Advertisement

نهاية الأرب في فنون الأدب 010

فهرس الجزء العاشر
من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويري
.... صفحة
ذكر ما وصفت به العرب الخيل من ترتيبها فى السن، وتسمية أعضائها، وأبعاضها، وألوانها، وشياتها، وغررها، وحجولها الخ أما ترتيبها فى السن 1
وأما ما قيل فى تسميتها، وتسمية أعضائها وأبعاضها 1
وأما الوجه وما فيه مما لم يذكر فى خلق الانسان 2
وأما العنق وما فيه 3
وأما الظهر وما اتصل به من الوركين 4
وأما الصدر وما اتصل به من البطن 5
وأما الذراعان وما دونهما 5
وأما ألوانها وشياتها وغررها وحجولها وعصمها وما فيها من الدوائر 5
وأما الشية 12
وأما ما فى الفرس من الدوائر 16
وأما ما قيل فى طبائعها، وعاداتها، والمحمود من صفاتها ومحاسنها والعلامات الدالة على جودة الفرس ونجابته 19
(مقدمةج 10/1)

ومما يستحب من أوصافها فى الخلق 22
وأما عيوبها التى تكون فى خلقتها وفى جريها والتى تطرأ عليها وتحدث فيها 27
فأما التى فى خلقتها 27
وأما العيوب التى فى جريها 30
وأما العيوب التى تطرأ عليها وتحدث فيها 31
ذكر أسماء خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم 33
ذكر أسماء كرام الخيل المشهورة عند العرب 39
ذكر ما قيل فى أوصاف الخيل وتشبيهها نظما ونثرا 48
طرئف فى ذم الخيل بالهزال والعجز عن الحركة 65
ذكر ما وصفت به فى الرسائل المنثورة 67
الباب الثانى من القسم الثالث من الفن الثالث فى البغال والحمير ذكر ما قيل فى البغال 79
ذكر بغلات رسول الله صلى الله عليه وسلم 80
ذكر شىء مما وصفت به البغال 85
ذكر ما قيل فى الحمر الأهلية 93
ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الحمار 95
ذكر شىء مما وصفت به الحمير على طريقى المدح والذم 97
الباب الثالث من القسم الثالث من الفن الثالث فى الإبل والبقر والغنم ذكر ما قيل فى الإبل 103
أما تسميتها من حين تولد الى أن تتناهى سنها 104
وأما أسماء ما يركب منها ويحمل عليه 105
(مقدمةج 10/2)

وأما ما اختصت به النوق من الأسماء والصفات 106
ومن أوصافها فى السير 107
وأما ألوان الإبل 108
وأما ترتيب سيرها 108
وأما ما قيل فى المسير عليها والنزول للراحة والإراحة 109
ذكر أصناف الإبل وعاداتها وما قيل فى طبائعها 109
ذكر ما ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإبل 111
ذكر شىء مما وصفت به الإبل نظما ونثرا 115
ذكر ما قيل فى البقر الأهلية 120
ذكر ما قيل فى الجاموس 124
ذكر ما قيل فى الغنم الضأن والمعز 125
ذكر ترتيب سنّ الغنم 127
القسم الرابع من الفن الثالث فى ذوات السموم، وفيه بابان
الباب الأوّل ويشتمل على ما قيل فى الحيات والعقارب ذكر ما قيل فى الحيات 133
ذكر ما فى لحوم الحيات من المنافع والأدوية 140
ذكر شىء مما وصفت به الأفاعى 143
ذكر ما قيل فى العقارب 147
(مقدمةج 10/3)

... صفحة
الباب الثانى من القسم الرابع من الفن الثالث فيما هو ليس قاتلا بفعله من ذوات السموم ويشتمل على ما قيل فى الخنافس والوزغ والضب وابن عرس والحرباء والقنافذ والفئران والقراد والنمل والذر والقمل والصؤاب فأما الخنافس وما قيل فيها 152
وأما الوزغ وما قيل فيه 154
وأما الضب وما قيل فيه 155
وأما الحرباء وما قيل فيها 159
وأما ابن عرس وما قيل فيه 161
وأما القنافذ وما قيل فيها 162
وأما الفئران وما قيل فيها وأنواعها 166
فأما الجرذ والفأر 166
وأما الزباب 170
وأما الخلد 170
وأما اليربوع 170
وأما فأرة المسك 171
وأما فأرة الإبل 172
وأما القراد وما قيل فيه 172
وأما النمل والذرّ وما قيل فيهما 173
وأما القمل والصؤاب وما قيل فيهما 177
(مقدمةج 10/4)

القسم الخامس فى أجناس الطير وأنواع السمك وفيه سبعة أبواب: ستة منها فى الطير وباب فى السمك وذيل لذكر شىء مما قيل فى آلات صيد البر والبحر وهو باب ثامن
الباب الأوّل من القسم الخامس من الفن الثالث فى سباع الطير، ويشتمل على ما قيل فى العقاب والبزاة والصقور والشواهين وأصناف ذلك
ذكر ما قيل فى العقاب 181
وأما الزمج وهو الصنف الثانى من العقاب 184
ذكر ما قيل فى البازى وأصنافه 186
فأما البازى 186
وأما الزرّق 191
وأما الباشق 191
وأما العفصىّ 193
وأما البيدق 194
ذكر ما قيل فى الصقر وأصنافه 195
فأما الصقر 195
وأما الكونج وهو الصنف الثانى من الصقر 198
وأما اليؤيؤ وهو الصنف الثالث من الصقر 199
ذكر ما قيل فى الشاهين وأصنافه 200
فأما الشاهين 200
وأما الأنيقى وهو الصنف الثانى من الشاهين 203
وأما القطامى وهو الصنف الثالث من الشاهين 204
فصل فى ذكر ما ناسب الجوارح فى الافتراس وأكل اللحم الحىّ 204
(مقدمةج 10/5)

الباب الثانى من القسم الخامس من الفن الثالث فى كلاب الطير، ويشتمل على ما قيل فى النسر والرخم والحدأة والغراب
ذكر ما قيل فى النسر 206
ذكر ما قيل فى الرخم 207
ذكر ما قيل فى الحدأة 209
ذكر ما قيل فى الغراب وأصنافه 209
الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الثالث فى بهائم الطير، ويشتمل على ما قيل فى الدراج والحبارى والطاوس والديك والدجاج والحجل والكركى والإوز والبط والنحام والأنيس والقاوند والخطاف والقيق والزرزور والسمانى والهدهد والعقعق والعصافير
فأما الدراج وما قيل فيه 214
وأما الحبارى وما قيل فيه 215
وأما الطاوس وما قيل فيه 216
وأما الديك والدجاج وما قيل فيهما 217
ذكر ما جاء فى الديكة من الأحاديث وما عدّ من فضائلها وعاداتها ومنافعها 219
ذكر شىء مما وصفت به الشعراء البيضة والدجاجة والديك 226
ومما قيل فى الدجاجة والديك 227
وأما الحجل وما قيل فيه 233
وأما الكركىّ وما قيل فيه 234
وأما الإوز وما قيل فيه وأصنافه 235
وأما البط وما قيل فيه وأصنافه 236
(مقدمةج 10/6)

وأما النحام وما قيل فيه 237
وأما الأنيس وما قيل فيه 238
وأما القاوند وما قيل فيه 238
وأما الخطاف وما قيل فيه 238
وأما القيق والزرزور وما قيل فيهما 241
ما قيل فى القيق 241
وأما الزرزور 242
وأما السمانى وما قيل فيه 245
وأما الهدهد وما قيل فيه 246
وأما العقعق وما قيل فيه 248
وأما العصافير وما قيل فيها وأنواعها 249
فأما العصافير البيوتى 249
وأما عصفور الشوك 250
وأما عصفور النيلوفر 250
وأما القبرة 251
وأما حسون 251
وأما البلبل 252
الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الثالث فى بغاث الطير ويشتمل على ما قيل فى القمرىّ والدبسىّ والورشان والفواخت والشفنين واليعتبط والنوّاح والقطا واليمام وأصنافه والببغاء
أما القمرى وما قيل فيه 258
وأما الدبسىّ وما قيل فيه 258
وأما الورشان وما قيل فيه 259
(مقدمةج 10/7)

وأما الفواخت وما قيل فيها 259
وأما الشفنين وما قيل فيه 260
وأما اليعتبط وما قيل فيه 261
وأما النوّاح وما قيل فيه 261
وأما القطا وما قيل فيه 261
ذكر شىء من الأوصاف والتشبيهات الشعرية الجامعة لمجموع هذا النوع 265
وأما اليمام وأصنافه وما وصف به وما قيل فيه 268
فأما الرواعب 268
وأما المراعيش 268
وأما العدّاد 269
وأما الميساق 269
وأما الشدّاد 269
وأما القلّاب 269
وأما المنسوب 269
ذكر ما قيل فى طوق الحمامة 277
ذكر شىء مما وصفت به هذا النوع نظما ونثرا 279
وأما الببغاء وما قيل فيها 280
الباب الخامس من القسم الخامس من الفن الثالث فى الطير الليلى ويشتمل على ما قيل فى الخفاش والكروان والبوم والصدى
فأما الخفاش وما قيل فيه 283
وأما الكروان وما قيل فيه 285
(مقدمةج 10/8)

وأما البوم وما قيل فيه 285
وأما الصدى وما قيل فيه 286
الباب السادس من القسم الخامس من الفن الثالث فى الهمج وهو مما يطير كالنحل والزنبور والعنكبوت والجراد ودود القز والذباب والبعوض والبراغيث والحرقوص
فأما النحل وما قيل فيه 287
وأما الزنبور وما قيل فيه 289
وأما العنكبوت وما قيل فيه 290
وأما الجراد وما قيل فيه 292
وأما دود القز وما قيل فيه 297
وأما الذباب وما قيل فيه 298
وأما البعوض وما قيل فيه 301
وأما البراغيث وما قيل فيها 303
وأما الحرقوص وما قيل فيه 305
الباب السابع من القسم الخامس من الفن الثالث فى أنواع الأسماك
ذكر شىء من أنواع الأسماك 312
فأما الدلفين 313
وأما الرعاد 313
وأما التمساح 314
وأما السقنقور 315
(مقدمةج 10/9)

وأما السلحفاة واللجأة 316
وأما الفرس النهرى 317
وأما الجند بيدستر 318
وأما حيوان القندس والفاقم 319
وأما الضفادع 319
وأما السرطان وما قيل فيه 321
ذكر شىء من عجائب الحيوان المائى 322
الباب الثامن وهو الذيل على القسم الخامس من الفن الثالث ويشتمل على ذكر شىء مما وصفت به آلات الصيد فى البر والبحر ووصف رماة البندق وما يجرى هذا المجرى
ذكر شىء مما قيل فى رماة البندق 324
ومما ورد فى وصف الجلاهق نظما 348
ذكر شىء مما قيل فى سبطانة 350
ذكر شىء مما قيل فى عيدان الدبق 351
(مقدمةج 10/10)

الجزء العاشر
[تتمة الفن الثالث في الحيوان الصامت]
[تتمة القسم الثالث من الفن الثالث في الدواب والأنعام]
[تتمة الباب الأول من هذا القسم في الخيل]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ذكر ما وصفت به العرب الخيل:
«1» من ترتيبها فى السنّ، وتسمية أعضائها، وأبعاضها، وألوانها، وشياتها، وغررها، وحجولها، وعصمها، ودوائرها، وما قيل فى طبائعها وعاداتها، والمحمود من صفاتها ومحاسنها، والعلامات الدالّة على جودتها ونجابتها، وعدّ عيوبها التى تكون فى خلقها وجريها، والعيوب التى تطرأ عليها وتحدث فيها
أما ترتيبها فى السنّ
- فالعرب تقول: سنّ الفرس إذا وضعته أمه فهو «مهر» . ثمّ هو «فلوّ» «2» . فإذا استكمل سنة فهو «حولىّ» . ثمّ هو فى الثانية «جذع» . ثم فى الثالثة «ثنىّ» . ثم فى الرابعة «رباع» . ثم فى الخامسة «قارح» .
ثم هو الى نهاية عمره «مذكّ» .
وأما ما قيل فى تسميتها
، وتسمية أعضائها وأبعاضها- فقد قالوا:
الخيل مؤنّثة، ولا واحد لها من جنسها، وجمعها خيول. ويقال فى صفاتها: «أذن مؤلّلة» و «مرهفة» ، أى محدّدة الطرف. قال عدىّ بن الرّقاع:
(10/1)

تخوض «1» فى فرجات النّقع دامية ... كأنّ آذانها أطراف أقلام
و «حشرة» : صغيرة مستديرة. و «مقدودة» : مدوّرة. وأذن «غضنفرة» أى غليظة. و «زبعراة» أى غليظة شعراء. و «خذاويّة» أى خفيفة السمع.
قال عدىّ بن زيد:
له أذنان خذاويّتا ... ن والعين «2» تبصر ما فى الظّلم
ثم «الناصية» وهى الشعر السائل على الجبهة، يقال: «واردة» وهى الطويلة.
و «جثلة» وهى الكثيرة الملتفّة. و «الفاشغة» و «الغمّاء» «3» وهى الكثيرة المنتشرة.
و «السّفواء» «4» وهى القليلة. و «عصفورها» : أصل منبت شعرها. و «قونسها» «5» :
العظم الناتئ «6» بين الأذنين.
وأما الوجه وما فيه مما لم يذكر فى خلق الإنسان
- «النّواهق» «7» » وهما عظمان شاخصان فى وجهه من الجبهة الى المنخرين. و «اللهزمتان» : ما اجتمع من اللحم فى معظم الجبين. و «عين مغربة» أى بيضاء الحماليق وما حولها.
و «خيفاء» : إذا كانت إحداهما سوداء والأخرى زرقاء. و «المحملقة» : التى حول مقلتيها بياض لم يخالف السّواد.
(10/2)

و «أنف مصفّح» أى معتدل القصبة. و «السّمّ» : ثقبه «1» ، قال «2» :
ومنخرا واسعة سمومه
وقال مزاحم بن طفيل الغنوىّ، وقيل: العبّاس بن مرداس السّلمىّ،:
ملء «3» الحزامين وملء العين ... ينفش عند الرّبو «4» منخرين
كنفش كيرين بكفّى قين «5»
و «الجحفلة» : الشّفة. و «الفيد» : الشّعر النابت عليها. و «الشّدقان» :
مشقّ الفم إلى حدّ اللجام.
وأما العنق وما فيه
«فالمعرفة» : موضع العرف. و «العرف» :
شعر أعلى العنق. و «العذرة» : ما على المنسج يقبض عليه الفارس اذا ركب.
و «العرشان» : اللحمان من جانبى العرف. و «الجران» «6» : جلد أسفل العنق.
و «الدّسيع» : مركّب العنق فى الكاهل. قال سلامة [بن جندل «7» ] :
يرقى الدّسيع الى هاد له بتع «8» ... فى جؤجؤ «9» كمداك الطّيب مخضوب
(10/3)

و «اللّبان» : ما جرى عليه اللّبب. ويقال: «عنق قوداء» أى طويلة. و «سطعاء» أى طويلة منتصبة غليظة. و «تلعاء» : منتصبة غليظة الأصل مجدولة الأعلى.
و «دنّاء» أى مطمئنّة من أصلها. و «هنعاء» : مطمئنّة من وسطها. و «وقصاء» :
قصيرة. و «مرهفة» : رقيقة «1» .
وأما الظهر وما اتصل به من الوركين
- فمنه: «المتنان» وهما لحمان يكتنفان الظهر من مركّب العنق الى علوة ظهر الذّنب. و «الحارك» : عظم مشرف من بين فرعى الكتفين. و «القردودة» : حدّ الفقار. و «الفقار» : المنتظمة فى الصّلب. و «الصّهوة» : مقعد الفارس. و «القطاة» : مقعد الرّدف خلفه.
و «المعدّان» : موضع السّرج من جنبيه. قال شاعر «2» :
فإمّا زال سرجى «3» عن معدّ ... وأجدر «4» بالحوادث أن تكونا
و «الصّرد» : بياض «5» على الظهر. و «الغرابان» : ملتقى أعالى الوركين فى ناحية الصّلب. و «الصّلوان» : ما أسهل من جانبى الوركين. و «العجب» : ما ارتفع من أصل الذّنب. و «العلوة» : أصله. و «العسيب» : عظم الذّنب. والأعوج العسيب: «أعزل» .
(10/4)

وأما الصدر وما اتصل به من البطن
- فمنه: «الكلكل» : ما مسّ الأرض من فهدتيه. و «الفهدتان» : اللّحمتان الناتئتان فى الصدر. و «المحزم» :
ما شدّ عليه الحزام. «والناحران» «1» : عرقان يودج منهما.
وأما الذّراعان وما دونهما- «المرفقان» : مآخير رءوس الذّراع.
و «الخصيلة» «2» : لحمة الذراع مع العصب. و «الصّافن» : عرق الذراع. و «الحبال» :
عصبها. و «الرّقمتان» : لحمتان «3» فى باطنهما لا تنبتان شعرا. و «الرّكبة» «4» : موصل ما بين الذّراع والوظيف. و «الوظيفان» : العظمان تحت الركبتين والعرقوبين.
و «الرّضفتان» : «5» عظمان مستديران على الرّكبة. و «السّنبك» : طرف مقدّم الحافر.
و «النّسر» : ما يتطاير من أسفله كالنّوى. و «المنقل» : مجتمع الحافر من باطنه.
و «ألية الحافر» : مؤخّره. ويقال: حافر أرحّ «6» : منبطح السّنابك. و «فرشاح» أى منبطح. و «وأب» : مقعّب. و «مضرور» : مضموم صغير. و «مكنب» «7» أى كثيف. والله أعلم بالصواب.
*** وأما ألوانها وشياتها وغررها وحجولها وعصمها وما فيها من الدوائر
[أما ألوانها]
من ألوانها: «البهيم والمصمت» :
كلّ ذى لون واحد لاشية فيه،
(10/5)

إلا الأشهب فإنه لا يقال له بهيم. يقال: فرس مصمت، والأنثى مصمته، والجمع مصامت. وكذلك يقال فى قوائم الفرس اذا لم يكن بهنّ تحجيل. قال أبو «1» حاتم:
مبهمة مصمته القوائم
ومن ألوان الخيل: «الدّهم» ،
وهى ستة: «أدهم غيهب» وهو أشدّها سوادا، والأنثى غيهبة. والغيهب: الظلمة، والجمع غياهب. وكذلك «الغربيب» .
و «الحالك» . و «أدهم دجوجىّ» : صافى السّواد؛ وقيل: هو مأخوذ من الدّجّة، وهى شدّة السواد والظّلمة. و «أدهم يحموم وأدهم أحمّ» وهو الذى أشربت سراته «2» وحجزته حمرة. قال أبو تمام:
أو «3» أدهم فيه كمتة أمم ... كأنه قطعة من الغلس
ثم «أدهم أكهب» وهو إلى الكدرة.
ثم «أحوى» والجمع حوّ؛ وهو أهون سوادا من الجون، ومناخره محمّرة، وشاكلته مصفرّة. والأحوى أربعة ألوان: «أحوى أحمّ» وهو المشاكل للدّهمة والخضرة؛ ولا فرق بينه وبين الأخضر الأحمر إلا باحمرار مناخره واصفرار شاكلته.
و «أحوى أصبح» وهو الذى تقلّ حمرة مناخره فتصير الى السواد ويكون البياض فيه غالبا على أطراف المنخرين. و «أحوى أطحل» وهو الذى تعتريه صفرة وخضرة
(10/6)

مخالطتان لكدرة. و «أحوى أكهب» . والكهب: قلّة ماء اللّون وكدرته فى موضع المنخرين فى حمرتهما وفى سواد السّراة فى بياض الأقراب.
ومنها الخضر
«1» - وهى أربعة: «أخضر أحمّ» وهو أدناها إلى الدّهمة. قال الشاعر:
خضراء حمّاء كلون العوهق
وهو اللّازورد. و «أخضر أدغم» وهو الأخطب لون وجهه وأذنيه ومناخره.
وهذا اللّون يسمّى بالفارسيّة «ديزجا» «2» . و «أخضر أطحل» وهو الذى تعلو خضرته صفرة. و «أخضر أورق» وهو الذى كلون الرّماد.
ومنها الكميت
- والجمع كمت، والذكر والأنثى فيه كميت، وهى تسعة.
قالوا: وكميت من الأسماء المصغّرة المرخّمة التى لا تكبير لها، من أكمت بمنزلة حميد من أحمد، غير أن أكمت لم يستعمل. والكميت بين الأحوى والأصدأ، وهو أقرب من الشّقر والوراد الى السواد وأشدّ منها حمرة. والفرق ما بين الكميت والأشقر بالعرف والذّنب، فإن كانا أحمرين فهو أشقر، وإن كانا أسودين فهو كميت؛ والورد بينهما. والكميت أحبّ الألوان الى العرب. ومن ألوانه: «كميت أحمّ» وهو الذى يشاكل الأحوى، غير أنه تفصل بينهما حمرة أقرابه ومراقّه ومربطائه.
والمريطاء: الجلدة التى بين العانة والسّرّة. والأقراب: من الشاكلة التى هى الخاصرة
(10/7)

الى مراقّ البطن، واحدها: قرب وقرب. قال الأصمعىّ: أشدّ الخيل جلودا وحوافر الكمت الحمّ. و «كميت أصحم» «1» وهو الأسود الذى يضرب الى الصّفرة.
و «كميت أطخم» والطّخمة: سواد فى مقدّم الأنف. و «كميت مدمّى» وهو الشديد الحمرة وكلّما انحدر الى مراقّ البطن يزداد صفاء. و «كميت أحمر» وهو أشدّ حمرة من المدمّى، وهو أحسن الكميت. و «كميت مذهب» وهو الذى تعلو حمرته صفرة.
و «كميت محلف» وهو أدنى الكمت الى الشّقرة وظاهر شعر ذنبه وعرفه كلون جسده وباطنه أسود، والأنثى محلفة. وأنشدوا «2» :
كميت غير محلفة «3» ولكن ... كلون الصّرف «4» علّ به الأديم
قال أبو خيرة: المحلف بين الأصهب والأحمر، وهو من الإبل الأصحر. و «كميت أكلف» وهو الذى لم تصف حمرته ويرى فى أطراف شعره سواد. و «كميت أصدأ» وهو الذى فيه صدأة أى كدرة بصفرة قليلة، شبّهت بلون صدأ الحديد.
ومنها الوراد
- وهى جمع ورد وهى ثلاثة- والورد هو الذى تعلوه حمرة الى الشّقرة الخلوقيّة «5» وجلده وأصول شعره سود. وقيل: الوردة: حمرة تضرب
(10/8)

الى الصّفرة. وتحقيقه أنه بين الكميت الأحمر وبين الأشقر- منها: «ورد خالص» و «ورد مصامص» وهو الخالص أيضا، والأنثى مصامصة. و «ورد أغبس» «1» تدعوه العجم «السّمند» وهو الذى لونه كلون الرّماد.
ومنها الشّقر
- وهى تسعة- والأشقر: أشدّ حمرة من الورد- يقال: «أشقر أدبس» وهو الذى لونه بين السواد والحمرة. و «أشقر خلوقىّ» . و «أشقر أصبح» وهو قريب من الأصهب. والصّهبة: الشّقرة فى شعر الرأس. و «أشقر سلّغد» وهو الذى خلصت شقرته، والأنثى سلّغدة، والجمع سلّغدات. قال شاعر:
أشقر سلّغد وأحوى أدعج ... أصكّ أظمى «2» وحيفس «3» أفلج «4»
و «أشقر قرف» والأنثى قرفة، والجمع قروف وقراف وأقراف وهو كالسّلغد.
و «أشقر مدمّى» وهو الشديد الحمرة. و «أشقر أقهب» . والقهبة: غبرة إلى سواد.
وقال ابن الأعرابىّ: الأقهب: الذى فيه حمرة فيها غبرة. و «أشقر أمغر» ، وهو الذى تعلو شقرته مغرة، أى كدرة. و «أشقر أفضح» : بيّن الفضحة، وهى البياض ليس بالشديد.
ومنها الصّفر
- وهى أربعة: «أصفر فاقع» . و «أصفر أعفر» وهو بياض تعلوه حمرة. و «أصفر ناصع» . و «أصفر ذهبىّ» وهو الذى يضرب إلى البياض، وهو السّوسنىّ «5» .
(10/9)

ومنها الشّهب
- وهى خمسة. والأشهب: كلّ فرس تكون شعرته على لونين ثم تفترق شعراته «1» فلا تجمع واحدا من اللّونين شعرات تخلص بلون كقدر «2» النّكتة فما فوقها. وقيل: الأشهب الأبيض الشّعرة ليس بالبياض الصّافى القرطاسىّ وجلده أسود يقال له «أشهب أبيض» . والشّهبة فى الألوان: البياض الذى يغلب على السّواد. ويقال للأشهب أيضا: أضحى، والأنثى ضحياء. وأسماء ألوانه:
«أشهب ناصع» . و «أشهب أحمّ» «3» وهو أسود تنفذه شعرات بيض. و «أشهب زرزورىّ» وهو الذى اعتدل فيه السواد والبياض. و «أشهب مفلّس» وهو الذى خالط بياضه سواد أو حمرة. و «أشهب سامرىّ» وهو الذى شهبته بسواد أورق.
ومنها الجون
«4» - وهو اختلاط بياض بحمرة الأشقر أو الكميت.
ومنها الصّنابىّ
- وهو دهمة فيها شهبة، أو كمتة فيها شهبة أقلّ من بياض الأشهب. نسب الى الصّناب وهو الخردل بالزبيب.
ومنها الأغبر
- وهو أشقر شملت شقرته شهبة.
ومنها الأبرش
- وهو الذى فيه لمع «5» بياض كالرّقط «6» ، وقيل: هو الذى يكون فى شعره نكت صغار تخالف سائر لونه، وإنما يكون ذلك فى الدّهم والشّقر خاصّة، وربما أصابها ذلك من شدّة العطش. فإذا عظمت النّكت فهو «مدنّر» . واذا كان فى جسده بقع متفرّقة مخالفة للونه فهو «ملمّع» و «أبقع» و «أشيم» . وقيل: الأشيم: أن تكون
(10/10)

فيه شامة بيضاء؛ وقيل: قد تكون الشّامة غير بيضاء. واذا كان فى الشامة استطالة فهو «مولّع» . وقال ابن بنين «1» : إذا كان فى الدابّة عدّة ألوان من غير بلق فذلك التوليع، يقال: برذون مولّع. واذا كانت الشامة فى مؤخّره أو شقّه الأيمن كرهت.
ومنها العرسىّ
- وهو الذى يشبه لون ابن عرس.
ومنها الأنمر
- وهو الذى يكون فيه بقعة بيضاء وبقعة أخرى من أىّ لون كان.
ومنها الأبلق
- وهو ما يكون نصف لونه أو ما قارب النصف أبيض، والنصف الآخر أسود أو أحمر.
ومنها الأغشى
(بالغين المعجمة) - وهو ما ابيضّ رأسه دون جسده مثل الأرخم «2» .
ومنها الأبيض
- وهو الذى ابيضّ شعره بياضا مثل بياض الأوضاح أشدّ ما يكون من البياض وأصفاه لا يخالطه شىء من الألوان فيقال، فيه: أبيض قرطاسىّ. وربما كان أزرق العين أو أسود «3» أو أكحل. ويدعى بما فى عينيه من زرقة وسواد وكحل؛ ولا يكون أكحل حتى تسودّ أشفار عينيه وجفونه.
قال الشيخ «4» رحمه الله تعالى فى كتابه « [فضل] الخيل» : «وألوان الخيل أدهم، وأخضر، وأحوى، وكميت، وأشقر، وأصفر، وأشهب، وأبرش، وملمّع، ومولّع،
(10/11)

وأشيم. هذا قول أبى عبيدة. وقال الأبيوردىّ فى رسالته: الدّهمة، ثم الحوّة، ثم الصّدأة، ثم الخضرة، ثم الكمتة، ثم الوردة، ثم الشّقرة، ثم الصّفرة، ثم العفرة، ثم الشّهبة» . هذا ما وقفنا عليه من ألوانها. والله أعلم.
*** وأما الشّية
وجمعها شيات- فقالوا: كلّ لون يخالف معظم لون الفرس فهو «شية» . فإذا لم يكن فيه شية فهو «أصمّ» و «بهيم» من أىّ الألوان كان، والأنثى أيضا بهيم. وكذلك فرس «مصمت» بمنزلة البهيم من أىّ لون كان، والأنثى مصمتة، والجمع مصامت. وقد تقدّم ذكر ذلك. فلنذكر الشّيات.
من الشّية-: الغرّة، والقرحة، والرّثمة، والتّحجيل، والسّعف، والنّبط، والصّبغ، والشّعل، واللّمظ، واليعسوب، والتعميم، والبلق.
فالغرّة
-: البياض فى الوجه؛ وهى أنواع: لطيم، وشادخة، وسائلة، وشمراخ، ومتقطّعة»
، وشهباء.
ف «اللّطيم» : الذى يصيب البياض عينيه أو إحداهما أو خدّيه أو أحدهما، والأنثى أيضا لطيم. فإذا فشت فى الوجه ولم تصب العين فهى «شادخة» . فإذا اعتدلت على قصبة الأنف وإن عرضت فى الجبهة فهى «سائلة» . واذا دقّت وسالت فى الجبهة وعلى قصبة الأنف ولم تبلغ الجحفلة فهى «شمراخ» . وكلّ بياض فى جبهة [الفرس «2» ] فشا أوقلّ ينحدر حتى يبلغ المرسن «3» ثم ينقطع فهى غرّة «متقطعة» . واذا كان البياض فى منخريه ثم ارتفع مصعدا حتى يبلغ بين عينيه ما لم يبلغ جبهته فهى أيضا غرّة متقطعة.
(10/12)

وإذا كان فى الغرّة شعر يخالف البياض فهى غرّة «شهباء» . وقال ابن قتيبة: «إن سالت غرّته ودقّت فلم تجاوز العينين فهى «العصفور» . وإن أخذت جميع وجهه غير أنه ينظر فى سواد فهى «المبرقعة» . فإن فشت حتى تأخذ العينين فتبيضّ أشفارهما فهو «مغرب» . فإن كانت إحدى عينيه زرقاء والأخرى كحلاء فهو «أخيف» .
وأما القرحة
- وهى دون الغرّة؛ فقال ابن قتيبة: الغرّة: ما فوق الدّرهم، والقرحة: قدر الدرهم فما دونه. قالوا: والقرح: كلّ بياض كان فى جبهة الفرس ثم انقطع قبل أن يبلغ المرسن. وتنسب القرحة الى خلفتها فى الاستدارة والتثليث والتربيع والاستطالة والقلّة؛ فإذا قلّت قيل: «خفيّة» . وإذا كان فى القرحة شعر يخالف البياض فهى «قرحة شهباء» .
وأما الرّثمة
(بالثاء المثلثة) - فكلّ بياض أصاب الجحفلة العليا قلّ أو كثر فهو «رثم» إلى أن يبلغ المرسن. وتنسب الرّثمة إذا هى فشت الى الشّدوخ. وإذا لم تجاوز المنخرين نسبت الى الاعتدال. وإذا قلّت واشتدّ بياضها نسبت الى الاستنارة. وإذا لم يظهر بياضها للناظر حتى يدنو نسبت الى الخفية.
واللّمظة
- كلّ بياض أصاب الجحفلة السّفلى قلّ أو كثر فهو «لمظ» والفرس ألمظ.
واليعسوب
-: كلّ بياض يكون على قصبة الأنف قلّ أو كثر ما لم يبلغ العينين. وإذا شاب الناصية بياض فهو «أسعف» . فإذا خلص البياض فى الناصية فهو «أصبغ» . فإذا انحدر البياض الى منبت الناصية فهو «المعمّم» . وإذا كان فى عرض الذّنب بياض فهو «أشعل» . والعرب تكره شعلة الذّنب. وإذا كان فى قمعة الذّنب، وهى طرفه، بياض فهو «أصبغ» . وإذا ارتفع البياض حتى يبلغ البطن
(10/13)

فهو «أنبط» . وإذا ظهر البياض وزاد فهو «أبلق» . وقال ابن قتيبة «1» وابن الأجدابى «2» :
إذا كان الفرس أبيض الظّهر فهو «أرحل» ، وإن كان أبيض البطن فهو «أنبط» .
وقال غيرهما: «الأدرع» من الخيل والشاء: الذى اسودّ رأسه ولون سائره أبيض، والأنثى «درعاء» ، من الدّرعة «3» . و «الأخصف» من الخيل والغنم: الأبيض الخاصرتين الذى ارتفع البلق من بطنه الى جنبيه، ولونه كلون الرّماد فيه سواد وبياض. وقيل: كلّ ذى لونين مجتمعين فهو خصيف وأخصف؛ وأكثر ذلك السواد والبياض. ويقال: فرس «آزر» إذا كان أبيض العجز.
*** ومن الشّية التحجيل
- وهو البياض فى قوائم الفرس الأربع، أو فى ثلاث منها، أو فى رجليه قلّ أو كثر إذا استدار حتى يطيف بها. وأصل الحجلة من الحجل (بفتح الحاء وكسرها) وهو القيد والخلخال. قال ابن الأجدابىّ: فإن كانت قوائمه الأربع بيضاء لا يبلغ البياض منها الركبتين «4» فهو «محجّل» . وطليق اليد وطلق اليد (بفتح الطاء وإسكان اللام وبضمهما أيضا) : إذا كانت على لون البدن ولم يكن بها بياض. فإذا أصاب البياض القوائم كلها فهو «محجّل أربع» . وإن
(10/14)

كان فى ثلاث قوائم فهو «محجّل ثلاث» مطلق يد أو رجل يمنى أو يسرى. وكلّ قائمة بها بياض فهى «ممسكة» . وكلّ قائمة ليس بها وضح فهى «مطلقة» . فإن كان البياض فى الرجلين جميعا فهو «محجّل الرجلين» . وإن كان فى إحداهما فهو «الأرجل» ؛ وقد ذكرناه.
ولا يكون التّحجيل واقعا بيد ما لم يكن معها رجل أو رجلان، ولا بيدين ما لم يكن معهما رجل أو رجلان أو وضح بالوجه. فإن كان التحجيل فى يد ورجل من شقّ واحد فهو ممسك الأيامن مطلق الأياسر، أو ممسك الأياسر مطلق الأيامن، ويقال: الأيمنين والأيسرين. وإن كان من خلاف قلّ أو كثر فهو «مشكول» ؛ وهو مكروه فى الحديث. «1» وقد تقدّم ذكره.
ومنها العصم
- وهو إذا كان البياض بإحدى يديه قلّ أو كثر فهو «أعصم» اليمنى أو اليسرى. واسم العصمة مأخوذ من المعصم وهو موضع السّوار من الساعد. فإن كان البياض فى يده اليسرى قيل: «منكوس» ؛ وهو مكروه. وإن كان البياض بيديه جميعا فهو أعصم اليدين، إلا أن يكون بوجهه وضح فهو «محجّل» ذهب عنه العصم. فإن كان بوجهه وضح وبإحدى يديه بياض فهو أعصم، لا يوقع عليه وضح الوجه اسم التّحجيل اذا كان البياض بيد واحدة.
ووضح القوائم: الخاتم، والإنعال، والتّخديم، والصّبغ، والتّجبيب، والمسرول، والأخرج، والتّسريح، فأقلّ وضح القوائم «الخاتم» وهو شعرات بيض.
فإذا جاوز ذلك حتى يكون البياض واضحا فهو «إنعال» ما دام فى مؤخّر رسغه مما يلى الحافر. فإذا جاوز الأرساغ فهو «تخديم» . وإذا ابيضّت الثّنّة «2» كلّها ولم يتّصل
(10/15)

بياضها ببياض التحجيل فهو «أصبغ» . وإذا ارتفع البياض فى القوائم الى الجبب «1» فما فوق ذلك ما لم يبلغ الركبتين والعرقوبين فهو «التّجبيب» . فإذا بلغ التجبيب الركبتين والعرقوبين فهو «مسرول» حتى يخرج من الذراعين والسّاقين. فإذا خرج من الذراعين والساقين فهو «أخرج» . وكلّ بياض فى التحجيل مستطيل فهو «تسريح» . والله أعلم.
*** وأما ما فى الفرس من الدوائر
- فمنها: «دائرة المحيا» وهى اللّاصقة بأسفل الناصية. و «دائرة اللّطمة» فى وسط الجبهة، فإن كانت دائرتان فى الجبهة قيل: فرس نطيح «2» . و «دائرة اللّاهز» : التى تكون فى اللهزمة. و «دائرة العمود» وتسمّى المعوّذ أيضا وهى فى موضع القلادة. و «دائرة السّمامة» فى وسط العنق.
و «دائرتا البنيقين «3» » وهما اللّتان فى نحر الفرس. و «دائرة النّاحر» «4» : التى فى الجران إلى أسفل من ذلك. و «دائرة القالع» : التى تكون تحت اللّبد. و «دائرة الهقعة» فى الشّقّين «5» ، وتدعى النافذة أيضا، وقيل: هى التى تكون فى عرض زوره.
و «دائرة النّافذة» وهى دائرة الحزام. و «دائرتا الصّقرين» فى الحجبتين والقصريين-
(10/16)

والحجبة: رأس الورك. والقصرى: الضّلع التى تلى الشاكلة- و «دائرة الخرب» تكون تحت الصّقرين. و «دائرة الناخس» تكون تحت الجاعرتين الى الفائلين.
وهما عرقان فى الفخذ. والجاعرتان: حرفا الوركين المشرفان على الفخذين، وهما مضرب الفرس بذنبه على فخذيه، وهما موضع الرّقمتين من است الحمار.
وكانت العرب تستحبّ من هذه الدوائر: المعوّذ، والسّمامة، والهقعة. وقيل:
استحبّوا الهقعة ثم كرهوها. يقال: إن المهقوع لا يسبق أبدا. وكانوا يكرهون النّطيح، واللّاهز، والقالع، وقيل: الناخس أيضا. وما سوى هذه الدوائر فغير مكروه.
*** وقال ابن «1» قتيبة: «والدوائر ثمانى عشرة دائرة. تكره منها «الهقعة» وهى التى تكون فى عرض زوره، ويقال: إنّ أبقى الخيل المهقوع. و «دائرة القالع» هى التى تكون تحت اللّبد. و «دائرة النّاخس» هى التى تكون تحت الجاعرتين الى الفائلين.
و «دائرة اللّطاة» فى وسط الجبهة، وليست تكره إذا كانت واحدة؛ فإذا كانت هناك دائرتان قالوا: فرس نطيح؛ وذلك مكروه. وما سوى هذه الدوائر غير مكروهة» .
ومن الدوائر التى ذكرتها الهند فى البركة والشؤم- قالوا: إذا كان فى موضع حكمته دائرة أو على جحفلته العليا دائرة كان ممّا يرتبط. وما كان منها ليس فى وجهه ولا فى صدره دارة «2» فمكروه ارتباطه. وما كان فى صدره دارة الى التّربيع، أو كان فى رأسه دارتان، أو على خاصرته أو على مذبحه دارة، أو فى عنقه أو على خطمه أو على أذنه شعر نابت كزهرة النبات، كان ذلك مما يرتبط وتقضى عليه الحوائج، ويكون صاحبه مظفّرا فى الحروب ولا يرى فى أموره إلّا خيرا.
(10/17)

وذكروا أيضا: أنه لا ينبغى أن يرتبط من الدّوابّ ما كان منها فى مقدّم يده دارة، وما كان أسفل من عينيه دارة، أو فى أصل أذنيه من الجانبين دارتان، أو على مأبضه «1» دارة، أو على محجره «2» دارة، أو فى خدّه أو فى جحفلته السّفلى أو على ملتقى لحييه دارة، أو فى بطنه شعر منتشر، أو على سرّته دارة، أو كانت أسنانه طالعة على جحفلته، أو له سنّان ناتئان بمنزلة أنياب الخنزير، أو فى لسبانه خطط سود لا خضر، وما كان منها أدبس «3» أو أبيض أو أصفر أو أشهب تعلوه حمرة وداخل حجافله ولهواته «4» وخارج لحييه سواد، وما كان منها أدهم وداخل جحافله أبيض، أو فى لهواته وداخل شدقه نقط سود وجحفلته خارجها منقّط كحبّ السمسم، أو على منسجه دارتان، أو على خصييه وبر أسود مخالف للونه، أو كان فى جبهته شعرات [مخالفة للونه «5» ] ، أو ما كان منها حين ينتج يرى خصياه ظاهرين «6» - فهذه العلامات زعم حنّة «7» الهندىّ أنه لا ينبغى لأحد أن يرتبط دابّة بها شىء منها. وزعم أنه يستحبّ أن يرتبط ما كان فى صدره أربع نقط فى أربعة مواضع، أو شعر ملتفّ عرضا وطولا، أو شعر ملتو.
(10/18)

وأما ما قيل فى طبائعها، وعاداتها، والمحمود من صفاتها، ومحاسنها، والعلامات الدالّة على جودة الفرس ونجابته:
قالت العرب: والخيل نوعان: عتيق وهو المسمى فرسا، وهجين وهو المسمّى برذونا. والفرق بينهما أنّ عظم البرذون أغلظ من عظم الفرس؛ وعظم الفرس أصلب وأثقل من عظم البرذون؛ والبرذون أحمل من الفرس، والفرس أسرع من البرذون؛ والعتيق بمنزلة الغزال، والبرذون بمنزلة الشاة.
وفى طبع الفرس: الزّهو، والخيلاء، والعجب، والسرور بنفسه، والمحبّة لصاحبه.
وفى طبعه: أنه لا يشرب الماء إلا كدرا؛ حتى إنه يرد الماء وهو صاف فيضرب بيده فيه حتى يكدّره ويعكّره. وربما ورد الماء الصافى وهو عطشان فيرى خياله فيه فيتحاماه ويأباه، وذلك لفزعه من الخيال الذى يراه فى الماء. وهو يوصف بحدّة البصر. وفى طبعه: أنه متى وطئ أثر الذئب خدرت قوائمه حتى لا يكاد يتحرّك، ويخرج الدّخان من جلده؛ وإذا وطئته الأنثى وهى حامل أزلقت. «1» والأنثى من الخيل تحمل سنة كاملة؛ هذا هو المعروف من عادتها. وأخبرنى بعض من أثق الى قوله أنه كان يملك حجرا «2» تحمل ثلاثة عشر شهرا. وسمعت أن عند التّتر «3» جنسا من خيلها تحمل الفرس منها تسعة أشهر وتضع. وقال لى الناقل: إنّ هذا أمر مشهور عندهم معروف مألوف لا ينكرونه ولا يتعجبون.
(10/19)

فصل
- والعلامات الجامعة لنجابة الفرس الدالّة على جودته، ما ذكره أيّوب «1» ابن القرّيّة وقد سأله الحجّاج عن صفة الجواد من الخيل فقال: القصير الثلاث، الطويل الثلاث، الرّحب الثلاث، الصافى الثلاث. فقال: صفهنّ؛ فقال:
أما الثّلاث الطّوال فالأذن «2» والعنق والذّراع. وأما الثلاث القصار فالظّهر والسّاق والعسيب. وأما الثلاث الرّحبة فالجبهة والمنخر والجوف. وأما الثلاث الصافية فالأديم والعينان والحافر. وقد جمع بعض الشعراء ذلك فى بيت واحد فقال:
وقد أغتدى قبل ضوء الصّباح ... وورد القطا فى الغطاط «3» الحثاث
بصافى الثّلاث عريض الثلاث ... قصير الثلاث طويل الثلاث
وهذه الحكاية أيضا نقلت عن صعصعة بن صوحان وقد سأله معاوية: أىّ الخيل أفضل؟ فقال: الطويل الثلاث، العريض الثلاث، القصير الثلاث، الصافى الثلاث. قال معاوية: فسّر لنا؛ قال: أما الطويل الثلاث فالأذن والعنق والحزام.
وأما القصير الثلاث فالصّلب والعسيب والقضيب. وأما العريض الثلاث فالجبهة والمنخر والورك. وأما الصافى الثلاث فالأديم والعين وال؟؟؟ افر.
وقال عمر بن الخطّاب رضى الله عنه لعمرو بن معد يكرب: كيف معرفتك بعراب الخيل؟ قال: معرفة الإنسان بنفسه وأهله وولده؛ فأمر بأفراس فعرضت
(10/20)

عليه؛ فقال: قدّموا اليها الماء فى التّراس «1» ، فمن شرب ولم يكتف «2» فهو من العراب، وما ثنى سنبكه فليس «3» منها.
وقيل: أهدى عمرو بن العاص لمعاوية بن أبى سفيان ثلاثين فرسا من خيل مصر؛ فعرضت عليه وعنده عتبة بن سفيان بن يزيد الحارثى؛ فقال له معاوية: كيف ترى هذه يا أبا سفيان؟ فإن عمرا قد أطنب فى وصفها؛ فقال: أراها يا أمير المؤمنين كما وصف؛ وإنها لسامية العيون، لاحقة البطون؛ مصغية الآذان، قبّاء «4» الأسنان؛ ضحام الرّكبات، مشرفات الحجبات؛ رحاب المناخر، صلاب الحوافر؛ وضعها تحليل «5» ، ورفعها تقليل؛ فهى إن طلبت سبقت، وان طلبت لحقت. فقال معاوية:
اصرفها الى دارك، فإن بنا عنها غنى، وبفتيانك اليها حاجة.
وقال أبو عبيدة: يستدلّ على عتق الفرس برقّة جحافله وأرنبته، وسعة منخريه، وعرى نواهقه، ودقّة حقويه وما ظهر من أعالى أذنيه، ورقّة سالفتيه وأديمه، ولين شعره؛ وأبين من ذلك كلّه لين شكير «6» ناصيته وعرفه.
(10/21)

وكانوا يقولون: إذا اشتدّ نفسه، ورحب متنفّسه، وطال عنقه، واشتدّ حقوه، وانهرت شدقه، وعظمت فخذاه، وانشنجت «1» أنساؤه، وعظمت فصوصه، وصلبت حوافره ووقحت «2» ، لحق بجياد الخيل. والله أعلم.
ومما يستحبّ من أوصافها فى الخلق
- الأذن المؤلّلة، والناصية المعتدلة التى ليست بسفواء ولا غمّاء، والجبهة الواسعة، والعين الطامحة السامية، والخدّ الأسيل، ورحب المنخرين، وهرت الشّدقين- قال الشاعر «3» :
هريت «4» قصير عذار اللّجام ... أسيل طويل عذار الرّسن
قوله «5» : «قصير عذار اللجام» : لم يرد به قصر خدّه، وإنما أراد طول شقّ الفم.
ويدلّ على ذلك قوله فى البيت:
أسيل طويل عذار الرّسن
(10/22)

يريد طول خدّه- وقود العنق (لينها حتى لا تكون جاسئة «1» ) ، ورقّة الجحفلتين، وارتفاع الكتفين والحارك والكاهل.
قالوا: ويستحبّ أن يشتدّ مركّب عنقه فى كاهله لأنه يتساند إليه اذا أحضر، وعرض الصدر، وضيق الزّور، وارتفاع اللسان، وأن يشتدّ حقوه لأنه معلّق وركيه ورجليه فى صلبه، وعظم جوفه وجنبيه، وانطواء كشحه، وإشراف القطاة، وقصر العسيب، وطول الذنب، وشنج النّسا، واستواء الكفل حتى لا يكون أقرن، وملاسة الكفل، وقصر الساقين، وطول الفخذين، وتوتير الرّجلين حتى لا يكون أقسط «2» ، وتأنيف العرقوبين «3» حتى لا يكون أقمع، وغلظ الرّسغ، وأن تكون الحوافر صلابا سودا أو خضرا.
وحكى أن هارون الرشيد ركب فى سنة خمس وثمانين ومائة الى الميدان لشهود الحلبة، قال الأصمعىّ: فدخلت الميدان لشهودها «4» ، فجاء فرس أدهم لهارون الرشيد سابقا يقال له «الرّبد» «5» ؛ فسرّ به الرشيد وابتهج وقال: علىّ بالأصمعىّ، فنوديت من كل جانب، فأقبلت سريعا حتى مثلت بين يديه؛ فقال: يا أصمعىّ، خذ بناصية «الرّبد» ثم صفه من قونسه الى سنبكه، فإنه يقال: إن فيه عشرين اسما من أسماء الطير؛ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، وأنشدك شعرا جامعا لها من قول أبى حزرة «6» ؛ قال:
فأنشدنا لله أبوك!؛ فأنشدته:
(10/23)

وأقبّ «1» كالسّرحان تمّ له ... ما بين هامته الى النّسر
الهامة: أعلى الرأس. والنّسر: ما ارتفع من بطن الحافر من أعلاه. وهما من أسماء الطير.
رحبت «2» نعامته ووفّر فرخه ... وتمكّن الصّردان فى النّحر
النعامة: جلدة الرأس التى تغطّى الدّماغ. والفرخ: الدّماغ. والصّردان:
عرقان فى أصل اللسان، ويقال: إنهما عرقان يكتنفان باطن اللسان. وفى الظهر أيضا صرد يكون فى موضع السّرج من أثر الدّبر. والنعامة والفرخ والصّردان من أسماء الطير.
وأناف «3» بالعصفور فى سعف ... هام أشمّ موثّق الجذر «4»
العصفور: أصل منبت شعر الناصية، وهو أيضا عظم ناتئ فى كل جبين، وهو أيضا من الغزر. والسّعف: يقال: فرس أسعف اذا سالت ناصيته. وهام أى سائل. والشّمم: ارتفاع قصبة الأنف. وموثق الجذر أى شديد. والجذر:
الأصل من كل شىء.
وازدان بالدّيكين صلصله ... ونبت دجاجته عن «5» الصّدر
الديكان: واحدهما ديك وهو العظم الناتئ خلف الأذن، وهو الذى يقال له الخشّاء والخششاء. والصلصل: بياض فى طرف الناصية، ويقال: هو أصل
(10/24)

الناصية. والدّجاجة: اللّحم الذى على زوره بين يديه. والدّيك والصّلصل والدّجاجة من الطير.
والنّاهضان أمرّ جلزهما ... فكأنما عثما على كسر
الناهضان: واحدهما ناهض، وهو لحم المنكبين، ويقال: هو اللحم الذى يلى العضدين من أعلاهما. والناهض: فرخ العقاب. وقوله: «أمرّ جلزهما» أى فتل وأحكم، يقال: أمررت الحبل أى فتلته. والجلز: الشدّ. وقوله:
فكأنما عثما على كسر
أى كأنهما كسرا ثم جبرا. والعثم: الجبر على عقدة وعوج.
مسحنفر الجنبين ملتئم ... ما بين شميته الى الغرّ
قوله: «مسحنفر الجنبين» أى منتفخهما. ملتئم أى معتدل. والشيمة «1» : من قولك: فرس أشيم: بيّن الشامة. والغرّ «2» فى الطير الأغلب الذى يسمّى الرّخمة.
وهى من الفرس عضلة السّاق.
وصفت سماناه وحافره ... وأديمه ومنابت الشعر
السّمانى: طائر «3» وهو موضع من الفرس ربما أراد به السّمامة، وهى دائرة تكون فى سالفة الفرس. والسّمامة «4» أيضا من الطير. وأيمه: جلده.
(10/25)

وسما الغراب لموقعيه معا ... فأبين بينهما على قدر
الغراب: رأس الورك، ويقال للصّلوين الغرابان، وهما مكتنفا عجم «1» الذنب، ويقال: هما ملتقى أعلى الوركين. والموقعان: ما فى أعالى الخاصرتين. وقوله:
فأبين بينهما على قدر
أى فرّق بينهما على استواء واعتدال.
واكتنّ دون قبيحه خطّافه ... ونأت سمامته على الصّقر
قوله: واكتّن أى استتر. والقبيح: ملتقى الساقين، ويقال: إنه مركّب الذراعين فى العضدين. والخطّاف: هو حيث أدركت عقب «2» الفارس اذا حرّك رجليه؛ ويقال لهذين الموضعين من الفرس المركلان. ونأت أى بعدت.
والسّمامة: دائرة تكون فى عنق الفرس. والصقر «3» : دائرة فى الرأس. والخطّاف والسّمامة والصقر من أسماء الطير.
وتقدّمت عنه القطاة له ... فنأت بموقعها عن الحرّ
القطاة: مقعد الردف. والحرّ: سواد فى ظاهر أذنى الفرس. وهما من الطير.
يقال: إن الحرّ ذكر الحمام.
وسما على نقويه دون حداته ... خربان بينهما مدى الشّبر
النّقوان: واحدهما نقو والجمع أنقاء، وهو عظم ذو مخّ. وعنى هاهنا عظام الوركين، لأن الخرب هو الذى تراه مثل «4» المدهن فى ورك الفرس. وهو من الطير ذكر الحبارى. والحدأة: سالفة الفرس. وهى من الطير.
(10/26)

يدع الرّضيم اذا جرى فلقا ... بتوائم كمواسم سمر
الرّضيم: الحجارة، يفلقها بتوائم أى بحوافره. والمواسم: جمع ميسم الحديد؛ أى أنها كمواسم الحديد فى صلابتها. وقوله: سمر أى لون الحافر. والحافر الأسمر هو الصّلب.
ركّبن فى محض الشّوى سبط ... كفت الوثوب مشدّد الأسر
الشوى هاهنا: القوائم، يقال: فرس محض الشّوى إذا كانت قوائمه معصوبة.
سبط: سهل. كفت الوثوب أى مجتمع. مشدّد الأسر أى الخلق.
قال الأصمعىّ: فأمر لى بعشرة آلاف درهم.
فهذه جمل من أوصاف محاسنها. وسنذكر إن شاء الله تعالى ما وصفها به الشعراء فى أشعارها والفضلاء فى رسائلها، على ما تقف على ذلك فى موضعه.
فلنذكر عيوب الخيل:
*** وأما عيوبها التى تكون فى خلقتها، وفى جريها، والتى تطرأ عليها وتحدث فيها
- فهى مائة نذكرها:
فأما التى فى خلقتها
- فهى أن يكون الفرس «أخذى» وهو المسترخى أصول الأذنين. و «أمعر» «1» وهو الذى ذهب شعر ناصيته. و «أسفى» وهو الخفيف الناصية، وهو محمود فى البغال. و «أغمّ» وهو الذى غطّت ناصيته عينيه. و «أسعف» وهو الذى فى ناصيته بياض. و «أحول» وهو الذى ابيضّ
(10/27)

مؤخر عينه وغار السواد من قبل مآقيه. و «أزرق» وهو الذى فى إحدى عينيه بياض أو زرقة. و «أقنى» وهو الذى فى أنفسه أحد يداب. و «مغربا» وهو الذى أشفار عينيه بيض مع زرقتها. و «أدنّ» «1» وهو الذى اطمأنّ عنقه «2» من أصله. و «أهنع» وهو الذى اطمأنت عنقه من وسطها. و «أوقص» وهو الذى فى عنقه قصر ويبس معطف. و «أكتف» وهو الذى فى أعالى كتفيه انفراج.
و «أزور» وهو الذى تدخل إحدى فهدتى «3» صدره وتخرج الأخرى. و «أقعص» وهو المطمئن الصّلب من الصهوة المرتفع القطاة. و «مخطفا» وهو الذى لحق ما خلف محزمه من بطنه. و «أهضم» «4» وهو المستقيم الضلوع الذى دخلت أعاليه.
و «صقلا» وهو الطويل الصّقلة «5» . و «أثجل» «6» وهو الذى خرجت خاصرته ورقّ صفاقه. «7» و «أفرق» وهو الذى قد أشرفت إحدى وركيه على الأخرى. و «أرسح» «8» وهو قليل لحم الصّلا. و «أعزل» وهو الملتوى عسيب الذّنب حتى يبرز بعض باطنه. و «أكشف» وهو الذى التوى عسيب ذنبه. و «أصبغ» وهو المبيضّ الذّنب. و «أشعل» وهو الذى فى عرض ذنبه بياض. و «أشرج» «9» وهو الذى ببيضة واحدة. و «أفحج» وهو الذى تباعد كعباه. و «أبدّ» وهو الذى تباعدت
(10/28)

يداه. و «أصكّ» وهو الذى تصكّ كعباه اذا مشى. و «أحلّ» وهو متمسّح «1» النّسا رخو الكعب. و «أقفد» وهو المنتصب الرّسغ المقبل على الحافر ويكون فى الرّجل خاصّة. و «أصدف» وهو الذى تدانى ذراعاه وتباعد حافراه. و «موجّها» وهو الذى به صدف يسير. و «أقسط» وهو الذى رجلاه منتصبتان غير منحنيتين.
و «أمدش» وهو المصطكّ بواطن الرّسغين. و «أحنف» «2» وهو الملتوى الحافرين يقبل «3» كلّ منهما على صاحبه. و «متلقّفا» وهو الذى يخبط بيده. و «أرجز» «4» وهو المضطرب الرّجل والكفل فإذا قام اضطربت فخذه. و «شختا» وهو القليل اللحم الحميش «5» العظام. و «رطلا» وهو الضعيف الخفيف. و «مكبونا» وهو القصير الدّوارج «6» القريب من الأرض الرحيب الجوف. و «عشّا» وهو الضاحى العظام لقلّة لحمه. و «سغلا» وهو الصغير الجرم. قال الواسانىّ «7» رحمه الله:
ليس بأسفى ولا أحقّ «8» ولا ... أهضم طاوى الحشا ولا سغل
و «جأبا» وهو القصير الغليظ. و «ملوحا» وهو السريع العطش. و «صلودا» وهو البطىء العرق. و «ضاويّا» وهو الذى أضواه أبواه. و «مقرفا» وهو الذى أمّه
(10/29)

عتيقة وأبوه غير عتيق. و «هجينا» وهو الذى أبوه عتيق وأمه برذونة. و «محمقا» وهو الذى لا ينتج منه [إلا أحمق «1» ] . و «كوسيّا» «2» وهو الذى اذا جرى نكّس كالحمار.
و «جاسئا» «3» وهو الذى ترى معاقده وفقار ظهره وعنقه جاسئة «4» غير ليّنة. والله أعلم.
*** وأما العيوب التى فى جريها
- فمنها: «الطّموح» وهو السامى ببصره صعدا. «والمنكّس» وهو الذى يطاطئ رأسه إذا جرى. و «المعتزم» وهو الذى يجمح أحيانا. و «الجموح» : الصّلب الرأس. و «الغرب» : المدّاد المرامى. و «الشّموس» :
الذى يمنع السرج والمسّ. و «الحرون» : الذى اذا أدرّ جريه قام لا عن كلال. «5»
و «البالح» «6» إذا قطع جريه ضعفا. و «الضّغن» هو الذى يتلكأ [فى «7» ] الحضر ويقصر عن الحران. و «الحفاش» «8» هو الذى يشبّ «9» حضرا ثم يرجع القهقرى. و «الرّوّاغ» «10» هو الذى يحيد فى حضره يمينا وشمالا. و «الفيوش» هو الذى يظنّ به الجرى وليس عنده شىء منه. و «الحيوص» وهو الذى يعدل يمينا وشمالا فى استقامة «11» حضره.
(10/30)

و «المشتقّ» هو الذى يدع طريقه ويعدل ثم يمضى على عدوله لا يروغ. و «الشّبوب» :
الذى يقوم على رجليه ويرفع يديه. و «العاجر» و «المعاجر» : الذى يعجر برجليه كقماص الحمار. و «العدوم» و «العضوض» : الذى يعضّ ما سايره. و «الشّادخ» :
يعدل عن طريقه ولا يبالى ما ركب. و «الجرور» : البطىء. و «المنعثل» : الذى يفرّق بين قوائمه فإذا رفعها فكأنما ينزعها من وحل يخفق برأسه ولا تتبعه رجلاه. و «المجربذ» «1» :
الذى يقارب الخطو يقرّب سنابكه من الأرض ولا يرفعها رفعا شديدا. و «المساعر» «2» :
الذى يطيح قوائمه جميعا متفرّقة ولا ضبر «3» له. و «المترادّ» : الذى ينقص حضره من ابتداء جريه. و «الفاتر» إذا فتر «4» فى حضره ولم تساعده قوائمه على ما تطالبه به نفسه. و «المواكل» : الذى لا يسير إلا بسير غيره. «والخروط» : الذى يخرط رسنه عن رأسه. و «الرّموح» : الذى يرمح «5» بإحدى رجليه. و «الضّروح» : الذى يرمح بكلتيهما. قال: وهذه الزيادة على الأربعة والعشرين إنما هى من سوء العادة وفساد الرياضة.
*** وأما العيوب التى تطرأ عليها وتحدث فيها
- فمنها: «الانتشار» وهو انتفاخ العصب. و «الشّظى» : تحرّك «6» العظم اللّاصق بالرّكبة. و «الفتوق» :
(10/31)

انفتاق من العصب على الأرضفة «1» . و «الدّخس» : ورم فى [أطرة] «2» الحافر.
و «الزوائد» : أطراف عصب تفرّق عند العجاية «3» [وتنقطع «4» عندها وتلصق بها] .
و «العرن» : «5» جسوء فى رسغ الرّجل خاصّة لشقاق أو مشقة. [ «والشقاق» :
يصيبه «6» فى أرساغه] وربما ارتفع الى أوظفته، [وهو تشقق يصيبها «7» ] ، وتسمى الحلامة «8» . «والجرد» «9» ، ما حدث فى عرض عرقوبيه ظاهرا وباطنا من تزيّد وانتفاخ عصب ويكون مع المفصل طولا كالموزة. و «الملح» «10» : انفتاق من العصب أسفل العرقوب لمادّة تنصبّ إليه كالبلّوطة «11» . و «القمع» هو عظم قمعة العرقوب. و «المشش» : كلّ ما شخص فى الوظيف وله حجم وليست له صلابة العظم. و «الارتهاش» : أن يصكّ بعرض حافره عرض عجايته من اليد الأخرى. و «الرّهصة» «12» : ما يصير فى الحافر. و «الوجا» : ما يصيب الحافر من
(10/32)

الخشونة. و «الرّقق» : ضعف ورقّة فى الحافر. و «النّملة» : شقّ فى الحافر من الأشعر «1» إلى طرف السّنبك. و «السّرطان» : داء يأخذ فى الرّسغ فييبّس عروقه حتى يقلب حافره. و «العزل» : أن يعزل ذنبه فى شقّ عادة «2» . و «الخقاق» : صوت من ظبية «3» الأنثى. و «البجر» : أن تكون الرّهابة «4» غير ملتئمة فيعظم ما والاها من جلد السّرّة.
وحيث ذكرنا العيوب فلنذكر الخيل النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
ذكر أسماء خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم
أوّل فرس ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرس ابتاعه بالمدينة من رجل من بنى فزارة بعشر أواق «5» ، وكان اسمه عند الأعرابىّ «الضّرس» فسمّاه النبىّ صلى الله عليه وسلم «السّكب» . فكان أوّل ما غزا عليه أحدا، ليس مع المسلمين فرس غيره وفرس
(10/33)

لأبى بردة بن نيار يقال له ملاوح. وكان السّكب كميتا أغرّ محجّلا مطلق اليمنى، وقيل: إنه أدهم. رواه الطّبرانى «1» فى المعجم الكبير.
وعن عمارة بن خزيمة الأنصارىّ أن عمّه حدّثه- وهو من أصحاب النبىّ صلى الله عليه وسلم-: أن النبىّ صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسا من أعرابىّ «2» ، فاستتبعه النبىّ صلى الله عليه وسلم ليقبضه ثمن فرسه، فأسرع النبىّ صلى الله عليه وسلم المشى وأبطأ الأعرابىّ؛ فطفق رجال يعترضون الأعرابىّ فيساومونه بالفرس ولا يشعرون أن النبىّ صلى الله عليه وسلم ابتاعه، حتى زاد بعضهم الأعرابىّ فى السّوم على ثمن الفرس الذى ابتاعه به النبىّ صلى الله عليه وسلم؛ فنادى الأعرابىّ النبىّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن كنت مبتاعا هذا الفرس فابتعه وإلا بعته؛ فقال النبىّ صلى الله عليه وسلم: «بلى قد ابتعته» ؛ فطفق الناس يلوذون بالنبىّ صلى الله عليه وسلم وبالأعرابىّ وهما يتراجعان «3» ، وطفق الأعرابىّ يقول: هلمّ شهيدا يشهد أنى قد بايعتك. فمن جاء من الناس قال للأعرابىّ: ويلك! إن النبىّ صلى الله عليه وسلم لم يكن ليقول إلا حقّا! حتى جاء خزيمة بن ثابت فاستمع لمراجعة النبىّ صلى الله عليه وسلم ومراجعة الأعرابىّ؛ فطفق الأعرابىّ يقول: هلمّ شهيدا يشهد أنى قد بايعتك؛ فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعته. فأقبل النبىّ صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال: «بم تشهد» ؟
فقال: بتصديقك يا رسول الله؛ فجعل النبىّ صلى الله عليه وسلم يقول: «شهادة
(10/34)

