Advertisement

نهاية الأرب في فنون الأدب 018

فهرس الجزء الثامن عشر
من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويرىّ
وفادات العرب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من وفد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو بمكة قبل الهجرة 1
وفد غفار، وقصة أبى ذرّ الغفارىّ، وسبب إسلامه وإسلام أخيه وأمّه، ثم إسلام غفار 2
طعام أبى ذرّ من ماء زمزم، وظهور فائدته وبركته، وما قال فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم 4
وفد أزد شنوءة، وكيف كان إسلام ضماد 7
وفد همدان 8
عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لهمدان 11
وفادة الطّفيل بن عمرو الدّوسىّ وإسلامه، وذكر إحدى معجزاته صلّى الله عليه وسلّم 13
وفادة نصارى الحبشة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وما نزل فيهم من القرآن 15
من وفد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد الهجرة وقبل الفتح 16
وفد عبس 17
وفد سعد العشيرة، وذكر صنمها فرّاص وتحطيمه 18
(مقدمةج 18/1)

وفد جهينة 18
وفد مزينة 19
وفد سعد بن بكر، وذكر ما كان من ضمام بن ثعلبة، رسول سعد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم 20
وفد أشجع 22
وفد خشين والأشعرين وسليم وإسلام الخنساء 23
وفد دوس 26
وفد أسلم 27
وفد جذام 28
من وفد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد فتح مكة وفد ثعلبة وأسد، وما نزل فى ذلك من القرآن 30
وفد تميم، وما وقع فى ذلك من مفاخرة بين تميم والأنصار بالخطب والشعر، وما نزل فى وفد تميم من القرآن 32
وفد فزارة، واستسقاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لهم 41
وفد مرّة 42
وفد محارب، وكلاب 43
وفد رؤاس بن كلاب 44
وفد عقيل بن كعب، وكتاب رسول الله لهم 45
وفد جعدة، وقشير بن كعب 47
وفد بنى البكّاء، وما ظهر فى ذلك من بركة رسول الله لبشر بن معاوية 48
وفد كنانة وبنى عبد بن عدىّ 49
وفد باهلة، وهلال بن عامر، ووفود زياد بن عبد الله 50
(مقدمةج 18/2)

وفد عامر بن صعصعة، وخبر عامر بن الطّفيل وأربد بن قيس، ومحاولة عامر وأربد اغتيال رسول الله، وما ظهر فى ذلك من عصمة الله رسوله، ونزول القرآن فى ذلك 51
خبر أحد طواغيت العرب 57
وفد ثقيف وإسلامها وهدم اللّات، وما فى ذلك من حصار الطائف، واستخدام الدبابات 59
عهد رسول الله لثقيف، وإرساله أبا سفيان لهدم اللّات 63
قضاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دينا من مال اللّات 65
وفد عبد القيس 65
وفد بكر بن وائل 67
خبر أعشى قيس، وذكر قصيدته التى مدح بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم 68
وفد تغلب، وحنيفة 72
خبر مسيلمة الكذّاب، وادّعائه النبوة 73
وفد شيبان، وخبر قيلة بنت مخرمة مع حريث بن حسان فى شأن الدّهناء 74
وفادات أهل اليمن وفد طيئ وخبر زيد الخيل، وعدىّ بن حاتم 76
خبر عدىّ بن حاتم، وبعث رسول الله عليّا لهدم صنم طيئ وأسره سفّانة بنت حاتم 77
وفد تجيب 81
وفد خولان 82
وفد جعفىّ، وخبر الموءودة والوائدة التى سألوا عنهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم 83
وفد مراد، وخبر فروة بن مسيك المرادىّ 84
(مقدمةج 18/3)

وفد زبيد، وأخبار عمرو بن معدى كرب 85
وفد كندة والهيئة الممتازة التى ظهروا بها 87
وفد الصّدف وسعد هذيم 89
وفد بلىّ وبهراء 90
وفد عذرة 91
وفد سلامان 92
وفد كلب، وعهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأهل دومة الجندل 93
وفد جرم، وخبر عمرو بن سلمة، وأنه كان يتلقّى القرآن من المسافرين وهو ابن ستّ 94
وفد الأزد وأهل جرش 96
وفد غسان، ووفد الحارث بن كعب 98
عهد رسول الله لعمرو بن حزم 100
وفد عنس 103
وفد الدارييّن وما كتب لهم به رسول الله، وما اختص به تميم الدارىّ وإخوته 104
وصف المؤلف للعهد النبوىّ الذى كتبه لتميم كما رآه فى بيت التميميين، ونص العهد 105
وفد الرّهاويّين 107
وفد غامد والنّخع، وذكر رؤيا رآها زراة بن عمر وفسّرها له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم 108
وفد بجيلة، وبعث رسول الله جرير بن عبد الله البجلىّ لهدم ذى الخلصة وما ظهر من بركة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم 110
وفد خثعم 111
وفد حضر موت، وذكر وائل بن حجر الحضرمىّ ملك الحضارم 112
(مقدمةج 18/4)

كتاب رسول الله لوائل بن حجر، وما فيه من جوامع الكلم، وأصول الأحكام 113
وفد مخوس بن معدى كرب أحد أقيال كندة 114
وفد أزد عمان، وإرسال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم العلاء بن الحضرمىّ إلى عمان ليعلمهم الشرائع 114
وفد غافق وبارق، وكتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لبارق 115
وفد ثمالة والحدّان 116
وفد مهرة، وعهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لهم 117
وفد حمير، وعهد رسول الله لهم، وذكر رسل رسول الله إلى زرعة ذى يزن 118
وفد جيشان، وسلول 120
وفد نجران وسؤالهم رسول الله، وما أنزل الله فيهم من القرآن 121
ما يتوارثه رؤساء نجران من ذكر نبينا صلّى الله عليه وسلّم فى كتبهم 123
تفسير آيات من أوائل سورة آل عمران 124
ذكر آية المباهلة وتفسيرها، وما كان من تخوّف النصارى من المباهلة 134
كتاب أمير المؤمنين عمر لنجران 137
خبر إسلام الجنّ ودعائهم قومهم إلى الإيمان عند سماعهم القرآن 138
ذكر إخبار الجنّ أصحابهم بأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم 141
خبر سواد بن قارب، وإخبار الجنّ له بمبعث رسول الله، وإنشادهم الشعر فى ذلك 142
خبر خفاف بن نضلة الثقفىّ 146
أول خبر قدم المدينة عن مبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان من الجنّ 147
(مقدمةج 18/5)

خبر تميم الدارىّ بما سمع من الجنّ 147
خبر أبى خريم فاتك، وما سمع من الجنّ عن مبعث رسول الله 147
خبر مالك بن نفيع 149
خبر ذباب وكلام الصنم فرّاص- أو فرّاض- وظهور جنىّ له فى صورة كلب وحديثه له 150
ما روى عن ربيعة بن أبى براء من إخبار الجنّ برسول الله صلّى الله عليه وسلّم 154
ذكر رسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الملوك وكتبه إليهم 156
ما نقش فى خاتمه عليه والسلام 157
ذكر تكلم رسله بلغة من أرسلوا إليهم بإلهام من الله، وخطبته فى رسله حين بعثهم 157
إرسال عمرو بن أمية الضّمرىّ إلى النجاشى ملك الحبشة 157
تزويج النجاشى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمّ حبيبة، وإصداقه إياها عنه 158
إرسال دحية الكلبىّ إلى قيصر ملك الروم، وكتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليه 158
حديث هرقل مع ركب قريش فى أمره عليه السلام 159
ما حصل من الروم عند سماعهم قراءة الكتاب النبوىّ، وقول ابن الناطور صاحب إيلياء 161
إرسال عبد الله بن حذافة السّهمىّ إلى كسرى 163
إرسال حاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس 164
إرسال شجاع بن وهب الأسدىّ إلى الحارث الغسانىّ ملك البلقاء 165
إرسال سليط بن عمرو العامرىّ إلى هوذة بن على ملك اليمامة 166
إرسال العلاء بن الحضرمىّ إلى المنذر ملك البحرين، ومعه أبو هريرة 166
(مقدمةج 18/6)

بعثه صلّى الله عليه وسلّم عمرو بن العاص إلى ملكى عمان 167
بعثه المهاجر بن أمية إلى ملك اليمن 168
بعثه أبا موسى الأشعرىّ ومعاذ بن جبل إلى اليمن، وجرير بن عبد الله البجلىّ إلى ذى الكلاع وذى عمرو 168
ذكر كتابه إلى جبلة بن الأيهم 169
إرساله الأمراء والعمال إلى الأقطار الإسلامية 169
أزواج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمّ المؤمنين خديجة أوّل أزواج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم 170
سودة بنت زمعة 173
عائشة بنت أبى بكر الصدّيق 174
حكم من سبّ أبا بكر أو سبّ عائشة 175
حفصة بنت عمر بن الخطاب 176
زينب بنت خزيمة 178
أمّ سلمة هند بنت أبى أمية 179
زينب بنت جحش بن رئاب 180
ثناء عائشة على زينب بنت جحش 181
جويرية بنت الحارث 182
ريحانة بنت زيد بن عمر 184
أمّ حبيبة رملة بنت أبى سفيان، وذكر زواجها وهى بالحبشة 184
صفية بنت حيى بن أخطب 186
رؤيا صفية قبل زواجها برسول الله صلّى الله عليه وسلّم 187
ميمونة بنت الحارث 188
(مقدمةج 18/7)

ذكر من تزوّجهنّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يدخل بهنّ ومن دخل بهنّ وطلقهنّ، ومن وهبت نفسها له فاطمة بنت الضحاك 190
عمرة بنت يزيد بن الجون 192
العالية بنت ظبيان، وأسماء بنت النعمان 192
أميمة بنت شراحيل 194
قتيلة بنت قيس 195
عمرة بنت معاوية الكندية، وأسماء بنت الصّلت 196
مليكة بنت كعب الليثى 197
ابنة جندب بن ضمرة الجندعىّ 197
الغفارية، وخولة بنت الهذيل، وشراف بنت خليفة الكلبية 198
خولة بنت حكيم، وليلى بنت الخطيم 199
ليلى بنت حكيم الأنصارية، وأم شريك غزية 201
الشّنباء 203
من خطبهنّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يتفق تزويجهنّ أمّ هانئ بنت أبى طالب، وضباعة بنت عامر بن قرط 204
صفية بنت بشامة، وجمرة بنت الحارث، وسودة القرشية 205
أمامة بنت عمه حمزة 206
أزواجه صلّى الله عليه وسلّم من العرب وأزواجه من غيرهم 206
الخلاف فى عدد من تزوّجهنّ 207
سراريه صلّى الله عليه وسلّم 207
(مقدمةج 18/8)

أولاد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إبراهيم 208
وفاة إبراهيم وتأثره عليه السلام وما قاله حينئذ 210
زينب 211
رقية 212
فاطمة 213
أمّ كلثوم 214
ذكر أعمام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الحارث 215
قثم بن عبد المطلب، والزبير، وحمزة، والعباس 216
استسقاء عمر بالعباس 217
دعاء الاستسقاء 218
أولاد العباس 219
أبو طالب، وأبو لهب 220
عبد الكعبة، وحجل، وضرار، والغيداق 221
ذكر عمات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صفية 221
عاتكة بنت عبد المطلب، وأروى، وأميمة 222
برّة بنت عبد المطلب، وأمّ حكيم البيضاء 223
خدم رسول الله الأحرار وعددهم أنس بن مالك 223
هند وأسماء ابنا حارثة، وربيعة بن كعب 224
(مقدمةج 18/9)

عبد الله بن مسعود 225
عقبة بن عامر، وبلال بن رباح، وسعد مولى أبى بكر 226
ذو مخمر بن أخى النجاشى، وبكير بن شدّاخ، وأبو ذرّ الغفارىّ 227
أسلع بن شريك، وأبو سلام الهاشمىّ 228
موالى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زيد بن حارثة، وأسامة بن زيد، وثوبان بن بجدد 229
أبو كبشة، وأنسة، وشقران، ورباح، ويسار 230
أبو رافع، وأبو مويهبة، ورافع، وفضالة، ومدعم، وكركرة 231
زيد، وعبيد، وطهمان، ومابور، وواقد، وأبو ضميرة، وحنين 232
أبو عسيب، وسفينة، وأبو هند، وأنجشة 233
أنيسة، وأبو لبابة، ورويفع، وسعد 234
ذكر جماعة أخر من الموالى 234
موالى رسول الله من النساء 235
حراسه وكتّابه 236
رفقاؤه النجباء 237
صفاته الذاتية 237
وصف خاتم النبوّة 242
صفة شعره وطوله 242
عدد شيبه 243
ما كان يخضب به 244
صفاته المعنوية 245
ما ورد فى أكله وشربه ونومه والأصناف التى أكل منها، وأحبّ مأكول إليه 246
(مقدمةج 18/10)

نومه صلّى الله عليه وسلّم وضحكه 248
نكاحه صلّى الله عليه وسلّم وما يتصل به 249
خلقه، وحلمه، واحتماله، وعفوه، وبعض من عفا عنهم 250
جوده، وكرمه، وسخاؤه، وسماحته 253
شجاعته، ونجدته 254
حياؤه، وإغضاؤه 256
حسن عشرته وأدبه وبسط خلقه صلّى الله عليه وسلّم 256
عمله مع أصحابه 258
شفقته ورأفته ورحمته لجميع الخلق 259
وفاؤء وحسن عهده وصلته للرّحم 260
تواضعه صلّى الله عليه وسلّم 262
قصيدة فى شىء من صفاته 264
عدله وأمانته وعفته وصدق لهجته 265
وقاره وصمته وتؤدته ومروءته وحسن هديه 266
زهده فى الدنيا 267
خوفه من الله وطاعته له وشدة عبادته 268
نظافة جسمه، وطيب ريحه وعرقه، ونزاهته عن الأقذار، وعورات الجسد 270
حديث هند بن أبى هالة وما تضمنه من أوصافه الذاتية والمعنوية 271
مجلسه وما كان يصنع فيه 277
سيرته فى جلسائه 278
أحواله وما ناله من شدّة العيش فى دنياه 279
(مقدمةج 18/11)

تطيبه ولباسه وألوانه وأصنافه، وطوله وعرضه 283
الثياب الصّفر 284
الثياب الخضر والسواد من ثيابه، وأصناف لباسه وطولها وعرضها، والصوف وما ورد فيه 285
الحبرة من برود اليمن والسندس والحرير، وما ورد أنه لبسها ثم تركها 286
ما ورد فى ثيابه- صلى الله عليه وسلّم- القطنية وأنواعها 287
صفة إزرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ودعائه عند لبسه جديدا 288
فراشه ووسادته 289
ما لبسه من الخواتم، والخلاف فى ذلك 290
نعله وخفاه ومرآته وقدحه وغير ذلك من أثاثه 292
ما ورد فى حجامته وحجّامه، وما قال فى الحجامة 294
سلاحه وأصنافه وأسماؤه 296
ذكر دوابه من الخيل والبغال والحمير وأسمائها 299
ذكر أنعامه من إبل وغنم وأسمائها وعددها 301
معجزاته 302
أعظم معجزاته صلّى الله عليه وسلّم وهى القرآن، ووجوه إعجازه 303
الكلام على انشقاق القمر 308
رجوع الشمس بعد غروبها، وحبسها 310
نبع الماء من بين أصابعه صلّى الله عليه وسلّم 311
تفجير الماء وانبعاثه وتكثيره ببركته ودعائه 312
تكثير الطعام ببركته ودعائه 314
كلام الشجرة وشهادتها له بالنبوّة 318
(مقدمةج 18/12)

قصة حنين الجذع إليه 320
نطق الجمادات له 321
كلام الحيوانات وسكونها إذا رأته صلّى الله عليه وسلّم 323
تسخير الأسد لسفينة مولاه صلّى الله عليه وسلّم 327
كلام الأموات والأطفال له 328
إبراء المرضى وذوى العاهات بريقه صلّى الله عليه وسلّم 330
شفاء الجراحات بتفله 332
إجابة دعائه 333
انقلاب الأعيان بلمسه ومباشرته 335
إخباره بالغيوب 337
عصمته من الناس 342
ما جمعه الله له من العلوم والمعارف 344
القصيدة الشّقراطيسية فى معجزاته، وصفاته صلّى الله عليه وسلّم 347
ما أنزل عليه عند اقتراب أجله 359
استغفاره صلّى الله عليه وسلّم لأهل البقيع 361
ذكر ابتداء وجعه واستئذانه نساءه أن يمرض فى بيت عائشة 363
خطبته وأمره بسد الأبواب إلى مسجده إلا باب أبى بكر 364
ما قاله فى مرضه لأبى بكر 366
أمره أبا بكر أن يصلى بالناس فى مرضه 367
ما اتفق فى مرضه ولدّه 372
الكتاب الذى أراد أن يكتبه ثم تركه لما وقع عنده من التنازع 373
وصية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند المرض 374
ما قاله عمر عند ما كثر اللغط، والاختلاف فى حضرته صلّى الله عليه وسلّم 374
(مقدمةج 18/13)

ذكر أقوال العلماء فى الاعتذار عن عمر 375
اختلاف العلماء فى معنى الحديث: «أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا» 376
ما وصّى به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى مرضه الذى مات فيه 378
الدنانير التى قسمها فى مرضه الذى مات فيه 380
تخيير رسول الله بين الدنيا والآخرة عند الموت 382
ما قاله رسول الله عند نزول الموت به 383
ذكر وفاته 383
وفاته فى حجر عائشة 384
ما حدث عند وفاته فى الناس من شك فى وفاته وهلع البعض، وخطبة أبى بكر فيهم 385
غسل رسول الله، وتعزية الحضر عليه السلام فيه 388
تكفينه 391
الصلاة عليه 392
قبره ولحده وفرشه، ومن دخل قبره، ووقت دفنه، ومدة حياته 393
وقت دفنه ومدة مرضه، وسنّه 395
ميراثه وما روى فيه 396
ما نال أصحابه من الحزن على فقده 398
رثاؤه صلّى الله عليه وسلّم والقصائد فى رثائه 399
(مقدمةج 18/14)

الجزء الثامن عشر
[تتمة الفن الخامس في التاريخ]
[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]
[تتمة الباب الأول من القسم الخامس في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقى
ذكر وفادات العرب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وما يتّصل بذلك
كانت أكثر وفادات العرب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى السنة التاسعة من الهجرة؛ ولذلك سمّيت سنة الوفود. وذلك أنّ العرب إنما كانوا ينتظرون فتح مكة وإسلام هذا الحىّ من قريش؛ فلما فتح الله عز وجل على رسوله صلّى الله عليه وسلّم مكة- شرفها الله تعالى- وأسلم من أسلم من قريش، وفدت عند ذلك وفادات العرب من كل قبيلة وجهة، ودخلوا فى دين الله أفواجا، كما قال الله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً.
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً.
وقد رأينا إيراد ذلك على نحو ما أورده أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع فى طبقاته الكبرى، ونذكر ما أورده ابن سعد ممّن ذكرهم أبو محمد عبد الملك ابن هشام رحمه الله، إلا أنّا نبدأ من ذلك بذكر من وفد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو بمكة قبل هجرته إلى المدينة، ثم نذكر من وفد عليه صلّى الله عليه وسلّم بعد هجرته إلى المدينة وقبل فتح مكّة، نقدّمهم على حسب السابقة، ثم نذكر من عدا هؤلاء من الوفود الذين وفدوا فى سنة تسع وما بعدها؛ نرتّبهم على ما رتّبهم محمد ابن سعد فى طبقاته فى التقديم والتأخير، ونستثنى منهم من تقدّم ذكره؛ فنقول وبالله التوفيق:
(18/1)

ذكر من وفد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو بمكّة قبل الهجرة
وفد عليه صلّى الله عليه وسلّم وهو بمكة غفار، وأزد شنوءة، وهمدان، والطّفيل بن عمرو الدّوسىّ، ونصارى الحبشة.
ذكر وفد غفار وقصّة أبى ذرّ الغفارىّ فى سبب إسلامه
روى الشّيخ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقى رحمه الله فى كتابه المترجم ب «دلائل النبوة» بسنده إلى عبد الله بن الصّامت، قال قال أبوذرّ رضى الله عنه:
خرجنا عن قومنا غفار، وكانوا يحلّون الشّهر الحرام، فخرجت أنا وأخى أنيس وأمنّا، فانطلقنا حتى نزلنا على خال لنا ذى مال وذى هيئة «1» ، فأكرمنا وأحسن إلينا، فحسدنا قومه، فقالوا له: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس، قال:
فجاء خالنا فنثا «2» علينا ما قيل له؛ فقلت له: أمّا ما مضى من معروفك فقد كدّرته، ولا جماع «3» لك فيما بعد. قال: فقرّبنا صرمتنا «4» فاحتملنا عليها [ويغطّى خالنا ثوبه فجعل يبكى «5» ] وانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكّة، فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها، فأتينا الكاهن فحبّر «6» أنيسا، فأتانا بصرمتنا ومثلها معها. قال أبو ذرّ: وقد صلّيت يا بن أخى قبل أن ألقى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بثلاث سنين. قال ابن الصامت: فقلت لمن؟ قال: لله. قلت: فأين توجّه؟ قال: أتوجّه حيث وجّهنى «7» الله؛ أصلّى عشاء
(18/2)

حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأنى خفاء «1» - يعنى الثوب- حتى تعلونى الشمس. فقال أنيس: إنّ لى صاحبا «2» بمكة فاكفنى حتى آتيك. فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث «3» علىّ، ثم أتانى فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلا بمكة يزعم أن الله أرسله على دينك «4» . قال: قلت ماذا يقول الناس فيه؟ قال: يقولون إنه شاعر وساحر وكاهن. قال: وكان أنيس أحد الشّعراء- وفى رواية عنه:
والله ما سمعت بأشعر من أخى أنيس- لقد ناقض اثنى عشر شاعرا فى الجاهلية أنا أحدهم. قال فقال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشّعر «5» فلم يلتئم، وما يلتئم والله على لسان أحد بعدى أنه شعر، وو الله إنه لصادق وإنهم لكاذبون. قال: قلت له هل أنت كافىّ حتى أنطلق فأنظر؟
فقال: نعم! وكن من أهل مكة على حذر، فإنهم قد شنفوا «6» له وتجهّموا. فانطلقت حتى قدمت مكة، فتضعّفت «7» رجلا منهم فقلت: أين هذا الذى تدعونه الصابئ؟
قال: فأشار إلىّ، الصابئ «8» ! فمال علىّ أهل الوادى بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علىّ. قال: فارتفعت حين ارتفعت كأنّى نصب «9» أحمر، فأتيت زمزم فشربت من مائها، وغسلت عنّى الدّم، ودخلت بين الكعبة وأستارها، ولقد لبثت يا بن أخى ثلاثين من بين ليلة ويوم ومالى طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسّرت عكن بطنى، وما وجدت على كبدى سخفة جوع «10» . قال: فبينما أهل مكة فى ليلة
(18/3)

قمراء إضحيان «1» ، قد ضرب الله على أصمخة أهل مكة فما يطوف بالبيت أحد غير امرأتين وهما تدعوان إسافا ونائلة «2» ، فأتتا علىّ فى طوافهما فقلت: أنكحا إحداهما الأخرى، فما ثناهما ذلك عما قالتا «3» . فأتتا علىّ فقلت: هن مثل الخشبة غير أنّى لا أكنى، فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان ها هنا أحد من أنفارنا! قال: فاستقبلهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر وهما هابطان من الجبل، فقال لهما: ما لكما؟
قالتا: الصّابئ بين الكعبة وأستارها. قالا: ما قال لكما؟ قالتا: قال لنا كلمة تملأ الفم. فجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هو وصاحبه [فاستلم الحجر ثم طاف بالبيت هو وصاحبه «4» ] ثم صلّى، فلما قضى صلاته قال أبو ذرّ: فأتيته فكنت أوّل من حيّاه بتحيّة الإسلام؛ فقال: «وعليك ورحمة الله» ، ثم قال: «ممن أنت» ؟
قلت: من غفار، قال: فأهوى بيده فوضع يده على جبينه، فقلت فى نفسى:
كره أنى انتميت إلى غفار، قال: فأهويت لآخذ بيده، فقدعنى «5» صاحبه وكان أعلم به منّى، ثم رفع رأسه فقال: «متى كنت هاهنا» ؟ قلت: منذ ثلاثين من ليلة ويوم «6» ، قال: «فمن كان يطعمك» ؟ قلت: ما كان لى من طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتّى تكسّرت عكن بطنى، وما وجدت على كبدى سخفة جوع، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنها مباركة، إنها طعام طعم «7» ، وشفاء سقم» فقال أبو بكر: يا رسول الله! إيذن لى فى إطعامه الليلة، ففعل، فانطلق رسول الله
(18/4)

صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر، وانطلقت معهما حتى فتح أبو بكر بابه، فجعل يقبض لنا من زبيب الطّائف، فكان ذاك أوّل طعام أكلته بها، قال: فغبرت «1» ما غبرت، ثم أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنى وجّهت إلى أرض ذات نخل لا أحسبها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عنّى قومك لعل الله أن ينفعهم بك، ويأجرك فيهم» ؛ قال: فانطلقت حتى أتيت أخى أنيسا فقال لى: ما صنعت؟ قلت: أسلمت وصدّقت، قال: فما بى رغبة عن دينك، فإنى قد أسلمت وصدّقت. ثم أتينا أمّنا، فقالت: مابى رغبة عن دينكما، فإنى قد أسلمت وصدقت، قال: ثم احتملنا حتى أتينا قومنا غفارا، فأسلم نصفهم قبل أن يقدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة، وكان يؤمّهم خفاف بن إيماء ابن رحضة الغفارىّ، وكان سيّدهم يومئذ «2» ، وقال بقيتهم: إذا قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسلمنا؛ فقدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة فأسلم بقيّتهم؛ وجاءت أسلم، فقالوا: يا رسول الله! إخواننا «3» ؛ نسلم على الذى أسلموا عليه. فأسلموا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله» .
وهذه الرواية فى خبر إسلام أبى ذرّ؛ قد روى مسلم فى صحيحه نحوها، وهى تخالف رواية البخارىّ.
وروى البيهقىّ عن أبى ذرّ قال: كنت ربع «4» الإسلام، أسلم قبلى ثلاثة نفر وأنا الرابع؛ أتيت النبىّ صلّى الله عليه وسلّم فقلت: السلام عليك يا رسول الله، أشهد
(18/5)

أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا عبده ورسوله، فرأيت الاستبشار فى وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وروى أبو عمر بن عبد البر بسنده إلى ابن عباس رضى الله عنهما، قال: لما بلغ أبا ذر مبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمكة قال لأخيه أنيس: اركب إلى هذا الوادى، فاعلم لى علم هذا الرجل الذى يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ايتنى؛ فانطلق حتى قدم مكة وسمع من قوله ثم رجع، فقال:
رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وسمعت منه كلاما ما هو بالشعر. قال: ما شفيتنى فيما أردت، فتزوّد وحمل شنّة له فيها ماء حتى قدم مكة فأتى المسجد، فالتمس النبىّ صلّى الله عليه وسلّم ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه الليل، فاضطجع فرآه علىّ بن أبى طالب؛ فقال: كأنّ الرجل غريب، قال: نعم، قال انطلق إلى المنزل، قال: فانطلقت معه لا يسألنى عن شىء ولا أسأله، فلما أصبحت من الغد رجعت إلى المسجد، وبقيت يومى حتى أمسيت وصرت إلى مضجعى، فمرّ بى علىّ بن أبى طالب، فقال: أما آن للرّجل أن يعرف منزله؟ فأقامه وذهب به معه، وما يسأل واحد منهما صاحبه عن شىء، حتى إذا كان اليوم الثالث فعل مثل ذلك، فأقامه علىّ معه، ثم قال: ألا تحدّثنى ما الذى أقدمك هذا البلد؟ قال:
إن أعطيتنى عهدا وميثاقا لترشدنى فعلت؛ ففعل؛ فأخبره علىّ أنه نبىّ، وأنّ ما جاء به حقّ، وأنّه رسول الله، قال: فإذا أصبحت فاتّبعنى، فإنى إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأنّى أريق الماء، فإن مضيت فاتبعنى حتى تدخل مدخلى، قال:
فانطلقت أقفوه حتى دخل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ودخلت معه وحبيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بتحيّة الإسلام، فقلت: السلام عليك يا رسول الله! فكنت أوّل من حياه بتحية الإسلام، فقال: «وعليك السلام، من
(18/6)

أنت» ؟ قلت: رجل من غفار، فعرض علىّ الإسلام، فأسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقال لى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ارجع إلى بلاد قومك، وأخبرهم، واكتم أمرك عن أهل مكة، فإنى أخشاهم عليك» ، فقلت: والذى نفسى بيده لأصرحنّ بها بين أظهرهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته! أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فثاب «1» القوم إليه فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكبّ عليه وقال: ويلكم! أولستم تعلمون أنّه من غفار، وأنّ طريق تجاركم إلى الشام عليهم! وأنقذه منهم، ثم عاد إلى مثلها، وثاروا «2» إليه فضربوه، فأكب عليه العباس فأنقذه، ثم لحق بقومه. وكان هذا أوّل إسلام أبى ذرّ.
ومن رواية الّليت بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب قال: قدم أبو ذرّ على النبى صلّى الله عليه وسلّم وهو بمكة فأسلم، ثم رجع إلى قومه، فكان يسخر بآلهتهم، ثم إنه قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة، فلمّا رآه وهم فى اسمه، فقال:
«أنت أبو نملة» ؟ قال: أنا أبو ذرّ، قال: «نعم أبو ذرّ» .
ذكر وفد أزد شنوءة وكيف كان إسلام ضماد
روى أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقىّ- رحمه الله- بسنده إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهم، قال: قدم ضماد «3» مكة، وهو رجل من أزد شنوءة، وكان يرقى من هذه الرياح، فسمع سفهاء الناس «4» يقولون: إنّ محمدا
(18/7)

مجنون، فقال: آتى هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدىّ، قال: فلقيت محمدا، فقلت: إنى أرقى من هذه الرياح، وإن الله يشفى على يدى من يشاء، فهلمّ؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادى له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله» ثلاث مرات، فقال: تالله لقد سمعت قول الكهنة، وقول السّحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات، فهلمّ يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال له:
«وعلى قومك» ؟ فقال: وعلى قومى، فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سريّة فمرّوا بقوم ضماد، فقال صاحب الجيش للسريّة: هل أصبتم من هؤلاء شيئا؟ فقال رجل منهم: مطهرة»
، فقال: «ردّوها عليهم فإنهم قوم ضماد» . رواه مسلم فى صحيحه.
وروى القاضى عياض بن موسى فى كتابه المترجم ب (الشّفا، بتعريف حقوق المصطفى) : أن ضمادا قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أعد علىّ كلماتك هؤلاء فلقد بلغن قاموس البحر «2» ، هات يديك أبايعك.
ذكر وفد همدان
قال محمد بن سعد رحمه الله تعالى: أخبرنا هشام بن محمد، قال: حدثنا حبّان ابن هانئ بن مسلم بن قيس بن عمرو بن مالك بن لأى الهمدانىّ ثم الأرحبىّ «3» عن أشياخهم، قالوا: قدم قيس بن مالك بن سعد «4» بن مالك بن لأى الأرحبىّ على رسول
(18/8)

الله صلّى الله عليه وسلّم وهو بمكة، فقال: يا رسول الله أتيتك لأومن بك وأنصرك؛ فقال له: «مرحبا بك، أتأخذونى بما فىّ يا معشر همدان» ؟ قال: نعم؛ بأبى أنت وأمّى، قال: «فاذهب إلى قومك، فإن فعلوا فارجع أذهب معك» ، فخرج قيس إلى قومه، فأسلموا واغتسلوا فى جوف المحورة «1» - وهو ماء يغتسلون فيه- وتوجّهوا إلى القبلة، ثم خرج «2» بإسلامهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: قد أسلم قومى وأمرونى أن آخذك، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نعم وافد القوم قيس» ، وقال: «وفّيت وفّى الله بك» ، ومسح بناصيته، وكتب عهده على قومه همدان: أحمورها «3» وعربها وخلائطها ومواليها أن يسمعوا له ويطيعوا، فإنّ لهم ذمّة الله وذمّة رسوله ما أقمتم الصّلاة وآتيتم الزّكاة؛ وأطعمه ثلاثمائة فرق «4» ، من خيوان مائتان: زبيب وذرة شطران «5» ، ومن عمران الجوف «6» مائة فرق برّ، جارية أبدا من مال الله.
ومن طريق آخر له قال: عرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نفسه بالموسم على قبائل العرب، فمرّ به رجل من أرحب يقال له: عبد الله بن قيس بن أمّ
(18/9)

غزال، فقال: «هل عند قومك من منعة» ؟ قال: نعم، فعرض عليه الإسلام، فأسلم، ثم إنه خاف أن يخفره قومه «1» فوعده الحجّ من قابل، ثم وجّه الهمدانىّ يريد قومه، فقتله رجل من بنى زبيد يقال له ذباب، ثم إن فتية من أرحب قتلوا ذبابا الزّبيدىّ بعبد الله بن قيس. هذا قبل الهجرة.
وأما بعد الهجرة، فقد روى محمد بن إسحق رحمه الله، قال: قدم وفد همدان على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، منهم مالك بن نمط، وأبو ثور وهو ذو المشعار، ومالك بن أيفع، وضمام بن مالك السّلمانى، وعميرة بن مالك الخارفّى، فلقوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرجعه من تبوك، وعليهم مقطّعات الحبرات «2» والعمائم العدنيّة، برحال الميس «3» على المهريّة «4» والأرحبيّة «5» ، ومالك بن نمط، ورجل آخر؟؟ رتجزان بالقوم؛ يقول أحدهما:
همدان خير سوقة وأقيال «6» ... ليس لها فى العالمين أمثال
محلّها الهضب «7» ومنها الأبطال ... لها إطابات «8» بها وآكال
(18/10)

ويقول الآخر:
إليك جاوزن سواد الرّيف ... فى هبوات «1» الصّيف والخريف
مخطّمات بجبال اللّيف «2»
فقام مالك بن نمط بين يديه، ثم قال: يا رسول الله! نصيّة «3» من همدان من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواج «4» ، متّصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم فى الله لومة لائم، من مخلاف «5» خارف ويام وشاكر، أهل السّود «6» والقود، أجابوا دعوة الرسول، وفارقوا آلهات الأنصاب، عهدهم لا ينقض ما أقامت لعلع «7» ، وما جرى اليعفور «8» بضلع. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نعم الحىّ همدان، ما أسرعها إلى النّصر، وأصبرها على الجهد، ومنهم أبدال «9» ، وفيهم أوتاد الإسلام» ، وكتب لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتابا؛ فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب من [محمد «10» ] رسول الله لمخلاف خارف وأهل جناب «11» الهضب وحقاف «12» الرّمل، مع
(18/11)

وافدها ذى المشعار مالك بن نمط، ومن أسلم من قومه، على أن لهم فراعها «1» ووهاطها «2» وعزازها «3» ، يأكلون علافها «4» ، ويرعون عافيها «5» ، لنا منهم من دفئهم «6» وصرامهم «7» ما سلّموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصّدقة الثّلب «8» والنّاب والفصيل «9» والفارض «10» والدّاجن «11» والكبش الحورىّ «12» ، وعليهم فيها الصّالغ «13» والقارح «14» ما أقاموا الصلاة وآتوا الزّكاة، لهم بذلك عهد الله وذمام رسول الله عليه السلام، وشاهدهم المهاجرون والأنصار «15» » .
(18/12)

ذكر وفادة الطّفيل بن عمرو الدّوسىّ وإسلامه
قال محمد بن إسحق رحمه الله تعالى: كان الطّفيل بن عمرو الدّوسى يحدّث أنه قدم مكّة ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم بها، فمشى إليه رجال من قريش- وكان الطّفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا- فقالوا له: يا طفيل! إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذى بين أظهرنا قد أعضل بنا، قد فرّق بين جماعتنا، وشتّت أمرنا، وإنما قوله كالسّحر يفرّق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه، ولا تسمعن منه شيئا. قال الطّفيل: فو الله ما زالوا بى حتى أجمعت على ألّا أسمع منه شيئا ولا أكملّه، حتى حشوت فى أذنى حين غدوت إلى المسجد كرسفا «1» فرقا «2» من أن يبلغنى شىء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه «3» ! قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائم يصلّى عند الكعبة، فقمت منه قريبا، فأبى الله إلّا أن يسمعنى بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا، فقلت فى نفسى: واثكل أمّى؛ والله إنّى لرجل لبيب شاعر، وما يخفى علىّ الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذى يأتى به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته، قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى بيته، فاتبعته حتى إذا دخل بيته [دخلت عليه «4» ] فقلت: يا محمد إنّ قومك قد قالوا لى كذا وكذا- للذى قالوا- فو الله ما برحوا يخوّفوننى أمرك حتى سددت أذنى بكرسف ألا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنى قولك، فسمعت قولا حسنا، فاعرض علىّ أمرك. قال:
(18/13)

فعرض علىّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الإسلام، وتلا علىّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قطّ أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت، وشهدت شهادة الحقّ، فقلت: يا نبىّ الله! إنى امرؤ مطاع فى قومى، وأنا راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لى آية تكون لى عونا عليهم فيما أدعوهم إليه.
فقال: «اللهم اجعل له آية» ، فخرجت إلى قومى، حتى إذا كنت بثنيّة تطلعنى على «1» الحاضر وقع نور بين عينى مثل المصباح؛ قلت: اللهم فى غير وجهى! إنّى أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت فى وجهى لفراقى دينهم، قال: فتحوّل النّور فوقع فى رأس سوطى، فجعل الحاضر يتراءون ذلك النّور فى سوطى كالقنديل المعلّق، وأنا أهبط إليهم من الثّنية حتى جئتهم، فأصبحت فيهم، قال: فلما نزلت أتانى أبى وكان شيخا كبيرا، فقلت: إليك عنّى يا أبت، فلست منك ولست منّى، قال: لم يا بنىّ؟ قلت: أسلمت وتابعت دين محمد، قال:
أى بنىّ! فدينى دينك، قلت: فاذهب واغتسل، وطهّر ثيابك، ثم تعال حتى أعلّمك مما علّمت، فذهب فاغتسل وطهّر ثيابه ثم جاء، فعرضت عليه الإسلام فأسلم، ثم أتتنى صاحبتى، فقلت: إليك عنّى فلست منك ولست منّى، قالت: لم؟ بأبى أنت وأمّى! قلت: فرّق بينى وبينك الإسلام، وتابعت دين محمد عليه السلام. قالت: فدينى دينك، قلت: فاذهبى إلى حنا ذى الشّرى «2» - قال ابن هشام: ويقال حمى ذى الشّرى- فتطهّرى منه.
(18/14)

قال: وكان ذو الشّرى صنما لدوس، وكان الحنا حمى حموه له، وبه وشل من ماء يهبط من جبل، [قال] فقالت: بأبى أنت وأمّى، أتخشى على الصّبيّة «1» من ذى الشّرى شيئا؟ قلت: [لا، أنا ضامن لك «2» ] ، قال: فذهبت فاغتسلت، ثم جاءت، فعرضت عليها الإسلام فأسلمت، ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطئوا علىّ، ثم جئت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمكة، فقلت له: يا نبىّ الله! إنّه قد غلبنى على دوس الزّنى «3» ، فادع الله عليهم، فقال: «اللهمّ اهد دوسا، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم» ، قال: فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام، حتى هاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة، ثم أسلموا بعد ذلك، ووفدوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على ما نذكر ذلك- إن شاء الله تعالى- فيمن وفد بعد الهجرة.
ذكر وفد نصارى الحبشة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإسلامهم
قال محمد بن إسحق: قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو بمكة عشرون رجلا أو قريب من ذلك من النّصارى حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه فى المسجد، فجلسوا إليه وكلّموه، وسألوه- ورجال من قريش فى أنديتهم حول الكعبة- فلما فرغوا من مسألته صلّى الله عليه وسلّم دعاهم إلى الله، وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدّمع، ثم استجابوا لله تعالى وآمنوا به
(18/15)

وصدّقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم فى كتابهم من أمره، فلمّا قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام فى نفر من قريش، فقالوا لهم: خيّبكم الله من ركب! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرّجل، فلم تطمئنّ مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم، وصدّقتموه بما قال، ما نعلم ركبا أحمق منكم! فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا. ويقال: إن النّفر من أهل نجران. والله أعلم. فيقال فيهم أنزل الله قوله:
«الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ»
. إلى قوله: «لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ «1» »
: وقيل: إنما نزلت هذه الآيات فى النّجاشى وأصحابه، والآيات التى فى سورة «المائدة» قوله تعالى: «ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ»
. إلى «الشّاهدين «2» » ، وكان ممّن وفد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو بمكة الأوس والخزرج، وقد تقدم ذكرهم فى بيعة العقبة.
ذكر من وفد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد الهجرة وقبل الفتح
وفد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد الهجرة وقبل فتح مكّة: عبس، وسعد العشيرة، وجهينة، ومزينة، وسعد بن بكر، وأشجع، وخشين، والأشعرون، وسليم، ودوس، وأسلم، وجذام.
(18/16)

ذكر وفد عبس
قال محمد بن سعد: وفد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تسعة رهط من بنى عبس فكانوا من المهاجرين الأوّلين، منهم ميسرة «1» بن مسروق، والحارث بن الربيع- وهو الكامل- وقنان «2» بن دارم، وبشر بن الحارث بن عبادة، وهدم «3» بن مسعدة، وسباع بن زيد، وأبو الحصن بن لقمان، وعبد الله بن مالك، وفروة بن الحصين بن فضالة فأسلموا؛ فدعا لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بخير، وقال:
«أبغونى رجلا يعشركم أعقد لكم لواء» فدخل طلحة بن عبيد الله فعقد لهم لواء، وجعل شعارهم: يا عشرة.
وقال من طريق آخر: بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن عيرا لقريش أقبلت من الشام [فبعث «4» ] بنى عبس فى سرية وعقد لهم لواء، فقالوا: يا رسول الله! كيف نقسم غنيمة إن أصبناها ونحن تسعة؟ قال: «أنا عاشركم» .
وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قدم ثلاثة نفر من بنى عبس على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: إنه قدم علينا قوم «5» فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش هى معاشنا، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له بعناها وهاجرنا. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اتقوا الله حيث كنتم، فلن يلتكم من أعمالكم شيئا، ولو كنتم بصمد «6» وجازان «7» » .
(18/17)

