Advertisement

نهاية الأرب في فنون الأدب 017

فهرس الجزء السّابع عشر
من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويرىّ
غزوات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وما يتصل بذلك من الوقائع التى لم تذكر فى حوادث السنين لتعلقها بالغزوات 1
أوّل لواء عقده صلّى الله عليه وسلّم 2
سريّة عبيدة بن الحارث بن المطلب إلى بطن رابع 2
سرية سعد بن أبى وقاص إلى الخرار 3
غزوة الأبواء 4
غزوة بواط 4
غزوة بدر الأولى 5
غزوة ذى العشيرة 5
سرية عبد الله بن جحش الأسدى إلى نخلة 6
غزوة بدر الكبرى 10
رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب وخروج قريش إلى بدر 11
خروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومن معه من المسلمين إلى بدر 15
قتال الملائكة مع المسلمين 26
(مقدمةج 17/1)

ورود الخبر بمصاب أهل بدر على من بمكة من كفار قريش، وهلاك أبى لهب بن عبد المطلب 31
تسمية من شهد بدرا من المهاجرين والأنصار مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم 33
تسمية من استشهد من المسلمين فى غزوة بدر 44
تسمية من قتل من المشركين فى غزوة بدر 44
تسمية من أسر من المشركين فى غزوة بدر 51
خبر أسارى بدر، وما كان من فدائهم، ومن منّ عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأطلقه منهم، ومن أسلم بسبب ذلك 54
خبر أبى سفيان فى أسر ابنه عمرو وإطلاقه 56
خبر أبى العاص بن الربيع فى فدائه، وإرساله زينب بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مكة إلى المدينة وإسلامه بعد ذلك 57
خبر الوليد بن الوليد بن المغيرة 61
من منّ عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أسارى بدر وأطلقه بغير فداء 61
خبر عمير بن وهب وإسلامه، وإطلاق ولده وهب بن عمير 62
سريّة عمير بن عدى بن خرشة الخطمى إلى عصماء بنت مروان من بنى أمية بن زيد 65
سرية سالم بن عمير العمرى إلى أبى عفك اليهودى 66
غزوة بنى قينقاع 67
غزوة السويق 70
غزوة قرقرة الكدر 71
(مقدمةج 17/2)

مقتل كعب بن الأشرف اليهودى 72
غزوة غطفان إلى نجد 77
غزوة بنى سليم ببحران 79
سرية زيد بن حارثة إلى القردة 80
غزوة أحد 81
خبر مقتل حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه 100
تسمية من استشهد من المسلمين يوم أحد 104
تسمية من قتل من المشركين يوم أحد 108
ما أنزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من القرآن فى غزوة أحد، وما ورد فى تفسير ذلك 111
غزوة حمراء الأسد 126
سرية أبى سلمة بن عبد الأسد المخزومى 127
سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد الهذلى 128
سرية المنذر بن عمرو الساعدى إلى بئر معونة 130
سرية مرثد بن أبى مرثد الغنوى إلى الرجيع 133
غزوة بنى النضير 137
ما أنزل الله عز وجل فى بنى النضير 140
قصة برصيصا 148
غزوة بدر الموعد 154
غزوة ذات الرقاع، وخبر صلاة الخوف 158
خبر غورث بن الحارث المحاربى لما أراد أن يفتك برسول الله صلّى الله عليه وسلّم 159
(مقدمةج 17/3)

خبر جابر بن عبد الله فى جمله، واستغفار النبى صلّى الله عليه وسلّم لأبيه 160
غزوة دومة الجندل 162
غزوة بنى المصطلق، وهى غزوة المريسيع 164
غزوة الخندق وهى غزوة الأحزاب 166
تسمية من استشهد من المسلمين فى غزوة الخندق، ومن قتل من المشركين 178
ما أنزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من القرآن فى غزوة الخندق، وما ورد فى تفسير ذلك 179
غزوة بنى قريظة 186
نزول بنى قريظة على حكم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسؤال الأوس فيهم وتحكيم سعد بن معاذ وحكمه فيهم بحكم الله تعالى وقتلهم 190
سرية عبد الله بن عتيك إلى أبى رافع سلّام بن أبى الحقيق النضرى بخيبر 197
سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء 200
غزوة بنى لحيان 200
غزوة الغابة وهى غزوة ذى قرد 201
سرية عكاشة بن محصن الأسدى إلى الغمر 203
سرية محمد بن مسلمة إلى بنى ثعلبة بذى القصّة 204
سرية أبى عبيدة بن الجرّاح إلى ذى القصة 204
سرية زيد بن حارثة إلى بنى سليم بالجموم 205
سرية بن زيد بن حارثة إلى العيص 206
(مقدمةج 17/4)

سرية زيد بن حارثة إلى الطرف 206
سرية زيد بن حارثة إلى حسمى 207
سرية زيد بن حارثة إلى وادى القرى 208
سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل 209
سرية على بن أبى طالب إلى بنى سعد بن بكر بفدك 209
سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة 210
سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن رزام اليهودى بخيبر 211
سرية كرز بن جابر الفهرى إلى العرنيين 213
سريّة عمرو بن أمية الضمرى وسلمة بن أسلم إلى أبى سفيان بن حرب بمكة 214
غزوة الحديبية 217
تجمع قريش للحرب 218
بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خراش بن أمية الخزاعى إلى قريش بمكة 226
بيعة الرضوان 227
ذكر هدنة قريش، وما وقع فيها من الشروط 229
رجوع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة، ونزول سورة الفتح 234
خبر أبى بصير بن أسيد بن جارية 245
غزوة خيبر 248
خبر بنى سهم حين أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم 255
فتح الوطيح والسلالم من حصون خيبر 257
(مقدمةج 17/5)

تسمية من استشهد من المسلمين فى غزوة خيبر 259
قسم غنائم خيبر 261
تسمية من قسم لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الكتيبة التى خرجت للخمس، وما أعطاهم منها 263
خبر الحجاج بن علاط وما أوصله إلى أهل مكة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى استوفى أمواله 266
انصراف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن خيبر إلى وادى القرى، ونومهم عن صلاة الصبح 268
سرية عمر بن الخطاب إلى تربة 270
سرية أبى بكر الصديق إلى بنى كلاب بنجد 271
سرية بشير بن سعد الأنصارى إلى فدك 272
سريّة غالب بن عبد الله الليثى إلى الميفعة 272
سرية بشير بن سعد الأنصارى إلى يمن وجبار 273
سرية ابن أبى العوجاء السلمى إلى بنى سليم 274
سرية غالب بن عبد الله الليثى إلى بنى الملوح بالكديد 274
سريته إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك 276
سرية شجاع بن وهب الأسدى إلى بنى عامر بالسىّ 276
سرية كعب بن عمير الغفارى إلى ذات أطلاح 277
سرية مؤتة 277
تسمية من استشهد من المسلمين يوم مؤتة 283
سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل 283
(مقدمةج 17/6)

سرية أبى عبيدة بن الجرّاح، وهى سريّة الخبط 284
سرية أبى قتادة بن ربعى الأنصارى إلى خضرة 285
سريته إلى بطن إضم 286
غزوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عام الفتح 287
خبر حاطب بن أبى بلتعة فى كتابه إلى أهل مكة، وإعلام الله تعالى نبيه صلّى الله عليه وسلّم بذلك وأخذه الكتاب، وما أنزل الله عز وجل فى ذلك من القرآن 291
خروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المدينة إلى مكة 296
خبر أبى سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم 297
محبىء العباس بأبى سفيان بن حرب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإسلام أبى سفيان، وخبر الفتح 299
دخول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه مكة صلحا، ودخول خالد بن الوليد ومن معه من القبائل عنوة 302
شعر ضرار بن الخطاب يوم الفتح 304
من أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقتلهم يوم فتح مكة وسبب ذلك، ومن قتل منهم، ومن نجا بإسلامه 307
إسلام أبى قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم ابن مرة بن كعب 310
إسلام عبد الله بن الزبعرى وشعره فى ذلك 311
دخول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المسجد وطوافه بالبيت، ودخوله الكعبة، وما فعل بالأصنام 312
(مقدمةج 17/7)

سرية خالد بن الوليد إلى العزّى وهدمها 314
سرية عمرو بن العاص إلى سواع وكسره 315
سرية سعد بن زيد الأشهلى إلى مناة 315
سرية خالد بن الوليد إلى بنى جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، وهو يوم الغميصاء 316
خبر عبد الله بن علقمة مع حبيشة ومقتله 317
غزوة حنين إلى هوازن وثقيف 323
سرية الطفيل بن عمرو الدوسى إلى ذى الكفّين 335
مسير رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الجعرانة، وقسم مغانم حنين، وما أعطاه المؤلّفة 339
قدوم وفد هوازن على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإسلامهم وردّ السبابا إليهم 341
تسمية من بايع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من قريش وغيرها عند قسم مغانم حنين 345
مقالة الأنصار فى أمر قسم الفىء، وما أجابهم به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم 346
استخلاف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عتّاب بن أسيد على مكة، ورجوعه إلى المدينة 348
سرية عيينة بن حصن الفزارى إلى بنى تميم 348
خبر الوليد بن عقبة بن أبى معيط مع بنى المصطلق 349
سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم 350
(مقدمةج 17/8)

سرية الضحاك بن سفيان الكلابى إلى بنى كلاب 350
سرية علقمة بن مجزّز المدلجى إلى الحبشة 351
سرية على بن أبى طالب رضى الله عنه إلى الفلس 352
سرية عكاشة بن محصن الأسدى إلى الجناب 352
غزوة تبوك 352
سرية خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك 356
خبر مرور رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالحجر وما قاله لأصحابه 358
أخبار المنافقين، وما تكلموا به فى غزوة تبوك، وما أنزل الله عز وجل فيهم من القرآن 359
خبر الثلاثة الذين خلّفوا، وما أنزل فيهم وفى المعذّرين من الأعراب 361
سرية على بن أبى طالب رضى الله عنه إلى اليمن 368
سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى أرض الشراة 370
حجّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعمره 371
خطبته فى حجة الوداع 373
عمرة القضاء 375
(مقدمةج 17/9)

الجزء السابع عشر
[تتمة الفن الخامس في التاريخ]
[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]
[تتمة الباب الأول من القسم الخامس في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وبه التوفيق والإعانة
ذكر غزوات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
وما يتصل بذلك من الوقائع التى لم تذكر فى حوادث السنين لتعلقها بالغزوات كانت غزوات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم التى حضرها بنفسه سبعا وعشرين غزّاة، كلّها بعد هجرته صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة وهى:
غزوة الأبواء، وهى غزوة ودّان، ثم غزوة بواط، ثم غزوة بدر الأولى، ثم غزوة ذى العشيرة، ثم غزوة بدر الكبرى، ثم غزوة بنى قينقاع، ثم غزوة السّويق، ثم غزوة قرقرة الكدر، وهى غزوة بنى سليم، ثم غزوة غطفان إلى نجد، وهى غزوة ذى أمر «1» ، ثم غزوة بنى سليم ببحران، ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بنى النّضير، ثم غزوة بدر الموعد «2» ، ثم غزوة ذات الرّقاع، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة بنى المصطلق بالمريسيع، ثم غزوة الخندق، وهى غزوة الأحزاب، ثم غزوة بنى قريظة، ثم غزوة بنى لحيان، ثم غزوة الغابة، وهى غزوة ذى قرد، ثم غزوة الحديبية، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة الفتح، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطّائف، ثم غزوة تبوك، ومنهم من عدّ عمرة القضاء مع الغزوات، وكانت بعد خيبر وقبل الفتح.
(17/1)

قاتل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من هذه الغزوات فى تسع، وهى: بدر الكبرى، وأحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطّائف؛ وقيل: إنه قاتل فى بنى النّضير، والغابة.
وسراياه صلّى الله عليه وسلّم نحو من ستّين سريّة «1» .
ذكر أوّل لواء عقده صلّى الله عليه وسلّم
كان أوّل لواء عقده رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعمّه حمزة بن عبد المطلب فى شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجره لواء أبيض، حمله أبو مرثد كنّاز بن الحصين الغنوىّ، حليف حمزة، وبعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى ثلاثين رجلا من المهاجرين يعترض لعير «2» قريش قد جاءت من الشام تريد مكة، وفيها أبو جهل بن هشام فى ثلاثمائة رجل، فبلغوا سيف «3» البحر من ناحية العيص «4» ، فالتّقوا، وصفّوا للقتال، فمشى مجدىّ بن عمرو الجهنىّ، وكان موادعا للفريقين جميعا، إلى هؤلاء مرة، وإلى هؤلاء مرة، حتى حجز بينهم.
ذكر سرية عبيدة بن الحارث بن المطّلب إلى بطن رابغ
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شوّال على رأس ثمانية أشهر من مهاجره فى ستين رجلا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، وعقد له لواء أبيض،
(17/2)

حمله مسطح بن أثاثة بن المطّلب بن عبد مناف. حكاه محمد بن سعد.
قال ابن إسحاق: أو ثمانين رجلا من المهاجرين، فسار حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنيّة المرة، فلقى به جمعا عظيما من قريش.
قال الشيخ شرف الدين الدمياطىّ رحمه الله: فلقى أبا سفيان بن حرب، وهو فى مائتين، على ماء يقال له أحياء، من بطن رابغ على عشرة أميال من الجحفة، فكان بينهم الرّمى ولم يسلّوا السيوف ولم يصطفّوا للقتال، وكان سعد بن أبى وقّاص أوّل من رمى بسهم فى سبيل الله، ثم انصرف الفريقان على حاميتهم «1» ؛ وكان على القوم عكرمة بن أبى جهل. وقال أبو محمد بن هشام: كان عليهم مكرز بن حفص ابن الأخيف.
قال ابن إسحاق: وفرّ من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهرانىّ حليف بنى زهرة، وعتبة بن غزوان بن جابر المازنىّ حليف بنى نوفل بن عبد مناف، وكانا مسلمين، ولكنهما جاءا مع القوم ليتوصّلا بهم «2» .
وقدّم ابن إسحاق هذه السّريّة على سرية حمزة.
ذكر سريّة سعد بن أبى وقّاص إلى الخرّار «3»
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى ذى القعدة على رأس تسعة أشهر من مهاجره فى عشرين رجلا من المهاجرين، وعقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو البهرانىّ، وساروا يتعرضون لعير قريش، وعهد إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ألّا يجاوز الخرار.
قال سعد: فخرجنا على أقدامنا، فكنا نكمن النهار ونسير الليل، حتى صبّحناها صبح خمس، فنجد العير قد مرّت بالأمس.
(17/3)

ذكر غزوة الأبواء
«1» وهى غزوة ودّان «2» وبينهما ستة أميال وهذه الغزوة أول غزاة غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بنفسه، وكانت فى صفر على رأس اثنى عشر شهرا من مهاجره، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيض، واستخلف على المدينة سعد بن عبادة، وخرج فى المهاجرين ليس فيهم أنصارىّ حتى بلغ الأبواء يعترض لعير قريش، فلم يلق كيدا.
وفى هذه الغزاة وادع مخشىّ بن عمرو الضّمرىّ، وكان سيّدهم فى زمانه، على ألّا يغزو بنى ضمرة ولا يغزوه، ولا يكثروا عليه جمعا، ولا يعينوا عدوا، وكتب بينه وبينهم كتابا.
وكانت غيبته صلّى الله عليه وسلّم خمس عشرة ليلة.
ذكر غزوة بواط
غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شهر ربيع الأوّل على رأسه ثلاثة عشر شهرا من مهاجره «3» وحمل لواءه سعد «4» بن أبى وقّاص، وكان أبيض، واستخلف على المدينة سعد «5» بن معاذ. [وقال ابن هشام: استعمل عليها السائب بن عثمان بن مظعون.]
(17/4)

وخرج فى مائتين من أصحابه يعترض لعير قريش، فيها أميّة بن خلف الجمحىّ ومائة رجل من قريش وألف وخمسمائة بعير، فبلغ بواطا، وهى من جبال جهينة من ناحية رضوى، وهى قريب من ذى خشب مما يلى طريق الشام، وبين بواط والمدينة نحو من أربعة برد، فلم يلق كيدا، فرجع صلّى الله عليه وسلّم «1» .
ذكر غزوة بدر الأولى «2»
غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره، لطلب كرز بن جابر الفهرىّ، وحمل لواءه على بن أبى طالب، وكان أبيض، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة، وكان كرز قد أغار على سرح «3» المدينة فاستاقه، وكان يرعى بالجمّاء، فطلبه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر، وفاته كرز فلم يلحقه، فرجع إلى المدينة.
ذكر غزوة ذى العشيرة
العشيرة، بالشين المعجمة، وقيل بالسين المهملة، وقيل: العشيرا بالألف.
غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى جمادى الآخرة، على رأس ستة عشر شهرا من مهاجره، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيض، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومىّ.
(17/5)

وخرج فى خمسين ومائة، ويقال فى مائتين من المهاجرين ممن انتدب، ولم يكره أحدا على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيرا يعتقبونها «1» ، وخرج يعترض لعير قريش حين ابتدأت إلى الشام، فبلغ ذا العشيرة، وهى لبنى مدلج بناحية ينبع، فوجد العير التى خرج لها قد مضت قبل ذلك بأيام، وهى العير التى خرج أيضا يريدها حين رجعت من الشام، فكانت فيها وقعة بدر الكبرى.
وفى هذه الغزاة وادع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بنى مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة. وفيها كنّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليا رضى الله عنه أبا تراب «2» ، وقيل فى غيرها.
ذكر سرّية عبد الله بن جحش الأسدى إلى نخلة
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شهر رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مهاجره فى اثنى عشر رجلا من المهاجرين، كل اثنين يعتقبان بعيرا.
قال ابن إسحاق: وكتب [له «3» ] رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتابا، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه، ويمضى لما أمره به، ولا يستكره أحدا من أصحابه.
(17/6)

قال: وكان معه أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعكّاشة بن محصن، وعتبة ابن غزوان بن جابر، وسعد بن أبى وقّاص، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله التّميمىّ، وخالد بن البكير أحد بنى سعد بن ليث، وسهيل بن بيضاء.
هؤلاء الذين عدّهم ابن إسحاق؛ وكان معهم المقداد بن عمرو، حكاه محمد بن سعد.
قال ابن إسحاق: فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب فإذا فيه:
«إذا نظرت فى كتابى هذا فأمض حتى تنزل نخلة، بين مكة والطائف، فترصّد بها قريشا، وتعلّم لنا من أخبارهم» . فلما نظر عبد الله فى الكتاب قال: سمع وطاعة.
ثم ذكر ذلك لأصحابه وقال لهم: قد نهانى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن أستكره أحدا منكم، فمن كان يريد الشّهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فمضوا كلّهم، وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران، أضلّ سعد بن أبى وقّاص وعتبة بن غزوان بعيرهما، فتخلّفا فى طلبه، ومضى عبد الله وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرّت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما «1» وتجارة من تجارة قريش- قال ابن سعد: وخمرا- وفيها عمرو بن الحضرمىّ، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة.
فلما رآهم القوم هابوهم؛ وكان عكّاشة حلق رأسه ليطمئن «2» القوم؛ فأمنوا.
وقال لهم «3» عثمان: لا بأس عليكم منهم. قال: فسّرحوا ركابهم، وصنعوا طعاما.
قال: فتشاور القوم فيهم، وذلك آخر يوم من شهر رجب، فقالوا: والله لئن
(17/7)

تركتموهم فى هذه الليلة ليدخلنّ الحرم فليمتنعنّ منكم به، وإن قتلتموهم لتقتلنّهم فى الشهر الحرام. فتردّد القوم وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجّعوا أنفسهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم؛ فخرج واقد بن عبد الله يقدم المسلمين، فرمى عمرو بن الحضرمىّ بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل «1» بن عبد الله فأعجزهم. وأقبل عبد الله وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
فلما قدموا عليه قال: ما أمرتكم بقتال فى الشهر الحرام. ووقّف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا؛ فأسقط «2» في يد القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنّفهم المسلمون فيما صنعوا.
وقالت قريش: قد استحلّ محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدّم، وأخذوا فيه الأموال «3» ، وأسروا الرجال؛ وأكثر الناس فى ذلك، فأنزل الله تعالى:
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ، قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)
أى إن كنتم قتلتم فى الشهر الحرام فقد صدّوكم عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم. (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)
؛ أى قد كانوا يفتنون المسلمين فى دينهم حتى يردّوهم إلى الكفر بعد إيمانهم، فذاك أكبر عند الله من القتل.
(17/8)

قال: فلما نزلت الآيات قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم العير والأسيرين، وبعثت إليه قريش فى فدائهما، فقال: لا. حتى يقدم صاحبانا، يعنى سعد ابن أبى وقّاص، وعتبة بن غزوان، فإنّا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم. فقدم سعد وعتبة، فأفداهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان فلحق بمكة، فكان بها حتى مات كافرا.
قال: فلما تجلّى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه طمعوا فى الأجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها اجر المجاهدين؟ فأنزل الله تعالى فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
، قال: وقسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الفىء فجعل أربعة أخماسه لمن أفاءه، وخمسه إلى الله ورسوله.
قال ابن هشام: وهى أوّل غنيمة غنمها المسلمون، وعمرو بن الحضرمىّ أول من قتل المسلمون، وعثمان والحكم أول من أسر المسلمون. وفى هذه السريّة سمى عبد الله بن جحش أمير المؤمنين.
وقال عبد الله بن جحش فى هذه الواقعة، ويقال إنها لأبى بكر الصدّيق رضى الله عنه؛ والذى صحّحه ابن هشام أنها لعبد الله بن جحش، أبياتا يخاطب بها قريشا:
تعدّون قتلا فى الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرّشد راشد
صدودكم عمّا يقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد
(17/9)

وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلّا يرى لله فى البيت ساجد
فإنّا وإن عيّرتمونا بقتله ... وأرجف بالإسلام باع وحاسد
سقينا من ابن الحضرمىّ رماحنا ... بنخلة لمّا أوقد الحرب واقد
دما وابن عبد الله عثمان بيننا ... ينازعه غلّ من القدّ عاند
«1»
ذكر غزوة بدر الكبرى
«2» ، ويقال فيها بدر القتال، وما يتّصل بها كان سبب هذه الغزوة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سمع بإقبال أبى سفيان بن حرب من الشام فى العير التى لقريش، وهى التى خرج إليها فى غزوة ذى العشيرة، وكان فيها أموال قريش وتجاراتهم، وفيها منهم ثلاثون أو أربعون، منهم مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص بن وائل، فندب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المسلمين إليهم، وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعلّ الله ينفلكموها، فانتدب الناس، فخفّ بعضهم وثقل بعض.
وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسّس «3» الأخبار، ويسأل من لقى من الرّكبان عن أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تخوّفا على ما معه؛ فأخبره بعض الركبان: أن
(17/10)

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد استنفر أصحابه لقصده، فحذر عند ذلك، واستأجر ضمضم بن عمرو الغفارىّ؛ فبعثه إلى مكة، وأمره أن يستنفر قريشا إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها فى أصحابه؛ فأسرع ضمضم إلى مكة.
ذكر رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب وخروج قريش إلى بدر
قال محمد بن إسحاق رحمه الله بسنده إلى عبد الله بن عبّاس، وعروة بن الزبير رضى الله عنهم.
قالا: ورأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس، فقالت له: والله لقد رأيت رؤيا أفظعتنى وتخوّفت أن يدخل على قومك منها شرّ أو مصيبة، فاكتم عنى ما أحدّثك به، قال:
وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير حتى وقف بالأبطح «1» ، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا أنفروا يا آل غدر «2» ! لمصارعكم فى ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينماهم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا آل غدر! لمصارعكم فى ثلاث، ثم مثل به بعيره على
(17/11)

رأس أبى قبيس «1» فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها مكة «2» فلا دار منها إلا دخلتها منها فلقة؛ قال العباس: والله إنّ هذه لرؤيا! وأنت «3» فاكتميها.
ثم خرج العباس فلقى الوليد بن عتبه بن ربيعة، وكان صديقا له؛ فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة؛ ففشا الحديث حتى تحدّثت به قريش.
قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت، وأبو جهل بن هشام فى رهط من قريش قعود يتحدّثون برؤيا عاتكة، فلما رآنى أبو جهل قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأت إلينا، فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم؛ فقال لى أبو جهل: يا بنى عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النبيّة؟ قلت: وما ذاك؟
قال: تلك الرؤيا التى رأت عاتكة، فقلت: وما رأت؟ فقال: يا بنى عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبّأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم! فقد زعمت عاتكة فى رؤياها أنه قال:
انفروا فى ثلاث، فسنتربّص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شىء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت فى العرب؛ قال العباس: فو الله ما كان منى إليه كبير إلا أنّى جحدت ذلك، وأنكرت أن تكون رأت شيئا، قال: ثم تفرّقنا.
فلما أمسيت لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب إلا أتتنى فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع فى رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع؛ ثم لم تكن
(17/12)

عندك غيرة «1» لشىء مما سمعت! قال: قلت: قد والله فعلت، ما كان منّى إليه من كبير؛ وأيم الله لأتعرّضنّ له، فإن عاد لأكفينّكنّه.
قال: فغدوت فى اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضب أرى أنى قد فاتنى منه أمر أحب أن أدركه منه، فدخلت المسجد فرأيته، فو الله إنى لأمشى نحوه أتعرض له ليعود لبعض ما قال، فأوقع به، إذ خرج نحو باب المسجد يشتدّ «2» ، فقلت فى نفسى: ما له لعنه الله! أكلّ هذا فرق منى أن أشاتمه! وإذا هو قد سمع ما لم أسمع؛ صوت ضمضم بن عمرو وهو يصرخ ببطن الوادى واقفا على بعيره، قد جدع «3» بعيره وحوّل رحله، وشقّ قميصه وهو يقول: يا معشر قريش، اللّطيمة «4» اللّطيمة! أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد فى أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث! قال العباس: فشغلنى عنه، وشغله عنّى ما جاء من الأمر.
فتجهّز الناس سراعا وقالوا: أيظنّ محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمىّ؟
كلّا! والله ليعلمنّ غير ذلك، فكانوا بين رجلين: إمّا خارج، وإما باعث رجلا مكانه، وأوعبت «5» قريش فلم يتخلّف من أشرافها أحد، إلا أن أبا لهب بن عبد المطلّب تخلّف، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، استأجره بأربعة آلاف درهم كانت لأبى لهب عليه، فخرج عنه.
وروى أبو الفرج علىّ بن الحسين الأصفهانىّ فى كتابه المترجم بالأغانى «6» بسند يرفعه إلى مصعب بن عبد الله قال:
(17/13)

قامر أبو لهب العاصى بن هشام فى عشرة من الإبل فقمره «1» ، ثم فى عشرة فقمره، [ثم فى عشرة فقمره «2» ] ، إلى أن خلعه من ماله فلم يبق له شيئا، فقال له:
إنى أرى القداح قد حالفتك يابن عبد المطلب، فهلّم أقامرك يابن عبد المطلب، فأيّنا غلب كان عبد الصاحبه. قال: افعل، ففعل. فقمره أبو لهب، فكره أن يسترقّه فتغضب بنو مخزوم، فمشى إليهم فقال: افتدوه منى بعشرة من الإبل.
فقالوا: لا والله ولا بوبرة. فاسترقّه، فكان يرعى له إبله إلى أن خرج المشركون إلى بدر. قال: وقال غير مصعب: فاسترقه واحتبسه قينا «3» يعمل [الحديد «4» ] . فلما خرج المشركون إلى بدر أخرجه أبو لهب عنه لأنه كان عليلا، على أنه إن عاد أعنقه، فقبل العاصى.
قال ابن اسحاق: وكان أميّة بن خلف قد أجمع القعود [وكان شيخا «5» جليلا جسيما ثقيلا] فأتاه عقبة بن أبى معيط وهو جالس فى المسجد بين قومه بمجمرة «6» ، فوضعها بين يديه، وقال: يا أبا علىّ، استجمر، فإنما أنت من النساء. فقال:
قبحك الله وقبح ما جئت به. ثم تجهّز وخرج مع الناس.
قال: ولما فرغوا من جهازهم، وأجمعوا المسير، ذكروا ما كان بينهم وبين بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فقالوا: إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا.
فكادوا ينثنون؛ فتبدّى لهم إبليس فى صورة سراقة بن مالك المدلجىّ، وكان من أشراف كنانة، فقال: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشىء مما تكرهونه فخرجوا سراعا.
هذا ما كان من أمر قريش.
(17/14)

ذكر خروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومن معه من المسلمين إلى بدر
قال محمد بن إسحاق: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المدينة لثمان خلون من شهر رمضان.
وقال محمد بن سعد: خرج يوم السبت لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجره، واستعمل على المدينة عمرو ابن أم مكتوم، واسمه عبد الله، ليصلّى بالناس، ثم ردّ أبا لبابة من الرّوحاء «1» واستعمله على المدينة، وخرج صلّى الله عليه وسلّم فى ثلاثمائة رجل وخمسة عشر رجلا، كان من المهاجرين منهم أربعة وسبعون، وسائرهم من الأنصار بعد أن ردّ من أصحابه من استصغرهم، ولم يكن غزا بالأنصار قبلها.
قال محمد بن سعد: وتخلّف من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمانية لعلّة، ضرب لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسهامهم، وأجورهم؛ ثلاثة من المهاجرين: وهم عثمان بن عفان، خلّفه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على امرأته رقيّة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكانت مريضة، فأقام عليها حتى ماتت، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد، بعثهما يتحسّسان خبر العير، وخمسة من الأنصار، وهم: أبو لبابة بن عبد المنذر، خلّفه على المدينة، وعاصم بن عدىّ، خلّفه على أهل العالية، والحارث بن حاطب، رده من الرّوحاء إلى بنى عمرو بن عوف لشىء بلغه عنهم، والحارث بن الصّمة، وخوّات بن جبير، كسرا بالرّوحاء.
(17/15)

وكانت إبل أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يومئذ سبعين بعيرا يعتقبونها، فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعلىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، ومرثد ابن أبى مرثد الغنوىّ يعتقبون بعيرا.
قال محمد بن سعد يرفعه إلى ابن مسعود قال: كنا يوم بدر كلّ ثلاثة على بعير، وكان أبو لبابة، وعلىّ، زميلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فكان إذا كانت عقبة النبى صلّى الله عليه وسلّم قالا له: اركب يا رسول الله حتى تمشى عنك، فيقول: «ما أنتما بأقوى على المشى منّى، وما أنا أغنى عن الأجر منكما.»
قال ابن إسحاق: وكان حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، وأبو كبشة، وأنسة موليا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعتقبون بعيرا؛ وكان أبو بكر الصدّيق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، يعتقبون بعيرا.
قال ابن سعد: وكانت الخيل فرسين: فرس للمقداد بن عمرو، وفرس لمرثد ابن أبى مرثد الغنوىّ. قال ابن إسحاق: وفرس للزّبير بن العوّام.
قال: ودفع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اللّواء إلى مصعب بن عمير بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار، وكان أبيض، قال: وكان أمام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رايتان سوداوان، إحداهما مع على بن أبى طالب، والأخرى مع الأنصار.
قال ابن سعد: وكان لواء الخزرج مع الحباب بن المنذر، ولواء الأوس مع سعد بن معاذ، وجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على السّاقة قيس بن أبى صعصعة أخا بنى مازن بن النجار. قال: ولما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
(17/16)

قريبا من الصّفراء»
بعث بسبس بن عمرو، وعدىّ بن أبى الزّغباء الجهنيّين إلى بدر يتحسّسان له الأخبار عن أبى سفيان وعيره.
ثم ارتحل صلّى الله عليه وسلّم إلى ذفران- واد يسار الصّفراء- وأتاه الخبر بمسير قريش ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس وأخبرهم، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال:
يا رسول الله، امض لما أمرك الله! فنحن معك فو الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ)
، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فو الذى بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى برك الغماد «2» لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه؛ فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خيرا، ودعا له.
ثم قال: أشيروا علىّ أيها الناس- وإنما يريد الأنصار لأنهم عدد الناس- فقال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله، قال: أجل؛ قال: فقد آمنّا بك وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فو الذى بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدا، إنا لصبر فى الحرب، صدق فى اللّقاء،
(17/17)

لعلّ الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدنى إحدى الطائفتين، والله لكأنى الآن أنظر إلى مصارع القوم» .
ثم ارتحل صلّى الله عليه وسلّم من ذفران «1» حتى نزل قريبا من بدر، فركب هو وأبو بكر الصديق حتى وقفا على شيخ من العرب، فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبرانى من أنتما؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إذا أخبرتنا أخبرناك. قال: أو ذاك بذاك؟ قال نعم. قال الشيخ: فإنه بلغنى أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن صدق الذى أخبرنى فهم «2» اليوم بمكان كذا وكذا- للمكان الذى ترك به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصحابه- وبلغنى أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذى أخبرنى صدقنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا- للمكان الذى به قريش- ثم قال: من أنتما؟
فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: نحن من ماء. ويقال: إن الشيخ سفيان الضّمرىّ. قال: ثم رجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى أصحابه، فلما أمسى بعث علىّ بن أبى طالب، والزّبير بن العوّام، وسعد بن أبى وقّاص، فى نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون له عليه الخبر، فأصابوا راوية «3» لقريش فيها أسلم، غلام بنى الحجاج، وعريض أبو يسار، غلام بنى العاص، فأتوا بهما؛ فسألهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن قريش، فقالا: هم وراء هذا الكئيب الذى ترى بالعدوة القصوى، فقال لهما: كم القوم؟ قالا: كثير؛ قال: ما عدّتهم؟ قالا: لا ندرى.
(17/18)

قال: كم ينحرون كل يوم؟ قالا: تسعا، ويوما عشرا؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: القوم ما بين التسعمائة والألف، ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البخترىّ بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدىّ بن نوفل، والنّضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأميّة بن خلف، ونبيه ومنبّه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ودّ، فأقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الناس فقال: هذه مكة قد ألقت أفلاذ كبدها.
قال: وبلغ أبا سفيان الخبر بمقدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد ورد ماء بدر، فرجع إلى أصحابه سريعا وصرف وجه عيره عن الطريق، فساحل بها «1» ، وترك بدرا يساره، وانطلق. وأقبلت قريش، فلما نزلوا الجحفة «2» ، رأى جهيم بن الصّلت بن مخرمة ابن عبد المطلب رؤيا فقال: إنّى فيما يرى النائم، أو إنى «3» لبين النائم واليقظان، إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس حتى وقف، ومعه بعير له، ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وفلان وفلان، فعدد رجالا ممّن كان قتل يوم بدر من أشراف قريش، ورأيته ضرب فى لبّة بعيره، ثم أرسله فى العسكر، فما بقى خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح «4» من دمه.
قال: فبلغت أبا جهل بن هشام فقال: وهذا أيضا نبىّ آخر من بنى عبد المطلب! سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا.
(17/19)

قال: ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجّاها الله فارجعوا؛ فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا؛ وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم فيه سوق فى كل عام، فنقيم عليه ثلاثا، فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان «1» ، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعينا، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها، فامضوا.
فمضت قريش حتى نزلوا العدوة «2» القصوى من الوادى، والقلب «3» ببدر فى العدوة «4» الدنيا، قال: وبعث الله السماء، وكان الوادى دهسا «5» ، فأصاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه منها ما لبّد لهم الأرض، ولم يمنعهم من المسير.
وقال ابن سعد: كان المسلمون يومئذ يميدون من النعاس ونزلوا على كثيب «6» أهيل، فمطرت السماء فصار مثل الصّفا «7» يسعون عليه سعيا. وأنزل الله تعالى:
(إِذْ يُغَشِّيكُمُ «8» النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ) .
قال ابن إسحاق: وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يبادرهم إلى الماء، حتى إذا جاء أدنى ماء
(17/20)

من ماء بدر نزل به، فأتاه الحباب بن المنذر بن الجموح فقال: يا رسول الله، هذا المنزل منزل أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدّمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «بل الرأى والحرب والمكيدة» . قال يا رسول الله: فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتى أدنى ماء من القوم فنزله، ثم نعوّر «1» ما وراءه من القلب، ثم نبتنى عليه حوضا فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لقد أشرت بالرأى» ، فنهض بالناس وسار حتى [إذا «2» ] أتى أدنى ماء من القوم، نزل عليه؛ ثم أمر بالقلب فعوّرت، وبنى حوضا على القليب الذى نزل عليه، فملئ ماء، ثم قذفوا فيه الآنية.
فقال سعد بن معاذ: يا نبىّ الله، نبتنى لك عريشا «3» تكون فيه، وتكون عندك ركائبك، ثم نلقى عدوّنا، فإن أعزّنا الله وأظهرنا على عدوّنا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك، فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلّف عنك أقوام ما نحن بأشدّ لك حبّا منهم، ولو ظنّوا أن تلقى حربا ما تخلّفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك؛ فأثنى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليه خيرا، ثم بنى لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم عريش، فمكان فيه.
قال: وارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت، فلمّا رآها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها «4» وفخرها، تحادّك «5» وتكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذى وعدتنى، اللهم أحنهم «6» الغداة.»
(17/21)

قال ابن سعد: كانت قريش تسعمائة وخمسين، وخيلهم مائة فرس، وكان لهم ثلاثة ألوية؛ لواء مع أبى عزيز بن عمير، ولواء مع النّضر بن الحارث، ولواء مع طلحة بن أبى طلحة.
قال ابن إسحاق عن أبيه إسحاق بن يسار وغيره، عن أشياخ من الأنصار، قال:
لما اطمأنّ القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحىّ فقالوا: احزر «1» لنا أصحاب محمد، فجال بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصونه، ولكن أمهلونى حتى أنظر، أللقوم كمين أو مدد؟ قال: فضرب فى الوادى حتى أبعد، فلم ير شيئا، فرجع إليهم، فقال: ما رأيت شيئا، ولكنى رأيت يا معشر قريش البلايا «2» تحمل المنايا، نواضح «3» يثرب تحمل الموت الناقع «4» ، قوم ليس معهم [منعة «5» ] ولا ملجأ إلا سيوفهم، أما ترونهم خرصا لا يتكلّمون، يتلمّظون تلمّظ الأفاعى؛ والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم، فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم.
فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى فى الناس؛ فأتى عتبة بن ربيعة فقال:
يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيّدها، والمطاع فيها، هل لك ألّا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمىّ. قال: قد فعلت، علىّ عقله «6» ؛ فأت ابن الحنظليّة، يعنى أبا جهل بن هشام، قال: فأتيته فقلت: يا أبا الحكم، قد أرسلنى إليك عتبة
(17/22)

بكذا وكذا، فقال: انتفخ والله سحره «1» حين رأى محمدا وأصحابه، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، ثم بعث إلى عامر بن الحضرمى فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثارك بعينك، فقم فأنشد خفرتك «2» ومقتل أخيك. فقام عامر فاكتشف «3» ثم صرخ: واعمراه! وا عمراه! فحميت الحرب»
وحقب «5» أمر الناس، واستوسقوا «6» على ما هم عليه من الشر. قال: فخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومىّ، وكان رجلا شرسا سيّء الخلق، فقال: أعاهد الله لأشربنّ من حوضهم أو لأهدمنّه، أو أموتنّ دونه، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطنّ «7» قدمه بنصف ساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره، ثم جاء إلى الحوض يريد أن يبرّ يمينه، وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله.
ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة، بين أخيه شيبة بن ربيعة، وابنه الوليد بن عتبة، حتى إذا برز من الصفّ دعا إلى المبارزة، فخرج إليه ثلاثة من الأنصار، وهم: عوف ومعوّذ ابنا الحارث، وعبد الله بن رواحة، فقالوا: من أنتم؟
فقالوا: رهط من الأنصار؛ قالوا: ما لنا بكم من حاجة، ثم نادى مناديهم:
يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فأخرج لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
(17/23)

عمّه حمزة بن عبد المطلب، وعلىّ بن أبى طالب، وعبيدة بن الحارث، فلما دنوا منهم قالوا: من أنتم؟ فسمّى كل رجل منهم نفسه، قالوا: نعم أكفاء كرام؛ فبارز عبيدة- وكان أسنّ القوم- عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علىّ الوليد بن عتبة، فأما حمزة وعلىّ فإنهما لم يمهلا مبارزيهما أن قتلاهما، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت «1» صاحبه، وكرّ حمزة وعلىّ بأسيافهما على عتبة فذفّفا «2» عليه، واحتملا صاحبهما فحازاه «3» إلى أصحابه.
قال محمد بن سعد: وفى عبيدة وعتبة نزل قوله تعالى: (هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ)
. قال: ثم زحف الناس ودنا بعضهم من بعض.
وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان، على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة.
وعدّل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الصّفوف، ورجع إلى العريش، فدخله هو وأبو بكر الصدّيق ليس معه غيره فيه، وهو صلّى الله عليه وسلّم يناشد «4» ربه ما وعده من النصر، ويقول فيما يقول: اللهمّ إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، وأبو بكر يقول: يا نبىّ الله، بعض مناشدتك ربّك، فإن الله منجزك ما وعدك.
وخفق «5» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خفقة ثم انتبه، فقال: أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النّقع «6» .
(17/24)

قال ابن إسحاق: ورمى مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل، وكان أول قتيل قتل من المسلمين، ثم رمى حارثة بن سراقة، أحد بنى عدىّ بن النجّار، وهو يشرب فى الحوض بسهم، فأصاب نحره، فقتل.
ثم خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الناس يحرّضهم، وقال: «والذى نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة» ، فقال عمير بن الحمام أخو بنى سلمة، وفى يده تمرات يأكلهن: بخ بخ «1» ! أفما بينى وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلنى هؤلاء؟ ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه وقاتل حتى قتل.
وقال عوف بن الحارث- وهو ابن عفراء- يا رسول الله: ما يضحك «2» الربّ من عبده؟ قال: غمسه يده فى العدوة حاسرا. فنزع درعا كانت عليه، وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل.
قال: ثم أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا، ثم قال: شاهت «3» الوجوه، ثم نفحهم بها، وأمر أصحابه فقال: شدّوا؛ فكانت الهزيمة على قريش، فقتل الله من صناديد قريش من قتل، وأسر من أسر.
قال محمد بن سعد: قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: لما نزلت:
(سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)
، قلت: وأىّ جمع يهزم ومن يغلب؟ فلما كان يوم بدر نظرت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يثب فى الدرع وثبا وهو يقول:
(سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)
، فعملت أن الله تعالى سيهزمهم.
(17/25)

قال: ولمّا وضع القوم أيديهم يأسرون، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم [فى العريش «1» ] وسعد بن معاذ قائم على باب العريش، متوشّح السيف، فى نفر من الأنصار يحرسون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يخافون عليه كرّة العدوّ، فرأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس فقال له: لكأنّى بك يا سعد تكره ما يصنع القوم؛ قال: أجل: والله يا رسول الله، كانت أوّل وقعة أوقعها الله بأهل الشّرك، فكان الإثخان فى القتل أحبّ إلىّ من استبقاء الرجال.
وفى هذا اليوم أنزل الله تعالى الملائكة فقاتلوا مع المسلمين.
قال محمد بن سعد: لما صفّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصحابه وعبّأهم للحرب، جاءت ريح لم ير مثلها شدّة ثم ذهبت، فجاءت ريح أخرى ثم ذهبت، فجاءت ريح أخرى، فكانت الأولى جبريل عليه السلام فى ألف من الملائكة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والثانية ميكائيل عليه السلام فى ألف من الملائكة عن ميمنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والثانية ميكائيل عليه السلام فى ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والثالثة إسرافيل فى ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان سيما الملائكة يومئذ عمائم قد أرخوها بين أكتافهم: خضر وصفر وحمر من نور، والصّوف فى نواصى خيلهم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه: إنّ الملائكة قد سوّمت فسوّموا. فأعلموا بالصوف فى مغافرهم «2» وقلانسهم.
قال: وكانت الملائكة يوم بدر على خيل بلق.
وقال ابن إسحاق: حدّثنى عبد الله بن أبى بكر أنه حدّث عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: حدّثنى رجل من بنى غفار قال:
(17/26)

أقبلت أنا وابن عمّ لى حتى أصعدنا فى جبل يشرف [بنا «1» ] على بدر [ونحن مشركان «2» ] ننظر الوقعة على من تكون الدائرة «3» ، ننتهب مع من ينتهب، فبينما نحن فى الجبل إذ دنت منا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم «4» حيزوم. قال: فأمّا ابن عمى فانكشف قناع قلبه، فمات مكانه. وأما أنا فكدت أن أهلك، ثم تماسكت.
وروى ابن إسحاق عن أبى أسيد مالك بن ربيعة- وكان شهد بدرا- قال- بعد أن ذهب بصره-: لو كنت اليوم ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشّعب «5» الذى خرجت منه الملائكة، لا أشكّ ولا أتمارى «6» .
وعن أبى داوود المازنىّ، قال: إنى لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفى، فعرفت أنه قتله غيرى.
وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، قال: كانت سما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرسلوها فى ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمرا، وفى حديث آخر عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرخوها على ظهورهم. إلا جبريل فإنه كانت عليه عمامة صفراء.
وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: لم تقاتل الملائكة فى يوم سوى يوم بدر، وكانوا فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون.
(17/27)

قال: وكان شعار أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم بدر: أحد أحد.
قال ابن إسحاق: وأقبل أبو جهل يومئذ يرتجز وهو [يقاتل «1» و] يقول:
ما تنقم الحرب العوان منّى ... بازل عامين حديث سنّى «2» .
لمثل هذا ولدتنى أمّى
قال: فلما فرغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من عدوّه أمر أن يلتمس أبو جهل بن هشام فى القتلى، فمرّ به عبد الله بن مسعود، قال: فوجدته بآخر رمق فعرفته، فوضعت رجلى على عنقه، فقال لى: لقد ارتقيت يا رويعى الغنم مرتقى صعبا، ثم قال: أخبرنى لمن الدائرة اليوم؟ فقلت: لله ولرسوله؛ ثم احتززت رأسه، ثم جئت به إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقلت: يا رسول الله، هذا رأس عدوّ الله أبى جهل؛ فقال: الله «3» الذى لا إله غيره؟ قلت: نعم والله الذى لا إله غيره، ثم ألقيت رأسه بين يدى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وعن عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها قالت: لما أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالقتلى أن يطرحوا فى القليب، طرحوا فيه إلا أميّة بن خلف فإنه انتفخ فى درعه فملأها فذهبوا ليحرّكوه فتزايل «4» ، فأقرّوه وألقوا عليه ما غيّبه من التراب والحجارة، قالت: ولما ألقوا فى القليب، وقف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «يأهل القليب، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا، فإنى قد وجدت ما وعدنى
(17/28)

ربى حقا» قالت: فقال له أصحابه: يا رسول الله، أتكلم قوما موتى؟ فقال لهم: «لقد علموا أنّ ما وعدهم ربهم حق» . وعن أنس رضى الله عنه نحوه، إلا أنّ فيه: فقال المسلمون: يا رسول الله، أتنادى قوما قد جيّفوا «1» ؟ قال:
«ما أنتم بأسمع لما أقول منهم «2» ، ولكن لا يستطيعون أن يجيبونى» .
قال ابن إسحاق: وكان الفتية الذين قتلوا ببدر- فنزل فيهم قوله تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً)
- الحارث بن زمعة بن الأسود، وأبو قيس بن الفاكه ابن المغيرة، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلى بن أميّة بن خلف، والعاص ابن منبّه.
وذلك أنهم كانوا أسلموا بمكة، فلما هاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة وفتنوهم فافتتنوا، ثم خرجوا مع قومهم إلى بدر، فأصيبوا كلّهم.
قال: ثم أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بما فى العسكر ممّا جمع الناس فجمع، واختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا؛ وقال الذين كفروا يقاتلون العدوّ: والله لولا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم؛ وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مخافة أن يخالف إليه العدوّ: ما أنتم بأحقّ منّا، لقد رأينا أن نقتل العدوّ إذا منحنا الله
(17/29)

أكتافهم، ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، ولكنّا خفنا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كرّة العدوّ فقمنا دونه، فما أنتم أحقّ به منا.
فأنزل الله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ)
، نزلت السورة بجملتها فى غزوة بدر.
قال: ثم أقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قافلا إلى المدينة ومعه الأسارى من المشركين والنّفل «1» ، وجعل على النّفل عبد الله بن كعب المازنىّ، فلما خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مضيق الصفراء، نزل على كثيب بين المضيق «2» وبين النازية «3» ، يقال له: سير، إلى سرحة «4» [به «5» ] وهو من المدينة على ثلاث ليال، فقسم هناك النّفل الذى أفاء الله على المسلمين على السواء.
قال ابن سعد: وتنفّل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سيفه ذا الفقار، وكان لمنبّه بن الحجّاج، فكان صفيّه يومئذ؛ وأخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سهمه مع المسلمين، وفيه جمل أبى جهل بن هشام، وكان مهريّا «6» ، وبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زيد بن حارثة بشيرا إلى المدينة، وبعث عبد الله بن رواحة إلى أهل العالية.
قال ابن سعد يرفعه إلى عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم بدر بثلاثمائة وخمسة عشر من المقاتلة، كما خرج طالوت،
(17/30)

فدعا لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين خرجوا، فقال: «اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأشبعهم» .
ففتح الله يوم بدر فانقلبوا حين انقلبوا، وما فيهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين، فاكتسبوا وشبعوا.
وقال يرفعه إلى عكرمة قال: قيل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما فرغ من أهل بدر: عليك بالعير ليس دونها شىء، فناداه العباس: إنه لا يصلح ذلك لك، قال: لم؟: قال: لأنّ الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين، فقد أعطاك ما وعدك.
ذكر ورود الخير بمصاب أهل بدر على من بمكة من كفار قريش وهلاك أبى لهب بن عبد المطلب قال ابن إسحاق: كان أوّل من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله الخزاعىّ، فقالوا له: ما وراءك؟ قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، ونبيه ومنبّه ابنا الحجّاج، وأبو البخترىّ، وجعل يعدّد أشراف قريش، فقال صفوان بن أمية وهو قاعد فى الحجر،: والله إن يعقل هذا فاسألوه عنى، قالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: هو ذاك جالس فى الحجر، قد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا.
وقال أبو رافع مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد داخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه، ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه [وكان
(17/31)

ذا مال كثير متفرّق فى قومه «1» ] . وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر، وبعث مكانه العاص ابن هشام بن المغيرة [وكذلك كانوا صنعوا، لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا «2» ] ، فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر كتبه «3» الله وأخزاه، ووجدنا فى أنفسنا قوّة وعزا، وكنت رجلا ضعيفا، وكنت أنحت الأقداح فى حجرة زمزم، فو الله إنى لجالس فيها أنحت أقداحى وعندى أمّ الفضل جالسة، وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل أبو لهب يجرّ رجليه بشرّ، حتى جلس على طنب «4» الحجرة، وكان ظهري إلى ظهره، فبينما هو جالس إذ قال الناس «5» : هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. فقال أبو لهب: هلمّ إلىّ، فعندك لعمرى الخير. قال: فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يابن أخى، أخبرنى كيف كان أمر الناس؟ قال:
والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا، وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا، على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق «6» شيئا ولا يقوم لها شىء.
قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة [بيدى «7» ] ثم قلت: تلك والله الملائكة.
قال: فرفع أبو لهب يده فضرب وجهى ضربة شديدة، فثاورته «8» فاحتملنى، فضرب بى الأرض، ثم برك على صدرى، وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فلقت «9» رأسه شجّة منكرة، وقالت:
(17/32)

أتستضعفه أن غاب عنه سيده؟ فقام مولّيا ذليلا، فو الله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة «1» فقتلته.
وقالت قريش فى قتلى بدر مراثى كثيرة ذكرها ابن هشام وغيره، تركنا إيرادها رغبة فى الاختصار، ولأنه ليس تحت ذلك كبير فائدة فيما نحن بصدده، إلا أنها تشهد بقتل من قتل ممن نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر تسمية من شهد بدرا من المهاجرين والأنصار مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
كان جميع من شهد بدرا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المسلمين ومن ضرب له فيها بسهمه وأجره ثلاثمائة رجل وأربعة عشر رجلا، من المهاجرين ثلاثة وثمانون «2» ، ومن الأوس أحد وستون، ومن الخزرج مائة وسبعون.
فأما من شهد بدرا من المهاجرين، ومن ضرب له بسهمه وأجره، فشهدها من بنى هاشم بن عبد مناف اثنا عشر رجلا، وهم: سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وحمزة بن عبد المطلب، وعلىّ بن أبى طالب، وزيد ابن حارثة، وأنسة الحبشى، وأبو كبشة الفارسى، موالى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأبو مرثد كنّاز بن حصين، وابنه مرثد، حليفا حمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث بن المطلب، وأخواه: الطفيل، والحصين، ومسطح، واسمه عوف بن أثاثة بن عبّاد بن المطّلب «3» .
(17/33)

ومن بنى عبد شمس بن عبد مناف وحلفائهم خمسة عشر رجلا، وهم: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسالم مولاه. ومن حلفائهم من بنى أسد ابن خزيمة عبد الله بن جحش بن رئاب، وعكّاشة بن محصن، وشجاع بن وهب ابن ربيعة، وأخوه عقبة، ويزيد بن رقيش «1» بن رئاب، وأبو سنان بن محصن ابن حرثان «2» أخو عكّاشة، وابنه سنان، ومحرز بن نضلة بن عبد الله وربيعة بن أكثم بن سخبرة بن عمرو. ومن حلفائهم بنى كبير «3» بن غنم بن دودان بن أسد:
ثقف بن عمرو، وأخواه مالك، ومدلج «4» ، وهم من بنى حجر آل بنى سليم، وأبو مخشى، حليف لهم.
ومن بنى نوفل بن عبد مناف رجلان، وهما: عتبة بن غزوان، وخبّاب مولاه.
ومن بنى أسد بن عبد العزّى ثلاثة نفر، وهم: الزبير بن العوّام وحاطب بن أبى بلتعة، وسعد مولاه.
ومن بنى عبد الدار رجلان، وهما: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار، وسويبط بن سعد بن حريملة، ويقال: ابن حرملة بن مالك بن عميلة بن السّبّاق بن عبد الدار.
(17/34)

ومن بنى زهرة بن كلاب وحلفائهم تسعة نفر، وهم: عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقّاص، وأبو وقّاص مالك بن أهيب «1» ، وأخوه عمير بن أبى وقّاص. ومن حلفائهم: المقداد بن عمرو بن ثعلبة، وعبد الله بن مسعود ابن الحارث، ومسعود بن ربيعة بن عمرو، وذو الشّمالين «2» عمير بن عبد عمرو بن نضلة، وخبّاب بن الأرتّ.
ومن بنى تميم بن مرّة ومواليهم أربعة نفر، وهم: أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه، ومواليه، بلال بن رباح، وعامر بن فهيرة، وصهيب بن سنان.
ومن بنى مخزوم خمسة نفر، وهم: أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد وشمّاس بن عثمان بن الشّريد، واسم شمّاس عثمان، والأرقم بن أبى الأرقم، وأبو الأرقم هو عبد مناف بن أسد، وعمّار بن ياسر، ومعتّب بن عوف بن عامر حليف لهم.
ومن بنى عدىّ بن كعب وحلفائهم اثنا عشر رجلا، وهم: عمر بن الخطّاب رضى الله عنه، وأخوه زيد، ومهجع مولى عمر، وعمرو بن سراقة بن المعتمر وأخوه عبد الله، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين، حليف لهم، [وعامر «3» ابن البكير، وأخواه خالد، وإياس، حلفاء بنى عدىّ، وخولىّ بن أبى خولىّ، وأخوه مالك، حليفان لهم- ومنهم من عدّ هلال بن أبى خولى- وعامر بن أبى ربيعة، حليف لهم] .
(17/35)

ومن بنى جمح خمسة نفر، وهم: عثمان بن مظعون، وابنه السّائب وأخواه قدامة، وعبد الله، ابنا مظعون، ومعمر بن الحارث بن معمر.
ومن بنى سهم بن عمرو: خنيس بن حذافة بن قيس.
ومن بنى عامر بن لؤىّ خمسة نفر، وهم: [أبو سيرة «1» بن أبى رهم بن عبد العزّى، وعبد الله بن مخرمة بن عبد العزّى، وعبد الله بن سهيل بن عمرو- وكان قد خرج مع أبيه سهيل، فلما نزل الناس بدرا فرّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فشهدها معه- وعمير بن عوف، مولى سهيل بن عمرو، وسعد ابن خولة، حليف لهم.]
ومن بنى الحارث بن فهر خمسة نفر، وهم] : أبو عبيدة عامر بن عبد الله ابن الجراح، وعمرو بن الحارث بن زهير، وسهيل بن ربيعة بن هلال، وأخوه صفوان بن وهب «2» ، وهما ابنا بيضاء، وعمرو بن أبى سرح بن ربيعة.
هؤلاء الذين شهدوا بدرا من المهاجرين.
وأما من ضرب له بسهمه وأجره، فثلاثة نفر، وهم «3» : عثمان بن عفّان- وقد تقدّم خبره- وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكانا قد بعثهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الشام يتحسّسان له خبر العير، فقد ما بعد غزوة بدر، فضرب لهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسهميهما، قالا: يا رسول الله، وأجرنا؛ قال: وأجركما.
(17/36)

وأما من شهدها من الأوس ومن غاب وضرب له فيها بسهمه وأجره، فهم أحد وستون رجلا، شهدها منهم ستة وخمسون رجلا، وهم: سعد بن معاذ ابن النعمان، وأخوه عمرو بن معاذ، والحارث بن أنس بن رافع «1» ، وسعد بن زيد ابن مالك، وسلمة بن سلامة بن وقش، وعبّاد بن بشر بن وقش، وسلمة بن ثابت بن وقش، ورافع بن يزيد بن كرز «2» ، والحارث بن خزمة بن عدىّ، حليف لهم، ومحمد بن مسلمة بن خالد، حليف لهم، [وسلمة «3» بن أسلم بن حريش، حليف لهم] ، وأبو الهيثم بن التّيّهان، وأخوه عبيد بن التيهان- قال ابن هشام: ويقال:
عتيك بن التيهان- وعبد الله سهيل «4» ، وقتادة بن النعمان بن زيد، وعبيد ابن أوس بن مالك- وعبيد هو الذى يقال له: مقرّن، لأنه قرن أربعة أسرى فى يوم بدر، وهو الذى أسر عقيل بن أبى طالب يومئذ، [ونصر «5» بن الحارث بن عبد بن رزاح بن كعب] ، ومعتّب بن عبيد، وعبد الله بن طارق حليف لهما من بلىّ، ومسعود بن سعد بن عامر، ويقال فيه: مسعود بن عبد سعد، وأبو عبس بن جبر بن عمرو، وأبو بردة بن نيار، واسمه هانئ، حليف لهم من بلىّ، وعاصم بن ثابت بن قيس، ومعتّب بن قشير، وأبو مليل بن الأزعر بن زيد، وعمرو بن معبد بن الأزعر، وقيل فيه: عمير بن معبد، وسهل بن حنيف «6» بن واهب، ومبشّر بن عبد المنذر بن زنبر «7» ، وأخوه
(17/37)

رفاعة، وسعد بن عبيد بن النعمان، وعويم بن ساعدة، ورافع بن عنجدة، وعبيد ابن أبى عبيد، وثعلبة بن حاطب، وأنيس بن قتادة بن ربيعة. ومعن بن عدىّ ابن الجدّ من حلفائهم، وثابت بن ثعلبة، وعبد الله بن سلمة، وزيد بن أسلم بن ثعلبة، وربعىّ بن رافع بن زيد، هؤلاء الخمسة من حلفائهم من بلىّ، وعبد الله ابن جبير بن النعمان [وعاصم «1» بن قيس بن ثابت، وأبو ضيّاح ثابت بن النعمان وأخوه أبو حنّة- ويقال: أبو حيّة- وسالم بن عمير بن ثابت بن النعمان، والحارث ابن النعمان] بن أمية، ومنذر بن محمد بن عقبة، وأبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة من حلفائهم، وسعد بن خيثمة بن الحارث، ومنذر بن قدامة، ومالك بن قدامة ابن عرفجة، والحارث بن عرفجة، وتميم مولى بن غنم، وجبر»
بن عتيك بن الحارث ومالك بن نميلة، حليف لبنى معاوية من مزينة، والنعمان بن عصر «3» ، حليف لبنى معاوية من بلىّ. هؤلاء الذين شهدوها من الأوس.
وأما من ضرب له بسهمه وأجره منهم فخمسة نفر، وهم: أبو لبابة واسمه بشير بن عبد الله، والحارث بن حاطب، وحاطب بن عمرو بن عبيد وعاصم بن عدىّ بن الجدّ بن العجلان، وخوّات بن جبير بن النعمان.
وأما من شهدها من الخزرج ومواليهم وحلفائهم فمائة وسبعون رجلا:
خارجة بن زيد بن أبى زهير، وسعد بن ربيع بن عمرو بن أبى زهير وعبد الله بن رواحة بن امرئ القيس، وخلّاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو
(17/38)

وبشير بن سعد بن ثعلبة، وأخوه سماك «1» بن سعد، وسبيع بن قيس بن عيشة «2» بن أمية، وأخوه عبّاد بن قيس، وعبد الله بن عبس، ويزيد بن الحارث بن قيس وخبيب بن إساف بن عتبة، وعبد الله بن زيد بن ثعلبة، وأخوه حريث بن زيد، وسفيان بن نسر «3» بن عمرو بن الحارث، وتميم بن يعار «4» بن قيس، وعبد الله ابن عمير بن عدىّ، وزيد بن المزين «5» بن قيس، وعبد الله بن عرفطة بن عدىّ، وعبد الله بن ربيع بن قيس، وعبد الله بن عبد الله بن أبىّ [بن «6» ] مالك، وأوس ابن خولى بن عبد الله بن الحارث، وزيد بن وديعة بن عمرو بن قيس بن جزء وعقبة بن وهب بن كلدة، حليف لهم من بنى عبد الله بن غطفان، ورفاعة بن عمرو بن ثعلبة، وعامر بن سلمة بن عامر، حليف لهم من اليمن، وأبو حميضة «7» عبّاد بن قشير بن المقدّم، وعامر بن البكير، حليف لهم، ونوفل بن عبد الله بن نضلة، وعبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم، وأخوه أوس بن الصّامت والنعمان بن مالك بن ثعلبة بن دعد، وهو الذى يقال له: قوقل «8» ؛ وثابت بن هزّال ابن عمرو بن قريوش، ويقال: قريوس، ومالك بن الدّخشم بن مالك، وربيع
(17/39)

ابن إياس، حليف لبنى لوذان من اليمن، والمجذّر بن زياد بن عمرو؛ واسم المجذر، عبد الله حليف لهم من بلىّ، وعباد «1» بن الخشخاش بن عمرو، حليف، ونجّاب بن ثعلبة بن خزمة «2» ويقال: بحّاث، وعبد الله بن ثعلبة بن خزمة، وعتبة بن ربيعة بن خالد بن معاوية، حليف لهم، وهو من بنى سليم، وأبو دجانة سماك بن خرشة.
قال ابن هشام: سماك بن أوس بن خرشة، والمنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة، وأبو أسيد مالك بن ربيعة، ومالك بن مسعود البدىّ «3» ، وعبد ربه بن حقّ ابن أوس بن وقش بن ثعلبة بن طريف.
ومن حلفائهم من «4» جهينة: كعب بن جمّاز بن ثعلبة- ويقال: حمار، وهو من غبشان- وضمرة، وبسبس، وزياد، بنو عمرو.
وعبد الله بن عامر من بلىّ. وخراش بن الصّمة بن عمرو بن الجموح، وتميم مولى خراش بن الصّمة، وعبد الله بن عمرو بن حرام، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، ومعوّذ بن عمرو بن الجموح، وخلّاد بن عمرو بن الجموح، وعقبة بن عامر بن نابى، وحبيب بن أسود، مولى لهم، وثابت بن ثعلبة بن زيد بن الحارث، وثعلبة الذى يقال له: الحذع، وعمير «5» بن الحارث بن ثعلبة بن الحارث، وبشر بن البراء ابن معرور بن صخر، والطّفيل بن مالك بن النعمان، وسنان بن صيفىّ بن صخر وعبد الله بن الجدّ بن قيس بن صخر، وخارجة بن حميّر، وعبد الله بن حمير، حليفان
(17/40)

لهم من أشجع من بنى دهمان، وجبّار بن صخر بن أمية بن خناس، ويزيد بن المنذر ابن سرح، وأخوه معقل بن المنذر، وعبد الله بن النّعمان بن بلدمة، ويقال:
بلدمة وبلذمة، والضحّاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة، وسواد بن زريق بن ثعلبة؛ ومعبد بن قيس بن صخر، وأخوه عبد الله بن قيس، وعبد الله بن عبد مناف بن النعمان، والنعمان بن يسار مولى لبنى النعمان، وأبو المنذر بن يزيد بن عامر بن حديدة، وسليم بن عمرو بن حديدة، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعنترة «1» مولى سليم ابن عمرو، وعبس بن عامر بن عدىّ، وثعلبة بن غنمة بن عدىّ، وأبو اليسر، وهو كعب بن عمرو بن عبّاد بن عمرو، وسهل «2» بن قيس [بن أبى «3» كعب، وعمرو بن طلق بن زيد بن أمية، ومعاذ بن جبل بن عمرو، وحارثة بن مالك بن غضب ابن جشم، وقيس بن محصن بن خالد بن مخلّد، ويقال: قيس] بن حصن، وأبو خالد، وهو الحارث بن قيس بن خالد بن مخلّد، وجبير بن إياس بن خالد بن مخلد، وأخوه عقبة بن عثمان بن خالدة بن مخلّد، وذكوان بن [عبد «4» ] قيس بن خلدة بن مخلّد، ومسعود ابن خالدة بن عامر بن مخلد، وعبّاد بن قيس بن عامر بن خالد، وأسعد بن مزيد ابن الفاكه بن زيد بن خلدة، والفاكه بن بشر بن الفاكه بن زيد، ومعاذ بن ماعص بن قيس بن خلدة، وأخوه عائذ بن ماعص، ومسعود بن سعد بن قيس ابن خلدة، ورفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان، وأخوه خلّاد بن رافع، وعبيد ابن زيد بن عامر، وزياد بن لبيد بن ثعلبة بن سنان، وفروة بن عمرو بن ودفة «5»
(17/41)

ابن عبيد، وخالد بن قيس بن مالك بن العجلان، ورجيلة بن ثعلبة بن خالد بن ثعلبة، وعطية بن نويرة بن عامر بن عطية، ورافع بن المعلّى بن لوذان، وأبو أيوب خالد ابن زيد بن كليب «1» بن ثعلبة، وثابت بن خالد بن النّعمان، وعمارة بن حزم بن زيد ابن لوذان بن عمرو، وسراقة بن كعب بن عبد العزّى بن غزيّة، وحارثة بن النعمان ابن زيد بن عبيد، وسليم بن قيس بن فهد «2» ، وسهيل بن رافع بن أبى عمرو بن عائذ، وعدى بن أبى الزّغباء، حليف لبنى عائذ من جهينة، ومسعود بن أوس ابن زيد، وأبو خزيمة بن أوس بن زيد، ورافع بن الحارث بن سواد بن زيد، وعوف، ومعوّذ، ومعاذ، بنو الحارث بن رفاعة، وهم بنو عفراء بنت عبيد بن ثعلبة، والنعمان بن عمرو بن رفاعة بن سواد، ويقال: نعيمان؛ وعامر بن مخلّد بن الحارث ابن سواد، وعبد الله بن قيس بن خالد بن خلدة بن الحارث بن سواد، وعصيمة، حليف لبنى سواد من أشجع، وديعة بن عمرو، حليف لهم من جهينة، وثابت بن عمرو بن زيد بن عدّى بن سواد- قال ابن هشام: وزعموا أن أبا الحمراء مولى الحارث بن عفراء شهد بدرا- وثعلبة بن عمرو بن محصن بن عمرو بن عتيك، والحارث بن الصّمة بن عمرو بن عتيك، كسر بالرّوحاء، فضرب له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسهمه، وأبىّ بن كعب بن قيس، وأنس بن معاذ بن أنس بن قيس، وأوس بن ثابت بن المنذر بن حرام، وأبو شيخ أبىّ بن ثابت «3» بن المنذر بن حرام.
قال ابن هشام: أبو شيخ [أبىّ بن ثابت «4» ] أخو «5» حسان بن ثابت، وأبو طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام، وحارثة بن سراقة بن الحارث بن عدىّ،
(17/42)

وعمرو بن ثعلبة بن وهب بن عدىّ، وسليط بن قيس بن عمرو بن عتيك بن مالك، وأبو سليط- وهو أسيرة بن عمرو- وثابت بن خنساء بن عمرو بن مالك بن عدىّ، وعامر بن أمية بن زيد بن الحسحاس بن مالك، ومحرز بن عامر «1» بن مالك بن عدىّ، وسواد بن غزيّة بن أهيب، حليف لبنى عدىّ بن النجار.
وأبو زيد قيس «2» بن سكن بن قيس، وأبو الأعور بن الحارث بن ظالم بن عبس ابن حرام، ويقال: أبو الأعور الحارث بن ظالم، وسليم بن ملحان، وأخوه حرام- واسم ملحان: مالك بن خالد بن زيد- وقيس بن أبى صعصعة- واسم أبى صعصعة: عمرو بن زيد بن عوف- وعبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف، وعصيمة، حليف لبنى مازن بن النجار من بنى أسد بن خزيمة، وأبو داود عمير ابن عامر بن مالك بن خنساء، وسراقة بن عمرو بن عطيّة بن خنساء، وقيس بن مخلّد بن ثعلبة بن صخر بن حبيب، ومسعود بن عبد الأشهل بن حارثة بن دينار، وأخواه لأمه الضّحّاك، والنّعمان، ابنا عبد عمرو، وجابر بن خالد بن عبد الأشهل بن حارثة، وسعد بن سهيل بن عبد الأشهل، وكعب بن زيد بن قيس بن مالك، وبجير بن أبى بجير، حليف لبنى قيس بن مالك.
هؤلاء الذين عدّهم محمد بن إسحاق.
قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم يذكرون فى الخزرج ممن شهد بدرا عتبان ابن مالك بن عمرو بن العجلان، ومليل بن وبرة بن خالد بن العجلان، وعصمة بن الحصين بن وبرة بن خالد بن العجلان، وهلال بن المعلّى بن لوذان بن حارثة.
(17/43)

ذكر تسمية من استشهد من المسلمين فى غزاة بدر
كان من استشهد من المسلمين فى غزاة بدر أربعة عشر رجلا، من المهاجرين ستة نفر، وهم: عبيدة بن الحارث بن المطلب، قتله عتبة بن ربيعة، قطع رجله فمات بالصفراء فى قفول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة، وعمير «1» بن أبى وقّاص، وهو أخو سعيد، وذو الشّمالين بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعى، حليف لبنى زهرة، وعاقل بن البكير، حليف لبنى عدىّ بن كعب من بنى سعد بن ليث، ومهجع، مولى عمر بن الخطاب، وصفوان بن بيضاء، من بنى الحارث بن فهر.
ومن الأنصار ثمانية وهم: سعد بن خيثمة، ومبشّر بن عبد المنذر بن زنبر، ويزيد بن الحارث، وعمير بن الحمام، ورافع بن المعلّى، وحارثة بن سراقة بن الحارث، وعوف، ومعوّذ، ابنا الحارث بن رفاعة.
ذكر تسمية من قتل من المشركين فى غزوة بدر
كانت عدّة من قتل من المشركين فى غزوة بدر سبعين رجلا من بنى عبد شمس ومواليهم وحلفائهم أربعة عشر رجلا، وهم: عقبة ابن أبى معيط، قتل صبرا «2» بعرق الظبية «3» عند قفول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة وقال- حين أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقتله-: فمن
(17/44)