خزيمة بن ثابت بشهادة رجلين» . وفى لفظ: فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنه قد باعك الفرس يا رسول الله؛ فقال النبىّ صلى الله عليه وسلم: «وهل حضرتنا يا خزيمة» ؟ فقال: [لا؛ فقال: «1» ] «فكيف شهدت بذلك» ؛ فقال خزيمة: بأبى أنت وأمّى! يا رسول الله، أصدّقك على أخبار السماء وما يكون فى غد ولا أصدّقك فى ابتياعك هذا الفرس!. فقال النبىّ صلى الله عليه وسلم: «إنك لذو الشهادتين يا خزيمة» .
وقد اختلف فى اسم هذا الفرس، فقال محمد بن يحيى بن سهل بن أبى حثمة:
هو «المرتجز» «2» ؛ وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه المرتجز. قال ابن الأثير:
وكان أبيض. وقال ابن قتيبة فى المعارف: المرتجز، وفى أخرى: «الطّرف» «3» ، وفى أخرى: «النّجيب» .
ومنها «البحر» ، وهو الذى سبق الخيل لمّا سابق به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فسمّاه البحر فى ذلك اليوم. وكان النبىّ صلى الله عليه وسلم قد اشتراه من تجر قدموا من اليمن، فسبق عليه مرّات. قال ابن الأثير: وكان كميتا، وقيل:
كان أدهم.
ومنها «سبحة» ، ذكرها ابن بنين فقال: وكانت فرسا شقراء ابتاعها النبىّ صلى الله عليه وسلم من أعرابىّ من جهينة بعشر من الإبل، وسابق عليها يوم خميس
(10/35)

ومدّ الحبل بيده ثم خلّى عنها وسبح عليها؛ فأقبلت الشقراء حتى أخذ صاحبها العلم وهى تنبّر «1» فى وجوه الخيل؛ فسمّيت سبحة. وسبحة من قولهم: فرس سابح إذا كان حسن مدّ اليدين فى الجرى. وسبح الفرس: جريه.
ومنها «ذو اللّمة» ، ذكره ابن حبيب فى أفراس النبىّ صلى الله عليه وسلم.
ومنها «ذو العقّال» ، قال بعض العلماء: كان للنبىّ صلى الله عليه وسلم فرس يقال له ذو العقّال. وكان له صلى الله عليه وسلم فرس يقال له «اللّحيف «2» » وقيل: «اللّخيف» بالخاء، وقيل فيه: «النّحيف» . أهداه له فروة «3» بن عمرو من أرض البلقاء، وقيل:
أهداه له ابن أبى «4» البراء، وكان صلى الله عليه وسلم يركبه فى مذاهبه. وسمّى اللّحيف لطول ذنبه.
وروى ابن منده من حديث عبد المهيمن بن عباس بن سهل عن أبيه عن جدّه قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أفراس يسميهنّ: «اللّزاز» و «اللّحيف» و «الظّرب» . فأمّا لزاز فأهداه له المقوقس. وأما اللّحيف فأهداه له ربيعة بن أبى البراء، فأثابه عليه فرائض «5» من نعم بنى كلب. وأما الظّرب فأهداه له فروة بن عمرو بن النافرة الجذامىّ. الظّرب واحد الظّرب وهى الرّوابى «6» [الصغار] .
سمّى به لكبره وسمنه، وقيل: لقوّته وصلابة حافره.
(10/36)

وأهدى تميم الدّارىّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا يقال له «الورد» ؛ فأعطاه عمر؛ فحمل عليه عمر رضى الله عنه فى سبيل الله.
وذكر علىّ بن محمد بن حنين «1» بن عبدوس الكوفىّ فى أسماء خيل النبىّ صلى الله عليه وسلم قال: وكانت له أربعة أفراس: أحدها يقال له «السّكب» و «المرتجز» و «السّجل» »
و «البحر» . وقال ابن الأثير: وكان له أفراس: «المرتجز» و «ذو العقّال» و «السّكب» و «اللّحيف» و «اللّزاز» و «الظّرب» و «سبحة» و «البحر» و «الشّحاء» «3» (بالشين المعجمة والحاء المهملة) .
وحكى ابن بنين عن ابن خالويه قال: كان للنبىّ صلى الله عليه وسلم من الخيل: «سبحة» و «اللّحيف» و «لزاز» و «الظّرب» و «السّكب» و «ذو اللّمّة» و «السّرحان» و «المرتجل» و «الأدهم» و «المرتجز» . وذكر فى موضع آخر:
و «ملاوح» و «الورد» و «اليعسوب» .
وذكر قاسم بن ثابت فى كتاب الدلائل: «اليعسوب» و «اليعبوب» فرسين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر ابن سعد فى وفادات العرب عن محمد بن عمر
(10/37)

قال: حدّثنى أسامة بن زيد عن زيد بن طلحة التّيمىّ قال: قدم خمسة عشر رجلا من الرّهاويين (وهم حىّ من مذحج) على رسول الله صلى الله عليه وسلم، [فنزلوا «1» دار رملة بنت الحارث؛ فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم] فتحدّث عندهم طويلا؛ فأهدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم هدايا، منها فرس يقال له «المرواح» ؛ فأمر به فشوّر «2» بين يديه فأعجبه؛ فأسلموا وتعلّموا القرآن والفرائض؛ وأجازهم كما يجيز الوفد: أرفعهم «3» ثنتى عشرة أوقيّة ونشّا «4» وأخفضهم «5» خمس أواق.
فقد ظهر من مجموع هذه الروايات أن خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تسعة عشر فرسا، وهى: «السّكب» و «المرتجز» و «البحر» و «سبحة» و «ذو اللّمّة» و «ذو المقّال» و «اللّحيف» - وقيل فيه بالخاء المعجمة، وقيل: «النحيف» بالنون- و «اللّزاز» و «الظّرب» و «الورد» و «السّجل» و «الشّحاء» و «السّرحان» و «المرتجل» و «الأدهم» و «ملاوح» و «اليعسوب» و «اليعبوب» و «المرواح» .
وقد يكون الأدهم هو السكب أو البحر، فتكون ثمانية عشر فرسا. والله عز وجل أعلم.
(10/38)

ذكر أسماء كرام الخيل المشهورة عند العرب
من أقدم خيل العرب «زاد الرّاكب» «1» ؛ وكان من خيل سليمان بن داود عليهما السلام. حكى محمد بن السائب «2» الكلبيّ: أن الصافنات الجياد المعروضة على سليمان ابن داود صلى الله عليهما وسلم كانت ألف فرس ورثها عن أبيه؛ فلما عرضت عليه ألهته عن صلاة العصر حتى توارت الشمس بالحجاب، فردّها وعرقبها إلّا أفراسا لم تعرض عليه؛ فوفد عليه قوم من الأزد، وكانوا أصهاره، فلما فرغوا من حوائجهم قالوا: يا نبىّ الله، إنّ أرضنا شاسعة فزوّدنا زادا يبلّغنا؛ فأعطاهم فرسا من تلك الخيل وقال: اذا نزلتم منزلا فاحملوا عليه غلاما واحتطبوا، فإنكم لا تورون ناركم حتى يأتيكم بطعام؛ فساروا بالفرس، فكانوا لا ينزلون منزلا إلا ركبه أحدهم للقنص، فلا يفلت شىء تقع عينه عليه من ظبى أو بقرة أو حمار، إلى أن قدموا بلادهم؛ فقالوا:
ما لفرسنا هذا اسم إلا «زاد الراكب» فسمّوه به. فأصل فحول العرب من نتاجه.
ويقال: إن «أعوج» منها. قال امرؤ القيس:
إذا ما ركبنا قال ولدان أهلنا ... تعالوا إلى أن يأتى الصيد نحطب «3»
وقال عمارة:
(10/39)

وأرى «1» الوحش عن يمينى اذا ما ... كان يوما عنانه فى شمالى
ومن خيل العرب المشهورة ما حكاه أبو علىّ الحسن بن رشيق الأزدىّ فى كتابه المترجم بالعمدة عن ابن حبيب عن أبى عبيدة قال: «الغراب» و «الوجيه» و «لاحق» و «المذهب» و «مكتوم» كانت كلّها لغنىّ.
وقال أحمد بن سعد الكاتب: كان «أعوج» أوّلا لكندة، ثم أخذته سليم، وصار لبنى [عامر «2» ] ثم لبنى هلال. قال ابن حبيب: ركب رطبا فاعوجّت قوائمه، وكان من أجود خيل العرب. وأمّه «سبل» لغنىّ. وأمّ سبل [ «سوادة» . وأم سوادة «3» ] «القسامة» «4» ، وكانت لجعدة.
وحكى أحمد بن محمد بن عبد ربّه صاحب العقد فى كتابه: أنه لما انتجته أمّه ببعض بيوت الحىّ نظروا الى طرف يضع جحفلته على كاذتها (على الفخذ مما يلى الحياء) ؛ فقالوا: أدركوا ذلك الفرس لا ينزو فرسكم؛ لعظم «أعوج» وطول قوائمه؛ فقاموا إليه فإذا هم بالمهر؛ فسمّوه «أعوج» . ولهم أيضا «الفيّاض» .
قال ابن سعد: «الوجيه» و «لاحق» لبنى أسد، «وقيد» «وحلّاب «5» » لبنى تغلب، «والصّريح» لبنى نهشل- وزعم غيره أنه كان لآل المنذر-
(10/40)

و «جلوى» لبنى ثعلبة بن يربوع، و «ذو العقّال» «1» لبنى رياح بن يربوع، وهو أبو «داحس» . وكان «داحس «2» » و «الغبراء» لبنى زهير. والغبراء خالة داحس وأخته من أبيه. و «ذو العقّال» و «قرزل» و «الخطّار» و «الحنفاء «3» » لحذيفة بن بدر. والحنفاء هى أخت داحس من أبيه وأمه. و «قرزل» آخر للطّفيل «4» بن مالك. و «حذفة» «5» لخالد بن جعفر بن كلاب. و «حذفة» أيضا لصخر بن عمرو بن الشّريد. و «الشّقراء» لزهير بن جذيمة العبسىّ.
(10/41)

و «الزّعفران» لبسطام بن قيس. و «الوريعة «1» » و «نصاب» و «ذو الخمار «2» » لمالك بن نويرة. و «الشّقراء» أخرى لأسيد بن حنّاءة «3» . و «الشّيّط «4» » لأنيف بن جبلة «5» الضّبّىّ. و «الوحيف» «6» لعامر بن الطّفيل. و «الكلب» و «المزنوق» «7»
(10/42)

و «الورد» «1» له أيضا. و «الخنثى» «2» لعمرو بن عمرو بن عدس. و «الهدّاج» «3» فرس الرّيب «4»
(10/43)

ابن شريق السّعدى و «وجزة» «1» فرس يزيد «2» بن سنان المرّى فارس غطفان.
و «النّعامة» «3» للحارث بن عباد. «4» و «ابن النّعامة» لعنترة. و «النّحّام» «5» فرس للسّليك ابن السّلكة السّعدىّ. و «العصا» «6» فرس جذيمة بن مالك الأزدىّ. و «الهراوة» «7»
(10/44)

لعبد القيس بن أفصى. و «اليحموم» «1» فرس النّعمان بن المنذر. و «كامل» «2» فرس زيد الخيل. و «الزّبد» «3» فرس الحوفزان وهو أبو «الزّعفران» فرس بسطام.
و «الحمالة» «4» فرس الكلحبة اليربوعى. هذا ما أورده أحمد بن سعد.
(10/45)

وقال ابن دريد: «القطيب» «1» و «البطين» «2» فرسان كانا للعرب. و «اللّعّاب» «3» و «العباية» «4» فرسا حرّىّ «5» بن ضمرة. و «المدعاس» «6» فرس النّوّاس «7» بن عامر
(10/46)

المجاشعى. و «صهبى» «1» فرس النّمر بن تولب. و «حافل» فرس «2» مشهور. و «العسجدى» «3» لبنى أسد. و «الشّموس» «4» فرس يزيد بن خذّاق «5» العبدىّ. و «الضّيف» «6» لبنى تغلب. و «هراوة العزّاب» «7» فرس الرّيّان بن حويص العبدىّ «8» ، يقال إنها جاءت سابقة طول أربع عشرة سنة، فتصدّق بها على العزّاب يتكسّبون عليها فى السّباق
(10/47)

والغارات. و «الحرون» «1» فرس تنسب اليه الخيل، وكان لمسلم بن عمرو بن أسد الباهلىّ. و «الزائد» فرس مشهور وهو من نسل الحرون. «ومناهب» فرس تنسب اليه الخيل أيضا، قال الشّمردل «2» :
[تلقى «3» الجياد المقربات «4» فينا] ... لأفحل ثلاثة ينمينا
«مناهبا» و «الضّيف» و «الحرونا»
و «العلهان» «5» فرس أبى مليل «6» عبد الله بن الحارث اليربوعى.
هذا ما اتفق إيراده من أسماء كرام الخيل ومشهورها. فلنذكر ما ورد فى أوصافها وتشبيهها.
ذكر ما قيل فى أوصاف الخيل وتشبيهها نظما ونثرا
أوّل من شبّه الفرس بالظبى والسّرحان والنّعامة، ثم اتّبعه الشعراء وحذوا مثاله واقتدوا به، هو امرؤ القيس بن حجر حيث قال:
(10/48)

له أيطلا «1» ظبى وساقا نعامة ... وإرخاء «2» سرحان وتقريب تتفل «3»
كأنّ على المتنين «4» منه اذا انتحى ... مداك عروس أو صراية حنظل
مكّر مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل
درير «5» كخذروف «6» الوليد أمرّه «7» ... تقلّب كفّيه بخيط موصّل
كميت يزلّ اللّبد عن حال «8» متنه ... كما زلّت الصّفواء «9» بالمتنزّل «10»
وقال أيضا:
وأركب فى الرّوع خيفانة «11» ... كسا وجهها سعف «12» منتشر
(10/49)

لها حافر مثل قعب «1» الولي ... د ركّب فيه وظيف «2» عجر «3»
لها عجز كصفاة «4» المسي ... ل أبرز «5» عنها «6» حجاف «7» مضرّ
لها ذنب مثل ذيل العرو ... س تسدّ به فرجها من دبر
لها جبهة كسراة «8» المجنّ ... حذّفه «9» الصانع المقتدر
إذا أقبلت قلت دبّاءة «10» ... من الخضر مغموسة فى الغدر
وإن أعرضت قلت سرعوفة «11» ... لها ذنب خلفها مسبطرّ «12»
وإن أدبرت قلت أثفيّة ... ململمة ليس فيها أثر «13»
(10/50)

وقال أبو داود «1» الإيادى [يصف فرسا «2» ] :
له ساقا ظليم خا «3» ... ضب فوجئ بالرّعب
حديد الطّرف والمنك ... ب والعرقوب والقلب
وقال آخر:
له صدر طاوس وفخذ نعامة ... ووثبة نمر والتفات غزال
وأعجب من ذا كلما حطّ حافرا ... يخطّ هلالا من وراء هلال
وقال البحترىّ وكان وصّافا للخيل:
وأغرّ فى الزمن البهيم محجّل ... قد رحت منه على أغرّ محجّل
كالهيكل المبنىّ إلا أنه ... فى الحسن جاء كصورة فى هيكل
ذنب كما سحب الرّداء يذبّ عن ... عرف، وعرف كالقناع المسبل
جذلان ينفض عذرة «4» فى غرّة ... يقق «5» تسيل حجولها فى جندل
كالرائح النّشوان أكثر مشيه ... عرضا «6» على السّنن البعيد الأطول
تتوّهم الجوزاء فى أرساغه ... والبدر «7» غرّة وجهه المتهلّل
(10/51)

صافى الأديم كأنّما عنيت «1» به ... لصفاء نقبته «2» مداوس «3» صيقل
وكأنما نفضت عليه صبغها ... صهباء للبردان «4» أو قطر بلّ «5»
وتخاله «6» كسى الخدود نواعما ... مهما تواصلها بلحظ تخجل
وتراه يسطع فى الغبار لهيبه ... لونا وشدّا «7» كالحريق المشعل
هزج الصّهيل كأنّ فى نغماته ... ن؟؟؟ رات معبد «8» فى الثّقيل الأوّل
ملك العيون فإن بدا أعطينه ... نظر [المحبّ «9» ] إلى الحبيب المقبل
وكتب إلى محمد «10» بن حميد [بن عبد «11» الحميد] الطّوسىّ يستهديه فرسا، ووصف له أنواعا من الخيل؛ فقال من أبيات:
(10/52)

فأعن على غزو العدوّ بمنطو ... أحشاؤه طىّ «1» الرّداء المدرج
إمّا بأشقر ساطع أغشى الوغى ... منه بمثل الكوكب المتأجّج
متسربل شية طلت أعطافه ... بدم فما تلقاه غير مضرّج
أو أدهم صافى الأديم «2» كأنه ... تحت الكمىّ مظهّر بيرندج «3»
ضرم يهيج السّوط من شؤبوبه «4» ... هيج الجنائب «5» من حريق العرفج «6»
خفّت مواقع وطئه فلو أنّه ... يجرى برملة عالج «7» لم يرهج «8»
أو أشهب يقق يضىء وراءه ... متن كمتن اللّجّة المترجرج
تخفى الحجول ولو بلغن لبانه «9» ... فى أبيض متألّق كالدّملج «10»
(10/53)

أوفى بعرف أسود متفرّد» ... فيما يليه وحافر فيروزجى
أو أبلق ملأ العيون إذا بدا ... من كلّ لون معجب بنموذج
جذلان تحسده الجياد إذا مشى ... عنقا «2» بأحسن حلّة لم تنسج
وعريض أعلى المتن لو علّيته ... بالزّئبق المنهال لم يتدحرج «3»
خاضت قوائمه الوثيق «4» بناؤها ... أمواج تحنيب «5» بهنّ مدرّج
ولأنت أبعد فى السماحة «6» همّة ... من أن تضنّ بملجم «7» أو مسرج
وقال أيضا يصف فرسا أدهم:
بأدهم «8» كالظلام أغرّيجلو ... بغرّته دياجير الظلام
ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق فى جون «9» الغمام
(10/54)

وقال أيضا فى أدهم:
أمّا الجواد فقد بلونا يومه ... وكفى بيوم مخبرا عن عامه
جارى الجياد فطار عن أوهامها ... سبقا وكاد يطير عن أوهامه
جذلان تلطمه «1» جوانب غرّة ... جاءت مجىء البدر عند تمامه
واسودّ ثم صفت لعينى ناظر ... جنباته فأضاء فى إظلامه
مالت نواحى عرفه فكأنّها ... عذبات أثل مال تحت حمامه
ومقدّم الأذنين تحسب أنّه ... بهما يرى الشخص الذى لأمامه
وكأنّ فارسه وراء قذاله ... ردف فلست تراه من قدّامه
لانت معاطفه فخيّل أنه ... للخيزران مناسب لعظامه
فى شعلة كالشّيب مرّ بمفرقى ... غزل لها «2» عن شيبه بغرامه
وكأن صهلته إذا استعلى بها ... رعد يقعقع فى ازدحام غمامه
مثل الغراب غدا «3» يبارى صحبه ... بسواد صبغته وحسن قوامه
والطّرف أجلب زائر لمؤونة ... ما لم تزره بسرجه ولجامه
وقال علىّ بن الجهم:
فوق طرف «4» كالطّرف فى سرعة الطّر ... ف وكالقلب قلبه فى الذكاء
لا تراه العيون إلّا خيالا ... وهو مثل الخيال فى الانطواء
(10/55)

وقال العباس بن مرداس:
جاء كلمع البرق سام «1» ناظره ... تسبح أولاه ويطفو آخره
فما يمسّ الأرض منه حافره
وقال أبو الطيّب المتنّبى:
وجردا «2» مددنا بين آذانها القنا ... فبتن خفافا يتّبعن العواليا
تماشى بأبد كلّما وافت الصّفا «3» ... نقشن به صدر البزاة حوافيا
وينظرن من سود «4» صوادق فى الدّجى ... يرين بعيدات الشّخوص كما هيا
وتنصب للجرس «5» الخفىّ سوامعا ... يخلن مناجاة الضمير تناديا
تجاذب فرسان الصّباح «6» أعنّة «7» ... كأن على الأعناق منها أفاعيا
(10/56)

وقال أيضا:
وجياد «1» يدخلن فى الحرب أعرا «2» ... ء ويخرجن من دم فى جلال
واستعار الحديد لونا وألقى ... لونه فى ذوائب الأطفال «3»
وقال أبو الطيّب أيضا:
ويوم «4» كليل العاشقين كمنته ... أراقب فيه الشمس أيّان تغرب
وعينى على «5» أذنى أغرّ كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكب
له فضلة عن جسمه فى إهابه «6» ... تجىء على صدر رحيب وتذهب
شققت به الظّلماء أدنى عنانه ... فيطغى «7» وأرخيه مرارا فيلعب
(10/57)

وأصرع أىّ الوحش قفّيته «1» به ... وأنزل عنه مثله حين أركب
وقال أيضا يصف فرسا:
إن أدبرت قلت لا تليل «2» لها ... أو أقبلت قلت ما لها كفل
وقال أبو الفرج الببغّاء:
إن لاح قلت أدمية أم هيكل ... أو عنّ قلت أسابح أم أجدل «3»
تتخاذل الألحاظ فى إدراكه ... ويحار فيه الناظر المتأمّل
فكأنه فى اللطف فهم ثاقب ... وكأنه فى الحسن حظّ مقبل «4»
وقال أيضا من أبيات:
رماهم بألحاظ الجياد ولم تكن ... لينأى عليها المنزل المتباعد
من اللّاء يهجرن المياه لدى السّرى ... ويعتضن شمّ الجوّ والجوّ راكد
مرنّ على لذع» القنا فكأنما ... عليهن من صبغ الدّماء مجاسد «6»
نسجن ملاء النّقع ثم خرقنه «7» ... بكرّ لها منه إلى النصر قائد
عليهنّ من نسج الغبار غلائل ... رقاق ومن نضح الدماء قلائد
(10/58)

وقال أبو الفتح كشاجم:
ماء تدفّق طاعة وسلاسة ... فإذا استدرّ الحضر منه فنار
وإذا عطفت به على ناورده «1» ... لتديره «2» فكأنه بركار «3»
قصرت قلادة نحره وعذاره ... والرّسغ، وهى من العتيق قصار
يرد الضّحاضح «4» غير ثان سنبكا «5» ... ويرود طرفك خلفه فيحار
لو لم تكن للخيل نسبة خلقه ... خالته من أشكالها الأطيار
وقال آخر:
وأقبّ «6» تحمله رياح أربع ... لولا اللّجام لطار فى الميدان
من جملة العقبان «7» إلّا أنّه ... من حسنه فى طلعة الغزلان
يمشى إلى ميدانه متبخترا ... من تيهه كتبختر النّشوان
وقال ابن المعتزّ:
وخيل طواها القود «8» حتى كأنّها ... أنابيب سمر من قنا الخطّ ذبل
(10/59)

صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل «1»
وقال أبو بكر الصّنوبرىّ:
طرف نأت سماؤه عن أرضه ... وما نأى كاهله عن الكفل
ذو أربع من أربع من القبو ... ل والدّبور والجنوب والشّمل
وهو إذا أعملها ألفى لها «2» ... فوق الذى يطلبه من العمل
كالبرق إن أومض أو كالرّعد إن ... أجلب «3» أو صوب الحيا «4» إذا احتمل
وقال آخر:
يجرى فيبعد من مدّى متقارب ... أبدا ويدنو من مدى متباعد
إن سار فهو غدير ماء مائج ... أو قام «5» فهو غدير ماء جامد
وقال أبو الفضل الميكالى:
خير ما استطرف الفوارس طرف ... كلّ طرف بحسنه مبهوت
هو فوق الجبال وعل وفى السه ... ل نعام وفى المعابر حوت
وقال آخر:
وطرف إذا ما جرى خلته ... عقابا من الوكر يبغى المزارا
ترى فى الجبين له سوسنا «6» ... وتلمح فى لونه الجلّنارا «7»
(10/60)

ويمشى على الماء من خفّة ... ويقدح فى الجلمد الصخر نارا
فلو كان يبغى به راكب «1» ... إلى مطلع الشمس سيرا لطارا
وقال عبد الجبّار بن حمديس:
ومجرّر فى الأرض ذيل عسيبه ... حمل الزبرجد منه جسم عقيق
يجرى ولمع «2» البرق فى آثاره ... من كثرة الكبوات غير مفيق
ويكاد يخرج سرعة من ظلّه ... لو كان يرغب فى فراق رفيق «3»
وقال ابن طباطبا:
عجبا لشمس أشرقت فى وجهه ... لم تمح منه دجى الظلام المطبق
وإذا تمطّر «4» فى الرّهان رأيته ... يجرى أمام الريح مثل مطرّق «5»
وقال تاج الملوك بن أيّوب:
وخيل كأمثال السّعالى «6» شوازب «7» ... تكاد بنا قبل المجال تجول
سوابق تكبو الريح قبل لحاقها ... لها مرح «8» من تحتنا وصهيل
وقال إبراهيم بن خفاجة يصف فرسا أشهب:
ربّ طرف كالطّرف ساعة عدو ... ليس يسرى سراه طيف الخيال
(10/61)

إن سرى فى الدّجى فبعض الدّرارى ... أو سعى فى الفلا فإحدى السّعالى
لست أدرى إن قيد ليلة أسرى ... أو تمطّيته غداة قتال
أجنوب تقتاد لى أم جنيب «1» ... أم شمال عنانها بشمالى
أشهب اللّون أثقلته جلىّ ... خبّ «2» فيهن وهو ملقى الجلال «3»
فبدا الصبح ملجما بالثّريّا ... وجرى البرق مسرجا بالهلال
وقال أيضا فى أشهب:
وظلام ليل لا شهاب بأفقه ... إلّا لنصل مهنّد أو لهذم
لا طمت لجّته بموجة أشهب ... يرمى بها بحر الظلام فيرتمى
قد سال فى وجه الدّجنّة غرّة ... فالليل فى شبه الأغرّ الأدهم
أطلعت منه ومن سنان أزرق ... ومهنّد عضب ثلاثة أنجم
وقال أبو الصّلت يصف فرسا أشهب:
وأشهب كالشّهاب أضحى ... يجول فى مذهب الجلال
قال حسودى وقد رآه ... يجنب خلفى إلى القتال
من ألجم الصبح بالثريّا ... وأسرج البرق بالهلال
وقال ابن خفاجة وقد أهدى مهرا بهيما:
تقبّل المهر من أخى ثقة ... أرسل ريحا به الى المطر
مشتملا بالظلام من شية ... لم يشتمل ليلها على سحر
منتسبا لونه وغرّته ... الى سواد الفؤاد والبصر
(10/62)

تحسبه من علاك مسترقا ... بهجة مرأى وحسن مختبر
حنّ إلى راحة نهيض ندى ... فمال ظلّ به على نهر
ترى به والنشاط يحفزه ... ما شئت من فحمة ومن شرر
لو «1» حمل الليل حسن دهمته ... أمتع طرف المحبّ بالسّهر
أحمى من النجم يوم معركة ... ظهرا وأجرى به من القدر
اسودّ، وابيضّ فعله كرما ... فالتفت الحسن فيه عن حور
فازدد سنا بهجة بدهمته ... فاللّيل أذكى لغرّة القمر
ومثل شكرى على تقبّله ... يجمع بين النسيم والزّهر
وقال فى فرس أشقر:
ومطهّم شرق الأديم كأنما ... ألفت معاطفه النجيع «2» خضابا
طرب إذا غنّى الحسام، ممزّق ... ثوب العجاجة جيئة وذهابا
قدحت يد الهيجاء منه بارقا ... متلهّبا يزجى القتام سحابا
[ورمى الحفاظ به شياطين العدا ... فانقضّ فى ليل الغبار شهابا «3» ]
بسّام ثغر الحلى تحسب أنّه ... كأس أثار بها المزاج حبابا
و «4» قال فى أدهم أغرّ محجّل:
وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتصّ منه فخاض فى أحشائه
(10/63)

وقال ابن نباتة «1» السّعدىّ فى أدهم:
وأدهم يستمدّ الليل منه ... وتطلع بين عينيه الثريّا
سرى خلف الصباح يطير مشيا ... ويطوى خلفه الأفلاك طيّا
فلمّا خاف وشك الفوت منه «2» ... تعلّق بالقوائم والمحيّا
وقال فى فرس أدهم أغرّ محجّل أهدى له:
قد جاءنا الطّرف الذى أهديته ... هاديه يعقد أرضه بسمائه «3»
أولاية ولّيتنا فبعثته ... رمحا سبيب العرف عقد لوائه
تختال منه على أغرّ محجّل ... ماء الدّياجى قطرة من مائه
وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتصّ منه فخاض فى أحشائه
متمهّلا والبرق من أسمائه ... متبرقعا والحسن من أكفائه
ما كانت النيران يكمن حرّها ... لو أن للنيران بعض ذكائه
لا تعلق الألحاظ فى أعطافه ... إلا إذا كفكفت من غلوائه
(10/64)

وقال محمد بن الحسين «1» الفارسىّ النحوىّ أحد شعراء اليتيمة فى فرس أدهم أغرّ:
ومطهّم ما كنت أحسب قبله ... أنّ السروج على «2» البوارق توضع
وكأنما الجوزاء حين تصوّبت ... لبب عليه والثريّا برقع
طرائف فى ذم الخيل بالهزال والعجز عن الحركة
كتب بعضهم إلى صديق له:
ما فعلت حجرك «3» تلك التى ... أفضل من فارسها الرّاجل
عهدى بها تبكى وتشكو الضّنى ... لما احتشاه البدن الناحل
وهى تغنّينى غنا صبّة ... غايتها وجدان ما تاكل:
يا ربّ لا أقوى على كلّ ذا ... موت وإلّا فرج عاجل
وقال آخر:
يا نصر حجرك أبلى الجوع جدّتها ... وأصبحت شبحا تشكو تجافيكا
(10/65)

إذا رأت تبنة قالت مجاهرة ... يا تبن لى حسرة ما تنقضى فيكا
ترجوه طورا وتبكى منه آيسة ... حتى إذا عرضت باتت تغنّيكا:
هذى- فديتك- حالى قد علمت بها ... فلم يكون الجفا أفديك أفديكا
وقال آخر:
أعطيتنى شهباء مهلوبة «1» ... تذكر نمروذ «2» بن كنعان
سفينة الحشر إلى عدوها ... أسبق من أشقر «3» مروان
كأننى منها على زورق ... بلا مجاديف وسكّان «4»
فانظر إلى حجرى ترى شهرة ... أخبارها جامع «5» سفيان
وقال آخر:
حملتنى فوق مقرف زمن ... ليس لذى رحلة بنفّاع
جلد على أعظم محلّلة ... فليس يمشى إلّا بدفّاع
كأننى إذ علوت صهوته ... ركبت منه سرير فقّاع «6»
(10/66)

وكتب زهير بن «1» محمد الكاتب:
وفرس على المسا ... وى كلّها محتويه
راكبها فى خجلة ... كأنه فى مخزيه
مستقبحا ركوبها ... مثل ركوب المعصية
فما مساويها لمن ... عدّدها مستويه
يا قبحها مقبلة ... وقبحها مولّيه
وقال برهان الدين ابن الفقيه نصر:
لصاحب الديوان برذونة «2» ... بعيدة العهد من القرط «3»
إذا رأت خيلا على مربط ... تقول سبحانك يا معطى
تمشى إلى خلف إذا ما مشت ... كأنها تكتب بالقبطى
*** هذا ما اتّفق إيراده مما قيل فى أوصاف الخيل من النظم. فلنذكر ما وصفت به فى الرسائل المنثورة، والفقر المسجوعة، والألفاظ المزدوجة؛ مع ما يتصل بذلك من الأبيات فى ضمنها.
(10/67)

فمن ذلك ما حكى أن المهدىّ سأل مطر بن درّاج عن أىّ الخيل أفضل؛ فقال: الذى إذا استقبلته قلت نافر، وإذا استدبرته قلت زاخر «1» ، وإذا استعرضته قلت زافر «2» . قال: فأىّ هذه أفضل؟ قال: الذى طرفه إمامه، وسوطه عنانه.
ومن هذا أخذ المتنبى وعلىّ بن جبلة والعسكرىّ. فقال المتنبى:
إن أدبرت «3» قلت لا تليل لها
وقد تقدّم.
وقال علىّ بن جبلة:
تحسبه أقعد فى استقباله ... حتى إذا استدبرته قلت أكبّ
وقال أبو هلال العسكرىّ:
طرف إذا استقبلته قلت حبا ... حتى إذا استدبرته قلت كبا
ووصف أعرابىّ فرسا أجرى فى حلبة فقال لما أرسلت الخيل: جاءوا بشيطان، فى أشطان «4» ؛ فأرسلوه فلمع لمع البرق، واستهلّ استهلال الودق «5» ؛ فكان أقرب الخيل إليه، تقع عينه من بعد عليه.
(10/68)

ووصف محمد بن الحسين بن الحرون فرسا فقال: هو حسن القميص، جيّد الفصوص «1» ؛ وثيق القصب، نقىّ العصب؛ يبصر بأذنيه، ويتبوّع «2» بيديه، ويداخل رجليه.
ووصف أخر فرسا فقال: الريح أسيرة يديه، والظّليم «3» فريسة رجليه؛ إن حرّ «4» استعر فى التهابه، وإن جدّ مرق من إهابه.
وكتب عبد الله بن طاهر إلى المأمون مع فرس أهداه اليه: قد بعثت إلى أمير المؤمنين فرسا يلحق الأرنب فى الصّعداء، «5» ويجاوز الظباء فى الاستواء، ويسبق فى الحدور جرى الماء؛ إن عطف حار، وإن أرسل طار؛ وإن حبس صفن «6» ، وإن استوقف فطن؛ فهو كما قال تأبّط شرّا:
ويسبق وفد الريح من حيث ينتحى ... بمنخرق من شدّه المتتابع
ووصف آخر فرسا فقال: كأنه إذا علا دعاء، وإذا هبط قضاء. كأنه محلول من قول الشاعر فى صفة فرس:
مثل دعاء مستجاب إن علا ... أو كقضاء نازل إذا هبط
ووصف أيّوب بن القرّيّة فرسا فقال: أسيل الخدّ، حسن القدّ؛ يسبق الطّرف، ويستغرق الوصف.
(10/69)

وقال محمد بن عبد الملك لصديق له: ابغ لى فرسا برذونا، وثيق اليدين، قائم الأذنين، ذكر العينين، يأنف من تحريك الرجلين.
ومن الكلام الجيّد فى وصف الخيل ما أنشأه الشيخ ضياء الدين بن القرطبىّ من رسالته التى كتبها إلى الصاحب الوزير شرف الدين الفائزىّ، وقد تقدّم ذكرها فى باب الكتّاب فى الرسائل، فلا فائدة فى إعادتها؛ وإنما أوردنا ذكر الخيل هناك لأن الرسالة تشتمل على أوصاف الخيل والعساكر والسلاح وغير ذلك، فأردنا بإيرادها بجملتها ثم أن يكون الكلام فيها سياقه يتلو بعضه بعضا. وهذه الرسالة فى السّفر السابع «1» من هذه النسخة.
*** ومن إنشاء المولى الفاضل العالم الأديب البليغ شهاب الدين أبى الثّناء محمود ابن سليمان الحلبى الكاتب رسالة «2» فى الخيل عملها تجربة ورياضة لخاطره، ولم يكتب بها «3» ؛ سمعتها من لفظه، ونقلتها من خطّه؛ وهى:
أدام الله إحسان الجناب الفلانى، ولا زالت الآمال فى أمواله محكّمه، والأمانى كالمحامد فى أبوابه مخيّمه، والمعالى كالعوالى إليه دون غيره مسلّمه، والمكارم تغريه فى الندى حتى يبذل ما حبّب إليه من الخيل المسوّمه. المملوك يقبّل اليد التى ما زالت بسطتها فى الكرم عليّه، وقبضتها بتصريف أعنّة الزمن مليّه؛ ومواهبها تتنوّع فى الندى، ومذاهبها فى الكرم تهب الأولياء ما تهابه العدا. وينهى وصول
(10/70)

ما أنعم به من الخيل التى وجد الخير فى نواصيها، وادّخرت صهواتها حصونا «1» يعتصم فى الوغى بصياصيها:
فمن أشهب غطّاه النهار بحلّته، وأوطأه الليل على أهلّته؛ كأنّ أذنه جلفة «2» قلم، أو شقّة جلم؛ يدرك بها الوهم، ويحقّق فى الليل البهيم مواقع السهم؛ يتموّج أديمه ريّا؛ ويتأرّج ريّا، ويقول من استقبله فى حلى لجامه: هذا الفجر قد طلع بالثريّا؛ إن التفّت المضايق انساب انسياب الأيم، وإن انفرجت المسالك مرّ مرور الغيم؛ كم أبصر فارسه يوما أبيض بطلعته، وكم عاين [طرف «3» السّنان] مقاتل العدا فى ظلام النّقع بنور أشعّته؛ لا يستنّ داحس «4» فى مضماره، ولا تطمع الغبراء فى شقّ غباره، ولا يظفر لاحق من لحاقه بسوى آثاره؛ تسابق يداه مرامى طرفه، ويدرك شوارد البروق ثانيا من عطفه.
ومن أدهم حالى الشّكيم، حالك الأديم، له مقلة غانية وسالفة ريم؛ قد ألبسه الليل برده، وأطلع بين عينيه سعده؛ يظنّ من نظر إلى سواد طرّته، وبياض حجوله وغرّته؛ أنه توهّم النهار نهرا فخاضه، وألقى بين عينيه نقطة من رشاش تلك المخاضه؛ ليّن الأعطاف، سريع الانعطاف؛ يقبل كالليل، ويكرّ كجلمود صخر حطّه السّيل؛ يكاد يسبق ظلّه، وإذا جارى السهم إلى غرض بلغه قبله.
ومن أشقر غشّاه البرق بلهبه، ووشّاه الأصيل بذهبه؛ يتوجّس مالديه برقيقتين، وينفض وفرتيه عن عقيقتين، وينزل عذار لجامه من سالفتيه على
(10/71)

شقيقتين؛ له من الرّاح لونها، ومن الرياح لينها؛ إن جرى فبرق خفق، وإن أسرع «1» فهلال على شفق؛ لو أدرك أوائل حرب ابنى وائل لم يكن للنّعامة «2» نباهه، ولا للوجيه وجاهه، ولكان «3» ترك إعارة سكاب «4» لؤما وتحريم بيعها سفاهه؛ يركض ما وجد أرضا، ولو اعترض [به «5» ] راكبه بحرا وثبه عرضا.
ومن كميت نهد، كأنّ راكبه فى مهد؛ عندمىّ الإهاب، شمالىّ الذّهاب؛ «يزلّ الغلام «6» الخفّ عن صهواته» ، وكأنّ نغم الغريض ومعبد فى لهواته؛ قصير المطا «7» ، فسيح الخطا؛ إن ركب لصيد قيّد الأوابد، وأعجل عن الوثوب الوحش اللّوابد؛ وإن جنب إلى حرب لم يزورّ من وقع القنا بلبانه، ولم يشك لو علّم الكلام بلسانه، ولم يردون بلوغ الغاية- وهى ظفر راكبه- ثانيا من عنانه؛ وإن سار فى سهل اختال براكبه كالثّمل، وإن أصعد فى جبل طار فى عقابه كالعقاب وانحطّ فى مجاريه كالوعل؛ متى ما ترقّ العين فيه تسهّل، ومتى أراد البرق مجاراته قال له الوقوف عند قدره: ما أنت هناك فتمهّل.
(10/72)

ومن حبشىّ أصفر يروق العين، ويشوق القلب بمشابهته العين «1» ؛ كأنّ الشمس ألقت عليه من أشعّتها جلالا، وكأنه نفر من الدّجى فاعتنق منه عرفا واعتلق أحجالا؛ ذى كفل يزين سرجه، وذيل يسدّ إذا استدبرته منه فرجه؛ قد أطلعته الرياضة على مراد فارسه، وأغناه نضار لونه ونضارته عن ترصيع قلائده وتوشيع ملابسه؛ له من البرق خفّة وطئه وخطفه؛ ومن النسيم لين طروقه «2» ولطفه، ومن الريح هزيزها إذا ما جرى شأوين وابتلّ عطفه؛ يطير بالغمز، ويدرك بالرّياضة مواقع الرّمز، ويغدو كألف الوصل فى استغنائه مثلها عن الهمز.
ومن أخضر له من الروض تفويفه، ومن الوشى تقسيمه وتأليفه؛ قد كساه الليل والنهار حلّتى وقار وسنا، واجتمع فيه من البياض والسواد ضدّان لمّا استجمعا حسنا؛ ومنحه البازى حلّة وشيه، وأعطته «3» نفوح الرياح ونسماتها قوّة ركضه وخفّة مشيه؛ يعطيك أفانين الجرى قبل سؤاله، ولمّا لم يسابقه شىء من الخيل أغراه حبّ الظّفر بمسابقة خياله؛ كأنه تفاريق شيب فى سواد عذار، أو طلائع فجر خالط بياضه الدّجى، فما سجى، ومازج ظلامه النهار، فما أنار؛ يختال لمشاركة اسم الجرى بينه وبين الماء فى شدّة السّير كالسيل، ويدلّ بسبقه على المعنى المشترك بين البروق اللّوامع وبين البرقيّة من الخيل، ويكذّب المانويّة «4» لتولّد اليمن فيه بين إضاءة النهار وظلمة الليل.
ومن أبلق ظهره حرم، وجريه ضرم؛ إن قصد غاية فوجود الفضاء بينه وبينها عدم، وإن صرّف فى حرب فعمله ما يشاء البنان والعنان وفعله ما تريد الكفّ
(10/73)

والقدم؛ قد طابق الحسن البديع بين ضدّى لونه، ودلّت على اجتماع النّقيضين علّة كونه؛ وأشبه زمن الرّبيع باعتدال الليل فيه والنهار، وأخذ وصف حلّتى الدّجى فى حالتى الإبدار والسّرار؛ «1» لا تكلّ مناكبه، ولا يضلّ فى حجرات «2» الجيوش راكبه، ولا يحتاج ليلة المشرق بمجاورة نهاره إلى أن تسترشد فيه كواكبه؛ ولا يجاريه الخيال فضلا عن الخيل، ولا يملّ السّرى إلّا إذا ملّ مشبهاه: النهار والليل، ولا تتمسّك البروق اللوامع من لحاقه بسوى الأثر فإن جهدت فبالذّيل؛ فهو الأبلق الفرد، والجواد الذى لمجاريه العكس وله الطّرد؛ قد أغنته شهرة نوعه فى جنسه عن الأوصاف، وعدل بالرياح عن مباراته سلوكها «3» له فى الاعتراف جادّة الإنصاف.
فترقّى المملوك إلى رتب العزّ من ظهورها، وأعدّها لخطبة الجنان إذ الجهاد على «4» مثلها من أنفس مهورها؛ وكلف بركوبها فكلّما أكمله عاد، وكلّما أمّله شره إليه فلو أنه زيد «5» الخيل لما زاد؛ ورأى من آدابها ما دل على أنها من أكرم الأصائل، وعلم أنها ليومى سلمه وحربه حنيّة «6» الصائد وجّنة الصائل؛ وقابل إحسان مهديها بثنائه ودعائه، وأعدّها [فى الجهاد «7» ] لمقارعة أعداء الله تعالى عليها وأعدائه؛ والله تعالى
(10/74)

يشكر برّه الذى أفرده فى الندى بمذاهبه، وجعل الصّافنات الجياد من بعض مواهبه.
والله أعلم بالصواب.
*** ومن إنشاء المولى الفاضل تاج الدين عبد الباقى «1» بن عبد المجيد اليمانى رسالة فى مثل ذلك أنشأها فى سنة ستّ أو خمس وسبعمائة. وسمعتها من لفظه، ونقلتها من إملائه؛ وهى:
يقبّل اليد العالية الفلانيّة، لا زالت ترسل إلى الأولياء سحائب كرمها، وتقلّد الأودّاء قلائد نعمها، ولا برح المرهفان طرازى حاشيتها وخدمها، حتى ينوب القلم عن صليل مرهفها والصّمصام عن صرير قلمها، لتتساوى فى الإنفاذ مواقع كلمها ومراسم كلمها؛ ولا فتئ ظاهرها قبلة القبل وغاية الآمال، وباطنها مورد الكرم ومصدر الأموال.
وينهى أنه لما كانت العزائم الفلانيّة طامحة إلى أسنى المعالى، مطلعة من مناقبها أهلّة تخجل بدور الليالى؛ متيّمة باكتساب المفاخر، عميدة بتشييد المآثر؛ مائلة الى ما يزيّن المقانب «2» ، ويطرّز الكتائب؛ مصغية إلى ما يرد جنابها من جنايتها لا غير «3» ،
(10/75)

وكيف لا تكون كذلك وحبّ الخيل من الخير؛ ناظرة إلى ما يصل من كرائمها، مهتدية بنجوم غررها مشغوفة بتحجيل قوائمها؛ عاشقة لاتساع صدورها، ورقّة نحورها.
خدم المملوك الرّكاب العالى بإنفاذ خيل اتّحدت فى الصفات، وتباينت فى الشّيات؛ وصدرت كروضة تفتّحت أزهارها، وزها نوّارها، وأشرقت أنوارها؛ بل كعرائس تختال فى برودها، أو كجواهر تنافست فى عقودها؛ ملكتها يمين المملوك فكانت كعدد أصابعها، وأحرزتها همّته فنزعت فى الحزم إلى منازعها؛ لها من الظباء أعناقها، ومن النعام أسواقها «1» ؛ ومن البأس قوة جنانها، ومن الظفر مثنى عنانها؛ ومن الإقبال غرر نواصيها، ومن إدراك الغرض جلّ أمانيها؛ ذوات ضبح «2» ، وموريات «3» قدح؛ تكبو الريح فى غاياتها، ويقرّ البرق بمعجزاتها؛ مداخلة الخلق رحبة اللّبان «4» ، مستغنية عن الهمز بتحريك العنان؛ تقارب ما بين قطاها «5» ومطاها «6» ، وتباعد ما بين قذالها «7» وصلاها؛ «8» سما عنقها وأطرق جبينها «9» ، وتنزّهت عن المعايب فلا صكك «10» يشينها؛ يا حبّذا أشهبها وقد تجلّلت بالشّهب ذاته، وادّرعت أشهب الصبح شياته؛ زبرجدىّ الحافر لؤلؤىّ الأديم، له أيطلا ظبى وساقا ظليم «11» ؛ كغمامة بارقها قدح سنابكه، أو كسيل طمّ مفعمه واسع مسالكه؛ استغنى بجوهر شياته عن كل مذهب،
(10/76)

فما لمذهب فى الانتساب عنه مدهب؛ إن امتطى الفارس قطاته طار بنسر حافره، وإن أشار إلى غرض أدركه بمجرّد الوهم لا بالنظر إلى ناظره؛ أميال البيداء كميل بين عينيه، وترادف رمالها كذرور بين جفنيه؛ استولى على السّبق «1» وأحرز خصله، وكيف لا وقد حاز اثنتى عشرة خصله.
يتلوها أشقرها وقد نجّد «2» عقيقا، أو التحف شقيقا «3» ؛ أو كوجنة قد احمرّت من الخجل، أو كوردة ناظرت بخفرها نرجس المقل؛ تناسبت أجزاؤه فى الملاحه، وتساوت مراتبه فى الصّباحه؛ وجاهة الوجيه ناطقة من المحيّا، ومسيل غرّته كتصويب الثريّا؛ حجّل بالجوزاء وأسرج بالهلال، وألجم بالمجرّة فما لابن ذكاء «4» فى الإشراق عليه مجال؛ إن أطلق والريح فى سنن ميدان، رأيت الريح ككميت خلّفته الجياد يوم الرّهان؛ تنهب الفلاة حوافره، وتحرز قصب السبق بوادره. يتبعه كميت كقطعة جمر، أو ككأس خمر؛ اسودّ ذنبه وعرفه، واختال كالنّشوان فكأنما أسكره وصفه؛ حكت أذناه قادمتى حمامه، أو المحرّف من أقلام قدامه؛ قصرت عن سعيه الخيول فسابق الظّلال، ونشأ مع النّعام فلا يألف غير الرّئال؛ كأنّ الصّبا ألقت إليه عنانها قسرا، فتخبّ بسرجه مرّة وتناقل أخرى. مقرونا بأصفر كالدّينار، قد أفرغت عليه حلّة نور لا نار؛ طال منه الذيل واتّسع اللّبان، فكأنما هو نار على يفاع شبّت للضّيفان؛ جلّلته الشمس بأنوارها، وأهدت إليه الرّياض اصفرار أزهارها؛ تشهدك عند رؤيته يوم العرض، فروج قوائمه سماء على أرض؛ إن هملج لاذت الريح بالشّجر، وإن عدا قصر عن إدراكه رؤية
(10/77)

البصر؛ نجاشىّ النّجار «1» ، وحليف الوجار «2» ؛ كأنما خلق من الحزم شطره، ومن العزّ ظهره؛ ومن الإقبال غرّته، ومن كنوز المفاخر سرّته؛ يقرّ أعوج «3» بنى هلال بفضله، ويقفو حرون «4» مسلم أثر ظلّه. مختوما بأدهم كصخرة سيل، أو كقطعة ليل؛ خاض فى أحشاء الصّباح فلطم جبينه، وسابق الفلك فقيّد بالجوزاء رجليه ويساره وأطلق يمينه؛ عريض الكفل والمنخرين، دقيق القوائم والساقين؛ كأنما أشرب لونه سواد القلب والبصر، وكأنما النصر قيس «5» وهو ليلى يحضره حيث حضر؛ لو كتب اسمه على راية لم تزل تقدم فتوحا، أو لمعت بوارق سنابكه رأيت زنجيّا جريحا؛ طابقت أخباره لمخبره، وسبقت رجلاه فى العدو مواقع نظره؛ لا يعلق غراب «6» بغباره، ولا تستنّ «7» النّعامة فى مضماره.
ولنختم هذا الباب بذكر فائدة، وهى دواء للخلد «8» : يؤخذ خمسون طائرا من الدّراريج تسحق بحجر ولا تمسّ باليد، وتجعل فى قدر صغيرة جديدة، ويصبّ عليها من الماء والزيت ما يغمره، ويغلى عليه حتّى ينعقد، ويضاف إليه يسير من القطران الأسود، ويوضع على النار؛ فإذا فتر فتلفّ مشاقة على عود ويدهن به أمّ الخلد قبل قطعه بالنار، ثم يدهن بعد ثلاثة أيام بالشّيرج والصّيلقون وماء الورد؛ فإنه مجرّب.
(10/78)

الباب الثانى من القسم الثالث من الفن الثالث فى البغال والحمير
ذكر ما قيل فى البغال
قال أصحاب الكلام فى طبائع الحيوان: إنّ البغل لا يعيش له ولد، وليس بعقيم؛ ولا يبقى للبغلة ولد، وليست بعاقر. وهو أطول عمرا من أبويه وأصبر. ويقال:
إنّ أوّل من نتج «1» البغال «قارون» ، وقيل: «أفريدون» «2» أحد ملوك الفرس الأول.
والبغل يوصف برداءة الأخلاق والنلوّن. ومن أخلاق البغال الإلف لكل دابّة.
ويقال: إنّ أبوال الإناث تنقية لأجسادها. والإناث أجمل من الذكور. قال بعض الشعراء «3» :
عليك بالبغلة دون البغل ... فإنها جامعة للشّمل
مركب قاض وإمام عدل ... وعالم وسيّد وكهل
تصلح للرّحل وغير الرحل
والبغال من مراكب الرؤساء، والسادة النجباء، والقضاة والعلماء. وهم يرجّحون إناثها على ذكورها؛ حتى إن المغاربة لا يركبون البغال الذكور البتة وإنما
(10/79)

يجعلونها برسم حمل الزّبل. أخبرنى قاضى القضاة جمال الدين أبو محمد بن سليمان بذلك، وقال: وإذا طلب ولىّ الأمر البغل لأحد كان ذلك دلالة على إشهاره «1» وتجريسه «2» عليه. قال: فلا يركب البغل الذكر عندنا إلا زبّال أو مجرّس. وأعظم ما تفضّل به إناث البغال على ذكورها أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبها وملكها؛ وما ورد أنه ملك بغلا ولا ركبه.
ولنذكر بغلات رسول الله صلى الله عليه وسلم تفضيلا لهذا الحيوان وتشريفا، وتنويها بذكره وتعريفا؛ والله أعلم.
ذكر بغلات رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة شهباء يقال لها «دلدل» ، أهداها له المقوقس. ذكر ذلك ابن قتيبة وابن سعد؛ فقال ابن سعد ما هذا نصه: «وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبى بلتعة اللّخمى، وهو أحد الستة «3» ، إلى
(10/80)

المقوقس صاحب الإسكندريّة عظيم القبط يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتابا «1» ؛ فأوصل إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأه وقال له خيرا؛ وأخذ الكتاب فجعله فى حقّ من عاج وختم عليه ودفعه إلى جاريته؛ وكتب إلى النبىّ صلى الله عليه وسلم: «قد علمت أن نبيّا قد بقى، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان فى القبط عظيم، وقد أهديت إليك كسوة وبغلة تركبها» . ولم يزد على هذا ولم يسلم. فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم هديّته، وأخذ الجاريتين: مارية أمّ إبراهيم ابن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وأختها سيرين، وبغلة بيضاء لم يكن فى العرب يومئذ غيرها وهى «دلدل» . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ضنّ الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه» .
وذكر ابن سعد أيضا قال: كانت «دلدل» بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أوّل بغلة رئيت فى الإسلام، أهداها له المقوقس وأهدى معها حمارا يقال له «عفير» ؛ فكانت البغلة قد بقيت حتى كان زمن معاوية. وفى لفظ: وكانت
(10/81)

شهباء، وكانت بينبع حتى ماتت ثمّ. وفى لفظ: وكانت قد كبرت حتى زالت أستانها، وكان يجشّ لها الشعير.
وروى ابن سعد أيضا عن محمد بن عمر الأسلمىّ قال: حدّثنا أبو بكر بن عبد الله ابن أبى سبرة عن زامل بن عمرو قال: أهدى فروة بن عمرو إلى النبىّ صلى الله عليه وسلم بغلة يقال لها «فضّة» فوهبها لأبى بكر. وكذلك قال البلاذرىّ.
وقد يقال: إن «دلدل» من هديّة فروة، وإن «فضّة» من هدية المقوقس.
وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: أهدى للنبىّ صلى الله عليه وسلم بغلة أهداها له كسرى؛ فركبها بجلّ «1» من شعر ثم أردفنى خلفه. رواه الثّعالبىّ فى تفسيره فى قوله تعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) *
. قال الشيخ شرف الدين عبد المؤمن الدّمياطى رحمه الله: قوله «أهداها له كسرى» بعيد؛ لأنه مزّق كتاب النبىّ صلى الله عليه وسلم وأمر عامله باليمن بقتله وبعث رأسه إليه؛ فأهلكه [الله] بكفره وطغيانه.
وروى مسلم بن الحجّاج رحمه الله من حديث أبى حميد الساعدىّ قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك؛ فذكر الحديث؛ وقال فيه: وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب وأهدى له بغلة بيضاء؛ فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهدى له بردا. رواه البخارىّ فى كتاب الجزية والموادعة بعد الجهاد؛ ورواه أبو نعيم فى المستخرج.
ولفظهما: «وأهدى ملك أيلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء فكساه بردا» ؛ وقال أبو نعيم: بردة.
(10/82)

وقال ابن سعد: وبعث صاحب «1» دومة الجندل «2» لرسول الله صلى الله عليه وسلم ببغلة وجبّة من سندس.
وروى إبراهيم الحربىّ فى كتاب الهدايا عن علىّ رضى الله عنه قال: وأهدى يحنّة «3» بن روبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلته البيضاء.
وروى يوسف بن صهيب عن ابن «4» بريدة عن أبيه قال: انكشف الناس عن النبىّ صلى الله عليه وسلم يوم حنين ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته الشّهباء التى أهداها له النّجاشىّ وزيد آخذ بركاب بغلته. وذكر علىّ بن محمد بن حنين «5» بن عبدوس الكوفىّ فى أسماء خيله وسلاحه وأثاثه: وكان اسم بغلته «دلدل» أهداها إليه المقوقس صاحب الإسكندريّة وكانت شهباء؛ وهى التى قال لها يوم حنين: «اربضى» فربضت. ويقال: إن عليّا ركبها بعد النبىّ صلّى الله عليه وسلم ثم ركبها الحسن ثم ركبها الحسين ثم ركبها محمد بن الحنفيّة
(10/83)

رضى الله عنهم؛ ثم كبرت وعميت، فوقعت فى مبطخة «1» لبعض بنى مدلج فخبطت «2» فيها، فرماها بسهم فقتلها.
وكانت له بغلة يقال لها «الأيليّة» ؛ أهداها إليه ملك أيلة، وكانت طويلة مخندفة»
كأنما تقوم على رمال حسنة السير؛ فأعجبته ووقعت منه. وهى التى قال له فيها علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه حين خرج عليها: كأنّ هذه البغلة قد أعجبتك يا رسول الله؟ قال: «نعم» قال: لو شئنا لكان لك مثلها؛ قال:
«وكيف» ؛ قال: هذه أمّها فرس عربيّة وأبوها حمار، ولو أنزينا حمارا على فرس لجاءت بمثل هذه؛ فقال: «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون» .
وعن دحية بن خليفة الكلبىّ رضى الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ألا أحمل لك حمارا على فرس فتنتج لك بغلة؟ فقال: «إنما يفعل ذلك الذين لا يعقلون» . رواه ابن منده فى كتاب الصحابة.
وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا مأمورا، ما اختصّنا دون الناس بشىء إلا بثلاث: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وألّا نأكل الصّدقة، وألا ننزى حمارا على فرس. رواه التّرمذىّ فى الجهاد. وفى لفظ آخر عنه رضى الله عنه: كان عبدا مأمورا بلّغ ما أرسل به، وما اختصّنا دون الناس بشىء إلا بثلاث خصال: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وألّا نأكل الصّدقة، وألا ننزى الحمار على الفرس. وهذا على هذين الحديثين يختصّ بآل النبىّ صلى الله عليه وسلم دون غيرهم.
(10/84)

والذى يظهر من مجموع هذه الأحاديث المرويّة التى أوردناها أن بغلات رسول الله صلّى الله عليه وسلم كانت سبعا، وهى: «الدّلدل» التى أهداها له المقوقس، و «فضّة» التى أهداها له فروة بن عمرو، وبغلة أهداها له كسرى، وبغلته الأيليّة التى أهداها له ابن العلماء صاحب أيلة، وبغلة بعثها له صاحب دومة الجندل، وبغلة أهداها له يحنّة ابن روبة، وبغلة أهداها له النّجاشىّ صاحب الحبشة. والله تعالى أعلم بالصواب.
ذكر شىء مما وصفت به البغال
قد ألّف الجاحظ كتابا فى البغال مفردا عن كتاب الحيوان، قال فيه ما نصه:
«نبدأ إن شاء الله بما وصف الأشراف من شأن البغلة فى حسن سيرتها، وتمام خلقتها، والأمور الدالّة على السرّ فى جوهرها، وعلى وجوه الارتفاق بها، وعلى تصرّفها فى منافعها، وعلى خفّة مؤونتها فى التنقّل فى أمكنتها وأزمنتها، ولم كلف الأشراف بارتباطها مع كثرة ما يزعمون من عيوبها، ولم آثروها على ما هو أدوم طهارة خلق منها، وكيف ظهر فضلها مع النقص الذى هو فيها، وكيف اغتفروا مكروه ما فيها لما وجدوا من خصال المحبوب فيها.
قال: ولقد كلف بارتباطها الأشراف حتى لقّب بعضهم من أجل اشتهاره بها ب «روّاض البغال» ؛ ولقّبوا آخر ب «عاشق البغل» . فبسط القول فى الترجمة ثم لم يأت من أخبار البغال بطائل، بل اقتصر على حكايات واستطرد منها إلى منها إلى غيرها، على عادته فى مصنّفاته. فكان مما حكاه من ذلك:
قال مسلمة بن عبد الملك: ما ركب الناس مثل بغلة طويلة العنان، قصيرة العذار، سفواء «1» العرف، حصّاء «2» الذّنب.
(10/85)

قال: وكتب روح بن عبد الملك إلى وكيل له: ابغنى بغلة حصّاء الذنب، عظيمة المحزم، طويلة العنق، سوطها عنانها، وهواها إمامها.
قال: وعاتب صفوان بن عبد الله بن الأهتم عبد الرحمن بن عبّاس بن ربيعة ابن الحارث بن عبد المطّلب فى ركوب البغال، وكان ركّابا للبغلة، فقال له: مالك ولهذا المركب الذى لا يدرك عليه الثار، ولا ينجّيك يوم الفرار؟! فقال: إنها نزلت عن خيلاء الخيل، وارتفعت عن ذلّة «1» العير، وخير الأمور أوساطها. فقال صفوان:
إنا نعلّمكم، فإذا علمتم تعلّمنا منكم. وهو الذى يلقّب «روّاض البغال» ، لحذقه بركوبها، ولشغفه بها، وحسن قيامه عليها. وكان يقول: أريدها واسعة الجفرة «2» ، مندحّة «3» السّرّة، شديدة الغلوة «4» ، بعيدة الخطوة، ليّنة الظهر، ملويّة الرّسغ، سفواء جرداء عنقاء، طويلة الأنقاء «5» .
قال: وقال ابن كتامة: سمعت رجلا يقول: إذا اشتريت بغلة، فاشترها طويلة العنق، تجده «6» فى نجائها؛ مشرفة الهادى، تجده «7» فى طباعها؛ ضخمة الجوف، تجده «8» فى صبرها.
قال: ولما خرج قطرىّ بن الفجاءة أحبّ أن يجمع إلى رأيه رأى غيره؛ فدسّ إلى الأحنف بن قيس رجلا يجرى ذكره فى مجلسه ويحفظ عنه ما يقول؛ فلمّا قعد قال الأحنف: أما إنهم إن جنبوا بنات الصّهّال، وركبوا بنات النّهّاق «9» ، وأمسوا بأرض وأصبحوا بأرض، طال أمرهم.
(10/86)

قال الجاحظ: فلا ترى صاحب الحرب يستغنى عن البغال، كما لا ترى صاحب السّلم يستغنى عنها، وترى صاحب السفر كصاحب الحضر. انتهى كلام الجاحظ.
وحكى أنّ عبد الحميد الكاتب ساير مروان بن محمد الجعدىّ على بغلة؛ فقال له:
لقد طالت صحبة هذه الدابّة لك!؛ فقال: يا أمير المؤمنين، من بركة الدابّة طول صحبتها. فقال: صفها؛ فقال: همّها إمامها، وسوطها زمامها، وما ضربت قطّ إلّا ظلما.
وقال بعض الكتّاب من رسالة: «قد اخترت لسيّدى بغلة وثيقة الخلق، لطيفة الخرط، رشيقة القدّ، موصوفة «1» السير، ميمونة الطير، مشرفة العنق، كريمة النّجار، حميدة الآثار.
إن أدبرت قلت لا تليل لها ... أو أقبلت قلت ما لها كفل
قد جمعت إلى حسن القميص، سلامة الفصوص «2» ؛ فسمّيت قيد الأوابد، وقرّة عين الساهد؛ تزرى فى انطلاقها، بالبروق فى ائتلاقها» .
قال البحترىّ يصف بغلا:
وأقبّ نهد للصّواهل «3» شطره ... يوم الفخار وشطره للشّحّج
خرق يتيه «4» على أبيه ويدّعى ... عصبيّة لبنى الضّبيب «5» وأعوج
(10/87)

مثل المذرّع «1» جاء بين عمومة ... فى غافق «2» وخؤولة للخزرج
وقال أبو الفرج الوأواء من قصيدة يشكر بعض أصحابه وقد أهدى له بغلة:
قد جاءت البغلة السّفواء يجنبها ... للبرق غيث بدا ينهلّ ماطره
عريقة ناسبت أخوالها «3» فلها ... بالعتق «4» من أكرم الجنسين فاخره
ملء الحزام وملء العين مسفرة ... يريك غائبها فى الحسن حاضره
أهدى لها الرّوض من أوصافه شية ... خضراء ناضرة إن زال ناضره
ليست بأوّل حملان «5» شريت به ... حمدى ولا هى يا ذا الجود آخره
كم قد تقدّمها من سابح بيدى ... عنانه وعلى الجوزا حوافره
وقال أبو المكارم بن عبد السّلام:
كأنها النار فى الحلفاء إن ركضت ... كأنها السيل إن وافتك من جبل
كأنها الأرض إن قامت لمعتلف ... كأنها الريح إن مرّت على القلل
ما يعرف الفكر منها منتهى حضر ... ما صوّر الوهم فيها وصمة الكسل
إذا اقتعدت مطاها وهى ماشية ... ثهلان تبصره فى زىّ منتقل
هذا ما اتّفق إيراده من صفات البغال التى تقتضى المدح.
(10/88)

