Advertisement

نهاية الأرب في فنون الأدب 015

فهرس الجزء الخامس عشر
من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب
.... صفحة
ذكر أخبار مصر ومن ملكها من الملوك قبل الطوفان وبعده، وما بنوه من المدن، وما أقاموه من المنارات والأهرام والبرابى وغير ذلك من المبانى، وما وضعوه بها من العجائب والطلّسمات والحكم، وما أثاروا من المعادن وما دبّروه من الصنعة، وما شقّوه وأنبطوه من الأنهار وغير ذلك من عجائبها وأخبارها 1
ملوكها قبل الطوفان 1
ذكر خبر بناء الأهرام وسبب بنائها وشىء من عجائبها 22
ذكر خبر كهّان مصر وحالهم مع الملوك 40
ذكر من ملك مصر بعد الطوفان من الملوك 43
ذكر خبر هاروت وماروت 52
ذكر أخبار أشمون ومن ملك من بنيه 69
ذكر أخبار أتريب الملك 75
ذكر أخبار صا بن قبطيم بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح عليه السّلام 81
ذكر خبر عون وما فعله فى غيبة الوليد وخبر المدينة التى بناها 115
ذكر عود الوليد إلى مصر وهرب عون الى مدينته 119
ذكر نبذة من أخبار من ملك مصر بعد غرق فرعون 138
(مقدمةج 15/1)

الباب الثالث من القسم الرابع من الفنّ الخامس فى أخبار ملوك الأمم من الأعاجم؛ وهم ملوك الفرس الأول، وملوك الطوائف من الفرس، والملوك الساسانية واليونان والسريان والكلوانيين والروم والصقالبة والنوكبرد والإفرنجة والجلالقة وطوائف السودان 142
ذكر أخبار ملوك الفرس وهم الفرس الأول 142
ذكر أخبار بختنصّر 158
ذكر أخبار ملوك الطوائف 164
ذكر أخبار الملوك الساسانية 166
ذكر قطعة من سير كسرى أنو شروان وسياسته 195
ذكر خطبة أنو شروان 207
ذكر حيلة لأبرويز على ملك الروم 223
ذكر سبب هلاك أبرويز وقتله 226
ذكر أخبار ملوك اليونان وأنسابهم 234
ذكر شىء من مكايد الإسكندر وحيله فى حروبه 238
ذكر شىء من أخبار الإسكندر وما اتفق له مع ملكى الهند والصين 243
كلام الحكماء عند وفاة الإسكندر 252
ذكر أخبار ملوك السريان 255
ذكر أخبار ملوك الكلوانيين وهم ملوك النبط ملوك بابل 258
ذكر أخبار ملوك الروم وأنسابهم 263
ذكر خبر أصحاب الكهف 266
ذكر أخبار ملوك الروم المتنصّرة وهم ملوك القسطنطينية 273
ذكر ملوك الروم بعد ظهور الإسلام 279
ذكر أخبار ملوك الصقالبة والنوكبرد 284
ذكر خبر ملوك الإفرنجة والجلالقة 285
(مقدمةج 15/2)

ذكر طوائف السودان وشىء من أخبارهم ونسبهم 287
الباب الرابع من القسم الرابع من الفنّ الخامس فى أخبار ملوك العرب ويتصل بهذا الباب خبر سيل العرم 291
ذكر أخبار ملوك قحطان 291
ذكر خبر سيف بن ذى يزن وعود الملك الى حمير 309
ذكر أخبار ملوك الشام من ملوك قحطان 311
ذكر أخبار ملوك الحيرة وهم من آل قحطان 315
ذكر خبر سدّ مأرب وسيل العرم 332
الباب الخامس من القسم الرابع من الفنّ الخامس فى أيام العرب ووقائعها فى الجاهلية 338
ذكر واقعة طسم وجديس 339
ذكر حروب قيس فى الجاهلية. يوم منعج لغنىّ على عبس 344
يوم النفرات لبنى عامر على بنى عبس 346
يوم بطن عاقل لذبيان على بنى عامر 348
يوم رحرحان لعامر على تميم 349
يوم شعب جبلة لعامر وعبس على ذبيان وتميم 350
يوم الحريبة وفيه قتل الحارث بن ظالم 353
ذكر حرب داحس والغبراء، وهى من حروب قيس 356
يوم المريقب لبنى عبس على بنى ذبيان 358
يوم ذى حسى لذبيان على عبس 359
يوم اليعمرية لعبس على ذبيان 360
يوم الهباءة لعبس على ذبيان 360
يوم الفروق لبنى عبس 362
يوم قطن 363
(مقدمةج 15/3)

يوم غدير قلبى 363
يوم الرقم لغطفان على بنى عامر 364
يوم النتاءة لعبس على بنى عامر 364
يوم شواحط لبنى محارب على بنى عامر 365
يوم حوزة الأوّل لسليم على غطفان 365
يوم حوزة الثانى 367
يوم ذات الإئل 368
يوم اللوى لغطفان على هوازن 369
يوم الظعينة بين دريد بن الصمة وربيعة بن مكدّم 370
يوم الصلحاء لهوازن على غطفان 373
ذكر حرب قيس وكنانة. يوم الكديد لسليم على كنانة 373
يوم فزارة لكنانة على سليم 374
يوم الفيفاء لسليم على كنانة 374
ذكر حرب قيس وتميم. يوم السؤبان لبنى عامر على بنى تميم 375
يوم أقرن لبنى عبس على بنى دارم 377
يوم المرّوت لبنى العنبر على بنى قشير 377
يوم دارة مأسل لتميم على قيس 378
أيام تميم على بكر. يوم الوقيط 379
يوم النباح وثيتل لبكر على تميم 381
يوم زورود الثانى لبنى يربوع على بنى تغلب 383
يوم ذى طلوح لبنى يربوع على بكر 383
يوم الحائر وهو يوم ملهم لبنى يربوع على بنى بكر 385
يوم القحقح وهو يوم ماله لبنى يربوع على بكر 385
يوم رأس العين لبنى يربوع على بكر 386
(مقدمةج 15/4)

يوم العظالى لبنى يربوع على بكر 386
يوم الغبيط لبنى يربوع على بكر 388
يوم مخطط لبنى يربوع على بكر 389
يوم جدود 389
يوم سفوان 390
يوم نقا الحسن وهو يوم الشقيقة لبنى ضبة على بنى شيبان 391
أيام بكر على تميم. يوم الزويرين 391
يوم الشيطين لبكر على تميم 393
يوم صعفوق لبكر على تميم 393
يوم مبايض لبكر على تميم 394
يوم فيحان لبكر على تميم 395
يوم ذى قار الأوّل لبكر على تميم 395
يوم الحاجز لبكر على تميم 396
يوم الشقيق لبكر على تميم 396
ذكر حرب البسوس. وهى حرب بكر وتغلب ابنى وائل 396
ذكر مقتل كليب وائل 398
يوم النهى 400
يوم الذنائب 400
يوم واردات 401
يوم عنيزة 401
يوم قضة 402
يوم تحلاق اللمم 404
الكلاب الأوّل 406
يوم الصفقة وهو يوم الكلاب الثانى 407
(مقدمةج 15/5)

يوم طخفة 413
يوم فيف الريح 414
يوم زرود الأوّل 415
يوم غول الأوّل وهو يوم كنهل 416
يوم الجبابات 417
يوم الشعب 417
يوم غول الثانى 418
يوم الخندمة 418
يوم اللهيماء 419
يوم خزاز 420
يوم النسار 421
يوم ذات الشقوق 421
يوم خوّ 422
أيام الفجار- الفجار الأوّل 423
الفجار الثانى 424
الفجار الثالث وهو بين كنانة وهوازن 424
الفجار الآخر وهو بين قريش وكنانة كلها وبين هوازن 425
يوم شمظة وهو يوم نخلة من الفجار الآخر 427
يوم العبلاء 428
يوم شرب 428
يوم الحريرة 429
يوم عين أباغ 430
يوم ذى قار 431
(مقدمةج 15/6)

الجزء الخامس عشر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[تتمة الفن الخامس في التاريخ]
[تتمة القسم الرابع من الفن الخامس في أخبار الملوك]
[تتمة الباب الثاني من القسم الرابع من الفن الخامس]
ذكر أخبار مصر
ومن ملكها من الملوك قبل الطوفان وبعده، وما بنوه بها من المدن، وما أقاموه من المنارات والأهرام والبرابى وغير ذلك من المبانى، وما وضعوه بها من العجائب والطّلّسمات والحكم، وما أثاروا من المعادن وما دبّروه من الصّنعة، وما شقّوه وأنبطوه من الأنهار وغير ذلك من عجائبها وأخبارها فأمّا ملوكها قبل الطّوفان فقد ذكرهم إبراهيم بن القاسم الكاتب فى مختصر كتاب العجائب الكبير الذى ألّفه إبراهيم بن وصيف شاه. قال: أوّل من ملك مصر من الملوك قبل الطوفان نقراوس «1» ، ومعناه ملك قومه وعظيمهم. وذلك أن بنى آدم لمّا بغى بعضهم على بعض وتحاسدوا وتغلّب عليهم بنو قابيل تحمّل نقراوس «2» الجبّار ابن مصرايم بن براكيل بن زرابيل بن غرناب بن آدم فى نيّف وسبعين رجلا من بنى غرناب جبابرة، كلّهم يطلبون موضعا ينقطعون فيه من بنى آدم. فلمّا نزلوا على النيل ورأوا سعة البلد وحسنه أقاموا فيه وبنوا الأبنية، وقالوا: هذا بلد زرع؛ [وبنى نقراوس «3» مصر] وسمّاها باسم أبيه مصرايم ثم تركها «4» . وكان نقراوس
(15/1)

جبّارا له أيد وبسطة، وكان مع ذلك كاهنا عالما، له معاون من الجنّ، فملك بنى أبيه ولم يزل مطاعا فيهم. وقد كان وقع إليه من العلوم التى كان زرابيل علّمها من آدم. قال: فهو وبنوه الجبابرة الذين بنوا الأعلام، وأقاموا الأساطين العظام، وعملوا المصانع، ووضعوا الطّلّسمات، واستخرجوا المعادن، وقهروا من ناوأهم من ملوك الأرض ولم يطمع طامع فيهم. وكل علم جليل فى أيدى المصريين إنما هو من فضل علم أولئك القوم، كان مرموزا على الحجارة. فيقال إن فليمون الكاهن الذى كان ركب مع نوح عليه السّلام فى السفينة هو الذى فسّرها لهم وعلمهم كتابتها، وسنذكر إن شاء الله تعالى خبر فليمون فى موضعه.
قال: ثم أمرهم نقراوس حين استقرّ أمرهم ببناء مدينة فقطعوا الصخور والأحجار من الجبال، وأثاروا معادن الرصاص وبنوا مدينة وسمّوها أمسوس «1» ، وأقاموا بها أعلاما، طول كل علم مائة ذراع، وعمروا الأرض، وأمرهم ببناء المدائن والقرى، وأسكن أهل كل بيت ناحية من أرض مصر. وهم الذين حفروا النيل حتى أجروا ماءه اليهم، ولم يكن معتدل الحفر إنما كان يتسطح ويتفرّق فى الأرض. قال: ووجّه الى بلد النوبة جماعة حتى هندسوه وشقّوا منه أنهارا الى مواضع كثيرة من مدنهم التى بنوها، وشقّوا نهرا عظيما الى مدينتهم أمسوس يجرى فى وسطها وغرسوا عليه الغروس، فكثر خيرهم وعزّت أرضهم وتجبّر ملكهم. قال: وبعد مائة وعشرين سنة من ملكه أمر بإقامة الأساطين العظام وزبر عليها ذكر دخولهم البلد، وكيف نزلوا به، وحربهم لمن حاربوه من
(15/2)

الأمم. ثم أمر ببناء قبّة على أساطين مثبتة فى الرّصاص، طولها مائة ذراع، وجعل على رأسها مرآة من زبرجد أخضر، قطرها سبعة أشبار، ترى خضرتها على أمد بعيد. قال: وفى مصاحف المصريين أنه سأل الذى كان معه أن يعرّفه مخرج النيل، فحمله حتى أجلسه على جبل القمر خلف «1» خطّ الأستواء على البحر الأسود «2» الزّفتى، وأراه النيل كيف يجرى فوق ذلك البحر «3» الأسود مثل الخيوط حتى يدخل تحت جبل القمر، ثم يخرج الى بطائح «4» هناك. ويقال: إنه عمل بيت التماثيل هناك، وعمل فيه هيكلا للشمس. ورجع الى أمسوس فقسم البلد بين بنيه، فجعل لنقارس الجانب الغربى، ولسورب الجانب الشرقى، ولأبنه الصغير وهو مصرام مدينة سمّاها برسان «5» وأسكنه فيها، وأقام فيها أساطين وشقّ لها نهرا وغرس بها غروسا. وعمل بأمسوس عجائب كثيرة، منها صورة طائر على أسطوانة عالية، يصفر كل يوم مرّتين عند طلوع الشمس وعند غروبها صفيرا مختلفا، فيستدلّون به على ما يكون من الحوادث فيتأهّبون لها؛ ومخزن للماء المقسوم على جناتهم مائة وعشرين قسما لا يقدر أحد أن يحوز ما ليس له. وعمل وسط المدينة صنمين من حجر أسود، اذا تقدّم السارق لم يقدر على الزوال عنها حتى يسلك بينهما، [فإذا دخل بينهما أطبقا عليه فيؤخذ «6» ] .
(15/3)

وله أعمال كثيرة سوى هذه. قال: وعمل فى برسان صورة [من] نحاس مذهب على منار عال لا تزال عليها سحب تظلّها، من استمطرها أمطرت عليه ماء، فهلكت فى الطوفان.
وعمل على حدود بلادهم أصناما من نحاس مجوّف وملأها نارا وكبريتا وجلب اليها روحانيّة [النار «1» ] ، فإن قصدهم قاصد بسوء أرسلت تلك الأصنام من أفواهها نارا أحرقته. وكان حدّ بلادهم الى داخل الغرب مسافة أيام كثيرة عامرا كلّه بالقصور والبساتين، وكذلك فى المشرق الى البحر، ومن الصعيد الى بلاد علوة. «2»
وعمل فوق جبال بطرس منارا يفور بالماء يسقى ما تحته من المزارع. وملكهم مائة وثمانين سنة. فلما مات لطّخوا جسده بالأدوية الممسكة، وجعلوه فى تابوت من ذهب، وعملوا له ناووسا مصفّحا بالذهب، وجعلوا معه كنوزا من أنواع الجواهر وتماثيل الزّبرجد، وكنزا من الصّنعة المعمولة، وأوانى الذهب، والطّلّسمات التى تدفع الهوامّ وغيرها، وزبروا عليه تاريخ الوقت.
ولما مات ملك بعده ابنه نقارس بن نقراوس، فتجبّر وعلا أمره، وبنى مدينة يقال لها خلجة، «3» وعمل فيها جنّة صفّح حيطانها بصفائح الذهب والحجارة الملوّنة، وغرس فيها أصناف الفواكه والغروس الحسنة، وأجرى تحتها الأنهار، وأمر بإقامة الأساطين والأعلام، وركّب «4» عليها أصناف العقاقير والأدوية وجميع العلوم. وكان معه شيطان يعمل له التماثيل العجيبة. وهو أوّل من بنى بمصر هيكلا
(15/4)

وجعل فيه صور الكواكب السبعة، وزبر على رأس كل كوكب محارته «1» وما يعمله من المنافع والمضارّ، وألبسه الثياب الفاخرة وأقام له كاهنا وسدنة. وخرج مغرّبا حتى بلغ البحر المحيط وعمل عليه أعلاما، وجعل على رأس كل علم أصناما تسرج عيونها بالليل كأنها مصابيح، ورجع على بلاد السودان الى النيل، وأمر ببناء حائط على جانب النيل، وجعل له أبوابا يخرج الماء منها. وبنى فى صحراء الغرب وراء الواحات ثلاث مدن على أساطين، وجعل شرفها من الحجارة الملوّنة التى تشفّ، وجعل فى كل ناحية منها ثلاث خزائن للحكمة، وهى أوّل عجائب الأرض، جعل الدخول الى هذه المدائن من الأساطين التى بنيت عليها. ففى إحدى هذه الخزائن صنم الشمس الذى هو أعظم أصنامهم، وهى معلّقة عليه فى بيت شرفها، «2» وعلى رأسه إكليل فيه كواكبها الثابتة. وفى إحداها «3» صنم للشمس رأسه رأس طاووس فى جسد إنسان من ذهب أزرق، وعيناه جوهرتان صفراوان، وهو جالس على سرير مغنطيس، وفى يده مصحف العلوم. وفى إحداها «4» صنم رأسه رأس إنسان وجسده جسد طائر، وصورة امرأة جالسة من زئبق معقود، لها ذؤابتان، وفى يدها مرآة وعلى رأسها صورة كوكب، وهى رافعة بالمرآة الى وجهه، ومطهرة فيها سبعة ألوان، من الماء السائل لا يختلط بعضها ببعض ولا يوارى بعضها بعضا، وصورة شيخ من حجر الفيروزج، وبين يديه
(15/5)

صبية يعلّمهم، وهم من أصناف العقيق والجوهر. وفى الخزانة الثانية صورة هرمس [يعنى «1» عطارد] وهو مكبّ ينظر الى مائدة بين يديه من نوشادر على قوائم كبريت أحمر، وفى وسطها مثل الصّحفة من جوهر أحمر فيها دواء أخضر من الصنعة، وصورة عقاب من زمرّد أخضر عيناه من ياقوت أصفر، وبين يديه حيّة من فضّة قد لوت ذنبها على رجليه ورفعت رأسها كأنها تريد أن تنفخ عليه، وفى ناحية منها صورة المرّيخ راكبا على فرس وبيده سيف مسلول من حديد أخضر، وعمود من جوهر أخضر، عليه قبّة من ذهب فيها صورة المشترى، وقبّة [من أدرك «2» ] على أربعة أعمدة من جزع أزرق فى سقفها صورة الشمس والقمر متحاذبين فى صورة امرأة ورجل كأنهما يتحادثان، وقبة من كبريت أحمر فيها صورة الزّهرة على صورة امرأة ممسكة بضفيرتها وتحتها رجل من زبرجد أخضر، فى يده كتاب فيه علم من علومهم كأنه يقرأ فيه عليها «3» . وجعل فى كل خزانة من بقية الخزائن من العجائب ما لا يحدّ، وعلى باب كل مدينة طلّسمات تمنع من دخولها فى صور مختلفة لا يشبه بعضها بعضا، وفى كل مدينة من الجوهر النفيس والذهب والفضة والكبريت الأحمر والتّربة الصنعيّة فى البرانىّ الملوّنة، وصنوف الأدوية النفيسة المؤلّفة والسموم القاتلة. وعلّم كل باب من الأساطين بعلامة يعرف بها يصعد اليها من مسارب تحت الأرض. قال: وجعل بين «4» هذه المدائن
(15/6)

وبين مدينة خلجة، وهى التى عمل فيها الجنة، سبعة أميال الى الغرب، وبينها وبين الأخرى أربعة عشر ميلا، وبين الأخرى واحد وعشرون ميلا. وكان له من مدينته إلى هذه المدائن أسراب تحت الأرض يصل منها اليها، وكذلك من بعضها الى بعض. وعمل عجائب كثيرة أزالها الطوفان، وركبت هذه الأرض الرمال فأزالت طلّسماتها. قال: وملك نقارس مائة سنة وسبع سنين ثم هلك فعمل له ناووس، وجعل معه من الأشياء العجيبة ما يطول الأمر بذكره.
ثم ملك بعده أخوه مصرام بن نقراوس، فبنى للشمس هيكلا من المرمر الأبيض وموّهه بالذهب، وجعل وسط الهيكل كالعرش «1» من جوهر أزرق عليه صورة الشمس من ذهب أحمر وأرخى عليها كلل الحرير الملوّن، وأمر أن يوقد عليها بطيّب الأدهان، وجعل فى الهيكل قنديلا من الزجاج الصافى، وجعل فيه حجرا مدّبرأ يضىء كما يضىء السراج وأكثر منه ضوءا، وأقام له سدنة، وعمل له سبعة أعياد فى السنة. وقيل: إن مصر سمّيت به. وتسمّى به مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح بعد الطوفان لأنه وجد اسمه مزبورا على الحجارة. وكان فليمون الكاهن أخبرهم أخبار هؤلاء الملوك. وكان مصرام هذا قد ذلّل الأسد فى وقته فكان يركبها. وصحبه الروحانىّ الذى كان مع أبيه لما رأى من حرصه على لوازم الهياكل والقيام بأمور الكواكب، وأمره أن يحتجب عن الناس. وألقى على وجهه بسحره نورا عظيما لا يقدر أحد أن يتمكّن من النظر اليه. فادّعى أنه إله، وغاب عن الناس ثلاثين سنة، واستخلف عليهم رجلا من ولد غرناب وكان كاهنا. ويقال: إنّ مصرام ركب فى عرش وحملته الشياطين حتى انتهى الى وسط البحر الأسود، فعمل فيه القلعة الفضّة وجعل عليها صنمين من النحاس وزير عليها: أنا مصرام الجبّار، كاشف الأسرار، الغالب القهار، صنعت
(15/7)

الطّلّسمات الصادقة، وأقمت الصّور الناطقة، ونصبت الأعلام الهائلة على البحار السائلة، ليعلم من بعدى أنه لا يملك أحد ملكى، وكل ذلك فى أوقات السعادة.
وكان قد عمل فى جنّته شجرة مولدة يؤكل منها جميع الفواكه، وقبّة من زجاج أحمر على رأسها صنم يدور مع الشمس، ووكّل بها شياطين إذا اختلط الظلام نادوا:
لا يخرج أحد من منزله حتى يصبح وإلّا هلك، وكان أوّل من عمل له ذلك.
وأمرهم أن يجتمعوا له، وجلس لهم فى مجلس عال مزيّن بأصناف الزينة وتجلّى لهم فى صورة هالتهم وملأت قلوبهم رعبا، فخرّوا على وجوههم ودعوا له. فأمر بإحضار الطعام والشراب فأكلوا وشربوا ورجعوا إلى مواضعهم ثم لم يروه بعد. وبلغ بكهانته ما لم يبلغه أحد من آبائه.
ثم ملك بعده عنقام «1» الكاهن؛ فعدل فيهم، وعمل مدينة عجيبة قرب العريش جعلها لهم حرسا. وقيل: إنّ إدريس عليه السلام رفع فى زمانه. قال: ويحكى عنه أهل مصر حكايات كثيرة تخرج عن العقول. وكان قد رأى فى علمه كون الطوفان، فأمر الشياطين التى تصحبه أن تبنى له مكانا خلف خطّ الأستواء بحيث لا يلحقه الفساد، فبنى له القصر الذى فى سفح جبل القمر، وهو قصر النحاس الذى فيه التماثيل، وهى خمسة وثمانون تمثالا، يخرج ماء النيل من حلوقها وينصبّ الى بطيحة.
ولمّا عمل له ذلك القصر أحبّ أن يراه قبل أن يسكنه، فجلس فى قبتّه وحملته الشياطين على أعناقها اليه. فلمّا رأى حكمة بنيانه وزخرفة حيطانه وما فيه من النقوش وصور الأفلاك والكواكب، وغير ذلك من صنوف العجائب- وكان يسرج بغير مصابيح، وتنصب فيه موائد يوجد عليها من كل الأطعمة ولا يدرى من يعملها، وكذلك الأشربة فى أوان، يستعمل منها ولا تنقص. وفى وسطه [بركة «2» ]
(15/8)

من ماء جامد الظاهر ترى حركته من وراء ما جمد منه، وأشياء كثيرة من هذا النوع وإن كانت تنبو عن العقول- أعجبه ما رأى، ورجع الى مصر فاستخلف ابنه عرناق وأوصاه بما يريده وقلّده الملك، ورجع الى ذلك القصر فأقام به حتى هلك هناك.
واليه تعزى مصاحف القبط التى فيها تواريخهم وجميع ما يجرى الى آخر الزمان.
قالوا: ولم تطل مدّة ملكه.
ثم ملك بعده ابنه عرناق بن عنقام «1» . ملك بعد أبيه وعمل عجائب كثيرة، منها شجرة صفر فيها أغصان حديد بخطاطيف حادّة اذا تقرّب منها الظالم والكاذب تقرّبت اليه تلك الخطاطيف فتعلّقت به وشكّت بدنه ولم تفارقه حتى يحدّث عن نفسه بالصدق ويعترف بظلمه ويخرج عن ظلامة خصمه. وعمل صنما من صوّان أسود وسمّاه عبد قزويس «2» ، أى عبد زحل، فكانوا يحتكمون اليه، فمن زاغ عن الحقّ ثبت فى مكانه فلم يقدر على الخروج منه حتى ينصف من نفسه ولو أقام سنة أو أكثر.
ومن كانت له حاجة منهم أو طلب شيئا بخّر الصنم ليلا ونظر الى الكواكب وذكر اسم عرناق وتضرّع فيصبح وقد وجد حاجته على باب منزله. قال: وكان عرناق ربما حملته أطيار عظام وتمرّ به وهم يرونه. وكان ربما غضب على ناس فجعل ماءهم مرّا لا يذاق، وسلّط عليهم وحوش الأرض وسباعها وهوامّها. قال:
وتجرّأ على صيد السباع والوحوش، وعمل عجائب، منها أنه عمل شجرة من حديد ذات أغصان لطّخها بدواء مدبّر، فكانت تجتلب كل صنف من الوحش. قال:
وفى كتب المصريين أنّ هاروت وماروت كانا فى وقته وعلّما أهل مصر أصنافا من
(15/9)

السحر، ونقلا بعد الطوفان الى بابل. وكان عرناق يجتلب النساء بسحره ويغتصبهنّ، وكان يسكن الجنة التى عملها نقارس، فاحتالت عليه امرأة من المغصوبات فسمّته فهلك وبقى مدّة لا يعرف خبره. وكان من رسمه- إذا خلا بنسائه- لا يقربه أحد، فلمّا تأخر خبره عن الناس هجم عليه فتى من بنى نقراوس يقال له لوخيم «1» ومعه نفر من أهله، فوجدوه ملقى فى فراشه جيفة. فأمر أن توقد له نار فأحرقه فيها. وجمع النسوة اللواتى كنّ فى الجنة، فمن كانت من نسائه تركها، ومن كانت من المغصوبات سرّحها الى أهلها، ففرح الناس بذلك وبما نزل به.
وملك بعده لوخيم وجلس على سرير الملك ولبس تاج أبيه، وأمر بجمع الناس وقام فيهم وتكلّم وذكر ما كان عليه عرناق الأثيم من سوء السيرة واغتصاب النساء وسفك الدماء ورفض الهياكل والاستخفاف بالكهنة الى أن هلك، وأنه أحقّ بتراث أبيه «2» وجدّه. وضمن للناس العدل والإحسان والقيام بأمرهم ودفع كل أذى عنهم. فرضى الناس به وأطاعوه وقالوا: أنت أحقّ بالملك، ولا زلت دائم السعادة طويل العمر قائما بتجويد الهيا كل وتعظيمها. فركب الى هيكل الشمس فقرّب له بقرا كثيرا، وسار فى الناس بالعدل. قال: وكانت الغرانيق «3» قد كثرت فى زمن عرناق فأهلكت زروع الناس. فعمل لوخيم أربع منارات من نحاس فى أربعة جوانب أمسوس، وجعل على كل منارة صورة غراب فى فمه حيّة قد التوت عليه فلم يقربهم شىء من تلك الطيور، فكانت كذلك حتى أزالها الطوفان.
(15/10)

قال: ومن ملوكهم خصليم وهو أوّل من عمل مقياسا لزيادة الماء؛ وذلك أنه جمع أصحاب العلوم والهندسة فعملوا بيتا من رخام على حافة النيل، وجعل فى وسطه بركة من نحاس صغيرة فيها ماء موزون، وعلى حافتى البركة تمثال عقابين من نحاس ذكر وأنثى. فإذا كان فى أوّل الشهر الذى يزيد فيه الماء «1» فتح باب البيت وحضر الكهّان وأمناء الملك وتكلّموا بكلام لهم حتى يصفر أحد العقابين، فإن صفر الذكر كان الماء زائدا، وإن صفرت الأنثى كان الماء ناقصا، ثم يعتبرون الماء فكلّ إصبع يكون فى تلك البركة فهو ذراع من زيادة النيل، وكل إصبع ينقص فهو نقصان ذراع.
فإذا علموا ذلك حفروا الترع وأصلحوا الجسور. وعمل على النيل القنطرة التى هى ببلاد النّوبة. وكان له ابن سمّاه هرصال «2» ، أى خادم الزّهرة، لرؤيا كانت رأتها أخت الملك أن الزّهرة تخاطبها، وكفلت الغلام عمّته، واسمها خرداقة، «3» وأدّبته أحسن التأديب، وزوّجته عشرين «4» امرأة من بنات الملوك والعظماء، وبنت له مدينة فيها عجائب كثيرة، احتفلت بها وزيّنتها بأحسن النقوش والزينة والعمارة، وعملت فيها حمّاما معلّقا على أساطين يرتفع الماء إليها حارّا من غير وقيد. «5» ولمّا هلك خصليم دفن فى ناووس.
ثم ملك بعده ابنه هرصال بن خصليم فتحوّل إلى المشرق وسكنه، وبنى مدينة هى إحدى المدائن ذوات العجائب، وعمل فى وسطها صنما للشمس يدور بدورانها ويبيت مغرّبا ويصبح مشرّقا. ويقال: إنه عمل من تحت النيل سربا. وهو أوّل
(15/11)

من عمل ذلك. وخرج متنكّرا يشقّ الأمم إلى أن بلغ بابل، ورأى ما عمل الملوك من العجائب. وعلم حال ملكها فى الوقت وسيرته ومجارى أموره. ويقال: إنّ نوحا عليه السلام ولد فى وقته. قال: وولد لهرصال عشرون ولدا، جعل مع كل ولد منهم قاطرا «1» وهو رأس الكهنة. وتزعم القبط أنه بعد مائة وسبع وعشرين سنة من ملكه لزم الهياكل وتعبّد للكواكب فأخفته عن أعين الناس. وأقام بنوه على حالهم كل واحد منهم فى قسمه الذى أعطاه إياه يدبّره ولا يشركه فيه غيره. وأمور الناس جارية على سداد، فأقاموا كذلك سبع سنين. ثم وقع بين الإخوة تشاجر، واجتمع رأى الكهنة على أن يجعلوا أحدهم ملكا، ويقيم كل واحد منهم فى قسمه. فاجتمعوا فى ذلك اليوم فى دار المملكة، وقام رأس الكهّان فتكلّم وذكر هرصال وسعادة أيامه وما شملهم فيها من الخير، وأخبر بما رأته الجماعة من تقليد أحدهم الملك. فإن كان هرصال لم يمت ورجع إليهم لم ينكر ما فعلوه لأنهم أرادوا بذلك حفظ ملكه، وإن لم يرجع كان الأمر قد جرى على ما سلف من قيام ملك بعد ملك فاجتمع رأيهم على أكبر ولده وهو:
ندسان «2» بن هرصال. فملك وسار سيرة أبيه وحمد الناس أمره. وعمل قصرا من خشب ونقشه بأحسن النقوش، وصوّر فيه صور الكواكب ونجّده بالفرش وحمله على الماء وكان يتنزّه فيه. فبينما هو فيه إذ زاد النيل زيادة عظيمة وهبّت ريح عاصف فانكسر القصر وغرق الملك. وكان قد نفى إخوته إلى المدائن
(15/12)

الداخلة فى الغرب. واقتصر على امرأة من بنات عمّه، وكانت ساحرة، فتفرّد بها واستخلف بعض وزرائه على الملك وأقبل على لذّته ولهوه. فلمّا هلك كتمت امرأته الساحرة موته، وكان أمرها ونهيها يخرجان إلى الوزير عن الملك. وأقام الناس تحت طاعته سبع سنين لا يعلمون بأمره. فلما رأى إخوته طول غيبته جمعوا جموعا كثيرة وقدّموا على أنفسهم أحدهم وهو شمرود «1» الجبّار وساروا إلى أمسوس. وبلغ ذلك امرأة ندسان الساحرة فأمرت الوزير بالخروج إليهم ومحاربتهم، ففعل ذلك ولقيهم فمزّقوه وقتلوا كثيرا ممن كان معه، ودخلوا مدينة أمسوس، وأتوا دار المملكة فلم يروا ندسان وأيقنوا بهلاكه.
وملك شمرود بن هرصال فسرّ الناس به، ووعدهم بحسن السّيرة فيهم وتغيير ما كانوا ينكرونه على أخيه. واستولى على كنوزه وخزائنه ففرّقها على إخوته، وأقطعهم جميع ما كان فى يد ندسان. وطلب امرأته الساحرة وابنها ليقتلهما، فانتقلت إلى مدينة أهلها من الصعيد، وكانوا كلّهم كهّانا سحرة، فامتنعت بهم، وأرسلت إلى الناس وعرّفتهم أنّ ابنها الملك فى وقته؛ لأنّ أباه قلّده الملك وأمرها أن تدبّر أمره حتى يكبر، فصدّقوها وأجابوها وقالوا: إنّ الغلام مغصوب على ملك أبيه، وإنّ شمرود متغلب. فاجتمع فى ناحيتها جماعة من أهل البلد وزحف ابن الساحرة وقد عمل له السحرة أصنافا من التخاييل الهائلة والنيران المحرقة، فقامت الحرب بينهم أياما؛ فانهزم شمرود وإخوته وتعلّقوا ببعض الجبال.
وملك توميدون «2» بن ندسان وهو ابن الساحرة. ودخل دار الملك وجلس على السرير ولبس التاج الذى كان لأبيه وأطاف به بطانة أبيه، وهو يومئذ حدث السنّ،
(15/13)

وكانت أمه تدبّر أمره، فقتل كلّ من كان مع شمرود. وطلب شمرود حتى ظفر به، واجتمع الناس لينظروا ما يصنع به، فشدّ رأسه برأس أسطوانة قائمة، ورجلاه برأس أسطوانة أخرى. وكان طوله فيما يذكر القبط عشرين ذراعا، ووكّلت الساحرة به حرسا لتقتله يوم عيدها، وكان قريبا، فصاح بالليل صيحة مات منها بعض الحرس وهرب الباقون. فلمّا اتّصل بها ذلك أوقدت نارا وأمرت بإنزاله وجعلت تقطع منه عضوا عضوا وترميه فى النار. قال: وخرج «1» ابنها كاهنا منجّما، وعملت له الشياطين قبّة الزّجاج الكبيرة الدائرة على دوران الفلك، وصوّروا عليها صور الكواكب، وكانوا يعرفون الطالع منها وما يحدث بطلوعه بعد ستين سنة. ثم ماتت أمّه الساحرة وأوصت أن يجعل جسدها تحت صنم القمر فإنه يخبرهم بالعجائب وما يسألون عنه ففعلوا ذلك. وذل الناس لابنها وهابوه، وكان يتصوّر لهم فى صور كثيرة، وملكهم مائة سنة وستين سنة. ولمّا حضره الموت أمرهم أن يعملوا له صنما من زجاج على شقّين ويطبق على جسده بعد أن يطلى بالأدوية الممسكة ويلحم ويقام فى هيكل الأصنام، ويجعل له عيد فى السنة ويقرّب له قربان، وتدفن علومه وكنوزه تحته، ففعلوا ذلك كله.
ولمّا مات ملك بعده ابنه شرناق «2» بن توميدون، فعمل بسيرة أبيه وجدّته، واجتمع الناس عليه. وزحف رجل من بنى صرابيس «3» بن إرم من ناحية العراق، فتغلّب
(15/14)

على الشام، وأراد أن يزحف إلى مصر، فعرف أنه لا يصل اليها لسحر أهلها، فأراد أن يدخلها متنكّرا ليقف على أحوالها، فخرج فى نفر حتى بلغ الحصن الذى كانوا بنوه على مصر. فسألهم الحرس الموكّلون به عن أمرهم، فعرّفوهم أنهم قصدوا بلدهم ليسكنوه، فحبسوهم وطالعوا الملك بخبرهم. وكان الملك قد رأى فى منامه كأنه قائم على منار لهم عال، وكأن طائرا عظيما انقضّ عليه ليختطفه، فحاد عنه حتى كاد يسقط عن المنارة فجاوزه ولم يضرّه، فانتبه مرعوبا، وبعث إلى رأس الكهنة فقصّ عليه رؤياه، فعرّفه أن ملكا يطلب ملكه فلا يصل اليه. فنظر فى علمه فرأى أنه قد دخل بلده. فلما وردت الرسل بذكر القوم علم أن الملك فيهم؛ فوجّه جماعة من أصحابه فاستوثقوا منهم وحملوهم اليه، وقد كان أمرهم أن يطوفوا بهم فى أعمال مصر كلها ليروا ما فيها من الطّلّسمات والأصنام المتحرّكات والعجائب المعجزات، فبلغوا بهم إلى الإسكندرية، ثم ساروا بهم إلى أمسوس وطيف بهم على عجائبها. ثم سير بهم إلى الجنّة التى عملها مصرام، وكان الملك مقيما بها وأمر السحرة بإظهار التهاويل والتخاييل، فجعلوا يتعجّبون مما رأوا الى أن وصلوا الى شرناق الملك والكهنة حوله وقد أظهروا صنوف العجائب، وجعلوا بين يدى الملك نارا عظيمة لا يصل اليه إلا من خاضها ولا تضرّ إلا من أضمر للملك غائلة، وأمر بدخولها، فشقّوها واحدا واحدا لم ينلهم منها أذّى، وكان الملك آخرهم، فلمّا دنا من النار أخذته فولّى هاربا. فأتى به شرناق فسأله عن أمره فأقرّ، فأمر بقتله على أسطوانة عند باب الحصن من ناحية الشام، فقتل وزبر عليه: هذا فلان المتغلّب على الشام أضمر غائلة الملك، طلب ما لا يصل اليه فعوقب بهذا. وأمر بإخراج الباقين من بلاده فأخرجوا. وقيل لهم: قد وجب عليكم القتل لصحبتكم من أراد الفساد فى الأرض، ولكنّ الملك عفا عنكم. فكانوا لا يمرّون على أحد إلّا حدّثوه بما رأوا من العجائب، فانقطعت أطماع الملوك عن
(15/15)

الوصول الى مصر والتعرّض إليها. وعملت فى أيامه عجائب كثيرة، منها أنه عمل على باب كل مدينة بطّة نحاس قائمة على أسطوانة، فإذا دخل الغريب من الباب صفّقت بجناحيها وصرخت، فيؤخذ ويكشف عن أمره. وشقّ الى مدائن الغرب نهرا من النيل، وبنى على عبره منازل وأعلاما وغرس بينها غروسا، وكان اذا خرج إليها سار فى عمارة متّصلة. وملكهم مائة سنة وثلاثين سنة ثم مات.
وملك بعده ابنه سهلوق بن شرناق، وكان كاهنا منجّما، فأفاض العدل وقسم ماء النيل قسما موزونا، صرف الى كل ناحية قسمها، ورتّب المراتب وجعلها على سبعة أقسام: فالطبقة الأولى الملك وولده وأهل بيته ومن يلى عهده ورأس الكهّان والوزير الأكبر وقائد الجيش الأكبر وصاحب خاتم الملك وصاحب خزانته. والطبقة الثانية مراتب العمّال والمتولّين جباية الأموال والإشراف على النفقات فى أمر المملكة ومصالح البلد والعمارات وقسمة المياه. والطبقة الثالثة الكهّان وأصحاب الهياكل وخدمتها ومتولو القرابين والمشرفون على جميع ما يتقرّب به من بواكير الفواكه والرياحين وفتىّ البقر والفراريح الذكور ورءوس خوابى الشراب. والطبقة الرابعة المنجّمون والأطباء والفلاسفة. والطبقة الحامسة أصحاب عمارة الأرض ومتولّو أمر الزراعة. والطبقة السادسة أصحاب الصناعات والمهن فى كلّ فنّ، والمشرفون على أعمالهم ونقل ما يستحسنون منها الى خزانة الملك. والطبقة السابعة أصحاب الصّيد من الوحش والسّباع والطير والهوامّ والخشاش، والمشرفون على أخذ دمائها ومرائرها وشحومها وحملها الى الأطبّاء لإصلاح العقاقير وتأليف الأدوية. وتقدّم ألا يدخل أهل مهنة ولا صناعة فى غيرهم، ومن قصّر فى عمله عوقب، ومن أحسن فى عمله جوزى بقدره. وكانت رتبة الألحان والملاهى فى قسمة الملك. وتقدّم فى استنباط المعادن وبناء المدائن ونصب الأعلام والمنارات وإبداع الصناعات وجرّ المياه وتوليد غرائب
(15/16)

الأشجار. وأقام على أعالى الجبال سحرة يقسمون الرياح ويمنعون من يقصدهم ويقصد بلادهم بأذّى، وكذلك كلّ مفسد من طائر وسبع ووحش وهوامّ، وأجرى أمر البلاد والناس على سداد، وجعل فى كلّ صنف من الناس صنفا من الكهنة يعلّمونهم الدين، ودينهم يومئذ الصابئة الأولى. ويرفع كلّ صنف منهم ما يجرى من أمر ما يتولّونه الى الملك فى كلّ يوم. وعمل البيت ذا القباب النوريّة الثلاث، وأوقد فيه النار الدائمة تعظيما للنور. والقبط تزعم أنه أوّل من وضع بيتا لتعظيم النار.
وقيل: إن جم الفارسىّ إنما بنى بيت النار- وهو أوّل من عمل ذلك للفرس- اقتداء بسهلوق مصر. وكان السبب فى عمل سهلوق بيت النار أنه رأى أباه فى نومه يقول له: انطلق الى جبل كذا من جبال مصر فإنّ فيه كوّة من صفتها كذا وكذا، وإنك واجد على باب الكوّة أفعى لها رأسان، وإنها اذا رأتك كشّت فى وجهك، فليكن معك طيران صغيران، فإذا رأيت الأفعى فاذبحهما لها وألقهما إليها، فإنه يأخذ كلّ رأس من رأسيها أحد الطيرين وتتنحّى الى سرب قريب من الكوّة فتدخله، فإذا غابت عنك فادخل الكوّة فإنك تنتهى الى «1» آخرها الى صورة امرأة جميلة الخلق، وهى من نور حارّ يابس، وسوف يقع عليك وهجها وتحسّ بحرارة شديدة، فلا تقرب منها فتحترق، وقف وسلّم عليها فإنها تخاطبك فاسكن الى خطابها، وانظر ما تقوله لك فاعمل به، فإنك تشرف بذلك. وهى حافظة كنوز جدّك مصرام التى رفعها الى مدائن العجائب المعلّقة وهى تدلّك عليها. وتنال مع ذلك شرفا فى بلدك وطاعة فى قومك، ثم مضى وتركه.
فلمّا انتبه سهلوق جعل يفكّر فيما رأى ويتعجّب منه، ورأى أن ينفّذ ما أخبره به أبوه، فمضى الى الجبل وحمل الطيرين معه وفعل جميع ما أمره أبوه الى أن وقف حذاء المرأة وسلّم عليها، فقالت له: أتعرفنى؟ قال: لا، لأنّى ما رأيتك قبل وقتى هذا.
(15/17)

قالت: أنا صورة النار المعبودة فى الأمم الخالية، وقد أردت أن تحيى ذكرى وتتّخذلى بيتا وتوقد فيه نارا دائمة بقدر واحد، وتتّخذ لها عيدا فى كل سنة تحضره أنت وقومك فإنك تتّخذ بذلك عندى يدا وتنال به شرفا وملكا الى ملكك، وأمنع عنك وعن بلدك من يطلبك ويعمل الحيلة عليك، وأدلك على كنوز جدّك مصرام. فلمّا سمع ذلك منها ضمن لها أن يفعل، ودلّته على الكنوز التى كانت لجدّه تحت المدائن المعلّقة، وكيف يصير إليها ويمتنع من الأرواح الموكّلة بها وما يبخّرها به. فلمّا فرغ من ذلك قال لها: كيف لى بأن أراك فى الأوقات وأسألك عمّا أريده، أأصير اليك فى هذا المكان أو غيره؟ قالت: أمّا هذا المكان فلا تقدر بعد وقتك هذا عليه؛ لأنّ الأفعى التى رأيتها فيه قيّمته لأنّ فيه آية تمنع أن يوقف عليها فى وقتنا هذا، ولكن إن أحببت أن ترانى فدخّن فى البيت الذى تعمله لى بكذا وكذا: أشياء ذكرتها له، منها: عظام ما يقرّبه له من القرابين والذبائح والصّموغ، فإنى أتخيّل لك وأخبرك بكل حقّ وباطل مما يكون فى بلدك. فلمّا سمع ذلك منها سرّ به وغابت عنه، وظهرت الأفعى وخرج هاربا وجعل على الكوّة سدّا، وعمل ما أمرته به وأخرج كنوز جدّه.
وعمل من العجائب بأمسوس وغيرها ما يطول شرحه. وعمل القبّة المركّبة على سبعة أركان، ولها سبعة أبواب، على كل باب صورة معمولة، وكان يقال لها قبّة القصر.
وكان السبب فى بنائها أنّ بعض الكهّان جار فى قضيّة قضى بها؛ وذلك أن بعض العامّة أتاه يشكو امرأته- وكان يحبّها والمرأة تبغضه- وسأله أن يقوّمها له، وكانت المرأة من أهل بيت الكاهن، فمالأها على زوجها، وأمره بتخليتها فلم يفعل، فحبسه وشدّد عليه، وكان من أهل الصناعات، فاجتمع جماعة من أهل صنعته ممّن كان قد عرف حال المرأة معه وأنها له ظالمة وهو لها منصف، فوقفوا على ظلم الكاهن فاستعدوا عليه عند خليفة الملك. فأحضر الكاهن وسأله، فذكر أنه لم يحكم إلّا بواجب. فأحضر
(15/18)

رؤساء الكهنة والقوم الذين شهدوا للرجل، فوقف على ظلم الكاهن فأخرج الرجل وحبس الكاهن مكانه، وأمر بعقوبة المرأة وردّها إلى زوجها ورفع ذلك إلى الملك، فأمر بإخراج الكاهن من رسم الكهانة، وأن يعاقب ويحبس إلى أن يرى فيه رأيه.
واهتمّ الملك لذلك وخشى أن يجرى من غير ذلك الكاهن فى أمر الرعيّة مثل ما جرى منه، فبات مهموما. ثم فكّر فى أمر النار، فأتى إلى بيت النار ودخّن بالدّخنة التى أمرته بها، فأتته وخاطبته. فسألها أن تعمل له عملا يقف به على حقيقة أمر المظلوم من الظالم، فأمرته أن يعمل بيتا مركّبا على سبعة أركان ويجعل له سبعة أبواب فى كل ركن باب، ويعمل فى وسطه قبّة من صفر، ويصوّر عليها صور الكواكب السبعة، ويعمل تحت القبّة مطهرة من جوهر ملوّن، ويجعل فيها سبعة أدهان من أشجار مختلفة؛ وتكون القبّة معلّقة على سبعة أساطين، ويعمل على الباب الأوّل تمثال أسد رابض، وحذاءه من الجانب الآخر لبؤة رابضة من صفر ويقرّب لهما جرو أسد ويبخّرهما بشعره. وعلى الباب الثانى صورة ثور وبقرة ويذبح لهما عجلا ويبخّرهما بشعره. وعلى الباب الثالث صورة خنزير وحذاءه خنزيرة ويذبح لهما خنّوصا «1» ويبخّرهما بشعره. وعلى الباب الرابع صورة فرس وحجر «2» ويذبح لهما مهرا ويبخرهما بشعره.
وعلى الباب الخامس صورة ثعلب وحذاءه أنثاه ويذبح لهما جرو ثعلب ويبخّرهما بوبره. وعلى الباب السادس صورة حمار وحذاءه أتان ويذبح لهما عيرا ويبخّرهما بشعره. وعلى الباب السابع صورة ديك وحذاءه دجاجة ويذبح لهما فرّوجا ويبخّرهما بريشه. ويلطخ وجوهها جميعا بدم ما يذبح. ثم يحرق بقيّة القربان ويجعل تحت عتب أبوابها وتغلّق الأبواب، ويقام للبيت سدنة يوقدونه ليله ونهاره. فإذا «3» فرغ ذلك
(15/19)

يتكلّم على باب الكواكب السبعة، فإنى سوف ألقى روحانيّة الكواكب على تلك الصور فتنطق. وإذا فرغت من ذلك فاجعل لكل مرتبة من المراتب التى قسمتها بابا من تلك الأبواب، وليكن باب الأسد لأهل بيت المملكة، وسائر الأبواب لسائر المراتب. فإذا تقدّم الخصمان إلى شىء من تلك الصور التصقت بالظالم وشدّت عليه شدّا عنيفا يؤلمه حتى يخرج لخصمه من حقّه، الذكر للذكر، والأنثى للأنثى، فيعرف بذلك المظلوم من الظالم، ومن كان له قبل أحد حقّ ودعاه الى تلك الصور فلم يجئ معه فأتاه المظلوم، وقد عرّف الصورة ذلك، أقعد الظالم من رجليه وخرس لسانه ولم يتحرّك. فاستراح الملك الى تلك الصورة. ولم تزل على ذلك حتى أزالها الطوفان مع ما أزال من أعمالهم وطلّسماتهم وعجائبهم. وعملت فى أيام سهلوق أعمال كثيرة، وكتبت سيرته وما عمل من العجائب فى مصحف. وعمل عقاقير كثيرة وتماثيل ومحرّكات وصنعة، وأمر أن يحمل ذلك كلّه إلى ناووس عمله لنفسه فى الجبل الغربىّ ونقل اليه حكمه. وهلك بعد أن ملك تسعا وستين سنة وحمل إلى ناووسه، وأقام أهل المملكة ووجوه المدينة ونساؤهم عند ناووسه شهرا يبكون عليه ويتوجّعون عنده، واغتّموا عليه غمّا لم يغتمّوه على ملك قبله، وأقاموا لناووسه سدنة يخدمونه.
وملك بعده ابنه سوريد بن سهلوق؛ وكان أبوه قد قلّده الملك قبل مهلكه، فملك واقتفى سيرة أبيه فى العمارة ومصالح البلد والإنصاف بين الناس والأخذلهم من نفسه وأهل بيته، وعمل الهياكل وبنى المنارات، ونصب الأعلام والطّلّسمات فأحبّه الناس.
وبنى بالصعيد ثلاث مدائن وعمل فيها عجائب كثيرة. وهو أوّل من جبى الخراج بمصر، وألزم أهل الصناعات على أقدارهم، وأوّل من أمر بالإنفاق على الزّمنى والمرضى من خزائنه. وعمل مرآة من أخلاط كان ينظر منها جميع الأقاليم ما أخصب منها وما أجدب وما حدث فيها، وكانت المرآة على منارة من النحاس وسط مدينة أمسوس،
(15/20)

وكان يعلم من المرآة من يقصد مدينته من جميع النواحى فيتأهّب له. وهو أوّل من عمل صحيفة فى كلّ يوم يكتب فيها جميع ما يكون فى يومه وما يعمله ويرفع اليه، ثم يخلد فى خزانته يوما بيوم. وإذا مضى الشهر نقلت إلى مصحف الملك وختمه بخاتمه، وما صلح أن يزبر على الحجارة زبره: وكذلك ما عمل من الصنائع وما أحدث منها. وكان يعطى الرغائب على الصّناعات العجيبة والحكم الغريبة. وعمل فى المدائن صورة امرأة جالسة فى حجرها صورة صبىّ كأنها ترضعه، فمن أصابتها علّة بجسمها مسحت ذلك الموضع من جسد تلك الصورة فيزول عنها ما تجد، وكذلك إن قلّ لبنها مسحت ثديها، وإن أحبّت أن يعطف عليها زوجها مسحت وجهها يدهن طيّب وقالت افعلى كذا وكذا، وإن قلّت حيضتها مسحت فوق ركبها، وإن كثر دمها ونزفت مسحت تحت ركبها، وإن أصاب ولدها شىء فعلت مثل ذلك بالصبىّ فيبرأ، وإن عزّت «1» ولادتها ومسحت رأس الصبىّ سهلت ويسهل افتضاضها، وإذا بخرته ومسحته بدهن طيّب منع جميع التوابع. وإذا وضعت الزانية يدها عليها ارتعدت حتى تكفّ عن زناها. وما كان من أعمال الليل بخّرت ليلا، وما كان من أعمال النهار بخّرت نهارا. وكانت تعمل أعمالا كثيرة إلى أن أزالها الطوفان.
قال: وفى بعض كتب القبط أنها وجدت بعد الطوفان وأنهم استعملوها وعبدوها.
وصورتها مصوّرة فى جميع البرابى، واسمها نبلوية، والذى دلّهم عليها قرابة فليمون «2» الكاهن. قال: وعمل سوريد عجائب كثيرة، منها الصنم الذى يقال له نكرس «3» المعمول من عدّة أخلاط كان يعمل أعمالا كثيرة فى الطبّ ودفع الأسقام
(15/21)

والعلل، ويعرفون به من تبرئه الأدوية فيعيش، وإن كان يموت فله علامات فيقصرون عن علاجه، وكانوا يغسلون المواضع التى بإزاء أعضاء العلل منه ويسقى لصاحب الداء فيزول عنه. وهو أوّل من عمل الأفروثنات «1» وزبر فيها جميع العلوم.
وهو الذى بنى الهرمين الكبيرين.
ذكر خبر بناء الأهرام وسبب بنائها وشىء من عجائبها
قال: كان بناء الأهرام قبل الطوفان بنحو ثلاثمائة سنة. وقد ذكرنا فيما سلف من كتابنا «2» هذا نبذة من خبر الأهرام فى الباب الثالث من القسم الخامس من الفنّ الأوّل؛ وذلك فى السّفر الأوّل من هذه النسخة. ونحن الآن نذكر من خبرها خلاف ما قدّمناه مما أورده إبراهيم بن القاسم الكاتب مما اختصره من كتاب العجائب الكبير لإبراهيم بن وصيف شاه. قال: كان سبب بنائها أن الملك سوريد رأى رؤيا أفزعته؛ رأى كأنّ الأرض انقلبت بأهلها، وكأنّ الناس يخرّون على رءوسهم، وكأنّ الكواكب تتساقط ويصدم بعضها بعضا بأصوات هائلة مفزعة، فغمّه ذلك ولم يذكره لأحد، وعلم أنه سيحدث فى العالم أمر عظيم. ثم رأى بعد ذلك [بأيام] كأنّ الكواكب الثابتة [نزلت الى الأرض «3» ] فى صور طيور تنصبّ «4» ، وكأنها تتخطّف الناس وتلقيهم بين جبلين عظيمين، وكأنّ الجبلين انطبقا عليهم، وكأنّ الكواكب النيّرة مظلمة كاسفة؛ فانتبه أيضا مذعورا فزعا، فدخل الى هيكل الشمس وجعل يمرّغ خدّيه ويبكى. ولمّا أصبح أمر
(15/22)

بجمع رؤساء الكهنة من جميع أعمال مصرفآ جتمعوا، وكانوا مائة وثلاثين، فخلابهم وقصّ عليهم رؤياه، فأعظموه وأكبروه وأوّلوه على أمر عظيم يحدث فى العالم. فقال لهم فليمون- وكان من كبارهم وكان لا يبرح من حضرة الملك لأنه رأس كهنة أمسوس-: إنّ فى رؤيا الملك لعجبا وأمرا كبيرا، والملوك رؤياهم لا تجرى على فساد ولا كذب لعظم أخطارهم، وكبر أقدارهم. وأنا أخبر الملك عن رؤيا رأيتها منذ سنة لم أذكرها لأحد من الناس. فقال له الملك: قصّها علينا. قال: رأيت كأنى مع الملك على رأس المنار الذى فى أمسوس، وكأنّ الفلك قد انحطّ من موضعه حتى قارب سمت رءوسنا، وكان علينا كالقبّة «1» المحيطة بنا، وكأنّ [الملك قد رفع يديه نحو السماء وكواكبها «2» ] قد خالطتنا فى صور مختلفة، وكأن الناس يستغيثون بالملك وقد انضمّوا الى قصره، وكأنّ الملك رافع يديه ليدفع الفلك أن يبلغ رأسه، وأمرنى أن أفعل فعله ونحن على وجل شديد، إذ رأينا منه نورا مضيئا طلعت علينا منه الشمس، فكأنّا استغثنا بها، فخاطبتنا بأنّ الفلك سيعود الى موضعه اذا مضت ثلاثمائة دورة، وكأنّ الفلك لصق بالأرض ثم عاد الى موضعه، ثم انتبهت فزعا.
فعند ذلك قال لهم الملك: خذوا ارتفاع الكواكب فانظروا هل من حادثة تحدث.
فنظروا فأخبروه بأمر الطوفان وبعده بذكر النار [التى تخرج من برج الأسد تحرق العالم «3» ] ، فذكروا له أن ذلك يكون فى وقت عيّنوه له من مقارنات النجوم ونزولها فى الأبراج على ما حرّروه من الدقائق، وشرحه إبراهيم فى كتابه مما لا فائدة لنا فى ذكره. قال: فلما تبيّن ذلك له أمر بقطع الأساطين العظام ونشر البلاط
(15/23)

الكبير المصفّح، واستخراج الرصاص من أرض المغرب، وإحضار الصخور السود التى جعلها أساسا من ناحية أسوان، وكانت تحمل على أطواف «1» . وقيل:
كانت لهم فراقلّ من خوص لها عذب وعليها كتابة منقوشة، فكانوا إذا ضربوا بها الحجارة عدت على وجه الأرض وحدها مقدار رمية سهم حتى وضعت الأساسات.
وأمر أن يزبر على البلاط المنشور المهندم جميع علومهم. ثم بنى الأهرام الثلاثة الأول: الشرقىّ، والغربىّ، والملوّن؛ فكانوا يجعلون فى وسط البلاطة قلب حديد قائما ويركّبون عليه بلاطة أخرى مثقوبة الوسط، ثم يدخل ذلك القلب الحديد فى ثقب البلاطة التى تطبق عليه، ويذاب الرّصاص ويصبّ حول البلاطة بعد أن تؤلّف الكتابة التى عليها. وجعل أبوابها من تحت الأرض بأربعين ذراعا فى آزاج «2» مبنيّة بالحجارة فى الأرض، طول كل أزج مائة وخمسون ذراعا. قال: فأما باب الهرم الشرقىّ فإنه من الناحية الجنوبية «3» على قياس مائة ذراع من وسط حائط الهرم الى الناحية الجنوبيّة، ويحفر حتى ينزل الى باب الأزج ثم يدخل اليه منه.
وأما باب الهرم الغربىّ فمن الناحية الغربيّة يقاس أيضا من وسط الحائط الغربىّ الى الغرب مائة ذراع، ويحفر حتى ينزل الى باب الأزج المبنىّ ويدخل منه اليه.
وأما باب الهرم الملوّن فمن الناحية البحرية «4» يقاس أيضا من وسط الحائط البحرىّ مائة ذراع، ويحفر حتى ينزل الى باب الأزج. وجعل طول كل واحد منها أربعمائة
(15/24)

ذراع بالملكى، يكون خمسمائة بذراعنا. وجعل تربيع كل واحد أربعمائة ذراع. وبناها فى الاستواء الى أربعين ذراعا ثم هرّمها «1» . وكان أوّل بنائهم لها فى أوقات السعادة، فلمّا فرغ منها كساها ديباجا ملوّنا من أعلاها الى أسفلها، وعمل لها عيدا عظيما لم يبق فى المملكة أحد إلّا حضره. ثم أمر «2» بعمل ثلاثين جرنا من حجارة الصوّان ملوّنة فجعلت فى الهرم الغربىّ، ونقل اليها من الكنوز والأموال والجواهر المعدنيّة، والجواهر المسبوكة الملوّنة، والآلات الزّبرجد. والتماثيل المعمولة، والطّلّسمات، والحديد الفاخر، والسلاح الذى لا يصدأ، والزجاج الذى ينطوى «3» ولا ينكسر، والنواميس والمولّدات والدّخن وأصناف العقاقير والمفردات والمؤلّفات والسموم وغير ذلك شيئا كثيرا لا يدرك وصفه. ونقل الى الآخر وهو الشرقىّ أصنام الكواكب والقباب الفلكيّة، وما عمل أجداده من التماثيل والدّخن التى يتقرّب بها لها ومصاحفها، وما عمل لها من التواريخ والحوادث التى مضت، والحوادث التى تحدث، والأوقات التى تحدث فيها، ومن يلى مصر من الملوك الى آخر الزمان، وكون الكواكب الثابتة وما يحدث بكونها وقتا وقتا، وجعل فيها المطاهر»
التى فيها المياه المدبّرة والبودقات الدهنية وما أشبه هذه الأشياء. وجعل فى الهرم الآخر أجساد الكهنة فى توابيت من الصوّان الأسود، وعند كل كاهن منهم مصحف فيه عجائب صناعته وسيرته وما عمل فى وقته. وكانوا سبع مراتب.
فالمرتبة الأولى القاطرون، وهم الذين يعبدون الكواكب السبعة لكل كوكب
(15/25)

سبع سنين، ومعنى القاطرون جامع العلوم. والمرتبة الثانية لمن يعبد ستّة من الكواكب وهم اللاحقون بالدرجة الأولى. ثم يسمّون صاحب الخمسة وما دونها كل واحد باسم، فجعل فى كل ناحية من الهرم مرتبة من هذه المراتب، فأجسادهم هناك وما عملوه من العجائب. وجعل فى الحيطان «1» من كل جانب مما يدور أصناما [تعمل «2» ] بأيديها جميع الصنائع على مراتبها وأقدارها، وصفة كل صنعة وعلاجها وما يصلح لها، وكذلك أصحاب النواميس ومن عالج شيئا من الأشياء وجعل فيها أموال الكواكب التى أهديت إليها الكواكب وأموال الكهنة. وجعل لكل هرم منها خادما؛ فخازن «3» الهرم الشرقىّ صنم من جزع أسود [مجزّع بأسود] وأبيض له عينان مفتوحتان [برّاقتان، وهو] جالس على كرسىّ، ومعه شبيه بالحربة، إذا نظر إليه الناظر سمع من جهته صوتا كالرعد يكاد يفزع قلبه، فيهيم على وجهه ويختلس عقله، ولا يكاد يفارق الهرم حتى يموت فيه. وجعل خازن الهرم الآخر من حجر الصّوّان المجزّع، معه شبيه بالحربة، وعلى رأسه حيّة تطوّق «4» بها، من قرب منه وثبت عليه من ناحيته وتطوّقت فى عنقه فقتلته [ثم تعود إلى مكانها] . وجعل خازن الهرم الثالث صنما صغيرا من حجر البهتة «5» على قاعدتيه، من نظر إليه اجتذبه إليه حتى يلتصق به فلا يفارقه حتى يموت. فلمّا فرغ من ذلك حصنها «6» بالأرواح وذبح لها
(15/26)

الذبائح لتمنع «1» عن نفسها [من أرادها] إلا من قرّب إليها وعمل لها أعمال الوصول فإنه يصل اليها. قال: وذكر القبط أنه كتب عليها اسم الملك والوقت الذى بناها فيه، ويقول: إنا بنيناها فى ستّ سنين «2» فقل لمن يأتى بعدنا يهدمها فى ستمائة سنة فإن الهدم أهون من البنيان. وإنا كسوناها الدّيباج الملوّن المذهب المرقوم بالذهب فقل لمن يأتى بعدنا يكسوها حصيرا. فنظروا فوجدوا أحدا لا يقوم بهدمها وكسوتها لأنه لا يستطاع ذلك ولا يقدر عليه.
قال: وحكى عن هذه الأهرام عجائب يطول الشرح بذكرها؛ منها أن المأمون لمّا دخل إلى مصر أحبّ أن يهدم أحدها ليعلم ما فيها، فقيل له: إنك لا تقدر على ذلك. فقال: لا بدّ من فتح شىء «3» منه. فعولجت الثّلمة المفتوحة منه فأنفق عليها مالا كثيرا لنار توقد وخلّ يرشّ ومنجنيقات ترمى بها، فوجد عرض الحائط قريبا من عشرين ذراعا. فلما انتهوا الى داخل الهرم وجدوا خلف الحائط عند النقب مطهرة خضراء فيها ذهب مضروب دنانير، وزن كل دينار أوقية «4» من أواقينا، وكان عددها ألف دينار، فعجبوا من ذلك ولم يعرفوا ما معناه، ثم أتى المأمون بالذهب والمطهرة فجعل يتعجّب من الذهب وحسنه وجودته وحمرته، فقال:
ارفعوا لى حساب ما أنفقتموه على هذه الثّلمة ففعلوا، فوجده بإزاء المال الذى أصابوه لا يزيد ولا ينقص. فعجب المأمون من معرفتهم على طول المدد بأنهم سيفتحونه من ذلك الموضع بعينه، ومعرفتهم بمقدار ما ينفق عليه وتركهم مقداره
(15/27)

فى موضعه، فقال: كان هؤلاء القوم من العلوم بمنزلة لا ندركها نحن ولا أمثالنا.
وقيل: إنّ المطهرة التى وجد فيها الذهب كان من زبرجد، فأمر المأمون بحملها إلى خزانته، وكانت أحد ما حمل من عجائب مصر.
ومن عجائب أخبارها أنّ المأمون لمّا فتح الهرم أقام الناس سنين يقصدونه ويدخلون فيه وينزلون الزلّاقة التى فيه، فمنهم من يسلم ومنهم من يهلك.
وأنّ جماعة من الأحداث اهتمّوا، وكانوا عشرين رجلا، على أن يدخلوا الهرم ولا يبرحوا منه حتى يقفوا على منتهى أمره، فأخذوا معهم من الطعام والشراب ما يكفيهم لشهرين، وأخذوا السكك والحبال والشمع والوقيد والفؤس والقفاف ودخلوا الهرم، ونزل أكثرهم فى الزلّاقة الأولى والثانية، ومضوا فى أرض الهرم فرأوا فيه خفافيش بقدر العقبان تضرب وجوههم، فانتهوا إلى لصب «1» فى حائط تخرج منه ريح باردة لا تفتر، فذهبوا ليدخلوا فانطفأت سرجهم، فجعلوها فى زجاج وذهبوا ليدخلوا فكاد اللّصب ينطبق عليهم فهابوه فقال أحدهم: اربطوا وسطى بحبل وأنا أدخل، فإذا كاد اللّصب ينطبق فجرّونى إليكم؛ وكان على باب اللّصب أجرنة «2» فارغة فعلموا أنّ أجساد موتاهم داخل ذلك اللصب، فربطوه بالحبل، فلمّا تقحّم «3» اللصب انطبق عليه فجرّه أصحابه فلم يقدروا على نزعه وسمعوا عظامه تتكسّر، وسمعوا صيحة هائلة فسقطوا على وجوههم لا يعقلون. فلمّا أفاقوا طلبوا الخروج فأخرجهم أصحابهم بشدة، وسقط بعضهم فى وقت صعودهم من الزلّاقة فنزل، وخرجوا من الهرم فجلسوا فى سفحه متعجّبين، فإنهم كذلك إذ أخرجت لهم الأرض صاحبهم
(15/28)

يتكلّم بكلام كاهنىّ فسّره لهم بعض أصحاب الديارات بالصعيد: هذا جزاء من يطلب ما ليس له؛ ثم سقط ميّتا، فحملوه وفطن بهم فأخذوا وأتى بهم إلى الوالى فحدّثوه بالخبر.
وفى خبر آخر: أنّ قوما دخلوا الهرم وانتهوا إلى أسفله وطوّفوه فعرض لهم مثل الطريق فساروا فيه فوجدوا قبّة تحتها كالمطهرة يقطر فيها ماء فينشّ «1» ثم يغيض «2» ولم يدروا ما هو، ووجدوا موضعا كالمجلس المربّع حيطانه كلّها بحجارة ملوّنة عجيبة، فقلّع أحدهم منها حجرا وجعله فى كمّه فانسدّت أذناه من الريح، ولم تزل «3» تصر وهو معه، ووجدوا مكانا كالفوّارة العظيمة فيها ذهب مضروب كثير يكون الدينار منه زهاء مائة مثقال، فأخذوا منه شيئا فلم يستطيعون أن يمشوا ولم يتحرّكوا حتى تركوه من بين أيديهم. ووجدوا فى مكان آخر كالصّفّة فيها شيخ من حنتم «4» أخضر كأنه مشتمل بشملة، وبين يديه تماثيل صغار فى صور الصّبيان وكأنه يعلمهم، فأخذوا منه شيئا فلم يقدروا أن يتحرّكوا فردّوه، ومشوا أيضا فى ذلك الطريق فوجدوا بيتا مسدودا فيه دوىّ هائل وزمزمة فلم يتعرّضوا له، ومضوا فوجدوا كالمجلس المرّبع فيه صورة ديك من جواهر معمولة، قائم على أسطوانة خضراء، وله عينان يسرج منهما المجلس، فلما قربوا منه صوّت بصوت مفزع وخفق بجناحيه، فتركوه ومضوا حتى بلغوا صنما من حجر أبيض فى صورة امرأة منكّسة على رأسها ومن جانبيها أسدان من حجارة كأنهما يريدان نهسها «5» ، فجعلوا يتعوّذون ويقرءون إلى أن جاوزوها. قال: وقيل إنهم مشوا حتى لاح لهم نور فاتّبعوه فإذا بفوّهة مفتوحة فخرجوا منها فإذا هم
(15/29)

فى صحراء، وإذا على باب تلك الفوهة تمثالان من حجر أسود معهما كالمزراقين فعجبوا من ذلك. ووجدوا أجرنة منقورة وأسطوانات مخروطة، فساروا منها بعدا فانتهوا إلى ماء وجدوه فى نقار «1» حذاء تلك الفوهة، وأخذوا نحو المشرق فساروا يوما حتى وصلوا إلى الأهرام من خارج فأخبروا والى مصر بخبرهم، فوجّه معهم من يدخل من تلك الفوهة، فطافوا فلم يجدوها وأشكل عليهم أمرها. ووجد الآخذ للحجر الحجر جوهرا نفيسا فباعه بمال.
قال: وحكى أنّ قوما فى زمن أحمد بن طولون «2» دخلوا الهرم فوجدوا فى طاق فى أحد بيوته أستاندانة زجاجا ثخينة فأخذوها وخرجوا، ففقدوا رجلا منهم فدخلوا فى طلبه، إذ خرج عليهم الرجل عريانا يضحك ويقول: لا تتعبوا فى طلبى، ورجع هاربا الى أن دخل، فعلموا أن الجنّ استهوته وشاع أمرهم، فأخذوا الأستاندانة منهم ومنع الناس من الدخول الى الهرم، ووزنت الأستاندانة فكانت أربعة أرطال زجاجا أبيض صافيا، فانتبه رجل من أهل المعرفة لها وقال:
لم تعمل إلّا لشىء، وملأها ماء ووزنها فوجد وزنها وهى ملأى مثل وزنها فارغة لا تزيد ولا تنقص فكانت أعجوبة.
وحكى أن قوما دخلوا الهرم ومعهم من يريدون يعبثون به، فلمّا همّوا بذلك خرج عليهم غلام أسود أمرد فى يده عصا فأخذ فى ضربهم، فخرجوا هاربين وتركوا ما كان معهم من طعام وشراب وبعض ثيابهم.
وحكى أن رجلا دخل بامرأة ليفجر بها فصرعا جميعا ولم يزالا مجنونين مشهورين حتى ماتا.
(15/30)

قال: وفى بعض مصاحف القبط أن سوريد الملك لما أخبره كهنته بخبر النار المحرقة وأنها تخرج من برج الأسد فتحرق العالم، عمل فى الأهرام مسارب موّجهة الى آزاج ضيّقة تجتلب الرياح الى داخل بصوت هائل. وعمل فيها مسارب يدخل منها ماء النيل الى مكان ينتهى الى موضع من أرض الغرب وأرض الصعيد، وملأ تلك الأسراب عجائب وطلّسمات وأصناما تنطق.
قال: وحكى بعض القبط أن سوريد لمّا أخبره منجّموه قال: انظروا لبلدنا هذا هل تلحقه آفة؟ فنظروا فقالوا: يلحقه طوفان ويلحقه خراب يقيم فيه عدّة سنين وتغلب عليها التنانين. قال: كيف يكون خرابها؟ قالوا: يقصدها ملك فيقتل أهلها ويغنم مالها ويهدم مصانعها. قال: ثم ماذا؟ قالوا: ثم تكون عمارتها من قبله. قال: ثم ماذا؟ قالوا: ثم يقصدها قوم مشوّهون من ناحية مصبّ النيل فيأتون على أكثرها. قال: ثم ماذا؟ قالوا: ثم ينقطع نيلها ويجلو أهلها عنها؛ فأمر أن يكتب جميع ذلك على الأهرام.
قال: وذكر رجل من أهل الغرب ممن يختلف الى الواح ويحمل الشّمار «1» على جمل له أنه بات فى بعض الليالى قرب الهرم فما زال يسمع الضوضاء والعطعطة فهاله ذلك وتباعد عنه بجمله، وكان يرى حول الهرم شبه النيران تأتلق، فلم يزل مرعوبا الى أن سرقته عيناه فنام وأصبح وهو فى الموضع الذى جمع منه الشّمار وشماره موضوع بحاله، فتعجّب من ذلك وشدّ شماره على جمله ورجع الى الفسطاط وآلى على نفسه ألّا يقرب من الهرم بعد ذلك.
(15/31)

قال: والقبط يذكرون أنّ روحانيّة الهرم الغربى فى صورة امرأة عريانة مكشوفة الفرج حسناء لها ذؤابتان، فإذا أرادت أن تستفزّ الإنسىّ ضحكت اليه فاختلسته الى نفسها فيدنو منها فتستهويه ويزول عقله. قال: وقد رأى جماعة هذه المرأة تدور حول الهرم وقت القائلة وعند غروب الشمس. وروحانيّة الهرم الشرقى غلام أمرد أصفر عريان له ذؤابة. قال: وقد رأوه أيضا يطوف حوله. وروحانيّة الهرم الملوّن فى صورة شيخ يرى عليه برطلة «1» وفى يده مجمرة من مجامر الكنائس وهو يبخّر كذلك فى جميع الأفروثنات «2» .
وأمّا روحانيّات البرابى: فبربا إخميم «3» روحانيّتها غلام أسود عريان. وروحانيّة بربا قفط «4» فى صورة جارية سوداء تحمل صبيّا أسود صغيرا. وروحانية بربا دندرة «5» فى صورة إنسان رأسه رأس أسد وله قرنان. وروحانية بربا بوصير «6» فى صورة شيخ
(15/32)

أبيض عليه زىّ الرهبان ومعه مصحف يحمله. وروحانية بربا سمنّود «1» فى صورة شيخ آدم طوال أشيب صغير اللحية. وروحانيّة بربا عدىّ فى صورة راع عليه كساء ومعه عصا. وهذه البربا فى أعمال المرتاحيّة «2» من عمل أشمون طنّاح «3» بقرب تلبانة عدىّ «4» .
قال: ولكلّ من هذه الأهرام والبرابى قرابين وبخورات تظهر كنوزها وتؤلّف بين الناس والروحانيّين الذين بها.
(15/33)

ولنرجع الى أخبار الملوك
قال: وأقام سوريد فى الملك مائة سنة وسبع سنين، وقد كان منجّموه عرّفوه الوقت الذى يموت فيه واليوم والساعة، فأوصى الى ابنه هرجيب وعرّفه ما يعمل، وأمره أن يدخل جسده الهرم، وأن يجعله فى الجرن الذى أعدّه لنفسه ويغشّيه بكافور، ويحمل معه ما أعدّه من فاخر الثياب والسلاح والآلات، فامتثل جميع ما أمره به.
ولما مات ملك بعده ابنه هرجيب «1» بن سوريد فسار بستره أبيه فى العدل والعمارة والرأفة بالناس، فأحبّوه. وبنى الهرم الأوّل من أهرام دهشور وحمل اليه من المال والجوهر. وكان غرضه جمع المال وعمل الكيمياء واستخراج المعادن ودفن ما تهيّأ له من الكنوز فى كل سنة. وكانت له ابنة أفسدت مع بعض خدمه فنفاها الى ناحية الغرب، وأمر أن تبنى لها مدينة هناك ويقام عليها علم ويزبر عليها اسمها، وأسكن معها كل امرأة مسنّة من أهل بيته. قال: وشجّ رجلا فأمر بقطع أصابعه، ووجد سارقا من العامّة فملّك رقّه الذى سرق منه، وعمل منارات ومصانع وطلّسمات، وملكهم نيّفا وسبعين سنة.
وملك عليهم بعده ابنه منقاوش بن هرجيب وكان جبّارا أثيما فآذى الناس وسفك الدماء واغتصب النساء واستخرج كنوز آبائه، وبنى قصورا بالذهب والفضة [وأجرى «2» ] فيها الأنهار، وجعل حصباءها من صنوف الجواهر، وتخرّق «3» فى الهبات وأغفل العمارات فأبغضه الناس، وأباح أصحابه غصب نساء العامّة. وأطاف به أهل الشرّ من كل ناحية، وكان يفترع النساء قبل أزواجهنّ، وامتنع عليه قوم
(15/34)

فى شىء أمرهم به فأحرقهم بالنار، وسلّط رجلا من الجبّارين اسمه قرناس «1» من ولد وراديس بن آدم على الناس ووجّهه لمحاربة الأمم الغربية فقتل منهم أمما.
وكان أشجع أهل زمانه ثم هلك، فأغتمّ عليه الملك وأمر أن يدفن مع الملوك فى الهرم. ويقال: بل عمل له ناووسا وأقام عنده أعلاما وزبر عليها اسمه وما عمله فى وقته. وملك منقاوش ثلاثا وسبعين سنة ومات، فجعل فى الهرم مع أجداده فى حوض مرمر مصفّح بالذهب والجوهر، وحمل معه كثير من ذخائره وأمواله وسلاحه وعجائبه.
وملك بعد ابنه أقروش «2» بن منقاوش، وكان عاقلا فخالف آثار أبيه وعدل فى الناس وردّ النساء الّلاتى غصبهنّ منقاوش الى أهلهنّ. وعمل فى وقته فوّارة قطرها مائة ذراع وطولها خمسون ذراعا، وركّب فى جميع جوانبها أطيارا تصفر بأصناف اللغات المطربة لا تفتر. وعمل فى وسط المدينة منارتين من صفر عليهما صورة رأس إنسان من صفر كلّما مضت ساعة من النهار صاح ذلك الرأس صياحا عاليا، وكذلك الليل، فيعلم به دخول الساعات، وجعل فيه علامة لكلّ ساعة تمضى تعرف بها عدّتها.
وعمل منارا آخر وجعل على رأسه قبّة صفر مذهب ولطخها بلطوخات، فإذا غربت الشمس اشتعلت تلك القبّة نارا «3» يضىء بها أكثر المدينة لا تطفئها الأمطار ولا الرّياح، فإذا كان النهار قلّ ضوءها بضوء الشمس. ويقال: إنه أهدى الدرمسيل [بن محويل «4» ] الملك ببابل مائدة «5» من الزبرجد قطرها خمسة أشبار، وكان استهداه ذلك ليجعلها فى بيت القربان. ويقال إنها وجدت بعد الطوفان. ويقال أيضا: إنه عمل على الجبل
(15/35)

الشرقىّ صنما عظيما قائما على قاعدة [وهو «1» ] مصبوغ بلطوخ أصفر مصوّر بالذهب ووجّهه الى الشمس يدور معها حتى تغرب، ثم يدور ليلا الى الناحية الجنوبيّة حتى يحاذى الشمس «2» مع الصبح، فلم يزل الى أن سقط فى أيام فرغان «3» الملك فتهشم. وكان نصبه تعظيما للشمس. ويقال: إن أقروش كان يطلب الولد فنكح ثلاثمائة أمرأة يبتغى الولد منهنّ فلم يكن ذلك. وقيل: إنّ فى عصره عقمت الأرحام لما أراد الله عزوجل من هلاك العالم بالطوفان، وعقمت أرحام البهائم ووقع الموت فيها.
وقيل: إن الأسد كثرت فى وقته حتى كانت تتخلّل البيوت، فاحتالوا لها بالطّلّسمات المانعة والحيل المضرّة لها، فكانت تغيب وقتا وتعود، فرفعوا ذلك الى الملك فقال:
هذه علامة مكروهة، وأمر أن تعمل أخاديد وتملأ نارا واجترّوا إليها الأسد بالدّخن التى تجلب روحانيتها وألقوها على تلك النّيران، فاجتلبتها تلك الدخن فتهافتت فى تلك النيران فاحترقت. وبنى فى وقته مدائن فى ناحية الغرب تلفت بالطوفان مع أكثر مدنهم.
قال: وارتفعت الأمطار عنهم وقلّ الماء فى النيل فأجدبوا، وهلك الزرع بالنار والريح الحارّة وغيرها، فأضرّ ذلك بهم، فاحتالوا لدفع النار بطلّسماتهم فكانت تذهب وتعود. وقيل: إنّ الذى فعل بهم ذلك ساحر من سحرتهم كان منقاوش غصبه امرأته فكان يعمل الحيلة قليلا قليلا فى إفساد طلّسماتهم؛ لأن لكل طلسم شىء تبطل به روحانيته. وبهذه العلّة دخل بختنصّر الفارسىّ مصر وقد كانت ممتنعة من جميع الملوك. فلمّا أفسد ذلك الساحر الطلّسمات، سلّط عليهم تلك الآفات وأفسد طلّسمات التماسيح فهاجت عليهم ومنعتهم الماء وعذّبهم عذابا كبيرا الى أن
(15/36)

فطنوا به من قبل تلاميذه؛ وذلك أن أحدهم لامه على فعله فانتهره ونفخ فى وجهه فأظلم عليه بصره، فجاء الى وزير الملك وعرّفه القصّة فأنهاها الى الملك، فأمر الملك بإدخاله عليه فأدخل، فسأله عن الخبر فعرّفه يفعل الساحر، فأنفذ اليه جيشا ليأتوه به، فلمّا نظر الساحر الى القوم وقد أقبلوا دخّن دخنة أغشت أبصارهم وارتفعت منها عجاجة نار أحرقت وحالت بينه وبينهم، فهالهم ذلك، فرجعوا الى الملك وعرّفوه ما جرى فأمر بجمع السحرة، وكان من رسم السحرة أن يعاهدوا ملوكهم على أن يكونوا معهم ولا يخالفونهم ولا ينالهم منهم مكروه ولا يبغونهم الغوائل، فمن فعل ذلك سلب علمه، وكان للملك أن يسفك دمه ودم أهل بيته وولده، وكانوا مع الملوك على هذه الحال يوفون بعهودهم. فلمّا اجتمع السحرة عند الملك أخبرهم خبر الساحر، وكان يقال له: أختاليس، وبما عمله وقال: تحضرونه إلىّ وإلّا أهلكتكم؛ فسألوه النّظرة «1» فأنظرهم، فأخذوا أولادهم ونساءهم وخرجوا هاربين، فلمّا خرجوا عنه تكلّموا بينهم وقالوا: إنكم لتعرفون كثرة علم أختاليس وشدّة سحره، وما نرى لنا به طاقة، ومنقاوش الملك الذى نقض عهده وتعدّى عليه وأخذ امرأته غصبا، فاحتالوا لخلاصكم منه؛ فأجمعوا أنهم يصدقون الملك عن أنفسهم، ويستأذنونه فى الذهاب اليه ومداراته حتى يأتوه به بعد أن يأخذوا له أمانا منه ويجدّد العهد بينه وبينه.
فمضوا الى الملك وصدقوه عن أنفسهم، فأجابهم الى ما سألوه من ذلك، ثم مضوا الى أختاليس فلطفوا به ووعظوه الى أن أجابهم الى ما أرادوا، فكتبوا الى الملك بذلك، فكتب للساحر أمانا وعهدا، فرجع وردّت اليه امرأته، فأكرمها وردّها الى دار الملك، وعرّفهم أنه لا يرى فى ذمّته أن يلابس امرأة لابسها الملك على حال من الأحوال لما كانوا يراعونه من حقوق الملك، فسرّ الناس بذلك وعجبوا من عقله
(15/37)

وحكمته، وصلح أمر الناس، وعمل أختاليس طلّسمات وعجائب كثيرة. قال:
وملكهم أقروش أربعا وستين سنة، وهلك وليس له ولد ولا أخ، فدفن فى الهرم وجعلت معه أمواله وذخائره وجواهره والصنائع التى عملت فى وقته، واجتمع الناس على تمليك رجل من أهل بيت الملك.
فملّكوا عليهم أرمالينوس، فلمّا ملك أمر بجمع الناس وقال: أرى الأمم الغربية قد تطرّقت إليكم فى نواحيكم، ويوشك أن تسير إليكم، وأنا مانع لبلادكم ودمائكم منهم بغزوهم والخروج إليهم وتحويلكم إياهم، وأحتاج الى معونة من حكمائكم بالأعمال الهائلة والتخاييل العجيبة، فشكروه ودعوا له بالتوفيق. وقالت الحكماء: نحن نخرج مع الملك إذا خرج ونبلغ له مجابه أو يقيم ونحن نخرج مع الجيش مكانه ونبذل أنفسنا دونه. فامتنع من ذلك وخرج فى جيش عظيم وحارب تلك الأمم ونكأ «1» فيها أعظم نكاية، ورجع غانما وخلّف فى وجوههم جيشا، فاجتمعت تلك الأمم فهزمت جيشه ورجع أصحابه مغلوبين فعظم ذلك عليه. وكانت أصابته علّة من تغيّر الهواء فأنفذ ابن عمّ له يقال له فرعان بن مسور، وكان أحد الجبابرة الذين لا يطاقون، وهو أوّل «2» فرعون تسمّى بهذا الاسم ومن سمّى بعده سمّى تشبيها به؛ فأنفذه الملك أرمالينوس فى جيش عظيم فأجلى تلك الأمم ونفاها الى أطراف البحر، وعاد ومعه خلق كثير من الأسرى والرءوس، فأمر الملك بنصب تلك الرءوس حول مدينته وقتل جميع الأسرى. وكان منهم كاهن فأمر الملك أن يوشر «3» بمنشار، وهو أوّل من فعل
(15/38)

ذلك، فأعلم «1» الملك فرعان وألبسه خلعا منظومة بالجوهر، وأمر بأن يطاف به ويذكر فضله، وأمر له ببعض قصوره.
واتفق أن امرأة من نساء الملك عشقته وراسلته فامتنع فرعان من ذلك وفاء للملك، ولأنّ التحظّى الى نساء الملوك كان من الأمور العظيمة عندهم. فلمّا طال ذلك عليها أحضرت ساحرة ولا طفتها وذكرت لها حالها ووجدها بفرعان، فضمنت لها بلوغ مأربها منه وسحرته لها، فاهتاج اليها وندم على ردّها وجعل يدسّ اليها الى أن اجتمعت معه، وتمكّن حبّ كلّ واحد منهما من صاحبه، الى أن ذاكرته أمر الملك وأنها لا تأمن أن يتّصل به خبرهما وقالت: أنا أعمل الحيلة فى قتله وتكون أنت الملك وأكون لك ونأمن على أنفسنا. فمن شدّة ما عنده من حبّها حسّن لها ذلك، فسمّت الملك فى شرابه فمات لوقته وحمل الى الهرم.
وملك بعده فرعان بن مسور وجلس على سرير الملك فلم ينازعه أحد، وفرح الناس بمكانته لشجاعته. وهو الذى كان الطوفان فى وقته. قال: ولمّا ملك علا فى الأرض وتجبّر واغتصب الناس أموالهم وأنفسهم ونساءهم، وعمل ما لم يعمله ملك قبله؛ وأسرف فى القتل وهابته الملوك وأقرّوا له. وهو الذى كتب الى الدرمسيل ملك بابل يشير عليه بقتل نوح عليه السلام. وذلك أن الدرمسيل بن محويل كتب الى الأقاليم يسألهم: هل يعرفون آلهة غير الأصنام؟ ويذكر قصّة نوح وأنه يريد تغيير ذلك، وأن له إلها غيرها، فكلّ أنكر ذلك. ولمّا أخذ نوح فى بناء السفينة كتب فرعان الى الدرمسيل يشير عليه بإحراقها، وكان عند أهل مصر خبر الطوفان ولكنهم لم يقدروا كثرته وطول مقامه على الأرض، فاتّخذوا السراديب تحت الأرض
(15/39)

وصفّحوها بالزجاج وحبسوا فيها الرياح بتدبيرهم، واتخذ فرعان منها عدّة له ولأهل بيته. وكان فرعان قد أقصى الكهّان وباعدهم، وكانوا مع الملوك على خلاف ذلك.
ولنصل هذا الخبر بخبر الكهّان وما كانوا عليه.
ذكر خبر كهّان مصر وحالهم مع الملوك
قال: وكهّان مصر أعظم الكهان علما، وأجلّهم فى الكهانة حديثا. وكان حكماء اليونان يصفونهم بذلك، ويشهدون لهم به ويقولون: أخبرنا حكماء مصر بذلك فاستفدناه منهم. وكانوا ينحون فى كهانتهم نحو الكواكب، ويزعمون أنها هى التى تفيض عليهم العلوم وتخبرهم بالغيوب، وهى التى علّمتهم أسرار الطبائع، ودلّتهم على العلوم المكنونة؛ فعملوا الطلّسمات المشهورة، والنواميس الجليلة، وولّدوا الولادات الناطقة، والصور المتحرّكة؛ وبنوا العالى من البنيان، وزبروا علومهم فى الصلب من الصّوّان، وانفردوا بعمل البرابى، ومنعوا بها الأعداء من بلدهم، وعجائبهم ظاهرة. وكان الذى يتعبّد منهم الكواكب السبعة المدبّرة، لكلّ كوكب سبع سنين، فإذا بلغ هذه الرتبة سمّى قاطرا «1» ، وكان يجلس مع الملك فى المرتبة ويصدر الملك عن رأيه، وإذا رآه قام له.
وكان من رسمهم فى كل يوم أن يدخل القاطر إلى الملك فيجلس إلى جانبه، ويدخل الكهنة ومعهم أصحاب الصناعات فيقفوا حذاء القاطر، وكلّ واحد من الكهنة منفرد بكوكب يخدمه لا يتعدّاه إلى سواه، ويسمّى عبد كوكب كذا، كما كانت العرب تسمّى عبد شمس، فيقول القاطر للكاهن: أين صاحبك؟ فيقول:
(15/40)

فى البرج الفلانى فى الدرجة الفلانية فى دقيقة كذا، ويسأل الآخر حتى إذا عرف مستقرّ الكواكب قال للملك: ينبغى لك أن تعمل اليوم كذا، وتضع بنيان كذا، وتوجّه جيشا إلى ناحية كذا، وتجامع فى وقت كذا، وتأكل فى وقت كذا، وجميع ما يراه صلاحا له فى أموره كلّها؛ والكاتب قائم يكتب جميع ما يقوله القاطر، ثم يلتفت إلى أهل الصناعات فيقول: انقش أنت صورة كذا على حجر كذا، واغرس أنت كذا، واصنع أنت كذا، حتى يمرّ على أهل الصناعات؛ فيخرجون إلى دار الحكمة ويضعون أيديهم فى تلك الأعمال، ويستعمل الملك جميع ما يأمره القاطر. ويشرح ذلك اليوم فى الصحيفة وتطوى وتودع فى خزانة الملك، فعلى ذلك كانت تجرى أمورهم.
وكان الملك إذا نابه أمر جمعهم واصطفّ الناس لهم فى شارع المدينة، ثم يدخلون ركبانا يقدم بعضهم بعضا، ويضرب بين أيديهم بطبل الاجتماع، فيدخل كلّ واحد منهم بأعجوبة: فمنهم من يعلو وجهه نور كنور الشمس فلا يقدر أحد على النظر إليه، ومنهم من يكون عليه بدنة «1» جوهر أخضر أو أحمر أو من ذهب منسوج. ومنهم من يدخل راكبا أسدا متوشّحا بحيّات عظام. ومنهم من تكون عليه قّبة من نور أو من جوهر فى صنوف من العجائب كثيرة. ويصنع كلّ واحد منهم ما يدلّه عليه كوكبه الذى يعبده؛ فإذا دخلوا على الملك قالوا: أرادنا الملك لأمر كذا وقد علمنا، أو أضمر الملك كذا والصواب فيه كذا. فكانوا مع ملوكهم على هذه الحال حتى ملك فرعان فأبعدهم. وكان فليمون «2» رئيس الكهّان، فرأى فيما يرى النائم كأنّ مدينة أمسوس قد انقلبت بأهلها، وكأنّ الأصنام
(15/41)

تهوى على رءوسها، وكأنّ ناسا ينزلون من السماء معهم مقامع «1» فيضربون الناس بها، وكأنه قد تعلّق بأحدهم وقال له: ما لكم تفعلون بالخلق هذا! أما ترحمونهم؟ فقال:
لأنهم كفروا بإلهم. قال: أفما لهم من خلاص؟ قالوا: نعم، من أراد الخلاص فليلحق بصاحب السفينة، فانتبه وهو يخاطبه، فبقى مرعوبا مما رآه. وكان له امرأة وولدان ذكر وأنثى ومعه تلاميذه، فأجمع على أن يلحق بنوح عليه السلام، ثم نام أيضا فرأى كأنه فى روضة خضراء، وكأنّ فيها طيورا بيضاء تفوح منها رائحة طيّبة، وكأنه تعجّب من حسنها إذ تكلّم بعض الطيور فقال لأصحابه: سيروا بناننج المؤمنين. قال له فليمون: ومن هؤلاء المؤمنون؟ قال: أصحاب السفينة. فانتبه مرعوبا وأخبر أهله وتلاميذه بذلك ثم نام.
فلمّا كان الغد أتى الملك فقال: إن رأى الملك أن ينفذنى إلى در مسيل لأعرف حال هذا الرجل الذى عمل السفينة فأشاهده وأناظره على ما جاء به من هذا الدّين الذى أظهره وأتبيّن حقيقة أمره فليفعل؛ فإنى أرجو أن يكون ذلك سببا لهلاكه ودفعه عما يدّعيه، فأعجب الملك ذلك منه وأذن له فى الخروج، فسار بأهله وولده وتلاميذه حتى انتهوا إلى أرض بابل وقصد نوحا وسأله أن يشرح له دينه ففعل ذلك، فآمن به وجميع من معه، فقال نوح عليه السلام: من أراد الله عزوجل به الخير لم يصدفه أحد عنه. فلم يزل فليمون مع نوح عليه السلام يخدمه هو وولده وتلاميذه إلى أن ركبوا السفينة.
وأمّا فرعان الملك فإنه أقام منهمكا فى ضلاله وظلمه، مقبلا على لهوه، واستخفّ بالكهنة والهياكل، وضاقت الدنيا بأهلها، وكثر الهرج والظلم، وفسدت الزروع،
(15/42)

وأجدبت النواحى، وظلم الناس بعضهم بعضا، ولم يكن أحد ينكر ذلك عليهم، وسدّت الهياكل والبرابى، وطيّنت أبوابها، وجاءهم الطوفان وأقبل المطر عليهم، وكان فرعان سكران فلم يقم إلّا بخرير الماء، فوثب مبادرا يريد [الهرب «1» إلى] الهرم فتخلخلت الأرض به، وطلب الأبواب فخانته رجلاه وسقط على وجهه وجعل يخور كما يخور الثور، إلى أن أهلكه الله تعالى بالطوفان، ومن دخل الأسراب منهم هلك بغمّها، ولحق الماء من الأرض والأهرام إلى آخر التربيع، وهو ظاهر عليها إلى الآن، وانقرضت ملوك الدنيا أجمع بالطوفان ولم يسلم إلا أصحاب السفينة كما تقدّم. فعدّة من سمّى لنا من ملوك مصر قبل الطوفان على هذا السّياق تسعة عشر ملكا، ثم ملكها بعد الطوفان من نذكره.
ذكر من ملك مصر بعد الطوفان من الملوك
قال إبراهيم بن القاسم الكاتب: قال إبراهيم بن وصيف شاه: أجمع أهل الأثر أنّ أوّل من ملك مصر بعد الطوفان مصريم بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام، وذلك بدعوة سبقت له من جدّه. وكان السبب فى ذلك أنّ فليمون الكاهن سأل نوحا عليه السلام أن يخلطه بأهله وولده وقال: يا نبىّ الله، إنى قصدتك رغبة فى الإيمان بالله سبحانه وتعالى وتصديقك يا نبىّ الله، وتركت وطنى وبلدى فاجعل لى رفعة وقدرا أذكر بهما من بعدى، فزوّج نوح عليه السلام بيصر بن حام بنت فليمون الكاهن فولدت له ولدا سمّاه فليمون مصريم «2» باسم بلده، فلمّا أراد نوح قسمة الأرض بين بنيه قال له فليمون: ابعث معى يا نبىّ الله ابنى حتى أمضى به إلى بلدى وأظهره على كنوزه وأوقفه على علومه ورموزه، فأنفذه معه فى جماعة من أهل بيته، وكان
(15/43)

غلاما مراهقا، فلمّا قرب من مصر بنى له عريشا من أغصان الشجر وستره بحشيش الأرض، ثم بنى له بعد ذلك فى الموضع مدينة وسمّاها درسان «1» ، أى باب الجنة؛ فزرعوا وغرسوا الأشجار والأجنّة من درسان الى البحر. [فصارت هناك «2» ] زروع وأجنّة وعمارة وكان الذين مع مصريم جبابرة؛ فقطعوا الصخور وبنوا المعالم والمصانع وأقاموا فى أرغد عيش.
ونكح مصريم امرأة من بنات الكهنة فولدت له ولدا سمّاه قبطيم، ونكح قبطيم بعد سبعين سنة من عمره امرأة ولدت له أربعة نفر، وهم: قفطريم، وأشمون، وأتريب، وصا، وكثروا وعمّروا الأرض وبورك لهم فيها. وقيل: كان عدد من وصل مع مصريم ثلاثين نفرا فبنوا مدينة سمّوها مافه، ومعنى مافه ثلاثون بلغتهم، وهى منف؛ وكشف أصحاب فليمون عن كنوز مصر وعلّموهم خطّ البرابى، وأثاروا لهم المعادن من الذهب والزبرجد والفيروزج والأسباد شم «3» وغير ذلك، ووصفوا لهم عمل الصنعة، فجعل الملك أمرها الى رجل من أهل بيته يقال له مقيطام، فكان يعمل الكيمياء فى الجبل الشرقىّ فسمّى به المقطّم، وعلّموهم أيضا عمل الطلّسمات.
وكانت تخرج من البحر دوابّ تفسد زرعهم وأجنّتهم وبنيانهم فعملوا لها الطلّسمات فغابت ولم تعد. وبنوا على عبر البحر مدنا منها: رقودة مكان الإسكندرية، وجعلوا فى وسطها قبّة على أساطين من نحاس مذهب والقبّة مذهبة، ونصبوا فوقها مرآة من أخلاط شتّى قطرها خمسة أشبار؛ وكان ارتفاع القبّة مائة ذراع؛ فكانوا اذا قصدهم قاصد من الأمم التى حولهم، فإن كان مما يهمّهم أو من البحر عملوا لتلك المرآة عملا فألقت شعاعها على ذلك الشىء فأحرقته؛ فلم تزل على حالها الى أن غلب عليها
(15/44)

البحر فنسفها. وقيل: إن الإسكندر إنما عمل المنارة تشبّها بها. وقد ذكرنا خبر المنارة فيما تقدّم من كتابنا هذا «1» .
وقال: لما حضرت مصريم الوفاة عهد الى ابنه قبطيم بن مصريم؛ فقسم قبطيم مصر بين بنيه الأربعة: فجعل لابنه قفطريم من قفط الى أسوان الى النّوبة، ولأشمون من أشمون الى منف، ولأتريب الحوف كلّه الى الشجرتين الى أيلة من الحجاز، ولصا من ناحية صا البحيرة الى قرب برقة؛ وقال لأخيه فارق: لك من برقة الى المغرب، فهو صاحب إفريقية. وولده الأفارق. وأمر كل واحد من بنيه أن يبنى لنفسه مدينة فى موضعه. وأمر مصريم عند موته أن يحفروا له فى الأرض سربا وأن يفرشوه بالمرمر الأبيض ويجعلوا فيه جسده، ويدفنوا معه جميع ما فى خزائنه من الذهب والجوهر، ويزبروا عليه أسماء الله تعالى المانعة من أخذه. فخفروا له سربا طوله مائة وخمسون ذراعا، وجعلوا فى وسطه مجلسا مصفّحا بصفائح الذهب، وجعلوا له أربعة أبواب، على كل باب منها تمثال من ذهب عليه تاج مرصّع بالجوهر، جالس على كرسىّ من ذهب قوائمه من زبرجد، وزبروا فى صدر كل تمثال آيات عظاما مانعة، وجعلوا جسده فى جرن من المرمر مصفّح بالذهب وزبروا على مجلسه: مات مصريم بن بيصر بن حام بعد سبعمائة عام مضت من أيام الطوفان، ومات ولم يعبد الأصنام، إذ لا هرم ولا سقام، ولا حزن ولا اهتمام، وحصنه بأسماء الله العظام، لا يصل اليه إلا ملك ولدته سبعة ملوك يدين بدين الملك الديّان، ويؤمن بالبعث والفرقان، الداعى الى الإيمان فى آخر الزمان. وجعلوا معه فى ذلك المجلس ألف قطعة من الزبرجد المخروط، وألف تمثال من الجوهر النفيس، وألف
(15/45)

برنية [مملوءة «1» ] من الدرّ الفاخر والصّنعة الإلهية، والعقاقير البرّيّة، والطلّسمات العجيبة، وسبائك الذهب مكدّسة بعضها على بعض، وسقّفوا ذلك بالصخور العظام وهالوا فوقها الرمال [بين جبلين «2» ] .
واستقلّ قبّطيم بالملك بعد أبيه.
ويقال: إنّ قبط مصر منسوبون اليه. وهو أوّل من عمل العجائب وأثار المعادن، وشقّ الأنهار. ويقال: إنه لحق البلبلة «3» وخرج منهم بهذه اللغة القبطية، وعمل ما لم يعمله أبوه من نصب الأعلام والمنارات والعجائب والطلّسمات. وملكهم قبطيم [أربعمائة و «4» ] ثمانين سنة ومات؛ فاغتمّ عليه بنوه وأهله ودفن فى الشرق فى سرب تحت الجبل الكبير الداخل، وصفّحوه بالمرمر الملوّن وجعلت فيه منافذ للرّياح؛ فهى تتخرق فيه بدوىّ عظيم هائل، وجعل فيه من الكبريت الأحمر وأكر من نحاس مطليّة بأدوية مشعلة لاتطفأ، ولطّخوا جسده بالمرّ والكافور والموميا، وجعلوه فى جرن من ذهب فى ثياب منسوجة بالمرجان والدرّ، وكشفوا عن وجهه وجعلوه تحت قبّة ملوّنة، فى وسطها درّة معلّقة تضىء كالسراج، والقبّة على أعمدة بين كلّ عمودين تمثال فى يده أعجوبة، وجعلوا حول الجرن توابيت مملوءة جوهرا وذهبا وتماثيل وصنعة وغير ذلك، وحول ذلك مصاحف القبط والحكمة، وسدّوا عليه بالصخور والرّصاص وزبروا عليه كما زبروا على ناووس أبيه.
وملك بعده ابنه قفطريم بن قبطيم؛ وكان أكبر ولد أبيه؛ وكان جبّارا عظيم الخلق، وهو الذى وضع أساسات الأهرام الدّهشوريّة وغيرها ليعمل منها كما عمل الأوّلون، وهو الذى بنى دندرة ومدينة الأصنام. ودندرة: بلد من بلاد إقليم قوص، وهى فى البرّ الغربىّ مشهورة هناك. قال: وأثار من المعادن ما لم يثره غيره،
(15/46)

وكان يجرّ من الذهب مثل حجر الرحى، ومن الزّبرجد كالأسطوانة، ومن الأسبادشم فى صحراء الغرب كالقلّة. وعمل من العجائب شيئا كثيرا. وبنى منارا عاليا على جبل قفط يرى من البحر الشرقىّ، ووجد هناك معدن زئبق فعمل منه بركة كبيرة، فيقال إنها هناك الى الآن؛ وأما المنار فسقط. وعمل عجائب كثيرة. ويقال: إنه بنى المدائن الداخلة وعمل فيها عجائب كثيرة، منها: الماء الملفوف القائم كالعمود لا ينحلّ ولا يذوب، والبركة التى تسمّى فلسطين، أى صيّادة الطير، إذا مرّ عليها الطير سقط فيها ولم يمكنه أن يبرح حتى يؤخذ. وعمل أيضا عمودا من نحاس عليه صورة طائر إذا قربت الأسد والحيّات والأشياء المضرّة من تلك المدينة صفر صفيرا عاليا فترجع تلك الدوابّ هاربة. وكان على أربعة أبواب هذه المدينة أربعة أصنام من نحاس لا يقرب منها غريب إلّا ألقى عليه النوم والسّبات، فينام عندها ولا يستيقظ حتى يأتيه أهل المدينة وينفخون فى وجهه فيقوم، وإن لم يفعلوا ذلك لم يزل نائما عند الأصنام حتى يهلك. وعمل منارا لطيفا من زجاج ملوّن على قاعدة من نحاس، وعلى رأس المنارة صورة صنم من أخلاط كثيرة، وفى يده كالقوس كأنه يرمى عنها، فإن عاينه غريب وقف فى موضعه لم يبرح حتى ينجيه أهل المدينة. وكان ذلك الصنم يتوجّه إلى مهبّ الرياح الأربع من نفسه.
قال وقيل: إن هذا الصنم على حالته إلى الآن، وإنّ الناس تحاموا تلك المدينة على كثرة ما فيها من الكنوز والعجائب الظاهرة خوفا من ذلك الصنم أن تقع عين الإنسان عليه فلا يزال قائما حتى يتلف. قال: وكان بعض الملوك عمل على قلعه فما أمكنه، وهلك لذلك خلق كثير. ويقال: إنه عمل فى بعض المدن الداخلة مرآة من أخلاط ترى جميع ما يسأل الإنسان عنه وهى غربىّ البلد. قال: وعمل خلف الواحات الداخلة مدنا عمل فيها عجائب كثيرة
(15/47)

ووكّل بها الروحانيّين الذين يمنعون منها؛ فما يستطيع أحد أن يدنو منها ولا يدخلها أو يعمل قرابين أولئك الروحانيين فيصل إليها حينئذ ويأخذ من كنوزها ما أحبّ من غير مشقّة ولا ضرر. قال: وأقام قفطريم ملكا أربعمائة سنة. وأكثر العجائب عملت فى وقته ووقت ابنه البودسير «1» . وكان الصعيد أكثر عجائب من أسفل الأرض. قال: وفى آخر أيام قفطريم هلكت عاد بالريح العقيم.
ولمّا حضرت قفطريم الوفاة عمل له ناووس من الجبل الغربىّ قرب مدينة الكهنة، كان عمله لنفسه قبل موته فى سرب فى الجبل كهيئة الدار الواسعة وجعل دورها خزائن منقورة، وجعل فى سقوفها مسارب للرياح، وبنى ذلك بالمرمر، وجعل فى وسط الدار مجلسا على ثمانية أركان مصفحا بالزجاج الملوّن المسبوك، وجعل فى سقفه جواهر وحجارة تسرج، وجعل فى كل ركن من أركان المجلس تمثالا من الذهب بيده كالبوق، وجعل تحت القبّة دكّة مصفّحة بالذهب، وجعل لها حوافى زبرجد، وفرش فوق الدكّة فرش الحرير، وجعل عليها جسده بعد أن لطخ بالأدوية الممسكة، ومن جوانبه آلات الكافور المخروطة، وسدلت عليه ثياب منسوجة بالذهب، ووجهه مكشوف وعلى رأسه تاج ملكه، وعن جوانب الدكّة أربع تماثيل مجوّفات من زجاج مسبوك مثل صور النساء وألوانهن، بأيديهن كالمراوح من ذهب، وعلى صدره من فوق الثياب سيف صاعقىّ قائمه من الزبرجد، وجعل فى تلك الخزائن:
من الزبرجد وسبائك الذهب والتيجان والجواهر وبرانى الحكم وأصناف العقاقير والطّلّسمات، ومن المصاحف الحاوية لجميع العلوم، ما لا يحصى قدره كثرة؛ وجعل على باب المجلس ديك من ذهب على قاعدة من زجاج أخضر منشور الجناحين مزبور عليه آيات عظام مانعة، وجعل على مدخل كل أزج صورتين من نحاس مشوّهتين بأيديهما
(15/48)