للصّبيّة يا محمد؟ قال: النار! فقتله عاصم بن ثابت بن الأقلح، وحنظلة بن أبى سفيان بن حرب، قتله زيد بن حارثة، مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ويقال: اشترك فيه حمزة بن عبد المطلب، وعلى بن أبى طالب، وزيد بن حارثة، والحارث بن الحضرمىّ، وعامر بن الحضرمى، حليفان لهم. قتل عامرا عمّار ابن ياسر، وقتل الحارث النّعمان بن عصر، حليف الأوس، وعمير بن أبى عمير، وابنه، موليان لهم. قتل عميرا سالم مولى أبى حذيفة، وعبيدة بن سعيد ابن العاص بن أميّة بن عبد شمس، قتله الزبير بن العوّام، والعاص بن سعيد بن العاص ابن أمية، قتله عاصم بن ثابت بن الأفلح، صبرا، وقيل: قتله علىّ بن أبى طالب، وعتبة بن ربيعة بن عبد شمس، اشترك فيه عبيدة بن الحارث، وحمزة بن عبد المطلب وعلىّ بن أبى طالب؛ وشيبة بن ربيعة بن عبد شمس، قتله حمزة بن عبد المطلب، والوليد بن عتبة بن ربيعة، قتله على بن أبى طالب، وعامر بن عبد الله، حليف لهم من بنى أنمار، قتله علىّ، ووهب بن الحارث، حليف لهم من بنى أنمار، وعامر ابن زيد، حليف لهم من اليمن.
ومن بنى نوفل بن عبد مناف رجلان، وهما: الحارث بن عامر ابن نوفل، قتله خبيب بن إساف، وطعيمة بن عدىّ بن نوفل، قتله على، ويقال:
حمزة؛ وروى أبو عمر بن عبد البر بسنده الى ابن عباس رضى الله عنهما أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قتل طعيمة بن عدى صبرا هو عقبة بن أبى معيط والنّضر بن الحارث.
ومن بنى أسد بن عبد العزّى بن قصىّ سبعة نفر: زمعة بن الأسود ابن المطلب بن أسد، قتله ثابت بن الجذع، وقيل اشترك فيه حمزة وعلى، مع
(17/45)

ثابت، والحارث بن زمعة، قتله عمار بن ياسر، وعقيل بن الأسود بن المطلب قتله حمزة، وعلىّ، وأبو البخترىّ- وهو العاص بن هشام- قال ابن هشام: العاص ابن هاشم بن الحارث بن أسد، قتله المجذّر البلوىّ، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد نهى عن قتله، لأنه كان أكفّ الناس عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لمّا كان بمكة، كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شىء يكرهه، وكان ممن قام فى نقض الصحيفة كما تقدّم، فلما لقيه المجذّر قال له: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد نهانا عن قتلك، وكان مع أبى البخترى زميل له قد خرج معه من مكة، وهو جنادة بن مليحة- رجل من بنى ليث- فقال أبو البخترى، وزميلى، فقال المجذّر: لا والله ما نحن بتاركى زميلك، ما أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا بك وحدك. فقال: لا والله إذا لأموتنّ أنا وهو جميعا! لا تحدّث عنّى نساء مكة أنى تركت زميلى حرصا على الحياة، وقال يرتجز.
لن يسلم ابن حرّة زميلة «1» ... حتى يموت أو يرى سبيله
ثم اقتتلا، فقتل المجذر أبا البخترىّ، ثم أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: والذى بعثك بالحق، لقد جهدت «2» عليه أن يستأسر فآتيك به، فأبى إلا أن يقاتلنى، فقاتلته فقتلته. ونوفل بن خويلد بن أسد، قتله علىّ بن أبى طالب، وعقبة بن زيد، حليف لهم من اليمن، وعمير، مولى لهم.
ومن بنى عبد الدار بن قصىّ أربعة نفر وهم: النضر بن الحارث
(17/46)

ابن علقمة بن كلدة، قتله علىّ صبرا بالصّفراء «1» ، ولما بلغ ابنته «2» قتيلة بنت النضر خبر مقتله كتبت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شعرا.
يا راكبا إن الأثيل مظنّة ... من صبح خامسة وأنت موفّق «3»
بلّغ به ميتا بأن تحيّة ... ما إن تزال بها النجائب تخفق «4»
منى إليه وعبرة مسفوحة ... جادت لمائحها وأخرى تخنق «5»
هل يسمعنّ النضر إن ناديته ... بل كيف يسمع ميّت لا ينطق
ظلت سيوف بنى أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقّق «6»
قسرا يقاد إلى المنيّة متعبا ... رسف المقيّد وهو عان موثق «7»
أمحمد أولست ضنء نجيبة ... فى قومها والفحل فحل معرق «8»
ما كان ضرّك لو مننت وربما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
النضر أقرب من قتلت قرابة ... وأحقّهم إن كان عتق يعتق
أو كنت قابل فدية فلينفقن ... بأعزّ ما يغلو به ما ينفق «9»
(17/47)

فلما سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذلك بكى حتى أخضلّت لحيته وقال:
«لو بلغنى شعرها قبل أن أقتله لعفوت عنه» حكاه أبو عمر عن عبد الله ابن إدريس، وحكاه الزبير بن بكّار، وقال: فرّق لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى دمعت عيناه، وقال لأبى بكر: «يا أبا بكر لو كنت سمعت شعرها ما قتلت أباها» وزيد بن مليص، مولى عمير بن هاشم، قتله بلال بن رباح، مولى أبى بكر، ويقال: قتله المقداد بن عمرو. ونبيه بن زيد بن مليص، وعبيد بن سليط حليف لهم من قيس.
ومن بنى تيم بن مرّة أربعة نفر وهم: عمير بن عثمان بن عمرو بن كعب ابن سعد بن تيم، قتله علىّ بن أبى طالب، ويقال: قتله عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن مالك بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب، قتله صهيب بن سنان.
ومالك بن عبيد الله بن عثمان، أسر فمات فى الإسار، فعدّ فى القتلى. وعمرو بن عبد الله بن جدعان.
ومن بنى مخزوم بن يقظة بن مرة أربعة وعشرون رجلا: أبو جهل- واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم- ضربه معاذ ابن عمرو بن الجموح فقطع رجله، وضرب ابنه [عكرمة «1» ] يد معاذ فطرحّها، ثم ضربه معوّذ بن عفراء حتى أثبته، وتركه وبه رمق، ثم وقف «2» عليه عبد الله بن مسعود واحتزّ رأسه كما تقدّم، والعاص بن هشام بن المغيرة، قتله عمر بن الخطاب، وكان خال عمر. ويزيد بن عبد الله، حليف لهم من بنى تميم، قتله عمّار بن ياسر.
(17/48)

وأبو مسافع الأشعرىّ، حليف لهم، قتله أبو دجانة الساعدىّ. وحرملة بن عمرو حليف لهم، قتله خارجة بن زيد، ويقال: بل علىّ [بن أبى طالب «1» ] . ومسعود ابن أبى أميّة بن المغيرة، قتله على بن أبى طالب. وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، قتله حمزة [بن عبد المطلب «2» ] ويقال: علىّ؛ وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، قتله علىّ، ويقال: عمّار بن ياسر، ورفاعة بن أبى رفاعة بن عابد بن عبد الله بن عمر «3» ابن مخزوم، قتله سعد بن الربيع، والمنذر بن أبى رفاعة بن عابد، قتله معن بن عدىّ، وعبد الله بن المنذر بن أبى رفاعة، قتله علىّ بن أبى طالب، والسّائب ابن أبى السائب بن عائذ بن عبد الله بن عمر «4» بن مخزوم على ما حكاه ابن إسحاق.
وقال ابن هشام بسند يرفعه إلى ابن عباس رضى الله عنهما: إن السائب هذا ممن بايع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من قريش، وأعطاه يوم الجعرانة «5» من غنائم حنين، فقد وقع فيه الخلاف. والأسود بن عبد الأسد «6» بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قتله حمزة، وحاجب، ويقال: حاجز «7» بن السائب بن عويمر بن عمرو بن عائذ، قتله على بن أبى طالب. وعويمر بن السائب بن عويمر، قتله النعمان ابن مالك القوقلىّ مبارزة، وعمرو بن سفيان، وجابر بن سفيان، حليفان لهم من طيئ، قتل عمرا يزيد بن رقيش، وقتل جابرا أبو بردة بن نيار. وحذيفة ابن أبى حذيفة بن المغيرة، قتله سعد بن أبى وقاص، وهشام بن أبى حذيفة
(17/49)

ابن المغيرة، قتله صهيب بن سنان. وزهير بن أبى رفاعة، قتله أبو أسيد مالك ابن أبى ربيعة. والسائب بن أبى رفاعة، قتله عبد الرحمن بن عوف. وعائذ بن السائب بن عويمر، أسر ثم افتدى فمات فى الطريق من جراحة جرحه إياها حمزة ابن عبد المطلب، وعمير، حليف لهم من طيّئ، وخيار «1» ، حليف لهم من القارة «2» .
ومن بنى سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب لؤىّ سبعة نفر وهم:
منبّه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم، قتله أبو اليسر، أخو بنى سلمة وابنه العاص بن منبّه، قتله علىّ. ونبيه بن الحجاج، قتله حمزة بن عبد المطلب، وسعد بن أبى وقاص، اشتركا فيه، وأبو العاص بن قيس بن عدىّ بن سعد بن سهم، قتله علىّ، ويقال: النعمان القوقلىّ، وقال: أبو دجانة، وعاصم بن أبى عوف بن صبيرة «3» بن سعيد بن سعد بن سهم، قتله أبو اليسر أخو بنى سلمة.
والحارث بن منبّه بن الحجاج، قتله صهيب بن سنان، وعامر بن أبى عوف بن صبيرة أخو عاصم، قتله عبد الله بن سلمة، ويقال: أبو دجانة.
ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤىّ أربعة نفر، وهم: أميّة ابن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، قتله رجل من الأنصار من بنى مازن ويقال: قتله معاذ بن عفراء، وخارجة بن زيد، وخبيب «4» بن إساف، اشتركوا فيه.
وابنه علىّ بن أميّة بن خلف، قتله عمّار بن ياسر. وأوس بن معير بن لوذان بن سعد بن جمح، قتله علىّ بن أبى طالب، ويقال: قتله الحصين بن الحارث بن المطلب وعثمان بن مظعون، اشتركا فيه، وسبرة بن مالك، حليف لهم.
(17/50)

ومن بنى عامر بن لؤىّ من حلفائهم رجلان، وهما: معاوية بن عامر حليف لهم من عبد القيس، قتله علىّ، ويقال: عكّاشة بن محصن. ومعبد بن وهب، حليف لهم من بنى كلب، قتله خالد وإياس ابنا البكير، ويقال: أبو دجانة.
فجميع من انضبط لنا بالأسماء ممن قتل من المشركين يوم بدر ثمانية وستون على الشك فى السائب بن أبى السائب، والذى ثبت فى صحيح البخارىّ أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه أصابوا من المشركين فى يوم بدر أربعين ومائة؛ سبعين أسيرا، وسبعين قتيلا.
ذكر تسمية من أسر من المشركين فى غزوة بدر
كانت عدّة من أسر من المشركين فى يوم بدر سبعين رحلاعا ما ورد فى الصحيح ودلّت عليه الآية [فى] قوله تعالى: (أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها «1» )
يعنى يوم أحد، وكان قد قتل من المسلمين يوم أحد سبعون رجلا، والذى انضبط لنا بالأسماء من أسرى بدر ستة وستون رجلا.
من بنى عبد المطلب بن هاشم أربعة نفر، وهم: العباس بن عبد المطلب بن هاشم، أسره أبو اليسر كعب بن عمرو بن عبّاد بن عمرو الخزرجىّ، وكان رجلا قصيرا، والعباس رجلا طويلا ضخما، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لقد أعانك عليه ملك كريم» . وعقيل بن أبى طالب بن عبد المطلب، أسره عبيد بن أوس بن مالك الأوسى، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعتبة، حليف لهم من بنى فهر، قال: وكان العباس وعقيل خرجا مكرهين.
ومن بنى عبد المطلب بن عبد مناف خمسة نفروهم: السائب بن عبيد بن عبد يزيد ابن هاشم بن عبد المطّلب، ونعمان بن عمرو بن علقمة بن المطلب، وعقيل بن عمرو حليف لهم، وأخوه تميم بن عمرو، وابنه عمرو بن تميم.
(17/51)

ومن بنى عبد شمس بن عبد مناف تسعة نفر وهم: عمرو بن أبى سفيان بن حرب بن أميّة بن عبد شمس، والحارث بن أبى وجزة- ويقال: وحرة بن أبى عمرو- ابن أمية، وأبو العاص بن نوفل بن عبد شمس، وأبو العاص بن الربيع بن عبد العزّى بن عبد شمس، وخالد بن أسيد بن أبى العيص. ومن حلفائهم:
أبو ريشة بن أبى عمرو، وعمرو بن الأزرق، وعقبة بن عبد الحارث بن الحضرمى، وأبو العريض يسار، مولى العاص بن أمية.
ومن بنى نوفل بن عبد مناف أربعة نفر، وهم: عدىّ بن الخيار بن نوفل وعثمان بن عبد شمس، حليف لهم من بنى مازن بن منصور، وأبو ثور، حليف لهم ونبهان، مولى لهم.
ومن بنى عبد الدار بن قصىّ ثلاثة نفر وهم: أبو عزيز بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، والأسود بن عامر حليف لهم، وعقيل، حليف لهم من اليمن.
ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصىّ أربعة نفروهم: السّائب بن أبى حبيش ابن المطلب بن أسد، والحويرث بن عبّاد بن عثمان بن أسد. قال ابن هشام:
هو الحارث بن عائذ بن عثمان بن أسد، وعبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث، وسالم بن شمّاخ، حليف لهم.
ومن بنى تيم بن مرّة رجلان وهما: مسافع بن عياض بن صخر بن عامر ابن كعب بن سعد بن تيم، وجابر بن الزبير، حليف لهم.
ومن بنى مخزوم بن يقظة بن مرة عشرة نفروهم: خالد بن هشام بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أسره سواد بن غزيّة، وأمية بن أبى حذيفة
(17/52)

ابن المغيرة، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وصيفىّ ابن أبى رفاعة بن عابد بن عبد الله بن عمر «1» بن مخزوم، وأبو المنذر بن أبى رفاعة ابن عابد، وأبو عطاء عبد الله بن السائب بن عابد، وقيس بن السائب، والمطلب ابن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم، وخالد بن الأعلم، حليف لهم من خزاعة، ويقال: عقيلىّ. وزعموا أنه أوّل من فرّ منهزما «2» ، وهو الذى يقول:
ولسنا على الأدبار تدمى كلومنا «3» ... ولكن على أعقابنا تقطر الدّما
ومن بنى سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب خمسة نفروهم: أبو وداعة ابن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، وهو أوّل أسير افتدى من أسرى بدر، افتداه ابنه المطلب بن أبى وداعة، وفروة بن قيس بن عدىّ بن حذافة بن سعيد ابن سهم، وحنظلة بن قبيصة بن حذافة بن سعيد بن سهم، والحجّاج «4» بن الحارث ابن قيس بن عدى بن سعيد «5» بن سهم، وأسلم، مولى نبيه بن الحجاج.
ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب أحد عشر نفرا وهم: عبد الله بن أبىّ بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح [وأخوه «6» عمرو بن أبىّ، وأبو عزّة عمرو ابن عبد الله بن عثمان بن وهب بن حذافة بن جمح] والفاكه، مولى أمية بن خلف ووهب بن عمير بن وهب بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، وربيعة بن
(17/53)

درّاج بن العنبس بن أهبان بن وهب بن حذافة بن جمح، وأبو رهم بن عبد الله حليف لهم، وموليان لأميّة بن خلف، أحدهما: نسطاس، وأبو رافع، غلام أمية ابن خلف. قال ابن هشام: وحليف لهم ذهب عنى اسمه.
ومن بنى عامر بن لؤىّ خمسة نفر وهم: سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبدودّ ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، أسره مالك بن الدّخشم أخو بنى سالم ابن عوف، وعبد بن زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ، وعبد الرحمن بن مشنوء ابن وقدان بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ، وحبيب بن جابر، والسائب ابن مالك.
ومن بنى الحارث بن فهر أربعة نفر وهم: الطّفيل بن أبى قنيع، وعتبة بن عمرو ابن جحدم، وشافع، وشفيع، حليفان لهم من اليمن.
ذكر خبر أسارى بدر وما كان من فدائهم، ومن منّ عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (وأطلقه منهم) ، ومن أسلم بسبب ذلك
قال: لما قفل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من غزاة بدر ومعه الأسارى سمع العباس وهو يئنّ ويتأوّه، قد آلمه الوثاق، فقلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تلك الليلة لذلك، فاستأذنه أصحابه رضى الله عنهم، فى أن ينفّسوا عن العباس وثاقه، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «إن فعلتم ذلك بجميع الأسرى فنعم وإلا فلا» . أو كما قال: فنفّسوا عن جميع الأسرى.
ولما قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة فرّق الأسارى بين أصحابه وقال: «استوصوا بهم خيرا» . ثم جاءه جبريل عليه السلام فى أمر الأسارى
(17/54)

فقال: إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم أخذتم منهم الفداء، (واستشهد «1» قابلا منكم سبعون. قال: فنادى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى أصحابه، فجاءوا- أو من جاء منهم) - فقال: «هذا جبريل يخيّركم بين أن تقدّموهم فتقتلوهم، وبين أن تفادوهم ويستشهد قابلا منكم بعدّتهم» . فقالوا: بل نفاديهم ويدخل قابلا منا الجنة سبعون. ففادوهم. رواه محمد بن سعد.
وروى ابن قتيبة عن ابن إسحاق أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال للعباس:
«افد نفسك وابنى أخويك: عقيل بن أبى طالب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وحليفك، فإنك ذو مال» . فقال: يا رسول الله، إنى كنت مسلما ولكنّ القوم استكرهونى. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الله أعلم بإسلامك إن يكن ما تقول حقا فالله يجزيك به، وأما ظاهر [أمرك «2» ] فقد كان علينا» .
قال: فإنه ليس لى مال. قال: «فأين المال الذى وضعته عند أم الفضل بمكة حين خرجت وليس معكما أحد؟ ثم قلت: إن أصبت فى سفرى هذا فللفضل كذا، ولعبد الله كذا» . قال: والذى بعثك بالحق ما علم بهذا أحد غيرها، وإنى لأعلم أنك رسول الله. ففدى نفسه بمائة أوقيّة، وكل واحد بأربعين أوقية، وقال: «تركتنى أسأل الناس فى كفّى» . قال: «وأسلم العباس، وأمر عقيلا فأسلم» .
وروى محمد بن سعد قال: لما أسر نوفل بن الحارث ببدر قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «افد نفسك» . قال: ما لى شىء أفتدى به. قال: «افد نفسك
(17/55)

برماحك التى بجدّة» . فقال: والله ما علم أحد أن لى بجدّة رماحا غيرى بعد الله، أشهد أنك رسول الله. ففدى نفسه بها، وكانت ألف رمح. وقيل: كان إسلام نوفل وهجرته أيام الخندق.
قال ابن إسحاق: وكانت قريش حين ورد عليهم الخبر بمصرع أصحاب بدر ناحوا على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا فى أسراكم حتى تستأنوا «1» بهم لا يأرب «2» عليكم محمد وأصحابه فى الفداء. فقال المطلب ابن أبى وداعة: صدقتم، لا تعجلوا؛ وانسلّ من الليل فقدم المدينة، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم، وانطلق به.
ثم بعثت قريش فى فداء الأسارى، فكان أعلى ما فدى به أسير أربعة آلاف درهم فما دونها إلى ألف درهم.
وقال محمد بن سعد فى طبقاته: كان فداء أسارى يوم بدر أربعة آلاف إلى ما دون ذلك، فمن لم يجد عنده شيئا «3» أعطى عشرة من غلمان المدينة، فعلّمهم الكتابة، فإذا حذقوا فهو فداؤه. وكان أهل مكّة يكتبون، وأهل المدينة لا يكتبون. [قال «4» ] : فكان زيد بن ثابت ممن علّم.
ذكر خبر أبى سفيان فى أسر ابنه عمرو بن أبى سفيان وإطلاقه
قال محمد بن إسحاق: وكان عمرو بن أبى سفيان فى الأسارى، فقيل لأبى سفيان: افد ابنك عمرا، فقال: أيجمع علىّ دمى ومالى! قتلوا حنظلة، وأفدى عمرا! دعوه فى أيديهم يمسكوه ما بدالهم. فلم يزل كذلك حتى قدم سعد بن النعمان
(17/56)

ابن أكّال، أخو بنى عمرو بن عوف معتمرا، وكان شيخا مسلما، فى غنم له بالبقيع «1» ، وقد «2» كانت قريش عهدوا أنهم لا يعرضون لحاج أو معتمر إلا بخير، فعدا عليه أبو سفيان بمكة فحبسه بابنه عمرو، ثم قال أبو سفيان:
أرهط ابن أكّال أجيبوا دعاءه ... تفاقدتم «3» لا تسلموا السيّد الكهلا
فإنّ بنى عمرو لئام أذلّة ... إذا لم يفكّوا عن أسيرهم الكبلا «4»
قال: فمشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبروه خبره، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبى سفيان فيفتكّوا به صاحبهم، ففعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فبعثوا به إلى أبى سفيان، فحلّى سبيل سعد ابن النعمان.
ذكر خبر أبى العاص بن الربيع فى فدائه
وإرساله «5» زينب بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مكّة إلى المدينة وإسلامه بعد ذلك، وردّ زينب عليه بغير نكاح جديد.
قال ابن إسحاق: وكان فى الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العزّى ابن عبد شمس، ختن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وزوج ابنته زينب. أسره خراش بن الصّمة، أحد بنى حرام.
(17/57)

وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة، وكان لهالة بنت خويلد أخت خديجة، فسألت خديجة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يزوجه زينب، فزوجه بها، وذلك قبل أن ينزل الوحى على رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، فكان معها وهو على شركه وهى مسلمة.
فلما بعث أهل مكة فى فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى فداء أبى العاص [بمال، وبعثت «1» فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبى العاص] فلما رآها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رقّ لها رقّة شديدة وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها [مالها «2» ] فافعلوا» . قالوا: نعم يا رسول الله. فأطلقوه وردّوا عليها الذى بعثت به، وأخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليه أن يخلّى سبيل زينب، ولم يظهر ذلك، ثم بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار، فقال: «كونا ببطن يأجج «3» حتى تمرّ بكما زينب، فتصحباها حتى تأتيانى بها» . فخرجا وذلك بعد بدر بشهر، فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها، فتجهّزت لذلك، وقدّم لها حموها كنانة بن الربيع أخو زوجها بعيرا فركبته، وأخذ قوسه وكنانته، ثم خرج بها نهارا يقود بها، وهى فى هودج لها، وتحدّث بذلك رجال قريش، فخرجوا فى طلبها، حتى أدركوها بذى طوى «4» ، فكان أوّل من سبق إليها هبّار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزّى الفهرىّ، فروّعها بالرمح وهى فى هودجها، وكانت حاملا فطرحت، فنثر حموها كنانته ثم قال: والله لا يدنو منى
(17/58)

رجل إلا وضعت فيه سهما، فتكركر «1» الناس عنه. ثم جاء أبو سفيان بن حرب فى جلّة [من «2» ] قريش فقال: أيها الرجل، كفّ عنا نبلك حتى نكلّمك. فكفّ، فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال: إنك لم تصب، خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذا خرجت له ببنته علانية على رءوس الناس من بين أظهرنا أن ذلك على ذلّ أصابنا عن مصيبتنا التى كانت، وأن ذلك منا ضعف ووهن، ولعمرى ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة، وما لنا فى ذلك من ثؤرة «3» ، ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الأصوات وتحدّث الناس أن قد رددناها فسلّها سرا وألحقها بأبيها. قال: ففعل.
فأقامت ليالى حتى إذا هدأت الأصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما بها على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأقامت عنده بالمدينة وفرّق بينهما الإسلام، حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام- وكان رجلا مأمونا- بمال له وأموال رجال من قريش، فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا لقيته سريّة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأصابوا ما معه وأعجزهم هاربا، فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله أقبل أبو العاص تحت الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاستجار بها، فأجارته، وجاء فى طلب ماله، فلما خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لصلاة الصبح وكبّر وكبر الناس معه خرجت «4» زينب من صفّة النساء [وقالت] : أيها الناس، إنى قد أجرت أبا العاص ابن الربيع. فلمّا سلّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الصلاة أقبل على الناس فقال:
«أيها الناس، هل سمعتم ما سمعت» ؟ فقالوا: نعم، قال: «أما والذى نفس محمد بيده
(17/59)

ما علمت بشىء حتى سمعت ما سمعتم، إنه يجير على المسلمين أدناهم» . ثم انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ودخل على ابنته وقال: «أى بنيّة، أكرمى مثواه، ولا يخلص إليك فإنك لا تحلّين له» .
قال: وبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى السريّة الذين أصابوا مال أبى العاص فقال لهم: «إن هذا الرجل منّا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالا، فإن تحسنوا وتردّوا عليه الذى له فإنّا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فىء الله الذى أفاء عليكم، فأنتم أحقّ به» . قالوا: يا رسول الله، بل نردّه عليه، فردّوه عليه، حتى إنّ الرجل ليأتى بالدّلو، ويأتى الرجل بالشّتّة «1» والإداوة «2» ، حتى إنّ أحدهم ليأتى بالشّظاظ «3» ، حتى ردّوا عليه ماله بأسره لم يفقد منه شيئا، ثم احتمل إلى مكة، فأدّى إلى كلّ ذى مال من قريش ماله، ثم قال: يا معشر قريش، هل بقى لأحد منكم عندى مال لم يأخذه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرا، فقد وجدناك وفيّا كريما؛ قال: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ما منعنى من الإسلام عنده إلا تخوّف أن يظنّوا أنى إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أدّاها الله إليكم وفرغت منها أسلمت. ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فردّ عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زينب على النكاح «4» الأوّل، ولم يحدث شيئا.
(17/60)

نرجع إلى تتمة أخبار أسارى بدر:
ذكر خبر الوليد بن الوليد بن المغيرة
قد تقدّم أنه كان ممن أسر يوم بدر، وكان الذى أسره عبد الله بن جحش ويقال: أسره سليط بن قيس المازنىّ الأنصارىّ، فقدم فى فدائه أخواه: خالد وهشام، فتمنّع عبد الله بن جحش حتى افتكّاه بأربعة آلاف درهم. فجعل خالد يريد ألا يبلغ ذلك، فقال هشام لخالد: إنه ليس بابن أمّك، والله لو أبى فيه إلا كذا وكذا لفعلت. ويقال: إن النبى صلّى الله عليه وسلّم قال لعبد الله بن جحش:
لا تقبل فى فدائه إلا شكّة أبيه الوليد- وكانت درعا فضفاضة وسيفا وبيضة- فأبى ذلك خالد وأطاع هشام لأنه أخوه لأبويه، فأقيمت الشكة بمائة دينار، فطاعا بها وسلّماها إلى عبد الله، فلما افتدى أسلم، فقيل له: هلّا أسلمت قبل أن تفتدى وأنت مع المسلمين؟ قال: كرهت أن تظنوا أنى جزعت من الإسار.
فحبسوه بمكة، فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يدعو له فيمن دعا له من مستضعفى المؤمنين، ثم أفلت ولحق برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وشهد عمرة القضيّة «1» . حكاه ابن عبد البرّ.
ذكر من منّ عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أسارى بدر وأطلقه بغير فداء
قال ابن إسحاق: وكان ممن منّ عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بغير فداء:
أبو العاص بن الربيع هذا الذى تقدّم خبره. والمطّلب بن حنطب «2» بن الحارث
(17/61)

ابن عبيد المخزومىّ، وكان لبعض بنى الحارث بن الخزرج، فترك فى أيديهم حتى خلّوا سبيله، فلحق بقومه، وصيفىّ بن أبى رفاعة المخزومىّ، ترك فى يد أصحابه فلم يأت أحد فى فدائه، فأخذوا عليه العهد ليبعثنّ إليهم بفدائه وخلّوا سبيله، فلم يف لهم بشىء، وأبو عزّة عمرو بن عبد الله بن عثمان بن وهب بن حذافة بن جمح كان محتاجا ذا بنات فقال: يا رسول الله، لقد عرفت مالى من مال، وإنى لذو حاجة وذو عيال، فامنن علىّ، فمنّ عليه وأخذ عليه ألّا يظاهر عليه أحدا؛ فقال أبو عزّة فى ذلك:
من مبلغ عنّى الرسول محمدا ... فإنك حقّ والمليك حميد
وأنت امرؤ تدعو إلى الحقّ والهدى ... عليك من الله العظيم شهيد
وأنت امرؤ بوّئت فينا مباءة ... لها درجات سهلة وصعود «1»
فإنك من حاربته لمحارب ... شقىّ ومن سالمته لسعيد
ولكن إذا ذكّرت بدرا وأهله ... تأوّب ما بى حسرة وقعود «2»
ومنهم وهب بن عمير الجمحى، ولإطلاقه سبب نذكره.
ذكر خبر عمير بن وهب وإسلامه، وإطلاق ولده وهب بن عمير.
قال ابن إسحق فى سبب إطلاق وهب بن عمير: إنّ أباه عمير بن وهب بن خلف بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب جلس مع صفوان بن أميّة فى الحجر بعد مصاب أهل بدر بيسير- قال: وكان عمير بن وهب شيطانا من شياطين قريش، ممن كان يؤذى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، ويلقون منه عناء وهو بمكة- فذكر أصحاب القليب «3» ومصابهم. فقال صفوان: والله إن
(17/62)

فى العيش بعدهم خير، فقال عمير: صدقت والله، أما والله لولا دين علىّ ليس له [عندى «1» ] قضاء، وعيال أخشى عليهم الضّيعة «2» بعدى، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لى قبلهم علة؛ ابنى أسير فى أيديهم. فاغتنمها صفوان فقال: علىّ دينك، أنا أقصيه عنك، وعيالك مع عيالى أواسيهم ما بقوا لا يسعنى «3» شىء ويعجز عنهم؛ قال له عمير: فاكتم علىّ شأنى وشأنك؛ قال: أفعل.
ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له، ثم سمّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فبينما عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى نفر من المسلمين يتحدّثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، إذ نظر إلى عمير حين أناخ على باب المسجد متوشّحا السيف، فقال عمر: هذا الكلب عدوّ الله عمير بن وهب ما جاء إلا لشرّ، وهذا الذى حرّش «4» بيننا وحرزنا «5» للقوم يوم بدر. ثم دخل عمر على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا نبىّ الله، هذا عدوّ الله عمير بن وهب قد جاء متوشّحا بسيفه، قال:
فأدخله علىّ، فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه فى عنقه فلبّبه بها، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاجلسوا عنده، واحذروا عليه هذا الخبيث، فإنه غير مأمون؛ ثم دخل به على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فلما رآه قال: أرسله يا عمر، ادن يا عمير؛ فدنا ثم قال: انعموا صباحا- وكانت تحيّة أهل الجاهلية بينهم- فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: قد أكرمنا الله بتحيّة خير من تحيّتك يا عمير، بالسلام تحيّة أهل الجنة؛ قال: أما والله إن كنت يا محمد بها لحديث عهد؛ قال: فما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير
(17/63)

الذى فى أيديكم فأحسنوا فيه؛ قال: فما بال السيف فى عنقك؟ قال: قبحها الله من سيوف! وهل أغنت شيئا! قال: اصدقنى، ما الذى جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك؛ قال: بل قعدت أنت وصفوان بن أميّة فى الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ثم قلت: لولا دين علىّ وعيال عندى لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلنى له، والله حائل بينك وبين ذلك.
قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذّبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحى، وهذا أمر لم يحضره «1» إلا أنا وصفوان فو الله إنى لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذى هدانى للإسلام، وساقنى هذا المساق، ثم شهد شهادة الحقّ. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «فقّهوا أخاكم فى دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره» ، ففعلوا.
ثم قال: يا رسول الله، إنى كنت جاهدا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وأنا أحبّ أن تأذن لى فأقدم مكة، فأدعوهم إلى الله، وإلى رسوله، وإلى الإسلام، لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم فى دينهم كما كنت أوذى أصحابك فى دينهم. قال: فأذن له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلحق بمكة.
وكان صفوان بن أمية يقول لقريش: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن فى أيام، تنسيكم وقعة بدر، وكان يسأل عنه الرّكبان حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه، فحلف ألا يكلمه أبدا، ولا ينفعه بنفع.
فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام، ويؤذى من خالفه أذّى شديدا، فأسلم على يديه ناس كثير.
(17/64)

قال ابن إسحاق: وعمير بن وهب أو الحارث بن هشام، قد ذكر أن أحدهما [الذى «1» ] رأى إبليس حين نكص على عقبيه يوم بدر، كما أخبر الله تعالى عنه فى قوله:
(وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ)
وكان إبليس قد تشبّه لقريش بسراقة بن مالك بن جعشم وقال: أنا جار لكم من بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة، كما قدّمنا ذكر ذلك، قال: وكانوا يرونه فى كل منزل فى صورة سراقة لا ينكرونه. فلما التقى الجمعان يوم بدر ورأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه وقال لهم ما قال.
وقد أخذت هذه الغزوة حقّها من البسط والإطالة وإن كان ذلك على سبيل الاختصار، فلنذكر غيرها من الغزوات والسّرايا. والله المستعان.
ذكر سرية عمير بن عدىّ بن خرشة الخطمىّ إلى عصماء بنت مروان من بنى أميّة بن زيد «2»
قال محمد بن سعد: كانت سريّة عمير لخمس ليال بقين من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: وكانت عصماء عند يزيد بن زيد بن حصن «3» الخطمى، وكانت تعيب الإسلام وتؤذى النبىّ صلّى الله عليه وسلّم وتحرّض عليه. وتقول الشعر، فجاءها عمير بن عدىّ فى جوف الليل حتى دخل عليها بيتها وحولها نفر من ولدها نيام، منهم من ترضعه فى صدرها،
(17/65)

فجسّها بيده- وكان ضرير البصر- ونحّى الصّبىّ عنها، ووضع سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها، ثم صلّى الصبح مع النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: قتلت بنت مروان؟ قال: نعم، فهل علىّ فى ذلك شىء؟ قال: لا ينتطح فيها عنزان «1» .
قال محمد بن إسحاق: فرجع عمير بن عدىّ إلى قومه، وبنو خطمة يومئذ كثير موجهم «2» في شأن ابنه مروان، ولها يومئذ بنون خمسة رجال، فقال:
يا بنى خطمة، أنا قتلت ابنة مروان، فكيدونى جميعا ثم لا تنظرون «3» . قال: فذلك اليوم أوّل ما عزّ الإسلام فى دار بنى خطمة، وكان من أسلم منهم يستخفى بإسلامه، وعمير هو أوّل من أسلم من بنى خطمة. قال: وأسلم يوم قتلها رجال من بنى خطمة لما رأوا من عزّ الإسلام.
ذكر سريّة سالم بن عمير العمرىّ إلى أبى عفك اليهودىّ
قال ابن سعد: كانت سريّة سالم فى شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة، وكان أبو عفك «4» من بنى عمرو بن عوف شيخا كبيرا قد بلغ عشرين ومائة سنة، وكان «5» يحرّض على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويقول الشعر، فقال سالم
(17/66)

ابن عمير- وهو أحد البكّائين «1» وقد شهد بدرا-: علىّ نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه؛ فجاء وقد نام أبو عفك بالفناء فى ليلة صائفة، فوضع السيف على كبده، ثم اعتمد عليه حتى خشّ فى الفراش، فصاح [عدوّ الله «2» ] ، فثار إليه ناس ممن هم على قوله، فأدخلوه منزله وقبروه.
ذكر غزوة بنى قينقاع
(وهى بضم النون وقيل بكسرها «3» ) غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى يوم السبت النصف من شوّال على رأس عشرين شهرا من مهاجره.
قال ابن سعد: وكانوا حلفاء عبد الله بن أبىّ بن سلول، وكانوا أشجع يهود، وكانوا صاغة، فوادعوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما كانت وقعة بدر أظهروا البغى والحسد، ونبذوا العهد والمدّة، فأنزل الله تعالى على نبيّه صلّى الله عليه وسلّم: (وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ) «4» .
وقال أبو عبد الله محمد بن إسحاق فى سبب غزوة بنى قينقاع: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جمعهم بسوق بنى قينقاع «5» ثم قال: يا معشر يهود، احذروا من الله
(17/67)

مثل ما نزل بقريش من النّقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أنّى نبىّ مرسل، تجدون ذلك فى كتابكم وعهد الله إليكم؛ قالوا: يا محمد، لا يغرّنّك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، إنّا والله لئن حاربناك لتعلمنّ أنّا نحن الناس.
فأنزل الله تعالى فيهم: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ. قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ «1» )
. حكاه ابن إسحاق بسند يرفعه إلى ابن عباس.
وقال ابن هشام فى سبب هذه الغزاة: إنّ امرأة من العرب حلّت بجلب «2» لها، فباعته بسوق بنى قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا منها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، وشدّت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فأغضبهم، فوقع الشر بينهم وبين بنى قينقاع.
عدنا إلى مساق حديث ابن سعد؛ قال: فسار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليهم، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيض، واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، ثم سار إليهم فحاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذى القعدة، وكانوا أوّل من غدر من اليهود، وحاربوا وتحصّنوا فى حصنهم، فحاصرهم أشدّ الحصار، حتى قذف الله فى قلوبهم الرعب، ونزلوا على حكم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأن لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم أموالهم، وأن لهم النساء والذّرّيّة، فأمر
(17/68)

بهم فكتفوا، واستعمل على كتافهم المنذر بن قدامة السّلمى. فكلّم عبد الله بن أبىّ فيهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وألحّ عليه، فقال: خذهم، لعنهم الله «1» ؛ وتركهم من القتل، وأمر بهم أن يجلوا من المدينة، وولّى إخراجهم منها عبادة بن الصامت، فلحقوا بأذرعات «2» ، فما كان أقلّ بقاءهم فيها.
وقال ابن إسحاق فى خبر عبد الله بن أبىّ بن سلول: إنه قام إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين أمكنه الله من بنى قينقاع، فقال: يا محمد، أحسن فى موالىّ.
وكانوا حلفاء الخزرج، فأبطأ عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: يا محمد، أحسن فى موالىّ. قال: فأعرض عنه. قال: فأدخل يده فى جيب درع «3» النبى صلّى الله عليه وسلّم، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أرسلنى، وغضب حتى ظهر ذلك فى وجهه، ثم قال: ويحك! أرسلنى؛ قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن فى موالىّ، أربعمائة حاسر «4» وثلاثمائة دارع «5» ، قد منعونى من الأحمر والأسود، تحصدهم فى غداة واحدة، إنى والله امرؤ أخشى الدوائر. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هم لك.
وحكى أيضا قال: كان لبنى قينقاع من عبادة بن الصامت من الحلف مثل الذى لهم من عبد الله بن أبىّ، فمشى عبادة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتبرّأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وقال: أتولّى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم. فأنزل الله تعالى فيه وفى عبد الله بن أبىّ:
(17/69)

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ «1» )
إلى قوله: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ «2» )
وذلك لعبادة بن الصامت.
قال محمد بن سعد: وأخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم [من سلاحهم «3» ] ثلاث قسىّ، منها: الكتوم، كسرت بأحد، والرّوحاء، والبيضاء، وأخذ درعين:
الصّغديّة، وأخرى فضّة؛ وأخذ ثلاثة أسياف: سيف قلعىّ «4» ، وسيف يقال له:
بتّار؛ وسيف آخر؛ وثلاثة أرماح، ووجد فى حصنهم سلاحا كثيرا وآلة الصّياغة، فأخذ صلّى الله عليه وسلّم صفيّة «5» والخمس، وفضّ «6» أربعة أخماس على أصحابه، وكان الذى تولى قبض أموالهم محمد بن مسلمة.
ذكر غزوة السّويق
قال محمد بن سعد: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المدينة لخمس خلون من ذى الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا من مهاجره، واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، وذلك أن أبا سفيان بن حرب لما رجع المشركون من بدر إلى مكة حرّم الدّهن حتى يثأر من محمد وأصحابه.
(17/70)

قال ابن إسحاق: نذر ألا يمسّ رأسه ماء من جنابة «1» حتى يغزو محمدا صلّى الله عليه وسلّم.
قال ابن سعد: فخرج فى مائتى راكب، وقيل: فى أربعين راكبا، فمرّ بالعريض،- بينه وبين المدينة نحو من ثلاثة أميال- فقتل رجلا من الأنصار، وأجيرا له، وحرّق أبياتا هناك وتبنا، ورأى أن يمينه قد حلّت، ثم ولّى هاربا، وبلغ ذلك النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فخرج فى مائتى رجل من المهاجرين والأنصار فى أثرهم، وجعل أبو سفيان [وأصحابه «2» ] يتخفّفون للهرب «3» فيلقون جرّب السويق «4» وهى عامّة أزوادهم، فأخذها المسلمون؛ فسمّيت غزوة السويق، ولم يلحقهم وانصرف. وكانت غيبته عن المدينة خمسة أيام.
قال محمد بن إسحاق: بلغ قرقرة الكدر «5» ثم انصرف راجعا، فقال المسلمون حين رجع بهم: يا رسول الله، أتطمع لنا أن تكون غزوة؟ قال: نعم.
ذكر غزوة قرقرة الكدر ويقال قرارة الكدر وهى غزوة بنى سليم
غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للنّصف من المحرّم على رأس ثلاثة وعشرين شهرا من مهاجره، وهى ناحية معدن بنى سليم، وبينه وبين المدينة ثمانية برد، واستخلف على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم، وحمل لواءه علىّ بن أبى طالب، وكان
(17/71)

قد بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن بهذا الموضع جمعا من بنى سليم وغطفان، فسار إليهم فلم يجد فى المحالّ أحدا، ووجد رعاء»
منهم غلام يقال له: يسار، فانصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد ظفر بالنعم فانحدر به إلى المدينة، فاقتسموا غنائمهم بصرار، على ثلاثة أميال من المدينة، وكانت النّعم خمسمائة بعير، فأخرج خمسه وقسم أربعة أخماس على المسلمين، فأصاب كلّ رجل منهم بعيران، وصار يسار فى سهم النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فأعتقه حين رآه يصلى. وكانت غيبة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن المدينة خمس عشرة ليلة.
ذكر مقتل كعب بن الأشرف اليهودىّ وخبر سريّته
قال أبو عبد الله محمد بن إسحاق وأبو محمد عبد الملك بن هشام ومحمد بن سعد- دخل حديث بعضهم فى حديث بعض-: كانت سريّة قتل كعب بن الأشرف لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل على رأس خمسة وعشرين شهرا من هجرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وذلك أنه كان رجلا شاعرا يهجو النبىّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه ويحرّض عليهم ويؤذيهم، وكان لما بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية بشير بن إلى من بالمدينة من المسلمين بخبر بدر، فقال كعب بن الأشرف- وكان رجلا من طيئ، ثم أحد بنى نبهان، وكانت أمّه من بنى النّضير «2» -: أحقّ هذا؟ أترون محمدا قتل هؤلاء الذين يسمى هذان الرجلان؟ فهؤلاء أشراف العرب
(17/72)

وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها.
فلما تيقّن الخبر خرج حتى قدم مكة فنزل على المطّلب بن أبى وداعة السّهمى، وجعل يحرّض على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وينشد الأشعار «1» ويبكى أصحاب القليب من قريش.
ثم رجع إلى المدينة فشبّب «2» بنساء المسلمين حتى آذاهم. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم اكفنى ابن الأشرف بما شئت» ؛ وقال: «من لى بابن الأشرف فقد آذانى» ؟ فقال محمد بن مسلمة، أخو بنى عبد الأشهل: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله؛ قال: «فافعل إن قدرت «3» على ذلك» . فرجع [محمد بن «4» ] مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يمسك رمقه؛ فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال له: «لم تركت الطعام والشّراب» ؟ فقال: يا رسول [الله «5» ] ؛ قلت لك قولا لا أدرى هل أفى لك به أولا؟ قال: «إنما عليك الجهد» قال: يا رسول الله؛ لا بدّ لنا من أن نقول «6» ، قال: «قولوا ما بدا لكم، فأنتم فى حلّ من ذلك» . فاجتمع على قتله محمد بن مسلمة، وأبو نائلة سلكان بن سلامة بن وقش- وكان أخا كعب من
(17/73)

الرّضاعة- وعبّاد بن بشر بن وقش، والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبر «1» ، أخو بنى حارثة، فقدّموا إليه سلكان بن سلامة، فجاءه فتحدّث معه ساعة، وتناشدا شعرا، ثم قال أبو نائلة سلكان: ويحك يابن الأشرف! إنى قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك، فاكتم عنى؛ قال: أفعل، قال: قد كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا العرب ورمتنا «2» عن قوس واحدة، وقطعت عنا السّبل حتى ضاع العيال، وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا؛ فقال كعب:
أنا ابن الأشرف، والله لقد كنت أخبرك يابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول؛ فقال له سلكان: إنّا نريد التّنحى منه، ومعى رجال من قومى على مثل رأيى، وقد أردت أن آتيك بهم، فنبتاع منك طعاما وتمرا، ونرهنك مايكون لك فيه ثقة ووفاء؛ فقال أترهنونى نساءكم؟ قال: كيف نرهنك نساءنا وأنت أشبّ أهل يثرب وأعطرهم؛ فقال: هذا رهينة وسق «3» ، وهذا رهينة وسقين، ولكنّا نرهنك سلاحنا وقد علمت حاجتنا إلى السلاح؛ فقال: نعم إن فى الحلقة «4» لوفاء، وإنما أراد سلكان ألا ينكر السلاح إذا جاءوا بها، ثم رجع سلكان إلى أصحابه، وأخبرهم الخبر وأمرهم أن يأخذوا السلاح، ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ففعلوا.
ومشى معهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى بقيع «5» الغرقد، ثم وجههم وقال:
انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم. ورجع صلّى الله عليه وسلّم إلى بيته، وتوجّهوا،
(17/74)

وكانت ليلة مقمرة، حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة، وكان ابن الأشرف حديث عهد بعرس، فوثب فى ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: إنك امرؤ محارب، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون فى هذه الساعة؛ قال: إنّه أبو نائلة، لو وجدنى نائما ما أيقظنى؛ فقالت: والله إنى لأعرف فى صوته الشرّ، فقال لها:
لو يدعى الفتى لطعنة لأجاب.
وفى حديث البخارىّ من رواية سفيان «1» عن عمرو عن جابر بن عبد الله قالت: أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم؛ فقال: إنما هو أخى محمد بن مسلمة، ورضيعى أبو نائلة، إن الكريم لو دعى إلى طعنة بليل لأجاب؛ قالوا: ونزل إليهم فتحدّثوا معه ساعة ثم قالوا: هل لك يابن الأشرف أن نتماشى إلى شعب «2» العجوز فنتحدّث به بقيّة ليلتنا. فقال: إن شئتم. فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة، ثم وضع أبو نائلة [يده «3» ] فى فود رأس ابن الأشرف، ثم شمّ يده فقال: ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قطّ من هذا! فقال: هذا عطر أمّ فلان، يريد امرأته، ثم مشى قليلا وعاد لمثلها حتى اطمأنّ، ثم عاد لمثلها، فأخذ بفود رأسه وقال: اضربوا عدوّ الله.
فضربوه، فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا.
قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا «4» في سيفى حين رأيت أسيافنا لم تغن، فأخذته وقد صاح عدوّ الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار، فوضعته فى ثنّته «5» ، ثم تحاملت عليه حتى انتهى إلى عانته «6» . ثم حزّوا رأسه وحملوه معهم؛ وأصيب الحارث بن أوس، فجرح فى رأسه أو رجله، أصابه بعض أسياف أصحابه
(17/75)

قال محمد بن مسلمة: فخرجنا حتى سلكنا على بنى أمية بن زيد، ثم على بنى قريظة ثم على بعاث «1» حتى استندنا «2» في حرّة «3» العريض، وقد أبطأ علينا الحارث، ونزفه «4» الدم فوقفنا له ساعة حتى أتانا فاحتملناه وجئنا به.
قال ابن سعد: فلما بلغوا بقيع الغرقد كبّروا، وقد قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تلك الليلة يصلى، فلما سمع تكبيرهم كبّر، وعرف أن قد قتلوه، ثم انتهوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أفلحت الوجوه» قالوا: وجهك «5» يا رسول الله؛ ورموا برأسه بين يديه، فحمد الله على قتله.
قال ابن إسحاق، قال محمد بن مسلمة: وتفل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على جرح صاحبنا فبرأ، فرجعنا إلى أهلينا، فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعدوّ الله، فليس بها يهودىّ إلا وهو خائف على نفسه.
وفى مقتل كعب بن الأشرف يقول عبّاد بن بشر:
صرخت به فلم يعرض لصوتى ... وأوفى طالعا من رأس جدر «6»
فعدت له فقال من المنادى ... فقلت أخوك عبّاد بن بشر
وهذى درعنا رهنا فخذها ... لشهر إن وفى أو نصف شهر
(17/76)

فقال معاشر سغبوا وجاعوا ... وما عدموا الغنى من غير فقر
فأقبل نحونا يهوى سريعا ... وقال: أما «1» لقد جئتم لأمر
وفى أيماننا بيض حداد ... مجرّبة بها الكفار نفرى «2»
فعانقه ابن مسلمة المردّى ... به الكفار كالليث الهزبر
وشدّ بسيفه صلتا عليه ... فقطّره أبو عبس بن جبر «3»
فكان الله سادسنا فأبنا ... بأنعم نعمة وأعزّ نصر
وجاء برأسه نفر كرام ... هم ناهيك «4» من صدق وبرّ
ذكر غزوة غطفان إلى نجد (وهى غزوة «5» ذى أمر؛
ناحية النّخيل، وقصة دعثور بن الحارث «6» غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شهر ربيع الأوّل «7» على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجره، وذلك أنه بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن جمعا
(17/77)

من بنى ثعلبة ومحارب بذى أمر تجمّعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. جمعهم رجل منهم يقال له: دعثور بن الحارث من بنى محارب، فندب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الناس، وخرج لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأوّل فى أربعمائة وخمسين رجلا، ومعهم أفراس، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان- رضى الله عنه- فأصابوا رجلا منهم بذى»
القصّة يقال له جبار من بنى ثعلبة، فأدخل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره من خبرهم «2» وقال:
لن يلاقوك، لو سمعوا بمسيرك هربوا فى رءوس الجبال، وأنا سائر معك. فدعاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الإسلام، فأسلم وضمّه إلى بلال، ولم يلاق صلّى الله عليه وسلّم أحدا.
قال الشيخ الإمام أبو بكر أحمد البيهقىّ، رحمه الله: وهربت منه الأعراب فوق ذروة من الجبال، ونزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذا امر وعسكربه فأصابهم مطر كثير، فذهب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لحاجته، فأصابه ذلك المطر فبلّ ثوبه، وقد جعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وادى ذى أمر بينه وبين أصحابه، ثم نزع ثيابه فنشرها لتجفّ، وألقاها على شجرة ثم اضطجع تحتها، والأعراب ينظرون إلى كل ما يفعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ فقالت الأعراب لدعثور، وكان سيّدها وأشجعها: قد أمكنك محمد، وقد انفرد من أصحابه حيث إن غوّث «3» بأصحابه لم يغث حتى تقتله؛ فاختار سيفا من سيوفهم صارما، ثم أقبل مشتملا على السيف حتى قام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالسيف مشهورا، فقال: يا محمد، من يمنعك منّى اليوم؟ قال: الله. ودفع جبريل فى صدره فوقع
(17/78)

السيف من يده، فأخذه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقام على رأسه، فقال: من يمنعك منى؟ قال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لا أكثر عليك جمعا أبدا، فأعطاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سيفه، ثم أدبر، ثم أقبل بوجهه ثم قال: والله لأنت خير منى. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أنا أحق بذلك منك. فأتى قومه، فقالوا: أين ما كنت تقول وقد أمكنك والسيف فى يدك؟
قال: قد كان والله ذلك رأيى، ولكن نظرت إلى رجل أبيض «1» طويل فدفع فى صدرى فوقعت لظهرى، فعرفت أنه ملك، وشهدت أن محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليه؛ وجعل يدعو قومه إلى الإسلام ونزلت هذه الآية: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ «2» )
الآية. ثم أقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة، ولم يلق كيدا، وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة.
ذكر غزوة بنى سليم بجران «3»
غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لستّ خلون من جمادى الأولى على رأس سبعة وعشرين شهرا من مهاجره- وبحران من ناحية الفرع «4» ، وبين الفرع وبين المدينة ثمانية برد- وذلك أنه بلغه أن بها جمعا كثيرا من بنى سليم، فخرج فى ثلاثمائة رجل من أصحابه، واستخلف على المدينة ابن أمّ مكتوم وأغدّ «5» السير حتى ورد بحران فوجدهم قد تفرقوا فى مياههم، فرجع ولم يلق كيدا، وكانت غيبته عشر ليال.
(17/79)

ذكر سريّة زيد بن حارثة إلى القردة
(بالقاف، وضبطه ابن الفرات بالفاء وكسر الراء المهملة) بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لهلال جمادى الآخرة، على رأس ثمانية وعشرين شهرا من الهجرة، وهى أوّل سريّة خرج زيد فيها أميرا يعترض لعير قريش فيها صفوان بن أميّة، وحويطب بن عبد العزّى، وعبد الله بن أبى ربيعة، ومعه مال كثير، وكان دليلهم فرات بن حيّان العجلىّ، فخرج بهم على ذات عرق، طريق العراق.
قال ابن إسحاق: وفيها أبو سفيان بن حرب، وكان من حديثها أن قريشا خافوا طريقهم الذى كانوا يسلكون إلى الشام حين «1» وقعة بدر فكانوا يسلكون طريق العراق، فخرج منهم تجّار، وفيهم أبو سفيان بن حرب معه فضّة كثيرة، وهى أعظم تجارتهم.
قال ابن سعد: فبلغ النبىّ صلّى الله عليه وسلّم ذلك، فوجّه زيد بن حارثة فى مائة راكب، فاعترضوا لها، فأصابوا العير وأفلت أعيان القوم، وقدموا بالعير على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فخمسّها، فبلغ الخمس قيمة عشرين ألف درهم، وقسم ما بقى بين «2» أهل السريّة، وأسر فرات بن حيّان، فأسلم، فترك من القتل.
والقردة: من أرض نجد بين الرّبذة والغمرة.
(17/80)

ذكر غزوة أحد
قال محمد بن سعد فى طبقاته: كانت غزوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحدا يوم السبت لسبع خلون من شوّال، على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره صلّى الله عليه وسلّم.
وقال ابن إسحاق: كانت يوم السبت للنصف من شوّال.
وذلك أن قريشا لما أصيب من أصيب منهم يوم بدر، ورجع من نجا منهم إلى مكة، وجدوا العير التى قدم بها أبو سفيان بن حرب موقوفة فى دار النّدوة، فمشت أشراف قريش إلى أبى سفيان، فقالوا: نحن طيّبوا أنفس أن تجهّزوا بربح هذه «1» العير جيشا إلى محمد؛ فقال أبو سفيان: وأنا أوّل من أجاب إلى ذلك، وبنو عبد مناف معى؛ فباعوها فكانت ألف بعير، والمال خمسين ألف دينار، فسلّم إلى أهل العير رءوس أموالهم وأخرجوا أرباحهم، وكانوا يربحون فى تجارتهم للدينار دينارا.
قال ابن سعد وغيره: وفيهم نزل قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ «2» )
وبعثت قريش رسلهم إلى العرب يدعونهم «3» إلى نصرهم فأوعبوا «4» وألبوا «5» .
قال ابن سعد: وكتب العبّاس بن عبد المطلب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بخبر قريش، فأخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سعد بن الرّبيع بكتاب
(17/81)

العباس. وأرجف «1» المنافقون واليهود بالمدينة، وخرجت قريش من مكة بحدّها «2» وجدّها وأحابيشها «3» ، ومن تابعها من كنانة وأهل تهامة، وكان عددهم ثلاثة آلاف رجل، فيهم سبعمائة دارع، ومعهم مائتا فرس «4» وثلاثة آلاف بعير، وخرجوا معهم بالظّعن «5» التماس الحفيظة «6» ، وألا يفرّوا، وكان معهم خمس عشرة امرأة، فخرج أبو سفيان ابن حرب- وهو قائد الناس- «7» معهم بهند بنت عتبة، وخرج عكرمة بن أبى جهل بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة، وخرج الحارث بن هشام بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وخرج صفوان بن أميّة ببرّة «8» بنت مسعود بن عمرو ابن عمير الثّقفيّة، وهى أم عبد الله بن صفوان، وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبّه بن الحجّاج، وهى أم عبد الله بن عمرو، وخرج طلحة بن أبى طلحة- عبد الله بن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار- بسلافة بنت سعد بن شهيد «9» الأنصاريّة، وخرجت خناس بنت مالك بن المضرّب «10»
(17/82)

مع ابنها «1» أبى عزيز بن عمير، وخرجت عمرة بنت علقمة إحدى «2» نساء بنى الحارث ابن عبد مناة.
قال محمد بن إسحاق: ودعا جبير بن مطعم غلاما له حبشيّا، يقال له: وحشىّ، يقذف بحربة له قذف الحبشة، قلّما يخطئ بها، فقال له: اخرج مع الناس، فإن أنت قتلت حمزة عمّ محمد بعمىّ طعيمة بن عدى فأنت عتيق.
فكانت هند بنت عتبة كلّما مرّت بوحشىّ أو مر بها، قالت: ويها «3» أبا دسمة؛ اشف واستشف، وكان وحشىّ يكنى بأبى دسمة.
قال ابن سعد: وشاع خبرهم ومسيرهم فى الناس حتى نزلوا ذا الحليفة، فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنسا ومؤنسا ابنى فضالة، ليلة الخميس لخمس مضين من شوّال عينين له، فأتيا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بخبرهم، وأنهم قد خلّوا إبلهم وخيلهم فى الزرع الذى بالعريض «4» حتى تركوه ليس به خضراء، ثم بعث الحباب ابن المنذر [بن الجموح فدخل فيهم «5» ] فخزرهم، وجاءه بعلمهم، وبات سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة، فى عدّة ليلة الجمعة، عليهم السلاح فى المسجد بباب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وحرست المدينة حتى أصبحوا، ورأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تلك الليلة كأنّه فى درع حصينة، وكأنّ سيفه ذا الفقار قد انقصم من عند ظبته، وكأن بقرا تذبح، وكأنه مردف كبشا فأخبر بها أصحابه وأوّلها، فقال: أما الدّرع الحصينة فالمدينة، وأما انقصام سيفى
(17/83)

فمصيبة فى نفسى، وأما البقر التى تذبح فقتل فى أصحابى، وأما مردف كبشا، فكبش الكتيبة يقتله [الله «1» ] إن شاء الله: فكان رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ألا يخرج من المدينة لهذه الرؤيا، فأحبّ أن يوافق على «2» رأيه، فاستشار أصحابه فى الخروج، فأشار عبد الله بن أبىّ بن سلول ألا يخرج، وكان ذلك رأى الأكابر من المهاجرين والأنصار، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: امكثوا فى المدينة، واجعلوا النساء والذرارىّ فى الآطام»
. فقام فتيان أحداث لم يشهدوا بدرا، فطلبوا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخروج إلى عدوّهم ورغبوا فى الشهادة، وقالوا: اخرج بنا إلى عدوّنا لا يرون أنّا [قد «4» ] جبنّا عنهم وضعفنا. فغلبوا على الأمر، فصلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الجمعة بالناس ووعظهم وأمرهم بالجدّ والجهاد «5» ، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتّهيؤ لعدوّهم، ففرح الناس بالشخوص، ثم صلّى بالناس العصر، وقد حشدوا، وحضر أهل العوالى «6» ، ثم دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيته ومعه أبو بكر وعمر، فعمّاه وألبساه «7» ، وصفّ «8» الناس له ينتظرون خروجه، فقال لهم سعد ابن معاذ وأسيد بن حضير: استكرهتم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الخروج، والأمر ينزل عليه من السماء، فردّوا الأمر إليه. فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد لبس لأمته «9» ، وأظهر الدرع وحزم وسطها بمنطقة من أدم من حمائل سيفه «10» ، واعتمّ وتقلّد السيف، وألقى التّرس فى ظهره، فندموا جميعا على ما صنعوا، وقالوا:
ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما بدا لك. فقال صلّى الله عليه وسلّم: لا ينبغى
(17/84)

لنبىّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه، فانظروا ما آمركم به فافعلوا وامضوا على اسم الله، فلكم النصر ما صبرتم. ثم دعا بثلاثة أرماح، فعقد ثلاثة ألوية، فدفع لواء المهاجرين إلى على بن أبى طالب، ويقال:
إلى مصعب بن عمير، ودفع لواء الأوس إلى أسيد بن حضير، ودفع لواء الخزرج إلى الحباب بن المنذر، ويقال: إلى سعد بن عبادة، واستخلف على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم، ثم ركب فرسه وتنكّب «1» القوس وأخذ قناة بيده، والمسلمون عليهم السلاح قد أظهروا الدروع، فيهم مائة دارع، وخرج السّعدان أمامه يعدوان، سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، كل منهما دارع، والناس عن يمينه وشماله، فمضى حتى إذا كان بالشّيخين «2» - وهما أطمان، كان يهودى «3» ويهودية يقومان عليهما يتحدّثان، فلذلك سميّا بالشيخين، وهما فى طرف المدينة- التفت فنظر إلى كتيبة خشناء «4» لها زجل «5» ، فقال: ما هذه؟ قالوا: حلفاء ابن أبىّ من يهود. فقال صلّى الله عليه وسلّم: لا تستنصروا «6» بأهل الشّرك على أهل الشرك. وعرض من عرض بالشيخين، فردّ من ردّ، وأجاز من أجاز.
قال محمد بن إسحاق: أجاز رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يومئذ سمرة «7» بن جندب الفزارىّ، ورافع بن خديج أحد بنى حارثة، وهما ابنا خمس عشرة سنة، وكان
(17/85)

قد ردّهما، فقيل له: يا رسول الله إن رافعا رام. فأجازه، فقيل له: إن سمرة يصرع رافعا، فأجازه. وردّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب، وعمرو بن حزم، وأسيد بن ظهير، ثم أجازهم يوم الخندق، وهم أبناء خمس عشرة سنة. وردّ عرابة ابن أوس وهو الذى يقول فيه الشمّاخ «1» .
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقّاها عرابة باليمين
قال ابن سعد: وبات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالشيخين، وكان نازلا فى بنى النّجار، واستعمل على الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة فى خمسين رجلا، يطيفون بالعسكر، وأدلج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى السّحر، ودليله أبو خيثمة «2» ، فانتهى إلى أحد، فخانت الصلاة، وهو يرى المشركين، فأمر بلالا فأذّن وأقام، فصلّى بأصحابه الصبح صفوفا.
قال ابن إسحاق: ولما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالشّوط «3» بين المدينة وأحد، انخزل عنه عبد الله بن أبىّ بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصانى، ما ندرى علام نقتل أنفسناها هنا أيها الناس! فرجع بمن اتّبعه من قومه من أهل النّفاق، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، أخو بنى سلمة، يقول: يا قوم،
(17/86)

أذكّركم الله أن تخذلوا «1» قومكم ونبيّكم عند ما حضر عدوّهم؛ قالوا: لو نعلم أنّكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكن لا نرى أنّه يكون قتال. قال: فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله، فيسغنى الله عنكم نبيّه صلّى الله عليه وسلّم.
قال ابن سعد: انخزل عبد الله بن أبىّ بثلمائة، وبقى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى سبعمائة ومعه فرسه وفرس لأبى بردة بن نيار. وأقبل يصفّ أصحابه ويسوّى الصّفوف على رجليه، وعليه درعان ومغفر «2» وبيضة، وجعل له ميمنة وميسرة، وجعل أحدا وراء ظهره، واستقبل المدينة؛ وجعل عينين «3» - جبلا- عن يساره، وجعل عليه خمسين من الرّماة، واستعمل عليهم «4» عبد الله بن جبير، وقال: قوموا على مصافّكم هذه «5» فاحموا ظهورنا، لا يأتونا من خلفنا، فإن رأيتمونا قد غنمنا، فلا تشركونا، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا.
وأقبل المشركون، وقد صفّوا صفوفهم، واستعملوا على الميمنة خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبى جهل، ولهم مجنّبتان «6» مائتا فرس، وجعلوا على الخيل صفوان بن أميّة، ويقال: عمرو بن العاص. وعلى الرّماة عبد الله بن أبى ربيعة، وكانوا مائة رام، ودفعوا اللّواء إلى طلحة بن أبى طلحة- واسم أبى طلحة عبد الله ابن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار- فسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من
(17/87)

يحمل لواء المشركين؟ فقيل: عبد الدار. فقال: نحن أحقّ بالوفاء منهم، أين مصعب ابن عمير؟ قال: هأنذا؛ قال: خذ اللّواء؛ فأخذه مصعب، فتقدّم به بين يدى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
قال ابن إسحاق: وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من يأخذ هذا السيف بحقّه؟ فقام رجال، فأمسكه عنهم، حتى قام أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بنى ساعدة، فقال: وما حقّه يا رسول الله؟ قال: تضرب به فى العدوّ حتى ينحنى؛ قال:
أنا آخذه يا رسول الله بحقّه. فأعطاه إيّاه. وكان أبو دجانة إذا أعلم بعصابة له حمراء علم الناس أنه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أخرج عصابته تلك فعصب بها رأسه، وجعل يتبختر بين الصّفين.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين رآه: إنها لمشية يبغضها الله ورسوله، إلا فى هذا الموطن.
قال ابن هشام: إن الزّبير بن العوّام قال: وجدت «1» في نفسى حين سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، فقلت: والله لأنظرنّ ما يصنع. فاتّبعته، فأخرج عصابة حمراء فعصب بها رأسه. فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت. وجعل يقول:
أنا الذى عاهدنى خليلى ... ونحن بالسّفح لدى النّخيل
ألا أقوم الدهر فى الكيّول «2» ... أضرب بسيف الله والرّسول
(17/88)

قال الزّبير: فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله. وكان فى المشركين رجل لا يدع لنا جريحا إلا ذفّف «1» عليه، فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة، فاتّقاه بدرقته «2» ، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدله عنها، قال الزّبير، فقلت: الله ورسوله أعلم.
قال أبو دجانة: رأيت إنسانا يحمش «3» الناس حمشا، فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول، فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن أضرب به امرأة.
قالوا: وكان أوّل من أنشب الحرب يوم أحد أبو عامر عبد عمرو «4» بن صيفىّ ابن مالك بن النعمان، أحد بنى ضبيعة بن زيد، وكان قد خرج إلى مكة مباعدا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومعه خمسون غلاما من الأوس، وكان بعد قريشا أن لو قد لقى قومه لم يختلف عليه منهم رجلان، فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر فى الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر. قالوا: فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق- وكان فى الجاهلية يسمّى الراهب، فسماه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الفاسق، كما قدمنا من خبره- قال: فلما سمع ردّهم عليه، قال: لقد أصاب قومى بعدى شرّ. ثم قاتلهم قتالا شديدا، ثم راضخهم «5» بالحجارة فراضخوه، حتى ولّى هو وأصحابه هاربين.
(17/89)

قال: وكان أبو سفيان قد قال لأصحاب اللواء من بنى عبد الدار يحرّضهم بذلك على القتال: يا بنى عبد الدّار، إنكم قد وليتم لواء «1» يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإمّا أن تكفونا لواءنا «2» ، وإمّا أن تخلّوا بيننا وبينه فنكفيكموه؛ فهمّوا به وتواعدوه، وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا؟ ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع! وذلك أراد أبو سفيان.
قال: ولما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة فى النّسوة اللاتى معها، وأخذن الدّفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرّضنهم، فقالت هند فيما تقول:
ويها بنى عبد الدار ... ويها حماة الأدبار
ضربا بكلّ بتار «3»
وقالت أيضا:
نحن بنات طارق «4» ... نمشى على النّمارق «5»
إن تقبلوا نعانق ... أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق «6»
(17/90)

قال. وكان شعار المسلمين يوم أحد. أمت، أمت. ودنا القوم بعضهم من بعض، والرّماة يرشقون خيل المشركين بالنّبل، فتولّى «1» هوارب، فبرز طلحة ابن أبى طلحة، صاحب لواء المشركين، وقال: من يبارز؟ فبرز له على بن أبى طالب، فالتقيا بين الصفّين، فبدره علىّ بضربة على رأسه حتى فلق هامته، فوقع وهو كبش الكتيبة، فسرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بذلك وكبّر، وكبّر المسلمون، وشدّوا على كتائب المشركين يضربونهم حتى نغضت «2» صفوفهم، ثم حمل لواء المشركين عثمان بن أبى طلحة، وجعل يرتجز وهو أمام النّسوة:
إنّ على أهل اللواء حقّا ... أن يخضبوا الصّعدة أو تندقّا «3»
فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب، فضربه بالسيف على كاهله فقطع يده وكتفه حتى انتهى إلى مؤتزره، وبدا سحره «4» ، ثم رجع حمزة وهو يقول: أنا ابن ساقى الحجيج. فحمل اللواء أبو سعد بن أبى طلحة، فرماه سعد بن أبى وقّاص فأصاب حنجرته، فأدلع «5» لسانه إدلاع الكلب، فقتله. ثم حمله مسافع بن طلحة بن أبى طلحة، فرماه عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح، فقتله. ثم حمله كلاب بن طلحة ابن أبى طلحة، فقتله الزّبير بن العوّام. ثم حمله الجلاس بن طلحة بن أبى طلحة فقتله طلحة بن عبيد الله. ثم حمله أرطاة بن شرحبيل، فقتله علىّ بن أبى طالب.
(17/91)

ثم حمله شريح بن قاسط «1» ، فقتل. ثم حمله صؤاب غلامهم «2» ، وهو حبشىّ، فقاتل يومئذ حتى قطعت يده، فاعتنق اللواء حتى قتل عليه، وهو يقول: اللهمّ هل أعذرت، واختلف فى قاتله، فقيل: قتله سعد بن أبى وقّاص، وقيل: على بن أبى طالب، وقيل: قتله قزمان على الأصح.
قال: فلما قتل أصحاب اللواء صار ملقى، حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثيّة فدفعته لقريش، فلاثوا «3» به. ثم انكشف المشركون وانهزموا لا يلوون على شىء، ونساؤهم يدعون بالويل، وتبعهم المسلمون يضعون السلاح فيهم حيث شاءوا حتى أجهضوهم «4» عن العسكر، ووقعوا ينهبون العسكر، ويأخذون ما فيه من الغنائم.
قال ابن إسحاق بسند يرفعه إلى الزّبير بن العوّام، أنه قال: والله لقد رأيتنى أنظر إلى خدم هند وصواحبها مشمّرات هوارب، ما دون أخذهنّ قليل ولا كثير.
قال ابن سعد: وتكلّم الرّماة الذين على الجبل واختلفوا بينهم، وثبت أميرهم عبد الله بن جبير فى نفر يسير دون العشرة، وقال: لا أجاوز أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ووعظ أصحابه وذكّرهم أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا:
لم يرد رسول الله هذا، قد انهزم المشركون، فما مقامنا هاهنا؟ فانطلقوا يتبعون العسكر ينتهبون معهم، وتركوا الجبل. فنظر خالد بن الوليد إلى خلوّ الجبل وقلة أهله،
(17/92)