فأمّا ما جاء فى ذمها
فالمثل المضروب فى بغلة أبى دلامة. وقال أبو دلامة فى بغلته:
أبعد الخيل أركبها ورادا ... وشقرا فى الرّعيل «1» إلى القتال
رزقت بغيلة فيها وكال «2» ... وخير خصالها فرط الوكال
رأيت عيوبها كثرت وعالت ... ولو أفنيت مجتهدا مقالى
تقوم فما تريم «3» إذا استحثّت ... وترمح باليمين وبالشّمال
رياضة جاهل وعليج سوء ... من الأكراد أحبن «4» ذى سعال
شتيم «5» الوجه هلباج «6» هدان «7» ... نعوس يوم حلّ وارتحال
فأدّبها بأخلاق سماج ... جزاه الله شرّا عن عيالى
فلمّا هدّنى ونفى رقادى ... وطال لذاك همّى واشتغالى
أتيت بها الكناسة «8» مستغيثا ... أفكّر دائبا كيف احتيالى
بعهدة سلعة ردّت «9» قديما ... أطمّ بها على الداء العضال
(10/89)

فبينا فكرتى فى القوم تسدى ... إذا ما سمت أرخص أم أغالى
أتانى خائب حمق شقّى ... قديم فى الخسارة والضّلال «1»
وراوغنى ليخلوبى خداعا ... ولا يدرى الشّقىّ بمن يخالى
فقلت بأربعين فقال أحسن ... فإن البيع مرتخص وغالى
فلما ابتاعها منّى وبتّت ... له فى البيع غير المستقال
أخذت بثوبه وبرئت مما ... أعدّ عليك من شنع الخصال
برئت إليك من مشش «2» قديم ... ومن جرد «3» وتخريق الجلال
ومن فرط الحران ومن جماح ... ومن ضعف الأسافل والأعالى
ومن عقر اللسان ومن بياض ... بناظرها ومن حلّ الحبال
وعقّال «4» يلازمها شديد ... ومن هدم المعالف والرّكال «5»
تقطّع جلدها جربا وحكّا ... إذا هزلت وفى غير الهزال
ومن شدّ العضاض «6» ومن شباب «7» ... إذا ما همّ صحبك بالرّقال
(10/90)

وأقطف «1» من دبيب الذّرّ مشيا ... وتنحط «2» من متابعة السّعال
وتكسر سرجها أبدا شماسا «3» ... وتسقط فى الوحول وفى الرمال
ويهزلها الجمام «4» إذا خصبنا ... ويدبر ظهرها مسّ الجلال
تظلّ لركبة منها وقيدا «5» ... يخاف عليك من ورم الطّحال
وتضرط أربعين إذا وقفنا ... على أهل المجالس للسؤال
فتخرس منطقى وتحول بينى ... وبين كلامهم ممّا توالى
وقد أعيت سياستها المكارى ... وبيطارا يعقّل بالشّكال
حرون حين تركبها لحضر ... جموح حين تعزم للنّزال
وذئب حين تدنيها لسرج ... وليث عند خشخشة المخالى
وفيل إن أردت بها بكورا ... خذول عند حاجات الرّجال
وألف عصا وسوط أصبحىّ «6» ... ألذّ لها من الشّرب الزّلال
وتصعق من صياح الدّيك شهرا ... وتذعر للصّفير وللخيال
إذا استعجلتها راثت وبالت ... وقامت ساعة عند المبال «7»
ومثفار «8» تقدّم كلّ سرج ... تصيّر دفّتيه على القذال «9»
(10/91)

وتحفى فى الوقوف إذا أقمنا ... كما تحفى البغال من الكلال
ولو جمّعت من هنّا وهنّا ... من الأتبان أمثال الجبال
فإنك لست عالفها ثلاثا ... وعندك منه عود للخلال
وكانت قارحا «1» أيّام كسرى ... وتذكر تبعا قبل الفصال «2»
وقد قرحت ولقمان فطيم ... وذو الأكتاف «3» فى الحجج الخوالى
وقد أبلى بها قرن وقرن ... وآخر يومها لهلاك مالى
فأبدلنى بها يا ربّ بغلا ... يزين جمال مركبه جمالى
كريم حين ينسب والداه ... إلى كرم المناسب فى البغال
وقال القاضى بهاء الدين زهير الكاتب:
لك يا صديقى بغلة ... ليست تساوى خردله
مقدار خطوتها الطوي ... لة حين تسرع أنمله
وتخال مدبرة إذا ... ما أقبلت مستعجله
تمشى فتحسبها العيو ... ن على الطريق مشكّله
تهتزّ وهى مكانها ... فكأنما هى زلزله
(10/92)

ذكر ما قيل فى الحمر الأهلية
قال المتكلمون فى طبائع الحيوان: إنّ الحمار لا يولد له قبل أن تتمّ له ثلاث سنين ونصف. قالوا: والحمار إذا شمّ رائحة الأسد رمى بنفسه عليه لشدّة خوفه منه.
ولذلك قال أبو تمّام [يخاطب عبد الصمد «1» بن المعذّل وقد هجاه] :
أقدمت ويلك من هجوى على خطر ... والعير يقدم من خوف على الأسد
والحمار يوصف بحدّة حاسّة السمع. وهو إذا نهق أضرّ بالكلب؛ قالوا:
حتى إنّه يحدث له مغسا «2» ؛ فلذلك يطول نباحه. والبرد يضرّ الحمار ويؤذيه؛ ولهذا لا يوجد فى بلاد الصّقالبة. وقال الجاحظ: وحلف أحمد بن العزيز أن الحمار ما ينام.
فقيل له: ولم ذلك؟ قال: لأنّى أجد صياحه ليس بصياح من نام وانتبه فى تلك الساعة، ولا هو صياح من يريد أن ينام بعد انقضاء صياحه.
وأجود الحمير المصريّة. وأهل مصر يعتنون بتربيتها، ويحتفلون بأمرها ويسابقون عليها، ويسمّون مكان سباقها «الطابق» . والجيّد منها يباع بالثمن الكثير. نقل صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر فى كتابه قال: لقد بيع منها حمار بمائة دينار وعشرة دنانير. وأمّا الذى رأيناه نحن منها فأبيع «3» بألف درهم، وربما زاد بعضها على ألف. وكثير من أهل مصر يركبونها ويتركون الخيل والبغال.
فمن ركبها من الأعيان مع وجود القدرة والإمكان على ركوب الخيل والبغال، يقصد بذلك التواضع وعدم الكبرياء. ومن إركبها من ذوى الأموال وترك الخيل والبغال
(10/93)

ربما يفعل ذلك توفيرا لماله وضنّة به. ومن ركبها من الشباب والسّوقة يقصد بذلك التنزّه عليها لفراهتها وسرعة مشيتها.
وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمار من حمير مصر اسمه «يعفور» وقيل: «عفير» ؛ أهداه له المقوقس صاحب الإسكندريّة مع ما أهدى. وقد ورد أيضا فى الحديث أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حماران: «يعفور» و «عفير» . فأمّا «عفير» فأهداه له المقوقس. وأمّا «يعفور» فأهداه له فروة ابن عمرو الجذامىّ. ويقال: إنّ حمار المقوقس «يعفور» وحمار فروة «عفير» .
قال الواقدىّ: مات «يعفور» عند منصرف النبىّ صلى الله عليه وسلم من حجّة الوداع. وذكر السّهيلىّ «1» : أن «يعفورا» طرح نفسه فى بئر يوم مات النبىّ صلى الله عليه وسلم فمات. وذكر ابن فورك «2» [فى كتاب «3» الفصول] أنه كان فى مغانم خيبر، وأنّه كلّم «4» النبىّ صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، أنا زياد «5» بن شهاب، وقد كان
(10/94)

فى آبائى ستّون حمارا كلّهم «1» ركبهم نبىّ، فاركبنى أنت. وزاد الجوينىّ «2» فى كتاب الشامل: أنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أحدا من أصحابه أرسل هذا الحمار إليه؛ فيذهب حتى يضرب برأسه الباب؛ فيخرج ذلك الرجل، فيعلم أنه أرسل اليه، فيأتى النبىّ صلى الله عليه وسلم.
وفى الحمار منافع طبيّة «3» ذكرها الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا، قال: رماد كبد الحمار بالزّيت ينفع من الخنازير «4» ؛ قال: ويبرئ من الجذام. وهذا دواء رخيص إن صحّ. قال: وكبده مشويّة على الرّيق تنفع من علّة الصّرع.
قال: والمكزوز»
من اليبوسة يجلس فى مرقة لحمه. وقيل: إنّ بوله نافع من وجع الكلى. قال: وبول الحمار الوحشىّ يفتّت الحصاة فى المثانة.
ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الحمار
تقول العرب: «العير أوقى لدمه «6» » . وقالوا: «نجّى «7» عيرا سمنه» . وقالوا:
(10/95)

«الجحش «1» إذا فاتك الأعيار» . وقالوا: «أصحّ «2» من عير أبى سيّارة» ؛ لأنه كان دفع بأهل الموسم على ذلك العير أربعين عاما. وقالوا: «إن ذهب عير فعير فى الرّباط «3» » .
وقالوا: «العير يضرط «4» والمكواة فى النار» . وقالوا: «حمار يحمل سفرا» .
ومن أنصاف الأبيات:
وقد حيل «5» بين العير والنّزوان
(10/96)

ذكر شىء مما وصفت به الحمير على طريقى المدح والذم
[أما ما جاء فيها على سبيل المدح]
قال أبو العيناء «1» لبعض سماسرة الحمير: اشتر لى حمارا لا بالطويل اللّاحق، ولا بالقصير اللاصق؛ إن خلا الطريق تدفّق، وإن كثر الزّحام ترفّق؛ لا يصادم بى السّوارى، ولا يدخل تحت البوارى «2» ؛ إن كثّرت علفه شكر، وإن قلّلته صبر؛ وإن ركبته هام، وإن ركبه غيرى قام «3» . فقال له السمسار: إن مسخ الله بعض قضاتنا حمارا أصبت حاجتك، وإلّا فليست موجودة.
قيل للفضل الرّقاشىّ: إنك لتؤثر الحمير على جميع الدوابّ؛ قال: لأنها أرفق وأوفق؛ قيل: ولم ذاك؟ قال: لأنها لا تستبدل بالمكان، على طول الزمان؛ ثم قال:
هى أقلّ داء، وأيسر دواء، وأخفض مهوى، وأسلم صرعا «4» ؛ وأقلّ جماحا، وأشهر فرها، وأقلّ بطرا؛ يزهى راكبه وقد تواضع بركوبه؛ ويعدّ مقتصدا وقد أسرف فى ثمنه.
وقال أحمد بن طاهر يصف حمارا:
شية كأنّ الشمس فيها أشرقت ... وأضاء فيها البدر عند تمامه
وكأنّه من تحت راكبه إذا ... ما لاح، برق لاح تحت غمامه
ظهر كجرى الماء لين ركوبه ... فى حالتى إتعابه وجمامه
سفهت يداه على الثّرى فتلاعبت ... فى جريه بسهوله وإكامه
(10/97)

عن حافر كالصّخر إلّا أنّه ... أقوى وأصلب منه فى استحكامه
ما الخيزران إذا انثنت أعطافه ... فى لين معطفه ولين عظامه
عنق يطول بها فضول عنانه ... ومحزّم يغتال فضل حزامه
وكأنّه بالرّيح منتعل، وما ... جرى الرياح كجريه ودوامه
أخذ المحاسن آمنا من عيبه «1» ... وحوى الكمال مبرّأ من ذامه «2»
وقال آخر:
لا تنظرنّ إلى هزال حمارى ... وانظر إلى مجراه فى الأخطار «3»
متوقّد جعل الذكاء إمامه ... فكأنما هو شعلة من نار
عادت عليه الريح عند هبوبها ... فكأنه ريح الدّبور يبارى
هذا ما ورد فى مدحها.
*** وأمّا ما جاء فيها على سبيل الذم
- فمن ذلك قولهم: «أضلّ من حمار أهله» . وقولهم: أخزى «4» الله الحمار مالا، لا يزكّى ولا يذكّى. ومنه قول جرير «5» بن عبد الله: لا تركب حمارا، فإنه إن كان حديدا «6» أتعب يديك، «7» ، وإن كان بليدا أتعب رجليك.
(10/98)

والمثل مضروب فى الحمير المهزولة بحمار طيّاب «1» ، كما يضرب المثل ببغلة أبى دلامة.
قال شاعر:
وحمار بكت عليه الحمير ... دقّ حتى به الرياح تطير
كان فيما مضى يسير بضعف ... وهو اليوم واقف لا يسير
كيف «2» يمشى وليس شىء يراه ... وهو شيخ من الحمير كبير
لمح القتّ «3» مرّة فتغنّى ... بحنين وفى الفؤاد زفير:
«ليس لى منك يا ظلوم نصيب ... أنا عبد الهوى وأنت أمير»
وقال خالد «4» الكاتب:
وقائل إنّ حمارى غدا ... يمشى إذا صوّب أو أصعدا
فقلت لكنّ حمارى إذا ... أحثثته لا يلحق المقعدا
يستعذب الضرب فإن زدته ... كاد من اللّذّة أن يرقدا
وقال أبو الحسين «5» الجزّار:
هذا حمارى فى الحمير حمار ... فى كلّ خطو كبوة وعثار
(10/99)

قنطارتبن فى حشاه شعيرة ... وشعيرة فى ظهره قنطار
ولمّا مات حمار هذا الشاعر داعبه شعراء عصره بمراث وهزليّات؛ فقال بعضهم:
مات حمار الأديب قلت قضى ... وفات من أمره الذى فاتا
مات وقد خلف الأديب ومن ... خلّف مثل الأديب ما ماتا
ونحو هذين البيتين قول الآخر:
قال حمار الحكيم توما «1» ... لو أنصفونى لكنت أركب
لأننى جاهل بسيط ... وصاحبى جاهل «2» مركّب
وكتب «3» أبو الحسن بن نصر الكاتب إلى صديق له اشترى حمارا، يداعبه.
قال من رسالة: «قد عرفت- أبقاك الله- حين وجدت من سكرة الأيّام إفاقه، وآنست من وجهها العبوس طلاقه؛ [كيف «4» ] أجبت داعى همّتك، وأطعت أمر مروءتك؛ فسررت بكمون هذه المنقبة التى أضمرها الإعدام، ونمّ على كريم سرّها الإمكان؛ واستدللت «5» منها على خبايا فضل، وتنبّهت منها على مزايا نبل؛ كانت مأسورة فى قبضة الإعسار، وكاسفة عن سدفة «6» الإقتار؛ وقلت: أىّ
(10/100)

قدم أحقّ بولوج الرّكب من قدميه، وحاذ «1» أولى ببطون القبّ «2» من حاذيه؛ وأىّ أنامل أبهى من أنامله إذا تصرّفت فى الأعنّة يسراها، وتحتّمت «3» بالمخاصر يمناها؛ وكيف يكون ذلك الخلق العظيم، والوجه الوسيم؛ وقد بهر جالسا، إذا طلع فارسا!.
ثم اتّهمت «4» آمالى بالغلوّ فيك، واستبعدت مناقضة الزمان بإنصاف معاليك؛ فقبضت ما انبسط من عنانها، وأخمدت ما اشتعل من نيرانها؛ حتى وقفت على صحيحة الشك. أرجو علوّ همّتك بحسن اختيارك، وأخشى منافسة الأيّام فى درك أوطارك؛ فإنها كالظّانّة فى ولدها، والمجاذبة بالسّوء فى واحدها؛ يدنى الأمل مسارّها، ويرجئ القلق حذارها؛ حتى أتتنا الأنباء تنعى رأيك الفائل «5» ، وتفلّ «6» عزمك الآفل؛ بوقوع اختيارك على فاضح «7» صاحبه، ومسلم راكبه؛ الجامد فى حلبة الجياد، والحاذق بالحران «8» والكياد «9» ؛ السّوم «10» دينه ودأبه، والبلادة طبيعته وشأنه؛ لا يصلحه التأديب، ولا تقرع له الظّنابيب؛ «11» إن لحظ عيرا نهق، أو لمح أتانا شبق، أو وجد روثا شمّ وانتشق؛ فكم هشم سنّا لصاحبه، وكم سعط أنف راكبه؛ وكم استردّه خائفا فلم يرده، وكم رامه خاطبا فلم يسعده؛ يعجل إن أحبّ الأناة والإبطاء،
(10/101)

ويرسخ إن حاول الحثّ «1» والنّجاء؛ مطبوع على الكيد والخلاف، موضوع للضّعة والاستخفاف؛ عزيز حتى تهينه السّياط، كسول ولو أبطره «2» النّشاط؛ ما عرف فى النّجابة أبا، ولا أفاد من الوعى أدبا؛ الطالب به محصور، والهارب عليه مأسور؛ والممتطى له راجل، والمستعلى بذروته نازل؛ له من الأخلاق أسوؤها، ومن الأسماء أشنؤها، ومن الأذهان أصدؤها، ومن القدود أحقرها؛ تجحده المراكب، وتجهله المواكب؛ وتعرفه ظهور السوابك «3» ، وتألفه سباطات «4» المبارك. والله الموفّق.
(10/102)

الباب الثالث من القسم الثالث من الفنّ الثالث فى الإبل والبقر والغنم
ذكر ما قيل فى الإبل
الإبل جمع لا واحد لها من لفظها. والذّكر منها جمل، والأنثى ناقة. والبعير يقع عليهما. ودليل ذلك قول بعض الشعراء:
لا نشتهى لبن البعير وعندنا ... عرق الزّجاجة «3» واكف المعصار
والإبل من منن الله الجسيمة على خلقه، ومما منحهم به من إرفاقه ورزقه.
قال الله تعالى: (وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ. وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ. وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ)
. وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ. وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ. وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ) .
ولنذكر ما جاء من لغة العرب فى الإبل من تسميتها «4» من حين تولد إلى أن تتناهى سنّها، وأسماء ما يركب منها ويحمل عليه، وما اختصّت به النوق من الأسماء والصّفات؛ ونذكر ألوان الإبل وما قالوه فى ترتيب سيرها، وفى المسير عليها والنزول؛ ثم نذكر بعد ذلك
(10/103)

أصناف الإبل وما قيل فى عاداتها وطبائعها. فإذا [أوردنا «1» ] ذلك، ذكرنا ما ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وما جاء فى أوصاف الإبل من الشعر؛ فنقول وبالله التوفيق.
*** أمّا تسميتها من حين «2» تولد إلى أن تتناهى سنّها
- فقد قالت العرب: ولدها حين يسلّ من أمّه «سليل» «3» ثم «سقب» و «حوار» «4» إلى سنة، وجمعه أحورة وحيران. وهو «فصيل» إذا فصل عن أمّه. وهو فى السنة الثانية «ابن مخاض» - لأن أمّه تلقح فتلحق بالمخاض وهى الحوامل، وواحدتها من غير لفظها «خلفة» - والأنثى «بنت مخاض» . فإذا دخل فى الثالثة فهو «ابن لبون» ، والأنثى «بنت لبون» ؛ لأن أمّه صارت ذات لبن. وهو فى الرابعة «حقّ» ؛ لأنه استحقّ أن يحمل عليه. وهو فى السنة الخامسة «جذع» . وفى السادسة [ «ثنىّ» لأنّه يلقى ثنيّته؛ والأنثى «5» «ثنيّة» ] . و [هو فى «6» ] السابعة «رباع» . وفى السنة الثامنة «سديس»
(10/104)

و «سدس» للذكر والأنثى «1» . وهو فى التاسعة «بازل» إذا فطرنا به، أى طلع.
قال الشاعر «2» :
وابن اللّبون إذا ما لزّفى قرن «3» ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
«4» ثم هو بعدها بسنة «مخلف عام» و «بازل عام» ثم «مخلف عامين» و «بازل عامين» ؛ ثم يعوّد، أى يصير عودا وهرما وماجّا «5» .
قالوا: والقلوص «6» منها كالجارية من الناس، والقعود كالغلام، والجمع قلائص وقعدان «7» . والبكر: الفتىّ، والبكارة جمع، والأنثى بكرة. ويقال: جمل راش «8» وناقة راشة «9» إذا كثر الشّعر فى آذانهما.
*** وأمّا أسماء ما يركب منها ويحمل عليه
- فقد قالوا: المطيّة اسم جامع لكل ما يمتطى من الإبل. فإذا اختارها الرجل لمركبه لتمام خلقتها ونجابتها فهى راحلة.
(10/105)

وفى الحديث النبوىّ صلوات الله تعالى وسلامه على قائله: «الناس كإبل «1» مائة لا يكاد يوجد فيها راحلة» . فإذا استظهر «2» صاحبها بها وحمل عليها فهى «زاملة» - والناس يقولون فى الرجل العاقل الثابت فى أموره: رجل زاملة، يريدون بذلك مدحه.
ووصف ابن بشير رجل فقال: ليس ذلك من الرّواحل إنما هو من الزّوامل- فإذا وجّهها مع قوم ليمتاروا عليها فهى «عليقة» .
*** وأمّا ما اختصّت به النوق من الاسماء والصّفات
- فإنهم يقولون فيها: «كهاة» و «جلالة» وهى العظيمة، و «عطموس» و «دعبلة» «3» وهى الحسنة الخلقة التامّة الجسم، و «كوماء» وهى الطويلة السّنام، و «وجناء» وهى الشديدة القويّة اللحم. واشتقاقه من الوجين، وهى الحجارة. فإن ازدادت شدّتها فهى «عرمس» «4»
(10/106)

و «عيرانة» . فإذا كانت شديدة كثيرة اللحم فهى «عنتريس» و «عرندس» و «متلاحكة» . فإذا كانت ضخمة شديدة فهى «دوسرة» و «عذافرة» . فإذا كانت حسنة جميلة فهى «شمردلة» . فإذا كانت عظيمة الجوف فهى «مجفرة» . فإذا كانت قليلة اللحم فهى «حرجوج» «1» و «حرف» و «رهب» .
*** ومن أوصافها فى السّير
- إذا كانت ليّنة اليدين فى سيرها فهى «خنوف» .
فإذا كان بها هوج من سرعتها فهى «هوجاء» و «هوجل» . فإذا كانت تقارب الخطو فهى «حاتكة» . فإذا كانت تمشى وكأنها مقيّدة الرّجل وهى تضرب بيديها فهى «راتكة» . فإذا كانت سريعة فهى «عصوف» و «مشمعلة» و «عيهل» و «شملال» و «يعملة» و «همرجلة» «2» و «شمذر» «3» و «شملّة» و «شمردلة» . فإذا كانت تجرّ رجليها فى المشى فهى «مزحاف» «4» و «زحوف» . فإذا كانت لا تقصد فى سيرها من نشاطها فهى «عجرفيّة» . قال الأعشى:
وفيها إذا ما هجّرت «5» عجرفية ... إذا خلت حرباء الظّهيرة أصيدا
(10/107)

وأمّا ألوان الإبل
- فإنهم قالوا: إذا لم يخالط حمرة البعير شىء فهو «أحمر» .
فإن خالطها السواد فهو «أرمك» . فإذا كان أسود يخالط سواده بياض كدخان الرّمث «1» فهو «أورق» «2» . فإذا اشتدّ سواده فهو «جون» . فإن كان [أبيض «3» ] فهو «آدم» . فإن خالط بياضه حمرة فهو «أصهب» . فإن خالطته شقرة فهو «أعيس» «4» . فإن خالطت خضرته «5» صفرة وسواد فهو «أحوى» . فإذا كان أحمر يخالط حمرته سواد فهو «أكلف» .
*** وأمّا ترتيب سيرها
- «فالعنق» وهو السير المسبطرّ «6» . فإذا ارتفع عنه قليلا فهو «التّزيد» . فإذا ارتفع عن ذلك فهو «الذّميل» . فإذا ارتفع فهو «الرّسيم» .
فإذا دارك المشى وفيه قرمطة «7» فهو «الحفد» . فإذا ارتفع عن ذلك وضرب بقوائمه كلّها فذاك «الارتباع» و «الالتباط» . فإذا لم يدع جهدا فذاك «الادرنفاق» .
(10/108)

وأما ما قيل فى المسير عليها والنزول للرّاحة والإراحة
- فقد قالوا: إذا سار القوم نهارا ونزلوا ليلا فذاك «التّأويب» . فإذا ساروا ليلا ونهارا فذاك «الإساد» . فإذا ساروا من أوّل الليل فهو «الإدلاج» . فإذا ساروا من آخر الليل فهو «الادّلاج» . فإذا ساروا مع الصبح فهو «التّغليس» . فإذا نزلوا للاستراحة فى نصف النهار فهو «التّغوير» . فإذا نزلوا فى نصف الليل فهو «التّعريس» .
ذكر أصناف الإبل وعاداتها وما قيل فى طبائعها
والإبل ثلاثة أصناف: يمانىّ، وعرابىّ، وبختىّ. فاليمانىّ هو النّجيب، وينزّل بمنزلة العتيق من الخيل. والعرابىّ كالبرذون. والبختىّ «1» كالبغل. ويقال: البخت «2» ضأن الإبل. وهى متولّدة عن فساد منىّ العراب. وحكى الجاحظ أنّ منهم من يزعم أنّ فى الإبل ما هو وحشىّ وأنها تسكن أرض وبار «3» ، وهى غير مسكونة بالناس.
وقالوا: ربما ندّ الجمل منها فى الهياج «4» فيحمله ما يعرض له منه على أن يأتى أرض
(10/109)

عمان، فيضرب فى أدنى هجمة «1» من الإبل؛ فالإبل المهريّة من ذلك النّتاج. وتسمّى الإبل الوحشيّة «الحوش» «2» . ويقولون: إنها بقايا إبل عاد وثمود ومن أهلكه الله من العرب. والمهريّة منسوبة إلى مهرة «3» (قبيلة باليمن) ؛ وهى سريعة العدو. ويعلفونها من قديد سمك يصاد من بحر عمان.
وأمّا البخت- فمنها ما يرهوك «4» مثل البراذين؛ ومنها ما يجمز «5» جمزا ويرقل «6» إرقالا. وفى البخت ماله سنامان فى طول ظهره كالسّرج، ولبعضها سنامان فى العرض عن اليمين وعن الشمال، وتسمّى «الخراسانية» .
قالوا: والجمل لا ينزو إلّا مرّة واحدة يقيم فيها النهار أجمع وينزل فيها مرارا كثيرة، فيجىء منها ولد واحد. وهو يخلو فى البرارى حالة النّزو، ولا يدنو منه أحد من الناس إلا راعيه الملازم له. وذكره صلب جدّا؛ لأنه من عصب. والأنثى تحمل سنة كاملة؛ وتلقح لمضىّ ثلاث سنين، وكذلك الذكر ينزو فى هذه المدّة، ولا ينزو عليها إلا بعد سنة من يوم وضعها. وفيه من كرم الطّباع أنه لا ينزو على أمّهاته ولا أخواته. ومتى حمل على أن يفعل حقد على من ألزمه؛ وربما قتله.
وليس فى الحيوان من يحقد حقده. وقد قالوا: إنّ العرب إنما اكتسبت الأحقاد لأكلها لحوم الجمال ومداومتها.
(10/110)

وفى طبع الجمل الاهتداء بالنّجم، ومعرفة الطّرق، والغيرة، والصولة، والصبر على الحمل الثقيل وعلى العطش. والإبل تميل إلى شرب المياه الكدرة الغليظة؛ وهى إذا وردت ماء الأنهار حرّكته بأرجلها حتى يتكدّر. وهى من عشّاق الشمس.
وهى تتعرّف النبات المسموم بالشّمّ من مرّة واحدة فتتجنّبه عند رعيه ولا تغلط إلا فى اليبيس «1» خاصّة. وزعم أرسطو: أنها تعيش ثلاثين سنة فى الغالب.
وقال صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر ينقل عن غيره: وقد رئى منها ما عاش مائة سنة. وكانت للعرب عوائد فى إبلها أنها اذا أصاب إبلهم العرّ «2» كووا السليم ليذهب العرّ عن السقيم. وكانوا إذا كثرت إبلهم فبلغت الألف فقئوا عين الفحل؛ فإن زادت على الألف فقئوا عينه الأخرى. وقد ذكرنا ذلك فى أوابد العرب، وهو فى الباب الثانى من الفن الثانى من هذا الكتاب فى السفر الثالث من هذه النسخة. والله أعلم بالصواب.
ذكر ما ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإبل
كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال لها «القصواء» . ذكر ابن سعد عن محمد بن عمر قال حدثنى موسى بن محمد بن إبراهيم التّيمىّ عن أبيه قال: كانت القصواء من نعم بنى الحريش، ابتاعها أبو بكر رضى الله عنه وأخرى معها بثمانمائة درهم فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه بأربعمائة؛ فكانت عنده حتى نفقت «3» . وهى التى هاجر عليها صلى الله عليه وسلم. وكانت حين قدم المدينة رباعية، وكان اسمها «القصواء» و «الجدعاء» و «العضباء» ، وكان فى طرف أذنها جدع «4» ، وكانت لا تسبق
(10/111)

كلما دفعت فى سباق. فلما كان فى سنة ستّ من الهجرة سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرّواحل، فسبق قعود لأعرابىّ «القصواء» ، ولم تكن تسبق قبلها؛ فشقّ ذلك على المسلمين؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حقّ على الله ألّا يرفع شيئا من الدنيا إلّا وضعه» . وعن قدامة بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجّته يرمى على ناقة صهباء. وعن سلمة بن نبيط عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجّته بعرفة على جمل أحمر. وذكر أبو إسحاق أحمد ابن محمد بن إبراهيم الثّعلبىّ فى تفسيره: أنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم بعث يوم الحديبية خراش بن أميّة الخزاعىّ قبل عثمان «1» إلى قريش بمكة، وحمله على جمل له يقال له «الثّعلب» ؛ ليبلّغ أشرافهم عنه ما جاء له؛ فعقروا جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله؛ فمنعته الأحابيش،»
فخلّوا سبيله. وكان للنبىّ صلى الله عليه وسلم عشرون لقحة «3» بالغابة (وهى على بريد من المدينة من طريق الشام) وكان فيها أبو ذرّ، وكان فيها لقائح غزر «4» : الحنّاء» و «السّمراء» و «العريس» «5» و «السّعديّة» و «البغوم» «6»
(10/112)

و «اليسيرة» «1» و «الرّيّا» «2» . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فرّقها على نسائه؛ فكانت «السّمراء» لقحة غزيرة لعائشة؛ وكانت العريّس لأمّ «سلمة» ؛ فأغار عليها عيينة بن حصن فى أربعين فارسا فاستاقوها وقتلوا ابن «3» أبى ذرّ؛ ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى انتهوا إلى ذى قرد «4» فاستنقذوا منها عشرا وأفلت القوم بما بقى؛ وقيل: بل استنقذها كلّها منهم سلمة بن «5» الأكوع حين يقول:
ما خلق الله شيئا من ظهر «6» النبىّ صلى الله عليه وسلم إلا خلّفته وراء ظهرى واستنقذته منهم؛ وذلك فى شهر ربيع الأوّل سنة ستّ.
وكانت لقاحه صلى الله عليه وسلم، التى كان يرعاها يسار مولاه بذى الجدر ناحية قباء قريبا من عير «7» على ستة أميال من المدينة، خمس عشرة لقحة غزارا استاقها
(10/113)

العرنيّون «1» وقتلوا يسارا وقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك فى لسانه وعينيه حتى مات.
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى إثرهم كرز «2» بن جابر الفهرىّ فى عشرين فارسا؛ فأدركوهم وربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا بهم المدينة، فقطّعت أيديهم وأرجلهم وسملت «3» أعينهم وصلبوا. وفيهم نزل: (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)
الآية؛ وذلك فى شوّال سنة ستّ. وفقد النبىّ صلى الله عليه وسلم منها لقحة تدعى «الحنّاء» ؛ فسأل عنها فقيل: نحروها.
وقيل: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سبع «4» لقائح تكون بذى الجدر؛ وتكون بالجمّاء «5» : لقحة تدعى «مهرة» وكانت غزيرة، أرسل بها سعد بن عبادة من نعم بنى عقيل، ولقحة تدعى «بردة» تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان، أهداها له الضحّاك بن سفيان الكلابىّ، «والشّقراء» و «الرّيّا» «والسّمراء» «والعريّس» «واليسيرة» «والحنّاء» يحلبن ويراح إليه بلبنهنّ كلّ ليلة.
وفى غزاة بدر غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم جمل «6» أبى جهل وكان مهريّا يغزو عليه ويضرب فى لقاحه. ذكره الطبرىّ.
(10/114)

وعن ابن عباس رضى الله عنهما: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى عام الحديبية فى هداياه «1» جملا لأبى جهل فى رأسه برة «2» من فضّة؛ ليغيظ بذلك المشركين. ذكره ابن إسحاق.
وقيل: كانت للنبى صلى الله عليه وسلم لقحة اسمها «مروة» .
وقال ابن الكلبىّ: إن عياض بن حماد أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم نجيبة، وكان صديقا له إذا قدم عليه مكة لا يطوف إلا فى ثيابه؛ فقال له: «أسلمت» ؟
قال: لا؛ قال: «إن الله نهانى عن زبد «3» المشركين» . فأسلم؛ فقبلها.
ذكر شىء مما وصفت به الإبل نظما ونثرا
قال بعض من عظّم شأن الإبل: إن الله تعالى لم يخلق نعما خيرا من الإبل؛ إن حملت أثقلت، وإن سارت أبعدت، وإن حلبت أروت، وإن نحرت أشبعت.
وقال بشامة «4» يصف ناقة:
كأنّ يديها إذا أرقلت ... وقد حرن ثم اهتدين السّبيلا
يدا سابح خرّ فى غمرة ... وقد شارف الموت إلا قليلا
(10/115)

إذا أقبلت قلت مشحونة ... أطاعت لها الرّيح قلعا جفولا
وإن أدبرت قلت مذعورة ... من الرّبد تتبع هيقا ذمولا «1»
وقال أبو تمّام:
وبدّلها السّرى بالجهل حلما ... وقدّ أديمها قدّ الأديم
بدت كالبدر فى ليل بهيم ... وآبت مثل عرجون «2» قديم
وقال الخطيم «3» الخزرجىّ:
وقد ضمرت حتى كأن وضينها «4» ... وشاح عروس جال منها على خصر
وقال ابن دريد:
خوص كأشباح الحنايا ضمّر ... يرعفن بالأمشاج من جذب البرى «5»
يرسبن فى بحر الدّجى، وفى الضّحى ... يطفون فى الآل إذا الآل طفا «6»
وقال عبد الجبّار بن حمديس:
ومن سفن البرّ سبّاحة ... من الآل بحرا إذا ما اعترض
(10/116)

لها شرّة «1» لا تبالى بها ... أطال بها سبسب «2» أم عرض
إذا خفق البرد «3» خلتنى ... على كورها طائرا ينتفض
وإن يعرض البعض «4» من سيرها ... ترى العيس من خلفها تنقرض «5»
هى القوس إنّى لسهم لها ... أصيب بكل فلاة عرض
وقال الشريف البياضىّ:
نوق تراها كالسّفي ... ن إذا رأيت الآل بحرا
كتب الوجا «6» بدمائها «7» ... فى مهرق «8» البيداء سطرا
لا تستكين من اللّغو ... ب إذا ولا يعرفن زجرا
وكأن أرجلهن تط ... لب عند أيديهنّ وترا
(10/117)

وقال أبو عبادة البحترىّ:
وخدان «1» القلاص حولا إذا قا ... بلن حولا من أنجم الأسحار
يترقرقن كالسّراب «2» وقد خض ... ن غمارا من السّراب الجارى
كالقسىّ المعطّفات بل الأس ... هم مبريّة بل الأوتار
وقال ذو الرّمّة يصف ناقة:
رجيعة «3» أسفار كأن زمامها ... شجاع على «4» يسرى الذّراعين مطرق
ومنه اخذ المتنبى فقال:
كأنّ على الأعناق منها الأفاعيا
وقال أبو نواس يصفها بالسرعة:
وتجشّمت بى هول كلّ تنوفة «5» ... هو جاء فيها جرأة «6» إقدام
تذر المطىّ وراءها «7» وكأنها ... صفّ تقدّمهنّ وهى إمام
(10/118)

وقال الفرزدق منشدا:
تنفى يداها الحصى فى كلّ «1» هاحرة ... نفى الدّراهيم «2» تنقاد الصّياريف «3»
وقال آخر:
تطير مناسمها بالحصى ... كما نقد الدرهم الصّيرف
وقال الغطمّش «4» :
كأن يديها حين جدّ نجاؤها ... يدا سابح فى غمرة يتبوّع «5»
وقال آخر فى نوق:
خوص نواج إذا حثّ الحداة بها ... حسبت أرجلها قدّام أيديها
وقال القطامىّ:
يمشين رهوا «6» فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصدور على الأعجاز تتّكل
فهنّ معترضات «7» والحصى رمض «8» ... والرّيح ساكنة والظلّ معتدل
(10/119)

وقال أبو نواس:
ولقد تجوب بى الفلاة إذا ... صام «1» النّهار وقالت العفر «2»
شدنيّة «3»
رعت الحمى فأتت ... مثل الجبال كأنها قصر
وقال الأحمر «4»
:
حمراء من نسل المهارى نسلها ... إذا ترامت يدها ورجلها
حسبتها غيرى استفزّ عقلها ... أتى «5» التى كانت تخاف بعلها
ذكر ما قيل فى البقر الأهلية
عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ صلى الله عليه وسلم قال: «بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت إنّا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث» ؛ فقال الناس: سبحان الله بقرة تكلّم! قال: «فإنى أو من بهذا أنا وأبو بكر وعمر» وما «6»
هما ثمّ.
(10/120)

وقال أصحاب الكلام فى طبائع الحيوان: إنّ الفحل من البقر ينزو إذا تمّت له سنة من عمره؛ وقد ينز ولعشرة أشهر. والبقرة إذا ولدت تحدّر لبنها من يومها، ولا يوجد لها لبن قبل أن تضع. وهى تحمل تسعة أشهر وتضع فى العاشر؛ فإن وضعت قبل ذلك لا يعيش ولدها. وربما وضعت اثنين، وهو نادر. وهم يتشاءمون بها إذا وضعت اثنين. وإذا مات ولدها أو ذبح لا يسكن خوارها ولا يدرّ لبنها؛ ولذلك الرّعاء يسلخون جلد ولدها ويحشونه لتدرّ له وتسكن، ويسمونه «البوّ» .
والبقر يحبّ الماء الصافى، بضدّ الخيل والجمال. وقال المسعودىّ فى كتابه المترجم بمروج الذهب: رأيت بالرّىّ نوعا من البقر تبرك كما تبرك الإبل وتحمل فتثور بحملها، والغالب عليها حمرة الحدق. وحكى أسامة «1»
بن منقذ فى كتابه «2»
أن فى «3»
بعض البلدان بقرا لها أعراف كالخيل. ولعلّها الأبقار التى توجد فيها البراجم. والبراجم فى أطراف أذنابها وفى أكتافها. ويقال: إنّ أبقار البراجم تخرج من بحر الصّين
(10/121)

وهى تلد وترضع «1»
؛ ولذلك يقال البراجم البحريّة. وبأرض مصر بناحيتى دمياط وتنّيس بقر تسمى بقر الخيس «2»
، ضخام حسان الصّور والشّيات، ولها قرون كالأهلّة، وفيها نفور وتوحّش، لا ينتفع بها فى العمل وإنما ينتفع بألبانها. وهى لا تعلف الحبّ، ومأواها حيث يكون العشب والماء الدائم؛ ولها أسماء يدعونها بها إذا أرادوا حلبها، فتقدّم إليهم.
وقد وصف الشعراء البقر فى أشعارها؛ فمن ذلك قول أحمد «3»
بن علوّيه الأصبهانىّ:
يا حبّذا محضها «4» ورائبها ... وحبّذا فى الرّجال صاحبها
عجّولة «5»
سمحة مباركة ... ميمونة طفّح محالبها
تقبل للحلب كلما دعيت ... ورامها للحلاب حالبها
فتيّة سنّها، مهذّبة ... معنّف فى النّدىّ «6»
عائبها
(10/122)

كانها لعبة مزيّنة ... يطير عجبا بها ملاعبها
كأنّ ألبانها جنى عسل ... يلذّها فى الإناء شاربها
عروس باقورة «1» إذا برزت ... من بين أحبالها ترائبها
كأنها هضبة إذا انتسبت «2»
أو بكرة قد أناف «3»
غاربها
تزهى بروقين كاللّجين إذا ... مسّهما بالبنان طالبها
لو أنها مهرة لما عدمت ... من أن يضمّ السرور راكبها
وأنشدنى شمس الدين بن دانيال لنفسه:
لله عجلة خيس ... صفراء ذات دلال
تريك عينى مهاة ... من تحت قرنى غزال
قد سربلت بأصيل ... وتوّجت بهلال
وقال شاعر «4»
يصف صوت الحلب:
كأنّ صوت شخبها «5» المرفضّ ... كشيش «6»
أفعى أجمعت لعضّ
وهى تحكّ بعضها ببعض
وقال:
كأن صوت شخبها غديّه ... هفيف ريح أو كشيش حيّه
(10/123)

ذكر ما قيل فى الجاموس
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ:
والجواميس هى ضأن البقر. والجاموس أجزع الحيوان من البعوض وأشدّها هربا منه إلى الماء؛ وهو يمشى إلى الأسد رخىّ البال، رابط الجأش، ثابت الجنان.
وقد حكى عن المعتصم بالله العباسىّ أنه أبرز للاسد جاموستين فغلبتاه، ثم أبرز له جاموسة ومعها ولدها فغلبته وحمت ولدها، ثم أبرز له جاموسا مفردا فواثبه ثم أدبر عنه. هذا على ما فى الأسد من القوّة فى فمه وكفّه والجرأة العظيمة والوثبة وشدّة البطش والصبر والحضر والطّلب والهرب؛ وليس ذلك فى الجاموس، ولا يستطيل بغير قرنه، وليس فى قرنه حدّة قرن بقر الوحش؛ فإذا قوى الجاموس مع ذلك حتى يقاوم الأسد دلّ على قوّة عظيمة. ولذلك قدّم الجاحظ الجاموس على الأسد، وعلّل تقديمه عليه بهذه العلّة. وليس ما حكى عن المعتصم فى أمر الجاموس وغلبته للأسد بعجيب؛ فإنّ الجواميس بالأغوار تقاتل الأسد وتمانعه وتدفعه فلا يقدر على قهرها.
وأصحاب الجواميس هناك منهم من يغلّف قرونها بالنّحاس ويحدّدون أطرافه، يقصدون «1»
بذلك إعانته على حرب الأسد وقتاله.
والجاموس عندنا بالديار المصرية يقاتل التّمساح الذى هو أسد البحر ويتمكّن منه ويقهره فى الماء؛ فهو قد جمع بين قتال أسد البرّ وأسد البحر. وله قدرة عظيمة على طول المكث فى قعر البحر. والتماسيح لا تكاد تأوى موارد الجواميس من بحر النيل وتتجنّب أماكنها.
(10/124)

والجواميس فى أرض الشأم من الأغوار والسواحل والأماكن الحارّة الكثيرة المياه ينتفع بها فى الحرث والحمولة وجرّ العجل وحلب ألبانها. وأمّا [فى «1»
] الدّيار المصرية فلا يستعملونها «2»
البتّة ولا ينتفعون بها إلا بما يتحصّل من ألبانها ونتاجها.
وفحول الجواميس يكون بينها قتال شديد ومحاربة؛ فأيّما فحل غلب وقهره خصمه، لا يأوى ذلك المراح، بل ينفرد بنفسه فى الجزائر الكثيرة العشب شهورا وهو يأكل من تلك الأعشاب ويشرب من ماء النيل، وينفرد خصمه بالإناث؛ فإذا علم الهارب من نفسه القوّة والجلد، رجع إلى المراح وقد توحّش واستطال، ويكون خصمه قد ضعفت قواه فلا يقوم «3»
بمحاربته؛ ولكنه لا يولّى عنه إلا بعد محاربته. فإذا قهره ترك الآخر المراح وتوجّه إلى جزيرة وفعل كما فعل الأوّل وعاد إلى خصمه.
ولبن الجاموس من ألذّ الألبان وأدسمها. والرّعاء يسمّون كلّ جاموسة باسم تعرفه إذا دعيت به إلى الحلب، فتجيب وتأتيه وتقف حتى يحلبها.
ذكر ما قيل فى الغنم الضّأن والمعز
روى عن أنس بن مالك وعطاء رضى الله عنهما: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الغنم بركة موضوعة» . وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه
(10/125)

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يكون خير مال المسلم «1»
غنما يتبع بها شعف «2»
الجبال ومواقع القطر يفرّ بدينه من الفتن» . وعن أبى هريرة رضى الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأس الكفر نحو المشرق والفخز والخيلاء فى أهل الخيل والإبل والفدّادين «3»
أهل الوبر والسكينة فى أهل الغنم» .
ومن فضل الغنم ما رواه أبو هريرة رضى الله عنه: أنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم قال: «ما بعث الله نبيّا إلا ورعى الغنم» . فقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟
قال: «نعم [كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة «4»
] » . وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنم مائة شاة لا يريد أن تزيد كلّما ولّد الراعى بهمة ذبح مكانها شاة.
وقال ابن الأثير فى تاريخه: وكان له شاة تسمى «غوثة «5»
» ، وقيل «غيثة» ، وعنز
(10/126)

تسمى «اليمن» . وذكر بعض المتأخّرين من أهل الحديث أنّ مكحولا سئل عن جلد الميتة، فقال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة تسمى «قمر» ؛ ففقدها فقال: «ما فعلت قمر» ؟ فقالوا: ماتت يا رسول الله؛ قال: «ما فعلتم بإهابها» ؟
قالوا: ميتة؛ قال: «دباغها طهورها» .
قال الشيخ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدّمياطى رحمه الله تعالى فى كتاب [فضل] الخيل: وكانت منائح رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنم سبعا: «عجرة» و «زمزم «1» » و «سقيا» و «بركة» و «ورشة» و «أطلال» و «أطراف «2» » . وعن ابن عبّاس رضى الله عنهما قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سبع أعنز منائح ترعاهنّ أمّ أيمن. قال: والمنيحة: الناقة والشاة تعطيها غيرك فيحلبها ثم يردّها عليك. قال أبو عبيد: للعرب أربعة أسماء تضعها مواضع العارية، وهى: المنيحة، والعريّة، والإفقار «3» ، والإخبال «4» .
ذكر ترتيب سنّ الغنم
ولد الشاة حين تضعه ذكرا كان أو أنثى «سخلة» و «بهمة» . فإذا فصل عن أمّه فهو «حمل» و «خروف» . فإذا أكل واجترّ فهو «بذج» «5» و «فرفور» . فإذا
(10/127)

بلغ النّزو فهو «عمروس» . وكلّ أولاد الضأن والمعز فى السنة الثانية «جذع» ؛ وفى الثالثة «ثنىّ» ؛ وفى الرابعة «رباع» ؛ وفى الخامسة «سديس» ؛ وفى السادسة «سالغ «1» » . وليس له بعد هذا اسم. ويقال لولد المعز: «جفر» ثم «عريض» «وعتود» و «عناق» . والغنم، الضأن والمعز، تضع حملها فى خمسة أشهر. وتلد النعجة رأسا إلى ثلاثة، والعنز من الرأس إلى أربعة. وينزو الذكر بعد مضىّ ستة شهور من ميلاده. وتحمل الأنثى بعد مضىّ خمسة أشهر من يوم ولدت. ويجزّ صوف الضأن عنها فى كل سنة. ولحوم الضأن من أطيب اللّحمان؛ وكذلك ألبانها.
وقد أطنب الجاحظ فى المفاخرة بين الضأن والمعز وأطال وأتى بالغثّ والسّمين.
وكتب أبو الخطّاب الصابى إلى الحسين بن صبرة جوابا عن رقعة أرسلها إليه فى وصف حمل أهداه إليه، جاء منها:
«وصلت رقعتك؛ ففضضتها عن خطّ مشرق، ولفظ مؤنق؛ وعبارة مصيبة، ومعان غريبة؛ واتّساع فى البلاغة يعجز عنه عبد الحميد فى كتابته، وسحبان فى خطابته. وذكرت فيها حملا، جعلته بصفتك جملا؛ وكان كالمعيدىّ أسمع به ولا أراه «2» . وحضر، فرأيت كبشا متقام الميلاد، من نتاج قوم عاد؛ قد أفنته الدهور، وتعاقبت عليه العصور؛ فظننته أحد الزوجين «3» اللذين حملهما نوح فى سفينته، وحفظ بهما جنس الغنم لذريّته. صغر عن الكبر، ولطف فى القدر؛ فبانت دمامته،
(10/128)

وتقاصرت قامته؛ وعاد نحيفا ضئيلا، باليا هزيلا؛ بادى السّقام، عارى العظام؛ جامعا للمعايب، مشتملا على المثالب؛ يعجب العاقل من حلول الروح فيه؛ لأنه عظم مجلّد، وصوف ملبّد؛ لا تجد فوق عظامه سلبا «1» ، ولا تلقى اليد منه إلا خشبا؛ لو ألقى للسّبع لأباه، أو طرح للذئب لعافه وقلاه؛ وقد طال للكلأ فقده، وبعد بالمرعى عهده؛ لم ير القتّ «2» إلّا نائما، ولا الشعير إلا حالما. وقد خيّرتنى بين أن أقتنيه فيكون فيه غنى الدهر، أو أذبحه فيكون فيه خصب الشّهر؛ فملت إلى استبقائه؛ لما تعلمه من محبّتى فى التوفير، ورغبتى فى التّثمير؛ وجمعى للولد، وادّخارى لغد؛ فلم أجد فيه مستمتعا للبقاء، ولا مدفعا للفناء؛ لأنه ليس بأنثى فيحمل، ولا بفتىّ فينسل، ولا بصحيح فيرعى «3» ، ولا بسليم فيبقى؛ فملت إلى الثانى من رأييك، وعملت بالآخر من قوليك؛ وقلت: أذبحه فيكون وظيفة للعيال، وأقيمة رطبا مقام قديد الغزال؛ فأنشدنى وقد أضرمت النار، وحدّدت الشّفار، وشمّر الجزّار:
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشّحم فيمن شحمه ورم
وما الفائدة لك فى ذبحى! وإنما أنا كما قيل:
لم يبق إلّا نفس خافت ... ومقلة إنسانها باهت
ليس لى لحم يصلح»
للأكل، فإنّ الدهر أكل لحمى؛ ولا جلد يصلح للدّبغ، فإن الأيام مزّقت أديمى؛ ولا صوف يصلح للغزل، فإن الحوادث حصّت «5» وبرى.
(10/129)

وإن أردتنى للوقود فكفّ بعر أدفأ من نارى، ولم تف حرارة جمرى برائحة قتارى «1» .
ولم يبق إلّا أن تطالبنى بذحل «2» أو بينى وبينك دم. فوجدته صادقا فى مقالته، ناصحا فى مشورته. ولم أعلم من أىّ أموره أعجب: أمن مماطلته الدّهر على البقاء، أم من صبره على الضّر والبلاء، أم من قدرتك عليه مع عوز مثله، أم من إتحافك الصديق به على خساسة قدره. ويا ليت شعرى إذا «3» كنت والى سوق الأغنام، وأمرك ينفذ فى المعز والضأن؛ وكلّ حمل سمين، وكبش بطين؛ مجلوب «4» إليك، وموقوف عليك، تقول فيه فلا تردّ، وتريد فلا تصدّ؛ وكانت هديّتك هذا الذى [كأنه «5» ] انشر من القبور، أو أقيم عند النّفخ فى الصّور؛ فما كنت مهديا لو أنك رجل من عرض الكتّاب، كأبى علىّ وأبى الخطّاب! ما تهدى إلّا كلبا أجرب، أو قردا أحدب.
وقال شاعر فى هذا المعنى:
ليت شعرى عن الخروف الهزيل ... ألك الذّنب فيه أم للوكيل
لم أجد فيه غير جلد وعظم ... وذنيب له دقيق طويل
ما أرانى أراه يصلح إذ أص ... بح رسما على رسوم الطّلول
لا لشيّ ولا لطبخ ولا بي ... ع ولا برّ صاحب وخليل
أعجف لو مطفّل نال منه ... لغدا تائبا عن التّطفيل «6»
(10/130)

وقال شرف الدّين بن عين وقد أهدى له بعض أصدقائه خروفا بعد ما مطله به:
أتانى خروف ما تشكّكت أنّه ... حليف جوى قد شفّه الهجر والمطل
إذا قام فى شمس الظهيرة خلته ... خيالا سرى فى ظلمة ماله ظلّ
فناشدته: ما تشتهى؟ قال: قتة ... وقاسمته «1» : ما شفّه؟ قال لى: الأكل
فأحضرتها خضراء مجّاجة الثرى ... منعّمة ما خصّ أطرافها فتل
وظلّ يراعيها بعين ضعيفة ... وينشدها والدّمع فى الخدّ منهلّ:
«أتت وحياض الموت بينى وبينها ... وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل»
وقال الحمدونىّ فى المعزى:
أبا سعيد لنا فى شاتك العبر ... جاءت وما إن بها بول ولا بعر
وكيف تبعر شاة عندكم مكثت ... طعامها الأبيضان: الشمس والقمر
لو أنّها أبصرت فى نومها علفا ... غنّت له ودموع العين تنحدر:
«يا مانعى لذّة الدنيا بما رحبت ... إنى ليقنعنى من وجهك النظر»
وقال أيضا:
ما أرى إن ذبحت شاة سعيد ... حاصلا فى يدىّ غير الإهاب
ليس إلّا عظامها، لو تراها ... قلت هذى أرازن «2» فى جراب
(10/131)

وقال فيها:
لسعيد شويهة ... سلّها الضّرّ والعجف
قد تغنّت وأبصرت ... رجلا حاملا علف:
بأبى من بكفّه ... برء دائى من الدّنف
فأتاها مطمّعا ... فأتته لتعتلف
فتولّى وأقبلت ... تتغنّى من الأسف:
ليته لم يكن وقف ... عذّب القلب وانصرف
(10/132)

القسم الرابع من الفن الثالث فى ذوات السموم
، وفيه بابان
الباب الأوّل من هذا القسم فى ذوات السموم القواتل.
ويشتمل هذا الباب على ما قيل فى الحيّات والعقارب.
ذكر ما قيل فى الحيّات
الحيّات مختلفات الجهات جدّا. وهى من الأمم التى يكثر اختلاف أجناسها فى الصّور والشّيم، والصّغر والعظم، وفى التعرّض للناس وفى الهرب منهم. فمنها «1» ما لا يؤذى إلا أن تطأها. ومنها ما يؤذى إذا وطئت فى حماها. ومنها ما لا يؤذى فى تلك الحال إلا أن تكون على بيضها أو فراخها. ومنها ما لا يؤذى إلّا أن يكون الناس قد آذوها مرّة. فأمّا «الأسود» فإنه يحقد ويطالب ويكمن فى المتاع حتى يدرك؛ وله زمان يقتل فيه كلّ شىء نهشه. وأما «الأفعى» فليس ذلك عندها، ولكنها تظهر فى الصيف مع أوائل الليل إذا سكن وهج الرّمل أو ظاهر الأرض، فتأتى قارعة الطريق حتى تستدير كالرّحى وتشخص رأسها؛ فمن وطئ عليها أو مسّها نهشته. وهى من الحيّات التى ترصد؛ وهى تقتل فى كل زمان وعلى كل حال.
و «الشّجاع» يواثب ويقوم على ذنبه. والحيّات أصناف كثيرة سنذكر ما أمكن ذكره منها إن شاء الله.
(10/133)

والعرب تضرب المثل فى الظلم بالحيّة فيقولون: «أظلم من حيّة» ، لأنها لا تتخذ لنفسها بيتا، وكل بيت قصدت نحوه هرب أهله منه وأخلوه لها.
والحيّة مشقوقة اللسان، ولسانها أسود. وزعم بعض المفسرين لكتاب الله عز وجل أنّ الله تعالى عاقب الحيّة، حين أدخلت إبليس فى فمها حتى خاطب آدم وحواء وخدعهما، بعشرة أشياء: منها شقّ لسانها؛ فلذلك ترى الحيّة إذا ضربت لتقتل كيف تخرج لسانها لترى الضارب لها عقوبة الله تعالى، كأنها تسترحم. ويقال: إن من خصائص الحيّة أنّ عينها إذا قلعت عادت، وكذلك نابها إذا قلع أو قطع بالكاز «1» عاد بعد ثلاث ليال؛ وكذلك ذنبها إذا قطع عاد. وفى طباعها أنها تهرب من الرجل العريان، وتفرح بالنار وتطلبها وتعجب بها، وباللبن والبطيخ واللّفّاح «2» والخردل.
وهى لا تضبط نفسها عن الشّراب إذا شمّته؛ وإذا وجدته شربت منه حتى تسكر؛ فربما كان السّكر سبب حتفها؛ لأنها إذا سكرت خدرت. وتكره الحيّة ريح السّذاب «3» ولا تملك نفسها [معه «4» ] ، وربما اصطيدت به؛ وتكره ريح الشّيح. والحيّة تذبح حتى تفرى أوداجها فتبقى أياما لا تموت. ومتى ضربت بالقصب الفارسىّ ماتت، وإن ضربت بسوط قد مسّه عرق الخيل ماتت. ويقال: إنها لا تموت حتف أنفها إلا أن تقتل.
(10/134)

ومن أعجب ما شاهدته أنا من الأفاعى أنها قطّعت بحضورى بالبيمارستان «1» المنصورى بالقاهرة المعزّيّة فى شهور سنة ستّ وسبعمائة بسبب عمل الدّرياق الفاروق «2» ؛ وقطع من رأسها وذنبها ما جرت العادة بقطعه، وسلخت وشقّ بطنها ونظّفت وهى تختلج، ثم سلقت وجرّد لحمها عن العظم، فنظرت إليه فإذا هو يختلج؛ فعجبت لذلك؛ وذكرته لرئيس الأطبّاء علم الدّين «3» المعروف بابن أبى حليقة وهو حاضر فى المجلس، فقال: ليس هذا بأعجب مما تراه الان، وقال لى: استدع أقراص الأفاعى التى عملت من أكثر من سنة؛ فاستدعيتها، فأحضرها الخازن وهى فى العسل وقد دقّ لحم الأفاعى بعد سلقه وعجن بالسّميذ وجعل أقراصا ووضع فى العسل من أكثر من سنة؛ فقال لى: تأمّل الأقراص؛ فتأملتها فإذا هى تضطرب اضطرابا خفيفا «4» .
وقال الجاحظ: وزعم صاحب المنطق أنّ الحيّات تنسلخ عن جلودها فى كل عام فى أوّل فصل الربيع أو الخريف؛ وتبتدئ بالسّلخ من عيونها ويتمّ سلخها فى يوم وليلة، ويصير داخل الجلد هو الخارج. وإذا هرمت وعجزت عن السلخ
(10/135)

وارتخى جسمها أدخلت جسمها بين عودين أو فى صدع ضيق حتى تنسلخ، ثم تأتى إلى عين ماء فتنغمس فيها فيشتدّ لحمها ويعود إلى قوّته وشدّته.
قال الجاحظ: وليس فى الأرض مثل جسم الحيّة إلا والحيّة أقوى بدنا منه أضعافا. ومن قوّتها أنها إذا أدخلت صدرها فى حجر أو صدع لم يستطع أقوى الناس وقد قبض على ذنبها بكلتا يديه أن يخرجها، لشدّة اعتمادها وتعاون أجزائها؛ وربما انقطعت فى يد الجاذب لها. فإذا أراد أن يخرجها أرسلها بعض إرسال ثم يجذبها كالمختطف لها. قال: ومن أصناف الحيّات ما هو أزعر، وما هو أزبّ (ذو شعر) ، ومنها ذوات قرون. ومنها ما يسمى الأسود وهو ما إذا كان مع الأفاعى فى جونة «1» وجاع ابتلعها من قبل رءوسها، ومتى رام ذلك من غير جهة الرأس عضّته فقتلته. ومن أصنافها ما يسمى «الأصلة» ، وهو ثعبان عظيم جدّا، وله وجه كوجه الإنسان؛ ويقال: إنه يصير كذلك إذا مرّت عليه ألوف من السنين. وهو يقتل بالنظر وبالنفخ. ومنهم من يسمّى هذا النوع الصّلّ، ويقول: إنّ أصل خلقته على هذه الصفة. قال: وفى البادية حيّة يقال لها «الحفّاث» تأكل الفأر وأشباهه.
وهى عظيمة، ولها وعيد منكر ونفخ وإظهار للصولة، وليس وراء ذلك شىء؛ والجاهل ربما مات من الفزع منها.
قالوا: والثعبان «2» والأفعى فإنه يقتل بما يحدثه من الفزع؛ لأن الرجل إذا فزع تفتّحت مسامّه ومنافسه، فيتوغّل السمّ فى موضع الصّميم «3» وأعماق البدن. فإن
(10/136)

نهشت «1» النائم والمغمى عليه والمجنون والطفل الصغير لم تقتله «2» البتّة. وزعم صاحب المنطق أنّ بالحبشة حيّات لها أجنحة. وأخبرنى المولى شرف الدين أحمد بن اليزدىّ قال: كنت بمدينة الرّملة «3» فى شهور سنة اثنتين وسبعمائة صحبة الصاحب شرف الدين بن الخليل ومعه القاضى الحاكم وجماعة كثيرة من الناس وفيهم عدولى «4» وغيرهم؛ فنظرنا نحو السماء فإذا نحن بحيّتين عظيمتين طائرتين فى الهواء قاصدتين صوب البحر، كلّ منهما فى غلظ الثنيانة «5» ، وإن إحداهما مستقيمة فى طيرانها والأخرى تتعوّج من قبل رأسها ووسطها وذنبها، وكانتا من الأرض بحيث لا يبلغهما السهم، قال: فسطّرنا بذلك محضرا على عدّة نسخ.
وحكى بعض المؤرّخين: أنه وجد فى خزائن المستنصر بالله «6» العبيدى أحد خلفاء مصر بيضة محلّاة بالذّهب ظنّوا أنها بيضة نعامة؛ فجعل الناس يتعجّبون من تحليتها
(10/137)

بالذّهب؛ فذكروا ذلك للمستكفى، فقال: إنها بيضة حيّة كان بعض الملوك أهداها لجدّى القائم «1» بأمر الله.
ومن كتاب نشوار المحاضرة قال حدّثنا أبو إسحاق إبرهيم بن الورّاق قال حدّثنى عمى أبو الحسين «2» : أن الحصينىّ حدّثه عن أبى العبّاس بن الفرات قال حدّثنى أبى قال: قال لى جعفر «3» الخيّاط: أمرنى المأمون ونحن بالروم أن أقتصّ»
الطريق لئلا يكون به جواسيس للعدوّ؛ فأخذت معى جماعة من أصحابى فرسانا ورجّالة وسلكت الطريق، فعنّ لى شعب فقصدته لئلا يكون فيه كمين من الجواسيس، وتقدّمنى الرّجّالة فرأيتهم قد وقفوا؛ فأسرعت اليهم وسألتهم عن خبرهم، فقالوا:
انظر؛ فنظرت فإذا رجل من الرجّالة قد قعد لقضاء حاجته، ومشى أصحابه، فقصدته حيّة من وراء ظهره فابتلعته من رجليه إلى صدره وهو يستغيث ويصيح؛ فلم يكن لنا فيه حيلة وخفت أن آمر الرّجالة برمى الحيّة بالنّشّاب فيصيب الرجل فأكون أنا قتلته. فبسط الرجل يديه وانتهى بلع الحيّة إلى إبطيه، فرأيتها وقد انضمّت على
(10/138)

ما ابتلعته منه ضمّة سمعنا تكسير عظامه فى جوفها، فمات وسقطت يداه فابتلعته حينئذ بأسره. فقلت: الآن أقصدوها بالنّشّاب؛ فرشقناها جميعا فأثبتناها فى موضعها حتى قتلناها؛ فأمرت بشق بطنها لأعاين جسم الرّجل، فلم نجد فى بطنها من جلد ولا عظم ولا غيرهما إلا شيئا كالخيط الأسود، فإذا هى قد أحرقته فى لحظة واحدة.
ويقال: إن بجزائر الصين حيات تبتلع الإبل والبقر وشبهها.
قال الجاحظ: حدّثنى أبو جعفر المكفوف النحوىّ العنبرىّ وأخوه روح الكاتب ورجال من بنى العنبر: أنّ عندهم فى رمال بلعنبر حيّة تصيد العصافير وصغار الطير بأعجب حيلة؛ وزعموا أنها إذا انتصف النهار واشتدّ الحرّ فى رمال بلعنبر وامتنعت الأرض على الحافى والمنتعل، غمست هذه الحيّة ذنبها فى الأرض ثم انتصبت كأنها عود مركوز أو عود نابت «1» ، فيجىء الطائر الصغير والجرادة، فإذا رأى عودا قائما وكره الوقوع على الرّمل لشدّة حرّه وقع على رأس الحيّة على أنها عود، فإذا وقع على رأسها قبضت عليه. فإن كان جرادة أو جعلا أو بعض ما لا يشبعها ابتلعته وبقيت على انتصابها؛ وإن كان طائرا يشبعها أكلته وانصرفت؛ وإن ذلك دأبها ما منع الرمل جانبه فى الصيف والقيظ.
قال: وزعم لى رجال من الصّقالبة خصيان وفحول أنّ الحيّة فى بلادهم تأتى البقرة المحفّلة «2» فتنطوى على فخذيها وركبتيها إلى عراقيبها ثم تشخص صدرها نحو أخلاف ضرعها حتى تلتقم الخلف، فلا تستطيع البقرة مع قوّتها أن تترمرم «3» ؛ فلا تزال الحيّة
(10/139)

