Advertisement

نهاية الأرب في فنون الأدب 013

[مقدمة الجزء الثالث عشر]
بيان
يوجد من نسخ هذا الجزء بدار الكتب المصرية نسختان كاملتان مأخوذتان بالتصوير الشمسىّ؛ وقطعة غير كاملة من نسخة أخرى مأخوذة بالتصوير الشمسى أيضا، وقد نبهنا على الموضع الذى تنتهى عنده هذه القطعة فى إحدى الحواشى.
أما خطوط النّسخ الثلاث: فإحداها مكتوبة بخط نور الدين العاملى فى سنة 966 هـ. وثانيتها مكتوبة بخط الشيخ عبد الرحمن بن ابراهيم الجبرتى الحنفى فى سنة 966 أيضا. والثالثة منسوب خطها إلى المؤلف كما نص على ذلك فى بعض الأجزاء الأخرى منها.
أما التحريف والتصحيف فى هذه الأصول فيكاد يكون متفقا فى جميعها؛ غير أننا وجدنا أن بعض هذه النسخ قد سقطت منها عبارات وجدناها مثبتة فى النسخ الأخرى، فكملنا بعضها من بعض كى يكون الجزء نسخة كاملة من جميع هذه الأصول.
ومما ينبغى التنبيه عليه في هذا الموضع أن المؤلف قد نقل موضوعات هذا الجزء عن كتابين: أحدهما «يواقيت البيان فى قصص القرآن» لأبى إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبىّ؛ والثانى «المبتدأ» لأبى الحسن محمد بن عبد الله المعروف بالكسائى؛ وقد بحثنا فى محفوظات دار الكتب عن اسمى هذين الكتابين فلم نجدهما، غير أننا وجدناهما باسمين آخرين؛ فكتاب الثعلبى مكتوب عليه:
«قصص الأنبياء المسمى بالعرائس» . وكتاب الكسائى يسمى «بالعرائس» أيضا؛ ويسمى أيضا «نفائس العرائس» كما هو مكتوب على بعض نسخه المخطوطة.
وفى «كشف الظنون» أنه يسمى «خلق الدنيا وما فيها» . والأوّل مطبوع بالمطبعة البهية بالقاهرة عام 1301 هـ. والثانى مخطوط سنة 803 هـ.
ومما يرجح لدينا أن هذين الكتابين هما اللذان أشار إليهما المؤلف ونقل عنهما وإنما تغيّر اسماهما دون مسمّاها، مراجعة ما فيهما على ما نقله المؤلف فى هذا الجزء عنهما ملخصا، والاتفاق التام فى العبارات بين المنقول والمنقول عنه.
(مقدمةج 13/1)

ويلاحظ أنه قد ورد فى هذا الجزء نقلا عن الكتابين المذكورين كثير من الأسماء العبرانية التى تعوّد المؤرخون القدماء ذكرها فى كتبهم فى الكلام على بدأ الخليقة وقصص الأنبياء، وهذه الأسماء لم نقف على نصوص صريحة تدل على الصواب فى ضبطها، والصحة فى تقييد حروفها.
وقد بحثنا فيما بين أيدينا من مصادر التاريخ الكثيرة عنها للوثوق من صحتها فوجدنا تلك المصادر مختلفة كل الاختلاف فيها، حتى لا تجد كتابا متفقا مع غيره فى كتابتها.
لهذا رأينا أن نبقى تلك الأسماء كما هى فى الأصول، إلا ما وجدناه مضبوطا بخطّ موثوق بكاتبه.
وعسى أن نكون قد وفقنا فى هذا الجزء إلى ما قصدنا إليه فى الأجزاء السابقة من تصحيح التحريف، وتكميل النقص، وضبط الملتبس من الألفاظ، وغير ذلك مما سردناه فى الكلام على تصحيح الأجزاء السابقة.
وقد تمّ طبعه فى عهد من اعتز العلم بنصره، وازدهت الآداب فى عصره وقويت آمال لغة العرب فيه، واختالت زهوا بأياديه:
حضرة صاحب الجلالة مولانا الملك المعظم «فاروق الأوّل» حفظه الله
ولا يفوتنا فى هذا المقام أن نذكر بالشكر والثناء تلك الجهود العظيمة التى بذلها ويبذلها حضرة صاحب العزة العالم الكبير «الدكتور منصور فهمى بك» مدير عام دار الكتب المصرية، واهتمامه الصادق بإخراج هذه الكتب فى أقرب وقت ممكن على أحسن وجه وأكمله، تحقيقا لما تتوق إليه الأمة العربية جمعاء من إحياء لغتها وآدابها بنشر الكتب الثمينة فى الدين واللغة والأدب والتاريخ وغيرها من أنواع العلوم.
ونسأل الله سبحانه أن يجعل عملنا خالصا لوجهه
مصحّحه أحمد الزين
القاهرة فى 7 شوّال سنة 1357 هـ. (29 نوفمبر سنة 1938 م)
(مقدمةج 13/2)

فهرس الجزء الثالث عشر
من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويرىّ
.... صفحة
الفن الخامس فى التاريخ ويشتمل على خمسة أقسام 1
القسم الأوّل من الفن الخامس فى مبدأ خلق آدم وحواء عليهما السلام ودخولهما الجنة، وما كان بينهما وبين إبليس لعنه الله وهبوطهما إلى الأرض واجتماعهما بعد الفرقة، وخبر حرثه وزرعه، وحمل حواء ووضعها، وخبر ابنى آدم هابيل وقابيل، ونبوة آدم عليه السلام ووفاته، وخبر شيث وأولاده، وقصة إدريس ونوح وهود وصالح عليهم السلام، وخبر أصحاب البئر المعطلة والقصر المشيد، وخبر أصحاب الرس، وفيه ثمانية أبواب 3
الباب الأوّل من هذا القسم فى مبدأ خلق آدم وحواء عليهما السلام وما كان من أخبارهما إلى حين وفاتهما- ذكر خلق آدم عليه السلام 10
ذكر دخول الروح فيه 11
ذكر سجود الملائكة لآدم 12
ذكر خلق حواء عليها السلام 13
ذكر عرض الأمانة على آدم عليه السلام 14
ذكر خبر إبليس والطاوس والحية 15
(مقدمةج 13/3)

ذكر خروج آدم وحواء من الجنة 18
ذكر سؤال إبليس لعنه الله 19
ذكر سؤال آدم عليه السلام 20
ذكر سؤال حواء عليها السلام 21
ذكر توبة آدم عليه السلام 23
ذكر أخذ الميثاق على ذرية آدم عليه السلام 25
ذكر اجتماع آدم بحواء 26
ذكر بناء آدم وزرعه وحرثه 28
ذكر حمل حواء عليها السلام وولادتها 30
ذكر مبعث آدم عليه السلام إلى أولاده 31
ذكر قتل قابيل هابيل 32
ذكر وفاة آدم عليه السلام 34
ذكر وفاة حواء 35
الباب الثانى من القسم الأول من الفن الخامس فى خبر شيث بن آدم عليهما السلام وأولاده 35
ذكر قتال شيث قابيل 36
الباب الثالث من القسم الأول من الفن الخامس فى أخبار إدريس النبى عليه السلام 38
الباب الرابع من القسم الأول من الفن الخامس فى قصة نوح عليه السلام وخبر الطوفان 42
ذكر مبعث نوح عليه السلام 43
(مقدمةج 13/4)

ذكر عمل السفينة 46
ذكر خبر دعوة نوح على ابنه حام ودعوته لابنه سام 49
ذكر وصية نوح ووفاته 50
ذكر خبر أولاد نوح عليه السلام من بعده 50
الباب الخامس من القسم الأوّل من الفن الخامس فى قصة هود عليه السلام مع عاد وهلاكهم بالريح العقيم 51
ذكر مبعث هود عليه السلام 52
ذكر خبر وفد عاد إلى الحرم يستسقون لهم 56
ذكر إرسال العذاب على قوم هود 58
ذكر خبر مرثد ولقمان 60
ذكر خبر إرم ذات العماد وقصة شديد وشدّاد بنى عاد 61
الباب السادس من القسم الأوّل من الفن الخامس فى قصة صالح عليه السلام مع ثمود وعقرهم الناقة وهلاكهم 71
ذكر ميلاد صالح عليه السلام 73
ذكر مبعثه عليه السلام 75
ذكر خروج الناقة 80
ذكر خبر عقر الناقة وهلاك ثمود 82
الباب السابع من القسم الأوّل من الفن الخامس فى أخبار أصحاب البئر المعطلة والقصر المشيد وما كان من أمرهم وهلاكهم 86
الباب الثامن من القسم الأوّل من الفن الخامس فى خبر أصحاب الرس وما كان من أمرهم 88
(مقدمةج 13/5)

القسم الثانى من الفن الخامس فى قصة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وخبره مع نمروذ وقصة لوط وخبر إسحاق ويعقوب وقصة يوسف وأيوب وذى الكفل وشعيب، وفيه سبعة أبواب- الباب الأوّل منه فى قصة إبراهيم الخليل عليه السلام وخبره مع نمروذ بن كنعان ذكر خبر نمروذ بن كنعان 96
ذكر الآيات التى رآها نمروذ قبل مولد إبراهيم عليه السلام 99
ذكر حمل أم إبراهيم عليه السلام وطلوع نجمه 100
ذكر ميلاد إبراهيم عليه السلام 102
ذكر خروج إبراهيم عليه السلام من الغار واستدلاله 102
ذكر معجزة لإبراهيم عليه الصلاة والسلام 105
ذكر مبعث ابراهيم عليه السلام 107
ذكر سؤال إبراهيم عليه السلام فى إحياء الموتى 108
ذكر آية لإبراهيم عليه السلام 108
ذكر خبر تكسير إبراهيم الأصنام وإلقائه فى النار 111
ذكر خبر صعود نمروذ إلى السماء على زعمه 113
ذكر خبر إرسال البعوض على نمروذ وقومه 114
ذكر هجرة إبراهيم عليه السلام 115
ذكر خبر ميلاد إسماعيل عليه السلام ومقامه وأمه فى البيت المحرّم 115
ذكر خبر بشارة إبراهيم بإسحاق عليهما السلام 118
ذكر خبر الذبيح وفدائه 120
ذكر وفاة إبراهيم عليه السلام 122
(مقدمةج 13/6)

الباب الثانى من القسم الثانى من الفن الخامس فى قصة لوط عليه السلام وقلب المدائن 123
ذكر خبر نزول العذاب على قوم لوط وقلب المدائن 125
الباب الثالث من القسم الثانى من الفن الخامس فى خبر إسحاق ويعقوب عليهما السلام 128
ذكر مبعث يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام 129
الباب الرابع من القسم الثانى من الفن الخامس فى قصة يوسف بن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام- ذكر خبر ميلاد يوسف عليه السلام 130
ذكر رؤيا يوسف عليه السلام وكيد إخوته له 131
ذكر رجوع إخوة يوسف إلى يعقوب- ذكر كلام الذئب بين يدى يعقوب 133
ذكر خبر خروج يوسف من الجب وبيعه من مالك بن دعر 134
ذكر خبر بيع يوسف من عزيز مصر 135
ذكر خبر يوسف وزليخا 136
ذكر خبر النسوة اللاتى قطعن أيديهن 138
ذكر إلهام يوسف عليه السلام التعبير 140
ذكر خبر الخباز والساقى 140
ذكر رؤيا الملك وتعبيرها وما كان من أمر يوسف وولايته 141
ذكر حاجة زليخا إلى الطعام وزواج يوسف بها 144
ذكر دخول إخوة يوسف عليه السلام فى المرة الأولى 145
ذكر خبر دخولهم عليه فى المرة الثانية 147
(مقدمةج 13/7)

ذكر خبر دخولهم عليه فى الدفعة الثالثة 152
ذكر خبر حديث الصاع 152
ذكر دعوة يوسف عليه السلام وارتحاله عن بلد الريان 155
ذكر خبر وفاة يوسف عليه السلام 156
الباب الخامس من القسم الثانى من الفن الخامس فى قصة أيوب عليه السلام وابتلائه وعافيته 157
ذكر كشف البلاء عن أيوب عليه السلام 163
الباب السادس من القسم الثانى من الفن الخامس فى خبر ذى الكفل 164
الباب السابع من القسم الثانى من الفن الخامس فى خبر شعيب النبى عليه السلام 167
ذكر مبعث شعيب عليه السلام 169
ذكر خبر الظلة 172
القسم الثالث من الفن الخامس يشتمل على قصة موسى بن عمران عليه السلام وخبره مع فرعون وخبر يوشع بن نون وإلياس واليسع وغيلا واشمويل وداود وطالوت وجالوت وسليمان بن داود ويونس بن متى وجرجيس وبلوقيا وزكريا وعمران ومريم وعيسى عليهم السلام وأخبار الحواريين وفيه ستة أبواب- الباب الأول من القسم الثالث من الفن الخامس فى قصة موسى بن عمران وهارون عليهما السلام وخبر فرعون وابتداء أمره وغرقه، وأخبار بنى إسرائيل، وخبر قارون، وحروب موسى عليه السلام 173
خبر فرعون وابتداء أمره، وكيف توصل إلى الملك 173
ذكر خبر قتل الملك واستيلاء فرعون على ملكه وما كان من أمره 175
ذكر خبر آسية بنت مزاحم وزواج فرعون بها 177
ذكر شىء من الآيات التى رآها فرعون قبل مولد موسى عليه السلام 178
(مقدمةج 13/8)

ذكر خبر قتل الأطفال 178
ذكر خبر ميلاد موسى وما كان من أمره وإلقائه فى التابوت 179
ذكر دخول التابوت فى دار فرعون ورجوع موسى إلى أمه 180
ذكر شىء من عجائب موسى عليه السلام وآياته 182
ذكر خبر القبطى وخروج موسى من مصر 183
ذكر خبر ورود موسى مدين وما كان بينه وبين شعيب وزواجه ابنته 184
ذكر خبر خروج موسى عليه السلام من أرض مدين ومناجاته ومبعثه إلى فرعون 186
ذكر خبر مسير موسى إلى مصر واجتماعه بأخيه هارون وأمه 189
ذكر خبر دخول موسى عليه السلام إلى فرعون وما كان من أمره معه 190
ذكر خبر العصا حين صارت ثعبانا واليد البيضاء 191
ذكر خبر السحرة واجتماعهم وما كان من أمرهم وإيمانهم 192
ذكر خبر حزقيل مؤمن آل فرعون 194
ذكر خبر بناء الصرح وما قيل فيه 196
ذكر خبر الآيات التسع 197
ذكر خبر مسخ قوم فرعون 198
ذكر خبر قتل الماشطة 206
ذكر خبر قتل آسية بنت مزاحم امرأة فرعون 206
ذكر خبر انقطاع النيل وكيف أجراه الله عز وجل لفرعون 207
ذكر خبر غرق فرعون وقومه 207
ذكر خبر ذهاب موسى عليه السلام لميقات ربه وطلبه الرؤية وخبر الصاعقة والإفاقة 210
(مقدمةج 13/9)

ذكر خبر الألواح ونزول العشر كلمات 214
ذكر خبر السامرى واتخاذه العجل وافتتان بنى إسرائيل به 223
ذكر خبر رجوع موسى إلى قومه وما كان من أمرهم 226
ذكر خبر امتناع بنى إسرائيل من قبول أحكام التوراة ورفع الجبل عليهم وإيمانهم 229
ذكر خبر الحجر الذى وضع موسى عليه السلام ثيابه عليه 230
ذكر خبر طلب بنى إسرائيل رؤية الله تعالى وهلاكهم بالصاعقة وكيف أحياهم الله عز وجل وبعثهم بعد موتهم 230
ذكر خبر قارون 232
ذكر خبر موسى والخضر عليهما السلام 240
ذكر خبر البقرة وقتل عاميل 244
ذكر بناء بيت المقدس وخبر القربان والتابوت والسكينة وصفة النار 252
ذكر ما أنعم الله تعالى به على بنى إسرائيل بعد خروجهم من مصر 255
ذكر خبر النقباء ومسيرهم إلى أريحا وقصة عوج بن عوق وخبر التيه 260
ذكر مسير موسى- عليه السلام- وبنى إسرائيل لحرب الجبارين ودخولهم القرية 265
ذكر خبر مدينة بلقاء وخبر بلعم بن باعورا وما يتصل بذلك 267
ذكر خبر وفاة هارون عليه السلام 274
ذكر خبر وفاة موسى بن عمران عليه السلام 275
(مقدمةج 13/10)

الجزء الثالث عشر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
وبه توفيقى وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
الفنّ الخامس فى التاريخ
ويشتمل على خمسة أقسام قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ)
؛ وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ)
؛ إلى غير ذلك من الآى.
والتاريخ ممّا يحتاج إليه الملك والوزير، والقائد والأمير، والكاتب والمشير والغنىّ والفقير؛ والبادى والحاضر، والمقيم والمسافر.
فالملك يعتبر بما مضى من الدّول ومن سلف من الأمم، والوزير يقتدى بأفعال من تقدّمه ممّن حاز فضيلتى السيف والقلم؛ وقائد الجيش يطّلع منه على مكايد الحرب، ومواقف الطعن والضرب؛ والمشير يتدبّر الرأى فلا يصدره إلّا عن روية ويتأمّل الأمر فكأنه أعطى درجة المعيّة وحاز فضيلة الألمعيّه «1» ؛ والكاتب يستشهد به فى رسائله وكتبه، ويتوسّع به إذا ضاق عليه المجال فى سربه «2» ، والغنىّ يحمد الله تعالى
(13/1)

على ما أولاه من نعمه ورزقه من نواله، وينفق مما آتاه الله إذا علم أنه لابدّ من زواله وانتقاله؛ والفقير يرغب فى الزهد لعلمه أن الدنيا لا تدوم، ولتيقّنه أن سعتها بضيقها لا تقوم. ومن عدا هؤلاء يسمعه على سبيل المسامره، ووجه المحاضرة والمذاكره؛ والرغبة فى الاطلاع على أخبار الأمم، ومعرفة أيام العرب وحروب العجم.
فقد تبيّن بهذه المقدّمة تعويل الأمر عليه، وميل المرء إليه.
وسأورد إن شاء الله فى هذا الفنّ جملا من تواريخ الأمم السالفة والعصور الخاليه، وأطرّزه من القصص والسّير بما تصبح به صفحات الطروس حاليه.
ولمّا رأيت غالب من أرّخ فى الملة الإسلامية وضع التاريخ على حكم السنين ومساقها، لا الدّول واتّساقها؛ علمت أن ذلك ربما قطع على المطالع لذّة واقعة استحلاها، وقضيّة استجلاها؛ فانقضت أخبار السنة ولا استوعب تكملة فصولها ولا انتهى إلى جملتها وتفصيلها؛ وانتقل المؤرّخ بدخول السنة التى تليها من تلك الوقائع وأخبارها، والممالك وآثارها، والدولة وسيرها، والحالة وخبرها؛ فتنقّل من الشرق إلى الغرب، وعدل عن السّلم إلى الحرب؛ وعطف من الجنوب إلى الشمال وتحوّل من البكر إلى الآصال؛ وقد تجول به خيل الاستطراد فيبعد، وتحول بينه وبين مقصده السّنون فيغور «1» تارة وتارة ينجد، فلا يرجع المطالع إلى ما كان قد أهمّه إلّا بعد مشقّة، وقد يعدل عنه إذا طالت المسافة وبعدت عليه الشّقّة.
فاخترت أن أقيم التاريخ دولا، ولا أبغى عن دولة إذا شرعت فيها حولا؛ حتى أسردها من أوائلها إلى أواخرها، وأذكر جملا من وقائعها ومآثرها؛ وسياقة أخبار ملوكها، ونظم عقود سلوكها؛ ومقرّ ممالكها، وتشعّب مسالكها.
(13/2)

فإذا انقضت مدّتها، وانقرضت عدّتها؛ وانتقلت من العين إلى الأثر، ومن العيان إلى الخبر؛ رجعت إلى غيرها فقفوت أثرها، وشرحت خبرها، وبيّنت خبرها؛ وذكرت أسبابها، وسردت أنسابها؛ وبدأت بأصلها، وتفوّهت بأخبار من نبغ من أهلها؛ واستقصيتها دولة بعد دوله، وجالت بى خيول المطالعة جولة ناهيك بها من جوله؛ ورغبت مع ذلك فى الاختصار دون الاقتصار «1» ، وأوردت ما يحتاج إلى إيراده من غير تكرار ولا إكثار.
فإن عرضت واقعة كانت بين ملكين كان وقتهما واحدا، وكان الدهر لأحدهما على الآخر مساعدا؛ شرحتها بجملتها فى أخبار الظاهر منهما؛ وأحلت فى أخبار المغلوب عليها، واكتفيت بإيرادها فى أحد الموضعين ولم أعرّج فى الآخر إلا بالإشارة إليها.
وجريت فى تقسيم هذا الفنّ على القاعدة التى تقدّمت فيما قبله من الفنون ليكون أبسط للنفوس وأنشط للخواطر وأقرّ للعيون؛ وجعلته خمسة أقسام، ووضعته على أحسن اتّساق وأكمل انتظام.
القسم الأوّل فى مبدأ خلق آدم- عليه السلام- وحوّاء وأخبارهما ومن كان بعد آدم إلى نهاية خبر أصحاب الرّس، وفيه ثمانية أبواب:
الباب الأوّل- فى مبدأ خلق آدم وحوّاء- عليهما السلام- وما كان من أخبارهما إلى حين وفاتهما.
الباب الثانى- فى خبر شيث بن آدم- عليهما السلام- وأولاده.
الباب الثالث- فى أخبار إدريس النبىّ عليه السلام.
(13/3)

الباب الرابع- فى قصّة نوح- عليه السلام- وخبر الطّوفان.
الباب الخامس- فى قصة هود- عليه السلام- مع عاد وهلاكهم بالريح العقيم.
الباب السادس- فى قصّة صالح- عليه السلام- مع ثمود وعقرهم الناقة وهلاكهم.
الباب السابع- فى أخبار أصحاب البئر المعطّلة والقصر المشيد وهلاكهم.
الباب الثامن- فى خبر أصحاب الرّس، وما كان من أمرهم.
القسم الثانى فى قصة إبراهيم الخليل- عليه الصلاة والسلام- وخبره مع النمروذ [لعنه الله] وقصّة لوط وخبر إسحاق ويعقوب، وقصّة يوسف وأيّوب وذى الكفل وشعيب- عليهم السلام- وفيه سبعة أبواب:
الباب الأوّل- فى قصة إبراهيم الخليل- عليه السلام- وأخبار نمروذ بن كنعان.
الباب الثانى- فى خبر لوط مع قومه وقلب المدائن.
الباب الثالث- فى خبر إسحاق ويعقوب- عليهما السلام.
الباب الرابع- فى قصّة يوسف بن يعقوب- عليهما السلام.
الباب الخامس- فى قصّة أيوب- عليه السلام- وابتلائه وعافيته.
الباب السادس- فى خبر ذى الكفل بن أيوب- عليهما السلام.
الباب السابع- فى خبر شعيب- عليه السلام- وقصّته مع مدين. «1»
(13/4)

القسم الثالث يشتمل على قصّة موسى بن عمران- عليه السلام- وخبره مع فرعون وخبر يوشع ومن بعده وخبر حزقيل وإلياس واليسع وغيلا وأشمويل وطالوت وجالوت وداود وسليمان وسعيا وإرمياء وخبر بختنصر وخراب بيت المقدس وعمارته وما يتصل بذلك من خبر عزير وقصّة يونس بن متّى وخبر بلوقيا وخبر زكريا ويحيى وعمران ومريم وعيسى- عليهم السلام- وخبر الحوارييّن وما كان من أمرهم وخبر جرجيس، وفيه ستة أبواب:
وذيّلت على هذا القسم ذيلا يشتمل على أبواب أربعة، ذكرت فيها ما قيل فى الحوادث التى تظهر قبل نزول عيسى- عليه السلام- إلى الأرض، وأخبار المهدىّ والدجّال، ونزول عيسى- عليه السلام- ومدّة إقامته فى الأرض ووفاته وما يكون بعده، وشيئا من أخبار الحشر والمعاد.
وإنما ذكرت هذا الذيل فى هذا الموضع- وإن كان غير داخل فى فنّ التاريخ- لأن النفوس لما كانت مائلة إلى الاطّلاع على أخبار ما مضى من الزمان ومن سلف من الأمم، فميلها إلى الاطّلاع على ما يظهر فى مستقبل الزمان أكثر وتشوّقها إليه أوفر؛ فأوردت ما أذكره لهذا السبب، ولأنّ كتابنا هذا ليس مبناه على مجرّد التاريخ بل هو كتاب أدب، لا تخرجه هذه الزيادة عن شرطه.
الباب الأوّل- فى قصّة موسى بن عمران وهرون عليهما السلام وغرق فرعون، وأخبار بنى إسرائيل وخبر قارون وحروب موسى وخبر الجبّارين وبلعم وغير ذلك.
(13/5)

الباب الثانى- فيما كان بعد موسى بن عمران- عليه السلام- وهو أخبار يوشع وخبر حزقيل وإلياس واليسع وغيلا وأشمويل وطالوت وجالوت وداود وسليمان- عليهم السلام- ومن بعدهم.
الباب الثالث- فى أخبار سعيا وإرمياء وخبر بختنصّر وخراب بيت المقدس وعمارته، وما يتّصل بذلك من خبر عزير.
الباب الرابع- فى قصّة ذى النّون يونس بن متّى- عليه السلام- وخبر بلوقيا.
الباب الخامس- فى خبر زكريّا ويحيى وعمران ومريم ابنته وعيسى ابن مريم عليهم السلام.
الباب السادس- فى أخبار الحوارييّن الذين أرسلهم عيسى وما كان من أمرهم وخبر جرجيس.
التذييل على هذا القسم، وفيه أربعة أبواب الباب الأوّل- فى ذكر الحوادث التى تظهر قبل نزول عيسى بن مريم عليه السلام.
الباب الثانى- فى خبر نزول عيسى إلى الأرض وقتل الدجّال وخروج يأجوج ومأجوج وإفسادهم وهلاكهم، ووفاة عيسى عليه السلام.
الباب الثالث- فى ذكر ما يكون بعد وفاة عيسى بن مريم الى النفخة الأولى.
الباب الرابع- فى أخبار يوم القيامة والحشر والمعاد والنفخة الثانية فى الصّور.
(13/6)

القسم الرابع فى أخبار ملوك الأصقاع، وملوك الأمم والطوائف، وخبر سيل العرم؛ ووقائع العرب فى الجاهليّة، وفيه خمسة أبواب الباب الأوّل- فى أخبار ذى القرنين المذكور فى كتاب الله عزّ وجلّ.
الباب الثانى- فى أخبار ملوك الأصقاع، وهم ملوك مصر والهند والصين والترك وجبل الفتح.
الباب الثالث- فى أخبار ملوك الأمم من الأعاجم، وهم ملوك الفرس الأول، وملوك الطوائف من الفرس، والملوك الساسانيّة منهم، وملوك اليونان والسريان والكلدانيّين والروم والصقالبة والنّوبرد «1» والفرنجة والجلالقة وطوائف السودان.
الباب الرابع- فى أخبار ملوك العرب، وما يتّصل بها من خبر سيل العرم.
الباب الخامس- فى أيّام العرب ووقائعها فى الجاهليّة.
القسم الخامس فى أخبار الملّة الإسلاميّة وذكر شىء من سيرة نبينا محمد- صلّى الله عليه وسلّم- وأيام الخلفاء من بعده- رضى الله عنهم- والدولة الأمويّة والعباسيّة والعلويّة ودول ملوك الإسلام وأخبارهم، وما فتح الله عليهم، وفيه اثنا عشر بابا
(13/7)

الباب الاوّل- فى سيرة سيّدنا رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم-.
الباب الثانى- فى أخبار الخلفاء من بعده: أبى بكر وعمر وعثمان وعلىّ، وابنه الحسن- رضى الله عنهم-.
الباب الثالث- فى أخبار الدولة الأمويّة بالشأم وغيره.
الباب الرابع- فى أخبار الدولة العباسيّة بالعراق ومصر.
الباب الخامس- فى أخبار الدولة الأمويّة بالأندلس، وأخبار الأندلس بعد انقراض دولتهم.
الباب السادس- فى أخبار افريقية وبلاد المغرب ومن وليها من العمّال، ومن استقلّ بالملك.
الباب السابع- فى أخبار من نهض فى طلب الخلافة من الطالبيّين فى الدولتين: الأمويّة والعباسيّة فقتل دونها بعد مقتل الحسين بن علىّ- رضى الله عنهما-.
الباب الثامن- فى أخبار صاحب الزّنج والقرامطة والخوارج ببلاد الموصل.
الباب التاسع- فى أخبار من استقلّ بالملك والممالك فى البلاد الشرقيّة والشّماليّة فى خلال الدولة العبّاسيّة، وهم ملوك خراسان وما وراء النهر والجبال وطبرستان وغزنة والغور وبلاد السّند والهند، كالدولة السامانيّة، والدولة الصّفّارية، والدّولة الغزنويّة، والدولة الغوريّة، والدولة الدّيلميّة الختلّيّة.
الباب العاشر- فى أخبار ملوك العراق وما والاه، وملوك الموصل والديار الجزيريّة والديار البكريّة والبلاد الشاميّة والحلبيّة، كالدولة الحمدانيّة، والدولة الدّيلميّة البويهيّة، والدّولة السّلجقيّة، والدولة الأتابكيّة.
(13/8)

الباب الحادى عشر- فى أخبار الدولة الخوارزميّة والدولة الجنكزخانيّة وهى دولة التتار (جنكزخان وأولاده) وما تفرّع منها.
الباب الثانى عشر- فى أخبار ملوك الديار المصريّة الّذين ملكوا فى خلال الدولة العباسيّة نيابة عن خلفائها، وهم الملوك الطّولونيّة والملوك الإخشيديّة، ومن استقلّ بملكها وانتزعها وأخراجها من يد نوّاب خلفاء الدولة العباسيّة، وهم الملوك العبيديّون الّذين انتسبوا إلى العلويّين، وما كان من أمرهم من ابتدائه إلى انتهائه وما ملكوه من بلاد المغرب، وكيف استولوا على الديار المصريّة والبلاد الشاميّة والثغور الساحليّة، وانقراض دولتهم، وقيام الدولة الأيّوبيّة وأخبار ملوكها بمصر والشأم إلى حين انقراضها، وقيام دولة الترك ومن ملك منهم وما حازوه من الأقاليم وما فتحوه من الممالك واستنقذوه من أيدى الأفرنج والأرمن والتّتار وغيرهم وما استقرّ فى ملك هذه الدولة من الممالك إلى حين وضعنا لهذا التأليف فى سنة «1» وسبعمائه فى أيام مولانا السلطان السيّد الأجل المالك (الملك الناصر) ، ناصر الدنيا والدين، محمد ابن السلطان الشهيد المالك، الملك المنصور سيف الدنيا والدين (قلاوون) الصالحىّ، خلّد الله تعالى ملكه على ممّر الزمان، وسقى عهد والده صوب الرحمة والرضوان.
هذا جملة ما اشتمل عليه هذا الفنّ من الأقسام والأبواب، والله تعالى المرشد والهادى والموفّق إلى الصواب، بمنّه وكرمه، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.
(13/9)

القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى مبدأ خلق آدم وحوّاء- عليهما السلام- ودخولهما الجنة، و....
ما كان بينهما وبين إبليس- لعنة الله- وهبوطهما إلى الأرض واجتماعهما بعد الفرقة، وخبر حرثه وزرعه، وحمل حوّاء ووضعها، وخبر ابنى آدم هابيل وقابيل، ونبوّة آدم- عليه السلام- ووفاته، وخبر شيث وأولاده، وقصّة إدريس ونوح وهود وصالح- عليهم السلام- وخبر أصحاب البئر المعطّلة والقصر المشيد، وخبر أصحاب الرّس وفيه ثمانية أبواب
الباب الأوّل- من هذا القسم فى مبدأ خلق آدم وحوّاء- عليهما السلام- وما كان من أخبارهما إلى حين وفاتهما.
ذكر خلق آدم عليه السلام
خلق الله تبارك وتعالى آدم- عليه السلام- من تراب، بدليل قوله عزّ وجلّ: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ)
وقوله تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ)
وقوله تعالى إخبارا عن إبليس:
(قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) *
وهذا أمر بيّن واضح لا خلاف فيه، ولا يحتاج إلى زيادة فى إقامة دليل وإيضاح.
وقيل: إنما سمّى آدم لأن الله تعالى خلقه من أديم الأرض.
وعن وهب بن منبّه أن راسه من الأرض الأولى، وعنقه من الثانية، وصدره من الثالثة، ويديه من الرابعة، وبطنه وظهره من الخامسة، وفخذه ومذاكيره وعجزه من السادسة، وساقيه وقدميه من السابعة.
(13/10)

وعن عبد الله بن عبّاس- رضى الله عنهما- أنّ الله تعالى خلقه من الأقاليم السبعة.
وقيل: إن عزرائيل أخذ من تراب الأرض كلّها أبيضها وأحمرها وأسودها وعذبها ومالحها، فهو مخلوق من ذلك التراب.
قال: ولمّا خلقه الله- عزّ وجلّ- وصوّره على هذه الصّورة الآدميّة، أمر الملائكة أن يحملوه ويضعوه على باب الجنّة عند ممرّ الملائكة، وكان جسدا لا روح فيه، فكانت الملائكة يعجبون من خلقته وصورته، لأنّهم لم يكونوا راؤا مثله قط وكان إبليس يطيل النظر إليه ويقول: ما خلق الله تعالى هذا إلّا لأمر. وربما دخل فيه، فاذا خرج قال: إنه خلق ضعيف، خلق من طين أجوف، والأجوف لا بدّله من مطعم ومشرب.
ويقال: إنه قال للملائكة: ما تعملون إذا فضّل هذا المخلوق عليكم؟ فقالوا:
نطيع أمر ربّنا ولا نعصيه. فقال إبليس: إن فضّله علىّ لأعصينّه، وإن فضّلنى عليه لأهلكنّه.
ذكر دخول الرّوح فيه قال: ولما أراد الله تعالى نفخ الرّوح فيه أمر بروحه فغمست فى جميع الأنوار وليست كأرواح الملائكة ولا غيرها من المخلوقات.
قال الله تعالى (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) *
الاية.
وقال تعالى: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)
الآية.
قال: فأمرها الله تعالى أن تدخل فى جسد آدم بالتأنّى دون الاستعجال فرأت مدخلا ضيّقا حرجا؛ فقالت: يا ربّ، كيف أدخل؟ فنوديت «ادخلى كرها واخرجى كرها» . فدخلت من يافوخه إلى عينيه، ففتحها آدم ونظر إلى
(13/11)

نفسه طينا، ثم صارت إلى أذنيه، فسمع تسبيح الملائكة، وجعلت الروح تمّر فى رأسه والملائكة ينظرون إليه، ثم صارت إلى الخياشيم، فعطس، فانفتحت المجارى المسدودة؛ وصارت إلى اللّسان؛ فقال آدم: «الحمد لله الذى لم يزل ولا يزول» وهى أوّل كلمة قالها. فناداه الرب: «يرحمك ربّك يا آدم، لهذا خلقتك، وهذا لك ولذرّيتك» . وسارت الروح فى جسده حتى بلغت الساقين، فصار آدم لحما ودما وعظما وعروقا، غير أنّ رجليه من طين؛ فذهب ليقوم فلم يقدر وهو قوله تعالى: (وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا) .
فلمّا صارت إلى الساقين والقدمين استوى قائما على قدميه يوم الجمعة.
فقيل: إنّ الروح استوت فى جسده فى خمسمائة عام عند نزول الشمس.
ذكر سجود الملائكة لآدم
قال: فلمّا استوى قائما أمر الله الملائكة بالسجود له؛ فسجدوا كلّهم إلّا إبليس، كما أخبر الله تعالى عنه؛ قال الله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)
الآيات.
قال: وكان السجود لآدم يوم الجمعة عند الزوال، فبقيت الملائكة فى سجودها إلى العصر.
قال وعلّم الله تعالى آدم الأسماء كلّها واللغات بأجمعها.
قال ابن عبّاس- رضى الله عنهما-: علّمه حتى لغة الحيتان والضفادع وجميع ما فى البرّ والبحر، ثم أمر الملائكة أن يحملوه على أكتافهم، ويطوفون به فى طرائق السموات؛ ففعلوا ذلك.
(13/12)

ثم أمر جبرئيل أن ينادى فى صفوف الملائكة أن يجتمعوا؛ فاجتمعوا واصطفّوا عشرين ألف صفّ، ووضع لآدم منبر الكرامة، وعليه ثياب السندس الأخضر وله ضفيرتان محشوّتان بالمسك والعنبر بطوله، وعلى رأسه تاج من ذهب مرصّع بالدرّ والجوهر؛ فانتصب على المنبر، وسلّم على الملائكة، فأجابته بردّ السلام وخطب فحمد الله، ثم ذكر علم السموات والأرضين وما فيهما، وذلك قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) .
ونزل آدم عن منبره، فجىء بقطف من عنب أبيض فأكله، وهو أوّل شىء أكله من طعام الجنّة، ثم أخذته سنة فنام.
ذكر خلق حوّاء عليها السلام
قال: ولمّا نام آدم خلق الله تعالى حوّاء من جنبه الأيسر، من ضلعه مما يلى الشّرسوف، وهو ضلع أعوج، قال الله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها)
فكانت على طول آدم وحسنه وجماله، إلّا أنها أرقّ جلدا منه، وأحسن صوتا، ولها ضفائر مرصّعة محشوّة بالمسك تسمع لذوائبها خشخشة، فجلست عند رأسه، فانتبه فرآها، فتمكّن حبّها من قلبه؛ فقال: يا ربّ، من هذه؟ قال: أمتى حوّاء. فقال: يا ربّ لمن خلقتها؟ قال:
لمن أخذها بالأمانة، وأصدقها الشكر. قال: يا ربّ، أنا أقبلها على هذا فزوّجنيها.
فزوّجها إياه قبل دخول الجنة على الطاعة والتقوى والعمل الصالح، ونثرت عليهما
(13/13)

الملائكة من نثار الجنّة، وأوحى الله إلى آدم، أن اذكر نعمتى عليك، فإنّى خلقتك ببديع فطرتى، وسويتك بشرا على مشيئتى، ونفخت فيك من روحى، وأسجدت لك ملائكتى، وحملتك على أكتافهم، وجعلتك خطيبهم، وأطلقت على لسانك جميع اللّغات، وجعلت ذلك كلّه فخرا وشرفا لك، وهذا إبليس قد أبلسته «1» ولعنته حين أبى أن يسجد لك، وقد ختمت كرامتى لك بأمتى حوّاء، وقد بنيت لكما دار الحيوان «2» من قبل أن أخلقكما بألفى عام، على أن تدخلاها بعهدى وأمانتى.
ذكر عرض الأمانة على آدم عليه السلام
قال الله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا) .
قال: وهى أن يكافأوا على الإحسان، ويعذّبوا على الإساءة؛ فأبوا؛ فعرضت على آدم، فقيل له: إن أطعت كافأتك بالإحسان، وخلّدتك فى الجنان؛ وإن تركت عهدى أخرجتك من دارى، وعذّبتك بنارى، فقبل آدم الأمانة، فعجب الملائكة من ذلك؛ ثم مثّل له ولحوّاء إبليس، وقيل له: (هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى) .
ثم ناداهما الرب: إنّ من عهدى إليكما وأمانتى أن تدخلا الجنة (وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ)
. فقبلا هذه العهود كلّها.
ثم أمر الله تعالى بإدخالهما الجنّة، فحمل آدم على الفرس الميمون، وحوّاء وراءه على الناقة، والملائكة عن اليمين والشمال وأمامهما وخلفهما حتى بلغوا باب الجنّة ودخلا واستقرّ بجنّة عدن فى وسط الجنّة بعد أن طافا بالجنان، فقدّم إليهما من
(13/14)

فواكه الجنّة فأكلا، فكانا فى الجنّة خمسمائة عام من أعوام الدنيا فى أتمّ السرور وأنعم الأحوال.
ذكر خبر إبليس والطاوس والحيّة
قال: ولمّا سمع إبليس أن الله تعالى أباح لآدم أن يأكل من ثمار الجنّة إلّا شجرة واحدة، فرح بذلك، وقال: لأخرجنّهما من الجنة. ثم مرّ مستخفيا فى طرقات السموات حتى وقف على باب الجنّة، فإذا الطاوس قد خرج من الجنة وله جناحان إذا نشرهما غطّى بهما سدرة المنتهى، وله ذنب من الزمرّد الأخضر على كلّ ريشة منه جوهرة بيضاء، وعيناه من الياقوت الأحمر؛ وهو أطيب طيور الجنّة صوتا وتغريدا؛ وكان يخرج ويمرّ فى السموات يخطر فى مشيته ويرجع إلى الجنّة.
فلما رآه إبليس كلّمه بكلام ليّن، وقال: أيّها الطائر العجيب الخلق الطيّب الصوت، من تكون من طيور الجنة؟ فقال: أنا الطاوس، فمالك أيها الشّخص كأنّك مرعوب تخاف من طالب يطلبك؟ قال إبليس: أنا من ملائكة الصّفيح «1» الأعلى من زمرة الكروبييّن «2» ، وقد أحببت أن أنظر إلى الجنّة وإلى ما أعدّ الله فيها لأهلها فهل لك أن تدخلنى الجنّة وأنا أعلّمك ثلاث كلمات من قالها لا يهرم ولا يسقم ولا يموت؟ فقال له: وأهل الجنّة يموتون؟ قال: نعم ويسقمون ويهرمون إلّا من كانت عنده هذه الكلمات، وحلف له على ذلك، فوثق به الطاوس ولم يظنّ أحدا يحلف بالله كاذبا؛ فقال: ما أحوجنى إلى هذه الكلمات، غير أنّى أخاف أن يستخبرنى (رضوان) عنك، ولكنى أبعث إليك الحيّة فإنّها سيّدة دوابّ الجنة.
(13/15)

قال: وجاء الطاوس إلى الحية وهى يومئذ على صورة الجمل، ولها زغب كالعبقرىّ «1» ما بين أبيض وأحمر وأسود وأخضر، ولها عرف من اللؤلؤ، وذوائب من الياقوت ورائحة كرائحة المسك والعنبر، وكان مسكنها فى جنّة المأوى، وكانت تساير آدم وحوّاء فى الجنة، وتخبرهما بالأشجار.
فلما أخبرها الطاوس بالخبر أسرعت الحية نحو باب الجنة، فتقدم إبليس إليها وقال لها كقوله للطاوس، وحلف لها؛ فقالت: حسبك، ولكن كيف أدخلك؟ فقال: إنى أرى ما بين نابيك فرجة، وهى تسعنى. ففتحت الحيّة فاها، فوثب وقعد بين نابيها، فصار نابها إلى آخر الدهر سمّا، وضمّت الحيّة شفتيها، ودخلت الجنّة ولم يكلّمها رضوان للقضاء السابق؛ فلمّا توسّطت الجنّة قالت: أخرج وعجّل. قال: إن حاجتى من الجنّة آدم وحوّاء، فإنى أريد أن أكلّمهما من فيك، فإن لم تفعلى ذلك فما أعلّمك الكلمات، فجاءت إلى حوّاء فقال إبليس من فيها: يا حوّاء، ألست تعلمين أنّى معك فى الجنة، وأحدّثك بكلّ ما فيها، وأنا صادقة فى كلّ ما حدّثتك به؟ قالت حوّاء: نعم؛ قال إبليس:
يا حوّاء، أخبرينى ما الّذى أحلّ لكما ربّكما من هذه الجنة وحرّم عليكما؟ فأخبرته بما نهاهما عنه؛ فقال إبليس: لماذا نهاكما عن شجرة الخلد؟ فقالت حوّاء: لا أعلم بذلك؛ قال: أنا أعلم، إنما نهاكما لأنه أراد ألّا يفعل بكما ما فعل بالعبد الذى مأواه تحت شجرة الخلد.
هذا وحوّاء تظنّ أن الخطاب لها من الحيّة؛ فوثبت حوّاء عن سريرها لتنظر إلى العبد، فخرج إبليس من فيها كالبرق، فقعد تحت الشجرة، فأقبلت
(13/16)

حوّاء فوقفت بالبعد منه ونادته: من أنت أيها الشخص؟ قال: خلق من خلق الله، خلقنى من ناركما تريننى، وأنا فى هذه الجنة منذ ألفى عام، خلقنى كما خلقكما بيده، ونفخ فىّ من روحه، وأسجد لى ملائكته، وأسكننى جنّته، ونهانى عن أكل هذه الشجرة، فكنت لا آكل منها، حتى نصحنى بعض الملائكة وقال لى: كل منها، فإنّ من أكل منها كان مخلّدا فى الجنّة أبدا. فأكلت منها، فأنا فى الجنة إلى وقتى هذا، قد أمنت الهرم والسقم والموت والخروج من الجنّة.
ثم قال: والله (ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ)
ثم نادى: يا حوّاء اسبقى وكلى قبل زوجك، فمن سبق كان له الفضل على صاحبه. فأقبلت حوّاء إلى آدم وهى مستبشرة فرحة، فأخبرته بخبر الحيّة والشخص، وأنه قد حلف لها بأنّه لها لمن الناصحين، فذلك قوله تعالى:
(وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ)
؛ وتقدّمت حوّاء إلى الشجرة ولها أغصان لا تحصى، وعلى الأغصان سنابل، كل حبة منها مثل قلال هجر «1» ، ولها رائحة كالمسك، أبيض من اللبن وأحلى من العسل؛ فأخذت منها سبع سنابل من سبعة أغصان، فأكلت واحدة وادّخرت واحدة، وجاءت بخمس إلى آدم.
قال ابن عبّاس- رضى الله عنهما-: لم يكن لآدم فى ذلك أمر ولا إرادة بل كان فى سابق العلم، لقوله تعالى: (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)
. فتناول آدم السنابل من يدها، وقد نسى العهد الذى أخذ عليه من أجلها، فذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)
فذاق من الشجرة كما ذاقت حواء؛ قال الله تعالى: (فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما) .
(13/17)

قال ابن عبّاس- رضى الله عنهما-: والذى نفسى بيده ما ساغ آدم من تلك السنابل سنبلة واحدة حتى طار التاج عن رأسه، وعرى من لباسه، وانتزعت عنه خواتمه، وسقط كلّ ما كان على حوّاء من لباسها وحلّيها وزينتها، وناداهما كلّ ما طار عنهما: «يا آدم طال حزنك، وعظمت رزيّتك، وعليك السّلام إلى يوم اللّقاء» . ولم يبق عليهما من لباسهما شىء، (وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ)
؛ ونظر كلّ منهما إلى سوءة صاحبه؛ وهرب إبليس فسار مستخفيا فى طرائق السموات، وصاح آدم صيحة عظيمة، ولم يبق فى الجنة شىء إلّا لامه، وانقبضت عنه الأشجار؛ فلمّا كثرت عليه الملامات مرّ هاربا على وجهه، فالتفّت عليه شجرة الطّلح وأمسكته ونادته: إلى أين تهرب يا عاصى؛ واضطربت الملائكة لذلك؛ والله الموفّق للصواب.
ذكر خروج آدم وحوّاء من الجنة
قال: وأمر الله جبرئيل فجاء إلى آدم وقبض على ناصيته، وخلّصه من الشجرة؛ فلما صار به إلى باب الجنة وأخرج رجله اليمنى وبقيت اليسرى، نودى: يا جبريل قف به على باب الجنّة حتى يخرج معه أعداؤه الذين حملوه على أكل الشجرة لكى يراهم ويرى ما يفعل بهم. فوقفه هنالك، فناداه الربّ: يا آدم إنّما خلقتك لتكون عبدا شكورا، لا لتكون عبدا كفورا. قال: يا ربّ أسألك أن تعيدنى إلى تربتى التى خلقتنى منها لأكون ترابا كما كنت أوّل مرّة. قال: يا آدم، كيف أعيدك إلى تربتك وقد سبق علمى أن أملأ من ظهرك الجنّة والنار.
وأخرج آدم حوّاء وقد استترت بورقة من ورق الجنة بإذن الله؛ فلمّا رأت آدم صاحت وقالت: يا لها من حسرة؟ فوقفت خارج الجنّة، ثم أتى بالطاوس وقد
(13/18)

طعنته الملائكة حتى قطعت ريشه، وجبريل يجرّه ويقول: اخرج من الجنة خروج الأبد، فإنّك شؤم أبدا ما بقيت؛ ثم أتى بالحية وقد جذبتها الملائكة جذبا شديدا، وهى ممسوخة «مبطوحة» على بطنها لا قوائم لها، وصارت ممدودة مشوّهة، ومنعت النطق فصارت خرساء، مشقوقة اللسان، فقالت لها الملائكة: لا رحمك الله ولا رحم من يرحمك.
ثم حجبت حوّاء عن آدم من هناك؛ ومرّ به جبريل فى طرائق السموات، ونظرت إليه الملائكة عريانا ففزعت منه، وقالت: إلهنا، هذا آدم بديع فطرتك أقله عثرته. وآدم قد ترك يده اليمنى على رأسه، واليسرى على سوأته، ودموعه تجرى على خدّيه، وكلّما مرّ على ملإ من الملائكة يوبّخونه على نقض عهد ربّه وميثاقه، وأكثروا عليه فى الملامة والتوبيخ؛ فقال لهم: يا ملائكة ربّى، ارحمونى ولا توبّخونى، فالّذى جرى علىّ بقضاء ربّى، حيث قال: (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)
الآية.
ذكر سؤال إبليس- لعنه الله تعالى-
قال: وقال إبليس: يا ربّ أضللتنى وأغويتنى وأبلستنى، وكان ذلك فى سابق علمك (فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ* إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) *
وهى النفخة الأولى، (قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ) .
قال الله تعالى (اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) .
قال إبليس: أنظرتنى فأين يكون مسكنى؟ قال: إذا هبطت إلى الأرض فمسكنك المزابل. قال: فما قراءتى؟ قال: الشعر والغناء. قال: فما مؤذّنى؟ قال: المزمار.
(13/19)

قال: فما طعامى؟ قال: ما لم يذكر اسمى عليه. قال: فما شرابى؟ قال: الخمور.
قال: فما بيتى؟ قال: الحمّامات؛ قال: فما مجلسى؟ قال: الأسواق. قال: فما شعارى؟ قال: لعنتى. قال: فما دثارى؟ قال: سخطى. قال: فما مصايدى؟
قال: النساء. قال: فوعزّتك لا أخرجت محبّة النساء من قلوب بنى آدم أبدا.
قيل له: يا ملعون، فإن ربّك لا ينزع التوبة من ولد آدم حتى يتغرغر بالموت، (فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ) .
ذكر سؤال آدم- عليه السلام-
قال: فعند ذلك قال آدم: يا ربّ هذا إبليس قد أعطيته النّظرة، وقد أقسم بعزّتك أنّه يغوى أولادى، فبماذا أحترز من مكايده؟ فنودى، يا آدم، إنّى قد مننت عليك بثلاث خصال، واحدة لى، وهى أن تعبدنى لا تشرك بى شيئا؛ وواحدة لك، وهى ما عملت من صغيرة أو كبيرة من الحسنات فلك بالحسنة عشر وإن عملت سيئة فواحدة بواحدة، وإن استغفرتنى غفرتها لك وأنا الغفور الرحيم؛ وواحدة بينى وبينك، وهى أنّ منك المسألة ومنّى الإجابة، فابسط يدك وادعنى فإنّى قريب مجيب.
فصاح إبليس حسدا لآدم وقال: كيف أكيد ولد آدم الآن؟ فنودى:
يا ملعون (واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم فى الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشّيطان إلّا غرورا) . قال إبليس: زدنى يا ربّ؛ قال لا يولد لآدم ولد إلّا يولد لك سبعة: قال: ربّ زدنى؛ قال: زدتك أن تجرى منهم مجرى الدم فى عروقهم، وتسكن فى صدورهم.
فقال: يا ربّ حسبى؛ ثم قال علام أهبط إلى الأرض؟ قال: على الإياس من رحمتى.
(13/20)

قال: ثم نظر آدم إلى الحيّة وقال: ربّ هذه اللعينة هى التى أعانت عدوّى علىّ، فبماذا أتقوّى عليها؟ فقيل له: قد جعلت مسكنها الظلمات، وطعامها التراب فإذا رأيتها فاشدخ رأسها.
وقيل للطاوس: مسكنك أطراف الأنهار، ورزقك ممّا تنبته الأرض من حبّها، وألقى عليك المحبّة حتى لا تقتل.
ذكر سؤال حوّاء- عليها السلام-
قال: ثم قالت حوّاء: إلهى خلقتنى من ضلع أعوج، وجعلتنى ناقصة العقل والدين والشهادة والميراث، وضربتنى بالنجاسة، وحرمتنى الجمعة والجماعات؛- وذكرت مشقّة الحمل والولادة- فأسألك أن تعطينى مثل ما أعطيتهم.
فقيل لها: قد وهبت لك الحياء والأنس والرحمة، وكتبت لك من ثواب الحبل والولادة ما لو رأيته لقرّت به عيناك، فأىّ امرأة ماتت فى ولادتها حشرتها فى زمرة الشهداء. قالت: حسبى يا ربّ.
قال: ثم أمر الله بعد ذلك أن يهبطوا إلى الأرض؛ قال الله تعالى: (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ)
. فهبط آدم من باب التوبة، وحوّاء من باب الرحمة، وإبليس من باب اللّعنة، والطاوس من باب الغضب، والحيّة من باب السّخط، وكان ذلك وقت العصر.
قال السّدّى: فمن هذه الأبواب تنزل التوبة والرحمة واللّعنة والغضب والسّخط.
قال وهب: خلق الله آدم يوم الجمعة، وفيه دخل الجنّة وأقام فيها نصف يوم مقدار خمسائة عام، وأهبط بين الظهر والعصر من باب يقال له (المبرم) «1» وهو حذاء البيت المعمور.
(13/21)

قال كعب: أهبط آدم إلى بلاد الهند على جبل من جبالها يقال له (بوذ) وهو جبل محيط بأرض الهند؛ وأهبطت حوّاء بجدّة، وإبليس بدستميسان «1» ، والحيّة أصفهان، والطاوس بالبحر؛ ففرّق الله بينهم فلم ير بعضهم بعضا حينا، ولم يكن على آدم يوم أهبط إلّا ورقة من أوراق الجنة، فذرتها الرياح فى بلاد الهند فصارت معدنا للطيّب.
وأخذ آدم فى البكاء مائة عام حتى نبت من دموعه العود والزنجبيل والصندل والكافور وأنواع الطيّب، وامتلات الأودية بأطيب الأشجار؛ وبكت حوّاء فنبت من دموعها القرنفل والأفاوية؛ وكانت الريح تحمل كلامه إليها وكلامها إليه.
ثم أنبت الله- عزّ وجلّ- لآدم الشّعر واللّحية، وكان قبل ذلك أمرد وجسده كالفضّة، فتألّم لذلك ألما شديدا.
قال وهب: أوّل من علم بهبوط آدم من حيوان الأرض النّسر، وكان قد ألف الحوت، فجاء إليه وقال له: إنى رأيت اليوم خلقا عظيما ينقبض وينبسط، ويقوم ويقعد، ويجىء ويذهب. فقال الحوت: إن كان ما تقوله حقّا فقد حان ألّا يكون لى معه مقرّ فى البحر ولا لك فى البرّ، وهذا الوداع بينى وبينك. فجاء النّسر إلى آدم وألفه، وجاءه الوحش والطير وألفوه وبكوا لبكائه دهرا طويلا، فلمّا أضجرهم ذلك نفروا عنه ولم يبق عنه إلّا النّسر وحده وهو لا يفتر عن البكاء.
قال وهب: بكى آدم حتى بكت الملائكة لبكائه وقالوا: «إلهنا أقله عثرته» .
(13/22)

قال: وبقى من دموعه فى الأرض- بعد أن كفّ عن البكاء- ما شربه الوحش والطير والهوامّ مائة عام؛ وكان لدموعه رائحة كالمسك، ولذلك كثر الطيّب فى الهند.
وقال كعب: بكى آدم ثلاثمائة عام لا يرفع رأسه إلى السماء وهو يقول: «إلهى بأىّ وجه أنظر إلى السماء» . فألهم الله سائر الحيوانات أن تأتى لآدم وتعزّيه فى مصيبته، فعزّاه جميعها ونهته عن البكاء، وأمرته بالتسبيح والتقديس.
ذكر توبة آدم عليه السلام
قال: فعند ذلك أمر الله تعالى جبريل أن يهبط على آدم، وقال له: «إن آدم بديع فطرتى قد أبكى أهل سمواتى وأرضى، ولا يذكر غيرى، ولم يخف سواى، وهو أوّل من حمدنى، وأوّل من دعانى بأسمائى الحسنى، وأنا الرحمن الّذى سبقت رحمتى غضبى، وهذه الكلمات قد خصصت بها آدم لتكون له توبة، وتخرجه من الظلمات إلى النور» . فهبط عليه جبريل بالكلمات ولها نور عظيم، فقال: «السلام عليك يا طويل البكاء والحزن» ؛ فلم يسمعه آدم لغليان صدره؛ فناداه بصوت رفيع:
السلام عليك يا آدم. وأمرّ جناحه على صدره ووجهه حتى هدّأ من بكائه، وسمع الصوت فقال: أبنداء السّخط تنادى، أم بنداء الإحسان والغفران؟ قال: بل بنداء الرحمة والغفران، يا آدم: لقد أبكيت ملائكة السموات والأرض، فدونك هذه الكلمات، فإنّها كلمات الرحمة والتوبة.
قال كعب: كانت الكلمات ما قالها يونس فى ظلمات ثلاث: (لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) .
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص- رضى الله عنهما- كانت: (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) .
(13/23)

وقال ابن عبّاس- رضى الله عنهما-: كانت «لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءا وظلمت نفسى فتب علىّ يا خير التوّابين» .
قال الله تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) .
قال: فلمّا قالها آدم انتشر صوته فى الافاق، فقالت الأرض والشجر والجبال:
«أقرّ الله عينك يا آدم، وهنّاك الله بتوبتك» . وأمره الله أن يبعث بالكلمات إلى حوّاء؛ فحملتها الريح إليها، فقالتها، فتاب الله عليها.
قال: ولمّا فرغ آدم من الدعاء والسجود قال له جبريل: ارفع رأسك. فرفعه وإذا قد رفع له حجاب النّور، وفتحت له السموات، ونودى بالتوبة والرضوان وقيل له: يا آدم، إنّ الله قد قبل توبتك. فذهب ليقوم فلم يقدر لأنه كان قد رسب فى الأرض كعروق الشجر، فآقتلعه جبريل، فصاح صيحة شديدة للألم الذى أصابه، وقال: «ماذا تفعل الخطيئة» ؟
ثم ضرب جبريل بجناحه الأرض فانفجرت عين ماء معين برائحة كالمسك فاغتسل آدم منها، ثم كساه الله حلّتين من سندس الجنّة، وبعث الله تعالى ميكائيل إلى حوّاء، فبشرها بالتوبة، وكساها كذلك؛ وسأل آدم جبريل عنها؛ فأخبره أن الله قد قبل توبتها، وأنه يجمع بينهما فى أشرف الأعياد وأكرم البقاع.
قال: وأمر الله عزّ وجلّ الملائكة والحيوانات أن يقربوا من آدم ليهنّئوه فأتوه وهنّأوه كما كانوا عزّوه.
ثم أمر الله تعالى جبريل أن يضع يده على رأس آدم ليقصّر من طوله، وكان إذا قام وصل رأسه إلى السماء، فيسمع تسبيح الملائكة، فلمّا قصر اغتمّ لفقد ذلك، فقال له جبريل: لا يغمّك ذلك فإن الله يفعل ما يريد.
(13/24)

وامره الله ببناء بيت يحاذى البيت المعمور ليطوف به هو وأولاده من بعده كما رأى الملائكة تفعل حول البيت المعمور؛ فبناه.
وقد ذكرنا صفة بنائه فى الباب الثانى من القسم الخامس من الفن الأوّل من هذا الكتاب فى خصائص البلاد، وهو فى السفر الأوّل، فلا حاجة إلى إعادته هاهنا. فلنذكر غير ذلك.
قال: وسار آدم من موضعه إلى موضع البيت؛ والله الهادى.
ذكر أخذ الميثاق على ذرّية آدم- عليه السلام-
قال: وأوحى الله تعالى إلى آدم: أنّى أريد أن آخذ على وديعتى الّتى فى ظهرك الميثاق، فأحاطت الملائكة بآدم فى أحسن صورهم، فوقعت الرّعدة على آدم من الخوف، فضمّه جبريل إلى صدره، واضطرب الوادى وارتجّ، فقال جبريل:
اسكن فإنّك أوّل شاهد على الميثاق الذى يأخذه الله على ذريّة آدم. فسكن، ومسح الله تعالى على ظهر آدم كما شاء، وقال: «انظر يا آدم إلى من يخرج من ظهرك» فأوّل من بادر وكان أسرع خروجا نبيّنا محمد- صلّى الله عليه وسلّم- فأجاب بالتلبية ونادى إلى ذات اليمين وهو يقول: أنا أوّل من يشهد لك بالتوحيد، ويقرّ لك بالعبوديّة، وأشهد أنّى عبدك ورسولك. فهو- صلّى الله عليه وسلّم- أوّل الأنبياء فى الخلق، وآخرهم فى البعث، وفى ذلك من الحكمة الإلهيّة والقدرة الربّانيّة ما لم يخف على ذى لبّ وفهم، وليس هذا موضع ذكر ذلك. ثم أجابت الطبقة الثانية من النبيّين والمرسلين نبيّنا بعد نبىّ فى نورهم وبهائهم، ثم خرجت زمرة من المؤمنين بيض الوجوه، معلنين بالتوحيد، فوقفوا دون النبيّين.
ثم مسح الله مسحة أخرى فخرج (قابيل) بن آدم مبادرا وقد تبعه أهل الشّمال فوقفوا ذات الشّمال كلّهم سود الوجوه. ثم قيل لآدم: «انظر إلى ولدك هؤلاء
(13/25)

لتعرفهم بأسمائهم وأزمانهم» فنظر إلى أهل اليمين فضحك منهم، وبارك عليهم؛ ونظر إلى أهل الشّمال فلعنهم وصرف وجهه عنهم؛ ثم استنطقهم الله تعالى فقال:
(أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا)
وأقررنا.
قال ابن عبّاس- رضى الله عنهما-: أمّا أهل اليمين فأجابوا بالسرعة، وأمّا أهل الشّمال فأجابوا بالتثاقل. قال الله تعالى «يا ملائكتى أشهدوا على ذرّيّة آدم بأنهم أقرّوا أنّى ربّهم لا يجحدوننى شيئا، وأن آدم قد بارك على أهل يمينه، ولعن أهل شماله، فأهل اليمين فى جنّتى برحمتى، وأهل الشّمال فى النار بما جحدوا من حقّى» .
ثم ردّهم الله إلى ظهره كما أخرجهم بقدرته.
قال وهب: إذا كان يوم القيامة وحشر الخلق لفصل القضاء قيل: يا آدم، «ابعث بعث الجنّة إلى الجنّة، وبعث النار إليها» . فيعرفهم بصورهم وأسمائهم؛ فيقول: «نعم يا ربّ» ؛ ويراهم كما رآهم فى الذرّيّة، ويقبل عليهم بوجهه ويقول:
أنسيتم عهد ربّكم وشهادتكم له بأنّه الله الواحد الأحد؟ فيقولون ما أخبرنا الله تعالى به عنهم: (إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ)
يعنون قابيل بن آدم، لأنه أوّل من عصى ربّه؛ ثم يقولون: (رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ)
يعنون إبليس وقابيل؛ فيقبض آدم بشماله من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحدا بيمينه إلى الجنة؛ ثم يقول: يا ربّ هل وفيت؟ فيقال له: نعم ادخل الجنّة برحمتى.
ذكر اجتماع آدم بحوّاء
قال: وأقبل ملك إلى حوّاء وهى جالسة بجدّة على ساحل البحر، فقال لها:
«خذى لباسك وانطلقى إلى الحرم» ؛ ثم رمى لها بقميص وخمار من الجنّة، وتوارى
(13/26)

عنها حتى لبست القميص وتخمّرت بالخمار، ومضت إلى مكّة فدخلت الحرم من شرقيّه يوم الجمعة من شهر المحرّم؛ فأمرها الملك أن تقعد على جبل المروة؛ وإنّما سميّت المروة لقعود المرأة عليها.
قال وهب: دخلت حوّاء الحرم قبل آدم بسبعة أيّام، ودخل آدم من غربىّ مكّة وحوّاء من شرقيّها، فصار آدم إلى جبل الصفا، فناداه: «مرحبا بك يا صفىّ الله» ، فسمّى الصّفا لذلك؛ وناداه الربّ: يا آدم، فقال: «لبيّك اللهم لبّيك لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنّعمة لك والملك لا شريك لك» . فصار ذلك سنّة فى الحجّ والعمرة.
ثم أوحى الله إليه: «اليوم حرّمت مكّة وما حولها» . فهى حرام إلى يوم القيامة. فقال آدم: يا رب، إنك وعدتنى أن تجمع بينى وبين حوّاء فى هذا المقام. فنودى: إنّها أمامك على المروة، وأنت على الصّفا، فانظر إليها ولا تمسّها حتى تقضى المناسك. فهبط آدم إليها، والتقيا، وفرح كلّ منهما بصاحبه، وسعى هو من الصفا، وسعت هى من المروة، فكانا يجتمعان بالنهار، فإذا أمسيا رجع إلى الصفا، ورجعت إلى المروة، فكانا كذلك حتى دخل ذو القعدة، فأعاد آدم التلبية وعقد الإزار، ولم يزل يلبّى حتّى دخل ذو الحجّة؛ فهبط جبريل وعلّمه المناسك وكساه ثوبا أبيض لإحرامه، وطاف به، وعرّفه المناسك، وأمره أن يطوف بالبيت سبعا؛ فلمّا فعل ذلك قال له جبريل: «حسبك يا آدم قد أحللت» ؛ فانطلق آدم إلى حوّاء فاجتمع بها فى ليلة الجمعة فحملت من ساعتها.
قال كعب: ما حملت حوّاء حتّى رأت الحيض ففزعت وأخبرت آدم بذلك فمنعها من الصّلاة أيّام حيضها حتّى ينقطع الدم؛ ثم جاءها ملك فوقفها على زمزم
(13/27)

وقال لادم: اركض برجلك فى هذا الموضع. فركضها، فانفجرت الأرض بإذن الله عين ماء معين؛ فكبّر آدم وحوّاء، وهمّت أن تشرب فمنعها وقال: «حتى يأذن لى ربّى» . فاغتسلت حوّاء، وكان فى ذوائبها بقيّة من مسك الجنّة، ففاحت الدنيا.
ذكر إبناء آدم وزرعه وحرثه
قال: ثم أوحى الله تعالى إلى آدم: «أنك إن لم تعمر هذه الدنيا لم يعمرها أحد من أولادك، فاعمرها» . فبنى له مسكنا يأوى إليه هو وحوّاء؛ ثم أخذ بعد ذلك فى الحرث والزرع وحفر الآبار؛ وجاءه جبريل بالحبة وهى على قدر بيض النّعام، بيضاء فى لون الثلج وأحلى من العسل؛ وجاءه بثورين من ثيران الفردوس وجاءه بالحديد؛ فلمّا نظر آدم إلى الحبّ صاح صيحة عظيمة، وقال: ما لى ولهذا الحبّ الّذى أخرجنى من الجنّة.
قال: «هذا رزقك فى الدنيا، لأنك اخترته فى الجنّة، فهو غذاء لك ولذرّيّتك» .
ثم قال له جبريل: يا آدم، قم فكن حرّاثا زرّاعا، وأتاه بالنار وقد غمسها فى سبعين ماء حتّى اعتدلت وكمنت فى الحديد والحجر، وأمره أن يوقد النار ويلين الحديد، ويتّخذ منه مطرقة وسندانا، ففعل؛ ثم اتخذ مدية يذبح بها، وفأسا يحفر بها ويكسر، ومحراثا يحرث به الأرض، ونيرا؛ كلّ ذلك وجبريل يعلّمه.
قال وهب: أوّل ما اتخذ آدم من الحديد سندان ومطرقة وكلبتان؛ ثم اتخذ بعد ذلك آلة النجارة، وأتاه جبريل بكبش من الجنّة، فنحره آدم، وأكل هو وحوّاء من لحمه، واتخذا مقراضا فجزّا به الصوف من الكبش، وغزلاه، واتخذا منه
(13/28)