سيفان كالبرق، ووراءهما بلاطة تحتها لوالب فمن وطئها ضرباه بأسيافهما فقتلاه، وفى سقف كل أزج كرة عليها لطوخ مدبّر يسرج، وسدّ باب الأزج بالأساطين ورصّوا على سقفه البلاط العظام وردموا فوقها الرمال، وزبروا على باب الأزج: هذا الداخل إلى جسد الملك العظيم المهيب الكريم الشديد قفطريم ذى الأيد والفخر، والغلبة والقهر، أفل نجمه وبقى ذكره وعلمه، فلا يصل أحد اليه، ولا يقدر بحيلة عليه، وذلك بعد سبعمائة وسبعين، ودورات مضت من السنين.
قال: ولمّا مات قفطريم ملك بعده ابنه البودسير بن قفطريم؛ فتجبّر وتكبّر وعمل بالسحر واحتجب عن العيون، وقد كان أعمامه أشمون وأتريب وصا ملوكا على أحيازهم إلّا أنه قهرهم بجبروته وقوّته، فكان الذكر له كما كان لأبيه. ويقال: إنه أرسل هرمس الكاهن المصرىّ إلى جبل القمر الذى يخرج النيل من تحته حتى عمل هناك هيكل التماثيل النحاس، وعدل إلى البطيحة التى ينصبّ اليها ماء النيل.
ويقال: إنه الذى عدّل جانبى النيل وقد كان يفيض [فى مواضع وينقطع فى مواضع «1» ] ، وأمره البودسير أن يسير مغرّبا فينظر الى ما هناك، فوقع على أرض واسعة متخرّقة بالمياه والعيون كثيرة العشب، فبنى منائر ومتنزهات، وحوّل اليها جماعة من أهل بيته فعمروا تلك النواحى وبنوا فيها حتى صارت أرض الغرب كلها عمارة، وأقامت كذلك مدة كثيرة وخالطهم البربر فتناكحوا؛ ثم إنهم تحاسدوا وبغى بعضهم على بعض، وكانت بينهم حروب فخرب البلد وباد أهله إلا بقية منازل تسمّى الواحات هى موجودة الى وقتنا هذا.
ويقال: إنه عمل عجائب كثيرة فى وقته، منها: قبّة لها أربعة أركان وفى كلّ ركن منها كوّة يخرج منها كالدخان الملتفّ فى ألوان شتّى [يستدلّون بكل
(15/49)

لون على شىء «1» ] ؛ فما خرج منه أخضر دلّ على العمارة وحسن النبات والزرع وصلاحه، وإن خرج الدخان أبيض دلّ على الجدب وقلّة الزكاء «2» ، وإن خرج أحمر دلّ على الدماء والحروب وقصد الأعداء، وإن كان أسود دلّ على كثرة الأمطار والمياه وفساد بعض الأرض بذلك، وإن كان أصفر دلّ على النيران وآفات تحدث فى الفلك، وما كان منها مختلطا دلّ على مظالم الناس وتعدّى بعضهم على بعض وإهمال ملوكهم لهم، وأشياء من هذا الضرب. وكانت هذه القبّة على منار أقام زمنا طويلا ثم هدمه بعض الملوك البربر؛ لأنه أراد غزو قوم بتلك الناحية فعلموا بحاله فانتقلوا عن ذلك الموضع الى قرب النيل فلمّا جاء ولم يجدهم هدمه.
ومما عمل له فى الصحراء التى تقرب منه- وكانت الوحش قد كثرت وأفسدت عليهم زرعهم وكذلك خنازير الماء- شجرة من نحاس عليها أمثال تلك الوحوش ملجمة أفواهها بخيوط من نحاس، فما يجوز بها من الوحش لا يستطيع الحراك ولا البراح من عندها حتى يؤخذ قبضا ويقتل؛ فأشبع الناس فى لحوم تلك الوحوش وانتفعوا بجلودها زمانا طويلا إلى أن انتزعها بعض ملوك الغرب سرّا من أهل مصر وقدّر أن ينصبها فى بلدهم فتعمل له مثل ذلك، فلمّا عملها بطلت؛ لأنهم كانوا يعملون ما يعملون بطالع يأخذونه له، فلا يزال عمله مستقيما إلى أن تغيّر عن مكانه فبطل عمله.
ومما عمل فى وقته أنّ غرابا نقر عين صبىّ من أولاد الكهنة فقلعها، فعمل شجرة من نحاس عليها تمثال غراب من نحاس فى منقاره حربة بادية الطرفين.
منشور الجناحين، وكتب على ظهره كتابا؛ فكانت الغربان تقع على تلك الشجرة
(15/50)

ولا تبرح حتى تؤخذ فتقتل، ففنى أكثر الغربان وزالت عن تلك الناحية إلى ناحية الشام. ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن أصاب بعض ملوكهم علّة ووصف له فيها لحم غراب يطبخه ويأكله ويشرب من مرقه فلم يوجد، فوجّه الى آخر العمل الذى بمصر من ناحية الشام من يأتيه بغراب فأبطأ عليه، فأمر بنزع الشجرة فرجع الغربان وأخذ منها ما عولج به الملك قبل أن يرجع رسوله.
ومما عمل فى وقته- وكانت الرمال قد كثرت عليهم من ناحية الغرب حتى ظهرت على زروعهم- فعمل لذلك صنما من صوّان أسود على قاعدة منه وعلى كتفه شبه القفّة فيها كالمسحاة، ونقش على جبهته وصدره وذراعيه وساقيه حروفا، وأقامه الكاهن بطالع أخذه له ووجهه إلى الغرب؛ فانكشفت تلك الرمال ورجعت إلى ورائها. فتلك الأكداس العالية فى صحراء الغرب منها. ولم تزل الرمال تندفع عنهم إلى أن زال ذلك الصنم عن موضعه. قال: وأقام البودسير مدّة واحتجب عن الناس، وكان يتجلّى لهم فى صورة وجه عظيم، وربما خاطبهم ولا يرونه، ثم غبر «1» مدّة وهم فى طاعته إلى أن رآه ابنه عديم وهو يأمره بالجلوس على سرير الملك.
فجلس عديم «2» بن البودسير على الملك وكان جبارا لا يطاق، عظيم الخلق، فأمر بقطع الصخور ليعمل هرما كما عمل الأوّلون. قال: وكان فى وقته الملكان اللذان
(15/51)

هبطا من السماء، وكانا فى بئر يقال لها أفناوه، وكانا يعلّمان أهل مصر السحر. ويقال:
إن عديم استكثر من علمهما ثم نقلا إلى بابل.
قال: وأهل مصر من القبط يقولون إنهما شيطانان يقال لهما: مهلة ومهالة، وليس هما الملكين. والملكان ببابل فى بئر هناك يغشاها السحرة إلى يوم الساعة.
ولنصل هذا الفصل بخبر هاروت وماروت وإن لم يكن منه؛ وإنما الشئ بالشئ يذكر. والله أعلم.
ذكر خبر هاروت وماروت
قال الله تعالى: (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ «1» )
الآية. قال أبو إسحاق الثعلبىّ فى تفسيره: وكانت قصّتهما- على ما ذكره ابن عباس رضى الله عنه والمفسّرون- أنّ الملائكة رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بنى آدم الخبيثة وذنوبهم الكثيرة؛ وذلك فى زمن إدريس عليه السلام فيعيّرونهم بذلك، ودعت عليهم الملائكة وقالوا: هؤلاء الذين جعلتهم فى الأرض واخترتهم فهم يعصونك؛ فقال الله عزّوجل لهم: لو أنزلتكم إلى الأرض وركّبت فيكم ما ركّبت فيهم لركبتم ما ارتكبوا؛ فقالوا: سبحانك ما كان ينبغى لنا أن نعصيك؛ قال الله تعالى: فاختاروا ملكين من خياركم أهبطهما إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت، وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم. قال: وقال الكلبىّ: قال الله لهم: اختاروا ثلاثة فاختاروا عزّا وهو هاروت، وعزايا وهو ماروت، وغيّر اسمهما لمّا قارفا الذنب، وعزاييل؛ فركّب الله فيهم الشهوة التى ركّبها فى بنى آدم وأهبطهم إلى الأرض، وأمرهم أن يحكموا
(15/52)

بين الناس بالحق، ونهاهم عن الشرك والقتل بغير حق، ونهاهم عن الزنا وشرب الخمر. فأما عزاييل فإنه لمّا وقعت الشهوة فى قلبه استقال ربّه وسأله أن يرفعه إلى السماء فأقاله ورفعه، فسجد أربعين سنة ثم رفع رأسه. ولم يزل بعد ذلك مطأطئا رأسه حياء من الله تعالى. وأما الآخران فإنهما بقيا على ذلك، وكانا يقضيان بين الناس يومهما فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء. قال قتادة:
فما مرّ عليهما أشهر حتى افتتنا.
قال الثعلبىّ: قالوا جميعا: وذلك أنه اختصم اليهما ذات يوم الزّهرة، وكانت من أجمل النساء. قال علىّ رضى الله عنه: كانت من أهل فارس، وكانت ملكة فى بلدها، فلمّا رأياها أخذت بقلوبهما، فراوداها عن نفسها فأبت وانصرفت، ثم عادت فى اليوم الثانى ففعلا مثل ذلك، فأبت وقالت: لا! إلا تعبدا ما أعبد، وتصلّيا لهذا الصنم، وتقتلا النفس، وتشربا الخمر. فقالا: لا سبيل إلى هذه الأشياء؛ فإن الله عزوجل نهانا عنها، فانصرفت؛ ثم عادت فى اليوم الثالث ومعها قدح من خمرو فى أنفسهم من الميل إليها ما فيها، فراوداها عن نفسها فعرضت عليهما ما قالت بالأمس فقالا: الصلاة لغير الله عظيم، وقتل النفس عظيم، وأهون الثلاثة شرب الخمر؛ فشربا فانتشيا ووقعا بالمرأة وزنيا، فلمّا فرغا رآهما إنسان فقتلاه. قال الربيع بن أنس: وسجدا للصنم فمسخ الله عزوجل الزّهرة كوكبا.
وقال علىّ بن أبى طالب والسدّى والكلبىّ رضى الله عنهم: إنها قالت لهما: لن تدركانى حتى تخبرانى بالذى تصعدان به إلى السماء. فقالا: باسم الله الأكبر.
قالت: فما أنتما بمدركانى حتى تعلّمانيه. فقال أحدهما لصاحبه: علّمها! قال:
إنى أخاف الله. قال الآخر: فأين رحمة الله! فعلّماها ذلك. فتكلّمت به وصعدت
(15/53)

إلى السماء. فمسخها الله تعالى كوكبا. فعلى قول هؤلاء هى الزّهرة بعينها، وقيّدوها فقالوا: هى هذه الكوكبة الحمراء واسمها بالفارسية «ناهيد» ، وبالنبطية «بيدخت» .
قال: ويدلّ على صحة هذا القول ما رواه الثعلبىّ بسنده إلى علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه قال: كان النبىّ صلى الله عليه وسلم إذا رأى سهيلا قال: «لعن الله سهيلا إنه كان عشّارا «1» باليمن ولعن الله الزّهرة فإنها فتنت ملكين» .
وقال مجاهد: كنت مع ابن عمر رضى الله عنهما ذات ليلة فقال لى: ارمق الكوكبة فإذا طلعت فأيقظنى، فلمّا طلعت أيقظته، فجعل ينظر إليها ويسبّها سبّا شديدا، فقلت: رحمك الله تسبّ نجما سامعا مطيعا لله؟ ما له يسبّ! فقال: إن هذه كانت بغيّا فلقى الملكان منها ما لقيا. وقال نافع: كان ابن عمر رضى الله عنهما إذا رأى الزّهرة قال: لا مرحبا بها ولا أهلا. وروى أبو عثمان النهدى عن ابن عباس رضى الله عنهما: أن المرأة التى فتن بها الملكان مسخت، فهى هذه الكوكبة الحمراء، يعنى الزّهرة.
قال الثعلبىّ: وأنكر الآخرون هذا القول وقالوا: إن الزهرة من الكواكب «2» السبعة السيّارة التى جعلها الله قواما للعالم، وإنما كانت هذه التى فتنت هاروت وماروت امرأة، كانت تسمّى زهرة من جمالها، فلمّا بغت جعلها الله تعالى شهابا،
(15/54)

فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزهرة ذكر هذه المرأة لموافقة الاسمين فلعنها، وكذلك سهيل العشّار. والله أعلم.
قالوا: فلما أمسى هاروت وماروت بعد ما قارفا الذنب همّا بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما أجنحتهما، فعلما ما حلّ بهما فقصدا إدريس عليه السلام فأخبراه بأمرهما وسألاه أن يشفع لهما إلى الله عزوجل ففعل ذلك، فخيّرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا إذ علما أنه ينقطع، فهما ببابل يعذّبان. واختلف العلماء فى كيفيّة عذابهما فقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه:
هما معلّقان بشعورهما إلى قيام الساعة. وقال قتادة: كبّلا من أقدامهما إلى أصول أفخاذهما. وقال مجاهد: إن جبّا ملئ نارا فجعلا فيه. قال حصيف: معلّقان منكّسان فى السلاسل. وقال عمير بن سعد: منكوسان يضربان بسياط الحديد.
وروى أنّ رجلا أراد تعلم السحر فقصد هاروت وماروت فوجدهما معلّقين بأرجلهما، مزرقّة أعينهما، مسودّة جلودهما، ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلّا قدر أربع أصابع، وهما يعذّبان بالعطش، فلمّا رأى ذلك هاله مكانهما فقال: لا إله إلا الله، وقد نهى عن ذكر الله هناك. فلمّا سمعا كلامه قالا: من أنت؟ قال: رجل من الناس. قالا: من أىّ أمة أنت؟ قال: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قالا:
وقد بعث؟ قال نعم. قالا: الحمد لله! وقد أظهرا الاستبشار. فقال الرجل: وممّ استبشاركما؟ قالا: إنه نبىّ الساعة. وقد دنا انقضاء عذابنا.
(15/55)

قال: وأمّا كيفية تعلّم السحر، فقد روى فيه خبر جامع، وهو ما رواه أبو إسحاق بسنده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها قالت: قدمت علىّ امرأة من أهل دومة الجندل جاءت تبتغى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته تسأله عن شىء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به؛ قالت عائشة رضى الله عنها لعروة: يابن أختى، فرأيتها تبكى حين لم تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تبكى حتى إنى لأرحمها! تقول: إنى أخاف أن أكون قد هلكت؛ قالت: كان لى زوج فغاب عنّى فدخلت علىّ عجوز فشكوت ذلك إليها فقالت: إن فعلت ما آمرك به فلعلّه يأتيك، فلمّا كان الليل جاءتنى بكبشين أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر، فلم يكن كثير حتى وقفنا ببابل، فإذا برجلين معلّقين بأرجلهما فقالا:
ما جاء بك؟ فقلت: أتعلّم السحر، قالا: إنما نحن فتنة فلا تكفرى وارجعى، فأبيت فقلت: لا، فقالا: إذهبى إلى ذلك التنّور فبولى فيه، فذهبت ففزعت فلم أفعل، فرجعت إليهما فقالا: فعلت؟ قلت نعم، قالا: هل رأيت شيئا؟ قلت:
لم أرشيئا، فقالا: لم تفعلى، إرجعى إلى بلادك فلا تكفرى، قالت: فأبيت، فقالا:
إذهبى إلى ذلك التنّور فبولى فيه، فذهبت فاقشعرّ جلدى فرجعت إليهما فقلت:
قد فعلت، فقالا: هل رأيت شيئا؟ فقلت: لم أرشيئا، فقالا: كذبت لم تفعلى، إرجعى إلى بلادك فلا تكفرى فإنك على رأس أمرك؛ قالت: فأبيت، فقالا: إذهبى إلى ذلك التنّور فبولى فيه، فذهبت إليه فبلت فرأيت فارسا مقنّعا بحديد خرج منّى حتى ذهب فى السماء وغاب عنّى حتى ما أراه، فجئتهما فقلت: قد فعلت؛ قالا:
فما رأيت؟ قلت: رأيت فارسا مقنّعا بالحديد خرج منّى حتى ذهب فى السماء حتى ما أراه، قالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك؛ اذهبى. فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئا، وما قالا لى شيئا. فقالت: لن تريدى شيئا إلا كان؛ خذى هذا القمح فابذرى،
(15/56)

فبذرت، قلت: أطلعى، فأطلعت «1» ، فقلت، أحقلى، فأحقلت «2» ، ثم قلت: أفركى «3» ، فأفركت، ثم قلت: أطحنى، فأطحنت، ثم قلت: أخبزى، فأخبزت. فلما رأيت أنى لا أريد شيئا إلا كان، سقط فى يدى وندمت. والله يا أمّ المؤمنين ما فعلت شيئا قطّ، ولا أفعله أبدا.
قال: وقال بعضهم: إنهما لا يتعمّدان تعليم السحر ولكنهما يصفانه ويذكران بطلانه ويأمران باجتنابه، فيتعلّم الشقىّ منهما فى خلال صفتهما ويترك موعظتهما ونصيحتهما، فلا يكون على هذا التأويل كفرا وإنما يكون العمل به كفرا. وقد أنكر بعضهم أن يكونا ملكين قال: وإنما كانا ملكين. وقرئ فى الشواذّ: (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ)
(بكسر اللام) . وقيل: كانا علجين ببابل «4» . حكاه القاضى عياض فى كتاب الشفا «5» . والله تعالى أعلم.
ولنرجع إلى أخبار عديم بن البودسير الملك.
قال: وعديم أوّل من صلب «6» ؛ وذلك أن امرأة زنت برجل من أهل الصناعات، وكان لها زوج من أصحابه، فأمر
(15/57)

بصلبهما على منارتين، وجعل ظهر كلّ منهما إلى ظهر صاحبه، وزبر على المنارتين اسمهما وما فعلاه وتاريخ الوقت الذى عمل ذلك بهما فيه، فانتهى الناس عن الزنا.
قال: وبنى أربع مدائن وأودعها صنوفا كثيرة من عجائب الأعمال والطّلّسمات وغير ذلك، وكنز فيها كنوزا كثيرة. وعمل فى الشرق منارا وأقام على رأسه صنما «1» موجّها إلى الشرق، مادّا يديه يمنع دوابّ البحر والرمال أن تتجاوز حدّه، وزبر فى صدره تاريخ الوقت الذى نصبه فيه؛ ويقال: إن هذا المنار قائم إلى وقتنا هذا؛ ولو لاه لغلب الماء المالح من البحر الشرقىّ على أرض مصر. وعمل قنطرة على النيل فى أوّل بلاد النوبة ونصب عليها أربعة أصنام موجّهة [إلى أربع جهات الدنيا «2» ] فى يدى كل صنم جرس يضرب به إذا أتاهم آت من تلك الناحية؛ فلم تزل بحالها إلى أن هدمها فرعون موسى. وهو الذى عمل البربا على باب النوبة، ويقال:
إنه عمل فى إحدى المدائن الأربع التى ذكرناها حوضا من صوّان أسود مملوءا ماء لا ينقص على طول الدهر ولا يتغيّر؛ وكان أهل تلك الناحية يشربون منه ولا ينقص ماؤه؛ وإنما عمل ذلك لبعدهم عن النيل وقربهم من البحر لمالح. وقد ذكر بعض كهنة القبط أن ذلك لقربهم من البحر المالح، لأن الشمس فيما ذكروا ترفع بحرّها بخارا فيحصل من ذلك البخار حرّ بالهندسة، وقيل بالسحر. وملكهم عديم مائة سنة وأربعين سنة، ومات وهو ابن سبعمائة سنة وثلاثين سنة. وقيل:
إنه دفن فى إحدى المدائن ذات العجائب فى أزج من رخام ملوّن بزرقة، مبطّن برخام أصفر، وطلى جسده بما يمسكه، وجعل حوله كثير من ذخائره، وذلك وسط المدينة، فهى محروسة بما يمنع منها من الروحانيّين.
(15/58)

قال: وذكر بعض القبط أنّ عديما هذا عمل لنفسه فى صحراء قفط على وجه الأرض قبّة عظيمة من زجاج أخضر برّاق، معقودة على ثمانية آزاج من صنفها، على رأسها أكرة من ذهب، عليها طائر من ذهب، متوشّح بجوهر، منشور الجناحين، يمنع من الدخول إليها، وقطرها مائة ذراع فى مثلها، وجعل جسده فى وسطها على سرير من ذهب مشبّك وهو مكشوف الوجه، وعليه ثياب منسوجة بذهب مغروزة بجوهر منظوم؛ والآزاج مفتحة، طول كل أزج ثمانية أذرع، وارتفاع القبّة أربعون ذراعا تلقى الشعاع على ما حولها من الأرض، وجعل حوله فى القبّة مائة وسبعون مصحفا من مصاحف الحكمة، وسبع موائد عليها أوانيها، منها: مائدة من أدرك رمّانىّ أحمر وآنيتها منها. ومائدة من ذهب فيلمونى «1» يخطف البصر، وهو من الذهب الذى تعمل منه تيجان الحكماء، وآنيتها منها. ومائدة من حجر الشمس المضئ بآنيتها. ومائدة من الزبرجد المخروط الذى يخالطه شعاع أصفر بآنيتها، قال: وهذا الزبرجد إذا نظرت إليه الأفاعى سالت عيونها. ومائدة من كبريت أحمر ومدبّر بآنيتها.
ومائدة من ملح مدبّر برّاق يكاد نوره يخطف الأبصار بآنيتها. ومائدة من زئبق معقود وقوائمها وحافاتها من زئبق أصفر معقود مضىء، وعليها آنية من زئبق أحمر معقود.
وجعل فى القبّة جواهر كثيرة ملوّنة وبرانىّ صنعة مدبّرة، وجعل حوله سبعة أسياف صاعقية وكاهنية وأتراس من حديد أبيض مدبّر، وجعل معه تماثيل أفراس من ذهب، [عليها سروج من ذهب «2» ] وسبعة توابيت من الدنانير التى ضربها وصوّر عليها صورته، وجعل معه من أصناف العقاقير والسمومات والأدوية فى برانىّ الحنتم «3» ، ومن أصناف الأحجار شىء كثير.
(15/59)

قال: وقد ذكر من رأى تلك القبة وأقاموا عليها أياما فما قدروا على الوصول إليها، وأنهم إذا قصدوها وكانوا منها على مقدار ثمانية أذرع دارت القبّة عن أيمانهم وشمائلهم وقد عاينوا ما فيها. ومن أعجب ما ذكروا أنهم كانوا يحاذون آزاجها أزجا أزجا فلا يرون غير الصورة التى يرونها من الأزج الآخر على معنى واحد. وذكروا أنهم رأوا وجهه فى قدر ذراع ونصف بالذراع الكبير، ولحيته كبيرة مكشوفة، وقدّروا طول بدنه عشرة أذرع وزيادة، وأنهم لمّا تهيأ أن يصلوا إليها فنى ماؤهم وخافوا على أنفسهم فرجعوا ليمتاروا ما يكفيهم من الزاد ففعلوا، ثم رجعوا فأقاموا أياما يطوفون تلك الصحراء، ثم أخبروا أنهم رأوا بها عجائب كثيرة وصنوفا من الوحش لم يروا مثلها.
قال: وفى كتبهم أنهم لا يصلون إليها إلا بأن يذبح لها ديك أفرق ويبخّر بريشه من بعد، ثم يسأل من المرّيخ الوصول حتى يصل، وتكون الكواكب النيّرة على مثل ما كانت عليه وقت نصبها من اجتماعها فى البروج: يكون زحل والمشترى والمرّيخ فى برج واحد، والشمس والقمر فى برج واحد، والزّهرة وعطارد فى برج واحد، ويتكلّم عليها بصلاة الكهنة سبع مرّات، فإذا وصل إليها لطّخ حائطها بدم الديك الذى قرّبه لها ويأخذ ما شاء من المال والتماثيل ولا يكثر المقام فيها ولا يقيم غير ساعة واحدة.
قال: وذكر هؤلاء الذين رأوها أنهم لم يكونوا من تلك الناحية وإنما خرجوا يطلبون غيرها؛ فإنهم سألوا أهل قفط عنها فلم يجدوا من يعرفها ولا رآها غير رجل شيخ منهم، فإنه ذكر أن ابناله خرج فى بعض الأمور ومعه جمل له فرآها ولم يصل إليها، وبحث عن أمرها فعرف أن قوما من الشرق جاءوا فى طلبها وأنهم أقاموا يطوفون بقفط أياما وخرجوا إليها فما رجع أحد منهم ولا عرف لهم خبر.
(15/60)

قال: وكان عديم قد أوصى إلى ابنه شدّاث عند موته أن ينصب فى كل حيّز من أحياز عمومته منارا ويزبر عليه اسمه، فانحدر إلى الأشمونين فعمل منارا وزبر عليه اسمه وعمل بها ملاعب، وعمل فى صحرائها منارا وأقام عليه صنما ذا رأسين باسم كوكبين كانا مقترنين فى الوقت «1» . وخرج إلى أتريب وبنى فيها قبّة عظيمة مرتفعة «2» على عمد وأساطين بعضها فوق بعض، وجعل على رأسها صنما صغيرا من ذهب، وعمل هيكلا للكواكب. وكان أبوه البودسير أوّل من أقام للكواكب فأخذ ذلك عنه. ومضى إلى حيّز صا فعمل فيه منارا على رأسه مرآة من أخلاط تورى الأقاليم، ورجع إلى أبيه فعهد له بالملك.
فملك شدّاث «3» بن عديم وهو الذى بنى الأهرام الدهشوريّة من الحجارة التى قطعت فى زمان أبيه. قال: من أنكر أن يكون العاديّة دخلوا مصر إنما غلطوا باسم شدّاث بن عديم فقالوا شدّاد بن عاد لأنه أكثر ما يجرى على ألسنتهم، وقلة ما يجرى على ألسنتهم شدّاث بن عديم؛ وإلا فما قدر أحد من الملوك يدخل مصر ولا قوى على أهلها غير بخت نصّر. وشدّاث الذى عمل مصاحف النار نجيّات «4» ، وعمل هيكل أرمنت «5» وأقام فيه أصناما بأسماء «6» الكواكب من ذهب وفضة وحديد أبيض ونحاس
(15/61)

مذهب ورصاص مصفّى وزئبق معقود. وهذه الأجساد المعدنيّة فى طباع الكواكب وفى قسمتها. فلما فرغ منه زيّنه بأحسن زينة ونقشه بأحسن النقوش من الجواهر الملوّنة والزجاج المعمول الملوّن وكساه الوشى والديباج ولم يترك شيئا من التحف إلا عمله، وكذلك عمل فى المدن الداخلة من أنصنا «1» هيكلا، والقبّة التى أقامها بأتريب «2» وهيكلا شرقىّ الإسكندرية، وأقام لزحل صنما من صوّان أسود على عبر النيل من الجانب الغربىّ. وبنى شدّاث من الجانب الشرقىّ مدائن وجعل فيها صورة صنم قائم له إحليل إذا أتاه المعقود والمسحور ومن لا ينتشر فمسّه بكلتا يديه أزال عنه ذلك وانتشر وقوى على الباه، وجعل فى إحداها بقرة لها ضرعان كبيران إذا مسحتهما المرأة التى انعقد لبنها درّ وصلح أمرها.
وفى أيامه بنيت قوص «3» العالية، بناها لابن له كان سخط على أمّه فحوّلها إليها وأسكن معها قوما من أهل الحكمة وأهل الصناعات. وقيل: إن شطب «4» بنيت فى أيامه؛ وعمل الصورتين الملتصقتين لكثرة النسل. وكانت الحبش والسودان عاثوا فى بلده فأخرج لهم ابنه منقاوش فى جيش عظيم فقتل منهم وسبى واستعبد الذين سباهم وصار ذلك سنّة لهم، واقتطع معدن الذهب من أرضهم وأقام ذلك
(15/62)

السبى يعملون فيه ويحملون الذهب إليه؛ وهو أوّل من أحبّ الصيد واتخذ الجوارح، وولّد الكلاب السلوقيّة من الذئاب والكلاب الأهلية، وعمل البيطرة وما تعالج به الدوابّ، وعمل من العجائب والطلّسمات لكل فنّ ما لا يحصى كثرة، وجمع التماسيح، بطلّسم عمله لها، إلى بركة بناحية أسيوط فكانت تنصبّ إليها من النيل انصبابا فتقتلها، وتستعمل جلودها فى السفن وغيرها، وتستعمل لحومها فى الأدوية والعقاقير المؤلّفة. قال: وبعض القبط يحكى أنه عمل بمصر اثنتى عشرة ألف أعجوبة وطلّسما، ولم يعمل فى بلد كما عمل فيها ولا تهيّأ لأهله ما تهيّأ لهم من ذلك.
قال: وأقام شدّاث فى الملك تسعين سنة وخرج يطرد «1» فأكبّ فرسه فى وهدة فقتله. وفى بعض كتبهم: أنه أخذ بعض خدمه، وقد خالفه فى أمر من الأمور، فأمر بطرحه من أعلى الجبل إلى أسفل فطرح فتقطّع جسده، وندم على فعله ذلك فرأى فى منامه أنه سيصيبه مثل ذلك فكان يتوقّاه، وآلى على نفسه ألا يعلو جبلا، وأوصى إن أصابه شىء أن يجعل ناووسه فى الموضع الذى يلحقه فيه ما يلحقه، ويزبر عليه: ليس ينبغى لذى القدرة أن يخرج عن الواجب ويفعل ما لا يجوز له فعله، وهذا ناووس شدّاث بن عديم بن قفطريم الملك، عمل ما لا يحلّ له فكوفئ عليه بمثله.
قال: ولمّا هلك عمل له سرب فى سفح الجبل فيه قبّة على مجلس قد صفّح بالفضّة وجعل فيه على سرير ملكه، وجعل معه من الأموال والجواهر والتماثيل وأصناف الحكم والمصاحف شىء كثير. وكان له أربعمائة وأربعون سنة.
وملك بعده ابنه منقاوش «2» بن شدّاث؛ فملك بحزم وحنكة وأظهر مصاحف الحكم وأمر بالنظر فيها، وأن ينسخ منها لهم بخطّ العامّة ليفهموها، وردّ الكهنة إلى
(15/63)

مراتبهم. وهو أوّل من عمل له الحمّام من ملوك مصر. وكان كثير النكاح؛ تزوّج عدّة نساء من بنات عمه وبنات الكهنة، وجعل لكل امرأة منهن مكانا بجميع ما يصلحه من البنيان العجيب والصور المتقنة والغروس الحسنة والآلات العجيبة، وأسكنهنّ فيها. وقد قال بعض أهل الأثر: إنه الذى بنى منف لبناته وكنّ ثلاثين بنتا ونقلهنّ إليها، وعمل مدنا غيرها ومصانع، وعمل هيكلا لصور الكواكب وأصنامها على ثمانية فراسخ من منف، وعمل بتلك الناحية طلّسمات كثيرة وعجائب أغرب فيها بفضل حكمة أبيه وجدّه، وعمل فى السنة اثنى عشر عيدا لكل شهر عيد يعمل فيه من الأعمال ما كان موافقا لبرج ذلك الشهر؛ وكان يطعم الناس فى تلك الأعياد ويوسّع عليهم، ففرح الناس به ورأوا معه ما لم يروه مع غيره، وفتح عليه من المعادن ما لم يفتح على أحد، وألزم أصحاب الكيمياء العمل فكانوا لا يفترون ليلا ولا نهارا؛ فاجتمع عنده أموال عظيمة وجوهر كثير وزجاج نفيس مسبوك وغير ذلك، فأحبّ كنزه فدعا أخاله فقال له: قد ترى كثرة هذا الذهب والجوهر، وما عمل من هذه التماثيل الكثيرة، ولست آمن أن يتسامع بنا الملوك فيغزونا من أجله، فأمعن فى أرض الغرب ثم انظر مكانا حريزا خفىّ الأثر ثم أحرزه فيه ثم استره بعلامات واكتب صفة المكان وطريقه وعلامته. قال: ويقول أهل الأثر: إنه حمل معه اثنتى عشرة ألف عجلة، منها من الجوهر ثلاثمائة عجلة، وسائرها من الذهب الإبريز الصفائح والمضروب، ومن آلات الملوك وطرائفهم وسلاحهم وأوانيهم؛ فسار فى الجنوب يوما ثم أخذ مغرّبا اليوم الثانى وبعض الثالث، فانتهى إلى جبل أسود منيف ليس له مصعد بين جبال مستديرة حوله، فعمل تحت ذلك الجبل أسرابا ومغاور ودفن فيها ما كان معه وردمها وزبر عليها ورجع؛ فمكث أربع سنين يبعث كل سنة عجلا عظيمة تدفن فى نواح شتّى.
(15/64)

وهو الذى عمل فى أنديمس المدينة بيتا تدور به تماثيل لجميع العلل، وكتب على رأس كل تمثال ما يصلح له من العلاج، فانتفع الناس بها زمانا إلى أن أفسدها بعض الملوك ضنّا بالحكمة. وعمل فى هذه المدينة صورة امرأة مبتسمة لا يراها مهموم إلا زال همّه ونسيه؛ وكان الناس يأتونها ويطوفون حولها ثم عبدوها من بعد. وعمل تمثالا روحانيّا من صفر مذهب بجناحين لا يمرّ به زان ولا زانية إلا كشف عورته بيده، وكان الناس يمتحنون به فامتنعوا من الزنا فرقا منه، واستمرّ كذلك إلى زمن كلكمن الملك؛ وذلك أن بعض نسائه، وكانت حظية عنده، عشقت رجلا من خدم الملك وخافت أن ينتهى إليه خبرها فيمتحنها بذلك الصنم فيقتلها، فاحتالت لذلك فخلا بها الملك فى بعض الليال، وهما يشربان، فأخذت فى ذكر الزوانى وجعلت تسبهنّ وتذمهنّ، فذكر الملك ذلك الصنم وما فيه من المنافع للناس، وما يستحقّ من عمله من الثناء والذكر الجميل؛ فقالت المرأة:
إنه كذلك وقد صدق الملك، غير أن منقاوش لم يصب الرأى فى أمره؛ قال الملك:
وكيف قلت ذلك؟ قالت: لأنه أتعب نفسه وحكماءه فيما جعله لصلاح العامّة دون نفسه، وهذا أكبر العجز؛ وإنما كان حكم هذا التمثال أن ينصب فى دار الملك حيث تكون نساؤه وجواريه، فإن اقترفت إحداهنّ ذنبا علم بها فيكون رادعا لهنّ متى عرض بقلوبهنّ شىء من الشهوة؛ لأن شهواتهنّ أغلب وأكثر من شهوات الرجال؛ ولو حدث- وأعوذ بسعد الله الأعلى- فى دار الملك شىء من هذا فأحبّ امتحانه فضح نفسه وشاع فى الخاصّ والعامّ أمره، وإن عاقب بغير أمر يتحققه كان متعدّيا آثما، وإن لم يمتحنه صبر على المكروه. قال الملك: صدقت، فكيف الوجه فى هذا الأمر؟ قالت: يأمر الملك بنزع هذا الصنم من مكانه ونقله إلى داره ففعل فبطل عمله، وامتحن فلم يصنع شيئا، فعملت المرأة ما كانت همت به وانهمكت فيه.
(15/65)

قال: ويقال: إن منقاوش بنى هيكلا للسحرة على جبل القصير وقدّم عليه رجلا منهم يقال له مسّيس، فكانوا لا يطلقون الرياح للمراكب المقلعة إلّا بضريبة يأخذونها منهم للملك. وكان الملك إذا ركب عملوا بين يديه التخاييل «1» العجيبة، فيجتمع الناس إليهم ويعجبون من أعمالهم، وأمر أن يبنى لهم هيكل للعبادة يكون لهم خصوصا، وجعل فيه قبّة فيها صورة الشمس والكواكب، وجعل حولها أصناما وعجائب، وكان الملك يركب إليه ويقيم سبعة أيام، وجعل فيه عمودين زبر عليهما تاريخ الوقت الذى عمل فيه، وهما بعين شمس، ونقل منقاوش إلى عين شمس كنوزا وجواهر وطلّسمات وعقاقير وعجائب ودفنها بها وبنواحيها.
قال: وكان منقاوش قسم خراج البلاد أرباعا: فربع منه للملك خاصة يعمل منه ما يريد، وربع لأرزاق خدمه، وربع ينفق فى مصالح الأرض وما يحتاج إليه من حفر ترعها وعمل جسورها وتقوية أهلها على العمارة، وربع يدفن لحادثة تحدث وحاجة تنزل. وكان خراج البلد فى ذلك الوقت مائة ألف ألف وثلاثة آلاف دينار.
وهو مقسوم على مائة وثلاث كور بعدّة الآلاف. وأقام ملكا إحدى وسبعين سنة، ومات من طاعون أصابه، وقيل: من سمّ جعل له فى طعامه، وعمل له ناووس فى صحراء المغرب، وقيل: فى غربىّ قوص؛ ودفن معه من مصاحف الحكمة والصنعة المعمولة وتماثيل الذهب والجوهر، ومن الذهب المضروب شىء كثير، ودفن معه روحانىّ الشمس من ذهب يلمع، وله جناحان من زبرجد، وصنم على صورة امرأته التى كانت أحظى نسائه عنده وكان يحبّها، فأمر أن تعمل صورتها
(15/66)

فى هياكلهم جميعا، فعمل له تمثالها من ذهب بذؤابتين من ذهب أسود، وألبست حلّة من جواهر منظومة وجعلت جالسة على كرسىّ، فكانت تجعل بين يديه فى موضع تجلس فيه يتسلّى بذلك عنها، فدفنت معه عند رجليه.
وملك بعده ابنه مناوش بن منقاوش؛ ملك بوصيّة من أبيه، فطلب الحكمة على عادة أبيه واستخرج كتبها وأكرم أهلها، وبذل فيهم الجوائز وطلب الإغراب فى عمل العجائب، وكان كل واحد من ملوكهم يجهد جهده فى أن تعمل له غريبة من الأعمال لم تعمل لمن كان قبله وتثبت فى كتبهم وتزبر على الحجارة فى تواريخهم.
قال: ومناوش هذا أوّل من عبد البقر من أهل مصر، وكان السبب فى ذلك أنه اعتلّ علّة يئس منه فيها، وأنه رأى فى منامه صورة روحانىّ عظيم يخاطبه ويقول له:
إنك لا يخرجك من علّتك إلا عبادة البقر لأن الطالع كان وقت حلولها بك فى صورة ثور بقرنين؛ ففعل ذلك، وأمر بأخذ ثور أبلق حسن الصورة، وعمل له مجلسا فى قصره وسقفه بقبّة مذهبة، فكان يبخّره ويطيّب موضعه، ووكّل به سادنا يقوم به ويكنس تحته، وكان يتعبّد له سرّا من أهل مملكته، فبرأ من علّته وعاد إلى أحسن أحواله.
ويقال: إنه أوّل من عمل العجل وضبّبها بالذهب، وعمل فيها قبابا من الخشب المذهبة وفرشت بأحسن الفرش، وكان يركب عليها مع من أحبّ. وقيل:
إنه عمل له ذلك فى علّته لأنه كان لا يقدر على الركوب؛ وكانت البقر تجرّه فإذا مرّ بالمكان النزه أقام فيه، وإن مرّ بالمكان الخراب أمر بعمارته. وقيل: إنه نظر إلى ثور أبلق من البقر الذى يجرّ عجلته فأعجبه حسن بشرته فأمر بترفيهه وسوقه بين يديه إلى كل موضع يسلكه إعجابا به، وجعل عليه جلّا من الدّيباج المنسوج بالذهب، فلما كان فى بعض الأيام- وقد خلا فى موضع منفرد عن أتباعه والثور قائم بين يديه-
(15/67)

إذ خاطبه الثور وقال: لو رفّهنى الملك عن السير معه وجعلنى فى الهيكل وعبدنى وأمر أهل مملكته بعبادتى كفيته جميع ما يريده، وعاونته على أمره، وقوّيته فى ملكه، وأزلت عنه جميع علله؛ فارتاع لذلك وأمر بالثور أن يغسل ويطيّب وينظّف ويدخل الهيكل، وأمر بعبادته. وعبد ذلك الثور مدّة وصارت فيه آية أنه لا يبول ولا يروث ولا يأكل إلّا أطراف ورق القصب الأخضر فى كل شهر مرّتين، فافتتن الناس به وصار ذلك أصلا لعبادة البقر.
قال: وابتنى مناوش مواضع وكنز فيها كنوزا وأقام أعلاما. وبنى فى صحراء الغرب مدينة يقال لها ديماس وأقام فيها منارا ودفن حولها كنوزا. قال: ويقال: إن هذه المدينة قائمة، وإن قوما جازوا بها من نواحى الغرب وقد أضلّوا الطريق فسمعوا بها عزيف الجنّ ورأوا أضواء نيرانهم. قال: وفى بعض كتبهم أنّ ذلك الثور، بعد مدّة من عبادتهم له، أمرهم أن يعملوا صورته من ذهب أجوف، ويؤخذ من رأسه هو شعرات، ومن ذنبه ومن نحاتة قرونه وأظلافه، ويجعل ذلك فى التمثال، وعرّفهم «1» أنه يلحق بعالمه وأمرهم أن يجعلوا «2» جسده فى جرن من حجر [أحمر «3» ] ويدفن فى الهيكل وينصب تمثاله عليه، ويكون ذلك وزحل فى شرفه والشمس مسعودة تنظر إليه من تثليث والقمر فى الزيادة، وينقش على التمثال علامات الكواكب السبعة ففعلوا ذلك، وعملت الصورة من ذهب ملمّع على شبه الثور، وجعل له قرنان من ذهب وكلّلا بأصناف الجواهر، وجعلوا عينيه جزعتين سوادا فى بياض، ودفن جسد الثور فى الجرن الأحمر.
قال: وجعل فى المدينة شجرة تطلع كل لون من الفاكهة، ومنارا فى وسطها طوله ثمانون ذراعا، وعلى رأسه قّبة تتلون فى كل يوم لونا حتى تمضى سبعة أيام
(15/68)

ثم تعود إلى اللون الأوّل فيكسو المدينة من تلك الألوان، وجعل حول المنار ماء شقّه إليه من النيل، وجعل فى ذلك الماء سمكا من ذلك اللون، وجعل حول المدينة طلّسمات رءوسها رءوس قردة وأبدانها أبدان الناس، كل واحد منها لدفع مضرّة أو اجتلاب منفعة، وعمل على أبواب المدينة، وهى أربعة أبواب «1» ، على كل باب صنما، ودفن تحت كلّ صنم كنزا من الكنوز؛ وباب كل واحد منها على قياس مائة ذراع منه إلى الجهة التى وجهه منصرف إليها، وكتب على كل واحد منها قربانه وبخوره والوصول إليه، وأسكنها السحرة فكانت تعرف بمدينة السحرة، ومنها كانت أصناف السحرة تخرج.
قال: وأقام مناوش فى الملك سبعا وثلاثين سنة وملك، وعمل له ناووس تحت الجبل الغربىّ، وجعل وصيّته إلى ابنه من بعده هرميس بن منقاوش، فملك إحدى عشرة سنة لم يبن بنيانا ولا نصب منارا ولا عمل فى أيامه أعجوبة حتى إنه لم يكن يذكر فى عداد ملوكهم. فهذا ما أورده فى أخبار قفطريم بن قبطيم وبنيه على توال واتساق فلنذكر أخبار أشمون.
ذكر أخبار أشمون ومن ملك من بنيه
هو أشمون بن قبطيم بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام؛ وهو أخو قفطريم أبى الملوك الذين قدّمنا ذكرهم. كان ملكه من أشمونين إلى منف، ومن الشرق إلى البحر المالح، ومن الغرب إلى حدود برقة، وهو آخر حدّ مصر،
(15/69)

ومن الصعيد إلى حدّ أخميم. وكان ينزل مدينة الأشمونين وله بنيت وباسمه سمّيت، وكان طولها اثنى عشر ميلا فى مثلها. قال إبراهيم: وأشمون أوّل من اتّخذ الملاعب بأنصنا والبهنسا وغيرها، وبنى القصور وغرس الغروس، وبنى مدينة تعرف بقمنطر ذات العجائب، وهى بالقرب من مدينة السحرة التى تقدّم ذكرها فى أخبار منقاوش. قال: وفى وسط هذه المدينة قبّة تمطر شتاء وصيفا مطرا خفيفا، وتحت القبّة مطهرة فيها ماء أخضر يتداوى به من كل داء فيبرئه، وفى شرقها سرب لطيف له أربعة أبواب، لكل باب منها عضادة صورة وجه يخاطب كل واحد منها صاحبه بما يحدث فى قومه، ومن دخل تلك البربا على غير طهارة نفخوا عليه فأصابته علّة فظيعة لا تفارقه إلى أن يموت. وكانوا يقولون إنّ فى وسطه مهبط النور وهو فى صورة العمود، من اعتنقه لم يحتجب عن نظره شىء من الروحانيّات، ويسمع كلامهم ويرى ما يعملون، وعلى كل باب من أبواب هذه المدينة صورة راهب فى يده مصحف فيه علوم الكهنة، فمن أحبّ ذلك العلم أتى تلك الصورة فمسحها بيديه وأمرّهما على صدره، فيثبت ذلك العلم فى صدره. ويقال: إن هاتين المدينتين قمنطر ومدينة السحرة بنيتا على اسم هرمس وهو عطارد، وأنهما بحالهما.
قال: وحكى عن رجل أنه أتى عبد العزيز بن مروان، وهو على مصر، فعرّفه أنه تاه فى صحراء الشرق وأنه وقع على مدينة خراب، وأنه وجد فيها شجرة تحمل من كل فاكهة، وأنه أكل منها وتزوّد؛ فقال له رجل من القبط: هذه إحدى مدينتى هرمس وفيها كنوز كثيرة؛ فوجّه عبد العزيز معه جماعة وحمل معهم زادا وماء، فأقاموا يطوفون شهرا فى تلك الصحارى فلم يقفوا لها على أثر. ويقال: إن أشمون عمل فى وقته على باب الأشمونين إوزّة من نحاس، فكان الغريب إذا دخل المدينة صاحت الإوزّة وخفقت بجناحيها فيعلم به، فإن أحبّوا منعوه، وإن أحبّوا تركوه.
(15/70)

قال: وفى أيامه كثرت الحيّات فكانوا يصيدونها ويعملون من لحومها الأدوية والدّرياقات، ثم ساقوها بسحرهم إلى وادى الحيّات فى جبال لوبية ومراقية فسجنوها هناك. قال: وهو أوّل من عمل النوروز بمصر ورتبه سبعة أيام يدمنون فيها الأكل والشرب واللهو. وفى زمانه بنيت البهنسا وأقام بها أسطوانات، وجعل فيها «1» مجلسا من زجاج أصفر وعليه قبّة مذهبة، فكانت الشمس إذا طلعت على القبّة ألقت شعاعها على المدينة. وعمل فيها عجائب كثيرة يطول الشرح بذكرها.
قال: ويقال إن أشمون كان أوّل إخوته ملكا، وكان أعدل بنى أبيه وأرغبهم فى صنعة تبقى ويبقى ذكرها. وهو الذى بنى المجالس المصفّحة بالزجاج الملوّن فى وسط النيل. وتزعم القبط أنه بنى سربا تحت الأرض من الأشمرنين إلى أنصنا تحت النيل. وقيل: إنه عمله لبناته لأنهنّ كنّ يمضين إلى هيكل الشمس. وكان هذا السرب مبلّط الأرض والحيطان والسقف بالزجاج الثخين الملوّن. وقيل: إنه كان أطول إخوته ملكا. وقال أهل الأثر: إنه ملك ثمانمائة سنة، وإن قوم عاد انترعوا منه الملك بعد ستمائة سنة من ملكه وأقاموا تسعين سنة واستوبؤا البلد فانتقلوا [إلى الدّثينة من طريق الحجاز إلى وادى القرى فعمروها «2» ] واتخذوا [بها «3» ] المنازل والمصانع فسلّط الله عليهم الذّرّ فأهلكهم، وعاد ملك مصر إلى أشمون بعد خروجهم من البلد. ويقال: إنه ملكهم ثمانمائة سنة وثلاثين سنة، ودفن فى أحد الأهرام الصّغار القبليّة. وقيل: بل عمل له ناووس فى غربى الأشمونين ودفن معه فيه من الأموال والعجائب شىء كثير، وأصنام الكواكب السبعة التى كانت فى هيكل المرآة التى ترى منها الأقاليم، ودفن معه ألف سرج من ذهب وفضّة، وعشرة آلاف
(15/71)

خابية صغار من ذهب وفضّة وزجاج، وألف عقّار مدبّرة لفنون الأعمال وزبر عليه اسمه ومدّة ملكه والوقت الذى مات فيه.
واستخلف ابنه مناقيوس بن أشمون. وكان جلدا محنّكا فاستأنف العمارة وبنى القرى ونصب الأعلام، وجمع الحكمة ومصاحف الملوك والحكماء وعمل العجائب، وبنى لنفسه مدينة وانفرد بها، وعمل عليها حصنا ونصب عليه أربعة أعلام، فى كل ركن من أركانه علم، وبين تلك الأعلام ثمانون صنما من نحاس وأخلاط، فى أيديها آلات السلاح وزبر على صدرها آياتها.
قال: وكان بمنف رجل من أولاد الكهنة من أعلم الناس بالسحر وأبصرهم بأخذ التماسيح والسباع، وكان يعلّم الغلمان السحر فإذا حذقوا علّم غيرهم؛ فأمر الملك أن تبنى له مدينة ويحوّل إليها فبنيت، وهى إخميم. وملك مناقيوس نيّفا وأربعين سنة ومات فدفن فى الهرم المحاذى لإطفيح، ونقل معه شىء كثير من المال والجواهر والآنية والتماثيل، وزبر عليه اسمه والوقت الذى مات فيه.
وملك بعده ابنه- ولم يسمّه إبراهيم «1» - فكان أحزم من أبيه، فعظم فى عيون أهل مصر. وهو أوّل من عمل الميدان وأمر أصحابه برياضة أنفسهم فيه. وأوّل من عمل البيمارستانات لعلاج المرضى والزمنى وأودعها العقاقير ورتّب فيها الأطبّاء وأجرى عليهم ما يسعهم، وأقام الأمناء على ذلك، وصنع لنفسه عيدا وسماه عيد الملك؛ فكان الناس يجتمعون اليه فى يوم من السنة، فيأكلون ويشربون
(15/72)

سبعة أيام وهو يشرف عليهم فى مجلس قد بنى له على عمد قد طوّقت ذهبا وألبست فاخر الذهب المنسوج، وعليه قبّة مصفّحة من داخلها وخارجها بالذهب والزجاج المسبوك، وكان يعطى كلّ قوم قسطهم من النظر ثم يكثرون الدعاء له وينصرفون الى مواضعهم.
وفى أيامه بنيت سنتريّة «1» فى صحراء الواحات، عملها من حجارة بيض مربّعة على تقدير واحد، وجعل فى كل حائط من حيطانها بابا فى وسطه شارع ينتهى الى الحائط المجاور له من الجهة الأخرى، وجعل فى كل شارع أبوابا يمنة ويسرة تنتهى طرقاتها الى داخل المدينة، وجعل فى وسط هذه المدينة ملعبا يدور به من كل ناحية سبع درج؛ وعمل عليه قبّة من خشب مدهون على عمد «2» عظيمة من رخام، وفى وسطه منار من رخام عليه صنم من صوّان أسود يدور مع الشمس بدورانها، وبسائر نواحى القبّة صور معلّقة تصفر وتصيح بلغات مختلفة. وكان الملك يجلس على الدرجة العالية من الملعب وحوله بنوه وأقار به وأبناء الملوك، وعلى الدرجة الثانية رؤساء الكهنة [والوزراء «3» ] ، وعلى الثالثة رؤساء الجيش، وعلى الرابعة أصحاب الفلسفة والمنّجمون والأطبّاء وأصحاب العلوم، وعلى الخامسة أصحاب العمارات، وعلى السادسة أصحاب المهن، وعلى السابعة العامّة؛ فيقال لكل طائفة منهم: انظروا من دونكم ولا تنظروا من فوقكم، فإنكم لا تلحقونهم. فكان فى هذا ضرب من التأديب.
قال: وكان للملك عدّة نسوة، وكان يحبّ منهنّ امرأتين ويتحظّاهما ويجمع بينهما فى مجلس واحد، فمال لإحديهما فى بعض الأيام دون الأخرى، فغارت
(15/73)

وغرب عقلها وتناولت سكّينا ودخلت الى الملك وهو مغتر وتلك المرأة جالسة الى جنبه فضربتها بالسكّين، وقام الملك دونها ليمنعها منها فضربته على فؤاده فخرّ صريعا، وقبض على المرأة وحبست، ومات الملك. وقد أوصى بقتل المرأة ووضع رأسها على ناووسه. ومدّة ملكه ستون سنة.
وملك بعده ابنه مرقورة الملك؛ فدخل عليه العظماء وهنوه ودعوا له بدوام الملك والنعمة، وكان حازما عاقلا، فأخذ فى حسن التدبير وتقويم العمارة وترتيب المراتب، وجعل لرأس الكهّان الحكومة فى أمر الدّين. قال: وفى كتبهم أنه أوّل من ذلّل السباع بمصر وركبها. قال: وبنى [المدن «1» وعمّر] الهياكل وأقام الأصنام التى غربى منف، وكان ملكه نيّفا وثلاثين سنة، وعمل له ناووس على طريق الغرب على مسافة يومين.
وقلّة ابنه بلاطس بن مرقورة، فملك وهو صبىّ، وكانت أمّه تدبّر الملك مع الوزراء والكهنة، وكانت حازمة مجرّبة، فأجرت الأمور على ما كانت فى حياة أبيه، وأحسنت الى الأولياء، وعدلت فى الرعيّة، ووضعت عنهم بعض الخراج فأحبّوها.
وعملت فى وقته البركة العظيمة فى صحراء الغرب، وجعل فى وسطها عمود طوله ثلاثون ذراعا، فى أعلاه قصعة من حجارة يفور منها الماء فهى لا تنقص أبدا، وجعل حولها أصنام حجارة ملوّنة من كل صنف على صور الحيوان والوحش والطير، وكان كل جنس يأتى الى صورته ويألفها فيؤخذ ولا يدرى.
قال: ولمّا ترعرع الملك أحبّ الصيد ولهج به، فعملت له أمّه متنزّها فيه مجالس مركّبة على أساطين من المرمر مصفّحة بالذهب، عليها قباب مرصّعة بالتصاوير
(15/74)

العجيبة والنقوش المؤلّفة، يطلع من تحتها الماء فى فوّارات وتنصب الى أنهار مصفّحة بالفضّة تفضى الى حدائق فيها بدائع الغروس، عليها تماثيل تصفر بأصناف اللغات، ونضّدت بأنواع الفواكه، وأرخت عليها ستور الدّيباج المنسوجة بالذهب، واختارت له من بنات الملوك الحسان وأزوجته منهنّ، وبنت حول تلك الجنة مجالس يجلس فيها الوزراء والكهنة وأشراف أهل الصناعات يرفعون اليه ما يعملونه، فكان أكثر مقام الملك فى تلك الجنة، فإذا فرغوا من أعمالهم نقل اليهم الطعام والشراب من مطبخه، ولا يزالون فى أكل وشرب بقية يومهم وليلتهم، وأقاموا على ذلك والأمور جارية على السداد.
وكانت أيامه سعيدة كثيرة الخصب والسعة للناس والعدل فيهم والإحسان اليهم. وكان له يوم يخرج فيه الى الصيد ويرجع الى جنّته فيأمر لمن معه بالجوائز والأطعمة والأشربة، ويجلس يوما للناس فينظر فى أمورهم ومصالحهم ويقضى حوائجهم، ويجلس يوما للخلوة بنسائه، ثم جدر فمات؛ وعمل له ناووس فى جنّته وجعل فيه من الأموال والجواهر والصنعة والتماثيل كما كان يجعل لآبائه. وكان ملكه ثلاث عشرة سنة، وانتقل الملك إلى أعمامه.
ذكر أخبار أتريب الملك
هو أتريب بن قبطيم بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام. قال:
وكان أتريب قد انتقل إلى حيّزه بعد وفاة أبيه قبطيم، وهى المدينة التى كان أبوه بناها له، وكان طولها اثنى عشر ميلا، ولها اثنا عشر بابا، وفى شارعها الأعظم ثلاث قباب عالية على عمد بعضها فوق بعض، منها قبّة فى وسط المدينة، وقبّتان فى طرفيها، وجعل على كل ركن منها مرقبا كبيرا يوقد ليلا، وعلى كل باب من أبوابها
(15/75)

حرسا كثيرا، وجعل فى كل جانب منها ملعبا ومجالس ومتنزّهات تشرف من تلك المجالس عليها، وشقّ فى عرضها «1» نهرا وعمل عليه قناطر معقودة، وبنى فوقها مجالس يتّصل بعضها ببعض، وجعل حوله منازل تدور بالخليج متّصلة بالقناطر على رياض مزروعة وخلفها الأجنّة والبساتين؛ وعلى كل باب من أبوابها أعجوبة من تماثيل وأصنام متحرّكة وأصنام ينبع الماء من آذانها، ومن داخل كل باب صورة شيطانين من صفر، فكان إذا قصدها أحد من أهل الخير قهقه الشيطان الذى عن يمنة الباب، وإن كان من أهل الريب «2» بكى الشيطان الذى عن يسرة الباب، وجعل فى كل متنزّه منها من الوحوش الآلفة والطير المغرّدة كل مستحسن، وجعل فوق قباب المدينة صورا تصفر إذا هبّت الرياح، ونصب له فيها مرايا ترى البلدان البعيدة والعجائب الغريبة، وبنى حذاءها فى الشرق مدينة وجعل فيها ملاعب وأصناما بارزة كثيرة فى خلق مختلفة، وجعل فى وسطها بركة إذا مرّ بها الطير سقط عليها فلا يبرح حتى يؤخذ، وجعل لها حصنا [باثنى عشر بابا «3» ] وجعل على كل باب من أبوابها تمثالا يعمل أعجوبة وعمل حولها أجنّة، وجعل ما يقرب منها من ناحية الشرق مجلسا منقوشا على ثمانى أساطين، وفوق المجلس قبّة عليها طائر منشور الجناحين يصفر كل يوم ثلاث صفرات: بكرة، ونصف النهار، وعند الغروب، وأقام فيها أصناما وعجائب كثيرة، وبنى مدنا كثيرة وأكثر من العمارات، وأقام رجلا يقال له برسان يعمل الكيمياء، وضرب منها دنانير، فى كل دينار سبعة مثاقيل عليها صورته، وعمل منها تماثيل كثيرة. وعاش أتريب فى الملك ثلاثمائة سنة وستين سنة،
(15/76)

وكانت سنّه خمسمائة سنة. وعمل له ناووس فى جبل بالشرق حفر [له «1» ] تحته سرب بطّن بالزجاج [والمرمر «2» ] وجعل على سرير من ذهب [مرصّع «3» ] وحملت إليه ذخائره، وجعل على بابه صورة تنّين لا يدنو منه أحد إلّا أهلكه، وزبر عليه اسمه وتاريخ وقته، وسفوا عليه الرمال.
وملكت بعده ابنته [تدرورة «4» ] فدبّرت الملك وساسته بأيد وقوّة خمسا وثلاثين سنة ثم ماتت.
فقام بالملك بعدها أخوها «5» فليمون «6» بن أتريب؛ فردّ الوزراء إلى مراتبهم، وأقام الكهّان [على مواضعهم «7» ] ولم يخرج الأمر عن رأيهم، وجدّ فى العمارات وطلب الحكم وعمل بها. وفى أيامه بنيت تنّيس الأولى التى غرّقها البحر، وكان بينها وبين البحر شىء كثير، وحولها الزروع والأشجار والكروم والقرى ومعاصر الخمر وغيرها وعمارة لم يكن أحسن منها، فأمر الملك أن يبنى له [فى «8» ] وسطها مجالس، وينصب له عليها قباب، وتزيّن بأحسن الزينة والنقوش، وأمر بفرشها وإصلاحها، وكان إذا بدأ النيل فى الزيادة انتقل الملك إليها فأقام بها إلى النّوروز ورجع. وكان للملك بها أمناء يقسّمون المياه ويعطون كل قرية قسطها، وكان على تلك القرى حصن يدور بقناطر، وكان كل ملك يأتى يأمر بعمارتها والزيادة فيها ويجعلها له متنزّها.
(15/77)

ويقال: إن الجنّتين اللتين ذكرهما الله تعالى فى كتابه كانتا لأخوين من أهل بيت الملك أقطعهما الملك ذلك الموضع. وقد تقدّم ذكر خبرهما عند ذكرنا لبحيرة «1» تنّيس، وهو فى الباب السادس من القسم الرابع من الفن الأوّل فى ذكر البحار والجزائر وهو فى السفر الأوّل من كتابنا هذا.
قال: وفى زمان فليمون بنيت دمياط على اسم غلام له كانت أمّه ساحرة لفليمون. قال: وملك فليمون تسعين سنة، وعمل لنفسه ناووسا فى لجبل الشرقىّ، وحوّل إليه من الأموال والجواهر وسائر الذخائر شيئا كثيرا، وجعل من داخله تماثيل تدور بلوالب فى أيديها سيوف فمن دخلها قطّعته بسيوفها. وجعل عن يمينه ويساره أسدين من نحاس مذهب بلوالب أيضا فمن دنا منهما حطّماه، وزبر على الناووس:
هذا قبر فليمون بن أتريب بن قبطيم بن مصريم، عمّر عمرا، وبقى دهرا، وأتاه الموت فما استطاع له دفعا، فمن وصل إليه فلا يسلبه ما عليه، وليأخذ مما بين يديه.
وصار الملك بعده إلى ابنه قرسون بن فليمون؛ وجلس على سرير الملك، ودخل إليه عظماء أهل البلد والخاص والعام فهنؤه بالملك، فتقدّم فى أمر الهياكل والكهنة وطلب الحكمة؛ وكان حدثا جميلا فعشقته إحدى نساء أبيه، وكانت تتولى طيبة «2» وتزعم أن أباه أمرها بذلك، ثم بعثت إلى ساحرة من أعلم السحرة بمنف «3»
(15/78)

فسألتها أن تسحره لها وبذلت لها على ذلك أموالا، وإذا الساحرة قد عشقته أشدّ من عشقها، فسعت بامرأة أبيه وعرّفته ما بذلت لها على ذلك، فأبعدها عن مجلسه ومنعها من الدخول إليه.
وبلغ ملكا من ملوك حمير أن ملك مصر صار إلى غلام حدث غرّ فطمع فيه وسار إليه فى جموع عظيمة، فخرج قرسون نحوه فالتقوا بأيلة «1» واقتتلوا قتالا شديدا حتى تفانّى الفريقان، فأتت تلك الساحرة إلى الملك فقالت: ما تجعل لى إن أعنتك على عدوّك حتى تفضّ جموعه وتظفر به؟ قال حكمك؛ فأخذت عليه بذلك العهود والمواثيق، وأصبحوا للحرب فدخّنت الساحرة بدخن عجيبة وأظهرت تخاييل هائلة، فهرب الحميرىّ فى نفر يسير من ثقاته، وقتل بقية أصحابه، وحاز جميع ما كان فى خزائنهم، وعاد الملك إلى منف بالظفر والغنيمة، فأتته الساحرة فسألته الوفاء بالشرط فقال:
احتكمى ما أحببت، فهذه الأموال والخزائن بين يديك؛ فقالت: ما أريد غير الملك؛ فقال: ويحك! إنك لست من أهل بيت الملك، وقد علمت ما فى هذا على الملك؛ فقالت: قد كان الملوك قبلك يغصبون نساء الناس ويلدن منهم ولا يسألون عن ولاداتهم، وأنا ابنة فلان رئيس الكهنة، ويوشك أن يحتاج الملك إلىّ بعد هذا. ولم تزل به حتى انصرف قلبه اليها، فتزوّجها وأحبّها وحظيت عنده. فضاقت الأرض بامرأة أبيه فأخذت فى أعمال الحيلة عليها؛ فدسّت جارية لها عاقلة لطيفة على ساقى الملك الذى يتولّى شرابه، فاختلطت بجواريه حتى
(15/79)

تمكّنت من إناء كان فيه شراب للملك فألقت فيه سمّا وعادت فى الوقت إلى مولاتها وأخبرتها، فدخلت إلى الملك فسجدت له وقالت: قد كنت للملك ناصحة، وعليه مشفقة، فأقصانى واختصّ هذه الساحرة الفاجرة، وقد سمّت شرابه فى إناء من صفته كذا وكذا، فليسقها الملك منه ليعلم صدقى؛ فدعا الملك بالإناء فوجده على ما ذكرت، فأحضر الساحرة وأمرها بشرب قدح منه فشربته ولم تعلم ما فيه فسقط لحمها عن عظمها، فأمر بدفنها فى ناووس وزبر عليه اسمها وما همّت به وما صار أمرها إليه، وعاد إلى امرأة أبيه وتزوّج بها وحسنت حالها عنده.
قال: وفى أيامه عمل المنار على بحر القلزم «1» وجعلت على رأسه مرآة من أخلاط تجتذب المراكب على شاطىء البحر، فلا يمكنها أن تبرح أو تعشّر، فإذا عشّرت سترت المرآة فتجوز المراكب.
قال: وأقام قرسون ملكا مائتين وستين سنة؛ وقد كان عمل لنفسه ناووسا خلف الجبل الأسود الشرقىّ. وجعل فى وسطه قبّة فيها اثنى عشر بيتا، فى كل بيت أعجوبة لا تشبه الأخرى، وزبر عليها اسمه ومدّة ملكه. قال: وملك بعده ثلاثة أو أربعة. فهؤلاء الذين سمّاهم من أولاد أتريب ممن ملك منهم. والله أعلم «2» .
(15/80)

ذكر» أخبار صابن قبطيم بن مصريم بن بيصر بن حام ابن نوح عليه السلام
قال: ولمّا قسم قبطيم الأرض بين بنيه الأربعة كما تقدّم وانتقل كل واحد منهم إلى حيّزه، خرج صا بأهله وولده وحشمه إلى حيّزه، وهو بلد البحيرة وما يليها إلى برقة، ونزل مدينة صا، وذلك قبل أن تبنى الإسكندرية. وكان صا أصغر ولد أبيه وأحبّهم إليه، فلمّا ملك حيّزه أمر بالنظر فى العمارة، وبنى المدائن والبلدان والهياكل، وعمل فى إظهار العجائب كما صنع إخوته، وطلب الزيادة فى ذلك. وكان مرهون «2» الهندى «3» صاحب بنائه «4» ، فبنى له من حدّ صا إلى حدّ لوبية ومراقية على عبر البحر أعلاما، وجعل على رءوس تلك الأعلام مرايا من أخلاط شتّى: فكان منها ما يمنع من دوابّ البحر وأذاهم، ومنها ما إذا قصدهم عدوّ من الجزائر الداخلة وأصابها الشمس ألقت شعاعها على مراكبهم فأحرقتها، ومنها ما يرى المدائن التى تجاورهم من عدوة البحر وما يعمله أهلها، ومنها ما ينظر منها إلى إقليم مصر فيعلم ما يخصب وما يجدب منه فى كل سنة. وجعل فيها حمامات توقد من نفسها ومستشرفات. وكان كل يوم فى موضع منها بمن يخصّه من حشمه وخدمه، وجعل حولها بساتين وسرّح فيها الطيور المغرّدة والوحش المستوحش والمستأنس والأنهار المطردة والرياض المونقة،
(15/81)

وجعل شرف القصر من حجارة ملوّنة تلمع إذا أصابتها الشمس فتنشر شعاعها على ما حولها؛ ولم يدع شيئا من آلة النعمة والرفاهية إلا استعمله. فكانت العمارة ممتدّة إلى برقة فى رمال من رشيد إلى الإسكندرية إلى برقة. وكان الرجل يسافر فى أرض مصر لا يحتاج إلى زاد لكثرة الفواكه والخيرات، ولا يسير إلا فى ظلال تستره من الشمس. وعمل فى تلك الصحارى قصورا وغرس فيها غروسا، وساق إليها من النيل أنهارا. وكان يسلك من الجانب الغربىّ إلى حدّ الغرب فى عمارة متصلة.
قال: فلما انقرض أولئك القوم بقيت آثارهم فى تلك الصحارى وخربت تلك المنازل وباد أهلها. قال: ولا يزال من دخل تلك الصحارى يحكى ما رأى فيها من الآثار والعجائب.
قال: ومن ملوكهم مرقونس؛ وكان [فاضلا «1» ] حكيما، محبّا للنجوم والحكمة، فعمل فى أيامه درهم إذا ابتاع به صاحبه شيئا اشترط أن يزن له ما يبتاعه منه بوزن الدرهم ولا يطلب عليه زيادة، فيغترّ البائع بذلك ويقبل الشرط، فإذا تمّ ذلك بينهما وقع فى وزن الدرهم أرطال كثيرة تساوى عشرة أضعافه، وإن أحبّ أن يدخل فى وزنه أضعاف تلك الأرطال دخل. قال: وقد وجد هذا الدرهم فى كنوزهم فى أيام بنى أميّة، فكان الناس يتعجّبون منه. وقد كانوا وجدوا درهما آخر قيل إنه عمل فى وقته أيضا يكون فى ميزان الرجل، فإذا أراد أن يبتاع حاجة أخذ الدرهم من ميزانه وقلبه «2» وقال: اذكر العهد، ومضى فابتاع به ما أراد، فإذا أخذ السّلعة ومضى إلى بيته
(15/82)

وجد الدرهم قد سبقه إلى منزله، ووجد البائع حيث وضعه ورقة آس أو قرطاس أو مثل ذلك بدور «1» الدرهم.
وقيل: إن فى وقته عملت الآنية الزجاج التى توزن، فإذا ملئت [ثم «2» ] وزنت لم تزد على وزنها الأوّل شيئا، وهى تحمل من الماء بوزنها. وعمل أيضا فى وقته الآنية التى إذا جعل الماء فيها صار خمرا فى لونه ورائحته وسكره.
قال: وقد وجد من هذه الآنية بإطفيح «3» فى إمارة هارون بن خمارويه بن أحمد ابن طولون شربة جزع «4» بعروة زرقاء ببياض. وكان الذى وجدها أبو الحسن [الصائغ «5» ] الخراسانىّ هو ونفر معه، فجلسوا ليأكلوا على عبر النيل وشربوا الماء بها فوجدوه خمرا فسكروا منه ورقصوا، فوقعت الشربة فانكسرت على عدّة قطع، فاغتمّ الرجل وجاء بها إلى هارون مكسورة، فأسف عليها وقال: لو كانت صحيحة لاشتريتها ببعض ملكى.
وفى أيامه عملت الصورة الحنتمية من الضفادع والخنافس والذباب والعقارب وسائر الحشرات «6» ، فكانت إذا جعلت فى موضع من المواضع اجتمع إليها ذلك الجنس بعينه ولا يقدر أن يفارقها حتى يقتل. وعمل فى صحراء الغرب ملعبا من زجاج ملوّن، وجعل فى وسطه قبّة من الزجاج خضراء صافية اللون؛ وكانت إذا طلعت عليها الشمس ألقت شعاعها على المواضع البعيدة. وعمل من أربع جهاته أربعة مواضع عالية من الزجاج، كلّ مجلس منها بلون، ونقش كلّ مجلس منها بما
(15/83)

يخالف لونه من الطلّسمات العجيبة والنقوش الغريبة والصور البديعة؛ كل ذلك من زجاج مطابق يشفّ. وكان يقصد هذا الملعب ويقيم فيه الأيام الكثيرة.
وعمل له ثلاثة أعياد فى كل سنة، فكانوا يحجّون إليه ويذبحون له ويقيمون فيه سبعة أيام؛ فلم يزل ذلك الملعب بحاله تقصده الأمم لتنظر إليه لأنه لم يكن له نظير ولا شكل، ولا عمل [فى العالم «1» ] مثله إلى أن هدمه بعض الملوك لأنه تعاطى مثله فلم يقدر على ذلك.
وكانت أمّ مرقونس ابنة ملك النوبة، وكان أبوها يعبد نجما يقال له السّها، ويسمّيه إلها، فسألت ابنها أن يعمل لها هيكلا ويفردها «2» به، فعمله لها وصفّحه بالذهب والفضّة [وأقام فيه صنما «3» ] وأرخت عليه ستور الحرير، فكانت تدخل إليه مع جواريها وحشمها وتسجد له كل يوم ثلاث مرّات. وعملت فى كل شهر عيدا تقرّب له فيه القرابين وتبخّره ليله ونهاره، ونصبت له كاهنا من النوبة فكان يقوم به ويبخّر [هـ «4» ] ويقرّب [له «5» ] ، ولم تزل بابنها حتى سجد له ودعا الناس إلى عبادته.
قال: ولمّا رأى الكاهن أنّ الأمر قد أحكم له من جهة الملك فى عبادة الكواكب، أحبّ أن يكون له مثالا فى الأرض على صورة شىء من الحيوان يتعبّد له ليكون حذاء عينيه؛ فأقام يعمل الحيلة فى ذلك إلى أن اتفق بمصر كثرة العقبان حتى أضرّت بالناس، فأحضره الملك وسأله عن كثرتها فقال: إنّ إلهك أرسلها لتعمل له نظيرا يسجد له. فقال الملك: إن كان ذلك يرضيه فأفعله، فعمل تمثال عقاب طوله ذراعان فى عرض ذراع من ذهب مسبوك، وعمل عينيه من ياقوتتين،
(15/84)

وعمل له وشاحين من لؤلؤ منظوم على أنابيب جوهر [أخضر «1» ] ، وجعل فى منقاره كرة «2» معلّقة وسروله بأدرك أحمر، وأقامه على قاعدة [من «3» ] فضّة منقوشة، وركّبها على قائمة زجاج أزرق، وجعله فى أزج عن يمين الهيكل، وألقى عليه ستور الحرير، وجعل [له] دخنة معمولة من جميع الأفاويه والصمغ، وقرّب له بعجل أسود وبكارة الفراريج وبواكير الفواكه والرياحين. فلما تمّت له سبعة أيام دعاهم إلى السجود له فأجابوه. ولم يزل [الكاهن «4» ] يجهد نفسه فى عبادته، وعمل له عيدا دعاهم فيه إلى أن يبخّر له فى أنصاف الشهور بالمندل وترشّ الهياكل بالخمر العتيقة [التى تؤخذ «5» ] من رءوس الجوابى «6» ، ونطق لهم العقاب وعرّفهم أنه أزال عنهم العقبان وضررها؛ وكذلك يفعل فى غيرها ممّا يخافون؛ فسرّ الكاهن بذلك ووجّه إلى أمّ الملك فعرّفها ذلك فصارت الى الهيكل، فلمّا سمعت كلام العقاب سرّها ذلك وأعظمته، وبلغ الملك خبره فركب إلى الهيكل حتى خاطبه وأمره ونهاه، فسجد له وأقام له سدنة وأمر أن يزيّن بأصناف الزينة، وكان الملك يقوم بذلك الهيكل ويسجد لتلك الصورة ويسألها عمّا يريد «7» فتخبره.
وعمل من الكيمياء والذهب ما لم يعمله أحد من الملوك. فيقال: إنه دفن فى صحراء الغرب خمسمائة دفين. ويقال: إنه عمل على باب صاعمودا وجعل عليه صنما فى صورة امرأة جالسة وفى يدها مرآة ينظر فيها العليل [أو ينظر له أحد فيها «8» ] فإن كان يموت رآه ميّتا، وإن كان يعيش رآه حيّا؛ والمسافر، فإن كان مقبلا بوجهه علموا أنه راجع، وإن رآه مولّيا علموا أنه متماد، وإن كان مريضا أو ميّتا رأوه كذلك. وعمل بالإسكندرية صورة راهب جالس على قاعدة وعلى
(15/85)

رأسه كالبرنس «1» وفى يده كالعكّاز إذا مرّ به رجل تاجر جعل بين يديه شيئا من الذهب على قدر بضاعته، وإن حاذاه «2» عن بعد ولم يفعل ذلك لم يقدر على الجواز ويبيت قائما مكانه، فكان يجتمع من ذلك مال عظيم يفرّق فى الزمنى والفقراء.
وعمل فى وقته كل أعجوبة طريفة، وأمر أن يزبر اسمه عليها وعلى كل علم وكل طلّسم وصنم. وعمل لنفسه ناووسا فى داخل أرض الغرب عند جبل يقال له سدام، وعمل تحته رحى طوله مائة ذراع فى ارتفاع ثلاثين ذراعا فى عرض عشرين ذراعا، وصفّحه بالمرمر والزجاج الملوّن المسبوك وسقفه بالحجارة الصافية، وعمل فيما دار به مصاطب لطافا مبلّطة بالزجاج، وعمل على كل مصطبة فيها أعجوبة وتمثالا مما عمل فى وقته، وعمل فى وسط الأزج دكّة من زجاج ملوّن، على كل ركن من أركانها صورة تمنع من الدنوّ إليها، وبين كل صورتين كالمنارة عليها حجر مضىء، وجعل فى وسط الدكّة حوضا من ذهب يكون جسده فيه بعد تضميده بالأدوية الممسكة، ونقل إليه ذخائره من الجوهر والذهب وغير ذلك، وأمر أن يسدّ باب الأزج بالصخور والرّصاص وتهال عليه الرمال. وكان ملكه ثلاثا وسبعين سنة، وعمره مائتين وأربعين سنة، وكان جميلا ذا وفرة حسنة فنسكت عامّة نسائه بعده ولزمن الهيكل.
وعهد بالملك إلى ابنه أنساد بن مرقونس؛ فملك بعد أبيه وهو غلام ابن خمس وأربعين سنة، وكان معجبا جبّارا طمّاح العين، فنكح امرأة من نساء أبيه وانكشف أمره معها، وكان أكبر همّه اللهو واللعب، فجمع كل مله كان فى مملكته وقصده كل من هذه سبيله، وجعل تدبير الملك إلى وزير له يقال له
(15/86)

مسرور، ورفض العلوم والهياكل والكهنة والنظر فى أمور الناس. وعمل قصورا من خشب عليها قباب من خشب منقوشة ممّوهة وجعلها على أطواف فى النيل، فكان يشرب عليها مع من يحبّه من نسائه وخدمه ومن يلهيه.
وعمل عجلا فى البرّ وحمل عليها الأروقة المذهبة وفرشها بفاخر الفرش، فكان يتنزّه عليها ويجرّها البقر ويقيم فى نزهته شهورا لا يمرّ بموضع نزه إلّا أقام فيه أياما. وولّد من الشجر توليدا كثيرا. واستتفد أكثر ما فى خزائن أبيه لجوائز الملهين والنفقات فى غير وجه. فلمّا أسرف فى ذلك اجتمع الناس إلى وزيره فأنكروا عليه حاله وسألوه مسألته والمشورة عليه أن يقع عمّا هو عليه فضمن لهم ذلك، وفاوضه فيه فلم ينته عنه، وسلّط أصحابه على الناس فأساءوا إليهم وأضروا بهم. وخرج فى بعض الأيام إلى متنزّه كان له قد صفّح مجالسه بصفائح الذهب والفضة، وغريب الزجاج الملوّن، والجواهر المخروطة، والصهاريج المرّخمة الملوّنة، وأمال إليه المياه، وغرس فيه الرياحين والثمار، وفرش مجالسه بأصناف الفرش؛ وكان إذا أحبّ أن يخلو بامرأة من نسائه خلابها هناك؛ فإنه فى ذلك المكان، وقد أقام به أياما، إذ خرج غلام لبعض حرمه فأتى بعض التجّار فى حاجة أراد أخذها بغير ثمن، فمنعه التجّار منها، فوثب بهم فضربوه حتى أسالوا دمه وحمل، واتصل الخبر بالوزير وصاحب الجيش فركبا إلى الموضع وأنكرا على الناس فأغلظوا لهما، فانصرفا وعرّفا الملك الخبر، فأراهما أنه لم يحفل بذلك، وأمر بالنداء فى الناس من تعرّض لكم من خدم الملك وأصحابه بأذى فاقتلوه، فشكره الناس وحمدوا فعله على ذلك، وتواصوا بالوثوب على أصحابه، حتى إذا مضى لذلك أسبوع وجه الملك إلى الوزير وصاحب الجيش فعرّفهما أنه قد عزم على الركوب إلى صحراء الغرب يتصيّد هناك، وامر أن يركب معه الجيش ويتزوّدوا لثلاثة أيام ففعلوا، وخرج إلى البرّية فسار حتى إذا اختلط
(15/87)

الظلام رجع الجيش حتى وافى باب المدينة، وأمر أصحابه أن يضعوا السيف فى الناس فقتلوا خلقا كثيرا، ثم أمر أن ينادى: هذا جزاء من أقدم على الملوك من رعاياهم وأصحاب منهم، وأخرب الموضع الذى ضرب فيه الغلام، فاستغاث به الناس، فتقدّم إلى وزيره أن يطرح نفسه بين يديه ويسأله فيهم، ففعل وأمّنهم وقال: من عاد إلى مثل ما كان فقد حلّ لنا دمه، فدعوا له وانصرفوا. ثم احتجب عن الناس واستخف بالكهنة والهياكل فأبغضته العامّة والخاصّة وبغوا الغوائل فاحتال عليه خاصّته بطبّاخه وساقيه فسمّاه وهو ابن مائة وعشرين سنة فمات.
وصار الملك من بعده إلى ابنه صابن أنساد بن مرقونس؛ قال: وأكثر القبط تزعم أن صابن مرقونس أخو أنساد. فملك وهنأه الناس، فوعدهم بالعدل فيهم، والإحسان إليهم، وحسن النظر لهم، وسكن منف وحكم الأحياز كلها، وعمل بها عجائب وطلّسمات، وردّ الكهنة إلى مراتبهم، ونفى الملهين وأهل الشرّ ممن كان يصحب أخاه، ونصب العقاب الذى كان أبوه عمله، وشرف هيكله ودعا إليه. وعمل فى منف مرآة كان يرى منها ما يخصب من بلده وما يجدب.
وبنى بداخل الواحات مدينة غرس حولها نخلا كثيرا. ونصب قرب البحر أعلاما كثيرة. وعمل خلف المقطّم صنما يقال له صنم الحيلة، فكان كل من تعذّر عليه أمر يأتيه فيبخّره فيتيسّر عليه ذلك الأمر «1» . وجعل على أطراف مصر أصحاب أخبار يرفعون إليه ما يجرى فى حدودهم. وعمل على غربى النيل منائر يوقد عليها إذا قصدهم قاصد أو نابهم أمر. ويقال: إنه بنى أكثر منف وكل بنيان عظيم بالإسكندرية.
قال: وكان لمّا ملك البلد بأسره جمع الحكماء إليه ونظر فى النجوم- وكان بها حاذقا- فرأى أن بلده لا بدّ أن تغرق بالطوفان من نيلها، ورأى أنها تخرب على
(15/88)

يدرجل [يأتى «1» ] من ناحية الشأم، فجمع كل فاعل بمصر وبنى فى الواح الأقصى مدينة جعل طول حصنها فى الأرتفاع خمسين ذراعا وأودعها جميع الحكم والأموال.
وبنى المدينة «2» التى وقع عليها موسى بن نصير فى زمن بنى أميّة، وكان قد أخذ على الواح الأقصى، وكان عنده علم منها، وأقام سبعة أيام يسير فى رمال وصحارى سمت الغرب والجنوب إلى أن ظهرت له مدينة عليها حصن وأبواب حديد، فأصعد إليها الرجال ليقفوا على ما فيها لمّا لم يمكنه فتح أبوابها، ولغلبة الرمال على ما حولها؛ فكانوا إذا علوا الحصن وأشرفوا عليها وثبوا إليها؛ وعرض حصنها عشرون ذراعا؛ فلمّا أعياه أمرها تركها ومضى، فهلك فى تلك الطريق جماعة من أصحابه. فلم يسمع بأحد بعد موسى بن نصير ولا قبله وقع عليها.
قال: وفى تلك الصحارى أكثر متنزّهاتهم ومدائنهم العجيبة؛ إلا أنّ الرمال غلبت عليها. ولم يبق بمصر ملك إلا وقد عمل للرمال دفعا ثم تفسد طلّسماتهم على تقادم الأيام.
(15/89)

وقال: وحكى قوم من «1» التّنّاء فى ضياع الغرب: أنّ عاملا من عمّالهم عنف بهم فهربوا ودخلوا فى صحراء الغرب وحملوا معهم زادا إلى أن يصلح أمرهم ويرجعوا إلى بلادهم، وكانوا على يوم وبعض آخر قد لحجوا»
فى سفح الجبل، فوجدوا عيرا أهليّا قد خرج من بعض شعابه، فتبعه نفر منهم، فأخرجهم إلى مساكن وأشجار ونخل ومياه تطّرد «3» وقوم يسكنون هناك ويزرعون، فخاطبوهم وعجبوا منهم وسألوهم عن حالهم فعرّفوهم أنهم منذ كانوا يسكنون تلك الناحية ويتناسلون ويزرعون ولا يطالبهم أحد بخراج ولا يؤذيهم، وأنهم لم يدخلوا إلى ضياع الغرب قطّ، وقالوا لهم انتقلوا إلينا؛ فخرج القوم بعد أن صلحت أمورهم واجتمعوا على الرجوع إلى ذلك الموضع والسكنى فيه بأهليهم ومواشيهم، فخرجوا يطلبون الطريق مدّة فما عرفوا الطريق ولا تأتّى لهم الوصول إليه بعد ذلك فأسفوا على مافاتهم منه.
وحكى أيضا عن آخرين ضلّوا الطريق فى الغرب، فوقفوا على مدينة عامرة، كثيرة الناس والمواشى والنخيل والشجر، فأضافوهم وأكلوا عندهم وشربوا، وباتوا فى طاحونة يعمل فيها الخبز «4» ، فسكروا من الشراب وناموا، فلم ينتبهوا إلّا عند طلوع الشمس، فوجدوا أنفسهم فى مدينة كبيرة خراب ليس فيها أحد، فارتاعوا لذلك وخرجوا على وجوههم كالهاربين، وساروا يومهم على غير سمت حتى قرب المساء، فظهرت لهم مدينة أخرى عظيمة أكبر من الأولى وأعمر، وأكثر أهلا ودوابّ ومواشى وشجرا ونخلا، فأنسوا بهم وأخبروهم بخبر المدينة، فجعلوا يعجبون منهم ويضحكون؛ وإذا لبعض أهل المدينة وليمة فانطلقوا بهم معهم، فأكلوا وشربوا
(15/90)

وغنّوهم بأصناف الملاهى، وسألوهم عن حالهم فحدّثوهم أنهم ضلّوا عن الطريق فى هذه الصحارى، فقالوا لهم: الطريق بين أيديكم واضح مستقيم لا يمكن أن تغلطوا فيه، فإن أحببتم المسير وجّهنا معكم من يوقفكم على سنن الطريق الكبير الذى يوصلكم إلى منازلكم، وإن أحببتم أن تقيموا عندنا رفدناكم وكنتم إخواننا وأحبابنا.
قالوا: فسررنا بذلك من قولهم، وأجمع بعضنا على المقام معهم، وأجمع من كان له منا أهل وولد على أن يسير إلى منزله ويحمل أهله وولده ويعود إليهم. قال: وبتنا عندهم فى خير مبيت، فرحين بما ساق الله إلينا. فلمّا كان من الغد انتبهنا فوجدنا أنفسنا فى مدينة عظيمة ليس فيها أحد من الناس وقد تشعّب بعض حصنها، إلّا أن حولها نخلا قد تساقط ثمره وتكدّس حوله، فلحقنا من الخوف لذلك والارتياع ما استوحشنا له، وخرجنا على وجوهنا هاربين مفكّرين فيما عاينّاه من أهلها، وإنّا لنجد روائح الشراب منّا ومعانى الخمار ظاهرة، فلم نزل نسير يومنا أجمع وليس بنا جوع ولا عطش، حتى إذا كان المساء رأينا راعيا يرعى غنما فسألناه عن العمارة وعن الطريق فدلّنا على الطريق وقال: إنّ العمارة حذاؤكم؛ وإذا بنقار «1» من ماء المطر فشربنا منه وبتنا عليها، ثم أصبحنا فإذا نحن فى خلاف موضعنا الذى كنّا فيه، وإذا آثار العمارة والناس فما سرنا إلّا بعض يوم حتى دخلنا مدينة الأشمونين بالصعيد، فكنّا نحدّث الناس ولا يقبلون منا.
قال: وهذه مدائن القوم القديمة قد غلب عليها الجانّ، ومنها ما قد سترته عن العيون فلا ينظر إليها أحد.
قال: وذكر بعض القبط أن رجلا من بنى الكهنة الذين قتلهم أنساد سار إلى ملك الإفرنجة فذكر له كنوز مصر وعجائبها وخيرها، وضمن له أن يوصّله إلى ملكها
(15/91)

وأموالها، ويدفع عنه أذى طلّسماتها حتى يبلغ جميع ما يريده ويعرّفه مواضع الكنوز.
فلمّا اتصل بصا الملك أنّ صاحب الإفرنجة يتجهّز إليه، عمد إلى جبل بين البحر المالح وشرقى النيل فأصعد إليه أكثر كنوزه وما فى خزائنه، وبنى عليها قبابا وصفّحها بالرّصاص، وأمر ففتحوا جوانب الجبل إلى منتهى خمسين ذراعا، وجعلوا فى انتهاء المنحوت منه شبه الطرر البارزة خارجة من النحت بقدر مائة ذراع وهو بين جبال وعرة، فحصّن أمواله هناك. وتجهّز إليه صاحب الإفرنجة فى ألف مركب، فكان لا يمرّ بشىء من أعلام مصر ومناراتها وأصنامها إلّا هدمه وكسره بمعونة الكاهن له.
حتى أتى الإسكندرية الأولى فعاث فيها وهدم كثيرا من معالمها إلى أن دخل النيل من ناحية رشيد وصعد إلى منف فحاربه أهل النواحى، وجعل ينهب ما مرّ به ويقتل من قدر عليه إلى أن طلب المدائن الداخلة ليأخذ كنوزها فوجدها ممتنعة بالطلّسمات الشداد والمياه العميقة والخنادق الشدّاخات، فأقام عليها أياما كثيرة يعالج أن يصل إليها، فلمّا لم يمكنه ذلك قتل الكاهن، وهلك جماعة من أصحابه، واجتمع أهل النواحى على مراكبه وأصحابه فقتلوا منهم خلقا وأحرقوا بعض المراكب. ولما تيقّن أهل مصر تلف الكاهن الذى كان معه أرسلوا إليه سحرهم وتهاويلهم، وأتت مع ذلك رياح غرقت كثيرا من مراكبه، وكانّ جل مرامه أن ينجو بنفسه فما عاد إلى الإفرنجة إلا وقيذا «1» بجراحات أصابته، ورجع الناس إلى منازلهم وقراهم، ورجع صا إلى منف فأقام بها وترك ما كنزه على حاله.
قال: ولم يزل بعد ذلك يغزو بلاد الروم وأهل الجزائر ويخرّبها فهابته الملوك، وتتّبع الكهنة فقتل منهم خلقا، وأقام سبعا وستين سنة، وكانت سنة مائة وسبعين سنة وهلك، فدفن بمنف فى ناووس عمله وسط المدينة من تحت الأرض، وجعل
(15/92)

المدخل إليه من خارج المدينة من الجهة الغربية، وحمل إليه أموالا عظيمة وجواهر كثيرة، وتماثيل وطلّسمات وغير ذلك كما فعل أجداده. وكان فيه أربعة آلاف تمثال ذهب على صور شتّى برّية وبحرية، وتمثال عقاب من جوهر أخضر جعل عند رأسه، وتمثال تنّين من ذهب مشبّك عند رجليه وزبر عليه اسمه وسيرته وغلبته للملوك.
وعهد إلى ابنه تدارس بن صا؛ فملك الأحياز كلها بعد أبيه وصفا له ملك مصر. وكان محنّكا مجرّبا ذا أيد وقوّة ومعرفة بالأمور؛ فأظهر العدل، وأقام الهياكل وأهّلها قياما حسنا. وبنى غربى منف بيتا عظيما للزّهرة وزبر جميع الأخبار- وكان صنم الزهرة من لا زورد مذهّب متوّجا بذهب- وسوّره بسوارين من الزّبرجد الأخضر؛ وكان فى صورة امرأة لها ضفيرتان من ذهب أسود مدبّر، وفى رجليها خلخالان من حجر أحمر شفاف ونعلان من ذهب، وفى يدها قضيب مرجان وهى تشير بسبّابتها كالمسلّمة على من فى الهيكل، وجعل حذاءها من الجانب الآخر تمثال بقرة ذات قرنين وضرعين من نحاس أحمر مموّه بذهب موشحة بحجر اللازورد، ووجه البقرة محاذ «1» يا لوجه الزهرة، وجعل بينهما مطهرة من أخلاط للأجساد على عمود رخام مجزّع فيها ماء مدبّر يستشفى به من كل داء، وفرش الهيكل بحشيشة الزهرة يبدلونها فى كل سبعة أيام، وجعل فيه كراسىّ للكهنة مصفّحة بذهب وفضّة، وقرّب له ألف رأس من الضأن والمعز والوحش والطير، وكان يحضر يوم الزهرة ويطوف به. وكانت فرش الهيكل وستوره عن يمين تمثال الزهرة ويساره. وكان فى قبّته صورة رجل راكب على فرس له جناحان وله حربة فى سنانها رأس إنسان معلق، وبقى هذا إلى زمان بخت نصر
(15/93)

وهو الذى هدمه. ويقال: إن تدارس الملك هذا هو الذى حفر خليج سخا، وارتفع مال البلد فى أيامه مائة ألف ألف [دينار «1» ] وخمسين ألف [ألف «2» ] دينار. وقصده بعض عمالقة الشأم فخرج إليه واستباحه ودخل إلى فلسطين فقتل منها خلقا كثيرا وسبى بعض حكمائها وأسكنهم مصر وهابته الملوك.
قال: وعلى رأس ثلاثين سنة من ملكه طمع السودان من الزّنج والنّوبة فى أرضه فعاثوا وأفسدوا، فأمر بجمع الجيوش وأعدّ المراكب ووجّه قائدا من قوّاده يقال له: بلوطس فى ثلاثمائة ألف، وقائدا آخر فى مثلها، ووجّه فى البحر «3» ثلاثمائة سفينة فى كل سفينة كاهن يعمل أعجوبة من العجائب [ثم خرج فى جيوش كثيرة، فلقى جموع السودان «4» ] وكانوا فى زهاء ألف ألف فهزموهم، وقتلوا أكثرهم أبرح قتل، وأسر منهم خلقا كثيرا، وتبعهم حتى وصل إلى أرض الفيلة من بلاد الزّنج «5» فأخذ منها عدّة من النمور والوحش وذللها وساقها معه إلى مصر. وعمل على حدود بلده منارات وزبر عليها مسيره وظفره والوقت الذى سار فيه. ولمّا وصل إلى مصر اعتلّ ورأى رؤيا تدلّ على موته، فعمل لنفسه ناووسا ونقل إليه شيئا كثيرا من أصنام الكواكب والذهب والجوهر والصنعة والتماثيل وهلك؛ فحمل إليه وزبر عليه اسمه وتاريخ الوقت الذى هلك فيه، وجعل عليه طلّسما تمنع منه.
وعهد إلى ابنه ماليق بن تدارس؛ فملك بعد أبيه. وكان غلاما كريما حسن الوجه، مجرّبا، مخالفا لأبيه وأهل بلده فى عبادة الكواكب والبقر.
(15/94)

ويقال: إنه كان موحّدا على دين أجداده قبطيم ومصريم، وكانت القبط تذمّه لذلك. وكان سبب إيمانه فيما حكى أنه رأى فى منامه أن رجلين لهما أجنحة أتياه فآختطفاه وحملاه إلى الفلك، فأوقفاه بين يدى شيخ أسود أبيض الرأس واللحية، فقال: هل عرفتنى؟ فدخلته فزعة الحداثة، وكانت سنه نيّفا وثلاثين سنة، فقال له: ما أعرفك! فقال: أنا قرويس، يعنى زحل، فقال:
قد عرفتك، أنت إلهى، فقال: إنك وإن كنت تدعونى إلها فإنى مربوب مثلك، وإلهى الذى خلق السموات والأرض وخلقنى وخلقك، فقال: وأين هو؟
فقال: هو فى العلوّ لا تراه العيون، ولا تلحقه الأوهام، وهو الذى جعلنا سببا لتدبير العالم الأسفل. قال له ماليق الملك: فكيف أعمل؟ قال: تضمر فى نفسك ربوبيّته علينا. وتخلص فى وحدانيّته وتعرف بأزليّته. ثم إنه أمر الرجلين فأنزلاه؛ فانتبه وهو مذعور، فدعا رأس الكهنة فقصّ عليه رؤياه فقال: قد نهاك عن عبادة الأوثان فإنها لا تضرّ ولا تنفع، فقال له: من أعبد؟ قال: الله الذى خلق السموات والكواكب التى فيها والأرض ومن عليها. فكان الملك يحضر الهيكل فإذا سجد انحرف عن الصنم وأضمر السجود لخالق السموات والأرض دون غيره، ثم أخذ فى الغزو والغيبة عن أهل مصر وجال فى البلدان.
قال: وقال بعض أهل مصر: إنّ الله تعالى أيّده بملك من الملائكة يعضّده ويرشده، وربما أتاه فى نومه، فأمره أن يأمر الناس باتخاذ كل فاره من الخيل، واتخاذ السلاح وما يصلح للأسفار، وإعداد الزاد، واتخذ فى بحر الغرب مائتى سفينة، وخرج فى جيش عظيم فى البرّ والبحر، فلقيه جموع البربر فى جموع لا تحصى فهزمهم واستأصل أكثرهم، وبلغ إلى إفريقية وسار منها، وكان لا يمرّ بأمة إلّا أبادها إلى أن عدّى من ناحية الأندلس يريد الإفرنجة، وكان بها ملك عظيم يقال له: أرقيوس، فأقام يحاربه شهرا ثم طلب صلحه وأهدى له هدايا كثيرة فسار عنه، ودوّخ الأمم المتّصلة
(15/95)

بالبحر الأخضر «1» وأطاعه أكثرها. ومرّ بأمّة عراة لهم حوافر فى أرجلهم، وقرون صغار، وشعور كشعور الدوابّ، ولهم أنياب بارزة من أفواههم، فقاتلهم قتالا شديدا حتى أثخنهم، فنفروا منه إلى غيران «2» لهم مظلمة عظام.
والقبط تذكر أنه رأى سبعين أعجوبة، وعمل أعلاما على البحر وزبر عليها اسمه ومسيره، وخرب مدن البربر حيث كانت، وألجأهم إلى قرون الجبال ورجع؛ فتلقّاه أهل مصر بأصناف اللهو والطيب والرياحين، وفرشت له الطرقات ولقوه بابنه بلهقانس وكان ولد بعد مسيره فسرّبه. واتصل خبره بالملوك فهابوه وحملوا إليه الهدايا من كل وجه ومكان.
قال: وبلغه أن قوما من البربر سحرة لهم تخاييل عجيبة وبخورات يدلّون بها، وأنهم فى مدينة لهم يقال لها: قرميدة، فى الغرب من مصر، قد ملّكو عليهم امرأة ساحرة يقال لها: اسطافا، فاتصل به كثرة أذاهم للناس فغزاهم، فلما قرب منهم ستروا عنه مدينتهم بسحرهم فلم يرها، وطمّوا مياههم فلم يعرفها، فهلك أكثر أصحابه عطشا. فلما ستروا عنه البلد صعد إلى ناحية الجنوب، ثم رجع على غير الطريق التى سار إليهم فيها، فمرّ بهيكل كان لهم يحضرونه فى أعيادهم، فهدم بعضه وسقط منه موضع على جماعة ممن تولّى هدمه فأهلكهم، فلما رأى ذلك تركهم وانصرف، وخرجوا إلى هيكلهم فبنوا ما سقط منه وحرسوه بطلّسمات محكمة، ونصبوا فوق قبّته طلّسما من نحاس مذهب، وكان إذا قصده أحد صاح صياحا منكرا يرعد منه من سمعه ويبهت فيخرجون إليه ويصطلمون «3» . وكانت ملكتهم أحذق منهم بالسحر فقالت:
(15/96)

إنى أعمل الحيلة فى إفساد مصر وأضرّ وآذى أهلها، فعملت أشياء وأرسلتها مع من ألقاها فى النيل، ففاض النيل على مزارعهم وغلّاتهم، وكثرت فيه التماسيح والضفادع، وكثرت العلل فى الناس، وانبثّت فيهم الثعابين والعقارب، فأحضر ماليق الكهنة والحكماء وقال: أخبرونى عن هذه الحوادث التى حدثت فى بلادنا ما هى؟ ولم لم تشرحوها فى طالع السنة؟ فاجتمعوا فى دار حكمتهم ونظروا حتى علموا أنه من ناحية الغرب، وأنّ امرأة عملته وألقته فى النيل، فعلم أنه من فعل تلك الساحرة، فقال لهم: اجهدوا أنفسكم فى هلاكها فقد بلغت فيكم مرادها، فاجتمعوا للهيكل الذى فيه صور الكواكب وأصنامها، وسألوا الملك الحضور معهم فلم يمكنه الخلاف عليهم. فلما أمسى لبس مسحا وافترش رمادا واستقبل مصلاه وأقبل على الابتهال إلى الله والتضرّع وقال: يا ربّ يا الله، أنت إله الآلهة، وخالق الخلق، ولا يكون شىء إلا بقضائك، أسألك أن تكفينى أمر هؤلاء القوم، وغلبه السهر فأغفى فى مصلاه، فرأى آتيا يقول له: قد رحم الله تضرّعك، وأجاب دعاءك، وهو مهلك هؤلاء القوم ومدمّر عليهم، وصارف عنك الماء المفسد والدوابّ المضرّة. فلمّا أصبح الكهنة غدوا عليه وسألوه حضور هيكلهم، فقال لهم:
قد كفيتكم أمر عدوّكم وأهلكتهم، وأزلت الماء الفاسد والدوابّ المضرّة عنكم، ولن تروا بعدها شيئا تكرهونه، فنظر بعضهم إلى بعض كالمنكرين لقوله وقالوا:
قد سررنا بما ذكره الملك، وهم يضمرون الاستهزاء به والتكذيب له، ومضوا إلى دار الحكمة فقال بعضهم: الرأى ألا تقولوا فى هذا شيئا، فإن كان حقّا وقفتم عليه، وإن كان باطلا اتسع لكم اللفظ فى لومه، وسيتبين لكم أمره.
فلما كان بعد يومين انكشف ذلك الماء الفاسد، وهلكت تلك الدوابّ المضرّة، فعلموا أن الذى أخبرهم به حقّ؛ وأمر قائدا من قوّاده ورجالا من الكهنة أن يمضوا
(15/97)

حتى يعلموا علم هؤلاء القوم، فأتوا المدينة فوجدوا حصنها قد سقط وقد هلكوا بأجمعهم واحترقوا واسودّت وجوههم؛ ووجدوا الأصنام منكّسة على وجوهها، وأموالهم ظاهرة بين أيديهم، فطرقوا المدينة فلم يجدوا فيها غير رجل واحد كان مخالفا لهم بسبب رؤيا رآها؛ ووجدوا من الأموال والجواهر وأصنام الذهب والتماثيل ما لا يحصى ولا تعرف له قيمة، ووجدوا صورة كاهن لهم من زبرجد أخضر على قائمة من حجر الأسباد شم؛ ووجدوا صورة روحانىّ من ذهب، ورأسه من جوهر أحمر، وله جناحان من درّ، وفى يده مصحف فيه كثير من علومهم فى دفّتين مرصّعتين بجوهر ملوّن؛ ووجدوا مطهرة من ياقوت أزرق على قاعدة من زجاج أخضر مسبوك، وفيها فضلة من الماء الدافع لأسقامهم، وفرسا من فضّة من عزم عليه بعزائمه ودخنه بدخنة وركبه طار به فيما يزعمون، وغير ذلك من العجائب والأصنام؛ فحملوا من ذلك ما قدروا عليه من الأموال والجواهر، وسأل الملك ذلك الرجل: ما أعجب ما رأيت من أعمالهم؟ فقال: نعم أخبرك أيها الملك؛ إنه قصدهم بعض ملوك البربر، وكان جبّارا من أهل بيت سحر، فجاء بالجموع الكثيرة وتخاييل هائلة، فأغلق أهل مدينتنا حصنهم ولجأوا إلى أصنامهم يخضعون لها ويتضرّعون إليها، وكان لهم كاهن عظيم الشأن، فسار إليه رؤساؤهم وشكوا اليه مادهمهم من عدوّهم، فأتى إلى بركة عظيمة بعيدة القعر كانوا يشربون منها، فجلس على حافّتها وأحاط رؤساء الكهنة بها وزمزم على ماء البركة، فلم يزل كذلك حتى فار الماء وفاض، وخرجت من وسطه نار تتأجج، وظهر من وسطها وجه كدارة الشمس وعلى صورتها وضوئها، فخرّ الجماعة وسجدوا لذلك الوجه، وتجلّلهم نور؛ وجعل يعظم حتى ملأ البركة، وصعد حتى خرق سقف القبّة، ثم ارتفع إلى رأسها وسمعته يقول: قد كفيتكم شرّ عدوّكم، وأمرهم أن يأخذوا دوابّهم ففعلوا
(15/98)

ذلك، وهلك الملك الذى قصدهم وجميع من كان معه، وانصرفوا؛ فأقبلوا يأكلون ويشربون، فقلت لبعض الكهنة: لقد رأيت عجبا من ذلك الوجه فما هو؟ فقال:
تلك الشمس تبدّت لنا فى صورتها وأهلكت عدوّنا، صاحت بهم صيحة أحرقتهم فأصبحوا خامدين.
قال: وكان هذا الرجل عاقلا فاتخذه ماليق وزيرا. ولم يزل ماليق على التوحيد، وهو مع ذلك يساير أهل البلد خوفا من اضطراب ملكه، وأمر أن يعمل له ناووس، فكان يقصده ويتعبّد فيه، وأمر ألا يدفن معه ذهب ولا جوهر، فلم يدفن معه شىء سوى الطّيب وصحيفة مكتوبة بخطه فيها:
هذا ناووس ملك مصر ماليق، مات مؤمنا بالله العظيم لا يعبد معه غيره، بريئا من الأصنام وعبادتها، مؤمنا بالبعث والحساب والمجازاة على الأعمال، عاش كذا وكذا سنة، ملك فيها كذا وكذا، فمن أحبّ النجاة من عذاب الآخرة فليدن بما دان به. وأوصى ألا يدفن معه فى ناووسه أحد من أهله، وكان قد كنز كنوزا عظيمة وزبر عليها أن تخرجها أمة النبىّ المبعوث فى آخر الزمان.
واستخلف ابنه حرمان «1» بن ماليق. قال: وكان ليّنا سهل الخلق، لم يمت أبوه حتى شرح له التوحيد، وأمره أن يدين به، ونهاه عن عبادة الأصنام؛ وكان معه على ذلك فى حياته، ثم رجع عنه بعد وفاته الى دينهم. وكان سبب رجوعه الى عبادة الأصنام أنّ أمّه كانت من بنات كبار الكهّان، فنقلته بعد موت أبيه الى دينها وغلبته على رأيه، وأمرت بتجديد الهياكل وتشدّدت فى عبادة الأصنام. وتزوّج حرما امرأة من بنى عمّه فأحبّها حبّا شديدا وهام بها، فأفسدته على جميع نسائه،
(15/99)

فاشتدّ ذلك على أمه، وكانت له قهرمانة من أهل سيوط ساحرة لا تطاق، وكانت تميل الى هذه المرأة لأنها كانت تعشق أخاها؛ فزادت فى سحرها لتلك المرأة فأوحشت ما بين الملك وأمّه حتى رفضها واستخفّ بأمرها، وزاد الأمر حتى حلف ألّا يجاورها، وأنه يغزو وينصرف فلا يرجع الى مصر أو يتّصل به موتها، ففعل ذلك وغزا بلد الهند وأرض السودان.
وكان سبب خروجه الى الهند أن ملكا من ملوكها يقال له مسور خرج فى عدد كثير وسايرته مراكبه فى البحر ففتح بلدانا وجزائر، وأكثر القتل والسبى؛ وذكرت له مصر فقصدها واعتلّ فرجع من طريقه، فأمر حرما الملك بعمل مائة سفينة على شكل سفن الهند، وتجهّز وركب وحمل معه المرأة ووجوه أصحابه وقوّاده، واستخلف ابنه كلكن على مصر وكان صبيّا، وجعل معه وزيرا يقال له لاون، وكاهنا يقال له ويسموس، وخرج فمرّ على ساحل اليمن وعاث فى مدائنه. وكان لا يمرّ بمدينة إلا أقام صنما وزبر عليه اسمه ومسيره ووقته، وبلغ سرنديب «1» فأوقع بأهلها، وغنم منها مالا وجوهرا كثيرا، وحمل معه حكيما لهم، وبلغ جزيرة بين الهند والصين بها قوم سمر طوال يجرّون شعورهم، ورأى لهم الدوابّ والطيور وشجر الطيب والنارجيل والفواكه التى لا تكون إلا عندهم، فأذعنوا له بالطاعة وحملوا اليه أموالا وهدايا فقبلها وسار عنهم. وأقبل يتنقّل فى تلك الجزائر عدّة سنين؛ فقيل: إنه أقام فى سفره سبع عشرة سنة، ورجع إلى مصر بالظّفر والغنيمة، ووجد أمه قد هلكت، ووجد ابنه على الملك كما استخلفه؛ فسرّ بذلك وهابه من حوله من الملوك. وبنى عدّة هياكل وأقام فيها أصنام الكواكب؛ لأنها- فيما زعم- هى التى أيّدته فى سفره حتى ظفر بما ظفر به وغنم ما غنمه. وقد كان حمل
(15/100)