ذكر وفد سعد العشيرة
قال محمد بن سعد بسنده إلى عبد الرحمن بن أبى سبرة الجعفىّ قال: لمّا سمعت سعد العشيرة بخروج النبى صلّى الله عليه وسلّم وثب ذباب- رجل من بنى أنس الله بن سعد العشيرة- إلى صنم يقال له فرّاص فحطمه، ثم وفد إلى النبىّ صلّى الله عليه وسلّم فأسلم، وقال:
تبعت رسول الله إذ جاء بالهدى ... وخلّفت فرّاصا بدار هوان
شددت عليه شدّة فتركته ... كأن لم يكن والدّهر ذو حدثان»
فلمّا رأيت الله أظهر دينه ... أجبت رسول الله حين دعانى
فأصبحت للإسلام ما عشت ناصرا ... وألقيت فيها كلكلى وجرانى «2»
فمن مبلغ سعد العشيرة أنّنى ... شريت الّذى يبقى بآخر فانى
ذكر وفد جهينة
قال ابن سعد: لما قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة، وفد إليه عبد العزّى بن بدر بن زيد بن معاوية الجهنىّ، ومعه أخوه لأمه أبو روعة وهو ابن عم له، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعبد العزّى: «أنت عبد الله» وقال لأبى روعة: «أنت رعت العدوّ إن شاء الله» وقال: «من أنتم» ؟ قالوا:
بنو غيّان، قال: «أنتم بنو رشدان» وكان اسم واديهم غوى فسماه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رشدا، وقال لجبلى جهينة الأشعر والأجرد: «هما من جبال الجنة
(18/18)

لا تطؤهما فتنة» ، وخطّ لهم مسجدهم، وهو أوّل مسجد خطّ بالمدينة، وجاء من جهينة عمرو بن مرّة الجهنىّ. روى عنه محمد بن سعد بسنده إليه قال: كان لنا صنم، وكنا نعظّمه، وكنت سادنه، فلما سمعت برسول الله صلّى الله عليه وسلّم كسرته، وخرجت حتى أقدم المدينة على النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فقدمت فأسلمت وشهدت شهادة الحقّ، وآمنت بما جاء به من حلال وحرام، فذلك حين أقول:
شهدت بأنّ الله حقّ وأنّنى ... لآلهة الأحجار أوّل تارك
وشمّرت عن ساقى الإزار مهاجرا ... إليك أجوب الوعث بعد الدّكادك «1»
لأصحب خير النّاس نفسا ووالدا ... رسول مليك النّاس فوق الحبائك «2»
قال: فبعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فأجابوه إلّا رجلا واحدا ردّ عليه قوله، فدعا عليه عمرو بن مرّة فسقط فوه، فما كان يقدر على الكلام، وعمى واحتاج.
ذكر وفد مزينة
وهذا الوفد هو أوّل ما بدأ به محمد بن سعد من الوفود فى طبقاته، فقال: كان أول من وفد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مضر أربعمائة من مزينة «3» ، وذلك فى شهر رجب سنة خمس، فجعل لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الهجرة فى دارهم وقال: «أنتم مهاجرون حيث كنتم فارجعوا إلى أموالكم» فرجعوا إلى بلادهم.
وقال محمد بن سعد بسند يرفعه إلى أبى مسكين، وأبى عبد الرحمن العجلانىّ، «4»
(18/19)

قالا: قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نفر من مزينة، منهم خزاعىّ بن عبد نهم «1» فبايعه على قومه مزينة، وقدم معه عشرة منهم، فيهم بلال بن الحارث، والنعمان ابن مقرّن «2» ، ثم خرج إلى قومه فلم يجدهم كما ظنّ فأقام، فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حسّان بن ثابت، فقال: «اذكر خزاعيّا ولا تهجه» فقال حسّان:
ألا أبلغ خزاعيا رسولا ... بأنّ الذّمّ يغسله الوفاء
وأنّك خير عثمان بن عمرو ... وأسناها إذا ذكر السّناء
وبايعت الرّسول وكان خيرا ... إلى خير وآداك «3» الثّناء
فما يعجزك أو ما لا تطقه ... من الأشياء لا تعجز عداء
قال: و «عداء» بطنه الذى هو منه. فقام خزاعىّ فقال: يا قوم! قد خصّكم شاعر الرجل، فأنشدكم الله «4» . قالوا: فإنّا لا ننبو عليك «5» ؛ فأسلموا ووفدوا على النبى صلّى الله عليه وسلّم. فدفع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لواء مزينة يوم الفتح إلى خزاعىّ، وكانوا يومئذ ألف رجل.
ذكر وفد سعد بن بكر
قال محمد بن إسحق: بعثت بنو سعد بن بكر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجلا منهم يقال له ضمام «6» بن ثعلبة- قال ابن سعد: فى شهر رجب سنة خمس «7» -
(18/20)

قال ابن إسحق بسنده إلى ابن عباس: فقدم وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله «1» ، ثم دخل المسجد ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالس فى أصحابه. قال: وكان ضمام رجلا جلدا «2» أشعر ذا غديريتين، فأقبل حتّى وقف على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى أصحابه، فقال أيّكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«أنا ابن عبد المطلب» . قال: أمحمّد؟ قال: «نعم» . قال: يابن عبد المطلب! إنى سائلك ومغلظ عليك فى المسئلة، فلا تجد «3» في نفسك. قال: «لا أجد فى نفسى، فاسأل عما بدا لك» قال: أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولا؟ قال: «اللهمّ نعم» قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله امرك أن تأمرنا أن نعبده وحده، لا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد التى كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: «اللهمّ نعم» . قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نصلّى هذه الصلاة الخمس؟ قال: «نعم» .
قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة: الزّكاة، والصّيام، والحج وشرائع الإسلام كلّها، ينشده عن كلّ فريضة منها كما ينشده فى التى قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإنّى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وسأودّى هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتنى عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص. ثم انصرف إلى بعيره راجعا. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن صدق ذو العقيصتين «4» دخل الجنة»
(18/21)

قال: فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أوّل ما تكلم به: بئست اللّات والعزّى! فقالوا: مه يا ضمام! اتّق البرص، اتق الجذام، اتّق الجنون! قال: ويلكم! إنهما والله لا ينفعان ولا يضران، إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا، فاستنقذكم «1» به مما كنتم فيه، وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمّدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به، ونهاكم عنه، قال: فو الله ما أمسى من ذلك اليوم فى حاضره «2» رجل أو امرأة إلا مسلما.
قال: يقول عبد الله بن عباس- رضى الله عنهما- فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة.
ذكر وفد أشجع
قال «3» : وقدمت أشجع على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عام الخندق، وعام الخندق سنة خمس من الهجرة، وهم مائة، رأسهم مسعود «4» بن رخيلة بن نويرة ابن طريف، فنزلوا شعب سلع «5» ، فخرج إليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأمر لهم بأحمال التمر، فقالوا: يا محمد! لا نعلم أحدا من قومنا أقرب دارا منك منّا، ولا أقلّ عددا، وقد ضقنا بحربك وبحرب قومك، فجئنا نوادعك، فوادعهم.
ويقال: بل قدمت أشجع بعد ما فرغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من بنى قريظة، وهم سبعمائة فوادعهم. ثم أسلمو بعد ذلك.
(18/22)

ذكر وفد خشين
قال أبو عبد الله محمد بن سعد: قدم أبو ثعلبة الخشنىّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يتجهّز إلى خيبر، فأسلم وخرج معه فشهد خيبر، ثم قدم بعد ذلك سبعة نفر من خشين فنزلوا على أبى ثعلبة، فأسلموا وبايعوا ورجعوا إلى قومهم.
ذكر وفد الأشعرين
قالوا: وقدم الأشعرون «1» على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهم خمسون رجلا؛ منهم أبو موسى الأشعرى، ومعهم رجلان من عكّ. وقدموا فى سفن فى البحر، وخرجوا بجدّة، فلما دنوا من المدينة جعلوا يقولون:
غدا نلقى الأحبّة ... محمّدا وحزبه
ثم قدموا فوجدوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى سفره بخيبر، فلقوه صلّى الله عليه وسلّم فبايعوه وأسلموا؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الأشعرون فى الناس كصرّة فيها مسك» «2» .
ذكر وفد سليم
قالوا: وقدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجل من بنى سليم، يقال له قيس ابن نسيبة «3» ، فسمع كلامه، وسأله عن أشياء فأجابه، ووعى ذلك كلّه، ودعاه رسول الله
(18/23)

صلى الله عليه وسلّم إلى الإسلام، فأسلم ورجع إلى قومه، فقال: قد سمعت برجمة «1» الروم، وهينمة «2» فارس، وأشعار العرب، وكهانة الكاهن، وكلام مقاول حمير، فما يشبه كلام محمد شيئا من كلامهم، فأطيعونى وخذوا بنصيبكم منه. فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلقوه بقديد «3» وهم سبعمائة. ويقال:
كانوا ألفا. وفيهم العباس بن مرداس السّلمى، وأنس بن عبّاس بن رعل، وراشد بن عبد ربه «4» ، فأسلموا وقالوا: اجعلنا فى مقدّمتك، واجعل لواءنا أحمر، وشعارنا مقدّم «5» ، ففعل ذلك بهم. وأعطى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم راشدا رهاطا «6» وفيها عين يقال لها عين الرّسول. قال: وكان راشد يسدن «7» صنما لبنى سليم، فرأى يوما ثعلبين يبولان عليه، فقال:
أربّ يبول الثّعلبان برأسه ... لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب
ثم شدّ عليه فكسره. وأتى النبى صلّى الله عليه وسلّم، فقال له: «ما اسمك» ؟
قال: غاوى بن عبد العزّى، فقال: «أنت راشد بن عبد ربّه» فأسلم وحسن إسلامه وشهد الفتح. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «خير بنى سليم راشد» وعقد له على قومه.
(18/24)

وروى محمد بن سعد أيضا، عن هشام بن محمد، قال حدّثنى رجل من بنى سليم من بنى الشّريد، قال: وفد رجل منا يقال له قدد «1» بن عمّار على النبى صلّى الله عليه وسلّم، وعاهده على أن يأتيه بألف من قومه على الخيل؛ وأنشأ يقول:
شددت يمينى إذ أتيت محمّدا ... بخير يد شدّت بحجزة مئزر
وذاك امرؤ قاسمته نصف دينه ... وأعطيته كفّ «2» امرئ غير أعسر
ثم أتى قومه فأخبرهم الخبر، فخرج معه تسعمائة، وخلّف فى الحىّ مائة، وأقبل يريد النبىّ صلّى الله عليه وسلّم فنزل به الموت، فأوصى إلى ثلاثة رهط من قومه؛ وهم: عباس بن مرداس وأمّره على ثلاثمائة، وجبّار بن الحكم وأمره على ثلاثمائة، والأخنس بن يزيد وأمّره على ثلاثمائة. وقال: ايتوا هذا الرحل حتى تقضوا العهد الذى فى عنقى ثم مات، فمضوا حتى قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «أين الرجل الحسن الوجه، الطويل اللسان، الصادق الأيمان» ؟.
قالوا: يا رسول الله! دعاه الله فأجابه، وأخبروه خبره؛ فقال: «أين تكملة الألف الذين عاهدنى عليهم» ؟. قالوا: خلّف مائة فى الحىّ مخافة حرب «3» كان بيننا وبين بنى كنانة، قال: «ابعثوا إليها فإنه لا يأتيكم فى عامكم هذا شىء تكرهونه» . فبعثوا إليها فأتته بالهدّة «4» وعليها المنقع «5» بن مالك بن أمية، فشهدوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الفتح وحنين. وللمنقع يقول العباس بن مرداس:
القائد المائة التى وفّى بها ... تسع المئين فتمّ ألف أقرع «6»
(18/25)

وحكى أبو عمر بن عبد البر فى ترجمة خنساء بنت عمرو بن الشّريد السّلمية الشاعرة- واسمها تماضر بنت عمرو بن الشّريد بن رباح بن ثعلبة بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم- أنها قدمت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع قومها من بنى سليم فأسلمت معهم. قال: فذكروا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يستنشدها، ويعجبه شعرها، فكانت تنشده، وهو يقول:
«هيه «1» يا خناس» ويومئ «2» بيده. وشهدت الخنساء القادسيّة مع بنيها الأربعة.
وسنذكر إن شاء الله خبرها معهم يوم القادسية، ووصيتها لهم فى الحرب فى خلافة عمر بن الخطاب، عند ذكرنا لفتح القادسية.
ذكر وفد دوس «3»
قالوا: لمّا أسلم الطّفيل بن عمرو الدّوسىّ- كما تقدم- دعا قومه فأسلموا، وقدم معه منهم المدينة سبعون أو ثمانون أهل بيت. وفيهم أبو هريرة وعبد الله ابن أزيهر الدّوسىّ، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم بخيبر، فساروا إليه فلقوه هناك، فيقال: إنه قسم لهم من غنائم خيبر، ثم قدموا معه المدينة. فقال الطّفيل ابن عمرو: يا رسول الله! لا تفرّق بينى وبين قومى، فأنزلهم حرّة «4» الدّجاج، فقال أبو هريرة حين خرج من دار قومه:
(18/26)

يا طولها من ليلة وغنائها ... على أنّها «1» من بلدة الكفر نجّت
وقال عبد الله بن أزيهر: يا رسول الله! إن لى فى قومى سلطة ومكانا فاجعلنى عليهم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا أخادوس، إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا، فمن صدق الله نجا، ومن آل إلى غير ذلك هلك.
إن أعظم قومك ثوابا أعظمهم صدقا، ويوشك الحقّ أن يغلب الباطل» .
وروى أبو عمر بسنده إلى محمد بن سيرين أنه قال: بلغنى أنّ دوسا إنّما أسلمت فرقا من قول كعب بن مالك الأنصارى الخزرجى:
قضينا من تهامة كلّ وتر ... وخيبر ثم أغمدنا السّيوفا «2»
نخيّرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهنّ: دوسا أو ثقيفا
[فقالت دوس: انطلقوا فخذوا لأنفسكم لا ينزل بكم ما نزل بثقيف «3» ] .
ذكر وفد أسلم
قالوا: قدم عمير بن أفضى فى عصابة من أسلم، فقالوا: لقد آمنا بالله ورسوله، واتّبعنا منهاجك، فاجعل لنا عندك منزلة، تعرف العرب فضيلتنا، فإنّا إخوة الأنصار، ولك علينا الوفاء، والنّصر فى الشّدّة والرّخاء، فقال رسول
(18/27)

الله صلّى الله عليه وسلّم: «أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها» . وكتب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأسلم، ومن أسلم من قبائل العرب ممن يسكن السّيف «1» والسّهل كتابا؛ فيه ذكر الصدقة والفرائض فى المواشى. وكتب الصّحيفة ثابت ابن قيس، وشهد أبو عبيدة وعمر بن الخطاب رضى الله عنهم.
ذكر وفد جذام
قالوا: قدم رفاعة بن زيد بن عمير بن معبد الجذامىّ «2» ، ثم أحد بنى الضّبيب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى الهدنة قبل خيبر، وأهدى له عبدا وأسلم، فكتب له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتابا؛ فيه: «هذا كتاب من محمد رسول الله، لرفاعة بن زيد إلى قومه، ومن دخل معهم، يدعوهم إلى الله، فمن أقبل ففى حزب الله، ومن أبى فله أمان شهرين» فأجابه قومه وأسلموا. قال ابن إسحق وغيره: وبعث فروة بن عمرو بن النّافرة الجذامىّ، ثم النّفاثىّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رسولا بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، واسم رسوله مسعود بن سعد وهو من قومه، فقرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتابه، وقبل هديته، وأجاز رسوله باثنتى عشرة أوقية ونشّ «3» ، وكتب إلى فروة جواب كتابه. وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب، وكان منزله معان «4» وما حولها من أرض الشام، فلما بلغ الروم إسلامه طلبوه فحبسوه عندهم؛ فقال: فى محبسه ذلك:
(18/28)

طرقت سليمى موهنا أصحابى ... والرّوم بين الباب والقروان «1»
صدّ الخيال وساءه ما قد رأى ... وهممت أن أغفى «2» وقد أبكانى
لا تكحلنّ العين بعدى إثمدا «3» ... سلمى ولا تدننّ للإتيان
ولقد علمت أبا كبيشة أنّنى ... وسط الأعزّة لا يحصّ «4» لسانى
فلئن هلكت لتفقدنّ أخاكم ... ولئن بقيت لتعرفنّ مكانى
ولقد جمعت أجلّ ما جمع الفتى ... من جودة وشجاعة وبيان
قال: فلما أجمعت الرّوم لصلبه على ماء لهم بفلسطين يقال له عفراء «5» قال:
ألا هل أتى سلمى بأنّ حليلها ... على ماء عفرا فوق إحدى الرّواحل «6»
على ناقة لم يضرب الفحل أمّها ... مشذّبة أطرافها بالمناجل
قال: ولما قدّموه ليضربوا عنقه قال:
أبلغ سراة المؤمنين بأنّنى ... سلم لربىّ أعظمى ومقامى
فضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء.
هذا ما تلخص لنا من أخبار من وفد بعد الهجرة وقبل الفتح، فلنذكر من وفد بعد الفتح.
(18/29)

ذكر من وفد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد فتح مكة شرّفها الله تعالى وعظمها
ولنبدأ من ذلك بذكر وفد ثعلبة؛ لأنه أوّل وفد كان بعد الفتح. ثم نذكر من وفد فى سنة تسع من الهجرة وما بعدها، ونورده نحو ما أورده أبو عبد الله محمد بن سعد فى طبقاته، إلا أنا نستثنى منهم من قدّمنا ذكره بحكم سابقتهم، وتقدّم إسلامهم.
ذكر وفد ثعلبة
قال أبو عبد الله محمد بن سعد رحمه الله: لمّا قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الجعرانة «1» ، فى سنة ثمان من الهجرة، قدم عليه أربعة نفر، وقالوا:
نحن رسل من خلفنا من قومنا، ونحن وهم مقرّون بالإسلام، فأمر لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بضيافة، وأقاموا أياما ثم جاءوا ليودّعوه فأمر بلالا أن يجيزهم، كما يجيز الوفد، فجاء بنقر «2» من فضّة فأعطى كل رجل منهم خمس أواق، وقال:
«ليس عندنا دراهم» وانصرفوا إلى بلادهم.
ذكر وفد أسد
قال محمد بن سعد: قدم عشرة رهط من بنى أسد بن خزيمة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فى أوّل سنة تسع من الهجرة، فيهم حضرمىّ بن عامر، وضرار ابن الأزور، فقال حضرمىّ: يا رسول الله! أتيناك نتدرّع الليل البهيم «3» ، فى سنة
(18/30)

شهباء «1» ، ولم تبعث إلينا بعثا، فنزل فيهم قوله عز وجل: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «2» .
قال: وكان معهم قوم من بنى الزّنية وهم بنو مالك بن مالك بن ثعلبة بن دودان ابن أسد، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أنتم بنو الرّشدة» .
وقال أبو إسحق أحمد بن محمد الثعلبىّ رحمه الله: إنّ نفرا من بنى أسد، ثم من بنى الحلاف «3» بن الحارث بن سعيد، قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة فى سنة جدبة، فأظهروا شهادة أن لا إله إلا الله، ولم يكونوا مؤمنين فى السّر، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارها، وكانوا يغدون ويروحون على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ويقولون: أتتك الرب بأنفسها، على ظهور رواحلها، وجئناك بالأثقال والعيال والذّرارىّ- يمنّون على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان. ويريدون الصّدقة، ويقولون:
أعطنا. فأنزل الله عز وجل فيهم: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا «4»
الآيات. وقيل: نزلت فى الأعراب: مزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، وغفار. وكانوا يقولون: آمنّا بالله؛ ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلّفوا، فأنزل الله فيهم: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
أى انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسّبى وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
فأخبر تعالى أن حقيقة الأيمان التصديق بالقلب، وأن الإقرار باللسان، وإظهار شرائعه بالأبدان، لا يكون إيمانا دون الإخلاص الذى محلّه القلب.
(18/31)