جبّتين بغير كمّين، وكساءين، فاكتسى كلّ واحد منهما جبّة وكساء، فلما مسّت جلّدهما خشونة الصوف بكيا شوقا إلى السندس والإستبرق؛ فقيل لهما: «هذا لباس أهل الطاعة فى الدنيا» . وجىء بالأشجار التى ذكرناها فى الفن الرابع من هذا الكتاب، وهو فنّ النباتات؛ وقد قدّمنا ذكرها فيما سلف منه.
وعن كعب أن الذى جاء بالحبّ ميكائيل، لأنّه الموكّل بالحبّ والقطر والنبات.
قال: فقام آدم فعقد النّير على عنقى الثورين؛ ثم حرث وبذر، وكان يقف على الزرع ويقول: متى يدرك؟. فيسمع هاتفا يقول: (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ)
؛ وكان الزرع فى طول النخل، والسنبلة فى طول مائة ذراع، بيضاء كالفضّة.
قال كعب: فلمّا استحقّ الزرع كان آدم يحصد، وحوّاء تجمع؛ ثم علّم آدم الدّراسة والتذرية والطحن والعجن والخبز؛ ثم أكلا وشربا فأصابتهما النفخة والقرقرة فى بطونهما؛ فتجشّأ آدم جشاء متغيّرا، وتغيّر عليه بدنه وثقل؛ فلمّا ثقلت عليهما بطونهما أمرهما الملك أن يتبرّزا إلى الصحراء لقضاء الحاجة؛ فلمّا رأيا ذلك من أنفسهما بكيا بكاء شديدا، وقالا: «هذا الذى أورثنا ذنبنا» .
ثم أمرهما الملك أن يمسحا بالمدر، ثم يغتسلا بالماء؛ ثم علّمهما الوضوء فتوضا وضوء الإسلام؛ ثم أمرهما بالصلاة، فكان أوّل صلاة صلّاها آدم الظهر.
وكان آدم ربّما اشتغل عن صلاته ولا يعرف الأوقات، فأعطاه الله ديكا ودجاجة، فكان الديك أبيض أفرق «1» أصفر الرجلين، كالثور العظيم، وكان يضرب بجناحه عند أوقات الصلاة ويقول: سبحان من يسبّحه كلّ شىء سبحان الله وبحمده، يا آدم: الصلاة يرحمك الله.
(13/29)

قال: وأخذ آدم فى الغرس حتى غرس كلّ ما على وجه الأرض من أنواع الثمار والأشجار، وأخذت الأرض زهرتها؛ وكان آدم يأكل من بقول الأرض ونباتها.
قال وهب: أوّل بقلة زرعها آدم الهندبا، وأوّل ما زرع من الرياحين الحنّاء، ثم الآس.
ذكر حمل حوّاء- عليها السلام- وولادتها
قال: وواقع آدم حوّاء فى ليلة الجمعة، فحملت بذكر وأنثى، وأسقطتهما فى الشهر الثامن، فكان أوّل سقط فى الدنيا؛ ثم حملت ثانيا كذلك، فأصابهما مثل الأوّل؛ ثم حملت ثالثة. قال الله تعالى: (فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) .
قال: فجاء إبليس إلى حوّاء وقال: أتحبّين أن يعيش فى بطنك؟ قالت:
نعم. قال: سميّه (عبد الحارث) .
وقال ابن حبيب عن ابن عباس: أنها لمّا وضعته جاء إبليس وقال:
ألا تسمّيانه باسمى؟ قالت له حوّاء: ما اسمك؟ فذهب ولم يتسّم، ثم عاد إليهما فقال: كيف تريدان أن تسمّياه؟ قالا: نسمّيه (عبد الله) . قال: أفتظنّان أنّ الله يترك عبده عندكما إن سمّيتماه (عبد الله) ، لا والله لا يدعه عندكما حتى يقبضه، ولكن سمّياه (عبد شمس) فإنّه يبقى ما بقيت الشمس. فأطاعاه وسمّياه (عبد شمس) ؛ فمات صغيرا. قال الله تعالى: (فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما) .
قال وهب: أوحى الله إليهما «أنكما أطعتما إبليس فى هذه التسمية، فهلّا سمّيتماه عبد الله أو عبد الرحمن أو عبد الرحيم» فجزعا لذلك جزعا شديدا، وقالا:
«لا حاجة لنا فى هذا المولود» . فأماته الله.
(13/30)

ثم حملت بذكر وأنثى، فلما وضعتهما سمّتهما (عبد الله) (وأمة الله) ؛ ثم وضعت بطنا آخر فسمّتهما (عبد الرحيم) (وأمة الرحيم) ؛ ولم تزل كذلك حتى وضعت مائة بطن؛ ثم وضعت بعد ذلك هابيل وأخته فى بطن، ثم قابيل وأخته فى بطن، حتى وضعت عشرين ومائة بطن ذكر وأنثى، فتناسلوا وكثروا.
ذكر مبعث آدم- عليه السلام- إلى أولاده
قال: ثم بعث الله عزّ وجلّ آدم إلى ذرّيّته رسولا، وذلك فى أوّل ليلة من شهر رمضان، وخصّه بالوحى، وأنزل عليه إحدى وعشرين صحيفة فيها سور مقطّعة الحروف، لا يتّصل حرف بحرف، وهو أوّل كتاب أنزل، وهو بألف لغة فيها الفرائض والسنن والشرائع والوعد والوعيد وأخبار الدنيا، وبيّن له فيها أهل كل زمان وصورهم وسيرهم، وما يحدث فى الأرض حتى المأكل والمشرب.
ثم أمره الله تعالى أن يكتبها بالقلم، فأخذ جلود الضأن فدبغها حتى صارت رقّا، وكتب فيها الحروف التسعة والعشرين، وهى فى التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، أوّلها (ا) : معناها، أنا الله الواحد الأحد الذى لم يزل. (ب) : بديع السموات والأرض. (ت) : توحّد فى ملكه، وتواضع كلّ شىء لعظمته. (ث) :
ثابت لم يزل ولا يزال. (ج) : جميل الفعال، جواد، جليل المقال. (ح) : حليم على من عصاه، حميد عند من أنشاه. (خ) خبير ببواطن الأشياء وظواهرها، خالق كلّ شىء. (د) : ديّان يوم الدين، دان من خلقه. (ذ) : ذو الفضل العظيم، والعرش المجيد، ذو الطّول القديم. (ر) : ربّ الخلائق رزّاق رءوف رحمن رحيم. (ز) :
زرّاع زرع من غير بذر، زائد لمن شكر، زيّن كلّ شىء برحمته. (س) : سريع الحساب، سميع الدعاء، سريع الإجابة. (ش) : شديد العقاب والبطش، شاهد
(13/31)

كلّ نجوى. (ص) : صمد صادق الوعد. (ض) : ضياء السموات والأرض، ضمن لأوليائه المغفرة. (ط) : طاب من أخلص له من المطيعين، طوبى لمن أطاعه.
(ظ) : ظهر أمره، وظفر أهل محبّته بالجنّة. (ع) : عليم عالم علّام علا بالربوبيّة.
(غ) : غياث المستغيثين، غنىّ لا يفتقر. (ف) : (فعّال لما يريد) ، فرد ليس له شريك. (ق) : قيّوم، (قائم على كلّ نفس بما كسبت) ، قدير قاهر. (ك) كريم كان قبل كلّ شىء، كائن بعد كلّ شىء، كافى كلّ بليّة. (ل) : (له ما فى السّموات وما فى الأرض) ، وله الخلق والأمر. (م) : مالك يوم الدين، متكبّر محسن محمود متين معبود منعم من قبل ومن بعد. (ن) : نور السموات والأرض ناره معدّة لأهل عذابه. (و) : ولىّ المؤمنين، ويل لمن عصاه، (ويل للمطفّفين) . (هـ) :
هاد هدى من الضلالة من قدّر له ذلك برحمته ومشيئته، (لا) : لا إله إلا الله الواحد القهّار، الّذى لا إله إلّا هو العزيز الحكيم. (ى) : يعلم ما فى السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى وما تخفى الصدور.
قال: فلما نزلت هذه الحروف علّمها آدم لولده، فتوارثها ولده، إلى أن بعث الله تعالى إدريس، وأنزل عليه خمسين صحيفة، وأنزل عليه هذه الحروف.
ذكر قتل قابيل هابيل
قال: ودعا آدم ابنيه (هابيل) (وقابيل) - وكان يحبّهما من بين أولاده- فذكر لهما ما كان من أمره ودخوله الجنة، وسبب خروجه، وغير ذلك، ثم أمرهما أن يقرّبا قربانا، وكان هابيل صاحب غنم، وقابيل صاحب زرع، فأخذ هابيل من غنمه كبشا سمينا لم يكن فى غنمه خير منه، فجعله قربانا؛ وأخذ قابيل من زرعه أدناه فقرّبه؛ فنزلت من السماء نار بيضاء لا حرّ ولا دخان فيها، فأحرقت قربان
(13/32)

هابيل، ولم تحرق قربان قابيل، فداخله الحسد من ذلك، وقال: إن أولاد هذا تفتخر على أولادى من بعدى، فو الله لأقتلنه. قال الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ.
قال: ثم رجعا من منّى- وهو موضع القربان- يريدان أباهما وهابيل أمام قابيل؛ فعمد قابيل إلى حجر فضرب به رأس أخيه (هابيل) فقتله، ثم مرّ على وجهه هاربا. قال الله تعالى: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ
؛ وإذا هو بغرابين قد اقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، وجعل يبحث فى الأرض برجليه حتى حفر حفرة ودفن فيها المقتول؛ فقال قابيل فى نفسه ما أخبر الله تعالى به عنه: يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ.
فلمّا أبطآ على آدم خرج فى طلبهما، فأصاب هابيل مقتولا، فساءه ذلك واغتمّ غمّا شديدا، وكانت الأرض لمّا شربت دمه تغيّرت الأشجار عن نضارتها، فيقال: إن آدم قال:
تغيّرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبرّ قبيح
تغيّر كلّ ذى لون وطعم ... وقلّ بشاشة الوجه المليح
قتل «1» قابيل هابيلا أخاه ... فوا أسفى على الوجه الصبيح
(13/33)

ثم حمل آدم هابيل على عاتقه وهو باك، ثم دفنه، وبكى عليه هو وحوّاء أربعين يوما، فأوحى الله تعالى إليه أن كفّ عن بكائك، فإنّى سأهب لك غلاما زكيّا على صورة هابيل يكون أبا النبييّن والمرسلين. فسرّى عنه، وجامع حوّاء فحملت بشيث واسمه (هبة الله) فلمّا وضعته كان على صفة هابيل وصورته؛ فلمّا ترعرع وبلغ بعث الله تعالى له قضيبا من سدرة المنتهى فى صفاء الجوهر، ورزق الله شيئا الأولاد فى حياة آدم؛ والله أعلم.
ذكر وفاة آدم- عليه السلام-
قال: وكان آدم لمّا أخرج الله تعالى الذريّة من ظهره رأى داود- عليه السلام- وحسن صورته، فسأل عنه وعمّا رزقه الله تعالى من العمر؛ فقيل له: إنه نبىّ الله داود، وإن عمره الذى كتب الله له أربعون سنة. فقال: يا ربّ زد فى عمره.
قال: ذلك الذى كتبت له. فقال: يا ربّ فإنّى قد وهبته من عمرى ستّين سنة.
فلمّا انقضى من عمره تسعمائة سنة وأربعون سنة أتاه ملك الموت، فقال له آدم: قد عجلت علىّ، لأنّ ربّى كتب لى ألف سنة. قال: ألم تهب منها لولدك داود ستّين سنة؟ قال: لا. قال: فجحد آدم وجحدت ذرّيته من بعده، ونسى فنسيت.
وقيل فى عمر داود: ستون سنة، وإن آدم وهبه أربعين سنة؛ والله أعلم.
فلما استكمل عدّته أمر الله بقبض روحه، فعهد إلى ابنه شيث وأوصاه، وسلّم إليه التابوت، وكان فيه نمط من الجنّة أبيض أهداه الله تعالى لآدم، فيه صور الأنبياء والفراعنة من ذرّيّته؛ فنشر آدم النّمط وأراه لابنه شيث، فنظر إليه، ثم أمر بطيّه ووضعه فى التابوت؛ وعمد آدم إلى طاقات من شعر لحيته فوضعها فى التابوت وقال له: يا بنىّ، إنك لا تزال مظفّرا على أعدائك ما دامت هذه الشعرات سودا
(13/34)

فإذا ابيضّت فاعلم أنّك ميّت، فأوص إلى خير أولادك. وأوصاه بقتال أخيه قابيل.
ثم قبض الله تعالى نبيّه آدم فى يوم الجمعة بعد أن استكمل ألف سنة، وصلّت عليه الملائكة صفوفا، وصلّى عليه شيث، ودفن- عليه السلام-.
وقيل: كانت وفاته بالهند، فلما كان زمن الطوفان حمل نوح معه تابوت آدم فى السفينة، ثم دفنه ببيت المقدس.
ذكر وفاة حوّاء
قال: ولمّا توفّى آدم- عليه السلام- لم تعلم حوّاء بموته حتى سمعت بكاء الوحش والسباع والطير، ورأت الشمس منكسفة؛ فقامت من قبّتها فزعة أن يكون حلّ بشيث ما حلّ بهابيل، وصارت إلى قبّة آدم فلم تره، فصاحت صيحة عظيمة، فأقبل إليها شيث وعزّاها وأمرها بالصبر، فلم تصبر دون أن صرخت ولطمت وجهها ودقّت صدرها، فأورثت ذلك بناتها إلى يوم القيامة؛ ثم لزمت قبره أربعين يوما لا تطعم؛ ثم مرضت مرضا شديدا ودام بها حتى بكت الملائكة رحمة لها؛ ثم قبضت- رحمة الله عليها- فغسلها بناتها، وكفّنت من أكفان الجنة ودفنت إلى جنب آدم- عليهما السلام- ورأسها إلى رأسه، ورجلاها عند رجليه.
وقيل: كانت وفاتها بعد مضىّ سنة من وفاة آدم.
الباب الثانى من القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى خبر شيث ابن آدم- عليهما السلام- وأولاده
قال: ولمّا مات آدم- عليه السلام- أسند وصيّته إلى ابنه شيث، وكان ممّا أوصاه به التمسّك بالعروة الوثقى، وشهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان بمحمّد رسول الله؛
(13/35)

وقال له: يا بنىّ؛ إنى رأيت اسمه مكتوبا على سرادق العرش وأبواب الجنان وأطباق السموات وأوراق شجرة طوبى؛ فهذه وصيّتى إليك. ثم نزع خاتمه من اصبعه ودفعه إليه، وتسلّم منه التابوت، ثم قال له: إن الله سيعطيك ثوب المجاهدة، فحارب أخاك قابيل، فإن الله تعالى ينصرك عليه. وكان شيث حين الوصية إليه ابن أربعمائة سنة، فأطاعه أولاد أبيه، وصار إليه الفرس الميمون، وكان أغرّ محجّلا إذا صهل أجابته الدوابّ كلّها بالتسبيح.
ذكر قتال شيث قابيل
قال: ثم أمر الله تعالى شيث بن آدم بقتال قابيل، وكان قابيل قد اعتزل فى ناحية من الأرض، فعمرها، وخدع أختا له فأحبلها، ورزق منها أولادا كثيرة فسار إليه شيث بجميع أولاده، وتقلّد سيف أبيه، وكان بين يديه عمود من الياقوت تحمله الملائكة يضىء بالليل والنهار؛ وسار وقد أحدقت به الملائكة، فتوجّه إبليس إلى قابيل وأعمله خبر أخيه، فتأهّب للقائه وقد داخله الفزع؛ ثم جاء شيث فقابله، فاقتتلا، فانكبّ قابيل على وجهه، فأخذه شيث أسيرا، وأسر جماعة من أولاده.
ثم أقبلت الملائكة إلى قابيل فسلكوه فى سلسلة من سلاسل جهنّم، وغلّوا يده إلى عنقه، وساقوه بين يدى شيث مهانا وهو يقول: يا شيث احفظ الرّحم بينى وبينك. فقال: لا رحم بيننا بعد أن قتلت أخاك ظلما.
ثم أمر شيث الملائكة فساقوه مغلولا إلى عين الشمس بالمغرب، فلم يزل مواجها للشمس حتى مات كافرا، وصارت ذريّته عبيدا وإماء لشيث وأولاده.
ثم أخذ شيث بعد ذلك فى عمارة المدن حتى بنى نيّفا على ألف مدينة فى كلّ مدينة منارة ينادى عليها: (لا إله إلا الله، آدم صفوة الله، محمد رسول الله) .
(13/36)

وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر هو وأولاده، حتى عمرت الدنيا؛ وأنزل الله تعالى على شيث خمسين صحيفة، فكانوا يقرأونها ويعملون بما فيها من غير عداوة ولا تباغض ولا تحاسد ولا فسق بينهم؛ وكان إبليس يحسد شيئا وأولاده، فأقبل إبليس إليه فى صورة امرأة حسناء، فقال لها: من أنت؟ قالت: امرأة أرسلنى الله إليك لتتزوّج بى، ولست من بنات آدم. فقال: إن ربى لم يأمرنى بذلك ولا أخبرنى عنك، وما أظنك إلا إبليس. فضحك وقال: إنما أنا امرأة من نساء الجنة، ولا تعص ربّك وتزوّج بى؛ وجعل إبليس يتزيّن له حتى كاد يفتنه؛ فنادته الملائكة: يا نبىّ الله، إنه عدوّك إبليس. فقبض شيث عليه وهمّ بقتله؛ فقال:
خلّ عنّى فإنى من المنظرين، ولكن أعطيك الميثاق أنّى لا أتعرّض إليك بعدها.
فأطلقه ولم يعد إليه.
وولد لشيث (أنوش) على طوله وحسنه؛ فجعله شيث مكانه والخليفة من بعده، وسلّم إليه التابوت، وأوصاه بقتال أولاد قابيل.
ومات شيث وله سبعمائة سنة وعشرون سنة.
وقيل: بل عاش بعد آدم مائتى سنة، وعهد إلى ابنه (أنوش) فقام على أولاده بالطاعة ثلاثمائة عام.
وعهد من بعده إلى ابنه (قينان) ، فعمّر بعد أبيه مائتين وخمسين سنة.
وعهد إلى ابنه (مهلائيل) ، وكثر فى زمانه بنو آدم، وكان منزلهم الحرم فضاق بهم، فقسّم الأرض بينهم خمسة أقسام، وأرسل خمسة نفر من صلحاء قومه يقيمون لهم شرائع آدم- عليه السلام- ويتولّون الحكومة بينهم، وهم ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وهؤلاء الذين لمّا فقدوا بلغ من وجد قومهم
(13/37)

عليهم أن جعلوا لهم تماثيل يتسلّون بها؛ وترامى الأمر إلى أن عبدها القرن الذى تلاهم، فكان ذلك هو السبب لعبادة الأوثان.
ثم قام بالأمر بعد (مهلائيل) ابنه (أخنوخ) ، وهو إدريس.
الباب الثالث من القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى أخبار إدريس النبى- عليه السلام-
واسمه أخنوخ، وإنما سمّى إدريس لكثرة دراسته الكتب؛ وهو أوّل من بعث من بنى آدم؛ وهو أوّل من خطّ بالقلم بعد شيث، وأوّل من كتب فى الصحيفة؛ وكان مشتغلا بالعبادة ومجالسة الصالحين حتى بلغ فآنفرد للعبادة، فجعله الله تعالى نبيّا، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة، وورّثه صحف شيث وتابوت آدم.
وكان يعيش من كسب يده؛ وكان خيّاطا، وهو أوّل من خاط الثياب ولبسها وكانوا قبل ذلك يلبسون الجلود، حتى أتت عليه أربعون سنة، فبعثه الله تعالى إلى أولاد قابيل، وكانوا جبابرة، وقد اشتغلوا باللهو والغناء والمزامير والطنابير وغير ذلك، وعبدوا الأصنام؛ وكان إدريس يدعوهم ثلاثة أيّام، ويعبد الله أربعة.
وحكى عن وهب أنّه أوّل من اتّخذ السلاح، وجاهد فى سبيل الله، ولبس الثياب، وأظهر الأوزان والأكيال، وأنار علم النجوم.
وكان إدريس شديد الحرص على دخول الجنة، وكان قد رأى فى الكتب أنّه لا يدخلها أحد دون الموت، فبينما هو يسبح فى عبادته إذ عرض له ملك الموت فى صورة رجل فى نهاية الجمال؛ فقال له إدريس: من أنت؟ قال: عبد من عبيد الله أعبده كعبادتك. واصطحبا، فكان إدريس يأكل من رزق الله، وهو لا يطعم شيئا؛ فسأله عن ذلك؛ فأخبره أنه ملك الموت؛ فقال له: جئت لقبض
(13/38)

روحى؟ قال: لا، ولو أمرنى الله بذلك ما أمهلتك، ولكنّه أمرنى أن أصطحبك.
فسأله إدريس أن يقبض روحه؛ فقال له: وما تريد بذلك وللموت كرب عظيم؟
قال: لعل الله تعالى يحيينى فأكون أكثر فى عبادته. فأمره الله بقبض روحه فقبضها، وأحياه الله تعالى لوقته.
ثم قال إدريس له بعد حين: هل تستطيع أن تقفنى على جهنّم؟ قال:
ما حاجتك إلى ذلك ولها من الأهوال ما لا تطيق أن تنظر إليه، وما لى سبيل إلى ذلك، ولكنى أقفك على طريق مالك خازنها، والله أعلم بحاجتك. فاحتمله ووقفه على طريق مالك، فلما رآه كشر فى وجهه، فكادت روحه تخرج، فأوحى الله- عزّ وجلّ- إلى مالك: وعزّتى وجلالى لا رأى عبدى إدريس بعد كشرتك سوءا، إرجع إليه وقفه على شفير جهنّم ليرى ما فيها. فوقفه مالك على شفيرها ونظر إلى ما فيها من الأهوال، فلولا أن ثبّته الله تعالى لصعق؛ ثم أعاده إلى مكانه، فاحتمله ملك الموت إلى الأرض، فعبد الله عزّ وجلّ حينا؛ ثم قال لملك الموت:
هل لك أن تدخلنى الجنّة لأرى ما أعدّ الله تعالى لأهل طاعته من النعيم؟ فقال:
حاجتك إلى الله تعالى، ولكنّى أحملك وأقف على طريق رضوان خازن الجنان فسله حاجتك. ففعل ذلك؛ فلما رآه رضوان قال: من هذا؟ قال: إدريس نبى الله يريد أن ينظر إلى نعيم الجنان. قال: «ذلك إلى ربّى» . فأوحى الله تعالى إلى رضوان: أنّى قد علمت ما يريد عبدى إدريس، وقد أمرت غصنا من أغصان شجرة طوبى أن يتدلّى إليه فيلتفّ به ويدخله الجنّة، فإذا دخل فأقعده فى أعلى موضع؛ فلمّا دخلها إدريس ورأى ما فيها من النعيم قال له رضوان: أخرج الآن.
قال له إدريس: أيدخل الجنّة من يخرج منها؟ فحاجّه فى ذلك، فأرسل الله تعالى له ملك الموت، فقال له إدريس: ما حاجتك؟ إنك لن تسلّط على قبض روحى
(13/39)

مرّتين، فاذهب. فرجع ملك الموت إلى ربّه عزّ وجلّ وقال: إلهى قد علمت ما قال إدريس. قال الله تعالى: إنه حاجّك بكلامى، فذره فى جنتى. فذلك قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا.
هذا ما أورده الكسائىّ- رحمه الله- فى كتاب المبتدأ «1» .
ونقل الشيخ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبىّ- رحمه الله- فى كتابه المترجم (بيواقيت البيان فى قصص القرآن) وفى تفسيره أيضا فى سبب رفع إدريس عليه السلام، قال: وكان سبب رفعه على ما قال ابن عبّاس- رضى الله عنهما- وأكثر الناس: أنه سار ذات يوم فأصابه وهج الشمس، فقال: يا رب إنى مشيت يوما فتأذّيت منها، فكيف من يحملها خمسمائة عام فى يوم واحد؟! اللهم خفّف عنه من ثقلها، واحمل عنه حرّها. فلمّا أصبح الملك وجد من خفّة الشمس وخفّة حرّها ما لا يعرف؛ فقال: يا رب، خلقتنى لحمل الشمس، فما الّذى قضيت فىّ؟ فقال:
أما إنّ عبدى إدريس سألنى أن أخفّف عنك ثقلها وحرّها، فأجبته. قال: يا ربّ اجمع بينى وبينه، واجعل بينى وبينه خلّة. فأذن الله تعالى له؛ فأتى إدريس حتى إنّ إدريس ليسأله، فكان ممّا سأله أن قال: أخبرت أنّك أكرم الملائكة عند ملك الموت وأمكنهم عنده، فاشفع لى إليه أن يؤخّر أجلى فأزداد شكرا وعبادة. فقال الملك: لا يؤخّر الله نفسا إذا جاء أجلها. قال إدريس: قد علمت ذلك، ولكنّه أطيب لنفسى. قال: نعم أنا مكلّمه لك، فما كان يستطيع أن يفعل لأحد من بنى آدم فهو فاعله لك. ثم حمله ملك الشمس على جناحه، فرفعه إلى السماء
(13/40)

ووضعه عند مطلع الشمس؛ ثم أتى ملك الموت، فقال: لى إليك حاجة. قال:
أفعل كلّ شىء أستطيعه. فقال له: صديق لى من بنى آدم يتشفّع بى إليك أن تؤخّر أجله. فقال: ليس ذلك إلىّ، ولكن إن أحببت أعلمه أجله مى يموت فيتقدّم فى نفسه. قال: نعم. فنظر فى ديوانه، فأخبره باسمه، فقال: إنك كلّمتنى فى إنسان ما أراه يموت أبدا. ثم قال: إنى لأجده يموت عند مطلع الشمس.
قال: فإنّى أتيتك وتركته هناك. قال: فانطلق فإنّه قد مات، فو الله ما بقى من أجل إدريس شىء. فرجع الملك فوجده ميتا.
قال: وقال وهب: كان يرفع له فى كلّ يوم من العبادة مثل ما يرفع لأهل الأرض فى زمانه. فعجبت منه الملائكة، فاشتاق إليه ملك الموت، فاستأذن الله تعالى فى زيارته، فأذن له، فأتاه فى صورة غلام؛ وكان إدريس يصوم الدهر كلّه فلمّا كان فى وقت إفطاره دعاه إلى الطعام، فأبى أن يأكل معه، وفعل ذلك ثلاث ليال، فقال له إدريس فى الليلة الثالثة: إنّى أريد أن أعلم من أنت. قال:
أنا ملك الموت، استأذنت ربّى أن أزورك وأن أصاحبك، فأذن لى فى ذلك.
فقال له إدريس: فلى إليك حاجة. قال: وما هى؟ قال: اقبض روحى؛ فأوحى الله تعالى إليه: «اقبض روحه» . ففعل، ثم ردّها الله تعالى إليه بعد ساعة، فقال له ملك الموت: فما الفائدة فى سؤالك قبض الروح؟ قال: لأذوق كرب الموت وغمّه فأكون له أشدّ استعدادا.
ثم قال: لى إليك حاجة أخرى، قال: وما هى؟ قال: ترفعنى إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجنّة والنار. فأذن الله تعالى له فى ذلك، فلمّا قرب من النار قال:
لى إليك حاجة. قال له: وما تريد؟ قال: تسأل مالكا حتى يفتح لى أبوابها فأردها. ففعل؛ ثم قال له إدريس: فكما أريتنى النار فأرنى الجنّة. فذهب إلى
(13/41)

الجنّة فاستفتح، ففتحت له أبوابها، فأدخله الجنّة؛ فقال له ملك الموت: اخرج منها لتعود إلى مقرّك. فتعلّق بشجرة وقال: لا أخرج منها. فبعث الله تعالى ملكا حكما بينهما؛ فقال له الملك: ما لك لا تخرج؟ قال: لأن الله تعالى قال:
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ*
وقد ذقته. وقال: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
وقد وردتها. وقال تعالى: وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ
فلست أخرج. قال الله تعالى لملك الموت: دعه فإنه بإذنى دخل الجنّة، وبأمرى يخرج. فهو هناك، فتارة يعبد الله فى السماء الرابعة، وتارة يتنعّم فى الجنّة.
الباب الرابع من القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى قصة نوح- عليه السلام- وخبر الطوفان
قال الكسائىّ- رحمه الله تعالى- قال وهب بن منبّه: لمّا رفع الله تعالى إدريس- عليه السلام- ترك إدريس فى الأرض ولده متوشلح، فتزوّج بامرأة يقال لها: (ميشاخا) ؛ فولدت له ولدا سمّاه (لمك) ، وكان يرجع إلى قوّة وبطش وكان يضرب بيده الشجرة العظيمة فيقتلعها من أصلها، وكان على وجهه نور نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم؛ فخرج فى يوم إلى البرّيّة فرأى امرأة فى نهاية الجمال وبين يديها غنم ترعاها، فأعجبته، فسألها عن نفسها، فقالت: أنا قينوش بنة براكيل بن محويل من أولاد قابيل بن آدم. فقال: ألك زوج؟ قالت: لا. قال: فما سنّك؟
قالت: مائة وثمانون. قال: لو كنت بالغة لتزوّجتك- وكان البلوغ يومئذ لاستيفاء مائتى سنة- فقالت: كان عندى أنك تريد أن تفضحنى، فأمّا إذا أردت الزواج فقد أتى علىّ مائتا سنة وعشر سنين. فخطبها من أبيها، وأرغبه بالمال؛ فزوّجه بها فحملت منه بنوح- عليه السلام- فلما كان وقت الولادة ولدته فى غار خوفا على
(13/42)

نفسها وولدها من الملك لكونها تزوّجت بمن ليس منهم؛ فلمّا وضعته هناك وأرادت الانصراف قالت: وانوحاه. وانصرفت، فبقى فى الغار أربعين يوما؛ ثم توفّى أبوه لمك؛ فاحتملته الملائكة ووضعته بين يدى أمّه مزيّنا مكحولا، ففرحت به وربّته حتى بلغ.
وكان ذا عقل وعلم ولسان وصوت حسن، واسع الجبهة، أسيل الخدّ، وكان يرعى الغنم لقومه مدّة، وربما عالج التجارة؛ ثم كره مجاورة قومه لعبادتهم الأصنام.
وكان لهم ملك يقال له درمشيل؛ وكان جبّارا عاتيا قويّا، وهو أوّل من شرب الخمر واتّخذ القمار وقعد على الأسرة واتخذ الثياب المنسوجة بالذهب وأمر بصنعة الحديد والنحاس والرصاص؛ وكان هو وقومه يعبدون الأصنام الخمسة:
ودّا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا؛ ثم اتخذ ألف صنم وسبعمائة صنم على صور شتّى، واتخذ لها كراسىّ من الذهب والفضة، وأقام لها الخدم يخدمونها؛ فاعتزلهم نوح إلى البرارىّ ولم يخالطهم حتى بعثه الله تعالى نبيّا؛ والله أعلم بالصواب.
ذكر مبعث نوح عليه السلام
قال: فأمر الله تعالى جبريل- عليه السلام- أن يهبط إلى نوح ويبشره بالنبوّة والرسالة؛ فهبط جبريل عليه، وجاءه بوحى الله أن يسير إلى درمشيل الملك وقومه ويدعوهم إلى عبادة الله تعالى؛ فأقبل نوح إلى قومه من يومه- وكان يوم عيدهم وقد نصبوا أصنامهم على أسرّتها وكراسيّها، وهم يقرّبون القرابين لها، وكانوا إذا فعلوا ذلك يخرّون لها سجّدا ويشربون الخمر، ويضربون بالصّنج، ويأتون النساء كالبهائم من غير تستّر- فجاءهم وهم يزيدون على تسعين زمرة، كلّ زمرة لا يحصون كثرة، فاخترق الصفوف حتى صار فى وسط القوم، وسأل الله تعالى أن ينصره
(13/43)

عليهم؛ فلما أرادوا السجود للأصنام نادى: أيها القوم، إنى قد جئتكم بالنصيحة من عند ربّكم أدعوكم إلى عبادته وطاعته، وأنهاكم عن عبادة هذه الأصنام (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) *
. فخرقت دعوته الأسماع، وهوت الأصنام عن كراسيّها، وسقط الملك عن سريره مغشيّا عليه، فلمّا أفاق قال: يا أولاد قابيل، ما هذا الصوت الّذى لم أسمع مثله؟ قالوا: أيّها الملك، هذا صوت رجل منّا اسمه نوح بن لمك كان يجانبنا قبل ذلك بجنونه، والآن قد اشتدّ عليه فقال ما قال. فغضب الملك واستدعاه، فأتوه به بعد أن ضربوه الضرب الشديد؛ فقال له: من أنت، فقد ذكرت آلهتنا بسوء؟ قال: أنا نوح بن لمك رسول ربّ العالمين، جئتكم بالنصيحة من عند ربّكم لتؤمنوا به وبرسوله، وتهجروا هذه الأصنام والقبائح. فقال درمشيل:
إنّك قد جئتنا بما لا نعرفه، ولا نعتقد أنك عاقل، فإن كان بك جنّة فنداويك أو فقر فنواسيك. قال: يا قوم، ما بى جنون ولا حاجة إلى ما فى أيديكم، ولكنّى أريد أن تقولوا: لا إله إلا الله وإنى نوح رسول الله. فغضب درمشيل وقال:
لولا أنه يوم عيد لقتلناك.
فأوّل من آمن به امرأة من قومه يقال لها: (عمرة) فتزوّجها فأولدها (ساما) (وحاما) (ويافث) وثلاث بنات؛ ثم آمنت به امرأة أخرى من قومه يقال لها: (والعة) فتزوّجها فأولدها كنعان؛ ثم نافقت وعادت إلى دينها.
وكان نوح يخرج فى كلّ يوم فى أندية لقومه يدعوهم إلى عبادة الله تعالى فيضربونه حتى يغشى عليه، ويجرّون برجله فيلقونه على المزابل، فاذا أفاق عاد إليهم بمثل ذلك، ويعاملونه بمثله؛ حتى أتى عليه ثلاثمائة سنة وهو على هذه الحال؛ ثم مات ملكهم درمشيل، وملك بعده ابنه بولين، وكان أعتى وأطغى من أبيه- وكان نوح يدعوهم فى القرن الرابع على عادته، فيضربونه ويشتمونه، وربما سفوا
(13/44)

عليه التراب ويقولون: إليك عنا يا ساحر يا كذّاب. ويضعون أصابعهم فى آذانهم؛ فينصرف عنهم ويعود إليهم، وإذا خلا بالرجل منهم دعاه، وهم لا يزدادون إلّا عتوّا وتمرّدا واستكبارا، وذلك قوله تعالى: قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً
الآيات.
ثم دعاهم حتى استكمل ستّة قرون؛ فلمّا دخل القرن السابع مات ملكهم (بولين) واستخلف عليهم ابنه (طفردوس) - وكان على عتوّ أبيه- وكان نوح يأتى أصنامهم بالليل وينادى بأعلى صوته: يا قوم، قولوا (لا إله إلا الله، وإنى نوح رسول الله) .
فتنكّس الأصنام؛ وكانوا يضربون نوحا ضربا شديدا، ويدوسون بطنه حتى يخرج الدم من أنفه وأذنيه؛ وكان الرجل منهم عند وفاته يوصى أولاده ويأخذ عليهم العهد ألا يؤمنوا به؛ ويأتى الرجل بابنه إلى نوح ويقول: يا بنىّ انظر إلى هذا فإنّ أبى حملنى إليه وحذّرنى منه، فاحذره أن يزيلك عمّا أنت عليه فإنّه ساحر كذّاب. وهو بعد ذلك يدعوهم؛ فضجّت الأرض إلى ربّها وقالت: ما حلمك على هؤلاء؟
وضجّ كلّ شىء إلى ربّه من عتوّهم، ونوح يدعوهم ويذكّرهم بآيات الله؛ فلمّا كان فى بعض الأيّام إذا هو برجل من كبار قومه قد أقبل بولده يحذّره منه؛ فضرب الغلام بيده إلى كفّ تراب وضرب به وجه نوح، فعند ذلك قال نوح ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا إنّك إن تذرهم يضلّوا عبادك ولا يلدوا إلّا فاجرا كفّارا. فأمّنت الملائكة على دعوته، فمنع الله عنهم القطر والنبات؛ فعلم نوح أنّ الله مهلك قومه؛ فأحبّ أن يؤمن بعضهم إن لم يؤمنوا كلّهم؛ فأوحى الله تعالى
(13/45)

إليه: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ.
ذكر عمل السفينة
قال: وأوحى الله تعالى إليه أن يتّخذها فى ديار قومه، وأن يجعلها ألف ذراع طولا وخمسائة عرضا وثلاثمائة ارتفاعا، فأعدّ آلات النّجارة، وشرع فى عملها وأعانه أولاده ومن آمن من قومه، والناس يسخرون منه ويقولون: بعد النبوّة صرت نجّارا، ونحن نشكو القحط، وأنت تبنى للغرق. قال الله تعالى: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
؛ وكانوا يأتون السفينة بالليل فيشعلون فيها النار ولا تحترق، فيقولون: هذا من سحرك يا نوح.
وجعل نوح رأس السفينة كرأس الطاوس، وعنقها كعنق النّسر، وجؤجؤها كجؤجؤ الحمامة، وكوثلها كذنب الديك، ومنقارها كمنقار البازى، وأجنحتها كأجنحة العقاب؛ ثم غشّاها بالزفت، وجعلها سبع طبقات لكلّ طبقة باب؛ فلمّا فرغ من بنائها نطقت بإذن الله وقالت: لا إله إلا الله إله الأوّلين والآخرين، أنا السفينة، من ركبنى نجا، ومن تخلّف عنّى غرق، ولا يدخلنى إلّا أهل الإخلاص.
فقال نوح لقومه: أتؤمنون؟ قالوا: هذا قليل من سحرك. ثم استأذن ربّه فى الحج، فأذن له؛ فلمّا خرج همّ القوم بإحراقها، فأمر الله الملائكة فاحتملوها إلى الهواء، فكانت معلّقة حتى عاد من حجّه. ولمّا قضى مناسكه رأى تابوت «1» آدم عن يمين الكعبة، فسأل ربّه فى ذلك التابوت فأمر الملائكة فحملوه إلى دار
(13/46)

نوح- وكانت يومئذ فى مسجد الكوفة- فلمّا رجع من حجّه نزلت السفينة من الهواء، ثم أوحى الله إليه: أن قد دنا هلاك قومك فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ
. ثم أمره الله تعالى أن ينادى فى الوحش والسباع والطير والهوامّ والأنعام؛ فوقف على سطح منزله، ونادى: «هلمّوا إلى السفينة المنجّية» . فمرّت دعوته إلى الشرق والغرب والبعد والقرب، فأقبلت إليه أفواجا.
فقال: إنّما أمرت أن أحمل من كلّ زوجين اثنين؛ فأقرع بينهم، فأصابت القرعة من أذن الله فى حمله، وكان معه من بنى آدم ثمانون إنسانا بين رجل وامرأة؛ فلما كان فى مستهلّ شهر رجب نودى من التنّور وقت الظهر: قم يا نوح فاحمل فى سفينتك من كلّ زوجين اثنين من الذكر زوجا ومن الأنثى زوجا، فحملهم. وكان معه جسد آدم وحوّاء؛ وتباطأ عليهم الحمار فى صعوده، لأن إبليس تعلّق بذنبه؛ فقال نوح بالنبطيّة: على سيطان، يعنى ادخل يا شيطان؛ فدخل ومعه إبليس فرآه نوح فقال: يا ملعون، من أدخلك؟ قال: أنت حيث قلت: على سيطان:
فعاهده ألا يغوى أهل السفينة ما داموا فيها؛ ثم أوحى الله إلى جبريل أن يأمر خزنة الماء أن يرسلوه بغير كيل ولا مقدار وأن تضرب المياه بجناح الغضب. ففعل ذلك، ونبعت العيون، وهطلت السماء (فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ)
وكان ماء السماء أخضر، وماء الأرض أصفر؛ وأمر الله الملائكة أن يحملوا البيت الى سماء الدنيا؛ وكان الحجر يومئذ أشدّ بياضا من الثلج؛ فيقال إنه اسودّ من خوف الطّوفان؛ وقال نوح عند ركوبه السفينة ما أخبرنا الله عنه فى كتابه العزيز: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ
(13/47)

فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ.
قال: كان ابنه هذا كنعان.
قال: وكانوا لا يعرفون الليل من النهار إلّا بخرزة كانت مركّبة فى صدر السفينة بيضاء، فاذا نقص ضوءها علموا أنّه النهار، واذا زاد علموا أنّه اللّيل؛ وكان الديك يصيح عند أوقات الصلاة؛ وعلا الماء على الجبال أربعين ذراعا؛ وسارت السفينة حتى بلغت موضع الكعبة، فطافت سبعا، ونطقت بالتلبية؛ وكانت لا تقف فى موقف إلّا وتناديه: يا نوح هذه بقعة كذا، وهذا جبل كذا؛ حتى طافت به الشرق والغرب ورجعت إلى ديار قومه، فقالت: يا نبىّ الله، ألا تسمع صلصلة السلاسل فى أعناق قومك؟ قال الله تعالى: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً
؛ ولم تزل السفينة كذلك ستّة أشهر آخرها ذو الحجة.
وقيل: كان ركوب نوح ومن معه السفينة لعشر خلون من شهر رجب وذلك لتتمّة ألفى سنة ومائتى سنة وخمسين سنة من لدن أهبط الله تعالى آدم- عليه السلام- وخرجوا منها فى العاشر من المحرّم بعد مضىّ ستة أشهر؛ ثم استقرّت على جبل الجودىّ، قال الله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ* قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ.
قال: ثم فتح نوح باب السفينة، فنظر إلى الأرض بيضاء من عظام قومه؛ وبعث الغراب لينظر ما بقى على وجه الأرض من الماء؛ فأبطأ، فبعث الحمامة
(13/48)

فانطلقت شرقا وغربا وعادت مسرعة، فقالت: يا نبىّ الله، هلكت الأرض ومن عليها، وأما الماء فإنى لا أراه إلّا ببلاد الهند، ولم تبق على وجه الأرض شجرة إلّا الزيتون، فإنّها على حالها. فأوحى الله تعالى الى نوح: اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ
فخرج من السفينة وأخرج من فيها، وأعاد الله الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والأشجار والنبات كما كانت، وتفرّق الوحش والسباع والطيور وغيرها فى الأرض؛ وأمر نوح فبنيت قرية فى أسفل جبل الجودىّ وسمّيت (قرية ثمانين) على عددهم.
قيل: هى الجزيرة؛ وهى أوّل قرية بنيت على وجه الأرض بعد الطّوفان ثم قسم نوح الأرض بين أولاده الثلاثة: سام وحام ويافث، فأعطى سام الحجاز واليمن والشأم، فهو أبو العرب، وأعطى حام بلاد المغرب فهو أبو السّودان وأعطى يافث بلاد المشرق، فهو أبو الترك.
ثم أوحى الله- عزّ وجلّ- الى نوح أن يردّ التابوت الى المكان الذى أخذ منه، فردّه.
ذكر خبر دعوة نوح على ابنه حام ودعوته لابنه سام
قال: ولما استقرّ الأمر قال نوح لبنيه: إنى أحب أن أنام، فإننى لم أتهنّأ بالنوم منذ ركبت الفلك. فوضع رأسه فى حجر ابنه حام، فهبّت الريح فكشفت عن سوءته، فضحك حام، وغطّاه سام؛ فانتبه فقال: ما هذا الضحك؟ فأخبره سام، فغضب وقال لحام: أتضحك من سوءة أبيك؟ غيّر الله خلقتك، وسوّد وجهك. فاسودّ وجهه لوقته. وقال لسام: سترت عورة أبيك، ستر الله عليك فى هذه الدنيا، وغفر لك فى الآخرة، وجعل من نسلك الأنبياء والأشراف، وجعل من نسل حام الإماء والعبيد، وجعل من نسل يافث الجبابرة والأكاسرة والملوك العاتية.
(13/49)

ذكر وصيّة نوح ووفاته
قال كعب: بعث الله- عزّ وجلّ- نوحا إلى قومه وله مائتان وخمسون سنة ولبث فيهم ألف سنة إلّا خمسين عاما، وعاش بعد الطّوفان مائتى سنة؛ فلمّا حضرته الوفاة دعا بابنه سام وقال له: أوصيك يا بنىّ باثنين، وأنهاك عن اثنين: أوصيك «بشهادة أن لا إله إلا الله» ، فإنّها تخرق السموات السبع، لا يحجبها شىء، والثانية أن تكثر من قولك: «سبحان الله وبحمده» ، فإنها جامعة الثواب؛ وأنهاك عن الشّرك بالله، والاتّكال على غير الله. فلمّا فرغ من ذلك أتاه ملك الموت، فسلّم عليه فقال: من أنت؟ فقد ارتاع قلبى من سلامك. قال: أنا ملك الموت، جئت لقبض روحك. فتغيّر وجهه وجزع، فقال له: ما هذا الجزع، ألم تشبع من الدنيا فى طول عمرك؟ قال: ما شبّهت ما مضى من عمرى فى الدنيا إلّا بدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر. فناوله ملك الموت كأسا فيها شراب وقال: اشرب هذا حتى يسكن روعك. فلمّا شربه خرّ ميتا- عليه السلام- والله الموفّق.
ذكر خبر أولاد نوح- عليه السلام- من بعده
فأما حام فإنه واقع زوجته فولدت غلاما وجارية سودا «1» ، فأنكرهما حام؛ فقالت امرأته: «لحقتك دعوة أبيك» . فلم يقربها حينا؛ ثم واقعها فولدت مثلهما فتركها حام وهرب على وجهه؛ فلما كبر الولدان الأوّلان خرجا فى طلب أبيهما حتى بلغا قرية على شاطىء البحر، فنزلاها، وواقع الغلام أخته فحملت منه وولدت غلاما وجارية؛ وأقاما فى ذلك الموضع لا مأكل لهما إلّا السمك؛ فرجع
(13/50)

حام فى طلب ولديه فلم يجدهما، فاغتمّ لذلك؛ ثم ماتت امرأته، فخرج الولدان الآخران فى طلب أخويهما حتّى صارا الى قرية أخرى على الساحل خربة؛ فنزلاها فسمع بهما الأخوان اللّذان فى البطن الأوّل، فلحقا بهما؛ ونزلوا هناك، ووطئ كلّ منهما أخته؛ فرزقوا أولادا، وكثر منهم النسل، وانتشروا فى أعلى الأرض على ساحل البحر؛ فمنهم النّوبة والزّنج والبربر والهند والسند وجميع طوائف السودان.
وأمّا يافث بن نوح، فإنه صار إلى المشرق، فولد له هناك خمسة أولاد «1» : جومر وتيرس وأشار وسفويل ومياشخ؛ فمن جومر جميع الصّقالبة والروم وأجناسهم؛ ومن تيرس جميع الترك والخزر وأجناسهم؛ ومن مياشخ جميع أصناف العجم؛ ومن أشار يأجوج ومأجوج؛ ومن سفويل جميع الأرمن:
وأما سام بن نوح فولد خمسة أولاد: أرفخشذ، وهو أب العرب؛ ولاوذ وهو أبو العمالقة؛ وأشور، وهو أبو النسناس؛ وعيلم، وهو أبو العادية [الأولى] ، وإرم، وهو أبو عاد وثمود؛ ورزق غيرهم ممّن لم يعقب.
الباب الخامس من القسم الأوّل من الفن الخامس فى قصة هود- عليه السلام- مع عاد وهلاكهم بالريح العقيم
قال وهب: كان ملك عاد الأكبر اسمه الخلجان بن عاد بن العوص بن إرم ابن سام؛ وكان قومه يرجعون إلى فصاحة وشعر، وكان له ثلاثة أصنام: صدا وهبا، وصمو؛ وكان ملكهم قد حلّى هذه الأصنام بأنواع الحلّى، وطيّبها، وجعل لها عدّة من الخدم بعدد أيّام السنة؛ فعتوا فى المعاصى، وانهمكوا على عبادة
(13/51)

الأصنام؛ وكان فيهم رجل من أشرافهم اسمه الخلود بن معيد بن عاد، وكان له بسطة فى الخلق وقوّة فى الجسم، مع الحسن والفصاحة؛ وكان إذا قيل له: لم لا تتزوّج وقد بلغت سنّ أبيك؟ يقول: رأيت فى المنام كأن سلسلة بيضاء قد خرجت من ظهرى، ولها نور كالشمس، وقيل لى: إذا رأيت هذه السلسلة قد خرجت من ظهرك ثانية فتزوّج بالتى تؤمر بتزوّجها؛ ولم أرها بعد، وقد عزمت على التزوّج.
وقام ليعبر بيت الأصنام يدعو بالتوفيق فى التزوّج، فلما همّ بالدخول لم يقدر، وسمع هاتفا يقول: يا خلود، ما لمن فى ظهرك والأصنام؟ فلم يعد إليها. ثم رأى بعد ذلك فى منامه السلسلة وقد خرجت من ظهره وقائلا يقول: «قم يا خلود فتزوّج بابنة عمك» فانتبه وخطبها وتزوّجها، وواقعها فحملت بهود؛ وأصبح القوم وهم يسمعون من جميع النواحى: هذا هود قد حملت به أمّه، ويلكم، إن لم تطيعوه هلكتم.
ووضعته أمّه فى ليلة الجمعة، فوقعت الرّعدة على قبائل عاد، ولم يعلموا ما حالهم؛ فعلموا أنه قد ولد لخلود ولد، فقال بعضهم لبعض: ليكونن لهذا الولد شأن فاحذروه. فخرج أحسن الناس وجها، وأكملهم عقلا، وسمّته أمّه عابر، فرأته أمّه ذات يوم يصلّى، فقالت: لمن هذه العبادة يا بنىّ؟ قال: لله الذى خلقنى وخلق الخلق. قالت: أليس هى لأصنامنا؟ قال: إنّ أصنامكم لا تضرّ ولا تنفع وإنما الشيطان قد زين لكم عبادتها. قالت: اعبد إلهك يا بنىّ، فقد رأيت منك حين كنت حملا وطفلا عجائب كثيرة.
ذكر مبعث هود عليه السلام
قال: ولم يزل هود فى ديار قومه يجادلهم فى أصنامهم، حتى أتت عليه أربعون سنة؛ فبعثه الله- عزّ وجلّ- إلى قومه رسولا، وأتاه الوحى، فانطلق إليهم وهم
(13/52)

متفرّقون فى الأحقاف، وهى الرمال والتّلال- وكانت مساكنهم ما بين عمان إلى حضرموت إلى الأحقاف إلى عالجة- فأتاهم فى يوم عيد لهم وقد اجتمع الملوك على الأسرّة والكراسىّ، وملكهم الخلجان على سرير من ذهب وهو متوّج وقد أحدقت به قبائل عاد، وهم فى اللهو والطرب؛ فلم يشعروا إلا وهود قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ
وهذه الأصنام التى تعبدونها هى الّتى أغرقت قوم نوح، ولستم أكرم على ربّكم منهم؛ فآستغفروا ربّكم من عبادة هذه الأصنام. والأصنام ترتجّ؛ فقال له ملكهم: ويحك يا هود، أقبل إلىّ. فتقدّم إليه، فلما صار بين يدى الملك صاح صيحة أجابه الوحش والسباع: أبلغ «1» ولا تخف. فامتلأت قلوب الناس خوفا، فقام إليه رجل منهم وقال: يا هود، صف لنا إلهك. فوصف عظمة الله، وأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
- وكان الذى سأله عمرو بن الحلى- فلمّا فرغ من كلامه قال له الملك: يا هود، أتظن أنّ إلهك يقدر علينا وهذه كثرة جموعنا وشدّة قوّتنا؟
قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً.
فأوّل من آمن بهود رجل من قومه يقال له جنادة بن الأصمّ وأربعون من بنى عمّه؛ ثم انصرف إلى منزله.
فلمّا كان من الغد أقبل جنادة وبنو عمّه حتى وقفوا على جماعة من سادات قومه، فقال: يا قوم لا تمنعكم مرارة الحق أن تقبلوه، ولا حلاوة الباطل أن تتركوه؛ وهذا ابن عمّكم هود قد عرفتم صدقه، وقد أتاكم من عند الله رسولا وواعظا فاتقوا الله وأطيعوه. وحذّرهم، فحصبوه وشتموه، فرجع إلى هود.
(13/53)

فلما كان من الغد خرج هود فوقف عليهم وقال: يا قوم لا تبدّلوا نعمة الله كفرا. وأخذ يعظهم؛ فكذّبوه وواجهوه بالقبائح؛ فبقى على ذلك دهرا طويلا يلاطفهم وهم على كفرهم وعتوّهم؛ فأعقم الله أرحام نسائهم، فلم تحمل امرأة منهم؛ فشكوا ذلك إلى الملك، فأمرهم أن يخرجوا أصنامهم ويقرّبوا القرابين إليها؛ ففعلوا ذلك؛ فأتاهم هود وقال: يا قوم ألا تفزعون إلى الله الّذى خلقكم وأعطاكم هذه النعمة والقوّة، فإنه مجيبكم إذا سألتموه، ويزيدكم ملكا إلى ملككم وقوّة إلى قوّتكم وهو أن تقولوا معى: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإنى هود عبده ورسوله» وإن لم تفعلوا ذلك ضربكم الله بالذلّ والنّقمة، وهبّت عليكم الريح العقيم حتّى تذركم فى دياركم هشيما. فلمّا سمعوا ذلك منه ضربوه حتى سال الدم على وجهه وهو يقول:
«إلهى قد أبلغت وأنذرت» .
وأقبل إلى هود بعد انصرافه رجل من قومه يعرف بمرثد بن عاد، وقال:
يا هود، إنّى قد جئتك فى أمر، فإن أخبرتنى به فأنت رسول الله. قال له هود:
يا مرثد، كنت البارحة نائما مع زوجتك فواقعتها، فقالت لك: أتظنّ أنى قد حملت؟
فقلت لها: إنى صائر غدا إلى هود، فإن أخبرنى بهذا الكلام آمنت به. فقال مرثد:
أشهد أنّك رسول الله حقا؛ ولكن أخبرنى هل حملت؟ قال: نعم حملت بولدين ذكرين يكونان من أمّتى، سيخرجان من بطنها سليمين مؤمنين؛ وستلد لك عشرة أبطن فى كلّ بطن ذكران، ويكونان من أمّتى. فوثب مرثد وقبّل رأس هود وكان من خيار أصحابه، وجعل مرثد يقول:
من كان يصدق يوما فى مقالته ... فإنّ هودا رسول صادق القيل
نبىّ صدق أتى بالحقّ من حكم ... وقد أتانا ببرهان وتنزيل
فالحمد لله حمدا دائما أبدا ... مضاعفا «1» شكره فى كلّ تفصيل
(13/54)

ثم انصرف مرثد إلى امرأته وأخبرها، فآمنت؛ وكان مرثد يكتم إيمانه ويجالس قومه، فإذا سمعهم يذكرون هودا بسوء يقول: مهلا يا بنى عمّ فإنه كأحدكم وابن عمّكم.
قال: ثم اجتمعوا فى متنزّه لهم وملكهم ونصبوا أصنامهم؛ فأقبل هود عليهم وقال: يا قوم اعبدوا الله فإن هذه الأصنام لا تضرّ ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع. فقال الرؤساء من قومه: إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً.
فنادوه من كلّ ناحية: يا هود أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ.
وكان القوم يشتمونه ويضربونه ويدوسونه تحت أرجلهم حتى يظنّوا أنه قد مات، ثم يولّون عنه ضاحكين؛ فيقوم غير مكترث بفعلهم؛ فلما أكثر عليهم قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ
فآمن به فى ذلك اليوم رجل يقال له نهيل.
(13/55)

قال: ولم يزل هود فيهم يحذرهم وينذرهم العذاب سبعين عاما؛ فلما رأى أنهم لا يؤمنون دعا الله تعالى أن يبتليهم بالقحط، فإن آمنوا وإلّا يهلكهم بعذاب لم يهلك به أحدا قبلهم ولا بعدهم؛ فاستجاب الله تعالى دعوته، وأمره باعتزالهم بمن معه من المؤمنين، فآعتزلهم فأمسك الله عنهم المطر، وأجدبت الأرض ولم تنبت ومات عامّة المواشى؛ فصبروا على ذلك أربع سنين حتى يئسوا من أنفسهم، وهمّوا أن يؤمنوا؛ فنهاهم الملك عن ذلك وصبّرهم؛ فأجمعوا رأيهم أن يبعثوا رجالا منهم إلى الحرم يستسقون لهم؛ والله الفعّال.
ذكر خبر وفد عاد إلى الحرم يستسقون لهم
قال وهب: فجمعوا الهدايا، واختاروا سبعين رجلا من أشرافهم، وجعلوا لكلّ عشرة منهم رئيسا، من جملتهم مرثد المؤمن؛ فسار وهو يدعو عليهم؛ فلما أشرفوا على الحرم إذا بهاتف يقول:
قبّح الله قوم عاد وذلّوا ... إنّ عادا أشرّ أهل الجحيم
سيّروا الوفد كى يسقوا غياثا ... فسيسقون من شراب الحميم
فدخلوا الحرم والملك يومئذ معاوية بن بكر، وكانوا أخواله، فسألهم عما جاء بهم فأخبروه بخبر هود وبما حلّ بعاد، وأنّهم قد لجأوا إلى الحرم للاستسقاء؛ فأنزلهم معاوية فى منزل الضيافة، وأطعمهم وسقاهم شهرا؛ فشغلهم اللهو عن الاستسقاء؛ فبلغ الملك (الخلجان) ذلك، فبعث إلى معاوية يسأله أن يأمرهم بالاستسقاء، فكره مواجهتهم بذلك فيقولون: «قد تبرّم بضيافتنا» فدعا بالجرادتين- وهما قينتان لمعاوية- فقال لهما: إذا شرب القوم ودبّ فيهم الشراب فغنيّاهم بهذه الأبيات، وهى:
بأبى من خلق الخل ... ق بنى سام وحام
سادة سادوا جميع ال ... خلق فى الخلق التّمام
(13/56)

نصب الدهر عليهم ... حربه دون الأنام
فسقى الله بنى عا ... د من الصّوب الغمام
فأجابهما رجل من الوفد يقال له الجعد بن القيل:
علّلينا- زانك اللّ ... هـ- بأكواب المدام
وبماء فامزجيها ... تستريحى من ملام
فلما لم يكترثوا بالصوت الأوّل قالت:
ألا يا قيل ويحك قم فهينم «1» ... لعلّ الله يمنحكم غماما
غماما صوبها هطل مغيث ... يروّى السّهل طرّا والإكاما
من العطش الشديد فليس نرجو ... بها الشيخ الكبير ولا الغلاما
وقد كانت نساؤهم بخير ... فقد أمست نساؤهم عياما «2»
وأنّ الوحش تأتيهم جهارا ... ولا تخشى لعادىّ سهاما
وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التّماما
فقبّح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقوا التحيّة والسلاما
أفيقوا أيّها الوفد السّكارى ... لقومكم فقد أضحوا هياما
فقد طال المقام على سرور ... ألا يا قيل ويك ذر المداما
قال: فانتبه الناس وقاموا فاغتسلوا ولبسوا ثيابا جددا، وكسوا البيت بالكسوة التى حملوها له؛ فجعل ينفضها؛ فقال مرثد: يا قوم، إنّ ربّ هذا البيت لا يقبل الهديّة إلّا من مؤمن، فهل لكم أن تؤمنوا بهود؟ فقالوا: يا مرثد:
إنّ كلامك يدلّ على إيمانك به، ونحن لا نؤمن به أبدا.
فأنشأ يقول:
(13/57)

أرى عادا تمادى «1» في ضلال ... وقد عدلوا عن الأمر الرشيد
بما كفرت بربّهم جهارا ... وحادوا رغبة عن دين هود
فاجتمعوا يستسقون، فقال واحد منهم:
يا ربّ عاد اسقينّ عادا ... إنّك حقّا ترحم العبادا
فاسق البساتين وذى البلادا ... أجواد «2» غيث تتبع العهادا
وجعل كلّ واحد منهم يتكلّم بما حضره من ذلك. ثم تكلّم مرثد بن سعد- وهو المؤمن الّذى يكتم إيمانه- وقال: اللهمّ إنا لم نأتك إلى حرمك إلّا لأرض تسقيها، أو أمّة تحييها.
فأوحى الله إلى ملك السحاب أن ينشر لهم ثلاث غمامات: بيضاء وحمراء وسوداء؛ وجعل السوداء مشوبة بغضبه، فارتفعت البيضاء، وتبعتها الحمراء خلفهما السوداء، فارتفعت حتى رأى الوفد جميع الغمامات؛ ففرحوا واستبشروا ثم نودوا: يا قيل، اختر لقومك من هذه السحائب. فنظر فقال: أمّا البيضاء فإنها جهام لا ماء فيها؛ وأمّا الحمراء فإنها إعصار ريح. فاختار السوداء. فنودى:
يا قيل، اخترت رمادا أرمدا، لا يبقى من قوم عاد أحدا، إلا تراهم فى الديار همّدا.
ذكر إرسال العذاب على قوم هود
قال: وأوحى الله إلى (مالك) خازن جهنّم أن يقبض على سلاسل السوداء وليكن عليها ألف من الزبانية.
قال كعب: إن هذه السلسلة غمست فى سبعين واديا من أودية الزمهرير ولولا ذلك لذابت الجبال من حرّها.
(13/58)

فمدّت الزبانية السلاسل، وجعلت السحابة ترمى بشرر كالجبال، وخرجت عليهم من واد يقال له: (وادى الغيث) فنظروا إليها فقال بعضهم لبعض: هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا
قال الله تعالى: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها.
وأخرج القوم أصنامهم ونصبوها على أسرتها؛ فأمر الله تعالى خازن الريح العقيم أن يفتح بعض أطباقها، فانطلقت ناشرة أجنحتها بعدد قبائل عاد؛ فلمّا عاينوا الملائكة يطوفون حول السحاب تيقّنوا العذاب، فأدخلوا النساء والولدان فى الحصون وخرجوا ونشروا أعلامهم وأوتروا قسيّهم، وأفرغوا السهام بين أيديهم، والرياح ساكنة تنتظر أمر ربّها، وهود قائم ينذرهم العذاب، وهم يقولون: ستعلم يا هود من أشدّ منا قوّة وبطشا. حتى إذا كانت صبيحة الأربعاء، خرجت الريح عليهم فى يوم نحس مستمرّ، فكانت فى اليوم الأوّل شهباء، فلم تترك على وجه الأرض شيئا إلّا نسفته نسفا؛ وفى اليوم الثانى صفراء، فاقتلعت الأشجار؛ وفى اليوم الثالث حمراء، فدمّرت كلّ شىء مرّت عليه؛ فلم يزل يجرى فى كلّ يوم لون والنساء ينظرن إلى فعلها بقومهنّ، فجعلن يقلن شعرا:
ألا قد ذهب الدّه ... ر بعمرو ذى العليّات
وبالحارث والقمقا ... م طلّاع الثّنيّات
ومن سدّ مهب الري ... ح فى وقت البليّات
واستمرت الريح سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً
، أى دائمة؛ فلما كان فى اليوم الثامن اصطفّت القوم صفوفا، كلّ واحد إلى جنب أخيه، وهم عشرة صفوف؛ فجعل ملكهم الخلجان يشجّعهم ويقول:
(13/59)

ما بال «1» عاد اليوم خائفينا؟ ... أمن مهبّ الريح يجزعونا؟
لقد خشيت أن يكونوا دونا ... إنّ البنين تعقب البنينا
هذا والرّيح تمزّقهم، فكانت تدخل فى ثوب الرجل فتحمله فى الهواء، ثم ترميه على رأسه ميتا. قال الله تعالى: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ.
فلم يبق منهم إلا الملك أخّره الله تعالى ليرى مصارع قومه، وهو يردّ الريح بصدره، فجاءت الريح فدخلت من فيه وخرجت من دبره، فمات؛ ثم مرّت الريح نحو الوفد، فحملتهم من الأرض إلى الهواء، فألقتهم على وجوههم؛ فماتوا عن آخرهم.
قال: وهود فى حظيرة بمن معه من المؤمنين لا يصيبهم منها إلا ما تلين له الجلود.
قال الله تعالى وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ.
قال: وارتحل هود ومن معه من أرض عاد إلى الشّحر من بلاد اليمن؛ فنزلوا هناك حولين، ثم مات.
ويقال: إنه دفن بأرض (حضرموت) ؛ والله أعلم.
ذكر خبر مرثد ولقمان
قال: وخرج من وفد عاد مرثد، ولقمان بن عاد، فدخلا مكة منفردين، فدعوا الله تعالى لأنفسهما؛ فقيل لهما: قد أعطيتما مناكما، فاختارا لأنفسكما، إلا أنه لا سبيل إلى الخلود. فقال مرثد: اللهم أعطنى برّا وصدقا. فأعطى ذلك. وقال لقمان: «يا ربّ عمرا» . فقيل له: اختر لنفسك بقاء سبع بقرات صفر عفر
(13/60)

فى جبل وعر، لا يمسّهن ذعر؛ وإن شئت بقاء سبع نوايات من تمر، مستودعات فى صخر، لا يمسّهن ندى ولا قطر؛ وإن شئت بقاء سبعة أنسر كلّما هلك نسر أعقب من بعده نسر. فاختار الأنسر، فكان يأخذ الفرخ منها حين يخرج من بيضته، فإذا مات أخذ غيره، فكان كلّ نسر يعيش ثمانين سنة، حتى انتهى إلى السابع، فكان آخرها لبد؛ فلما مات لبد مات معه لقمان، وهو لقمان النسور.
ولنصل هذا الباب بخبر إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ
، وقصّة شديد وشدّاد.
ذكر خبر إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ
وقصّة شديد وشدّاد بنى عاد
قد ذكرنا خبر إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ
فيما تقدّم من كتابنا هذا على سبيل الاختصار وذلك فى (الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الأوّل فى المبانى القديمة) وهو فى السفر الأوّل من هذه النسخة؛ ورأينا إيراده فى هذا الباب بما هو أبسط من ذلك لتعلّقه به.
قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ.
روى أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبىّ فى كتابه المترجم (بيواقيت البيان فى قصص القرآن) عن منصور عن سفيان عن أبى وائل أنّ رجلا يقال له: (عبد الله بن قلابة) خرج فى طلب إبل له قد شردت، فبينما هو فى بعض صحارى عدن فى تلك الفلوات، إذ وقف على مدينة عليها حصن، حول ذلك الحصن قصور كثيرة وأعلام طوال؛ فلمّا دنا منها ظنّ أن فيها من يسأله عن إبله فلم ير داخلا فيها ولا خارجا منها، فنزل عن ناقته وعقلها، وسلّ سيفه، ودخل من باب الحصن، فاذا هو ببابين عظيمين لم ير فى الدنيا أعظم منهما ولا أطيب رائحة
(13/61)

وإذا خشبهما من أطيب عود، وعليهما نجوم من ياقوت أصفر وياقوت أحمر ضوءها قد ملأ المكان؛ فلما رأى ذلك عجب، ففتح أحد البابين، فاذا هو بمدينة لم ير الراءون مثلها قطّ، وإذا هو بقصور تتعلّق، تحتها أعمدة من زبرجد وياقوت وفوق كلّ قصر منها غرف مبنيّة بالذهب والفضّة واللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعلى كلّ باب من أبواب تلك القصور مصراع كمصراع باب المدينة من عود طيّب، قد نضّدت عليه اليواقيت؛ وقد فرشت تلك القصور باللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران ولم ير هنالك أحدا، فأفزعه ذلك، ثم نظر إلى الأزقّة فاذا فى كلّ زقاق منها أشجار قد أثمرت، تحتها أنهار تجرى؛ فقال: هذه الجنّة التى وصفها الله تعالى لعباده فى الدنيا الحمد لله الذى أدخلنى الجنة. فحمل من لؤلؤها وبنادق المسك والزعفران ولم يستطع أن يقلع من زبرجدها ولا ياقوتها لأنّها كانت مشتبكة فى أبوابها وجدرانها وكان اللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران منثورة بمنزلة الرمل فى تلك القصور والغرف؛ فأخذ منها ما أراد، وخرج؛ ثم سار يقفو أثر ناقته حتى رجع إلى اليمن، فأظهر ما كان معه، وأعلم الناس بخبره، وباع ذلك اللؤلؤ، وكان قد اصفرّ وتغيّر من طول الزمان الذى مرّ عليه، ففشا خبره وبلغ معاوية، فأرسل رسولا إلى صاحب (صنعاء) ، وكتب بإشخاصه، فسار حتى قدم على معاوية، فخلا به وسأله عمّا عاين؛ فقصّ عليه أمر المدينة وما رأى فيها؛ فاستعظم ذلك، وأنكر ما حدّث به، وقال:
ما أظنّ ما يقول حقّا. ثم قال: يا أمير المؤمنين، معى من متاعها الّذى هو مفروش فى قصورها وغرفها وبيوتها. قال له: ما هو؟ قال: اللؤلؤ والبنادق.
فشمّ البنادق فلم يجد لها ريحا؛ فأمر ببندقة منها فدقّت، فسطع ريحها مسكا وزعفرانا؛ فصدّقه عند ذلك؛ ثم قال معاوية: كيف أصنع حتى أسمع باسم هده المدينة ولمن هى ومن بناها؟ والله ما أعطى أحد مثلما أعطى سليمان بن داود
(13/62)