تمصّ اللبن، وكلما مصّت استرخت؛ فإذا كادت تتلف أرساتها. وزعموا أنّ تلك البقرة إما أن تتلف، وإما أن يصيبها داء فى ضرعها وفساد شديد يعسر دواؤه.
وهذا الباب طويل؛ وقد أوردنا منه ما فيه غنية. فلنذكر ما قيل فى أصناف الحيّات وأوصافها.
ذكر أسماء الحيّات وأوصافها
- يقال: «الجانّ» «1» و «الشيطان» هى الحيّة الخبيثة. و «الحنش» : ما يصاد من الحيّات. و «الحيّوت» : الذكر منها.
و «الحفّاث» و «الحضب» «2» : الضخم منها. و «الأسود» : العظيم وفيه سواد؛ ويقال: الأسود هو الداهية؛ وله خصيتان كخصيتى الجدى، وشعر أسود، وعرف طويل، وصنان كصنان التّيس. و «الشّجاع» : أسود أملس يضرب إلى البياض، خبيث؛ ويقال: إنه دقيق لطيف. و «الأعيرج» : حيّة صمّاء لا تقبل الرّقى وتطفر كما تطفر الأفعى. ويقال: الأعيرج: حيّة أريقط نحو من ذراع، وهو أخبث من الأسود. وقال ابن الأعرابىّ: الأعيرج أخبث الحيّات، يقفز على الفارس حتى يصير معه فى سرجه. وقال الليث عن الخليل: الأفعى التى لا تنفع معها رقية ولا درياق، وهى دقيقة العنق عريضة الرأس. وقال غيره: هى التى إذا مشت منثنية جرشت بعض أسنانها ببعض. وقال غيره: هى التى لها رأس عريض ولها قرنان. والأفعوان» : الذكر من الأفاعى. و «العربدّ» و «العسودّ» حية تنفخ ولا تؤذى. و «الأرقم» : الذى فيه سواد وبياض، و «الأرقش» نحوه.
و «ذو الطّفيتين» : الذى له خطّان أسودان. و «الأبتر» : القصير الذنب.
و «الخشخاش» : الحيّة الخفيفة. و «الثعبان» : العظيم منها، وكذلك «الأيم»
(10/140)

و «الأين» . و «ابن قترة» : حيّة شبيهة بالقضيب من الفضّة فى قدر الشّبر والفتر، وهى أخبث الحيّات، فإذا قرب من الانسان تراءى فى الهواء فوقع عليه من أعلاه.
و «ابن طبق» : حيّة صفراء؛ ومن طبعها أن تنام ستة أيام ثم تنتبه فى اليوم السابع. ولا تنفخ شيئا إلا أهلكته قبل أن يتحرّك. وربما مرّ بها الرجل وهى نائمة فيأخذها كأنها سوار من ذهب، فإن استيقظت وهى فى كفّه خرّ ميتا. ومن أمثال العرب «أصابته إحدى بنات طبق» . قال الليث: «السّفّ» «1» : الحيّة التى تطير فى الهواء. وأنشد:
وحتى لو انّ السّفّ ذا الريش عضّنى ... لما ضرّنى من فيه ناب ولا ثعر «2»
و «النّضناض» «3» : الذى لا يسكن فى مكان.
ومن أسمائها «القزة» «4» و «الهلال» و «الرّعّاصة» «5» .
ذكر ما فى لحوم الحيّات من المنافع والأدوية
قال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: والحيّة يستعمل مطبوخها بالماء والملح والشّبث، وقد يزاد عليها الزّيت. قال: وأجود لحمه لحم الأنثى؛ وأجود سلخه «6» سلخ
(10/141)

الذّكر. وطبع «1» الحيّة إلى التجفيف فى لحمها قوىّ؛ وأما التسخين فليس بشديد؛ وسلخه شديد التجفيف أيضا. وخاصيّة لحمه أنه ينفذ الفضول إلى الجلد، سيّما إذا كان الإنسان غير نقىّ. قال: ولحمه إذا استعمل أطال العمر، وقوّى القوّة، وحفظ الحواسّ «2» والشباب- أمّا قوله: «أطال العمر» فيردّ هذا القول ما ورد فى الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فرغ ربّك من أربع خلق وخلق ورزق وأجل» «3» . وأما ما عدا ذلك فغير مردود عليه-. قال:
وأكله ينفع من الجذام نفعا عظيما؛ وإذا استعمل على داء الثعلب «4» نفع نفعا عظيما.
ولحمها ومرقها بعد إسقاط طرفها يمنع تزيّد الخنازير «5» ، وكذلك سلخها. ومرقتها إذا تحسّيت «6» وأكل لحمها نفع من أوجاع العصب، وكذلك سلخها. قال:
وسلخها إذا طبخ فى شراب وقطّر منه فى الأذن سكن وجعها؛ ويتمضمض بخلّ طبخ فيه السّلخ لوجع السّن. قال: وزعم جالينوس أنه إذا أخذت خيوط كثيرة، وخصوصا المصبوغة بالأرجوان، وخنق بها أفعى ولفّ واحد منها على عنق صاحب أورام اللهاة والحلق ظهر نفع عجيب. ومرقته ولحمه يقوّيان البصر. قال: واتفقوا على أنّ شحم الأفعى يمنع نزول الماء إلى العين، ولكنّ الإنسان لا يجسر على ذلك.
وإذا شقّت الحيّة ووضعت على نهش الأفاعى سكن الوجع.
(10/142)

ذكر شىء مما وصفت به الأفاعى
قال بعض الشعراء يصف حيّة:
لا ينبت العشب فى واد تكون به ... ولا يجاورها وحش ولا شجر
جرداء شابكة الأنياب «1» ذابلة ... ينبو من اليبس عن يافوخها «2» الحجر
لو شرّحت بالمدى ما مسّها بلل ... ولو تكنّفها «3» الحاوون ما قدروا
قد جاهدوها فما قام الرّقاة «4» لها ... وخاتلوها «5» فما نالوا «6» ولا ظفروا
يكبو لها الورل «7» العادى إذا نفخت ... جبنا «8» ويهرب منها الحيّة الذّكر
وقال خلف الأحمر:
وكأنّما لبست بأعلى جسمها ... بردا من الأثواب أنهجه «9» البلى
فى عينها قبل «10» وفى خيشومها ... فطس وفى أنيابها مثل المدى
(10/143)

وقال آخر:
أرقم كالدّرع فيه وشم ... منمنم الظّهر واللّبان «1»
يزحف كالسّيل من تلاع ... كأن عينيه كوكبان
يهشم ما مسّ من نبات ... ويجذب النّفس بالعنان
وقال ابن المعتزّ:
أنعت رقشاء لا تحيا لديغتها ... لو قدّها السيف لم يعلق به بلل
تلقى إذا انسلخت فى الأرض جلدتها ... كأنها كمّ درع قدّه بطل
وقال الظاهر «2» البصرىّ شاعر اليتيمة:
سرت وصحبى وسط قاع صفصف ... إذ أشرفت من فوق «3» طود مشرف
رقشاء ترنو من قليب أجوف ... تومى «4» برأس مثل رأس المجرف
وذنب مندمج «5» معقّف ... حتى إذا أبصرتها لا تنكفى «6»
علوتها بحدّ سيف مرهف ... [فظلّ «7» يجرى دمها كالقرقف «8» ]
أتلفتها لما أرادت تلفى
(10/144)

وقال خلف الأحمر:
له عنق مخضّرة مدّ ظهره ... وشوم كتحبير اليمانى المرقّم
إلى هامة مثل الرّحى مستديرة ... بها نقط سود وعينان كالدّم
وقال آخر «1» :
وحنش كحلقة السّوار ... غايته شبر من الأشبار
كأنه قضيب ماء جارى ... يفترّ عن مثل تلظّى النّار
وقال خلف الأحمر «2» :
صلّ صفّا لا تنطوى من القصر ... طويلة الإطراف من غير حسر «3»
داهية «4» قد صغرت من الكبر ... مهروتة الشّدقين حولاء النّظر
تفترّ عن عوج حداد كالإبر
(10/145)

وقال أبو هلال العسكرىّ:
وخفيفة الحركات تفترع الرّبى ... كالبرق يلمع فى الغمام الرّائح
منقوطة تحكى صدور صحائف ... إبّان تبدو من بطون صفائح
ترضى من الدنيا بظلّ صخيرة ... ومن المعيشة باشتمام روائح «1»
وقال ابن المعتز:
كأننى ساورتنى يوم بينهم ... رقشاء مجدولة فى لونها برق
[كأنها حين تبدو من مكامنها ... غصن تفتح فيه النّور والورق «2» ]
ينسل منها لسان تستغيث به ... كما تعوّذ بالسبّابة الفرق «3»
وقال الهذلىّ فى مزاحف الحيّات:
كأنّ مزاحف الحيّات وهنا «4» ... قبيل الصبح آثار السّياط
وقال آخر:
كأنّ مزاحفه أنسع «5» ... جررن فرادى ومنها ثنى «6»
(10/146)

ذكر ما قيل فى العقارب
قال الجاحظ: والعقارب أصناف: منها الجرّارة، والطيّارة، وماله ذنب كالحربة، وماله ذنب معقّف؛ وفيها السّود، والخضر، والصّفر. وهى من ذوات الذّرو «1» . ويقال: إنّ الأنثى من هذا النوع إذا حملت يكون حتفها فى ولادتها؛ لأن أولادها إذا استوى خلقها أكلت بطون الأمّهات حتى تنقبها، وتكون الولادة من ذلك النّقب، فتخرج والأمهات ميتة. وفى ذلك يقول الشاعر:
وحاملة لا تحمل الدّهر حملها ... تموت ويحيا «2» حملها حين تعطب
وقال أيضا: إنها تلد من فيها مرّتين، وتحمل أولادها على ظهرها وهى فى قدر القمل كثيرة العدد. قال: والعقرب شرّ ما تكون إذا كانت حبلى؛ ولها ثمان أرجل لها أظلاف مثل أظلاف الثور، وعيناها فى ظهرها. ومن عجيب أمرها أنها لا تضرب الميت ولا المغشىّ عليه ولا النائم، إلا أن يتحرّك شىء من بدنه؛ فإنها عند ذلك تضربه؛ وضربها له إنما هو من خوفها منه. وهى تأوى إلى الخنافس وتسالمها، وتصادق من الحيّات كلّ أسود سالخ. وربما لسعت الأفعى فتموت.
وفيها ما يلسع بعضه بعضا فيموت الملسوع. ويقال: إنها تستخرج من بيوتها بالجراد؛ لأنها تحرص على أكله. ومتى أدخل الكّرّاث فى حجرها وأخرج تبعته وما معها من نوعها. وهى إذا خرجت من جحرها تضرب كلّ ما لقيته من حيوان أو نبات أو جماد.
(10/147)

وقيل لبعض الأطبّاء: إنّ فلانا يقول: إنما أنا مثل العقرب أضرّ ولا أنفع؛ فقال: ما أقلّ علمه بها! إنها تنفع إذا شقّ بطنها ووضعت على مكان اللّسعة. وقد تجعل فى جوف فخّار مسدود الرأس مطيّن الجوانب، ثم توضع الفخّارة فى تنّور؛ فإذا صارت العقرب رمادا سقى من ذلك الرماد من به حصاة نصف دانق فتفتّتها من غير أن تضرّ شيئا من الأعضاء. وقد تلسع من به حمّى عتيقة فتقلع عنه. وقد تلسع المفلوج فيذهب عنه الفالج. وقد تلقى العقرب فى الدّهن وتترك فيه حتى يأخذ منها ويجتذب قواها، فيكون ذلك الدّهن مصرّفا للأورام الغليظة. وقال الشيخ الرئيس: زيت العقارب نافع من أوجاع الأذن. فهذه منافعها.
وقال الجاحظ: ومن أعاجيب العقرب أنها لا تسبح ولا تتحرّك إذا ألقيت فى الماء، كان الماء جاريا أو ساكنا. قال: وهى تطلب الإنسان وتقصده؛ فإذا قصدها فرّت منه. وهى إذا ضربت الإنسان هربت هرب من قد أساء.
قال: ومن أعاجيب ما فى العقرب أنا وجدنا عقارب القاطول «1» يموت بعضها من لسع بعض، ثم لا يموت عن لسعتها شىء [غير العقارب «2» ] ، ونجد العقرب تلسع إنسانا فيموت وتلسع آخر فتموت هى؛ فدلّ ذلك على أنها كما تعطى تأخذ. ويقال: إن الذى تموت هى إذا لسعته تكون أمّه قد لسعت وهى حامل به. قال: ومن أعاجيبها أنها تضرب الطّست والقمقم النّحاس فتخرقه، وربما ضربته فثبتت إبرتها فيه.
قال: والعقارب القاتلة تكون فى موضعين: بشهرزور من بلاد الجبل، وعسكر مكرم «3» من بلاد الأهواز، وهى جرّارات؛ وإذا لسعت قتلت؛ وربما تناثر لحم من
(10/148)

لسعته أو تعفّن ويسترخى حتى لا يدنو منه أحد إلا وهو يمسك أنفه مخافة إعدائه.
وهى فى غاية الصغر؛ فإن أكبر ما يوجد منها تكون زنته دانقا واحدا؛ والذى يوجد منها كبيرا تكون زنته ثلاث حبّات أرز؛ فإن وزنت بشعيرة رجحت الشعيرة عنها. وهى مع نزارتها تقتل الفيل والبعير بلسعتها. قال: وبنصيبين عقارب قتّالة يقال: إن أصلها من شهرزور، وإن بعض الملوك حاصر نصيبين فأتى بالعقارب من شهرزور ورمى بها فى كيزان بالمجانيق إلى البلد، فأعطى القوم بأيديهم «1» .
وقد وصف الشعراء العقرب وشبّهوها فى أشعارهم
؛ فمن ذلك قول السّرىّ الرفّاء:
سارية فى الظّلام مهدية ... إلى النفوس الرّدى بلا حرج
شائلة «2» ، فى ذنيبها حمة ... كأنها سبجة من السّبج «3»
وقال آخر:
ونضوة «4» تعرف باسم ولقب ... ما بين عينيها هلال منتصب
موجودة معدومة عند الطلب ... تطعن من لاقته من غير سبب
بخنجر تسلّه عند الغضب ... كأنه شعلة نار تلتهب
وقال آخر:
تحمل رمحا ذا كعوب مشتهر ... فيه سنان بالحريق مستعر
أنّف «5» تأنيفا على حين قدر ... تأنيف أنف القوس شدّت بالوتر
(10/149)

وقال عبد الصمد بن المعذّل: [يدعو بها على عدوّ له «1» ] .
يا ربّ ذى إفك كثير خدعه «2» ... مستجهل الحلم «3» خبيث مرتعه
[يسرى إلى عرض الصديق قذعه ... صبّت عليه حين جمّت بدعه «4» ]
ذات ذنابى متلف من يلسعه ... تخفضه طورا وطورا ترفعه
أسود كالسّبجة فيه مبضعه ... ينطف منه سمّه وسلمعه «5»
تسرع فيه الحتف حين [تشرعه ... يبرز كالقرنين حين «6» ] تطلعه
فى مثل صدر السّبت «7» حين تقطعه ... لا تصنع الرقشاء ما قد تصنعه
وقال ابن حمديس:
ومشرعة بالموت للطعن صعدة «8» ... فلا قرن إن نادته يوما يجيبها
تذيقك حرّ السّمّ من وخز إبرة ... إذا لسبت «9» ماذا يلاقى لسيبها
إذا لم يكن لون البهارة لونها ... فمن يرقان «10» دبّ فيها شحوبها
لها سورة خصّت بمنكر صورة ... ترى العين فيها كلّ شىء يريبها
لها طعنة لا تستبين لناظر ... ولا يرسل المسبار «11» فيها طبيبها
(10/150)

نسيت بها قيسا «1» وذكرى طعينه «2» ... وقد دقّ معناها وجلّ ندوبها «3»
تجىء كأمّ الشّبل غضبى توقّدت ... وقد توّج اليأفوخ «4» منها عسيبها «5»
عدوّ مع الإنسان يعمر بيته ... فكيف يوالى رقدة يستطيبها
ولولا دفاع الله عنّا بلطفه ... لصبّت من الدنيا علينا خطوبها
(10/151)

الباب الثانى من القسم الرابع من الفن الثالث فيما هو ليس قاتلا بفعله من ذوات السموم
ويشتمل هذا الباب على ما قيل فى الخنافس، والوزغ، والضبّ، وابن عرس، والحرباء، والقنافذ، والفيران، والقراد، والنمل، والذرّ، والقمل، والصّؤاب.
*** فأمّا الخنافس وما قيل فيها
- قالوا: والخنافس تتولّد من عفونة الأرض.
وهى أصناف، منها الخنفس المعروف؛
ومنها «الجعل»
ويسمّى «الكبرتل» .
وهو يتولّد من أخثاء البقر، وهو يموت إذا شمّ رائحة الطّيب، وإذا دفن فى الورد مات، وإذا أخرج منه ودفن فى الرّوث عاش. والغالب أنه لا يموت حقيقة وإنما يخدر وتبطل حركته؛ فإذا عولج بما نشأ منه قوى. والله أعلم. وله ستّ أرجل، وسنام مرتفع. وهو لا يصير كبرتلا حتى يصير له جناحان. وجناحاه يظهران إذا أراد الطيران ويخفيان إذا مشى. ومن عادة الجعل أن يحرس النّيام؛ فمن قام منهم لقضاء الحاجة تبعه طمعا أنه إنما يريد الغائط؛ والغائط قوت الجعل.
وقال أبو عثمان عمرو بن بحر: وزعم الأعراب أنّ بين ذكور الخنافس وإناث الجعلان تسافدا، وأنهما ينتجان خلقا ينزع إليهما جميعا. قال: وأنشد سيويه لبعض الأعراب يهجو عدوّا له:
عاديتنا يا خنفسا أمّ الجعل ... عداوة الأوعال حيّات الجبل
(10/152)

ويقال: إنّ الجعل يظلّ دهرا لا جناح له، ثم ينبت له جناحان. والعرب تقول فى أمثالها: «ألجّ من خنفساء» و «أفحش من فاسية» وهى الخنفساء. وفى لجاجة الخنفساء يقول الأحمر «1» :
لنا صاحب مولع بالخلاف ... كثير الخطاء «2» قليل الصواب
ألجّ لجاجا من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب
ومن أصناف الخنافس صنف يقال له «حمار قبّان» .
وهو يتولّد فى «3» الأماكن النديّة [على ظهره شبه المجنّ. ومنها صنف يسمّى «بنات وردان» . وهى أيضا تتولّد فى الأماكن النديّة «4» ] ، وأكثر ما تكون فى الحمّامات والسّقايات. وفيها من الألوان الأسود، والأصهب، والأبيض. قال بعض الشعراء يصف بنات وردان:
بنات وردان جنس ليس ينعته ... خلق كنعتى فى وصفى وتشبيهى
كمثل أنصاف بسر أحمر تركت ... من بعد تشقيقه أقماعه فيه
*** ومنها «الصّراصر والجنادب»
«5» . ولها صوت لا يفتر بالليل، فإذا طلع الفجر فقد. وفيه من الألوان الأسود وهو جندب «6» الجبال والآكام السّود؛ والأبرق «7» وهو جندب الطلح والسّمر والغضا؛ والأبيض وهو جندب الصحارى. قال السّرىّ الرّفّاء يصف جندبة:
(10/153)

وجندبة تمشى بساق كأنّها ... على فخذ كالعود «1» منشار عرعر
ممسّكة «2» تجلو الجناح «3» كأنّها ... عروس تجلّت فى عطاف «4» معنبر
*** وأمّا الوزغ وما قيل فيه-
والوزغ يسمّى «سامّ أبرص» . وزعموا أنه أصمّ، وأنّ السبب فى صممه وبرصه أن الدوابّ كلّها حين ألقى إبراهيم عليه السلام فى نار النّمرود كانت تطفئ عنه، وأنّ هذا كان ينفخ عليه، فصمّ وبرص.
وروى عن عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها أنّها قالت: دخل علىّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم وفى يدى عكّاز فيه زجّ «5» ، فقال: «يا عائشة ما تصنعين بهذا» ؟
قلت: أقتل به الوزغ فى بيتى؛ قال: «إن تفعلى فإنّ الدوابّ كلّها حين ألقى إبراهيم فى النار كانت تطفئ عنه وإنّ هذا كان ينفخ عليه فصمّ وبرص» . وفى حديث آخر عنها رضى الله عنها: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للوزغ الفويسق.
قالوا: وفى طبع الوزغ أنه لا يدخل إلى بيت فيه زعفران. والحيّات تألف الوزغ، كما تألف العقارب الحنافس. وهو يطاعم الحيّات ويزاقّها. وهو يقبل
(10/154)

اللّقاح بفيه، ويبيض كما تبيض الحيّة. وقيل: إنّ نصيبه من السّم نصيب متوسّط، لا يكمل أن يقتل، ومتى دبر «1» جاء منه سمّ قاتل. ومتى قتل ووضع على جحر حيّة هربت منه. وهو يقيم فى حجره أربعة أشهر الشتاء.
وقال الشيخ الرئيس: إذا ضمد به على الشوك والسّلّاء «2» جذبه، وعلى الثآليل «3» يقلعها. قال: وقيل: إنّ المجفّف منه إذا خلط بالزيت أنبت الشعر على القرع.
وبوله ودمه عجيب النّفع من فتق الصّبيان إذا جلسوا «4» فى طبيخه. وقد يجعل فى بوله أو دمه شىء من المسك ويجعل فى إحليل الصبىّ فيكون بالغ النفع فى الفتق.
وقيل: إنّ كبده تسكّن وجع الضّرس، وتشقّ وتوضع على لسع العقرب فيسكن.
*** وأمّا الضبّ وما قيل فيه
- قال الجاحظ فى كتاب الحيوان:
إنّ من أعاجيب الضبّ أنّ له أيرين وللضبّة حرين؛ قال: وهذا شىء لا يعرف إلّا لهما. هذا قول الأعراب فى تخصيصهما بذلك. وقالت الحكماء: إنّ السّقنقور «5»
(10/155)

له أيران، والحرذون «1» كذلك. قال: وقال جالينوس: الضب الذى له لسانان يصلح لحمه لكذا وكذا. ومما يستدلّ به على أنّ للضبّ أيرين قول الفزارىّ:
سبحل «2» له نزكان كانا فضيلة ... على كل حاف فى البلاد وناعل
واسم أير الضبّ: النّزك. وسئل أبو حيّة النّميرىّ عن ذلك، فزعم «3» أنّ أير الضبّ كلسان الحيّة، الأصل واحد والفرع اثنان. وللأنثى مدخلان. وعلى ذلك أنشد الكسائىّ رحمه الله تعالى:
تفرّقتم لا زلتم قرن واحد ... تفرّق أير الضبّ والأصل واحد
ويقال: إنّ الضبّة إذا أرادت أن تبيض حفرت فى الأرض حفرة ثم رمت بالبيض فيها وطمّته بالتراب، وتتعاهده كل يوم حتى يخرج، وذلك فى أربعين يوما.
وهى تبيض سبعين بيضة وأكثر. وبيضها يشبه بيض الحمام. ويخرج الحسل وهو مطيق للكسب.
قالوا: والضبّ يخرج من جحره كليل البصر، فيجلوه بالتحدّق فى الشمس.
وهو يغتذى بالنسيم، ويعيش ببرد الهواء، وذلك عند الهرم.
قال الجاحظ: وزعم عمرو بن مسافر: أنّ الضبّة تبيض ستين بيضة وتسدّ عليهنّ باب الحجر ثم تدعهنّ أربعين يوما، فيتفقّص «4» البيض ويظهر ما فيه، فتحفر عنهن عند ذلك. فإذا كشفت عنهن أحضرن «5» وأحضرت فى أثرهنّ، فتأكل
(10/156)

ما أدركت منهنّ. ويحفر المنفلت منها لنفسه حجرا، ويرعى من البقل. فلذلك توصف بالعقوق. ويضرب به المثل فى أكل حسوله. وفى ذلك يقول الشاعر:
أكلت بنيك أكل الضبّ حتى ... تركت بنيك ليس لهم عديد
قالوا: وفى ذنب الضبّ من القوّة ما يضرب به الحيّة فربما قطعها. والضبّ طويل العمر. وفى طبعه أنه يرجع فى قيئه. وهو شديد الإعجاب بالتمر. ويقال:
إنه يمكث ليلة بعد الذّبح ثم يقرّب إلى النار فيتحرّك.
قال الجاحظ: وزعمت العرب أنّ الضبّ يعدّ العقرب فى جحره؛ فإذا سمع صوت الحرش «1» استثفرها «2» فألزقها بأصل عجب «3» ذنبه وضمّه عليها، فإذا أدخل الحارش يده ليقبض على أصل ذنبه لسعته. وقيل: بل العقارب تألف الضّباب وتسالمها وتأوى إليها. قال التّميمىّ:
أتأنس بى ونجرك غير نجرى ... كما أنس «4» العقارب والضّباب
والضبّ من الحيوان المأكول؛ إلّا أنّ العرب تعيّر بنى تميم بأكل لحم الضبّ.
والدليل على إباحته ما جاء فى الحديث الصحيح: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فى بيت ميمونة «5» رضى الله عنها، فقدّمت له مائدة وعليها ضبّ مشوىّ، فأهوى بيده ليأكل منه؛ فقيل له: يا رسول الله، إنه ضبّ؛ فرفع يده. فقال له
(10/157)

خالد بن الوليد: يا رسول الله، أحرام هو؟ قال: «لا ولكنه ليس فى بلاد قومى فأنا لا آكله» ؛ فأكله خالد بن الوليد بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهه؛ ولو كان حراما لنهاه صلى الله عليه وسلم عن أكله ولأخبر بتحريمه لمّا سئل عنه.
وقال أبو نواس يعيّر بأكل الضبّ:
إذا ما تميمىّ أتاك مفاخرا ... فقل عدّ عن ذا «1» كيف أكلك للضّبّ
وقال عمرو «2» بن الأهتم من أبيات:
ورددناهم إلى حرّتيهم «3» ... حيث لا يأكلون غير الضّباب
وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: زبل الضبّ نافع لبياض العين، وينفع من نزول الماء.
وقد وصفه الحمّانىّ فقال وذكر أرضا:
ترى ضبّها مطلعا رأسه ... كما مدّ ساعده الأقطع
له ظاهر مثل برد موشّى «4» ... وبطن كما حسر الأصلع
هو الضبّ ما مدّ سكّانه ... وإن ضمّه فهو الضّفدع
(10/158)

وأما الحرباء وما قيل فيها
- والحرباء لها أصابع، وأظنها لنبش التراب.
ولونها أسود وأصفر ومختلط الألوان كالفهد. وهذه التسمية تقع على ذكورها وإناثها «1» . والحرباء إذا كان فى الشمس كان كثير التلوّن، فإذا انتقل إلى الظل كان أقل تلوّنا. وإذا قارب الموت أو مات أصفرّ. وهو أبدا يطلب الشمس، فإذا طلعت وجّه وجهه نحوها. فمتى غاب عنه جرمها فلا يراها أصابه نوع من الجنون. وإذا غابت الشمس ذهب ليطلب معاشه ليله كلّه حتى يصبح. ولسانه طويل جدّا، يقال: إنه مقدار ذراع، فهو يبلغ به ما بعد عنه من الذّباب. والأنثى منه تكنى أمّ حبين. وهو يوصف بالحزم لأنه حيث ينظر إلى الشمس يقبض بيده على خوط «2» ، فإذا تقلّب نحو الشمس حيث ما مالت [لا «3» ] يرسل ذلك الخوط من يده حتى يقبض بيده الأخرى خوطا آخر. وفيه يقول الشاعر «4» :
أنّى أتيح له «5» حرباء تنضبة «6» ... لا يرسل السّاق إلا ممسكا ساقا
(10/159)

وكتب بعض الفضلاء إلى بعض أصدقائه يلومه على مقامه بوطنه حين «1» نبابه؛ فقال من رسالة:
«أعجزت فى الإباء، عن خلق الحرباء؛ أدلى لسانا كالرّشاء، يبلغ به ما يشاء؛ وناط همّته بالشمس، مع بعدها عن اللمس؛ وأنف من ضيق الوجار، ففرّخ فى الأشجار؛ وسئم العيش المسخوط، فاستبدل خوطا بخوط؛ فهو كالخطيب، على الغصن الرّطيب.
وإنّ صواب الرّأى والحزم لامرئ ... إذا بلغته الشمس أن يتحوّلا
وقال ذو الرّمّة:
كأنّ يدى حربائها متشمّسا ... يدا مذنب «2» يستغفر الله تائب
وقال فيه أيضا:
وقد جعل الحرباء يصفرّ «3» لونه ... وتخضرّ من لفح الهجير غباغبه «4»
ويشبح «5» بالكفّين شبحا كأنه ... أخو فجرة عالى به الجذع صالبه
(10/160)

وقال فيه أيضا:
يصلّى «1» بها الحرباء للشمس ماثلا ... على الجذع إلّا أنّه لا يكبّر
إذا حوّل «2» الظّلّ العشىّ رأيته ... حنيفا وفى وقت «3» الضّحى يتنصّر
*** وأمّا ابن عرس وما قيل فيه
- وابن عرس من حيوان البيوت، وهو حديد النفس شجيع فطن. وأكثر ما يكون بمصر فى المنازل. وله صوت قوىّ يدلّ على شجاعته. وقيل: إنه الحيوان المسّمى «بالدّلق» «4» ، وإنما يختلف وبره ولونه بحسب البلاد. وفى طبعه أنه يسرق ما يظفر به من الذّهب، والفضّة، وأنه متى وجد حبوبا متفرّقة خلطها. وهو عدوّ الفأر يصيده ويقتله، والفأر يخافه.
وقال الجاحظ: وابن عرس يقاتل الحيّة؛ وإذا قاتلها بدأ بأكل السّذاب؛ لأنّ الحيّة تؤلمها رائحة السّذاب؛ كما قدّمنا. وابن عرس يفعل فى الطير ما يفعل الذئب فى الغنم من الذّبح. وهو إذا عجز عن الوصول إليها استدار بعجزه وفسا إلى جهتها، فربما قتل الفراريج رائحة فسائه.
(10/161)

ومن ذكائه وفطنته ما حكى: أنّ رجلا صاد فرخا منها فجعله فى قفص؛ فرأته أمّه فذهبت وعادت بدينار فى فمها فألقته بين يدى الرجل كأنها تريد فداء ولدها منه به، فتركه ولم يتناوله، فذهبت وأتت بدينار آخر فلم يأخذه، فلم تزل تذهب وتعود فى كل مرّة بدينار إلى خمسة دنانير وهو لا يمسك الذهب، فذهبت وعادت بصرّ فارغة وألقتها بين يديه كأنها تقول: إنه لم يبق شىء؛ فلم يطلق ولدها ولا ضمّ الدنانير. فلمّا رأته على ذلك عمدت إلى دينار منها فأخذته وعادت به إلى جحرها؛ فخشى أن تفعل ذلك ببقيّة الدنانير، فأخذها وأطلق فرخها؛ فأعادت إليه الدينار.
وقالت الحكماء: لحم ابن عرس نافع من الصّرع. والله أعلم «1» .
*** وأمّا القنافذ وما قيل فيها
- وواحدها قنفذ. وهى صنفان: قنفذ ودلدل. فالقنفذ يكون بأرض مصر فى قدر الفأر. والدلدل يكون بالشأم والعراق وخراسان فى قدر الكلب القلطىّ «2» . ويقال: إنه يسفد «3» قائما وبطن الأنثى لاصق ببطن الذكر. والأنثى تبيض خمس بيضات؛ وليس هو كالبيض الذى له قشر يابس بل هو شبيه باللّحم. وتصرّف القنافذ بالليل أكثر من تصرّفها بالنهار. قال أيمن بن خريم:
كقنفذ الرّمل لا تخفى مدارجه ... حتى إذا نام عنه الناس لم ينم
(10/162)

والقنفذ يستأنس فى البيوت، ويختفى أياما ثم يظهر. وهو إذا جاع صعد إلى الكروم وقطع العناقيد ورمى بها ثم ينزل فيأكل منها ما أطاق؛ فإن كان له فراخ تمرّغ على ما بقى فيشتبك فى شوكه، وذلك بعد تفريطه من عمشوشه «1» ، ويذهب به إلى فراخه. وهو مولع بأكل الأفاعى، ولا يبالى قبض على رأسها أو غيره من بدنها، فإنه إن قبض على رأسها أكلها بغير كلفة عليه ولا مشقّة؛ وإن قبض على وسطها أو ذنبها استدار وتجمّع ونفخ بدنه، فمتى ضربته أصابها شوكه، فهى تهرب منه؛ وطلبه لها بقدر هربها منه.
والدّلدل إذا رأى ما يكرهه انقبض فيخرج منه شوك كالمدارى فى طول الشّبر، فيجرح ما يصيبه من الحيوان. ويقال: إنّ شوكه شعر، وإنما لمّا غلظ وغلب عليه اليبس صار شوكا.
وقال ابن سينا: فى رماد القنفذ جلاء وتحليل. وملحه ينفع «2» من داء الفيل.
ولحمه ينفع من الجذام؛ لشدّة تحليله وتجفيفه. ولحمه المملّح ينفع من الفالج والتّشنّج وأمراض العصب كلّها وداء الفيل، وينفع من السّلّ ومن سوء المزاج. ومملوحه مع السّكبينج «3» جيّد للاستسقاء ووجع الكلى، وينفع من يبول من الصبيان فى الفراش؛ حتى إنّ إدمان أكله ربما عسّر البول. ولحمه ينفع من الحمّيات المزمنة ومن نهش الهوامّ. والله أعلم.
(10/163)

وقد وصفه البلغاء والشعراء فى رسائلها وأشعارها
- فمن ذلك ما قاله الأمير شمس المعالى «1» من رسالة كتبها إلى بعض أصدقائه وقد أهدى له دلدلا: «قد أتحفتك يا سيّدى بعلق نفيس، وتحفة رئيس؛ يتعجّب المتأمّل من أحواله، ويحار الناعت فى أوصافه وأعماله؛ ويتبلّد المعتبر فى آياته، ويكلّ الناظر فى معجزاته؛ فما يدرى ببديهة النظر والفؤاد، أمن الحيوان هو أم من الجماد؛ حتى إذا أعطى متدبّره النّظر أوفى حقوقه، والفحص أكمل شروطه، علم أنه كمّى سلاحه فى حضنه، ورام سهامه فى ضمنه؛ ومقاتل رماحه على ظهره، ومخاتل سرّه خلاف جهره، ومحارب حصنه من نفسه؛ يلقاك بأخشن من حدّ السيف، ويستتر بألين من وبر الخيف «2» . متى جمّع أطرافه، وضمّ إليه أصوافه؛ حسبته رابية ناتيه، أو تلعة باديه. وهو أمضى من الأجل، وأرمى من بنى ثعل «3» . إن رأته الأراقم رأت حتف نفسها، أو عاينته الأساود أيقنت بفناء جنسها؛ صعلوك ليل لا يحجم عن دامسه، وفارس ظلام لا يخاف من حنادسه؛ فيه من الضّبّ مثل، ومن الفأر شكل؛ ومن الورل نسب، ومن الدّلدل سبب.
ومن أوابده أنه يسودّ إذا هرم وشاب، ويصير كأكبر ما يكون من الكلاب.
(10/164)

وقال أبو محمد اليزيدىّ «1» [يذكر قنفذا «2» رآه، فأطعمه وسقاه] :
وطارق ليل جاءنا بعد هجعة ... من الليل إلّا ما تحدّث سامر
قريناه صفو الزاد حين رأيته ... وقد جاء خفّاق الحشى وهو سادر «3»
جميل المحيّا فى الرّضا فاذا أبى «4» ... حمته من الضيم الرّماح الشّواجر
ولست تراه واضعا لسلاحه ... مدى الدّهر موتورا ولا هو واتر
وقال [آخر «5» ] من أبيات يرثيه فيها ويصفه:
عجبت له من شيهم «6» متحصّن ... بنبل من السّرد «7» المضاعف تبرق
وأنّى اهتدى سهم المنيّة نحوه ... وفى كلّ عضو منه سهم مفوّق
ولو كان كفّ الدهر تستخشن الرّدى ... لكان بكفّ الدّهر لا يتعلّق
وقال أبو «8» بكر الخوارزمىّ يصفه:
ومدجّج وسلاحه من نفسه ... شاكى الدّوابر أعزل الأقبال
(10/165)

يمسى ويصبح لم يفارق بيته ... ولقد سرى عددا من الأميال
وتراه يكمن بعضه فى بعضه ... فتطيش عنه أسهم الأهوال
عيناه مثل النقطتين وخطمه ... يحكى ثدىّ رضاعة الأطفال
وكأنّ أقلاما غرزن بظهره ... مسّ المداد رءوسها ببلال
تتهارب الحيّات حين يرينه ... هرب اللصوص رأت سواد الوالى
وكأنّه الخنزير إلّا جلده ... وصياحه وتقارب الأوصال
*** وأمّا الفئران وما قيل فيها
- قد سمّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم الفويسقة. والفأر ضروب تقع على جميعها هذه التّسمية وهى «الجرذ» و «الفأر» معروفان- وهما كالجواميس والبقر- و «الزّباب» و «الخلد» و «اليربوع» و «فأرة البيش» «1» و «فأرة المسك» و «فأرة الإبل» .
فأمّا الجرذ والفأر
- وهما من حيوان البيوت والبرّ. قال المتكلمون فى طبائع الحيوان: إنّ الفأر مما جمع له بين حاسّة السمع والبصر. وليس فى الحيوان أفسد منه. ومن فساده أنه يجد قارورة الدّهن وهى ضيّقة الفم فيدخل ذنبه فيها
(10/166)

ويمتصّه. فإن قصر ذنبه عن بلوغ الدّهن عمد إلى النّوى والأحجار الصّغار فيلقيهما فيها، فيطفو ما فيها فيمتصّه بذنبه، ولا يزال يتعاهد ذلك حتى ينفد جميع ما فيها.
وهو إذا سرق البيض يعجز عن كسره بسنّه، فيدحرج البيضة إلى أن تسقط من مكان مرتفع إلى مستفل فتنكسر؛ فإن عجّزه ذلك استعان بفأر آخر فيعتنقها أحدهما بيديه ورجليه وينقلب على قفاه؛ ويقبض الآخر على ذنبه ويتسلّق به فى حائط؛ فإذا ارتفع به عن الأرض ألقاها الحامل لها فتنكسر فيأكلانها جميعا.
أخبرنى بذلك من شاهده. والمثل يضرب به فى الفساد والسّرقة والنسيان والحذر.
وفى طبع الجرذ البرّىّ وعادته أنه لا يحفر بيته على قارعة الطريق خوفا من الحافر «1» [أن يهدم عليه «2» بيته] . ويقال: إنه يخلق من الطّين، وإنه يتولّد بأرض مصر إذا نضب ماء النيل عنها «3» . وقال صاحب كتاب مباهج الفكر: إنه رأى ذلك عيانا «4» فى سفط «5» ميدوم من جيزة مصر.
وقال الجاحظ: لعمرى إن جرذان أنطاكية لتساجل السّنانير فى الحرب، ولا تقوم لها ولا تقوى عليها إلا الواحد بعد الواحد. قال: وهى بخراسان قويّة جدّا، وربما قطعت أذن النائم. قال: ومن الفأر ما إذا عضّ قتل. قال: ومن الأعاجيب
(10/167)

فى قرض الفأر أنّ قوما من أهل الفراسة ينظرون إلى قرضه ويتفرّسون منه أحوالا.
ويزعمون أنّ أبا جعفر المنصور نزل فى بعض القرى فقرض الفأر مسحا له كان يجلس عليه، فبعث به ليرفأ؛ فقال لهم الرّفّاء: إنّ هاهنا أهل بيت يعرفون بقرض الفأر ما ينال صاحب المتاع من خير وشرّ، فما عليكم أن تعرضوه عليهم قبل إصلاحه؟
فبعث المنصور إلى شيخهم؛ فلما نظر إلى موضع القرض وثب قائما ثم قال: من صاحب هذا المسح؟ فقال المنصور: أنا؛ فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ والله لتلينّ الخلافة أو أكون جاهلا أو كذّابا.
وفى الفأر منافع ذكرها الشيخ الرئيس ابن سينا، فقال: دم الفأر يقلع الثآليل، وزبله نافع على داء الثعلب وخصوصا لطخا بالعسل، وخصوصا المحرق. قال:
وإذا شوى الفأر وجفّف وأطعم الصبىّ انقطع سيلان اللّعاب من فمه. قال: واتّفق الناس أنّ الفأر إذا شقّ ووضع على لدغ العقرب نفع. والله أعلم.
وقد وصف الشعراء الفأر وشبّهوه فى أشعارهم وذكروا سوء فعله. فمن ذلك قول أعرابىّ [وقد دخل البصرة فاشترى خبزا فأكله الفأر «1» ] :
عجّل ربّ الناس بالعقاب ... لعامرات البيت بالخراب
حتى يعجّلن إلى التّباب ... كحل العيون وقص «2» الرّقاب
مجرّرات فضل الأذناب ... مثل مدارى «3» الطّفلة الكعاب
(10/168)

كيف لها بأنمر وثّاب «1» ... منهرت الشّدق حديد النّاب
كأنما يكشر عن حراب ... يفرسها كالأسد الوثّاب
وقال أبو بكر «2» الصّنوبرىّ:
يالحدب الظّهور قعس «3» الرّقاب ... لدقاق الخرطوم والأذناب
للطاف آذانها «4» والخراطي ... م حداد الأظفار والأنياب
خلقت للفساد مذخلق الخل ... ق وللعيث والأذى والخراب
ناقبات فى الأرض والسقف والحا ... ئط نقبا أعيا على النّقّاب
آكلات كلّ المآكل لا تس ... أمها شاربات كلّ الشّراب
آلفات قرض الثياب وقد يع ... دل قرض القلوب قرض الثياب
وقال فى فأرة بيضاء:
وفأرة بيضاء لم تبتذل ... يوما لإطعام السّنانير
إذ فأرة المسك سمعنا بها ... وهذه فأرة كافور
(10/169)

وأمّا الزّباب
- فإنه فأر أصمّ، يكون فى الرمل. والعرب تضرب به المثل فى السرقة. يقولون: «أسرق من زبابة» .
وأمّا الخلد
- فهو أعمى لا يدرك شيئا إلّا بالشّمّ «1» ، [إلا أن «2» ] عينيه كاملتان، لكن الجفن ملتحم على الناظر لا ينشقّ. وهو ترابىّ مستقرّ فى باطن الأرض؛ وهى له كالماء للسمك. وليس له على ظهر الأرض قوّة ولا نشاط؛ بل يبقى مطروحا كالميّت فتخطفه الجوارح أو يموت. وهو حديد حاسّة الشمّ. ومتى شمّ رائحة طيّبة هرب. وهو يحبّ رائحة الكرّاث والبصل؛ وربما صيد بهما. ومن دأبه طول الكدّ ودوام الحفر. وفى تركيبه أنه لا يفرط فى الطّلب ولا يقصّر عنه. وله وقت يظهر فيه لا يخطئه ولا يغلط «3» فى المقدار. ويضرب به المثل فى حدّة السمع؛ فيقال: «أسمع من خلد» .
*** وأما اليربوع
- فهو حيوان طويل الرّجلين، قصير اليدين جدّا. وله ذنب كذنب الجرذ، يرفعه صعدا، فى طرفه شبه التّوارة. ولونه لون الغزال. ويقال لولده «درص» ، والجمع أدراص. قال أصحاب الكلام فى طبائع الحيوان: كلّ دابة حشاها الله خبثا فهى قصيرة اليدين. وهو يسكن بطن الأرض لتقوم رطوبتها
(10/170)

له مقام الماء. وهو يؤثر النسيم ويكره البخار «1» . وهو يتّخذ حجره على نشز من الأرض ويحفره، ويفتح له أبوابا على مهبّ الرياح وتسمّى «النّافقاء» «2» و «القاصعاء» و «الدّامّاء» و «الرّاهطاء» . فإذا طلب من أحد هذه الأبواب خرج من الآخر.
وهو يجترّ ويبعر. وله كرش وأسنان وأضراس. وهو من الحيوان الذى ينقاد إلى رئيس منه. والرئيس منها إذا كان فيها يرتفع عنها فيكون فى مكان مشرف أو على صخرة ينظر منه إلى الطريق. فإن رأى ما يخافه عليها صرّ بأسنانه وصوّت، فتسمعه فتنصرف إلى حجرتها؛ وإن أغفل ذلك ورأت ما تخافه قبل أن يراه قتلته، لتضييعه الحزم وغفلته، ونصبت غيره لرياستها. وإذا أرادت اليرابيع الخروج من حجرتها لطلب المعاش خرج الرئيس قبلها وأشرف؛ فإذا لم ير ما يخافه عليها صرّ لها وصوّت فتخرج. قالوا: ويتولّد من اليربوع والفأرة ولد يسمى «القرنب» .
*** وأما فأرة المسك
- فقال الجاحظ: إنها دويبّة تكون فى بلاد تبّت «3» تصاد لنوافجها وسررها. فإذا اصطيدت عصبت سرّتها بعصاب وهى مدلّاة فيجتمع فيها دمها؛ فإذا اجتمع ذبحت، ثم تقوّر السّرّة المعصوبة وتدفن فى الشّعير حينا
(10/171)

فيستحيل ذلك الدّم المختنق الجامد مسكا ذكيّا بعد أن كان منتنا. ويقال: إن هذه الفأرة توجد فى بلاد الزّابج «1» وتحمل إلى السّند، وإن المسك يخرج من خصيتى ذكورها بالعصر، ومن ضروع إناثها بالحلب. ويقال: إن الفأر الفارسىّ أطيب ريحا من كل طيب، وربما ضاهى ريح المسك. وهو أجرد أشقر، شعره إلى الصّفرة، شديد كحل العينين، طويل الأذنين، قصير الذّنب.
*** وأما فأرة الإبل
- فليست بحيوان، وإنما هى رائحة تسطع من الإبل عند صدورها من الورد ينتجها طيب الرّعى. قال الشاعر «2» :
لها فأرة ذفراء «3» كلّ عشيّة ... كما فتق الكافور بالمسك فاتقه
*** وأمّا القراد وما قيل فيه
- فقد قالوا: أوّل ما يكون «قمقامة» «4» وهو الذى لا يكاد يرى من صغره، ثم يصير «حمنانة» ثم يصير «قرادا» ثم يصير «حلما» .
ويقال للقراد: «العلّ» و «الطّلح» و «القتين» و «البرام» و «القرشام» .
(10/172)

والقراد يخلق من عرق البعير ومن الوسخ والتّلطّخ بالثّلط «1» والأبوال؛ كما يخلق القمل من عرق الإنسان. وفى طبع القراد أنه يسمع رغاء الإبل من فراسخ فيقصدها؛ حتى إنّ أصحاب الإبل يبعثون إلى الماء من يصلح لإبلهم الأرشية «2» وآلات السّقى، فتبيت الرجال عند البئر تنتظر مجىء الإبل، فيعرفون قربها من القراد بانبعاثه فى جوف الليل وسرعة حركته ومروره، فإذا رأوا ذلك منه تهيّئوا للعمل.
ويقول من اعتنى بالحيوان وتكلّم فى طبائعه: إنّ لكل حيوان قرادا يناسب مزاجه.
وهم يضربون المثل بالقراد فى أشياء، فيقولون: «أسمع من قراد» ، و «ألزق «3» من قراد» ، وما هو إلا قراد ثفر «4» . وأنشد الجاحظ لبعض الشعراء فى القراد:
ألا يا عباد الله هل لقبيلة ... إذا ظهرت فى الأرض شدّ مغيرها
فلا الدّين ينهاها ولا هى تتهى ... ولا ذو سلاح من معدّ يضيرها
*** وأمّا النّمل والذّرّ وما قيل فيهما
- قال الله عزّ وجلّ: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)
. وجاء فى الحديث أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل منزلا
(10/173)

فانطلق لحاجة فجاء من حاجته وقد أوقد رجل على قرية نمل إمّا فى شجرة وإمّا فى الأرض؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فعل هذا أطفئها أطفئها أطفئها» . وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ صلى الله عليه وسلم قال:
«نزل نبىّ من الأنبياء تحت شجرة فعضّته نملة فقام إلى نمل كثير تحت الشجرة فقتلهنّ فقيل له: أفلا نملة واحدة» . وعنه رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «نزل نبىّ من الأنبياء تحت شجرة فقرصته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ثم أمر بقرية النّمل فأحرقت فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أهلكت أمّة من الأمم يسبّحن الله فهلّا نملة واحدة» . وجاء فى الأثر: أنّ سليمان بن داود عليهما السلام خرج يستسقى، فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهى تقول: اللهم إنّا خلق من خلقك، ليس لنا غنى عن سقيك؛ فإما أن تسقينا وترزقنا، وإما أن تميتنا وتهلكنا. فقال للناس: ارجعوا، فقد سقيتم بدعاء غيركم.
وقال الجاحظ: وكان ثمامة يزعم أنّ النمل ضأن الذّرّ. قال: والذى عندى أنّ النمل والذرّ مثل الفأر والجرذ، والبقر والجواميس. قال: والذّرّ أجود فهما وأصغر جثّة.
وزعم ابن أبى الأشعث أنّ النمل لا يتزاوج ولا يتوالد ولا يتلاقح، وإنما يسقط منه شىء حقير فى الأرض فينمو حتى يصير بيظا «1» فيتكوّن منه.
والنمل من الحيوان المحتال فى طلب المعاش يتفرّق لذلك؛ فإذا وجد شيئا أنذر الباقين فيأتين إليه ويأخذن منه. وكلّ واحد مجتهد فى إصلاح شأن العامّة
(10/174)

غير مختلس لشىء من الرزق دون صحبه. ويقال: إنما يفعل ذلك منها رؤساؤها ومن تحيّله فى طلب الرزق أنه ربما وضع بينه وبين ما يخاف عليه منه ما يمنعه من الوصول إليه من ماء أو شعر، فيتسلّق فى الحائط ويمشى على جذع من السّقف حتى يسامت ما حفظ منه ثم يلقى نفسه عليه. وفى طبعه وعادته أن يحتكر فى زمن الصيف لزمن الشتاء. وهو إذا خاف على ما يدّخره من الحبوب من العفن والسّوس أو التّندّى من مجاورة بطن الأرض، أخرجها إلى ظاهر الأرض حتى تيبس ثم يعيدها. وإن خاف على الحبّ أن ينبت من نداوة الأرض نقر فى موضع القطمير من وسط الحبّة (وهو الموضع الذى يبتدئ منه النّبات) ؛ ويفلق جميع الحبّ أنصافا؛ فإن كان من حبّ الكزبرة فلقه أرباعا، لأن أنصاف حبّ الكزبرة تنبت. فالنمل من هذا الوجه فى غاية الحزم. فسبحان الملهم لا إله غيره.
وليس شىء من الحيوان يقوى على حمل ما يكون ضعف وزنه مرارا غير النملة.
والنّمل يشمّ ما ليس له ريح ممّا لو وضعه الإنسان عند أنفه لما وجد له ريحا. ومن أسباب هلاك النملة نبات الأجنحة لها؛ فإذا صار النمل كذلك صادته العصافير وأكلته. وفى ذلك يقول أبو العتاهية:
وإذا استوت للنّمل أجنحة ... حتّى يطير فقد دنا عطبه
ومن أصناف النّمل صنف يسمّى «نمل الأسد» ؛ سمّى بذلك لأن مقدّم النملة يشبه وجه الأسد ومؤخّرها كالنّمل. وزعم بعض من تكلّم فى طبائع الحيوان أنه متولّد، وأن أباه أكل لحما، وأمّه أكلت نباتا، فنتج بينهما على هذه الصفة.
وقد وصفه الشعراء؛ فمن ذلك قول شاعر «1» :
غزاة يولّى الليث عنهنّ هاربا ... وليست لها نبل حداد ولا عمد
(10/175)

قصار الخطا حمش القوائم ضمّر ... مشمّرة لا تشتكى الأين والحرد «1»
وتعدو على الأقران فى حومة الوغى ... نشاطا كما يعدو على صيده الأسد
إذا ذكرت طيب الهياج تنّفست ... تنفّس ثكلى قد أصيب لها ولد
كأكراد زنجان «2» تريد قضاضة ... وتلك الصّعاليك الغرائب فى البلد «3»
وفيهنّ أجناس تشابهن صورة ... وباينّ فى الهمّات واللون والجسد «4»
فمنهنّ كمت كالعناكيب أرجلا ... وساع الخطا قد زان أجيادها الغيد
إذا انتهرت طارت وإن هى خلّدت ... رأت ورد أحواض المنايا من الرّشد
وسود خفاف الجسم لو عضّت الصّفا ... رأيت الصّفا من وقع أسنانها قدد «5»
يفدن علينا مفسدات جفاننا ... وأزوادنا أبغض إلينا بما وفد
وقال أبو هلال العسكرىّ:
وحىّ أناخوا فى المنازل باللّوى ... فصاروا به بعد القطين قطينا
إذا اختلفوا فى الدار ظلّت كأنها ... تبدّد فيها الريح بزر قطونا
إذا طرقوا قدرى مع الليل أصبحت ... بواطنها مثل الظواهر جونا
لهم نظرة يسرى ويمنى إذا مشوا «6» ... كما مرّ مرعوب يخاف كمينا
ويمشون صفّا فى الديار كأنما ... يجرّون خيطا فى التراب منينا «7»
(10/176)

وفى كل بيت من بيوتى قرية ... تضمّ صنوفا منهم وفنونا
فيا من رأى بيتا يضيق بخمسة ... وفيه قريّات يسعن مئينا
*** وأمّا القمل والصّؤاب وما قيل فيهما
- قال الجاحظ: ذكروا عن إياس بن معاوية أنه يزعم أنّ الصّئبان ذكورة القمل، وأنّ القمل من الشكل الذى تكون إناثه أعظم من ذكورته.
قال الجاحظ: والقمل يعترى من العرق والوسخ إذا علاهما ثوب أو ريش أو شعر، حتى يكون لذلك المكان عفن وخموم. والقملة يكون لونها بحسب لون الشعر فى السّواد والبياض والشّمط وفى لون الحضاب، وينصل إذا نصل. قال:
والقمل يعرض لثياب كل إنسان إذا عرض لها الوسخ أو العرق أو الخموم، إلا ثياب المجذّمين فإنهم لا يقملون. وإذا قمل إنسان وأفرط عليه القمل زأبق رأسه فيتناثر القمل. قال: وربما كان الإنسان قمل الطّباع وإن تنظّف وتعطّر وبدّل أثوابه؛ كما عرض لعبد الرحمن بن عوف والزّبير بن العوّام رضى الله عنهما، حتى استأذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى لباس الحرير؛ فأذن لهما فيه لهذه الضرورة ولدفع هذا الضرر.
وقد وصف الشعراء القمل فى أشعارهم؛ فمن ذلك قول بعض العقيليّين وقد مرّ بأبى العلاء العقيلىّ وهو يتفلّى، فقال:
وإذا مررت به مررت بقانص ... متصيّد فى شرقة «1» مقرور
للقمل حول أبى العلاء مصارع ... ما بين مقتول وبين عقير «2»
(10/177)

فكأنهنّ إذا علون قميصه ... فذّ وتوءم سمسم مقشور
ضرج الأنامل من دماء قتيلها ... حنق على أخرى بعدو «1» مغير
وقال الحسن بن هانئ فى رجل اسمه أيّوب:
من ينأ عنه مصاده ... فمصاد أيّوب ثيابه «2»
يكفيه منها نظرة ... فتعلّ من علق «3» حرابه
يا ربّ «4» محترز بجي ... ب الرّدن تكنفه صؤابه
فاشى النّكاية «5» غير مع ... لوم إذا دبّ انسيابه
أو طامرىّ «6» واثب ... لم ينجه عنه وثابه
أهوى له بمزلّق ال ... عرنين إصبعه نصابه «7»
لله درّك من أخى ... قنص أصابعه كلابه
(10/178)

القسم الخامس من الفن الثالث فى أجناس الطير وأنواع السمك
وفيه سبعة أبواب: ستة منها فى الطير، وباب فى السمك. وذيّلت عليه بباب ثامن أوردت فيه ذكر شىء مما قيل فى آلات صيد البرّ والبحر.
قال الجاحظ فى كتاب الحيوان: إنّ الحيوان على أربعة أقسام: شىء يطير، وشىء يعوم، وشىء ينساح، وشىء يمشى؛ إلّا أنّ كل طائر يمشى، وليس كلّ شىء يمشى طائرا. قال: واسم طائر يقع على ثلاثة أشياء: صورة، وطبيعة، وجناح؛ وليس بالرّيش والفوادم والأباهر «1» والخوافى يسمى طائرا ولا بعدمه يسقط ذلك عنه.
ألا ترى أنّ الخفّاش والوطواط من الطير وإن كانا أمرطين ليس لهما ريش ولا زغب ولا شكير.
قال: والطير كلّه سبع وبهيمة وهمج. والسّباع من الطير على ضربين: فمنها العتاق، والأحرار، والجوارح. ومنها البغاث، وهو كلّ ما عظم من الطير سبعا كان أو بهيمة إذا لم يكن من ذوات السّلاح والمخالب المعقّفة كالنّسور والرّخم والغربان وما أشبهها من لئام السّباع. ثم الخشاش وهو ما لطف جرمه وصغر شخصه وكان عديم السلاح.
وقال: إذا باض الطائر بيضا لم تخرج البيضة من حدّ التحديد والتلطيف بل يكون الجانب الذى يبدأ بالخروج الجانب الأعظم. وما كان من البيض مستطيلا
(10/179)

محدّد الأطراف فهو للإناث، وما كان مستديرا عريض الأطراف فهو للذكور.
والبيضة عند خروجها تكون ليّنة القشر غير جاسئة ولا يابسة ولا جامدة. قال:
والبيض الذى يتولّد من الريح والتراب أصغر وألطف، وهو فى الطّيب دون الآخر.
ويكون بيض الريح من الدّجاج والقبج «1» والحمام والطاوس والإوزّ. قال: وحضن الطائر وجثومه على البيض يكون صلاحا لبدن الطائر كما يكون صلاحا لبدن البيض.
قال: وزعم ناس أنّ بيض الرّيح إنما يكون عن سفاد متقدّم. وذلك خطأ من وجهين: أمّا أحدهما، فإن ذلك قد عرف من فراريج لم ترديكا قطّ. والآخر أن بيض الرّيح لم يكن منه فروخ قطّ. وبيض الصّيف المحضون أسرع خروجا منه فى الشتاء.
فهذه جمل من أحوال الطير فرّقها الجاحظ فى كتابه فى عدّة مواضع جمعناها وألّفنا بعضها إلى بعض. فلنذكر كلّ جنس من الطير، ونشرح ما يخصّه من الكلام وما قيل فيه. وغير الجاحظ قسّم الطير إلى أقسام، فجعل منها سباعا، وكلابا، وبهائم، وبغاثا، وليليّا، وهمجا؛ وعلى ذلك بوّبنا هذا القسم؛ على ما تقف عليه إن شاء الله تعالى.
(10/180)

الباب الأوّل من القسم الخامس من الفن الثالث فى سباع الطير
ويشتمل هذا الباب على ما قيل فى العقاب والبزاة والصقور والشّواهين، وأصناف ذلك، وما يتصف به كلّ طير منها وما فيه من الطبائع والعادة، وما يصيد، وما فيه من الأمارات الدّالّة على نجابته وفراهته، وغير ذلك مما تقف عليه إن شاء الله تعالى.
ذكر ما قيل فى العقاب
يقال: إنّ العقاب جميعه أنثى وليس فيه ذكر. ويسمى عند أهل اللغة «العنقاء» . وهى «عقاب» و «زمّج» .
فأما العقاب
فيقال: إنّ ذكورها من طير آخر لطيف الجرم. وهى تبيض فى الغالب ثلاث بيضات فيخرج لها فرخان. قال الجاحظ: ثم اختلفوا، فقال بعضهم: لأنها لا تحضن إلّا بيضتين؛ وقال آخرون:
قد تحضن ويخرج لها ثلاثة أفراخ ولكنها ترمى بالواحد استثقالا للتكليف على ثلاثة؛ وقال آخرون: ليس ذلك إلّا لما يعتريها من الضعف عند الصيد، كما يعترى النّفساء من الوهن والضعف. وهى تحضن ثلاثين يوما. وما عداها من الجوارح تبيض بيضتين فى كل سنة وتحضن عشرين يوما.
قالوا: وفى طبع الذكر أنه يمتحن أنثاه هل هى محافظة له أو مؤاتية لغيره من غير جنسه، بأن يصوّب نظر فرخيه إلى شعاع الشمس، فإن ثبت عليه تحقّق أنها فراخه وأمسكها، وإن نبا بصره عن شعاع الشمس ضرب الأنثى كما يضرب الرجل المرأة الزانية وطردها من وكره ورمى بالفرخين.
(10/181)

والعقاب خفيفة الجناح، سريعة الطيران، فهى إن شاءت ارتفعت على كل شىء وإن شاءت كانت بقربه. يقال: إنها تتغدّى بالعراق وتتعشّى باليمن. وربما صادت حمر الوحش، وذلك أنها إذا نظرت الحمار رمت نفسها فى الماء حتى يبتلّ جناحاها، ثم تتمرّغ فى التراب وتطير حتى تقع على هامة الحمار، ثم تصفّق على عينيه بجناحيها فتملؤهما ترابا، فلا يرى الحمار أين يذهب فيؤخذ. وهى مولعة بصيد الحيّات. وفى طبعها قبل أن تتدرّب أنها لا تراوغ صيدا ولا تعنى فى طلبه، ولا تزال موفية على شرف عال؛ فإذا رأت سباع الطير قد صادت شيئا انقضّت عليه، فتتركه لها وتنجو بنفسها. ومتى جاعت لم يمتنع عليها الذئب. وهى شديدة الخوف من الإنسان. ويقال: إنها إذا هرمت وثقل جناحها وأظلم بصرها التمست غديرا؛ فإذا وجدته حلّقت طائرة فى الهواء ثم تقع من حالق فى ذلك الغدير فتنغمس فيه مرارا، فيصحّ جسمها ويقوى بصرها ويعود ريشها ناشئا إلى حالته الأولى.
وهى متى ثقلت عن النهوض أو عميت حملتها الفراخ على ظهورها ونقلتها من مكان إلى آخر لطلب الصيد وتعولها إلى أن تموت. ومن عجيب ما ألهمت أنها إذا اشتكت كبدها رفعت «1» الأرانب والثعالب فى الهواء وأكلت أكبادها فتبرأ.
وهى تأكل الحيّات إلّا رءوسها، والطير إلا قلوبها. قال امرؤ القيس:
كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى
ومنسرها الأعلى يعظم ويتعقّف حتى يكون ذلك سبب هلاكها؛ لأنها لا تنال به الطّعم إذا كان كذلك. وأوّل من صاد بها أهل المغرب. وحكى أنّ قيصر أهدى إلى كسرى عقابا، وكتب إليه: علّمها فإنها تعمل عملا أكثر من الصقور
(10/182)

التى أعجبتك. فأمر بها فأرسلت على ظبى عرض لها فقدّته، فأعجبه ما رأى منها؛ ثم جوّعها ليصيد بها، فوثبت على صبىّ من حاشيته فقتلته؛ فقال كسرى: غزانا قيصر فى بلادنا بغير جيش. ثم أهدى له نمرا وكتب إليه: قد بعثت إليك بما تقتل به الظّباء «1» وما قرب منها من الوحش؛ وكتم عنه ما صنعت العقاب. فأعجب به قيصر. فغفل عنه يوما فافترس بعض فتيانه؛ فقال: صادنا كسرى؛ فإن كنّا صدناه فلا بأس. فلمّا اتّصل ذلك بكسرى قال: أنا أبو ساسان.
وأجود العقاب ما جلب من سرت «2» وبلاد المغرب.
وقد وصفها الشعراء فمن ذلك ما قاله أبو الفرج الببّغاء:
ما كلّ ذات مخلب وناب ... من سائر الجارح والكلاب
بمدرك فى الجدّ «3» والطّلاب ... أيسر ما يدرك بالعقاب
شريفة الصّبغة والأنساب ... تطير من جناحها فى غاب
وتستر الأرض عن السّحاب ... وتحجب الشمس بلا حجاب
يظلّ منها الجوّ فى اغتراب ... مستوحشا للطير كالمرتاب
ذكيّة تنظر من شهاب ... ذات جران «4» واسع الجلباب
ومنكب ضخم أثيث «5» رابى ... ومنسر موثّق النّصاب
(10/183)