ذكر وفد تميم
قال أبو عبد الله محمد بن سعد: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد بعث بشر بن سفيان. ويقال: النّحّام «1» العدوىّ على صدقات بنى كعب من خزاعة، فجاء وقد حلّ بنو احيهم بنو عمرو بن جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، فجمعت خزاعة مواشيها للصدقة، فاستنكرت ذلك بنو تميم، وأبوا وابتدروا القسىّ، وشهروا السّيوف، فقدم المصدّق «2» على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره «3» ؛ فقال: «من لهؤلاء القوم» ؟ فانتدب لهم عيينة بن حصن، فبعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى خمسين فارسا من العرب، ليس فيهم مهاجرىّ ولا أنصارىّ فأغار عليهم، فأخذ منهم أحد عشر رجلا، وإحدى عشرة امرأة، وثلاثين صبيا، فجلبهم إلى المدينة، فقدم فيهم عدّة من رؤساء بنى تميم، منهم عطارد بن حاجب، والزّبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، والأقرع بن حابس، ورياح ابن الحارث، وعمرو بن الأهتم، وغيرهم كما ذكرنا ذلك فى الغزوات فى خبر سريّة عيينة. قال ويقال: كانوا تسعين أو ثمانين رجلا.
قال ابن إسحق: والحتات بن يزيد أحد بنى دارم. قال: ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارىّ، قالوا: فدخلوا المسجد وقد أذّن بلال بالظهر؛ والناس ينتظرون خروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فعجلوا واستبطئوه، فنادوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من وراء حجراته: يا محمد! اخرج إلينا. فخرج رسول
(18/32)

الله صلّى الله عليه وسلّم، وأقام «1» بلال، فصلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الظهر، ثم أتوه؛ فقال الأقرع بن حابس: يا محمد، ايذن لى، فو الله إنّ حمدى لزين، وإنّ ذمّى لشين. فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كذبت، ذاك الله تبارك وتعالى» . حكاه ابن سعد.
وحكى محمد بن إسحق أنهم قالوا: يا محمد، جئناك لنفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: «قد أذنت لخطيبكم فليقل» ، فقام عطارد بن حاجب، فقال:
الحمد لله الذى له علينا الفضل والمنّ؛ وهو أهله الذى جعلنا ملوكا، ووهب لنا أموالا عظاما، نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزّ أهل المشرق وأكثره عددا، وأيسره عدّة، فمن مثلنا فى الناس؟ ألسنا برءوس الناس وأولى فضلهم؟ فمن فاخرنا فليعدّد مثل ما عدّدنا، وإنّا لو نشاء لأكثرنا الكلام، ولكنا نحيا «2» من الإكثار فيما أعطانا، وإنّا نعرف [بذلك] «3» ] . أقول هذا «4» لأن تأتونا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا. ثم جلس.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لثابت بن قيس بن الشّمّاس أخى بنى الحارث ابن الخزرج: «قم فأجب الرجل فى خطبته» . فقام ثابت فقال:
الحمد لله الذى السموات والأرض خلقه، قضى فيهنّ أمره، ووسع كرسيّه علمه، ولم يك شىء قطّ إلا من فضله، وكان من قدرته أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خير خلقه رسولا، أكرمه نسبا، وأصدقه حديثا، وأفضله حسبا، فأنزل عليه
(18/33)

كتابه، وائتمنه على [خلقه «1» ] فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله صلّى الله عليه وسلّم المهاجرون من قومه وذوى رحمه؛ أكرم الناس أحسابا، وأحسن الناس وجوها، وخير الناس فعالا. ثم كان أوّل الخلق إجابة، واستجاب لله حين دعاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نحن؛ فنحن أنصار الله، ووزراء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه فى الله أبدا، وكان قتله علينا يسيرا.
أقول هذا وأستغفر الله لى وللمؤمنين والمؤمنات. والسلام عليكم.
فقام الزّبرقان بن بدر، فقال:
نحن الكرام فلا حىّ يعادلنا ... منّا الملوك وفينا تنصب البيع «2»
[ويروى: «وفينا يقسم الرّبع» ، بدل «تنصب البيع «3» » ] . ... وكم قسرنا من الأحياء كلّهم
عند النّهاب وفضل العزّ يتّبع ... ونحن يطعم عند القحط مطعمنا
من الشّواء إذا لم يؤنس القزع «4» ... بما ترى الناس تأتينا سراتهم
من كلّ أرض هويّا ثم نصطنع «5»
[ويروى:
من كلّ أرض هوانا ثم نتّبع «6» ]
(18/34)

فننحر الكوم عبطا فى أرومتنا ... للنّازلين إذا ما أنزلوا شبعوا «1»
فلا ترانا إلى حىّ نفاخرهم ... إلّا استقادوا وكانوا الرأس يقتطع
فمن يفاخرنا فى ذاك نعرفه ... فيرجع القوم والأخبار تستمع
إنّا أبينا ولم يأبى «2» لنا أحد ... إنّا كذلك عند الفخر نرتفع
قال محمد بن إسحق: وكان حسان بن ثابت غائبا، فبعث إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال حسان: جاءنى رسوله فأخبرنى أنه إنما دعانى لأجيب شاعر بنى تميم، فخرجت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنا أقول:
منعنا رسول الله إذ حلّ وسطنا ... على أنف راض من معدّ وراغم
منعناه لمّا حلّ بين بيوتنا ... بأسيافنا من كلّ باغ وظالم
ببيت حريد عزّه وثراؤه ... بجابية الجولان وسط الأعاجم «3»
هل المجد إلّا السّودد «4» العود والنّدى ... وجاه الملوك واحتمال العظائم
قال: فلما انتهيت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقام شاعر القوم فقال ما قال، عرضت فى قوله وقلت على نحو ما قال. قال: ولما فرغ الزّبرقان من إنشاده، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لحسّان بن ثابت: «قم فأجب الرجل» فقام حسّان فقال:
(18/35)

إنّ الذّوائب من فهر وإخوتهم ... قد بيّنوا سنّة للناس تتّبع «1»
يرضى بها كلّ من كانت سريرته ... تقوى الإله وكلّ الخير يصطنع «2»
[ويروى:
يرضى بها كلّ من كانت سريرته ... تقوى الإله وبالأمر الذى شرعوا «3» ]
قوم إذا جاربوا ضرّوا عدوّهم ... أو حاولوا النّفع فى أشياعهم نفعوا «4»
سجيّة تلك منهم غير محدثة ... إنّ الخلائق فاعلم شرّها البدع «5»
إن كان فى الناس سبّاقون بعدهم ... فكلّ سبق لأدنى سبقهم تبع
لا يرقع النّاس ما أوهت أكفّهم ... عند الرّقاع ولا يوهون ما رقعوا «6»
إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم ... أو وازنوا أهل مجد بالذّرى متعوا «7»
أعفّة ذكرت فى الوحى عفّتهم ... لا يطبعون ولا يرديهم طمع «8»
(18/36)

لا يبخلون على جار بفضلهم ... ولا يمسّهم من مطمع طبع «1»
إذا نصبنا لحىّ لا ندبّ لهم ... كما يدبّ إلى الوحشيّة الذّرع «2»
تسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها ... إذا الزّعانف من أظفارها خشعوا «3»
لا يفخرون إذا نالوا عدوّهم ... وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع «4»
كأنّهم فى الوغى والموت مكتنع ... أسد بحلية فى أرساغها فدع «5»
خذ منهم ما أتى عفوا إذا غضبوا ... ولا يكن همّك الأمر الذى منعوا «6»
فإنّ فى حربهم فاترك عداوتهم ... شرّا يخاض عليه السّمّ والسّلع»
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفاوتت الأهواء والشّيع «8»
أهدى لهم مدحتى قلب يؤازره ... فيما أحبّ لسان حائك صنع «9»
فإنّهم أفضل الأحياء كلّهم ... إن جدّ بالناس جدّ القول أو شمعوا «10»
(18/37)

وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام رحمه الله: حدّثنى بعض أهل العلم بالشعر من بنى تميم أن الزّبرقان بن بدر لمّا قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى وفد بنى تميم، قام فقال:
أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا ... إذا اختلفوا عند احتضار المواسم «1»
بأنّا فروع الناس فى كلّ موطن ... وأن ليس فى أرض الحجاز كدارم «2»
وأنّا نذود المعلمين إذا انتخوا ... ونضرب رأس الأصيد المتفاقم «3»
وأنّ لنا المرباع فى كلّ غارة ... نغير بنجد أو بأرض الأعاجم «4»
فقام حسان بن ثابت فأجابه، فقال:
هل المجد إلّا السّودد العود «5» والنّدى ... وجاه الملوك واحتمال العظائم
نصرنا وآوينا النّبىّ محمدا ... على أنف راض من معدّ وراغم
بحىّ حريد أصله وثراؤه «6» ... بجابية الجولان وسط الأعاجم
نصرناه لمّا حلّ وسط ديارنا ... بأسيافنا من كلّ باغ وظالم
(18/38)

جعلنا بنينا دونه وبناتنا ... وطبنا له نفسا بفىء «1» المغانم
ونحن ضربنا الناس حتّى تتابعوا ... على دينه بالمرهفات الصّوارم «2»
ونحن ولدنا من قريش عظيمها ... ولدنا نبىّ الخير من آل هاشم «3»
بنى دارم لا تفخروا إنّ فخركم ... يعود وبالا عند ذكر المكارم «4»
هبلتم، علينا تفخرون وأنتم ... لنا خول من بين ظئر وخادم «5»
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم ... وأموالكم أن تقسموا فى المقاسم
فلا تجعلوا لله ندّا وأسلموا ... ولا تلبسوا زيّا كزىّ الأعاجم «6»
وأفضل ما نلتم من المجد والعلا ... ردافتنا عند احتضار المواسم «7»
قالوا: فلما فرغ حسّان من قوله، قال الأقرع بن حابس: وأبى، إنّ هذا الرجل لمؤتّى له «8» ، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا، ولهم أحلم منّا. ونزل فى وفد بنى تميم قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
«9» .
(18/39)

قال محمد بن سعد: وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى قيس بن عاصم:
«هذا سيّد أهل الوبر» وردّ عليهم الأسرى والسّبى، وأمر لهم بالجوائز كما كان يجيز الوفد؛ ثنتى عشرة أوقية ونشّا «1» ، وهى خمسمائة درهم.
قال ابن إسحق: وكان عمرو بن الأهمّ قد خلّفه القوم فى ظهرهم «2» ، وكان أصغرهم ستّا، فقال قيس بن عاصم، وكان يبغض عمرو بن الأهتم: يا رسول الله! إنه قد كان رجل منّا فى رحالنا وهو غلام حدث، وأزرى به، فأعطاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مثل ما أعطى القوم، فبلغ عمرو بن الأهتم ما قاله قيس فيه؛ فقال:
ظللت مفترش الهلباء «3» تشتمنى ... عند النبىّ فلم تصدق ولم تصب
إن تنقصونا فإنّ الرّوم «4» أصلكم ... والرّوم لا تملك البغضاء للعرب
وإنّ سوددنا عود وسوددكم ... مؤخّر عند أصل العجب والذّنب «5»
وروى أن الزّبر قان فخر يومئذ فقال:
يا رسول الله، أنا سيّد تميم، والمطاع فيهم، والمجاب منهم، آخذ لهم بحقوقهم، وأمنعهم من الظّلم، وهذا يعلم ذلك. وأشار إلى عمرو بن الأهتم. فقال عمرو:
إنه شديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع فى أدانيه. فقال الزّبرقان: والله لقد كذب يا رسول الله، وما منعه من أن يتكلم إلا الحسد.
(18/40)

فقال عمرو: أنا أحسدك؟! فو الله إنّك لئيم الخال، حديث المال، أحمق الولد، مبغض فى العشيرة، والله ما كذبت فى الأولى، ولقد صدقت فى الثانية.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ من البيان لسحرا» .
ذكر وفد فزارة واستسقاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لهم
قال ابن سعد: لمّا رجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من تبوك، قدم عليه وفد بنى فزارة، بضعة عشر رجلا؛ فيهم خارجة بن حصن، والحرّ ابن قيس بن حصن، وهو أصغرهم، على ركاب عجاف، فجاءوا مقرّين بالإسلام.
وسألهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن بلادهم، فقالوا: يا رسول الله، أسنتت بلادنا، وهلكت «1» مواشينا، وأجدب جنابنا، وغرث «2» عيالنا، فادع لنا ربك. فصعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المنبر ودعا، فقال: «اللهمّ اسق بلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، فأحى بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا «3» ، مريئا «4» مريعا «5» ، مطبقا «6» واسعا، عاجلا غير آجل، ناقعا غير ضارّ. اللهمّ اسقنا سقيا رحمة، لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق. اللهمّ اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء» فمطرت، فما رأوا السماء ستّا «7» ، فصعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المنبر، فدعا، فقال: «اللهمّ حوالينا ولا علينا، على الآكام والظّراب «8» ، وبطون الأودية، ومنابت الشّجر» . قال: فانجابت «9» السماء عن المدينة انجياب الثوب.
(18/41)

وفى صحيح البخارىّ عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: أصابت الناس سنة «1» على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فبينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخطب على المنبر يوم الجمعة، قام أعرابى فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا أن يسقينا، فرفع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يديه، وما فى السماء قزعة «2» سحاب، قال: فثار «3» سحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، قال: فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد [الغد «4» ] والذى يليه إلى الجمعة الأخرى. فقام ذلك الأعرابى- أو رجل غيره «5» - فقال: يا رسول الله، تهدّم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يديه، فقال: «اللهمّ حوالينا ولا علينا» قال: فما جعل يشير بيديه إلى ناحية من السماء إلّا تفرّجت «6» ، حتى صارت المدينة فى مثل الجوبة «7» ، حتى سال الوادى وادى قناة «8» شهرا. قال: فلم يأت أحد من جهة إلا حدّث بالجود «9» .
ذكر وفد مرّة
قال: قدم وفد بنى مرّة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند مرجعه من تبوك فى سنة تسع، وهم ثلاثة عشر رجلا، رأسهم الحارث بن عوف؛ فقالوا:
يا رسول الله، إنّا قومك وعشيرتك، ونحن قوم من لؤىّ بن غالب. فتبسّم
(18/42)

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم قال: «أين تركت أهلك» ؟ قال: بسلاح «1» وما والاها. قال: «كيف تركت البلاد» ؟ قال: والله إنّا لمسنتون «2» ، فادع الله لنا. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهمّ اسقهم الغيث» وأمر بلالا أن يجيزهم، فأجازهم بعشرة أواق، عشرة أواق فضّة، وفضّل الحارث بن عوف، أعطاه ثنتى عشرة أوقية. فرجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد مطرت فى اليوم الذى دعا فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
ذكر وفد محارب
قال: قدم وفد محارب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى سنة عشر، فى حجّة الوداع، وهم عشرة نفر، منهم سواء بن الحارث، وابنه خزيمة بن سواء، فأنزلوا دار رملة بنت الحارث، وكان بلال يأتيهم بغداء وعشاء؛ فأسلموا وقالوا:
نحن على من وراءنا، ولم يكن أحد فى تلك المواسم أفظّ ولا أغلظ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من بنى محارب. قال: ومسح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجه خزيمة «3» بن سواء، فصارت له غرّة بيضاء، وأجازهم كما يجيز الوفد، وانصرفوا إلى أهليهم.
ذكر وفد كلاب
قال: قدم وفد كلاب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى سنة تسع من الهجرة، وهم ثلاثة عشر رجلا، فيهم لبيد بن ربيعة، وجبّار بن سلمى، فأنزلهم
(18/43)

دار رملة بنت الحارث، فقالوا: يا رسول الله، إنّ الضحاك بن سفيان سار فينا بكتاب الله، وبسنّتك التى أمرته، وإنه دعانا إلى الله، فاستجبنا لله ولرسوله، وإنه أخذ الصّدقة من أغنيائنا فردّها على فقرائنا.
ذكر وفد رؤاس بن كلاب
روى عن أبى نفيع طارق بن علقمة الرؤاسىّ أنه قال: قدم رجل منّا يقال له عمرو بن مالك بن قيس الرّؤاسىّ على النبى صلّى الله عليه وسلّم فأسلم، ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام، فقالوا: حتى نصيب من بنى عقيل بن كعب مثل ما أصابوا منّا، فخرجوا يريدونهم، وخرج معهم عمرو بن مالك فأصابوا فيهم، ثم خرجوا يسوقون النّعم، فأدركهم فارس من بنى عقيل، يقال له ربيعة بن المنتفق بن عامر ابن عقيل، وهو يقول:
أقسمت لا أطعن إلّا فارسا ... إذا الكماة لبسوا القوانسا «1»
قال أبو نفيع: فقلت نجوتم يا معشر الرّجّالة سائر اليوم، فأدرك العقيلىّ رجلا من بنى عبيد بن رؤاس: يقال له المحرّش بن عبد الله بن عمرو بن عبيد بن رؤاس، فطعنه فى عضده فأخبلها «2» ، فاعتنق المحرّش فرسته، وقال: يا آل رؤاس! فقال ربيعة: رؤاس خيل أو أناس؟! فعطف على ربيعة عمرو بن مالك فطعنه فقتله. قال: ثم خرجنا نسوق النّعم، وأقبل بنو عقيل فى طلبنا حتى انتهينا إلى تربة «3» ، فقطع ما بيننا وبينهم وادى تربة، فجعل بنو عقيل ينظرون إلينا فلا يصلون
(18/44)

إلى شىء فمضينا. قال عمرو بن مالك: فأسقط فى يدى، وقلت: قتلت رجلا، وقد أسلمت وبايعت النبى صلّى الله عليه وسلّم! فشددت يدى فى غلّ إلى عنقى، ثم خرجت أريد النبى صلّى الله عليه وسلّم، وقد بلغه ذلك، فقال: «لئن أتانى لأضربنّ ما فوق الغلّ من يده» قال: فأطلقت يدى، ثم أتيته فسلّمت عليه فأعرض عنّى فأتيته عن يمينه فأعرض عنّى، فأتيته عن يساره فأعرض عنّى، فأتيته من قبل وجهه، فقلت: يا رسول الله، إن الربّ ليترضّى [فيرضى «1» ] ، فارض عنّى رضى الله عنك. قال: «قد رضيت عنك» .
ذكر وفد عقيل بن كعب
قال محمد بن السّائب: حدّثنا رجل من بنى عقيل بن كعب، عن أشياخ قومه، قالوا: وفد منّا من بنى عقيل بن كعب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ربيع ابن معاوية بن خفاجة بن عمرو بن عقيل، ومطرّف بن عبد الله، وأنس بن قيس ابن المنتفق، فبايعوا وأسلموا، وبايعوه على من وراءهم من قومهم، فأعطاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم العقيق عقيق بنى عقيل، وهى أرض فيها عيون ونخل وكتب لهم بذلك كتابا فى أديم أحمر: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى محمد رسول الله ربيعا ومطرّفا وأنسا؛ أعطاهم العقيق ما أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وسمعوا وأطاعوا» . ولم يعطهم حقّا لمسلم، وكان الكتاب فى يد مطرّف. ووفد عليه أيضا لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر بن عقيل، فأعطاه ماء يقال له النّظيم وبايعه على قومه.
(18/45)

قال: وقدم عليه أبو حرب بن خويلد بن عامر بن عقيل، فقرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليه القرآن، وعرض عليه الإسلام، فقال: أما وايم الله لقد لقيت الله أو لقيت من لقيه، فإنّك لتقول قولا لا نحسن مثله، ولكن سوف أضرب بقداحى هذه على ما تدعونى إليه، وعلى دينى الذى أنا عليه، وضرب بالقداح، فخرج على سهم الكفر، ثم أعاد فخرج عليه ثلاث [مرّات «1» ] .
فقال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أبى هذا إلّا ما ترى، ثم رجع إلى أخيه عقال «2» بن خويلد، فقال له: قلّ خيسك. أى قلّ خيرك. فقال: هل لك فى محمد ابن عبد الله؟ يدعو إلى دين الإسلام، ويقرأ القرآن، وقد أعطانى العقيق إن أنا أسلمت، فقال له عقال: أنا والله أخطّك أكثر مما يخطّك محمد، ثم ركب فرسه وجرّ رمحه على أسفل العقيق، فأخذ أسفله وما فيه من عين، ثم إنّ عقالا قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فعرض عليه الإسلام، وجعل يقول له: «أتشهد أن محمدا رسول الله» ؟ فيقول: أشهد أن هبيرة بن النّفاضة نعم الفارس يوم قرنى لبان «3» . ثم قال: «أتشهد أن محمدا رسول الله» ؟ قال: «أشهد أنّ الصّريح تحت الرّغوة» «4» ، ثم قال له الثالثة: «أتشهد» ؟ قال: فشهد وأسلم.
(18/46)

قال: ثم قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الحصين بن المعلّى بن ربيعة ابن عقيل، وذو الجوشن «1» الضّبابىّ فأسلما.
ذكر وفد جعدة
قال محمد بن سعد: وفد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الرّقاد بن عمرو بن ربيعة بن جعدة بن كعب، فأعطاه صلّى الله عليه وسلّم بالفلج «2» ضيعة، وكتب له كتابا وهو عندهم.
ذكر وفد قشير بن كعب
قال: وفد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نفر من بنى قشير، قبل حجة الوداع وبعد حنين، فيهم ثور بن عزرة بن عبد الله بن سلمة بن قشير فأسلم، فأقطعه رسول الله صلّى الله عليه وسلم قطيعة «3» ، وكتب له بها كتابا. وفيهم حيدة «4» بن معاوية ابن قشير، وفيهم قرّة بن هبيرة بن سلمة الخير بن قشير فأسلم، فأعطاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكساه بردا، وأمره أن يتصدّق على قومه؛ أى يلى الصدقة «5» .
(18/47)