وما أظنّ أنه كان له مثل هذه المدينة. فقال بعض جلسائه: ما تجد خبر هذه المدينة إلّا عند (كعب الأحبار) فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث إليه ويأمر بإشخاصه ويغيّب عنه هذا الرجل فى موضع ويسمع كلامه منه وحديثه ووصف المدينة حتّى يتبيّن أمر هذه المدينة فعل، فإنّ كعبا سيخبر أمير المؤمنين بخبرها وأمر هذا الرجل إن كان دخلها، لأن مثل هذه المدينة على هذه الصفة لا يستطيع هذا الرجل دخولها، إلّا أن يكون سبق فى الكتاب دخوله إيّاها فيعرف ذلك.
فأرسل معاوية إلى (كعب الأحبار) وأحضره ثم قال له: يا أبا إسحاق إنّى دعوتك لأمر رجوت أن يكون علمه عندك. فقال له: يا أمير المؤمنين «على الخبير سقطت» فسلنى عما بدا لك. فقال له: أخبرنا يا أبا إسحاق، هل بلغك أن فى الدنيا مدينة مبنيّة بالذهب والفضّة، عمدها زبرجد وياقوت، وحصا قصورها وغرفها اللؤلؤ، وأنهارها فى الأزفة تحت الأشجار؟ قال: والّذى نفس كعب بيده لقد ظننت أن سأتوسّد «1» يمينى قبل أن يسألنى أحد عن تلك المدينة وما فيها ولكن أخبرك بها يا أمير المؤمنين ولمن هى، ومن بناها.
أمّا المدينة فهى حقّ على ما بلغ أمير المؤمنين وعلى ما وصفت له.
وأمّا صاحبها الّذى بناها فشدّاد بن عاد.
وأمّا المدينة فهى إرم ذات العماد التى لم يخلق مثلها فى البلاد.
فقال له معاوية: يا أبا إسحاق، حدّثنا بحديثها- يرحمك الله-. فقال كعب:
نعم يا أمير المؤمنين، إن عادا كان له ابنان يسمّى أحدهما «شديدا» والآخر «شدّادا» ؛ فهلك عاد، فبقيا وملكا وتجرّآ، فقهرا أهل البلاد، وأخذاها عنوة
(13/63)

وقسرا، حتى دان لهما جميع الناس، فلم يبق أحد من الناس فى زمانهما إلّا دخل فى طاعتهما، لا فى شرق الأرض ولا فى غربها؛ وإنهما لمّا صفا لهما ذلك وقرّ قرارهما مات شديد بن عاد، وبقى شدّاد، فملك وحده، ولم ينازعه أحد ودانت له الدنيا كلّها؛ فكان مولعا بقراءة الكتب القديمة، وكان كلّما مرّ فيها بذكر الجنة دعته نفسه لتعجيل تلك الصفة لنفسه الدنيّة عتوّا على الله وكفرا؛ فلما وقر ذلك فى نفسه أمر بصنعة تلك المدينة الّتى هى إرم ذات العماد، وأمر على صنعتها مائة قهرمان، مع كلّ واحد ألف من الأعوان. ثم قال: انطلقوا إلى أطيب فلاة من الأرض وأوسعها، واعملوا فيها مدينة من ذهب وفضّة وياقوت وزبرجد ولؤلؤ، تحت تلك المدينة أعمدة من زبرجد، وعلى المدينة قصور، من فوق القصور غرف، ومن فوق الغرف غرف، واغرسوا تحت القصور غروسا فيها أصناف الثمار كلّها، وأجروا فيها الأنهار حتى تكون تحت تلك الأشجار جارية، فإنّى أسمع فى الكتب صفة الجنة، وإنى أحبّ أن أتخذ مثلها فى الدنيا، أتعجل سكناها. فقال له قهارمته:
كيف لنا بالقدرة على ما وصفت لنا من الزبرجد والياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة نبنى منها مدينة كما وصفت لنا؟ فقال لهم شدّاد: ألستم تعلمون أن ملك الدنيا كلّها بيدى؟ فقالوا: بلى. قال: انطلقوا إلى كلّ موضع فيه معدن من معادن الزبرجد والياقوت والذهب والفضة، وكلّفوا من كلّ قوم رجلا يخرج لكم ما فى كلّ معدن من تلك الأرض؛ ثم انظروا إلى ما فى أيدى الناس من ذلك فخذوه، سوى ما يأتيكم به أصحاب المعادن، فإنّ معادن الدنيا فيها كثير من ذلك، وما فيها ممّا لا تعلمون أكثر وأعظم ممّا كلّفتكم من صنعة هذه المدينة.
قال: فخرجوا من عنده، وكتب معهم إلى كلّ ملك من ملوك الدنيا يأمره أن يجمع لهم ما فى بلده من الجواهر، ويحفر معادنها؛ فانطلق القهارمة، وبعث الكتب
(13/64)

إلى الملوك بأخذ كلّ ما يجدونه فى أيدى الناس عشر سنين من الزبرجد والياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة، ويبعثون بذلك إلى فعلة إرم ذات العماد. وخرج الفعلة يطلبون موضعا كما وصفه لهم شدّاد.
فقال معاوية: يا أبا إسحاق، كم كان عدد أولئك الملوك الذين كانوا تحت يد شدّاد؟ قال: كانوا مائتين وستّين ملكا.
قال: فخرج عند ذلك الفعلة والقهارمة، فتفرّقوا فى الصحارى ليجدوا ما يوافق غرضه؛ فوقعوا فى صحراء عظيمة نقيّة من الجبال والتلال. وإذا هم بعيون مطّردة؛ فقالوا: هذه صفة الأرض التى أمرنا بها؛ فأخذوا منها بقدر ما أمرهم به من العرض والطول، ثم عمدوا إلى مواضع الأزقّة فأجروا فيها قنوات الأنهار؛ ثم وضعوا الأساس من صخور الجزع اليمانىّ، وعجنوا طين ذلك الأساس من دهن البان والمحلب؛ فلمّا فرغوا من وضع الأساس بعث بالعمد والذهب والفضّة من جهة الملوك؛ فتسلّمها الوزراء والقهارمة، وأقاموا حتى فرغوا من بنائها على ما أراد شدّاد.
فقال معاوية: يا أبا إسحاق، إنى لأحسبهم أقاموا فى بنائها زمنا من الدهر.
قال: نعم يا أمير المؤمنين. إنى لأجد فى التوراة مكتوبا أنهم أقاموا فى بنائها ثلاثمائة سنة. فقال معاوية: كم كان عمر شدّاد؟ فقال: سبعمائة سنة. فقال معاوية: لقد أخبرتنا عجبا، فحدّثنا. فقال: يا أمير المؤمنين، إنّما سمّاها الله تعالى إرم ذات العماد الّتى لم يخلق مثلها فى البلاد، للعمد التى تحتها من الزبرجد والياقوت وليس فى الدنيا مدينة من الزبرجد والياقوت غيرها، فلذلك قال الله تعالى: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ.
وقال كعب: إنّهم لما أتوه فأخبروه بفراغهم منها قال: انطلقوا واجعلوا عليها حصنا، واجعلوا حول الحصن ألف قصر، عند كلّ قصر ألف علم، ويكون فى كلّ
(13/65)

قصر وزير من وزرائى، ويكون كلّ علم عليه ناطور. فرجعوا فعملوا تلك القصور والأعلام والحصن؛ ثم أتوه فأخبروه بالفراغ ممّا أمرهم به.
قال: فأمر شدّاد ألف وزير من خاصّته أن يهيّئوا أسبابهم، ويعوّلوا على النقلة إلى إرم ذات العماد، وأمر رجالا أن يسكنوا تلك الأعلام ويقيموا فيها ليلهم ونهارهم، وأمر لهم بالعطاء والأرزاق، وأمر من أراد من نسائه وخدمه بالجهاز إلى إرم ذات العماد؛ فأقاموا فى جهازهم عشر سنين؛ ثم سار الملك شدّاد بن عاد بمن أراد، وتخلّف من قومه فى عدن من أمره بالمقام بها.
قال: فلمّا استقلّ وسار إليها ليسكن فيها، وبلغ منها موضعا بقى بينه وبين دخوله إليها مسيرة يوم وليلة، بعث الله تعالى عليه وعلى من كان معه صيحة من السماء، فأهلكتهم جميعا، ولم يبق منهم أحد، ولم يدخل شدّاد ولا من كان معه إرم ذات العماد، ولم يقدر أحد منهم على الدخول فيها حتى الساعة.
فهذه صفة إرم ذات العماد، وأنّه سيدخلها رجل من المسلمين فى زمانك ويرى ما فيها، فيحدّث بما عاين، ولا يسمع منه ولا يصدّق. فقال معاوية:
يا أبا إسحاق، فهل تصفه لنا؟ قال: نعم، هو رجل أحمر أشقر قصير، على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج فى طلب إبل له ندّت فى تلك الصحارى فيقع على إرم ذات العماد، فيدخلها ويحمل ممّا فيها. والرجل جالس عند معاوية.
فالتفت كعب فرأى الرجل، فقال: هو هذا يا أمير المؤمنين قد دخلها، فاسأله عما حدّثتك به. فقال معاوية: يا أبا إسحاق، إنّ هذا من خدمى، ولم يفارقنى. قال كعب: قد دخلها وإلّا سوف يدخلها، وسيدخلها أهل هذا الدين فى آخر الزمان. قال معاوية: يا أبا إسحاق، لقد فضّلك الله على غيرك من العلماء
(13/66)

ولقد أعطيت من علم الأوّلين والآخرين ما لم يعطه أحد. فقال: والّذى نفس كعب بيده، ما خلق الله تعالى فى الأرض شيئا إلّا وقد فسّره فى التوراة لعبده موسى تفسيرا، وإن هذا القرآن أشدّ وعيدا (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) *
والله الهادى للصواب.
قال أبو إسحاق الثعلبىّ- رحمه الله تعالى- وقال الشعبىّ: أخبرنا دغفل الشيبانىّ عن رجل من أهل (حضرموت) يقال له: بسطام، أنه وقع على حفيرة شدّاد بن عاد فى جبل من جبال حضرموت مطلّ على البحر.
قال: وكنت أسمع من صباى إلى أن اكتهلت بمغارة فى جبل من جبالنا بحضرموت وهيبة الناس لدخولها، فلم أحتفل بما كنت أسمع من ذلك؛ فبينما أنا فى نادى قومى إذ تناشدوا حديث تلك المغارة وأطنبوا فى ذكرها ووصفوا موضعها؛ فقلت لقومى: إنى غير منته حتى أدخلها، فهل فيكم من يساعدنى؟ فقال فتى منهم حدث السنّ: أنا أصاحبك. فقلت: يابن أخى، أو تجسر على ذلك؟
قال: عندى ما عند أشدّ رجل من رباطة الجأش وشدّة القلب. فهيّأنا شمعة وحملنا معنا إداوة عظيمة مملوءة ماء وطعاما مقدار ما قدرنا على حمله؛ ثم مضينا نحو ذلك الجبل الذى فيه المغارة- وكان مشرفا على المكان الذى يركب أهل حضرموت منه البحر- فلما انتهينا إلى باب المغارة حزمنا علينا ثيابنا؛ وأشعلنا الشمعة؛ ثم ذكرنا الله تعالى، ودخلنا ومعنا تلك الإداوة وذلك الطعام، فإذا بمغارة عظيمة عرضها عشرون ذراعا، وطولها علوا نحو خمسين ذراعا؛ فمشينا فيها هونا فى طريق أملس مستو، ثم أفضينا إلى درجات عالية عرض الدرجة عشرون ذراعا فى سمك عشر أذرع، فحملنا أنفسنا على نزول تلك الدرجات فقلت لصاحبى: هلمّ، إلىّ يديك. فكنت آخذ بيده حتى ينزل، فإذا نزل وقام فى الدرجة تعلّقت بطرف الدرجة وتسيّبت حتى تنال رجلاى منكبيه؛ فلم نزل
(13/67)

كذلك وذلك دأبنا عامّة يومنا، حتى نزلنا ذلك الدّرج وكانت مقدار مائة درجة؛ فأفضينا إلى أزج عظيم محفور فى الجبل، فى طول مائة ذراع، فى عرض أربعين ذراعا، وسمكه فى السماء نحو مائة ذراع، وفى صدره سرير من ذهب مفصّص بأصناف الجواهر، وفوقه رجل عظيم الجسم، قد أخذ طول هذا الأزج وعرضه وهو مضطجع على ظهره كهيئة النائم، وعليه سبعون حلّة بمقدار طوله وعرضه منسوجة تلك الحلل بقضبان الذهب والفضة، وإذا فى ذلك الأزج نقب عرضه ذراعان، وارتفاعه ثلاث أذرع، خارج إلى فضاء لم ندر ما هو، وإذا على رأس السرير لوح من ذهب، فيه كتاب بالمسند- وهو كتاب عاد كانت تكتبه فى زمانها- محفور ذلك الكتاب فى اللوح حفرا؛ فقلعناه ودنونا من الرجل فمسسنا تلك الحلل فصارت رميما، وبقيت قضبان الذهب قائمة، فجمعناها وكانت مقدار مائة رطل، فحملناها فى أزرنا، وأردنا قلع شىء من تلك الجواهر المفصّص بها السرير، فلم نقدر عليه لوثاقته، فتركناه؛ وهجم علينا الليل، ونحن فى ذلك الأزج وعرفنا ذلك بذهاب ذلك الضوء الذى كان يدخل من ذلك النّقب، فبتنا ليلتنا فى ذلك الأزج، وطفئت الشمعة التى كانت معنا؛ فلما أصبحنا قلت لصاحبى:
ما ترى؟ قال: أما الرجوع من حيث جئنا فلا سبيل إليه، لارتفاع الدّرج، وأنا لا نستطيع صعودها، لا سيّما والشمعة قد طفئت، ولكن هلّم لنلزم هذا الضوء الذى نراه فى هذا النقب، فإنى أرجو أن يخرج بنا إلى الفضاء إن شاء الله تعالى.
فقلت له: لعمرى إنّ هذا لهو الرأى.
قال: فانطلقنا بما معنا من تلك القضبان من الذهب، وحملناها مع ذلك اللوح الذهب الذى كان عند رأس السرير، ومشينا فى ذلك النّقب نتبع ذلك الضوء، فلم نزل نمشى فيه فى طريق ضيق مقدار مائة ذراع حتى خرجنا منه إلى
(13/68)

كهف فى ذلك الجبل كهيئة الحائط، وقد حفّ بذلك الكهف البحر؛ فجلسنا على باب ذلك النّقب ثلاثة أيّام نتموّن بقيّة ما كان معنا من الماء والطعام؛ فلمّا كان فى اليوم الرابع نظرنا إلى مركب قد أقبل فى البحر فلوّحنا إلى من فيه، فأرسلوا إلينا القارب، فنزلنا من باب ذلك النقب نزولا شاقّا حتى وثبنا إلى القارب بما معنا، ثم خرجنا من البحر فقسمنا ذلك الذهب بيننا، وصار ذلك اللّوح إلىّ بقسطى.
قال: ثم إنّ أنفسنا دعتنا إلى العودة إلى ذلك السّرب ممّا يلى النّقب من جهة البحر، فركبنا قاربا وسرنا فى البحر نحو المكان الذى كنّا فيه، فنزلنا منه، فخفى علينا فعلمنا أنّا لم نرزق من ذلك المكان إلّا ما أخذناه، فرجعنا.
قال: ومكث ذلك اللوح عندى حولا وأنا لا أجد من يقرؤه، حتى أتانا رجل حميرىّ من أهل صنعاء كان يحسن قراءة تلك الكتابة، فأخرجت إليه اللوح فقرأه، فإذا فيه مكتوب هذه الأبيات:
اعتبر بى أيّها المغ ... رور بالعمر المديد
أنا شدّاد بن عاد ... صاحب الحصن العتيد
وأخو القوّة والبأ ... ساء والملك الشديد
وبفضل الملك والع ... دّة فيه والعديد
دان أهل الأرض طرّا ... لى من خوف وعيدى
وملكت الشرق والغر ... ب بسلطان شديد
فأتى هود وكنّا ... فى ضلال قبل هود
فدعانا- لو قبلنا ... هـ- إلى الأمر الرشيد
فعصيناه ونادي ... نا ألا هل من محيد
فأتتنا صيحة ته ... وى من الأفق البعيد
(13/69)

فتوافينا كزرع ... وسط بيداء حصيد
وقد ساق أبو إسحاق الثعلبىّ أيضا هذه الأبيات بهذا السند دون القصّة فى تفسيره (الكشف والبيان عن تفسير القرآن) وفيها فى البيت الرابع بدل قوله:
... طرا لى من خوف وعيدى
دان أهل الأرض لى من ... خوف وعدى ووعيدى
قال أبو إسحاق- رحمه الله- قال دغفل الشيبانىّ: سألت علماء حمير عن شدّاد بن عاد، فقلت: إنه أصيب وكان قد دنا من إرم ذات العماد، فكيف وجد شلوه فى تلك المغارة وهى بحضرموت؟ فقالوا: إنّه لمّا هلك هو ومن معه بالصيحة، ملك بعده مرثد بن شدّاد، وقد كان أبوه خلّفه على ملكه بحضرموت فأمر بحمل أبيه إلى حضرموت، فحمل مطلّيا بالصبر والكافور، فأمر أن تحفر له تلك المغارة، واستودعه فيها على ذلك السرير الذهب؛ والله تعالى أعلم.
هذا ما أورده- رحمه الله- من خبر إرم ذات العماد وخبر شديد وشدّاد بنى عاد.
وقد ذكر فى هذه الأبيات هود النبىّ- عليه السلام- فى قوله:
فأتى هود وكنّا ... فى ضلال قبل هود
الأبيات الخمسة.
وقد تقدّم فى خبر هود وهلاك عاد بالريح العقيم، أن ملكهم القائم بأمرهم فى زمن هود كان اسمه الخلجان بن الوهم بن عاد، وأنه هلك بالريح العقيم إثر هلاك قومه، ولم يرد أنّه آمن بالله تعالى؛ وهذه الأبيات تدلّ على ندم قائلها؛ ومقتضى هذا السياق فيه دلالة على أن شدّاد بن عاد هذا المذكور آنفا، وابنه مرثد بن شدّاد وخبر إرم ذات العماد، كان قبل مبعث هود- عليه السلام- والله تعالى أعلم.
ولنرجع إلى قصص الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-
(13/70)

الباب السادس من القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى قصة صالح- عليه السلام- مع ثمود وعقرهم الناقة وهلاكهم
قال الكسائىّ: قال كعب: لما أهلك الله- عزّ وجلّ- عادا، جاءت ثمود وعمرت الأرض، وكانوا بضع عشرة قبيلة، فى كلّ قبيلة زيادة عن سبعين ألفا سوى النساء والذرّيّة، وكثروا حتى صاروا فى عدد عاد وأكثر، وكانوا ذوى بطش وقوّة وتجبّر وكفر وفساد، وكانت منازلهم ما بين الحجاز إلى الشأم، وهى ديار الحجر من وادى القرى، وكان ملكهم جندع بن عمرو بن عاد بن ثمود بن إرم بن سام ابن نوح.
وقيل فى نسبه: إنّه جندع بن عمرّد بن عمرو بن الدّميل بن عاد بن ثمود ابن عائذ بن إرم بن سام، وكانت طائفة ممّن آمنت بهود يذكرون له كيف أهلك الله قوم عاد بالريح العقيم، وكيف كانت سيرة هود فيهم؟ فيقول: إنّما هلكت عاد لأنها لم تكن تشيّد بنيانها: ولا تنصح آلهتها، وكان بنيانهم على الأحقاف التى هى الرمال، ونحن أشدّ قوّة وبناء وبلادا، ونحن نتخذ الجبال بيوتا فننحتها فى الصخر لئلّا يكون للرّيح عليها سبيل، ونحن نعبد آلهتنا حقّ العبادة.
قال كعب: كانت قوّة الرجل منهم أن ينحت فى الجبل بيتا طوله مائة ذراع فى عرض مثل ذلك، ويضربه بصفائح الحديد، ويغلّق بابا من حديد مصمّت لا يفتحه إلّا القوىّ منهم، وكانت منازلهم أوّلا بأرض كوش فى بلاد عالج «1» ، فانتقلوا إلى هذه البلاد لكثرة جبالها.
(13/71)

قال: ثم اجتمع كبراؤهم إلى ملكهم جندع، وقالوا: نريد أن نتّخذ لأنفسنا إلها نعبده، لم يكن مثله لقوم عاد ولا قوم نوح. فأذن فى ذلك، فنحتوا صنما من جبل يقال له: (الكثيب) وجعلوا وجهه كوجه الإنسان، وعنقه وصدره كالبقر ويديه ورجليه كالخيل، وضربوه بصفائح الذهب والفضّة، وعقدوا على رأسه تاجا، ورصّعوه بالدرّ والجوهر؛ فلمّا كمل خرّوا له سجّدا؛ وقرّبوا القربان، وأقبلوا إلى الملك فقالوا له: اخرج إلى هذا الإله الّذى أتعبنا أنفسنا فى اتّخاذه. فخرج الملك إليه فى زينته وأصحابه؛ فلما رأوه خرّوا له سجّدا؛ ثم أمر الملك أن يتخذ له بيت، وأن يسقّف بصفائح الذهب والفضّة، ويرصّع بالجوهر، وتفرش أرضه بالدّيباج؛ وأمر أن تتّخذ لسائر الأصنام بيوت، وأن يتخذ سرير من العاج والابنوس على عرض البيت، قوائمه من الفضّة، وأن تعلّق قناديل الفضّة بسلاسل الذهب وأمر أن يجعل للبيت مصراعان فى كلّ مصراع مائة حلقة من الذهب والفضّة ويعلّق عليهما ستران، وسمّاهما ستور العزّ، ووضع الصنم على ذلك السرير، وسائر الأصنام الصغار على كراسىّ العاج والآبنوس؛ وأمر أن يندب لخدمة الأصنام رجل من أشراف قومه وأحسنهم وأنسبهم؛ فقالوا: ليس فى ثمود أشرف نسبا وأجمل وجها من كانوه «1» . فاستدعاه وقرّبه وتوّجه وسوّده، وجعله على خدمة الأصنام؛ فقبل ذلك، وتفرّغ لخدمتها وعبادتها، وقوم ثمود يعبدون ذلك الصنم، وقد ازدادوا عتوّا وتجبّروا وكفرا وفسادا، والله تعالى يزيدهم سعة وخصبا، وهم يرون أن ذلك كلّه من بركات أصنامهم.
(13/72)

ذكر ميلاد صالح- عليه السلام-
قال: فبينما كانوه «1» فى بيت الأصنام إذ تحرّكت نطفة صالح فى ظهره، وصار لها نور على عينيه، وسمع هاتفا يقول: (جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً)
ألا بعدا وسحقا لثمود لكفرهم، وهذا صالح بن كانوه يصلح الله به الفساد.
ففزع من ذلك، وذهب ليتقدّم إلى الصنم الأكبر، فنطق بإذن الله وقال: مالى ومالك يا كانوه، مثلك يخدمنى وقد استنارت الأرض بنور وجهك للنور الذى فى ظهرك؟! ثم تنكّس الصنم عن سريره، فأعاده كانوه وأعوانه إلى السرير، وبلغ الملك ذلك، فاغتمّ له؛ فقال له أصحابه: إنّ هذا لسوء خدمة كانوه فإنّه لا يوفّى الآلهة حقّها فى الخدمة. وهمّوا بقتله، فأخفاه الله تعالى عن عيونهم؛ فلمّا كان الليل هبط عليه ملك من السماء، فاحتمله وهو نائم، وألقاه فى واد على أميال من ديار قومه وهو لا يدرى فى أى موضع هو، فنظر غارا فى جبل هناك، فدخله ليكنّه من حرّ الشمس ونام، فضرب الله على أذنه مائة سنة، وفقده قومه، ونصبوا لخدمة أصنامهم رجلا منهم يقال له: داود بن عمرو، فبينما هم كذلك وقد خرجوا فى يوم عيد لهم إذ نطقت الأشجار بإذن الله وقالت: يا آل ثمود، ألا تعتبرون، إنّ الله يخرج لكم فى السنة من الثمار مرّتين، ثم تكفرون بنعمة ربّكم وتعبدون سواه. ونطقت المواشى كذلك فعمدوا إلى الأشجار فقطّعوها، وعقروا المواشى؛ فنطقت السباع ونادت من رءوس الجبال: ويلكم يا آل ثمود، لا تقطعوا هذه الأشجار وتذبحوا هذه المواشى وقد نطقت بالحقّ. فخرجوا إلى السباع بالأسلحة وهى تهرب من بين أيديهم
(13/73)

وتستغيث بالله وتقول: اللهم طهّر أرضك بنبيّك صالح، وارفع به الفساد. والقوم يسمعون ذلك ويقولون: قد كفر هؤلاء بآلهتنا.
قال: وكان لكانوه فى ديار قومه امرأة يقال لها: (رعوم) وهى كثيرة البكاء عليه منذ فقدته؛ فبينما هى ذات ليلة وإذا بغراب نعق، فقامت لتنظر إليه، فرأته على مثال الغراب، ورأسه أبيض، وظهره أخضر، وبطنه أسود وهو أحمر الرجلين والمنقار، وأخضر الجناحين؛ فقالت: أيها الطائر، ما أحسنك! فقال: أنا الغراب الّذى بعثت إلى قابيل فأريته كيف يوارى سوءة أخيه، وأنا من طيور الجنّة، وإنى أراك باكية حزينة. فقالت: إنى فقدت زوجى منذ مائة عام. فقال: اتبعينى فانّى أرشدك إليه. فتبعته، وطويت لها الطريق حتى وقفها على باب الغار، ونادى الطائر: قم يا كانوه، قم بقدرة الله. فقام ودخلت إليه زوجته، فواقعها، فحملت- بإذن الله تعالى- بصالح. وقبض الله كانوه لوقته؛ وعادت رعوم والغراب يدلّها على منزلها؛ فلما انقضت مدّة حملها، وضعت فى ليلة الجمعة من شهر المحرم، فوقعت هزّة شديدة فى بلاد ثمود لمولده، وخرّت الوحوش والسباع ساجدة لله تعالى، وأصبحت الأصنام وقد تنكّست؛ فأقبل داود وأخبر الملك بخبرها؛ فجاء بأشراف ورفعوها على مراتبها وأسرّتها، وتقدّم الملك إلى الصنم الأكبر وقال: ما دهاك؟ فناداهم إبليس منه:
قد ولد فيكم غلام يدعوكم إلى دين هود ليس عليكم منه بأس.
فخرج الملك ومن معه مستبشرين؛ ونشأ صالح، حتى إذا بلغ سبع سنين أقبل على قومه وهو يقول: يا آل ثمود، تنكرون حسبى ونسبى، أنا فلان بن فلان. فيقولون: إنك من أحسبنا وأنسبنا؟ حتى إذا بلغ عشر سنين إذا أقبل عليهم ملك من أولاد سام، كان يغزوهم
(13/74)

فى كلّ سبع سنين مرّة فيسلب أموالهم؛ فوثب صالح إلى سيف أبيه وسلاحه وخرج يعدو، وإذا هو بالملك جندع وسادات قومه قد اجتمعوا، وقد انتزع الملك منهم أموالهم، وهم لا يستطيعون دفعه عنها لكثرة جموعه؛ فصاح بهم صالح صيحة أزعجتهم، وألقى الله الرعب فى قلوبهم، واستنقذ منهم جميع ما أخذوه من قومه.
فعجب جندع وأصحابه منه، وأقبلوا يقبّلون صالحا ويكرمونه؛ فخشى الملك على ملكه أن يعزلوه ويولّوا صالح بن كانوه، فهمّ أن يقتله، ودسّ إليه جماعة من خواصّه فدخلوا منزله، فأيبس الله أيديهم عنه، وأخرس ألسنتهم؛ فعلم الملك أنّه معصوم، فبعث يسأله فيهم؛ فدعالهم، فأطلق الله أيديهم والسنتهم، وبقى صالح مكرّما معظّما فى قومه.
ذكر مبعثه- عليه السلام-
قال: ولمّا أتى عليه أربعون سنة بعثه الله- عزّ وجلّ- رسولا إلى قومه؛ فجاءه جبريل بالوحى عن الله، وأمره أن يدعوهم الى قول لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ*
والإقرار بأن صالحا عبده ورسوله، وترك عبادة الأصنام، وأعلمه بما سيظهر على يديه من العجائب.
قال: فأقبل صالح إلى قومه فى يوم عيد لهم وقد نصبوا أصنامهم واجتمعوا على يمينها وشمالها، والملك جندع مشرف عليهم ينظر إليهم وإلى قربانهم؛ فتقدّم حتى وقف على الملك وقال: قد علمت نصحى لك أبدا، وقد جئتك رسولا أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّى صالح رسول الله. فقال الملك له: إن قبائل ثمود لا ترضى أن يكون مثلك رسولا إليهم، غير أنى أنظر فيما تقول، فعد إلىّ غدا.
(13/75)

ثم أصبح الملك ودعا بأشراف قومه، وأحبرهم بخبر صالح؛ فقالوا: أحضره حتى نسمع ما يقول. فأحضره فقال: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ
فقال له نفر منهم: يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ* قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ
فقال له الملك: كيف خصّك ربّك بالرسالة من بيننا، ورفعك علينا وفى قبائل ثمود من هو أعزّ منك؟ فقال: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ*
ثم قال: يا قوم اتقوا الله وأطيعون، وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ* أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ* فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ
، أى ليّن وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ
أى حاذقين فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ* قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ* ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.
قال: فأقبل الملك عليهم وقال: قد عرفتم صالحا فى حسبه ونسبه، وأنا رجل منكم؛ فما تقولون؟ وما عندكم من الرأى فى أمره؟ قالوا: أيّها الملك أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ
قال الله تعالى: سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ.
قال: فآمن به منهم جماعة، وخرج صالح من عند الملك، فأمره الله تعالى أن يبنى مسجدا لنفسه ولمن معه من المؤمنين. فأعانته الملائكة على بنائه؛ فلمّا كمل جاءه جبريل بشجرة فغرسها على باب المسجد. وأنبع الله له عينا من الماء العذب.
(13/76)

وكان صالح يخرج فى كلّ يوم إلى قبيلة من قومه يدعوهم إلى عبادة الله تعالى ويعظهم بأيّام عاد وما حلّ بهم فيقول الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ
فكان المستضعفون يقولون: إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ
والمتكبّرون يقولون: إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ.
ولم يزل صالح يدعوهم حتّى استكمل سبعين عاما؛ ثم أعقم الله نساءهم وجفّت أشجارهم فلم تثمر، ولم تضع لهم بقرة ولا شاة.
ثم لم يزل يدعوهم حتى استكمل مائة سنة وهم لا يزدادون إلا كفرا؛ فلمّا أيس منهم خرج يريد أن يدعو عليهم بالهلاك، وقال لقومه: لا تبرحوا حتى أعود إليكم. وقصد جبلا فطاف به حتى أمسى، فنظر إلى عين ماء، فتقدّم وتوضأ وقام ليصلّى ويدعو على قومه، فرأى فى الجبل كهفا، فدخله فرأى فيه سريرا من الذهب، عليه فرش الحرير، وفى وسط الكهف قنديل؛ فعجب من ذلك، وصعد على السرير، فضرب الله على أذنه فنام أربعين سنة؛ وأخذ قومه فى العبادة؛ فكان يموت منهم الوحد بعد الواحد، فيدفن إلى جانب المسجد، ويكتب على قبره:
«هذا فلان بن فلان» .
قال: ثم بعث الله- عزّ وجلّ- صالحا من نومته، فخرج من الكهف وتوضّأ وصلّى ركعتين، وأراد أن يدعو على قومه؛ فقيل له: لا تعجل عليهم، فإنّ عجلتك غيّبتك عن قومك أربعين سنة.
فعاد إلى قومه، وإذا برسوم وآثار لا يعرفها، وأشرف على مسجده وهو خراب ليس فيه إلّا الملائكة يحفظونه من فسّاق أهل ثمود؛ فقال: إلهى ما فعل
(13/77)

أهل هذا المسجد؟ فنادته الملائكة: مات بعضهم ورجع الباقون إلى دينهم الأوّل لمّا أيسوا منك.
ثم أمره الله تعالى أن يأتى قومه ويدعوهم إلى عبادة الله والكفّ عن عبادة الأصنام؛ فأقبل وهم مجتمعون فى يوم عيدهم ومعهم ملكهم، فناداهم: قولوا (لا إله إلا الله وإنى صالح رسول الله) يا قوم إنى أرسلت إليكم مرّة وهذه أخرى.
فتحيّروا وتساقطت أصنامهم، ونطقت الدوّاب: جاء الحقّ من ربّنا. قال له الملك: من أنت؟ قال: أنا صالح. قال: أليس قد بقى صالح فينا طويلا وغاب عنّا منذ مدّة طويلة؟ ما أنت إلّا ساحر جئتنا بعده. وهمّ بقتله.
وكان للملك ابن عمّ يقال له: هذيل، فقال: يا صالح، لا نحتاج إلى نصحك فانصرف عنّا. فقال: يا هذا أما إنك ميت فى يومك هذا أنت وأهلك وولدك فى وقت كذا وكذا، وفى غد يموت أبوك وأمّك، فبادر إلى الإيمان، فإن آمنت أحياك الله وجعلك حجّة على قبائل ثمود.
فانصرف الرجل وهم ينظرون إلى الوقت الذى ذكره صالح؛ فلما جاء الوقت مات الرجل وأهله وولده، وانتشر الخبر فى قبائل ثمود، ومات أبوه وأمّه من الغد؛ فعجب الناس وجزعوا، وخاف الملك.
وأقبل صالح فقال: يا آل ثمود، كيف كان هذا الميّت عندكم؟ قالوا: خير رجل حتى مات. قال: فإن أحياه الله بدعائى، أتؤمنون بى وبإلهى وتبرأون من أصنامكم؟ قالوا: نعم. فجاء صالح إلى الميت فدعا ربّه، ثم ناداه باسمه فقال: لبّيك يا نبىّ الله، وقام وهو يقول: (لا إله إلا الله صالح عبد الله ورسوله) .
(13/78)

فلما عاين قومه ذلك ازدادوا كفرا، ودخلوا على صنمهم وشكوا ما يلقونه من صالح؛ فنطق إبليس من جوفه وقال: انصرفوا إلى ما أنتم عليه؛ وإذا رأيتم صالحا فقولوا: ائتنا ببرهان كما أتى به هود ونوح.
فخرجوا مسرورين حتى أتوا صالحا، فقال لهم: قد رأيتم وسمعتم كلام الوحش والطير وإحياء الموتى وغير ذلك من الآيات ما فيه كفاية، فأىّ آية تريدون؟
قالوا: نخرج نحن وأنت إلى هذا الوادى، وندعو وتدعو، وننظر أىّ الدعوتين تستجاب؛ وتواعدوا إلى يوم عيدهم.
فلمّا كان فى ذلك اليوم اجتمعوا وخرجوا بأصنامهم وزينتهم؛ وأقبل صالح يخترق صفوفهم؛ حتّى وقف أمام ملكهم، ودعاهم إلى الإيمان بالله. قالوا: أرنا آية. قال: ما تريدون؟ قالوا: اخرج لنا ناقة من هذه الصخرة ونؤمن بك ونعلم أنّك صادق. قال: إنّ ذلك هيّن على ربّى، ولكن صفوها لى.
فأقبل القوم يصف كلّ منهم صفة حتى أكثروا. فقال الملك: إنّ هؤلاء قد أكثروا وأنا أصفها بما فى قلبى: تكون ناقة ذات فرث ودم ولحم وعظم وعصب وعروق وجلد وشعر يخالطه وبر، وتكون شكلاء «1» شقراء هيفاء، ولها ضرع كأكبر ما يكون من القلال، يدرّ من غير أن يستدرّ، يشخب لبنا غزيرا صافيا، ويكون لها فصيل يتبعها على مثالها، فإذا رغت أجابها بمثل رغائها، ويكون حنينها الإخلاص لربّك بالتوحيد، والإقرار لك بالنبوّة، فإن أخرجتها على هذه الصفة آمنّا.
فأوحى الله إليه: أن أعطهم ما سألوا. فقال لقومه: إن الله قد شفّعنى فى حاجتكم، فإن أخرجتها تؤمنون؟ قالوا: نعم، على شرط أن يكون لبنها ألذّ
(13/79)

من الخمر وأحلى من العسل. قال: إن أخرجها ربّى تؤمنون؟ قالوا: نعم على شرط أن يكون لبنها فى الصيف باردا، وفى الشتاء حارّا، لا يشربه مريض إلّا برئ، ولا فقير إلّا استغنى. قال: إن أخرجها ربّى أتؤمنون؟ قالوا: نعم، على شرط ألّا ترعى من مراعينا، بل فى رءوس الجبال وبطون الأودية، وتذر ما على الأرض لمواشينا، قال: إن أخرجها ربّى أتؤمنون؟ قالوا: نعم، على شرط أن يكون الماء لنا يوما ولها يوما، ولا يفوتنا اللّبن، وتدخل علينا بالعشيّات فى بيوتنا وتسمّى كلّ واحد منّا باسمه، وتنادى: «ألا من أراد اللّبن» ؟ فيخرج ويضع ما يريد تحت ضرعها، فيمتلئ لبنا من غير احتلاب. قال أتؤمنون حقيقة؟ قالوا:
نعم. قال صالح: قد شرطتم شرائط كثيرة، وأنا أشترط عليكم: لا يركبها أحد منكم، ولا يرميها بحجر ولا سهم، ولا يمنعها من شربها ولا فصيلها.
قالوا: هذا لك يا صالح. فأخذ عليهم المواثيق.
ذكر خروج الناقة
قال: فلمّا انتهت شروطهم وشروطه، وأخذ عليهم المواثيق، قام وصلّى ركعتين، ودعا، فاضطربت الصخرة وتمخّضت، وتفجّر من أصولها الماء، والقوم ينظرون، وسمعوا دويّا كدوىّ الرعد، فرفعوا رءوسهم، فإذا بقبّة تنقضّ من الهواء فانحدرت على الصخرة وحولها الملائكة؛ ثم تقدّم صالح إلى الصخرة فضربها بقضيب كان بيده، فاضطربت وتشامخت صعدا؛ ثم تطامنت إلى موضعها؛ ثم خرج رأس ووثبت من جوفها على الصفة كأنّها قطعة جبل، فوقفت بين يدى الملك وقومه وهى أحسن ممّا وصفوا، وهى تنادى: (لا إله إلا الله، صالح رسول الله) .
ثم مر جبريل على بطنها بحربة، فخرج فصيلها على لونها.
(13/80)

ثم نادت: «أنا ناقة ربّى، فسبحان من خلقنى وجعلنى آية من آياته الكبرى» .
فلما رأى الملك ذلك قام عن سريره وقبّل رأس صالح، وقال: يا معشر قبائل ثمود، لا عمى بعد الهدى، أنا أشهد أن لا إله إلّا الله، وأن صالحا رسول الله.
وآمن معه فى ذلك اليوم خلق كثير من أهل مملكته وغيرهم؛ فلمّا رأى داود خادم الأصنام ذلك نادى بصوت رفيع: يا آل ثمود، ما أسرع ما صبوتم إلى هذا الساحر، إن كانت الناقة قد أعجبتكم فهلّموا إلى آلهتكم فسلوها حتى تخرج لكم أحسن منها.
فوقفوا عن الإيمان، وعمدوا إلى شهاب أخ الملك، فملّكوه عليهم؛ ودخل جندع المدينة فكسر الصنم الذى كان يعبده، وفرّق أمواله على المؤمنين، ولبس الصوف، وعبد الله حقّ عبادته، وكانت الناقة تتّبع صالحا كاتّباع الفصيل لأمّه؛ فلمّا كان بعد ذلك أقبلت ثمود على صالح، وقالوا: إن لم نمسّ الناقة بسوء يصرف ربّك عنّا عذابه؟ قال: نعم، إلى منتهى آجالكم. وكانت الناقة تخرج وفصيلها خلفها، فتصعد إلى رءوس الجبال، ولا تمرّ بشجرة إلّا التفّت عليها أغصانها فتأكل أطايب أوراقها؛ ثم تهبط إلى الأودية فترعى هناك، فإذا أمست تدخل المدينة وتطوف على دور أهلها، وتنادى بلسان فصيح: ألا من أراد منكم اللّبن فليخرج.
فيخرجون بآنيتهم، فيضعونها تحت ضرعها، واللّبن يشخب حتى تمتلئ الآنية؛ فإذا اكتفوا عادت إلى المسجد، وتسبّح الله حتى تصبح؛ ثم تخرج إلى المرعى وهذا دأبها.
قال: وكان للقوم بئر يشربون منها ليس لهم سواها، فإذا كان يوم الناقة تأتى وتدلّى رأسها فتشربه وتقول: «الحمد لله الذى سقانى من فضل مائه، وجعلنى حجّة على آل ثمود» .
(13/81)

وكانت تمجّ من فيها إلى فم الفصيل حتّى يروى؛ فإذا كان يوم القوم أتوا البئر ونزحوا ما فيها؛ وكانت الناقة تقول إذا أصبحت: إلهى كلّ من شرب من لبنى وآمن بك وبرسولك فزده إيمانا ويقينا، ومن لم يؤمن بك وبرسولك فاجعل ما يشرب من لبنى فى بطنه داء لا دواء إنّك على كلّ شىء قدير.
ذكر خبر عقر الناقة وهلاك ثمود
قال: فلما كانت تدعو بذلك صار القوم إذا شربوا لبنها اعترتهم الحكّة فى أبدانهم؛ فاجتمعوا وقالوا: ليس لنا فى هذه من خير؛ وأجمعوا على عقرها؛ وكانت فيهم امرأة يقال لها: عنيزة بنت غنم بن مجلز «1» ، وتكنى أمّ غنم، وهى من بنات عبيد «2» بن المهل، وكانت امرأة ذؤاب «3» بن عمرو، وهى عجوز مسنّة، ولها أموال ومواش، ولها أربع بنات من أجمل النساء، وبجوارها امرأة يقال لها: صدوف بنت المحيّا بن فهر، ولها أيضا مواش كثيرة؛ فدعتا قومهما إلى عقر الناقة، فلم يجيبوهما إلى ذلك؛ فبينما صدوف كذلك إذ مرّ بها رجل يقال له الحباب «4» - وكان مولعا بالنساء- فعرضت نفسها عليه على أن يعقر الناقة؛ فامتنع، فقالت له:
لقد جبن قلبك، وقصرت يدك. وتركته؛ وأقبلت على ابن عمّ لها يقال له:
مصدع «5» فكشفت عن وجهها، وعرضت نفسها عليه على أن يصدقها عقر الناقة؛ فأجاب. وأقبلت صدوف إلى عنيزة فأخبرتها بذلك، ففرحت به. قالت: إلّا أنه منفرد، ولكن قومى إلى عزيز ثمود قدار، فإنه شابّ لم يتزوّج، فاعرضى عليه بناتك
(13/82)

لعلّه يفعل؛ ففعلت عنيزة ذلك، وزيّنت بناتها، وأقبلت بهنّ إلى قدار، وكان أقبح رجل فى ثمود، وكان فى عينيه زرقة، وكأنّهما عدستان، وأنفه أفطس ولحيته بطوله، غير أنه كان يمرّ بالشجرة العظيمة فينطحها برأسه فيكسرها؛ فلمّا رأته عنيزة رجعت ببناتها إلى صدوف، وقالت: من تطيب نفسه أن يزوّج مثل هؤلاء من هذا؟ فلم تزل بها حتى رجعت بهنّ إليه، وعرضتهنّ عليه؛ فاختار منهنّ (الرّباب) ، وأجاب إلى عقر الناقة، واجتمع إليه «مصدع وأخوه «1» ورعين «2» وداود خادم الأصنام وريّان ولبيد والمصرد وهزيل «3» ومفرّج «4» » فهؤلاء التسعة الذين ذكرهم الله فى كتابه، قال الله تعالى: وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ.
فطافوا بأجمعهم على قبائل ثمود وأعلموهم بما أجمعوا عليه من عقر الناقة؛ فرضى بذلك كبيرهم وصغيرهم، واجتمع هؤلاء التسعة بسيوفهم وقسيّهم، وذلك فى يوم الأربعاء، وقعدوا ينتظرون الناقة، فأقبلت حتى قربت من البئر؛ فنادت عنيزة:
يا قدار، اليوم يومك، فأنت السيّد فى قومك. قال الله: فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ.
قال: فشدّ قدار قوسه ورماها بسهم فأصاب لبّتها، وهو أوّل من رماها، ثم مصدع، وأقبلوا عليها بالسيوف فقطّعوها، وأنذرت فصيلها، فهرب إلى رأس جبل، ودعا باللّعنة على ثمود، فأتبعه القوم وعقروه، وتقاسموا لحمه.
(13/83)

وحكى الثعلبىّ فى كتابه المترجم (بيواقيت البيان فى قصص القرآن) : أنّ الفصيل لمّا عقرت الناقة أتى جبلا منيعا يقال له: صور «1» . وقيل: اسمه فاره؛ وأن صالحا لمّا بلغه عقر الناقة أقبل إلى قومه، فخرجوا يتلقّونه ويعتذرون إليه ويقولون: إنّما عقرها فلان وفلان، ولا ذنب لنا.
فقال لهم صالح: أنظروا، هل تدركون فصيلها؟ فعسى أن تدركوه فيرفع عنكم العذاب. فخرجوا يطلبونه، فلما رأوه على الجبل ذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله تعالى إلى الجبل أن يتطاول؛ فتطاول فى السماء حتى ما يناله الطير؛ وجاء صالح، فلمّا رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه؛ ثم دعا ثلاثا فانفرجت الصخرة حتّى دخلها؛ فقال صالح: بكلّ دعوة أجل يوم فتمتّعوا فى داركم ثلاثة أيّام ذلك وعد غير مكذوب.
نرجع إلى رواية الكسائىّ، قال: وصاح قدار بأصحابه: هلمّوا. فقدموا فأمرهم أن يقطّعوا لحم الناقة؛ فقطّعوا وطبخوا وقعدوا للأكل والشرب، وصالح لا يعلم بذلك، فنادته الوحوش: يا صالح، هتكت ثمود حرمة ربّها، وتعدّوا أمره.
فأقبل بالمؤمنين من قومه؛ فلمّا رآها بكى وقال: إلهى أسألك أن تنزل على ثمود عذابا من عندك.
فأوحى الله إليه: أن أنذر قومك بالعذاب. فبشّرهم بعذاب الله. فقالوا له: افعل ما بدا لك، فقد عقرناها، وقد أنذرت بالعذاب منذ بعيد وما نرى له أثرا. فقال لهم: تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ
. وبات القوم ليلتهم، فلمّا أصبحوا تفجّرت آثار وطء الناقة بعيون الدم، وظهرت الصفرة فى ألوانهم؛ فقالوا: يا صالح، ما هذا التغيّر فى ألواننا وبلادنا؟ قال:
(13/84)

غضب ربّكم عليكم. فأجمعوا على قتله، وقالوا: إذا قتلناه امتنع عنّا سحره ولا تمكنه الإساءة إلينا. فتقدّم التسعة لقتله عند ما أقبل الليل، فوقف لهم جبريل ورمى كلّ واحد منهم بحجر فقتله.
فلمّا كان من الغد نظرت ثمود إليهم وقد قتلوا، فقالوا: هذا من فعل صالح.
فعزموا على الهجوم عليه وقتله، فأمره الله تعالى بالخروج من المسجد، فجاءوا ليقتلوه فما رأوه، وأصبحوا فى اليوم الثانى وقد أحمرّت وجوههم، وفى اليوم الثالث اسودّت، فأيقنوا بعذاب الله، وحفروا لأنفسهم حفائر، ولأهليهم وأولادهم ولبسوا الأنطاع، وجلسوا فى الحفائر ينتظرون العذاب، وصالح يخوّفهم وينذرهم عذاب الله وهم لا يبالون به.
فلما كان فى اليوم الرابع- وهو صبيحة الأحد- أرسل الله تعالى جبريل فنشر جناح غضبه، وأتاهم بشرارة من نار لظى، وجعل يرميهم منها بجمر متوهّج كأمثال الجبال، وثمود باركة فى حفائرها.
وأخذ جبريل بتخوم الأرض، فزلزلت بيوتهم وقصورهم، ثم نشر جناح غضبه على ديار ثمود، وصاح صيحة، فكانوا كما قال الله تعالى: فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ.
ثم أقبلت سحابة سوداء على ديارهم، فرمتهم بوهج الحريق سبعة أيّام حتّى صاروا رمادا.
فلمّا كان فى اليوم الثامن انجلت السحابة وطلعت الشمس، وجاء صالح بمن معه من المؤمنين، فطاف بديارهم، واحتملوا ما قدروا عليه من أموالهم وارتحل بقومه إلى أرض الشأم، فنزل بأرض فلسطين، وأقام- عليه السلام- حتى مات.
(13/85)

الباب السابع من القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى أخبار أصحاب البئر المعطّلة والقصر المشيد وما كان من أمرهم وهلاكهم
قال الكسائىّ: قال كعب: لمّا قبض الله تعالى نبيّه صالحا عليه السلام بأرض فلسطين، خرج أصحابه إلى بلاد اليمن فتفرّقوا فرقتين: فنزلت إحداهما بأرض عدن، وهم أصحاب البئر المعطّلة، والثانية صارت إلى (حضرموت) (والقصر المشيد) وهو قبل البئر؛ والذى بناه رجل يقال له: جند بن عاد، وذلك لأنه رأى ما نزل بقوم هود من الريح، فعزم على بناء قصر مشيد، فبالغ فى تشييده، وانتقل إليه، وكان له قوّة عظيمة، فكان يقتلع الشجرة، ويمرّ بيده فى الجبل فيخرقه وكان مولعا بالنساء، فتزوّج زيادة عن سبعمائة امرأة، ورزق من كلّ أمرأة ذكرا وأنثى؛ فلمّا كثر ولده وقومه طغى فى الأرض وتجبّر، وكان يقعد فى أعلى قصره مع نسائه فلا يمرّ به أحد إلّا أمر بقتله؛ فلمّا كثر فساده أهلكه الله بصيحة جبريل جاءته من قبل السماء فأهلكته هو وأولاده وقومه.
قال الكسائىّ: ولا يجسر أحد أن يدخل إلى القصر ممّا نزل بسكّانه.
قال: ويقال: إنّ فيه حيّة عظيمة، وإنّه يسمع من داخله أنين كأنين المريض.
وأما البئر المعطّلة- فهى بأرض عدن، وكان أهلها على دين صالح، وكان المطر ينقطع عنهم فى بعض الأوقات حتّى يبلغ بهم الجهد، فيحملون الماء من بلد بعيد، فأعطاهم الله تعالى هذه البئر على ألّا يشركوا به شيئا، ويعبدوه حقّ عبادته وكانوا معجبين بها، قد بنوها بألوان الصخور، وبنوا حولها حياضا بعدد قبائلهم؛ وكان لهم ملك يسوسهم، فلما مات حزنوا عليه حزنا عظيما؛ فأقبل عليهم إبليس وقال:
(13/86)

ما بالكم بهذا الحزن؟ قالوا: كيف لا نكون كذلك وقد فقدنا ملكنا مع إحسانه إلينا. قال: إنّه لم يمت، ولكنّه احتجب عنكم لغضبه عليكم، ولكونكم لم تعبدوه.
وانطلق إبليس فآتخذ لهم صنما على صورة الملك، ونصبه على سريره، وقال:
هلمّوا إلى الملك فاسمعوا كلامه.
فأقبلوا حتى وقفوا من وراء السّتر، ووقف إبليس فى جوف الصنم شيطانا يكلّمهم بلغة لا ينكرون أنّها لغة الملك؛ ثم قال إبليس: استمعوا. فكلّمهم الشيطان من الصنم وقال: يا آل ثمود، مالى أراكم تبكون؟ قالوا: لفقدك. قال: قد كذبتم، لو كنتم تحبّوننى كما تقولون كنتم عبدتمونى، وقد كنت فيكم أربعمائة سنة ما فيكم من سجد لى سجدة واحدة، والآن فقد ألبسنى ربّى ثوب الألوهيّة، فصيّرنى فيكم لا آكل ولا أشرب، ولا أنام، وأخبركم بالغيوب، فاعبدونى وسمّونى ربّا، فإنى أقربكم إلى ربّى زلفى.
قالوا: يأيها الملك، فلو رأينا وجهك. فرفع إبليس الحجاب حتى رأوه فلم ينكروا من صفاته شيئا، فخرّوا له سجّدا، واتخذوه ربّا؛ وكان فيهم رجل من خيار قوم صالح اسمه حنظلة بن صفوان، ففارقهم ولحق بالحرم، وعبد الله حينا فرأى فى منامه قائلا يقول له: قد أمرك ربّك أن تصير إلى قومك وتحذّرهم عذابه إن لم يرجعوا عن عبادة الأصنام، وتذكّرهم العهود فى البئر، وإن لم يؤمنوا غار ماء البئر حتى يموتوا عطشا.
فآنتبه وخرج من ساعته حتى أتى قومه، فأنذرهم ووعظهم، فهمّوا بقتله فعطّل الله تعالى بئرهم حتّى لم يجدوا فيها قطرة، فأتوا إلى صنمهم فلم يكلّمهم، وأتتهم صيحة من السماء، فهلكوا عن آخرهم.
ويقال: إنّ سليمان صفّد شياطين وحبسهم بهذه البئر؛ والله أعلم.
(13/87)

الباب الثامن من القسم الأوّل من الفنّ الخامس فى خبر أصحاب الرّس وما كان من أمرهم
قال الكسائىّ: قال كعب: إنّ أصحاب الرّس كانوا بحضرموت، وكانوا كثيرا، فبنوا هناك مدينة كانت أربعين ميلا فى مثل ذلك، فاحتفروا لها القنوات من تحت الأرض، وسمّوها رسّا، وكان ذلك أيضا اسم ملكهم؛ فأقاموا فى بلدهم دهرا طويلا يعبدون الله تعالى حقّ عبادته؛ ثم تغيّروا عن ذلك وعبدوا الأصنام وكان ممّا أحدثوه إتيان النساء فى أدبارهنّ والمبادلة بهنّ، فكان كلّ منهم يبعث بآمرأته إلى الآخر، فشقّ ذلك على النساء، فأتاهنّ إبليس فى صورة امرأة وعلّمهن السّحاق ففعلنه، وهم أوّل من أتى النساء فى أدبارهنّ وساحق؛ فاشتهرت هذه القبائح فيهم.
فبعث الله إليهم رسولا اسمه حنظلة. وقيل: خالد بن سنان. وقيل:
ابن صفوان. فدعاهم إلى طاعة الله، ونهاهم عن عبادة الأصنام وفعل القبائح وحذّرهم وذكّرهم ما حلّ بمن قبلهم من الأمم؛ فكذّبوه؛ فوعظهم دهرا طويلا وهم لا يرجعون، فضربهم الله بالقحط، فقتلوا نبيّهم وأحرقوه بالنار؛ فصاح بهم جبريل صيحة فصاروا حجارة سودا، وخسفت مدينتهم.
وقيل: إن هذه المدينة لم يرها إلّا ذو القرنين، وإنّه رآهم حجارة، ورأى النساء ملتصقات بعضهنّ ببعض، ورأى الملوك على الأسرّة وبين أيديهم الجنود قائمة، بأيديهم الأعمدة والأسلحة، وقد صاروا كلّهم حجارة سودا.
هذا ما حكاه الكسائىّ.
وقال أبو إسحاق الثعلبىّ- رحمه الله تعالى- قال سعيد بن جبير والكلبىّ والخليل بن أحمد- دخل كلام بعضهم فى بعض، وكلّ قد أخبر بطائفة من حديث
(13/88)

أصحاب الرسّ: أنّهم بقيّة ثمود وقوم صالح، وهم أصحاب البئر التى ذكرها الله تعالى فى كتابه وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ.
قال: وكانوا بفلج اليمامة نزولا على تلك البئر.
وكلّ ركيّة لم تطو بالحجارة والآجرّ فهى رسّ؛ وكان لهم نبىّ يقال له: (حنظلة ابن صفوان) . وكان بأرضهم جبل يقال له: (فلج) مصعد فى السماء ميلا وكانت العنقاء تأتيه، وهى أعظم ما يكون من الطير، وفيها من كلّ لون، وسمّوها العنقاء لطول عنقها، وكانت تكون فى ذلك الجبل وتنقضّ على الطير فتأكلها فجاعت ذات يوم وأعوزها الطير، فانقضّت على صبىّ فذهبت به، فسميّت عنقاء مغرب، لأنّها تغرب بما تأخذه وتذهب به، ثم انقضّت على جارية حين ترعرعت فأخذتها فضمّتها إلى جناحين لها صغيرين سوى الجناحين الكبيرين، فشكوا ذلك إلى نبيّهم؛ فقال: اللهم خذها واقطع نسلها، وسلّط عليها آفة تذهب بها.
فأصابتها صاعقة فآحترقت، فلم ير لها أثر بعد ذلك.
قال: ثم إنّ أصحاب الرسّ قتلوا نبيّهم، فأهلكهم الله تعالى.
قال الثعلبىّ: وقال بعض العلماء: بلغنى أنّه كان رسّان: أمّا أحدهما فكان أهله أهل بذر وعمود، وأصحاب غنم ومواش، فبعث الله إليهم نبيّا فقتلوه، ثم بعث الله رسولا آخر وعضّده بولىّ، فقتلوا الرسول، وجاهدهم الولىّ حتى أفحمهم؛ وكانوا يقولون: إلهنا فى البحر. وكانوا على شفير البحر؛ وكان يخرج إليهم من البحر شيطان فى كلّ شهر خرجة فيذبحون عنده، ويتّخذون ذلك اليوم عيدا؛ فقال لهم الولىّ: أرأيتم إن خرج إلهكم الّذى تدعونه وتعبدونه إلىّ وأطاعنى أتجيبونى إلى ما دعوتكم إليه؟ قالوا: بلى. وأعطوه على ذلك العهود والمواثيق، فانتظر حتى خرج ذلك الشيطان على صورة حوت راكبا على أربعة أحوات، وله عنق
(13/89)

منقلب، وعلى رأسه مثل التاج؛ فلمّا نظروا إليه خرّوا سجّدا؛ وخرج الولىّ إليه وقال: ائتنى طوعا أو كرها باسم الله الكريم.
فنزل عند ذلك عن أحواته؛ فقال له الولىّ: ائتنى راكبا لئلا يكون القوم فى شكّ. فأتى الحوت وأتت به الحيتان حتى أفضوا إلى البرّ يجرّونه ويجرّهم؛ ثم كذّبوه بعد ما رأوا ذلك، ونقضوا العهود؛ فأرسل الله تعالى عليهم ريحا تقذفهم فى البحر ومواشيهم وما كانوا يملكون من ذهب وفضّة وآنية؛ فأتى الولى الصالح إلى البحر حتّى أخذ التّبر والفضّة والأوانى، فقسمها على أصحابه بالسويّة على الصغير والكبير، وانقطع ذلك النسل.
وأمّا الرسّ الآخر
- فهم قوم كان لهم نهر يدعى الرسّ، وذلك النهر بمنقطع أذربيجان، بينهما رسّ أرمينية، فإذا قطعته مدبرا دخلت فى حدّ أرمينية وإذا قطعته مقبلا دخلت فى حدّ أذربيجان، وكان من حولهم من أهل أرمينية يعبدون الأوثان، ومن قدّامهم من أهل أذربيجان يعبدون النيران، وكانوا هم يعبدون الجوارى العذارى، فإذا تمّت لإحداهنّ ثلاثون سنة قتلوها واستبدلوا غيرها، وكان عرض نهرهم ثلاثة فراسخ، وكان يرتفع فى كلّ يوم وليلة حتّى يبلغ أنصاف الجبال الّتى حوله، ولا ينصبّ فى برّ ولا بحر، وإذا خرج من حدّهم يقف ويدور ثم يرجع إليهم، فبعث الله إليهم ثلاثين نبيّا فى شهر واحد، فقتلوهم جميعا فبعث الله إليهم نبيّا وأيّده بنصره، وبعث معه وليّا، فجاهدهم فى الله حقّ جهاده.
ثم بعث الله تعالى ميكائيل حين نابذوه- وكان ذلك فى أوان وقوع الحبّ فى الزرع، وكانوا إذ ذاك من أحوج ما يكون إلى الماء- فبحر «1» نهرهم فى البحر
(13/90)

فانصبّ ما فى أسفله، وأمّا عيونه من فوق فسدّها، ثم بعث الله تعالى خمسائة ألف ملك من الملائكة أعوانا له، ففرّغوا ما بقى فى نهرهم.
ثم أمر الله تعالى جبريل فنزل فلم يدع فى أرضهم عينا ولا نهرا إلّا أيبسه بإذن الله تعالى.
وأمر ملك الموت فانطلق إلى المواشى فأماتها فى ربضة واحدة.
وأمر الرياح الأربع: الجنوب والشمال والدّبور والصّبا فضمّت ما كان لهم من متاع، وألقى الله تعالى عليهم السّبات.
ثم خفقت الرياح الأربع بذلك المتاع أجمع فشتّتته فى رءوس الجبال وبطون الأودية.
وأمر الله الأرض فابتلعت ما كان لهم من حلىّ وتبر وآنية؛ فأصبحوا لا ماشية عندهم ولا بقر ولا مال يرجعون إليه ولا ماء يشربون ولا طعام يأكلون، فآمن بالله تعالى عند ذلك قليل منهم، وهداهم الله تعالى إلى غار فى الجبل له طريق إلى خلفه، فنجوا، وكانوا أحدا وعشرين رجلا وأربع نسوة وصبيّين، وكان عدّة الباقين من الرجال والنساء والذرارىّ ستّمائة ألف، فماتوا عطشا وجوعا، ولم تبق منهم باقية.
ثم عاد القوم إلى منازلهم فوجدوها قد صار أعلاها أسفلها، فدعا القوم عند ذلك مخلصين أن يحييهم الله تعالى بماء وزرع وماشية، وأن يجعل ذلك قليلا لئلّا يطغوا. فأجابهم الله تعالى إلى ذلك، وأطلق لهم نهرهم، وزادهم على ما سألوه.
فأقام أولئك القوم على طاعة الله تعالى باطنا وظاهرا حتى مضوا وانقرضوا؛ فحدث من بعدهم من نسلهم قوم أطاعوا الله تعالى فى الظاهر، ونافقوا فى الباطن؛
(13/91)

وأملى الله تعالى لهم، ثم بعث الله عليهم عدوّهم ممّن قاربهم وخالفهم، فأسرع فيهم القتل، وبقيت منهم شرذمة، فسلّط الله عليها الطاعون، فلم يبق منهم باقية وبقى نهرهم ومنازلهم مائتى عام لا يسكنها أحد.
ثم أتى الله بعد ذلك بقرن فنزلوها وكانوا صالحين سنين، ثم أحدثوا فاحشة وجعل الرجل منهم يدعو ابنته وأخته وزوجته فيلقى بهنّ جاره وأخاه وصديقه يلتمس بذلك البرّ والصلة؛ ثم ارتفعوا عن ذلك إلى نوع آخر، ترك الرجال النساء حتى شبقن، واشتغلن عن الرجال، فجاءت النساء شيطانة فى صورة امرأة- وهى الولهانة بنت إبليس- فشبّهت للنساء ركوب بعضهن بعضا؛ وعلمتهنّ كيف يصنعن؛ فأصل ركوب النساء النساء منها؛ فسلّط الله تعالى على ذلك القرن صاعقة من أوّل ليلتهم، وخسفا فى آخر اللّيل، وصيحة مع الشمس، فلم تبق منهم باقية وبادت مساكنهم.
قال الثعلبىّ: ولا أحسب مساكنهم اليوم مسكونة.
وقال أبو إسحاق الثعلبىّ أيضا: وروى علىّ بن الحسين زين العابدين عن أبيه الحسين بن علىّ بن أبى طالب- رضى الله عنهم- أن رجلا من أشراف بنى تميم يقال له: عمرو، أتاه فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرنى عن أصحاب الرس وأى عصر كانوا فيه؟ وأين كانت منازلهم؟ ومن كان ملكهم؟ وهل بعث الله تعالى إليهم رسولا أو لا؟ وبماذا هلكوا؟ فإنّى أجد فى كتاب الله تعالى ذكرهم ولا أجد خبرهم.
فقال له: لقد سألتنى عن حديث ما سألنى عنه أحد قبلك، ولا يحدّثك به أحد بعدى.
(13/92)

كان من قصّتهم يا أخا تميم أنهم كانوا يعبدون شجرة صنوبر يقال لها:
ساب درحب «1» ، كان يافث بن نوح غرسها على شفير عين يقال لها: دوسات «2» كانت أنبطت لنوح بعد الطوفان، وكان لهم اثنتا عشرة قرية على شاطئ نهر يقال له الرّس من بلاد المشرق، ولم يكن يومئذ فى الأرض نهر أغزر ولا أعذب منه ولا قرى أكثر سكّانا وعمرانا منها؛ وذلك قبل سليمان بن داود، وكان من أعظم مدائنهم اسفيدبا «3» ، وهى التى كان ينزلها ملكهم، وكان يسمّى بركون «4» بن عابور بن بلوش بن سارب بن النّمروذ بن كنعان، وفيها العين والصّنوبرة، وقد غرسوا فى كلّ عين حبّة من تلك الصنوبرة، فنبتت الحبّة وصارت شجرة عظيمة، وحرّموا ماء تلك العيون والأنهار، لا يشربون منها ولا أنعامهم، ومن فعل ذلك منهم قتلوه ويقولون: هى مياه آلهتنا، ولا ينبغى لأحد أن ينقص من حياتها، ويشربون هم وأنعامهم من نهر الرسّ الّذى عليه قراهم؛ وقد جعلوا فى كلّ شهر من السنة فى كلّ قرية عيدا يجتمع أهلها ويضربون على تلك الشجرة مظلّة من الحرير، فيها من أصناف الصّور؛ ثم يأتون بشياه وبقر فيذبحونها قربانا للشجرة، ويشعلون فيها النيران، فإذا سطع دخان تلك الذبائح وقتارها وبخارها فى الهواء، وحال بينهم وبين النظر إلى السماء، خرّوا سجّدا، ويتلون ويتضرّعون إليها أن ترضى عنهم.
وكان الشيطان يجىء فيحرّك أغصانها ويصيح من ساقها صياح الصبىّ: عبادى قد رضيت عنكم، فطيبوا نفسا، وقرّوا عينا. فيرفعون عند ذلك رءوسهم، ويشربون الخمر، ويضربون بالمعازف؛ فيكونون على ذلك يومهم وليلتهم، ثم ينصرفون؛ حتى إذا كان عيد قريتهم العظمى، اجتمع إليه صغيرهم وكبيرهم، فضربوا عند الصّنوبرة
(13/93)

والعين سرادقا من ديباج، عليه من أنواع الصّور، له اثنا عشر بابا، كلّ باب لأهل قرية منهم؛ ويسجدون للصنوبرة خارجا من السرادق، ويقرّبون لها الذبائح أضعاف ما يقرّبون للأشجار الّتى فى قراهم؛ فيجىء إبليس عند ذلك فيحرّك الشجرة تحريكا شديدا، ويتكلّم من جوفها كلاما جهرا، ويعدهم ويمنّيهم بأكثر ممّا وعدهم به الشياطين كلّهم؛ فيرفعون رءوسهم من السجود وبهم من الفرح والنشاط ما لا يفيقون ولا يتكلّمون [معه] ؛ فيداومون الشرب والعزف، فيكونون على ذلك اثنى عشر يوما بلياليها بعدد أعيادهم فى السنة؛ ثم ينصرفون؛ فلما طال كفرهم بالله تعالى وعبادتهم غيره، بعث الله إليهم نبيّا من بنى إسرائيل من ولد يهوذ بن يعقوب، فلبث فيهم زمنا طويلا يدعوهم إلى الله تعالى، ويعرّفهم ربوبيّته؛ فلا يتّبعونه ولا يسمعون مقالته؛ فلما رأى شدّة تماديهم فى البغى والضلالة وتركهم قبول ما دعاهم إليه من الرشد والصلاح، وحضر عيد قريتهم العظمى قال: يا ربّ إنّ عبادك أبوا تصديقى ودعوتى لهم، فما زادوا إلّا تكذيبى والكفر بك، وغدوا يعبدون شجرة لا تنفع ولا تضرّ، فأيبس شجرهم أجمع، وأرهم قدرتك وسلطانك.
فأصبح القوم وقد يبس شجرهم كلّه، فها لهم ذلك وتضعضعوا، فصاروا فرقتين: فرقة قالت: سحر هذا الرجل الّذى زعم أنّه رسول ربّ السماء، ألهاكم ليصرف وجوهكم عنها إلى إلهه؛ وفرقة قالت: بل غضبت آلهتكم حين رأت هذا الرجل يعيبها ويقع فيها، ويدعوكم إلى عبادة غيرها، فحجبت حسنها وبهاءها لكى تغضبوا لها، فتنتصروا منه.
فأجمعوا رأيهم على قتله، فاتخذوا مثال بئر، واتخذوا أنابيب طوالا من رصاص واسعة الأفواه، ثم أرسلوها إلى قرار العين واحدة فوق الأخرى مثل البرانج، ونزحوا
(13/94)