راحتى ليث شرى غلّاب ... نيطت إلى براثن صلاب
[مرهفة أمضى من الحراب ... وكلّ ما حلّق فى الضّباب «1» ]
لملكها خاضعة الرّقاب
*** وأمّا الزّمّج
- فهو الصّنف الثانى من العقاب، ويعدّ من خفاف الجوارح.
وهو سريع الحركة شديد الوثبة. ويوصف بالغدر. ومن عادته أنه يتلقّف الطائر كما يتلّقفه البازى، ويصيد على وجه الأرض كما تصيد العقاب. ويحمد من خلقه أن يكون أحمر اللون، ولا يحمد ما قرنص «2» منه وحشيّا.
وقد وصفه أبو الفرج الببّغاء فقال:
يا ربّ سرب آمن لم يزعج ... غاديته قبل الصّباح الأبلج
بزمّج أدلق «3» حوش «4» أهوج ... مضبّر «5» المنكب صلب المنسج «6»
(10/184)

ذى قصب عبل «1» أصمّ مدمج ... وجؤجؤ «2» كالجوشن «3» المدرّج
وعنق سام طويل أعوج ... ومنسر أقنى فسيح مسرج
منخرق المدخل رحب المخرج ... ومقلة تشفّ عن فيروزج
ناظرة من لهب مؤجّج ... وهامة كالحجر المدملج
ومخلب كالمعول المعوّج
(10/185)

ذكر ما قيل فى البازى
قالوا: والبازى خمسة أصناف، وهى البازى، والزّرّق، والباشق، والعفصىّ، والبيدق.
فأمّا البازى
- فهو الثانى من الجوارح، وهو أحرّ هذه الأصناف الخمسة مزاجا، لأنه قليل الصبر على العطش. ومأواه مساقط الشجر العاديّة الملتفّة والظلّ الظّليل ومطّرد المياه. وهو لا يتّخذ وكرا إلّا فى شجرة لها شوك. وإذا أراد أن يفرّخ بنى لنفسه بيتا وسقّفه تسقيفا جيّدا يقيه من المطر ويدفع عنه وهج الحرّ. وسبيله «1» فى البرد أن يدفأ بالنار ويجعل تحت كفّيه وبر الثعالب واللّبود؛ وفى الصيف أن يجعل فى بيت كنين «2» بارد النّسيم ويفرش له الرّيحان والخلاف «3» . وهو خفيف الجناح، سريع الطيران، يلفّ طيرانه كالتفاف الفواخت؛ «4» ويسهل عليه أن يزجّ بنفسه «5» صاعدا
(10/186)

وهابطا وينقلب على ظهره حتى يلتقف فريسته. والإناث منه أجرأ على عظام الطير من الذّكور. ويقال: إن الإناث إذا كان وقت سفادها يغشاها جميع أنواع الضّوارى: الزّرّق والشاهين والصّقر، وإنها تبيض من كل طائر يغشاها؛ ولهذا تجىء مختلفة الأخلاق «1» . والبازى يصيد ما بين العصفور والكركىّ «2» . ومن عادته أنه إذا أخطأ صيده رفاته وكان فى برّيّة لا شجر فيها ولّى ممعنا حتى يجد كهفا أو جدارا يأوى اليه؛ ولهذا علّق عليه الجرس ليدلّ على مكانه إذا خفى.
وصفة الجيّد منه المحمود فى فعله أن يكون قليل الريش، أحمر العينين حادّهما، وأن تكونا مقبلتين على منسره وحجاجاهما «3» مطلّين عليهما، ولا يكون وضعهما فى جنبى رأسه كوضع عينى الحمام. والأزرق منه دون الأحمر العين؛ والأصفر دونهما.
وسعة أشداقه تدلّ على قوّة الافتراس. ومن صفاته المحمودة أن يكون طويل العنق، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، شديد الانخراط الى ذنبه، وأن تكون فخذاه طويلتين مسرولتين بريش، وذراعاه قصيرتين غليظتين، وأشاجع «4» كفّيه عارية، وأصابعه متفرّقة [ولا تكون مجتمعة ككفّ الغراب «5» ] ، ومخلبه أسود، ويكون طويل المنسر دقيقه. وأفخر ألوانه الأبيض ثم الأشهب، وهما لونان يدلّان على الفراهة والكرم. وأما الأسود الظهر المنقّش الصدر بالبياض والسواد فهو يدلّ على الشدّة والصّلابة. وإن اتّفق أن يكون هذا أحمر العين كان نهاية. وهذا اللون فى البزاة
(10/187)

كالكميت فى الخيل. والأحمر فى البزاة أخبثها. وبعض الناس يقول: أشرف البزاة الطّغرل، ثم البازى التامّ وهو الذى وصفناه آنفا. والطّغرل: طائر عزيز نادر الوقوع لا يعرفه غير التّرك، لأنه يكون فى بلاد الخزر وما والاها وما بين خوارزم إلى إرمينية، وهو يجمع صيد البازى والشاهين. وقيل: إنه لا يعقر شيئا بمخلبه إلّا سمّه.
وأوّل من صاد البازى «لذريق» أحد ملوك الروم الأوّل؛ وذلك أنه رأى بازيا إذا علا كتف «1» ، وإذا سفل خفق، وإذا أراد أن يسمو درق «2» ؛ فاتّبعه حتى اقتحم شجرة ملتفّة كثيرة الدّغل؛ فأعجبته صورته، فقال: هذا طائر له سلاح تتزيّن بمثله الملوك؛ فأمر بجمع عدّة من البزاة فجمعت وجعلت فى مجلسه. فعرض لبعضها أيم «3» فوثب عليه؛ فقال: ملك يغضب كما تغضب الملوك. ثم أمر به فنصب على كندرة «4» بين يديه؛ وكان هناك ثعلب فمرّ به مجتازا، فوثب عليه فما أفلت منه إلّا جريحا؛ فقال لذريق: هذا جبّار يمنع حماه. ثم أمر به فضرّى على الصيد؛ واتخذته الملوك بعده.
وقد وصفته الشعراء والأدباء؛ فمن ذلك قول الناشى:
لما تعرّى الليل عن أنساجه ... وارتاح ضوء الصبح لانبلاجه
غدوت أبغى الصيد من منهاجه ... بأقمر أبدع فى نتاجه
ألبسه الخالق من ديباجه ... ثوبا كفى الصانع من نساجه
(10/188)

حال من الساق إلى أوداجه «1» ... وشيا يحار الطّرف فى اندراجه
فى نسق منه وفى انعراجه ... وزان فوديه إلى حجاجه «2»
بزينة كفته عزّ تاجه ... منسره يثنى على خلاجه
وظفره يخبر عن علاجه ... لو استضاء المرء فى إدلاجه
بعينه كفته عن سراجه
وقال ابن المعتزّ يصف عين البازى:
ومقلة تصدقه إذا رمق «3» ... كأنها نرجسة بلا ورق
وقال أيضا فيه:
وفتيان غدوا والليل داج ... وضوء الصبح متّهم الطلوع
كأن بزاتهم أمراء جيش ... على أكتافها صدأ الدّروع
وقال أيضا:
ومنسر عضب الشباة دامى ... كعقدك الخمسين بالإبهام «4»
وخافق للصّيد ذى اصطلام ... ينشره للنّهض والإقدام
كنشرك البرد على المستام
(10/189)

ووصفه أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة الأندلسىّ فقال من رسالة:
«طائر يستدلّ بظاهر صفاته، على كرم ذاته؛ طورا ينظر نظر الخيلاء فى عطفه كأنما يزهى جبّار، وتارة يرمى نحو السماء بطرفه «1» كأنما له هناك اعتبار. وأخلق به أن ينقضّ على قنيصه شهابا، ويلوى به ذهابا، ويحرقه توقّدا والتهابا. وقد أقيم له سابغ الذّنابى والجناح، كفيلين فى مطالبه بالنّجاح. جيّد العين والأثر، حديد السمع والبصر. يكاد يحسّ بما يجرى ببال، ويسرى من خيال. قد جمع بين عزّة مليك، وطاعة مملوك. فهو بما يشتمل عليه من علوّ الهمه، ويرجع إليه بمقتضى الحدمه؛ مؤهّل لإحراز ما تقتضيه شمائله، وإنجاز ما تعدبه مخايله. وخليق بمحكم تأديبه، وجودة تركيبه؛ أن لو مثل له النجم قنصا، أو جرى [بذكره «2» ] البرق قصصا؛ لاختطفه أسرع من لحظه، وأطوع من لفظه؛ وانتسفه «3» أمضى من سهم، وأجرى من وهم. وقد أقسم بشرف جوهره، وكريم عنصره؛ لا يوجّه مسفّرا، إلا غادر قنيصه معفّرا، وآب إلى يد من أرسله مظفّرا؛ مورّد المخلب والمنقار، كأنما اختضب بحنّاء أو كرع فى عقار» .
[وله من أبيات يمدح «4» بها] :
طرد القنيص بكلّ «5» قيد طريدة ... زجل «6» الجناح مورّد الأظفار
(10/190)

علتفّة أعطافه بحبيرة «1» ... مكحولة أجفانه بنضار
يرمى به الأمد البعيد فينثنى ... مخضوب راء الظّفر والمنقار
*** وأما الزّرّق
- وهو الصّنف الثانى من البازى. هو باز لطيف، إلا أن مزاجه أحرّ وأيبس، وهو لذلك أشدّ جناحا وأسرع طيرانا وأقوى إقداما. وفيه ختل وخبث؛ وذلك أنه إذا أرسل على طائر طار فى غير مطاره ثم عطف عليه وأظهر الشدّة بعد اللين. وخير ألوانه الأسود الظهر الأبيض الصدر الأحمر العين. ووصفه المحمود منه أن يكون أعدلها خلقا، وأقلّها ريشا، وأثقلها محملا، وأملأها فخذا، وأرحبها شدقا، وأوسعها عينا، وأصغرها رأسا، وأصفاها حدقة، وأطولها عنقا، وأقصرها خافية، وأشدّها لحما، وأن يكون أخضر الرجلين، وسيع المخالب، متعرّيا «2» من اللحم. والله أعلم.
*** وأمّا الباشق
- وهو الصنف الثالث من البازى. وهو أحرّ وأيبس من الزّرّق، وهو هلع قلق ذعر، يأنس وقتا ويستوحش وقتا. ونفسه قويّة جافية «3» . فإذا أنس منه الصغير بلغ منه كلّ المراد. وأجود الباشق ما أخذ فرخا لم يلق من قوادمه ريشة. وهو متى تمّ تأنيسه وجد منه باز خفيف المحمل ظريف الشمائل.
ومن صفاته المحمودة أن يكون صغير المنظر، ثقيل المحمل، طويل الساقين والفخذين، عظيم السّلاح بالنسبة إلى جسمه.
(10/191)

وقال بعض الشعراء يصفه:
إذا بارك الله فى طائر ... فخصّ من الطير إسبهرقى
له هامة كلّلت باللّجين ... فسال اللّجين على المفرق
يقلّب عينين فى رأسه ... كأنهما نقطتا زئبق
واشرب لونا له مذهبا ... كلون الغزالة فى المشرق
حمام الحمام وحتف القطا ... وصاعقة القبج والعقعق
وأحنى عليك إلى أن يعود ... إليك من الوالد «1» المشفق
فأكرم به وبكفّ الأمير ... وبالدّستبان «2» إذا يلتقى
وقال أبو الفتح كشاجم:
يسمو فيخفى فى الهواء وينكفى ... عجلا فينقضّ انقضاض الطارق
وكأن جؤجؤه وريش جناحه ... خضبا «3» بنقش يد الفتاة العاتق «4»
وكأنما سكن الهوى أعضاءه ... فأعارهنّ نحول جسم العاشق
ذا مقلة ذهبيّة فى هامة ... محفوفة من ريشها بحدائق
ومخالب مثل الأهلّة طالما ... أدمين كفّ البازيار الحاذق
وإذا انبرى نحو الطريدة خلته ... كالرّيح فى الأسماع أو كالبارق
(10/192)

وإذا دعاه البازيار رأيته ... أدنى وأطوع من محبّ وامق
وإذا القطاة تخلّفت من خوفه ... لم يعد أن يهوى بها من حالق
ومن رسالة لبعض فضلاء الأندلس، جاء منها:
«كأنما اكتحل بلهب، أو انتعل بذهب. ملتفّ فى سبره «1» ، وملتحف بحبره. من سيوفه منقاره، ومن رماحه أظفاره. ومن اللواتى تتنافس الملوك فيها، تمسكها عجبا بها وتيها. فهى على أيديها آية باديه، ونعمة من الله ناميه. تبذل لك الجهد صراحا، وتعيرك فى نيل بغيتك جناحا. وتتّفق معك فى طلب الأرزاق، وتأتلف بك على اختلاف الخلق والأخلاق. ثم تلوذ بك لياذ من يرجوك، وتفى لك وفاء لا يلتزمه لك ابنك ولا أخوك» . ثم ذكر حمامة صادها، فقال:
«اختطفها أسرع من اللّحظ، ولا محيد لها عنه، وانحدر بها أعجل من اللّفظ، وكأنها هى منه؛ ثم جعل يتناولها بعقد السبعين، ويدخلها فى أضيق من التسعين «2» .
وكان لها موتا عاجلا، وكانت له قوتا حاصلا» . والله الهادى للصواب.
*** وأمّا العفصىّ
- وهو الصنف الرابع من البازى. وهو من الباشق كالزّرّق من البازى، إلا أنه أصغر الجوارح نفسا، وأضعفها حيلة، وأشدّها ذعرا، وأيبسها مزاجا. وربما صاد العصفور وتركه لخوفه وحذره. ومن عادته أنه يرصد الطير
(10/193)

أيام حضانه «1» ، فإذا طار عن وكره خلفه فيه وكسر بيضه ورماه وباض مكانه وطار عنه فيحضنه صاحب الوكر؛ فهو أبدا لا يحضن ولا يربّى.
*** وأمّا البيدق
- وهو الصنف الخامس من البازى، وهو لا يصيد غير العصافير. وقد وصفه كشاجم فقال:
حسبى من البزاة والزّرارق «2» ... ببيدق يصيد صيد الباشق
مؤدّب مدرّب الخلائق ... أصيد من معشوقة لعاشق
يسبق فى السّرعة كلّ سابق ... ليس له عن «3» صيده من عائق
ربّيته وكنت عين الواثق «4» ... أنّ الفرازين «5» من البيادق
(10/194)

ذكر ما قيل فى الصقر
والصقر ثلاثة أصناف، وهى صقر، وكونج، ويؤيؤ.
فأمّا الصقر
- فهو النوع الثالث من الجوارح. والعرب تسمّى كل طائر يصيد صقرا، ما خلا النّسر والعقاب، وتسمّيه «الأكدر» و «الأجدل» . وهو من الجوارح بمنزلة البغال من الدّوابّ، لأنه أصبر على الشدّة وأشدّ إقداما على جلّة الطير كالكراكىّ والحبارج «1» . قالوا: ومزاجه أبرد من سائر ما تقدّم ذكره من الجوارح وأرطب.
وهو يضرّى على الغزال والأرنب ولا يضرّى على الطير لأنها تفوته. وفعله فى صيده الانقضاض «2» والصّدم. وهو غير صافّ «3» بجناحه ولا خافق به. ومتى خفق بجناحه كانت حركته بطيئة بخلاف البازى. ويقال: إنه أهدأ نفسا من البازى، وأسرع أنسا بالناس «4» ، وأكثر رضا وقناعة. وهو يغتذى بلحوم ذوات الأربع. وهو يعاف المياه ولا يقربها، وذلك لبرد مزاجه. وفى طبعه أنه لا يركب الأشجار ولا الشوامخ من الجبال، ولا يأوى إلّا المقابر والكهوف وصدوع الجبال. وهو ينقى بالتّمعّك «5» فى الرّمل والتراب.
ومن صفاته المحمودة الدّالّة على نجابته وفراهته: أن يكون أحمر اللّون، عظيم الهامة، واسع العينين، تامّ المنسر، طويل العنق والجناحين، رحب الصدر، ممتلئ
(10/195)

الزّور، عريض الوسط، جليل الفخذين، قصير الساقين والذّنب، قريب القفدة «1» من الفقار، سبط الكفّ، غليظ الأصابع فيروزجها، أسود اللسان. والله الموفّق.
وأوّل من صاد بالصقر وضرّاه الحارث بن معاوية بن ثور بن كندة. وسبب ذلك أنه وقف فى بعض الأيّام على صيّاد قد نصب شبكة للعصافير؛ فانقضّ أكدر على عصفور قد علق فى الشبكة فجعل يأكله وقد علق الأكدر واندقّ جناحاه، والحارث ينظر إليه ويعجب من فعله؛ فأمر به فحمل فرمى به فى كسر بيت ووكّل به من يطعمه؛ وأنس الصقر بالموكّل به، حتى صار إذا جاءه باللحم ودعاه أجاب؛ ثم صار يطعمه على يده وصار يحمله. فبينما هو يوما حامله إذ رأى حمامة، فطار عن يده إليها فأخذها وأكلها. فأمر الحارث عند ذلك باتّخاذها وتدريبها والتصيّد بها.
فبينا هو يسير يوما إذ لاحت أرنب فطار الصقر إليها وأخذها؛ فلما رآه يصيد الطير والأرانب ازداد به إعجابا واغتباطا. واتخذته العرب بعده.
ووصفه الشعراء؛ فمن ذلك ما قاله كشاجم يصفه:
غدونا وطرف النجم وسنان غائر ... وقد نزل الإصباح والليل سائر «2»
بأجدل من حمر الصقور مؤدّب ... وأكرم ما قرّبت منها «3» الأحامر «4»
جرىء على قتل الظّباء وإنّنى ... ليعجبنى أن يكسر الوحش طائر
قصير الذّنابى والقدامى كأنّها ... قوادم نسر أو سيوف بواتر
(10/196)

ورقّش منه جؤجؤ فكأنّه ... أعارته إعجام الحروف الدّفاتر
فما زلت بالإضمار حتى صنعته ... وليس يحوز السبق إلّا الضّوامر
وتحمله منّا أكفّ كريمة ... كما زهيت «1» بالخاطبين المنابر
وعنّ لنا من جانب السّفح ربرب ... على سنن تستنّ منه الجاذر
فجلّى «2» وحلّت عقدة السير فانتحى «3» ... لأوّلها إذ أمكنته الأواخر
يحثّ جناحيه على حرّ وجهها «4» ... كما فصّلت فوق الخدود المعاجر «5»
وما تمّ رجع الطّرف حتى رأيتها ... مصرّعة تهوى إليها الخناجر
وقال عبد الله بن المعتزّ:
وأجدل يفهم نطق الناطق ... ململم «6» الهامة فخم العاتق
أقنى المخاليب طلوب مارق ... كأنها نونات كفّ ماشق
ذى جؤجؤ لابس وشى رائق ... كمبتدا اللّامات فى المهارق «7»
أو كامتداد الكحل فى الحمالق ... ونجّمت باللّحظ عين الرامق
عشرا من الإوزّ فى غلافق «8» ... فمرّ كالرّيح بعزم صادق
(10/197)

حتى دنا منهنّ مثل السارق ... ثم علاها بجناح خافق
فطفقت من هالك أو فائق «1»
وقال أيضا:
وأجدل لم يخل من تأديب ... يرى بعيد الشىء كالقريب
يهوى هوىّ الدّلو فى القليب ... بناظر مستعجم مقلوب
كناظر الأقبل «2» ذى التّقطيب ... رأى إوزّا فى ثرى رطيب «3»
فطار كالمستوهل المرعوب ... ينفذ فى الشمال والجنوب
*** وأمّا الكونج
- وهو الصنف الثانى من الصقر. ويسمّى بمصر والشأم السّقاوية «4» . ونسبته من الصقر كنسبة الزّرّق من البازى، إلا أنه أحرّ منه؛ ولذلك هو أخفّ منه جناحا. وهو يصيد الأرنب، ويعجز عن الغزال لصغره؛ ويصيد أشياء من طير الماء. وشدّة نفسه أقلّ من شدّة بدنه؛ ولأجل ذلك هو أطول فى البيوت لبثا، وأصبر على مقاساة الشقاء من الصقر. وفى وصفه يقول بعض الشعراء:
إن لم يكن صقر فعندى كونج ... كأنّ نقش ريشه المدرّج
برد من الموشىّ أو مدبّج ... فكم به للطير قلب مزعج
ممزّق بدمه مضرّج ... بمثله عنّا الهموم تفرج
(10/198)

وأمّا اليؤيؤ
- وهو الصّنف الثالث من الصقر. ويسمّيه أهل مصر والشأم «الجلم» لخفّة جناحيه وسرعتهما. وهو طائر قصير الذّنب. ومزاجه بالإضافة الى الباشق بارد رطب، لأنه أصبر منه نفسا وأثقل حركة. ويشرب الماء شربا ضروريّا كما يشربه الباشق. ومزاجه بالنسبة الى الصقر حارّ يابس، ولذلك هو أشجع منه، لأنه يتعلّق بما يفترسه، ويصيد ما هو أجلّ منه كالدّرّاج.
ويقال: إنّ أوّل من صاد به واتّخذه للّعب بهرام «1» جور؛ وذلك أنه شاهد يؤيؤا يطارد قبّرة ويراوغها ويرتفع معها إلى أن صادها؛ فأعجبه واتخذه وصاد به.
وقال عبد الله النّاشى يصفه:
ويؤيؤ مهذّب رشيق ... كأنّ عينيه «2» على التحقيق
فصّان مخروطان من عقيق
وقال أبو نواس:
قد «3» أغتدى والصبح فى دجاه ... كطرّة البرد «4» على مثناه
بيؤيؤ يعجب من رآه ... ما فى اليآيى يؤيؤ شرواه «5»
(10/199)

أزرق لا تكذبه عيناه ... فلو يرى القانص ما يراه
[فدّاه بالأمّ وقد فدّاه «1» ]
وقال أبو اسحاق الصّابى يصفه من رسالة:
«وكم من قبّر «2» أطلقنا عليه يؤيؤا «3» لنا فعرج إلى السماء عروجا، ولجّج فى أثره تلجيجا؛ فكان «4» ذلك يعتصم منه بالخلّاق، وهذا يستطعمه من الرّزّاق؛ حتى غابا عن النّظّار، واحتجبا عن الأبصار؛ وصارا كالغيب «5» المرجّم، والظنّ المتوهّم؛ ثم خطفه ووقع «6» به وهما كهيئة الطائر الواحد؛ فأعجبنا أمرهما، وأطربنا منظرهما» .
ذكر ما قيل فى الشاهين
والشاهين ثلاثة أصناف، وهى شاهين، وأنيقى، وقطامىّ.
فأما الشاهين
- واسمه بالفارسية شوذانه، فعرّبته العرب على ألفاظ شتّى منها: شوذانق وشوذق وشوذنيق وشيذنوق «7» . ويقال: إنه من جنس الصقر إلا أنه أبرد منه وأيبس؛ ولذلك تكون حركته من العلو إلى السّفل شديدة. وليس يحلّق
(10/200)

فى طلب الصّيد على خطّ مستقيم إنما يحوم لثقل «1» جناحه، حتى إذا سامت الفريسة انقضّ عليها هاويا من علو فضربها وفارقها صاعدا؛ فإن سقطت على الأرض أخذها، وإن لم تسقط أعاد ضربها [لتسقط «2» ] ؛ وذلك دليل على جبنه وفتور نفسه وبرد مزاج قلبه. ومع ذلك كلّه فهو أسرع الجوارح وأخفّها وأشدّها ضراوة على الصيد.
إلّا أنهم عابوه بالإباق وبما يعتريه من الحرص؛ حتى إنه ربما ضرب بنفسه الأرض فمات. ويزعمون أنّ عظامه أصلب من عظام سائر الجوارح؛ ولذلك هو يضرب بصدره ويعلق بكفّه.
وقال بعض من تكلّم فى هذا النوع: الشاهين كاسمه. يريد [شاهين «3» ] الميزان؛ [لأنه «4» ] لا يحتمل أدنى حال من الشّبع ولا أيسر حال من الجوع.
والمحمود من صفاته: أن يكون عظيم الهامة، واسع العينين حادّهما، تامّ المنسر، طويل العنق، رحب الصدر، ممتلئ الزّور، عريض الوسط، جليل «5» الفخذين، قصير الساقين، قريب القفدة «6» من الظهر، قليل الرّيش ليّنه، تامّ الخوافى، دقيق الذّنب، إذا صلّب عليه «7» جناحيه لم يفضل عنهما شىء منه. فإذا كان كذلك فهو يقتل الكركىّ [ولا يفوته «8» ] . وزعم بعضهم «9» أنّ السّود من الشواهين هى المحمودة؛ وأن السواد أصل لونها، وإنما أحالته التّربة. ويكون فى الشواهين الملمّع. والله أعلم.
(10/201)

وأوّل من صاد بالشّواهين قسطنطين [ملك عمّوريّة «1» ] . حكى أنه خرج يوما يتصيّد، حتى إذا أتى إلى مرج فسيح نظر إلى شاهين ينكفئ على طير الماء؛ فأعجبه ما رأى من سرعته وضراوته وإلحاحه على صيده، فأخذه وضرّاه؛ ثم ريضت له الشّواهين بعد ذلك وعلّمت أن تحوم على رأسه إذا ركب فتظلّه من الشمس؛ فكانت تنحدر مرّة وترتفع أخرى، فإذا نزل وقعت حوله.
وقد وصف الشعراء الشواهين وشبّهوها؛ فمن ذلك قول النّاشى:
هل لك يا قنّاص فى شاهين ... شوذانق مؤدّب أمين
جاء به السائس من رزين «2» ... ضرّاه بالتّخشين والتّليين
حتى لأغناه عن التلقين ... يكاد للتثقيف والتّمرين
يعرف معنى الوحى بالجفون ... يظلّ من جناحه المزين
فى قرطق «3» من خزّه الثمين ... يشبه من طرازه المصون
برد أنوشروان أو شيرين «4» ... أحوى مجارى الدّمع والشؤون
ذى منسر مؤلّل مسنون ... واف كشطر الحاجب المقرون
منعطف مثل انعطاف النون ... يبدى اسمه معناه للعيون
وقال أبو الفتح كشاجم وبدأ بالكركىّ:
يا ربّ أسراب من الكراكى ... مطمعة السكون فى الحراك
بعيدة المنال والإدراك ... كدر وبيض اللّون كالأفناك «5»
(10/202)

تقصر عنها أسهم الأتراك ... ذعرن «1» قبل لغط المكاكى «2»
وقبل تغريد الحمام الباكى ... بفاتك يربى على الفتّاك
مؤدّب الإطلاق والإمساك ... ململم الهامة كالمداك «3»
مثل الكمىّ فى السّلاح الشّاكى ... ذى منسر ضخم له شكّاك
ومخلب بحدّه بتّاك «4» ... للحجب عن قلوبها هتّاك
حتى إذا قلت له دراك ... وحلّقت تسمو إلى الأفلاك
ممتدّة الأعناق والأوراك ... موقنة بعاجل الهلاك
غادرها تهوى على الدّكاك «5» ... أسرى بكفّيه بلا فكاك
يا غدوات الصيد ما أحلاك ... ومنّة الشاهين ما أقواك
لم تكذبى فراسة الأملاك ... إيّاك أعنى مادحا إيّاك
*** وأمّا الأنيقىّ
- وهو الصّنف الثانى من الشاهين. وتسميه أهل العراق الكرّك. وهو دون الشاهين فى القوّة، إلا أنّ فيه سرعة. وهو يصيد العصافير.
وفيه يقول الشاعر:
غنيت عن الجوارح بالأنيقى ... بمثل الرّيح أو لمع البروق
أصبّ به على العصفور حتفا ... فأرميه بصخرة منجنيق
(10/203)

وأمّا القطامىّ
- وهو الصّنف الثالث من الشاهين، وتسميه أهل العراق «البهرجة» . يقال: إنه فى طبع الشاهين، والعرب تخالف ذلك، وتسمّى بعض الصقور القطامىّ؛ والمعتنون بالجوارح يخالفونهم فى ذلك.
فصل
وممّا ناسب الجوارح فى الافتراس وأكل اللحم الحىّ «الصّرد» ، ويسمّى «الشّقرّاق» «1» و «الأخطب» و «الأخيل» . وقيل: إنّ من أسمائه «الواق» «2» وبعضهم يسمّيه «بازى العصافير» . [وهو طائر مولّع بسواد وبياض، ضخم المنقار «3» ] .
وفى طبعه شره وشراسة وسرقة لفراخ غيره ونفور من الناس. وهو [يصيد الحيّات «4» و] يغتذى باللّحم، ويأوى الأشجار ذوات الشّوك وفى رءوس التّلاع، حذرا على نفسه [ممن يصيده «5» ] . وهو يتحيّل فى صيد ما دونه من الطير كالعصفور «6» .
هذا ما ظفرت به فى أثناء المطالعة من سباع الطير ممّا تكلّم عليه أرباب هذا الفن. وقد أهملوا أصنافا
، منها ما هو أجلّ من جميع ما ذكرناه، وهو «السّنقر» .
(10/204)

والسّنقر
- طائر شريف، حسن الشّكل، أبيض اللّون بنقط سود.
والملوك تتغالى فيه وتشتريه بالثمن الكثير. وكان فيما مضى من السنين القريبة يشترى من التّجار بألف دينار؛ ثم تناقص ثمنه حتى استقرّ الآن بخمسة آلاف درهم. ولهم عادة: أنّ التّجار إذا حملوه وأتوا به من بلاد الفرنج فمات منهم فى الطريق قبل وصولهم أحضروا ريشه إلى أبواب الملوك، فيعطون نصف ثمنه إذا أتوا به حيّا؛ كل ذلك ترغيبا لهم فى حملها ونقلها إلى الديار المصريّة. وهذا الطير لا يشتريه غير السلطان ولا يلعب به غيره من الأمراء إلا من أنعم السلطان عليه به. والله أعلم.
وممّا أهملوا الكلام فيه «الكوهيّة» و «الصيفيّة» و «الزغزغى»
، وهو يعدّ من أصناف الصقر. ولم أجد من أثق بنقله وعلمه بهذه الأصناف فأنقل عنه أخلاقها وطبائعها وعاداتها.
وقال أبو إسحاق الصابى فى وصف الجوارح من رسالة طرديّة جاء منها:
«وعلى أيدينا جوارح مؤلّلة المخالب والمناسر، مذرّبة «1» النّصال والخناجر، طامحة الألحاظ والمناظر؛ بعيدة المرامى والمطارح؛ ذكيّة القلوب والنفوس، قليلة القطوب والعبوس؛ سابغة الأذناب، كريمة الأنساب؛ صلبة «2» الأعواد، قويّة الأوصال؛ تزيد إذا ألحمت «3» شرها وقرما، وتتضاعف إذا أشبعت كلبا ونهما. ثم خرج إلى وصف الحمام فقال: «فلما أوفينا عليها، أرسلنا الجوارح إليها؛ كأنها رسل المنايا، أو سهام القضايا؛ فلم نسمع إلا مسمّيا، ولم نر إلا مذكّيا» .
(10/205)

الباب الثانى من القسم الخامس من الفن الثالث فى كلاب الطّير
ويشتمل هذا الباب على ما قيل فى النّسر، والرّخم، والحدأة، والغراب.
وإنما سمّيت هذه الأصناف بالكلاب لأنها تأكل الميتة والجيف وتقصدها وتقع عليها، فهى فى ذلك شبيهة بالكلاب.
ذكر ما قيل فى النّسر
والنّسر ذو منسر وليس بذى محلب، وإنما له أظفار حداد [كالمخالب. وهو يسفد كما يسفد الديك «1» ] . وزعم من تكلّم فى طبائع الحيوان أنّ الأنثى من هذا النوع تبيض من نظر الذّكر إليها، وأنها لا تحضن [بيضها «2» ] وإنما تبيض فى الأماكن العالية التى يقرعها حرّ الشمس وهجيرها، فيقوم ذلك للبيض مقام الحضن.
والنّسر يوصف بحدّة حاسّة البصر؛ حتى إنه يقال: إنه يرى الجيفة عن مسافة أربعمائة فرسخ. وكذلك حاسّة الشّمّ؛ إلا أنّه إذا شمّ الطّيب مات. وهو أشدّ الطير طيرانا وأقواها جناحا؛ حتى زعموا أنه يطير ما بين المشرق والمغرب فى يوم واحد. وهذا القول أراه من التّغالى فيه. وسائر الجوارح تخافه. وهو [شره نهم رغيب «3» ] ؛ إذا سقط على الجيفة وامتلأ منها لم يستطع عند ذلك الطيران
(10/206)

حتى يثب عدّة وثبات يرفع فيها نفسه فى الهواء طبقة بعد طبقة حتى تدخل تحته الرّيح. ومن أصابه بعد امتلائه وأعجله عن الوثوب أمكنه ضربه إن شاء «1» بعصا وإن شاء بغيرها. قالوا: والأنثى تخاف على بيضها وفراخها من الخفّاش فتفرش فى وكرها ورق الدّلب «2» ليفرّ منه. والنّسر أشدّ الطير حزنا على [فراق «3» ] إلفه؛ يقال:
إن الأنثى إذا فقدت الذّكر امتنعت عن الطّعم أياما ولزمت الوكر؛ وربما قتلها الحزن. وهو طويل العمر؛ يقال: إنه يعمّر ألف سنة. وفيه ألوان: منها الأسود البهيم، والأربد وهو لون الرّماد، والأكدر مثله. وهو يتبع الجيوش طمعا فى الوقوع على جيف القتلى والدّوابّ.
ذكر ما قيل فى الرخم
يقال: إنّ لئام الطير ثلاثة: الغربان، والبوم، والرّخم.
والرخمة تلتمس لبيضها المواضع البعيدة والأماكن الوحشية والجبال الشامخة وصدوع الصخر؛ ولذلك يضرب المثل ببيض الأنوق. قال الشاعر:
طلب الأبلق «4» العقوق فلمّا ... لم ينله أراد بيض الانوق
والرّخم من أحبّ الحيوان فى العذرة، لا شىء يحبّها كحبّه إلّا الجعل. وقال المفضّل لمحمد بن سهل: إنّا لا نعرف طائرا ألأم لؤما ولا أقذر طعمة ولا أظهر
(10/207)

موقا من الزّحمة. فقال محمد بن سهل: وما حمقها وهى تحضن بيضها، وتحمى فراخها، وتحبّ ولدها، ولا تمكّن إلّا زوجها، وتقطع فى أوّل القواطع «1» ، وترجع فى أوّل الرّواجع، ولا تطير فى التّحسير «2» ، ولا تغترّ بالشّكير، ولا تربّ «3» بالوكور، ولا تسقط على الجفير!.
قال الجاحظ: أمّا قوله: «تقطع فى أوّل القواطع وترجع فى أوّل الرّواجع» ، فإنّ الرّماة وأصحاب الحبائل والقنّاص إنما يطلبون الطير بعد أن يعلموا أنّ القواطع قد قطعت، فبقطع الرخمة يستدلّون، فلا بدّ للرّخمة من أن تنجو سالمة إذ كانت أوّل طالع عليهم. وأمّا قوله: «ولا تطير فى التّحسير ولا تغترّ بالشّكير» ؛ فإنها تدع الطيران أيام التحسير، فإذا نبت الشّكير وهو أوّل ما ينبت من الريش فإنها لا تنهض حتى يصير الشكير قصبا. وأما قوله: «ولا تربّ بالوكور» ، فإن الوكور لا تكون إلا فى عرض الجبل، وهى لا ترضى إلا بأعالى الهضاب ثم بمواضع الصّدوع وخلال الصخور حيث يمتنع على جميع الخلق المصير إلى أفراخها؛ ولذلك قال الكميت:
ولا تجعلونى فى رجائى ودّكم ... كراج على بيض الأنوق احتبالها «4»
وأمّا قوله: «ولا تسقط على الجفير» ، فإنما يعنى جعبة السهام. يقول: إذا رأته علمت أنّ هناك سهاما فلا تسقط فى موضع تخاف فيه وقع السّهام.
(10/208)

قال: والرّخم من الطير التى تتبع الجيوش والحجّاج لما يسقط من كسرى «1» الدّوابّ. وإذا فقدت الميتة عمدت إلى العظم فحملته وارتفعت به فى الهواء ثم تلقيه فيقع على الصخور فينكسر فتأكل ما فيه. والله أعلم بالصواب.
ذكر ما قيل فى الحدأة
قالوا: والحدأة تبيض بيضتين، وربما باضت ثلاثا وخرج منها ثلاثة أفرخ.
وهى تحضن عشرين يوما. ومن ألوانها الأسود والأربد. ويقال: إنها لا تصيد وإنما تخطف. وهى تقف فى الطيران، وليس ذلك لغيرها من الكواسر، وزعم ابن وحشيّة: أنّ العقاب والحدأة يتبدّلان، فتصير الحدأة عقابا والعقاب حدأة. وهذا أراه من الخرافات. ويقال: إنّ الحدأة من جوارح سليمان عليه السلام وإنها امتنعت من أن تؤلّف أو تملك لغيره، لأنها من الملك الذى لا ينبغى لأحد من بعده.
وهى لا تختطف إلا من يمين من تختطف منه دون شماله. وليس فيها لحم، وإنما عظام وعصب وجلد وريش. ولم أقف على شعر فيها فأضعه.
ذكر ما قيل فى الغراب
قالوا: والغراب أصناف، وهى «الغداف» و «الزّاغ الأكحل» و «الزاغ الأورق» . والغراب يحكى جميع ما يسمعه، وهو فى ذلك أعجب من الببّغاء.
ويقال: إنّ متولّى ثغر الإسكندريّة أهدى إلى السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس غرابا أبيض؛ وهو غريب نادر الوقوع. ويقال فى صوت الغراب:
نغق ينغق نغيقا، ونعب ينعب نعيبا. فإذا مرّت عليه السنون الكثيرة وغلظ صوته
(10/209)

قيل فيه: شحج يشحج شحيجا. وفى طبعه الاستتار عند السّفاد وهو يسفد مواجهة «1» ، ولا يعود إلى الأنثى إذا سفدها أبدا، وذلك لقلّة وفائه.
قال الجاحظ: واذا خرج الفرخ حضنته الأنثى دون الذكر، ويأتيها الذّكر بالطّعم. قال: والغراب من لئام الطير وليس من كرامها، ومن بغاثها وليس من أحرارها، ومن ذوات المخالب المعقّفة والأظفار الجارحة، ومن ذوات المناقير وليس من ذوات المناسر؛ وهو مع ذلك قوىّ البدن، لا يتعاطى الصيد، وربما راوغ العصفور. ولا يصيد الجرادة إلا أن يلقاها فى سدّ «2» من جراد. وهو إن أصاب جيفة نال منها وإلا مات هزالا. ويتقمّم كما تتقمّم بهائم الطير وضعافها. وليس ببهيمة لمكان أكله الجيف؛ وليس بسبع لعجزه عن الصيد.
قال: وهو إمّا أن يكون حالك السواد شديد الاحتراق، ويكون مثله من الناس الزّنج لأنهم شرار الناس وأردأ الخلق تركيبا ومزاجا، فلا تكون له معرفة ولا جمال؛ وإما أن يكون أبقع فيكون اختلاف تركيبه وتضادّ أعضائه دليلا على فساد أمره.
والبقع ألأم من السّود وأضعف.
قال: ومن الغربان غراب الليل، وهو الذى ترك أخلاق الغربان وتشبّه بأخلاق البوم. وقد رأيت أنا ببلنياس «3» - وهى على ساحل البحر الرومىّ- غربانا كثيرة جدّا، فإذا كان وقت الفجر صاحت كلّها صياحا عظيما مزعجا؛ فهم يعرفون طلوع الفجر بصياحها.
(10/210)

قال: ومنها غراب البين؛ وهو نوعان: أحدهما غربان صغار معروفة بالضّعف واللؤم. والآحر إنما لزمه هذا الاسم لأنّ الغراب إذا بان أهل الدار للنّجعة وقع فى مواضع بيوتهم يتلمّس ويتقمّم، فتشاءموا به وتطيّروا منه، إذ كان لا يلمّ بمنازلهم إلا إذا بانوا منها؛ فسمّوه غراب البين. ثم كرهوا إطلاق ذلك الاسم مخافة الزّجر والطّيرة، وعلموا أنه نافذ البصر صافى العين، فسمّوه الأعور؛ من أسماء الأضداد.
قال: والغدفان جنس من الغربان؛ وهى لئام جدّا. ومن أجل تشاؤمهم بالغراب اشتقّوا من اسمه الغربة والاغتراب والغريب. والعرب يتعايرون بأكل لحوم الغربان. وفى ذلك يقول وعلة الجرمىّ «1» :
فما بالعار ما عيّرتمونا ... شواء النّاهضات مع الخبيص «2»
فما لحم الغراب لنا بزاد ... ولا سرطان «3» أنهار البريص «4»
والغربان من الأجناس التى تقتل فى الحلّ والحرم، وسمّيت بالفسق.
قال الجاحظ: وبالبصرة من شأن الغربان ضروب من العجب، لو كان ذلك بمصر أو ببعض الشامات كان عندهم من أجود الطّلّسمات؛ وذلك أنّ الغربان تقطع إلينا فى الخريف فترى النخيل وبعضها مصروم وعلى كل نخلة عدد كثير من الغربان؛
(10/211)

وليس فيها شىء يقرب نخلة واحدة من النخيل التى لم تصرم ولو لم يبق عليها إلا عذق واحد. قال: فلو أنّ الله تعالى أذن للغراب أن يسقط على النخلة وعليها التمر لذهب جميعه. فإذا صرموا ما على النخلة تسابق الغربان إلى ما سقط من التمر فى جوف القلب «1» وأصول الكرب «2» تستخرجه وتأكله.
ومما يتمثّل به فى الغراب: يقولون: «أحذر من غراب» . و «أصحّ من غراب» . و «أصفى نظرا من غراب» . و «أسود من غراب» .
ومما وصفت به الغربان- فمن ذلك قول عنترة:
حرق «3» الجناح كأن لحيى رأسه ... جلمان بالأخبار هشّ مولع
وقال الطّرمّاح بن حكيم:
وجرى ببينهم غداة تحمّلوا ... من ذى الأثارب شاحج يتعبّد «4»
شنج «5» النّسا أدفى «6» الجناح كأنه ... فى الدار إثر الظاعنين مقيّد
(10/212)

وقال أبو يوسف بن هارون الزّيادىّ الأندلسىّ:
أبا حاتم ما أنت حاتم طيّئ ... وما أنت إلا حاتم الحدثان
خطبت ففرّقت الجميع بلكنة ... فما الظنّ لو تعطى بيان لسان
كأنّهم من سرعة البين أودعوا ... جناحيك واستحثثت «1» للطيران
وقال أحمد بن فرج الجبّائى:
أمّا الغراب فمؤذن بتغرّب ... وشكا «2» فصدّق بالنّوى أو كذّب
داجى القناع كأن فى إظلامه ... إظلام يوم تفرّق وتغرّب
(10/213)

الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الثالث فى بهائم الطير
ويشتمل هذا الباب على ما قيل فى «الدّرّاج» و «الحبارى» و «الطاوس» و «الدّيك» و «الدّجاج» و «الحجل» و «الكركىّ» و «الإوزّ» و «البطّ» و «النّحام» «1» و «الأنيس» و «القاوند» و «الخطّاف» و «القيق» و «الزّرزور» و «السّمانى» و «الهدهد» و «العقعق» و «العصافير» .
قال الجاحظ: والبهيمة من الطير ما أكل الحبّ خالصا.
فأمّا الدّرّاج وما قيل فيه
- قال الجاحظ: إنه يبيض بين العشب، ولا سيما فيما طال منه والتوى.
وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: لحم الدّرّاج أفضل من الفواخت وأعدل وألطف وأيبس. قال: وهو يزيد فى الدّماغ والفهم، ويزيد فى المنىّ.
وقال أبو طالب المأمونىّ:
قد بعثنا بذات حسن بديع ... كنبات الرّبيع بل هى أحسن
فى رداء من جلّنار وآس ... وقميص من ياسمين وسوسن
وقال آخر:
صدور من الدّرّاج نمّق وشيها ... وصلن بأطراف اللّجين السّواذج
وأحداق تبر فى خدود شقائق ... تلألأ حسنا كاشتعال المسارج
(10/214)

وأذناب طلع فى ظهور ملاعق ... مجزّعة الأعطاف صهب الدّمالج
فإن فخر الطاوس يوما بحسنه ... فلا حسن إلّا دون حسن الدّرارج
*** وأمّا الحبارى وما قيل فيه
- وتسمّيه أهل مصر الحبرج «1» .
قال الجاحظ: والحبارى أشدّ الطير طيرانا وأبعدها «2» سقطا وأطولها شوطا وأقلّها عرجة «3» ؛ وذلك أنه يصاد بالبصرة فيشقّ عن حوصلته بعد الذّبح فتوجد فيها الحبّة الخضراء لم تتغيّر ولم تفسد؛ والحبّة الخضراء من شجر البطم «4» ومنابتها جبال الثغور الشاميّة. والحبارى له خزانة بين دبره وأمعائه، لا يزال فيها سلح رقيق لزج؛ فمتى ألحّ عليه جارح ذرق عليه فتمعّط «5» ريشه. ولذلك يقال: الحبارى سلاحه سلاحه.
قال الشاعر:
وهم تركوك أسلح من حبارى ... رأى صقرا وأشرد من نعام
وهو يغتذى بسلحه إذا جاع. ويقال: الحبارى دجاجة البرّ تأكل كل ما دبّ حتى الخنافس؛ فلذلك يعاف أكله.
ووصف أبو نواس الحباريات فقال:
يخطرن فى برانس قشوب ... من حبر ظوهرن بالتّذهيب
فهنّ أمثال النّصارى الشّيب
(10/215)

وأما الطاوس وما قيل فيه
- فهو ألوان منها الأخضر، والأرقط، والأبيض؛ ويوجد فى كلها الخيلاء. ولا تعرف هذه الألوان إلا فى بلاد الزّابج.
وفى طبع الطاوس الخيلاء والإعجاب بريشه. والأنثى تبيض بعد أن يمضى من عمرها ثلاث سنين. ولا يحصل التلوّن فى ريش الذّكر إلا بعد مضىّ هذه المدّة.
وتبيض الأنثى «1» مرتين فى السنة، فى كل مرّة اثنتى عشرة بيضة.
وقال الجاحظ: أوّل ما تبيض ثمانى بيضات، وتبيض أيضا بيض الرّيح.
ويسفد الذّكر فى أوان الربيع. ويلقى ريشه فى فصل الخريف، كما يلقى الشجر ورقه فيه؛ فإذا بدأت الأشجار تكتسى الأوراق بدأ الطاوس فاكتسى ريشا.
والذكر كثير العبث بالأنثى. والفرخ يخرج من البيضة [كاسيا «2» ] كاسبا.
وزعم أرسطو أن الطاوس يعمّر خمسا وعشرين سنة. وقال أبو الصّلت [امية بن عبد «3» العزيز الأندلسىّ] يصفه:
أبدى لنا الطاوس عن منظر ... لم ترعينى مثله منظرا
متوّج المفرق إلّا يكن ... كسرى بن ساسان يكن قيصرا
فى كل عضو ذهب مفرغ ... فى سندس من ريشه أخضرا
نزهة من أبصر، فى طيّها ... عبرة من فكّر واستبصرا
تبارك الخالق فى كلّ ما ... أبدعه منه وما صوّرا
(10/216)

وقال فيه أيضا:
أهلا به لمّا بدا فى مشيه ... يختال فى حلل من الخيلاء
كالرّوضة الغنّاء أشرف فوقه ... ذنب له كالدّوحة الغنّاء
ناديته لو كان يفهم منطقى ... أو يستطيع إجابة لندائى
يا رافعا قوس السماء ولابسا ... للحسن روض الحزن غبّ سماء
أيقنت أنك فى الطيور مملّك ... لمّا رأيتك منه تحت لواء
وقال أبو الفتح كشاجم من قصيدة ذكر فيها طاوسا:
[وأىّ عذر لمقلة بعد الطّ ... اوس عنها إن لم تفض بدم «1» ]
رزئته روضة تروق ولم ... أسمع بروض سعى على قدم
متوّجا خلعة «2» حباه بها ... ذو الفطر المعجزات والحكم
كأنه يزدجرد منتصبا ... يبنى فيعلى مآثر العجم
يطبق أجفانه ويحسر عن ... فصّين يستصحبان «3» فى الظّلم
أدلّ بالحسن فاستذال له ... ذيلا من الكبر غير محتشم
ثم مشى مشية العروس فمن ... مستظرف معجب ومبتسم
*** وأما الدّيك والدّجاج وما قيل فيهما
- قالوا: والدّجاج ثلاثة أصناف: «نبطىّ» وهو ما يتّخذ فى القرى والبيوت، و «هندىّ» وهو عظم
(10/217)

الخلق يتّخذ لحسن شكله، و «حبشىّ» وهو نوع بديع الحسن أرقط: نقطة سوداء ونقطة بيضاء، وله قرطان أخضران.
قالوا: والدّجاجة تجمع البيض بعد السّفاد فى أحد عشر يوما؛ وهى تبيض فى السنة كلها ما خلا شهرين شتويين. والذى عرّفناه نحن بديار مصر أنّ البيض لا ينقطع أبدا فى الفصول الأربعة، فيدلّ على أنها تبيض دائما. ومن الدّجاج ما يبيض فى اليوم مرّتين. والبيضة تكون عند خروجها ليّنة القشر جدّا؛ فإذا أصابها الهواء يبست. وربما وجد فى البيضة محّان. وقال أرسطو: باضت دجاجة فيما مضى ثمانى عشرة بيضة لكل بيضة محّان، ثم حضنت البيض فخرج من كل بيضة فرخان، أحدهما أعظم جثة من الآخر.
والدّجاجة تحضن عشرين يوما. وخلق الفرّوج يتبيّن إذا مضت عليه ثلاثة أيام. ويعرف الذّكر من الأنثى بأن يعلّق الفرّوج برأسه «1» فان تحرّك فذكر، وإن سكن فأنثى.
قال الجاحظ: والفرخ يخلق من البياض ويغتذى بالصّفرة ويتمّ خلقه لعشرة أيام؛ والرأس وحده يكون أكبر من سائر جسده. والدّجاجة إذا هرمت لم يكن لبيضها محّ، وإذا لم يكن له محّ لا يخلق منه فرّوج.
والدّجاجة تخشى ابن آوى دون سائر السّباع؛ وذلك أنه يمرّ عليها فى القرى ما يمرّ من السباع وغيرها فلا تخشاه؛ فإذا مرّ عليها ابن آوى وهى على سطح نالها
(10/218)

من الفزع منه ما تلقى [به «1» ] نفسها إليه. وهى إذا قابلت الدّيك تشهّته «2» ورامت السّفاد. والدّجاجة توصف بقلّة النوم. والفرّوج يخرج من البيضة كاسيا كاسبا، سريع الحركة، يدعى فيجيب ويتبع من يطعمه؛ ثم هو كلّما كبر ماق وحمق وزال كيسه. وهو مشترك الطبيعة: يأكل اللّحم، ويحسو الدّم، ويصيد الذّباب، وذلك من طباع الجوارح؛ ويلقط الحبوب، ويأكل البقول، وذلك من طباع بهائم الطير.
والله أعلم بالصواب.
ذكر ما جاء فى الدّيكة من الأحاديث وما عدّ من فضائلها وعاداتها ومنافعها
جاء فى الحديث عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنّ ديكا صرخ عند النبىّ صلى الله عليه وسلم، فسبّه بعض أصحابه، فقال: «لا تسبّه فإنّه يدعو إلى الصلاة» .
وعن زيد بن خالد الجعفىّ: أن النبىّ صلى الله عليه وسلم نهى عن سبّ الدّيك وقال: «إنّه يؤذّن للصلاة» . وعن سالم بن أبى الجعد يرفعه: أنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ ممّا خلق الله لديكا عرفه تحت العرش وبراثنه فى الأرض السّفلى وجناحاه فى الهواء فإذا ذهب ثلثا الليل وبقى ثلث ضرب بجناحيه ثم قال سبّحوا الملك القدّوس سبّوح قدّوس لا شريك له فعند ذلك تضرب الطير بأجنحتها وتصيح الدّيكة» . وعن كعب: «إنّ لله ديكا عنقه تحت العرش وبراثنه فى أسفل الأرض فإذا صاح صاحت الدّيكة يقول سبحان القدّوس الملك الرحمن لا إله غيره» .
وروى عن النبىّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنّ الدّيك الأبيض صديقى
(10/219)

وعدوّ عدوّ الله يحرس دار صاحبه وسبع دور» . وكان النبىّ صلى الله عليه وسلم يبيّته معه فى البيت. وروى أنّ أصحاب النبىّ صلى الله عليه وسلم كانوا يسافرون بالدّيكة.
قال الجاحظ: وزعم أصحاب التّجربة أن كثيرا ما يرون الرجل إذا ذبح الدّيك الأبيض الأفرق «1» إنه لا يزال ينكب فى أهله وماله.
وقال فى كتاب الحيوان فى المناظرة بين الدّيك والكلب: وفى الديك الشّجاعة والصبر والجولان والثّقافة والتّسديد؛ وذلك أنه يقدّر إيقاع صيصيته «2» بعين الديك الآخر أو مذبحه فلا يخطئ. قال: ثم معرفته بالليل وساعاته وارتفاق بنى آدم بمعرفته وصوته، يتعرّف آناء الليل وعدد الساعات ومقادير الأوقات ثم يقسّط أصواته على ذلك تقسيطا موزونا لا يغادر منه شيئا. فليعلم الحكماء أنه فوق الإسطرلاب وفوق مقدار الجزر»
والمدّ على منازل القمر، حتى كأن طبعه فلك [على حدته «4» ] .
ومن عجيب أحوال الدّيكة أنها إذا كانت فى مكان ثم دخل عليها ديك غريب سفدته جميعا. والدّيك يضرب به المثل فى السخاء، وذلك أنه ينقر الحبّ ويحمله بطرفى منقاره إلى الدّجاج، فإذا ظفر بشىء من الحبّ والدّجاج غيب دعاهنّ إليه وقنع منه بدون حاجته توفيرا «5» عليهنّ. قالوا: والدّيكة تعظم بدبيل «6» السّند حتى تكون مثل النّعام.
(10/220)

وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: إنّ مرقة الديوك العتق لها خاصّيّات، سنذكرها. قال: والوجه الذى ذكره جالينوس فى طبخها أن تذبح بعد علفها وبعد إعدائها إلى أن تنبتّ «1» فتسقط فتذبح، ثم يخرج ما فى بطنها ويملأ بطنها ملحا ويخاط ويطبخ بعشرين قسطا ماء حتى ينتهى إلى الثّلث ويشرب. قال: ثم يزاد فى ذلك ما نذكره. قال: وأجود الدّيكة ما لم يصقع «2» بعد. وأجود الدّجاج ما لم يبض، والعتيق ردىء. قال: ولحم الفراريج أحرّ من لحم الدّجاج الكبير. وخصىّ الدّيوك محمود سريع الهضم. ومرقة الدّيوك المذكورة توافق الرّعشة ووجع المفاصل. ولحم الدّجاج الفتىّ يزيد فى العقل، ودماغها يمنع النّزف الرّعافىّ العارض من حجب الدّماغ. ومرقة الدّيوك المذكورة نافعة من الرّبور. ولحم الدّجاج يصفّى الصوت. ومرقة الدّيك الهرم المعمولة بالقرطم والشّبث تنفع من جميع ذلك.
ومرقة الديوك نافعة لوجع المعدة من الرّيح، وتنفع القولنج جدّا. ولحم الدّجاج الفتىّ يزيد فى المنىّ؛ والمرقة المذكورة [مع البسفايج «3» ] تسهّل السّوداء، ومع القرطم تسهّل البلغم. وقد تطبخ بالأدوية القابضة للسّحج «4» ، وباللّبن لقروح المثانة.
والمرقة نافعة من الحميّات المزمنة. قال: والدّجاج المشقوق عن قلبه أو الديك يوضع على نهش الهوامّ ويبدّل كلّ ساعة فيمنع من فشوّ السمّ. وفى السموم المشروبة يتحسّى طبيخه «5» بالشّبث والملح ويتقيّأ.
(10/221)

ومن الحكايات التى تعدّ من خرافات العرب ما حكاه بعضهم عن الرّياشىّ «1» قال: كنّا عند الأصمعىّ، فوقف عليه أعرابىّ فقال: أنت الأصمعى؟ قال: نعم؛ قال: أنت أعلم أهل الحضر بكلام العرب؟ قال: يزعمون؛ قال: ما معنى قول أميّة بن أبى الصلت:
وما ذاك إلّا الدّيك شارب خمرة ... نديم غراب لا يملّ الحوانيا «2»
فلما استقلّ الصبح نادى بصوته ... ألا يا غراب هل رددت ردائيا
فقال الأصمعىّ: إنّ العرب كانت تزعم أنّ الدّيك كان ذا جناح يطير به فى الجوّ وأنّ الغراب كان ذا جناح كجناح الدّيك لا يطير به وأنهما تنادما ليلة فى حانة يشربان فنفد شرابهما؛ فقال الغراب للدّيك: لو أعرتنى جناحك لأتيتك بشراب؛ فأعاره جناحه، فطار ولم يرجع إليه؛ فزعموا أنّ الديك إنما يصيح عند الفجر استدعاء لجناحه من الغراب؛ فضحك الأعرابىّ وقال: ما أنت إلا شيطان.
وهذه الحكاية ذكرها الجاحظ فى كتاب الحيوان بنحو ما حكى عن الأصمعىّ، وساق أبيات أميّة بن أبى الصّلت، وهى:
ولا «3» غرو إلّا الديك مدمن خمرة ... نديم غراب لا يملّ الحوانيا
ومرهنه عند الغراب جبينه ... فأوفيت مرهونا وخان مسابيا «4»
أدلّ علىّ الدّيك أنّى كما ترى ... فأقبل على شأنى وهاك ردائيا
(10/222)

أمنتك «1» لا تلبث من الدهر ساعة ... ولا نصفها حتى تؤوب مآبيا
ولا تدركنك الشمس عند طلوعها ... فأغلق «2» فيهم أو يطول ثوائيا
فردّ الغراب والرداء يحوزه ... إلى الدّيك وعدا كاذبا وأمانيا
بأيّة ذنب أو بأيّة حجّة ... أدعك فلا تدعو علىّ ولاليا «3»
فإنى نذرت حجّة لن أعوقها ... فلا تدعونّى دعوة من ورائيا
تطيّرت منها والدّعاء يعوقنى ... وأزمعت حجّا أن أطير أماميا
فلا تيأسن إنى مع الصبح باكرا ... أوافى غدا نحو الحجيج الغواديا
كحب امرئ فاكهته قبل حجّتى ... وآثرت عمدا شأنه قبل شانيا
هنا لك ظنّ الدّيك أن زال زوله ... وطال عليه الليل أن لا مفاديا
فلما أضاء الصبح طرّب صرخة ... ألا يا غراب هل سمعت ندائيا
على ودّه لو كان ثم يجيبه ... وكان له ندمان صدق مواتيا
وأمسى الغراب يضرب الأرض كلّها ... عتيقا «4» وأضحى الدّيك فى القدّ عانيا
فذلك مما أسهت الخمر لبّه ... ونادم ندمانا من الطير عاديا «5»
ومن الحكايات التى لا بأس بإيرادها فى هذا الموضع ما حكاه الجاحظ قال:
قال أبو الحسن: حدّثنى أعرابىّ كان نزل البصرة قال: قدم علىّ أعرابىّ من البادية فأنزلته، وكان عندى دجاج كثير ولى امرأة وابنان وابنتان منها؛ فقلت لامرأتى: بادرى واشوى لنا دجاجة وقدّميها إلينا نتغدّها. فلما حضر الغداء جلسنا جميعا أنا وامرأتى
(10/223)

وابناى وابنتاى والأعرابىّ. قال: فدفعنا إليه الدجاجة فقلنا له: اقسمها بيننا، نريد بذلك أن نضحك منه؛ فقال: لا أحسن القسمة، فإن رضيتم بقسمتى قسمتها بينكم؛ قلنا: فإنّا نرضى. فأخذ رأس الدجاجة فقطعه وناولنيه وقال: الرأس للرئيس، وقطع الجناحين وقال: الجناحان للابنين، ثم قطع الساقين وقال: الساقان للابنتين، ثم قطع الزّمكّى «1» وقال: العجز للعجوز، وقال: الزّور «2» للزائر؛ قال: فأخذ الدجاجة بأسرها وسخر بنا. قال: فلمّا كان من الغد قلت لامرأتى: اشوى لنا خمس دجاجات، فلما حضر الغداء قلنا له: اقسم بيننا؛ فقال: إنى أظن أنكم وجدتم فى أنفسكم؛ قلنا:
لم نجد فاقسم بيننا؛ قال: أقسم شفعا أو وترا؟ قلنا: اقسم وترا؛ قال: أنت وامرأتك ودجاجة ثلاثة، ثم رمى إلينا بدجاجة؛ ثم قال: وابناك ودجاجة ثلاثة، ورمى إليهما بدجاجة؛ ثم قال: وابنتاك ودجاجة ثلاثة، ورمى إليهما بدجاجة؛ ثم قال:
وأنا ودجاجتان ثلاثة وأخذ دجاجتين وسخر بنا. فرآنا ننظر إلى دجاجتيه فقال:
ما تنظرون! لعلكم كرهتم قسمتى! الوتر لا يجىء إلّا هكذا، فهل لكم فى قسمة الشّفع؟ قلنا نعم؛ فضمّهنّ «3» إليه ثم قال: أنت وابناك ودجاجة أربعة، ورمى إلينا بدجاجة؛ ثم قال: والعجوز وابنتاها ودجاجة أربعة، ورمى إليهنّ بدجاجة؛ ثم قال: وأنا وثلاث دجاجات أربعة وضمّ إليه الثلاث، ورفع يديه إلى السماء فقال:
اللهمّ لك الحمد، أنت فهّمتنيها. هكذا ساقها أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ.
وحكى غيره هذه الحكاية عن الأصمعىّ وفيها زيادة، قال: حكى الأصمعىّ: بينا
(10/224)

أنا فى البادية إذا أنا بأعرابىّ على ناقة وهى ترقص به فى الآل؛ فلمّا دنا منّى سلّم علىّ، فسلّمت عليه وقلت: يا أخا العرب
قوم بخفّان «1» عهدناهم ... سقاهم الله من النّو
ما النّو؟ فقال:
نوء السّماكين وريّاهما ... نور تلالا بعد إيماضه ضو «2»
فقلت: ما الضّو يا أخا العرب؟ فقال:
ضوء تلالا فى دجى ليلة ... مقمرة مسفرة لو
فقلت: لو إيش يا أخا العرب؟ فقال:
لو مرّ فيها سائر راكب ... على نجيب الأرض منطو
فقلت: منطو إيش يا أخا العرب؟ فقال:
منطوى الكشح هضيم الحشى ... كالباز ينقضّ من الجوّ
فقلت: ما الجوّ يا أخا العرب؟ فقال:
جوّ السما والريح تعلو به ... فاشتمّ ريح الأرض فاعلوّ
فقلت: فاعلو إيش يا أخا العرب؟ فقال:
فاعلو لما قد فات من صيده ... لا بدّ أن تلقى ويلقوا
فقلت: ماذا يلقوا يا أخا العرب؟ فقال:
يلقوا بأسياف يمانيّة ... وعن قليل سوف يفنوا
(10/225)

فقلت: ما يفنوا يا أخا العرب؟ فقال:
إن كنت تنكر «1» ما قلته ... فأنت عندى رجل بوّ
فقلت: وما البوّ يا أخا العرب؟ فقال:
البوّ من يفقد عن أمّه ... يا أحمق الناس فرح أو
قلت: أو إيش؟ فقال:
تندفع الكفّ بصفع القفا ... تسمع ما بينهما قوّ
فقلت: يا أخا العرب، هل لك فى الضيافة؟ فقال: لا يأبى الكرامة إلّا لئيم؛ فأتيت به منزلى. ثم ساق الحكاية بنحو ما تقدّم، إلا أنه قال: فأتيته فى اليوم الثانى بثلاث دجاجات، وقلت: نحن كما علمت، اقسمها بيننا أزواجا؛ فقال: أنت وابناك ودجاجة زوج، وامرأتك وابنتاها ودجاجة زوج، وأنا ودجاجة زوج.
وساق خبر الخمسة فى اليوم الثالث كما تقدّم.
*** ذكر شىء مما وصفت به الشعراء البيضة والدّجاجة والدّيك
فمن ذلك ما وصفوا به البيضة. قال أبو الفرج الأصبهانىّ من أبيات:
فيها بدائع صنعة ولطائف ... ألّفن بالتّقدير والتلفيق
خلطان مائيّان ما اختلطا على ... شكل ومختلف المزاج رقيق
فبياضها ورق وزئبق محّها ... فى حقّ عاج بطّنت بدبيقى «2»
(10/226)