ذكر وفد بنى البكّاء
قال: وفد ثلاثة نفر من بنى البكّاء على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى سنة تسع، فيهم معاوية بن ثور بن عبادة بن البكّاء، وهو يومئذ ابن مائة سنة، ومعه ابن له يقال له بشر، والفجيع بن عبد الله، ومعهم عبد عمرو البكّائى وهو الأصمّ، فسماه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عبد الرحمن، وكتب له بمائه الذى أسلم عليه «ذى القصّة «1» » . وكان عبد الرحمن من أصحاب الصّفّة «2» ، فأنزلهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمنزل وضيافة، وأجازهم ورجعوا إلى قومهم.
وقال معاوية للنبى صلّى الله عليه وسلّم: إنى أتبرك بمسّك وقد كبرت، وابنى هذا برّ بى فامسح وجهه، فمسح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجه بشر بن معاوية، وأعطاه أعنزا عفرا «3» ، وبرّك عليهنّ «4» ، وكانت السّنة «5» تصيب بنى البكّاء ولا تصيبهم، وفى ذلك يقول محمد بن بشر بن معاوية:
وأبى الذى مسح الرسول برأسه ... ودعا له بالخير والبركات
أعطاه أحمد إذ أتاه أعنزا ... عفرا نواجل لسن باللّجبات «6»
يملأن رفد الحىّ كلّ عشيّة ... ويعود ذاك الملء بالغدوات «7»
بوركن من منح وبورك مانحا ... وعليه منّى ما حييت صلاتى «8»
(18/48)

ذكر وفد كنانة وبنى عبد بن عدىّ
قالوا: وفد واثلة بن الأسقع الليثىّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتجهز إلى تبوك، فصلّى معه الصّبح، فقال: «من أنت؟ وما جاء بك؟ وما حاجتك» ؟ فأخبره عن نسبه، وقال: أتيتك لأومن بالله ورسوله؛ [فقال رسول الله: «1» ] «فبايع على ما أحببت وكرهت» . فبايعه ورجع إلى أهله فأخبرهم؛ فقال أبوه: والله لا أكلّمك كلمة أبدا، وسمعت أخته كلامه فأسلمت وجهّزته، فخرج راجعا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فوجده قد سار إلى تبوك.
فقال: من يحملنى عقبة «2» وله سهمى؟ فحمله كعب بن عجرة حتى لحق برسول الله صلّى الله عليه وسلم، وشهد معه تبوك. وبعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع خالد بن الوليد إلى أكيدر، فجاء بسهمه «3» إلى كعب بن عجرة، فأبى أن يقبله وسوّغه إياه، وقال: إنما حملتك لله تعالى.
قال: وقدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفد بنى عبد بن عدى، وفيهم الحارث بن أهبان، وعويمر بن الأخرم، وحبيب وربيعة ابنا ملّة، ومعهم رهط من قومهم؛ فقالوا: يا محمد، نحن أهل الحرم وساكنوه «4» ، وأعزّ من به، ونحن لا نريد قتالك، ولو قاتلت غير قريش قاتلنا معك، ولكنا لا نقاتل قريشا. وإنا لنحبك ومن أنت منه، فإن أصبت منّا أحدا خطأ فعليك ديته، وإن أصبنا أحدا من أصحابك فعلينا ديته. فقال: «نعم» فأسلموا.
(18/49)

ذكر وفد باهلة
قال: وقدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مطرّف بن الكاهن الباهلىّ بعد الفتح وافدا لقومه، فأسلم وأخذ لقومه أمانا، وكتب له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتابا فيه فرائض الصّدقات.
ثم قدم نهشل بن مالك الوائلىّ من باهلة على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وافدا لقومه، فأسلم وكتب له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولمن أسلم من قومه كتابا فيه شرائع الإسلام. كتبه عثمان بن عفّان.
ذكر وفد هلال بن عامر
قالوا: قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نفر من بنى هلال، فيهم عبد عوف بن أصرم بن عمرو بن شعيثة «1» فأسلم؛ فسمّاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عبد الله. وفيهم قبيصة بن المخارق، فقال: يا رسول الله، إنّى حملت عن قومى حمالة «2» فأعنّى فيها؛ قال: «هى لك فى الصّدقات إذا جاءت» .
قالوا: ووفد زياد بن عبد الله بن مالك، فلما دخل المدينة، توجه إلى منزل ميمونة بنت الحارث زوج النبى صلّى الله عليه وسلّم، وكانت خالة زياد- أمّه عزّة بنت الحارث، وهو يومئذ شاب- فدخل النبىّ صلّى الله عليه وسلّم وهو عندها، فلما رآه غضب ورجع، فقالت: يا رسول الله، هذا ابن أختى، فدخل إليها ثم خرج حتى أتى المسجد ومعه زياد، فصلّى الظهر، ثم أدنى زيادا فدعا له، ووضع يده على رأسه، ثم حدرها على طرف أنفه. فكانت بنو هلال تقول: مازلنا نتعرّف البركة فى وجه زياد. قال الشاعر لعلىّ بن زياد:
(18/50)

يابن الذى مسح النبىّ برأسه ... ودعا له بالخير عند المسجد
أعنى زيادا لا أريد سواءه ... من غائر أو متهم أو منجد «1»
ما زال ذاك النور فى عرنيه ... حتى تبوّأ بيته فى الملحد
ذكر وفد عامر بن صعصعة وخبر عامر بن الطفيل وأربد بن قيس
قال محمد بن سعد: قدم عامر بن الطّفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب، وأربد بن ربيعة بن مالك بن جعفر.- قال ابن إسحق: وأربد بن قيس ابن جزء «2» بن خالد بن جعفر، وجبّار بن سلمى بن مالك بن جعفر-[على رسول الله «3» صلّى الله عليه وسلّم]-.- قال ابن سعد- فقال عامر بن الطّفيل: يا محمد، مالى إن أسلمت؟ قال: «لك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم» . قال: أتجعل لى الأمر من بعدك؟ قال: «ليس ذلك لك ولا لقومك» قال: أفتجعل لى الوبر ولك المدر؟ «4» قال: «لا، ولكنّى أجعل لك أعنّة الخيل، فإنك امرؤ فارس» . قال:
أو ليست لى؟! لأملأنها عليك خيلا ورجلا «5» . ثم ولّيا؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهمّ اكفنيهما، اللهمّ واهد بنى عامر وأغن الإسلام عن عامر» - يعنى ابن الطّفيل.
وقال ابن إسحق: قدم عامر بن الطّفيل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو يريد الغدر به، وقد قال له قومه: يا عامر، إن الناس قد أسلموا فأسلم،
(18/51)

فقال: والله لقد كنت آليت ألّا أنتهى حتّى تتبع العرب عقبى، وأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش! ثم قال لأربد بن قيس: إذا قدمنا على الرجل فإنى سأشغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف. فلما قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال عامر بن الطّفيل. يا محمد، خالّنى «1» . قال:
«لا والله حتى تؤمن بالله وحده» ، فجعل يكرر هذا القول ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعيد عليه مقالته، وهو فى ذلك ينتظر من أربد ما أمره به، فلم يصنع أربد شيئا، وكان آخر ما قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أما والله لأملأنّها عليك خيلا ورجلا، فلما ولّى قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم اكفنى عامر ابن الطّفيل» فلما خرجوا من عنده قال عامر لأربد: ويلك! أين ما كنت أمرتك به؟ والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندى على نفسى منك، وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا. قال له أربد: لا أبا لك! لا تعجل علىّ، والله ما هممت بالذى أمرتنى به من أمره إلا دخلت بينى وبين الرجل، حتى لا أرى غيرك! أفأضربك بالسيف! قال: وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله على عامر بن الطّفيل الطاعون فى عنقه، فمال إلى بيت امرأة من بنى سلول، فجعل يقول: يا بنى عامر، غدّة كغدّة البكر، وموت فى بيت سلوليّة «2» ! قال: ومات فواراه أصحابه، وخرجوا حتى قدموا أرض بنى عامر، فأتاهم قومهم فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ فقال: لا شىء، والله لقد
(18/52)

دعانا إلى عبادة شىء لوددت أنه عندى الآن فأرميه بالنّبل حتى أقتله، فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه «1» ، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما.
وقال أبو إسحق أحمد بن محمد الثعلبىّ فى هذه القصة، بسند يرفعه إلى عبد الله ابن عباس رضى الله عنهما، قال: أقبل عامر بن الطّفيل وأربد بن ربيعة يريدان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو بالمسجد جالس فى نفر من أصحابه، فدخلا المسجد فاستشرف «2» الناس لجمال عامر، وكان أعور، وكان من أجمل الناس، فقال رجل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا رسول الله، هذا عامر ابن الطّفيل قد أقبل نحوك، فقال: «دعه فإن يرد الله به خيرا يهده» فأقبل حتى قام عليه. فقال: يا محمد، مالى إن أسلمت؟ فقال: «لك ما للمسلمين، وعليك ما على المسلمين» . قال: تجعل لى الأمر بعدك؟ قال: «ليس ذلك إلىّ، إنما ذلك إلى الله عز وجل، يجعله حيث يشاء» . قال تجعلنى على الوبر وأنت على المدر؟. قال: «لا» . قال: فماذا تجعل لى؟ قال: «أجعل لك أعنّة الخيل تغزو عليها» . قال: أو ليس ذلك لى اليوم؟! قم معى أكلّمك. فقام معه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتنى أكلّمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف؛ فجعل يخاصم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويراجعه، فدار أربد خلف النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فاخترط من سيفه شبرا، ثم حبسه الله عزّ وجلّ عنه فلم يقدر على سلّه، وجعل عامر يومىء إليه، فالتفت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فرأى أربد وما يصنع بسيفه، فقال: «اللهم
(18/53)

اكفنيهما بما شئت» . فأرسل الله عزّ وجلّ على أربد صاعقة فى يوم صائف فأحرقته، وولّى عامر هاربا، وقال: يا محمد، دعوت ربّك فقتل أربد، والله لأملأنّها عليك خيلا جردا «1» ، وفتيانا مردا «2» ؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«يمنعك الله ذلك وأبناء قيلة» يعنى الأوس والخزرج. فنزل عامر بيت امرأة سلوليّة وأنشأ يقول:
تخيّر أبيت اللّعن إن شئت ودّنا ... وإن شئت حربا ذات بأس ومصدق
وإن شئت فتيانا بكفّى أمرهم ... يكبّون كبش العارض المتألّق
فلما أصبح ضمّ عليه سلاحه، وقد تغيّر لونه، وهو يقول:
لعمرى وما عمرى علىّ بهينّ ... لقد شان حرّ الوجه طعنة مسهر «3»
وقد علم المزنوق أنّى أكرّه ... على جمعهم كرّ المنيح المشهّر «4»
إذا ازورّ من وقع السّنان زجرته ... وأخبرته أنّى امرؤ غير مقصر «5»
وأخبرته أنّ الفرار خزاية ... على المرء ما لم يبد عذرا فيعذر «6»
لقد علمت عليا هوازن أنّنى ... أنا الفارس الحامى حقيقة جعفر
(18/54)

فجعل يركض فى الصحراء ويقول: ابرز يا ملك الموت! ثم أنشأ يقول:
ألا قرّب المزنوق «1» إذ جدّ ما أرى ... لتعريض يوم شرّه غير حامد
ألا قرّباه إنّ غاية جرينا ... إذا قرب المزنوق بين الصّفائد
بنو عامر قومى إذا ما دعوتهم ... أجابوا ولبىّ منهم كلّ ماجد
ويقول: واللّات لئن أصحر «2» إلىّ وصاحبه- يعنى ملك الموت- لأنفذتهما برمحى.
قال: فلما رأى الله عزّ وجلّ ذلك منه، أرسل ملكا فلطمه بجناحه، فأرداه فى التراب، وخرجت على ركبته غدّة عظيمة فى الوقت، فعاد إلى بيت السّلوليّة وهو يقول: غدّة كغدّة البعير، وموت فى بيت سلولية. ثم دعا بفرسه فركبه، ثم أجراه حتى مات على ظهره.
قال: فرثى لبيد بن ربيعة أخاه أربد بجملة من المراثى؛ فمنها هذه الأبيات:
قضّ اللّبانة لا أبا لك واذهب ... والحق بأسرتك الكرام الغيّب «3»
ذهب الذين يعاش فى أكنافهم ... وبقيت فى خلف كجلد الأجرب «4»
يتلذّذون ملاذة ومجانة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشعب «5»
فتعدّ عن هذا وقل فى غيره ... واذكر شمائل من أخ لك معجب «6»
(18/55)

إنّ الرّزيّة لا رزيّة مثلها ... فقدان كلّ أخ كضوء الكوكب»
من معشر سنّت لهم أباؤهم ... والعزّ لا يأتى بغير تطلّب
يا أربد الخير الكريم جدوده ... أفردتنى أمشى بقرن أعضب «2»
وقال أيضا فيه:
ما إن تعدّى المنون من أحد ... لا والد مشفق ولا ولد «3»
أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السّماك والأسد «4»
يا عين هبلّا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم فى كبد «5»
فجّعنى الرّعد والصّواعق بالفا ... رس يوم الكريهة النّجد «6»
قال: وأنزل الله عزّ وجلّ فى هذه القصّة: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ. لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ
يعنى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَحْفَظُونَهُ
يعنى تلك المعقبات مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
. ثم قال تعالى مشيرا لهذين: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ «7» .
(18/56)

أى ملجإ يلجئون إليه. وقد قيل: والٍ
يلى أمرهم، ويمنع العذاب عنهم. ثم قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً
. قال: خَوْفاً
للمسافر يخاف أذاه ومشقّته. وَطَمَعاً
للمقيم يرجو بركته ومنفعته. وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ. وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ «1»
قال الحسن: شديد الحقد «2» .
وقال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: شديد الأخذ. وقد روى الثعلبىّ أيضا، عن إسحق الحنظلىّ، عن ريحان بن سعيد الشّامى، عن عبّاد بن منصور، قال سألت الحسن عن قوله عز وجل: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ
الآية.
قال: كان رجل من طواغيت العرب، فبعث إليه النبىّ صلّى الله عليه وسلّم نفرا ليدعوه إلى الله عز وجل ورسوله أن يؤمن، فقال لهم: أخبرونى عن ربّ محمد هذا الذى تدعونى إليه ما هو؟ وممّ هو؟ من دهب أم فصّة أم حديد أم نحاس؟ فاستعظم القوم مقالته، وانصرفوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا رجلا أكفر قلبا، ولا أعتى على الله منه! فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ارجعوا إليه» فرجعوا إليه فجعل لا يزيدهم على مثل مقالته الأولى وأخبث، «3» فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ارجعوا إليه» فرجعوا، فبيناهم عنده ينازعونه ويدعونه ويعظمون عليه، وهو يقول هذه المقالة؛
(18/57)

إذ ارتفعت سحابة فكانت فوق رءوسهم، فرعدت وبرقت فرمت بصاعقة فاحترق «1» الكافر وهم جلوس، فجاءوا يسعون ليخبروا النبىّ صلّى الله عليه وسلّم فاستقبلهم قوم من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا لهم: احترق صاحبكم.
قالوا لهم: من أين علمتم؟ قالوا: أوحى إلى النبىّ صلّى الله عليه وسلّم الساعة:
وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ
الآية. والله أعلم فى أيهما نزلت.
ولنرجع إلى تتمة خبر وفد عامر بن صعصعة.
قال محمد بن سعد فى طبقاته: وكان فى الوفد عبد الله بن الشّخّير، فقال: يا رسول الله، أنت سيدنا، وذو الطّول علينا. قال: «السيّد الله، لا يستهوينّكم الشيطان» .
قالوا: وقدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علقمة بن علاثة بن عوف، وهوذة بن خالد بن ربيعة وابنه، وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه جالسا إلى جنب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«أوسع لعلقمة» فأوسع له، فجلس إلى جنبه، فقصّ عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شرائع الإسلام، وقرأ عليه قرآنا، فقال: يا محمد، إن ربّك لكريم، وقد آمنت بك، وبايعت على عكرمة بن خصفة أخى قيس، وأسلم هوذة وابنه وابن أخيه.
وروى ابن سعد عن عون بن أبى جحيفة السّوائىّ عن أبيه قال: قدم وفد بنى عامر وكنت معهم إلى النبى صلّى الله عليه وسلّم، فوجدناه بالأبطح فى قبّة حمراء، فسلّمنا عليه، فقال: «من أنتم» ؟ قلنا: بنو عامر بن صعصعة. قال:
«مرحبا بكم أنتم منّ وأنا منكم» .
(18/58)

ذكر وفد ثقيف وإسلامها وهدم اللّات
كان قدوم وفد ثقيف «1» على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإسلامها فى شهر رمضان سنة سبع من مهاجره «2» .
قال أبو عبد الله محمد بن إسحق، وأبو محمد عبد الملك بن هشام، وأبو عبد الله محمد بن سعد رحمهم الله، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض: لمّا حاصر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الطائف لم يحضر عروة بن مسعود، ولا غيلان بن سلمة الحصار، بل كانا بجرش «3» يتعلّمان صنعة العرّادات «4» والمنجنيق والدّبابات، فقدما وقد انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الطّائف، فنصبا المنجنيق والعرّادات والدبّابات واعتدّا للقتال، ثم ألقى الله فى قلب عروة الإسلام، فخرج إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتبع أثره، حتى أدركه قبل أن يصل المدينة فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«إنّهم قاتلوك» فقال عروة: يا رسول الله، أنا أحبّ إليهم من أبكارهم.
قال: فكرر علىّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذلك ثلاثا، فقال: «إن شئت فاخرج» فخرج، وكان فيهم كذلك محبّبا مطاعا، فسار إلى الطائف، فسار خمسا
(18/59)

فقدم عشاء، فدخل منزله، فجاء قومه يحيّونه بتحيّة الشّرك، فقال: عليكم بتحية أهل الجنة «السّلام» . ودعاهم إلى الإسلام فخرجوا من عنده يأتمرون به، فلمّا طلع الفجر أوفى على غرفة له فأذّن بالصلاة، فخرجت ثقيف من كل ناحية، فرماه رجل يقال له أوس بن عوف أخو بنى سالم بن مالك- وقيل: بل هو وهب بن جابر رجل من الأحلاف- بسهم فأصاب أكحله «1» فلم يرقأ دمه، فقام أشراف قومه؛ وهم: غيلان بن سلمة، وكنانة بن عبد ياليل، والحكم بن عمرو ابن وهب، ووجوه الأحلاف، فلبسوا السّلاح وحشدوا، فلما رأى عروة ذلك قال: قد تصدّقت بدمى على صاحبه؛ لأصلح بذلك بينكم، وهى كرامة أكرمنى الله بها، وشهادة ساقها الله إلىّ. وقال: ادفنونى مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومات فدفنوه معهم، وبلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خبره فقال فيه: «إنّ مثله فى قومه لكمثل صاحب «يس» دعا قومه إلى الله فقتلوه» .
قالوا: ولحق أبو المليح بن عروة، وقارب بن الأسود بن مسعود برسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأسلما، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تولّيا من شئتما» فقالا: نتولّى الله ورسوله؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«وخالكما أبا سفيان بن حرب» فقالا: وخالنا أبا سفيان.
قال ابن إسحق: ثم أقامت ثقيف بعد ما قتل عروة أشهرا، ثم ائتمروا بينهم، ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا. وكان
(18/60)

مالك بن عوف قد أسلم كما قدّمنا فى غزوة حنين، وجعل يغير على سرحهم «1» .
قال: وكان عمرو بن أمية أخا بنى علاج مهاجرا «2» لعبد يا ليل «3» بن عمرو، وكان من أدهى العرب، فمشى إلى عبد ياليل بن عمرو حتى دخل داره، ثم أرسل إليه أن اخرج إلىّ، فاستعظم عبد ياليل مشيه إليه، وقال للرسول الذى جاءه: ويلك! أعمرو أرسلك إلىّ؟ قال: نعم، وها هو ذا واقفا فى دارك، فقال: إن هذا لشىء ما كنت أظنه، لعمرو كان أمنع فى نفسه من ذلك، وخرج إليه، فلمّا رآه رحّب به، فقال عمرو له: إنه قد نزل بنا أمر ليست معه هجرة «4» ، إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت، وقد أسلمت العرب كلها، وليست لكم بحربهم طاقة، فانظروا فى أمركم. فعند ذلك ائتمرت ثقيف بينها، وقال بعضهم لبعض: ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب «5» ، ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع. فأجمعوا رأيهم أن يرسلوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجلا منهم، كما أرسلوا عروة بن مسعود، فعرضوا ذلك على عبد ياليل بن عمرو بن عمير، فأبى أن يفعل، وخشى أن يصنع به إذا رجع كما صنع بعروة، فقال: لست فاعلا حتى يرسلوا معى رجالا، فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف، وثلاثة من بنى مالك، فبعثوا معه الحكم بن عمرو بن وهب بن معتّب، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتّب، ومن بنى مالك عثمان بن أبى العاص بن بشر أخا بنى يسار، وأوس بن عوف أخا بنى سالم،
(18/61)