ماء العين، ثم حفروا فى قرارها بئرا ضيّقة المدخل عميقة، وأرسلوا فيها نبيّهم، وألقوا عليه فيها صخرة عظيمة؛ ثم أخرجوا الأنابيب من الماء وقالوا: الآن نرجو رضا آلهتنا عنّا إذا رأت أنا قد قتلنا من كان يقع فيها، ويصدّ عن عبادتها.
فبقوا عامّة يومهم يسمعون أنين نبيّهم، وهو يقول: سيّدى، ترى ضيق مكانى وشدّة كربى، فارحم ضعف ركنى وقلّة حيلتى، وعجّل قبض روحى ولا تؤخّر إجابة دعوتى. حتى مات عليه السلام.
فقال الله تعالى لجبريل: انظر عبادى هؤلاء الّذين غرّهم حلمى، وأمنوا مكرى، وعبدوا غيرى، وقتلوا رسولى؛ وأنا المنتقم ممّن عصانى ولم يخش عذابى وإنّى حلفت بعزّتى لأجعلنّهم عبرة ونكالا للعالمين.
فبينما هم فى عيدهم إذ غشيتهم ريح عاصف حمراء، فتحيّروا وذعروا منها وانضمّ بعضهم إلى بعض، ثم صارت الأرض من تحتهم حجر كبريت يتوقّد؛ وأظلّتهم سحابة سوداء، فألقت عليهم كالقبّة حجرا يلتهب نارا، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص فى النار؛ نعوذ بالله من غضبه ودرك نقمته «1» .
(13/95)

القسم الثانى من الفنّ الخامس فى قصّة إبراهيم الخليل- عليه الصلاة والسلام- وخبره مع نمروذ، وقصّة لوط، وخبر إسحاق ويعقوب، وقصّة يوسف وأيّوب وذى الكفل وشعيب
وفيه سبعة أبواب
الباب الأوّل منه فى قصّة إبراهيم الخليل- عليه الصلاة والسلام- وخبر نمروذ بن كنعان.
ولنبدأ من هذه القصّة بخبر نمروذ؛ ثم نذكر قصّة إبراهيم- عليه السلام- لتعلّق قصّته به، لأنّ إبراهيم ولد فى زمانه، وآيته الكبرى معه.
ذكر خبر نمروذ بن كنعان
هو نمروذ بن كنعان بن كوش، وهو أحد ملوك الدنيا الأربعة الّذين ملكوا شرقها وغربها.
وقد ورد أنهم مؤمنان وكافران: فالمؤمنان سليمان بن داود والإسكندر ذو القرنين المذكور فى سورة الكهف؛ والكافران: شدّاد بن عاد ونمروذ ابن كنعان.
وقد قيل: بدل شدّاد بختنصّر.
قال الكسائىّ: قال وهب: لمّا أهلك الله تعالى أهل الرسّ بالمسخ ومن تقدّمهم بما ذكرناه، أنشأ قرونا آخرين، فكان ممّن أنشأ من ولد حام بن نوح كوش ابن قرظ بن حام، وكان جبّارا شديد القوّة عظيم الخلق، له مخاليب كالسّباع وهو الذى أنشأ كوثاربّا من أرض العراق، وولد له بها ولد سمّاه كنعان، وكان له
(13/96)

ولد آخر يقال له: الهاص؛ فلما مات كوش استقل الهاص بالملك دون كنعان واستقلّ كنعان بالصيد، وولع به حتّى ألهاه عن طلب الملك؛ وكان مع ذلك شديد البطش والقوّة، فبينما هو يتصيّد إذ رأى امرأة ترعى بقرات، فأعجبته فراودها عن نفسها، فامتنعت واعتذرت بزوجها؛ فقال: ويلك، هل على وجه الأرض من يطاولنى وأنا من ولد كوش، ونحن ملوك الأرض؟ فضحكت المرأة كالمستهزئة، وقالت: لا تذكر الملوك وأنت رجل صيّاد.
ثم أقبل زوجها فقتله كنعان وأخذ المرأة ووطئها، فحملت بنمروذ، ونقلها كنعان إلى قصره، فكانت من أحظى نسائه؛ ثم قتل أخاه بعد ذلك، واستقلّ بالملك.
ثم رأى فى منامه كأنّه صارع إنسانا فصرعه وقال: أنا مشئوم أهل الأرض ومنزلى الظلمة. وقد أجّلتك حتّى أخرج من ظلمتى هذه إلى ضوء الدنيا.
فانتبه مرتاعا، وأحضر أصحاب علم النجوم، وقصّ رؤياه عليهم؛ فقالوا:
سيولد مولود هو الآن فى بطن أمّه يكون هلاكك على يديه.
وتبيّن حمل الراعية- وكان اسمها شلخاء- وكانت تسمع من بطنها صوتا عجيبا، فسمعه كنعان فقال: ويحك، هذا ليس بآدمىّ؛ وإنما هو شيطان؛ وهمّ أن يدوس بطنها ليقتل من فيه؛ فهتف به هاتف: مه يا كنعان، ليس إلى قتله سبيل.
فلمّا كملت مدّة الحمل وضعته أسود أحول أفطس أزرق العين؛ وخرجت حيّة من حجر فدخلت فى أنفه، ففزعت شلخاء؛ وأخبرت كنعان بخبره؛ فقال: اقتليه فإنّه شؤم. فقالت: لا تطيب نفسى بقتله. قال: فاحتمليه واطرحيه فى البرّيّة.
(13/97)

فاحتملته الى البرّيّة، فمرّت براعى بقرات فعرضته عليه، فأخذه، وعادت الى منزلها؛ فلمّا وضعه الراعى بين البقر نفرت وتفرّقت وعسر عليه جمعها؛ وأقبلت امرأته فأخبرها بخبر الغلام؛ فقالت: اقتله فإنّه شؤم. فأبى وقال: اطرحيه فى النهر.
فطرحته فى نهر عظيم، فألقاه الماء إلى البرّ؛ فقيّض الله له نمرة فأرضعته وانصرفت؛ فرأته امرأة من قرية هناك فعجبت وأخبرت أهل القرية، فخرجوا إليه واحتملوه وربّوه وسمّوه نمروذ، فلمّا بلغ جعل يقطع الطريق ويغير على النواحى، واجتمع له جمع كثير، فبلغ خبره كنعان، فجعل يبعث إليه بقائد بعد قائد وهو يهزمهم؛ وعظم أمره حتى صار فى جيش عظيم؛ فسار الى كوثاربا وقاتل كنعان، فهزم جيوشه وظفر به، وقتله وهو لا يعلم أنه أبوه، واحتوى على ملكه؛ ثم أخذ فى غزو الملوك حتّى ملك الشرق وسائر ممالك الدنيا؛ ثم رجع الى كوثاربّا فاستدعى وزراءه وقال: أريد أن أبنى بنيانا عظيما لم أسبق إلى مثله. فدلّوه على تارح وذكروا أنّه عارف بأمر النجارة والبناء؛ فأحضره ومكّنه من خزانته، وأمره بإنشاء قصر عظيم؛ فخرج تارح وشرع فى بنائه، وتأنّق فيه، وأجرى فيه الأنهار؛ فلمّا كمل ورآه نمروذ خلع على تارح، وجعله وزيره.
وأخذ نمروذ فى التكبّر حتى ادّعى الألوهية.
وكان مولعا بعلم النجوم، فأتقنه؛ فجاءه إبليس فى صورة شيخ وسجد له وقال: إنك قد أتقنت علم النجوم؛ وعندى علم ما هو أحسن منه، وهو السحر والكهانة. فعلّمه ذلك، ثم حسّن له عبادة الأصنام، فدعا بتارح وأمره أن يتخذ له صنما على صورته، ويتّخذ لقومه أصناما أخرى؛ فاتخذها تارح من الجوهر والذهب والفضّة والقوارير والخشب على أقدار الناس، وكلّها على صورة نمروذ حتى اتّخذ سبعين صنما، وأمر نمروذ قومه أن يتّخذوها؛ ففعلوا ذلك وانهمكوا
(13/98)

فى عبادتها، وكلّمهم الشياطين من أجوافها؛ فعبدوها حتّى لم يعرفوا سواها وطغوا وبغوا، وأكثروا الفساد فى الأرض، حتى ضجّت الأرض والسماء والوحش والطير إلى ربّها منهم.
ذكر الآيات التى رآها نمروذ قبل مولد إبراهيم- عليه السلام-
قال: كان أوّل ذلك أنّه صعد فى بعض الأيّام إلى سريره، فانتفض من تحته انتفاضا شديدا، وسمع هاتفا يقول: تعس من كفر بإله إبراهيم. فقال لتارح وهو واقف عنده: سمعت ما سمعت؟ قال: نعم. قال: فمن هو إبراهيم؟ قال:
لا أعرفه.
فأرسل إلى السحرة وسألهم عن إبراهيم، وأخبرهم بما سمع؛ فقالوا: لا نعرف إبراهيم ولا إلهه.
ثم توالت عليه الهواتف، ونطقت الوحش والطير والسباع بمثل ذلك؛ ثم رأى الرّؤى فى منامه.
فكان منها أنّه رأى كأنّ القمر قد طلع من ظهر تارح، وألقى نوره كالعمود الممدود بين السماء والأرض؛ وسمع قائلا يقول: جاء الحق ونظر إلى الأصنام وهى ترتعد، فاستيقظ وقصّ رؤياه على تارح، فقال: أيّها الملك، إنّى فى الأرض كالقمر لكثرة عبادتى لهذه الأصنام. فقال له نمروذ: صدقت.
وانصرف تارح حتى دخل بيت الأصنام، فإذا هى قد سقطت عن كراسيّها منكّبة على أوجهها؛ فأمر خدمها بإعادتها، وعجب من ذلك.
قال: ثم رأى فى منامه كأنّ نورا ساطعا بين السماء والأرض، وقوما يسلكون فيه ينزلون إلى الأرض، ويصعدون إلى السماء، وإذا برجل من أحسن الناس وجها
(13/99)

فى ذلك النور، وأولئك يقولون: نصرك إله السماء، فبك تحيا الأرض بعد موتها.
فانتبه ودعا بالسّحرة والكهنة والمنجّمين، وذكر لهم رؤياه، وأقسم إن كتموه تأويلها عذّبهم وجعلهم طعما للسباع. فطلبوا أمانه، فأمّنهم، فقالوا: رؤياك تدلّ على مولود من أقرب الناس إليك، يرث ملكك، ويرتفع ذكره إلى السماء والشرق والغرب ويهلكك، وأنه لا يأتيك ومعه سلاح ولا جند. فتبسّم نمروذ وقال: إن كان كذلك فأمره هيّن. ثم قال لهم: فممّن يكون؟ قالوا: من ظهر أقرب الناس إليك، ولا نعلم أكثر من هذا.
ثم قال: ليس أحد أقرب إلىّ من ابنى كوش ووزيرى تارح؛ ثم أمر بآبنه كوش فضرب عنقه؛ وأمر بقتل الأطفال حتى قتل مائة ألف طفل؛ ثم دعا بالمنجّمين فقال: انظروا هل استرحت ممّن كنت أخافه؟ قالوا: ما حملت به أمّه بعد.
وأخذ فى ذبح الأطفال حتى ضجّت الخلائق إلى الله تعالى.
ذكر حمل أمّ إبراهيم- عليه السلام- وطلوع نجمه
قال: وعبر تارح يوما إلى الأصنام فاضطربت اضطرابا شديدا؛ فسجد لها فأنطقها الله، فقالت: يا تارح، جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ
ووافى نمروذ ما كان يحذره، فخرج خائفا وجلا حتى دخل على أمرأته وذكر لها ذلك؛ فقالت: وأنا أخبرك بعجب، كنت قعدت عن الحيض منذ كذا وكذا، وقد حضت فى يومى هذا.
فقال: اكتمى أمرك لئلّا يبلغ الملك. فلما طهرت هتف به هاتف: يا تارح صر إلى زوجتك ليخرج النور الّذى على وجهك. فلمّا سمع ذلك مرّ هاربا على وجهه فإذا هو بملك يقول: أين تريد؟ ارجع فردّ الأمانة الّتى فى ظهرك.
(13/100)

فانصرف إلى منزله ولم يجسر أن يقرب امرأته؛ فأصبح وإذا بنور ساطع على وجهه؛ وكان هو الّذى يقرّب إلى الأصنام الطعام والشراب كلّ ليلة، وينصرف الى منزله فتأكله الشياطين؛ فقرّب الطعام إليها، فأقبلت الشياطين لتأكله، فرأوا الملائكة هناك فولّوا هاربين، وبقى الطعام على حاله؛ فلمّا أصبح تارح رآه على حاله فظنّ أن الأصنام ساخطة عليه، فعكف عليها لترضى عنه، فأبطأ عن منزله، فأتته امرأته؛ فلمّا خلت به فى بيت الأصنام تحرّكت شهوته، وهمّ بمواقعتها، فقالت:
ألا تستحى، أتفعل هذا بين يدى آلهتك؟ فواقعها، فحملت منه بإبراهيم- عليه السلام- فنكّست الأصنام، وظهر نجم إبراهيم وله طرفان: أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب؛ فعجب الناس منه؛ ورآه نمروذ فتحيّر؛ فلمّا أصبح سأل المنجّمين عنه، فقالوا: هذا نجم جديد طلع يدلّ على مولود جديد من أولاد الأكابر، يرتفع شأنه، ويخشى عليك منه. فهتف به هاتف يقول: يا عدوّ الله، هذا المولود قد حملت به أمّه والله مهلكك على يديه.
قال: فلمّا استكملت أمّة تسعة أشهر قالت لأبيه: إنى أحبّ أن أدخل بيت الأصنام فأسألها أن تخفّف عنّى أمر الولادة؛ فإذن لها فى ذلك، وتربّص بها إلى اللّيل خوفا أن يعلم الناس بحملها؛ فلمّا دخلت بيت الأصنام تنكّست عن كراسيّها فخرجت فزعة، فإذا هى بنمروذ فى قومه، وبين أيديهم الشّموع والمشاعل؛ فقال نمروذ: من هذا؟ قالت: زوجة عبدك تارح؛ فأراد أن يقول: اقبضوها فقال: خلّوها؛ فأقبلت إلى منزلها مذعورة، فجاءها الطلق، فأقبل إليها ملك من عند الله تعالى وقال: لا تخافى وانهضى فضعى ما فى بطنك. فتبعته حتّى أدخلها الغار، وهو الّذى ولد فيه إدريس ونوح- عليهما السلام-.
(13/101)

ذكر ميلاد إبراهيم- عليه السلام-
قال: ودخلت أمّه الغار فوجدت فيه جميع ما تحتاج إليه، وخفّف الله عنها الطلق، فولدته فى ليلة جمعة، وهى ليلة عاشوراء؛ فلمّا سقط إلى الأرض قطع جبريل سرّته، وأذّن فى أذنه، وكساه ثوبا أبيض؛ ثم عاد بها الملك إلى منزلها فرجعت خفيفة كأن لم تلد، وقال لها الملك: اكتمى أمرك وما قد رأيت. فدخلت منزلها، وجاء تارح فرآها نشطة خفيفة، فقالت: إن الذى كان فى بطنى لم يكن ولدا، وإنّما كانت ريحا وقد انفشّت عنّى. ففرح بذلك، وألقى الله تعالى على نمروذ النسيان فى أمر إبراهيم؛ فلمّا كان فى اليوم الثالث خرجت أمّه إلى الغار فرأت الوحش والسباع على بابه، فتوهّمت أن يكون هلك؛ فدخلت فرأته على فراش من السندس، وهو مدهون مكحول، فتحيّرت وعلمت أنّ له ربّا، ورجعت إلى منزلها وأخبرت تارح الخبر، فنهاها عن العود إلى الغار، فكانت تروح إليه سرّا فى كلّ ثلاثة أيّام تنظر إليه وتعود، حتى تمّ له حولان، فأتاه جبريل بطعام من الجنّة، فأطعمه وسقاه؛ فلمّا استكمل أربع سنين جاءه ملك بكسوة من الجنّة، وسقاه شربة التوحيد وقال: اخرج الآن منصورا.
ذكر خروج إبراهيم- عليه السلام- من الغار واستدلاله
قال: ولمّا قال له الملك ذلك خرج عند غروب الشمس، فجعل ينظر إلى السموات، فذلك قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي
يعنى على سبيل الاستفهام، أى أهذا ربّى؟. فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ* فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ* فَلَمَّا رَأَى
(13/102)

الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
وهبط جبريل- عليه السلام- فقال له: انطلق إلى أبيك وأمّك ولا تخف فإن الله معك. فخرج إبراهيم وجبريل معه حتى وقفه على الباب وقال: هذا بيت أبيك، فدونك هو. فاستأذن إبراهيم وقال: أدخل؟ قال تارح: ادخل. فلمّا دخل نظر إليه فعجب من حسنه وجماله، وقامت أمّه مسرعة إليه واعتنقته وقالت: ولدى وعزّة نمروذ. فقال لها: لا تحلفى بعزّة نمروذ، فإن العزة لله الّذى خلقنى فى بطنك وأخرجنى منك، وكلأنى وربّانى وهدانى.
فارتعد تارح من كلامه وقال لأمّه: أخشى أن تزول عنّى هذه المنزلة بسببه.
ونظر إليه وقال: ما أحسنك! فلولا ما وقع فى قلبى من محبّتك لرفعت خبرك إلى نمروذ.
ثم بكى تارح خوفا عليه أن يقتل، فقال له: يا أبت لا تخف علىّ من القتل فإن الله يعصمنى من نمروذ. فقال له: ألك ربّ غير نمروذ، وله مملكة الأرض شرقها وغربها، وله ثلاثمائة صنم؟ فقال إبراهيم: بل ربّى الله الّذى لا إله إلّا هو خالق السموات والأرض وما بينهما لا شريك له.
وبلغ خبر إبراهيم بعض أقارب تارح، فدخل عليه وقال: ما هذا الغلام الجميل؟
قال: هو ابنى ولد لى على كبر. قال: فما الّذى بلغك من قوله عن نمروذ وأصنامنا؟
قال تارح: هو ما بلغكم، فكلّموه حتى يعود إلى ديننا. فحاجّه قومه وخوّفوه بعذاب نمروذ، وهو يجادلهم ويحتجّ عليهم، ويذكر عظمة ربّه حتى عجزوا عنه فذلك قوله تعالى: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ
الآيات إلى قوله: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ.
(13/103)

فانصرفوا عنه، وخاف تارح أن يسعوا به وبولده إلى نمروذ، فقال: يا إبراهيم كفّ عن هذا الكلام حتّى استخلفك على خزانة الأصنام فقد كبرت. فقال:
يا أبت، إنّ المعبود هو الله، والأصنام لا تضرّ ولا تنفع.
فغضب تارح وأقبل على نمروذ، فسجد له، وقال: إن المولود الذى كنت تحذره هو ولدى، ولم يولد فى دارى، ولا أعلم به حتّى الآن، وقد جاءنى وهو غلام يعقل ويفهم، ويزعم أن له ربا سواك، وقد أعلمتك فاصنع ما أنت صانع.
فلمّا سمع نمروذ ذلك داخله الرعب وقال: صفه. فوصفه. قال نمروذ:
هو الّذى رأيته فى منامى. وقال لأعوانه: ائتونى به. فأتوه به، فردّد النظر إليه وقال: احبسوه إلى غد؛ فلمّا أصبح أحضره وقد أمر بتزيين قصره بأعظم زينة، وهوّل عليه بجنوده وأصناف السلاح؛ فالتفت إبراهيم إلى الناس يمينا وشمالا وقال: ما تَعْبُدُونَ
؟ فذلك قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ* إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ
إلى قوله: إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ
ثم قال: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ
إلى قومه: وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ
ثم التفت وقال:
وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ
إلى قوله: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ.
فلمّا فرغ من كلامه قال له نمروذ، يا إبراهيم، تقع فى دينى وأنا الّذى خلقتك ورزقتك؟ قال: كذبت، إنّ خالقى ورازقى وخالق الخلق ورازقهم، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ*
فبهت الناس، ووقعت فى قلوبهم محبّته لحسنه وحسن كلامه؛ فالتفت نمروذ إلى تارح وقال: إنّ ولدك صغير لا يدرى ما يقول ولا يجوز لمثلى فى قدرتى وعظم مملكتى أن أعجّل عليه؛ فخذه إليك، وأحسن إليه وحذّره بأسى حتى يرجع عما هو فيه.
(13/104)

فأخذه تارح وانصرف إلى منزله، وقال: يا بنىّ، إنّ لى عليك حقّا. وأسألك بحقّى عليك أن تلازمنى فى عملى وبيع هذه الأصنام كما يفعل إخوتك. قال: كيف أبيع ما أبغضه؟ قال: ما عليك أن تبيعها؟ وأخرج له صنمين صغيرا وكبيرا، وقال:
بع هذا بكذا، وهذا بكذا. قال: يا أبت أنت تعبد هذه الأصنام على أنّها ترزقك وهى الّتى خلقتك؟ قال: نعم. فقال له ما أخبرنا الله به فى قوله: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا* إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً* يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا* يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا
فغضب تارح من قوله وقال: أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا
قال إبراهيم: سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا.
وقال: وكان إبراهيم يخرج ومعه غلامان ومعهما صنمان، فيقول: من يشترى ما لا يضرّ ولا ينفع ولا يدفع الذّباب عن نفسه؛ وكان يغمسهما فى الماء ويقول:
اشربا. ويشدّ الحبل فى أرجلهما ويجرّهما، والناس يعظمون ذلك ولا يجسرون يكلّمونه لمكان أبيه من نمروذ.
ذكر معجزة لإبراهيم- عليه الصلاة والسلام-
قال: وبينما إبراهيم قاعدا إذ جاءته امرأة عجوز، فقالت: بعنى أحد هذين الصنمين، واختر لى أجودهما. فقال: هذا أكثر حطبا من هذا. قالت: لست أريده للوقود، وإنّما أريد أن أعبده، فقد كان لى إله سرق فى جملة ثياب كثيرة
(13/105)

لى، وأنا أريد أن أشترى هذا الصنم فأعبده حتى يردّ علىّ رحلى. قال لها إبراهيم:
إنّ الإله الّذى يسرق لو كان إلها لحفظ الثياب وحفظ نفسه، فكم لك تعبدينه؟
قالت: كنت أعبده ونمروذ منذ كذا وكذا سنة. قال: بئس ما صنعت، هلا عبدت ربّ السموات والأرض حتى يردّ عليك ما سرق منك، فإن عاد ما لك تؤمنين؟ قالت: نعم.
فدعا إبراهيم ربّه فإذا بالمسروق بين يديه قد جاء به جبريل؛ فقال لها إبراهيم:
هذا رحلك. فأخذته العجوز وكسرت الصنم، وقالت تبّا لك ولمن عبدك دون الله. وآمنت، وجعلت تطوف فى المدينة وتقول: يأيّها الناس اعبدوا الله الّذى خلقكم ورزقكم، وذروا ما كنتم عليه من عبادة الأصنام.
فبلغ خبرها نمروذ، فأحضرها وأمر بقطع يديها ورجليها وفقء عينيها؛ فاجتمع إبراهيم والناس لينظروا إليها- وهو إذ ذاك لم يبلغ الحلم- فدعا لها بالصبر وقال: إلهى إنّك قد هديتها، أسألك أن تجعلها آية. فردّ الله عينيها ويديها ورجليها وارتفعت فى الهواء وهى تنادى: ويلك يا نمروذ، أنا الّذى قد فعلت بى ما فعلت هأنا أرقى إلى الجنان.
وكان لنمروذ خازن «1» يقال له: بهرام، فقام وقال: آمنت أيّتها المرأة بالذى خصّك بهذه الكرامة، وآمن فى ذلك اليوم خلق كثير من وجوه القوم؛ فأمر نمروذ فنشروا بالمناشير وألقوا للأسود فلم تأكلهم؛ وارتجت المدينة بزلزلة عظيمة وترادفت معجزات إبراهيم- عليه السلام-
(13/106)

ذكر مبعث إبراهيم- عليه السلام-
قال: فلمّا تمّ لإبراهيم أربعون سنة، جاءه جبريل بالوحى من الله، وأرسله إلى نمروذ، فأقبل إبراهيم ووقف على باب نمروذ ونادى بأعلى صوته: يا قوم، قولوا:
«لا إله إلّا الله وإنّى إبراهيم رسول الله» . فآنتشر الصوت على جميعهم؛ فأحضر نمروذ الوزراء والبطارقة، وأجلسهم فى مجالسهم، وأقام جنوده، وأحضر الأسود والفيلة بسلاسلها، وأقيمت صفوفا عن يمين الدار ويسارها؛ وأمر بدخول إبراهيم؛ فدخل وقال: «باسم الله العظيم» فلمّا توسّط الدار قال بصوت رفيع: يا قوم قولوا: «لا إله إلّا الله خالق كلّ شىء» .
ثم تقدّم إلى نمروذ؛ فقال له بعض وزرائه: من أنت؟ قال: أنا إبراهيم بن تارح رسول ربّ العالمين، أدعوكم إلى عبادته. قال له: من ربّك؟ قال: الذى خلق الناس جميعا. قال نمروذ: إنّ ملكى أعظم من ملكه. قال إبراهيم: الملك والسلطان لله ربّ العالمين. قال: لقد تجرّأت علىّ يا إبراهيم، وأنت تعلم أنّى خلقتك ورزقتك.
فاضطرب سرير نمروذ، وقال إبراهيم: كذبت يا نمروذ، إنّ الله هو الّذى خلقك وخلق الناس أجمعين، ورزقك ورزقهم، وأنت تكفر بنعمته وقد رأيت بعض الآيات؟ قال: هات غير ذلك. فوصف إبراهيم قدرة الله. قال نمروذ: فما الّذى يفعل من قدرته؟ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
قال نمروذ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ
. قال: كيف تفعل؟ قال: أخرج من الحبس من قد وجب عليه القتل فأطلقه، وأقتل الّذى لم يجب عليه.
قال إبراهيم: إنّ ربّى لا يفعل كذلك، بل الميّت يحييه، والحىّ يميته من غير قتل، ولكن يا نمروذ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ.
(13/107)

ذكر سؤال إبراهيم- عليه السلام- فى إحياء الموتى
قال الله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
قال: فأخذ ديكا أبيض وغرابا أسود وحمامة خضراء وطاوسا، وقطع رءوسها، وخلط الدم بالدم والريش بالريش؛ ثم جزّأها أجزاء متساوية، وجعل على كلّ جبل منهنّ جزءا، وجعل رءوسها بين أصابعه؛ ثم دعاها، فانضمّ كلّ جزء إلى بعضه، وخرجت الرءوس من بين أصابع إبراهيم، فصار كل رأس إلى بدنه.
قال: والتفت إبراهيم إلى نمروذ وقال: كيف ترى قدرة إلهى؟ قال: ليس هذا ببديع من سحرك. وأمر به فقيّد وغلّت يده، وأدخل المضيق تحت الأرض وفيه الحيّات والعقارب فلم يضرّه ذلك.
وجاءه جبريل فبشّره عن الله بالنصر، وألبسه حلّة خضراء، وفرش له فرشا من السندس، وأتاه بطعام فأكل وقال له: اصبر كما صبر الأنبياء من قبلك.
ذكر آية لإبراهيم- عليه السلام-
قال: وكان إبراهيم يسلّى أهل السجن، ويذكّرهم بالجنّة والنار؛ فقام إليه رجل وقال: يا إبراهيم، أنا من ملوك العرب، وأنا ابن ملكهم، وكنّا أربع إخوة فغضب الملك علينا فحبسنى هاهنا، وحبس الآخر بالمشرق، والآخر بالمغرب والرابع باليمن، فهل يقدر ربّك أن يجمع بيننا؟ قال: نعم. ودعا إبراهيم ربّه، فإذا بالأخوين وقد انقضّا من المشرق والمغرب. فبلغ ذلك نمروذ، فأحضرهم وقال:
(13/108)

من جمع بينكم؟ قالوا: إلهنا بدعاء إبراهيم. فأحضر إبراهيم وقال: ائتنا بالأخ الرابع من اليمن. فقال: إنّه قد مات ودفن. فقال نمروذ: ادع ربّك حتّى يأتينا بقبره.
فدعا إبراهيم، فأمر الله الملك الموكّل بالأرض أن يخترق بالقبر إلى إبراهيم؛ فخرج القبر من تحت الأرض إلى دار نمروذ، فقال إبراهيم للثلاثة: هذا قبر أخيكم. فقالوا: أيّها الملك، إن كان حقّا ما يقول فليدع ربّه ليحييه وينظر إليه ويكلّمه.
فصلّى إبراهيم ركعتين، وسأل الله أن يحييه؛ فانشق القبر، وخرج الرجل منه وهو يشتعل نارا ويقول: هذا جزاء من عبد الأصنام ورغب عن دين الله.
فقام بهرام الخازن ونزع ما كان عليه من لباس نمروذ، وآمن بالله وبإبراهيم.
فقال له نمروذ: لقد عمل سحره فيك. وأمر بهم نمروذ فشدّت أيديهم وأرجلهم ووضعت عليهم أساطين، فلم يؤلمهم ثقلها؛ فبهت نمروذ ثم قال: عودوا لطاعتى فأنا الذى خففت عنكم ثقل هذه. فقال خازنه: قم حتى نضع عليك واحدة منها وخفّفها عن نفسك.
فغضب نمروذ وأحرقهم بالنار حتى صاروا رمادا؛ فردّ الله عليهم أرواحهم فقاموا على أرجلهم يقرّون بعظمة الله؛ فعجب الناس، ولم يدر نمروذ ما يفعل؛ فأمر بهم فألقوا فى الحبس بين حيّات وعقارب، فبقوا فيه أربعين يوما، ولم يطعموا شيئا؛ فجاءت أمّ إبراهيم إلى نمروذ وسألته فى إطلاقه، فأمر بإخراجه هو ومن آمن به، وفى ظنّه أنّهم قد ماتوا؛ فأخرجهم فإذا هم فى أحسن صورة؛ فعجب
(13/109)

وقال: يا إبراهيم، من أطعمك وسقاك؟ قال: ربّى أطعمنى وسقانى، فآمن به يا نمروذ، فقد رأيت آياته وعظمته.
فغضب نمروذ ثم أقبل على تارح وقال له: قد كنت أتخوّف من ابنك، لأنّى كنت أظنّ له شوكة من الجنود، والآن فليس عنده إلّا السحر، وقد وهبته لك.
فأخذه أبوه وأخرجه من دار نمروذ، وقال له: يا بنىّ، امش حتى أدخلك على هذه الأصنام لعلّك تميل إليها. فقال إبراهيم: سوءة لك أيّها الشيخ. ثم قال:
أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ؟
ثم قال: يا قوم قولوا: لا إله إلّا الله وإنّى إبراهيم رسول الله تفلحوا. فكذّبوه، فقال له أبوه: يا بنىّ ما تخشى سطوة الملك.
فقال: يا أبت إنّ الله يعصمنى من مكايده.
قال: ثم ابتلاهم الله- عزّ وجلّ- بالقحط، وقلّت عندهم الأقوات؛ وكان بظاهر المدينة كثيب من الرمل، فتعبّد إبراهيم فيه، ودعا ربّه أن يحوّله طعاما. فحوّله الله، فكان المؤمنون ينالون منه ما يريدون، والكفّار يسجدون لنمروذ ويأخذون منه القوت.
وكان قد جمع الأقوات فى سراديب عنده، فأطعمهم حتى نفد أكثرها ولم يبق إلّا قوت أهله وعشيرته؛ فشرع الناس يؤمنون ويزيدون فى كل يوم؛ فشقّ ذلك على نمروذ، وطلب إبراهيم وقال له: اخرج من بلدى فقد أفسدت قومى بسحرك. فقال إبراهيم: لم أخرج وأنا أحقّ منك؟ وخرج من عنده فأحضر نمروذ تارح وقال له: إن ابنك قد آذانى فى أهل مملكتى، ولولا منزلتك عندى لبطشت به. فقال: إنّنى قد هجرته، ولست راضيا بصنعه، فافعل به ما بدا لك.
(13/110)

ذكر خبر تكسير إبراهيم الأصنام وإلقائه فى النار
قال كعب: وكان لأهل كوثربّا عيد يخرجون إليه فى كلّ سنة، فيتعبّدون هناك أيّاما؛ وكان بعيدا من البلد؛ فلمّا حضر ذلك العيد قال تارح لإبراهيم: اخرج معنا إلى عيدنا. فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ
، يعنى لعبادتكم الأصنام فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ
إلى عيدهم، ولم يبق فى بلدهم إلّا الصّغار والهرمون.
فقام إبراهيم ودخل بيت الأصنام- وكان القوم قد وضعوا الطعام بين أيديها- فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ* ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ
استهزاء بهم؛ وكانت فى جانب البيت فأس، فأخذها وكسر بها هذا الصنم، وكسر يد هذا الصنم ورجل هذا ورأس هذا. قال الله عزّ وجلّ: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ
وترك كبيرهم كما أخبر الله تعالى: فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ
ثم علّق الفأس فى عنق الصنم الأكبر ورجع إلى منزله.
وأقبل القوم بعد فراغهم من عيدهم، فرأوا أصنامهم على ذلك؛ فقالوا: مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ* قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ
وبلغ الخبر نمروذ. قال: فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ
يعنى عذابه. فلمّا أتوا به قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ* قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
قال بعضهم لبعض: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ* ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ
فصاحوا من كلّ ناحية: أفتأمرنا بذلك وأنت تعلم أنّها لا تسمع ولا تبصر. فقال إبراهيم: أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ
فقال القوم لنمروذ ما أخبرنا الله تعالى عنهم: قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ.
(13/111)

وكان لنمروذ تنّور من حديد يحرق فيه من غضب عليه، فأمر به فأسجر فطرح إبراهيم فيه، فلم تضرّه النار بقدرة الله؛ فلمّا رأى نمروذ ذلك جمع أهل مملكته واستشارهم، فأشاروا أن يحبسه ويجمع له الحطب الكثير، ويضرم فيه النار، ثم يلقيه فيه إذا صار جمرا. وقالوا: إنّه لا يقدر يسحر النار الكبيرة، ولا يعمل سحره فيها.
فعند ذلك حبسه وأمر بجمع الأحطاب؛ فيقال: إنّ الدوابّ امتنعت من حملها إلّا البغال، فأعقمها الله عقوبة لذلك؛ فجمعوا من الأحطاب ما لا يحصى كثرة؛ وأمر أن تحفر حفيرة واسعة، وبنى حولها حائطا عاليا، وألقى فيها تلك الأحطاب وأضرم فيها النار والنّفط ثلاثة أيّام، فكان لهبها يصيب الطائر فى الجوّ فيحرق.
قال: وهمّوا بطرح إبراهيم فيها، فلم يقدروا يقربوا منها.
فيقال: إنّ إبليس أتاهم فى صورة شيخ، وصنع لهم المنجنيق، ولم يكونوا يعرفونه قبل ذلك، ووضعوا إبراهيم فى كفّة المنجنيق، ورموا به وهو يدعو الله أن ينصره عليهم؛ فعارضه جبريل وهو فى الهواء، وقال له: ألك حاجة يا إبراهيم؟
قال: أمّا إليك فلا، بل حسبى الله ونعم الوكيل.
فلمّا قرب من النار قال الله عزّ وجلّ: يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ.
قال ابن عبّاس- رضى الله عنهما-: لو لم يقل «وسلاما» لمات إبراهيم من شدّة البرد.
فبرد حرّها وأخضرت الأشجار التى احترقت ورست بعروقها.
فلمّا أصبح نمروذ جلس فى مكان مشرف ينظر إلى ما أصاب إبراهيم من النار؛ فكشف عن بصره فإذا هو برجل فى وسطها على سرير، عليه ثياب خضر وإلى جنبه رجل آخر؛ وخلق كثير وقوف من ورائهما؛ فدعا بصاحب المنجنيق
(13/112)

وقال له: كم ألقيت فى النار؟ قال: إبراهيم وحده. فعجب وعجبت الناس وقال: اذهبوا وانظروا من القاعد على السرير ومن إلى جنبه وحوله. فأتوا فإذا هم بإبراهيم على أحسن صورة، فأخبروا نمروذ، فقال: ائتونى به. فقالوا: لا نستطيع الوصول إليه لحرّ النار. فنادوه: يا إبراهيم، أخرج إلينا. فخرج إلى نمروذ وقال له: ما أعجب سحرك يا إبراهيم! قال: ليس هذا بسحر، وإنما هو من قدرة الله تعالى. قال: فمن الّذى عن يمينك؟ قال: ملك جاءنى من عند ربّى بشّرنى انّ الله اتّخذنى خليلا. فقال نمروذ: لأصعدنّ إلى السماء وأقتل إلهك.
ذكر خبر صعود نمروذ إلى السماء على زعمه
قال: وأمر نمروذ أن يتّخذ له تابوت مربّع، ويكون له بابان: باب إلى السماء وباب إلى الأرض، وجوّع أربعة نسور، وسمّر أربعة رماح فى أركان التابوت، وعلّق اللحم فى أعلاها، وشدّ النسور بأوساطها إلى الرماح، وجلس فى التابوت ومعه وزيره، وحمل معه قوسا ونشّابا، وأطبق البابين، فرفعت النسور رءوسها فنظرت إلى اللّحم، فطارت صاعدة، وارتفعت فى الهواء؛ فقال لوزيره:
افتح الباب الذى يلى الأرض وانظر كيف هى؟ قال: أراها كأنّها قرية. قال:
فأنظر إلى السماء. فقال: هى كما رأيناها ونحن فى الأرض. ولم يزل يصعد حتى قال: أما الدنيا فلا أراها إلا سوادا ودخانا، والسماء كما رأيناها.
وارتفعت النسور حتى كادت تسقط إلى الأرض؛ فعارضه ملك وقال: ويلك يا نمروذ؛ إلى أين؟ قال: أريد محاربة إله إبراهيم. قال: ويحك، إنّ بينك وبين سماء الدنيا خمسمائة عام، ومن فوق ذلك ما لا يعلمه إلّا الله. فخرّ الوزير ميتا؛ فأخذ نمروذ القوس ووضع فيه السهم، وقال: أنا لك يا إله إبراهيم، ورمى بالسهم إلى الهواء، فيقال: إنّ ذلك السهم عاد إليه ملطّخا بالدم بإذن الله.
(13/113)

وأمر الله جبريل أن يضرب التابوت بجناحه، فيلقيه فى البحر؛ فضربه فمرّ يهوى به حتى ألقاه فى البحر؛ وأمر الله الأمواج أن تلقيه إلى الساحل؛ فلمّا وصل إلى البرّ خرج وقد ابيضّت لحيته لما عاين من الأهوال، وتوصّل من بلد إلى بلد حتى أتى المدينة، فدخل منزله ليلا فأنكره الناس لشيبه، ثم عرفوه؛ وجاءه إبراهيم فقال: كيف رأيت قدرة ربّى؟ قال: قد قتلت ربّك. قال: إنّ ربّى أعظم من ذلك، ولكن هل لك قوّة- مع كثرة جنودك- أن تقاتلنى؟ قال: نعم.
ذكر خبر إرسال البعوض على نمروذ وقومه
قال: وأمر نمروذ جنوده فاجتمعوا لحرب إبراهيم وهم لا يحصون كثرة؛ وخرج إبراهيم فى سبعين من قومه الذين آمنوا فى الصحراء، فأرسل الله عليهم البعوض حتى امتلأت منه الدنيا، ولدغت جيش نمروذ؛ فمات من لدغها خلق كثير، والتجأ الباقون إلى الدّور، وأغلقوا الأبواب وأسبلوا الستور؛ فلم تغن عنهم شيئا؛ وانفرد نمروذ عن جيشه، ودخل منزله وأغلقت الأبواب، وأرخيت الستور، واستلقى على سريره، فجاءت بعوضة فقعدت على لحيته، فهمّ بقتلها، فدخلت منخره وصعدت إلى دماغه؛ فعذّبه الله بها أربعين يوما لا ينام ولا يطعم؛ ثم شقّت رأسه وخرجت فى كبر الفرخ، فمات.
وقيل: إنّه اتخذ إرزبّة من حديد، فكان صديقة الّذى يضرب بها رأسه فانفلق رأسه بضربة فخرجت كالفرخ وهى تقول: هكذا يهلك الله أعداءه، وينصر أنبياءه، ويسلّط رسله على من يشاء.
وأرسل الله الزلازل على المدينة، فخرّبت.
قال: وجاء لوط وهو ابن أخى إبراهيم، وآمن به، وآمنت سارة، فتزوّج بها إبراهيم.
(13/114)

ذكر هجرة إبراهيم- عليه السلام-
قال: وجمع إبراهيم أصحابه الّذين آمنوا به، وسار يريد الشأم، فجاء إلى (حرّان) فأقام بها مدّة من عمره، وترك بها طائفة من المؤمنين، وسار حتى أتى الأردنّ وكان اسم ملكها صادوق، فمرّ به وهو فى منظرة له، فنظر إلى سارّة مع إبراهيم فأحضرهما، وقال لإبراهيم: من أنت؟ قال: أنا خليل الله إبراهيم. وذكر له ما كان من أمر نمروذ. فقال له: من هذه؟ قال: هى أختى. فقال: زوّجنيها.
قال: هى أعلم بنفسها منّى، وإنّها لا تحلّ لك. فاغتصبها منه، وقام إلى مجلس آخر وأمر بحملها إليه. فدعا إبراهيم الله تعالى، فارتجّ المجلس بالملك، ويبست يده فقال لسارّة: ألا ترين ما أنا فيه؟ قالت: لأنّك أغضبت خليل الله.
قال: فتضرّع إلى إبراهيم؛ فسأل الله فى ردّ يده عليه؛ فأوحى الله إليه:
لا أطلقه دون أن أخرجه من ملكه ويسلم؛ فأسلم وخرج عن الملك، ووهب سارّة هاجر، وهى أمّ إسماعيل.
قال وارتحل إبراهيم حتى أتى الأرض المقدّسة فنزلها.
وقد روينا هذه القصة بسندنا إلى البخارىّ- رحمه الله- وسنذكر الحديث- إن شاء الله تعالى- فى أخبار طرطيس أحد الملوك بمصر، فقد ورد أنه صاحب القصة؛ والله أعلم.
ذكر خبر ميلاد إسماعيل- عليه السلام- ومقامه وأمّه فى البيت المحرّم
قال: وأقام إبراهيم بالأرض المقدّسة ما شاء الله أن يقيم حتى كبرت سارّة وأيست من الولد، فخافت من انقطاع نسل إبراهيم- عليه السلام- فوهبته هاجر فقبلها، وواقعها، فحملت بإسماعيل، ووضعته كالقمر وفى وجهه نور نبيّنا محمد
(13/115)

صلّى الله عليه وسلّم؛ فأحبّته سارّة حتى بلغ من عمره سبع سنين، فداخلت الغيرة سارّة، ولم تطق أن ترى إبراهيم مع هاجر، فقالت: يا نبىّ الله، إنى لا أحبّ أن تكون هاجر معى فى الدار، فحوّلها حيث شئت.
فأوحى الله إليه أن انقلها إلى الحرم؛ وجاءه جبريل بفرس من الجنّة، فقال له: يا إبراهيم، احمل هاجر وإسماعيل على هذا الفرس. فأركب إبراهيم هاجر وإسماعيل من ورائها، وسار بهما حتى بلغ الحرم.
فأوحى الله إليه أن أنزل بهما هاهنا. فأنزلهما بالقرب من البيت، وهو يومئذ أكمة حمراء كالربوة من تخريب الطوفان. ثم قال إبراهيم لهاجر: كونى هاهنا مع ولدك فإنى راجع، فبذلك أمرنى ربّى. فلما أراد إبراهيم أن ينصرف قال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
إلى قوله: لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.
ثم رجع وتركهما هناك ولا ثالث لهما إلّا الله تعالى.
فلما علا النهار، واشتدّ الحرّ، ونفد ما معهما من الماء، قامت هاجر تعدو يمينا وشمالا فى طلب الماء فلم تجده؛ فعادت إلى إسماعيل فرأته يبحث بأصابعه فى موضع بئر زمزم وقد نبع الماء؛ فسجدت لله، وأخذت تجمع الحصا حول العين لئلّا ينتشر الماء وهى تقول: زمّ زمّ يا مبارك.
فناداها جبريل: لا تخافى وأبشرى، فإن الله سيعمر هذا المكان.
قال وهب: لولا أن هاجر جمعت الحصا حول الماء لتمّت العين نهرا جاريا على وجه الأرض إلى يوم القيامة.
قال: وأقبل ركب من اليمن يريدون الشأم، وطريقهم على الحرم، فرأوا الطير تهوى إلى الأرض، فقالوا: إن الطير لا تنقضّ إلّا على الماء والعمارة.
(13/116)

وأقبلوا فرأوا هاجر وإسماعيل والعين؛ فسألوها، فقالت: أنا جارية خليل الله إبراهيم وهذا ابنه، خلّفنا وانصرف إلى الشأم.
فآستأذنوها فى الماء؛ فأذنت لهم. ثم قالوا: هل أحد ينازعك على هذا الماء؟
قالت: لا، فإنّ الله أخرجه لى ولولدى. قالوا: إن حضرنا بأهالينا وسكّنا فى جواركم هل تمنعيننا من هذا الماء؟ قالت: لا، فإنه لله يشربه خلق الله.
فرجعوا إلى بلدهم، واحتملوا أهاليهم وأتوا الحرم بها وبمواشيهم، فصاروا لهما أنسا.
ونشأ إسماعيل حتى بلغ مبلغ الرجال، فكان يخرج إلى الصيد معهم ويرجع وماتت أمه هاجر، وتزوّج إسماعيل منهم، وبلغ إبراهيم خبر موت هاجر، فاشتاق إلى إسماعيل، فاستأذن سارّة فى ذلك، فأذنت له، فجاءه جبريل بفرس فركبه وسار حتى وقف على بيت ولده إسماعيل بالحرم، فقال: السلام عليكم يا أهل المنزل.
فقالت له المرأة: إن صاحب البيت غائب. فقال إبراهيم: إذا رجع فقولى له:
ابدل عتبة دارك، فإنّى لا أرضاها لك. وانصرف إلى الشأم.
فلما عاد إسماعيل أخبرته بالخبر، فقال: صفيه لى. فوصفته؛ فقال: الحقى بأهلك.
فجاء أهلها وقالوا: ما الذى كرهت منها؟ قال: لأنها لم تعرف لخليل الله قدرا.
ثم تزوّج امرأة من جرهم، فأولدها إسماعيل ستّة أبطن، فاشتاق إبراهيم إلى ولده، فجاءه جبريل بفرس فركبه وسار إلى الحرم، وقد عمر ذلك المكان بجرهم؛ فوقف على باب إسماعيل وقال: السلام عليكم يا أهل المنزل. فبادرت المرأة وسلّمت عليه، وقالت: فدتك نفسى، إن صاحب المنزل غائب، وإنه يعود عن قريب. قال: هل عندك طعام؟ قالت: نعم، عندنا خير كثير. وجاءته بطبق
(13/117)

عليه لحم مشوىّ من الصيد، وقدح فيه ماء. قال: فهل غير هذا من حب أو زبيب! قالت: يا عمّاه، ما هذا طعام بلدنا، ولكنّه يجلب إلينا، فانزل بنا وتناول طعامنا. قال: إنّى صائم، ولكن علىّ ذرق «1» الطير فاغسليه. وحوّل قدمه عن الفرس، ووضعه على المقام؛ فغسلته «2» ، فقال: إذا جاء زوجك فسلّمى عليه وقولى له: الزم عتبة بابك فقد رضيتها لك. وانصرف.
فلما رجع إسماعيل من الصيد أخبرته الخبر فقال: لقد كنت كريمة علىّ وقد صرت الآن أكرم بإكرامك أبى خليل الله إبراهيم.
ثم اشتاق إبراهيم إلى ولده ثالثا، وذلك بعد ثلاث وعشرين يوما، فجاء إليه ولقيه، وأمره الله أن يبنى البيت، فبناه؛ وأتاه جبريل فعلّمه مناسك الحجّ.
وقد تقدّم ذكر ذلك مبيّنا فى الباب الثانى من القسم الخامس من الفنّ الأوّل وهو فى السفر الأوّل من كتابنا هذا، فلا حاجة لنا فى إعادته.
قال: ورجع إبراهيم إلى البيت المقدّس، وأوحى الله إليه أن يرسل لوطا نبيا إلى سذوم؛ فأرسله.
وكان من أمره ما نذكره فى أخباره فى الباب الّذى يلى هذا الباب- إن شاء الله تعالى-.
ذكر خبر بشارة إبراهيم بإسحاق- عليهما السلام-
قال: وبعث الله الملائكة إلى إبراهيم حين أرسلهم بالعذاب على قوم لوط وأمرهم أن يبشّروه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب؛ فأتوه على صورة البشر وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل ودريائيل.
(13/118)

قال: فأتوه مفاجأة على خيولهم، ودخلوا عليه منزله ففزع منهم، حتى قالوا:
سَلاماً
. فسكن خوفه، وقال: سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
ورحّب بهم وأجلسهم وقام إلى زوجته سارّة وأمرها بخدمتهم؛ فقالت: عهدى بك وأنت أغير الناس.
قال: هو كما تقولين، وإنّما هؤلاء أضياف أخيار. ثم قام إلى عجل سمين فذبحه وشواه، وقرّبه إليهم، ووقفت سارّة لخدمتهم، فجعل إبراهيم يأكل ولا ينظر إليهم وهو يظنّ أنهم يأكلون؛ فرأت سارّة أنّهم لا يأكلون؛ فنبهّته على ذلك، فقال:
أَلا تَأْكُلُونَ
؟ وداخله الخوف من ذلك، ثم قال: لو علمت أنّكم لا تأكلون ما قطعت العجل عن البقرة.
فمد جبريل يده نحو العجل، وقال: قم بإذن الله. فاشتدّ خوف إبراهيم وقال:
إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ* قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
إلى قوله إِلَّا الضَّالُّونَ.
قال: وكانت سارّة واقفة هناك، فقالت: «أوّه» فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ
قال الله تعالى: وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ
أى حاضت فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ* قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ* قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ
ولم تعلم أنّهم ملائكة؛ فقال لها جبريل: يا سارّة، كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ
. قال إبراهيم: فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ* لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ
ثم عاد جبريل إلى صورته، فعرفه إبراهيم، وعرّفه أنهم يقصدون قوم لوط بالعذاب؛ فاغتم إبراهيم شفقة على لوط وأهله، ثم قال: امضوا حيث تؤمرون.
وكان من أمر قوم لوط ما نذكره.
(13/119)

قال: وحملت سارّة بإسحاق فى الليلة الّتى خسف الله فيها بقوم لوط، ووضعته وعلى وجهه نور أضاء منه ما حولها؛ فدخل إبراهيم وقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ
وربّته سارّة حتى بلغ سبع سنين.
ذكر خبر الذبيح وفدائه
قال: وكان إسحاق يخرج مع أبيه إلى بيت المقدس، فبينما إبراهيم فى مصلّاه إذ غلبته عينه فنام، فأتاه آت فى منامه وقال: إن الله يأمرك أن تقرّب قربانا.
فلمّا أصبح عمد إلى ثور فذبحه وفرّق لحمه على المساكين، فلما كان الليل رأى فى منامه الّذى أتاه وهو يقول: يا إبراهيم، إنّ الله يأمرك أن تقرّب له قربانا أعظم من الثور. فلمّا انتبه ذبح جملا وفرّق لحمه على المساكين. ثم رآه فى الليلة الثالثة وهو يقول: إنّ الله يأمرك أن تقرّب قربانا أعظم من الثور والجمل. قال إبراهيم:
وما هو؟ فأشار إلى ولده إسحاق؛ فانتبه فزعا، وأقبل على إسحاق وقال له: ألست تعطينى يا بنىّ؟ قال: بلى، ولو كان فى ذبح نفسى.
فانصرف إبراهيم إلى منزله، وأخذ الشّفرة والحبل، فوضعهما فى مخلاته وقال: يا إسحاق، امض بنا إلى الجبل.
فلما مضيا أقبل إبليس إلى سارّة وقال لها: إنّ إبراهيم قد عزم على ذبح إسحاق فالحقيه وردّية. قالت: ولم يذبحه؟ قال: إنّه زعم أن ربّه أمره بذلك. قالت:
إن كان الأمر كذلك فإنّه صواب إذا أراد رضى ربّه. وقالت: اللهم اصرف نزغ الشيطان. فولّى عنها هاربا، وتبع إسحاق فناداه: إنّ أباك يريد أن يذبحك.
فقال إسحاق لأبيه: يا أبت ألا تسمع إلى هذا الهاتف ما يقول؟ قال: يا بنىّ امض ولا تلتفت إليه، فسأخبرك.
(13/120)

فلما انتهيا إلى رأس الجبل قال: إبراهيم: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
فحمد إبراهيم ربّه على ذلك؛ فنودى من السماء: أليس الله قد وصفك بالحلم فكيف لا ترحم هذا الطفل؟ قال: إن الله قد أمرنى بذلك. فقال إسحاق:
يا أبت عجّل أمر ربّك قبل أن ينال منّا الشيطان.
فنزع إبراهيم قميصه وربطه بالحبل، وكبّه على جبينه وهو يقول: الحمد لله باسم الله الفعّال لما يريد. ووضع الشفرة على حلقه، فلمّا همّ بذبحه انقلبت الشفرة، فارتعدت يد إبراهيم، فقال له إسحاق: يا أبت، حدّ الشفرة، واصرف وجهك عنّى حتى لا ترحمنى. قال: يا بنىّ، قد فعلت حتى لو قطعت بها المجنّ لقطعته بحدّها.
ثم وضع إبراهيم الشفرة على حلقه ثانيا، وهمّ بقطع أوداجه؛ فانقلبت؛ فقال إبراهيم: لا حول ولا قوّة إلا بالله. فقال: أصبت فى قولك يا أبت ولكن حدّ شفرتك لتذبحنى ذبحا، ولا تجزع. فحدّ إبراهيم المدية حتى جعلها كالنار ووضعها على حلق إسحاق، فسمع إبراهيم هدّة «1» عظيمة ومناديا يقول: يا إبراهيم خذ هذا الكبش فاذبحه عن ابنك، فهو قربان عنه، وهذا اليوم جعل عيدا لك ولولدك من بعدك.
فالتفت إبراهيم إلى الجبل، وإذا هو بكبش أملح أقرن، قد انحدر من الجبل وهو يقول: خذنى يا إبراهيم فآذبحنى عن ابنك، فأنا أحق منه بالذبح، فأنا كبش هابيل بن آدم.
(13/121)

فحمد إبراهيم ربّه على ذلك، وذبح الكبش؛ فأتت نار من السماء بغير دخان فأكلته حتى لم يبق إلّا رأسه؛ وانصرف إبراهيم وإسحاق ورأس الكبش معهما إلى منزل إبراهيم، وأخبر سارّة بما جرى.
قال: ثم توفّيت سارّة بعد ذلك، وتزوّج إبراهيم بامرأة من الكنعانيين وأولدها ستّة أولاد فى ثلاثة أبطن.
وإبراهيم أوّل من صافح وعانق وفرق الشعر بالمشط ونتف الإبط واستاك واكتحل واختتن بالقدوم.
ذكر وفاة إبراهيم- عليه السلام-
قال: فبينما إبراهيم على باب داره، وإذا هو بملك الموت وقد وافاه فى أحسن صورة؛ فسلّم عليه؛ فأجابه وقال: من أنت؟ قال: أنا ملك الموت، أمرنى الله بقبض روحك. فكره إبراهيم الموت؛ ثم تصوّر له فى صورة شيخ كبير، ودخل على إبراهيم وقال: هل من طعام؟ فقدّم إليه طعام على طبق، فجعل ملك الموت يتناول الطعام، ويخيّل إلى إبراهيم أنه يلوّث وجهه وعنقه، وأنّه لا يستقرّ فى بطنه.
فقال له إبراهيم: أيّها الشيخ، ما بال هذا الطعام لا يستقرّ فى بطنك؟ قال: يا خليل الله، إنى قد شخت، ولست أتمكّن منه إلّا على هذا الوجه. قال: فكم تعدّ من السنين؟ قال: قد جزت مائتى سنة. قال إبراهيم: وأنا فى المائتين إلّا سنة، وإذا مضى علىّ مائتين أصير كذا؟ [قال: نعم «1» ] .
فدعا إبراهيم ربّه أن يقبضه. فجاءه ملك الموت؛ فقال: يا ملك الموت قد اشتقت إليك منذ رأيت ذلك الشيخ على تلك الصورة، فاقبض روحى.
فقبض روحه صلى الله عليه وسلّم.
(13/122)

الباب الثانى من القسم الثانى من الفن الخامس فى قصّة لوط- عليه السلام- وقلب المدائن
هو لوط بن هاران بن تارح، وتارح هو آزر أبو إبراهيم- عليه السلام- وكان لوط قد شخص مع عمّه إبراهيم- عليهما السلام- من المدائن إلى أرض الشأم، مؤمنا به، مهاجرا معه، ومع إبراهيم تارح وسارّة بنت ماحور؛ فلمّا انتهوا إلى حرّان هلك تارح بها وهو باق على كفره؛ وسار إبراهيم ولوط وسارّة إلى الشأم؛ ثم مضوا إلى مصر وبها فرعون من الفراعنة يقال له: سنان بن علوان ابن عبيد بن عوج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام؛ ورجعوا إلى أرض الشأم فنزل إبراهيم فلسطين، وأنزل لوطا الأردن، فكان هناك إلى أن بعثه الله نبيا.
قال: وأوحى الله- عزّ وجلّ- إلى إبراهيم أن يرسل لوطا نبيّا إلى (سذوم) ، وكانت خمس مدائن؛ وهى: (صامورا) «1» (وصابورا) (وسذوم) (ودومة) «2» (وعامورا) ، وهى المؤتفكات، وكان أعظمها (سذوم) وعلى كلّ مدينة سور عظيم مبنىّ بالحجارة والرّصاص، وعليهم ملك يقال له: (سذوم) من بيت نمروذ بن كنعان، وكان أهل هذه المدائن قد خصّوا بحذف الحصا والحبق «3» في المجالس وعبادة الأصنام، وكانوا حسان الوجوه، فأصابهم قحط، فأتاهم إبليس فقال:
إنما أصابكم القحط لأنّكم منعتم الناس من دوركم ولم تمنعوهم من بساتينكم. فقالوا:
(13/123)

كيف السبيل إلى المنع؟ قال: اجعلوا السنّة بينكم إذا دخل بلدكم غريب سلبتموه ونكحتموه فى دبره، فإذا فعلتم ذلك لم تقحطوا.
فخرجوا إلى ظاهر البلد فتصوّر لهم إبليس فى صورة غلام أمرد، فنكحوه وسلبوه، فطاب لهم ذلك حتى صار فيهم عادة مع الغرباء، وتعدّوا إلى أهل البلد، وفشا بينهم؛ فأرسل الله إليهم لوطا، فبدأ بمدينة (سذوم) وبها الملك، فلما بلغ وسط السوق قال: يا قوم اتقوا الله وأطيعون وارجعوا عن هذه المعاصى التى لم تسبقوا إليها، وانتهوا عن عبادة الأصنام، فإنّى رسول الله إليكم.
فكان جوابهم أن قالوا: ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.
وبلغ الخبر الملك، فقال: «ائتونى به» فلمّا وقف بين يديه سأله:
من أين أقبل؟ ومن أرسله؟ ولماذا جاء؟ فأخبره أن الله أرسله. فوق فى قلبه الخوف والرعب، وقال: إنما أنا رجل من القوم، فآدعهم فإن أجابوك فأنا منهم.
فدعاهم فقالوا: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ
. فقال لهم: إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ* رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ.
فلبث فيهم عشرين سنة يدعوهم إلى الله وهم لا يجيبونه.
ثمّ توفيت امرأته، فتزوّج بامرأة من قومه كانت قد آمنت به، فأقام معها أعواما وهو يدعوهم حتى صار له فيهم أربعون سنة وهو يدعوهم بما أخبر الله به ويقول: أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ
الايات، وهم لا يزدادون إلا كفرا وإصرارا وتماديا على أفعالهم الذميمة، فضجّت الأرض منهم.
(13/124)

ذكر خبر نزول العذاب على قوم لوط وقلب المدائن
قد ذكرنا فى قصّة إبراهيم أن الله- عزّ وجلّ- أرسل الملائكة إليه وبشّروه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وأخبروه بما أمرهم الله به من إهلاك قوم لوط، وقال لهم: امضوا حيث تؤمرون.
فاستووا على خيولهم. وساروا إلى المدائن وهم على صفة البشر، فأتوا المدائن وقت المساء، فرأتهم ابنة لوط- وهى الكبرى من بناته وهى تستقى الماء- فتقدّمت إليهم وقالت: ما لكم تدخلون على قوم فاسقين؟ ليس يضيفكم إلّا ذلك الشيخ. فعدلت الملائكة إلى لوط، فلما رآهم اغتمّ غمّا شديدا مخافة عليهم من شرّ قومه، ثم قال لهم: من أين أقبلتم؟ قالوا: من موضع بعيد، وقد حللنا بساحتك، فهل لك أن تضيفنا الليلة؟ قال: نعم، ولكن أخاف عليكم من هؤلاء الفاسقين- عليهم لعنة الله- قال جبريل لإسرافيل: هذه واحدة- وكان الله قد أمرهم ألّا يدمّروا على قومه إلّا بعد أربع شهادات من لوط ولعنته عليهم- ثم أقبلوا إليه وقالوا: يا لوط، قد أقبل علينا الليل، فاعمل على حسب ذلك.
قال: قد أخبرتكم بأنّ قومى يأتون الرجال من العالمين- عليهم لعنة الله- فقال جبريل لإسرافيل: هذه ثانية. ثم قال لهم لوط: انزلوا عن دوابّكم واجلسوا هاهنا حتى يشتدّ الظلام، وتدخلون ولا يشعر بكم أحد منهم- عليهم لعنة الله- قال جبريل: هذه ثالثة. ثم مضى لوط والملائكة وراءه، فدخل المنزل، وأغلق الباب، وقال لامرأته: إنك قد عصيت الله أربعين سنة وهؤلاء ضيفانى قد ملأوا قلبى خوفا، فاكتمى علىّ أمرهم حتى يغفر الله لك ما مضى. قالت: نعم. ثم خرجت وبيدها سراج كأنها تشعل، فطافت على عدّة
(13/125)

من القوم، فأخبرتهم بجمالهم وحسنهم، فعلم لوط بذلك، فأغلق الباب وأوثقه؛ فأقبل الفسّاق وقرعوا الباب. فناداهم لوط: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ* قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ
ثم كسروا الباب، ودخلوا، فقالوا له: أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ.
فوقف لوط على الباب الذى دونه ضيفانه وقال: لا أسلم ضيفانى إليكم دون أن تذهب نفسى.
فتقدّم بعضهم ولطم وجهه، وأخذ بلحيته، ودفعوه عن الباب، فقال: أوّه لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ
ثم قال: إلهى خذ لى بحقّى من هؤلاء الفسقة والعنهم لعنا كبيرا. فقال جبريل عند ذلك: هذه أربعة. وقام جبريل ففتح الباب وقال للوط: إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ
فهجم القوم.
ودخلوا وبادروا نحو الملائكة، فطمس الله أعينهم، واسودّت وجوههم.
قال الله تعالى: وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ
فجاءت طائفة أخرى ونادوهم: اخرجوا لندخل. فنادوا: يا قوم، هؤلاء قوم سحرة سحروا أعيننا فأخرجونا. فأخرجوهم، وقالوا: يا لوط، حتى نصبح نريك وبناتك. وخرجوا فقال لوط للملائكة: بماذا أرسلتم؟ فأخبروه، فقال: متى؟ قالوا: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ.
ثم قال له جبريل: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ
فجمع لوط أهله وبناته ومواشيه، وأخرجه جبريل من المدينة، وقال له: أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ
ومضى لوط
(13/126)

بمن معه، وجبريل قد بسط جناح الغضب، وإسرافيل قد جمع أطراف المدن ودريائيل قد جعل جناحه تحت الأرض، وملك الموت قد تهيّأ لقبض أرواحهم حتى إذا برز عمود الصبح صاح جبريل صيحة: يا بئس صباح قوم كافرين.
وقال ميكائيل: يا بئس صباح قوم فاسقين. وقال دريائيل: يا بئس صباح قوم ظالمين. وقال إسرافيل: يا بئس صباح قوم مجرمين. وقال عزرائيل: يا بئس صباح قوم غافلين.
فاقتلع جبريل هذه المدن عن آخرها، ثم رفعها حتى بلغ بها الى البحر الأخضر وقلبها، فجعل عاليها سافلها. قال الله تعالى: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى * فَغَشَّاها ما غَشَّى
يعنى رمى الملائكة إيّاهم بالحجارة من فوقهم.
قال: واستيقظ القوم، وإذا هم بالأرض تهوى بهم، والنيران من تحتهم والملائكة تقذفهم بالحجارة.
قال: ومن كان من القوم بغير مدائنهم ممّن كان على دينهم وفعلهم أتاه حجر فقتله.
قال: وبقى يخرج من تحت «1» المدائن دخان منتن، لا يقدر أحد يشمّه لنتنه، وبقيت آثار المدائن. قال الله تعالى: وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
قال: ومضى لوط إلى إبراهيم- عليهما السلام- فذلك قوله عزّ وجلّ:
وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ* وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ.
(13/127)

الباب الثالث من القسم الثانى من الفن الخامس فى خبر إسحاق ويعقوب- عليهما السلام-
قال: ولمّا قبض الله تعالى إبراهيم الخليل- عليه السلام- سكن إسماعيل الحرم، وإسحاق الشأم ومدين، وسكن معه سائر أولاد إبراهيم، وبعثه الله إلى الأرض المقدّسة نبيّا ورسولا، فأقام بينهم نحوا من ثمانين سنة، وكفّ بصره فبينما هو نائم الى جنب امرأته إذ تحرّكت شهوته، فقالت: وفيك بقيّة يا إسحاق؟
فواقعها مرّة فحملت بذكرين: وهما يعقوب والعيص- على ما ذكرناه فى الأنساب- وهو فى الباب الرابع من القسم الأوّل من الفنّ الثانى، وهو فى الجزء الثانى من هذا الكتاب، وذكرنا أيضا أولاد العيص فيه.
قال: ثم قبض الله تعالى نبيّه إسحاق، فقسم ما كان له من بقر وخيل وغنم وغير ذلك بالسوية، ومات؛ فغلب العيص على مال يعقوب، واغتصبه إياه وقصد قتله؛ فقالت له أمّه: الحق بخالك (لابان) وإخوته بحرّان، فإنّهم مؤمنون من آل إبراهيم.
فتوجّه يعقوب إلى حرّان، فأكرمه خاله، وزوّجه ابنته، وسلّم إليه ما بيده من المال، وكانت ابنته هذه الكبرى، واسمها (ليا) «1» فرزق منها روبيل «2» وشمعون «3» ، ثم ذكرين: لاوى «4» ويهوذا، وتوفيت؛ فزوّجه خاله ابنته الثانية واسمها
(13/128)

سروريّة «1» ، فولدت له ولدين: دانا ونفتالى «2» ؛ ثم توفّيت، فزوّجه الثالثة فأولدها ذكرين يساخر «3» وزبولون، وماتت؛ فزوّجه ابنته الرابعة، واسمها راحيل- وكانت أحسن بناته- وذلك بعد أن استكمل يعقوب من عمره أربعين سنة، فجاءه الوحى يومئذ وهو بحرّان وقد ماتت أمّه.
ذكر مبعث يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام
قال: ولما أتاه الوحى أقبل على خاله لابان، وشكره على فعله، وقال: إن ربّى بعثنى رسولا إلى أرض كنعان. فزوّده بخيل وغنم وبقر وغير ذلك، وقال:
امض لما أمرك به ربّك. فخرج يعقوب ومعه أولاده العشرة «4» وامرأته يريد أرض كنعان، فبلغ خبر نبوّته أخاه العيص، فغضب لذلك، وعارضه فى طريقه بجموعه؛ فراسله يعقوب مع ابنه روبيل، وذكّره الأخوّة والرحم، فزبر «5» روبيل وردّه؛ ثم التقيا، فظفّر الله يعقوب بالعيص بقوّة النبوّة، فاحتمله وألقاه على الأرض وجلس على صدره، وقال له: كيف رأيت صنع الله بك يا عيص؟ ثم رقّ له وقام عن صدره واعتنقه، فاعترف العيص بفضله عليه، وسأله أن يعفو عمّا سلف منه فى حقّه؛ فاستغفر له يعقوب ودعا له، وانصرف العيص إلى بلده، وأقبل يعقوب
(13/129)