وقال شاعر:
وصفراء فى بيضاء رقّت غلالة ... لها وصفا ما فوقها من ثيابها
جماد ولكن بعد عشرين ليلة «1» ... ترى نفسها معمورة من خرابها
وقال كشاجم من أبيات يذكر فيها جونة «2» أهديت إليه وفيها بيض مسلوق مصبوغ أحمر:
وجاءنا فيها بيض أحمر ... كأنه العقيق ما لم يقشر
حتى إذا قدّمه مقشّرا ... أبرز من تحت عقيق دررا
حتى إذا ما قطّع البيض فلق ... رأيت منه ذهبا تحت ورق
يخال أنّ الشطر منه من لمح ... أعاره تلوينه قوس قزح
ومما قيل فى الدّجاجة والدّيك
قال الشاعر:
غدوت بشربة من ذات عرق «3» ... أبا الدّهناء من حلب العصير
وأخرى بالعقنقل «4» ثم رحنا ... نرى العصفور أعظم من بعير
كأن الديك ديك بنى نمير ... أمير المؤمنين على السّرير
كأن دجاجهم فى الدار رقطا ... وفود الروم فى قمص الحرير
(10/227)

فبتّ أرى الكواكب دانيات ... ينلن أنامل الرجل القصير
أدافعهنّ بالكفّين عنّى ... وأمسح جانب القمر المنير
وقال أبو بكر الصّنوبرىّ من أبيات يصف ديكا:
مغرّد الليل ما يألوك تغريدا ... ملّ الكرى فهو يدعو الصبح مجهودا
لما تطرّب هزّ العطف من طرب ... ومدّ للصوت لمّا مدّه الجيدا
كلابس مطرفا مرخ جوانبه «1» ... تضاحك البيض من أطرافه السّودا
حالى المقلّد لو قيست قلادته ... بالورد قصّر عنها الورد توريدا
ران بفصّى عقيق يدركان له ... من حدّة فيهما ما ليس محدودا
تقول هذا عقيد «2» الملك منتسبا ... فى آل كسرى عليه التاج معقودا
أو فارس شدّ مهمازيه حين رأى ... لواء قائده للحرب معقودا
وقال أبو هلال العسكرىّ:
متوّج بعقيق ... مقرّط بلجين
عليه قرطق وشى ... مشمّر الكمّين «3»
قد زيّن النّحر منه ... ثنتان كالوردتين
حتى إذا الصبح يبدو ... مطرّز الطّرّتين
دعا فأسمع منّا ... من كان ذا أذنين
يزهى بطوق وتاج ... كأنه ذو رعين»
(10/228)

وقال الأسعد بن بلّيطة «1» :
وقام لنا ينعى الدّجى ذو شقيقة «2» ... يدير لنا من بين أجفانه سقطا «3»
إذا صاح أصغى سمعه لندائه ... وبادر ضربا من قوادمه الإبطا
ومهما اطمأنت نفسه قام صارخا ... على خيزران «4» نيط من ظفره خرطا
كأنّ أنوشروان أعلاه تاجه ... وناطت عليه كفّ مارية «5» القرطا
[سبى حلّة الطاوس «6» حسن لباسها ... ولم يكفه حتى سبى المشية البطّا]
وقال أبو عبد الله المالكىّ:
رعى الله ذا صوت أنسنا بصوته ... وقد بان فى وجه الظلام شحوب
دعا من بعيد صاحبا فأجابه ... يخبّرنا أنّ الصباح قريب
وقال ابن المعتزّ:
بشّر بالصبح هاتف هتفا ... صاح «7» من اللّيل بعد ما انتصفا
(10/229)

مذكّر بالصّبوح صاح لنا ... كأنّه فوق منبر وقفا
صفّق إمّا ارتياحة لسنا ال ... فجر وإمّا على الدّجى أسفا
وقال أيضا فيه:
وقام فوق الجدار مشترف ... كمثل طرف علاه أسوار «1»
رافع رأس طورا وخافضه ... كأنما العرف منه منشار
وقال السّرىّ الرّفّاء:
كشف الصباح قناعه فتألّقا ... وسطا على اللّيل البهيم وأبرقا «2»
وعلا فلاح على الجدار موشّح ... بالوشى توّج بالعقيق وطوّقا
مرخ فضول التاج من لبّاته ... ومشمّر وشيا عليه منمّقا
وقال أبو الفرج علىّ بن الحسين الأصفهانىّ يرثى ديكا ويصفه:
أبنىّ منزلنا ونشو محلّنا ... وغذىّ أيدينا نداء مشوق
لهفى عليك أبا النّذير «3» لو انّه ... دفع المنايا عنك لهف شفيق
وعلى شمائلك اللّواتى ما نمت ... حتى ذوت من بعد حسن سموق
لما بقعت «4» وصرت علق مضنّة «5» ... ونشأت نشو المقبل الموموق
وتكاملت جمل الجمال بأسرها ... لك من جليل خالص ودقيق
(10/230)

وكسيت «1» كالطاوس ريشا لامعا ... متلألئا ذا رونق وبريق
من صفرة مع خضرة فى حمرة ... تخييلها يخفى على التّحقيق «2»
عرض يجلّ عن القياس وجوهر ... لطفت معانيه عن التّدقيق
وكأنّ سالفتيك تبر سائل ... وعلى المفارق منك تاج عقيق
وكأنّ مجرى الصوت منك، إذا نبت ... وجفت «3» عن الأسماع بحّ حلوق،
ناى رقيق «4» ناعم قرنت به ... نغم مؤلّفة من الموسيقى
تزقو وتصفق بالجناح كمنتش ... وصلت يداه الصوت بالتّصفيق
وخطرت «5» ملتحفا بمرط حبّرت ... فيه بديع الوشى كفّ أنيق
كالجلّنارة أو ضياء «6» عقيقة ... أو لمع نار أو وميض بروق
أو قهوة تختال فى بلّورة ... بتألّق اللّمعان والتّزويق «7»
وكأنما الجادىّ جاد بصبغه ... لك أو غدوت مضمّخا بخلوق
وقال شاعر أندلسىّ:
وكائن نفى النوم من عين فان ... بديع الملاحة حلو المعانى
بأجفان عينيه ياقوتتان ... كأنّ وميضهما جمرتان
(10/231)

على رأسه التاج مستشرفا ... كتاج ابن هرمز فى المهرجان
وقرطان من جوهر أحمر ... يزينانه زين قرط الحصان
له عنق حولها رونق ... كما حوت الخمر إحدى القنانى
ودار برائله «1» حولها ... لها ثوب شعر من الزعفران
ودارت بجؤجئه حلّة ... تروق كما راقك الخسروانى
وقام له ذنب معجب ... كباقة زهر بدت من بنان
وقاس جناحا على ساقه ... كما قيس ستر على خيزران
وصفّق تصفيق مستهتر ... بمحمّرة من بنات الدّنان
وغرّد تغريد ذى لوعة ... يبوح بأشواقه للغوانى
وقال أبو علىّ بن رشيق حيث مزّق عنه جلباب الممادح، وتركه من شمل الذمّ فى الرأى الفاضح:
قام بلا عقل ولا دين ... يخلط تصفيقا بتأذين
فنبّه الأحباب من نومهم ... ليخرجوا من غير ما حين
بصرخة تبعث موتى البكرى ... قد أذكرت نفخ سرافين «2»
كأنّها فى حلقه غصّة ... أغصّه الله بسكّين
(10/232)

وأما الحجل وما قيل فيه
- والحجل طائر يسمّى: «دجاج البرّ» وهو صنفان: نجدىّ، وتهامىّ. فالنجدىّ أخضر أحمر الرجلين. والتّهامىّ فيه بياض وخضرة. وسمّى الذكر «يعقوب» ، والفرخ الذّكر «السّلك» ، والأنثى «السّلكة» .
وهو من الطير الذى يخرج فرخه كاسيا كاسبا. ويقال: إنّ الحجلة إذا لم تلقح تمرّغت فى التراب ورشّته على أصول ريشها فتلقح. ويقال: إنها تبيض بسماع صوت الذّكر وبريح تهبّ من ناحيته.
قال أبو عثمان الجاحظ: وإذا باضت الحجلة ميّز الذكر الذكور منها فيحضنها، وميّزت الأنثى الإناث فتحضنها، وكذلك هما فى التربية. قال: وكلّ واحد منهما يعيش خمسا وعشرين سنة. ولا تلقح الأنثى بالبيض، ولا يلقح الذكر إلّا بعد مضىّ ثلاث سنين. والذكر شديد الغيرة على الأنثى. فإذا اجتمع ذكران اقتتلا، فأيّهما غلب ذلّ له الآخر؛ وذهبت الأنثى مع الغالب. والأنثى إذا أصيب بيضها قصدت عشّ أخرى وغلبتها على بيضها. وقد وصف «1» أبو علىّ بن رشيق القيراوانىّ الحجل فقال:
ما أغربت فى زيّها «2» ... إلّا يعاقيب الحجل
جاءتك مثقلة التّرا ... ئب بالحلىّ وبالحلل
صفر الجفون كأنما ... باتت بتبر تكتحل
(10/233)

مشقوقة شقّ الزّ ... جاج لمن تأمّل أو عقل
وصلت مذابحها الرءو ... س بحمرة فيها شعل
لولا اختلاف الجنس وال ... تركيب جاءت فى المثل
كلحى الثمانين التى ... خضبت ومنها ما نصل
أو كاللّثام أزاله ... فرط التّلفّت والعجل
وتخالهنّ جواريا ... لا يزدرين من العطل
رمت الثّياب الى ورا ... ء عن المناكب تتجدل
وبدت سراويلاتها ... يسحبن وشيا من قبل
حمر من الرّكبات فى ... لون الشقائق أو أجلّ
عقّدنها فوق الصدو ... ر مخالسات للقبل
وشددن بالأعضاد من ... حذر عليها أن تحلّ
وكأنما باتت أصا ... بعها بحنّاء تعلّ «1»
من يستحلّ لصيدها ... فأنا امرؤ لا أستحلّ
*** وأمّا الكركىّ وما قيل فيه
- ويقال: إنه «الغرنيق» ؛ ويقال:
إن الغرنيق صنف منه. وهو طائر أخضر طويل المنقار والرجلين. وسفاده فى السّرعة كالعصفور. وله مشات ومصايف. وفى طبعه التّناصر؛ ولهذا أنّه لا يطير متقطّعا ولا متباعدا بل صفّا واحدا، يقدمها واحد منها كالرئيس لها المقدّم
(10/234)

عليها وهى تتبعه، يكون كذلك حينا، ثم يخلفه آخر منها. وفى طبع الكركىّ وعادته أنّ أبويه إذا كبرا عالهما.
وقال أرسطو: إن الغرانيق من الطير القواطع وليست من الأوابد، وإنها إذا أحسّت بتغيّر الزمان اعتزمت على الرجوع إلى بلادها. وكلّ منها ينام على إحدى رجليه قائما. ويقال: إن الكراكىّ إذا كبرت اسودّ ريشها وهو فى شيبتها رمادىّ.
وقد ظهر بالديار المصريّة فى شهور سنة خمس عشرة وسبعمائة صنف من الكراكىّ أبيض اللون ناصع البياض حسن الصورة، وهو أكبر جثّة من الكركىّ المعتاد.
وقال النّاشى فى وصف الكراكىّ:
ومورد يجذل قلب الوامق ... منظّم بالغرّ والغرانق
وكلّ طير صافر أو ناعق ... مكتهل وبالغ ولاحق
موشيّة الصدور والعواتق ... بكل وشى فاخر وفائق
تختال فى أجنحة خوافق ... كأنما تختال فى قراطق
يرفلن فى قمص وفى يلامق «1» ... كأنّهنّ زهر الحدائق
حمر الحداق كحل الحمالق ... كأنما يجلن فى مخانق «2»
*** وأمّا الإوزّ وما قيل فيه
- والإوزّ ثلاثة أصناف: بطائحىّ وهو الطويل الأسود [بزرقة «3» ] ، وتركىّ وهو المدوّر المائل إلى البياض، وخبىّ «4» وهو
(10/235)

الضخم الكبير منها. ويقال: إن الإوز إذا فرغ من السّفاد وسبح فى الماء فإنما يفعل ذلك لتمام اللّذة. والأنثى تحضن بيضها ثلاثين يوما. والذكور تحنو على الفراخ. ولكلّ منها قضيب يسفد به كالبطّ. والإوزّ البطائحىّ، وهو المعروف بمصر بالعراقىّ، يخالف الحبىّ فى الصياح؛ لأن الخبىّ تصيح ذكورها ولا تصيح إناثها، والبطائحىّ بخلاف ذلك. والخبىّ من الطير الأوابد التى لا تبرح من الأماكن التى تربّى فيها لثقل أجسامها، وإذا نهضت فلا ترتفع من الأرض إلّا يسيرا.
والعراقيّات من الطير القواطع التى تنتقل من مكان إلى آخر، وترى فى وقت دون وقت.
وقال ابن رشيق يصف فحل إوزّ:
نظرت إلى فحل الإوزّ فخلته ... من الثّقل فى وحل وما هو فى وحل
ينقّل رجليه على حين فترة ... كمنتعل لا يحسن المشى فى النّعل
له عنق كالصّولجان ومخطم ... حكى طرف العرجون من يانع النّخل
يداخله زهو فيلحظ من عل «1» ... جوانبه ألحاظ متّهم العقل
يضمّ جناحيه إليه كما ارتدى ... رداء جديدا من بنى البدو ذو جهل
*** وأمّا البطّ وما قيل فيه
- وهو أصناف: منها الوحشىّ، والأهلىّ.
ومن الوحشىّ «اللّقلق»
» ؛ ومن الأهلىّ «الصّينىّ» . وفراخه تخرج كاسية كاسبة.
(10/236)

وقيل: إن بالزّابج بطّا بيضا وحمرا ورقطا طوال الأعناق قصار الأرجل. والبطّ يطير على وجه الماء، وليس من طير الماء، لأنه لا يأويه دائما ولا يغتذى بالسمك. وهو يأكل النبات والبذور؛ وله قضيب يخرج من دبره كذكر الكلب عظيم جدّا بالنسبة إليه؛ فى رأسه زرّ كالفلكة «1» ؛ فإذا سفد لم يخرجه حتى ينقلب لجنبه؛ ويحصل له عند السّفاد من الالتحام ما يحصل للكلب.
وقال أبو علىّ بن سينا: وطبع البطّ حارّ أسخن من جميع الطيور الأهلية. قال قال بعضهم: هو يسخّن المبرود ويورث المحرور «2» حمّى. قال: وشحمه عظيم فى تسكين الوجع وتسكين اللذع من عمق البدن؛ وهو أفضل شحوم الطير. ولحمه يكثر الرّياح، وقانصته كثيرة الغذاء، ولحمه يسمّن، وهو بطىء فى المعدة ثقيل، وإذا انهضم كان أغذى من جميع لحوم الطير؛ وهو يزيد فى الباه ويكثر المنىّ.
*** وأمّا النّحام «3» وما قيل فيه
- قالوا: والنّحام يكون أفرادا وأزواجا.
وإذا أراد المبيت اجتمع رفوفا «4» فنام ذكوره ولا تنام إناثه. وتعدّ لها مباتات، إذا ذعرت فى واحد منها طارت إلى آخر. ويقال: إنه لا يسفد ولا يخرج فراخه بالحضن وإنما تبيض الأنثى من زقّ الذكر. وإذا باضت تغرّبت وبقى الذّكر عند البيض يذرق عليه ليس إلّا، فيقوم ذرقه مقام الحضن. فإذا تمّت مدّة ذلك خرجت
(10/237)

الفراخ لا حراك بها؛ فتجىء الأنثى فتنفخ فى مناقيرها حتى يجرى ذلك النفخ فيها روحا، ثم يتعاون الذّكر والأنثى جميعا على التربية. وإذا قويت الفراخ على الطّعم وأمكنها التكسّب لنفسها طردها الذّكر.
*** وأمّا الأنيس وما قيل فيه
- فقال أرسطو: إنّه حادّ البصر، وصوته يشبه صوت الجمل ويحاكيه. ومأواه فى قرب الأنهار وفى الأماكن الكثيرة المياه الملتفّة الشجر. وله لون حسن وتدبير فى معاشه. والناس يتغالون به إذا وقع لهم ويجعلونه فى بيوتهم.
*** وأمّا القاوند وما قيل فيه
- قال صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر فى كتابه: كنت أسمع بشحم القاوند ولم أدر ما هو: حيوان هوائىّ أم مائىّ أم أرضىّ، حتى وقفت على كتاب موضوع فى طبائع الحيوان وخواصّه ليس عليه اسم المصنّف، فرأيته قد قال: «القاوند طائر يتّخذ وكره على ساحل البحر ويحضن بيضه سبعة أيّام، وفى اليوم السابع يخرج فراخه ثم يزقّها سبعة أيام. والمسافرون فى البحر يتيمّنون بهذه الأيام ويوقنون بطيب الرّيح وحلول أيام السفر» .
*** وأمّا الخطّاف وما قيل فيه
- والخطّاف يسمّى «زوّار الهند» .
وهو من الطيور القواطع التى تقطع البلاد البعيدة إلى الناس رغبة فى القرب منهم والإلف بهم، وهو مع ذلك لا يبنى بيته إلّا فى أبعد المواضع حيث لا تناله أيديهم.
ومن عجيب حاله أنّ عينه تقلع فترجع؛ وهو لا يرى أبدا يقف على شىء يأكله،
(10/238)

ولا يرى يسافد ولا يجتمع بأنثاه. والأنثى تبيض مرّة واحدة فى السنة، وقيل:
مرتين؛ وكلاهما قاله الجاحظ. والخفّاش عدوّ الخطّاف؛ فهو إذا فرّخ وضع فى أعشاشه قضبان الكرفس، فلا يؤذى فراخه إذا شمّ رائحة الكرفس. وهو لا يفرّخ فى عشّ عتيق حتى يطيّنه بطين جديد. وهو يبنى عشّه بالطين والتّبن. فإذا لم يجد طينا مهيّأ ألقى نفسه فى الماء ثم تمرّغ فى التّراب حتى يمتلئ جناحاه ثم يجمعه بمنقاره.
وهو يسوّى فى الطّعم بين فراخه. ولا يترك فى عشّه زبلا بل يلقيه خارجا.
وأصحاب اليرقان يلطّخون فراخ الخطّاف بالزعفران؛ فإذا رآها صفرا ظنّ أنّ اليرقان أصابها من شدّة الحرّ، فيذهب ويأتيها بحجر اليرقان فيطرحه على الفراخ، وهو حجر أصفر، فيأخذه المحتال فيعلّقه على نفسه أو يحكّه ويشرب من مائه [يسيرا «1» ] فيبرأ.
والخطّاف متى سمع صوت الرّعد مات.
وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: قال ديسقوريدس: إنّ أوّل بطن للخطّاف إذا شقّ وجد فيه حصاتان، إحداهما ذات لون واحد والأخرى ذات ألوان كثيرة، إذا جعلتا فى جلد عجل قبل أن يصيبه تراب وربط على عضد المصروع ورقبته انتفع به، قال: وقد جرّبت ذلك وأبرأ المصروع. قال: وأكل الخطّاف يحدّ البصر، وقد يجفّف ويسقى. والشربة منه مثقال. وقيل: إنّ دماغه بعسل نافع من ابتداء الماء، وكذلك دماغ الخفّاش. قال: وإن ملّح الخطّاف وجفّف وشرب منه درهمان نفع من الخناق. قال بعض الأطباء: المشهور عند الأطباء أن عشّ الخطاطيف إذا حلّ فى ماء وصفّى وشرب سهّل الولادة.
(10/239)

وقد ألمّ الشعراء فى أشعارهم بوصف الخطّاف؛ فمن ذلك ما قاله أبو إسحاق الصّابى:
وهنديّة الأوطان زنجيّة الخلق ... مسوّدة الأثواب محمرّة الحدق
كأنّ بها حزنا وقد لبست له ... حدادا وأذرت من مدامعها العلق «1»
إذا صرصرت صرّت بآخر صوتها ... كما صرّ ملوى العود بالوتر الحزق «2»
تصيف لدينا ثم تشتو بأرضها ... ففى كلّ عام نلتقى ثم نفترق
وقال السّرىّ الرّفّاء يصفها من أبيات ويذكر غرفة:
وغرفتنا بين السحائب تلتقى ... لهنّ عليها «3» كلّة ورواق
تقسّم زوّار من الهند سقفها ... خفاف على قلب النديم رشاق
أعاجم تلتذّ الخصام كأنها ... كواعب زنج راعهنّ طلاق
أنسن بنا أنس الإماء تحبّبت ... وشميتها غدر بنا وإباق
مواصلة والورد فى شجراته ... مفارقة إن حان منه فراق
وقال أيضا:
وغرفتنا الحسناء قد زاد حسنها ... بزائرة فى كلّ عام تزورها
مبيّضة الأحشاء حمر بطونها ... مزبرجة الأذناب سود ظهورها
لهنّ لغات معجمات كأنها ... صرير نعال «4» السّبت عال صريرها
(10/240)

وقال أبو هلال العسكرىّ:
وزائرة فى كلّ عام تزورنا ... فيخبر عن طيب الزمان مزارها
تخبّر أنّ الجوّ رقّ قميصه ... وأنّ رياضا قد توشّى إزارها
وأنّ وجوه الغدر راق بياضها ... وأنّ متون الأرض راع اخضرارها
تحنّ إلينا وهى من غير شكلنا ... فتدنو على بعد من الشكل دارها
ويعجبنا وسط العراص وقوعها «1» ... ويؤنسنا بين الدّيار مطارها
أغار على ضوء الصباح قميصها ... وفاز بألوان الليالى خمارها
تصيح كما صرّت نعال عرائس ... تمشت إلينا هندها ونوارها
وقال آخر:
أهلا بخطّاف أتانا زائرا ... غردا يذكّر بالزمان الباسم
لبست سرابيل الصباح بطونه ... وظهوره ثوب الظلام العاتم
وقال أبو نواس:
كأن أصواتها فى الجوّ طائرة ... صوت الجلام «2» إذا ما قصّت الشّعرا
*** وأمّا القيق والزّرزور وما قيل فيهما
- والقيق: طائر فى قدر الحمام اللّطيف؛ وأهل الشأم يسمّونه «أبا زريق «3» » . وفى طبعه كثرة الإلف بالناس، وقبول التعليم، وسرعة الإدراك لما يلقّن من الكلام مبيّنا حتى لا يشك سامعه
(10/241)

إذا لم يره أنه إنسان؛ وربما زاد على الببّغاء. وله حكايات وأخبار فى الذكاء والفطنة يطول شرحها، وهو طائر مشهور بذلك.
*** وأمّا الزّرزور
- فيقال: إنّه ضرب من الغراب يسمّى «الغداف» ؛ ويقال:
إنّه «الزّاغ» . وهو يقبل التعليم، ولا يرى إلّا فى أيام الربيع. ولونه أرقط لكن السواد أغلب. وقد يوجد فى لونه الأبيض، وهو قليل جدّا.
وقال بعض شعراء الأندلس:
يا ربّ أعجم صامت لقّنته ... طرف الحديث فصار أفصح ناطق
جون الإهاب أعير قوّة صفرة ... كاللّيل طرّزه وميض البارق
حكم من التّدبير أعجزت الورى ... ورأى بها المخلوق لطف الخالق
وقال آخر:
أمنبر ذاك أم قضيب ... يقرعه مصقع خطيب
يختال فى بردتى شباب ... لم يتوضّح بها مشيب
أخرس لكنّه فصيح ... أبله لكنّه لبيب
وقال الوزير أبو القاسم بن الجدّ «1» الأندلسىّ من رسالة «2» كتبها إلى الوزير أبى الحسن ابن سراج جوابا عن رقعة وصلت منه إليه، يشفع لرجل يعرف بالزّريزير؛ ابتدأها بأن قال:
(10/242)

حسنت لك أبا الحسن ضرائب الأيام، وتشوّفت نحوك غرائب الكلام، واهتزّت لمكاتبتك «1» أعطاف الأقلام، وجادت على محلك «2» ألطاف الغمام، وأشادت «3» بفضلك ونبلك أصناف الأنام. فإن «4» كان روض العهد أعزّك الله لم يصبه من تعهّدنا «5» طلّ ولا وابل، ولا سجعت «6» على أيكه ورق ولا بلابل؛ فإن «7» أزهاره على شرب الصّفاء نابته، وأشجاره فى ترب الوفاء راسخة ثابته. وقد آن الآن لعقم «8» شجره أن تطلع من الثمر ألوانا، ولعجم طيره أن تسجع من النّغم ألحانا؛ بما سقط لدىّ ووقع علىّ من طائر شهىّ الصفير، مبنىّ الاسم على التصغير؛ فإنه رجّع باسمك حينا، وابتدع فى نوبة شكرك تلحينا، وحرّك من شوقى إليك سكونا، ودمّث «9» فى قلبى لودّك وكونا «10» . ثم أسمعنى أثناء ترنّمه كلاما وصف به نفسه، لو تغنّت به الورقاء، لأذنت «11» له العنقاء؛ أو ناح بمثله الحمام، لبكى لشجوه الغمام؛ أو سمعه قيس ابن عاصم فى ناديه، وبين أعاديه، لحلّ الزّمع «12» حباه، واستردّ الطّرب صباه:
كلاما «13» لو ان البقل يزهى بمثله ... زها البقل واخضرّ الغضا بمصيف
فتلقّيت فضل صاحبه بالتّسليم، واعترفت بسبقه اعتراف الخبير العليم.
(10/243)

وبعد، فإنى أعود إلى ذكر [ذلك «1» ] الحيوان الغريد، والشيطان المريد؛ فأقول:
لئن سمّى بالزّريزير، لقد صغّر للتكبير «2» ؛ كما قيل: حريقيص وسقطه «3» يحرق الحرج، ودويهية وهى تلتهم الأرواح والمهج. ومعلوم أنّ هذا الطائر الصافر يفوق جميع الطيور فى فهم التلقين، وحسن اليقين. فإذا علّم الكلام لهج بالتسبيح، ولم ينطق لسانه بالقبيح، وتراه يقوم كالنصيح، ويدعو للخير بلسان فصيح. فمن أحبّ الاتّعاظ، لقى منه قسّ «4» إياد بعكاظ؛ أو مال إلى سماع البسيط والنشيد، وجد عنده نخب الموصلىّ للرشيد. فطورا يبكيك بأشجى من مراثى أربد»
، وحينا يسلّيك بأحلى من أغانى معبد «6» . فسبحان من جعله هاديا خطيبا، وشاديا مطربا مطيبا. ولما طار ببلاد الغرب ووقع، ورقى فى أكنافها وصقع؛ وعاين ما اتّفق «7» فيها فى هذا العام من عدم الزيتون، فى تلك البطون والمتون؛ أزمع عنها فرارا، ولم يجد بها قرارا؛ لأن هذا الثمر «8» بهذا الأفق هو قوام معاشه، وملاك انتعاشه؛ إليه يقطع، وعليه يقع؛ كما يقع على العسل الذّباب، وتقطع إلى العراد «9» الضّباب؛ فاستخفّه هائج التذكار، نحو تلك
(10/244)

الأوكار؛ حيث يكتسى ريشه حريرا، ويحتشى جوفه «1» بريرا، ويحتسى قراحا «2» نميرا، ويغتدى على رهطه «3» أميرا. فخذه إليك، نازلا لديك، ماثلا بين يديك؛ يترنّم بالثّناء، ترنّم الذباب فى الرّوضة الغنّاء؛ وقد هزّ قوادم الجناح، لعادة الاستمناح؛ وحبّر من لمع الأسجاع، ما يصلح للانتجاع؛ واثقا بأن ذلك القطر الناضر ستنفحه «4» حدائقه، ولا تلفحه «5» ودائقه؛ لا سيما وفضلك دليله إلى ترع رياضه، وفرض حياضه؛ مع أنه لا يعدم فى جنابك حبّا نثيرا، وخصبا كثيرا، وعشّا وثيرا..
فإذا ما أراد كنت رشاء ... وإذا ما أراد كنت قليبا
والله تعالى يكفيه فيما ينوبه شرّ الجوارح، ويقيه شؤم السانح والبارح؛ بمنّه وكرمه.
*** وأمّا السمانى وما قيل فيه
- يقال: إن السّمانى هو السّلوى. وهو من الطيور القواطع التى لا يعلم من أين تأتى. ويقال: إنه يخرج من البحر المالح؛ فإنه يرى وهو يطير عليه أوان ظهوره وأحد جناحيه منغمس فى الماء والآخر منتشر كالقلع. وأكثر من يعتنى بتربيته أهل مصر ويتغالون فى ثمنه ويحتفلون بأمره، حتى ينتهى ثمن جيّده إلى ألف درهم بعد أن يباع كلّ عشرة منها بدرهم وأرخص.
وهو صنفان: ربيعىّ وطرماهىّ؛ فالرّبيعىّ القادم الراحل. والطّرماهىّ القاطن فى الأرض والبلاد الخصيبة، ويبيض ويفرّح فيها كالحجل. وسبب مغالاتهم فى أثمانها لأجل كثرة صياحها وعدد أصواتها. وقد وجد فيها ما صاح فى الليلة
(10/245)

الواحدة إلى الثانية من النهار أربعة آلاف وستمائة صوت. والصوت عندهم أن يفصل بينه وبين الصوت الثانى بسكتة. وهم فى تربيته يبدءون بإطعامه دقاق القمح (وهو القمح الصغير الذى لا يمسكه الغربال لصغره) مدّة شهر؛ وتكون ذلك الوقت مجتمعة فى قفص كبير يسمّونه «المرح» ؛ ثم يفرد بعد ذلك كلّ سمانى بمفرده فى قفص ويطعم الدّخن والشّادانق «1» . ويصيح فى مبتدأ أمره مقدار شهر ثم يسكت مدّة شهرين. وينقل إلى أقفاص أخر يعتنون بجودتها ويرفعونها على البراريد (والبراريد عصىّ تعلّق عليها الأقفاص) فيصيح بعد تلك السكتة أربعة أشهر. فإذا دخل فصل الخريف وهبط الماء سكت مدّة شهرين وتقرنص، ثم يصيح أحيانا ويسكت أحيانا. وهو لا يطول عمره أكثر من سنة ونصف.
وأوّل ما يصيح قبل أن يتفصّح بالوعوعة، وحكاية صوته: «وع وع» ؛ ثم يصيح بعد ذلك: «شقشلق» .
وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا فى كتاب الأدوية المفردة: إنه يخاف من أكل لحوم السّمانى من التمدّد والتّشنّج.
*** وأمّا الهدهد وما قيل فيه
- والهدهد طائر معروف. وقال الجاحظ فيه: والعرب كانوا يزعمون أن القنزعة التى على رأسه ثواب من الله عزّ وجلّ على ما كان من برّه لأمّه، لمّا ماتت جعل قبرها فى رأسه؛ فهذه القنزعة عوض عن تلك الوهدة. وهو طائر منتن البدن من جوهره وذاته. والأعراب يجعلون ذلك
(10/246)

النّتن شيئا خامره بسبب تلك الجيفة التى كانت على رأسه. ويستدلّون على ذلك بقول أميّة بن أبى الصّلت حيث يقول من أبيات:
غيم وظلماء وغيث سحابة ... أزمان كفّن واستراد الهدهد
يبغى الفرار لأمّه ليجنّها ... فبنى عليها فى قفاه يمهد
مهدا وطيئا فاستقلّ بحمله ... فى الطير يحملها ولا يتأوّد
من أمّه فجزى بصالح حملها ... ولدا وكلّف ظهره ما يعقد
فتراه يدلج ماشيا بجنازة ... بقفاه ما اختلف الجديد المسند
وزعم صاحب الفراسة: أن سبب نتنه أنّه يطلب الزّبل؛ فإذا وجده نقل منه وابتنى بيتا منه؛ فإذا طال مكثه فى ذلك البيت، وفى مثله ولد، اختلط ريشه وبدنه بتلك الرائحة فورث ابنه النّتن، كما ورثه هو من أبيه، وكما ورثه أبوه من جدّه. قال شاعر:
وأنتن من هدهد ميّت ... أصيب فكفّن فى جورب
ويقال عنه: إنه يرى الماء فى باطن الأرض كما يراه الإنسان فى باطن الزّجاج.
وزعموا: أنه كان دليل سليمان عليه السلام على الماء ولذلك تفقّده، على أحد أقوال المفسر بن لكتاب الله تعالى.
وقال الجاحظ فيه: إنه وفىّ حفوظ؛ وذلك أن الذكر إذا غابت عنه أنثاه لم يأكل ولم يشرب، ولا يزال يصيح حتى تعود إليه، فإن لم تعد لا يسفد بعدها أنثى أبدا، ولا يزال يصيح عليها ما عاش، ولم ينل بعدها من طعم بل ينال منه ما يمسك رمقه.
(10/247)

ووصفه أبو الشّيص «1» فقال:
لا تأمننّ على سرّى وسرّكم ... غيرى وغيرك أوطىّ القراطيس
أو طائر سأجلّيه وأنعته ... ما زال صاحب تنقير وتدسيس
سود براثنه ميل ذوائبه ... صفر حمالقه فى الحسن مغموس
قد كان همّ سليمان ليذبحه ... لولا سعايته فى ملك بلقيس
وقال آخر من أبيات:
كأنّه إذ أتاه من قرى سبإ ... مبشّرا قد كساه تاج بلقيس
يبدو له فوق ظهر الأرض باطنها ... كما تبدّت لنا الأقذاء فى الكوس «2»
*** وأمّا العقعق وما قيل فيه
- ويسمى العقعق أيضا «كندشا» . وهو طائر لا يأوى تحت سقف ولا يستظل به، بل يهيّئ وكره فى المواضع المشرفة الفسيحة.
وفى طبعه الزّنا والخيانة والسرقة والخبث؛ والعرب تضرب به المثل فى ذلك كلّه.
وإذا باضت الأنثى أخفت بيضها بورق الدّلب خوفا عليه من الخفّاش، فإنه متى قرب منه مذر «3» وفسد وتغيّر من ساعته. وتقول العرب فى أمثالها: «أموق من عقعق» . وهو شديد الاستلاب والاختطاف لما يراه من الحلى الثمين. قال إبراهيم الموصلىّ فيه:
إذا بارك الله فى طائر ... فلا بارك الله فى العقعق
(10/248)

قصير الذّنابى طويل الجناح ... متى ما يجد غفلة يسرق
يقلّب عينين فى رأسه ... كأنهما قطرتا زئبق
وكان سبب قوله لهذا الشعر فيه ما حكاه إسحاق بن إبراهيم قال: كان لى عقعق وأنا صبىّ قد ربّيته، وكان يتكلّم بكلّ شىء يسمعه؛ فسرق خاتم ياقوت كان أبى قد نزعه من إصبعه ودخل الخلاء ثم خرج فلم يجده، فضرب الغلام الذى كان واقفا، فلم يقف له على خبر. فبينا أنا ذات يوم فى دارنا إذ أبصرت العقعق قد نبش ترابا وأخرج الخاتم منه، فلعب به طويلا ثم دفنه؛ فأخذته وجئت به الى أبى، فسرّ به وقال هذا الشعر.
*** وأمّا العصافير وما قيل فيها
- والعصافير ضروب كثيرة: منها «العصفور البيوتىّ» و «عصفور الشّوك» و «عصفور النّوفر» «1» . ومن ضروبها «القبّرة» و «حسّون» و «البلبل» .
فأمّا العصفور البيوتىّ
- ففى طباعه اختلاف: ففيه من طبائع سباع الطير أنه يلقم فراخه ولا يزقّها، ويصيد أجناسا من الحيوان كالنّمل إذا طار والجراد، ويأكل اللّحم. والذى فيه من طباع بهائم الطير أنه ليس بذى مخلب ولا منسر؛ وهو إذا سقط على عود قدم أصابعه الثلاث وأخّر الدّابرة؛ وسباع الطير تقدّم إصبعين وتؤخّر إصبعين؛ ويأكل الحبّ والبقول. ويتميّز الذكر منها من الأنثى بلحية سوداء. وهو لا يعرف المشى وإنما يرفع رجليه ويثب. وهو كثير السّفاد،
(10/249)

وربما سفد فى الساعة الواحدة خمسين مرّة، ولذلك عمره قصير فإنّه لا يعمّر غالبا أكثر من سنة؛ وإناثها تعمّر أكثر من ذكورها. والمثل يضرب فى التحقير والتصغير بأحلام العصافير.
قال دريد بن الصّمّة:
يا آل سفيان ما بالى وبالكم ... أنتم كبير وفى الأحلام عصفور «1»
وقال حسّان بن ثابت:
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير
*** وأما عصفور الشّوك
- فزعم أرسطو أنّ بينه وبين الحمار عداوة، لأن الحمار إذا كان به دبر حكّه بالشّوك الذى يأوى إليه هذا العصفور فيقتله؛ وربما نهق الحمار فتسقط فراخه أو بيضه خوفا منه؛ فلذلك هذا العصفور إذا رأى الحمار رفرف «2» فوق رأسه وعلى عنقه وآذاه ونقره فى عقره أنّى كان.
*** وأما عصفور النّيلوفر
- وهو لا يوجد غالبا إلا بثغر دمياط، وشأنه غريب؛ وذلك أنه عصفور صغير جدّا، فإذا كان قبل غروب الشمس جاء إلى برك النّوفر «3» فيجد النّوفرة وهى طافحة على وجه الماء مفتوحة فيقعد فى وسطها، فإذا
(10/250)

حصل فيها انطبقت عليه وانغمست فى الماء طول الليل؛ فإذا طلعت الشمس طفت النّوفرة على وجه الماء وانفتحت، فيخرج منها ويطير الى غروب الشمس، فيأتى ويفعل كفعله.
*** وأما القبّرة
- فقد عدّوها من أنواع العصافير. وهى غبراء كبيرة المنقار على رأسها قبّرة. وهذا الضرب قاسى القلب. وفى طبعه أنّه لا يهوله صوت صائح به، وربمّا رمى بالحجر فاستخف بالرامى ولطئ إلى الأرض حتى يتجاوزه الحجر.
وهو يضع وكره على الجادّة رغبة فى الأنس بالناس.
*** وأما حسّون
- وتسميه أهل الأندلس «أمّ الحسن» والمصريون «السقاية» لأنه إذا كان فى القفص استقى الماء من إناء «1» بآلة لطيفة يوضع له فيها خيط، فتراه يرفع الخيط بإحدى رجليه ويضعه تحت رجله الأخرى حتى يصل إليه ذلك الإناء اللطيف فيشرب منه. وهو ذو ألوان حسنة التركيب والتأليف من الحمرة والصفرة والسواد والبياض والخضرة والزّرقة. وله صوت حسن مطرب. ووصفه أبو هلال العسكرىّ فقال:
ومفتنّة الألوان بيض وجوهها ... ونمر تراقيها «2» وصفر جنوبها
كأنّ دراريعا «3» عليها قصيرة ... مرقّعة أعطافها وجيوبها
(10/251)

وأما البلبل
- وهو «العندليب» ، وتسميه أهل المدينة «النغر» .
وهو طائر أغبر الرأس لطيف القدّ، مأواه الشجر.
قال الجاحظ: البلبل موصوف بحسن الصوت والحنجرة. ومن شأنه «1» إذا كان غير حاذق أن يطارحه إنسان بشكل صوته، فيتدرّب ويتعلّم ويحسن صوته.
وقد وصف أبو هلال العسكرىّ البلابل فقال:
مررت بدكن القمص سود العمائم ... تغنّى على أطراف غيد نواعم
زهين بأصداغ تروق كأنّها ... نجوم على أعضاد أسود فاحم
ترى ذهبا منهنّ تحت مآخر ... لها ولجينا نطنه بالقوادم
وقال آخر:
كيف ألحى وقد خلعت على الله ... وعذارى وقد هتكت قناعى
وتعشّقت بلبلا أنا منه ... فى انزعاج إلى الصّبا والتياع «2»
أنا من ريشه المدبّج فى زه ... ر ومن شجو صوته فى سماع
ومن رسالة ذكرها العماد الأصفهانىّ الكاتب فى الخريدة، وهى لبعض فضلاء أصبهان، ذكر فيها وصف الرّياض ومفاخرة الرّياحين، وفضّل فيها الورد، وانتهى بعد ذكر الورد إلى وصف البلابل، فقال:
(10/252)

«فلما ارتفع صدر النّهار، وانقطع جدال الأزهار؛ سمع من خلل «1» الحديقة زقزقة «2» عندليب، قد اتخذ وكرا على حاشية قليب «3» ؛ كان يستتر به عن الجمع، ويجعله دريئة لاستراق السّمع. وحين أتقن ما وعاه، وأودعه سمعه وأرعاه «4» ؛ انتحى غصنا رطيبا، فأوفى عليه خطيبا؛ ثم قال: يا فتنة الخليقه، لقد جئت بالشّنعاء الفليقه «5» ؛ وربّ بسم استحال احتداما، ولن تعدم الحسناء ذاما. إلام ترفل فى دلال زهوك، وتغفل عن رذائل سهوك! وحتّام تتيه على الأكفاء والأقران، كأنّك أنت صاحب القرآن! ألست من عجبك بنفسك، واسترابتك بأبناء جنسك؛ لا تزال مشتملا شوك الغصون، معتصما منها بأشباه المعاقل والحصون!. لكنك متى انقضى مهبّ الشّمال، وعدل عن اليمين إلى الشّمال؛ خيف عليك نفح الإحراق، وتعّريت من حلل الأوراق؛ وأصبحت للأرض فراشا، وتلعّب بك الهواء فعدت فراشا. ثم ما قدر جورتك حتى تجور! وهل ينتج حضوره «6» إلا الفجور!. هذا إذا كنتم على الأصل الثابت، وعرفتم فى أكرم المغارس والمنابت؛ فكيف وأنتم بين رملّى وجبلىّ، ونهبورىّ «7» أو تيهورىّ. وهب أنك ورهطك تفرّدتم بممايلة القدود، وتوحّدتم «8» بمشابهة الخدود؛ وصرتم درر البحور، وعلّقتم على الجباه والنّحور؛ وتحوّلتم جمانا ومرجانا، وحلّيتم مناطق وتيجانا؛ أقدرتم على
(10/253)

مباراة الشّحارير»
، ومجاراة القمارى النّحارير! أم ملكتم تهييج البلابل «2» ، قبل أصوات البلابل! أم وجدتم سبيلا إلى ولوج القلوب والأسماع، واتّخاذ «3» الطّرب والسّماع؟! هيهات هيهات، بعد عنكم ما فات! بل نحن ذوات الأطواق، وبنات الغصون والأوراق؛ إنما يكمل صيتكم بنغمات أصواتنا، ويزهو غناؤكم بصحة غنائنا؛ ويحسن تمايل دو حكم بترنّمنا ونوحنا، ويروق غديركم بهديرنا، ويشوق تهديلكم «4» بهديلنا.
لم تزالوا حملة أثقالنا، رمهود أطفالنا؛ وجياد شجعاننا، ومنابر خطبائنا. فروعكم محطّ أرحلنا، ورءوسكم مساقط أرجلنا. إذا أوفى مطربنا على عوده، وعبث بملوى عوده؛ وشدّ المثالث والمثانى، شدّ الثّقلين الأوّل والثانى؛ فقد أحيا باللحن الأيكىّ، وبذّ يحيى «5» المكّىّ؛ وأعاد إبراهيم «6» ، كحاطب الليل البهيم؛ وخرق له «7» أثواب
(10/254)

مخارق «1» طربا وحسدا، ولم يسلم منه سليم «2» غيظا وكمدا؛ وأخذ قلب ابن جامع «3» بمجامعه، وطوّقه من الإقرار غلّا بمجامعه؛ حتى كأنّه بصحّة ضربه وإتقان أوتاره، يطلب عندهم قديم أحقاده وأوتاره.
فهى تصبى «4» الأبصار لونا قريبا ... وتسرّ الأسماع ضربا بعيدا
خضب الكفّ من دم القلب وابت ... زّ سويداءه فطوّق جيدا
أعجمىّ اللّسان مستعرب اللح ... ن يعيد الخلّى صبّا عميدا
كلّ وقت تراه من فرط شجو ... مظهرا فى الغناء لحنا جديدا
تارة يجعل النّشيد بسيطا ... ويعيد البسيط طورا نشيدا
معبد لو رآه أصبح عبدا ... ولبيد «5» أمسى لديه بليدا
ضلّ عن إلفه وأقلقه الوج ... د فأمسى بكاؤه تغريدا
(10/255)

لو عارض الخليل «1» فى عروضه لبكّته، أو ناظر ابن السّكّيت «2» فى إصلاحه لسكّته؛ أو جادل الفارسىّ «3» لفرسه وجذله، أو نازل الكوفىّ «4» لأكفأه عن رتبته وأنزله» .
(10/256)

الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الثالث فى بغاث الطير
ويشتمل هذا الباب على ما قيل فى القمرىّ، والدّبسىّ، والورشان، والفواخت والشّفنين، واليعتبط، والنّوّاح، والقطا، واليمام وأصنافه، والببّغاء. وهذه الأصناف قد عدّها أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أو أكثرها فى الحمام، فقال:
الحمام وحشى، وأهلىّ، وبيوتىّ، وطورانىّ. وكلّ طائر يعرف بالنّواح وحسن الصّوت والدّعاء والتّرجيع فهو حمام وإن خالف بعضه بعضا فى الصّورة واللون وفى بعض النّوح ولحن الهديل.
قال: وزعم أفليمون «1» صاحب الفراسة أنّ الحمام يتّخذ لضروب، منها ما يتّخذ للأنس والنّساء «2» والبيوت، ومنها ما يتّخذ للفراخ، ومنها ما يتخذ للزّجال والسّباق.
والزّجال: إرسال الحمام الهوادى. ثم ذكر من أوصاف الحمام وما فيه من ضروب المعرفة والمنافع ما نورده عند ذكرنا للحمام المشتهر بهذه التّسمية، وهو الذى أشار الجاحظ إليه. فلنذكر تفصيل ما قدّمناه من هذه الأصناف، فنقول وبالله التوفيق:
(10/257)

*** أمّا القمرىّ وما قيل فيه
- فقد قالوا: إنما سمّى القمرىّ بهذه التسمية لبياضه، والأقمر: الأبيض. وحكاية صوته تشبه ضحك الإنسان. وهو شديد المودّة والرحمة. أما مودّته فإنه يفرّخ على فنن من أفنان شجرة عليها أعشاش لأبناء جنسه، فيصابحها فى كلّ يوم. وأمّا رحمته فإنه يربّى ولده ويعفّ عن أنثاه ما دام ولده صغيرا. ومن عادته أنه يعمل عشّه فى طرف فنن دائم الاهتزاز، احترازا على فرخه لئلا يسعى إليه من الحيوان الماشى ما يقتله.
وقال أبو الفتح كشاجم [يصفه من أبيات رثاه بها أوّلها «1» ] :
ومطوّق من حسن صنعة «2» ربه ... طوقين خلتهما من النّوّار
[منها «3» :]
لهفى على القمرىّ لهفا دائما ... يكوى الحشا بجوى كلذع النار
لون الغمامة لونه ومناسب ... فى خلقه الأقلام بالمنقار
*** وأمّا الدّبسىّ وما قيل فيه
- وإنما سمّى الدّبسىّ بذلك للونه، لأنّ الدّبسة حمرة فى سواد. قالوا: والدّبسىّ أصناف، منها المصرىّ، والحجازىّ، والعراقىّ. وأفخر هذه الأصناف المصرىّ [ولونه الدكنة «4» ] . وهو لا يرى ساقطا على وجه الأرض، بل له فى الشتاء مشتى، وفى الصيف مصيف. ولا يعرف له وكر «5» .
(10/258)

وأمّا الورشان وما قيل فيه
- والورشان أصناف منها النّوبىّ وهو ورشان أسود؛ ومنها الحجازىّ. والنوبىّ أشجاها صوتا. وهذا الطائر يوصف بالحنوّ على أولاده، حتى إنه ربما قتل نفسه إذا رآها فى يد القانص «1» .
وقال أبو بكر الصّنوبرىّ فيه:
أنا فى نزهتين من بستانى «2» ... حين أخلوبه ومن ورشان
طائر قلب من يغنّيه أولى ... منه عند الغناء بالطّيران
مسمع «3» يودع المسامع ما شا ... ءت وما لم تشأ من الألحان
فى رداء من سوسن وقميص ... زرّرته عليه تشرينان «4»
قد تغشّى لون السماء قراه «5» ... وتراءى فى جيده الفرقدان
وأمّا الفواخت وما قيل فيها
- والفواخت عراقيّة ليست حجازيّة.
وفيها فصاحة وحسن صوت. وفى طبعها أنها تأنس بالناس، وتعشّش فى الدّور.
(10/259)

والعرب تضرب بها فى الكذب المثل، فيقولون: «أكذب من فاختة» ؛ فإنّ حكاية صوتها عندهم: «هذا أوان الرّطب» . قال شاعر:
أكذب من فاختة ... تقول وسط الكرب
والطّلع لم يبدلنا ... هذا أوان الرّطب
وهو يعمّر. وحكى أرسطو أن منه ما عاش أربعين سنة.
وقال أبو هلال العسكرىّ:
مررت بمطراب الغداة كأنها ... تعلّ من الإشراق راحا مفلفلا
منمّرة كدراء تحسب أنها ... تجلّل من جلد السّحاب «1» مفصّلا
بدت تجتلى للعين طوقا ممّسكا ... وطرفا كما ترنو الغزالة أكحلا
لها ذنب وافى الجوانب مثلما ... تقشّر «2» طلعا أو تجرّد منصلا
إذا حلّقت فى الجوّ خلت جناحها «3» ... يردّ صفيرا أو يحرّك جلجلا
وأمّا الشّفنين وما قيل فيه
- والشفنين من الطير التى تترنّم؛ وصوته فى ترنّمه يشبه صوت الرّباب. وفى طبعه أنه إذا فقد أنثاه لم يزل أعزب «4» ، يأوى الى بعض فراخه حتى يموت؛ وكذلك الأنثى إذا فقدت الذّكر. وهو متى سمن سقط ريشه وامتنع من السّفاد؛ فهو لذلك لا يشبع. وهو طائر يؤثر «5» العزلة.
(10/260)

وأمّا اليعتبط وما قيل فيه
- وإنما سمّى اليعتبط بهذه التسمية لصوته، وهو شريف فى طيور الحجاز. وحاله حال القمرىّ، ولكنه أحرّ منه مزاجا وأعلى صوتا. قال كشاجم:
وناطق لم يخش فى النطق غلط ... ما قال شيئا قطّ إلا يعتبط
وأمّا النّوّاح وما قيل فيه
- والنوّاح: طائر كالقمرىّ، وحاله كحاله؛ إلّا أنّه أحرّ منه مزاجا وأرطب وأدمث وأشرف «1» . قالوا: يكاد النّوّاح يكون للأطيار الدّمثة ملكا، وهو يهيجها إلى التّصويت لأنه أشجاها صوتا؛ وجميعها تهوى استماع صوته. وهو أيضا يسرّه استماع صوت نفسه. والله أعلم بالصواب.
*** وأمّا القطا وما قيل فيه
- والقطا نوعان: «كدرىّ» و «جونىّ» .
والكدريّة غبر الألوان، رقش الظهور والبطون، صفر الحلوق، قصار الأذناب؛ وهى ألطف من الجون. والجونيّة سود بطون الأجنحة والقوادم بيض اللّبان «2» وفيه طوقان أسود وأصفر؛ وظهورها غبر رقط تعلوها صفرة. وتسمّى الجونيّة غتما «3» ؛ لأنها لا تفصح بصوتها إذا صوّتت إنما تغرغر بصوت فى حلقها. والكدريّة فصيحة تنادى باسمها تقول: قطاقطا؛ ولهذا يضرب بها المثل فى الصدق.
(10/261)

وتوصف القطا بحسن المشى لتقارب خطاها. والعرب تشبّه مشى النّساء الخفرات بمشيها إذا أرادوا مدحهنّ. قال شاعر يصف القطاة- واختلف فى الشاعر من هو، فقيل: هو [أوس بن «1» ] غلفاء الهجيمىّ، وقيل: مزاحم العقيلى، وقيل:
العباس بن يزيد بن الأسود الكندىّ، وقيل: العجير السّلولىّ، وقيل: عمرو بن عقيل بن الحجّاج الهجيمىّ؛ قال أبو الفرج الأصفهانىّ: وهو أصحّ الأقوال-:
أمّا القطاة فإنّى سوف أنعتها ... نعتا يوافق نعتى بعض ما فيها
سكّاء «2» مخطوبة «3» فى ريشها طرق «4» ... سود قوادمها صهب خوافيها
منقارها كنواة القسب «5» قلّمها ... بمبرد حاذق الكفّين باريها
تمشى كمشى فتاة الحىّ مسرعة ... حذار قوم إلى ستر يواريها
تسقى الفراخ بأفواه مرقّقة ... مثل القوارير سدّت من أعاليها
كأن هيدبة «6» من فوق جؤجئها ... أو جرو «7» حنظلة لم يعد راميها «8»
وقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسىّ:
ولربّ طيّار خفيف قد جرى ... فشلا بجار خلفه طيّار
(10/262)

من كلّ قاصرة الخطا مختالة ... مشى الفتاة تجرّ فضل إزار
مخضوبة المنقار تحسب أنها ... كرعت على ظمإ بكأس عقار
لا تستقرّ بها الأيادى «1» خشية ... من ليل ويل أو نهار بوار
وقال المرّار أو العكبّ «2» التغلبىّ- وهى أجود قصيدة قيلت فى القطا-:
بلاد مروراة «3» يحاربها القطا ... ترى الفرخ فى حافاتها يتحرّق
يظلّ بها فرخ القطاة كأنّه ... يتيم جفا عنه «4» مواليه مطرق
بديمومة «5» قد بات فيها وعينه ... على مره «6» تغضى مرارا وترمق
شبيه بلا شىء هنا لك شخصه ... يواريه قيض «7» حوله متفلّق
له محجر «8» ناب وعين مريضة ... وشدق بمثل الزعفران مخلّق
تعاجيه «9» كحلاء المدامع حرّة ... لها ذنب ساج وجيد مطوّق
(10/263)

سماكيّة «1» كدريّة عرعريّة «2» ... سكاكيّة «3» عفراء سمراء عسلق «4»
إذا غادرته تبتغى ما يعيشه ... كفاها رذاياها الرّقيع «5» الهبنّق
غدت تستقى من منهل ليس دونه ... مسيرة شهر للقطا متعلّق
لأزغب مطروح بجوز تنوفة ... تلظّى سموما قيظه فهو أورق «6»
تراه إذا أمسى وقد كاد جلده ... من الحرّ عن أوصاله يتمزّق
غدت فاستقلّت ثم ولّت مغيرة ... بها حين يزهاها الجناحان أولق «7»
تيمّم ضحضاحا من الماء قد بدت ... دعا ميصه «8» فالماء أطحل «9» أطرق «10»
فلما أتته مقدحرّا «11» تغوّثت «12» ... تغوّث مخنوق فتطفو وتغرق
(10/264)

تجرّ «1» وتلقى فى سقاء كأنّه ... من الحنظل العامىّ جر ومعلّق
فلمّا ارتوت من مائها لم يكن لها ... أناة وقد كادت من الرّىّ تبصق
طمت «2» طموة صعدا ومدّت جرانها ... وطارت كما طار الشّهاب «3» المحلّق
ذكر شىء من الأوصاف والتشبيهات الشعريّة الجامعة لمجموع هذا النوع الذى ذكرناه
من ذلك قول بعض الشعراء:
وقبلى أبكى كلّ من كان ذا هوى ... هتوف البواكى والدّيار البلاقع
وهنّ على الأفلاق «4» من كلّ جانب ... نوائح ما تخضلّ منها المدامع
مزبرجة الأعناق نمر ظهورها ... مخطّمة بالدّرّ خضر روائع
ترى طررا بين الخوافى كأنّها ... حواشى برود زينّتها الوشائع
ومن قطع الياقوت صيغت عيونها ... خواضب بالحنّاء منها الأصابع
وقال أبو الأسود الدؤلىّ من أبيات:
وساجع فى فروع الأيك هيّجنى ... لم أدر لم ناح ممّا بى ولم سجعا
أباكيا إلفه من بعد فرقته ... أم جازعا للنّوى من قبل أن تقعا
يدعو حمامته والطير هاجعة ... فما هجعت له ليلا ولا هجعا
(10/265)

موشّح «1»
سندسا خضر مناكبه ... ترى من المسك فى أذياله لمعا
له من الآس طوق فوق لبّته ... من البنفسج والخيرىّ «2» قد جمعا
كأنما عبّ «3» فى مسودّ غالية ... وحلّ من تحته الكافور فانتقعا «4»
كأنّ عينيه من حسن اصفرارهما ... فصّان من حجر الياقوت قد قطعا
كأنّ رجليه من حسن احمرارهما ... ما رقّ من شعب المرجان فاتّسعا
شكا النّوى فبكى خوف الأسى فرمى ... بين الجوانح من أوجاعه وجعا
والريح تخفضه طورا وترفعه ... طورا فمنخفضا يدعو ومرتفعا
كأنه راهب فى رأس صومعة ... يتلو الزّبور ونجم الصبح قد طلعا
وقال ابن «5» اللّبانة الأندلسىّ:
وعلى فروع الأيك شاد يحتوى ... طرفى لآخر تحتويه الأضلع
يندى له رطب الهواء فيغتدى ... ويظلّه ورق الغصون فيهجع
تخذ الأراك أريكة لمنامه ... فله إلى الأسحار فيها موضع
حتى إذا ما هزّه نفس الصّبا ... والصبح، هزّك منه شدو مبدع
فكأنما تلك الأراكة منبر ... وكأنه فيها خطيب مصقع
(10/266)

وقال بعض الأعراب [يصف مطوّقة «1» ] :
دعت فوق ساق دعوة لو تناولت ... بها الصّخر من أعلى أبان «2» تحدّرا
تبكّى بعين ليس تذرى دموعها ... ولكنّها تذرى الدموع تذكّرا
محلّاة طوق ليس تخشى انفصامه ... إذا همّ أن يبلى تجدّد آخرا
لها «3» وشح دون التّراقى وفوقها ... وصدر كمقطوف البنفسج أخضرا
تنازعها الألوان «4» شتّى صقالها ... بدا لتلالى الشمس فيه تحيرا «5»
وقال شاعر أندلسىّ:
وما شاقنى إلا ابن ورقاء هاتف ... على فنن بين الجزيرة والجسر
مفتّق طوق لازوردىّ كلكل ... موشّى الطّلى أحوى القوادم والظهر
أدار على الياقوت أجفان لؤلؤ ... وصاغ على الأجفان طوقا من التّبر
حديد شبا المنقار داج كأنه ... شبا قلم من فضّة مدّ من حبر
توسّد من فرع الأراك أريكة ... ومال على طىّ الجناح مع النّحر
ولمّا رأى دمعى مراقا أرابه ... بكائى فاستولى على الغصن النّضر
وحثّ جناحيه وصفّق طائرا ... فطار بقلبى حيث طار وما يدرى
وقال آخر:
كأنّ بنحرها والجيد منها ... إذا ما أمكنت للنّاظرينا
مخطّا كان من قلم لطيف ... فخطّ بجيدها والنحر نونا
(10/267)

وقال ابن الرّومى:
مطوّقة تبكى ولم أر باكيا ... بدا ما بدا من شجوها لم يسلّب «1»
وقد أوردنا فى باب الغزل والنّسيب من هذا المعنى فيما قيل على لسان الورقاء ما يستغنى عن تكراره.
وأمّا اليمام وأصنافه وما وصف به وما قيل فيه
- فالعرب تقول: إن هذه التسمية واقعة على النوع الذى تسمّيه عامّة الناس الحمام؛ وهو أصناف مختلفة الأشكال والألوان والأفعال، منها «الرّواعب» و «المراعيش» و «العدّاد» و «الميساق» و «الشّدّاد» و «القلّاب» و «الشّقّاق» و «المنسوب» .
فأمّا الرّواعب
- وهو ألوان كثيرة. وزعم الجاحظ أنه تولّد بين ورشان ذكر وحمام أنثى، فأخذ من الأب الجثّة ومن الأمّ الصوت، وفاته سرعة الطيران فلم يشبههما فيه؛ وله من عظم البدن وكثرة الفراخ والهديل والقرقرة ما ليس لأبويه، حتى صار ذلك سببا للزيادة فى ثمنه والحرص على اتّخاذه.
وأمّا المراعيش
- وهى تطير مرتفعة حتى تغيب عن النظر فترى فى الجوّ كالنّجم.
(10/268)

وأمّا العدّاد
- فهو طير ضخم، قليل الطيران [كثير الفراخ «1» ] .
وأمّا المسياق
- وهو أضخم من العدّاد وأنبل، ثقيل الجسم لا يستطيع الطيران إلّا قليلا.
وأمّا الشدّاد
- فهو لا يلزم الطيران فى الجوّ، وله قوّة فى جناحه [حتى يقال إنّه ربما يكسر الجوزبه، ولا يأتى من الغاية لبله فيه «2» ] . وأصحاب الرّغبات فى تربية هذا الصّنف يلقونه على البصريّات فيخرج من بينهما حمام يسمّى «المضرّب» يجتمع فيه هداية البصرىّ وشدّة الشّدّاد. والشدّاد يطير صعدا حتى يرى كالنّجم.
وفى ذنبه إحدى وثلاثون ريشة.
وأمّا القلّاب
- فتسميّه العراقيون «الملّاح» ؛ وسمّى بذلك لتقلّبه فى طيرانه.
والشّقّاق «3» - وطيرانه تحويم.
وأمّا المنسوب
«4» - ويسمّيه العراقيّون «الهوادى» ، والمصريون «5» يسمونه «البصارى» [يعنون «6» البصرية] ، وهو بالنسبة إلى ما تقدّم ذكره كالعتاق من
(10/269)

الخيل، وما عداه فيها كالبراذين. وفيها «العلوىّ» وهو ألطف جرما وأسرع طيرانا؛ وهو يطلب وكره ولو أرسل من مسافة ألف فرسخ، ويحمل البطائق ويأتى بها من المسافة البعيدة فى المدّة القريبة. قالوا: وفيه ما يقطع ثلاثة آلاف فرسخ فى يوم واحد. وسباع الطير تطلبه أشدّ طلب. وخوفه من الشاهين أشدّ من خوفه من غيره. وهو أطير منه ومن سباع الطير كلّها؛ لكنه يذعر فيجهل باب المخلص.
والمحمود منه ما وصفه الجاحظ عن أفليمون صاحب الفراسة أنه قال:
جميع الفراسة لا تخرج عن «1» أربعة أوجه: أوّلها التقطيع، والثانى المجسّة، والثالث الشمائل، والرابع الحركة.
فأمّا التقطيع- فانتصاب العنق والخلقة، واستدارة الرأس من غير عظم ولا صغر، وعظم القرطمتين «2» ونقاؤهما، واتّساع المنخرين، وانهرات الشّدقين، وسعة الجوف، ثم حسن خلقة العينين مع توقّدهما، وقصر المنقار فى غير دقّة، ثمّ اتّساع الصدر، وامتلاء الجؤجؤ، وطول العنق، وإشراف المنكبين، وانكماش الجناحين، وطول القوادم فى غير إفراط، ولحوق بعض الخوافى ببعض، وصلابة القصب فى غير انتفاخ ولا يبس، واجتماع الخلق فى غير الجعودة والكزازة «3» ، وعظم الفخذين «4» ، وقصر السّاقين والوظيفين، وافتراق الأصابع، وقصر الذّنب وخفّته من غير تفنين «5» وتفريق، ثم توقّد الحدقتين وصفاء اللّون. فهذه علامة الفراسة فى التقطيع.
(10/270)

وأمّا علامة المجسّة- فوثاقة الخلق، وشدّة اللّحم، ومتانة العصب، وصلابة القصب، ولين الرّيش فى غير رقّة، وصلابة المنقار فى غير دقّة.
وأمّا علامة الشمائل- فقلّة الاختيال، وصفاء البصر، وثبات النظر، وشدّة الحذر، وحسن التّلفّت، وقلّة الرّعدة عند الفزع، وخفّة النهوض إذا طار، وترك المبادرة إذا لقط.
وأمّا علامة الحركة- فالطيران فى علوّ، ومدّ العنق فى سموّ، وقلّة الاضطراب فى جوّ السماء، وضمّ الجناحين فى الهواء، وتتابع الرّكض فى غير اختلاط، وحسن القصد فى غير دوران، وشدّة المدّ فى الطيران. فإذا أصبته جامعا لهذه الصفات فهو الطائر الكامل.
وقد وصف الجاحظ الحمام فى كتاب الحيوان وبسط فيه القول ووسّع المجال.
ونحن الآن نورد ملخّص ما قاله فيه، قال:
ومن مناقب الحمام حبّه للناس وأنس الناس به، وهو من الطير الميامين. وهو إذا علم الذكر منه أنّه قد أودع رحم الأنثى ما يكون منه الولد، تقدّما فى إعداد العشّ، ونقل القصب وشقق «1» الخوص، وأشباه ذلك من العيدان الخوّارة «2» الدّقاق، حتى يعملا أفحوصة وينسجاها نسجا متداخلا فى الموضع الذى اتّخذاه واصطنعاه عشّا بقدر جثمان الحمامة؛ ثم أشخصا لتلك الأفحوصة حروفا غير مرتفعة لتحفظ البيض وتمنعه من التّدحرج، ولتلزم كتفى الجؤجؤ، ولتكون رفدا لصاحب الحضن، وسندا للبيض؛ ثم يتعاوران ذلك المكان ويتعاقبان تلك الأفحوصة يسخّنانها
(10/271)