فكرّ بالخيل، وتبعه عكرمة بن أبى جهل، فحملوا «1» على المسلمين، واستدارت رحاهم، وحالت الريح فصارت دبورا، وكانت قبل ذلك صبا، ونادى إبليس- لعنه الله-: إن محمدا قد قتل. واختلط المسلمون فصاروا يقتتلون «2» على غير شعار، ويضرب بعضهم بعضا، ما يشعرون به من العجلة والدهش، وقتل مصعب ابن عمير، فأخذ اللواء ملك فى صورة مصعب، وحضرت الملائكة يومئذ ولم تقاتل، ونادى المشركون بشعارهم: يا للعزّى يا لهبل «3» . فقتل من أكرمه الله بالشهادة من المسلمين، حتى خلص العدوّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وثبت صلّى الله عليه وسلّم معه «4» عصابة من أصحابه أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين، فيهم أبو بكر الصديق، رضى الله عنه، وسبعة «5» من الأنصار. ورمى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن قوسه حتى اندقّت سيتها «6» ، فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده، ثم ذبّ بالحجارة. وكسرت يومئذ رباعيته «7» صلّى الله عليه وسلّم، وكلمت شفته، وشجّ فى وجهه، وجرح فى وجنته، وكسرت البيضة على رأسه، فسال الدم على وجهه، فجعل يمسحه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم، وهو يدعوهم إلى ربّهم؟
فأنزل الله تعالى فى ذلك: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ «8» ) .
(17/93)

وروى أبو محمد عبد الملك بن هشام بسنده إلى أبى سعيد الخدرى: أن عتبة بن أبى وقّاص رمى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يومئذ، فكسر رباعيته اليمنى السّفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب الزّهرىّ شجّه فى جبهته، وأن ابن قمئة جرح وجنته، فدخل حلقتان من حلق المغفر فى وجنته، ووقع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى حفرة من الحفر التى عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون، فأخذ على بن أبى طالب بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما، ومصّ مالك بن سنان أبو أبى سعيد الخدرىّ، الدّم من وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم [ثم «1» ] ازدرده، فقال صلّى الله عليه وسلّم: من مسّ دمه دمى لم تمسّه النار.
قال ابن إسحاق بسند يرفعه إلى محمود بن عمرو: لما غشى القوم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: من رجل يشترى لنا نفسه؟ فقام زياد بن السّكن [فى خمسة من الأنصار، وبعضهم يقول: إنما هو عمارة بن يزيد بن السكن «2» ] .
فقاتلوا دون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجلا رجلا يقتلون دونه، حتى كان آخرهم زياد أو عمارة، فقاتل حتى أثبتته الجراحة. ثم فاءت فئة المسلمين فأجهضوهم عنه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أدنوه منى. فأدنوه منه، فوسّده قدمه، فمات، وخدّه على قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
قال: وقاتلت أمّ عمارة نسيبة بنت كعب المازنيّة يومئذ، فحدّثت وقد سئلت عن خبرها، فقالت: خرجت أوّل النهار أنظر ما يصنع الناس، ومعى سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والدولة والرّيح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت: أباشر القتال وأذبّ عنه بالسيف، حتى خلصت الجراحة إلىّ. وكان على عاتقها جرح أجوف له غور،
(17/94)

فقيل لها: من أصابك بهذا؟ فقالت: ابن قمئة «1» ، أقمأه «2» الله، لما ولّى الناس عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أقبل يقول: دلّونى على محمد، فلا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فضر بنى هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات «3» ، ولكنّ عدوّ الله كان عليه درعان.
قال ابن إسحاق: وترّس دون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبو دجانة بنفسه، يقع النّبل فى ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النّبل. ورمى سعد ابن أبى وقّاص دون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال سعد: فلقد رأيته يناولنى النبل ويقول: ارم فداك أبى وأمّى، حتى إنه ليناولنى السهم ما له من نصل، فيقول: ارم به. قال: وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنته، فردّها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما. قال: وانتهى أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله فى رجال من المهاجرين والأنصار، قد «4» ألقوا بأيديهم، فقال:
ما يجلسكم؟ فقالوا: قتل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل. قال أنس بن مالك: لقد وجدنا به سبعين ضربة؛ وأصيب عبد الرحمن بن عوف فى فمه فهتم، وجرح عشرين جراحة أو أكثر، فأصابه بعضها فى رجله فعرج.
(17/95)

قال ابن إسحاق: وكان أوّل من عرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد الهزيمة، وقول الناس: قتل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كعب بن مالك، قال كعب:
عرفت عينيه تزهران تحت «1» المغفر، فناديت بأعلى صوتى: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ فأشار إلىّ: أن أنصت، قال: فلما عرف المسلمون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهضوا [به] ونهض معهم نحو الشّعب، معه أبو بكر، وعمر، وعلىّ، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوّام، والحارث بن الصّمة، ورهط من المسلمين، فلما أسند «2» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى الشعب أدركه أبىّ بن خلف، وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوت إن نجا، فقال القوم:
يا رسول الله، أيعطف عليه رجال منّا؟ قال رسول الله: دعوه. فلما دنا تناول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الحربة من الحارث بن الصّمة، قال: فلما أخذها انتفض ما انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء «3» عن ظهر البعير إذا انتفض بها، ثم استقبله فطعنه بها طعنة فى عنقه تدأدأ»
منها عن فرسه مرارا؛ وكان أبىّ بن خلف قبل ذلك يلقى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيقول: إنّ عندى العود- فرسا- أعلفه كل يوم فرقا «5» من ذرة أقتلك عليه. فيقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: بل أنا أقتلك إن شاء الله. فلما رجع إلى قريش، وقد خدشه فى عنقه خدشا غير كبير، فاحتقن الدّم فيه، فقال: قتلنى والله محمد؛ قالوا: ذهب والله فؤادك! والله إن بك
(17/96)

بأس؛ قال: إنه قد قال لى بمكة: أنا أقتلك، [والله «1» ] لو بصق علىّ لقتلنى. فمات عدوّ الله بسرف «2» وهم قافلون إلى مكة، وفى ذلك يقول حسان بن ثابت:
لقد ورث الضّلالة عن أبيه ... أبىّ يوم بارزه الرسول
أتيت إليه تحمل رمّ عظم ... وتوعده وأنت به جهول «3»
وقد قتلت بنو النّجار منكم ... أميّة إذ يغوّث: يا عقيل «4»
وتبّ ابنا ربيعة إذ أطاعا ... أبا جهل، لأمّهما الهبول «5»
وأفلت حارث لما شغلنا ... بأسر القوم، أسرته قليل
وقال حسان أيضا فيه:
ألا من مبلغ عنّى أبيّا ... فقد ألقيت فى سحق السعير «6»
تمنّى بالضّلالة من بعيد ... وتقسم أن قدرت مع النّذور
تمنّيك الأمانى من بعيد ... وقول الكفر يرجع فى غرور
فقد لاقيت طعنة ذى حفاظ ... كريم البيت ليس بذى فجور «7»
له فضل على الأحياء طرّا ... إذا نابت ملمّات الأمور
قال: ولما انتهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى فم الشّعب خرج علىّ بن أبى طالب حتى ملأ درقته «8» من الماء، فجاء به إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليشرب منه، فوجد له ريحا، فعافه وغسل عن وجهه الدّم.
(17/97)

قال: وبينما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالشّعب، معه أولئك النّفر من أصحابه، إذ علّت عالية من قريش الجبل، وكان على تلك الخيل خالد بن الوليد، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اللهمّ [إنه «1» ] لا ينبغى لهم أن يعلونا! فقاتل عمر بن الخطاب ورهط من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل. ونهض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وقد كان بدّن «2» وظاهر بين درعين، فلم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض به حتى استوى عليها «3» .
قال ابن هشام: وصلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الظهر يوم أحد قاعدا من الجراح التى أصابته، وصلّى المسلمون خلفه قعودا.
قال ابن إسحاق: ولما أراد القوم الانصراف أشرف أبو سفيان على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت «4» فعال، إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: قم يا عمر فأجبه، فقل: الله أعلى وأجلّ، لا سواء «5» ، قتلانا فى الجنّة، وقتلاكم فى النار؛ فقال له أبو سفيان: هلمّ إلىّ يا عمر؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعمر: ايته فانظر ما شأنه؛ فأتاه، فقال له أبو سفيان:
(17/98)

أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهمّ لا، وإنه ليسمع كلامك الآن، قال: أنت أصدق عندى من ابن قمئة وأبرّ- لقول ابن قمئة لهم:
إنى قتلت محمدا- قال: واسم ابن قمئة عبد الله.
وروى البخارى عن البراء قال: وأشرف أبو سفيان فقال: أفى القوم محمد؟
فقال: لا تجيبوه، قال: أفى القوم ابن أبى قحافة؟ قال: لا تجيبوه، قال:
أفى القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر- رضوان الله عليه- نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله، أبقى الله لك ما يخزيك. قال أبو سفيان: أعل هبل «1» ، فقال النبى صلّى الله عليه وسلّم:
أجيبوه، فقالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجلّ، قال أبو سفيان:
لنا العزّى «2» ولا عزّى لكم، فقال النبى صلّى الله عليه وسلّم: أجيبوه، قالوا:
ما تقول؟ قال قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم؛ قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر [بها «3» ] ولم تسؤنى.
قال ابن سعد: ثم نادى أبو سفيان عند انصرافه: إن موعدكم بدر العام القابل.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لرجل من أصحابه: قل له: نعم هو بيننا وبينك موعد. ثم بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على بن أبى طالب فقال:
اخرج فى آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون، وماذا يريدون، فإن كانوا قد جنبوا «4» الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم
(17/99)

يريدون المدينة، والذى نفسى بيده لئن أرادوها لأسيرنّ إليهم فيها، ثم لأناجزنّهم «1» . قال علىّ: فخرجت فى آثارهم فرأيتهم قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل، وتوجهوا إلى مكّة.
ذكر خبر «2» مقتل حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه، وما فعلته هند بنت عتبة، وما قالته من الشعر، وما أجيبت به كان حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه، قد قتل من ذكرنا من المشركين آنفا، ومرّ به سباع بن عبد العزّى الغبشانىّ، وكان يكنى بأبى نيار، فقال له حمزة:
هلّم إلىّ يابن مقطّعة البضور «3» - وكانت أمّة أم أنمار مولاة شريق بن عمر بن وهب الثقفىّ، وكانت ختّانة بمكة- فلما التقيا ضربه حمزة فقتله. فقال وحشىّ غلام جبير بن مطعم: والله إنى لأنظر إلى حمزة يهدّ الناس بسيفه هدّا ما يقوم له شىء، فو الله إنى لأتهيّأ أريده، وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو منى، إذ تقدمنى إليه سباع، فلما رآه حمزة قال له ما قال، فضربه حمزة فقتله، فهززت حربتى حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه، فوقعت فى ثنّته «4» ، حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء «5» نحوى فغلب، فتركته وإيّاها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتى، ثم رجعت إلى العسكر فقعدت فيه، فلم يكن لى بغيره حاجة، إنما قتلته لأعتق.
قال ابن إسحاق: ووقفت هند بنت عتبة والنسوة اللاتى معها يمثّلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يجد «6» عن الآذان والآنف، حتى
(17/100)

اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم قلائد وخدما «1» ، وأعطت قلائدها وخدمها وقرطها وحشيّا، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تسطع أن تسيغها، فلفظتها، ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها، ثم قالت:
نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لى من صبر ... ولا أخى وعمّه وبكرى
شفيت نفسى وقضيت وترى «2» ... شفيت وحشىّ غليل صدرى
فشكر وحشىّ علىّ عمرى ... حتى ترمّ أعظمى فى قبرى «3»
فأجابتها هند بنت أثاثة بن عبّاد بن المطلب «4» فقالت:
خزيت فى بدر وبعد بدر ... يا بنت وقّاع عظيم الكفر «5»
صبّحك الله غداة الفجر ... بالهاشميّين الطّوال الزّهر
بكل قطّاع حسام يفرى ... حمزة ليثى وعلىّ صقرى «6»
إذ رام شيب وأبوك غدرى ... فخضّبا منه ضواحى النّحر «7»
ونذرك السّوء فشرّ نذر
وقالت هند غير ذلك من الشعر وأجيبت بمثله، وتركنا ذلك اختصارا.
(17/101)

قال ابن إسحاق: ومرّ الحليس بن زبّان «1» أخو بنى الحارث بن عبد مناة، وهو يومئذ سيد الأحابيش بأبى سفيان، وهو يضرب فى شدق حمزة بزجّ الرمح، ويقول: ذق عقق «2» . فقال الحليس: يا بنى كنانة، هذا سيّد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما «3» ؛ قال: ويحك! اكتمها عنّى، فإنها كانت زلة. قال ولما فرغ الناس لقتلاهم خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادى قد بقر بطنه عن كبده، وجدع أنفه وأذناه. فقال حين رآه:
لولا أن تحزن صفيّة وتكون ستّة من بعدى لتركتك حتى تكون فى بطون السّباع وحواصل الطير، ولئن أظهرنى الله على قريش فى موطن من المواطن لأمثّلن بثلاثين رجلا منهم، فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وغيظه على من فعل بعمّه ما فعل، قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثّلن بهم مثلة لم يمثّلها أحد من العرب. فأنزل الله تعالى قوله: (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ «4» )
قال: فعفا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصبر. ونهى عن المثل «5» .
(17/102)

قال ابن هشام: ولما وقف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على حمزة قال: لن أصاب بمثلك أبدا! ما وقفت موقفا قطّ أغيظ إلىّ من هذا! ثم قال: جاءنى جبريل عليه السلام فأخبر أن حمزة بن عبد المطلب مكتوب فى أهل السموات السبع:
حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله. قال ابن إسحاق يرفعه إلى ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بحمزة فسجّى «1» ببرد، ثم صلّى عليه وكبّر سبع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى يوضعون إلى حمزة، فصلّى عليهم وعليه معهم، حتى صلّى عليه ثنتين وسبعين صلاة «2» . قالت: وأقبلت صفيّة بنت عبد المطلب لتنظر إلى أخيها حمزة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لابنها الزّبير ابن العوام: القها فارجعها لا ترى ما بأخيها. فقال [لها «3» ] : يا أمّاه: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأمرك أن ترجعى، فقالت: ولم؟ وقد بلغنى أنه قد مثّل بأخى، وذلك فى الله عزّ وجلّ، فما أرضانى «4» أنا بما كان من ذلك! لأحتسبنّ ولأصبرنّ «5» إن شاء الله تعالى. فلما جاء الزبير إلى رسول الله [صلّى الله عليه وسلّم «6» ] وأخبره بذلك قال: خلّ سبيلها، فأتته، فنظرت إليه، وصلّت عليه، واسترجعت، واستغفرت له، ثم أمر به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فدفن. قال: واحتمل ناس [من المسلمين «7» ] قتلاهم إلى المدينة، فدفنوهم بها. ثم نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، وقال: ادفنوهم حيث صرعوا.
(17/103)

ذكر [تسمية «1» ] من استشهد من المسلمين يوم أحد
قال ابن إسحاق: استشهد من المسلمين يوم أحد سبعون رجلا، كان منهم من المهاجرين من بنى هاشم: حمزة بن عبد المطلب، رضى الله عنه، وقد تقدم خبر مقتله. ومن بنى أمية: عبد الله بن جحش، حليف لهم من بنى أسد بن خزيمة «2» قتله أبو الحكم «3» بن الأخنس بن شريق. ومن بنى عبد الدار بن قصىّ: مصعب ابن عمير، قتله عبد الله بن قمئة الليثىّ. ومن بنى مخزوم بن يقظة: شمّاس بن عثمان قتله [أبىّ «4» ] بن خلف.
لم يذكر ابن إسحاق غير هؤلاء الأربعة.
وقال محمد بن سعد فى طبقات الكبرى: وعبد الله، وعبد الرحمن، ابنا الهبيب، من بنى سعد بن ليث، ووهب بن قابوس المزنىّ، وابن أخيه الحارث بن عقبة ابن قابوس. وزاد الثعلبى سعدا مولى عتبة، ولم يذكر الأربعة الذين ذكرهم ابن سعد، بل عدّ المهاجرين خمسة.
واستشهد من الأنصار، من بنى عبد الأشهل اثنا عشر رجلا، وهم:
عمرو بن معاذ بن النّعمان أخو سعد، والحارث بن أنس بن رافع «5» ، وعمارة بن زياد بن السّكن، وسلمة بن ثابت بن وقش، وأخوه عمرو بن ثابت، وأبوهما ثابت، ورفاعة [بن «6» ] وقش، واليمان أبو حذيفة بن اليمان، واسمه حسيل بن
(17/104)

جابر، أصابه المسلمون فى المعركة ولا يدرون، وأراد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يديه «1» ، فتصدّق ابنه حذيفة بديته على المسلمين، وصيفىّ بن قيظى، [وخباب ابن قيظى «2» ] ، وعبّاد بن سهل، والحارث بن أوس بن معاذ.
ومن أهل راتج «3» ثلاثة نفر، وهم: إياس بن أوس بن عتيك، وعبيد بن التيّهان، ويقال: عتيك بن التيّهان. وحبيب بن زيد بن تيم. ومن بنى ظفر:
يزيد «4» بن حاطب بن أميّة بن رافع. ومن بنى عمرو بن عوف، رجلان، وهما:
أبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد، وحنظلة بن أبى عامر بن صيفىّ بن النعمان، وهو غسيل الملائكة، وكان قد التقى هو وأبو سفيان، فلما استعلاه حنظلة رآه شدّاد بن الأسود فقتله، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إن صاحبكم لتغسله الملائكة. فسألوا أهله: ما شأنه؟ فسئلت صاحبته فقالت:
خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لذلك غسّلته الملائكة. وقال شدّاد بن الأسود حين قتل حنظلة:
لأحمينّ صاحبى ونفسى ... بطعنة مثل شعاع الشمس
ومن بنى عبيد بن زيد «5» : أنيس بن قتادة. ومن بنى ثعلبة بن عمرو ابن عوف رجلان، وهما: أبو حيّة «6» بن عمرو بن ثابت، وعبد الله بن جبير
(17/105)

ابن النّعمان، وهو أمير الرّماة. ومن بنى السلّم بن امرئ القيس بن مالك:
خيثمة أبو سعد بن خيثمة. ومن حلفائهم من بنى العجلان: عبد الله بن سلمة. ومن بنى معاوية بن مالك رجلان، وهما: سبيع بن حاطب بن الحارث، ويقال: سويبق «1» بن الحارث. ومالك بن نميلة، حليف لهم من مزينة.
ومن بنى النّجار ثم «2» من بنى سواد بن مالك خمسة نفر، وهم: عمرو بن قيس بن زيد بن سواد، وابنه قيس بن عمرو، وثابت بن عمرو بن زيد، وعامر بن مخلّد، ومالك بن إياس. ومن بنى مبذول رجلان، وهما: أبو هبيرة بن الحارث ابن علقمة، وعمرو بن مطرف «3» بن علقمة. ومن بنى عمرو بن مالك بن النجار رجلان، وهما: أوس بن ثابت بن المنذر، وهو أخو حسان، وإياس بن عدىّ.
ومن بنى عدىّ بن النجار رجل واحد، وهو: أنس بن النّضر بن ضمضم بن زيد ابن حرام بن جندب بن عامر بن عدىّ بن النجّار، وقد تقدّم خبره. ومن بنى مازن بن النجّار رجلان، وهما: قيس بن مخلّد، وكيسان عبدلهم. ومن بنى دينار بن النجار رجلان، وهما: سليم بن الحارث، ونعمان بن عبد عمرو. ومن بنى الحارث بن الخزرج ثلاثة نفر، وهم: خارجة بن زيد بن أبى زهير، وسعد ابن الربيع بن عمرو بن أبى زهير- حكى محمد بن سعد فى طبقاته أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال يوم أحد: من رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع، أفى الأحياء هو أم فى الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل، فنظر فوجده جريحا فى القتلى وبه رمق «4» ، قال الأنصارىّ:
(17/106)

فقلت له: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمرنى أن أنظر أفى الأحياء أنت أم فى الأموات؟ قال: أنا فى الأموات، فأبلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عنى السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيّا عن أمته، وأبلغ قومك عنى السلام، وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم:
إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيّكم وفيكم عين تطرف «1» . قال الأنصارى:
ثم لم أبرح حتى مات؛ فجئت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبرته خبره.
وأوس بن الأرقم بن زيد، من بنى الأبجر، وهم بنو خدرة، ثلاثة نفر، وهم: مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبد [بن «2» ] الأبجر، وهو أبو أبى سعيد الخدرىّ، وسعيد بن سويد بن قيس بن عامر بن عبّاد بن الأبجر، وعتبة بن ربيع ابن رافع بن معاوية. ومن بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج رجلان، وهما:
ثعلبة بن سعد بن مالك بن خالد، وثقيف «3» بن فروة بن البدىّ. ومن بنى طريف، رهط سعد بن عبادة رجلان، وهما: عبد الله بن عمرو بن وهب، وضمرة حليف لهم من جهينة. ومن بنى عوف بن الخزرج خمسة نفر، وهم: نوفل ابن عبد الله، وعبّاس بن عبادة بن نضلة، ونعمان «4» بن مالك بن ثعلبة، والمجذّر ابن زياد، حليف لهم من بلىّ، وعبادة بن الحسحاس. ومن بنى الحبلى، رفاعة
(17/107)

ابن عمرو، ومن بنى سلمة «1» ثم من بنى حرام أربعة نفر، وهم: عبد الله بن عمرو ابن حرام، وعمرو بن الجموح بن زيد بن حرام، وخلّاد بن عمرو بن الجموح، وأبو أيمن «2» مولى عمرو بن الجموح. ومن بنى سواد بن غنم ثلاثة نفر، وهم:
سليم بن عمرو بن حديدة، ومولاه عنترة، وسهل «3» بن قيس بن أبى كعب بن القين. ومن بنى زريق [بن عامر «4» ] رجلان، وهما: ذكوان «5» بن عبد قيس، وعبيد بن المعلّى بن لوذان. ومن بنى خطمة من الأوس: الحارث بن عدىّ بن خرشة بن أمية. ومن بنى سالم «6» بن عوف: عمرو بن إياس.
ذكر تسمية من قتل من المشركين يوم أحد
قتل من المشركين يوم أحد اثنان وعشرون رجلا: من بنى عبد الدار بن قصىّ أحد عشر رجلا- وهم أصحاب اللواء- طلحة بن أبى طلحة، قتله على بن أبى طالب، وأبو سعيد بن أبى طلحة، قتله سعد بن أبى وقّاص، ويقال: على، وعثمان بن أبى طلحة، قتله حمزة بن عبد المطلب، ومسافع بن طلحة «7» بن أبى طلحة، قتله عاصم ابن ثابت بسهم، والجلاس بن طلحة، قتله عاصم أيضا كما تقدّم، وكلاب بن طلحة والحارث بن طلحة، قتلهما قزمان حليف لبنى ظفر، وأرطاة بن عبد بن شرحبيل ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، قتله حمزة، ويقال: قتله على، وأبو زيد «8» ابن عمير بن هاشم، قتله قزمان، وصؤاب غلام لهم حبشىّ، قتله قزمان، والقاسط
(17/108)

ابن شريح بن هاشم، قتله قزمان. ومن بنى أسد بن عبد العزّى بن قصىّ: عبد الله ابن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد: قتله على بن أبى طالب. ومن بنى زهرة ابن كلاب رجلان، وهما. أبو الحكم بن الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفى، حليف لهم، قتله على بن أبى طالب، وسبّاع بن عبد العزّى- واسم عبد العزى عمرو بن نضلة بن غبشان- حليف لهم من خزاعة، قتله حمزة كما تقدم.
ومن بنى مخزوم أربعة نفر، وهم: هشام بن أبى أمية بن المغيرة، قتله قزمان، والوليد ابن العاص بن المغيرة، قتله قزمان أيضا، وأبو أمية بن أبى حذيفة بن المغيرة، قتله على بن أبى طالب، وخالد بن الأعلم حليف لهم، قتله قزمان. ومن بنى جمح رجلان، وهما: عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب بن حذافة بن جمح، وهو أبو عزّة، قتله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صبرا- وكان قد أسر يوم بدر، فمنّ عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأطلقه كما ذكرنا، فقال: لا أكثر عليك جمعا؛ فلم يف، وخرج يوم أحد مع المشركين فأسر، ولم يؤسر يومئذ غيره، فقال: منّ علىّ يا محمد؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إن المؤمن لا يلدغ من حجر مرتين، لا ترجع إلى مكة تمسح عارضيك، تقول: سحرت «1» محمدا مرتين، ثم أمر عاصم بن ثابت ابن الأفلح فضرب عنقه- وأبىّ بن خلف بن حذافة بن جمح، قتله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيده كما تقدم. ومن بنى عامر بن لؤى رجلان، وهما: عبيدة «2» بن جابر وشيبة بن مالك بن المضرب، قتلهما قزمان، ويقال: قتل «3» عبيدة بن جابر عبد الله بن مسعود.
(17/109)

قال محمد بن سعد فى طبقاته: ثم انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يومئذ من أحد، فصلى المغرب بالمدينة، وشمت عبد الله بن أبىّ بن سلول والمنافقون بما نيل من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى نفسه وأصحابه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لن ينالوا منّا مثل هذا اليوم حتى نستلم الرّكن. قال: وبكت الأنصار على قتلاهم، فسمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم البكاء فبكى، وقال:
لكنّ حمزة لا بواكى له، فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بنى عبد الأشهل أمرا نساءهم أن يتحزّمن، ثم يذهبن فيبكين على عمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكاءهنّ على حمزة خرج عليهنّ وهنّ على باب مسجده يبكين، فقال: ارجعن يرحمكنّ الله، فقد آسيتنّ بأنفسكن.
ونهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم [يومئذ «1» ] عن النوح.
وروى عن سعد بن أبى وقّاص رضى الله عنه، قال: مرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بامرأة من بنى دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأحد، فلما نعوا لها قالت: ما فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبيّن؛ قالت: أرونيه حتى أنظر إليه؛ قال: فأشير لها إليه صلّى الله عليه وسلّم، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل؛ رضى الله عنها.
ولما قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة كانت فاطمة- رضى الله عنها- تغسل جرحه؛ وعلىّ يسكب الماء عليها بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدّم إلا كثرة، عمدت إلى قطعة من حصير فأحرقتها، وألصقت ذلك على الجرح فاستمسك الدّم، ولم يبت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة إلا تلك.
(17/110)

الليلة، ثم أصبح فخرج فى طلب العدوّ إلى حمراء الأسد، على ما نذكره إن شاء الله.
ولنصل غزوة أحد بتفسير ما أنزل الله تعالى فيها من القرآن.
ذكر ما أنزل «1» على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من القرآن فى غزوة أحد، وما ورد فى تفسير ذلك
قال محمد بن إسحاق، رحمه الله: وكان مما أنزل الله تعالى فى غزوة أحد من القرآن ستون آية من سورة آل عمران، أول ذلك قوله تعالى: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ «2» الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
قال أبو إسحاق «3» أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبى النيسابورى- رحمه الله- فى تفسيره المترجم بالكشف والبيان عن تفسير القرآن: إن المشركين أقاموا بأحد يوم الأربعاء والخميس والجمعة، وذكر نحو ما قدمناه من خروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة السبت للنصف من شوّال، وأنه صلّى الله عليه وسلّم جعل يصفّ أصحابه للقتال كما يقوم القدح، إذا رأى صدرا خارجا قال: تأخّر، فذلك قوله تعالى: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ)
الآية «4» ، وقوله تعالى: (إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)
تفشلا، أى تجبنا وتضعفا ومتخلّفا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهما بنو سلمة بن الخزرج، وبنو حارثة بن الأوس،
(17/111)

وكانا جناحى العسكر، وذلك أن عبد الله بن [أبىّ بن سلول «1» ] لما انخزل بثلث الناس كما قدمنا وقال هو ومن وافقه من أصحابه: (لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ)
؛ همّ «2» بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف معه، فعصمهم الله تعالى فلم ينصرفوا، ومضوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فذكّرهم الله تعالى عظيم نعمته، فقال: (وَاللَّهُ وَلِيُّهُما)
أى ناصرهما وحافظهما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ*
ثم ذكّرهم الله منّته عليهم إذا نصرهم «3» ببدر، فقال: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ)
إلى قوله:
(وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)
قوله: (لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ)
. «ليقطع طرفا» أى يهلك طائفة «أو يكبتهم» أى يهزمهم «فينقلبوا خائبين» أى لم ينالوا شيئا مما كانوا يرجون من الظفر بكم.
قوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ) .
اختلف العلماء فى سبب نزول هذه الآية، فقال عبد الله بن مسعود: أراد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يدعو على المنهزمين عنه من أصحابه يوم أحد، وكان عثمان بن عفان منهم، فنهاه الله تعالى عن ذلك، وتاب عليهم، وأنزل هذه الآية. وقال عكرمة، وقتادة، ومقسم: أدمى رجل من هذيل يقال له: عبد الله ابن قمئة وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم أحد، فدعا عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فكان حتفه أن سلّط الله عليه تيسا فنطحه حتى قتله، وشجّ عتبة بن أبى وقاص رأسه وكسر رباعيته صلّى الله عليه وسلّم، فدعا عليه وقال: اللهم
(17/112)

لا يحل «1» عليه الحول حتى يموت كافرا [قال: «2» فما حال الحول حتى مات كافرا] فأنزل الله تعالى عليه «3» هذه الآية. وقال الربيع والكلبىّ: نزلت هذه الآية على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم أحد، وقد شجّ فى وجهه وأصيبت رباعيته، فهمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يلعن المشركين ويدعو عليهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، لعلمه فيهم أن كثيرا منهم سيؤمنون.
قوله تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ)
قيل: أمثال. وقيل: أمم.
والسّنّة الأمّة، قال الشاعر:
ما عاين الناس من فضل كفضلهم ... ولا رأوا مثلهم فى سالف السّنن
وقيل: أهل سنن؛ وقيل: أهل شرائع؛ قال: معنى الآية: قد مضت وسلفت منّى فيمن قبلكم من الأمم الماضية المكذّبة الكافرة سنن بإمهالى واستدراجى إيّاهم حتى بلغ الكتاب فيهم أجلى الذى أجلت- لإدالة «4» أنبيائى- وأهلكتهم.
(فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) *
أى منهم، فأنا أمهلهم وأستدرجهم حتى يبلغ الكتاب أجلى الذى أجّلت فى نصرة النبىّ وأوليائه وهلاك أعدائه.
قوله تعالى: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
قال:
هذه الآية «5» تعزية من الله تعالى لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم وللمؤمنين على ما أصابهم من القتل والجرح يوم أحد، وحثّ منه إيّاهم على قتال عدوّهم، ونهى عن العجز
(17/113)

والفشل، فقال تعالى: «ولا تهنوا» أى لا تضعفوا ولا تجبنوا من جهاد أعدائكم [بما «1» نالكم يوم أحد من القتل والقرح. «ولا تحزنوا» على ظهور أعدائكم] ولا على ما أصابكم من الهزيمة والمصيبة «وأنتم الأعلون» أى لكم تكون العاقبة بالنصر «2» والظفر «إن كنتم مؤمنين» .
قوله تعالى: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ)
أى جرح يوم أحد فقد مسّ القوم جرح مثله يوم بدر. (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)
يعنى إنما كانت هذه المداولة ليرى الله الذين آمنوا- يعنى منكم- ممن نافق، فيميز بعضهم من بعض.
وقيل: المعنى «وليعلم الله الّذين آمنوا» بأفعالهم موجودة كما علمها منهم قبل أن كلّفهم.
«ويتّخذ منكم شهدآء» يكرم أقواما بالشهادة، وذلك أن المسلمين قالوا: أرنا يوما كيوم بدر نقاتل فيه المشركين ونلتمس الشهادة. فلقوا المشركين يوم أحد، فاتّخذ الله منهم شهداء.
قوله تعالى: (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ)
يعنى يطهّر الذين آمنوا من ذنوبهم «ويمحق الكافرين» يفنيهم ويهلكهم وينقصهم. ثم عزّاهم الله تعالى فقال: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) .
قوله تعالى: (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)
(17/114)

وذلك أنه لما قتل عبد الله بن قمئة مصعب بن عمير، وصرخ صارخ- يقال: هو إبليس، لعنه الله- ألا إن محمدا قد قتل. وانهزم الناس، فقال بعض المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبىّ فيأخذ لنا أمانا من بنى أبى سفيان. وجلس بعض الصحابة وألقوا «1» بأيديهم. وقال أناس من أهل النفاق: إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأوّل. فقال أنس بن النضر: يا قوم، إن كان قد قتل محمد فإن ربّ محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه؛ ثم قال: اللهم إنى أعتذر إليك مما قال «2» هؤلاء- يعنى المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء- يعنى المنافقين- ثم قاتل حتى قتل. ثم إن رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- انطلق إلى الصخرة، وهو يدعو الناس، فانحدر إليه طائفة من أصحابه، فلامهم صلّى الله عليه وسلّم على الفرار، فقالوا: يا نبىّ الله، فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا الخبر بأنك قتلت فرعبت «3» قلوبنا فولّينا مدبرين. فأنزل الله تعالى: «وما محمد إلّا رسول قد خلت من قبله الرّسل أفإن مات» أى على فراشه «أو قتل انقلبتم على أعقابكم» أى رجعتم إلى دينكم الأوّل الكفر «ومن ينقلب على عقبيه» فيرتدّ عن دينه «فلن يضرّ الله شيئا» بارتداده، وإنما يضرّ نفسه «وسيجزى الله الشّاكرين» أى المؤمنين.
قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ))
قيل: الربّيّون الألوف والرّبّة «4» الواحدة عشرة آلاف. وقيل: الربّيون العلماء والفقهاء. وقيل: الأتباع
(17/115)

وقيل: الرّبانيون الولاة، والربّيون الرعيّة. وقيل: الرّبيّون الذين يعبدون الرّب تعالى. قال: ومعنى الآية، فما ضعفوا عن الجهاد «لما أصابهم فى سبيل الله» لما نالهم من الجراح وقتل الأصحاب، وما عجزوا بقتل نبيهم «وما ضعفوا وما استكانوا» قال قتادة والربيع: يعنى وما ارتدوا عن بصيرتهم»
ودينهم، ولكنهم قاتلوا على ما قاتل عليه نبيّهم حتى لحقوا بالله تعالى. قال السّدّى: وما ذلّوا.
وقال عطاء: وما تضرّعوا. وقال مقاتل: وما استسلموا وما خضعوا لعدوّهم، ولكنّهم صبروا على أمر ربّهم، وطاعة نبيّهم، وجهاد عدوّهم «والله يحبّ الصّابرين» .
قوله تعالى: (وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ))
[قال «2» : معنى الآية، «قولهم» عند قتل نبيهم «إلّا أن قالوا ربّنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا» يعنى خطايانا «وثبّت أقدامنا» لئلا تزول «وانصرنا على القوم الكافرين» ] .
قوله تعالى: (فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا))
يعنى النصر والغنيمة (وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ))
الجنّة «3» (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) *.
قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا))
قال علىّ، رضى الله عنه: يعنى المنافقين فى قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم، وادخلوا فى دينكم. (يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ))
أى ترجعوا على أوّل أمركم الشّرك (فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ)) *
أى فتصيروا مغبونين (بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ))
أى ناصركم وحافظكم على دينكم (وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ)) .
(17/116)

قوله تعالى: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ))
قال السدّى: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق ثم إنهم ندموا، وقالوا: بئس ما صنعنا، قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشّريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم؛ فلما عزموا على ذلك ألقى الله تعالى «1» في قلوبهم الرعب، حتى رجعوا عما همّوا به، فأنزل الله تعالى: «سنلقى فى قلوب الّذين كفروا الرّعب» يعنى الخوف (بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً))
أى حجة وبيانا وعذرا وبرهانا، ثم أخبر الله «2» تعالى عن مصيرهم، فقال: (وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ))
أى مقام الكافرين.
قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ))
قال محمد بن كعب القرظىّ: لما رجع رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- وأصحابه إلى المدينة، وقد أصابهم ما أصابهم بأحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ [فأنزل «3» الله تعالى «ولقد صدقكم الله وعده» أى الذى وعد بالنصر] والظفر، وهو قوله تعالى:
«بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا» )
الآية. وقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم [للرّماة «4» ] :
«لا تبرحوا مكانكم فلن تزال غالبين ما ثبتم مكانكم» وقوله [تعالى «5» ] : (إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ))
أى تقتلونهم قتلا ذريعا شديدا، وذلك عند هزيمتهم كما تقدّم. قوله:
(حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ))
«فشلتم» : أى جبنتم وضعفتم «وتنازعتم» أى اختلفتم. وهو ما وقع بين الرّماة، ونزول أكثرهم لتحصيل الغنيمة كما تقدّم، فكانت الهزيمة بسبب ذلك. قوله: (مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ))
(17/117)

وهو الظفر والغنيمة. قوله: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا «1» )
يعنى الذين تركوا المركز وأقبلوا على النهب (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ)
يعنى الذين ثبتوا مع عبد الله بن جبير أمير الرماة حتى قتلوا. قوله: (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ)
أى ردّكم عنهم بالهزيمة (لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ)
أى فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة (وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) .
قوله تعالى: (إِذْ تُصْعِدُونَ)
يعنى ولقد عفا عنكم إذ تصعدون هاربين (وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ)
. ثم رجع إلى الخطاب، فقال: (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ)
قال يقال: أصعدت إذا مضيت حيال وجهك، وصعدت إذا ارتقيت فى جبل أو غيره، والإصعاد: السير فى مستوى الأرض وبطون الأودية والشّعاب، والصعود: الارتفاع على الجبال وغيرها. وقال المبرد: أصعد إذا أبعد فى الذهاب.
قال الشاعر:
ألا أيّهذا السائلى أين أصعدت «2» ... فإن لها فى أهل يثرب موعدا
وقال الفرّاء: الإصعاد الابتداء فى كل سفر، والانحدار الرجوع منه. وقوله:
«ولا تلوون على أحد» يعنى ولا تعرجون ولا تقيمون على أحد منكم، ولا يلتفت بعضكم إلى بعض هربا وفرارا، قال الكلبى: «على أحد» يعنى محمدا صلّى الله عليه وسلّم.
(وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ)
يعنى فى آخركم ومن ورائكم: إلىّ عباد الله، إلىّ عباد الله، فأنا رسول الله، من يكرّ فله الجنة. (فَأَثابَكُمْ)
أى فجازاكم؛ جعل الإثابة بمعنى العقاب، كقوله: «فبشّرهم بعذاب أليم» ؛ معنى الآية: أى جعل مكان الثواب الذى كنتم ترجون (غَمًّا بِغَمٍّ)
قال الحسن: يعنى بغمّ المشركين يوم بدر. وقال غيره: غما على غمّ. وقيل: غما متصلا بغم، فالغم الأوّل «3» ما فاتهم من الغنيمة
(17/118)

والظفر، والغم الثانى ما نالهم من القتل والهزيمة. وقيل: الغم الأوّل ما أصابهم من القتل والجراح، والغم الثانى ما سمعوا أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم قد قتل، فأنساهم الغم الأوّل. وقيل: غير هذه الأقوال. والله أعلم. قوله تعالى: (لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ)
أى من الفتح والغنيمة (وَلا ما أَصابَكُمْ)
من القتل والهزيمة؛ هذا أنساكم ذلك الغمّ، وهمّكم ما أنتم فيه عما كان قد أصابكم قبل. وقال المفضّل: «لا» صلة. معناه: لكى تحزنوا على ما فاتكم وما أصابكم عقوبة لكم فى خلافكم إياه، وترككم المركز (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) *.
قوله: (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) .
روى عن عبد الله بن الزبير عن أبيه، رضى الله عنهما، قال: لقد رأيتنى مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين اشتدّ الخوف علينا أرسل الله تعالى علينا النوم، والله إنّى لأسمع قول معتّب بن قشير والنّعاس يغشانى ما أسمعه إلا كالحلم يقول:
لو كان لنا من الأمر شىء ما قتلنا هاهنا، فأنزل الله عز وجل الآية. وقال عبد الله ابن عباس رضى الله عنهما. أمنهم يومئذ بنعاس يغشاهم بعد خوف، وإنما ينعس من يأمن والخائف لا ينام. وعن أنس عن أبى طلحة قال: رفعت رأسى
(17/119)

يوم أحد ما أرى أحدا من القوم إلا وهو يميد تحت حجفته «1» من النعاس. قال أبو طلحة: وكنت ممن ألقى الله «2» تعالى عليه النعاس يومئذ، فكان السيف يسقط من يدى فآخذه، ثم يسقط السوط من يدى فآخذه من النوم. «وطائفة» يعنى المنافقين [معتب «3» بن قشير وأصحابه] «قد أهمّتهم أنفسهم» أى حملتهم على الهمّ «يظنّون بالله غير الحقّ» أى لا ينصر محمدا، وقيل: ظنوا أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم قد قتل. «ظنّ الجاهليّة» أى كظن أهل الجاهلية والشّرك «يقولون هل لنا» أى ما لنا، لفظه استفهام ومعناه جحد «من الأمر من شىء» يعنى التّصرف «قل إنّ الأمر كلّه لله» وذلك أن المنافقين قال بعضهم لبعض: لو كانت لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل مكة، ولم يقتل رؤساؤنا. فذلك قوله تعالى: (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا» )
فقال الله تعالى لنبيه- صلى الله عليه وسلّم- قل لهم (لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ» )
أى لخرج «الّذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم» أى مصارعهم «وليبتلى الله» أى ليختبر الله «ما فى صدوركم وليمحّص» أى يخرج ويظهر (ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» )
أى بما فى القلوب من خير أو شر «4» .
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ)
أى انهزموا منكم يا معشر المؤمنين (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ) *
جمع المسلمين وجمع المشركين (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ)
أى
(17/120)

حملهم على الزّلل. وقال الكلبى: زين لهم أعمالهم بِبَعْضِ ما كَسَبُوا)
أى بشؤم ذنوبهم. قال المفسرون: بتركهم المركز. وقال الحسن: بما كسبوا قبولهم من إبليس ما وسوس إليهم من الهزيمة. (وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) .
قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا)
يعنى المنافقين عبد الله بن أبىّ وأصحابه (وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ)
في النفاق، وقيل: فى النسب.
(إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ)
ساروا وسافروا فيها للتجارة أو غيرها فماتوا (أَوْ كانُوا غُزًّى)
غزاة فقتلوا (لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ)
يعنى قولهم وظنّهم (حَسْرَةً) *
وحزنا (فِي قُلُوبِهِمْ) *
والحسرة: الاغتمام «1» على فائت كان يقدر «2» بلوغه.
قال الشاعر:
فوا حسرتى لم أقض منك لبانتى ... ولم نتمتّع بالجور وبالقرب «3»
ثم أخبر تعالى أن الموت والحياة إلى الله، سبحانه، لا يتقدمان لسفر ولا يتأخران لحضر فقال عز وجل: (وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) .
قوله تعالى: (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ)
أى فى العاقبة (وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)
أى من الغنائم (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ)
أى فى العاقبة.
قوله تعالى: (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ)
أى سهلت لهم أخلاقك، وكثرة احتمالك فلم تسرع إليهم فيما كان منهم يوم أحد (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا)
أى جافيا سيّىء الخلق قليل الاحتمال. (غَلِيظَ الْقَلْبِ)
قال الكلبى: فظّا فى القول، غليظ
(17/121)

القلب فى الفعل (لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)
أى لتفرّقوا عنك، وأصل الفضّ الكسر، ومنه قولهم: لا يفضض الله فاك. قال أهل الإشارة فى هذه الآية: منه العطاء ومنه الثناء «1» . (فَاعْفُ عَنْهُمْ) *
أى عمّا أتوا يوم أحد (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) *
حتى أشفعك فيهم (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)
أى استخرج آراءهم، واعلم ما عندهم، وهو مأخوذ من قول العرب: شرت الدابّة وشوّرتها إذا استخرجت جريها، وعلمت خبرها، قال: ومعنى الآية وشاورهم فيما ليس عندك فيه من الله عهد، ويدل عليه قراءة ابن عباس «وشاورهم فى بعض الأمر» . قال الكلبى: يعنى فأظهرهم فى لقاء العدوّ، ومكايدة الحرب عند الغزوة. روى عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله:
«وشاورهم فى الأمر» قال أبو بكر وعمر رضى الله عنهما، وقال مقاتل وقتادة والربيع: كانت سادات العرب إذا لم يشاوروا فى الأمر شقّ عليهم، فأمر الله تعالى نبيّه صلّى الله عليه وسلّم أن يشاورهم فى الأمر، فإن ذلك أعطف لهم عليه، وأذهب لأضغانهم، وأطيب لأنفسهم، فإذا شاورهم عليه السلام عرفوا إكرامه لهم. قال:
(فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)
أى لا على مشاورتهم. وقرأ جعفر الصادق، وجابر ابن زيد، «فإذا عزمت» بضم التاء، أى عزمت لك ووفقتك وأرشدتك فتوكّل على الله (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) .
قوله تعالى: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ)
أى يعنكم ويمنعكم من عدوّكم (فَلا غالِبَ لَكُمْ)
مثل يوم بدر (وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ)
أى يترككم ولا ينصركم، والخذلان القعود عن النصر، والإسلام «2» للهلكة والمكروه، قال: وقرأ عبيد بن عمير «وإن يخذلكم» بضم الياء وكسر الذال، أى يجعلكم مخذولين، ويحملكم على الخذلان والتخاذل،
(17/122)

كما فعلتم بأحد (فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ)
أى من بعد خذلانه (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) *.
قوله تعالى: (أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ)
أى بأحد (قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها)
ببدر، وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين رجلا، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين، وأسروا سبعين (قُلْتُمْ أَنَّى هذا)
أى من أين لنا هذا القتل والهزيمة، ونحن مسلمون، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم فينا، والوحى ينزل عليه، وهم مشركون؟ وقد تقدّم فى قصة أسارى بدر خبر التخيير قتلهم أو مفاداتهم، ويقتل منهم مثلهم فى العام القابل، واختيارهم الفداء، وذلك قوله: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)
أى بأخذكم الفداء واختياركم القتل، (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) *.
قوله تعالى: (وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ)
أى بأحد من القتل والجرح والهزيمة والمصيبة (فَبِإِذْنِ اللَّهِ) *
أى بقضائه وقدره وعلمه (وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا)
أى ليميز، وقيل: ليرى. وقيل: لتعلموا أنتم أن الله قد علم نفاقهم، وأنتم لم [تكونوا «1» ] تعلمون ذلك. (وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
أى لأجل دين الله وطاعته (أَوِ ادْفَعُوا)
أى عن أهلكم وبلدكم وحريمكم، وقيل: أى كثّروا سواد المسلمين ورابطوا إن لم تقاتلوا، ليكون ذلك دفعا وقمعا للعدوّ (قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ)
وهو قول عبد الله بن أبىّ وأصحابه الذين انصرفوا معه، كما تقدّم من خبرهم عند اتباع عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بنى سلمة لهم ومناشدته لهم فى الرجوع. قال الله تعالى: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ)
وذلك أنهم كانوا يظهرون الإيمان ويضمرون الكفر، فبين الله تعالى نفاقهم (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ) .
(17/123)

قوله تعالى: (الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ)
قيل: فى النسب لا فى الدين، وهم شهداء أحد. (وَقَعَدُوا)
يعنى وقعد هؤلاء القائلون عن الجهاد (لَوْ أَطاعُونا)
وانصرفوا عن محمد، وقعدوا فى بيوتهم (ما قُتِلُوا)
قال تعالى: (قُلْ)
لهم يا محمد (فَادْرَؤُا)
أى فادفعوا (عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)
أن الحذر لا يغنى عن القدر.
قوله تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)
روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم فى أجواف طيور «1» خضر، ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتسرح من الجنة حيث شاءت، وتأوى إلى قناديل من ذهب تحت العرش، فلما رأوا طيب مقيلهم ومطعمهم ومشربهم، ورأوا ما أعدّ الله لهم من الكرامة، قالوا: يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم، وما صنع الله عز وجل بنا، كى يرغبوا فى الجهاد ولا ينكلوا عنه. فقال «2» عز وجل: أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم. ففرحوا بذلك واستبشروا، فأنزل الله تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
الآيات، [إلى «3» ] قوله «أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ» ) .
وقال قتادة والربيع: ذكر لنا أن رجالا من أصحاب رسول الله «4» صلّى الله عليه وسلّم، قالوا: يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا بأحد؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
(17/124)

وعن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية، فقال: جعل الله تعالى أرواح شهداء أحد فى أجواف طير خضر، تسرح فى الجنة حيث شاءت، وتأوى إلى قناديل معلقة بالعرش، فاطّلع الله عز وجل إليهم اطّلاعة فقال: هل تشتهون شيئا فأزيدكموه؟ قالوا: ربنا، ألسنا نسرح فى الجنة فى أيها شئنا؛ ثم اطلع إليهم الثانية، فقال: هل تشتهون من شىء فأزيدكموه؟ فقالوا: ربنا، ألسنا نسرح فى الجنة فى أيها شئنا؛ ثم اطلع إليهم الثالثة، فقال: هل تشتهون من شىء فأزيدكموه؟ فقالوا: ليس فوق ما أعطيتنا شىء إلا أنا أحب أن تعيدنا أحياء، ونرجع إلى الدنيا فنقاتل فى سبيلك، فنقتل مرة أخرى فيك؛ قال: لا؛ قالوا:
فتقرئ نبيّنا منا السلام، وتخبره بأن قد رضينا، ورضى عنا؛ فأنزل الله، عز وجل هذه الآية.
وعن جابر بن عبد الله الأنصارى قال: قتل أبى يوم أحد، وترك علىّ بنات، فقال لى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ألا أبشرك يا جابر؟ قلت: بلى يا رسول «1» الله؛ قال: إن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله تعالى وكلّمه كفاحا «2» ؛ فقال: يا عبد الله سلنى ما شئت؛ فقال: أسألك أن تعيدنى إلى الدنيا فأقتل فيك ثانيا؛ فقال:
يا عبد الله، إنى قضيت ألا أعيد إلى الدنيا خليقة قبضتها؛ قال: يا رب، فمن يبلغ قومى ما أنا فيه من الكرامة؟ قال الله تعالى: أنا؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقد روى أن هذه الآية نزلت فى أصحاب بئر معونة؛ وقيل: فى شهداء بدر.
والأحاديث الواردة والأخبار تدل على أنها فى شهداء أحد، والله أعلم.
(17/125)

ذكر غزوة حمراء الأسد «1»
غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند منصرفه من أحد، قال ابن سعد:
لثمان خلون من شوّال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره. وقال ابن إسحاق:
كانت يوم الأحد لست عشرة خلت من شوّال. وهذا الخلاف مرتب على ما تقدّم فى غزوة أحد.
قال ابن سعد وغيره: لما انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أحد مساء يوم السبت بات تلك الليلة على بابه ناس من وجوه الأنصار، وبات المسلمون يداوون جراحاتهم، فلما صلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الصبح يوم الأحد أمر بلالا أن ينادى أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأمركم بطلب عدوّكم، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس. فقال جابر بن عبد الله: إن أبى خلفنى يوم أحد على أخوات لى، فلم أشهد الحرب، فأذن لى أسير «2» معك؛ فأذن له، فلم يخرج معه أحد ممن لم يشهد أحدا غيره. ودعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلوائه، وهو معقود لم يحلّ، فدفعه إلى على بن أبى طالب، رضى الله عنه، ويقال: إلى أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه. وخرج رسول الله «3» صلّى الله عليه وسلّم، وهو مجروح، وحشد «4» أهل العوالى حيث أتاهم الصّريخ، فركب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرسه وخرج الناس معه، فبعث ثلاثة نفر من أسلم طليعة فى آثار القوم، فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الأسد- وهى من المدينة على عشرة أميال- وهم يأتمرون بالرجوع،
(17/126)

وصفوان بن أميّة ينهاهم عن ذلك، فبصروا بالرجلين، فقطعوا عليهما فقتلوهما، ومضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأصحابه حتى عسكر بحمراء الأسد، فدفن الرجلين فى قبر واحد، وكان المسلمون يوقدون تلك الليالى خمسمائة نار، وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم فى كل وجه، فكبت الله تعالى عدوّهم، وانصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، إلى المدينة فدخلها يوم الجمعة، وقد غاب خمس ليال، وكان قد استخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم.
وقال محمد بن إسحاق، ورفع الحديث إلى أبى السائب مولى عائشة بنت عثمان:
إن رجلا من بنى عبد الأشهل قال: شهدت أحدا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أنا وأخ لى، فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالخروج فى طلب العدوّ، قلت لأخى، وقال لى: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ ما لنا دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله وكنت أيسر جرحا من أخى، فكان إذا غلب حملته عقبة «1» ومشى عقبة، حتى انتيهنا إلى ما انتهى إليه المسلمون.
قال: وأنزل الله تعالى على رسوله صلّى الله عليه وسلّم (الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ)
هم الذين ساروا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى حمراء الأسد، على ما بهم من ألم الجراح، إلى قوله: (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) .
ذكر سريّة أبى سلمة بن عبد الأسد المخزومى
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى قطن- وهو جبل بناحية فيد، به ماء لبنى [أسد بن «2» ] خزيمة- فى هلال المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجره.
(17/127)

وذلك أنه بلغه صلّى الله عليه وسلّم، أن طليحة وسلمة ابنى خويلد قد سارا فى قومهما ومن أطاعهما يدعوانهم إلى حرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فبعث أبا سلمة وعقد له لواء، وبعث معه مائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار، فأصابوا إبلا وشاء «1» ، ولم يلقوا كيدا، فانحدر أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة.
ذكر سريّة عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد الهذلى
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فخرج من المدينة يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من الهجرة.
وذلك أنه بلغ النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، أن سفيان بن خالد «2» بن نبيح الهذلىّ ثم اللّحيانى- هكذا سماه محمد بن سعد فى طبقاته.
وقال ابن إسحاق: خالد بن سفيان بن نبيح قد جمع الجموع لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فبعث إليه عبد الله بن أنيس وحده فقتله وجاء برأسه. وكانت غيبته ثمانى عشرة ليلة، وقدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم. قاله ابن سعد.
وقال محمد بن إسحاق: حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير، قال قال عبد الله ابن أنيس: دعانى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: إنّه «3» قد بلغنى أن ابن «4» سفيان الهذلىّ جمع الناس ليغزونى وهو بنخلة أو بعرنة «5» فأته فاقتله. فقلت يا رسول الله انعته لى حتى أعرفه؛ قال: إنك إذا رأيته أذكرك الشيطان، وآية ما بينك وبينه
(17/128)

أنك إذا رأيته وجدت له قشعريرة. قال: فخرجت متوشّحا بسيفى، حتى دفعت [إليه «1» ] وهو فى ظعن يرتد لهن منزلا، وذلك وقت العصر، فلما رأيته وجدت له ما قال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، فأقبلت نحوه، وخشيت أن يكون بينى وبينه مجاولة «2» تشغلنى عن الصلاة، فصليت وأنا أمشى نحوه، أومئ برأسى، فلما انتهيت إليه، قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك. قال: أجل، أنا فى ذلك. قال: فمشيت معه شيئا حتى إذا أمكننى حملت عليه بالسيف فقتلته، ثم خرجت وتركت ظعائنه منكبّات عليه، فلما قدمت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: أفلح الوجه؛ قلت: قد قتلته؛ قال صدقت.
ثم قام بى فأدخلنى بيته فأعطانى عصا، فقال: أمسك هذه العصا عندك. قال:
فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه؟ قلت: أعطانيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأمرنى أن أمسكها عندى؛ فقالوا: أفلا ترجع إليه فتسأله لم ذلك؟
قال: فرجعت إليه فقلت: يا رسول الله، لم أعطيتنى هذه العصا؟ قال: آية بينى وبينك يوم القيامة، إن أقل الناس المتخصّرون «3» يومئذ، قال: فقرنها عبد الله ابن أنيس بسيفه، فلم تزل معه حتى مات، ثم أمر بها فضمّت فى كفنه، ثم دفنا جميعا.
قال ابن هشام: وقال عبد الله بن أنيس فى ذلك:
تركت ابن ثور كالحوار وحوله ... نوائح تفرى كلّ جيب مقدّد «4»
تناولته والظّعن خلفى وخلفه ... بأبيض من ماء الحديد مهنّد «5»
(17/129)

عجوم لهام الدّار عين كأنّه ... شهاب غضى من ملهب متوقّد «1»
أقول له والسيف يعجم رأسه ... أنا ابن أنيس فارسا غير قعدد «2»
أنا ابن الذى لم ينزل الدهر قدره ... رحيب فناء الدار غير مزنّد «3»
فقلت له خذها بضربة ماجد ... حنيف على دين النبىّ محمد «4»
وكنت إذا همّ النبىّ بكافر ... سبقت إليه باللسان وباليد.
ذكر سرية المنذر بن عمرو السّاعدى إلى بئر معونة
كانت فى صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من مهاجره.
وذلك أن عامر بن مالك بن جعفر أبو براء ملاعب الأسنة «5» الكلابى وفد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأهدى «6» له فلم يقبل منه، وعرض عليه الإسلام فلم يسلم، ولم يبعد «7» ، وقال: لو بعثت معى نفرا من أصحابك إلى قومى لرجوت أن يجيبوا دعوتك. قال: أخاف عليهم أهل نجد؛ قال: أنا لهم جار. فبعث معه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سبعين رجلا من الأنصار شببة «8» يسمون القرّاء «9» ، وأمّر
(17/130)

عليهم المنذر بن عمرو، فساروا حتى نزلوا بئر معونة- وهى بين أرض بنى عامر وحرّة بنى سليم، كلا البلدين منها قريب، وهى إلى حرّة بنى سليم أقرب- فلما نزلوها سرحوا ظهرهم، وقدّموا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، إلى عامر بن الطّفيل، فوثب على حرام فقتله؛ واستصرخ عليهم بنى عامر فأبوا، وقالوا: لا نخفر «1» جوار أبى براء، فاستصرخ عليهم قبائل من بنى سليم، عصيّة ورعلا وذكوان، فنفروا معه. واستبطأ المسلمون حراما، فأقبلوا فى أثره، فلقيهم القوم فأحاطوا بهم، وكاثروهم «2» فاقتتلوا، فقتل أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفيهم سليم بن ملحان، والحكم بن كيسان.
قال ابن إسحاق: فقتلوا من عند آخرهم إلا كعب بن زيد أخا بنى دينار بن النجار فإنهم تركوه، وبه رمق بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق. قال: وكان فى سرح القوم عمرو بن أمية الضّمرى، ورجل من الأنصار- قال ابن هشام: هو المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح- فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذه «3» الطير لشأنا؛ فأقبلا لينظرا، فإذا القوم فى دمائهم، والخيل التى أصابتهم واقفة. فقال الأنصارى لعمرو بن أمية:
ما ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنخبره الخبر؛ قال الأنصارى: ما كنت لأرغب بنفسى عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو؛ ثم قاتل القوم حتى قتل، وأخذ عمرو بن أمية أسيرا، فلما أخبرهم «4» أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل، وجزّ ناصيته، وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمّه.
(17/131)

فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة «1» من صدر قناة «2» أقبل رجلان من بنى عامر حتى نزلا معه، وكان معهما عقد من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجوار لم يعلم به عمرو، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بهما تؤرة من بنى عامر فيما أصابوا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
قال محمد بن سعد: وقدم عمرو بن أمية على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأخبره بقتل أصحاب بئر معونة، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «أبت من بينهم» ! ثم أخبره بقتل العامريين، فقال: «بئس ما صنعت، قد كان لهما منى أمان وجوار، لأدينّهما» ! وبعث بديتهما إلى قومهما، وقنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شهرا فى صلاة الصبح يدعو على رعل وذكوان وعصيّة وبنى لحيان.
وروى عن أنس بن مالك، رضى الله عنه، قال: قرأنا بهم قرآنا زمانا، ثم إن ذلك رفع أو نسى: «بلّغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا «3» » . وقال أنس ابن مالك: ما رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجد «4» على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة.
قال ابن سعد: وجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فى تلك الليلة التى وصل إليه فيها خبر أصحاب بئر معونة مصاب خبيب بن عدىّ ومن معه، فدعا رسول
(17/132)

الله صلّى الله عليه وسلّم على قتلتهم بعد الركعة من الصبح، فقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم سنين كسنى يوسف، اللهم عليك ببنى لحيان وعضل والقارّة وزعب ورعل وذكوان وعصيّة، فإنهم عصوا الله ورسوله» «1» .
ذكر سريّة مرثد بن أبى مرثد الغنوى إلى الرّجيع
كانت فى صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من هجرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وذلك أنه قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، رهط من عضل والقارة، وهم إلى الهون بن خزيمة، فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلاما، فابعث معنا نفرا [من أصحابك «2» ] يفقّهونا ويقرئونا القرآن، ويعلمونا شرائع الاسلام. فبعث صلّى الله عليه وسلّم معهم عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح، ومرثد بن أبى مرثد الغنوى، وخبيب بن عدىّ؛ وزيد بن الدّثنة «3» ، وخالد بن البكير «4» الليثى، وعبد الله بن طارق، ومعتّب بن عبيد أخو عبد الله «5» لأمّه. وأمّر عليهم عاصما، وقيل: مرثدا؛ فخرجوا مع القوم حتى إذا كانوا على الرجيع- وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز- غدروا [بهم «6» ] واستصرخوا عليهم هذيلا، فلم يرع القوم، وهم فى رحالهم
(17/133)

إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا، فقالوا:
إنا ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم. فأما مرثد بن أبى مرثد، وخالد بن البكير، وعاصم بن ثابت، ومعتّب بن عبيد؛ فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا. وقاتلوا حتى قتلوا، رضى الله عنهم. وأما زيد بن الدّثنة وخبيب بن عدى، وعبد الله بن طارق، فرغبوا فى الحياة، فأعطوا بأيديهم فأسروهم، ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بمرّ «1» الظّهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القرآن «2» ، ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه؛ فقبر هناك. وأما خبيب بن عدى وزيد بن الدّثنة فقدموا بهما مكة، فأباعوهما «3» من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة، فابتاع خبيبا حجر «4» بن أبى إهاب التميمى، حليف بنى نوفل، لعقبة بن الحارث ابن عامر بن نوفل ليقتله بأبيه. وابتاع زيد بن الدّثنة صفوان بن أميّة، ليقتله بأبيه أمية بن خلف، وبعثه مع مولى له يقال له: نسطاس؛ إلى التّنعيم «5» ، فأخرجوه من الحرم ليقتله، واجتمع لذلك رهط من قريش، فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدا عندنا الآن «6» مكانك نضرب عنقه، وأنك فى أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدا
(17/134)

الآن فى مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وأنى جالس فى أهلى. فقال أبوسفيان:
ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا؛ ثم قتله نسطاس.
وأما خبيب بن عدى فروى عن ماوية «1» مولاة حجر بن أبى إهاب، وكانت قد أسلمت، قالت: كان خبيب قد حبس فى بيتى، فلقد اطلعت عليه يوما وإن فى يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، وما أعلم فى أرض الله عنبا يؤكل، قالت: وقال لى حين حضره القتل: ابعثى إلىّ بحديدة أتطهّر بها للقتل؛ فأعطيت غلاما من الحىّ الموسى، فقلت له: ادخل بها على هذا الرجل؛ قالت:
فو الله ما هو إلا أن قد ولّى الغلام بها إليه؛ فقلت: ما صنعت! أصاب والله الرجل ثأره بقتل «2» هذا الغلام، فيكون رجلا برجل؛ فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال: لعمرك، ما خافت أمك غدرتى حتى بعثك بهذه الحديدة! ثم خلّى سبيله «3» .
ويقال: إن الغلام ابنها.
قال ابن إسحاق: ثم خرجوا بخبيب، حتى إذا جاءوا به التنعيم ليصلبوه قال: إن رأيتم أن تدعونى حتى أركع «4» ركعتين فافعلوا. قالوا: دونك فاركع ركعتين. [فركع «5» ركعتين] أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال: أما والله لولا أن تظنوا أنى إنما طوّلت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة. فكان خبيب أول من سنّ هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين. قال: ثم رفعوه على خشبته، فلما أوثقوه، قال:
(17/135)

اللهم إنا قد بلّغنا رسالة رسولك، فبلغه الغداة ما يصنع بنا؛ ثم قال: اللهم أحصهم «1» عددا، واقتلهم بددا «2» ، ولا تغادر منهم أحدا «3» . ثم قتلوه، رحمه الله ورضى عنه.
قال ابن «4» هشام: أقام خبيب فى أيديهم حتى انقضت الأشهر الحرم، ثم قتلوه.
وروى ابن إسحاق أنه قال حين صلب «5» :
لقد جمع الأحزاب حولى وألّبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع «6»
وقد قرّبوا «7» أبناءهم ونساءهم ... وقرّبت من جذع طويل ممنّع
وكلّهم بيدى العداوة جاهدا ... علىّ لأنى فى وثاق بمضيع «8»
إلى الله أشكو غربتى بعد كربتى ... وما جمّع الأحزاب لى عند مصرعى
فذا العرش صبرنى على ما أصابنى ... فقد بضّعوا لحمى وقد ضلّ مطمعى «9»
(17/136)

وذلك فى ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع «1»
وقد عرّضوا بالكفر والموت دونه ... وقد ذرفت عيناى من غير مدمع «2»
وما بى حذار الموت، إنى لمّيت ... ولكن حذارى حرّ نار تلفع «3»
فلست بمبد للعدوّ تخشّعا ... ولا جزعا إنّى إلى الله مرجعى
ولست أبا لى حين أقتل مسلما ... على أى حال كان فى الله مضجعى
وفى رواية ابن شهاب:
على أى جنب كان فى الله مصرعى
قالوا: وصلب بالتّنعيم، وكان الذى تولى صلبه عقبة بن الحارث، وأبو هبيرة العدوى «4» .
ذكر غزوة بنى النّضير
غزاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شهر ربيع الأوّل، سنة أربع، على رأس سبعة وثلاثين شهرا من مهاجره.
وكان سبب هذه الغزوة على ما حكاه محمد بن سعد، ومحمد بن إسحاق، وعبد الملك بن هشام، دخل حديث بعضهم فى بعض، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، خرج إلى بنى النضير يستعينهم فى دية الكلابيّين أو العامريّين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضّمرى، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، نعينك بما أحببت. وكان
(17/137)

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قد جلس إلى جنب جدار من بيوتهم، وهو فى نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر، وعمر، وعلىّ، رضوان الله عليهم، فخلا بعض بنى النضير إلى بعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فمن رجل «1» يعلو هذا البيت، فيلقى عليه صخرة فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش «2» ابن كعب، أحدهم، فقال: أنا لذلك؛ فقال سلّام بن مشكم: لا تفعلوا، والله ليخبرنّ بما هممتم به، وإنه لنقض للعهد الذى بيننا وبينه. وجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخبر من السماء بما أراد القوم، فنهض مسرعا كأنه يريد الحاجة فتوجه إلى المدينة، فلما أبطأ على أصحابه قاموا فى طلبه، فلقوا «3» رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه صلّى الله عليه وسلّم، فقال: رأيته قد دخل المدينة. فأقبل أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى أتوه، فقالوا: يا رسول الله، قمت ولم نشعر.
قال: همّت يهود بالغدر فأخبرنى الله بذلك فقمت. ثم بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليهم محمد بن مسلمة: «أن أخرجوا من بلدى فلا تساكنونى بها، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجلتكم عشرا [أى من «4» الأيام] فمن رئى بعد ذلك ضربت عنقه» . فمكثوا أياما يتجّهزون، وأرسلوا إلى ظهر لهم بذى الجدر»
وتكاروا إبلا من ناس من أشجع، فأرسل إليهم عبد الله بن أبىّ: أن أقيموا فى حصونكم، ولا تخرجوا من دياركم، فإن معى ألفين من قومى وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون من عند آخرهم، وتمدّكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان. ووافقه على ذلك وديعة «6» بن مالك بن أبى قوقل، وسويد وداعس، وقالوا
(17/138)

لهم: إن قوتلتم نصرناكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم؛ فطمع حيّى بن أخطب فيما قال ابن أبىّ، فأرسل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك. فكبّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فكبّر المسلمون لتكبيره، وقال: حاربت يهود. واستخلف على المدينة ابن أمّ مكتوم، وسار فى أصحابه، وعلى بن أبى طالب يحمل لواءه، فصلى العصر بفناء بنى النضير، فلما رأوه تحصنوا بحصونهم، وقاموا عليها معهم النبل والحجارة، واعتزلتهم قريظة فلم تعنهم، وخذلهم عبد الله بن أبىّ ومن وافقه فلم ينصروهم، فحاصرهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ست ليال، ثم أمر بقطع النّخيل وتحريقها، فنادوه: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها! وكان الله عز وجل أمر رسوله، صلّى الله عليه وسلّم بذلك، فقذف الله فى قلوبهم الرعب، وقالوا:
نخرج من بلادك. فقال: لا أقبله اليوم، ولكن اخرجوا منها، ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة «1» . فنزلوا على ذلك.
وكانت مدّة حصرهم خمسة عشر يوما، وولى إخراجهم محمد بن مسلمة، فحملوا النساء والصبيان وتحملوا على سبعمائة بعير، وكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف «2» بابه، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وكان من أشرافهم ممن سار إلى خيبر سلام بن أبى الحقيق، وكنانة بن الربيع ابن أبى الحقيق، وحيّى بن أخطب، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هؤلاء فى قومهم بمنزلة بنى المغيرة فى قريش. وحزن المنافقون [عليهم «3» ] حزنا شديدا، وقبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأموال والحلقة، فوجد من الحلقة خمسين
(17/139)

درعا، وخمسين بيضة، وثلاثمائة سيف وأربعين سيفا، وكانت بنو النضير صفيّا «1» لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، خالصة له حبسا «2» لنوائبه، لم يخمّسها ولم يسهم منها لأحد، إلا أنه أعطى ناسا من أصحابه، ووسّع فى الناس، فكان ممن أعطاه رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم من المهاجرين أبو بكر [الصديق «3» ] رضى الله عنه، أعطاه بئر حجر، وعمر بن الخطاب بئر جرم «4» ، وعبد الرحمن بن عوف سوالة، وصهيب بن سنان الصراطة «5» ، والزبير بن العوّام وأبو سلمة بن عبد الأسد البويلة «6» ، وسهل بن حنيف وأبو دجانة مالا، يقال له: مال ابن خرشة. حكاه محمد بن سعد فى طبقاته.
قال: ولما أجلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بنى النضير، قال: امضوا فإن هذا أوّل الحشر وإنا على الأثر.
وأنزل الله عز وجل فى بنى النضير سورة «الحشر» بكمالها.
يقول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ) .
(17/140)

قال الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبى النيسابورى، رحمه الله:
«أهل الكتاب» بنو النضير «من ديارهم» التى كانت بيثرب «لأوّل الحشر» قال الزهرى: كانوا من سبط «1» لم يصبهم جلاء فيما مضى، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذبهم فى الدنيا، قال: وكانوا أوّل حشر فى الدنيا حشر إلى «2» الشام. وقال الكلبى: إنما قال: «لأوّل الحشر» لأنهم أوّل حشر من أهل الكتاب، ونفوا من الحجاز. وقال مرّة الهمدانىّ: كان هذا أوّل الحشر من أهل المدينة، والحشر الثانى من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحا «3» من الشام فى أيام عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وعلى يديه. وقال قتادة:
كان هذا أوّل الحشر، والحشر الثانى: نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل منهم من تخلّف.
«ما ظننتم» أيها المؤمنون «أن يخرجوا» من المدينة «وظنّوا أنّهم مانعتهم حصونهم من الله» حيث درّبوها وحصنوها «فأتاهم الله» أى أمر الله وعذابه « [من «4» ] حيث لم يحتسبوا وقذف فى قلوبهم الرّعب» قيل: بقتل سيدهم كعب بن الأشرف.
«يخربون بيوتهم بأيديهم» قال ابن إسحاق: وذلك لهدمهم بيوتهم عن نجف أبوابهم. وقال ابن زيد: كانوا يقتلون العمد، وينقضون السقوف وينقبون الجدران ويقلعون الخشب «5» ، حتى الأوتاد، يخربونها لئلا يسكنها المسلمون حسدا منهم وبغضا. وقال ابن عباس: كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم «6» هدموها لتتسع لهم المقاتل، وجعل أعداء الله ينقبون دورهم من أدبارهم فيخرجون إلى التى
(17/141)

