميك هو أن يحبس الحرف بلون غير لونه بقلم رقيق جدّا؛ ولهم أيضا قلم الطّومار «7»
(9/222)

ومنه كامل وغير كامل، فالكامل: الذى إذا جمعت الأقلام كلّها كانت فى غلظه وهو الذى يكتب به على رءوس الدّروج؛ وغير الكامل، هو الطّومار المعتاد؛ فهذه هى الأصول وما يتفرّع عنها. ولهم أيضا أسماء أخر، منها قلم الطور «1» وقلم المنهج، وقلم الطّمغاوات «2» ، وأسماء غير هذه اصطلح عليها الكتّاب؛ فإذا أتقن الكاتب ما ذكرناه من هذه الأقلام وحرّرها، وعرف أوضاعها وقواعدها، وكيفيّة وضع الحروف، وموضع ترقيقها وتغليظها، والمكان الذى تكتب فيه بسنّ القلم وبصدره، وأين يضع الحرف الآخر منه، إلى غير ذلك من شروطها وقواعدها، واتّصف بما قدّمناه فى المؤدّب من الدّيانة والخير والعفّة وحسن الطريقة وصحّة الاعتقاد والتزام السّنّة، فقد استحقّ أن يتصدّى للتعليم والإفادة، ويتعيّن على الطالب الرجوع إليه، والاقتداء بطريقته، والكتابه على خطّه والتزام توقيفه.
(9/223)

[الفنّ الثالث «1» فى الحيوان الصامت]
قد جمعت فى هذا الفنّ- أعزّك الله تعالى- من أجناس الحيوان بين الكاسر والكاشر «2» ، والنافر «3» والطائر؛ والصائد والصائل، والناهق والصاهل؛ والحامل والحالب، والّلادغ واللّاسب «4» ؛ والكانس والسانح «5» ، والراسخ والسائح «6» ؛ فمن أسد انفرد عظما بنفسه، وترفّع عن الإلمام بما سواه من جنسه؛ إن وطئ أرضا مالت الوحوش عن آثاره، أو قصد جهة نفرت من جواره؛ وإن فغرفاه «7» أبرز المدى وإن مدّ خطاه قرّب المدى؛ ونمر حديد النّاب، موشّى الإهاب؛ وفهد سريع الوثوب والاختطاف، وكلب إن طفئت النّيران فهو الجالب للأضياف؛ وضبع إن رأت قتيلا طافت به ومالت إليه، وذئب ما رأى بصاحبه دما إلّا أغار عليه؛ إلى غير ذلك من أنواع الوحوش والآرام، والخيل والبغال والأنعام؛ وذوات السّموم القواتل منها وغير القواتل، وأصناف الطّير التى تكون تارة محمولة وتارة حوامل؛ وآونة تختطف من الهواء، وحالة تقتنص الوحش من البيداء؛ وما شاكل منها الكلب
(9/224)

والبهيمه، وما حبس لسماع صوته فعلت قيمته كلّ قيمه؛ وما ينوح ويغرّد، وما يتلو ويردّد؛ وميّزت كلّ حيوان منها بمحاسنه ومناقبه، ونبذته بمعايبه ومثالبه؛ ولولا خشية الإطاله، لوصفت كلّ حيوان منها برساله؛ لكنّى استغنيت بما ألّفته من منقولى، عمّا أصنّفه من مقولى؛ وعلمت أنّنى أقصر عن حقّ هذه الرتبة فأحجمت وأقف دون بلوغ هذه الحلبة فأمسكت؛ وقد تقدّمنى من بالغ [فى] هذا وأطنب ووجد المقال [فبسط «1» ] القول وأسهب «2» ، وحاز المعانى فما ترك لسواه مذهب «3» ؛ فاختصرت عند ذلك المقال، واقتصرت على هذه النّبذة التى أشبهت طيف الخيال؛ ووضعته على أحسن ترتيب، ورتّبته على أجمل تقسيم وتبويب؛ وهو يشتمل على خمسة أقسام.
القسم الأوّل من هذا الفنّ فى السباع وما يتّصل بها من جنسها،
وفيه ثلاثة [أبواب «4» ]
الباب الأوّل فى الأسد والببر والنّمر
[ذكر ما قيل في الأسد]
ولنبدأ بذكر أسماء الأسد، ثم نذكر ما قيل فى أصناف الآساد وأجناسها وعاداتها فى افتراسها، وما فيها من الجراءة والجبن، وما وصف به الأسد نظما ونثرا ثم نذكر ما سواه، فنقول- وبالله التوفيق-:
(9/225)

أمّا أسماء الأسد
- فقد بسط الناس فيها القول وزادوا، فمنهم من عدّ له ألف اسم فما دون ذلك، وقد اقتصرنا منها على أشهرها.
فمن أسمائه: الأسد، والأنثى أسدة ولبؤة؛ والشّبل والحفص: جروه؛ والشّبلة «1» والحفصة «2» : الأنثى؛ وكناه: أبو الأشبال، وأبو الحارث؛ ومن أسمائه الأعلام:
بيهس «3» ، وأسامة، وهرثمة، وكهمس؛ ومن صفاته: الصّمّ، والصّمّة، والمصدّر والصّمصامة «4» ، والهزبر، والقسورة، والدّلهمس، والضّيغم، والغضنفر، والهمام والدّوكس «5» ، والدّوسك، والعلندس «6» ، والعنابس «7» ، والسّيد، والدّرباس، والفرافر
(9/226)

[والقصاقص «1» ] ، والقضاقض، والرّئبال، والضّيثم؛ والخنابس، وعثمثم، والخنابش «2» :
اللّبؤة إذا استبان حملها، وكذلك الآفل؛ والهرس «3» : الشديد المراس «4» .
وأمّا أصناف الآساد وأجناسها
- فالذى يعرفها الناس منها صنفان:
أحدهما مستدير الجثّة، والآخر طويلها، كثير الشّعر؛ وعدّ أرسطو من هذا النوع ضروبا كثيرة، حكى عن بعض من تكلم فى طبائع الحيوان قبله أنّ فى أرض الهند سبعا- سمّاه باليونانيّة «5» - فى عظم الأسد وخلقته، ما خلا وجهه فإنّه شبيه بوجه الإنسان ولونه شديد الحمرة، وذنبه شبيه بذنب العقرب، وفى طرفه «6» حمة «7» ، وله صوت يشبه صوت الزّمّارة [وهو قوىّ «8» ] ، ويأكل الناس؛ وذكر أنّ من السباع ما يكون فى عظم الثور وفى خلقته، له قرون سود، طويلها، فى قدر الشّبر، إلّا أنّه [لا «9» ] يحرّك
(9/227)

الفكّ الأعلى كما يحرّكه «1» الثّور، ولرجليه أظلاف مشقوقة، وهو قصير الذّنب بالنسبة إلى نوعه، ويحفر الأرض بخرطومه، ويستفّ التراب، وإذا جرح هرب، فإن طلب رمح «2» برجليه، ورمى برجيعه على بعد.
وأما عاداتها فى حملها ووضعها وحضانتها
«3» - فقد قال صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر: إنّ أصحاب الكلام فى طبائع الحيوان يقولون: إنّ اللّبؤة لا تضع إلّا جروا واحدا، وتضعه بضعة «4» لحم ليس فيها حسّ ولا حركة، فتحرسه من غير حضانة «5» ثلاثة أيّام، ثم يأتى أبوه بعد ذلك فينفخ فى تلك البضعة المرّة بعد المرّة حتّى تتحرّك وتتنفّس وتنفرج الأعضاء وتشكّل الصورة، ثم تأتيه أمّه فترضعه ولا يفتح عينيه إلّا بعد سبعة أيّام من تخليقه»
؛ واللّبؤة ما دامت ترضع لا يقربها الدّكر ألبتّة؛ فإذا مضى على الجر وستّة أشهر كلّف الاكتساب لنفسه بالتعليم والتدريج وطارد الذّكر الأنثى، فإن كانت صارفا «7» أمكنته من نفسها، وإن لم تكن كذلك منعته
(9/228)

ودفعته عن نفسها، وبقيت مع جروها بقيّة الحول وستّة أشهر من الثانى، وحينئذ تألف الذّكر وتمكّنه من نفسها؛ والله أعلم.
وأمّا عادتها [فى] وثباتها وثباتها وأفعالها وصبرها وسرعة مشيها وأكلها
- فإنّ للأسد [من] بعد الوثبة، واللّصوق بالأرض، والإسراع فى الحضر اذا هرب، والصبر على الجوع، وقلّة الحاجة إلى الماء، ما ليس لغيره من السّباع؛ قالوا: وربّما سار فى طلب القوت ثلاثين فرسخا، وهو لا يأكل فريسة غيره من السباع، وإذا شبع من فريسته تركها، ولم يعد إليها ولو جهده الجوع، وإذا أكل أكلة يقيم يومين وليلتين بلا طعام لكثرة امتلائه، ويلقيه بعد ذلك شيئا يابسا مثل جعر «1» الكلب، وإذا بال رفع إحدى رجليه كالكلب، وإذا فقد أكله صعب خلقه، وإذا امتلأ بالطعام فهو وادع، وأكل الجيف أحبّ إليه من أكل اللّحم [الغريض «2» الغضّ] ، وهو لا يفترس الإنسان للعداوة ولكن للطّعم، فإنّه لو مرّ به وهو شعبان لم يتعرّض له، وهو ينهس «3» ولا يمضغ، ويوصف بالبخر «4» ، ولحم الكلب أحبّ اللّحمان إليه، ويقال: إنّ ذلك لحنقه عليه، فإنه إذا أراد التّطواف فى جنبات القرى ألحّ «5» الكلب فى النّباح عليه والإنذار به، فينهض الناس ويتحرّزون منه، فيرجع
(9/229)

بالخيبة، فهو إذا أراد ذلك بدأ بالكلب ليأمن إنذاره؛ ومن شأنه أنّه إذا أكثر من أكل اللّحم وحسو الدّم وحلت نفسه منهما، طلب الملح ولو كان بينه «1» وبين عرّيسته «2» خمسون ميلا.
وأمّا [ما «3» ] فى الآساد من الجراءة والجبن
فجرأته معروفة مشهوره،
غير منكوره، فمنها أنّه يقبل على الجمع الكثير من غير فزع ولا اكتراث بأحد ولا مهابة له، وقد شاهدت أنا ذلك عيانا، وهو أنّنى ركبت ليلة فى شوّال سنة اثنتين وسبعمائة من (بيسان «4» الغور) إلى (قراوى «5» ) فى نحو خمسة عشر فارسا وجماعة من الرجال بالقسىّ والتّراكيش «6» - وكانت ليلة مقمرة- فعارضنا أسد، ثمّ بارانا وسايرنا على يمنة طريقنا عن غير بعد، بل أقرب من رشقة حجر، لا أقول: من كفّ قوىّ فكان كذلك مقدار ربع ليلة، فلمّا أيس من الظّفر بأحد منّا لتيقّظنا قصّر عنّا، ثم تركنا إلى جهة أخرى. قالوا: والأسد الأسود أكثر جراءة وجهالة وكلبا على الناس؛ قالوا: وإن ألجئ الأسد إلى الهرب أو أحسّ بالصيّادين تولّى وهو يمشى
(9/230)

مشيا رفيقا، وهو مع ذلك متلّفت «1» يظهر عدم الاكتراث، فإن تمكّن منه الخوف هرب عجلا حتى يبلغ مكانا يأمن فيه، فإذا علم أنّه أمن مشى متّئدا، وإن كان فى سهل وألجئ إلى الهرب جرى جريا شديدا كالكلب، وإن رماه أحد ولم يصبه شدّ عليه، فإن أخذه لم يضرّه، وإنّما يخدشه ثمّ يخلّيه، كأنّه منّ عليه بعد الظّفر به وهو إذا شمّ أثر الصيّادين عفا أثره بذنبه.
وأمّا جبنه
- فمنه أنّه يذعر من صوت الدّيك، ومن نقر الطّست وحسّ الطّنبور «2» ، ويفزع من رؤية الحبل الأسود والديك الأبيض والسّنّور والفأرة، ويدهش لضوء النار، ويعتريه ما يعترى الظّباء والوحوش من الحيرة عند رؤيتها وإدمان النظر اليها والتعجّب منها، حتى يشغله ذلك عن التحفّظ والتيقّظ.
قالوا: والأسد لا يألف شيئا من السّباع، لأنّه لا يرى له فيها كفؤا فيصحبه، ولا يطأ شىء منها على أثر مشيه، ومتى وضع جلد الأسد مع سائر جلودها تساقطت شعورها؛ والأسد لا يدنو من المرأة الطامث «3» ، وهو إذا مسّ بقوائمه شجر البلّوط «4» خدر «5» ولم يتحرّك من مكانه، وإذا غمره الماء ضعف وبطلت قواه، فربّما ركب الصبىّ على ظهره وقبض على أذنيه ولا يستطيع عن نفسه دفاعا؛ وأخبرنى بعض من سكن
(9/231)

غور «1» الشأم أنّ بعض الغوارنة «2» رأى أسدا فى بعض الأيام وهو رابض على حافة نهر الأردنّ «3» ، وظهره إلى الماء، وذنبه فيه، وهو يرشّ على ظهره وجنبيه بذنبه وكان الغورىّ من جانب الشّريعة «4» [الآخر «5» ] فبادر بعبور الماء، وعدّى الى جهة الأسد برفق وسكون حتّى صار وراءه، ثم قبض الغورىّ على مرقّى فخذى الأسد وجذبه إلى الماء، فهمّ الأسد بالوثوب وضرب الأرض بيديه، فانسحل «6» الرمل من
(9/232)

تحتهما، ولم يستطع إثباتهما عليه، فانحدر إلى الماء، وركبه الغورىّ، وقبض على أذنيه، وضربه بسكّين معه فقتله؛ والغوارنة «1» تتحيّل على قتل السباع بأمور كثيرة مواجهة، والذى وقع لهذا الرجل نادر الوقوع لم أسمع أنّه وقع لغيره، وهو أمر مستفاض «2» عند الغوارنة «3» .
قالوا: والأسد لا تفارقه الحمّى، ولذلك الأطبّاء يسمّونها داء الأسد، وعظامه عاسية «4» جدّا، وإن دلك بعضها ببعض خرجت منها النّار كما تخرج من الحجارة وكذلك فى جلده من القوّة والصّلابة ما لا يعمل فيه السلاح إلّا من مراقّ «5» بطنه؛ والأسد طويل العمر؛ وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: إنّ شحم الأسد يحلّل الأورام الصّلبة.
(9/233)

ذكر شىء مما وصف به الأسد نثرا ونظما
قال أبو زبيد الطائىّ يصفه لعثمان بن عفّان- رضى الله عنه- وكان قد لقيه: أقبل يتضالع «1» من بغيه، ولصدره نحيط «2» ، ولبلاعيمه غطيط «3» ؛ ولطرفه وميض ولأرساغه نقيض «4» ؛ كأنّما يخبط هشيما، أو يطأ صريما «5» ؛ وإذا «6» هامة كالمجنّ «7» ، وخدّ كالمسنّ؛ وعينان سجراوان «8» ، كأنّهما سراجان؛ وقصرة «9» ربله «10» ، ولهزمة «11» رهله؛ وساعد
(9/234)

مجدول، وعضد مفتول؛ وكفّ شثنة «1» البراثن، ومخالب كالمحاجن «2» ؛ وفم أشدق «3» كالغار الأخرق «4» ؛ يفترّ عن معاول مصقوله، غير مفلوله؛ فهجهجنا «5» به ففرفر «6» وبربر «7» ، ثمّ زأر فجرجر؛ ثم لحظ فخلت البرق يتطاير من جفونه، عن شماله ويمينه؛ فأرعشت الأيدى، واصطكّت الأرجل؛ وحجظت «8» العيون، وساءت الظنون، ولحقت الظهور بالبطون.
ووصفه بعض الأعراب «9» فقال: له عينان حمراوان مثل وهج الشّرر، كأنّما نقرتا بالمناقير فى عرض حجر؛ لونه ورد، وزئيره رعد؛ هامته عظيمه، وجبهته
(9/235)

شتيمه «1» ؛ نابه شديد، وشره عتيد «2» ؛ إذا استقبلته قلت: أقرع، وإذا استدبرته قلت:
أفرع «3» ؛ لا يهاب إذ اللّيل عسعس «4» ، ولا يجبن إذا الصبح تنفّس؛ ثم أنشد:
عبوس شموس مصلخدّ «5» مكابر «6» ... جرىء على الأقران للقرن قاهر
براثنه شثن «7» وعيناه فى الدّجى ... كجمر الغضى فى وجهه الشرّ طائر
يدلّ بأنياب حداد كأنّها ... إذا قلّص الأشداق عنها خناجر
ومن التهويلات فى وصف الأسد قول الشاعر:
إيّاك لا تستوش «8» ليثا مخدرا «9» ... للهول فى غسق الدّجى دوّاسا
مرسا «10» كأمراس «11» القليب جدوله «12» ... لا يستطيع له الأنام مراسا
(9/236)

شثن البراثن كالمحاجن عطّفت ... أظفاره فتخالها أقواسا
لان الحديد لجلده فإهابه ... يكفيه من دون الحديد لباسا
مصطكّة أرساغه بعظامه ... فكأنّ بين فصولها «1» أجراسا
وإذا نظرت إلى وميض جفونه ... أبصرت بين شفورها «2» مقباسا
وقال آخر:
توقّ- وقاك «3» ربّ الناس- ليثا ... حديد النّاب والأظفار وردا
كأنّ بملتقى اللّحيين منه ... مذرّبة «4» الأسنّة أو أحدا
وتحسب لمح عينيه هدوءا «5» ... ورجع زئيره برقا ورعدا
تهاب الأسد حين تراه منه «6» ... اذا لاقينه «7» فى الغاب فردا
تصدّ عن الفرائس حين يبدو ... وكانت قبل تانف أن تصدّا
(9/237)

وقال أبو الطّيّب المتنبّى- رحمه الله-:
ورد إذا ورد البحيرة «1» واردا «2» ... ورد الفرات زئيره والنّيلا
متخضّب بدم الفوارس لابس ... فى غيله «3» من لبدتيه غيلا
فى وحدة الرّهبان إلّا أنّه ... لا يعرف التحريم والتّحليلا
وقعت على الأردنّ «4» منه بليّة ... نظمت «5» بها هام الرفاق تلولا
يطأ البرى «6» مترفّقا «7» من تيهه ... فكأنّه آس يجسّ عليلا
ويردّ غفرته «8» إلى يافوخه ... حتّى تصير لرأسه إكليلا
(9/238)

قصرت مخافته الخطا فكأنّما ... ركب الكمىّ جواده مشكولا
وقال عبد الجبّار بن حمديس:
وليث مقيم فى غياض منيعة ... أمير على الوحش المقيمة فى القفر
يوسّد شبليه لحوم فوارس ... ويقطع كاللّصّ السبيل على السّفر
هزبرله فى فيه نار وشفرة ... فما يشتوى لحم القتيل على الجمر
سراجاه عيناه إذا أظلم الدّجى ... فإن بات يسرى باتت الوحش لا تسرى
له جبهة مثل المجنّ ومعطس ... كأنّ على أرجائه صبغة الحبر «1»
يصلصل «2» رعد من عظيم زئيره ... ويلمع برق من حماليقه «3» الحمر
له ذنب مستنبط منه سوطه ... ترى الأرض منه وهى مضروبة الظهر
ويضرب جنبيه به فكأنّما ... له فيهما طبل يحضّ على الكرّ
ويضحك فى التّعبيس فكّيه عن مدى ... نيوب «4» صلاب ليس تهتمّ بالفهر «5»
يصول بكفّ عرض شبرين عرضها ... خناجرها أمضى من القضب البتر
يجرّد منها كلّ ظفر كأنّه ... هلال بدا للعين فى أوّل الشهر.
وقال بشر بن عوانة الفقعسىّ «6» يصف ملاقاته الأسد وما كان بينهما:
أفاطم لو شهدت ببطن خبت ... وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا
(9/239)

إذا لرأيت ليثا رام ليثا ... هزبرا أغلبا لاقى هزبرا
تبهنس «1» إذ تقاعس «2» عنه مهرى ... محاذرة فقلت: عقرت مهرا
أنل قدمىّ ظهر الأرض إنّى ... وجدت الأرض أثبت منك ظهرا
وقلت له وقد أبدى نصالا ... مذرّبة «3» ووجها مكفهرّا
يدلّ بمخلب وبحدّ ناب ... وباللّحظات تحسبهنّ جمرا
وفى يمناى ماضى الحدّ أبقى ... بمضربه قراع الموت أثرا «4»
ألم يبلغك ما فعلت ظباه ... بكاظمة «5» غداة لقيت عمرا
وقلبى مثل قلبك لست «6» أخشى ... مصاولة ولست «7» أخاف ذعرا
(9/240)

وأنت تروم للأشبال قوتا ... وأطلب «1» لابنة الأعمام مهرا
ففيم تروم مثلى أن يولّى ... ويترك فى يديك النفس قسرا «2» ؟!
نصحتك فالتمس يا ليث غيرى ... طعاما إنّ لحمى كان مرّا
ولمّا ظنّ أنّ الغشّ نصحى ... وخالفنى كأنّى قلت هجرا
دنا «3» ودنوت من أسدين «4» راما ... مراما كان إذ طلباه وعرا
يكفكف غيلة إحدى يديه ... ويبسط للوثوب علىّ أخرى
هززت له الحسام فخلت أنّى ... شققت «5» به من الظلماء فجرا
حساما لو رميت به المنايا ... لجاءت نحوه تعطيه عذرا
وجدت له بجائفة»
رآها ... بمن كذبته ما منّته غدرا «7»
(9/241)

بضربة فيصل تركته شفعا ... وكان كأنّه الجلمود وترا
فخرّ مضرّجا بدم كأنّى ... هدمت به بناء مشمخرّا
وقلت له: يعزّ علىّ أنّى ... قتلت مناسبى جلدا وقهرا
ولكن رمت شيئا لم يرمه ... سواك فلم أطق يا ليث صبرا
تحاول أن تعلّمنى فرارا ... لعمر أبيك قد حاولت نكرا
فلا تبعد لقد لاقاك حرّ ... يحاذر أن يعاب فمتّ حرّا
وأمّا الببر [وما قيل «1» فيه]
فهو سبع هندىّ، ويقال: حبشىّ؛ وهو فى صورة أسد كبير، أزبّ «2» ملمّع بصفرة وسواد، ويقال: إنّه متولّد بين الزّبرقان «3» واللّبؤة؛ وفى طبعه أنّه يسالم النّمر وغيره من السباع ما لم يستكلب، فاذا استكلب خافه كلّ شىء كان يسالمه، وهو والأسد متوادّان أبدا، ومودّته معه كمودّة الخنافس والعقارب والحيّات والوزغ؛ ويقال: إنّ الأنثى منه تلقح بالريح، ولهذا يقال: إنّ عدوه يشبه الرّيح سرعة، ولا يقدر أحد على صيده؛ وإنّما تسرق جراؤه فتحمل فى مثل القوارير من زجاج، ويركض بها على الخيول السوابق، فإن أدركهم أبوها رمى اليه بقارورة منها، فيشتغل بالنظر إليها والفكرة «4»
(9/242)

فى إخراج جروه منها، فيفوته الآخذ لها؛ وزعم قوم أنه إذا استكلب ورآه الأسد رقد له حتّى يبول فى أذنه خوفا منه ورهبة له؛ هكذا نقل صاحب مباهج الفكر ومناهج العبر، ولم أقف على شعر فى وصف الببر ولا رسالة فأوردها.
ذكر ما قيل فى النّمر
والنّمر له أسماء، منها السّبندى والسّبنتى، والطرح «1» : [ولده «2» ] ، وجمعه طروح؛ والتلوة «3» والختعة: [الأنثى «4» ] .
وزعم أهل البحث عن طبائع الحيوان والاطّلاع على أسراره أنّ النّمرة لا تضع ولدها إلّا وهو مطوّق بأفعى، وهى تعيّث «5» وتنهش «6» إلّا أنّها لا تقتل؛ وفى طبع النّمر وعادته أنّه يشبع لثلاثة أيّام، ويقطعها بالنوم، ثمّ يخرج فى اليوم الرابع، ومتى لم يصد لم يأكل، ولا يأكل من صيد غيره كالأسد، وينزّه نفسه عن أكل الجيف ولو مات جوعا؛ وهو لا يأكل لحوم الناس إلّا للتداوى من داء يصيبه؛ وفيه
(9/243)

زعارّة «1» خلق، وحدّة نفس، وتجهّم وجه، وشدّة غيظ، ولهذا يقال فى الرجل إذا اشتدّ غضبه وكثر غيظه على عدوّه: «لبس له جلد النّمر» ، أى «2» تخلّق بأخلاقه؛ والنّمر بعيد الوثبة، وربّما وثب أربعين ذراعا صعودا إلى مجثمه الذى يأوى اليه، وقد شوهد وهو يثب فى اللّيل فيصير فى داخل زريبة الغنم فيأخذ الشاة فيحذفها إلى خارج الزّريبة، ثمّ يثب فيسبقها إلى الأرض، ويتناولها من الهواء قبل أن تسقط على الأرض؛ ومن خصائصه الغريبة أنّ المعضوض منه يطلبه الفأر حيث كان، ويقصده ليبول عليه، فإن ظفر به وبال عليه مات؛ والناس يحترزون على من يجرحه النّمر غاية الاحتراز، والفأر يطلب المجروح كلّ الطلب، ومن أعجب ما سمعت أنّ إنسانا جرحه النّمر فاحترز على نفسه من الفأر، فركب فى مركب، ووقف به فى الماء وقد وثق بذلك، وظنّ أنّ الفأر لا يصل إليه، فاتّفق لنفوذ القضاء المقدّر الذى لا حيلة فى دفعه أنّ حدأة اختطفت فأرا من الأرض، وطارت فخاذت المجروح فلمّا سامته الفأر بال عليه فمات. وقد وجد فى بعض الكتب القديمة: أنّ النّمر إذا عضّ إنسانا أخذ زهر السّمّاق «3» ودلك به الجرح، فإنّ الفأر لا يقاربه، ويكون فى ذلك شفاؤه؛ وأخبرنى من عاين ذلك عند التّجربة؛ والنّمر يحبّ شرب الخمر، وبها يصاد، فإنه اذا سكر نام؛ وزعموا أنّه يتولّد بينه وبين اللّبؤة سبع يسمّى الذراع «4» على قدر الذئب العظيم، كثير الجراءة، لا يأوى معه شىء من السباع والوحوش.
(9/244)

ووصف كشاجم النّمر من طرديّة «1» فقال:
وكالح كالمغضب المهيج ... جهم المحيّا ظاهر النّشيج «2»
يكشر عن مثل مدى العلوج «3» ... أو كشبا أسنّة الوشيج
مدبّج الجلد بلا تدبيج ... كأنّه من نمط «4» منسوج
تريك فيه لمع التدريج ... كواكبا لم تك فى بروج
ولم أقف فى وصف النّمر على غير ذلك فأذكره.
(9/245)