ونمير بن خرشة بن ربيعة أخا بنى الحارث، فخرج بهم عبد ياليل وهو ناب «1» القوم وصاحب أمرهم.
وقال ابن سعد: كانوا بضعة عشر رجلا، وهو أثبت.
قال ابن إسحق: فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة «2» ، ألفوا بها المغيرة بن شعبة يرعى فى نوبته ركاب أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكانت رعيتها نوبا «3» على أصحابه، فلما رآهم ترك الرّكاب عند الثّقفيين، وخرج يشتدّ «4» ليبشّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر الصديق رضى الله عنه قبل أن يدخل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأخبره عن ركب ثقيف أن قد قدموا يريدون البيعة والإسلام، فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمت عليك بالله لا تسبقنى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حتى أكون أنا أحدّثه؛ ففعل المغيرة. فدخل أبو بكر على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة إليهم فعلّمهم كيف يحيّون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية.
قال: ولما قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ضرب عليهم قبّة فى ناحية مسجده- كما يزعمون «5» -، وكان خالد بن سعيد بن العاص يمشى بينهم وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حتى كتبوا كتابهم، وكتبه خالد بيده، وهو:
(18/62)

«بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبىّ رسول الله، إلى المؤمنين: إنّ عضاه «1» وجّ «2» وصيده [حرام «3» ] لا يعضد «4» ، من وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه، فإن تعدّى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به النبىّ- محمدا صلّى الله عليه وسلّم- وأن هذا أمر النبىّ محمد رسول الله. وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله فلا يتعدّه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» .
قال ابن إسحق: وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى يأكل منه خالد، حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم.
قال: وقد كان فيما سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يدع لهم الطّاغية وهى اللّات؛ لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذلك عليهم، فما برحوا يسألونه حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمّى. وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا «5» بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام. فأبى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فهدماها. وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وألّا يكسروا أوثانهم بأيديهم؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«أمّا كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصّلاة فإنه لا خير فى دين لا صلاة فيه» . فقالوا: يا محمد، فسنؤتيكها وإن كانت دناءة. فلما أسلموا
(18/63)

وكتب لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتابهم، أمر عليهم عثمان بن أبى العاص، وكان من أحدثهم سنّا، وكان أحرصهم على التّفقّه فى الإسلام وتعلّم القرآن، فقال أبو بكر الصدّيق ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
روى عن عثمان بن أبى العاص قال: كان من آخر ما عهد إلىّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين بعثنى على ثقيف أن قال: «يا عثمان؛ تجاوز «1» في الصلاة واقدر الناس بأضعفهم فإن فيهم الكبير والصّغير والضّعيف وذا الحاجة» .
قال ابن إسحق: ولما توجهوا إلى بلادهم بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فى هدم الطاغية، فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدّم أبا سفيان فأبى ذلك عليه، وقال: ادخل أنت على قومك. وأقام أبو سفيان بماله بذى الهدم «2» ، فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمعول، وقام قومه بنو معتّب دونه خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود، وخرج نساء ثقيف حسرا «3» يبكين ويقلن:
لتبكينّ دفّاع «4» ... أسلمها الرّضّاع «5»
لم يحسنوا المصاع «6»
(18/64)

قال: ويقول أبو سفيان بن حرب، والمغيرة يضربها بالفأس: واها لك! أهلا لك «1» ! فلما هدمها المغيرة بن شعبة وأخذ ما لها وحليّها، أرسل إلى أبى سفيان، وحلّيها مجموع، ومالها من الذّهب والجزع «2» .
وقد كان أبو مليح بن عروة سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يقضى عن أبيه عروة بن مسعود دينا كان عليه من مال الطاغية، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نعم» فقال له قارب بن الأسود: وعن الأسود يا رسول الله فاقضه،- وعروة والأسود أخوان لأب وأمّ- فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«الأسود مات مشركا» ، فقال قارب: يا رسول الله، لكن يصل مسلما ذا قرابة- يعنى نفسه- إنّما الدّين علىّ وأنا الذى أطلب به. فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبا سفيان أن يقضى دين عروة والأسود من مال الطّاغية؛ فلمّا جمع المغيرة مالها قال لأبى سفيان: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أمرك أن تقضى عن عروة والأسود دينهما. فقضى عنهما.
قال المغيرة: فدخلت ثقيف فى الإسلام، فلا أعلم قوما من العرب بنى أب ولا قبيلة كانوا أصحّ إسلاما، ولا أبعد أن يوجد فيهم غشّ لله ولكتابه منهم.
ذكر وفد عبد القيس «3»
قال محمد بن سعد: كتب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى أهل البحرين أن يقدم عليه منهم عشرون رجلا، فقدموا؛ رأسهم عبد الله بن عوف الأشجّ،
(18/65)

وفيهم الجارود بن عمرو بن حنش، ومنقذ بن حبّان وهو ابن أخت الأشجّ، وكان قدومهم عام الفتح، فقيل: يا رسول الله، هؤلاء وفد عبد القيس، فقال: «مرحبا بهم نعم القوم عبد القيس» . قال: ونظر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الأفق صبيحة ليلة قدموا، فقال: «ليأتينّ ركب من المشرق لم يكرهوا على الإسلام، قد أنضوا الرّكاب، وأفنوا الزاد، بصاحبهم علامة، اللهمّ اغفر لعبد القيس، أتونى لا يسألون مالا، هم خير أهل المشرق» .
قال: فجاءوا فى ثيابهم، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى المسجد، فسلّموا عليه، فقال: «أيكم عبد الله الأشجّ» ؟ فقال: أنا يا رسول الله. وكان رجلا دميما، فنظر إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «إنه لا يستقى «1» في مسوك «2» الرجال، إنما يحتاج من الرّجل إلى أصغريه لسانه وقلبه «3» » . فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «فيك خصلتان يحبّهما الله تعالى» فقال عبد الله: وما هما؟
قال: «الحلم والأناة» «4» . قال: أشىء حدث أم جبلت عليه؟. قال: «بل جبلت عليه» . قال: وكان الجارود نصرانيا، فعرض عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الإسلام ورغّبه فيه.
قال ابن إسحق: فقال يا محمد، إنّى قد كنت على دين، وإنى تارك دينى لدينك: أفتضمن لى دينى؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نعم، أنا ضامن لك أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه» . فأسلم وأسلم أصحابه.
(18/66)

قال ابن سعد: وأنزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفد عبد القيس فى دار رملة بنت الحارث، وأجرى عليهم ضيافة، وأقاموا عشرة أيام، وكان عبد الله الأشجّ يسائل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الفقه والقرآن، وأمر لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بجوائز، وفضّل عليهم عبد الله الأشجّ؛ فأعطاه اثنتى عشرة أوقية ونشّا، ومسح صلّى الله عليه وسلّم وجه منقذ بن حبّان.
ذكر وفد بكر بن وائل
قال ابن سعد: قدم وفد بكر بن وائل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان فى الوفد بشير بن الحصاصيّة «1» ، وعبد الله بن مرثد، وحسّان بن خوط؛ ولذلك يقول رجل من ولد حسّان «2» :
أنا ابن حسّان بن خوط وأبى ... رسول بكر كلّها إلى النّبى
قالوا: وقدم معهم عبد الله بن أسود بن شهاب بن عوف بن عمرو بن الحارث بن سدوس، وكان ينزل اليمامة، فباع ما كان له من مال باليمامة، وهاجر وقدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بجراب من تمر، فدعا له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالبركة. وحيث ذكرنا وفد بكر بن وائل فلنذكر خبر الأعشى.
(18/67)

ذكر خبر أعشى بنى قيس وامتداحه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورجوعه قبل لقائه
قال أبو محمد عبد الملك بن هشام: حدّثنى خلّاد بن قرّة بن خالد السّدوسىّ، وغيره من مشايخ بكر بن وائل من أهل العلم، أنّ أعشى «1» بنى قيس بن ثعلبة بن عكابة ابن صعب بن علىّ بن بكر بن وائل، خرج إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يريد الإسلام، فقال يمدح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبتّ كما بات السّليم مسهّدا «2»
وما ذاك من عشق النّساء وإنّما ... تناسيت قبل اليوم صحبة مهددا «3»
ولكن أرى الدّهر الّذى هو خائن ... إذا أصلحت كفّاى عاد فأفسدا «4»
كهولا وشبّانا فقدت وثروة ... فلله هذا الدّهر كيف تردّدا «5»
(18/68)

وما زلت أبغى المال مذ أنا يافع ... وليدا وكهلا حين شبت وأمردا «1»
وأبتذل العيس المراقيل تغتلى ... مسافة ما بين النّجير فصرخدا «2»
ألا أيّهذا السّائلى أين يمّمت ... فإنّ لها فى أهل يثرب موعدا «3»
فإن تسألى عنّى فياربّ سائل ... حفىّ عن الأعشى به حيث أصعدا «4»
أجدّت برجليها النّجاء وراجعت ... يداها خنافا ليّنا غير أحردا «5»
وفيها إذا ما هجّرت عجرفيّة ... إذا خلت حرباء الظّهيرة أصيدا «6»
(18/69)

وأمّا إذا ما أدلجت فترى لها ... رقيبين جديا ما يغيب وفرقدا «1»
فآليت لا آوى لها من كلالة ... ولا من حفى حتّى تلاقى محمّدا «2»
متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله ندا «3»
نبىّ يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمرى فى البلاد وأنجدا «4»
له صدقات ما تغبّ ونائل ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا «5»
أجدّك لم تسمع وصاة محمد ... نبىّ الإله حيث أوصى وأشهدا «6»
(18/70)

إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى ... ولا قيت بعد الموت من قد تزوّدا «1»
ندمت على ألّا تكون كمثله ... فترصد للأمر الذى كان أرصدا «2»
فإيّاك والميتات لا تقربنّها ... ولا تأخذن سهما حديدا لتفصدا «3»
ولا النّصب المنصوب لا تنسكنّه ... ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا «4»
ولا تقربنّ جارة إنّ سرّها ... عليك حرام فانكحن أو تأبّدا «5»
وذا الرّحم القربى فلا تقطعنّه ... لعاقبة ولا الأسير المقيّدا «6»
وسبّح على حين العشيّات والضّحى ... ولا تحمد الشّيطان والله فاحمدا «7»
ولا تسخرن من بائس ذى ضرارة ... ولا تحسبنّ المال للمرء مخلدا «8»
(18/71)

فلما كان بمكة أو قريبا منها، اعترضه بعض المشركين من قريش، فسأله عن أمره، فأخبره أنه جاء يريد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليسلم، فقال له:
يا أبا بصير إنه يحرّم الزّنى. فقال الأعشى له: والله إن ذلك لأمر مالى فيه من أرب. فقال: يا أبا بصير فإنه يحرّم الخمر. فقال: أمّا هذه فو الله إنّ فى النفس منها لعلالات «1» ، ولكنّى منصرف فأتروّى منها عامى هذا ثم آتيه فأسلم. فانصرف فمات من عامه ذلك، ولم يعد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
ذكر وفد تغلب
قال: وقدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفد بنى تغلب «2» ، وهم ستة عشر رجلا مسلمين، ونصارى عليهم صلب الذّهب، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، فصالح صلّى الله عليه وسلّم النّصارى على أن يقرّهم على ذمّتهم «3» ، على ألّا يصبغوا أولادهم فى النّصرانية، وأجاز المسلمين منهم بجوائزهم.
ذكر وفد حنيفة
قالوا: قدم وفد بنى حنيفة «4» على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهم بضعة عشر رجلا، فيهم رجّال «5» بن عنقوة، وسلمى بن حنظلة، وطلق بن علىّ بن قيس،
(18/72)

وحمران بن جابر، وعلىّ بن سنان، والأقعس بن مسلمة «1» ، وزيد بن عمرو «2» ، ومسيلمة ابن حبيب، وهو الكذّاب. وعلى الوفد سلمى بن حنظلة، فأنزلوا دار رملة بنت الحارث «3» ، وأجريت عليهم ضيافة. فأتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى المسجد، فسلّموا عليه وشهدوا شهادة الحقّ، وخلّفوا مسيلمة فى رحالهم. وأقاموا أياما يختلفون إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وكان رجّال بن عنفوة يتعلّم القرآن من أبىّ بن كعب، فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم، أمر لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بجوائزهم: خمس أواق لكل رجل، فقالوا: يا رسول الله، خلّفنا صاحبا لنا فى رحالنا يبصرها لنا، وفى ركابنا يحفظها علينا، فأمر له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمثل ما أمر لأصحابه. وقال: «ليس بشرّكم مكانا لحفظه ركابكم ورحالكم» . فقيل ذلك لمسيلمة فقال: عرف أنّ الأمر إلىّ من بعده.
وأعطاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إداوة من ماء فيها فضل طهوره، فقال: «إذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم «4» ، وانضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوا مكانها مسجدا» ففعلوا، وصارت الإداوة عند الأقعس بن مسلمة، وصار المؤذّن طلق بن علىّ، فأذّن فسمعه راهب البيعة، فقال: كلمة حقّ. وهرب فكان آخر العهد به.
ثم ادّعى مسيلمة الكذّاب بعد ذلك النبوّة، وشهد له الرّجّال «5» أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أشركه فى الأمر، فافتتن الناس به، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى فى خلافة أبى بكر الصّدّيق رضى الله عنه.
(18/73)

ذكر وفد شيبان
قال: وقدم من بنى شيبان حريث «1» بن حسّان الشّيبانىّ، فبايع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الإسلام وعلى قومه، وصحبه فى مسيره إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قيلة بنت مخرمة التّميميّة «2» ، وهى التى أرعدت من الفرق «3» لمّا أتت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال لها: «يا مسكينة عليك السّكينة» [فهدأت «4» ] .
روى عن قيلة بنت مخرمة أنها قالت: إنّ حريث بن حسّان قال: يا رسول الله، اكتب بيننا وبين بنى تميم بالدّهناء «5» لا يجاوزها إلينا منهم إلّا مسافر أو مجاور.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا غلام اكتب له بالدّهناء» ، قالت قيلة:
فلما رأيته أمر له بأن يكتب له بها، قلت: يا رسول الله، إنه لم يسألك السويّة من الأرض إذ سألك، إنما هذه الدّهناء «6» عندك؛ مقيّد «7» الجمل، ومرعى الغنم، ونساء تميم وأبناؤها وراء ذلك. فقال [رسول الله «8» ] : «أمسك يا غلام، صدقت المسكينة، المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر، ويتعاونان على الفتّان «9» » . فلما رأى حريث أن قد حيل دون كتابه، ضرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال: كنت أنا وأنت
(18/74)

[كما قيل «1» ] : «حتفها تحمل ضأن بأظلافها»
» فقلت: أما والله أن كنت لدليلا فى الظّلماء، جوادا بذى الرّحل، عفيفا عن الرّفيقة، حتى قدمت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولكن لا تلمنى على حظّى إذ سألت حظّك. فقال:
وما حظّك فى الدّهناء لا أبا لك؟! قلت: مقيّد جملى تسأله لجمل امرأتك! قال: لا جرم، إنّى أشهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّى لك أخ ما حييت إذ أثبت «3» هذا علىّ عنده. فقلت: [أما «4» ] إذ بدأتها فلن أضيعها. وحديث قيلة فيه طول ليس هذا موضعه.
(18/75)

ذكر وفادات أهل اليمن
ذكر وفد طيّئ وخبر زيد الخيل وعدىّ بن حاتم
قالوا: وفد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفد طيّئ خمسة عشر رجلا، رأسهم، وسيّدهم زيد الخيل بن مهلهل، من بنى نبهان، وفيهم وزر بن جابر بن سدوس «1» النّبهانىّ، وهو قاتل عنترة، وقبيصة بن الأسود بن عامر من جرم طيّئ، ومالك بن عبد الله بن خيبرى «2» من بنى معن، وقعين «3» بن خلف من جديلة «4» ، ورجل من بنى بولان «5» ، فدخلوا المدينة ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى المسجد، فعقلوا رواحلهم بفناء المسجد، ثم دخلوا فدنوا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فعرض عليهم الإسلام، فأسلموا وأجازهم بخمس أواق فضة لكل رجل منهم، وأعطى زيد الخيل اثنتى عشرة أوقية ونشّا. وقال صلّى الله عليه وسلّم: «ما ذكر لى رجل من العرب إلا رأيته دون ما ذكر لى إلّا ما كان من زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كلّ ما كان فيه» .
وسمّاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «زيد الخير» وقطع له فيد «6» وأرضين معه، وكتب له بذلك كتابا، فخرج مع قومه راجعا، فقال رسول الله صلّى الله
(18/76)

عليه وسلّم: «إن ينج زيد من حمّى المدينة فإنّه «1» » ، فلما انتهى زيد من بلد نجد إلى ماء من مياهه يقال له قردة «2» أصابته الحمّى فمات، فعمدت امرأته إلى ما كان النبىّ صلّى الله عليه وسلّم كتب له فحرقته بالنار.
هذا ما كان من خبر زيد الخيل.
وأمّا عدىّ بن حاتم فكان من خبره أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه إلى الفلس «3» - صنم طيّئ- ليهدمه ويشنّ الغارات، فخرج فأغار على حاضر آل حاتم، وأصابوا ابنة «4» حاتم، كما قدّمنا ذكر ذلك فى الغزوات والسّرايا، فقدم بها على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى سبايا طيّئ. وقيل: إنما سباها من خيل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خيل كان عليها خالد بن الوليد، وهرب عدىّ بن حاتم حتى لحق بالشام.
حكى محمد بن إسحق رحمه الله قال: كان عدىّ بن حاتم يقول- فيما بلغنى-:
ما من رجل من العرب كان أشدّ كراهية لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين سمع به منّى، أمّا أنا فكنت امرأ شريفا، وكنت نصرانيا، وكنت أسير
(18/77)

فى قومى بالمرباع، أى آخذ منهم ربع مغانمهم التى يغنمونها، وكنت فى نفسى على دين، وكنت ملكا فى قومى لما كان يصنع بى، فلما سمعت برسول الله صلّى الله عليه وسلّم كرهته، فقلت لغلام كان لى عربىّ، وكان راعيا لإبلى: لا أبا لك! أعدد لى من إبلى جمالا ذللا سمانا فاحتبسها قريبا منّى، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذنىّ. ففعل، ثم إنه أتانى ذات غداة فقال: يا عدىّ، ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن، فإنى رأيت رايات فسألت عنها فقالوا: هذه جيوش محمد. فقلت: فقرّب إلىّ أجمالى. فقرّبها فاحتملت بأهلى وولدى، ثم قلت: ألحق بأهل دينى من النّصارى بالشام، فسلكت الجوشيّة- ويقال الحوشيّة «1» - وخلّفت بنتا لحاتم فى الحاضر، فلمّا قدمت الشام أقمت بها، وتخالفنى خيل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت، فقدم بها على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى سبايا طيّئ، وقد بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هربى إلى الشام، قال: فجعلت ابنة حاتم فى حظيرة «2» بباب المسجد كانت السّبايا تحبس فيها، فمرّ بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقامت إليه، وكانت امرأة جزلة «3» ، فقالت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علىّ، منّ الله عليك. قال: «ومن وافدك» ؟ قالت: عدىّ بن حاتم.
قال: «الفارّ من الله ورسوله» ؟!. قالت: ثم مضى وتركنى، حتى إذا كان من الغد مرّ بى فقلت له مثل ذلك، فقال مثل ما قال بالأمس، قالت: حتى إذا كان بعد الغد مرّ بى وقد يئست، فأشار إلىّ رجل من خلفه أن قومى فكلّميه،
(18/78)

قالت: فقمت إليه، فقلت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علىّ، منّ الله عليك. فقال: «قد فعلت فلا تعجلى بخروج حتى تجدى من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم آذنينى» فسألت عن الرجل الذى أشار إلىّ أن كلّميه، فقيل علىّ بن أبى طالب، قالت: فأقمت حتى قدم ركب من بلىّ أو قضاعة «1» ، قالت: وإنما أريد أن آتى أخى بالشام، فجئت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت: يا رسول الله، قد قدم رهط من قومى، لى فيهم ثقة وبلاغ، قالت: فكسانى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وحملنى وأعطانى نفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشام، قال عدىّ: فو الله إنّى لقاعد فى أهلى إذ نظرت إلى ظعينة تصوب «2» إلىّ تؤمّنا، قال: قلت ابنة حاتم، فإذا هى هى، فلما وقفت علىّ انسلخت «3» تقول: القاطع الظّالم، احتملت بأهلك وولدك، وتركت بقيّة والديك عورتك! قال: قلت: أى أخيّة! لا تقولى إلّا خيرا، فو الله ما لى من عذر، لقد صنعت ما ذكرت. قالت: ثم نزلت فأقامت عندى، فقلت لها وكانت امرأة حازمة: ماذا ترين فى أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن نلحق به سريعا، فإن يكن الرّجل نبيا فللسّابق إليه فضله، وإن يكن ملكا فلن تذل فى عز اليمن، وأنت أنت. قال: قلت والله إن هذا الرّأى. فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة، فدخلت عليه وهو فى مسجده، فسلمت عليه فقال: «من الرّجل» ؟ فقلت: عدى بن حاتم. فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فانطلق بى إلى بيته، فو الله إنه لعامد بى إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كسيرة
(18/79)

فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه فى حاجتها، فقلت فى نفسى: والله ما هذا بملك.
قال: ثم مضى حتى إذا دخل بى بيته تناول وسادة من أدم محشوّة ليفا فقذفها إلىّ فقال: «اجلس على هذه» قلت: بل أنت فاجلس عليها، قال: «بل أنت» فجلست عليها، وجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالأرض، فقلت فى نفسى: والله ما هذا بأمر ملك. ثم قال: «إيه يا عدىّ بن حاتم ألم تك ركوسيا «1» ؟» قلت: بلى، قال: «أولم تك تسير فى قومك بالمرباع «2» » ؟ قلت: بلى؛ قال: «فإنّ ذلك لم يك يحلّ لك فى دينك» . قال: قلت أجل والله، وعرفت أنه نبىّ مرسل يعلم ما يجهل، ثم قال: «لعلّك يا عدىّ إنما يمنعك من دخول فى هذا الدّين ما ترى من حاجتهم، فو الله ليوشكنّ المال يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوّهم، وقلّة عددهم، فو الله ليوشكن أن يسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان فى غيرهم، وايم الله ليوشكنّ أن يسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم» .
قال عدىّ: فأسلمت. فكان عدىّ يقول: قد مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكوننّ؛ قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم، وقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت، وايم الله لتكوننّ الثالثة؛ ليفيضنّ المال حتى لا يوجد من يأخذه.
(18/80)

ذكر وفد تجيب
قال ابن سعد: قدم وفد تجيب «1» على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى سنة تسع من مهاجره، وهم ثلاثة عشر رجلا، وساقوا صدقات أموالهم التى فرض الله عليهم، فسّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بهم، وقال: «مرحبا بكم» وأكرم منزلهم وحيّاهم، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم وجوائزهم، وأعطاهم أكثر مما كان يجيز به الوفد، وقال: «هل بقى منكم أحد» قالوا: غلام خلفناه على رحالنا وهو أحدثنا سنّا. قال: «أرسلوه إلينا» ، فأقبل الغلام إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: إنى امرؤ من بنى أبناء الرّهط الذين أتوك آنفا، فقضيت حوائجهم فاقض حاجتى، قال: «وما حاجتك» ؟ قال: تسأل الله أن يغفر لى ويرحمنى ويجعل غناى فى قلبى. فقال: «اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه فى قلبه» . ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه، فانطلقوا راجعين إلى أهليهم، ثم وافوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى الموسم بمنى «2» في سنة عشر، فسألهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الغلام، فقالوا: ما رأينا مثله أقنع منه بما رزقه الله.
(18/81)

ذكر وفد خولان
قال: قدم وفد خولان «1» على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فى شعبان سنة عشر، وهم عشرة نفر، فقالوا: يا رسول الله، نحن مؤمنون بالله مصدّقون برسوله، ونحن على من وراءنا من قومنا، وقد ضربنا إليك آباط الإبل. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما فعل عمّ أنس» «2» صنم لهم؛ فقالوا: بشرّ وعرّ «3» ، أبدلنا الله به ما جئت به، ولو قد رجعنا إليه هدمناه. وسألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن أشياء من أمر دينهم، فجعل يخبرهم بها، وأمر من يعلّمهم القرآن والسّنن، وأنزلوا فى دار رملة بنت الحارث، وأجريت عليهم الضيافة، ثم جاءوا بعد أيام يودّعونه، فأمر لهم بجوائز ثنتى عشرة أوقية ونشّ، ورجعوا إلى قومهم، فلم يحلّوا عقدة حتى هدموا عمّ أنس. وممن أسلم من خولان أبو مسلم الخولانىّ العابد «4» ، واسمه عبد الله بن ثوب، ولم ير رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإنما قدم المدينة بعد وفاته، وله خبر عجيب مع الأسود العنسىّ، نذكره فى أخباره فى خلافة أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه.
(18/82)

ذكر وفد جعفى
قال ابن سعد: وفد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجلان من جعفىّ «1» ، وهما قيس بن سلمة بن شراحيل، وسلمة بن يزيد، وهما أخوان لأم، وأمهما مليكة بنت الحلو بن مالك، فأسلما فقال لهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «بلغنى أنكم لا تأكلون القلب» وكانوا يحرّمون أكله، فقالا: نعم، قال: «فإنه لا يكمل إسلامكم إلا بأكله» ودعا بقلب فشوى، ثم ناوله سلمة فلما أخذه أرعدت يده فقال له: «كله» فأكله، وقال:
على أنّى أكلت القلب كرها ... وترعد حين مسّته بنانى
ثم قالا: يا رسول الله، إنّ أمّنا مليكة بنت الحلو كانت تفكّ العانى، وتطعم البائس، وترحم المسكين، وأنها ماتت وقد وأدت «2» بنية لها صغيرة، فما حالها،؟
قال: «الوائدة والموءودة فى النار «3» » فقاما مغضبين، فقال: «إلىّ فارجعا» فقال: «وأمّى مع أمّكما «4» » فأبيا ومضيا، وهما يقولان: والله إنّ رجلا أطعمنا
(18/83)

القلب، وزعم أنّ أمّنا فى النار لأهل ألّا يتّبع، فلما كان ببعض الطريق، لقيا رجلا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، معه إبل من إبل الصّدقة، فأوثقاه وطردا الإبل، فبلغ ذلك النبى صلّى الله عليه وسلّم فلعنهما فيمن كان يلعن فى قوله: «لعن الله رعلا وذكوان وعصيّة ولحيان «1» وابنا مليكة» .
قال محمد بن سعد: وقدم أبو سبرة وهو يزيد بن مالك بن عبد الله الجعفىّ على النبى صلّى الله عليه وسلّم ومعه ابناه سبرة وعزيز «2» فأسلموا. وسمى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عزيزا عبد الرحمن. وقال له أبو سبرة: يا رسول الله: إن بظهر كفّى سلعة «3» قد منعتنى من خطام راحلتى، فدعا بقدح، وجعل يضرب به على السّلعة.
ويمسحها فذهبت، ودعا له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولابنيه، فقال:
يا رسول الله، أقطعنى وادى قومى باليمن، وكان يقال له جردان «4» ففعل، قال:
وعبد الرحمن هذا هو أبو خيثمة عبد الرحمن.
ذكر وفد مراد
قالوا: قدم فروة بن مسيك «5» المرادىّ «6» على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مفارقا لملوك كندة ومباعدا لهم، وقال فى ذلك:
(18/84)

لمّا رأيت ملوك كندة أعرضت ... كالرّجل خان الرّجل عرق نسائها «1»
قرّبت راحلتى أؤمّ محمدا ... أرجو فواضلها وحسن ثرائها «2»
وبايع النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، ونزل على سعد بن عبادة، وكان يتعلم القرآن وفرائض الإسلام وشرائعه، فأجازه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم باثنتى عشرة أوقية، وحمله على بعير وأعطاه حلّة من نسج عمان، واستعمله على مراد وزبيد ومذحج، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصّدقات، وكتب له كتابا فيه فرائض الصّدقة، فلم يزل على الصّدقة حتى توفى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
ذكر وفد زبيد
قال ابن سعد: قدم وفد عمرو بن معدى كرب «3» الزّبيدىّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة، فى عشرة نفر من زبيد، فنزل على سعد بن عبادة فأكرمه سعد وراح به إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأسلم هو ومن معه، وأقام أياما، ثم أجازه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وانصرف إلى بلاده، فأقام مع قومه على الإسلام، وعليهم فروة بن مسيك، فلما توفّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ارتدّ، ثم رجع إلى الإسلام، وأبلى يوم القادسية وغيرها.
قال محمد بن إسحق: كان عمرو بن معدى كرب قد قال لقيس بن مكشوح المرادىّ حين انتهى إليهم أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا قيس، إنك سيد
(18/85)

قومك، وقد ذكر لنا أنّ رجلا من قريش يقال له محمد خرج بالحجاز، يقال إنه نبى، فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيا كما يقول فإنه لن يخفى عليك، إذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فأبى عليه قيس «1» ، فركب عمرو ابن معدى كرب حتى قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأسلم، فلما بلغ ذلك قيس بن مكشوح أوعد عمرا وتحطّم «2» عليه، وقال: خالفنى وترك رأيى، فقال عمرو فى ذلك:
أمرتك يوم ذى صنعا ... ء أمرا بيّنا رشده «3»
أمرتك باتّقاء الل ... هـ تأتيه وتتّعده «4»
فكنت كذى الحميّر غر ... ره ممّا به وتده «5»
تمنّانى على فرس ... عليه جالسا أسده «6»
علىّ مفاضة كالنّه ... ى أخلص ماءه حدده «7»
(18/86)

تردّ الرّمح مثنىّ السّ ... نان عوائرا قصده «1»
فلو لاقيتنى للقي ... ت ليثا فوقه لبده «2»
تلاقى ضيغما شئن ال ... برائن ناشزا كتده «3»
يسامى القرن إن قرن ... تيمّمه فيعتضده «4»
فيأخذه فيرفعه ... فيخفضه فيقتصده «5»
فيدمغه فيخطمه ... فيخضمه فيزدرده «6»
ظلوم الشّرك فيما أح ... رزت أنيابه ويده «7»
ذكر وفد كندة
قالوا: قدم الأشعث بن قيس على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى بضعة عشر راكبا من كندة «8» . قاله ابن سعد- وقال ابن إسحق: فى ثمانين راكبا- فدخلوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المسجد، وقد رجّلوا «9» جممهم وتكحّلوا، عليهم جبب
(18/87)

الحبرة «1» قد كففوها بالحرير، وعليهم الدّيباج ظاهر مخوّص «2» بالذّهب، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ألم تسلموا» ؟ قالوا: بلى، قال: «فما بال هذا عليكم «3» » قال: فشقّوه وألقوه، ثم قال له الأشعث بن قيس: يا رسول الله، نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار «4» . فتبسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال:
«ناسبوا بهذا النّسب العبّاس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث» . قال: وكانا تاجرين، و [كانا «5» ] إذا شاعا فى بعض العرب، فسئلا ممن هما، قالا: نحن بنو آكل المرار: يتعزّزان «6» بذلك. وآكل المرار هو الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية، وقد تقدم خبره فى وقائع العرب. قال: ثم قال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا، نحن بنو النّضر بن كنانة، لا نقفو «7» أمّنا ولا ننتفى من أبينا» فقال الأشعث بن قيس: يا معشر كندة، والله لا أسمع رجلا يقولها إلا ضربته ثمانين.
قال محمد بن سعد: فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم أجازهم بعشرة أواق، وأعطى الأشعث ثنتى عشرة أوقية.
(18/88)

ذكر وفد الصّدف
قال ابن سعد: وفد وفد الصّدف «1» على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهم بضعة عشر رجلا، على قلائص «2» لهم، فى أزر وأردية، فصادفوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيما بين بيته وبين المنبر، فجلسوا ولم يسلّموا فقال: «أمسلمون أنتم» ؟
قالوا: نعم. قال: «فهلّا سلّمتم» ، فقاموا فقالوا: السلام عليك أيّها النبىّ ورحمة الله، فقال: «وعليكم السلام، اجلسوا» فجلسوا، وسألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن أوقات الصلوات فأخبرهم بها.
ذكر وفد سعد هذيم
قال ابن سعد يرفعه إلى أبى النعمان عن أبيه قال: قدمت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وافدا فى نفر من قومى، فنزلنا ناحية من المدينة، ثم خرجنا نؤمّ المسجد، فنجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصلّى على جنازة فى المسجد، فانصرف فقال: «من أنتم» ؟ قلنا: من بنى سعد هذيم «3» ، فأسلمنا وبايعنا، ثم انصرفنا إلى رحالنا، فأمر بنا فأنزلنا وضيّفنا فأقمنا ثلاثا، ثم جئناه نودّعه، فقال: «أمّروا عليكم أحدكم» وأمر بلالا، فأجازنا بأواق من فضّة، ورجعنا إلى قومنا فرزقهم الله الإسلام.
(18/89)

ذكر وفد بلىّ
روى عن رويفع بن ثابت البلوىّ «1» قال: قدم وفد قومى فى شهر ربيع الأول سنة تسع، فأنزلتهم علىّ فى منزلى ببنى جديلة، ثم خرجت بهم حتى انتهيت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو جالس مع أصحابه فى بقية من الغداة «2» ، فتقدم شيخ الوفد أبو الضّبيب «3» ، فجلس بين يدى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فتكلم وأسلم، وأسلم القوم، وسألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الضّيافة، وعن أشياء من أمر دينهم فأجابهم، ثم رجعت بهم إلى منزلى، فإذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأتى [منزلى «4» ] يحمل تمرا يقول: «استعن بهذا التّمر» فكانوا يأكلون منه ومن غيره، فأقاموا ثلاثا، ثم جاءوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يودّعونه، فأمر لهم بجوائز كما كان يجيز الوفد، ثم رجعوا إلى بلادهم.
ذكر وفد بهراء
قال ابن سعد: قدم وفد بهراء «5» من اليمن، وهم ثلاثة عشر رجلا، فأقبلوا يقودون رواحلهم، حتى انتهوا إلى باب المقداد بن عمرو ببنى جديلة فخرج إليهم، فرحّب بهم وأنزلهم، وأتوا النبىّ صلّى الله عليه وسلّم فأسلموا وتعلّموا الفرائض وأقاموا أياما، ثم جاءوا يودّعونه فأمر لهم بجوائزهم، وانصرفوا إلى أهلهم.
(18/90)

ذكر وفد عذرة
قالوا: قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفد عذرة، فى صفر سنة تسع من مهاجره، وهم اثنا عشر رجلا، فيهم حمزة بن النعمان العذرىّ، وسليم وسعد ابنا مالك، ومالك بن أبى رياح، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، ثم جاءوا النبىّ صلّى الله عليه وسلّم فسلّموا بسلام الجاهلية، وقالوا: نحن إخوة قصىّ لأمه، ونحن الذين أخرجوا خزاعة وبنى بكر عن مكة، ولنا قرابات وأرحام، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مرحبا بكم وأهلا، ما أعرفنى بكم، ما منعكم من تحية الإسلام» ؟
قالوا: قدمنا مرتادين لقومنا «1» . وسألوا النبىّ صلّى الله عليه وسلّم عن أشياء من أمر دينهم فأجابهم فيها، فأسلموا وأقاموا أياما، ثم انصرفوا إلى أهليهم، وأمر لهم بجوائز كما كان يجيز الوفد، وكسا أحدهم بردا.
قال: ووفد زمل «2» بن عمرو العذرىّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأنشأ يقول حين وفد:
إليك رسول الله أعلمت نصّها ... أكلّفها حزنا وقوزا من الرّمل «3»
لأنصر خير النّاس نصرا مؤزّرا ... وأعقد حبلا من حبالك فى حبلى «4»
وأشهد أنّ الله لا شىء غيره ... أدين له ما أثقلت قدمى نعلى «5»
(18/91)

قال: وأخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بما سمع من صنمه، فقال: «ذلك مؤمن الجن «1» » وعقد له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لواء على قومه، فشهد به بعد ذلك صفّين «2» مع معاوية، ثم شهد به المرج «3» فقتل.
ذكر وفد سلامان
قال ابن سعد: وفد سبعة من سلامان «4» على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شوّال سنة عشر، فصادفوه وهو خارج من المسجد إلى جنازة؛ فقالوا: السلام عليك يا رسول الله، قال: «وعليكم [السلام «5» ] من أنتم» ؟ قالوا: نحن من سلامان، قدمنا لنبايعك على الإسلام، ونحن على من وراءنا من قومنا. فأمر ثوبان «6» فأنزلهم حيث ينزل الوفد «7» ، فلمّا صلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الظّهر جلس بين بيته وبين المنبر، فقدموا إليه فسألوه عن أشياء من أمر الصّلاة وشرائع الإسلام، وعن الرّقى «8» فأجابهم وأسلموا، وأجاز كلّ رجل منهم خمس أواق، ورجعوا إلى بلادهم.
(18/92)

ذكر وفد كلب
قال محمد بن سعد بسنده إلى عبد بن «1» عمرو بن جبلة بن وائل بن الجلاح الكلبىّ، «2» قال: شخصت أنا وعصام «3» - رجل من بنى رقاش من بنى عامر- حتى أتينا النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا.
وقال بسند آخر إلى ربيعة بن إبراهيم الدمشقى قال: وفد حارثة بن قطن بن زابر بن «4» حصن بن كعب بن عليم الكلبىّ، وحمل «5» بن سعدانة بن حارثة بن مغفّل ابن كعب بن عليم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأسلما، فعقد لحمل بن سعدانة لواء، فشهد به صفّين مع معاوية، وكتب لحارثة بن قطن كتابا فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لأهل دومة الجندل «6» وما يليها من طوائف كلب مع حارثة بن قطن، لنا الضّاحية «7»
(18/93)

من البعل، ولكم الضّامنة من النّخل؛ على الجارية العشر، وعلى الغائرة «1» نصف العشر، لا يجمع سارحكم «2» ، ولا تعدّ فاردتكم»
، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة بحقّها، [ولا يحظر «4» عليكم] النّبات، ولا يؤخذ منكم عشر البتات «5» ، لكم بذلك العهد والميثاق، ولنا عليكم النّصح والوفاء، وذمّة الله ورسوله، شهد الله ومن حضر من المسلمين» .
ذكر وفد جرم
قال ابن سعد: وفد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجلان من جرم «6» ، يقال لأحدهما: الأسقع «7» بن شريح بن صريم بن عمرو بن رياح «8» بن عوف بن عميرة بن الهون ابن أعجب بن قدامة بن جرم [بن ربّان «9» ] بن حلوان بن عمران بن الحاف «10» بن قضاعة.
(18/94)

والآخر: هوذة بن عمرو بن يزيد بن عمرو بن رياح، فأسلما وكتب لهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتابا.
وروى عن أبى يزيد- وقد قيل فيه بالباء الموحّدة أبو بريد- عمرو بن سلمة الجرمىّ أن أباه ونفرا من قومه، وفدوا إلى النبى صلّى الله عليه وسلّم حين أسلم الناس، وتعلّموا القرآن وقضوا حوائجهم، فقالوا: يا رسول الله من يصلّى بنا؛ أو لنا؟ فقال: «ليصلّ «1» بكم أكثركم جمعا- أو أخذا- للقرآن» . قال: فجاءوا إلى قومهم فلم يجدوا فيهم أحدا أكثر أخذا، أو جمع من القرآن ما جمعت، أو أخذت، قال: وأنا يومئذ غلام علىّ شملة «2» ، فقدّمونى فصلّيت بهم، فما شهدت مجمعا من جرم إلا وأنا إمامهم إلى يومى هذا.
وعن عمرو بن سلمة أيضا قال: كنا بحضرة ماء ممرّ الناس عليه، وكنا نسألهم، ما هذا الأمر؟ فيقولون: رجل يزعم أنه نبىّ، وأنّ الله أرسله، وأنّ الله أوحى إليه كذا وكذا، فجعلت يومئذ لا أسمع شيئا من ذلك إلّا حفظته، كأنما يغرى «3» في صدرى بغراء، حتى جمعت فيه قرآنا كثيرا، وكانت العرب تلوّم «4» بإسلامها الفتح، يقولون:
انظروا فإن ظهر عليهم فهو صادق، وهو نبىّ. فلما جاءتنا وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، فانطلق أبى بإسلام حوائنا ذلك، وأقام مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما شاء الله أن يقيم، ثم أقبل فلمّا دنا منّا تلقّيناه، فقال: جئتكم والله من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حقّا، ثم قال: إنه يأمركم بكذا وكذا،
(18/95)

وينهاكم عن كذا وكذا، وأن تصلوا صلاة كذا فى حين كذا، وصلاة كذا فى حين كذا، إذا حضرت الصلاة فليؤذّن أحدكم، وليؤمّكم أكثركم قرآنا. فنظر أهل حوائنا «1» فما وجدوا أحدا أكثر قرآنا منّى للّذى كنت أحفظه من الرّكبان، فقدّمونى بين أيديهم، فكنت أصلّى بهم وأنا ابن ستّ سنين «2» ، وكان علىّ بردة كنت إذا سجدت تقلّصت «3» عنّى، فقالت امرأة من الحىّ: ألا تغطون عنّا است قارئكم؟ فكسونى قميصا من معقّد «4» البحرين، فما فرحت بشىء أشدّ من فرحى بذلك القميص.
ومن رواية أخرى عنه: فعلّمونى الركوع والسجود، فكنت أصلّى بهم.
ذكر وفد الأزد وأهل جرش
قالوا: قدم صرد بن عبد الله الأزدىّ «5» في بضعة عشر رجلا من قومه، وفدا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنزلوا على فروة بن عمرو، وأتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأسلموا، وأقاموا عشرة أيام، وكان صرد أفضلهم، فأمّره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بهم من يليه، من أهل الشّرك من قبائل اليمن؛ فخرج حتى نزل جرش «6» وهى مدينة حصينة مغلقة، وبها
(18/96)