معه من الهند حكيما وطبيبا، وكان معهما من كتبهم وحكمهم ما أظهرا به فى مصر عجائب مشهورة، وحمل معه صنما من أصنام الهند من الذهب مقرّطا بالجوهر، فنصبه على بعض الهياكل التى عملها. وكان حكيم الهند يقوم به ويخدمه ويقرّب له. وكان يخبرهم بما يريدون منه.
قال: وأقام حرما بعد منصرفه من الهند مدّة ثم غزا نواحى الشام فأطاعه أهلها وهادوه ورجع إلى مصر. ثم غزا نواحى النوبة والسودان فصالحوه على خراج يحملونه له، ورفع أقدار الكهنة وزاد فى تعظيم دينهم؛ فصوّروه فى هياكلهم ومضاجعهم، وملكهم خمسا وسبعين سنة. وعمل لنفسه فى صحراء الغرب ناووسا، وعمل برقودة «1» مصانع وعجائب، وأقام بها إلى أن مات وابنه كلكن بمنف، فضمد جسده بالمومميا والكافور والمرّ، وجعل فى تابوت من ذهب، وجعل معه مال كثير، وجوهر نفيس، وسلاح عجيب، وتماثيل وصنعة وعقاقير، ومصحف الحكمة.
وصوّر فى جانب الناووس صورا وزبر عليها ذكر السفن التى سار فيها، والبلدان التى فتحها، وسدّ باب الناووس وزبر عليه اسمه ومدّته وتاريخ الوقت الذى هلك فيه، وقتل جماعة من نسائه أنفسهنّ عليه. وكان جميلا سمح الأخلاق، واغتمّ عليه الكهنة لإكرامه لهم، وأهل المملكة لاتباعه لهم.
وملك بعده ابنه كلكن بن حرما، وعقد التاج على رأسه بالإسكندرية بعد موت أبيه وأقام بها شهرا ورجع إلى منف. وكان أصناميّا على دين أبيه واستبشر به أهل مصر. وكان يحبّ الحكمة وإظهار العجائب ويقرّب أهلها ويكثر جوائزهم. ولم يزل يعمل الكيمياء فى مدّة ملكه؛ فحزن أموالا عظيمة بصحارى الغرب. وهو أوّل من أظهر علم الكيمياء بمصر وكان مكتوما. وكان الملوك قبله
(15/101)

أمروا بترك صنعتها لئلا تجتمع ملوك الأمم على غزوهم، فعملها كلكن وملا دور الحكمة منها حتى لم يكن الذهب بمصر أكثر منه فى وقته ولا الخراج؛ لأنه كان فى وقته- فيما حكاه القبط- مائة ألف ألف وبضعة عشر ألف ألف مثقال. قال: وكان المثقال الواحد من الصّنعة يطرح على القناطير الكثيرة فيصبغها، فاستغنوا عن إثارة المعادن لقلّة حاجتهم إليها. وعمل من الحجارة المسبوكة الملوّنة الصمّ التى تشفّ شيئا كثيرا لم يعمل مثله أحد ممن تقدّمه. وعمل من الأدرك «1» الملوّن والفيروزج أشياء تخرج عن العقول، حتى كان يسمّى حكيم الملوك. وغلب جميع الكهنة فى علومهم، وكان يخبرهم بما يغيب عنهم، فهابوه واحتاجوا إلى علمه.
وكان نمروذ بن كنعان الذى أهلكه الله تعالى على يد إبراهيم الخليل عليه السلام فى وقته، فيقال: إنه لما اتصل بنمروذ خبر حكمته استزاره فوجّه إليه أن يلقاه منفردا من أهله وحشمه بموضع كذا، ففعل النمروذ ذلك وسار إلى الموضع الذى ذكره، وأقبل كلكن على أربعة أفراس تحمله ذوات أجنحة، وقد أحاط به نور كالنار، وحوله صور هائلة قد خيّل بها، وهو متوشّح بثعبان محتزما ببعضه، والثعبان فاغر فاه، ومعه قضيب آس أخضر كلما حرّك الثعبان رأسه ضربه بالقضيب. فلما رآه النمروذ هاله أمره وخاطبه؛ فاعترف له بجليل الملك والحكمة، وسأله أن يكون ظهيرا له.
وتقول القبط: إن كلكن الملك كان يرتفع ويجلس على الهرم الغربىّ فى قبّة تلوح على رأسه. وكان أهل البلد إذا دهمهم أمر اجتمعوا حول الهرم. ويقولون:
إنه ربما أقام على رأس الهرم أياما لا يأكل ولا يشرب، ثم استتر عنهم مدّة حتى توهّموا أنه هلك. وكان يجول فى الأرض وحده حتى طمعت الملوك التى حوله
(15/102)

فى ملكه؛ فقصده ملك من ملوك الغرب يقال له «سادوم» فى جيش عظيم، وأقبل من ناحية المغرب من نحو وادى هبيب «1» ليكبس البلد، فأقبل حتى وافاهم، ثم جلّلهم بشىء من سحره كالغمام شديد الحرارة، فأقاموا تحته أياما لا يدرون أين يتوجّهون، فطار إلى مصر فآستأنس الناس لمقدمه، فعرّفهم ما جرى وأمرهم بالخروج إليهم ليعرفوا خبرهم، فوجدوهم ودوابّهم أمواتا فعجبوا لذلك، وهابه الكهنة هيبة لم يهابوها أحدا قبله، وصوّروه فى جميع الهياكل، وملكهم زمانا.
وبنى فى آخر عمره هيكلا لزحل من صوّان أسود فى ناحية الغرب، وجعل له عيدا، وجعل فى وسطه ناووسا، وحمل إليه ما أراد من ذهب وجوهر، وحكم وعقاقير، وعرّفهم بموته، وجعل على باب الناووس طلّسمات تمنع منه، وغاب عنهم فلم يقفوا على موته.
وكان قد أوصى إلى ابنه ماليا بن كلكن فملك بعد أبيه. وكان شرها كثير الأكل والشرب، منفردا بالرفاهة، غير ناظر فى شىء من الحكمة، وجعل أمر البلد إلى وزير له. وكان معجبا بالنساء؛ وكان له ثمانون امرأة، ثم اتخذ امرأة من بنات الملوك التى بمنف وكانت عاقلة سديدة الرأى، وكان بها معجبا فحمته النساء. وكان له بنون وبنات، وكان أكبر بنيه يقال له: طوطيس، فكان يستجهل أباه فأعمل الحيلة فى قتله، وإنما حملته على ذلك أمه وجماعة نسائه وبعض وزراء أبيه؛ فهجم عليه فى وزرائه وهو سكران وتلك المرأة عنده فقتله وقتل المرأة وصلبها.
(15/103)

وملك بعده ابنه طوطينس بن ماليا وجلس على سرير الملك. وكان جبّارا جريئا شديد البأس مهيبا؛ فدخل عليه الأشراف وهنئوه ودعوا له، وأمرهم بالإقبال على مصالحهم وما يعنيهم، ووعدهم الإحسان.
والقبط تزعم أنه أوّل الفراعنة بمصر، وهو فرعون إبراهيم الخليل عليه السلام.
ويقولون إن الفراعنة سبعة هو أوّلهم. قال: ثم تذاكر الناس ما فعله بأبيه وأنكروه واستقبحوا صلبه المرأة فأنزلها ودفنها، واستخفّ بالكهنة والهياكل.
ولنذكر خبره مع إبراهيم الخليل عليه السلام فى أمر سارة «1» ، ونورد من ذلك ما أورده أهل الأثر وما ورد فى الحديث الصحيح النبوىّ من هذه القصة. قال إبراهيم بن القاسم الكاتب فى سياقه أخباره: لما فارق إبراهيم عليه السلام قومه والنمروذ بن كنعان ونزل الشام ثم خرج إلى مصر ومعه سارة امرأته وخلّف ابن أخيه لوطا بالشام وسار إلى مصر، وكانت سارة أحسن نساء العالمين فى وقتها، ويقال إن يوسف الصدّيق ورث جزءا من حسنها لأنها جدّة أبيه. قال: فلما سار إبراهيم إلى مصر وأتى الحرس المقيمون على أبواب المدينة فرأوا سارة وعجبوا من حسنها ورفعوا خبرها إلى طوطيس «2» . وقد روينا فى ذلك حديثا بسندنا الذى قدّمناه إلى أبى عبد الله البخارىّ رحمه الله قال: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب قال: حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال النبىّ صلى الله عليه وسلم: «هاجر إبراهيم عليه السلام بسارة فدخل بها قرية «3» فيها ملك
(15/104)

من الملوك أو جبار من الجبابرة فقيل: دخل إبراهيم بامرأة هى من أحسن النساء؛ فأرسل إليه أن يا إبراهيم من هذه التى معك؟ قال: أختى. ثم رجع إليها فقال: لا تكذّبى حديثى فإنى أخبرتهم أنك أختى؛ والله إن «1» على الأرض من مؤمن غيرى وغيرك؛ فأرسل بها إليه فقام إليها فقامت توضّأ وتصلى، فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجى إلا على زوجى فلا تسلّط علىّ هذا الكافر، فغطّ «2» حتى ركض برجله.
قال الأعرج: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة قال: قالت: اللهم إن يمت يقال «3» هى قتلته فأرسل، ثم قام اليها فقامت توضّأ وتصلى وتقول: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجى إلا على زوجى فلا تسلّط علىّ هذا الكافر، فغط حتى ركض برجله. قال عبد الرحمن: قال أبو سلمة: قال أبو هريرة: فقالت:
اللهم إن يمت فيقال هى قتلته فأرسل فى الثانية أو فى الثالثة. فقال: والله ما أرسلتم الىّ إلا شيطانا! إرجعوها الى إبراهيم وأعطوها آجر، «4» فرجعت إلى إبراهيم عليه السلام فقالت: أشعرت أن الله كبت الكافر وأخدم وليدة» . هذا ما رويناه من صحيح البخارى «5» . وقد ورد فى أخبار طوطيس زيادات نذكرها؛ وهو أن الملك لما أطلقته فى المرة الثالثة قال لها: إن لك ربّا عظيما لا يضيّعك؛ وأعظم قدرها وسألها عن إبراهيم فقالت: هو قريبى وزوجى. قال: فإنه ذكر أنك أخته. قالت: صدق أنا أخته فى الدين، وكل من كان على ديننا فهو أخ لنا. قال: نعم الدين دينكم! ووجهها الى ابنته حوريا، وكانت من العقل والكمال بمكان كبير، فألقى الله تعالى محبة سارة فى قلبها فعظّمتها حوريا وأضافتها أحسن ضيافة، ووهبت لها جوهرا ومالا، فأتت
(15/105)

به إبراهيم عليه السلام فقال لها: ردّيه فلا حاجة لنا به فردته؛ فذكرت حوريا ذلك لأبيها فعجب منها وقال: هؤلاء من قوم كرام ومن أهل بيت طهارة فتحيّلى فى برّها بكل حيلة، فوهبت لها جارية قبطية من أحسن الجوارى يقال لها آجر، وهى هاجر أم إسماعيل عليه السلام، وعملت لها سلالا من الحلوى وقالت: يكون معك هذا للزاد. وجعلت تحت الحلوى جوهرا نفيسا وحليّا مصبوغا مكلّلا. فقالت:
أشاور صاحبى؛ فأتت إبراهيم عليه السلام فشاورته فقال: إذا كان مأكولا فخذيه، فقبلته منها وخرج إبراهيم عليه السلام. فلما أمعنوا فى السير أخرجت سارة بعض تلك السلال فأصابت الجوهر والحلىّ، فعرّفت إبراهيم ذلك، فباع بعضه وحفر من ثمنه البئر التى جعلها للسبيل وفرّق بعضه فى وجوه البرّ، وكان يضيف كل من مرّ به.
قال: وعاش طوطيس إلى أن وجهت إليه هاجر من مكة تعرّفه أنها بمكان جدب وتستغيثه، فأمر بحفر نهر فى شرقىّ مصر يمرّ بسفح الجبل حتى ينتهى إلى مرفأ السفن فى البحر المالح، فكان يحمل إليهما الحنطة وأصناف الغلّات فتصل إلى جدّة وتحمل من هناك على المطايا، فأحيا بلد الحجاز مدّة. ويقال: إن كل ما حلّيت به الكعبة فى ذلك العصر هو مما أهداه ملك مصر. ويقال: إنه لكثرة ما كان طوطيس يحمله إلى الحجاز سمّته العرب «جرهم الصادق» وكذلك يسمّيه كثير من أهل الأثر. وقد تقدّم فى قصة «1» إبراهيم الخليل عليه السلام أن اسم الملك صادوق، ويقال: إنه سأل إبراهيم عليه السلام أن يبارك له فى بلده، فدعا بالبركة لمصر، وعرّفه إبراهيم أن ولده سميلكها ويصير أمرها إليه.
قال: وطوطيس أوّل الفراعنة بمصر؛ وذلك أنه أكثر القتل حتى قتل قراباته وأهل بيته وبنى عمه وخدمه ونسائه، وأكثر الكهنة والحكماء. وكان حريصا على الولد
(15/106)

فلم يرزقه الله ولدا غير ابنته حوريا، وكانت عاقلة حكيمة تأخذ على يده كثيرا وتمنعه من سفك الدماء، فأبغضته وأبغضه الخلق: الخاص والعام. فلما رأت أمره يزيد خافت على زوال ملكهم فسمّته فهلك. وكان ملكه سبعين سنة. ولما مات اختلفوا فيمن يملّكوه عليهم بعده فقالوا: لا يملّك علينا أحد من أهل بيته، وأرادوا تمليك بعض ولد أتريب؛ فقام بعض الوزراء ودعا إلى تمليك ابنته لصنيعها فيه، ولما كانت تنكر عليه، وتبعه أكثر القوّاد والوجوه فتمّ لها الأمر.
وملكت حوريا بنة طوطيس وجلست على سرير الملك، ووعدت الناس بالإحسان، وأخذت فى جمع الأموال وحفظها، فاجتمع لها من الأموال والجوهر والحلىّ والطيب ما لم يجتمع لملك، وقدّمت الكهنة وأهل الحكمة ورؤساء السّحرة ورفعت أقدارهم، وأمرت بتجديد الهياكل وتعظيمها. وسار من لم يرضها إلى مدينة أتريب وملّكوا عليهم رجلا من ولد أتريب يقال له أنداخس؛ فعقد على رأسه تاجا وانضمّ إليه جماعة من بنى عمه وأهل بيته، فأنفذت إليه جيشا فحاربه؛ فلما رأى أنه لا طاقة له بها دعاها إلى الصلح وخطبها إلى نفسه وقال لها: إن الملك لا يقوم بالنساء، وخوّفها أن يزول ملكهم بمكانها؛ فعملت صنيعا وأمرت أن يحضره الناس على منازلهم، فحضروا وأكلوا وشربوا وبذلت لهم الأموال وعرّفتهم ما جرى من خطبتها، فبعض صوّب الرأى، وبعض امتنع وقالوا: لا يتولّى علينا غيرها لمعرفتنا بعقلها وحكمتها، وهى وارثة الملك؛ ووثبوا على نفر ممن خالفها فقتلوهم، وخرجوا فى جيش كثيف فلقوا جيش الخارج بأتريب فهزموه وقتلوا كثيرا من أصحابه، فهرب إلى أرض الشام وبها الكنعانيون من ولد عمليق، فاستغاث بملكهم وضمن له أخذ مصر وفتحها، فجهزه بجيش عظيم إلى مصر، فاجتمع الناس كلهم إلى حوريا، ففتحت خزائن أبيها وفرّقت ما فيها على الناس فأحبّوها، وقوّت السحرة بالمال ووعدتهم الإحسان.
(15/107)

فلما تقدّم أنداخس بالجيوش أمرت السّحرة أن يعملوا له عملا، وكان على جيوشهم قائد من عظماء قوّاد ملكهم يقال له جيرون؛ فلما نزلوا أرض مصر بعثت ظئرا لها من عقلاء النساء إلى جيرون سرّا من أنداخس تعرّفه رغبتها فى تزويجه، لأنها لا تختار أحدا من أهل بيتها، وأنه إن قتل أنداخس تزوّجت به وسلمت إليه ملك مصر ومنعت منه صاحبه. فرغب فى ذلك وسمّ أنداخس بسمّ أنفذته إليه فقتله؛ فوجهت إليه أنه لا يجوز أن أتزوّجك حتى تظهر فى بلدى قوّتك وحكمتك وتبنى لى مدينة عجيبة- وكان افتخارهم حينئذ بالبنيان وإقامة الأعلام وعمل العجائب- وقالت له: انتقل من موضعك هذا إلى غربىّ بلدى فثمّ آثار لنا كثيرة فاقتف تلك الأعمال الغريبة وابن عليها. ففعل ذلك وبنى لها مدينة بصحراء الغرب يقال لها تندومة «1» ، وجرّ إليها من النيل نهرا وغرس عليها غروسا كثيرة، وأقام بها منارا عاليا، وعمل فوقه منظرا وصفّحه بالذهب والفضة والصّفر والرخام الملوّن والزجاج المسبوك وأبدع فى عمله. وكانت تمدّه بالأموال وتكاتب صاحبه عنه وتهاديه وهو لا يعلم.
فلما فرغ من بناء المدينة قالت له: إن لنا مدينة حصينة كانت لأوائلنا وقد خربت منها أمكنة [وتشعّث حصنها «2» ] فامض إليها واعمل فى إصلاحها إلى أن أنتقل إلى هذه المدينة التى بنيتها وأنقل إليها جميع ما يحتاج إليه، فإذا فرغت من إصلاح تلك المدينة فأنفذ إلىّ جيشا حتى أصير إليك وأنظر ما صنعته، وأبعد عن مدينتى وأهل بيتى فإنى أكره أن آتيك بالقرب منهم. فمضى وجدّ فى عمل الإسكندرية الثالثة.
قال: وأهل التاريخ يسوقون شيئا من أخبار أنداخس ويذكرون أنه الذى قصد الوليد بن دومع العمليقى، وهو ثانى الفراعنة. وكان سبب قصده له أنه كانت به علّة فوجّه إلى المواضع ليحمل إليه من مياهها حتى يعرف ما يلائم جسده، فوجّه
(15/108)

غلاما له فأتى مملكة مصر ووقف على كثرة خيراتها «1» وحمل إلى صاحبه من مائها وألطافها وعاد إليه، فعرّفه حال مصر فقصدها فى جيش كثيف حتى حطّ عليها، وكاتب الملكة وخطب إليها نفسها، فوجهت إليه من أشرف على حاله فوجد قوما عظاما لا يقوم بحربهم، فأجابته إلى التزويج وألطفته وشرطت عليه أن يبنى لها مدينة يظهر فيها أيده وقوّته ويجعلها مهرا لها، فأجابها ودخل مصر وانتهى إلى ناحية الغرب ليبنى لها المدينة ناحية الإسكندرية، فأمرت أن يتلقّى بأصناف الرياحين والفواكه وتخلّق وجوه الخيل؛ فمضى إلى الإسكندرية- وقد خربت بعد خروج العاديّة «2» منها- فنقل منها ما كان من حجارتها ومعالمها وعمدها ووضع أساس مدينة عظيمة وبعث إليها مائة ألف فاعل، فأقام فى بنائها مدّة وأنفق جميع ما كان معه من المال، وكان كلما بنى بناء خرجت من البحر دوابّ تقلعه فإذا أصبح لم يجد منه شيئا؛ فاهتمّ لذلك.
وكانت حوريا قد أنفذت إليه ألف رأس من المعز اللبون يستعمل ألبانها فى مطبخه، وكانت مع راع يثق به، وكان ذلك الراعى يطوف بها ويرعاها هناك، فكان إذا أراد أن ينصرف عند المساء خرجت إليه من البحر جارية حسناء فتتوق نفسه إليها، فإذا كلمها شرطت عليه أن تصارعه فإن صرعها كانت له وإن صرعته أخذت رأسين من المعز؛ فكانت على طول الأيام تصرعه وتأخذ من الغنم حتى أخذت أكثر من نصفها وتغير باقيها لشغله بحب تلك الصورة عن رعيها، وتغير هو أيضا فى جسمه ونحل، فمرّ به صاحبه وسأله عن حاله وحال الغنم فخبّره الخبر خوف سطوته فقال: أى وقت تخرج؟ قال: قرب المساء. فلبس ثياب الراعى وتولّى رعية «3» الغنم يومه إلى المساء، وخرجت الجارية فشرطت عليه كما شرطت على الراعى، فأجابها وصارعها فصرعها وقبض عليها وشدّها فقالت له: إن كان لا بدّ
(15/109)

من أخذى فسلّمنى لصاحبى الأوّل فإنه ألطف بى، وقد عذّبته مرة بعد مرة، فردّها إليه وقال له: سلها عن هذا البنيان الذى بنيته ويزول من ليلته من يفعل به ذلك؛ وهل فى بنائه من حيلة؟ فسألها الراعى عن ذلك فقالت: إن دوابّ البحر التى تنزع بنيانكم. قال: فهل فيها من حيلة؟ قالت: نعم. قال: وما هى؟
قالت: تعمل توابيت من زجاج كثيف بأغطية وتجعل فيها قوما يحسنون الصناعة فى التصوير، وتجعل معهم صحفا وأنقاشا وزادا يكفيهم أياما، وتجعل التوابيت فى المراكب بعد أن تشدّها بالحبال، فإذا توسّطوا الماء صوّر المصوّرون جميع ما مرّ بهم وترفع تلك التوابيت من الماء، فإذا وقفتم على تلك الصور فآعملوا لها أشباها من الصّفر أو من الحجارة أو من الرصاص وانصبوها أمام البنيان الذى تبنونه من جانب البحر، فإن تلك الدوابّ إذا خرجت ورأت صورها هربت ولم تعد.
فعرّفه الراعى ذلك ففعله، وتمّ بناء المدينة.
وقال قوم من أهل التاريخ: إن صاحب البناء والغنم جيرون [المؤتفكىّ «1» ] وكان قصدهم قبل الوليد، وإنما أتاهم بعد حوريا وقهرهم جيرون وملك مصر.
وذكروا أن الأموال التى كانت مع جيرون نفدت كلها فى تلك المدّة ولم يتم البناء، فأمر الراعى فسأل تلك الجارية فقالت: إن فى المدينة التى خربت ملعبا مستديرا حوله سبعة عمد على رءوسها تماثيل [من «2» ] صفر قيام، فقرّب لكل تمثال منها ثورا سمينا ولطّخ العمود الذى عليه التمثال من دم الثور، وبخّره بشعر من ذنبه وشىء من نحاتة قرونه وأظلافه، وقل له: هذا قربانك فأطلق لى ما عندك، ثم قس من كل عمود إلى الجهة التى يتوجّه إليها وجه التمثال مائة ذراع واحفر، وليكن ذلك فى وقت امتلاء القمر واستقامة زحل؛ فإنك تنتهى بعد خمسين ذراعا إلى بلاطة عظيمة فلطّخها بمرارة الثور وأقلعها فإنك تنزل منها إلى سرب طوله خمسون ذراعا فى آخره خزانة مقفلة ومفتاح
(15/110)

القفل تحت عتبة الباب فخذه ولطّخ الباب ببقية مرارة الثور ودمه وبخره بنحاتة قرونه وأظلافه وشعره، وادخل الباب بعد أن تخرج الرياح التى فيه، فإنه يستقبلك صنم فى عنقه لوح من صفر معلق مكتوب فيه جميع ما فى الخزانة من مال وجوهر وتمثال وأعجوبة، فخذ منه ما شئت ولا تتعرض لميت تجده ولا لما عليه؛ وكذلك فافعل بكل عمود وتمثاله؛ فإنك تجد فى تلك الخزائن نواويس سبعة من الملوك وكنوزهم. فلما سمع ذلك سرّ به وفعله فوجد ما لا يدرك وصفه، ووجد من العجائب شيئا كثيرا؛ فتم بناء المدينة. واتصل ذلك بحوريا فساءها؛ وإنما كانت أرادت إتعابه وهلاكه بالحيلة عليه. فيقال: إنه فيما وجد من العجائب درج ذهب مختوم بطين ذهب فيه مكحلة زبرجد فيها ذرور أخضر ومعها عرق جوهر أحمر، من اكتحل من ذلك الذّرور وكان أشيب عاد شابا واسودّ شعره وأضاء بصره حتى يدرك النظر إلى أصناف الروحانيين، ووجد تمثال من الذهب إذا أظهر غيمت السماء وأمطرت، وتمثال غراب من حجر إذا سئل عن شىء صوّت وأجاب عنه. ويقال:
إنه كان فى كل خزانة عشر أعجوبات.
قال: فلما فرغ جيرون من بناء المدينة وجه إليها يعلمها ذلك ويحثّها على القدوم، فحملت إليه فرشا فاخرة وقالت: ابسطها فى المجلس الذى تجلس فيه، وأقسم جيشك أثلاثا وأنفذ إلىّ ثلثه، حتى إذا بلغت ثلث الطريق فأنفذ إلىّ الثلث الآخر، فإذا جزت نصف الطريق فأنفذ إلىّ الثلث الباقى، ويكونون من ورائى لئلا يرانى أحد إذا دخلت عليك، ولا يكن عندك إلا صبية تثق بهم يخدمونك فإنى أوافيك فى جوار تكفيك الخدمة ولا أحتشمهنّ؛ ففعل. وأقامت تحمل إليه الجهاز والأموال حتى علم بمسيرها ووجه إليها ثلث جيشه فعملت لهم الأطعمة والأشربة المسمومة، فلما أتوها استنزلهم جواريها وحشمها وأقبلوا عليهم بتلك الأطعمة والأشربة والطيب والكساء
(15/111)

واللهو فلم يصبح منهم أحد يعيش، ولقيها الثلث الثانى والثالث بعده ففعلت بهم كذلك، وهى توجّه إليه أنها أنفذت جيشه إلى قصرها ومملكتها يحفظونه، إلى أن دخلت عليه هى وظئرها وجوار كنّ معها، فنفخت ظئرها فى وجهه نفخة بهت إليها ورشّت عليه ماء كان معها فارتعدت مفاصله فقال: من ظنّ أنه يغلب النساء فقد كذبته نفسه وغلبته النساء، ثم فصدت عروقه وأسالت دمه وقالت: دماء الملوك شفاء.
وأخذت رأسه فوجّهت به إلى قصرها فنصب عليه وحملت تلك الأموال الى منف.
وبنت منارا بالاسكندرية وزبرت عليه اسمها واسمه وما فعلت به وتاريخ الوقت.
قال: ولما اتصل خبرها بالملوك الذين يتاخمون بلدها، هابوها وأذعنوا لها وهادوها. وعملت بمصر عجائب كثيرة، وأقطعت أهل بيتها وقوّادها وحشمها أقطاعا كثيرة، وأمرت أن يبنى على حدّ مصر من ناحية النوبة حصن وقنطرة يجرى ماء النيل من تحتها. واعتلت حوريا فاجتمع اليها أهل مملكتها وسألوها أن تقدّم عليهم ملكا، ولم يكن فى ذلك الوقت من ولد أبيها وأهل بيته من يصلح لذلك، فقلدت عمتها دليفة بنت ماموم «1» ، وكانت عذراء من عقلاء النساء وكبراهنّ، فعهدت اليها وأخذت لها المواثيق على أهل مصر ألا يسلموها وأن يتبعوا أمرها، وسلمت اليها مفاتيح خزائنها، وأطلعتها على مواضع كنوز آبائها وكنوزها، وأمرت أن يضمّد جسدها بالكافور وتحمل الى المدينة التى بنيت لها فى صحراء الغرب، وقد كانت عملت لها فيها ناووسا وعملت فيه عجائب ونقلت اليه أصنام الكواكب، وزينته بأحسن الزينة ونصّبت له قومة، وأسكنت تلك المدينة جماعة من الكهنة وأصحاب العلوم والمهن وبعض الجيش، وعمرت تلك المدينة فلم تزل على حالها من العمارة الى أن خرّبها بختنصّر وحمل بعض كنوزها.
(15/112)

وجلست دليفة بنت ماموم على سرير الملك بعد وفاة حوريا، واجتمعت الكلمة عليها وأحسنت الى الناس ووضعت عنهم خراج سنة، وقام عليها أيمين يطلب بثأر خاله انداخس، واستنصر بملك العمالقة «1» فوجّه معه قائدا من قوّاده فى جيش كثيف، فأخرجت اليه دليفة بعض قوّادها فالتقوا بالعريش، وجعل سحرة الفريقين يظهرون التخاييل الهائلة والعجائب العظيمة والأصوات التى تقرع الأسماع وتؤلمها، فأقاموا مدّة يتكافئون الحرب ويتراجعون فهلك بينهم خلق كثير، ثم انهزم أصحاب دليفة الى منف وسار أصحاب أيمين فى آثارهم، ومضت دليفة فى جمع من جيوشها الى ناحية الصعيد فنزلت الأشمونين وأنفذت من قدرت عليه من الجيوش ووقعت الحرب بينهم بناحية الفيوم وخلّى أصحاب دليفة الماء بينهم وبين عدوّهم، واستنجدت دليفة بأهل مدائن الصعيد فحاربوا أصحاب أيمين حتى أزالوهم عن منف، وكانوا قد ظفروا بها وعاثوا فيها، فهزموهم حتى ركبوا المراكب وعدوا الى ناحية الحوف، وكان معهم ساحر من أهل ناحية قفط فأظهر بسحره نارا حالت بينهم وبين أصحاب دليفة، فلما زاد الأمر وأشفق أهل مصر من خروجها عن أيديهم سفر السفراء بينهم على أن يجعلوا البلد قسمة بينهم فأجاب كل منهما الى الصلح، ثم غدرت دليفة بعد ذلك بأيمين وأخرجت الأموال والجواهر وفرقتها فى الناس، وكان بعضهم قد لامها فى الصلح، فرجعت الى الحرب فأقاموا ثلاثة أشهر ثم ظهر أيمين عليها وهزمها الى ناحية قوص وسار خلفها وتمكن من المملكة، فلما رأت ذلك سمّت نفسها فهلكت.
وملك بعدها أيمين؛ فتجبر وقتل خلقا كثيرا ممن كان حاربه. وكان الوليد بن دومع العمليقى قد خرج فى جيش كثيف يتنقل فى البلدان ويقهر ملوكها ليسكن
(15/113)

ما يوافقه منها؛ فلما صار بالشام انتهى اليه خبر مصر وعظم قدرها، وأن أمرها قد صار الى النساء وبادت ملوكها، فوجه غلاما له يقال له عون، فسار الى مصر وفتحها وحوى أموالا، ومولاه لا يعرف خبره ولا يشك فى هلاكه وهلاك الجيش الذى معه، لما كان يسمع عما بمصر من الطلّسمات والسحر؛ ثم اتصل به خبره فسار الى مصر فتلقاه عون وعرّفه أنه كان عزم على المسير اليه وإنما أراد تعديل البلد وإصلاحه فقبل قوله ودخل.
وملك مصر الوليد بن دومع العمليقىّ، واستباح أهلها وأخذ أموالها وقتل جماعة من كهنتها، ثم سنح له أن يخرج فيقف على مصبّ النيل ويعرف ما بناحيته من الأمم ويغزوهم، فأقام ثلاث سنين يستعدّ لخروجه، وأصلح ما يحتاج اليه، واستخلف عونا على البلد وخرج فى جيش كثيف فلم يمرّ بأمة إلا أبادها. فيقال:
إنه أقام فى سفره سنين كثيرة، وإنه مرّ على أمم من السودان وجاوزهم، ومرّ على أرض الذهب وفيها قضبان نابتة؛ ولم يزل يسير حتى بلغ البطيحة «1» التى ينصبّ ماء النيل اليها من الأنهار التى تخرج من تحت جبل القمر «2» ؛ ثم سار حتى بلغ هيكل الشمس فدخله. ويقال: إنه خوطب فيه. وسار حتى بلغ جبل القمر؛ وهو جبل عال.
وإنما سمى جبل القمر لأن القمر لا يطلع عليه لخروجه عن خط الاستواء. ونظر الى النيل يخرج من تحته. وقد تقدّم خير النيل «3» .
(15/114)

قال: ودخل الوليد القصر الذى فيه تماثيل النحاس التى عملها هرمس الأوّل فى وقت البودسير الأوّل بن قفطريم. قال: ولما بلغ الوليد جبل القمر رأى جبلا عاليا فأعمل الحيلة وصعد عليه ليرى ما خلفه، فأشرف على البحر الأسود الزفتىّ المنتن، ونظر إلى النيل يجرى عليه كالأنهار الرقاق، وأتته من ذلك البحر روائح منتنة هلك كثير من أصحابه من ريحها فأسرع النزول بعد أن كاد يهلك.
قال: وذكر قوم أنهم لم يروا شمسا ولا قمرا وإنما رأوا نورا أحمر كنور الشمس عند مغيبها. وأقام الوليد فى غيبته أربعين سنة. وأما عون الذى استخلفه بمصر فإنه فعل فى غيبة الوليد ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر خبر عون وما فعله فى غيبة الوليد وخبر المدينة التى بناها
قال: ولما مضت من غيبة الوليد بن دومع سبع سنين تجبّر غلامه عون بمصر، وادّعى أنه الملك، وأنكر أن يكون غلاما للوليد، وأنه أخوه وقلّده الملك بعده، ووثب على الناس وغلبهم بالسحرة وأسنى جوائزهم ولم يمنعهم محابّهم؛ فمالوا إليه ووثّقوا أمره، فلم يترك امرأة من بنات ملوك مصر إلا نكحها، ولا مالا إلا أخذه وقتل صاحبه. وكان مع ذلك يلزم الهياكل ويكرم الكهنة، فكانوا يمسكون عنه إشفاقا منه وخوفا من السحرة الذين معه؛ إلى أن رأى فى منامه الوليد بن دومع وكأنه يقول له: من أمرك أن تتسمى باسم الملك، وقد علمت أنه من فعل ذلك استحق القتل، ونكحت بنات الملوك وأخذت الأموال بغير واجب، ثم أمر بقدور فملئت زيتا وأحميت على أنه يغمر فيها، فلما غلت أمر بنزع ثيابه فأتى طائر فى صورة عقاب فاختطفه من أيديهم وحلق به فى الجوّ وجعله فى هوّة على رأس جبل، وأنه سقط من رأس الجبل إلى واد فيه حية، فانتبه مرعوبا طائر العقل. وقد
(15/115)

كان فى فعله ذلك وتملّكه إذا خطرت بقلبه من ذكر الوليد خطرة كاد عقله يزول، خوفا منه لما يعلمه من فظاظته وبطشه وقوّته. ولم يتيقّن هلاكه وأضمر فى نفسه الهرب من مصر بما معه من الأموال.
قال: ولما رأى الرؤيا لم يشك فى حياة الوليد وأنه سيعود، فأطلع بعض السّحرة ممن يثق به على أمره وقال: إنى خائف من الوليد وقد عزمت على الخروج من مصر فما الوجه عندكم؟ قالوا: نحن ننجيك منه على أن تقبل منا.
قال: قولوا، قالوا: تعمل عقابا وتعبده؛ فإن الذى حصّنك منه أحد الروحانيين وهو يريد ذلك منك. قال عون: أشهد لقد قال لى وأنا معه: أعرف لى هذا المقام ولا تنسه. قالوا: قد بينا لك. فأجابهم إلى ذلك وعمل عقابا من ذهب وعمل عينيه جوهرتين ووشّحه بأصناف من الجوهر، وعمل له هيكلا لطيفا وجعله فى صدره وأرخى عليه ستور الحرير، وأقبل أولئك يبخّرونه ويقرّبون إليه ويسحرون إلى أن نطق لهم، فأقبل عون على عبادته ودعا الناس إليها فأجابوه.
فلما مضى لذلك مدّة أمره العقاب ببناء مدينة يحوله إليها وتكون معقلا له وحرزا من كل أحد. فأمر عون أصحابه أن يخرجوا إلى صحارى الغرب ويطلبوا كل أرض سهلة حسنة الاستواء، ويكون المدخل إليها بين هجول «1» صعبة وجبال وعرة، ويتوخّوا أن تكون قريبة من ناحية مغيض الماء التى هى اليوم الفيوم. وكانت مغيضا لماء النيل حتى أصلحها يوسف عليه السلام على ما نذكره إن شاء الله. وإنما أراد عون بذلك ليجرّ الماء منها إلى مدينته التى يبنيها؛ فخرج أصحابه وأقاموا شهرا يطوفون الصحارى حتى وجدوا له بغيته، ولم يبق فاعل ولا مهندس ولا أحد ممن
(15/116)

يبصر البناء ويقطع الصخور وينحتها إلا وجّه به عون إليها، وأنفذ معهم ألف رجل من جيشه وسبعمائة ساحر يعاونونهم بالروحانيين الذين فى طاعتهم، وأنفذ معهم جميع الآلات وأقام يحمل لهم الزاد إلى هناك شهورا على العجل؛ وطريق العجل على الفيوم واضحة فى صحراء الغرب وخلف الأهرام- وهى التى يقصدها أصحاب المطالب- مشهورة.
قال: فلما تكامل له ما أراد من ذلك ومن نحت الأحجار خطّوا المدينة فرسخين فى فرسخين، وحفروا فى الوسط بئرا وجعلوا فى تلك البئر تمثال خنزير من نحاس بأخلاط ونصبوه على قاعدة من نحاس وجعلوا وجهه إلى الشرق، وكان ذلك بطالع زحل واستقامته وسلامته من المتضادين له فى شرفه، وأخذوا خنزيرا فذبحوه له ولطخوا وجهه بدمه وبخروه بشعره، وأخذوا شيئا من عظامه ولحمه ومرارته فجعلوه فى جوف ذلك الخنزير النحاس، وجعلوا فى أذنيه شيئا من مرارته، وأحرقوا بقية الخنزير، وجعلوا رماده فى قلة نحاس بين يدى الخنزير النحاس، ونقشوا عليه آيات زحل، ثم شقوا فى البئر أخدودا من أربعة وجوه شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، ومدّوا تلك الأخاديد إلى حيطان المدينة، وعملوا على أفواهها مسارب تجتلب الرياح إليها، ثم سدّوا البئر وعملوا عليها قبة على عمد مربعة، وجعلوا منها شوارع كل شارع ينتهى إلى باب من أبواب المدينة وفصلوها بالطرقات والمنازل، وجعلوا حول القبة تماثيل فرسان من نحاس بأيديها حراب ووجوهها مقابلة لتلك الأبواب، وجعلوا أساس المدينة من حجر أسود وفوقه أحمر وفوقه أصفر وفوقه أخضر، وفوق الجميع أبيض يشفّ، مثبتة كلها بالرصاص المصبوب بين الحجارة، وقلوبها أعمدة من حديد على وضع بناء الأهرام؛ وجعل طول حصنها ستين ذراعا فى عرض عشرين ذراعا، ونصب على كل رأس باب من أبوابها فى أعلا الحصن تمثال عقاب كبير من صفر وأخلاط ناشر الجناحين أجوف، وعلى كل ركن صورة فارس بيده حربة ووجهه
(15/117)

إلى خارج المدينة؛ وساق الماء إلى ناحية الباب الشرقى ينحدر فى صبب إلى الباب الغربى ويخرج إلى صهاريج هناك، وكذلك من الباب الجنوبى إلى الشمالى، وقرّب لتلك العقبان عقبانا ذكورا، واجتذب الرياح إلى أفواه التماثيل، فكانت الرياح إذا دخلتها سمعت لها أصوات شديدة لا يسمعها أحد إلا هالته، وصمّدها «1» بعفاريت تمنع الداخل إليها إلا أن يكون من أهلها، ونصب العقاب الذى كان يعبده تحت القبة التى فى وسط المدينة على قاعدة لها أربعة أركان فى كل ركن منها وجه شيطان، وجعلها على عمود يديرها، والعقاب يدور إلى كل الجهات الأربع، ويقيم فيها ربع السنة، يقرب إليه من جهتها.
فلما فرغ من ذلك كله حمل إليها جميع الأموال والجواهر المخزونة بمصر وما وجده فى خزائن الملوك، ومن التماثيل والحكم وتراب الصنعة والعقاقير والسلاح وغير ذلك، وحوّل إليها كبار السحرة والكهنة وأصحاب الصنائع والتجار، وقسم المساكن بينهم لا يختلط أهل صنعة بغيرها، وعمل لها ربضا «2» يحيط بها، وبنى فيه منازل لأصحاب المهن والزراعة، وعقد على تلك الأنهار قناطر يمرّ عليها الداخل إلى المدينة، وجعل الماء يدور حول الرّبض؛ ونصب عليها أعلاما وحرسا؛ ثم غرس وراء ذلك بالبرية النخل والكروم وأصناف الأشجار، ومن وراء ذلك مزارع الغلات من كل جهة، وكان يرتفع له بها فى كل سنة ما يكفيه لعشر سنين، كل ذلك خوفا من الوليد.
قال: وبين هذه المدينة وبين منف ثلاثة أيام؛ فكان عون يخرج إليها فيقيم بها عشرة أيام ثم يعود إلى منف، وكان لها أربعة أعياد فى السنة؛ وهى الأوقات التى يتحوّل العقاب فيها. فلما تمّ ذلك كله لعون اطمأنّ قلبه، وسكنت نفسه.
(15/118)

ذكر عود الوليد إلى مصر وهرب عون إلى مدينته
قال: ثم وافا كتاب الوليد بن دومع من نواحى النوبة إلى عون يأمره أن ينفذ إليه الأزواد وينصب له الأسواق؛ فوجّه إليه ذلك فى المراكب وعلى الظهر «1» ، وحوّل جميع عياله ومن اصطفاه من بنات ملوك مصر وكبرائها إلى المدينة، حتى إذا قرب دخول الوليد إلى مصر خرج عون إلى مدينته وخلّف خليفة على مصر يكون بين يدى الوليد. ودخل الوليد مدينة منف وتلقاه أهل مصر وشكوا إليه عونا وما حلّ بهم منه. قال: وأين هو؟ قالوا: فرّ منك. فغضب الوليد وأمر بجيش كثيف ينفذ إليه، فعرّفوه أن الجيش لا يصل إليه، وأخبروه خبر المدينة وكيف بناها وخبر السّحرة الذين معه. فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه ويحذّره التخلف عنه، ويقسم أنه إن لم يفعل وظفر به بضّع لحمه بضعا. فردّ جوابه يقول: ما على الملك منى مؤنة، وأنا لا أتعرّض إلى بلده ولا أعيث فيه؛ لأنى عبده، وأنا له فى هذا الموضع أردّ كل عدوّ يأتيه من نواحى الغرب، ولا أقدر على المصير إليه لخوفى منه، فليقرّنى الملك بحالى كأحد عمّاله وأوجه إليه ما يلزمنى من الخراج والهدايا. ووجه إليه بأموال جليلة وجوهر نفيس. فلما رأى ذلك كفّ عنه. وأقام الوليد بمصر فآستعبد أهلها واستباح حريمهم وأموالهم. وملكهم مائة وعشرين سنة فأبغضوه وسئموا أيامه. واتفق أنه ركب فى بعض الأيام إلى الصيد فألقاه فرسه فى وهدة فهلك. وكان ابنه الريان ينكر عليه فعله ولا يرضاه. فلما هلك عمل له ناووسا قرب الأهرام. وقيل: بل دفن فى الهرم.
(15/119)

ثم ملك بعده ابنه الريان بن الوليد بن دومع؛ وهو فرعون يوسف عليه السلام، والقبط تسميه نهراوش «1» ، وجلس على سرير الملك. وكان عظيم الخلق، جميل الوجه، عاقلا متمكنا؛ فتكلم ومنّى الناس وضمن لهم الإحسان وأسقط عنهم الخراج ثلاث سنين، فأثنوا عليه وشكروه، وأمر بفتح الخزائن وفرّق ما فيها على الخاصّ والعامّ، وتمكنت منه أريحيّة الصّبا فملّك على الرعية رجلا من أهل بيته يقال له أطفين، وقيل فى اسمه: قطفير، وقيل: قوطيفر، وهو الذى يسميه أهل الأثر العزيز. وكان من أولاد الوزراء. وكان عاقلا أديبا متمكنا صائب الرأى كثير النزاهة مستعملا للعدل والعمارة والإصلاح. وأمر الريان أن ينصب له فى قصر الملك سرير من الفضة يجلس عليه ويغدو ويروح إلى باب الملك، ويخرج بجميع الوزراء والعمال والكتاب بين يديه؛ فكفى الريّان ما خلف سريره «2» وقام بجميع أمره وأخلاه للذّاته؛ فأقام الريان منعكفا على قصفه ولهوه منغمسا فى لذّته لا ينظر فى عمل ولا يظهر للناس ولا يخاطبهم، فأقاموا بذلك حينا. هذا والبلد عامر.
وبلغ الخراج فى وقته سبعة وتسعين ألف ألف مثقال فجعلها أقساما، فما كان للملك وأسبابه وموائده حمل إليه، وما كان فى أرزاق الجيش والكهنة والفلاسفة وأصحاب الصنائع ومصالح البلد وأهل المهنة صرف إليهم، والملك مع ذلك غير سائل عن شىء؛ قد عملت له مجالس من الزجاج الملوّن وأجرى حولها الماء وأرسلت فيها الأسماك المقرّطة، فكانت الشمس إذا وقعت على المجلس منها أرسل شعاعا عجيبا يبهر العيون.
وعملت له عدّة متنزهات على عدد أيام السنة، فكان كل يوم فى موضع منها، وفى كل موضع منها من الفرش والآنية والآلات ما ليس فى غيره.
(15/120)

فلما اتصل بملوك النواحى تشاغل الريان بلذاته وتدبير العزيز لأمره، قصده رجل من العمالقة يقال له عاكن بن بيحوم وكنيته أبو قابوس، وقصد مصر حتى نزل على حدودها، فأنفذ إليه العزيز جيشا كثيفا وجعل عليه قائدا يقال له بريانس، فأقام ثلاث سنين يحاربه، ثم ظفر به العمليقى ودخل من الحدود وهدم أعلاما ومصانع كثيرة، وتمكن طمعه فى البلد فأعظم أهل مصر ذلك واجتمعوا إلى قصر الملك وجعلوا يصيحون ويستغيثون ويرفعون أصواتهم حتى سمعها الملك فقال: ما بال الناس؟ فأخبر خبر العمليقى وأنه قد دخل عمل مصر وعاث وأفسد المزارع والمصانع والأعلام، وأنه سار بجيشه إلى قصر الملك، فارتاع الريان لذلك وأنف منه وانتبه من غفلته وعرض جيوشه وأصلح أمره وخرج فى ستمائة ألف مقاتل سرى الأتباع، فالتقوا من وراء الأحواف فى تلك الصحراء، واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم العمليقى واتبعه الربان إلى حدود الشام وقتل من أصحابه خلقا وأفسد زرعهم وأكثر أشجار الفواكه والزيتون، وأحرق وصلب ونصب أعلاما على الموضع الذى بلغه وزبر عليها: إنى لمن يجاوز هذا المكان بالمرصاد. فلما تمّ له هذا الظفر هابته الملوك ولا طفوه وأعظموه.
وقيل: إنه بلغ الموصل وضرب على الشام خراجا وبنى عند العريش مدينة لطيفة وشحنها هى وتلك الناحية بالرجال، ورجع إلى مصر فحشد جنوده من جميع الأعمال، واستعدّ لغزو ملوك الغرب فخرج فى تسعمائة ألف واتصل بالملوك خبره، فمنهم من تنحّى عن طريقه، ومنهم من دخل تحت طاعته. ومرّ بأرض البربر فأجلى كثيرا منهم، ووجه قائدا يقال له مريطس فى سفن فركب البحر من ناحية رقودة. ومرّ الريان بجزائر بنى يافث فعاث فيها واصطلم «1» أهلها، وخرج من ناحية أرض البربر فقتل بعضهم وصالح بعضهم وحملوا إليه الأموال، ومضى إلى إفريقية وقرطاجنّة فصالحوه على أموال
(15/121)

وألطاف كثيرة حملوها إليه، ومرّ حتى بلغ مصبّ البحر الأخضر «1» وهو موضع الأصنام النحاس، فأقام هناك صنما وزبر عليه اسمه وتاريخ الوقت الذى خرج فيه، وضرب على أهل تلك النواحى خراجا، وعدّى إلى الأرض الكبيرة وصار فى الإفرنجة، والأندلس فى حوزهم وعليها لذريق الأصغر، فحاربه أياما وقتل من أصحابه خلقا وصالحه بعد ذلك على ذهب مضروب، وعلى ألا يغزو مصر ويمنع من رام ذلك من جميع أهل النواحى، وانصرف مشرّقا فشقّ بلد البربر فلم يمر بموضع إلا خرج أهله بين يديه وأهدوا له ودخلوا تحت طاعته. ثم أخذ نحو الجنوب ومر ببلد الكوسانيين فحاربوه فقتل خلقا كثيرا، وبعث قائدا إلى مدينة على عبر البحر الأخضر «2» فخرج إليه ملك المدينة وأهلها فعرّفهم حال الريان ومصالحة الملوك له فقالوا: ما بلغنا أحد قط، وسألهم هل ركب هذا البحر أحد؟ فقالوا: ما يستطيع أحد أن يركبه، وأخبروه أنه ربما أظله الغمام فلا يرونه أياما، وأتى الريان فتلقّوه بهدايا وفاكهة أكثرها الموز؛ وحجارة سود فإذا جعلت فى الماء صارت بيضاء، ثم تركهم وسار إلى أمم السودان حتى بلغ ملك الدمدم «3» الذين يأكلون الناس، فخرجوا إليه عراة بأيديهم العمد الحديد، وخرج ملكهم على دابة وهو عظيم الخلق له قرون، وكان جسيما أحمر العينين، فظفر بهم فانهزموا إلى أوحال وأدغال فلم يتهيأ له اتباعهم فيها، وجازهم إلى قوم على خلق القرود لهم أجنحة صغار يثبون بها من غير ريش. ومرّ على عبر البحر المظلم فغشيهم منه غمام فرجع شمالا حتى انتهى إلى جبل يقال له وسن، فرأى فوقه تمثالا من حجر أحمر يومى
(15/122)

بيده: إرجعوا، وعلى صدره مزبور: ما ورائى أحد. فتركه وسار راجعا فانتهى إلى مدينة النحاس فلم يصل إليها. ومضى حتى بلغ الوادى المظلم فكانوا يسمعون منه جلبة عظيمة ولا يرون أحدا لشدّة ظلمته. وسار حتى انتهى إلى وادى الرمل ورأى على عبره أصناما عليها أسماء الملوك قبله فأقام معها صنما وزبر عليها اسمه. فلما أسبت «1» الرمل جاز عليه إلى الخراب المتصل بالبحر الأسود، وسمع جلبة وصياحا هائلا فخرج فى شجعان أصحابه حتى أشرف على السباع المقرنة الأنوف، فإذا بعضها تهرّ وتأكل بعضها بعضا، فعلم أنه لا مذهب له من ورائها فرجع، وعدّى وادى الرمل ومرّ بأرض العقارب فهلك بعض أصحابه ورفعوها عنهم بالرّقى التى يعرفونها، ثم جاوزهم حتى انتهى إلى مكان صلوفة وهى حية عظيمة، فهجموا عليها ولم يعرفوها وظنوا أنها جبل، ثم عرجوا عنها وتعوّذوا منها بالرّقى. قال: ويزعم القبط أنه منعها من الحركة بسحره وتركها فهلكت. وقيل: إن تعريج هذه الحية ميل وأنها كانت تبتلع السباع هناك.
وسار حتى بلغ مدينة الكند «2» ، وهى مدينة الحكماء، فتهاربوا منه إلى جبل صعدوه من مواضع يعرفونها من داخل مدينتهم لم يعرفها غيرهم، ولم يجد الريان ومن معه إلى الصعود إليها سبيلا، فأقاموا عليها أياما وكادوا يهلكون من العطش، فنزل إليهم من الجبل رجل يقال له مندوس، كان من أفاضل الحكماء وقد لبس شعره جسده، فقال: أين تريد أيها المغرور الممدود له فى الأجل! المرزوق الكفاية! أتعبت نفسك وجيشك! ألا اقتنعت بما تملكه واتكلت على خالقك [وربحت الراحة «3» ] وتركت العناء والغرور بهذا الخلق. فعجب الملك من قوله وسأله عن الماء فدلّه عليه، وسأله عن
(15/123)

موضعهم فقال: موضع لا يصل إليه احد ولا بلغه قبلك أحد. قال: فما عيشكم؟ قال:
من أصول نبات لنا نعتصم به ونقنع بأكله ويكفينا اليسير. قال: فمن أين تشربون؟
قال: من نقار الماء من الأمطار. قال: فلم هربتم منا؟ قال: رغبة عن خلطتكم وإلا فليس لنا ما نخاف عليه. قال: فكيف تكونون إذا حميت عليكم الشمس؟
قال: فى غيران تحت هذه الجبال. قال: فهل تحتاجون إلى مال أخلفه لكم؟ قال:
إنما يريد المال أهل البذخ ونحن لا نستعمل منه شيئا، استغنينا عنه بما قد اكتفينا به، وعندنا منه ما لو رأيته لحقّرت ما عندك. قال: فأرنيه، فانطلق به مع نفر من أصحابه إلى أرض فى سفح جبلهم فيها قضبان الذهب نابتة، وأراهم واديا حافتاه حجارة الزبرجد والفيروذج، فأمر الرّيان أصحابه أن يأخذوا من كبار تلك الحجارة ففعلوا؛ ورآهم الحكيم يصلّون إلى صنم يحملونه معهم، فسألهم ألا يقيموا بأرضهم خوفا من عبادة الأصنام؛ فسأله الملك أن يدله على الطريق ففعل، وودّع الحكيم وسار على السمت الذى وصفه له. فلم يمر بأمة إلا أبادها وأثر فيها إلى أن بلغ بلد النوبة، فصالح أهلها على مال يحملونه إليه، ثم أتى دنقلة فأقام بها علما وزبر عليه اسمه ومسيره. ومرّ يريد منف؛ فكان أهل كل مدينة من مدائن مصر يتلقّونه بالفرح والسرور والطيب والرياحين والملاهى إلى أن بلغ منف، فلم يبق أحد من أهلها إلا خرج إليه مع العزيز وتلقّوه بأصناف الطيب والبخورات والرياحين.
وكان العزيز قد بنى له مجلسا من الزجاج الملوّن وفرشه بأحسن الفرش المذهبة، وغرس حوله جميع الأشجار والرياحين، وجعل فيه صهريجا من زجاج سمائى، وجعل فى أرضه شبه السمك من زجاج أبيض وأنزله فيه، وأقام الناس يأكلون ويشربون أياما كثيرة. وأمر بعرض جيشه فوجد أنه قد فقد منهم سبعون ألفا، وكان قد خرج فى ألف ألف، ووجد من انضاف إليه من الغرباء والمأسورين نيّفا
(15/124)

وخمسين ألفا، وكان مسيره وغيبته إحدى وعشرين سنة. فلما سمع الملوك بذكره وما فتح من البلاد وما أسرها بوه، وخافوا شدّة بأسه وعظم سلطانه. وتجبّر وبنى بالجانب الشرقى قصورا من الرخام ونصب عليها أعلاما، فكان يقيم بها الأيام الكثيرة. وكان الخراج قد بلغ فى وقته سبعة وتسعين ألف ألف فأحبّ أن يتمه مائة ألف ألف دينار، فأمر بوجوه العمارات وإصلاح الجسور والزيادة فى استنباط الأراضى حتى بلغ ذلك وزاد عليه.
ثم كان من خبر يوسف الصديق عليه السلام وبيعه بمصر وخبره مع امرأة العزيز وسجنه وقصته مع صاحبى الملك ورؤيا الملك وتعبيرها وتولية الريان بن الوليد يوسف عليه السلام رتبة العزيز وخبر القحط، ما قدّمنا ذكره فى أخبار يوسف عليه السلام، وهو فى السفر الحادى «1» عشر من نسخة الأصل. فلا فائدة فى إعادته. إلا أنه قد وردت زيادات أخر لم ترد هناك نحن نذكرها الآن. وهو ما حكاه مؤلف هذا الكتاب الذى نقلنا منه إبراهيم بن القاسم الكاتب عن إبراهيم بن وصيف شاه قال: إن يعقوب عليه السلام لما قدم مصر بأهله وولده، خرج يوسف عليه السلام فى وجوه أهل مصر فتلقاه وأدخله على الملك؛ وكان يعقوب عليه السلام مهيبا جميلا فقرّبه الملك وعظّمه وقال له: يا شيخ، كم سنوك وما صناعتك وما تعبد؟ فقال: أما سنّى فعشرون ومائة سنة، وأما صناعتى فلنا غنم نرعاها وننتفع بها، وأما الذى أعبد فربّ العالمين، وهو الذى خلقنى وخلقك، وهو إله آبائى وإلهك وإله كل شىء.
قال: وكان فى مجلس الملك فنيامين، وهو كاهن جليل القدر، فلما سمع كلام يعقوب ضاق به ذرعا وقال للملك بلغتهم: أخاف أن يكون خراب مصر على يد ولد هذا.
(15/125)

فقال له الملك: فأنّى «1» لنا خبره؟ فقال الكاهن: أرنا إلهك أيها الشيخ. قال:
إلهى أعظم من أن يرى. قال: فإنا نحن نرى آلهتنا. قال: لأن آلهتكم ذهب وفضة ونحاس وخشب، وما يعمله بنو آدم عبيد إلهى الذى احتجب عن خلقه بعزّ ربوبيته، لا إله إلا هو العزيز الحكيم. قال له فنيامين: إن لكل شىء دليلا، وكل شىء لا تراه العيون فليس بشىء، فغضب يعقوب وقال: كذبت يا عدوّ الله وطغيت فى هذه الدنيا؛ إن الله سبحانه وتعالى شىء وليس كالأشياء، وهو خالق كل شىء لا إله إلا هو. قال: فصفه لنا. قال: إنما يوصف المخلوقون ولا يوصف الخالق عزوجل؛ لأنه يرتفع عن الصفات؛ لأنه واحد قديم مدبّر للأشياء فى كل مكان يرى ولا يرى. ثم قام يعقوب مغضبا، فأجلسه الملك وأمر فنيامين أن يكفّ عنه ويكون بين يديه ويأخذ فى غير هذا. ثم قال الملك: كم عدّة من دخل معك إلى مصر؟ قال ستّون رجلا. قال الكاهن: كذلك نجده فى كتبنا؛ إن خراب مصر يجرى على أيديهم. قال الملك: فهل يكون فى أيامنا؟ قال: لا، ولا إلى مدّة كبيرة. والصواب أن يقتله الملك ولا يستبقى من ذرّيته أحدا. قال الملك: إن كان الأمر كما تقول فما يمكننا أن ندفعه ولا نقتل هؤلاء، وإن لهم إلها عظيما، وقد قبل قلبى هذا الشيخ، ومالى إلى قتله من سبيل، فخاطبه بألين الكلام؛ فجرت بينهما بعد ذلك مخاطبات ألان له فيها القول.
قال: ثم إن يعقوب عليه السلام أحبّ أن يعرف خبر مصر ومدائنها وكيف بنيت وخبر طلّسماتها وعجائبها. فسأله عن ذلك وسأله بحقّ الملك ألا يكتمه شيئا من أمرها فأخبره. قال: وأقام يعقوب عليه السلام مع الريان بن الوليد الملك يعظّمه ويبجّله إلى أن حضرته الوفاة، فأوصى أن يحمل إلى مكانه من الشأم، فحمل فى تابوت
(15/126)

وخرج معه يوسف عليه السلام ووجوه مصر حتى بلغ الى موضعه ورجعوا. وقيل:
إن عيصو منعهم من دفنه هناك لأن إسحاق عليه السلام كان قد وهبه الموضع فاشتراه يوسف عليه السلام منه. ويقال: إن الريان آمن بيوسف وكتم إيمانه خوفا من فساد ملكه.
وملك الريان مائة وعشرين سنة. وفى وقته عمل يوسف عليه السلام الفيوم لابنة الملك، وكان أهل مصر قد وشوا به وقالوا: قد كبر ونقص نفعه فاختبره.
فقال له الملك: قد وهبت هذه الناحية لابنتى، وكانت مغايض للماء فدبّرها.
قال: فقلع أدغالها، وساق المنهى «1» ، وبنى اللّاهون «2» ، وجعل الماء فيه مقسوما موزونا، وفرغ من ذلك كله فى أربعة أشهر، فعجبوا من حكمة يوسف عليه السلام.
قال: ولما مات الريان بن الوليد ملك بعده ابنه دريموس «3» بن الريان ابن الوليد ويسميه أهل الأثر دارم، وهو الفرعون الرابع عندهم. قال: ولما ملك خالف سنّة أبيه، وكان يوسف عليه السلام خليفته كما كان مع أبيه، وذلك بأمر الريان.
وكان يوسف يسدّده فربما قبل منه وربما خالفه، وظهر فى وقته معدن فضة على ثلاثة أيام من النيل فأبان «4» منه شيئا عظيما، وعمل منه صنما على اسم القمر؛ لأن طالعه كان بالسرطان، ونصبه على القصر الرخام الذى كان أبوه بناه فى شرقى النيل، ونصب حوله أصناما كلّها من الفضة وألبسها الحرير الأحمر، وعمل لها عيدا فى كل سنة «5» ، وهو إذا نزل القمر السرطان.
(15/127)

وكان يتنقّل الى مواضع شتّى يتنزّه فيها، وإذا أراد أن يضرّ الناس بشىء منعه يوسف عليه السلام ودفعه عنه الى أن توفّى يوسف عليه السلام، كما تقدّم فى خبر وفاته، فاستوزر الملك دارم بعده بلاطس بن منسا الكاهن، فكان بلاطس يطلق له ما كان يوسف يمنعه عنه، وحمله على أذى الناس وأخذ أموالهم فبلغ منهم كل مبلغ.
وعمل الوادى المنحوت بين الجبلين فى الناحية الغربية وكنز الأموال فلا يوصل إليها، وجعل صقالة من الوادى الى باب الخبّاء، وجعل له بابا من الحديد يتوصّل إليه من تلك الصقالة، وصمده بجماعة من العفاريت يمنعون من ذلك الخباء، فمن رامه من الناس سقط فى الوادى. وقال آخرون: كنزها فى موضع منه يدخل إليه وينظر الى الأموال مكشوفة مضروبة، فى كل دينار عشرة مثاقيل عليها صورته، فإن أخذ الداخل منها شيئا انطبق عليه الباب فلم يقدر على الخروج، فإذا ردّه الى موضعه انفتح له الباب. وهو بحاله الى هذا الوقت كما زعموا.
قال: ثم زاد دارم فى التجبّر الى أن اختلع كلّ امرأة جميلة بمدينة منف من أهلها؛ ولا يسمع بامرأة حسناء فى ناحية من النواحى إلا وجّه فحملت إليه. وفشا ذلك فى المملكة واضطرب الناس من فعله وشقّ عليهم أمره الى أن شغبوا عليه وعطّلوا الصنائع والأعمال والأسواق فعدا على جماعة منهم فقتلهم. وزاد الأمر حتى اجتمعوا على خلعه، فخاف بلاطس الوزير أن يفسد أمر المملكة فدخل على الملك وأشار عليه أن يتودّد الى الناس ويعتذر إليهم ويردّ نساءهم فأبى إلا مخالفته، وهمّ أن يخرج الى الناس فى خاصّته ويقتل منهم وقال: إنما هم عبيدى وعبيد آبائى. فلم يزل يرفق به الى أن سكن غضبه؛ فأمره أن يعتذر الى الناس عنه، ففعل الوزير ذلك وذكر عنه جميلا، فأبى الناس أن يقبلوا منه دون مخاطبتهم الملك فضمن لهم ذلك وخاطبه وأشار به عليه، فأمره أن ينادى فى الناس بالحضور فى يوم عيّنه،
(15/128)

ثم لبس أرفع ثيابه وأكبر تيجانه وجلس ودخل الناس عليه فذكروا ما حلّ بهم من أخذ أموالهم، وعرّفوه أنه لم يجر عليهم من ملك قبله مثل هذا، فاعتذر إليهم ووعدهم الإقلاع عما شكوا منه وأسقط عنهم خراج ثلاث سنين.
ثم أمر بعمل قصر من خشب على أساطين خشب ممدودة بأضلاع مسمّرة يتنزّه فيه، فعمل ودهن بالأدهان والأصباغ الملوّنة المذهبة، وضبّب بالفضة والنحاس المذهب، وعمل فوقه قبة من الفضة المذهبة مصوّرة بالزجاج الملوّن وعلّق فيها الحجر المضىء الذى أتى به أبوه من المغرب. فلما فرغ القصر فرشه بأحسن الفرش وجعله طبقتين: طبقة له يجلس فيها مع من يحبّه، وطبقة لحشمه، وجعل حول ذلك أروقة ملصقة بالمجلس يجلس فيها من يريد؛ فكان يركب فيه بمن احبّه من خاصته ونسائه ويصعّد فيه فى الماء إلى ناحية الصعيد وتتبعه المراكب فيها أصحابه وغلمانه بالعدد والسلاح وينحدر إلى أسفل الأرض، فإذا مرّ بمكان يستحسنه أقام فيه أياما.
واتفق أنه خرج فى بعض الأيام مصعّدا فوثب رجل من الإسرائليين على رجل من سدنة الهياكل فضربه حتى أدماه وعاب دين الكهنة، فغضب القبط لذلك وخاطبوا خليفة الملك أن يخرجهم من مصر فآمتنع دون مشاورة الملك، وكتب إليه يعرّفه ذلك، فكتب إليه ألا يحدث فى القوم حادثة دون موافاته، فشغبوا وأجمعوا على خلعه وتمليك غيره، وتعرّض بعضهم الى ذكر الملك فحشد أهل الصعيد وانحدر اليهم، فحاربوه فهلك بينهم خلق كثير. وعاونته امرأة أبيه، وكانت ساحرة، فأظهرت من سحرها وتخاييلها ودخنها ما أعماهم عن النظر، وأضعف حواسهم وأسكرهم، فقتل خلقا منهم وصلب خلقا على عبر النيل، ورجع إلى أكثر مما كان عليه من ابتزاز النساء ونهب الأموال واستخدام الأشراف والوجوه من القبط ومن بنى إسرائيل؛
(15/129)

فأجمع الكل على ذمه. وكانت الساحرة لا تخلّيه من معونتها الى أن ركب فى ذلك القصر فى بعض الليالى وقد أحدق النيل بالبلد، وهو من الجبل الى الجبل، وامتدّ القمر على الماء، فأراد أن يعدّى من العدوة الى العدوة الأخرى فلم يتهيأ له سوق القصر بسرعة لعظمه، فركب مركبا لطيفا مع ثلاثة من خدمه والساحرة، فلما توسّط البحر هاجت ريح عاصف فغرق هو ومن معه، وأصبح الناس شاكّين فى أمره لا يعلمون ما نزل به، الى أن وجدت جثته بشطّنوف «1» فعرف بخاتمه وبجوهر كان يتقلّد به فحمل الى منف.
وملك بعده ابنه معاديوس بن دريموس؛ ويسميه أهل الأثر معدان ابن دارم، وهو الفرعون الخامس. وذلك بتدبير الوزير؛ فأجلسه على سرير الملك وبايعه الجيش، وكان صبيا فكرهه الناس ثم رضوا به، فأسقط عن الناس الخراج الذى كان أبوه أسقطه، وزادهم سنة وأحسن إليهم فأطاعوه؛ واستقام له الأمر وردّ نساءهم. وكان ينكر على أبيه فعله ولا يرضاه؛ فلذلك رضوا به.
قال: وفى زمانه كان طوفان أضرّ ببعض البلد فلزم الملك الإقبال على الهياكل والتعبد، وطلب القاطر ووجوه الكهنة بالحضور معه، وأنصف بعض الناس من بعض. وكثر بنو إسرائيل وعابوا الأصنام وثلبوها. وكان الوزير قد هلك فاستوزر كاهنا يقال له املاده، فلما رأى ما فعله بنو إسرائيل أنكره وأمر أن يفردوا بناحية من البلد لا يختلط بهم أحد غيرهم، فأقطعهم موضعا فى قبلىّ منف، واجتمعوا إليه وعملوا لأنفسهم معبدا كانوا يتلون فيه صحف إبراهيم عليه السلام، واتفق أن رجلا من أهل بيت الكهنة عشق امرأة من بنى إسرائيل كانت قد جاءته
(15/130)

لتشتكى أخاها أنه غصبها ميراثها، وأرادت أن يعتنى بأمرها عند وزير الملك، فرآها ابنه فأحبها وسأل والده أن يزوّجه منها، فخطبها من أهلها فأبوا ذلك، فأنكر الناس فعلهم واجتمعوا الى الوزير وقالوا: هؤلاء قوم يعيبوننا ويرغبون عنّا، ولا نحب أن يجاورونا إلا أن يدينوا بديننا. فقال الوزير: قد علمتم إكرام الريان الملك لجدّهم يوسف عليه السلام، وقد وقفتم على بركة جدّهم يوسف عليه السلام حتى جعلتم قبره وسط النيل فأخصب جانبا مصر بمكانه فلا تخوضوا فى هذا، فأمسكوا.
قال: وتغلّب أحد ملوك الكنعانيين على الشام وامتنع أهله أن يحملوا الضريبة التى كانت عليهم لملك مصر، فأنكر أهل مصر ذلك وأشفقوا من غلبة صاحب الشام على بلدهم، فحضّوا الملك على غزو الشام فقال: إن رام أحد حدود بلدنا غزوناه، وما لنا فى ذلك البلد من حاجة؛ فاستنقصوا رأيه. وأقام على ملازمة الهياكل والتعبّد فيها؛ فيزعم القبط أنه بينا ذات يوم قائم فى هيكل زحل حذاء صورته، وقد أجهد نفسه فى التعبد، إذ تغشّاه النوم فتجلّى له زحل وخاطبه وقال:
قد جعلتك ربّا على أهلك وأهل بلدك، وحبوتك بالقدرة عليهم وعلى غيرهم، وسأرفعك إلىّ فلا تخل من ذكرى؛ فعظم عند نفسه، واتصل خبره بأهل البلد، وأخبرهم سدنة الهيكل أنهم رأوا النور وسمعوا الخطاب، وأعظم الناس أمره، فتجبّر فى نفسه وأمر الناس أن يسمّوه ربّا، وترفّع أن ينظر فى شىء من أمر الملك، وأحضر الناس وقال: قد وقفتم على ما خصصت به دون الملوك، وهذه موهبة يلزمنى الشكر لواهبها عليها، ولست أتفرّغ للنظر فى أموركم، وقد رأيت أن أجعل الملك إلى ابنى أكسامس، وأكون من ورائه إلى أن يغيب شخصى عنكم كما وعدت، وقد أيدته بالقاطرين، فانظروا كيف تكونون، ولا تتظالموا فإنكم منى بمرأى ومسمع،
(15/131)

فرضوا بذلك وقالوا: نحن عبيد الملك ومن رضيته الآلهة فحكم الخلق أن يرضوه ولا يخالفونه.
فملك ابنه أكسامس بن معاديوس؛ ويسميه أهل الأثر كاسم ابن معدان، وهو الفرعون السادس، وجلس على سرير الملك وتوّج بتاج أبيه وقام القاطرون بين يديه، فجعل لكل واحد منهم رتبة، ورتّب الناس مراتب، وقسم الكور والأعمال، وأمر باستنباط العمارات وإظهار الصناعات، ووسع على الناس فى أرزاقهم وعلى حاشيته وحاشية أبيه، وأمر بتنظيف الهياكل وتجديد لباسها وأوانيها، وزاد فى القرابين؛ وكلما أتى شيئا من ذلك لم تخالفه الكهنة وقدّروا أن ذلك عن أمر أبيه برضى الكواكب، واحتجب أبوه عن الناس. وأقام كاسم أعلاما كثيرة حول منف وجعل عليها أساطين يمرّ عليها من بعضها إلى بعض.
وعمل برقودة وصا ومدائن الصعيد وأسفل الأرض مدنا كثيرة وأعلاما ومنائر للوقود والطلّسمات. وعمل كرة من الفضة على عمل البيضة الفلكية ونقش عليها صور الكواكب الثابتة ودهنها بدهن الصينى وركّبها على منار فى وسط منف. وعمل فى هيكل أبيه روحانىّ زحل من ذهب أسود مدبّر. وعمل فى وقته الميزان الذى يعتبر به الناس، وجعلت كفّتاه من ذهب وعلائقه من فضّة وخيوطه سلاسل ذهب، وكان معلقا فى هيكل الشمس، وكتب على إحدى كفّتيه حقّ، والأخرى باطل، وتحته فصوص قد نقش عليها أسماء كل شىء من الكواكب؛ فيدخل الظالم والمظلوم ويأخذ كل واحد منهما فصّا من تلك الفصوص ويسمى عليها ما يريد، ويجعل أحد الفصين فى كفّة والآخر فى الأخرى، فتثقل كفة الظالم وترتفع كفة المظلوم. وكذلك من أراد سفرا أخذ فصين فذكر على واحد اسم السفر، والآخر اسم الجلوس، ويجعل كل واحد فى كفة، فإن لم يرتفع أحدهما على الآخر جلس،
(15/132)

وإن ارتفعا خرج، وإن ارتفع أحدهما مكث شهرا. ومن نحو هذا من غائب ودين وفساد وصلاح. ويقال إن بختنصّر لما ظفر بمصر حمله فى جملة ما حمل الى بابل وجعله فى بيت من بيوت النار.
قال: وطالب كاسم الناس بلزوم الأعمال وإظهار الصنائع، فعملت كل غريبة منها: التنّور الذى يشوى من غير نار فيه، والقدور التى يطبخ فيها من غير نار، والسكين التى تنصب فإذا رآها شىء من البهائم أقبل حتى يذبح نفسه بها، والماء الذى يستحيل نارا، والزجاج الذى يستحيل هواء، وأشياء من ذلك.
قال: فأقام فى أوّل ولايته ثلاث سنين بأجمل أمر وأصلح حال، ومات وزير أبيه الذى كان معه فاستخلف رجلا من أهل بيت المملكة يقال له طلما، وكان شجاعا فارسا كاهنا كاتبا حكيما دهيّا متصرّفا فى كل فنّ، وكانت نفسه تنازعه الملك فصلح أمر المملكة بمكانه وأحبه الناس، فعمل معالم كثيرة وعمر خرابا وبنى مدنا من الجانبين. ورأى فى نجومه أنه ستكون شدّة فاستعمل ما استعمله نهراوش، وبنى بناحية رقودة والصعيد ملاعب ومصانع. وشكا القبط اليه حال الإسرائليين فقال: هم عبيد لكم، فكان القبطىّ اذا أراد حاجة سخر الإسرائيلى، وكان القبطىّ يضرب الإسرائيلىّ فلا ينكر عليه أحد، وإن ضرب الإسرائيلىّ القبطىّ قتل، فكان أوّل من أذى بنى إسرائيل، ويفعل نساء القبط بنساء بنى إسرائيل ما يفعل الرجال بالرجال من السّخر والضرب.
قال: وفى أيام أكسامس بنيت منارة الإسكندرية. وفى زمانه هاج البحر المالح فغرّق كثيرا من القرى والجنان والمصانع. وحكى أن أكسامس تغيّب عن الناس مدّة. وقيل: مات وكتموا موته. وكانت مدّة ملكه إلى أن غاب إحدى وثلاثين سنة، وأقام طلما إحدى عشرة سنة يدبّر المملكة ثم اضطرب الناس على
(15/133)

طلما وتغيّروا واتصل بهم أنه قتل الملك بسمّ سقاه إياه فاجتمعوا وقالوا: لابدّ لنا من النظر إلى الملك، فعرّفهم أنه قد تخلّى عن الملك وولّى ابنه لاطس فلم يقبلوا ذلك.
فأمر طلما الجيوش فركبت فى السلاح وأجلس لاطس بن أكسامس على سرير الملك ولبس التاج. وكان جريئا معجبا فوعد الناس جميلا وقال: أنا مستقيم لكم ما استقمتم، وإن ملتم عن الواجب ملت عنكم، وأمر ونهى وألزم الناس أعمالهم، وحط جماعة من الوجوه عن مراتبهم، وصرف طلما عن خلافة المملكة واستخلف رجلا يقال له لاهوق من ولد صا الملك ودفع إليه خاتمه، وأنفذ طلما عاملا على الصعيد وأنفذ معه جماعة من الإسرائيليين، وعمل الأعلام وأصلح الهياكل وبنى قرى كثيرة، وأثيرت «1» فى أيامه معادن كثيرة وكنوز فى صحراء المشرق، واستعمل آنية كثيرة من الجوهر الأخضر وأصناف الزجاج. وكان محبّا للحكم ثم تجبّر وعلا، وأمر ألا يجلس أحد فى مجلسه ولا فى قصر الملك من الكهنة وغيرهم، بل يقومون على أرجلهم إلى أن ينصرفوا، وزاد فى أذى الناس والعنف بهم، ثم منع الناس فضول ما بأيديهم وقصرهم على القوت، وجمع أموالهم وطلب النساء فانتزع كثيرا منهنّ، وفعل فى ذلك أكثر من فعل من تقدّمه من الملوك، وقهر الناس بالسطوة واستعبد بنى إسرائيل وقتل جماعة من الكهنة فأبغضه الخاص والعامّ.
وكان طلما لما صرفه لاطس عن خلافته وجد «2» فى نفسه وأضمر الغدر به.
فلما خرج إلى الصعيد احتجز الأموال فلم يحملها، وحال بين الملك وبين المعادن، وأراد أن يقيم ملكا من ولد قبطريم ويجلسه فى الملك، فأشار بعض الكهنة على طلما أن يطلب الملك لنفسه وعرّفه أنه سيكون له حال. فلما شجّعه الكاهن وجرّأه على
(15/134)

ذلك دعا إلى نفسه وكاتب وجوه أهل البلد، فبعض أجابه وبعض توقف، ورفع كل واحد من ولد الملوك رأسه وطمع فى الملك.
قال: وفى بعض كتبهم أن بعض الروحانيين ظهر له وقال: إنى أطيعك إن أطعتنى، وأقلدك مصر زمانا طويلا، فأجابه إلى ما سأله وقرّب له أشياء ذكرها له، منها غلام إسرائيلىّ؛ فعاونه حينئذ وكان له رسولا الى رؤساء مصر، فكان يتصوّر بصور بعضهم ويشير بتمليكه عليهم إلى أن استقام له الأمر، قال:
ولما منع طلما لاطس من مال الصعيد كتب بصرفه عن العمل فأبى أن ينصرف، فوجه اليه قائدا من أهل بيته وقلده مكانه وأمره أن يحمله اليه، فحاربه وأعانه الروحانىّ فظفر به طلما واعتقله ثم خلّاه وقرّبه وأدخله فى جملته، واتصل الخبر بلاطس فأنفذ اليه قائدا آخر فهزمه طلما وسار فى أثره بجيش كثيف، وكاتب جميع القوّاد وأهل البلد وبذل لهم الأموال، وخرج اليه لاطس فحاربه طلما وعاونه الروحانىّ فظفر به طلما وقتله وسار حتى دخل منف وعاث فيها.
وملك طلما بن قومس؛ ونزل قصر المملكة وجلس على سرير الملك وحاز جميع ما كان فى خزائنهم. قال: وطلما هذا هو ابن قومس، وهو الذى يذكر القبط أنه فرعون موسى عليه السلام. وأهل الأثر يسمونه الوليد بن مصعب وأنه من العمالقة.
وذكروا أن الفراعنة سبعة فأوّلهم: طوطيس بن ماليا، ثم الوليد بن دومع، ثم ابنه الريان بن الوليد، ثم دريموس بن الريان، ثم معاديوس بن دريموس، ثم أكسامس بن معاديوس، ثم طلما.
قال: وكان طلما فيما زعموا قصيرا. قيل: كان طوله أربعة أشبار، طويل اللحية، أشهل العينين، صغير العين اليسرى، فى جبينه شامة. ويقولون: إنه
(15/135)

كان أعرج. وزعم قوم أنه من القبط. قال: والدليل على ذلك ميله إليهم ونكاحه فيهم؛ ونسب أهل بيته مشهور عندهم.
وقد اختلف الناس فى سبب ملكه وعمن تلقّى الملك، فقيل ما ذكرناه، وقيل ما قدّمناه «1» فى قصة موسى بن عمران عليه السلام، والله تعالى أعلم.
قال: ولما جلس طلما على سرير الملك اضطرب الناس عليه فبذل الأموال وأرغب من أطاعه، وقتل من خالفه، فاعتدل الأمر له. وكان أوّل ما عمل أن رتّب المراتب، وشيّد الأعلام، وبنى المدن، وخندق الخنادق، وعمل بناحية العريش حصنا، وكذلك على حدود مصر، واستخلف هامان، وكان يقرب منه فى نفسه ونسبه، فأثار بعض الكنوز وصرفها فى بناء المدن والعمارات، وحفر خلجانا كثيرة. ويقال: إنه الذى حفر خليج السّردوس «2» ، وكان كلما عرّجه الى قرية من قرى الحوف حمل إليه أهلها مالا؛ فاجتمع له من ذلك شىء كثير، فأمر بردّه «3» على أهله.
(15/136)

وانتهى الخراج فى وقته الى سبعة وتسعين ألف ألف دينار، وكان ينزل الناس على مراتبهم. وهو أوّل من عرّف العرفاء على الناس، وكان ممن صحبه من الإسرائليين رجل يقال له إمرى، وهو عمران أبو موسى عليه السلام، وهو أخو مزاحم لأبويه، ومزاحم أبو آسية، فهى ابنة عمّ موسى وبنت خالته، فجعل فرعون عمران حارسا لقصره يتولى حفظه وفتحه وإغلاقه. وكان رأى فى كهانته أن هلاكه على يد مولود من الإسرائليين، فمنعهم المناكحة ثلاث سنين؛ لأنه رأى أن ذلك المولود يكون فيها. ثم كان من خبر موسى فى حمل أمه به وولادته وغير ذلك من أمره ما قدّمنا «1» ذكره فى قصة موسى عليه السلام فلا فائدة فى إعادته.
وقد نقل أن موسى عليه السلام لمّا كبر عند فرعون عظم شأنه وردّ فرعون إليه كثيرا من أمره وجعله من قوّاده، وكانت له سطوة؛ ثم وجهه فرعون لغزو الكوثانيين، وكانوا قد عاثوا فى أطراف مصر، فخرج فى جيش كثيف فرزقه الله عزوجل الظّفر، فقتل منهم خلقا وأسر خلقا وانصرف سالما فسرّ به فرعون وآسية. قال: واستولى موسى وهو غلام على كثير من أمر فرعون وأراد أن يستخلفه حتى قتل رجلا من أشراف القبط فكان من أمره ما تقدّم ذكره.
والله أعلم.
هذا ما أورده إبراهيم فى كتابه؛ ولم يذكر من أخبار ملوك مصر بعد غرق فرعون شيئا ولا ذكر من ملك بعده. وقد أشار المسعودى فى مروج الذهب الى نبذة من أخبار من ملك مصر بعد غرق فرعون نحن نذكرها. وأما سياقة أخباره فيما كان قبل فرعون فهذا الذى ذكرناه أتمّ منه وأكثر استيعابا.
(15/137)

ذكر نبذة من أخبار من الملك مصر بعد غرق فرعون
قال أبو الحسن على بن عبد الله المسعودى فى كتابه مروج الذهب «1» ومعادن الجوهر: لما أهلك الله تعالى فرعون وقومه بالغرق خشى من بقى بمصر من الذرارى والنساء والعبيد أن يغزوهم ملوك الشام والمغرب؛ فملكوا عليهم امرأة يقال لها دلوكة؛ فبنت على أرض مصر حائطا يحيط بجميع البلاد من حدّ أرض رفج الى برقة، وجعلت الحرّاس على مسافة كل ميل منها يصل أخبار بعضهم الى بعض، فإذا حدث أمر فى أوّل ملكها بليل رفعت النيران فى وقت حدوثه فعلم فى آخر المملكة بالخبر من ليلته، وإن كان بالنهار دخن. وهذا الحائط موجود الى حين وضعنا لهذا الكتاب ويسمى حائط العجوز. وقيل فيه: حائط «2» الحجوز. وقيل: إنها بنت هذا الحائط من خوفها على ولدها.
واتخذت دلوكة بمصر البرابى وصوّرت فيها الصور، وأحكمت آلات السحر، وجعلت فى البرابى صور من يرد فى البر ودوابّهم إبلا كانت أو خيلا، ومن يرد
(15/138)

فى البحر فى المراكب من بلاد الغرب وسواحل الشام، وأحكمت جميع ذلك بحركات فلكيّة. فكان إذا ورد عليها عدوّ من نحو الحجاز واليمن عوّرت تلك الشخوص التى فى البرابى من الإبل وغيرها فيحدث العور فى ذلك الجيش وتهلك دوابّهم، وكذلك كل من يقدم عليها من البر والبحر اذا بلغها خبر مقدمه صنعت فى تلك الصور ما يحدث مثله فى ذلك الجيش من الآفات، فهابها سائر ملوك الأمم. وخبر هذه المرأة مشهور. وأكثر هذه البرابى باق الى وقتنا هذا وفيها التصاوير إلا أنها لا فعل لها.
وقد قيل فى البرابى: إنها اتخذت مع الأهرام قبل الطوفان. والله تعالى أعلم.
وقيل أيضا: إن مما أنشأته هذه المرأة منارة الإسكندرية، وقد تقدّم ذكر خبرها فى المبانى القديمة وهو فى السفر «1» الأول من كتابنا هذا من هذه النسخة.
قال: وملكت هذه المرأة نحوا من ثلاثين سنة، وقيل أقل من ذلك.
ولما هلكت دلوكة ملك بعدها دركوس «2» بن بلوطس. ثم ملك بعد ولده بورش. «3»
ثم ملك بعده ولده بغاش «4» بن بورش نحوا من خمسين سنة. ثم ملك بعده دنيا «5» ابن بورش نحوا من عشرين سنة. ثم ملك بعده بلوطس عشرين سنة. ثم ملك بعده بلوطس بن متناكيل «6» أربعين سنة. ثم ملك بعده مالس «7» بن بلوطس. ثم ملك
(15/139)

بعده بوليه «1» بن متناكيل؛ وكانت له حروب وسير فى الأرض وهو فرعون الأعرج «2» الذى غزا بنى إسرائيل وخرّب بيت المقدس. ثم ملك بعده وينوس بن مرينوس «3» ثمانين سنة. ثم ملك بعده قومس «4» بن بغاس «5» عشر سنين. ثم ملك بعده مكاييل وكانت له حروب مع ملوك الغرب، وهو الذى غزاه بختنصّر فقتله وقتل رجاله وخرّب أرض مصر، فقيل إنها خرّبت مدة أربعين سنة. وانقرض ملك الفراعنة.
وملك الروم أرض مصر فتنّصر أهلها؛ ولم تزل بيد ملوك الروم الى أن ملك كسرى أنو شروان فارس فغلبت جيوشه على الشام وسارت نحو مصر، فملك الفرس أرض مصر، وغلبوا عليها نحوا من عشر سنين. وكانت بين الروم وفارس حروب كثيرة، فصار أهل مصر يؤدّون خراجين: للروم وللفرس، ثم انجلت الفرس عن الشام ومصر لأمر حدث فى بلادهم، فغلبت الروم على مصر والشام وأظهروا النصرانية، واستمرّ ذلك الى أن جاء الله تعالى بالإسلام. وكان المقوقس ينوب عن ملك الروم، وهادى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم تزل الديار المصرية
(15/140)

والشام بيد ملوك الروم الى أن فتحت فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه على ما سنورد ذلك إن شاء الله تعالى فى خلافة عمر فى الباب الثانى من القسم الخامس من هذا الفن، وهو فى السفر السابع عشر من هذه النسخة.
قال المسعودى رحمه الله: والذى اتفقت عليه التواريخ، مع تباين ما فيها، فى عدد ملوك مصر الى آخر أيام الفراعنة أنهم اثنان وثلاثون ملكا. قال: فمن ملوك بابل الى آخر أيام ابنة ماموم- يشير الى دليفة- أحد عشر ملكا وملكة. ومن العماليق أربعة ملوك. ومن الفراعنة من لدن الوليد بن مصعب فرعون موسى بن عمران عليه السلام، والى أن خرج بختنصّر الفارسىّ على مكاييل وقتله سبعة عشر ملكا بما فى ذلك من ملك دلوكة، وهو إنما يشير الى من ملكها بعد الطوفان. وأما من ملكها قبل الطوفان فإنه لم يتعرّض الى ذكرهم. قال: وملكها من الروم سبعة ملوك. ومن اليونان عشرة ملوك. قال: وذلك قبل ظهور المسيح عليه السلام.
قال: وملكها أناس من الفرس فكانت مدّة من ملكها من الفراعنة ومن بعدهم والعماليق والفرس والروم واليونان ألفى سنة وثلاثمائة سنة. والله أعلم بالصواب.
(15/141)

الباب الثالث من القسم الرابع من الفن الخامس فى أخبار ملوك الأمم من الأعاجم؛
وهم ملوك الفرس الأول، وملوك الطوائف من الفرس، والملوك الساسانية واليونان والسريان والكلوانيين والروم والصقالبة والنوكبرد والإفرنجة والجلالقة وطوائف السودان
ذكر أخبار ملوك الفرس وهم الفرس الأول
وقد اختلف الناس فى الفرس وأتسابهم وكم من دولة كانت لهم. وسنذكر هاهنا مقالاتهم فى ذلك واختلافهم. فمن الناس من زعم أنهم من فارس بن ياسور ابن سام بن نوح، وهذا قول هشام بن محمد. ومنهم من زعم أنهم من ولد يوسف ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. ومنهم من زعم أنهم من ولد هدرام ابن أرفخشد بن سام بن نوح، وأنه ولد له بضعة عشر رجلا كلهم كان فارسا شجاعا؛ فسمّوا الفرس لفروسيتهم، وفى ذلك يقول حطّان بن المعلّى الفارسىّ:
وبنا سمّى الفوارس فرسا ... نا ومنّا مناجب الفتيان «1»
وزعم قوم أن الفرس من ولد لوط من ابنتيه رشا ورغوشا. وذكر آخرون أنهم من ولد بوّان بن أران بن الأسود بن سام بن نوح، ولبوّان هذا ينسب شعب بوّان وهو أحد متنزّهات الدنيا. وقد تقدّم ذكره فى باب الرياض «2» من الفن الرابع.
(15/142)

ومن الناس من يرى أن الفرس من ولد إيران بن أفريدون، ولا خلاف بين الفرس أجمع أنهم من ولد كيومرث «1» وهو الأشهر، وإليه يرجع جميع الفرس الأول وملوك الطوائف والملوك الساسانية.
وأما التنازع فى دولهم فمن الناس من زعم أنهم أربعة أصناف، وأن الصنف الأوّل منهم كان من كيومرث إلى أفريدون وهم الجرهانية، وقيل الجهدهانية. والصنف الثانى من كيان إلى دارا بن دارا وهم الكيانية. والصنف الثالث ملوك الطوائف.
والصنف الرابع الساسانية. ومن الناس من جعلهم صنفين: فجعل الصنف الأوّل من كيومرث إلى دارا بن دارا. والصنف الثانى من أردشير بن بابك إلى يزدجرد ابن شهريار المقتول فى خلافة عثمان رضى الله عنه. فمدّة ملكهم فى الدولة الأولى ثلاثة آلاف سنة وثلاثمائة وستة وعشرون سنة. وعدّة ملوكهم عشرون ملكا فيهم امرأة واحدة.
فأوّل ملك ملك من الفرس الأول كيومرث وقيل فيه جيومرث.
وقد اختلف فى نسبه، فمن الناس من قال: إنه ولد آدم «2» لصلبه. ومنهم من قال: إنه ولد لاوذ بن إرم بن سام بن نوح. وقد قيل: إنه أوّل ملك ملك من بنى آدم. وكان السبب فى ملكه أنه لمّا كثر البغى والظلم فى الناس اجتمع أكابر أهل زمانه ورأوا أنه لا يقيم أمرهم إلا ملك يرجعون إليه فيما يأمر وينهى، فأتوه وقالوا: أنت أكبر أهل زمانك وبقية أبينا، والناس قد بغى بعضهم على بعض، وأكل القوىّ الضعيف، فضمّ أمرنا إليك وكن القائم بصلاحنا. فأخذ عليهم العهود والمواثيق بالسمع والطاعة له وترك الخلاف عليه. فصنعوا له تاجا ووضعوه على رأسه. وهو أوّل من وضع التاج على رأسه. فاستوثق له الأمر وقام
(15/143)

بأمر الناس وحسنت سيرته فيهم. وكانت مدّة ملكه عليهم أربعين سنة. وكان ينزل إصطخر من أرض فارس حتى مات. واختلف فى مقدار عمره، فقيل:
إنه عاش ألف سنة، وقيل غير ذلك. والله تعالى أعلم.
فلما مات قام بالأمر من بعده أو شهنج ابنه وقيل: أخوه، وقيل: أو شهنج ابن فيشداد «1» بن كيومرث. وفى الناس من يزعم أنه أوّل ملك ملك من الفرس، وهو الذى جمع الأقاليم السبعة، ورتب الملك ونظّم الأعمال، ولقّب بفيشداد، وتفسيره بالعربية أوّل سيرة العدل. ويقال: إن أوشهنج هذا كان بعد الطوفان بمائتى سنة، وهو أوّل من قطع الحجر وبنى به، واستخرج المعادن، وبنى مدينتى بابل والسوس.
وكان فاضلا حسن السياسة محمود الأثر. قال: ونزل الهند وتنقّل فى البلاد وعقد التاج وجلس على السرير. وكان من حسن سياسته أنه نفى أهل الفساد والدعارة من البلدان وألجأهم إلى رءوس الجبال وجزائر البحر، واستخدم منهم من كان يصلح للخدمة وسمّاهم الشياطين والعفاريت، وقرّب أهل الخير والصلاح. وكانت مدّة ملكه أربعين سنة.
ولما مات ملك بعده طهمورث «2» وقيل فيه طهورث بن أنوجهان بن أوشهنج، وقيل بل بينهما عدّة آباء. قال: ولما ملك سار فى الناس سيرة جدّه أوشهنج. وكان ينزل نيسابور. وقيل إنه الذى أنشأها ثم جدّدها بعد ذلك سابور. وقيل: إنه أوّل من كتب بالفارسية «3» ونفى أهل الدعارة والشرّ واستقام له نظام الملك. قيل: وفى أيامه ظهر بوداسف الذى «4» أحدث دين الصابئة. وكان ملكه ثمانين سنة. وقيل ثلاثين سنة.
(15/144)

ولما مات ملك بعده أخوه جمشيد «1» ، وتفسير شيد: الشعاع، سمى بذلك لوضاءة وجهه. قال: ولما ملك سلك سيرة من تقدّم وزاد عليها بأن صنّف الناس وطبّقهم ورتّب منازل الكتّاب وأمر لكل واحد وظيفة وأمره أن يلزمها.
وعمل أربعة خواتيم: خاتما للحرب والشّرط «2» وكتب عليه الأناة، وخاتما للخراج وجباية الأموال وكتب عليه العمارة، وخاتما للبريد وكتب عليه الوحا، وخاتما للمظالم وكتب عليه العدل. فبقيت هذه الرسوم فى ملوك الفرس الى أن جاء الإسلام.
وكان ملكه ستمائة سنة. وقيل سبعمائة سنة وستة أشهر. وقيل ألف سنة إلا عشر سنين. وفى أيامه أحدث النيروز «3» وجعله عيدا، وأمر الناس أن يتنعموا فيه. ثم بدّل سيرته بالجور بعد الإنصاف، والظلم بعد العدل، والإساءة بعد الإحسان، فثقلت وطأته على الناس. ثم أظهر الكبر على وزرائه وكتّابه وقوّاده.
ثم انهمك على لذّاته وترك مراعاة كثير من السياسة الملوكية التى جرت عادة الملك أن يتولّاها بنفسه. وقيل: إنه ادّعى الإلهية فخرج عليه بيوراسب، وكان من جملة عمّاله، واستجلب الناس وجمعهم عليه واستصلحهم لنفسه، وقصد جمشيد بعد أن كثرت أتباعه وقويت شوكته، فهرب منه فاتبعه حتى أدركه وظفر به ونشره بمنشار.
وملك بعد جمشيد بيوراسب؛ وهو الذى يسمّيه العرب الضحّاك. قالوا:
وهو بيوراسب «4» بن أرونداسف بن بغاداس بن طوخ بن قروال بن ساعل بن فرس ابن كيومرث، وهو الدّهّاك، فعرّب اسمه فقيل الضحّاك. وقيل: إنه ملك ألف سنة. وزعم قوم أنه نمروذ. وزعم قوم آخرون أنه كان من عمّال بيوراسب على كثير من أعماله.
(15/145)

قال: ولما ملك بيوراسب ظهر منه خبث شديد وفجور كثير، وملك الأرض كلها، فسار فيها بالجور والعسف وسفك الدماء والصلب، وهوّل على الناس ومحاسيرة من تقدّمه من الملوك، وسنّ الأعشار واتخذ الملاهى والغناء. وكان على منكبيه سلعتان «1» يحرّكهما إذا شاء كما يحرّك يده، فادّعى أنهما حيّتان تهويلا على ضعفاء الناس. وقد تقدّم ذكره فى الباب الرابع من القسم الثالث من الفنّ الأوّل، وهو فى السفر الأوّل «2» من نسخة الأصل فى أخبار أعياد الفرس، فلا حاجة الى إعادة ما قدّمنا ذكره من أمره.
قال: ولما عمّ الناس جوره كان من سوء عاقبة ذلك أن ظهر بأصبهان رجل يقال له كابى «3» من عوامّ الناس. ويقال: إنه كان حدّادا. وكان الضحاك قتل لكابى ابنين، فبلغ به الجزع على ولديه مبلغا عظيما، فقام وأخذ عصا وعلّق عليها جرابا.
وقيل: بل علّق النّطع الذى كان يشدّه على وسطه يتّقى به النار إذا صنع الحدادة.
وقيل: بل كان جلد أسد. وقيل: بل جلد نمر، ودعا الناس إلى مجاهدة بيوراسب، فحمل الناس ما كانوا فيه من البلاء إن اتبعوه وأطاعوه، فاستفحل أمره، وكثرت أتباعه، واجتمع عليه أشراف الناس وأكابرهم؛ فقصد بيوراسب. فلما أشرف عليه هرب عن منازله، فجاء أشراف الناس إلى كابى الأصبهانى واجتمعوا عليه ليملّكوه، فامتنع من ذلك وقال: إنى لست من بيت الملك، ولكن التمسوا من هو من بيت الملك فنولّيه علينا. وكان أفريذون «4» بن اثفيان قد استخفى من الضحاك
(15/146)

فى بعض النواحى، فجاء إلى كابى الأصبهانىّ ففرح الناس به واستبشروا بمقدمه، وكان مرشحا للملك فملّكوه عليهم، وصار كابى من جملة أعوان أفريذون.
قال: وتفاءل الفرس وتبركوا بذلك العلم الذى كان قد رفعه كابى الأصبهانى وعظّموه ورصّعوه بعد ذلك بالجواهر وسمّوه الدّرفس وجعلوه علمهم الأكبر الذى يتبرّكون به، وهو الذى صار الى المسلمين فى وقعة القادسية «1» . وكانت الفرس لا ينشرونه إلا فى الأمور العظيمة.
قال: ولما هرب بيوراسب ملك بعده أفريذون؛ وهو التاسع من ولد جمشيد. قال: فأوّل ما بدأ به أن اتبع بيوراسب فأدركه بدنباوند «2» وقتله. وفى يوم قتله أحدث المهرجان على ما قدّمناه «3» . قال: ثم ردّ أفريذون مظالم الناس وأمر بالإنصاف وبسط العدل، ونظر الى ما كان بيوراسب قد اغتصبه من أموال الناس وأملاكهم وأراضيهم، فردّ ذلك على أهله، وما لم يجد أهله وقفه على المساكين ومصالح العامة. وكان مؤثرا للعلم وأهله. وكان صاحب طبّ وفلسفة ونجوم.
وزعم بعض الفرس أن بيوراسب الضحاك هو النمروذ، وأن أفريذون هو إبراهيم عليه السلام. قال: ودام ملكه خمسمائة سنة. وقال: هو أوّل من تسمى بكى، فكان يقال له: كى أفريذون، وهى كلمة يراد بها التنزيه؛ أى روحانىّ منزّه متصل بالروحانية. وهو أوّل من ذلّل الفيلة وقاتل بها الأعداء. قال: وكان لأفريذون
(15/147)

ثلاثة أولادوهم: سرم وقيل فيه سلم، وطوخ «1» ، وإيرج وقيل فيه إيران؛ فخشى أفريذون ألا يتفقوا بعده وأن يبغى بعضهم على بعض، وظن أنه إذا قسم الملك بينهم فى حياته بقى الأمر بعده على انتظام واتساق فقسمه بينهم. فجعل الروم والشام وناحية المغرب لسرم. وجعل الترك والصين لطوخ. وجعل العراق والهند لإيرج، وهو صاحب التاج والسرير. ففى ذلك يقول شاعرهم:
وقسمنا ملكنا فى دهرنا ... قسمة اللحم على ظهر الوضم «2»
فجعلنا الروم والشام الى ... مغرب الشمس الى الملك سرم
ولطوخ جعل التّرك له ... فبلاد الصين يحويها ابن عم
ولإيران جعلنا عنوة ... فارس الملك وفزنا بالنعم
فلما مات أفريذون وثب طوخ وسرم بأخيهما إيران فقتلاه وملكا الأرض بينهما، ولذلك نشأت العداوة بين الترك والروم، وقامت الحروب، وطلب بعضهم بعضا بالدماء. فكان من سوء عاقبة غدرهما بأخيهما وتغلبهما على ملكه أن نشأ ابن لإيران بن أفريذون يقال له منوجهر، وقيل اسمه منواشجهر، وقيل فيه منوشهر، فغلب على ملك أبيه إيران.
وملك منوجهر بن إيران بلاد فارس، ثم نشأ ابن لطوخ التركى فنفى منوجهر عن بلاده وجرت بينهما حروب، ثم ظفر منوجهر وعاد الى ملكه، ونفى ولد طوخ وقوى أمره وظهر اسمه. وكان منوجهر موصوفا بالعدل والإحسان فى مملكته.
ويقال: إنه أوّل من خندق الخنادق، وجمع آلة الحروب، وأوّل من وضع الدّهقنة «3» ، وجعل لكل قرية دهقانا، وجعل أهلها عبيدا وخولا وألبسهم لباس
(15/148)

المذلّة. ولما قوى أمره سار نحو الترك وطلب بدم أبيه فقتل عمّيه اللذين قتلا أباه، وأدرك ثأره وانصرف الى بلاده.
ثم نشأ فراسياب «1» بن ترك من ولد طوخ بن أفريذون وإليه ينسب الترك، فحارب منوجهر وحاصره بطبرستان «2» ، ثم اصطلحا وضربا بينهما حدّا لا يجاوزه واحد منهما، وهو نهر بلخ، فانقطعت الحرب بين فراسياب ومنوجهر. وكان لمنوجهر هذا خطب تدل على سداد رأيه، ووفور عقله، وجودة فهمه؛ قد ذكرنا بعضها فى الباب الرابع «3» من القسم الخامس من الفنّ الثانى فى وصايا الملوك. قال: وفى أيام منوجهر ظهر موسى بن عمران عليه السلام.
قال: ولما مات منوجهر تغلّب فراسياب على إقليم بابل اثنتى عشرة سنة، وأكثر الفساد، وخرّب البلاد، وطمّ الأنهار ودفن القنى، فقحط الناس الى أن ظهر زوّبن طهماسب فأخرجه عن بلاد فارس الى تركستان.
وملك زوّبن طهماسب وقيل فيه: زاع، وقيل فيه: زاب، وقيل: راسب، وهو من أولاد منوجهر، وبينه وبين منوجهر عدّة آباء. قال: ولما ملك ابتدأ فى عمارة ما خرّبه فراسياب، وأمر ببناء ما هدم من الحصون، وحفر الأنهار والقنى، حتى عادت البلاد إلى أحسن ما كانت عليه، ووضع عن الناس الخراج
(15/149)

سبع سنين، فعمرت البلاد فى أيامه، ودرّت معايش الناس، واحتفر بالسواد «1» نهرا وسماه الزاب، وبنى على حافتيه مدينة وهى التى تسمى المدينة العتيقة، وكوّرها كورا، وجعلها ثلاثة طساسيج «2» : الزاب الأعلى، والزاب الأوسط، والزاب الأسقل، ونقل إليها بذور الرياحين، وأصول الأشجار، وزوّ هذا أوّل من اتخذ ألوان الطبيخ، وأنواع الأطعمة، وقسم الغنائم على جنوده. وكانت مدّة ملكه ثلاث سنين.
ثم ملك بعده كرشاسب بن أسباس؛ وأمه من سبط يامين بن يعقوب عليه السلام. قال: وكان مسكنه ببابل. ومدّة ملكه عشرون سنة. وبعض المؤرّخين لم يذكره فى الملوك. وقال الشيخ أبو على أحمد بن محمد بن مسكويه فى كتابه المترجم بتجارب الأمم: إن كرشاسب كان وزيرا لزوّ بن طهماسب، وأنه من أولاد طوخ ابن أفريذون. قال: وقد حكى أن زوّا وكرشاسبا اشتركا فى الملك. قال:
والصحيح من أمره أنه كان وزيرا لزوّ ومعينا له، والذى أثبت كرشاسب فى الملوك الشيخ عبد الملك بن عبد الله بن عبدون الحضرمى الشلبى فى كتابه المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدرر، وقال: ولم يذكره بعض المؤرّخين.
ثم ملك بعده كيقباذ بن زوّ؛ وقيل فيه: ابن زاب بن تور، وسلك سبيل أبيه فكوّر الكور، وبين حدودها، وأمر الناس بالعمارات، وأخذ العشر من الغلات لأرزاق الجند. وكان حريصا على العمارة، مانعا لحوزته. والملوك الكييّة «3» من نسله. وكان بينه وبين الترك حروب كثيرة. وكانت إقامته فى الحدّ
(15/150)

الذى بين مملكة الفرس والترك بناحية بلخ. وكان ملكه مائة وعشرين سنة ثم مات.
وملك بعده كيقابوس «1» بن كينة بن كيقباذ الملك. قال: ولما ملك شدّد على أعدائه، وقتل خلقا كثيرا من عظماء البلاد وسكن بلخ، وولد له ابن لم ير مثله فى عصره جمالا وتمام خلقة، وسمّاه سياوخش وضمه الى رستم الشديد بن دستان من ولد كرشاسب. وكان أصبهبذا بسجستان وما يليها من قبل كيقابوس وأمره بتربيته.
فمضى به رستم الى سجستان وتخيّر له الحواضن والمراضع الى أن عقل، فجمع له المعلمين، ثم علّمه الفروسية حتى فاق فيها، فقدم به على أبيه وهو كامل الصفات من العقل والأدب والفروسية، فامتحنه والده فوجده فوق ما يحب.
قال: وكان لكيقابوس زوجة بارعة الجمال يقال إنها بنت فراسياب ملك الترك؛ ويقال: إنها ابنة ملك اليمن، فهويت سياوخش وهويها، ويقال: إنها كانت ساحرة فسحرته، وآل أمرهما الى أن انكشف لأبيه كيقابوس واطّلع على ما كان من أمر ابنه وزوجته، فأشفق سياوخش على نفسه وخشى عاقبة أبيه فتلطف فى البعد عنه، فسأل رستم أن يشير على أبيه لإرساله لحرب فراسياب ملك الترك، وكان قد تجدّدت بين فراسياب وكيقابوس وحشة، ففعل رستم ذلك وخاطب كيقابوس فيه واستأذن له فى جند يضمهم إليه، فأذن له وضمّ إليه جندا كثيفا وأشخص سياوخش الى بلاد الترك، فسار حتى التقى بفراسياب فانتظم الصلح بينهما من غير حرب، فكتب سياوخش الى أبيه يخبره بما كان بينه وبين فراسياب من الصلح والاتفاق، فكتب إليه كيقابوس بإنكار ذلك عليه وأمره بمناهضته ومناجرته الحرب، فرأى سياوخش
(15/151)