الباب الثانى من القسم الأوّل من الفنّ الثالث فيما قيل فى الفهد والكلب والذئب والضبع والنّمس
ذكر ما قيل فى الفهد
يقال للذّكر: الفهد، وللأنثى: فهدة «وهما البنّة، ولذلك يكنى أبابنّة «1» » ، وجروه الهوبر، والأنثى هبيرة «2» ؛ قال أرسطو: إنّ الفهد متولّد بين أسد ونمرة، أو لبؤة ونمر؛ ويقال: إنّ الفهدة إذا حملت وثقل حملها حنا عليها كلّ ذكر يراها من الفهود، ويواسيها من صيده، فاذا أرادت الولادة هربت إلى موضع قد أعدّته لنفسها، حتى اذا علّمت أولادها الصيد تركتها؛ وبالفهد يضرب المثل فى شدّة النوم؛ قال بعض الشعراء:
رقدت مقلتى وقلبى يقظا ... ن يحسّ الأمور حسّا شديدا
يحمد النّوم فى الجواد كمالا ... يمنع الفهد «3» نومه أن يصيدا
(9/246)

وقال الجاحظ: قال صاحب «1» المنطق: والفهد إذا اعتراه الداء الذى يقال له:
(خانقة الفهود) أكل العذرة فبرأ منه؛ قال: والسباع تشتهى رائحة الفهود، والفهد يتغيّب عنها «2» ، وربّما قرب بعضها من بعض فيطمع الفهد فى نفسه، فإذا أراده الفهد «3» وثب عليه السبع «4» فأكله؛ قالوا: وليس شىء فى الحيوان فى جرم الفهد إلّا والفهد أثقل منه وأحطم لظهر الدابّة؛ والإناث أصعب خلقا وأكثر جراءة وإقداما من الذكور؛ ومن خلق الفهد الحياء، وذلك أنّ الرّجل يمرّ بيده على سائر جسده فيسكن لذلك، فإذا وصلت يده إلى مكان الثّفر «5» قلق حينئذ وغضب؛ ويقال: أوّل من صاد بالفهد كليب وائل، وقيل: همّام بن مرّة، وكان صاحب لهو وطرب؛ وأوّل من حمله على الخيل يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، وأكثر من اشتهر باللّعب بها أبو مسلم الخراسانىّ صاحب الدّعوة العبّاسيّة، وأوّل من استسنّ حلقة «6» الصيد المعتضد بالله؛ والمواضع التى توجد فيها الفهود ما يلى بلاد الحجاز إلى اليمن، وما يلى
(9/247)

الحجاز إلى العراق، وما يلى بلاد الهند الى تبّت «1» ، وتوجد أيضا فى برّيّة عيذاب من أعمال قوص من الدّيار المصريّة.
وقد ولع الشعراء والفضلاء بوصف الفهود نظما ونثرا؛ فمن ذلك قول أبى إسحاق الصابى فى رسالة طرديّة «2» جاء منها: ومعنا فهود أخطف من البروق، وأسرع من السهم حين المروق؛ وأثقف «3» من اللّيوث، وأجرى من الغيوث؛ وأمكر من الثعالب وأدبّ من العقارب؛ خمص الخصور قبّ «4» البطون، رقش «5» المتون؛ حمر الآماق خزر «6» الأحداق، هرت «7» الأشداق؛ عراض الجباه غلب «8» الرّقاب، كاشرة عن أنياب كالحراب؛ تلحظ الظّباء من أبعد غاياتها، وتعرف حسّها من أقصى نهاياتها؛ تتبع مرابضها وآثارها، وتشمّ روائحها وأبشارها.
(9/248)

ومن رسالة طرديّة لضياء الدّين نصر الله بن الأثير الجزرىّ يصف فهدا بعد ان ذكر ظبيا، قال: فأرسلنا عليه فهدا سلس الضّريبه «1» ، ميمون النقيبه، منتسبا إلى نجيب من الفهود ونجيبه؛ كأنما ينظر من جمره، ويسمع من صخره، ويطأ من كلّ برثن على شفره؛ وله إهاب قد جبل «2» من ضدّين: بياض وسواد، وصوّر على أشكال العيون فتطلّعت إلى انتزاع الأرواح من الأجساد؛ وهو يبلغ المدى الأقصى فى أدنى وثباته، ويسبق الفريسة ولا يقبضها إلّا عند التفاته.
وقال أحمد بن زياد بن أبى كريمة يصفها بعد أن وصف الكلب من ابيات:
بذلك أبغى الصيد طورا وتارة ... بمخطفة الأكفال «3» رحب التّرائب
مرقّقة الأذناب نمر «4» ظهورها ... مخطّطة الاذان غلب «5» الغوارب
(9/249)

مدنّرة «1» ورق «2» كأنّ عيونها ... حواجل «3» تستوعى «4» متون الرّواكب
اذا قلّبتها فى الحجاج «5» حسبتها ... سنا ضرم فى ظلمة الليل ثاقب
مولّعة «6» فطس «7» الأنوف عوابس ... تخال على أشداقها خطّ كاتب
(9/250)

نواصب للآذان حتّى كأنّها «1» ... مداهن، للإجراس «2» من كلّ جانب
ذوات «3» أشاف «4» ركّبت فى أكفّها ... نوافذ فى صمّ الصخور نواشب
ذراب «5» بلا ترهيف قين «6» كأنّها ... تعقرب أصداغ الملاح الكواعب
فوارس ما لم تلق حربا، ورجلة «7» ... إذا آنست بالبيد شهب «8» الكتائب
(9/251)

تروّ وتسكين يكون دريئة ... لهنّ «بذى الأسراب «1» » فى كلّ لاحب «2»
تضاءل حتّى ما تكاد تبينها ... عيون لدى الضّبرات «3» غير كواذب
حراص يفوت البرق أمكث «4» جريها ... ضراء «5» مبلّات «6» بطول التّجارب
توسّد أجياد الفرائس «7» أذرعا ... مرمّلة «8» تحكى عناق الحبائب
وقال ابن المعتزّ:
ولا صيد إلّا بوثّابة ... تطير على أربع كالعذب «9»
ملمّعة «10» من نتاج الرّياح ... تريك على الأرض شيئا عجب
(9/252)

تضمّ الطريد إلى نحرها ... كضمّ المحبّة من لا يحب
إذا ما رآى عدوها خلفه ... تناجت ضمائره بالعطب
لها مجلس فى مكان الرّديف ... كتركيّة قد سبتها العرب
ومقلتها سائل كحلها ... وقد حلّيت سبحا من ذهب
متى أطلقت من قلاداتها ... وطار الغبار وجدّ الطلب
غدت وهى واثقة أنّها ... تقوم بزاد الخميس اللّجب
وقال محمد بن أحمد السّرّاج يصفه:
وأهرت «1» الشّدق فى فيه وفى يده ... ما فى الصوارم والخطّيّة الذّبل
تساهم اللّيل فيه والنهار معا ... فقمّصاه «2» بجلباب من المقل
والشمس مذ لقّبوها بالغزالة لم ... تطلع لناظره إلّا على وجل
وقال آخر:
وأهرت «3» الشّدق بادى السّخط مطّرح الحياء ... جهم المحيّا سيئ الخلق
والشمس مذ لقّبوها بالغزالة أعطته ... الرّشاء «4» جدا «5» من ثوبها اليقق «6»
(9/253)

ونقّطته حباء «1» كى يسالمها ... على «2» المنايا نعاج «3» الرمل بالحدق
وقال آخر:
تغاير اللّيل فيه والنهار معا ... فحليّاه بجلباب من الحدق
والشمس مذ لقّبوها بالغزالة لم ... تطلع على وجهه من شدّة الحنق «4»
ذكر ما قيل فى الكلاب
يقال: إن بين الكلب والضّبع عداوة شديدة، وذلك أنه إذا كان فى مكان مرتفع ووطئت الضّبعة «5» ظلّه فى القمر رمى نفسه إليها مخذولا فأكلته؛ ويقال: إنّ الإنسان متى حمل لسان ضبع لم ينبح عليه كلب؛ ومتى دهن كلب بشحمها جنّ؛ وفى طبع الكلب أنه يحمى ربّه، ويحمى حريمه شاهدا وغائبا، ونائما ويقظان؛ والكلب أيقظ الحيوان عينا فى وقت حاجته «6» الى النوم، وأنومها نهارا عند استغنائهم عن حراسته؛ ومن عجيب أمره أنه يكرم الجلّة من الناس وأهل الوجاهة؛ فلا ينبح على أحد منهم، وربّما حاد عن طريقهم [وينبح «7» ] على الأسود والوسخ الثوب والزّرىّ الحال والصغير.
(9/254)

وأمّا ما فى الكلب من المنافع الطيّبة
- فقد قال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: إنّ بول الكلب يستعمل على الثآليل «1» ، ودم الكلب لنهوشه «2» ولسمّ السهام «3» الأرمنيّة «4» ؛ وقال إبراهيم بن هرمة- رحمة الله تعالى عليه-:
أوصيك خيرا به فإنّ له ... سجيّة لا أزال أحمدها
يدلّ ضيفى علىّ فى غسق الليل ... إذا النار نام موقدها
وقال أيضا:
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلّمه من حبّه وهو أعجم
فصل
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ فى كتاب الحيوان: وزعموا أنّ ولد الذئب [من الكلبة «5» ] يقال له: الدّيسم، وروى لبشّار بن برد فى ديسم العنزىّ أنه قال:
أديسم يا ابن الذئب من نسل زارع ... أتروى هجائى سادرا غير مقصر
قال: وزارع، اسم الكلب، يقال للكلاب: أولاد زارع؛ قال: وزعم صاحب «6» المنطق أنّ أصنافا أخر من السباع المتزاوجات المتلاقحات مع اختلاف الجنس والصورة
(9/255)

معروفة النّتاج مثل الذئاب التى تسفد الكلاب فى أرض رومية «1» ؛ قال: وتتولّد أيضا كلاب سلوقيّة بين ثعالب وكلاب؛ قال: وبين الحيوان الذى يسمّى باليونانيّة «طاغريس «2» » والكلب تحدث هذه الكلاب الهنديّة؛ قال: وليس يكون ذلك من الولادة الأولى؛ هذا ما حكاه الجاحظ عن صاحب المنطق. وحكى الجاحظ عن بعض البصريّين عن بعض أصحابه، قال: وزعموا أنّ النّتاج الأوّل يخرج صعبا وحشيّا لا يلقّن ولا يؤلّف؛ وزعم لى بعضهم عن رجل من أهل الكوفة من بنى تميم أنّ الكلبة تعرض لهذا السبع حتى تلقح، ثم تعرض لمثله مرارا حتى يكون جرو البطن الثالث قليل الصعوبة يقبل التلقين، وأنّهم يأخذون إناث الكلاب ويربطونها فى تلك البرارىّ، فتجىء هذه السباع فتسفدها، قال: وليس فى الأرض أنثى يجتمع على حبّ سفادها، ولا ذكر يجتمع له من النّزاع «3» إلى سفاد الأجناس المختلفة أكثر فى ذلك من الكلب والكلبة؛ وقال: اذا ربطوا هذه الكلاب الإناث فى تلك البرارىّ، فإن كانت هذه السباع هائجة سفدتها، وإن لم تكن السباع هائجة فالكلبة مأكولة؛ قال الجاحظ: ولو تمّ للكلب معنى السّبع وطباعه ما ألف الإنسان واستوحش «4» من السّبع، وكره الغياض، وألف الدّور، واستوحش من البرارىّ
(9/256)

وجانب القفار، وألف المجالس والدّيار؛ ولو تمّ له معنى البهيميّة فى الطبع والخلق والغذاء ما أكل الحيوان، وكلب «1» على الناس، نعم حتّى ربّما وثب على صاحبه؛ وذكر من معايب الكلب وذمّه، فقال: إنّه حارس محترس منه، ومؤنس شديد الإيحاش من نفسه، وأليف كثير الجناية «2» على إلفه، وانما قبلوه «3» حين قبلوه على أن ينذرهم بموضع السارق، وتركوا طرده لينبّههم على مكان المبيّت «4» ، وهو أسرق من كلّ سارق، وأدوم جناية من ذلك المبيّت»
، فهو سرّاق وصاحب بيات، وأكّال للحوم الناس إلّا أنّه يجمع «6» سرقة الليل مع سرقة النهار، ثم لا تجده أبدا يمشى فى خزانة «7» أو مطبخ أو فى عرصة دار أو فى طريق أو برارىّ، أو على ظهر جبل أو فى بطن واد إلّا وخطمه «8» أبدا فى الأرض يشمّم ويستروح؛ وإن كانت الأرض بيضاء حصّاء «9» ، أو دوّيّة «10» ملساء، أو صخرة خلقاء «11» ، حرصا وجشعا، وشرّها وطمعا، نعم حتّى
(9/257)

تجده أيضا لا يرى كلبا إلّا شمّ استه، ولا يشمّ غيرها منه، ولا تراه يرمى بحجر أبدا إلّا رجع إليه فعضّ عليه، لأنه لمّا كان لا يكاد يأكل إلّا شيئا رموا به اليه صار ينسى لفرط شرهه وغلبة الجشع على طبعه أنّ الرامى إنما «1» أراد عقره أو قتله، فيظنّ لذلك أنه إنّما أراد إطعامه والإحسان اليه، كذلك يخيّل اليه فرط النّهم، وتوهمه غلبة الشّره، ولكنّه رمى «2» بنفسه على الناس عجزا ولؤما، وفسولة «3» ونقصا، وخاف السباع واستوحش من الصّحارى؛ وسمعوا بعض المفسّرين يقول فى قوله عزّ وجلّ: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)
: إنّ المحروم هو الكلب؛ وسمعوا فى المثل:
«اصنع المعروف ولو إلى كلب» ، فلذلك عطفوا عليه، واتّخذوه فى الدّور، على أنّ ذلك لا يكون إلّا من سفلتهم وأغبيائهم، ومن قلّ تقزّزه «4» ، وكثر جهله، وردّ الآثار إمّا جهلا وإمّا معاندة؛ ووصف «5» فى ذمّه ومعايبه ما ذكره صاحب الدّيك من ذمّ الكلاب، وتعداد أصناف معايبها ومثالبها، من لؤمها وخبثها «6» وضعفها وشرهها وغدرها وبذائها وجهلها وتسرّعها ونتنها وقذرها، وما جاء فى الآثار من النّهى
(9/258)

عن اتّخاذها وإمساكها، ومن الأمر بقتلها وإطرادها «1» ، ومن كثرة جناياتها وقلّة ودّها «2» ، وضرب المثل بلؤمها ونذالتها وقبحها وسماجة نباحها وكثرة أذاها وتقذّر «3» المسلمين من دنوّها «4» ، وأنّها تأكل لحوم الناس، وأنّها مطايا الجنّ، ونوع من المسخ، وأنّها تنبش القبور، وتأكل الموتى، وأنّها يعتريها الكلب من أكل لحوم الناس، إلى غير ذلك من مساويها، ثم ذكر قول من عدّد محاسنها وصنّف مناقبها وأخذ فى ذكر أسمائها وأنسابها وأعراقها وتفدية الرجال لها، وذكر كسبها وحراستها ووفائها وإلفها وجميع منافعها، والمرافق التى فيها، وما أودعت من المعرفة الصحيحة والفطنة العجيبة، والحسّ اللّطيف، والأدب المحمود، وصدق الاسترواح، وجودة الشّمّ، وذكر حفظها وإتقانها واهتدائها، وإثباتها لصور أربابها وجيرانها، ومعرفتها بحقوق الكرام، وإهانتها اللّئام، وصبرها على الجفاء، واحتمالها للجوع، وشدّة منّتها «5» وكثرة يقظتها، وعدم «6» غفلتها، وبعد أصواتها، وكثرة نسلها، وسرعة قبولها ولقاحها مع «7» اختلاف طبائع ذكورتها «8» والذّكورة «9» من غير جنسها، وكثرة أعمامها وأخوالها
(9/259)

وتردّدها فى أصناف السّباع، وسلامتها من أعراق البهائم، وغير ذلك من محاسنها؛ وأورد ذلك بألفاظ طويلة، وأدلّة كثيرة، واستطرادات يطول الشرح فى ذكرها فأضربنا عن ذلك رغبة فى الاختصار؛ فلنذكر ما يحتاج الكاتب الى الاطّلاع عليه ويدور فى ألفاظ الكتّاب من وصف كلاب الصّيد، التى لا بدّ للكاتب من معرفة جيّدها وأفعالها، ليضمّنه ما يصدر عنه من الرسائل الطّرديّة، فنقول: دلائل النّجابة والفراهة «1» فيها تعرف من خلقتها وألوانها ومولدها.
أمّا فى الخلقة
- فقد قالوا: طول ما بين اليدين والرجلين، وقصر الظّهر وصغر الرأس، وطول العنق، وغضف «2» الأذنين، وبعد ما بينهما، وزرقة «3» العينين ونتوء الجبهة وعرضها، وقصر اليدين.
وأمّا فى الألوان
، فإنه يقال: السّود أقلّ صبرا على الحرّ والبرد، والبيض أفره اذا كنّ سود العيون؛ وقد قال قوم: إنّ السّود أصبر على البرد وأقوى.
وأمّا فى ولادتها
- فإنه يقال: إذا ولدت الكلبة جروا واحدا كان أفره «4» من أبويه، وإن ولدت ذكرا وأنثى كان الذكر أفره «5» ، وإن ولدت ثلاثة فيها أنثى شبه الأمّ كانت أفره «6» الثلاثة، وإن كان فى الثلاثة ذكر واحد فهو أفره «7» .
(9/260)

ذكر شىء ممّا وصفت به كلاب الصيد نثرا ونظما
قال أبو إسحاق الصّابى يصفها من رسالة طرديّة: ومعنا كلّ كلب عريق المناسب، نجيح المكاسب؛ حلو الشمائل، نجيب المخايل؛ حديد الناظرين، أغضف «1» الأذنين، أسيل الخدّين، مخطف «2» الجنبين؛ عريض الزّور «3» ، متين الظّهر؛ أبىّ النفس، ملهب الشدّ؛ لا يمسّ الأرض إلّا تحليلا «4» وإيماء، ولا يطؤها إلّا إشارة وإيحاء.
وقال بعض الشعراء:
أبعث كلبا يكسر اليحمورا «5» ... مجرّبا مدرّبا صبورا
يأنف أن يشاكل الصّقورا ... منفردا بصيده مغيرا
ذا شية تحسبها حريرا ... قد حبّرت نقوشها تحبيرا
إذا جرى حسبته المقدورا ... يكاد للسرعة أن يطيرا
حتفا «6» لما عنّ له مبيرا «7» ... أعجز أن أرى له نظيرا
(9/261)

وقال أبو نواس:
هجنا بكلب طالما هجنا به ... ينتسف «1» المقود من جذابه «2»
كأنّ متنيه لدى انسلابه «3» ... متنا شجاع «4» لجّ فى انسيابه
كأنّما الأظفور فى قنابه «5» ... موسى صناع ردّ فى نصابه «6»
تراه فى الحضر «7» إذا هاهى «8» به ... يكاد أن يخرج من إهابه
ترى سوام الوحش إذ تحوى به ... يرحن أسرى ظفره ونابه
وقال أيضا:
كأنّ لحييه «9» لدى افتراره «10» ... شكّ «11» مسامير على طواره «12»
(9/262)

سمع «1» إذا استروح «2» لم تماره ... إلّا بأن يطلق من عذاره
فانصاع «3» كالكوكب فى انحداره ... لفت المشير موهنا «4» بناره
شدّا «5» إذا أخصف «6» فى إحضاره ... خرّق أذنيه شبا أظفاره.
وقال بعض الأندلسيّين «7» :
[وأغضف «8» تلقى أنفه فكأنّما ... يقود به نور من الصبح أنور]
إذا ألهبته شهوة الصّيد طامعا ... رأيت عقيم الرّيح عنه تقصّر
(9/263)

وقال أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة:
ومورّس «1» السربال يخلع قدّه «2» ... عن نجم رجم فى سماء غبار
يستنّ فى سنن الطريق وقد عفا ... قدما فيقرأ أحرف الآثار
عطف الضّمور سراته «3» فكأنّه ... والنّقع يحجبه هلال سرار «4»
يفترّ عن مثل النّصال وإنّما ... يمشى على مثل القنا الخطّار
وقال آخر:
ومؤدّب الآساد يمسك صيده ... متوقّفا «5» عن أكله كالصائم
صبّ «6» اذا ما صاد عانق صيده ... طرب المقيم إلى لقاء القادم
(9/264)

وقال آخر:
وما الظّبى منه فى حشاشة «1» نفسه ... ولكنّه كالطفل فى حجر أمّه
يلازمه دون اخترام «2» كأنّما ... تعلّق خصم عند قاض بخصمه
وقال ابن المرغرىّ «3» النصرانىّ الأندلسىّ منشدا:
لم أر ملهّى لذى اقتناص ... ومكسبا مقنع الحريص
كمثل خطلاء «4» ذات جيد ... أتلع «5» مصفرّة القميص
كالقوس فى شكلها ولكن ... تنفذ كالسهم للقنيص
لو أنّها تستثير برقا ... لم يجد البرق من محيص
محبولة «6» الظهر لم يخنه ... لحوق بطن به خميص
اتّخذت أنفها دليلا ... قاد إلى الكانس العويص
(9/265)

وكلبة «1» تاهت على الكلاب ... بجلدة صفراء كالزّرياب «2»
تنساب مثل الحيّة المنساب «3» ... كأنّها تنظر من شهاب «4»
وقال أحمد بن زياد بن أبى كريمة يصف كلب صيد من قصيدة طويلة، أوّلها:
وغبّ غمام مزّقت عن سمائه ... شآمية «5» حصّاء جون السحائب «6»
مواجه «7» طلق لم يردّد جهامه ... تذاؤب «8» أرواح الصّبا والجنائب
بعثت وأثواب الدّجى قد تقلّصت ... بغرّة مشهور من الصبح ثاقب
(9/266)

وقد لاح ناعى الليل حتّى كأنّه ... لسارى الدجى فى الفجر قنديل راهب
بها ليل «1» لا يثنيهم عن عزيمة ... وإن كان جمّ الرّشد لوم «2» الأقارب
لتجنيب «3» غضف كالقداح لطيفة ... مشرّطة «4» آذانها بالمخالب
تخال سياطا فى صلاها «5» منوطة ... طوال الهوادى «6» كالقداح الشوازب «7»
اذا افترشت خبتا «8» أثارت بمتنه ... عجاجا وبالكذّان «9» نار الحباحب «10»
(9/267)

تفوت خطاها الطّرف سبقا كأنّها ... سهام مغال «1» أو رجوم الكواكب
طراد الهوادى «2» لاحها «3» كلّ شتوة ... بطامسة الأرجاء مرت «4» المسارب
تكاد من الأحراج «5» تنسلّ كلّما ... رأت شبحا لولا اعتراض المناكب
تسوف «6» وتوفى كلّ نشز «7» وفدفد «8» ... مرابض «9» أبناء النّفاق «10» الأرانب
كأنّ بها ذعرا يطير قلوبها ... أنين المكاكى «11» أو صرير الجنادب
(9/268)

تدير عيونا ركّبت فى براطل «1» ... كجمر الغضى خزرا «2» ، ذراب الأنايب «3»
إذا ما استحثّت لم يجن «4» طريدها ... لهنّ ضراء «5» أو مجارى المذانب «6»
وإن باصها «7» صلتا «8» مدى الطّرف أمسكت ... عليه بدون الجهد سبل المذاهب
تكاد تفرّى «9» الأهب عنها إذا انتحت ... لنبأة «10» شخت «11» الجرم عارى الرواجب «12»
(9/269)

كأنّ غصون الخيزران متونها ... إذا هى جالت فى طراد الثّعالب
كواشر عن أنيابهنّ كوالح ... مذلّقة «1» الآذان شوس «2» الحواجب
كأنّ بنات القفر «3» حين تفرّقت ... غدون عليها بالمنايا الشواعب
ذكر ما قيل فى الذئب
والذئب له أسماء نطقت بها العرب، ذكره ذئب، والأنثى ذئبة وسلقة وسيدانة «4» ، ويكنى أبا جعدة، ومن أسمائه: نهشل، وأويس، وذؤالة، وأشبة، ونشبة، وكساب، وكسيب «5» ، والعسعاس، والعسّاس، والخيعل، والعملّس، والطّملّ «6» ، والشّيذمان «7» ، والشّيمذان، والخيتعور، والقلّيب، والعلّوش، ورئبال، والسّرحان
(9/270)

ومصدّر، والعسول، والنّسول، والخاطف، والأزلّ، والأرسح: القليل لحم الوركين، والعمرّد. ويقال لولد الذئب: جرموز، والأنثى: جعدة «1» .
ويقال: إن الذئب إذا لم يجد ما يأكله استعان بإدخال النسيم فى فيه، فيقتات به؛ وجوفه يذيب العظم، ولا يذيب نوى التمر؛ وقال بعض من اعتنى بسرّ طبائع الحيوان: إنه لا يلتحم عند السّفاد إلا الذئب والكلب، وهو يسفد مضطجعا على الأرض، وذكره عظم؛ والذئب موصوف بالانفراد والوحدة وشدّة التوحّش؛ وإذا خفى عليه موضع الغنم عوى ليؤذنهم بمكانه، ويعلمهم بقربه، فاذا حضرت الكلاب إلى الناحية التى هو فيها راغ عنها الى جهة الغنم التى ليس فيها كلب؛ وهو لا يعود إلى فريسة بعد أن يشبع منها؛ وهو ينام بإحدى عينيه ويفتح الأخرى، فإذا اكتفت النائمة وأخذت حقّها من النوم فتحها ونام بالأخرى؛ فهذا أبدا دأبه فى نومه؛ وهو قوىّ حاسّة الشّمّ، قيل: إنّه يشمّ من فرسخ؛ وأكثر ما يعترض الغنم وقت الصبح عند توقّعه فترة الكلاب ونومها؛ ومن عادة الذئاب أنّه إذا افترس ذئبان شاة قسماها على شطرين بينهما بالسويّة؛ والذئب إذا وطئ ورق العنصل «2» مات لوقته؛ وبينه وبين الغنم معاداة عظيمة، فمنها أنّه إذا جمع بين وتر عمل من أمعاء ذئب وبين أوتار عملت من أمعاء الغنم وضرب بها
(9/271)

لا يسمع لها صوت؛ واذا اجتمع جلد شاة مع جلد ذئب تمعّط «1» جلد الشاة؛ والذئب إذا كدّه الجوع عوى، فتجتمع له الذئاب، ويقف بعضها إلى بعض، فمن ولّى منها وثب الباقون عليه فأكلوه، وهو إذا تعرّض لإنسان وخاف العجز عنه عوى، فيسمعه غيره من الذئاب، فتقبل على الإنسان، فإذا أدمى الإنسان منها واحدا وثب الباقون على المدمى فمزّقوه وتركوا الإنسان، ولذلك قال بعض الشعراء «2» يعاتب صديقا له أعان عليه فى مصيبة نزلت به:
وكنت كذئب السوء لمّا رأى دما ... بصاحبه يوما أعان على الدّم
والذئب لا يواجه الإنسان، وإنما يأتيه من ورائه، فإن وجد الإنسان ما يسند ظهره إليه عجز الذئب عن افتراسه.
وقد وصف الشعراء الذئب بما ذكرناه من عادته وطبعه، فقال حميد بن ثور:
ونمت كنوم الذئب عن ذى حفيظة ... أكلت طعاما دونه وهو جائع
ترى طرفيه يعسلان «3» كليهما «4» ... كما اهتزّ عود النّبعة المتتابع
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقى ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
وقال إبراهيم بن خفاجة:
ولربّ روّاغ هنالك أنبط «5» ... ذلق «6» المسامع أطلس «7» الأطمار
(9/272)