بعدها، فيتحصنون فيها ويكسرون ما يليهم منها، ويرمون بالتى خرجوا منها أصحاب رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم. وقال قتادة: كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها، وتخربها اليهود من باطنها، فذلك قوله عز وجل:
«يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ» .)
ثم قال تعالى: (وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ)
الآية «الْجَلاءَ»
عن الوطن (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا)
بالقتل وبالسّبى «1» كما فعل ببنى قريظة «وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ.)
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا «2» اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» .
قوله تعالى: (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ)
قال ابن إسحاق: اللينة: ما خالف العجوة من النخل. وقال ابن هشام: ما لم تكن برنيّة «3» ولا عجوة. وقال عكرمة وزيد بن رومان وقتادة: النخل كلّه لينة ما خلا العجوة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما، اللينة: النخلة والشجرة.
وقال سفيان: هى كرام النخل. وقيل: هى النخلة القريبة من الأرض. وقال مقاتل: هو ضرب من النخل، يقال لثمرها «4» : اللّون، وهو شديد الصفرة، يرى نواه من خارج، يغيب فيه الضّرس، وكان من أجود ثمرهم وأعجبها إليهم، وكانت النخلة الواحدة ثمنها ثمن وصيف «5» ، وأحب إليهم من وصيف، فلما رأوا ذلك يقطع شق عليهم. قال: وجمع اللينة لين. وقيل: ليان «6» .
(17/142)

قال الثعلبى: لما نزل رسول الله صلّى الله عليه وسلم ببنى النضير، وتحصنوا فى حصونهم، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فجزع أعداء الله عند ذلك وقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع النخيل، وعقر الشجر؟ وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد فى الأرض؟ فشق ذلك على النبى صلّى الله عليه وسلّم، ووجد المسلمون فى أنفسهم من قولهم، وخشوا أن يكون «1» في ذلك فسادا، واختلف المسلمون فى ذلك، فقال بعضهم: لا تقطعوا، فإنه مما أفاء الله علينا. وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعها. فأنزل الله تعالى الآية بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطع من الإثم، وأخبر أن قطعه وتركه بإذنه تعالى.
وفى قطع نخيل بنى النضير يقول حسان بن ثابت:
وهان على سراة بنى لؤىّ ... حريق بالبويرة مستطير
وقوله تعالى: «وليخزى الفاسقين» أى وليذل اليهود ويخزيهم ويغيظهم.
قوله تعالى: (وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
«أفآء الله» أى ردّ على رسوله ورجع إليه، ومنه فىء الظلّ [منهم «2» ] أى من بنى النضير من الأموال «فما أوجفتم» أوضعتم «3» «عليه من خيل ولا ركاب» وهى الإبل، يقول: لم تقطعوا إليها شقّة، ولم تنالوا فيها مشقة، ولم تكلفوا مؤنة «4» ، ولم تلقوا حربا.
وإنما كانت بالمدينة فمشوا إليها مشيا، ولم يركبوا خيلا ولا إبلا إلا التى
(17/143)

صلّى الله عليه وسلّم، فإنه ركب جملا فافتتحها صلحا، وأجلاهم عنها وخزن أموالهم فسأل المسلمون النبى صلّى الله عليه وسلّم القسمة، فأنزل الله عز وجلّ الآية، فجعل أموال بنى النضير خاصة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم: أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصّمة. قال: ولم يسلم من بنى النضير إلا رجلان، أحدهما سفيان ابن عمير بن وهب، والثانى سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها. روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: إن أموال بنى النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف «1» المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم خالصة، فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ينفق على أهله منه نفقة سنته، وما بقى جعله فى الكراع «2» والسلاح عدّة فى سبيل الله.
قوله تعالى: (ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)
قال ابن عباس رضى الله عنهما: القرى هى قريظة والنّضير، وهما بالمدينة، وفدك، وهى من المدينة على ثلاثة أميال، وخيبر، وقرى عرينة وينبع جعلها الله تعالى لرسوله صلّى الله عليه وسلّم، يحكم فيها ما أراد، فاحتواها كلها، فقال ناس: هلا قسمها؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية. قال: و (الْقُرْبى) *
قرابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهم بنو هاشم وبنو المطلب. وقوله: (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ)
أى بين
(17/144)

الرؤساء والأغنياء والأقوياء، فيغلبوا عليه الفقراء والضعفاء، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا غنيمة أخذ الرئيس ربعها لنفسه، وهو المرباع، ثم يصطفى منها أيضا بعد المرباع ما شاء، وفيه يقول شاعرهم:
لك المرباع منها والصّفايا ... وحكمك والنّشيطة والفضول «1»
فجعل الله تعالى [هذا «2» ] لرسوله عليه السلام يقسمه فى المواضع التى أمر بها.
وقوله تعالى: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ)
أى ما أعطاكم من الفىء والغنيمة «وما نهاكم عنه» من الغلول وغيره «فانتهوا» .
قوله تعالى: (لِلْفُقَراءِ) *
يعنى كى لا يكون ما أفاء الله على رسوله دولة بين الأغنياء منكم ولكن يكون (لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)
أى فى إيمانهم.
قال قتادة: هم المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر، وخرجوا حبّا لله ورسوله، واختاروا الإسلام على ما كانت فيه من شديدة، حتى ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة فى الشتاء ماله دثار غيرها.
وعن سعيد بن جبير، وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، قالا: كان ناس من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة، يحج عليها ويغزو، فنسبهم الله تعالى إلى أنهم فقراء، وجعل لهم سهما فى الزكاة.
(17/145)

قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
قال: قوله (تَبَوَّؤُا)
توطنوا (الدَّارُ) *
اتخذوا المدينة دار الإيمان والهجرة، وهم الأنصار، أسلموا فى ديارهم وابتنوا المساجد قبل قدوم النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فأحسن الله الثناء عليهم. وقوله:
(مِنْ قَبْلِهِمْ) *
أى من قبل قدوم المهاجرين عليهم، وقد آمنوا (يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً»
أى حزازة وغيظا وحسدا (مِمَّا أُوتُوا)
أى مما أعطى المهاجرين من الفىء، وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قسم أموال بنى النضير بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار «1» منها شيئا إلا الثلاثة الذين ذكرناهم، فطابت أنفس الأنصار بذلك (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ)
إخوانهم من المهاجرين بأموالهم ومنازلهم (وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ)
أى فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون، وذلك أنهم قاسموهم ديارهم وأموالهم. وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم النضير للأنصار: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركونهم فى هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم عليكم شىء من الغنيمة» فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من ديارنا «2» وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة ولم نشاركهم فيها. فأنزل الله عز وجل: (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
والشحّ فى كلام العرب: البخل ومنع الفضل.
(17/146)

قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ «1» رَحِيمٌ)
قال ابن أبى ليلى: الناس على ثلاث منازل: للفقراء المهاجرون، والذين تبوّءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم، فاجهد ألا تكون خارجا من هذه المنازل.
وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: أمر الله عز وجل بالاستغفار لأصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم، وهو يعلم أنهم سيفتنون. وعن عائشة رضى الله عنها قالت:
أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد عليه السلام فسببتموهم، سمعت نبيكم صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أوّلها» .
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ. لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ)
نزلت هذه الآيات فى شأن عبد الله بن أبىّ ومن وافقه فى إرسالهم لبنى النضير وقعودهم عنهم، كما تقدّم آنفا، وقوله: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ)
يقول: يرهبونكم أشدّ من رهبتهم الله تعالى. (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) .
قوله تعالى: (لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ «2» بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ)
أعلم الله تعالى المؤمنين أن اليهود لا يبرزون لهم بالقتال، ولا يقاتلونهم إلا فى قرى محصنة، أو من
(17/147)

وراء جدار (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ)
يعنى بعضهم فظّ على بعض، وبعضهم عدوّ لبعض، وعداوتهم بعضهم بعضا شديدة. وقيل: بأسهم فيما بينهم من وراء الحيطان والحصون شديد، فإذا خرجوا لكم فهم أجبن خلق الله. (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى)
قال قتادة: أهل الباطل مختلفة [أهواؤهم «1» ، مختلفة شهاداتهم، مختلفة] أعمالهم، وهم مجتمعون فى عداوة أهل الحق. وقال مجاهد: أراد أن دين المنافقين يخالف دين اليهود. (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) *.
قوله تعالى: (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)
يعنى مثل هؤلاء اليهود (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)
وهم مشركو مكة (ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ) *
يوم بدر. قال مجاهد وقال ابن عباس: يعنى بنى قينقاع؛ وقيل: مثل قريظة كمثل بنى النضير. ثم ضرب مثلا للمنافقين واليهود فى تخاذلهم فقال تعالى:
(كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ)
وهى قصّة برصيصا العابد مع الشيطان.
ذكر قصة برصيصا
روى أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبى بسند يرفعه إلى ابن عباس، رضى الله عنهما، فى قوله تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ)
الآية. قال:
كان راهب فى الفترة يقال له برصيصا، قد تعبّد «2» في صومعة له سبعين سنة، لم يعص الله فيها طرفة عين، وإن إبليس أعياه فى أمره الحيل، فلم يستطع له بشىء، فجمع ذات يوم مردة الشيطان، فقال: ألا أحد منكم يكفينى أمر برصيصا؟
فقال الأبيض، وهو صاحب الأنبياء، وهو الذى تصدّى لرسول الله صلّى الله عليه
(17/148)

وسلّم، وجاءه فى صورة جبريل ليوسوس إليه على وجه الوحى، فجاء جبريل حتى دخل بينهما، فدفعه بيده دفعة هينة، فوقع من دفعة جبريل إلى أقصى الهند. فقال الأبيض لإبليس: أنا أكفيك. فانطلق فتزيّن بزينة الرهبان، وحلق وسط رأسه، ثم مضى حتى أتى صومعة برصيصا، فناداه، فلم يجبه برصيصا، وكان لا ينفتل عن صلاته إلا فى عشرة «1» أيام، ولا يفطر إلا فى عشرة أيام، فكان يواصل الصوم الأيام العشرة والعشرين والأكثر، فلما رأى الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على العبادة فى أصل صومعته، فلما انقتل برصيصا اطلع من صومعته، فرأى الأبيض قائما منتصبا يصلى فى هيئة حسنة من هيئة الرهبان، فلما رأى ذلك من حاله تدبر فى نفسه حين لهى عنه فلم يجبه، فقال له: إنك ناديتنى وكنت مشغولا عنك، فحاجتك «2» ؟ قال:
حاجتى أنى أحببت أن أكون معك فأتأدّب بك، وأقتبس من علمك، ونجتمع على العبادة، فتدعو لى وأدعو لك؛ قال: إنى لفى شغل عنك، فإن كنت مؤمنا فإن الله عز وجل سيجعل لك فيما أدعوه للمؤمنين والمؤمنات نصيبا إن استجاب لى.
ثم أقبل على صلاته وترك الأبيض، فأقبل الأبيض يصلى، فلم يلتفت إليه برصيصا أربعين يوما بعدها، فلما انفتل رآه قائما يصلى، فلما رأى برصيصا شدّة اجتهاده، وكثرة تضرعه وابتهاله إلى الله عز وجل كلّمه، وقال له: حاجتك؟ قال: حاجتى أن تأذن لى فأرتفع إليك. فأذن له، فارتفع فى صومعته، فأقام الأبيض معه حولا يتعبد، لا يفطر إلا فى كل أربعين يوما [ولا ينفتل عن صلاته إلا فى كل أربعين يوما «3» ] مرة، وربما مدّ إلى الثمانين؛ فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت «4» إليه نفسه، وأعجبه شأنه، فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا: إنى منطلق، فإن لى صاحبا
(17/149)

غيرك، ظننت أنك أشدّ اجتهادا مما أرى، وكان يبلغنا عنك غير الذى رأيت. قال:
فدخل على برصيصا أمر عظيم، وكره مفارقته للذى رأى من شدّة اجتهاده، فلما ودعه قال له الأبيض: إن عندى دعوات أعلمكها تدعو بهن، فهن خير لك مما أنت فيه، يشفى الله بها السقيم، ويعافى بها المبتلى والمجنون؛ قال برصيصا: إنى أكره هذه المنزلة، لأن لى فى نفسى شغلا، وإنى أخاف إن علم بهذا الناس شغلونى عن العبادة؛ فلم يزل به الأبيض حتى علمه. ثم انطلق حتى أتى إبليس فقال: قد والله أهلكت الرجل. قال: فانطلق الأبيض فتعرض لرجل فخنقه، ثم جاءه فى صورة رجل متطبب، فقال لأهله: إن بصاحبكم جنونا فأعالجه؟ فقالوا: نعم؛ فقال لهم: إنى لا أقوى على جنيته، ولكنى سأرشدكم إلى من يدعو الله فيعافى؛ فقالوا له: دلّنا. قال: انطلقوا إلى برصيصا، فإن عنده اسم الله الذى إذا دعى به أجاب. قال: فانطلقوا إليه فسألوه ذلك، فدعا بتلك الكلمات فذهب عنه الشيطان. وكان يفعل الأبيض بالناس مثل هذا الذى فعل بالرجل، ثم يرشدهم إلى برصيصا فيدعو لهم فيعافون. قال: فانطلق الأبيض فتعرض لجارية من بنات الملوك بين ثلاثة إخوة، وكان أبوهم ملكا فمات فاستخلف أخاه، وكان عمها ملك بنى إسرائيل، فعذبها وخنقها، ثم جاء إليهم فى صورة رجل متطبب، فقال لهم:
أعالجها؟ قالوا: نعم. فعالجها فقال: إن الذى عرض لها مارد لا يطاق، ولكن سأرشدكم إلى رجل تتقون به تدعونها عنده، فإذا جاء شيطانها دعا لها، حتى تعلموا أنها قد عوفيت وتردّونها «1» صحيحة، قد ذهب عنها شيطانها؛ قالوا: ومن هو؟ قال:
برصيصا؛ قالوا: وكيف لنا أن يقبلها منا ويجيبنا إلى هذا؟ هو أعظم شأنا من ذلك. قال: انطلقوا وابتنوا صومعة إلى جانب صومعته حتى تشرفوا عليه، ولتكن
(17/150)

هذه الصومعة التى تبنون لزيقة صومعته، فإن قبلها وإلا تضعونها «1» في صومعتها، ثم قولوا له: هى أمانة عندك، فاحتسب فيها. قال: فانطلقوا إليه فسألوه ذلك، فأبى عليهم، فبنوا صومعة على ما أمرهم الأبيض، ثم اطلعوا عليه ووضعوا الجارية فى صومعتها، وقالوا له: يا برصيصا، هذه أختنا قد عرض لها عدوّ من أعداء الله، فهى أمانة عندك فاحتسب فيها. ثم انصرفوا، فلما انفتل برصيصا عن صلاته عاين تلك الجارية وما بها من الجمال، فأسقط «2» في يده، ودخل عليه أمر عظيم، قال: فجاءها الشيطان فخنقها؛ فلما رأى برصيصا ذلك انفتل عن صلاته، فدعا بتلك الدعوات، فذهب عنها الشيطان، ثم أقبل على صلاته، ثم جاءها الشيطان فخنقها، وكان يكشف عن نفسها ويتعرّض [بها «3» ] لبرصيصا، وجاءه الشيطان، فقال: ويحك! واقعها فلن تجد مثلها، فستتوب بعد، فتدرك ما تريد من الأمر الذى تريد؛ فلم يزل به حتى واقعها، فافترشها، فلم يزل على ذلك يأتيها حتى حملت وظهر حملها، فقال له الشيطان: ويحك! قد افتضحت، فهل لك أن تقتل هذه وتتوب؟ فإن سألوك فقل: جاء شيطانها فذهب بها ولم أقو عليه. قال:
ففعل. فقتلها ثم انطلق بها فدفنها إلى جانب الجبل، فجاءه الشيطان وهو يدفنها ليلا فأخذ بطرف إزارها، فبقى طرف إزارها خارجا فى التراب، ثم رجع برصيصا إلى صومعته وأقبل على صلاته، فجاء إخوتها يتعاهدون أختهم، وكانوا يجيئون فى بعض الأيام يسألون عنها، ويطلبون إلى برصيصا ويوصونه بها، فقالوا:
يا برصيصا، ما فعلت أختنا؟ قال: جاء شيطانها فذهب بها ولم أطقه. قال:
فصدّقوه وانصرفوا. فلما أمسوا وهم مكروبون، جاء الشيطان إلى كبيرهم
(17/151)

فى المنام، فقال له: ويحك! إن برصيصا فعل بأختك كذا وكذا، وإنه دفنها فى موضع كذا وكذا من جبل كذا وكذا. فقال الأخ: هذا حلم وهو من عمل الشيطان، برصيصا خير من ذلك. قال: فتتابع عليه ثلاث ليال فلم يكترث، فانطلق إلى الأوسط بمثل ذلك، فقال الأوسط مثلما قال الأكبر، فلم يخبر به أحدا، فانطلق إلى أصغرهم بمثل ذلك، فقال أصغرهم لإخوته: والله لقد رأيت كذا وكذا. فقال الأوسط: وأنا والله لقد رأيت مثله. وقال الأكبر:
وأنا والله لقد رأيت كذا وكذا، فانطلقوا بنا إلى برصيصا؛ فأتوه، فقالوا:
يا برصيصا، ما فعلت أختنا؟ قال: أليس قد أعلمتكم بحالها وحال شيطانها! فكأنكم اتهمتمونى. فقالوا: لا والله لا نتهمك. فاستحيوا منه وانصرفوا عنه، فجاءهم الشيطان فقال، ويحكم! إنها لمدفونة فى موضع كذا، وإن طرف إزارها خارج من التراب. قال: فانطلقوا فرأوا أختهم على ما رأوا فى نومهم، قال:
فمشوا فى مواليهم، ومواليهم معهم الفؤس والمساحى «1» ، فهدموا صومعته وأنزلوه ثم كتفوه وانطلقوا به إلى الملك، فأقرّ على نفسه؛ وذلك أن الشيطان أتاه فقال:
تقتلها ثم تكابر، يجتمع عليك أمران قتل ومكابرة، اعترف. فلما اعترف أمر الملك بقتله وصلبه على خشبة، فلما صلب أتاه الأبيض عيانا، وذلك أن إبليس لعنه الله، قال للأبيض: وما يغنى عنك ما صنعت؟ إن قتل فهو كفارة لما كان منه. فقال الأبيض: أنا أكفيكه. فأتاه فقال: يا برصيصا، أتعرفنى؟ قال:
لا. قال: أنا صاحبك الذى علمك الدعوات فاستجيب لك، ويحك! أما اتقيت الله فى أمانة خنت أهلها، وأنك أعبد بنى إسرائيل! أما استحيت! أما راقبت الله فى دينك! فلم يزل يعيره ويونجه، ثم قال له فى آخر ذلك: ألم يكفك
(17/152)

ما صنعت حتى أقررت على نفسك وفضحت أشباهك من الناس! فإن متّ على هذه الحال لم يفلح أحد من نظرائك بعدك. قال: فكيف أصنع؟ قال: تطيعنى فى خطة واحدة حتى أنجيك مما أنت فيه، وآخذ بأعينهم، وأخرجك من مكانك.
قال: وما هى؟ قال: تسجد لى. قال: أفعل. فسجد له، فقال «1» : يا برصيصا، هذا الذى أردت منك، صارت عاقبة أمرك إلى أن كفرت بربك، إنى برىء منك، إنى أخاف الله رب العالمين.
يقول الله تعالى: (فَكانَ عاقِبَتَهُما)
يعنى الشيطان وذلك الإنسان.
(أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ) .
قال ابن عباس رضى الله عنهما: فضرب الله هذا المثل ليهود بنى النضير والمنافقين من أهل المدينة، وذلك أن الله تعالى أمر نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، أن يحلى بنى النضير من المدينة، فدسّ المنافقون إليهم فقالوا: لا تجيبوا محمدا إلى ما دعاكم ولا تخرجوا من دياركم، فإن قاتلكم كنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم.
قال: فأطاعوهم؛ فدرّبوا على حصونهم وتحصنوا فى ديارهم رجاء نصر المنافقين حتى جاءهم النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فناصبوه الحرب، يرجون نصر المنافقين، فخذلوهم وتبرءوا منهم كما تبرأ الشيطان من برصيصا وخذله.
قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)
قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ) *
أى فى أداء فرائضه واجتناب معاصيه (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ)
يعنى يوم القيامة.
(17/153)

قوله: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ)
(نَسُوا اللَّهَ) *
أى نسوا حق الله وتركوا أوامره (فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ)
[يعنى «1» حظ أنفسهم] أن يقدموا لها خيرا (أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ) .
فقد أتينا- أكرمك الله- على تفسير ما أنزل من القرآن فى شأن بنى النضير مما يتعلق بشرح أخبارهم خاصة على حكم الاختصار، ولم نتعرض إلى ما سوى ذلك من التفسير.
ذكر غزوة بدر الموعد
غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لهلال ذى القعدة، على رأس خمسة وأربعين شهرا من مهاجره صلّى الله عليه وسلّم. حكاه محمد بن سعد.
وقال محمد بن إسحاق: كانت فى شعبان. وجعلها بعد غزوة ذات الرقاع، فتكون على رأس اثنين وأربعين شهرا من الهجرة، والأشبه ما قاله ابن سعد، لأن الميعاد كان على «2» رأس الحول من غزوة أحد، وغزوة أحد كانت فى شوّال على ما اتفقا عليه، ولم يتخلفا فى الشهر وإنما فى أيام ذكرناها هناك.
قال محمد بن سعد: لما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج، وقدم نعيم بن مسعود الأشجعى مكة، فقال له أبو سفيان: إنى قد واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقى ببدر، وقد جاء ذلك الوقت، وهذا عام جدب، وإنما يصلحنا عام خصب غيداق «3» ، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج فيجترئ علينا، فنجعل لك عشرين فريضة «4» يضمنها «5»
(17/154)

إليك سهيل بن عمرو على أن تقدم المدينة فتخذل أصحاب محمد. قال: نعم.
فحملوه على بعير، فأسرع السير حتى قدم المدينة، فأخبرهم بجمع أبى سفيان [لهم «1» ] وما معه من العدّة والسلاح، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: والذى نفسى بيده لأخرجنّ وإن لم يخرج معى أحد.
واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، وسار بالمسلمين وهم ألف وخمسمائة، والخيل عشرة أفراس، وحمل لواءه على بن أبى طالب، وخرج المسلمون ببضائع وتجارات لهم، وكانت بدر الصغرى مجتمعا يجتمع فيه العرب، وسوقا تقوم لهلال ذى القعدة إلى ثمان تخلو منه، ثم يتفرّق الناس إلى بلادهم.
فانتهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه إلى بدر ليلة هلال ذى القعدة؛ وقامت السوق صبيحة الهلال فأقاموا بها ثمانية أيام، وباعوا ما خرجوا به من التجارات، فربحوا للدرهم درهما، وانصرفوا، وقد سمع الناس بمسيرهم، وخرج أبو سفيان بن حرب من مكة فى قريش، وهم ألفان ومعهم خمسون فرسا حتى انتهوا إلى مجنّة- وهى «2» مرّ الظهران- ومنهم من يقول: بلغوا عسفان «3» . ثم قال: ارجعوا فإنه لا يصلحنا إلا عام خصب غيداق، نرعى فيه الشجر ونشرب اللبن، وعامكم هذا عام جدب، وإنى راجع فارجعوا. فسمى أهل مكة هذا الجيش جيش السّويق، يقولون: خرجوا يشربون السويق. قال: وقدم معبد ابن أبى معبد الخزاعى مكة بخبر مسير رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- وأصحابه، فقال صفوان بن أمية لأبى سفيان: قد نهيتك يومئذ أن تعد القوم وقد اجترءوا علينا ورأوا أن قد أخلفناهم.
(17/155)

وقال عبد الله بن رواحة:
وعدنا أبا سفيان وعدا «1» فلم نجد ... لميعاده صدقا وما كان وافيا
فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا ... لأبت ذميما وافتقدت المواليا «2»
تركنا به أوصال عتبة وابنه ... وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا «3»
عصيتم رسول الله أفّ لدينكم ... وأمركم السّىء «4» الذى كان غاويا
فإنى وإن عنّفتمونى لقائل ... فدى لرسول الله أهلى وماليا
أطعناه لم نعد له فينا بغيره ... شهابا لنا فى ظلمة الليل هاديا
وانصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمسلمون، ورجعوا إلى المدينة.
وأنزل الله عز وجل فى شأن هذه الغزوة قوله تعالى: (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) .
قال السّدّى: لما تجهز رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه للمسير إلى بدر لميعاد أبى سفيان أتاهم المنافقون فقالوا: نحن أصحابكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم فعصيتمونا، وقد أتوكم فى دياركم [فقاتلوكم «5» ] وظفروا، فإن أتيتموهم فى ديارهم لا يرجع منكم أحد. فقالوا: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)
. فالناس فى هذه الآية أولئك المنافقون. وقال أبو معشر: دخل ناس من هذيل من أهل تهامة المدينة، فسألهم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن أبى سفيان، فقالوا: قد جمعوا لكم جموعا.
(17/156)

كثيرة فاخشوهم؛ فقالوا: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)
. فأنزل الله عز وجل (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ)
يعنى أبا سفيان وأصحابه (قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ)
فخافوهم واحذروهم فإنه لا طاقة لكم بهم (فَزادَهُمْ «1» إِيماناً
يعنى تصديقا ويقينا وجرأة وقوّة. وقوله: «فانقلبوا» فانصرفوا ورجعوا «بنعمة من الله» أى بعافية لم يلقوا بها عدوا، وبرأت جراحتهم «وفضل» أى ربح وتجارة، وهو «2» ما أصابوا من السوق فربحوا (لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ)
لم يصبهم قتل ولا جرح ولم ينلهم «3» أذى ولا مكروه (وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ)
في طاعة الله وطاعة رسوله «4» صلّى الله عليه وسلّم، وذلك أنهم قالوا: هل يكون هذا غزوا؟ فأعطاهم الله تعالى ثواب الغزو ورضى عنهم. (وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) .
[ثم «5» ] قال تعالى: (إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
يعنى ذلك الذى قال لكم: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم؛ من فعل الشيطان ألقى فى أفواهم لترهبوهم وتجبنوا عنهم «يخوّف أولياءه» أى يخوفكم «6» بأوليائه، يعنى يخوف المؤمنين بالكافرين، قال السدّى: يعظم أولياءه فى صدوركم لتخافوهم. وقرأ عبد الله بن مسعود «يخوّفكم أولياءه» قال: وكان أبىّ بن كعب [يقرأ «7» ] «يخوّفكم بأوليائه» «فلا تخافوهم وخافون» فى ترك أمرى «إن كنتم مؤمنين» مصدقين بوعدى فإنى متكفل لكم بالنصر والظفر.
(17/157)

ذكر غزوة ذات الرّقاع «1» ، وخبر صلاة الخوف وقصة غورث بن الحارث المحاربى، وخبر جابر بن عبد الله
واختلف فى تسمية ذات الرقاع، فقيل: جبل فيه بقع حمر وبيض وسود.
وقيل: لأنهم رقعوا راياتهم. وقيل: ذات الرقاع، شجرة بذلك الموضع. وفى صحيح البخارى أنهم نقبت «2» أقدامهم، فلفّوا عليها الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع.
والله أعلم.
قال محمد بن سعد: كانت فى المحرم على رأس سبعة وأربعين شهرا من مهاجره صلّى الله عليه وسلّم. وقال ابن إسحاق: كانت غزوة ذات الرقاع بعد غزوة بنى النضير فى الجمادى الأولى، فتكرن على رأس تسعة وثلاثين شهرا من الهجرة، واستعمل على المدينة أبا ذرّ الغفارىّ، ويقال: عثمان بن عفان. ولم يقل ابن سعد غير «3» عثمان رضى الله عنه.
وذلك أن قادما قدم المدينة يجلب «4» ، فأخبر أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أن أنمارا وثعلبة قد جمعوا لهم الجموع. فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فخرج ليلة السبت لعشر خلون من المحرم فى أربعمائة، ويقال: سبعمائة من أصحابه؛ فمضى حتى أتى محالّهم بذات الرقاع- وهو جبل فيه بقع فيها حمرة وسواد وبياض- فلم يجد فى محالّهم أحدا إلا نسوة، فأخذهن وفيهن جارية وضيئة، وهربت الأعراب إلى رءوس الجبال، وحضرت الصلاة، فخاف المسلمون أن يغيروا عليهم، فصلى بهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلاة الخوف.
(17/158)

روى أبو محمد عبد الملك بن هشام بسنده إلى جابر بن عبد الله، قال: صلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بطائفة ركعتين، ثم سلّم، وطائفة مقبلون على العدوّ، فجاءوا فصلى بهم ركعتين أخريين، ثم سلّم. وروى عنه أيضا من طريق آخر، قال:
صفنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صفين، فركع بنا جميعا، ثم سجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بهم جميعا، ثم سجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسجد الذين يلونه معه، الصف الأوّل وتقدّم الصف الآخر حتى قاموا مقامهم، ثم ركع النبى صلّى الله عليه وسلّم جميعا، ثم سجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسجد الذين يلونه معه، فلما رفعوا رءوسهم سجد الآخرون بأنفسهم سجدتين، وركع النبى صلّى الله عليه وسلّم بهم جميعا، وسجد كل واحد منهما بأنفسهم سجدتين. هكذا روى عن جابر في صلاة الخوف بذات الرقاع.
وروى ابن هشام أيضا بسنده إلى عبد الله بن عمر، رضى الله عنهما، فى صلاة الخوف، ولم يذكر ذات الرقاع، قال: يقوم الإمام وتقوم معه طائفة، وطائفة مما يلى عدوهم، فيركع بهم الإمام ويسجد بهم، ثم يتأخرون فيكونون مما بلى العدوّ، ويتقدّم الآخرون فيركع بهم الإمام ركعة ويسجد بهم، ثم تصلى كل طائفة بأنفسهم ركعة، فكانت لهم مع الإمام ركعة ركعة وصلوا بأنفسهم ركعة ركعة.
ذكر خبر غورث «1» بن الحارث المحاربىّ
لما أراد أن يفتك برسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحماه الله منه وأمكن نبيه صلّى الله عليه وسلّم من عدوّه وعفوه عنه وكان من خبر غورث بن الحارث أنه قال لقومه من غطفان ومحارب:
ألا أقتل لكم محمدا؟ قالوا: بلى، وكيف تقتله؟ قال: أفتك به. وكان رسول
(17/159)

الله صلّى الله عليه وسلّم إذا نزل منزلا اختار له أصحابه شجرة يقيل تحتها، فأتاه فاخترط «1» سيفه، ثم قال: من يمنعك منى؟ فقال: الله. فأرعدت يد غورث، وسقط سيفه، وضرب برأسه الشجرة حتى سال دماغه، فعفا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عنه، فرجع إلى قومه وقال: جئتكم من عند خير الناس. ومن رواية الخطابىّ: أن غورث ابن الحارث المحاربىّ أراد أن يفتك برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلم يشعر به إلا وهو قائم على رأسه، منتضيا «2» سيفه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«اللهم اكفنيه بما شئت» . فانكبّ غورث من وجهه من زخلة «3» زلّخها بين كتفيه، وندر «4» سيفه من يده، وقيل: فيه نزل قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ)
الآية. وقيل:
نزلت فى غير هذه القصة.
ذكر خبر جابر بن عبد الله فى جمله، واستغفار النبىّ صلّى الله عليه وسلّم لأبيه
روى محمد بن إسحاق بن يسار المطلبى عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله قال: خرجت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى ذات الرّقاع من نخل «5» على جمل لى ضعيف، فلما قفل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، جعلت الرّفاق تمضى، وجعلت أتخلّف، حتى أدركنى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «مالك يا جابر» ؟ قلت:
يا رسول الله، أبطأ علىّ «6» جملى هذا؛ قال: «أنخه» ؛ فأنخته، وأناخ رسول الله صلّى الله
(17/160)

عليه وسلّم، ثم قال: أعطنى هذه العصا من يدك، أو أقطع لى عصا من شجرة؛ قال: ففعلت. فأخذها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنخسه بها نخسات، ثم قال:
اركب، فركبت، فخرج- والذى بعثه بالحق- يواهق «1» ناقته مواهقة.
قال: وتحدّثت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أتبيعنى جملك هذا يا جابر» ؟ قلت: يا رسول الله، بل أهبه لك؛ قال: «لا، ولكن بعنيه» ؛ قال:
قلت: فسمنيه؛ قال: «قد أخذته بدرهم» ؛ قلت: لا، إذا تغبنّى «2» يا رسول الله! قال: «فبدرهمين» ؛ قلت: لا. فلم يزل يرفع «3» لى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى بلغ الأوقيّة؛ قلت: فقد رضيت «4» ؟ قال: «نعم» ؛ قلت: هو لك؛ قال: «أخذته» .
ثم قال: «يا جابر، هل «5» تزوجت بعد» ؟ قلت: نعم يا رسول الله؛ قال: «أثيّبا أم بكرا» ؟ قلت: بل ثيّبا؛ قال: «أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك» ؟ قلت: يا رسول الله، إن أبى أصيب يوم أحد، وترك بنات له سبعا، فنكحت امرأة جامعة، تجمع رءوسهن وتقوم عليهن؛ قال: «أصبت إن شاء الله، أما إنّا لو جئنا صرارا «6» أمرنا بجزور فنحرت، وأقمنا عليها يومنا ذلك، وسمعت «7»
بنا، فنفضت نمارقها» . قلت: يا رسول الله ما لنا من نمارق؛ قال: «إنها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيّسا» .
فلما جئنا صرارا أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بجزور فنحرت، وأقمنا عليها يومنا ذاك، فلما أمسى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دخل ودخلنا؛ قال: فحدّثت المرأة الحديث وما قال لى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قالت:
(17/161)

فدونك، فسمع وطاعة. قال: فلما أصبحت أخذت برأس الجمل، فأقبلت به حتى أنخته على باب مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، [ثم «1»
جلست فى المسجد قريبا منه، وخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم] فرأى الجمل، فقال: «ما هذا» ؟
قالوا: هذا جمل جاء به جابر؛ قال: «فأين جابر» ؟ فدعيت له، فقال: «يابن أخى خذ برأس جملك فهو لك» ودعا بلالا فقال له: «اذهب بجابر فأعطه أوقيّة» . قال:
فذهبت معه فأعطانى أوقية وزادنى شيئا يسيرا. قال: فو الله ما زال ينمى عندى ونرى مكانه من بيتنا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا؛ يعنى يوم الحرّة «2» .
وقال محمد بن سعد: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم سأل جابرا عن دين أبيه فأخبره، فاستغفر له رسول الله صلّى الله عليه وسلم فى تلك الليلة خمسا وعشرين مرة.
قال: وبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جعال «3»
بن سراقة بشيرا إلى المدينة بسلامته وسلامة المسلمين، وقدم صرارا يوم الأحد لخمس بقين من المحرّم- وصرار على ثلاثة أميال من المدينة، وهى بئر جاهلية على طريق العراق- وغاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خمس عشرة ليلة.
ذكر غزوة دومة الجندل
وهى بضم الدال؛ سميت بدومى «4»
بن إسماعيل لأنه كان نزلها، وهى غير دومة التى بفتح الدال.
(17/162)

غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شهر ربيع الأوّل على رأس تسعة وأربعين شهرا من مهاجره، وذلك أنه بلغه صلّى الله عليه وسلّم أن «1»
يومة الجندل جمعا كثيرا، وأنهم يظلمون من مرّ بهم، وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة- وهى طرف من أفواه الشام، بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة أوست عشرة ليلة- فندب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الناس، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفارى، وخرج لخمس ليال بقين من شهر ربيع الأوّل فى ألف من المسلمين، فكان يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل من بنى عذرة، يقال له: مذكور؛ فلما دنا منهم إذا هم مغرّبون، وإذا آثار النّعم «2»
والشاء، فهجم على ماشيتهم ورعائهم، فأصاب من أصاب، وهرب من هرب. وجاء الخبر أهل دومة الجندل، فتفرّقوا، ونزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بساحتهم، فلم يجد بها أحدا، فأقام بهاأياما، وبث السرايا وفرّقها، فرجعت ولم تصب منهم أحدا «3»
وأخذ منهم رجل واحد، فسأله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عنهم، فقال: هربوا حيث سمعوا أنك أخذت نعمهم؛ فعرض عليه الإسلام فأسلم، ورجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة لعشر بقين من شهر ربيع الآخر، ولم يلق كيدا.
وفى هذه الغزوة وادع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عيينة بن حصن أن يرعى بتغلمين «4»
وما والاه إلى المراض «5»
، والمراض على ستة وثلاثين ميلا من المدينة على طريق الرّبذة.
(17/163)

ذكر غزوة بنى المصطلق «1» ، وهى غزوة المريسيع
غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شعبان سنة خمس من الهجرة. حكاه محمد بن سعد.
وقال ابن إسحاق: كانت فى شعبان سنة ست؛ وجعلها بعد غزوة ذى قرد.
وكان سبب هذه الغزوة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلغه أن الحارث بن أبى ضرار سيّد بنى المصطلق سار فى قومه ومن قدر عليه من العرب، ودعاهم إلى حرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأجابوه وتهيئوا للمسير، فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بريدة بن الحصيب الأسلمى للوقوف على حقيقة الخبر، فأتاهم وكلم الحارث ورجع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالخبر، فندب صلّى الله عليه وسلّم الناس، فأسرعوا فى الخروج، وقادوا الخيول، وهى ثلاثون فرسا، عشرة منها للمهاجرين وعشرون للأنصار، وخرج معه خلق كثير من المنافقين، لم يجتمعوا فى غزاة قط مثلها، واستخلف صلّى الله عليه وسلّم على المدينة زيد بن حارثة. وقال ابن هشام:
استعمل عليها أبا ذرّ الغفارى. قال: ويقال: نميلة بن عبد الله الليثى. قال ابن سعد: وكان معه صلّى الله عليه وسلّم فرسان: لزاز، والظّرب، وخرج يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان، فبلغ الحارث بن أبى ضرار ومن معه مسير رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فتفرّق عنه من كان معه من العرب وخافوا خوفا شديدا، وانتهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المريسيع- وهو ماء لبنى المصطلق بينه وبين الفرع نحو من يوم، وبين الفرع والمدينة ثمانية برد- فنزل به وضرب قبّته، ومعه صلّى الله عليه وسلّم من نسائه أمّهات المؤمنين رضى الله عنهنّ عائشة، وأم سلمة، وتهيّئوا للقتال، وصفّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصحابه، ودفع راية المهاجرين إلى أبى بكر.
(17/164)

الصدّيق رضى الله عنه، ورواية الأنصار إلى سعد بن عبادة، فتراموا بالنّبل ساعة، ثم أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصحابه فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت من القوم إنسان، قتل منهم عشرة، وأسر سائرهم، وسبيت النساء والذّرارى، وغنمت النعم والشاء، ولم يستشهد من المسلمين إلّا رجل واحد، وأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالأسارى فكتفوا، واستعمل عليهم بريدة بن الحصيب، وأمر بجمع الغنائم فجمعت، واستعمل عليها شقران مولاه، وقسم السبى والنعم والشاء، فعدلت الجزور بعشر من الغنم، وبيعت الرّثّة»
فيمن يريد «2»
، قال: وكانت الإبل ألفى «3»
بعير والشاء خمسة آلاف شاة، والسبى مائتى أهل بيت، وصارت جويرية بنت الحارث ابن أبى ضرار فى سهم ثابت بن قيس بن شماس وابن عم له «4»
. فكاتباها على تسع أواق من ذهب، فسألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى كتابتها، فأدّى «5»
عنها، وتزوّجها على ما نذكر ذلك إن شاء الله فى أخبار أزواجه صلّى الله عليه وسلّم.
قال ابن سعد: وكان من السبى من منّ عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بغير فداء، ومنهم من أفدى، فافتديت «6»
المرأة والذرّيّة بست فرائض، وقدموا المدينة ببعض السبى، فقدم عليهم أهلوهم فافتدوهم، فلم تبق امرأة من بنى المصطلق إلّا رجعت إلى قومها. وكان شعار المسلمين يوم بنى المصطلق: يا منصور أمت أمت؛ وغاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى غزاته هذه ثمانية وعشرين يوما، وقدم المدينة لهلال رمضان.
(17/165)

وفى هذه الغزاة تكلم عبد الله بن أبىّ بن «1»
سلول المنافق بما تكلم به من قوله:
(لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)
. ووقع حديث الإفك، وقد قدّمنا ذكر ذلك كلّه فى حوادث السنين بعد الهجرة، فى حوادث السنة الخامسة.
ذكر غزوات الخندق، وهى غزوة الأحزاب
وكانت فى ذى القعدة سنة خمس من مهاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
حكاه ابن سعد. وقال ابن إسحاق: كانت فى شوّال.
قال محمد بن سعد ومحمد بن إسحاق وعبد الملك بن هشام، رحمهم الله تعالى، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض، قالوا: لما أجلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بنى النضير وساروا إلى خيبر، خرج نفر من أشرافهم ووجوههم، منهم سلام بن أبى الحقيق، وحيىّ بن أخطب، وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلى، وأبو عمّار الوائلى، فى نفر من بنى النضير، ونفر من بنى وائل، وهم الذين حزّبوا الأحزاب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقدموا مكّة على قريش، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقالوا: إنا «2»
سنكون معكم عليه حتى نستأصله؛ فقالت قريش لهم: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأوّل والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا «3»
خير أم دينه؟
فقالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ «4»
وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ
(17/166)

اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً. أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً. أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً. فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً)
قالوا: فلما قالت اليهود [ذلك «1»
] لقريش سرّهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فاجتمعوا لذلك، ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان وسليما، ودعوهم إلى حرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأعلموهم «2»
أن قريشا قد بايعوهم على ذلك، فأجابوهم «3»
واجتمعوا معهم؛ فتجهزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من العرب، وكانوا أربعة آلاف، وعقدوا اللواء فى دار الندوة، وحمله عثمان بن طلحة بن أبى طلحة، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس، وكان معهم ألف وخمسمائة بعير، وخرجوا يقودهم أبو سفيان بن حرب، ووافتهم بنو سليم بمرّ الظّهران، وهم سبعمائة، يقودهم سفيان بن عبد شمس، حليف حرب بن أمية، وهو أبو أبى الأعور السّلمى الذى كان مع معاوية بصفّين، وخرجت بنو أسد يقودهم طليحة بن خويلد الأسدى، وخرجت غطفان وفزارة، معهما ألف بعير، يقودهم عيينة «4»
بن حصن بن حذيفة ابن بدر، وخرجت بنو مرة وهم أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف بن أبى حارثة المرّى، وخرجت أشجع وهم أربعمائة يقودهم مسعر «5»
بن رخيلة بن نويرة بن طريف، وخرج معهم غيرهم.
(17/167)

فكان جميع من وافى الخندق عشرة آلاف، وهم الأحزاب، وكانوا ثلاثة عساكر، ومرجع أمرهم إلى أبى سفيان بن حرب، فلما بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فصولهم «1»
من مكة ندب «2»
الناس، وأخبرهم خبر عدوّهم، وشاورهم فى أمرهم، فأشار عليه سلمان الفارسىّ بالخندق، فأعجب ذلك المسلمين، وعسكر بهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى سفح سلع «3»
، وجعل سلعا خلف ظهره، وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، ثم ضرب الخندق على المدينة، وعمل فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ترغيبا للمسلمين فى الأجر، فعملوا وجدّوا فى العمل ودأبوا «4»
، وأبطأ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعن المسلمين فى ذلك العمل رجال من المنافقين، وجعلوا يورّون «5»
بالضعف من العمل، ويتسلّلون إلى أهليهم بغير إذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة، ذكرها لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم واستأذنه، فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى عمله فى الخندق، فأنزل الله تعالى فى أولئك من المؤمنين قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
ثم قال تعالى فى المنافقين: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً «6»
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ
(17/168)

يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)
ثم قال تعالى: (أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .
قال: وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه. وروى محمد بن سعد [بسند «1» ] يرفعه إلى سهل بن سعد قال: جاءنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ونحن نحفر الخندق وننقل التراب على أكتافنا، فقال «2» صلّى الله عليه وسلّم: «لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة «3» » . وعن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم الأحزاب ينقل معنا التراب، وقد وارى التراب بياض بطنه، وهو يقول:
لا همّ «4» لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا
إنّ الأولى لقد «5» بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
[أبينا «6» ] يرفع بها صوته صلّى الله عليه وسلّم.
وكان لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى حفر الخندق معجزات نذكرها إن شاء الله تعالى عند ذكرنا لمعجزاته، ومنها ما يتعيّن ذكره هاهنا، وهو ما حكاه محمد بن إسحاق عن جابر بن عبد الله قال:
(17/169)

اشتدت على الناس فى بعض الخندق كدية «1» ، فشكوها إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية، فيقول من حضرها: فو لذى بعثه بالحق لأنهالت حتى عادت «2» كالكثيب، لا تردّ فأسا ولا مسحاة.
قالوا: وفرغوا من حفر الخندق فى ستّة أيام، وكانوا يعلمون فيه نهارا وينصرفون ليلا، ورفع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم النساء والصبيان فى الآطام، وخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم الاثنين لثمان مضين من ذى القعدة، وكان يحمل لواء المهاجرين زيد بن حارثة، ويحمل لواء الأنصار سعد بن عبادة. وأقبلت قريش ومن شايعها وتابعها، واجتمع إليها بعد فراغ الخندق، فصار الخندق بين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبينهم، وظهور المسلمين إلى سلع، وخرج حيىّ ابن أخطب حتى أتى كعب بن أسد القرظى، صاحب «3» عقد بنى قريظة، وكان قد وادع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على قومه وعاقده، فأغلق كعب دون حيى باب حصنه، وأبى أن يفتح له، فناداه حيّى: ويحك يا كعب! افتح لى. قال: ويحك! إنك امرؤ مشئوم، وإنى قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بينى وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. فعادوه مرارا، وهو يأبى عليه حتى [قال «4» له حيىّ] : والله إن «5» أغلقت دونى إلا عن جشيشتك «6» أن آكل معك «7» .
(17/170)

فأحفظه «1» ذلك، ففتح له، فقال: ويحك يا كعب! جئتك بعزّ الدهر وببحر طام «2» ، جئتك بقريش على قادتها وسادتها، حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال، [ومن دونه «3» ] غطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى «4» على جانب أحد، وقد عاهدونى وعاقدونى على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. فقال له كعب:
جئتنى والله بذلّ الدهر، وبجهام «5» قد هراق ماءه، يرعد ويبرق، ليس فيه شىء، ويحك يا حيىّ! فدعنى وما أنا عليه، فإنى لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل به حيى حتى سمح له، أن أعطاه «6» عهدا من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أدخل معك فى حصنك حتى يصيبنى ما أصابك. فنقض كعب بن أسد «7» عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإلى المسلمين وصحّ ذلك عنده كبّر، وقال: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
قال: ونجم النفاق وفشل الناس، وعظم البلاء، واشتدّ الخوف، وخيف على الذرارىّ والنساء، وكانوا كما قال الله تعالى: (إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)
قال: وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يبعث سلمة بن أسلم فى مائتى رجل، وزيد بن حارثة فى ثلاثمائة يحرسون المدينة ويظهرون التكبير، وذلك أنه كان يخاف على الذرارى من بنى قريظة، وكان
(17/171)

عباد بن بشر على حرس قبة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، مع غيره من الأنصار يحرسونه كل ليلة، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمسلمون وجاه العدوّ لا يزالون يعتقبون خندقهم ويحرسونه، والمشركون يتناوبون بينهم، فيغدو أبو سفيان بن حرب فى أصحابه يوما، ويغدو خالد بن الوليد يوما، [ويغدو «1» عمرو بن العاص يوما] ، ويغدو هبيرة بن أبى وهب يوما، ويغدو ضرار بن الخطّاب الفهرى يوما، فلا يزالون يجيلون خيلهم، ويجتمعون مرّة ويتفرّقون أخرى، ويناوشون أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ويقدّمون رماتهم فيرمون، فرمى حبّان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم فأصاب أكحله «2» ، فقال: خذها وأنا ابن العرقة. ويقال:
رماه أبو أسامة الجشمى.
قال ابن هشام: ولما اشتدّ على الناس البلاء بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، وإلى الحارث بن عوف بن أبى حارثة المرّى، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى [بينه «3» و] بينهما الصلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، فلما أراد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه، فقالا:
يا رسول الله، أمر تحبّه فتصنعه، أم شىء أمرك الله به لا بدّ لنا من العمل به، أم شىء تصنعه لنا؟ قال: بل شىء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنى رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم «4» من كلّ جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما. فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد
(17/172)

كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوامنها تمرة إلا قراء «1» أو بيعا، أفحين «2» أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا وأعزّنا بك وبه، نعطيهم أموالنا! والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: فأنت وذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال:
ليجهدوا علينا.
قال ابن سعد: ثم اجتمع رؤساؤهم أن يغدوا يوما، فغدوا جميعا ومعهم رؤساء سائر الأحزاب، وطلبوا مضيقا من الخندق يقتحمون «3» خيلهم إلى النبى صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه فلم يجدوا ذلك وقالوا: إن هذه لمكبدة ما كانت العرب تصنعها؛ فقيل لهم: إن معه رجلا فارسيا، فهو أشار عليه بذلك؛ قالوا: فمن هناك إذا، فصاروا إلى مكان ضيّق أغفله المسلمون، فعبر منه عكرمة بن أبى جهل، ونوفل بن عبد الله، وضرار بن الخطّاب، وهبيرة بن أبى وهب، وعمرو بن عبد ودّ [فجعل «4» عمرو بن عبد ودّ] يدعو إلى البراز، ويقول:
ولقد بححت من النداء ... لجمعهم هل من مبارز
وكان ابن تسعين سنة، فبرز إليه على بن أبى طالب رضى الله عنه، وقال له: يا عمرو، إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلّتين إلّا أخذتها منه؛ قال له: أجل. قال له «5» : فإنى أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام؛ قال: لا حاجة لى بذلك؛ قال: فإنى أدعوك إلى النّزال؛ قال: يا بن
(17/173)

أخى، فو الله ما أحبّ أن أقتلك؛ فقال له علىّ: ولكنى والله أحبّ أن أقتلك؛ فحمى عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علىّ فتنازلا وتجاولا، فقتله علىّ رضى الله عنه، وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق. وألقى عكرمة بن أبى جهل يومئذ رمحه وهو منهزم عن عمرو. فقال حسّان بن ثابت:
فرّ وألقى لنا رمحه ... لعلك عكرم لم تفعل
وولّيت تعدو كعدو الظّليم «1» ... منهم ما إن «2» تجور عن المعدل
ولم تلق ظهرك مستأنسا ... كأنّ قفاك قفا فرعل «3»
قال ابن سعد: وحمل الزبير بن العوّام على نوفل بن عبد الله بالسيف فضربه فشقّه باثنتين، ثم اتّعدوا أن يغدوا «4» من الغد، فباتوا «5» يعبّئون أصحابهم، وفرّقوا كتائبهم، ونحّوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتيبة غليظة فيها خالد بن الوليد، فقاتلوهم يومهم ذاك إلى هوىّ «6» من الليل، ما يقدرون أن يزولوا من موضعهم، ولم يصلّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولا أصحابه ظهرا ولا عصرا ولا مغربا ولا عشاء حتى كشفهم الله تعالى، فرجعوا متفرّقين إلى منازلهم وعسكرهم، وانصرف المسلمون إلى قبّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأقام أسيد بن حضير على الخندق فى مائتين من المسلمين، وكرّ خالد بن الوليد فى خيل من المشركين يطلبون غرّة من المسلمين فناوشوهم ساعة ومع المشركين وحشىّ، فزرق الطفيل بن النعمان بمزراقة فقتله وانكشفوا، وصار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى قبّته فأمر بلالا فأذّن وأقام للظهر فصلّى، ثم بعد
(17/174)

ذلك لكل صلاة إقامة إقامة، وصلّى هو وأصحابه ما فاتهم من الصلوات، وقال:
«شغلونا عن الصلاة الوسطى- صلاة العصر- ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا» .
ولم يكن لهم بعد ذلك قتال جميعا حتى انصرفوا، إلا أنهم لا يدعون الطلائع بالليل طمعا فى الغرّة، قال: وحصر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه بضع عشرة ليلة. وقال ابن إسحاق: أقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن هلال بن حلاوة «1» بن الأشجع ابن ريث بن غطفان أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله إنى قد أسلمت، وإن قومى لم يعلموا بإسلامى، فمرنى بما شئت؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما أنت فينا رجل واحد، فخذّل «2» عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة» . فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بنى قريظة، وكان لهم نديما فى الجاهلية، فقال:
يا بنى قريظة، قد عرفتم ودّى إياكم، وخاصّة ما بينى وبينكم؛ قالوا: صدقت، لست عندنا بمتّهم؛ فقال: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم؛ البلد بلدكم، به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تجلوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة «3» أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم «4» ، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا «5» من أشرافهم، ليكونوا بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه؛ قالوا: لقد أشرت علينا بالرأى. ثم خرج حتى أتى قريشا،
(17/175)

فقال لأبى سفيان ومن معه: قد عرفتم ودّى لكم وفراقى محمّدا، وإنه قد بلغنى أمر قد رأيت منه علىّ حقا أن أبلّغكموه نصحا لكم، فاكتموا عنى؛ قالوا:
نفعل؛ فما هو؟ قال: تعلّموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ [لك «1» ] من القبيلتين: قريش وغطفان، رجالا من أشرافهم، ونعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقى منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا. ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان، إنكم أهلى وعشيرتى، وأحبّ الناس إلىّ، ولا أراكم تتّهمونى «2» ؛ قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم؛ قال: فاكتموا عنى؛ قالوا: نفعل. ثم قال لهم مثلما قال لقريش، وحذّرهم ما حذّرهم. فلما كانت ليلة السبت أرسل أبو سفيان بن حرب ورءوس غطفان إلى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل، فى نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخفّ والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا، ونفرغ فيما بيننا وبينه. فأرسلوا إليهم:
إن اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان بعضنا أحدث فيه حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذى نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى تناجز محمدا، فإنا نخشى إن ضرستكم «3» الحرب، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا «4» إلى بلادكم وتتركونا، والرجل فى بلادنا، ولا طاقة لنا بذلك منه. فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش
(17/176)

وغطفان: والله إن الذى حدّثكم نعيم بن مسعود لحقّ، فأرسلوا إلى بنى قريظة:
إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا؛ فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إن الذى ذكر لكم نعيم ابن مسعود لحقّ، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلّوا بينكم وبين الرجل. فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنّا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا. فأبوا عليهم، وقال أبو سفيان:
ألا أرانى أستعين بإخوة القردة والخنازير! فوقع الاختلاف والخذلان بينهم، وبعث الله عزّ وجلّ عليهم ريحا فى ليلة شاتية شديدة البرد، فكفأت القدور وطرحت الأبنية.
فلما انتهى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما وقع بينهم من الاختلاف أرسل حذيفة بن اليمان إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا. قال حذيفة: دعائى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا حذيفة، اذهب فادخل فى القوم فانظر ماذا يفعلون ولا تحدثنّ شيئا. فذهبت فدخلت فيهم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقرّ لهم قدرا ولا نارا ولا بناء. فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذى كان إلى جنبى، فقلت:
من أنت؟ فقال: فلان ابن فلان. ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، ولقد هلك الكراع «1» والخفّ، وأخلفنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذى نكره، ولقينا من شدة الرّيح ما ترون، فارتحلوا فإنّى مرتحل. ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلىّ ألّا أحدث شيئا
(17/177)

حتى آتيه، ثم لو «1» شئت، لقتلته بسهم. قال: فرجعت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبرته الخبر. وسمعت غطفان ما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم وأصبح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فانصرف راجعا إلى المدينة والمسلمون ووضعوا السلاح. وكان شعار المسلمين فى غزوة الخندق ((حم لا ينصرون)) .
ولما انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه عن الخندق قال لأصحابه:
لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنّكم تغزوهم «2» . فكان كذلك.
قال ابن سعد: وكانت مدّة الحصار خمس عشرة ليلة، وانصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لسبع ليال بقين من ذى القعدة سنة خمس. وقد ذكرنا ما قاله غيره فى ذلك.
ذكر تسمية من استشهد من المسلمين فى غزوة الخندق ومن قتل من المشركين
قال محمد بن سعد فى طبقاته الكبرى: واستشهد من المسلمين فى غزوة الخندق أنس بن أوس بن عتيك من بنى عبد الأشهل، قتلة خالد بن الوليد؛ وعبد الله بن سهل «3» الأشهلىّ، وثعلبة بن عنمة بن عدىّ، قتله هبيرة بن أبى وهب؛ وكعب بن زيد
(17/178)

من بنى دينار، قتله ضرار بن الخطّاب. وسعد «1» بن معاذ مات من جراحة بعد بنى قريظة، والطّفيل بن النعمان بن جشم.
وقتل من المشركين أربعة نفروهم: عثمان بن أمية بن منبّه بن عبيد بن السبّاق من بنى عبد الدار بن قصىّ، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة، وعمرو بن عبد ودّ، ويقال: وابنه حسل بن عمرو، قتلهما على بن أبى طالب رضى الله عنه.
ذكر ما أنزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من القرآن فى غزوة الخندق وما ورد فى تفسير ذلك
أنزل الله عزّ وجلّ على رسوله- صلّى الله عليه وسلّم- فى أمر الخندق والأحزاب قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً)
قال أبو إسحاق أحمد ابن محمد بن إبراهيم الثعلبى رحمه الله: قوله: ( «إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ» )
يعنى الأحزاب:
قريش وغطفان ويهود قريظة والنّضير. ( «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً» ) *
قال: وهى الصّبا «2» .
قال عكرمة: قالت الجنوب للشّمال ليلة الأحزاب: انطلقى بنصرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت الشّمال: إن الحرّة «3» لا تسرى بالليل؛ وكانت الريح التى أرسلت
(17/179)

عليهم الصّبا، قال رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم-: «نصرت بالصّبا وأهلكت عاد بالدّبور» . قوله: «وجنودا لم تروها» هى الملائكة، ولم تقاتل يومئذ، قال المفسرون: بعث الله تعالى عليهم باللّيل ريحا باردة، وبعث الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطّعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها فى بعض، وأرسل الله عليهم الرعب، وكثر تكبير الملائكة فى جوانب عسكرهم حتى كان سيد كلّ حىّ يقول: يا بنى فلان، هلّم [إلى؛ فإذا اجتمعوا عنده قال: النّجاء النّجاء، أتيتم. لما بعث الله عليهم من الرعب، فانهزموا من غير قتال «1» ] .
قوله تعالى: (إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)
قال: قوله: ( «إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ» )
يعنى من فوق الوادى من قبل المشرق، عليهم مالك بن عوف النّصرىّ، وعيينة ابن حصن الفزارى فى ألف من غطفان، ومعهم طليحة بن خويلد الأسدى فى بنى أسد، وحيّى بن أخطب فى يهود بنى قريظة. ( «وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ» )
يعنى من بطن الوادى من قبل المغرب، وهو أبو سفيان بن حرب فى قريش ومن تبعه، وأبو الأعور السّلمى من قبل الخندق. وقال ابن إسحاق: الذين جاءوا من فوقهم بنو قريظة، والذين جاءوا من أسفل منهم قريش وغطفان. ( «وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ» )
أى مالت وشخصت ( «وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ» )
زالت عن أماكنها حتى بلغت الحلوق من الفزع. ( «وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا» )
قال: أما المنافقون فظنوا أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه سيغلبون ويستأصلون، وأما المؤمنون فأيقنوا أن ما وعدهم الله حقّ، وأنه سيظهر دينه على الدين كلّه ولو كره المشركون.
(17/180)

قوله تعالى: (هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً)
قال: أى اختبروا ومحّصوا، ليعرف المؤمن من المنافق «وزلزلوا» : حرّكوا وخوّفوا «زلزالا» تحريكا «شديدا» .
قوله تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً)
قال: يعنى معتّب بن قشير وأصحابه ( «وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» ) *
أى شكّ وضعف اعتقاد. وقد قدّمنا فى أخبار المنافقين ما تكلم به معتّب بن قشير فى هذه الغزوة.
قوله تعالى: (وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً)
. ( «قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ» )
أى من المنافقين: وهم أوس بن قيظىّ وأصحابه؛ قال مقاتل: هم بنو سالم. قال ابن عباس رضى الله عنهما: قالت اليهود لعبد الله بن أبىّ وأصحابه من المنافقين: ما الذى يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبى سفيان وأصحابه! فارجعوا إلى المدينة. (وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ)
فى الرجوع إلى منازلهم بالمدينة، وهم بنو حارثة بن الحارث (يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ)
أى خالية ضائعة، وهى مما يلى العدوّ، وإنا لنخشى عليها العدوّ والسّرّاق، قال: وقرأ ابن عباس وأبو رجاء العطاردىّ «عورة» بكسر الواو، يعنى قصيرة الجدران فيها خلل وفرجة. وأخبر تعالى أنها ليست بعورة، إن يريدون إلا الفرار.
قوله تعالى: (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها «1» وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً)
قال: يقول: لو دخل عليهم هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم المدينة (مِنْ أَقْطارِها)
جوانبها ونواحيها (ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ)
الشرك «لأتوها» أى لجاءوها وفعلوها ورجعوا عن الإسلام وكفروا (وَما تَلَبَّثُوا)
وما احتبسوا
(17/181)

عن الفتنة (إِلَّا يَسِيراً)
ولأسرعوا إلى الإجابة إليها طيبة بها أنفسهم، قال: هذا قول أكثر المفسرين.
وقال الحسن والفرّاء: وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلا حتى هلكوا.
قوله تعالى: (وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا)
قال: (عاهَدُوا اللَّهَ) *
أى من قبل غزوة الخندق «لا يولّون» عدوّهم «الأدبار» قال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة همّوا يوم أحد أن يفشلوا مع بنى سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله ألّا يعودوا لمثلها، فذكر الله لهم الذى أعطوه من أنفسهم.
وقال قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن وقعة بدر، ورأوا ما أعطى الله تعالى أهل بدر من الكرامة والفضيلة، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلنّ. فساق الله تعالى ذلك إليهم فى ناحية المدينة.
وقال مقاتل والكلبى: هم السبعون رجلا الذين بايعوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة العقبة وقالوا له: اشترط لربك ولنفسك ما شئت؛ فقال النبى صلّى الله عليه وسلّم: «اشترط لربى أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسى أن تمنعونى مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم وأموالكم» . قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا رسول الله؟ قال: «لكم النصر فى الدنيا والجنة فى الآخرة» . قالوا: قد فعلنا.
فذلك عهدهم (وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا)
أى عنه.
قوله تعالى: (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا)
قال «1» : أى الذى كتب عليكم «2» (وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا)
إلى آجالكم، والدنيا كلّها قليل.
(17/182)

قوله تعالى: (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً)
أى نصرة (وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً) *.
قوله تعالى: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا)
قال: «المعوّقين» المثبطين منكم للناس عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «والقائلين لإخوانهم هلمّ إلينا) ودعوا محمدا فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك (وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ)
الحرب (إِلَّا قَلِيلًا) *
دفعا وتعذيرا.
قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة «1» رأس، ولو كانوا لحما لألتهمهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا هذا الرجل فإنه هالك. وقال مقاتل: نزلت فى المنافقين، وذلك أن اليهود أرسلوا إلى المنافقين وقالوا: ما الذى يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبى سفيان ومن معه! فإنهم إن قدروا عليكم هذه المرة لم يستبقوا منكم أحدا، وإنا لنشفق عليكم، أنتم إخواننا وجيراننا، هلمّ إلينا. فأقبل عبد الله بن أبىّ وأصحابه على المؤمنين يعوّقونهم ويخوّفونهم بأبى سفيان ومن معه، وقالوا: ما ترجون من محمد؟ فو الله ما يرفدنا «2» بخير، وما عنده خير، ما هو إلا [أن «3» ] يقتلنا هاهنا، انطلقوا إلى إخواننا وأصحابنا. يعنى اليهود، فلم يزدد «4» المؤمنون بقول المنافقين إلا إيمانا واحتسابا.
وقال ابن زيد: لما كان يوم الأحزاب انطلق رجل من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فوجد أخاه، بين يديه شواء ورغيف ونبيذ، فقال: أنت هاهنا فى الشواء والرغيف والنبيذ ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين الرماح والسيوف! فقال: هلم إلى هذا، والذى يحلف به لا يستقبلها محمد أبدا؛ فقال: كذبت والذى
(17/183)

يحلف به- وكان أخاه من أبيه وأمه- أما والله لأخبرن النبىّ صلّى الله عليه وسلّم أمرك. فذهب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليخبره، فوجده قد نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية.
قوله تعالى: (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً)
قال: «أشحّة» بخلاء «عليكم» بالخير والنفقة فى سبيل الله، وصفهم الله تعالى بالجبن والبخل (فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ)
في رءوسهم من الخوف والجبن، أى كدوران [أعين «1» ] الذى يغشى عليه من الموت (فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ)
أى عضوكم ورموكم بألسنة حداد ذربة «2» ، وأصل السلق: الضرب.
قال قتادة: يعنى بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسم الغنيمة، يقولون: أعطونا أعطونا، فإنا قد شهدنا معكم القتال، ولستم بأحق بالغنيمة منا؛ وأما عند الغنيمة فأشحّ قوم وأسوأ مقاسمة، وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذله للحق. (أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ)
يعنى الغنيمة (أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا) .
قوله تعالى: (يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا)
يعنى هؤلاء يحسبون الجماعات لم ينصرفوا عن قتالهم، وقد انصرفوا جبنا منهم وفرقا (وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ)
أى يرجعوا إليهم كرّة ثانية (يَوَدُّوا)
من الخوف والجبن (لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ)
أى خارجون إلى البادية (فِي الْأَعْرابِ)
أى معهم (يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ)
أى يسأل بعضهم بعضا عن أخباركم، وما آل إليه أمركم (وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا)
يعنى رياء من غير حسبة، ولو كان ذلك القليل لله تعالى لكان كثيرا.
(17/184)

ثم قال تعالى مشيرا إلى المؤمنين: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً. وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً)
قال:
قوله: (أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) *
أى سنّة صالحة، [أن «1» ] تنصروه وتؤازروه، ولا تتخلّفوا عنه، ولا ترغبوا بأنفسكم عن نفسه وعن مكان نصرته كما فعل هو، إذ كسرت رباعيته وجرح، وقتل عمّه حمزة، وأوذى بضروب الأذى، فواساكم مع ذلك بنفسه، فافعلوا أنتم أيضا كذلك، واستنّوا «2» بسنّته (لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)
أى فى الرخاء والبلاء، ثم ذكر المؤمنين بوعود الله تعالى، فقال: (وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ)
الآية، قال: ووعد الله إيّاهم قوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) .
قوله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)
قال: قوله: «صدقوا» أى وفوا به.
(فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ)
يعنى فرغ من نذره ووفى بعهده وصبر على الجهاد حتى استشهد. والنحب: النذر، والنحب أيضا: الموت، قال ذو الرمّة:
عشيّة فرّ الحارثيّون بعد ما ... قضى نحبه فى ملتقى القوم هوبر «3»
(17/185)

أى مات، قال مقاتل: قضى نحبه، أى أجله، فقتل على الوفاء، يعنى حمزة وأصحابه الذين استشهدوا بأحد، رضوان الله عليهم. وقيل: قضى نحبه، أى بذل جهده فى الوفاء بعهده، من قول العرب: نحب فلان فى سيره يومه وليلته؛ إذ مدّ فلم ينزل، قال جرير:
بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا ... عشيّة بسطام جرين على نحب «1»
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ)
قال ابن إسحاق: ينتظر ما وعد الله به من نصره، والشهادة على [ما «2» ] مضى عليه أصحابه. (وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)
أى ما شكّوا وما تردّوا فى دينهم، وما استبدلوا به غيره.
ثم قال تعالى: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً. وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً)
يعنى قريشا وغطفان (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ)
أى بالملائكة والريح (وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً)
، وبيده الفضل والمنة.
ذكر غزوة بنى قريظة
غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى ذى القعدة سنة خمس من مهاجره.
وقال ابن إسحاق: فى شوّال منها.
قال محمد بن إسحاق، ومحمد بن سعد، دخل حديث بعضهما فى بعض، قالا:
لما انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الخندق إلى المدينة هو والمسلمون،
(17/186)

ووضعوا السلاح، فلما كانت الظهر أتى جبريل- عليه السلام- النبىّ صلّى الله عليه وسلّم معتجرا «1» بعمامة من إستبرق، على بغلة عليها رحالة «2» عليها قطيفة من ديباج، فقال:
أو قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم؛ قال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت إلا من طلب القوم: إن الله عز وجل يأمرك يا محمد بالمسير «3» إلى بنى قريظة، فإنى عامد إليهم فمزلزل بهم. فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلالا فأذّن فى الناس: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأمركم ألّا تصلّوا العصر إلّا فى بنى قريظة. واستعمل على المدينة ابن أمّ مكتوم، ودعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّا، فأعطاه لواءه، وقدّمه إلى بنى قريظة، فسار [علىّ «4» ] حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فرجع حتى لقى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالطريق، فقال: يا رسول الله، لا عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخابث؛ قال: أظنّك سمعت منهم لى أذى؛ قال: نعم يا رسول الله؛ قال: لو رأونى لم يقولوا من ذلك شيئا. فلما دنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من حصونهم قال لهم: يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟
قالوا: يا أبا القاسم، ما كنت جهولا. ثم نزل صلّى الله عليه وسلّم على بئر من آبار بنى قريظة من ناحية أموالهم يقال لها: بئر أنّا؛ ويقال: بئر أنّى «5» ؛ وتلاحق به الناس، فأتى رجال من بعد العشاء «6» الآخرة لم يصلّوا العصر لقول رسول الله صلّى الله عليه
(17/187)

وسلّم. لا يصلّين أحد العصر إلا ببنى قريظة. فشغلهم ما لم يكن منه بدّ فى حربهم وأبوا أن يصلّوا لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى يأتوا بنى قريظة، فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة، وتخوّف ناس فوت الصلاة فصلّوا، فما عنّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحدا من الفريقين، ولا عابهم الله تعالى فى كتابه.
قال: وسار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليهم فى المسلمين، وهم ثلاثة آلاف والخيل ستة وثلاثون فرسا، فحاصرهم خمسة عشر يوما. قاله ابن سعد.
وقال ابن إسحاق: خمسا وعشرين ليلة أشد حصار حتى جهدهم الحصار، وقذف الله فى قلوبهم الرعب. وكان حيىّ بن أخطب دخل مع بنى قريظة فى حصنهم، حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد، فلما أيقنوا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، قال كعب بن أسد لهم:
يا معشر يهود، قد نزل بكم ما ترون، وإنى عارض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا أيّها شئتم، قالوا: وما هى؟ قال: نتابع هذا الرجل [و «1» ] نصدّقه، وفو الله لقد تبين لكم أنه نبىّ مرسل، وأنه الذى تجدونه فى كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم؛ قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره؛ قال: فإذا أبيتم هذه فهلمّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف، لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبينه، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمرى لنجدنّ النساء والأبناء؛ قالوا:
نقتل هؤلاء المساكين! فما خير العيش «2» بعدهم؟ قال: فإذا أبيتم علىّ هذه فإن الليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها، فانزلوا لعلّنا نصيب من محمد وأصحابه غرّة؛ قالوا: تفسد علينا سبتنا، وتحدث فيه ما لم يحدث
(17/188)