أنه إن فعل ما أمره به والده من الحرب ونقض الهدنة من غير سبب وقع يوجب نقضها، يكون ذلك عارا عليه ومنقصة، فامتنع من إنفاذ أمر أبيه وأجمع رأيه على الهرب منه، فكتب الى فراسياب ملك الترك يطلب منه الأمان لنفسه، وعرّفه أنه آثر اللحاق به فأجابه الى ذلك. وكان السفير بينهما أحد عظماء الترك وأكابرهم يسمى قيران. فلما استوثق سياوخش من ملك الترك سار نحوه وانصرف من كان معه من جند أبيه ورجعوا إليه. قال: ولما وصل سياوخش الى فراسياب ملك الترك أكرمه وعظّمه وزوجه بابنته، وهى أم كيخسرو الذى ملك الفرس. ولم يزل على إكرامه الى أن ظهر له من أدبه وحسن سياسته وجميل تلطفه ما أشفق منه وخشى على ملكه لميل الناس إليه فقتله. وكانت ابنة الملك قد اشتملت من سياوخش على حمل، فقصد أن يسقطه وتحيّلوا فى ذلك فلم تسقط؛ ثم جاء قيران، وهو الذى كان السفير فى الصلح بين الترك وسياوخش، وأنكر ما كان من فعل الملك وحذّره عاقبة الغدر والطلب بالثأر، وأشار عليه أن يدفع ابنته زوجة سياوخش إليه لتكون عنده الى أن تضع وقال: اذا أردت بعد ذلك قتل ولدها فاقتله؛ فأجابه الملك الى ذلك وسلّم إليه ابنته، فكانت عنده الى أن وضعت كيخسرو؛ فلما وضعته امتنع قيران من قتله وستر أمره، فكان عند قيران حتى بلغ، ثم احتال جدّه كيقابوس الى أن أخرجه هو وأمّه من بلاد الترك.
قال أبو على أحمد بن محمد بن مسكويه فى كتابه المترجم بتجارب الأمم: وللفرس فى أمر كيقابوس خرافات كثيرة منها: أنهم يزعمون أن الشياطين مسخوه، وقوم منهم يزعمون أن سليمان بن داود عليهما السلام أمرهم بذلك فى خرافات كثيرة ظاهرة الإحالة: من الصعود الى السماء، وبناء مدينة كنكر بأسوار من ذهب وفضة
(15/152)

وحديد ونحاس وأنهار، وأنها ما بين السماء والأرض؛ وأشياه ذلك مما تحيله العقول السليمة؛ لأن ذلك ليس فى قدرة البشر.
قال: ولما تمّ لكيقابوس أكثر ما كان يقصده سار من خراسان ونزل بابل وترك ما كان يتولاه بنفسه من السياسات، واحتجب عن الناس وتعاظم عليهم، وآثر الخلوة، فكان من عاقبة ذلك أن فسد عليه ملكه وغزته الملوك؛ فكان بعد ذلك يغزوهم فيظفر بهم مرّة وينكب أخرى، الى أن غزا بلاد اليمن، والملك بها يومئذ ذو الأذعار بن أبرهة بن ذى المنار. فلما أتاه كيقابوس خرج اليه ذو الأذعار فى جموعه من حمير وولد قحطان، فظفر به ذو الأذعار وأسره واستباح عسكره وحبسه فى بئر وأطبق عليه طبقا، فخرج رستم الشديد من سجستان فى جموع كثيرة من الفرس؛ فالفرس تزعم أنه أوغل فى بلاد اليمن واستخرج كيقابوس من محبسه، واليمن تقول غير ذلك، وأن ملكهم ذاالأذعار لما بلغه إقبال رستم خرج اليه فى جموعه وجنود عظيمة، وخندق كل منهما على نفسه وعسكره، وأنهما أشفقا على جندهما من البوار، فاتفقا على أن دفع لهم ملك اليمن كيقابوس وانصرف رستم من غير حرب ورجع بكيقابوس الى بابل، فكتب له كيقابوس كتابا بالعتق وأقطعه سجستان. ونسخة الكتاب الذى كتبه: من كيقابوس بن كيقباذ الى رستم. إنى قد أعتقتك من العبودية، وملّكتك بلاد سجستان، واجلس على سرير من فضة مموّه بالذهب، والبس قلنسوة من الحرير منسوجة بالذهب متوجة. قال: ومما يدل على صحة ما نقل من أمر كيقابوس قول الحسن بن هانىء:
وقاظ «1» قابوس فى سلاسلنا ... سنين سبعا وفت لحاسبها
(15/153)

ولما مات كيقابوس ملك بعده ولد ابنه كيخسرو بن سياوخش بن كيقابوس. قال: ولما ملك عقد التاج على رأسه وخطب رعيته خطبة بليغة أعلمهم فيها أنه على الطلب بدم أبيه سياوخش قبل فراسياب ملك الترك، وكتب إلى جوذرز بأصبهان- وكان أصبهبذا على خراسان- يأمره بالمسير إليه، وأمره أن يعرض جنده وأن ينتخب ثلاثين ألف راجل ويضمهم إلى طوس [بن نوذران «1» ] وكان فيمن أشخص معه برزافره [بن كيقاوس «2» ] عمّ كيخسرو وابن جوذرز وجماعة من إخوته، وتقدّم كيخسرو إلى طوس، وأمره أن يقصد فراسياب وطراخنته «3» وحذره من ناحية ببلاد الترك فيها أخ له من أبيه سياوخش يقال له فروذ، وكان قد رزقه من بعض نساء الأتراك، كان سياوخش قد تزوّجها لما سار إلى فراسياب فولدت له فروذ، وأقام بموضعه إلى أن شبّ، فسار طوس وكان من غلطه الذى فعله أنه لما صار بالقرب من المدينة التى فيها فروذ حاربه فقتل فروذ فى الوقعة. فلما اتصل الخبر بكيخسرو غضب لذلك وشقّ عليه، فكتب إلى عمه برزافره ذلك كتابا غليظا يخبره بما ورد عليه من خبر طوس ومخالفته له ومحاربته لأخيه فروذ وقتله إياه، وأمره بإشخاص طوس إليه مقيدا مغلولا، وأن يتقدّم هو على العسكر ويتوجه. ففعل برزافره ذلك وتولى أمر العسكر، وسار وعبر النهر المعروف بكاشرود، وانتهى خبره إلى فراسياب فوجه للقائه وحربه جماعة من إخوته وطراختنه، فالتقوا وفيهم قيران وإخوته، فاقتتلوا قتالا شديدا، وظهر من برزافره عمّ كيخسرو فى ذلك اليوم فشل لمّا اشتدت الحرب، فهرب وانحاز بالعلم إلى رءوس الجبال، واضطرب على ولد جوذرز الأمر، فقتل منهم فى تلك الملحمة فى وقعة
(15/154)

واحدة سبعون رجلا، وقتل خلق كثير، وانصرف برزافره ومن أفلت معه إلى كيخسرو، فرئيت الكابة فى وجهه وامتنع عن الطعام والشراب أياما، ثم أتاه جوذرز وشكا إليه عمه برزافره وأنه كان سبب الهزيمة، ولاطفه كيخسرو وقال: إن حقك لازم لنا لخدمتك إيانا، وهذا جندنا وخزائننا مبذولة لك فاطلب ترتك «1» واستعدّ وتجهّز للتوجه إلى فراسياب. فنهض جوذرز وقبّل يده وقال: نحن رعيتك وعبيدك أيها الملك، فإن كانت آفة أو نازلة فلتكن بالعبيد دون الملوك، وأولادى الذين قتلوا فداؤك، ونحن من وراء الانتقام من فراسياب والاستيفاء «2» من الترك. فكتب كيخسرو إلى وجوه عساكره وأكابر أجناده يأمرهم بموافاته فى صحراء تعرف بشاه اسطون من كورة بلخ فى وقت وقّته لهم، فوافوه فى ذلك الوقت، وشخص كيخسرو بأصبهبذيته وأصحابهم وفيهم برزافره عمه وجوذرز وولده، فعرض كيخسرو الجند بنفسه حتى عرف عدّتهم واطّلع على أحوالهم، ثم أحضر جوذرز وثلاثة نفر معه من القوّاد فأعلمهم أنه يريد إدخال العساكر على الترك من أربعة وجوه ليحيطوا بهم من جميع جهاتهم، وقوّد على تلك العساكر، وجعل أعظمها إلى جوذرز، ودفع اليه يومئذ درفس «3» كابيان، ولم يكن يدفع قبل ذلك لأحد من القوّاد، بل مع أولاد الملوك.
قال: وأمر أحد القوّاد بالدخول مما يلى الصين وضم اليه ثلاثين ألف رجل، وأمرهم بالدخول من ناحية الخزر من طريق بين جوذرز وبين الذى دخل من طريق الصين، ودخل جوذرز من ناحية خراسان وبدأ بقيران والتحمت بينهما
(15/155)

الحرب واشتدّ القتال، فقتل جوذرز أخالقيران، ثم قتل قيران مبارزة، ثم قصد فراسياب والتحمت عليه العساكر من كل جهة، واتبع كيخسرو القوم بنفسه وقصد الوجه الذى كان فيه جوذرز، وقد أثخن فى القتل وقتل أصبهبذ فراسياب والمرشح للملك بعده، وجماعة كثيرة من إخوته وأولاده، وأسر برويز وهو الذى قتل سياوخش.
قال: ولما جاء كيخسرو وجد جوذرز قد أحصى الأسرى والقتلى وما غنم من الكراع «1» والأموال، فوجد ما فى يده من الأسرى ثلاثين ألفا، ومن القتلى خمسمائة ألف ونيفا وستين ألفا على ما تزعم الفرس، وحاز من الكراع والأموال ما لا يحصى كثرة، وأمر كل واحد من الوجوه الذين كانوا معه أن يجعل أسيره ورأس قتيله [عند علمه «2» ] لينظر إلى ذلك كيخسرو عند موافاته. فلما وافى كيخسرو موضع الملحمة تلقاه جوذرز وعرض عليه الأسرى والقتلى، فرأى قيران قتيلا، وأتى بقاتل «3»
أبيه الذى مثّل به بعد قتله. فقتله كيخسرو شرّ قتلة؛ قطعه عضوا عضوا ثم ذبحه، وأحسن صلة جوذرز وفوّض إليه الوزارة التى يقال لها بزر جفر «4» مذار وجعل إليه مع ذلك أصبهان وجرجان، وأحسن لكل من أبلى من قوّاده ورجاله، ثم أتته أخبار قوّاده الثلاثة الأخر أنهم قد أحاطوا بفراسياب، وبرز فراسياب ومن بقى من ولده وعساكره وتوجه نحو كيخسرو بجيوش عظيمة، فيقال إن كيخسرو أشفق منه وهابه حتى ظن أنه لا قبل له به، ودام القتال بين العسكرين أربعة أيام، فقتل شيده مقدّم عسكر فراسياب، وكانت هذه
(15/156)

الحرب معه، ثم أقبل فراسياب فى جمع عظيم من الأتراك والتقى هو وكيخسرو ونشبت بينهما حروب عظيمة يقال إنه لم ير مثلها قبلها قط على وجه الأرض، فكانت الدائرة على الترك، وانهزم فراسياب وكثر القتل فى أصحابه وأتبعه كيخسرو حتى أدركه بأذربيجان فظفر به واستوثق منه بالحديد ووبّخه على ما كان منه من قتل سياوخش، فلم يكن له حجة، فذبحه ثم انصرف. وقد غنم غنائم عظيمة لا تحصى وأدرك بثأره.
قال: ولما فرغ كيخسرو من أمر الترك ورجع إلى بلاده واستقرّ بدار ملكه زهد فى الملك وتنّسك، وأعلم وجوه أهل بيته وأكابر مملكته أنه قد عزم على التخلى والأنفراد وترك الملك؛ فجزعوا من ذلك وسألوه ألا يفعل، فأبى عليهم. فلما أيسوا منه سألوه أن ينصب فى الملك من يراه له أهلا، فأشار بيده إلى لهراسف وأعلمهم أنه خاصته ووصيته، فقبل لهراسف ذلك وأقبل الناس عليه. وفقد كيخسرو. فمنهم من يقول: إنه غاب للتنسك، وبعضهم يقول غير ذلك، إلا أنه لم تعلم جهة وفاته. قال: وكان ملكه ستين سنة. قال: وفى أيام ملكه كان سليمان بن داود عليه السلام.
ثم ملك بعده لهراسف «1» ؛ وقيل فيه بهراسف بن تنوفى بن كيمش وهو ابن أخى كيقابوس ويلقب بكى لهراسف. قال: ولما ملك اتخذ سريرا من ذهب مكللا بالجوهر للجلوس عليه، وبنيت له بأرض خراسان مدينة، وسماها بلخ الحسناء.
قال: وهو أوّل من دوّن الدواوين، وقوّى ملكه بانتخاب الجنود، وعمر الأرض.
وكانت شوكة الأتراك اشتدّت فى زمانه، فنزل بلخ لمقاتلتهم، ووجه بختنصر
(15/157)

أصبهبذا ما بين الأهواز إلى أرض الروم، من غربىّ الفرات. وسنذكر أخباره إذا انتهت أخبار لهراسف.
قال: وكان لهراسف بعيد الهمة، طويل الفكرة، شديد القمع للملوك المحيطة لإيران شهر. وكانت ملوك الروم والمغرب والهند يؤدّون إليه إتاوة معلومة فى كل سنة، ويقرّون له أنه ملك الملوك هيبة له، واستمتر فى الملك إلى أن كبرت سنّة وأحس بالضعف فاعتزل الملك ونصب ابنه بشتاسب «1» . وكان ملكه فيما ذكر مائة وعشرين سنة.
ذكر أخبار بختنصّر
ويقال فى اسمه بالفارسية بخترشه «2» ، وكان مرزبانا للهراسف، ومعنى المرزبان أنه ملك على ربع من أرباع المملكة. وقد قدّمنا أن الملك لهراسف كان قد جعله أصبهبذا ما بين الأهواز إلى أرض الروم. قال: فسار حتى أتى دمشق فصالحه أهلها، ووجه قائدا له فأتى بيت المقدس فصالح ملك بنى إسرائيل، وهو رجل من بنى داود النبىّ عليه السلام، وأخذ منه رهائن وانصرف. فلما بلغ طبرية وثب بنو إسرائيل على ملكهم فقتلوه وقالوا له: إنك هادنت أهل الكفر وخذلتنا واستعدّوا للقتال؛ فكان عاقبة ذلك أن قائد بختنصر- لما بلغه ما كان من بنى إسرائيل- كتب إليه يخبره بقتلهم ملكهم، فأجابه بختنصر أن يقيم بموضعه حتى يوافيه، وأمره بضرب أعناق الرهائن الذين معه. وسار بختنصر حتى أتى بيت
(15/158)

المقدس فأخذ المدينة عنوة وقتل المقاتلة وسبى الذرّية وهرب الباقون إلى مصر، فكتب بختنصر إلى ملك مصر: أن عبيدا لى هربوا منى إليك فسرّحهم إلىّ وإلا غزوتك وأوطأت خيلى بلادك، فكتب إليه ملك مصر: إنهم ليسوا عبيدك، ولكنهم الأحرار أبناء الأحرار، وامتنع من إنفاذهم اليه، فغزاه بختنصر وقتله وسبى أهل مصر، ثم سار فى أرض المغرب حتى بلغ أقصى نواحيها.
قال صاحب كتاب تجارب الأمم: وقد حكى أهل التوراة وغيرهم فى أمر بختنصر أقوالا مختلفة، فذكروا منها: أن بختنصر لما خرّب بيت المقدس أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه فى بيت المقدس، فقذفوا فيه من التراب ما ملأه. قال: ولما انصرف إلى بابل اجتمع معه سبايا بيت المقدس من بنى إسرائيل وغيرهم، فاختار منهم سبعين ألف صبىّ، فلما فرّق الغنائم على جنوده سألوه أن يقسم فيهم الصبيان، فقسمهم فى الملوك منهم، فأصاب كل رجل منهم أربعة، وكان من أولئك الغلمة الذين سباهم، دانيال النبىّ وحنين ومنشايل، وسبعة آلاف من أهل بيت داود، وأحد عشر ألفا من سبط بشر بن يعقوب. ثم غزا بختنصر العرب، وذلك فى زمن معدّ بن عدنان.
قال: وكانت مدّة غلبة بختنصر إلى أن مات أربعين سنة، ثم قام ابن له يقال له أو نمروذ «1» ثم [هلك، وملك مكانه ابن له يقال «2» له] بلتنصر، وذلك فى زمن بهمن، فلم يرض بهمن أمره فعزله وملّك مكانه كيرش، وتقدّم إليه بهمن أن يرفق ببنى إسرائيل ويمكّنهم من النزول حيث سألوا، أو الرجوع إلى أرضهم، وأن يولّى
(15/159)

عليهم من يختارونه، فاختاروا دانيال فولاه أمرهم. فكانت مدّة خراب بيت المقدس سبعين سنة، وقيل غير ذلك. ولنرجع إلى أخبار الفرس.
ولما اعتزل لهراسف الملك كما ذكرناه، ملك بعده كى بشتاسف «1» بن كى لهراسف. قال: ولما ملك بنى مدينة فسا «2» ، وهو أوّل من بسط دواوين الكتاب لا سيما ديوان الرسائل، وكان له ديوانان أحدهما: ديوان الخراج، والآخر ديوان النفقات، فكل ما يرد فإلى ديوان الخراج، وكل ما يصرف فمن ديوان النفقات. وكان له كاتب موكل بدار المملكة، فإن وقع تقصير بأحد فى منزلته، أو حطّ من درجته رجع إلى ذلك الكاتب ليبين له حال مرتبته فيجرى على رسمه وعادته.
وفى أيامه ظهر زرادشت [بعد ثلاثين سنة من ملكه فادّعى النبوّة «3» ] فأراده على قبول دينه فامتنع من ذلك ثم صدّقه وقبل دعواه، وأتاه بكتاب يكتب فى جلد اثنتى عشرة ألف بقرة حفرا فى الجلود ونقشا بالذهب، فصير بشتاسف ذلك الكتاب بإصطخرو وكل به الهرابذة «4» ، ومنع من تعليمه العامة. وبنى ببلاد الهند بيوتا للنيران، وتنسّك واشتغل بالعبادة، وهادن كى خرزاسف بن كى سواسف ابن أخى «5» فراسياب ملك الترك على ضروب من الصلح، وفى جملة شريطة الصلح ألا يكون
(15/160)

ببلاد خرزاسف دابة موقوفة فى منزلة الدوابّ التى تكون على أبواب الملوك، وغير ذلك مما وقعت عليه المهادنة. فأشار زرادشت على بشتاسف بنقض الهدنة ومفاسدة ملك الترك، فبلغ ملك الترك ذلك، فغضب وكتب إليه كتابا غليظا من جملته أن يوجه إليه زرادشت، وأقسم إن امتنع أن يغزوه حتى يسفك دمه ودماء أهل بيته؛ فأجابه بشتاسف بجواب أغلظ من كتابه وآذنه بالحرب وأعلمه أنه غير ممسك عنه إن أمسك هو. فسار كل منهما الى الآخر، ومع كل واحد منهما إخوته وأهل بيته، والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فكانت الدائرة على الترك، وقتل اسفنديار بن بشتاسف بيدرفش «1» الساحر مبارزة؛ وقتلت الترك قتلا ذريعا، وهرب ملكهم خرزاسف ورجع بشتاسف الى بلخ.
قال: فلما مضت لتلك الحرب سنون سعى رجل يقال فروخ «2» بإسفنديار الى بشتاسف ونسبه أنه تطاول للملك، وزعم أنه أحقّ به، فأفسد بذلك قلب بشتاسف عليه، وصدق مقالة فروخ، فأخذ فى التدبير على إسفنديار وجعل يرسله الى حرب بعد حرب، وهو يظفر وينجح ويرجع بالغنائم، ثم أمر بتقييده فقيّد، وصيره فى الحبس فى حصن من حصونه، وسار بشتاسف الى جبل يقال له طميدر لدراسة دينه والتنسك هناك، وخلّف أباه لهراسف فى مدينة بلخ، وقد كبرت سنه وهرم وعجز.
قال: فاتصل هذا الخبر بخرزاسف ملك الترك، فجمع من الجنود ما لا يحصى كثرة، وشخص من بلاده نحو بلخ حتى [إذا «3» ] انتهى الى تخوم ملك فارس قدّم أمامه
(15/161)

جوهرمز «1» أخيه، وكان مرشحا للملك، فى جماعة كثيرة من المقاتلة، وأمرهم أن يغذّوا السير حتى يتوسطوا المملكة، ثم يوقعوا بأهلها ويشنوا الغارة على المدن والقرى.
ففعل جوهر مز ذلك وسفك الدماء واستباح الحرم، وسبى ما لا يحصى، وأتبعه خرزاسف ملك الترك حتى انتهى الى مدينة بلخ، فأحرق الدواوين وقتل لهراسف والهرابذة، وهدم بيوت النيران، واستولى على الأموال والكنوز، وسبى ابنتين لبشتاسف وأخذ درفس كابيان، وسار فى طلب بشتاسف فتحصن منه فى جبل طميدر؛ فعند ذلك ندم بشتاسف على ما كان منه فى حق ابنه إسفنديار؛ فيقال:
إنه وجه من استخرجه من محبسه، وجاءه به؛ فلما دخل عليه اعتذر منه ووعده عقد التاج على رأسه، وأن يفعل معه كما فعل لهراسف به. وقلده أمر عساكره وندبه لحرب ملك الترك. فطابت نفس إسفنديار بكلام أبيه له، وتأهب لوقته، وسار بالجنود صبيحة النهار نحو الترك. فلما قرب منهم تبادروا لحربه؛ فكان ممن خرج اليه منهم جوهر مزواندرمان، فالتقوا والتحمت بينهم الحرب، فانقضّ إسفنديار على عساكر الترك بنفسه واختلط بهم، وقاتل حتى ثلم فيهم ثلمة عظيمة، وفشا فى الترك أن إسفنديار قد أطلق من محبسه، وأنه هو الذى يقاتلهم، فانهزموا لا يلوون على شىء. واسترجع إسفنديار من الترك الدّرفس وعاد الى أبيه، فاستبشر وأمره باتّباع القوم وقتال خرزاسف وقتله- إن ظفر به- بجدّه لهراسف، وقتل جوهر مز واندرمان بمن قتل من ولده، وأن يهدم حصون الترك ويحرّق مدنهم ويقتل أهلها بمن قتلوا من أهل بلاده، ويستنقذ من سبوه من بناته. فدخل إسفنديار بلاد الترك ورام ما لم يرمه أحد قبله، واعترض العنقاء ورماها على ما يزعم الفرس، ودخل مدينة الصفر عنوة، وقتل ملكها وأخوته ومقاتلته، واستباح
(15/162)

أمواله وسبى ذراريه ونساءه واستنقذ أختيه، وكتب بالفتح الى أبيه. ولم يستقل إسفنديار هذا بالملك.
والذى ملك الفرس بعد بشتاسف أردشير «1» بهمن بن إسفنديار بن بشتاسف. وتفسير بهمن بالعربية: الحسن النيّة.
قال: ولما ملك أردشير انبسطت يده وتناول الممالك حتى ملك الأقاليم.
وكانت ملوك الأرض تحمل اليه الإتاوة، وابتنى بالسواد مدينة وهى المعروفة بهمينيا «2» ، وهو أبو دارا الأكبر، وأبو ساسان. قال: وكان بهمن كريما متواضعا. وكانت تخرج كتبه: من أردشير بهمن عبد الله وخادم الله والسائس لأمركم. ويقال:
إنه غزا رومية الداخلة فى ألف ألف مقاتل. ومن المؤرخين من ذهب الى أن بهمن هذا هو الذى جهّز بختنّصر لغز والعرب وغيرهم. وكانت مدّة ملك أردشير [مائة «3»
و] اثنتى عشرة سنة.
ولما مات ملكت بعده ابنته جماز هرازاد، وهى جمانى «4» أمّ ابنه دارا. قال:
وكانت قد حملت منه بدارا الأكبر وسألته أن يعقد التاج للذى فى بطنها ويؤثره بالملك، ففعل أردشير ذلك. وكان ابنه ساسان يتصنع للملك ولا يشكّ أنه يكون هو الملك بعد أبيه. فلما رأى ما فعل أبوه شقّ ذلك عليه، فلحق بإصطخر وتزهّد، وخرج عن حلية الملوك، واتخذ غنيمة وكان يتولّاها بنفسه، فاستشنع «5» الناس ذلك
(15/163)

من فعله وقالوا: صار ساسان راعيا، ولم تزل جمانى قائمة بأمر الملك، ضابطة له، وأغزت الروم جيشا [بعد «1» جيش] وأوتيت ظفرا، فقمعت الأعداء وشغلتهم عن التطرّق الى شىء من بلادها، ونال رعيّتها بتدبيرها رفاهية وأمن الى أن كبر ابنها.
فملك دارا بن أردشير بهمن. قال: ولما كبر حوّل التاج الى رأسه ونزل بابل. وكان ضابطا لملكه، قاهرا لمن حوله من الملوك، يؤدون اليه الخراج.
وابتنى بفارس مدينة وسماها دارا بجرد. ورتّب دوابّ البريد. وكانت مدّة ملكه اثنتى عشرة سنة.
وملك بعده ابنه دارا بن دارا بن أردشير؛ وكان دارا هذا حقودا جبارا، فملّه قومه. وغزاه الإسكندر بن فيلبس اليونانى، والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فقتل دارا بن دارا. وسنذكر خبر مقتله فى أخبار الإسكندر.
فهؤلاء ملوك الفرس الأول. ثم تبدّد ملك الفرس وانتثر لقتل دارا بن دارا، واستقل الإسكندر بالملك. وملك بعده من نذكره من ملوك اليونان، وتفرّق ملك الفرس أربعمائة سنة الى أن عاد الى بنى ساسان. وهأنا ذاكر خبر ملوك الطوائف ما بين دارا بن دارا وأردشير بن بابك.
ذكر أخبار ملوك الطوائف
وملوك الطوائف هم الذين ملكوا بلاد فارس ما بين دارا بن دارا وأردشير ابن بابك الذى جمع ملك الفرس بعد تبدّده، ونظمه بعد انتثاره. وكان من خبرهم أن الإسكندر لما قتل دارا بن دارا وغلب على بلاد الفرس هم بقتل أكابرهم، فكتب الى معلّمه أرسطا طاليس يستشيره فى ذلك، فنهاه عن قتلهم وقال: هذا
(15/164)

من الفساد فى الأرض، وإذا قتلتهم أنبتت أرض بابل امثالهم؛ وأشار عليه أن يفرّق المملكة بين أولاد الملوك، فإنهم يتنافسون الملك فلا يجتمعون على ملك واحد منهم، فمتى خالفك واحد كانت مؤنته عليك خفيفة؛ ففعل ذلك، وفرّق الملك حتى أمكنه أن يتجاوز أرض فارس الى بلاد الهند والصين. فكانت ملوك الطوائف فى إقليم بابل لا يدين بعضهم الى بعض.
فكان من ملوكهم الذين ملكهم الإسكندر: أشك بن دارا الأكبر؛ فقوى أشك هذا وعظّمته الملوك وقدّموه على أنفسهم، وبدأوا به فى كتبهم إليه إجلالا له، وبدأ فى كتبه اليهم بنفسه، وسمّوه ملكا، وأهدوا اليه من غير أن يطيعوه أو يستعمل أحدا منهم أو يعزله، وكثرت جموعه وسار الى أنطيخس، وكان مقيما بسواد العراق من قبل الروم، وتقدّم أنطيخس اليه والتقيا ببلاد الموصل واقتتلا فقتل انطيخس، وغلب أشك على السواد، وصار فى يده من الموصل الى الرىّ وأصفهان، ولذلك عظّمته ملوك الطوائف.
ثم ملك جوذرز بن أشكان. وهو الذى غزا بنى إسرائيل المرة الثانية؛ وذلك بعد قتلهم يحيى بن زكرياء عليهما السلام، فسلطه الله تعالى عليهم فأكثر فيهم القتل فلم يعد لهم جماعة بعد ذلك، ورفع الله عنهم النبوّة وأنزل بهم الذل.
وكان من سنّة الفرس بعد الإسكندر أن يخضعوا لمن ملك بلاد الجبل، وهم الأشغانية؛ فأوّلهم أشك بن أشكان، ثم سابور بن أشكان، وفى أيامه ظهر المسيح عيسى بن مريم عليه السلام بأرض فلسطين. ثم ملك جوذرز بن أشغانان الأكبر.
ثم ملك بيزن الأشغانى. ثم ملك جوذرز الأشغانى. ثم نرسى الأشغانى. ثم هرمز.
ثم أردوان الأشغانى. ثم كسرى الأشغانى. ثم بلاش الأشغانى. ثم أردوان الأصغر
(15/165)

الأشغانى. ثم اردشير بن بابك. فكانت مدة هؤلاء، الى أن وثب أردشير بن بابك على الأردوان فقتله، مائتين وستا وستين سنة.
وفى أيام ملوك الطوائف اصطلمت «1» طسم وجديس. وسنذكر إن شاء الله خبرهم.
ذكر أخبار الملوك الساسانية
وهم الفرس الأخر. وأوّل من ملك منهم أردشير بن بابك بن ساسان الأصغر.
وكان من أعظم ملوك الطوائف وملوك الأشغانية، فوثب بالأردوان وقتله واستولى على الممالك وقاد الملوك الى طاعته رغبة ورهبة. وكتب الى ملوك الطوائف يدعوهم الى الاجتماع اليه: بسم الله ولىّ الرحمة. من أردشير المستأثر دونه بحقه، المغلوب على ثراث آبائه، الداعى الى قوام دين الله وسنته، المستنصر بالله، الذى وعد المحقّين الفلح «2» ، وجعل لهم العواقب؛ الى من بلغه كتابى هذا من ملوك الطوائف. سلام عليكم بقدر ما تستوجبون بمعرفة الحق، وإنكار الباطل والجور. ودعاهم الى الطاعة: فمنهم من أقرّ له بالطاعة، ومنهم من تربّص حتى قدم عليه، ومنهم من عصاه فكانت عاقبة أمره الى القتل والهلاك؛ حتى استوثق له الأمر. فكانت طائفة الأشكانية ممن امتنعت من طاعة أردشير، فأقسم أنه لا يبقى منهم- إن قدر عليهم- رجلا ولا امرأة. فلما غلب عليهم ما نجا منهم إلا من أخفى اسمه ونسبه. وقد كان أخذ فى جملة من أخذ منهم ابنة ملكهم، وكانت بارعة الجمال، وافرة العقل.
فلما رآها قال لها: أنت من بنات ملوكهم؟ قالت: بل من خدمهم. فاصطفاها لنفسه، فحملت منه. فلما علمت بالحمل شهرت نفسها وقالت: أنا ابنة ملكهم.
(15/166)

فعند ذلك أمر شيخا من رجاله الذين يثق بهم يقال له هرجند «1» [بن سام] بأن يودعها فى بطن الأرض إشارة الى قتلها. فقالت: أيها الشيخ، إننى قد حملت من الملك فلا تبطل زرعه. فعمل لها سربّا تحت الأرض وجعلها فيه، ثم عمد الى مذاكيره فجّبها ووضعها فى حقّ وختم عليه ورجع الى الملك وقال: قد أودعتها بطن الأرض؛ ودفع له الحقّ وقال: إن فيه وديعة وأحب أن يكون عند الملك الى أن أحتاج اليه، فاستودعه الملك؛ وأقامت الجارية فى السّرب حتى كلمت مدّة حملها، فوضعت غلاما فسماه الشيخ: شاه بور، أى ولد الملك؛ فسماه الناس سابور.
وبقى أردشير هذا دهرا لا يولد له، فرآه الشيخ فى بعض الأيام وقد ظهر عليه الحزن، وكان خاصا به، فقال له: ما هذا الحزن سرّك «2» الله أيها الملك وعمرك.
فقال: من أجل أنه ليس لى ولد يرث ملكى. فقال له الشيخ: إن لك عندى ولدا طيبا فادع بالحقّ. وأمر أردشير بإحضاره فأحضر، ففضّ ختمه فإذا فيه مذاكير الشيخ وكتاب فيه: إنه لما أمرنى الملك بقتل المرأة الأشكانية التى علقت من ملك الملوك أردشير لم أر أن أبطل زرع الملك الطيب فأودعتها بطن الأرض كما أمرنى، وتبرأت اليه من نفسى لئلا يجد عائب الى عيبها سبيلا؛ فسرّ أردشير بذلك، وأمر الشيخ أن يجعل الغلام بين مائة غلام من أشباهه فى الهيئة وأقرانه فى السن، ثم يدخلهم عليه، ففعل ذلك، فعرفه أردشير من بينهم وقبلته نفسه، ثم أمرهم أن يلعبوا فى حجرة الإيوان بالصّوالج، فدخلت الأكرة الإيوان، فأحجم الغلمان عن دخولهم وأقدم سابور، فأمر أردشير عند ذلك بعقد التاج له.
(15/167)

وكان أردشير من أهل العقل والمعرفة وحسن التدبير، وله وصايا ومكاتبات صدرت عنه تدل على حكمة ورجاحة عقل. وقد تقدّم إيرادها فى الباب الرابع «1» من القسم الخامس من الفنّ الثانى فى وصايا الملوك. وكانت مدّة ملكه أربع عشرة سنة وستة أشهر.
ثم ملك بعده ابنه سابور بن أردشير؛ والعرب تسميه سابور الجنود. وسابور هذا هو الذى حصر الضّيزن «2» ، وملك حصن الحضر، وهو من مبانى العرب المشهورة. وقد تقدّم ذكره فى الباب «3» الثالث من القسم الخامس من الفنّ الأوّل، وهو فى السفر الأوّل. فلا حاجة الى إعادة ذكره.
وفى أيامه ظهر مانى الزنّديق تلميذ قاردون وقال بالاثنين، فرجع سابور الى مذهب مانى والقول بالنور والبراءة من الظلمة، ثم عاد الى دين المجوسية وترك المانويّة، وهو المسمى عندهم بدين الثّنويّة. وكانت مدّة ملكه ثلاثين سنة.
وقيل إحدى وثلاثين سنة ونصف سنة وثمانية عشر يوما.
ثم ملك بعده ابنه هرمز بن سابور؛ وهو الذى يدعى هرمز البطل، ويلقّب أيضا بالجرىء. وبنى مدينة رامهرمز بين كور الأهواز. وكانت مدة ملكه سنة وعشرة أشهر.
ثم ملك بعده ابنه بهرام بن هرمز. قال: ولما ملك جاءه مانى الزنديق فعرض عليه مذاهب الثنوية فأجابه الى ذلك احتيالا منه عليه، الى أن أحضر له دعاته للتفرقين فى البلاد الذين يدعون الناس الى مذاهب الثنوية. فلما أحضرهم اليه قتلهم وقتل مانى وسلخه.
(15/168)

وفى أيام مانى هذا ظهر اسم الزنادقة الذين أضيفت اليهم الزندقة. وذلك أن الفرس كان لهم كتاب يسمونه السنا، وكان له شرح يسمى الزند. فكان من أتاهم بزيادة على ما فى كتابهم يسمونه زنديا. فلما جاءت العرب أخذت هذا المعنى من الفرس فعربته وقالت زنديق. فالثنوية هم الزنادقة، فألحق هذا الاسم بسائر من اعتقد القدم وأبى حدوث العالم وأنكر البعث.
والذى أتى الفرس بهذا الكتاب زرادشت فى زمن الفرس الأوّل. وقد قدّمنا ذكره فى أخبار بشتاسف. وهذا زرادشت هو الذى تزعم المجوس أنه نبيّها الذى أرسل اليها. وكان زرادشت خادم شعيا فدعا شعيا عليه فبرص. وكان صاحب نيرجات «1» وسحر. وكان يحزر «2» بعض الكوائن قبل أن تقع مما كان قد سمعه من شعيا وقت خدمته له، وادّعى النبوّة فى المجوس وعمل لهم الكتاب الذى قدّمنا ذكره، وزعم أنه أنزل عليه من السماء، وجعل كلامه فيه يدور على نيّف وسبعين حرفا، فلم يقدر أحد منهم على قراءته فاختصره لهم وسمى مختصره الزند.
فلما قام مانى بدين الثنوية سمته المجوس «زندين» وسموا أصحابه الزنادنة لأنه زاد فى شرعهم الذى شرعه لهم زرادشت، فقتل بهرام هذا مانيا وصلبه على باب «3» من أبواب مدينة من مدنه بالعراق؛ فيدعى ذلك الباب الى آخر وقت باب مانى.
وكانت مدة ملك بهرام ثلاثا «4» وثلاثين سنة وثلاثة أشهر.
ثم ملك بعده ابنه بهرام بن بهرام. قال: ولما ملك أقبل فى أوّل ملكه على اللهو والصيد والنّزه، وترك ملكه لا يفكر فيه ولا فى رعيته؛ فخربت البلاد ونقصت
(15/169)

بيوت الأموال. فلما كان فى بعض الأحيان ركب الى بعض متنزهاته وصيده فجنّه الليل وهو يسير نحو المدائن، وكانت ليلة قمراء. فدعا بالموبذ لأمر خطر بباله، والموبذ عند المجوس كالقسيس عند النصارى، فجعل يحادثه فتوسطا فى مسيرهم بين خرابات كانت من أمهات الضياع فخربت فى ملكه، وإذا بوم يصيح وآخر يحاوبه، فقال الملك: أترى أحدا من الناس أعطى فهم ما يقول هذا الطائر؟
فقال الموبذ: أنا أيها الملك ممن خصه الله تعالى بذلك. قال: فما يقول هذا الطائر، وما يقول الآخر؟ فقال الموبذ: هذا يوم ذكر يخاطب بومة أنثى ويقول:
متّعينى من نفسك حتى يخرج من بيننا أولاد يسبحون الله تعالى. فأجابته البومة:
إن الذى دعوتنى اليه هو الحظ الأكبر، والنصيب الأوفر، إلا أننى أشترط عليك شرائط. فقال: وما هى؟ فقالت: أن تقطعنى من خرابات أمهات الديار عشرين قرية مما خربت فى أيام هذا الملك السعيد. فقال له الملك: فما الذى قال الذكر؟
قال الموبذ: كان من قوله لها: إن دامت أيام هذا الملك السعيد أقطعتك منها ألف قرية، فما تصنعين بها؟ قالت: فى اجتماعنا ظهور النسل وكثرة الولد، فنقطع كل واحد من الأولاد ضيعة. فقال الذكر: هذا سهل ما حيى الملك.
فلما سمع الملك هذا الكلام من الموبذ عمل فى نفسه وفكر فيما خوطب به، فنزل من ساعته وخلا بالموبذ وقال له: ما هذا الكلام الذى خاطبتنى به؟ فقد حركت منى ما كان ساكنا. فقال: صادفت من الملك وقت سعد بالعباد والبلاد، فجعلت الكلام مثلا وموقظا على لسان الطائر عند سؤال الملك إياى. فقال له الملك:
أيها الناصح للملك، [المنبه «1» على] ما أغفله من أمور ملكه، وأضاعه من أمور بلاده ورعيته، اكشف لى عن هذا الغرض ما المراد منه. فقال له: أيها الملك! ان الملك
(15/170)

لا يتمّ إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته، ولا قوام للشريعة إلا بالملك، ولا عزّ للملك إلا بالرجال، ولا قيام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل للمال إلا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل، والعدل هو الميزان المنصوب بين البرية، نصبه الربّ وجعل له قيّما وهو الملك.
قال: أما ما وصفت فحّق، فأبن لى عما اليه تقصد، وأوضح لى فى البيان.
قال: نعم أيها الملك! عمدت الى الضياع فأقطعتها الخدم وأهل البطالة فعمدوا الى ما تعجل من غلاتها فاستعجلوا المنفعة وتركوا العمارة والنظر فى العواقب وما يصلح الضياع، وسومحوا فى الخراج لقربهم من الملك. ووقع الحيف على الرعية وعمّار الضياع فانجلوا عن ضياعهم، وقلّت الأموال، وهلكت الجند والرعية، وطمع فى ملك فارس من طمع فيه من الملوك والأمم، لعلمهم بانقطاع المواد التى بها تستقيم دعائم الملك. فلما سمع الملك ذلك أقام فى موضعه ثلاثة أيام، وأحضر الوزراء والكتاب وأرباب الدواوين، فانتزعت الضياع من أيدى الخاصة والحاشية وردّت إلى أربابها، وحملوا على رسومهم السالفة، وأخذوا بالعمارة، وقوى من ضعف منهم، وعمرت البلاد، وكثرت الأموال، وقويت الجند، وانتظم ملكه حتى كانت أيامه تدعى بالأعياد، لما عمّ الناس من الخصب، وشملهم من العدل. وكان ملكه سبع عشرة سنة.
ثم ملك ابنه بهرام بن بهرام بن بهرام البطل، وكان يدعى شكان شاه، وهو الذى يقال له شاهنشاه «1» . فكان ملكه أربعين «2» سنة وأربعة أشهر.
ثم ملك بعده أخوه نرسى بن بهرام الثانى فكان ملكه تسع سنين. وقيل سبع سنين وخمسة أشهر.
(15/171)

ثم ملك بعده ابنه هرمز بن نرسى. قال: وكان فظا إلا أنه كان يرفق بالرعية، وكان حسن السيرة فيهم. وكان ملكه سبع سنين وخمسة أشهر.
ثم ملك بعده ابنه سابور بن هرمز؛ وهو الملقب بذى الأكتاف. وكان هرمز قد تركه حملا فى بطن أمه، فعقدوا التاج على بطنها، وقام الوزراء بتدبير الأمر مدّة حملها، وفى مدّة رضاع سابور وطفولته وصغره حتى كبر؛ فكتب إليه الناس الكتب من الآفاق وأجابهم، ووجه البريد إلى الآفاق والأطراف، ورتّب الوزراء والكتاب وقرّر العمال.
قال: وكان قد شاع فى الممالك أن ملك الفرس صغير السنّ، وأنه يتدبّر برأى وزرائه، ولا يدرى ما يراد منه، ولا ما يكون من الأمر، فطمع فى مملكة الفرس الترك والروم والعرب. وكانت أدنى بلاد الأعداء إلى الفرس بلاد العرب. وكانت العرب من أحوج الأمم إلى تناول شىء من المعايش لسوء حالهم وشظف عيشهم، فانبسطت أيديهم فى البلاد وغلبوا أهلها عليها واتسعت حالهم وكثرت مواشيهم، وأفسدوا فى بلاد فارس، ومكثوا كذلك حينا، وقد أمنوا جانب الفرس واطمأنّوا من قتالهم لقلة هيبتهم. وكان الذى غلب على سواد العراق من العرب جمرة العرب ولد إياد بن نزار. وكان يقال لها طبق لإطباقها على البلاد، وملكها يومئذ الحارث بن الأغر الإيادى. قال: ولما ترعرع سابور جعل الوزراء يعرضون عليه أمر الجنود الذين فى الثغور، وأن الأخبار وردت عليهم أن أكثرهم قد أخلّ، وعظّموا عليه الأمر وهوّلوه، فقال لهم: لا يهولنّكم ذلك، فالخطب فيه غير جسيم، والحيلة فى ذلك يسيرة. وأمر الكتّاب أن يكتبوا الى أولئك الجنود أنه قد انتهى إلىّ طول مكثكم فى النواحى التى أنتم فيها، وعظم عنائكم وذبّكم عن إخوانكم وأوليائكم، فمن أحب منكم الانصراف الى أهله فلينصرف مأذونا له فى ذلك،
(15/172)

ومن أحبّ أن يستكمل الفضل بالصبر فى موضعه عرفنا له ذلك؛ وتقدّم الى من اختار الانصراف منهم بلزوم أهله وبلاده الى وقت الحاجة إليه. فلما سمع الوزراء قوله ورأيه استحسنوه وقالوا: لو كان هذا قد أطال تجربة الأمور وسياسة الجنود مازاد على ما سمعناه. ثم تتابعت آراؤه فى تقويم أصحابه وقمع أعدائه؛ حتى إذا تمت له ستّ عشرة سنة جمع أساورته وأمرهم بالاستعداد لقتال العرب. وكانت إياد تصيف بالجزيرة وتشتو بالعراق. وكان فى جيش سابور رجل منهم يقال له لقيط «1» ، فكتب الى إياد شعرا ينذرهم وهو:
سلام فى الصحيفة من لقيط ... الى من بالجزيرة من إياد
بأن الليث آتيكم دليفا «2» ... فلا يحبسكم سوق النّقاد
أتاكم منهم سبعون ألفا «3» ... يزجّون الكتائب كالجراد
(15/173)

فلم يعبئوا بكتابه، وسراياهم تكرّنحو العراق وتغير على السواد. فلما تجهّز القوم نحوهم ظفربهم سابور فعمّهم بالقتل، وما أفلت منهم إلا نفر لحقوا بأرض وبار «1» ، وخلع سابور أكتاف كثير منهم، فلذلك سمّى ذا الأكتاف. وكان سابور فى مسيره أتى البحرين وفيها بنو تميم فهربوا، وشيخها يومئذ عمرو بن تميم بن مرة وعمره ثلاثمائة سنة، وكان يعلّق فى عمود البيت فى قفّة، فأرادوا حمله فأبى عليهم إلا أن يتركوه فى ديارهم وقال لهم: أنا هالك اليوم أو غدا فتركوه. فلما صبحت خيل سابور الديار لقوها خالية، فلما سمع عمرو صهيل الخيل جعل يصيح بصوت ضعيف، فحمل إلى سابور، فلما نظر إلى دلائل الهرم ومرور الأيام عليه قال له: من أنت أيها الفانى؟ قال: أنا عمرو بن تميم بن مرة، قد بلغت من الكبر ما ترى، وقد هرب الناس منك لإسرافك فى القتل، فآثرت الفناء على يديك ليبقى من بقى من قومى، ولعل الله يجرى على يديك فرجهم، وأنا سائلك عن أمر إن أذنت فيه؛ فقال سابور:
أقتلهم لما ارتكبوا فى بلادى وأهل مملكتى؛ فقال عمرو: فعلوا ذلك ولست بقيّم عليهم؛ فلما ملكت وقفوا عما كانوا عليه من الفساد هيبة لك؛ قال سابور: وأقتلهم لأنا نجد فى مخزون علمنا وما سلف من أنباء أوائلنا أن العرب ستدال علينا. فقال عمرو: هذا أمر تظنه أم تتحققه؟ قال: بل أتحققه ولا بدّ أن يكون؛ فقال عمرو: فلم تسئ إليها؟ والله لئن تبقى عليها وتحسن إليها ليكافئون قومك عند إدالة الدوله إليهم بإحسانك، وإن أنت طالت بك المدّة كافئوك عند مصير الأمر إليهم إن كان حقا، وإن كان باطلا فلم تتعجل الإثم وتسفك دماء رعيتك؟ فقال
(15/174)

سابور: الأمر صحيح والحقّ ما قلت، ولقد صدقت فى القول ونصحت.
فنادى منادى سابور بأمان الناس ورفع السيف. ويقال: إن عمرا بقى بعد هذا الوقت ثمانين سنة.
ثم سار سابور إلى أرض الروم ففتح المدن وقتل خلائق من الروم وقال لمن معه: إنى أريد أن أدخل بلاد الروم متنكرا لأتعرّف أحوالهم وسيرهم ومسالك «1» بلادهم، فإذا بلغت من ذلك حاجتى انصرفت الى بلدى فسرت إليهم بالجنود؛ فحذّروه التغرير بنفسه فلم يقبل قولهم. وسار متنكرا الى أرض القسطنطينية فصادف وليمة لقيصر اجتمع فيها الخاص والعامّ، فدخل فى جملتهم وجلس على بعض موائدهم، وقد كان قيصر أمر مصوّرا أتى عسكر سابور فصوّره وجاء الى قيصر بالصورة، فأمر بها فصوّرت على آنية الشراب من الذهب والفضة، وأتى بعض من كان على المائدة التى عليها سابور بكأس، فنظر بعض الخدم الى الصورة التى على الكأس، وسابور مقابل له، فانطبعت مثالا لصورة سابور، فقام الى الملك فأخبره، فمثل بين يدى الملك، فسأله عن خبره فقال: أنا من أساورة سابور وهربت منه لأمر خفته منه. فلم يقبل ذلك منه، وقدّم إلى «2» السيف فأقرّ بنفسه، فجعل فى جلد بقرة، وسار قيصر فى جنود حتى توسط العراق، فافتتح المدن، وشنّ الغارات، وعقر النخل، وانتهى الى مدينة نيسابور، وقد تحصن بها وجوه فارس، فنزل عليها وحضر عيدا للنصارى فأغفل الموكّلون بسابور أمره، وأخذ منهم الشراب، وكان بالقرب من سابور أسارى من الفرس، فراطنهم بالفارسية أن يحلّ بعضهم بعضا، وأمرهم أن يصبّوا عليه زقاق «3» الزيت ففعلوا، فلان عليه
(15/175)

الجلد وتخلص، وأتى المدينة فراطنهم فرفعوه بالحبال، ففتح خزائن السلاح وخرج على الروم فكبس جيشهم عند ضرب النواقيس، فانهزم الروم، وأتى بقيصر أسيرا، فأبقى عليه وضمّ إليه من أسر من أصحابه، وأخذهم بغرس الزيتون بالعراق بدلا من النخل التى عقروها؛ ولم يكن الزيتون بالعراق قبل ذلك. وفى فعل سابور ودخوله الى أرض الروم يقول بعض شعراء الفرس:
وكان سابور صفوا فى أرومته ... اختير منها فأضحى خير مختار
إذ كان بالروم جاسوسا يجول بها ... حوم المنيّة «1» من ذى كيد مكّار
فاستأسروه، وكانت كبوة عجبا ... وزلّة سبقت من غير عثّار
وأصبح الملك الرومىّ مغتربا ... أرض العراق على هول وأخطار
فراطن الفرس بالأبواب فافترقوا ... كما تجاوب أسد الغاب «2» بالغار
فجذّ بالسيف أصل الروم فامتحقوا ... لله درّك من طلّاب أوتار
إذ يغرسون من الزيتون ما عضدوا ... من النخيل وما حفّوا بمنشار
وسابور هذا هو الذى بنى الإيوان المعروف بإيوان كسرى، وبنى السّوس «3» والكرج «4» ونيسابور «5» . قال صاحب كتاب تجارب الأمم: وبنى بالسواد مدينة نرجس سابور، وبنى الأنبار «6» . قال: وبنى مدائن أخر بالسند وسجستان، ونقل
(15/176)

طبيبا من الهند وأسكنه السوس، فورث طبّه أهل السوس. وهلك سابور بعد اثنتين وسبعين سنة من ملكه.
ثم ملك بعده أردشير بن هرمز وهو أخو سابور بن هرمز هذا. قال:
ولما ملك ظهر منه شرّ كثير وقتل من العظماء وذوى الرياسة خلقا كثيرا، فاجتمع الناس على خلعه فخلعوه بعد أن ملك أربع سنين.
ثم ملّكوا عليهم بعده سابور بن سابور. قال: ولما ملك استبشرت الرعية برجوع ملك أبيه إليه، فأحسن السيرة ورفق بالرعيّة. وكانت له حروب كثيرة مع إياد بن نزار وغيرها [من العرب «1» ] ، وفيه يقول شاعر إيادىّ:
على رغم سابور بن سابور أصبحت ... قباب إياد حولها الخيل والنّعم
وكان ملكه خمس سنين وأربعة أشهر، وسقط عليه فسطاط كان ضرب عليه فمات.
وملك بعده أخوه بهرام بن سابور ذى الأكتاف، وهو الملّقب كرمان شاه؛ لأن سابور كان ولّاه كرمان. قال: وكان حسن السيرة، جميل السياسة، محمود الأثر، محبّبا للرعية. وكان ملكه عشر سنين. وقيل إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما.
وملك بعده ابنه يزدجرد بن بهرام المعروف بالأثيم. قال: وكان فظّا غليظا، ذا عيوب كثيرة، وكان من أشدّ عيوبه وضعه ما آتاه الله من ذكاء ذهن وحسن أدب فى غير موضعهما؛ وذلك أنه كان كثير الرّويّة فى المضارّ من الأمور، واستعمل الذى أوتيه فى الدهاء والحيل، واستخف بكل علم كان عند الناس، واحتقر آدابهم، وتعاظم عليهم واستطال بما عنده. وكان معجبا بنفسه سيىء الخلق، حتى بلغ من شدته وحدّته أنه كان يستعظم صغار الزلات، ولا يرضى فى عقوبتها إلا بما لا يستطاع.
(15/177)

وكان لا يقدر أحد من بطانته- وإن كان لطيف المنزلة منه- أن يشفع عنده لمن ابتلى به وإن كان ذنب المبتلى به يسيرا، ولم يكن يأتمن أحدا على شىء ألبتّة، ولا يكافئ على حسن البلاء. وكان يعتدّ بالخسيس من المعروف اذا أولاه ويستجزل ذلك، فإن جسر على كلامه أحد فى أمر قال له: ما قدر جعالتك فى هذا الأمر الذى كلمتنا فيه، وما الذى بذل لك بسببه؟ وما أشبه ذلك. فلما اشتدت بليّة الناس به، وكثرت إهانته للعظماء، وأكثر من سفك الدماء، واستعمل الضعفاء فى الأعمال الشاقّة، وحمّلهم ما لا طاقة لهم به، تضرّعوا الى الله عز وجل وسألوه أن ينقذهم منه. فزعم الفرس أنه كان ذات يوم مطلعا من قصره إذ رأى فرسا عائرا لم ير مثله قط فى الخيل من حسن الصورة وتمام الخلقة حتى وقف على بابه، فتعجب الناس من ذلك، فأمر يزدجرد أن يسرج ويلجم ويدخل عليه به، فحاول السوّاس وأصحاب المراكيب أن يلجموه أو يسرجوه فعجزوا عن ذلك، ولا مكّنهم الفرس من نفسه، فخرج يزدجرد بنفسه الى الفرس وتقدم اليه وأسرجه وألجمه ولبّبه وهو لم يتحرّك، فلما استدار ورفع ذنبه ليثفره «1» رمحه الفرس على فؤاده رمحة فهلك منها لساعته، ثم لم يعاين الفرس بعد ذلك؛ فأكثرت الفرس فى حديثه فظنّوا الظنون. وكان أحسنهم مذهبا وأمثلهم طريقة من قال: إنما استجاب الله عز وجل دعاءنا. فكان ملكه الى أن هلك إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما. وقيل اثنتين وعشرين سنة غير شهرين.
قال: وكان ابنه بهرام جور فى حجر النعمان بن المنذر بن ماء السماء أسلمه أبوه اليه ليرّبيه بالحيرة لصحة هوائها. وقد تقدّم خبره فى ذكر بناء الخورنق «2» والسدير.
(15/178)

فعدل الفرس عنه لسوء أثر يزدجرد فيهم وملّكوا عليهم كسرى، وهو رجل من عترة ساسان، فاستعان بهرام جور بالعرب وأرسل الى الفرس وأعلمهم إنكاره سيرة أبيه، ووعدهم بإصلاح ما فسد، وأنه إن مضى لملكه سنة ولم يف لهم بما بذل تبّرأ من الملك طائعا، فمال اليه قوم وبقيت طائفة مع كسرى، فتراضوا أن يوضع تاج الملك بين أسدين مشبلين فمن تناوله فهو الملك. وكان بهرام جور شجاعا بطلا، فلما وقف هو وكسرى الى جانب الأسدين هابهما كسرى، فوثب بهرام جور فإذا هو على ظهر الأسد وعصر جنبيه بفخذيه، فلما تمكّن منه قبض على أذنيه، ولم يزل يضرب رأس الأسد برأس الآخر حتى قتلهما. فكان كسرى أوّل من هتف به وأذعن له.
فملك بهرام جور بن يزدجرد؛ فأحسن السيرة، وجلس سبعة أيام متوالية للجند والرعيّة، يعدهم الخير من نفسه ويحضّهم على تقوى الله وطاعته. وكان جلوسه على سرير الملك وهو ابن عشرين سنة، فغبر زمانا وهو يحسن السيرة، ويعمر البلاد، ويدرّ الأرزاق، ثم آثر اللهو على ذلك وكثرت خلواته بأصحاب الملاهى حتى كثرت عليه الملامة من أرباب دولته، وطمع من حوله من الملوك فى استباحة بلاده والغلبة على ملكه. وكان أوّل من سبق الى مغالبته ومكاثرته خاقان ملك الترك، وغزاه فى مائتى ألف وخمسين ألفا من الأتراك، فبلغ الفرس إقبال الترك فى هذه الجموع العظيمة فهالهم ذلك، ودخل على بهرام جور جماعة من عظماء الفرس وأهل الرأى والنجدة وقالوا: أيها الملك، قد أرهقك من بائقة «1» عدوّك ما يشغلك عما أنت فيه من اللهو والتلذذ، فتأهّب له لئلا يلحقك منه أمر يلزمك فيه مسبّة وعار. وكان بهرام لثقته بنفسه ورأيه يجيب القوم بأن يقول: الله ربنا قوىّ ونحن أولياؤه. ثم يقبل على ما هو عليه من اللهو والصيد.
(15/179)

قال: ثم أظهر بهرام جور التجهز الى أذربيجان ليتنسّك فى بيت نارها، ويتوجه منها الى أرمينية ويتصيد فى آجامها، وسار فى سبعة رهط من عظماء الفرس وأهل البيوتات، وثلاثمائة رجل من رابطته ذوى بأس وشدّة ونجدة، واستخلف أخاله يقال له نرسى على ملكه، فما شك الناس- لما بلغهم ذلك- أنه هرب من خاقان، فتآمر الفرس فى مراسلة خاقان والانقياد الى طاعته والإقرار له بالخراج؛ مخافة منه أن يستبيح بلادهم، فاتصل هذا الخبر بخاقان فاطمأنّ وترك التحفظ والاستعداد وآثر المسالمة. وتعرّف بهرام خبر خاقان وحال جنده وما هم عليه من الطمأنينة والفتور وعدم الاستعداد، فسار بمن معه وبيّت خاقان وقتله بيده. فلما علم الأتراك أن ملكهم خاقان قد قتل انهزموا لا يلوون على شىء وخلّفوا أثقالهم وأموالهم. فأكثر بهرام فيهم القتل وأمعن فى طلبهم، وحاز غنائم لم يسمع بمثلها، وسبى من ذرّيتهم كثيرا.
وكان مما غنمه تاج خاقان وإكليله، وغلب على بلاد الترك وانصرف بالظفر والغنائم، وكتب الى أهل مملكته يعلمهم بما حصل له من الظفر بخاقان وجموعه بمن كان معه من أولئك القوم الذين استصحبهم معه.
وكان بهرام يتكلّم بلغات كثيرة، منها اللغة العربية. ومما حفظ من شعره يوم ظفره بخاقان:
أقول له لما فضضت جموعه ... : كأنك لم تسمع بصولات بهرام
وأنّى حامى ملك فارس كلّها ... وما خير ملك لا يكون له حامى
ومن شعره أيضا:
لقد علم الأنام بكل أرض ... بأنّهم قد اضحوا لى عبيدا
ملكت ملوكهم وقهرت منهم ... عزيزهم المسوّد والمسودا
(15/180)

فتلك أسودهم تبغى «1» حذارى ... وترهب من مخافتى الورودا
وكنت إذا تشاوس «2» ملك أرض ... عبأت له الكتائب والجنودا
فيعطينى المقادة أو أوافى ... به يشكو السلاسل والقيودا
قال: ولما قتل خاقان بعث بهرام جور أحد قوّاده إلى ما وراء النهر فغزاهم وأقرّوا لبهرام بالعبودية وأداء الجزية. قال: وأسقط بهرام جور عن رعيته إثر هذا الظفر خراج ثلاث سنين، وترك ما كان قد بقى من الخراج ولم يستخرج من قسط تلك السنة، وكان سبعين ألف ألف درهم، وقسم فى الفقراء ما لا عظيما وفى أهل البيوتات والأحساب عشرين ألف ألف درهم؛ ونحل بيت النار بأذربيجان جميع ما غنمه من الترك من اليواقيت والجواهر والتاج والإكليل.
ويقال إن بهرام دخل إلى أرض الهند متنكرا فمكث حينا لا يعرف حتى بلغه أن فيلا قد هاج وقطع السّبل وأهلك الناس، فسألهم أن يدلوه عليه، فرفع أمره إلى الملك فأرسل معه رسولا، فلما انتهى إليه أوفى «3» الرسول على شجرة لينظر ما يصنع بهرام مع الفيل، فصرخ بالفيل فخرج اليه، فجعل يرميه ويثبّت النّشّاب بين عينيه، ثم دنا وأخذ بمشفره وجذبه جذبة خرّمنها الفيل، ثم احتز رأسه وأقبل به إلى الملك فحباه وأحسن اليه.
ثم إن ملكا من أعداء ذلك الملك أقبل لغزوه فجزع ذلك الملك من كثرة جنود الملك الذى أتى نحوه، فقال له بهرام: لا يهولنّك أيها الملك أمره؛ فركب بهرام وقال لأساورة الهند: احموا ظهرى، وانظروا إلى عملى، وكانوا لا يحسنون الرمى، وأكثرهم رجالة، فحمل عليهم حملة هدّهم بها، ثم جعل يضرب الرجل فيقطعه
(15/181)

نصفين، ويأتى الفيل فيضرب مشفره ويكبّه ويأخذ من عليه فيقتله، ويأخذ الفارس فيذبحه على قربوس سرجه، ويتناول الرجلين فيضرب أحدهما بالاخر فيموتان جميعا، ويرمى فلا تقع له نشابة إلا فى رجل، فولّوا أمامه منهزمين، وحمل الذين كانوا يحرسون ظهره عليهم فأكثروا القتل فيهم، فزوّجه ملك الهند بنته ونحله الدّيبل «1» ومكران وما يليهما من أرض السند وأشهد له بذلك، وانصرف بهرام جور إلى مملكته وضمّ ذلك إلى بلاده وحمل خراجها إليه، ثم أغزى بهرام جور أخاه نرسى إلى بلاد الروم فى أربعين ألفا فدخل القسطنطنية وهادن ملك الروم على إتاوة يحملها إلى أخيه. ثم مضى بهرام جور إلى أرض السودان على طريق اليمن فأوقع بهم وعاد إلى مملكته وهلك بعد ذلك فى ماء. وذلك أنه توجه إلى الصيد فشدّ على عير وأمعن فى طلبه، فارتطم فى ماء فى سبخة فغرق فيه، فسارت أمه إلى ذلك الموضع بمال عظيم ونزلت بالقرب منه، وأمرت بإنفاق تلك الأموال على من يخرجه، فنقلوا طينا عظيما وحمأة كثيرة حتى صار من ذلك آكاما عظاما ولم يقدروا على [استنقاذ «2» ] جثته. وكان ملكه ثلاثا وعشرين سنة.
وحكى عنه فى صغره ما يدلّ على نباهته، وجودة فكرته وجميل رأيه. فمن ذلك أنه قال للنعمان بن المنذر لما بلغ عمره خمس سنين: أحضر لى مؤدّبين ليعلّمونى الكتابة والفقه والرمى والفروسية. فقال له المنذر: إنك بعد صغير السنّ، ولم يأن لك ذلك بعد. فقال له بهرام: أما تعلم أيها الرجل أنى من ولد الملوك، وأن الملك
(15/182)

صائر إلىّ، وأولى ما كلّف به الملوك وطلبوه صالح العلم؛ لأنه زين لهم وركن، وبه يعرفون. أما تعلم أن كل ما يتقدّم فى طلبه، ينال فى وقته، وما لم يتقدّم فيه ويطلب فى وقته، ينال فى غير وقته، وما يفرّط فيه وفى طلبه يفوت ولا ينال؟
عجّل علىّ بما سألتك. فبعث المنذر من ساعته إلى باب الملك من أتاه برهط من المعلمين الفقهاء والرماة، وجمع له حكماء الروم وفارس وغيرهم، وألزمهم إياه، ووقّت أوقاتا لكل منهم؛ فتعلّم بهرام من كل علم أحسنه، وسمع الحكمة ووعى ما سمع منها، وثقف كلّ ما علم بأيسر شىء، وبلغ أربع عشرة سنة، وقد فاق معلّميه، وحفظ للنعمان حقّ التربية، فملّكه على العرب لمّا صار الملك إليه.
ولما هلك بهرام جور ملك بعده ابنه يزدجرد بن بهرام جور؛ فسار بسيرة أبيه؛ ولم يزل قامعا لعدوّه، كثير الرفق برعيته. وكان له ابنان أحدهما يسمّى هرمز، والآخر فيروز. ودام ملك يزدجرد تسع عشرة سنة، وقيل ثمانى عشرة سنة وأربعة أشهر وثمانية عشر يوما ثم هلك.
فتغلّب على الملك بعده ابنه هرمز بن يزدجرد. ولما ملك هرمز هرب منه فيروز ولحق ببلاد الهياطلة «1» ، وأخبر ملكها بقصته وقصة أخيه هرمز، وذكر أنه أحقّ منه بالملك، وسأله أن يمدّه بجيش يقاتل به أخاه، فأبى عليه ملك الهياطلة وقال:
سأعلم خبره ثم آمرك بعد ذلك بما تفعل. وكشف ملك الهياطلة عن خبر هرمز وتعرّف أحواله فبلغه أنه غشوم ظلوم؛ فقال عند ذلك: إن الجور لا يرضاه الله تعالى، ولا يصلح عليه الملك، ولا تقوم به سياسته؛ وأمدّ فيروز بالعساكر ودفع له الطالقان «2» ؛ فأقبل فيروز من عنده بجيش طخارستان وطوائف خراسان، فظفر بأخيه فحبسه.
(15/183)

وملك فيروز بن يزدجرد. ولما ملك أظهر العدل وحسن السيرة، وكان يتديّن إلا أنه كان مشئوما على رعيته، فقحط الناس فى زمانه سبع سنين، فأحسن فيها الى الناس، وقسم ما فى بيوت الأموال. ويقال: إن الأنهار غارت فى مدّة القحط، وكذلك القنى والعيون، وقحلت الأشجار والغياض، وهلكت الوحوش والطير، وجاعت الدوابّ حتى كادت لا تطيق الحمولة، وعمّ أهل البلاد الجهد والمجاعة، فبلغ من حسن سياسة فيروز لهذا الأمر أن كتب الى جميع الرعية: أنه لا خراج عليكم ولا جزية ولا سخرة، وأنه قد ملّكهم أنفسهم، وأمرهم بالسعى فيما يقوتهم ويصلحهم، وكتب بإخراج ما فى المطامير من الأطعمة وقسمها فى الناس، وترك الاستئثار عنهم وتساوى بهم، وأخبر أهل الغنى والشرف، بكل مدينة وقرية، أنه إن بلغه أن إنسانا مات جوعا عاقب أهل تلك المدينة أو الجهة التى يموت بها، وينكّل بهم أشدّ النكال. فقيل إنه لم يهلك فى هذا القحط والمجاعة من رعيته إلا رجل واحد من رستاق «1» .
قال: ثم أغاثه الله فأمطرت السماء، وجرت الأنهار ونبعت العيون، وصلحت الأشجار، وسمنت المواشى؛ فاستوثق له الملك، وأخذ فى غزو أعدائه وقهرهم. وبنى مدنا إحداها بين جرجان [وباب «2» صول] وأخرى بناحية آذربيجان.
ثم سار بجنوده نحو خراسان لقصد حرب أخشنوار «3» ملك الهياطلة لأشياء كانت فى نفسه، ولأن الهياطلة كانوا يأتون الذّكران ويركبون الفواحش فسار اليهم؛ فلما
(15/184)

بلغ أخشنوار ملك الهياطلة خبره خافه واشتدّ رعبه منه، وعلم أنه لا طاقة له به، وأن جيشه يضعف عن مقابلة الجيوش التى أقبل بها فيروز فحار فى أمره؛ فتقدّم اليه رجل كبير السنّ من أهل بلاده وقال: أنا أفدى الملك وأهل مملكته بنفسى، فليأمر الملك بقطع يدىّ ورجلىّ ويؤثر فى جسدى آثار العقوبة بضرب السياط، ويلقنى فى الطريق التى يمرّ فيروز بها، ويحسن إلى ولدى وعيالى الذين أخلفهم؛ ففعل به ذلك وأمر بإلقائه فى الطريق. فلما مرّ به فيروز أنكر حاله، فأخبره أن أخشنوار فعل به ذلك؛ لأنه أشار عليه بالانقياد إلى طاعة فيروز والإقرار بعبوديته، وأن يحمل إليه من الأموال والتحف ما يرضيه؛ فرقّ له الملك فيروز ورحمه وأمر بحمله معه، فنهاه أكابر قومه عن تقريبه فلم يرجع إليهم، ثم قال له ذلك الأقطع كالمتنصّح «1» له: أنا أدلّ الملك على طريق مختصر تدخل منه فى مفازة إلى بلاد أخشنوار، فتصادف غرّته؛ وسأله أن يشتفى له منه. فاغترّ فيروز بذلك؛ وأخذ الأقطع بفيروز ومن معه وعدل بهم عن الطريق الجادّة وشرع يقطع بهم مفازة بعد مفازة. فلما شكوا العطش منّاهم بقرب الماء وقطع المفازة. ولم يزل يتقدّم بهم حتى بلغ بهم موضعا علم أنهم لا يقدرون فيه على التقدّم ولا الرجوع، فتبين لهم أمره، فعندها سقط فى أيدى القوم وقالوا لفيروز: ألم ننهك عن هذا الرجل فلم تنته؟ فهلك أكثر أصحابه من العطش، ومضى على وجهه بمن نجا معه؛ فوافى أخشنوار وقومه؛ وهو ومن نجا معه على أسوإ حال، وقد أجهدهم العطش، فدعوا أخشنوار إلى الصلح على أن يخلى سبيلهم وينصرفوا إلى بلادهم، وعاهدوه على ألا يغزوهم أبدا، فرضى أخشنوار بذلك وحصل اتفاقهما على أن يجعلا بينهما حدّا لا يتجاوزه واحد منهما، ووضع عند الحدّ حجر، وحلفّه أخشنوار أنه لا يتجاوز ذلك الحجر،
(15/185)

فخلف له وأخذ عليه العهود والمواثيق وأطلقه أخشنوار، فعاد فيروز إلى بلاده.
فلما سار إلى مملكته داخلته الحميّة وحملته الأنفة على محاربة أخشنوار والغدر به، فنهاه أهل مملكته عن ذلك وقبّحوا عليه نقض العهود والمواثيق، فلم يرجع الى أقوالهم وأبى إلا غزوه. وسار بجيوشه حتى أتى الحدّ الذى بينهما والحجر الذى حلف أنه لا يتجاوزه الى بلاد الهياطلة، فأمر فيروز بالحجر أن يصمد فيه خمسون فيلا وثلاثمائة رجل، فجره أمامه وأمر العسكر ألا يتجاوز ذلك الحجر ولا يتقدّم الفيلة، وزعم أنه يكون قد وفى بيمينه ولم يتجاوز ما عاهد عليه. فلما بلغ أخشنوار ذلك أرسل اليه يقول: إن الله عز وجل لا يخادع ولا يماكر، ونهاه عن الغدر وقبّحه عليه، وهو لا يكترث بقوله، وأحجم أخشنوار عن محاربة فيروز وكرهها، ثم أعمل الفكرة وأخذ يفكر فى وجوه المكايد والمكر والخداع، فخفر حول عسكره خندقا عرضه عشرة أذرع، وعمقه عشرون ذراعا، وغطاه بخشب ضعيف وألقى عليه التراب، ثم ارتحل بمن معه ومضى غير بعيد، فبلغ فيروز رحيل أخشنوار بجنده من معسكره، فما شك أنه انهزم منه، فركب فى طلبه وأغذّ السير بجنوده- وكان مسلكهم على الخندق- فلما مروا عليه تردّى فيروز وعامة جنوده فيه فهلكوا عن آخرهم وعطف عليهم أخشنوار واحتوى على كل شىء كان فى معسكر فيروز، وأسر موبذان موبذ وجماعة من نساء فيروز منهنّ دخت ابنة فيروز، فكان هذا عاقبة مكره. وكان ملكه سبعا وعشرين سنة.
ولما هلك تنازع الملك بعده ابناه قباذ وبلاش؛ فملك بلاش بن فيروز ابن يزدجرد. وكان حسن السيرة حريصا على العمارة؛ وبلغ من حسن نظره أنه كان لا يبلغه أن بيتا خرب وجلا عنه أهله إلا عاقب صاحب القرية التى فيها ذلك
(15/186)

البيت على تركهم إنعاش أهله وسدّ فاقتهم حتى لا يضطرون إلى الجلاء عن أوطانهم. ثم هلك بعد أربع سنين.
وملك بعده أخوه قباذ بن فيروز. قال: وكان قباذ لما ملك أخوه بلاش سار الى خاقان يستنصره على أخيه ويذكر أنه أحقّ منه بالملك؛ فمطله بذلك أربع سنين ثم جهزه بجيش، فلما عاد وبلغ نيسابور بلغه وفاة أخيه بلاش. وكان قباذ فى مسيره إلى خاقان مرّ على نيسابور متنكرا وتزوّج بها بابنة رجل من الأساورة وواقعها، فحملت منه بأنو شروان وتركها بنيسابور، فلما عاد فى هذا الوقت سأل عن الجارية فأتى بها وابنه منها أنوشروان، فتبرّك بهما وفرح بابنه، ثم عاد إلى بلاد فارس وبنى مدينة أرّجان وحلوان وعدّة مدن أخر.
قال: وكان لقباذ خال يقال له سوخرا «1» وقيل فيه: ساخورا، وكان يخلف فيروز والد قباذ على مدينة الملك بالمدائن، فجمع جموعا كثيرة من الفرس وقصد أخشنوار ملك الهياطلة وحاربه وانتقم منه واستنقذ جميع من كان أسره من الفرس ومن سباه من نساء فيروز، وأكثر ما كان قد احتوى عليه أخشنوار من خزائن فيروز؛ فعظم قدره عند الفرس، وحسن فيهم أثره، وكبرت منزلته عند بلاش وقباذ إلى أن لم يبق بينه وبين الملك إلا مرتبة واحدة، وتولى سياسة الأمر بحنكة وتجربة؛ ومال إليه الناس وأطاعوه، واستخفوا بقباذ ولم يعبأوا بأمره، وهان عندهم فما حملت نفسه هذه الإهانة والذّلّ، فأخذ فى التدبير على ساخورا وكتب إلى سابور الرازى، وهو الذى يقال له اللبيب، وهو أصبهبذ البلاد، فى القدوم عليه بمن قبله من الجند، فقدم بهم سابور فخاطبه قباذ فى أمر خاله، فوافقه سابور عليه، فأمره
(15/187)

قباذ بالتلطف فى هذا الأمر وكتمانه، وإعمال الحيلة وحسن التدبير فيه، فغدا سابور على قباذ فوجد خاله ساخورا عنده، فتقدّم سابور إليه وهو آمن، فألقى وهقا «1» فى عنقه واجتذبه وأوثقه بالحديد ثم أودعه السجن، وقتله قباذ وخافته الفرس بعده.
وفى أيام قباذ ظهر مزدق- ويقال فيه: مزدك، وتفسيره: حديد الملك؛ وإليه تضاف المزدقية، ويقال لهم العدلية- وقال: إن الله تعالى إنما جعل الأرزاق فى الأرض مبسوطة ليقسّمها عباده بينهم بالسوية، ولكن الناس يظلمون؛ واستأثر بعضهم على بعض، فانضم اليه جماعة وقالوا: نحن نقسم بين الناس بالسويّة ونردّ على الفقراء حقوقهم من الأغنياء، ومن عنده فضل من المال والقوت والنساء والمتاع وغير ذلك فليس هو له ولا أولى به من غيره؛ فافترص السّفلة ذلك واغتنموه واتبعوا مزدك وأصحابه، فقوى أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل فى داره فيغلبونه على ما فيها من ماله ونسائه ولا يستطيع أن يردّهم عنه ولا يدافعهم. ورأى الملك قباذ رأى مزدك وأصحابه وتابعهم فازداد قوة، فلم يلبث الناس إلا قليلا حتى صار الأب لا يعرف ولده، ولا الولد يعرف والده، ولا يملك أحد شيئا، وصيّرت العدلية قباذ فى مكان لا يصل اليه غيرهم، فاجتمعت الفرس على خلع قباذ من الملك ففعلوا ذلك.
وملّكوا عليهم عند ذلك جاماسف بن فيروز. وهو أخو قباذ. وقيل:
إن المزدكية هم الذين أجلسوه. قال: ولما ملك جاماسف قبض على أخيه قباذ وحبسه فاحتالت أخت قباذ فى خلاصه. وذلك أنها أنت الى الحبس الذى هو
(15/188)

فيه وحاولت الدخول الى أخيها، فمنعها الموكّل به من الدخول اليه، وطمع أنه يفضحها، وأعلمها أنه لا يمكّنها من العبور إليه إلا إن وافقته على قصده، فأطمعته فى نفسها وقالت: إنى لا أخالفك فى شىء مما تهواه منى، فمكّنها من الدخول الى السجن والاجتماع بأخيها قباذ، فدخلت اليه وأقامت عنده أياما، ثم لفته فى بساط أمرت بعض الغلمان أن يحمله فحمله على عاتقه، فلما مر الغلام بالموكّل بالحبس سأله عن حمله فاضطرب الغلام فلحقته وقالت: إنه فراش كنت أفرشه تحتى وعركت «1» فيه؛ وأنها خرجت لتتطهر وتعود، فصدّقها ولم يمسّ البساط ولم يدن منه استفذارا له على مذهبهم فى ذلك، فمضى الغلام به وخرجت أخته فى أثره، وهرب قباذ فلحق بأرض الهياطلة يستمد ملكها ليمده بجيش بحارد، من خالفه، ويقال:
إن زواجه بأمّ كسرى أنو شروان كان فى هذه السفرة لا فى تلك، وأنه تزوّجها بأبرشهر «2» ، وهى ابنة رجل من عظمائها، وأنه رجع به وبأمه عند عوده من بلاد الهياطلة. قال: وسار قباذ الى ملك الهياطلة فأقام عنده عدّة سنين، ثم عاد الى بلاده بأمداده، فغلب على أخيه ونزعه من الملك بعد أن ملك ستّ سنين.
ثم عاد قباذ الى الملك ثانيا، ولما عاد الى الملك وجد ابن ساخورا قد وثب فى جماعة من أصحابه على مزدك فقتله، فسعى به الى قباذ فقتله بمزدك. قال:
ثم غزا الروم وافتتح آمد، ثم أدبر ملكه لسوء عقيدته. وهلك قباذ إثر ذلك.
وكان سبب هلاكه أن الحارث بن عمرو الكندىّ قتل النعمان بن المنذر ابن امرئ القيس، وملك العرب وما كان ملكه النعمان، فبعث قباذ بن فيروز
(15/189)

الى الحارث بن عمرو يقول: إنه كان بيننا وبين الملك الذى كان قبلك عهد، وإنى أحبّ لقاءك؛ وخرج للقائه فى عدد وعدّة، وجاءه الحارث والتقيا بمكان، فأمر قباذ بطبق من تمر فنزع نواه وبطبق آخر على حالته، فوضعا بين أيديهما، وجعل المنزوع بين يدى قباذ، والذى هو بنواه بين يدى الحارث، فجعل الحارث يأكل التمر ويلقى النوى، وقباذ يأكل التمر ولا يحتاج الى إلقاء شىء. فقال للحارث: مالك لا تأكل كما آكل؟ فقال الحارث: إنما يأكل النوى إبلنا وغنمنا، وعلم أن قباذ يهزأ به. ثم افترقا على الصلح على ألا يجاوز الحارث وأصحابه الفرات، إلا أن الحارث استضعف قباذ وطمع فيه، فأمر أصحابه أن يغبروا الفرات ويغيروا على قرى السواد ففعلوا ذلك، فجاء الصريخ الى قباذ وهو بالمدائن، فكتب الى الحارث بن عمرو أن لصوصا من العرب قد أغاروا على السواد، وأنه يحب لقاءه فلقيه، فقال قباذ كالعاتب له: قد صنعت صنيعا ما صنعه أحد قبلك، فطمع الحارث فيه من لين كلامه وقال: ما علمت بذلك ولا شعرت به، وإنى لا أستطيع ضبط لصوص العرب، وما كل العرب تحت طاعتى، ولا أتمكن منهم إلا بالمال والجنود.
فقال له قباذ: فما الذى تريد؟ قال: أريد أن تعطينى من السواد ما أتخذ به سلاحا، فأمر له بما بلى جانب العرب من أسفل الفرات؛ وهو ستة طساسيج؛ فعند ذلك زاد طمع العرب فيه، أرسل الحارث بن عمرو الى تبّع وهو باليمن:
إنى قد طمعت فى ملك الأعاجم، وقد أخذت منه ستة طساسيج، فأجمع الجنود وأقبل فإنه ليس دون ملكهم شىء؛ لأن الملك عليهم لا يأكل اللحم ولا يستحل هراقة الدماء، وله دين يمنعه من ضبط الملك؛ فبادر إليه بجندك وعدّتك، وأطمعه فى الفرس. فجمع تبّع جنوده وسار حتى نزل الحيرة، وقرب من الفرات، فآذاه البقّ، فأمر الحارث بن عمرو أن يشق له نهر الحيرة فنزل عليه، ووجه ابن أخته
(15/190)

شمرا ذا الجناح إلى قباذ فقاتله فهزمه شمر حتى لحق بالرىّ، ثم أدركه بها فقتله.
وملك بعده ابنه كسرى أنو شروان بن قباذ بن فيروز. ولما ملك استقبل الأمر بجدّ وسياسة وحزم. وكان جيّد الرأى، كثير النظر، صائب التدبير، طويل الفكر؛ فجدّد سيرة أردشير وعمل بها، ونظر فى عهده وأخذ نفسه به، وأدّب رعيته وبطانته، وبحث عن سياسات الأمم فاستصلح لنفسه منها ما رضيه، ونظر فى تدابير أسلافه المستحسنة فاقتدى بها. وكان أوّل ما بدأ به أن أبطل ملّة زرادشت الثانى الذى كان من أهل فسا، وأبطل ملة المزدكية وقتل على ذلك خلقا كثير، وسفك من الدماء بسبب إبطال هذين المذهبين ما لا يحصى كثرة، وقتل قوما من المانويّة، وثبت ملة المجوسية القديمة، وكتب فى ذلك كتبا بليغة الى أصحاب الولايات والأصبهبذين، وقوّى ملك الفرس بعد ضعفه بإدامة النظر وهجر الملاذّ وترك اللهو، وقوّى جنوده بالأسلحة والأمتعة والكراع «1» ، وعمّر البلاد وحفظ الأموال وثمّرها، وسدّ الثغور واستعاد كثيرا من الأطراف التى غلب عليها الأمم.
قال: وأما تدبيره فى أمر المزدكية وإبطال ما فعلوه فإنه ضرب أعناق رؤسائهم، وقسّم أموالهم فى أهل الحاجة، وقتل جماعة كثيرة ممن عرف من الذين كانوا يدخلون على الناس فى بيوتهم، ويشاركونهم فى أموالهم وأهاليهم، وردّ الأموال الى أربابها. وأمر بكل مولود اختلف فيه أن يلحق بمن هو فى سيمائه، وأمر بكل امرأة غلب عليها أن يؤخذ الغالب عليها حتى يغرم لها مهر مثلها، ثم تخير المرأة بين الإقامة عنده وبين تزويج غيره؛ إلا أن يكون لها زوج أوّل فتردّ اليه.
وأمر بكل من أضرّ برجل فى ماله أو ظلمه أن يؤخذ منه الحق، ويعاقب الظالم
(15/191)

بعد ذلك بقدر جرمه. وأمر بعيال ذوى الأحساب الذين مات قيّمهم فكتبوا له فأنكح بناتهم للأكفاء وجعل جهازهم من بيت المال، وأنكح بنيهم من بيوتات الأشراف وأغنيائهم. وأمرهم بملازمة بابه ليستعين بهم فى أعماله، وخيّر نساء والده أن يقمن مع نسائه فيواسين ويصيّرن فى الأحرار، ويبتغى لهنّ الأكفاء من البعول، ثم أمر بكرى الأنهار وحفر القنى. وأمر بإعادة كل جسر قطع، أو قنطرة خربت أن تردّ الى أحسن ما كانت عليه، وتخيّر الحكام والعمال وأمرهم أن يسيروا بسيرة أردشير ووصاياه.
فلما انتظمت له هذه الأمور واستوثق له الملك ووثق بجنده سار نحو أنطاكية فافتتحها، وأمر أن تصوّر له المدينة على هيئتها وذرعها وطرقها وعدّة منازلها، وأن تبنى له مدينة على صفتها الى جانب المدائن، فبنيت المدينة المعروفة بالرومية، ثم نقل أهل أنطاكية اليها. فلما دخلوا باب المدينة مضى كل أهل بيت الى ما يشبه منازلهم التى كانوا فيها بأنطاكية. وفتح مدينة هرقل ثم الإسكندرية، ثم أخذ نحو الخزر، ثم الى الهياطلة فقتل ملكهم بفيروز، وصاهر خاقان ملك الترك، وتجاوز بلخ وأنزل جنوده فرغانة، وبنى باب الأبواب. وقد ذكرناه فى المبانى القديمة «1» .
ولما بنى هذا السور هابته الملوك وراسلته وهادنته؛ فورد عليه رسول ملك الروم بهدايا فنظر الى إيوانه فرأى فى ميزانه اعوجاجا، فقال: ما هذا الاعوجاج؟
فقيل له: إن عجوزا لها منزل فى جانب هذا الاعوجاج فأرادها الملك على بيعه وأرغبها فى الثمن فأبت، فلم يكرهها وبقى الاعوجاج على ما ترى. فقال الرومىّ: هذا الاعوجاج أحسن من هذا الاستواء. وكتب إليه ملك الصين: من نقفور «2» ملك
(15/192)

الصين، صاحب قصر الدرّ والجوهر، الذى يخرج من قصره نهران يسقيان العود والكافور، والذى توجد رائحته على فرسخين، والذى يخدمه بنات ألف ملك، والذى فى مربطه ألف فيل أبيض، الى أخيه كسرى أنوشروان. وأهدى إليه هدايا عظيمة. وكتب إليه ملك الهند: من ملك الهند وعظيم ملوك الشرق، وصاحب قصر الذهب، وأبواب الياقوت والدرّ، الى أخيه كسرى أنوشروان ملك فارس، صاحب التاج والراية. وأهدى إليه هدايا؛ منها ألف منّ «1» من العود يذوب على النار كالشمع، ويختم عليه كما يختم على الشمع. وجام من الياقوت الأحمر فتحته شبر مملوء درّا، وعشرة أمنان كافور كالفستق، وجارية طولها سبعة أذرع تضرب أشفار عينيها خدّيها، وكأن بين أجفانها لمعان البرق مع إتقان شكلها، مقرونة الحاجبين، لها ضفائر تجرها؛ وفراش من جلود الحيّات ألين من الحرير وأحسن من الوشى. وكان كتابه فى لحا الشجر المعروف بالكاذى «2» مكتوبا بالذهب.
وكتب إليه ملك التّبّت: من ملك التبت ومشارق الأرض المتاخمة للصين والهند، الى أخيه كسرى المحمود السيرة والقدر، ملك المملكة المتوسطة فى الأقاليم السبعة، أنو شروان. وأهدى إليه أنواعا مما عمل من عجائب أرض تبت، منها مائة جوشن ومائة ترس تبّتّية مذهبة، وأربعة آلاف منّ من المسك من نوافج غزلانية.
واستغاث به ابن ذى يزن يستصرخه على الحبشة فبعث معه قائدا من قوّاده.
وسنورد ذلك إن شاء الله فى خبر سيف بن ذى يزن.
(15/193)

ولما استتبّ له الأمر ووظّف الوظائف على الترك والخزر والهند والروم وغيرهم، نظر فى الخراج وأبواب المال. وكانت رسوم الناس جارية على الثلث من البقاع، ومن بعضها الربع والخمس والسدس على حسب العمارة. وكان قباذ أبوه قد مسح الأرض وهلك قبل أن يستحكم له أمر تلك المساحة؛ فجمع أنوشروان أهل الرأى فاتفقوا على أن جعلوا على كل جريب من الحنطة والشعير درهما، وعلى الجريب من الكرم ثمانية دراهم، وعلى الرّطاب تسعة دراهم، وعلى كل أربع نخلات فارسية درهما، وعلى كل ستّ نخلات دقل «1» مثل ذلك، وعلى كل ستة أصول زيتون مثل ذلك، ولم يضعوا إلا على نخل فى حديقة، أو مجتمع غير شاذّ، وتركوا فيما سوى ذلك من الغلّات السبع، وألزموا الناس الجزية ما خلا أهل البيوتات والعظماء والمقاتلة والهرابذة والكتّاب، ومن كان فى خدمة الملك، وصيروها على طبقات: اثنى عشر درهما، وثمانية دراهم، وستة دراهم، وأربعة دراهم، على قدر إكثار الرجل وإقلاله، ولم يلزموا الجزية من كان أتى له من السنين دون العشرين أو فوق الخمسين، ورفعوا هذه الوضائع الى كسرى فرضيها وأمر بإمضائها وجباية مبلغها فى ثلاثة أنجم فى كل سنة، وسماها ابراسيار. ومعنى ذلك الأمر المتراضى به.
وكان أنوشروان- لما أراد أن يضع هذه الوضائع- أمر بإتمام المساحة التى بدأ بها قباذ، وأحصى النخل والزيتون وغير ذلك، والجماجم؛ ثم أمر الكتاب فأخرجوا جمل ذلك غير تفصيله، وأذن للناس إذنا عامّا، وأمر كاتب خراجه أن يقرأ عليهم الجمل المستخرجة من أصناف الغلّات وعدد النخل والزيتون والجماجم، فقرأ ذلك عليهم. ثم قال كسرى: إنا قد رأينا أن نضع على ما أحصى من جربان «2»
(15/194)

هذه المساحة وضائع، ونأمر بإنجامها فى السنة ثلاثة أنجم، ونجمع فى بيوت أموالنا من الأموال ما لو أتانا عن ثغر من الثغور أو طرف من الأطراف فتق «1» أو ما نكرهه واحتجنا الى تداركه أو حسمه بذلنا الأموال التى عندنا ولم نحتج الى استئناف جبايتها، فما الذى ترون فيما رأيناه من ذلك وأجمعنا عليه؟ فلم يشر عليه أحد منهم بمشورة، ولا نطق بكلمة. فكرر كسرى عليهم القول ثلاثا، فقام رجل من عرضهم وقال: أتضع أيها الملك- عمرك الله- خالدا من هذا على الفانى؟ من كرم يموت، وزرع يهيج، ونهر يغيض، وعين أو قناة ينقطع ماؤها. فقال له كسرى: ياذا الكلفة المشئوم، من أىّ طبقات الناس أنت؟ فقال: من الكتّاب. فقال كسرى:
اضربوه بالدّوىّ حتى يموت، فضربه الكتاب خاصة تبرؤا منهم الى كسرى من رأيه، وما صدر من مقالته حتى قتلوه. وقال الناس: نحن راضون بما ألزمتنا أيها الملك به من خراج. ثم اجتمعت الآراء على وضع ما ذكرناه من الوضائع، فاستقرّت على ذلك إلى أن جاء الإسلام، وبها أخذ عمر رضى الله عنه لما فتحت بلاد فارس.
ذكر قطعة من سير كسرى أنو شروان وسياسته
قال الشيخ أبو على أحمد بن محمد بن مسكويه فى كتابه المترجم بتجارب الأمم:
إنه قرأ فيما كتبه أنو شروان من سيرة نفسه فى كتاب عمله فى سيرته وما ساس به مملكته: قال كسرى: كنت يوما جالسا بالدّسكرة وأنا سائر الى همذان لنصيف هناك؛ وقد أعدّ الطعام للرسل الذين بالباب من قبل خاقان والهياطلة والصين وقيصر ونقفور؛ ودخل رجل من الأساورة مخترطا سيفه حتى وصل الى السّتر فى ثلاثة أماكن، وأراد الدخول حيث نحن والوثوب علينا، فأشار علىّ بعض خدمى
(15/195)

أن أخرج إليه بسيفى، فعلمت أنه إن كان إنما هو رجل واحد فسوف يحال بيننا وبينه، وإن كانوا جماعة فإنّ سيفى لا يغنى شيئا؛ فلم أخف ولم أتحرّك من مكانى؛ وأخذه بعض الحرس فإذا هو رجل رازىّ من حشمنا وخاصّتنا، فلم يشكّوا أنّ على رأيه كثيرا من الناس، فسألونى ألّا أجلس ولا أحضر للشرب حتى يستبين الأمر، فلم أجبهم الى ذلك لئلّا ترى الرسل منّى جبنا، فخرجت لشربى، «1» فلما فرغنا هدّدت الرازىّ بالعقوبة وقطع اليمين، وسألته أن يصدقنى عن الذى حمله على ذلك، وأنه إن صدقنى لم تنله عقوبة بعد ذلك؛ فذكر أنّ قوما وضعوا من قبل أنفسهم كتبا وكلاما، وذكروا أنه من عند الله، أشاروا عليه بذلك وأخبروه أنى إن قتلته وإن قتلنى أدخل الجنة. فلما فحصت عن ذلك وجدته حقّا؛ فأمرت بتخلية الرازىّ وبردّ ما أخذ منه، وتقدّمت بضرب رقاب أولئك الذين أشاروا عليه حتى لم أدع منهم أحدا.
وقال أنو شروان: إنى لما أحضرت القوم الذين اختلفوا فى الدين وجمعتهم للنظر فيما يقولونه، بلغ من جرأتهم وخبثهم وقوّة شياطينهم أن لم يبالوا بالقتل والموت فى إظهار دينهم الخبيث، حتى إنى سألت أفضلهم رجلا على رءوس الناس عن استحلاله قتلى، فقال: نعم، استحلّ قتلك وقتل من لا يطاوعنا على ديننا! فلم آمر بقتله حتى إذا حضر وقت الغداء أمرت أن يحبس الغداء وأرسلت اليه بطرف الطعام، وأمرت الرسول أن يبلّغه عنّى أنّ بقائى له أنفع مما ذكر؛ فأجاب الرسول إنّ ذلك حقّ، ولكن سألنى الملك أن أصدقه عن ذات نفسى ولا أكتمه شيئا مما أدين به، وإنما أدين بما أخذته من مؤدّبى.
(15/196)

قال أنو شروان: لمّا غدربى قيصر وغزوته فذلّ وطلب الصلح وأنفذ إلىّ بمال وأقرّ بالخراج والفدية، تصدّقت على مساكين الروم وضعفائهم وضعفاء مزارعيهم مما بعث به قيصر بعشرة آلاف دينار، وذلك فيما وطئته من أرض الروم دون غيرها.
وقال: لمّا أمرت بتصفح أمر الرعية بنفسى ورفع البلاء والظلم عنهم، وما ينوبهم من ثقل الخراج؛ فإنّ فيه مع الأجر تزيين [أهل «1» ] المملكة وغناهم وقدرة الوالى على أن يستخرج منهم إن هو احتاج الى ذلك- وقد كان فى آبائنا من يرى أنّ وضع الخراج عنهم السنة والسنتين والتخفيف أحيانا مما يقوّيهم على عمارة أرضيهم- جمعت العمال ومن يؤدّى الخراج فرأيت من تخليطهم ما لم أرله حيلة إلا التعديل والمقاطعة على بلدة بلدة، وكورة كورة، ورستاق رستاق، وقرية قرية، ورجل رجل؛ فاستعملت عليهم أهل الثقة والأمانة فى نفسى، وجعلت فى كل بلد مع كل عامل أمناء يحفظون عليه، ووليت قاضى القضاة بكل كورة النظر فى أهل كورته، وأمرت أهل الخراج أن يرفعوا ما يحتاجون الى رفعه إلينا الى القاضى الذى وليته أمر كورهم حتى لا يقدر العامل أن يزيد شيئا، وأن يؤدّوا الخراج بمشهد من القاضى، وأن تعطى به البراءة، وأن يرفع خراج من هلك منهم، ولا يزاد الخراج ممن لم يدرك من الأحداث، وأن يرفع القاضى وكاتب الكورة وكاتب أهل الكورة وكاتب أهل البلد والعامل محاسبتهم الى ديواننا وقت الكتب بذلك.
وقال: رفع الينا موبذان موبذ أنّ قوما سمّاهم من أهل الشرف، بعضهم بالباب كان شاهدا وبعضهم ببلاد أخر، دينهم مخالف لما رويناه عن نبينا وعلمائنا، وأنهم يتكلمون بدينهم سرّا ويدعون اليه الناس، وأن ذلك مفسدة للملك، وحيث
(15/197)

لا تقوم الرعيّة [إلا «1» ] على هوى واحد، فيحرّمون جميعا ما يحرّم الملك، ويستحلّون ما يستحلّ الملك فى دينه؛ فإنّ ذلك إذا اجتمع للملك قوى بجنده لأجل الموافقة بينهم وبين الملك، فآستظهر على قتال الأعداء؛ فأحضرت أولئك المختلفين فى الأهواء، وأمرت أن يخاصموا حتى يقفوا على الحقّ ويقرّوا به، وأمرت أن يقصوا عن مدينتى وعن بلادى ومملكتى، ويتتبع كل من هو على هواهم فيفعل به ذلك.
وقال: إن الترك الذين فى ناحية الشمال كتبوا إلينا بما أصابهم من الحاجة، وأنهم لا يجدون بدّا- إن لم نعطهم شيئا- من أن يغزونا، وسألوا خصالا إحداها أن نتخذهم فى جندنا، ونجرى عليهم ما يعيشون به، وأن نعطيهم من أرض الكرج «2» وبلنجر «3» وتلك الناحية ما يعيشون به، فرأيت أن أسير فى ذلك الطريق الى باب صول «4» ، وأحببت أن يعرف من قبلنا من الملوك هناك نشاطنا للأسفار وقوّتنا عليها متى هممنا، وأن يروا ما رأوا من هيبة الملوك وكثرة الجنود وتمام العدّة وكمال السلاح ما يقوون به على أعدائهم، ويعرفون به قوّة من خلفهم إن هم احتاجوا اليه، وأحببنا بمسيرنا أن نجرى لهم على أيدينا الجوائز والحملان «5» ، والقرب من المجلس واللطف فى الكلام ليزيدهم ذلك مودّة لنا ورغبة فينا، وحرصا على قتال أعدائنا، وأحببت أيضا التعهد لحصونهم، وأن أسأل أهل الخراج عن أمرهم فى مسيرنا.
فسرت فى طريق همذان وأذربيجان. فلما بلغت الى باب الصول ومدينة فيروز خسرو يمّمت تلك المدائن العتيقة، وتلك الحدود، وأمرت ببناء حصون أخر. فلما بلغ
(15/198)

خاقان الخزر نزولنا هناك تخوّف أن نغزوه، فكتب أنه لم يزل- منذ ملكت- يحب موادعتى، وأنه يرى الدخول فى طاعتى؛ ورأى بعض قوّاده- لمّا شاهد حاله- تركه وأتانا فى ألفين من أصحابه؛ فقبلناه وأنزلناه فى تلك الناحية، وأجريت عليه وعلى أصحابه الرزق، وأمرت لهم بحصن هناك، وأمرت بمصلّى لأهل ديننا، وجعلت فيه موبذا وقوما نسّاكا، وأمرتهم أن يعلموا من دخل من الترك فى طاعتنا ما فى طاعة الولاة من المنفعة العاجلة فى الدنيا، والثواب الآجل فى الأخرى، وأن يحثّوهم على المودّة والصحبة «1» والعدل والنصيحة ومجاهدة العدوّ، وأن يعلّموا أحداثهم رأينا ومذهبنا، وأقمت لهم فى تلك التخوم الأسواق، وأصلحت طرقهم «2» وقوّمت السكك. ونظرنا فيما اجتمع لنا هناك من الخيل والرجال فإذا هو بحيث لو كان بوسط فارس لكان منزلنا بها فاضلا.
وقال: فلما أتى لملكنا ثمان وعشرون سنة جدّدت النظر فى أمر المملكة والعدل على الرعية، والنظر فى أمرهم، وإحصاء مظالمهم، وإنصافهم. وأمرت موبذ كل ثغر ومدينة وبلد وجند بإنهاء ذلك الىّ. وأمرت بعرض الجند، من كان منهم بالباب بمشهد منّى، ومن غاب فى الثغور والأطراف بمشهد من القائد وبادوستان «3» والقاضى وأمين من قبلنا. وأمرت بجمع أهل كور الخراج فى كل ناحية من مملكتى الى مصرها «4» مع القائد وقاضى البلد والكاتب والأمين. وسرّحت من
(15/199)

قبلى من عرفت صحبته وأمانته ونسكه وعلمه، ومن جرّبت ذلك منه الى كل مصر ومدينة حيث أولئك العمال والغلمان وأهل الأرض ليجمعوا بينهم وبين أهل أراضيهم وبين وضيعهم وشريفهم، وأن يرفع الأمر كلّه على حقّه وصدقه، فما نفذ لهم فيه أمر أو صحّ فيه القضاء فرضى به أهله فرغوا منه هنالك، وما أشكل عليهم رفعوه الىّ.
وبلغ اهتمامى بتفقّد ذلك ما لولا الذى أدارى من الأعداء والثغور لباشرت أمر الخراج والرعية بنفسى قرية قرية حتى أتعهدها وأكلّم رجلا رجلا من أهل مملكتى؛ غير أنى تخوّفت أن يضيع بذلك السبب أمر هو أعظم منه، الأمر الذى لا يغنى فيه أحد غنائى ولا يقدر على إحكامه غيرى، ولا يكفينيه كاف، مع الذى فى الشخوص الى قرية قرية من المئونة على الرعية من جندنا، ومن لا نجد بدّا من إخراجه معنا. وكرهنا أيضا إشخاصهم إلينا مع تخوّفنا أن يشتغل أهل الخراج عن عمارة أراضيهم، أو يكون فيهم من يدخل عليه من ذلك مئونة فى تكلّف السير الى بابنا، وقد ضيّع قراه وأنهاره وما لا يجد بدّا من تعهده فى السنة كلها فى أوقات العمارة، ففعلنا ذلك بهم ووكّلنا موبذان «1» موبذ بذلك، وكتبنا به الكتب وسرّحنا من وثقنا به، ورجونا أن يجرى مجرانا وأشخصناه وقلّدناه ذلك.
قال: ولما أمّن الله جميع أهل مملكتنا من الأعداء فلم يبق منهم إلا نحو ألفى رجل من الديلم الذين عسر افتتاح حصونهم لصعوبة الجبال عليها، لم نجد شيئا أنفع لمملكتنا من أن نفحص عن الرعية، وأولئك الأمناء الذين وصّيناهم بإنصاف أهل الخراج. وكان بلغنا أن أولئك الأمناء لم يبالغوا على قدر رأينا فى ذلك،
(15/200)

فأمرت بالكتب الى قاضى كورة كورة أن يجمع أهل الكورة بغير علم عاملهم وأولى أمرهم فيسألهم عن مظالمهم وما استخرج منهم، ويفحص عن ذلك بمجهود رأيه ويبالغ فيه، ويكتب حال رجل رجل منهم ويختم عليه بخاتمه وخاتم الرضا من أهل تلك الكورة، ويبعث به الىّ ويسرّح ممن يجتمع رأى أهل الكورة عليه بالرضا نفرا، وإن أحبّوا أن يكون فيمن يشخص بعض سفلتهم أيضا فعل ذلك.
فلما حضروا جلست للناس وأذنت لهم بمشهد من عظماء أرضنا وملوكهم وقضاتهم وأحرارهم وأشرافهم، ونظرت فى تلك الكتب والمظالم، فأيّة مظلمة كانت من العمال ومن وكلائنا، أو من وكلاء أولادنا ونسائنا وأهل بيتنا حططناها عنهم بغير بينة؛ لعلمنا بضعف أهل الخراج منهم، وظلم أهل القوّة من السلطان لهم، وأيّة مظلمة كانت لبعضهم من بعض ووضحت لنا، أمرت بإنصافهم قبل البراح، وما أشكل وأوجب الفحص عنه شهود البلد وقاضيها سرّحت معه أمينا من الكتاب، وأمينا من فقهاء ديننا وأمينا ممن وثقنا به من خدمنا وحاشيتنا، فأحكمت ذلك إحكاما وثيقا. ولم يجعل الله لذوى قرابتنا ورحمنا وخدمنا وحاشيتنا منزلة عندنا دون الحقّ والعدل؛ فإن من شأن قرابة الملك وحاشيته أن يستطيلوا بعزّته وقوّته، فإذا أهمل السلطان أمرهم هلك من جاوره إلّا أن يكون فيهم متأدّب بأدب ملكه، محافظ على دينه، شفيق على رعيّته، وأولئك قليل؛ فدعانا الذى اطلعنا عليه من ظلم أولئك ألا نطلب البيّنة عليهم فيما ادّعى قبلهم. ولم نزل نردّ المظالم، ولم نرد أيضا ظلم أحد ممن كان عزيزا بنا، منيعا بمكانه ومنزلته عندنا، فإن الحقّ واسع للضعفاء والأقوياء والفقراء والأغنياء؛ ولكنا لما أشكلت الأمور فى ذلك علينا كان الحمل على خواصّنا وخدمنا أحبّ الينا من أن نحمل على ضعفاء الناس ومساكينهم، وأهل الفاقة والحاجة منهم. وعلمنا أن أولئك الضعفاء لا يقدرون على ظلم من حولنا. وعلمنا مع ذلك
(15/201)

أن الذين أعدينا «1» عليهم من خاصّتنا يرجعون من نعمتنا وكرامتنا الى ما لا يرجع اليه أولئك. ولعمرى إن خواصّنا الينا، وآثر خدمنا فى أنفسنا الذين يحفظون سيرتنا فى الرعية، ويرحمون أهل الفاقة والمسكنة وينصفونهم؛ فإنه قد ظلمنا من ظلمهم، وجار علينا من جار عليهم، وأراد تعطيل ذمتنا التى هى حرزهم وملجأهم.
قال: ثم كتب الينا على رأس سبع وثلاثين سنة من ملكنا، أربعة أصناف من الترك من ناحية الخزر، ولكل صنف منهم ملك، يذكرون ما دخل عليهم من الحاجة، وما لهم من الحظ فى عبوديتنا، وسألوا أن نأذن لهم فى القدوم بأصحابهم لخدمتنا، والعمل لما نأمرهم به، وألا نحقد عليهم ما سلف منهم قبل ملكنا، وأن ننزلهم منزلة سائر عبيدنا، فإنا سنرى فى كل ما نأمرهم به من قتال وغيره كأفضل ما نرى من أهل نصيحتنا، فرأيت فى قبولى إياهم عدة منافع، منها: جلدهم وبأسهم، ومنها: أنى تخوّفت أن تحملهم الحاجة على إتيان قيصر أو بعض الملوك فيقووا بهم علينا، وقد كان فيما سلف يستأجر منهم قيصر لقتال ملوك ناحيتنا بأغلى الأجرة.
وكان لهم فى ذلك القتال بعض الشوكة بسبب أولئك الأتراك؛ لأن الترك ليس عندهم لذة للحياة، فهو الذى يجرئهم مع شقاء معايشهم على الموت؛ فكتبت اليهم إنّا نقبل من دخل فى طاعتنا، ولا نبخل على أحد بما عندنا، وكتبت الى مرزبان «2» الباب آمره بأن يدخلهم أوّلا أوّلا، فكتب إلىّ إنه قد أتاه منهم خمسون ألفا بنسائهم وأولادهم وعيالهم. ولما بلغنى ذلك أحببت أن أقرّبهم الىّ ليعرفوا إحسانى إليهم، وأعظّمهم ليطمئنّوا الى قوّادنا، حتى إذا أردنا تسريحهم مع بعض قوّادنا كان كل واحد بصاحبه واثقا، فشخصنا الى أذربيجان، فلما نزلتها أذنت
(15/202)

لهم فى القدوم، وأتانى عند ذلك طرائف من هدايا قيصر، وأتانى رسول خاقان الأكبر، ورسول صاحب الروم، ورسول صاحب خوارزم، ورسول ملك الهند، والداور «1» ، وكابل «2» شاه، وصاحب سرنديب «3» ، وصاحب كله «4» ، وكثير من الرسل، وتسعة وعشرون ملكا فى يوم واحد، وانتهيت الى أولئك الأتراك الثلاثة والخمسين ألفا فأمرت أن يصفّوا هناك وركبت لذلك، فكان يومئذ من أصحابى وممن قدم علىّ ومن دخل فى طاعتى وعبوديّتى من لم يسعهم مرج كان طوله عشرة فراسخ، فحمدت الله كثيرا وأمرت أن يصفّ أولئك الأتراك فى أهل بيوتاتهم على سبع مراتب، ورأست عليهم منهم، وأقطعتهم وكسوت أصحابهم، وأجريت عليهم الأرزاق، وأمرت لهم بالمياه والأرضين، وأسكنت بعضهم مع قائد لى باللان «5» ، وقسمتهم فى كل ما احتجنا اليه من الثغور، وضممتهم الى المرزبان؛ فلم أزل أرى من مناصحتهم واجتهادهم فيما نوجههم له ما يسرنا فى جميع البلدان والثغور وغيرها.
(15/203)