يجرى على حذر فيجمع بسطه «1» ... يهوى فينعطف انعطاف سوار
والعرب تقول فى أمثالها: «أحمق من جهيزة» قالوا: وجهيزة عرس الذئب، لأنّها تدع ولدها وترضع ولد الضّبع «2» ، وهو معنى قول ابن جذل «3» الطّعان:
كمرضعة أولاد أخرى وضيّعت ... بنيها ولم ترقع بذلك مرقعا
وقول الآخر:
كانوا كتاركة بنيها جانبا ... سفها وغيرهم تربّ وترضع
ويقولون: إنّ الضّبع إذا قتلت أو صيدت فإنّ الذئب يأتى أولادها باللّحم وأنشدوا قول الكميت:
كما خامرت فى حضنها «4» أمّ عامر ... لدى الحبل «5» حتّى عال «6» أوس عيالها
وأوس، هو الذئب كما تقدّم «7» فى أسمائه.
(9/273)

ذكر ما قيل فى الضبع
يقال: إنّ الضّبع كالأرنب، تكون مرّة «1» ذكرا ومرّة «2» أنثى، وهم يسمّون الذكر والأنثى: الضبع «3» والذّيخ «4» ، ومن أسمائها: حضاجر، وجيأل، وجعار، وقثام، ونقاث، والعرفاء، لطول عرفها، والعثواء لنفول «5» شعرها، والعرجاء، والخامعة، وأمّ عامر وأمّ هنبر «6» ، وأمّ خنّور؛ وولدها الفرعل؛ وحجرها الوجار. والضبعة «7» مولعة بنبش القبور، وإنّما ذلك لشهوتها فى لحوم الناس؛ ومن عاداتها إذا كان القتيل بالعراء وورم وانتفخ ذكره تأتيه فتركبه وتقضى حاجتها منه، ثم تأكله؛ وهى متى رأت إنسانا نائما حفرت تحت رأسه، فاذا مال رأسه وظهر حلقه ذبحته بأسنانها، وشربت دمه؛ وهى فاسقة، لا يمرّ بها حيوان من نوعها إلّا تعرّضت له حتّى يعلوها؛
(9/274)

والعرب تضرب المثل بها فى الفساد، فإنّها إذا وقعت فى الغنم عاثت، ولم تكتف بما يكتفى به الذئب؛ وإذا اجتمع الذئب والضّبع فى الغنم سلمت، فإنّ كلّ واحد منهما يمنع صاحبه، ولذلك تقول العرب فى دعائها للغنم: «اللهمّ ضبعا وذئبا» ؛ والضبع إذا وطئت ظلّ الكلب فى القمر وهو على سطح وقع فتأكله؛ وإذا دخل الرجل وجارها ولم يسدّ منافذ الضوء، ثمّ صار إليها من الضياء ولو بقدر سمّ الخياط، وثبت إليه فقتلته؛ وان أخذ معه حنظلا أمن سطوتها؛ وتوصف بالحمق والموق «1» ، وذلك لأنّ من يريدون صيدها يقفون على باب وجارها ويقولون: «أطرقى أمّ طريق «2» ، خامرى «3» أمّ عامر» فاذا سمعت كلامهم انقبضت، فيقولون: «ابشرى بكمر «4» الرّجال، ابشرى بشاء هزلى وجراد عظلى «5» » وهم مع ذلك يشدّون يديها ورجليها وهى ساكنة لا تتحرّك، ولو شاءت لأجهزت عليهم وقتلتهم وخلّصت نفسها؛ وهذا
(9/275)

القول فيما أظنّ من خرافات العرب؛ والضبع تلد من الذئب جروا «1» يسمّى العسبار، ويكون منفردا بنفسه، لا يألف السّباع، ويثب على الناس والدوابّ؛ وهى توصف بالعرج، وفيها يقول بعض الأعراب «2» :
من العثو «3» لا يدرى أرجل شمالها ... بها الظّلع «4» لمّا هرولت أم يمينها
ذكر ما قيل فى النّمس
والعرب تسمّى النّمس الظّربان، وسمّاه أبو عبيد «5» الظّرباء «6» ؛ وهو على قدر الهرّ، وفى قدر الكلب القلطىّ «7» ؛ وهو منتن الرّيح ظاهرا وباطنا، ولونه إلى الشّبهة، طويل الخطم «8» جدّا، وليس له أذنان إلّا صماخان، قصير اليدين، وفيهما براثن حداد، طويل الذّنب، ليس لظهره فقار، ولا فيه مفصل، بل عظم واحد من مفصل
(9/276)

الرأس إلى مفصل الذّنب، وربّما ضربه من ظفر به من الناس بالسيف فلا يعمل فيه حتى يصيب طرف أنفه، لأنّ جلده فى قوّته كالقدّ؛ ولفسوه ريح كريهة حتّى إنّه يصيب الثوب فلا تذهب رائحته منه حتّى يبلى، وهو يفسو فى الهجمة «1» من الإبل فتتفرّق ولا تجتمع لراعيها إلّا بعد تعب؛ والعرب تضرب المثل فى تفريق الجماعات به، فيقولون: «فسا بينهم الظّربان» ؛ وهو لأهل مصر كالقنافذ لأهل سجستان فى قتله الثعابين؛ قالوا: ولو لاه لأكلتهم؛ ومن عادته أنّه إذا رأى الثعبان دنا منه ووثب عليه، فاذا أخذه تضاءل فى الطول حتّى يبقى شبيها بقطعة حبل، فينطوى الثعبان عليه، فاذا انطوى نفخ الظّربان بطنه ثمّ زفر زفرة فيتقطّع الثعبان قطعا؛ قال الجاحظ: وفسو الظّربان أحدّ أسلحته، لأنّه يدخل على الضّبّ فى حجره وفيه حسوله «2» وبيضه، فيأتى أضيق موضع فى الحجر فيسدّه بيده، ويحوّل دبره فلا يفسو ثلاث فسوات حتّى يخرّ الضّبّ سكران مغشيّا عليه، فيأكله؛ وله جراءة على تسلّق الحيطان فى طلب الطير، فان هو سقط نفخ بطنه حتّى يمتلئ جلده، فلا يضرّه السقوط؛ قالوا: وهو يشبه السّمّور «3» ، وذهب بعضهم إلى أنّه هو، وإنّما البقعة التى هو فيها غيّرت وبره.
(9/277)

الباب الثالث من القسم الأوّل من الفنّ الثالث فيما قيل فى السّنجاب والثعلب والدّبّ والهرّ والخنزير
فأما السّنجاب
- فهو حيوان معروف، حسن الوبر، ظهره أزرق اللّون، وبطنه أبيض، ومنه ما يكون ظهره أحمر، وهو ردىء الجنس؛ مبخوس الثّمن؛ وهذا الحيوان سريع الحركة، فاذا أبصر الانسان صعد الشجرة العالية، وهى مأواه؛ وهو كثير ببلاد الصّقالبة والخزر، «ومزاجه بارد رطب، وقيل «1» : حارّ رطب لسرعة حركته» ؛ قال أبو الفرج الببغاء:
قد بلونا الذّكاء فى كلّ ناب «2» ... فوجدناه صنعة السّنجاب
حركات تأبى السكون وألحا ... ظ حداد كالنار فى الالتهاب
خفّ جدّا على النفوس فلوشا ... ء ترامى «3» مجاورا للتصابى
واشتهت قربه العيون إلى أن ... خلته عندها أخا للشباب
لابس جلدة إذا لاح خلنا ... بها فى مزرّة «4» من سحاب
لو غدا كلّ ذى ذكاء نطوقا ... ردّ فى ساعة الخطاب جوابى
(9/278)

ذكر ما قيل فى الثعلب
هو ذو مكر وخديعة وتحيّل فى طلب الرزق، فمن تحيّله أنّه يتماوت وينفخ بطنه ويرفع قوائمه، حتّى يظنّ به أنه قد مات، فاذا قرب منه حيوان وثب عليه فصاده؛ ومنه أنه إذا دخل برج الحمام وكان شبعان قتلها ورمى بها، فاذا جاع عاد «1» إليها فأكلها، وكذلك يفعل مع الدّجاج؛ وهو أيضا من الحيوان الذى سلاحه سلاحه، وهو أنتن من سلاح الحبارى «2» ، فاذا تعرّض للقنفذ لقيه القنفذ بشوكه واستدار كالكرة، فيسلح الثعلب عليه، فلا يتمالك القنفذ أن ينسدخ «3» ، فيقبض الثعلب على مراقّ «4» بطنه؛ ومن ظريف ما يحكى عنه أنّ البراغيث إذا كثرت فى فروته تناول صوفة بفمه، ثم يدخل النهر برفق وتدريج، والبراغيث تصعد إذا قاربها الماء حتّى تجتمع فى تلك الصوفة التى فى فيه، فعند ذلك يلقيها فى الماء ويخرج منه؛ والذئب يطلب أولاد الثعلب، فإذا ولد له وضع ورق العنصل «5» على باب وجاره فلا يصل الذئب إليه، لأنّه متى وطئ العنصل «6» مات لوقته؛ ويقال: إنّ قضيب الثعلب فى خلقة الأنبوب، وأحد شطريه عظم، والآخر عصب ولحم؛ وربّما
(9/279)

يسفد الثعلب الكلبة فتأتى منه بولد فى خلقة السّلوقىّ الذى لا يقدر على مثله؛ وفرو الثعلب من أجود الأوبار وأفضلها، ومنه الأسود والأبيض والخلنجىّ «1» ، وأدونه الأعرابىّ لقلّة وبره، وما كان منه ببلاد الترك يسمّى البرطاسىّ «2» لكثافة وبره وحسن لونه، ووبره أنواع، منها السار سينا «3» [والبرطاسىّ «4» والغبب «5» والنيفق «6» ؛ قال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا «7» ] : والثعلب فيه تحليل، وفراؤه أسخن الفراء، تنفع المرطوبين لتحليلها [آلات المفاصل «8» ] ؛ قال: واذا طبخ الثعلب فى الماء وطليت به المفاصل الوجعة نفع نفعا جيّدا، وكذلك الزيت الذى يطبخ فيه حيّا أو مذبوحا فإنّه يحلّل ما فى المفاصل، وشحمه يسكّن وجع الأذن إذا قطر فيها؛ ورئته المجفّفة نافعة لصاحب الرّبو جدّا، والشّربة منها وزن درهمين «9» [والله أعلم بالصواب «10» ، وإليه المرجع] [والمآب] .
(9/280)

قال أبو الفرج الببغاء يصفه:
وأعفر المسك تلقاه فتحسبه ... من أدكن «1» الخزّ مخبوء بخيفان «2»
كأنّ أذنيه فى حسن انتصابهما ... إذا هما انتصبا للحسّ «3» زجّان «4»
يسرى ويتبعه من خلفه ذنب ... كأنّه حين يبدو ثعلب ثانى
فلا يشكّ الذى بالبعد يبصره ... فردا بأنّهما فى الخلقة اثنان
وقال آخر:
جاؤا بصيد عجب من العجب ... أزيرق العينين طوّال «5» الذنب
تبرق عيناه إلى ضوء الشّهب
(9/281)

ذكر ما قيل فى الدّبّ
والدّبّ مختلف الطبائع، يأكل ما تأكله السّباع، ويرعى ما ترعاه الدوابّ، ويتناول ما يأكله الناس؛ وفى طبعه أنّه إذا كان أوان السّفاد خلا كلّ ذكر بأنثاه، والذكر يسفد أنثاه مضطجعة على الأرض، وهى تضع جروها فدرة لحم غير مميّز الجوارح، فتهرب به من موضع إلى آخر خوفا عليه من النّمل، وهى مع ذلك تلحسه حتى تنفرج أعضاؤه ويتنفّس، وفى ولادتها صعوبة، فيزعم بعض من فحص عن طبائع الحيوان أنّ الدّبّة تلد من فيها، وأنّها إنّما تلده ناقص الخلق شوقا إلى الذّكر وحرصا على السّفاد، وهى لشدّة شهوتها تدعو الآدمىّ الى وطئها؛ وفيما حكى لى أنّ إنسانا كان سائرا فى بعض الغياض لمقصده، فصادف دبّة، فأخذته وأومأت إليه بالإشارة أن يواقعها، ففهم عنها وفعل، فلمّا فرغ عمدت الى أقدامه فلحست مواطئها حتّى نعمت «1» ، ولم تزل تكرّر لحسها وتمرّ بلسانها عليها حتّى بقى الرجل يعجز عن الوطء بها على الأرض، فعند ذلك أمنت هربه وتركته، فكانت تغدو وتتكسّب وترجع إليه بما يأكله وهو يواقعها، وهى تتعاهد «2» لحس رجليه، فلم يزل كذلك حتّى مرّ عليه جماعة من السّفر، فناداهم، فأتوه وحملوه على دوابّهم وساروا به. قالوا:
والأنثى اذا هربت من الصيّادين جعلت جراءها بين يديها، فإذا اشتدّ خوفها عليهم بأن أدركها من يطلبها صعدت بأولادها إلى الأشجار؛ وفى الدّبّ من القوّة والشدّة ما يقطع العود الضخم من الشجرة العاديّة «3» التى لا تقطعها الفأس إلّا بعد تعب،
(9/282)

ثم يأخذه بيديه، ويقف على قدميه كالإنسان، ويشدّ به على الفارس، فلا يصيب شيئا إلا أهلكه «1» ؛ وفى طبع هذا الحيوان من الفطنة العجيبة لقبول التأديب والتعليم ما هو مشاهد لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، هذا مع عظم جثّته، وثقل جسمه، لكن لا يطيع معلّمه إلّا بعنف وضرب شديد وتعمية لذكوره؛ وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: إنّ دم الدّبّ ينضج الأورام الحارّة سريعا؛ والله أعلم بالصواب.
ذكر ما قيل فى الهرّ
والهرّ ضربان: وحشىّ وأهلىّ، وهو يشبه الأسد فى الصورة والأعضاء والوثوب والافتراس والعدو، إلّا أنّه أقلّ جراءة من الأسد وأكثرها من سائر الحيوان؛ وهو يناسب الانسان فى أحوال، منها: أنّه يعطس ويتثاءب ويتمطّى، ويتناول الشىء بيده، ويغسل وجهه وعينيه بلعابه؛ وفيه «2» أنّ الأنثى تحدث لها قوّة وشجاعة عند السّفاد، ولهذا فإنّ الذكر يهرب منها عند فراغه، وتكون هذه الشجاعة فى الذّكر قبل السّفاد، فاذا سفد انتقلت إلى الأنثى، والذّكر إذا هاج صرخ صراخا منكرا يؤذى به من يسمعه لبشاعته؛ والأنثى تحمل فى السنة مرتين، ومدّة حملها خمسون يوما، وفى أخلاق بعضها أنّها اذا ولدت تأكل أولادها، ويقال: إنّها إنّما تأكلهم لفرط حبّها لهم؛ وقيل: بل من جنون يعرض لها عند الولادة وجوع؛ والله أعلم؛ وفى هذا الحيوان من الأخلاق الحميدة أنّه يرعى حقّ
(9/283)

التربية والإحسان إليه، ويقبل التأديب، وربّما ربّى فى حانوت السّمّان «1» والجزّار وفى الدّور بين الدّجاج والحمام وغير ذلك من المطاعم التى يحبّها الهرّ ويأكلها فلا يتعرّض لها بفساد، ولا يأكل منها ما لم يطعمه، وربّما حفظها من غيره، وقاتل دونها، مع ما فيه من الافتراس والاختلاس؛ وفى طبع الهرّ وعادته أنّه إذا أطعم شيئا أكله فى موضعه ولم يهرب، واذا خطفه أو سرقه هرب به، ولا يقف إلّا أن يأمن على نفسه؛ وفى بعضها من الجراءة ما يقتل الثعبان والعقرب؛ وإذا أرادت الهرّة ما يريد صاحب الغائط أتت موضع تراب فى زاوية من زوايا الدّار، فتبحث حتّى تجعل لها حفرة، ثم تدفن فيها ما تلقيه، وتغطّيه من ذلك التراب، ثم تشمّ أعلى التراب، فإن وجدت رائحة زادت عليه ترابا حتى تعلم أنّها أخفت المرئىّ والمشموم، فإذا لم تجد ترابا خمشت وجه الأرض، وزعم بعض الأطبّاء أنّ ستر الهرّة لذلك لحدّة رائحته، فإنّ الفأرة إذا شمّته نفرت منه الى منقطع تلك الرائحة؛ وهو يقبل التعليم ويؤدّب حتى يألف الفأر مع ما بينهما من شدّة العداوة، فيحصل بينهما من المؤالفة الظاهرة والملاءمة ما إنّ الفأر يصعد على ظهر الهرّ، وربّما عضّ أذنه، فيصرخ الهرّ ولا يأكله، ولا يخدشه لخوفه من مؤدّبه، فإذا أشار إليه مؤدّبه بأكله وثب عليه على عادته وأكله، وهذا أمر مشاهد غير منكور يفعله الطّرقيّة «2» ويفرّجون «3» الناس عليه «4» ؛
(9/284)

وفى طبع الهرّ أنّه لا يأكل السّخن ولا الحامض، ومتى دهن أنفه بدهن الورد مات سريعا؛ وهو إذا قاتل الثعبان يضع يده على أنفه، ويقاتل بيده الأخرى، وإنّما يفعل ذلك حذرا على نفسه، فإنّ الثعبان متى ضربه فى أنفه مات، ويضربه فى سائر جسده فلا يضرّه ذلك، بل يلحس مكان نهش الثّعبان بلسانه وهو يقاتله.
وقد وصفه الشعراء والأدباء برسائل وأبيات.
فمن ذلك رسالة أنشأها أبو [جعفر»
] عمر الأوسىّ الأندلسىّ المعروف بابن صاحب الصّلاة «2» - ونسبت هذه الرسالة لأبى [نصر «3» ] الفتح بن خاقان صاحب قلائد العقيان- يخاطب بها بعض اخوانه ويوصيه على «4» كتبه، وهى: وفى علمك- أعزّك الله- ما استودعته ديانتك، واستحفظته أمانتك؛ من كتبى التى هى أنفس ذخائرى وأسراها «5» ، وأحقّها بالصيانة وأحراها؛ وما كنت أرتضى فيها بالتّغريب،
(9/285)

لولا التّرجّى لمعاودة الطلب عن قريب؛ ولا شكّ أنّها منك ببال، وبمكان تهمّم «1» واهتبال؛ لكن ربّما طرقها من مردة الفئرة طارق، وعاث فيها كما يعيث الفاسق المارق؛ فينزل «2» فيها قرضا، ويفسدها طولا وعرضا؛ إلّا أن يطوف عليها هرّ نبيل، ينتمى من القطاط إلى أنجب قبيل؛ له رأس كجمع «3» الكفّ، وأذنان قد قامتا «4» على صفّ؛ ذواتا لطافة ودقّه، وسباطة ورقّه؛ يقيمهما عند التشوّف، ويضجعهما عند التخوّف؛ ومقلة مقتطعة من الزجاج المجزّع «5» ، وكأنّ ناظرها من العيون البابليّة منتزع؛ قد استطال الشعر حول أشداقه، وفوق آماقه؛ كإبر مغروزة على العيون، كما أحكمت «6» برد أطرافها القيون «7» ؛ له ناب كحدّ المطرد «8» ، ولسان كظهر المبرد؛ وأنف أخنس «9» وعنق أوقص «10» ، وخلق سوىّ غير منتقص، أهرت «11» الشّدقين، موشّى
(9/286)

الساعدين والساقين [ململم «1» اليدين] والرجلين؛ يرجّل بها «2» وبره «3» ترجيل ذوى الهمم، لما شعث «4» من اللّمم؛ فينفض ما لصق به من الغبار، وعلق من الأوبار، ثم يجلوه بلسانه جلاء الصّيقل للحسام، والحمّام للأجسام؛ فينفى قذاه، ويوارى أذاه؛ ويقعى إقعاء الأسد إذا جلس، ويثب وثبة النّمر «5» إذا اختلس؛ له ظهر شديد، وذنب مديد؛ يهزّه هزّ السّمهرىّ المثقّف، وتارة يلويه لىّ الصّولج المعقّف؛ تجول يداه فى الخشب والأرائك، كما تجول فى الكسايد حائك «6» ؛ يكبّ على الماء حين يلغه «7» ، ويدنى منه فاه ولا يبلغه؛ ويتّخذ من لسانه رشاء ودلوا، ويعلم به إن كان الماء ملحا أو حلوا؛ فتسمع للماء خضخضة من قرعه، وترى للّسان نضنضة «8» من جرعه؛ يحمى داره حماية النّقيب، ويحرسها حراسة الرقيب؛ فإن رأى فيها كلبا، صار عليه إلبا «9» ؛ وصعّر خدّه
(9/287)

وعظّم قدّه، حتّى يصير ندّه «1» ؛ أنفة من جنابه «2» أن يطرق، وغيرة على حجابه أن يخرق؛ وإن رأى فيها هرّا، وجف «3» اليه مكفهرّا؛ فدافعه بالساعد الأشدّ، ونازعه منازعة الخصم الألدّ؛ فإذا أطال مفاوضته، وأدام مراوضته؛ أبرز برثنه لمبادرته، وجوشنه «4» لمصادرته؛ ثمّ تسلّل إليه لواذا، واستحوذ عليه استحواذا؛ وشدّ عليه شدّه، وضمّه من غير مودّه؛ فأنسل وبره إنسالا «5» ، وأرسل دمه إرسالا؛ بأنياب عصل «6» ، أمضى من نصل؛ ومخلب كمنقار «7» الصّخر، درب بالاقتناص والعقر؛ فيصيّر «8» قرنه ممزّق الإهاب، مستبصرا «9» فى الذّهاب، قد أفلت من بين أظفار وأنياب، ورضى من الغنيمة بالإياب؛ هذا وهو يخاتله دون جنّه، ويقاتله بلا سيوف ولا أسنّه؛ وإنّما جنّته، منّته «10» ؛ وشفاره،
(9/288)

أظفاره؛ وسنانه، أسنانه؛ إذا سمعت الفئرة منه مغاء «1» ، لم تستطع له إصغاء؛ وتصدّعت «2» قلوبها من الحدر، وتفرّقت جموعها شذر مذر؛ تهجع العيون وهو ساهر، وتستتر الشخوص وهو ظاهر؛ يسرى من عينيه بنيّرين وضّاحين، تخالهما فى الظلام مصباحين؛ يسوف «3» الأركان، ويطوف بكلّ مكان؛ ويحكى فى ضجعته السوار تحنّيا، وقضيب الخيزران تثنّيا؛ ثم يغطّ إذا نام، ويتمطّى إذا قام؛ ولا يكون بالنار مستدفئا، ولا للقدر مكفئا؛ ولا فى الرّماد مضطجعا، ولا للجار منتجعا؛ بل يدبّر بكيده، وينتصر على صيده؛ قد تمرّن «4» على قتل الخشاش «5» ، وافترس الطير فى المسارح والأعشاش؛ يستقبل الرياح بشمّه، ويجعل الاستدلال أكبر همّه؛ ثم يكمن للفأر حيث «6» يسمع لها خبيبا «7» ، أو يلمح من شيطانها «8» دبيبا؛ فيلصق بالأرض، وينطوى بعضه فى بعض، حتى يستوى «9» منه الطّول والعرض؛ فاذا تشوّفت الفأرة من حجرها، وأشرفت بصدرها ونحرها؛ دبّ اليها دبيب الصّلّ
(9/289)

وامتدّ إليها امتداد الظّلّ؛ ثم وثب فى الحين عليها [وجلب «1» الحين اليها] ؛ فأثخنها جراحا، ولم يعطها براحا؛ فصاحت من شدّة أسره، وقوّة كسره؛ وكلّما كانت صيحتها أمدّ، كانت قبضته عليها أشدّ، حتّى يستأصل أوداجها فريا، وعظامها بريا، ثم يدعها مخرجة الذّماء «2» ، مضرّجة بالدّماء؛ وان كان جرذا مسنّا، لم يضع عليه سنّا؛ وإن كان درصا «3» صغيرا فغر عليه فاه، وقبض مترفّقا على قفاه؛ ليزداد منه تشهّيا وبه تلهّيا؛ ثم تلاعب به تلاعب الفرسان بالأعنّه، والأبطال بالأسنّه؛ فإذا أوجعه عضّا، وأوعبه «4» رضّا؛ أجهز فى الفور عليه، وعمد بالأكل اليه؛ فازدرد منه أطيب طعمه، واعتدّه أهنأ نعمه؛ ثم أظهر بالالتعاق «5» شكره، وأعمل فى غيره فكره؛ فرجع إلى حيث أثاره، ويتبع «6» فيه آثاره؛ راجيا أن يجد فى رباعه، ثانيا من أتباعه، فيلحقه بصاحبه فى الردى، حتّى يفنى جميع العدى؛ وربّما انحرف عن هذه العوائد «7» ، والتقط فتات الموائد «8» ، بلاغا «9» فى الاحتماء، وبرّا بالنّعماء، فماله على خصاله ثمن «10» ، ولا جاء
(9/290)

بمثاله زمن؛ وقد أوردت- أعزّك الله- من وصفه فصلا مغربا، وهزلا مطربا؛ إخلاصا من الطويّة واسترسالا، وتسريحا للسجيّة وإرسالا، على أنّى لو استعرت فى وصفه لسان أبى «1» عبيد، وأظهرت فى نعته بيان أبى زبيد «2» ؛ ما انتهيت فى النطق إلى خطابك، ولا احتويت فى السّبق على أقصابك؛ والله يبقيك لثمر النّبل جانيا، ولدرج الفضل بانيا.
وقال ابن طباطبا يصف هرّة بلقاء:
فتنتنى بظلمة وضياء ... إذ تبدّت بالعاج والآبنوس
تتلقّى الظلام من مقلتيها ... بشعاع يحكى شعاع الشّموس
ذات دلّ قصيرة كلّما قا ... مت تهادت، طويلة فى الجلوس
لم تزل تسبغ الوضوء وتنقى ... كلّ عضو لها من التنجيس
دأبها ساعة الطهارة دفن ال ... عنبر الرّطب فى الحنوط اليبيس «3»
(9/291)

وقال أبو بكر الصّنوبرىّ من أبيات- وذكر الجرذان «1» -:
ذاد همّى بهنّ «2» أورق «3» تركىّ «4» ... السّبالين أنمر «5» الجلباب
ليث غاب خلقا وخلقا فمن عا ... ينه قال: إنّه ليث غاب
قنفذ فى ازبراره «6» وهو ذئب ... فى اغترار «7» وحيّة فى انسياب
ناصب طرفه إزاء الزّوايا ... وإزاء السّقوف والأبواب
ينتضى الظّفر حين يظفر فى الحر ... ب وإلا فظفره فى قراب
يسحب الصّيد فى أقلّ من اللّم ... ح ولو كان صيده فى السحاب
ومنها «8» :
قرّطوه «9» وقلّدوه وعالو «10» ... هـ أخيرا وأوّلا بالخضاب
(9/292)