إلى أرض كنعان، فبنيت له دار متّسعة، سكنها بأهله وأولاده، وكان بأرض كنعان ملك يقال له: سحيم، فدعاه يعقوب إلى الإيمان بالله، فلم يكترث به قال: فإنّى مجاهدك. قال: بمن تجاهدنى وليس معك أحد؟ قال: أجاهدك بالله وملائكته وهؤلاء أولادى.
وأقبل يعقوب بأولاده والملك فى حصنه، فقال: يا بنىّ، جاهدوا فى الله حقّ جهاده. فقال ابنه شمعون: أنا أكفيك هذا الحصن. وأقبل وضرب باب الحصن برجله فتساقطت حيطانه، وصاح صيحة عظيمة فمات الملك وأكثر من بالحصن. ودخل يعقوب الحصن، وغنم ما كان فيه؛ فكانت هذه معجزة ليعقوب، وبلغ ذلك أهل كنعان، فوقع الرعب فى قلوبهم، فآمنوا بيعقوب- عليه السلام-.
الباب الرابع من القسم الثانى من الفن الخامس فى قصّة يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام
وهذه القصة تدخل فيها بقيّة أخبار يعقوب وما كان من أمره ووفاته وخبر الأسباط أولاده.
ذكر خبر ميلاد يوسف- عليه السلام-
قال: ولمّا رجع يعقوب من غزاته دخل على امرأته راحيل فواقعها فحملت بيوسف وببنيامين أخيه، فوضعتهما، فجاء يوسف كالقمر، فربّته أمّه حتى صار عمره سنتين، وماتت أمه؛ فلمّا بلغ عمره عشر سنين أمر يعقوب بجذعة من غنمه، فذبحت، وصنعت طعاما، وجمع أولاده على الطعام يأكلون، فأقبل
(13/130)

مسكين وسأل وأكثر السؤال، واشتغل يعقوب عنه ولم يأمرهم بإطعامه، حتى انصرف السائل.
فلما فرغ يعقوب من أكله قال: أعطيتم السائل شيئا؟ فقالوا: إنك لم تأمرنا بشىء. فجاءه الوحى: يا يعقوب، قد جاءك مؤمن فقير مريض شمّ رائحة طعامك فلم تطعمه، وأحرقت قلبه، فلأحرقنّ قلبك. فاغتم يعقوب.
ذكر رؤيا يوسف- عليه السلام- وكيد إخوته له
قال: ولما بلغ اثنتى عشرة سنة رأى رؤياه وقصّها على أبيه. قال الله تعالى: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ* قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ* وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ
إلى قوله:
عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
قال: فسمع إخوته الرؤيا، فداخلهم الحسد، وقالوا ما أخبر الله به عنهم:
إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ* اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ* قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ.
قال: فاتفقوا وجاءوا إلى أبيهم، فقالوا: يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ* أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
. فقال لهم يعقوب: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ* قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ.
(13/131)

قال: وأحبّ يوسف ذلك، فدعا يعقوب بسلّة فيها طعام وكوز ماء، وقال:
إذا جاع فأطعموه من هذا الطعام، وإذا عطش فاسقوه؛ وأخذ عليهم العهود بردّه وشيّعهم بنفسه، وجلس على تلّ عال ينظر إليهم حتى غابوا عنه؛ فندم على إرساله ثم رجع إلى منزله؛ وجعل إخوة يوسف يمنعون فى السير، وهو يمشى وراءهم ولا يلحقهم، ويناديهم: «قفوا لى» . فلم يقفوا. ويقول: «اسقونى» . فلم يسقوه؛ وكسر شمعون الكوز وقال: قل لأحلامك الكاذبة حتى تسقيك. ورمى (لاوى) سلّة الطعام فى الوادى؛ فعلم يوسف أنهم قد عزموا على أمر، فناداهم وناشدهم الله والرحم، وذكّرهم بعهود أبيه، فلطمه أحدهم فأكبّه؛ وساروا ويوسف يعدو وراءهم حتى بلغوا موضع أغنامهم، فأرادوا قتله؛ فقال لهم يهوذا: إن قتلتموه حلّ بكم ما حلّ بقابيل حين قتل أخاه. فأجمعوا أن يجعلوه فى غيابت الجب وطلبوا له جبّا عميقا فوجدوه، فجرّوه إليه وهو يبكى، وقال لهم يهوذا: يا بنى يعقوب لقد ذهبت الرحمة من قلوبكم. قالوا: فنردّه إلى أبيه فيحدّثه بما فعلناه به؟ قال:
فإن طرحتموه فى الجبّ لا يبلغ قعره حتى يموت، ولكن دلّوه بحبل. ولم يكن معهم حبل، فذبحوا شاة، وقدّوا جلدها كالحبل، ودلّوه به؛ فلما نزل إلى الجبّ امتلأ نورا، وأتاه جبريل وقال له: لا تخف فإنّ الله معك. وكان فى الجبّ حجر عظيم، فسطّحه جبريل بجناحه فصار كالطبق وأجلسه فيه، وأتاه بطعام من الجنّة فأكل، وأتاه بقميص فلبسه، وبفراش من الجنة، وآنسته الملائكة فى الجبّ.
قال الله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ.
(13/132)

قال: ثم قالوا: ماذا نقول لأبينا؟ قال بعضهم: إنّه كان يخاف عليه من الذئب، فنقول: إن الذئب أكله. فعمدوا إلى جدى فذبحوه على قميصه، وألصقوا بالدم شيئا من شعر الجدى، ورجعوا إلى أبيهم.
ذكر رجوع إخوة يوسف إلى يعقوب
قال: ولمّا قربوا من عريش يعقوب أخذوا فى البكاء والعويل، فرأتهم ابنة يعقوب، فنزلت إلى أبيها باكية، وقالت: رأيت إخوتى متفرّقين يبكون، وروبيل يقول: «يا يوسف يا يوسف» . فصاح يعقوب، وخرّ على وجهه؛ فدخلوا عليه وقالوا: يا أبانا، جلت المصيبة وعظمت الرزيّة إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ
قال الله تعالى:
وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ
وأخذ يعقوب القميص. ونظر إليه فلم ير فيه أثر خدش فقال: يا بنىّ، ما للذئب وأكل أولاد الأنبياء؟ وأخذ يبكى؛ ثم قال: اخرجوا فى طلب هذا الذئب، وإلّا دعوت عليكم فتهلكوا. فخرجوا فأخذوا ذئبا عظيما وجعلوا يضربونه ويجرّونه، حتى جاءوا به إلى أبيهم، فقال: كيف عرفتموه؟
قالوا: لأنه ذئب كبير، وكان يتعرّض لنا فى غنمنا.
ذكر كلام الذئب بين يدى يعقوب
فقال يعقوب: سبحان من لو شاء لأنطقك بحجّتك. فنطق الذئب وقال:
لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، يا نبىّ الله، إنى ذئب غريب، فقدت ولدا لى فجئت فى طلبه حتى بلغت بلدك، فأخذنى هؤلاء وضربونى وكذبوا علىّ؛ والذى أنطقنى ما أكلت ولدك، وكيف يأكل الذئب أولاد الأنبياء؟ فأطلقه يعقوب.
(13/133)

ذكر خبر خروج يوسف من الجبّ وبيعه من مالك بن دعر
قال: وأقبل قوم من بلاد اليمن يريدون أرض مصر، فخرج بعضهم فى طلب الماء، فرأى نورا يسطع من البئر، فأدلى دلوه، فتعلّق به يوسف، فآجتذبه، فنظر اليه فرآه، فقال للّذى كان معه: يا بُشْرى هذا غُلامٌ
. فأخرجوه.
قيل: وذلك فى اليوم الرابع من إلقائه فى الجبّ، وكان إخوته على رأس جبل فنظروا إلى اجتماع القافلة على الجبّ، فعدوا إليهم، وقالوا: هذا عبد لنا أبق منذ أيام، ونحن فى طلبه، فإن أردتم بعناه منكم.
ثم قالوا ليوسف بالعبرانية: إن أنكرت العبوديّة انتزعناك من أيديهم وقتلناك.
فسأله أهل القافلة فقال: «إنى عبد» ، أراد لله.
وكان رئيس القافلة مالك بن دعر، فاشتراه منهم بأقل من عشرين درهما.
قيل: تنقص درهما. وقيل: تزيد درهمين. وقيل: اشتراه بأربعين درهما والله أعلم. فاقتسموها بينهم.
قال الله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ
ثم قالوا لمالك: هذا عبد آبق سارق، قيّده حتى لا يهرب منك ولا يسرق.
فقيده وأركبه ناقة، وكتب يهوذا كتاب البيع، وساروا حتى بلغت القافلة قبر أمّ يوسف، فلم يتمالك أن رمى بنفسه على القبر وبكى؛ فافتقدوه فلم يروه، فبعثوا فى طلبه، فوجدوه وقد اتكأ على القبر؛ فلطمه واحد منهم، وقالوا: هلّا كان هذا البكاء قبل اليوم حتى كنّا لا نشتريك؟ وساروا به حتى دخلوا مصر، فغيّر مالك لباس يوسف، وعبر به، فاجتمع الناس على القافلة، ورأوا يوسف فعجبوا لحسنه وجماله.
(13/134)

ذكر خبر بيع يوسف من عزيز مصر
قال: وواعدوا مالكا على بيعه بباب الملك ريّان بن الوليد، فزيّن يوسف بأحسن زينة، وأقعده على كرسىّ، وأقبل عزيز مصر واسمه قطفير «1» ، واجتمع التجار وقام الدلّال ونادى عليه؛ فبكى يوسف، وتزايد القوم حتى بلغ يوسف مالا لا يحصى كثرة؛ واستقرّ بيعه من قطفير، وأحضر الأموال.
وقد اختلف الرّواة فى كميّة الثمن، فمنهم من لم يحدّه، بل قال: مالا كثيرا.
ومنهم من قال: إنّ عزيز مصر تلقّى القافلة، واشتراه من مالك بن دعر بعشرين دينارا، ونعلين، وثوبين أبيضين. وقد عزى هذا القول إلى ابن عبّاس- رضى الله عنهما-.
وروى عن وهب بن منبّه أنه أقيم فى السوق، وتزايد الناس فى ثمنه، فبلغ ثمنه وزنه مسكا وورقا وحريرا؛ فابتاعه العزيز بهذا الثمن.
نرجع إلى سياق الكسائىّ:
قال: فوقف عليه رجل من بلاد كنعان على ناقة، فمدّت عنقها، وجعلت تشمّ يوسف، فسأل يوسف صاحب الناقة بالعبرانيّة: من هو؟ فأخبره أنه من أرض كنعان؛ فقال له: اقرئ يعقوب سلامى اذا رجعت، وصف له صفتى.
فلمّا عاد الكنعانىّ أخبر يعقوب بذلك؛ فقال يعقوب: سلنى حاجة بهذه البشارة. قال: ادع لى أن الله يكثر ولدى ومالى. فقال: اللهمّ أكثر ولده وماله وأدخله الجنة.
(13/135)

قال: ثم دنا مالك «1» من يوسف فقال له: أنا يوسف بن يعقوب بن إبراهيم الخليل؛ وأخبره بخبر إخوته. فصاح مالك وقال: والله ما علمت فاستغفر لى فإنى من أولاد مدين بن إبراهيم. فبكى يوسف، وقال له مالك: أسألك أن تدعو الله يرزقنى ولدا. فدعا الله فرزقه أربعة وعشرين ولدا؛ وعاش مالك حتى رأى يوسف وهو عزيز مصر.
قال: ودخل قطفير منزله ويوسف معه، فرأته زليخا- وكانت أحسن نساء زمانها- فقال لها زوجها قطفير: قد اشتريت هذا الغلام لنتّخذه ولدا فإنا لم نرزق ولدا. قال الله تعالى: وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً.
ذكر خبر يوسف وزليخا
قال: ولمّا رأته زليخا عجبت لحسنه، ولا طفته، وقالت: لا ينبغى لمثلك أن يباع عبدا. ويوسف ساكت؛ وكان لا يأكل من ذبائحهم، فقالت له: لم لا تأكل من ذبيحتنا وتقبل كرامتنا ولى هذا البستان أريد أن تحفظه. فقال يوسف: أفعل ذلك. فكان يوسف يتعاهده حتى عمر ببركته، وهو يأكل من نباته، فوقعت محبّته فى قلب زليخا، فكتمت ذلك حتى كاد يظهر عليها، فأتتها دايتها، وقالت: يا سيدة نساء مصر، اخبرينى بقصّتك. فذكرت ما بها من حبّ يوسف؛ فأمرتها أن تتزيّن بأحسن زينتها؛ ففعلت، وجلست على سرير وأحضرت يوسف، فوقف بين يديها وهو لا يعلم ما يراد منه؛ وأغلقت الداية أبواب المجلس من خارج؛ فعلم عند ذلك مراد زليخا- وكان عمره ثمان عشرة سنة-؛ قال
(13/136)

الله تعالى: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ.
قال: فرمت بتاجها وهمت به. قال الله تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ.
قالوا: همّ بضربها. وقيل: بردعها. وقيل: لما حصل عنده من الهمّ.
ولا تعويل على ما نقله أهل التاريخ: أنّه همّ بها كما همّت به.
قالوا: وكان البرهان الذى رآه أنه سمع صوتا من ورائه، فالتفت، فرأى صورة يعقوب وهو عاضّ على يديه يقول: «الله الله يا يوسف» .
وقيل: خرجت كفّ من الحائط مكتوب عليها: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
؛ ثم انصرفت الكفّ وعادت زليخا لمراودته، فخرجت الكف ثانية مكتوب عليها: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ* كِراماً كاتِبِينَ* يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ
ثم عادت فخرجت الكف ثالثة وعليها مكتوب: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ.
قال: فلمّا نظر يوسف إلى البرهان، بادر إلى الباب؛ فعدت زليخا خلفه فلحقته عند الباب، فجذبت قميصه فقدّته من دبر؛ وإذا قطفير قد أقبل. قال الله تعالى: وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ.
قال: فلمّا نظرت زليخا إليه لطمت وجهها، وقالت: أيّها العزيز، هذا يوسف الّذى اتخذناه ولدا دخل يراودنى عن نفسى.
ثم قالت: ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ* قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي
فهمّ قطفير أن يضرب يوسف بسيف، فأنجاه الله منه؛
(13/137)

وكان فى المجلس صغير ابن شهرين- وهو ابن داية زليخا- فتكلّم بإذن الله وقال: لا تعجل يا قطفير، أنا سمعت تخريق الثوب. قال الله تعالى: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ* وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ
ثم لم ينطق الصبىّ بعد ذلك حتى بلغ حدّ النطق، وهذا الصبىّ أحد من تكلّم فى المهد. فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
؛ وأقبل على يوسف وقال: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا
الحديث لا يسمعه أحد. وقال لزليخا: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ.
وخرج قطفير من منزله، وعادت زليخا لمراودته؛ فامتنع عليها.
ذكر خبر النسوة اللاتى قطّعن أيديهنّ
قال: وفشا فى المدينة، وشاع عند نساء الأكابر خبرها، فعتبنها عليه، وهو قوله تعالى: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
فلمّا بلغها ذلك من قولهنّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً.
قال: استدعت امرأة الكاتب والوزير وصاحب الخراج وصاحب الديوان.
وقيل: إنّ النساء اللاتى تكلّمن فى أمر زليخا امرأة الساقى وامرأة الخباز وامرأة صاحب الديوان وامرأة صاحب السجن وامرأة الحاجب؛ والله أعلم.
قيل: إنها قدّمت إليهنّ صوانىّ الأترج وصحاف العسل: وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً
وزيّنت يوسف، وقالت: إنّك عصيتنى فيما مضى، فإذا دعوتك الآن فاخرج. فأجابها إلى ذلك؛ قال الله تعالى: فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ
(13/138)

إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ.
قال: كنّ يأكلن الأترجّ بالسّكاكين فنالهنّ من الدهش والحيرة ما قطّعن أيديهنّ «1» وتلوّثت بالدماء ولم يشعرن؛ فقالت لهنّ زليخا ما حكاه الله عنها: قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ.
وقيل: إنّ النساء خلون به ليعدّلنه «2» لها، فراودته كلّ واحدة منهنّ عن نفسه لنفسها، ثم انصرفن إلى منازلهنّ.
ثم دعته زليخا وراودته، وتوعّدته بالسجن إن لم يفعل؛ فقال يوسف ما أخبر الله به عنه: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ.
قال: فلمّا أيست زليخا منه مضت إلى الملك ريّان بن الوليد- وكانت لا تردّ عنه- فقالت: إنّى اشتريت عبدا، وقد استعصى علىّ، ولا ينفع فيه الضرب والتوبيخ، وأريد أن أحبسه مع العصاة. فأمر الملك بحبسه، وأن يفرج عنه متى اختارت؛ فأمرت السجّان أن يضيّق عليه فى محبسه ومأكله ومشربه؛ ففعل ذلك؛ فأنكره العزيز، وأمر أن ينقل إلى أجود أماكن السجن، ويفكّ قيده، وقال له: لولا أن زليخا تستوحش من إخراجك لأخرجتك، ولكن اصبر حتى ترضى عنك ويطيب قلبها.
(13/139)

ذكر إلهام يوسف- عليه السلام- التعبير
ونزل جبريل على يوسف- عليه السلام- وبشّره أنّ الله قد ألهمه تعبير الرؤيا فعرفه بإذن الله عزّ وجلّ، وأنبت الله له شجرة فى محبسه يخرج منها ما يشتهيه.
ذكر خبر الخبّاز والساقى
قال: وغضب الملك ريّان بن الوليد على ساقيه شرهيا، وصاحب مطبخه شرها «1» ، فأمر بحبسهما، فحبسا فى السجن الذى فيه يوسف، فرأى الساقى رؤيا فسأل أهل السجن عن تأويلها، فدلّوه على يوسف؛ فأتاه وقال: قد رأيت رؤيا.
فقال له يوسف: قصّها. فقال: رأيت كأنّى فى بستان فيه كرمة حسنة؛ وفيها عناقيد سود؛ فقطعت منها ثلاث عناقيد وعصرتها فى كأس الملك، ورأيت الملك على سريره فى بستانه، فناولته الكأس فشربه، وانتبهت.
فقال صاحب المطبخ: وأنا رأيت مثل هذه الرؤيا، رأيت كأنى أخبز فى ثلاثة تنانير: أحمر وأسود وأصفر، ورأيت كأنّى أحمل ذلك الخبز فى ثلاث سلال إلى دار الملك، وإذا بطائر على رأسى يقول لى: قف فإنّى طائر من طيور السماء. ثم سقط على رأسى فجعل يأكل من ذلك الخبز، والناس ينظرون إليه وإلىّ، وانتبهت فزعا.
فقال يوسف: بئسما رأيت. ثم قال للساقى: إنّك تقيم فى السجن ثلاثة أيّام ويخرجك الملك فيسلّم إليك خزانته، وتكون ساقيه وصاحب خزانته. وأنت يا خباز بعد ثلاثة أيام تضرب رقبتك وتصلب وتأكل الطير من رأسك. فقال الخباز: إنى لم أرشيئا، وإنّما وضعت رؤياى هذه. فقال: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ.
(13/140)

ثم قال يوسف للساقى: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ
وأعلمه أنّى محبوس ظلما.
فقال له: ما أبقى جهدا.
فلمّا كان بعد ثلاثة أيّام كان من أمر السّاقى والخباز ما قاله لهما يوسف.
ثم هبط جبريل على يوسف وقال: إن الله يقول لك: نسيت نعمائى عليك فقلت للساقى يذكرك عند ربه، وهما كافران، فأنزلت حاجتك بمن كفر بنعمتى وعبد الأصنام دونى.
قال الله تعالى: وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ.
قيل: الذى أنساه الشيطان ذكر ربه هو الساقى، فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ
وهو يبكى ويستغفر ويتضرع إلى الله؛ فأوحى الله إليه: أنى قد غفرت لك ذنبك، وأنه سيخرجك من السجن، ويجمع بينك وبين أبيك وإخوتك وتصدق رؤياك. فخرّ ساجدا لله تعالى.
ذكر رؤيا الملك وتعبيرها وما كان من أمر يوسف وولايته
قال: وقدّر الله عزّ وجلّ أن الملك- وهو الريّان بن الوليد بن ثروان بن أواسة بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن نوح عليه السلام- رأى فى تلك الليلة رؤيا هالته؛ فدعا بالمعبّرين، فقالوا: إن هذه أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ
. فغضب الملك وقطع أرزاقهم؛ وذكّر الله الساقى؛ قال الله تعالى: وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ
فتقدّم إلى الملك وذكر له خبر يوسف- وكان بين المدّتين «1» سبع سنين وسبعة
(13/141)

أشهر- فأرسله الملك إليه وقال: أخبره برؤياى وأتنى بتأويلها. فأقبل الساقى إلى السجن واجتمع بيوسف، واعتذر له، وأخبره برؤيا الملك، وقال: هل عندك تعبير ذلك؟ قال: لا أفعل حتى ترجع إلى الملك وتسأله ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ
؛ فرجع الساقى إلى الملك وأخبره. فاستدعى النسوة، فأتى بمن كان يعيش منهن، فقال الملك: ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ
. فلما قلن ذلك قال الملك: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي
؛ فلمّا دخل عليه أجلسه معه على السرير، وسأله عن اسمه ونسبه، فانتسب له، وذكر قصّته مع إخوته؛ فقال له الملك: قد سمعت ما رأيت فى منامى. ثم قصّها عليه، فقال: رأيت سبع بقرات سمان فى نهاية الحسن، ولكل بقرة قرون كبيرة، فحملتنى واحدة على قرنيها، فجعلت أصير من بقرة إلى بقرة حتّى طفت على الجميع؛ فبينما أنا كذلك وإذا بسبع بقرات عجاف مهازيل، فعمدت فأكلت كلّ واحدة من المهازيل واحدة من السمان، وبقيت الّتى أنا على قرنيها فلمّا تقدّمت المهزولة لأكلها، رمتنى عن قرنيها، فأكلتها المهزولة؛ ثم صار للمهازيل أجنحة، فطارت ثلاث نحو المشرق وثلاث نحو المغرب، وبقيت هناك واحدة؛ فبينما أنا كذلك وإذا أنا بسبع سنبلات فى نهاية الخضرة خرجن من ذلك الوادى، ثم لاحت فيهن سبع سنبلات يابسات، فآلتففن على الخضر حتى غلبن على خضرتهن، وإذا بملك قد أقبل وقال: يا ريّان. خذ هذا الرجل فأقعده على سريرك، فإنّه لا يصلح ما رأيت إلّا على يديه؛ فهذا ما رأيت.
فقال يوسف: أما السبع بقرات السمان فهى سبع سنين يكون فيها زرع وخصب فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ
فإنّه أبقى له.
(13/142)

وأما البقرات العجاف، فإنّها سبع سنين فيها قحط وضيق، فتأكل ما حصدتم فى سنين الخصب إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ
فى بيوتكم.
وأما السنابل الخضر، فهى سنو الخصب، واليابسة سنو الجوع، والرجل الذى قال لك؛ أقعده على سريرك، فيكون صلاح ذلك على يديه فأنا هو؛ وقد أمرك ربى بهذا؛ فهذا تأويل رؤياك.
قال: فقال له ريّان: أشر علىّ الآن بمن أقدّمه فى هذا الأمر. فقال يوسف: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ.
قال: كيف يتهيّأ لك وأنت رجل عبرانىّ لا تعرف لغة أهل مصر؟ فقال:
إنّ الله ألهمنى جميع هذه الألسنة يوم دخلت مصر. فنزع الملك خاتمه، وجعله فى اصبع يوسف، وقال لأصحابه: هذا عزيز مصر وخليفتى، فآسمعوا له وأطيعوا.
قال الثعلبىّ: قال أهل الكتاب: لما تمت ليوسف فى الأرض ثلاثون سنة استوزره فرعون مصر. وكان مرادهم- والله أعلم- أنه لما استكمل ثلاثين سنة من عمره.
وحكى الثعلبىّ أن الملك عزل العزيز وولّى يوسف، ثم هلك العزيز عن قريب وكان يوسف يوم قضائه تضرب له قبّة من الديباج يجلس فيها للحكومة بين الناس وبقيّة الأيام يدور فى عمله ويأمر بالزراعة والحرث وعمر البيوت لخزن الحبوب بسنابلها، حتى ملأها، وخزن الأتبان حتى انقضت سنو الخصب ودخلت سنو القحط، فنهى عن الزراعة فيها لعلمه أن الأرض لا تثمر فيها شيئا؛ فأكلوا ما عندهم حتى نفد؛ فالتجأوا إلى الملك، فقال الملك: عليكم بالعزيز فإن فى يده خزائن الطعام. فجاءوه، فباعهم فى السنة الأولى بالدنانير والدراهم، وفى السنة الثانية بالحلىّ
(13/143)

والجواهر، وفى الثالثة بالأراضى والعقار، وفى الرابعة بالإماء والعبيد، وفى الخامسة بأولادهم، وفى السنة السادسة بأنفسهم، حتى صاروا ملكا له وعبيدا، وأطعمهم فى السنة السابعة لأنهم صاروا عبيده وإماءه؛ والله أعلم.
ذكر حاجة زليخا إلى الطعام وزواج يوسف بها
يقال: إن زليخا أصابها من الحاجة ما أصاب غيرها. وابتاعت الطعام بجميع ما لها، وبقيت منفردة، فلم تجد بدّا من التعرّض ليوسف، فقعدت على طريقه وإذا هو قد أقبل فى مواكب عظيمة، فقامت وقالت: يا يوسف، سبحان من أعز العبيد بالطاعة، وأذّل السادات بالمعصية، أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّك من أولاد النبييّن.
فسألها يوسف. من أنت؟ فقالت: زليخا؛ وبكت وذكرت حاجتها إلى الطعام؛ فصرفها إلى منزلها، وردّ عليها أملاكها وأموالها، وبعث لها بمال جزيل وطعام كثير؛ ثم استأذن الله تعالى فى زواجها؛ فإذن له؛ فتزوّجها، وردّ الله عليها حسنها وجمالها؛ فلمّا دخل عليها وجدها بكرا؛ فعجب من ذلك؛ فقالت: يا نبىّ الله «والذى هدانى إلى دينك ما مسّنى ذكر قطّ، وما قدر علىّ العزيز» .
فيقال: إنه رزق منها عشرة أولاد فى خمسة أبطن.
وقد حكى الثعلبىّ أنّ العزيز قطفير لمّا هلك بعد عزله زوّج الملك يوسف بامرأته زليخا، وسماها الثعلبىّ فى كتابه: «راعيل» .
قال: وانتشر القحط حتى بلغ أرض كنعان؛ فقال يعقوب لبنيه: يا بنىّ، إنكم ترون ما نحن فيه من الضّر، وقد بلغنى أنّ عزيز مصر تقصده الناس فيمتارون منه
(13/144)

ويحسن إليهم، وأنه مؤمن بإله إبراهيم، فاحملوا ما عندكم من البضاعة وتوجهوا إليه.
ففعلوا ذلك وساروا.
قال: وأقبل مالك بن دعر على يوسف ومعه أولاده، وهم أربعة وعشرون ولدا، كلّهم ذكور، فوقف بين يديه وحيّاه بتحيّة الملك، وقال: أيّها العزيز أتعرفنى؟ قال: إنّى أشبّهك برجل حملنى إلى هاهنا. قال: أنا هو.
فقرّبه وسأله عن الفتية، فقال: هم أولادى رزقتهم ببركة دعائك. فكساه وكساهم، وكفاهم من الطعام؛ وسأله: هل مرّ بأرض كنعان؟ قال: نعم وإنّهم لفى جهد، وقد رأيت الذين باعوك منّى مقبلين عليك يريدون أن يمتاروا.
ففرح يوسف.
ذكر دخول إخوة يوسف- عليه السلام- فى المرّة الأولى
قال: وأقبل إخوة يوسف فدخلوا مصر ليلا، وأناخوا رواحلهم بباب قصر أخيهم؛ فأشرف عليهم وقال: من أنتم؟ قالوا: نحن أولاد يعقوب النبىّ، قدمنا من أرض كنعان لنشترى القوت. فسكت، وأمر بتزيين قصره؛ وبات إخوته على الباب.
وأصبح يوسف فجلس على السرير، وتتوّج وتمنطق وتطوّق؛ ثم امر بإخوته؛ فدخلوا عليه- وهم عشرة، وتأخر عنهم بنيامين عند أبيه-.
قال الله تعالى: وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ.
فسلّموا عليه، وحيّوه بتحيّة الملوك؛ فردّ عليهم وقال لهم: إنكم أولاد يعقوب النبىّ، فكيف لى بصدقكم؟ فقال له روبيل: نحن نأتيك بأخينا الّذى عند أبينا يخبرك بمثل ما أخبرناك به.
فأمر بأخذ بضاعتهم، وأن يكال لهم الطعام بقدر كفايتهم.
(13/145)

ثم قال لأعوانه: اجعلوا بضاعتهم فى رحالهم. قال الله تعالى: وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ* فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ* قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ* وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
فوضعت فى رحل يهوذا؛ ثم سار القوم حتى أتوا إلى أرض كنعان، فدخلوا على أبيهم؛ فسألهم عن حالهم وما كان من أمرهم؛ وفتحوا رحالهم، فوجدوا بضاعتهم ردّت إليهم؛ فدخلوا على أبيهم وقالوا: يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا.
فقال: إنّ هذا الطعام حرام عليكم إلّا أن تؤدّوا ثمنه.
فقالوا: كيف نرجع إليه وقد ضمنّا له أن نأتيه بأخينا بنيامين؟
ثم قالوا ما أخبر الله تعالى به عنهم: يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ* قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
فقال له يهوذا يا أبانا ما نبغى هذه بضاعتنا ردّت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير* قال لن أرسله معكم حتّى تؤتون موثقا من الله لتأتنّنى به إلّا أن يحاط بكم فلمّا آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل.
ودعا يعقوب بقميص يوسف الّذى وردوا به عليه بالدم، فألبسه بنيامين وودّعهم وقال يا نبىّ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرّقة وما أغنى عنكم من الله من شىء إن الحكم إلّا لله عليه توكّلت وعليه فليتوكّل المتوكّلون؛ ثم ساروا.
(13/146)

ذكر خبر دخولهم عليه فى المرّة الثانية
قال: فلمّا بلغوا مصر ودخلوا على يوسف قرّبهم، ونظر إلى أخيه بنيامين وأدناه وأجلسه بين يديه.
قال الله تعالى: وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ.
ثم قال له: أرى كلّ واحد من هؤلاء مع أخيه، فما بالك منفردا؟ فقال: أيّها العزيز، كان لى أخ، ولا أدرى ما أصابه، غير أنّه خرج مع هؤلاء الإخوة إلى الغنم، فذكروا أنّ الذئب أكله، وردّوا قميصه هذا الّذى علىّ وهو ملطّخ بالدم.
فقال لهم يوسف: يا أولاد يعقوب، إنّ فيكم من يصيح بالأسد فيخرّ ميتا ومن يأخذ برجل الذئب فيشقّه اثنين، وفيكم من يقتلع الشجرة من أصلها، وفيكم من يعدو مع الفرس فيسبقه.
قالوا: نعم أيها العزيز. فقال: سوءة لكم ولقوّتكم إذ يعدو الذئب على أخيكم فيأكله. فقالوا: إذا جاء القضاء ذهبت القوى.
فسكت يوسف، ثم أمر لهم بخمس موائد، وأمر كلّ اثنين منهم أن يجلسا على مائدة؛ ثم وضعت أخرى بين يدى بنيامين، فبكى؛ فقال له: ما يبكيك؟ قال:
أيّها العزيز، إخوتى يأكلون كلّ واحد مع أخيه، وأنا وحدى، ولو كان أخى يوسف باقيا أكل معى.
فقال يوسف: يا فتى، أنا لك كالأخ، ثم نزل عن السرير وأكل معه.
فلمّا فرغوا من الأكل جعل يوسف يسألهم عن أرض كنعان وهم يخبرونه.
ثم خرج صبىّ من القصر يتثنّى، فنظر إليه بنيامين وبكى؛ فقال له يوسف:
ممّ بكيت؟ قال: هذا الصبىّ يشبه أخى يوسف، فبكيت لأجله.
(13/147)

فقال يوسف: هل فيكم من حزن على يوسف؟ قالوا: نعم، كلّنا حزنّا عليه وبنيامين أشدّ منّا حزنا.
ثم قال: فما الّذى حملتم من البضاعة؟ قالوا: لم نحمل شيئا، لأنه لم يكن لنا شىء، غير أنا رددنا عليك البضاعة التى وجدناها فى رحالنا، لأنها ثمن الطعام الّذى حملناه من عندك.
فأمر أن يعطوا من الطعام ما تحمله إبلهم، وأمر غلمانه أن يجعلوا الصّواع فى رحل بنيامين؛ فكانوا يكيلون وإخوة يوسف يخيطون الأعدال، حتى فرغوا.
ورحل إخوة يوسف وهم لا يشعرون بالصّواع.
وقال الثعلبىّ: كانت السقاية مشربة يشرب فيها الملك، وكانت كأسا من ذهب مكلّلة بالجوهر، جعلها يوسف مكيالا يكال بها.
قال الله تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ* قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ* قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ* قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ* قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ* قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ.
فعند ذلك أمر يوسف أن تفتّش رحالهم. قال الله تعالى فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
الآية.
قال: فلما نظروا ذلك ضربوا بأيديهم على جباههم، وقالوا: ثكلتك أمّك فضحتنا يا بنيامين. قال: إنى لم أفعل ذلك. قالوا: من وضعه فى رحلك؟
(13/148)

قال: الّذى جعل البضاعة فى رحالكم. فسكتوا، ثم قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرّها يوسف فى نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شرّ مكانا والله أعلم بما تصفون.
قال الثعلبىّ: واختلف العلماء فى السرقة التى وصف بها يوسف، فقال سعيد وقتادة: سرق يوسف صنما لجدّه أبى أمّه وكان من ذهب، فكسره وألقاه فى الطريق.
وقال ابن جريج: أمرته أمّه- وكانت مسلمة- أن يسرق صنما لخاله كان يعبده.
وقال مجاهد: جاء سائل يوما، فسرق يوسف بيضة من البيت.
وقال ابن عيينة: دجاجة، فناولها السائل، فعيّروه.
وقال وهب: كان يخبأ الطعام من المائدة للفقراء.
وقال الضحاك وغيره: كان أوّل ما دخل على يوسف من البلاء أن عمّته بنت إسحاق كانت أكبر ولد إسحاق، وكانت لها منطقة إسحاق، وكانوا يتوارثونها بالكبر، وكانت راحيل أمّ يوسف قد ماتت، فحضنته عمّته وأحبّته حبّا شديدا فكانت لا تصبر عنه؛ فلما ترعرع وبلغ سنيّات وقع حبّه فى قلب يعقوب؛ فأتاها وقال: يا أختاه سلّمى إلىّ يوسف، فو الله ما أصبر عنه ساعة واحدة. فقالت:
ما أنا بتاركته.
فلما غلبها يعقوب قالت: فدعه عندى أياما أنظر إليه، لعل ذلك يسلينى عنه. ففعل ذلك يعقوب؛ فلمّا خرج يعقوب من عندها عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف تحت ثيابه وهو صغير، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق
(13/149)

فانظروا من أخذها. فالتمست فلم توجد؛ فقالت: اكشفوا أهل البيت.
فكشفوهم، فوجدوها مع يوسف؛ فقالت: والله إنّه ليسلّم لى أصنع فيه ما شئت- وكان ذلك حكم آل إبراهيم فى السارق- فأتاها يعقوب، فأخبرته بذلك؛ فقال: إن كان فعل ذلك فهو يسلّم إليك، ما أستطيع غير ذلك.
فأمسكته بعلّة المنطقة، فما قدر يعقوب عليه حتى ماتت، فهو الذى قال له إخوته: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ.
قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ* قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ* فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا
أى يتناجون قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ* ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ.
قال: ثم تشاوروا فقالوا: إن هذا الملك وأهل مصر كفرة يعبدون الأصنام فتعالوا نتظاهر عليهم.
قال روبيل: أنا أكفيكم الملك وأعوانه.
وقال شمعون: أنا أكفيكم أمر العزيز وأعوانه.
وقال يهوذا: أنا أكفيكم الأسواق.
فعلم يوسف بذلك، فأحضرهم وقال: يا بنى يعقوب، ما الّذى غرّكم منّى؟
أحسنت إليكم مرّة بعد مرّة، وتفضّلت عليكم، وجنى أخوكم جناية فتشاورتم فى هلاك المدينة وأهلها، أتظنون أن هذه القوّة لكم دون غيركم؟ ثم ضرب برجله
(13/150)

السّدّة التى كان عليها فطحطحها وكسر صفائح رخامها؛ ثم قال: لولا أنكم من أولاد الأنبياء لصحت بكم صيحة تخرّون على أذقانكم.
قال: وكان يهوذا قد عزم على أن يفعل شيئا، وكان على كتفه شعرة إذا غضب خرجت من جبّته فيقطر منها الدم، ثم يصيح صيحة فلا يسمعها أحد إلّا سقط مغشيّا عليه؛ وكان لا يسكن غضبه إلا أن يمسّه أحد من آل يعقوب؛ فدعا يوسف بابنه منسّا وقال: اذهب الى ذلك الكهل فمسّه بيدك، وتنحّ عنه من حيث لا يشعر بك. ففعل ذلك، فسكن غضبه؛ فقال يهوذا لإخوته: من الذى مسّنى منكم فقد سكن غضبى. قالوا: لم يمسّك غير ذاك الصبىّ. فقال: والله لقد مسّتنى يد من آل يعقوب.
فلمّا عسر عليهم ما عزموا عليه، عزموا على العود إلى أبيهم، وتركوا روبيل عند بنيامين.
قال: فلمّا انصرفوا دخل يوسف إلى منزله وأحضر بنيامين، وقال: أتعرفنى؟
قال: نعم، أنت العزيز، والله ما سرقت، فلا تعجل علىّ، فإنك موصوف بالإحسان.
فضمّه يوسف إلى صدره، وقال له: أنا أخوك يوسف. ثم كساه وسأله عن أبيه، فأخبره بما يقاسيه من أجله.
قال: ورجع إخوة يوسف إلى أبيهم فذكروا ما كان من خبر بنيامين، وأن روبيل أقام عنده.
قال: وكيف يسرق ولدى وهو من الذرّيّة الطيّبة؟ فقالوا له: واسأل القرية الّتى كنّا فيها والعير الّتى أقبلنا فيها وإنّا لصادقون* قال بل سوّلت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتينى بهم جميعا إنّه هو العليم الحكيم* وتولّى عنهم وقال يأسفى على يوسف وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم إلى قوله: ما لا تعلمون.
(13/151)

قال: وأخذ فى البكاء حتى ضجر منه جيرانه، فأوحى الله إليه: أن كفّ عن بكائك فإنّى سأردّ عليك بصرك، وأجمع بينك وبين ولدك. فسكن وهدأ، ثم قال لبنيه: احملوا كتابى إلى العزيز. ودعا بابنته (دينة) وقال لها: اكتبى، بآسم إله إبراهيم، من يعقوب إلى عزيز مصر، إن الله أكرمنى بولد كان أحبّ أولادى إلىّ وقد فقدته وبكيت عليه حتى عميت، وكنت آنس بأخيه بنيامين الّذى حبسته عندك؛ وعجبت من أمر الصّواع؛ فإن أولاد الأنبياء لا يفعلون ذلك، وإنه مكذوب عليه؛ فإذا أتاك كتابى هذا فتفضّل علىّ بولدى وردّه علىّ فإنى أدعو الله أن يزيدك فضلا وكرامة.
وسلّم الكتاب اليهم، وقال: يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ
الآية.
ذكر خبر دخولهم عليه فى الدفعة الثالثة
قال: وساروا حتى دخلوا مصر، فاستقبلهم روبيل ودخل معهم، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ
؛ وناولوه الكتاب؛ فقبّله وقرأه، ثم قال لهم: لو كنتم حملتم إلىّ هذا الكتاب قبل اليوم دفعته لكم، ولكنّى قد ألقيت حديثه إلى الملك، وأنا أكلّمه فيه.
ذكر خبر حديث الصاع
قال: ثم أمر يوسف بإحضار الصاع بين يديه وقال: اجتمعوا حتى أسأل هذا الصاع عنكم. فنقر الصاع فطنّ، فقال: يا بنى يعقوب، إنّ هذا الصاع يقول: إنكم تشهدون بالزور؛ وإنكم كذبتم فى قولكم: إن الذئب اكل أخاكم.
(13/152)

قالوا: ما شهدنا بالزور قط، وما قلنا فى يوسف إلّا الحقّ. فنقر الصاع وقال:
أتدرون ما يقول؟ إنه يقول: إنكم حسدتم أخاكم، وأخرجتموه من عند أبيه وأردتم قتله، ثم ألقيتموه فى الجب المظلم البعيد القعر. ثم نقر ثالثا وقال: إنه يقول، ما كذبتك فيما أقول، ولقد أخرجوا أخاهم من الجب فباعوه بعشرين درهما عددا تنقص درهما، وأوصوا مشتريه أن يقيّده حتى يبلغ أرض مصر. فتغيّرت وجوه القوم، وقالوا: ما نعرف شيئا من هذا. ثم نقره رابعا وقال: إنه يقول:
وكتبوا كتاب البيع بخطّ يهوذا. فقال: أيّها العزيز، إنى لم أكتب شيئا وأنكره.
فقال: مكانكم حتى أعود إليكم. ودخل على زليخا وقال: هاتى تلك الصحيفة.
فأخرجتها له؛ فأخرجها إلى يهوذا وقال: أتعرف خطّك؟ قال: نعم. فألقاها إليه فرآها وهى خطّه؛ فقال: هى خطّى، «غير أنّى لم أكتبه باختيارى «1» ، وإنما كتبته على عبد أبق منّا» .
فغضب يوسف وقال: ألستم تزعمون أنكم من أولاد الأنبياء، ثم تفعلوا مثل هذا.
ثم قال لأعوانه: انصبوا عشرة أشجار على باب المدينة حتى أضرب أعناق هؤلاء وأصلّبهم؛ وأجعلهم حديثا لأهل مصر. فبكوا وقالوا: اقتلنا كيف شئت ولا تصلّبنا.
وأقبل بعضهم على بعض وقالوا: هذا جزاؤنا بما عاملنا به أخانا. فلمّا أقرّوا كلّهم بالذنب، رفع التاج عن رأسه، وقال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون، وكان فى رأسه شامة مثلها فى رأس يعقوب؛ فلمّا نظروا إلى الشامة عرفوها وقالوا: ءإنّك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخى قد منّ الله علينا إلى قوله: وهو أرحم الرّاحمين.
(13/153)

فعمد يوسف إلى قميصه، وجعله فى قصبة من فضّة؛ ودفعه إلى يهوذا وخلع عليهم وطيّبهم، وقال: اذهبوا بقميصى هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا وأئتونى بأهلكم أجمعين. فخرجوا، وسبقهم يهوذا بالقميص. قال الله تعالى: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ.
قال: لمّا فصلت العير من أرض مصر حملت الريح رائحة القميص فشمّها يعقوب، فقال ذلك. ومعنى (تفنّدون) ، أى تكذّبون. فقال له أهله:
- وقيل: بنو بنيه- تالله إنّك لفى ضلالك القديم، معناه فى حبّك القديم ليوسف.
فلمّا وصل يهوذا بالقميص ودخل على يعقوب ألقاه على وجهه وقال:
خذها بشارة. فعاد بصره من ساعته، وخرّ ساجدا لله. قال الله تعالى: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً
الآية.
وجاء بنوه وقالوا: يا نبىّ الله، نحن الذين غيّبنا يوسف عنك، ونحن الذين تيناك بخبره وهو عزيز مصر. ثم قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ* قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
قال: وجاءه جبريل بناقة من نوق الجنّة، فاستوى عليها، وخرج من أرض كنعان يريد مصر ومعه أولاده وأهله، وهم ثمانية وسبعون إنسانا، فدعا لهم يعقوب فما دخل أولاده مصر إلّا وقد غفر لهم؛ وخرج يوسف لملتقى أبيه ومعه خلق كثير فلما رآه يوسف ترجّل عن فرسه وأبرك يعقوب ناقته، واعتنقا وبكيا، وقال يوسف: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين.
(13/154)

قال الله تعالى: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً
يعنى الأب والخال، وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.
قال: وكان بين مفارقته ووقت الاجتماع أربع وثلاثون سنة.
وقال الحسن: كان بين خروج يوسف إلى يوم الالتقاء معه ثمانون سنة لم تجفّ عيناه.
وأقام يعقوب بمصر أربعين سنة. وقيل: أربعا وعشرين سنة؛ ثم أمره الله أن يرتحل الى أرض كنعان لاقتراب أجله؛ فارتحل ومات هناك، ودفن إلى جانب أبيه إسحاق.
وحكى الثعلبىّ- رحمه الله- أن يعقوب مات بمصر، وأوصى يوسف أن يحمل جسده إلى الأرض المقدّسة حتى يدفنه عند أبيه إسحاق وجدّه إبراهيم؛ ففعل ذلك، ونقله فى تابوت من ساج إلى البيت المقدّس، وخرج معه فى عسكره وإخوته وعظماء أهل مصر، ووافق ذلك اليوم وفاة عيصو، فدفنا فى يوم واحد، وكان عمرهما جميعا مائة سنة وسبعا وأربعين سنة، لأنّهما ولدا فى بطن واحد، وقبرا فى قبر واحد.
ذكر دعوة يوسف- عليه السلام- وارتحاله عن بلد الريّان
قال: ثم إنّ يوسف- عليه السلام- دعا أهل مصر إلى الإيمان سرّا وعلانية، فآمن به كثير منهم، وكسروا الأصنام، وصارت الغلبة للمسلمين؛ فاستدعاه ريان بن الوليد وقال له: أيها العزيز، إن أهل مصر كانوا يحبّونك وقد كرهوك بسبب أديانهم، فمالك وأديانهم؟ فقال يوسف: قد بلغنى ذلك
(13/155)

وأنا رادّ عليك ما خوّلتنيه، ومتحول عنك وعن قومك بأهل ملّتى، فإنى لا أحبّ أن أكون من عبدة الأوثان.
وخرج يوسف هو وأولاده وإخوته وقومه الذين آمنوا حتى نزل الموضع الذى استقبل أباه يعقوب عنده؛ فجاءه جبريل وخرق له نهرا من النيل إلى هناك، وهو نهر الفيّوم، ولحق به كثير من الناس، وآمنوا، وابتنى مدينتين وسمّاهما بالحرمين وكان لا يدخلهما أحد إلّا يلّبى يقول: «لبّيك يا مفضّل إبراهيم بالنبوّة لبيّك» .
ولم يكن بأرض مصر أعمر منهما، وسار يوسف فى قومه سيرة الأنبياء حتى مات.
ذكر خبر وفاة يوسف- عليه السلام-
قال: ولمّا أدركته الوفاة أوصى إلى ابنه (أفرايم) أن يسوس قومه بالواجب وأن يكون معاندا لأهل مصر الذين يعبدون الأوثان، ويجاهدهم فى الله حقّ جهاده؛ ثم توفّى، وكانت زليخا قد ماتت قبله، وما تزوّج بعدها.
قال الثعلبىّ: قال أهل التاريخ: عاش يوسف بعد يعقوب ثلاثا وعشرين سنة، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة.
قالوا: ودفن فى بلده فعمر الجانب الذى يليها وأخصب، وقحط الجانب الآخر، فشكا أهله إلى الملك، فبعث إلى أفرايم أن ينقله فيدفنه فى الجانب الآخر وإن لم يفعل قاتله؛ فدفنه هناك، فحصب ذلك الجانب، وقحط الآخر، فكان يدفن سنة فى هذا الجانب، وسنة فى الآخر؛ ثم اجتمعت الاراء أن يدفن فى وسط النهر؛ ففعلوا ذلك، فخصب الجانبان ببركته، ولم يزل فى نهر النيل حتى بعث الله موسى- عليه السلام- فأمره الله أن يحمل تابوت يوسف؛ فأخرجه ونقله إلى بيت المقدس، فدفنه هناك، وموضع قبره معروف.
(13/156)

الباب الخامس من القسم الثانى من الفنّ الخامس فى قصّة أيوب- عليه السلام- وابتلائه وعافيته
عن وهب بن منبّه أنه لم يكن بعد يوسف نبىّ إلّا أيوب، وهو أيّوب بن أموص ابن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم.
وكان أموص كثير المال والماشية، لم يكن فى أرض الشأم أغنى منه؛ فلما مات صار ذلك جميعه لأيوب؛ وكان أيوب يومئذ ابن ثلاثين سنة، فأحبّ الزواج فخطب رحمة بنت أفرايم بن يوسف؛ فتزوّجها، وكانت أشبه الخلق بيوسف وكانت كثيرة العبادة، فرزقه الله منها اثنى عشر بطنا، فى كلّ بطن ذكر وأنثى؛ ثم بعثه الله تعالى إلى قومه رسولا- وهم أهل حوران والبثنية- ورزقه الله حسن الخلق والرفق، فشرع لقومه الشرائع، وبنى المساجد، ووضع موائده للفقراء والأضياف؛ وأمر وكلاءه ألّا يمنعوا أحدا من زراعته وثماره، فكان الطير والوحش وجميع الأنعام تأكل من زرعه وبركة الله تزداد صباحا ومساء؛ وكانت كلّ مواشيه تحمل فى كلّ سنة بتوءم.
وكان أيّوب إذا أقبل الليل جمع من يلوذبه فى مسجده، ويصلّون بصلاته ويسبّحون بتسبيحه حتى يصبح، فحسده إبليس؛ وكان لا يمر بشىء من ماله وماشيته إلا رآه وهو مختوم بخاتم الشكر؛ وكان إذ ذاك يصعد إلى السموات ويقف فى أى مكان أحبّ منها، حتى رفع الله عيسى بن مريم، فحجب عن أربع سموات منها؛ حتى بعث الله نبينا محمدا صلّى الله عليه وسلّم، فحجب عن جميعا فصعد إبليس فى زمن أيّوب- عليه السلام- وقال: يا ربّ إنى طفت الأرض ففتنت من أطاعنى إلّا عبادك منهم المخلصين. فنودى: يا ملعون، هل علمت
(13/157)

بعبدى أيّوب؟ وهل نلت منه مع طول عبادته؟ وهل تستطيع أن تغيّره عن عبادتى؟ فقال إبليس: إلهى إنك ذكرته بالخير، وقد نظرت فى أمره فإذا هو عبد عافيته بعافيتك، ورزقته شكرك، ولم تختبره بالبلاء؛ فلو ابتليته بالمصائب لوجدته بخلاف ما هو عليه، فلو سلّطتنى على ماله لرأيته كيف ينساك.
فسلّطه الله على ماله؛ فآنقضّ وجمع العفاريت، وأخبرهم أنه سلّط على مال أيوب، وحضّهم على زرعه وأشجاره ومواشيه، فأحرقوا الأشجار، وصاحوا بالمواشى صيحة فماتت برعاتها.
قيل: وكان له ألف فرس وألف رمكة وألف بغل وبغلة، وثلاثة آلاف بعير، وألف وخمسمائة ناقة، وألف ثور، وألف بقرة، وعشرة آلاف شاة وخمسائة فدّان، وثلاثمائة أتان، مع ما يتبع ذلك من النّتاج؛ فهلك جميع ذلك؛ ثم أقبل إبليس إلى أيوب فى صورة راع من رعاته، وخيل له أن عليه وهج الحريق وقد اسودّ وجهه، وهو ينادى: يا أيّوب، أدركنى فأنا الناجى دون غيرى ما رأيت قطّ مثل هذا اليوم، رأيت نارا أقبلت من السماء فأحرقت أموالك، وسمعت نداء من السماء: هذا جزاء من كان مرائيا فى عمله يريد به الناس دون الله.
وسمعت النار تقول: أنا نار الغضب. فأقبل أيوب على صلاته، ولم يكترث به حتى فرغ منها، وقال: يا هذا، لقد كثّرت علىّ، ليست الأموال لى، بل هى لربّى يفعل فيها ما يشاء. فقال إبليس: صدقت.
وماج الناس بعضهم فى بعض، وقالوا: هلّا قبضها قبضا جميلا.
فشقّ ذلك على أيّوب من قولهم، ولم يجبهم، غير أنه قال: الحمد لله على قضائه وقدره. وانصرف إبليس عنه، وصعد الى السماء، فنودى: يا ملعون
(13/158)

كيف وجدت عبدى أيّوب وصبره على ذهاب أمواله؟ فقال إبليس: إلهى إنك قد متّعته بالأولاد، فلو سلّطتنى عليهم لوجدته غير صابر. فنودى: يا ملعون اذهب فقد سلّطتك عليهم. فانقضّ إبليس على باب قصر أيّوب الّذى فيه أولاده فزلزله حتّى سقط عليهم، وشدخهم بالخشب، ومثّل بهم كلّ مثلة؛ فأوحى الله إلى الأرض: احفظى أولاد أيّوب فإنّى بالغ فيهم مشيئتى.
وأقبل إبليس إلى أيّوب وقال له: لو رأيت قصورك كيف تهدّمت، وأولادك وما حلّ بهم. ولم يزل يعدّ له ما حلّ بهم حتّى إبكاه؛ ثم ندم على بكائه، فاستغفر وخرّ ساجدا؛ وأقبل على إبليس وقال: يا ملعون، انصرف عنّى خائبا؛ فإن أولادى كانوا عارية عندى لله.
فانصرف وصعد إلى السماء، ووقف موقفه، فنودى: يا ملعون، كيف رأيت عبدى أيوب واستغفاره عند بكائه؟ فقال: إلهى إنّك قد متّعته بعافية نفسه، وفيها عوض عن المال، فلو سلّطتنى على بدنه لكان لا يصبر. فنودى: يا ملعون اذهب فقد سلّطتك على جسده إلّا عينيه ولسانه وقلبه وسمعه. فانقضّ إبليس عليه وهو فى مسجده يتضرّع الى الله ويشكره على جميع بلائه؛ فلمّا سمع إبليس ذلك منه اغتاظ، ولم يتركه يرفع رأسه من السجود حتى نفخ فى منخريه كالنار الملتهبة؛ فاسودّ وجهه، ومرّت النفخة فى سائر جسده؛ فتمعّط منها شعره، وتقرّح جميع بدنه، وورم فى اليوم الثانى، وعظم فى الثالث، واسودّ فى الرابع، وامتلأ قيحا فى الخامس، ووقع فيه الدود فى السادس، وسال منه الصديد فى اليوم السابع ووقع فيه الحكاك، فجعل يحكّه حتى سقطت أظافيره؛ فحكّ بدنه بالخروق والمسوح والحجارة، وكان إذا سقطت دودة من بدنه ردّها إلى موضعها، ويقول: كلى إلى أن يأذن الله بالفرج.
(13/159)

فقالت له رحمة: يا أيوب، ذهب المال والولد، وبدء الضرّ فى الجسد.
فقال لها: يا رحمة، إنّ الله ابتلى الأنبياء من قبل فصبروا، وإن الله وعد الصابرين خيرا؛ وخرّ ساجدا لله تعالى، وقال: إلهى لو جعلت ثوب البلاء سرمدا وحرمتنى العافية، ومزّقتنى كلّ ممزّق، ما ازددت إلّا شكرا؛ إلهى لا تشمت بى عدوّى إبليس.
ثم قال لرحمة: انقلينى إلى موضع غير مسجدى، فإنّى لا أحبّ أن يتلوّث المسجد.
فانطلقت إلى قوم كان أيوب يحسن إليهم؛ فالتمست منهم أن يعينوها على إخراجه من المسجد؛ فقالوا: إنه قد غضب عليه ربّه بما كان فيه من الرياء، فليت كان بيننا وبينه بعد المشرقين. فرجعت رحمة واحتملته إلى الموضع الّذى كان يضع فيه الموائد للناس بالفضاء.
ثم قال لها: يا رحمة، إن الصدقة لا تحلّ علينا، فآحتالى فى خدمة الناس. وبكى وبكت، فكانت تخدم أهل البلد فى سقى الماء وكنس البيوت وإخراج الكناسات الى المزابل، وتتكسّب من ذلك ما تنفقه على أيّوب؛ فأقبل إبليس فى صورة شيخ، فوقف على أهل القرية وقال: كيف تطيب نفوسكم بمخالطة امرأة تعالج من زوجها هذا القيح والصديد وتدخل بيوتكم، وتدخل يدها فى طعامكم وشرابكم؟! فوقع ذلك فى قلوبهم ومنعوها أن تدخل بيوتهم.
قال: واشتد بأيّوب البلاء، ونتن حتى لم يقدر أحد من أهل القرية أن يستقرّ فى بيته لشدّة رائحته؛ فاجتمعوا على أن يرسلوا عليه الكلاب لتأكله؛ فأرسلوها فعدت حتى قربت منه وولّت هاربة ولم ترجع إلى القرية.
(13/160)

ثم قال لرحمة: إنّ القوم قد كرهونى، فاحتالى فى نقلى عنهم.
فتوجّهت واتخذت له عريشا، واستعانت بمن يحمله؛ فأعانها الله بأربعة من الملائكة، فحملوه بأطراف النّطع إلى العريش، وعزّوه فى مصيبته ودعوا له بالعافية؛ واتخذت له رحمة فى العريش رمادا، فألقى نفسه عليه؛ ثم توجّهت فى طلب القوت، فردّها أهل القرية، وقالوا: إنّ أيّوب سخط عليه ربّه.
فعادت إليه باكية، وقالت: إنّ أهل القرية غلّقوا أبوابهم دونى. فقال:
إن الله لا يغلق بابه دوننا. فحملته إلى قرية أخرى، وصنعت له عريشا ودخلت القرية، فقرّبوها وأكرموها، وحملت فى ذلك اليوم عشرة أقراص من خمسة بيوت؛ ثم شمّ أهل القرية رائحة أيّوب بعد ذلك، فمنعوا رحمة أن تدخل إليهم، وقالوا: نحن نواسيك من طعامنا بشىء. فرضيت بذلك؛ فبينما هى تتردّد إلى أيّوب إذ عرض لها إبليس فى صورة طبيب وقال: إنى أقبلت من أرض فلسطين لما سمعت خبر زوجك، وقد جئت لأدويه، وأنا صائر إليه غدا فيجب أن تخبريه، وقولى له: يحتال فى عصفور أو طائر فيذبحه ولا يذكر اسم الله عليه، ويأكله ويشرب عليه قدحا من خمر، ففرجه فى ذلك. فجاءت رحمة إلى أيّوب وأخبرته بذلك، فتبيّن الغضب على وجهه، وأخبرها أنه إبليس وحذّرها أن تعود لمثل ذلك؛ ثم أقبلت بعد ذلك إلى أيّوب بشىء من الطعام فعرض لها إبليس فى صورة رجل بهىّ على حمار، فقال: كأنى أعرفك، ألست رحمة امرأة أيّوب؟ قالت: بلى. قال: إنى أعرفكم وأنتم أهل غناء ويسار فما الّذى غيّر حالكم؟ فذكرت ما أصاب أيّوب من البلاء فى المال والولد والنفس قال: وفى أىّ شىء أصابتكم هذه المصائب؟ قالت: لأنّ الله أراد أن يعظم لنا الأجر على قدر بلائه.
(13/161)

قال إبليس: بئس ما قلت، ولكن للسماء إله وللأرض إله؛ فأمّا إله السماء فهو الله؛ وأمّا إله الأرض فأنا، فأردتكم لنفسى فعبدتم إله السماء ولم تعبدونى ففعلت بكم ما فعلت، وسلبتكم نعمكم، وكلّ ذلك عندى، فاتّبعينى حتى تنظرى إلى ذلك، فإنّه عندى فى وادى كذا وكذا.
فلما سمعت (رحمة) ذلك منه عجبت، واتبعته غير بعيد حتى وقفها على ذلك الوادى، وسحر عينيها حتى رأت ما كانت فقدته من أموالهم. فقال:
أنا صادق أم لا؟ فقالت: لا أدرى حتى أرجع إلى أيّوب. فرجعت وأخبرته بذلك، فتألم وأنكر عليها وغضب؛ فسألته أن يعفو عنها ولا تعود؛ فقال:
قد نهيتك مرّة وهذه أخرى، وأقسم إن عافاه الله ليجلدنها مائة جلدة على كلامها لإبليس.
قال: ولبث أيّوب فى بلائه ثمانى عشرة سنة حتى لم يبق إلّا عيناه تدوران فى رأسه، ولسانه ينطق به، وقلبه على حالته، وأذناه يسمع بهما.
قال: وعجزت (رحمة) فى بعض الأيام عن تحصيل القوت، وطافت القرية حتى أتت إلى امرأة عجوز فشكت لها ذلك؛ فقالت العجوز: يا رحمة، قد زوّجت ابنتى، فهل لك أن تعطينى ضفيرتين من ضفائرك لأزين بهما ابنتى، وأعطيك رغيفين. فأجابتها رحمة إلى ذلك، وأخذت الرغيفين، وجاءت بهما إلى أيوب؛ فأنكرهما أيوب وقال: من أين لك هذين؟ فأخبرته بالقصة؛ فصاح أيوب وقال ما أخبر الله تعالى: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
فأوحى الله إليه: يا أيّوب، قد سمعت كلامك، وسأجزيك على قدر صبرك؛ وأمّا رحمة فلأرضينّها بالجنة.
(13/162)

ذكر كشف البلاء عن أيّوب- عليه السلام-
قال: فلما كان يوم الجمعة عند زوال الشمس، هبط عليه جبريل فسلّم عليه فردّ عليه وقال: من أنت؟ قال: أنا جبريل؛ وبشّره بالشفاء، وأن الله قد وهب له أهله وماله وولده ومثلهم معهم لتكون آية، فبكى أيّوب من شدّة الفرح وقال:
الحمد لله الذى لم يشمت بى عدوّى إبليس. فقال له جبريل: قم يا أيّوب. فلم يستطع؛ فأخذ بيده وقال: قم بإذن الله. فقام على قدميه، فقال له جبريل:
اركض برجلك هذه الأرض. فركضها، فنبعت عين من الماء تحت قدميه أشدّ بياضا من الثلج وأحلى من العسل وأذكى من المسك؛ فشرب منه شربة فسقط ما فى بدنه من الدود، ثم أمره جبريل فاغتسل من تلك العين، فخرج ووجهه كالقمر وعاد إليه حسنه وجماله؛ ثم ناوله جبريل خلعتين، فأتزر بواحدة وارتدى بالأخرى؛ وناوله نعلين من الذهب شراكهما من الياقوت؛ وناوله سفرجلة من الجنّة؛ ثم قام إلى الصلاة، فأقبلت رحمة وقد طردها الناس من كلّ الأبواب؛ فلما صارت إلى ذلك المكان رأته وقد تغيّر، فظنت أنها قد أخطأت الطريق؛ فقالت: أيها المصلّى كلّمنى. فلم يكلّمها، وثبت فى صلاته؛ فقال له جبريل: كلمها. فقال:
ما حاجتك؟ قالت: هل عندك علم بأيوب المبتلى فإنّى خلّفته هاهنا ولست أراه.
فتبسّم أيوب وقال: إن رأيته عرفته؟ فقالت: والله إنّك لأشبه الناس به قبل بلائه. فضحك وقال: أنا أيوب. فبادرت إليه واعتنقته، وبشرهما جبريل بأولادهما وما فقداه من الأموال وغيرها ومثلهم معهم، وأمطر الله عليهم جرادا من ذهب؛ وكان له بيدران، فأرسل الله سحابتين فأفرغتا فى أحدهما ذهبا وفى الآخر فضة حتى فاض أحدهما على الآخر.
(13/163)

قيل: إنه كان له بعد العافية أربعة آلاف وكيل، رزق كلّ واحد فى الشهر مائة مثقال من الذهب، وبين يديه اثنا عشر من البنين، ومثلهم من البنات وملّكه الله جميع بلاد الشأم، وأعطاه مثل عمره الّذى عمّره فى الماضى.
فلما أدركته الوفاة أوصى أولاده أن يخلفوه فى ماله كما كان يفعل مع الفقراء والمساكين والأيتام والأرامل؛ ثم مات، وتوفيت امرأته قبله.
وقيل: بعده بقليل؛ فدفن إلى جانب العين التى أذهب الله بلاءه فيها.
قال الثعلبىّ- رحمه الله تعالى-: وكانت مدّة ابتلائه ثمانى عشرة سنة.
الباب السادس من القسم الثانى من الفن الخامس فى خبر (ذى الكفل)
اختلف العلماء فى (ذى الكفل) من هو؟ فقال الكسائىّ: هو ابن أيوب- عليهما السلام- وذكر قصته فقال:
لما قبض الله- عزّ وجلّ- أيوب عليه السلام سار ابنه حوميل- وهو أكبر أولاده- فى الناس سيرة أبيه، حتى خرج عليهم ملك من ملوك الشأم يقال له: لام بن دعام، فغلب على بلاد الشأم، وبعث إلى حوميل يقول: إنكم ضيّقتم علينا بلاد الشأم، وأريد منكم نصف أموالكم وتزوّجونى أختكم حتى أقرّكم على ما أنتم عليه، وإلّا سرت إليكم بخيلى ورجلى وجعلتكم غنيمة.
فأرسل إليه حوميل يقول: إن هذه الأموال التى فى أيدينا ليس لأحد فيها حق إلا الفقراء والمساكين والأيتام والأرامل؛ وأما أختنا فإنّك من غير ديننا، فلا نزوّجها لك؛ وأما تخويفك لنا بخيلك ورجلك، فنحن نتوكّل على الله ربّنا، وهو حسبنا.
(13/164)

فجمع الملك جنوده وقصدهم، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فكانت الكسرة على أولاد أيوب، وأسر بشير بن أيوب وجماعة معه؛ وانقلب حوميل بنفسه وجمع مالا عظيما ليحمله إلى الملك ويخلّص أخاه منه؛ فبينما هو فى ذلك إذ أتاه آت فى منامه فقال: لا تحمل هذا المال، ولا تخف على أخيك، فإن هذا الملك يؤمن، وتكون عاقبة أمره خيرا.
فلما أصبح قصّ رؤياه على إخوته، ففرحوا؛ فبلغ الملك توقّفه فى حمل المال فأرسل إليه يقول: احمل ما تكفل به أخاك من المال وإلّا أحرقته بالنار. فبعث إليه: إنى قد أمرت ألّا أحمل لك شيئا، فاصنع ما أنت صانع. فغضب الملك وأمر أن تجمع الأحطاب؛ فجمعت وألقى فيها النار والنّفط، وأمر ببشير فألقى فيها فلم تحرقه؛ فعجب الملك من ذلك، وآمن بالله، واختلط بعضهم ببعض، وزوّجوه أختهم، وسمى بشير ذا الكفل، وأرسله الله إلى الشأم؛ وكان الملك يقاتل بين يديه الكفار، فلم يزل كذلك حتى مات أولاد أيّوب؛ ثم مات الملك وغلب العمالقة على الشأم، إلى أن بعث الله- عزّ وجلّ- شعيبا رسولا.
وحكى الثعلبى فى تفسيره وقصصه فى قصّة ذى الكفل غير ما تقدّم، وساق القصّة تلو قصة اليسع، فقال: قال مجاهد: لما كبر اليسع قال: لو أنى استخلفت رجلا على الناس فعمل عليهم فى حياتى حتى أنظر كيف يعمل. فجمع الناس وقال:
من يتكفّل لى بثلاثة أستخلفه: يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب.
فقام رجل شاب تزدريه العين قال: أنا. فردّه ذلك اليوم؛ وقال مثل ذلك فى اليوم الآخر؛ فسكت الناس، وقام ذلك الرجل فقال: أنا. فاستخلفه؛ فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان. فأعياهم؛ فقال: دعونى وإياه. فجاءه
(13/165)

فى صورة شيخ فقير حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل إلّا تلك النومة؛ فدقّ الباب؛ فقال: من هذا؟ فقال: شيخ مظلوم. ففتح الباب، فجعل يقص عليه قصته، فقال: إن بينى وبين قوم خصومة، وإنهم ظلمونى وفعلوا وفعلوا وفعلوا؛ وجعل يطوّل عليه حتى حضر الرواح وذهبت القائلة؛ فقال له: إذا رحت فإنّى قد أخذ بحقك. فانطلق وراح، فكان فى مجلسه، فجعل ينظر هل يرى الشيخ؟
فلم يره؛ فلما رجع وأخذ مضجعه أتاه ودقّ الباب، فقال: من هذا؟ قال: أنا الشيخ المظلوم. فقال: ألم أقل لك: إذا قعدت فأتنى. قال: إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا: نحن نطيعك ونعطيك حقّك، وإذا قمت جحدونى.
قال: فانطلق، فإذا رحت فأتنى، ففائته القائلة، فراح فجعل ينظر فلا يراه وشقّ عليه النعاس، فقال لبعض أهله: لا تدعنّ أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام فإنى قد شق علىّ النعاس. فلما كانت تلك الساعة جاء فلم يأذن له الرجل، فنظر فرأى كوّة فى البيت، فتسوّرها فإذا هو فى البيت، وإذا هو يدقّ الباب من داخل؛ فاستيقظ ذو الكفل، وقال: يا فلان، ألم آمرك ألّا تأذن لأحد علىّ؟ فقال:
أمّا من قبلى فما أتيت، فانظر من أين أتيت.
فقام إلى الباب فإذا هو مغلق والرجل معه فى البيت، فقال له: أتنام والخصوم ببابك؟ فقال: فعلتها يا عدوّ الله. قال: نعم، أعييتنى فى كل شىء ففعلت ما ترى لأغضبك، فعصمك الله منى، فسمّى ذا الكفل، لأنه متكفّل بأمر فوفى به.
وروى الثعلبىّ أيضا بسند رفعه إلى ابن عمر- رضى الله عنهما- قال:
سمعت رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- يحدّث حديثا لو لم أسمعه إلّا مرة أو مرتين لم أحدّث به، سمعته منه أكثر من سبع مرات.
(13/166)