قال: وكتب الىّ خاقان الأكبر يعتذر الىّ من بعض غدراته ويسأل المراجعة والتجاوز؛ وذكر فى كتابه ورسالته أن الذى حمله على عداوتى وغزو أرضى من لم ينظر له، وناشدنى الله أن أتجاوز عنه، وتوثّق لى بما أطمئنّ اليه. وذكر أن قيصر قد أرسل اليه وزعم أنه يستأذننى فى قبول رسله، وأنه لا يعمل فى قبول رسل أحد إلا بما آمره، ولا يجاوز أمرى، ولا يرغب فى الأموال ولا فى المودّات لأحد إلا برضائى، وكان دسيس «1» لى فى الترك يكاتبنى بندم خاقان وندم أصحابه على غدره وعداوته إياى، فأجبته: إنى لعمرى ما أبالى إن طبيعة نفسك وغريزتك غدرت بنا أم أطعت غيرك فى ذلك، وما ذنبك فى طاعة من أطعت فى ذلك إلا كذبتك فيما فعلته برأى نفسك، وإنى قد استحققت أشد العقوبة. وكتبت أنى لا أظن شيئا من الوثيقة تفى لكم إلا وقد كنت ضيعته، ولا أظن شيئا وثقت لنا به من قبل اليوم ثم غدرتم، فكيف نطمئنّ اليك ونثق بقولك؟ ولسنا نأمنك على مثل ما فعلت من الغدر ونقض العهد والكذب فى اليمين. وذكرت أن رسل قيصر عندك، ووقفنا على استنئذانك إيانا فيهم؛ وإنى لست أنهاك عن مودّة أحد. وكرهت أن يرى أنى أتخوّف مصادقته وأهاب ذلك منه. وأحببت أن أعلمه أنى لا أبالى بشىء مما جرى بينهما. ثم سرحت لمرمة المدائن والحصون التى بخراسان وجمع الأطعمة والأعلاف اليها ما يحتاج اليه الجند، وأمرت أن يكونوا على استعداد وحذر، ولا يكون من غفلتهم ما كان فى المرة الأولى وهم على حال الصلح.
قال: وكان شكرى لله تعالى لما وهب لى وأعطانى متصلا بنعمه الأول التى وهبها لى فى أوّل خلقه إياى؛ فإنما الشكر والنّعم عدلا كفّتى الميزان أيهما رجح بصاحبه احتاج الأخفّ الى أن يزاد فيه حتى يعادل صاحبه، فإذا كانت النعم
(15/204)

كثيرة والشكر قليلا انقطع الحمل وهلك ظهر الحامل، وإذا كان ذلك مستويا استمرّ الحامل. وكثير النعم يحتاج صاحبها الى كثير الشكر، وكثير الشكر يجلب كثير النعم. ولما وجدت الشكر بعضه بالقول، وبعضه بالعمل، ونظرت فى أحبّ الأعمال الى الله وجدته الشىء الذى أقام به السموات والأرض، وأرسى به الجبال، وأجرى به الأنهار وبرأ به البريّة. وذلك الحقّ والعدل فلزمتهما. ورأيت ثمرة الحقّ والعدل عمارة البلدان التى بها معايش الناس والدوابّ والطير وسكان الأرض.
ولما نظرت فى ذلك وجدت المقاتلة أجراء أهل العمارة، ووجدت أهل العمارة أجراء المقاتلة، فإنهم يطلبون أجورهم من أهل الخراج وسكان البلدان المدافعتهم عنهم، ومجاهدتهم من ورائهم، فحقّ على أهل العمارة أن وفّوهم أجورهم؛ فإن عمارتهم تتمّ بهم، وإن أبطأوا عليهم بذلك أو هنوهم فقوى عدوّهم؛ فرأيت من الحق على أهل الخراج ألا يكون لهم من عمارتهم إلا ما أقام معايشهم، وعمروا به بلدانهم، ورأيت ألا أجتاحهم وأستفرغ ذات أيديهم للخزائن والمقاتلة، فإنى إذا فعلت ذلك ظلمت المقاتلة مع ظلم أهل الخراج؛ وذلك أنه إذا فسد «1» العامر فسد المعمور، وكذلك أهل الأرض والأرض، فإنه إذا لم يكن لأهل الخراج ما يعيشهم ويعمرون به بلادهم هلكت المقاتلة الذين قوّتهم بعمارة الأرض؛ فلا عمارة للأرض إلا بفضل ما فى يد أهل الخراج؛ فمن الإحسان الى المقاتلة والإكرام لهم أن أرفق بأهل الخراج وأعمر بلادهم، وأدع لهم فضلا فى معايشهم؛ فأهل الأرض وذوو الخراج أيدى المقاتلة والجند وقوتهم، والمقاتلة أيضا أيدى أهل الخراج وقوتهم.
ولقد ميزت ذلك بجهدى وطاقتى، وفكرت فيه فما رأيت أن أفضّل هؤلاء على هؤلاء إذ وجدتهما كاليدين المتعاونتين والرجلين المترادفتين.
(15/205)

ولعمرى ما أعفى أهل الخراج من الظلم من أضرّ بالمقاتلة، ولا كفّ الظلم عن المقاتلة من تعدّى على أهل الخراج. ولولا سفهاء الأساورة لأبقوا على أهل الخراج والبلاد إبقاء الرجل على ضيعته التى منها معيشته وحياته وقوّته، ولولا جهّال أهل الخراج لكفّوا عن أنفسهم بعض ما يحتاجون إليه من المعايش إيثار للمقاتلة على أنفسهم.
قال: ولما فرغنا من إصلاح العامة والخاصة بهذين الركنين من أهل الخراج والمقاتلة كان ذلك ثمرة العدل والحقّ الذى دبّر الله العظيم خلائقه به، وشكرت الله على نعمته والمقاتلة فى أداء حقه على مواهبه، وأحكمنا أمر المقاتلة وأهل الخراج ببسط العدل، وأقبلنا بعد ذلك على السّير والسّنن، ثم بدأنا بالأعظم فالأعظم من أمورنا، والأكبر فالأكبر عائدا على جندنا ورعيتنا، ونظرنا فى سير آبائنا من لدن بستاسف الى ملك قباذ أقرب آبائنا. ثم لم نترك إصلاحا فى شىء من ذلك إلا أخذناه، ولا فساد إلا أعرضنا عنه، ولم يدعنا حبّ الآباء إلى قبول ما لا خير فيه من السنن، ولكنّا آثرنا حبّ الله وشكره وطاعته.
ولما فرغنا من النظر فى سير آبائنا وبدأنا بهم، وكانوا أحقّ بذلك، فلم ندع خقا إلا آثرناه، ووجدنا الحق أقرب القرابة. نظرنا فى سير أهل الروم والهند فاصطفينا محمودها، وجعلنا عيار «1» ذلك عقولنا، وميزانه بأحلامنا، فأخذنا من جميع ذلك ما زيّن سلطاننا، وجعلناه سنة وعادة، ولم تنازعنا أنفسنا الى ما تميل به أهواؤنا، وأعلمناهم ذلك وأخبرناهم به، وكتبنا إليهم بما كرهنا لهم من السير ونهيناهم عنه وتقدّمنا إليهم فيه؛ غير أنا لم نكره أحدا على غير دينه وملّته، ونحسدهم ما قبلنا، ولا منع ذلك انقباض بعلم ما عندهم، فإن الإقرار بمعرفة الحقّ
(15/206)

والعلم والاتباع له من أعظم ما تزيّنت به الملوك. ومن أعظم المضرة على الملوك الأنفة من العلم والحميّة من طلبه، ولا يكون عالما من لا يتعلّم.
ولما استقصيت ما عند هاتين الأمتين من حكمة التدبير والسياسة، ووصلت بين مكارم أسلافى، وما أحدثته بالرأى، وأخذت به نفسى، وقبلته عن الملوك الذين لم يكونوا منا، وثبت على الأمر الذى نلت به الظفر والخير، ورفضت سائر الأمم لأنى لم أجد عندهم رأيا ولا عقولا ولا أحلاما، ووجدتهم أصحاب بغى وحسد وكلب وحرص وشحّ وسوء تدبير وجهالة ولؤم عهد وقلة مكافأة. وهذه أمور لا تصلح عليها ولاية، ولا تتمّ لها نعمة.
قال ابن مسكويه: وقرأت مع هذه السير فى آخر هذه الكتاب الذى كتبه أنوشروان فى سيرة نفسه أن أنوشروان لما فرغ من أمور المملكة وهذبها جمع إليه الأساورة مع القوّاد والعظماء والمرازبة والنساك والموابذة وأماثل الناس معهم فخطبهم فقال:
ذكر خطبة أنوشروان
قال: أيها الناس، أحضرونى فهمكم، وارعونى أسماعكم، وناصحونى أنفسكم، فإنى لم أزل واضعا سيفى على عنقى منذوليت عليكم غرضا للسيوف والأسنة، وكل ذلك للمدافعة عنكم، والإبقاء عليكم، وإصلاح بلادكم مرة بأقصى الشرق، وتارة فى آخر المغرب، وأخرى فى نهاية الجنوب، ومثلها فى جانب الشمال، ونقلت الذين اتهمتهم إلى غير بلادهم، ووضعت الوضائع فى بلدان الترك، وأقمت بيوت النيران بقسطنطنية، ولم أزل أصعد جبلا شامخا وأنزل عنه، وأطأ حزونه بعد سهوله، وأصبر على المخمصة «1» والمخافة، وأكابد البرد والحر، وأركب هول البحر وخطر المفازة؛
(15/207)

إرادة هذا الأمر الذى قد أتمة الله لكم: من الإثخان فى الأعداء، والتمكن فى البلاد، والسعة فى المعاش، ودرك العز، وبلوغ ما نلتم؛ فقد أصبحتم بحمد الله ونعمته على الشرف الأعلى من النعمة، والفضل الأكبر من الكرامة والأمن، وقد هزم الله أعداءكم وقتّلهم؛ فهم بين مقتول هالك، وحىّ مطيع لكم سامع؛ وقد بقى لكم عدوّ عددهم قليل، وبأسهم شديد، وشوكتهم عظيمة؛ وهؤلاء الذين بقوا أخوف عندى عليكم، وأحرى أن يهزموكم ويغلبوكم من الذين غلبتموهم من أعدائكم، وأصحاب السيوف والرماح والخيول؛ وإن أنتم أيها الناس غلبتم عدوّكم هذا الباقى، غلبتكم لعدوّكم الذين قاتلتم وحاصرتم، فقد تمّ الظّفر والنصر، وتمّت فيكم القوّة، وتمّ بكم العزّ، وتمّت عليكم النعمة، وتمّ لكم الفضل، وتمّ لكم الاجتماع والألفة والصحة والسلامة؛ وإن أنتم قصّرتم ووهنتم، وظفر هذا العدوّ بكم فأين الظّفر الذى كان منكم، فاطلبوا أن تقتلوا من هذا العدوّ الباقى مثل ما قتلتم من ذلك العدوّ الماضى؛ وليكن جدّكم فى هذا واجتهادكم واحتشادكم أكبر وأجلّ وأحزم وأعزم وأصح وأشدّ، فإن أحقّ الأعداء بالاستعداد له أعظمهم مكيدة، وأشدهم شوكة، وليس الذى كنتم تخافون من عدوّكم الذى قاتلتم بقريب من هؤلاء الذين آمركم بقتالهم الآن؛ فاطلبوه وصلوا ظفرا بظفر، ونصرا بنصر، وقوّة بقوّة، وتأييدا بتأييد، وعزما بحزم وعزم، وجهادا بجهاد؛ فإن بذلك اجتماع إصلاحكم، وتمام النعمة عليكم، والزيادة فى الكرامة من الله لكم، والفوز برضوانه فى الآخرة.
ثم اعلموا أن عدوّكم من الترك والروم والهند وسائر الأمم لم يكونوا ليبلغوا منكم- إن ظهروا عليكم وغلبوكم- مثل الذى يبلغ هذا العدوّ منكم إن غلبكم وظهر عليكم؛ فإن بأس هذا العدوّ أشدّ، وكيده أكبر، وأمره أخوف من ذلك العدوّ.
(15/208)

يأيها الناس، إنى قد نصبت «1» لكم كما رأيتم، ولقيت ما قد علمتم بالسيف والرّمح والمفاوز والبحار والسهولة والجبال؛ أقارع عدوّا عدوّا، وأكالب جندا جندا، وأكابد ملكا ملكا، لم أتضرّع إليكم هذا التضرّع فى قتال أولئك الجنود والملوك، ولم أسألكم هذه المسألة فى طلب الجدّ منكم، والاجتهاد والاحتفال والاحتشاد، وإنما فعلت هذا لعظم خطره، وشدّة شوكته، ومخافة صولته بكم. وإن أنا أيها الناس لم أغلب هذا العدوّ وأنفه عنكم، فقد أبقيت فيكم أكبر الأعداء، ونفيت عنكم أضعفها، فأعينونى على نفى هذا العدوّ المخوف عليكم، القريب الدار منكم؛ فأنشدكم الله أيها الناس لمّا أعنتموتى عليه حتى أنفيه عنكم، وأخرجه من بين أظهركم فيتمّ بلائى عندكم، وبلاء الله فيكم عندى، وتتمّ النعمة علىّ وعليكم، والكرامة من الله لى ولكم، ويتمّ هذا العز والنصر، وهذا الشرف والتمكين، وهذه الثروة والمنزلة.
يأيها الناس، إنى تفكرت بعد فراغى من كتابى هذا، وما وصفت من نعمة الله علينا فى الأمر الذى لمّا غلب دارا الملوك والأمم وقهرها، واستولى على بلادها، ولمّا تحكّم أمر هذا العدوّ، هلك وهلكت جنوده بعد السلامة والظّفر والنصر والغلبة؛ وذلك أنه لم يرض بالأمر الذى تمّ له به الملك، واشتدّ به السلطان، وقوى به على الأعداء، وتمّت عليه به النعمة، وفاضت عليه من وجوه الدنيا كلّها الكرامة، حتى احتال له بوجوه النميمة والبغى؛ فدعا البغى الحسد «2» فتقوّى به وتمكّن، ودعا الحسد بغض أهل الفقر لأهل الغنى، وأهل الخمول لأهل الشرف؛ ثم أتاهم الإسكندر وهم على ذلك من تفرّق الأهواء، واختلاف الأمور، وظهور البغضاء
(15/209)

وقوّة العداوة فيما بينهم والفساد منهم. ثم ارتفع ذلك إلى أن قتله صاحب حرسه وأمينه على دمه، للذى شمل قلوب العامة من الشر والضغينة، ونبت فيها من العداوة والفرقة، وكفى الإسكندر مؤنة نفسه؛ وقد اتعظت بذلك اليوم وذكرته.
يأيها الناس، فلا أسمعنّ فى هذه النعمة تفرقا ولا بغيا ولا حسدا ظاهرا، ولا وشاية ولا سعاية، فإن الله قد طهّر من ذلك أخلاقنا وملكنا، وأكرم عنه ولا يتنا، وما نلت ما نلت بنعمة ربنا وحمده بشىء من الأمور الخبيثة التى نفتها العلماء، وعافتها الحكماء؛ ولكن نلت هذه الرتبة بالصحة والسلامة، والحب للرعية، والوفاء والعدل والاستقامة والتؤدة. وإنما تركنا أن نأخذ عن هذه الأمم التى سميناها، أعنى من الترك والبربر والزنج والجبال وغيرهم، مثل ما أخذنا عن الهند والروم لظهور هذه الأخلاق فيهم وغلبتها عليهم. ولا تصلح أمة قط وملكها على ظهور هذه الأخلاق التى هى أعدى أعدائكم.
يأيها الناس، إن فيما بسط الله علينا بالسلامة والعافية والاستصلاح غنى لنا عما نطلب بهذه الأخلاق الرديئة المشئومة؛ فأكفونى فى ذلك أنفسكم، فإنّ قهر هذه الأعداء أحبّ إلىّ وخير لكم من قهر أعدائكم من الترك والروم. فأما أنا أيها الناس فقد طبت نفسا بترك هذه الأمور ومحقها وقمعها ونفيها عنكم.
يأيها الناس، إنى قد أحببت أن أنفى عدوّكم الظاهر والباطن؛ فأما الظاهر منهما فإنّا بحمد الله ونعمته قد نفيناه وأعاننا الله عليه وحصد لنا شوكته، وأحسنتم فيه وأجملتم وآسيتم وأجهدتم، فافعلوا فى هذا العدوّ كما فعلتم فى ذلك العدوّ، واعملوا فيه كالذى عملتم فى ذلك، واحفظوا عنّى ما أوصيكم به فإنى شفيق عليكم ناصح لكم.
أيها الناس، من أحيا هذه الأمور فينا فقد أفسد بلاءه عندنا بقتاله من كان يقاتلنا من أعدائنا، فإن هذه أكثر مضرة، وأشدّ شوكة، وأعظم بلية، وأضر تبعة.
(15/210)

واعلموا أن خيركم يأيها الناس من جمع إلى بلائه السالف عندنا المعونة لنا على نفسه فى هذا الغابر. واعلموا أن من غلبه هذا غلبه ذاك، ومن غلب هذا فقد قهر ذاك؛ وذلك أن بالسلامة والألفة والمودّة والاجتماع والتناصح منكم يكون العزّ والقدرة والسلطان، ومع التحاسد والبغى والنميمة والسبّ يكون ذهاب العز، وانقطاع القوّة وهلاك الدنيا والآخرة؛ فعليكم بما أمرناكم به، واحذروا ما نهيناكم عنه، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. عليكم بمواساة أهل الفاقة، وضيافة السابلة «1» ، وأكرموا جوار من جاوركم، وأحسنوا صحبة من دخل فيكم من الأمم، فإنهم فى ذمّتى، ولا تجبهوهم ولا تظلموهم، ولا تسلّطوا عليهم، ولا تحرجوهم، فإن الإحراج يدعو إلى المعصية، ولكن اصبروا لهم على بعض الأذى، واحفظوا أمانتكم وعهدكم، واحفظوا ما عهدت إليكم من هذه الأخلاق، فلا تصلحوا إلا معها، وبالله تعالى ثقتنا فى الأمور كلها. ثم هلك أنو شروان بعد ثمان وأربعين سنة من ملكه.
ثم ملك بعده ابنه هرمز بن كسرى أنو شروان. وأمه قاقم بنة خاقان ملك الترك. وقيل: بل ابنة ملك من ملوك الخزر. قال: وكان كثير الأدب، حسن السياسة، جميل النية، وافر الإحسان إلى الضعفاء والمساكين.
وكان من سيرته المرتضاة أنه يجرى الخير والعدل على الرعية، ويشدّد على العظماء المتسلطين على الضعفاء. وبلغ من عدله أنه كان يسير إلى المياه ليصيف هناك، فأمر فنودى فى مسيره أن يتحامى مواضع الحروث، ولا يسير فيها الراكب لئلا يضروا بأحد، ووكّل بتعهد ما يجرى فى عسكره، ومعاقبة من تعدّى أمره وتغريمه لصاحب
(15/211)

الحرث عوضا عما أفسده له. وكان ابنه كسرى أبرويز فى عسكره فغار مركب من مراكبه ووقع فى حرث كان على الطريق، فأفسد ما مرّ عليه، فأخذ ودفع إلى الرجل الموكل من جهة هرمز بمعاقبة من أفسد هو أو دوابّه شيئا من الحرث، فلم يجسر الرجل الموكل من جهة هرمز أن ينفّذ أمر هرمز فى ابنه أبرويز، فرفع الأمر إلى هرمز فأمره أن يجدع أذنيه، ويبتر ذنبه، ويغرّم كسرى أبرويز لصاحب الحرث؛ فخرج الرجل لإنفاذ الأمر، فدس له كسرى رهطا من العظماء يسألونه التثبت فى الأمر، فكلّموه فلم يجب إلى ذلك. فسألوه تأخير إنفاذ الأمر فى المركب حتى يكلموا هرمز، ففعل، ولقى أولئك الرهط هرمزا وأعملوه أن ذلك المركب الذى غار إنما غار زعارة «1» ، وأنه أخذ لوقته. وسألوه أن يأمر بالكف عن جدعه وبتره، لما فى ذلك من سوء الطّيرة فلم يجبهم إلى ما سألوه، وأمر بالمركب فجدعت أذناه وبترذنبه، وغرم كسرى كما يغرم غيره من الجند ثم ارتحل.
قال: وركب ذات يوم فى أوان إيناع الكرم يريد ساباط «2» المدائن، وكان ممرّه على بساتين وكروم، فنظر بعض الأساورة إلى كرم فرأى حصرما، فأصاب منه عناقيد ودفعها إلى غلامه وقال: اذهب بها إلى المنزلة واطبخها بلحم واصنع منها مرقة فإنها نافعة فى هذا الإبّان، فأتاه حافظ ذلك الكرم فلزمه وصاح به، فبلغ إشفاق الأسوار من عقوبة هرمز أن دفع إنى حافظ الكرم منطقة محلّاة بالذهب كانت فى وسطه، وسأله أن يأخذها عوضا عما أخذه من الحصرم، ولا يرفع الأمر إلى الملك.
(15/212)

فهذه كانت سيرته فى العدل، وهذا كان خوف جنده وأساورته منه. وكان مظفّرا منصورا، وكان أديبا داهيا، إلا أنه كان مقصيا للأشراف وأهل البيوتات والعلماء. وقيل: إنه قتل ثلاثة عشر ألف رجل وستمائة رجل منهم، ولم يكن له رأى إلا فى تآلف السّفلة وأسقاط الناس واستصلاحهم. وحبس خلقا كثيرا من العظماء، وحطّ مراتب جماعة كبيرة، وقصّر بالأساورة ففسدت عليه نيات أكابر جنده وعظماء مملكته، فكان عاقبة سوء هذا التدبير أن خرج عليه جماعة من الملوك منهم شابه [شاه «1» ] ملك الترك فى ثلاثمائة ألف مقاتل، وسار إلى باذغيس «2» ، وذلك بعد مضىّ إحدى عشرة سنة من ملكه، وخرج عليه ملك الروم فى ثمانين ألف مقاتل، وخرج عليه ملك الخزر حتى سار إلى باب الأبواب، وخرج عليه من العرب خلق كثير، فنزلوا فى شاطئ الفرات وشنّوا الغارات على أهل السواد، فاجترأ عليه أعداؤه وغزوا بلاده.
فأما شابه [شاه «3» ] ملك الترك فإنه أرسل إلى هرمز وإلى عظماء ملكه من الفرس يؤذنهم بإقباله فى جيوشه زمرا زمرا، وأعلمهم أنه يريد غزو الروم، ويسلك إليهم من بلادهم، وأمرهم أن يعقدوا له قناطر على كل نهر يمرّ عليه فى بلادهم من الأنهار التى لا قناطر عليها، وكذلك فى الأودية، وأن يسهّلوا له الطرق والمسالك وقال: فإننى قد أجمعت على المسير إلى بلاد الروم من بلادكم، فاستفظع هرمز ما ورد عليه من ذلك، وجمع أكابر مملكته وعرض ذلك عليهم، وشاورهم فيما يفعله، فاجتمعت الآراء على قصد ملك الترك وحربه، فندب إليه رجلا من أهل الرأى والنجدة يقال له بهرام جوبين، فاختار بهرام من العسكر اثنى عشر ألفا
(15/213)

من الكهول دون الشباب، وسار بهم حتى انتهى إلى هراة «1» وباذغيس، ولم يشعر شابه [شاه «2» ] ملك الترك ببهرام حتى وافاه ونزل بالقرب من معسكره، فكانت بينهما حروب كثيرة آخرها أن بهرام جوبين قتل شابه برمية رماه [بها «3» ] فاستباح عسكره، وأقام بهرام موضعه، فوافاه برموذة «4» بن شابه وكان يعدل بأبيه، فحار به فهزمه بهرام جوبين وحصره فى بعض الحصون، ثم ألحّ عليه حتى استسلم له، فوجهه أسيرا إلى هرمز، وغنم كنوزا عظيمة، فيقال إنه حمل إلى هرمز من الأموال والجواهر والأوانى وسائر الأمتعة وقرمائتى ألف وخمسين ألف بعير فى مدّة تلك الأيام، فشكره هرمز على ذلك، وأمره أن يتقدّم بمن معه إلى بلاد الترك فلم يره بهرام صوابا، ثم خاف سطوة هرمز.
وحكى له أن الملك يستقلّ ما حمله إليه من الغنائم فى جنب ما وصل إليه منها، وأنه يقول فى مجالسه قد ترفّه بهرام واستطاب الدّعة، وبلغ ذلك الجند فخافوا مثل خوفه. فيقال إن بهرام جمع ذات يوم وجوه عسكره وأجلسهم على مراتبهم ثم خرج عليهم فى زىّ النساء وبيده مغزل وقطن حتى جلس فى موضعه؛ وحمل إلى كل واحد من أولئك القوم مغزل وقطن ووضع بين أيديهم، فامتعضوا من ذلك وأنكروه وقالوا: ما هذا الزىّ! فقال بهرام: إن كتاب الملك ورد علىّ بذلك ولا بدّ من امتثال أمره إن كنتم طائعين له، فأظهروا أنفة وحميّة وأجمعوا كلهم على خلع
(15/214)

هرمز، فخلعوه وأظهروا أن ابنه كسرى أبرويز أصلح للملك منه، وساعدهم على ذلك خلق كثير ممن كان بحضرة هرمز.
ولما اتصل ذلك بهرمز أنفذ جيشا كثيفا مع بعض قوّاده لمحاربة بهرام جوبين، فأشفق أبرويز من الحديث وخاف سطوة أبيه ببهرام، فهرب إلى أذربيجان، فاجتمع إليه هناك عدّة من المرازبة ومن الأصبهبذين، فأعطوه بيعتهم ولم يظهر أبرويز شيئا، وأقام بمكانه إلى أن بلغه قتل القائد الذى كان قد بعثه هرمز لمحاربة بهرام جوبين، وهو أذبيحشيش، وهزيمة الجيش الذى كان معه واضطراب أمر هرمز أبيه، وكتبت أخت أذبيحشيش إلى كسرى أبرويز تخبره بضعف أبيه هرمز، وأعلمته أن العظماء والوجوه قد أجمعوا على خلعه، وأن بهرام جوبين إن سبقه إلى المدائن احتوى على الملك. قال: ولم يلبث العظماء أن وثبت على هرمز وفيهم بندويه «1» وبسطام خالا أبرويز وخلعوه وسملوا عينيه، وتركوه تحرّجا من قتله. فكان ملكه إلى أن خلع وسمل اثنتى عشرة سنة.
ثم ملك بعده ابنه كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنو شروان. قال:
ولما ملك بادر بمن معه إلى المدائن وسبق إليها بهرام جوبين وتتوّج وجمع إليه الوجوه والأشراف، وجلس على السرير ومنّاهم، وأمرهم بالسمع والطاعة، فاستبشر الناس به ودعوا له وأجابوه ودخلوا تحت طاعته. فلما كان فى اليوم الثانى أتى إلى أبيه فسجد له، واعتذر وقال: إنك تعلم أيها الملك إننى برىء مما جناه إليك هؤلاء القوم الذين فعلوا بك ما فعلوا، وإنما هربت خوفا منك وإشفاقا على نفسى، فصدّقه هرمز وقال: يا بنىّ! إن لى إليك حاجتين فاسعفنى بهما، إحداهما: أن
(15/215)

تنتقم لى ممن عاون على خلعى وسمل عينىّ ولا تأخذك بهم رأفة، والأخرى تؤنسنى كل يوم بثلاثة نفر ممن لهم أصالة رأى، وتأذن لهم بالدخول إلىّ؛ فتواضع له أبرويز وقال: عمرك الله أيها الملك، إن المارق بهرام قد أطلنا «1» ومعه أهل الشجاعة والنجدة، ولسنا نقدر أن نمدّ يدا إلى من أتى إليك ما أتى؛ فإنهم وجوه أصحابك؛ ولكن إن أمكننى الله من المنافق فأنا خليفتك وطوع أمرك.
قال: وأما بهرام جوبين فإنه ورد إلى النهروان، فخرج كسرى أبرويز إليه وواقفه بها وجعل النهر بينه وبينه، ودار بينهما كلام كثير. كل ذلك فى استصلاح بهرام ورجوعه إلى الطاعة، وهو لا يجيب إلى ذلك ولا يردّ إلا ما يسوء أبرويز حتى يئس منه وأجمع على حربه والتقوا واقتتلوا. وكان بينهما أخبار كثيرة وأحاديث طويلة آخرها أن أبرويز ضعف عنه بعد أن قتل بيده ثلاثة نفر من الأتراك، وكانوا من أشدهم وأعظمهم شجاعة ووسامة، وكانوا قد التزموا لبهرام بقتل أبرويز، وضمن لهم بهرام على ذلك أموالا عظيمة.
قال: ثم رأى أبرويز من أصحابه فتورا فسار الى أبيه وشاوره فرأى المسير الى الروم، وأحرز نساءه وشخص فى عدّة يسيرة فيهم بندويه وبسطام وكردى أخو بهرام؛ لأنه كان معاديا لأخيه، شديد الطاعة والنصيحة لأبرويز. فلما خرجوا من المدائن خاف القوم من بهرام، وأشفقوا أن يردّ هرمز الى الملك، ويكاتب ملك الروم عن هرمز فى ردّهم فيتلفوا؛ فذكروا ذلك لأبرويز واستأذنوه فى إتلاف هرمز فلم يحر جوابا، فانصرف بندويه وبسطام وطائفة معهما الى هرمز فخنقوه ثم رجعوا الى كسرى فقالوا: سر على خير طالع، وأيمن طائر؛ فحثّوا دوابّهم وساروا الى الفرات فقطعوه، وأخذوا طريق المفازة بدلالة رجل يقال له: خرشيذان
(15/216)

وساروا الى بعض الديارات التى فى أطراف العمارة، فلما أوطنوه للراحة لحقتهم خيل بهرام جوبين، فلما نذروا بهم أنبه بندويه أبرويز من نومه وقال له: احتل لنفسك فإن القوم قد طلبوك «1» . فقال كسرى: ما عندى حيلة. فقال بندويه:
إنى سأحتال لك بأن أبذل نفسى دونك؛ قال: وكيف ذلك؟ قال: تدفع لى ثوبك وزينتك لأعلو الدير وتنجو أنت ومن معك من وراء الدير، فإن القوم إذا وصلوا ورأوا هيئتك علىّ اشتغلوا بى عن غيرى، وطاولتهم حتى تفوتهم، ففعل ذلك.
وخرج أبرويز ومن معه، ثم وافت خيل بهرام الدير وعليهم قائد لهم يقال له بهرام ابن سياوش فاطلع عليهم بندويه من فوق الدير وعليه زينة أبرويز وثيابه، وأوهمهم أنه هو، وسأله أن ينظره الى غد ليصير فى يده سليما ويسير به الى بهرام جوبين، فأمسك عنه وحفظ الدير ليلة كاملة بالحرس. فلما أصبح اطلع عليه فى بزّته وحليته وقال: إن علىّ وعلى أصحابى بقية شغل من استعداد وصلوات وعبادات فأمهلنا.
ولم يزل يدافعه حتى مضى عامة النهار وأمعن أبرويز، وعلم بندويه أنه قد فاتهم، ففتح الباب حينئذ وأعلم بهرام سياوش بأمره، فانصرف به الى بهرام جوبين فحبسه.
وأما بهرام جوبين فإنه دخل المدائن وجلس على سرير الملك، وجمع العظماء فخطبهم وذمّ أبرويز ودار بينهم كلام، فكان كلهم منصرفا عنه إلا أن بهرام تتوّج وانقاد له الناس خوفا، ثم إن بهرام بن سياوش واطأ بندويه على الفتك ببهرام جوبين، فظهر بهرام على ذلك، فقتل سياوش وأفلت بندويه ولحق بأذربيجان، وسار أبرويز حتى أتى أنطاكية فكاتب ملك الروم منها، وراسله بجميع من كان معه وسأله نصرته، فأجابه الى ذلك وزوّجه ابنته مريم وحملها إليه، وأمدّه بثياذوس أخيه ومعه ستون ألفا من المقاتلة، عليهم رجل يقال له سرجس، يتولى تدبير
(15/217)

أمرهم، ورجل آخر من أبطال الروم، كان يعدّ بينهم بألف رجل، وسأله ترك الأتاوة التى كان أبوه ومن قبله من ملوك الفرس يستأدونها من ملوك الروم إذا هو ملك، فأجابه الى ذلك، وفرح بالجيش الذى أمدّه به ملك الروم، واغتبط بهم وأراحهم خمسة أيام، ثم عرضهم وعرّف عليهم العرفاء وسار بهم حتى نزل من أذربيجان فى صحراء تدعى الدنق «1» فوافاه هناك بندويه ورجل من أصبهبذى الناحية يقال له موسيل فى أربعين ألف مقاتل، فانضمّوا إليه، ووافاه الناس بالخيل من أصبهان وفارس، وانتهى الى بهرام جوبين مكانه بصحراء الدنق، فشخص نحوه من المدائن، فجرت بينهما حروب شديدة قتل فيها الكمىّ الرومىّ بضربة ضربه بها بعض الفرس على رأسه فقدّ رأسه وبدنه، وعاد فرسه بنصف بدنه الباقى الى المعركة.
فلما رآه أبرويز استضحك؛ فعظم ذلك على الروم وعاتبوا أبرويز وقالوا له: هذا جزاؤنا منك! يقتل كميّنا وواحد عصره فى طاعتك وبين يديك ونصحك ونصرتك وأنت تضحك لقتله! فاعتذر بأن قال: إنى والله ما ضحكت لما تكرهون. ولقد شقّ علىّ أن فقدت مثله أكثر مما شقّ عليكم، ولكنى رأيتكم تستصغرون شأن جوبين وتنكرون هربى منه، فذكرت ذلك من قولكم الآن وعلمت أنكم برؤيتكم هذه الضربة تعذروننى وتعلمون يقينا أن هربى إنما كان من أمثال هؤلاء القوم الذين هذا مبلغ نكايتهم فى الأبطال. ويقال إن أبرويز حارب بهرام منفردا عن العسكر بأربعة عشر رجلا منهم كردى أخو جوبين وبندويه وبسطام حربا شديدا وصل فيها بعضهم الى بعض، وآخر الأمر أن أبرويز استظهر استظهارا يئس منه بهرام جوبين، وعلم
(15/218)

أنه لا حيلة له فيه ولا قدرة عليه، فانحاز عنه نحو خراسان، ثم سار الى الترك، وسار أبرويز الى المدائن بعد أن فرق فى الجنود من الروم أموالا عظيمة وصرفهم الى ملك الروم.
قال: ولبث بهرام جوبين فى الترك مكرما عند الملك حتى احتال عليه كسرى أبرويز بتوجيهه رجلا يقال له هرمز الى الترك بجوهر نفيس وغيره من الهدايا الى امرأة ملك الترك حتى دسّت لبهرام من قتله؛ فاغتمّ خاقان لموته وأرسل إلى أخته كردية وامرأته يعلمهما بلوغ الحوادث ببهرام، وسأل كردية أخت بهرام أن يتزوّجها وفارق امرأته خاتون بهذا السبب، فأجابته كردية جوابا لينا، ثم ضمت إليها من كان مع أخيها بهرام من المقاتلة، وخرجت بهم من بلاد الترك إلى حدود مملكة فارس، فأتبعها ملك الترك أخاه نطرا «1» فى اثنى عشر ألف فارس. فيقال إن كردية قاتلت وقتلت نطرا بيدها، ومضت لوجهها حتى بلغت حدود أرض فارس، وكتبت إلى أخيها كردى فأخذ لها أمانا من أبرويز، فلما قدمت عليه اغتبط بها وتزوّج بها أبرويز.
قال: ولم يزل أبرويز يلاطف ملك الروم الذى نصره وأمدّه ويهاديه إلى أن وثبت الروم عليه فى شىء أنكروه منه فقتلوه وملّكوا غيره، فبلغ ذلك أبرويز فتألم له وأوى إلى أبرويز ابن الملك المقتول، فتوجه أبرويز وملكه على الروم، ووجه معه جنودا كثيفة مع شهرياز فدوّخ بهم البلاد. وملك صاحب كسرى بيت المقدس وأخذ خشبة الصلب وبعث بها إلى كسرى، وذلك فى أربع وعشرين سنة من ملكه، ثم احتوى على مصر والاسكندرية وبلاد النوبة، وبعث مفاتيح ثغر الإسكندرية إلى كسرى فى سنة ثمان وعشرين من ملكه، وقصد قسطنطينية فأناخ
(15/219)

على ضفة الخليج الذى هو بالقرب منها وخيم هنالك، فأمره كسرى فخرّب بلاد الروم غضبا على أهلها لما انتهكوا من ملكهم وانتقاما له، ومع ذلك لم يخضعوا لابن ملكهم المقتول ولا منحوه الطاعة، ولا مال اليه واحد منهم؛ غير أنهم قتلوا الملك الذى ملّكوه عليهم بعد أبيه المسمى قوقا لما ظهر لهم من فجوره وسوء تدبيره؛ وملّكوا عليهم رجلا يقال له هرقل. فلما رأى هرقل عظم ما فيه أهل بلاد الروم من تخريب جنود فارس بلادهم، وقتلهم مقاتلتهم، وسبيهم ذراريهم، واستباحتهم أموالهم تضرّع إلى الله وأكثر الدعاء وابتهل. فيقال إنه رأى فى منامه رجلا ضخم الجثة رفيع المجلس قد دخل عليه، فدخل عليهما داخل فألقى ذلك الرجل عن مجلسه وقال لهرقل: إنى قد أسلمته فى يدك، فلم يقصص رؤياه تلك فى يقظته على أحد حتى توالت عليه أمثالها، فرأى فى بعض لياليه كأن رجلا دخل عليهما وبيده سلسلة طويلة فألقاها فى عنق صاحبه، أعنى صاحب المجلس الرفيع، ثم دفعه إليه وقال له: ها قد دفعت اليك كسرى برقبته.
فلما تتابعت هذه الأحلام قصّها على عظماء الروم وذوى العلم منهم، فأشاروا عليه أن يغزوه، فاستعدّ هرقل واستخلف ابنه على مدينة قسطنطينية، وأخذ عن الطريق الذى فيه شهرياز «1» صاحب كسرى وعدل الى غيرها، وسار حتى أوغل فى بلاد أرمينية ونزل نصيبين سنة، وكان صاحب ذلك الثغر من قبل كسرى استدعى لموجدة كانت من كسرى عليه. وأما شهرياز فقد كانت كتب كسرى ترد عليه فى الجثوم على الموضع الذى هو به وترك البراح، ثم بلغه أن هرقل قد أقام بجنوده
(15/220)

بنصيبين، فوجه كسرى لمحاربة هرقل رجلا من قوّاده يقال له: راهزار «1» فى اثنى عشر ألف رجل من الأنجاد، وأمره أن يقيم بنينوى- وهى الموصل- على شاطئ دجلة ويمنع الروم أن يجوزوها. وكان كسرى بلغه خبر هرقل، وهو يومذاك بدسكرة «2» الملك، فنفذ الجيش لمنعه من جواز دجلة، فعسكروا حيث أمرهم كسرى، فقطع هرقل دجلة من موضع آخر الى الناحية التى فيها جنود فارس، فأذكى راهزار العيون عليه، فأخبروه أن هرقل فى سبعين ألف مقاتل، فأيقن راهزار ومن معه من الجند أنهم عاجزون عن مناهضته، فكتب إلى كسرى غير مرة أن هرقل قد دهمه بما لا طاقة له به ولا قبل من الجنود الكثيرة. كل ذلك يجيبه كسرى بأنه إن عجز عن الروم فلن يعجز عن استقبالهم، وبذل دماء الفرس فى طاعته.
فلما تتابعت على راهزار أجوبة كسرى بذلك عبّأ جنده وناهض الروم بهم؛ فقتلت الروم راهزار وستة آلاف رجل من الفرس، وانهزم بقيتهم وهربوا على وجوههم لا يلوون على شىء، وبلغ كسرى ذلك فانحاز من دسكرة الملك الى المدائن، وتحصّن بها لعجزه عن محاربة هرقل، وسار هرقل بجيوش الروم حتى كان قريبا من المدائن، فاستعدّ كسرى لقتاله، فلما بلغه ذلك انصرف الى أرض الروم، وكتب كسرى الى قوّاد الجند الذين انهزموا يأمرهم أن يدلّوه على كل رجل انهزم منهم، ومن فشل فى تلك الحرب، ولم يرابط مركزه، وأمر بعقوبتهم بحسب ما استوجبوا، فأحوجهم بهذا الكتاب الى الخلاف عليه، وطلب الحيل لنجاة أنفسهم منه، وكتب الى شهرياز يأمره بالقدوم عليه ويستعجله فى ذلك ويصف ما نال هرقل منه ومن بلاده.
(15/221)

وقد حكى أن كسرى عرّف أن له امرأة فى فارس لا تلد إلا الملوك والأبطال فدعاها وقال: إنّى أريد أن أبعث الى الروم جيشا وأستعمل عليهم رجلا من بنيك فأشيرى علىّ أيّهم أستعمل، فوصفت له أولادها فقالت: هذا فرّخان أنفذ من سنان؛ وهذا شهرياز «1» أحكم من كذا، وهذا فلان أروغ من كذا؛ فاستعمل شهرياز؛ فسار الى الروم فظهر عليهم وهزمهم وخرّب مدائنهم.
فلّما ظهرت فارس على الروم جلس فى بعض الأيام فرّخان يشرب؛ فقال فرّخان لأصحابه: لقد رأيت أنّى جالس على سرير كسرى، فبلغت كلمته كسرى، فكتب إلى شهرياز: اذا أتاك كتابى هذا فابعث إلىّ برأس فرّخان، فكتب اليه:
أيها الملك، إنك لن تجد مثل فرّخان، وإن له نكاية فى العدوّ وصيتا فلا تفعل، فكتب اليه: إنّ فى رجال فارس خلفا منه، فعجّل إلىّ برأسه، فراجعه فغضب كسرى ولم يجبه، وبعث بريدا الى أهل فارس: إنّى قد نزعت عنكم شهرياز واستعملت فرّخان، فانقاد له شهرياز وقال: سمعا وطاعة، ونزل عن سريره وجلس عليه فرّخان، ثم دفع البريد صحيفة صغيرة الى فرّخان كان كسرى قد أعطاها له وقال له: اذا انقاد شهرياز الى طاعة فرّخان فاعط فرّخان هذه الصحيفة، فلما قرأها فرّخان قال: علىّ بشهرياز! فأتى به فقدّم ليضرب عنقه فقال: لا تعجّل علىّ حتى أكتب وصيّتى، ثم دعا بسفط وأخرج منه ثلاث صحائف، وهى التى كان كسرى أمر شهرياز فيها بقتل فرّخان وقال له: كلّ هذه راجعت كسرى فيها عنك، وأنت تريد أن تقتلنى بكتاب واحد؟ فردّ الملك إلى «2» أخيه واعتذر
(15/222)

منه، فكتب شهرياز الى هرقل ملك الروم: إنّ لى إليك حاجة لا تحملها البرد، ولا تبلّغها الصّحف، فألقنى ولا تأتينى إلّا فى خمسين روميّا، فإنّى أيضا ألقاك فى خمسين فارسيّا، فأقبل هرقل فى خمسمائة [ألف «1» ] رومىّ، وجعل يضع العيون بين يديه فى الطريق، وخاف أن يكون قد مكر به، فأتته عيونه أنه ليس مع شهرياز إلا خمسين رجلا.
قال: ثم التقيا وقد بسط لهما فى قبّة من الدّيباج ضربت لهما، فاجتمعا ومع كلّ واحد منهما سكّين، ودعوا ترجمانا يترجم لكلّ منهما عن قول الآخر؛ فقال شهرياز لهرقل: إنّ الذين خرّبوا مدينتك وبلغوا منك ومن جندك ما بلغوا أنا وأخى بشجاعتنا وكيدنا، وإنّ كسرى حسدنا وأراد قتل أخى وكتب إلىّ بقتله فأبيت، ثم أمر أخى أن يقتلنى وقد خلعناه جميعا ونحن نقاتله معك. قال: قد أصبتما ووفّقتما، ثم أشار أحدهما الى صاحبه: إنّ السرّ إنما يكون بين اثنين فإذا جاوز اثنين فشا، قال الآخر:
نعم، فقاما جميعا الى الترجمان بسكّينيهما فقتلاه، واتفقا على قتال كسرى أبرويز.
ومما اتفق فى أيامه من الحوادث يوم ذى قار، وسنذكره- إن شاء الله تعالى- فى أيام العرب ووقائعها، ولم نذكر فى هذا الموضع يوم ذى قار على سبيل الإيراد له بل على سبيل التنبيه عليه.
ذكر حيلة لأبرويز على ملك الروم
قال: كان أبرويز وجّه رجلا من جلّة «2» أصحابه فى جيش جرّار الى بلاد الروم، فنكأ «3» فيهم، وبلغ منهم، وفتح الشام، وبلغ الدرب فى آثار الروم، فعظم أمره حتى خافه
(15/223)

أبرويز، فكاتبه بكتابين، يأمره فى أحدهما أن يستخلف على جيشه من يثق به، ويقبل إليه، ويأمره فى الكتاب الآخر أن يقيم بمكانه، وأنه لمّا تدبّر أمره، وأجال الرأى لم ير من يسدّ مسدّه، ولم يأمن الخلل إن غاب عن موضعه، وأرسل بالكتابين رسولا من ثقاته وقال له: أعطه الكتاب الأوّل بالأمر بالقدوم، فإن أجاب الى ذلك فهو ما أردت، وإن كره وتثاقل عن الطاعة فاسكت عليه أياما وأعلمه أن الكتاب الثانى ورد عليك وأوصله اليه ليقيم بموضعه. فخرج رسول كسرى حتى أتى صاحب الجيش ببلاد الشام فأوصل اليه الكتاب، فلمّا قرأه قال: إمّا أن يكون كسرى قد تغيّر لى وكره موضعى، أو يكون قد اختلط عقله بصرف مثلى وأنا فى نحر العدوّ؛ فدعا أصحابه وقرأ عليهم الكتاب فأنكروه. فلما كان بعد ثلاثة أيام أوصل اليه الكتاب الثانى بالمقام وأوهمه أنّ رسولا ورد به. فلمّا قرأه قال: هذا تخليط ولم يقع منه موقعا، ودسّ الى ملك الروم من باطنه فى إيقاع الصلح بينهما على أن يخلى الطريق لملك الروم حتى يدخل الى بلاد العراق على غرّة من كسرى، وعلى أنّ لملك الروم ما يغلب عليه من دون العراق، وللفارسىّ ماوراء ذلك من بلاد فارس، فأجابه ملك الروم الى ذلك وتنحّى الفارسىّ عنه فى ناحية من الجزيرة، وأخذ أفواه الطريق، فلم يعلم كسرى حتى ورد خبر ملك الروم من ناحية قرقيسيا، «1» وكسرى على غير استعداد، وجنده متفرّقون فى أعماله. فلما أتاه الخبر وثب عن سريره وقال: هذا وقت حيلة ومكيدة، لا وقت شدّة، وجعل ينكث الأرض مليّا، ثم دعا برقّ فكتب فيه كتابا صغيرا بخطّ دقيق الى صاحبه بالجزيرة يقول فيه: قد علمت ما كنت أمرتك به من مواصلة صاحب الروم وأطماعهم فى نفسك، وتخلية الطريق حتى اذا تولج بلادنا أخذته من أمامه، وأخذته ومن ندبناه معك من خلفه فيكون فى ذلك
(15/224)

بواره، وقد تمّ فى هذا الوقت ما دبّرناه، وميعادك فى الإيقاع به يوم كذا وكذا، ثم دعا راهبا فى دير بجوار مدينته وقال له: أىّ جار كنت لك، قال: أفضل جار، فقال: قد بدت لنا اليك حاجة، فقال الراهب: الملك أجلّ من أن يكون له إلىّ حاجة، ولكن عندى بذل نفسى، فما الذى يأمر به الملك؟ قال كسرى: تحمل لى كتابا الى فلان صاحبى، قال نعم، قال كسرى: ستمرّ بأصحابك النصارى فأخفه، فلما ولّى عنه الراهب قال له كسرى: أعلمت ما فى الكتاب؟ قال لا، قال:
فلا تحمله حتى تعلم ما فيه. فلما قرأه أدخله فى جيبه ثم مضى. فلما صار فى عسكر الروم ونظر إلى الصّلبان والقسّيسين وضجيجهم بالتقديس والصلوات احترق قلب الراهب وأشفق عليهم وقال فى نفسه: أنا شرّ الناس إن حملت بيدى حتف النصرانية، وهلاك هؤلاء الخلق؛ فصاح الراهب: أنا لم يحملنى الملك كسرى رسالة ولا معى كتاب، فأخذوه فوجدوا الكتاب معه، وقد كان كسرى أيضا وجّه رسولا قبل ذلك وأمره أن يمرّ بعسكر الروم كأنه رسول الى كسرى من صاحبه الذى وافق ملك الروم ومعه كتاب فيه: إنّ الملك كان قد أمرنى بمقاربة ملك الروم، وأن أخدعه وأخلى له الطريق، فيأخذه الملك من أمامه وآخذه أنا من خلفه، وقد فعلت ذلك، فرأى الملك فى إعلامى وقت خروجه اليه. فأخذ ملك الروم الرسول وقرأ الكتاب وقال: قد عجبت من أن يكون هذا الفارسىّ معى على كسرى، ووافاه كسرى أبرويز فيمن أمكنه من جنده، فوجد ملك الروم قد ولّى هاربا فاتبعه يقتل ويأسر من أدرك، وبلغ صاحب كسرى هزيمة الروم فأحبّ أن يخلى نفسه ويستر ذنبه. فلمّا فاته ما دبّر خرج خلف ملك الروم يقتل فيهم ويأسر، فلم يسلم منهم إلّا القليل.
(15/225)

ذكر سبب هلاك أبرويز وقتله
قال: وكان سبب ذلك تجبره واحتقاره للعلماء وعتوّه، وذلك أنه استخفّ بما لا يستخفّ به الملك الحازم، وكان قد جمع من المال ما لم يجمعه أحد من الملوك، وبلغت خيله الى قسطنطينية وأفريقية، وكانت له اثنتا عشرة ألف امرأة وجارية، وألف فيل إلّا فيل واحد، وخمسون ألف دابّة، ومن الجواهر والأوانى والآلات ما يليق بذلك، وأمر أن يحصى ما جبى من بلاده وسائر أبواب المال سنة ثمانى عشرة من ملكه، فرفع إليه أنّ الذى جبى فى تلك السنة من الخراج وسائر الأبواب كان ستمائة ألف ألف درهم، وأمر أن يحوّل إلى بيت مال بنى بمدينة طيسفون «1» من ضرب فيروز بن يزدجرد وقباذ بن فيروز اثنتى عشرة ألف بدرة من أنواع الجواهر وغير ذلك.
قال: فعتا وتجبّر واستهان بالناس والأحرار، وبلغ من جرأته أنه رأى رجلا كان على حرس باب الخاصّة، يقال له: زاذان فرّوخ، فأمره أن يقتل كل مقيّد فى سجن من سجونه، فأحصوا من بالسجون من المقيّدين فبلغوا ستّة وثلاثين ألفا، فلم يقدر زاذان فرّوخ على قتلهم، وتوقّف عن إمضاء أمر كسرى وأعدّ عللا له فيما أمره به فيهم، فكان هذا أحد الأسباب التى كسب بها كسرى عداوة أهل مملكته مع وجود احتقاره إيّاهم، واستخفافه بهم، واطّراحه لعظمائهم.
ومن ذلك أنه سلّط علجا، يقال له: فرّخان زاذ، على الخراج فاستخرج بقاياهم منهم بعنف وعذاب. ومن ذلك أنه أجمع على قتل الفلّ «2» الذين انصرفوا إليه من
(15/226)

قبل هرقل، فأكّدت هذه الأسباب بغضه، واستطال الناس مدّته، فكان نتيجة ذلك أنّ قوما من العظماء انصرفوا إلى عقر بابل «1» ، وفيه شيرى «2» بن أبرويز مع إخوته، وقد كان كسرى أبرويز وكّل بهم مؤدّبين وأساورة، يحولون بينهم وبين من يجتمع بهم من الناس، ويمنعونهم من البراح، فأخذه العظماء وأقبلوا به إلى مدينة بهرسير «3» ودخلوها ليلا، فخلّى عمّن كان فى سجونها وأخرجهم، واجتمع إليه الفلّ الذين كانوا غلبوا وفرّوا من هرقل وأمر كسرى بقتلهم، فنادوا: قباذ شاهنشاه، وصاروا كلّهم عند الصباح إلى رحبة كسرى، فهرب الحرس، وانحاز كسرى بنفسه إلى باغ «4» له بالقرب من قصره، يعرف بباغ الهندوان «5» ، فارّا مرعوبا، فأخذ وحبس بمكان غير دار المملكة، فى دار رجل يقال له: مار اسفند، إلى أن قتل بعد حديث طويل ومراسلات كانت بينه وبين ابنه شيرى بمواطأة العظماء، بعد تقريع عظيم، وتوبيخ كثير، على ما كان منه، ومن سوء تدبيره، وقبح فعاله، وهو يجيبهم بأجوبة إقناعيّة، وله مراسلات ووصايا كتبها إلى ابنه من السجن؛ قد ذكرنا بعضها فيما سلف من هذا الكتاب. وكان هلاكه بعد ثمان وثلاثين سنة من ملكه. وبمضىّ آثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوما من ملكه، كانت هجرة سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.
(15/227)

قال: ولمّا قبض على كسرى خلّف فى بيت المال من الورق «1» أربعمائة ألف بدرة سوى الكنوز والذخائر والجواهر والآلات.
وكان وزيره والقائم بتدبير دولته بزرجمهر الحكيم. ولبزرجمهر هذا قضايا وحكم ومواعظ فى أيدى الناس. ويقال: إنّ بزرجمهر هذا إنما كان وزيرا لكسرى أنو شروان، وهو الذى قتله. وذلك أنّ بزرجمهر ترك المجوسيّة ورجع إلى دين عيسى بن مريم عليه السلام ودان به، فقتله كسرى لذلك. ويقال: إنه وجد فى منطقته لمّا قتل كتاب فيه: إذا كان القدر حقّا فالحرص باطل، وإذا كان الغدر فى الناس طباعا فالثّقة بكلّ أحد عجز، وإذا كان الموت نازلا فالطّمأنينة إلى الدنيا حمق.
قالوا: ولمّا بلغ بزرجمهر من العمر خمس عشرة سنة دخل على كسرى، وقد جلست الوزراء على كراسيها والمرازبة «2» فى مجالسها. فوقف وحيّا الملك بتحيّة الملوك ثم قال: الحمد لله المأمون نعمه، المرهوب نقمه، الدالّ عليه، بالرغبة اليه، المؤيّد الملك، بسعوده فى الفلك، حتّى رفع شأنه، وعظم سلطانه، وأنار به البلاد، وأنعش به العباد، وقسّم به فى التقدير، وجوه التدبير، فرعى رعيّته بفضل نعمته، وحماها الموبلات، وأوردها المعشبات، وذاد «3» عنها الأكّالين، وألّفها بالرّفق واللين، إنعاما من الله عليه، وتثبيتا لما فى يديه. وأسأله أن يبارك له فيما آتاه، ويخيّر له فيما استرعاه، ويرفع قدره فى السماء، ويسير ذكره على وجه الماء، حتى لا يبقى له بينهما مناوى، ولا يوجد له مساوى. وأستوهب الله له
(15/228)

حياة لا يتنغّص فيها، وقدرة لا يحيد أحد عنها، وملكا لا بؤس فيه، وعافية تديم له البقاء، وتكثر له النّماء؛ وعزّا يؤمّنه من انقلاب رعيّته، أو هجوم بليّته، فإنه مؤتى الخير، ودافع الشرّ.
فلمّا سمعه كسرى أمر فحشى فمه بنفيس الجواهر، ولم تمنعه حداثة سنّه أن استوزره، وقلّده خيره وشرّه؛ فكان أوّل داخل، وآخر خارج. وكان أبوه خامل القدر، وضيع الحال، سفيه المنطق، اسمه البختكان.
قال: ولمّا قبض على أبرويز ملك بعده ابنه: قباذ بن أبرويز ويعرف قباذ بشيرويه. وقباذ هذا هو القابض على أبيه والقاتل له، وقتل سبعة عشر أخا له، وقيل ثمانية عشر، ذوى آداب وشجاعة؛ فكان عاقبة ذلك أنّ الله عز وجلّ ابتلاه بالأسقام، فانتقض عليه بدنه، ولم يلتذ بشىء من ملاذّ الدنيا، وجزع بعد قتل إخوته جزعا شديدا؛ وكان يبكى حتى يرمى التاج عن رأسه، وعاش ما عاش مهموما حزينا مدنفا. وفى أيامه فشا الطاعون فأهلك أكثر الفرس. وكان ملكه ثمانية أشهر، وقيل أكثر من ذلك.
وملك بعد وفاته ابنه أردشير بن شيرويه وهو ابن سبع سنين ولم يوجد من بيت الملك غيره.
قال: ولمّا ملّكته الفرس عليها حضنه رجل يقال له: مهآذر جشنس، «1» فأحسن سياسة الملك. وكان شهر براز «2» المقيم بثغر الروم فى جند ضمّهم اليه كسرى أبرويز
(15/229)

وابنه شيرويه، وكانا يكتبان اليه ويستشيرانه فى الأمر الذى يهمهما ويعملان برأيه. فلمّا مات شيرويه وملّكت الفرس عليها ابنه أردشير- مع حداثة سنه- لم يشاوره عظماء الفرس فى ذلك، فعظم عليه انفرادهم عنه، وجعل ذلك ذنبا لهم، وبسط يده وطمع فى الملك، واستهان بعظماء الفرس، ودعا الناس لنفسه، وأقبل بجنده نحو المدائن، فعمد مهآذر جشنس الى مدينة طيسبون، فحصّنها وحوّل أردشير ومن بقى من نسل الملوك ونسائهم والأموال والخزائن والكراع «1» وغير ذلك إليها؛ فورد شهر براز الى مدينة طيسبون وحاصرها ونصب عليها المجانيق، فعجز عنها لحصانتها، فأخذ فى أعمال المكايد والحيل، فلم يزل يتلّطف برجل يقال له: نيوخسرو ويراسله هو وغيره، حتى فتحوا له باب المدينة فدخلها، وقتل جماعة من الرؤساء واستصفى أموالهم وقتل أردشير بن شيرويه. وكان ملكه سنة ونصفا، وقيل:
إنما ملك نصف سنة، وقيل: خمسة أشهر.
وملك بعده شهر براز، وقيل فيه: شهريار، ولم يكن من أهل بيت المملكة.
قال: ولمّا جلس على سرير الملك ضرب عليه بطنه، وبلغ من شدّة ذلك عليه أنه لم يقدر على إتيان الخلاء؛ فدعا بالطست، فوضع أمام ذلك السرير، ومدّ أمامه ما يستتر به، وبقى يتبرّز فى ذلك الطست.
قال: ثم آمتعض رجل يقال له: فسفرّوخ «2» [بن ما خرشيذان «3» ] وأخوان له من قتل شهر براز أردشيرين شيرويه وغلبته على الملك، فتحالفوا على قتله. وكان من السنّة إذا ركب الملك أن يقف له حرسه سماطين عليهم الدروع والبيض،
(15/230)

وبأيديهم السيوف والتّراس «1» والرّماح؛ فإذا حاذاهم الملك وضع كلّ واحد منهم ترسه على قريوس سرجه، ثم يضع جبهته عليه كهيئة السجود.
قال: واتفق ركوب شهر براز فى بعض الأيام فوقف فسفرّوخ وأخواه وهم بالقرب من بعضهم بعضا، فلمّا حازاهم شهر براز طعنه فسفرّوخ، ثم طعنه أخواه فسقط عن دابّته، فشدّوا رجله بحبل وجرّوه إقبالا وإدبارا ساعة، وساعدهم العظماء «2» على ذلك، وقتلوا جماعة ممن كان قد ساعد شهر براز على قتل أردشير. فكان ملكه أربعين يوما، وقيل عشرين يوما.
وملكت بعده بوران بنت كسرى أبرويز ويقال لها: بوران دخت.
قال: فأحسنت السّيرة وبسطت العدل، وأمرت برمّ القناطر والجسور، وإعادة ما تشعّث من العمارات، ووضعت بقايا الخراج، وكتبت الى الناس عامّة كتبا تعلمهم ما هى عليه من الإحسان، وأنها ترجو أن يريهم الله من الرفاهية والاستقامة بمكانها، ومن العدل وحفظ الثغور ما يعلمون أنه ليس ببطش الرجال تدوّخ البلاد، ولا ببأسهم تستباح العساكر، ولا بمكائدهم ينال الظفر وتطفأ النوائر؛ ولكنّ ذلك بالله عز وجلّ، وحسن النيّة واستقامة التدبير. وأمرت بالمناصحة وحسن الطاعة، وردّت خشبة الصليب على ملك الروم. وكان ملكها سنة وأربعة أشهر.
ثم ملك رجل يقال له: جشنسده وهو ابن عمّ أبروير، وكان ملكه أقلّ من شهر، وقيل: إن الذى ملك يزدجرد بن كسرى وهو طفل.
(15/231)

ثم ملكت بعده آزرميدخت بنت كسرى أبرويز، وكانت من أجمل نساء دهرها، وكان عظيم فارس يومئذ فرّخ هرمز أصبهبذ خراسان؛ فأرسل إليها يسألها أن تزوّجه نفسها، فأرسلت اليه: التزويج للملكة غير جائز، وقد علمت أن أريك فيما ذهبت اليه قضاء حاجتك منّى؛ فصر الىّ ليلة كذا وكذا، ففعل وركب اليها فى تلك الليلة، وتقدّمت الى صاحب حرسها أن يرصده فى الليلة التى تواعدا للالتقاء فيها، فإذا رآه يقتله، فرصده صاحب الحرس؛ فلمّا جاء قتله وجرّ برجله وطرحه فى رحبة دار الملك.
فلمّا أصبح الناس ورأوه علموا أنه لم يقتل إلّا لأمر عظيم، ثم أمرت بتغييب جثّته فغيّبت. وكان رستم بن فرّخ هرمز هذا- وهو رستم صاحب القادسيّة- عظيم البأس، قويّا فى نفسه، فلمّا بلغه ما صنع بأبيه أقبل فى جند عظيم حتى نزل المدائن؛ فقبض على آزرميدخت وسمل عينيها وقتلها بعد ذلك. فكانت مدّة ملكها ستة أشهر.
واختلف فيمن ملك بعد آزرميدخت، فقيل رجل من عقب أردشير بن بابك كان ينزل الأهواز يقال له: كسرى [بن] مهرجشنس «1» ، فلبس التاج وقتل بعد أيام. ويقال: بل كان رجل يسكن ميسان يقال له فيروز، فملّكوه كرها. وكان ضخم الرأس، فلمّا توّج قال: ما أضيق هذا التاج! فتطيّر العلماء من افتتاح الأمر بالضيق وقتلوه. ثم أتى برجل من أولاد كسرى كان قد لجأ الى موضع من الغرب بالقرب من نصيبين، يقال له: «حصن الحجارة» حين قتل شيرويه بن كسرى أبرويز إخوته، وهو فرّخ زاباذ «2» خسرو بن كسرى أبرويز، فانقاد الناس له طوعا زمانا
(15/232)

يسيرا ثم استعصوا عليه وخالفوه. وكان ملكه ستة أشهر. وكان أهل اصطخر قد ظفروا بيزدجرد بن شهريار بن أبرويز باصطخر، وكان قد هرب إليها حين قتل شيرويه إخوته. فلمّا بلغ عظماء أهل اصطخر أنّ من بالمدائن خالفوا الملك فرّخ زاذ خسرو أتوا يزدجرد ببيت نار أردشير، فتوّجوه هناك وملّكوه، وكان حدثا، ثم أقبلوا به الى المدائن وقتلوا فرّخ زاذ خسرو بحيل احتالوها عليه.
وملك يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنو شروان بن بهرام بن يزدجرد بن سابور بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك؛ فملك وكان العظماء والوزراء يدبّرون الملك لحداثة سنّه، وهو آخر الملوك الساسانيّة وعليه انقرضت دولتهم، فلم تقم لهم قائمة، وتردّد الى بلاد خراسان والى بلاد الترك، وعاد فقتل بمرو من بلاد خراسان فى سنة إحدى وثلاثين من الهجرة لسبع سنين خلت من خلافة عثمان بن عفّان رضى الله عنه.
وكانت مدّة ملك يزدجرد منذ ملك وإلى أن قتل عشرين سنة، إلّا أنّ فيها مدّة لا يعدّ فيها مع الملوك؛ لأنه كان مشرّدا طريدا على ما نذكر أخباره مفصّلة، وكيف فتحت بلاده ومدنه بلدا بلدا، ومدينة مدينة فى خلافة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفّان رضى الله عنهما.
فعدّة ملوك الفرس الأول والساسانيّة على هذا المساق الذى ذكرناه اثنان وخمسون ملكا منهم ثلاث نسوة. فالفرس الأول عشرون ملكا منهم امرأة واحدة. والملوك الساسانيّة اثنان وثلاثون ملكا فيهم امرأتان. وذكر بعض المؤرّخين أنّ ملوك الفرس ستّون ملكا، وأنّ مدّة ملكهم أربعة آلاف سنة وسبعون سنة وشهورا. والله أعلم.
(15/233)

ذكر أخبار ملوك اليونان وأنسابهم
قد تنازع الناس فى اليونانيّين، فذهبت طائفة منهم أنهم ينتمون الى الروم ويضافون الى ولد إسحاق؛ وقالت طائفة: إنّ يونان هو ابن يافث بن نوح. وقال آخرون: إنه يافث بن الأصغر. وذهب قوم الى أنهم من ولد أوراش بن «1» ماذان ابن سام بن نوح. وذهب آخرون الى أنهم من قبيل متقدّم فى الزمن الأوّل.
وقال المسعودىّ: وقد ذكر أنّ يونان أخو قحطان، وأنه من ولد عابر بن شالخ، وأن أمره فى الانفصال عن دار أخيه كان سبب «2» الشكّ فى الشركة فى النسب، وأنه خرج من أرض اليمن. وكان يونان جبّارا عظيما، وسيما جسيما. وكان جزل الرأى، كبير الهمّة، عظيم القدر. وهكذا ذكر يعقوب بن إسحاق الكندىّ فى نسب يونان أنه أخ لقحطان، وردّ عليه أبو العباس [عبد «3» الله بن محمد] الناشى فى قصيدته حيث قال:
أبا يوسف إنّى نظرت فلم أجد ... على الفحص رأيا صحّ منك ولا عقدا
وصرت حكيما عند قوم إذا امرؤ ... بلاهم جميعا لم يجد عندهم عهدا
أتقرن إلحادا بدين محمد ... قد جئت شيئا- يا أخا كندة- إدّا
وتخلط قحطانا بيونان ضلّة ... لعمرى لقد باعدت بينهما جدّا
قيل: ولمّا كثر ولد يونان خرج يطلب موضعا يسكنه، فأتى الى موضع من الغرب، فأقام به هو ومن معه من ولده، وكثر نسله إلى أن أدركه الموت، فجعل
(15/234)

وصيّته إلى الأكبر من ولده واسمه جريبوش، وأوصاه بأولاده ونسله، ومات وبقى ابنه على مكانه، وكثر نسلهم فغلبوا على بلاد الغرب من الفرنجة والنّوكبرد والصقالبة وغيرهم.
وذكر بطليموس فى كتابه: أن أوّل ملك ملك من ملوك اليونانين فيلبّس وتفسيره محبّ الفرس، وقيل اسمه نفليص، وقيل فيلفوس. وكانت مدّة ملكه سبع سنين.
ثم ملك بعده ابنه الإسكندر ذو القرنين وليس هو صاحب الخضر رضى الله عنه. والإسكندر هذا هو الذى قتل دارا بن دارا ملك الفرس، ونثر عقد مملكة فارس، وقرّر ملوك الطوائف فيما ذكرناه.
وكان سبب قتله لدارا أن سائر الملوك كانت تؤدّى الإتاوة الى ملوك الفرس منذ دوّخ بختنصّر البلاد، وذلّل لهم الملوك على ما ذكرناه آنفا فى أخبار الفرس، ولا حاجة الى إعادته.
قالوا: وكان فيلبّس أبو الإسكندر قد صالح دارا على إتاوة يؤدّيها اليه فى كل سنة. فلمّا ولى الإسكندر وظهر أمره، وكان بعيد الهمّة، فامتنع أن يودّى الى دارا الخراج الذى كان يحمله أبوه اليه، فأسخط دارا ذلك، فكتب اليه يؤنّبه بسوء صنيعه بتركه حمل ما كان أبوه يحمله من الخراج وقال فى كتابه: إنما دعاك الى حبس ذلك الصّبا والجهل، وبعث اليه بصولجان وكرة وبقفيز من السمسم. يعلمه بذلك أنه إنما ينبغى لك أن تلعب مع الصبيان بالصولجان ولا تتقلّد الملك ولا تلبث به، ويعلمه أنه إن لم يقتصر على ما أمره به وتعاطى الملك بعد أن أمره باعتزاله بعث اليه بمن يأتيه به فى وثاق. وأنّ عدّة جنوده الذين يبعث بهم اليه كعدّة حبّ السمسم الذى بعث به إليه.
(15/235)

فكتب إليه الإسكندر فى جواب ذلك: أنه قد فهم ما كتب به، ونظر الى ما أرسله إليه من الصّولجان والكرة وتيمّن به لإلقاء الملقى الكرة الى الصّولجان وإحرازه إيّاها، وأنه شبّه الأرض بالكرة، وتفاءل بملكه إياها واحتوائه عليها، وأنه يجترّ ملك دارا الى ملكه، وبلاده الى حيّزه؛ وأنه نظر الى السمسم الذى بعث به كنظره الى الصولجان والكرة لدسمه، وبعده عن المرارة والحرافة «1» ، وبعث الى دارا مع كتابه بصرّة من خردل، وأعلمه فى الجواب أنّ ما بعث به إليه قليل، غير أن ذلك مثل الذى بعث به فى القوّة والحرافة والمرارة، وأنّ جنوده فيما وصف به منه.
فلمّا وصل الى دارا جواب كتاب الإسكندر. جمع جنده وتأهّب لحربه وسار نحو بلاده، وتأهّب الإسكندر أيضا للقائه وسار نحو دارا، فالتقيا جميعا بأرض الجزيرة «2» واقتتلا سنة، وقد كان دارا ملّه قومه وأحبّوا الراحة منه، فلحق كثير من وجوه الفرس بالإسكندر وأطلعوه على عورة دارا وقوّوه عليه، ثم وثب على دارا حاجباه فقتلاه وتقرّبا برأسه إلى الإسكندر، فلما أتوه بها أمر بقتلهما وقال:
هذا جزاء من تجرّأ على ملكه.
وقد ذكر أنه سيق اليه أسير غدر به صاحب شرطته، فقال له الإسكندر:
بما اجترأ عليك صاحب شرطتك؟ قال: بتركى ترهيبه وقت إساءته، وإعطائى إيّاه وقت الإحسان باليسير من فعله نهاية رغبته، فقال الإسكندر: نعم العون على إصلاح القلوب الموغرة الترغيب بالأموال، وأصلح منه الترهيب وقت الحاجة، ثم أمر الإسكندر بقتله.
(15/236)

وقد قيل: إنه لمّا هزمه الإسكندر فرّ جريحا فخرج فى طلبه فى ستّة آلاف حتى أدركه، ثم لم يلبث دارا أن هلك، فأظهر الإسكندر عليه الحزن ودفنه فى مقابر الملوك «1» .
وقيل: إنّ الإسكندر كان قد نادى ألّا يقتل دارا وأن يؤسر. فلمّا علم الإسكندر بما تمّ على دارا سار حتى وقف عنده [فرآه يجود «2» بنفسه] فنزل [الإسكندر «3» ] عن دابته وجلس عند رأسه، وأخبره أنه ما أمر بقتله، وأنّ الذى أصابه لم يكن عن رأيه. وقال: سلنى ما بدا لك فإنّى أسعفك به، فقال له دارا:
لى اليك حاجتان: إحداهما أن تنتقم لى من الرجلين اللذين قتلانى وسمّاهما له، والأخرى أن تتزوّج ابنتى روشنك، فأجابه الى ذلك، وأمر بصلب الرجلين اللذين فتكا بدارا. ويقال: إنّ الرجلين اللذين قتلاه إنما فعلا ذلك عن رأى الإسكندر، وأنه كان شرط لهما شرطا على قتله، فلما طعناه دفع اليهما ما كان شرطه لهما ثم قال:
قد وفّيت لكما بالشرط ولم تكونا شرطتما لأنفسكما وأنا قاتلكما لا محالة، فإنه ليس ينبغى لقتلة الملك أن يستبقوا إلّا بذمّة لا تخفر، فقتلهما وصلبهما.
(15/237)

ويقال: إن الإسكندر فى الأيّام التى نازل فيها دارا كان يسير اليه بنفسه على أنه رسول فيتوسّط العسكر ويعرف كثيرا مما يحتاج اليه، فكان دارا يستحسن سمته، ويحسن صلته ومجازاته، ثم اتّهمه، وأحسّ الإسكندر بذلك فما عاد اليه بعدها.
ذكر شىء من مكايد الإسكندر وحيله فى حروبه
من ذلك أنه لمّا التقى بدارا يوم الحرب أمر مناديه فنادى: يا معشر الفرس، قد علمتم ما كتبنا لكم من الأمانات، فمن كان منكم على الوفاء فليعتزل عن العسكر وله منّا الوفاء بما ضمنّاه، فاتهمت الفرس بعضها بعضا، وكان ذلك أوّل اضطراب حدث فيهم.
ومن ذلك أنه لمّا شخص عن فارس الى أرض الهند تلقاه ملكها قور «1» فى جمع عظيم من الهنود ومعه ألف فيل عليها المقاتلة بالسلاح وفى خراطيمها السيوف والعمد، فلم تقف لها دوابّ الإسكندر وفرّت فكانت الهزيمة عليه، فلمّا بلغ الإسكندر مأمنه أمر باتّخاذ فيلة من نحاس «2» مجوّفة وربط خيله بين تلك التماثيل حتى ألفتها، ثم أمر فملئت نفطا وكبريتا، وألبسها الدروع وجرت على العجل، وعاود حرب الهند، وجعل بين كلّ تمثالين جماعة من أصحابه. فلمّا نشبت الحرب أمر بإشعال النيران فى أجواف تلك التماثيل وانكشف أصحابه عنها وغشيتها فيلة الهند، فخرجت
(15/238)

النيران من خراطيم التماثيل فولّت الفيلة مدبرة ورجعت على أصحابها، فكانت الدائرة على الهند وقتل ملكهم قور.
ومما يحكى عنه أنه نزل على مدينة حصينة فتحصّن فيها أهلها، فتعرّف خبرها فقيل له: إن فيها من الميرة ما يكفيهم زمنا طويلا، وإنّ بها من العيون والأنهار ما لا يقدر على قطعه، فارتحل عنها ودسّ جماعة من التّجار متنكّرين، فدخلوها وأمدّهم بالأموال الكثيرة، وأمرهم أن يبتاعوا الأقوات ويغالوا فى أثمانها، ففعلوا ذلك حتى حازوا أكثر ما فيها. فلما علم الإسكندر بذلك كتب اليهم يأمرهم بإحراق ما حصلوه من الأقوات وأن يهربوا، ففعلوا كما أمرهم، وعاد الى المدينة وحاصرها وزحف عليها فأعطوه الطاعة وملك المدينة. وكان إذا أراد أن يحاصر مدينة شرّد من حولها من أهل القرى وتهدّدهم بالسبى فيلجأوا الى المدينة ويعتصموا بها، فلا يزال كذلك حتى يعلم أنه قد دخلها أضعاف أهلها وأسرعوا فى الميرة فيحاصرهم حينئذ فيفتح المدينة.
ومما يحكى عنه أنه كتب الى معلّمه أرسطاطاليس «1» ، وكان الإسكندر يشاوره فى كثير من أموره، ويقتدى بآرائه، ويعمل بما يشير به عليه ولا يعدل عنه.
وأرسطاطاليس هذا هو تلميذ أفلاطون، وأفلاطون صاحب الفراسة تلميذ سقراط.
(15/239)

ويحكى عن أفلاطون أنه كان يصوّر له صورة إنسان لم يره قطّ ولا عرفه فيقول:
صاحب هذه الصورة من أخلاقه كذا، ومن هيئته كذا، فيكون الرجل كما أخبر عنه، فيقال: إنه صوّر له صورة نفسه، فلمّا عاينها قال: هذا رجل محبّ فى الزنا فقيل له: إنها صورتك، فقال: نعم أنا كذلك، ولولا أنى أملك نفسى لفعلت وإنى لمحبّ فيه.
نرجع إلى أخبار الإسكندر فيما كتب به الى أرسطاطاليس وما أجابه به قالوا: إنه كتب اليه يخبره أنّ فى عسكره من الروم جماعة من خاصّته لا يأمنهم على نفسه لما يرى من بعدهممهم فى شجاعتهم وكثرة آلتهم، وأنه لا يرى لهم عقولا تفى بتلك الفضائل التى تمنعهم من الإقدام والجرأة عليه، وأنه يكره الإقدام عليهم بالقتل بمجرّد الظّنّة مع وجوب الحرمة.
فكتب إليه أرسطاطاليس: قد فهمت كتابك، وما وصفت به أصحابك.
أمّا ما ذكرت من بعد هممهم فإنّ الوفاء من بعد الهمّة. وأمّا ما ذكرت من شجاعتهم ونقص عقولهم عنها، فمن كانت هذه حاله فرفّهه فى معيشته واخصصه بحسان النساء، فإنّ رفاهية العيش توهن العزم، وتحبب السلامة، وتباعد من ركوب الخطر والغرر «1» ، وليكن خلقك حسنا تخلص اليك النيّات، ولا تتناول من لذيذ العيش ما لا يمكن أوساط إخوتك مثله، فليس ينبغى مع الاستئثار محبّة، ولا مع المواساة بغضة. واعلم أنّ المملوك إذا اشترى لم يسأل عن مال مولاه، وإنما يسأل عن خلقه.
(15/240)

وكتب اليه الإسكندر يعلمه أنه شاهد بإيران شهر «1» رجالا ذوى أصالة فى الرأى، وجمال فى الوجوه، ولهم مع ذلك صرامة وشجاعة، وأنه رأى لهم هيئات وخلفا لو كان عرف حقيقتها لما غزاهم، وأنه إنما ملكهم بحسن الاتفاق والبخت، وأنه لا يأمن إذا ظعن عنهم وثوبهم ولا تسكن نفسه إلّا ببوارهم.
فكتب إليه أرسطاطاليس: فهمت كتابك فى رجال فارس؛ فأما قتلهم فهو من الفساد فى الأرض، ولو قتلتهم لأنبتت أرض فارس أمثالهم، لأنّ إقليم بابل يولد أمثال هؤلاء الرجال من أهل العقل، والسداد فى الرأى، والاعتدال فى التركيب؛ فصاروا أعداءك وأعداء عقبك بالطبع، لأنك تكون قد وترت القوم وكثّرت الأحقاد على أرض الروم منهم وممّن بعدهم، وإخراجك إيّاهم فى عسكرك مخاطرة بنفسك وأصحابك، ولكنّى أشير عليك برأى هو أبلغ لك فى كل ما تريد من القتل وغيره، وهو أن تستدعى أولاد الملوك منهم وممّن يستصلح للملك ويترشّح له، فتقلّدهم البلدان وتولّيهم الولايات ليصير كلّ واحد منهم ملكا برأسه، فتتفرّق كلمتهم، ويجتمعوا على الطاعة لك، ولا يؤدّى بعضهم إلى بعض طاعة، ولا يتفقوا على أمر واحد، ولا تجتمع كلمتهم. ففعل الإسكندر ذلك، فتمّ أمره وأمكنه أن يتجاوز أرض فارس إلى أرض الهند حتى قتل ملكها مبارزة بعد حروب عظيمة.
ثم صار إلى أرض الصّين وطاف مما يلى القطب الشمالىّ ورجع إلى العراق فمات فى طريقه بشهر زور «2» ، ويقال: بل فى قرية من قرى بابل. وكان عمره ستّا وثلاثين
(15/241)

سنة. وفى بعض النسخ ثلاثا وثلاثين سنة. وكان ملكه ثلاث عشرة سنة وشهورا.
وقيل: سبعة عشر سنة. وقتل دارا فى السنة الثالثة من ملكه.
قال: وبنى الإسكندر اثنتى عشرة مدينة وسمّاها كلّها الإسكندرية منها: مدينة جىّ «1» بأصبهان، وثلاث مدن بخراسان وهى: هراة «2» ومرو «3» وسمرقند. وبنى بأرض بابل مدينة لروشنك «4» . وبنى بأرض يونان سبع مدن.
ومن عجيب ما قيل فى نسب الإسكندر: أنه من ولد دارا الأكبر، وأنه أخو دارا الأصغر، وذلك أن دارا الأكبر بن أردشير تزوّج ببنت ملك الزّنج هلاى، فلمّا حملت»
منه استخبث ريحها، فأمر أن تحتال لذلك، فكانت تغتسل بماء السندروس «6» فأذهب ذلك كثيرا من دفرها «7» ، ثم عافها وردّها [إلى أهلها «8» ] وقد علقت منه بالإسكندر فقيل له الإسكندروس. هذا ما نقله عبد الملك بن عبدون فى كتابه المترجم
(15/242)

بكمامة الزهر وصدفة «1» الدرّ، قال: واختلف فى مدّته فذكر الخوارزمىّ فى تاريخه أنه [كان «2» ] قبل الهجرة بتسعمائة سنة، وثلاث وثلاثين سنة. وذكر أبو محمد ابن قتيبة فى كتاب المعارف: أن بينه وبين الهجرة أربعمائة «3» سنة. والله أعلم بالصواب.
ذكر شىء من أخبار الإسكندر وما اتفق له مع ملكى الهند والصين
فأما خبره مع ملك الهند قال عبد الملك بن عبدون: إن الإسكندر لمّا دوّخ البلاد وقهر الملوك سار نحو الهند وقتل ملكها الأعظم فورا صاحب مدينة المانكير «4» .
فلما دانت له ملوك الهند بلغه أنّ بأقاصى ديارها ملكا من ملوكها ذا حكمة وسياسة وإنصاف لرعيّته، وأنه ليس فى بلاد الهند من فلاسفتهم وحكمائهم مثله يقال له
(15/243)

كندكان، وأنه قاهر لنفسه مانع [لها «1» ] من الشهوة الغضبية، فكتب إليه الإسكندر كتابا يقول فيه: أما بعد، فإذا أتاك كتابى هذا فإن كنت قائما فلا تقعد، وإن كنت ماشيا فلا تلتفت حتى تدخل فى طاعتى، وإلّا مزّقت ملكك وألحقتك بمن مضى من ملوك الهند من قبلك.
فلمّا ورد عليه الكتاب أجاب بأحسن جواب، وخاطبه بملك الملوك، وأعلمه أنه قد اجتمع عنده أشياء لم تجتمع عند غيره مثلها: فمن ذلك ابنة له لم تطلع الشمس على أحسن منها؛ وفيلسوف يخبرك بمرادك قبل أن تسأله لحدّة مزاجه وحسن قريحته، واعتداله فى بنيته، واتساعه فى علمه؛ وطبيب لا يخشى عليه معه داء ولا شىء من العوارض إلا ما يطرأ من الفناء والدثور الواقع بهذه البنية، وحلّ العقدة التى عقدها المبدع لها المخترع لهذا الجسم الحسّىّ، وإذا كانت بنية الإنسان وهيكله قد نصبا فى هذا العالم غرضا للآفات والحتوف والبلايا؛ وقدح اذا ملاته شرب منه عسكرك بجمعه ولا ينقص منه شىء، وإنّى منفذ جميع ذلك الى الملك وصائر اليه.
فلمّا قرأ الإسكندر كتابه قال: كون هذه الأشياء عندى ونجاة هذا الحكيم من صولتى أحبّ الىّ من ألا تكون عندى ويهلك. فأنفذ اليه الإسكندر جماعة من الحكماء اليونانيين والروم فى عدّة من الرجال وتقدّم اليهم أنه إن كان قد صدق فيما كتب به إلىّ فاحملوا ذلك الى عندى واتركوه فى موضعه، وإن تبيّنتم الأمر على خلاف ذلك، وأنه أخبر عن الشىء على خلاف ما هو به فقد خرج عن حدّ الحكمة فأشخصوه الىّ. فلمّا انتهوا الى مملكة الملك خرج اليهم وتلقّاهم بأحسن لفاء، وأنزلهم بأحسن منزل. فلما كان فى اليوم الثالث جلس لهم مجلسا خاصّا للحكماء دون من كان معهم من المقاتلة. فقال بعضهم لبعض: إن صدقنا فى الأوّل صدقنا فيما بعد ذلك مما ذكر.
(15/244)

فلمّا أخذت الحكماء مراتبها واستقرّت بها مجالسها أقبل عليهم مباحثا فى أصول العلوم الفلسفية وفروعها، وعلى كم فنّ يحتوى العلم الفلسفىّ فى أصوله، والى كم يتفرّع.
قال عبد الملك بن عبد الله بن عبدون- رحمه الله-: وقد ذكر أن العلم الفلسفىّ ينقسم على أربعة أنواع: أحدها الرياضيّات، والثانى المنطقيّات، والثالث الطبيعيّات، والرابع الإلهيّات. قال:
فأما الرياضيّات فأربعة أنواع: الواحد علم الحساب، والثانى علم الهندسة، والأصل فيه النقطة، وهى فيه كالواحد فى علم الحساب، والثالث علم النجوم، والرابع علم الموسيقى. وهو علم تأليف الألحان.
وأما العلوم المنطقيّات فخمسة أنواع: الواحد معرفة صناعة الشعر، وأنواع البديع كالتكافؤ والتفريع والحشو والتتبيع والتسميط والترصيع والالتفاتة والإشارة والمقابلة والاستعارة والتبليغ والتلويح والتصدير والتوشيح والتجنيس والتضادّ والترديد والاستطراد والتقسيم والتسهيم والإحالة والتتميم. والثانى معرفة صناعة الخطابة. والثالث صناعة الجدل. والرابع صناعة البرهان. والخامس صناعة المغالطين فى المناظرة ولجدل.
وأما العلوم الطبيعيّات فسبعة أنواع: الواحد علم المبادى الجسمانيّة، وهى خمسة أشياء: الهيولى والصورة والزمان والمكان والحركة. والثانى علم السماء والأرض، وهو معرفة ماهية جواهر الأفلاك والكواكب وكيفيتها وكيفية تركيبها وعلّة دورانها، وهل تقبل الكون والفساد كما تقبل الأركان الأربعة التى دون فلك القمر أولا، وما علّة حركات الكواكب واختلافها فى السرعة والإبطاء، وما علّة سكون الأرض فى وسط الفلك فى المركز، وهل خارج العالم جسم آخر أم لا. وهل
(15/245)

فى الكون والفساد موضع فارغ لا شىء فيه، وما شاكل هذه المباحث. والثالث علم الكون والفساد وهو علم معرفة جواهر الأركان [الأربعة «1» ] التى هى النار والهواء والماء والأرض. والرابع علم حدوث الجواهر بتغيّرات الهواء وتأثيرات الكواكب بحركاتها ومطارح شعاعاتها على الأركان الأربعة وانفعالاتها بعضها ببعض بقدرة الله تعالى. والخامس علم المعادن التى تنعقد من البخارات المختنقة فى بطن الأرض والعصارات المتحلّلة من الهواء. والسادس علم النبات على اختلاف أنواعه فى هيآته وأشكاله واختلاف صموغه وطعومه وخواصّه وروائحه ومنافعه ومضارّه. السابع علم الحيوان، وهو معرفة كلّ جسم يغتذى ويحسّ ويعيش ويتحرّك على اختلاف أنواعه، وما شاكل ذلك مما ينسب الى علم الطبيعيّات كعلم الطبّ والبيطرة وسياسة الدوابّ والسباع والطيور والحرث والنسل وعلم الصنائع أجمع داخل فى علم الطبيعيات.
وأما العلوم الإلهيّات فخمسة أنواع؛ أوّلها: معرفة البارى سبحانه وتعالى بجميع صفاته، وأنه أوّل كلّ شىء وآخر كلّ شىء، والخالق لكلّ شىء، والعالم بكلّ شىء، وأنه ليس كمثله شىء. والثانى علم الروحانيّات من الجواهر البسيطة العقليّة، وهى الصورة المجرّدة من الهيولى المستعملة للأجسام المطهّرة، ومعرفة ارتباط أبعضها ببعض، وقبض بعضها عن بعض، وهى أفلاك روحانيّة تحيط بأفلاك جسمانيّة. والثالث علم النفوس والأرواح السارية فى الأجسام الفلكيّة والطبيعيّة من لدن الفلك المحيط الى منتهى مركز الأرض. والرابع علم السياسة وهى خمسة انواع؛ أولها: السياسة النبويّة، والسياسة الملوكيّة، والسياسة العامّيّة والسياسة الخاصّيّة والسياسة الذاتيّة. فأما السياسة النبويّة فالله تبارك وتعالى يختصّ بها من يشاء من
(15/246)

عباده ويهدى لاتباعهم من يشاء لا معقّب لحكمه، لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون.
وأما السياسة الملوكية فهى حفظ الشريعة على الأمة وإحياء السنّة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وأما السياسة العامّيّة فهى الرياسات على الجماعات كرياسة الأمراء على البلدان وقادة الجيوش وترتيب أحوالهم على ما يجب وينبغى من الأمور وإتقان التدبير. وأما السياسة الخاصّيّة فهى معرفة كلّ إنسان بنفسه، وتدبيره أمر غلمانه وأولاده، ومن يليهم من أتباعه وقضاء حقوق الإخوان. وأما السياسة الذاتية فهى أن يتفقّد الإنسان أفعاله وأحواله وأخلاقه وشهوته فيزمّها بزمام عقله، وغضبه فيردعه وما شاكل ذلك. والخامس من العلوم الإلهيات علم المعاد وكيفية انبعاث الأرواح وقيام الأجساد وحشرها للحساب يوم الدين، ومعرفة حقيقة جزاء المحسنين وعقاب المسيئين.
*** نرجع إلى خبر الملك الهندىّ مع أصحاب الإسكندر، قال: ولمّا تكلّم مع الحكماء اليونانيين فى العلوم الفلسفية وطال الخطب فى مناظرتهم أخرج الجارية اليهم، فلمّا ظهرت لأبصارهم لم يقع طرف كلّ واحد منهم على عضو من أعضائها فتعدّى ببصره إلى غير ذلك العضو اشتغالا بحسنه عمّا سواه حتى خاف القوم على عقولهم، ثم رجعوا إلى أنفسهم وقهروا سلطان هواهم، ثم أراهم بعد ذلك ما تقدّم الوعد به وصرفهم، وبعث بالفيلسوف والطبيب والجارية والقدح [معهم «1» ] .
فلمّا وردوا على الإسكندر أمر بإنزال الفيلسوف والطبيب، ونظر إلى الجارية فحار عند مشاهدتها، فأمر قيّمة الجوارى بالقيام عليها، ثم صرف همّته إلى الفيلسوف والطبيب وإلى علم ما عندهما، وقصّ عليه الحكماء ما جرى لهم مع الملك الهندىّ من
(15/247)

المباحث فى العلوم الفلسفيّة، فأعجبه ذلك وتأمّل أغراض القوم ومقاصدهم، وأقبل ينظر فى مطاردة الهند يعلّلها فى معلولاتها، وما يصفه اليونانيون أيضا من عللها فى معلولاتها على حسب ما قدّمت من أوضاعها، ثم أراد محنة الفيلسوف على حسب ما خبّر عنه، فأجال فكره فيما يختبره به، فدعا بقدح فملاه سمنا ولم يجعل للزيادة عليه موضعا، ودفعه لرسول وقال: احمل هذا إلى الفيلسوف ولا تكلّمه بشىء، فلمّا دفعه اليه دعا الفيلسوف بألف إبرة فغرزها فى السمن وصرفه اليه، فأمر الإسكندر بضرب تلك الإبر كرة متساوية الأجزاء وردّها اليه، فأمر الفيلسوف ببسطها وجلائها حتى صارت جسما تردّ صورة مقابليها لصفائها وردّها إلى الإسكندر، فدعا بطست وجعل تلك المرآة فيه وصبّ عليها الماء حتى غمرها وردّها اليه، فأخذها الفيلسوف وعمل منها طرجهارة «1» طافية على الماء وصرفها اليه، فملأها الإسكندر ترابا وردّها اليه، فلمّا نظر الفيلسوف إلى التراب تغيّر لونه وبكى ثم ردّها إلى الإسكندر ولم يضع فيها شيئا.
فلمّا كان فى اليوم الثانى جلس الإسكندر جلوسا خاصّا ودعا بالفيلسوف، ولم يكن رآه قبل ذلك اليوم، فلمّا أقبل نظر الإسكندر [من الفيلسوف «2» ] إلى رجل طويل الجسم رحب الجبين معتدل البنية فقال فى نفسه: هذه بنية تضادّ الحكمة، فإذا اجتمع له حسن الصورة والفهم كان أوحد زمانه، فأدار الفيلسوف إصبعه حول وجهه ثم وضعه على أرنبة أنفه وأسرع نحو الإسكندر وحيّاه بتحية الملك، فأشار اليه بالجلوس وقال: لم أدرت إصبعك حول وجهك ووضعتها على أرنبة
(15/248)

أنفك؟ قال: علمت أنك تقول فى نفسك، إذا نظرت إلى حسن صورتى وإتقان بنيتى قلّما تجتمع هذه الخلقة مع الحكمة، وإذا كان على هذا كان صاحبها أوحد زمانه، فأريتك مصداقا لما سنح لك أنه كما ليس لك فى الوجه إلا أنف واحد فكذلك ليس فى ديار الهند على هذه الصفة أحد غيرى.
فقال الإسكندر: حسن ما أتيت به! فما بالك حين بعثت اليك بالقدح السمن غرزت فيه الإبر وردّدته؟ قال الفيلسوف: علمت أنك تقول إنّ قلبى قد امتلأ علما فليس لأحد فيه مستزاد، فأعلمتك أنّ علمى سيزيد فيه كما زادت هذه الإبر فى هذا السمن. قال: فما بالك حين عملت لك الإبر كرة صنعت منها مرآة صقيلة وصرفتها إلىّ؟ قال الفيلسوف: علمت أنك تقول إن قلبى قد قسا من سفك الدماء واشتغل بهذا العالم فلا يقبل العلم ولا يرغب فيه، فأخبرتك أنى سأعمل الحيلة فى ذلك، كما جعلت من الكرة مرآة مورية للأجسام. قال: فما بالك حين جعلتها لك فى الطست وصببت عليها الماء جعلتها طرجهارة طافية على الماء؟ قال الفيلسوف:
علمت أنك تقول إنّ الأيام قد قصرت والأجل قريب، ولا يدرك العلم الكثير فى المهل القليل، فأخبرتك أنى سأعمل الحيلة فيه فى غير مدّة طويلة، كما جعلت هذه المرآة الراسبة طافية فى أسرع وقت. قال: فما بالك حين ملأت ذلك الإناء ترابا ردّدته إلىّ ولم تحدث فيه شيئا؟. قال: علمت أنك تقول: ثم الموت، وأنه لا بدّ منه، فأخبرتك أن لا حيلة فى ذلك. قال الإسكندر: قد أجبتنى على مرادى فى جميع ذلك ولأحسننّ إلى الهند من أجلك، وأمر له بجوائز كثيرة. فقال له الفيلسوف: لو أحببت المال لما كنت عالما، ولست أدخل على علمى ما يضادّه، فإن القنية توجب الخدمة، وقد ملكت أيها الملك الرحيم بسيفك أجسام رعيّتك فأملك قلوبهم بإحسانك فهو خزانة سلطانك، واحذر العامّة فإنها إذا قدرت
(15/249)

أن تقول قدرت أن تفعل فاحترز من أن تقول تأمن أن تفعل، فالملك السعيد من ملك الرعيّة بالرغبة والرهبة، وأشبه الأشياء من أفعال الناس بأفعال بارئهم الإحسان، فخيّره الإسكندر فى المقام معه، أو الانصراف إلى بلاده، فاختار الرجوع إلى موضعه.
وأمّا القدح فملأه ماء ثم أورد عليه الناس فلم ينقص شربهم منه شيئا، فيقال إنه كان معمولا من خواصّ الهند الروحانيّة مما تدّعيه الهند، ويقال إنه كان لآدم أبى البشر عليه السلام، مبارك له فيه حين كان بأرض سرنديب، فورث عنه إلى أن انتهى إلى هذا الملك الهندىّ.
وأما الطبيب فإنه كان له معه منظرات دلّت على ثبوت قدمه فى علمه، وأنه كما وصف صاحبه أوكاد. هذا خبره مع ملك الهند.
وأما خبره مع ملك الصين؛ قال ابو على أحمد بن محمد بن مسكويه فى كتابه المترجم بتجارب الأمم: وفى الرواية الصحيحة أن الإسكندر لمّا انتهى إلى بلاد الصين أتاه حاجبه وقد مضى من الليل شطره فقال: هذا رسول ملك الصين بالباب يستأذن فى الدخول عليك، قال: أدخله، فأدخله فوقف بين يدى الإسكندر وسلّم ثم قال: إن رأى الملك أن يستخلينى فعل، فأمر الإسكندر من بحضرته أن ينصرفوا، فانصرفوا كلّهم عنه وبقى حاجبه فقال: إنّ الذى جئت له لا يحتمل أن يسمعه غيرك، فأمر الإسكندر أن يفتّش ففتّش، فلم يجد معه سلاحا، فوضع بين يديه سيفا مسلولا وقال له: قف مكانك وقل ما شئت، وأخرج الحاجب ومن كان قد بقى عنده، فلمّا خلا المجلس قال له: أنا ملك الصين لا رسوله، جئت لأسألك عما تريد، فإن كان ممّا يمكن عمله ولو على أصعب الوجوه عملته
(15/250)

وأغنيتك عن الحرب، فقال له الإسكندر: وما الذى آمنك منّى؟ قال: علمى بأنك عاقل حكيم، ولم تك بيننا عداوة ولا مطالبة بذحل «1» ، وأنك تعلم أنك إن قتلتنى لم يكن ذلك سببا لتسليم أهل الصين إليك ملكهم، ولم يمنعهم قتلى من أن ينصبوا لأنفسهم ملكا غيرى ثم تنسب [أنت «2» ] إلى غير الجميل وضدّ الحزم. فأطرق الإسكندر وعلم أنه رجل عاقل، ثم قال له: إن الذى أريد منك ارتفاع «3» مملكتك لثلاث سنين عاجلا ونصف ارتفاع مملكتك لكلّ سنة. قال: هل غير هذا؟
قال لا، قال: قد أجبتك، ولكن سلنى كيف تكون حالك، قال: كيف تكون؟
قال: أكون أوّل قتيل محارب، وأوّل أكيلة مفترس. قال: فإن قنعت منك بارتفاع سنتين. قال: أكون أصلح قليلا وأفسح مدّة، قال: فإن قنعت بارتفاع سنة. قال: يكون فى ذلك بقاء ملكى، وذهاب لجميع لذّتى. قال: فإن قنعت منك بثلث الارتفاع كيف تكون حالك؟ قال: يكون السدس للفقراء ومصالح العباد، ويكون الباقى لجيشى «4» ولسائر أسباب الملك. قال الإسكندر: قد اقتصرت منك على هذا، فشكره وانصرف.
فلمّا طلعت الشمس أقبل جيش الصين وقد طبّق الأرض وأحاط بجيش الإسكندر حتى خافوا الهلاك، وتواثب أصحابه فركبوا الخيل واستعدّوا للحرب بعد
(15/251)

الأمن والطمأنينة إلى السّلم. فبينما هم كذلك إذ طلع ملك الصين وهو راكب وعليه التاج، فلمّا تراءى الجمعان نظر الإسكندر إلى ملك الصين فظنّ أنه حضر للحرب، فصاح به: أغدرت؟ فترجّل ملك الصين وقال: لا والله، قال: فادن منّى فدنا منه، فقال له الإسكندر: ما هذا الجيش الكثير؟ فقال: إنّى أردت أن أريك أنّى لم أطعك من قلّة وضعف، ولكنّى رأيت العالم العلوىّ مقبلا عليك ممكنّا لك ممن هو أقوى منك وأكثر عددا، ومن حارب العالم العلوىّ غلب، فأردت طاعته بطاعتك، والتذلّل له بالتذلّل لك، فقال الإسكندر له: ليس مئلك من يسام الذّل، ولا من يؤدّى الجزية، فما رأيت بينى وبين الملوك من يستحقّ التفضيل والوصف بالعقل غيرك، وقد أعفيتك من جميع ما أردته منك وأنا منصرف عنك. فقال ملك الصين: ولست تخسر [إذا «1» ] ثم انصرف عنه الإسكندر. فبعث إليه ملك الصين بضعف «2» ما قرّر معه وانصرف عن الصين.
كلام الحكماء عند وفاة الإسكندر
قال: لمّا توفّى الإسكندر جعل فى تابوت من الذهب، واجتمع الحكماء فتقدّم الأوّل «3» فقال: قد كان الإسكندر يخبأ الذهب، وقد أصبح الآن يخبؤه الذهب. وتقدّم الثانى «4» اليه والناس يبكون ويجزعون فقال: حركّنا بسكونه. وتقدّم
(15/252)

الثالث «1» اليه فقال: قد كان يعظنا فى حياته، وهو اليوم أوعظ منه أمس. وتقدّم اليه الرابع فقال: قد جاب الأرضين وسلكها، ثم حصل منها فى أربعة قوائم.
ووقف عليه الخامس «2» فقال: انظروا إلى حلم النائم كيف انقضى، وإلى ظلّ الغمام كيف انجلى. ووقف عليه السادس فقال: قد أمات هذا الميّت كثيرا من الناس لئلّا يموت، وقد مات الآن. ووقف عليه السابع «3» فقال: مالك لا تقلّ عضوا من أعضائك، وقد كنت تستقلّ بملك العباد. وقال الثامن «4» : مالك لا ترغب بنفسك عن المكان الضيّق، وقد كنت ترغب بها عن رحّب البلاد. وقال التاسع: كان لا يقدر عنده على الكلام، واليوم لا يقدر عنده على الصّمت. وقال العاشر:
قد كان غالبا فصار مغلوبا، وآكلا فصار مأكولا. وقال الحادى عشر «5» : ما كان أقبح إفراطك فى التجبّر أمس مع شدّة خضوعك اليوم!. وقالت بنت دارا:
ما كنت أحسب أنّ غالب أبى يغلب. وقال رئيس الطبّاخين: قد نضّدت النضائد، وألقيت الوسائد، ونصبت الموائد، ولست أرى عميد القوم.
قال: ولما مات الإسكندر عرض الملك على ابنه من بعده فأباه واختار العبادة والنّسك.
فملك بعد الإسكندر على اليونانيين بطليموس، وهذه التسمية لكلّ من ملك اليونان ككسرى للأكاسرة من الفرس، وقيصر للروم، وخاقان للترك، وطرخان للخزر، والنجاشىّ للحبشة.
قال: وكان بطليموس هذا شابّا مدبّرا حكيما عالما. وكان ملكه أربعين سنة، وقيل عشرين سنة، وقيل إنه أوّل من اقتنى البزاة وضرّاها ولعب بها.
(15/253)

ثم ملك بعده بطليموس الثانى، وهو الذى يقال له: محبّ الأخ، واسمه هيقلوس، وكان ملكه ستّا وعشرين سنة.
ثم ملك بعده بطليموس محبّ الأب، وكانت مدّة ملكه سبع عشرة سنة.
ثم ملك بعده بطليموس، وهو صاحب علم الفلك والنجوم وكتاب المجسطى.
فكان ملكه أربعا وعشرين سنة.
ثم ملك بعده بطليموس محبّ الأمّ. فكان ملكه خمسا وثلاثين سنة.
ثم ملك بعده بطليموس الصائغ. فكان ملكه سبعا وعشرين سنة.
ثم ملك بعده بطليموس الإسكندرانىّ. فكان ملكه اثنتى عشرة سنة.
ثم ملك بعده بطليموس الحديدىّ. فكانت مدّة ملكه ثمانين سنة.
ثم ملك بعده بطليموس الجوّال. فكان ملكه أيضا ثمانين سنة، وقيل أقلّ من ذلك.
ثم ملك بعده بطليموس الحرب. فكانت مدّة ملكه ثلاثين سنة.
ثم ملكت بعده ابنته قلوبطرة، وكانت حكيمة متفلسفة معظّمة للحكماء، ولها كتب مصنّفة فى الطبّ والزينة وغير ذلك، مترجمة باسمها ومنسوبة إليها، وكان زوجها بطليموس ويسمّى أنطونيوس مشاركا لها فى ملك مقدونية وهى مصر.
فلمّا أراد الله تعالى ذهاب ملك اليونانيين أيّد عليهم ملك رومية وهو أغسطس، فسار إليها، وكان له مع الملكة قلوبطرة وزوجها حروب كثيرة، فقتل زوج قلوبطرة، فأراد ملك الروم أن يتروّجها لعلمه بحكمتها وليتعلّم منها، فراسلها فعلمت مراده منها، فطلبت حيّة تكون بالحجاز ومصر والشام، وهى نوع من الحيّات تراعى الإنسان حتى إذا نظرت الى عضو من أعضائه قفزت أذرعا نحوه فلم تخطئ ذلك العضو بعينه
(15/254)

حتى تثفل عليه سمّا فيموت لوقته ولا يعلم ما خبره، فيتوهّم الناس أنه مات فجأة حتف أنفه. فاحتملت لها. فلمّا كان فى اليوم الذى علمت فيه أن أغسطس يدخل فى قصرها أمرت بأنواع الرياحين والزهور أن تبسط فى مجلسها وأمام سريرها، وجلست على سرير ملكها والتاج على رأسها وفرّقت حشمها وقرّبت يدها من الإناء الذى فيه تلك الحيّة فضربتها فماتت لوقتها، وانسابت الحيّة فى تلك الرياحين ودخل أغسطس حتى انتهى الى المجلس، فنظر إليها جالسة وهو يظنّ أنها باقية، فدنا منها فتبيّن له أنها قد ماتت، فنظر الى تلك الرياحين فقفزت عليه تلك الحيّة فرمته بسمّها وقد خفّ، فبطل شقّه الذى ضربته من جهته، ولولا أنّ سمّها كان قد نقص لمات، فعجب من قتلها لنفسها وما كادته به من إلقاء الحيّة، وكانت قلوبطرة هذه آخر من ملك من اليونانيين. والله أعلم.
ذكر أخبار ملوك السّريان
قال أبو الحسن علىّ بن عبد الله المسعودىّ فى كتابه المترجم بمروج الذهب «1» :
ذكر ذوو العناية بأخبار ملوك العالم أنّ أوّل الملوك بعد الطوفان ملوك اليونان، قال:
وقد تنوزع فيهم وفى النبط، فمن الناس من رأى أن السريانيين هم النّبط، ومنهم من رأى أنهم إخوة لولد «2» ماس بن نبيط، ومنهم من رأى غير ذلك على حسب تباين الناس فى الأجيال الماضية والقرون الخالية.
قال: فكان أوّل من ملك منهم رجل يقال له سوشان، وهو أوّل من وضع التاج على رأسه فى تاريخ السريانيّين. قال: وانقاد له ملوك الأرض، فكان ملكه ستّ عشرة سنة باغيا فى الأرض، ومفسدا فى البلاد، وسفّا كاللدماء.
(15/255)

ثم ملك بعد يريز «1» ، وكان ملكه إلى أن هلك عشرين سنة.
ثم ملك بعده سماسير بن أبوبا. فكان ملكه تسع سنين.
ثم ملك بعده أهريمون فحطّ الخطط، وكوّر الكور، وجدّ فى أمره، وأتقن ملكه، وعمر أرضه. فلّما استقامت له الأحوال وانتظم ملكه بلغ بعض ملوك الهند وهو رتبيل، وهو اسم لمن يملك هذه الجهة من الهند، ما القوم عليه من القوّة، وما بلادهم عليه من العمارة، وأنهم يحاولون الممالك، وقد كان هذا الملك الهندىّ غلب على من حوله من ممالك الهند وانقادت إلى أحكامه، وذلك أنّ ملكه كان مما يلى بلاد الهند والسّند، فسار نحو بلاد بست «2» وغزنين «3» ونغر «4» وبلاد الداور «5» على النهر المعروف بالهندمند، وهو نهر ببلاد سجستان ويعرف بنهر بست تجرى فيه السفن منها إلى سجستان.
قال: وكان بين ملك الهند وملك السريانيّين حروب كثيرة نحوا من سنة ثم أجلت الحرب عن قتل السريانىّ واحتوى الهندىّ على الصّقع وملكه، فكان ملك أهريمون عشر سنين.
(15/256)