فهو طورا يبدو بنحر عروس ... وهو طورا يمشى على عنّاب
حبّذا ذاك صاحبا فهو فى الصحة ... أو فى من سائر الأحباب
وقال أبو بكر بن العلّاف يرثى هرّا-، وقد قيل: إنما رثى بها ابنه، لأنّه تعرّض إلى حريم بعض الأكابر فاغتالوه وقتلوه؛ وقيل: بل رثى بها عبد الله بن المعتزّ، وورّى بهرّ خوفا من المقتدر «1» بالله، فقال:
يا هرّ فارقتنا ولم تعد ... وكنت منّا بمنزل الولد
وكيف ننفكّ عن هواك وقد ... كنت لنا عدّة من العدد
تمنع عنّا الأذى وتحرسنا ... بالغيب من خنفس «2» ومن جرد «3»
وتخرج الفأر من مكامنها ... ما بين مفتوحها إلى السّدد «4»
يلقاك فى البيت منهم عدد «5» ... وأنت تلقاهم بلا عدد «6»
وكان يجرى- ولا سداد لهم- ... أمرك فى بيتنا على سدد
حتى اعتقدت الأذى لجيرتنا ... ولم تكن للأذى بمعتقد
وحمت حول الرّدى بظلمهم ... ومن يحم حول حوضه يرد
وكان قلبى عليك مرتعدا ... وأنت تنساب غير مرتعد
(9/293)

تدخل برج الحمام متّئدا ... وتخرج الفرخ غير متّئمد
وتطرح الرّيش فى الطريق لهم ... وتبلع اللّحم بلع مزدرد
أطعمك الغىّ لحمها فرأى ... قتلك أربابها من الرّشد
كادوك دهرا فما وقعت وكم ... أفلتّ من كيدهم ولم تكد «1»
حتّى إذا خاتلوك واجتهدوا ... وساعد النفس «2» كيد مجتهد
صادوك غيظا عليك وانتقموا ... منك وزادوا ومن يصد يصد
ثمّ شفوا بالحديد أنفسهم ... منك ولم يربعوا «3» على أحد
لم يرحموا صوتك الضعيف كما ... لم ترث منها لصوتها الغرد
فحين كاشفت «4» وانتهكت وجا ... هرت وأسرفت غير مقتصد
أذاقك الموت من أذاق «5» كما ... أذقت أطياره يدا بيد
كأنّهم يقتلون طاغية ... كان لطاغوته «6» من العبد «7»
(9/294)

فلو أكبّوا على القرامط «1» أو ... مالوا على زكرويه «2» لم يزد
يا من لذيذ الفراخ أوقعه ... ويحك هلّا قنعت بالقدد «3»
ما كان أغناك عن تسوّرك ال ... برج ولو كان جنّة الخلد
لا بارك الله فى الطعام إذا ... كان هلاك النّفوس فى المعد
كم أكلة داخلت حشاشره ... فأخرجت روحه من الجسد
أردت أن تأكل الفراخ ولا ... يأكلك الدهر أكل مضطهد
هذا بعيد من القياس وما ... أعزّه «4» فى الدّنوّ والبعد
(9/295)

ولم تكن لى بمن دهاك يد ... تقوى على دفعه يد الأبد «1»
ولا تبيّن حشو جلدك عن «2» ... د الذّبح من طاقة ومن جلد
كأنّ حبلا حوى- بحوزته «3» - ... جيدك للذّبح «4» كان من مسد
كأنّ عينى تراك مضطربا ... فيه وفى فيك رغوة الزّبد
وقد طلبت الخلاص منه فلم ... تقدر على حيلة ولم تجد
فجدت بالنفس والبخيل بها ... كنت ومن لم يجد بها يجد «5»
عشت حريصا يقوده طمع ... ومتّ ذا قاتل بلا قود
فما سمعنا بمثل موتك إذ ... متّ ولا مثل عيشك النّكد
عشنا بخير وكنت تكلؤنا ... ومات جيراننا من الحسد
ثمّ تقلّبت فى فراخهم ... وانقلب «6» الحاسدون بالكمد
قد انفردنا بمأتم ولهم ... بعدك بالعرس أىّ منفرد
قد كنت فى نعمة وفى سعة ... من المليك المهيمن الصّمد
(9/296)

تأكل من فأر بيتنا رغدا ... وأين بالشاكرين «1» للرغد
قد كنت بدّدت شملهم زمنا ... فاجتمعوا بعد ذلك البدد
وفتّنوا الخبز فى السّلال «2» فكم ... تفتّتت للعيال من كبد
فلم يبقّوا لنا على سبد ... فى جوف أبياتنا «3» ولا لبد
وفرّغوا قعرها وما تركوا ... ما علّقته يد على وتد
ومزّقوا من ثيابنا جددا ... فكلّنا فى مصائب جدد
فاذهب من البيت خير مفتقد ... واذهب من البرج شرّ مفتقد
ألم تخف وثبة الزمان وقد ... وثبت فى البرج وثبة الأسد؟
أخنى على الدار فيه بالأمس «4» ... ومن قبلها على لبد «5»
(9/297)

ولم يدع فى عراصها أحدا ... ما بين عليائها إلى السّند «1»
عاقبة البغى لا تنام وإن ... تأخّرت مدّة من المدد
من لم يمت يومه يمت غده ... أو لا يمت فى غد فبعد غد
والحمد لله لا شريك له ... فكلّ شىء يرى إلى أمد
وفيه «2» أيضا:
يا هرّ بعت الحقّ بالباطل ... وصرت لا تصغى إلى عاذل
إذا أتيت البرج من خارج ... طارت قلوب الطّير من داخل
علما بما تصنع فى برجها ... فهى على خوف من الفاعل
قد كنت لا تغفل عن أكلها ... ولم يكن ربّك بالغافل
فانظر إلى ما صنعت بعد ذا ... عقوبة المأكول بالآكل
ما زلت يا مسكين مستقتلا ... حتّى لقد منّيت «3» للقاتل
قد كنت للرحمة مستأهلا ... إذ لم أكن منك بمستاهل
وقال أيضا:
يا ربّ بيت ربّه ... فيه تضايق مستقرّه
لمّا تكاثر فأره ... وجفاه بعد الوصل هرّه
(9/298)

وسعى إلى برج امرئ ... فيه الفراخ كما يسرّه
ظنّ المنافع أكلها ... فإذا منافعها تضرّه
ذكر ما قيل فى الخنزير
والخنزير مشترك بين السبعيّة والبهيميّة، فالذى فيه من السبعيّة الناب، وأكل الجيف؛ والذى فيه من البهيميّة الظّلف، وأكله العشب والعلف؛ والخنزير موصوف بالشّبق وكثرة السّفاد، حتى إنّ الأنثى يركبها الذّكر وهى ترجع «1» ، فربّما قطعت أميالا وهو على ظهرها، ويرى الرائى أثر ستّة أرجل ممّن لا يعرف ذلك، فيظنّ أنّ فى الدّوابّ ماله ستّة أرجل؛ والخنزيرة تضع عشرين خنّوصا «2» ، وتحمل من ماء «3» واحد، وتضع لمضىّ ستّة [أشهر «4» ] من حملها؛ وقال الجاحظ: إنّها تضع فى أربعة أشهر؛ والخنزير ينز وإذا تمّت له ثمانية أشهر، والخنزيرة إذا تمّت لها ستّة أشهر اشتهت السّفاد، ولكن لا تجىء أولادها كما يريدون «5» ؛ وأجود النزو أن يكون ذلك منه وهو ابن عشرة أشهر إلى ثلاث سنين؛ وإذا كانت الخنزيرة بكرا ولدت جراء ضعافا «6»
(9/299)

وكذلك البكر من كلّ شىء، وإذا بلغت الخنزيرة خمسة عشر سنة لا تلد بعدها، وهى أنسل الحيوان، والذّكر أقوى الفحول على السّفاد، وأطولها مكثا فيه؛ ويقال:
إنه ليس شىء من ذوات الأنياب ما للخنزير من القوّة فى نابه، وربّما طال ناباه «1» حتّى يلتقيا، فيموت عند ذلك جوعا، لأنّهما يمنعانه من الأكل، وهو متى عضّ كلبا سقط شعر الكلب، وإذا أراد محاربة الأسد جرّب نفسه قبل الإقدام عليه بأن يضرب شجرة بنابه، فإن قطعها حارب الأسد، وإلا هرب منه ولم يقاتله؛ وأخبرنى من رآه وقد جرّب نفسه فى شجرة وضربها بأنيابه، فتمكّنت أنيابه منها وثبتت فيها، فأراد الخلاص فعجز، فجاء الأسد إليه وهو على تلك الحالة فافترسه؛ قالوا: ويعترى ذكوره داء الحلاق «2» واللّواط، فربّما يرى الخنزير وقد ألجأه أكثر من عشرين خنزيرا إلى مضيق، ثم ينزو عليه الأمثل فالأمثل، إلى أن يبلغ آخرهم؛ والخنزير إذا قلعت إحدى عينيه هلك عاجلا؛ ويقول الأطبّاء: إنه متى فسد من عظام الإنسان عظم ووضع فى مكانه عظم من عظام الخنزير قبلته الطبيعة ونبت عليه اللّحم؛ وحكى أرسطو أنّ عمر الخنزير من خمسة عشر سنة إلى عشرين سنة؛ وقلّما ذكر الفضلاء والشعراء الخنزير فى رسائلهم وأشعارهم، وسأثبت فى هذا الموضع ما وقفت عليه فى هذا المعنى.
(9/300)

فمن ذلك ما كتب به عطاء بن يعقوب الغزنوىّ يعرّض فيها بقاض، قال منها:
وما مثل فلان فى استنابته «1» إلا كمثل رجل رأى فى المنام أنّه يضاجع خنزيرا، فبكر إلى المعبّر ليعبّر منامه تعبيرا؛ فقال المعبّر: يا برذعة الحمير، ما غرّك بالخنزير؟ ألين ملمسه، أم «2» حسن معطسه؛ أم شكاه الرّشيق، أم طرفه العشيق «3» ؛ أم لقاؤه البهج، أم قباعه «4» الغنج؛ أم شعره الرّجل، أم ثغره الرّتل «5» ؟.
وقال القاضى [محيى الدّين بن] عبد الظاهر فى الخنزير:
وخنزير له ناب تراه ... اذا عنّ افتراس غير نابى
كمثل الكلب لا بل منه أجرا «6» ... ويحقر أن يشبّه بالكلاب
فذاك لنخوة يعزى وهذا ... يقلّل نخوة الرجل المهاب
بنصّ للكتاب غدا حراما ... وحلّل أكله أهل الكتاب
(9/301)

القسم الثانى من الفنّ الثالث فى الوحوش والظّباء وما يتّصل بها من جنسها
، وفيه ثلاثة أبواب
الباب الأوّل من هذا القسم فيما قيل فى الفيل والكركدّن والزّرافة والمها والأيّل
ذكر ما قيل فى الفيل
يقال: إنّ الفيل مولّد بين الجاموس والخنزير، ولذلك يزعم بعض من بحث عن طبائع الحيوان أنّ الفيلة مائيّة الطباع بالجاموسيّة والخنزيريّة اللّتين فيها، وبعضها يسكن الماء، وبعضها لا يسكنه؛ ويقال: إنّ الفيلة صنفان: فيل، وزندبيل «1» ، وهما كالبخت والعراب، والبقر والجاموس، والخيل والبراذين، والفأر والجرذان، والنمل والذّرّ؛ وبعضهم يقول: إنّ الفيل الذّكر، والزّندبيل «2» الأنثى؛ وقال بعضهم:
إنّ الزّندبيل «3» هو عظيم الفيلة والمقدّم عليها فى الحرب، وفيه يقول بعض الشعراء:
ذاك الذى مشفره طويل ... وهو من الأفيال زندبيل «4»
وقال آخر:
وفيله كالطّود زندبيل «5»
وقال آخر:
من بين أفيال وزندبيل «6»
(9/302)

وخرطوم الفيل أنفه، وبه يوصل الطعام والشراب إلى فيه، وبه يقاتل وبه يصيح، وليس صوت الفيل على مقدار جثّته؛ ولسانه مقلوب، طرفه إلى داخل فيه، وأصله خارج، وهو على العكس من سائر الحيوانات؛ والهند تزعم أنّه لولا ذلك لتكلّم، وهم يعظّمون الفيلة ويشرّفونها على سائر الحيوانات؛ والفيل يتولّد فى أرض الهند والسّند والزّنج، وبجزيرة سرنديب «1» ؛ وهو أعظمها خلقا، وينتهى فى عظم الخلق الى أن يبلغ فى الارتفاع عشرة «2» أذرع؛ وفى ألوانها الأسود والأبيض والأبلق والأزرق؛ وهو اذا اغتلم أشبه الجمل «3» فى ترك الماء والعلف حتى ينضمّ «4» إبطاه، ويتورّم رأسه، وربّما استوحش لذلك بعد استئناسه، والفيل ينزو إذا مضى له من العمر خمس سنين، والأنثى تحمل سنتين، وإذا حملت لا يقربها الذّكر، ولا ينزو عليها إذا وضعت إلّا بعد ثلاث سنين، ولا ينزو إلّا على فيلة واحدة، وله عليها غيرة شديدة؛ وإذا أرادت الفيلة أن تضع دخلت النهر فتضع ولدها فى الماء، لأنّها تلد قائمة؛ والذكر يحرسها ويحرس ولدها من الحيّات، وذلك لعداوة بينهما؛ قالوا: وأنثيا الفيل داخل بدنه قريبا من كليتيه، ولذلك هو يسفد سريعا كالطير، لأنهما قريبتان من القلب فتنضحان المنىّ بسرعة؛ ويقال: إنّ الفيل يحقد كالجمل؛ والهند يجعلون نابى الفيل قرنيه، وفيها الأعقف والمستقيم؛ قال المسعودىّ فى مروج الذهب: وربّما بلغ
(9/303)

الناب الواحد منها خمسين ومائة منّ «1» ؛ ورأيت أنا من أنياب الفيلة ما طوله يزيد على أربعة «2» أذرع ونصف، وهو معقّف، شاهدت ذلك بمدينة قوص فى سنة سبع وتسعين وستّمائة، ورأيت فيها نابين أظنّهما أخوين بهذه الصفة، وهما معقّفان، وغلظهما مناسب لطولهما؛ والفيل يحمل بنابيه على الجدار الوثيق فيهدمه؛ ولم تزل ملوك غزنة «3» إلى سبكتكين ومن بعدهم من الملوك الغزنويّة تفتتح بالفيلة المدن، وتهدم بصدماتها الحصون، وأشهرهم بذلك يمين الدّولة محمود بن سبكتكين، على ما ستقف- إن شاء الله تعالى- عليه فى تاريخ الدّولة الغزنويّة؛ والفيل سريع الاستئناس بالناس؛ وفى طبعه أنّه إذا سمع صوت الخنزير ارتاع ونفر واعتراه الفزع؛ وقال المسعودىّ: إنّه لا يثبت للهرّ، وإذا رآه فرّ منه؛ وقال: إنّ رجلا كان بالمولتان «4» من أرض الهند «5» يدعى هارون بن موسى مولى الأزد «6» ، وكان شاعرا شجاعا ذا رياسة فى قومه ومتعة بأرض السّند مما يلى بلاد المولتان «7» [وكان «8» ] فى حصن له هناك، فالتقى مع بعض ملوك الهند، وقد قدّمت الهند أمامها الفيلة، فبرز هارون أمام الصفّ
(9/304)

وقصد عظيم الفيلة، وقد خبأ سنّورا تحت ثيابه؛ فلمّا دنا فى حملته من الفيل أبرز الهرّ له، فانهزم الفيل وولّى عند مشاهدته للهرّ، فانهزم الجيش وقتل الملك الهندىّ، ولهارون بن موسى قصيدة فى ذلك نذكرها- إن شاء الله تعالى- عند ذكر وصف الفيل؛ والفيل إذا ورد الماء الصافى كدّره قبل أن يشربه كعادة الخيل، وهو قليل الاحتمال للبرد، واذا عام فى الماء استتر كلّه إلّا خرطومه؛ ويقال: إنّه يصاد باللهو والطرب والزّينة وروائح الطّيب؛ والزّنوج تصيده بحيلة غير ذلك، وهى أنّهم يعمدون إلى نوع من الأشجار، فيأخذون ورقه ولحاءه ويجعلونه فى الماء الذى تشربه الفيلة، فاذا وردته وشربت منه سكرت، فتسقط إلى الأرض، ولا تستطيع القيام، فتقتلها الزّنوج بالحراب، ويأخذون أنيابها ويحملونها إلى بلاد عمان، وتنقل منها إلى البلاد؛ وأمّا أهل النّوبة فإنّهم اذا أرادوا صيدها للبقاء عمدوا إلى طرقها التى ترد الماء منها، فيحفرون هناك أخاديد ويسقّفونها بالخشب الضعيف، ويسترونها بالنبات والتراب، فاذا مرّ الفيل عليها انكسرت به تلك الأخشاب الضعيفة، فيسقط فى الأخدود، فعند ذلك يتبادر اليه جماعة من الرجال بأيديهم العصىّ الرّقاق، فيضربونه الضرب الوجيع، فاذا بلغ به الألم خرج اليهم رجل منهم مغاير للباسهم، فيضربهم، ويصرفهم عنه، فينصرفون، ويقف هو بالقرب من الفيل ساعة، ثمّ ينصرف، فإذا أبعد وغاب عن الفيل رجع أولئك القوم وعاودوا ضربه حتى يؤلموه، فيعود ذلك الرجل فيريه أنّه ضربهم، فيتفرّقوا عنه، يفعلون ذلك به أياما والرجل يؤانس الفيل، ويأتيه بالمأكل والماء حتّى يألفه ويقرب منه، فيقال: إنّه ينام بالقرب منه، ويخرج أولئك، فإذا رآهم الفيل قد أقبلوا أيقظه بخرطومه برفق، وأشار اليه أن يردّهم عنه، فيفعل على عادته، فاذا علم أنّ الفيل
(9/305)

استأنس وزال استيحاشه وألف ذلك الرجل، حفروا أمامه بتدريج وتوطئة، فيطلع وقد سلس قياده، وزال عناده، ثمّ يحملونه فى المركب إلى الديار المصريّة فى جملة التّقادم «1» الموظّفة عليهم؛ وبأرض الهند فيلة غير وحشيّة تستأنس إلى الناس، وتتناتج بينهم، ويقاتلون عليها فى حروبهم، فيجتمع للملك الواحد من ملوك الهند منها عدّة كثيرة، وأكثرها يأوى المروج والغياض كالبقر والجاموس فى بلادنا؛ قال المسعودىّ: وهى تهرب من المكان الذى فيه الكركدّن، فلا ترعى فى موضع تشمّ فيه رائحته؛ وللفيلة بأرض الهند آفة عظيمة من الحيوان، وهو الذى يعرف بالزبرق «2» أصغر من الفهد، أحمر اللّون برّاق العينين، سريع الوثبة، يبلغ فى وثبته الى خمسين ذراعا وأكثر، فإذا أشرف على الفيلة رشّ عليها ببوله، فيحرقها، وربّما لحق الإنسان فمات؛ وهذا الوحش إذا أشرف على أحد من أهل الهند التجأ إلى أكبر شجر السّاج، وارتقى الى أعلاها، فيأتى هذا الوحش اليها ويثب، فإن أدركه رشّ عليه ببوله، فأحرقه وإن عجز عنه وضع رأسه بالأرض وصاح صياحا عجيبا، فتخرج من فمه قطع من الدّم، ويموت من ساعته، ويحترق من الشجرة ما يقع بوله عليه؛ قالوا: وللهند طيب يجمعونه من جباه الفيلة ورءوسها، فإنّها إذا اغتلمت عرفت «3» هذه الأماكن
(9/306)

منها عرفا كالمسك، فهم يستعملونه لظهور الشّبق فى الرجال والنساء، وهو يقوّى النّفس، ويشجّع القلب؛ قالوا: والفيل يشبّ إلى تمام ستّين سنة، ويعمّر مائتى سنة؛ [وأكثر «1» ؛ وحكى أرسطو أنّ فيلا ظهر عمره أربعمائة سنة؛ وحكى بعض المؤرّخين أنّ فيلا سجد لأبرويز، ثمّ سجد للمعتضد، وبينهما الزمان الذى ذكره أرسطو] واعتبر ذلك بالوسم؛ ووقفت على حكاية تناسب ما نحن فيه، أحببت أن أثبتها فى هذا الباب، وهى: حكى الامام الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهانىّ فى كتابه الموسوم (بحلية الأولياء) ، قال: حدّثنا محمد بن الحسن، قال: حدّثنا عبد الوارث ابن بكير: أنّ أبا عبد الله القلانسىّ ركب البحر، فعصفت عليهم الرّيح فى مركبهم، فدعا أهل المركب وتضرّعوا، ونذروا النّذور، فقالوا: أى عبد الله؛ كلّنا قد عاهد الله ونذر نذرا إن أنجانا الله، فانذر أنت نذرا، وعاهده عهدا؛ فقلت: أنا مجرّد من الدنيا، ما لى وللنّذر؛ فألّحوا علىّ فيه؛ فقلت: لله علىّ إن خلّصنى ممّا أنا فيه لا آكل لحم الفيل؛ فقالوا: ما هذا النّذر؟ وهل يأكل لحم الفيل أحد؟ فقلت: كذا وقع فى سرّى، وأجراه الله على لسانى؛ فانكسرت السفينة، ووقعت فى جماعة من أهلها الى الساحل، فبقينا أيّاما لم نذق ذواقا، فبينا نحن قعود إذا نحن بولد فيل، فأخذوه فذبحوه وأكلوا من لحمه، وعرضوا علىّ أكله، فقلت: أنا نذرت وعاهدت الله أن لا آكل لحم الفيل، فاعتلّوا علىّ بأنّى مضطر، ولى فسخ العهد لاضطرارى، فأبيت عليهم، وثبتّ على العهد، فأكلوا وامتلأوا وناموا، فبينما هم نيام إذ جاءت الفيلة تطلب ولدها، وتتبع أثره، فلم تزل تشمّ الرائحة حتّى انتهت إلى عظام ولدها، فشمّتها، ثمّ جاءت وأنا أنظر اليها، فلم تزل تشمّ واحدا واحدا، فكلّما شمّت من
(9/307)

واحد رائحة اللّحم داسته برجلها أو بيدها فقتلته، حتّى قتلتهم كلّهم، ثمّ أقبلت الىّ، فلم تزل تشمّنى فلم تجد منّى رائحة اللحم، فأدارت مؤخّرها وأومأت إلىّ بخرطومها أن اركب؛ فلم أقف على ما أومأت به، فرفعت ذنبها ورجلها، فعلمت أنّها تريد منّى ركوبها، فركبتها واستويت عليها، وأومأت إلىّ أن استو، فاستويت على شىء وطىء، فسارت سيرا عنيفا إلى أن جاءت بى فى ليلتى الى موضع زرع وسواد، فأومأت الىّ أن انزل، وبركت برجلها حتّى نزلت عنها، فسارت سيرا أشدّ من سيرها بى، فلمّا أصبحت رأيت زرعا وسوادا «1» وناسا، فحملونى إلى ملكهم، وسألنى ترجمانه، فأخبرته بالقصّة وبما جرى على القوم، فقال لى: أتدرى كم المسير الذى سارت بك اللّيلة؟
فقلت: لا، فقال: مسيرة ثمانية أيّام سارت بك فى ليلة، فلبثت عندهم إلى أن حملت ورجعت؛ والله أعلم بالصواب.
ذكر شىء مما وصف به الفيل نظما
من ذلك ما قاله الأرّجانىّ من أبيات وصف فيها مجلس ممدوحه، فقال:
والفيل فى ذيل السّماط «2» له ... زجل «3» يهال له الفتى ذعرا
فى موقف الحجّاب يؤمر أو ... ينهى فيمضى النهى والأمرا
أذنان كالتّرسين تحتهما ... نابان كالرّمحين إن كرّا
يعلو له فيّاله ظهرا «4» ... فيظلّ مثل من اعتلى قصرا
(9/308)

وقال عبد الكريم النّهشلىّ يصفه:
وأضخم هندىّ النّجار تعدّه ... ملوك بنى ساسان إن نابها دهر
يجىء كطود جائل فوق أربع ... مضبّرة «1» لمّت كما لمّت الصّخر
له فخذان كالكثيبين لبّدا ... وصدر كما أوفى من الهضبة الصدر
ووجه به أنف كراووق «2» خمرة ... ينال به ما تدرك الأنمل العشر
وجبّان «3» لا يروى القليب صداهما ... ولو أنّه بالقاع منهرت «4» حفر «5»
وأذن كنصف البرد تسمعه النّدا ... خفيّا وطرف ينفض العيب مزورّ
ونابان شقّا لا يريد سواهما ... قناتين سمراوين طعنهما بتر
له لون ما بين الصباح وليله ... إذا نطق العصفور أو صوّت الصقر
وقال ابن طباطبا:
أعجب بفيل آنس وحشىّ ... بهيمة فى فطنة الإنسىّ
يفهم عن سائسه «6» الهندىّ ... غيب معانى رمزه الخفىّ
مثل السدى «7» الموثّق المبنىّ ... منزّه فى خلقه السّوىّ
(9/309)

عن لين مشى ركب المطىّ ... ذى ذنب مطوّل ثورىّ
فى مثل ردف الجمل البختىّ «1» ... منخفض الصوت طويل العىّ
يطوف كالمزدجر المنهىّ ... يرنو بطرف منه شادنىّ «2»
فى قبح وجه منه خنزيرىّ ... خرطومه كجعبة التّركىّ
حكى فما من سمك بحرىّ ... تبصره فى فيه ذا هوىّ
كالدّلو إذ تهوى إلى القرىّ «3» ... يصبّ فى مصهرج مطوىّ
ناباه فى هولهما المخشىّ ... كمثل قرنى ناطح طورىّ «4»
أذناه فى صبغهما الفضّىّ ... كطيلسانى ولدى ذمّىّ
ساسه عليه ذو رقىّ ... منتصب منه على كرسىّ
يطيعه فى أمره المأبىّ ... كطاعة القرقور «5» للنّوتىّ «6»
وقال آخر منشدا:
من يركب الفيل فهذا الفيل ... إنّ الذى يحمله «7» محمول
على تهاويل لها تهويل ... كالطّود إلّا أنّه يجول
(9/310)

وقال ابن الرومىّ:
يقلّب جثمانا عظيما موثّقا ... يهدّ بركنيه الجبال إذا زحم
ويسطو بخرطوم يطاوع أمره ... ومشتبهات «1» ما أصاب بها غنم «2»
ولست ترى بأسا يقوم لبأسه ... إذا أعمل النابين فى البأس أو صدم
وقال هارون بن موسى مولى الأزد يصفه ويذكر خوفه من الهرّ:
أليس عجيبا بأن خلقة «3» ... لها فطن الإنس فى جرم فيل
وأظرف من مشيه زوله «4» ... بحلم يجلّ عن الخنشليل «5»
وأوقص «6» مختلف خلقه ... طويل النّيوب قصير النّصيل «7»
ويلقى العدوّ بناب عظيم ... وجوف رحيب وصوت ضئيل
وأشبه شىء إذا قسته ... بخنزير برّ وجاموس غيل
ينازعه كلّ ذى أربع ... فما فى الأنام له من عديل
(9/311)

ويعصف «1» بالببر بعد النّمور «2» ... كما تعصف «3» الريح بالعندبيل «4»
وشخص ترى يده أنفه ... فإن وصفوه «5» فسيف صقيل
وأقبل كالطّود هادى الخميس ... بهول شديد أمام الرّعيل
ومرّ يسيل «6» كسيل الأتىّ ... بوطء خفيف وجسم ثقيل
فإن شمته زاد فى هوله ... بشاعة أذنين فى رأس غول
وقد كنت أعددت هرّا له «7» ... قليل التّهيّب «8» للزّندبيل «9»
فلمّا أحسّ به فى العجاج ... أتانا الإله بفتح جليل
فسبحان خالقه وحده ... إله الأنام وربّ الفيول
وقال أبو الحسن الجوهرىّ يصف الفيل من قصيدته التى أوّلها:
قل للوزير «10» وقد تبدّى ... يستعرض الكرم المعدّا
(9/312)