من كان قبلنا إلا من قد علمت، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ؛ قال: ما بات منكم رجل منذ ولدته أمّه ليلة [واحدة «1» ] من الدهر حازما. ثم بعثوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن ابعث إلينا أبا لبابة «2» بن عبد المنذر لنستشيره فى أمرنا؛ فأرسله إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال، وجهش «3» إليه النساء والصبيان يبكون فى وجهه، فرقّ لهم وقالوا له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم. وأشار بيده إلى حلقه، أى إنه الذبح، قال أبو لبابة: فو الله ما زلّت «4» قدماى من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله. ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى ارتبط فى المسجد إلى عمود من عمده، وقال:
لا أبرح مكانى هذا حتى يتوب الله علىّ. قال: فلما بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خبره وكان قد استبطأه قال: أما لو كان جاءنى لأستغفرت له، فأما إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذى أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه. فأنزل الله تعالى فيه: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
. قالت أم سلمة رضى الله عنها: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من السّحر وهو يضحك، فقلت: ممّ تضحك أضحك الله سنك يا رسول الله؟.
قال: تيب على أبى لبابة. قالت: فقلت: أفلا أبّشره يا رسول الله؟ قال:
بلى، إن شئت. فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يضرب عليهنّ الحجاب، فقالت: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك. قالت: فثار الناس إليه ليطلقوه فقال: لا والله، حتى يكون رسول الله هو الذى يطلقنى بيده؛ فلما مرّ عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه.
(17/189)

قال ابن هشام: أقام أبو لبابة مرتبطا فى الجذع ستّ ليال، تأتيه امرأته فى كلّ وقت صلاة، فتحلّه للصلاة، ثم تعود فتربطه.
هذا ما كان من أمر أبى لبابة؛ وأما يهود فإن ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد «1» بن عبيد، وهم نفر من هدل، قال ابن إسحاق: ليسوا من بنى قريظة ولا النضير، نسبهم فوق ذلك، هم بنو عم القوم، أسلموا فى الليلة التى نزل بنو قريظة فى صبيحتها على حكم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وخرج تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظىّ فمرّ بحرس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعليه محمد بن مسلمة، فلما رآه قال: من هذا؟ قال: أنا عمرو بن سعدى- وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بنى قريظة فى غدرهم برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال: لا أغدر بمحمد أبدا- فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمنى عثرات «2» الكرام؛ ثم خلّى سبيله، فخرج على وجهه، فلم يدر أين توجّه من الأرض إلى آخر الدهر، فذكر ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: ذاك رجل نجّاه الله بوفائه؛ ومنهم من يزعم أنه أوثق. والله أعلم.
ذكر نزول بنى قريظة على حكم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وسؤال الأوس فيهم؛ وتحكيم سعد بن معاذ وحكمه فيهم بحكم الله تعالى وقتلهم
قال: ولما أصبح بنو قريظة نزلوا على حكم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فتواثبت الأوس، فقالوا: يا رسول الله، إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت
(17/190)

فى موالى إخواننا بالأمس ما قد علمت. يعنون بنى قينقاع لما أطلقهم «1» صلّى الله عليه وسلّم لعبد الله بن أبىّ بن سلول «2» ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى؛ قال: فذاك سعد بن معاذ. وكان سعد فى مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فى خيمة لامرأة من أسلم يقال لها: رفيدة، كانت تداوى الجرحى محتسبة، فأتاه قومه فحملوه على حمار، ووطّئوا له بوسادة من أدم، ثم أتوا به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهم يقولون له: يا أبا عمرو، أحسن فى مواليك، فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إنما ولّاك «3» ذلك لتحسن فيهم؛ فلما أكثروا عليه قال: لقد أنى لسعد ألا تأخذه فى الله لومة لائم. فرجع بعض من كان معه [من قومه «4» ] إلى دار بنى عبد الأشهل، فنعى لهم رجال بنى قريظة قبل أن يصل إليهم سعد، لكلمته التى سمع منه، فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «قوموا إلى سيّدكم» . فأما المهاجرون من قريش فيقولون:
إنما أراد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأنصار؛ والأنصار يقولون: قد عمّ بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد ولّاك أمر مواليك لتحكم فيهم؛ فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، أنّ الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم؛ قال: وعلى من هاهنا؟
فى الناحية التى فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو معرض عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إجلالا له، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: نعم؛ قال سعد:
فإنى أحكم فيهم أن نقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذرارىّ «5» والنساء. فقال
(17/191)

له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة «1» أرقعة.
أى من فوق سبع سموات، ويقال: إن اليهود سألوا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ.
والله تعالى أعلم.
قال: ثم انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة يوم الخميس لسبع خلون من ذى الحجة، وأمر بهم فأدخلوا «2» المدينة، فحبسهم فى دار بنت الحارث امرأة من بنى النجار، ثم خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى سوق المدينة، فحفر بها خنادق، وجلس هو وأصحابه وبعث إليهم فأخرجوا إليه أرسالا «3» ، فضربت أعناقهم، وفيهم حيىّ بن أخطب، وكعب بن أسد، واختلف فى عددهم فقيل: كانوا ستمائة أو سبعمائة. وقيل: بين الثمانمائة والتسعمائة؛ قال: وقالوا لكعب بن أسد، وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أرسالا:
يا كعب، ما تراه يصنع بنا؟ قال: أفى كل موطن لا تعقلون؟ ألا ترون الداعى لا ينزع، وأنه من ذهب [به «4» ] منكم لا يرجع؟ هو والله القتل! قال: وأتى بحيىّ ابن أخطب، وعليه حلّة [له «5» ] فقّاحية «6» قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة، لئلا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل. فلما نظر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: أما والله ما لمت نفسى فى عداوتك، ولكن من يخذل الله يخذل، ثم أقبل
(17/192)

على الناس فقال: أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبت على بنى إسرائيل. ثم جلس فضربت عنقه، فقال جبل بن جوّال الثعلبىّ:
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكنه من يخذل الله يخذل
لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها ... وقلقل «1» يبغى العزّ كلّ مقلقل
وروى محمد بن إسحاق بسند يرفعه إلى عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها أنها قالت:
لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة. قالت: والله إنها لعندى تحدّث معى، وتضحك ظهرا وبطنا، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقتل رجالها فى السوق، إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا والله؛ قلت لها: ويلك! مالك؟ قالت: أقتل؛ قلت: ولم؟ قالت: لحدث أحدثته؛ قالت: فانطلق بها، فضربت «2» عنقها، فكانت عائشة تقول: والله ما أنسى عجبا منها، طيب نفسها، وكثرة ضحكها، وقد عرفت أنها تقتل. قال الواقدىّ: واسم تلك المرأة: بنانة «3» امرأة الحكم القرظىّ؛ وكانت قتلت خلّاد بن سويد، طرحت عليه رحىّ، فضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عنقها بخلاد بن سويد. قال: وكان علىّ بن أبى طالب والزبير بن العوّام رضى الله عنهما يضربان أعناق بنى قريظة، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالس هناك.
وروى محمد بن إسحاق عن الزهرى أن الزّبير بن باطا القرظىّ، وكان يكنى أبا عبد الرحمن- وكان قد منّ على ثابت بن قيس بن شمّاس فى الجاهليّة [يوم بعاث «4» ] أخذه فجزّ ناصيته ثم خلّى سبيله- فجاءه «5» ثابت يوم قريظة، وهو شيخ كبير فقال:
(17/193)

يا أبا عبد الرحمن، هل تعرفنى؟ فقال: وهل يجهل مثلى مثلك؛ قال: إنى قد آن أن أجزيك بيدك عندى؛ قال: إنّ الكريم يجزى الكريم؛ ثم أتى ثابت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، قد كانت للزبير عندى يد، وله علىّ منّة، وقد أحببت أن أجزيه بها، فهب لى دمه؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هو لك؛ فأتاه فقال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد وهب لى دمك؛ قال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد، فما يصنع بالحياة؟ فأتى ثابت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، أهله وولده؛ قال: هم لك. فأتاه فقال:
إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أعطانى امرأتك وولدك، فهم لك؛ قال:
أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، ما له؛ فقال: هو لك؛ فأتاه فقال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أعطانى مالك فهو لك؛ قال: أى ثابت، ما فعل الذى كأنّ وجهه مرآة صينية يتراءى فيه «1» عذارى الحىّ، كعب بن أسد؟ قال: قتل؛ قال: فما فعل سيّد الحاضر والبادى حيىّ بن أخطب؟ قال: قتل؛ قال: فما فعل مقدّمتنا إذا شددنا، وحاميتنا إذا كررنا «2» ، عزّال بن سموءل «3» ؟ قال: قتل؛ قال: فما فعل المجلسان؟ يعنى بنى كعب بن قريظة، وبنى عمرو بن قريظة؛ قال: ذهبوا وقتلوا؛ قال: فإنى أسألك بيدى عندك «4» يا ثابت إلا ألحقتنى بالقوم، فو الله ما فى العيش
(17/194)

بعد هؤلاء من خير، وما أنا بصابر لله قبلة «1» دلو ناضح حتى ألقى الأحبّة. فقدّمه ثابت فضرب عنقه. فلما بلغ أبا بكر الصديق قوله «ألقى الأحبة» قال: يلقاهم والله فى نار جهنم خالدا فيها مخلدا أبدا.
وفى هذه الواقعة يقول ثابت بن قيس:
وفت ذمّتى أنّى كريم وأننى ... صبور إذا ما القوم حادوا «2» عن الصبر
وكان زبير أعظم الناس منّة ... علىّ فلمّا شدّ كوعاه «3» بالأسر
أتيت رسول الله كيما أفكّه ... وكان رسول الله بحرا لنا يجرى
قالوا: وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أمر بقتل من أنبت منهم؛ فسألته سلمى بنت قيس بن المنذر أخت سليط بن قيس- وكانت إحدى خالات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكانت قد صلّت معه القبلتين، وبايعته بيعة النساء- على رفاعة بن سموءل القرظىّ، وكان رجلا قد بلغ، فلاذ بها، وكان يعرفها، فقالت: يا نبى الله، بأبى أنت وأمّى، هب لى رفاعة بن سموءل، فإنه قد زعم أنه سيصلى ويأكل لحم الجمل. فوهبه لها، فاستحيته.
قال: ثم أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالغنائم فجمعت، فاصطفى لنفسه ريحانة بنت عمرو بن خناقة إحدى نساء عمرو بن قريظة، ثم أخرج الخمس من
(17/195)

المتاع والسبى، ثم أمر بالباقى فبيع فيمن يزيد وقسمه بين المسلمين، وكانت السّهمان على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهما، للفرس سهمان، ولصاحبه سهم، وصار الخمس إلى محمية «1» بن جزء الزبيدى، فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعتق منه، ويهب، ويخدم منه من أراد، وكذلك صنع بما صار إليه من الرّثّة، وهى السّقط من متاع البيت.
وقال محمد بن إسحاق: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سعد بن زيد الأنصارىّ أحد بنى عبد الأشهل بسبايا من سبايا بنى قريظة إلى نجد، فابتاع له بهم خيلا وسلاحا.
واستشهد يوم بنى قريظة من المسلمين: خلّاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو الأنصارى الخزرجى، طرحت عليه رحى فشدخته شدخا شديدا، ومات أبو سنان ابن محصن بن حرثان، أخو بنى أسد بن خزيمة.
وأنزل الله عزّ وجل فى شأن بنى قريظة قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً)
قال قوله: (الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ)
يعنى قريظة ظاهروا قريشا وغطفان (مِنْ صَياصِيهِمْ
أى حصونهم ومعاقلهم، واحدتها صيصية (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ
وهم الرجال (وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً)
وهم النساء والذرارىّ (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها)
قال يزيد بن رومان [وابن «2» ]
(17/196)

زيد ومقاتل: يعنى خيبر. وقال قتادة: كنا نحدث أنها مكة. وقال الحسن:
فارس والروم. وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة. والله تعالى أعلم.
ذكر سرية عبد الله بن عتيك إلى أبى رافع سلّام ابن أبى الحقيق النضرىّ بخيبر
قال محمد بن سعد فى طبقاته: كانت فى شهر رمضان سنة ستّ من مهاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وقال ابن إسحاق: كانت هذه السريّة بعد غزوة بنى قريظة. فتكون فى ذى الحجة سنة خمس من الهجرة، وهو الصحيح إن شاء الله، ويدلّ عليه أن محمد بن سعد لما ذكر عبد الله بن عتيك فى الطبقات قال فى ترجمته: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعثه فى ذى الحجة سنة خمس إلى أبى رافع سلّام بن أبى الحقيق بخيبر.
قال محمد بن إسحاق: لما أصابت الأوس كعب بن الأشراف قالت الخزرج:
والله لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا. فتذاكروا: من رجل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى العداوة كابن الأشرف؟ فذكروا ابن أبى الحقيق، فاستأذنوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى قتله، فأذن لهم، فخرج إليه من الخزرج خمسة نفر، وهم: عبد الله ابن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعى، وخزاعىّ «1» بن أسود، حليف لهم من أسلم.
قالوا «2» : وكان أبو رافع بن أبى الحقيق قد أجلب فى غطفان ومن حوله من مشركى العرب، وجعل لهم الجعل العظيم لحرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم،
(17/197)

فأمّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليهم عبد الله بن عتيك، ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة، فخرجوا حتى قدموا خيبر فكمنوا، فلما هدأت الرّجل جاءوا إلى منزله فصعدوا درجة له، وقدّموا عبد الله بن عتيك لأنه كان يرطن باليهوديّة، فاستفتح وقال: جئت أبا رافع بهديّة. ففتحت له امرأته، فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح، فأشار إليها بالسيف فسكتت، فدخلوا عليه فعلوه بأسيافهم «1» ، قال ابن أنيس: وكنت رجلا أعشى لا أبصر، فاتكأت بسيفى على بطنه حتى سمعت خشّة فى الفراش، وعرفت أنه [قد «2» ] قضى، وجعل القوم يضربونه جميعا، ثم نزلوا وصاحت امرأته، فتصايح أهل الدار. قال ابن إسحاق: وكان عبد الله بن [عتيك «3» ] سيئ البصر، فوقع من الدرجة فوثئت «4» يده وثئا شديدا، قال ابن هشام: ويقال:
رجله؛ قالوا: فحملناه حتى أتينا منهرا من عيونهم- والمناهر؛ واحدتها منهرة، وهو فضاء يكون بين أفنية القوم يلقون فيها كناستهم- فدخلنا فيه.
قال محمد بن سعد: وخرج الحارث أبو زينب فى ثلاثة آلاف فى آثارهم يطلبونهم بالنيران، فلم يروهم، فرجعوا، ومكث القوم فى مكانهم يومين حتى سكن الطلب. قال ابن إسحاق: فقلنا: فكيف لنا أن نعلم بأن عدوّ الله قد مات؟ فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم. فانطلق حتى دخل فى الناس، فوجده ورجال من يهود حوله، وامرأته فى يدها مصباح تنظر فى وجهه وتحدّثهم وتقول: أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك، ثم أكذبت [نفسى «5» ] وقلت: ابن عتيك بهذه البلاد!
(17/198)

ثم أقبلت تنظر فى وجهه وتقول «1» : فاظ «2» وإله يهود. قال: فما سمعت كلمة كانت ألذّ فى نفسى منها؛ وجاءنا فأخبرهم بالخبر، قالوا: فاحتملنا صاحبنا، وقدمنا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأخبرناه بقتل عدوّ الله، واختلفنا عنده فى قتله، كلنا يدّعيه، فقال: هاتوا أسيافكم. فجئناه بها، فنظر إليها، فقال لسيف عبد الله ابن أنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام.
قال الشيخ شرف الدين [عبد المؤمن «3» ] بن خلف الدّمياطى رحمه الله فى سيرته:
وفى حديث آخر أن الذى قتله عبد الله بن عتيك وحده، قال: وهو الصواب.
والله أعلم.
وقال حسان بن ثابت الأنصارىّ فى قتل سلام بن أبى الحقيق وابن الأشرف:
لله درّ عصابة لاقيتهم ... يابن الحقيق وأنت يا بن الأشرف
يسرون بالبيض الخفاف إليكم ... مرحا كأسد فى عرين مغرف «4»
حتى أتوكم فى محلّ دياركم ... فسقوكم حتفا ببيض ذفّف «5»
مستنصرين «6» لنصر دين نبيّهم ... مستصغرين لكلّ أمر مجحف «7»
(17/199)

ذكر سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء، وهم بنو قرط وقريط من بنى كلاب
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعشر خلون من المحرم، على رأس تسعة وخمسين شهرا من مهاجره فى ثلاثين راكبا إلى القرطاء «1» ، وهم ينزلون بناحية ضرية «2» وبين ضريّة والمدينة سبع ليال، فقتل نفرا منهم، وهرب سائرهم، واستاق نعما وشاء، ولم يعرض للظّعن، وانحدر إلى المدينة، فخمس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما جاء به، وفضّ ما بقى على أصحابه، فعدلوا الجزور بعشرين من الغنم، وكانت النعم مائة وخمسين بعيرا، والغنم ثلاثة آلاف شاة. وغاب سبع عشرة ليلة، وقدم لليلة بقيت من المحرّم.
ذكر غزوة بنى لحيان بناحية عسفان «3»
غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شهر ربيع الأوّل سنة ست من مهاجره على ما أورده محمد بن سعد. وقال محمد بن إسحاق: فى جمادى الأولى سنة ست.
وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجد على عاصم بن ثابت وأصحابه- أصحاب الرّجيع- وجدا شديدا، فأظهر أنه يريد الشام.
قال ابن سعد: وعسكر لغرّة هلال شهر ربيع الأوّل فى مائتى رجل، معهم عشرون فرسا، واستخلف على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم، ثم أسرع المسير حتى انتهى إلى بطن غران، وبينها وبين عسفان خمسة أميال، حيث كان مصاب.
(17/200)

أصحابه، فترحّم عليهم ودعا لهم، فسمعت [بهم «1» ] بنو لحيان، فهربوا «2» في رءوس الجبال فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يوما أو يومين، فبعث السرايا فى كلّ ناحية، فلم يقدروا على أحد، ثم خرج حتى أتى عسفان، ثم انصرف صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة، وهو يقول: «آيبون تائبون عابدون، لربّنا حامدون، أعوذ بالله من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر فى الأهل والمال» . وغاب عن المدينة أربع عشرة ليلة.
ذكر غزوة الغابة، وهى غزوة ذى «3» قرد وهى على بريد من المدينة فى طريق الشام
غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شهر ربيع الأوّل سنة ست من مهاجره.
قالوا: كان لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم عشرون لقحة «4» ترعى بالغابة، وكان أبو ذرّ فيها، فأغار عيينة بن حصن ليلة الأربعاء فى أربعين فارسا فاستاقوها وقتلوا ابن أبى ذرّ.
وقال محمد بن إسحاق: وكان فيهم رجل من غفار وامرأة [له «5» ] ، فقتلوا الرجل وحملوا المرأة [فى اللقاح «6» ] . وجاء الصّريخ، فنودى: الفزع الفزع! فنودى:
(17/201)

«يا خيل الله اركبى» ؛ وكان أوّل ما نودى بها؛ وركب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فخرج غداة الأربعاء، فكان أوّل من أقدم المقداد بن عمرو، وعليه الدرع والمغفر شاهرا سيفه، فعقد له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لواء فى رمحه، وقال: امض حتى تلحقك الخيول، وأنا على أثرك. واستخلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وخلّف سعد بن عبادة فى ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة. قال المقداد: فخرجت فأدركت أخريات العدوّ، وقد قتل أبو قتادة الحارث بن ربعىّ حبيب بن عيينة بن حصن، وغشّاه برده، فلما أقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والناس، فرأوا حبيبا مسجّى «1» ببرد أبى قتادة [فاسترجع «2» الناس، وقالوا: قتل أبو قتادة؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ليس بأبى قتادة] ، ولكنه قتيل لأبى قتادة وضع عليه برده، لتعرفوا أنه صاحبه.
وقال ابن سعد: إن الذى قتل حبيبا هو المقداد بن عمرو، قتله وقتل قرفة «3» بن مالك بن حذيفة بن بدر؛ وإن أبا قتادة قتل مسعدة، فأعطاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرسه وسلاحه، وأدرك عكاشة بن محصن أوبارا «4» وابنه عمرو بن أوبار، وهما على بعير واحد، فقتلهما. واستشهد من المسلمين يومئذ محرز بن نضلة، قتله مسعدة، وأدرك سلمة «5» بن الأكوع القوم وهو على رجليه، فجعل يراميهم بالنبل ويقول:
خذها وانا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرّضّع «6»
(17/202)

حتى انتهى إلى ذى قرد- وهى ناحية خيبر ممّا يلى المستناخ- قال سلمة: فلحقنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والناس والخيول عشاء، فقلت: يا رسول الله، إن القوم عطاش، فلو بعثتنى فى مائة رجل استنقذت ما فى أيديهم من السرح «1» ، وأخذت بأعناق القوم. فقال النبىّ صلّى الله عليه وسلّم: «ملكت فأسجح «2» » ؛ ثم قال: «إنهم الآن ليقرون «3» في غطفان» . وذهب الصريخ إلى بنى عمرو بن عوف، فجاءت الأمداد فلم تزل الخيل تأتى والرجال على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بذى قرد، فاستنفذوا عشر لقاح، وأفلت القوم بما بقى، وهى عشرة، وصلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بذى قرد صلاة الخوف، وأقام يوما وليلة يتحسّس الخبر، وقسم فى كلّ مائة من أصحابه جزورا ينحرونها، وكانوا خمسمائة، وقيل: سبعمائة.
ذكر سرية عكاشة بن محصن الأسدىّ إلى الغمر غمر «4» مرزوق، وهو ماء لبنى أسد على ليلتين من فيد
قالوا: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عكاشة بن محصن إلى الغمر فى أربعين رجلا، فخرج سريعا، فنذر «5» به القوم فهربوا، فنزلوا عليا بلادهم، ووجدوا دارهم خلوفا «6» ، فبعث عكاشة شجاع بن وهب طليعة، فرأى أثر النعم، فتحمّلوا فأصابوا ربيئة «7»
(17/203)

لهم، فأمّنوه، فدلّهم على نعم لبنى عمّ له، فأغاروا عليها فاستاقوا مائتى بعير، وأرسلوا الرجل، وحدروا «1» النعم إلى المدينة، وقدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولم يلقوا كيدا.
ذكر سرية محمد بن مسلمة إلى بنى ثعلبة بذى القصّة
قالوا: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم محمد بن مسلمة إلى بنى ثعلبة، وهم بذى القصّة فى شهر ربيع الآخر سنة ستّ من مهاجره، وبين ذى القصة وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا، طريق الرّبذة، بعثه فى عشرة نفر فوردوا عليهم [ليلا «2» ] فأحدق به القوم وهم مائة رجل، فتراموا ساعة من الليل، ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح فقتلوهم، ووقع محمد بن مسلمة جريحا، يضرب كعبه فلا يتحرك، وجردوهم من الثياب، ومر رجل من المسلمين بمحمد بن مسلمة فحمله حتى ورد به المدينة، فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبا عبيدة بن الجرّاح فى أربعين رجلا إلى مصارع القوم فلم يجدوا أحدا، ووجدوا نعما وشاء، فساقه ورجع.
ذكر سرية أبى عبيدة بن الجرّاح إلى ذى القصّة
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شهر ربيع الآخر سنة ستّ من مهاجره فى أربعين رجلا من المسلمين، وسبب ذلك أن بلاد بنى ثعلبة وأنمار أجدبت، ووقعت سحابة بالمراض إلى تغلمين، والمراض على ستة وثلاثين ميلا من المدينة، فسارت بنو محارب وثعلبة وأنمار إلى تلك السحابة، واجتمعوا أن يغيروا على سرح المدينة وهو يرعى بهيفا- موضع على سبعة أميال من المدينة- فبعث رسول الله
(17/204)

صلّى الله عليه وسلّم أبا عبيدة ومن معه حين صلّوا المغرب، فمشوا ليلتهم حتى وافوا ذا القصّة مع عماية «1» الصبح- وهى «2» موضع فى طريق العراق- فأغاروا عليهم فأعجزوهم هربا فى الجبال، وأصاب رجلا واحدا فأسلم فتركه، وأخذ نعما من نعمهم فاستاقه ورثة «3» من متاعهم. وقدم المدينة بذلك، فخمسه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقسم ما بقى عليهم.
ذكر سرية زيد بن حارثة إلى بنى سليم بالجموم
قالوا: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زيد بن حارثة فى شهر ربيع الآخر سنة ست من الهجرة إلى بنى سليم، فسار هو ومن معه حتى ورد الجموم- ناحية بطن نخل عن يسارها، وبطن نخل من المدينة على أربعة برد- فأصابوا عليه امرأة من مزينة يقال لها: حليمة؛ فدلّتهم على محلّة من محالّ بنى سليم، فأصابوا فيها نعما وشاء وأسرى، فكان فيهم زوج حليمة المزنيّة، فلما قفل زيد بن حارثة بما أصاب وهب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للمزنيّة نفسها وزوجها، فقال بلال ابن الحارث المزنىّ فى ذلك:
لعمرك ما أخنى «4» المسول ولا ونت «5» ... حليمة حتى راح ركبهما معا
(17/205)

ذكر سرية زيد بن حارثة إلى العيص لعير قريش
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى جمادى الأولى سنة ستّ من مهاجره فى سبعين ومائة راكب إلى العيص- وبينها وبين المدينة أربع ليال، وبينها وبين ذى المروة ليلة- وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلغه أن عيرا لقريش قد أقبلت من الشام، فبعثه ومن معه ليتعرض لها، فأخذوها وما فيها، وأخذ يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية، وأسروا ناسا ممّن كان فى العير، منهم أبو العاص بن الربيع، وقدم بهم المدينة، فاستجار أبو العاص بزينب بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأجارته، ونادت فى الناس حين صلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الفجر: إنى قد أجرت أبا العاص. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: [ما علمت «1» بشىء من هذا] قد أجرنا من أجرت. ورد عليه ما أخذ «2» له كما تقدّم.
ذكر سرية زيد بن حارثة إلى الطّرف إلى بنى ثعلبة
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى جمادى الآخرة سنة ستّ من مهاجره إلى الطّرف- وهو ماء قريب من المراض، دون النّخيل، على ستة وثلاثين ميلا من المدينة، طريق البقرة على المحجّة- فخرج إلى بنى ثعلبة فى خمسة عشر رجلا فأصاب نعما وشاء، وهربت الأعراب، وصبّح زيد بالنّعم المدينة، وهى عشرون بعيرا، ولم يلق كيدا، وغاب أربع ليال، وكان شعارهم «أمت أمت» .
(17/206)

ذكر سرية زيد بن حارثة إلى حسمى، وهى وراء وادى القرى
قالوا: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زيد بن حارثة إلى حسمى فى جمادى الآخرة أيضا، وذلك أن دحية بن خليفة الكلبى أقبل من عند قيصر صاحب الروم حين بعثه إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكتابه، وقد أجازه «1» وكساه، ومع دحية تجارة له، حتى إذا كان بواد يقال له: شنار أو شنان «2» ؛ أغار عليه الهنيد بن عارض، وقيل: [ابن «3» عوص؛ وابنه عارض بن الهنيد، وقيل:] عوص ابن الهنيد؛ الضّلعيّان «4» فى ناس من جذام بحسمى، فقطعوا عليه الطريق وأخذوا ما معه، فلم يتركوا عليه إلا سمل «5» ثوب، فسمع بذلك نفر من بنى الضّبيب-[رهط «6» رفاعة بن زيد ممن كان أسلم وأجاب- فنفروا إلى الهنيد وابنه، وفيهم من بنى الضّبيب] النعمان بن أبى جعال حتى لقوهم فاقتتلوا، وانتمى يومئذ قرّة بن أشقر الضّفارىّ «7» ثم الضّلعىّ، فقال: أنا ابن لبنى؛ ورمى النعمان بسهم فأصاب ركبته، وقال: خذها وأنا ابن لبنى؛ ولبنى أمّه، ثم استنقذوا لدحية متاعه، وقدم دحية على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره بذلك، فبعث زيد بن حارثة فى خمسمائة رجل وردّ معه دحية، فكان زيد يسير الليل ويكمن النهار ومعه دليل من بنى عذرة، فأقبل بهم حتى هجم بهم مع الصبح على القوم، فأغاروا عليهم، فقتلوا فيهم فأوجعوا، وقتلوا الهنيد
(17/207)

وابنه، وأغاروا على ماشيتهم ونعمهم ونسائهم، فأخذوا ألف بعير وخمسة آلاف شاة ومن النساء والصبيان مائة، فرحل رفاعة «1» بن زيد الجذامى فى نفر من قومه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فدفع إليه كتابه الذى كان كتب له ولقومه ليالى قدم عليه فأسلم، وقال: يا رسول الله، لا تحرّم علينا حلالا ولا تحلّ لنا حراما.
فقال: كيف أصنع بالقتلى؟ فقال أبو يزيد بن عمرو: يا رسول الله، أطلق لنا من كان حيّا، ومن قتل فهو تحت قدمىّ هاتين. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: صدق أبو يزيد؛ فبعث معهم عليّا إلى زيد بن حارثة يأمره أن يخلّى بينهم وبين حرمهم وأموالهم، فتوجّه علىّ رضى الله عنه، فلقى رافع بن مكيث الجهنى بشير زيد بن حارثة على ناقة من إبل القوم، فردها علىّ عليهم، ولقى زيدا بالفحلتين «2» - وهى بين المدينة وذى المروة- فأبلغه [أمر «3» ] رسول «4» الله صلّى الله عليه وسلّم، فرد عليهم كلّ ما كان أخذ منهم.
ذكر سرية زيد بن حارثة إلى وادى «5» القرى
قال محمد بن سعد فى طبقاته الكبرى: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زيد ابن حارثة إلى وادى القرى أميرا فى شهر رجب سنة ست من الهجرة. ولم يذكر غير ذلك.
(17/208)

ذكر سريّة عبد الرحمن بن عوف إلى دومة «1» الجندل
قال محمد بن سعد رحمه الله: دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه فى شعبان سنة ست من مهاجره، فأقعده بين يديه وعمّه بيده وقال: اغز بسم الله، وقاتل «2» في سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، لا تغلّ «3» ولا تغدر، ولا تقتل وليدا. وبعثه إلى كلب «4» بدومة الجندل، وقال: إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم. فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل، فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبىّ، وكان نصرانيا وهو رأسهم، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام منهم على إعطاء الجزية، وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ وقدم بها المدينة، وهى أم أبى سلمة «5» بن عبد الرحمن.
ذكر سرية على بن أبى طالب رضى الله عنه إلى بنى سعد بن بكر بفدك
قالوا: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على بن أبى طالب رضى الله عنه فى شعبان سنة ست من الهجرة إلى بنى سعد بن بكر بفدك فى مائة رجل، وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلغه أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر، فسار على رضى الله عنه بمن معه، فكان يسير الليل ويكمن النهار حتى انتهى
(17/209)

إلى الهمج «1» - وهو ماء بين خيبر وفدك، وبين فدك والمدينة ست ليال- فوجدوا به رجلا فسألوه عن القوم فقال: أخبركم على أن تؤمّنونى؟ فأمّنوه فدلّهم، فأغاروا عليهم فأخذوا خمسمائة بعير وألفى شاة، وهربت بنو سعد بالظّعن ورأسهم وبربن عليم، فعزل علىّ رضى الله عنه صفىّ «2» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
لقوحا تدعى الحفدة»
، ثم عزل الخمس وقسم الغنائم على أصحابه، وقدم المدينة ولم يلق كيدا.
ذكر سريّة زيد بن حارثة إلى وادى القرى وقتل أم قرفة
كانت هذه السرية فى شهر رمضان سنة ست من مهاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وذلك أن زيد بن حارثة خرج فى تجارة إلى الشام، ومعه بضائع لأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما كان دون وادى القرى لقيه ناس من فزارة من بنى بدر، فضربوه وضربوا أصحابه وأخذوا ما كان معهم، ثم استبلّ «4» زيد بن حارثة، وقدم على النبى صلّى الله عليه وسلّم، فبعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليهم. حكاه محمد بن سعد فى طبقاته.
وقال محمد بن إسحاق: إن الذى أصاب زيد بن حارثة كان عند غزوة وادى القرى، فإنه أصيب بها ناس من أصحابه، وارتثّ «5» زيد من بين القتلى، ولعل هذه السرية هى التى كانت فى شهر رجب من السنة.
(17/210)

قال ابن سعد: فخرج زيد بن حارثة بمن معه فكمنوا النهار وساروا الليل، ونذرت «1» بهم بنو بدر، ثم صبّحهم زيد وأصحابه وكبّروا وأحاطوا بالحاضر «2» ، وأخذوا أم قرفة، وهى فاطمة بنت ربيعة بن بدر، وابنتها جارية بنت مالك بن حذيفة ابن بدر، فكان الذى أخذ الجارية سلمة بن الأكوع، فوهبها لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فوهبها صلّى الله عليه وسلّم لحزن بن أبى وهب، قال: وعمد قيس ابن المحسّر إلى أم قرفة، وهى عجوز كبيرة، فربط بين رجليها حبلا، ثم ربطها بين بعيرين ثم زجرهما فذهبا فقطّعاها «3» ، وقتل النعمان وعبد الله ابنا مسعدة بن حكمة بن مالك ابن بدر، وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك، فقرع باب النبى صلّى الله عليه وسلّم فقام إليه عريانا يجر ثوبه حتى اعتنقه وقبله، وسأله فأخبره بما ظفّره الله به.
ذكر سريّة عبد الله بن رواحة إلى أسير «4» بن رزام «5» اليهودىّ بخيبر
كانت هذه السريّة فى شوال سنة ستّ من مهاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وذلك أنه لما قتل أبو رافع سلّام بن أبى الحقيق كما ذكرنا أمرت يهود عليها أسير بن رزام، فسار فى غطفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فوجه عبد الله بن رواحة فى ثلاثة نفر من المسلمين فى شهر رمضان سرا
(17/211)

فسأل عن خبره وغرّته «1» ، فأخبر بذلك، فقدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره بذلك، فندب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الناس، فانتدب له ثلاثون رجلا، فبعث عليهم عبد الله بن رواحة فقدموا على أسير فقالوا له: نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له؛ قال: نعم، ولى منكم مثل ذلك؛ قالوا: نعم؛ فقالوا له:
إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعثنا إليك لتخرج إليه فيستعملك على خيبر ويحسن إليك. فطمع أسير فى ذلك، فخرج وخرج معه ثلاثون رجلا من اليهود، مع كل رجل رديف «2» من المسلمين، حتى إذا كانوا بقرقرة «3» ثبار ندم أسير، قال عبد الله ابن أنيس- وكان فى السريّة: فأهوى بيده إلى سيفى، ففطنت له ودفعت بعيرى فقلت: غدرا أى عدوّ الله! فعل ذلك مرتين، فنزلت فسبقت القوم حتى انفردت إلى أسير فضربته بالسيف، فأندرت «4» عامة فخذه وساقه، وسقط عن بعيره وبيده مخرش «5» من شوحط «6» ، فضربنى به فشجّنى مأمومة «7» ، وملنا على أصحابه فقتلناهم كلهم غير رجل واحد أعجزنا شدّا، ولم يصب من المسلمين أحد، ثم أقبلنا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحدّثناه الحديث، فقال: قد نجاكم الله من القوم الظالمين.
وتفل صلّى الله عليه وسلّم على شجّة عبد الله بن أنيس فلم تقح ولم تؤذه.
(17/212)

ذكر سريّة كرز بن جابر الفهرى إلى العرنيّين
كانت هذه السرية فى شوّال سنة ست من مهاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قالوا: قدم نفر من عرينة ثمانية على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأسلموا واستوبئوا «1» المدينة، فأمر بهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى لقاحه، وكانت ترعى بذى الجدر- ناحية قباء قريبا من عير، على ستة أميال من المدينة- فكانوا فيها حتى صحّوا وسمنوا، فعدوا على اللقاح فاستاقوها، فأدركهم يسار مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعه نفر، فقاتلهم، فقطعوا يده ورجله وغرزوا الشّوك فى لسانه وعينيه حتى مات، فبلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخبر، فبعث فى أثرهم عشرين فارسا، واستعمل عليهم كرز بن جابر الفهرىّ، فأدركوهم فأحاطوا بهم وأسروهم «2» وربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا بهم المدينة، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالغابة، فخرجوا بهم نحوه، فلقوه بالزّغابة «3» بمجتمع السّيول، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، وصلبوا هنالك. وأنزل الله تعالى على رسوله:
(إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ)
. فلم يسمل بعد ذلك عينا، وكانت اللقاح خمس عشرة لقحة غزارا فردوها إلى المدينة، ففقد منها لقحة تدعى الحناء، فسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عنها، فقيل: نحروها.
(17/213)

ذكر سرية عمرو بن أمية الضّمرىّ وسلمة بن أسلم إلى أبى سفيان بن حرب بمكة
قال محمد بن سعد فى طبقاته: وذلك أن أبا سفيان بن حرب قال لنفر من قريش: ألا أحد يغترّ «1» محمدا فإنه يمشى «2» في الأسواق؟ فأتاه رجل [من «3» الأعراب] فقال: قد وجدت أجمع الرجال قلبا، وأشدّه «4» بطشا، وأسرعه «5» شدّا، فإن أنت قوّيتنى خرجت إليه حتى أغتاله، ومعى خنجر مثل خافية «6» النسر؛ قال: أنت صاحبنا؛ فأعطاه بعيرا ونفقة، وقال: اطو أمرك؛ فخرج ليلا فسار على راحلته خمسا وصبّح ظهر الحرّة صبح سادسة، ثم أقبل فسأل عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى دلّ عليه، فعقل راحلته، ثم أقبل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو فى مسجد بنى عبد الأشهل، فلما رآه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن هذا ليريد غدرا» . فذهب ليجنى على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فجدبه أسيد بن الحضير بداخلة «7» إزاره، فإذا بالخنجر، فسقط «8» في يده، وقال: دمى دمى! وأخذ أسيد بلبّته فذعته «9» ، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اصدقنى، ما أنت؟» قال: وأنا آمن؟
قال: نعم؛ فأخبره بخبره، فخلّى عنه صلّى الله عليه وسلّم.
(17/214)

وبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عمرو بن أمية الضمرىّ، وسلمة بن أسلم ابن أبى «1» حريس إلى أبى سفيان بن حرب، وقال: إن أصبتما منه غرة فاقتلاه؛ فدخلا مكة، ومضى عمرو بن أمية يطوف بالبيت ليلا، فرآه معاوية بن أبى سفيان فعرفه، وأخبر قريشا بمكانه، فخافوه وطلبوه، وكان فاتكا فى الجاهلية، وقالوا: لم يأت عمرو لخير؛ فحشد له أهل مكة وتجمعوا، فهرب عمرو وسلمة، فلقى عمرو عبيد الله ابن مالك بن عبد الله «2» التميمى [فقتله «3» ] وقتل آخرين من بنى الدّيل، سمعه يتغنى ويقول:
ولست بمسلم ما دمت حيّا ... ولست أدين دين المسلمينا
ولقى رسولين لقريش بعثتهما يتحسّسان الخبر، فقتل أحدهما وأسر الآخر، [فقدم «4» به المدينة] فجعل يخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ورسول الله يضحك؛ هكذا حكى محمد بن سعد.
وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام رحمه الله: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث عمرو بن أميّة الضّمرى، ومعه جبّار بن صخر الأنصارىّ، وذلك بعد مقتل خبيب بن عدىّ وأصحابه، قال: فخرجا حتى قدما مكة، وحبسا جمليهما بشعب من شعاب يأجج «5» ، ثم دخلا مكة ليلا، فقال جبّار بن صخر لعمرو:
لو أنا طفنا بالبيت وصلينا ركعتين؛ قال عمرو: فطفنا وصلينا، ثم خرجنا نريد أبا سفيان، فو الله إنا لنمشى بمكة إذ نظر إلىّ رجل فعرفنى، فقال: عمرو بن أمية، والله إن قدمها إلا لشرّ؛ فقلت لصاحبى: النجاء؛ فخرجنا نشتدّ حتى أصعدنا فى جبل، وخرجوا فى طلبنا، حتى إذا علونا الجبل يئسوا منا، فدخلنا كهفا
(17/215)

فى الجبل فبتنا، وقد رضمنا»
دوننا حجارة، فلما أصبحنا غدا رجل من قريش يقود فرسا له، فغشينا ونحن فى الغار، فقلت: إن رآنا صاح بنا فنؤخذ فنقتل؛ قال: فخرجت إليه فضربته على ثدييه «2» بخنجر كنت قد أعددته لأبى سفيان، فصاح صيحة أسمع أهل مكة، ورجعت فدخلت مكانى، وجاءه الناس يشتدّون وهو بآخر رمق، فقالوا: من ضربك؟ قال: عمرو بن أمية. ومات لوقته، ولم يدلّ علينا، فاحتملوه، فقلت لصاحبى لما أمسينا: النجاء؛ فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة، فمررنا بالحرس وهم يحرسون جيفة خبيب، فقال أحدهم: والله ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أمية، لولا أنه بالمدينة لقلت هو عمرو؛ قال: فلما حاذى عمرو الخشبة شدّ عليها واحتملها، وخرجا شدّا، وخرجوا وراءه، حتى أتى جرفا بمهبط مسيل يأجج، فرمى بالخشبة فى الجرف، فغيّبه الله عنهم، فلم يقدروا عليه. قال عمرو: وقلت لصاحبى: النجاء، حتى تأتى بعيرك فتقعد عليه، فإنى سأشغل عنك القوم؛ قال: ومضيت حتى خرجت على ضجنان «3» ، ثم أويت إلى جبل فدخلت كهفا، فبينا أنا فيه إذ دخل علىّ شيخ من بنى الدّيل أعور، فى غنيمة له؛ فقال:
من الرجل؟ قلت: من بنى بكر، فمن «4» أنت؟ قال: من بنى بكر؛ فقلت:
مرحبا؛ فاضطجع، ثم رفع عقيرته فقال:
ولست بمسلم ما دمت حيّا ... ولست أدين دين المسلمينا
(17/216)

فقلت فى نفسى: ستعلم؛ فأمهلته حتى إذا نام أخذت قوسى فجعلت سيتها «1» في عينه الصحيحة، ثم تحاملت عليها حتى بلغت العظم، ثم خرجت حتى جئت العرج «2» ، ثم سلكت ركوبة «3» ، حتى إذا هبطت النّقيع «4» إذا رجلان من قريش من المشركين، كانت قريش بعثتهما عينا إلى المدينة يتحسّسان؛ فقلت: استأسرا؛ فأبيا، فرميت أحدهما بسهم فقتلته، ثم استأسر الآخر فأوثقته رباطا، وقدمت به المدينة.
ولم يذكر أحد منهما تاريخ هذه السريّة، فى أى شهر كانت، فأذكره.
ذكر غزوة الحديبية «5» وما وقع فيها من بيعة الرّضوان ومهادنة قريش وغير ذلك
كانت غزوة الحديبية فى ذى الحجة سنة ست من مهاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
قال محمد بن سعد: استنفر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصحابه إلى العمرة، فأسرعوا وتهيئوا، ولبس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثوبين، وركب راحلته القصواء «6» وخرج، وذلك يوم الاثنين لهلال ذى القعدة، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم. وقال ابن إسحاق: استعمل على المدينة نميلة بن
(17/217)

عبد الله اللّيثى. قال ابن سعد: ولم يخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معه «1» بسلاح إلا سلاح المسافر، السيوف فى القرب، وساق بدنا «2» وساق أصحابه بدنا، فصلى الظهر بذى الحليفة: ثم دعا بالبدن التى ساق فجلّلت «3» ، ثم أشعرها «4» في الشقّ الأيمن وقلّدها «5» ، وأشعر أصحابه أيضا، وهى موجّهات إلى القبلة، وهى سبعون بدنة، فيها جمل أبى جهل الذى غنمه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم بدر، وأحرم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولبّى، وقدّم عبّاد بن بشر أمامه طليعة فى عشرين فارسا من خيل المسلمين، وفيهم رجال من المهاجرين والأنصار، وخرج معه صلّى الله عليه وسلّم من المسلمين ألف وأربعمائة على الصحيح، وقيل: ألف وستمائة؛ ويقال: ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون رجلا؛ وأخرج معه من أزواجه أم سلمة رضى الله عنها، وبلغ المشركين خروجه، فأجمع رأيهم على صدّه عن المسجد الحرام، وعسكروا ببلدح «6» وقدّموا مائتى فارس إلى كراع «7» الغميم، عليهم خالد بن الوليد، ويقال: عكرمة ابن أبى جهل.
قال محمد بن إسحاق: قال الزهرىّ: لما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبى- قال ابن هشام: ويقال: بسر- فقال:
(17/218)

يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العوذ «1» المطافيل، قد لبسوا جلود النور، وقد نزلوا بذى طوى، يعاهدون الله ألا ندخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد فى خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بينى وبين سائر العرب؟ فإن هم أصابونى كان ذلك الذى أرادوا، وإن أظهرنى الله عليهم دخلوا فى الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوّة، فما تظن قريش؟
والله لا أزال أجاهد على الذى بعثنى الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة «2» » .
قال محمد بن سعد: ودنا خالد بن الوليد فى خيله حتى نظر إلى أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عبّاد بن بشر فتقدم فى خيله، فأقام بإزائه وصفّ أصحابه، وحانت صلاة الظهر، فصلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأصحابه صلاة الخوف، فلما أمسى صلّى الله عليه وسلّم قال لأصحابه:
تيامنوا فى هذا الموضع العضل «3» - موضع منعطف فى الوادى- فإن عيون قريش بمرّ الظّهران وبضجنان. فسار حتى دنا من الحديبية، وهى طرف الحرم على تسعة أميال من مكة، فوقفت «4» يدا راحلته على ثنيّة تهبط على غائط القوم، فبركت.
(17/219)

وقال أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبىّ فى تفسيره: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما كان بغدير الأشطاط «1» قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعىّ، فقال: إنى تركت كعب بن لؤىّ وعامر بن لؤى قد جمعا لك الأحابيش «2» ، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت؛ فقال النبى صلّى الله عليه وسلّم: أشيروا علىّ، أترون أن نميل على ذرارى هؤلاء الذين عاونوهم «3» فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين، وإن يحبئوا [تكن «4» ] عنقا قطعها الله، أو ترون أن نؤمّ البيت فمن صدّنا عنه قاتلناه؟ فقام أبو بكر رضى الله عنه فقال: يا رسول الله، إنا لم نأت لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. فقال النبى صلّى الله عليه وسلّم: فروحوا إذا؛ فراحوا، حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبى، وذكر من قوله ومن جواب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما قدمناه إلى قوله: أو تنفرد هذه السالفة. ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التى هم بها؟ فقال رجل من أسلم: أنا يا رسول الله. فخرج بهم على طريق وعر حزن بين شعاب، فلما خرجوا منه، وقد شق ذلك على المسلمين وأفضى إلى أرض سهلة عند منقطع الوادى، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه. ففعلوا،
(17/220)

فقال: والله إنها للحطّة «1» التى عرضت على بنى إسرائيل فلم يقبلوها؛ ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للناس: اسلكوا ذات اليمين، فى طريق يخرجه على ثنية المرار «2» على مهبط من أسفل مكة، فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة «3» الجيش، وأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد خالفهم عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش ينذرونهم، وسار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى إذا سلك ثنيّة المرار بركت به ناقته، فقال الناس: حل «4» حل؛ فقال: ما حل؛ قالوا:
خلأت «5» القصواء؛ فقال صلّى الله عليه وسلّم: «ما خلأت وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس «6» الفيل؛ ثم قال: والذى نفسى بيده لا تدعونى قريش إلى خطة يعظمون بها حرمات الله، وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها» ؛ ثم قال للناس:
«انزلوا» فنزلوا بأقصى الحديبية على بئر قليلة الماء، إنما يتبرّضه «7» الناس تبرّضا، فلم يلبث الناس أن نزحوه، فشكا الناس إلى النبى صلّى الله عليه وسلّم العطش، فنزع سهما من كنانته وأعطاه رجلا من أصحابه، يقال له: ناجية بن عمير بن يعمر بن دارم، وهو سائق بدن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنزل فى تلك البئر فغرزه فى جوفها
(17/221)

فجاش «1» الماء بالرّى، حتى صدروا «2» عنه؛ ويقال: إن جارية من الأنصار أقبلت بدلوها، وناجية فى القليب يميح «3» على الناس، فقالت:
يأيها المائح دلوى دونكا ... إنى رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيرا ويمجّدونكا ... أرجوك للخير كما يرجونكا
فقال ناجية:
قد علمت جارية يمانية ... أنّى أنا المائح واسمى ناجية
وطعنة ذات رشاش واهية ... طعنتها تحت صدور العادية «4»
قال ابن إسحاق: ناجية بن جندب بن عمير الأسلمى؛ قال: وزعم بعض أهل العلم أن البراء بن عازب كان يقول: أنا الذى نزلت بسهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. قال محمد بن إسحاق والثعلبى: روى عن الزّهرى عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: فلما اطمأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أتاه بديل بن ورقاء الخزاعى فى نفر من قومه، وكانت خزاعة عيبة «5» نصح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أهل تهامة، فقال: إنى تركت كعب بن لؤى وعامر ابن لؤى قد نزلا أعداد «6» مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت. فقال النبى صلّى الله عليه وسلّم: إنا لم نأت لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب، وأضرّت بهم، فإن شاءوا ماددناهم «7» مدة
(17/222)

ويخلوا بينى وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلّا فقد جمّوا «1» ، فو الله لأقاتلنهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتى، أو لينفذنّ الله أمره. قال بديل: سنبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا؛ فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا فى أن تحدثنا عنه بشىء؛ وقال ذوو الرأى منهم:
هات كما سمعته يقول؛ قال: سمعته يقول كذا وكذا. فحدثهم بما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وقال لهم: إنه لم يأت لقتال، وإنما جاء زائرا لهذا البيت. فاتهموه وجبهوه «2» وقالوا: إن كان جاء ولا يريد قتالا فو الله لا يدخلها علينا عنوة أبدا، ولا يحدّث «3» بذلك عنا العرب؛ ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف أخا بنى عامر ابن لؤىّ، فلما رآه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مقبلا قال: هذا رجل غادر.
وفى رواية: «فاجر» . فلما انتهى إليه وكلمه قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نحوا مما قال لبديل بن ورقاء وأصحابه، فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال النبى صلّى الله عليه وسلّم، ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زيّان «4» ، وكان يومئذ سيّد الأحابيش، وهو أحد بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: هذا من قوم يتألّهون «5» ، فابعثوا الهدى فى وجهه حتى يراه. فلما رأى الهدى يسيل «6» عليه من عرض الوادى فى قلائده، قد أكل أو باره «7» من طول الحبس عن محلّه «8» رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إعظاما
(17/223)

لما رأى، فقال لهم ذلك؛ فقالوا له: يا حليس، إنما أنت أعرابى لا علم لك؛ فقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاهدناكم، أيصدّ عن بيت الله من جاءه معظّما له؟ والذى نفس الحليس بيده لتخلّنّ بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد؛ فقالوا له: مه، كف عنا يا حليس، ودعنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به؛ قال: ثم بعثوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عروة بن مسعود الثقفى، فقال لهم: يا معشر قريش، إنى قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأنى ولد- وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس- وقد سمعت بالذى نابكم، فجمعت من أطاعنى من قومى، ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسى؛ قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتّهم. فخرج حتى أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فجلس بين يديه ثم قال: يا محمد، أجمعت أوشاب «1» الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك «2» لتفضّها بهم؟ يا محمد، أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟
وإنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة [أبدا «3» ] وإنى لأرى وجوها وأوشابا من الناس خليفا «4» أن يفرّوا ويدعوك، وايم الله، لكأنى بهؤلاء قد انكشفوا غدا عنك. وأبو بكر الصديق رضى الله عنه خلف رسول الله صلّى الله عليه وسلم قاعد، فقال لعروة:
امصص بظر «5» اللات، أنحن ننكشف عنه؟ - واللات طاغية ثقيف التى كانوا
(17/224)

يعبدونها- فقال: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أبى قحافة؛ قال: أما والله لولا يد «1» كانت لك عندى لكافأتك بها، ولكن هذه بها. قال: ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يكلمه، والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى الحديد، فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل ألا تصل إليك؛ قال: فيقول عروة: ويحك! ما أفظّك وما أغلظك «2» ! قال:
فتبسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: «هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة» قال: أى غدر، وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس؟ - وكان المغيرة بن شعبة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا من بنى مالك من «3» ثقيف، صحبهم فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«أما الإسلام فقد قبلناه، وأما المال فإنه مال غدر، ولا حاجة لنا فيه» . قال: ولما قتلهم المغيرة تهايج الحيّان من ثقيف: رهط القتلى ورهط المغيرة، فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية، وأصلح ذلك الأمر، فلذلك قال للمغيرة ما قال- قال: ثم كلم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عروة بنحو ما كلم به أصحابه، فقام من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد رأى ما يصنع به أصحابه، لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شىء إلا أخذوه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون «4» النظر إليه تعظيما
(17/225)

له. فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش، والله لقد وفدت على الملوك؛ وفدت على قيصر فى ملكه، وكسرى فى ملكه، والنجاشىّ فى ملكه، وإنى والله ما رأيت ملكا فى قومه قطّ «1» يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخّم نخامة إلا وقعت فى كفّ رجل منهم فذلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر إليه تعظيما له، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشىء أبدا، فروا رأيكم.
وفى رواية قال: وإنه قد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوها.
قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خراش بن أمية الخزاعىّ إلى قريش بمكة، وحمله على بعير يقال له: الثّعلب، ليبلّغ أشرافهم ما قد جاء له، فعقروا الجمل وأرادوا قتل خراش، فمنعته الأحابيش، فخلّوا سبيله. قال:
وبعثت قريش أربعين رجلا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا، فأخذوا وأتى بهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فعفا عنهم، وخلّى سبيلهم، وكانوا رموا فى العسكر بالحجارة والنّبل. ثم دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عمر بن الخطاب رضى الله عنه ليبعثه إلى مكة، فيبلّغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله، إنى أخاف قريشا على نفسى، وليس بمكة من بنى عدىّ بن كعب أحد يمنعنى، وقد عرفت قريش عداوتى إيّاها، وغلظتى عليها، ولكنى أدلّك على رجل أعزّ بها منّى، عثمان بن عفان، فدعاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبعثه إلى أبى سفيان ابن حرب وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا لهذا
(17/226)

البيت ومعظما لحرمته. فخرج حتى أتى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلّغ رسالة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ فلما فرغ عثمان من الرسالة قال له: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف؛ فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن عثمان قتل. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا نبرح حتّى نناجز القوم» . ودعا الناس إلى البيعة.
ذكر بيعة الرّضوان
كانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، قال الثعلبىّ: وكانت سمرة «1» . قال:
وكان سبب هذه البيعة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما بلغه أن عثمان بن عفّان قتل قال: «لا نبرح حتى نناجز القوم» ؛ ودعا الناس إلى البيعة، قال: فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الموت. وقال عبد الله ابن مغفّل: كنت قائما على رأس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذلك اليوم وبيدى غصن من السّمرة أذبّ عنه وهو يبايع الناس، فلم يبايعهم على الموت وإنما بايعهم على ألا يفرّوا. قال جابر بن عبد الله: فبايع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الناس، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجدّ بن قيس أخو بنى سلمة، لكأنى أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته، مستترا بها عن الناس.
وكان أول من بايع بيعة الرضوان رجل من بنى أسد يقال له: [أبو «2» ] سنان ابن وهب. ثم أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن الذى ذكروا من أمر عثمان باطل. واختلف فى عدد أهل بيعة الرضوان، وهو مبنىّ على الاختلاف فى عدد
(17/227)

أصحاب عمرة الحديبية كما تقدم، لم يتخلف منهم إلا الجدّ بن قيس، قالوا:
ولما بايع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الناس بايع لعثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى. روى أن رجلا جاء إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما، فسأله عن عثمان رضى الله عنه، أكان شهد بدرا؟ قال: لا؛ قال: أكان شهد بيعة الرضوان؟ قال: لا؛ قال: فكان من الذين تولّوا يوم التقى الجمعان؟ قال:
نعم. قال: فانطلق الرجل؛ فقيل لعبد الله بن عمر: إن هذا يرى أنك قد عبته، قال: علىّ به؛ فأتى به فقال: أمّا بدر فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد ضرب له بسهمه [وأجره «1» ] ؛ وأما بيعة الرضوان فقد بايع له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خير من يد عثمان، وأما الذين تولّوا يوم التقى الجمعان فقد عفا الله عنهم، فاجهد علىّ جهدك «2» .
وأنزل الله عزّ وجلّ فى الّذين بايعوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هذه البيعة قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)
. قال الكلبىّ: معناه نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البيعة. وقال ابن كيسان:
قوة الله ونصرته فوق قوّتهم ونصرتهم. ثم قال تعالى: (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)
وهو الجنة. وقوله تعالى فى السورة أيضا: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ)
من الصدق والوفاء (فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) .
قيل: فتح خيبر؛ روى عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» .
(17/228)

ذكر هدنة قريش وما وقع فيها من الشروط
قال: ثم بعثت قريش إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سهيل بن عمرو أخا بنى عامر بن لؤىّ، فقالوا: إيت محمدا فصالحه، ولا يكن فى صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا. فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «قد سهل أمركم، القوم مأتون إليكم بأرحامهم، وسائلوكم الصلح، فابعثوا الهدى وأظهروا التلبية، لعلّ ذلك يلين قلوبهم» . فلبّوا من نواحى العسكر حتى ارتجت أصواتهم بالتلبية، قال: وانتهى سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتكلم فأطال، وتراجعا، ثم جرى الصلح بينهما، فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله صلّى الله عليه وسلّم حقا؟ قال:
بلى؛ قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى؛ قال: أو ليسوا المشركين؟ قال:
بلى؛ قال: فعلام نعطى الدّنية «1» في ديننا؟ قال أبو بكر: أيها الرجل، إنه رسول الله، وليس نعصى «2» رأيه، فاستمسك بغرزه «3» ، حتى تموت، فو الله إنه لعلى الحق؛ قال عمر:
أو ليس كان يحدّثنا أنا سنأتى البيت نطوف به؟ قال: بلى؛ أفأخبرك أنك «4» تأتيه العام؟ قال: لا؛ قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال: ثم جاء عمر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: ألست رسول الله؟ قال: «بلى» قال: ألسنا على الحق
(17/229)

وعدوّنا على الباطل؟ قال: «بلى» ؛ قال: فلم نعطى الدنيّة فى ديننا إذا؟ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنى رسول الله ولست أعصيه وهو ناصرى» . وفى رواية قال:
«إنى عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيّعنى» . قال عمر: ألست تحدّثنا أنا سنأتى البيت فنطوف به؟ قال: «بلى، هل أخبرتك أنك تأتيه العام؟» قال عمر: لا؛ قال: «فإنك آتيه ومطوّف به» . قال عمر: والله ما شككت منذ أسلمت إلّا يومئذ، فما زلت أصوم وأتصدّق وأصلّى وأعتق من الذى صنعت [يومئذ «1» ] مخافة كلامى الذى تكلمت به حتى رجوت خيرا. قالوا «2» : ثم دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، فقال: «اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم» ؛ فقال سهيل: أما الرحمن فلا أدرى ما هو؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم [كما كنت تكتب، قال المسلمون: لا والله لا تكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اكتب: باسمك اللهم «3» » ] فكتبها، ثم قال: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو» . فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «والله إنى لرسول الله وإن كذّبتمونى» ؛ ثم قال لعلىّ: «امح رسول الله» . فقال: والله لا أمحوك أبدا. فأخذه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وليس يحسن يكتب فمحاه؛ ثم قال: «اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن
(17/230)

بعض، وعلى أنه من قدم مكّة من أصحاب محمّد حاجّا أو معتمرا أو يبتغى من فضل الله فهو آمن على نفسه وماله، ومن قدم المدينة من قريش مجتازا إلى مصر أو الشام، يبتغى من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، وعلى أنه من أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يردّوه عليه» . فاشتد ذلك على المسلمين، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم ورددناه إليهم فإن علم الله الإسلام من قلبه جعل له مخرجا» . وأن بيننا عيبة «1» مكفوفة، وأنه لا إسلال «2» ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل فى عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل فى عقد قريش وعهدهم دخل فيه» . فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن فى عقد محمد وعهده. وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن فى عقد قريش وعهدهم. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وعلى أن تخلّوا بيننا وبين البيت [فنطوف «3» به.] » فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنك أخذتنا ضغطة «4» ، ولكن لك ذلك من العام المقبل؛ فكتب: وعلى أنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، فإذا كان عام قابل خرجنا عنها لك فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا، ولا تدخلها بالسلاح إلا السيوف فى القرب، وسلاح الراكب، وعلى أنّ هذا الهدى حيثما حبسناه محلّه، لا تقدّمه علينا؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نحن نسوقه وأنتم تردّون وجوهه» ! قال: فبينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يوسف فى قيوده،
(17/231)

وقد انفلت وخرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه، وقال: يا محمد، قد تمت القضيّة بينى وبينك قبل أن يأتيك هذا، وهذا أوّل من أقاضيك عليه أن تردّه إلينا؛ ثم جعل يجرّه ليردّه إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أردّ إلى المشركين وقد جئت مسلما ليفتنونى عن دينى؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذّب عذابا شديدا فى الله تعالى، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا أبا جندل، احتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عاقدنا بيننا وبين القوم عقدا وصلحا، وأعطيناهم على ذلك عهدا، وإنّا لا نغدر» . قال: فوثب عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى أبى جندل يمشى إلى جنبه، ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب- ويدنى قائم السيف منه- قال: يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضنّ الرجل بأبيه.
قال: وكان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرجوا وهم لا يشكّون فى الفتح، لرؤيا رآها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما رأوا ذلك دخل الناس أمر عظيم حتى كادوا يهلكون، وزادهم أمر أبى جندل شرّا إلى ما بهم، قالوا:
فلما فرغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الكتاب، وفرغت القضيّة أشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين: أبا بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبى وقّاص، ومحمود بن مسلمة «1» أخا بنى عبيد الأشهل، ومكرز بن حفص بن الأخيف، وهو مشرك، وعلى بن أبى طالب، وكان هو كاتب الصحيفة. قال: فلما فرغ رسول الله صلّى الله عليه
(17/232)

وسلّم من قضيته سار مع الهدى، وسار الناس، فلما كان الهدى دون الجبال التى تطلع على وادى الثنّية عرض له المشركون، فردّوا وجوهه، فوقف النبى صلّى الله عليه وسلّم حيث حبسوه، وهى الحديبية، وقال لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا» . قال: فو الله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرّات؛ فلما لم يقم منهم أحد قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقى من الناس؛ فقالت له أم سلمة رضى الله عنها: يا نبىّ الله، اخرج ولا تكلّم منهم أحدا كلمة حتى تنحر بدنتك، وتدعو حلّافك فيحلقك. فقام صلّى الله عليه وسلّم فخرج فلم يكلّم أحدا منهم كلمة حتى نحر بدنته ودعا حلّاقه فحلقه، وكان الذى حلقه ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعىّ، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا «1» غمّا. قال عبد الله ابن عمر وعبد الله بن عباس رضى الله عنهم: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يرحم الله المحلّقين» . قالوا:
يا رسول الله، والمقصّرين؟ قال: «يرحم الله المحلقين» ؛ قالوا: يا رسول الله، والمقصّرين؟ قال: «يرحم الله المحلقين» ؛ قالوا: يا رسول الله، والمقصّرين؟
[قال «2» : «يرحم الله المقصّرين» ] قالوا: يا رسول الله، فلم ظاهرت الترحّم على المحلّقين دون المقصّرين؟ قال: «لأنهم لم يشكّوا» . قال ابن عمر: وذلك أنه تربّص قوم قالوا: لعلّنا نطوف بالبيت.
(17/233)

ذكر رجوع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة ونزول سورة الفتح
قال الزّهرى: وانصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من وجهه ذلك قافلا حتى كان بين مكّة والمدينة نزلت سورة الفتح: (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً) .
روى قتادة، عن أنس قال: لما رجعنا من غزوة الحديبية قد حيل بيننا وبين نسكنا، فنحن بين الحزن والكآبة، فأنزل الله عزّ وجل: (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)
الآية كلها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (لقد أنزلت علىّ آية هى أحبّ إلىّ من الدنيا كلها) . وعن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يسير فى بعض أسفاره، وعمر بن الخطاب رضى الله عنه يسير معه ليلا، فسأله [عمر «1» ] عن شىء فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، قال عمر رضى الله عنه: فحركت بعيرى حتى تقدمت أمام الناس، وخشيت أن يكون نزل فىّ قرآن، فجئت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسلمت عليه، فقال: «لقد أنزلت علىّ الليلة آية لهى «2» أحب إلىّ مما طلعت عليه الشمس» . ثم قرأ: (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ)
. وقد اختلف فى الفتح، ما هو؟ فقال قتادة عن أنس:
فتح مكة، وقال مجاهد والعوفىّ: فتح خيبر، وقال آخرون: فتح الحديبية، ويدل عليه ما روى عن مجمّع بن جارية الأنصارى،- وكان أحد القراء الذين قرءوا القرآن- قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزّون «3» الأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما بال الناس؟ قالوا: أوحى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. قال: فخرجنا نوجف «4» ، فوجدنا النبى صلّى الله عليه وسلّم
(17/234)

واقفا على راحلته عند كراع الغميم «1» ، فلما اجتمع إليه الناس قرأ: (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)
فقال عمر: أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: «نعم، والذى نفسى بيده إنه لفتح» . وقال الشعبىّ رحمه الله: فتح الحديبية، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، واطعموا نخل خيبر، وبلغ «2» الهدى محلّه، وظهرت الروم على فارس، وفرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. وقال مقاتل بن حيّان: يسّرنا لك يسرا بيّنا.
وقال مقاتل بن سليمان: لما نزل قوله تعالى: (وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ)
فرح بذلك المشركون والمنافقون وقالوا: كيف نتبع رجلا لا يدرى ما يفعل به وبأصحابه، ما أمرنا وأمره إلا واحد؛ فأنزل الله عز وجل بعد ما رجع من الحديبية:
(إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)
أى قضينا لك قضاء بينا (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ)
فنسخت هذه الآية تلك. قال سفيان الثورى: (ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ)
ما عملت فى الجاهلية (وَما تَأَخَّرَ)
كل شىء لم يعمله. وقال عطاء بن أبى مسلم الخراسانى: (ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ)
يعنى ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك (وَما تَأَخَّرَ)
ذنوب أمتك بدعوتك. وقال الزيادىّ: أى لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه. (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) *
أى بالنبوة والحكمة (وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً
أى ويثبتك عليه، وقيل: يهدى بك، (وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً)
غالبا، وقيل: معزّا.
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ)
، قال الثعلبىّ: أى الرحمة والطمأنينة. قال ابن عباس رضى الله عنهما:
بعث الله عز وجل نبيّه عليه السلام بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدّقوه زادهم
(17/235)

الصلاة، [فلما صدّقوه «1» زادهم الزكاة] ، الصيام، فلما صدّقوه زادهم الحجّ، ثم زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم، فذلك قوله عز وجل: (لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ)
أى تصديقا بشرائع الإيمان مع تصديقهم بالإيمان. وقال الضحّاك: يقينا مع يقينهم. وقال الكلبى: هذا فى أمر الحديبية. وروى عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما قرأ على الناس قوله: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ)
قالوا: هنيئا مريئا يا رسول الله، قد بين الله ما يفعل بك، فما يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً)
ثم قال تعالى (وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ)
إن لم ينصر محمد والمؤمنون (عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ) *
بالذلّ والعذاب (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً)
إلى قوله: (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)
ثم ذكر الله تعالى قصة البيعة، وقد تقدّمت.
ثم قال تعالى: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً)
قال ابن عباس ومجاهد: يعنى أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم والدّيل، وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادى، ليخرجوا معه حذرا من قريش
(17/236)

أن يعرضوا له بحرب أو يصدّوه عن البيت، وأحرم هو صلّى الله عليه وسلّم بالعمرة وساق معه الهدى، ليعلم الناس أنه لا يريد حربا، فتثاقل عنه كثير من الأعراب وقالوا: نذهب معه إلى قوم قد جاءوه فقتلوا أصحابه فنقاتلهم؟ فتخلفوا عنه واعتلوا بالشغل، فأنزل الله تعالى: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ)
، الآية. أى إذا انصرفت إليهم فعاتبتهم على التخلف عنك (شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا)
ثم كذبهم فى اعتذارهم واستغفارهم، وأخبر عن إسرارهم وإضمارهم، فقال: «يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم» .
قوله تعالى: (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً)
وذلك أنهم قالوا:
إن محمدا وأصحابه أكلة رأس، فلا يرجعون، فأين تذهبون؟ انتظروا ما يكون من أمرهم. (وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً)
أى هالكين فاسدين، لا تصلحون لشىء من الخير. قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً) .
قوله تعالى: (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا)
قال: (الْمُخَلَّفُونَ) *
أى عن الحديبية إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ)
يعنى غنائم خيبر (ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ)
أى إلى خيبر، فنشهد معكم قتال أهلها (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ)
معناه يريدون أن يغيّروا وعد الله الذى وعد أهل الحديبية، وذلك أن الله تعالى جعل لهم غنائم خيبر عوضا عن غنائم أهل مكة، إذا «1» انصرفوا عنها عن صلح ولم يصيبوا منها شيئا. وقال ابن زيد:
(17/237)

هو قوله عز وجل: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا)
قال: والأول أصوب، لأن قوله تعالى: (لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً)
نزلت فى غزوة تبوك. قال: (كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ)
أى من قبل مرجعنا إليكم: إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب: (فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا)
أى أن نصيب معكم من الغنائم.
قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ)
، قال ابن عباس وعطاء بن أبى رباح وعطاء الخراسانىّ وعبد الرحمن بن أبى ليلى ومجاهد: هم فارس. وقال كعب الأحبار: الروم.
وقال الحسن: فارس والروم. وقال عكرمة: هوازن. وقال سعيد بن جيبر:
هوازن وثقيف. وقال قتادة: هوازن وغطفان يوم حنين. وقال الزهرىّ ومقاتل:
بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة الكذاب. وقال رافع بن خديج: والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى: (سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ)
ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر رضى الله عنه إلى قتال بنى حنيفة فعلمنا أنهم هم.
قوله تعالى: (فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً)
قال ابن عباس رضى الله عنهما: لما نزلت هذه الآية قال أهل الزّمانة: «1» فكيف بنا يا رسول الله؟ فأنزل الله عز وجل: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ) *
يعنى عن التخلف عن الجهاد والقعود عن الغزو (وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) *
يعنى فى ذلك (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً) .
(17/238)

ثم أخبر الله تعالى نبيه صلّى الله عليه وسلّم برضاه عن أهل بيعة الرضوان، فقال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)
، وقد تقدّم ذكر ذلك آنفا. ثم قال تعالى: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها)
. وهى الفتوح التى تفتح لهم إلى يوم القيامة (فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ)
يعنى خيبر. وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى عند ذكرنا لغزوة خيبر. ثم قال تعالى: (وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً)
قال: معناه «1» ووعدكم الله بفتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها لكم حتى يفتحها عليكم. واختلفوا فيها، فقال ابن عباس وعبد الرحمن بن أبى ليلى والحسن ومقاتل: هى فارس والروم، وقال الضحاك وابن زيد وابن إسحاق: هى خيبر، وعدها الله تعالى نبيه صلّى الله عليه وسلّم قبل أن يصيبها، ولم يكونوا يذكرونها ولا يرجونها حتى أخبرهم الله بها. وهى رواية عطية وباذان عن ابن عباس. وقال قتادة: هى مكة. وقال مجاهد: ما فتحوا حتى اليوم.
قوله تعالى: (وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً)
، قال: يعنى أسدا وغطفان وأهل خيبر. وقال قتادة: يعنى كفار قريش، (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) .
وقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً)
؛ واختلفوا فى هؤلاء، فقال أنس: إن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه من جبل التنعيم «2» عند صلاة الفجر عام الحديبية ليقتلوهم، فأخذهم
(17/239)