قال: وبقى ذلك الصّقع بيد الملك الهندىّ حتى سار إلى بعض الملوك فأتى عليه وملك العراق وردّ السريانيين.
فملّكوا عليهم تسنوا «1» بن سماسير. فكان ملكه إلى أن هلك ثمانى سنين.
ثم ملك بعده أهريمون. فكانت مدّة ملكه اثنتى عشرة سنة.
ثم ملك بعده ابنه هوريا فزاد فى العمارة وأحسن للرعايا وغرس الأشجار.
فكان ملكه اثنتين وعشرين سنة.
ثم ملك بعده ماروت «2» واستولى على الملك. فكان ملكه خمس عشرة سنة.
وقيل أكثر من ذلك.
ثم ملك بعده أزور وسلحاس «3» ، ويقال إنهما كانا أخوين. قال: فأحسنا السيرة، وتعاضدا على تدبير الملك. ويقال: إنّ أحد هذين الملكين كان جالسا ذات يوم فى أعلا قصره فنظر إلى طائر قد فرّخ هنالك، وهو يصيح ويضرب بجناحه، فنظر إلى حيّة تنساب إلى الوكر لتأكل الفراخ التى للطائر، فدعا بقوس وسهم ورمى الحيّة فقتلها، وسلمت الفراخ، وغاب الطائر وعاد إلى الملك بعد هنيهة وفى منقاره حبّة وفى مخاليبه حبّتان، وطار حتى وازى الملك، وألقى الحبّ بين يديه فتناوله الملك وقال: ما ألقى هذا الطائر هذا الحبّ إلا لأمر قصد به مكافأتنا على ما فعلناه من خلاص فراخه، ولم يعرف ما هو ذلك الحبّ، واستدعى الحكماء وأراهم فما عرفوه، فقال له حكيم: ينبغى أن يزرع هذا الحبّ ببطن الأرض لينظر ما يكون منه، فأحضر الأكرة وأمرهم بزرعه فزرعوه، والملك
(15/257)

يراعيه حتى طلع وأزهر وحصرم وأعنب، وهم لا يقربونه خشية أن يكون متلفا، فأمر الملك أن يعصر ماؤه ويودع الآنية وأخرج الحبّ منه وترك بعضه على حاله. فلمّا صار فى الآنية غلا وقذف بالزبد وفاحت له روائح عبقة، فقال الملك:
علىّ بشيخ كبير، فأتى به، فسقاه من هذا العصير. فلمّا شرب منه ثلاثا صال وتكلّم وصفّق بيديه وحرّك رأسه ووقع برجليه على الأرض، فظهر عليه الطّرب والفرح وتغنّى. فقال الملك: هذا شراب مذهب للعقل، وأخلق به أن يكون قتّالا، ألا ترون إلى هذا الشيخ كيف عاد الى حال الصّبا وقوّة الشباب، ثم أمر الملك بالشيخ فرقد، فسكن ونام. فقال الملك: هلك، ثم أفاق الشيخ وطلب الزيادة من الشراب وقال: لقد شربته فكشف عنّى الهموم والغموم، وأزال عنّى الأحزان. فقال الملك: هذا أشرف شراب الرجل، فأكثر من غرس الكروم، واختصّ به دون غيره من الناس، واستعمله بقيّة أيامه، ثم نما بعد ذلك وكثر فى أيدى الناس. وهذا آخر ما أورده المسعودىّ من أخبار السّريان.
ذكر أخبار الملوك الكلوانيّين وهم ملوك النّبط ملوك بابل
قال المسعودىّ «1» ، ذهب «2» جماعة من أهل البحث والعناية بأخبار ملوك العالم أنهم ملوك العالم الذين مهّدوا الأرض بالعمارة، وأنّ الفرس الأول إنما أخذوا الملك من هؤلاء كأخذ الروم الملك من اليونان.
فكان أوّل من ملك منهم نمروذ الجبّار. فكان ملكه نحوا من ستين سنة. وقد قدّمنا أخبار نمروذ «3» فى قصّة إبراهيم عليه السلام.
(15/258)

قال: ونمروذ هذا هو الذى احتفر أنهارا بالعراق آخذة من الفرات، فيقال:
إنّ من ذلك نهر كوثى «1» على طريق الكوفة، وهو بين قصر «2» ابن هبيرة وبغداد.
ثم ملك بعده أبولس، وكان عظيم البطش جبّارا فى الأرض. وكان ملكه نحوا من سبعين سنة.
ثم ملك بعده فيزمنوس. وكان باغيا فى الأرض، ملك نحوا من مائة سنة.
ثم ملك بعده سوسوس. فكان ملكه نحوا من تسعين سنة.
ثم ملك بعده كورس. فكان ملكه نحوا من خمسين سنة.
ثم ملك بعده اذ فرنجوا «3» . فكان ملكه نحوا من عشر سنين.
ثم ملك بعده سيهزم. فكان ملكه نحوا من أربعين سنة، وقيل أكثر.
ثم ملك بعده قوسيس. فكان ملكه نحوا من سبعين سنة.
ثم ملك بعده أنبوش «4» . فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة.
ثم ملك بعده إيلاوس. فكان ملكه نحوا من خمس عشرة سنة.
ثم ملك بعده الجلوس. وكان ملكه نحوا من أربعين سنة.
(15/259)

ثم ملك بعده أونوبس «1» . فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة.
ثم ملك بعده بعنكلوس. فكان ملكه نحوا من ثلاثين شهرا.
ثم ملك بعده سفرين «2» . فكان ملكه نحوا من أربعين سنة، وقيل أقلّ.
ثم ملك بعده مارنوس. فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة.
ثم ملك بعده رسطاليم «3» . فكان ملكه نحوا من أربعين سنة.
ثم ملك بعده أسطوس. فكان ملكه نحوا من خمسين سنة.
ثم ملك بعده تاولوس. فكان ملكه نحوا من خمسين سنة.
ثم ملك بعده العداس. فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة.
ثم ملك بعده أطيروس. فكان ملكه نحوا من ستين سنة.
ثم ملك بعده ساوساس. فكان ملكه نحوا من عشرين سنة.
ثم ملك بعده فارينوس. فكان ملكه نحوا من خمسين سنة، وقيل خمسا وأربعين سنة.
ثم ملك بعده أدرموس. فكان ملكه نحوا من أربعين سنة. وغزاه ملك من ملوك فارس فى عقر داره.
ثم ملك بعده مسروس. فكان ملكه نحوا من خمسين سنة.
ثم ملك بعده أفروس. فكان ملكه نحوا من أربعين سنة.
ثم ملك بعده طاطاوس. فكان ملكه نحوا من أربعين سنة.
(15/260)

ثم ملك بعده لاوسيس. فكان ملكه نحوا من خمسين سنة، وقيل خمسا وأربعين سنة.
ثم ملك بعده قريطوس. فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة.
ثم ملك بعده قروطاوس. فكان ملكه نحوا من عشرين سنة.
ثم ملك بعده قراقريس. فكان ملكه نحوا من خمسين سنة، وقيل اثنتين وأربعين سنة.
ثم ملك بعده بوليس قنطروس. فكان ملكه نحوا من عشرين سنة.
ثم ملك بعده قولا قسما. [فكان ملكه «1» ] نحوا من ستين سنة.
ثم ملك بعده هيقلس. فكان ملكه خمسا وثلاثين سنة، وقيل خمسين سنة.
وكانت له حروب مع ملوك الصقالبة.
ثم ملك بعده سموجد. فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة.
ثم ملك بعده مردوج. فكان ملكه نحوا من أربعين سنة، وقيل أقلّ من ذلك.
ثم ملك بعده سنحاريب. فكان ملكه نحو من ثلاثين سنة، وهو الذى ابتنى بيت المقدس.
ثم ملك بعده منوشا. فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة، وقيل أقلّ من ذلك.
ثم ملك بعده بختنصّر الجبّار. فكان ملكه خمسا وأربعين سنة، وقد تقدّم أن بختنصّر «2» لم يكن ملكا وإنما كان مرزبانا لملوك الفرس الأول، إلا أن يكون هذا غير ذاك. والله أعلم.
ثم ملك بعده بيطسقر. فكانت مدّة ملكه نحوا من ستّين سنة، وقيل أقلّ من ذلك.
(15/261)

ثم ملك بعده دارنوس. فكان ملكه إحدى وثلاثين سنة، وقيل أكثر من ذلك.
ثم ملك بعده كشرخوش [فكان ملكه] عشرين سنة.
ثم ملك بعده قرطياسة تسعة أشهر.
ثم ملك بعده فيجسمنه. فكان ملكه إحدى وأربعين سنة.
ثم ملك بعده أجرست. فكان ملكه ثلاثا وستين سنة.
ثم ملك بعده شعيا. فكان ملكه ثلاثين سنة «1» ، وقيل تسعة أشهر.
ثم ملك بعده داريوس. فكان ملكه عشرين سنة، وقيل تسع عشرة سنة.
ثم بعده أنطجست. فكان ملكه تسعا وعشرين سنة.
ثم ملك بعده اليسع. فكان ملكه خمس عشرة سنة، وقيل عشرين سنة.
قال المسعودىّ: فهؤلاء الملوك الذين أتينا على أسمائهم، وذكرنا مدّة ملكهم، هم الذين شيّدوا البنيان، ومدّنوا المدن، وكوّروا الكور، وحفروا الأنهار، وغرسوا الأشجار، واستبطوا المياه، وأثاروا الأرض، واستخرجوا المعادن من الحديد والنحاس والرصاص وغير ذلك، وطبعوا السيوف، واتّخذوا عدّة الحرب، ونصبوا قوانين الحروب، ورتّبوا الميمنة والميسرة والأجنحة، وجعلوا ذلك مثالا لأجزاء أعضاء الإنسان، ورتّبوا الأعلام؛ فجعلوا أعلام القلب على صورة الفيلة والنسور وما عظم من أجناس الحيوان؛ وجعلوا أعلام الميمنة والميسرة على صورة السباع؛ وجعلوا فى الأجنحة أمثال ما لطف منها كالنمر والذئب؛ وجعلوا فى الطلائع كصور الحيّات وما خفى فعله من هوامّ الأرض؛ وتغلغل القوم فى هذه المعانى.
قال: والذى ذكرناه من أخبارهم هو المشهور. والله تعالى أعلم.
(15/262)

ذكر أخبار ملوك الروم وأنسابهم
قال المسعودىّ «1» : قد تنازع الناس فى الروم ولأىّ علّة سمّوا بهذا الأسم، فقيل لإضافتهم لمدينة رومية واسمها بالرومية روماس، فعرّب هذا الاسم فسمّى من كان بها روما، والروم لا يسمّون أنفسهم فى لغتهم إلّا رومس. «2» ومنهم من رأى أن هذا الاسم اسم الأب الأوّل، وهو روم بن شماخلين بن هوبان بن علفا بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. ومنهم من رأى أنهم سمّوا باسم جدّهم رومس ابن لبطى بن نويفل بن رومىّ بن الأصغر بن النفر بن العيص، وقيل غير ذلك.
وقد ذكرنا فى الأنساب شيئا من ذلك.
قال المسعودىّ: وغلبت الروم على ملك اليونانيين، فكان أوّل من ملك منهم طوخاس وهو جانيوس الأصغر بن روم بن شماخلين، فكان ملكه اثنتين وعشرين سنة.
وقيل إنّ أوّل من ملك من ملوك الروم قيصر، واسمه غالوس أوليوس. فكان ملكه ثمانى عشرة سنة.
وقيل أوّل من ملك منهم بعد ملوك اليونانيين برومية بوليس. فكان ملكه سبع سنين ونصفا. قال: ورومية بنيت قبل الروم بأربعمائة سنة.
ثم ملك بعده ابنه أغسطس قيصر. وكان ملكه ستّا وخمسين سنة، وهو أوّل من تسمّى بقيصر، وإنما سمّى بذلك لأنّ أمّه ماتت وهى حامل به فشقّ بطنها عنه، ومعنى قيصر بقر، وكان يفتخر بأنّ النساء لم تلده، وحقيقة هذه اللفظة بالعجميّة
(15/263)

جيشر، قيل إنما سمى جيشر لأنه ولد بشعر يبلغ عينيه، واسم الشعر بالعجميّة حساريه وقيل جشايره، فعرّب فقيل قيصر، وهو صاحب قلوبطرة ملكة اليونان على ما ذكرناه. واحتوى هذا الملك على مقدونية وهى مصر والإسكندرية، وحاز ما فيهما من الخزائن، وكانت له حروب كثيرة، وكان يعبد الأوثان. وبنى بأرض الروم مدنا تنسب إليه، وكوّر كورا. فمن مدنه قيسارية. ولاثنتين وأربعين سنة خلت من ملكه ولد المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، وعاش هذا الملك بقيّة عمره وقد بطل شقّه لما ثفلت عليه الحيّة على ما قدّمناه فى أخبار قلوبطرة.
ثم ملك بعده طياريس. فكان ملكه اثنتين وعشرين سنة. قال: ولثلاث سنين بقيت من ملكه رفع المسيح عليه السلام. قال: ولمّا هلك هذا الملك برومية اختلفت الروم وتحزّبت وأقاموا على اختلاف الكلمة والتنازع مائتى سنة وثمانيا وأربعين سنة لا نظام لهم ولا ملك يجمعهم.
ثم ملّكوا عليهم طباريس عابس بمدينة رومية. فكانت مدّة ملكه أربع سنين.
ثم ملك بعده قلورس برومية. فكان ملكه أربع عشرة سنة، وهو أوّل ملك من ملوك الروم شرع فى قتل النصارى واتباع المسيح عليه السلام، فقتل منهم خلقا كثيرا، وكانت الروم تعبد التماثيل.
ولما هلك هذا الملك ملك بعده نيرون. قال: واستقام ملكه ورغب فى عبادة التماثيل والأصنام، وكان ملكه أربع عشرة سنة وشهورا.
ثم ملك بعده ططس واسبابوس مشتركين فى الملك. فكان ملكهما ثلاث عشرة سنة، ولسنة من ملكهما سارا الى الشام، فكانت لهما حروب عظيمة مع بنى إسرائيل قتل فيها من بنى إسرائيل ثلاثمائة ألف وخرّبا بيت المقدس وأزالا رسمه، وكان يعبدان الأصنام.
(15/264)

قال المسعودىّ: وذكر فى بعض التواريخ أنّ الله تعالى عاقب الروم من ذلك اليوم الذى خرّبوا فيه بيت المقدس أن يسبى منهم فى كلّ يوم سبى فلا يوم إلّا والسّبى واقع فيهم قلّ ذلك أو كثر.
ثم ملك بعدهما ذو مطيانس. فكانت مدّة ملكه خمس عشرة سنة.
ثم ملك بعده تبرنوس. فكانت مدّة ملكه سنة واحدة.
ثم ملك من بعده طومانوس. فكانت مدّة ملكه تسع عشرة سنة.
ثم ملك بعده أذربالس. فكانت مدّة ملكه إحدى عشرة سنة، وخرّب سائر ما بقى بالشام لبنى إسرائيل.
ثم ملك بعده أبطونيس. فكان ملكه ثلاثا وعشرين سنة. قال: وبنى بيت المقدس وسمّاه إيلياء.
ثم ملك بعده قرمودس. فكانت مدّة ملكه ثلاث عشرة سنة.
ثم ملك بعده سيريرس. فكانت مدّة ملكه ثمانى عشرة سنة.
ثم ملك بعده ولده أنطويس. فكانت مدّة ملكه تسع سنين.
ثم ملك بعده أنطويس الثانى. فكانت مدّة ملكه أربع سنين، وفى آخر ملكه مات جالينوس الطبيب.
ثم ملك بعده الإسكندر مامياس، وتفسير مامياس العاجز. فكانت مدّة ملكه ثلاث عشرة سنة.
ثم ملك بعده عردياس. فكانت مدّة ملكه ستّ سنين.
ثم ملك بعده ديقيوس وقيل فيه دقيوس. فكانت مدّة ملكه ستين سنة.
قال: فأمعن فى قتل النصارى، ومن هذا الملك هرب أصحاب الكهف.
(15/265)

ذكر خبر أصحاب الكهف
قال الشيخ عبد الوهّاب بن المبارك بن أحمد بن الحسين الأنماطىّ فى كتاب المبتدإ يرفعه الى وهب بن منبّه: إنّ أصحاب الكهف كانوا فتية من الروم، وهم الذين ذكرهم الله تعالى فى كتابه العزيز فقال: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً)
الآيات التى فى سورة الكهف «1» . قال:
وكان فى إيمانهم عبرة وتفكّر منهم فى عظم الله وجلاله وملكه وسلطانه وأصناف خلقه، لم يأتهم بذلك وحى ولم يقرءوا كتابا، ولم يدركوا زمان نبوّة، وكانوا فى زمن فترة قبل أن يبعث الله عزّ وجلّ عيسى بن مريم عليه السلام، وهذا القول مخالف لما ذكرناه آنفا، فإنّ المساق الذى قدّمناه من أخبار ملوك الروم يقتضى أن بين رفع عيسى عليه السلام وبين ملك دقيوس ما يزيد على مائتى سنة. والله عزّ وجلّ أعلم.
قال: وكانوا شبّانا متقاربين فى السنّ قلّما يتفاوتون، وكانوا من فصيلة واحدة يجمعهم النسب، وكانوا فى حسب عظيم من أحساب الروم، من ولد عظمائهم وملوكهم وأشرافهم، وكان للروم فيهم هوى وصبابة شديدة، وكان ملك الروم الأوّل فى آباء أولئك الفتية وينقل فى فصيلتهم التى كانوا منها أكثر من أربعمائة عام حتى انقرضت تلك الفصيلة وزال الملك عنهم. فكان أولئك الفتية عقب أولئك الملوك وبقيّتهم، وكان الروم يتمنّون ملكهم ويمدّون اليهم أعناقهم لما قد بلغهم ما كان الناس فيه فى زمن أسلافهم من الخفض والدعة والعافية والبسط والأمن والسّعة، فكانوا يؤمّلونهم ويرجونهم، وكانت ملوك الروم قد جفوهم وحرموهم وأقصوهم وأضرّوا بهم مخافة منهم على ملكهم لما يعلمون من رأى الروم فيهم، وكانوا مع
(15/266)

ذلك يكفّون عنهم أذاهم، ويعرفون أنهم مفزع الروم إن اختلفوا ومعوّلهم عليهم، فلم تزل تلك حالهم فيما بينهم وبين ملوكهم وقومهم حتى أراد الله تعالى بهم ما أراد من هداهم والإيمان الذى نوّره الله فى قلوبهم.
قال قائل منهم: إنى قد رأيت رأيا وقع فى قلبى وأمرا ثبت فيه، فلست أبصر غيره، وليس يخرجه من قلبى شىء، اسمعوا أعرض عليكم، إنّى فكّرت فى خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم والسحاب والمطر، والأحياء والأموات، والنبات، والصّغار والكبار، والبقاء والفناء، والشدّة والرخاء، وتقلّب الدنيا بأهلها، والأطباق التى تنصرف عليها الخلق طبقا بعد طبق، وقوما عن قوم: من موت وحياة، ونقص وزيادة، وخفض ورفع، وغنى وفقر، وطول عمر ونقص آخر، وموت صغير وهرم كبير، وأشباه لذلك كثيرة، وهى أكثر من أن تعدّ وتوصف أو تحصى؛ فلمّا نظرت فيها وأعملت الرأى والنظر أجمع رأيى على أنّ لها خالقا بديعا ابتدعها؛ وربّا يملكها ويدبّرها، ويخلقها ويرزقها، ويغنيها ويفقرها، ويرفعها ويخفضها، ويحييها ويميتها ويفنيها، تتقلّب فى قبضته وتعيش برزقه؛ فلمّا تمّ لى الرأى نظرت فى عظمة هذا الربّ الذى ابتدع هذا الخلق وضبطه، ودبّره وأحكم أمره، فإذا قدرته تأتى من وراء ذلك كلّه، ليس من هذا الخلق شىء يفوتها ولا يخرج منها، وإذا هى محيطة بكلّ شىء ومن وراء كلّ شىء، ثم نظرت فى عظمة الربّ هل أصفها كما وصفتها القدرة، وهل أعلم كنهها؟ فتحيّرت فيها، وعجز عنها الحلم والعلم، وحسر عنها العقل والنظر، وما بقى مما لم أذكره لكم معرفة القلب ولا نصفه إلّا أنه قد ألهم بمعرفته وأسرّ بها أكثر وأعظم وأعجب مما وصفت وشرحت لكم، فماذا تقولون، وماذا تعرفون، وماذا تفعلون؟
(15/267)

قالوا: قد قلت قولا عظيما ووصفت أمرا عجيبا، وما نحسبك إلّا قد أصبت فيه الرأى والنظر، وقد صدّقناك وتابعناك ورأينا رأيك وواقع قلوبنا منه ومن معرفته مثل الذى عرفت وواقع قلبك، وإن كنّا لنرى مثل الذى رأيت من أعاجيب هذا الخلق وعظمة هذا الخالق، وإن كان ليكثر أن يخطر على قلوبنا منه مثل ما خطر على قلبك، ولكنّا لم نشرح منه ما شرحت ولم نصف منه ما وصفت، ولم نعمل الرأى والنظر فى معرفته مثل ما أعملت وعرفت، ولكنّ الله أراد هداك وتفضيلك وإكرامك بما سبقت إليه من هذا القول وهذا العلم وهذه المعرفة، ولكن حدّثنا عمّا نسألك عنه، وإنما نظرنا فيه بعد ما سمعنا قولك؛ هل ينبغى لهذا الربّ الذى وصفته بما وصفته من العظمة أن يكون له شريك فى ملكه، أو حاجة إلى شىء من خلقه، أو هل يغلبه شىء يستعين عليه بغيره؟
قال لهم: لو كان له شريك فى شىء من أمره لضبط ما ضبط، ولو كانت به حاجة إلى أحد من خلقه لكان مثلهم، ولو كان يستعين على شىء يغلبه بغيره إذا ما بلغت قدرته ما بلغت، ولا أحاطت بما أحاطت به، ولا وسع ما اتّسع له من أمر خلقه، وتدبير ما خلق ورزق وأمات وأحيا.
قالوا له: صدقت وعرفنا ما تقول وثبت فى قلوبنا، ولكن حدّثنا ما بال خلقه يشركون به وهم يعرفونه حقّ معرفته. قال: لأنه خلق فيهم الأهواء وطبع فيهم الشهوات، وجبلهم على الضعف، وثبّت معهم الشيطان، فمن قبل هذا عدلوا به وهم يعرفون أنّ الذين يدعون من دونه لا يحيونهم ولا يميتونهم، ولا يخلقونهم ولا يرزقونهم، ولا يضروّنهم ولا ينفعونهم، إذا مسّهم الضّرّ فإيّاه يدعون وإليه يجأرون؛ فعند ذلك اجتمع رأيهم على أن يأووا إلى الكهف، وأن يعتزلوا قومهم
(15/268)

وما يعبدون من دون الله، فعندها قالوا: (رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً)
إلى قوله: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) *
قال: فلمّا اعتزلوهم وما يعبدون من دون الله آووا إلى الكهف رجاء أن ينشر لهم ربهم من رحمته ويهيّىء لهم من أمرهم مرفقا. قال: وأرادوا أن يكونوا فى عزلة من قومهم وشركهم حتى يفرق لهم رأيهم، فألقى الله عليهم السّبات.
قال: وهم من مدينة من مدائن الروم يقال لها أفسوس «1» ، وملك الروم يومئذ دقيوس، ويقال- والله أعلم- إنّ عدّتهم سبعة، كان عبد الله بن عباس يسمّيهم بأسمائهم ويقول: ما يعلمهم إلا قليل وأنا من أولئك القليل، منهم مرطالوس، ونونوس، ودانيوس، وسراقيون، واسطاطالوس، ومكسلميس، وتمليخا، وهو الذى بعثوه بورقهم إلى المدينة ليرتاد لهم. هذا قول ابن عباس، قال: وكانوا قوما يطلبون الصّيد لما مسّهم من الضّرّ والحاجة ليس لهم كبير معيشة غيره، فقالوا قولهم هذا ونظروا ما نظروا، وهم يومئذ فى الجبل الذى فيه كهفهم يطلبون الصيد ومعهم كلابهم وبزاتهم وقسيّهم ونبلهم. فلمّا أجمع رأيهم أن يأووا إلى الكهف ليأتمروا فيه، هل يقيمون مع قومهم على شركهم، أم يفارقونهم فينتجعون ناحية من الأرض يحلّون فيها ويوحّدون فيها ربّهم. فبينا هم على ذلك ألقى الله عليهم السّبات وأخفى على جميع خلقه مكانهم، وصرف عنهم الأبصار والعقول، فليس يبصرهم أحد ولا يفطن بمكانهم، فلبثوا فى كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، حتى انقرضت الأمّة التى كانوا فيها والملك الذى كان عليهم، وظهر المسيح عيسى بن مريم عليه السلام وآمن به الناس واتّبعوا ملّته ورفعه الله اليه وذهب زمانه وزمان أهل ملّته وهم فى كهفهم.
(15/269)

قال: وقد كان عيسى بن مريم عليه السلام قبل أن يرفعه الله يحدّث عنهم وعن إيمانهم وبصيرتهم، وكيف تفكّروا فى عظمة إلهم، وكيف ألقى الله عليهم السّبات فى كهفهم، وكيف أخفى مكانهم عن الناس، ولا ينبغى لأحد أن يهتدى إليهم ولا يعرف مكانهم، وكان يخبر أنّ الله سيردّ إليهم أرواحهم ويدلّ على كهفهم ليكونوا عبرة لمن خلفهم إن أراد أن يعتبر بهم.
قال: فردّ الله اليهم أرواحهم بعد أن لبثوا فى كهفهم العدّة التى ذكرها الله عزّ وجلّ فى القرآن ولزمهم كلبهم، فلبث سنيهم كلّها، كما أخبر الله تعالى: (وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ)
. والوصيد: فناء الكهف الذى فيه موضع الباب، وكان الكلب من كلاب صيدهم ولم يطعم ولم يشرب ليجعله الله آية من آياتهم.
قال: فلمّا ردّ الله عليهم أرواحهم (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)
إلى قوله: (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً)
وهم حينئذ يظنّون أنّ قومهم أحياء، وأنهم على ما يعهدون من حالهم وشركهم وعتوّ ملكهم، فانطلق رجل منهم يقال له تمليخا، وكان أشدّهم وأنجدهم، فتوجّه حتى إذا خالط ربض المدينة أنكره وأنكر ما وجد به من الناس والدوابّ والبنيان وغير ذلك، ووجد الناس على حال لم يكن يعهدها وسنّة لم يكن يعرفها، ووجدهم يبتاعون بورق لا يشبه الورق الذى معه، فتحيّر وأنكر وأقبل وأدبر، وأبطأ على أصحابه حتى خافوا عليه، وظنّوا أنه فطن به وقدر عليه. فلمّا طال عليه ذلك دخل المدينة من ناحية أخرى من نواحيها خفية فوجد حال أهل المدينة على حال أهل الرّبض فى كلّ شىء، فلمّا شكّ وارتاب والتبس عليه رأيه عمد إلى مشيخة من أهل المدينة توسّم فيه الخير ليتجسّس ويسمع قولهم، فوجد معهم الإنجيل يقرءونه، فسمع ما فيه من توحيد الله وعظمته وعذابه وسنّته وشرائعه وحلاله وحرامه، فعرف ذلك وأذعن اليه وأنصت يسمع حتى إذا
(15/270)

فرغوا من قراءتهم سألهم عن كتابهم فقالوا: هذا كتاب الله الإنجيل الذى أنزل على عيسى بن مريم عليه السلام نبيّه. قال: وأين عيسى؟ قالوا: قد رفعه الله تعالى اليه. قال: وكم لبث فيكم؟ قالوا: ثلاثا وثلاثين سنة. قال: وهل رأيتموه وأتيتموه وأدركتم زمانه؟ قالوا: لا، كان قبل أن نولد، ووجدنا كتابه فى أيدى آبائنا. قال: أفكلّ هذه المدينة تؤمن بهذا النبىّ وبهذا الكتاب وتعمل بما فيه مما أسمع من حلاله وحرامه؟ قالوا: نعم، إلّا مستحقّا بذنب أو ظالما لنفسه.
قال: فهل سمعتم بالملك الذى يقال له دقيوس؟ قالوا: نعم. قال: فكم له منذ هلك؟ قالوا: أكثر من ثلاثمائة عام. قال: فهل بقى له عقب، أو لأحد من أهل مملكته يعمل بعمله؟ قالوا: لا. قال: فلو أراد أحد أن يعمل بمثل عمله ما كنتم تفعلون به؟ قالوا: نقتله أو نخرجه من بين أظهرنا.
فلمّا آمنهم واطمأنّ إليهم ورأى سمت الإسلام وهديه عليهم وفّقه الله وهداه لمسألة سألهم عنها. قال: أخبرونى، هل كان نبيّكم عيسى عليه السلام يخبركم عن سبعة رهط خرجوا من هذه المدينة فى زمن دقيوس وقومه، وهربوا إلى الله بأنفسهم ودينهم فرارا من دقيوس وقومه، وما كانوا يعبدون من دون الله حتى آووا الى الكهف فى هذه الجبال فاستخفوا فيها. فلمّا قال لهم هذا أوجسوا فى أنفسهم أنه منهم، قالوا: نعم، قد كان يخبرنا عنهم فلعلك منهم فإنّا ننكر حالك كلّه.
قال: فهل كان عيسى عليه السلام فيما بلّغكم سمّى أصحاب الكهف؟ قالوا: نعم؛ قال: فسمّوهم لى بأسمائهم، فسمّوهم حتى إذا ذكروا اسمه تمليخا قال: فأنا تمليخا وأنا أحدهم، فخرّوا له سجّدا كما صنع إخوة يوسف بيوسف يوم دخلوا عليه؛ وكانت تحيّتهم فيما بينهم السجود يومئذ، ثم أدخلوه مسجدهم وعظّموه ووقّروه وأكرموه ورفعوه وجمعوا له أهل مدينتهم وقرّاءهم وفقهاءهم، فتبرّكوا به، وجعلوا له عيدا
(15/271)

عظيما، وأقام أياما بين أظهرهم ثم قال لهم: إنّ أصحابى الذين يحدّثكم عنهم عيسى عليه السلام لا أراهم إلّا وقد خافوا علىّ وساء ظنّهم وهم يظنّون أنّ دقيوس حىّ؛ وأنّ الزمان زمانه، وأنّ الدين دينه، فانطلقوا بنا نعلمهم كيف أهلكه الله وقومه وطهّر الأرض منهم، وكيف استبدل الله به وبأهل ملّته أمّة يوحّدونه ويعرفونه ويهدون بالحقّ وبه يعدلون. فانطلقوا معه حتى انتهوا الى الكهف فوجدوا كلبهم باسطا ذراعيه بالوصيد فقالوا حين رأوه: وهذا الكلب أيضا من علاماتكم التى كان يحدّثنا عنها عيسى عليه السلام، وقد كان يحدّث أنّ أصحاب الكهف لا ينظر إليهم أحد من خلق الله من يوم يدخلون الكهف إلى أن ينزل عيسى بن مريم عليه السلام إلا رجل واحد منهم، وهو الذى يدلّ عليهم وعلى مكانهم، وأنت هو؛ فدخل على أصحابه فأخبرهم بما رأى وما لقى، ثم كان آخر العهد بهم. قال الله عزّ وجلّ: (وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً)
. قال: فبنوه حول الكهف وجعلوا الكهف فى وسطه وكتبوا القصّة على حيطانه.
قال وهب: فبلغنى- والله أعلم- أنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم قال: إنّ نزول أخى عيسى بن مريم عليه السلام علم للساعة، وإنّ الله يبشرهم عند نزول عيسى بن مريم عليه السلام، وإنه يحجّ فى سبعين ألفا فيهم أصحاب الكهف لأنهم لم يموتوا، ثم تقبل ريح صفراء يمانيّة، ألين من الحرير، وريحها ريح المسك فتقبض روح عيسى عليه السلام وأرواح من معه. انتهى خبر أصحاب الكهف، فلنرجع إلى ما كنّا فيه من أخبار ملوك الروم.
قال: ثم ملك بعد دقيوس جالش. فكانت مدّة ملكه ثلاث سنين. ثم ملك بعده قليطانس. فكانت مدّة ملكه عشر سنين، ثم كانت بعده ملوك الروم المتنصّرة.
(15/272)

ذكر أخبار ملوك الروم المتنصّرة وهم ملوك القسطنطينية
قال المسعودىّ «1» : لمّا هلك قليطانس ملك بعده قسطنطين برومية، وهو أوّل من انتقل من ملوك الروم عن رومية إلى بيزنطيا، وهى القسطنطينية، فبناها هذا الملك وسمّاها بهذا الاسم. قال: وكان خروجه من رومية ودخوله فى دين النصرانية لستّ خلت من ملكه، وذلك أنّ أمّه هلانا «2» خرجت إلى أرض الشام وبنت الكنائس وسارت إلى بيت المقدس وطلبت الخشبة التى تزعم النصارى أنّ عيسى عليه السلام صلب عليها، فلمّا ظفرت بها حلّتها بالذهب والفضة واتّخذت يوم وجودها عيدا، وهو عيد الصليب، لأربع عشرة ليلة خلت من أيلول. وهى التى ابتنت كنيسة حمص على أربعة أركان، واستخرجت الدفائن بمصر والشام، وصرفت ذلك فى بناء الكنائس وتشييد دين النصرانية، فكلّ كنيسة بالشام ومصر من بناء هذه الملكة هلانا.
قال: ولسبع عشرة سنة خلت من ملك قسطنطين اجتمع ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا بمدينة نيقية «3» بأرض الروم فأقاموا دين النصرانية. وهذا الاجتماع أوّل
(15/273)

الاجتماعات الستة التى تذكرها الروم فى كلامهم وتسمّيها القوانين، ومعنى هذه الاجتماعات السّنودسات واحدها سونودس. فالأوّل بنيقية وكان الاجتماع فيه على أرنوس، وهذا اتفاق من سائر أهل دين النصرانية. والسّنودس الثانى بقسطنطينية على مقدونس، وعدّة المجتمعين فيه من الأساقفة مائة وخمسون رجلا. والثالث بأقسيس وعدّة من اجتمع فيه من الأساقفة مائة رجل. والرابع بخلقدونية «1» وعددهم ستمائة وستون رجلا. والخامس بقسطنطينية وعددهم مائة وستة وأربعون رجلا.
والسادس كان فى [ملكة «2» ] المدن، وعدّتهم مائتان وثمانون رجلا.
قال: وكان السبب فى دخول قسطنطين فى دين النصرانية أنه خرج فى بعض حروب أبرجان أو غيرهم من الأمم، فكانت الحرب بينهم سجالا نحوا من سنة، ثم كانت عليه فى بعض الأيام فقتل من أصحابه خلق كثير وخاف البوار فرأى «3» فى نومه كأنّ رماحا نزلت من السماء فيها عذب «4» وأعلام على رأسها صلبان من الذهب والفضة والحديد والنحاس وأنواع الجواهر والخشب، وقيل له: خذ هذه الرماح وقاتل بها عدوّك تنتصر، فجعل يحارب فى النوم فرأى عدوّه قد انهزم، فاستيقظ من نومه ودعا بالرماح وركّب عليها الصّلبان مثل ما رأى، ورفعها فى عسكره وزحف إلى عدوّه فكسرهم وأخذهم السيف، فرجع إلى مدينة نيقية وسأل عن تلك الصّلبان وهل يعرفون ذلك فى شىء من الآراء والنّحل؟ فقيل له: إنّ بيت المقدس من أرض الشام يجمع هذا المذهب، وأخبروه بما فعله من قبله من الملوك من قتل
(15/274)

النصارى، فبعث إلى الشام وبيت المقدس وحشر له ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا فأتوه بنيقية فقص عليهم أمره فشرعوا له دين النصرانيّة؛ فهذا هو السّنودس الأوّل.
وقيل: إنّ أمّه كانت قد تنصّرت وأخفت ذلك عنه قبل هذه الرؤيا. وكان ملكه إلى أن هلك إحدى وثلاثين سنة، وقيل خمسا وعشرين.
ثم ملك بعده قسطنطين بن قسطنطين. فكانت مدّة ملكه أربعا وعشرين سنة.
وابتنى كنائس كثيرة وشيّد دين النصرانية.
ثم ملك بعده ابن عمه بوليانس «1» المعروف بالحنيفى ويسمّى البرباط. قال:
ولما ملك رجع عن دين النصرانية وغيّر رسومها وغزا العراق فى ملك سابور بن أردشير فأتاه سهم غرب «2» فذبحه. ولمّا هلك جزع من كان معه من الملوك والبطارقة ففزعوا إلى بطريق كان معظّما عندهم يقال له يونياس «3» ، وقيل: إنه كان كاتبا للملك الماضى، فأبى عليهم إلّا أن يرجعوا إلى دين النصرانية، فأجابوه إلى ذلك فملّك عليهم يونياس المذكور.
قال: ولمّا ملك كان له مراسلات مع سابور ومهادنة واجتماع، ثم انصرف بجيوش النصرانيّة موادعا لسابور وأخلف عليه ما أتلف الملك الماضى من أرضه بأموال حملها إليه وهدايا من ألطاف الروم، وشيّد النصرانيّة وأعاد معالمها، ومنع من عبادة الأصنام والتماثيل، وقتل من كان على عبادتها. فكان ملكه سنة.
(15/275)

ثم ملك بعده أوالس قال: ولمّا ملك كان على دين النصرانيّة ثم رجع عنه، وهلك فى بعض حروبه، فكان ملكه الى أن هلك أربع عشرة سنة. وقيل:
إن فى أيامه استيقظ أهل الكهف.
ثم ملك بعده غراطيانس «1» . فكانت مدّة ملكه خمس عشرة سنة، ولسنة من ملكه كان اجتماع النصرانيّة، وهو آخر الاجتماعات، فأتمّوا القول فى روح القدس، وهو السّنودس الثانى.
ثم ملك بعده بدرسيس الأكبر، وتفسير هذا الاسم عطيّة الله. قال:
ولما ملك قام بدين النصرانية وعظّم أمرها وابتنى الكنائس، ولم يكن من أهل بيت المقدس ولا من الروم؛ بل كان أصله من الأشبان، وهم بعض الأمم السالفة. قال: وقد كانت ممن ملكت الشام ومصر والمغرب والأندلس. وقد تنازع الناس فيهم، فذكر الواقدىّ فى كتاب فتوح الأمصار أنّ بدءهم من أهل أصبهان، وأنهم ناقلة من هنالك، وهذا يوجب أنهم من قبل ملوك فارس.
قال: وذكر عبيد الله بن خرّداذبه نحو ذلك، وساعدهما على ذلك جماعة من أهل السّير والأخبار.
قال المسعودىّ: والأشهر من أمرهم أنهم من ولد يافث بن نوح، وهم اللذارقة ملوك الأندلس واحدهم لذريق، وقد تنوزع فى دياناتهم، فمنهم من رأى انهم على دين المجوس، ومنهم من رأى أنهم على مذهب الصابئة وغيرهم من عبدة الأصنام. قال: وكان ملك بدرسيس الى أن هلك تسع عشرة سنة.
ثم ملك بعده أوقاديس «2» . فكان ملكه أربع عشرة سنة [وكان «3» ] على دين النصرانية.
(15/276)

ثم ملك بعده بدرسيس الأصغر، وذلك بمدينة أقسس، وجمع مائتى أسقف وهو الاجتماع الثالث من الأسنودسات، ولعن فيه نسطورس البطرك، وإليه تنسب النسطوريّة من النصارى. وكان ملك هذا الملك الى أن هلك اثنتين وأربعين سنة.
ثم ملك بعده مرقياقس «1» وزوجته بلجاريا. فكانت ملكة معه. وكان ملكهما سبع سنين، وفى أيامهما كان خبر اليعاقبة ووقوع الخلاف بينهم فى الثالوث.
قال: وأكثر اليعاقبة من النصارى بالعراق وتكريت والموصل والجزيرة ومصر وأقباطها إلا اليسير فإنهم ملكيّة، والنوبة والأرمن يعاقبة؛ ومطران اليعاقبة بين الموصل وبغداد وتكريت، وكان لهم بالقرب من رأس «2» عين واحد فمات، وانتقل مطرانها الى بلاد حلب وقنّسّرين والعواصم.
قال المسعودىّ: وكرسى اليعاقبة [رسمه «3» ] أن يكون بمدينة أنطاكية، وكذلك لهم كرسى بمصر.
ثم ملكا بعدهما ليون الأصغر بن ليون. فكان ملكه ستّ عشرة سنة، وفى أيامه أحرم مسعدة «4» اليعقوبىّ بطرك الإسكندرية، واجتمع له من الأسقافة ستمائة وثلاثون أسقفا. وفى تاريخ الروم أنّ عدّة المجتمعة ستمائة وستون رجلا، وذلك بخلقدونية، وهذا الاجتماع هو السّنودس الرابع عند الملكية. واليعاقبة لا تعتدّ بهذا السنودس.
(15/277)

قال: واليعاقبة أضيفت الى يعقوب البرذعىّ وبه عرفت، وكان من أهل أنطاكية، وكان يعمل البراذع بها.
ثم ملك بعده ابن له على دين الملكية. فكانت مدّة ملكه الى أن هلك سنة.
ثم ملك بعده بير وهو من بلاد الأرمينان، وكان ملكه سبع عشرة سنة، وكان يميل الى رأى اليعاقبة، وكان له حروب مع خوارج خرجوا عليه فى دار ملكه فظقر بهم.
ثم ملك بعده نسطاس، وكان يذهب الى مذهب اليعاقبة، وهو الذى بنى مدينة عمّوريّة، وأصاب كنوزا ودفائن عظيمة. وكان ملكه تسعا وعشرين سنة.
ثم ملك بعده نوسطيانس تسع سنين.
ثم ملك بعده سطيانس. فكان ملكه تسعا وثلاثين سنة، وبنى كنائس كثيرة، وشيّد دين النصرانيّة وأظهر مذاهب الملكية، وبنى كنيسة الرّها. وهى إحدى عجائب مبانى العالم.
قال: وقد كان فى هذه الكنيسة منديل يعظّمه أهل دين النصرانية، وهو أن اليسوع الناصرىّ حين أخرج من ماء المعموديّة نشّف به، فلم يزل هذا المنديل يتداول الى أن قرّر على كنيسة الرّها؛ فلمّا اشتدّ أمر الروم على المسلمين وحاصروا الرّها فى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة أعطى هذا المنديل للروم فوقعت الهدنة عليه، وفرح الروم به فرحا عظيما.
ولما هلك هذا الملك ملك بعده قوسطيس وهو ابن أخيه، وكان ملكه الى أن هلك ثلاث عشرة سنة.
(15/278)

ثم ملك بعده طباريس. فكان ملكه أربع سنين، وأظهر فى مدّة ملكه أنواعا من اللباس والآلات وآنية الذهب والفضة وغير ذلك من آلات الملوك.
ثم ملك بعده مورقيس، وقيل فيه موريقس. فكانت مدّة ملكه عشرين سنة، وهو الذى نصّر كسرى أبرويز على بهرام جوبين على ما قدّمناه، ثم قتل وانتصر أبرويز لولده وبعث بجيوش الفرس، وكانت له حروب ذكرناها.
ثم ملك بعده قرقاس «1» . فكان ملكه الى أن قتل أيضا ثمانى سنين.
ثم ملك بعده هرقل وكان بطريقا فى بعض الجزائر قبل ذلك. قال: ولمّا ملك عمّر بيت المقدس وذلك بعد انكشاف الفرس عن الشام، وبنى الكنائس. ولسبع سنين خلت من ملكه كانت هجرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذكر ملوك الروم بعد ظهور الإسلام
قال المسعودىّ: وجدت فى كتب التواريخ تنازعا فى مولد النبىّ صلى الله عليه وسلم وفى عصر من كان من ملوك الروم؛ فمنهم من ذهب الى ما قدّمناه، ومنهم من رأى أنّ مولده صلى الله عليه وسلم كان فى ملك نوسطينوس. وكان ملكه سبعا وعشرين سنة.
ثم ملك بعده نوسطينوس الثانى، وكان ملكه عشرين سنة.
ثم ملك بعده هرقل بن نوسطينوس، وهو الذى ضرب الدنانير والدراهم الهرقليّة. وكان ملكه خمس عشرة سنة.
ثم ملك بعده ابنه مورق بن هرقل، وهو الذى كتب الزّيجات فى النجوم، وعليه يعمل أهل الحساب. وفى تواريخ ملوك الروم فيمن سلف وخلف أنّ الملك
(15/279)

للروم كان فى وقت ظهور الإسلام وخلافة أبى بكر وعمر هرقل. وليس هذا الترتيب فيما عداها من كتب تواريخ أهل السّير. وفى تواريخ أصحاب السّير أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر وملك الروم قيصر بن فوق.
ثم ملك بعده قيصر بن قيصر، وذلك فى أيام أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه.
ثم ملك بعده هرقل بن قيصر فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهو الذى حاربه أمراء الإسلام الذين فتحوا الشام على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى خلافة عمر رضى الله عنه.
ثم ملك بعده مورق بن هرقل فى خلافة عثمان بن عفّان رضى الله عنه.
ثم ملك بعده فوق بن مورق فى خلافة علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه وأيام معاوية بن أبى سفيان.
ثم ملك بعده فلقط «1» بن مورق بقيّة أيام معاوية بن أبى سفيان، وكانت بينهما مراسلات ومهادنات، وكان ملكه فى آخر أيام معاوية وأيام يزيد ابنه ومعاوية ابن يزيد ومروان بن الحكم وصدرا من أيام ابنه عبد الملك بن مروان.
ثم ملك بعده لاوى «2» بن فلقط فى بقيّة أيام عبد الملك بن مروان.
ثم ملك بعده جيرون بن لاوى فى أيام الوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك أخيه وعمر بن عبد العزيز، ثم اضطرب ملك الروم لما كان من أمر مسلمة بن عبد الملك بن مروان وغزو المسلمين لهم فى البرّ والبحر، فملّكوا عليهم رجلا من غير
(15/280)

أهل بيت الملك من أهل مرعش «1» يقال له جرجس «2» . فكان ملكه تسع عشرة سنة.
ولم يزل ملك الروم فى اضطراب الى أن ملك عليهم قسطنطين بن اليون، وذلك فى خلافة أبى العباس السفّاح وأبى جعفر المنصور.
ثم ملك بعده اليون بن قسطنطين، وكانت أمّه أرسى ملكة معه ومشاركة له فى الملك لصغر سنّه. وملك فى أيام المهدى والهادى.
ثم ملك بعده قسطنطين بن اليون بن قسطنطين، وكانت أمّه مشاركة له وسملت عيناها بعد موته.
ثم ملك بعده نقفور بن استبراق، وكان لهذا الملك مراسلات وحروب مع الرشيد، وغزاه الرشيد فأعطى القود من نفسه من بعد بغى كان منه فى بعض مراسلاته، فانصرف الرشيد عنه ثم غدر ونقض ما كان أعطاه من الانقياد، فكتم الرشيد أمره لعارض علّة كان وجدها بالرّقّة «3» ، ثم تجهّز وغزاه فنزل على هرقلة «4» ؛ وذلك فى سنة سبعين ومائة، فحاصرهما سبعة عشر يوما فأصيب خلق من المسلمين وفنيت الأزواد والعلوفات، ثم فتحها عنوة. وقيل: إنهم بادروا لمّا فتحها بطلب الأمان فأمّنوا. والأشهر أنه فتحها عنوة.
ثم ملك بعده استبراق بن نقفور بن استبراق. وكان ملكه فى أيام الأمين، ولم يزل ملكا حتى غلب على الملك قسطنطين بن فلقط، وكان ملكه فى خلافة المأمون.
(15/281)

ثم ملك بعده توقيل وذلك فى خلافة المعتصم، وهو الذى فتح زبطرة «1» وغزاه المعتصم بعد فتح عمّوريّة.
ثم ملك بعده ميخائيل بن توقيل، وذلك فى خلافة الواثق والمتوكّل والمنتصر والمستعين، ثم كان بين الروم تنازع فى الملك، فملّكوا عليهم توقيل بن ميخائيل ابن توقيل.
ثم غلب على الملك بسيل الصقلبىّ «2» ولم يكن من أهل بيت الملك. وكان ملكه فى أيام المعتزّ والمهتدى وبعض أيام المعتمد.
ثم ملك بعده اليون بن بسيل. فكان ملكه بقيّة أيام المعتمد وصدرا من أيام المعتضد الى أن هلك.
ثم ملك بعده الإسكندروس فلم تحمد الروم أمره فخلعوه.
وملّكوا عليهم أخاه لاوى بن اليون بن بسيل الصقلبىّ. فكان ملكه بقيّة أيام المعتضد وأيام المكتفى وصدرا من أيام المقتدر.
(15/282)

ثم هلك وخلّف ولدا صغيرا يقال له قسطنطين فملك وغلب على مشاركته فى الملك أرمنوس بطريق البحر صاحب حربه. قال: فزوّج قسطنطين الصبىّ بابنته، وذلك فى بقيّة أيام المقتدر وأيام القاهر والراضى والمتقى، وذلك فى سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة.
قال المسعودىّ: فملوك الروم فى هذا الوقت ثلاثة، فالأكبر منهم والمدبّر للأمور أرمنوس المتغلّب على الملك، ثم قسطنطين بن لاوى بن اليون بن بسيل، والثالث ابن لأرمنوس يخاطب بالملك اسمه اسطفانس وجعل أرمنوس ابنا له آخر صاحب الكرسىّ بالقسطنطينية، وهو البطريك الأكبر الذى يأخذون عنه دينهم، وقد كان خصاه قبل ذلك أبوه وقرّبه الى الكنيسة. وهذا آخر من ذكره المسعودىّ من ملوك الروم ولم نجد من ضبط أمرهم بعده على اتساق فنذكره.
قال: فعدّة ملوك الروم المتنصّرة من قسطنطين بن هلاى الذى أظهر دين النصرانيّة بالروم الى هذا الوقت أحد وأربعون ملكا، ولم يعدّ [ابن «1» ] أرمنوس.
وسنيهم خمسمائة سنة وسبع سنين.
وقال فى ملوك رومية: والذى وجدت فى أكثر كتب التواريخ مما اتفقوا عليه أن عدّة ملوك الروم الذين ملكوا مدينة رومية، وهم الذين ذكرهم فى كتابه وذكرناهم نحن فى كتابنا هذا، تسعة «2» وأربعون ملكا، وجميع عدد سنى ملكهم، من أوّل من ملكهم على حسب ما ذكرناه من الخلاف فى صدر هذا الفصل إلى قسطنطين ابن هلاى، أربعمائة سنة وثلاثون سنة وسبعة أشهر وستة أيام. والله أعلم.
(15/283)

ذكر أخبار ملوك الصّقالبة والنّوكبرد
قال المسعودىّ: الصقالبة من ولد ماراى بن يافث بن نوح، وإليه يرجع سائر أجناس الصقالبة وبه يلحقون فى أنسابهم. ومنهم من ينقاد إلى دين النصرانيّة اليعاقبة، ومنهم من لا كتاب له ولا ينقاد إلى شريعة. وهم أجناس:
فمنهم جنس كان الملك فيهم قديما فى صدر الزمان، وكان ملكهم يدعى ماجك، وهذا الجنس يدعى لبنانا «1» ، وكان يتلو هذا الجنس قديما فى صدر الزمان سائر أجناس الصقالبة وهم اصطبرانة، وملكهم يدعى بصقلاح. وجنس يقال له نامجين، وملكهم يدعى عرابة «2» ، وهذا الجنس أشجع الصقالية، وجنس يدعى مناى «3» ، وملكهم رتبيل، ثم جنس يقال له سرتين، وهو جنس مهيب عندهم، ثم جنس يقال له مراوة، ثم جروانيق وصاصين وخشانين ونرانجابين.
قال: والجنس الذى يدعى سرتين يحرقون أنفسهم بالنار، وإذا مات لهم ملك أو رئيس يحرقونه ويحرقون دوابّه، ولهم أفعال كأفعال الهند.
قال: ومن الصقالية جنس التحق بالخزر والروس. قال: والأوّل من ملوك الصقالية ملك الدير، وله مدن واسعة وعمائر كثيرة، وهو يحارب الروم والفرنج والنوكبرد وغيرهم من الأمم، والحرب بينهم سجال: ثم يلى هذا الملك من بلاد الصقالية ملوك الترك. قال: والصقالية أجناس كثيرة، ثم اختلفت الكلمة بين أجناسهم فزال نظامهم وملّك كلّ جنس منهم عليهم ملكا.
هذا ما أورده المسعودى من أخبار الصقالية. والله أعلم.
(15/284)

وأما النّوكبرد فقال المسعودىّ فيهم: إنهم أيضا من ولد يافث وبلادهم متّصلة ببلاد المغرب، ولهم جزائر كثيرة فيها أمم من الناس. وهم ذو بأس شديد ومنعة، ولهم مدن كثيرة ويجمعهم بلد واحد.
قال: وأسماء ملوكهم فى سائر الأعصار أريكس، والمدينة العظمى من مدنهم ودار مملكتهم تبّت «1» وهى مدينة عظيمة يخترقها نهر عظيم من أعظم الأنهار اسمه سابيط والمدينة على جانبيه.
قال: ومن مدنهم التى كان المسلمون ببلاد الأندلس قد غلبوهم عليها وسلبوها منهم وسكنوها ثم استعادها النّوكبرد بعد ذلك من المسلمين مدينة تارة ومدينة طارينو ومدينة سيرنية، ولم يذكر من أمرهم خلاف ذلك فنذكره.
ذكر خبر ملوك الإفرنجة والجلالقه
قال المسعودىّ «2» : لا خلاف أنّ الإفرنجة والجلالقة والصقالية والنّوكبرد والأسبان والترك والخزر وبرجان واللان ويأجوج ومأجوج وغير من ذكرنا ممن سكن بلاد الشمال من ولد يافث بن نوح.
قال: والإفرنجة أشدّ هؤلاء الأجناس بأسا، وأمنعهم وأكثرهم عدّة، وأوسعهم ملكا، وأحسنهم نظاما، وانقيادا لملوكهم، وأكثرهم طاعة.
قال: والجلالقة أشدّ من الإفرنجة وأعظم منهم نكاية. والرجل الواحد من الجلالقة يقاوم عدّة من الإفرنجة. ثم قال: وكلمة الإفرنجة متفّقة على ملك واحد
(15/285)

لا تنازع بينهم فى ذلك، ومدنهم تزيد على مائة وخمسين مدينة غير الكور.
وكانت أوائل بلادهم قبل ظهور الإسلام فى البحر فى جزيرة رودس وجزيرة إقريطش، ثم ملكوا بلاد الغرب واستولوا عليها.
قال: وأوّل ملوك الإفرنجة قلويا «1» وكان مجوسيا فنصّرته امرأته عرضلة.
ثم ملك بعده ابنه لذريق.
ثم ملك بعده ابنه دفسوت. «2»
ثم ملك بعده ابنه قادله.
ثم ملك بعده ابنه بيبق.
ثم ملك بعده قادله. وكانت ولايته ستّا وعشرين سنة، وذلك فى أيّام الحكم صاحب الأندلس، وتدافع أولاده بعده ووقع الاختلاف بينهم حتى تفانت الإفرنجة بسببهم.
وسار لذريق بن قادله فملك ثمانيا وعشرين سنة وستة أشهر، وهو الذى أقبل إلى طرطوشة فحاصرها.
ثم ملك بعده قادله بن لذريق تسعا وثلاثين سنة وستّة أشهر.
ثم ملك بعده ابنه لذريق ستّة أعوام، ثم خرج عليه قائد للإفرنجة يسمّى يوسة فملك الإفرنجة وأقام فى الملك ثمانى سنين. وهو الذى صالح المجوس على بلده سبع سنين بستمائة رطل ذهبا وستمائة رطل فضّة يؤدّيها صاحب الإفرنجة إليهم.
(15/286)

ثم ولى بعده قادله وأقام فى الملك إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر.
ثم ولى بعده لذريق بن قادله واستمرّ فى الملك إلى سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة.
هذا ما أورده المسعودىّ من أخبارهم فى كتابه المترجم بمروج «1» الذهب ومعادن الجوهر.
ثم أتسعت بعد ذلك ممالكهم وانبسطت أيديهم واستولوا على أكثر بلاد الغرب وغيرها.
ذكر طوائف السودان وشىء من أخبارهم ونسبهم
قال المسعودىّ: لمّا تفرّق ولد نوح فى الأرض سار ولد كوش بن كنعان نحو المغرب حتى قطعوا نيل مصر. ثم افترقوا فسارت طائفة منهم ميمّمين المشرق، وهم النّوبة والحبشة والزنج. وسار فريق منهم نحو المغرب، وهم أنواع كثيرة:
الزغاوة والكانم «2» ومرنك وكوكو والحمى «3» وغانة وغير ذلك من أنواع الأحابش والدمادم، ثم افترق الذين يمّموا بين المشرق والمغرب، فصارت الزّنج من المكمين «4» والمسكو ودبرا وغيرهم من أنواع الزّنج.
قال: ومن مدنهم بربرا وهى مدينة على خليج من البحر الحبشىّ يسمّى الخليج البربرىّ، طوله خمسمائة ميل وعرضه مائة ميل.
(15/287)

قال: وليست هذه بربرا هى التى تنسب إليها البرابرة الذين بالمغرب من أرض إفريقية. قال: ولباس هؤلاء الزّنج جلود النمورة، وهى جلود كبيرة تحمل من أرضهم الى بلاد الإسلام. قال: وأقاصى بلاد الزنج بلاد سفالة وأقاصيه بلاد الواق واق، وهى أرض كثيرة الذهب كثيرة العجائب والخصب، حارّة. واتّخذ بها الزنج دار مملكة وملّكوا عليهم ملكا اسمه «وقليمى» وهى نسبة لسائر ملوكهم فى سائر الأعصار.
قال: ويركب وقليمى وهو ملك من ملوك الزنج فى ثلاثمائة ألف راكب، ودوابّهم البقر، وليس فى أرضهم خيل ولا بغال ولا إبل ولا يعرفونها، وإنما يركبون البقر بالسروج واللّجم، ويقاتلون عليها وهى تعدو بهم كالخيل.
قال المسعودىّ: رأيت بالرىّ نوعا من هذه البقر تبرك كما يبرك الجمل وتحمل وتثور بأجمالها، وتحمل عليها الميتة من الخيل والإبل وغيرها فتنهض بحملها.
والغالب على هذا النوع من البقر حمرة الحدق وسائر البقر تنفر منها. قال: ولا يقع البرد فى بلاد الزّنج. قال: ومنهم ناس محدّد والأسنان يأكل بعضهم بعضا. قال:
ومساكن الزّنج من حدّ الخليج المشعّب من أعلى النيل الى بلاد سفالة والواق واق، ومقدار مسافة مساكنهم واتصالها فى الطول والعرض سبعمائة فرسخ: برّ وأودية وجبال ورمال.
قال المسعودىّ: ومعنى تسمية ملك الزنج «وقليمى» أى ابن الربّ الكبير؛ لأنه اختارهم لملكهم والعدل فيهم، فمتى جار الملك عليهم فى حكمه أو حاد عن الحقّ قتلوه وحرّموا عقبه الملك. وزعموا أنه إذا فعل ذلك فقد بطل أن يكون ابن الربّ الذى هو ملك السماء والأرض، ويسمّون الخالق عزّ وجلّ (مكليجو) وتفسيره الربّ الكبير.
(15/288)

قال: والزّنج أولو فصاحة فى ألسنتهم وفيهم خطباء بلغتهم؛ يقف الرجل الزاهد منهم فيخطب على الخلق الكثير منهم يرغّبهم فى القرب من ربّهم ويبعثهم على طاعته، ويرهبهم من عقابه، ويذكّرهم من سلف من ملوكهم وأسلافهم، وليس لهم شريعة يرجعون اليها بل رسوم لملوكهم، وأنواع من السياسات يرجعون اليها ويسوسون بها رعيّتهم، وأكثر أكلهم الموز، وهو كثير ببلدهم، وغالب أقواتهم الذّرة ونبت يقال له الكلارى «1» يقتلع من الأرض كالكمأة والراسن، ويأكلون العسل واللحم.
قال: ومن هوى منهم شيئا من نبات أو حيوان أو جماد عبده. وجزائرهم لا تحصى كثرة وفيها النارجيل.
وأمّا النّوبة وما قيل فيها فافترقت فرقتين فى شرقىّ النيل وغربيّه وأناخت على شطّيه واتّصلت ديارها بديار مصر، واتّسعت مساكنها على شاطئ النيل مصعدة. ومدينتهم دنقله. والفريق الآخر من النوبة يقال له غلوة وينزل مدينة الملك واسمها سرتة.
وأمّا البجة وما قيل فإنّها نزلت بين بحر القلزم ونيل مصر وتشعّبوا فرقا وملّكوا عليهم ملوكا، وفى أرضهم معادن الذهب. قال: وانضاف إلى البجة طائفة من العرب من ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان وتزوّجوا من البجة.
وأمّا الحبشة وما قيل فيها فإنّ دار ملكهم كعبر، وهى مدينة عظيمة، وهى دار مملكة النجاشىّ. وللحبشة مدن كثيرة وعمائر واسعة، ويتّصل ملك النجاشىّ بالبحر الحبشىّ، وله ساحل فيه مدينة كبيرة، وهو مقابل لبلاد اليمن. فمن مدن الحبشة
(15/289)

على الساحل: الزّيلع والدّهلك وناصع، وفى هذه المدن جماعة من المسلمين إلّا أنهم فى ذمّة الحبشة.
قال: وبين ساحل الحبشة ومدينة غلافقة، وهى ساحل زبيد من أرض اليمن، ثلاثة أيام عرض البحر. قال: ومنه عبرت الحبشة الى اليمن حين ملكته فى أيام ذى نواس، وهذا الموضع هو أقلّ هذا البحر عرضا.
قال: وهنالك جزائر بين الساحلين منها: جزيرة العقل فيها ماء يشرب فيفعل فى القرائح والذكاء فعلا جميلا، وبها جزيرة أسقطرة. وأما غير هؤلاء من الحبشة فمنهم من أمعن فى المغرب مثل: الزّغاوة والكوكو والقراقر ومديدة ومريس والمبرس والملانة والقوماطين ودويلة والقرمة. قال: ولكل طائفة من هؤلاء الطوائف وغيرهم ملك يرجعون اليه.
(15/290)

الباب الرابع من القسم الرابع من الفنّ الخامس فى أخبار ملوك العرب ويتّصل بهذا الباب خبر سيل العرم
ذكر أخبار ملوك قحطان
قال المؤرّخون: لم يكن للعرب ملك حقيقىّ، وإنما كان من ملك حمير فى بلاد اليمن سمّى ملكا، وقد كانوا فى بعض الأوقات يخرجون من بلادهم ويسيحون فى الأرض حتّى بلغوا أقصى المغرب، وبلغوا من حدود المشرق سمرقند، وبلغوا باب الأبواب، ودخلوا بلاد الهند ولم يستقرّوا فى غير بلادهم، فلا يعدّ ذلك ملكا، وإنما هو غارة.
فأوّل ملوك قحطان عبد شمس، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ابن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وإنما سمّى سبأ لأنه أوّل من أدخل بلاد اليمن السّبى. قال عبد الملك بن عبدون فى كتابه المترجم بكمامة «1» الزهر وصدفة الدرّ: إنّ عبد شمس هذا ملك أربعمائة سنة وأربعا وثمانين سنة. قال: وقد اختلف فى أوّل من ملك منهم، فقيل يعرب بن قحطان. قال: وهو أوّل من نطق بالعربية، وأوّل من حيّاه ولده بتحية الملك: أبيت اللّعن، وأنعم صباحا.
والأشهر أنّ عبد شمس سبأ هو أوّل ملوكهم. والله أعلم.
ثم ملك بعده ابنه حمير بن سبأ، قال: وكان أشجع الناس فى وقته، وأفرسهم وأجملهم. وقيل: إنه إنما سمّى حمير لكثرة لباسه الأحمر من الثياب، وكان يلقّب
(15/291)

بالعرنجج، وهو أوّل من وضع تاج الذهب على رأسه من ملوك اليمن. وكان ملكه خمسين سنة، وذلك فى عصر قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.
ثم ملك بعده أخوه كهلان بن سبأ. فكان ملكه إلى أن هلك ثلاثمائة سنة.
واختلف فيمن ملك بعده، فقيل: ملك بعده أبو مالك بن عسكر بن سبأ. فكان ملكه ثلاثمائة سنة. وقيل ملك بعد كهلان الرائش وهو الحارث بن شدّاد «1» ، وكان الحارث أوّل من غزا منهم، وأصاب الغنائم، وأدخلها اليمن، وبينه وبين حمير خمسة عشر أبا، وسمّى الرائش لأنه لمّا أدخل الغنائم والأموال والسّبى بلاد اليمن فراش الناس [فى أيامه «2» ] . وفى عصره مات لقمان النسور. قال: وذكر الرائش هذا نبيّنا صلى الله عليه وسلم فى شعره، فقال من قصيدته:
ويملك بعدهم رجل عظيم ... نبىّ لا يرخّص فى الحرام
يسمّى أحمدا يا ليت أنّى ... أعمّر بعد مخرجه بعام
قال: وكان ملكه مائة وخمسا وعشرين سنة. هكذا نقل عبد الملك بن عبدون وذكر الخلاف فى أبى مالك والرائش على ما ذكرناه. وأمّا غيره فإنه لم يذكر كهلان ابن سبأ ولا أبا مالك، بل قال: إنّ حمير عهد إلى ابن ابنه الملطاط بن عمرو بن حمير. قال: وفى أيامه انقرض ملك صحار وجاسم ابنى دارم وبادوا.
قالوا: ثم ملك بعده ابنه أبرهة ويقال له ذو المنار. قالوا: سمّى بذلك لأنه أوّل من أقام المنار فى مغازيه على الطريق، وذلك أنه أوغل فى بلاد المغرب والسودان، واتّخذها ليهتدى بذلك فى قفوله. وكان ملكه مائة وثلاثين سنة،
(15/292)

وقيل مائة وثلاثا وثمانين سنة. هكذا ذكر ابن قتيبة فى كتاب المعارف أن الذى ملك أبرهة. وقال المسعودىّ: إنّ الذى ملك بعد الرائش جبّار بن غالب بن زيد ابن كهلان وقال: إنّ ملكه كان مائة وعشرين سنة. والله أعلم.
ثم ملك بعد أبرهة على ما ذكر ابن حمدون فى تذكرته ابنه إفريقش، وهو ذوا الأذعار. قال: سمّى بذلك لأنه خرج نحو بلاد المغرب وأوقع بقوم لهم خلق منكرة فذعر الناس منهم وفرّقوا. قال ابن عبدون: وغزا إفريقش بلاد المغرب حتى أتى طنجة ونقل البربر من أرض فلسطين ومصر والساحل إلى مساكنهم ببلاد المغرب. وكان البربر بقيّة من قتل يوشع بن نون. قال: وإفريقش هو الذى بنى إفريقية وبه سمّيت.
ثم ملك بعده ابنه العبد ويلقّب ذا الشناتر، وهى الأصابع فى لغة حمير.
قال: وخرج نحو العراق فاحتضر فى طريقه. هكذا ذكر ابن حمدون. وقال عبد الملك: إنّ الذى ملك بعد إفريقش أخوه العبد بن أبرهة. قال: وهو ذو الأذعار، سمّى بذلك لأنه كان فيما ذكر أهل الأخبار غزا بلاد النسناس فقتل منهم مقتلة عظيمة، ورجع إلى اليمن من سبيهم بقوم وجوههم فى صدورهم فذعر الناس منهم فسمّى بذى الأذعار. وكان ملكه خمسا وعشرين سنة. وقد قدّمنا أنّ ذا الأذعار هو إفريقش. والله أعلم.
ثم ملك بعده الهدهاد بن عمرو بن شرحبيل. هكذا قال ابن حمدون والمسعودىّ، إلّا أنّ المسعودىّ لم يذكر عمرا وقال الهدهاد بن شرحبيل. وسمّاه ابن قتيبة هدّاد بن شرحبيل بن عمرو بن الرائش، وهو أبو بلقيس صاحبة سليمان عليه السلام. وكانت مدّة ملكه عشرين سنة، وقيل سبعة، وقيل ستة. وقد قدّمنا
(15/293)

خبر بلقيس وأنها ابنة ذى أشرح، وأنّ والدها لم يكن ملكا وإنما كان وزيرا لملك حمير وهو شراحى الحميرىّ. والله تعالى أعلم.
واختلف فيمن ملك بعد الهدهاد، قال المسعودىّ: تبّع الأوّل. وكان ملكه أربعمائة سنة. وقال ابن قتيبة أقلّ من ذلك، وقال: ملك بعد الهدهاد ابنته بلقيس وهى صاحبة سليمان بن داود عليهما السلام. وكان ملكها مائة وعشرين سنة.
وقد أتينا على أخبارها فيما سلف من هذا الكتاب «1» فى قصّة سليمان عليه السلام.
ثم ملك بعدها ياسر بن عمرو بن شرحبيل وهو ناشر النّعم، قالوا: سمّى بذلك لإنعامه على العرب، وكان شديد السلطان، وسار غازيا وأوغل فى بلاد المغرب حتى بلغ وادى الرمل ولم يبلغه أحد قبله، وهو رمل جار، ولم يجد وراء ذلك مجازا لكثرة الرمل وجريانه، فبينما هو مقيم إذ انكشف الرمل فأمر بعض أهل بيته أن يعبر هو وأصحابه فعبروا فلم يعودوا إليه وهلكوا عن آخرهم، فأمر بصنم من نحاس فنصب على صخرة عظيمة على شفير الوادى وكتب على صدره بقلم المسند «2» : هذا الصنم لناشر النّعم الحميرىّ ليس وراءه مذهب ولا يتكلّفن أحد ذلك فيعطب، ورجع من هناك. وكان ملكه خمسا وثمانين سنة على رواية ابن قتيبة.
وقال المسعودىّ: خمسا وثلاثين.
ثم ملك بعده أبو كرب شمر بن إفريقش، ويسمّى يرعش لارتعاش كان به. قال: وخرج نحو العراق فى زمن بستاسف أحد ملوك الفرس فأعطاه بستاسف الطاعة، وسار نحو الصين حتى نزل فى طريقه ببلاد الصغد، فاجتمع أهل تلك
(15/294)

الأرض بمدينة سمرقند فأحاط بهم شمرو افتتحها عنوة وأسرف فى القتل وخرّب المدينة وهدمها فسمّيت شمركند، وعرّبت بعد ذلك فقالوا: سمرقند. ومعنى شمركند، أى خرّبها شمر. وفيه يقول دعبل بن علىّ يفتخر باليمن من قصيدة:
هموا كتبوا الكتاب بباب مرو ... وباب الشاش «1» كانوا كاتبينا
وهم سمّوا بشمر سمرقندا ... وهم غرسوا هناك التّبّتينا
قال: ولما فرغ من بلاد الصّغد سار نحو الصين فأيقن ملكها بالبوار، فآحتال وزير له بأن جدع أنفه وأتى الى شمر، وهو بمفازة بينها وبين الصين عشر مراحل، ومتّ إليه بأن ملك الصين فعل به ذلك لأنه نصحه ألّا يحارب شمر وخالف رأيه، فسأله شمر عن الطريق والماء، فقال له: بينك وبين الماء ثلاث مراحل، فتزوّد لثلاثة أيام، فلمّا قطعها أعوزه الماء وكشف له الرجل أمره فمات هو وأصحابه عطشا.
قال ابن قتيبة: وكانت مدّة ملكه مائة وسبعا وثلاثين سنة. وقال المسعودىّ:
ثلاثا وخمسين سنة.
ثم ملك بعده ابنه أبو مالك بن شمر، قال: وتأهّب للأخذ بثأر أبيه فبلغه أنّ بالمغرب واديا من الزبرجد، فحمله الشّره على طلبه وترك ما عزم عليه فمات فى طريقه.
ثم ملك بعده ابنه تبّع الأقرن بن أبى مالك بن شمر. قال: وطلب ثأر جدّه وأتى سمرقند فعمّرها وجدّد بناءها، ثم أتى الصين وأخرب مدينتها وابتنى هناك
(15/295)

مدينة أسكن فيها ثلاثين ألف رجل. قال الحمدونىّ فى كتابه المترجم بالتذكرة:
هم إلى اليوم هناك فى زىّ العرب، ولهم بأس وشدّة- يعنى يوم صنّف كتابه وهو فى سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة أو نحو ذلك- قال: وفى أوانه كان بوار طسم وجديس على ما نذكره فى وقائع العرب.
قال: وفى أوانه أيضا كان سيل العرم وتفرّق سبأ. وسيأتى ذكر ذلك فى موضعه إن شاء الله تعالى.
قال ابن قتيبة: وكان ملك تبّع الأقرن ثلاثا وخمسين سنة. قال المسعودىّ: إنّ ملكه كان مائة وثلاثا وستّين سنة. ولم يذكرا الملك الذى كان قبله، ونسبا هذا الملك أنه ابن شمر.
ثم ملك بعده على ما رواه ابن حمدون- وهو إن شاء الله أشبه بالصواب- أسعد ابن عمرو. قال: وملك والملك متشتّت فاستفزّ قومه فنهضوا معه فى ملوك اليمن حتى قتلهم ملكا ملكا، وانتظم له ملك اليمن، فوجّه بابن عمّ له يقال له القيطون إلى الحجاز فبغى وظلم فقتله اليهود. ولمّا بلغ أسعد ذلك غضب وحلف ليقتلنّ كلّ يهودىّ فى الأرض، وتجهّز فى مائة ألف حتّى ورد يثرب، فاجتمع الأوس والخزرج وأخبروه بقصّة ابن عمّه وفجره وظلمه فعفا عن اليهود وقال: لست أرضى بالظلم ولو علمت ذلك منه لقتلته، وأتاه بنو هذيل بن مدركة فرغّبوه فى الكعبة وما فيها من الذهب والجوهر، فقدم مكّة لذلك، فاجتمع إليه أحبار اليهود وقالوا: إنّ هذا البيت العتيق الذى ليس لله عزّ وجلّ بيت فى الأرض غيره وقد رام إفساده كثير من الملوك فأبادهم الله. وفى هذه البلدة يكون مولد نبىّ آخر الزمان اسمه محمد وأحمد من ولد إبراهيم الخليل عليه السلام، وهو خاتم الرسل، وإنّما أراد من دلّك على
(15/296)

ذلك هلاكك، فضرب أعناق الهذليّين وأقام بمكة ستّة شهور ينحر فى كلّ يوم ألف ناقة، وكسا البيت وعلّق عليه بابا من الذهب.
ولمّا هلك ملك بعده ابن عمّه مرثد بن عبد كلال بن تبّع الأقرن المعروف بذى الأعواد. قال: وكان ملكه أربعين سنة. ولمّا هلك ملك بعده أولاده وكانوا أربعة مشتركين فى الملك على كلّ واحد منهم تاج. قال: وخرجوا إلى مكة ليقلعوا الحجر الأسود ويبتنوا بيتا بصنعاء يكون حجّ الناس إليه؛ فاجتمعت كنانة وقلّدوا أمرهم فهر بن مالك والتقوا فقتل ثلاثة من الملوك وأسر الرابع.
ولمّا أسر هؤلاء ملكت بعدهم أختهم أبضعة ابنة ذى الأعواد. قال: وكانت فاجرة فقتلها قومها.
ثم ملك بعد أولاد ذى الأعواد ملكيكرب بن عمرو بن سعد بن عمرو، وكانت مدّة ملكه عشرين سنة، وتحرّج عن سفك الدماء فلم يغز ولم يخرج من اليمن.
ثم ملك بعده تبّع أسعد بن ملكيكرب. قال: ولمّا ملك غزا بنى معدّ بتهامة فى ثلاثمائة ألف طالبا لدماء الملوك الأربعة، واجتمع بنو معدّ وعقدوا الرّياسة لأميّة ابن عوف الكنانىّ المعروف بالعنسىّ، ثم نفست ربيعة أن تكون الرّياسة فى مضر فقعدت عنهم، فضعفت مضر عن تبّع وسألوه الصلح على أن يؤدّوا إليه عقل الملوك الأربعة، عن كلّ ملك ألف ناقة. وكذلك كانت دية الملوك فى الجاهليّة. وديات من قتل معهم من الجنود لكلّ رجل مائة ناقة، فقبل تبّع ما بذلوه وانصرف إلى أرضه ووقع الشرّ بين الحيّين: ربيعة ومضر، فأرسلت ربيعة إلى تبّع رسلا فعقد بينهم حلفا وعقدا، وهو الحلف الباقى بين ربيعة واليمن إلى أن جاء الإسلام. وأقام تبّع هذا بأرض الشام ما شاء الله، ثم سار إلى الهند فى البحر وباشر الحرب بنفسه فبرز
(15/297)

اليه ملك الهند، وهو ابن فوز الذى قتل الإسكندر أباه فقتله تبّع بيده، وتحصّنت اليهود بمدينتهم وحاصرهم تبّع شهرا حتى سألوه الأمان فآمنهم وقفل إلى بلاده.
ثم ملك بعده ابنه حسّان بن تبّع. قال: فغزا العراق فى ثلاثمائة ألف وأتى فى طريقه مكة، وقد عادت إليها خزاعة عند وفاة فهر بن مالك، فأعطاه بنو نزار الطاعة. وروى عنه شعر يخبر فيه ببعثة نبيّنا صلى الله عليه وسلم:
شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله بارى النّسم
فلو مدّ عمرى إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عمّ
قال: ولمّا ورد العراق وجد الفرس وسلطانهم واه وقد مات هرمز وولدت امرأته غلاما، وهو سابور ذو الأكتاف، ومربّيه أحد عظماء الفرس، فلم يقم بضبط الملك؛ فاستقبلوه بالطاعة وأقرّوا له بالخراج، فأقام بالعراق حولا وعزم على غزو الصين فساء ذلك حمير وقالوا: نغيب عن أولادنا وعيالنا ولا ندرى ما يحدث بهم، فمشوا إلى عمرو أخى حسّان الملك وبعثوه على قتل أخيه على أن يملّكوه عليهم ويعود بهم الى بلادهم، وأعطوه العهود والمواثيق إلّا رجل يقال له ذو رعين، فقال لهم: إنكم إن قتلتم ملككم ظلما خرج الأمر منكم فلم يحفلوا به، فأقبل بصحيفة مختومة وقال لعمرو بن تبّع: لتكن هذه الصحيفة وديعة لى عندك الى وقت حاجتى إليها، وأقبل عمرو ليلا الى أخيه حسّان وهو نائم فى فراشه فقتله وانصرفت حمير الى بلادها.
هكذا نقل ابن حمدون فى تذكرته.
وقال أبو علىّ أحمد بن محمد بن مسكويه فى كتابه المترجم بتجارب الأمم فى أخبار الفرس: إنّ ملك الفرس يوم ذاك هو قباذ بن فيروز وهو أبو كسرى أنو شروان، وإنّ الملك الذى غزاه من ملوك حمير هو تبّع والد حسّان، وكان معه لما غزا
(15/298)

الفرس ابنه حسّان وابن أخيه شمر. قال: فسار تبّع حتى نزل الحيرة ووجّه ابن أخيه شمرا ذا الجناح الى قباذ فقاتله فهزمه شمر حتى لحق بالرىّ، ثم أدركه بها فقتله.
قال: ثم إنّ تبّعا أمضى شمرا ذا الجناح وابنه حسّان إلى الصّغد وقال: أيّكما سبق إلى الصين فهو عليها. وكان كلّ واحد منهما فى جيش عظيم يقال إنهما ستمائة ألف وأربعون ألفا، وبعث ابن أخيه- واسمه يعفر- إلى الروم.
قال: فأمّا يعفر فإنه سار حتى أتى القسطنطينية، فأعطوه الطاعة والأتاوة ومضى إلى رومية فحاصرها، ثم أصابهم جوع ووقع فيهم الطاعون فتفرّقوا، وعلم الروم بذلك فوثبوا عليهم فلم يفلت منهم أحد.
وأمّا شمر ذو الجناح فإنه سار حتى انتهى إلى سمرقند فحاصرها فلم يظفر منها بشئ، فلمّا رأى ذلك طاف بالحرس حتى أخذ رجلا من أهلها فاستمال قلبه ثم سأله عن المدينة وملكها فقال: أمّا ملكها فأحمق الناس ليس له همّ إلّا الأكل والشرب والجماع، ولكن له بنت هى التى تقضى أمر الناس، فمنّاه ووعده حتى طابت نفسه، ثم بعث معه هديّة إليها وقال: أخبرها أنى إنما جئت من أرض العرب للذى بلغنى من عقلها لتنكحنى نفسها، فأصيب منها غلاما يملك العرب والعجم، وإنّى لم أجئ ألتمس مالا، وإنّ معى من المال أربعة آلاف تابوت ذهبا وفضّة هاهنا، وأنا أدفعها إليها وأمضى إلى الصين، فإن كانت لى الأرض كانت امرأتى، وإن هلكت كان المال لها. فلمّا انتهت رسالته إليها قالت: قد أجبته فليبعث بالمال، فأرسل إليها بأربعة آلاف تابوت، فى كلّ تابوت رجلان، وكان بسمرقند أربعة أبواب على كلّ باب منها أربعة آلاف رجل. قال: وجعل شمر العلامة بينه وبينهم أن يضرب لهم بالجلجل، وتقدّم بذلك الى رسله الذين وجّههم، فلمّا صاروا
(15/299)

بالمدينة ضرب لهم بالجلجل فخرجوا وأخذوا بالأبواب، ونهد «1» شمر فى الناس فدخل المدينة وقتل أهلها، واحتوى على ما فيها. ثم سار إلى الصين فلقى الترك فهزمهم، وانتهى إلى حسّان بن تبّع بالصين فوجده قد سبقه إليها بثلاث سنين.
قال: وفى بعض الروايات وهى المجتمع عليها: إنّ حسّان وشمرا انصرفا فى الطريق الذى كانا أخذا فيه حتى قدما على تبّغ بما حازا من الأموال بالصين وصنوف الجوهر والطّيب والسّبى، ثم انصرفوا جميعا إلى بلادهم، فكانت وفاة تبّع باليمن. وكان ملكه مائة سنة وإحدى وعشرين سنة.
قال: وأمّا فى الرواية الأخرى فإنّ تبّعا أقام وواطأ ابنه حسّان وابن أخيه شمر أن يملكا الصين ويحملا إليه الغنائم، ونصب بينه وبينهم المنار، فكان إذا حدث حدث أوقدوا النار، فأتى الخبر فى ليلة.
قال: وقد ذكر بعض الرّواة أنّ الذى سار فى المشرق من التبابعة تبّع الأخير؛ وهو تبّع تبّان أسعد أبو كرب بن مليك بن زيد بن عمرو بن ذى الأذعار، وهو أبو حسّان. انتهى ما أورده ابن مسكويه من أخبارهم، فلنرجع إلى مساق ما قدّمناه مما نقله ابن حمدون.
قال: ثم ملك بعده حسّان بن تبّع أخوه، فقتله عمرو بن تبّع. قال: وانصرف بالقوم إلى بلادهم فسلّط الله عليه السّهر فكان لا ينام، فجمع الكهنة والقياف والعرّافين فسألهم عن ذلك فلم يعرفوه، فقال له رجل منهم: إنه يقال من قتل أخاه ظلما سلّط الله عليه السهر وحرم النوم، فأحال بالذنب على حمير وجعل يقتل من أشار عليه بقتل أخيه واحدا بعد واحد، ثم أرسل إلى ذى رعين ليلحقه بمن قتل من
(15/300)

أصحابه، فقال: أيّها الملك إنّى خالفت القوم فيما زيّنوا لك من قتل أخيك. قال:
ومن يعلم ذلك؟ قال: الصحيفة التى أودعتها عندك، فأخرجها فقرأها فإذا فيها:
ألا من يشترى سهرا بنوم ... خلىّ من يبيت قرير عين
فإن تك حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذى رعين
قال: فخلّى عمرو سبيله.
قال: ولمّا قتل عمرو أشراف قومه وصناديدهم تضعضع أمر حمير ووهى ملكها، فطمع فيه بنو كهلان بن سبأبن يشجب بن يعرب بن قحطان، فوثب ربيعة ابن نصر بن الحارث بن عمرو بن عدىّ بن مرّة بن زيد بن مذحج بن كهلان فى قومه وجمعهم من أقطار الأرض، وجمع له عمرو بن تبّع والتقوا فقتل عمرو بن تبّع.
وملك بعده ربيعة بن نصر المقدّم ذكره قال: وكان قد رأى رؤيا أزعجته وعبّرت له أنّ الحبشة تملك بلاده؛ فوجّه ابن أخيه جذيمة بن عمرو بن نصر ومعه ابنه عدىّ بن ربيعة وهو صبىّ، ووجّه معهما حرمه وخزائنه، وكتب لهم الى سابور ذى الأكتاف، فأسكنهم سابور الحيرة وملّكهم ما حولها.
قال: ولمّا بلغ عدىّ بن ربيعة الحلم زوّجه جذيمة أخته رقاش فولدت له عمرو بن عدىّ. وهؤلاء ملوك الحيرة على ما نذكره فى أخبارهم.
قال: ولمّا مات ربيعة بن نصر تجّمعت حمير فآذنت كهلان بحرب أو إعادة الملك فيهم، ودخل بينهم السفراء فسلّموا الملك الى حمير فملّكت حمير عليها أبرهة ابن الصّبّاح بن لهيعة «1» بن شيبة الحمد بن مرثد بن الحير بن سيف بن مصلح
(15/301)

ابن عمرو بن مالك بن زيد بن سعد بن عوف بن عدىّ بن مالك بن زيد بن سعد ابن زرعة بن ذى المنار.
قال: فملك عليهم ومكث طول أيّام سابور ذى الأكتاف ثم مات.
فملك بعده ابن عمه صهبان بن محرّث. قال: فبعث عمّاله على أرض العرب، واستعمل على ولد سعد بن عدنان ابن خاله الحارث بن عمرو بن معاوية بن كندة ابن عدىّ بن مرّة بن زيد بن مذحج بن كهلان، وكان الحارث يلقّب بآكل المرار، وهو جدّ امرئ القيس الشاعر بن حجر بن الحارث، وهو جدّ الأشعث بن قيس ابن معد يكرب بن جبلة بن عدىّ بن الحارث المذكور؛ فقسّم الحارث مملكته بين ولده، وكانوا ثلاثة: فملّك ابنه حجرا على أسد وكنانة، وملّك شرحبيل على قيس وتميم، وملّك [سلمة «1» ] على ربيعة، فمكثوا كذلك حينا حتى مات أبوهم الحارث فوثبت بنو أسد على حجر فقتلوه، ووثبت قيس وتميم على شرحبيل فطردوه، فغضب صهبان وتجهّز للمسير الى مضر، فاستغاثت مضر بربيعة وجاءت وفودهم إليهم واستنصروهم، ورئيسهم كليب بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم ابن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل، واجتمعت ربيعة ومضر والرياسة على الحّيين لكليب؛ فقاتلوا صهبان وعظماء قومه، وهو اليوم المشهور فى العرب، فقتل صهبان. وفى هذا اليوم يقول عمرو بن كلثوم:
ونحن غداة أوقد فى خزاز «2» ... رفدنا فوق رفد الرافدينا
فكنّا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنوا أبينا
(15/302)

فآبوا بالنّهاب وبالسّبايا ... وأبنا بالملوك مصفّدينا
قال: ولمّا قتل صهبان بن محرّث ملك بعده الصّبّاح بن أبرهة بن الصّبّاح.
قال: وكان نجدا جلدا، فسار الى معدّ فى مئتى ألف يطلب ثأر صهبان. قال:
وتجّمعت معدّ ورئيسهم كليب أيضا، وكانت الحرب بينهم بموضع يسمّى الكلاب، فآنهزمت اليمن. وهذان اليومان من مفاخر نزار على اليمن، وامتنعت معدّ بعد ذلك على اليمن حتى قتل كليب بن ربيعة.
قال: ولما مات الصّبّاح ملك بعده ابن عمّ له فاسق، وقيل: إن الذى ملك لخنيعة ذو شناتر، قال: ولم يكن من أهل بيت الملك، فأغرى بحبّ الأحداث من أبناء الملوك، فكان يطالبهم بما يطالب به النسوان، وكان لا يسمع بأحد من فتيان العرب وأولاد الملوك حسن الصورة إلّا استدعاه وطالبه بهذا الفعل القبيح، ولم يزل على هذه الطريقة المذمومة حتّى نشأ غلام من أبناء ملوك حمير اسمه زرعة ابن كعب ويدعى ذانواس؛ سمّى بذلك لأنه كان له ذؤابتان تنوسان على عاتقه، وكان وضيئا، فاستدعاه لمثل ما كان يدعو اليه غيره، فجعل تحت إخمصه سكّينا، فلمّا خلا به الملك واثبه ذونواس فقتله ثم حزّ رأسه، وكان له كوّة يشرف منها على عبيده إذا قضى حاجته من الغلام الذى يكون عنده ويضع مسواكا فى فيه، فلمّا قتله ذو نواس جعل السواك فى فيه، وجعل رأسه فى تلك الكوّة التى كان يشرف منها على عبيده، ثم خرج على العبيد فقالوا [له «1» ] : ذو نواس، أرطب أم يباس؟.
فقال لهم: سل نخماس، استرطبان ذو نواس. استرطبان لا باس «2» . وتفسير ذلك:
(15/303)

سلوا الرأس التى فى الكوّة تخبركم واتركوا ذا نواس، قال: فأجمعت حمير عليه أمرها وقالوا: ينبغى أن نملّكه لأنه أراحنا من هذا الفاسق.
فملك عليهم ذو نواس زرعة هذا. قال: ولمّا ملك واستتبّ له الأمر فارق عبادة الأوثان ودخل فى دين اليهوديّة وقتل من كان فى بلاد اليمن على دين عيسى ابن مريم عليه السلام ممن امتنع من موافقته، ثم قصد نجران وبها عبد الله بن الثامر وأصحابه وهم على دين عيسى عليه السلام، فسألهم الدخول فى اليهوديّة فامتنعوا، فقتل عبد الله بن الثامر بالسيف وأضرم للباقين نارا عظيمة فألقاهم فيها، وهم أصحاب الأخدود الذين ذكرهم الله تعالى فى كتابه العزيز فقال: (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ. وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ.
وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ «1» )
. قال: ولم ينج منهم إلا نفر قليل.
وكان سبب تهوّده أنّ حمير كان لها بيت نار فيه أصنامهم، وكان يخرج من تلك النار عنق يمدّ مقدار فرسخين، فحضر عنده قوم من اليهود وقالوا: أيها الملك إنّ هذا العنق من النار شيطان، فطلب منهم تبيان ذلك، فنشروا التوراة وقرءوها فتراجع ذلك العنق وطفئت تلك النار، فأعظم ذو نواس ذلك ودخل فى دين اليهوديّة.
قالوا: ثم إنّ أحد الناجين من نجران- ويعرف بدوس بن «2» ذى ثعلبان- قصد قيصر ملك الروم مستنجدا به، ومعظّما عنده ما جرى على قومه وهم على دينه، فاعتذر اليه ببعد دياره وقال: سأكتب لك الى ملك على دينك قريب من ديارك، فكتب الى النجاشىّ ملك الحبشة، فلمّا عرض عليه الكتاب وحدّثه بما جرى على أهل ملّته غضب وحمى لأهل دينه، وندب من جنوده سبعين ألف رجل مع
(15/304)

ابن عمّه أرياط «1» ، وتقدّم إليه بأن يقتل كلّ من باليمن على دين اليهوديّة، فركب أرياط فى البحر حتى انتهى الى عدن فأحرق السفن وقال: يا معشر الحبشة، العدوّ أمامكم، والبحر وراءكم، ولا منجى لكم إلّا الصبر حتى تظفروا أو تموتوا كراما.
قال: والتقوا واقتتلوا فانهزمت حمير بعد حرب عظيمة وقتل منهم خلقا كثيرا.
قال: واقتحم ذو نواس البحر بفرسه وقال: والله الغرق أفضل من أسر السّودان، فغرق. وكان ملكه مائتى سنة وستين سنة، وهو آخر من ملك اليمن من قحطان. فجميع ما ملكوا من السنين ثلاثة آلاف سنة واثنتان وثمانون سنة.
واستولت الحبشة على ملك اليمن ففرّق أرياط الأموال على أشراف الحبشة وحرم الضعفاء، فجمع أبرهة أحد قوّاد الحبشة جمعا منهم وخرج على أرياط وحاربه فقتله أبرهة بيده واستولى أبرهة على ملك اليمن.
ولمّا بلغ خبرهما النجاشىّ غضب لقتل أرياط وحلف لأطأنّ أرض أبرهة سهلها وجبلها برجلى، ولأجزّنّ «2» ناصيته بيدى، ولأهرقنّ دمه بكفّى، وتجهّز للمسير الى أرض اليمن، فبلغ ذلك أبرهة فملأ جرابين من تراب السّهل والجبل، وعمد الى ناصيته فجزّها ووضعها فى حقّ، واحتجم وجعل دمه فى قارورة وختم عليه وعلى الحقّ الذى فيه ناصيته بالمسك، وبعث بذلك الى النجاشىّ وكتب إليه يعتذر مما فعله أرياط وأنه خالف سيرتك فى العدل، وقد بلغنى ما حلفت، وقد بعثت إليك بجرابين من تراب السهل والجبل، فطأها هنالك برجلك، وجزّ ناصيتى بيدك، وأهرق دمى بكفّك، وبرّ فى يمينك، ولطّف غضبك عنّى فإنما أنا عبد من عبيدك، وعامل من
(15/305)

عمّالك. فأعجب النجاشىّ عقل أبرهة وأقرّه على مكانه ورضى عنه؛ فبقى الى زمان كسرى أنو شروان وهو صاحب الفيل.
وكانت قصّته أنه نظر الى أهل اليمن يتأهّبون للحجّ، فسأل عن أمرهم، فأخبر أنهم يخرجون حجّاجا الى مكة فقال: أنا أكفيهم تجشّم هذا السفر البعيد ببيعة أبنيها بصنعاء فيكون حجّ اليمن إليها، وأمر ببنائها فبنيت. وقد تقدّم وصفها فى الفنّ الأوّل «1» فى المبانى، ونصب عند المذبح درّة عظيمة تضىء فى الليلة الظلماء كما يضىء السّراج، ثم نادى فى أهل مملكته بالحجّ إليها، فغضب العرب لذلك، فانطلق رجلان من خثعم فأحدثا فى البيت الذى بناه ولطّخاه بالعذرة.
وقيل: إنّ الذى فعل ذلك رجل من كنانة، فاتّهم أبرهة قريشا بذلك، وكان حينئذ بصنعاء تجّار من قريش فيهم هشام بن المغيرة، فأحضرهم وسألهم عمّن أحدث فى بيعته، فأنكروا أن يكونوا علموا بشىء من ذلك، فقال أبرهة: ظننت أنكم فعلتم ذلك غضبا لبيتكم الذى يحجّ إليه العرب، فقال هشام بن المغيرة: إنّ بيتنا حرز تجتمع فيه السّباع مع الوحوش، وجوارح الطير مع البغاث، ولا يعرض منها شىء لصاحبه، وإنما ينبغى أن يحجّ الى بيعتك هذه من كان على دينك، فأمّا من كان على دين العرب فلا يؤثر على ذلك شيئا. فأقسم أبرهة ليسيرنّ الى البيت فيهدمه حجرا حجرا. فقال له هشام بن المغيرة: إنه قد رام ذلك غير واحد من الملوك فما وصلوا إليه لأنّ له ربّا يمنعه. فخرج أبرهة فى أربعين ألفا وسار بالفيل، فغضبت لفعله همدان وجمعت إليها قبائل من اليمن- وكان ملكهم رجلا من أشراف اليمن يقال له ذو نفر- فاستقبلوه فحاربوه فهزمهم وظفر بذى نفر ملك همدان ونفيل بن
(15/306)

حبيب سيّد خثعم أسيرين فأمر بضرب عنقهما. فقالا: أيها الملك، استبقنا لندلّك على الطريق فإنّا من أدلّ العرب، ففعل ذلك. فلمّا صاروا فى مفرق الطريقين:
مكة والطائف، قال ذو نفر لابن حبيب: كفى بنا عارا أن ننطلق بهذا الأسود الى بيت الله تعالى فيهدمه! قال ابن حبيب: هلّم بنا لنأخذ به طريق الطائف فيشتغل بثقيف ولعلّه يرى ما يسوءه، فلم يشعر أهل الطائف صباحا إلّا والجيوش قد وردت عليهم، فخرج أبو مسعود الثقفىّ فى نفر منهم، فأعلم أبرهة أنها ليست طريقه، وسار أبرهة حتى أتى مكة واستاق السوائم ونزل على حدّ الحرم؛ فكان فيما ساق مائتا ناقة لعبد المطّلب بن هاشم، فركب عبد المطّلب فرسه وقصد العسكر ودخل على أبرهة فأعجبه جماله وأكرمه ونزل عن سرير كان عليه وجلس دونه حتى لا يرفع عبد المطلب إليه، ثم قال له: ما حاجتك؟ قال: حاجتى أن يردّ علىّ الملك مائتى بعير أصابها لى. فلمّا قال له ذلك، قال له أبرهة: قد كان بلغنى شرفك فى العرب وفضلك فأحببتك، ثم دخلت علىّ فرأيت من جمالك ووسامتك ما زادنى حبّا، فنقصت عندى فى سؤالك إياى مائتى ناقة وتركت أن تسألنى فى الرجوع عمّا هممت به من هدم هذا البيت الذى هو شرفك وعزّك! قال عبد المطلب: أيها الملك، إنّ لهذا البيت ربّا سمينعه منك وأنا ربّ إبلى، وقد رام هدمه من لا يحصى من الملوك فرجعوا بين أسير وقتيل، فردّ إبله؛ واجتمع الى عبد المطّلب أشراف قومه فقالوا: اجعل له مالا نجمعه له ليرجع عما همّ به من هدم هذا البيت. قال لهم عبد المطلب: وما عيسى أن نجعل له من المال مع عظم ما هو فيه من الملك والسلطان! اطمئنّوا، الله أمددكم «1» ، فو الله لا يصل إليه أبدا. ثم أنشد عبد المطلب يقول:
يا ربّ إنّ المرء يمنع ... جاره فامنع حلالك
(15/307)

لا يغلبنّ صليبهم ... بغيا وما جمعوا محالك
إن كنت تاركهم وقب ... لمتنا فأمر ما بدالك «1»
ثم علا جبل أبى قبيس هو وحكيم بن حزام ونفر من سادات قريش، وهرب الناس فلحقوا برءوس الجبال، وأمّ أبرهة البيت وقدّم أمامه الفيل، وكان أكبر فيل رآه الناس كالجبل العظيم، واسمه بلسان الحبشة محمود؛ فلمّا انتهى الفيل إلى طرف الحرم برك، فكانوا ينخسونه، فإذا أخذوا به يمينا وشمالا هرول، وإذا أقحموه برك. فلم يزل كذلك بقيّة يومهم. فلمّا قارب المساء نظروا إلى طير قد أقبلت من نحو البحر لا تحصى كثرة أصغر من الحمام، فعجبوا من كثرتها ولم يعرفوها ولا رأوا على خلقتها طيورا، وكان مع كلّ طير ثلاثة أحجار: حجران فى رجليه، وحجر فى منقاره، على مقدار الحمص، فرفرفت على رءوسهم وأظّلت عسكرهم، ثم قذفت بالحجارة عليهم، وهبّت ريح شديدة فزادت الحجارة صعوبة وقوّة، فكان الحجر منها إذا وقع على رأس الرجل منهم نفذ حتى يخرج من دبره، فإذا سقط على بطنه خرج من ناحية ظهره؛ فكان ما أخبر الله عزّ وجلّ عنهم فى سورة الفيل: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ «2» )
. وخرج عبد المطّلب وأصحابه فملأوا أيديهم من المال، وأرسل
(15/308)

إلى قريش فجاءوه من الجبال وغنموا ما شاءوا، فعظمت قريش فى أعين العرب وسمّوهم آل الله، وازداد عبد المطّلب وأصحابه شرفا. وولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومهم بخمس وخمسين ليلة. وكان ذلك بعد عشرين سنة من ملك أنو شروان.
وملك اليمن بعد أبرهة ابنه يكسوم.
ثم ملك بعده مسروق بن أبرهة، وهو الذى زال ملكه على يد سيف بن ذى يزن على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر خبر سيف بن ذى يزن وعود الملك إلى حمير
وذلك أنّ حمير لمّا رأت ملك الحبشة قد دام عليهم وتوارثوه فيهم، اجتمع ساداتهم إلى سيف بن ذى يزن- وهو من أولاد ذى نواس الذى غلب الحبشة على اليمن فى أيام ملكه- وبذلوا له أن يجمعوا له نفقة تقيمه ليسير إلى بعض الملوك فيستنجده ففعل ذلك، وسار حتى وافى القسطنطينية إلى قيصر ملك الروم، فاستنجده فقال له قيصر: إنّ الجيش على دينى، وما كنت لأعينك عليهم، وأمر له بعشرة ألف درهم، فأبى أن يقبلها وقال: إذا لم تنصرنى فلا حاجة لى إلى مالك.
وانصرف إلى كسرى واستنجده، فقال له كسرى: بعدت بلادك عن بلادنا مع قلّة خيرها، إنما فيها الشاء والبعير وما لا حاجة لى فيه. فقال له سيف: لا تزهدنّ أيها الملك فى بلادى فإنها فرضة العرب، وأرض التبابعة الذين ملكوا أقطار أقاليم الأرض، ودان لهم أهل الشرق والغرب. قال كسرى: ما كنت لأغرّر بجندى
(15/309)

فيما لا ينفعنى وأمر له بعشرة آلاف درهم. فلمّا انتهى إلى باب القصر نثرها فى الناس حتى أتى عليها، فبلغ ذلك كسرى فغضب وقال له: ما الذى حملك على استخفافك بصلتى حتى نثرتها فى الناس؟ قال: ما أصنع بالمال وتراب أرضى ذهب وفضّة! ثم خنقته العبرة، فرقّ له كسرى ووعده بالانتصار له، فأشار عليه بعض وزرائه فقال: إنّ فى سجونك بشرا كثيرا ممن استوجب القتل، فمر بإطلاقهم، وقوّهم بالمال والكراع «1» والسّلاح، ووجهّهم مع هذا العربىّ، فإن ظفروا كان ذلك زيادة فى ملكك، وإن قتلوا كان ذلك جزاء عن جرائمهم. فأعجب كسرى هذا الرأى وعمل به وقدّم عليهم وهرز بن كامخان، وكان من فرسان العجم وأهل البيوتات، وقد أناف على المائة من السنين، وكانت عدّتهم ثلاثة آلاف وستمائة رجل، فركبوا البحر فى سبع سفن، وأرسل سيف إلى اليمن ومخاليفها، فأتوه من أقاصى اليمن وأدانيها حتى صاروا فى عشرين ألفا، وتجهّز إليهم مسروق، فلمّا التقيا قال وهرز لسيف:
أرنى ملكهم، فأراه إيّاه؛ وهو على فيل وعلى رأسه التاج وفيه ياقوتة حمراء مدلّاة على جبينه، فلبث ساعة ثم تحوّل إلى فرس ثم تحوّل إلى بغلة، فقال وهرز: ذلّ الأسود وباد ملكه، وأنا أرميه فتأمّل الرّمية، فإن رأيت أصحابه تصدّعوا عنه وحاصوا «2» يمينا وشمالا فاعلم أنّى قتلته، وإن لم يتحرّكوا من منازلهم فلم أصنع شيئا؛ ورماه، ففلق السهم الياقوتة نصفين وخرج من مؤخّر رأس مسروق، واضطربت الحبشة وماجوا، وحمل عليهم وهرز ومن معه والعرب فولّوا منهزمين، ودخلوا صنعاء وقتلوا كلّ أسود يوجد فى اليمن. وكتب وهرز إلى كسرى بالفتح، فكتب
(15/310)

إليه كسرى أن يسأل عن سيف «1» بن ذى يزن، فإن كان من أبناء الملوك فأقرّه على ملكه وانصرف عنه، وإن لم يكن من أبنائهم فاضرب عنقه وأقم فى الأرض متولّيا لهم.
قال: فسلّم وهرز إليه ملكه وخلف من كان معه من العجم بصنعاء وانصرف إلى كسرى، وملك سيف اليمن لكسرى، وتداولتها الولاة بعده من قبل كسرى.
وكان ملك الحبشة على اليمن اثنتين وسبعين سنة ثم انتزع عنهم.
ذكر أخبار ملوك الشام من ملوك قحطان
قال عبد الملك بن عبدون فى كتابه المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدرّ «2» : ومن أهل اليمن من خرج منها فملك الشام، وهم آل جفنة وأوّلهم: الحارث بن عمرو بن عامر ابن حارثة [بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك «3» ] بن زيد ابن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ويكنى الحارث بأبى شمر.
ثم تداولها منهم سبع وثلاثون ملكا. ومدّة ما ملكوا من السنين ستمائة سنة وست عشرة سنة إلى أن كان آخرهم جبلة بن الأيهم، وهو الذى تنصّر فى أيام عمر ابن الخطاب رضى الله عنه بعد أن كان قد أقبل إلى عمرو أسلم.
(15/311)

ثم إنه كان فى الطواف فداس رجل طرف ردائه فلطمه جبلة، فأتى الرجل عمر رضى الله عنه فطلب جبلة ليقيده منه فنتصّر جبلة ولحق بهرقل صاحب القسطنطينية، فأقطعه هرقل الأموال والضياع والرباع، ثم ندم جبلة على ما كان منه وقال:
تنصّرت الأشراف من أجل لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنّفنى منها لجاج ونخوة ... فبعت لها العين الصحيحة بالعور
فياليت أمّى لم تلدنى وليتنى ... رجعت إلى القول الذى قاله عمر
ويا ليتنى أرعى المخاض بقفرة ... وكنت أسيرا فى ربيعة أو مضر
ويا ليت لى بالشام أدنى معيشة ... أجالس قومى ذاهب السمع والبصر
وحكى أنّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه بعث إلى هرقل رسولا يدعوه إلى الإسلام أو الى الجزية فأجاب إلى الجزية، فلمّا أراد الرسول الانصراف قال له هرقل: ألقيت ابن عمّك هذا الذى عندنا- يعنى جبلة- الذى أتانا راغبا فى ديننا؟ فقال: ما لقيته. قال ألقه، قال الرسول: فذهبت إلى باب جبلة فإذا عليه من القهارمة والحجّاب والبهجة وكثرة الجمع مثل ما على باب هرقل. قال:
فتلطّفت فى الدخول عليه حتى أذن لى، فدخلت فرأيته أصهب اللحية، وكان عهدى به أسود اللحية والرأس، فأنكرته وإذا هو قد ذرّ سحالة «1» الذهب على لحيته حتى صار أصهب، وهو قاعد على سرير من قوارير، قوائمه أربعة أسود من الذهب. قال: فلمّا عرفنى رفعنى معه على السرير. قال: وجعل يسألنى عن المسلمين وعن عمر رضى الله عنه؛ فذكرت خيرا وعرّفته أنّ المسلمين كثروا.
(15/312)

ثم انحدرت عن السرير فقال لى: لم تأبى الكرامة التى أكرمناك بها؛ قلت: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا. قال: نعم! صلى الله عليه وسلم، ولكن نقّ قلبك من الدنس ولا تبال على ما قعدت. فلمّا سمعته يصلّى على النبىّ صلى الله عليه وسلم طمعت فيه فقلت له: ويحك يا جبلة! ألا تسلم وقد عرفت الإسلام وفضله؟ قال: أبعد ما كان منّى؟ قلت: نعم. قال: إن كنت تضمن لى أن يزوّجنى عمر ابنته ويولّينى الإمرة بعده رجعت إلى الإسلام. قال الرسول:
فضمنت له التزويج ولم أضمن له الإمرة. قال: ثم أومأ إلى خادم كان على رأسه فذهب مسرعا فإذا خدّام قد جاءوا يحملون الصناديق فيها الطعام، فوضعت ونصبت موائد الذهب وصحاف الفضّة، وقال لى: كل. فقبضت يدى وقلت: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل فى آنية الذهب والفضّة. قال:
نعم! صلى الله عليه وسلم، ولكن نقّ قلبك وكل فيما أحببت. قال: فأكل فى الذهب وأكلت فى الخلنج «1» ، ثم جىء بطسات الذهب وأباريق الفضّة فغسل يده فيها وغسلت فى الصّفر «2» ، ثم أومأ إلى خادم فمرّ مسرعا فإذا خدم معهم كراسىّ الذهب مرصّعة بالجواهر، فوضعت عشرة عن يمينه وعشرة عن شماله، ثم جاءت الجوارى عليهنّ تيجان الذهب مرصّعة بالجواهر، فقعدن عن يمينه وعن شماله على تلك الكراسى، ثم جاءت جارية كأنها الشمس حسنا على رأسها تاج، على ذلك التاج طائر وفى يدها اليمنى جامة فيها مسك فتيت، وفى يدها اليسرى جامة فيها ماء ورد؛ فأومأت الجارية أو صفّرت بالطائر الذى على تاجها فوقع فى جام ماء الورد
(15/313)