أفنيت أسباب العلا ... حتّى أبت أن تستجدّا
لو مسّ راحتك السحا ... ب لأمطرت كرما ومجدا
لم ترض بالخيل التى ... شدّت إلى العلياء شدّا
وصرائم الرأى التى ... كانت على الأعداء جندا
حتّى دعوت إلى العدى «1» ... ما لا يلام إذا تعدّى
متقمّصا تيه العلو ... ج وفطنة أعيت معدّا
متعسّفا طرق العوا «2» ... لى حين لا يستاق «3» قصدا
فيلا كرضوى «4» حين يل ... بس من رقاق الغيم بردا
مثل الغمامة ملّئت ... أكنافها برقا ورعدا
رأس «5» كقلّة شاهق ... كسيت من الخيلاء جلدا
فتراه من فرط الدّلا ... ل مصعّرا فى الناس خدّا
يزهى «6» بخرطوم كمث ... ل الصّولجان يردّ ردّا
متمدّد كالأفعوا ... ن تمدّه الرّمضاء مدّا
أو كمّ راقصة تشي ... ر به إلى النّدمان «7» وجدا
(9/313)

أو كالمصلّب شدّ جن ... باه إلى جذعين شدّا
وكأنّه بوق يحرّ ... كه لينفخ فيه جدّا
يسطو بساريتى لجي ... ن يحطمان الصّخر هدّا
أذناه مروحتان أس ... ندتا الى الفودين عقدا
عيناه غائرتان ضيّ ... قتا لجمع الضوء عمدا
فكّ كفوّهة الخلي ... ج يلوك طول الدهر حقدا
تلقاه من بعد فتح ... سبه غماما قد تبدّى
متنا «1» كبنيان الخور «2» ... نق ما يلاقى الدّهر كدّا
ردفا كدكّة عنبر ... متمايل الأوراك نهدا
ذنبا كمثل السوط يض ... رب حوله ساقا وزندا
يخطو على أمثال أع ... مدة الخباء إذا تصدّى
أو مثل أميال «3» نضد ... ن من الصخور الصّمّ نضدا
متورّد «4» حوض المنيّ ... ة حين لا يشتاق وردا
متملّق «5» فكأنّه ... متطلّب ما لن يودّا «6»
(9/314)

متلفّع بالكبريا ... ء كأنّه ملك مفدّى
أدنى إلى الشىء البعي ... د يراد من وهم وأهدى
أذكى من الإنسان حتّ ... ى لو رأى خلا لسدّا
لو أنّه ذو لهجة ... وفّى كتاب الله سردا
عقّته أرض الهند حت ... ى حلّ من زهو هرندا «1»
قل للوزير: عبدت حت ... ى قد أتاك الفيل عبدا
سبحان من جمع المحا ... سن عنده قربا وبعدا
ذكر ما قيل فى الكركدّن
والكركدّن من الحيوان الشديد القوّة، القليل العدد؛ وهو شبيه بالجاموس إلا أنه أغلظ «2» وأعتى وأنبل «3» منه، وله قرن غليظ غير طويل فى جبهته، وقرن آخر ألطف منه؛ وقد ذكره صاحب المنطق فى كتاب الحيوان وسمّاه الحمار الهندىّ؛ وقال الجاحظ فى كتاب الحيوان: وإنّما قلّ عدد هذا الجنس لأنّ الأنثى منه منها ما تكون نزورا «4» ، وأيّام حملها ليست أقلّ من أيّام حمل الفيلة؛ وهذا الحيوان يكون بأرض الهند وبلاد الحبشة؛ وتزعم الهند أنّه اذا كان ببلاد لم يرع شىء من الحيوان شيئا فى أكناف تلك البلاد هيبة له وخضوعا وهربا منه، وليس هو ببلاد الحبشة كذلك، بل يختلط به غيره من الحيوان؛ قال الجاحظ: وقد قالوا فى ولدها وهو
(9/315)

فى بطنها قولا لولا أنّه ظاهر على ألسنة الهند لكان اكثر الناس بل كثير من العلماء يدخلونه فى الخرافة، وذلك أنّهم يزعمون أنّ أيّام حملها اذا كادت أن تتمّ ونضجت «1» وسخنت وجاء وقت الولادة فربّما أخرج الولد رأسه من ظبيتها «2» فأكل من أطراف الشجر، فاذا شبع أدخل رأسه، حتى اذا تمّت أيّامه، وضاق به مكانه، وأنكرته الرحم، وضعته مطيقا قويّا على الكسب والحضر، لا يعرض له شىء من السباع؛ وهذا القول أيضا ذكره المسعودىّ؛ قال: واذا اغتلم الفيل فى بلاد الهند لا يقوم له شىء من الوحوش إلّا الكركدن، فإنه يقتحم عليه، فيحجم عنه ويذهب عنه سكر الاغتلام؛ وقيل: إنّه يطعن الفيل بقرنه فيموتا جميعا، فمنهم من يقول:
إنّه يثقل عليه فلا يستطيع أن يخرج قرنه من جوفه، فيكون ذلك سبب حتفهما؛ ومنهم من يقول: إنّ قرنه من السّموم التى تقتل الفيل، ودم الفيل من السّموم التى إذا وقعت على قرن الكركدّن مات؛ وحكى لى من يرجع إلى قوله، ويعتمد على نقله من الحبوش «3» أنّ الكركدّن ببلاد الحبشة إذا رأى الرجل قصده ليقتله، فيعمد الرجل إلى شجرة فيتعلّق بها، فيحاوله الكركدّن، فربّما كسر تلك الشجرة وأهلكه، فان بال الرجل على أذن الكركدّن هرب وأسرع الحضر فلا يقف ولا يعود اليه، فيسلم منه؛ والله أعلم بالصواب.
(9/316)

ذكر ما قيل فى الزّرافة
والزّرافة فى كلام العرب: الجماعة، وإنّما سمّيت الزّرافة زرافة لاجتماع صفات عدّة من الحيوان فيها، وهى عنق الجمل، وجلد النّمر، وقرن الظّبى، وأسنان البقر، ورأس الإيّل «1» ؛ وزعم بعض من تكلّم فى طبائع الحيوان أنّها متولّدة من حيوانات، ويقال: إنّ السبب فى ذلك اجتماع الوحوش والدوابّ فى القيظ فى شرائع «2» المياه، فتسافد، فيلقح منها ما يلقح، ويمتنع ما يمتنع، فربّما سفد الأنثى من الحيوان ذكور كثيرة، فتختلط مياهها، فيجىء فيها خلق مختلف الصّور والألوان والأشكال؛ والفرس تسمّى الزّرافة (اشتركا و پلنك) وتفسير (اشتر) : بعير؛ وتفسير (كاو «3» ) : بقرة؛ وتفسير (پلنك) : الضبع «4» ؛ وهذا موافق لما ذهبت إليه العرب من كونها مركّبة الخلق من حيوانات شتّى؛ والجاحظ ينكر هذا القول، ويقول: هو جهل شديد، لا يصدر عمّن لديه تحصيل، لأنّ الله عزّ وجلّ يخلق ما يشاء على ما يشاء، وهو نوع من الحيوان قائم بنفسه كقيام الخيل والحمر، وما يحقّق ذلك أنه يلد مثله؛ وهذا غير منكور، فإنّا نحن رأينا زرافة بالقاهرة ولدت زرافة أخرى شبهها، وعاشت إلى
(9/317)

الآن؛ وصفة الزّرافة أنّها طويلة اليدين والعنق جدّا، منها ما يزيد طوله على عشرة «1» أذرع، قصيرة الرجلين جدّا، وليس لرجليها ركب «2» ، وإنّما الرّكب «3» ليديها كسائر البهائم؛ وهى تجترّ وتبعر، وفى طبع هذا الحيوان التودّد للناس والتآلف بهم.
وقد وصفها الشعراء وشبّهوها فى أشعارهم، فمن ذلك ما قاله عبد الجبّار بن حمديس الصّقلّىّ:
ونوبيّة فى الخلق فيها خلائق ... متى ما ترقّ العين فيها تسفّل
اذا ما اسمها ألقاه فى السمع ذاكر «4» ... رأى الطّرف منها ما «5» عناه بمقول
لها فخذا قرم «6» وأظلاف قرهب «7» ... وناظرتا رئم وهامة أيّل «8»
كأنّ الخطوط البيض والصفر أشبهت ... على جسمها ترصيع عاج بصندل
ودائمة الإقعاء فى أصل خلقها ... اذا قابلت أدبارها عين مقبل
تلفّت أحيانا بعين كحيلة ... وجيد على طول اللّواء المظلّل
(9/318)

وتنفض رأسا فى الزّمام كأنّما ... تريك [ «1» له فى الجوّ نفضة أجدل «2»
اذا طلع النّطح «3» استجادت نطاحه ... برأس] له هاد «4» على السّحب معتلى
وعرف «5» رقيق الشعر تحسب نبته ... اذا الريح هزّته ذوائب سنبل
وتحسبها من مشيها إن تبخترت ... تزفّ الى بعل عروسا وتنجلى
فكم منشد قول امرئ القيس عندها ... (أفاطم مهلا بعض هذا التدلّل)
وقال عمارة اليمنىّ- وقد وصف تصاوير دار منها زرافة-:
وبها زرافات كأنّ رقابها ... فى الطول ألوية تؤمّ العسكرا
نوبيّة المنشا تريك من المها ... روقا ومن بزل المهارى مشفرا
جبلت على الإقعاء من إعجابها ... فتخالها للتيّه تمشى القهقرى
وقال أبو علىّ بن رشيق منشدا:
ومجنونة أبدا لم تكن ... مذلّلة الظهر للراكب
قد اتصل الجيد من ظهرها ... بمثل السّنام بلا غارب
ملمّعة مثلما لمّعت ... بحنّاء وشى يد الكاعب
(9/319)

كأنّ الجوارى كنّفنها «1» ... تخلّج «2» من كلّ ما جانب
وقال أيضا:
وأتتك «3» من كسب الملوك زرافة ... شتّى الصفات للونها «4» أثناء «5»
جمعت محاسن ما حكت فتناسبت ... فى خلقها وتنافت الأعضاء
تحتثّها «6» بين الخوافق مشية ... باد عليها الكبر والخيلاء
وتمدّ جيدا فى الهواء يزينها ... فكأنّه تحت اللّواء لواء
حطّت مآخرها وأشرف صدرها ... حتّى كأنّ وقوفها إقعاء
وكأن فهر الطّيب «7» ما رجمت به ... وجه الثّرى لو لمّت «8» الأجزاء
وتخيّرت دون الملابس حلّة ... عيّت بصنعة مثلها صنعاء
(9/320)

لونا كلون الذّبل «1» إلّا أنّه ... حلّى وجزّع بعضه الجلّاء
أو كالسحاب المكفهرّة خطّطت «2» ... فيها البروق وميضها إيماء
أو مثلما صدئت صفائح جوشن «3» ... وجرى على حافاتهنّ جلاء
نعم التجافيف «4» التى قد درّعت «5» ... من جلدها لو كان فيه وقاء
وقال محمد بن شرف القيروانىّ:
غريبة أشكال غريبة دار ... لها لون خطّى فضّة ونضار
فلون لها لون البياض وصفرة ... كما مزجت بالماء كأس عقار
وآخر ما بين اسوداد وحمرة ... كما احمرّ مسودّ الدخان بنار
أعيرت شخوصا وهى فى شخص واحد ... تحيّر فى نشز لها وقفار
تقوم على ما بين ظلف وحافر ... له جسم جلمود وصبغة قار
وأربعة تحكى سبائك عسجد ... تطير بها فى الأرض كلّ مطار
لها عنق قد خالط الجوّ تحته ... طوال لها تخطو أمام قصار
وذات قرى وعر الركوب وإنّما ... أجلّت بذا «6» عن ذلّة وصغار
لها عجبة «7» التّيّاه عجبا بنفسها ... ولكنّ ذاك العجب تحت وقار
(9/321)

ذكر ما قيل فى البقر الوحشية- وهى المها- والأيّل»
ولنبدأ بذكر ترتيب سنّها، ثم نذكر ما قيل فيها؛ أمّا سنّها- فقد قالت العرب: ولد البقرة الوحشيّة ما دام يرضع فهو فزّ وفرقد وفرير؛ فإذا ارتفع عن ذلك فهو يعفور وجؤذر، وبحزج «2» ؛ فإذا شبّ فهو مهاة فإذا أسنّ فهو قرهب؛ هذا ما قيل فى سنّها.
وأمّا ما قيل فى المها
- فذكر من بحث عن طبائع الحيوان أنّ من طباعها الشبق والشهوة؛ وأنّ الأنثى إذا حملت هربت من الذّكر خوفا من عبثه بها فى الحمل؛ والذكر لفرط شهوته يركب الذكر؛ واذا ركب واحد منها شمّ الباقى روائح الماء منه، فيثبن «3» عليه، ولا يمنع ما يثب عليه بعد ذلك؛ ولم أقف من أحواله على غير هذا الذى أوردته، فلنذكر ما وصف به.
فمن ذلك ما قاله كاتب أندلسىّ من رسالة طرديّة، جاء منها: وعنّ لنا سرب نعاج يمشين رهوا «4» كمشى العذارى، ويتثنّين زهوا تثنّى السّكارى؛ كأنّما تجلّل «5» بالكافور جلودها، وتضمّخ بالمسك قوائمها وخدودها «6» ؛ وكأنّما لبسن الدّمقس سربالا، واتّخذن السّندس سروالا.
(9/322)

من كلّ مهضمة الحشا وحشيّة ... تحمى مداريها «1» دماء جلودها
وكأنّما أقلام حبر كتّبت ... بمداد عينيها طروس خدودها
فأرسلنا أولى الخيل على أخراها «2» ، وخلّيناها وإيّاها «3» ؛ فمضت مضىّ السّهام، وهوت هوىّ السّمام «4» ؛ فجالت فى أسرابها يمينا وشمالا؛ فكأنّما أهدت لآجالها «5» آجالا؛ فمن متّق بروقه «6» ، وكاب أتاه حتفه من فوقه.
وقال الأخطل يصف ثورا:
فما به «7» غير موشىّ أكارعه ... إذا أحسّ بشخص ماثل «8» مثلا «9»
كأنّ عطّارة باتت تطيف به ... حتّى تسربل ماء الورس وانتعلا
كأنّه ساجد من نضح ديمته ... مقدّس «10» قام تحت اللّيل فابتهلا
ينفى التراب بروقيه وكلكله ... كما استماز رئيس المقنب «11» النّفلا «12»
(9/323)

وقال عدىّ بن الرّقاع يصف ثورين يعدوان:
يتعاوران من الغبار ملاءة ... بيضاء محكمة هما نسجاها
تطوى إذا وردا مكانا جاسيا «1» ... وإذا السنابك أسهلت نشراها
وقال الطّرمّاح يصف عدوه بسرعة:
يبدو وتضمره البلاد كأنّه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد
وأما ما قيل فى الأيّل
«2» - فهو من أصناف البقر الوحشيّة، وهذا الحيوان يسمن كثيرا، واذا سمن اختفى خوفا أن يصاد لسمنه؛ وهو مولع بأكل الحيّات، يطلبها فى كلّ موضع، فإن انجحرت أخذ الماء بفمه، ونفخه فى الحجر، فتخرج له ذنبها فيأكلها، حتّى اذا انتهى إلى رأسها تركه خوفا من السّم، وربّما لسعته فتسيل دموعه إلى نقرتين تحت محاجر عينيه تدخل فى كلّ واحدة منهما الإصبع، فتجمد تلك الدموع فتصير كالشّمع، تتّخذ درياقا لسمّ الحيّات، وهو البازهر «3» الحيوانىّ؛ قالوا: واذا لسعته الحيّات أكل السّراطين «4» فيبرأ ويبرئه أكل التفّاح أيضا وورق شجره؛ وهو لا تنبت له قرون إلّا بعد أن تمضى له سنتان من عمره، فاذا نبت قرناه نبتا مستقيمين كالوتدين، وفى الثالثة يتشعّبان، ولا يزال التشعّب فى زيادة الى تمام ستّ سنين، وحينئذ يكونان كالشجرتين على رأسه، ثم
(9/324)

بعد ذلك يلقى قرونه فى كلّ سنة، ثم تنبت، واذا نبتا عرّضهما للشمس حتى يصلبا، وهما اذا كبرا على رأسه منعاه من الجرى؛ ولا يكاد يفلت اذا طلبته الخيل؛ وإذا ألقى قرونه علم أنّه ألقى سلاحه، فهو لا يظهر؛ قال الجاحظ: قال صاحب المنطق «1» : إنّ أنثى الأيّل اذا وضعت ولدا أكلت مشيمتها فتظنّ أنّه شىء تتداوى به من علّة النّفاس؛ وزعم أرسطو أنّ هذا النوع يصاد بالصفير والغناء، وهو لا ينام ما دام يسمع ذلك، ومن أراد صيده من الصيّادين شغله «2» بعضهم بالتّطريب، ويأتيه البعض من خلفه، فاذا رأوه مسترخية أذناه وثبوا عليه؛ واذا اشتدّ عليه العطش من أكل الحيّات أتى غدير الماء واشتمّه، ثم انصرف عنه، يفعل ذلك أربعة أيّام، ثم يشرب فى اليوم الخامس، وإنّما يمتنع من شرب الماء خوفا على نفسه من سريان السّم فى جسده مع الماء؛ والله أعلم.
قال بعض الشعراء:
هجرتك لا قلى منّى ولكن ... رأيت بقاء ودّك فى الصّدود
كهجر الظامئات الماء لمّا ... تيقّنّ المنايا فى الورود
تذوب نفوسها ظمأ وتخشى ... هلاكا فهى تنظر من بعيد
وقال آخر فى مثل ذلك:
وما ظامئات طال فى القيظ ظمئها «3» ... فجاءت وفى الأحشاء غلى المراجل
فلمّا رأين الماء عذبا وقد أتت ... إليه رأين الموت دون المناهل
(9/325)

فولّت ولم تشفى «1» صداها وقد طوت ... حشاها على وخز الأفاعى القواتل
بأعظم من شوقى إليك وحسرتى ... عليك ولم ألتذّ منك بطائل
الباب الثانى من القسم الثانى من الفن الثالث فيما قيل فى الحمر الوحشيّة والوعل واللّمط «2»
ذكر ما قيل فى الحمر الوحشيّة
والحمار الوحشىّ يسمّى العير والفرأ؛ وبه «3» ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل «4» ، فقال: «كلّ الصّيد فى جوف الفرإ» ؛ ويقال: إنّه ينزو إذا بلغ ثلاثين شهرا من عمره؛ وهو يوصف بشدّة الغيرة؛ ويقال: إنّ الأنثى إذا ولدت
(9/326)

جحشا كدم «1» الذكر قضيبه، فالإناث تعمل الحيلة فى إبقائه، قتهرب به من أبيه، وتكسر رجله ليستقرّ بذلك المكان، وهى تتعهده وترضعه، فاذا انجبرت رجله وقويت وصحّت، وأمكنه المشى عليها، يكون قد حصل فيه من القوّة والجرى ما يدفع به عن نفسه، ويهرب إذا أبوه أو من هو أقوى منه أراد خصاءه؛ ويقال: إنّ الحمار الوحشىّ يعمّر مائتى سنة وأكثر من ذلك، وكلّما بلغ مائة سنة صارت له مبولة «2» ثانية؛ قالوا: وشوهد منها ماله ثلاث مباول وأربع؛ ومعادنه بلاد النّوبة وزغاوة، ويوجد منه ما تكون شيته معمّدة ببياض وسواد فى الطول من أعضائه المستطيلة، ومستديرة فيما استدار منها بأصحّ قسمة؛ ومنها صنف يسمّى الأخدرىّ وهو أطولها أعمارا.
وقد وصفها أبو الفرج الببغاء من رسالة ذكر فيها أتانا معمّدة ببياض وسواد كانت قد أهديت لعزّ الدولة بختيار بن بويه من جهة صاحب اليمن، قال: وأما الأتان، الناطقة فى كمال الصنعة بأفصح لسان؛ فإنّ الزمان لاطف مولانا- أيّده الله- منها بأنفس مذخور، وأحسن منظور؛ وأعجب مرئىّ، وأغرب موشىّ؛ وأفخر مركوب، وأشرف مجنوب؛ وأعزّ موجود، وأبهى مخدود «3» ؛ كأنّما وسمها الكمال بنهايته، أو لحظها الفلك بعنايته؛ فصاغها من ليله ونهاره، وحلّاها بنجومه وأقماره، ونقشها ببدائع آثاره؛ ورمقها بنواظر سعوده، وجعلها أحد «4» جدوده؛ ذات إهاب
(9/327)

مسيّر «1» ، وقرب «2» محبّر، وذنب مشجّر، وشوى «3» مسوّر «4» ؛ ووجه مزجّج «5» ، ورأس متوّج؛ تكنفه أذنان، كأنهما زجّان «6» ؛ سبجيّة «7» الأنصاف، بلّوريّة الأطراف، جامعة شيتها بالترتيب، بين زمنى الشبيبة والمشيب؛ فهى قيد الأبصار، وأمد الأفكار، ونهاية الاعتبار؛ غنىّ عن الحلى عطلها، مزرية بالزّهر حللها؛ واحدة جنسها، وعالم نفسها صنعة المنشئ الحكيم، وتقدير العزيز العليم.
وقال ابن المعتزّ:
شغلته «8» لواقح ملأته ... غيرة فهو خلفهنّ كمىّ
قابض جمعها إليه كما يج ... مع أيتامه إليه الوصىّ
كلّما شمّ لاقحا شمّ منها «9» ... رأس فحل برجلها مفلىّ «10»
(9/328)

خارج من ظلال نقع كما فرّ ... ق جلبابه الخليع الغوىّ
قد طواها التسويق «1» والشدّ حتّى ... هى قبّ «2» كأنّهنّ القسىّ
هربت من رءوسهنّ عيون ... غائرات كأنّهنّ الرّكىّ
ذكر ما قيل فى الوعل
الوعل، هو التيس الجبلىّ، والأنثى تسمّى أرويّة؛ وهى شاة الوحش؛ وفى طباع هذا الحيوان أنّه يأوى الأماكن الوعرة والخشنة من الجبال؛ ولا يزال مجتمعا، فإذا كان فى وقت الولادة تفرّق؛ وإذا اجتمع فى ضرع الأنثى لبن امتصّته؛ والذكر إذا ضعف عن النّزو أكل البلّوط فتقوى شهوته، ومتى فقد الأنثى انتزع منيّه بفيه بالامتصاص، وذلك لشدّة الشّبق؛ وهو إذا جرح عمد إلى الخضرة التى تكون على الحجارة، فيمضغها ويجعلها على الجرح فيبرأ؛ واذا أحسّ بقنّاص وهو فى مكانه المرتفع استلقى على ظهره، ثمّ يزجّ بنفسه فينحدر من أعلى الجبل إلى أسفله، وقرناه يقيانه ألم الحجارة، ويسرعان هبوطه لملاستهما فإنّهما [من رأسه «3» ] إلى عجزه؛ وفى طبع هذا الحيوان الحنوّ على ولده والبرّ بوالديه؛ أمّا حنوّه على ولده فإنّه إذا صيد منها شىء تبعته أمّه واختارت أن تكون معه فى الشّرك؛ وأمّا برّه بوالديه، فانّهما إذا عجزا عن الكسب لأنفسهما أتاهما بما يأكلانه، وواساهما من كسبه، فإن عجزا [عن الأكل «4» ] مضغ لهما وأطعمهما؛ ويقال: إنّ فى قرنيه ثقبين يتنفس منهما، فمتى سدّا جميعا هلك.
(9/329)

وقد وصفه الشعراء، فمن ذلك ما قاله الصاحب بن عبّاد:
وأعين «1» كالذّرّىّ «2» فى سفلاته ... سواد وأعلى ظاهر اللّون واضح
موقّف «3» أنصاف اليدين كأنّه ... إذا راح يجرى بالصريمة «4» رامح «5»
وقال أبو الطيّب المتنبّى:
وأوفت «6» الفدر «7» من الأوعال ... مرتديات بقسىّ الضّال «8»
نواخس الأطراف «9» للأكفال ... يكدن ينفذن من الآطال «10»
لها لحى سود بلا سبال ... يصلحن «11» للإضحاك لا الإجلال «12»
كلّ أثيث «13» نبته متفال «14» ... لم يغذ «15» بالمسك ولا الغوالى
يرضى من الأدهان بالأبوال
(9/330)

ذكر ما قيل فى اللّمط «1»
واللّمط «2» حيوان وحشىّ يكون ببلاد الغرب الجوّانىّ «3» ، فى قدر المهر اللّطيف، له قرون غير متشعّبة، ولا مفاصل لركبه، فهو لا يستطيع النوم إلّا مستندا الى شجرة أو جدار، فاذا أريد صيده عمد من يريد ذلك الى تلك الشجرة التى هى فى محلّ مظانّ نومه، فينشر أكثرها، ويترك منها يسيرا لا يحمله، فاذا استند اليها سقطت وسقط بسقوطها، فيؤخذ ويذبح وتتّخذ من جلده درق تباع بالأثمان الغالية، تردّ طعنة الرّمح ورشقة السّهم، ومهما أصابها من الحديد انطوى، فان تمكّن منها ونزع وبقى أثره التحم فى اليوم الثانى وخفى أثره؛ أخبرنى بذلك من أثق بقوله.
(9/331)

الباب الثالث من القسم الثانى من الفن الثالث فى الظّبى والأرنب والقرد والنّعام
ذكر ما قيل فى الظّبى
للظّباء أسماء نطقت بها العرب، واحدها ظبى، والأنثى ظبية، وولدها طلا وغزال؛ فاذا تحرّك ومشى فهو رشأ؛ فاذا نبت قرناه فهو شادن وخشف؛ فاذا قوى فهو شصر، والأنثى شصرة، ثم هو جذع، ثم ثنىّ، ولا يزال ثنيّا حتّى يموت.
والظّباء أنواع تختلف بحسب مواضعها؛ فصنف منها يسمّى الآرام، وهى الخالصة البياض، ومساكنها الرمل، وهى أشدّها حضرا؛ وصنف يسمّى العفر، وألوانها بيض تعلوها حمرة؛ وصنف يسمّى الأدم، وألوانها أيضا كذلك «1» ، ومساكنها الجبال؛ ومن طبع هذا الحيوان أنّه اذا فقد الماء استنشق النسيم فاعتاض به عنه؛ وهو إذا طلب لم يجهد نفسه فى الحضر لأوّل وهلة، ولكنّه يرفق بنفسه، فاذا رأى طالبه قد قرب منه زاد فى حضره حتّى يفوت الطالب؛ وهو يخضم «2» الحنظل حتّى يرى ماؤه يسيل من شدقيه؛ ويرد الماء الملح الأجاج فيغمس لحيته فيه كما تفعل الشّاة فى الماء العذب، يطلب النّوى «3» المنقع فيه؛ وهو لا يدخل كناسه إلّا مستدبرا، يستقبل بعينيه ما يخافه على نفسه؛ وله نومتان فى مكنسين: مكنس الضّحى،
(9/332)