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سلما «1» فأعتقهم، فأنزل الله عز وجل الآية. وقال عكرمة عن ابن عباس: إن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وقد قدمنا ذكرهم.
وقال عبد الله بن مغفل: كنا مع النبى صلّى الله عليه وسلّم بالحديبية فى أصل الشجرة، وعلى ظهره غصن من أغصان تلك الشجرة، فرفعته عن ظهره، وعلى بن أبى طالب رضى الله عنه بين يديه يكتب كتاب الصلح وسهيل بن عمرو، فخرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح، فثاروا فى وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فخلى عنهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله عز وجل الآية. وقيل: غير ذلك. والله تعالى أعلم.
ثم قال تعالى: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ)
الآية. وهى قصة الحديبية وقد تقدم شرحها. وقوله تعالى:
(وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً)
، قال: قوله: (أَنْ تَطَؤُهُمْ)
أى تقتلوهم (فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ)
، قال ابن زيد: إثم. وقال ابن إسحاق: غرم الدّية. وقيل: الكفارة، لأن الله عز وجل إنما أوجب على قاتل المؤمن فى دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها ولم يعلم قاتله إيمانه الكفارة دون الدية. وقيل: هو أن المشركين يعيبونكم ويقولون: قتلوا أهل دينهم. والمعرّة المشقة، وأصلها من العرّ وهو الجرب. قال: فلولا ذلك لأذن لكم فى دخول مكة، ولكنه حال بينكم وبين ذلك. (لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ)
(17/240)

أى فى دين الإسلام «من يشاء» من أهل مكة قبل أن تدخلوها. قال: وقال بعض العلماء: قوله «لعذّبنا» جواب لكلامين أحدهما (وَلَوْلا رِجالٌ)
والثانى (لَوْ تَزَيَّلُوا)
أى تميّزوا. وقال قتادة فى قوله: (لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ)
أى أن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار كما دفع بالمستضعفين من المؤمنين عن مشركى مكة.
وعن على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن قول الله عز وجل: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً)
قال:
«هم المشركون من أجداد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وممن كان بعدهم فى عصره، كان فى أصلابهم المؤمنون، فلو تزيل المؤمنون عن أصلاب الكافرين لعذب الله الكافرين عذابا أليما» .
قوله تعالى: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ)
، قال ابن إسحاق: يعنى سهيل بن عمرو حين حمى «1» أن تكتب بسم الله الرحمن الرحيم.
وأن محمدا رسول الله. (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً)
، قال: كلمة التقوى يعنى الإخلاص؛ وقد روى عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال فى قوله تعالى:
(وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى)
: «لا إله إلا الله» . وهو قول ابن عباس وعمرو بن ميمون ومجاهد وقتادة والضحاك وسلمة بن كهيل وعبيد بن عمير وعكرمة وطلحة بن مصرّف والربيع والسدّىّ وابن زيد. وقال عطاء الخراسانىّ: هى لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وعن علىّ رضى الله عنه قال: كلمة التقوى: لا إله إلا الله والله أكبر، وهو قول ابن عمر. وقال عطاء بن أبى رباح: هى لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
(17/241)

له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير. وعن الزهرىّ: كلمة التقوى هى بسم الله الرحمن الرحيم.
قوله تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً)
، قال: الرؤيا التى أراها إياه فى مخرجه إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام. قوله: (فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا)
أى أن الصلاح كان فى الصلح. (فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً)
قيل: صلح الحديبية.
ثم قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً)
أى أنك نبىّ صادق فيما تخبر.
ثم وصف تعالى رسوله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه فقال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)
. قال الثعلبىّ رحمه الله تعالى: قوله: «محمّد رسول الله» تم الكلام هاهنا، يعنى الكلام الأوّل، ثم قال مبتدئا: (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ)
أى غلاظ لا تأخذهم فيهم رأفة. (رُحَماءُ بَيْنَهُمْ)
أى متعاطفون متوادّون بعضهم على بعض. (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ) *
أى يدخلهم جنّته.
«ورضوانا» يرضى عنهم. «سيماهم» علامتهم. (فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)
واختلف العلماء فى هذه السيماء، فقال قوم: هو نور وبياض فى وجوههم يوم
(17/242)

القيامة، يعرفون بتلك العلامة أنهم سجدوا فى الدنيا؛ وهى رواية العوفى عن ابن عباس. وقال عطاء بن أبى رباح والربيع بن أنس: استنارت وجوههم من كثرة ما صلّوا. وقال شهر بن حوشب: يكون موضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر. وقال آخرون: هو السّمت الحسن والخشوع والتواضع. وقال منصور:
سألت مجاهدا عن قوله تعالى: (سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ)
أهو الأثر يكون بين عينى الرجل؟ قال: لا، ربما يكون بين عينى الرجل مثل ركبة البعير، وهو أقسى قلبا من الحجارة، ولكنه نور فى وجوههم من الخشوع. وقال ابن جريح: هو الوقار والبهاء. وقال شمر بن عطية: هو التهيّج وصفرة الوجه وأثر السهر. وقال الحسن:
إذا رأيتهم حسبتهم مرضى، وما هم بمرضى. وقال عكرمة وسعيد بن جبير:
هو أثر التراب فى جباههم. وقال عطية الخراسانىّ: دخل فى هذه الاية كل من حافظ على الصلوات الخمس. (ذلِكَ مَثَلُهُمْ)
أى ذلك الذى ذكرت «مثلهم» صفتهم (فِي التَّوْراةِ) *
قال: وهاهنا تم الكلام. ثم قال: (وَمِثْلَهُمْ) *
صفتهم (فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ)
؛ قال أنس: «شطأه» نباته. وقال ابن عباس:
سنبله. وقال مجاهد والضحاك: ما يخرج تحت الحلقة «1» فينمو ويتم. وقال مقاتل:
هو نبت واحد، فإذا خرج ما بعده فقد شطأه. وقال السدّى: هو أن يخرج معه الطاقة الأخرى. وقال الفراء: الأشطأ: الزرع إذا نبت سبعا أو ثمانيا أو عشرا.
وقال الأخفش: فراخه، يقال: أشطأ الزرع فهو مشطئ إذا فرّخ، قال الشاعر:
أخرج الشطء على وجه الثرى ... ومن الأشجار أفنان الثمر
قال: وهذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم، يعنى أنهم كانوا يكونون قليلا، ثم يزدادون ويكثرون ويقوون. قال قتادة: مثل أصحاب
(17/243)

محمد صلّى الله عليه وسلّم فى الإنجيل مكتوب أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. «فآزره» قوّاه وأعانه وشدّ أزره.
«فاستغلظ» ، فغلظ وقوى. «فاستوى» تم وتلاحق نباته وقام. (عَلى سُوقِهِ)
أصوله.
(يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)
يعنى أن الله تعالى فعل ذلك بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه رضى الله عنهم ليغيظ بهم الكفار. قال الثعلبىّ بسند يرفعه إلى الحسن فى قوله عز وجل: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ)
قال: محمد رسول الله. والّذين معه» ، أبو بكر. (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ)
عمر بن الخطاب. (رُحَماءُ بَيْنَهُمْ)
عثمان بن عفان (تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً)
على بن أبى طالب. (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً) *
طلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وأبو عبيدة. (سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)
، قال: هم المبشّرون، أولهم أبو بكر وآخرهم أبو عبيدة. (ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ)
قال: نعتهم فى التوراة والإنجيل كمثل زرع. وقال:
الزرع: محمد صلّى الله عليه وسلّم. (أَخْرَجَ شَطْأَهُ)
أبو بكر الصديق. «فآزره» عمر بن الخطاب.
«فاستغلظ» عثمان؛ يعنى استغلظ عثمان للإسلام. (فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ)
على بن أبى طالب، يعنى استقام الإسلام بسيفه. (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ)
قال: المؤمنون.
(لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)
قال: قول عمر لأهل مكة: لا نعبد الله سرّا بعد اليوم.
رضوان الله عليهم أجمعين.
ذكر خبر أبى بصير ومن لحق به وانضم إليه
قد اختلف فى اسمه، فقيل: عبيد بن أسيد بن جارية. وقال ابن إسحاق:
عتبة بن أسيد بن جارية. وعن أبى معشر قال: اسمه عتبة بن أسيد بن جارية بن
(17/244)

أسيد بن عبد الله بن سلمة بن عبد الله بن غيرة بن عوف بن قسىّ، وهو ثقيف ابن منبّه بن بكر بن هوازن، حليف لبنى زهرة. وخبره وإن لم يكن داخلا فى جملة الغزوات والسرايا فليس هو مناف لها، وموجب إيرادنا إياه فى هذا الموضع لتعلقه بغزوة الحديبية، ولأن ردّه كان من شروط الهدنة. ونحن نورده هاهنا على ما أورده الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقى، رحمه الله تعالى، فى كتابه المترجم بدلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، وما أورده أبو محمد عبد الملك بن هشام عن محمد ابن إسحاق رحمهم الله تعالى، يدخل حديث بعضهم فى حديث بعض، قالوا:
لما رجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة انفلّت رجل من أهل الإسلام من ثقيف، يقال له: أبو بصير بن أسيد بن جارية الثقفىّ من المشركين، فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مسلما مهاجرا، وكان ممن حبس بمكة، فكتب فيه أزهر بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفىّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وبعثا رجلا من بنى عامر بن لؤىّ، ومعه مولى لهم، ويقال: كانا من بنى منقذ، أحدهما مولى والآخر من أنفسهم، اسمه جحش بن جابر، وكان ذا جلد ورأى فى أنفس المشركين، وجعل لهما الأخنس فى طلب أبى بصير جعلا، فقدما على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا أبا بصير، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا فى ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، فانطلق إلى قومك» . فقال: يا رسول الله، أتردّنى إلى المشركين يفتنوثنى فى دينى؟ قال: «انطلق، فإن الله سيجعل لك فرجا
(17/245)

ومخرجا» ، ودفعه إليهما، فخرجا به، حتى إذا كانا بذى الحليفة «1» سلّ جحش سيفه، ثم هزّه وقال: لأضربنّ بسيفى هذا فى الأوس والخزرج يوما إلى الليل، فقال له أبو بصير: أو صارم سيفك هذا؟ قال: نعم؛ قال: ناولنيه أنظر إليه. فناوله إياه، فلما قبض عليه ضربه به حتى برد، ويقال: بل تناول أبو بصير سيف جحش بفيه، وهو نائم، فقطع به إساره، ثم ضربه به حتى برد؛ وطلب الآخر فجمز «2» مذعورا مستخفيا، حتى دخل المسجد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال صلّى الله عليه وسلّم حين رآه: «لقد رأى هذا ذعرا» ؛ فأقبل واستغاث برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «ويحك! مالك؟» فقال: قتل صاحبكم صاحبى. وجاء أبو بصير يتلوه، فسلم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: وفت ذمتك يا رسول الله، وأدّى الله عنك، دفعتنى إليهما فتعرفت أنهم سيعذبوننى ويفتنوننى عن دينى، فقتلت المنفذىّ، وأفلتنى هذا. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ويل أمّه مسعر «3» حرب لو كان معه رجال!» ، وجاء أبو بصير بسلبه فقال: خمّس يا رسول الله؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنى إن خمسته لم أوف لهم بالذى عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك، واذهب حيث شئت» . فخرج أبو بصير معه خمسة نفر كانوا قدموا مسلمين من مكة حيث قدم، ولم يطلبهم أحد، وساروا حتى نزلوا بين العيص وذى المروة من أرض جهينة، على طريق عيرات قريش مما يلى سيف البحر، لا تمر
(17/246)

بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو- واسم أبى جندل العاص بن سهيل «1» على ما أورده الزبير بن بكار- فى سبعين راكبا أسلموا، فلحقوا بأبى بصير حين «2» بلغهم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ويل امه مسعر حرب لو كان معه رجال» ، فقطعوا مادة قريش من طريق الشام. وكان أبو بصير يصلى لأصحابه، فلما قدم عليه أبو جندل كان هو يؤمهم، واجتمع إلى أبى جندل ناس من بنى غفار وأسلم وجهينة وطوائف من الناس، حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل، وهم مسلمون، فأقاموا مع أبى جندل وأبى بصير، لا تمرّ بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، وقال أبو جندل فى ذلك:
أبلغ قريشا عن أبى جندل ... أنّا بذى المروة بالساحل
فى معشر تخفق راياتهم ... بالبيض فيها والقنا الذّبّل «3»
يأبون أن تبقى لهم رفقة ... من بعد إسلامهم الواصل
أو يجعل الله لهم مخرجا ... والحق لا يغلب بالباطل
فيسلم المرء بإسلامه ... أو يقتل المرء ولم يأتل»
فأرسلت قريش إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تسأله بأرحامهم «5» إلا آواهم، وقالوا: لا حاجة لنا بهم. قال البيهقىّ: وقالوا: من خرج منا إليك فأمسكه غير حرج أنت فيه، فإن هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره. فلما كان ذلك من أمرهم، علم الذين كانوا أشاروا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يمنع
(17/247)

أبا جندل من أبيه بعد القضية أن طاعة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خير لهم فيما أحبوا وكرهوا. وحكى البيهقى: أن هؤلاء هم الذين مرّ بهم أبو العاص بن الربيع فأخذوا ما معه، فلما بلغهم ما قاله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أطلقوا من أسروا من أصحاب أبى العاص، وردّوا إليهم جميع ما أخذوه حتى العقال، وقد تقدم خبر أبى العاص، وقيل: إنما أخذ فى غير هذه السّريّة. والله أعلم.
قال: وكتب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتابا إلى أبى بصير وأبى جندل يأمرهما أن يقدما عليه، ويأمر من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، ولا يعترضوا لأحد مرّ بهم من قريش وعيراتهم. فقدم كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أبى جندل وأبى بصير، وأبو بصير قد أشرف على الموت، فمات وكتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى يده يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدا، وقدم أبو جندل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعه ناس من أصحابه، ورجع سائرهم إلى أهليهم، وأمنت عيرات قريش.
ذكر غزوة خيبر وفتحها وما يتصل بذلك
قال محمد بن سعد: غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى جمادى الأولى سنة سبع من مهاجره. وقال محمد بن إسحاق وأبو بكر أحمد بن الحسين البيهقى:
فى المحرم من السنة. وخيبر على ثمانية برد من المدينة.
قالوا: أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصحابه بالتهيؤ لغزاة خيبر، واجلب «1» من حوله يريدون الغزاة معه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يخرجنّ معنا
(17/248)

إلا راغب فى الجهاد» ، وشقّ ذلك على من بقى بالمدينة من اليهود، فخرج واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفارىّ، قاله ابن سعد والبيهقى. وقال ابن إسحاق:
استخلف نميلة بن عبد الله الليثى؛ وأخرج معه من أزواجه أم سلمة رضى الله عنها.
قال ابن إسحاق: لما سار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى خيبر قال فى مسيره لعامر بن الأكوع- وهو عم سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع سنان-:
«انزل يابن الأكوع، فخذ لنا من هناتك «1» » ، فنزل يرتجز برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا
إنا إذا قوم بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا «2»
فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يرحمك ربّك» . ومن رواية البيهقى:
«غفر لك ربّك» . قال: وما خص بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحدا قط إلا استشهد. قال ابن إسحاق: فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: وجبت والله يا رسول الله، لو متّعتنا بعامر؛ فقتل يوم خيبر شهيدا، رجع سيفه عليه وهو يقاتل، فكلمه كلما شديدا فمات.
(17/249)

قال: ولما خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المدينة سلك على عصر «1» فبنى له فيه «2» مسجدا، ثم على الصهباء «3» ، ثم أقبل بجيشه حتى نزل بواد يقال له: الرّجيع، فنزل بينهم وبين غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدّوا أهل خيبر، وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: فلما سمعت غطفان بمنزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من خيبر جمعوا، ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه، حتى إذا ساروا منقلة «4» سمعوا خلفهم فى أموالهم وأهليهم حسّا، وظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم فأقاموا فى أهليهم وأموالهم، وخلوا بين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبين خيبر.
قال: ولما أشرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على خيبر قال لأصحابه: «قفوا» فوقفوا، ثم قال: «اللهم ربّ السموات وما أظللن، وربّ الأرضين وما أقللن، وربّ الشياطين وما أظللن، وربّ الرياح وما ذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله» .
قال: ولما نزل بساحتهم ولم يتحركوا تلك الليلة، ولم يصح لهم ديك حتى طلعت الشمس، وأصبحوا وأفئدتهم تخفق، وفتحوا حصونهم، وغدوا إلى أعمالهم، معهم المساحى «5» ، والكرازن- وهى الفئوس- والمكاتل- وهى الزنابيل- فلما نظروا إلى
(17/250)

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قالوا: محمد والخميس «1» - يعنون الجيش- فولوا هاربين إلى حصونهم، وجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» ، ووعظ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الناس، وفرّق بينهم الرايات، ولم تكن الرايات إلا يوم خيبر، إنما كانت الأولوية «2» ، فكانت راية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم السوداء من برد لعائشة أم المؤمنين رضى الله عنها تدعى العقاب، ولواؤه أبيض، ودفعه إلى على بن أبى طالب، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سعد بن عبادة؛ وكان شعارهم: «يا منصور أمت» ، وكانت حصون خيبر حصونا ذوات عدد، منها النّطاة، وحصن الصّعب ابن معاذ، وحصن ناعم، وحصن قلعة الزّبير «3» ، هذه حصون النطاة. والشّقّ وبه حصون منها: حصن أبىّ، وحصن النّزار. وحصون الكتيبة منها: القموص، والوطيح، وسلالم. وسنذكر إن شاء الله فتحها حصنا حصنا. قال: وخرج مرحب اليهودىّ من حصنهم، قد جمع سلاحه وهو يقول:
قد علمت خيبر أنّى مرحب ... شاكى «4» السلاح بطل مجرّب
أطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذا الليوث أقبلت تحرّب «5»
إن حماى للحمى لا يقرب
(17/251)

ثم يقول: هل من مبارز؟ فأجابه كعب بن مالك وهو يقول:
قد علمت خيبر أنى كعب ... مفرّج الغمّى جرىء صلب
إذ شبّت الحرب تليها الحرب ... معى حسام كالعقيق عضب «1»
نطاكم حتى يذال «2» الصعب ... نعطى الجزاء أو يفىء النّهب «3»
بكفّ ماض ليس فيه «4» عتب
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من لهذا» ؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا والله الموتور الثائر، قتل أخى بالأمس؛ قال: «فقم إليه، اللهم أعنه عليه» . فخرج إليه حتى دنا منه، فحمل مرحب عليه فضربه، فاتّقاه بالدّرقة، فأمسكت سيفه، وضربه محمد بن مسلمة فقتله. وقد روى أن الذى قتل مرحبا على بن أبى طالب رضى الله عنه، وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أعطى اللواء عمر بن الخطاب رضى الله عنه، ونهض من نهض معه من الناس، فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر وأصحابه، فرجعوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يجبنّه أصحابه ويجبنّهم، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أخذته الشقيقة «5» فلم يخرج إلى الناس، فأخذ أبو بكر رضى الله عنه راية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم نهض فقاتل قتالا شديدا ثم رجع، فأخذها عمر رضى الله عنه فقاتل قتالا شديدا أشدّ من القتال الأوّل، ثم رجع، فأخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذلك، فقال: «أما والله لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، يأخذها عنوة» . وفى رواية قال: «يفتح الله على
(17/252)

يديه» . فبات الناس يذكرون ليلتهم أيّهم يعظاها، فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كلهم يرجو أن يعطاها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«أين على بن أبى طالب» ؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكى عينيه؛ قال: فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليه سلمة بن الأكوع فدعاه، فجاء على بعير له حتى أناخ قريبا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو أرمد، قد عصب عينيه بشقّة برد قطرىّ «1» ، قال سلمة: فجئت به أقوده إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مالك؟» قال: رمدت؛ فقال: «ادن منى» فدنا منه فتفل فى عينيه، ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع، وما وجعهما حتى مضى لسبيله، ثم أعطاه الراية وقال: «امض حتى يفتح الله عليك» قال:
يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: «انفذ على «2» رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله، فو الله لئن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النّعم» روى هذا الحديث أو نحوه أهل الصحة.
ومن رواية ابن إسحاق عن سلمة بن الأكوع قال: فنهض علىّ بالراية وعليه حلّة أرجوان حمراء، وقد أخرج خملها «3» ، فأتى مدينة خيبر، وخرج مرحب صاحب الحصن، وعليه مغفر معصفر، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر أنى مرحب ... شاكى السلاح بطل مجرّب
أطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذا الحروب أقبلت تلهّب
كان حماى كالحمى لا يقرب
(17/253)

فبرز له علىّ بن «1» أبى طالب فقال:
أنا الذى سمّتنى أمّى حيدرة «2» ... كليث غابات شديد قسورة «3»
أكيلكم بالسّيف كيل السّندرة «4»
فاختلفا ضربتين، فبدره علىّ رضى الله عنه فضربه، فقدّ الحجر والمغفر وفلق رأسه، حتى أخذ السيف فى الأضراس. ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر، وهو يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر أنى ياسر ... شاكى السلاح بطل مغاور «5»
إذا الليوث أقبلت تبادر ... إن حماى فيه موت حاضر
وهو يقول: هل من مبارز؟ فخرج إليه الزبير بن العوام رضى الله عنه، وهو يقول:
قد علمت خيبر أنى زبّار ... قرم «6» لقوم غير نكس «7» فرّار
أين حماة المجد «8» ؟ أين الأخيار؟ ... ياسر، لا يغررك جمع الكفّار
فجمعهم مثل السّراب الختّار «9»
فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب: أيقتل ابنى يا رسول الله؟ قال: «بل ابنك يقتله إن شاء الله» ثم التقيا، فقتله الزبير. ومن رواية أخرى عن سلمة قال: فخرج
(17/254)

على رضى الله عنه يهرول هرولة وإنّا لخلفه نتبع أثره، حتى ركز رأيته فى رضم حجارة تحت الحصن، فاطّلع إليه يهودى من رأس الحصن فقال: من أنت؟ قال:
أنا علىّ بن أبى طالب؛ فقال اليهودىّ: علوتم وما أنزل الله على موسى. وقال ابن إسحاق أيضا من رواية أبى رافع مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال:
خرجنا مع علىّ رضى الله عنه حين بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من يده، فتناول علىّ بابا كان عند الحصن فترّس به عن نفسه، فلم يزل فى يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتنى فى نفر معى سبعة، أنا ثامنهم»
، نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه.
قال محمد بن إسحاق وأبو بكر البيهقى وغيرهما: إن بنى سهم من أسلم أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: يا رسول الله، جهدنا وما بأيدينا من شىء؛ فلم يجدوا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شيئا يعطيهم إياه؛ فقال: «اللهم وإنك قد عرفت حالهم، وأن ليست بهم قوّة، وأن ليس بيدى شىء أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها غناء، وأكثرها طعاما وودكا «2» » ، فغدا الناس، ففتح الله عليهم حصن الصّعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر منه طعاما وودكا. قال البيهقى:
وافتتح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حصن ناعم، فانتقل من كان من يهود بحصن مصعب بن معاذ وحصن ناعم إلى قلعة الزّبير، ويقال: حصن ناعم أوّل ما افتتح من حصونهم، وعنده قتل محمود بن مسلمة، ألقيت عليه رحى منه فمات. قال: وحصن
(17/255)

الزبير حصن منيع فى رأس «1» قلّة، فحاصرهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم به ثلاثة أيام، فجاءه رجل من اليهود يقال له: غزال؛ فقال: يا أبا القاسم، تؤمننى على أن أدلك على ما تستريح به من أهل النّطاة، وتخرج إلى أهل الشّق؟ فإن أهل الشق قد هلكوا رعبا منك، فأمّته رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أهله وماله، فقال اليهودى: إنك لو أقمت شهرا ما بالوا، لهم دبول «2» تحت الأرض، يخرجون بالليل فيشربون منها ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإذا قطعت مشربهم عليهم أصحروا «3» لك. فسار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى دبولهم فقطعها، فلما قطع عليهم مشاربهم خرجوا فقاتلوا أشدّ قتال، وقتل من المسلمين يومئذ نفر، وأصيب من يهود فى ذلك اليوم عشرة، وافتتحه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فكان آخر حصون النطاة؛ فلما فرغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من النطاة تحوّل إلى أهل الشّق، وبه حصون، فكان أوّل حصن بدأ به صلّى الله عليه وسلّم حصن أبىّ، فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على قلعة يقال لها سموان؛ فقاتل عليها أهل الحصن قتالا شديدا، وخرج رجل من اليهود يقال له غزول؛ فدعا إلى البراز، فبرز له الحباب بن المنذر، فاختلفا ضربات، ثم حمل عليه الحباب فقطع يده اليمنى من نصف الذراع، فسقط السيف من يده وهرب إلى الحصن، فتبعه الحباب فقطع عرقوبيه، فوقع، فذفّف «4» عليه، فخرج آخر فصاح: من يبارز؟ فبرز له رجل
(17/256)

من المسلمين من آل جحش، فقتل الجحشىّ، وقام مكانه يدعو إلى البراز، فبرز له أبو دجانة، قد عصب رأسه بعصابة حمراء فوق المغفر، يختال فى مشيته، فبدره أبو دجانة فضربه فقطع رجليه، ثم ذفّف عليه وأخذ سلبه؛ درعه وسيفه: فنفله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذلك، وأحجموا عن البراز، فكبّر المسلمون، ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه، يقدمهم أبو دجانة الأنصارىّ، فوجدوا فيه أثاثا ومتاعا وغنما وطعاما، وهرب من كان فيه من المقاتلة، وتقحموا الجدر كأنهم الظّبىّ إلى حصن النّزار، فعلّقوه وامتنعوا فيه، وزحف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى أصحابه فقاتلهم، فكانوا أشدّ أهل الشّق رميا بالنبل والحجارة، حتى أصاب النبل ثياب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعلقت به، فأخذ النبل فجمعها، ثم أخذ كفّا من حصباء، فحصب به حصنهم فرجف الحصن بهم، ثم ساخ فى الأرض حتى جاء المسلمون، فأخذوا أهله أخذا، ثم تحوّل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى أهل الكتيبة، فافتتح القموص، حصن أبى الحقيق، وأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منه بصفيّة بنت حيىّ بن أخطب.
قالوا: ولما افتتح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من حصونهم ما افتتح، وحاز من الأموال ما حاز، انتهوا إلى حصنيهم: الوطيح والسّلالم، وكانا آخر حصون أهل خيبر افتتاحا، فحاصرهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بضع عشرة ليلة حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يسيّرهم، وأن يحقن دماءهم. قال البيهقىّ: حصرهم أربعة عشر يوما وهم لا يطلعون من حصونهم، حتى همّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن ينصب المنجنيق «1» عليهم، فلما أيقنوا
(17/257)

بالهلكة سألوا الصلح، وأرسل ابن أبى الحقيق إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
أنزل فأكملك؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نعم» ، فنزل كنانة بن الربيع ابن أبى الحقيق فصالح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على حقن دماء من فى حصونهم من المقاتلة، وترك الذريّة لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم، ويخلّون بين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبين ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصفراء والبيضاء والكراع والحلقة «1» ، وعلى البزّ إلا ثوبا على ظهر إنسان؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وبرئت منكم ذمّة الله وذمّة رسوله إن كتمتونى شيئا» فصالحوه على ذلك. وكان عند كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق كنز بنى النضير، فسأله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عنه، فجحد أن يكون يعلم مكانه، وقال: نفد فى النفقة والحروب؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كان أكثر من ذلك» ، ثم جاء رجل من يهود إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: يا رسول الله، إنى رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لكنانة: «أرأيت إن وجدناه عندك، أقتلك؟» قال: نعم؛ فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقى، فأبى أن يؤدّيه، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الزّبير بن العوام به، فقال: «عذّبه حتى تستأصل ما عنده» ، فكان الزبير يقدح بزند فى صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة. ويقال:
كان ذلك بعد فتح حصن القموص، وقبل فتح الوطيح والسّلالم.
(17/258)

قال محمد بن إسحاق: ولما نزل أهل خيبر على الصلح سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يعاملهم فى الأموال على النّصف؛ «على أنا إذا شئنا [أن «1» ] نخرجكم أخرجناكم» ، قال: ولما سمع أهل فدك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم افتتح حصون خيبر بعثوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يسألونه أن يسيّرهم، وأن يحقن دماءهم، ويخلّوا له الأموال، ففعل؛ وكان ممن مشى بين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبينهم فى ذلك محيّصة بن مسعود أخو بنى حارثة، ثم سألوا أن يعاملهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على النّصف كما عامل أهل خيبر، فأجابهم إلى ذلك؛ «على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم» ؛ فكانت خيبر فيئا بين المسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب.
ولما افتتح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خيبر قدم عليه جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه من أرض الحبشة ومن كان بقى بها من المسلمين، فقبّله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين عينيه والتزمه، وقال: «ما أدرى بأيهما أنا أسرّ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر!» .
ذكر تسمية من استشهد من المسلمين فى غزوة خيبر
قالوا: استشهد من المسلمين فى غزوة خيبر تسعة عشر رجلا. من قريش وحلفائهم خمسة نفر، وهم رفاعة بن مسروح، من بنى أمية بن عبد شمس، ومن حلفائهم ربيعة بن أكثم بن سخبرة، وثقف بن عمرو بن سميط، ومن حلفاء بنى أسد
(17/259)

ابن عبد العزّى أبو عمير عبد الله بن الهبيب- ويقال ابن الهبيب- بن أهيب الليثىّ، ومسعود بن ربيعة، حليف لبنى زهرة، من القارة. ومن الأنصار أربعة عشر رجلا، وهم: بشر بن البراء بن معرور، مات من الشاة المسومة، وفضيل بن النعمان، ومسعود بن سعد بن قيس، ومحمود بن مسلمة، وأبو ضيّاح النعمان بن ثابت، والحارث بن حاطب، ممن شهد بدرا، وعروة بن مرّة بن سراقة، وأوس بن الفائد «1» ، وأنيف بن حبيب، وثابت بن إثلة «2» ، وطلحة، ومبشر، وعمارة بن عقبة، وعامر بن الأكوع الأسلمىّ، وكان قد برز له يهودى، فبرز إليه وهو يقول:
قد علمت خيبر أنى عامر ... شاكى السلاح بطل مغامر
واختلفا ضربتين، فوقع سيف اليهودىّ فى ترس عامر، ووقع سيف عامر عليه، فأصاب ركبة نفسه وساقه، فمات منها. قال سلمة بن الأكوع: فمررت على نفر من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهم يقولون: بطل عمل عامر؛ فأتيت نبى الله صلّى الله عليه وسلّم وأنا شاحب أبكى، فقلت: يا رسول الله، أبطل عمل عامر؟ فقال: «ومن قال ذلك؟» قلت: بعض أصحابك؛ قال: «كذب من قاله، بل له أجره مرّتين، إنه لجاهد مجاهد» .
واستشهد الأسود الراعى- واسمه أسلم، وهو من أهل خيبر- وكان من حديثه ما حكاه محمد بن إسحاق وأبو بكر البيهقى رحمهما الله: أنه أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو محاصر لبعض حصون خيبر، ومعه غنم كان فيها أجيرا لرجل من
(17/260)

يهود، فقال: يا رسول الله، اعرض علىّ الإسلام؛ فعرضه عليه، فقال: فماذا لى إن أنا شهدت وآمنت بالله؟ قال: «لك الجنة إن أنت متّ على ذلك» ، فأسلم وقال: يا رسول الله، إنى كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم، وهى أمانة عندى، فكيف أصنع بها؟ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أخرجها من عسكرنا، واحصب «1» وجوهها، فإن الله سيؤدى عنك أمانتك، وسترجع إلى ربّها» . ففعل الأسود وقال: ارجعى إلى صاحبك، فو الله لا أصحبك، فخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن. ثم تقدم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر فقتله، وما صلّى لله صلاة قطّ، فأتى به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فوضع خلفه، وسجّى بشملة كانت عليه، فالتفت إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثم أعرض عنه، فقالوا: يا رسول الله، لم أعرضت عنه؟ قال: «إن معه الآن زوجته من الحور العين» .
وقتل من يهود ثلاثة «2» وأربعون، منهم: الحارث أبو زينب، ومرحب، وأسير، وياسر، وعامر، وكنانة بن أبى الحقيق، وأخوه.
ذكر قسم غنائم خيبر
قال محمد بن سعد: أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالغنائم فجمعت، واستعمل عليها فروة بن عمرو البياضىّ، وأمر بذلك فجزّئ خمسة أجزاء، وكتب فى سهم منها لله، وسائر السّهمان أغفال، فكان أوّل ما خرج سهم النبى صلّى الله عليه وسلّم، وأمر ببيع الأربعة أخماس فيمن يزيد، فباعها فروة، وقسم ذلك بين
(17/261)

أصحابه؛ وكان الذى ولى إحصاء الناس زيد بن ثابت، فأحصاهم ألفا وأربعمائة رجل، والخيل مائتى فرس، فكانت السّهمان على ثمانية عشر سهما، لكل مائة سهم، وكان الخمس الذى صار إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعطى منه على ما أراه الله.
وقال محمد بن إسحاق: كانت المقاسم على أموال خيبر؛ على الشّق ونطاة والكتيبة، فكانت الكتيبة خمس الله، وسهم النبى صلّى الله عليه وسلّم وذوى القربى واليتامى والمساكين، وطعم أزواج النبى صلّى الله عليه وسلّم، وطعم رجال مشوا بين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وبين أهل فدك بالصلح، منهم محيّصة بن مسعود، أعطاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منها ثلاثين وسقا «1» من شعير، وثلاثين وسقا من تمر، وكانت الشق ونطاة فى سهمان المسلمين؛ قال: وقسمت خيبر على أهل الحديبية، من شهد منهم ومن غاب، ولم يغب عنها إلّا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقسم له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كسهم من حضرها. وقال: وكان وادياها: وادى السّرير ووادى خاص، وهما اللذان قسمت عليهما خيبر، فكانت نطاة والشّق ثمانية عشر سهما، نطاة خمسة أسهم، والشق ثلاثة عشر سهما، فقسمت الشق ونطاة على ألف سهم وثمانمائة سهم، فكان لكلّ سهم رأس جمع إليه مائة رجل؛ قال: ثم قسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الكتيبة- وهو وادى خاص- بين قرابته ونسائه ورجال من المسلمين ونساء أعطاهم منها. وروى بشير بن يسار قال: لما افتتح النبى صلّى الله عليه وسلّم خيبر أخذها عنوة، فقسمها على ستة وثلاثين سهما، فأخذ لنفسه ولنوائبه وما ينزل به ثمانية عشر سهما، وقسم بين الناس ثمانية عشر سهما. والله أعلم.
(17/262)

وروى أبو داود فى سنته بسنده إلى عقبة بن عامر أن النبى صلّى الله عليه وسلّم قال لرجل: «أترضى أن أزوّجك فلانة؟» قال: نعم؛ وقال للمرأة: «أترضين أن أزوّجك فلانا؟» قالت: نعم. فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا، وكان ممن شهد الحديبية، وكان من شهد الحديبية له سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زوجنى فلانة، ولم أفرض لها صداقا، ولم أعطها شيئا، وإنّى أشهد كم أنّى أعطيتها من صداقها سهمى بخيبر. فأخذت سهما فباعته بمائة ألف.
ذكر تسمية من قسم لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الكتيبة التى خرجت للخمس وما أعطاهم منها
قسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الكتيبة- وهو وادى خاص «1» - لفاطمة ابنته رضى الله عنهامائتى وسق، ولعلىّ بن أبى طالب مائة وسق، ولأسامة بن زيد مائتى وسق، وخمسين وسقا نوى، ولعائشة أم المؤمنين رضى الله عنها مائتى وسق، ولأبى بكر الصديق رضى الله عنه مائة وسق، ولعقيل بن أبى طالب مائة وسق وأربعين وسقا، ولبنى جعفر خمسين وسقا، ولربيعة بن الحارث مائة وسق، وللصلت بن مخرمة وابنيه مائة وسق؛ للصلت منها أربعون وسقا. وقال أبو عمر بن عبد البر فى ترجمة قاسم بن مخرمة بن المطلب: أعطاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولأخيه الصلت مائة وسق من خيبر، ولأبى نبقة خمسين وسقا، ولركانة بن عبد يزيد خمسين وسقا، ولابن القاسم بن مخرمة أربعين وسقا، ولبنات عبيدة بن الحارث وابنه الحصين بن الحارث مائة وسق، ولبنى عبيد بن عبد يزيد ستين وسقا، ولابن
(17/263)

أوس بن مخرمة ثلاثين وسقا، ولمسطح بن أثاثة وابن إلياس خمسين وسقا، ولأم رميثة أربعين وسقا، ولنعيم «1» بن هند ثلاثين وسقا، ولبحينة بنت الحارث ثلاثين وسقا، ولعجير بن عبد يزيد ثلاثين وسقا، ولأم الحكم «2» بنت الزبير بن عبد المطلب ثلاثين وسقا، ولجمانة بنت أبى طالب ثلاثين وسقا، ولعبد الله بن الأرقم الزهرى خمسين وسقا، ولعبد الرحمن بن أبى بكر أربعين وسقا، ولحمنة بنت جحش ثلاثين وسقا، ولأم الزبير أربعين وسقا، ولضباعة بنت الزبير أربعين وسقا، ولابن أبى خنيس ثلاثين وسقا، ولأم طالب أربعين وسقا، ولأبى نضرة عشرين وسقا، ولنميلة الكلبىّ خمسين وسقا، ولعبد الله بن وهب وابنيه تسعين وسقا، لابنيه منها أربعون وسقا، ولأم حبيب بنت جحش ثلاثين وسقا، ولملكو بن عبدة ثلاثين وسقا، ولنسائه صلّى الله عليه وسلّم سبعمائة وسق.
وقال ابن إسحاق أيضا: وقسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لنسائه من فتح خيبر مائة وسق وثمانين وسقا، ولفاطمة ابنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خمسة وثمانين وسقا، ولأسامة بن زيد أربعين وسقا، وللمقداد بن الأسود خمسة عشر وسقا، ولأمّ رميثة خمسة أوسق.
شهد عثمان بن عفان وعباس وكتب.
قال: وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يبعث عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر خارصا «3» بين المسلمين ويهود فيخرص عليهم، فإذا قالوا: تعديت علينا؛ قال:
إن شئتم فلكم، وإن شئتم قلنا؛ فتقول يهود: بهذا قامت السموات والأرض.
ولم يخرص عليهم عبد الله إلا عاما واحدا ومات.
(17/264)

وروى أبو داود رحمه الله فى سننه بسنده عن جابر بن عبد الله من رواية ابن جريج عن أبى الزبير عنه، قال: خرصها ابن رواحة أربعين ألف وسق، وإن اليهود لما خيرهم ابن رواحة أخذوا التمر وعليهم عشرون ألف وسق، ثم خرص «1» عليهم بعده جبّار بن صخر بن أمية بن خنساء، أخو بنى سلمة، فأقامت يهود على ذلك لا يرى بهم المسلمون بأسا فى معاملتهم، حتى عدوا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على عبد الله بن سهل، أخى بنى حارثة، فقتلوه، وكان قد خرج إليها فى أصحاب له يمتار «2» منها تمرا، فوجد فى عين قد كسرت عنقه، فاتهمهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمسلمون بقتله، وجاء أخوه عبد الرحمن بن سهل، وابنا عمه حويّصة ومحيّصة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فتكلم عبد الرحمن- وكان أصغرهم، وهو صاحب الدم- فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كبّر «3» كبّر» فسكت، وتكلم حويّصة ومحيّصة، ثم تكلم بعدهما، فذكروا قتل صاحبهم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أتسمّون قاتلكم ثم تحلفون عليه خمسين يمينا فنسلمه إليكم؟» قالوا: يا رسول الله، ما كنا لنحلف على ما لا نعلم؛ قال: «أفيحلفون بالله خمسين يمينا ما قتلوه، ولا يعلمون له قاتلا، ثم يبرءون من دمه؟» ، فقالوا: يا رسول الله، ما كنا لنقبل أيمان يهود، ما هم فيه من الكفر أعظم أن يحلفوا على إثم. قال: فوداه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمائة ناقة.
قال «4» : واستقرت خيبر بيد يهود على ما عاملهم عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مدة حياته، ثم أقرها أبو بكر رضى الله عنه بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأيديهم على المعاملة، ثم أقرهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه صدرا من خلافته،
(17/265)

ثم بلغه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال فى وجعه الذى قبضه الله فيه:
«لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان» ؛ ففحص عمر عن ذلك حتى بلغه الثبت، فأرسل إلى يهود، فقال: إن الله قد أذن فى إجلائكم، قد بلغنى أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان» فمن كان عنده عهد من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من اليهود فليأتنى به أنفذه له، ومن لم يكن له عهد منه فليتجهز للجلاء. فأجلى عمر بن الخطاب من لم يكن عنده عهد من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
هذا ما كان من أمر خيبر على سبيل الاختصار، فلنذكر ما اتفق بعد فتح خيبر مما يتعين إلحاقه بهذه الغزوة لتعلقه بها، فمن ذلك خبر الشاة التى سمّ فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد قدّمنا ذكر ذلك فى أخبار يهود، وهو فى الجزء الرابع عشر من هذه النسخة «1» ، ومنه خبر الحجاج بن علاط.
ذكر خبر الحجاج بن علاط وما أوصله إلى أهل مكة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى استوفى أمواله
قالوا: وكان الحجاج بن علاط السّلمىّ ثم البهزىّ أسلم وشهد خيبر مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما فتحت خيبر قال: يا رسول الله، إن لى بمكة ما لا عند صاحبتى أم شيبة بنت أبى طلحة، ومال مفرّق فى تجار أهل مكة، فأذن لى يا رسول الله.
فأذن له، فقال: إنه لا بدّ لى يا رسول الله من أن أقول. قال: «قل» ، قال الحجاج:
فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنيّة البيضاء «2» رجالا من قريش يستمعون الأخبار، ويسألون عن أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد بلغهم أنه قد سار
(17/266)

إلى خيبر، وقد عرفوا أنها قرية الحجاز؛ ريفا ومنعة ورجالا، فهم يتحسسون الأخبار، ويسألون الرّكبان، فلما رأونى قالوا: الحجاج بن علاط عنده والله الخبر؛ قال: ولم يكونوا قد علموا بإسلامى، فقالوا: أخبرنا يا أبا محمد، فإنه بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر، وهى بلد يهود وريف بالحجاز؛ قال: قلت: قد بلغنى ذلك وعندى من الخبر ما يسركم؛ فالتبطوا «1» بجنبى ناقتى يقولون: إيه يا حجاج! قال:
قلت: هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وقتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قط، وأسر محمد أسرا، وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة، فيقلتوه بين أظهرهم بمن أصاب من رجالهم. فقاموا وصاحوا بمكة، وقالوا: لقد جاءكم الخبر، وهذا محمد، إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم. قال: قلت: أعينونى على جمع مالى بمكة على غرمائى، فإنى أريد أن أقدم خيبر، فأصيب من فلّ «2» محمد وأصحابه قبل أن يسبقنى التجار إلى ما هنالك. قال: فقاموا فجمعوا لى مالى كأحثّ «3» جمع سمعت به. قال: وجئت صاحبتى فقلت: مالى- وقد كان لى عندها مال موضوع- لعلى الحق بخيبر، فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقنى التجار؛ قال:
فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر وجاءه عنّى، أقبل حتى وقف إلى جنبى وأنا فى خيمة من خيم «4» التجار، فقال: يا حجاج، ما هذا الخبر الذى جئت به؟
قال: قلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قال: نعم؛ قلت: فاستأخر عنى حتى أفرغ. قال: فلما فرغت من جمع كل شىء كان لى بمكة، وأجمعت الخروج لقيت العباس فقلت: احفظ علىّ حديثى يا أبا الفضل، فإنى أخشى الطلب ثلاثا، ثم قل ما شئت. قال: أفعل؛ قلت: فإنى والله تركت ابن أخيك
(17/267)

عروسا على بنت ملكهم- يعنى صفيّة بنت حيىّ بن أخطب- ولقد افتتح خيبر، وانتثل «1» ما فيها، وصارت له ولأصحابه؛ قال: ما تقول يا حجاج! قلت: إى والله، فاكتم عنى، ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ ما لى فرقا من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك، فهو والله على ما تحب. قال: وسرت حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلّة له، وتخلّق «2» وأخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى الكعبة، فطاف بها، فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل، هذا والله التجلّد لحرّ المصيبة؛ قال: كلا، والله الذى حلفتم به لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على ابنة ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها، فأصبحت له ولأصحابه. قالوا: من جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذى جاءكم بما جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلما فأخذ ماله، وانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه؛ قالوا: يا لعباد الله! انفلت عدوّ الله، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن. ولم يلبثوا أن جاءهم الخبر بذلك.
ذكر انصراف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن خيبر إلى وادى القرى، ونومهم عن صلاة الصبح
قالوا: ولما فرغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من خيبر انصرف إلى وادى القرى، فنزل به مع غروب الشمس، ومعه غلام له يقال له: مدعم؛ أهداه إليه رفاعة بن زيد الجذامىّ، فبينا هو يضع رحل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أتاه سهم غرب «3» فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«كلا والذى نفس محمد بيده إن شملته «4» لتحترق عليه فى النار» . كان غلّها
(17/268)

من فىء المسلمين يوم خيبر، فسمعها رجل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، أصبت شراكين لنعلين لى؛ فقال: «يقدّ لك مثلهما من النار» .
قال أبو بكر أحمد البيهقىّ رحمه الله بسند يرفعه إلى أبى هريرة رضى الله عنه، وساق نحو الحديث فى قتل مدعم، ثم قال: وكانت يهود قد ثوى إليها ناس من العرب، فاستقبلونا بالرّمى حيث نزلنا، ولم نكن على تعبئة، وهم يصيحون من آطامهم، فعبأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصحابه وصفّهم للقتال، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عبّاد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام، وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم، وحقنوا دماءهم، وحسابهم على الله. فبرز رجل منهم، فبرز إليه الزبير ابن العوام فقتله، ثم برز آخر، فبرز إليه على بن أبى طالب رضى الله عنه فقتله ثم برز آخر، فبرز إليه أبو دجانة الأنصارىّ رضى الله عنه فقتله، حتى قتل منهم اثنا «1» عشر رجلا، كلما قتل رجل منهم دعى من بقى إلى الإسلام. قال: ولقد كانت الصلاة تحضر يومئذ فيصلى بأصحابه، ثم يعود فيدعوهم إلى الله ورسوله، فقاتلهم صلّى الله عليه وسلّم حتى أمسى، وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم، وفتحها عنوة، وغنم أموالهم، وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا، فأقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بوادى القرى أربعة أيام، وقسم ما أصاب على أصحابه، وترك الأرض والنخل بأيدى يهود، وعاملهم عليها، فلما بلغ يهود تيماء ما كان من أمر خيبر وفدك ووادى القرى صالحوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الجزية،
(17/269)

وأقاموا بأيديهم أموالهم، ثم انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم راجعا إلى المدينة؛ فلما كان ببعض الطريق قال من آخر الليل: «من رجل يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام» ؟ وجاء فى الحديث: «من رجل يكلأ لنا الليل» ؟. فقال بلال:
أنا يا رسول الله. فنزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونزل الناس فناموا، وقام بلال يصلى، فصلى ما شاء الله أن يصلى، ثم استند إلى بعيره واستقبل الفجر يرمقه فغلبته عينه فنام، فلم يوقظهم إلا مسّ الشمس، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أول أصحابه استيقاظا، فقال: «ماذا صنعت بنا يا بلال» ؟ فقال: يا رسول الله أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك. قال: «صدقت» . ثم اقتاد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم [بعيره «1» ] غير كثير ثم أناخ، فتوضأ وتوضأ الناس، ثم أمر بلالا فأقام الصلاة «2» ، فصلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالناس، فلما سلّم أقبل على الناس فقال: «إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها، فإن الله عز وجل يقول: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)
«3» » .
وفى الحديث: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين استيقظ واستيقظ أصحابه أمرهم أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادى، وقال: «إن هذا واد به شيطان» فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادى، ثم أمرهم أن ينزلوا وأن يتوضئوا ... الحديث بنحو ما تقدم.
ذكر سريّة عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى تربة «4»
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شعبان سنة سبع من مهاجره فى ثلاثين رجلا إلى عجز هوازن بتربة- وهى ناحية العبلاء، على أربع ليال من مكة، طريق صنعاء ونجران- وهى ناحية العبلاء على أربع ليال من مكة، طريق صنعاء ونجران- فأتى الخبر هوازن فهربوا، وجاء عمر محالّهم «5» فلم يلق بها أحدا.
فانصرف راجعا إلى المدينة.
(17/270)

ذكر سرية أبى بكر الصديق رضى الله عنه إلى بنى كلاب بنجد بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شعبان سنة سبع من مهاجره.
روى عن سلمة بن الأكوع قال: غزوت مع أبى بكر رضى الله عنه إذ بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علينا، فسبى ناسا من المشركين فقتلناهم، وكان شعارنا:
أمت أمت. قال: فقتلت بيدى سبعة أهل أبيات من المشركين. وعنه أيضا قال: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبا بكر إلى فزارة. وهذا الذى صححه مسلم. وعن إياس بن مسلمة بن الأكوع قال: حدثنى أبى قال: غزونا فزارة وعلينا أبو بكر رضى الله عنه، أمّره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علينا، فلما كان بينه وبين القوم ساعة أمرنا أبو بكر فعرّسنا «1» ، ثم شنّ الغار فورد الماء، فقتل من قتل وسبى من سبى. ثم [قال «2» سلمة: فرأيت عنقا «3» ] من الناس فيهم الذرارىّ، فخشيت أن يسبقونى إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، فجئت بهم أسوقهم، وفيهم امرأة من بنى فزارة، معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر رضى الله عنه فنفلنى ابنتها، فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبا، فلقينى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى السوق، فقال:
«يا سلمة، هب لى المرأة» . فقلت: يا رسول الله، قد أعجبتنى وما كشفت لها ثوبا؛ ثم لقينى من الغد فى السوق، فقال: «يا سلمة، هب لى المرأة، لله أبوك!» .
فقلت: هى لك يا رسول الله؛ فبعث بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى أهل مكة، ففدى بها ناسا من المسلمين كانوا أسروا بمكة. روى هذا الحديث مسلم.
(17/271)

ذكر سريّة بشير بن سعد الأنصارى إلى فدك
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شعبان سنة سبع من مهاجره فى ثلاثين رجلا إلى بنى مرّة بفدك، فخرج فلقى رعاء الشاء، فسأل عن الناس فقيل:
فى نواديهم، فاستاق النّعم والشاء، وانحدر إلى المدينة، فخرج الصريخ فأخبرهم فأدركهم «1» الدّهم «2» منهم عند الليل، فباتوا يرمونهم بالنبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير وأصبحوا، فحمل المرّبون عليهم فأصابوا أصحاب بشير، وقاتل بشير حتى ارتثّ «3» وضرب كعبه، وقيل: قد مات. ورجعوا بنعمهم وشائهم، وقدم علبة بن زيد الحارثى يخبرهم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم قدم بعده بشير بن سعد.
ذكر سريّة غالب بن عبد الله الليثى إلى الميفعة
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شهر رمضان سنة سبع من مهاجره إلى بنى عوال «4» ، وبنى عبد بن ثعلبة، وهم بالميفعة، وهى وراء بطن نخل إلى النّقرة قليلا بناحية نجد، وبينها وبين المدينة ثمانية برد.
بعثه فى مائة وثلاثين رجلا، ودليلهم يسار، مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فهجموا عليهم جميعا، ووقعوا وسط محالّهم، فقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا نعما وشاء فحدروه إلى المدينة، ولم يأسروا أحدا. وفى هذه السرية قتل أسامة بن زيد الرجل الذى قال لا إله إلا الله، وهو نهبك بن مرداس بن ظالم من بنى ذبيان بن بغيض، وقال ابن إسحاق: مرداس بن نهيك؛ حليف لهم من الحرقة من جهينة.
ونقل أبو عمر بن عبد البر أنه عامر بن الأضبط الأشجعىّ، وأن رسول الله صلّى الله
(17/272)

عليه وسلّم وداه. قال أسامة: أدركته أنا ورجل من الأنصار، فلمّا شهرنا عليه السلاح قال: أشهد أن لا إله إلّا الله؛ فلم ننزع عنه حتّى قتلناه، فلمّا قدمنا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخبرناه خبره؛ فقال: «يا أسامة، من لك بلا إله إلا الله؟ قال: قلت: يا رسول الله، إنه إنما قالها تعوّذا من القتل؛ قال:
«فمن لك بها يا أسامة» ؟ قال: فو الّذى بعثه بالحقّ إنه ما زال يردّدها علىّ حتّى لوددت أنّ ما مضى من إسلامى لم يكن، وكنت أسلمت يومئذ، وأنّى لم أقتله. قال: قلت: أنظرنى يا رسول الله، إنى أعاهد الله ألّا أقتل رجلا يقول: «لا إله إلا الله» أبدا. قال: «يقول بعدى يا أسامة» ، قلت: بعدك، وفى بعض طرق هذا الحديث أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لأسامة حين قال: «يا رسول الله، إنما قالها تعوّذا من القتل» «هلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب» !.
ذكر سريّة بشير بن سعد الأنصارىّ إلى يمن «1» وجبار «2»
كانت هذه السريّة فى شوّال سنة سبع من مهاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلغه أن جمعا من غطفان بالجناب «3» قد واعدهم عيينة بن حصن ليكون معهم ليزحفوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فدعا بشير بن سعد فعقد له لواء، وبعث معه ثلاثمائة رجل، فساروا حتى أتوا يمن وجبار، وهو نحو الجناب- والجناب يعارض سلاح «4» وخيبر ووادى القرى- فدنوا
(17/273)

من القوم فأصابوا لهم نعما كثيرا، وتفرّق الرّعاء فحدّروا الجمع، فتفرّقوا ولحقوا بعلياء بلادهم، وخرج بشير بن سعد فى أصحابه حتى أتى محالّهم فلم يجد فيها أحدا، فرجع بالنّعم، وأصاب منهم رجلين، فأسرهما وقدم بهما المدينة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأسلما، فأرسلهما صلّى الله عليه وسلّم.
ذكر سريّة ابن أبى العوجاء السّلمىّ إلى بنى سليم
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى ذى الحجّة سنة سبع من مهاجره فى خمسين رجلا إلى بنى سليم، وذلك بعد انصراف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مكة بعد عمرة القضاء، فخرج إليهم وتقدّمه عين لهم كان معه، فحذّرهم، فتجمّعوا، فأتاهم ابن أبى العوجاء وهم معدّون له، فدعاهم إلى الإسلام، فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا إليه. فتراموا ساعة بالنّبل، وجعلت الأمداد تأتى حتى أحدقوا بهم من كلّ ناحية، فقاتل القوم قتالا شديدا حتى قتل عامّتهم، وأصيب ابن أبى العوجاء جريحا مع القتلى، ثم تحامل حتّى بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقدموا المدينة فى أوّل يوم من صفر سنة ثمان من الهجرة.
ذكر سريّة غالب بن عبد الله الليثىّ إلى بنى الملوح بالكديد «1»
كانت فى صفر سنة ثمان من مهاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. روى عن جندب بن مكيث الجهنىّ قال: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غالب ابن عبد الله الليثىّ، ثم أحد بنى كلب بن عوف فى سريّة، فكنت فيهم، وأمرهم أن يشنّوا الغارة على بنى الملوّح بالكديد- وهم من بنى ليث- قال: فخرجنا
(17/274)

حتى إذا كنا بقديد «1» لقينا الحارث بن البرصاء، فأخذناه، فقال: إنما جئت أريد الإسلام. قلنا: إن تكن مسلما لم يضررك رباطنا يوما وليلة. قال: فشددناه وثاقا، وخلّفنا عليه رويجلا منّا أسود، وسرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس، فكمنّا فى ناحية الوادى، وبعثنى أصحابى ربيئة «2» ، فخرجت حتى آتى تلّا مشرفا على الحاضر «3» ، فاستندت فيه، فعلوت فى رأسه، فنظرت إلى الحاضر، فو الله إنّى لمنبطح على التلّ إذ خرج رجل منهم من خبائه، فقال لامرأته: إنى لأرى على التلّ سوادا ما رأيته فى أوّل يومى، فانظرى إلى أوعيتك، هل تفقدين منها شيئا؟
لا تكون الكلاب جرّت بعضها قال: فنظرت، فقالت: لا والله ما أفقد شيئا. قال:
فناولينى قوسى وسهمين، فناولته، فأرسل سهما فو الله ما أخطأ جنبى، فأنزعه فأضعه، وثبّت مكانى، ثم أرسل الآخر فوضعه فى منكبى، فأنزعه فأضعه، وثبتّ مكانى، فقال لامرأته: لو كان ربيئة لقد تحرّك، لقد خالطه سهماى لا أبا لك! فإذا أصبحت فابتغيهما فخذيهما لا تمضغهما الكلاب؛ قال: ثمّ دخل، وأمهلناهم حتى اطمأنّوا وتأمّوا- وكان وجه السّحر- شننّا عليهم الغارة، واستقنا النعم، فخرج صريخ القوم فى قومهم، فجاء ما لا قبل لنا به، فخرجنا بها نحدرها حتى مررنا بابن البرصاء فاحتملناه واحتملنا صاحبنا، وأدركنا القوم حتّى نظروا إلينا، ما بيننا وبينهم إلّا الوادى- وادى قديد- فأرسل الله تعالى الوادى بالسّيل من حيث شاء تبارك وتعالى من غير سحابة نراها ولا مطر، فجاء بشىء ليس لأحد به قوّة، ولا يقدر على أن يجاوزه، فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا، وإنّا لنسوق نعمهم
(17/275)

ما يستطيع رجل منهم أن يجيز إلينا، ونحن نحدوها سراعا حتى فتناهم، فلم يقدروا على طلبنا، قال: فقدمنا بها على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
قال ابن سعد: وكانوا بضعة عشر رجلا، وكان شعارهم يومئذ: أمت أمت!
ذكر سريّة غالب بن عبد الله الّليثى أيضا إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك
كانت فى صفر سنة ثمان من هجرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد هيّأ الزبير بن العوّام رضى الله عنه، وقال له:
«سر حتى تنتهى إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد، فإن أظفرك الله بهم فلا تبق فيهم» ، وهيّأ معه مائتى رجل، وعقد له لواء، فقدم غالب بن عبد الله من الكديد، وقد أظفره الله، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للزبير:
«اجلس» . وبعث غالب بن عبد الله فى مائتى رجل، فيهم أسامة بن زيد، فسار حتى انتهى إلى مصاب أصحاب بشير، فأصابوا نعما، وقتلوا قتلى.
ذكر سريّة شجاع بن وهب الأسدىّ إلى بنى عامر بالسّىّ «1»
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شهر ربيع الأوّل سنة ثمان من الهجرة فى أربعة وعشرين رجلا إلى جمع من هوازن بالسّىّ، من ناحية ركبة «2» ، من وراء المعدن «3» ، وهى من المدينة على خمس ليال، وأمره أن يغير عليهم، فسار حتى صبّحهم وهى غارّون، فأصابوا نعما كثيرا وشاء، فاستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة، وغابت هذه السريّة خمس عشرة ليلة.
(17/276)

ذكر سريّة كعب بن عمير الغفارىّ إلى ذات أطلاح «1»
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شهر ربيع الأوّل سنة ثمان من الهجرة فى خمسة عشر رجلا، فساروا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح، من أرض الشام، وهى من وراء وادى القرى، فوجدوا جمعا كثيرا من جمعهم، فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنّبل، فلمّا رأى ذلك أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قاتلوهم أشدّ القتال حتى قتلوا، وأفلت منهم رجل جريح، فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره الخبر، فشقّ ذلك عليه، وهمّ بالبعث إليهم، فبلغه أنهم قد ساروا إلى مواضع أخر، فتركهم.
ذكر سريّة مؤتة
ومؤتة «2» بأدنى البلقاء بالقرب من الكرك «3» .
كانت هذه السريّة فى جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة. وسبب بعث هذه السريّة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث الحارث بن عمير الأزدىّ إلى ملك بصرى بكتاب، فلمّا نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغسّانىّ، فقتله، ولم يقتل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم رسول غيره، فاشتدّ ذلك عليه، وندب الناس فأسرعوا وعسكروا بالجرف «4» ، وهم ثلاثة آلاف،
(17/277)

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أمير القوم زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبى طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتض المسلمون بينهم رجلا فيجعلوه عليهم» ، وعقد لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لواء أبيض وسلّمه إلى زيد بن حارثة، وأوصاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام «إن أجابوا، وإلّا فاستعينوا عليهم بالله وقاتلوهم» ، وخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مشيّعا لهم حتّى بلغ ثنيّة الوداع «1» ، فوقف وودّعهم وانصرف عنهم. فقال عبد الله بن رواحة:
خلف السلام على امرئ ودّعته ... فى النّخل خير مودّع «2» وخليل
فلمّا ساروا من معسكرهم نادى المسلمون: دفع الله عنكم، وردّكم صالحين غانمين!.
فقال ابن رواحة:
لكنّنى أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزّبدا «3»
فى أبيات «4» أخر.
قال: فلمّا فصلوا «5» من المدينة سمع العدوّ بمسيرهم، فجمعوا لهم، وقام فيهم شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف، وقدّم الطلائع أمامه،
(17/278)

وقد نزل المسلمون معان «1» من أرض الشام، وبلغ الناس أن هرفل قد نزل مآب «2» من أرض البلقاء فى مائة ألف من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام والقين، عليهم رجل من بلىّ ثم أحد إراشة؛ يقال له: مالك بن زافلة «3» ، فأقاموا ليلتين لينظروا فى أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فشجّعهم عبد الله ابن رواحة، وقال: يا قوم، والله إنّ التى تكرهون للّتى خرجتم تطلبون؛ الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوّة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدّين الذى أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنّما هى إحدى الحسنين: إمّا ظهور «4» ، وإمّا شهادة. فقال الناس:
قد والله صدق ابن رواحة. قال: فمضى الناس حتّى إذا كانوا بتخوم «5» البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها المشارف، ثم دنا العدوّ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة «6» ، ووافاهم المشركون، فجاء منهم ما لا قبل لأحد به من العدد والسلاح والكراع «7» والدّيباج والحرير والذهب
(17/279)

فعبّأ المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بنى عدرة يقال له: قطبة بن قتادة، وعلى مسيرتهم رجلا من الأنصار يقال له: عباية بن مالك- ويقال: عبادة- ثم التقوا واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة رضى الله عنه براية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى قتل طعنا بالرماح، ثم أخذ الراية جعفر بن أبى طالب، فنزل عن فرس له شقراء فعرقبها «1» ، فكانت أوّل فرس عرقبت فى الإسلام، وقاتل حتى قتل، ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين فوجد فى أحد نصفيه بضعة وثمانون جرحا، ووجدنا فيما أقبل من بدنه «2» اثنتين وسبعين ضربة بسيف «3» وطعنة برمح.
وحكى أبو محمد عبد الملك بن هشام أن جعفر بن أبى طالب أخذ اللّواء بيمينه فقطعت يده، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله تعالى بذلك جناحين فى الجنّة يطير بهما حيث شاء.
وقال محمد بن إسحاق: كان جعفر يقاتل وهو يقول:
يا حبّذا الجنّة واقترابها ... طيّبة وباردا شرابها
والرّوم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها
علىّ إن لاقيتها ضرابها
قال: ولمّا قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الرّاية، ثم تقدّم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه «4» ويتردّد بعض التردّد، ثم قال:
أقسمت يا نفس لتنزلنّه ... لتنزلنّ أو لتكرّهنّه
(17/280)

إن أجلب الناس وشدّ والرّنّة «1» ... مالى أراك تكرهين الجنّة
قد طال ما قد كنت مطمئنّة ... هل أنت إلّا نطفة فى شنّة «2»
وقال أيضا رضى الله عنه:
يا نفس إلّا تقتلى تموتى ... هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنّيت فقد أعطيت ... إن تفعلى فعلهما هديت
وإن تولّيت فقد شقيت
يريد بقوله: «فعلهما» صاحبيه زيدا وجعفرا؛ ثم نزل. فأتاه ابن عمّ له بعرق «3» من لحم، فقال: شدّ بهذا صلبك، فإنّك قد لقيت فى أيّامك هذه ما لقيت.
فأخذه من يده فانتهس «4» منه نهسة، ثم سمع الحطمة «5» من ناحية الناس، فقال: وأنت فى الدنيا! ثم ألقاه من يده، وأخذ سيفه وتقدّم، فقاتل حتى قتل.
ثم أخذ الراية ثابت بن أرقم، وقال: يا معشر الناس «6» ، اصطلحوا على رجل منكم؛ فقالوا: أنت؛ قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلمّا أخذ الراية دافع القوم، وحاشى «7» بهم، ثم انحاز وانحيز عنه، وانكشف. فكانت
(17/281)

الهزيمة، فتبعهم المشركون، فقتل من قتل من المسلمين، ورفعت الأرض لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى نظر إلى معترك القوم، فلما أخذ خالد بن الوليد اللواء قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الآن حمى الوطيس «1» » .
قال محمد بن إسحاق: ولمّا أصيب القوم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا» ، ثم صمت حتى تغيّرت وجوه الأنصار، وظنّوا أنّه قد كان فى عبد الله ابن رواحة بعض ما يكرهون؛ فقال: «ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا» .
قال ابن إسحاق: وكان قطبة بن قتادة العذرىّ حمل على مالك بن زافلة فقتله وهو على المائة ألف الّتى اجتمعت من العرب، فقال فى ذلك:
طعنت ابن زافلة بن الإراش ... برمح مضى فيه ثمّ انحطم «2»
ضربت على جيده ضربة ... فمال كما مال غصن السلم «3»
قال: ولمّا سمع أهل المدينة بإقبال جيش مؤتة تلقّوهم بالجرف، فجعل الناس يحثون فى وجوههم التراب ويقولون: يا فرّار، فررتم فى سبيل الله؟ فيقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ليسوا بفرّار، ولكنّهم كرّار إن شاء الله» .
(17/282)

ذكر تسمية من استشهد من المسلمين يوم مؤتة
استشهد من قريش ومواليهم أربعة نفر، وهم: جعفر بن أبى طالب، وزيد ابن حارثة مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومسعود بن الأسود بن حارثة ابن نضلة، ووهب بن سعد بن أبى سرح. واستشهد من الأنصار: عبد الله ابن رواحة، وعبّاد بن قيس، والحارث بن النعمان بن إساف، وسراقة بن عمرو وأبو كليب وجابر ابنا عمرو بن زيد، وعمرو وعامر ابنا سعد بن الحارث بن عبّاد، رضوان الله عليهم أجمعين.
ذكر سريّة عمرو بن العاص إلى ذات السّلاسل «1»
وهى وراء وادى القرى، وبينها وبين المدينة عشرة أيام، وكانت فى جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة. وسبب بعث هذه السريّة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلغه أنّ جمعا من قضاعة قد تجمّعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف «2» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فدعا عمرو بن العاص فعقد له لواء أبيض، وجعل معه راية سوداء، وبعثه فى ثلاثمائة من سراة «3» المهاجرين والأنصار، ومعهم ثلاثون فرسا، وأمره أن يستعين بمن يمرّ به من بلىّ «4» وعدرة وبلقين، فسار الليل وكمن النهار، فلمّا قرب من القوم بلغه أنّ لهم جمعا كثيرا، فبعث رافع بن مكيث «5» الجهنىّ
(17/283)

إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يستمدّه، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجرّاح فى مائتين، وعقد له لواء، وبعث معه سراة المهاجرين والأنصار، وفيهم أبو بكر وعمر، وأمره أن يلحق بعمرو، وأن يكونا جميعا ولا يختلفا، فلحق بعمرو؛ فأراد أبو عبيدة أن يؤمّ الناس، فقال عمرو: إنما قدمت علىّ مددا، وأنا الأمير، فأطاع له بذلك أبو عبيدة «1» ، وسار حتى وطئ بلاد بلىّ، ودوّخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عذرة وبلقين، ولقى فى آخر ذلك جمعا، فحمل عليهم المسلمون، فهربوا فى البلاد وتفرّقوا، ثم قفل وبعث عوف بن مالك الأشجعىّ بريدا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ فأخبره بقفولهم وسلامتهم وما كان فى غزاتهم.
ذكر سريّة أبى عبيدة بن الجرّاح، وهى سريّة الخبط «2»
بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبا عبيدة بن الجرّاح فى شهر رجب سنة ثمان من الهجرة فى ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار، وفيهم عمر بن الخطّاب- رضى الله عنه- إلى حىّ من جهينة بالقبليّة مما يلى ساحل البحر، وبينها وبين المدينة خمس ليال، فأصابهم فى الطريق جوع شديد، فأكلوا الخبط، وابتاع قيس بن سعد جزورا ونحرها لهم.
روى عن عبادة بن الصامت قال: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سريّة إلى سيف «3» البحر، عليهم أبو عبيدة بن الجرّاح، وزوّدهم جرابا من تمر، فجعل يقوتهم إيّاه حتى صاروا إلى أن يعدّه لهم عدّا، ثم نفد التمر حتى كان يعطى كلّ رجل منهم كلّ يوم تمرة، فقسمها يوما بيننا، فنقصت تمرة عن رجل، قال: فوجدنا فقدها ذلك
(17/284)

اليوم، فلمّا جهدنا الجوع أخرج الله لنا دابّة «1» من البحر فأصبنا من لحمها وودكها، «2» فأقمنا عليها عشرين ليلة حتى سمنّا وابتللنا «3» ، وأخذ أميرنا ضلعا من أضلاعها فوضعه على طريقه، ثم أمر بأجسم بعير معنا فحمل عليه أجسم رجل منّا، فخرج من تحتها وما مسّت رأسه، فلمّا قدمنا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخبرناه خبرها، وسألناه عمّا صنعنا فى ذلك من أكلنا إيّاها، فقال: «رزق رزقكموه الله» .
قال ابن سعد: وانصرفوا ولم يلقوا كيدا.
ذكر سريّة أبى قتادة بن ربعىّ الأنصارىّ إلى خضرة وهى أرض محارب بنجد
قالوا: بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شعبان سنة ثمان من الهجرة ومعه خمسة عشر رجلا إلى غطفان، وأمره أن يشنّ عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار، فهجم على حاضر منهم عظيم، فأحاط به، فصرخ رجل منهم: يا خضرة وقاتل منهم رجال، فقتلوا من أشرافهم «4» ، واستاقوا النّعم، فكانت الإبل مائتى بعير، والغنم ألفى شاة، وسبوا سبيا كثيرا، وجمعوا الغنائم، فأخرجوا الخمس، وقسموا ما بقى على السريّة، فأصاب كلّ رجل منهم اثنا عشر بعيرا، وعدل البعير بعشر من
(17/285)

الغنم، وصارت فى سهم أبى قتادة جارية وضيئة، فاستوهبها منه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فوهبها له، فوهبها صلّى الله عليه وسلّم لمحميّة بن جزء. وغابوا فى هذه السريّة خمس عشرة ليلة.
ذكر سريّة أبى قتادة بن ربعىّ الأنصارىّ إلى بطن إضم
كانت هذه السريّة فى أوّل شهر رمضان سنة ثمان من هجرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
قالوا: لمّا همّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بغزو أهل مكّة بعث أبا قتادة فى ثمانية نفر سريّة إلى بطن إضم- وهى فيما بين ذى خشب وذى المروة وبينها وبين المدينة ثلاثة برد- ليظنّ ظانّ أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم توجّه إلى تلك الناحية، ولأن تذهب بذلك الأخبار، وكان فى السريّة محلّم بن جثّامة اللّيثى، فمرّ عامر بن الأضبط الأشجعىّ، فسلّم بتحيّة الإسلام، فأمسك عنه القوم، وحمل عليه محلّم بن جثّامة فقتله لشىء كان بينهما، وسلبه بعيره ومتاعه، فلمّا لحقوا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم نزل فيهم من القرآن قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ «1» )
الآية. فمضوا ولم يلقوا جمعا فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذى خشب، فبلغهم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد توجّه إلى مكّة، فأخذوا على يين «2» ، حتى لقوا النبىّ صلّى الله عليه وسلّم بالسّقيا.
(17/286)