فاضّطرب فيه، ثم أومأت إليه أو صفّرت فوقع فى جام المسك فتمرّغ فيه، ثم أومأت فطار حتى نزل على تاج جبلة، فلم يزل يرفرف حتى نفض ما عليه فى رأسه، فضحك جبلة سرورا به، ثم التفت الى الجوارى اللواتى عن يمينه وقال لهنّ: بالله أضحكننا، فاندفعن يغنّين بخفق عيدانهنّ ويقلن:
لله درّ عصابة نادمتهم ... يوما بجلّق «1» فى الزّمان الأوّل
يسقون من ورد البريص «2» عليهم ... بردى «3» يصفّق بالرّحيق السّلسّل
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل
أولاد جفنة عند قبر أبيهم ... قبر ابن مارية «4» الكريم المفضل
قال: فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: أتدرى من يقول هذا؟ قلت لا؛ قال: حسان بن ثابت، ثم أشار الى الجوارى اللواتى عن يساره فقال لهنّ: بالله أبكيننا، فاندفعن يغنّين بخفق عيدانهنّ ويقلن:
لمن الدار أقفرت بمعان «5» ... بين أعلى اليرموك «6» فالخمّان «7»
ذاك مغنى لآل جفنة فى الدهر ... وحقّ تعاقب الأزمان
(15/314)

قد أرانى هناك دهرا مكينا ... عند ذى التاج مقعدى ومكانى «1»
قال: فبكى حتى سالت دموعه على لحيته، ثم قال: أتدرى من يقول هذا؟
قلت: لا، قال: حسّان، ثم أنشد: تنصّرت الأشراف الأبيات ثم سألنى عن حسّان أحىّ هو؟ قلت: نعم، فأمر له بكسوة ولى بمثلها، وأمر بمال لحسّان ونوق موقرة برّا ثم قال: إن وجدته حيّا فادفع الهديّة إليه، وإن وجدته ميتّا فادفعها إلى أهله وانحر النّوق على قبره.
قال: فلمّا أخبرت عمر بخبره وما اشترط علىّ وما ضمنت له قال: فهلّا ضمنت له الأمر فإذا أفاء الله به قضى الله علينا بحكمه! ثم جهّزنى عمر إلى القسطنطينية إلى هرقل ثانية وأمرنى أن أضمن له ما اشترط، فلمّا دخلت القسطنطينية وجدت الناس قد انصرفوا من جنازته، فعلمت أنّ الشقاء غلب عليه فى أمّ الكتاب.
ذكر أخبار ملوك الحيرة وهم من آل قحطان
وأوّلهم مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك ابن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان «2» . وكان قد خرج من اليمن مع عمرو بن عامر حين أحسّوا بسيل العرم، وقد ذكرنا أنّ الملك ربيعة ابن نصر كان قد بعثهم إلى سابور فأسكنهم الحيرة وملكوا ما حولها. والله أعلم.
قال: وكان ملك مالك على الحيرة عشرين سنة.
(15/315)

ثم ملك بعده ابنه جذيمة «1» وهو الوضّاح. قال: وكان يقال له ذلك لبرص كان به؛ ويقال أيضا فيه الأبرش، وكان ينزل الأنبار، وكان لا ينادم أحدا من الناس ذهابا بنفسه على الندماء، وكان ينادم الفرقدين فإذا شرب قدحا صبّ [فى الأرض «2» ] لهذا قدحا ولهذا قدحا. ويقال: إنه أوّل من عمل المنجنيق من الملوك، وأوّل من حذيت له النّعال. وأوّل من وقد بين يديه الشمع، وهو الذى قتلته الزّبّاء بحيلة.
ثم ملك بعده ابن أخته عمرو بن عدىّ بن ربيعة. قالوا: وعمرو هذا هو الذى استهوته الجنّ دهرا طويلا ثم رجع؛ فبينما مالك وعقيل ابنا فارح وقيل- قالح- يقصدان جذيمة الملك بهديّة إذ نزلا على ماء ومعهما قينة يقال لها: أمّ عمرو، فتعرّض لهما عمرو، وقد طالت أظفاره وشعره وساءت حالته وهيئته، فجلس إليهما- وكانا يأكلان- فمدّ إليهما يده مستطعما فناولته تلك الجارية طعاما فأكله، ثم مدّ يده ثانية فقالت: إن يعط العبد كراعا يبتع ذراعا! ثم ناولت صاحبيها من شرابها وأوكأت «3» سقاءها، فقال عمرو:
صددت الكأس عنّا أمّ عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
وما شرّ الثلاثة أمّ عمرو ... بصاحبك الذى لا تصبحينا «4»
(15/316)

فقالوا له: من أنت؟ فانتسب لهما، ففرحا به وأقبلا على خاله- وقد كان جعل الجعائل لمن يأتيه به- فلمّا أتياه به قال جذيمة لهما: لكما حكمكما. فقالا:
منادمتك. فكانا كما اختارا، وسار بهما المثل. ويقال: إنهما نادماه أربعين سنة، فما أعادا عليه حديثا مما حدّثاه به مرّة أخرى، بل كانا يحدّثانه بحديث جديد لم يسمعه منهما قبل.
وعمرو هذا هو الذى أخذ بثأر خاله جذيمة من الزّبّاء وقتلها. وذلك أنّ قصير ابن سعد كان من غلمان جذيمة قال لعمرو: اضرب ظهرى واقطع أرنبة أنفى واتركنى والزّبّاء، فإنّى سأحتال لك عليها، ففعل به ذلك، ففرّ قصير إلى الزّبّاء وصار فى جملة رجالها وأراها النصح والاجتهاد فى حوائجها، وأنه غاشّ لعمرو ابن عدىّ؛ وجعل يتّجر لها ويذهب لعمرو فى السرّ فيعطيه الأموال فيأتيها بها، كأنّ ذلك من اجتهاده وحذقه فى التجارة حتى اطمأنّت له؛ فذهب إلى عمرو وأخذه وأخذ معه ألفى رجل وجعلهم فى جوالق على ألف جمل، ومعهم دروعهم وسيوفهم وجاء بهم على طريق يقال له الغوير «1» ، ولم يكن يسلكه قبل ذلك، فلمّا قرب من حصنها تقدّم إليها وأعلمها أنه قد أتاها بمال صامت، فأشرفت من أعلى قصرها تنظر إلى الجمال، فرأتها وكأنّها تنزع أرجلها من أوحال لثقل ما عليها، فقالت: «عسى الغوير أبؤسا» . فذهبت مثلا. ثم قالت:
ما للمطايا مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا
أم صرفانا «2» باردا شديدا ... أم الرّجال جثّما قعودا
(15/317)

وقد كان قصير قال لها قبل ذلك كالناصح: ما ينبغى لمثلك «1» إلا أن يكون له موضع ليوم، فإنه لا يدرى ما تحدثه الأيام؛ فأرته سربا فى ناحية قصرها قد نفذت فيه إلى حصن أختها- وكانا على ضفّتى الفرات- قال: فلمّا دخلت الإبل على البوّاب ضجر لكثرتها، حتى إذا كان آخرها طعن فى جوالق بعود كان فى يده، فقابلت الطعنة خاصرة الرجل الذى كان فى الجوالق فحنق فقال البوّاب: لشنا لشنا «2» ؛ أى شىء فى الجوالق، فثارت الرجال من الجوالق بأيديهم السيوف، فهربت الزّبّاء إلى ذلك السّرب فإذا هى بقصير عند النفق ومعه عمرو بن عدىّ، والسيف فى يده، فمصّت خاتما كان فى يدها فيه سمّ ساعة وقالت: «بيدى لا بيد عمرو» . وفى ذلك يقول المتلمس:
وفى طلب الأوتار ما حزّ أنفه ... قصير ورام الموت بالسيف بيهس
(15/318)

وعمرو هذا هو الذى يقال فيه: «شبّ عمرو عن الطّوق» . وكانت مدّة ملكه مائة سنة.
ثم ملك بعده ابنه امرؤ القيس. فكان ملكه ستين سنة.
ثم ملك بعده ابنه عمرو بن امرئ القيس وهو محرّق العرب «1» . وكان ملكه خمسا وعشرين سنة، وكانت أمّه مارية التى يضرب المثل بقرطيها.
ثم ملك بعده النعمان «2» بن المنذر فارس حليمة «3» ، وهو الذى بنى الخورنق «4» وكردس «5» الكراديس. وكان أعور «6» ، ويقال: إنه أشرف فى بعض الأيّام على ما حول الخورنق فقال: أكّل ما أرى إلى نفاد؟ قيل: نعم. قال: فأىّ خير فى ملك يكون آخره إلى نفاد! ثم انخلع من ملكه ولبس المسوح وسار فى الأرض. وقد ذكره عدىّ بن زيد فقال:
وتفكّر ربّ الخورنق إذ أشرف ... يوما وللهدى تفكير
سرّه حاله وكثرة ما يملك ... والبحر معرضا «7» والسّدير
(15/319)

فارعوى قلبه وقال: فما غبطة ... حىّ إلى الممات يصير؟
وكان ملكه خمسا وثلاثين سنة.
ثم ملك الأسود بن النعمان. فكان ملكه عشرين سنة. ويقال: إنّ الأسود هذا هو الذى انتصر على غسّان وأسر عدّة من ملوكهم، وأراد أن يعفو عنهم، وكان للأسود ابن عمّ يقال له: أبو أذينة، قد قتل آل غسّان له أخا فى بعض الوقائع، فقال قصيدته المشهورة يغرى بهم الأسود بن النعمان:
ما كلّ يوم ينال المرء ما طلبا ... ولا يسوّغه المقدار «1» ما وهبا
وأحزم النّاس من إن فرصة عرضت ... لم يجعل السبب الموصول مقتضبا
وأنصف الناس فى كلّ المواطن من ... سقى المعادين بالكأس الذى شربا
وليس يظلمهم من راح يضربهم ... بحدّ سيف به من قبلهم ضربا
والعفو إلّا عن الأكفاء مكرمة ... من قال غير الذى قد قلته كذبا
قتلت عمرا وتستبقى يزيد لقد ... رأيت رأيا يجرّ الويل والحربا
لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها ... إن كنت شهما فأتبع رأسها الذّنبا
هم جرّدوا السيف فاجعلهم له جزرا «2» ... وأوقدوا النار فاجعلهم لها حطبا
إن تعف عنهم تقول الناس كلّهم ... لم يعف حلما ولكن عفوه رهبا «3»
وكان أحسن من ذا العفو لو هربوا ... لكنّهم أنفوا من مثلك الهربا
همو أهلّة غسّان ومجدهم ... عال فإن حالوا ملكا فلا عجبا
وعرضوا بفداء واصفين لنا ... خيلا وابلا يروق العجم والعربا
(15/320)

أيحلبون دما منّا ونحلبهم ... رسلا «1» لقد شرّفونا فى الورى حلبا
علام تقبل منهم فدية وهمولا ... فضّة قبلوا منّا ولا ذهبا
فلمّا أنشده هذه القصيدة رجع عن رأيه فى العفو عنهم وقبول الفداء منهم وقتلهم. والله أعلم.
ثم ملك بعده المنذر «2» بن الأسود؛ وكانت أمّه ماء السماء «3» . وكانت مدّة ملكه أربعا وثلاثين سنة.
ثم ملك بعده عمرو بن المنذر. فكان ملكه أربعا وعشرين سنة.
ثم ملك بعده المنذر بن عمرو بن المنذر. وكان ملكه ستّين سنة.
ثم ملك بعده قابوس بن المنذر. فكانت مدّة ملكه ثلاثين سنة.
ثم ملك بعده أخوه المنذر بن ماء السماء.
ثم ملك بعده النعمان بن المنذر؛ وهو الذى قيل له: «أبيت اللّعن» وهو آخر من ملك من آلهم. وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة. وها نحن نذكر ما قيل فى سبب ملكه وزواله.
قالوا: وكان عدىّ بن زيد العبّادىّ وابنه زيد بن عدىّ سبب ولايته وسبب هلاكه، وذلك أنّ عديّا وأخويه، وهما عمّار وعمرو، كانوا فى خدمة الأكاسرة ولهم من جهتهم قطائع، وكان قابوس الأكبر عمّ النعمان بعث إلى كسرى أبرويز بعدىّ بن زيد وأخويه ليكونوا فى كتّابه يترجمون له، فلمّا مات
(15/321)

المنذر ترك من الأولاد اثنى عشر رجلا، وهم الأشاهب «1» ، سمّوا بذلك لجمالهم، وفيهم يقول الأعشى:
وبنو المنذر الأشاهب بالحيرة ... يمشون غدوة كالسيوف «2»
فجعل المنذر ابنه النعمان فى حجر عدىّ بن زيد هذا، وجعل ابنه الأسود فى حجر رجل يقال له: عدىّ بن أوس بن مرينا، وبنو مرينا «3» قوم لهم شرف، وهم من لخم، وترك المنذر بقيّة بنيه، وهم عشرة، يستقلّ كلّ واحد منهم بنفسه، وجعل المنذر على أمره كلّه إياس بن قبيصة الطائىّ، فلمّا مات قابوس طلب كسرى من يملّكه على العرب، فدعا عدىّ بن زيد فقال له: من بقى من بنى المنذر، وما هم؟ وهل فيهم خير؟ فقال: بقيّتهم فى ولد هذا الميّت، يعنى المنذر، وهم رجال نجباء؛ فكتب إليهم بالقدوم عليه، فقدموا فأنزلهم، على عدىّ بن زيد، وكان عدىّ يرى موضع النعمان لأنه فى حجره ويختاره على بقيّة إخوته فى الباطن، وهو يظهر لهم خلاف ذلك ويفضّلهم عليه فى الظاهر، ويكرم نزلهم ويخلو بهم ويريهم أنه لا يرجو النعمان، كلّ ذلك، ليطمئنّوا إليه ويرجعوا إلى رأيه، ثم خلا بكلّ منهم على انفراده وقال لهم: إن سألكم الملك: أتكفونى العرب فقولوا: نكفيهم إلّا النعمان، وقال للنعمان: إن سألك الملك عن إخوتك فقل له: إن عجزت عنهم فإنّى عن غيرهم أعجز.
(15/322)

قال: وكان عدىّ بن أوس بن مرينا داهية أريبا، وكان يوصى الأسود ابن المنذر ويقول: قد عرفت أنّى لك راج، وأنّ طلبتى اليك ورغبتى أن تخالف عدىّ بن زيد فيما يشير به عليك، فإنه والله لا ينصح لك أبدا، فلم يلتفت الأسود الى قوله. فلمّا أمر كسرى عدىّ بن زيد أن يدخلهم عليه قدّمهم رجلا رجلا، وكسرى يرى رجالا قلّما رأى مثلهم، فإذا سألهم هل تكفونى العرب قالوا: نكفيك العرب كلّها إلّا النعمان. فلمّا دخل النعمان عليه رأى رجلا دميما قصيرا أحمر الشعر فكلمّه وقال: هل تستطيع أن تكفينى العرب؟ قال نعم، قال: فكيف تصنع بإخوتك؟ قال: أيّها الملك إن عجزت عنهم فإنّى عن غيرهم أعجز، فملكه وكساه وألبسه تاجا قيمته ستّون ألف درهم. فلمّا خرج وملك على العرب قال عدىّ ابن أوس بن مرينا للأسود بن المنذر: دونك فإنك خالفت الرأى.
قال: ثم إنّ عدىّ بن زيد صنع طعاما فى بيعة وأرسل الى ابن أوس أن ائتنى مع من أحببت فإن لى حاجة، فأتاه فى أناس فتغدّوا فى البيعة، فقال عدىّ بن زيد لعدىّ بن أوس: يا عدىّ إنّ أحق من عرف الحق ثم لم يلم عليه من كان مثلك، إنّى عرفت أنّ صاحبك الأسود كان أحبّ إليك أن يملّك من صاحبى النعمان، فلا تلمنى على شىء كنت على مثله، وأنا أحبّ ألّا تحقد علىّ شيئا لو قدرت عليه ركتبه، وأحبّ أن تعطينى من نفسك ما أعطيك من نفسى، فإنّ نصيبى من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك. فقام عدىّ بن زيد الى البيعة وحلف ألّا يهجوه ولا يبغيه غائلة أبدا، ولا يروى عنه خيرا، وحلف عدىّ بن أوس على مثل يمينه ألّا يزال يهجوه أبدا ويبغيه الغوائل ما بقى. وخرج النعمان حتى أتى منزله بالحيرة، وافترق العديّان على وحشة، فقال عدىّ بن أوس للأسود: إن لم تظفر أفلا تعجز أن تطلب بثأرك من هذا المعدّىّ الذى عمل بك ما عمل؟ فقد كنت أخبرتك
(15/323)

أن معدّا لا تنام عن مكرها، وأمرتك أن تخالفه فعصيتنى. قال: فما تريد؟ قال:
ألّا تأتيك فائدة من ملكك ولا أرضك إلّا عرضتها علىّ، ففعل. وكان عدىّ بن أوس كثير المال، فلم يمرّ به يوم إلّا بعث فيه الى النعمان هديّة أو تحفة. فلمّا توالى ذلك وكثرت هداياه عند النعمان صار من أكرم الناس عليه، وصار لا يقضى فى ملكه شيئا إلّا برأى عدىّ بن أوس. فلمّا رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن أوس عنده تابعوه ولزموه؛ فكان يقول لمن يثق به من أصحاب النعمان: إذا رأيتمونى أذكر عدىّ بن زيد عند الملك بخير فقولوا: إنه لكما يقول ولكنّه لا يسلّم عليه أحد، وإنه يقول: إن الملك- يعنى النعمان- إنما هو عامله، وإنه هو الذى ولّاه ما ولّاه.
فلم يزالوا بهذا وأشباهه حتى أضغنوا النعمان عليه. ثم إنهم كتبوا كتابا عن عدىّ الى قهرمان «1» كان له، ودسّوا من أخذ الكتاب وأتى به النعمان فقرأه فغضب، وأرسل إلى عدىّ بن زيد يقول: عزمت عليك إلّا زرتنى فإنى قد اشتقت إليك، وكان عند كسرى، فاستأذنه فى زيارة النعمان فأذن له، فلمّا أتاه لم ينظر إليه حتى حبسه، فجعل يقول الشعر ويستعطفه به، فكان مما قاله:
أبلغ النّعمان عنّى مألكا «2» ... إنه قد طال حبسى وانتظارى
لو بغير الماء حلقى شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصارى «3»
(15/324)

وقال أشعارا كثيرة كانت تبلغ النعمان فندم على حبسه وعلم أنه كيد فيه، فكان يرسل إليه ويعده ويمنّيه، فلمّا طال سجنه وأعياه التضرّع إلى النعمان كتب الى أخيه أبىّ- وهو عمّار- وهو مع كسرى يخبره بحاله، ويبعثه على السعى فى خلاصه، فدخل أبىّ على كسرى وكلّمه، فكتب إلى النعمان فى أمره وبعث رسولا بكتابه، فقال له أبىّ: إبدأ بعدىّ وانظره قبل أن تجتمع بالنعمان، ورشاه على ذلك، ففعل الرسول ذلك ودخل الى الحبس واجتمع بعدىّ وقال له: ما تحبّ أن أصنع؟ قال:
أحبّ ألّا تخرج من عندى، وأعطنى كتاب كسرى لأرسله من قبلى. قال:
لا أستطيع ذلك. قال: فإنك إن خرجت من عندى قتلت. فقال: لا بدّ أن آتى النعمان وأوصّله الكتاب من يدى، فانطلق إلى النعمان وأوصله الكتاب فقبّله وقال: سمعا وطاعة، ووصله بأربعة آلاف مثقال [ذهبا «1» ] وجارية [حسناء «2» ] وقال: إذا كان من غد فادخل عليه وأخرجه بنفسك. وكان أعداء عدىّ أتوا النعمان وأخبروه أنّ رسول كسرى دخل إلى عدىّ وأنه إن خرج من الحبس لم يستبق منّا أحدا، ولم تنج أنت ولا غيرك، فأمرهم النعمان بقتله، فدخلوا عليه لمّا خرج الرسول من عنده وغمّوه «3» حتى مات، فلمّا أصبح الرسول دخل السجن فقال له الحرس: إنّ عديّا قد مات منذ أيام، ولم نجرؤ أن نخبر النعمان فرقا منه لعلمنا بكراهيته لذلك، فرجع الرسول إلى النعمان فقال:
(15/325)

إنّى كنت بدأت به فدخلت عليه وهو حىّ. فقال له النعمان: يبعثك الملك إلىّ فتدخل إليه قبلى، كذبت! ولكنّك ارتشيت وتهدّده، ثم استدعاه بعد ذلك وزاده جائزة وكسوة واستوثق «1» منه وصرفه الى كسرى. فلمّا رجع إليه قال له: قد مات قبل مقدمى على النعمان.
قال: ثم ندم النعمان على قتل عدىّ ندما شديدا واجترأ أعداء عدىّ على النعمان وهابهم، ثم ركب النعمان فى بعض أيّامه للصّيد فلقى ابنا لعدىّ بن زيد، فكلّمه فإذا هو غلام ظريف ففرح به النعمان وقرّبه ووصله واعتذر إليه، ثم جهّزه «2» الى كسرى وكتب إليه: إنّ عديّا كان ممن أعين به الملك فى نصيحته ورأيه، فانقضت مدّته وانقطع أجله، ولم يصب به أحد أشدّ من مصيبتى، وإنّ الملك لم يكن ليفقد رجلا من عبيده إلّا جعل الله له منه خلفا، وقد أدرك له ابن ليس هو دونه، وقد سرّحته إلى الملك فإن رأى أن يجعله مكان أبيه ويصرف عمّه إلى عمل آخر فعل. فأجابه كسرى إلى ذلك ورتّبه فى وظيفة أبيه، وسأله عن النعمان فأحسن الثناء عليه، فمكث سنوات على منزلة أبيه وأعجب به كسرى. وكان لصاحب هذه الرّتبة على العرب وظيفة فى كلّ سنة من الأفراس والمهارة «3» والكمأة والأقط والأدم وغير ذلك، وهو يلى ما يكتب عن كسرى إلى العرب.
قال: ثم تمكّن زيد بن عدىّ بن زيد عند كسرى حتّى كان يجتمع به فى أوقات خلواته، فدخل عليه فى بعض الأيّام فكلّمه فيما دخل بسببه؛ ثم جرى ذكر النساء.
وكانت عند الأكاسرة صفات امرأة، ومن رسمهم أن يطلبوا للملك من هى متّصفة
(15/326)

بتلك الصفات. وكانت الصفة أنّ المنذر الأكبر أهدى إلى أنو شروان جارية كان أصابها لمّا أغار على الحارث الأكبر الغسّانىّ، فكتب إلى أنو شروان بصفة الجارية فقال: هى معتدلة الخلق، نقيّة اللّون والثّغر، بيضاء قمراء وطفاء «1» دعجاء «2» حوراء عيناء [قنواء «3» ] شمّاء «4» [برجاء «5» ] زجّاء «6» أسيلة الخدّ، [شهيّة المقبّل «7» ] جثلة «8» الشّعر، عظيمة الهامة، بعيدة مهوى القرط عيطاء «9» ، عريضة الصدر، كاعب الثدى، ضخمة مشاش «10» المنكب والعضد، حسنة المعصم، لطيفة الكفّ، سبطة البنان، لطيفة طىّ البطن، خميصة الخصر، غرثى «11» الوشاح، رداح «12» الأقبال، رابية الكفل، مفعمة الساق «13» ، لفّاء الفخذين. ريّا الروادف، ضخمة المأكمتين «14» ، عظيمة الركبة، مشبعة «15» الخلخال، لطيفة
(15/327)

الكعب [والقدم، قطوف المشى «1» ] ، مكسال «2» الضّحى، بضّة «3» المتجرّد، سموع للسيّد، ليست بخنساء «4» ولا سفعاء «5» ، رقيقة الأنف، عزيزة النفس، لم تغذّ فى بؤس، حييّة رزينة، حليمة ركينة «6» ، كريمة الخال، تقتصر «7» بنسب أبيها، وبفصيلتها دون جماع قبيلتها، قد أحكمتها التجارب «8» فى الأدب، رأيها رأى أهل الشرف، وعملها عمل أهل الحاجة، صناع الكفّين، قطيعة «9» اللسان، رهوة «10» الصوت [ساكنته 1»
] ، تزين البيت «12» وتشين العدوّ إن أردتها اشتهت، وإن تركتها انتهت، تحملق «13» عيناها، وتحمرّ وجنتاها، وتذبذب شفتاها، وتبادرك الوثبة [إذا قمت، ولا تجلس إلا بأمرك إذا جلست «14» ] . فقبلها أنو شروان وأمر بإثبات هذه الصفة فى ديوانه، «15» فكانت تتوارث
(15/328)

حتى انتهى الملك إلى كسرى أبرويز بن هرمز. فلمّا قرئت هذه الصفة عليه قال له زيد بن عدىّ: أيها الملك، أنا أخبر بآل المنذر، وعند عبدك النعمان من بناته وبنات عمّه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة. فقال له كسرى: اكتب فيهنّ إليه. فقال: أيها الملك، إنّ شرّ شىء فى العرب وفى النعمان [خاصّة «1» ] أنهم يتكرّمون-[زعموا «2» ] فى أنفسهم- عن «3» العجم، فابعثنى اليه وابعث معى رجلا [من ثقاتك «4» ] يفقه العربية. فبعث معه رجلا جلدا [فهما «5» ] ، فخرج به زيد حتى أتى الحيرة ودخل على النعمان؛ فلما دخل عليه عظّم الرسول أمر كسرى وقال له: إنه قد احتاج إلى نساء لأهله وولده فأراد كرامتك [بصهره «6» ] وبعث إليك فيهنّ. فقال النعمان: وما صفة هؤلاء النّسوة؟ قال: هذه صفتهنّ قد جئناك بها، وقرأها على زيد بن عدىّ، فشقّ ذلك على النعمان وقال لزيد وللرسول: أما فى مها السّواد وعين فارس ما تبلغون به حاجتكم؟ فقال الرسول لزيد: ما المها والعين؟ قال: البقر. فقال زيد للنعمان: إنما أراد الملك كرامتك، ولو علم أنّ ذلك يشقّ عليك لما كتب إليك، فأنزلهما [يومين عنده «7» ] ثم كتب الى كسرى. إنّ الذى طلب الملك ليس عندى. ثم قال لزيد:
أعذرنى عنده. فلمّا رجعا الى كسرى قال لزيد: أين ما كنت أخبرتنى به؟ قال:
قد كنت أخبرتك بضنّتهم بنسائهم على غيرهم، وإنّ ذلك من شقائهم، فسل هذا الرسول عن مقالة النعمان فإنى أكره أن أواجه الملك بما قاله، فقال للرسول:
وما قال؟ قال إنه قال: أما فى بقر السواد [وفارس «8» ] ما يكفى الملك حتى يطلب
(15/329)

ما عندنا! فعرف الغضب فى وجه كسرى ثم قال: ربّ عبد قد قال هذا فصار أمره الى التّباب «1» ، فبلغ كلامه النعمان. وسكت كسرى على ذلك أشهرا، وهو «2» يستعدّ ويتوقّع حتى أتاه كتاب كسرى يستدعيه، فانطلق النعمان حتى أتى جبال طيّىء وهو متزوّج «3» منهم، فأرادهم أن يمنعوه فأبوا ذلك وقالوا: لولا صهرك لقتلناك، فإنه لا حاجة لنا فى معاداة كسرى، فأقبل يعرض نفسه على العرب فلا يقبلوه، حتى نزل بذى قار «4» ببنى شيبان سرّا فلقى هانئ بن قبيصة [بن هانئ «5» ] بن مسعود فأودعه سلاحه وتوجه إلى كسرى فلقى زيد بن عدىّ على قنطرة ساباط «6» ، فقال له: انج نعيم! فقال: أنت يا زيد فعلت هذا! أما والله لئن أفلت لأسقينّك بكأس أبيك! فقال له زيد: امض نعيم، فقد والله وضعت لك عنده أخيّة «7» لا يقطعها المهر الأرن «8» . قال: فلما بلغ كسرى أنه بالباب أمر به فقيّد وأبعده الى خانقين «9» ، فلم يزل بالسجن حتى مات بالطاعون.
(15/330)

قال ابن مسكويه فى كتاب تجارب الأمم: والناس يظنون أنه مات بساباط لبيت قاله الأعشى «1» . والصحيح ما قلناه.
وقال ابن عبدون: إنّ النعمان لمّا أقبل «2» الى المدائن «3» صفّ له كسرى ثمانية آلاف جارية عليهنّ المصبّغات وجعلهنّ صفّين، فلمّا صار النعمان بينهنّ قلن له: أما فينا للملك غنى عن بقر السّواد؟ وأنّ كسرى أمر بالنعمان فحبس بساباط المدائن، ثم أمر به فرمى بين أرجل الفيلة فوطئته حتى مات. وفى ذلك يقول سلامة بن جندل «4» وذكر [قتل «5» ] كسرى أبرويز [للنّعمان «6» ] فقال:
هو المدخل النّعمان بيتا سماؤه ... نحور الفيول بعد بيت مسردق «7»
ثم ملك بعده إياس بن قبيصة وأتى الله تعالى بالإسلام. فهؤلاء ملوك العرب باليمن والشام والحيرة.
(15/331)

ذكر خبر سدّ «1» مأرب وسيل العرم
قد ذكر الله عزّ وجلّ ذلك فى كتابه العزيز فقال: (لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ «2» آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ)
»
الآية. روى عن فروة «4» بن مسيك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لمّا أنزل فى سبأ ما أنزل قال رجل: يا رسول الله، وما سبأ؟ أرض أو امرأة؟ فقال: «ليس بأرض ولا امرأة، ولكنّه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستّة وتشاءم منهم أربعة، فأمّا الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسّان وعاملة، وأمّا الذين تيامنوا فالأزد والأشعرون «5» وحمير وكندة ومذحج وأنمار» فقال رجل: يا رسول الله، وما أنمار؟ قال: «الذين منهم خثعم وبجيلة» .
أخرجه أبو داود فى سننه والترمذىّ فى جامعه.
وكانت أرض مأرب من بلاد اليمن متّصلة العمارة مسيرة ستّة أشهر، وقيل أزيد من شهرين للراكب المجدّ، وكانوا يقتبسون النار بعضهم من بعض مسيرة ستّة أشهر؛
(15/332)

فكانت المرأة إذا أرادت أن تجتنى من ثمارها [شيئا «1» ] وضعت المكتل «2» على رأسها وخرجت تمشى بين الأشجار وهى تغزل وتعمل ما شاءت، فلا ترجع إلّا وقد امتلأ مكتلها مما يتساقط فيه من الثمار.
واختلف فى مأرب، فقيل: إنه اسم ملك تلك الأرض فسمّيت به، قال الشاعر «3» :
من سبأ «4» الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما
وقيل: هو اسم لقصر الملك، وفيه يقول أبو الطّمحان:
ألم تروا مأربا ما كان أحصنه ... وما حواليه من سور وبنيان
قال: وكان أوّل من خرج من اليمن بسبب سيل العرم عمرو بن عامر مزيقيا، وقد ذكرناه فى الأنساب «5» ، وإنّ سبب تسميته مزيقيا أنه كان يلبس فى كلّ يوم حلّة وقيل حلّتين، وهو الأشهر، ثم يمزّقهما عشيّة نهاره لئّلا يلبسهما غيره، فكان هذا دأبه فى كلّ يوم.
(15/333)

وكان سبب خروجه من اليمن واطّلاعه على خبر سيل العرم قبل حدوثه دون غيره من الناس أنه كان له امرأة كاهنة يقال لها: طريفة الخير، وكانت قد رأت فى منامها أنّ سحابة غشيت أرضهم فأرعدت وأبرقت ثم أصعقت فأحرقت كلّ ما وقعت عليه، ففزعت طريفة الخير لذلك فزعا شديدا وأتت إلى زوجها عمرو بن عامر وقالت: ما رأيت اليوم أزال عنى النوم. فقال لها: ما رأيت؟ قالت: رأيت غيما أرعد وأبرق طويلا ثم أصعق فما وقع على شىء إلّا احترق. قال: فلمّا رأى ما داخلها من الرّوع والفزع سكّنها.
ثم إنّ عمرا بعد ذلك دخل حديقة له ومعه جارية من بعض جواريه، فبلغ ذلك امرأته طريفة فخرجت إليه ومعها وصيف لها اسمه سنان «1» ، فلمّا برزت من بيتها عرض لها ثلاث مناجد منتصبات على أرجلها، واضعات أيديها على أعينها. قال:
والمناجد: دوابّ تشبه اليرابيع «2» . فلمّا نظرت طريفة إليها قعدت الى الأرض ووضعت يديها على عينيها وقالت لغلامها: إذا ذهبت هذه المناجد فأخبرنى، فلمّا ذهبت أعلمها فانطلقت مسرعة، فلمّا عارضها خليج الحديقة التى فيها عمرو وثبت سلحفاة من الماء فوقعت فى الطريق على ظهرها وجعلت تروم الانقلاب ولا تستطيع، وتستعفر بيديها وتحثو التراب على بطنها من جنباته وتقذف بالبول. فلمّا رأتها طريفة الخير جلست إلى الأرض. فلمّا عادت السّلحفاة إلى الماء مضت طريفة حتى دخلت الحديقة على عمرو حين انتصف النهار فى ساعة شديدة الحرّ فإذا الشجر يتكافأ من غير ريح، فلمّا رآها عمرو استحيى منها وأمر الجارية بالتنحّى
(15/334)

ثم قال لها: ما أتى بك يا طريفة؟ فكهنت وقالت: والنور والظلماء، والأرض والسماء، إنّ الشجر لهالك، وليعودنّ الماء كما كان فى الزمن السالك. قال لها عمرو:
ومن خبّرك بهذا؟ قالت: أخبرنى المناجيد بسنين شدائد، يقطع فيها الولد الوالد.
قال: فما تقولين؟ قالت: أقول قول النّدمان لهفا، لقد رأيت سلحفاة تجرف التراب جرفا، وتقذف بالبول قذفا، فدخلت الحديقة فإذا الشجر من غير ريح يتكافأ. قال عمرو: وما ترين فى ذلك؟ قالت: هى داهية دهياء من أمور جسيمة، ومصائب عظيمة. قال: وما هو ويلك؟ قالت: أجل، إنّ فيه الويل، ومالك فيه من نيل، وإنّ الويل فيما يجىء به السيل. فألقى عمرو نفسه على فراشه وقال:
ما هذا يا طريفة؟ قالت: هو خطب جليل، وخزى طويل، وخلف قليل، والقليل خير من تركه. قال: وما علامة ما تذكرين؟ قالت: اذهب الى السدّ فإن رأيت جرذا يكثر يديه فى السدّ الحفر، ويقلب برجليه مراجل الصّخر، فاعلم أن الغمر غمر «1» ، وإن [قد «2» ] وقع الأمر. قال: وما هذا الذى تذكرين؟ قالت: وعد من الله نزل، وباطل بطل، ونكال بنا نكل. قال: فانطلق عمرو الى السدّ فحرسه فإذا لجرذ يقلب برجليه صخرة ما يقلبها خمسون رجلا، فرجع إليها وهو يقول:
أبصرت أمرا عادنى منه ألم ... وهاج لى من هوله برح السّقم
من جرذ كفحل خنزير الأجم ... أو كبش صرم من أفاويق الغنم
يقلب صخرا من جلاميد العرم ... له مخاليب وأنياب قضم
ما فاته صخر من الصخر قصم
(15/335)

فقالت طريفة: وإنّ من علامة ما ذكرت لك أن تجلس فتأمر بزجاجة بين يديك؛ فإنّ الريح تملأها بتراب البطحاء من سهل الوادى ورمله، وقد علمت أنّ الجنان مظلّلة ما يدخلها شمس ولا ريح. فأمر عمرو بزجاجة فوضعت بين يديه فلم تمكث إلّا قليلا حتى امتلأت من تراب البطحاء. فقال لها عمرو: متى يكون هلاك السدّ؟ فقالت: فيما بينك وبين سبع سنين. فقال: ففى أيّها يكون؟ فقالت:
لا يعلم ذلك إلّا الله، ولو علمه أحد لعلمته، ولا تأتى علىّ ليلة فيما بينى وبين السبع سنين إلّا ظنت أنّ هلاكنا فى غدها أو مسائها.
ثم رأى عمرو بعد ذلك فى منامه سيل العرم وقيل له: آية ذلك أن ترى الحصباء «1» قد ظهرت فى سعف النخل وكربه «2» ، فنظر إليها فوجد الحصباء قد ظهرت فيها فعلم أنّ ذلك واقع، وأنّ بلادهم ستخرب لا محالة؛ فكتم ذلك وأخفاه وأجمع على بيع كلّ شىء له بأرض مأرب ويخرج منها هو وولده، ثم خشى أن ينكر الناس حاله فصنع وليمة جمع الناس لها وقرّر مع أحد أولاده أنه يأمره بأمر فى ملأ القوم فيخالفه فإذا لطمه عمرو فيلطمه الآخر، ففعل ذلك. فلمّا لطمه ابنه- وكان اسمه مالكا- صاح عمرو: واذلّاه! يوم فخر عمرو يهينه صبىّ ويضرب وجهه! وحلف ليقتلّنه، فسأله القوم ألّا يفعل، فحلف ألّا يقيم بموضع صنع به فيه هذا، وليبيعنّ أمواله حتى لا يورث بعده. فقال الناس بعضهم لبعض: اغتنموا غضبة عمرو واشتروا منه قبل أن يرضى، فابتاع الناس منه جميع ما هو له بأرض مأرب، وفشا بعض حديثه فباع أناس من الأزد، فلما كثر البيع استنكر الناس ذلك فأمسكوا عن الشراء، فلمّا اجتمعت لعمرو أمواله أخبر الناس بشأن سيل العرم وخرج من اليمن، وخرج
(15/336)

لخروجه منها خلق كثير فنزلوا أرض عكّ حتى مات عمرو بن عامر وتفرّقوا بعده فى البلاد؛ فمنهم من صار الى الشام، وهم أولاد جفنة بن عمرو بن عامر، ومنهم من صار الى يثرب، وهم أبناء قبيلة الأوس والخزرج، وأبوهما حارثة بن ثعلبة بن عمرو ابن عامر، وصارت أزد الشّراة الى أرض الشّراة، وأزد عمان الى عمان، ومالك بن فهم الى العراق.
ثم خرجت بعد عمرو بيسير من أرض اليمن طيّىء فنزلت بجبلى طيّىء: أجا وسلمى، ونزل ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر تهامة، وسمّوا خزاعة لانخزاعهم [من أخواتهم «1» ] ، وتمزّقوا فى البلاد كما أخبر الله تعالى عنهم فقال: (وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)
ثم أرسل الله عزّ وجلّ السيل على السدّ فهدمه.
واختلف فى العرم ما هو؟ فقيل: السدّ واحدته عرمة، وقيل: هو الجرذ.
وكان السدّ فيما يذكر قد بناه لقمان الأكبر بن عاد، وكان صفّه لحجارة السدّ بالرّصاص فرسخا فى فرسخ. ويقال: إنّ الذى بناه كان من ملوك حمير. وقد ذكر ذلك ميمون.
ابن قيس الأعشى فقال:
وفى ذلك للمؤتسى أسوة ... ومأرب عفّى عليها العرم
رخام بنته لهم حمير ... إذا جاء موّاره لم يرم
فصاروا أيادى ما يقدرون ... منه على شرب طفل فطم
فأروى الزروع وأعنابها ... على سعة ماؤها إذ قسم
(15/337)

الباب الخامس من القسم الرابع من الفنّ الخامس
فى أيام العرب ووقائعها فى الجاهليّة، وأنها لمن مآثرها السنيّة، واذا تأمّلها المتأمّل دلّته على مكارم أخلاقهم وكرم نجارهم، وحقّقت عنده أنهم ما أحجموا عن طلب أوتارهم، وعلم مكافأتهم للأقران، وسماحتهم بالنفوس والأبدان، وإقدامهم على الموت، ومبادرتهم عند الإمكان خشية الفوت.
وقيل لبعض الصحابة رضى الله عنهم: ما كنتم تتحدّثون به إذا خلوتم فى مجالسكم؟ فقال: نتناشد الشعر ونتحدث بأخبار جاهليّتنا.
وقال بعضهم: وددت أنّ لنا مع إسلامنا كرم أخلاق آبائنا فى الجاهليّة.
ألا ترى أنّ عنترة الفوارس جاهلىّ لا دين له، والحسن بن هانئ إسلامىّ، فمنع عنترة كرمه ما لم يمنع ابن هانئ دينه، فإنّ عنترة يقول:
وأغضّ طرفى إن بدت لى جارتى ... حتى يوارى جارتى مأواها
وقال أبو نواس الحسن بن هانئ:
كأنّ الشباب مطيّة الجهل ... ومحسّن الضّحكات والهزل
والباعثى والناس قد هجعوا «1» ... حتى أبيت خليفة البعل
وسأذكر من وقائعهم ما يقوّى الجنان، ويبعث الجبان.
(15/338)

ذكر وقعة طسم وجديس
وطسم بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، وجديس بن عابر بن إرم ابن سام بن نوح عليه السلام، وهم العرب العاربة، على ما ذكر بعض المؤرّخين.
وكان منزلهما اليمامة «1» ، واسمها فى وقتهم جوّ؛ وكان الملك عليهما رجلا من طسم يقال له:
عمليق، وكان غشوما ظلوما. وكان سبب فنائهما أنّ عمليقا أتته ذات يوم امرأة اسمها هزيلة بنت مازن مع زوج لها اسمه ماش «2» . وكان قد طلّقها وأراد أخذ ولده منها، فترافعا إليه ليحكم بينهما، فقالت هزيلة: «أيها الملك، هذا ابنى حملته تسعا، ووضعته دفعا، وأرضعته شفعا، ولم أنل منه نفعا، حتى إذا تمّت أوصاله، واستوت خصاله «3» ، أراد أن يأخذه منّى قهرا «4» ويسلبنيه سرّا، ويترك يدى منه صفرا» . فقال الزوج: «قد أخذت المهر كاملا، ولم أنل منك طائلا، إلّا ولدا «5» جاهلا، فافعل ما كنت فاعلا» . فأمر الملك أن يجعل الولد فى غلمانه، فقالت هزيلة:
أتينا أخا طسم ليحكم بيننا ... فأبرم حكما فى هزيلة ظالما
لعمرى لقد حكّمت «6» لا متورّعا ... ولا فهما عند الحكومة عالما
ندمت فلم أقدر على متزحزح ... وأصبح زوجى عاثر الرأى نادما
(15/339)

فلمّا بلغ عمليقا ذلك غضب وأقسم أنه لا تهدى عروس فى جديس لبعلها حتى يكون هو الذى يبدأ بها قبل زوجها. فلم يزل على ذلك دهرا حتى أهديت عفيرة «1» بنت عفار «2» الجديسيّة أخت الأسود بن عفار «3» سيّد جديس إلى بعلها، ويقال: إنّ اسمها الشّموس، فحملت إلى عمليق، فلمّا افترعها وخلّى سبيلها خرجت على قومها فى دمائها شاقّة جيبها عن قبلها ودبرها وهى تقول:
لا أحد أذلّ من جديس ... هكذا يفعل بالعروس
يرضى بهذا يا لقومى حرّ ... أهدى وقد أعطى وسيق المهر
لأخذة الموت كذا لنفسه ... خير من ان يفعل ذا بعرسه
ثم قالت تحرّض جديسا على طسم:
أيصلح ما يؤتى إلى فتياتكم ... وأنتم رجال فيكم عدد الرّمل «4»
أيصلح تمشى فى الدّماء فتياتكم ... صبيحة زفّت فى النساء إلى البعل
فإن كنتمو لا تغضبوا عند هذه ... فكونوا نساء لا تفيق من الكحل
ودونكم طيب العروس فإنما ... خلقتم لأثواب العرائس وللغسل
فلو أننا كنّا رجالا وكنتم ... نساء لكنّا لا نقرّ على الذّلّ
فقبحا وسحقا للذى ليس دافعا ... ويختال يمشى بيننا مشية الفحل
فموتواء كراما واصبروا لعدوّكم ... لحرب تلظّى بالضّرام من الجزل
ولا تجزعوا فى الحرب يا قوم إنها ... تقوم بأقوام كرام على رجل
(15/340)

فاجتمعت جديس فقال لهم الأسود بن عفار، وكان مطاعا فيهم: لتطيعنّنى [فيما آمركم به «1» ] أو لأتّكئنّ على سيفى حتى يخرج من ظهرى. قالوا: فإنّا نطيعك. قال: إنّ طسما ليسوا بأعزّ منكم، ولكن ملك صاحبهم هو الذى يذعننا إليهم بالطاعة، ولو امتنعتم منهم لكان لكم النّصف «2» . قالوا: إنّ القوم أكثر منّا عددا وعددا. قال: إنّى صانع طعاما فأدعوهم إليه، فإذا جاءوكم متفضّلين فى الحلل نهضنا إليهم بأسيافنا. فقالت عفيرة لأخيها: لا تفعل! فإنّ الغدر ذلّة وعار، ولكن كاثروا القوم فى ديارهم فتظفروا أو تموتوا كراما. قال: بل نمكر بهم فنكون أمكن منهم. ثم صنع الأسود طعاما وأمر قومه أن يخترطوا سيوفهم ثم يدفنوها فى الرمل. ودعا عمليقا وقومه، فلمّا أتوا استثارت جديس السيوف وشدّوا عليهم فما أفلت منهم إلّا رياح بن مرّة، ففرّ إلى حسّان بن تبّع فاستغاث به وأخبره بما صنعته جديس بطسم فوعده النصرة، ثم نادى حسّان فى حمير بالمسير وأخبرهم بما صنعت جديس بطسم؛ فقالوا:
وما جديس وطسم؟ قال: هما أخوان. قالوا: فما لنا فى هذا من أرب.
قال حسّان: أرأيتم لو كان هذا فيكم أكان حسنا لملككم أن يهدر «3» دماءكم.
وما علينا فى الحكم إلّا أن ننصف بعضهم من بعض. فقالوا: الأمر أمرك أيّها الملك فمرنا بما أحببت. فأمرهم بالمسير، فساروا حتى إذا كانوا من اليمامة على ثلاث ليال قال رياح بن مرّة لحسّان بن تبّع: أبيت اللعن! إنّ لى أختا متزوّجة فى جديس تنظر الراكب على مسيرة ثلاث ليال وأخاف أن تنذر قومها، فأمر كلّ إنسان أن يقتلع شجرة من الأرض ويجعلها أمامه، فأمرهم حسّان بذلك. ثم ساروا، فنظرت أخت رياح فقالت: يا جديس! لقد سارت إليكم الشّجر. فقالوا لها:
(15/341)

وما ذاك؟ قالت: أرى شجرا، من ورائه بشرا، وإنّى لا أرى رجلا من وراء شجرة ينهش كتفا أو يخصف نعلا، فكذّبوها وغفلوا عن أخذ أهبة الحرب حتى صبّحتهم حمير. ففى ذلك تقول زرقاء اليمامة:
خذوا لهم حذركم يا قوم ينفعكم ... فليس ما قد أراه اليوم يحتقر
إنّى أرى شجرا من خلفه بشر ... فكيف تجتمع الأشجار والبشر
صفّوا الطوائف منكم قبل داهية ... من الأمور التى يخشى وتنتظر
إنّى أرى رجلا فى كفّه كتف ... أو يختصف النّعل خصفا ليس يعتذر «1»
ثوروا بأجمعكم فى وجه أوّلهم ... فإنّ ذلك منكم- فاعلموا- ظفر
وغوّروا كلّ ماء دون منزلهم ... فليس من دونه «2» نحس ولا ضرر
أو عاجلوا القوم عند الليل إن رقدوا ... ولا تخافوا «3» لها حربا وإن كثروا
فلمّا كان حسّان على مسيرة ليلة عبّأ جيشه ثم صبّحهم فاستباح اليمامة قتلا وسبيا، وهرب الأسود حتى نزل بطيّىء فأجاروه من كلّ من يطلبه وهم لا يعرفونه. وقبيلته فى طيّىء مذكورة. ثم إنّ حسانا أمر باليمامة فنزع عينيها فإذا فى داخلها عروق سود، فسألها عن ذلك فقالت: حجر أسود كنت أكتحل به يقال له الإثمد فثبّت لى بصرى. وقيل: إنها أوّل من اكتحل بالإثمد؛ فأمر بها فصلبت على باب جوّ.
وقيل: سمّى جوّ باليمامة من ذلك الوقت. وفى ذلك يقول رياح بن مرّة لمّا أخذ بثأره:
(15/342)

غدر الحىّ من جديس بطسم ... آل طسم كما تدانى تدينى
قد أتيناهم بيوم كيوم ... تركوا فيه مثل ما تركونى
ليت طسما على منازلها تع ... لم أنّى قضيت عنّى ديونى
وقد كرّرت الشعراء قصّة هذه المرأة وجوّ. فمن ذلك قول الأعشى على رواية ابن قتيبة:
قالت أرى رجلا فى كفّه كتف ... أو يخصف النّعل لهفى «1» آية صنعا
فكذّبوها بما قالت فصبّحهم ... ذو آل حسّان يزجى السمّ والسّلعا «2»
فاستنزلوا آل جوّ من مساكنهم ... وهدّموا رافع البنيان فاتّضعا «3»
وروى ابن إسحاق:
كونى كمثل التى إن غاب «4» واحدها ... أهدت له من بعيد نظرة جزعا
ثم أتى بالأبيات التى ذكرها ابن قتيبة. وقال المسيّب بن علس:
لقد نظرت عين إلى الجزع نظرة ... إلى مثل موج المقعم المتلاطم
إلى حمير إذ وجّهوا من بلادهم ... تضيق بهم لأيا فروج المخارم «5»
(15/343)

وفيها يقول النّمر بن تولب:
وفتاتهم عنز غداة تبيّنت ... من بعد مرأى فى الفضاء ومسمع
قالت أرى رجلا يقلّب نعله ... تقليب ذى وصل له ومشسّع
ورأت مقدّمة الخميس ودونها ... ركض الجياد إلى الصّباح يتّبع
ذكر حروب قيس فى الجاهلية يوم منعج لغنىّ على عبس
يوم منعج «1» . هو يوم الرّدهة «2» وفيه قتل شأس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسىّ؛ قتله رياح بن الأشلّ «3» الغنوىّ. وذلك أنّ شأسا أقبل من عند النعمان بن المنذر وقد أجزل حباءه. وكان من حبائه قطيفة حمراء ذات هدب «4» وطيب؛ فورد منعجا- وهو ماء لغنىّ- فأناخ راحلته إلى جانب الرّدهة وعليها خباء لرياح بن الأشلّ، وجعل يغتسل وامرأة رياح تنظر إليه، وهو كالثّور الأبيض، فانتزعه رياح بسهم فقتله، وضمّ متاعه ونحر ناقته وأكلها وغيّب أثره. وفقد شأس بن زهير، حتى وجدوا القطيفة الحمراء بسوق عكاظ قد باعتها امرأة رياح، فعلموا أنّ رياحا صاحب ثأرهم، فغزت بنو عبس غنيّا قبل أن يطلبوا قودا أو ديّة، مع الحصين بن زهير ابن جذيمة والحصين بن أسيد بن جذيمة. فلمّا بلغ ذلك غنيّا قالوا لرياح: انج، لعلّنا
(15/344)

نصالح القوم على شىء [أو نرضيهم بدية «1» ] . فخرج رياح رديفا «2» لرجل من بنى كلاب، وهما يظنّان أنهما قد خالفا وجهة القوم؛ فمرّ صرد «3» على رءوسهما فصرصر، فما راعهما إلّا خيل بنى عبس، فقال الكلابىّ لرياح: انحدر من خلفى والتمس نفقا فى الأرض فإنى شاغل القوم عنك، فانحدر رياح من عجز الجمل حتى أتى ضفّة «4» فاحتفر تحتها مثل مكان الأرنب وولج فيه، ومضى صاحبه، فسألوه فقال: هذه غنىّ جامعة، وقد استمكنتم منهم، فصدّقوه وخلّوا سبيله، فلمّا ولّى رأوا مركب الرجل خلفه فقالوا: من الذى كان خلفك؟ فقال: لا كذب! رياح بن الأشلّ، وهو فى أولئك الصّعدات «5» . فقال الحصينان لمن معهما: قد مكّننا الله من ثأرنا ولا نريد أن يشركنا فيه أحد، فوقفوا عنهما، ومضيا فجعلا يريغان رياحا بين الصّعدات، فقال لهما: هذا غزالكما الذى تريغانه، فابتدراه فرمى أحدهما بسهم فأقصده «6» ، فطعنه الآخر فأخطأه، ومرّت به الفرس، فاستدبره رياح بسهم فقتله ثم أتى قومه. ففى ذلك يقول الكميت بن زيد الأسدىّ، وكانت له أمّان من غنىّ:
أنا ابن غنىّ والداى كلاهما ... لأمّين منهم فى الفروع وفى الأصل
(15/345)

هم استودعوا زهرا نسيب «1» بن سالم ... وهم عدلوا بين الحصينين بالنّبل
وهم قتلوا شأّس الملوك ورغّموا ... أباه زهيرا بالمذلّة والثّكل
يوم النّفراوات «2» لبنى عامر على بنى عبس
فيه قتل زهير بن جذيمة بن رواحة العبسىّ. وكانت هوازن تؤدّى إليه إتاوة، فأتته عجوز رهيش «3» من بنى نصر بن معاوية بسمن فى نحى «4» ، وشكت سنين تتابعت على الناس، فذاقه فلم يرض طعمه، فدعّها «5» بقوس فى يده عطل «6» فى صدرها، فاستلقت على قفاها منكشفة «7» ، فتألّى «8» خالد بن جعفر وقال: والله لأجعلنّ ذراعى فى عنقه حتى يقتل أو أقتل. وكان زهير مقداما فتفرّد من قومه ببنيه وبنى أخويه أسيد وزنباع يريغ «9» الغيث فى عشراوات «10» له وشول؛ فأتاه الحارث [بن عمرو «11» ]
(15/346)

ابن الشّريد، وكانت تماضربنة [عمرو بن] الشّريد تحت زهير، فلمّا عرف الحارث مكانه أنذر عليه بنى عامر بن صعصعة رهط خالد بن جعفر، فركب منهم ستّة فوارس فيهم خالد بن جعفر وصخر بن الشّريد وحندج بن البكّاء ومعاوية بن عبادة ابن عقيل فارس الهرّار. ويقال لمعاوية: الأخيل، وهو جدّ ليلى الأخيليّة. فقال أسيد لزهير: أعلمتنى راعية غنمى أنها رأت على رأس الثنيّة أشباحا ولا أحسبها إلّا خيل بنى عامر، فألحق بنا بقومنا. فقال له زهير: «كلّ أزبّ «1» نفور» وكان أشعر القفا، فذهبت مثلا، فتحمّل أسيد بمن معه وبقى زهير وابناه ورقاء والحارث. وصبّحتهم الفوارس فارمدّت «2» بزهير فرسه القعساء ولحقه خالد ومعاوية الأخيل، فطعن معاوية القعساء فقلبت زهيرا، وخرّ خالد فرفع المغفر عن رأس زهير وقال: يالعامر اقتلونا جميعا! وأقبل معاوية فضرب زهيرا على مفرق رأسه ضربة بلغت الدّماغ، وأقبل ورقاء بن زهير فضرب خالدا وعليه درعان فلم تغن شيئا، وأجهض «3» ابنا زهير القوم عن زهير واحتملاه وقد أثخنته الضربة فمنعوه الماء فقال: اسقونى وإن كانت نفسى فيه، فسقوه فمات بعد ثالثة من الأيام، فقال فى ذلك ورقاء بن زهير:
رأيت زهيرا تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول «4» أبادر
فشلّت يمينى يوم أضرب خالدا ... ويمنعه منّى الحديد المظاهر
(15/347)

فياليت أنى قبل أيام خالد ... ويوم زهير لم تلدنى تماضر «1»
لعمرى لقد بشّرت بى إذ ولدتنى ... فماذا الذى ردّت عليك البشائر
وقال خالد بن جعفر فى قتله زهيرا:
بل كيف تكفرنى هوازن بعدما ... أعتقتهم فتوالدوا أحرارا
وقتلت ربّهم زهيرا بعدما ... جدع الأنوف وأكثر الأوتارا
وجعلت مهر بناتهم ودياتهم ... عقل الملوك هجائنا وبكارا «2»
يوم بطن عاقل لذبيان على بنى عامر
فيه قتل خالد بن جعفر ببطن عاقل «3» . وذلك أنه قدم على الأسود «4» بن المنذر أخى النعمان ومعه عروة الرّحال بن عتبة بن جعفر، فالتقى خالد بن جعفر والحارث ابن ظالم بن غيط بن مرّة بن سعد بن ذبيان عند الأسود بن المنذر، فجعل خالد يقول للحارث بن ظالم: يا حار، أما تشكر يدى عندك أن قتلت عنك سيّد قومك زهيرا وتركتك سيّدهم؟ فقال: سأجزيك شكر ذلك. فلمّا خرج الحارث قال الأسود لخالد: ما دعاك إلى أن تتحرّش بهذا الكلب وأنت ضيفى؟ فقال: إنما هو عبد من عبيدى، ولو وجدنى نائما ما أيقظنى. وانصرف خالد إلى قبّته فلامه
(15/348)

عروة الرّحال، ثم ناما وأشرجت «1» عليهما القبّة، وكان مع الحارث تبيع له من بنى محارب يقال له خراش، فلمّا هدأت العيون أخرج الحارث ناقته وقال الخراش:
كن لى بمكان كذا، فإن طلع كوكب الصبح ولم آتك فانظر أحبّ البلاد اليك فاعمد لها؛ ثم انطلق الحارث حتى أتى قبّة خالد فهتك شرجها ثم ولجها وقتله، فنادى عروة عند ذلك: واجوار الملك! فأقبل إليه الناس، وسمع الأسود الهتاف وعنده امرأة من بنى عامر يقال لها: المتجرّدة، فشقّت جيبها. ففى ذلك يقول عبد الله ابن جعدة:
شقت عليك العامريّة «2» جيبها ... أسفا وما تبكى عليك ضلالا
يا حار لو نبّهته لوجدته ... لا طائشا رعشا «3» ولا معزالا «4»
واغرورقت عيناى لمّا أخبرت ... بالجعفرىّ وأسبلت إسبالا
فلنقتلنّ بخالد سرواتكم ... ولنجعلن للظالمين نكالا
فإذا رأيتم عارضا متهلّلا ... منّا فإنّا لا نحاول مالا
يوم رحرحان لعامر على تميم
ولمّا هرب الحارث بن ظالم ونبت به البلاد لجأ الى معبد بن زرارة فأجاره؛ فقالت بنو تميم لمعبد: مالك أويت هذا المشئوم الأنكد وأغريت بنا الأسود؟
وخذلوه غير بنى ماوية وبنى عبد الله بن دارم. وبلغ الأحوص بن جعفر بن كلاب مكان الحارث بن ظالم، وأنه عند معبد بن زرارة، فغزا معبدا فالتقوا برحرحان «5» فانهزمت
(15/349)

بنو تميم وأسر معبد بن زرارة، أسره عامر والطّفيل ابنا مالك بن جعفر بن كلاب، فوفد لقيط بن زرارة عليهما فى فدائه فقال لهما: لكما عندى مائتا بعير، فقالا:
أبا نهشل، أنت سيّد الناس، وأخوك معبد سيّد مضر فلا تقبل فيه إلا دية ملك، فأبى أن يزيدهم وقال: إنّ أبانا أوصانا ألا نزيد أحدا فى ديتنا على مائتى بعير، وقال:
لا توكلوا العرب أنفسكم ولا تزيدوا بفدائكم على فداء رجل منكم، ورحل لقيط عن القوم.
قال: فمنعوا معبدا الماء وضاروه حتى مات هزالا. وقيل: بل أبى معبد أن يطعم شيئا أو يشرب حتى مات هزالا. ففى ذلك يقول عامر بن الطفيل:
قضينا الجون عن عبس وكانت ... منيّة معبد فينا هزالا
وقال جرير:
وليلة وادى رحرحان رفعتم «1» ... فرارا ولم تلووا رفيق النّعائم
تركتم أبا القعقاع فى الغلّ معبدا ... وأىّ أخ لم تسلموا للأداهم
وقال أيضا:
وبرحرحان غداة كبّل معبد ... نكحت فتاتكم بغير مهور
يوم شعب جبلة لعامر وعبس على ذبيان وتميم
قال أبو عبيدة معمر بن المثنّى: يوم جبلة «2» أعظم أيام العرب «3» ، وذلك أنه لمّا انقضت وقعة رحرحان جمع لقيط بن زرارة لبنى عامر وألّب عليهم. وبين يوم
(15/350)

رحرحان ويوم جبلة سنة. ويوم جبلة قبل الإسلام بأربعين سنة «1» ، وهو عام مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانت بنو عبس يومئذ فى بنى عامر حلفاء لهم، فاستعدى لقيط بنى ذبيان لعداوتهم لبنى عبس من أجل حرب داحس، فأجابته غطفان كلّها غير بنى بدر، وتجّمعت لهم تميم كلّها غير بنى سعد، وخرجت معه بنو أسد لحلف كان بينهم وبين غطفان، ثم أتى لقيط الجون «2» الكندىّ وهو ملك هجر «3» [وكان يحيّى من بها من العرب «4» ] فقال له: هل لك فى قوم عادين قد ملأوا الأرض نعما «5» وشاء، فأرسل معى ابنيك فما أصبنا من مال وسبى فلهما، وما أصبنا من دم فلى، فأجابه الجون الى ذلك وجعل له موعدا رأس الحول، ثم أتى لقيط النعمان ابن المنذر فاستنجده وأطمعه فى الغنائم، وكان لقيط وجيها عند الملوك، فلمّا كان على قرن الحول من يوم رحرحان أقبلت الجيوش الى لقيط، وأقبل سنان بن أبى حارثة المرّىّ فى غطفان وجاءت بنو أسد، وأرسل الجون ابنيه معاوية وعمرا، وأرسل النعمان أخاه لأمّه حسّان بن وبرة الكلبىّ. فلمّا توافوا خرجوا إلى بنى عامر وقد أنذروا بهم وتأهّبوا لهم، فقال الأحوص بن جعفر، وهو يومئذ رحى هوازن لقيس بن زهير: ما ترى؟ فإنك تزعم أنه لم يعرض لك أمران إلّا وجدت فى أحدهما المخرج! فقال قيس بن زهير: الرأى أن نرحل بالعيال والأموال حتى
(15/351)

تدخل شعب جبلة فتقاتل القوم [دونها «1» ] من وجه واحد، فإنهم داخلون عليك الشّعب، وإنّ لقيطا رجل فيه طيش فسيقتحم عليك الجبل، فأرى أن تأمر بالإبل فلا ترعى ولا تسقى وتعقل، ثم تجعل الذرارى وراء ظهورنا وتأمر بالرجّالة فتأخذ بأذناب الإبل، فإذا دخلوا علينا الشّعب حلّت الرجّالة عقل الإبل ثم لزمت أذنابها فإنها تنحدر عليهم وتحنّ الى مراعيها ووردها، ولا يردّ وجوهها شىء، ويخرج الفرسان فى أثر الرجّالة الذين خلف الإبل فإنها تحطّم ما لقيت وتقبل عليهم الخيل وقد حطّموا من عل. فقال الأحوص: نعم ما رأيت وأخذ برأيه، وكان مع بنى عامر يومئذ بنو عبس، وغنىّ فى بنى كلاب، وباهلة فى بنى صعب، والأبناء أبناء صعصعة. وكان رهط المعقّر البارقّى يومئذ فى بنى نمير بن عامر، وكانت قبائل بجيلة كلّها فيهم غير قيس.
قال أبو عبيدة: وأقبل لقيط والملوك ومن معهم فوجدوا بنى عامر قد دخلوا شعب جبلة فنزلوا على فمه، فقال لهم رجل من بنى أسد: خذوا عليهم فم الشّعب حتى يعطشوا ويجوعوا، فأتوا حتى دخلوا عليهم الشّعب، وكانوا قد عقلوا الإبل [وعطّشوها «2» ] ثلاثة أخماس، وذلك اثنتا عشرة ليلة لم تطعم شيئا، فلمّا دنوا حلّوا عقلها فأقبلت تهوى، فظنّ القوم عند ذلك أنّ الشّعب قد هدّ عليهم، والرجّالة فى آثارها آخذين بأذنابها فدقّت كلّما لقيت، فانهزموا لا يلوون على أحد، وقتل لقيط وأسر حاجب بن زرارة، أسره ذو الرّقيبة، وأسر سنان بن أبى حارثة المرّىّ أسره عروة الرحّال، فجزّ ناصيته وأطلقه، وأسر عمرو بن أبى عمرو بن عدس، أسره قيس بن المنتفق، فجزّ ناصيته وخلّاه طمعا فى المكافأة فلم يفعل، وقتل معاوية بن
(15/352)

الجون ومنقذ بن طريف الأسدىّ، ومالك بن ربعىّ بن جندل بن نهشل، فقال جرير فى ذلك:
كأنك لم تشهد لفيطا وحاجبا ... وعمرو بن عمرو إذ دعوا يال دارم
ويوم الصفا كنتم عبيدا لعامر ... وبالحزن أصبحتم عبيد اللهازم
يعنى بالحزن يوم الوقيط. وقال أيضا فى بنى دارم:
ويوم الشّعب قد تركوا لقيطا ... كأنّ عليه خملة أرجوان
وكبّل حاجب بشمام حولا ... فحكّم ذا الرّقيبة وهو عانى
وقالت دختنوس أخت لقيط ترثى لقيطا:
فرّت بنو أسد فرا ... ر الطّير عن أربابها
عن خير خندف كلّها ... من كهلها وشبابها
وأتمّها حسبا إذا ... ضمّت الى أحسابها «1»
يوم الخريبة وفيه قتل الحارث بن ظالم
قال أبو عبيدة: لما قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفر الكلابىّ أتى صديقا له من كندة. فالتفّ عليه وطلبه الملك فخفى ذكره، ثم شخص من عند الكندىّ وأضمرته «2» البلاد حتى استجار بزياد أحد بنى عجل بن لجيم، فقام بنو ذهل بن ثعلبة وبنو عمرو بن شيبان فقالوا لمعجل: أخرجوا هذا الرجل من بين أظهركم فإنه لا طاقة
(15/353)

لنا بالشّهباء ودوسر، وهما كتيبتان للأسود بن المنذر، فأبت عجل ذلك عليهم، فلمّا رأى الحارث بن ظالم ذلك كره أن تقع الفتنة بينهما بسببه، فارتحل من بنى عجل الى جبلى طيّىء فأجاروه، فقال فى ذلك:
لعمرى لقد حلّت بى اليوم ناقتى ... الى ناصر من طيّىء غير خاذل
فأصبحت جارا للمجرّة فيهم ... على باذخ يعلو يد المتطاول
اذا أجأ لفّت علّى شعابها ... وسلمى فأنّى أنتم من تناولى «1»
فمكث عندهم حينا. ثم إن الأسود بن المنذر لمّا أعجزه أمره أرسل الى جارات كنّ للحارث بن ظالم استاقهنّ وأموالهنّ، فبلغ ذلك الحارث، فخرج من الجبلين فآندسّ فى الناس «2» حتّى علم مكان جاراته ومرعى إبلهنّ فأتاهنّ واستنقذهنّ واستاق إبلهنّ فألحقهنّ بقومهنّ. واندسّ فى بلاد غطفان حتّى أتى سنان بن أبى حارثة المرّىّ وهو أبو هرم بن سنان ممدوح زهير. وكان الأسود بن المنذر قد استرضع ابنه شرحبيل عند سلمى امرأة سنان، وهى من بنى غنم بن دودان بن أسد، فكانت لا تأمن على ابن الملك أحدا، فاستعار الحارث بن ظالم سرج سنان، وهو فى ناحية الشّربّة، فأتى به سلمى امرأة سنان وقال لها: يقول لك بعلك: ابعثى ابنك مع الحارث فإنى أريد أن أستأمن له الملك، وهذا سرجه لك آية. قال: فزيّنته ودفعته اليه، فأتى به ناحية من الشّربّة فقتله وهرب من فوره، وهرب سنان بن أبى حارثة. فلمّا بلغ الأسود قتل ابنه شرحبيل غزا بنى ذبيان فقتل وسبى، وأخذ الأموال، وأغار على بنى دودان رهط سلمى، فقتلهم وسباهم، ثم وجد بعد ذلك نعلى شرحبيل فى جانب الشّربّة عند بنى محارب بن خصفة، فغزاهم وأسرهم وأحمى لهم الصّفا وقال: إنى أحذيكم نعالا، فأمشاهم عليها، فسقطت أقدامهم. ثم إن سيّار بن عمرو بن جابر
(15/354)

الفزارىّ احتمل للأسود دية ابنه ألف بعير ورهنه بها قوسه، فوفاه بها وقال فى ذلك:
ونحن رهنّا القوس ثمّت فوديت ... بألف على ظهر الفزارىّ أقرعا
بعشر مئين للملوك وفى بها «1» ... ليحمد سيّار بن عمرو فأسرعا
قال: ثم هرب الحارث فلحق بمعبد بن زرارة فاستجار به فأجاره، وكان من سببه وقعة رحرحان التى تقدّم ذكرها. ثم هرب حتى لحق بمكة وقريش لأنه يقال:
إنّ مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان إنما هو مرّة بن عوف بن لؤىّ بن غالب، فتوسّل إليهم بهذه القرابة وقال فى ذلك:
اذا فارقت ثعلبة بن سعد ... وإخوتهم نسبت الى لؤىّ
الى نسب كريم غير وغل ... وحىّ من أكارم كلّ حىّ
فإن يك منهم أصلى فمنهم ... قوانين الإله بنو قصىّ
فقالوا له: هذا نسب رحم كرشاء «2» اذا استغنيتم عنها أدبرتم. قال: فشخص [الحارث «3» ] عنهم غضبان وقال فى ذلك:
ألا لستم منّا ولا نحن منكم ... برئنا إليكم من لؤىّ بن غالب
غدونا «4» على نشر الحجاز وأنتم ... بمنشعب «5» البطحاء «6» بين الأخاشب «7»
وتوجّه الى الشام فلحق بيزيد بن عمرو الغسّانىّ فأجاره وأكرمه. وكانت ليزيد ناقة محماة، فى عنقها مدية وزناد وصرّة ملح، يمتحن بها رعيّته لينظر من يجترئ عليه،
(15/355)

فوحمت امرأة الحارث فاشتهت شحما فانطلق الى الناقة فانتحرها وأتاها بشحمها وفقدت الناقة فأرسل الى الخمس التغلبىّ، وكان كاهنا، فسأله عنها، فأخبره أنّ الحارث صاحبها، فهمّ به الملك ثم تذمّم «1» من ذلك، فأوجس الحارث فى نفسه شرّا فأتى الخمس التغلبىّ فقتله، فلمّا فعل ذلك دعا به الملك فأمر بقتله، فقال: إنك قد أجرتنى فلا تغدرنى، قال الملك: لا ضير إن غدرت بك مرّة فقد غدرت بى مرارا، وأمر ابن الخمس به فقتله، وأخذ ابن «2» الخمس سيف الحارث، فأتى به سوق عكاظ فى الأشهر الحرم «3» ، فأراه قيس بن زهير العبسىّ فضربه به قيس فقتله.
ذكر حرب داحس والغبراء وهى من حروب قيس
قال أبو عبيدة: حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان ابنى بغيض ابن ريث بن غطفان. وكان السبب الذى هاجها أنّ قيس بن زهير وحمل ابن بدر تراهنا على داحس والغبراء أيّهما يكون له السّبق. وكان داحس فحلا لقيس بن زهير. والغبراء حجر «4» لحمل بن بدر، فتواضعا الرّهان على مائة بعير، وجعلا
(15/356)

منتهى الغاية مائة غلوة، والمضمار أربعين ليلة، ثم قاداهما إلى رأس الميدان بعد أن ضمراهما أربعين ليلة. وكان فى طرف الغاية شعاب كثيرة، فأكمن حمل بن بدر فى تلك الشّعاب فتيانا على طريق الفرسين وأمرهم إن جاء داحس سابقا أن يردّوه عن الغاية، ثم أرسلوهما، فلما أحضرا خرجت الأنثى عن الفحل فقال حمل بن بدر: سبقتك يا قيس، فقال قيس: رويدا يعدوان الجدد إلى الوعث وترشح أعطاف الفحل، فلمّا أوغلا عن الجدد وخرجا إلى الوعث برز داحس عن الغبراء فقال قيس: «جرى المذكّيات «1» غلاب «2» » فذهبت مثلا. فلمّا شارف داحس الغاية ودنا من الفتية وثبوا فى وجه داحس فردّوه عن الغاية، ففى ذلك يقول قيس بن زهير:
وما لاقيت من حمل بن بدر ... وإخوته على ذات الإصاد «3»
همو فخروا علىّ بغير فخر ... وردّوا دون غايته جوادى
وثارت الحرب بين عبس وذبيان ابنى بغيض، فركدت أربعين سنة لم تنتج ناقة ولا فرس فيها لاشتغالهم بالحرب. فبعث حذيفة بن بدر ابنه مالكا إلى قيس بن زهير يطلب منه حقّ السّبق، فقال قيس: كلّا لا مطلتك به، ثم أخذ الرمح فطعنه فدقّ صلبه، ورجعت فرسه غائرة، واجتمع الناس فحملوا دية مالك مائة ناقة عشراء «4» وزعموا أنّ الرّبيع بن زياد العبسىّ حملها وحده فقبضها حذيفة وسكن الناس.
(15/357)

ثم إن مالك بن زهير نزل اللقاطة «1» من أرض الشربّة «2» فأخبر حذيفة بمكانه، فعدا عليه فقتله، ففى ذلك يقول عنترة:
فلله عينا من رأى مثل مالك ... عقيرة قوم أن جرى فرسان
فليتهما لم يجريا قيد غلوة ... وليتهما لم يرسلا لرهان
فقالت بنو عبس: مالك بن زهير بمالك بن حذيفة وردّوا علينا مالنا، فأبى حذيفة أن يردّ شيئا، وكان الربيع بن زياد مجاورا لبنى فزارة.
قال: فلمّا قتل مالك بن زهير جعل بنو فزارة يتساءلون ويقولون: ما فعل حماركم؟ قالوا: صدناه، فقال لهم الربيع: ما هذا الوحى؟ قالوا: قتلنا مالك ابن زهير، قال: بئس ما فعلتم بقومكم! قبلتم الدّية ورضيتم بها ثم غدرتم! فقالوا:
لولا أنك جارنا لقتلناك، وكانت خفرة الجار ثلاثا، فقالوا له: بعد ثلاث ليال أخرج عنّا، فخرج واتّبعوه فلم يلحقوه حتى لحق بقومه، وأتاه قيس بن زهير فعاقده.
ثم نهضت بنو عبس وحلفاؤهم بنو عبد الله بن غطفان إلى بنى فزارة وذبيان ورئيسهم الربيع بن زياد، ورئيس بنى فزارة حذيفة بن بدر.
يوم المريقب لبنى عبس على بنى ذبيان
فالتقوا بذى المريقب «3» من أرض الشّربّة فاقتتلوا، فكانت الشوكة فى بنى فزارة قتل منهم عوف بن بدر بن عمرو بن أبى الحصين، أحد بنىّ عدىّ بن فزارة وجماعة كثيرة. وفى هذه الوقعة يقول عنترة الفوارس:
ولقد علمت إذ التقت فرسانها ... يوم المريقب أنّ ظنّك أحمق
(15/358)

يوم ذى حسى لذبيان على عبس
ثم إن ذبيان تجمّعت لما أصابت بنو عبس منهم يوم المريقب فزارة بن ذبيان ومرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان وأحلافهم، فنزلوا فتوافوا بذى حسى «1» ، وهو وادى الصفا من أرض الشّربّة، فهزمت بنو عبس وخافت ألّا تقوم بجماعة بنى ذبيان واتّبعوهم حتى لحقوهم، فقالوا: التفانى أو تقيدونا، فأشار قيس بن زهير على الربيع بن زياد ألّا يناجزهم، وأن يعطوهم رهائن من أبنائهم حتى ينظروا فى أمرهم، فتراضوا أن يكون رهنهم عند سبيع بن عمرو أحد بنى ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فدفعوا إليه ثمانية من الصّبيان، فانصرفوا وتكافأ الناس، فمكث رهنهم عند سبيع حتى حضرته الوفاة، فقال لابنه مالك بن سبيع: إنّ عندك مكرمة لا تبيد «2»
إن أنت احتفظت بهؤلاء الأغيلمة، وكأنى بك لو متّ قد أتاك خالك حذيفة بن بدر فعصر لك عينيه وقال: هلك سيّدنا ثم خدعك عنهم حتى تدفعهم إليه فيقتلهم، فلا تشرف بعدها أبدا، فإن خفت ذلك فاذهب بهم إلى قومهم. فلما هلك سبيع أطاف حذيفة بابنه مالك وخدعه حتى دفعهم إليه، فأتى بهم اليعمريّة «3» ، فجعل يبرز كلّ يوم غلاما فينصبه غرضا ويقول له: ناد أباك، فينادى أباه حتى يقتله.
(15/359)

يوم اليعمريّة لعبس على ذبيان
قال: فلما بلغ ذلك من فعله بنى عبس أتوهم باليعمريّة فلقوهم بحرّتها فقتلوا منهم اثنى عشر رجلا، منهم مالك بن سبيع الذى نبذ بالغلمة إلى حذيفة، وأخوه يزيد بن سبيع، وعامر بن لوذان، والحارث بن زيد، وهرم بن ضمضم أخو حصين. ويقال ليوم اليعمريّة: يوم ذى نفر لأنهما متجاوران.
يوم الهباءة لعبس على ذبيان
قال: ثم اجتمعوا فالتقوا فى يوم قائظ إلى جنب جفر الهباءة «1» واقتتلوا من أوّل النهار إلى أن انتصف، وحجز الحرّ بينهم، وكان حذيفة بن بدر يحرق فخذيه الركض، فقال قيس بن زهير: يا بنى عبس، إنّ حذيفة غدا إذا احتدمت الوديقة «2» مستنقع فى جفر الهباءة فعليكم بها، فخرجوا حتى وقعوا على أثر صارف: فرس حذيفة، والحيفاء: فرس حمل بن بدر، فقفوا أثرهما حتى توافوا مع الظهيرة على الهباءة، فبصر بهم حمل بن بدر فقال: هذا قيس بن زهير قد أتاكم، فوقف قيس وأصحابه على جفر الهباءة وهو يقول: لبّيكم لبّيكم! يعنى إجابة الصّبية الذين كانوا ينادونهم إذ يقتلون! وفى الجفر حذيفة وحمل وبدر ومالك بنو بدر، وورقاء بن بلال «3»
(15/360)

من بنى ثعلبة بن سعد. وحنش بن عمرو «1» ، فوقف عليهم شدّاد بن معاوية العبسىّ، فحال بينهم وبين خليهم، ثم توافت فرسان بنى عبس فقال حمل:
ناشدتك بالرحم يا قيس، فقال: لبّيكم لبّيكم! فعرف حذيفة أنه لن يدعهم فانتهر حملا فقال: إيّاك والمأثور من الكلام، فذهبت مثلا، وقال لقيس: لئن قتلتنى لا تصلح غطفان بعدها أبدا! فقال: أبعدها الله ولا أصلحها، وجاءه قرواش بمعبلة «2» فقصم صلبه، وقتل الربيع بن زياد حمل بن بدر، فقال قيس بن زهير يرثيه:
تعلّم أنّ خير الناس ميت ... على جفر الهباءة ما يريم «3»
ولولا ظلمه ما زلت أبكى ... عليه الدهر ما بدت النجوم
ولكنّ الفتى حمل بن بدر ... بغى والبغى مرتعه وخيم
أظنّ الحلم دلّ علىّ قومىّ ... وقد يستجهل الرّجل الحليم
وما رست الرجال وما رسونى ... فمعوجّ وآخر مستقيم
ومثّلوا بحذيفة بن بدر كما مثّل بالغلمة، فقطعوا مذاكيره وجعلوها فى فيه وجعلوا لسانه فى استه، ففى ذلك يقول قائلهم:
فإنّ قتيلا بالهباءة فى استه ... صحيفته إن عاد للظّلم ظالم
متى تقرأوها تهدكم من ضلالكم ... وتعرف إذا مافضّ عنها الخواتم
(15/361)

وقال عمرو بن الأسلع:
إنّ السماء وإنّ الأرض «1» شاهدة ... والله يشهد والإنسان والبلد
أنى جزيت بنى بدر بسعيهم ... على الهباءة قتلا ما له قود
لمّا التقينا على أرجاء جمّيتها ... والمشرفيّة فى أيماننا تقد
علوته بحسام ثم قلت له: ... خذها حذيف فأنت السيّد الصّمد
فلمّا أصيب أهل الهباءة واستعظمت غطفان قتل حذيفة، تجمّعوا، وعرفت بنو عبس أن ليس لهم مقام بأرض غطفان، فخرجوا الى اليمامة فنزلوا بأخوالهم من بنى حنيفة، ثم رحلوا عنهم فنزلوا ببنى سعد بن زيد مناة.
يوم الفروق لبنى عبس
ثم إنّ بنى عبس غدروا بجوارهم فأتوا معاوية بن الجون فاستجاسوا عليهم وأرادوا أكلهم، فبلغ ذلك بنى عبس ففرّوا ليلا، وقدّموا ظعنهم، ووقفت فرسانهم بموضع يقال له الفروق، وأغارت بنو سعد ومن معهم من جنود الملك على محلّتهم فلم يجدوا إلّا مواقد النيران فاتبعوهم حتى أتوا الفروق، فإذا بالخيل والفرسان وقد تواترت الظّعن عنهم، فانصرفوا عنهم؛ ومضى بنو عبس فنزلوا ببنى ضبّة فأقاموا فيهم. وكان بنو حذيفة من بنى عبس يسمّون بنى رواحة، وبنو بدر من فزارة يسمّون بنى سودة، ثم رجعوا إلى قومهم وصالحوهم، فكان أوّل من سعى فى الحمالة حرملة بن الأشعر بن صرمة بن مرّة، فمات، فسعى فيها ابنه هاشم بن حرملة، وإليه أشار الشاعر:
أحيا أباه هاشم بن حرمله ... يوم الهباءتين ويوم اليعمله
ترى الملوك حوله مرعبله ... يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له!
(15/362)

يوم قطن
فلمّا توافوا للصلح وقفت بنو عبس بقطن «1» وأقبل حصين بن ضمضم فلقى تيحان أحد بنى مخزوم بن مالك ففتله بأبيه ضمضم. وكان عنترة بن شدّاد العبسىّ قتله بذى المريقب، فأشارت بنو عبس وحلفاؤهم بنو عبد الله بن غطفان وقالوا:
لا نصالحكم ما بلّ البحر صوفة وقد غدرتم بنا غير مرّة، وتناهض الناس: عبس وذبيان، فالتقوا بقطن، فقتل يومئذ عمرو بن الأسلع عتبة، ثم سفرت السفراء، بينهم، وأتى خارجة بن سنان أبا تيحان بابنه فدفعه اليه وقال: فى هذا وفاء من ابنك! فأخذه فكان عنده أياما، ثم حمل خارجة لأبى تيحان مائة بعير فأدّاها اليه واصطلحوا وتعاقدوا.
يوم غدير قلبى
قال أبو عبيدة: فاصطلح الحيّان إلّا بنى ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فإنهم أبوا ذلك وقالوا: لا نرضى حتى يودوا قتلانا أو يهدر دم من قتلها، فخرجوا من قطن حتى وردوا غدير قلبى، فسبقتهم بنو عبس الى الماء فمنعوهم حتى كادوا يموتون عطشا، فأصلح بينهم عوف ومعقل ابنا سبيع من بنى ثعلبة وإياهما يعنى زهير بقوله:
تداركتما عبسا وذبيان بعدما ... تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم «2»
فوردوا حربا وخرجوا عنه سلما. تمّ خبر داحس والغبراء.
(15/363)

يوم الرقم لغطفان على بنى عامر
غزت بنو عامر فأغاروا على بلاد غطفان بالرّقم «1» - وهو ماء لبنى مرّة- وعلى بنى عامر: عامر بن الطّفيل- ويقال يزيد بن الصّعق- فركب عتبة بن حصين فى بنى فزارة، ويزيد بن سنان فى بنى مرّة- ويقال الحارث بن عوف- فانهزمت بنو عامر، فزعمت غطفان أنهم أصابوا من بنى عامر يومئذ أربعة وثمانين رجلا، فدفعوهم إلى أهل بيت من أشجع، كانت بنو عامر قد أصابوا فيهم، فقتلوهم أجمعين.
وانهزم الحكم بن الطّفيل فى نفر من أصحابه، فيهم خوّات بن كعب حتى انتهوا إلى ماء يقال له: المرورات، فقطع العطش أعناقهم فماتوا، وخنق الحكم ابن الطفيل نفسه مخافة المثلة، فقال فى ذلك عروة بن الورد:
عجبت لهم إذ يخنقون نفوسهم ... ومقتلهم تحت الوغى كان أعذرا «2»
يوم النّتاءة «3» لعبس على بن عامر
يقال: خرجت بنو عامر تريد أن تدرك بثأرها يوم الرّقم، فهجموا على عبس بالنّتاءة وقد أنذروا بهم، فالتقوا، وكان على بنى عامر: عامر بن الطّفيل، وعلى بنى عبس: الربيع بن زياد، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت بنو عامر، وقتل منهم هزار بن مرّة، قتله الأحنف بن مالك، ونهشل بن عبيدة بن جعفر، قتله أبو زغبة ابن حارث وعبد الله بن أنس بن خالد، وهزمت بنو عامر هزيمة قبيحة.
(15/364)

يوم شواحط «1» لبنى محارب على بنى عامر
غزت سريّة من بنى عامر بن صعصعة بلاد غسّان، فأغاروا على إبل لبنى محارب بن خصفة، فأدركهم الطلب، فقتلوا من كلاب تسعة «2» نفر وارتدّوا إبلهم فلما رجعوا وثبت بنو كلاب على جسر- وهم من بنى محارب، وكانوا حاربوا إخوتهم، فخرجوا من عندهم فحالفوا بنى عامر بن صعصعة- فقالوا: نقتلهم بقتل بنى محارب من قتلوا منّا، فقام خداش بن زهير دونهم حتى منعهم من ذلك وقال:
أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن ... عقيلا وأبلغ إن لقيت أبا بكر
فيا أخوينا من أبينا وأمّنا ... إليكم إليكم لا سبيل الى جسر
دعوا جانبى إنّى ساترك جانبا ... لكم واسعا بين اليمامة والقهر «3»
أنا فارس الضحياء عمرو بن عامر ... أبى الذمّ واختار الوفاء على الغدر
يوم حوزة «4» الأوّل لسليم على غطفان
قال أبو عبيدة. كان بين معاوية بن عمرو بن الشريد وبين هاشم بن حرملة أحد بنى مرّة:- مرّة غطفان- كلام بعكاظ، فقال معاوية: والله لوددت أنى قد سمعت بظعائن يندبنك، فقال هاشم: والله لوددت أنى قد بريت الرطبة- وهى جمّة
(15/365)

معاوية، وكانت الدهر تنطف ماء ودهنا وإن لم تدهن- فلمّا كان بعد [حين «1» ] تهيّأ معاوية ليغزو هاشما، فنهاه أخوه صخر، فأبى وغزاهم يوم حوزة، فرآه هاشم ابن حرملة قبل أن يراه معاوية، وكان هاشم ناقها من مرض أصابه، فقال لأخيه دريد بن حرملة: إنّ هذا إن رآنى لم آمن أن يشدّ علىّ، وأنا حديث عهد بشكيّة، فاستطرد له [دونى «2» ] حتى تجعله بينى وبينك، ففعل، فحمل عليه معاوية وأردفه «3» هاشم، فاختلفا طعنتين فأردى «4» معاوية هاشما عن فرسه الشماّء، وأنفذها هاشم سنانه عن عانة معاوية، وكرّ عليه دريد وظنّه قد أردى هاشما، فضرب معاوية بالسيف فقتله، وشدّ خفاف بن عمرو على مالك بن حمار الفزارىّ [فقتله «5» ] .
قال: وغارت الشمّاء فرس هاشم حتى دخلت فى جيش بنى سليم فأخذوها وظنوا أنها فرس الفزارىّ الذى قتله خفاف، ورجع الجيش، فلما دنوا من صخر أخى معاوية قال لهم: ما صنع معاوية؟ قالوا قتل! قال: فما هذه الفرس؟ قالوا: قتلنا صاحبها! قال: إذا قد أدركتم ثأركم، هذه فرس هاشم بن حرملة.
قال: فلما دخل رجب ركب صخر بن عمرو الشمّاء صبيحة يوم حرام، فأتى بنى مرّة، فلمّا رأوه قال لهم هاشم: هذا صخر فحيّوه وقولوا له خيرا، وهاشم مريض من الطعنة التى طعنه معاوية، فقال: من قتل أخى؟ فسكتوا، فقال: لمن هذه الفرس التى تحتى؟ فسكتوا، فقال هاشم: هلّم أبا حسّان إلى من يخبرك! قال: من قتل أخى؟ فقال [هاشم «6» ] : إذا أصبتنى أو دريدا فقد أصبت ثأرك! فقال: هل كفّنتموه؟ قال: نعم، فى بردين: أحدهما بخمس وعشرين بكرة
(15/366)

وأروه قبره، فلمّا رأى القبر جزع عنده ثم قال: كأنكم أنكرتم ما رأيتم من جزعى، فو الله ما بتّ منذ عقلت إلّا واترا أو موتورا، وطالبا أو مطلوبا حتى قتل معاوية، فما ذقت طعم نوم بعده.
يوم حوزة الثانى
قال: ثم غزاهم [صخر] فلما دنا منهم مضى على الشمّاء، وكانت غرّاء محجّلة، فسوّد غرّتها وتحجيلها، فلما رأته بنت لهاشم قالت لعمّها دريد: أين الشمّاء؟ قال: هى فى بنى سليم. قالت: ما أشبهها بهذه الفرس! فقال: هذه بهيم «1» والشمّاء غرّاء محجّلة، ثم اضّطجع فلم يشعر حتى طعنه صخر، قال: فثاروا وتناذروا، وولّى صخر وطلبته غطفان عامّة يومها، وعارض دونه أبو شجرة بن عبد العزّى، وكانت أمّه خنساء أخت صخر، وصخر خاله، فردّ الخيل عنه حتى أراح فرسه ونجا إلى قومه، فقال خفاف بن ندبة لمّا قتل معاوية: قتلنى الله إن برحت من مكانى حتى أثأر به! فشدّ على مالك سيّد بنى شمخ فقتله، وقال صخر فى قتله دريدا:
ولقد دفعت إلى دريد طعنة ... نجلاء تزغل «2» مثل غطّ المنخر
ولقد قتلتكم ثناء وموحدا ... وتركت مرّة مثل أمس الدّابر
قال أبو عبيدة: وأما هاشم بن حرملة فإنه خرج منتجعا فلقيه عمرو بن قيس الجشمىّ، فتبعه وقال: هذا قاتل معاوية، لا وألت نفس إن وأل «3» ، فلما دنا منه أرسل عليه معبلة ففلق قحفه فقتله.
(15/367)

يوم ذات الأثل
قال أبو عبيدة: ثم غزا صخر بن عمرو بن الشّريد بنى أسد بن خزيمة فاكتسح إبلهم، فأتى الصريخ بنى أسد، فركبوا حتى تلاحقوا بذات الأثل، فاقتتلوا قتالا شديدا، فطعن ربيعة الأسدىّ صخرا فى جنبه وفات القوم بالغنيمة، ومرض صخر من الطّعنة قريبا من الحول حتّى ملّه أهله، فسمع امرأة من جاراته تسأل سلمى امرأته: كيف بعلك؟ قالت: لا حىّ فيرجى، ولا ميّت فينسى، لقد لقينا منه الأمرّين! وكانت أمّه إذا سئلت عنه تقول: أرجو له العافية إن شاء الله! فقال فى ذلك:
أرى أمّ صخر لا تملّ عيادتى ... وملّت سليمى مضجعى ومكانى
فأىّ امرئ ساوى بأمّ حليلة ... فلا عاش إلّا فى أذى وهوان
وما كنت أخشى أن أكون جنازة «1» ... عليك ومن يغترّ بالحدثان
لعمرى لقد نبّهت من كان نائما ... وأسمعت من كانت له أذنان
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنّزوان
قال: فلمّا طال عليه البلاء- وقد نتأت قطعة من جنبه مثل اليد فى موضع الطعنة- قالوا له: لو قطعتها لرجونا أن تبرأ، فقال شأنكم! فقطعوها فمات، فقالت أخته الخنساء ترثيه:
وقائلة والنعش قد فات خطوها ... لتدركه يا لهف نفسى على صخر!
ألا ثكلت أمّ الذين غدوا به ... إلى القبر ماذا يحملون إلى القبر!
(15/368)

يوم اللّوى «1» لغطفان على هوازن
قال أبو عبيدة: غزا عبد الله بن الصّمّة- واسم الصّمّة: معاوية الأصغر- من بنى غزيّة بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن- وكان لعبد الله ثلاثة أسماء وثلاث كنّى، فاسمه: عبد الله، وخالد، ومعبد، وكنيته أبو فرعان، وأبو دفافة، وأبو وفاء، وهو أخو دريد بن الصّمّة لأبويه- فأغار على غطفان فأصاب منهم إبلا عظيمة فاطّردها، فقال له أخوه دريد: النجاء فقد ظفرت، فأبى عليه وقال:
لا أبرح حتى أنتقع نقيعتى- والنقيعة: ناقة ينحرها من وسط الإبل فيصنع منها طعاما لأصحابه، ويقسم ما أصاب عليهم- فأقام وعصى أخاه، فتبعته فزارة فقاتلوه وهو بمكان يقال له اللّوى، فقتل عبد الله، وارتثّ «2» دريد فبقى فى القتلى، فلما كان فى بعض الليل أتاه فارسان، فقال أحدهما لصاحبه: إنى أرى عينية تبصّ، فانزل فانظر إلى سبّته «3» ، فنزل فكشف ثوبه فإذا هى ترمّز «4» ، فطعنه، فخرج دمّ قد احتقن.
قال دريد: فأفقت عندها، فلمّا جاوزوا نهضت، فما شعرت إلّا وأنا بين عرقوبى جمل امرأة من هوازن، فقالت: من أنت؟ أعوذ بالله من شرّك! قلت: لا، بل من أنت؟ ويلك! قالت: امرأة من هوازن سيّارة. قلت: وأنا من هوازن، أنا دريد بن الصّمّة. قال: وكانت فى قوم مختارين لا يشعرون بالوقعة، فضمّته وعالجته حتى أفاق.
(15/369)

يوم الظعينة بين دريد بن الصّمّة وربيعة بن مكدّم
قال أبو حانم عن أبى عبيدة قال: خرج دريد بن الصّمّة فى فوارس من بنى جشم حتى إذا كانوا فى واد يقال له: الأخرم، وهم يريدون الغارة على بنى كنانة، إذ رفع له رجل فى ناحية الوادى ومعه ظعينة، فلمّا نظر اليه قال لفارس من أصحابه:
صح به: خلّ الظّعينة وانج بنفسك، فانتهى اليه الفارس، فصاح به وألحّ عليه، فألقى زمام الراحلة وقال للظعينة:
سيرى على رسلك سير الآمن ... سير رداح ذات جأش ساكن
إنّ انثنائى دون قرنى شائنى ... أبلى بلائى واخبرى وعايتى
ثم حمل عليه فصرعه وأخذ فرسه وأعطاه للظّعينة، فبعث دريد فارسا آخر لينظر ما صنع صاحبه، فلمّا انتهى اليه ورآه صريعا صاح به فتصامّ عنه، فظنّ أنه لم يسمع، فغشيه، فألقى زمام الراحلة إلى الظّعينة ورجع وهو يقول:
خلّ سبيل الحرّة المنيعه ... إنّك لاق دونها ربيعه
فى كفّه خطّية مطيعه ... أولا فخذها طعنة سريعه
والطّعن منّ فى الوغى شريعه
ثم حمل عليه فصرعه، فلمّا أبطأ على دريد بعث فارسا [ثالثا «1» ] لينظر ما صنعا، فلما انتهى إليهما رآهما صريعين ونظر إليه يقود ظعينته ويجرّ رمحه. فقال له:
خلّ سبيل الظّعينة، فقال للظعينة: اقصدى قصد البيوت، ثم أقبل عليه فقال:
ماذا تريد من شتيم عابس ... ألم تر الفارس بعد الفارس
أرداهما عامل رمح يابس
(15/370)

ثم حمل عليه فصرعه وانكسر رمحه، وارتاب دريد وظنّ أنهم قد أخذوا الظّعينة وقتلوا الرجل، فلحق ربيعة وقد دنا من الحىّ، فوجد أصحابه قد قتلوا، فقال:
أيها الفارس، إنّ مثلك لا يقتل، ولا أرى معك رمحا والخيل ثائرة بأصحابها، فدونك هذا الرّمح فإنّى منصرف إلى أصحابى فمثبّطهم عنك، فانصرف دريد وقال لأصحابه:
إنّ فارس الظّعينة قد حماها وقتل فرسانكم وانتزع رمحى، ولا مطمع لكم فيه فانصرفوا، فانصرف القوم، فقال دريد:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... حامى الظّعينة فارسا لم يقتل
أردى فوارس لم يكونوا نهزة ... ثم استمرّ كأنه لم يفعل
متهلّلا تبدو أسرّة وجهه ... مثل الحسام جلته كفّ الصّيقل
يزجى ظعينته ويسحب رمحه ... متوجّها يمناه نحو المنزل
وترى الفوارس من مخافة رمحه ... مثل البغاث «1» خشين وقع الأجدل
يا ليت شعرى من أبوه وأمّه ... يا صاح من يك مثله لا يجهل
وقال ربيعة بن مكدّم:
إن كان ينفعك اليقين فسائلى ... عنّى الظعينة يوم وادى الأخرم
إذ هى لأوّل من أتاها نهبة ... لولا طعان ربيعة بن مكدّم
إذ قال لى أدنى الفوارس ميتة ... خلّ الظّعينة طائعا لا تندم
فصرفت راحلة الظّعينة نحوه ... عمدا ليعلم بعض ما لم يعلم
وهتكت بالرّمح الطويل إهابه ... فهوى صريعا لليدين وللفم
(15/371)

ومنحت آخر بعده جيّاشة ... نجلاء فاغرة كشدق الأضجم
ولقد شفعتهما بآخر ثالث ... وأبى الفرار لى الغداة تكّرمى
ثم لم تلبث بنو كنانة «1» أن أغارت على بنى جشم «2» ، فقتلوا وأسروا دريد بن الصّمّة فأخفى نفسه، فبينما هو عندهم محبوس إذ جاءه نسوة تتهادين إليه، فصرخت إحداهنّ وقالت: هلكتم وأهلكتم! ماذا جرّ علينا قومنا! هذا والله الذى أعطى ربيعة رمحه يوم الظّعينة! ثم ألقت عليه ثوبها وقالت: يا آل فراس، أنا جارة له منكم، هذا صاحبنا يوم الوادى! فسألوه: من هو؟ فقال: أنا دريد بن الصّمّة فمن صاحبى؟ قالوا: ربيعة بن مكدّم، قال: فما فعل؟ قالوا: قتلته بنو سليم! قال: فما فعلت الظّعينة؟ قالت المرأة: أنا هيه، وأنا امرأته، فحبسه القوم وآمروا أنفسهم، فقال بعضهم: لا ينبغى لدريد أن تكفر نعمته على صاحبنا! وقال آخرون:
والله لا يخرج من أيدينا إلّا برضا المخارق الذى أسره، فانبعثت المرأة فى الليل، وهى ريطة بنت جذل الطّعان، تقول:
سنجزى دريدا عن ربيعة نعمة ... وكلّ امرئ يجزى بما كان قدّما
فإن كان خيرا كان خيرا جزاؤه ... وإن كان شرّا كان شرّا مذمّما
سنجزيه نعمى لم تكن بصغيرة ... بإعطائه الرّمح الطويل المقوّما
[فقد أدركت كفّاه فينا جزاءه ... وأهل بأن يجزى الذى كان أنعما «3» ]
فلا تكفروه حقّ نعماه فيكم ... ولا تركبوا تلك التى تملأ الفما
فلو كان حيّا لم يضق بثوابه ... ذراعا غنيا كان أو كان معدما
(15/372)

[ففكّوا دريدا من إسار مخارق ... ولا تجعلوا البؤسى إلى الشّرّ سلّما «1» ]
فلما أصبحوا أطلقوه، فكسته وجهّزته ولحق بقومه، فلم يزل كافّا عن غزو بنى فراس حتى هلك.
يوم الصّلعاء لهوازن على غطفان
قال: فلمّا كان فى العام المقبل غزاهم دريد بن الصّمّة بالصّلعاء «2» ، فخرجت إليه غطفان فقال دريد لصاحبه: ما ترى؟ قال: أرى خيلا عليها رجال كأنهم الصبيان، أسنّتها عند آذان خيلها. قال: هذه فزارة، ثم قال: أنظر ما ترى؟
قال: أرى قوما كأنّ عليهم ثيابا غمست فى لجاب المعزى، قال: هذه أشجع، ثم قال: أنظر ما ترى؟ قال: أرى قوما يجرّون رماحهم سودا، يخدّون الأرض بأقدامهم، قال: هذه عبس، أتاكم الموت الزؤام فاثبتوا، فالتقوا بالصلعاء فاقتتلوا، فكان الظفر لهوزان على غطفان، وقتل دريد ذؤاب بن زيد بن قارب.
ذكر حرب قيس وكنانة يوم الكديد «3» لسليم على كنانة
فيه قتل ربيعة بن مكدّم فارس بنى كنانة، وهو من بنى فراس بن غنم بن مالك ابن كنانة، وهم أنجد العرب، كان الرجل منهم يعدل بعشرة من غيرهم، وكان
(15/373)

ربيعة بن مكدّم يعقر على قبره فى الجاهليّة، ولم يعقر على قبر أحد غيره، وقتلته بنو سليم يوم الكديد، ولم يحضر يوم الكديد أحد من بنى الشّريد.
يوم فزارة لكنانة على سليم
قال أبو عبيدة: لمّا قتلت بنو سليم ربيعة بن مكدّم فارس كنانة ورجعوا، أقاموا ما شاء الله، ثم إنّ ذا التاج مالك بن خالد بن صخر بن الشّريد- واسم الشّريد عمرو، وكانت بنو سليم قد توّجوا مالكا وأمّروه عليهم- فغزا بنى كنانة، فأغار على بنى فراس ببزرة «1» ، ورئيس بنى فراس عبد الله بن جذل، فدعا عبد الله إلى البراز، فبرز إليه هند بن خالد بن صخر بن الشّريد، فقال له عبد الله: من أنت؟ قال: أنا هند بن خالد، قال عبد الله؛ أخوك أسنّ منك، يريد مالك ابن خالد، فرجع فأخبر أخاه، فبرز له، فشدّ عبد الله على مالك بن خالد فقتله، فبرز إليه أخوه كرز بن خالد بن صخر، فشدّ عليه عبد الله أيضا فقتله، فشدّ عليه أخوهما عمرو بن خالد بن صخر، فتجالدا طعنتين، فجرح كلّ واحد منهما صاحبه وتحاجزا.
يوم الفيفاء «2» لسليم على كنانة
قال أبو عبيدة: ثم إنّ بنى الشّريد حرّموا على أنفسهم النساء والدّهن أو يدركوا ثأرهم من كنانة، فغزا عمرو بن خالد بن صخر بن الشّريد بقومه حتى أغار على
(15/374)

بنى فراس، فقتل منهم نفرا؛ منهم: عاصم بن المعلّى، ونضلة، والمعارك، وعمرو ابن مالك، وحصن، وشريح؛ وسبى سبيا فيهم ابنة مكدّم أخت ربيعة، فقال عباس بن مرداس فى ذلك:
ألا أبلغن عنّى ابن جدل ورهطه ... فكيف طلبناكم بكرز ومالك
غداة فجعناكم بحصن وبابنه ... وبابن المعلّى عاصم والمعارك
ثمانية منهم ثأرناهم به ... جميعا وما كانوا بواء «1» بمالك
نذيقكم- والموت يبنى سرادقا ... عليكم- شباحدّ السيوف البواتك
تلوح بأيدينا كما لاح بارق ... تلألأ فى داج من الليل حالك
ذكر حرب قيس وتميم يوم السّؤبان «2» لبنى عامر على بنى تميم
قال أبو عبيدة: أغارت بنو عامر على بنى تميم وضبّة فاقتتلوا، ورئيس ضبّة حسّان بن وبرة، وهو أخو النعمان بن المنذر لأمّه، فأسره يزيد بن الصّعق، وانهزمت تميم؛ فلمّا رأى ذلك عامر بن مالك بن جعفر حسده، فشدّ على ضرار بن
(15/375)

عمرو الضبّىّ «1» ، وهو الرّديم «2» ، فقال لابنه: إذا همّ أغنه عنّى، فشدّ عليه فطعته، فتحوّل عن سرجه إلى جنب أبدانه، ثم لحقه، فقال لأحد بنيه: أغنه عنّى، ففعل مثل ذلك، ثم لحقه، فقال لابن له آخر، ففعل مثل ذلك، فقال:
ما هذا إلّا ملاعب الأسنّة! [فسمّى عامر من يومئذ ملاعب الأسنّة «3» ] فلما دنا منه قال له ضرار: إنى لأعلم ما تريد، أتريد اللّبب «4» ؟ قال نعم! قال: إنك لن تصل إلىّ ومن هؤلاء عين تطرف، كلهم بنو عامر، قال له عامر: فأحلنى على غيرك، فدلّه على حبيش بن الدّلف وقال: عليك بذلك الفارس، فشدّ عليه فأسره، فلما رأى سواده وقصره، جعل يتفكّر، وخاف ابن الدّلف أن يقتله،
(15/376)

فقال: ألست تريد اللّبب؟ قال بلى، قال: فأنّى لك به. وفادى حسّان بن وبرة نفسه من يزيد بن الصّعق بألف «1» بعير، [فداء الملوك «2» ] فكثر مال يزيد ونبه.
قال أبو عبيدة: ثم أغار بعد ذلك يزيد بن الصّعق على عصافير النعمان بذى لبان، وذو لبان: عن يمين العرنيين.
يوم أقرن لبنى عبس على بنى دارم
قال: غزا عمرو بن عدس من بنى دارم، وهو فارس بنى مالك بن حنظلة، فأغار على بنى عبس، فأخذ إبلا ونساء «3» ثم أقبل، حتى إذا كان أسفل من ثنيّة أقرن نزل فابتنى بجارية من السّبى، ولحقه الطلب فاقتتلوا، فقتل أنس الفوارس بن زياد العبسىّ عمرا: وانهزمت بنو مالك بن حنظلة، وقتلت بنو عبس أيضا حنظلة بن عمرو- وقال بعضهم: قتل فى غير هذا اليوم- وارتدّوا ما كان فى أيدى بنى مالك.
يوم المرّوت «4» لبنى العنبر على بنى قشير
أغار بحير «5» بن سلمة بن قشير على بنى العنبر بن عمرو بن تميم، فأتى الصريخ بنى عمرو بن تميم حتى لحقوه وقد نزل المرّوت، وهو يقسم المرباع ويعطى من معه،
(15/377)