ومكنس العشىّ؛ وهو يصاد بالنّار، فإنّه إذا رآها ذهل لها ودهش، سيّما «1» إذا أضيف الى إشعال النار تحريك الجرس، فإنّه ينخذل ولا يبقى به حراك ألبتّة؛ وبين الظّبى والحجل ألفة ومحبّة؛ وهو يوصف بحدّة النظر.
فصل ومما يلتحق «2» بهذا النوع غزال المسك،
ولونه أسود، وله نابان خفيفان أبيضان خارجان من فيه فى فكّه الأسفل، قائمان فى وجهه كنابى الخنزير، كلّ واحد منهما دون الفتر، على هيئة ناب الفيل؛ ويكون هذا الغزال ببلاد التّبّت «3» وبالهند؛ ويقال إنه يسافر من التّبّت «4» الى الهند بعد أن يرعى من حشيش التّبّت «5» - وهو غير طيّب- فيلقى ذلك المسك بالهند، فيكون رديئا لأنه يحصل عن ذلك المرعى، ثمّ يرعى حشيش الهند الطّيّب ويعقد منه مسكا، ويأتى بلاد التّبّت «6» فيلقيه فيها، فيكون أجود ممّا يلقيه فى بلاد الهند؛ وسنذكر إن شاء الله تعالى خبر المسك فى بابه فى آخر فنّ النبات فى القسم المذيّل به مستوفى، فلا فائدة فى تكراره؛ فلنذكر ما وصف به الغزال من الشعر.
(9/333)

قال ذو الرّمّة- وذكر محبوبته-:
ذكرتك أن مرّت بنا أمّ شادن ... أمام المطايا تشرئبّ وتسنح
من المؤلفات الرمل أدماء حرّة ... شعاع الضّحى فى متنها يتوضّح
هى الشّبه أعطافا وجيدا ومقلة ... وميّة «1» أبهى بعد منها وأملح
وقال آخر:
وحالية بالحسن والجيد عاطل ... ومكحولة العينين لم تكتحل قطّ
على رأسها من قرنها «2» الجعد وفرة ... وفى خدّها من صدغها شاهد «3» سبط «4»
وقد أدمجت بالشّحم حتّى كأنّما ... ملاءتها من فرط ما اندمجت قمط «5»
ذكر ما قيل فى الأرنب
قال أصحاب الكلام فى طبائع الحيوان: إنّ قضيب الأرنب كذكر الثعلب، أحد شطريه عظم، والآخر عصب؛ وربّما ركبت الأنثى الذكر حين السّفاد لما فيها من الشّبق، وتسفد وهى حبلى؛ وهى قليلة الإدرار على ولدها؛ ويزعمون أنّه يكون شهرين ذكرا، وشهرين أنثى؛ وحكى ابن الأثير فى تاريخه (الكامل) فى حوادث
(9/334)

سنة ثلاث وعشرين وستّمائة، قال: وفيها اصطاد صديق لنا أرنبا، فرآها لها أنثيان وذكر وفرج أنثى، فلما شقّوا بطنها رأوا فيه خريقين «1» . والأرنب تنام مفتوحة العينين، وسبب ذلك أنّ حجاجى «2» عينيها لا يلتقيان؛ ويقال: إنّ الأرنب اذا رأت البحر ماتت، ولذلك لا توجد بالسواحل؛ وتزعم العرب أنّ الجنّ تهرب منها اذا حاضت؛ ويقال: إنّها تحيض كالمرأة، وتأكل اللّحم وغيره، وتجتر وتبعر، وفى باطن أشداقها شعر، وكذلك تحت رجليها، وليس شىء قصير اليدين أسرع منها حضرا، ولقصرهما يخفّ عليهما الصعود؛ وهى تطأ الأرض على مؤخّر قوائمها تعمية لأثرها حتّى لا يعرفه الطالب لها، واذا قربت من المكان الذى تريد أن تجثم فيه وثبت إليه.
وفى الأرنب منافع طيّبة ذكرها الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا، قال: إنّ انفحة الأرنب حارّة يابسة ناريّة، تحلّل كلّ جامد من دم ولبن متجبّن وخلط غليظ، وتجمّد كلّ ذائب، وتمنع كلّ سيلان ونزف من النساء؛ قال: ولا شكّ أنّها مع ذلك مجفّفة، واذا شربت منعت من الصّرع، وكذلك سائر الأنافح، وهى رديئة للمعدة وإذا حملت «3» بعد الطّهر ثلاثة أيّام بالخلّ منعت الحبل ونفت الرطوبة السائلة من
(9/335)

الرّحم، وتنفع من اختناق الرّحم؛ قال: ودم الأرنب ينفى الكلف «1» ؛ ورماد رأسه جيّد لداء الثعلب؛ واذا أخذ بطن الأرنب كما هو بأحشائه وأحرق قليا على مقلى كان دواء منبتا للشعر اذا سحق واستعمل بدهن الورد؛ ودماغه مشويّا ينفع من الرّعشة الحادثة عقيب المرض؛ وإذا حلّ دماغ الأرنب بسمن أو زبد أو عسل أسرع إنبات الأسنان، وسهل بغير وجع؛ ودم الأرنب مقلوّا ينفع من السّحج «2» وورم الأمعاء والإسهال المزمن، وينفع من السّهام الأرمنيّة؛ هذا ما قاله الشيخ الرئيس فى الأرنب.
وقد وصف بعض كتّاب الأندلس عدّة من الأرانب، فقال: أفراد إخوان «3» كأنّهنّ أولاد غزلان؛ بين روّاغ ينعطف انعطاف البره «4» ، ووثّاب يجتمع اجتماع الكره؛ حاك القصب إزاره، وصاغ التبرطوقه وسواره؛ قد غلّل بالعنبر بطنه، وجلّل بالكافور متنه؛ كأنّما تضمّخ بعبير، وتلفّع فى حرير؛ ينام بعينى ساهر، ويفوت بجناحى طائر؛ قصير اليدين، طويل السّاقين؛ هاتان فى الصعود تنجدانه، وتانك عند الوثوب تؤيّدانه؛ والله أعلم.
ذكر ما قيل فى القرد
القرد عند المتكلّمين فى الطبائع مركّب من إنسان وبهيمة؛ وهو إذا سقط فى الماء غرق مثل الإنسان الذى لا يحسن السّباحة؛ وهو يأخذ نفسه بالزواج والغيرة على الأنثى؛ وهو يقمل، واذا قمل تفلّى، ويأكل ما ينتزعه من بدنه
(9/336)

من القمل؛ وهو كثير الشّبق، واذا اشتدّ به الشّبق استمنى بفيه؛ والأنثى تلد عدّة نحو العشرة وأكثر، كما تلد الخنزيرة؛ وهى تحمل بعض أولادها كما تحمل المرأة؛ ويقال: إن الطائفة من القرود اذا أرادت النوم ينام الواحد فى جنب الآخر حتى يكونوا سطرا واحدا، فاذا تمكّن النوم منها نهض أوّلها من الطّرف الأيمن، فيمشى وراء ظهورها حتى يقعد من وراء الأقصى من الطّرف الأيسر، فاذا قعد صاح؛ فينهض الذى يليه، ويفعل مثل فعله، فهذا دأبهم طول اللّيل؛ فهم يبيتون فى أرض ويصبحون فى أخرى؛ وفى القرد من قبول التأديب والتعليم [ما لا خفاء به عن أحد «1» ] حتى إنه درّب قرد ليزيد بن معاوية على ركوب الحمير والمسابقة عليها؛ وحكى المسعودىّ فى كتابه المترجم بمروج الذهب: أن القردة فى أماكن كثيرة من المعمور، منها (وادى نخلة) بين (الجند «2» ) وبلاد (زبيد) ، وهو بين جبلين، وفى كلّ جبل منهما طائفة من القرود يسوقها هزر «3» ، وهو القرد العظيم المقدّم فيها؛ قال: ولها مجالس يجتمع فيها خلق كثير منها؛ فيسمع لها حديث والاناث بمعزل عن الذكور، والرئيس متميّز عن المرءوس؛ وباليمن قرود كثيرة فى نواح متعدّدة؛ منها فى ذمار «4» من بلاد صنعاء فى برارىّ وجبال كأنّها السحب؛ وتكون القرود
(9/337)

أيضا بأرض النّوبة وأعلى بلاد الحبشة، وهذا الصّنف من القرود حسن الصورة، خفيف الروح، مدوّر الوجه، مستطيل الذّنب، سريع الفهم، ويسمّونه النّسناس؛ ومنها أيضا بخلجان الرّانج «1» فى «2» بحر الصين وبلاد المهراج «3» وفى ناحية الشّمال نحو أرض الصّقالبة ضرب من القرود منتصب القامات، مستدير الوجوه، والأغلب عليهم صور الناس وأشكالهم، ولهم شعور، وربّما صيد منها القرد فى النادر بالحيلة، فيكون فى نهاية الفهم والدّراية، إلّا أنّه لا لسان له يعبّر به عمّا فى نفسه، لكنّه يفهم كلّ ما يخاطب به بالإشارة؛ ومن النّواحى التى بها القرود جبل موسى، وهو الجبل المطلّ على مدينة سبتة «4» من بلاد المغرب، والقرود التى فيها قباح الصور جدّا، عظام الجثث، تشبه وجوهها وجوه الكلاب، لها خرطوم، وليس لها أذناب، وأخلاقها صعبة لا يكاد ينطبع فيها تعليم إلّا بعد جهد؛ وحكى لى بعض المغاربة أنهم اذا أرادوا صيد هذه القرود يتحيّلون عليها بأن يصنعوا لها زرابين بقدر أرجلها، ويلطّخوا نعالها
(9/338)

بالصابون، ويأتوا إلى مكان هذه القرود فيقعدوا حيث تراهم، ويلبسوا زرابينهم «1» ويمشوا بها، ويتركوا تلك الزّرابين «2» الصغار، فتأتى القرود وتلبس الزّرابين «3» ، فتخرج عليها الرجال، فتعدو القرود بتلك الزّرابين «4» ، فلا تثبت أرجلها على الأرض، وتزلق، فتدركها الرجال ويأخذوها. ولم أقف على شعر يتعلّق بوصف القرد فأثبته؛ والله أعلم.
ذكر ما قيل فى النّعام
والنعامة تسمّى بالفارسية: أشترمرغ «5» ، ومعنى أشتر: جمل، ومرغ «6» : طائر، فكأنّهم قالوا: جمل طائر؛ ومن أعاجيبها أنّها تضع بيضها عند الحضان، وتعطى كلّ بيضة منها نصيبها من الحضن، لأنّ بدنها لا يشمل جميع ما تحضنه، فانّها تحضن أربعين بيضة أو ثلاثين، وتخرج لطلب الطّعم، فتمرّ فى طريقها ببيض نعامة أخرى فتحضنه وتنسى بيضها؛ قال ابن هرمة:
وإنّى وتركى ندى الأكرمين ... وقدحى بكفّىّ زندا شحاحا «7»
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا «8»
ويقال: إنها تقسم بيضها أثلاثا، منه ما تحضنه، ومنه ما تجعل صفاره «9» غذاء، ومنه ما تفتحه وتتركه فى الهواء حتى يعفن، وتتولّد من عفونته دوابّ «10» ، فتغذى بها
(9/339)

فراخها اذا خرجت؛ وكلّ ذى رجلين اذا انكسرت إحداهما استعان فى نهوضه وحركته بالثانية إلّا النّعامة، فانّها تبقى فى مكانها جاثمة حتى تهلك جوعا؛ قال الشاعر:
إذا انكسرت رجل النّعامة لم تجد ... على أختها نهضا ولا بآستها حبوا «1»
والعرب تزعم أنّ الظّليم أصلم «2» ، وأنّه عوّض عن السّمع بالشّمّ، فهو يعرف بأنفه ما لا يحتاج معه الى سمع، والعرب تقول فى أمثالها: «أحمق من نعامة» ، قالوا: لأنّها إذا أدركها القانص أدخلت رأسها فى كثيب رمل وتقدّر فى نفسها أنّها قد استخفت منه؛ والنّعام قوىّ الصبر على العطش، شديد العدو، وأشدّ ما يكون عدوه اذا استقبل الريح، وهو فى عدوه يضع عنقه على ظهره، ثم يخترق الريح؛ والنّعامة تبتلع العظم والحجر والحديد فيصير فى جوفها كالماء، وتبتلع الجمر؛ وهو يصاد بالنار كسائر الوحش، فإنه إذا رأى النار دهش ووقف فيتمكّن منه الصائد.
وقد وصفها إبراهيم بن خفاجة الأندلسىّ فقال:
ولربّ طيّار خفيف قد جرى ... فشلا «3» بجار خلفه طيّار
من كلّ فاجرة «4» الخطا مختالة ... مشى الفتاة تجرّ فضل إزار
مخضوبة المنقار تحسب أنّها ... كرعت على ظمإ بكاس عقار
(9/340)

لا تستقرّ بها الأداحى «1» خشية ... من ليل ويل أو نهار بوار
[وقال «2» الحمّانىّ] :
قد ألبس الليل حتى ينثنى خلقا ... وأركب الهول بالغرّ الغرانيق «3»
وانتحى لنعام الدّو «4» ملهبة «5» ... كأنّها بعض أحجار المجانيق
تسدى الرياح بها ثوبا وتلحمه ... كما تلبّس من نسج الخداريق «6»
كأنّما ريشها والريح تفرقه ... أسمال راهبة شيبت بتشقيق
كأنّها حين مدّت رؤسها «7» فرقا ... سود الرجل تعادى «8» بالمزاريق
كأنّ أعناقها وهنا اذا خفقت «9» ... بها البلاقع أدقال «10» الزواريق
فما استلذّ بلحظ العين ناظرها ... حتّى تغصّص أعلاهنّ بالرّيق «11»
(9/341)

القسم الثالث من الفن الثالث فى الدوابّ والأنعام،
وفيه ثلاثة أبواب
الباب الأوّل من هذا القسم فى الخيل
وابتداء خلقها، وأوّل من ذلّلها وركبها، وما ورد فى فضلها وبركتها من الآثار الصحيحه، والأحاديث النبويّة الثابتة الصريحه، وما ورد فى فضل الإنفاق عليها، وما جاء فى التماس نسلها، والنهى عن خصائها والرّخصة فيه؛ وما قيل فى أكل لحومها من الكراهة، وما ورد من النهى عن عسب «1» الفرس وبيع ماء الفحل، وما ندب إليه من إكرام الخيل ومنع إذالتها «2» ، والأمر بارتباطها، وما يستحبّ من ألوانها وشياتها وذكورها وإناثها، وما ورد فى شؤم الفرس، وما يذمّ من عصمه «3» ورجله، وما جاء فى سباق الخيل، وما يحلّ منه وما يحرم، وكيفيّة التّضمير «4» عند السّباق، وأسماء السوابق فى الحلبة، وما يقسم لصاحب الفرس من سهام الغنيمة، والفرق فى ذلك بين العراب والهجن والبراذين، والعفو عن سقوط الزّكاة فى الخيل، وما وصفت
(9/342)

العرب به الخيل من ترتيبها فى السنّ، وتسمية أعضائها وأبعاضها وألوانها وشياتها، والمحمود من صفاتها ومحاسنها، وعدّ عيوبها التى تكون فى خلقتها وجريها، والعيوب التى تطرأ عليها وتحدث فيها، وذكر خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدّتها وأسمائها، وكرام الخيل المشهورة عند العرب، وما وصفت به الخيل فى أشعار الشعراء ورسائل الفضلاء التى تتضمّن مدح جيّدها وذمّ رديئها، وغير ذلك على ما نوضحه- إن شاء الله تعالى- ونبيّنه، ونأتى به على الترتيب والتحقيق، فنقول وبالله التوفيق، [وإليه المآب «1» ] .
ذكر ما ورد فى ابتداء خلق الخيل وأوّل من ذلّلها وركبها
قال أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النّيسابورىّ المعروف بالثّعلبىّ فى تفسيره:
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمّد بن أحمد بن عقيل الأنصارىّ، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، قالا: أخبرنا أبو منصور محمد بن القاسم العتكىّ، قال:
حدّثنا محمد بن الأشرس، قال: حدّثنا أبو جعفر المدينىّ، قال: حدّثنا القاسم ابن الحسن بن زيد، عن أبيه، عن الحسين بن علىّ رضى الله عنهما، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لمّا أراد الله أن يخلق الخيل قال للريح الجنوب: إنّى خالق منك خلقا فأجعله عزّا لأوليائى، ومذلّة على أعدائى، وجمالا لأهل طاعتى؛ فقالت الريح: اخلق، فقبض منها قبضة فخلق فرسا، فقال له: خلقتك عربيّا وجعلت الخير معقودا بناصيتك، والغنائم مجموعة على ظهرك، وعطفت عليك صاحبك، وجعلتك تطير بلا جناح، فأنت للطّلب، وأنت للهرب،
(9/343)

وسأجعل على ظهرك رجالا يسبّحونى «1» ويحمدونى «2» ويهلّلونى «3» ، تسبّحن «4» اذا سبّحوا، وتهلّلن «5» اذا هلّلوا، وتكبّرن «6» اذا كبّروا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من تسبيحة وتحميدة وتكبيرة يكبّرها صاحبها فتسمعه «7» إلّا فتجيبه بمثلها، ثم قال: لمّا سمعت الملائكة صفة الفرس وعاينت خلقها، قالت: ربّ، نحن ملائكتك نسبّحك ونحمدك، فماذا لنا؟ فخلق الله لها خيلا بلقا، أعناقها كأعناق البخت «8» ، فلمّا أرسل الله الفرس الى الأرض، واستوت قدماه على الأرض صهل، فقيل: بوركت من دابّة، أذلّ بصهيلك المشركين، أذلّ به أعناقهم، وأملأ به آذانهم، وأرعب به قلوبهم؛ فلمّا عرض الله على آدم من كلّ شىء قال له: اختر من خلقى ما شئت، فاختار الفرس، فقال له: اخترت عزّك وعزّ ولدك خالدا ما خلدوا، وباقيا ما بقوا، بركتى عليك وعليهم، ما خلقت خلقا أحبّ إلىّ منك ومنهم «9» » .
(9/344)

وروى المسعودىّ فى كتابه المترجم بمروج الذهب بسنده إلى ابن عبّاس- رضى الله عنهما-، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لمّا أراد أن يخلق الخيل أوحى الى الرّيح الجنوب أنّى خالق منك خلقا فاجتمعى، فاجتمعت، فأمر جبريل عليه السلام فأخذ منها قبضة، قال: ثمّ خلق الله تعالى منها فرسا كميتا «1» ، ثم قال الله تعالى: خلقتك فرسا، وجعلتك عربيّا، وفضّلتك على سائر ما خلقت من البهائم بسعة الرزق، والغنائم تقاد على ظهرك، والخير معقود بناصيتك؛ ثم أرسله فصهل، فقال له: باركت فيك، فصهيلك أرعب به المشركين وأملأ مسامعهم، وأزلزل أقدامهم؛ ثم وسمه بغرّة وتحجيل، فلمّا خلق الله تعالى آدم، قال: يا آدم، أخبرنى أىّ الدّابّتين أحببت؟ - يعنى الفرس والبراق، قال «2» :
وصورة البراق على صورة البغل لا ذكر ولا أنثى- فقال آدم: يا ربّ اخترت أحسنهما وجها، فاختار الفرس، فقال الله له: يا آدم، اخترت أحسنهما، اخترت عزّك وعزّ ولدك باقيا ما بقوا، وخالدا ما خلدوا» . هذا ما ورد فى ابتداء خلق الفرس؛ والله أعلم بالصواب؛ واليه المرجع والمآب.
وأما أوّل من ذلّل الخيل وركبها- فإسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، ودليل ذلك ما رواه الزّبير بن بكّار فى أوّل كتابه فى أنساب قريش من حديث داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عبّاس- رضى الله عنهما- قال: كانت الخيل وحوشا لا تركب، فأوّل من ركبها إسماعيل، فلذلك سمّيت
(9/345)

العراب. وما رواه أحمد بن سليمان النّجّاد فى بعض فوائده «1» من حديث ابن جريج، عن ابن أبى مليكة، عن ابن عبّاس- رضى الله عنهما- قال: كانت الخيل وحشا كسائر الوحوش، فلمّا أذن الله عزّ وجلّ لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام برفع القواعد من البيت، قال الله عزّ وجلّ: إنّى معطيكما كنزا ذخرته لكما؛ ثم أوحى الله تعالى إلى إسماعيل أن اخرج فادع بذلك الكنز، فخرج إسماعيل إلى (أجياد «2» ) - وكان موطنا له- وما يدرى ما الدّعاء ولا الكنز، فألهمه الله عزّ وجلّ الدعاء، فلم تبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلّا أجابته، فأمكنته من نواصيها، وذلّلها له؛ فاركبوها واعتقدوها، فإنّها ميامين، وإنّها ميراث عن أبيكم إسماعيل عليه السلام.
والله أعلم.
ذكر ما ورد فى فضل الخيل وبركتها، وفضل الإنفاق عليها
قال الله عزّ وجلّ: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)
قال ابن عبّاس- رضى الله عنهما-: «نزلت فى علف الدّوابّ» . وروى عن أبى أمامة الباهلىّ أنّه قال: «هى النّفقة على الخيل فى سبيل الله» ، قال الواحدىّ:
«هذا قول أبى الدّرداء ومكحول والأوزاعىّ» ؛ ومن فضل الخيل وشرفها أنّ الله أقسم بها فى كتابه العزيز، فقال: (وَالْعادِياتِ ضَبْحاً فَالْمُورِياتِ قَدْحاً فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ)
؛ وسمّاها الله تعالى الخير فى قوله عزّ وجلّ إخبارا عن سليمان عليه السلام:
(9/346)

(إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ)
؛ وفى الحديث الصحيح عن مالك بن أنس، عن نافع، عن عبد الله بن عمر- رضى الله عنهم- عن النّبىّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الخيل فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة» رواه البخارىّ؛ وفى لفظ آخر: «معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة» ؛ ومن طريق آخر عن الشّعبىّ، عن عروة- هو ابن أبى الجعد «1» الأزدىّ البارقىّ- قيل يا رسول الله: وما ذلك الخير؟ قال: «الأجر والغنيمة» رواه مسلم.
وعن عروة رضى الله عنه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى فرسا أشقر فى سوق المدينة مع أعرابىّ، فلوى ناصيتها بإصبعيه وقال: «الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة» .
وعن جرير بن عبد الله- رضى الله عنه،- قال: رأيت النّبىّ صلى الله عليه وسلم يلوى ناصية فرسه بإصبعه ويقول: «الخير معقود بنواصى الخيل إلى يوم القيامة» ؛ رواه مسلم والنّسائىّ؛ وفى لفظ النّسائىّ: «يفتل ناصية فرس بين إصبعيه» ؛ وفى حديث آخر موضع «معقود» : «معقوص» ، وهو بمعناه، أى ملوىّ بها ومضفور فيها، والعقصة: الضّفيرة.
وفى حديث آخر عن نعيم بن زياد، عن أبى كبشة- رضى الله عنه- قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة» ؛ وفى لفظ آخر:
«فامسحوا نواصيها، وادعوا لها بالبركة» .
(9/347)

وعن أسماء بنت يزيد- رضى الله عنها- أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الخيل فى نواصيها الخير معقود أبدا إلى يوم القيامة، فمن ربطها عدّة فى سبيل الله فانّ «1» شبعها وجوعها وريّها وظمأها وأرواثها وأبو الها فلاح فى موازينه «2» يوم القيامة «3» » ؛ رواه الامام أحمد فى مسنده.
وعن جابر- رضى الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها، فخذوا بنواصيها، وادعوا بالبركة، وقلّدوها ولا تقلّدوها الأوتار» ؛ وفى لفظ: «فى نواصيها الخير والنّيل» ؛ وكانوا يقلّدون الخيل أوتار القسىّ لئلّا تصيبها العين، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأعلمهم أنّ الأوتار لا تردّ من قضاء الله تعالى شيئا؛ وقيل: نهاهم عن ذلك خوفا على الخيل من الاختناق بها؛ وقيل: المراد بالأوتار الذّحول التى وترتم بها فى الجاهلية؛ وقد اختلف الناس فى تقليد الدوابّ والإنسان أيضا ما ليس بتعاويذ قرآنية مخافة العين؛ فمنهم من نهى عنه ومنعه قبل الحاجة إليه، وأجازه بعد الحاجة إليه، لدفع ما أصابه من ضرر العين وشبهه؛ ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدها، كما يجوز الاستظهار «4» بالتّداوى قبل حلول المرض؛ وقصر بعضهم النهى على الوتر خاصّة، وأجازه بغير الوتر؛ وقال بعضهم فيمن قلّد فرسه شيئا ملوّنا فيه خرز: إن كان للجمال فلا بأس به.
(9/348)

وعن أبى هريرة- رضى الله عنه- عن النّبىّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر؛ فأمّا الذى هى له أجر فرجل ربطها فى سبيل الله فأطال لها فى مرج أو روضة، فما أصابت فى طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنّها قطعت طيلها فاستنّت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنّها مرّت بنهر فشربت منه ولم يرد «1» أن يسقيها كان ذلك حسنات له، فهى لذلك أجر؛ ورجل ربطها تغنيّا «2» وتعفّفا، ثم لم ينس حقّ الله فى رقابها ولا ظهورها، فهى لذلك ستر؛ ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام، فهى على ذلك وزر» .
وفى حديث آخر: «الخيل لثلاثة، هى لرجل أجر، ولرجل ستر؛ وعلى رجل وزر؛ فأمّا الذى هى له أجر فالّذى يتّخذها فى سبيل الله ويعدّها له، فلا تغيّب شيئا فى بطونها إلّا كتب له به أجر، ولو رعاها فى مرج فما أكلت شيئا إلا كتب له به أجر؛ ولو سقاها من نهر كان له بكلّ قطرة تغيّبها فى بطونها «3» - حتّى ذكر الأجر فى أبو الها وأرواثها- ولو استنّت شرفا أو شرفين كتب له بكلّ خطوة تخطوها أجر؛ وأمّا الذى هى له ستر فالّذى يتّخذها تعفّفا وتكرّما وتجمّلا، ولم ينس حقّ ظهورها وبطونها فى عسرها ويسرها؛ وأمّا الذى هى عليه وزر فالّذى يتّخذها أشرا وبطرا وبذخا ورئاء الناس، فذلك الذى هى عليه وزر» .
(9/349)

(شرح غريب هذين الحديثين) الطّول والطّيل بالواو والياء: الحبل، وكذلك الطّويلة. وقوله: «استنّت» ، أى عدت لمرحها ونشاطها ولا راكب عليها. والشّرف: ما يعلو من الأرض، وقيل: الطّلق، فكأنّه صلى الله عليه وسلم يقول: جرت طلقا أو طلقين، بمعنى شوط أو شوطين. والأشر «1» والبطر: شدّة المرح. والبذخ بفتح الذال وبالخاء المعجمتين: الكبر. ونواء لأهل الإسلام: معاداة لهم، من ناوأه نواء ومناوأة، وأصله من ناء إليك ونؤت إليه، أى نهضت.
وعن زياد بن مسلم «2» الغفارىّ- رضى الله عنه- أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «الخيل ثلاثة، فمن ارتبطها فى سبيل الله وجهاد عدوّه كان شبعها وجوعها وريّها وعطشها وجريها وعرقها وأرواثها وأبو الها أجرا فى ميزانه يوم القيامة؛ ومن ارتبطها للجمال فليس له إلّا ذاك؛ ومن ارتبطها فخرا ورياء كان مثل ما قصّ فى الأوّل وزرا فى ميزانه يوم القيامة» .
وعن حباب- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الخيل ثلاثة: فرس للرّحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان؛ فأمّا فرس الرحمن فما أعدّ فى سبيل الله، وقوتل عليه أعداء الله؛ وأمّا فرس الإنسان فما استبطن وتجمّل «3» عليه، وأما فرس الشيطان فما قومر عليه» ؛ رواه الآجرّىّ «4» فى (النصيحة) .
(9/350)