ويدفئانها ويطيّبانها «1» وينفيان عنها طباعها الأول ويحدثان لها طبيعة أخرى مشتقّة من طبائعهما ومستخرجة من رائحة أبدانهما وقواهما، لكى تقع البيضة إذا وقعت فى موضع يكون أشبه المواضع طباعا بأرحام الحمام مع الحضانة [والوثارة «2» ] ، كى لا تنكسر البيضة بيبس الموضع، ولئلا تنكر طباعها طباع المكان، وليكون على مقدار من البرد والسّخونة والرّخاوة والصّلابة. ثم إن ضربها المخاض وطرّقت ببيضها، بدرت إلى الموضع الذى قد أعدّته وتحاملت إليه، إلّا أن يقرعها رعد قاصف أو ريح عاصف فإنها ربما رمت بها دون الأفحوصة. والرّعد ربّما أفسد البيض. فإذا وضعت البيض فى ذلك المكان الذى أعدّاه لا يزالان يتعاقبان الحضن ويتعاورانه حتى تنتهى أيّامه ويتمّ ميقاته؛ فعند ذلك ينصدع البيض عن الفرخ، فيخرج عارى الجلد صغير الجناح مستدّ الحلقوم؛ فيعلمان أنّه لا يتّسع حلقه وحوصلته للغذاء، فلا يكون لهما همّ إلّا أن ينفخا فى حلق الفرخ الرّيح لتتّسع الحوصلة بعد التحامها. ثم يعلمان أنه وإن اتّسعت الحوصلة لا يحمل فى أوّل اغتذائه أن يزقّ بالطّعم، فيزقّ باللّعاب المختلط بقواهما وقوى الطّعم. ثم يعلمان أنّ الحوصلة تضعف عن استمراء الغذاء وهضم الطّعم فيأكلان من شروج «3» أصول الحيطان- وهو شىء من الملح المحض والتراب الخالص، وهذا هو السّبخ- فيزقّانه به. حتى إذا علما أنه قد اندبغ «4» واشتدّ زقّاه بالحبّ الذى قد غبّ فى حواصلهما؛ ثم يزقّانه بعد ذلك بالحبّ والماء. حتى إذا علما أنه قد أطاق
(10/272)

اللّقط معناه بعض المنع ليحتاج إلى اللّقط فيتعوّده. فإذا علما أنّ إرادته قد تمّت وأنه قد قوى على اللّقط وبلغ بنفسه منتهى حاجته، ضرباه إذا سألهما الكفاية، ونفياه متى رجع إليهما، وتنتزع تلك الرحمة العجيبة منهما وينسيان ذلك التعطّف.
ثم يبتدئان العمل ثانيا على ذلك النظام وتلك المقدّمات. فسبحان الهادى الملهم.
قال: ثم يبتدئ الذّكر بالدّعاء والطّراد؛ وتبتدئ الأنثى بالتّأتّى والاستدعاء، ثم تزيف «1» وتشكل «2» ، وتمكّن وتمنع، وتجيب وتصدف بوجهها؛ ثم يتعاشقان ويتطاوعان ويكون بينهما قبل وارتشاف وإدخال فمها فى فمه؛ وذلك هو التّطاعم والمطاعمة. قال الشاعر:
لم أعطها «3» بيدى إذ بتّ أرشفها ... إلّا تطاول غصن الجيد بالجيد
كما تطاعم فى خضراء ناعمة ... مطوّقان أصاخا بعد تغريد
قال أبو عثمان: ومما أشبه فيه الحمام الناس أن ساعات الحضن على البيض أكثرها على الأنثى، وإنما يحضن الذكر حضنا يسيرا. والأنثى كالمرأة فى كفالة الصبىّ، حتى إذا ذهب الحضن وصار البيض؟؟؟ صراخا كالأطفال فى البيت يحتاجون إلى الطعام والشّراب صار أكثر ساعات الزّقّ على الذكر.
وقال: قال مثنّى بن زهير- وهو إمام الناس فى البصرة بالحمام-: لم أر شيئا قطّ فى رجل ولا امرأة إلّا وقد رأيت مثله فى الذكر والأنثى من الحمام.
رأيت حمامة لا تريد إلّا ذكرها، كالمرأة لا تريد إلّا زوجها أو سيّدها. ورأيت حمامة لا تمنع شيئا من الذّكورة؛ ورأيت امرأة لا تمنع يد لامس. ورأيت
(10/273)

حمامة لا تزيف إلّا بعد طراد شديد وشدّة طلب، ورأيتها تزيف لأوّل ذكر يريدها، ورأيت من النساء كذلك. ورأيت حمامة لها زوج وهى تمكّن ذكرا آخر لا تعدوه، ورأيت مثل ذلك فى النساء. ورأيتها تزيف لغير ذكرها وذكرها يراها، ورأيتها لا تفعل ذلك إلّا وذكرها يطير أو يحضن. ورأيت الحمامة تقمط الحمامة، ورأيت الحمام الذكر يقمط الذكر. ورأيت أنثى كانت لا تقمط إلّا الإناث، ورأيت أخرى تقمط الإناث فقط ولا تدع أنثى تقمطها، ورأيت ذكرا يقمطها ويدعها حتى تقمطه. ورأيت ذكرا يقمط الذكور وتقمطه؛ ورأيت ذكرا يقمط الذكور ولا يدعها تقمطه؛ ورأيت أنثى تزيف للذكور ولا تدع شيئا منها يقمطها؛ ورأيت هذه الأصناف كلّها فى السّحّاقات واللّاطة. قال: وامتنعت علىّ خصلة فو الله لقد رأيتها؛ لأنى رأيت من النساء من تزنى أبدا وتساحق أبدا ولا تتزوّج؛ ومن الرجال من يلوط أبدا ويزنى أبدا ولا يتزوّج، ورأيت حماما ذكرا يقمط ما لقى ولا يزاوج، ورأيت حمامة تمكّن كلّ حمام أرادها من ذكر أو أنثى وتقمط الذكورة والإناث ولا تزاوج، ورأيتها تزاوج ولا تبيض، وتبيض فيفسد بيضها، كالمرأة. قال: ورأيت ذكرا له أنثيان وقد باضتا منه، وهو يحضن مع هذه ومع تلك ويزقّ مع هذه ومع تلك، ورأيت أنثى تبيض بيضة، ورأيت أنثى تبيض فى أكثر حالاتها ثلاث بيضات. قال: ورأيت حمامة تزاوج هذا الحمام ثم تتحوّل منه إلى آخر، ورأيت ذكرا فعل مثل ذلك فى الإناث، ورأيت الذكر كثير النّسل قويّا على القمط.
قال الجاحظ: والحمام يبيض عشرة أشهر من السنة؛ فإذا صانوه وحفظوه وأقاموا له الكفاية وأحسنوا تعهّده باض فى جميع السنة. والفواخت والأطرغلّات «1»
(10/274)

والحمام البرّىّ تبيض مرّتين فى السنة. قال: ويتمّ خلق الحمام فى أقلّ من عشرة أيام.
والحمامة فى أكثر أمرها يكون «1» أحد فرخيها ذكرا والآخر أنثى؛ وهى تبيض أوّلا البيضة التى فيها الذكر ثم تقيم يوما وليلة وتبيض الأخرى. وتحضن ما بين السبعة عشر يوما إلى العشرين. والأنثى أبرّ بالبيض، والذكر أبرّ بالفراخ. ولقد أطنب أبو عثمان الجاحظ وأوغل وبسط القول فى ذكر الحمام وأوصافه ومناقبه والمغالاة فى ثمنه والحرص على اقتنائه، حتى إنه قال: وللحمام من الفضيلة والفخر أنّ الحمام الواحد يباع بخمسمائة دينار؛ ولم يبلغ ذلك باز ولا شاهين ولا عقاب. قال: وأنت إذا أردت أن تتعرّف مبلغ ثمن الحمام الذى جاء من الغاية ثم دخلت بغداد والبصرة، وجدت ذلك بلا معاناة. وهذا يدلّ على أنّ قوله فيه كان مشهورا عندهم فى وقته.
ثم قال: والحمام إذا جاء من الغاية بيع الذّكر من فراخه بعشرين دينارا وأكثر، وبيعت الأنثى بعشرة دنانير وأكثر [وبيعت البيضة «2» بخمسة دنانير] ؛ فيقوم الزوج منها من الغلّة مقام ضيعة، حتى ينهض بمؤونة العيال وبقضاء الدّين، وتبنى من غلّاته «3» وأثمان رقابه الدّور والجنان وتبتاع الحوانيت. ثم وصف حجر الحمام ومقاصيرها المبنيّة فى ذلك الزمان وما يعانيه أهلها من حديثها «4» والاحتفال بها فى المسابقة وغيرها.
وأطال فى ذلك. وقال: وللحمام من حسن الاهتداء، وجودة الاستدلال، وثبات الحفظ والذّكر، وقوّة النزاع إلى أربابه، والإلف لوطنه، أن يكون طائرا من بهائم الطير يجىء من مسافة كذا إلى مسافة كذا. قال: ولن ترى جماعة طير أكثر طيرانا
(10/275)

إذا كثرن من الحمام؛ فإنّهنّ كلما التففن «1» وضاق موضعهنّ كان أشدّ لطيرانهنّ.
قال النابغة:
واحكم كحكم فتاة «2» الحىّ إذ نظرت ... إلى حمام شراع «3» وارد الثّمد
يحفّه «4» جانبا نيق «5» وتتبعه ... مثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد
فحسبوه فألفوه كما حسبت ... تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد
فأكملت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة فى ذلك العدد
قال الأصمعىّ: لما أراد أن يمدح الحاسب وسرعة إصابته شدّد الأمر وضيّقه عليه ليكون أحمد له إذا أصاب؛ فجعله حزر طيرا والطير أخفّ من غيره؛ ثم جعله
(10/276)

حماما والحمام أسرع الطير وأكثر اجتهادا فى السرعة إذا كثر عددهنّ، وذلك أنه يشتدّ طيرانه عند المسابقة والمنافسة. وقال: «يحفّه جانبا نيق وتتبعه» ، فأراد أن الحمام إذا كان فى مضيق من الهواء كان أسرع من أن يتسع عليه الفضاء. والله أعلم بالصواب.
ذكر ما قيل فى طوق الحمامة
يقال: إنّ نوحا صلى الله عليه وسلم لما كان فى السفينة بعث الغراب ليكشف له هل ظهر من الأرض موضع، فوقع على جيفة فلم يرجع إليه؛ فبعث بالحمامة، فاستجعلت على نوح الطّوق الذى فى عنقها فجعل لها ذلك جعلا. وفى ذلك يقول أميّة بن أبى الصّلت:
وأرسلت الحمامة بعد سبع ... تدلّ على المهالك لا تهاب
تلمّس هل ترى فى الأرض عينا ... وعاينه من الماء العباب «1»
فجاءت بعد ما ركضت بقطف ... عليه «2» الثّأط «3» والطّين الكباب «4»
فلمّا فرّسوا الآيات صاغوا ... لها طوقا كما عقد السّخاب «5»
إذا ماتت تورّثه بنيها ... وإن تقتل فليس لها «6» استلاب
(10/277)

وقال أيضا فيها:
سمع الله لابن آدم نوح ... ربّنا ذو الجلال والإفضال
حين أوفى بذى الحمامة والنا ... س جميعا فى فلكه كالعيال
حابسا خوفه عليه رسولا ... من خفاف الحمام كالتّمثال
فرشاها على الرّسالة طوقا ... وخضابا علامة غير بال
فأتته بالصّدق لمّا رشاها ... وبقطف لمّا بدا عثكال «1»
قوله: «فرشاها» أى جعل لها جعلا.
وقال فيها:
وما كان أصحاب الحمامة خيفة ... غداة غدت منهم تضمّ الخوافيا
رسولا لهم والله يحكم أمره ... يبين لهم هل برنس التّرب باديا
فجاءت بقطف آية مستبينة ... فأصبح منها موضع الطين جاديا «2»
على خطمها واستوهبت ثم طوقها ... وقالت ألا لا تجعل الطوق حاليا
ولا ذهبا إنى أخاف نبالهم ... يخالونه مالى وليس بماليا
وزدنى على طوقى من الحلى زينة ... تصيب إذا أتبعت طوقى خضابيا
وزدنى لطرف الطين منك بنعمة ... وورّث إذا ما متّ طوقى حماميا
يكون لأولادى جمالا وزينة ... وعنوان زينى زينة من ترابيا
(10/278)

ذكر شىء مما وصف به هذا النوع نظما ونثرا
قال عبد الواحد بن فتوح الأندلسىّ يصف حماما بسرعة الطيران والسّبق:
يجتاب أودية السّحاب بخافق ... كالبرق أومض فى السّحاب فأبرقا
لو سابق الريح الجنوب لغاية ... يوما لجاءك مثلها أو أسبقا
يستقرب الأرض البسيطة مذهبا ... والأفق ذا السّقف الرفيعة مرتقى
ويظلّ يسترقى السماء بخافق ... فى الجوّ تحسبه الشّهاب المحرقا
يبدو فيعجب من رآه لحسنه ... وتكاد آية عنقه أن تنطقا
مترقرقا من حيث درت كأنما ... لبس الزجاجة أو تجلب زئبقا
وقال أبو هلال العسكرىّ فى حمام أبلق:
ومتّفقات الشكل مختلفاته ... لبسن ظلاما بالصباح مرقّعا
أخذن من الكافور أنفا ومنسرا «1» ... وخضّبن بالحنّاء كفّا وإصبعا
وترنو بأبصار إذا ما أدرنها ... جلون عقيقا للعيون مرصّعا
تطير بأمثال الجلام كأنّها ... جنادل تدحوها ثلاثا وأربعا
تبوع «2» بها فى الجوّ من غير فترة ... كأنّ مجاديفا تبوع بها معا
إذا هى عبّت فى الغدير حسبتها ... تزقّ فراخا فى المغاور جوّعا
وقال القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانىّ من رسالة يصف طائرا جاء من غاية:
«وكان هذا الطائر أحد الرسل المسيّرة بل المبشّره، والجنود المجرّدة بل المسخّره؛ فإنها لا تزال أجنحتها تحمل من البطائق أجنحه، وتجهّز من جيوش المقاصد والاقلام
(10/279)

أسلحه؛ وتحمل من الأخبار ما تحمل الضمائر، وتطوى الأرض إذا نشرت الجناح الطائر؛ وتزوى لها حتى ترى ما سيبلغه ملك هذه الأمّة، وتقرب بها السماء حتى ترى ما لا يبلغه وهم ولا همّه؛ وتكون مراكب للأغراض لمّا كانت الأجنحة قلوعا، وتركب الجوّ بحرا يصفّق فيه هبوب الرياح موجا مرفوعا؛ وتعلّق الحاجات على أعجازها، فلا تعرف الإرادات غير إنجازها. ومن بلاغات البطائق استعارت ما هى به مشهورة من السّجع، ومن رياض كتبها ألفت الرياض فهى إليها دائمة الرّجع.
وقد سكنت البروج فهى أنجم، وأعدّت فى كنائنها فهى للحاجات أسهم. وقد كادت تكون ملائكة فإذا نيطت بالرّقاع، صارت أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع. وقد باعد الله بين أسفارها وقرّبها، وجعلها طيف اليقظة الذى صدق العين وما كذبها.
وقد أخذت عهود الأمانة فهى فى أعناقها أطواقا، فأدّتها من أذنابها أوراقا؛ فصارت خوافى وراء الخوافى، وغطّت سرّها المودع بكتمان سحبت عليه ذيول ريشها الضوافى «1» ؛ ترغم النّوى بتقريب العهود، وتكاد العيون تلاحظها تلاحظ أنجم السعود؛ فهى أنبياء «2» الطير لكثرة ما تأتى به من الأنباء، وخطباؤها لأنها تقوم على منابر الأغصان مقام الخطباء» . والله أعلم بالصواب.
وأما الببّغاء وما قيل فيها
- والببّغاء طائر هندىّ، وحبشىّ. حسن الخلق، دمث الخلق، ثاقب الفهم، له قوّة على حكاية الأصوات بالتلقين والتعليم؛ تتخذه الملوك وأكابر الناس فى منازلهم. وفى لونه الأخضر والأغير والأسود والأحمر
(10/280)

والأصفر والأبيض. وهذه الألوان كلّها قليلة نادرة الوجود إلّا الأخضر والأغبر.
وقد شاهدت أنا بالقاهرة المعزّيّة درّة «1» بيضاء. وحكى أنه أهدى إلى معزّ الدولة «2» ابن بويه ببغداد هديّة من اليمن كان فيها ببّغاء بيضاء، سوداء المنقار والرجلين، وعلى رأسها ذؤابة فستقيّة. وهذا الطائر يتناول الطّعم برجله. وله منقار معقّف قصير يكسر به ما صلب وينقب به ما تعسّر نقبه. وهو فى مأكله ومشربه كالإنسان التّرف الظريف. والناس يحتالون على تلقينه بأن ينصبوا تجاهه مرآة يرى خياله فيها ويتكلّم الإنسان من ورائها، فيتوهّم الطائر أنّ خياله فى المرآة هو المتكلّم فيأخذ نفسه بحكاية ما يسمعه من ذلك الصوت.
وقال المولى تاج الدين عبد الباقى اليمانىّ رحمه الله فيها ملغزا:
يا سيّدا أبدع فى المقال ... ويا رئيسا فاق فى المعالى
ما حيوان مشبه الإنسان ... مرتّل الآيات فى القرآن
ذو مبسم صيغ من النّضار ... ومقلة قد ركّبت من قار
ومخلب يكسّر الصّليبا ... ومنطق يفاخر الخطيبا
ذو حلّة بنديّة البرود ... منسوجة من أخضر البنود
كروضة قد أينعت أزهارها ... وأدهشتنا بالغنا أطيارها
(10/281)

قد جمعت فى ذاته ألوان ... كأنّه فى خلقه بستان
فذاته من ناصع الزّبرجد ... ونوره مركّب من عسجد
وتارة يبصر من أقاحى ... خلقته «1» فى سائر النواحى
وعرفه من خالص المداد ... ونطقه مستحكم الإيراد
يأكل بالكفّ خلاف الطير ... ويغتدى وهو قدير السّير
إن لقط الحبّ لدى تفريقه ... رأيت درّا جال فى عقيقه
يحفظ بيت المرء فى المغيب ... ويغتدى كالحارس المرهوب
سميّه فى أسفل البحار ... مستودع فى آخر التيّار
إليه يعزى الشاعر المجيد ... والكاتب النّحرير والمجيد
فاكشف معمّى ما لغزت يا إمام ... واسلم على مرّ الدهور فى الدّوام
(10/282)

الباب الخامس من القسم الخامس من الفن الثالث فى الطير الليلىّ
ويشتمل هذا الباب على ذكر ما قيل فى الخفّاش، والكروان، والبوم، والصّدى.
فأمّا الخفّاش وما قيل فيه
- فالخفّاش ليس من الطير فى شىء؛ فإنه ذو أذنين ظاهرتين وأسنان وخطم وخصيتين بارزتين، ويبول كما تبول ذوات الأربع، ويحيض، ويلد، ويرضع، ولا ريش له. قال بعض المفسّرين لكتاب الله عزّ وجلّ: إنّ الخفّاش هو الطائر الذى خلقه عيسى بن مريم عليه السلام بإذن الله تعالى؛ ولذلك هو مباين لصنعة الخالق؛ ولهذا سائر الطير تقهره وتبغضه؛ فما كان منها يأكل اللحم أكله، وما لا يأكل اللحم قتله؛ فلذلك لا يطير إلّا ليلا. وطعامه البعوض والفراش يصيدهما وقت طيرانه، ولا يبلغ ذلك إلا بما فيه من سرعة الاختطاف وشدّة الطيران ولين الأعطاف. وهو مع ذلك ليس بذى ريش وإنما هو لحم مغشّى بجلد صلب كأنّه جلد ضفدع، وهو يطير بغير ريش؛ وهذا من العجب.
وهو لا يطير فى ضوء ولا ظلمة. وسبب ذلك أنه ضعيف حاسّة البصر، قليل شعاع العين؛ فالشمس تضعف بصره عن التحديق فى شعاعها، والظلمة تغمر ضياء بصره؛ فهو يجعل طيرانه لطلب قوته وقت غروب الشمس وظهور الشّفق. [وذلك وقت هيج البعوض وانتشاره «1» ] . ومنازله تكون فى الجبال وصدوع الصخور وبسيط
(10/283)

الفيافى وجزائر البحر والأماكن الخربة المهجورة. وهو يطلب قرب الناس؛ فإذا كان فى بيوتهم قصد أرفع مكان وأحصنه فيكون فيه. ويذكر بطول العمر، ويكبر حتى يكون فى قدر الحدأة وأكبر. وهو يلد ما بين الثلاثة إلى التسعة.
ويسفد غالبا وهو طائر فى الهواء. وهو يحمل ولده تحت جناحه، وربما قبض عليه بفيه لإشفاقه عليه. وربّما أرضعت الأنثى ولدها وهى طائرة. أخبرنى من شاهد ذلك ممن يعتمد على نقله. وهو متى أصابه شجر الدّلب خدر.
قال الجاحظ: والخفّاش يأتى الرّمّانة وهى على شجرتها فينقب عنها ويأكل جميع ما فيها حتى لا يدع إلا القشر وحده. قال: ولحوم الخفافيش موافقة للشواهين والصّقور والبوازى ولكثير من جوارح الطير، وهى تسمن عنها وتصحّ أبدانها عليها، ولها فى ذلك عمل محمود ناجع عظيم النفع بيّن الأثر.
وقال بعض الشعراء فى الخفّاش ملغزا:
وطائر جناحه فى رجله ... أبعد شىء فصّه من وصله»
لم يوصف «2» الله بخلق مثله ... وهو على تآلف فى شكله
لو بيع فى سوق له لم أغله
وقال آخر:
أبى علماء الناس أن يخبروننى ... وقد ذهبوا فى العلم فى كلّ مذهب
بجلدة إنسان وصورة طائر ... وأظفار يربوع وأنياب ثعلب
(10/284)

وأمّا الكروان وما قيل فيه
- والكروان طائر من طبعه وعادته الطيران فى الليل، والإدلاج والصّياح بالأسحار، والإشراف على مواضع العساكر.
ويوصف بالحمق؛ ومن حمقه أنه يقال له: أطرق كرا، فيلصق بالأرض حتى يرمى.
وتقول العرب: «أطرق كرا أطرق كرا إنّ النّعامة فى القرى «1» » .
وأمّا البوم وما قيل فيه
- ويقال: إنه الصّدى، ويقال: بل الصّدى ذكر البوم، وللبوم ذكر له منه. ويقال: إنه خمسة أصناف: منه ما يصيد الأرنب. ومنه صنف له لونان يأوى الاكام والبرّيّة. ومنه المدبّج بالصّفرة، وله حواجب وقرون من ريش، ويسكن الجدران. ومنه الهام ويسمّى «الغبشيّة «2» » .
ومنه «القن» وهو يصيح كالهام لكنّ صوته أدقّ. وكل هذه الأصناف تحب الخلوة بنفسها. وهى تبغض الغربان، وسائر أصناف الطير تبغضها؛ فإنّ الطيور إذا رأينها يطرن حولها وينتفن ريشها؛ فلذلك صيّاد والطيور يجعلونها فى مصايدهم؛ لأن الطيور إذا رأوها اجتمعوا عليها، فتصاد عند ذلك.
(10/285)

وأما الصّدى وما قيل فيه
- فالعرب تزعم أن الإنسان إذا مات أو قتل تتصوّر نفسه فى صورة طائر تصرخ على قبره مستوحشة لجسدها. وفى ذلك يقول توبة:
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت ... علىّ ودونى جندل وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
ويحكون على ذلك حكاية «1» . وتقول العرب: إنّ هذا الطائر يكون صغيرا ثم يكبر حتى يصير فى قدر البوم، ويسمّونه الهام، واحده هامة. وهو يتوحّش ويصيح ويوجد فى الدّيار المعطّلة والنّواويس «2» وحيث مصارع القتلى وأجداث الأموات. ويقولون: إنه لا يزال عند ولد الميّت ومخلفيه ليعلم ما يكون بعده فيخبره. وهذا كلّه أراه من خرافات العرب وأكاذيبها. وما زالوا على ذلك حتى جاء الإسلام فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فقال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة» الحديث. والله أعلم.
(10/286)

الباب السادس من القسم الخامس من الفن الثالث فى الهمج
وقد قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ فيه: إنه ليس من الطير، ولكنّه مما يطير كالحشرات مما يمشى. والذى أطلق عليه اسم الهمج هو مما يشتمل عليه هذا الباب، وهو النّحل، والزّنبور، والعنكبوت، والجراد، ودود القزّ، والذّباب، والبعوض، والبراغيث، والحرقوص.
فأمّا النحل وما قيل فيه
- قال الله عزّ وجلّ: (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)
. وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه: أنّ رجلا أتى النبىّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخى يشتكى بطنه يا رسول الله؛ فقال النبىّ صلى الله عليه وسلم: «اسقه عسلا» . ثم أتاه فقال: قد فعلت؛ فقال:
«اسقه عسلا» . ثم أتاه فقال: قد فعلت؛ فقال: «اسقه عسلا» . ثم أتاه فى الرابعة؛ فقال: «صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلا» ؛ فسقاه فبرئ الرجل.
وقال أرسطو: النحل تسعة أصناف: ستّة منها يأوى بعضها إلى بعض، وذكر أسماءها باليونانيّة. وغذاء «1» النحل من الفضول «2» الحلوة والرّطوبات. والنحل
(10/287)

لا تقعد على أزهار مختلفة بل على زهر واحد؛ وإن قعدت على زهر آخر فإنما تقعد عليه بعد أن تنصرف إلى الخليّة. وبيوتها من أعجب المبانى؛ لأنها مبنيّة على الشكل الذى لا ينتهك ولا ينخرق، كأنه حرّر بآلة وقياس هندسىّ. وإذا هلك شىء من النحل فى باطن الخلايا أخرجته الأحياء إلى خارجها. وهو يعمل فى فصل الربيع والخريف. والرّبيعى أجود من الخريفىّ. والصغير منه أعمل من الكبير.
وهو يشرب من الماء النقىّ العذب الصّافى، ويطلبه حيث كان. وهو يسلخ جلده كالحيّات. وتوافقه الأصوات المطربة. ويجتمع للتصفيق بالأيدى والرّقص.
والسوس يضرّه. ودواؤه أن يطرح فى كل خليّة كفّ من الملح، وأن تفتح فى كلّ شهر مرّة وتدخّن بأخثاء البقر.
وقد وصف الشعراء الشّهد والعسل فى أشعارها؛ فمن ذلك قول إبراهيم بن خفاجة الأندلسىّ يصف شهدة بعث بها إليه بعض أصدقائه:
لله ريقة نحل ... رعى الرّبى والشّعابا
وجاب أرضا فأرضا ... يغشى مصابا مصابا «1»
حتّى ارتوى من شفاء ... يمجّ منه رضابا
إن شئت كان طعاما ... أو شئت كان شرابا
وكتب مع هذه الأبيات رسالة، جاء منها: «وكفى النّحلة فضيلة ذات، وجلالة صفات؛ أنّها أوحى إليها، وأثنى فى الكتاب عليها؛ تعلم مساقط الأنداء، وراء البيداء؛ فتقع هناك على نوّارة عبقه، وبهارة «2» أنقه؛ ثم تصدر عنها [بما تطبعه
(10/288)

شمعه، وتبدعه صنعه؛ وترتشف منها «1» ] ما تحفظه رضابا، وتلفظه شرابا؛ وتتجافى بعد منه عن أكرم مجتنى، وأحكم مبتنى.
وأمّا الزّنبور وما قيل فيه
- والزنبور يسمّى «الدّبر» . وهو جبلىّ وسهلىّ. فالجبلىّ يأوى الجبال والأماكن الخشنة، وقد يعشّش على الشّجر، ولونه إلى السواد. والسّهلىّ أحمر اللون ويتّخذ عشّه تحت الأرض ويخرج التراب منه كما يفعل النّمل، وهو يختفى فى الشتاء فلا يظهر، وأكثره يهلك. ومن السّهلىّ صنف مختلف الألوان مستطيل؛ وفى طبعه الشّره يطلب المطابخ ويأكل اللحم، ويطير مفردا ويسكن بطن الأرض.
وصنف الزنبور جميعه مقسوم فى وسطه؛ وهو لذلك لا يتنفّس من جوفه البتّة.
ومتى غمس فى الدّهن سكنت حركاته وذلك لضيق منافذه.
وقد وصفه الشعراء. فمن ذلك قول السّلامىّ:
ولابس لون واحد وهو طائر ... ملوّنة أبراده وهو واقع
أغرّ تردّى طيلسانا مدبّجا ... وسود المنايا فى حشاه ودائع
إذا حكّ «2» أعلى رأسه فكأنما ... بسالفتيه من يديه جوامع «3»
يخاف إذا ولّى ويؤمن مقبلا ... ويخفى عن الأقران ما هو صانع
بدا فارسىّ الزّىّ يعقد خصره ... عليه قباء زيّنته الوشائع «4»
(10/289)

فمعجره «1» الوردىّ أحمر ناصع ... ومئزره التّبرىّ أصغر فاقع
يرجّع ألحان الغريض ومعبد ... ويسقى كؤوسا ملؤها السمّ ناقع
وقال السّرىّ الرّفّاء يصفه:
ومخطف «2» الخصر برده حبر «3» ... نحذره وهو خائف حذر
مجنّح طار فى مجنّحة ... تصعد طورا به وتنحدر
كأنّها والرياح تنثرها ... غرائب الزّهر حين تنتثر «4»
لها حمات كأنها شعر ... تظهر مسودّة وتستتر
قد أذهبت فى الجبين «5» غرّته ... إذ فضّضت فى جيادنا الغرر
سلاحه الدّهر فى مؤخّره ... يطعن طورا به وينتصر
كأنّ شطر الذى يجرّده ... من بين فكّيه حيّة ذكر
وأمّا العنكبوت وما قيل فيه
- قد ضرب الله عزّ وجلّ المثل فى الوهن بالعنكبوت؛ فقال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ)
. والعنكبوت أصناف: منها صنف يسمّى «الرّتيلا» «6» من ذوات السموم القواتل، وهو عنكبوت
(10/290)

صغير. ومنه صنف طويل الأرجل. ومنه صنف يسمّى «اللّيث» يصيد الذّباب، وله ست عيون وثمانى أرجل؛ وقال الجاحظ: ولد العنكبوت يقوى على النّسج ساعة يولد، وذلك من غير تلقين ولا تعليم. وأوّل ما يولد دودا صغارا، ثم يتغيّر ويصير عنكبوتا. وهو يطاول فى السّفاد «1» . ومنه ما هو كبير ونسجه ردىء، ومنه ما هو دقيق. وهو فى نسجه يمدّ السّدى ثم يعمل اللّحمة، ويبتدئ من الوسط؛ ويهيّئ موضعا لما يصيده يكون له كالخزانة. والأنثى منه هى التى تنسج، والذكر يحلّ وينقض. والتى تنسجه لا تخرجه من جوفها بل من خارج جسدها. وفم العنكبوت مشقوق بالطول. وهو إذا صاد الذّباب يثب عليه وثوب الفهد.
وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: إنّ نسج العنكبوت يقطع نزف الدّم إذا جعل على الجراحة، وإذا وضع نسجه على القروح منعها أن ترم وعلى الجراحات «2» .
وإذا طبخ العنكبوت الذى هو غليظ النّسج أبيضه بدهن الورد وقطّر فى الأذن سكّن وجعها. قال: وقال بعضهم: إنّ نسج العنكبوت إذا خلط ببعض المراهم ووضع على الجبهة والصّدغين أبرأ حمّى الغبّ. قال: وزعم بعضهم أنّ نسج الصّنف الذى يكون نسجه كثيفا أبيض إذا شدّ فى خيط وعلّق على العنق والعضد أبرأ حمّى الغبّ.
وقال ابن الرومىّ يصف فهد العنكبوب:
أعجب مستفاد ... أفادنى زمانى
من الفهود فهد ... فى الاسم والعيان
(10/291)

تلك ذوات أربع ... وذاك ذو ثمان
كأنما ارجله ... مخالب النّغران «1»
سيفاه سيفا بطل ... والدرع درع جان
مستأنس ما إن بنى ... والإنس فى مكان
وصائد وهو من ال ... مصيد «2» فى أمان
ذبابه فى كفّه ال ... طائر مثل الو؟؟؟
وليس يبغى بدلا ... بطائر الخوان
إذا دنا فلم يكن ... بينهما عقدان
عانقه أسرع من ... تعانق الأجفان
بخفّة الوثوب بل ... بجرأة الجنان
فهو عزيز عزّة ... فى غاية الهوان
وقال خلف الأحمر فى الرّتيلاء:
ابعث له يا ربّ ذات أرجل ... فى فمها أحجن «3» مثل المنجل
دهماء مثل العنكبوت المحول ... تأخذه من تحته ومن عل
وأمّا الجراد وما قيل فيه
- فالجراد أحد جند الله الذى عذّب الله به قوم فرعون؛ قال الله تعالى: (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ
(10/292)

وَالضَّفادِعَ)
. والعرب تقول: سرأ؟؟؟ الجرادة إذا باضت. فإذا خرج من بيضه فهو «دبى» ، ويخرج دودا أصهب إلى البياض. فإذا تلوّنت فيه خطوط صفر وسود وبيض فهو «المسيّح» . فإذا ضمّ جناحيه فذاك «الكتفان» ؛ لأنه حينئذ يكتف [فى «1» ] المشى. فإذا ظهرت أجنحته وصار أحمر إلى الغبرة فهو «الغوغاء» والواحدة غوغاءة؛ وذلك حين يستقلّ فيموج بعضه فى بعض و [لا «2» ] يتوجّه إلى جهة. فإذا بدت فى لونه الحمرة والصفرة واختلف فى ألوانه فهو «الخيفان» . فإذا اصفرّت الذكور واسودّت الإناث سمّى حينئذ «جرادا» .
[وهو إذا أراد أن يبيض التمس لبيضه المواضع الصّلدة والصخور الصّلبة التى لا تعمل فيها المعاول فيضربها بذنبه فتنفرج له، ثم يلقى بيضه فى ذلك الصّدع فيكون له كالأفحوص ويكون حاضنا له ومربّيا «3» ] .
والجرادة لها ستّ أرجل: يدان فى صدرها، وقائمتان فى وسطها، ورجلان فى مؤخّر جسدها. وطرفا رجليها منشاران. والجراد من الحيوان الذى ينقاد إلى رئيس [يجتمع إليه كالعسكر، إن ظعن أوّله تتابع كلّه ظاعنا؛ وإذا نزل أوّله نزل جميعه «4» ] .
ولعابه سمّ على الأشجار، لا يقع على شىء منها إلا أهلكه. والجرادة فيها شبه من عشرة من جبابرة الحيوان، وهى: وجه فرس، وعينا فيل، وعنق ثور، وقرنا إيّل، وصدر أسد، وبطن عقرب، وجناحا نسر، وفخذا جمل ورجلا نعامة، وذنب حيّة. قال شاعر «5» :
لها فخذا بكر وساقا نعامة ... وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم
حبتها أفاعى الرمل بطنا وأنعمت ... عليها جياد الخيل بالرأس والفم
(10/293)

وقال أبو علىّ بن سينا: أجود الجراد السمين الذى لا جناح له؛ وأرجل الجراد تقلع الثآليل فيما يقال. قال: يؤخذ من مستديراتها اثنتا عشرة وتنزع رءوسها وأطرافها ويجعل معها قليل آس يابس وتشرب للاستسقاء كما هى. قال: والجراد نافع لتقطير البول؛ وإذا تبخّر به نفع عسره وخصوصا فى النساء. ويتبخّر به من البواسير.
والذى لا أجنحة له يشوى ويؤكل للسع العقرب.
وقال بعض الأعراب وذكر فساده: «باكرنا وسمىّ «1» ، ثم خلفه ولىّ؛ حتى كأنّ الأرض وشى منشور، عليه لؤلؤ منثور؛ ثم أتتنا غيوم جراد، بمناجل حداد، فأخربت البلاد، وأهلكت العباد. فسبحان من يهلك القوىّ الأكول، بالضعيف المأكول» .
وقال العسكرىّ يصف جرادة:
أجنحة كأنّها ... أردية من قصب
لكنّها منقوطة ... مثل صدور الكتب
بأرجل كأنّها ... مناشر من ذهب
وقال أيضا:
وأعرابيّة ترتاد «2» زادا ... فتمرق من بلاد فى بلاد
غدت تمشى بمنشار كليل ... تبوع «3» به قرارة كلّ واد
وتنشر فى الهواء رداء «4» شرى ... على أطرافه نقط المداد
(10/294)

وقال يعلى بن إبراهيم الأندلسىّ:
وخيفانة صفراء مسودّة القرا «1» ... أتتك بلون أسود فوق أصفر
وأجنحة قد ألحقتها لرؤية «2» ... تقاصر عن أثناء برد محبّر
وقال آخر:
جرادة حنّت «3» القلوب لها ... حين أشارت بناظرى ربرب
صفراء جسم يشوبها رقط ... فى نقط من عبيرها الأشهب
كأنها والجناح حلّتها ... راقصة فى ممسّك مذهب
ووقفت على حكاية عجيبة فى أمر الجراد، نقلها ابن حلب «4» راغب فى تاريخه فى حوادث سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، قال: قال القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانىّ: حدّثنا القاضى بهاء الدّين بن شدّاد قاضى حلب فى يوم الثلاثاء من عشر [شهر] ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وقدم علينا فى صفر منها، قال: كان الجراد بالشأم قد زاد أمره وعظم خطبه وأمحلت السّنة بعد السّنة ولم يسلم من الزرع إلا أقلّه؛ فأعلم الملك الظاهر «5» غازى صاحب حلب عن طائر يسمى «السّمندل» ،
(10/295)

إذا ظهر الجراد ببلاد أحضر إليها ماء من مكان مخصوص فتبعه ذلك الطائر ووقع على الجراد فأتلفه واستخرج بيضه من التراب ونظّف البلاد منه. قال: فندب ثلاثة نفر من العجم ذوى قوّة فى أبدانهم وصبر على مشقّة المشى فى أسفارهم، وأزاح علّتهم بنفقة وسّعها عليهم، وساروا على خوزستان، واستدلّوا على الضّيعة التى هى من عملها وفيها هذا الماء، فوصلوا إليها وحملوا من الماء، ووجدوا هذه العين على وجه الأرض لا تبلغ إلى أن تفيض فتسيح ولا إلى أن تغيض فتستقى.
ومن تدبير هذا الماء إلى أن يتمّ به المراد ان يحمله الماشى ولا يركب، وإذا نزل بمنزلة علّقه ولا يضعه على الأرض؛ وكان الملك الظاهر قد سيّر معهم دوابّ يركبها من لم يحمل الماء بالنّوبة ويمشى من يحمله؛ ومن عادة من يحمله ألّا ينفرد بنفسه وألّا يسير إلّا فى قافلة وأن يعلم أهلها بما معه ويشهدهم أنه ما ركب ظهر دابّة فى حال حمله، وأنه مشى والماء فى إنائه فى يده؛ وكلّما وصلت قافلة إلى بلد أدّى شهود القافلة ما شهدوا به عند الحاكم؛ ويتنجّز حامل الماء كتبا حكميّة من قضاة البلاد فى أمر الماء بصحّة نسبه وكيفيّة حمله. قال: ولم يزالوا على ذلك إلى أن وصلوا إلى حلب، فعلّق ذلك الماء ووصل ذلك الطائر فى جمع كجمع الجراد وأكثر، وهو يشبه السّمانى فى قدره ولونه، ووقع على الجراد فأتلفه واستأصله. قيل: إنّه كان يأكل الجرادة واثنتين والثلاث والأربع فى دفعة ويرميها فى الحال من بطنه، وإنه يتتبّع مكان بيضه فى الأرض فيبحث عنه بمناقيره وأخرجه، حتى صارت الأرض كالغربال من أثر نقره، وإنّ الجراد ارتفع من الشأم وكشفت به البلوى.
قال: وأمر هذا الماء مشهور معلوم مستفيض.
(10/296)

وأمّا دود القزّ وما قيل فيه
- ودود القزّ وإن لم يكن من الهمج الذى له جناح، فمآل أمره أن يصير له جناح؛ ولذلك أوردناه فى هذا الباب وألحقناه بهذا النّوع.
ودود القزّ أوّل ما يكون بزرا فى قدر حبّ التين، وهو البيض الذى يتكوّن فيه الدّود. ويكون خروجه منه فى أوّل فصل الربيع. ويخرج أصغر من الذّرّ، وفى لونه. وإذا تأخّر خروجه وضعه النساء تحت ثديّهنّ فى صرر. فإذا خرج غذّى بورق التوت. ويأخذ فى النّمو إلى أن تصير الدودة منه فى قدر الإصبع وينتقل من السواد إلى البياض [أوّلا فأوّلا «1» ] ، وذلك فى مدّة ستين يوما فما دونها.
وله فى غضون هذه المدّة نومات لا يأكل فيها شيئا البتّة، كلّ نومة يومان؛ فإذا استيقظ أكل أضعاف ما كان يأكل قبل النوم. فإذا أكمل المدّة امتلأ حريرا فلا يبقى فيه مساغ لمأكل، فيقطع الأكل عند ذلك ويهيج للنّسج؛ فأىّ شىء تعلّق به نسج عليه. وهو ينسج على نفسه بما يخرجه من فيه إلى أن يخرج ما فى جوفه، وهو أرقّ من العنكبوت «2» ، ويكمل عليه ما يبنيه، فيكون كهيئة اللّوزة «3» .
ويبقى محبوسا فى غزله قريبا من عشرين يوما، ثم ينقب عن نفسه ويخرج فراشا أبيض ذا جناحين لا يسكنان عن الاضطراب وقرنين وعينين. وهو إذا نقب عن نفسه وخرج لا ينتفع من نسجه بحرير لأنه يقطع طاقاته. وعند خروجه
(10/297)

يهيج للسفاد فيلصق الذكر ذنبه بذنب الأنثى ويلتحمان ساعة زمانيّة ثم يفترقان، وتنثر الأنثى البزر على الصفة التى ذكرناها على خرق بيض تكون قد فرشت له.
فإذا نفد ما فيهما من السفاد والبزر ماتا. هذا إذا أريد من الدود البزر. وإذا أريد منه الحرير ترك ذلك النسج فى الشمس بعض يوم فيموت.
وقد جعله بعض الشعراء مثلا للحريص على جمع المال، فقال:
يفنى الحريص لجمع المال مدّته ... وللحوادث والورّاث ما يدع
كدودة القزّ ما تبنيه يهلكها ... وغيرها بالذى تبنيه ينتفع
وهو كثير العوارض. وأكثر ما يعرض له الفساد إذا اطعم ورق التّوت الحامض. ويهلك من صوت الرعد وضرب الطّست والهاون، ومن رائحة الخلّ والدّخان. وكثرة الحرّ تهلكه وتذيبه؛ وكذلك البرد الشديد فإنه يبطئ به. ويؤذيه مسّ الجنب والحائض، ويخشى عليه من الفأر والعصفور والنمل والوزغ.
وأمّا الذّباب وما قيل فيه
- فقد ضرب الله عزّ وجلّ به المثل فقال تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)
. فهذا مثل ضربه الله تعالى لضعف الناس وعجزهم عن الإتيان بمخلوق. وجاء فى الحديث: «إذا سقط الذّباب فى طعام أحدكم أو شرابه فليغمسه فإنّ فى أحد جناحيه داء وفى الآخر شفاء» . ويقال: إنه يغمس جناح الداء ويرفع جناح الشفاء، فلهذا ندب إلى غمسه. والعرب تجعل النحل والفراش والدّبر من الذّباب.
(10/298)

قال الجاحظ: «والذباب ضروب سوى ما ذكروا «1» من الفراش والنحل والزّنابير» ؛ فمنها الشّعراء «2» . قال الراجز «3» :
ذباب شعراء ونبت مائل «4»
وللكلاب ذباب على حدة يتخلّق منها فلا يريد سواها. ومنها ذباب الكلأ والرّياض؛ وكلّ نوع منها يألف ما خلق منه» .
ومنها الذّباب الذى يقتل الإبل وهو أزرق. والذّباب الذى يسقط على الدّوابّ وهو أصفر. ويقال: إنّ الذّباب يكثر إذا هاجت ريح الجنوب وإنّه يخلق فى تلك الساعة؛ وإذا هبّت ريح الشمال خفّ وتلاشى. وهو من ذوات الخراطيم، وكذلك البعوض. ويقال: إنّ الذّباب لا يعمّر أكثر من أربعين يوما.
قال الجاحظ: «وليس بعد أرض الهند أكثر ذبابا من واسط «5» ، وربّما رأيت الحائط وكأنّ عليه مسحا شديد السواد من كثرة [ما عليه من «6» ] » الذباب.
ويقال: إن اللّبن إذا ضرب بالكندس «7» ونضح به بيت لم يدخله ذباب.
ومن عجيب أمر الذباب أنّه يلقى رجيعه على الشىء الأبيض أسود وعلى الأسود
(10/299)

أبيض. ويقال: إنه لا يظهر إلّا فى «1» مواضع العفونات والقاذورات، ومبتدأ خلقه منها، ثم يكون من السّفاد.
قال الجاحظ: ويقال: إنّ الذّباب لا يقرب قدرا فيه كمأة.
والذّباب بطئ فى سفاده، وربّما بقى الذّكر على ظهر الأنثى عامّة النّهار؛ فهو يتجاوز فى ذلك البعير والخنزير. وهو من الحيوان الشّمسى لأنه يخفى فى الشتاء ويظهر فى الصيف. وللذّباب يدان زائدتان فى مقدّم يديه يتّقى بهما الأذى عن عينيه فإنهما بغير أجفان.
والعرب تضرب به المثل فى الزّهو فتقول: «أزهى من ذباب» . قالوا: لأنّه يسقط على أنف الملك الجبّار وعلى موق عينيه ويطرده فلا ينطرد. ويضرب به المثل فى القذر واستطابة النّتن. فإذا عجز الذّباب عن شمّ شىء فلا شىء أنتن منه.
وقال ابن عبدل فى محمد بن حسّان بن سعد ورماه بالبخر:
وما يدنو إلى فيه ذباب ... ولو طليت مشافره بقند «2»
يرين حلاوة ويخفن موتا ... ذعافا إن هممن له بورد
ويقال لكلّ أبخر: أبو ذبّان؛ وكانت من كنى عبد الملك بن مروان.
وقد وصف الشعراء الذّباب؛ فمن ذلك قول عنترة:
جادت عليها كلّ عين ثرّة ... فتركن كلّ حديقة «3» كالدّرهم
فترى الذّباب بها يغنّى وحده ... هزجا كفعل الشارب المترنّم
غردا يحكّ ذراعه بذراعه ... فعل المكبّ على الزّناد الأجذم
(10/300)

وقال العسكرىّ وجمع بين البراغيث والبعوض والذّباب:
وبدا فغنّانى البعوض تطرّبا ... فهرقت كأس النوم إذ غنّانى
ثم انبرى البرغوث ينقط أضلعى ... نقط المعلّم مشكل القرآن
حتى إذا كشف الصباح قناعه ... قرأت لى الذّبّان بالألحان
وأمّا البعوض وما قيل فيه
- والبعوض صنفان: صنف يشبه القراد، لكن أرجله خفيّة ورطوبته ظاهرة، يسمّى بالعراق والشأم «الجرجس» و «الفسافس» ، وبمصر «البقّ» . ويشمّ رائحة الإنسان ويتعلّق به. وله لسع شديد.
ولدمه إذا قتل رائحة كريهة. ويقال: إنّه يتولّد من النّفس الحارّ [ولشدّة رغبته فى الإنسان لا يتمالك إذا شمّ رائحته، فإذا كان فى السقف رمى بنفسه عليه فلا يخطئه «1» ] .
وهذا الصنف ليس من الطير. والصنف الثانى طائر ويسمّيه أهل العراق «البقّ» و «البعوض» . ويسمّيه أهل مصر «الناموس» . وهو يتولّد من الماء الراكد، فإذا صار الماء رقراقا استحال دعاميص «2» ، ثم تستحيل الدعاميص فراشا. والبعوض فى خلقة الفيل إلّا أنّه أكثر منه أعضاء، فإنّ للفيل أربع أرجل وخرطوما وذنبا، وله مع هذه الأعضاء يدان زائدتان وأربعة أجنحة. وخرطوم البعوض [أجوف «3» ] نافذ الخرق؛ فإذا طعن به جلد الإنسان استقى به الدّم وقذف به إلى جوفه. وفيه من الشّره أن يمتصّ من دم الإنسان إلى أن ينشقّ ويموت، أو يمتصّ إلى أن يعجز عن الطيران. ومن عجيب أمره أنه ربّما قتل البعير وغيره من ذوات الأربع، فيبقى
(10/301)

طريحا فى الصحراء فيجتمع حوله السّباع والطير التى تأكل الجيف، فمن أكل منها منه مات لوقته فى موضعه. ويقال: إنّ بعض جبابرة الولاة بالعراق كان يقتل بالبعوض، فيأمر بمن يريد قتله أن يجرّد من ثيابه ويربط ويخرج إلى بعض الآجام التى بالبطائح فيوجد فى أسرع وقت عظاما عارية من جلد ولحم.
وقال الجاحظ: بعوض البطائح كجرّارات «1» الأهواز وعقارب شهرزور. وربّما ظفر بالسكران النائم فلا يبقى فيه إلّا العظام العارية.
وقد أكثر الشعراء فى وصف البعوض؛ فمن ذلك قول فرج بن خلف الأندلسىّ:
بعوض جعلن دمى قهوة ... وغنّيننى بصنوف الأغان «2»
كأنّ عروقى أو تارهنّ ... وجسمى الرّباب وهنّ القيان «3»
وقال آخر:
إذا البعوض زجلت أصواتها ... وأخذ اللّحن مغنّياتها
لم تطرب السامع خافضاتها ... وأرّق العينين رافعاتها
صغيرة كبيرة أذاتها ... تنفضّ عن بغيتها بغاتها
ولا يصيب أبدا رماتها ... رامحة خرطومها قناتها
وقال أبو هلال العسكرىّ:
غناء يسخن العين ... وينفى فرح القلب
ولا يأتى على الزّمر ... ولا يجرى مع الضرب
غناء البقّ باللّيل ... ينافى طرب الشّرب
(10/302)

إذا ما طرق المرء ... جرى فى طلق الكرب
إذا ما نقب الجلد ... ة أخفى أثر النّقب
سوى حمر خفيّات ... تحاكى نقط الكتب
وأمّا البراغيث وما قيل فيها
- والبرغوث أسود أحدب. وهو من الحيوان الذى لا يمشى؛ وإنما أوردناه مع ذى الجناح لأنه ذو وثب لا يقصر عن الطيران؛ ومنه أيضا ما يمشى ولا يثب. وقالوا: إنه يطيل السّفاد، ويبيض ويفرّخ. وأصله متولّد من التراب فى المواضع المظلمة. وهو يكثر ويستطيل ويؤذى فى أواخر الشتاء وفصل الربيع. وإذا اشتدّ عليه الحرّ هلك.
ومن جناس الكلام فيه قولهم: أذى البراغيث إذا البرى غيث. يعنون بالبرى التراب إذا نزل عليه المطر.
والبرغوث يكمن بالنهار ويظهر بالليل. ويشتدّ أذاه للإنسان إذا أخذ مضجعه.
وهو يطول لبثه بمصر؛ ولا يوجد فى البلاد الحارّة مثل صعيد مصر ولا فى البلاد الشديدة البرد.
وقد أكثر الشعراء فى وصف البراغيث وأفعالها؛ فمن ذلك قول أبى الرّمّاح الأسدىّ وكان قد سكن مصر:
تطاول بالفسطاط ليلى ولم أكن ... بحنو الغضى ليلى علىّ يطول
يؤرّقنى حدب صغار أذلّة ... وإنّ الذى يوقظنه لذليل
إذا ما قتلناهنّ أضعفن كثرة ... علينا ولا ينعى لهنّ قتيل
ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة ... وليس لبرغوث إلىّ سبيل
(10/303)

وقال العسكرىّ من أبيات:
ومن براغيث تنفى النوم عن بصرى ... كأنّ جفنىّ عن عينى قصيران
يطلبن منّى ثأرا لست أعرفه ... إلّا عداوة سودان لبيضان
وقال أبو [الحسن أحمد بن «1» ] أيّوب البصرى المعروف بالناهى:
لا أعذل الليل فى تطاوله ... لو كان يدرى ما نحن فيه نقص
لى فى البراغيث والبعوض إذا ... يلحفنا حندس الظلام قصص
إذا تغنّى بعوضه طربا ... ساعد برغوثه الغنا فرقص
وقال عبد المؤمن بن هبة الله الأصبهانىّ:
بات البراغيث فى الفراش معى ... تقسمنى قسمة المواريث
أكلننى بعد ما شربن دمى ... فمن مغيثى من البراغيث
وقال أيضا فيها:
إنّ البراغيث إذا ساورت ... من كنّها ترقص أو تقرص
وكلّما غنّت بعوض لها ... فهى على شرب دمى أحرص
تقفز من ثم إلى هاهنا ... كأنها زنجيّة ترقص
وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدّينورىّ:
وحمش القوائم حدب الظهور ... طرقن فراشى على غرّة
وينقطننى بخراطيمهنّ ... كنقط المصاحف بالحمرة
وقال ابن المعتزّ:
وبراغيث إن ظفرن بجسمى ... خلت فى كلّ موضع منه خالا
(10/304)

وأمّا الحرقوص وما قيل فيه
- فقد ذكره الجاحظ فى كتاب الحيوان فقال: وزعموا أنه دويبّة أكبر من البرغوث؛ وأكثر ما ينبت لها جناحان بعد حين. وعضّة الحرقوص أشدّ من عضّة البرغوث. قالوا: والحرقوص يسمّى النّهيك. وأكثر ما يعضّ أحراح النساء وخصى الرجال. قال أعرابى وقد عضّ الحرقوص خصيتيه:
لقد منع الحراقيص القرارا ... فلا ليلا نقرّ ولا نهارا
يغالبن الرجال على خصاهم ... وفى الأحراح دسّا وانجحارا
وقالت امرأة تشير إلى زوجها:
يغار من الحرقوص إن عضّ عضّة ... بفخذىّ منها ما يجذّ غيور «1»
لقد وقع الحرقوص منّى موقعا ... أرى لذّة الدّنيا إليه تصير
(10/305)

الباب السابع من القسم الخامس من الفن الثالث فى أنواع الأسماك
قال ابن أبى الأشعث: السمك يستنشق الماء بأصداغه فيقوم له مقام الهواء للإنسان. والسمك كلّه شره كثير الأكل، وحاسّة السمع والشمّ فيه أقوى منها فى الإنسان. واستدلّ على ذلك بأدلّة يطول شرحها. وحاسّة البصر فيه ليست كالسمع والشمّ وإنما أضعف. ولسانه غليظ قصير شبيه باللسان وليس لسانا.
وله أضراس ليست للمضغ عليها وإنما لقتل ما يفترسه من حيوان الماء، ويفرغ فيه سمّا يكون سببا لقتله. وصغار السمك تحترز من كباره بأن تطلب الماء القليل.
الذى لا يحمل الكبار.
واختلف الناس فى سفاد السمك، فالأكثر على أنه يسفد مثل الحيّة. وقال الجاحظ: وفى السمك القواطع والأوابد كالطير. ومن أصناف السمك ما هو فى شكل الحيّات. قال: وهى إما أن تكون كانت برّيّة أو جبليّة فاكتسحتها السيول وألقتها فى الماء الدائم فتوالدت فيه؛ وإما أن تكون أمهاتها وآباؤها من دوابّ الماء.
وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا فى الأدوية المفردة: أفضل السمك فى جثّته ما كان ليس بكبير جدّا ولا صلب اللحم ولا يابسه، لا دسومة فيه كأنه يتفتّت، والذى لا مخاطيّة ولا سهوكة فيه وطعمه لذيذ، فإن اللذيذ مناسب، وما هو دسم دسومة غير مفرطة ولا غليظة ولا شحميّة ولا حرّيفة، والذى لا يسرع إليه النّتن إذا فصل عن الماء. ويختار من السمك الصّلب اللحم ما هو أصغر، ومن الرّخص
(10/306)

اللحم ما هو أكبر إلى حدّ ما. وصلب اللحم مملوحا خير منه طريّا. وأمّا فى الأجناس فالشبابيط أفضلها، ثم البنّىّ، والبياح «1» البحرىّ لا بأس به. وأما فى مأواه «2» فالذى يأوى الأماكن الصخريّة ثم الرمليّة والمياه العذبة الجارية التى لا قذر فيها ولا حمأة وليست بطيحيّة «3» ولا نزّيّة ولا من البحيرات الصغار التى لا تسقيها الأنهار ولا فيها عيون. قال: والسمك البحرىّ محمود لطيف؛ وأفضل أصنافه الذى لا يكون إلا فى البحر واللّجة. والذى يأوى ماء مكشوفا ترفرف الرّياح عليه أجود من الذى بخلافه. والذى يأوى ماء كثير الاضطراب والتموّج أجود من الذى يأوى الماء الراكد. والسمك البحرىّ لطيف اللحم لا سيما إذا كان مأواه فى الشطوط صخرا أو رملا؛ والذى يصير من البحر الى أنهار عذبة يعارض جرية الماء بالطبع لطيف كثير الرّياضة.
وأمّا غذاؤه، فالذى يغتذى بالحشيش وأصول النبات خير من الذى يغتذى الأقذار التى تطرح من البلاد إلى المستنقعات. وأفضل ما يؤكل السمك اسفيدباجا «4» ثم المشوىّ على الطّابق. وأما المقلىّ. فيصلح لأصحاب المعد القويّة ومعه الأبازير «5» .
والمشوىّ أغذى وأبطأ نزولا، والمطبوخ بالضدّ. وأفضل طبيخه أن يطبخ الماء حتى يغلى ثم يلقى فيه.
(10/307)

وأمّا المالح، فخيره ما كان طريّا قريب العهد بالتمليح. وأحمده الممقور «1» بالخلّ والتّوابل.
وأمّا طبعه، فجميع السمك بارد رطب، لكن بعضه أسخن بالقياس إلى مزاج السمك مثل الكوسج «2» والمارماهيج «3» .
وأمّا أفعاله وخواصّه، فالطّرىّ منه يولّد البلغم المائىّ مرخ للأعصاب، غير موافق إلا للمعدة الحارّة جدّا. قال: وجلد السمك المعروف «بسيفيانوس» «4» فى ناحية بيت المقدس إن ذرّ رماد جلده فى عيون «5» المواشى أذهب بياضها. والمالح من أصناف السمك يخرج السّلّاء «6» من المناشب «7» . قال: ورأس «سماريس» «8» محرقا يقلع اللحم
(10/308)

الزائد فى القروح ويمنع سعتها ويقلع الثآليل «1» واليوث «2» . وماء السمك المالح ينفع من القروح العفنة ويغسلها. قال: واذا احتقن بسلاقة المالح مرارا نفع من وجع الورك. والسمك الصغار الذى تسمّيه أهل الشام «3» ومصر «الصّير» إذا تمضمض صاحب القلاع «4» الخبيث بالمرّىّ «5» الذى يتّخذ منه نفعه. و «الرّعّاد» الحىّ إذا قرّب من رأس المصدوع أخدره [عن الحسّ «6» بالصداع] . قال: وجلد «سيفيانوس» تحكّ به الأجفان الجربة فينفع، وجلده المحرق أيضا يدخل فى أدوية العين؛ ويذهب «7» الاكتحال به مع الملح الظّفرة «8» ، وأكله مقليّا «9» يورث غشاوة العين بل جميع السمك؛ ورءوس
(10/309)

السّمكات المملوحة المجفّفة تنفع اللهاة «1» الوارمة، وعلاج جيّد من شقاق المقعدة «2» .
وغراء السمك يلقى فى الأحساء فينفع نفث الدّم. قال: وحوصلة سيفيانوس تليّن البطن مع صعوبة انهضامها. قال: ورأس المالح [من «3» ] سماريس محرقا يجعل على عضّة الكلب الكلب ولسعة العقرب فينفع ذلك، وكذلك كلّ سمكة. ومرقة كلّ سمك تنفع من السموم المشروبة والنّهوش. قال: [والسمك «4» ينفع من عسر النّفس والرّبو واليرقان ويسهّل البلغم وينفع من خناق الرّحم] .
وقد وصف الشعراء السمك فى أشعارها؛ فمن ذلك قول ابن الرّومى يخاطب رئيسا «5» ويستدعى منه سمكا:
عسرت علينا دعوة «6» السّمك ... أنّى وجودك ضامن الدّرك
اعلم وقيت الجهل أنك فى ... قصر تلته مطارح الشّبك
وبنات «7» دجلة فى فنائكم ... مأسورة فى كلّ معترك
(10/310)

بيض كأمثال السبائك بل ... مشحونة بالشحم كالعكك «1»
حسنت مناظرها وساعدها ... طعم كحلّ معاقد التّكك
فليصطد الصيّاد حاجتنا ... يصطد مودّتنا بلا شرك
وقال أبو الفتح كشاجم:
ومحجوبة بالماء عن كل ناظر ... ولكنها فى حجبها تتخطّف
أخذنا عليهنّ السبيل بأعين ... رواصد إلّا انّها ليس تطرف
فجئنا «2» بها بيض المتون كأنّها ... خناجر فى أيماننا تتعطّف
وقال أبو عبادة البحترىّ وذكر بركة:
لا يبلغ السمك المقصور «3» غايتها ... لبعد ما بين قاصيها ودانيها
يعمن فيها بأوساط مجنّحة ... كالطير تنفض فى جوّ خوافيها
وقال أبو طالب المأمونىّ فى المقلىّ منه:
ماويّة فضيّة لحمها ... ألذّ ما يأكله الآكل
يضمّها من جلدها جوشن «4» ... مذيّل «5» فهو لها شامل
لوّنت من فضّتها عسجدا ... بالقلى لما ضافنى نازل
(10/311)

وقال أيضا:
مائيّة فى النار مصليّة» ... يصبغ من فضّتها عسجد
كأنّما جلدتها جوشن ... مزرفن «2» الصّنعة أو مبرد
وقال عطاء بن يعقوب يصف سمكة من رسالة يستدعى بها صديقا، جاء منها: «قد أهدى لنا صديق سمكه، قد لبست من جلدها شبكه؛ تشبه حملا شكلا وقدّا، أو جرابا قد امتلأ زبدا؛ كأنها أرادت أن تحارب نجم السّماك، أو حوت الأفلاك؛ فلبست من جلدها جوشنا مزرّدا «3» . وسلّت من ذنها سيفا مجرّدا» .
وقال خالد بن صفوان ليزيد بن المهلّب يصف سمكا: «أتيت ببنات بيض البطون، زرق العيون، سود المتون، حدب الظهور، معقّفات الأذناب، صغار الرءوس، غلاظ القصر «4» ، عراض السّرر» .
هذا ما اتفق إيراده فى السمك المطلق. فلنذكر أصنافا من أنواع الأسماك.
ذكر شىء من أنواع الأسماك
وأنواع الأسماك كثيرة جدّا، منها ما يعرفه الناس، ومنها ما لم يعرفوه، ومنها ما يكون فى أماكن من البحار دون غيرها. وقد ذهب بعضهم أنّ كلّ حيوان
(10/312)