قتلا حق القوم واقتتلوا، فطعن قعنب بن عتّاب المثلّم بن عامر القشيرى فصرعه فأسره، وحمل الكدّام، وهو يزيد بن أزيهر المازنى على بجير بن سلمة فطعنه فأرداه عن فرسه، ثم أسره، فأبصره قعنب بن عتّاب، فحمل عليه بالسيف فضربه فقتله، وانهزم بنو عامر.
يوم دارة مأسل لتميم على قيس
غزا عتبة بن شتير بن خالد الكلابىّ بنى ضبّة، فاستاق نعمهم، وقتل حصين بن ضرار الضبىّ زيد الفوارس، فجمع أبوه ضرار قومه وخرج ثائرا بابنه حصين، وزيد الفوارس يومئذ حدث لم يدرك، فأغار على بنى عمرو بن كلاب، وأفلت منه عتبة بن شتير وأسر أباه شتير [بن خالد «1» ] وكان شيخا كبيرا، فأتى به قومه فقال: يا شتير، اختر واحدة من ثلاث، قال: اعرضها علىّ، قال: إمّا أن تردّ ابنى حصينا! قال: إنّى لا أنشر الموتى! قال: وإمّا أن تدفع إلىّ ابنك عتبة أقتله به! قال: لا يرضى بذلك بنو عامر، قال: وإمّا أن أقتلك. قال: أما هذه فنعم! فأمر ضرار ابنه أدهم أن يقتله، فلمّا قدّمه ليضرب عنقه نادى شتير:
يا آل عامر، صبرا بصبىّ! كأنه أنف أن يقتل بصبىّ، فقال فى ذلك شمعلة:
وخيّرنا شتيرا من ثلاث ... وما كان الثلاث له خيارا
جعلت السيف بين اللّيت «2» منه ... وبين قصاص لمّته عذارا
(15/378)

أيام تميم على بكر يوم الوقيط «1»
قال فراس بن خندف: تجمّعت اللهازم لتغير على تميم وهم غارّون «2» ، فرأى ذلك ناشب بن بشامة العنبرىّ الأعور، وهو أسير فى بنى سعد بن مالك من بنى ثعلبة، فقال لهم: أعطونى رسولا أرسله إلى بنى العنبر أوصيهم بصاحبكم خيرا ليولوه ما تولوننى من البرّ. وكان حنظلة بن طفيل المرثدىّ أسيرا فى بنى العنبر، فقالوا: على أن توصيه ونحن حضور، قال نعم، فأتوه بغلام «3» ، فقال: أتيتمونى بأحمق، وما أراه مبلّغا عنّى! قال الغلام: لا والله ما أنا بأحمق، وقل ما شئت فإنّى مبلّغه، فملأ الأعور كفّه من الرمل فقال: كم فى كفّى منه؟ قال: شىء لا يحصى كثرة، ثم أومأ الى الشمس فقال: ما تلك؟ قال: هى الشمس. قال: فاذهب إلى أهلى فأبلغهم عنّى التحيّة وقلّ لهم: ليحسنوا إلى أسيرهم [ويكرموه «4» ] فإنى عند قوم محسنين إلىّ [مكرمين «5» لى] وقل لهم ليعروا جملى الأحمر: ويركبوا نافتى العيساء «6» ، ويرعوا حاجتى فى بنى مالك، وأخبرهم أن العوسج «7» قد أورق، وقد اشتكت النساء، وليعصموا همّام بن بشامة فإنه مشئوم محدود «8» . ويطيعوا ابن الأخنس فإنه حازم ميمون.
(15/379)

قال: فآتاهم الرسول فأبلغهم، فقال بنو عمرو بن تميم: ما نعرف هذا الكلام، ولقد جنّ الأعور، والله ما نعرف له ناقة عيساء، ولا جملا أحمر! فشخص الرسول، ثم ناداهم هذيل: يا بنى العنبر، قد بيّن لكم صاحبكم، أمّا الرمل الذى قبض عليه فإنه يخبركم أنه أتاكم عدد لا يحصى، وأمّا الشمس التى أومأ إليها فإنه يقول: إن ذلك أوضح من الشمس، وأمّا جمله الأحمر فهو الصّمّان «1» : يأمركم أن تعروه «2» ، وأما ناقته العيساء فهى الدّهناء «3» ، يأمركم أن تتحرزوا فيها، وأما أبناء مالك فإنه يأمركم أن تنذروا بنى مالك بن زيد مناة، وأن تمسكوا الحلف بينكم وبينهم، وأما العوسج الذى أورق، فيخبركم أنّ القوم قد لبسوا السلاح، وأمّا تشكّى النساء فيخبركم إنهنّ قد عملن حجلا يغزون به.
قال: فتحرّزت عمرو فركبت الدّهناء وأنذروا بنى مالك فقالوا: ما ندرى ما تقول بنو عمرو، ولسنا متحوّلين لما قال صاحبهم. قال: فصبّحت اللهازم بنى حنظلة فوجدوا عمرا قد جلت، وكان على الجيش أبجر بن جابر العجلىّ، وشهدها ناس من بنى تميم اللات، وشهدها الفرز بن الأسود بن شريك فى بنى شيبان، فاقتتلوا، فأسر ضرار بن القعقاع بن زرارة، وتنازع فى أسره بشر بن العوراء من تيم اللات، والفرز بن الأسود فجزّوا ناصيته وخلوا أسره من تحت الليل، وأسر عمرو بن قيس من بنى ربيعة بن عجل عثجل بن الماموم بن شيبان بن علقمة من بنى زرارة، ثم منّ عليه، وأسرت غمامة بنت الطّود بن عبيد بن زرارة، واشترك فى أسرها الخطيم بن هلال، وظربان بن زياد، وقيس بن خليد، فردّوها إلى أهلها، وأسر
(15/380)

حنظلة بن المأموم بن شيبان بن علقمة، أسره طلبة بن زياد أحد بنى ربيعة بن عجل، وأسر حوثرة بن بدر من بنى عبد الله بن دارم، فلم يزل فى الوثاق حتى قال أبياتا يمدح فيها بنى عجل فأطلقوه، وأسر نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وعمرو بن ناشب، وأسر سنان بن عمرو أحد بنى سلامة من بنى دارم، وأسر حاضر بن ضمرة، وأسر الهيثم بن صعصعة، وهرب عوف بن القعقاع عن إخوته، وقتل حكيم النهشلىّ، وكان يقاتل ويرتجز:
كلّ امرئ مصبّح فى أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
وفيه يقول عنترة:
وغادرنا حكيما فى مجال ... صريعا قد سلبناه الإزارا
يوم النّباج وثيتل «1» لبكر على تميم
قال أبو عبيدة معمر بن المثنّى: غدا قيس بن عاصم فى مقاعس وهو رئيس عليها- ومقاعس هم: صريم، وربيع، وعبيد، بنو الحارث بن عمرو بن كعب ابن سعد بن زيد مناة بن تميم- ومعه سلامة بن ظرب بن نمر الحمانى فى الأجارب وهم: حمان، وربيعة، ومالك، والأعرج، بنو كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم، فغزوا بكر بن وائل فوجدوا بنى ذهل بن ثعلبة بن عكابة، واللهازم وهم: بنو قيس وتيم اللات بن ثعلبة، وعجل بن لجيم، وعنزة بن أسد ابن ربيعة بالنّباج وثيتل، وبينهما روحة، فتنازع قيس بن عاصم وسلامة بن ظرب فى الإغارة، ثم اتفقا على أن يغير قيس على أهل النّباج، ويغير سلامة على
(15/381)

أهل ثيتل. قال: فبعث قيس بن عاصم الأهتم سبقة له- والسبقة: الطيعة- فأتاه الخبر فلما أصبح قيس سقى خيله، ثم أطلق أفواه الروايا وقال لقومه: قاتلوا فإنّ الموت بين أيديكم، والفلاة من ورائكم. فلما دنوا من القوم صبحا سمعوا ساقيا يقول لصاحبه: يا قيس، أورد، فتفاءلوا به، فأغاروا على النّباج قبل الصبح، فقاتلوهم قتالا شديدا، ثم إنّ بكرا انهزمت، فأسر الأهتم حمران بن بشر بن عمرو ابن مرثد، وأصابوا غنائم كثيرة، فقال قيس لأصحابه: لا مقام دون الثيتل، فالنجاة، فأتوا ثيتل ولم يغزوا سلامة وأصحابه بعد، فأغار عليهم قيس بن عاصم، فقاتلوه ثم انهزموا، فأصاب إبلا كثيرة، فقال ربيعة بن طريف:
فلا يبعدنك الله قيس بن عاصم ... فأنت لنا عز عزيز وموئل
وأنت الذى حربت «1» بكر بن وائل ... وقد عضّلت «2» منها النّباج وثيتل
غداة دعت يا آل شيبان إذ رأت ... كراديس «3» يزجيهنّ ورد محجّل
وقال قرّة بن قيس بن عاصم:
أنا ابن الذى شقّ المزاد «4» وقد رأى ... بثيتل أحياء اللهازم حضّرا
فصبّحهم بالجيش قيس بن عاصم ... فلم يجدوا إلّا الأسنّة مصدرا
على الجرد «5» يعلكن الشكيم «6» عوابسا ... إذا الماء من أعطافهنّ تحدّرا
فلم يرها الراءون إلا فجاءة ... نثرن عجاجا بالسّنابك أكدرا
(15/382)

سقاهم بها الذّيفان قيس بن عاصم ... وكان إذا ما أورد الأمر أصدرا
وحمران أدّته إلينا رماحنا ... فنازع غلا فى ذراعيه أسمرا
وجثّامة الذّهلىّ قدناه عنوة ... إلى الحىّ مصفود اليدين مفكّرا.
يوم زرود «1» الثانى لبنى يربوع على بنى تغلب
أغار خزيمة بن طارق التغلبىّ على بنى يربوع وهم بزرود، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم انهزمت بنو تغلب، وأسر خزيمة بن طارق، أسره أنيف بن جبلة الضبّىّ- وهو فارس السليط، وكان يومئذ نقيلا «2» فى بنى يربوع- وأسيد بن حنّاءة السليطى، فتنازعا فيه، فحكّما بينهما الحارث بن فراد، فحكم بناصية خزيمة للأنيف، على أنّ لأسيد على أنيف مائة من الإبل. قال: ففدى خزيمة نفسه بمائتى بعير وفرس، فقال أنيف:
أخدتك قسرا يا خزيم بن طارق ... ولاقيت منّى الموت يوم زرود
وعانقته والخيل تدمى نحورها ... فأنزلته بالقاع غير حميد
يوم ذى طلوح «3» لبنى يربوع على بكر
كان عميرة بن طارق بن حصينة بن أريم بن عبيد بن ثعلبة، تزوّج مريّة بنت جابر، أخت أبجر بن جابر العجلىّ، فابتنى بها فى بنى عجل، فأتى أبجر أخته امرأة
(15/383)

عميرة يزورها فقال لها: إنى لأرجو أن آتيك ببنت النّطف امرأة عميرة التى فى قومها، فقال له عميرة: أترضى أن تحار بنى وتسبينى؛ فندم أبجر وقال لعميرة:
ما كنت لأغزو قومك، ثم غزا أبجر والحوفزان متساندين، هذا فيمن تبعه من بنى شيبان، وهذا فيمن تبعه من اللهازم، وساروا بعميرة معهم قد وكل به أبجر أخاه حرقصة بن جابر، فقال له عميرة: لو رجعت إلى أهلى فاحتملتهم، فقال حرقصة:
افعل، فكّر عميرة على ناقته، فسار يومين وليلة حتى أتى بنى يربوع، فأنذرهم الجيش، فاجتمعوا حتى التقوا بأسفل ذى طلوح، فكان أوّل فارس طلع عليهم عميرة، فنادى: يا أبجر، هلّم! فقال من أنت؟ قال: أنا عميرة، فكذّبه، فسفر عن وجهه، فعرفه، فأقبل إليه، والتفّت الخيل بالخيل، فأسر الجيش إلا أقلّهم، وأسر حنظلة ابن بشر بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم- وكان فى بنى يربوع- الحوفزان بن شريك، أخذه معه أبو مليل «1» ، وأخذ ابن طارق سوادة بن يحيى ابن عمّ أبجر، وأخذ أبو عنمة الضّبّىّ الشاعر مع بنى شيبان، فافتكّه متمّم بن نويرة، وأسر شريك بن الحوفزان، وأسود وفلحس، وهما من بنى سعد بن همّام، فقال جرير يذكر يوم ذى طلوح:
ولمّا لقينا خيل أبجر تدّعى ... بدعوى لجيم قبل ميل العواتق
صبرنا وكان الصّبر منّا سجيّه ... بأسيافنا تحت الظّلال الحوافق
فلمّا رأوا أن لا هوادة عندنا ... دعوا بعد كرب يا عمير بن طارق
(15/384)

يوم الحائر وهو يوم ملهم لبنى يربوع على بنى بكر
وذلك أنّ بنى مليل عبد الله بن الحارث بن عاصم بن عبيد، وعلقمة أخاه انطلقا يطلبان إبلا لهما حتى وردا ملهم من أرض اليمامة، فخرج عليهما نفر من بنى يشكر، فقتلوا علقمة وأخذوا أبا مليل، فكان عندهم ما شاء الله ثم خلّوا سبيله، وأخذوا عليه عهدا وميثاقا ألا يخبر بأمر أخيه أحدا، فأتى قومه فسألوه عنه فلم يخبرهم، فقال وبرة بن حمزه: هذا قد أخذ عليه عهد وميثاق، فخرجوا يقصّون الأثر وبينهم شهاب بن عبد القيس حتى وردوا ملهم، فلما رآهم أهل ملهم «1» تحصّنوا، فحرّقت بنو يربوع بعض زرعهم، وعقروا بعض نخلهم، فلمّا رأى ذلك القوم نزلوا إليهم فقاتلوهم، فهزمت بنو يشكر، وقتل عمرو بن صابر صبرا، ضربوا عنقه، وقتل عيبنة بن الحارث بن شهاب بن مثلّم بن عبيد بن عمرو رجلا آخر منهم، وقتل مالك بن نويرة حمران بن عبد الله وقال:
طلبنا بيوم مثل يومك علقما ... لعمرى لمن يسعى بها كان أكرما
قتلنا بجنب العرص عمرو بن صابر ... وحمران أقصدنا هما والمثلما
فلله عينا من رأى مئل خيلنا ... وما أدركت من خيلهم يوم ملهما
يوم القحقح وهو يوم مالة لبنى يربوع على بكر
أغارت بنو أبى ربيعة بن ذهل بن شيبان على بنى يربوع ورئيسهم مجبة ابن ربيعة بن ذهل، فأخذوا إبلا لعاصم بن قرط أحد بنى حميد، وانطلقوا، فطلبهم
(15/385)

بنو يربوع، فناوشوهم، فكانت الداثرة على بنى ربيعة، وقتل المنهال بن عصمة المجبّة بن ربيعة، فقال فى ذلك ابن حمران الرياحىّ:
وإذا لقيت القوم فآطعن فيهم ... يوم اللّقاء كطعنة المنهال
ترك المجبّة للضباع مجدّلا ... والقوم بين سوافل وعوال
يوم رأس العين لبنى يربوع على بكر
أغارت طوائف من بنى يربوع على بنى أبى ربيعة برأس العين فاطّردوا النّعم، واتبعهم معاوية بن فراس فى بنى أبى ربيعة فأدركوهم، فقتل معاوية وفاتوا بالإبل، فقال سحيم فى ذلك:
أليس الأكرمون بنو رياح ... نمونى منهم عمّى وخالى
همو قتلوا المجبة وابن تيمّ ... تنوح عليهما سود المال
وهم قتلوا عميد بنى فراس ... برأس العين فى الحجج الخوالى
وذادوا يوم طخفة عن حماهم ... ذياد غرائب الإبل النّهال
يوم العظالى «1» لبنى يربوع على بكر
قال أبو عبيدة: وهو يوم أعشاش ويوم الأفاقة ويوم الإياد ويوم مليحة.
قال: وكانت بكر بن وائل تحت يد كسرى وفارس، فكانوا يجيرونهم ويجهزونهم، فأقبلوا من عند عامل عين التمر فى ثلاثمائة فارس متساندين، يتوقعون انحدار بنى يربوع فى الحزن- قال: وكانوا يشتون خفافا فإذا انقطع الشتاء انحدروا إلى الحزن-
(15/386)

قال: فاحتمل بنو عتيبة وبنو عبيد وبنو زبيد من بنى سليط، أوّل الحىّ، حتى أسهلوا ببطن مليحة، فطلعت بنو زبيد فى الحزن حتّى حلّوا الحديقة بالأفاقة، وحلّت بنو عبيد وبنو عتيبة بروضة الثمد. قال: وأقبل الجيش حتى نزلوا هضبة الخصىّ، ثم بعثوا رئيسهم فصادفوا غلاما شابّا من بنى عبيد يقال له قرط بن أضبط، فعرفه بسطام فقال له: أخبرنى ما ذاك السواد الذى أرى بالحديقة؟ قال: هم بنو زبيد.
قال: أسيد بن حنّاءة؟ قال: نعم، قال: كم هم؟ قال خمسون بيتا، قال: فأين بنو عتيبة وبنو أريم؟ قال: نزلوا روضة الثّمد. قال: فأين سائر الناس؟ قال هم محتجزون بجفاف «1» . قال: فمن هناك من بنى عاصم؟ قال: الأحيمر وقعنب ومعدان أبناء عصمة. قال: فمن فيهم من بنى الحارث بن عاصم؟ قال: حصين ابن عبد الله. فقال بسطام لأصحابه: أطيعونى تقبضوا على هذا الحىّ من زبيد، وتصبحوا سالمين غانمين. قالوا: وما يغنى عنّا بنو زبيد لا يودون رحلتنا. قال:
إن السلامة إحدى الغنيمتين. فقال له مغروق: انتفخ سحرك يا أخا الصهباء، قال له هانئ: أجبنا. قال: ويلكم إنّ أسيدا لم يظلّه بيت قط شاتيا ولا قائظا، إنما بيته القفر، فإذا أحسّ بكم أحال على الشقراء، فركض حتى يشرف مليحة «2» ، فينادى: يا آل يربوع! فيركب فيلقاكم طعن ينسيكم الغنيمة، ولا يبصر أحدكم مصرع صاحبه، وقد جئتمونى وأنا تابعكم، وقد أخبرتكم ما أنتم لاقون غدا.
فقالوا: نلتقط بنى زبيد، ثم نلتقط بنى عبيد وبنى عتيبة كما نلتقط الكمأة، ونبعث فارسين فيكونان بطريق أسيد، فيحولان بينه وبين بنى يربوع، ففعلوا. فلما أحسّ بهم أسيد ركب الشقراء وخرج نحو بنى يربوع، فابتدره الفارسان فطعنه
(15/387)

أحدهما فألقى نفسه فى شقّ فأخطأه، ثم كرّ راجعا حتى أشرف مليحة، فنادى:
يا صباحاه! يا آل يربوع، غشيتم، فتلاحقت الخيل حتى توافوا بالعظالى، فاقتتلوا، فكانت الدائرة على بكر، قتل منهم مغروق بن عمرو، فدفن بثنيّة مغروق، وبه سمّيت، وغيره. وأما بسطام فألّح عليه فارس من بنى يربوع، وكان دارعا على ذات النسوع «1» ، وكانت إذا أجدّت «2» لم يتعلق بها شئ من خيلهم، ففاقت الطلب حتى أتى قومه.
يوم الغبيط لبنى يربوع على بكر
ويقال له يوم الثعالب «3» . قال: غزا بسطام بن قيس، ومغروق بن عمرو، والحارث بن شريك- وهو الحوفزان- بلاد بنى تميم، وهذا اليوم قبل يوم العظالى، فأغاروا على بنى ثعلبة بن يربوع، وثعلبة بن سعد بن ضبة، وثعلبة بن عدىّ ابن فزارة، وثعلبة بن سعد بن ذبيان، فلذلك قيل له يوم الثعالب. وكان هؤلاء جميعا متجاورين بصحراء فلج «4» فاقتتلوا، فانهزمت الثعالب، فأصابوا فيهم واستاقوا إبلا من نعمهم، ولم يشهد عتيبة بن الحارث بن شهاب هذه الوقعة لأنه كان نازلا يومئذ فى بنى مالك بن حنظلة. قال: ثم اسروا على بنى مالك، وهم بين صحراء فلج وبين الغبيط، فاكتسحوا إبلهم، فوكبت عليهم بنو مالك، فيهم عتيبة بن الحارث ابن شهاب، ومعه فارسان من فرسان بنى يربوع، وتأثّف «5» اليهم الأحيمر بن عبد الله، وأسيد بن حنّاءة، وأبو مرحب، وجزء بن سعد الرياحىّ- وهو رئيس
(15/388)

بنى يربوع وربيع، والحليس، وعمارة، بنو عتيبة بن الحارث، ومعدان وعصمة ابنا قعنب، ومالك بن نويرة، والمنهال بن عصمة أحد بنى رياح بن يربوع، وهو الذى يقول فيه متمّم بن نويرة فى شعره الذى يرثى به أخاه مالكا:
لقد كفّن المنهال تحت ردائه ... فتى غير مبطان العشيات أروعا
فأدركوهم بغبيط المدرة، فقاتلوهم حتى هزموهم، وأدركوا ما كانوا استاقوا من أموالهم، وأسر بسطام، أسره عتيبة، فلم يزل عنده حتى فادى نفسه. قيل: إنه فدى نفسه بأربعمائة بعير وثلاثين فرسا، ولم يكن غيره عكاظىّ أعلى فداء منه، على أن جزّ ناصيته وعاهده ألا يغزو بنى شهاب أبدا.
يوم مخطّط لبنى يربوع على بكر
قال أبو عبيدة: غزا بسطام بن قيس والحوفزان الحارث متساندين يقودان بكر بن وائل، حتى وردوا على بنى يربوع بالفردوس، وهو بطن لإياد، وبينه وبين مخطط ليلة، وقد نذرت بهم بنو يربوع فالتقوا بالمخطّط، فاقتتلوا، فانهزمت بكر، وهرب الحوفزان وبسطام ففاتا ركضا، وقتل شريك بن الحوفزان، قتله شهاب ابن الحارث أخو عتيبة، وأسر الأحيمر بن عبد الله بن الضريس الشّيبانىّ.
يوم جدود
غزا الحوفزان وهو الحارث بن شريك فأغار على من بالقاعة من بنى سعد بن زيد مناة، فأخذ نعما كثيرا ونساء فيهنّ الزرقاء من بنى ربيع بن الحارث، فأعجب بها وأعجبت به، فلم يتمالك أن وقع بها، فلما انتهى الى جدود «1» منعهم بنو يربوع
(15/389)

ابن حنظلة أن يردوا الماء، ورئيسهم عتيبة بن الحارث بن شهاب، فقاتلوهم، فلم يكن لبنى بكر بهم يد «1» ، فصالحوهم على أن يعطوا بنى يربوع بعض غنائمهم حتى يردوا الماء، فقبلوا ذلك منهم وأجازوهم، فلما أتى الصريخ بنى سعد، ركب قيس ابن عاصم فى أثر القوم حتى أدركهم بالأشيمين «2» ، فألّح قيس على الحوفزان، وقد حمل الزرقاء خلفه رديفا على فرسه الزّبد، وعقد شعرها على صدره، فأخذ قيس بن عاصم بحيث يكلّم الحوفزان، فقال له قيس: يا أبا حمّاد، أنا خير لك من الفلاة والعطش، قال له: ما يشاء الزبد. فلما رأى قيس أنّ فرسه لا يلحفه نادى الزرقاء فقال:
ميلى به يا جعار، فجزّ الحوفران قرونها بالسيف ودفعها بمرفقه وألقاها عن عجز فرسه فردّها قيس بن عاصم الى بنى ربيع.
يوم سفوان
قال أبو عبيدة: التقت بنو مازن وبنو شيبان على ماء يقال له سفوان، فزعمت بنو شيبان أنه لهم، وأرادوا أن يجلوا تميما عنه. فاقتتلوا قتالا شديدا، فظهرت عليهم بنو تميم وشلوهم حتى بلغوا المحدث، وكانوا قبل ذلك يتوعّدون بنى مازن، فقال فى ذلك الودّاك المازنىّ:
رويدا بنى شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا غدا خيلى على سفوان
تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى ... إذا الخيل جالت فى القنا المتدانى
عليها الكماة الغرّ من آل مازن ... ليوث طعان كلّ يوم طعان
تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم ... على ما جنت فيهم يد الحدثان
(15/390)

مقاديم وصّالون فى الروع خطوهم ... بكلّ رقيق الشّفرتين يمان
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأيّة حرب أم لأىّ مكان
يوم نقا الحسن وهو يوم الشّقيقة «1» لبنى ضبّة على بنى شيبان
فيه قتل بسطام. قال أبو عبيدة: غزا بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس ابن خالد- وقيس بن مسعود هو ذو الجدّين، وأخوه السليل بن قيس من بنى ضبة ابن أدّ بن طابخة- فأغار على ألف بعير لمالك بن المنتفق فيها فحلها قد فقأ عينه، وكان فى الإبل مالك بن المنتفق، فركب فرسا له ونجا ركضا حتى إذا دنا من قومه نادى: يا صباحاه، فركبت بنو ضبّة، وتداعت بنو تميم، فتلاحقوا بالنقا، فقال عاصم بن خليفة لرجل من فرسان قومه: أيّهم رئيس القوم؟ قال: حاميتهم صاحب الفرس الأدهم- يعنى بسطاما- فعلا عاصم عليه بالرمح فطعنه، فلم تخطئ صماخ أذنه حتى خرج الرمح من الناحية الأخرى وخرّ. فلما رأى ذلك بنو شيبان خلّوا سبيل النّعم وولّؤا الأدبار، فمن قتيل واسير، وأسر بنو ثعلبة نجاد بن قيس أخا بسطام فى سبعين من بنى شيبان: وقال شمعلة بن الأخضر بن هبيرة:
ويوم شقائق الحسنين لاقت ... بنو شيبان آجالا قصارا
شككنا بالرّماح وهنّ زور ... صماخى كبشهم حتى استدارا
أيام بكر على تميم يوم الزّويرين
قال أبو عبيدة: كانت بكر بن وائل تنتجع أرض بنى تميم فى الجاهلية ترعى بها إذا أجدبوا، فإذا أرادوا الرجوع لم يدعوا عودة يصيبونها ولا شيئا يظفرون به
(15/391)

إلا اكتسحوه، فقال بنو تميم: امنعوا هؤلاء القوم من رعى أرضكم، فحشدت تميم، وحشدت بكر واجتمعت، فلم يتخلّف عنهم إلا الحوفزان بن شريك فى أناس من بنى ذهل بن شيبان، وكان غازيا، فقدّمت بكر عليهم عمرا الأصمّ أبا مفروق- وهو عمرو بن قيس بن مسعود بن عمرو بن أبى ربيعة بن ذهل بن شيبان- فحسد سائر ربيعة الأصمّ على الرياسة، فأتوه فقالوا: يا أبا مفروق، إنّا قد زحفنا لتميم وزحفوا لنا أكثر ما كنّا وكانوا قط. قال: فما تريدون؟ قالوا:
نريد أن نجعل كلّ حىّ على حياله، ونجعل عليهم رجلا منهم، فنعرف غناء كل قبيلة، فإنه أشدّ لاجتهاد الناس. قال: والله إنى لأبغض الخلاف عليكم، ولكن يأتى مفروق فينظر فيما قلتم. فلما جاء مفروق شاوره أبوه، فقال له مفروق:
ليس هذا أرادوا، وإنما أرادوا أن يخدعوك عن رأيك وحسدوك على رياستك، والله لئن لقيت القوم فظفرت لا يزال لنا الفضل بذلك أبدا، ولئن ظفر بك لا تزال لنا رياسة نعرف بها، فقال الأصمّ: يا قوم، قد استشرت مفروقا فرأيته مخالفا لكم، ولست مخالفا رأيه وما أشار به. فأقبلت تميم بجملين مجلّلين مقرونين مقيّدين وقالوا:
لا نولّى حتى يولى هذان الجملان، وهما الزّويران، فأخبرت بكر بقولهم الأصمّ فقال:
وأنا زويركم إن خشّوهما فخشونى، وإن عقروهما فاعقرونى، قال: والتقى القوم فاقتتلوا قتالا شديدا. فأسرت بنو تميم حراث بن مالك أخا بنى مرّة بن همام، فركض به رجل منهم وقد أردفه، فاتبعه ابنه قتادة بن حراث حتى لحق الفارس الذى أسر أباه، فطعنه فأرداه عن فرسه، واستنقذ أباه، ثم انهزمت بنو تميم.
وقال رجل من بنى سدوس:
يا سلم إن تسألى عنّا فلا كشف ... عند اللّقاء ولسنا بالمقاريف
(15/392)

نحن الذين هزمنا يوم صبّحنا ... جيش الزّورين فى جمع الأحاليف
ظلّوا وظلنا نكّر الخيل وسطهم ... بالشّيب منّا وبالمرد الغطاريف
يوم الشّيّطين لبكر على تميم
قال أبو عبيدة: لمّا ظهر الإسلام- قبل أن يسلم أهل نجد والعراق- سارت بكر بن وائل الى السواد وقالت: نغير على بنى تميم بالشّيّطين «1» ، فإنّ فى دين ابن عبد المطلب أنه من قتل نفسا قتل بها، فنغير هذه الغارة ثم نسلم عليها.
فارتحلوا من لعلع بالذّرارىّ والأموال، فأتوا الشيّطين فى أربع، وبينهما مسيرة ثمانية أميال فسبقوا الخبر فصبّحوهم وهم لا يشعرون، ورئيسهم يومئذ بشر بن مسعود بن قيس بن خالد ذى الحدّين، فقتلوا بنى تميم قتلا ذريعا وأخذوا أموالهم. قال: قتل من بنى تميم يوم الشّيّطين ولعلع ستمائة رجل، قال: فوفد وفد من بنى تميم الى النبىّ صلى عليه وسلم فقالوا: ادع الله على بكر بن وائل! فأبى صلى الله عليه وسلم.
يوم صعفوق لبكر على تميم
أغارت بنو ربيعة على بنى سليط بن يربوع يوم صعفوق، فأصابوا منهم أسرى، فأتى طريف بن تميم العنبرىّ فروة بن مسعود، وهو يومئذ سيّد بنى ربيعة، ففدى منهم أسرى بنى سليط ورهنهم ابنه، فأبطأ عليهم فقتلوا ابنه.
(15/393)

يوم مبايض لبكر على تميم
قال أبو عبيدة: كانت الفرسان إذا كانت أيام عكاظ فى الشهر الحرام، وأمن بعضهم بعضا، تقنّعوا كى لا يعرفوا، فكان طريف بن تميم لا يتقنّع، فوافى عكاظ وقد كشفت بكر بن وائل، وكان طريف قد قتل شراحيل الشيبانىّ أحد بنى عمرو بن ربيعة، فقال خميصة: أرونى طريفا، فأروه إيّاه، فتأمّله ونظر إليه، ففطن له طريف فقال: مالك تنظر؟ فقال: أتوسّمك لأعرفك، فلله علىّ إن لقيتك أن أقتلك أو تقتلنى.
قال: فمضى لذلك ما شاء الله، ثم إن بنى عائدة حلفاء بنى ربيعة بن ذهل، خرج منهم رجلان يصيدان، فعرض لهما رجل من بنى شيبان، فذعر عليهما صيدهما، فوثبا عليه فقتلاه، فثارت بنو مرّة بن ذهل بن شيبان يريدون قتلهما، فأبت بنو ربيعة ذلك عليهم، فقال هانئ بن مسعود: يا بنى ربيعة، إنّ إخوتكم قد أرادوا ظلمكم فانمازوا «1» عنهم، ففارقوهم، وساروا حتى نزلوا بمبايض:
- ماء لهم- فأبق عبد لرجل من بنى ربيعة، وسار الى بلاد تميم، فأخبرهم أن حيّا جديدا، أى منتقى من قومه، من بكر بن وائل نزول على مبايض وهم بنو ربيعة، فقال طريف العنبرىّ: هؤلاء فأرى يا آل تميم، وأقبل معه أبو الجدعاء أخو بنى طهيّة، وجاءه فدكىّ بن أعبد المنقرىّ فى جمع من بنى سعد بن زيد مناة، فأنذرت بهم بنو ربيعة؛ فانحاز بهم هانئ بن مسعود، وهو رئيسهم، الى علم مبايض، وأقام عليه وشرّفوا بالأموال والسرح «2» ، وصبّحتهم تميم، فقال لهم
(15/394)

طريف: أطيعونى وافرغوا من هؤلاء الأكلب يصف لكم ما وراءهم، فقال لهم أبو الجدعاء- رئيس حنظلة- وفدكىّ- رئيس بنى سعد بن زيد مناة:
أنقاتل أكلبا أحرزوا أنفسهم ونترك أموالهم؟ ما هذا برأى! وأبوا عليه. وقال هانئ لأصحابه: لا يقاتل رجل منكم، ولحقت تميم بالنّعم والبغال فأغاروا عليها، فلمّا ملأوا أيديهم من الغنيمة قال هانئ بن مسعود لأصحابه: احملوا عليهم، فهزموهم. وقتل طريف العنبرىّ، قتله خميصة الشيبانىّ.
يوم فيحان لبكر على تميم
قال أبو عبيدة: لمّا فدى نفسه بسطام بن قيس من عتيبة بن الحارث إذ أسره يوم الغبيط بأربعمائة بعير فقال: لأدركنّ عقر إبلى، فأغار بفيجان، فأخذ الربيع بن عتيبة واستاق ماله، فلمّا سار يومين شغلوا عن الربيع بالشراب، فبال على قيده حتى لان؛ ثم خلعه وانحلّ منه، ثم أجال فى متن ذات النسوع- فرس بسطام- وهرب، فركبوا قى أثره، فلمّا يئسوا منه ناداه بسطام: يا ربيع، هلمّ طليقا، فأبى، وأتوه فى نادى قومه يحدّثهم، فجعل يقول فى أثناء حديثه: إيها يا ربيع! انج يا ربيع! وأقبل ربيع حتى انتهى إلى أدنى بنى يربوع فإذا هو براع فاستسقاه وضربت الفرس برأسها فماتت، فسمّى ذلك المكان هبير الفرس، فقال له أبوه عتيبة: أما إذ نجوت بنفسك فإنى مخلف لك مالك.
يوم ذى قار الأوّل لبكر على تميم
قال: فخرج عتيبة فى نحو من خمسة عشر فارسا من بنى يربوع، فكمن فى جنبى ذى قار حتى مرّت بهم إبل بنى الحصين، وهى بالعدوانة: اسم ماء لهم،
(15/395)

فصاحوا بمن فيها من الحامية والرعاية، ثمّ استاقوها، فأخلف للربيع ما ذهب له وقال:
ألم ترنى أفأت على ربيع ... جلادا فى مباركها وخورا
وأنّى قد تركت بنى حصين ... بذى قار يرمّون الأمورا
يوم الحاجز لبكر على تميم
قال أبو عبيدة: خرج وائل بن صريم اليشكرىّ من اليمامة، فلقيه بنو أسيد ابن عمرو بن تميم، فأسروه وجعلوا يغمسونه فى المناء فى الركّية ويقولون:
يأيها المانح دلوى دونكا
حتى قتلوه، فغزاهم أخوه باعث بن صريم يوم حاجز، فأخذ ثمامة بن باعث ابن صريم رجلا من بنى أسيد وجيها فيهم فقتله، وقتل على الظّنة مائة منهم.
يوم الشقيق لبكر على تميم
قال أبو عبيدة: أغار أبجر بن جابر العجلىّ على بنى مالك بن حنظلة، فسبى سليمى بنت محصن، فولدت له أبجر، ففى ذلك يقول أبو النجم:
ولقد كررت على طهيّة كرّة ... حتّى طرقت نساءها بمساء
ذكر حرب البسوس وهى حرب بكر وتغلب ابنى وائل
قال أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب: لم تجتمع معدّ كلّها إلّا على ثلاثة من رؤساء العرب، وهم: عامر بن الظّرب بن عمرو بن بكر بن يشكر بن الحارث.
(15/396)

وعامر هو قائد معدّ يوم البيداء حين تمدحجت مذحج وسارت الى تهامة، وهى أوّل واقعة كانت بين تهامة واليمن.
والثانى: ربيعة بن الحارث بن مرّة بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن كلب وهو قائد معدّ يوم السّلّان، وهو يوم كان بين أهل تهامة واليمن.
والثالث: كليب بن ربيعة، وهو الذى يقال فيه: أعزّ من كليب وائل، وقاد معدّا كلّها يوم خزاز، ففضّ جموع اليمن وهزمهم، واجتمعت عليه معدّ كلّها وجعلوا له قسم الملك وتاجه وتحيته وطاعته، فغبر «1» بذلك حينا من الدهر، ثم دخله زهو شديد وبغى على قومه حتى بلغ من بغيه أنه كان يحمى مواقع السحاب فلا يرعى حماه ويقول: وحش أرض كذا فى جوارى فلا يهاج، ولا تورد إبل أحد مع إبله، ولا توقد نار مع ناره.
وكانت بنو جشم وبنو شيبان فى دار واحدة بتهامة، وكان كليب قد تزوّج جليلة بنة مرّة بن ذهل بن شيبان أخت جسّاس بن مرّة، وكانت لها ناقة يقال لها: السراب، وبها يضرب المثل فى التشاؤم، فيقال: «أشأم من السراب» و «أشأم من البسوس» وهى معقولة بفناء بيتها فى جوار جسّاس بن مرّة، فمرّت بها إبل لكليب، فلما رأت السراب الإبل تازعت عقالها حتى قطعته، وتبعت الإبل واختلطت بها حتى انتهت الى كليب، وهو على الحوض، ومعه قوس وكنانة، فلما رآها أنكرها، فانتزعها بسهم فخرم ضرعها، فنفرت وهى ترغو، فلما رأتها البسوس قذفت خمارها عن رأسها وصاحت: واذلّاه! واجاراه.
(15/397)

ذكر مقتل كليب وائل
قال: فأجمشت جسّاسا، فركب فرسا له مغرورا به، وتبعه عمرو بن الحارث ابن ذهل بن شيبان على فرسه، ومعه رمحه، حتى دخلا على كليب الحمى، فطعنه جسّاس فقصم صلبه، وطعنه عمرو بن الحارث من خلفه فقطع قطنه، فوقع كليب وهو يفحص برجله وقال لجسّاس: أغثنى بشربة من ماء، فقال له: تجاوزت شبيثا «1» والأحصّ «2» ، ففى ذلك يقول عمرو بن الأهتم:
وإنّ كليبا كان يظلم قومه ... فأدركه مثل الذى تريان
فلمّا حشاه الرمح كفّ ابن عمّه ... تذكّر ظلم الأهل أىّ أوان
وقال لجسّاس أغثنى بشربة ... وإلّا فخيّر من رأيت مكانى
فقال تجاوزت الأحصّ وماءه ... وبطن شبيث وهو غير زؤان
وقال نابغة بنى جعد:
أبلغ عقالا أنّ خطّة داحس ... بكفّيك فاستأخر لها أو تقدّم
كليب لعمرى كان أكثر ناصرا ... وأيسر ذنبا منك ضرّج بالدّم
رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنة ... كحاشية البرد اليمانى المسهّم
وقال لجسّاس أغثنى بشربة ... تدارك بها منّا علىّ وأنعم
فقال تجاوزت الأحصّ وماءه ... وبطن شبيث وهو ذو متوسّم
قال: فلما قتل كليب ارتحلت بنو شيبان حتى نزلوا بماء يقال له النّهى، وتشمّر المهلهل أخو كليب- واسمه عدىّ بن ربيعة، وإنما قيل له المهلهل لأنه
(15/398)

أوّل من هلهل الشعر، أى أرقّه- فاستعدّ المهلهل لحرب بكر، وترك النساء والغزل، وحرّم القمار والشراب، وجمع اليه قومه، فأرسل رجالا منهم الى بنى شيبان يعذر اليهم فيما وقع من الأمر، فأتوا مرّة بن ذهل بن شيبان وهو فى نادى قومه، فقالوا له: إنكم أتيتم عظيما بقتلكم كليبا بناب من الإبل، فقطعتم الرّحم، وانتهكتم الحرمة، وإنّا كرهنا العجلة عليكم دون الإعذار إليكم، ونحن نعرض عليكم خلالا أربعا، لكم فيها مخرج ولنا مقنع، قال مرّة: ما هى؟ قالوا: تحيى لنا كليبا أو تدفع لنا جسّاسا قاتله فنقتله به، أو همّاما فإنه كفء له، أو تمكّننا من نفسك فإنّ فيك وفاء من دمه، فقال: أمّا إحيائى كليبا فهذا ما لا يكون. وأمّا جسّاس فإنه غلام طعن طعنة على عجل ثم ركب فرسه فلا أدرى أىّ البلاد احتوت عليه. وأمّا همّام فإنه أبو عشرة وأخو عشرة وعمّ عشرة، كلّهم فرسان قومهم فلن يسلّموه لى فأدفعه اليكم يقتل بجريرة غيره. وأمّا أنا فما هو إلّا أن تجول الخيل جولة غدا فأكون أوّل قتيل بينهما، فما أتعجّل من الموت، ولكن لكم عندى خصلتان:
أما إحداهما فهؤلاء بنىّ الباقون فعلّقوا فى عنق أيّهم شئتم نسعة فانطلقوا به الى رجالكم فاذبحوه ذبح الجزور وإلّا فألف ناقة سوداء المقل أقيم لكم بها كفيلا من بكر بن وائل، فغضب القوم وقالوا: لقد أسأت، تبذل لنا صغار ولدك وتسومنا اللبن من دم كليب.
ووقعت الحرب بينهم، ولحقت جليلة زوجة كليب بأبيها وقومها، واعتزلت قبائل بكر بن وائل، وكرهوا مجامعة بنى شيبان ومساعدتهم على قتال إخوتهم، وأعظموا قتل جسّاس كليبا بناب من الإبل، فظعنت لجيم عنهم، وكفّت يشكر عن نصرتهم، وانقبض الحارث بن عباد فى أهل بيته، وهو أبو بجير وفارس النعامة. وقال المهلهل يرثى كليبا من أبيات:
(15/399)

بات ليلى بالأنعمين «1» طويلا ... أرقب النّجم ساهرا أن يزولا
كيف أهدى ولا يزال قتيل ... من بنى وائل ينسّى قتيلا
فى قصيدة طويلة.
وقال أيضا يرثيه من أخرى:
نعى النعاة كليبا لى فقلت لهم ... مالت بنا الأرض أو زالت رواسيها
القائد الخيل تردى فى أعنّتها ... زهوا إذا الخيل لجّت فى تعاديها
من خيل تغلب ما تلقى أسنّتها ... إلّا وقد خضّبوها من أعاديها
يهزهزون من الخطّىّ مدمجة ... كمنا أنابيبها زرقا عواليها
ترى الرّماح بأيدينا فتوردها ... بيضا ونصدرها حمرا أعاليها
لا أصلح الله يوما من يصالحكم ... ما لاحت الشّمس فى أعلى مجاريها
يوم النّهى
فالتقوا بماء يقال له: النّهى «2» ، كانت بنو شيبان نازلة عليه، ورئيس تغلب المهلهل، ورئيس شيبان الحارث بن مرّة، فكانت الدائرة لبنى تغلب، ولم يقتل فى ذلك اليوم أحد من بنى مرّة.
يوم الذنائب
ثم التقوا بالذنائب، وهى أعظم وقعة كانت لهم، فظفرت بنو تغلب وقتل من بكر مقتلة عظيمة، وفيه قتل شراحيل بن مرة بن همّام بن مرّة بن شيبان، وهو جدّ الحوفزان، قتله عتّاب بن سعد بن بن زهير بن جشم، وقتل من بنى ذهل بن
(15/400)

ثعلبة عمرو بن سدوس بن شيبان، وقتل من بنى قيس بن ثعلبة سعد بن ضبيعة بن قيس وتيم بن قيس بن ثعلبة، وهو أحد الحرقيّين «1» ، وكان شيخا كبيرا، فحمل فى هودج، فلحقه عمرو بن مالك بن الفدوكس بن جشم فقتله.
يوم واردات
ثم التقوا يوم واردات وعليهم رؤساؤهم الذين تقدّم ذكرهم، فظفرت بنو تغلب، واستحرّ «2» القتل فى بنى بكر، فيومئذ قتل الشعثمان: شعثم وعبد شمس ابنا معاوية بن عامر بن ذهل بن ثعلبة وسيّار بن الحارث بن سيّار، وفيه قتل همّام ابن مرّة أخو جسّاس لأبويه، فمرّ به مهلهل مقتولا فقال: والله ما قتل بعد كليب قتيل أعزّ علىّ فقدا منك يوم عنيزة.
يوم عنيزة
ثم التقوا بعنيزة، فظفرت بنو تغلب، ثم كانت بينهم معاودة ووقائع كثيرة كل ذلك كانت الدائرة فيها لبنى تغلب على بنى بكر، فمنها يوم الحنو، ويوم عويرضات، ويوم أنين، ويوم ضرية، ويوم القمصيبات، كلها لتغلب على بكر، أصيبت فيها بكر حتى ظنوا أن لن يستقبلوا أمرهم.
وقال المهلهل يصف هذه الأيام وينعاها على بكر فى قصيدة طويلة أوّلها:
أليلتنا بذى حسم «3» أنيرى ... اذا أنت انقضيت فلا تحورى «4»
فإن يك بالذنائب «5» طال ليلى ... فقد أبكى من اللّيل القصير
(15/401)

فلو نبش المقابر عن كليب ... لأخبر بالذنائب أىّ زير
وإنّى قد تركت بواردات «1» ... بجيرا فى دم مثل العبير «2»
هتكت به بيوت بنى عباد ... وبعض القتل أشفى للصدور
على أن ليس عدلا من كليب ... اذا برزت مخبّأة الخدور
وقال المهلهل أيضا وقد أشرف فى الدماء:
أكثرت قتل بنى بكر بربّهم ... حتّى بكيت وما يبكى لهم أحد
آليت بالله لا أرضى بقتلهم ... حتّى أبهرج بكرا أينما وجدوا
أبهرج: أى أدعهم بهرجا، لا يقتل بهم قتيل، ولا تؤخذ بهم دية.
وقال أيضا:
قتلوا كليبا ثمّ قالوا أربعوا ... كذبوا وربّ الحلّ والإحرام
حتى تبيد قبيلة وقبيلة ... ويعضّ كلّ مثقّف بالهام
ويقمن ربّات الخدور حواسرا ... يمسحن عرض ذوائب الأيتام
حتى يعضّ الشيخ بعد حميمه ... ممّا يرى ندما على الإبهام
يوم قضة
قال: ثم إنّ المهلهل أسرف فى القتل ولم يبال بأىّ قبيلة من قبائل بكر وقع، وكانت أكثر بكر قعدت عن نصرة بنى شيبان لقتلهم كليبا، وكان الحارث بن عباد قد اعتزل تلك الحروب، حتى قتل ابنه بجير بن الحارث بن عباد، فلمّا بلغه قتله قال: نعم القتيل قتيل أصلح بين ابنى وائل، وظنّ أنّ المهلهل قد أدرك به ثأر
(15/402)

كليب وجعله كفؤا له، فقيل له: إنما قتله بشسع نعل كليب. وكان المهلهل قال لمّا قتل بجير بن الحارث: بؤبشسع نعل كليب، فلمّا سمع الحارث ذلك غضب، وكان له فرس يقال له النعامة، فركبها وتولّى قتال تغلب بنفسه، فكانت الدائرة فيه على تغلب، فتفرّقت قبائل تغلب وهرب المهلهل. وقال الحارث بن عباد:
قرّبا مربط النعامة منّى ... لقحت حرب وائل عن حيالى
قرّبا مربط النعامة منّى ... شاب رأسى وأنكرتنى رجالى
لم أكن من جناتها علم اللّ ... هـ وإنى بحرّها اليوم صال
فى قصيدة طويلة نحو المائة بيت كرّر فيها:
قرّبا مربط النعامة منّى
فى خمسين بيتا.
وكان أوّل يوم شهده الحارث يوم قضة، وهو يوم تحلاق اللمم، وفيه يقول طرفة:
سائلوا عنّا الّذى يعرفنا ... بقوانا يوم تحلاق اللّمم
يوم تبدى البيض عن أسؤقها «1» ... وتلفّ «2» الخيل أعراج «3» النّعم «4»
(15/403)

يوم تحلاق اللّمم
ويوم تحلاق اللّمم، إنما سمّى بذلك لأن الحارث بن عباد لمّا تولّى الحرب قال لقومه: احملوا معكم نساءكم يكنّ من ورائكم، فإذا وجدن جريحا منهم قتلوه، وإذا وجدن جريحا منّا سقينه وأطعمنه، فقالوا: ومن أين يتميّز لهنّ؟ فقال:
احلقوا رءوسكم لتمتازوا بذلك، ففعلوا، فسمّى به، فقال جحدر بن ضبيعة- وكان من شجعانهم-: اتركوا لمّتى وأقتل لكم أوّل فارس يقدمهم، فتركوه، وهو الذى قتل عمرا وعامرا التغلبيّان، طعن أحدهما بسنان «1» رمحه، والآخر بزجّه «2» ، ثم صرع بعد ذلك، فلمّا رأته نساء بكر دون حلق ظنّوه من تغلب فأجهزوا عليه.
وفى هذا اليوم أسر الحارث بن عباد المهلهل عدىّ بن ربيعة وهو لا يعرفه فقال له: دلّنى على عدىّ وأخلى عنك، فقال له عدىّ: عليك العهد بذلك إن دللتك عليه، قال نعم، قال فأنا عدىّ، فجزّ ناصيته وتركه وقال فيه:
لهف نفسى على عدىّ ولم أع ... رف عديّا إذ أمكنتنى اليدان
وكان الحارث آلى ألّا يصالح تغلبا حتى تكلّمه الأرض، فلمّا كثرت وقائعه فى تغلب ورأت تغلب أنها ما تقوم له حفروا سربا تحت الأرض وأدخلوا فيه رجلا وقالوا له: اذا مرّ بك الحارث فغنّ بهذا البيت:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض
فلما مرّ الحارث اندفع الرجل وغنّى بالبيت، فقيل للحارث قد برّ بقسمك فابق بقيّة قومك، فأمسك، فاصطلحت بكر وتغلب.
(15/404)

ثم إنّ المهلهل فرّ بنفسه فنزل بمذحج فى بنى جنب «1» ، فخطبوا اليه ابنته، وقيل أخته، فمنعهم، فأجبروه على تزويجها وساقوا اليه جلودا من أدم، فقال فى ذلك:
أعزز على تغلب بما لقيت ... أخت بنى الأكرمين من جشم
أنكحها فقدها الأراقم «2» فى ... جنب وكان الخباء من أدم
لو بأبانين «3» جاء يخطبها ... ضرّج ما أنف خاطب بدم
ليسوا بأكفائنا الكرام ولا ... يغنون فى ذلّة ولا عدم
ثم اشترى المهلهل عبدين يغزوان معه، فغزا بهما حتى طال عليهما ذلك، فاختارا الراحة منه، فأجمعا على قتله بموضع قفر، فلمّا شعر بما همّا به ولم ير لنفسه ملجأ قال لهما: أبلغا عنّى هذه المراسلة، فقالا هات، فقال:
من مبلغ عنّى بأنّ مهلهلا ... لله درّكما ودرّ أبيكما
فلمّا قتلاه وانصرفا نحو بيته فقالا: مات بأرض كذا وذكرا وصيتّه، فلم يدر أحد ما أراد، فقالت ابنته: والله ما كان أبى ردىّ الشعر، ولا سفساف الكلام، وإنما أراد أن يخبركم أنّ العبدين قتلاه، وإنما معنى البيت:
من مبلغ عنّى بأنّ مهلهلا ... أضحى قتيلا بالفلا مجدّلا
لله درّكما ودرّ أبيكما ... لا يبرح العبدان حتّى يقتلا
فقتل العبدان بعد أن أقرّا بذلك. وقيل: إنه أصبح قتيلا بين رجلى جمل هاج. والله تعالى أعلم بالصواب.
(15/405)

الكلاب الأوّل
قال أبو عبيدة: لمّا تسافهت بكر بن وائل وغلبها سفهاؤها، وتقاطعت أرحامها؛ ارتأى رؤساؤهم فقالوا: إنّ سفهاءنا قد غلبوا على أمرنا، فأكل القوىّ الضعيف، فنرى أن نملّك علينا ملكا نعطيه الشاة والبعير، فيأخذ للضعيف من القوىّ، ويردّ على المظلوم من الظالم، ولا يمكن أن يكون من بعض قبائلنا فيأباه الآخرون، فيفسد ذات بيننا، ولكنّنا نأتى تبّعا فنملّكه علينا، فأتوه [فذكروا له أمرهم «1» ] فملّك عليهم الحارث بن عمرو آكل المرار الكندىّ، فقدم فنزل بطن عاقل «2» .
ثم غزا ببكر بن وائل حتى انتزع عامّة ما فى أيدى ملوك الحيرة اللخميّين، وملوك الشام الغسانّيين، وردّهم الى أقاصى أعمالهم، ثم طعن فى نيطة فمات فدفن ببطن عاقل. واختلف ابناه شرحبيل وسلمة فى الملك، فتواعد الكلاب «3» ، فأقبل شرحبيل فى ضبّة والرّباب كلّها، وبنى يربوع، وبكر بن وائل. وأقبل سلمة فى تغلب والنّمر وبهراء ومن تبعه من بنى مالك بن حنظلة، وعليهم سفيان بن مجاشع، وعلى تغلب السفّاح، وإنما قيل له السفّاح لأنه سفح أوعية قومه وقال لهم: اندروا الى ماء الكلاب، فسبقوا ونزلوا عليه، وإنما خرجت بكر مع شرحبيل لعداوتها لبنى تغلب، فالتقوا على الكلاب، واستحرّ القتل فى بنى يربوع، وشدّ أبو حنش على شرحبيل فقتله، وكان شرحبيل قد قتل ابنه حنشا، فأراد أبو حنش أن يأتى برأسه الى سلمة، فخافه فبعثه مع عسيف له، فلما رآه سلمة دمعت عيناه وقال له:
(15/406)

أنت قتلته؟ قال لا، ولكن قتله أبو حنش، إنما أدفع الثواب الى قاتله، فهرب أبو حنش منه، فقال سلمة فى ذلك:
ألا أبلغ أبا حنش رسولا ... فمالك لا تجىء الى الثّواب
تعلّم أنّ خير الناس طرّا ... قتيل بين أحجار الكلاب
يوم الصّفقة وهو يوم الكلاب الثانى
قال أبو عبيدة: كان يوم الكلاب متّصلا بيوم الصّفقة «1» . وكان من حديث الصفقة أنّ كسرى كان قد أوقع ببنى تميم، فأخذ الأموال وسبى الذرارىّ بمدينة هجر «2» ، وذلك أنهم أغاروا على لطيمة له فيها مسك وعنبر وجوهر كثير، فسمّيت تلك الوقعة يوم الصّفقة، ثم إنّ بنى تميم أداروا أمرهم، وقال ذو الحجى منهم:
إنكم قد أغضبتم الملك، وقد أوقع بكم حتى وهنتم، وتسامعت بما لقيتم القبائل، ولا تأمنون دوران العرب.
فجمعوا سبعة من رؤسائهم وشاوروهم فى أمرهم، وهم: أكثم بن صيفىّ الأسدىّ، والأحيمر بن يزيد بن مرّة المازنىّ، وقيس بن عاصم المنقرىّ، وأبير بن عصمة التيمىّ، والنعمان بن جسّاس التيمىّ، وأبين بن عمرو السعدىّ، والزبرقان بن بدر السعدىّ فقالوا لهم: ماذا ترون؟ فقال أكثم بن صيفىّ، وكان يكنى أبا حنش:
إنّ الناس قد بلغهم ما لقينا، ونخاف أن يطمعوا فينا وإنى قد نيّفت على التسعين، وقد نحل قلبى كما نحل جسمى، وأخاف ألّا يدرك ذهنى الرأى لكم، فليعرض علىّ
(15/407)

كلّ رجل منكم رأيه وما يحضره فإنى متى أسمع الحزم أعرفه، فقال كلّ منهم ما عنده، وأكثم [ساكت] لا يتكلّم، حتى قام النعمان بن الجسّاس فقال: يا قوم، أنظروا ماء يجمعكم ولا يعلم الناس بأىّ ماء أنتم حتى تنفرج الحلقة عنكم، وقد صلحت أحوالكم، وانجبر كسيركم، وقوى ضعيفكم، ولا أعلم ماء يجمعكم إلّا قدّة، فقال أكثم: هذا [هو «1» ] الرأى، فارتحلوا حتى نزلوا الكلاب، وبين أدناه وأقصاه مسيرة يوم، وأعلاه مما يلى اليمن، وأسفله مما يلى العراق. فنزلت سعد والرّباب بأعلى الوادى، ونزلت حنظلة بأسفله.
قال: وكانوا لا يخافون أن يغزوا فى القيظ، لبعد تلك الصحارى وشدّة الحرّ بها وقلة المياه، فأقاموا بقيّة القيظ لا يعلم أحد بمكانهم، حتى اذا تهوّر «2» القيظ بعث الله ذا العيينتين، وهو من أهل مدينة هجر، فمرّ بقدّة وصحاريها، فرأى ما بها من النّعم، فانطلق حتى أتى أهل هجر فقال: هل لكم فى جارية عذراء، ومهرة شوهاء «3» ، وبكرة حمراء، ليس دونها نكبة؟ قالوا: ومن لنا بذلك؟ قال: تلكم تميم ألقاء «4» مطروحون بقدّة. فمشى بعضهم الى بعض وقالوا: اغتنموها من بنى تميم.
فأخرجوا معهم أربعة أملاك يقال لهم اليزيديون: يزيد بن هوبر، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المأموم، ويزيد بن المخرّم، وهم كلّهم حارثيّون ومعهم عبد يغوث الحارثىّ، وم كان كلّ واحد منهم على ألفين، فمضوا حتى إذا كانوا ببلاد باهلة قال جرير بن جزء الباهلىّ لابنه: يا بنىّ، هل لك فى أكرومة لا يصاب أبدا مثلها؟ قال: وما ذلك؟ قال: هذا الحىّ من تميم قد لجأوا هاهنا مخافة كسرى، وقد قصصت أثر الجيش يريدونهم، فاركب جملى الأرحبىّ، وسرسيرا رويدا
(15/408)

عقبة «1» من الليل، ثم حلّ عنه حبليه وأنخه وتوسّد ذراعه، فإذا سمعته قد أفاض بجرّته وبال فاستنقعت ثفناته فى بوله، فشدّ حبليه ثم ضع السّوط عليه، فإنك لا تسأل جملك شيئا من السير إلا أعطاكه حتى تصبّح القوم. ففعل ما أمره به.
قال الباهلّى: فحللت بالكلاب قبل الجيش فناديت: يا صباحاه! فإنهم ليثبون إلىّ ليسألونى من أنت؟ إذ أقبل رجل منهم من بنى شقيق على مهر قد كان فى النّعم فنادى: يا صباحاه، قد أتى على النّعم، ثم كرّ راجعا نحو الجيش، فلقيه عبد يغوث الحارثىّ وهو أوّل الرعيل، فطعنه فى رأس معدته فسبق اللّبن الدم، فقال عبد يغوث: أطيعونى وامضوا بالنّعم وخلّوا العجائز من تميم ساقطة أفواهها، فقالو: أما دون أن تنكح بناتهم فلا.
وقال ضمرة بن لبيد الحماسىّ ثم المذحجىّ الكاهن: أنظروا اذا سقتم النّعم فإن أتتكم الخيل عصبا [عصبا] تنتظر العصبة أن تنتظم الأخرى حتى تلتحق بها فإن أمر القوم هيّن، وإن لحق بكم القوم ولم ينتظر بعضهم بعضا حتى يردّوا وجوه النّعم فإن أمرهم شديد.
وتقدّمت سعد والرّباب فى أوائل الخيل والتقوا بالقوم فلم يلتفتوا إليهم، واستقبلوا النّعم ولم ينتظر بعضهم بعضا. ورئيس الرباب النعمان بن الجسّاس، ورئيس بنى سعد قيس بن عاصم، فالتقى القوم، فكان النعمان أوّل صريع، واقتتل الفريقان حتى حجز بينهم الليل، ثم أصبحوا على راياتهم، فنادى قيس بن عاصم:
يا آل سعد! يريد سعد بن زيد، ونادى عبد يغوث: يا آل سعد! يريد سعد العشيرة، فلما سمع قيس ذلك نادى: يا آل كعب! يريد كعب بن سعد، ونادى عبد يغوث: يا آل كعب! يريد كعب بن عمرو، فلما رأى ذلك نادى:
(15/409)

يا آل مقاعس! فلما سمع وعلة ابن عبد الله الجرمىّ- وكان صاحب لواء أهل اليمن- نادى: يا آل مقاعس، تفاءل به فطرح له اللواء، وكان أوّل من انهزم، فحملت عليهم سعد والرباب فهزموهم، ونادى قيس بن عاصم: يا آل تميم، لا تقتلوا إلّا فارسا فإنّ الرجّالة لكم، ثم جعل يرتجز ويقول:
لمّا تولّوا عصبا شوازبا «1» ... أقسمت لا أطعن إلّا راكبا
إنّى وجدت الطّعن فيهم صائبا
وأمر قيس بن عاصم أن يتبعوا المنهزمة، ويعرقبوا من لحقوه، ولا يشتغلوا بالقتل عن اتباعهم، فحزّوا دوابرهم، وفى ذلك يقول وعلة:
فدى لكم أهلى وأمى ووالدى ... غداة كلاب إذ تحزّ الدوابر
وأسر عبد يغوت، أسره مصاد بن ربيعة بن الحارث وكتّفه وأردفه خلفه، وكان مصاد قد أصابته طعنة فى مأبضه، وكان عرقه يهمى «2» ، فنزفه الدم، فمال عن فرسه مقلوبا. فلما رأى ذلك عبد يغوث قطع كتافه وأجهز عليه وانطلق على فرسه، وذلك أوّل النهار، ثم ظفر به بعد فى آخره، ونادى مناد: قتل اليزيدون، وشدّ قبيصة بن ضرار الضّبّىّ على ضمرة بن لبيد الحماسىّ الكاهن فطعنه فخرّ صريعا، فقال له قبيصة: ألا أنبأك تابعك بمصرعك اليوم، ثم أسر عبد يغوث، أسره عصمة بن أبير التيمىّ.
قال أبو عبيدة: انتهى عصمة بن أبير إلى مصاد فوجده صريعا، وكان قبل ذلك رأى عبد يغوث أسيرا فى يديه، فعلم أنه الذى أجهز عليه فآقتصّ أثره فلحقه وقال: ويحك! إنى رجل أحبّ اللين، وأنا خير لك من الفلاة والعطش. قال:
ومن أنت؟ قال: عصمة بن أبير، فآنطلق به عصمة حتى جثاه عند الأهتم على
(15/410)

أن جعل له من فدائه جعلا، فتركه الأهتم عند امرأته العبشميّة، فأعجبها جماله وكمال خلقته، وكان عصمة الذى أسره غلاما نحيفا، فقالت له: من أنت؟ قال:
أنا سيّد القوم، فضحكت وقالت: قبّحك الله سيّد قوم حين أسرك مثل هذا، ففى ذلك يقول عبد يغوث:
وتضحك منّى شيخة عبشمية ... كأن لم ترى «1» قبلى أسيرا يمانيا
فآجتمعت الرّباب الى الأهتم وقالت: ثأرنا عندك، وقد قتل مصاد والنعمان فأخرجه إلينا، فأبى الأهتم أن يخرجه إليهم، فكاد أن يكون بين الحيّين: الرّباب وسعد، فتنة حتى أقبل قيس بن عاص المنقرىّ فقال: أيؤتى قطع حلف الرّباب من قبلنا؟ فضرب فاه بقوس فهتّمه، فسمّى الأهتم، فقال الأهتم: إنما دفعه إلى عصمة ابن أبير، ولا أدفعه إلّا لمن دفعه إلىّ، فليجئ فيأخذه، فأتوا عصمة فقالوا:
يا عصمة، قتل سيّدنا النعمان وفارسنا مصاد، وثأرنا أسيرك، فما كان ينبغى لك أن تستحييه! فقال: إنى ممعل وقد أصبت الغنى، ولا تطيب نفسى على أسيرى، فاشتراه بنو جسّاس بمائة بعير، فدفعه إليهم، فخشوا أن يهجوهم، فشدّوا على لسانه نسعة، فقال: إنكم قاتلى لا محالة، فدعونى أذمّ أصحابى وأنوح على نفسى! فقالوا: إنك شاعر ونخاف أن تهجونا، فعقد لهم ألّا يفعل، فأطلقوا لسانه، فقال قصيدته التى أوّلها:
(15/411)

ألا لا تلومانى كفى اللّوم ما بيا ... فما لكما فى اللّوم خير ولا ليا
ومنها:
أقول وقد شدّوا لسانى بنسعة «1» ... أمعشر تيم أطلقوا لى لسانيا
أمعشر تيم قد ملكتم فأسجحوا «2» ... فإنّ أسارى لم يكن من توانيا «3»
وقد علمت عرسى مليكة أننى ... أنا اللّيث معديّا عليه وعاديا
ومنها:
كأنّى لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلى كرّى «4» قاتلى عن رجاليا
ولم أسبإ «5» الزّقّ الرّوىّ ولم أقل ... لأيسار صدق أعظموا ضوء ناريا
قال: فلما ضربت عنقه قالت ابنة مصاد: بؤ «6» بمصاد! فقال بنو النعمان:
يا لكاع! نحن نشتريه بأموالنا ونبؤ بمصاد، فوقع بينهم فى ذلك الشرّ، ثم اصطلحوا.
(15/412)

يوم طخفة «1»
قال: كانت الرّفادة، وقيل الردافة «2» ، ردافة الملوك لعتّاب بن هرمىّ بن رياح، ثم كانت لقيس بن عتّاب، فسأل حاجب بن زرارة النعمان أن يجعلها للحارث بن مرط بن سفيان بن مجاشع، فسألها النعمان بنى يربوع وقال: أعقبو إخوتكم فى الرفادة، قالوا: إنهم لا حاجة لهم فيها، وإنما سألها حاجب جسدا لنا وأبوا عليه، فقال الحارث بن شهاب وهو عند النعمان: إنّ بنى يربوع لا يسلّمون ردافتهم إلى غيرهم. وقال حاجب: إن بعث الملك إليهم جيشا لم يمنعوه ولم يمتنعوا. فبعث النعمان إليهم قابوسا ابنه، وحسّان بن المنذر؛ فكان قابوس على الناس، وحسّان على المقدّمة، وبعث معهم الصنائع والوضائع- فالصنائع: من كان يأتيه من العرب، والوضائع: المقيمون بالحيرة- فالتقوا بطخفة، فانهزم قابوس ومن معه، وضرب طارق بن عميرة فرس قابوس فعقره، وأخذه ليجزّ ناصيته، فقال قابوس: إنّ الملوك لا تجزّ نواصيها، فجهّزه وأرسله إلى أبيه، وأما حسّان بن المنذر فأسره بشر ابن عمرو الرياحىّ، ثم منّ عليه وأرسله، ففى ذلك يقول مالك بن نويرة:
ونحن عقرنا مهر قابوس بعد ما ... رأى القوم منه الموت والخيل تلحب «3»
عليه دلّاص «4» ذات نسج وسيفه ... جراز من الهندىّ أبيض مقضب
(15/413)

يوم فيف الريح «1»
قال أبو عبيدة: تجمّعت قبائل مذحج وأكثرها بنو الحارث بن كعب، وقبائل من مراد وجعفىّ وزبيد وخثعم، وعليهم أنس بن مدرك، وعلى بنى الحارث الحصين، فأغاروا على بنى عامر بن صعصعة بفيف الرّيح، وعلى بنى عامر، عامر بن مالك ملاعب الأسنّة.
قال: فاقتتل القوم، فكسروهم، وارفضت قبائل من بنى عامر، وصبرت بنو نمير، وأقبل عامر بن الطّفيل وخلفه دعىّ بنى جعفر فقال: يا معشر الفتيان، من ضرب ضربة أو طعن طعنة فليشهدنى [فكان «2» ] الفارس إذا ضرب ضربة أو طعن طعنة، قال عند [ذلك] : أبا على، فبينما هو كذلك إذ أتاه مسهر بن يزيد «3» الحارثىّ، فقال له من ورائه: عندك يا عامر والريح عند أذنه فوهصه- أى طعنه-، قأصاب عينه، فوثب عامر عن فرسه ونجا على راحلته، وأخذ مسهر رمح عامر، ففى ذلك يقول عامر بن الطفيل من أبيات:
لعمرى وما عمرى علىّ بهيّن ... لقد شان حرّ الوجه طعنة مسهر
وقال مسهر- وقد زعم أنهم أخذوا امرأة عامر-:
وهصت بخرص «4» الرمح مقلة عامر ... فأضحى نحيفا فى الفوارس أعورا
وغادر فينا رمحه وسلاحه ... وأدبر يدعو فى الهوالك جعفرا
وكنّا إذا قيسيّة ذهبت بنا ... جرى دمعها من عينها فتحدّرا
مخافة ما لاقت حليلة عامر ... من الشرّ إذ سربالها قد تعفّرا
(15/414)

قال: وكانت هذه الوقعة وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وأدرك مسهر بن يزيد الإسلام فأسلم.
يوم زرود الأوّل
غزا الحوفزان حتى انتهى الى زرود «1» خلف جبل من جبالها، فأغاروا على نعم كثير لبنى عبس فاجتازوها، وأتى الصريخ «2» لبنى عبس فركبوا، ولحق عمارة بن زياد العبسىّ الحوفزان فعرفه- وكانت أمّ عمارة قد أرضعت مضر بن شريك، وهو أخو الحوفزان- فقال: يا بنى شريك، قد علمتم ما بيننا وبينكم، قال الحوفزان- وهو الحارث بن شريك-: صدقت يا عمارة، فانظر كلّ شىء هو لك فخذه، فقال عمارة: لقد علمت نساء بنى بكر بن وائل أنّى لن أملا أيدى أزواجهنّ وأبنائهنّ شفقة عليهنّ من الموت، فحلّ عمارة ليعارض النّعم ليردّه، وحال الحوفزان بينه وبين النّعم، فعثرت بعمارة فرسه فطعنه الحوفران، وطعنه نعامة بن عبد الله بن شريك:
وأسر ابنا عمارة: سنان وشدّاد، وكان فى بنى عبس رجلان من طيىء: ابنان لأوس ابن حارثة، مجاورين لهم، وكان لهما أخ أسير فى بنى يشكر، فلمّا فقدته بنو شيبان نادوا: يا ثارات معدان! فعند ذلك قتلوا ابنى عمارة وهرب الطائيّان بأسيرهما.
فلما برئ عمارة من جراحه أتى طيئا فقال: ادفعوا إلىّ هذا الكلب الذى قتلنا به، فقال الطائىّ لأوس: ادفع الى بنى عبس صاحبهم، فقال لهم: تأمرننى أن أعطى بنى عبس قطرة من دمى، وإن ابنى أسير فى بنى يشكر؟ فو الله ما أرجو فكاكه
(15/415)

إلّا بهذا. فلما قفل الحوفزان من غزوه بعث الى بنى يشكر فى ابن أوس، فبعثوا به اليه، فافتدى به معدان، وقال نعامة بن شريك:
استنزلت رماحنا سنانا ... وشيخنا بطخفة عنانا
ثم أخوه قد رأى هوانا ... لمّا فقدنا بيننا معدانا
يوم غول الأوّل وهو يوم كنهل
قال أبو عبيدة: أقبل ابنا هجيمة- وهما من غسّان- فى جيش فنزلا فى بنى يربوع، فجاورا طارق بن عوف بن عاصم بن ثعلبة بن يربوع، فنزلا معه على ماء يقال له: كنهل، فأغار عليهما أناس من ثعلبة بن يربوع، فاستاقوا نعمهما وأسروا من كان فى النّعم، فركب قيس بن هجيمة بخيله حتى أدرك بنى ثعلبة، فكّر عليه عتيبة بن الحارث، فقال له قيس: هل لك يا عتيبة الى البراز؟ قال؛ ما كنت لأسأله وأدعه، فبارزه، قال عتيبة: فما رأيت فارسا أملأ لعينى منه، فطعننى فأصاب قربوس سرجى، حتى وجدت مسّ السّنان فى باطن فخذى، ثم أرسل الرمح وهو يرى أن قد أثبتنى [وانصرف «1» ] فأتبعته الفرس، فلما سمع زجلها «2» رجع جانحا على قربوس سرجه، وبدا لى فرج الدّرع فطعنته بالرمح، فقتلته وانصرفت فلحقت النّعم، وأقبل الهرماس بن هجيمة فوقف على أخيه قتيلا، ثم اتبعنى فقال:
هل لك فى البراز؟ فقلت: لعلّ الرجعة خير لك، قال: أبعد قيس؟ ثم شدّ علىّ وضربنى على البيضة، فخلص السيف الى رأسى، فضربته فقتلته، فقال جرير:
وساق ابنى هجيمة يوم غول ... الى أسيافنا قدر الحمام
(15/416)

يوم الجبابات «1»
قال أبو عبيدة: خرج بنو ثعلبة بن يربوع فمرّوا بناس من طوائف بكر بن وائل بالجبابات، خرجوا سفّارا، فنزلوا وسرّحوا إبلهم ترعى، وفيها نفر منهم يرعونها، منهم:
سوادة بن يزيد بن بجير العجلىّ، ورجل من بنى شيبان، وكان محموما، فمرّت بنو ثعلبة بن يربوع بالإبل فاطّردوها وأخذوا الرجلين من بنى شيبان، فسألوهما: من معكما؟ قالا: معنا شيخ من يزيد بن بجير العجلىّ فى عصابة من بكر بن وائل خرجوا سفّارا يريدون البحرين، فقال الربيع ودعموص ابنا عتيبة بن الحارث بن شهاب:
أنذهب بهذين الرجلين وهذه الإبل ولم يعلموا من أخذها، ارجعوا بنا حتى يعلموا من أخذ إبلهم وصاحبيهم لنعنيهم بذلك، فقال عميرة لهما: ما وراءكما إلا شيخ ابن يزيد قد أخذتما أخاه وأطردتما إبله، دعاه، فأبيا ورجعا إليه وأخبراهم وتسمّيا لهم، فركب شيخ ابن يزيد فاتّبعهما وقد ولّيا، فلحق دعموصا فأسره، ومضى ربيع حتى أتى عميرة فأخبره أن أخاه قد قتل، فرجع على فرس له يقال لها الخنساء حتى لحق القوم، فافتكّ منهم دعموصا على أن يردّ عليهم أخاهم وإبلهم، فردّها إليهم، فكفر بنو عتيبة ولم يشكروا عميرة، فقال عميرة فى ذلك:
ألم تر دعموصا يصدّ بوجهه ... إذا ما رآنى مقبلا لم يسلّم
ألم تعلما يا ابنى عتيبة مقدمى ... على ساقط بين الأسنّة مسلم
فعارضت فيه القوم حتى انتزعته ... جهارا ولم أنظر له بالتّلوّم
يوم الشّعب
غزا قيس بن شرقاء التغلبىّ، فأغار على بنى يربوع بالشّعب، فاقتتلوا، فانهزمت بنو يربوع، فأسر سحيم بن وثيل الرّياحىّ، فقال سحيم فى ذلك:
(15/417)

أقول لهم بالشّعب إذ يأسروننى ... ألم تعلموا أنّى ابن فارس زهدم
ففدى نفسه، وأسر أيضا متمّم بنّ نويرة، فوفد مالك بن نويرة على قيس بن شرقاء فى فدائه فقال:
هل أنت يا قيس بن شرقاء منعم ... أو الجهد إن أعطيته أنت قابله
فلما رأى وسامته قال: بل منعم، فأطلقه له.
يوم غول الثانى فيه قتل طريف شراحيل وعمرو بن مرثد المحلّمىّ
غزا طريف بن هشيم فى بنى العنبر بن تميم، فأغار على بكر بن وائل بغول، فاقتتلوا، ثم إنّ بكرا انهزمت، فقتل طريف شراحيل أحد بنى ربيعة، وقتل أيضا عمرو بن مرثد، وقتل المجشّر.
يوم الخندمة «1»
كان رجل من مشركى قريش يحدّ حربة يوم فتح مكة، فقالت له امرأته:
ما تصنع بهذه؟ قال: أعددتها لمحمد وأصحابه! [فقالت له: ما أرى أنه يقوم لمحمد وأصحابه شىء «2» ] فقال: والله إنى لأرجو أن أخدمك بعض نسائهم، وأنشأ يقول:
إن يقبلوا اليوم فما لى علّة ... هذا سلاح كامل والّه
وذو غرارين سريع السّلّه
(15/418)

فلما لقيهم خالد [بن الوليد «1» ] يوم الخندمة انهزم الرجل لا يلوى على شىء، فلامته امرأته فى ذلك، فقال:
إنّك لو شهدت يوم الخندمه ... إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمه
ولقيتنا بالسّيوف المسلمه ... يفلقن كلّ ساعد وجمجمه
ضربا فلا تسمع إلّا غمغمه ... لم تنطقى فى اللّوم أدنى كلمه
وهذه القصّة نذكرها- إن شاء الله- فى أثناء السيرة النبويّة فى يوم فتح مكة.
يوم اللهيماء «2»
قال أبو عبيدة: كان سبب الحرب التى كانت بين [عمرو بن الحارث بن تميم ابن سعد بن هذيل، وبين عمرو «3» ] بن عدىّ بن الدّئل بن بكر بن عبد مناة، أنّ قيس بن عامر بن غريب أخا بنى عمرو بن عدىّ وأخاه سالما، خرجا يريدان بنى عمرو بن الحارث، على فرسين، يقال لأحدهما: اللّعاب، والآخر: عفزر، فباتا عند رجل من بنى نفاثة، فقال النّفاثىّ لقيس واخيه: أطيعانى وارجعا، لأعرفنّ رماحكما تكسر فى قتاد نعمان، قالا: إنّ رماحنا لا تكسر إلّا فى صدور الرجال! قال: لا يضرّكما؛ وستحمدان أمرى، فأصبحا غاديين. فلما شارفا متن اللهيماء من نعمان، وبنو عمرو بن الحارث فويق ذلك بموضع يقال له أديمة، وأغارا على غنم لجندب بن أبى أعيبس، وفيها جندب، فتقدّم إليه قيس، فرماه جندب على حلمة ثديه وبعجه قيس بالسيف فأصابت ضبّة السيف وجه جندب، وحزّ قيس
(15/419)

ونفرت الغنم نحو الدار فتبعها وحمل سالم على جندب بفرسه عفزر، فضرب جندب خطم الفرس بالسيف فقطعه، وضربه سالم بالسيف فقطع إحدى ثدييه، فخّر جندب ووقف عليه سالم، وأدرك العشى سالما، فخرج وترك سيفه فى المعركة وثوبه بحقويه، ولم ينج إلا بحفن سيفه ومئزره فقال حذيفة بن أنيس فى ذلك من أبيات:
كشفت غطاء الحرب لمّا رأيتها ... تميل على صفو من اللّيل أعسرا
أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها ... وإن شمّرت عن ساقها الحرب شمّرّا
ويمشى إذا ما الموت كان أمامه ... كذا الشّبل يحمى الأنف أن يتأخرا
نجا سالم والنفس منه بشرقة ... ولم ينج إلّا جفن سيف ومئزرا
وطاب عن اللّعّاب نفسا ورمّة ... وغادر قيسا فى المكرّ وعفزرا
يوم خزاز
قال أبو عبيدة: تنازع عامر ومسمع ابنا عبد الملك، وخالد بن جبلة، وإبراهيم بن محمد بن نوح العطاردى، وغسّان بن عبد الحميد، وعبد الله بن سالم الباهلىّ، ونفر من وجوه أهل البصرة كانوا يتجالسون يوم الجمعة ويتفاخرون ويتنازعون فى الرياسة يوم خزاز. فقال خالد بن جبلة: كان الأحوص ابن جعفر الرئيس. وقال عامر ومسمع: كان الرئيس كليب وائل. وقال ابن نوح: كان الرئيس زرارة بن عدس، وهذا فى مجلس أبى عمرو بن العلا، فتحاكموا إليه فقال: ما شهدها عامر بن صعصعة، ولا دارم بن مالك، ولا جشم بن بكر، اليوم أقدم من ذلك، غير أن أهل اليمن كان الرجل منهم يجئ ومعه كاتب وطنفسة يقعد عليها، فيأخذ من أموال نزار ما شاء، كعمّال صدقاتهم اليوم،
(15/420)

وكان أوّل يوم امتنعت معدّ عن [الملوك «1» ] : ملوك حمير، وكانت نزار لم تكثر بعد، فأوقدوا نارا على خزاز ثلاث ليال، ودخّنوا ثلاثة أيام، فقيل له: وما خزاز؟ قال:
هو جبل [قريب من أمرة على يسار الطريق «2» ] خلفه صحراء منعج «3» ، ففى ذلك اليوم امتنعت نزار من أهل اليمن، قال عمرو بن كلثوم:
ونحن غداة أوقد فى خزاز ... رفدنا فوق رفد الرّافدينا
فكنّا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنو أبينا
فصالوا صولة فيمن يليهم ... وصلنا صولة فيمن يلينا
فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفّدينا
قال أبو عمرو بن العلاء: ولو كان جدّه كليب وائل قائدهم ورئيسهم ما ادّعى الرفادة وترك الرياسة.
يوم النّسار
قال أبو عبيدة: تحالفت أسد وطيىء وغطفان، ولحقت بهم ضبّة وعدىّ، فغزوا بنى عامر فقتلوهم قتلا شديدا، فغضبت بنو تميم لمقتل بنى عامر، فتجمّعوا حتى لحقوا طيئا وغطفان وحلفاءهم من ضبّة وعدىّ يوم الفجار، فقتلت تميم [طيّئا «4» ] أشدّ مما قتلت عامر يوم النّسار، فقال بشر بن أبى خازم:
غضبت تميم أن تقتّل عامر ... يوم النّسار فأعقبوا بالصّيلم
يوم ذات الشقّوق
قال: فحلف ضمرة بن ضمرة النهشلىّ وقال: الخمر علىّ حرام حتى يكون لنا يوم يكافئه، فأغار عليهم يوم ذات الشقوق فقتلهم وقال فى ذلك:
(15/421)

الآن ساغ لى الشّراب ولم أكن ... آتى الفجار ولا أشدّ تكلمى
حتّى صبحت على الشّقوق بغارة ... كالتّمر تنثر فى جرين «1» الجرّم
وأفأت يوما بالجفار بمثله ... وأجزت نصفا من حديث الموسم
ومشت نساء كالنساء عواطلا ... من بين عارفة النساء وأيّم
ذهب الرّماح بزوجها فتركنه ... فى صدر معتدل القناة مقوّم
يوم خوّ
قال أبو عبيدة: أغارت بنو أسد على بنى يربوع فاكتسحوا إبلهم، فأتى الصريخ الحىّ فلم يتلاحقوا إلّا مساء بموضع يقال له خوّ «2» ، وكان ذؤاب بن ربيعة الأسدىّ على فرس أنثى، وكان عتيبة بن الحارث بن شهاب على حصان يستنشى ريح الأنثى فى سواد الليل ويتبعها، فلم يعلم عتيبة إلّا وقد أقحم فرسه على ذؤاب ابن ربيعة، وعتيبة غافل لا يبصر ما بين يديه، فرآه ذؤاب فطعنه فى نحره فقتله، ولحق الربيع بن عتيبة فشدّ على ذؤاب فأسره وهو لا يعلم أنه قاتل أبيه، فلم يزل عنده أسيرا حتى فاداه أبوه ربيعة بإبل قاطعه عليها، وتواعدا بسوق عكاظ فى الأشهر الحرم أن يأتى هذا بالإبل وهذا بالأسير، فأقبل أبو ذؤاب بالإبل، وشغل الربيع بن عتيبة فلم يحضر سوق عكاظ، فظنّ ربيعة أبو ذؤاب أن ذؤابا قتل بعتيبة، فقال يرثيه:
أبلغ قبائل جعفر مخصوصة ... ما إن أحاول جعفر بن كلاب
إنّ المودّة والهوادة بيننا ... خلق كسحق الرّيطة المنجاب
ولقد علمت على التجلّد والأسى ... أنّ الرّزيّة كان يوم ذؤاب
(15/422)

إن يقتلوك فقد هتكت بيوتهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب
بأحبّهم فقدا على أعدائه ... وأشدّهم فقدا على «1» الأصحاب
فلما بلغ إليهم الشعر قتلوا ذؤاب بن ربيعة.
أيام الفجار «2»
الفجار الأوّل
قال أبو عبيدة: أيام الفجار عدّة، فأوّلها بين كنانة وهوازن. وكان الذى هاجه أنّ بدر بن معشر أحد بنى عقال بن مليك بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة جعل له مجلسا بسوق عكاظ، وكان منيعا فى نفسه، فقام فى المجلس وقام على رأسه قائم وأنشأ يقول:
نحن بنو مدركة بن خندف ... من يطعنوا فى عينه لا يطرف
ومن يكونوا قومه يغطرف «3» ... كأنّهم لجّة بحر مسدف «4»
قال: ومدّ رجله وقال: أنا أعزّ العرب، فمن زعم أنه أعزّ منّى فليضربها، فضربها الأحيمر بن مازن أحد بنى دهمان بن نضر بن معاوية، فأندرها «5» من الركبة
(15/423)

وقال: خذها إليك أيها المخندف! قال أبو عبيدة: إنما خرصها خريصية يسيرة وقال فى ذلك:
نحن بنو دهمان ذو التّغطرف ... بحر لبحر زاخر لم ينزف
[نبنى على الأحياء بالمعرّف «1» ]
قال أبو عبيدة: فتحاور الحيّان عند ذلك حتى كاد يكون بينهم قتال، ثم تراجعوا ورأوا أنّ الخطب يسير.
الفجار الثانى
قال: كان الفجار الثانى بين قريش وهوازن، وكان الذى هاجه أنّ فتية من قريش قعدوا الى امرأة من بنى عامر بن صعصعة وضيئة بسوق عكاظ. وقالوا:
بل أطاف بها شباب من بنى كنانة وعليها برقع [فأعجبهم ما رأوا من هيئتها «2» ] ، فسألوها أن تسفر عن وجهها، فأبت عليهم، فأتى أحدهم من خلفها فشدّ دبر درعها بشوكة إلى ظهرها وهى لا تدرى، فلما قامت تقلّص الدّرع عن دبرها، فضحكوا وقالوا: منعتنا النظر الى وجهها فقد رأينا دبرها، فنادت المرأة: يا آل عامر! فتحاور الناس، وكان بينهم قتال ودماء يسيرة، فحملها حرب بن أميّة وأصلح بينهم.
الفجار الثالث وهو بين كنانة وهوازن
وكان الذى هاجه أنّ رجلا من بنى كنانة كان عليه دين لرجل من بنى نضر بن معاوية، فأعدم الكنانىّ، فوافى النضرىّ بسوق عكاظ بقرد، فأوقفه فى سوق عكاظ فقال: من يبيعنى مثل هذا بما لى على فلان حتى أكثر فى ذلك. وإنما فعل ذلك تعييرا للكنانىّ ولقومه، فمرّ به رجل من بنى كنانة فضرب القرد بالسيف
(15/424)

فقتله، فهتف النضرىّ: يا آل هوازن! وهتف الكنانىّ: يا آل كنانة! فهاج الناس حتى كاد أن يكون بينهم قتال، ثم رأوا الخطب يسيرا فتراجعوا.
قال أبو عبيدة: إنما سميت هذه الأيام بالفجار لأنها كانت فى الأشهر الحرم، وهى الشهور التى يحرّمونها، وهذه يقال لها أيام الفجار الأوّل.
الفجار الآخر وهو بين قريش وكنانة كلها وبين هوازن
وإنما هاجها البّراض بقتله عروة الرحّال بن عتبة بن جعفر بن كلاب، فأبت أن تقتل بعروة البّراض لأن عروة سيّد هوازن، والبّراض خليع من بنى كنانة، وأرادوا أن يقتلوا به سّيّدا من قريش.
وهذه الحرب كانت قبل مبعث النبىّ صلى الله عليه وسلم بستّ وعشرين سنة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كنت أنبل على أعمامى يوم الفجار وأنا ابن أربع عشرة سنة» يعنى أناولهم النبل.
وكان سبب هذه الحرب أنّ النعمان بن المنذر اللّخمىّ ملك الحيرة كان يبعث الى سوق عكاظ فى كلّ عام لطيمة «1» فى جوار رجل شريف من أشراف العرب يجيرها له، حتى تباع هنالك ويشترى له بها من أدم الطائف ما يحتاج إليه. وكانت سوق عكاظ تقوم فى أوّل يوم من ذى القعدة، فيتسوّقون إلى حضور الحجّ، ثم يحجّون، فجّهز النعمان عير اللطيمة ثم قال: من يجيرها؟ فقال البّراض بن قيس الضمرىّ: أنا أجيرها على بنى كنانة، فقال النعمان: ما أريد إلّا رجلا يجيرها على أهل نجد وتهامة، فقال عروة الرحّال- وهو يومئذ رجل هوازن- أكلب خليع يجيرها لك؟ أبيت اللعن! أنا أجيرها لك على أهل الشّيح والقيصوم من أهل
(15/425)

نجد وتهامة! فقال البّراض: أعلى بنى كنانة تجيرها يا عروة؟ قال: وعلى الناس كلّهم! فدفعها النعمان إلى عروة، فخرج بها وتبعه البرّاض، وعروة لا يخشى منه شيئا، إلى أن نزل بأرض يقال لها أوارة «1» ، فشرب من الخمر وغنّته قينة، ثم نام، فجاء البّراض فدخل عليه، فناشده عروة وقال: كانت منّى زلّة، وكانت الغفلة منى ضلّة، فقتله وخرج وهو يرتجز ويقول:
قد كانت الغفلة منّى ضلّه ... هلّا على غيرى جعلت الزّلّه
فسوف أعلو بالحسام القلّه
وقال:
وداهية يهال الناس منها ... شددت لها بنى بكر ضلوعى
هتكت بها بيوت بنى كلاب ... وأرضعت الموالى بالضّروع
جمعت له يدىّ بنصل سيف ... أفلّ فخرّ كالجذع الصّريع
واستاق اللطيمة إلى خيبر، واتّبعه المساور بن مالك الغطفانىّ، وأسد بن خيثم الغنوىّ حتى دخلا خيبر، فكان البرّاض أوّل من لقيهما، فقال لهما: من الرجلان؟
قالا: من غطفان وغنىّ. قال البرّاض: ما شأن غطفان وغنىّ بهذا البلد؟ قالا:
ومن أنت؟ قال: من أهل خيبر. قالا: ألك علم بالبرّاض؟ قال: دخل علينا طريدا خليعا فلم يؤوه أحد بخيبر ولا أدخله بيتا. قالا: فأين يكون؟ قال: وهل لكما [به «2» ] طاقة إن دللتكما عليه؟ قالا: نعم. قال: فانزلا، فنزلا وعقلا راحلتيهما. قال: أيّكما أجرأ عليه وأمضى مقدما وأحدّ سيفا؟ قال الغطفانىّ:
أنا. قال: فانطلق أدلّك عليه، فانطلقا حتى انتهيا إلى خربة فى جانب خيبر خارجة عن البيوت، فقال البرّاض: هو فى هذه الخربة وإليها يأوى، فأنظرنى حتى أنظر
(15/426)

أثمّ هو أم لا، فوقف له ودخل البرّاض ثم خرج إليه وقال: هو قائم فى البيت الأقصى خلف هذا الجدار، فهل عند سيفك صرامة؟ قال: نعم. قال: هات سيفك أنظر إليه أصارم هو؟ فأعطاه سيفه، فهزّه البرّاض ثم ضربه فقتله، ووضع السيف خلف الباب وأقبل إلى الغنوىّ فقال: ما وراءك؟ قال: أجبن من صاحبك، تركته قائما فى البيت الذى فيه الرجل، والرجل نائم لا يتقدّم إليه ولا يتأخّر عنه، قال الغنوىّ: يا لهفاه! لو كان لى من ينظر راحلتينا، قال البرّاض: هما علىّ إن ذهبتا، فانطلق الغنوىّ والبرّاض خلفه حتى إذا جاور الغنوىّ باب الخربة أخذ البرّاض السيف من خلف الباب ثم ضربه حتى قتله وأخذ سلاحيهما وراحلتيهما وانطلق.
وبلغ قريشا خبر البرّاض بسوق عكاظ، فخلصوا نجيّا، واتّبعتهم قيس لمّا بلغهم أنّ البرّاض قتل عروة الرحّال، وعلى قيس أبو براء عامر بن مالك، فأدركوهم وقد دخلوا الحرم، فنادوهم.: يا معشر قريش، إنّا نعاهد الله ألّا نبطل دم عروة أبدا، أو نقتل به عظيما منكم، وميعادنا معكم هذه الليلة من العام القابل، فقال حرب بن أميّة لأبى سفيان ابنه: قل لهم: إنّ موعدكم قابل فى هذا اليوم، فقال خداش بن زهير فى هذا اليوم، وهو يوم نخلة، من أبيات أوّلها:
يا شدّة ما شددنا غير كاذبة ... على سخينة لولا الليل والحرم
وكانت العرب تسمّى قريشا سخينة لأكلها السّخن.
يوم شمظة «1» وهو يوم نخلة من الفجار الاخر
قال: فجمعت كنانة قرشيّها وعبد منانها والأحابيش ومن لحق بهم من بنى أسد بن خزيمة، وألبس يومئذ عبد الله بن جدعان مائة كمىّ «2» السلاح بأداة
(15/427)

كاملة، سوى ما ألبس من قومه، والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة.
قال: وجمعت سليم وهوازن وجموعهما وأخلافهما، غير كلاب وبنى كعب، فإنهما لم يشهدا يوما من أيام الفجار غير يوم نخلة، فاجتمعوا بشمظة من عكاظ فى هذه الأيام التى تواعدوا فيها على قرن الحول، وعلى كلّ قبيلة من قريش وكنانة سيّدها، وكذلك على قبائل قيس، غير أنّ أمر كنانة كلّها الى حرب بن أميّة، وعلى إحدى مخبتيها عبد الله بن جدعان، وعلى الأخرى كريز بن ربيعة، وحرب بن أميّة فى القلب، وأمر هوازن كلّها الى مسعود بن معتب الثقفىّ، فزحف بعضهم الى بعض، فكانت الدائرة فى أوّل النهار لكنانة على هوازن، حتى إذا كان من آخر النهار تداعت هوازن وصابرت، وانكشفت كنانة فاستحرّ القتل فيهم، فقتل منهم تحت رايتهم مائة رجل، ويقال ثمانون، ولم يقتل من قريش أحد يذكر، فكان هذا اليوم لهوازن على كنانة.
يوم العبلاء
قال: ثم رجع هؤلاء وأولئك فالتقوا على قرن الحول من يوم عكاظ، والرؤساء عليهم الذين ذكرناهم فى يوم شمظة، فكان هذا اليوم أيضا لهوازن على كنانة. وفى هذا اليوم قتل العوّام بن خويلد والد الزبير، قتله مرّة بن معتب الثقفىّ، وقال رجل من ثقيف:
منّا الذى ترك العوّام مجندلا ... تنتابه الطير لحما بين أحجار
يوم شرب «1»
ثم جمع هؤلاء وأولئك فالتقوا على قرن الحول فى اليوم الثالث من أيام عكاظ، فالتقوا بشرب، وهو أعظم أيامهم والرؤساء عليهم وعلى المجنبتين من ذكرنا، وحمل
(15/428)

ابن جدعان يومئذ مائة رجل على مائة بعير ممن لم تكن له حمولة، فالتقوا، وقد كان لهوازن على كنانة يومان متواليان: يوم شمظة والعبلاء، فحمشت قريش وكنانة، وصابرت بنو مخزوم وبنو بكر، فانهزمت هوازن وقتلت قتلا ذريعا، فقال عبد الله بن الزّبعرى يمدح بنى المغيرة:
ألا لله قوم ... لدت أخت بنى سهم
هشام وأبو عبد ... مناف مدره «1» الخصم
وذو الرّمحين أشباك «2» ... من القوّة والحزم
فهذان يذودان ... وذا من كثب يرمى
وأبو عبد مناف: هاشم بن المغيرة. وذو الرّمحين: أبو ربيعة بن المغيرة، قاتل يوم شرب برمحين. وأمّهم ريطة بنت سعد بن سهم، فقال فى ذلك جذل الطعان:
جاءت هوازن أرسالا وإخوتها ... بنو سليم فهابوا الموت وانصرفوا
فاستقبلوا بضراب فضّ جمعهم ... مثل الحريق فما عاجوا ولا عطفوا
يوم الحريرة «3»
ثم جمع هؤلاء وأولئك والتقوا على رأس الحول بالحريرة، وهى حرّة إلى جنب عكاظ، والرؤساء على هؤلاء [وأولئك «4» ] هم الذين كانوا فى سائر الأيام، وكذلك على المجنبتين إلّا أنّ أبا مساحق بن قيس اليعمرىّ قد كان مات، فكان بعده على بكر بن عبد مناة ابن كنانة أخوه جثامة بن قيس، فكان يوم الحريرة لهوازن على كنانة، وهو آخر الأيام الخمسة التى تزاحفوا فيها، فقتل يومئذ أبو سفيان بن أميّة أخو حرب بن
(15/429)

أميّة، وقتل من بنى كنانة ثمانية نفر، قتلهم عثمان بن أسيد بن مالك من بنى عامر ابن صعصعة، وقتل جماعة أخر، فقال خداش بن زهير:
إنّى من النّفر المحمّر أعينهم ... أهل السّوام وأهل الصّخر واللّوب
الطّاعنين نحور الخيل مقبلة ... بكلّ سمراء لم تغلب ومغلوب
وقد بلوتم وأبلوكم بلاءهم ... يوم الحريرة ضربا غير تكذيب
لا قيتم منهم آساد ملحمة ... ليسوا بزرّاعة عوج العراقيب
فالآن إن تقبلوا نأخذ نحوركم ... وإن تباهوا فإنّى غير مغلوب
وقال الحارث بن كلدة الثّقفىّ:
تركت الفارس البّذاخ منهم ... تمجّ عروقه علقا عبيطا
دعست لبانه بالرّمح حتّى ... سمعت لمتنه فيه أطيطا
لقد أرديت قومك يابن صخر ... وقد جشّمتهم أمرا سليطا
وكم أسلمت منكم من كمىّ ... جريحا قد سمعت له غطيطا
مضت أيّام الفجار الآخر، وهى خمسة أيام فى أربع سنين.
قال أبو عبيدة: ثم تداعى الناس إلى السلّم على أن يذروا الفضل ويتعاهدوا ويتواثقوا.
يوم عين أباغ «1»
قال أبو عبيدة: كان ملك العرب المنذر الأكبر بن ماء السماء، ثم مات فملك ابنه عمرو، ثم هلك فملك بعده أخوه قابوس، ثم مات فملك أخوه المنذر بن المنذر
(15/430)

ابن ماء السماء. وذلك فى مملكة كسرى بن هرمز، فغزاه الحارث الغسّانىّ، وكان بالشام من جهة قيصر، فالتقوا بعين أباغ، فقتل المنذر، فولّى كسرى النعمان بن المنذر، ثم سعى الى كسرى فى النعمان فقتله، وقد تقدّم ذكر سبب ولايته ومقتله.
وكان النعمان لمّا تحقّق غضب كسرى عليه هرب، ثم علم أنه لا منجى له من يد كسرى فقدم إليه فقتله. واستعمل كسرى على العرب إياس بن قبيصة الطائىّ.
وكان النعمان لمّا شخص الى كسرى أودع حلقته، وهى ثمانمائة درع وسلاحا كثيرا، هانىء بن مسعود الشّيبانىّ، وجعل عنده ابنته هندا التى تسمّى حرقة، فلمّا قتل النعمان قالت فيه الشعراء، فقال زهير بن أبى سلمى من أبيات:
ألم تر للنّعمان كان بنجوة ... من الشرّ لو أنّ امرأ كان ناجيا
فلم أر مخذولا له مثل ملكه ... أقلّ صديقا باذلا أو مواسيا
يوم ذى قار
قال أبو عبيدة: يوم ذى قار هو يوم الحنو، ويوم قراقر، ويوم الجبابات، ويوم ذات العجرم، ويوم بطحاء ذى قار، وكلّها حول ذى قار.
قال أبو عبيدة: لم يكن هانىء بن مسعود المستودع حلقة النعمان، وإنما هو ابن ابنه، واسمه هانىء بن قبيصة بن هانىء بن مسعود، لأنّ وقعة ذى قار كانت وقد بعث النبىّ صلى الله عليه وسلم وخبّر أصحابه بها فقال: «اليوم أوّل يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبى نصروا» .
ولما قتل النعمان كتب كسرى إلى إياس بن قبيصة يأمره أن يضمّ ما كان للنعمان، فأبى هانىء بن قبيصة أن يسلّم ذلك إليه، فغضب كسرى وأراد استئصال بكر بن وائل، فقدم عليه النعمان بن زرعة التغلبىّ فقال: يا خير الملوك، ألا أدلّك
(15/431)

على غرّة بكر بن وائل، قال نعم، قال: أقرّها وأظهر الإضراب عنها حتى يجليها القيظ ويدنيها منك، فأقرّهم، حتى إذا قاظوا نزلت بكر حنو ذى قار، فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة يخيّرهم بين ثلاث خصال: إمّا أن يسلّموا الحلقة، وإمّا أن يعرّوا الدّيار، وإمّا أن يأذنوا بحرب. فتنازعت بكر بينها، فهمّ هانىء بن قبيصة بركوب الفلاة، وأشار به على بكر وقال: لا طاقة لكم بجموع الملك، فلم تر من هانىء سقطة قبلها.
وقال حنظلة بن ثعلبة بن سيّار العجلىّ: لا أرى غير القتال، فإنّا إن ركبنا الفلاة لمتنا عطشا، وإن أعطينا بأيدينا تقتل مقاتلتنا وتسبى ذراريّنا، فراسلت بكر عنها وتوافت بذى قار، ولم يشهدها أحد من بنى حنيفة، ورؤساء بكر يومئذ ثلاثة نفر: هانىء بن قبيصة الشيبانىّ، ويزيد بن مسهر الشّيبانىّ، وحنظلة بن ثعلبة العجلىّ.
فقال حنظلة بن ثعلبة لهانىء بن قبيصة: يا أبا أمامة، إنّ ذمّتكم ذمّتنا عامّة، وإنه لن يوصل إليك حتى تفنى أرواحنا، فأخرج هذه الحلقة ففرّقها بين قومك، فإن تظفر فستردّ عليك، وإن تهلك فأهون مفقود، ففرّقها فيهم. وقال للنعمان:
لولا أنك رسول ما أبت إلى قومك سالما.
قال: فعقد كسرى للنعمان بن زرعة على تغلب والنّمر. وعقد لخالد بن يزيد البهرانىّ على قضاعة وإياد. وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب، ومعه كتيبتاه: الشهباء ودو سر. وعقد للهامرز التّسترىّ على ألف من الأساورة، وكتب إلى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد ذى الجدّين- وكان عامله على طفّ سفوان- يأمره أن يوافى إياس بن قبيصة، فسار إليه.
(15/432)

وسار إياس بمن معه من الجند وغيرهم، فلما دنوا من بكر أقبل قيس بن مسعود الى قومه ليلا، فأمرهم بالصبر ثم رجع.
فلما التقى الزّحفان وتقرّب القوم، قام حنظلة بن ثعلبة بن سيّار العجلىّ فقال:
يا معشر بكر، إنّ نشّاب الأعاجم يفرّقكم، فعاجلوهم الى اللّقاء وابدءوهم بالشدّة، وقال هانىء بن مسعود: يا قوم، مهلك مقدور، خير من منجى مغرور.
إنّ الجزع لا يردّ القدر، وإنّ الصبر من أسباب الظفر، المنيّة خير من الدنيّة، واستقبال المنيّة خير من استدبارها، فالجدّ الجدّ، فما من الموت بدّ.
ثم قام حنظلة بن ثعلبة فقطع وضن «1» النساء فسقطن الى الأرض وقال: ليقاتل كلّ رجل عن حليلته، فسمّى مقطّع الوضن.
قال: وقطع يومئذ سبعمائة من بنى شيبان أيدى أقبيتهم من مناكبها لتخفّ أيديهم لضرب السيوف فتجالد القوم، وقتل يزيد بن حارثة اليشكرىّ الهامرز مبارزة، ثم قتل يزيد بعد ذلك. فضرب الله وجوه الفرس فانهزموا، واتبعتهم بكر حتى دخلوا السواد فى طلبهم، وأسر النعمان بن زرعة التغلبىّ. ونجا إياس بن قبيصة على فرسه الحمامة، فكان أوّل من انصرف إلى كسرى بالهزيمة هو. وكان لا يأتيه أحد بهزيمة جيش إلّا نزع كتفيه. فلمّا أتاه إياس بن قبيصة سأله عن الجيش فقال: هزمنا بكر بن وائل وأتيناك ببناتهم. فأعجب ذلك كسرى وأمر له بكسوة، ثم استأذنه إياس فقال: أخى قيس بن قبيصة مريض بعين التّمر، فأردت أن آتيه، فأذن له.
ثم أتى كسرى رجل من أهل الحيرة وهو بالخورنق فسأل: هل دخل على الملك أحد؟ فقالوا: إياس، فظنّ أنه قد حدّثه الخبر، فدخل عليه وأخبره بهزيمة القوم
(15/433)

وقتلهم، فأمر به فنزعت كتفاه. وقد أكثرت الشعراء فى يوم ذى قار. فمن ذلك ما قاله أعشى بكر من قصيدة له:
لو أنّ كلّ معدّ كان شاركنا ... فى يوم ذى قار ما أخطاهم الشّرف
لمّا أمالوا الى النّشّاب أيديهم ... ملنا ببيض لمثل الهام تختطف
بطارق وبنو ملك مرازبة ... من الأعاجم فى آذانها النّطف
كأنما الآل فى حافات جمعهم ... والبيض برق بدا فى عارض يكف
ما فى الخدود صدود عن سيوفهم ... ولا عن الطّعن فى اللّبات منحرف
وقال الأعشى يلوم قيسا من أبيات:
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت امرؤ ترجو شبابك وائل
رحلت ولم تنظر وأنت عميدهم ... فلا يبلغنّى عنك ما أنت فاعل
فعرّيت من أهل ومال جمعته ... كما عريّت ممّا تمرّ المغازل
شفى النفس قتلى لم توسّد خدودها ... وسادا ولم تعضض عليها الأنامل
لعلّك يوم الحنو إذ صبّحتهم ... كتائب لم تعصك بهنّ العواذل «1»
قال: ولما بلغ كسرى خبر قيس بن مسعود بما فعل مع قومه حبسه حتى مات فى حبسه، ففيه قال الأعشى:
وعرّيت من أهل ومال جمعته
صورة ما ورد بآخر الجزء الثالث عشر فى أحد الأصلين الفتوغرافيين المرموز له بنسخة (ا)
[انتهت أيام العرب على وجه الاختصار وحذف التكرار من كتاب «نهاية الأرب فى فنون الأدب» لمؤلفه أحمد بن عبد الوهاب القرشىّ المعروف بالنّويرىّ
(15/434)

رحمة الله تعالى عليه وغفرانه على يد كاتبه فقير رحمة ربه الشامل نور الدين بن شرف الدين العالمى، فى اليوم السابع والعشرين من شهر رجب الفرد من شهور سنة سبع وستين وتسعمائة من الهجرة النبوية، وصلى الله على نبيّنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا الى يوم الدين، ويليه الجزء الرابع عشر من نسخة الأصل وأوّله: (القسم الخامس من الفنّ الخامس فى أخبار الملّة الإسلامية) ] .
صورة ما ورد بآخر الجزء الثالث عشر أيضا فى الأصل الثانى الفتوغرافى المرموز له بنسخة (ب)
[انتهت أيام العرب على وجه الاختصار، وحذف التكرار، بعون الله تعالى وتوفيقه ويمنه، وبتمامها كمل الجزء الثالث عشر من كتاب «نهاية الأرب فى فنون الأدب» يتلوه إن شاء الله تعالى فى أوّل الجزء الرابع عشر من الكتاب، وهو الجزء الرابع من التاريخ: القسم الخامس من الفنّ الخامس فى أخبار الملّة الإسلامية.
وحسبنا الله ونعم الوكيل] .
«وكتب بالهامش مانصه: بلغ مؤلفه مقابلة بأصله والحمد لله» .
أنجزت- بعون الله وحسن توفيقه- تصحيح وتحقيق الجزء الخامس عشر من كتاب «نهاية الأرب فى فنون الأدب» من تجزئة طبعة دار الكتب المصرية فى يوم الأحد 17 من ذى الحجة سنة 1368 هـ (9 أكتوبر سنة 1949 م) .
ويليه الجزء السادس عشر وأوّله: «القسم الخامس من الفنّ الخامس فى أخبار الملّة الإسلامية» .
محمد عبد الجوّاد الأصمعىّ المصحح بالقسم الأدبى بدار الكتب المصرية
(15/435)

كمل طبع «الجزء الخامس عشر من (نهاية الأرب فى فنون الأدب) » بمطبعة دار الكتب المصرية فى يوم الأربعاء 11 محرّم سنة 1369 (2 نوفمبر سنة 1949) محمد نديم مدير المطبعة بدار الكتب المصرية (مطبعة دار الكتب المصرية 15/1942/1500)
(15/436)