والقمار فى السّباق: أن يكون الزّهان بين فرسين لا محلّل «1» معهما. والاستبطان:
طلب ما فى البطن والنّتاج.
وعن عبد الله بن مسعود- رضى الله عنهما- عن النّبىّ صلى الله عليه وسلم، قال: «الخيل ثلاثة، ففرس للرحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان؛ فأمّا فرس الرحمن فالّذى يرتبط «2» فى سبيل الله، فعلفه وروثه وبوله «3» - وذكر ما شاء الله-؛ وأمّا فرس الشيطان فالذى يقامر «4» ويراهن عليه؛ وأمّا فرس الإنسان فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها، فهى ستر «5» من فقر» رواه الإمام أحمد فى مسنده.
وروى ابن أبى شيبة فى مسنده أنّ النّبىّ صلى الله عليه وسلم قال: «الخيل ثلاثة: فرس يرتبطه الرجل فى سبيل الله، فثمنه أجر، وركوبه أجر، ورعايته أجر، وعلفه أجر؛ وفرس يغالق «6» عليه الرجل ويراهن عليه، فثمنه وزر، وعلفه وركوبه وزر؛ وفرس للبطنة فعسى أن يكون سدادا من فقر إن شاء الله» .
(9/351)

وعن أنس بن مالك- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البركة فى نواصى الخيل» رواه البخارىّ ومسلم والنّسائىّ. والناصية:
الشعر المسترسل على الجبهة، وقد يكنى بها عن النّفس، نحو قولهم: «فلان مبارك النّاصية» ، أى النّفس؛ قال شيخنا الشيخ الإمام المحدّث النّسّابة القدوة شرف الدّين أبو محمّد عبد المؤمن بن خلف الدّمياطىّ فى كتاب الخيل، قال أبو الفضل: واذا كان الخير والبركة فى نواصيها فبعيد أن يكون فيها شؤم على ما جاء فى الحديث؛ وقد تأوّل العلماء ذلك أنّ معناه على اعتقاد الناس فى ذلك، لا أنّه خبر من النبىّ صلّى الله عليه وسلم عن إثبات الشّؤم.
وعن مكحول، قال: قيل لعائشة- رضى الله عنها-: إنّ أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشؤم فى ثلاثة: فى الدّار والمرأة والفرس» ؛ فقالت: لم يحفظ أبو هريرة، لأنّه دخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قاتل الله اليهود، يقولون: الشؤم فى ثلاثة: فى الدّار والمرأة والفرس» ؛ فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوّله. وسنذكر الحديث والكلام عليه- إن شاء الله تعالى- فى موضعه.
وعن أنس- رضى الله عنه- قال: لم يكن شىء أحبّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد النّساء من الخيل.
وعن معقل بن يسار- رضى الله عنه- قال: ما كان شىء أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخيل، ثمّ قال: اللهمّ غفرا إلّا النّساء.
وعن زيد بن ثابت- رضى الله عنه-[قال] : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حبّس فرسا فى سبيل الله كان ستره من النّار» .
(9/352)

وعن محمد بن عقبة، عن أبيه، عن جدّه، قال: أتينا تميما الدّارىّ وهو يعالج عليق فرسه بيده، فقلنا له: يا أبا رقيّة، أما لك من يكفيك؟ قال: بلى، ولكنّنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ارتبط فرسا فى سبيل الله فعالج عليقه بيده كان له بكلّ حبّة حسنة» .
وروى أنّ روح بن زنباع الجذامىّ زار تميما الدارىّ فوجده ينقّى لفرسه شعيرا، ثمّ يعلفه عليه وحوله أهله؛ فقال له روح: أما كان لك من هؤلاء من يكفيك؟
قال تميم: بلى، ولكنّنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من امرئ مسلم ينقّى لفرسه شعيرا ثمّ يعلفه عليه إلّا كتب الله له بكلّ حبّة حسنة» رواه الإمام أحمد فى مسنده.
وروى أنّ معاوية بن أبى سفيان قال لابن الحنظليّة: حدّثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، [قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» ] يقول: «من ارتبط فرسا فى سبيل الله كانت النفقة عليه كالمادّ يده بصدقة لا يقطعها» ؛ وفى حديث آخر عنه: [ «لا يقبضها» «2» ] .
ذكر ما جاء فى فضل الطّرق
روى عن أبى عامر الهوزنىّ، عن أبى كبشة الأنمارىّ، أنه أتى رجلا «3» فقال: أطرقنى من فرسك، فإنّى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أطرق مسلما فرسا فأعقب له الفرس كتب الله له أجر سبعين فرسا يحمل عليها
(9/353)

فى سبيل الله، وإن لم يعقب «1» كان له كأجر فرس حمل عليه فى سبيل الله عزّ وجلّ» رواه الطّبرانىّ فى المعجم الكبير.
وعن ابن عمر- رضى الله عنهما- قال: ما تعاطى الناس بينهم شيئا قطّ أفضل من الطّرق، يطرق الرجل فرسه فيجرى له أجره، ويطرق الرجل فحله فيجرى له أجره، ويطرق الرجل كبشه فيجرى له أجره. [والله الموفّق للصواب، وإليه المرجع والمآب، وحسبنا الله وكفى] .
ذكر ما جاء من دعاء الفرس لصاحبه
حكى الأبيوردىّ فى رسالته، قال: حكى عبد الرحمن بن زياد أنّه لمّا نزل المسلمون مصر كانت لهم مراغة للخيل، فمرّ حديج «2» بن صومى «3» بأبى ذرّ- رضى الله عنه- وهو يمرّغ فرسه الأجدل؛ فقال: ما هذا الفرس يا أبا ذرّ؟ قال:
هذا فرس لى، لا أراه إلّا مستجابا، قال: وهل تدعو الخيل فتجاب؟ قال: نعم، ما من ليلة إلّا والفرس يدعو فيها ربّه يقول: اللهم إنّك سخّرتنى لابن آدم، وجعلت
(9/354)

رزقى بيده، فاجعلنى احبّ اليه من أهله وماله، اللهمّ ارزقه منّى، وارزقنى على يده.
وروى أن هذا الخبر عن معاوية بن حديج، عن أبى ذرّ، وكلاهما روى عن عبد الله بن عمرو؛ ومعاوية هذا يعدّ من الصحابة الّذين سكنوا مصر؛ وفى حديثه عن أبى ذرّ «أحبّ إليه من أهله وولده» الحديث، وزاد فيه: «فمنها المستجاب، ومنها غير المستجاب، ولا أرى فرسى هذا إلّا مستجابا» . ورواه النّسائىّ فى كتاب الخيل من سننه؛ ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من فرس عربىّ إلّا يؤذن له عند [كلّ «1» ] سحر- وفى رواية: عند كلّ فجر- بدعوتين:
اللهمّ خوّلتنى من خوّلتنى من بنى آدم، وجعلتنى له، فاجعلنى أحبّ أهله وماله؛ أو من أحبّ أهله وماله اليه» ؛ [والله أعلم] .
ذكر ما ورد من أنّ الشيطان لا يخبل «2» من فى داره فرس عتيق، ولا يدخل دارا فيها فرس عتيق
عن عبد الله بن عريب المليكىّ، عن أبيه- رضى الله عنهما- أنّ النّبىّ صلّى الله عليه وسلم قال: «لن يخبل «3» الشيطان أحدا فى داره فرس عتيق» . وفى لفظ آخر: «الجنّ لا تخبل «4» أحدا فى بيته عتيق من الخيل» . ورواه ابن قانع أيضا فى معجمه من حديث عريب المليكىّ، عن النبىّ صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى:
(وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ)
قال: «الجنّ» ، ثم قال رسول الله صلى الله
(9/355)

عليه وسلم: «إنّ الشيطان لا يخبل أحدا فى دار فيها فرس عتيق» وقيل: [المراد «1» ] [أنّ «2» ] الشيطان لا يدخل دارا فيها فرس عتيق.
وروى أنّ رجلا أتى النبىّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنّى أرجم باللّيل، فقال النّبىّ صلى الله عليه وسلم: «ارتبط فرسا عتيقا» قال: فلم يرجم بعد ذلك؛ رواه محمد بن يعقوب الخيلىّ فى (كتاب الفروسيّة وعلاجات الدوابّ) .
ذكر ما جاء فى التماس نسل الخيل والنهى عن خصائها والرخصة [فيه «3» ] والنهى عن هلبها «4» وجزّ أعرافها «5» ونواصيها
روى عن عبد الله [بن] عمرو بن العاص- رضى الله عنهما- قال:
أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا من جدس «6» ، (حىّ باليمن) ، فأعطاه رجلا من الأنصار، وقال: «إذا نزلت فانزل قريبا منّى فإنى أتسارّ «7» إلى صهيله» ففقده «8» ليلة، فسأل عنه، فقال يا رسول الله: إنا خصيناه، فقال: «مثلّت به» ،
(9/356)

يقولها ثلاثا، «الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة، أعرافها أدفاؤها، وأذنابها مذابّها، التمسوا نسلها، وباهوا بصهيلها المشركين» .
وعن مكحول- رضى الله عنه- قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جزّ أذناب الخيل وأعرافها ونواصيها، وقال: «أمّا أذنابها فمذابّها، وأمّا أعرافها فأدفاؤها، وأمّا نواصيها ففيها الخير» .
وعن أنس بن مالك- رضى الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تهلبوا «1» أذناب الخيل، ولا تجزّوا أعرافها ونواصيها، فإنّ البركة فى نواصيها، ودفاؤها فى أعرافها، وأذنابها مذابّها» .
وعن عائشة أمّ المؤمنين- رضى الله عنها- قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خصاء الخيل. [عن عبد «2» الله بن عمر-، قال: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن خصاء الخيل] والإبل والغنم؛ قال ابن عمر- رضى الله عنهما-: «فيها نشأة الخلق، ولا تصلح الإناث إلّا بالذكور» .
وروى عكرمة «3» عن ابن عبّاس- رضى الله عنهم- أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا خصاء فى الإسلام ولا بنيان كنيسة» .
وكتب عمر بن الخطّاب- رضى الله عنه- الى سعد بن أبى وقّاص- رضى الله عنه- ينهى عن حذف أذناب الخيل وأعرافها وخصائها. ومن العلماء من رأى
(9/357)

الخصاء، وذكر أنّ عروة بن الزّبير خصى بغلا له؛ وأنّ عمر بن عبد العزيز خصى بغلا له فى زمن خلافته، وأنّ الحسن سئل عن الخصاء فقال: «لا بأس به» ، وأنّ ابن سيرين قال: «لا بأس بخصاء الخيل، لو تركت الفحول لأكل بعضها بعضا» ، وأن عطاء قال: «ما خيف عضاضه وسوء خلقه فلا بأس» . قال البيهقىّ: ومتابعة قول ابن عمر وابن عبّاس- رضى الله عنهم- مع ما فيه من السنّة المرويّة أولى، ويحتمل جواز ذلك اذا اتّصل به غرض صحيح.
ذكر ما قيل فى أكل لحوم الخيل من الإباحة والكراهة
قد أباح أكلها جماعة، منهم شريح والحسن وعطاء وسعيد بن جبير وحمّاد بن أبى سليمان والثّورىّ وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وابن المبارك والشافعىّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور فى جماعة من السّلف؛ ودليلهم على ذلك ما اتفق عليه البخارىّ ومسلم من حديث أسماء بنت أبى بكر الصدّيق وجابر بن عبد الله- رضى الله عنهم-؛ فأمّا حديث أسماء فقالت: «نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه» . وأمّا حديث جابر- رضى الله عنه- فقال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخّص- أو أذن- فى لحوم الخيل» .
وذهب مالك وأبو حنيفة والأوزاعىّ إلى أنّها مكروهة، إلّا أنّ كراهيتها عند مالك كراهية تنزيه، لا تحريم فى إحدى الروايتين عنه؛ ودليلهم ما رواه أبو داود والنّسائىّ وابن ماجة من حديث بقيّة بن الوليد الحمصىّ، عن ثور بن يزيد، عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معديكرب، عن أبيه، عن جدّه، عن خالد بن الوليد- رضى الله عنه- أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير. وما تضمّنته الآية من قوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها
(9/358)

وَزِينَةً) *
. قال صاحب الهداية الحنفىّ: خرجت- أى الآية-[مخرج «1» ] الامتنان، والأكل من أعلى منافعها، والحكيم لا يترك الامتنان بأعلى النّعم ويمتنّ بأدناها؛ ولأنّها آلة إرهاب العدوّ، فيكره أكله احتراما له، ولهذا يضرب له بسهم فى الغنيمة؛ ولأنّ فى إباحته تقليل آلة الجهاد، وحديث جابر معارض بحديث خالد ابن الوليد، والترجيح للمحرّم؛ ثم قيل: الكراهية عنده كراهية تحريم؛ وقيل: كراهية تنزيه؛ والأوّل أصحّ؛ وأمّا لبنه- فقد قيل: لا بأس به، إذ ليس فى شربه تقليل آلة الجهاد؛ انتهى كلام صاحب الهداية.
وقد عورض فى أدلّته بأقوال؛ أمّا الآية، فقد قيل: الغالب فى الانتفاع بهذه الدوابّ ما أشار الله تعالى اليه فيها من الركوب والزينة، فأمّا أكلها فنادر، فخرجت الآية مخرج الغالب؛ وقالوا: ألا ترى أنّ الأنعام لمّا كانت متقاربة الحال عند العرب فى الانتفاع بها أكلا ونجمّلا وركوبا وتحميلا، منّ الله عليهم بتفصيل أحوالها المألوفة والمعتادة عندهم المعروفة فى الآية قبلها، فقال تعالى: (وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ)
وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ)
؛ وأما حديث خالد فإنّه وإن كان أحوط من حديث جابر وأسماء [فإنّ حديث جابر «2» وأسماء] أسند وأصحّ؛ وحديث خالد لا يعرف إلّا من رواية بقيّة
(9/359)

ابن الوليد الحمصىّ، وفيه مقال، حتّى إنّ بعضهم قال: «إنّ أحاديث بقيّة غير نقيّه، فكن منها على تقيّه» ؛ وصالح بن يحيى بن المقدام بن معديكرب الكندىّ الحمصىّ، قال البخارىّ: «فيه نظر» ؛ وقال موسى بن هارون: «لا يعرف صالح ولا أبوه إلّا بجدّه» ؛ وقال أبو داود فى سننه: «وحديث خالد هذا منسوخ، قد أكله «1» جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم» ؛ وهذا الاعتراض على الحنفيّة أورده شيخنا الشيخ شرف الدّين الدّمياطىّ عليهم فى (كتاب الخيل) له؛ هذا ما قيل فى أكل لحومها.
ذكر ما جاء فى النّهى عن عسب الفحل وبيع مائه
روى عن عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما- قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عسب الفحل» . وعن أنس بن مالك- رضى الله عنه- أنّ رجلا من كلاب سأل النبىّ صلى الله عليه وسلم عن عسب الفحل، فنهاه، فقال:
يا رسول الله، إنّا نطرق الفحل فنكرم، فرخّص له فى الكرامة؛ رواه الترمذىّ، وقال: «حسن غريب» . والعسب: الضّراب؛ والنهى عنه، أى [عن] كرائه؛ وقيل: العسب، ماء الفحل.
ذكر ما جاء فى إكرام الخيل ومنع إذالتها
روى أبو داود فى المراسيل، عن نعيم بن أبى هند- رضى الله عنه- أنّ النبىّ صلّى الله عليه وسلم أتى بفرس، فقام إليه يمسح وجهه وعينيه ومنخريه بكمّ قميصه، فقيل: يا رسول الله، تمسح بكّم قميصك؟ فقال: «إنّ جبريل عاتبنى فى الخيل» .
وفى حديث آخر: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح بطرف ردائه وجه
(9/360)

فرسه، وقال: «إنّى عوتبت اللّيلة فى إذالة الخيل» . وعن الوضين بن عطاء- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقودوا الخيل بنواصيها فتذلّوها» . وعن مكحول- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكرموا الخيل وجلّلوها» . وعن مجاهد- رضى الله عنه- قال: «أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إنسانا ضرب وجه فرسه ولعنه، فقال: «هذه مع تلك؟
لتمسّنّك النار إلّا أن تقاتل عليه فى سبيل الله» ، فجعل الرجل يقاتل عليه إلى أن كبر وضعف، وجعل يقول: اشهدوا اشهدوا. وعن زيد بن ثابت- رضى الله عنه- أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فى عين الفرس ربع ثمنه. وعن عروة البارقىّ قال: كانت لى أفراس فيها فحل شراؤه عشرون ألف درهم، ففقأ عينه دهقان «1» ، فأتيت عمر- رضى الله عنه- فكتب إلى سعد بن أبى وقّاص أنّ خيّر الدّهقان بين أن يعطيه عشرين ألفا ويأخذ الفرس، وبين أن يغرم ربع الثمن؛ فقال الدهقان: ما أصنع بالفرس؟ فغرّم ربع الثمن. وعن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: ما من ليلة إلّا ينزل ملك من السماء يحسّ «2» عن دوابّ الغزاة الكلال إلّا دابّة فى عنقها جرس.
ذكر ما ورد من الأمر بارتباط الخيل وما يستحبّ من ألوانها وشياتها وذكورها وإناثها
قال الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا)
؛ قال الزمخشرىّ فى تفسيره: اصبروا على الدّين وتكاليفه؛ وصابروا أعداء الله فى الجهاد، أى غالبوهم فى الصبر على شدائد الحرب لا تكونوا أقلّ صبرا منهم وثباتا؛ ورابطوا: أقيموا
(9/361)

فى الثغور رابطين خيلكم مترصّدين مستعدّين للغزو. وقال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) .
وعن قيس بن باباه، قال: سمعت سلمان- رضى الله عنه- يقول:
[سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «1» ] : «ما من رجل مسلم إلّا حقّ عليه أن يرتبط فرسا إذا أطاق ذلك» .
وعن [أبى] وهب الجشمىّ- وكانت له صحبة، رضى الله عنه- قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسمّوا بأسماء الأنبياء، وأحبّ الأسماء إلى الله عزّ وجلّ عبد الله وعبد الرحمن، وارتبطوا الخيل، وامسحوا بنواصيها وأكفالها وقلّدوها ولا تقلّدوها الأوتار، وعليكم بكلّ كميت أغرّ محجّل، أو أشقر أغرّ محجّل، أو أدهم أغرّ محجّل» . هكذا ساقه النّسائىّ فى سننه.
وعن عقبة بن عامر- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أردت أن تغزو فاشتر فرسا أدهم «2» محجّلا مطلق اليمنى فإنّك تغنم وتسلم» رواه الدّمياطىّ بسنده فى (كتاب الخيل) له.
وعن ابن عبّاس- رضى الله عنهما- عن النّبىّ صلى الله عليه وسلم، قال:
«يمن الخيل فى شقرها» . واليمن: البركة. رواه أبو داود والترمذىّ؛ ولفظ الترمذىّ: «يمن الخيل فى الشّقر» .
وروى الواقدىّ، عن سعيد بن خالد، عن داود بن علىّ بن عبد الله بن عبّاس عن أبيه، عن جدّه- رضى الله عنهم- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خير الخيل الشّقر» .
(9/362)

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضى الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «خير الخيل الشّقر وإلّا فأدهم أغرّ محجّل ثلاث، مطلق اليمنى» .
وذكر سليمان بن بنين النحوىّ المصرىّ فى كتاب (آلات الجهاد، وأدوات الصافنات الجياد) ، عن ابن عبّاس- رضى الله عنهما- قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم بطريق تبوك، وقد قلّ الماء، فبعث الخيل فى كلّ وجه يطلبون الماء، فكان أوّل من طلع بالماء صاحب فرس أشقر، والثانى صاحب أشقر، وكذلك الثالث، فقال صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ بارك للشّقر» .
وعن عمرو بن الحارث الأنصارىّ، عن أشياخ أهل مصر، قالوا: قال النّبىّ صلّى الله عليه وسلم: «لو أنّ خيل العرب جمعت فى صعيد واحد ما سبقها إلّا أشقر» . وكان صلى الله عليه وسلم يحبّ الشّقر.
وعن أبى قتادة الأنصارىّ- رضى الله عنه- عن النّبىّ صلى الله عليه وسلم، قال:
«خير الخيل الأدهم الأقرح «1» الأرثم «2» ، ثمّ الأقرح «3» المحجّل طلق «4» اليمين، فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشّية «5» » هكذا ساقه الترمذىّ؛ ورواه أيضا ابن ماجة، ولفظه:
«خير الخيل الأدهم الأقرح «6» الأرثم «7» المحجّل طلق «8» اليد اليمنى، فإن لم يكن أدهم فكميت
(9/363)

على هذه الشّية» . وفى بعض ألفاظه عن يزيد «1» بن أبى حبيب، قال: قال النّبىّ صلّى الله عليه وسلم: «الخير فى الأدهم الأقرح «2» الأرثم «3» محجّل ثلاث، طلق «4» اليمنى ثمّ أغرّ بهيم-[وفى لفظ «5» : الأدهم [البهيم «6» ] ، أو أغرّ بهيم]- ويسلم «7» ان شاء الله، فإن لم يكن أدهم فكميت فى هذه الشية» وروى أبو عبيدة من حديث ابن شبرمة، قال:
حدّثنى الشّعبىّ فى حديث رفعه، أنّه قال: «التمسوا الحوائج على الفرس الكميت الأدهم المحجّل الثلاث، المطلق اليد اليمنى» . وعن عقبة بن عامر- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أردت أن تغزو فاشتر فرسا أغرّ «8» محجّلا مطلق اليمنى، فإنك تسلم وتغنم» . وعن موسى بن علىّ بن رباح عن أبيه- رضى الله عنهما- قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنّى أريد أن أبتاع فرسا، أو أفنّد «9» فرسا؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليك به كميتا أو أدهم أقرح «10» أرثم «11» محجّل ثلاث، طلق «12» اليمنى» .
(9/364)

وعن عطاء- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إنّ خير الخيل الحوّ» . الحوّ: جمع أحوى «1» . وسيأتى شرح لونه فى ذكر الألوان والشّيات.
وعن نافع بن جبير، عن النّبىّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «اليمن فى الخيل فى كلّ أحوى «2» أحمّ» .
ذكر ترجيح إناث الخيل على فحولها وترجيح فحولها على إناثها وما جاء فى ذلك
عن يحيى بن كثير- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بإناث الخيل، فإنّ ظهورها عزّ، وبطونها كنز» . وفى لفظ:
«ظهورها حرز» .
وروى أنّ خالد بن الوليد- رضى الله عنه- كان لا يقاتل إلّا على أنثى، [لأنّها «3» ] تدفع البول وهى تجرى، والفحل يحبس البول فى جوفه حتّى ينفتق «4» ، و [لأن «5» ] الأنثى أقلّ صهيلا.
(9/365)

وروى عن عبادة بن نسىّ «1» ، أو ابن محيريز «2» أنّهم كانوا يستحبّون إناث الخيل فى الغارات والبيات «3» ولما خفى من أمور الحرب، وكانوا يستحبّون فحول الخيل فى الصّفوف والحصون والسّير والعسكر ولما ظهر من أمور الحرب «4» ، وكانوا يستحبّون خصيان الخيل فى الكمين والطلائع، لأنّها أصبر وأبقى فى الجهد.
وعن أنس بن مالك- رضى الله عنه- قال: كان السلف يستحبّون الفحولة من الخيل، ويقولون: هى أجسر «5» وأجرأ. وحكاه البخارىّ فى جامعه عن راشد بن سعد قال: كان السلف يستحبّون الفحول من الخيل، لأنّها أجرأ وأجسر.
ذكر ما ورد فى شؤم الفرس وما يذمّ من عصمها ورجلها
روى عن عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما- أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الشؤم فى الدّار والمرأة والفرس» . وفى لفظ عنه صلى الله عليه وسلم: «الشؤم فى ثلاثة: فى الفرس والمرأة والدّار» . وقد قيل فى هذا الحديث:
إنّ المراد بالشؤم: شؤم المرأة اذا كانت غير ولود، وشؤم الفرس اذا لم يغز عليها وشؤم الدار جار السوء؛ قاله معمر.
وقد صحّ عن النّبىّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «البركة فى ثلاث: فى الفرس والمرأة والدّار» . وسئل سالم بن عبد الله- وهو راوى هذا الحديث عن رسول الله
(9/366)

صلّى الله عليه وسلم- ما معناه؟ فقال: قال النّبىّ صلى الله عليه وسلم: «اذا كان الفرس ضروبا فهو مشئوم، واذا كانت المرأة قد عرفت زوجا قبل زوجها فحنّت إلى الزوج الأوّل فهى مشئومة، واذا كانت الدار بعيدة من المسجد لا يسمع منها الأذان والإقامة فهى مشئومة، واذا كنّ بغير هذا الوصف فهنّ مباركات» .
وعن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: كان النّبىّ صلى الله عليه وسلم يكره الشّكال من الخيل. والشّكال: أن يكون للفرس فى رجله اليمنى بياض وفى يده اليسرى، أو فى يده اليمنى وفى رجله اليسرى؛ قال أبو داود: أى مخالف؛ رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة؛ ورواه الترمذىّ والنّسائىّ، ولفظهما: أنّه كان يكره الشّكال فى الخيل؛ وزاد النّسائىّ: والشّكال من الخيل: أن تكون ثلاث قوائم محجّلة وواحدة مطلقة، أو تكون الثلاث مطلقة وواحدة محجّلة. وقال شيخنا شرف الدّين الدّمياطىّ- رحمه الله-: وليس يكون الشّكال إلّا فى الرّجل، ولا يكون فى اليد. وهذا الذى زاده النّسائىّ هو قول أبى عبيدة. وقال ابن دريد:
الشّكال: أن يكون الحجل «1» فى يد ورجل من شقّ واحد، فان كان مخالفا قيل:
شكال مخالف. وقال أبو عمر المطرّز: وقيل، الشّكال: بياض الرّجل اليمنى واليد اليمنى؛ وقيل: بياض اليد اليسرى والرّجل اليسرى؛ وقيل: بياض الرجلين ويد واحدة. قال الشيخ: والصحيح من صفة الشّكال ما ذكره أبو عبيدة معمر بن المثنّى وغيره: أنه البياض الذى يكون بيد ورجل من خلاف قلّ أو كثر، وهو الذى ورد فى صحيح مسلم وسنن أبى داود؛ قال الشيخ: وكراهته تحتمل وجهين: إما تفاؤلا، لشبهه المشكول المقيّد الذى لا نهوض فيه، وإمّا لجواز أن
(9/367)