ذكر غزوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عام الفتح والسبب الّذى أوجب نقض العهد وفسخ الهدنة
كانت هذه الغزوة فى شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعلى رأس اثنين وعشرين شهرا من صلح الحديبية.
وسبب ذلك أنّه لمّا دخل شعبان من هذه السنة كلّمت بنو نفاثة- وهم من بنى بكر- أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالرّجال والسلاح، وكانت خزاعة قد دخلت فى عقد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعهده يوم الحديبية كما قدّمنا ذكر ذلك، ودخلت بنو بكر فى عقد قريش وعهدها، قالوا: فلمّا سألوهم ذلك وعدوهم ووافوهم بالوتير «1» متنكّرين متنقّبين، فيهم صفوان بن أميّة، وحويطب بن عبد العزّى، ومكرز بن حفص بن الأخيف، فبيّتوا خزاعة ليلا، وهم غارّون «2» آمنون فقتلوا منهم عشرين رجلا، ثم ندمت قريش على ما صنعت، وعلموا أن هذا نقض للمدّة والعهد الّذى بينهم وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وخرج عمرو بن سالم الخزاعىّ فى أربعين راكبا من خزاعة، فقدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخبرونه بالّذى أصابهم ويستنصرونه.
قال ابن إسحاق: قدم عمرو بن سالم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة، فوقف ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالس فى المسجد بين ظهرانى الناس، فقال:
يا ربّ إنّى ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا «3»
قد كنتم ولدا وكنّا والدا ... ثمّت أسلمنا فلم ننزع يدا «4»
(17/287)

فانصر هداك الله نصرا أبدا «1» ... وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجرّدا ... إن سيم خسفا وجهه تربّدا «2»
فى فيلق «3» كالبحر يجرى مزبدا ... إن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكّدا ... وجعلوا لى فى كداء رصّدا «4»
وزعموا أن لست أدعو أحدا ... وهم أذلّ وأقلّ عددا
هم بيّتونا بالوتير هجّدا ... وقتّلونا ركّعا وسجّدا «5»
يقول: قتلنا وقد أسلمنا، ويروى بدل قوله: ... قد كنتم ولدا وكنّا والدا
نحن ولدناكم فكنت ولدا
قال: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نصرت يا عمرو بن سالم» .
وروى محمد بن سعد فى طبقاته، قال: فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يجرّ رداءه ويقول: «لا نصرت إن لم أنصر بنى كعب ممّا أنصر منه نفسى» .
ثم عرض له سحاب، فقال: إن هذا السحاب ليستهلّ بنصر بنى كعب.
قال محمد بن إسحاق: وقدم بديل بن ورقاء فى نفر من خزاعة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأخبره بما أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بنى بكر عليهم
(17/288)

ثم انصرفوا راجعين إلى مكّة، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه:
«كأنّكم بأبى سفيان قد جاءكم ليشدّ العقد ويزيد فى المدّة» ، ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه حتى لقوا أبا سفيان بن حرب بعسفان «1» ، قد بعثته قريش إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليشدّ العقد، ويزيد فى المدّة، فقال له أبو سفيان: من أين أقبلت يا بديل؟ قال: تسيّرت فى خزاعة فى هذا الساحل وفى بطن هذا الوادى؛ قال: أو ما جئت محمّدا؟ قال: لا، وفارقه، فقال أبو سفيان: لئن كان بديل جاء إلى يثرب لقد علف النوى بها، فأتى مبرك راحلته فأخذ من بعرها ففتّه، فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمّدا؛ ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فدخل على ابنته أمّ حبيبة، وذهب ليجلس على فراش النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فطوته، فقال: يا بنيّة، ما أدرى أرغبت بى عن هذا الفراش، أم رغبت به عنّى، قالت: بل هو فراش رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحبّ أن تجلس على فراش رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ فقال: والله لقد أصابك بعدى يا بنيّة شرّ، ثم خرج حتّى أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فكلّمه، فلم يردّ عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبى بكر وكلّمه أن يكلّم «2» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: ما أنا بفاعل؛ ثم أتى عمر بن الخطّاب فكلّمه، فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فو الله لو لم أجد إلّا الذّرّ لجاهدتكم به؛ ثم دخل على علىّ بن أبى طالب، وعنده فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعندها الحسن ابنها غلام يدب بين يديها، فقال: يا علىّ،
(17/289)

إنّك أمسّ القوم بى رحما، وإنى قد جئت فى حاجة فلا أرجعنّ «1» كما جئت خائبا، فاشفع لى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أمر ما نستطيع أن نكلّمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمّد، هل لك أن تأمرى بنيّك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بنىّ ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ فقال: يا أبا الحسن، إنى أرى الأمور قد اشتدّت علىّ، فانصحنى، قال: والله ما أعلم شيئا يغنى عنك، ولكنّك سيّد بنى كنانة. فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيا عنّى شيئا؟ قال: لا والله، ما أظنّه، ولكن لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان فى المسجد فقال: أيّها الناس، إنّى قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره وانطلق، فلمّا قدم مكّة على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا فكلّمته، فو الله ما ردّ علىّ شيئا، ثم جئت ابن أبى قحافة فلم أجد فيه خيرا، ثم جئت ابن الخطّاب فوجدته أعدى العدوّ، ثمّ جئت «2» عليّا فوجدته ألين القوم، وقد أشار علىّ بشىء صنعته، فو الله ما أدرى هل يغنى شيئا أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرنى أن أجير بين الناس، ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا؛ قالوا:
ويلك، والله إن زاد الرجل على أن لعب منك «3» ، فما يغنى عنك ما فعلت «4» ، ثم تجهّز
(17/290)

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأخفى مقصده، ثم أعلم الناس أنه سائر إلى مكّة، وامرهم بالجدّ والتهيّؤ، وقال: «اللهمّ خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها فى بلادها» . والله المعين.
ذكر خبر حاطب بن أبى بلتعة فى كتابه إلى أهل مكّة، وإعلام الله تعالى نبيّه صلّى الله عليه وسلّم بذلك، وأخذه الكتاب، وما أنزل الله عزّ وجلّ فى ذلك من القرآن
قال: ولمّا أجمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المسير إلى مكّة كتب حاطب ابن أبى بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذى أجمع عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الأمر فى المسير إليهم، ثم أعطاه امرأة يقال إنها من مزينة- وقيل: هى سارة مولاة لبعض بنى عبد المطلب- وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فجعلته فى رأسها ثم قتلت عليه قرونها وخرجت به، وأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علىّ بن أبى طالب، والزبير بن العوّام رضى الله عنهما، وقال: أدركا امرأة قد كتب معها حاطب كتابا إلى قريش يحذّرهم ما قد أجمعنا فى أمرهم، فخرجا فأدركاها بالخليفة، خليفة بنى أبى أحمد، فاستنزلاها والتمسا فى رحلها فلم يجدا شيئا، فقال لها علىّ: أحلف بالله لتخرجنّ لنا هذا الكتاب أو لنفتّشنّك، فقالت: أعرض عنّى، فأعرض، فحلّت قرون «1» رأسها فاستخرجت الكتاب ودفعته إليه، فأتيا به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فدعا حاطبا فقال:
«ما حملك على هذا» ؟. قال: يا رسول الله، أما والله إنى لمؤمن بالله وبرسوله، ما غيّرت
(17/291)

وما بدّلت، ولكنّنى امرؤ ليس لى فى القوم من أصل ولا عشيرة، ولى بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم، فقال عمر: يا رسول الله، دعنى أضرب عنقه، فإنّ الرجل قد نافق، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وما يدريك يا عمر، لعلّ الله قد اطّلع على أصحاب بدر يوم بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» .
هذه رواية محمد بن إسحاق.
وقال الشيخ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبىّ رحمه الله: إن المرأة سارة مولاة عمرو بن صيفىّ بن هاشم بن عبد مناف، وإنها أتت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مكّة إلى المدينة ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتجهّز لفتح مكة، فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أمسلمة جئت» ؟ قالت: لا. قال: «أمهاجرة جئت» ؟ قالت: لا؛ قال: «فما حاجتك» ؟ قالت: كنت كثيرة العشيرة والأصل والموالى، وقد ذهبت موالى، واحتجت حاجة شديدة، فقدمت عليكم لتعطونى وتكسونى وتحملونى. قال لها: «فأين أنت من شباب أهل مكّة» ، وكانت مغنيّة نائحة، قالت: ما طلب منّى شىء بعد وقعة بدر: فحثّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم بنى عبد المطّلب وبنى المطّلب فكسوها وحملوها وأعطوها نفقة؛ فأتاها حاطب بن أبى بلتعة حليف بنى أسد بن عبد العزّى، فكتب معها إلى أهل مكّة كتابا، وأعطاها عشرة دنانير.
قال الثعلبىّ: هذه رواية زاذان عن ابن عبّاس رضى الله عنهما، قال: وقال مقاتل بن حيّان: أعطاها عشرة دراهم وكساها بردا على أن توصل الكتاب إلى أهل مكّة، وكتب فى الكتاب: «من حاطب بن أبى بلتعة إلى أهل مكّة، إن
(17/292)

رسول الله يريدكم، فخذوا حذركم» . فخرجت سارة، ونزل جبريل، فأخبر النبىّ صلّى الله عليه وسلّم بما فعل حاطب، فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّا، وعمر، والزبير، وطلحة، وعمارا، والمقداد بن الأسود، وأبا مرثد، وكانوا كلّهم فرسانا، وقال لهم:
«انطلقوا حتّى تأتوا روضة خاخ «1» فإنّ بها ظعينة معها كتاب من حاطب بن أبى بلتعة إلى المشركين، فخذوه منها، وخلّوا سبيلها، وإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها» فخرجوا حتى أدركوها فى ذلك المكان الّذى قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت بالله ما معها كتاب، فبحثوها، وفتّشوا متاعها فلم يجدوا معها كتابا، فهمّوا بالرجوع، فقال علىّ رضى الله عنه: والله ما كذبنا ولا كذبنا، وسلّ سيفه، وقال لها: أخرجى الكتاب وإلّا والله لأجردنّك، ولأضربنّ عنقك، فلمّا رأت الجدّ أخرجته من ذوائبها قد خبأته فى شعرها، فخلّوا سبيلها، ولم يتعرّضوا لما معها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأرسل إلى حاطب فأتاه، فقال له: «هل تعرف الكتاب» ؟ قال: نعم، قال:
«ما حملك على ما صنعت» ؟ فقال: يا رسول الله، ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك من نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلّا وله بمكة من يمنع عشيرته، وكنت غريبا فيهم، وكان أهلي بين ظهرانيهم، فخشيت على أهلى، فأردت أن أنخذ عندهم يدا، وقد علمت أن الله ينزل بهم بأسه، وأنّ كتابى لا يغنى عنهم شيئا، فصدّقه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعذره، فقام
(17/293)

عمر بن الخطّاب فقال: يا رسول الله، دعنى أضرب عنق هذا المنافق؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر يوم بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم يوم بدر» .
وأنزل الله عزّ وجلّ فى شأن حاطب ومكاتبته المشركين قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ «1» )
، قال: أى من مكّة لأن آمنتم بالله ربّكم؛ قال: فى الكلام تقديم وتأخير، ونظم الآية:
(لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ)
، ثم قال تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ)
، ثم قال تعالى: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ)
قال: يثقفوكم يروكم ويظهروا «2» ، (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ)
أى بالقتل، (وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ)
أى بالشتم، (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ)
فلا تناصحوهم فإنهم لا يناصحونكم ولا يوادّونكم.
قوله تعالى: (لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)
قال: معنى الآية: لا تدعونّكم قراباتكم ولا أولادكم التى بمكة إلى خيانة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين، وترك مناصحتهم وموالاة أعدائهم، ومظاهرتهم، فلن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم التى عصيتم الله لأجلهم
(17/294)

(يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ)
فيدخل أهل طاعته والإيمان به الجنة، ويدخل أهل معصيته والكفر به النار.
قوله تعالى: (قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ «1» )
الآية، ثم قال تعالى:
(لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ «2» )
قال: قوله: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ «3» )
يعنى فى إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء؛ قال: فلما نزلت هذه الآية عادى المؤمنون أقرباءهم من المشركين فى الله، وأظهروا لهم العداوة والبراءة، فعلم الله تعالى شدّة وجد المؤمنين بذلك، فأنزل: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «4» )
؛ قال: ففعل الله عزّ وجل ذلك بأن أسلم كثير من مشركى مكّة، فصاروا للمؤمنين أولياء وإخوانا، وخالطوهم وناكحوهم.
قوله تعالى: (لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ «5» )
معناه: أن تعدلوا فيهم بالإحسان والبرّ، واختلف العلماء فيمن نزلت فيهم هذه الآية، فقال ابن عباس: نزلت فى خزاعة، منهم هلال بن عويمر، وخزيمة، وسراقة بن مالك ابن جعشم، وبنو مدلج، وكانوا صالحوا النبىّ صلّى الله عليه وسلّم على ألّا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا.
(17/295)

وقال عبد الله بن الزبير: نزلت فى أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهم، وذلك أنّ أمّها قتيلة بنت عبد العزّى بن عبد أسعد من بنى مالك بن حسل قدمت عليها المدينة بهدايا وهى مشركة، فقالت أسماء: لا أقبل منك هديّة، ولا تدخلى علىّ بيتى حتى أستأذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ فسألت لها عائشة رضى الله عنها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية، فأمرها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن تدخلها عليها منزلها، وتقبل هديّتها، وتحسن إليها، وتكرمها.
وقال مرّة الهمذانىّ وعطية العوفىّ: نزلت فى قوم من بنى هاشم، منهم العباس.
ثم قال تعالى: (إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ «1» )
قال: وهم مشركو مكّة. فلنرجع إلى أخبار غزوة الفتح.
ذكر خروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المدينة إلى مكّة، ومن جاءه فى طريقه قبل دخوله مكّة
قال: ولمّا تهيّأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للغزاة بعث إلى من حوله من العرب فجلبهم، وهم أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع، وسليم، فمنهم من وافاه بالمدينة، ومنهم من لحقه فى الطريق، وكان المسلمون فى غزوة الفتح عشرة آلاف، واستخلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم؛ قاله محمد بن سعد.
وقال محمد بن إسحاق، وأبو بكر أحمد البيهقى: استخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفارى، وخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المدينة يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر، فلمّا انتهى
(17/296)

إلى الصلصل «1» قدم أمامه الزبير بن العوّام فى مائة من المسلمين، وصام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصام الناس حتى إذا كان بالكديد «2» بين عسفان «3» وأمج «4» أفطر، ونادى مناديه: من أحبّ أن يفطر فليفطر، ومن أحبّ أن يصوم فليصم.
قال ابن سعد: فلما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقديد «5» عقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل.
قال محمد بن إسحاق: ثم مضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى نزل مرّ الظّهران «6» وهو فى عشرة آلاف من المسلمين، فسبّعت «7» سليم، وبعضهم يقول: ألّفت مزينة، وفى كلّ القبائل عدد وإسلام، وأوعب معه المهاجرون والأنصار. قال: ولما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى بعض الطريق لقيه عمّه العباس بن عبد المطلب.
قال ابن هشام: لقيه بالجحفة «8» مهاجرا بعياله، وكان قبل ذلك بمكّة على سقايته، وقد قدّمنا أنه أسلم عند انصراف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من غزوة بدر، قال: ولقيه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة، لقياه بنيق العقاب «9» بين مكة والمدينة، والتمسا الدخول عليه، وكلّمته أمّ سلمة رضى الله عنها فيهما، فقالت: يا رسول الله، ابن عمك، وابن عمتك وصهرك.
فقال: «لا حاجة لى بهما، أما ابن عمى فهتك عرضى، وأما ابن عمّتى وصهرى فهو الذى قال لى بمكة ما قال» ، فلما خرج الخبر بذلك إليهما ومع أبى سفيان بنىّ له
(17/297)

قال: والله لتأذننّ لى أو لآخذنّ بيد بنىّ هذا، ثم لنذهبنّ فى الأرض حتى نموت عطشا وجوعا؛ فلمّا بلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رقّ لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه، فأسلما، وأنشد أبو سفيان بن الحارث يتعذر ممّا كان قد مضى من فعله، فقال:
لعمرك إنّى يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللّات خيل محمد
لكا لمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أوانى حين أهدى واهتدى
هدانى هاد غير نفسى ودلّنى ... على الحقّ من طرّدت كلّ مطرّد «1»
أصدّ وأنأى جاهدا عن محمد ... وأدعى وإن لم أنتسب من محمد
هم ما هم من لم يقل بهواهم ... وإن كان ذا رأى يلم «2» ويفنّد
أريد لأرضيهم ولست بلائط ... مع القوم ما لم أهد فى كلّ مقعد «3»
فقل لثقيف: لا أريد قتالها ... وقل لثقيف تلك: غيرى أوعدى
فما كنت فى الجيش الذى نال عامرا ... وما كان عن جرّا لسانى ولا يدى
قبائل جاءت من بلاد بعيدة ... نزائع «4» جاءت من سهام «5» وسردد
قال: ولمّا بلغ إنشاده قوله: «من طرّدت كل مطرّد» ضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى صدره وقال: «أنت طرّدتنى كل مطرّد» .
قال: ولمّا نزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرّ الظّهران نزلها عشيّا، وأمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار، وقد عميت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم خبر
(17/298)

عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال العباس بن عبد المطلب: واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مكّة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنّه لهلاك قريش إلى آخر الدهر.
قال العبّاس: فجلست على بغلة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الأراك «1» ، فقلت: لعلّى أجد بعض الحطّابة أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتى مكّة، فيخبرهم بمكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة.
ذكر مجىء العبّاس بأبى سفيان بن حرب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإسلام أبى سفيان، وخبر الفتح
قال العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه: وكان أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء قد خرجوا فى تلك الليالى يتحسّسون الأخبار، وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به، فو الله إنّى لأسير على بغلة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ألتمس ما خرجت له، إذ سمعت كلام أبى سفيان وبديل ابن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قطّ ولا عسكرا، فيقول له بديل: هذه والله خزاعة قد حمستها «2» الحرب، فيقول أبو سفيان: خزاعة أذلّ وأقلّ أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال العباس: فعرفت صوته، فقلت:
يا أبا حنظلة، فعرف صوتى، فقال: يا أبا الفضل، قلت: نعم، قال: مالك فداك أبى وأمّى! قلت: ويحك يا أبا سفيان! هذا رسول الله فى الناس، واصباح قريش والله!
(17/299)

قال: فما الحيلة فداك أبى وأمّى!، قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربنّ عنقك، فاركب فى عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأستأمنه لك؛ قال: فركب خلفى، ورجع صاحباه؛ قال: فجئت به، كلّما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنا عليها قالوا: عمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على بغلته، حتى مررت بنار عمر ابن الخطّاب.
قال ابن سعد: وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد استعمل عمر تلك الليلة على الحرس؛ قال العباس: فقال عمر: من هذا؟ وقام إلىّ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابّة قال: أبو سفيان عدوّ الله! الحمد لله الذى أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتدّ نحو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وركضت البلغة فسبقته، فاقتحمت عن البلغة، ودخلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ودخل عمر، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن منه بغير عقد ولا عهد، فدعنى أضرب عنقه. قال العبّاس، قلت: يا رسول الله، قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأخذت برأسه وقلت: والله لا يناجيه الليلة رجل دونى، فلمّا أكثر عمر فى شأنه قلت: مهلا يا عمر، فو الله أن لو كان من رجال بنى عدىّ بن كعب ما قلت هذا، ولكنّك قد عرفت أنّه من رجال بنى عبد مناف؛ فقال عمر: مهلا يا عبّاس، فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحبّ إلىّ من إسلام الخطّاب لو أسلم، وما بى إلا أنى قد عرفت أن إسلامك كان أحبّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من إسلام الخطاب لو أسلم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اذهب به يا عبّاس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتنى به» ؛ قال: فذهبت به إلى رحلى، فبات عندى، فلما أصبح غدوت
(17/300)

به إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا رآه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:
«ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن «1» لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله» ، قال: بأبى أنت وأمّى! ما أحملك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئا بعد؛ قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله» ؟؛ قال: بأبى أنت وأمى! ما أحملك وأكرمك وأوصلك! أما والله هذه فإنّ فى النفس منها حتّى الآن شيئا؛ فقال له العبّاس: ويحك! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك؛ قال: فشهد شهادة الحقّ، فقلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحبّ هذا الفخر، فاجعل له شيئا.
قال: «نعم، من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» ؛ فلمّا ذهب لينصرف قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا عبّاس، احتبسه بمضيق الوادى عند خطم الجبل «2» حتى تمرّ به جنود الله فيراها» . قال: فخرجت به حتى حبسته حيث أمرنى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن أحبسه؛ قال: ومرّت القبائل على راياتها كلّما مرّت قبيلة قال: يا عبّاس، من هذه؟. فأقول: سليم، فيقول: ما لى ولسليم، ثم تمرّ القبيلة، فيقول: من هذه؟
فأقول: مزينة، فيقول: ما لى ولمزينة، حتى مرّت القبائل، فما تمرّ قبيلة إلّا سألنى عنها، فإذا أخبرته بهم، قال: ما لى ولبنى فلان! حتى مرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى كتيته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار- وإنّما سمّيت بالخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها- وهم لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال:
سبحان الله يا عبّاس! من هؤلاء؟ قلت: هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
(17/301)

فى المهاجرين والأنصار، فقال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما. قلت: ويحك! إنها النبوّة، قال: فنعم إذا، ثم قلت: النّجاة «1» إلى قومك، فسار حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشار به، فقالت:
اقتلوا الحميت «2» الدّسم الأحمس، قبح من طليعة قوم! قال: ويلكم! لا تغرنّكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دارى فهو آمن، قالوا:
قاتلك الله! وما تغنى عنّا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. والله يؤيّد بنصره من يشاء.
ذكر دخول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه مكّة شرّفها الله تعالى صلحا، ودخول خالد بن الوليد ومن معه من القبائل عنوة
قال: ولما انتهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى ذى طوى «3» ، وقف على راحلته معتجرا «4» بشقّة برد حبرة حمراء وإنه ليضع رأسه تواضعا لله تعالى حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إنّ عثنونه ليكاد يمسّ واسط الرحل، ثم فرّق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الجيش من ذى طوى، وكانت راية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يومئذ مع سعد بن عبادة رضى الله عنه، فأمر رسول الله صلّى الله
(17/302)

عليه وسلّم الزبير بن العوّام، وكان على المجنّبة اليسرى أن يدخل فى بعض الناس من كدى «1» ، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل ببعض الناس من كدء «2» ، فلمّا وجّه سعد للدخول قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة، وفى رواية تستحلّ الكعبة؛ فسمعها عمر بن الخطّاب رضى الله عنه فقال: يا رسول الله، اسمع ما قال سعد بن عبادة، ما نأمن أن يكون له فى قريش صولة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلىّ بن أبى طالب: «أدركه فخذ الراية منه، فادخل أنت بها» . حكاه ابن إسحاق.
وقال محمد بن سعد: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخذ الراية من سعد ودفعها لابنه قيس بن سعد.
وذكر يحيى بن سعد الأموىّ فى السّير: أن سعد بن عبادة لمّا أخذ الراية مرّ على أبى سفيان، فقال سعد إذ نظر إليه: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشا، فأقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى كتيبة الأنصار حتّى إذا حاذى أبا سفيان ناداه: يا رسول الله، أمرت بقتل قومك؟
فإنه زعم سعد ومن معه حين مرّ بنا أنه قاتلنا، وقال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشا؛ وإنى أنشدك الله فى قومك، فأنت أبرّ الناس وأوصلهم وأرحمهم.
وقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله، والله ما نأمن سعدا أن تكون منه فى قريش صولة؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا أبا سفيان، اليوم يوم المرحمة، اليوم أعزّ الله فيه قريشا» . وقال ضرار بن الخطّاب الفهرىّ يومئذ:
(17/303)

يا نبىّ الهدى إليك لجا «1» حىّ قريش ولات حين لجاء
حين ضاقت عليهم سعة الأر ... ض وعاداهم إله السّماء
والتقت حلقتا البطان على القوم ... ونودوا بالصيلم الصّلعاء «2»
إنّ سعدا يريد قاصمة الظهر ... بأهل الحجون والبطحاء
خزرجىّ لو يستطيع من الغيظ ... رمانا بالنّسر والعوّاء «3»
وغر الصّدر لايهمّ بشىء ... غير سفك الدّما وهتك النساء
قد تلظّى على البطاح وجاءت ... عنه هند بالسّوءة السّوآء
إذ ينادى بذلّ حىّ قريش ... وآبن حرب بدا من الشّهداء
فائن أقحم اللواء ونادى ... يا حماة اللّواء أهل اللّواء
ثم ثابت إليه من بهم الخز ... رج والأوس أنجم الهيجاء
لتكوننّ بالبطاح قريش ... فقعة القاع فى أكفّ الإماء «4»
فانهينه فإنّه أسد الأس ... د لدى الغاب والغ فى الدماء
إنّه مطرق يريد لنا الأم ... ر سكوتا كالحيّة الصّمّاء «5»
قال: فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى سعد بن عبادة فنزع اللواء من يده، وجعله بيد قيس ابنه، ورأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن اللواء لم يخرج
(17/304)

عنه إذ صار إلى ابنه، وأبى سعد أن يسلّم اللواء إلّا بأمارة من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأرسل إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعمامته، فعرفها سعد، فدفع اللواء إلى ابنه قيس.
قال: وأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خالد بن الوليد، وكان على المجنّبة اليمنى، أن يدخل ببعض الناس من اللّيط أسفل مكّة، وكان معه: أسلم، وسليم وغفار، ومزينة، وجهينة، وقبائل من العرب، وأقبل أبو عبيدة بن الجرّاح بالصفّ من المسلمين ينصبّ لمكّة بين يدى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ودخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أذاخر «1» ، حتى نزل بأعلى مكة، وضربت له هناك قبّة، ونهى عن القتال، وعبر أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الأماكن التى أمرهم صلّى الله عليه وسلّم أن يدخلوا منها، لم يلقوا كيدا، إلّا خالد بن الوليد فإن صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبى جهل، وسهيل بن عمرو جمعوا جمعا من قريش، ووقفوا بالخندمة «2» ليقاتلوا خالد بن الوليد، ويمنعوه من الدخول، وشهروا السلاح وروموا بالنّبل، فصاح خالد فى أصحابه وقاتلهم، فقتل أربعة وعشرون رجلا من قريش، وأربعة نفر من هذيل، وانهزموا أقبح هزيمة، فلما ظهر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على ثنيّة أذاخر رأى البارقة «3» فقال: «ألم أنه عن القتال» ؟ فقيل:
يا رسول الله، إنّ خالد بن الوليد قوتل فقاتل؛ فقال: «قضاء الله خير» ، وقتل من المسلمين رجلان كانا سلكا طريقا غير طريق خالد فقتلا، وهما كرز بن جابر الفهرىّ، وحبيش «4» بن خالد الخزاعىّ. قاله محمد بن سعد.
(17/305)

وقال ابن إسحاق: قتل من المشركين يومئذ اثنا عشر أو ثلاثة عشر رجلا. وقال:
وقد كان حماس بن قيس بن خالد أخو بنى بكر يعدّ سلاحا ويصلح منه قبل دخول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالت له امرأته: لماذا تعدّ ما أرى؟ قال:
لمحمد وأصحابه، قالت: والله ما أراه يقوم لمحمّد وأصحابه شىء؛ قال: والله إنى لأرجو أن أخدمك بعضهم، ثم قال:
إن يقبلوا اليوم فمالى علّه ... هذا سلاح كامل وألّه «1»
وذو غرارين سريع السّلّة «2»
ثم شهد يوم الخندمة، فلما انهزم القوم دخل على امرأته وقال: أغلقى علىّ بابى؛ قالت: فأين الذى كنت تقول؟ فقال:
إنّك لو شهدت يوم الخندمة ... إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمة
وأبو يزيد قائم كالمؤتمة «3» ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمه
يقطعن كلّ ساعد وجمجمة ... ضربا فلا تسمع إلا غمغمه «4»
لهم نهيت خلفنا وهمهمه ... لا تنطقى فى اللّوم أدنى كلمه «5»
قال ابن هشام: ويروى للرعّاش الهذلىّ.
(17/306)

وكان ممن فرّ يومئذ هبيرة بن أبى وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وهو زوج أمّ هانئ بنت أبى طالب أخت علىّ لأبويه؛ فأسلمت، وهرب هبيرة إلى نجران، وقال معتذرا من فراره:
لعمرك ما ولّيت ظهرى محمّدا ... وأصحابه جبنا ولا خيفة القتل
ولكننى قلّبت أمرى فلم أجد ... لسيفى غناء إن ضربت ولا نبلى
وقفت فلمّا خفت ضيعة موقفى ... رجعت لعود كالهزير إلى الشّبل
قال ابن هشام: وكان شعار أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم فتح مكة وحنين والطائف: شعار المهاجرين: يا بنى عبد الرحمن، وشعار الخزرج:
يا بنى عبد الله، وشعار الأوس: يا بنى عبيد الله؛ وكان الفتح يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان.
ذكر من أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقتلهم يوم فتح مكّة وسبب ذلك، ومن قتل منهم، ومن نجا بإسلامه
قالوا: وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أمر أصحابه بقتل ستّة نفر وأربع نسوة، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم: عكرمة بن أبى جهل، وهبّار ابن الأسود، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح، ومقيس بن صبابة الليثى، والحويرث ابن نقيذ بن وهب، وعبد الله بن هلال بن خطل الأدرمىّ، وهند بنت عتبة، وسارة مولاة عمرو بن هشام، وفرتنى، وقريبة.
(17/307)

فأمّا عكرمة بن أبى جهل فإنه هرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام، فاستأمنن له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأمّنه، فخرجت فى طلبه إلى اليمن حتى أتت به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأسلم وحسن إسلامه.
حكى الزبير بن بكّار قال: لما أسلم عكرمة قال: يا رسول الله، علّمنى خير شىء تعلمه أقواله؛ فقال له النبى صلّى الله عليه وسلّم: «شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله» ، فقال عكرمة: أنا أشهد بهذا، وأشهد بذلك من حضرنى، وأسألك يا رسول الله أن تستغفر لى؛ فاستغفر له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ فقال عكرمة: والله لا أدع نفقة كنت أنفقها فى صدّ عن سبيل الله إلّا أنفقت ضعفها فى سبيل الله، ولا قتالا قاتلته إلّا قاتلت ضعفه؛ ثم اجتهد فى الجهاد والعبادة حتى استشهد رحمه الله فى خلافة عمر بن الخطّاب بالشام؛ وقيل: استشهد فى آخر خلافة أبى بكر، قيل: فى يوم اليرموك. وقيل: فى يوم مرج «1» الصّفّر، وقيل: أجنادين «2» . والله أعلم.
وأما عبد الله بن سعد بن أبى سرح، فإنه كان قد أسلم، وكان يكتب لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم الوحى؛ فارتدّ ورجع إلى قريش، فلما كان يوم الفتح فرّ إلى عثمان بن عفّان رضى الله عنه، وهو أخوه من الرضاعة، فغيّبه حتى أتى به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فاستأمن له بعد أن اطمأن الناس؛ فزعموا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صمت طويلا، ثم قال: «نعم» ؛ فلما انصرف عنه عثمان قال لمن حوله من أصحابه: «لقد صمّت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه» ،
(17/308)

فقال رجل من الأنصار: فهلّا أو مأت إلىّ يا رسول الله؟ فقال: «إن النبىّ لا يقتل بالإشارة» ، ثم أسلم عبد الله بن سعد بعد ذلك.
وأمّا مقيس بن صبابة، فإن أخاه هشام بن صبابة كان قد صحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى غزوة بنى المصطلق بالمريسيع، فأصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت وهو يرى أنه من العدوّ، فقتله خطأ، فقدم مقيس هذا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مكة إلى المدينة، وأظهر الإسلام، وقال:
يا رسول الله، جئتك مسلما، وجئتك أطلب دية أخى، فأمر له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بدية أخيه، فأقام غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكّة مرتدّا، فنذر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قتله لذلك، فقتله نميلة بن عبد الله؛ رجل من قومه.
وأما الحويرث بن نقيذ فقتله على بن أبى طالب رضى الله عنه، لأنه كان يؤذى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان العباس بن عبد المطلب حمل بنتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاطمة وأمّ كلثوم من مكّة يريد بهما المدينة، فرمى بهما الحويرث إلى الأرض.
وأمّا عبد الله بن خطل، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقتله لأنه كان مسلما، فبعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مصدّقا «1» ، وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان معه مولى له يخدمه وهو مسلم، فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسا، فيصنع له طعاما، فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئا، فقتله ثم ارتدّ، وكانت فرتنى وقريبة قينتاه تغنيّان بهجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقتل ابن خطل
(17/309)

سعيد بن حريث المخزومىّ، وأبو برزة الأسلمىّ، اشتركا فى دمه، وقتلت إحدى قينتيه وهربت الأخرى، حتى استؤمن لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأمّنها.
وهند بنت عتبة أسلمت. ولما أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم البيعة على النساء، ومن الشرط فيها ألّا يسرقن ولا يزنين، قالت: وهل تزنى الحرّة أو تسرق يا رسول الله؟ فلما قال: «ولا تقتلن أولادكن» ، قالت: قد ربّيناهم صغارا، وقتّلتهم أنت ببدر كبارا، أو نحو هذا من القول، وشكت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّ زوجها أبا سفيان شحيح لا يعطيها من الطعام ما يكفيها وولدها، فقال: «خذى من ماله بالمعروف ما يكفيك أنت وولدك» .
وأما سارة فاستؤمن لها، فأمّنها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وأما هبّار فإنه هرب فلم يوجد، ثم أسلم بعد الفتح وحسن إسلامه.
ذكر إسلام أبى قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب
روى محمد بن إسحاق بسنده إلى أسماء بنت أبى بكر الصدّيق رضى الله عنهما قالت: لما وقف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على ذى طوى قال أبو قحافة لابنة له من أصغر ولده: أى بنيّة، اظهرى بى على جبل أبى قبيس- قالت: وكان قد كفّ بصره- فأشرفت به عليه فقال لها: أى بنيّة؛ ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا، قال: تلك الخيل؛ قالت: وأرى رجلا يسعى بين يدى ذلك السواد مقبلا ومدبرا؛ قال: أى بنيّه، ذلك الوازع،- يعنى الذى يأمر الخيل ويتقدّم إليها- ثم قالت: قد والله انتشر السواد؛ فقال: قد والله إذا دفعت الخيل، فأسرعى بى إلى بيتى؛ قالت: فانحطت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل
(17/310)

إلى بيته؛ قالت: وفى عنق الجارية طوق من ورق «1» ، فتلقّاها رجل فاقتطعه من عنقها، فلما دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المسجد أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «هلّا تركت الشيخ فى بيته حتى أكون أنا آتيه فيه» ؟ قال أبو بكر: يا رسول الله، هو أحقّ أن يمشى إليك من أن تمشى إليه أنت، فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال له: «أسلم» ، قالت: فأسلم؛ قالت: فدخل به أبو بكر وكأنّ رأسه ثغامة «2» ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «غيّروا هذا من شعره» ، ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال:
أنشد الله والإسلام طوق أختى؛ فلم يجبه أحد؛ قالت: فقال: أى أخيّة، احتسبى طوقك، فو الله إنّ الأمانة فى الناس اليوم القليل.
وأسلم عبد الله بن الزبعرى عام الفتح وحسن إسلامه، وكان ممن يؤذى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أشدّ الأذى فى الجاهلية، فأسلم واعتذر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقبل عذره، وكان شاعرا مجيدا، فقال يمدح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وله فى مدحه أشعار كثيرة ينسخ بها ما قد مضى فى كفره، منها قوله:
منع الرقاد بلابل وهموم ... والليل معتلج الرّواق بهيم «3»
ممّا أتانى أنّ أحمد لامنى ... فيه فبتّ كأننى محموم
يا خير من حملت على أوصالها ... عيرانة سرح اليدين غشوم «4»
(17/311)

إنى لمعتذر إليك من الذى ... أسديت إذ أنا فى الضّلال مقيم
أيام تأمرنى بأغوى خطّة ... سهم، وتأمرنى بها مخزوم
وأمدّ أسباب الردى ويقودنى ... أمر الغواة، وأمرهم مشئوم
فاليوم آمن بالنبىّ محمّد ... قلبى ومخطئ هذه محروم
مضت العداوة وانقضت أسبابها ... وأتت أواصر بيننا وحلوم
فاغفر فدى لك والدىّ كلاهما ... وارحم فإنك راحم مرحوم
وعليك من سمة المليك علامة ... نور أغرّ وخاتم مختوم
أعطاك بعد محبّة برهانه ... شرفا وبرهان الإله عظيم
ذكر دخول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المسجد، وطوافه بالبيت ودخوله الكعبة، وما فعل بالأصنام
قال: ولما نزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مكة واطمأنّ النّاس، خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعا على راحلته يستلم الرّكن بمحجن فى يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له، فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده وطرحها، ثم وقف على باب الكعبة فقال:
«لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ألا كلّ مأثره «1» أو دم أو مال يدّعى فهو تحت قدمىّ هاتين إلّا سدانة البيت وسقاية الحاجّ؛ ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا، ففيه الدية مغلّظة، مائة من الإبل، أربعون منها فى بطونها أولادها؛ يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهليّة وتعظّمها بالآباء. الناس من آدم، وآدم من تراب» ، ثم تلا قوله
(17/312)

تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ «1» )
؛ ثم قال: «يا معشر قريش، ما ترون أنّى فاعل فيكم» ؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم؛ قال: «اذهبوا فأنتم الطّلقاء» ؛ ثم جلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى المسجد، فقام إليه علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه ومفتاح الكعبة فى يده، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السّقاية؛ فقال: «أين عثمان بن طلحة» ؟ فدعى له، فقال: «هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم برّ ووفاء» ؛ حكاه محمد بن إسحاق.
وقال محمد بن سعد: دفع إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المفتاح وقال:
«خذوها يا بنى أبى طلحة تالدة خالدة، لا ينزعها منكم إلّا ظالم» ؛ ودفع السقاية إلى العبّاس بن عبد المطّلب.
قال عبد الملك بن هشام: حدّثنى بعض أهل العلم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم عليه السلام مصوّرا فى يده الأزلام يستقسم بها، فقال: «قاتلهم الله، جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم والأزلام، (ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ «2» )
ثم أمر بتلك الصور كلّها فطمست.
قال: ودخل الكعبة ومعه بلال بن رباح، فأمره أن يؤذّن، فأذّن وأبو سفيان بن حرب وعتّاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتّاب بن أسيد: أكرم الله أسيدا ألّا يكون سمع هذا فيسمع ما يغيظه؛ فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه محقّ لاتّبعته؛ فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا
(17/313)

لو تكملت لأخبرت عنّى هذه الحصى؛ فخرج عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «قد علمت الّذى قلتم» ، ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك.
وقال أبو محمد بن هشام بسند يرفعه إلى ابن عباس رضى الله عنهما: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دخل مكّة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها وحول البيت أصنام مشدودة بالرّصاص، فجعل النبى صلّى الله عليه وسلّم يشير بقضيب فى يده إلى الأصنام ويقول: (جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً)
«1» ، فما أشار صلّى الله عليه وسلّم إلى صنم منها فى وجهه إلّا وقع لقفاه، ولا لقفاه إلّا وقع لوجهه، حتى ما بقى منها صنم إلّا وقع.
قال محمد بن سعد: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستّون صنما، وكان أعظمها هبل، وساق الحديث نحو ما تقدّم، فقال تميم بن أسد الخزاعىّ فى ذلك:
وفى الأصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب أو العقابا
قال: ولما كان من الغد يوم الفتح خطب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد الظهر فقال: «إن الله قد حرّم مكّة يوم خلق السموات والأرض، فهى حرام إلى يوم القيامة، ولم تحلّ لى إلّا ساعة من نهار، ثم رجعت لحرمتها بالأمس، فليبلّغ شاهدكم غائبكم، ولا يحلّ لنا من غنائمها شىء» ، وأقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمكة خمس عشرة ليلة يصلّى ركعتين ركعتين، وبثّ السرايا، ثم خرج إلى حنين.
ذكر سريّة خالد بن الوليد إلى العزّى وهدمها
قالوا: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خالد بن الوليد إلى العزّى ليهدمها، وذلك بعد الفتح، لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان، فخرج فى ثلاثين فارسا
(17/314)

من أصحابه حتى انتهوا إليها فهدمها، ثم رجع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره، فقال: «هل رأيت شيئا» ؟ قال: لا، قال: «فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها» ؛ فرجع خالد وهو متغيّظ، فجرّد سيفه، فخرجت إليه امرأة عربانة سوداء تاثرة «1» الرأس فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزلها اثنتين، ورجع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره، فقال: «نعم، تلك العزّى، وقد يئست أن تعبد ببلادكم أبدا» ، وكانت لقريش وجميع بنى كنانة، وكانت أعظم أصنامهم، وكان سدنتها بنو شيبان من بنى سليم.
ذكر سريّة عمرو بن العاص إلى سواع وكسره
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شهر رمضان بعد الفتح أيضا إلى سواع، وهو صنم هذيل ليهدمه؛ قال عمرو: فانتهيت إليه وعنده السادن، فقال: ما تريد؟
قلت: أمرنى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن أهدمه. قال: لا تقدر على ذلك؛ قلت: لم؟ قال: تمتّع؛ قلت: حتى الآن أنت فى الباطل ويحك! وهل يسمع أو يبصر؟ قال: فدنوت منه فكسرته، وأمرت أصحابى فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئا؛ ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.
ذكر سريّة سعد بن زيد الأشهلىّ إلى مناة
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شهر رمضان أيضا إلى مناة- وكانت بالمشلّل «2» للأوس والخزرج وغسّان- ليهدمها، فخرج فى عشرين فارسا حتى انتهى إليها وعليها سادن، فقال له السادن: ما تريد؟ قال: هدم مناة؛ قال: أنت وذاك، فأقبل سعد يمشى إليها، وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل
(17/315)

وتضرب صدرها؛ فقال السادن: مناة دونك بعض غضباتك؛ ويضربها سعد بن زيد فيقتلها، ويقبل إلى الصنم معه أصحابه، ولم يجدوا فى خزانتها شيئا، وانصرف راجعا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان ذلك لست بقين من شهر رمضان.
ذكر سريّة خالد بن الوليد إلى بنى جذيمة بن عامر ابن عبد مناة بن كنانة، وهو يوم الغميصاء
قالوا: لما رجع خالد بن الوليد من هدم العزّى، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم مقيم بمكة، بعثه فى شوّال إلى بنى جذيمة بن عامر، وكانوا أسفل مكة على ليلة منها بناحية يلملم؛ داعيا إلى الإسلام، ولم يبعثه مقاتلا، فخرج فى ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار وبنى سليم، فانتهى إليهم خالد بن الوليد، فقال: ما أنتم؟
قالوا: مسلمون، قد صلّينا وصدّقنا بمحمد، وبنينا المساجد فى ساحاتنا، وأذّنّا فيها؛ قال: فما بال السلاح عليكم؟ فقالوا: إنّ بيننا وبين بعض العرب عداوة، فخفنا أن تكونوا هم، فأخذنا السلاح؛ قال: فضعوا السلاح؛ قال:
فوضعوه، فقال لهم: استأسروا؛ فاستأسر القوم، فأمر بعضهم فكتف بعض وفرّقهم فى أصحابه، فلما كان فى السّحر نادى خالد: من كان معه أسير فليدافّه؛ أى فليجهز عليه بالسيف.
فأمّا بنو سليم فقتلوا من كان فى أيديهم، وأمّا المهاجرون والأنصار فأرسلوا أساراهم، فبلغ النبىّ صلّى الله عليه وسلّم ما صنع خالد، فقال: «اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد» ؛ وبعث علىّ بن أبى طالب فودى «1» لهم قتلاهم وما ذهب منهم.
(17/316)

وقد حكى أبو الفرج على بن الحسين الأصفهانى «1» ، خبر هذه السريّة فى قصة عبد الله بن علقمة أحد بنى عامر بن عبد مناة بن كنانة وخبر مقتله، وذكر خبره مع حبيشة، فروى بسند رفعه إلى ابن دأب قال: كان من حديث عبد الله بن علقمة أنه خرج مع أمه وهو إذ ذاك يفعة: دون المحتلم، لتزور جارة لها، وكانت لها بنت يقال لها: حبيشة إحدى بنات عامر بن عبد مناة، فلما رآها عبد الله بن علقمة أعجبته ووقعت فى نفسه؛ فانصرف وترك أمّه عند جارتها، فبقيت عندها يومين، ثم أتاها ليرجعها إلى منزله، فوجد حبيشة قد زيّنت لأمر كان فى الحىّ، فازداد بها عجبا، وانصرف بأمّه فى غداة تمطر، فمشى معها وجعل يقول:
فما أدرى بلى إنّى لأدرى ... أصوب القطر أحسن أم حبيش
حبيشة والذى خلق الهدايا ... وما إن عندها للصبّ عيش «2»
قال: فسمعت ذلك حبيشة، فتغافلت عنه، وكرهت قوله، ثم مشى مليّا فإذا هو بظبى على ربوة من الأرض، فقال:
يا أمّتا خبّرينى غير كاذبة ... وما يريد مسول الحق بالكذب
أأنت أحسن أم ظبى برابية ... لابل حبيشة فى عينى وفى أربى
قال: فزجرته أمّه، وقالت: ما أنت وهذا، أنا مزوّجتك بنت عمّك، فهى أجمل من تلك، وأتت امرأة عمّه فأخبرتها خبره وقالت: زيّنى ابنتك له، ففعلت وأدخلتها عليه، فلما رآها أطرق، فقالت له أمّه: أيهما الآن أحسن؟
فقال:
(17/317)

إذا غيّبت عنّى حبيشه مرّة ... من الدهر لم أملك عزاء ولا صبرا
كأنّ الحشا حرّ السعير يحشّه «1» ... وقود الغضى فالقلب مضطرم جمرا
قال: وجعل يراسل الجارية وتراسله، حتى علقته كما علقها، وكثر قوله الشعر فيها، فمن ذلك قوله «2» :
حبيشة هل جدّى وجدّك جامع ... بشملكم شملى وأهلكم أهلى؟
وهل أنا ملتّف بثوبك مرّة ... بصحراء بين الأيكتين إلى النّخل؟
ومرتشف من ريق ثغرك مرّة ... كراح ومسك خالطا عسل النّحل
فلما بلغ أهلها خبره، حجبوها عنه مدّة، وهو يزيد غراما بها، ويكثر قوله الشعر فيها، فأتوها فقالوا لها: عديه السّرحة، فإذا أتاك فقولى له: نشدتك الله إن أحببتنى فما على الأرض شىء أبغض إلىّ منك، ونحن قريب نسمع ما تقولين؛ فواعدته، وجلسوا قريبا يسمعون، وجلست عند السرحة، وأقبل عبد الله لموعدها، فلمّا دنا منها دمعت عينها، والتفتت حيث أهلها جلوس، فعرف أنهم قريب، فرجع، وبلغه ما أمروها به أن تقوله، فأنشأ يقول:
فلو قلت ما قالوا لزدت جوى جو «3» ... على أنه لم يبق ستر ولا صبر
ولم يك حبّى عن نوال بذلته ... فيسلينى عنك التجلّد والهجر «4»
وما أنس م الأشياء لم أنس دمعها ... ونظرتها حتى يغيّبنى القبر
(17/318)

قال: وبعث النبىّ صلّى الله عليه وسلّم على أثر ذلك خالد بن الوليد إنى بنى عامر، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلّا قاتلهم، فصبحهم خالد بالغميصاء وقد علموا به وخافوه، وكانوا قد قتلوا الفاكه بن الوليد وعمّه الفاكه بن المغيرة فى الجاهلية، فلمّا صبحهم خالد ومعه بنو سليم وهم يطلبونهم بمالك ابن خالد بن صخهر بن الشريد، وإخوته كرز وعمرو والحارث، وكانوا قتلوهم فى موطن واحد. فلما صبحهم خالد ورأوا معه بنى سليم زادهم ذلك نفورا، فقال لهم خالد: أسلموا، فقالوا: نحن مسلمون؛ قال: فألقوا سلاحكم وانزلوا، قالوا: لا والله؛ فقال لهم حذيم «1» بن الحارث أحد بنى أقرم: يا قوم، لا تلقوا سلاحكم، فو الله ما بعد وضع السلاح إلّا القتل؛ قالوا: والله لا نلقى سلاحنا ولا ننزل، فما نحن لك ولا لمن معك بآمنين؛ قال خالد: فلا أمان لكم؛ فنزلت فرقة منهم فأسروهم، وتفرّق بقيّة القوم فرقتين؛ فأصعدت فرقة وسفلت أخرى.
قال ابن دأب: فأخبرنى من لا أتّهم عن عبيد الله بن أبى حدود الأسلمىّ قال: كنت يومئذ فى جند خالد، فبعثنا فى إثر ظعن مصعدة يسوق بها فتية، فقال:
أدركوا أولئك؛ فخرجنا فى أثرهم حتى أدركناهم، فمضوا ووقف لنا غلام على الطريق، فلما انتهينا إليه جعل يقاتلنا ويرتجز ويقول:
أرخين أطراف الذّيول وارتعن «2» ... مشى حييّات كأن لم يفزعن
إن يمنع اليوم نساء تمنعن
فقاتلنا طويلا، فقتلناه ومضينا، حتى لحقنا الظّعن، فخرج إلينا غلام كأنه الأوّل، فجعل يقاتلنا ويقول:
(17/319)

أقسم ما إن خادر ذو لبدة «1» ... يرزم «2» بين أيكة ووهده
يفرس ثنيان الرجال وحده ... بأصدق الغمداة منّى نجده
فقاتلناه حتى قتلناه، وأدركنا الظّعن، وإذا فيهن غلام وضىء به صفرة فى لونه كالمنهوك، فربطناه بحبل، وقدّمناه لنقتله، فقال: هل لكم فى خير؟ قلنا:
ما هو؟ قال: تدركون بى الظعن أسفل الوادى ثم تقتلوننى؛ قلنا: نفعل؛ فخرجنا حتى نعارض الظّعن بأسفل الوادى، فلمّا كان بحيث يسمعون الصوت، نادى بأعلى صوته: اسلمى حبيش، عند فقد العيش؛ فأقبلت إليه جارية بيضاء حسناء؛ فقالت: وأنت فأسلم على كثرة الأعداء، وشدّة البلاء؛ قال: سلام عليك دهرا، وإن بقيت عصرا؛ فقالت: وأنت سلام عليك عشرا، وشفعا ووترا، وثلاثة تترى؛ فقال:
إن يقتلونى يا حبيش فلم يدع ... هواك لهم منّى سوى غلّة الصدر
فأنت الّتى أخليت لحمى من دمى ... وعظمى وأسبلت الدموع على نحرى
فقالت له:
ونحن بكينا من فراقك مرّة ... وأخرى وآسيناك فى العسر واليسر
وأنت فلا تبعد فنعم فتى الهوى ... جميل العفاف والمودّة فى ستر
فقال لها:
أريتك إن طالبتكم فوجدتكم ... بحرّة «3» أو أدركتكم بالخوانق «4»
ألم يك حقّا أن ينوّل عاشق ... تكلّف إدلاج السّرى والودائق»
(17/320)

فقالت: بلى والله، فقال:
فلا ذنب لى قد قلت إذ نحن جيرة ... أثيبى بودّ قبل إحدى الصّفائق «1»
أثيبى بودّ قبل أن تشحط النّوى ... وينأى الخليط بالحبيب المفارق
قال ابن أبى حدود: فقدّمناه فضربنا عنقه، فاقتحمت الجارية من خدرها حتى أهوت نحوه، فالتقمت فاه، فنزعنا منها رأسه، وإنها لتتبّع نفسها «2» حتى ماتت مكانها، وأفلت من القوم غلام من بنى أقرم يقال له السّميدع حتى اقتحم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأخبره ما صنع خالد وشكاه. قال ابن دأب:
فأخبرنى صالح بن كيسان أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «هل أنكر عليه أحد ما صنع» ؟ قال: نعم، رجل أصفر «3» ربعة، ورجل طويل أحمر؛ فقال عمر رضى الله عنه: أنا والله يا رسول الله أعرفها، أمّا الأوّل فهو ابنى، وأمّا الآخر فمولى أبى حذيفة، وكان خالد قد أمر كلّ من أسر أسيرا أن يقتله، فأطلق عبد الله بن عمر وسالم مولى أبى حذيفة أسيرين كانا معهما، فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علىّ بن أبى طالب بعد فراغه من حنين، وبعث معه بإبل وورق، وأمره أن يديهم، فوادهم. ورجع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فسأله، فقال:
قدمت عليهم فقلت لهم: هل لكم أن تقبلوا هذا بما أصيب منكم من القتلى والجرحى، وتحلّلوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ممّا علم وممّا لم يعلم؟، فقالوا:
نعم، قال: فدفعته إليهم، وجعلت أديهم حتى إنّى لأدى ميلغ «4» الكلب،
(17/321)

وفضلت فضلة فدفعتها إليهم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أقبلوها» ؟
قلت: نعم؛ قال: «فو الذى أنا عبده لذاك أحبّ إلىّ من حمر النّعم» .
وروى أبو الفرج أيضا «1» بسند رفعه إلى عمر بن شبّة، قال: قالوا: يروى أن خالدا أتى النبىّ صلّى الله عليه وسلّم فسئل عن غزاته بنى جذيمة، فقال:
إن أذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تحدّثت، فقال: «تحدّث» ، فقال:
لقيناهم بالغميصاء بعد وجه الصبح، فقاتلناهم حتى كاد قرن الشمس يغيب، فمنحنا الله عز وجل أكتافهم، فاتبعناهم نطلبهم، فإذا غلام له ذوائب على فرس فى أخريات الناس، فبوّأت «2» له الرمح فوضعته بين كتفيه. فقال: لا إله، فقبضت الرمح، فقال: إلّا اللّات أحسنت أو أساءت، فهشمته هشمة أرديته بها، ثم أخذته أسيرا، فشددته وثاقا، ثم كلّمته فلم يكلّمنى، واستخبرته فلم يخبرنى؛ فلما كان ببعض الطريق رأى نسوة من بنى جذيمة يسوق بهنّ المسلمون، فقال:
يا خالد، فقلت: ما تشاء؟ فقال: هل أنت واقفى «3» على هذه النسوة؟ فأبيت، فآلى «4» علىّ أصحابى، ففعلت، وفيهنّ جارية تدعى حبيشة، فقال: لها: ناولينى يدك، فناولته يدها فى ثوبها، فقال: اسلمى حبيش. قبل نفاد العيش. فقالت: حييّت عشرا، وتسعا تترى، وثمانيا أخرى، فقال:
أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم ... بنخلة «5» أو أدركتكم بالخوانق
ألم يك حقّا أن ينوّل عاشق ... تكلّف إدلاج السّرى والودائق
(17/322)

فقالت: بلى، فقال:
فقد قلت إذ أهلى وأهلك جيرة ... أثيبى بودّ قبل إحدى الصّفائق
أثيبى بودّ قبل أن تشحط النّوى ... وينأى الأمير بالحبيب المفارق
فإنى لا ضيعت سرّ أمانة ... ولا راق عينى بعد عينك رائق «1»
قال خالد: فغاظنى ما رأيت من غزله وشعره فى حاله تلك، فقدّمته فضربت عنقه، فأقبلت الجارية تسعى حتى أخذت برأسه فوضعته فى حجرها، وجعلت ترشفه وتقول:
لا تبعدن يا عمرو حيّا وهالكا ... ولا يبعدنّ المدح مثلك من مثلى «2»
ولا تبعدن يا عمرو حيّا وهالكا ... فقد عشت محمود الثّنا ماجد الفعل
فمن لطراد الخيل تشجر بالقنا ... وللنّحر يوما عند قرقرة البزل «3»
فما زالت تبكى وتردّد هذه الأبيات حتى ماتت، وإنّ رأسه لفى حجرها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لقد وقفت لى يا خالد وإن سبعين ملكا لمطيفون بك يحضّونك على قتل عمرو حتى قتلته» . والله أعلم.
ذكر غزوة حنين، وهى إلى هوازن وثقيف
غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شوّال سنة ثمان من مهاجره، وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما فتح مكّة، مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها إلى بعض، وحشدوا وأوعبوا وبغوا، وجمع أمرهم مالك بن عوف النّصرى، وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة، وأمرهم فجاءوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم حتى نزلوا بأوطاس «4» ، وجعلت الأمداد تأتيهم.
(17/323)

قال محمد بن إسحاق: اجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلّها، ونصر، وجشم كلها، وسعد بكر، وناس من بنى هلال، وهم قليل. قال: ولم يشهدها من قيس عيلان إلّا هؤلاء، وغابت عنها من هوازن كعب وكلاب، ولم يشهدها منهم أحد له اسم؛ قال: وفى بنى جشم دريد بن الصّمّة، وهو شيخ كبير ليس فيه شىء إلا التّيمّن برأيه ومعرفته بالحرب. قال: وفى ثقيف سيّدان لهم فى الأحلاف: قارب بن الأسود ابن مسعود بن معتّب، وفى بنى مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث بن مالك، وأخوه «1» .
وقال أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبى: كان على ثقيف كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفىّ. قال: وكان المشركون أربعة آلاف من هوازن وثقيف.
قال ابن إسحاق: وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف. قال: ولما نزل مالك بأوطاس، اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصّمّة، والصّمّة: معاوية الأصغر بن بكر ابن علقة، وقيل: علقمة بن خزاعة بن غزيّة بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن فى شجار له يقاد به- والشّجار الهودج- فلما نزل دريد قال: بأىّ واد أنتم؟ قالوا:
بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس «2» ، ثم قال:
مالى أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار «3» الشاء؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، قال: أين مالك؟ قيل:
هذا مالك، فقال: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، مالى أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار
(17/324)

الشاء؟ قال: سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم، قال: ولم؟ قال:
أردت أن أجعل خلف كلّ رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، قال: فأنقض به،- أى صاح- ثم قال: راعى ضأن والله! وهل يردّ المنهزم شىء! إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت فى أهلك ومالك، ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الحدّ والجدّ؛ ولو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب، ولوددت أنكم فعلتم كما فعلت، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، قال:
ذانك الجذعان من «1» عامر لا ينفعان ولا يضرّان، يا مالك: إنك لم تصنع بتقديم البيضة، بيضة «2» هوازن إلى نحور الخيل شيئا، ادفعهم إلى ممتنع بلادهم، وعليا قومهم، ثم ألق الصّبّاء «3» على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك، قد أحرزت أهلك ومالك، قال: لا والله، لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر عقلك، والله لتطيعنىّ يا معشر هوازن أو لأتّكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهرى. وكره أن يكون لدريد بن الصّمّة فيها ذكر ورأى، قالوا:
أطعناك، فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتنى.
يا ليتنى فيها جذع ... أخبّ فيها وأضع
أقود وطفاء الزّمع ... كأنها شاة صدع «4»
(17/325)

ثم قال مالك بن عوف للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدّة رجل واحد؛ قال: وبعث مالك بن عوف عيونا من رجاله، فأتوه وقد تفرّقت أوصالهم من الرّعب، فقال: ويلكم! ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالا بيضا، على خيل بلق، فو الله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فلم يردّه ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد.
قال ابن إسحاق: ولما سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بخبرهم بعث إليهم عبد الله بن أبى حدود الأسلمىّ، وأمره أن يدخل فى الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، ففعل؛ ثم أقبل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره الخبر، فأجمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المسير إلى هوازن لقتالهم، وذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا، فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال: «أعرنا سلاحك نلق به عدوّنا» ؛ فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال: «بل عاريّة مضمونة حتى نؤدّيها إليك» ؛ قال: ليس بهذا بأس؛ فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، ثم خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مكة يوم السبت لستّ ليال خلون من شوّال فى اثنى عشر ألفا من المسلمين: عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح بهم مكة، وألفان من أهل مكة.
قال الثعلبىّ: قال مقاتل: كانوا أحد عشر ألفا وخمسمائة.
وقال الكلبىّ: كانوا عشرة آلاف، وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا قطّ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لن نغلب اليوم من قلّة» ، حكاه ابن إسحاق.
وقال محمد بن سعد: قال ذلك أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه. قال الثعلبىّ:
ويقال: بل قال ذلك رجل من المسلمين يقال له: سلمة بن سلامة.
(17/326)

قال ابن سعد: وخرج مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ناس من المشركين كثير، منهم صفوان بن أمية.
قال محمد بن إسحاق بسند يرفعه إلى الحارث بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى حنين، ونحن حديثو عهد بالجاهلية، وكان لكفار قريش ومن سواهم من العرب سدرة «1» عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط. يأتونها كل سنة يعلّقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوما؛ قال:
فرأينا ونحن نسير مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سدرة خضراء عظيمة، فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله. جعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال: «الله أكبر، قلتم والذى نفس محمد بيده كما قال قوم موسى لموسى: (اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)
«2» إنها السّنن، لتركبن سنن من كان قبلكم» ، قالوا: وانتهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر خلون من شوّال، فلما كان من الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه فعبأهم فى وادى حنين، وأوعز إليهم أن يحملوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه حملة واحدة، وعبأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصحابه فى السحر. وصفّهم صفوفا، ووضع الألوية والرايات فى أهلها مع المهاجرين: لواء يحمله علىّ بن أبى طالب، وراية يحملها سعد بن أبى وقّاص، وراية يحملها عمر بن الخطّاب، ولواء الخزرج يحمله حباب بن المنذر- ويقال: سعد بن عبادة- ولواء الأوس مع أسيد بن حضير، وفى كل بطن من الأوس والخزرج لواء وراية يحملها رجل منهم مسمّى. وكذلك قبائل العرب فيها الألوية والرايات يحملها قوم منهم مسمّون، وكان رسول الله صلّى الله عليه
(17/327)

وسلّم قد قدم سليما من يوم خرج من مكة، واستعمل عليهم خالد بن الوليد، فلم يزل على المقدّمة حتى قدم الجعرّانة. قال: وانحدر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى وادى حنين على تعبئته، وركب بغلته البيضاء «دلدل» ، ولبس درعين والمغفر والبيضة، فاستقبلهم من هوازن شىء لم يروا مثله قطّ من السواد والكثرة، وذلك فى غبش «1» الصبح وخرجت الكتائب من مضيق الوادى وسعته، فحملوا حملة، وانكشفت الخيل خيل بنى سليم مولّيه، وتبعهم الناس منهزمين، وانحاز رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات اليمين، وجعل يقول: يا أنصار الله وأنصار رسوله، أنا عبد الله ورسوله، وثبت معه يومئذ أبو بكر، وعمر، والعباس بن عبد المطلب، وعلىّ بن أبى طالب، والفضل بن العباس، وأبو سفيان واسمه المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب، وأخوه ربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن بن أمّ أيمن بن عبيد فى أناس من أهل بيته وأصحابه.
قال الكلبىّ: كان حول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يومئذ ثلاثمائة من المسلمين، وانهزم سائر الناس عنه، وجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول للعباس: ناد، يا معشر الأنصار، يا أصحاب السّمرة «2» ، يا أصحاب سورة البقرة، فنادى- وكان صيّتا- فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت على أولادها يقولون: يا لبّيك يا لبّيك! فحملوا على المشركين، فأشرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنظر إلى قتالهم فقال: «الآن حمى الوطيس «3» .
أنا النبىّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطّلب»
(17/328)

ثم قال للعباس بن عبد المطلب: ناولنى حصيات، فناوله حصيات من الأرض، ثم قال: «شاهت الوجوه» ورمى بها وجوه المشركين، وقال: «انهزموا وربّ الكعبة» وقذف الله فى قلوبهم الرعب، وانهزموا لا يلوى أحد منهم على أحد.
قال محمد بن إسحاق: لما انهزم الناس، ورأى من كان مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من جفاة مكّة الهزيمة، تكلّم رجال بما فى أنفسهم من الضّغن، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهى هزيمتهم دون البحر، وإن الأزلام لمعه فى كنانته، وصرخ جبلة بن الحنبل وهو مع أخيه صفوان بن أمية: ألا بطل السّحر اليوم! فقال له صفوان: اسكت فضّ الله فاك! فو الله لأن يربّنى «1» رجل من قريش أحبّ إلىّ من أن يربّنى رجل من هوازن؛ وقال شيبة بن عثمان بن أبى طلحة: اليوم أدرك ثأرى من محمد- وكان أبوه قتل يوم أحد- اليوم أقتل محمدا. قال: فبادرت لأقتله، فأقبل شىء حتى غشّى فؤادى، فلم أطق ذلك، فعلمت أنه ممنوع منّى.
وفى رواية أخرى، قال شيبة بن عثمان: استدبرت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم حنين وأنا أريد أن أقتله بطلحة بن عثمان، وعثمان بن طلحة. فأطلع الله رسوله على ما فى نفسى، فالتقت إلىّ وضرب فى صدرى وقال: «أعيذك بالله يا شيبة» ، فأرعدت فرائصى، فنظرت إليه وهو أحبّ إلىّ من سمعى وبصرى فقلت: أشهد أنك رسول الله، وأنّ الله أطلعك على ما فى نفسى.
وروى محمد بن إسحاق بسنده إلى العبّاس قال: إنى لمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم آخذ بحكمة «2» بغلته البيضاء وقد شجرتها «3» بها، وكنت امرأ جسيما شديد الصوت،
(17/329)

ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول حين رأى ما رأى من الناس « [أين «1» ] أيها الناس» ، فلم أر الناس يلوون على شىء، فقال: «يا عباس، اصرخ، يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السّمرة» قال: فأجابوا لبّيك لبّيك، قال: فيذهب الرجل ليثنى بعيره فلا يقدر على ذلك، ويأخذ درعه فيقذفها فى عنقه، ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلى سبيله، فيؤمّ الصوت حتى ينتهى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا؛ فأشرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى ركائبه، فنظر إلى مجتلد «2» القوم، فقال: «الآن حمى الوطيس» .
قال جابر بن عبد الله: فو الله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتّفين عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
قال ابن إسحاق: والتفت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرأى أمّ سليم ابنة ملحان، وكانت مع زوجها أبى طلحة، وهى حازمة وسطها ببرد لها. وإنها لحامل بعبد الله بن أبى طلحة، ومعها جمل أبى طلحة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«أمّ سليم» ؟ قالت: نعم، بأبى وأمّى يا رسول الله! اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك فإنهم لذلك أهل؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «أو يكفى الله يا أمّ سليم» ؟ قال: ومعها خنجر، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أمّ سليم؟ قالت: خنجر أخذته إن دنا منّى أحد من المشركين بعجته «3» به.
(17/330)

وقال محمّد بن إسحاق: حدّثنى أبى إسحاق بن يسار أنه حدّث عن جبير ابن مطعم قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد «1» الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت، فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادى، لم أشكّ أنها الملائكة، ولم تكن إلّا هزيمة القوم.
قال ابن إسحاق: ولما انهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجّه بعضهم نحو نخلة «2» ، وتبعت خيل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من سلك فى نخلة من الناس، ولم تتبع من سلك الثّنايا، فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان- وهو ابن الدّغنّة- دريد بن الصّمّة وهو فى شجار له أى هودج، فأخذ بخطام جمله وهو يظنّ أنه امرأة، فأناخ به، فإذا هو شيخ كبير والغلام لا يعرفه، فقال له دريد: ما تريد بى؟ قال: أقتلك؛ قال: ومن أنت؟ قال:
أنا ربيعة بن رفيع السّلمىّ، ثم ضربه بسيفه فلم يغن فيه شيئا، فقال: بئس ما سلّحتك أمّك! خذ سيفى هذا من مؤخر الرّحل فى الشّجار، ثم اضرب به، وارفع عن العظام، واخفض عن الدّماغ، فإنّى كذلك كنت أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمّك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصّمة. فربّ والله يوم قد منعت فيه نساءك؛ فقتله. ولمّا رجع ربيعة إلى أمّه أخبرها بقتله إيّاه، فقالت: أما والله لقد أعتق أمّهات لك ثلاثا.
قال ابن هشام: ويقال إن الذى قتل دريد بن الصّمّة هو عبد الله بن قنيع ابن أهبان بن ثعلبة بن ربيعة؛ قال: وبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى آثار من توجّه قبل أوطاس أبا عامر الأشعرىّ، فأدرك بعص من انهزم، فناوشوه القتال، فقتل منهم أبو عامر تسعة مبارزة وهو يدعو كلّ واحد منهم إلى الإسلام
(17/331)

ويقول: اللهم اشهد؛ ثم برز له العاشر معلما بعمامة صفراء، فضرب أبا عامر فقتله. واستخلف أبو عامر أبا موسى الأشعرىّ، فقاتلهم حتى فتح الله عليه، وقتل قاتل أبى عامر، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم اغفر لأبى عامر واجعله من أعلى أمتى فى الجنّة» ، ودعا لأبى موسى.
وقال ابن هشام فى خبر أبى عامر: إنه قتل تسعة مبارزة يدعو كل واحد منهم إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فيقتله أبو عامر، وبقى العاشر، فحمل كلّ منهما على صاحبه، فدعاه أبو عامر إلى الإسلام وقال: اللهم اشهد عليه، فقال الرجل: اللهم لا تشهد علىّ، فكفّ عنه أبو عامر، فأقلت، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا رآه قال: «هذا شريد أبى عامر» ، ورمى أبا عامر أخوان: العلاء وأوفى ابنا الحارث من بنى جشم ابن معاوية، فأصاب أحدهما قلبه. والآخر ركبته، فقتلاه، وولى الناس أبو موسى فحمل عليهما فقتلهما.
وقال أبو الفرج الأصفهانى: إن الذى رمى أبا عامر فأصاب ركبته هو سلمة ابن دريد «1» بن الصّمّة. وإنه ارتجز فقال:
إن تسألوا عنّى فإنّى سلمه ... ابن سمادير «2» لمن توسّمه
أضرب بالسيف رءوس المسلمة
قال: وخرج مالك بن عوف عند الهزيمة فوقف فى فوارس من قومه على ثنيّة من الطريق، وقال لأصحابه: قفوا حتى تمضى ضعفاؤكم وتلحق أخراكم، فوقف حتى مضى من لحق بهم من منهزمة الناس.
(17/332)

قال ابن هشام: وبلغنى أنّ خيلا طلعت ومالك وأصحابه على الثنيّة، فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا ترى قوما واضعى رماحهم بين آذان خيلهم، طويلة بوادّهم «1» فقال: هؤلاء بنو سليم، ولا بأس عليكم منهم؛ فلمّا أقبلوا سلكوا بطن الوادى، ثم طلعت خيل أخرى تتبعها، فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا: نرى قوما عارضى رماحهم أغفالا «2» على خيلهم، فقال: هؤلاء الأوس والخزرج، ولا بأس عليكم منهم؛ فلما انتهوا إلى أصل الثنيّة سلكوا طريق بنى سليم، ثم طلع فارس فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا: نرى فارسا طويل البادّ واضعا رمحه على عاتقه، عاصبا رأسه بملاءة حمراء، فقال: هذا الزبير بن العوّام، وأحلف باللات ليخالطنّكم، فاثبتوا له، فلما انتهى الزبير إلى أصل الثنية، أبصر القوم فصمد لهم، فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها.
قالوا: ولما انهزم القوم أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقتل من قدر عليه، فحنق المسلمون عليهم، فقتلوا الذرّيّة والنساء، فمرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يومئذ بامرأة قد قتلها خالد بن الوليد، فقال: «ما هذه» ؟ قالوا:
امرأة قتلها خالد بن الوليد، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لبعض من معه: «أدرك خالد بن الوليد فقل له: إن رسول الله ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة» ؛ وأنزل الله تعالى فى يوم حنين قوله تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ)
«3»
(17/333)