قال: كان فى بنى إسرائيل رجل يقال له: ذو الكفل، لا ينزع عن ذنب عمله، فاتبع امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن تعطيه نفسها؛ فلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة أرعدت وبكت؛ فقال: ما يبكيك؟ قالت: من هذا العمل ما عملته قطّ. قال: أكرهتك؟ قالت: لا، ولكن حملتنى عليه الحاجة. قال:
اذهبى فهى لك. ثم قال: والله لا أعصى الله أبدا. فمات من ليلته. فقيل:
«مات ذو الكفل» فوجدوا على باب داره مكتوبا: إنّ الله قد غفر لذى الكفل.
وقال أبو موسى الأشعرىّ- رضى الله عنه- إنّ ذا الكفل لم يكن نبيّا ولكنه كان عبدا صالحا، تكفّل بعمل رجل صالح عند موته، فكان يصلّى لله تعالى فى كل يوم مائة صلاة، فأحسن الله- عزّ وجلّ- عليه الثناء.
وقيل: كان رجلا عفيفا، تكفل بشأن رجل وقع فى بلاء، فأنجاه الله تعالى.
وقيل: ذو الكفل، هو إلياس النبىّ عليه السلام.
وقيل: هو زكريا النبىّ عليه السلام؛ والله تعالى أعلم.
الباب السابع من القسم الثانى من الفن الخامس فى خبر شعيب النبى عليه السلام
هو شعيب بن صنعون بن عفّا بن نابت بن مدين بن إبراهيم عليه السلام.
قال: وعاش مدين عمرا طويلا، وكان قد تزوّج امرأة من العمالقة فولدت له أربعة بنين، ونسلوا فكثر عددهم فى حياة مدين، فلما رآى كثرة عقبه جمعهم وأشار عليهم أن يبنوا مدينة ويحصّنوها من العمالقة؛ ففعلوا ذلك، وجعلوا أبوابها من الحديد، وسمّوها مدين باسم أبيهم، وجعلوها محالّ لقبائلهم، فرغبت العمالقة
(13/167)

فى مجاورتهم، وامتلأت المدينة من العمالقة ومن أهلها حتى ضاقت بهم، فخرجت العمالقة من مدين ونزلوا بالأيكة،- وكانت غيضة عن يمين مدين- فبنوا هناك الدّور لأنفسهم، واختلطوا بأهل مدين، وكان أهل مدين يعبدون الله، وأصحاب الأيكة يعبدون الأصنام، ولا يعدو بعضهم على بعض؛ وكان صنعون والد شعيب من العبّاد والعلماء بمدين، وتحته امرأة من العمالقة، فولدت له شعيبا فى نهاية الجمال؛ فلمّا كبر أعطاه الله فهما وعلما؛ وكان قليل الكلام دائم الفكر؛ وكان أبوه إذا تأمّل ضعفه ونحافته يقول: اللهم إنك كثّرت الشعوب والقبائل فى أرض مدين، فبارك لى فى شعيبى هذا. يعنى ولده. فرأى فى منامه أن الله تعالى قد بارك لك فى شعيبك هذا، وقد جعله نبيا إلى أهل مدين. فسمّى شعيبا لذلك.
وتوفّى والده فقام شعيب مقامه، وبرّز بالزهد على أهل زمانه، واشتهر بالعبادة.
قال: وكان ملك الأيكة- واسمه أبو جاد- قد اتخذ لقومه أصناما، وهى ثلاثون صنما، عشرة من الذهب حلّاها بالجوهر خاصّة به وبأولاده، والبقية من الفضة والنحاس والحجارة والحديد والخشب لبقية الناس.
قال كعب فى تفسير (أبجد) : إنها أسماء ملوك مدين.
وقيل: بل ملوك الأيكة، وهم أبو جاد وهوّز وحطّى وكلمن وسعفص وقرشت.
قال: وكان أهل مدين أصحاب تجارات يشترون الحنطة والشعير وغيرهما من الحبوب، ويجلبون ذلك من سائر البلدان يتربّصون به الغلاء، وهم أوّل من تربّص؛ وكان لهم مكيالان: واف يكتالون به لأنفسهم عند الشراء، وناقص يكيلون به للإعطاء، وكذلك فى وزنهم؛ فكانوا على ذلك وشعيب بين أظهرهم وهو لا يخالطهم، وله غنم ورثها من أبيه يأكل من منافعها، وهو عظيم المحلّ عندهم.
(13/168)

فبينما هو ذات يوم على باب منزله مشتغل بالذكر، إذ جاءه رجل غريب فقال: إنّ هؤلاء القوم يظلمون الناس، وإنى اشتريت منهم مائة مكيال بمائة دينار وقبضوا الثمن وزيادة، والذى كاله منهم نقص عشرين مكيالا. فقال له شعيب:
ارجع إليهم فلعلّهم قد غلطوا عليك. قال: قد راجعتهم فضربونى وسبّونى، وقالوا:
هذه سنّتنا فى بلدنا. والتمس الرجل من شعيب أن يساعده عليهم؛ فخرج شعيب معه حتى صار إلى سوقهم، وسألهم عن قصّته فلم ينكروها، وقالوا: ألم تعلم يا شعيب أنّ هذه سنّة آبائنا فى بلدنا؟ قال ليس هذا من السنة. فعذلهم، فلم يرجعوا إلى قوله وضربوا الرجل حتى أدموه، وانصرف شعيب إلى منزله.
ذكر مبعث شعيب- عليه السلام-
قال: فأتاه جبريل فى الحال، وأخبره أنّ الله قد بعثه رسولا إلى أهل مدين وأصحاب الأيكة وغيرهم ممّن يعبدون الأصنام، وأمره أن يدعوهم إلى عبادة الله وطاعته، وألّا يبخسوا الناس أشياءهم.
قال: وأقبل شعيب إلى أهل مدين وقال لهم ما أخبر الله تعالى به فى كتابه:
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ* وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ.
فلما سمعوا ذلك منه أجابوه بما أخبر الله به عنهم: قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ* قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ
(13/169)

عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ* وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ* وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ.
ثم انصرف عنهم، وعاد إليهم من الغد وقد اجتمعوا مع ملكهم أبى جاد؛ فوقف عليهم ونهاهم عن عبادة الأصنام وبخس المكيال والميزان؛ فقالوا له:
يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ* قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ.
فاستهزأ القوم به، فقال: ويا قوم اعملوا على مكانتكم إنّى عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إنّى معكم رقيب.
فكذّبه سفهاء قومه، كما أخبر الله عنهم: كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ* أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ* وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ* وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ* وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ* قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ* وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ* فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ.
ثم قال له الملك: قد بلّغت رسالتك بزعمك، وقد سمعناها وأبينا، فلا تعد إلينا فترى ما لا طاقة لك به. فقال: أنا رسول الله إليكم، وإنى أعود أدعوكم حتّى ترجعوا إلى طاعة الله. فغضب الملك، وانصرف عنهم شعيب؛ وآمن به رجل من وزراء الملك، واستكتمه إيمانه، فكتمه شعيب؛ ثم عاد من الغد وقد خرج الملك
(13/170)

ومن معه إلى سوقهم، وأخرجوا أصنامهم ونصبوها؛ وأمر الملك فى أهل مدين والأيكة: من سجد لأصنامنا فهو منّا، ومن أبى عذّبناه عذابا شديدا. فسجد القوم بأجمعهم للأصنام؛ فناداهم شعيب: إنّ هذه الأصنام لا تضرّ ولا تنفع، فاتركوا عبادتها. وحذرهم عذاب الله. فقالوا: إنك تدعونا بغير حجة، فهل لك حجة على دعواك النبوة؟ قال لهم شعيب: إن نطقت هذه الأصنام بصدق مقالتى أتؤمنون؟
قالوا: نعم. ورضى الملك بذلك؛ فتقدّم شعيب إلى الأصنام وقال لها: أيتها الأصنام، من ربّك؟ ومن أنا؟ تكلّمى بإذن الله. فنطقت بإذن الله وقالت: ربّنا الله وخالقنا وخالق كلّ شىء، وأنت رسول الله ونبيّه. وتنكّست عن كراسيّها ولم يبق منها صنم صحيح؛ وأرسل الله على قوم شعيب ريحا كادت تنسفهم نسفا فأسرع الملك ومن معه إلى منازلهم، وآمن بشعيب خلق كثير؛ ثم أصبح الملك ومن معه فخرجوا إلى سوقهم، ونصبوا ما كان قد بقى عندهم من الأصنام، وأمرهم بالسجود لها؛ فأتاهم شعيب ونهاهم وحذرهم فلم يرجعوا إليه، وأمر الملك أصحابه أن يقعدوا لشعيب ولمن معه كلّ مرصد، ويؤذوهم أشدّ الأذى؛ ثم قال الملك وقومه: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا
إلى قوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ.
قال: وإذا بريح قد هاجت عليهم فيها من الحرّ والكرب ما لا طاقة لهم به حتى رموا أنفسهم فى الآبار والسراديب، واشتدّ الحرّ ودام عليهم مدّة وهم لا يزدادون إلا عتوّا وتمرّدا، وشعيب يدعوهم ويحذّرهم العذاب؛ فيقولون: لسنا نرى من عذاب ربّك إلا هذا الحرّ، ونحن نصبر عليه.
وأقاموا كذلك أعواما كثيرة وهم لا يؤمنون؛ فأرسل الله عليهم الذباب الأزرق، فكان يلدغهم كالعقارب، وربما قتل أولادهم؛ ثم تضاعف الحرّ عليهم
(13/171)

فتحوّلوا من مدين إلى الأيكة، فتضاعف الحرّ عليهم، وتنقّلوا من الأودية إلى الغياض والحرّ يشتدّ عليهم، حتى اسودّت وجوههم، فأقبل إليهم شعيب ودعاهم إلى الإيمان؛ فنادوه: يا شعيب، إن كان ما نلقاه لكفرنا بك وبربك فزدنا منه فإنا لا نؤمن. فأوحى الله إليه أنّه مهلكهم، فتحوّل عنهم.
ذكر خبر الظّلّة
قال الله تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ* إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ.
قال: ولما كان من غد يوم مقالتهم ما قالوه لشعيب وهو يوم الأربعاء وإذا بسحابة سوداء قد ارتفعت فأظلّتهم، فاجتمعوا تحتها يستظلون بها من الحرّ فانطبقت عليهم حتى لم يبصر بعضهم بعضا؛ واشتدّ الحرّ؛ ثم رمت بوهجها وحرها حتى أنضجت أكبادهم وأحرقتهم وجميع ما كان على وجه الأرض، وشعيب والمؤمنون ينظرون إلى ما نزل بهم، ويتأمّلون مصارعهم، ولم ينلهم من ذلك مكروه. قال الله تعالى: وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ
يعنى صيحة جبريل فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ* كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ
ثم أقبل شعيب والمؤمنون ينظرون إلى مصارع القوم. قال الله تعالى: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ
معناها، كيف أحزن عليهم.
ثم قسم شعيب أموال الكفار على قومه، وتزوّج بإمرأة من أولاد المؤمنين، ورزقه الله رزقا حسنا، ولم يزل بأرض مدين حتى كفّ بصره، وجاء موسى بن عمران من أرض مصر، وزوّجه ابنته- على ما نذكره إن شاء الله تعالى-.
(13/172)

القسم الثالث من الفنّ الخامس يشتمل على قصة موسى بن عمران عليه السلام وخبره مع فرعون؛ و ...
خبر يوشع بن نون وإلياس واليسع وغيلا واشمويل وداود وطالوت وجالوت وسليمان بن داود ويونس بن متى وجرجيس وبلوقيا وزكريا وعمران ومريم وعيسى، عليهم السلام، وأخبار الحواريين؛ وفيه ستة أبواب؛ والله أعلم بالصواب
الباب الأوّل من القسم الثالث من الفن الخامس فى قصة موسى بن عمران وهارون- عليهما السلام
- وخبر فرعون وابتداء أمره وغرقه، وأخبار بنى إسرائيل، وخبر قارون، وخروج موسى عليه السلام.
ولنبدأ بخبر فرعون وابتداء أمره، وكيف توصل إلى الملك، ثم نذكر قصة موسى عليه السلام معه، ليكون الكلام فى ذلك على سياقه.
فأمّا فرعون، فهو الوليد بن مصعب.
قال وهب: كان مصعب بن نسيم «1» بمصر يرعى البقر لقومه، وله امرأة يقال لها: راعونة، وهما من العمالقة؛ فأتت عليه مائة وسبعون سنة لم يرزق ولدا، فبينما هو فى برّيّة مصر إذا ببقرة قد ولدت عجلا؛ فتأوّه وحسد البقرة؛ فنادته: يا مصعب لا تعجل، فسيولد لك ولد مشئوم يكون من أهل جهنم. فرجع وذكر ذلك لأمرأته، وواقعها فحملت بفرعون، ومات أبوه قبل ولادتها؛ ثم ولدته أمّه وسمّته الوليد، وأخذت فى إرضاعه وتربيته حتى كبر، فأسلمته إلى النجارين؛ فأتقن صناعة النجارة؛ ثم ولع بالقمار، فعاتبته أمّه؛ فقال: كفّى عنى فأنا عون نفسى.
(13/173)

فلزمه هذا اللقب، فكان يعرف بعون نفسه، فقامر فى بعض الأيام، فقمروه فى قميصه، وبقى فى خلق لا يستره؛ فاستحيا من الناس أن يروه كذلك؛ فهرب حتى صار إلى قرية من قرى مصر؛ فعرض نفسه على بقّال، فخدمه، وكان يضرب المشترين ويؤذيهم حتى نفروا من البقّال؛ فطردوه فعاد إلى مصر؛ وكانوا يقولون:
(فرّعون) .
قال: ورجع إليها وهو لا يملك إلّا درهما واحدا، فاشترى به بقلا وبطيخا وقعد يبيعه، فجاءه عريف الطريق وطالبه بحق الطريق؛ قال: وما هو؟ قال:
درهم. فتلاحيا؛ فترك فرعون رحله ومضى، وجعل يسرق وينقب، فيهرب مرة ويؤخذ أخرى.
فاتفق أن رجلا من العمالقة جمح به فرسه فعجز عن ضبطه، فوثب فرعون إلى الفرس وضبطه بلجامه؛ فقال له العمليقىّ: أراك جلدا قويّا. فاتخذه سائسا؛ فجعل يخدمه حتى مات الرجل وليس له وارث؛ فاحتوى فرعون على جميع ماله وحمله إلى أمّه، وأكل ذلك المال حتى فنى، وضاق به الأمر، فوقع فى قلبه أن يجلس على باب مقابر مصر ويطلب أرباب الجنائز بشىء، ويظهر أنه بإذن الملك؛ ففعل ذلك مدّة حتى اجتمع له مال عظيم؛ واتخذ له أعوانا وحفدا «1» يعينونه على ذلك؛ وكان الملك بعد أن أهلك الله الريان بن الوليد تتوارثه الفراعنة؛ واستقرّ فى سنجاب بن الوليد، وكان مكرما لبنى إسرائيل، وكانوا يعبدون الله علانية ويتلون الصحف جهرا.
قال: فماتت ابنة للملك؛ فحملت إلى المقبرة، فتعلق بها أعوان فرعون على العادة لأخذ القطيعة؛ فاتصل الخبر بالملك؛ فأمر بإحضاره وأراد قتله؛ فقص
(13/174)

عليه قصّته. وفدى نفسه بما جمعه من المال؛ فعظم عند الملك وأقّره على عمله؛ فقرّر فرعون عند ذلك على جنائز الملوك ألف درهم، وعلى جنائز الوزراء سبعمائة والقوّاد خمسمائة، ثم إلى المائة، إلى الخمسين، إلى عشرة، إلى ثلاثة؛ فاجتمع الناس إلى الملك وحرّفوا رأيه عن هذه الحالة وقبّحوها عليه؛ فصرفه الملك عنها وأبطلها؛ وحمل إليه فرعون أموالا جمّة، وقال له: أيها الملك، إنّ جدّى كان على حرس أبيك، فاجعل ذلك إلىّ. فولّاه الحرس وأمره أن يشدّد فيه، ويقتل كلّ من لقيه بالليل كائنا من كان؛ وجعل الملك معه عدّة من الرجال والأعوان؛ فخرج فرعون واتخذ لنفسه قبّة فى وسط البلد، وكان يوجّه أعوانه، فمن أتوه به فى الليل أمر بقتله؛ فتقدّم عند الملك بذلك، لأنه أخاف أعداء الملك، وأمن الملك جانبهم بسببه، وخافه الناس، وجعل لنفسه حاجبا، ونفذت كلمته.
ذكر خبر قتل الملك واستيلاء فرعون على ملكه وما كان من أمره
قال: واتفق مرض بعض وزراء الملك- وكان الملك يأنس إليه ويقتدى برأيه- فأحبّ أن يزوره بالليل؛ فخرج منفردا وليس معه أحد من خدمه؛ فأخذه أعوان فرعون وأتوه به وهو يقول: ويلكم، أنا الملك سنجاب، وهم يظنون أنه يخدعهم بذلك، حتى أتوا به إلى فرعون، فأمر بقتله، فقتل؛ وبادر فرعون بمن معه- وكان فيهم كثرة- ودخل القصر، وكان لا يمنع منه؛ فاستوى على سرير الملك ووضع التاج على رأسه، وفتح الخزائن، وأحضر الوزراء وفرّق فيهم الأموال فرضوا به، وصاروا أولياء له.
قال: وأتاه إبليس وسجد بين يديه، وسمّاه إلها وربّا؛ ثم سجد له هامان- وكان غلاما لسنجاب- وسجد الوزراء والملوك والأعوان وغيرهم؛ وبعث
(13/175)

إلى أسباط بنى إسرائيل، فدعاهم إلى الطاعة والسجود له؛ فسجدوا وقصدوا بالسجود الله تعالى.
ثم أقبل فرعون بعد ذلك على إبليس وقال: أيّها الشيخ، إنّك كنت مباركا وأنت أوّل من سجد لى، ثم جرى القوم بعدك على سنّتك، فمن أنت؟ قال: أنا رجل من أهل مصر أشير على الملوك بمصالحهم. ثم قال لفرعون: اتخذ لقومك أصناما واحملهم على عبادتها، واتخذ لك صنما انفرد به أنت، واجعله إلها وربّا. فوافقه فرعون على ذلك، واتخذ له ثورا من ذهب يعبده، وأمر الناس بعبادة الأصنام؛ فعبدوها؛ فكان فرعون يعبد الثور، والقبط يعبدون الأصنام، وبنو إسرائيل يعبدون الله؛ فبلغه ذلك، فأحضر عبّادهم وقال: قد بلغنى أنكم مطيعون لى فى الظاهر، مخالفون لى فى الباطن، فاسجدوا لى. فأبوا ذلك، وكان فيهم جماعة من أولاد يوسف ويهوذا، فقتلهم، ثم قتل خلقا كثيرا، وتبعه الباقون وأسرّوا الإيمان؛ ثم إنّ فرعون استعبد الناس ووضع عليهم الخراج الكثير، وشقّ عليهم فى الأعمال.
هذا ما حكاه الكسائىّ- رحمه الله- فى خبر فرعون وابتداء أمره وسبب ملكه.
وحكى أبو إسحاق الثعلبىّ- رحمه الله- فى كتابه المترجم (بيواقيت البيان فى قصص القرآن) : أن فرعون موسى هو أبو العباس الوليد بن مصعب بن الريّان ابن أراشة بن ثروان بن عمرو بن فاران بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام، وكنّاه بهذه الكنية.
قال: وملك بعد أخيه قابوس بن مصعب؛ وذلك أنه لما مات الريان بن الوليد فرعون يوسف- عليه السلام- وذكر أنّه قد آمن بيوسف ومات قبل وفاة يوسف- عليه السلام- ملك بعده قابوس بن مصعب صاحب يوسف
(13/176)

الثانى؛ فدعاه يوسف إلى الإسلام، فأبى، وكان جبّارا، وقبض الله تعالى يوسف فى ملكه، وطالت أيّام ملكه، ثم هلك؛ وقام بعده بالملك بعده أخوه أبو العباس الوليد ابن مصعب، ولم يذكر خلاف ذلك.
وقد قيل فى اسمه ونسبه وسبب ملكه غير ذلك، وسيرد- إن شاء الله تعالى- فى أخبار ملوك مصر الفراعنة ما ستقف عليه هناك- إن شاء الله تعالى- والله أعلم.
ذكر خبر آسية بنة مزاحم وزواج فرعون بها
قال: وكانت آسية بنة مزاحم من الصدّيقات، وهى مختلف فى نبوّتها ولا خلاف أنّها صدّيقة؛ وكانت بارعة الجمال؛ فبلغ فرعون خبرها وجمالها، فأرسل إلى أبيها مزاحم (أن ابعث إلىّ بآسية فإنها أمتى) . فدخل على فرعون وقال: إن ابنتى صغيرة لا تصلح. فكذّبه فرعون وقال: قد عرفت وقت ولادتها. فقال:
أيها الملك، فاجعل لها مهرا. فغضب فرعون وقال: احملها إلىّ، فإن رضيتها أكرمتها، وإلّا رددتها إليك. فقال له عمران: أيها الملك، لا تفضحنى فى ابنة أخى، ولكن أكرمها بخلعة ومهر. فأجابه إلى ذلك؛ فانصرف مزاحم وأخبر آسية بذلك وقال: إن امتنعت يكون ذلك هلاكى وهلاكك. قالت فكيف تكون مؤمنة عند كافر؟ فلم يزل بها حتى أجابت على كره منها؛ وحمل إليها فرعون عشرة آلاف أوقية من الذهب. ومثل ذلك من الفضّة، وجملة من أنواع الثياب والطّرف؛ وحملت إلى فرعون، فحماها الله منه حتى رضى منها بالنظر. وكان فرعون قد رأى قبل ذلك من الآيات ما دلّه على أن زوال ملكه يكون على يد فتى من بنى إسرائيل؛ فقال: ائتونى بعمران لأنه كبير فيهم لأصطنع إليه وإليهم معروفا. فأتى به، فخلع عليه وتوّجه، وجعله سيّد وزرائه، حتى كان هامان وغيره يحسدونه.
(13/177)

ذكر شىء من الايات التى رآها فرعون قبل مولد موسى عليه السلام
فمن ذلك أنه هتفت به الهواتف تقول: ويلك يا فرعون، قد قرب زوال ملكك على يد فتى من بنى إسرائيل.
ثم رأى الرّؤى التى أزعجته وأفزعته؛ فكان منها أنه رآى شابا وقد دخل عليه وبيده عصا، فضربه بها على رأسه وقال: ويلك يا فرعون، ما أقل حياءك من خالق السموات، كلّما رأيت آية ازددت كفرا. ونظر إلى آسية فى المنام ولها جناحان تطير بهما بين السماء والأرض حتى دخلت السماء؛ ورأى الأرض قد انفرجت وأدخلته فى جوفها؛ فآنتبه فزعا، وقصّ رؤياه على أهل العبارة، فقالوا:
إنّها تدلّ على مولود يولد يسلبك ملك، ويزعم أنه رسول إله السماء والأرض ويكون هلاكك وقومك على يديه.
وكان فرعون قبل ذلك إذا عبّر عليهم رؤيا يقولون: هذه أضغاث أحلام ويكتمونه ما تدلّ عليه.
ذكر خبر قتل الأطفال
قال: فاستشار فرعون وزراءه وأهل مملكته؛ فأشاروا عليه بقتل من يولد من الذكور؛ فقتل اثنتى عشرة ألف امرأة وسبعين ألف طفل؛ وكان يعذّب الحوامل حتى يسقطن، حتى ضجّت الملائكة إلى ربّها؛ فأوحى الله إليهم بأن له أجلا وبشّرهم بموسى؛ وكان فرعون قد منع وزراءه وكبار أهل مملكته من الاجتماع بأهاليهم والخلوة بهنّ، لأنه كان قد بلغه أن المولود يكون من أقرب الناس إليه؛ وكان عمران ممن منع؛ وكان فرعون إذا نام لا يفارقه حتى يستيقظ؛ فبينما عمران ذات ليلة على كرسيه عند رأس فرعون إذا هو بامرأته وقد حملت إليه على جناح ملك من
(13/178)

الملائكة؛ فلما نظر عمران إليها فزع وقال: ما حاجتك هاهنا؟ فسكتت؛ فقال له الملك: إن الله يأمرك يا عمران أن تأتى زوجتك على فراش فرعون ليكون ذلك هوانا له. فواقعها فحملت بموسى؛ ثم اغتسلا فى الحوض الذى فى دار فرعون؛ ثم حملها الملك وردّها إلى منزلها؛ وكان على باب فرعون ألف حاجب، والأبواب مغلّقة، فلم يغن عنه ذلك؛ ولما أصبح فرعون دخل عليه المنجّمون وقالوا: إن الذى تخافه قد حملت به أمّه وقد طلع نجمه. فأمر فرعون القوابل والحواضن أن يدرن على نساء بنى إسرائيل؛ ففعلن ذلك، ولم يعبرن بيت عمران لعلمهنّ بملازمته لفرعون ليلا ونهارا؛ فلما تمت أيّامها جاءها الطلق نصف الليل، وليس عندها إلا ابنتها، فوضعته ووجهه يتلألأ نورا.
ذكر خبر ميلاد موسى وما كان من أمره وإلقائه فى التابوت
قال: وأصبحت أمّ موسى وهى شديدة الفرح به والخوف عليه؛ وسمع فرعون فى تلك الليلة هاتفا يقول: ولد موسى وهلكت يا فرعون وتنكّست الأصنام.
فشدّد فرعون فى طلب المولود، فكانت أمّه ترضعه، وإذا خرجت فى حاجة ألقته فى التنّور بمهده وغطّته؛ ففعلت ذلك فى بعض الأيّام، وكانت أخته قد عجنت وأرادت أن تخبز، فسجرت التنور وهى لا تعلم أن موسى فيه؛ وجاء هامان والدايات فدخلوا دار عمران فلم يجدوا شيئا، ونظروا إلى التنور والنار تعلو منه، فانصرفوا؛ وجاءت أمّ موسى فرأت الأعوان والحرس قد خرجوا من منزلها، فكاد روحها يزهق من الغمّ؛ فدخلت المنزل بسرعة نحو التنور، فرأت النار فيه؛ فلطمت وجهها وقالت: ما نفعنى الحذر، أحرقتم ولدى. وانطلقت إلى التنور فرأت موسى ولم تمسّه النار؛ فأخرجته؛ ولمّا تم له أربعون يوما فزعت عليه، فاتخذت له تابوتا
(13/179)

ووضعته فيه، وألقته فى اليمّ؛ وكان أبوه قد مات قبل ذلك ودفن، فلذلك اشتدّ خوف أمّ موسى.
قال الله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِ.
قال: فلمّا أتت به لتلقيه فى النيل تصوّر لها إبليس فى صورة حيّة سوداء وقال: إن ألقيته فى اليمّ ابتلعته. فعلمت أنه إبليس؛ فسمعت النداء: وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ.
قال: فطرحته فى النيل. فقيل: إنه بقى فى الماء أربعين ليلة.
وقيل: ثلاثا.
وقيل: ليلة واحدة.
ذكر دخول التابوت فى دار فرعون ورجوع موسى إلى أمّه
قال: وأصبح فرعون فى اليوم الذى دخل فيه التابوت إلى قصره، فصعد أعلى القصر وأشرف فرأى التابوت والموج يلعب به؛ وكان لفرعون سبع بنات من غير آسية، بكلّ واحدة منهنّ نوع من البلاء والمرض؛ وكان الأطبّاء قالوا له: إنّ دواءهنّ أن يغتسلن فى النيل. فصنع لهنّ نهرا من النيل وأجراه فى وسط القصر يصب فى حوض عظيم؛ فكانت بناته يغتسلن فيه؛ فأمر الله الريح أن تلقى التابوت فى ذلك النهر وبنات فرعون فيه؛ فبادرت الكبرى وفتحته فإذا فيه موسى وله شعاع ونور؛ فلما لمسته أذهب الله ما بها من البلاء والمرض؛ فلمسته بنات فرعون واحدة بعد أخرى، فذهب ما بهنّ من الأمراض؛ وأقبلن بالتابوت إلى آسية؛ فلما رأته قبلته ولم تعلم أنه ابن عمّها؛ ثم أعادته إلى التابوت؛ وحملته جارية معها
(13/180)

ومضت به إلى فرعون؛ فلمّا نظر إليه أرعد منه وقال: يا آسية، إنى أخاف أن يكون هذا عدوّى، ولا بدّلى من قتله. فقالت له: قرّة عين لى ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا.
وحكى الثعلبىّ أنها لما قالت: قرّة عين لى ولك، قال فرعون: قرّة عين لك، أمّا أنا فلا حاجة لى فيه.
قال أبو إسحاق: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «والذى يحلف به لو أقرّ فرعون أن يكون له قرّة عين كما أقرّت به لهداه الله تعالى كما هدى به امرأته ولكن الله تعالى حرمه ذلك» .
قال الكسائىّ: ولم تزل تتلطّف بفرعون حتى تركه، وأحضرت له المواضع فلم يرضعهنّ. قال الله تعالى: وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ.
وأرسلت أمّ موسى ابنتها كلثم «1» ، قال الله تعالى: وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ.
قال: فدخلت قصر فرعون فرأته فى حجر آسية وقد امتنع أن يرضع؛ فتقدّمت إليها، فقالت هل أدلّكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون.
قال: ولم تعلم آسية أنها ابنة عمّها لرثائة ثيابها، لأنها دخلت فى حلبة المراضع؛ فالتفت إليها فرعون وقال: من هؤلاء القوم الّذين يكفلونه؟ قالت: قوم من آل إبراهيم. قال: اذهبى وائتنى بهم. فرجعت إلى أمّها وأخبرتها؛ فدخلت على فرعون وموسى بين يديه، فعرفتها آسية وقالت: خذى هذا الصبىّ وأرضعيه.
فلما أخذته التقم ثديها ورضع منه، وفرعون لا يعلم أنّها امرأة عمران؛ فقالت لها
(13/181)

آسية: أحبّ أن تكونين عندى إلى أن يستغنى هذا الغلام عن الرضاع. فأقامت عند آسية سنتين حتى فطمته وفارقته مستبشرة فرحة.
وحكى الثعلبىّ أنها لم تقم عند آسية، بل أخذته وصارت إلى منزلها فأرضعته إلى أن تمّ رضاعه، وأعادته إلى آسية؛ والله أعلم.
ذكر شىء من عجائب موسى- عليه السلام- وآياته
قال: فلمّا صار موسى من أبناء ثلاث سنين، استدعاه فرعون وأجلسه فى حجره وجعل يلاعبه؛ فقبض على لحية فرعون؛ فتألّم لذلك وقال: لا شكّ أنّ هذا عدوّى. وهمّ بقتله؛ فقالت له آسية: إن الصبيان لهم جراءة ولعب من غير معرفة ولا عقل، وأنا أريك أنه لا يعقل؛ وأمرت بإحضار طست وطرحت فيه درّة وجمرة، وقدّمته إلى موسى، فأراد أن يأخذ الدرّة؛ فصرف جبريل يده عنها إلى الجمرة، فأخذها ورفعها إلى فيه، فاحترق لسانه، فقذفها من فيه وبكى بكاء شديدا؛ فقالت آسية لفرعون: علمت أنه لا يميّز بين الدرّة والجمرة؟ فسكن عند ذلك.
قال: فلمّا تمّ لموسى سبع سنين، جلس فى بعض الأيّام مع فرعون على سريره فقرصه فرعون، فغضب موسى ونزل عن السرير وضرب قوائمه برجله، فكسر قائمتين منه، فسقط فرعون عنه، وانهشم أنفه وسال الدم على لحيته؛ فبادر موسى ودخل على آسية وأعلمها بالخبر، وتبعه فرعون إليها وأراد قتله؛ فقالت: ألا يسرّك أن يكون ولدك بهذه القوّة يدفع أعداءك عنك؟ ولا طفته حتى سكن غضبه.
ثم ظهر له من المعجزات والآيات ما لا يظهر إلّا للأنبياء وفرعون يكرمه؛ والله الموفّق.
(13/182)

ذكر خبر القبطىّ وخروج موسى من مصر
قال: ولما كبر موسى صار يركب من مراكب فرعون ويلبس من ملابسه؛ وكان يدعى: موسى بن فرعون؛ فامتنع بسببه الظلم عن بنى إسرائيل، ولم يعلم إلّا أنّ ذلك من قبل الرضاعة؛ واتفق ركوب فرعون، فركب موسى فى أثره والمدينة مغلّقة الأسواق، وليس بها أحد؛ قال الله تعالى: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ
فكان الذى من شيعته فتى من بنى إسرائيل، والذى من عدوّه رجل من القبط، وهو طبّاخ لفرعون، وقد أخذ حطبا للطعام، وهو يريد الإسرائيلىّ على حمله وقد امتنع؛ فلما مرّ بهما استغاثه الإسرائيلىّ؛ فقال للطبّاخ: اتركه. فامتنع من تركه؛ فوكزه موسى فى صدره فمات؛ فندم موسى على قتله؛ قال الله تعالى: فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ
الآيات.
قال: فأصبح فى المدينة خائفا يترقّب.
وجاء القبط وشكوا إلى فرعون أنّ بنى إسرائيل قتلوا رجلا منهم؛ فأمرهم أن يطوفوا على قاتله؛ وخرج موسى فى اليوم الثانى، فإذا الّذى استنصره بالأمس يستصرخه على قبطىّ آخر، والقبطىّ يقول: هذا الّذى قتل ابن عمّى بالأمس.
فقال الإسرائيلىّ: أعنى يا موسى على هذا، فإنّه يريد أن يحملنى إلى دار فرعون قال له موسى إنّك لغوىّ مبين.
قال: ثم لم يجد موسى بدّا من نصرة الإسرائيلىّ، فحسر عن ذراعيه، ودنا من القبطىّ؛ فظنّ الإسرائيلىّ أنّ موسى يريد أن يبطش به، فقال ما أخبر الله به عنه:
(13/183)

فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ.
فلمّا سمع القبطىّ كلام الإسرائيلىّ لموسى تحقق أن موسى قاتل ابن عمه؛ فدخل إلى دار فرعون وأخبره أن موسى هو الّذى قتل القبطىّ؛ قال: ومن أعلمك؟
فقصّ عليه القصة؛ فأذن فرعون لأولياء المقتول فى قتل موسى حيث وجدوه؛ فجاء حزقيل- وكان مؤمنا من آل فرعون- وأعلم موسى بالخبر.
قال الله تعالى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ* فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ.
ومضى بغير زاد ولا راحلة؛ فمرّ براع فى طريقه، فأعطاه موسى ثيابه، وأخذ جبّة الراعى وكساه، وسار فوصل إلى مدين فى اليوم السابع وقد أجهده الجوع.
قال: وكان موسى يسير بالليل ودليله النجم، فإذا جاء الصبح جاءه أسدان يدلّانه على الطريق؛ فكان هذا دأبه وهما كذلك حتى ورد مدين؛ والله الهادى.
ذكر خبر ورود موسى مدين وما كان بينه وبين شعيب وزواجه ابنته
قال الله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ
وكانتا ابنتى شعيب عليه السلام.
(13/184)

قال: وكان الرّعاء إذا سقوا غطّوا البئر بصخرة لا يرفعها إلّا جماعة؛ فلمّا انصرفوا تقدّم موسى إلى الصخرة فوكزها برجله، فدحاها أربعين ذراعا على ضعفه من الجوع وسقى غنمهما.
قال الله تعالى: فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ.
قال: فتمنّى موسى فى ذلك الوقت شبعة من خبز الشعير؛ وانصرفت المرأتان إلى أبيهما وأخبرتاه بالخبر، فأرسل إحداهما إليه وقال: ائتينى به. قال الله تعالى: فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا.
فقام موسى، وكانت تمرّ بين يديه فكشف الريح عن ساقيها؛ فقال لها:
تأخّرى ورائى ودلّينى على الطريق. فتأخّرت وكانت تقول: عن يمينك وعن شمالك. حتى دخلا مدين؛ وجاء إلى شعيب- وهو شيخ كبير وقد كفّ بصره- فسلّم عليه؛ فردّ عليه ورحّب به وسأله عن خبره. قال الله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
ثم دعا شعيب بالطعام فأكل؛ فقالت ابنته: يا أبت استأجره إنّ خير من استأجرت القوىّ الأمين أرادت بالقوّة رفع الحجر عن رأس البئر واستقاءه بالدلو العظيمة، وأمانته أنّه أخّرها إلى خلفه.
فرغب فيه وقال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ* قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ.
(13/185)

فتزوّج موسى صفورا «1» - وهى الصغرى منهما- وطلب عصا؛ فقالت له:
ادخل بيت أبى الّذى يأوى فيه فخذ عصاك. وكان فيه عصىّ كثيرة- فدخل موسى البيت وأخذ من العصىّ عصا حمراء؛ فقال له شعيب: هذه من أشجار الجنة أهداها الله إلى آدم، ثم صارت إلى شيث وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وكلّهم توكّأوا عليها، فلا تخرجنّها من يدك.
ثم أوصاه وحذّره من أهل مدين، وقال: إنّهم قوم حسدة، وإذا رأوك قد كفيتنى أمر غنمى حسدونى عليك، فدلّوك على وادى كذا وكذا، وهو كثير المرعى، وإنما فيه حيّة عظيمة تبتلع الغنم، فإن دلّوك عليه فلا تمرّ به، فإنّى أخاف عليك وعلى غنمى.
فخرج موسى بالغنم- وكانت يومئذ أربعين رأسا- وقال فى نفسه: إنّ من أعظم الجهاد قتل هذه الحيّة. وتوجه بالغنم إلى ذلك الوادى؛ فلمّا قار به أقبلت الحيّة إلى الغنم، فقتلها موسى ورعى غنمه إلى آخر النهار، وعاد إلى شعيب وأعلمه الخبر؛ ففرح بقتلها، وفرح أهل مدين وعظّموا موسى وأجلّوه؛ وقام موسى بغنم شعيب يرعاها ويسقيها، حتى انقضت المدّة التى بينهما، وبلغت أربعمائة رأس وعزم موسى على المسير.
ذكر خبر خروج موسى- عليه السلام- من أرض مدين ومناجاته ومبعثه إلى فرعون
قال: ولما أراد موسى الانصراف بكى شعيب وقال: يا موسى، إنّى قد كبرت وضعفت، فلا تضيّعنى مع كبر سنّى وكثرة حسّادى، وتترك غنمى شاردة لا راعى لها. قال موسى: إنّها لا تحتاج إلى راع، وقد طالت غيبتى عن أمّى
(13/186)

وخالتى وهارون أخى وأختى. فقال شعيب: إنى أكره أن أمنعك. وأوصاه بابنته وأوصاها ألّا تخالفه؛ وسار موسى- عليه السلام- بأهله يريد أرض مصر حتى بلغ جانب وادى طوى فى عشيّة شديدة البرد؛ وجاء الليل وهبّت الرياح وغيّمت السماء؛ فأنزل موسى أهله وضرب خيمته على شفير الوادى، وأدخل أهله فيها؛ وهطلت السماء بالمطر؛ وكانت امرأته حاملا، فجاءها الطلق، فجمع حطبا وقدح الزناد فلم يور، فرماه وخرج من البيت، فرآى نارا.
قال الله تبارك وتعالى: فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ* فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.
ولم يكن هناك نار بل نور.
قال الثعلبىّ: واختلفوا فى الشجرة ما كانت، فقيل: العوسجة. وقيل: العنّاب.
قال الكسائىّ: وأمر موسى بخلع نعليه؛ قال الله تعالى: فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً* وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى
إلى قوله: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى * قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى.
قال: لأنه كان يركزها فى الأرض ويعلّق عليها كساءه وإداوته ونعليه، ويقاتل بها السباع، ويستظلّ بها من الشمس.
قال الله تعالى: أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
على مثال الثعبان العظيم.
(13/187)

قال: فلمّا رآها تهتزّ كأنّها جانّ ولّى مدبرا ولم يعقّب.
فلما أمعن فى الهرب قال له جبريل: أتهرب من ربّك وهو يكلّمك؟ قال:
ما فررت إلّا من الموت. ورجع وهى بحالها؛ قال الله تعالى: خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى.
فأدخل يده فى فيها فإذا هى عصا؛ ثم قال الله له: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى
فذهب الخوف عن موسى؛ ثم أمره الله تعالى أن يذهب إلى فرعون، فقال: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى
. قال موسى: ربّ اشرح لى صدرى* ويسّر لى أمرى* واحلل عقدة من لسانى* يفقهوا قولى* واجعل لى وزيرا من أهلى* هارون أخى* اشدد به أزرى* وأشركه فى أمرى* كى نسبّحك كثيرا* ونذكرك كثيرا* إنّك كنت بنا بصيرا.
قال الله تعالى: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى.
قال: ثم تذكّر موسى ما كان منه فقال: ربّ إنّى قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون. فنودى: يا موسى لا تخف إنّى لا يخاف لدىّ المرسلون. ثم ذكّره الله منّته عليه فقال: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى
الآيات؛ ثم قال الله تعالى: اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى * قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى * قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى * فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى.
قال: وكان الخطاب لموسى وحده، والرسالة له ولهارون.
قال: وأمّا ابنة شعيب فاشتدّ بها الطلق، وسمع سكّان الوادى من الجنّ أنينها، فأتوها وأوقدوا النار عندها، وقبلوها؛ وقيّض الله تعالى لها من ردّها إلى أبيها؛ والله المعين.
(13/188)

ذكر خبر مسير موسى إلى مصر واجتماعه بأخيه هارون وأمّه
قال الكسائىّ: وسار موسى من الطّور حتى بلغ العمران؛ وكان هارون يومئذ وزيرا لفرعون على عادة أبيه لا يفارقه ليلا ولا نهارا؛ فبينما هو نائم إلى جنب سرير فرعون إذ أتاه آت فى منامه ومعه شراب فى كأس من الياقوت، وقال: يا هارون اشرب هذه الشربة فهى بشارة بقدوم أخيك من أرض مدين، وأنت شريكه فى الرسالة إلى فرعون.
فانتبه هارون فزعا وظنّ ذلك من الشيطان، وعاد إلى النوم، فعاوده القائل ثلاث مرّات؛ ثم قال له: قم إلى أخيك- وكانت الأبواب مغلّقة- فاحتمله الملك إلى قارعة الطريق وقال له: امض واستقبل أخاك. ثم أتاه جبريل بوحى الله وبشّره بالرسالة، وحمله إلى شاطئ النيل، وموسى إلى الجانب الآخر؛ فكان يكلّمه والريح تحمل كلامه إلى هارون؛ ثم أذن الله لهما أن يلتقيا؛ فجاء موسى إلى الجانب الآخر، فالتقيا؛ وبشّره بشركته فى الرسالة؛ ثم أقبلا إلى أمّهما وجبريل معهما، فطرق هارون الباب وأمّه فى صلاتها، فقامت من محرابها وقالت: من بالباب؟ فقال موسى: أنا ولدك موسى وأخى هارون. ففتحت الباب، ووقعت مغشّيا عليها من الفرح؛ ثم أفاقت؛ وذكر لها موسى ما كان من أمره؛ فسجدت لله تعالى؛ ثم حمل جبريل هارون وأعاده عند رأس فرعون؛ وأقام موسى بقيّة ليلته عند أمّه، وخرج من الغد متنكّرا، فنظر إلى ما أحدثه فرعون فى أرض مصر ورجع حتى أقبلت الليلة الثانية، فخرج وجاء إلى قصر فرعون وبه الحجّاب والحرس والجنود، فقرع الباب بعصاه، فانفتح ودخل حتى بلغ القبّة الأرجوانيّة، فانفتحت وعبرها وفرعون نائم بها، وهارون عند رأسه؛ فقام إليه هارون وقال: لقد عجلت يا أخى. وأخرجه؛ فانصرف، وغلّقت الأبواب كما كانت.
(13/189)

فلمّا كان من الغد جاء إلى فرعون فعرفه بعضهم، وأنكره البعض، وجاء بعض الوزراء إلى فرعون وأخبره به، فأرعدت فرائصه، وأمر هامان أن يخرج إليه؛ فخرج وسأله عن اسمه، فأخبره أنه موسى؛ فعاد هامان إلى فرعون وأعلمه أنه هو؛ فنظر إلى هارون وقال: أيقدم أخوك ولم تعلمنى به؟ فقال: أردت ذلك وإنما خشيت غضبك.
ذكر خبر دخول موسى- عليه السلام- إلى فرعون وما كان من أمره معه
قال: وأمر فرعون أن يزيّن قصره، وجلس والتاج على رأسه، ووقف الوزراء عن يمينه وشماله، وأحضر موسى؛ فلمّا رآه عرفه، ثم قال له: من أنت؟ قال:
أنا عبد الله ورسوله وكليمه. قال: أنت عبد فرعون. قال: إن الله أعزّ من أن يكون له ندّ. قال له فرعون: إلى من أرسلت؟ قال: إليك وإلى جميع أهل مصر. قال: فبماذا؟ قال: أن يقولوا لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّى موسى عبده ورسوله. قال: فما حجّتك؟ فإنّ لكلّ مدّع بيّنة. قال: إن أتيتك ببيّنة تؤمن؟ قال: نعم. قال موسى: يا هارون، انزل عن الكرسىّ وبلّغ فرعون الرسالة.
فنزل وقال: يا فرعون. إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى
. فقال فرعون: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى * قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
، الآيات.
فغضب فرعون على هارون، وأمر هامان بنزع ما عليه من اللباس؛ فنزعه حتى بقى بالسراويل، فألبسه موسى مدرعة الصوف؛ فاقشعرّ جلده؛ فنزل جبريل بقميص كوّنه الله تعالى فكان وألبسه إيّاه؛ فقال فرعون لهامان: احمل موسى
(13/190)

وأخاه إلى منزلك ودارهما، فإن أطاعانى مكّنتهما من خزائنى، ولا أقطع أمرا دونهما. ففعل ذلك؛ فقالا له: يا هامان اشتر نفسك من ربّك. فضحك من قولهما، ثم أحضرهما من الغد إلى فرعون؛ فأقبل على موسى وقال: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ* وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ* قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ
أى عن النبوّة فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ* وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ.
ثم قال: تذبّح أبناءهم وتستحيى نساءهم، فشكوك إلى ربّ العالمين. وكان فرعون متكئا، فاستوى جالسا وقال: وَما رَبُّ الْعالَمِينَ* قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
. فالتفت فرعون لمن حوله وقال: أَلا تَسْتَمِعُونَ.
قال موسى: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ* قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ* قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
. قال فرعون: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ* قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ. قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.
ذكر خبر العصا حين صارت ثعبانا واليد البيضاء
قال: وبينماهما فى المخاطبة وإذا بالعصا اضطربت فى كف موسى؛ فناداه جبريل: أطلقها يا نبىّ الله. فألقاها موسى فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
كأعظم ما يكون؛ ثم تمثّل مثال الجمل البختىّ وقام على رجليه حتى أشرف برأسه على حيطان القصر وتنفّس نارا ودخانا، وعطف على قبّة فرعون فضربها فطحطحها، وجعلت لا تمرّ بشىء إلّا ابتلعته، وهاجت كالجمل المغتلم ولها صوت كالرعد؛ وأقبلت إلى قبّة فرعون وهو فيها، فوضعت لحيها الأسفل تحت القبة، ولحيها الأعلى فوقها، ورفعت القبّة
(13/191)

ثمانين ذراعا فى الهواء، وقالت: يا فرعون، وعزّة ربّى لو أذن لى لابتلعتك بقصورك وأموالك. فلمّا نظر فرعون إلى ذلك وثب عن سريره- وهو أعرج- وجعل يعدو ويقول: يا موسى بحقّ التربية والرضاع، وبحقّ آسية كفّها عنّا.
فناداها، فأقبلت، فأدخل يده فى فيها، وقبض على لسانها فإذا هى عصا كما كانت؛ فعاد فرعون إلى مكانه وقال: يا موسى، لقد تعلّمت بعدى سحرا عظيما. قال:
يا فرعون، أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ
. قال فرعون: هل عندك سحر غير هذا؟ قال: نعم؛ فأدخل يده فى جيبه، ثم أخرجها وعليها نور وشعاع؛ قال الله تعالى:
فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ* وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ* قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ* يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ* قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ* يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ.
ذكر خبر السّحرة واجتماعهم وما كان من أمرهم وإيمانهم
قال: فأمر فرعون بجمع السّحرة؛ فاجتمع إليه سبعون ألف ساحر؛ فاختار منهم سبعين ساحرا- وهم أحذق الخلق-.
وحكى الثعلبىّ عن عطاء قال: كان رئيسا السحرة بأقصى مدائن الصعيد وكانا أخوين؛ فلما جاءهما رسول فرعون قالا لأمّهما: دلّينا على قبر أبينا. فدلّتهما عليه؛ فأتياه فصاحا باسمه، فأجابهما؛ فقالا له: إن الملك قد وجّه إلينا أن نقدم إليه، لأنّه أتاه رجلان ليس معهما رجال ولا سلاح، ولهما عزّ ومنعة، وقد ضاق الملك ذرعا بهما، ومعهما عصا إذا ألقياها لا يقوم لها شىء حتى تبتلع الحديد والخشب والحجارة. فأجابهما أبوهما: انظرا إذا هما ناما، فإن قدرتما أن تسلّا العصا فسلّاها، فإنّ الساحر لا يعمل سحره وهو نائم، فإن عملت العصا وهما نائمان فذلك
(13/192)

أمر ربّ العالمين فلا طاقة لكما به ولا للملك ولا لجميع أهل الدنيا. فأتياهما خفية وهما نائمان ليأخذاها، فصدّتهما.
قال الكسائىّ: وبعث فرعون إلى موسى فأحضره وقال ما أخبر الله تعالى به عنه: قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً* قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى.
قال: ويوم الزينة هو أوّل يوم من السنة؛ فلمّا كان فى ذلك اليوم اجتمع الناس من أطراف أرض مصر فى صعيد واحد، فأخذ فرعون يقول للسحرة:
اجتهدوا أن تغلبوا موسى. قالوا إنّ لنا لأجرا إن كنّا نحن الغالبين. قال فرعون:
نعم وإنّكم لمن المقرّبين.
وأقبل موسى وهارون وقد أحدقت بهما الملائكة، فرأى موسى الوادى وقد امتلأ من الحبال والعصىّ؛ فقال موسى: ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى.
قال: وكان فى السحرة ساحران عظيمان- وهما رأس السحرة- فقالا:
يا موسى إمّا أن تلقى وإمّا أن نكون أوّل من ألقى. فهمّ موسى أن يلقى، فمنعه جبريل، وأجرى الله على لسانه فقال: بل ألقوا؛ فألقوا وسحروا أعين النّاس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم. قال الله تعالى: فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى
. فامتلأ الوادى من الحيّات، وجعلت يركب بعضها بعضا؛ وقالوا بعزّة فرعون إنّا لنحن الغالبون؛ قال الله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى * وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما
(13/193)

صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى
فعندها زال خوفه وقال: ما جئتم به السّحر إنّ الله سيبطله إنّ الله لا يصلح عمل المفسدين. ثم ألقى عصاه فى وسط الوادى، فانكشف سحر السحرة، وبطل ما أظهروه من التخييل، فإذا هى حبال وعصىّ، وصارت عصا موسى ثعبانا له سبعة أرؤس، وعلى ظهره مثل الأزجّة «1» ، فابتلعت الحبال والعصىّ وجميع ما كان فى الوادى من الزينة؛ فقام فرعون ووزراؤه فوقفوا على تل ينظرون فعل الحية وهم خائفون؛ ثم حملت على السبعين رجلا فولّوا هاربين على وجوههم؛ ثم اجتمعوا بأجمعهم وقالوا: ما هذا بسحر. وخرّوا سجّدا؛ قال الله تعالى: أُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ* قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ* رَبِّ مُوسى وَهارُونَ.
قال: فاغتمّ فرعون لذلك وقال للسحرة: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ* لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ.
وأمر أن يفعل بهم ذلك؛ فقالوا ما أخبر الله به تعالى عنهم: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى.
ثم صلبوا على سبعين جذعا بعد أن قطّع فرعون أيديهم وأرجلهم.
ذكر خبر حزقيل مؤمن آل فرعون
قد قيل: إن خبر مؤمن آل فرعون كان قبل خبر السحرة، وسياق الآيات يدل على أن خطابه لفرعون كان بعد خبرهم، وذلك أنه لما كان من أمر السحرة
(13/194)

ما ذكرناه، قال الملأ من قوم فرعون ما أخبر الله تعالى به عنهم؛ قال الله تعالى:
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ
. وقال الله تعالى إخبارا عن فرعون: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ.
قال: فلمّا عزم فرعون على قتل موسى، أقبل حزقيل على القوم- وكان خازن فرعون وزوّج ماشطة بناته- فقال ما أخبر الله تعالى عنه: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ* يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا.
ففزع فرعون من قوله وقال: ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ.
فخوّفهم المؤمن وقال ما أخبر الله تعالى به عنه: وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ* مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ* وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ* يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ.
فلما سمع فرعون كلامه غضب وقال: كأنّك ممن اتبع موسى، فارجع عن ذلك وإلّا عاقبتك بأنواع العذاب. فقال له حزقيل: يا قوم اتّبعون أهدكم سبيل الرّشاد، الآيات.
(13/195)

ثم قال: وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ* تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ* لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ* فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ
؛ ولحق بموسى وهارون، وفارق فرعون وقومه؛ قال الله تعالى:
فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ.
وحكى الثعلبىّ أنّ فرعون قتله مع السحرة صلبا؛ ثم ذكر بعد ذلك أنه كان مع موسى عليه السلام لمّا فرق الله له البحر؛ والله تعالى أعلم.
ذكر خبر بناء الصرح وما قيل فيه
قال: ولما انقضى أمر السحرة أقبل فرعون على هامان وقال: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ* أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً.
قال: فجمع هامان خمسين ألف صانع وصنع القرميد- وهو الآجر، وهامان أوّل من صنعه- فكانوا يبنون فيه ليلا ونهارا لا يفترون؛ فلمّا تكامل الصرح وارتفع ارتفاعا عظيما، أمر الله عزّ وجلّ جبريل فهدمه وجعل عاليه سافله ومات كلّ من كان فيه على دين فرعون، والمؤمنون يزيدون ويجتمعون إلى موسى عليه السلام.
وحكى أبو إسحاق الثعلبىّ- رحمه الله- أن الصرح اجتمع فيه لبنائه خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع والأجراء ممّن يطبخ الآجرّ والجصّ وينجر الخشب والأبواب ويضرب المسامير؛ فلم يزل يبنى ذلك الصرح؛ ويسّر الله تعالى له أمره
(13/196)

استدراجا منه، فأتى الأمر فيه على ما يريد، إلى أن فرغ فى سبع سنين، فارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق منذ خلق الله السموات والأرض؛ فشقّ ذلك على موسى، فأوحى الله تعالى إليه: أن دعه وما يريد فإنّى مستدرجه ومبطل كلّ ما عمله فى ساعة واحدة.
قال: فلمّا تم بنيانه بعث الله عزّ وجلّ جبريل فضرب بجناحه الصرح، فقذف به على عسكر فرعون، فقتل منهم ألفى ألف رجل.
قالوا: ولم يبق أحد ممّن عمل فيه إلا أصابه موت أو حريق أو عاهة.
قال: وكان تدمير الله تعالى الصرح فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
قال: فلمّا رأى فرعون ذلك من أمر الله، وعلم أنّ حيلته لم تغن عنه شيئا عزم على قتال موسى ومن معه، وأمر أصحابه فنصبوا له الحرب؛ فلما رأى الله تعالى ذلك من فعل فرعون وقومه، وأنه حقّت عليهم كلمة العذاب، ابتلاهم الله تعالى بالعذاب والآيات.
ذكر خبر الآيات التسع
قال الكسائىّ: ثم أخذ الله تعالى قوم فرعون بالآيات التسع، فكان أوّل ما جاءهم الطوفان، فدام عليهم ثمانية أيام لا يرون فيها شمسا، حتى امتلات الأسواق والدّور، وأخذت فى الخراب؛ فالتجأوا إلى فرعون، فقال: سأكشف ذلك عنكم.
ودعا موسى وسأله أن يدعو برفع الطوفان ليؤمن به؛ فطمع موسى فى ذلك، فسأل الله تعالى، فرفع ذلك عنهم، فازدادوا كفرا، فبعث الله تعالى عليهم الجراد فأكل أشجارهم وزرعهم، ودام ثمانية أيّام، ففزعوا إلى فرعون، فوعدهم بصرفه عنهم وضمن لموسى إن صرفه عنهم آمن به؛ فدعا ربّه، فأرسل الله على الجراد ريحا باردة
(13/197)

فقتلته، فلم يؤمنوا؛ فبعث الله عليهم القمّل فأكل جميع ما فى بيوتهم، وقرض ثيابهم وأبدانهم وشعورهم؛ فضجّوا إلى فرعون، فسأل موسى ووعده الإيمان؛ فسأل الله تعالى، فصرفه عنهم بعد ثمانية أيام وأماته، فازدادوا كفرا؛ فأرسل الله تعالى عليهم الضفادع، فكانت تدخل فى طعامهم وشرابهم، وكانت لها رائحة منتنة فدامت ثمانية أيام؛ فسأل موسى؛ فلما كشفها الله عنهم لم يؤمنوا وازدادوا كفرا؛ فأمر الله تعالى موسى: أن اضرب بعصاك النيل. فضربه فتحوّل دما عبيطا، فاشتدّبهم العطش، فكان الإسرائيلىّ والفرعونىّ يأتيان إلى موضع واحد، فإذا أخذه الإسرائيلىّ يكون ماء، وإذا أخذه الفرعونىّ كان دما، فدام ذلك ثمانية أيّام حتى أجهدهم العطش وأشرفوا على الهلاك؛ فلمّا كشفه الله عنهم بدعوة موسى ازدادوا كفرا.
ذكر خبر مسخ قوم فرعون
قال: ولما لم يؤمنوا بهذه الآيات، قال موسى: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ؛
وكان الدعاء من موسى، والتأمين لهارون؛ فأوحى الله إليهما: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما
الآية.
قال: فطمس الله تعالى على كثير منهم، حتى أصبح الرجال والنساء والصبيان والأموال كلّها حجارة، فلم يؤمنوا؛ قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ.
قال عمر بن عبد العزيز فى تفسيره: كان أوّل الآيات العصا، واليد البيضاء والطّوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم والطّمس والبحر حتى صار يبسا.
هذا ملخّص ما حكاه الكسائىّ.
(13/198)

وحكى أبو إسحاق الثعلبىّ فى قصصه عن ابن عبّاس وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق وغيرهم من أصحاب الأخبار- دخل حديث بعضهم فى حديث بعض- قالوا: لما آمنت السحرة وصلبهم فرعون، وانصرف موسى وهارون إلى عسكر بنى إسرائيل، أمر فرعون أن يكلّفوا بنى إسرائيل ما لا يطيقونه، فكان الرجل من القبط يجىء إلى الرجل من بنى إسرائيل فيقول له: انطلق معى فآكنس حشى «1» واعلف دوابّى واستق لى. وتجىء القبطية إلى الكريمة من بنى إسرائيل فتكلّفها ما لا تطيق، ولا يطعمونهم فى ذلك كلّه خبزا، واذا انتصف النهار يقولون لهم: اذهبوا فاكسبوا لأنفسكم. فشكوا ذلك إلى موسى، فقال لهم: استعينوا بالله واصبروا إنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقّين. قالوا:
يا موسى: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، كنا نطعم اذا استعملونا من قبل أن تجيئنا، فلمّا جئتنا استعملونا ولا يطعموننا. فقال لهم موسى: عسى ربّكم أن يهلك عدوّكم يعنى فرعون والقبط، ويستخلفكم فى الأرض فينظر كيف تعملون.
قالوا: فلمّا أبى فرعون وقومه إلّا الإقامة على الكفر، والتمادى فى الشر والظلم، دعا موسى ربّه وقال: ربّ إن عبدك فرعون طغى فى الأرض وبغى وعتا وإن قومه نقضوا عهدك وأخلفوا وعدك، ربّ فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة ولقومى عظة، ولمن بعدهم من الأمم عبرة. فتابع الله عليهم الآيات المفصّلات بعضها فى إثر بعض، فأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات، ثم بعث عليهم الطوفان (وهو الماء) أرسل عليهم السماء حتى كادوا يهلكون، وبيوت بنى إسرائيل وبيوت القبط مشبّكة مختلطة بعضها فى بعض، فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا فى الماء
(13/199)

إلى تراقيهم، فمن جلس منهم غرق، ولم يدخل بيوت بنى إسرائيل من الماء قطرة وفاض الماء على وجه أراضيهم كذلك، فلم يقدروا على أن يحرثوا ولا يعملوا شيئا؛ ودام ذلك عليهم سبعة أيّام من السبت إلى السبت؛ فقالوا لموسى: ادع لنا ربّك يكشف عنّا هذا البلاء ونؤمن بك ونرسل معك بنى إسرائيل. فدعا موسى ربّه فرفع عنهم الطوفان، فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بنى إسرائيل، وعادوا أشرّ مما كانوا عليه.
واختلف العلماء فى الطوفان ما هو؛ فقال ابن عبّاس- رضى الله عنهما-:
هو الماء أرسله الله تعالى عليهم.
وقال مقاتل: هو الماء طغى فوق حروثهم فأهلكها.
وقال الضّحاك: هو الغرق.
وقال مجاهد وعطاء: هو الموت الذريع.
وقال وهب: هو الطاعون بلغة أهل اليمن، أرسل الله الطّوفان على أبكار آل فرعون فقبضهنّ فى ليلة واحدة، فلم يبق منهنّ واحدة ولا دابة.
وقال أبو قلابة: الطّوفان هو الجدرىّ، والله تعالى أعلم.
قالوا: وأنبت الله تعالى لهم فى تلك السنة من الكلإ والزرع ما لم ينبت قبل ذلك، فأعشبت بلادهم وأخصبت، فقالوا: هذا ما كنّا نتمنّاه، وما كان هذا الماء إلّا نعمة لنا وخصبا. فأقاموا شهرا فى عافية؛ ثم بعث عليهم الجراد فأكل زرعهم وثمارهم وأوراق أشجارهم والزهر، حتّى إن كان ليأكل الأبواب والثياب والأمتعة وسقوف البيوت والخشب والمسامير حتى سقطت دورهم، والجراد لا يدخل بيوت بنى إسرائيل ولا يصيبهم من ذلك شىء؛ فعجّوا وضجّوا، وقالوا:
(13/200)

يا موسى ادع لنا ربّك بما عهد عندك لئن كشفت عنّا الرّجز لنؤمننّ لك ولنرسلنّ معك بنى إسرائيل؛ فأعطوه عهد الله وميثاقه؛ فدعا موسى ربّه، فكشف الله تعالى عنهم الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيّام من السبت إلى السبت.
ويقال: إن موسى برز إلى الفضاء، فأشار إلى المشرق بالعصا فذهب الجراد من حيث جاء كأن لم يكن قطّ.
قالوا: فأقاموا شهرا فى عافية؛ ثم بعث الله عليهم القمّل، وذلك أن موسى أمر أن يمشى إلى كثيب أغبر بقرية من قرى مصر تدعى: (عين شمس) فمشى موسى إلى ذلك الكثيب- وكان عظيما- فضربه بعصاه، فانثال عليهم القمّل فتتّبع ما بقى من حروثهم وأشجارهم ونباتهم فأكله ولحس الأرض كلّها، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيعضّه، وكان يأكل أحدهم الطعام فيمتلئ قمّلا، حتى إن أحدهم ليبنى الأسطوانة بالجصّ فيزلّقها حتى لا يرتقى فوقها شىء، ثم يرفع فوقها طعامه، فإذا صعد إليه ليأكله وجده ملآن قمّلا، فما أصيبوا ببلاء كان أشدّ عليهم من القمّل؛ وأخذ القمل شعورهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولصق بجلودهم كالجدرىّ، ومنعهم النوم والقرار، ولم يستطيعوا له حيلة.
وقد اختلفوا فى القمّل ما هو؟ فروى عن أبى طلحة أنّه الذباب لا أجنحة له.
وروى معمر عن قتادة قال: القمّل أولاد الجراد.
وعن عبد الرحمن بن أسلم قال: هو البراغيث.
وقال عطاء: هو القمّل؛ دليله قراءة الحسن: «والقمل» بفتح القاف وسكون الميم.
وقال أبو عبيدة: هو الحمنان، وهو ضرب من القردان.
(13/201)

وقال سعيد بن جبير عن ابن عبّاس- رضى الله عنهم-: القمّل، هو السوس الذى يخرج من الحنظة والحبوب، فكان الرجل يخرج عشرة أقفزة فلا يردّ منها إلّا ثلاثة أقفزة؛ فلما رأوا ذلك شكوا إلى موسى وصاحوا وقالوا: يأيّها الساحر أى أيّها العالم إنا نتوب إلى الله ولا نعود، فادع لنا ربّك يكشف عنا هذا البلاء.
فدعا موسى ربه، فرفع الله تعالى عنهم القمّل بعد ما أقام عليهم سبعة أيّام من السبت إلى السبت، ثم نكثوا العهد، وعادوا إلى خبث أعمالهم، وقالوا: ما كنا قطّ أحقّ أن نستيقن أن موسى ساحر إلّا اليوم، فيجعل الرمل والرماد دوابّ، فعلى ماذا نؤمن به ونرسل معه بنى إسرائيل؟ فقد أهلك زرعنا وحروثنا، وأذهب أموالنا، فما عسى أن يفعل أكثر مما فعل، وعزّة فرعون لا نصدّقه أبدا ولا نتبعه.
فدعا عليهم موسى بعد ما أقاموا شهرا فى عافية- وقيل أربعين يوما- فأوحى الله تعالى إليه وأمره أن يقوم على ضفّة النيل فيغرز عصاه فيه، ويشير بالعصا إلى أدناه وأقصاه وأعلاه وأسفله؛ ففعل موسى ذلك، فتداعت إليه الضفادع بالنّقيق من كلّ جانب حتى أعلم بعضها بعضا، وأسمع أدناها أقصاها؛ ثم خرجت من النيل مثل البحر تدبّ سراعا نحو باب المدينة، فدخلت عليهم فى بيوتهم بغتة، وامتلأت منها أفنيتهم وأبنيتهم وأطعمتهم؛ وكان أحدهم لا يكشف ثوبا ولا إناء ولا طعاما ولا شرابا إلّا وجد فيه ضفادع؛ وكان الرجل يجلس الى ذقنه فى الضفادع، ويهمّ أن يتكلّم فيثب الضفدع فى فيه؛ وكان أحدهم ينام على فراشه وسريره فيستيقظ وقد ركبته الضفادع ذراعا بعضها فوق بعض، وصارت عليه حتى لا يستطيع أن ينصرف إلى شقّه الأخر؛ وكان أحدهم يفتح فاه لأكلته فتستبق الضفادع إلى فيه؛ وكانوا لا يعجنون إلّا انشدخت فيه، ولا يطبخون إلا امتلات القدر بالضفادع؛ وكانت تثب فى نيرانهم فتطفئها، وفى طعامهم فتفسده؛ فلقوا منها أذّى شديدا.
(13/202)

وروى عن عكرمة عن ابن عبّاس- رضى الله عنهم- قال: كانت الضفادع برّيّة، فلمّا أرسلها الله على فرعون سمعت وأطاعت، فجعلت تقذف أنفسها فى القدر وهى تفور، وفى التنانير وهى مسجورة، فأثابها الله بحسن طاعتها برد الماء.
قال: فضجّوا إلى فرعون من أمر الضفادع، وضاق عليهم أمرهم حتى كادوا يهلكون، وصارت المدينة وطرقها مملوءة جيفا من كثرة ما يطأونها بأقدامهم، فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا ذلك إلى موسى، وقالوا: اكشف عنّا هذا البلاء فإنا نتوب هذه المرّة ولا نعوذ. فأخذ بذلك عهودهم ومواثيقهم، ثم دعا الله تعالى فكشف عنهم الضفادع، فما كان منها حيّا لحق بالنيل؛ وأرسل الله تعالى ريحا على الميت منها فنحّته عن مدينتهم بعد ما قامت عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت فأقاموا شهرا فى عافية؛ وقيل: أربعين يوما. ثم نقضوا العهود وعادوا إلى كفرهم وتكذيبهم؛ فدعا عليهم موسى، فأرسل الله تعالى عليهم الدم، وذلك أنّ الله تعالى أمر موسى أن يذهب إلى شاطئ النيل ويضربه بعصاه؛ ففعل ذلك، فسال النيل عليهم دما، وصارت مياههم كلّها دما عبيطا، فما يشربون من الأنهار والآبار إلّا وجدوا دما أحمر عبيطا؛ فشكوا ذلك إلى فرعون وقالوا؛ إنّا قد ابتلينا بهذا الدم، وليس لنا شراب. فقال: إنّه قد سحركم. فكان يجمع بين الرجلين على الإناء: القبطىّ والإسرائيلىّ فيسقيان من ماء واحد، فيخرج ماء القبطى دما، وماء الإسرائيلىّ عذبا؛ وكانا يقومان إلى الجرّة فيها الماء، فتخرج للإسرائيلىّ ماء وللقبطىّ دما، حتى إنّ المرأة من آل فرعون كانت تأتى المرأة من بنى إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول: اسقينى من مائك. فتغرف لها من جرّتها، وتصبّ لها من قربتها، فيعود فى الإناء دما، حتى إن كانت المرأة تقول لها: اجعليه فى فيك
(13/203)