يكون هذا النوع قد جرّب فلم توجد فيه نجابة؛ وقيل: إذا كان مع ذلك أغرّ زالت الكراهة لزوال شبهه الشّكال. والرّجل: إذا كان البياض بإحدى رجليه فهو أرجل، ويكره إلّا أن يكون به وضح غيره؛ وقيل: لا يكره إلا إذا كان البياض فى رجله اليسرى خاصّة؛ وقيل: الأرجل، هو الذى لا يكون فيه بياض سوى قطعة فى رجله غير دائرة حوالى الإكليل «1» ؛ يقال: رجل الفرس، إذا ابيضّت إحدى رجليه؛ وسيأتى بيان التحجيل والعصم وغيرهما عند ذكرنا للشّيات؛ والله أعلم.
ذكر ما جاء فى سباق الخيل وما يحلّ منه وما يحرم وكيفيّة «2» التضمير عند السّباق، وأسماء السّوابق فى الحلبة
روى عن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا سبق «3» إلّا فى خفّ أو حافر أو نصل» رواه أبو داود والترمذىّ والنّسائىّ.
وفى رواية أخرى للنّسائىّ: «لا يحلّ سبق «4» إلّا على خفّ أو حافر» ، وسئل «5» ابن عمر- رضى الله عنهما- أكنتم تراهنون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقال: لقد راهن رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس له.
(9/368)

وعنه- رضى الله عنه- أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل التى قد ضمّرت «1» من (الحفياء «2» ) ، وكان أمدها (ثنيّة الوداع) ، وسابق بين الخيل التى لم تضمّر «3» من (الثّنيّة) إلى (مسجد بنى زريق «4» ) ، وأنّ ابن عمر كان ممّن سابق بها. قال سفيان الثّورىّ: بين الحفياء «5» إلى (ثنيّة الوداع) خمسة أميال أو ستّة، ومن (الثّنيّة) إلى (مسجد بنى زريق «6» ) ميل. وقال موسى بن عقبة: بين (الحفياء «7» ) (وثنيّة الوداع) ستّة أميال أو سبعة، وبين (الثّنيّة) (والمسجد) ميل أو نحوه؛ رواه البخارىّ وغيره.
وفى لفظ آخر، عن ابن عمر- رضى الله عنهما- أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سبّق بين الخيل، فجعل غاية المضمّرة «8» من (الحفياء «9» ) الى (ثنيّة الوداع) ، وما لم يضمّر «10» من (ثنيّة الوداع) إلى (مسجد بنى زريق «11» ) ؛ قال ابن عمر: فجئت سابقا فطفر بى الفرس المسجد.
وذكر ابن بنين فى كتابه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل على حلل أتته من اليمن، فأعطى السابق ثلاث حلل، والمصلّى حلّتين، والثالث حلّة، والرابع دينارا، والخامس درهما، والسادس قصبة، وقال: «بارك الله فيك وفى كلّكم وفى السابق والفسكل «12» » . وروى البلاذرىّ عن ابن سعد عن الواقدىّ، عن سليمان بن الحارث، عن عبد المهيمن بن عبّاس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جدّه، قال:
(9/369)

أجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيل، فسبقت على فرس رسول الله صلى الله عليه وسلم (الظّرب «1» ) ، فكسانى بردا يمانيّا.
وعن الواقدىّ، عن سليمان بن الحارث، عن الزبير بن المنذر بن أبى أسيد، قال: سبق أبو أسيد الساعدىّ على فرس رسول الله صلى الله عليه وسلم (لزاز «2» ) ، فأعطاه حلّة يمانيّة. وعن مكحول- رضى الله عنه- قال: طلعت الخيل وقد تقدّمها فرس للنبى صلى الله عليه وسلم، فبرك على ركبتيه، وأطلع رأسه من الصفّ، وقال: «كأنّه بحر» . وفى لفظ عن مكحول: فجاء فرس له أدهم سابقا، وأشرف على الناس، فقالوا: الأدهم الأدهم، وجثا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيه ومرّ به وقد انتشر ذنبه وكان معقودا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البحر» .
وأوّل مسابقة كانت فى الإسلام سنة ستّ من الهجرة، سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخيل، فسبق فرس لأبى بكر الصّدّيق- رضى الله عنه- فأخذ السّبق «3» . والمسابقة ممّا كان فى الجاهليّة فأقرّه الإسلام؛ وليس هو من باب
(9/370)

تعذيب البهائم «1» ، بل من تدريبها بالجرى وإعدادها لحاجتها للطّلب والكرّ؛ واختلف فيه، هل هو من باب المباح، أو من باب المرغّب فيه والسّنن.
وعن سعيد بن المسيّب أنه قال: ليس برهان الخيل بأس اذا أدخلوا فيها محلّلا «2» ليس دونها، إن سبق أخذ السّبق «3» ، وإن سبق لم يكن عليه شىء.
وعن أبى هريرة- رضى الله عنه- عن النّبىّ صلى الله عليه وسلم، قال:
«من أدخل فرسا بين فرسين- يعنى وهو لا يؤمن أن يسبق- فليس بقمار، ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار» ؛ رواه أبو داود فى الجهاد فى باب المحلّل، ورواه ابن ماجة.
قال الشيخ شرف الدّين الدّمياطىّ- رحمه الله تعالى- قوله: «من أدخل فرسا» ، هو فرس المحلّل اذا كان كفؤا يخافان أن يسبقهما فيحرز السّبق «4» ، فهو جائز؛ وان كان بليدا مأمونا أن يسبق فيحرز السّبق «5» لم يحصل به معنى التحليل، وصار إدخاله بينهما لغوا لا معنى له، وحصل الأمر على رهان من فرسين لا محلّل بينهما، وهو عين القمار. وقال القاضى أبو الفضل: لا خلاف فى جواز المراهنة فيها- يعنى المسابقة- وأنّها خارجة من باب القمار، لكن لذلك صور: إحداها متّفق على جوازها، والثانية متّفق على منعها، وفى الوجوه الأخر خلاف؛ فأمّا المتّفق على جوازه فأن يخرج الوالى سبقا «6» يجعله للسابق من المتسابقين ولا فرس له
(9/371)

فى الحلبة، فمن سبق فهو له؛ وكذلك لو أخرج أسباقا أحدها للسابق، والثانى للمصلّى، والثالث للثالث، وهكذا، فهو جائز، ويأخذونه على شروطهم؛ وكذلك لو فعل متطوّعا رجل من الناس ممّن لا فرس له فى الحلبة، لأنّ هذا قد خرج من معنى القمار الى باب المكارمة والتفضّل على السابق، وقد أخرجه عن يده بكلّ حال؛ وأمّا المتّفق على منعه فأن يخرج كلّ واحد من المتسابقين سبقا، فمن سبق منهما أخذ سبق صاحبه وأمسك متاعه، فهذا قمار عند مالك والشافعىّ وجميع العلماء ما لم يكن بينهما محلّل [فان كان بينهما «1» محلّل] فجعلا له السّبق إن سبق ولا شىء عليه إن سبق فأجازه ابن المسيّب، وقاله مالك مرّة، والمشهور عنه أنّه لا يجوز؛ وقال الشافعىّ مثل قول ابن المسيّب؛ فإن سبق أحد المتسابقين أحرز سبقه وسبق صاحبه، وإن تساويا كان لكلّ واحد منهما ما أخرج، وإن سبق المحلّل حاز السّبقين، وان سبق أحدهما مع المحلّل أحرزا سبق المتأخّر؛ وسمّى المحلّل محلّلا لتحليله السبق بدخوله، لأنّه علم أنّ المقصد بدخوله السّبق لا المال، وان لم يكن بينهما محلّل فمقصدهما المال والمخاطرة فيه؛ وقال محمد بن الحسن نحوه والأوزاعىّ وأحمد وإسحاق؛ ومن الوجوه المختلف فيها أن يكون الوالى أو غيره ممّن أخرج السّبق له فرس فى الحلبة، فيخرج سبقا على أنّه إن سبق هو حبس سبقه، وإن سبق أخذه السابق، فأكثر العلماء يجيزون هذا الشرط، وهو أحد أقوال مالك وبعض أصحابه، وهو قول الشافعىّ واللّيث والثّورىّ وأبى حنيفة قالوا: «الأسباق على ملك أربابها، وهم فيها على شروطهم» ؛ وأبى ذلك مالك فى الرواية الأخرى وبعض أصحابه وربيعة والأوزاعىّ، وقالوا: «لا يرجع اليه سبقه» ؛ قال
(9/372)

مالك: وإنما يأكله من حضر إن سبق مخرجه إن لم يكن مع المتسابقين ثالث، فإن كان معهما ثالث فللّذى يلى مخرجه إن سبق، فإن سبق غيره فهو له بغير خلاف، فخرج هذا عندهم عن معنى القمار جملة؛ ولحق بالأوّل، لأن صاحبه قد أخرجه عن ملكه جملة، وتفضّل بدفعه؛ وفى الوجوه الأخر معنى من القمار والخطر، لأنها مرّة ترجع الأسباق لمخرج أحدها، ومرّة تخرج عنه إلى غيره.
ومن شرط وضع الرّهان فى المسابقة أن تكون الخيل متقاربة الحال فى سبق بعضها بعضا، فمتى تحقّق حال أحدها فى السّبق كان الرّهان فى ذلك قمارا لا يجوز، وإدخال المحلّل لغوا لا معنى له؛ وكذلك إن كانت متقاربة الحال ممّا يقطع غالبا بسبق جنسها، كالمضمّرة مع غير المضمّرة، والعراب مع غيرها، فلا تجوز المراهنة فى مثل هذا؛ وقد ميّز النّبىّ صلى الله عليه وسلم ما ضمّر فى السّباق، وأفرده عن ما لم يضمّر، وتجوز فيها المسابقة بغير رهان، وإنّما يدخل التحليل والتحريم مع الرّهان.
[ومن شرطها «1» أيضا] الأمد لسباقها؛ وحكى عبد الله بن المبارك عن سفيان قال: اذا سبق الفرس بأذنه فهو سابق، هذا إذا تساوت أعناق الخيل فى الطّول، فإن اختلفت أعناقها بالطّول والقصر كان السّبق بالكاهل.
وأمّا أسماء السوابق فى الحلبة- فالسوابق عند أبى عبيدة عشرة:
أوّلها السابق، ثم المصلّى، ثم الثالث والرابع كذلك إلى التاسع، والعاشر السّكيت، ويقال بالتشديد. وقال ابن قتيبة: «فما جاء بعد ذلك لم يعتدّ به» ؛ والفسكل:
الذى يجىء فى الحلبة آخر الخيل. وأمّا الأصمعىّ فإنّه يقول: أوّلها المجلّى، وهو المقصّب، أى محرز قصب السّبق، ثم المصلّى، ثم المسلّى، ثم التالى، ثم المؤمّل،
(9/373)

ثم المرتاح، ثم العاطف، ثم الحظىّ، ثم اللّطيم، ثم السّكيت. وقال ابن الأنبارىّ فى (الزاهر) : الأوّل المجلّى، الثانى المصلّى، الثالث المسلّى، الرابع التالى، الخامس المرتاح، السادس العاطف، السابع الحظىّ، الثامن المؤمّل، التاسع اللّطيم، العاشر السّكيت، والكاف منه تخفّف وتشدّد، قال الشاعر:
جاء المجلّى والمصلّى بعده ... ثمّ المسلّى بعده والتالى
نسقا وقاد حظيّها مرتاحها ... من قبل عاطفها بلا إشكال
وقال أبو الغوث: أوّلها المجلّى، وهو السابق، ثم المصلّى، ثم المسلّى، ثمّ التّالى، ثم العاطف، ثم المرتاح، ثم المؤمّل، ثم الحظىّ، ثم اللّطيم، ثم السّكيت؛ وأنشد بعضهم فى العشرة:
أتانا المجلّى والمصلّى بعده ... مسلّ وتال بعده عاطف يجرى
ومرتاحها ثمّ الحظى ومؤمّل ... وجاء اللّطيم والسكيت له يبرى «1»
وقال الجاحظ: كانت العرب تعدّ السوابق ثمانية، ولا تجعل لما جاوزها حظّا، فأوّلها السابق، ثم المصلّى، ثم المقفّى، ثم التالى، ثم العاطف، ثم المذمّر، ثمّ البارع «2» ، ثم اللّطيم؛ وكانت العرب تلطم وجه الآخر وان كان له حظّ. وقال ابن الأجدابىّ: المحفوظ عن العرب السابق والمصلّى والسكيت الذى هو العاشر، وأمّا باقى الأسماء فأراها محدثة، والفسكل: الذى يأتى آخر الخيل
(9/374)

فى الحلبة. وقال غيره: وما يجىء بعد هذه- يعنى العشرة- فهو المقردح؛ وأنشد على ذلك:
قد سبق الخيل الهجان الأقرح «1» ... وأقبلت من بعده تقردح
والفسكل: الذى يجىء فى أخريات الخيل، والذى يجىء بعده القاشور، وما جاء بعد ذلك لا حظّ له ولا اعتداد به؛ وقيل: السكيت والفسكل والقاشور بمعنى واحد.
وممّا يتّصل بهذا الفصل ترتيب عدو الفرس- وأوّله الخبب، ثم التقريب، ثم الإمجاج، ثم الإحضار، ثم الإرخاء، ثم الإهذاب، ثم الإهماج.
كيفية تضمير الخيل
قد حكى ابن بنين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بإضمار خيله بالحشيش اليابس شيئا بعد شىء، وطيّا بعد طىّ، ويقول: «أرووها من الماء، واسقوها غدوة وعشيّا، وألزموها الجلال «2» ... «3» فتصفو ألوانها، وتتّسع جلودها» . وأمر صلّى الله عليه وسلم أن يقودوها فى كلّ يوم مرّتين، ويؤخذ منها من الجرى الشّوط والشّوطان، ولا تركض حتّى تنطوى. قال الشيخ- رحمه الله-:
والتضمير: تقليل علفها مدّة، وادخالها بيتا كنينا، وتجليلها فيه لتعرق ويجفّ عرقها، فيصلب لحمها ويخفّ، وتقوى على الجرى؛ يقال: «ضمّرت الفرس وأضمرته» .
(9/375)

ذكر ما يقسم لصاحب الفرس من سهام الغنيمة والفرق فى ذلك بين العراب والهجن والبراذين
عن عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما- أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهما. وفى لفظ: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر للفرس سهمين، وللرجل سهما؛ رواه البخارىّ ومسلم وأبو داود والترمذىّ وابن ماجة. وفى لفظ أبى داود: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهما له، وسهمين لفرسه؛ ولفظ ابن ماجة:
أنّ النّبىّ صلى الله عليه وسلم أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: للفرس سهمان، وللرّجل سهم.
وعن مكحول- رضى الله عنه- أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هجّن الهجين يوم خيبر، وعرّب العرب، للعربىّ سهمان، وللهجين سهم. وعن خالد ابن معدان- رضى الله عنه- قال: أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للعربىّ سهمين، وللهجين سهما.
وعن أبى موسى أنّه كتب الى عمر بن الخطّاب- رضى الله عنهما- «إنا وجدنا بالعراق خيلا عراضا دكّا «1» ، فما يرى أمير المؤمنين فى سهامها» ؟ فكتب:
«تلك البراذين، فما قارب العتاق فاجعل له سهما واحدا، وألغ ما سوى ذلك» .
وعن أبى الأقمر قال: أغارت الخيل على الشأم، فأدركت العراب من يومها، وأدركت الكوادن ضحى الغد، وعلى الخيل رجل من همدان يقال له المنذر بن
(9/376)

أبى حمضة «1» ، فقال: «لا أجعل التى أدركت من يومها مثل التى لم تدرك» ، ففضّل الخيل، فكتب فى ذلك الى عمر بن الخطّاب- رضى الله عنه- فقال: «هبلت الوادعىّ «2» أمّه، لقد أذكرنى أمرا كنت أنسيته، امضوها على ما قال» . والكوادن:
جمع كودن، وهو البرذون؛ ومذهب مالك والشافعىّ وأبى حنيفة التسوية بين العربىّ وغيره، إلّا أنّهم جعلوا «3» لكلّ واحد منهما سهما واحدا؛ قال مالك: ولا أرى البراذين والهجن إلّا من الخيل لأنّ الله تعالى قال فى كتابه: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها)
، وقال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ)
قال: «فأنا أرى البراذين والهجن من الخيل اذا أجازها الوالى» . قال ابن حبيب:
البراذين هى العظام، يريد الجافية الخلقة، العظيمة الأعضاء، وليست العراب كذلك، فإنّها أضمر وأرقّ أعضاء وأعلى خلقة؛ وأمّا الهجن فهى التى أبوها عربىّ وأمّها من البراذين. قال الشيخ- رحمه الله تعالى-: ومذهب جمهور العلماء أنه يقسم للفرس سهمان، ولصاحبه سهم على ما فرضه النّبىّ صلى الله عليه وسلم، لأنّ
(9/377)

مؤونة الفرس أكثر من مؤونة فارسه، وغناءه أكثر من غناء الفارس، فاستحقّ الزيادة فى القسم من أجل ذلك؛ قال: وذهب أبو حنيفة إلى أنّه يقسم للفرس كما يقسم للرجل؛ وقال: «لا يكون أعظم منه حرمة» ؛ ولم يتابعه أحد على ذلك إلّا شىء يروى عن علىّ وأبى موسى؛ وذهب مالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعىّ إلى أنّه لا يقسم إلّا لفرس واحد، ودليلهم ما رواه ابن سعد فى طبقاته:
أنّ النّبىّ صلى الله عليه وسلم أمر زيد بن ثابت يوم حنين بإحصاء الناس والغنائم فكان السّبى ستّة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقيّة فضّة، فأخذ من ذلك الخمس، ثم فضّ الباقى على الناس، فكانت سهامهم لكلّ رجل أربع من الإبل وأربعون شاة، وإن كان فارسا أخذ اثنى عشر من الإبل وعشرين ومائة شاة، وان كان معه أكثر من فرس لم يسهم له. وذهب الأوزاعىّ والثّورىّ واللّيث بن سعد وأبو يوسف وأحمد ابن حنبل- رحمهم الله- الى أنه يسهم لفرسين، وروى مثله عن مكحول ويحيى ابن سعيد وابن وهب ومحمد بن الجهم «1» من المالكيّة، وحكاه محمد بن جرير الطبرىّ فى تاريخه، فقال: «ولم يكن يسهم للخيل اذا كانت مع الرجل إلّا لفرسين» ودليلهم ما ذكره ابن مندة فى ترجمة البراء بن أوس بن خالد أنّه قاد مع النّبىّ صلى الله عليه وسلم فرسين، فضرب له النّبىّ صلى الله عليه وسلم خمسة أسهم؛ ولم يقل أحد إنه يسهم لأكثر من فرسين إلّا شيئا يروى عن سليمان بن موسى أنه يسهم لمن غزا بأفراس لكلّ فرس سهمان؛ واختلفوا فى الإسهام للفرس المريض الذى يرجى برؤه على قولين، أحدهما: يسهم له نظرا إلى الجنس؛ والثانى: لا يسهم له، لأنه لا غناء فيه كالبغل والحمار؛ والله الموفّق للصواب.
(9/378)

ذكر سقوط الزكاة فى الخيل
روى عن أبى هريرة- رضى الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس على المرء المسلم فى فرسه ولا مملوكه صدقة» متّفق عليه. وفى لفظ عنه: «ليس على المسلم فى عبده ولا فى فرسه صدقة» . وفى لفظ: «ليس فى الخيل والرّقيق زكاة إلّا زكاة الفطر فى الرّقيق» . وعن عائشة- رضى الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله وضع الصدقات فليس على الخيل صدقة، وليس على الحمر صدقة، وليس على البغال صدقة، وليس على الإبل التى يسقى عليها الماء للنّواضح صدقة» .
وعن أبى عمرو عبد الله بن يزيد الحرّانىّ، قال: حدّثنى سليمان بن أرقم، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة أنّ النّبىّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا صدقة فى الكسعة والجبهة والنّخّة» ؛ فسّره أبو عمرو، الكسعة: الحمير. والجبهة: الخيل.
والنّخّة: العبيد. ويقال: النّخّة، البقر العوامل؛ قال ثعلب: هذا هو الصواب، لأنّه من النّخّ، وهو السّوق الشديد؛ وقال الكسائىّ: إنما هو النّخّة بالضمّ، قال:
وهو البقر العوامل؛ وقال الفرّاء: النّخّة بالفتح، أن يأخذ المصدّق دينارا لنفسه بعد فراغه من أخذ الصدقة، وأنشد:
عمّى الذى منع الدّينار صاحبه ... دينار نخّة كلب وهو مشهود
وعن علىّ- رضى الله عنه- قال: قال النّبىّ صلى الله عليه وسلم: «عفوت لكم عن الخيل والرّقيق» . وعنه- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد عفوت لكم عن الخيل والرّقيق فهاتوا صدقة الرقة من كلّ أربعين درهما درهما، وليس فى تسعين ومائة شىء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة
(9/379)

دراهم» . وفى لفظ آخر عنه، عن النّبىّ صلى الله عليه وسلم قال: «فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شىء- يعنى فى الذهب- حتّى يكون لك عشرون دينارا وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك» . قال الجوهرىّ: الورق، الدراهم المضروبة، وكذلك الرّقة، والهاء عوض من الواو؛ وفى الورق ثلاث لغات حكاهنّ الفرّاء: ورق، وورق، وورق.
وعن جابر بن عبد الله- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله عزّ وجلّ تجوّز لكم عن صدقة الخيل والرّقيق» .
وعن عبد الله بن دينار قال: سألت سعيد بن المسيّب، فقلت: أفى البراذين صدقة؟ فقال: أفى الخيل صدقة؟. وعن حارثة بن مضرّب قال: جاء ناس من أهل الشأم إلى عمر فقالوا: إنا قد أصبنا أموالا خيلا ورقيقا نحبّ أن يكون لنا فيها زكاة وطهور؛ فقال: ما فعله صاحباى فأفعله، فاستشار أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم وفيهم علىّ- رضى الله عنه- فقال علىّ: «هو حسن إن لم تكن جزية يؤخذون بها بعدك «1» » .
وعن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار أنّ أهل الشأم قالوا لأبى عبيدة: خذ من خيلنا ورقيقنا صدقة، فأبى؛ ثم كتب إلى عمر بن الخطّاب، فأبى، فكلّموه أيضا، فكتب إلى عمر، فكتب إليه أيضا عمر: إن أحبّوا فخذها منهم وارددها، يعنى فى فقرائهم.
(9/380)

فدلّت هذه الأحاديث والأخبار على أن لا صدقة فى الخيل السائمة ولا فى الرّقيق إذا كانوا للخدمة، إلّا أن يكونوا للتجارة، فان كانوا للتجارة ففى أثمانهم أو قيمهم الزكاة إذا حال عليها الحول، وعلى هذا مذهب الجمهور؛ وذهب أبو حنيفة- رحمه الله- دون صاحبيه إلى وجوب الزّكاة فى الخيل السائمة إذا كانت إناثا، أو إناثا وذكورا، وقال: هو مخيّر بين أن تقوّم وتؤخذ الزكاة من القيمة، وبين أن يخرج عن كلّ فرس دينارا؛ واحتجّوا له بقوله عليه السلام: «ثم لم ينس حقّ الله فى رقابها وظهورها» ؛ قال المخالف لهم: وليس فيه دليل من وجهين: أحدهما أنّه صلى الله عليه وسلم لمّا ذكر الإبل السائمة وقال: «فيها حقّ» سئل عن ذلك الحقّ ما هو؟ فقال: «إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنحة لبنها أو سمنها، وحلبها على الماء، وحمل عليها فى سبيل الله» ؛ فلمّا كانت الإبل فيها حقّ سوى الزكاة احتمل أن يكون فى الخيل أيضا حقّ سوى الزكاة؛ وقد روى التّرمذىّ»
وابن ماجة حديث فاطمة بنت قيس، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ فى المال حقّا سوى الزّكاة» وتلا هذه الآية (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)
الخ الآية؛ فيجوز أن يحمل الحقّ فى رقابها وظهورها على هذا الوجه. الثانى أن يحمل الحقّ فيها على التأكيد لا على الوجوب، كقوله «2» صلّى الله عليه وسلم فى حديث معاذ: «وحقّ العباد «3» على الله عزّ وجلّ أن لا يعذّبهم اذا فعلوا
(9/381)

ذلك» ، فهذا محمل قوله عليه السلام: «ثم لم ينس حقّ الله فى رقابها» وتأويله.
قال شيخنا شرف الدّين عبد المؤمن بن خلف الدّمياطىّ- رحمه الله-: ولنا أن نقول فيه أيضا: هو مجمل، والأحاديث المتقدّمة مفسّرة تقضى «1» عليه، وظواهرها حجج متضافرة على ترك الزكاة فى الخيل؛ قال: فهذا وجهه من طريق السنّة والأثر؛ وأمّا وجهه من طريق النظر فمن وجهين: أحدهما أن السّوم فى الخيل نادر عند العرب، فلا زكاة فيها كالبغال والحمير، الثانى أنّ الزكاة لو وجبت فى الخيل لتعدّى ذلك إلى ذكورها قياسا على المواشى من الإبل والبقر والغنم. وقال الطّبرىّ والطّحاوىّ: والنظر أنّ الخيل فى معنى البغال والحمير التى قد أجمع الجميع على أن لا صدقة فيها، وردّ المختلف [فيه] إلى المتّفق «2» عليه إذا اتّفقا فى المعنى أولى. وقال أبو عبيد: وكان بعض الكوفيّين يرى فى الخيل صدقة اذا كانت سائمة يبتغى منها النسل، فقال: إن شاء أدّى عن كلّ فرس دينارا، وإن شاء قوّمها ثم زكّاها؛ قال: وإن كانت للتجارة كانت كسائر أموال التجارة يزكّيها؛ قال أبو عبيد: أمّا قوله فى التّجارة فعلى ما قال؛ وأمّا إيجابه الصدقة فى السائمة فليس هذا على اتباع السنّة، ولا على طريق النظر، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عفا عن صدقتها، ولم يستثن سائمة ولا غيرها؛ وأمّا فى النظر، فكان يلزمه اذا رأى فيها صدقة أن يجعلها كالماشية تشبيها بها، لأنّها سائمة مثلها، فلم يصر إلى واحد من الأمرين؛ وقد جاء عن غير واحد من التابعين إسقاط الزكاة من سائمتها، فروى عن الحسن
(9/382)

أنّه قال: «ليس فى الخيل السائمة صدقة» ؛ وعن عمر بن عبد العزيز قال: «ليس فى الخيل السائمة زكاة» ؛ وقال أبو عبيد: وقد قال مع هذا بعض من يقول بالحديث ويذهب اليه: إنه لا صدقة فى سائمتها ولا فيما كان منها للتجارة أيضا؛ يذهب الى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قد عفونا لكم عن صدقة الخيل والرّقيق» ؛ فجعله عامّا، فلا زكاة فى شىء منها؛ قال أبو عبيد: فأوجب ذلك الأوّل الصدقة عليها فى الحالين جميعا، وأسقطها هذا منهما كلتيهما؛ وأحد القولين عندى غلوّ، والآخر تقصير، والقصد «1» فيما بينهما هو أن تجب الصدقة فيما كان منها للتجارة، وتسقط من السائمة؛ على هذا وجدنا مذهب العلماء، وهم أعلم بتأويل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قول سفيان بن سعيد ومالك وأهل العراق وأهل الحجاز والشأم، لا أعلم بينهم فى هذا اختلافا؛ والله أعلم بالصواب.
كمل الجزء التاسع «2» من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويرىّ- رحمه الله تعالى- ويليه الجزء العاشر، وأوّله:
ذكر ما وصفت به العرب الخيل من ترتيبها فى السنّ وتسمية أعضائها وأبعاضها وألوانها وشياتها الخ والحمد لله رب العالمين
(9/383)