فى البرّ يكون مثله فى البحر. فلنورد فى هذا الفصل ما أمكن إيراده، وهو الدّلفين، والرّعّاد، والتّمساح، والسّقنقور، والسّلحفاة، واللّجأة، والفرس النهرىّ، والجند بيدستر والقندس «1» ، والقاقم، والضّفادع، والسّرطان، وشىء من عجائب الحيوان المائىّ، على حكم الاختصار حيث تعذّر الاستيعاب.
فأمّا الدّلفين
- وهو كالزّق المنفوخ، وله رأس صغير جدّا. وهو يوجد فى بحر النيل يقذفه البحر الملح إليه. ويقال: ليس فى دوابّ البحر ماله رئة «2» غيره؛ فلذلك يسمع له التنفّس والنّفخ، وهو إذا ظفر بالغريق كان أقوى الأسباب فى نجاته؛ فإنه لا يزال يدفعه الى البرّ [حتى ينجيه «3» ] . وهو من أقوى الدوابّ المائيّة.
ولا يؤذى ولا يأكل غير السمك. وربما ظهر على وجه الماء وهو نائم كالميّت.
وهو يلد ويرضع. وأولاده تتبعه حيث ذهب؛ ولا يلد إلّا فى الصيف. وفى طبعه الأنس بالناس وخصوصا الصبيان. وإذا صيد جاءت الدّلافين لقتال صائده، فإذا أطلقه لها انصرفت. وأهل المراكب فى البحر الفارسىّ اذا رأوه استبشروا به وأيقنوا ببلوغ الأرب سيّما الغزاة.
وأمّا الرّعّاد
- ويكون فى نيل مصر، ولم أسمع به فى غيره. وفيه من الخاصيّة أنه لا يستطيع أحد من الناس أن يمسّه. ومتى وضع الانسان يده عليه
(10/313)

نزعها بحركته وصاح صيحة منكرة ربما دهش الإنسان لها؛ ويجد الرجل فى فؤاده خفقانا من ذلك. وهو متى وقع فى شبكة الصيّاد ارتعدت يداه عند إخراج الشبكة من الماء أو جذب الحبل، فيعلم أنه قد وقع له السمك الرّعّاد.
وأمّا التّمساح
- وهو أيضا لا يكون إلا فى نيل مصر؛ وزعم قوم أنه يوجد فى مهران «1» السّند، لزعمهم أنه من النيل. وهو شديد البطش فى الماء. وهو يعظم إلى أن ينتهى فى الطول إلى عشرين ذراعا فى عرض ذراعين. ويفترس الفرس والإنسان. ولا يقوى على قتاله من الحيوان إلّا الجاموس. وله يدان ورجلان وذنب طويل يضرب به ويلفّ. وهو لا يصاد إلّا أن يضرب فى إبطيه، ومنهما مقتله. ويقال: إنه إذا أراد السّفاد خرج هو والأنثى إلى البرّ فيقلبها على ظهرها ويستبطنها؛ فإذا فرغ قلبها لأنها لا تتمكّن من الانقلاب لقصر يديها ورجليها ويبس ظهرها. وهى تبيض فى البرّ، فما وقع فى الماء صار تمساحا وما بقى فى البرّ صار سقنقورا. والتّمساح يحرّك فكّه الأعلى دون الأسفل، ولسانه معلّق به. ويقال:
إنه ليس له مخرج، وإنّ جوفه إذا امتلأ خرج إلى البرّ وفتح فمه فيجىء طائر صغير أرقط فينقر بمنقاره ما فى جوفه ويخرجه، وذلك غذاء الطائر وراحة للتمساح.
وفى رأس هذا الطائر شوكة فإذا غلّق «2» التمساح فمه عليه نخسه بها فيفتحه. ويقال:
إن للتمساح ستين سنّا وستين عرقا، ويسفد ستين مرّة، ويبيض ستين بيضة.
(10/314)

ويوجد فى جلده ممّا يلى بطنه سلعة «1» كالبيضة فيها رطوبة لها رائحة كالمسك، وتنقطع رائحتها بعد أشهر.
ووصفه شاعر فقال:
وذى هامة كالتّرس يفغر عن فم ... يضمّ على مثل الحسام المثلّم
ويفترّ عن مثل المناشير ركّبت ... على مشفر مثل القليب المهدّم
مشى فى شواة من فقارة غيلم ... وسقّف «2» لحيا عن مناكب شيهم
وأمّا السّقنقور
- ويسمى الحرذون البحرىّ. ويقال: إنه ورل مائىّ.
ومنه ما هو مصرىّ، وما هو هندىّ، وما يتولّد فى بحر القلزم وببلاد الحبشة. وهو يغتذى فى الماء بالسمك وفى البرّ بالقطا. وأنثاه تبيض عشرين بيضة وتدفنها فى الرّمل، فيكون ذلك حضنها. وجلده خشن مدبّج بالسواد والصفرة. وهو إذا عضّ إنسانا وسبقه الإنسان إلى الماء فاغتسل منه مات السقنقور؛ وإن سبق السقنقور الإنسان إلى الماء مات الإنسان. وبين السقنقور وبين الحيّة عداوة عظيمة، متى ظفر أحدهما بصاحبه قتله.
وقال الشيخ الرئيس: أجود السقنقور ما صيد فى الرّبيع وقت هيجانه.
وأجود أعضائه السّرّة. وهو ينفع من العلل الباردة فى العصب. وملحه يهيج الباه فكيف لحمه، وخصوصا لحم سرّته وما يلى كليتيه وخصوصا شحمها.
(10/315)

وأمّا السّلحفاة واللّجأة
- يقال: إنّ اللّجأة تبيض فى البرّ، فما أقام به سمّى سلحفاة، وما وقع فى البحر سمّى لجأة. فأمّا ما يبقى فى البرّ فإنه يعظم حتى لا يكاد الرجل الشديد يحمله. وقد رأيت فى سنة سبع وسبعمائة بالقاهرة المعزّيّة سلحفاة تحمل الرجل وتمشى به وهو قائم على ظهرها. وما ينزل البحر يعظم حتى لا يكاد الحمار يحمله؛ وربما وجد منها ما زنته أربعمائة رطل. وتبيض أنثاه أربعمائة بيضة. وهى تحضن بيضها بالنظر إليه والرّصد له لا غير. وللذّكر نزكان وللأنثى فرجان. والذكر يطيل المكث فى السّفاد. والعرب تكنيها «أمّ طبق» .
ويزعمون أنها تبيض تسعا وتسعين بيضة، وتبيض تمام المائة بيضة يخرج منها أسود (أى ثعبان) . وهو مولع بأكل الحيّات؛ وإذا أكل الأفعى أكل صعترا جبليّا؛ فإذا أكثر من أكل الحيّات والصّعتر هلك. وله تحيّل فيما يصيده من الطائر، وهو أنه يصعد من الماء ويتمرّغ فى التراب ويأتى موضعا قد سقط الطير عليه ليشرب، فيخفى على الطير بكدرة لونه التى اكتسبها من الماء والتراب، فيصيد منها ما يكون له قوتا ويدخل به الماء فيموت الطائر فيأكله.
ووصفها شاعر فقال:
وسلحفاة سمج ... سكونها والحركه
شبّهتها بديلم ... ىّ ساقط فى معركه
مستتر بترسه «1» ... عمّن عسى أن يهلكه
(10/316)

وقال أبو بكر الخوارزمىّ يصف لجأة:
بنت ماء بدت لنا من بعيد ... مثل ما قد طوى البحارىّ؟؟؟ «1» سفره
رأسها رأس حيّة وقراها «2» ... ظهر ترس وجلدها جلد صخره
مثل فهر «3» العطّار دقّ به العط ... ر فحلّت «4» طرائق الطّيب ظهره
يقطع الخوف رأسها فإذا ما ... أمنته فرأسها مستقرّه
وقال آخر:
لحى الله ذات فم أخرس ... تطيل من العىّ وسواسها
تكبّ على ظهرها ترسها ... وتظهر من جلّها فاسها «5»
إذا الحذر أقلق أحشاءها ... وضيّق بالخوف أنفاسها
تضمّ الى نحرها كفّها ... وتدخل فى جوفها راسها
وأمّا الفرس النّهرىّ
- وهو عظيم الجثة، وخلقه خلق الفرس، إلا أنّ وجهه أوسع؛ وله أظلاف كالبقرة؛ وذنبه مثل ذنب الخنزير؛ وصوته يشبه صوت الفرس. وهو لا يوجد إلّا فى نيل مصر. وهو يخرج من الماء الى البرّ، ويرعى
(10/317)

الزرع. واذا قصد الزرع لا يبتدئ من أوّله، ولكنه يجوز منه قطعة بقدر ما يأكل ويبتدئ منها بحيث يكون وجهه إلى البحر. وهو يقتل التمساح ويقهره. وأهل الديار المصريّة إذا رأوا أثر حافره فى البرّ تباشروا بزيادة النيل وكثرة الخصب.
وفى سنة اثنتين وسبعمائة طلع الفرس النهرىّ إلى البرّ بالجيزة وأبعد عن البحر، فتحيّل عليه وقتل. وأهل النّوبة يصيدونه كثيرا، ويتّخذون من جلده سياطا يسوقون بها الإبل.
وأمّا الجند بيدستر
- وهو السّمّور، ويسمى «كلب الماء» .
ولا يوجد إلا ببلاد القفجاق «1» وما يليها. وهو على هيئة الثعلب، أحمر اللّون، لا يدان له، وله رجلان وذنب طويل، ورأسه كرأس الإنسان، ووجهه مستدير. وهو يمشى متّكئا على صدره كانه يمشى على أربع، وله أربع خصى: ثنتان ظاهرتان وثنتان باطنتان. وهو إذا رأى الصيّادين يجدون فى طلبه لأجل الجند بيدستر، وهو خصيتاه الظاهرتان، قطعهما بفيه ورمى بهما إليهم؛ إذ لا حاجة لهم إلا بهما.
فإن لم يرهما الصيّادون وداموا فى الجدّ فى طلبه استلقى على ظهره ليريهم الدّم، فيعلمون أنه قطعهما فينصرفون عنه. وهو إذا قطع الظاهرتين ظهر الباطنتان وعوّض عنهما غيرهما. وفى داخل الخصية شبه الدّم أو العسل زهم الرائحة سريع التّفرّك إذا جفّ. ويقال: إنه يوكّر «2» على الأرض ويولد «3» عليها ويرعى فيها، ويهرب إلى الماء ويعتصم به؛ ويمكنه أن يلبث فى قعره حابسا لنفسه زمانا ثم يخرج [الى الهواء «4» ] .
(10/318)

وأمّا حيوان القندس «1» والقاقم
- فالقندس يغتذى بالسمك والنّبات.
ويقال: إنّ فيه سادة وعبيدا؛ وإنه يتّخذ مساكن مرتّبة على ترتيب مساكن الناس.
والسادة يتّخذون فى بيوتهم صففا «2» مرتفعة يكونون عليها، وفى أسفلها مواضع للعبيد، ولبيوتهم أنفاقا إلى البرّ وأبوابا إلى النهر. وبعض هذا الحيوان يغير على بعض.
والسادة لا تتكسّب، وإنما يتكسّب لها العبيد. ويعرف جلد السيّد من جلد العبد بحسن لونه وبصيصه «3» . وأهل تلك البلاد يسلخون خراطيم القندس والسّمّور ويتعاملون بها كما يتعامل بالدّنانير والدراهم بحيث يكون عليها ختم الملك. وجلد هذا الحيوان هو الذى يعمل شرابيش «4» الأمراء وأطواق التّشاريف ودوائرها.
والقاقم: حيوان يشبه السّنجاب إلّا أنه أبرد منه وأرطب؛ ولهذا هو أبيض يقق. وهو يجلب من بحر الخزر. وجلده يشبه جلد الفنك «5» .
وأما الضفادع
- وهى أصناف كثيرة، تكون من سفاد وغير سفاد. وهى تبيض فى البرّ وتعيش فى الماء. والذى من غير سفاد يتولّد من المياه الضعيفة، ومن العفونات، وغبّ الأمطار الغزيرة، حتى يتوهّم المتوهّم أنه يسقط من السّحاب لكثرة ما يرى منه على الأسطحة عقيب المطر. ويقال: إنه يخلق فى تلك الساعة.
(10/319)

والضّفدع من الحيوان الذى لا عظم له. وفيه ما ينقّ. وما ليس ينقّ. وليس صوت ما ينقّ من فيه ولكنه من جلود رقاق تكون إلى جانب أذنيه؛ فإذا أراد النقيق انفتحت فيخرج الصوت منها. وهى تنطبق فى زمن الشتاء فلا تنفتح حتى يعتدل الجوّ.
قال الجاحظ: والضّفدع لا يصيح ولا يمكنه الصياح حتى يدخل حنكه الأسفل الماء، فإذا صار فى فيه بعض الماء صاح؛ ولذلك لا تسمع للضفادع نقيقا إذا كنّ خارجات من الماء. قال: والضفادع تنقّ، فإذا أبصرت النار أمسكت. وتوصف بحدّة السمع إذا كانت خارج الماء. ويضرب بها المثل فى السمع والحذر، فيقال: «أحذر من ضفدع» و «أسمع من ضفدع» . وقال شاعر يصف الضفادع:
ومقعدات زانهنّ أرجل ... كقعدة الناكح حين ينزل
يكسين وشيا وعيون تكحل
وقال آخر:
دعتك فى فاضة «1» مدنّرة ... ليس لها طرّة ولا هدب
قد نسجت من زبرجد فجرى ... بين تضاعيف نسجها الذّهب
يظلّ صمتا نهاره فإذا ... أدركه الليل بات يصطخب
وهو وإن لم يغطّ مقلته ... جفن ولا امتدّ خلفه ذنب
يعجبنى ما أراه منه ففى ... خلقته واختلافها عجب
(10/320)

وأمّا السّرطان وما قيل فيه
- وهو ذو فكّين ومخالب وأظفار حداد، كثير الأسنان، صلب الظّهر، سريع العدو، وعيناه على كتفيه، وفمه فى صدره، وفكّاه مشقوقان من جانبين. وله ثمانى أرجل. وهو يمشى على جانب واحد؛ ويستنشق الماء والهواء معا. وهو يسلخ جلده فى السنة ستّ مرات. ويتّخذ بجحره بابين، أحدهما إلى الماء والثانى إلى البرّ. فإذا سلخ جلده سدّ عليه ما يلى الماء خوفا من السمك وترك ما يلى البرّ مفتوحا؛ فإذا جفّت رطوبته واشتدّ، فتح ما يلى الماء وطلب معاشه.
قال شاعر يصفه:
فى سرطان الماء أعجوبة ... ظاهرة للخلق لا تخفى
مستضعف المنّة لكنّه ... أبطش من حاربته كفّا
يسفر للناظر عن جملة ... متى مشى قدّرها نصفا
وقال أبو عبيد «1» البكرىّ فى كتابه المترجم بالمسالك والممالك: إنّ ببحر الصين سرطانات تخرج كالذراع والشبر، فإذا صارت الى البرّ عادت حجارة وانقلبت عن الحيوانيّة؛ والأطباء يتخذون منها كحلا يجلو البياض.
(10/321)

ذكر شىء من عجائب الحيوان المائىّ
وعجائب البحر كثيرة جدّا لا يستغرب ما نذكر منها؛ ولذلك قيل: «حدّث عن البحر ولا حرج» . وقد حكى صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر فى كتابه، قال: رأيت فى بعض المجاميع المجهولة أنّ فى بعض البحار شاة شعراء تكون فى البرّ مع البهائم حين الرّعى؛ فإذا فرغت من رعيها عادت إلى الماء، وتأكل السمك.
قال: وذكر لها خواصّ. قال: وذكر بعضهم دابّة سمّاها «خزّ الماء» ولم يسمّ المكان الذى تكون فيه، وقال: إنها مثال ابن عرس أو أكبر قليلا، سباحتها فى الماء كجريها فى البرّ، لها وبر ناعم تعمل منه ثياب الخزّ، وهذا الوبر موجود تأتى به التّجّار من البحر الرومىّ يباع بالقاهرة، ويسمّونه صوف السمك؛ وهو أخضر اللّون؛ ويقال: إنه إذا طلع من البحر يكون أبيض يققا، فإذا صار إلى البرّ وأصابه النسيم انقلب إلى الخضرة. وهم يغزلونه ويلحمون به الثياب المسداة بالحرير، وقيمته لا تقصر عن قيمة الحرير وربما يزيد عليه. وأرخص ما ابتعته أنا حسابا عن وزن كلّ مائة درهم أربعين درهما. وبه تخنق الأفاعى بمصر، تفتل منه خيوط تسمّى إذا خنق بها الأفاعى حبال الخناق، لها نفع فى تحليل مرض الخناق.
ويقال: إن ببحر الرّوم- وربما بغيره أيضا- حيوانا يسمّونه «بنات الماء» يشبهن «1» النساء، لهنّ شعور سباط «2» ، ألوانهنّ إلى السّمرة، ذوات فروج عظام وثدىّ، ولهنّ قهقهة وضحك وكلام لا يفهم؛ وربما يقعن لأصحاب المراكب وغيرهم
(10/322)

فينكحونهنّ فيجدون لنكاحهنّ لذّة عظيمة ثم يعيدونهنّ إلى البحر. وفى البحر أيضا أمثال الرجال، يقال: إنّهم يظهرون [بالإسكندريّة «1» و] بالبرلس ورشيد فى صورة الإنسان بجلود لزجة، لهم بكاء وعويل إذا وقعوا فى أيدى الناس؛ [وذلك أنهم ربما برزوا عن البحر إلى البرّ يتشمّسون فيقع بهم الصيّادون «2» ] ؛ فإذا سمع الناس بكاءهم أطلقوهم رحمة لهم.
(10/323)

الباب الثامن وهو الذيل على القسم الخامس من الفن الثالث
[ويشتمل «1» هذا الباب] على ذكر شىء مما وصفت به آلات الصيد فى البرّ والبحر ووصف رماة البندق، وما يجرى هذا المجرى.
ذكر شىء مما قيل فى رماة البندق
- ومما وصفت به الجلاهق «2» وهو قسىّ البندق. من ذلك ما كتب به أبو إسحاق الصّابى من رسالة إلى [أبى الفرج «3» ] محمد بن العباس [بن فسابخش «4» ] ، جاء منها: «أقبلت رفقة الرّماة قد برزت قبل الذّرور «5» والشروق، وشمّرت عن الأذرع والسّوق؛ مقلّدين خرائط شاكلت السيوف بحمائلها ونياطاتها «6» ، وناسبتها فى آثارها ونكاياتها؛ تحمل من البندق الملموم، ما هو فى الصحّة والاستدارة كاللؤلؤ المنظوم؛ كأنما خرط بالجهر «7» ، فجاء
(10/324)

كبنات الفهر؛ قد اختير طينه، وملك «1» عجينه؛ فهو كالكافور «2» المصّاعد فى اللّمس والمنظر، وكالعنبر الأذفر فى الشمّ والمخبر؛ مأخوذ من خير مواطنه، مجلوب من أطيب معادنه؛ كافل بمطاعم حامليه، محقّق لآمال آمليه؛ ضامن لحمام الحمام، متناول لها من أبعد مرام؛ يعرج إليها وهو سمّ ناقع، ويهبط بها وهى رزق نافع» .
ومنها فى وصف القسىّ: «وبأيديهم قسىّ مكسوّة بأغشية السّندس، مشتملة منها «3» بأحسن ملبس؛ مثل الكماة فى جواشنها ودروعها، والجياد فى جلالها «4» وقطوعها؛ حتى إذا جرّدت من تلك المطارف، وانتضيت «5» من تلك الملاحف؛ رأيت منها قدودا مخطفة «6» رشيقه، وألوانا معجبة أنيقه؛ صلبة المكاسر «7» والمعاجم، نجيبة المنابت والمناجم؛ خطّيّة الأسماء والمناسب، سمهريّة الأعراق والمناصب؛ ركّبت من شظايا الرّماح الداعسه، وقرون الأوعال الناخسه «8» ؛ فحازت الشرف من طرفيها، واستولت عليه
(10/325)

بكلتا يديها؛ قد انحنت انحناء المشيخة النّسّاك، وصالت صيال الفتية الفتّاك؛ واستبدلت من قديمها فى عزّ «1» الفوارس، بحديثها من نفيس الملابس؛ وانتقلت من جدّها فى طراد المغارات «2» ، إلى هزلها فى طرد المسهرات «3» ؛ ظواهرها صفر وارسه «4» ، ودواخلها سود دامسه؛ كأنّ شمس أصيل طلعت على متونها، أو جنح ليل اعتكر فى بطونها؛ أو زعفرانا جرى فوق مناكبها، أو غالية جمدت على ترائبها «5» ؛ أو قضبان فضة أذهب شطرها وأحرق شطر، أو حبّات رمل اعتنق «6» السود منها صفر» .
وجاء منها فى وصف الوتر:
«فلمّا توسّطوا تلك الروضه، وانشروا فى أكناف «7» تلك الغيضه؛ وثبتت للرّمى أقدامهم، وشخصت للطير أبصارهم؛ وتروها «8» بكل وتر فوق «9» سهمه منه، وهو مفارق للسهم وخارج عنه؛ مضاعف عليها من وترين، كأنّه شخص ذو جسدين، أو عناق «10» ضمّ
(10/326)

ضجيعين؛ فى وسطه عين كشرجة كيس مختوم، أو سرّة بطن خميص مهضوم؛ تروع قلب الطير بالإنباض، وتصيب منها مواقع الأغراض» .
وقال ضياء الدين بن الأثير الجزرىّ من رسالة فى وصف القسىّ. وذكر الرّماة، جاء منها:
«وإذا تناولوها بأيديهم قلت: أهلّة طالعة فى أكفّ أقمار، وإذا مثّل غناؤها وغناؤهم قلت: منايا مسوقة «1» فى أيدى أقدار؛ وتلك قسىّ وضعت للّعب لا للنّضال، ولردى الطير لا لردى الرجال. فإذا نعتها ناعت قال: إنها جمعت بين وصفى اللين والصلابه، وصيغت من نوعين «2» غريبين فحازت معنى الغرابه؛ فهى مركّبة من حيوان ونبات، مؤلّفة منهما [على «3» ] بعد الشّتات؛ هذا من سكان البحر وسواحله، وهذا من سكان البرّ ومجاهله. ومن صفاتها أنها لا تتمكّن من البطش إلا حين تشدّ، ولا تنطلق فى شأنها إلا حين تعطف وتردّ. ولها بنات أحكم تصويرها، وصحّح تدويرها؛ فهى فى لونها صندليّة الإهاب، وكأنها صيغت لقوّتها من حجر لا من تراب؛ فإذا «4» حذفها نحو الأطيار [أحد «5» ] ، قيل: وتصعد من الأرض من جبال فيها من برد، فلا ترى حينئذ إلا قتيلا بالمقتل الذى لا يجب فى مثله من قود؛ فهى كافلة من تلك الأطيار بقبض نفوسها، ومنزلة لها من السماء على أمّ رءوسها» .
(10/327)

ومن إنشاء المولى الفاضل شهاب الدين محمود بن سليمان الحلبى الكاتب- أمتع الله ببقائه، وزاد فى علوّه وارتقائه- رسالة فى رمى البندق، وصف فيها الرّماة، ومواضع الرّمى ووقته، والقسىّ، وأفعال الرّماة، وجميع طير الواجب «1» ، لم أقف فيما طالعته لمتقدّم ولا متأخّر [على «2» ] أجمع لهذا الفن منها؛ وهى مما يستعين بها الكاتب على إنشاء ما يقصده من قدم «3» البندق فى أى نوع أراد من طير الواجب. وقد أوردتها بجملتها؛ لحسن التئامها، واتّساق نظامها؛ وجودة ترتيبها، وبديع تهذيبها. وهى:
«الرّياضة- أطال الله بقاء الجناب الفلانىّ، وجعل حبّه كقلب عدوّه واجبا، وسعده كوصف عبده للمسارّ جالبا وللمضارّ حاجبا- تبعث النفس على مجانبة الدّعة والسكون، وتصونها عن مشابهة الحمائم فى الرّكون إلى الوكون «4» ؛ وتحضّها على أخذ حظّها من كلّ فنّ حسن، وتحثّها على إضافة الأدوات الكاملة إلى فصاحة اللّسن؛ وتأخذ بها طورا فى الجدّ وطورا فى اللّعب، وتصرّفها فى ملاذّ السموّ فى المشاقّ التى يستروح إليها التّعب؛ فتارة تحمل الأكابر والعظماء فى طلب الصيد على مواصلة السّرى، ومقاطعة الكرى؛ ومهاجرة الأوطار، ومهاجمة الأخطار؛ ومكابدة الهواجر «5» ،
(10/328)

ومبادرة الأوابد التى لا تدرك حتى تبلغ القلوب الحناجر؛ وذلك من محاسن أوصافهم التى يذمّ المعرض عنها، وإذا كان المقصود من مثلهم جدّ الحرب فهذه صورة لعب يخرج إليها منها؛ وتارة تدعوهم إلى البروز إلى الملق «1» ، وتحدوهم فى سلوك طريقها مع من هو دونهم على ملازمة الصدق ومجانبة الملق؛ فيعتسفون إليها الدّجى، إذا سجى؛ ويقتحمون فى بلوغها حرق «2» النهار، إذا انهار؛ ويتنعّمون بوعثاء السفر، فى بلوغ الظّفر؛ ويستصغرون ركوب الخطر، فى إدراك الوطر؛ ويؤثرون السهر على النوم، والليلة على اليوم؛ والبندق على السهام، والوحدة على الالتئام.
ولمّا عدنا من الصيد الذى اتّصل بعلمه حديثه، وشرح له قديم أمره وحديثه؛ تقنا إلى أن نشفع صيد السّوانح برمى الصوادح، وأن نفعل فى الطير الجوانح بأهلّة القسىّ ما تفعل الجوارح؛ تفضيلا لملازمة الارتحال، على الإقامة فى الرّحال «3» ؛ وأخذا بقولهم:
لا يصلح النفس إذ كانت مدبّرة ... إلّا التّنقّل من حال إلى حال
فبرزنا وشمس الأصيل تجود بنفسها، وتسير من الأفق الغربىّ إلى جانب رمسها؛ وتغازل عيون النّوّار بمقلة أرمد، وتنظر إلى صفحات الورد نظر المريض الى وجوه العوّد؛ فكأنها كئيب أضحى من الفراق على فرق، أو عليل يقضى بين صحبه بقايا مدّة الرّمق؛ وقد اخضلّت عيون النّور لوداعها، وهمّ الروض بخلع «4» حلّته المموّهة بذهب شعاعها.
(10/329)

والطلّ فى أعين النّوّار تحسبه ... دمعا تحيّر لم يرقأ ولم يكف
كلؤلؤ ظلّ عطف الغصن متّشحا ... بعقده وتبدّى منه فى شنف «1»
يضمّ من سندس الأوراق فى صرر ... خضر ويخبا من الأزهار فى صدف
والشمس فى طفل الإمساء تنظر من ... طرف غدا وهو من خوف الفراق خفى
كعاشق سار عن أحبابه وهفا ... به الهوى فتراءاهم على شرف
إلى أن نضا المغرب عن الأفق ذهب قلائدها، وعوّضه عنها من النجوم بخدمها وولائدها «2» ؛ فلبثنا بعد أداء الفرض لبث الأهلّه، ومنعنا جفوننا أن ترد النوم إلّا تحلّه؛ ونهضنا وبرد الليل موشّع «3» ، وعقده مرصّع؛ وإكليله مجوهر، وأديمه معنبر «4» ؛ وبدره فى خدر سراره مستكنّ، وفجره فى حشى مطالعه مستجنّ؛ كأنّ امتزاج لونه بشفق الكواكب خليطا مسك وصندل، وكأنّ ثريّاه لامتداده معلقة بأمراس كتّان إلى صمّ جندل.
ولاحت نجوم الليل زهرا كأنّها ... عقود على خود «5» من الزّنج تنظم
محلّقة فى الجوّ تحسب أنها ... طيور على نهر المجرّة حوّم
إذا لاح بازى الصبح ولّت يؤمّها «6» ... إلى الغرب خوفا منه نسر ومرزم
(10/330)

إلى حدائق ملتفّه، وجداول محتفّه؛ إذا جمّش النسيم غصونها اعتنقت اعتناق الأحباب، وإذا فرك من المياه متونها انسابت فى الجداول انسياب الحباب «1» ، ورقصت فى المناهل رقص الحباب «2» ؛ وإن لثم ثغور نورها حيّته بأنفاس المعشوق، وإن أيقظ نواعس ورقها غنّته بألحان المشوق؛ فنسيمها وان، وشميمها لعرف الجنان عنوان، ووردها من سهر نرجسها غيران، وطلّها فى خدود الورد منبثّ «3» وفى طرر الريحان حيران؛ وطائرها غرد، وماؤها مطّرد؛ وغصنها تارة يعطفه النسيم اليه فينعطف، وتارة يعتدل تحت ورقائه فتحسب أنها همزة على ألف؛ مع ما فى تلك الرياض من توافق المحاسن وتباين الترتيب؛ إذ كلّما اعتلّ النسيم صحّ الأرج وكلّما خرّ الماء شمخ القضيب.
فكأنّما تلك الغصون إذا ثنت ... أعطافها رسل «4» الصّبا أحباب
فلها إذا افترقت من استعطافها ... صلح ومن سجع الحمام عتاب
وكأنّها حول العيون موائسا ... شرب وهاتيك المياه شراب
فغديرها كأس وعذب نطافها «5» ... راح وأضواء النجوم حباب
تحيط بملق نطافها صاف، وظلال دوحها ضاف، وحصاها لصفاء مائها فى نفس الأمر راكد وفى رأى العين طاف؛ إذا دغدغها «6» النسيم حسبت ماءها بتمايل الظّلال فيه يتبرّج ويميل؛ وإذا اطّردت عليه أنفاس الصّبا ظننت أفياء تلك الغصون
(10/331)

فيه تارة تتموّج وتارة تسيل؛ فكأنّه محبّ هام بالغصون هوى فمثّلها فى قلبه، وكأنّ النسيم كلف بها غار من دنوّها إليه فميّلها عن قربه.
والسّرو مثل عرائس ... لفّت عليهنّ الملاء
شمّرن فضل الأزر عن ... سوق خلاخلهنّ ماء
والنهر كالمرآة تب ... صر وجهها فيه السماء
وكأنّ صوافّ «1» الطير المبيضة بتلك الملق خيام، أو ظباء بأعلى الرّقمتين قيام، أو أباريق فضّة رءوسها لها فدام «2» ، ومناقيرها المحمّرة أوائل ما انسكب من المدام؛ وكأنّ رقابها «3» رماح أسنّتها من ذهب، أو شموع أسود رءوسها ما انطفأ وأحمره ما التهب. وكنّا كالطير الجليل عدّه، وكطراز العمر الأوّل جدّه.
من كلّ أبلج كالنّسيم لطافة ... عفّ الضّمير مهذّب الأخلاق
مثل البدور ملاحة وكعمرها ... عددّا ومثل الشّمس فى الإشراق
ومعهم قسىّ كالغصون فى لطافتها ولينها، والأهلّة فى نحافتها وتكوينها، والأزاهر فى ترافتها وتلوينها؛ بطونها مدبّجه، ومتونها مدرّجه؛ كأنّها الشّولّة «4» فى انعطافها، أو أرواق الظّباء «5» فى التفافها؛ لأوتارها عند القوادم أوتار «6» ، ولبنادقها
(10/332)

فى الحواصل أوكار؛ إذا انتصبت لطير ذهب من الحياة نصيبه، وإن أنبضت «1» لرمى بدا «2» لها أنها أحقّ به ممّن يصيبه. ولعل ذاك الصّوت زجر لبندقها أن يبطئ فى سيره، أو يتخطّى الغرض إلى غيره؛ أو وحشة لمفارقة أفلاذ «3» كبدها، أو أسف على خروج بنيها عن يدها؛ على أنها طالما نبذت بنيها بالعراء، وشفعت لخصمها التحذير بالإغراء.
مثل العقارب أذنابا معقّدة ... لمن تأمّلها أو حقّق النّظرا
إن مدّها قمر منهم وعاينه ... مسافر الطير فيها أو نوى «4» سفرا
فهو المسىء اختيارا إذ نوى سفرا ... وقد رأى طالعا فى العقرب القمرا
ومن البنادق كرات متّفقة السّرد، متّحدة العكس والطّرد؛ كأنّما خرطت من المندل «5» الرّطب أو عجنت من العنبر الورد؛ تسرى كالشّهب فى الظلام، وتسبق إلى مقاتل الطير مسدّدات السّهام.
مثل النجوم إذا ما سرن فى أفق ... عن الأهلّة لكن نونها راء «6»
ما فاتها من نجوم اللّيل إن رمقت ... إلّا ثبات «7» يرى فيها وأضواء
(10/333)

تسرى ولا يشعر الليل البهيم بها ... كأنّها فى جفون الليل إغفاء
وتسمع الطير إذ تهفو قوادمه ... خوافقا فى الدّياجى وهى صمّاء
تصونها جرأوة «1» كأنّها جرج «2» درر، أو درج غرر، أو كمامة ثمر؛ أو كنانة نبل، أو غمامة وبل؛ حالكة الأديم، كأنّما رقمت بالشّفق حلّة ليلها البهيم.
كأنّها فى وصفها مشرق ... تنبثّ منه «3» فى الدّجى الأنجم
أو ديمة قد أطلعت قوسها ... ملوّنا وانبثقت تسجم
فاتخذ كلّ له مركزا، وتقاضى من الإصابة وعدا منجزا، وضمن له السعد أن يصبح لمراده محرزا.
كأنّهم فى يمن أفعالهم ... فى نظر المنصف والجاحد
قد ولدوا فى طالع واحد ... وأشرقوا فى مطلع واحد
فسرت علينا من الطير عصابه، أظلّتنا من أجنحتها سحابه؛ من كلّ طائر أقلع يرتاد مرتعا، فوجد ولكن مصرعا، وأسفّ «4» يبغى ماء جماما فورد ولكن السمّ منقعا، وحلّق فى الفضاء يبتغى ملعبا فبات هو وأشياعه سجّدا للقسىّ وركّعا؛ فتبرّكنا بذلك الوجه الجميل، وتداركنا أوائل ذلك القبيل.
(10/334)

فاستقبل أوّلنا «تمّا» «1» تمّ بدره، وعظم فى نوعه قدره؛ كأنه برق كرع فى غسق؛ أو صبح عطف على بقيّة الدّجى «2» عطف النّسق؛ تحسبه فى أسداف المنى غرّة نجح، وتخاله تحت أذيال الدّجى طرّة صبح؛ عليه من البياض حلّة وقار، وله كرة من عنبر فوق منقار من قار. له عنق ظليم، والتفاتة ريم، وسرى غيم يصرّفه نسيم.
كلون المشيب وعصر الشّباب ... ووقت الوصال ويوم الظّفر
كأنّ الدّجى غار من لونه ... فأمسك منقاره ثم فرّ
فأرسل إليه عن الهلال نجما، فسقط منه ما كبر بما صغر حجما؛ فاستبشر بنجاحه، وكبّر عند صياحه، وحصّله من وسط الماء بجناحه.
وتلاه «كىّ «3» » نقىّ اللّباس، مشتعل شيب الراس، كأنّه فى عرانين شيبه لاوبله كبير أناس «4» ؛ إن أسفّ فى طيرانه فغمام، وإن خفق بجناحه فقلع له بيد النّسيم زمام؛ ذو غببة «5» كالجراب ومنقار كالحراب، ولون يغرّ فى الدّجى كالنّجم ويخدع فى الضّحى كالسّراب؛ ظاهر الهرم، كأنّما يخبر عن عاد ويحدّث عن إرم.
إن عام فى زرق الغدير حسبته ... مبيضّ غيم فى أديم سماء
(10/335)

أوطار فى أفق السماء ظننته ... فى الجوّ شيخا عائما فى ماء
متناقض الأوصاف فيه خفّة ال ... جهّال تحت رزانة العلماء
فثنى الثانى إليه عنان بندقه، وتوخّاه فيما بين رأسه وعنقه، فخرّ كمارد انقضّ عليه نجم من أفقه؛ فتلقّاه الكبير بالتكبير، واختطفه قبل مصافحته الماء من وجه الغدير.
وقارنته «إوزّة» حلّتها دكناء، وحليتها حسناء؛ لها فى الفضاء مجال، وعلى طيرانها خفّة ذوات التبرّج وخفر ربّات الحجال؛ كأنّما عبّت فى ذهب، أو خاضت فى لهب؛ تختال فى مشيتها كالكاعب، وتتأنّى فى خطوها كاللّاعب «1» ؛ وتعطو بجيدها كالظّبى الغرير، وتتدافع فى سيرها مشى القطاة إلى الغدير.
إذا أقبلت تمشى فخطرة كاعب ... رداح «2» وإن صاحت فصولة حازم «3»
وإن أقلعت قالت لها الريح ليت لى ... خفا ذى الخوافى أو قوى ذى القوادم
فأنعم بها فى البعد زاد مسافر ... وأحسن بها فى القرب تحفة قادم
فلوى الثالث جيده إليها، وعطف بوجه قوسه عليها؛ فلجّت فى ترفّعها ممعنه، ثم نزلت على حكمه مذعنه؛ فأعجلها عن استكمال الهبوط، واستولى عليها بعد استمرار القنوط.
(10/336)

وحاذتها «لغلغة» تحكى لون وشيها، وتصف حسن مشيها؛ وتربى عليها بغرّتها، وتنافسها فى المحاسن كضرّتها؛ كأنّها مدامة قطبت «1» بمائها، أو غمامة شفّت عن بعض نجوم سمائها.
بغرّة بيضاء ميمونة ... تشرق فى اللّيل كبدر التّمام
وإن تبدّت فى الضّحى خلتها ... فى الحلّة الدّكناء برق الغمام
فنهض الرابع لاستقبالها، ورماها عن فلك سعده بنجم وبالها؛ فجدّت فى العلوّ مغذّه «2» ، وتطاردت أمام بندقه ولولا طراد الصّيد لم تك لذّه؛ وانقضّ عليها من يده شهاب حتفها، وأدركها الأجل لخفّة «3» طيرانها من خلفها؛ فوقعت من الأفق فى كفّه، ونفر «4» ما فى بقايا صفّها عن صفّه.
وأتت فى أثرها «أنيسة» آنسه، كأنها العذراء العانسه، أو الأدماء الكانسه «5» ؛ عليها خفر الأبكار، [وخفّة ذوات الأوكار «6» ] وحلاوة المعانى التى تجلى على الأفكار؛ ولها أنس الرّبيب، وإدلال الحبيب، وتلفّت الزائر المريب، من خوف الرّقيب؛ ذات عنق كالإبريق، أو الغصن الوريق، قد جمع صفرة البهار إلى حمرة الشّقيق؛ وصدر بهىّ الملبوس، شهىّ إلى النّفوس، كأنّما رقم فيه النّهار بالليل أو نقش فيه العاج بالآبنوس «7» ؛ وجناح ينجيها من العطب، يحكى لونه المندل الرّطب إلّا «8» أنّه حطب.
مدبّجة الصدر تفويفه ... أضاف إلى اللّيل ضوء النهار
لها عنق خاله من رآه ... شقائق قد سيّجت «9» بالبهار
(10/337)

فوثب الخامس منها «1» إلى الغنيمه، ونظم فى سلك رميه تلك الدّرّة اليتيمة «2» ؛ وحصل بتحصيلها بين الرّماة على الرتبة الجسيمه.
وأتى على صوتها «حبرج» تسبق همّته جناحه، ويغلب خفق قوادمه صياحه؛ مدبّج المطا، كأنما خلع حلّة منكبيه على القطا؛ ينظر من لهب، ويخطو على رجلين من ذهب.
يزور الرّياض ويجفو الحياض ... ويشبه فى اللّون كدر القطا
ويهوى الزّروع ويلهو بها ... ولا يرد الماء إلا خطا
فبدره السادس قبل ارتفاعه، وأعان قوسه بامتداد باعه؛ فخرّ على الألاءة «3» كبسطام بن قيس «4» ، وانقضّ عليه راميه فخصله «5» بحذق وحمله بكيس.
وتعذّر على السابع مرامه، ونبا به عن بلوغ الأرب مقامه؛ فصعد هو وترب له إلى جبل، وثبت فى موقفه من لم يكن له بمرافقتهما قبل. فعنّ له «نسر» ذو قوادم شداد، ومناسر حداد، كأنه من نسور لقمان بن عاد؛ تحسبه فى السماء ثالث أخويه، وتخاله فى الفضاء قبّته المنسوبة إليه؛ قد حلق كالفقراء راسه، وجعل ممّا قصر من الدّلوق الدّكن لباسه؛ واشتمل من الرّياش العسلىّ إزارا، واختار
(10/338)

العزلة فلا يجد له إلّا فى قنن الجبال الشواهق مزارا؛ قد شابت نواصى الليالى وهو لم يشب، ومضت الدهور وهو من الحوادث فى معقل أشب.
مليك طيور الأرض شرقا ومغربا ... وفى الأفق الأعلى له أخوان
له حال فتّاك وحلية ناسك ... وإسراع مقدام وفترة وان
فدنا من مطاره، وتوخّى ببندقه عنقه فوقع فى منقاره؛ فكأنما هدّ منه صخرا، أو هدم بناء مشمخرّا؛ ونظر إلى رفيقه، مبشرا له بما امتاز به عن فريقه.
وإذا به قد أظلّته «عقاب» كاسر، كأنما أضلّت صيدا أفلت من المناسر؛ إن حطّت فسحاب انكشف، وإن قامت «1» فكأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العنّاب والحشف؛ بعيدة ما بين المناكب، إذا أقلعت لجّت فى علوّ كأنّما تحاول ثأرا عند بعض الكواكب.
ترى الطير والوحش فى كفّها ... ومنقارها ذا عظام مزاله
فلو أمكن الشمس من خوفها ... إذا طلعت ما تسمّت غزاله
فوثب إليها الثامن وثبة ليث قد وثق من حركاته بنجاحها، ورماها بأوّل بندقة فما أخطأ قادمة جناحها؛ فأهوت كعود صرع، أو طود صدع؛ قد ذهب باسها، وتذهّب بدمها لباسها؛ وكذلك القدر يخادع الجوّ عن عقابه، ويستنزل الأعصم «2» من عقابه؛ فحملها بجناحها المهيض «3» ، ورفعها بعد الترفّع فى أوج جوّها من الحضيض؛ ونزلا إلى الرّفقه، جذلين بربح الصّفقه.
(10/339)

فوجد التاسع قد مرّ به «كركىّ» طويل السّفار، سريع التّفار؛ شهىّ الفراق»
، كثير الاغتراب يشتو بمصر ويصيف بالعراق؛ لقوادمه فى الجوّ هفيف «2» ، ولأديمه لون سماء طرأ عليها غيم خفيف؛ تحنّ إلى صوته الجوارح، وتعجب من قوّته الرّياح البوارح؛ له أثر حمرة فى رأسه كوميض جمر تحت رماد، أو بقيّة جرح تحت ضماد؛ أو فصّ عقيق شفّت عنه بقايا ثماد؛ ذو منقار كسنان، وعنق كعنان «3» ؛ كأنّما ينوس، على عودين من آبنوس «4» .
إذا بدا فى أفق مقلعا ... والجوّ كالماء تفاويفه
حسبته فى لجّة مركبا ... رجلاه فى الأفق مجاديفه
فصبر له حتى جازه «5» مجليّا، وعطف عليه مصلّيا؛ فخرّ مضرّجا بدمه، وسقط مشرفا على عدمه. وطالما أفلت لدى الكواسر من أظفار المنون، وأصابه القدر بحبة من حمأ مسنون؛ فكثر «6» التكبير من أجله، وحمله راميه من على وجه الأرض برجله.
وحاذاه «غرنوق» حكاه فى زيّه وقدره، وامتاز عنه بسواد رأسه وصدره؛ له ريشتان ممدودتان من رأسه إلى خلفه، معقودتان من أذنيه مكان شنفه.
له من الكركىّ أوصافه ... سوى سواد الصدر والرّاس
إن شال رجلا وانبرى قائما ... ألفيته هيئة برجاس
(10/340)

فأصغى العاشر له منصتا، ورماه ملتفتا؛ فخرّ كأنّه صريع الألحان، أو نزيف «1» بنت الحان؛ فأهوى إلى رجله بيده وأيده «2» ، وانقضّ عليه انقضاض الكاسر على صيده.
وتبعه فى المطار «صوغ «3» » ، كأنّه من النّضار مصوغ؛ تحسبه عاشقا قد مدّ صفحته، أو بارقا قد بثّ لفحته.
طويلة رجلاه مسودّة ... كأنّما منقاره خنجر
مثل عجوز رأسها أشمط ... جاءت وفى قمّتها «4» معجر «5»
فاستقبله الحادى عشر ووثب، ورماه حين حاذاه من كثب؛ فسقط كفارس تقطّر عن جواده، أو وامق أصيبت حبّة فؤاده؛ فحمله بساقه، وعدل به إلى رفاقه.
واقترن به «مرزم» له فى السماء سمىّ معروف، ذو منقار كصدغ «6» معطوف؛ كأنّ رياشه فلق «7» اتّصل به شفق، أو ماء صاف علق بأطرافه علق.
له جسم من الثّلج ... على رجلين من نار
إذا أقلع ليلا قل ... ت برق فى الدّجى سارى
(10/341)

فانتحاه الثانى عشر ميمّما، ورماه مصمّما؛ فأصابه فى زوره، وحصّله من فوره، وحصل له من السرور ما خرج به عن طوره.
والتحق به «شبيطر «1» » كأنه مدية مبيطر «2» ؛ ينحطّ كالسيل ويكرّ على الكواسر كالخيل، ويجمع من لونه بين ضدّين يقبل منهما بالنهار ويدبر بالليل؛ يتلوّى فى منقاره الأيم «3» ، تلوّى التّنّين فى الغيم.
تراه فى الجوّ ممتدّا وفى فمه ... من الأفاعى شجاع أرقم ذكر
كأنه قوس رام عنقه يدها ... ورأسه رأسها والحيّة الوتر
فصوّب الثالث عشر إليه ببندقه، فقطع لحيه «4» وعنقه؛ فوقع كالصّرح الممرّد، أو الطّراف «5» الممدّد.
واتّبعه «عنّاز «6» » أصبح فى اللّون ضدّه، وفى الشكل ندّه؛ كأنه ليل ضمّ الصبح إلى صدره، أو انطوى على هالة بدره.
تراه فى الجوّ عند الصبح حين بدا ... مسودّ أجنحة مبيضّ حيزوم
كأسود حبشىّ عام فى نهر ... وضمّ فى صدره طفلا من الرّوم
(10/342)

فنهض تمام القوم إلى التّتمّه، وأسفرت عن نجح الجماعة تلك الليلة المدلهمّه؛ وغدا ذلك الطير الواجب واجبا «1» ، وكمل العدد به قبل أن تطلع الشمس عينا أو تبرز حاجبا؛ فيالها ليلة حصرنا بها الصوادح فى الفضاء المتّسع، ولقيت فيها الطير ما طارت به من قبل على كلّ شمل مجتمع؛ وأضحت أشلاؤها على وجه الأرض كفرائد خانها النّظام، أو شرب كأنّ رقابهم من اللّين لم يخلق لهنّ عظام؛ وأصبحنا مثنين على مقامنا، منثنين بالظّفر إلى مستقرّنا ومقامنا؛ داعين للمولى جهدنا، مذعنين له قبلنا أو ردّنا؛ حاملين ما صرعنا الى بين يديه، عاملين على التشرّف بخدمته والانتماء إليه.
فأنت الذى لم يلف من لا يودّه ... ويدعو له فى السرّ أو يدّعى له
فإن كان رمى أنت توضح طرقه ... وإن كان جيش أنت تحمى رعيله «2»
والله تعالى يجعل الآمال منوطة به وقد فعل، ويجعله كهفا للأولياء وقد جعل.
ومن إنشاء المولى علاء «3» الدّين علىّ بن عبد الظاهر [فى] قدمة بندق.
ابتدأها بأن قال: «الحمد لله مهيّئ أسباب الارتياح، ومهنّئ أوقات الانشراح، ومطلق الأيدى فى الاقتناص فليس عليها فى صيد ذوات الجناح جناح؛
(10/343)

ومزيّن السماء بمصابيح «1» أنوارها، وموشّى الأرض بروضها ونوّارها؛ ومنوّر الأيام بشموسها والليالى بأقمارها، ومطرّز مطارف الآفاق بمطار أطيارها. والصلاة والسلام على سيّدنا محمد وآله وصحبه الذين أنجدهم الله من ملائكته بأولى أجنحه، وأهوى بصرائعهم «2» وأوهى قوى ممانعهم بعزائمهم المنجحه.
وبعد، فإنّ القنص شغفت به قلوب ذوى العزائم؛ وصيّرته عنوانا للحرب إذ حمام الحمام فيه على الفرائس حوائم؛ تلتذّ نفوسهم بالمطاردة فيه وترتاح، وتهواه فلو تمكنت لركبت اليه أعناق الرياح؛ ترد منه مورد الظّفر، وتتمتّع فيه بنزه تقسّم الحسن فيهن بين السمع والبصر، وتتملّى عند السرور إليه برياض دبّجها صوب من المطر لا صوب من الفكر، ويطوى من الأرض ما نشرت أيدى السماء به برودا أبهى من الحبر «3» ؛ فتارة تستنزل من العواصم الظباء العواصى، وآونة تقتنص الطير وقد تحصّنت من بروج السّحب فى الصّياصى «4» ببعوثها الدّانية من كلّ قاصى. وأحسن أنواعه الذى جمع لمعاينه بين روضة ورياضه، وغدر مفاضه؛ ومغازلة عيون النّور وهى تدمع حين طرفها بذيله نسيم الصباح، ومباكرة اللذّات من قبل أن ترشف شمس الضحى ريق الغوادى من ثغور الأقاح؛ رمى البندق الذى هو عقلة المستوفز «5» ، وانتهاز غفلة الطائر المتحرّز؛ ونزهة القلوب التى إن طالت لا تملّ؛ وإن اجتاز المتنزّه بموطنها لم يؤجر «6» . أحلى من صيد الظباء، وأشهى من لمح ملح الحسناء؛
(10/344)

لا يحتاج إلى ركض جواد، ولا يجتاح فيه خفض العيش جواد «1» ، ولا يهاجر متعاطيه إلى الهواجر، ولا يحجر على نفسه فى الإفضاء إلى المحاجر «2» ؛ أربابه يرتاضون فى الروضة الغنّاء، ويسمعون من نغمات الأوتار وشدو الأطيار مختلف الألحان والغناء؛ ويمتطون الليل طرفا، ويستنيرون من النجوم شموعا لا تقطّ ولا تطفا؛ قد اتخذ كل منهم مقاما أكرم به من مقام، وهام باللذة فترك كرائم كراه وكذا عادة المستهام؛ وسبح فى لجج الليل وكرع فى نهر النهار، وتجلّى فى حلل الصدق وتخلى عن خلل العار.
يهوون لذّة القنص فى الليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفّس، ويرسلون رسل المنايا إلى صرائعهم فما تتنفّس. إذا برزوا عند الغروب توارت شمس الأصيل حياء، وذهبت فى حلّتها الذهبيّة حين بهروها سنا وسناء؛ تراهم كالزّهر أو الأزهار، أو عقد نظم باللّجين والزّمرّد والنّضار؛ أوجههم فى أفلاك قسيّهم أقمار، كولدان جنان، وأعطاف أغصان؛ قد طاف بهم سياج المسرّة وأحدق، وحلّوا بثياب سندس خضر وإستبرق؛ كأنّ الأرض ضاهت بهم السماء، فصيّرت قسيّهم أفلاكها، وغررهم نجومها، وعزائمهم صواعقها وبنادقهم رجومها؛ يخفق منهم قلب كلّ خافقه، وتقدم بعوثهم على ذوات القوادم فبينا هى مترافقة إذا بها متفارقه، وكأن صوافّ الطير لديهم فى جوّ السماء، سطور فى صفيحة زرقاء؛ أو كأنها فى التئامها، عقود درّ فى نظامها؛ يفرطون سلكها، ويقرّبون هلكها، ويغدرون بها فى الغدر، ويجسرون عليها فى الجسور، وتقايض بنادقهم صرائعهم فيصير وكر الطير الجراوة وجراوة البنادق حواصل الطيور. وإذا أسفروا وجه صباح، سمعت للطير صياحا والطرب كلّه فى ذلك الصياح؛ وإن عشوا مقاماتهم وجه عشاء رأيت الطير وهى لدى محاريب
(10/345)

قسيّهم وهى سجود وركّع، طرائح من بيض وسود كأنّ أديم الأرض منهنّ أبقع.
وإن تعلّقوا بأذيال الليل وسجفه، وباتوا فى عطفه؛ احتمى منهم بشهبه، وتستّر فى حجبه؛ وتوارى عنهم البدر بذيل الغمام، وهال هالته أن تبدو لقسيّهم الموتّرة بالحمام.
إلى غير ذلك مما التزموه من محاسن أوصاف وأوصاف محاسن، ووردوه من مناهل مصافاة ماؤها غير آسن، ووجدوه من طيب عيش ما لانوا معه ولا استكانوا إلى المساكن؛ وحفظوه من صناعتهم من شروط وأوضاع، ووقفوا فى مقاماتهم من مطيع ومطاع؛ يرعون قدر كبيرهم، ولا يراع بينهم قلب صغيرهم؛ ويتناصفون فى أحكامهم، فالحكم واحد على آمرهم ومأمورهم. إن تفرّقوا فهم على قلب رجل واحد، وإن اختلفت منهم المقاعد فقد اتفقت منهم المقاصد. ما خلا جوّهم من واجب الطاعه، ولا علا بينهم كبير إلّا بذلوا فى خدمته جهد الاستطاعة؛ وأضحوا وأمرهم عليهم محتوم، وأمسوا وما فيهم إلا من له مقام معلوم؛ بأيديهم قسىّ قاسيه، قضبانها قاضيه؛ منعطفة جافيه، بعوثها فى الخوافى خافيه؛ تمثّلها الأفكار فى ساحة الفضاء، كزوارق مبثوثة فى لجّة الماء. وكيف لا! وهى تحمل المنايا إلى الطير، وإن لم تكن سائرة فلها بعوث سريعة السير؛ كأنّ صانعها قصد وضعها كالأهلّة واقترح، أو حكى بمدبّج أثوابها قوس قزح؛ وكأن ظهرها «1» وقد تنوّعت به من الغروز مدارجه، مدر سحيق ورس دبّ عليه من النمل دارجه؛ إذا حطّت عنها أوتارها كانت عصا لربّها فيها مآرب ومغانم، يوجس الطير فى نفسه منها خيفة وكيف لا! وهى فى شكل الأراقم؛ متضادّة تجفو وتلين، موتورة وغيرها حزين؛ تضمّها أنامل
(10/346)

من يسراهم هى أيمن من يمين عرابة «1» بن أوس، ويطلع كلّ منهم فى فلكها والطّالع القمر فى القوس؛ لا تعتصم منها الطّرائد بالخباء فى وكر الدّجنّه، ولا يخفيها اتخاذها الظّلماء جنّه؛ ولا يوقّيها نزقها، ولا ينقيها «2» ملقها ولا تنجح بخفق الجناح، ولا تستروح بمساعدة الرياح؛ لها بنادق كأنها حبات القلوب لونا، وأشكال العقود كونا؛ كأنما صبغت من ليل وصيغت من شهب، أو صنعت من أديم للسّحب؛ تفرد من الطير التّؤام، وتجمع بين روحها والحمام؛ قد تحاماها النّسران فاتخذا السماء وكرا، واتفقا أن يصبحا شفعا ويمسيا وترا؛ تقبض منها الأيدى عند إطلاقها رائحة رابحه، جارحة من الطير كلّ جارحه، لا ترى صادحة إلا صيّرتها صائحه. قلب كلّ طير منها طائر، وكيف لا وهى للسّهام ضرائر؛ تضرم النار لإشواء الطّريدة قبل مفارقتها للأوتار، وتقتنص من الجوارح كلّ مستخف بالليل وسارب بالنّهار؛ تهيج كامن الغنيمة وتستثير، وتبدو كأنما عجنت من صندل وعبير.
ولما كان من هو واسطة عقد هذه الأوصاف، والرافل فى برودها الموشيّة للأطراف؛ والمبدع فى فنّه، والجامع بين فضيلة الرمى وحسنه؛ والمستنطق لسان قومه بالإحسان، والحافظ شروطه فى طهارة العرض وصدق اللسان؛ والرامى الذى
(10/347)

بلغ بهمّته غاية المرام، وضاهى ببندقه السّهام؛ وكان يوم كذا وكذا خرج إلى برزته المباركة وصرع طيرين فى وجه واحد، وأبان عن حسن الرمى وسداد الساعد؛ وأضحى بينهما كثيرا بين قومه، وجعلهما لهم وليمة فى يومه؛ وهما «تمّ» كأنما صيغ «1» من فضّه، أو تدرّع من النهار حلّة مبيضّه؛ أو غاير بياضه الليل فلطم وجهه بيد ظلمائه، فاقتصّ منه وخاض فى أحشائه؛ لجناحه هفيف فى المطار، تسمع منه نغمة الأوتار. و «لغلغة» كأنها كوّنت من شقيق وغمام، أو مزج لونها بماء ومدام؛ لها غرّة لو بدت فى الليل خلتها بدرا، وإن أسفرت عند الصباح حسبتها فجرا؛ وحملها فلان وفلان، وقطع شبقه «2» فلان وادّعى لفلان؛ وعاد الرامى قرير العين، مملوء اليدين؛ إذا فخر غيره بواحدة فخر بآثنتين؛ معظّما بين أترابه، مكرّما لدى أحبابه؛ ألبسه الله من السرور أزهى أثوابه. بمنّه وكرمه.
ومما ورد فى وصف الجلاهق نظما
- قال أبو الفرج الببغّاء يصفها:
ومرنان «3» معبّسة ضحوك ... مهذّبة الطبائع والكيان
مغالبة وليس بها حراك ... وباطشة وليس لها يدان
لها فى الجارح النّسب المعلّى ... وإن هى خالفته فى المعانى
تطير مع البزاة بلا جناح ... فتسبقها إلى قصب الرّهان
وتدرك ما تشاء بغير رجل ... ولا باع يطول ولا بنان
وتلحظ ما يكلّ الطرف عنه ... بلا نظر يصحّ ولا عيان
لها عضوان من عصب ولحم «4» ... وسائر جسمها من خيزران
(10/348)

يخاطب فى الهواء الطير منها ... بلفظ ليس يصدر عن لسان
فإن لم تصغ أردتها بطعن ... ينوب الطين فيه عن السّنان
مقرطقة ممنطقة خلوب ... مهفهفة مخفّفة الجران
مذكّرة مؤنّثة تهادى ... من الأصباغ فى حلل القيان
معمّرة تزايد كلّ يوم ... شبيبتها على مرّ الزمان
كأنّ الله ضمّنها فبانت ... لنا فى الرّزق عن أوفى ضمان
أعزّ على العيون من المآقى ... وأحلى فى النفوس من الأمانى
إذا ما استوطنت يوما مكانا ... تولّى الجدب عن ذاك المكان
وقال أبو الفتح كشاجم:
وثيقة مدمجة الأوصل ... محنّية عوجاء كالهلال
تعود إن شئت إلى اعتدال ... باطنها «1» لعاقل الأوعال
والظهر منها لقنا الأبطال ... يجمعها أسمر ذو انفتال
فى وسطه من صنعة المحتال ... مثال عين غير ذى احولال
تقذى «2» بصدفات من الصّلصال ... أمضى من السّهام والنّبال
قذى يقرّ أعين الآمال ... فاقعة الصّفرة كالجريال «3»
رخيصة تغنم كلّ غال ... تؤمن منها ونية الكلال
تعول فى الجدب وفى الإمحال ... وقد يكون الصّقر كالعيال
(10/349)

مطيّها عواتق «1» الرجال ... فى غلف ممدودة طوال
كم أفضلت على ذوى إفضال ... وكم أنالت من أخى نوال
وقرّبت للطّير من آجال
وقال أيضا فيها من أبيات:
وفى يسارى من الخطّىّ محكمة ... متى طلبت بها أدركت مطلوبى
للوعل باطن شطريها ومعظمها ... من عود شجراء ظمياء الأنابيب
تأنّق القين «2» فى تزيينها فغدت ... تومى بأحسن تفضيض وتذهيب
فى وسطها مقلة منها تبيّن ما ... يرمى فما مقتل «3» عنها بمحجوب
فقمت والطير قد حمّ الحمام لها ... على سبيلى فى عادى وتجويبى «4»
حتى إذا اكتحلت بالطين مقلتها ... صبّت عليهنّ حتفا جدّ مصبوب
فرحت جذلان لم تكدر مشارب ل ... ذّاتى ولم تلق آمالى بتخييب
ذكر شىء مما قيل فى سبطانة «5»
قال أبو الفرج الببّغاء:
وجوفاء حاملة تهتدى ... إلى كل قلب بمقروحه
مقوّمة القدّ ممشوقة ... مهفهفة الجسم ممسوحه
(10/350)

مثقّفة فمها عينها ... تبشّر قلبى بتصحيحه
فإن هى والجارح استنهضا ... الى الصّيد عاقته عن ريحه
إذا المرء أودعها سرّه ... لتخفيه باحت بتصريحه
موات تعيش إذا ما أعاد ... لها النافخ الرّوح من روحه
هى السّبطانة فى شكلها ... ففى القلب جدّ تباريحه
تحطّ أبا الفرخ عن وكره ... وتستنزل الطير من لوحه «1»
وقال أبو طالب المأمونىّ:
مثقّفة جوفاء تحسب زانة «2» ... ولكنها لا زجّ فيها ولا نصل
تسدّد نحو الطير وهو محلّق ... فينفذ عنها للردى نحوه الرّسل
يطير إلى الطير الرّدى فى ضميرها ... فيجرى كما يجرى ويعلو كما يعلو
فيعقل ما تنجو به فكأنّما ... يمدّ إليه «3» من بنادقها حبل
ذكر شىء مما قيل فى عيدان الدّبق «4»
قال عبد الله بن المعتز فيها ملغزا:
وما رماح غير جارحات ... ولسن «5» فى الدّماء والغات
ولسن «6» للطّراد والغارات ... يخضبن لا من علق الكماة
(10/351)

بريق حتف منجز العدات ... مكتمن ليس بذى إفلات «1»
ينشب فى الصدور واللّبّات ... فعل إسار «2» فلّق السّيات
على عواليها مركّبات ... أسنّة لسن موقّعات «3»
من قصب الريش مجرّدات ... يحسبن فى الهواء شائلات
أذناب جرذان منكّسات
وقال أبو الفتح كشاجم:
وآسرات مثل مأسورات ... ممكّنات غير ممكنات
مؤمّلات غير مكذبات ... صوادق التعجيل للعدات
نواظر الأشكال ذاهبات ... كواسر ولسن ضاريات
ولا بما يصدن عالمات ... بمثل ريق النحل مطليّات
أقتل من سمائم الحيّات ... لو صلحت شيئا من الآلات
ووصلت بالزّجّ والشّباة ... كانت مكان النّبل للرّماة
حوامل للطير ممسكات ... تعلّق الأحباب بالحبّات
كأنها فى النعت والصفات ... أذناب ما دقّ من الحيّات
أغدر بالورق المغرّدات ... فيها من الفتيان بالقينات
فهنّ من قتلى ومن عناة ... بلا فكاك وبلا ديات
(10/352)

ذكر شى مما قيل فى الشّباك
قال السّرىّ الرّفّاء يصف شبكة:
وجدول بين حديقتين ... مطّرد مثل حسام القين
كسوته واسعة القطرين ... تنظر فى الماء بألف عين
راصدة كلّ قريب الحين ... تبرزه مجنّح الجنبين
كمدية مصقولة المتنين ... كأنما صيغ من اللّجين
وقال أبو الفرج الببّغاء يصف شبكة العصافير:
رقراقة فى السّراب تحسبها ... على الثّرى حلّة من الزّرد
كالدّرع لكنها معوّضة ... عن المسامير كثرة العقد
سائرها أعين مفتّحة ... لا ترتضى نسبة إلى جسد
ذكر ما قيل فى الشّصّ، وهو الصّنانير
- قال كاتب أندلسىّ يصفه من رسالة: «صنانير، كأظفار السّنانير؛ قد عطفها القين كالراء، وصيّرها الصّقل كالماء؛ فجاءت أحدّ من الإبر، وأرقّ من الشّعر؛ كأنها مخلب صرد «1» ، أو نصف حلقة من زرد» .
وقال أبو الفتح كشاجم:
من كان يحوى صيده الفضاء ... وللبزاة عنده ثواء
وطال بالكلب له العناء ... فإن صيدى ما حواه الماء
بمخلب ساعده رشاء ... يظلّ والماء له غطاء
(10/353)

كما طوت هلالها السماء ... كأنه من الحروف راء
فهو ونصف خاتم سواء ... يحمل سمّا اسمه غذاء
وعطبا فيه لنا إحياء ... تدمى به القلوب والأحشاء
عاد إذا ساعده القضاء ... أمتعنا القريس «1» والشّواء
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم كمل الجزء التاسع «2» من كتاب «نهاية الأرب فى فنون الأدب» للشيخ العلامة شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب البكرى التّيمىّ القرشىّ نسبا المعروف بالنّويرى رحمه الله. ويليه الجزء العاشر «3» المتعلق بالنباتات، على يد كاتبه، فقير رحمة ربه المعين، الفقير نور الدين بن شرف الدين بن أحمد العاملىّ بلدا، الشافعىّ مذهبا، وذلك فى مستهلّ شهر رمضان المعظم قدره سنة 966 هـ.
(10/354)