ثم مجيّه فى فمى. فتأخذ فى فيها ماء، فإذا مجّته فى فيها صار دما، والنيل على ذلك يسقى الزرع والشجر؛ فإذا ذهبوا ليستقوا من بين الزرع عاد الماء دما عبيطا.
قالوا: وإنّ فرعون اعتراه العطش فى تلك الأيّام، حتى إنه اضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة، فكان إذا مضغها يصير ماؤها فى فيه ملحا أجاجا ومرّا زعاقا؛ فمكثوا فى ذلك سبعة أيّام لا يأكلون ولا يشربون إلّا الدم؛ فقالوا لموسى: ادع لنا ربّك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك ونرسل معك بنى إسرائيل. فدعا موسى ربّه فكشف عنهم ذلك، وأمر أن يضرب بعصاه النيل ضربة أخرى؛ ففعل فتحوّل صافيا كما كان، فلم يؤمنوا ولم يفوا بما عاهدوا عليه، وذلك قوله تعالى:
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ.
وقال نوف البكالىّ- وهو ابن امرأة كعب الأحبار-: مكث موسى فى آل فرعون عشرين سنة بعد ما غلب على السحرة يريهم الآيات: الجراد والقمّل والضّفادع والدم.
وقال الضحّاك: لمّا يئس موسى من إيمان فرعون وقومه، ورأى أنهم لا يزدادون إلا الطغيان والكفر والتمادى، دعا عليهم موسى وأمّن هارون. رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ.
فأجاب الله دعاءه، كما قال تعالى: قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما
الآية.
قال: وكان لفرعون وأصحابه من زهرة الدنيا وزينتها من الذهب والفضّة واليواقيت وأنواع الجواهر والحلىّ ما لا يحصيه إلا الله تعالى؛ وكان أصل ذلك المال مما جمعه يوسف- عليه السلام- فى زمانه أيّام القحط، فبقى ذلك
(13/204)

فى أيدى القيط، فأوحى الله تعالى إلى موسى: أنّى مورث بنى إسرائيل ما فى أيدى آل فرعون من العروض والحلىّ، وجاعله لهم جهازا وعتادا إلى الأرض المقدّسة فاجعل لذلك عيدا تعتكف عليه أنت وقومك تشكروننى وتذكروننى فيه وتعظّموننى ذلك اليوم، وتعبدوننى فيه لما أريكم من الظّفر ونجاة الأولياء وهلاك الأعداء واستعيروا لعيدكم من آل فرعون الحلىّ وأنواع الزينة، فإنّهم لا يمتنعون عليكم للبلاء الحالّ بهم فى ذلك الوقت، ولما قذفت لكم فى قلوبهم من الرعب. ففعل موسى ذلك كما أمره الله تعالى، فأمر فرعون بزينة أهله وولده وما كان فى خزائنه من أنواع الحلىّ، فأعيرت بنى إسرائيل لما أراد الله تعالى بذلك أن يفىء على موسى وقومه أفضل أموال أعدائه بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا رجل؛ فلمّا دعا موسى عليهم مسخ الله تعالى الأموال الّتى بقيت فى أيديهم حجارة حتى النخل والرقيق.
وقال محمد بن كعب: سألنى عمر بن عبد العزيز عن الآيات الّتى أراهن الله تعالى فرعون وقومه؛ فقلت: الطّوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم والعصا واليد البيضاء والطّمس وفلق البحر.
قال عمر: كيف يكون الفقه إلّا هكذا. ثم دعا بخريطة فيها أشياء ممّا كان أصيب لعبد العزيز بن مروان لمّا كان على مصر من بقايا آل فرعون، فأخرج البيضة مقسومة نصفين كأنّها الحجر، والجوزة مشقوقة نصفين وكأنها الحجر، والحمّصة والعدسة.
وروى ابن إسحاق عن رجل من أهل الشأم كان بمصر قال: ورأيت نخلة مصروعة كأنها الحجر.
قال: ورأيت إنسانا وما شككت أنه إنسان وإنّه لحجر؛ وكان المسخ فى أرقائهم دون أحرارهم، إذ العبيد من جملة أموالهم؛ فلم يبق لهم مال إلّا مسخه الله تعالى ما خلا الذى فى أيدى بنى إسرائيل من الحلىّ والجواهر وأنواع الزينة.
(13/205)

قال ابن عبّاس- رضى الله عنهما-: أوّل الايات العصا، وآخرها الطمس؛ وبلغنا أن الدنانير والدراهم صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأنصافا وأثلاثا، وجعل سكّرهم حجارة، وبعض المسخ من الآدميين باق مشاهد إلى وقتنا هذا، وقد شاهدت أنا منه شخصا شكل خادم وهو جالس على كرسىّ بقرب البيت الأخضر ببلاد الجيزية، وذلك فى شهور سنة سبع عشرة وسبعمائة، ولعلّه من ذلك المسخ؛ والله أعلم.
ذكر خبر قتل الماشطة
قال: وكانت لبنات فرعون ماشطة- وهى امرأة حزقيل المؤمن- فبينما هى تمشط إحدى بناته إذ سقط المشط من يدها، فقالت: تعس من كفر بالله.
فقالت لها ابنة فرعون: إنما تريدين من كفر بأبى. فقالت: إنّما عنيت من كفر بإله موسى. فقامت إلى أبيها وأخبرته؛ فغضب وأحضرها وقال: ما الّذى بلغنى عنك؟ قالت: صدقوا، أنا مؤمنة بإله موسى، فاقض ما أنت قاض. فشدّها إلى أوتاد من حديد، وأحضر أولادها الثلاثة، وعرض عليها أن تؤمن به؛ فأبت، فذبحهم على صدرها وهى تحمد الله تعالى؛ ثم طرحها فى تنور من نحاس وأحرقها فيه وأحرق أولادها.
ذكر خبر قتل آسية بنت مزاحم امرأة فرعون
قال: لما قتل فرعون الماشطة، سمعت آسية الملائكة تعدها بالجنة، فقامت من مجلسها وهى تقول: يا إله موسى ألبسنى الصبر وارزقنى الشهادة وابن لى عندك بيتا فى الجنّة ونجّنى من فرعون وعمله ونجّنى من القوم الظّالمين، وخرجت على فرعون وهى حاسرة عن وجهها، وقالت له: يا ملعون، الى كم تقتل أولياء الله
(13/206)

وتأكل رزق الله وتكفر نعمته ولا تشكره، وترى آياته ولا تعتبر بها؟ فقال لوزرائه:
قد أفسد علىّ موسى حتّى آسية؛ واستشارهم فى أمرها؛ فأشاروا عليه بقتلها، فأمر بنزع ما عليها؛ وشدّها إلى أوتاد فى الأرض، وضرب وتدين فى صدرها فماتت- رضى الله عنها-.
ذكر خبر انقطاع النيل وكيف أجراه الله عزّ وجلّ لفرعون
قال الكسائىّ: ثم بعث الله تعالى الظّلمة على أهل مصر ثلاثة أيام، فلم يعرفوا اللّيل من النهار، وانقطع عنهم النيل حتى أضرّبهم العطش؛ فشكوا ذلك إلى فرعون فأمر بجمع الجنود وخرج ليجريه؛ فلمّا قرب من مكانه انفرد عن القوم ونزل عن فرسه وقال: إلهى إنك إله السماء والأرض لا إله إلا أنت، وحلمك الذى يحملنى أن أسألك ما ليس لى بحق، والخلق خلقك، وقد علمت ما هم فيه من العطش وأنت المتكفّل بأرزاقهم؛ اللهم أجر لهم النيل. فما فرغ من كلامه حتى انصبّ النيل، وركب فرسه والنيل يجرى معه إن سار سار وإن وقف وقف، حتى دخل مصر، فسجد القوم له، وازدادوا كفرا؛ وعجب موسى وهارون لذلك.
ذكر خبر غرق فرعون وقومه
قال الكسائىّ: ولما رجع فرعون بجنوده وقد أجرى لهم النيل بزعمهم، دخل عليه جبريل فى صورة آدمىّ حسن الهيئة، فقال له: من أنت؟ قال: عبد من عبيد الملك جئتك مستعديا على عبد من عبيدى مكّنته من نعمتى، وأحسنت إليه كثيرا، فاستكبر وبغى وجحدنى حقّى وتسمّى باسمى، وادّعى فى جميع ما أنعمت عليه به أنّه له، وأنّه لا منعم عليه به. قال فرعون: بئس ذلك من العبيد. قال جبريل: فما جزاؤه عندك؟ قال: يغرق فى هذا البحر. فقال له جبريل: أسألك
(13/207)

أن تكتب لى خطّك بذلك. فكتب له فرعون خطّا، وأخذه جبريل وجاء به إلى موسى، وأمره عن الله عزّ وجلّ أن يرتحل بقومه عن مصر؛ فنادى موسى فى بنى إسرائيل وأمرهم بالرحيل؛ فارتحلوا وهم يومئذ ستّمائة ألف.
قال الثعلبىّ: ستّمائة ألف وعشرون ألفا لا يعدّ فيهم ابن سبعين سنة ولا ابن عشرين سنة؛ ولكنّ هؤلاء المقاتلة سوى الذريّة. وأهل التوراة يقولون:
إنه لا يعدّ فيهم ابن خمسين سنة ولا ابن عشرين سنة، لا خلاف عندهم فى هذا ويزعمون أنه نصّ التوراة.
قال الكسائىّ: فلما سمع فرعون بارتحالهم أمر باجتماع جنوده؛ قال الله تعالى:
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ* إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ* وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ* وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ
. فاجتمعوا وهم لا يحصون كثرة.
قيل: إنّ هامان كان على مقدّمة فرعون بألف ألف وستّمائة ألف.
وقال الثعلبىّ: ألف ألف وسبعمائة ألف رجل على ألف ألف وسبعمائة ألف حصان.
قال: وقال ابن جريح: أرسل فرعون فى أثر موسى وقومه ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسوّر، مع كل ملك ألف رجل؛ ثم خرج فرعون خلفهم فى الدّهم، وكان فى عسكره مائة ألف حصان أدهم سوى سائر الشّيات، وذلك حين طلعت الشمس وأشرقت؛ قال الله تعالى: (فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ) .
قال الكسائىّ: وساروا حتى قربوا من موسى ومن معه، فقالوا: يا موسى، قد لحقنا فرعون بجنوده، والبحر أمامنا والسيف وراءنا. قال كلّا إنّ معى ربّى سيهدين.
فأوحى الله تعالى إلى موسى: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ
فضربه فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ
. وصار فيه اثنا عشر طريقا للأسباط الأثنى عشر
(13/208)

فجعلوا يسيرون وموسى أمامهم وهارون وراءهم، وجعل الله بينهم فتحا ليرى بعضهم بعضا، وجاء فرعون ومن معه إلى البحر ورأى تلك الطرق فيه، فقال لهامان:
هذه تفرّقت من هيبتى. وقصد الافتحام فلم يطاوعه فرسه- وكان حصانا- ونفر من العبور؛ فأتاه جبريل على رمكة فى صورة آدمىّ، فدنا من فرعون وقال:
ما يمنعك من العبور؟ وتقدّم إلى جنبه، فاشتمّ فرس فرعون رائحة الرّمكة فتبعها ودخل فرعون وجنوده وجبريل أمامهم وميكائيل يسوق الناس، حتى لم يبق من جنود فرعون أحد على الساحل، فجاءه جبريل بخطّه؛ فلما رآه فرعون علم أنه هالك وانضمّت الطرق، وأغرق الناس، وفرعون ينظر إليهم؛ قال الله تعالى: حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ
. فقال له جبريل: الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين.
ثم غرق فرعون وجميع من معه وبنو إسرائيل ينظرون إليهم؛ ثم قال:
بنو إسرائيل: إنّ فرعون لم يغرق. فأمر الله تعالى البحر فألقاه على الساحل.
قال الله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً.
قال: فلمّا عبر موسى البحر ببنى إسرائيل إلى الطّور، إذا هم فى طريقهم بقوم يعبدون الأصنام، قال الله تعالى: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ* إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
ثم قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضّلكم على العالمين، وذكّرهم بنعم الله تعالى عليهم، وأمرهم بالتوبة والاستغفار؛ ثم ساروا وفى قلوبهم حبّ الأصنام حتى قربوا من الطّور.
(13/209)

ذكر خبر ذهاب موسى- عليه السلام- لميقات ربه وطلبه الرؤية وخبر الصاعقة والإفاقة
حكى أبو إسحاق الثعلبىّ فى تفسير قوله تعالى: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً.
قال: كان ذلك فى شهر ذى القعدة وعشر من ذى الحجّة.
قال: وذلك أنّ موسى- عليه السلام- كان قد وعد بنى إسرائيل وهو بمصر إذا خرجوا منها وهلك عدوّهم أن يأتيهم بكتاب فيه ما يأتون وما يذرون؛ فلمّا أهلك الله تعالى فرعون وقومه واستنقذ بنى إسرائيل من أيديهم، وأمّنهم من عدوّهم، ولم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليها، قالوا: يا موسى ائتنا بالكتاب الذى وعدتنا به. فسأل موسى ربّه تعالى ذلك؛ فأمره أن يصوم ثلاثين ليلة ثم يتطهّر «1» ويطهّر ثيابه ويأتى طور سيناء ليكلّمه ويعطيه الكتاب؛ فصام ثلاثين يوما؛ فلمّا صعد الجبل أنكر خلوف فمه، فاستاك بعود خرنوب.
وقال أبو العالية: أخذ من لحاء الشجر فمصّه؛ فقالت له الملائكة: كنا نشمّ من فمك رائحة المسك فأفسدته بالسواك. فأوحى الله تعالى إليه أن صم عشرة أيّام أخر، وقال له: أما علمت يا موسى أنّ خلوف فم الصائم أطيب عندى من ريح المسك؟
قال: وكانت فتنة بنى إسرائيل فى العشر ليالى التى زادها الله تعالى؛ فلما مضت أربعون ليلة تطهّر موسى وطهّر ثيابه لميقات ربّه؛ فلمّا أتى طور سيناء كلّمه ربّه وناجاه، وقرّبه وأدناه، كما قال تعالى: وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا.
(13/210)

قال وهب: كان بين الله تعالى وبين موسى سبعون حجابا، فرفعها كلها إلّا حجابا واحدا، فسمع موسى كلام الله تعالى واشتاق إلى رؤيته وطمع فيها، فقال ما أخبر الله- عزّ وجلّ- به عنه فى كتابه، قال الله تعالى: وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
. فقال الله تعالى له: لَنْ تَرانِي
وليس يطيق البشر النظر إلىّ فى الدنيا، من نظر إلىّ مات. قال: إلهى سمعت كلامك فاشتقت إلى النظر إليك، ولأن أنظر إليك ثم أموت أحبّ إلىّ من أن أعيش ولا أراك. فقال له تعالى: انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ
وهو أعظم جبل يقال له: (الزّبير) .
قال: وذلك أنّ الجبال لمّا علمت أن الله تعالى يريد أن يتجلّى لجبل منها تعاظمت وتشامخت رجاء أن يتجلّى الله تعالى لها، وجعل الزّبير يتواضع من بينها فلما رأى الله تعالى تواضعه رفعه من بينها، وخصّه بالتجلّى، قال الله تعالى: وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي
. فتجلّى الله تعالى للجبل.
قال: واختلف العلماء فى معنى التجلّى؛ قال ابن عباس: ظهر نوره للجبل.
وقال الضحّاك: أظهر الله تعالى من نور الحجب مثل منخر الثور.
وقال عبد الله بن سلام وكعب: ما تجلّى من عظمة الله تعالى للجبل إلّا مثل سمّ الخياط حتى صار دكّا.
وقال السدّىّ: ما تجلّى منه إلّا قدر الخنصر.
وقال الحسن: أوحى الله تعالى إلى الجبل فقال: هل تطيق رؤيتى؟ فغار الجبل وساخ فى الأرض وموسى ينظر إليه حتى ذهب أجمع.
(13/211)

قال أبو إسحاق: قال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: حكى لى عن سهل بن سعد الساعدىّ أنّ الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نورا قدر درهم، فجعل الجبل دكّا.
قال أبو بكر: فعذب إذ ذاك كلّ ماء، وأفاق كلّ مجنون، وبرأ كلّ مريض وزال الشوك عن الأشجار، واخضرّت الأرض واهتزّت. وخمدت نيران المجوس وخرّت الأصنام لوجوهها.
وقال السّدّىّ: ما تجلّى للجبل إلّا مقدار جناح بعوضة، فصار الجبل دكّا.
قال ابن عباس- رضى الله عنهما-: ترابا.
وقال سفيان: ساخ حتى وقع فى البحر.
وقال عطية العوفىّ: صار رملا هائلا.
وقال الكلبىّ: جَعَلَهُ دَكًّا
، أى كسّر جبالا صغارا.
وعن أنس بن مالك- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم-:
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا
قال: صار بعظمة الله ستّة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة: أحد، وورقان «1» ، ورضوى «2» . ووقعت ثلاثة بمكّة: ثور، وثبير وحراء. وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً
. قال ابن عبّاس- رضى الله عنهما-:
مغشيّا عليه.
وقال قتادة: ميّتا.
وقال الكلبىّ: خرّ موسى صعقا: يوم الخميس يوم عرفة، وأعطى التوراة يوم الجمعة يوم النحر.
(13/212)

قال الواقدىّ: لمّا خرّ موسى صعقا قالت الملائكة: ما لابن عمران وسؤال الرؤية.
قال وهب: لما سأل موسى الرؤية أرسل الله تعالى الضّباب والصواعق والظّلمة والرعد والبرق فأحاطت بالجبل الّذى عليه موسى، وأمر الله تعالى ملائكة السموات أن يعرضوا على موسى أربعة فراسخ من كلّ ناحية؛ فمرّت ملائكة سماء الدنيا كثيران البقر، تتابع أفواههم التقديس والتسبيح بصوت عظيم كصوت الرعد الشديد؛ ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الثانية: أن اهبطوا على موسى. فهبطوا عليه مثل أسد لهم نحيب بالتسبيح والتقديس؛ ففزع موسى مما رأى وسمع واقشعرّ جلده، ثم قال: ندمت على مسألتى، فهل ينجينى من مكانى الّذى أنا فيه شىء؟ فقال له حبر الملائكة ورأسهم: يا موسى اصبر لما رأيت، فقليل من كثير رأيت. ثم هبطت ملائكة السماء الثالثة كأمثال النسور، لهم قصف ورجف بالتسبيح والتهليل والتقديس كجلب الجيش العظيم وكلهب النار؛ ثم هبطت عليه ملائكة السماء الرابعة لا يشبههم شىء من الّذين مرّوا به قبلهم، ألوانهم كلهب النار، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض، أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس لا يقاربهم شىء من أصوات الّذين مرّوا به قبلهم؛ ثم هبطت عليه ملائكة السماء الخامسة فى سبعة ألوان، فلم يستطع موسى أن يتبعهم الطّرف، لم ير مثلهم ولا سمع مثل أصواتهم، وامتلأ جوف موسى فزعا، واشتدّ حزنه وكثر بكاؤه؛ ثم قال له حبر الملائكة ورأسهم: يابن عمران، مكانك حتّى ترى ما لا تصبر عليه؛ ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على عبدى الّذى أراد أن يرانى؛ فعرضوا عليه وفى يد كلّ منهم حربة مثل النخلة الطويلة، نارها أشدّ ضوءا من الشمس، ولباسهم كلهب النّيران، إذا سبّحوا وقدّسوا جاوبهم من كان قبلهم
(13/213)

من ملائكة السموات، كلّهم يقولون بشدّة أصواتهم: سبّوح قدّوس ربّ العزّة أبدا لا يموت. وفى رأس كل ملك منهم أربعة أوجه؛ فلمّا رآهم رفع صوته يسبّح معهم ويبكى ويقول: ربّ اذكرنى ولا تنس عبدك، لا أدرى هل أتخلّص مما أنا فيه أم لا، إن خرجت احترقت وإن مكثت مت. فقال له كبير الملائكة ورئيسهم: قد أوشكت يا بن عمران أن يشتدّ خوفك وينخلع قلبك، فاصبر للذى سألت.
ثم أمر الله تعالى أن يحمل عرشه فى ملائكة السماء السابعة، فقال: أروه إيّاه.
فلما بدا نور العرش انفرج الجبل من عظمة ربّ العزّة، وردّدت ملائكة السموات أصواتهم جميعا؛ فارتج الجبل، واندكت كلّ شجرة كانت فيه، وخرّ موسى صعقا ليس معه روحه؛ فقلب الله تعالى الحجر الذى كان موسى عليه وجعله كهيئة القبّة لئلّا يحترق موسى؛ وأرسل الله عليه روح الحياة برحمته؛ فقام موسى يسبّح الله تعالى ويقول: آمنت أنّك ربّى وصدّقت أنه لا يراك أحد، فنجّنى، ومن نظر إلى ملائكتك انحلع قلبه، فما أعظمك وأعظم ملائكتك! أنت ربّ الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، لا يعدلك شىء، ولا يقوم لك شىء، تبت إليك، الحمد لك لا شريك لك ربّ العالمين.
ذكر خبر الألواح ونزول التوراة والعشر كلمات
قال الله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ* قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ* وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ.
(13/214)

قال الثعلبىّ: ثم بعث الله جبريل- عليه السلام- إلى جنّة عدن فقطع منها شجرة، فاتخذ منها تسعة ألواح، طول كلّ لوح عشر أذرع بذراع موسى، وكذلك عرضه، وكانت الشجرة من زمرّد أخضر؛ ثم أمر الله تعالى جبريل أن يأتيه بسبعة أغصان من سدرة المنتهى؛ فجاء بها، فصارت جميعا نورا، وصار «1» النور قلما طاف فيما بين السماء والأرض فكتب التوراة، وموسى يسمع صرير القلم؛ فكتب الله تعالى له فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
وذلك يوم الجمعة، فأشرقت الأرض بالنور؛ ثم أمر الله تعالى موسى أن يأخذها بقوّة ويقرئها قومه؛ فوضعت الألواح على السماء فلم تطق حملها لنقل العهود والمواثيق؛ فقالت: يا ربّ كيف أطيق حمل كتابك الكريم الثقيل المبارك؟ وهل خلقت خلقا يطيق حمل ذلك؟ فبعث الله تعالى جبريل وأمره أن يحمل الألواح فيبلغها موسى، فلم يطق حملها، فقال: يا ربّ من يطيق حمل هذه الألواح بما فيها من النور والبيان والعهود؟ وهل خلقت خلقا يطيق حملها؟ فأمدّه الله تعالى بملائكة يحملونها بعدد كلّ حرف من التوراة؛ فحملوها حتى بلّغوها موسى؛ فعرضوا له الألواح على الجبل، فانصدع الجبل وخشع، وقال: يا ربّ من يطيق حمل هذه الألواح بما فيها؟ فلمّا وضعتها الملائكة على الجبل بين يدى موسى- وذلك عند صلاة العصر- قبض موسى عليها فلم يطق حملها، فلم يزل يدعو حتّى هيأ الله تعالى له حملها؛ فحملها، فذلك قوله تعالى: يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ.
قال: وأمّا العشر كلمات الّتى كتبها الله تعالى لنبيّه موسى فى الألواح- وهى معظم التوراة، وعليها مدار كلّ شريعة- فهى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
، هذا
(13/215)

كتاب من الله الملك الجبّار العزيز القهار لعبده ورسوله موسى بن عمران، سبّحنى وقدّسنى، لا إله إلّا أنا فآعبدنى ولا تشرك بى شيئا، واشكر لى ولوالديك إلىّ المصير، أحيك حياة طيّبة؛ ولا تقتل النفس الّتى حرّم الله عليك فتضيق عليك السماء بأقطارها والأرض برحبها؛ ولا تحلف باسمى كاذبا فإنّى لا أطهّر ولا أزكّى من لم يعظّم اسمى؛ ولا تشهد بما لا يعى سمعك ولا تنظر عينك ولم يقف قلبك عليه فإنى أقف أهل الشهادات على شهاداتهم يوم القيامة، وأسائلهم عنها؛ ولا تحسد الناس على ما آتيتهم من فضلى ورزقى، فإنّ الحاسد عدوّ لنعمتى، ساخط لقسمتى؛ ولا تزن ولا تسرق فأحجب عنك وجهى، وأغلق دون دعوتك أبواب السموات؛ ولا تذبح لغيرى، فإنه لا يصعد إلىّ من قربان الأرض إلّا ما ذكر عليه اسمى؛ ولا تغدرنّ بحليلة جارك فإنّه أكبر مقتا عندى؛ وأحبّ للناس ما تحبّ لنفسك.
فهذه العشر كلمات؛ وقد أنزل الله- عزّ وجلّ- على نبيّنا محمد- صلّى الله عليه وسلّم- مثلها فى ثمانى عشرة آية، وهى قوله تعالى فى سورة بنى إسرائيل:
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً* وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً* رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً* وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً* إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً* وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً* وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً* إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً* وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ
(13/216)

خِطْأً كَبِيراً* وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا* وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً* وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا* وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا* وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا* وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا* كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً* ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً
ثم جمعها فى آيتين من سورة الأنعام، وهى قوله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
وقد روى أبو إسحاق الثعلبىّ- رحمه الله- عن ابن عبّاس- رضى الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لمّا أعطى الله موسى الألواح نظر فيها وقال: يا ربّ لقد أكرمتنى بكرامة لم تكرم بها أحدا قبلى. قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ.
(13/217)

وأخرج «1» الحافظ: تموت على حبّ محمد عليه السلام. قال موسى: يا ربّ وما محمد؟ قال: أحمد الذى أثبتّ اسمه على عرشى من قبل أن أخلق السموات والأرض بألفى عام، وإنه لنبيّى وحبيبى وخيرتى من خلقى، هو أحبّ إلىّ من جميع خلقى ومن جميع ملائكتى. قال: يا ربّ إن كان محمد أحبّ إليك من جميع خلقك فهل خلقت أمّة أكرم عليك من أمّتى.؟ قال الله تعالى: إنّ فضل أمّة محمد- عليه السلام- على سائر الأمم كفضله على سائر الخلق. قال: يا ربّ ليتنى رأيتهم.
قال: إنّك لن تراهم، ولو أردت أن تسمع كلامهم لسمعت. قال: يا ربّ فإنّى أريد أن أسمع كلامهم. قال: يا أمّه محمد. فأجبنا كلّنا من أصلاب آبائنا وأرحام أمّهاتنا: لبّيك اللهمّ لبّيك لا شريك لك. قال الله تعالى: يا أمّة محمد. إنّ رحمتى سبقت غضبى، وعفوى عقابى، قد أعطيتكم من قبل أن تسألونى، وقد أجبتكم من قبل أن تدعونى، وقد غفرت لكم من قبل أن تعصونى، من جاء يوم القيامة يشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا عبدى ورسولى دخل الجنة ولو كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر. وهذا قوله تعالى: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ.
وروى الثعلبىّ أيضا بسند رفعه إلى (كعب الأحبار) أنّه رأى حبرا من أحبار اليهود يبكى، فقال له: ما يبكيك.؟ فقال له: ذكرت بعض الأمر. فقال كعب:
أنشدك الله إن أخبرتك بما أبكاك أتصدّقنى؟ قال: نعم. قال: أنشدك الله هل تجد فى كتاب الله المنزل أنّ موسى نظر فى التوراة فقال: إنى أجد أمّة هى خير أمّة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، يؤمنون بالكتاب الأوّل
(13/218)

وبالكتاب الآخر، ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجّال. فقال موسى: يا ربّ اجعلهم أمّتى. قال: هى أمّة أحمد يا موسى. فقال له الحبر:
نعم. قال كعب: أنشدك بالله هل تجد فى كتاب الله المنزّل أنّ موسى نظر فى التوراة فقال: إنى أجد أمّة هم الحامدون، الرّعاة الشّمس «1» المحكّمون، إذا أرادوا أمرا قالوا: «نفعله إن شاء الله تعالى» فاجعلهم أمّتى. قال: هى أمّة أحمد يا موسى.
قال له الحبر: نعم. قال: أنشدك الله هل تجد فى كتاب الله المنزّل أنّ موسى نظر فى التوراة فقال: ربّ إنّى أجد أمّة يأكلون كفّاراتهم وصدقاتهم.
قال: «وكان الأوّلون يحرقون صدقاتهم بالنار، غير أنّ موسى كان يجمع صدقات بنى إسرائيل فلا يجد عبدا مملوكا ولا أمة إلّا اشتراه ثم أعتقه من تلك الصدقة وما فضل حفر له حفيرة عميقة وألقاه فيها، ثم دفنه كيلا يرجعوا فيه» وهم المسبّحون والمسبّح لهم، وهم الشافعون والمشفّع لهم. قال موسى: يا ربّ اجعلهم أمّتى.
قال: هم أمّة أحمد يا موسى. قال الحبر: نعم. قال كعب: أنشدك الله أتجد فى التوراة أنّ موسى نظر فى التوراة فقال: إنّى أجد أمّة إذا أشرف أحدهم على شرف كبّر الله تعالى، وإذا هبط واديا حمد الله تعالى؛ الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيثما كانوا، يتطهّرون من الجنابة، طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حين لا يجدون الماء؛ غرّ محجّلون من آثار الوضوء، فآجعلهم أمّتى. قال: هى أمّة أحمد يا موسى. قال الحبر: نعم. قال كعب: أنشدك الله هل تجد فى كتاب الله المنزل أنّ موسى نظر فى التوراة فقال: يا ربّ إنّى أجد أمّة إذا همّ أحدهم بحسنة ولم يعملها تكتب له، فإن عملها ضوعفت عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وإذا همّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها تكتب عليه
(13/219)

سيّئة مثلها. فاجعلهم أمتى. قال: هى أمّة أحمد يا موسى. قال الحبر: نعم.
قال كعب: أنشدك الله أتجد فى كتاب الله المنزّل أنّ موسى نظر فى التوراة فقال:
ربّ إنّى أجد أمّة مرحومة ضعفاء «يرثون «1» الكتاب الّذين اصطفينا» فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ
فلا أجد أحدا منهم إلّا مرحوما فاجعلهم أمتى. قال: هى أمّة أحمد يا موسى. قال الحبر: نعم. قال كعب:
أنشدك الله هل تجد فى كتاب الله المنزّل أنّ موسى نظر فى التوراة فقال: يا ربّ إنّى أجد أمّة مرحومة، مصاحفهم فى صدورهم، يلبسون ألوان ثياب أهل الجنّة يصفّون فى صلاتهم صفوفا كصفوف الملائكة؛ أصواتهم فى مساجدهم كدوىّ النحل، لا يدخل النار منهم أحد إلّا من الحساب مثل ما يرمى الحجر من وراء الشجر. فاجعلهم أمتى. قال: هى أمّة أحمد يا موسى. قال الحبر: نعم. قال:
فعجب موسى من الخير الذى أعطاه الله محمدا وأمّته، وقال: يا ليتنى من أصحاب محمد. فأوحى الله تعالى إليه ثلاث آيات يرضيه بهنّ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي
إلى قوله: دارَ الْفاسِقِينَ
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ.
قال: فرضى موسى كلّ الرضا.
ولنصل هذا الفصل بما ورد فى تفسير قوله تعالى: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ
وقوله: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ.
قال الثعلبىّ: قال أهل المعانى: هذا كقول القائل لمن يخاطبه: «سأريك غدا إلى ما تصير إليه حال من يخالف أمرى» على وجه الوعيد والتهديد.
(13/220)

وقال مجاهد: سأريكم دار الفاسقين، يعنى مصيرهم فى الآخرة.
وقال الحسن: جهنّم.
وقال قتادة وغيره: سأدخلكم الشأم فأريكم منازل الكافرين الذين هم سكّانها من الجبابرة والعمالقة.
وقال عطيّة العوفىّ: معناه سأريكم دار فرعون وقومه، وهى مصر.
قال أبو العالية: رفعت مصر لموسى حتّى نظر إليها.
وقال السدّىّ: دار الفاسقين: مصارع الفاسقين، ما يمرّون عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا.
وقال ابن كيسان: دار الفاسقين، يعنى إلى ما يصير قرارهم فى الأرض.
وقيل: الدار الهلاك، وجمعه أدوار؛ وذلك أن الله تعالى لمّا أغرق فرعون وقومه أمر البحر أن يقذف أجسادهم إلى الساحل؛ ففعل، فنظر إليهم بنو إسرائيل، فأراهم هلاك الفاسقين.
وقال يمان: يعنى مسكن فرعون.
وأما ما ورد فى تفسير قوله تعالى: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ.
قوله تعالى: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى
، يعنى بنى إسرائيل أُمَّةٌ
جماعة يَهْدُونَ بِالْحَقِ
، أى يرشدون إلى الحق.
وقيل: معناه يهتدون ويستقيمون عليه ويعملون به وَبِهِ يَعْدِلُونَ
أى ينصفون من أنفسهم لا يجورون.
(13/221)

قال السدّىّ: هم قوم بينكم وبينهم نهر من شهد.
وقال ابن جريح: بلغنى أن بنى إسرائيل لمّا قتلوا أنبياءهم وكفروا- وكانوا اثنى عشر سبطا- تبرّأ سبط منهم؛ واعتذروا وسألوا الله تعالى أن يفرّق بينهم وبينهم، ففتح الله تعالى لهم نفقا فى الأرض، فساروا فيه سنة ونصفا حتى خرجوا من وراء الصّين؛ فهم هناك حنفاء مسلمون مستقبلون قبلتنا.
قال الكلبىّ وربيع والضّحاك وعطاء: هم قوم من المغرب خلف الصين على نهر يحوى «1» الرمل يسمى نهر أوران «2» ، وليس لأحدهم مال دون صاحبه؛ يمطرون بالليل، ويصحون بالنهار ويزرعون، لا يصل إليهم منّا أحد ولا منهم إلينا وهم على الحقّ.
قال: وذكر عن النبىّ- صلّى الله عليه وسلّم- أن جبريل ذهب به ليلة أسرى به إليهم؛ فكلّمهم؛ فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلّمون؟ قالوا: لا.
قال: هذا محمّد النبىّ الأمّىّ. فآمنوا به وقالوا: يا رسول الله، إن موسى أوصانا وقال: من أدرك منكم أحمد فليقرأ منّى عليه السلام. فردّ رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- على موسى وعليهم السلام؛ ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة ولم تكن نزلت فريضة سوى الصلاة والزكاة، فأمرهم بالصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون، فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت.
حكاه أبو إسحاق الثعلبىّ فى تفسيره.
نرجع إلى تتمّة أخبار موسى- عليه السلام-.
(13/222)

ذكر خبر السامرى واتخاذه العجل وافتتان بنى إسرائيل به
قال الكسائىّ والثعلبىّ وغيرهما من أهل السير ما مختصره ومعناه: إن موسى- عليه السلام- لمّا توجّه إلى البقعة المباركة الّتى كلّمة الله تعالى فيها لميقات ربّه، استخلف أخاه هارون على بنى إسرائيل، وكان السامرىّ فيهم.
واختلف فيه، فقال قتادة والسدّىّ: كان السامرىّ من عظماء بنى إسرائيل من قبيلة يقال لها: (سامرة) «1» ولكنه عدوّ لله منافق.
وقال سعيد: كان السامرىّ من (كرمان) .
وقال غيرهم: كان رجلا صائغا من أهل باجرما، واسمه ميخا.
وقال ابن عبّاس- رضى الله عنهما-: اسمه موسى بن ظفر، وكان رجلا منافقا وقد أظهر الإسلام؛ وكان من قوم يعبدون البقر، فدخل قلبه حبّ البقر، فلما ذهب موسى- عليه السلام- لميقات ربّه- وكان قد واعد قومه ثلاثين ليلة فأتمّها الله بعشر، كما أخبر الله عزّ وجلّ- فعدّ بنو إسرائيل ثلاثين، فلمّا لم يرجع إليهم موسى افتتنوا وقالوا: إنّ موسى أخلفنا الوعد؛ فاغتنمها السامرىّ ففعل ما فعل.
وقال قوم: إنهم عدّوا الليلة يوما واليوم يوما، وكان موسى قد واعدهم أربعين، فلمّا مضت عشرين يوما افتتنوا، فأتاهم السامرىّ وقال: إنّ موسى قد احتبس عنكم، فينبغى لكم أن تتّخذوا إلها، فإنّ موسى ليس يرجع إليكم، وقد تمّ الميقات. وإنما طمع فيهم السامرىّ لأنّهم فى اليوم الذى أنجاهم الله من فرعون وطلعوا من البحر، كان من أمرهم ما أخبر الله تعالى عنهم فى قوله: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا
(13/223)

إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
فطمع السامرىّ فيهم واغتنمها، فلمّا تأخّر موسى عن الميقات- وكان بنو إسرائيل قد استعاروا حلّى آل فرعون كما قدّمنا؛ فلمّا فصل موسى قال هارون لبنى إسرائيل: إنّ حلّى القبط الّذى استعرتموه غنيمة، وإنّه لا يحلّ لكم؛ فاجمعوه فاحفروا له حفيرة وادفنوه حتى يرجع موسى فيرى فيه رأيه. ففعلوا ذلك، وجاءهم السامرىّ ومعه القبضة الّتى قبضها من أثر حافر فرس جبريل- عليه السلام-.
قالوا: وكان لجبريل- عليه السلام- فرس أنثى بلقاء يقال لها:
«فرس الحياة» لا تصيب شيئا إلّا حيى؛ فلما رأى السامرىّ جبريل على تلك الفرس عرفه وقال: إن لهذا الفرس لشأنا. وأخذ قبضة من تراب حافرها حين عبر جبريل البحر.
قالوا: وإنّما عرف السامرىّ خبر الفرس دون غيره من بنى إسرائيل، لأنّ فرعون لمّا أمر بذبح أولاد بنى إسرائيل جعلت المرأة إذا ولدت الغلام انطلقت به سرّا فى جوف الليل الى صحراء أو واد أو غار فى جبل فأخفته؛ فقيّض الله تعالى له ملكا من الملائكة يطعمه ويسقيه حتى لا يختلط بالناس، وكان الذى ولى كفالة السامرىّ جبريل عليه السلام، فجعل يمصّ من إحدى إبهاميه سمنا، ومن الأخرى عسلا، فمن ثمّ عرفه، ومن ثمّ الصبىّ إذا جاع يمصّ إبهامه فيروى من المص.
نرجع إلى خبر بنى إسرائيل مع السامرىّ.
قال: فلمّا أمرهم هارون بجمع الحلىّ وجمعوه، جاء السامرىّ بالقبضة فقال لهارون: يا نبىّ الله، أأقذفها فيه؟ فظنّ هارون أنّها من الحلىّ، وأنّه يريد بها ما يريد أصحابه، فقال له: اقذف. فقذفها فى الحفرة على الحلىّ، فصار عجلا جسدا له خوار.
(13/224)

وقال ابن عبّاس- رضى الله عنهما-: أوقد هارون نارا وأمرهم أن يقذفوا الحلىّ فيها؛ فقذف السامرىّ تلك القبضة فيها وقال: «كن عجلا جسدا له خوار» . فكان كذلك للبلاء والفتنة.
ويقال: إنّ الّذى قال لبنى إسرائيل: «إنّ الغنيمة لا تحل لكم» هو السامرىّ، فصدّقوه وجمعوها، فدفعوها إليه فصاغ منها عجلا فى ثلاثة أيام ثم قذف فيه القبضة، فجثا وخار خورة ثم لم يعد.
وقال السدّىّ: كان يخور ويمشى؛ فلمّا أخرج السامرىّ العجل وكان من ذهب مرصّع بالحجارة كأحسن ما يكون، قال هذا إلهكم وإله موسى. فشبّه السامرىّ على أوغاد بنى إسرائيل وجهّالهم حتى أضلّهم وقال لهم: إنّ موسى قد أخطأ ربّه فأتاكم ربّه أراد أن يريكم أنه قادر على أن يدعوكم إلى نفسه بنفسه، وأنه لم يبعث موسى لحاجة منه إليه، وأنه قد أظهر لكم العجل ليكلّمكم من وسطه كما كلّم موسى من الشجرة.
قالوا: فلمّا رأوا العجل وسمعوا قول السامرىّ، افتتنوا غير اثنى عشر ألفا وكان مع هارون ستّمائة ألف، فعكفوا عليه يعبدونه من دون الله تعالى، وأحبّوه حبّا ما أحبّوا مثله شيئا قطّ؛ فقال لهم هارون: يا بنى إسرائيل إنّما فتنتم به وإنّ ربّكم الرّحمن فاتّبعونى وأطيعوا أمرى* قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتّى يرجع إلينا موسى.
فأقام هارون بمن معه من المسلمين، وأقام من يعبد العجل على عبادته؛ وخشى هارون إن سار بمن معه من المسلمين إلى المفتتنين الضالّين أن يقول له موسى:
فرقت بين بنى إسرائيل.
(13/225)

قال راشد بن سعد: لما واعد الله تعالى موسى أربعين يوما قال الله تعالى:
يا موسى، إنّ قومك قد افتتنوا من بعدك. قال: يا ربّ كيف يفتتنون وقد نجّيتهم من فرعون ومن البحر، وأنعمت عليهم؟ قال: إنهم اتخذوا العجل إلها من دونى وهو عجل جسد له خوار. قال: يا ربّ من نفخ فيه الرّوح؟ قال: أنا. قال:
أنت- وعزّتك- فتنتهم، إن هى إلّا فتنتك تضلّ بها من تشاء وتهدى من تشاء أنت وليّنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
قال: فلمّا رجع موسى من الميقات الى قومه وقرب منهم، سمع اللغط حول العجل وكانوا يرقصون حوله، ولم يخبر موسى أصحابه السبعين بما أخبره به ربّه تعالى من حديث العجل، فقالوا: هذا قتال فى المحلّة. قال موسى لهم: لا ولكنّها أصوات الفتنة، افتتن القوم بعدنا بعبادة غير الله تعالى.
ذكر خبر رجوع موسى إلى قومه وما كان من أمرهم
قال الله عزّ وجلّ: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ
وذلك أنّه لما رآهم حول العجل وما يصنعون فيه ألقى الألواح من يده فتكسّرت، فصعد عامّة الكلام الذى فيها، ولم يبق إلّا سدسها، ثم أعيدت له فى لوحين.
روى عن ابن عبّاس- رضى الله عنهما- أنّ رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- قال: ليس المعاين كالمخبر، قال الله تعالى لموسى: إن القوم قد افتتنوا فلم يلق الألواح، فلمّا عاين ألقى الألواح فكسرها.
قالوا: فلما رأى موسى ما صنع قومه بعده من عبادة العجل، أخذ شعر رأس أخيه هارون بيمينه، ولحيته بشماله وقال له: يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلّوا
(13/226)

ألّا تتّبعن أفعصيت أمرى، هلّا قاتلتهم إذ علمت أنّى لو كنت فيما بينهم لقاتلتهم على كفرهم؟ فقال هارون: يابن أمّ؛ قال المفسّرون: كان هارون أخا موسى لأبيه وأمّه، ولكنّه أراد بقوله: يابن أمّ تقريبه واستعطافه عليه، لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى إنّى خشيت، إن أقاتلهم أن يصيروا حزبين يقتل بعضهم بعضا، فتقول: فرّقت بين بنى إسرائيل ولم ترقب قولى، ولم تحفظ وصيّتى حين قلت لك: اخلفنى فى قومى وأصلح ولا تتّبع سبيل المفسدين. وقال:
إنّ القوم استضعفونى وكادوا يقتلوننى فلا تشمت بى الأعداء ولا تجعلنى مع القوم الظّالمين. فقال موسى: ربّ اغفرلى ولأخى وأدخلنا فى رحمتك وأنت أرحم الرّاحمين.
قال: ثم أقبل موسى على السامرىّ فقال له: ما خطبك يا سامرى، أى ما أمرك وشأنك؟ فقال السامرىّ: بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرّسول، أى أخذت ترابا من أثر فرس جبريل فنبذتها وطرحتها فى العجل وكذلك سوّلت لى نفسى، أى زيّنت.
قال: فلمّا علم بنو إسرائيل أنهم قد أخطأوا وضلّوا فى عبادتهم العجل، ندموا على ذلك واستغفروا، كما قال الله تعالى: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
؛ فقال لهم موسى: يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم باتّخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم.
قالوا: كيف نتوب؟ قال: فاقتلوا أنفسكم، أى يقتل البرىء المجرم، ذلكم يعنى القتل خير لكم عند بارئكم.
(13/227)

قال ابن عباس- رضى الله عنهما-: أبى الله أن يقبل توبة بنى إسرائيل إلّا بالحال الّتى كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل.
وقال قتادة: جعل الله توبة عبدة العجل القتل لأنّهم ارتدّوا، والكفر مبيح للدّم.
وقال الكسائىّ: لمّا قال موسى لبنى إسرائيل: يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم باتّخاذكم العجل، سألوه أن يتوب الله تعالى عليهم؛ فسأل الله تعالى، فأوحى الله تعالى إليه أنّه لا توبة لهم، لأنّ فى قلوبهم حبّ العجل، فاجمع رماد العجل وألقه فى الماء، وأمرهم أن يشربوا منه فإنه يظهر ما فى قلوبهم على وجوههم. ففعل ذلك؛ فلمّا شربوا لم يبق أحد ممّا فى قلبه مرض إلا اصفرّ وجهه ولونه وورم بطنه، ودام ذلك بهم، فقالوا: يا موسى، هل شىء غير التوبة الخالصة وقد أخلصنا فى توبتنا حتى لو أمرتنا بقتل أنفسنا فعلنا؟ فأوحى الله إليه: يا موسى قد رضيت بحكمهم على أنفسهم، فقل لهم: بقتلوا أنفسهم إن كانوا صادقين فى توبتهم. فقال لهم موسى ما أمرهم الله به: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
. فقالوا: كيف نقتل أنفسنا؟ قال: يقوم من لم يعبد العجل إلى من عبده فيقتله. فقاموا بالسيوف والخناجر إلى الّذين عبدوه وأرسل الله عليهم ظلمة فلم يبصر بعضهم بعضا، حتى كان الرجل يأتى إلى أخيه وأبيه وابن عمه وقرابته فيقتله وهو لا يعرفه، ولم يعمل السلاح فيمن لم يعبد العجل حتى خاضوا فى الدماء، وصاح النساء والصبيان إلى موسى: «العفو يا نبىّ الله» فدعا موسى الله بالعفو عنهم؛ فلم يعمل السلاح فيهم بعد ذلك، وقبل الله تعالى توبتهم، وارتفعت الظّلمة عنهم.
(13/228)

قالوا: ثم همّ موسى بقتل السامرىّ، فأوحى الله تعالى إليه: لا تقتله فإنّه سخىّ، ولكن أخرجه عن قومك. فلعنه موسى وقال له ما أخبر الله تعالى به عنه:
(قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ)
أى لعذابك فى القيامة. وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً.
قال: وأمر موسى بنى إسرائيل ألّا يخالطوا السامرىّ ولا يقاربوه؛ فصار السامرىّ وحشيّا لا يألف ولا يؤلف ولا يدنو من الناس ولا يمسّ أحدا منهم فمن مسّه قرض ذلك الموضع بالمقراض، فكان ذلك دأبه حتى هلك.
ذكر خبر امتناع بنى إسرائيل من قبول أحكام التوراة ورفع الجبل عليهم وإيمانهم
قال الكسائىّ: ثم أقبل موسى على بنى إسرائيل بالتوراة وقال: هذا كتاب ربّكم فيه الحلال والحرام والأحكام والسنن والفرائض ورجم الزانى والزانية المحصنين وقطع يد السارق، والقصاص فى كل ذنب يكون منكم. فضجّوا من ذلك وقالوا:
لا حاجة لنا فى هذه الأحكام، وما كنا فيه من عبادة العجل كان أرفق بنا من هذا.
قال: فلمّا امتنعوا من قبول أحكام الله عزّ وجلّ قال موسى: يا رب قد علمت أنهم ردّوا كتابك وكذّبوا بآياتك. فأمر الله تعالى جبريل أن يرفع عليهم جبل طور سيناء فى الهواء؛ قال الله عزّ وجلّ: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ
وَاسْمَعُوا «1» قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا
؛
(13/229)

فجعل الجبل يدنو منهم حتى ظنوا أنه يسقط عليهم؛ فآمنوا وخرجوا سجّدا على أنصاف وجوههم وهم ينظرون إلى الجبل بالنصف الاخر؛ فلأجل ذلك سجود اليهود كذلك. وردّ الجبل عنهم.
ذكر خبر الحجر الذى وضع موسى- عليه السلام- ثيابه عليه
قال: وكانوا إذا اغتسلوا لا يسترون عوراتهم، وإذا اغتسل موسى يستتر فظنوا أن فى بدنه عيبا، فتكلموا بذلك، وكان موسى- عليه السلام- إذا اغتسل وضع ثوبه على حجر وقرعه بعصاه فيتفجر الماء منه، فيغتسل ثم يلبس ثوبه؛ ففعل ذلك فى بعض الأيام، فلما أراد أن يلبس ثوبه انقلع الحجر من موضعه ومر على وجه الأرض وعليه ثوب موسى؛ فعدا موسى خلفه وهو يقول: «ثوبى يا حجر ثوبى يا حجر» ولم يزل يعدو حتى وقف على بنى إسرائيل، فنظروا إلى موسى ولا عيب فيه، فندموا على ما كان منهم؛ قال الله تعالى: (فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً) .
ذكر خبر طلب بنى إسرائيل رؤية الله تعالى وهلاكهم بالصاعقة، وكيف أحياهم الله- عزّ وجلّ- وبعثهم من بعد موتهم
قال الله تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ* ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) .
وذلك أن الله تعالى أمر موسى- عليه السلام- أن يأتيه فى ناس من بنى إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل؛ فاختار موسى- عليه السلام- سبعين رجلا من قومه من خيارهم، وكان قد اختار من كلّ سبط ستّة نفر، فصاروا اثنين وسبعين، فقال: إنما أمرت بسبعين، فليتخلّف منكم رجلان. فتشاحنوا على
(13/230)

ذلك، فقال موسى: إن لمن قعد مثل أجر من خرج. فقعد يوشع بن نون وكالب ابن يوقنا «1» ، فقال موسى للسبعين: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. ففعلوا ذلك فخرج بهم موسى عليه السلام إلى طور سيناء لميقات ربه؛ فلما بلغوا ذلك الموضع قالوا لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا. فقال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل وقع عمود الغمام عليه وتغشّى الجبل كلّه، فدخل فى الغمام وقال للقوم: ادنوا.
وكان موسى عليه السلام إذا كلمه ربه عز وجل- وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد من بنى آدم أن ينظر إليه؛ فضرب دونه الحجاب، ودنا القوم حتى دخلوا فى الغمام وخرّوا سجّدا، وسمعوه وهو يكلّم موسى يأمره وينهاه؛ فأسمعهم الله تعالى: إنى أنا الله لا إله إلا أنا ذو الملك، أخرجتكم من أرض مصر فاعبدونى ولا تعبدوا غيرى. فلما فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل إليهم فقالوا: لن نؤمن لك حتّى نرى الله جهرة، أى لن نصدّقك، فأخذتهم الصّاعقة، وهى نار جاءت من السماء فأحرقتهم جميعا.
وقال وهب بن منبّه: أرسل الله عليهم جندا من السماء، فلما سمعوا حسّها ماتوا فى يوم وليلة.
فلما هلكوا جعل موسى- عليه السلام- يبكى ويتضرع ويقول: يا رب ماذا أقول لبنى إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم، ولو شئت أهلكتهم من قبل وإياى أتهلكنا بما فعل السفهاء منا، فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله- عزّ وجلّ- رجلا بعد رجل ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون. حكاه الثعلبىّ فى تفسيره.
(13/231)

وقال الكسائىّ فى هذه القصة: أقبل بنو إسرائيل على موسى وقالوا: أرنا الله جهرة. فأوحى الله تعالى إليه: أكلّهم يريد ذلك؟ - وهو أعلم- فقال الصالحون منهم: إن الله أجل من أن نراه فى الدنيا.
وقال الباقون: إنما امتنع هؤلاء لضعف قلوبهم. فأوحى الله تعالى إليه: أن اختر منهم سبعين رجلا وسر بهم إلى جبل الطور؛ فسار بهم، ووقع الغمام على الجبل حتى أظله، وأتاه موسى وهم معه؛ فأمر الله تعالى الملائكة أن تهبط إلى الجبل بزيّها وصورها؛ فلما نظر بنو إسرائيل إليهم أخذتهم الرّعدة والخوف، وندموا على ما كان منهم، ونودوا من قبل السماء: يا بنى إسرائيل. فصعقوا كلّهم وماتوا.
وساق نحو ما تقدّم.
قال: ورجعوا إلى قومهم وخبّروهم بما رأوا.
ذكر خبر قارون
قال المفسرون: إنّ قارون كان ابن عمّ موسى، لأنه قارون بن يصهر ابن قاهث.
وقال ابن إسحاق: هو عمّ موسى، لأن يصهر بن قاهث تزوّج شميش «1» بنت ماويب بن بركيا بن يقشان بن إبراهيم، فولدت له عمران بن يصهر وقارون ابن يصهر.
فعلى هذا القول يكون عم موسى؛ وعلى قول الآخرين يكون ابن عمه، وعليه عامّة أصحاب التواريخ؛ وعليه أهل الكتاب، لا خلاف عندهم فى ذلك.
(13/232)

قالوا: وكان قارون أعلم بنى إسرائيل بعد موسى وهارون وأفضلهم وأجملهم.
قال قتادة: وكان يسمى المبشور «1» لحسن صورته، ولم يكن فى بنى إسرائيل أقرأ للتوراة منه، ولكنّ عدوّ الله نافق كما نافق السامرىّ، فبغى على قومه، كما قال تعالى: (إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ) .
قال الثعلبىّ: واختلفوا فى معنى هذا البغى ما هو، قال ابن عباس- رضى الله عنهما-: كان فرعون قد ملّك قارون على بنى إسرائيل، وكان يبغى عليهم ويظلمهم.
وقال عطاء الخراسانىّ وشهر بن حوشب: زاد عليهم فى الثياب شبرا.
وقال شيبان عن قتادة: بغى عليهم بالكبر والبذخ.
وقال سعيد عنه: بكثرة المال. وكان أغنى أهل زمانه وأثراهم، كما قال تعالى: (وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ)
أى تثقل وتميل بهم إذا حملوها لثقلها.
واختلف المفسرون فى عدد العصبة، فقال مجاهد: ما بين العشرة إلى الخمسة.
وقال قتادة: ما بين العشرة إلى الأربعين.
وقال عكرمة: منهم من يقول: سبعين.
وقال الضحاك: ما بين الثلاثة إلى العشرة.
وقيل: هم ستون.
وروى جرير عن منصور عن خيثمة قال: وجدت فى الإنجيل أن مفاتيح خزائن قارون كانت وقر ستين بغلا غرّا محجّلة ما يزيد منها مفتاح على إصبع لكل مفتاح منها كنز.
(13/233)

ويقال: إن قارون كان أينما ذهب يحمل معه مفاتيح كنوزه- وكانت من حديد:- فلما ثقلت عليه جعلها من الخشب، فثقلت عليه، فجعلها من جلود البقر على طول الأصابع، تحمل معه على أربعين بغلا.
وقال بعضهم: أراد بالمفاتيح الخزائن. وإليه ذهب أبو صالح.
وقال أبو رزين: لو كان مفتاح واحد لأهل الكوفة كان كافيا.
واختلفوا فى سبب اجتماع تلك الأموال لقارون؛ فقيل: كان عنده علم الكيمياء.
قال سعيد بن المسيّب: كان موسى يعلم الكيمياء، فعلّم يوشع ثلث العلم، وعلّم كالب ثلثه، وعلّم قارون ثلثه؛ فخدعهما قارون حتى أضافا علمهما إلى علمه.
وحكى الكسائىّ: كان قارون من فقراء بنى إسرائيل، فأوحى الله إلى موسى أن يحلّى تابوت التوراة بالذهب، وعلّمه صنعة الكيمياء؛ فجاء قارون إلى أم كلثم أخت موسى- وقد قيل: إنها كانت زوجته- فسألها: من أين لموسى هذا الذهب؟ فقالت: إن الله تعالى قد علّمه صنعة الكيمياء. وكان موسى قد علّمها الصنعة، فتعلّمها قارون منها.
قالوا: فكان ذلك سبب أمواله، فذلك قوله كما أخبر الله تعالى عنه: (قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) .
وقيل: معناه على علم عندى بالتصرّف فى التجارات والزراعات وسائر أنواع المكاسب والمطالب.
وقيل فى سبب جمعه تلك الأموال ما رواه الثعلبىّ بسنده عن أبى سليمان الدارانى انه قال: تبدّى إبليس لقارون وكان قارون قد أقام فى جبل أربعين سنة حتى
(13/234)

غلب بنى إسرائيل فى العبادة، فبعث إبليس إليه شياطينه فلم يقدروا عليه؛ فأتاه وجعل يتعبد معه، وجعل قارون يتعبّد وإبليس يقهره فى العبادة ويفوقه؛ فخضع له قارون؛ فقال له إبليس: يا قارون، قد رضينا بهذا الذى نحن فيه، لا نشهد لبنى إسرائيل جماعة، ولا نعود مريضا، ولا نشهد جنازة؟
قال: فأحدره من الجبل إلى البيعة، فكانا يؤتيان بالطعام، فقال له إبليس:
يا قارون، قد رضينا أن نكون هكذا كلّا على بنى إسرائيل؟ فقال له قارون: فأىّ رأى عندك؟ قال: نكسب يوم الجمعة، ونتعبد بقية الجمعة.
قال: فكسبوا يوم الجمعة وتعبدوا بقيتها؛ فقال إبليس: قد رضينا أن نكون هكذا؟
قال قارون: فأىّ رأى عندك؟ قال: نكسب يوما ونتعبّد يوما فنتصدّق ونعطى.
قال: فلما كسبوا يوما وتعبّدوا يوما خنس إبليس وتركه، ففتحت على قارون أبواب الدنيا، فبلغ ماله- على ما رواه الثعلبىّ بسنده الى المسيّب بن شريك قال:
ما إنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة، وكانت أربعمائة ألف ألف فى أربعين جرابا.
قال: فبغى وطغى حين استغنى، فكان أوّل طغيانه وعصيانه أنه تكبّر واستطال على الناس بكثرة الأموال، وكان يخرج فى زينته.
قال مجاهد: خرج على براذين بيض عليها سروج الأرجوان وعليه المعصفرات.
وقال ابن أسلم: خرج فى سبعين ألفا عليهم المعصفرات.
قال: وذلك أوّل يوم ظهرت فيه المعصفرات فى الأرض.
وقال مقاتل: خرج على بغلة شهباء على سرج من الذهب عليه الأرجوان ومعه ألف فارس عليهم الديباج وعلى دوابّهم الأرجوان؛ ومعه ستّمائة جارية بيض عليهنّ الحلىّ والثياب الحمر، وهنّ على البغال الشهب.
(13/235)

وحكى الكسائىّ أنّ قارون اتخذ سريرا من الذهب يصعد إليه بمراق، وعليه أنواع من فرش الديباج، وعلى رأسه تاج من الذهب مرصّع بالجوهر.
قالوا: فلما خرج فى بعض الأيام فى زينة عظيمة، تمنّى أهل الجهالة والخسارة مثل الّذى أوتيه، وقالوا ما أخبر الله تعالى به عنهم: قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
فأنكر عليهم أهل العلم بالله تعالى، وقالوا لهم: اتقوا الله واعملوا ما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم الله عنه، فإن ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا من لذّات الدنيا وشهواتها؛ قال الله تعالى:
وَلا يُلَقَّاها
، أى لا يوفّق لهذه الكلمة إِلَّا الصَّابِرُونَ
، أى على طاعة الله وعن زينة الحياة الدنيا.
قالوا: ثم أوحى الله تعالى إلى نبيّه موسى- عليه السلام- أن يأمر قومه أن يعلّقوا فى آذانهم خيوطا أربعة، فى كل طرف خيط أخضر كلون السماء فقال موسى: يا رب لم أمرت بنى إسرائيل بتعليق هذه الخيوط الخضر فى آذانهم؟
فقال تعالى: إن بنى إسرائيل فى غفلة، وقد أردت أن أجعل لهم علما فى ثيابهم ليذكرونى به إذا نظروا إلى السماء، ويعلموا أنى منزل منها كلامى. فقال موسى:
يا رب أفلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها خضرا، فإن بنى إسرائيل تحقر هذه الخيوط؟ فقال له: يا موسى، إن الصغير من أمرى ليس بصغير، وإن لم يطيعونى فى الأمر الصغير لم يطيعونى فى الأمر الكبير.
قال: فدعا موسى بنى إسرائيل وأعلمهم بأمر الله تعالى؛ ففعلوا ذلك واستكبر قارون فلم يطعه، وقال: إنما يفعل هذا الأرباب بعبيدهم لكى يتميزوا من غيرهم. فكان هذا أيضا من بغيه وعصيانه.
(13/236)

قالوا: ولما قطع موسى البحر ببنى إسرائيل جعلت الحبورة- وهى رآسة المذبح وبيت القربان- لهارون عليه السلام؛ وكان بنو إسرائيل يأتون بهديهم فيدفعونه إلى هارون، فيضعه على المذبح، فتنزل نار من السماء فتأكله، فوجد قارون فى نفسه من ذلك، وأتى موسى وقال له: يا موسى، لك الرسالة، ولهارون الحبورة، وليس لى من ذلك شىء، وأنا أقرأ للتوراة منكما، لا صبر لى على هذا.
فقال موسى: والله ما أنا جعلتها فى هارون، بل الله جعلها له. فقال قارون:
والله لا أصدّقك فى ذلك حتى ترينى بيّنة.
قال: فجمع موسى رؤساء بنى إسرائيل وقال: هاتوا عصيّكم. فجاءوا بها فخزمها وألقاها فى قبّته التى كان يعبد الله تعالى فيها؛ وجعلوا يحرسون عصيّهم حتى أصبحوا، فأصبحت عصا هارون قد اهتزّ لها ورق أخضر، وكانت من شجر اللوز فقال موسى: يا قارون، أترى هذا من فعلى؟ قال قارون: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر. وذهب قارون مغاضبا، واعتزل موسى بأتباعه؛ وجعل موسى يداريه للقرابة التى بينهما وهو يؤذيه فى كل وقت، ولا يزداد كلّ يوم إلا عتوّا وتجبّرا ومخالفة.
ويقال: إنه بنى دارا وجعل بابها من الذهب، وضرب على جدرانها صفائح الذهب، وكان الملأ من بنى إسرائيل يغدون عليه ويروحون فيطعمهم الطعام ويحدّثونه ويضاحكونه.
قال ابن عباس- رضى الله عنهما-: ثم أنزل الله تعالى الزكاة على موسى؛ فلما وجبت الزكاة على بنى إسرائيل أتى قارون موسى فصالحه عن كلّ ألف دينار على دينار، وعن كلّ ألف درهم على درهم، وعن كلّ ألف شاة على شاة، وعن كلّ ألف
(13/237)

شىء شيئا، ثم رجع إلى بيته فحسبه فوجده كثيرا، فلم تسمح بذلك نفسه، فجمع بنى إسرائيل وقال لهم: يا قوم، إن موسى قد أمركم بكل شىء فأطعتموه، وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم. فقالوا له: أنت كبيرنا وسيدنا فمر بما شئت. فقال: آمركم أن تجيئوا بفلانة البغىّ فنجعل لها جعلا على أن تقذف موسى بنفسها، فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل ورفضوه فاسترحنا منه. فأتوا بها، فجعل لها قارون ألف درهم. وقيل: ألف دينار. وقيل: طستا من ذهب. وقيل: حكمها؛ وقال لها: إنى أموّلك وأخلطك بنسائى على أن تقذفى موسى غدا إذا كان بنو إسرائيل متجمّعين.
فلما كان الغد جمع قارون بنى إسرائيل، ثم أتى موسى فقال: إنّ بنى إسرائيل قد اجتمعوا ينظرون خروجك لتأمرهم وتنهاهم وتبيّن لهم اعلام دينهم وأحكامهم وأحكام شرعهم. فخرج إليهم موسى وهم فى براح من الأرض، فقام فيهم خطيبا ووعظهم، وقال فيما قال: يا بنى إسرائيل، من سرق قطعت يده، ومن افترى جلدناه ثمانين جلدة، ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مائة جلدة، وإن كانت له امرأة رجمناه حتى يموت. فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا. قال: فإنّ بنى إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة. قال موسى:
أنا؟ قال: نعم. قال: ادعها فإن قالت فهو كما قالت. فدعيت؛ فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة، أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ وعظّم عليها وسألها بالذى فلق البحر لبنى إسرائيل وأنزل التوراة على موسى إلّا صدقت. فلما ناشدها موسى تداركها الله تعالى بالتوفيق وقالت: لأن أحدث اليوم توبة أفضل من أوذى رسول الله. وقالت: لا والله بل كذبوا، ولكن جعل لى قارون جعلا على أن أقذفك بنفسى. فلما تكلّمت بهذا الكلام سقط فى يد قارون ونكّس رأسه، وسكت الملأ وعرف قارون أنه قد وقع فى مهلكة، وخرّ موسى ساجدا لله تعالى.
(13/238)

وقال الكسائىّ فى قصّة هذه المرأة: إن قارون بعث إلى امرأة فاسقة كان موسى قد نفاها من عسكره، فقال لها: إنى أريد أن أتزوّج بك وأنقذك من هذا الفقر إن عملت ما أقول. قالت: وما هو؟ قال: إذا اجتمع بنو إسرائيل عندى فاحضرى وقولى: إن موسى دعانى إلى نفسه فلم أطاوعه، فأخرجنى من عسكره فانصرفت ودخلت على قارون من الغد- وقد اجتمع بنو إسرائيل عنده- فقالت: يا بنى إسرائيل، هذا ما لقى الأخيار من الأشرار؛ اعلموا أن قارون دعانى بالأمس وقال لى كذا وكذا، وأمرنى أن أكذب على نبىّ الله موسى؛ وكذب قارون إنما أخرجنى موسى من عسكره لفسادى، وقد تبت إلى الله تعالى من ذلك. فلما سمع قارون ذلك ندم، ولامه بنو إسرائيل، وبلغ موسى الخبر فغضب ودعا على قارون.
قالوا: وجعل موسى يبكى ويقول: يا رب إن عدوّك هذا قد آذانى وأراد فضيحتى، اللهم إن كنت رسولك فاغضب لى وسلّطنى عليه. فأوحى الله تعالى إليه: ارفع رأسك وأمر الأرض بما شئت تطعك. فقال موسى: يا بنى إسرائيل إن الله قد بعثنى إلى قارون كما بعثنى إلى فرعون، فمن كان معه فليثبت مكانه ومن كان معى فليعتزل عنه. فاعتزل بنو إسرائيل قارون ولم يبق منهم إلا رجلان ثم قال موسى: يا أرض خذيهم. فأخذتهم إلى كعابهم. ثم قال: يا أرض خذيهم.
فأخذتهم إلى ركبهم. ثم قال: يا أرض خذيهم. فأخذتهم إلى حقيّهم. ثم قال:
يا أرض خذيهم. فأخذتهم إلى أعناقهم؛ وقارون وصاحباه فى كل ذلك يتضرعون إلى موسى ويناشدونه؛ حتى روى فى بعض الأخبار: أنه ناشده سبعين مرة وموسى فى جميع ذلك لا يلتفت إليه، لشدّة غضبه عليه. ثم قال: يا أرض خذيهم. فانطقت عليهم الأرض؛ فأوحى الله إلى موسى: استغاثوا بك سبعين
(13/239)