قال الثعلبىّ: قال سعيد بن جبير: أمدّ الله تعالى نبيّه صلّى الله عليه وسلّم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين «1» .
وقال الحسن ومجاهد: كانوا ثمانية آلاف.
وقال الحسن: كانوا ستة عشر ألفا؛ قال سعيد بن جبير: حدثنى رجل كان فى المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يقفوا لنا حلبة شاة، فلمّا كشفناهم جعلنا نسوقهم، حتى إذا انتهينا إلى صاحب البغلة الشّهباء- يعنى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- فتلقّانا رجال بيض الثياب حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا، فرجعنا، وركبوا أكتافنا، فكانت إيّاها. يعنى الملائكة.
قال: وفى الخبر أنّ رجلا من بنى نصر يقال له شجرة قال للمؤمنين بعد القتال:
أين الخيل البلق، والرجال عليهم ثياب بيض؟ ما كنا نراكم فيهم إلّا كهيئة الشامة، وما كان قتلنا إلّا بأيديهم، فأخبروا النبى صلّى الله عليه وسلّم بذلك فقال: «تلك الملائكة» .
وقال محمد بن سعد: كان سيما الملائكة يوم حنين عمائم حمر قد أرخوها بين أكتافهم.
قال ابن إسحاق: واستشهد من المسلمين يوم حنين من بنى هاشم أيمن بن عبيد، ومن بنى أسد يزيد بن زمعة بن الأسود، ومن الأنصار سراقة بن الحارث ابن عدىّ، ومن الأشعر بين أبو عامر.
وقال ابن سعد: ورقيم بن ثعلبة بن زيد بن لوذان، واستحرّ القتل فى بنى نصر ابن معاوية، ثم فى بنى رئاب، فقال عبد الله بن قيس، وكان مسلما: هلكت
(17/334)

بنو رئاب، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم اجبر مصيبتهم» . قال:
وأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالسبايا والأموال فجمعت، وحدرت إلى الجعرانة، وعليها مسعود بن عمرو الغفارىّ، فوقف بها بالجعرانة حتى انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من غزوة الطائف وهم فى حظائرهم يستظلّون بها من الشمس، ثم قسمها صلّى الله عليه وسلّم بعد ذلك، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر سرية الطّفيل بن عمرو الدّوسىّ إلى ذى الكفّين
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شوّال سنة ثمان عند منصرفه من غزوة حنين، وتوجّهه إلى الطائف ليهدم ذا الكفّين صنم عمرو بن حممة الدّوسىّ، وأمره أن يستمدّ قومه ويأتيه بالطائف، فخرج سريعا إلى قومه، فهدم ذا الكفّين وجعل يحشّ النار فى وجهه ويقول:
يا ذا الكفّين لست من عبّادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا
إنى حششت «1» النار فى فؤادكا
وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعا، فوافوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالطائف بعد مقدمه بأربعة أيام، وقدم الطفيل معه بدبّابة «2» ومنجنيق.
ذكر غزوة الطائف
غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شوّال سنة ثمان من مهاجره، وذلك أنه لمّا انهزمت هوازن وثقيف يوم حنين، وجمعت السبايا والغنائم، سار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من حنين يريد الطائف، وقدّم خالد بن الوليد على مقدّمته،
(17/335)

وقد كانت ثقيف رمّوا حصنهم، وأدخلوا فيه ما يصلحهم لسنة، فلما انهزموا من أوطاس، دخلوا حصنهم وأغلقوه عليهم وتهيئوا للقتال، وسار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسلك على نخلة اليمانيّة، ثم على قرن، ثم على المليح، ثم على بحرة الرّغاء من ليّة «1» ، فابتنى بها مسجدا يصلّى فيه.
قال ابن إسحاق: وأقاد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يومئذ ببحرة الرّغاء حين نزلها بدم، وهو أوّل دم أقيد به فى الإسلام رجل من بنى أسد قتل رجلا من هذيل فقتل به؛ قال: وأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو بليّة بحصن مالك ابن عوف، فهدم، ثم سلك فى طريق يقال لها: الضّيفة، فسأل عن اسمها. فقال:
«ما اسم هذه الطريق» ؟ فقالوا: الضّيقة، فقال: «بل هى اليسرى» ، ثم خرج منها على نخب «2» حتى نزل تحت سدرة يقال لها: الصادرة، قريبا من مال رجل من ثقيف، فأرسل إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يقول: «إمّا أن تخرج وإمّا أن نخرّب عليك حائطك» ؛ فأبى أن يخرج، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بإخرابه؛ ثم مضى حتى نزل قريبا من حصن الطائف وعسكر هناك، فرموا المسلمين بالنّبل رميا شديدا حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقتل منهم اثنا عشر رجلا.
قال ابن إسحاق: وهم «3» سعيد بن سعيد بن العاص، وعرفطة بن جناب، حليف لهم من أسد بن الغوث.
وعبد «4» الله بن أبى بكر الصدّيق رضى الله عنهما، رمى فاندمل جرحه، ثم انتقض «5» بعد ذلك فمات منه فى خلافة أبيه.
ومن بنى مخزوم عبد الله بن أبى أميّة بن المغيرة.
(17/336)

ومن بنى كعب عبد الله بن عامر بن ربيعة، حليف لهم.
ومن بنى سعد بن ليث جليحة بن عبد الله.
ومن الأنصار ثابت بن الجذع، والحارث بن سهل بن أبى صعصعة، والمنذر بن عبد الله، ورقيم بن ثابت بن ثعلبة الأوسىّ.
قال: فارتفع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى موضع مسجد الطائف اليوم، وكان معه صلّى الله عليه وسلّم من نسائه أم سلمة وزينب، فضرب لهما قبّتين.
وحاصرهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمانية عشر يوما، ويقال: خمسة عشر يوما، ونصب عليهم المنجنيق، ورمى عليهم به، وأهل الطائف أوّل من رمى بالمنجنيق فى الإسلام.
قال ابن إسحاق: حتى إذا كان يوم الشّدخة «1» دخل نفر من المسلمين تحت دبّابة، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنّبل، فقتل منهم رجال، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقطع أعنابهم وتحريقها، فقطع المسلمون قطعا ذريعا، ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«إنى أدعها لله وللرّحم» ، وندى منادى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أيّما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حرّ» ؛ فخرج منهم بضعة عشر رجلا، منهم: أبو بكرة، فأعتقهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ودفع كلّ رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشقّ ذلك على أهل الطائف، ولم يؤذن لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى فتح الطائف، فاستشار نوفل بن معاوية الدّيلىّ، فقال: «ما ترى» ؟ فقال:
ثعلب فى حجر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضررك.
(17/337)

قال محمد بن إسحاق: وبلغنى أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لأبى بكر رضى الله عنه: «يا أبا بكر؛ إنى رأيت أنّى أهديت لى قعبة مملوءة زبدا، فنقرها ديك فهراق ما فيها» ؛ فقال أبو بكر: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وأنا لا أرى ذلك» .
قال: ثم إن خويلة بنت حكيم بن أميّة السّلميّة، وهى امرأة عثمان بن مظعون قالت: يا رسول الله، [أعطنى «1» ] إن فتح الله عليك الطائف حلىّ بادية بنت غيلان ابن سلمة، أو حلىّ الفارعة بنت عقيل، وكانتا من أحلى نساء قريش. قال: فذكر؟؟ لى أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لها: «وإن كان لم يؤذن لى فى ثقيف يا خويلة» ؟
فخرجت خويلة فذكرت ذلك لعمر بن الخطّاب رضى الله عنه، فدخل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، ما حديث حدّثتنيه خويلة فزعمت أنك قد قلته؟؛ قال: «قد قلته» . قال: أو ما أذن فيهم يا رسول الله؟
قال: «لا» ، قال: أفلا أؤذّن بالرحيل؟ قال: «بلى» قال: فأذّن عمر فى الناس بالرحيل؛ فضجّ الناس من ذلك، وقالوا: نرحل ولم تفتح علينا الطائف؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «فاغدوا على القتال» ؛ فغدوا، فأصابت المسلمين جراحات، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنا قافلون إن شاء الله» ؛ فسرّوا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرتحلون ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يضحك، وقال لهم: «قولوا لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ؛ فلما ارتحلوا واستقلوا قال: «قولوا آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون» ؛ وقيل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا رسول الله، ادع على ثقيف؛ فقال: «اللهم اهد ثقيفا وأت بهم» .
(17/338)

ذكر مسير رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الجعرانة وقسم مغانم حنين، وما أعطاه المؤلّفة
قال ابن إسحاق: ولما انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الطائف رجع إلى الجعرانة فانتهى إليها ليلة الخميس لثلاث خلون من ذى القعدة، فأقام بها ثلاثة عشر يوما، وقسم الفىء.
قال محمد بن سعد: كان السّبى ستة آلاف، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، والورق أربعة آلاف أوقية فضّة، فاستأنى «1» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالسّبى أن يقدم عليه وفدهم، وبدأ بالأموال فقسمها، وأعطى المؤلّفة قلوبهم أوّل الناس.
قالوا: فأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومائة من الإبل. قال:
وابنى يزيد؟ قال: «أعطوه أربعين أوقيّة ومائة من الإبل» ؛ قال: وابنى معاوية؟
فأعطاه أربعين أوقيّة ومائة من الإبل، وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل، ثم سأله مائة أخرى فأعطاه إياها، وأعطى النّضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة مائة من الإبل، وأعطى أسيد بن جارية الثّقفىّ مائة من الإبل، وأعطى العلاء ابن جارية الثقفىّ خمسين بعيرا، وأعطى مخرمة بن نوفل خمسين بعيرا، وأعطى الحارث بن هشام مائة من الإبل، وأعطى سعيد بن يربوع خمسين من الإبل، وأعطى صفوان بن أميّة مائة من الإبل، وأعطى قيس بن عدىّ مائة من الإبل، وأعطى عثمان بن وهب خمسين من الإبل، وأعطى سهيل بن عمرو مائة من الإبل، وأعطى حويطب بن عبد العزّى مائة من الإبل، وأعطى هشام بن عمرو العامرىّ
(17/339)

خمسين من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس التميمىّ مائة من الإبل، واعطى عيينة ابن حصن مائة من الإبل، وأعطى مالك بن عوف مائة من الإبل، وأعطى العبّاس بن مرداس أربعين من الإبل، وقيل: أربعة، فقال فى ذلك:
كانت نهابا تلافيتها ... بكرىّ على المهر فى الأجزع «1»
وإيقاظى القوم أن يرقدوا ... إذا هجع الناس لم أهجع
فأصبح نهبى ونهب العبي ... د بين عيينة والأقرع «2»
وقد كنت فى الحرب ذاتدرإ ... فلم أعط شيئا ولم أمنع «3»
إلّا أفائل أعطيتها ... عديد قوائمها الأربع «4»
وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس فى المجمع «5»
وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اقطعوا عنّى لسانه» ، فأعطوه حتى رضى، قيل: أعطاه مائة من الإبل.
قال ابن سعد: أعطى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذلك كلّه من الخمس، وهو أثبت الأقاويل عندنا، ثم أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زيد بن ثابت بإحصاء الناس والغنائم، ثم فضّها «6» على الناس، فكانت سهامهم لكل رجل أربع من الإبل، وأربعون شاة، فإن كان فارسا أخذ اثنى عشر من الإبل، أو عشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس لم يسهم للفرس الزائد.
(17/340)

ذكر قدوم وفد هوازن على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإسلامهم وردّ السبايا إليهم
قال: وقدم وفد هوازن على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهم أربعة عشر رجلا، ورأسهم زهير بن صرد، وفيهم أبو برقان عمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الرضاعة، فسألوه أن يمنّ عليهم بالسّبى.
قال ابن إسحاق بسنده إلى عبد الله بن عمرو: إنّ وفد هوازن وفدوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، إنّا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا.
قال: وقام رجل من هوازن، أحد بنى سعد بن بكر يقال له: زهير، يكنى بأبى صرد، فقال: يا رسول الله، إنما فى الحظائر «1» عمّاتك وخالاتك وحواضنك اللّاتى كنّ معك يكفلنك، ولو أنا ملحنا «2» للحارث بن أبى شمر أو للنعمان بن المنذر ثم نزل منا بمثل الذى نزلت به، رجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين.
وحكى أبو عمر بن عبد البرّ أن أبا صرد زهير بن صرد أنشد عند ذلك:
امنن علينا رسول الله فى كرم ... فإنّك المرء نرجوه وننتظر «3»
امنن على بيضة قد عاقها قدر ... ممزّق شملها، فى دهرها غير «4»
يا خير طفل ومولود ومنتجب ... فى العالمين إذا ما حصّل البشر
إن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلما حين يختبر
(17/341)

فامنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك يملؤه من محضها درر
إذ كنت طفلا صغيرا كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتى وما تذر
لا تجعلّنا كمن شالت نعامته «1» ... واستبق منّا فإنّا معشر زهر
يا خير من مرحت كمت الجياد به ... عند الهياج إذا ما استوقد الشرر
إنا لنشكر آلاء وإن كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدّخر
إنّا نؤمّل عفوا منك تلبسه ... هذى البريّة إذ تعفو وتنتصر
فاغفر عفا الله عما أنت واهبه ... يوم القيامة إذ يهدى لك الظّفر
قال ابن إسحاق: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أبناؤكم ونساؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم» ؟ فقالوا: يا رسول الله، خيّرتنا بين أموالنا وأحسابنا، فردّ إلينا أبناءنا ونساءنا فهو أحبّ إلينا؛ فقال لهم: «أمّا ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا صلّيت الظهر فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله فى أبناءنا ونسائنا؛ فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم» ، ففعلوا ما أمرهم به؛ فقال: «أمّا ما كان لى ولبنى عبد المطّلب فهو لكم» ، وقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ وقالت الأنصار مثل ذلك؛ فقال الأقرع بن حابس: أمّا أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أمّا أنا وبنو فزارة فلا، وقال عباس بن مرداس: أمّا أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بلى، ما كان لنا فهو لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ قال: يقول عباس لبنى سليم: وهّنتمونى «2» ؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
(17/342)

«إنّ هؤلاء القوم جاءوا مسلمين، وقد كنت استأنيت بسببهم، وخيّرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئا، فمن كان عنده منهم شىء فطابت نفسه أن يردّه فسبيل ذلك، ومن أبى فليردّ عليهم، وليكن ذلك قرضا علينا، فله بكل إنسان ستّ فرائض من أوّل ما يفىء الله علينا» قالوا: رضينا وسلّمنا، فردّوا عليهم نساءهم وأبناءهم، ولم يتخلّف منهم أحد غير عيينة بن حصن، فإنّه أبى أن يردّ عجوزا صارت فى يده منهم، ثم ردّها بعد ذلك.
وقد حكى محمد بن إسحاق سبب تمسّك عيينة بها وردّها، قال: فقال حين أخذها: أرى عجوزا إنى لأحسب لها فى الحىّ نسبا، وعسى أن يعظم فداؤها؛ فلما ردّ الناس السّبايا بستّ فرائض أبى أن يردّها، فقال له زهير بن صرد: خذها عنك، فو الله ما فوها ببارد، ولا ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا زوجها بواجد ولا درّها بماكد «1» ؛ فردّها بستّ فرائض حين قال له زهير ما قال. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد كسا السبى قبطيّة قبطيّة، والقباطى: ثياب بيض تتّخذ من الكتّان بمصر.
وحكى محمد بن سعد فى طبقاته الكبرى فى ترجمة عيينة بن حصن فى هذه القصة قال: لمّا قدم وفد هوازن على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وردّ عليهم السبى، كان عيينة قد أخذ رأسها منهم، فنظر إلى عجوز كبيرة فقال: هذه أمّ الحىّ، لعلّهم أن يغلوا بفدائها، وعسى أن يكون لها فى الحىّ نسب. فجاء ابنها إلى عيينة فقال:
هل لك فى مائة من الإبل؟ قال: لا، فرجع عنه، فتركه ساعة، وجعلت العجوز تقول لابنها: ما إربك فىّ بعد مائة ناقة، اتركه فما أسرع ما يتركنى بغير فداء؛
(17/343)

فلما سمعها عيينة قال: ما رأيت كاليوم خدعة، والله ما أنا من هذه إلا فى غرور؛ ولا جرم والله لأبعدنّ أثرك منّى؛ قال: ثم مرّ به ابنها فقال له عيينة: هل لك فيما دعوتنى إليه؟ فقال: لا أزيدك على خمسين؛ فقال عيينة: لا أفعل؛ ثم لبث ساعة، فمرّ به وهو معرض عنه، فقال له عيينة: هل لك فى الذى بذلت لى؟، قال له الفتى: لا أزيدك على خمس وعشرين فريضة؛ قال عيينة: والله لا أفعل، فلما تخوّف عيينة أن يتفرق الناس ويرتحلوا قال: هل لك إلى ما دعوتنى إليه إن شئت؟: فقال الفتى: هل لك إلى عشر فرائض؟ قال: لا أفعل؛ فلما رحل الناس ناداه عيينة: هل لك إلى ما دعوتنى إليه إن شئت؟ قال الفتى: أرسلها وأحمدك، قال: لا والله ما لى حاجة بحمدك؛ فأقبل عيينة على نفسه لائما لها ويقول: ما رأيت كاليوم أمر أنكد، قال الفتى: أنت صنعت هذا بنفسك، عمدت إلى عجوز كبيرة، والله ما ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا فوها ببارد ولا صاحبها بواجد، فأخذتها من بين من ترى؛ فقال له عيينة: خذها لا بارك الله لك فيها؛ قال: فيقول الفتى: يا عيينة، إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد كسا السبى فأخطأها من بينهم الكسوة، فهل أنت كاسيها ثوبا؟ قال: لا، والله ما لها ذاك عندى، قال: لا تفعل؛ فما فارقه حتى أخذ منه سمل ثوب، ثم ولّى الفتى وهو يقول: إنك لغير بصير بالفرض، قال: وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد كسا السبى قبطيّة قبطية، والقباطى: ثياب بيض تتّخذ من الكنّان بمصر.
قال محمد بن إسحاق: وسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفد هوازن عن مالك بن عوف ما فعل؟ فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف؛ فقال: «أخبروا مالكا إن هو أتانى مسلما رددت إليه أهله وماله، وأعطيته مائة من الإبل» ، فأخبر بذلك،
(17/344)

فخرج من الطائف فأدرك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالجعرانة أو بمكّة، فردّ عليه أهله وماله، وأعطاه مائة من الإبل، وأسلم فحسن إسلامه. وقال حين أسلم منشدا:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... فى الناس كلّهم بمثل محمّد
أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى ... ومتى تشأ يخبرك عمّا فى غد
وإذا الكتيبة عرّدت أنيابها ... بالسّمهرىّ وضرب كلّ مهنّد
فكأنه ليث على أشباله ... وسط الهباءة خادر فى مرصد «1»
فاستعمله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على من أسلم من قومه، وتلك القبائل:
ثمالة، وسلمة، وفهم، فكان يقاتل بهم ثقيفا؛ لا يخرج لهم سرح «2» إلّا أغار عليه، حتى ضيّق عليهم، فقال أبو محجن بن حبيب بن عمرو الثقفىّ فى ذلك:
هابت الأعداء جانبنا ... ثم تغزونا بنو سلمه
وأتانا مالك بهم ... ناقضا للعهد والحرمه
وأتونا فى منازلنا ... ولقد كنّا أولى نقمه
ذكر تسمية من بايع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من قريش وغيرها عند قسم مغانم حنين
قال أبو محمد عبد الملك بن هشام رحمه الله: بايع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من قريش وغيرهم وأعطاهم يوم الجعرانة من غنائم حنين: أبو سفيان ابن حرب، ومعاوية بن أبى سفيان، وطليق بن سفيان بن أميّة، وخالد بن أسيد
(17/345)

ابن أبى العيص «1» ، وشيبة بن عثمان بن أبى طلحة، وأبو السنابل بن بعكك بن الحارث، وعكرمة بن عامر بن هاشم، وزهير بن أبى أميّة بن المغيرة، والحارث بن هشام بن المغيرة، وخالد بن هشام بن المغيرة، وهشام بن الوليد بن المغيرة، وسفيان بن عبد الأسد بن عبد الله، والسائب بن أبى السائب بن عائذ، ومطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة، وأبو جهم بن حذيفة بن غانم؛ العدويّان، وصفوان بن أميّة بن خلف الجمحى، وأحيحة بن أميّة بن خلف، وعمير بن وهب بن خلف، وعدىّ بن قيس ابن حذافة السّهمى، وحويطب بن عبد العزّى، وهشام بن عمرو بن ربيعة، ونوفل ابن معاوية بن عروة بن صخر الدّيلى، وعلقمة بن علاثة بن عوف، ولبيد بن ربيعة بن مالك، وخالد بن هوذة بن ربيعة بن عمرو بن عامر، وحرملة بن هوذة ابن ربيعة، ومالك بن عوف بن سعيد بن يربوع، وعبّاس بن مرداس السّلمىّ، وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارىّ، والأقرع بن حابس بن عقال المجاشعىّ
ذكر مقالة الأنصار فى أمر قسم الفىء، وما أجابهم به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ورضّاهم به
قال ابن إسحاق بسند يرفعه إلى أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه أنه قال:
لما أعطى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما أعطى من تلك العطايا فى قريش وفى قبائل العرب، ولم يكن فى الأنصار منها شىء، وجدوا فى أنفسهم حتى كثرت بهم القالة، حتى قال قائلهم: لقى والله رسول الله قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله، إن هذا الحىّ من الأنصار قد وجدوا عليك فى أنفسهم لما صنعت فى هذا الفىء الذى أصبت؛ قسمت فى قومك، وأعطيت عطايا عظاما
(17/346)

فى قبائل العرب، ولم يكن فى هذا الحىّ من الأنصار منها شىء. قال: «فأين أنت من ذلك يا سعد» ؟ قال: يا رسول الله، ما أنا إلّا من قومى؛ قال: «فاجمع لى قومك فى هذه الحظيرة» ، فخرج سعد فجمعهم فيها، فأتاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتنى عنكم، وجدة وجدتموها فى أنفسكم؟ ألم آتكم ضلّالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألّف الله بين قلوبكم» ! قالوا: بلى، الله ورسوله أمنّ وأفضل ثم قال: «ألا تجيبوننى يا معشر الأنصار؟» ؛ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟، لله ولرسوله المنّ والفضل، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أما والله لو شئتم لقلتم ولصدقتم: أتيتنا مكذّبا فصدّقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار فى أنفسكم من لعاعة «1» من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعوا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى رحالكم! فو الذى نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرا من الأنصار، ولو سلكت الناس شعبا «2» وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار» ؛ قال: فبكى القوم حتّى أخضلوا «3» لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم قسما وحظّا؛ ثم انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتفرّقوا، ثم خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الجعرانة معتمرا، وذلك ليلة الأربعاء لثنتى عشرة ليلة مضت من ذى القعدة، فأحرم بعمرة، ودخل مكّة، فطاف وسعى وحلق رأسه، ورجع إلى الجعرانة من ليلته.
(17/347)

ذكر استخلاف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عتّاب بن أسيد على مكّة ورجوعه إلى المدينة
قال محمد بن إسحاق: ولما فرغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من عمرته استخلف عتّاب بن أسيد على مكّة، وخلّف معه معاذ بن جبل يفقّه الناس فى الدّين ويعلّمهم القرآن.
قال ابن هشام: لما استعمل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عتّاب بن أسيد على مكة رزقة كلّ يوم درهما، فقام فخطب الناس فقال: أيّها الناس، أجاع الله كبد من جاع على درهم، قد رزقنى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم درهما كلّ يوم، فليست بى حاجة إلى أحد.
قال: وحجّ عتّاب بالناس فى سنة ثمان على ما كانت العرب تحجّ عليه.
قال ابن سعد: ولما انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة سلك فى وادى الجعرانة، حتى خرج على سرف «1» ، ثم أخذ الطريق إلى مرّ الظّهران «2» ، ثم إلى المدينة، فقدمها صلّى الله عليه وسلّم فى بقية ذى القعدة أو فى أوّل ذى الحجّة.
وقال ابن هشام: لستّ بقين من ذى القعدة. والله أعلم.
ذكر سريّة عيينة بن حصن الفزارىّ إلى بنى تميم
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى المحرم سنة تسع من مهاجره إلى بنى تميم فى خمسين فارسا من العرب، ليس فيهم مهاجرىّ ولا أنصارىّ، وكان يسير الليل ويكمن النهار، فهجم عليهم فى صحراء- وكانوا فيما بين السّقيا وأرض بنى تميم، وقد
(17/348)

حلّوا وسرّحوا ماشيتهم، فلما رأوا الجمع ولّوا- وأخذ منهم أحد عشر رجلا؛ ووجدوا فى المحلة إحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيّا، فجلبهم إلى المدينة، فأمر بهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحبسوا فى دار رملة بنت الحارث، فقدم فيهم عدّة من رؤسائهم: عطارد بن حاجب، والزّبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، ورباح بن الحارث بن مجاشع، والأقرع بن حابس، وقيس بن الحارث، ونعيم ابن سعد، وعمرو بن الأهتم، وربيعة بن رفيع، وسبرة بن عمرو، والقعقاع بن معبد، ووردان بن محرز، ومالك بن عمرو، وفراس بن حابس، وكان من شأنهم وكلام خطيبهم وشاعرهم ما نذكر ذلك فى أخبارهم فى وفادات العرب إن شاء الله تعالى، وذلك فى السفر السادس عشر من كتابنا هذا من هذه النسخة «1» .
قال: وردّ عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأسرى والسّبى.
قال ابن إسحاق: وكان ممّن قتل يومئذ من بنى العنبر: عبد الله وأخوان له بنو وهب، وشدّاد بن فراس، وحنظلة بن دارم. وكان ممّن سبى يومئذ أسماء بنت مالك، وكأس بنت أرىّ، ونجوة بنت نهد، وجميعة بنت قيس، وعمرة بنت مطر.
ذكر خبر الوليد بن عقبة بن أبى معيط مع بنى المصطلق
قال محمد بن سعد: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الوليد بن عقبة ابن أبى معيط إلى بالمصطلق من خزاعة يصدّقهم، وكانوا قد أسلموا وبنوا المساجد، فلما سمعوا بدنوّ الوليد خرج منهم عشرون رجلا يتلقّونه بالجزور والغنم فرحا به، فلما رآهم ولّى راجعا إلى المدينة، فأخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنهم لقوه
(17/349)

بالسلاح يحولون بينه وبين الصّدقة، فهمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يبعث إليهم من يغزوهم، وبلغ ذلك القوم، فقدم الرّكب الّذين لقوا الوليد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره الخبر على وجهه، فنزل فى ذلك قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ)
«1» ، فقرأ عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم القرآن، وبعث معهم عبّاد بن بشر يأخذ صدقات أموالهم، ويعلّمهم شرائع الإسلام، ويقرئهم القرآن، ففعل، وأقام عندهم عشرا، ثم انصرف إلى المدينة.
ذكر سريّة قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى صفر سنة تسع من مهاجره إلى حىّ من خثعم بناحية تبالة فى عشرين رجلا، وأمره أن يشنّ الغارة عليهم، فخرجوا على عشرة أبعرة يعتقبونها، فأخذوا رجلا، فسألوه فاستعجم عليهم، وجعل يصبح بالحاضر ويحذّرهم، فضربوا عنقه، ثم أمهلوا حتى نام الحاضر، فشنّوا عليهم الغارة، فاقتتلوا قتالا شديدا، وساق المسلمون النّعم والشاء والنساء إلى المدينة، وجاء سيل فحال بينهم وبين قطبة، فما يجدون إليه سبيلا، وكانت سهامهم بعد الخمس لكلّ رجل أربعة أبعرة، والبعير يعدل بعشرة من الغنم.
ذكر سريّة الضحّاك بن سفيان الكلابىّ إلى بنى كلاب كانت فى شهر ربيع الأوّل سنة تسع من الهجرة
قالوا: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جيشا إلى القرطاء «2» عليهم الضحّاك ابن سفيان بن عوف الكلابىّ، ومعه الأصيد بن سلمة بن قرط، فلقوهم بالزّجّ «3» ،
(17/350)

زجّ لاوة، فدعوهم إلى الإسلام فأبوا، فقاتلوهم فهزموا، فلحق الأصيد أباه سلمة، وسلمة على فرس له فى غدير الزّجّ، فدعا أباه إلى الإسلام، وأعطاه الأمان، فسبّه وسبّ دينه، فضرب الأصيد عرقوبى فرس أبيه، فلمّا وقع الفرس على عرقوبيه ارتكز سلمة رمحه فى الماء، ثم استمسك به، حتى جاءه أحدهم فقتله، ولم يقتله ابنه، وفى هذه السريّة وفى الضحّاك بن سفيان يقول عبّاس بن مرداس:
إنّ الذين وفوا بما عاهدتم ... جيش بعثت عليهم الضّحّاكا
أمرته ذرب اللّسان «1» كأنه ... لمّا تكنّفه العدوّ يراكا
طورا يعانق باليدين وتارة ... يفرى الجماجم صارما بتّاكا «2»
ذكر سريّة علقمة بن مجزّز المدلجىّ إلى الحبشة
كانت هذه السريّة فى شهر ربيع الآخر سنة تسع من الهجرة، وذلك أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلغه أنّ ناسا من الحبشة تراآهم أهل جدّة، فبعث إليهم علقمة بن مجزّز فى ثلاثمائة، فانتهى إلى جزيرة فى البحر وقد خاض إليهم، فهربوا منه، فلمّا رجع تعجّل «3» بعض القوم إلى أهليهم، فأذن لهم، وفيهم عبد الله بن حذافة السّهمىّ، فأمّره علقمة على من تعجّل، وكانت فيه دعابة، فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارا يصطلون عليها، فقال لهم: عزمت عليكم إلّا تواثبتم فى هذه النار، فقام بعض القوم حتى ظنّ أنهم واثبون فيها، فقال: اجلسوا، إنما كنت أضحك معكم؛ فذكروا ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «من أمركم بمعصية فلا تطيعوه» .
(17/351)

ذكر سريّة علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه إلى الفلس صنم طيئ
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شهر ربيع الآخر سنة تسع فى خمسين ومائة رجل من الأنصار إلى الفلس (صنم طيئ) ليهدمه- (والفلس بضم الفاء وسكون اللام) - بعثهم على مائة بعير وخمسين فرسا، ومعه راية سوداء ولواء أبيض، فشنّوا الغارة على محلّة آل حاتم مع الفجر، فهدموا الفلس وخرّبوه وملأوا أيديهم من السّبى والنّعم والشاء، وفى السبى أخت عدىّ بن حاتم، وهرب عدىّ إلى الشام؛ وكان من خبره ما نذكره إن شاء الله فى أخبار الوفود. قال:
ووجدوا فى خزانة الفلس ثلاثة أسياف: رسوب، والمخذم، واليمان؛ وثلاثة أدرع، فلمّا نزلوا ركك «1» اقتسموا الغنائم، وعزل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم صفيّة «2» : رسوب، والمخذم، ثم صار له بعد السيف الآخر، وعزل الخمس وعزل آل حاتم فلم يقسمهم، حتى قدم بهم المدينة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
ذكر سريّة عكّاشة بن محصن الأسدى إلى الجناب
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شهر ربيع الآخر سنة تسع من مهاجره إلى الجناب، أرض عذرة وبلىّ، ولم يذكر ابن سعد من خبره غير ذلك.
ذكر غزوة تبوك
كانت غزوة تبوك فى شهر رجب سنة تسع من مهاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان سببها أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلغه أنّ الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام، وأنّ هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معه لحم،
(17/352)

وجدام، وعاملة، وغسان، وقدّموا مقدّماتهم إلى البلقاء، فندب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الناس إلى الخروج، وأعلمهم المكان الذى يريد ليتأهّبوا لذلك، وبعث إلى مكّة وإلى قبائل العرب يستنفرهم، وذلك فى حرّ شديد، وأمرهم بالصدقة، فحملوا صدقات كثيرة، وقووا فى سبيل الله.
قال ابن هشام: أنفق عثمان بن عفّان رضى الله عنه فى جيش العسرة فى غزوة تبوك ألف دينار، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم ارض عن عثمان فإنّى عنه راض» .
وجاء البكاءون وهم سبعة: سالم بن عمير، وهرمىّ بن عبد الله أخو بنى واقف، وعلبة بن زيد أخو بنى حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب المازنىّ، وعمرو بن عنمة، وسلمة بن صخر، والعرباض بن سارية الفزارىّ.
قال: وفى بعض الرّواة من يقول: إنّ فيهم عبد الله بن مغفّل المزنىّ، ومعقل ابن يسار، وبعضهم يقول: البكاءون بنو مقرّن السبعة، وهم من مزينة، فأتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يستحملونه، فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه» ؛ فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألّا يجدوا ما ينفقون، فعذرهم الله تعالى.
قال: وبلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّ ناسا من المنافقين يجتمعون فى بيت سويلم اليهودىّ، يثبّطون الناس عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليهم طلحة بن عبيد الله فى نفر من أصحابه، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة، فاقتحم الضّحاك بن خليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا، فقال الضحّاك فى ذلك:
كادت وبيت الله نار محمّد ... يشيط بها الضحّاك وابن أبيرق
(17/353)

فظلت وقد طبّقت كبس سويلم ... أنوء على رجلى كسيرا ومرفقى «1»
سلام عليكم لا أعود لمثلها ... أخاف، ومن تشمل به النار يحرق
وجاء ناس من المنافقين يستأذنون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى التخلّف من غير علّة، فأذن لهم، وهم بضعة وثمانون رجلا.
وجاء المعذّرون من الأعراب ليؤذن لهم، فاعتذروا إليه، فلم يعذرهم، وهم اثنان وثمانون رجلا؛ ذكر أنهم نفر من بنى غفار، وكان عبد الله بن أبىّ بن سلول قد عسكر على ثنيّة الوداع فى حلفائه من اليهود والمنافقين، فكان يقال: ليس عسكره بأقلّ العسكرين، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يستخلف على عسكره أبا بكر الصدّيق رضى الله عنه، فصلّى بالناس، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة، فلمّا سار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تخلّف عبد الله بن أبىّ، ومن كان معه، وتخلّف نفر من المسلمين من غير شكّ ولا ارتياب، منهم كعب بن مالك، وهلال بن أميّة، ومرارة بن الرّبيع، وأبو خيثمة مالك بن قيس السّالمى، وأبو ذرّ الغفارىّ؛ وأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كلّ بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتّخذوا لواء أو راية، ومضى صلّى الله عليه وسلّم لوجهه يسير بأصحابه حتى قدم تبوك فى ثلاثين ألفا من الناس، والخيل عشرة آلاف فرس، فأقام بها عشرين ليلة يصلّى ركعتين ركعتين، ولحقه بها أبو خيثمة وأبو ذرّ.
قال محمد بن إسحاق فى سبب مسير أبى خيثمة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنه جاء يوما إلى أهله بعد أن سار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أيّاما فى يوم
(17/354)

حارّ، فوجد امرأتين له فى عريشين «1» لهما فى حائطه، قد رشّت كلّ واحدة منهما عريشها وبردّت له فيه ماء، وهيّأت طعاما، فلمّا دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله فى الضّحّ «2» والرّيح والحرّ، وأبو خيثمة فى ظلّ بارد، وطعام مهيّأ، وامرأة حسناء، فى ماله مقيم، ما هذا بالنّصف! ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فهيّأ لى زادا، ففعلتا، ثم قدّم ناضحه «3» فارتحله، ثم خرج فى طلب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى أدركه حين نزل تبوك.
قال: ولمّا دنا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كن أبا خيثمة» ؛ قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة؛ فلمّا أناخ أقبل فسلّم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال له: «أولى لك يا أبا خيثمة» !، ثم أخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخبر، فقال: خيرا ودعا له.
وأما أبو ذرّ الغفارىّ، فإنه أدرك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى أثناء الطريق، وكان بعيره قد أبطأ عليه، فحمل متاعه على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى أدركه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«رحم الله أبا ذرّ، يمشى وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده» فكان كذلك.
قال: وقدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تبوك وهرقل يومئذ بحمص، فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خالد بن الوليد إلى أكيدر.
(17/355)

ذكر سريّة خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك
قالوا: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو بتبوك خالد بن الوليد فى أربعمائة وعشرين فارسا سريّة إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل، وأكيدر من كندة، قد ملكهم، وكان نصرانيّا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لخالد بن الوليد: «إنّك ستجده يصيد البقر» . فخرج خالد فى شهر رجب سنة تسع من الهجرة حتى كان من حصن أكيدر بمنظر العين فى ليلة مقمرة وصائفة، وهو على سطح له، ومعه امرأته، فبالت البقر تحكّ بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته:
ما رأيت مثل هذا قطّ؟ قال: لا والله؛ قالت: فمن يترك هذا؟ قال: لا أحد، فنزل فأمر بفرسه فأسرج له، وركب وركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخ له يقال له: حسّان، وخرجوا لمطاردة البقر، فلما خرجوا تلقّتهم خيل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فشدّت عليه، فاستأسر أكيدر، وامتنع أخوه حسان، وقاتل حتى قتل، وكان عليه قباء من ديباج مخوّص «1» بالذهب، فاستلبه خالد، وبعث به إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل قدومه عليه، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم، ويتعجّبون منه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أتعجبون من هذا؟
فو الّذى نفسى بيده لمناديل سعد بن معاذ فى الجنة أحسن من هذا» . قال: ولما أسر أكيدر وقتل حسّان، هرب من كان معهما، فدخل الحصن، وأجار خالد أكيدر من القتل حتى يأتى به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أن يفتح له دومة الجندل، ففعل، وصالحه على ألفى بعير، وثمانمائة فرس، وأربعمائة درع وأربعمائة رمح، فعزل للنبى صلّى الله عليه وسلّم صفيّا خالصا، ثم أخرج الخمس، وقسم
(17/356)

ما بقى بين أصحابه، ثم خرج خالد بأكيدر وبأخيه مصاد. وكان فى الحصن- وبما صالحه عليه قافلا إلى المدينة، فقدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلم بأكيدر، فأهدى له هديّة، وصالحه على الجزية، وحقّن دمه، ثم خلّى سبيله، فرجع إلى قريته، فقال بجير بن بجرة:
تبارك سائق البقرات إنّى ... رأيت الله يهدى كلّ هاد
فمن يك حائدا عن ذى تبوك ... فإنّا قد أمرنا بالجهاد
قال محمد بن إسحاق: ولما انتهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى تبوك أتاه يحنّة ابن رؤبة صاحب أيلة «1» ، فصالح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء «2» وأذرح «3» ، فأعطوه الجزية، وكتب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليحنّة كتابا، وهو: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبىّ رسول الله ليحنّة بن رؤبة وأهل أيلة؛ سفنهم وسيّارتهم فى البر والبحر، لهم ذمّة الله ومحمد النبى، ومن كان معهم من أهل الشام، وأهل اليمن، وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنّه لا يحول ماله دون نفسه. وإنّه طيّب لمن أخذه من الناس، وإنّه لا يحلّ أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقا يريدونه من برّ أو بحر» .
قال: وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد استعمل على حرسه بتبوك عبّاد ابن بشر. ثم انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولم يلق كيدا.
(17/357)

وقدم المدينة فى شهر رمضان من السنة، وجاءه من كان قد تخلّف عنه، فحلفوا له، فعذرهم، واستغفر لهم، وأرجأ أمر كعب بن مالك وصاحبيه حتى نزلت توبتهم، على ما نذكر ذلك إن شاء الله فى آخر هذه الغزوة.
قال: وجعل المسلمون يبيعون أسلحتهم ويقولون: قد انقطع الجهاد، فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنهاهم، وقال: «لا تزال عصابة من أمّتى يجاهدون على الحقّ حتّى يخرج الدجّال» .
وكان فى غزوة تبوك وقائع غير ما قدّمناه، قد رأينا إيرادها فى هذا الموضع.
منها خبر مرور رسول الله بالحجر.
ومنها ما أنزل فى أمر المنافقين.
ومنها خبر الثلاثة الّذين خلّفوا، وما أنزل من توبتهم.
ذكر خبر مرور رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالحجر وما قاله لأصحابه
قال محمد بن إسحاق: لمّا مرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى سفره إلى تبوك بالحجر من مدين، نزلها، واستقى الناس من بئرها، فلمّا راحوا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. «لا تشربوا من مائها شيئا، ولا يتوضّأ منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه للإبل ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلّا ومعه صاحب له» ، ففعل الناس ما أمرهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، إلّا أنّ رجلين من بنى ساعدة خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر فى طلب بعير له، فأما الّذى ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه «1» ؛ وأما الذى ذهب فى طلب بعيره
(17/358)

فاحتملته الرّيح حتى طرحته بجبل طيئ، وأخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بذلك فقال: «ألم أنهكم ألّا يخرج منكم أحد إلّا ومعه صاحبه» ! ثم دعا الّذى أصيب «1» فشفى، وأمّا الآخر فإن طيّئا أهدته لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين قدم المدينة.
قال ابن هشام: بلغنى عن الزّهرىّ أنه قال: لما مرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالحجر سجّى «2» ثوبه على وجهه، واستحثّ راحلته، ثم قال: «لا تدخلوا بيوت الّذين ظلموا إلّا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم مثل ما أصابهم» .
قال ابن إسحاق: لمّا أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فدعا، فأرسل لله تعالى سحابة فأمطرت حتّى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء.
وفى هذه الغزوة ضلّت ناقة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال زيد بن لصيب «3» ما قال، وأخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بما قال، فأخبر بشأنها، ووجدت كما وصف صلّى الله عليه وسلّم على ما قدّمنا ذلك فى أخبار المنافقين.
ذكر أخبار المنافقين وما تكلّموا به فى غزوة تبوك وما أنزل الله عز وجل فيهم من القرآن
كان ممّن أنزل الله عزّ وجلّ فيه من القرآن ما أنزل فى غزوة تبوك الجدّ ابن قيس، وهو الذى قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ائذن لى ولا تفتنّى؛ وقد تقدّم خبره مع أخبار المنافقين.
(17/359)

وقال قوم منهم: لا تنفروا فى الحرّ زهادة فى الجهاد؛ فأنزل الله عزّ وجل فيهم:
(وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ. فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ)
«1» ، وقال رهط من المنافقين: منهم وديعة ابن ثابت أخو بنى عمرو بن عوف، ورجل من أشجع، حليف لبنى سلمة يقال له:
مخشّ بن حميّر- وقيل: مخشىّ «2» - وغيرهما بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بنى الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا، والله لكأنكم غدا بهم مقرّنين فى الحبال، يقولون ذلك إرجافا وترهيبا للمؤمنين.
فقال مخشىّ: والله لوددت أن أقاضى على أن يضرب كلّ رجل منّا مائة جلدة، وأنا ننفلت أو ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعمار بن ياسر: «أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فاسألهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل لهم: بلى قد قلتم كذا وكذا» ، فانطلق إليهم عمّار، فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله صلّى الله صلّى الله عليه وسلّم يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب.
وقال مخشىّ: يا رسول الله، قعد بى اسمى واسم أبى، فأنزل الله تعالى قوله:
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ)
«3» . فكان مخشىّ بن حمير ممن عفى عنه، فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيدا لا يعلم مكانه، فقتل يوم اليمامة، ولم يوجد له أثر. والله الموفق للصواب.
(17/360)

ذكر خبر الثلاثة الذين خلّفوا، وما أنزل فيهم وفى المعذّرين من الأعراب
والثلاثة الذين خلّفوا لم يتخلّفوا عن شكّ ولا نفاق، وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أميّة، وكان من خبرهم ما حدّثنا به الشيخان المعمّران المسندان شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبى طالب نعمة الصالحىّ الحجّار، وست الوزراء أمّ محمد وزيرة بنت القاضى شمس الدين عمر بن أسعد بن المنجى التّنوخيّة الدّمشقيّان قراءة عليهما، وأنا أسمع فى جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وسبعمائة بالمدرسة المنصورية بالقاهرة المعزّيّة، قالا: حدّثنا الشيخ سراج الدين أبو عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى الزبيدى، قال: حدّثنا أبو الوقت عبد الأوّل بن عيسى بن شعيب السّجزى قراءة عليه ونحن نسمع، قال: حدّثنا الشيخ أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودىّ، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمّويه السّرخسىّ، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف ابن مطر الفربرىّ، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخارىّ، قال: حدّثنا يحيى بن بكير، قال: حدّثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أنّ عبد الله بن كعب بن مالك،- وكان قائد كعب من بنيه حين عمى- قال: سمعت كعب بن مالك يحدّث حين تخلّف عن قصّة تبوك قال كعب: لم أتخلّف عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى غزوة غزاها إلا فى غزوة تبوك، غير أنى كنت تخلفت فى غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلّف عنها، إنما خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد؛ ولقد شهدت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
(17/361)

ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحبّ أن لى بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر فى الناس منها.
كان من خبرى أنى لم أكن قطّ أقوى ولا أيسر منّى حين تخلفت عنه فى تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندى قبله راحلتان قطّ حتى جمعتهما فى تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يريد غزوة إلّا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى حرّ شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعدوّا كثيرا، فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذى يريد، والمسلمون مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ- يريد الديوان.
قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيّب إلّا ظن أنّه سيخفى له ذلك، ما لم ينزل فيه وحى الله عزّ وجلّ، وغزا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظّلال، وتجهّز رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكى أتجهّز معهم، فأرجع ولم أقض شيئا، فأقول فى نفسى: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بى حتى شمّر بالناس الجدّ. فأصبح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمسلمون معه، ولم أفض من جهازى شيئا، فقلت: اتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحق بهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، ورجعت فلم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت، ولم أقض شيئا، فلم يزل بى حتّى أسرعوا وتفرّط «1» الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتنى فعلت، فلم يقدر لى ذلك، فكنت إذا خرجت فى الناس بعد خروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فطفت فيهم أحزننى أنّى لا أرى إلّا رجلا مغموصا «2» عليه بالنفاق، أو رجلا ممّن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرنى
(17/362)

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس فى القوم بتبوك:
«ما فعل كعب» ؟ فقال رجل من بنى سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه ونظره فى عطفيه «1» . فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت! والله يا رسول الله، ما علمت عليه إلّا خيرا، فسكت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
قال كعب بن مالك: فلما بلغنى أنه توجه قافلا حضرنى همّى، وطفقت أتذكّر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذى رأى من أهلى، فلما قيل إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أظلّ «2» قادما راح عنى الباطل، وعرفت أنّى لم أخرج منه أبدا بشىء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم يجلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلّمت عليه تبسّم تبسّم المغضب، ثم قال: «تعال» ، فجئت أمشى حتى جلست بين يديه، فقال لى: «ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك» ؟ فقلت: بلى والله، إنى لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أنى سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا «3» ، ولكنّى والله لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّى ليوشكن الله أن يسخطك علىّ، ولئن حدّثتك حديث صدق تجد «4» علىّ فيه إنى لأرجو فيه عقبى الله، لا والله ما كان لى من عذر، والله ما كنت قطّ أقوى
(17/363)

ولا أيسر منّى حين تخلّفت عنك؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أمّا هذا فقد صدق، فقم حتى يقضى الله فيك» ، فقمت وثار رجال من بنى سلمة فاتبعونى، فقالوا لى: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بما اعتذر إليه المتخلّفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فو الله ما زالوا يؤنّبونى حتى أردت أن أرجع فأكذّب نفسى، ثم قلت لهم: هل لقى هذا معى أحدا؟ قالوا:
نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك؛ فقلت: من هما؟
قالوا: مرارة بن الربيع العمرى، وهلال بن أمية الواقفىّ، فذكروا لى رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة؛ فمضيت حين ذكروهما لى.
ونهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المسلمين عن كلامنا- أيّها الثلاثة- من بين من تخلّف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكّرت فى نفسى الأرض، فما هى بالتى أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة.
فأمّا صاحباى فاستكانا وقعدا فى بيوتهما يبكيان، وأمّا أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف فى الأسواق، فلا يكلمنى أحد، وآتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأسلم عليه وهو فى مجلسه بعد الصلاة، فأقول فى نفسى: هل حرّك شفتيه بردّ السلام علىّ أم لا؟ ثم أصلّى قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتى أقبل إلىّ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عنى، حتى إذا طال علىّ ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسوّرت جدار حائط أبى قتادة، وهو ابن عمّى، وأحبّ الناس إلىّ، فسلّمت عليه، فو الله ما ردّ علىّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك الله، هل تعلمى أحبّ الله ورسوله؟
(17/364)

فسكت، فعدت له فنشدته، فسكت، فعدت له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناى، وتولّيت حتى تسوّرت الجدار.
قال: فبينا أنا أمشى بسوق المدينة إذا نبطىّ من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلّ على كعب بن مالك؟، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءنى دفع إلىّ كتابا من ملك غسّان، فإذا فيه: «أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك» . فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء، فتيمّمت «1» بها التنور، فسجرته «2» بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأتينى، فقال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأمرك أن تعتزل امرأتك.
فقلت: أطلّقها؟ أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربنّها، وأرسل إلى صاحبى مثل ذلك، فقلت لامرأتى: الحقى بأهلك فكونى عندهم حتى يقضى الله فى هذا الأمر.
قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أميّة- رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أميّة شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ فقال: «لا، ولكن لا يقربنّك» قالت: إنه والله ما به حركة إلى شىء، والله مازال يبكى مذكان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لى بعض أهلى:
لو استأذنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله، وما يدرينى ما يقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أستأذنته فيها وأنا رجل شابّ! فلبثت بعد ذلك عشر
(17/365)

ليال حتى كملت خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن كلامنا؛ فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التى ذكر الله، قد ضاقت علىّ نفسى، وضاقت علىّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى «1» على جبل سلع بأعلى صوته:
يا كعب بن مالك، أبشر، قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بتوبة الله علينا حين صلّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل «2» صاحبىّ مبشّرون، وركض رجل إلىّ فرسا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءنى الذى سمعت صوته يبشرنى، نزعت ثوبىّ فكسوته إباهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فتلقّانى الناس فوجا فوجا يهنّئوننى بالتوبة، يقولون: ليهنك توبة الله عليك.
قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالس حوله الناس، فقام إلىّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحنى وهنّأنى، والله ما قام إلىّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة.
قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك» ؛ قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال:
(17/366)

«لا، بل من عند الله» ، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا سرّ استتار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنّا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إنّ من توبتى أن أنخلع من مالى صدقة إلى الله وإلى رسول الله؛ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» ، قلت: فإنى أمسك سهمى الذى بخيبر، وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما نجّانى بالصدق، وإنّ من توبتى ألا أحدّث إلّا صدقا ما بقيت، فو الله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله فى صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحسن ممّا أبلانى، ما تعمّدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى يومى هذا كذبا، وإنى لأرجو أن يحفظنى الله فيما بقى «1» ، فأنزل الله تعالى على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)
«2» .
قال كعب: فو الله ما أنعم الله علىّ من نعمة قطّ بعد أن هدانى للإسلام أعظم فى نفسى من صدقى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحى شرّ ما قال لأحد، فقال تبارك وتعالى: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ
(17/367)

لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.
يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ)
«1» .
قال كعب: وكنا تخلفنا- أيها الثلاثة- عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين حلفوا «2» فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.
وليس الذى ذكر الله مما خلّفنا تخلّفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه.
انتهت غزوة تبوك، فلنذكر ما سواها من السرايا.
ذكر سريّة خالد بن الوليد إلى بنى عبد المدان بنجران
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليهم فى شهر ربيع الأوّل سنة عشر من مهاجره، ولم يذكر من خبر هذه السريّة غير هذا فنذكره.
ذكر سريّة على بن أبى طالب رضى الله عنه إلى اليمن
يقال: بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرتين: إحداهما فى شهر رمضان سنة عشر من مهاجره صلّى الله عليه وسلّم، وعقد له لواء، وعمّه بيده، وقال:
«امض لا تلتفت، فاذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك» ، فخرج فى ثلاثمائة فارس، وكانت أوّل خيل دخلت إلى تلك البلاد، وهى بلاد مذحج، ففرق أصحابه، فأتوا بنهب وغنائم ونساء وأطفال ونعم وشاء وغير ذلك، وجعل على الغنائم بريدة بن الحصيب الأسلمىّ، فجمع إليه ما أصابوا، ثم لقى جمعهم
(17/368)

فدعاهم إلى الإسلام، فأبوا ورموا بالنّبل، ثم حمل عليهم علىّ رضى الله عنه بأصحابه فقتل منهم عشرين رجلا، فتفرقوا وانهزموا، فكفّ عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام، فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفر من رؤسائهم على الإسلام، وقالوا:
نحن على من وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حقّ الله، وجمع علىّ الغنائم فحمّسها، وقسم على أصحابه بقية المغنم، ثم قفل، فوافى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمكة حين قدمها للحج سنة عشر. حكاه ابن سعد «1» .
وقال محمد بن إسحاق، لما رجع علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه من اليمن إلى مكة، دخل على فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فوجدها قد حلّت فقال: مالك يا بنت رسول الله «2» ؟ قالت: أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن نحلّ بعمرة فحللنا، ثم أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما فرغ من الخبر عن سفره، قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «انطلق فطف بالبيت وحلّ كما حلّ أصحابك» قال: يا رسول الله، إنى أهللت بما أهللت؛ قال: «فارجع فاحلل كما حلّ أصحابك» قال: يا رسول الله، إنّى قلت حين أحرمت: اللهم إنى أهلّ بما أهلّ به نبيّك وعبدك ورسولك محمد، قال: «فهل معك من هدى» ؟ قال: لا، فأشركه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى هديه، وثبت على إحرامه مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى فرغا من الحجّ، ونحر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الهدى.
قال: ولما أقبل علىّ من اليمن تعجّل إلى رسول الله، واستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسا كلّ رجل من القوم حلة من البزّ الذى كان مع علىّ، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم، فإذا عليهم الحلل؛ قال:
(17/369)

ويلك ما هذا؟ قال: كسوت القوم ليتجمّلوا إذا قدموا فى الناس؛ قال:
انزعها ويلك! قبل أن تنتهى بهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: فانتزع الحلل من الناس فردّها فى البزّ، فاشتكى الناس عليّا، فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خطيبا، فقال: «أيها الناس، لا تشتكوا عليّا، فو الله إنه لأخشن فى ذات الله» أو «فى سبيل الله «1» » .
ذكر سريّة أسامة بن زيد بن حارثة إلى أرض الشّراة «2» ناحية البلقاء
وهذه السريّة هى آخر سريّة جهّزها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومات قبل إنفاذها، وكانت لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة من هجرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان فيها أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وسعد بن أبى وقّاص، وسعيد بن زيد، وقتادة بن النعمان، وسلّم بن أسلم بن حريش، فتكلم قوم وقالوا: نستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأوّلين، فغضب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غضبا شديدا، فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد أيها الناس، فما مقالة بلغتنى عن بعضكم فى تأميرى أسامة؟ ولئن طعنتم فى إمارتى أسامة لقد طعنتم فى إمارتى أباه من قبله، وايم الله إن كان للإمارة لخليقا، وإنّ ابنه من بعده لخليق للإمارة وإن كان لمن أحبّ الناس إلىّ، وإنهما لمخيلان لكلّ خير، فاستوصوا به خيرا، فإنه من خياركم» ، ثم نزل فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من شهر ربيع الأوّل، وخرج الناس إلى الجرف، فتوفّى رسول الله صلّى
(17/370)

الله عليه وسلّم قبل خروج هذه السريّة، فلما ولّى أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه، كان أوّل ما بدأ به بعث أسامة.
هذا ما أمكن إيراده من غزوات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسراياه.
فلنذكر حجّه وعمره صلّى الله عليه وسلّم.
ذكر حجّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعمره
قالوا: حج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل هجرته إلى المدينة حجّتين، ولم يحجّ بعد الهجرة إلّا حجّة الوداع، وهى فى السنة العاشرة، وكانت فريضة الحجّ نزلت فى السنة السادسة من الهجرة، وفتحت مكّة فى سنة ثمان، فاستخلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عتّاب بن أسيد، فحج بالناس تلك السنة، وفى السنة التاسعة حج أبو بكر الصّدّيق رضوان الله عليه بالناس كما قدّمنا ذكر ذلك فى مواضعه، فلما كان فى السنة العاشرة أذّن فى الناس أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حاجّ، فقدم المدينة بشر كثير كلّهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ويعمل مثل عمله، وخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المدينة مغتسلا مدّهنا مترجّلا متجرّدا فى ثوبين صحاربيّن: إزار ورداء، وذلك يوم السبت لخمس ليال بقين من ذى القعدة سنة عشر من مهاجره، واستعمل على المدينة أبا دجانة الساعدىّ- ويقال: سباع ابن عرفطة الغفارىّ- قالوا: وصلّى الظهر بذى الحليفة ركعتين، وأخرج معه نساءه كلهنّ فى الهوادج، وأشعر هديه وقلّده، ثم ركب ناقته، فلما استوى عليها بالبيداء أحرم من يومه، وكان على هديه ناجية بن جندب، وقيل: إنه أهلّ بالحج مفردا، وقيل: قرنه بعمرة، ومضى صلّى الله عليه وسلّم يسير المنازل ويؤمّ أصحابه فى الصلاة فى مساجد له قد بناها الناس، فكان يوم الاثنين بمرّ الظّهران، فغربت له الشمس بسرف، ثم أصبح فاغتسل ودخل مكة نهارا وهو على راحلته القصواء، وكان تحته
(17/371)

صلى الله عليه وسلّم رحل رثّ عليه قطيفة لا تساوى أربعة دراهم، وقال: «اللهم اجعله حجّا لا رياء فيه ولا سمعة» ، فدخل من أعلى مكة من كداء حتى انتهى إلى باب بنى شيبة، فلما رأى البيت رفع يديه فقال: «اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة، وزد من شرّفه وعظّمه ممّن حجّه واعتمره تشريفا وتكريما ومهابة وتعظيما وبرّا» ؛ ثم بدأ فطاف بالبيت، ورمل «1» ثلاثة أشواط من الحجر إلى الحجر، وهو مضطبع «2» بردائه، ثم صلّى خلف المقام ركعتين، ثم سعى بين الصفا والمروة على راحلته من فوره ذلك، وكان قد اضطرب بالأبطح، فرجع إلى منزله، فلما كان قبل يوم التروية بيوم خطب بمكة بعد الظهر، ثم خرج يوم التروية إلى منى، فبات بها، ثم غدا إلى عرفات، فوقف بالهضاب منها، وقال: «كلّ عرفة [موقف إلّا بطن عرنة «3» ] » ، فوقف على راحلته يدعو، فلما غربت الشمس دفع فجعل يسير العنق «4» حتى جاء المزدلفة، فنزل قريبا من الغار، فصلى المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، ثم بات بها، فلما برق الفجر صلّى الصبح، ثم ركب راحلته، فوقف على قزح «5» وقال: «كلّ المزدلفة موقف إلّا بطن محسّر «6» » ، ثم دفع قبل طلوع الشمس، فلما بلغ إلى محسر أوضع «7» ، ولم يزل يلّبى حتى رمى جمرة العقبة، ثم نحر الهدى وحلق رأسه، وأخذ من شاربه وعارضيه، وقلم أظفاره، وأمر بشعره وأظفاره أن تدفن، ثم أصاب الطّيب، ولبس القميص، ونادى مناديه بمنّى: إنها أيّام أكل وشرب وباءة، وجعل يرمى الجمار فى كلّ يوم عند زوال الشمس، ثم خطب الغد من يوم النّحر بعد الظهر
(17/372)

على ناقته القصواء، ثم صدر يوم الصدر الآخر، وقال: «إنما هنّ ثلاث يقيمهنّ المهاجر بعد الصّدر» ، يعنى بمكة، ثم ودّع البيت، ثم انصرف راجعا إلى المدينة.
ذكر الخطبة التى خطبها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
قال محمد بن إسحاق: خطب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خطبته التى بيّن فيها ما بيّن، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
«أيها الناس، اسمعوا قولى، فإنى لا أدرى لعلّى لا ألقاكم بعد عامى هذا بهذا الموقف أبدا. أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربّكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلّغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها، وإن كلّ ربا موضوع، وإن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله أنه لا ربا، وأن ربا العبّاس بن عبد المطلب موضوع كله، وأن كلّ دم فى الجاهلية موضوع، وأن أوّل دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب- وكان مسترضعا فى بنى ليث، فقتلته هذيل- فهو أوّل ما أبدأ به من دماء الجاهلية» .
«أما بعد، أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنّه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضى به، ممّا تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم» .
«أيها الناس، إن النّسىء زيادة فى الكفر يضلّ به الّذين كفروا يحلّونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدّة ما حرم الله فيحلّوا ما حرّم الله ويحرّموا ما أحلّ الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإنّ عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية، ورجب مضر الّذى بين جمادى وشعبان» .
(17/373)

«اما بعد أيّها الناس، فإن لكم على نسائكم حقّا، ولهنّ عليكم حقّا، عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهنّ ألّا يأتين بفاحشة مبيّنة، فإن فعلن فإنّ الله قد أذن لكم أن تهجروهنّ فى المضاجع، وتضربوهنّ ضربا غير مبرّح، فإن انتهين فلهنّ رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهنّ عندكم عوان، لا يملكن لأنفسهنّ شيئا، وإنكم إنما أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمات الله، فاعقلوا أيها الناس قولى، فإنّى قد بلّغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا أبدا، أمرا بيّنا: كتاب الله وسنّة نبيّه» .
«أيها الناس، اسمعوا قولى واعقلوه، تعلّمن أن كلّ مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لأمرئ من أخيه إلّا ما أعطاه عن طيب نفس، فلا تظلمنّ أنفسكم، اللهم هل بلّغت» ، فقال الناس: اللهم نعم، فقال: «اللهم اشهد» .
وقال ابن إسحاق أيضا: حدّثنى يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبّاد، قال: كان الرجل الذى يصرخ فى الناس بقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو بعرفة ربيعة بن أميّة بن خلف. قال: يقول له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«قل يأيّها الناس إن رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- يقول: هل تدرون أىّ شهر هذا؟ فيقوله لهم، فيقولون: الشهر الحرام، فيقول لهم: «إن الله قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة شهركم هذا» ، ثم يقول: «قل يأيّها الناس، إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يقول هل تدرون أىّ بلد هذا؟» قال:
فيصرخ به؛ قال: فيقولون: البلد الحرام، قال: فيقول: «قل لهم: إن الله قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة شهركم هذا» ، ثم يقول: «قل يأيّها الناس، إن رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- يقول هل تدرون أىّ يوم هذا» ؟
(17/374)

فيقولون: يوم الحجّ الأكبر؛ قال: فيقول: «قل لهم: إن الله قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة يومكم هذا» .
وعن عمرو بن خارجة قال: بعثنى عتّاب بن أسيد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى حاجة، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم واقف بعرفة، فبلغته، ثم وقفت تحت ناقة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإنّ لغامها «1» ليقع على رأسى، فسمعته وهو يقول: «أيها الناس؛ إن الله قد أدى إلى كل ذى حقّ حقّه، وإنه لا تجوز وصيّته لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ومن ادّعى إلى غير أبيه، أو تولّى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» .
وأمّا عمره صلّى الله عليه وسلّم
فقد روى عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: اعتمر النبىّ صلّى الله عليه وسلّم أربع عمر: عمرة الحديبية، وهى عمرة الحصر، وعمرة القضاء من قابل، وعمرة الجعرانة، والرابعة التى مع حجّته.
وعن قتادة: قلت لأنس بن مالك: كم اعتمر النبىّ صلّى الله عليه وسلّم؟ قال:
أربعا، عدّ منها عمرته مع حجّته، وقد قدّمنا ذكر عمرة الحديبية مع الغزوات، وذكرنا عمرة الجعرّانة عند ذكرنا لقسم مغانم حنين، وعمرته مع حجّته قد اختلف فيها.
وأمّا عمرة القضاء
فقد أوردها بعض أهل السّير فى الغزوات، وترجم عليها: «عمرة القضيّة» ، وحجّة من أوردها فى الغزوات أنه صلّى الله عليه وسلّم خرج معه السلاح، ولم يخرج به
(17/375)

صلى الله عليه وسلّم لقصد الغزاة، وإنما خرج به احتياطا. وكان من خبر هذه العمرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما استهل هلال ذى القعدة سنة سبع من مهاجره أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء لعمرتهم التى صدّهم المشركون عنها بالحديبية، وألا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف منها إلا من مات أو قتل بخيبر، وخرج مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قوم من المسلمين عمّارا ممن لم يشهدا الحديبية، فكانوا فى عمرة القضيّة ألفين، واستخلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المدينة أبا ذر الغفارىّ، حكاه ابن سعد- وقال ابن إسحاق:
عويف بن الأضبط الدّيلىّ- وساق صلّى الله عليه وسلّم ستّين بدنة، وجعل على هدية ناجية بن جندب الأسلمىّ.
قال ابن سعد: وحمل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم السلاح والبيض والدّروع والرماح، وقاد مائة فرس، فلما انتهى إلى ذى الحليفة، قدّم الخيل أمامه، عليها محمد بن مسلمة، وقدم السلاح، واستعمل عليه بشير بن سعد، وأحرم صلّى الله عليه وسلّم من باب المسجد، ولبّى والمسلمون معه يلبّون. ومضى محمد بن مسلمة فى الخيل إلى مرّ الظّهران فوجد بها نفرا من قريش، فسألوه، فقال: هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصبّح هذا المنزل غدا إن شاء الله، فأتوا قريشا بالخبر، ففزعوا، ونزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمرّ الظهران، وقدّم السلاح إلى بطن يأحج حيث [ينظر «1» ] إلى أنصاب الحرم، وخلّف عليه أوس بن خولىّ الأنصارى فى مائتى رجل، وخرجت قريش من مكة إلى رءوس الجبال، فقدّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الهدى أمامه، فحبس بذى طوى، وخرج على راحلته القصواء
(17/376)

والمسلمون متوشّحون السيوف، محدقون به صلّى الله عليه وسلّم يلبّون، فدخل على الثنية التى تطلعه على الحجون، وعبد الله بن رواحة آخذ بزمام راحلته وهو يقول:
خلّوا بنى الكفّار عن سبيله ... خلّوا فكلّ الخير فى رسوله
يا ربّ إنّى مؤمن بقيله ... أعرف حقّ الله فى قبوله
نحن قتلناكم «1» على تأويله ... كما قتلناكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
قال ابن هشام: قوله «نحن قتلناكم على تأويله» إلى آخر الأبيات، لعمّار بن ياسر فى غير هذا اليوم.
قال ابن سعد: ولما ارتجز ابن رواحة قال له عمر بن الخطّاب: إيّها «2» يابن رواحة! فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا عمر، إنى أسمع» ؛ فأسكت عمر، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إيها «3» يابن رواحة!، قل لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده» ، فقالها ابن رواحة. ولم يزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يلبى حتى استلم الركن بمحجنه مضطبعا بثوبه، وطاف على راحلته، والمسلمون يطوفون معه وقد اضطبعوا بثيابهم، ثم طاف بين الصفا والمروة على راحلته، فلما كان الطواف السابع عند فراغه وقد وقف الهدى عند المروة قال: «هذا المنحر، وكلّ فجاج مكّة منحر» ، فنحر عند المروة، وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون، وأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ناسا منهم أن يذهبوا إلى أصحابهم ببطن يأجج فيقيموا على السلاح، ويأتى الآخرون فيقضوا نسكهم؛ ففعلوا، وأقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمكة ثلاثا. وتزوج ميمونة بنت الحارث الهلاليّة، فلما كان عند الظهر من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزّى
(17/377)

فقالا: قد انقضى أجلك، فاخرج عنّا، فأمر أبا رافع فنادى بالرحيل وقال: لا يمسينّ بها أحد من المسلمين، وأخرج عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب من مكة، وركب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى نزل سرف وتتامّ الناس إليه، وأقام أبو رافع بمكة حتى أمسى، فحمل إليه ميمونة، فبنى عليها صلّى الله عليه وسلّم بسرف، ثم أدلج فسار حتى قدم المدينة، صلّى الله عليه وسلّم تسليما كثيرا.
كمل الجزء السابع عشر من كتاب «نهاية الأرب فى فنون الأدب» للتويرىّ رحمه الله. ويليه الجزء الثامن عشر وأوّله: (وفادات العرب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم) .
(17/378)

[صورة ما جاء فى آخر هذا الجزء بنسخة ا]
«كمل الجزء الخامس عشر من كتاب «نهاية الأرب فى فنون الأدب» للإمام النويرى رحمه الله، وكان الفراغ منه يوم الاثنين المبارك سلخ جمادى الأولى من شهور سنة سبع وستين وتسعمائة، وذلك على يد كاتبه نور الدين بن شرف الدين العاملىّ بلدا، الشافعىّ مذهبا، غفر الله له ذنوبه، وستر عيوبه، ولمن يدعو له بالمغفرة والرحمة ولوالديه. آمين» .
[صورة ما جاء فى آخر هذا الجزء أيضا بنسخة ج]
«كمل الجزء الخامس عشر من كتاب «نهاية الأرب فى فنون الأدب» على يد مؤلفه فقير رحمة ربه أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدايم البكرى التيمى القرشى المعروف بالنويرى عفا الله عنهم، ووافق الفراغ من كتابته فى يوم الاثنين المبارك لسبع خلون من شهر رمضان المعظم عام اثنين وعشرين وسبعمائة أحسن الله تقضّيها بالقاهرة المعزّيّة. يتلوه إن شاء الله تعالى فى أوّل الجزء السادس عشر:
ذكر وفادات العرب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» .
(17/379)

فهرس المراجع
1 الاستيعاب لابن عبد البر، حيدرآباد 1318 أسد الغابة فى معرفة الصحابة، الوهية 1280 الإصابة فى تمييز الصحابة، الشرفية بمصر 1325 الأغانى، طبع بولاق 1285 الأغانى، طبع دار الكتب المصرية.
الإكمال لابن ماكولا، مخطوطة دار الكتب 17 مصطلح حديث إمتاع الأسماع للمقريزى، طبع لجنة التأليف والترجمة 1941 البداية والنهاية لابن كثير، السعادة بمصر 1351 تاريخ ابن الأثير، ليدن 1895 تاريخ الطبرى، ليدن 1889 م.
تفسير الطبرى، بولاق. 1330
تفسير القرطبى، طبع دار الكتب المصرية.
دلائل النبوّة للبيهقى، مخطوطة دار الكتب رقم 212 حديث ديوان الأعشين، بيانه 1927.
ديوان حسان بن ثابت، الرحمانية 1347 2 ديوان الحماسة، طبع بن 1838 م.
الروض الأنف للسهيلى، الجمالية 1332 السيرة النبوية لابن هشام، طبع الحلبى 1355 شرح السيرة لأبى ذر الخشنى، هندية بمصر 1329 شرح المواهب اللدنية للزرقانى، بولاق 1278 صحيح البخارى، بولاق 1296 صحيح مسلم، بولاق 1290 طبقات ابن سعد: ليدن 1322 الكشف والبيان للثعلبى، مخطوطة دار الكتب برقمى 256، 797 تفسير.
عيون الأثر، القدسى 1356 معجم البلدان، جوتنجن 1899 م.
معجم ما استعجم للبكرى، مطبعة لجنة التأليف والترجمة 1945 م.
مغازى الواقدى، كلكتا 1855 م.
(17/381)

استدراك
ورد فى صفحة 53 سطر 6 البيت الآتى كما فى الأصلين:
ولسنا على الأدبار تدمى كلومنا ... ولكن على أعقابنا تقطر الدّما
وصوابه هكذا:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدّما
وهو للحصين بن الحمام المرّى من قصيدة له أوّلها:
تأخّرت أستبقى الحياة فلم أجد ... لنفسى حياة مثل أن أتقدما
يقول: نحن لا نولّى فنجرح فى ظهورنا فتقطر دماؤنا على أعقابنا؛ ولكن نستقبل السيوف بوجوهنا؛ فإن إصابتنا جراح قطرت دماؤنا على أقدامنا. انظر لسان العرب (مادة دمى) ، والحماسة للتبريزى ص 93، والشعر والشعراء ص 630
(17/383)