مرّة فلم ترحمهم ولم تغثهم، أما وعزتى وجلالى لو إياى دعوا لوجدونى قريبا مجيبا.
قال قتادة: ذكر لنا أن الله تعالى يخسف بهم فى كل يوم قامة، وأنه يتخلخل»
فيها لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة.
قالوا: فلما خسف الله تعالى بقارون وصاحبيه أصبحت بنو إسرائيل يتناجون فيما بينهم: إن موسى دعا على قارون ليستبدّ بداره وكنوزه وأمواله. فدعا موسى حتى خسف الله تعالى بدار قارون وأمواله الأرض؛ وأوحى الله تعالى إلى موسى:
أنى لا أعبّد الأرض لأحد بعدك أبدا؛ فذلك قوله تعالى: فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ.
قال: فلما حلّت نقمة الله تعالى بقارون حمد المؤمنون الله تعالى، وندم الذين كانوا يتمّنون ماله وحاله، كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ
. والله الفعّال.
ذكر خبر موسى والخضر- عليهما السلام-
وهذا الخبر إنما رجعت فيه واعتمدت على ما ورد فى الحديث الصحيح النبوىّ مما خرّجه البخارىّ- رحمه الله تعالى- فى صحيحه، ورويناه بسندنا عنه بسنده عن ابن عباس عن أبىّ بن كعب- رضى الله عنهم- عن النبىّ صلّى الله عليه وسلّم:
أن موسى «2» - عليه السلام- قام خطيبا فى بنى إسرائيل، فسئل: أىّ الناس
(13/240)

أعلم؟ قال: أنا. فعتب الله تعالى عليه إذ لم يردّ العلم إليه؛ فقال: بلى، عبد بمجمع البحرين هو أعلم منك.
وورد فى الحديث الآخر من رواية البخارىّ: بلى عبدنا خضر. قال: أى ربّ ومن لى به؟ قال سفيان من روايته: أى ربّ وكيف لى به؟ قال: تأخذ حوتا فتجعله فى مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثمّ. وربما قال: فهو ثمّة.
فأخذ حوتا فجعله فى مكتل، ثم انطلق هو وفتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما؛ فرقد موسى عليه السلام، واضطرب الحوت فخرج فسقط فى البحر: فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً
؛ فأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار «1» مثل الطاق؛ فانطلقا يمشيان بقيّة يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال لفتاه:
آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً
؛ ولم يجد موسى النّصب حتى جاوز حيث أمره الله تعالى؛ قال له فتاه: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً
؛ فكان للحوت سربا ولهما عجبا.
قال له موسى: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً.
فرجعا يقصّان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجّى بثوب، فسلّم موسى، فردّ عليه فقال: وأنّى بأرضك السلام. قال: أنا موسى. قال: موسى بنى إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك لتعلّمنى ممّا علّمت رشدا. قال: يا موسى إنى على علم من علم الله علّمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علّمكه الله لا أعلمه. قال هَلْ أَتَّبِعُكَ
. قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً* وَكَيْفَ
(13/241)

تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً
. إلى قوله: أَمْراً
؛ فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرّت بهما سفينة فكلّموهم أن يحملوهم؛ فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول؛ فلما ركبا فى السفينة جاء عصفور «1» فوقع على حرف السفينة فنقر فى البحر نقرة أو نقرتين «2» فقال له الخضر: يا موسى، ما نقص علمى وعلمك من علم الله إلّا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر. «فأخذ الفأس «3» فنزع لوحا» .
قال: فلم يفجأ «4» موسى إلّا وقد قلع لوحا بالقدوم؛ فقال له موسى: ما صنعت؟
قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً* قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً* قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً
. وكانت الأولى من موسى نسيانا. فلمّا خرجا من البحر مرّا بغلام يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه يقلعه بيده هكذا- وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنّه يقطف شيئا- قال له موسى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً* قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً* قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً* فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ
مائلا، فَأَقامَهُ
- أومأ بيده هكذا وأشار سفيان كأنّه يمسح شيئا إلى فوق- قال:
قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيّفونا عمدت إلى حائطهم، لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً* قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً.
(13/242)

قال النبىّ- صلّى الله عليه وسلّم-: «وددنا أنّ موسى كان صبر فقصّ علينا من خبرهما» .
قال سفيان: قال النبىّ- صلّى الله عليه وسلّم-: «يرحم الله موسى لو كان صبر لقصّ علينا من أمرهما» .
وقرأ ابن عبّاس- رضى الله عنهما-: «أمامهم ملك يأخذ كلّ سفينة صالحة غصبا* وأمّا الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين» .
ثم قال لى سفيان: سمعته منه مرّتين وحفظته منه.
هذا حديث البخارىّ عن علىّ «1» بن عبد الله عن سفيان عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبىّ بن كعب؛ وقصّتهما فى كتاب الله تعالى:
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً* وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً
الآيات، إلى قوله: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً.
وحكى أبو إسحاق الثعلبىّ- رحمه الله- فى قصصه أنّ الخضر- عليه السلام- اسمه بليا «2» بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام.
وروى حديثا عن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنما سمّى الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، وإذا هى تهتزّ تحته خضراء.
(13/243)

وروى عن مجاهد قال: إنما سمّى الخضر لأنه حيثما صلّى اخضرّ ما حوله.
قال الثعلبىّ: وكان الخضر فى أيام أفريدون الملك على قول عامّة أهل الكتب الأوّل.
قال: وقيل إنه كان على مقدّمة ذى القرنين الأكبر الذى كان فى أيام ابراهيم- عليه السلام- وذلك فى أيام مسيره فى البلاد، وأنه بلغ مع ذى القرنين نهر الحياة وشرب من مائه وهو لا يعلم ولا يعلم ذو القرنين، فخلّد، وهو حىّ إلى الآن؛ والله أعلم.
وسنذكر- إن شاء الله تعالى- فى السّفر الذى يلى هذا السفر خبره فى ظفره بماء الحياة فى أخبار ذى القرنين.
ذكر خبر البقرة وقتل عاميل
قال أبو إسحاق الثعلبىّ- رحمه الله تعالى- فى تفسيره عن السّدىّ وغيره: إن رجلا كان فى بنى إسرائيل كان بارّا بأبيه، وبلغ من برّه به أن رجلا أتاه بلؤلؤة فابتاعها منه بخمسين ألفا، وكان فيها فضل وربح؛ فقال له البائع: اعطنى الثمن.
فقال: إن أبى نائم، ومفتاح الصندوق تحت رأسه، فأمهلنى حتى يستيقظ فأعطيك الثمن. فقال له البائع: أيقظ أباك وأعطنى المال. قال: ما كنت لأفعل ولكن أزيدك عشرة آلاف وأنظرنى حتى ينتبه. فقال الرجل: أنا أعطيك عشرة آلاف إن أيقظت أباك وعجّلت النقد. فقال: أنا أزيدك عشرين ألفا إن انتظرت انتباهه. ففعل ولم يوقظ أباه؛ فلما استيقظ أبوه أخبره بذلك، فدعا له وجزاه خيرا، وقال له: أحسنت يا بنىّ، وهذه البقرة لك بما صنعت. وكانت بقيّة بقر كانت لهم.
(13/244)

قال: وقال ابن عبّاس ووهب وغيرهما: كان فى بنى إسرائيل رجل صالح له ابن طفل، وكان له عجلة، فأتى بها إلى غيضة وقال: اللهم إنى استودعتك هذه العجلة لابنى حتى يكبر. ومات الرجل، فشبّت العجلة فى الغيضة وصارت عوانا وكانت تهرب من كلّ من رامها؛ فلما كبر الأبن- وكان برّا بوالدته، وكان يقسم الليل ثلاثة أثلاث: يصلى ثلثا، وينام ثلثا، ويجلس عند رأس أمّه ثلثا؛ فإذا أصبح انطلق واحتطب على ظهره، ويأتى به السوق فيبيعه بما شاء الله، ثم يتصدق بثلثه، ويأكل ثلثه، ويعطى والدته ثلثه.
وحكى الكسائىّ عن وهب قال: كان فى بنى إسرائيل عبد صالح، فمات وترك امرأته حاملا، فولدت غلاما، فسمّته ميشى، فكبر، وكان يحتطب من المواضع المباحة، وينفق على نفسه وأمه، وكان كثير العبادة؛ فلم يزل كذلك حتى كبر وضعف وعجز عن الاحتطاب.
قالوا: فقالت له أمه: إن أباك ورّثك عجلة وذهب بها إلى غيضة كذا واستودعها الله- عزّ وجلّ- فانطلق إليها وادع إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يردّها عليك، وإنّ من علامتها أنك إذا نظرت إليها يخيّل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها- وكانت تسمّى المذهبة لحسنها وصفرتها وصفاء لونها- فأتى الفتى إلى الغيضة، فرآها ترعى، فصاح بها وقال: أعزم عليك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب. فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه، فقبض على عنقها وقادها، فتكلّمت بإذن الله- عزّ وجلّ- وقالت: أيّها الفتى البارّ بوالدته، اركبنى فإنّ ذلك أهون عليك. فقال: إنّ أمى لم تأمرنى بذلك، ولكن قالت: خذ بعنقها. فقالت البقرة: وإله بنى إسرائيل لو ركبتنى ما كنت تقدر
(13/245)

علىّ أبدا، فانطلق فإنّك لو أمرت الجبل أن ينقطع من أصله وينطلق معك لفعل، لبرّك بوالدتك. فسار الفتى بها، فاستقبله عدوّ الله إبليس فى صورة راع فقال: أيها الفتى، إنى رجل من رعاة البقر، اشتقت إلى أهلى فأخذت ثورا من ثيرانى، فحملت عليه زادى ومتاعى، حتى إذا بلغت شطر الطريق ذهبت لأقضى حاجتى، فعدا الثور وسط الجبل وما قدرت عليه، وإنى أخشى على نفسى الهلكة، فإن رأيت أن تحملنى على بقرتك. فلم يفعل الفتى وقال له: اذهب فتوكّل على الله- عزّ وجلّ- فلو علم الله منك الصدق لبلّغك بلا زاد ولا راحلة.
فقال له إبليس: إن شئت فبعنيها بحكمك، وإن شئت فاحملنى عليها وأعطيك عشرا مثلها. فقال الفتى: إن أمّى لم تأمرنى بذلك. فبينا الفتى كذلك إذ طار طائر من بين يديه، فنفرت البقرة هاربة فى الفلاة، وغاب الراعى، فدعا الفتى باسم إله إبراهيم، فرجعت إليه وقالت: أيها الفتى البارّ بوالدته، ألم تر إلى الطائر الذى طار، إنه إبليس عدوّ الله اختلسنى، أما إنه لو ركبنى ما قدرت علىّ أبدا، فلمّا دعوت بإله إبراهيم جاء ملك وانتزعنى من يد إبليس وردّنى إليك لبرّك بأمّك وطاعتك لها. فجاء بها الفتى إلى أمّه، فقالت له أمّه: إنك فقير لا مال لك ويشقّ عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل، فانطلق فبع هذه البقرة وخذ ثمنها.
قال: بكم أبيعها؟ قالت: بثلاثة دنانير، ولا تبعها بغير رضاى ومشورتى.
فكان ثمن البقرة فى ذلك الوقت ثلاثة دنانير، فانطلق بها الفتى إلى السوق فبعث الله- عزّ وجلّ- ملكا ليرى فى خلقه قدرته، وليخبر الفتى كيف برّه بوالدته، وكان الله تعالى به خبيرا؛ فقال له الملك: بكم تبيع هذه البقرة؟ قال:
بثلاثة دنانير، وأشترط عليك رضا والدتى. فقال له الملك: فأنا أعطيك ستة دنانير ولا تستأمر أمّك. فقال الفتى: لو أعطيتنى وزنها ذهبا لم آخذه إلّا برضا أمّى.
(13/246)

فردّها إلى أمّه، وأخبرها الخبر، فقالت: ارجع فبعها بستة دنانير على رضا منى.
فانطلق بها إلى السوق، وأتى الملك، فقال: استأمرت والدتك؟ فقال الفتى:
إنها أمرتنى ألا أنقصها عن ستة دنانير على أن أستأمرها. فقال الملك: فإنى أعطيك اثنى عشر دينارا على ألّا تستأمرها. فأبى ورجع إلى أمّه فأخبرها بذلك؛ فقالت: إنّ ذلك الرجل الذى يأتيك هو ملك من الملائكة يأتيك فى صورة آدمىّ ليختبرك، فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا؟ ففعل الفتى ذلك؛ فقال له الملك: اذهب إلى أمّك فقل لها: أمسكى هذه البقرة، فإن موسى بن عمران يشتريها منكم لقتيل يقتل من بنى إسرائيل، فلا تبيعوها إلّا بملء مسكها دنانير. فأمسكوا البقرة، وقدّر الله على بنى إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها مكافأة له على برّه بأمّه؛ وذلك أنه وجد قتيل فى بنى إسرائيل اسمه (عاميل) ولم يدر قاتله.
واختلفوا فى قاتله والسبب فى قتله؛ فقال عطاء والسدّىّ: كان فى بنى إسرائيل رجل كثير المال. وله ابن عم مسكين لا وارث له غيره، فلما أبطأ عليه موته قتله ليرثه.
قال: وقال بعضهم: كان تحت عاميل بنت عمّ له تضرب مثلا فى بنى إسرائيل بالحسن والجمال، فقتله ابن عمّها لينكحها.
وقال الكلبىّ: قتله ابن أخيه لينكح ابنته، فلمّا قتله حمله من قريته إلى قرية أخرى وألقاه هناك.
وقيل: ألقاه بين قريتين.
وقال عكرمة: كان لبنى إسرائيل مسجد له اثنا عشر بابا، لكل سبط منهم باب، فوجد قتيل على باب سبط، وجرّ إلى باب سبط آخر؛ فاختصم السّبطان فيه.
(13/247)

وقال ابن سيرين: قتله القاتل ثم احتمله فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يطلب بثأره ودمه ويدّعيه عليه.
قالوا: فجاء أولياء القتيل إلى موسى- عليه السلام- وأتوه بأناس وادّعوا عليهم القتل، وسألوه القصاص؛ فسألهم موسى عن ذلك، فجحدوا، فاشتبه أمر القتيل على موسى- عليه السلام- ووقع بينهم خلاف.
قال الكلبىّ: وذلك قبل نزول القسامة فى التوراة، فسألوا موسى- عليه السلام- أن يدعو الله ليبيّن لهم ذلك؛ فسأل موسى- عليه السلام- ربّه عزّ وجلّ؛ فأمرهم بذبح بقرة؛ فقال لهم موسى ما أخبر الله تعالى به فى قوله:
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
. أى تستهزئ بنا حين نسألك عن القتيل وتأمرنا بذبح البقرة؛ وإنما قالوا ذلك لتباعد ما بين الأمرين فى الظاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه. قال موسى: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
، أى من المستهزئين بالمؤمنين؛ فلما علم القوم أنّ ذبح البقرة عزم من الله عزّ وجلّ، سألوه الوصف، فذلك قوله تعالى: قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ.
قال: ولو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم؛ وإنما كان تشديدهم تقديرا من الله- عزّ وجلّ- وحكمة.
قال: ومعنى ادْعُ لَنا رَبَّكَ
. أى سل؛ وهكذا فى مصحف عبد الله:
«سل لنا ربّك يبيّن لنا ما هى وما سنّها» . قال موسى: إنه- يعنى الله عزّ وجلّ- يقول: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ
: لا كبيرة ولا صغيرة عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ
أى نصف بين السّنين.
(13/248)

وقال الأخفش: العوان التى نتجت مرارا، وجمعه عون. فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ
:
من ذبح البقرة، ولا تكرروا القول. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ.
قال ابن عبّاس: شديدة الصّفرة.
وقال قتادة وأبو العالية والربيع: صاف.
وقال سعيد بن جبير: صفراء القرنين والظّلف.
وقال الحسن: سوداء. والعرب تسمّى الأسود أصفر.
وقال العتبىّ: غلط من قال: الصفراء هاهنا السوداء، لأن هذا غلط فى نعوت البقر، وإنما هو من نعوت الإبل، وذلك أن السود من الإبل يشوب سوادها صفرة.
وقال آخر: إنه لو أراد السواد لما أكّده بالفقوع، لأنّ الفاقع: البالغ فى الصفرة، كما يقال: أبيض يقق، وأسود حالك، وأحمر قانئ، وأخضر ناضر. تَسُرُّ النَّاظِرِينَ
إليها، ويعجبهم حسنها وصفاء لونها، لأنّ العين تسرّ وتولع بالنظر إلى الشئ الحسن.
وقال علىّ- رضى الله عنه-: من لبس نعلا صفراء قلّ همّه، لأنّ الله تعالى يقول: صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ* قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ
أسائمة أم عاملة إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ
أى إلى وصفها.
قال رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم-: «وايم الله لو لم يستثنوا لما بيّنت لهم آخر الأبد» . قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ
، أى مذلّلة للعمل. تُثِيرُ الْأَرْضَ
، أى تقلبها للزراعة وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ
أى بريئة من العيوب
(13/249)

وقال الحسن: مسلّمة القوائم، ليس فيها أثر العمل. لا شِيَةَ فِيها
، قال عطاء: لا عيب فيها.
وقال قتادة: لا بياض فيها أصلا.
وقال مجاهد: لا بياض فيها ولا سواد.
وقال محمد بن كعب: لا لون فيها يخالف معظم لونها. فلما قال هذا قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ
، أى بالوصف البيّن التامّ؛ فطلبوها فلم يجدوا كمال وصفها إلّا عند الفتى البارّ بوالدته؛ فاشتروها منه بملء مسكها ذهبا.
وقال السدّىّ: اشتروها بوزنها عشر مرّآت ذهبا.
وقيل: اشتروها بوزنها مرّة؛ قاله أبو عبيد.
وقيل: بوزنها مرّتين.
وقال الكسائىّ: إنهم أتوا إلى ميشى فى بيع البقرة فقال: لا أبيعها إلّا بحضرة موسى. فرضوا بذلك، وأخرج البقرة إلى موسى، قال: بكم تبيعها؟ قال: المساومة بينى وبينك لا خير فيها، لا أبيعها إلّا بملء جلدها ذهبا. فقال موسى لبنىء إسرائيل:
ذلك لتشديدكم على أنفسكم فشدّد الله عليكم. فضمنوا له ذلك، قال الله تعالى:
فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ
من غلاء ثمنها.
وقال محمد بن كعب: وما كادوا يجدونها باجتماع أوصافها.
وقال الكسائىّ: بوفاء المال؛ قال الله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
، يعنى عاميل. فَادَّارَأْتُمْ
: اختلفتم، قاله ابن عبّاس ومجاهد.
وقال الضحّاك: اختصمتم.
(13/250)

وقال عبد العزيز بن يحيى: شككتم.
وقال الربيع بن أنس: تدافعتم. وأصل الدّرء: الدفع، يعنى ألقى هذا على هذا وهذا على ذاك، فدافع كلّ واحد عن نفسه لقوله تعالى: وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ*
، أى يدفعون. قال الله تعالى: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها
يعنى القتيل ببعض البقرة.
واختلفوا فى هذا البعض ما هو.
فقال ابن عباس: ضربوه بالعظم الّذى يلى الغضروف، وهو المقبل.
وقال الضحّاك: بلسانها.
قال الحسين بن الفضل: وهذا أولى الأقوال، لأنّ المراد كان من إحياء القتيل كلامه، واللسان آلته.
وقال سعيد بن جبير: بعجم ذنبها.
قال يمان بن زرياب: وهو أولى التأويلات بالصواب، لأنّ العصعص أساس البدن الّذى ركّب عليه الخلق، وأنّه أوّل ما يخلق، وآخر ما يبلى.
وقال مجاهد: بذنبها.
وقال عكرمة والكلبىّ: بفخذها الأيمن.
وقال السدّىّ: بالبضعة الّتى بين كتفيها.
وقيل: بأذنها. ففعلوا ذلك، فقام القتيل- بإذن الله عزّ وجلّ- وأوداجه تشخّب دما، وقال: قتلنى فلان. ثم مات وسقط مكانه؛ قال الله تعالى:
كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
(13/251)

قال الكلبىّ: ثم قالوا بعد ذلك: «لم نقتله نحن» ، وأنكروا، فلم يكونوا قطّ أقسى قلبا ولا أشدّ تكذيبا منهم لنبيّهم عند ذلك، ولذلك يقول الله تعالى:
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً.
قال الكلبىّ: يبست واشتدّت.
وقال أبو عبيدة: جفّت من الشدّة فلم تلن.
وقيل: غلظت.
وقيل: اشتدّت.
وقال الزّجاج: تأويل القسوة ذهاب اللّين والرحمة والخشوع والخضوع.
قوله: مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
، أى من بعد ظهور الدّلالات، فهى فى غلظها وشدّتها كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
، أى بل أشدّ قسوة.
ثم عدّد الله تعالى الحجارة وفضّلها على القلب القاسى، وقال تعالى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
، أى ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
ذكر بناء بيت المقدس وخبر القربان والتابوت والسكينة وصفة النار
وهذا البيت ليس هو البيت المقدّس الموجود الآن، وإنما هو الذى تسميه اليهود: «قبة الزمان» ويزعمون أن ذلك نص التوراة، وكان من خبر هذه القصة ما رواه الثعلبىّ بإسناده عن وهب بن منبّه قال: أوحى الله تعالى إلى موسى- عليه السلام- أن يتّخذ مسجدا لجماعتهم. وبيت قدس للتوراة، وتابوتا للسكينة وقبابا للقربان، وأن يجعل لذلك المسجد سرادقات باطنها وظاهرها من الجلود
(13/252)

الملبسة عليها، وأن تكون تلك الجلود من جلود ذبائح القربان، وحيالها من أصواف تلك الذبائح؛ وعهد إليه ألا تغزل تلك الحبال حائض، ولا يدبغ تلك الجلود جنب؛ وأمره أن ينصب تلك السرادقات على عمد من نحاس، طول كلّ عمود منها أربعون ذراعا، ويجعل فيها اثنى عشر قسما مشرجا «1» ، إذا نقضت صارت اثنى عشر جزءا يحمل كلّ جزء بما فيه من العمد سبط من الأسباط من بنى إسرائيل؛ وأمره أن يجعل سعة ذلك السرادق ستّمائة ذراع، وأن ينصب فيه سبع قباب، ستّ قباب منها مشبكة بقضبان الذهب والفضة، كلّ واحدة منهن منصوبة على عمود من فضة طول كل عمود منها أربعون ذراعا، وعليها أربعة دسوت ثياب، الباطن منها سندس أخضر، والثانى أرجوان أحمر، والثالث ديباج أصفر، والرابع من جلود القربان وقاية لها من المطر والغبار، وحبالها التى تمدّ بها من صوف القربان، وأن يجعل سعتها أربعين ذراعا، وأن ينصب فى جوفها موائد من فضّة مربّعة مرصّعة يوضع عليها القربان، سعة كلّ مائدة منها أربع أذرع، كلّ مائدة منها على أربع قوائم من فضّة، طول كلّ قائمة ثلاث أذرع، لا ينال الرجل منها إلّا قائما؛ وأمره أن ينصب بيت المقدس على عمود من ذهب، طوله سبعون ذراعا، وأن يضعه على سبيكة من ذهب أحمر طولها تسعون ذراعا، مرصّعة بألوان الجواهر، وأن يجعل أسفله مشبّكا بقضبان الذهب والفضّة، وأن يجعل حباله التى يمدّ بها من صوف القربان مصبوغة بألوان من أحمر وأصفر وأخضر؛ وأن يلبسه سبعة من الحلل، الباطن منها سندس أخضر، والثانى أرجوان أحمر، والثالث ديباج أصفر، والرابع من الحرير الأبيض، وسائرها من الدّيباج والوشى؛ والظاهر غاشية له من جلود القربان وقاية له من الأذى والندى؛ وأمره أن يجعل سعته سبعين ذراعا، وأن يفرش القباب
(13/253)

بالقزّ الأحمر؛ وأمره أن ينصب فيه تابوتا من ذهب كتابوت الميثاق، مرصّعا بأنواع الجواهر والياقوت والزمرد الأخضر، وقوائمه من الذهب، وأن يجعل سعته سبع أذرع فى أربع أذرع، وعلوّه قامة موسى عليه السلام، وأن يجعل له أربعة أبواب: باب تدخل منه الملائكة، وباب يدخل منه موسى، وباب يدخل منه هارون، وباب يدخل منه أولاد هارون، وهم سدنة ذلك البيت وخزّان التابوت، وأمر الله نبيّه موسى أن يأخذ من كلّ محتلم من بنى إسرائيل مثقالا من الذهب فينفقه على هذا البيت، وأن يجعل باقى المال الذى يحتاج إليه فى ذلك من الحلىّ والحلل التى ورثها موسى وأصحابه من فرعون وأصحابه؛ ففعل موسى ذلك، فبلغ عدد رجال بنى إسرائيل ستّمائة ألف وسبعمائة وخمسين رجلا فأخذ منهم ذلك المال.
وأوحى الله تعالى إليه أنى منزّل عليكم من السماء نارا لا دخان لها ولا تحرق شيئا، ولا تنطفئ أبدا، لتأكل القرابين المتقبّلة، وتسرج منها القناديل الّتى فى بيت المقدس، وكانت من ذهب معلّقة بسلاسل من ذهب، منظومة باليواقيت واللآلئ وأنواع الجواهر؛ وأمره أن يضع فى وسط البيت صخرة عظيمة من الرّخام، وينقر فيها نقرة لتكون كانون تلك النار التى ينزل بها من السماء؛ فدعا موسى أخاه هارون وقال له: إن الله تعالى قد اصطفانى بنار ينزلها من السماء لتأكل القرابين المقبولة ولتسرج منها القناديل، وأوصانى بها، وإنى قد اصطفيتك لها وأوصيتك بها. فدعا هارون ابنيه وقال لهما: إن الله تعالى قد اصطفى موسى بأمر وأوصاه به، وإنه قد اصطفانى له وأوصانى به، وإنى قد اصطفيتكما وأوصيتكما به. وكان أولاد هارون هم الذين يلون سدانة بيت المقدس وأمر القربان والنيران؛ فشربا ذات ليلة ثم ثملا، ثم دخلا البيت وأسرجا القناديل من هذه النار التى فى الدنيا، فغضب
(13/254)

الله عليهما، وسلط عليهما تلك النار حتى أحرقتهما، وموسى وهارون يدفعان عنهما النار فلم يغنيا عنهما من الله شيئا؛ فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: هكذا أفعل بمن عصانى ممّن يعرفنى، فكيف أفعل بمن لا يعرفنى، والله أعلم.
ذكر ما أنعم الله تعالى به على بنى إسرائيل بعد خروجهم من مصر
قال الله عز وجل: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ.
قال أبو إسحاق الثعلبىّ: اختلفوا فى معنى الملوك؛ فروى عن أبى سعيد الخدرى- رضى الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة فهو ملك» .
وقال أبو عبد الرحمن الحبلىّ: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص- وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ - فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوى إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. قال: وإنّ لى خادما. قال: فأنت من الملوك.
وقال الضحّاك: كانت منازلهم واسعة، فيها مياه جارية، فمن كان مسكنه واسعا وفيه ماء جار فهو ملك.
وقال قتادة: وكانوا أوّل من ملك الخدم، وأوّل من سخّر لهم الخدم من بنى آدم.
وقال السدّىّ: يعنى وجعلكم أحرارا تملكون أنفسكم بعد ما كنتم فى أيدى القبط بمنزلة أهل الجزية، فأخرجكم الله تعالى من ذلك الذلّ.
وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ
، يعنى من عالم زمانكم.
وقال مجاهد: يعنى المنّ والسلوى والحجر والغمام.
(13/255)

قال: ثم أوحى الله تعالى إلى موسى أن يسير ببنى إسرائيل إلى الأرض المقدّسة ويجاهد الجبّارين؛ فأخرجهم موسى- عليه السلام- لذلك، فقال: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ.
قال الثعلبىّ: اختلفوا فى الأرض المقدّسة ما هى.
فقال مجاهد: هى الطّور وما حوله.
وقال الضحاك: هى إيلياء وبيت المقدس.
وقال عكرمة والسدّىّ وابن يزيد: هى أريحا.
وقال الكلبىّ: دمشق وفلسطين وبعض الأردن.
وقال قتادة: الشأم كلّه.
قال الكسائىّ: فلمّا أخبرهم موسى بذلك قالوا: يا موسى إنّك قلت لنا حين أخرجتنا من مصر: إنّ الله تعالى بعثك لتنقذنا من عذاب فرعون، والآن فإنك تحملنا على ما هو أشقّ منه، وبيننا وبين الأرض المقدّسة المفاوز والقفار، وكيف ندخلها ولا زاد معنا ولا ماء؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى، قل لهم: إنى منزّل عليهم المنّ والسلوى، وقد أمرت الحجر أن يتفجّر لهم بالماء العذب، وأمرت الغمام أن يظلّهم ويسير معهم حيث ساروا؛ وألا تنقب خفافهم ونعالهم؛ وأمرت ثيابهم أن يلبسها صغيرهم وكبيرهم.
فلما سمعوا ذلك طابت نفوسهم، وساروا نحو الأرض المقدّسة والغمام يظلّهم فى مسيرهم، والسماء تمطر عليهم بالمنّ، والريح بالسلوى، ويجدون كلّ ما يحتاجون إليه، ويضىء لهم بالليل عمود من النور، وتهبّ الريح على السلوى فتمعط ريشها فيطبخونها بغير تعب؛ ويقرع موسى- عليه السلام- الحجر فتفجّر لهم اثنتا عشرة
(13/256)

عينا، تجرى كلّ عين إلى سبط من الأسباط؛ وثيابهم جدد بيض لا تخلق، وهم فى خفض ودعة.
وقال أبو إسحاق الثعلبىّ، كان ما أنعم الله تعالى به عليهم أنهم قالوا لموسى فى التّيه: أهلكتنا وأخرجتنا من العمران إلى مفاوز لا ظلّ فيها. فأنزل الله تعالى عليهم غمامة بيضاء رقيقة ليست بغمام المطر أرق وأطيب وأبرد، فأظلّتهم وكانت تسير معهم إذا ساروا، وتدور عليهم من فوقهم إذا داروا؛ وجعل لهم عمودا من نور يضىء لهم بالليل إذا لم يكن ضوء القمر؛ فقالوا: هذا الظلّ والنور قد حصلا، فأين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المنّ.
واختلفوا فيه؛ فقال مجاهد: هو شىء كالصمغ يقع على الأشجار، وطعمه كالشّهد.
وقال الضحّاك «1» : هو الطّرنجبين.
وقال وهب: الخبز الرّقاق.
وقال السدّىّ: عسل كان يقع فى السّحر من الليل فيأكلون منه.
وقال عكرمة: أنزل الله- عزّ وجلّ- عليهم مثل الزيت الغليظ.
وقيل: هو الزنجبيل.
وقال الزجّاج: جملة المنّ: ما يمنّ الله عزّ وجلّ به ممّا لا تعب فيه ولا نصب.
فكان ينزل عليهم كلّ ليلة ويقع على أشجارهم مثل الثلج، لكلّ إنسان منهم صاع كلّ ليلة؛ فقالوا: يا موسى، قتلنا هذا المنّ بحلاوته، فادع لنا ربّك أن يطعمنا اللحم. فدعا موسى عليه السلام، فأنزل الله- عزّ وجلّ- عليهم السّلوى.
(13/257)

قالوا: واختلفوا فيه؛ فقال ابن عباس- رضى الله عنهما- وأكثر المفسّرين:
هو طائر يشبه السّمانى.
وقال أبو العالية ومقاتل: بعث الله- عزّ وجلّ- السحابة فمطرت السّمانى فى عرض ميل وقدر طول رمح فى السماء بعضه على بعض.
وقال عكرمة: طير يكون بالهند أكبر من العصفور.
فكان يأخذ كلّ واحد منهم ما يكفيه يوما وليلة من المنّ والسلوى، فإذا كان يوم الجمعة أخذوا ما يكفيهم عن يومين، لأنه لم يكن ينزل عليهم يوم السبت، فذلك قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
ولا تدّخروا لغد. فجنوا لغد فقطع الله ذلك عنهم، ودوّد وفسد ما ادّخروا، فذلك قوله تعالى:
وَما ظَلَمُونا
معناه وما ضرّونا بالمعصية وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
روى عن أبى هريرة- رضى الله عنه- عن رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- أنه قال:
لولا بنو إسرائيل لم يخثر الطعام، ولم يخبث اللحم، ولولا حوّاء لم تخن أنثى زوجها.
ثم قالوا: يا موسى، من أين لنا الشراب؟ فاستسقى لهم موسى؛ فأوحى الله تعالى إليه: أن أضرب بعصاك الحجر.
قال الثعلبىّ: واختلف العلماء فى الحجر؛ فقال وهب: كان موسى- عليه السلام- يقرع لهم أقرب حجر من عرض الحجارة فيتفجّر عيونا، لكلّ سبط عين، وكانوا أثنى عشر سبطا، ثم تسيل كلّ عين فى جدول إلى سبط؛ فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشا. فأوحى الله تعالى إليه: لا تقرعنّ الحجارة بالعصا ولكن كلّمها تطعك لعلّهم يعتبرون. فكان يفعل ذلك. فقالوا: كيف بنا لو مضينا إلى الرمل وإلى الأرض التى ليس فيها حجارة؟ فأمر موسى فحمل معه حجرا، فحيثما نزل ألقاه.
(13/258)

وقال آخرون: كان حجرا مخصوصا بعينه، والدليل عليه قوله: «الحجر» فأدخل الألف واللام للتعريف والتخصيص؛ وأمر أن يحمله، فكان موسى عليه السلام يضعه فى مخلاته، وإذا احتاجوا إلى الماء أخرجه وضربه بعصاه وسقاهم.
وقال أبو روق: كان الحجر من الغضار، وكان فيه اثنتا عشرة حفرة ينبع من كل حفرة ماء عذب، فيأخذونه، فإذا فرغوا وأراد موسى حمله ضربه بعصاه؛ فيذهب الماء؛ فكان كلّ يوم يستقى منه ستّمائة ألف.
وقال سعيد بن جبير: هو الحجر الذى وضع موسى عليه ثوبه لغسله ففرّ بثوبه؛ فلما وقف أتاه جبريل فقال: يا موسى، إن الله تعالى يقول لك: ارفع هذا الحجر فإنّ لى فيه قدرة، ولك فيه معجزة.
وقد تقدّم ذكر خبر الحجر.
وورد أيضا فى صحيح البخارىّ نحو ما تقدّم.
قال أبو إسحاق الثعلبىّ: وكان مما أنعم الله تعالى به على بنى إسرائيل أنهم قالوا لموسى عليه السلام: من أين لنا اللباس؟ فخلّد الله تعالى ثيابهم التى عليهم حتى إنها لا تزيد على الأيام ومرورها إلّا جدّة وطراوة، ولا تخلق ولا تبلى، وتنمو على صبيانهم كما ينمون.
قال: ثم سئم بنو إسرائيل المنّ والسلوى، فقالوا ما أخبر الله تعالى به عنهم:
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها.
واختلف فى الفوم ما هو؟ فقال ابن عبّاس: هو الخبز، تقول العرب:
«فوموا لنا» ، أى اختبزوا.
(13/259)

وقال عطاء وأبو مالك: هو الحنطة، وهى لغة قديمة.
وقال العتبىّ: هو الحبوب كلّها.
وقال الكلبىّ والنضر بن شميل والكسائىّ والمؤرّج: هو الثّوم.
فقال لهم موسى عند ذلك: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ.
قالوا: مصرا من الأمصار، ولذلك نوّنه؛ ولو أراد مصر بعينها لقال: «مصر» ولم يصرفه، كقوله تعالى: ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ.
وقال الضحّاك: هى مصر فرعون.
واليهود يزعمون أنّ موسى- عليه السلام- وبنى إسرائيل حرّم عليهم بنصّ التوراة الدخول إلى مصر حين خرجوا منها عند اتباع فرعون لهم وغرقه، وأنهم لم يدخلوها بعد ذلك. والله أعلم.
ولنرجع إلى أخبار النقباء وقتال الجبّارين.
ذكر خبر النقباء ومسيرهم إلى أريحا، وقصّة عوج بن عوق «1» وخبر التّيه
قال الله عزّ وجلّ: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً.
قال الثعلبىّ: وذلك أن الله تعالى وعد موسى- عليه السلام- أن يورثّه وقومه الأرض المقدّسة، وهى الشأم، وكان يسكنها الكنعانيّون الجبّارون ووعدهم أن يهلكهم ويجعل أرض الشأم مسكن بنى إسرائيل؛ فلمّا استقرّت ببنى إسرائيل الدار بمصر أمرهم الله تعالى بالمسير إلى أريحا.
(13/260)

«هكذا قال الثعلبىّ: بمصر «1» » .
واليهود تنكر ذلك، ويقولون: إن نص التوراة عندهم أن الله تعالى لما أغرق فرعون وقومه ونجّى موسى وبنى إسرائيل، تنقلوا من مكان إلى آخر. ويذكرون أسماء الأماكن بالعبرانية- وليست تعرف الآن- وكان فى خلال مسيرهم خبر التيه، وكلّ ما تقدّم ذكره من الأخبار يزعمون أنه فى التيه؛ والله أعلم.
نعود إلى سياق الثعلبىّ.
قال: فأمرهم الله تعالى بالمسير إلى أريحا وأرض الشأم، وهى الأرض المقدّسة وقال: يا موسى، إنى قد كتبتها لكم دارا وقرارا، فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدوّ، فإنى ناصركم عليهم، وخذ من قومك اثنى عشر نقيبا، من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه بالوفاء منهم على «2» ما أمروا به.
فاختار موسى- عليه السلام- النقباء.
قال: وهذه أسماؤهم؛ «من سبط «3» روبيل شامل بن زكور. ومن سبط شمعون سافاط بن حرى. ومن سبط يهوذا كالب بن يوقنا. ومن سبط أبين حامل بن بكر
(13/261)

ابن سورا. ومن سبط يوسف وهو سبط افرايم يوشع بن نون. ومن سبط بنيامين قلطم بن رقوق. ومن سبط زبولون خدى بن سورى. ومن سبط يوسف وهو سبط منشى بن يوسف جدّى بن سوشى. ومن سبط أشير شيانون بن ملكيل.
ومن سبط نفتالى حنا بن وقشى. ومن سبط دان جملائيل بن حمل. ومن سبط لاوى حولى بن مليكا» .
قال: فسار موسى ببنى إسرائيل حتى إذا دنوا من أرض كنعان- وهى أريحا- بعث هؤلاء النقباء إليها يتجسّون له الأخبار ويعلمون علمها؛ فلقيهم رجل من الجبّارين يقال له: عوج بن عوق، وكان طوله ثلاثة آلاف وعشرين ألف ذراع وثلاثمائة ذراع وثلاثا وثلاثين ذراعا.
قال ابن عمر- رضى الله عنهما-: وكان عوج يحتجز بالسحاب ويشرب منه، ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها، ثم يأكله.
ويروى أنه أتى نوحا- عليه السلام- يوم الطّوفان فقال له: احملنى معك فى السفينة. فقال له: اذهب يا عدوّ الله فإنّى لم أومر بك؛ وطبّق الماء ما على وجه الأرض من سهل وجبل فما جاوز ركبتى عوج.
وعاش عوج ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله على يدى موسى.
قال: وكان لموسى عسكر فرسخ فى فرسخ، فجاء عوج حتى نظر إليهم، ثم جاء إلى الجبل وقوّر منه صخرة على قدر العسكر، ثم حملها ليطبقها على العسكر، فبعث الله عليه الهدهد ومعه الطيور، وجعلت تنقر بمناقيرها حتى قوّرت الصخرة وانثقبت حتى وقعت فى عنق عوج. فطوّقته وصرعته، فأقبل موسى وطوله عشر أذرع وطول عصاه عشر أذرع، ونزا فى السماء عشر أذرع، فما أصاب إلّا كعبه وهو مصروع بالأرض، فقتله.
(13/262)

قالوا: وأقبلت جماعة كثيرة ومعهم الخناجر حتى حزّوا رأسه؛ فلما قتل وقع على نيل مصر فسكره «1» سنة.
قالوا: وكانت أمّ عوج يقال لها: عناق، وهى إحدى بنات آدم لصلبه.
ويقال: إنها كانت أوّل من بغت على وجه الأرض، وكان كلّ إصبع من أصابعها ثلاث أذرع فى ذراعين، فى كلّ إصبع ظفران حادّان مثل المنجلين، وكان موضع مقعدها جريب من الأرض، فلمّا بغت بعث الله تعالى إليها أسودا كالفيلة وذئابا كالإبل، ونسورا كالحمر، وسلّطها عليها فقتلوها وأكلوها.
قالوا: فلمّا لقى عوج النقباء لقيهم وعلى رأسه حزمة حطب، فأخذهم وجعلهم فى حزمته، وانطلق بهم إلى امرأته، وقال: انظرى إلى هؤلاء الّذين يريدون قتالنا.
فطرحهم بين يديها وقال: ألا أطحنهم برجلى؟ قالت امرأته: لا، بل خلّ عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا. ففعل؛ وجعلوا يتعرّفون أحوالهم.
وكان لا يحمل عنقود عنبهم إلّا خمسة أنفس بينهم فى خيشة، ويدخل فى قشر شطر الرّمانة إذا نزع حبّها خمسة أنفس.
قال: فلمّا خرج النقباء قال بعضهم لبعض: يا قوم إنكم إن أخبرتم بنى إسرائيل خبر القوم ارتدّوا عن نبىّ الله، ولكن اكتموا وأخبروا موسى وهارون فيكونا هما يريان رأيهما. فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك؛ ثم انصرفوا إلى موسى- عليه السلام- وجاءوا بحبّة من عنبهم وقر رجل، ثم إنهم نكثوا العهد، وجعل كلّ واحد منهم ينهى سبطه عن قتالهم، ويخبرهم بما رآى، إلّا يوشع وكالب.
قال: فلمّا سمع القوم ذلك من النقباء رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: يا ليتنا متنا فى أرض مصر، وليتنا نموت فى هذه البريّة ولا يدخلنا الله أرضهم، فتكون نساؤنا وأولادنا وأموالنا غنيمة لهم.
(13/263)

وجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا نجعل علينا رأسا وننصرف إلى مصر؛ فذلك قوله تعالى إخبارا عنهم: يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ.
فلما قالوا ذلك وهمّوا بالانصراف إلى مصر، خرّ موسى وهارون- عليهما السلام- سجّدا، وخرق يوشع وكالب ثيابهما، وهما الّلذان أخبر الله تعالى عنهما بقوله: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا
، أى يخافون الله.
وقرأ سعيد بن جبير (يخافون) بضم الياء.
قال: كانا من الجبّارين، فأسلما واتبعا موسى. أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ
، لأن الله تعالى منجز وعده، وإنا أتيناهم فكانت أجسامهم عظيمة قويّة، وقلوبهم ضعيفة، فلا تخشوهم، وعلى الله فتوكّلوا إن كنتم مؤمنين. فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة، وقالوا: يا موسى إنّا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون.
فلما قالوا ذلك غضب موسى وقال: ربّ إنّى لا أملك إلّا نفسى وأخى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين. وكانت عجلة عجلها موسى- عليه السلام- فظهر الغمام على قبّة الزمان، وأوحى الله تعالى إلى موسى: إلى متى يعصينى هذا الشعب، وإلى متى لا يصدّقون بالآيات؟ لأقتلنهم جميعا، ولأجعلنّ بدلهم شعبا أشدّ وأكثر منهم.
قال موسى: إلهى لو أنّك قتلت هذا الشعب كلّه كرجل واحد قالت الأمم الذين سمعوا: إنّما قتل هذا الشعب من أجل أنه لم يستطع أن يدخلهم الأرض المقدّسة، فقتلهم فى البرّيّة. وإنك طويل صبرك، كثيرة نعمك، وأنت تغفر الذنوب، وتحفظ الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء، فاغفر لهم ولا توبقهم.
(13/264)

فقال الله تعالى: قد غفرت لهم بكلمتك، ولكن بعد ما سميّتهم فاسقين ودعوت عليهم، لأحرّمنّ عليهم دخول الأرض المقدّسة غير عبدىّ يوشع وكالب ولأتيهنّهم فى هذه البرّيّة أربعين سنة، ولتلقينّ جيفهم فى هذه القفار؛ وأمّا بنوهم الّذين لم يعملوا الخير والشرّ فإنهم يدخلون الأرض المقدّسة، فذلك قوله تعالى:
قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ
في ستّة فراسخ، يسيرون كلّ يوم جادّين، حتى إذا سئموا وأمسوا، فإذا هم فى الموضع الّذى ارتحلوا منه وكانوا ستّمائة ألف مقاتل، مات النقباء العشرة الّذين أفشوا الخبر بغتة، وكلّ من دخل التيه ممّن جاوز عشرين سنة مات فى التّيه غير يوشع وكالب، ولم يدخل أريحا أحد ممن قال: إنّا لن ندخلها أبدا.
فلما هلكوا وانقضت أربعون سنة، ونشأت النواشئ من ذراريّهم، ساروا إلى حرب الجبّارين، فذلك قوله تعالى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ.
والله المعين.
ذكر مسير موسى- عليه السلام- وبنى إسرائيل لحرب الجبّارين ودخولهم القرية
قال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ.
اختلف المفسّرون فى القرية:
قال ابن عبّاس: هى أريحا، وهى قرية الجبّارين، وكان فيها بقيّة من عاد يقال لهم: العمالقة.
وقيل: هى بلقاء.
(13/265)

وقال ابن كيسان: هى الشأم.
وقال الضحّاك: الرملة والأردنّ وفلسطين وتدمر.
وقال مجاهد: بيت المقدس.
وقال مقاتل: إيلياء. وقوله: رغدا، أى موسّعا عليكم.
والباب: باب من أبواب القرية، وكان لها سبعة أبواب.
وقال مجاهد: هو باب فى بيت المقدس يعرف إلى اليوم بباب حطّة.
وقيل: هو باب القبّة الّتى كان موسى يصلّى إليها.
وعن مجاهد أيضا: أنه باب فى الجبل الّذى كلّم الله تعالى عليه موسى كالفرضة.
وقوله: سجّدا، أى منحنين متواضعين.
وقال وهب: قيل لهم: ادخلوا الباب فإذا دخلتموه فاسجدوا شكرا لله عزّ وجلّ، وذلك أنّ موسى- عليه السلام- لما انقضت مدّة التيّه سار بالأبناء إلى القرية ودخلها، ودخل المؤمنون سجّدا كما أمرهم الله تعالى. وقوله: وَقُولُوا حِطَّةٌ
، قال قتادة: حطّت عنّا خطايانا، أمروا بالاستغفار.
قال ابن عبّاس: يعنى لا إله إلا الله، لأنها تحطّ الذنوب.
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ.
قال مجاهد: طؤطئ لهم الباب ليخفضوا رءوسهم، فلم يخفضوا ولم يركعوا ولم يسجدوا، ودخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا قولا غير الذى قيل لهم، وذلك أنهم أمروا أن يقولوا: حطّة؛ فقالوا: (هطا سمعاثا) ، يعنون حنطة سمراء استخفافا بأمر الله تعالى؛ قال الله تعالى: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
، وذلك أنّ الله تعالى أرسل عليهم ظلمة وطاعونا، فهلك منهم فى ساعة واحدة سبعون ألفا.
(13/266)

قال الكسائىّ: وغلب موسى على مدينة أريحا، وهرب من كان بها من الجبّارين.
وقيل: إنما دخل موسى الآن أرض كنعان، وإن مدينة أريحا فتحها يوشع ابن نون بعد وفاة موسى- عليه السلام- على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى أخبار يوشع.
ذكر خبر مدينة بلقاء وخبر بلعم بن باعورا وما يتّصل بذلك
قالوا: ولمّا دخل موسى ببنى إسرائيل أرض كنعان، سار منها يريد مدينة بلقاء.
قال مقاتل: سمّيت بلقاء لأنّ ملكها كان يقال له: بالق، وكان بها بلعم بن باعورا، وهو الذى أنزل الله تعالى فيه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ
الآيات.
وقيل: نزلت الآيات فى غيره- على ما نذكره إن شاء الله تعالى آخر القصّة-.
واختلف أيضا فى اسمه ونسبه.
فقال ابن عبّاس- رضى الله عنهما-: هو بلعم بن باعورا.
وقال ابن مسعود- رضى الله عنه-: بلعم بن ابر.
وقال مجاهد: بلعام بن باعر.
وقال الثعلبىّ: قال أكثر المفسّرين: هو بلعام بن باعورا بن أيدن بن مأرب ابن لوط، وكان من الكنعانيّين.
وقال عطية عن ابن عبّاس: هو من بنى إسرائيل.
(13/267)

وقال على بن أبى طلحة عنه: هو من الكنعانيّين من مدينة الجبّارين.
وقال مقاتل: هو من مدينة بلقاء.
قالوا: فلمّا أقبل موسى ببنى إسرائيل إلى مدينة بلقاء، كان أهلها يعبدون الأصنام، فلمّا بلغ الملك مسير موسى- عليه السلام- إليه استشار أكابر دولته؛ فقالوا له: إنّ فرعون لم يطقه مع كثرة جنوده، فأنت أولى ألّا تطيقه، غير أنّ هاهنا رجلا يعرف ببلعام مجاب الدعوة، التمس منه أن يدعو عليهم ليكفيك ربّك أمر موسى. فبعث الملك إليه وأحضره وتحدّث معه فى أمر موسى؛ فقال: حتى أستأذن ربّى. ودخل بلعم مصلّاه واستأذن فى الخروج، فأوحى إليه أن هذا العسكرهم بنو إسرائيل، وعليهم موسى رسولى، ولا تخرج إليهم. فقال بلعم لرسل الملك: إنّ ربى قد منعنى من ذلك، فانصرفوا وعرّفوا الملك.
وكان لبلعم امرأة، فأهدى لها الملك هديّة نفيسة، وسألها أن تكلّم زوجها فى التوجّه مع الملك؛ فسألته؛ فقال: قد استأذنت ربّى فنهانى. فلم تزل به حتى استأذن الله ثانيا؛ فأوحى الله إليه: أنى نهيتك عن ذلك، والآن قد جعلت الأمر إليك. فطابت نفسه بالخروج مع الملك. حكاه الكسائىّ.
وقال الثعلبىّ فى تفسيره، وعزاه إلى ابن عباس وابن إسحاق والسدّىّ وغيرهم:
إن موسى- عليه السلام- لما قصد حرب الجبّارين ونزل أرض كنعان من أرض الشأم، أتى قوم بلعام- وكان عنده اسم الله الأعظم- فقالوا: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة، وإنه قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلّها بنى إسرائيل، وإنّا قومك وبنو عمّك، وليس لنا منزل، وأنت رجل مجاب الدعوة فاخرج وادع الله أن يردّ عنّا موسى وقومه. فقال: ويلكم، هو نبىّ الله ومعه الملائكة والمؤمنون، كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم؟! وإنى إن فعلت ذلك ذهبت
(13/268)

دنياى وآخرتى. فراجعوه فى ذلك، فقال: حتى أوامر ربّى.- وكان لا يدعو حتى ينظر ما يؤمر به فى المنام- فآمر فى الدعاء عليهم، فقيل له فى المنام:
لا تدع عليهم. فقال لقومه: إنى قد نهيت عن الدعاء عليهم. فأهدوا إليه هديّة فقبلها، ثم راجعوه فى الدعاء عليهم، فقال: حتى أؤامر. فآمر فلم يجر إليه شىء فقال: قد آمرت فلم يجر إلىّ شىء. فقالوا: لو كره ربّك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك فى المرّة الأولى. فلم يزالوا به يرققونه ويتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن؛ فركب أتانا له متوجها إلى جبل يطلعه على عسكر بنى إسرائيل يقال له:
(حبّان) ؛ فلما سار عليها غير كثير ربضت، فنزل عنها فضربها، حتى إذا آلمها قامت، فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت، فنزل عنها وضربها حتى إذا آلمها أذن لها بالكلام، فتكلّمت حجّة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم، أين تذهب؟
ألا ترى الملائكة أمامى يردّوننى عن وجهى هذا؟ تذهب إلى نبى الله والمؤمنين تدعو عليهم؟ فلم ينزع عنها؛ فخلّى الله سبيلها؛ فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل (حبّان) جعل يدعو عليهم، فلا يدعو بشرّ إلا صرف به لسانه إلى قومه؛ ولا يدعو لقومه بخير إلّا صرف لسانه إلى بنى إسرائيل؛ فقال قومه: يا بلعم أتدرى ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا. قال: فهذا مالا أملك. واندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت منى الآن الدنيا والآخرة، ولم يبق إلّا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جمّلوا النساء وزيّنوهنّ وأعطوهنّ السّلع، ثم أرسلوهنّ إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهنّ فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها؛ فإنّهم إن زنى منهم رجل واحد كفيتموهم. ففعلوا؛ فلما دخل النساء العسكر مرّت امرأة من الكنعانيين اسمها كستى «1» بنت صعور برجل من عظماء بنى إسرائيل يقال له:
(13/269)

زمزى بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- عليهم السلام- فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها؛ ثم أقبل حتى وقف على موسى فقال له: إنى أظنك ستقول: هذه حرام عليك. قال موسى: أجل، هى حرام عليك، لا تقربها. قال: فو الله لا نطيعك فى هذا. ثم دخل بها قبّته فوقع عليها فأرسل الله تعالى الطاعون على بنى إسرائيل فى الوقت؛ وكان فنحاص بن العيزار ابن هارون صاحب أمر موسى رجلا قد أعطى بسطة فى الخلق وقوّة فى البطش وكان غائبا حين صنع زمزى بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يجوس فى بنى إسرائيل فأخبر الخبر، فأخذ حربته، وكانت كلّها من حديد، ثم دخل عليهما القبّة وهما مضطجعان فنظمهما بحريته، ثم خرج بهما رافعا حربته إلى السماء قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحيته- وكان بكر العيزار- وجعل يقول: اللهمّ هكذا تفعل بمن يعصيك؛ ورفع الطاعون، فحسب من هلك من بنى إسرائيل فى الطاعون- فيما بين أن أصاب المرأة إلى أن قتله فنحاص- فوجدوه قد أهلك منهم سبعين ألفا فى ساعة واحدة من النهار.
قال: فمن هناك يعطى بنو إسرائيل ولد فنحاص من كلّ ذبيحة ذبحوها الخاصرة «1» والذراع واللّحية، لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحيته، والبكر من كل أموالهم وأنفسهم، لأنه كان بكر العيزار بن هارون.
قال الثعلبىّ أيضا: وقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام: ادع الله على موسى. فقال: إنه من أهل دينى فلا أدعو عليه. فنحت الملك خشبة ليصلبه فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليه، فلما عاين عسكرهم قامت به الأتان
(13/270)

وقد وقفت، فضربها، فقالت: لم تضربنى وأنا مأمورة؟ فلا تظلمنى، وهذه نار أمامى قد منعتنى أن أمشى. فرجع فأخبر الملك؛ فقال: لتدعونّ عليه أو لأصلّبنّك.
فدعا على موسى باسم الله الأعظم ألّا يدخل المدينة، فاستجيب له، ووقع موسى فى التّيه بدعائه، فقال موسى: يا ربّ بأىّ ذنب وقعنا فى التّيه. فقال: بدعاء بلعام.
قال: ربّ بما سمعت دعاءه علىّ فاسمع دعائى عليه. فدعا موسى أن ينزع منه الاسم الأعظم والإيمان. فسلخه الله مما كان عليه، ونزع منه المعرفة، فخرجت كحمامة بيضاء، فذلك قوله عز وجل فَانْسَلَخَ مِنْها.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيّب وأبو روق وزيد بن أسلم:
نزلت هذه الآية فى أميّة بن أبى الصّلت، وكانت قصته أنه كان فى ابتداء أمره قد قرأ الكتب وعلم أن الله عزّ وجلّ مرسل رسولا فى ذلك الوقت، ورجا أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل الله تعالى محمدا- صلى الله عليه وسلّم- حسده وكان قد قصد بعض الملوك، فلما رجع مرّ بقتلى بدر، فسأل عنهم؛ فقيل: قتلهم محمد. فقال: لو كان نبيّا ما قتل أقرباءه. فلما مات أتت أخته فارعة رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- فسألها رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- عن وفاة أخيها؛ فقالت: بينا هو راقد أتاه اثنان فكشفا سقف البيت ونزلا، فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه، فقال الّذى عند رجليه للّذى عند رأسه: أوعى؟ قال:
وعى. قال: أزكا «1» قال: أبى. [قالت] «2» : فسألته عن ذلك؟ فقال: خير أريد بى فصرف عنّى. ثم غشى عليه، فلمّا أفاق قال:
(13/271)

كلّ عيش وإن تطاول دهرا ... صائر أمره إلى أن يزولا
ليتنى كنت قبل ما قد بدا لى ... فى قلال الجبال أرعى الوعولا
إنّ يوم الحساب يوم عظيم ... شاب فيه الصغير يوما ثقيلا
ثم قال لها رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- أنشدينى من شعر أخيك.
فأنشدته:
لك الحمد والنّعماء والفضل ربّنا ... ولا شىء أعلى منك جدّا وأمجد
مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزّته تعنو الوجوه وتسجد
وهى قصيدة طويلة، حتى أتت على آخرها.
وأنشدته قصيدته الّتى يقول فيها:
يوقف الناس للحساب جميعا ... فشقّى معذّب وسعيد
ثم أنشدته قصيدته الّتى يقول فيها:
عند ذى العرش تعرضون عليه ... يعلم الجهر والسّرار الخفيّا
يوم نأتى الرحمن وهو رحيم ... إنّه كان وعده مأتيّا
يوم آتيه- مثل ما قال- فردا ... ثم لا أدر «1» راشدا أم غويّا
أسعيدا إسعاده أنا أرجو ... أو مهانا بما اكتسبت شقيّا
إن أؤاخذ بما اجترمت فإنّى ... سوف ألقى من العذاب فريّا
ربّ إن تعف فالمعافاة ظنّى ... أو تعاقب فلم تعاقب بريّا
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: آمن شعره وكفر قلبه. وأنزل الله تعالى فيه:
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها
الآيات.
(13/272)

ومنهم من قال: إنّ الآيات نزلت فى البسوس، وكان رجلا أعطى ثلاث دعوات مستجابة، وكانت له امرأة، وكان له منها ولد، فقالت: اجعل لى منها دعوة واحدة. فقال: لك فيها دعوة، فما تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلنى أجمل امرأة فى بنى إسرائيل. فدعا لها، فصارت أجمل امرأة فى بنى إسرائيل؛ فلما علمت أنّه ليس فيهم مثلها رغبت عنه، فغضب ودعا عليها، فصارت كلبة نبّاحة، فجاء بنوها وقالوا: ليس لنا على هذا قرار، قد صارت أمّنا كلبة نبّاحة والناس يعيّروننا بها، فادع الله أن يردّها إلى الحال الّتى كانت عليها. فدعا الله تعالى، فعادت كما كانت، فذهبت فيها الدعوات.
وقال أبو سعيد: نزلت فى أبى عامر بن نعمان بن صيفىّ الراهب الذى سمّاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: الفاسق، وكان قد ترهّب فى الجاهليّة ولبس المسوح وقدم المدينة، فقال للنبىّ صلّى الله عليه وسلّم: ما هذا الذى جئت به؟ فقال:
جئت بالحنيفيّة دين إبراهيم. قال: فأنا عليها، فقال له النبىّ صلّى الله عليه وسلّم:
لست عليها، ولكنّك أدخلت فيها ما ليس منها. ثم خرج إلى كفّار قريش.
وأخباره تذكر- إن شاء الله- فى سيرة سيّدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلّم.
فهذا ما قيل فى تفسير هذه الآية.
قال الكسائىّ: ونادى موسى فى قومه بعد رفع الطاعون عنهم: «أن احملوا» .
فحملوا واقتتلوا، فقتل الملك وبلعم، وانهزم الباقون، وغنم بنو إسرائيل من النساء والولدان شيئا كثيرا. والله تعالى أعلم بالصواب.
(13/273)

ذكر خبر وفاة هارون عليه الصلاة والسلام
قال الكسائىّ:- وذكر وفاة هارون إثر خبر البقرة وقتل عاميل- قال:
لمّا كان بعد قتل عاميل نظر هارون إلى جبل فى التّيه بعيد من العسكر، فقال:
يا موسى، ألا نمضى إلى ذلك الجبل فننظر إلى خضرته ونضارته. فمضيا من الغد ومعهما أولاد هارون، فأتوه فإذا هو جبل كثير المياه والعشب والكهوف وفيه كهف واسع يسطع نورا، فدخلوه وإذا هم بسرير من ذهب عليه أنواع من الفرش، فصعد هارون إليه ونام، فجاء طوله، فهمّ أن ينزل، فأتاه ملك الموت فى صورة شابّ حسن، فقبض روحه، وغسّلته الملائكة، وصلّى موسى عليه، وسدّوا باب الكهف، وعاد موسى إلى بنى إسرائيل، فسألوه عن هارون، فأخبرهم بوفاته قالوا: بل قتلته. فقال: ماذا لقيت منكم يا سفهاء بنى إسرائيل، أقتل أخى وشقيقى؟ ثم دعا ربّه أن يريهم إيّاه على صورته. فأمر الله تعالى الملائكة أن يخرجوا سريره من الكهف، فأخرجوه وحملوه فى الهواء حتى نظرت إليه بنو إسرائيل، ثم نادت الملائكة: يا بنى إسرائيل، هذا سرير هارون قد قبضه الله تعالى إليه.
وقال أبو إسحاق الثعلبىّ فى تفسيره فى وفاة هارون- عليه السلام- قال السدّىّ: أوحى الله تعالى إلى موسى- عليه السلام- أنى متوفى هارون، فأت به جبل كذا وكذا. فانطلق موسى وهارون- عليهما السلام- نحو ذلك الجبل فإذا هما بشجرة لم يريا شجرة مثلها، وإذا بيت مبنى، وفيه سرير عليه فراش واذا فيه ريح طيّبة، فلما نظر هارون إلى ذلك أعجبه وقال: يا موسى، إنّى أحبّ أن أنام على هذا السرير. قال: نم عليه. قال: إنى أخاف أن يأتى ربّ هذا البيت فيغضب علىّ. قال موسى: لا ترهب، أنا أكفيك ربّ هذا البيت، فنم.
(13/274)

قال: يا موسى، بل نم معى، فإن جاء ربّ البيت غضب علىّ وعليك جميعا. فلمّا ناما أخذ هارون الموت، فلما وجد حسّه قال: يا موسى خدعتنى. فلمّا قبض- عليه السلام- رفع ذلك البيت، وذهبت تلك الشجرة، ورفع السرير به إلى السماء، فلما رجع موسى إلى بنى إسرائيل وليس معه هارون، قالوا: إن موسى قتل هارون وحسده لحبّ بنى إسرائيل له. فلمّا أكثروا عليه قام فصلّى ركعتين، ثم دعا الله تعالى، فنزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض؛ فصدّقوه.
وقال الثعلبىّ أيضا. وقال عمرو بن ميمون: مات هارون- عليه السلام- فى التّيه، ومات قبل موسى، وكانا خرجا فى التّيه إلى بعض تلك الكهوف، فمات هارون، فدفنه موسى، وانصرف إلى بنى إسرائيل، فقالوا: ما فعل هارون؟ قال:
مات. قالوا: كذبت، ولكنّك قتلته لحبّنا إيّاه- وكان محبّبا فى بنى إسرائيل- فتضرّع موسى إلى الله تعالى وشكا ما لقى من بنى إسرائيل؛ فأوحى الله إليه: أن انطلق بهم إلى قبره، فإنّى باعثه حتى يخبرهم أنه مات موتا وأنك لم تقتله. فانطلق بهم موسى إلى قبره، فنادى: يا هارون. فخرج من قبره ينفض رأسه؛ فقال:
أنا قاتلك؟ قال: لا، ولكنّى متّ. قال: فعد إلى مضجعك. فعاد- عليه السلام- وانصرفوا.
ذكر وفاة موسى بن عمران- عليه الصلاة والسلام-
قال أبو إسحاق الثعلبىّ- رحمه الله- قال ابن إسحاق: كان موسى- عليه السلام- قد كره الموت وأعظمه، فأراد الله تعالى أن يحبّب إليه الموت ويكره إليه الحياة؛ وكان يوشع بن نون يغدو عليه ويروح، فيقول له موسى: يا نبىّ الله ما أحدث الله إليك. فيقول له يوشع: يا نبىّ الله، ألم أصحبك كذا وكذا سنة، فهل
(13/275)

كنت أسألك عن شىء ممّا أحدث الله إليك حتى تكون أنت تبتدئ به وتذكره؟
ولا يذكر له شيئا.
فلما رأى موسى ذلك كره الحياة وأحبّ الموت.
وعن وهب أنه قال- وذكر من كرامة موسى عليه السلام- أنه ضاق ببنى إسرائيل ذرعا لمّا كثّروا عليه؛ فأوحى الله تعالى إلى ألف نبىّ أن يكونوا أعوانا له؛ فلمّا مال الناس إليهم وجد موسى فى نفسه، فأماتهم الله تعالى لكرامته فى يوم واحد.
والذى صحّ لنا من خبر وفاة موسى- عليه السلام- ما ثبت فى صحيح البخارىّ وهو ما حدّثنا به الشيخان المسندان المعمّران: شهاب الدين أبو العبّاس أحمد بن أبى طالب نعمة بن حسن بن علىّ بن سنان الشّحنة الصالحىّ الحجّار، وستّ الوزراء أمّ محمد «1» (وزيرة) ابنة الشيخ الإمام العالم شمس الدين أبى حفص عمر ابن القاضى وجيه الدين أسعد بن المنجا التنوخىّ الدمشقيّان، قراءة عليهما، وأنا أسمع بالمدينة المنصوريّة بخطّ (بين القصرين بالقاهرة المعزّيّة) ، وذلك فى يوم السبت السابع من جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمائة، بقراءة الشيخ علاء الدين علىّ بن الماردينى، قالا: حدّثنا الشيخ سراج الدين أبو عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى الزبيدىّ، قال: أخبرنا الشيخ أبو الوقت عبد الأوّل بن عيسى بن شعيب السّجزىّ الصوفىّ ثم الهروىّ، قال: أخبرنا الإمام جمال الدين أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود الداودىّ، قال: أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن حمويه التنوخىّ، قال: أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد ابن يوسف بن مطر الفهرىّ، قال: حدّثنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن
(13/276)

إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف الجعفىّ مولاهم البخارىّ- رحمه الله- قال:
حدّثنا محمود، حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام فلما جاءه صكّه، فرجع إلى ربّه فقال: أرسلتنى إلى عبد لا يريد الموت. فردّ الله عليه عينه وقال: ارجع فقل له يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطّت به يده بكل شعرة سنة. قال: أى رب ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن. فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر. قال: قال رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم-: فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر.
قال الثعلبى: وكان عمر موسى- عليه السلام- مائة وعشرين سنة، عشرون منها فى ملك أفريدون، ومائة سنة فى ملك منوجهر، وبعث الله تعالى بعد موسى يوشع عليهما السلام.
كمل الجزء الثالث عشر من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب البكرى التيمىّ القرشى المعروف بالنويرىّ- رحمه الله تعالى- ويليه الجزء الرابع عشر، وأوّله: الباب الثانى من القسم الثالث من الفن الخامس فيما كان بعد موسى بن عمران عليهما السلام، وهو أخبار يوشع بن نون وحزقيل وإلياس واليسع وغيلا واشمويل وداود وطالوت وجالوت وسليمان بن داود عليهم السلام.
والحمد لله رب العالمين
(13/277)

استدراك
قد وقعت بعض أخطاء مطبعية يسيرة فى هذا الجزء، فرأينا أن نستدرك ما عثرنا عليه منها بعد الطبع، وهى فى ثلاثة مواضع:
(1) وقع فى صفحة 28 سطر 5 قوله: «إبناء» . والصواب «بناء» بغير ألف فى أوّله.
(2) وفى صفحة 173 سطر 9 قوله: «وخروج» . والصواب:
«وحروب» كما فى بعض النسخ.
(3) وفى صفحة 220 سطر 3 ما نصه: «أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب الذين اصطفينا فمنهم ظالم لنفسه» الخ. وقد كتبنا فى الحاشية رقم 1 من هذه الصفحة ما يفيد أن قوله: «الذين» غير واضح موقعها من الإعراب فى هذه العبارة بخلاف موقعها من الآية المقتبسة منها، وهى قوله تعالى: «ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا» اه. وقد تبين لنا أن قوله: «الذين اصطفينا» زائدة فى هذه العبارة التى وردت فى كلام المؤلف، فقد ورد هذا الكلام فى كتاب الثعلبى المنقول عنه هذا الكلام- مع اختلاف فى بعض ألفاظه، فليلاحظ- ونصه:
«أجد أمة مرحومة أصفياء يرثون الكتاب فمنهم ظالم لنفسه» الخ.
(13/278)

كمل طبع «الجزء الثالث عشر من كتاب نهاية الأرب» بمطبعة دار الكتب المصرية فى يوم الثلاثاء 28 شوّال سنة 1357 (20 ديسمبر سنة 1938) محمد نديم ملاحظ المطبعة بدار الكتب المصرية
(13/279)

(مطبعة دار الكتب المصرية 34/1937/2500)
(13/280)