قبائل من قبائل اليمن. وقد ضوت «1» إليهم خثعم، فدخلوا معهم حين سمعوا بمسير المسلمين إليهم، فحاصرهم صرد ومن معه فيها شهرا، ثم رجع قافلا، حتى إذا كان إلى جبل لهم يقال له شكر، ظنّ أهل جرش أنه إنما ولّى عنهم منهزما، فخرجوا فى طلبه حتى إذا أدركوه صفّ صفوفه، وحمل عليهم هو والمسلمون، ووضعوا سيوفهم فيهم حيث شاءوا، وأخذوا من خيلهم عشرين فرسا، فقاتلوهم عليها نهارا طويلا.
وكان أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة يرتادان وينظران، فبينما هما عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عشية بعد العصر؛ إذ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «بأىّ بلاد الله شكر» ؟ فقام الجرشيّان فقالا: يا رسول الله، ببلادنا جبل يقال له كشر، وكذلك نسميّه أهل جرش، فقال: «إنه ليس بكشر ولكنه شكر» ، قالا: فما شأنه يا رسول الله؟ قال:
«إنّ بدن الله لتنحر عنده الآن» قال: فجلس الرجلان إلى أبى بكر، أو إلى عثمان. «2»
فقال لهما: ويحكما! إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الآن لينعى لكما قومكما، فقوما إلى رسول الله فسلاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومكما. فقاما إليه فسألاه ذلك.
فقال: «اللهم ارفع عنهم» فخرجا من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم راجعين إلى قومهما، فوجدا قومهما قد أصيبوا من صرد فى اليوم الذى قال فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما قال فى تلك الساعة، فقصّا على قومهما القصّة، فخرج وفدهم حتى قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأسلموا، فقال: «مرحبا بكم،
(18/97)

أحسن الناس «1» وجوها، وأصدقه لقاء، وأطيبه كلاما، وأعظمه أمانة، أنتم منى وأنا منكم» وجعل شعارهم مبرورا، وحمى لهم حمى حول قريتهم، على أعلام «2» معلومة للفرس والراحلة وللمثيرة- بقرة الحرث- فمن رعاه من الناس فماله سحت «3» .
ذكر وفد غسّان
قال محمد بن سعد بسنده إلى محمد بن بكير الغسّانىّ، عن قومه من «4» غسّان، قالوا: قدمنا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شهر رمضان سنة عشر، المدينة ونحن ثلاثة نفر، فنزلنا دار رملة بنت الحارث، ثم أتينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأسلمنا وصدّقنا، فأجازهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بجوائز وانصرفوا راجعين، فقدموا على قومهم فلم يستجيبوا لهم، فكتموا إسلامهم حتى مات منهم رجلان مسلمين «5» ، وأدرك الثالث عمر بن الخطاب عام اليرموك، فلقى أبا عبيدة فخبّره بإسلامه فأكرمه «6» .
ذكر وفد الحارث بن كعب وما كتب به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليهم
قال ابن سعد: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خالد بن الوليد فى أربعمائة من المسلمين، فى شهر ربيع الأوّل سنة عشر إلى بنى الحارث بن كعب بنجران «7» ،
(18/98)

وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام ثلاثا قبل أن يقاتلهم ففعل، فاستجاب له من هناك من بلحارث «1» بن كعب، ودخلوا فى الإسلام، ونزل خالد بن الوليد بين أظهرهم، فعلمهم الإسلام وشرائعه، وكتاب الله وسنة نبيه صلّى الله عليه وسلّم، وكتب بذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فكتب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى خالد: «أن بشّرهم وأنذرهم واقدم ومعك وفدهم» ، فقدم خالد ومعه وفدهم؛ فيهم قيس بن الحصين، ويزيد بن عبد المدان، وعبد الله بن عبد المدان، ويزيد بن المحجّل، وعبد الله بن قراد «2» ، وشدّاد بن عبد الله القنانىّ، وعمرو بن عبد الله، وأنزلهم خالد عليه، ثم جاء بهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «من هؤلاء الذين كأنهم رجال الهند» ؟ فقيل: بنو الحارث بن كعب، فسلّموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فأجازهم بعشر أواق، وأجاز قيس بن الحصين باثنتى عشرة أوقية ونشّ، وأمّره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على بنى الحارث، ثم انصرفوا إلى قومهم فى بقية شوّال. هذا ما حكاه ابن سعد فى طبقاته.
وقال ابن إسحق: لما وقفوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سلّموا عليه، وقالوا:
نشهد أنك لرسول الله، وأنه لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أنتم الذين إذا زجروا استقدموا «3» » ؟ فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد، فأعادها عليهم الثانية والثالثة، فلما أعادها الرابعة قال يزيد بن عبد المدان: نعم يا رسول الله، نحن الذين إذا زجروا استقدموا، قالها أربع مرار، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
(18/99)

«لو أنّ خالدا لم يكتب إلىّ أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رءوسكم تحت أقدامكم» فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا، قال: «فمن حمدتم» ؟
قالوا: حمدنا الله الذى هدانا بك يا رسول الله. قال: «صدقتم» ، ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «بم كنتم تغلبون من قاتلكم فى الجاهلية» ؟ قالوا: لم نكن نغلب أحدا. قال: «بلى قد كنتم تغلبون من قاتلكم» قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله أنا كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحدا بظلم، قال: «صدقتم» .
وأمّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على بنى الحارث قيس بن الحصين، وأجازهم بعشر أواق عشر أواق، وأجاز قيس بن الحصين باثنتى عشرة أوقية ونشّ، ثم انصرفوا إلى قومهم فى بقية شوّال، أو فى صدر ذى القعدة، فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر حتى توفى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
قال: وقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث إليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم ليفقّههم فى الدّين ويعلّمهم السّنة، ويعلّمهم «1» الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم. وكتب له كتابا وهو:
«بسم الله الرحمن الرحيم. هذا بيان من الله ورسوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ «2»
عهد من محمد النبى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لعمرو بن حزم حين
(18/100)

بعثه إلى اليمن أمره بتقوى الله فى أمره كله ف إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
، وأمره أن يأخذ الحق كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به، ويعلّم الناس القرآن ويفقّههم فيه، وينهى الناس، ولا يمس القرآن إنسان إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذى لهم والذى عليهم، ويلين للناس فى الحق، ويشتدّ عليهم فى الظّلم، فإنّ الله كره الظّلم، ونهى عنه، فقال: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
، ويبشّر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستألف «1» الناس حتى يفقّهوا فى الدّين، ويعلّم الناس معالم الحج وسنّته وفريضته، وما أمر الله به، والحج الأكبر: الحج الأكبر، والحج الأصغر هو العمرة، وينهى الناس أن يصلّى أحد فى ثوب واحد صغير، إلا أن يكون ثوبا يثنى طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يحتبى «2» أحد فى ثوب واحد يفضى بفرجه إلى السماء، وينهى أن يعقص «3» أحد شعر رأسه فى قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيج «4» عن الدعاء إلى القبائل والعشائر، وليكن دعواهم إلى الله وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطفوا «5» بالسّيف، حتى تكون دعواهم إلى الله وحده
(18/101)

لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم إلى الكعبين، ويمسحون برءوسهم كما أمرهم الله، وأمر بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والخشوع، يغلّس بالصّبح، «1» ويهجّر بالهاجرة «2» حين تميل الشّمس، وصلاة العصر والشمس فى الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخّر حتى تبدو النجوم فى السماء، والعشاء أوّل الليل، وأمر بالسّعى إلى الجمعة إذا نودى لها، والغسل عند الرّواح إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين فى الصّدقة من العقار «3» عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب «4» نصف العشر، وفى كل عشر من الإبل شاتان، وفى كل عشرين من البقر بقرة، وفى كل ثلاثين من البقر تبيع «5» : جذع أو جذعة، وفى كل أربعين من الغنم سائمة «6» وحدها شاة، فإنها فريضة الله التى افترض على المؤمنين فى الصّدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، وأنه من أسلم من يهودىّ أو نصرانىّ إسلاما خالصا من نفسه، ودان بدين الإسلام فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم وعليه مثل
(18/102)

ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته، فإنه لا يردّ عنها، وعلى كل حالم «1» ذكر أو أنثى حرّ أو عبد دينار واف، أو عوضه ثيابا، فمن أدّى ذلك فإن له ذمّة الله وذمّة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدوّ لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته» .
ذكر وفد عنس
قال محمد بن السّائب الكلبىّ: حدّثنا أبو زفر الكلبىّ عن رجل من عنس «2» ، قال: كان منّا رجل وفد على النبى صلّى الله عليه وسلّم فأتاه وهو يتعشّى، فدعا به إلى العشاء فجلس «3» ، فلما تعشّى أقبل عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال:
«اشهد «4» أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله» فقال العنسىّ: اشهد أن لا أله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فقال: «أراغبا جئت أم راهبا» فقال:
أمّا الرّغبة فو الله ما فى يديك مال، وأمّا الرّهبة فو الله إنى لببلد ما تبلغه جيوشك، ولكنّى خوّفت فخفت، وقيل لى: آمن بالله فآمنت. فأقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على القوم فقال: «ربّ خطيب من عنس» فمكث يختلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاء يودّعه، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«اخرج» وبتّته «5» ، أى أعطاه شيئا، وقال: «إن أحسست شيئا فوائل «6» إلى أدنى «7»
(18/103)

قرية» . فخرج فوعك «1» في بعض الطريق، فوأل إلى أدنى قرية فمات رحمه الله، واسمه ربيعة «2» .
ذكر وفد الداريّين وما كتب لهم به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وما اختصّ به تميم الدارىّ وإخوته
قال محمد بن سعد بسنده إلى عبيد الله بن عبد الله، وروح بن زنباع الجذامىّ عن أبيه قالا: قدم وفد الدّاريّين «3» على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منصرفه من تبوك وهم عشرة نفر؛ فيهم تميم ونعيم ابنا أوس بن خارجة بن سود «4» بن جذيمة «5» ابن ذراع بن عدىّ بن الدّار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم، ويزيد بن قيس ابن خارجة، والفاكه بن النّعمان بن جبلة بن صفّارة بن ربيعة بن ذراع بن عدىّ ابن الدّار، وجبلة بن مالك بن صفّارة، وأبو هند والطّيّب ابناذرّ- قال ابن [إسحق «6» ] : برّ- وهو عبد الله بن ذرّ بن عمّيت بن ربيعة بن ذراع، وهانئ بن حبيب، وعزيز ومرّة ابنا مالك بن سواد. «7» قال ابن إسحق: عرفة. وقال ابن هشام: عزّة. وقال ابن إسحق فى مرّة: مروان «8» .
قال ابن سعد: فأسلموا وسمّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الطيب عبد الله، وسمّى عزيزا عبد الرحمن.
(18/104)

قال: وأهدى هانئ بن حبيب لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم راوية خمر وأفراسا وقباء «1» مخوّصا بالذهب، فقبل الأفراس والقباء وأعطاه العباس بن عبد المطلب، فقال: ما أصنع به؟ قال: «تنزع الذهب فتحليه نساءك، أو تستنفقه، ثم تبيع الدّيباج فتأخذ ثمنه» ، فباعه العباس من رجل من يهود بثمانية آلاف درهم.
قال وقال تميم: لناجيرة من الرّوم، لهم قريتان يقال لأحداهما حبرى «2» والأخرى بيت عينون، فإن فتح الله عليك الشام فهبهما لى، قال: «فهما لك» فلما قام أبو بكر رضى الله عنه أعطاه ذلك، وكتب له به كتابا، وأقام وفد الدّاريّين حتى توفّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأوصى لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بجادّ «3» مائة وسق من خيبر، هكذا حكى ابن سعد فى طبقاته.
وشاهدت أنا عند ورثة الصاحب الوزير فخر الدين أبى حفص عمر، ابن القاضى المرحوم الرئيس مجد الدين عبد العزيز المعروف بابن الخليلى التميمىّ رحمه الله، كتابا يتوارثونه كابرا عن كابر، يقولون: هو كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذى كتبه لتميم الدارىّ وإخوته، وهو فى قطعة من أدم مربّعة دون الشّبر قد غلّفت بالأطلس «4» الأبيض، يزعمون أن ذلك من خفّ كان لأمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، وقد بقى بهذه القطعة الأدم آثار أحرف خافية، لا تكاد تبين إلا بعد إمعان التأمّل، وتحقيق النظر، وعلى هذه القطعة
(18/105)

الأدم من الجلالة ولها من الموقع فى النفوس والمهابة ما يقوّى أنها صادرة عن المحل المنيف «1» ، وقرين هذه القطعة الأدم قرطاس أبيض قديم، يزعمون أن أسلافهم نقلوا ما فيه من الكتابة من كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قبل أن تزول حروفه. وفيه تسعة أسطر بما فى ذلك من البسملة، وقد رأينا أن نضع ذلك فى هذا الكتاب على هيئته فى العدد، وإن لم يوافق الخط، وهو:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
هذا ما انطا «2» محمد رسول الله لتميم الدارىّ واخوته حبرون والمرطوم «3» وبيت عينون وبيت ابراهيم وما فيهن نطيه بتّ بذمتهم ونفذت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم فمن اذاهم اذاه الله فمن اذاهم لعنه الله شهد عتيق ابن ابو قحافة «4» وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفّان وكتب على بن ابو طالب وشهد.
(18/106)

هكذا شاهدت تلك الورقة التى هى قرين الكتاب، والكتاب بأيديهم إلى وقتنا هذا؛ وهو العشر الآخر من ذى القعدة سنة ستّ عشرة وسبعمائة. وهذه الضّياع الأربعة المذكورة بأيديهم إلى وقتنا هذا، لا ينازعون فيها. وكان الصاحب الوزير فخر الدين عمر بن الخليلى رحمه الله، إذا نابته نائبة، أو صودر أو أوذى بوجه من وجوه الأذى، توسّل إلى الله تعالى بكتاب نبيه صلّى الله عليه وسلّم، وأظهره للملوك، فكفوا عن طلبه، وأفرجوا عنه. ولنرجع إلى أخبار الوفود.
ذكر وفد الرّهاويّين
والرّهاويّون حىّ من مذحج «1» ، قال ابن سعد: وفد خمسة عشر رجلا من مذحج على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سنة عشر، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، فأتاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فتحدّث عندهم طويلا. وأهدوا الرسول صلّى الله عليه وسلّم هدايا؛ منها فرس يقال له المرواح، فأمر به فشوّر «2» بين يديه فأعجبه.
فأسلموا وتعلّموا القرآن والفرائض. وأجازهم كما يجيز الوفد؛ أرفعهم ثنتى عشرة أوقية ونسّا، وأخفضهم خمس أواق. ثم رجعوا إلى بلادهم.
ثم قدم منهم نفر فحجّوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأوصى لهم بجادّ مائة وسق من خيبر فى الكتيبة جارية عليهم، وكتب لهم بها كتابا، فباعوا ذلك فى زمن معاوية.
(18/107)

ذكر وفد غامد
قال: قدم وفد غامد «1» على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شهر رمضان وهم عشرة، فنزلوا ببقيع الغرقد «2» ، ثم لبسوا من صالح ثيابهم، ثم انطلقوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فسلّموا عليه وأقرّوا بالإسلام. وكتب لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتابا فيه شرائع الإسلام، وأتوا أبىّ بن كعب فعلّمهم قرآنا. وأجازهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كما كان يجيز الوفد وانصرفوا.
ذكر وفد النّخع
قالوا: بعث النّخع «3» رجلين منهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وافدين بإسلامهم، وهما أرطاة بن شراحيل بن كعب، من بنى حارثة بن سعد بن مالك بن النّخع، والجهيش واسمه الأرقم، من بنى بكر بن عوف من النّخع، فخرجا حتى قدما على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فعرض عليهما الإسلام فقبلاه وبايعا عن قومهما، فأعجب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شأنهما، وحسن هيئتهما؛ فقال: «هل خلّفتما وراء كما من قومكما مثلكما» ؟ قالا: يا رسول الله، قد خلّفنا وراءنا من قومنا سبعين رجلا كلهم أفضل منا، وكلهم يقطع الأمر وينفّذ الأشياء، ما يشار كوننا فى الأمر إذا كان، فدعا لهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولقومهما بخير، وقال: «اللهمّ بارك فى النّخع» . وعقد لأرطاة لواء على قومه، وكان فى يده يوم الفتح، فشهد
(18/108)

به القادسيّة فقتل يومئذ، فأخذه أخوه دريد فقتل- رحمهما الله- فأخذه سيف ابن الحارث من بنى جذيمة، فدخل به الكوفة.
قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمىّ، قال: كان آخر من قدم من الوفد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفد النّخع، وقدموا من اليمن للنّصف من المحرم، سنة إحدى عشرة، وهم مائتا رجل، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، ثم جاءوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مقرّين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل باليمن، وكان فيهم زرارة بن عمرو.
وحكى أبو عمر بن عبد البرفى ترجمة زرارة بن عمرو، والد عمرو بن زرارة، قال: قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى وفد النّخع، فقال: يا رسول الله، إنى رأيت فى طريقى رؤيا هالتنى. قال: «وما هى» ؟ قال: رأيت أتانا «1» خلّفتها فى أهلى ولدت جديا أسفع أحوى «2» ، ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بينى وبين ابن لى- يقال له عمرو- وهى تقول: لظى لظى، بصير وأعمى «3» . فقال النبى صلّى الله عليه وسلّم: «أخلّفت فى أهلك أمة مسرّة «4» ولدا» . قال: نعم. قال: «فإنها قد ولدت غلاما وهو ابنك «5» » قال: فما باله أسفع أحوى؟ قال: «ادن منّى، أبك
(18/109)

برص تكتمه» ؟ قال: والذى بعثك بالحق، ما علمه أحد قبلك. قال: «فهو ذاك، وأما النار فإنها فتنة تكون بعدى» . قال: وما الفتنة يا رسول الله؟ قال:
يقتل الناس إمامهم، يشتجرون اشتجار أطباق الرأس «1» - وخالف بين أصابعه- دم المؤمن عند المؤمن أحلى من الماء، يحسب المسىء أنه محسن، إن متّ أدركت ابنك، وإن مات ابنك أدركتك» . قال: فادع الله لى ألّا تدركنى. فدعا له.
قال: وكان قدوم زرارة بن عمرو هذا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى النّصف من شهر رجب سنة تسع.
وقال الطبرى: قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفد النّخع وهم مائتا رجل، وفيهم زرارة بن قيس بن الحارث بن عدىّ بن الحارث بن عوف بن جشم ابن كعب بن قيس بن منقذ بن مالك بن النّخع فأسلموا.
ذكر وفد بجيلة
قال ابن سعد: قدم جرير بن عبد الله البجلىّ «2» سنة عشر المدينة، ومعه من قومه مائة وخمسون رجلا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يطلع عليكم من هذا الفجّ من خير ذى يمن على وجهه مسحة «3» ملك» فطلع جرير على راحلته ومعه قومه فأسلموا وبايعوا. قال جرير: فبسط رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يده فبايعنى، وقال: «على أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، ثم [تقيم «4» ] الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتنصح للمسلم، وتطيع الوالى وإن كان عبدا حبشيا» فقال: نعم، فبايعه.
(18/110)

وقدم قيس بن [أبى «1» ] غرزة الأحمسىّ- وقيل غرزة بن قيس البجلىّ- فى مائتين وخمسين رجلا من أحمس، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«من أنتم» ؟ فقالوا: نحن أحمس «2» الله. وكان يقال لهم ذاك فى الجاهلية. فقال لهم: «وأنتم اليوم لله» . وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لبلال: «أعط ركب بجيلة وابدأ بالأحمسيّين» ففعل. وسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جرير ابن عبد الله «ما فعل ذو الخلصة «3» » ؟ قال: هو على حاله، قد بقى والله، نريح منه إن شاء الله، فبعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى هدمه، وعقد له لواء فقال:
إنى لا أثبت على الخيل فمسح صدره، وقال: «اللهم اجعله هاديا مهديا» فخرج فى قومه وهم زهاء مائتين، فما أطال الغيبة حتى رجع؛ فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هدمته» ؟ قال: نعم، والذى بعثك بالحقّ، وأخذت ما عليه وأحرقته بالنار، فتركته كما يسوء من يهوى هواه، وما صدّنا عنه أحد. قال فبرّك «4» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يومئذ على خيل أحمس ورجالها.
ذكر وفد خثعم
قالوا: وفد عثعث بن زحر، وأنس بن مدرك، فى رجال من خثعم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد ما هدم جرير بن عبد الله ذا الخلصة، وقتل من قتل من خثعم، فقالوا: آمنا بالله ورسوله، وما جاء من عند الله، فاكتب لنا كتابا نتبع ما فيه؛ فكتب لهم كتابا شهد فيه جرير بن عبد الله ومن حضر.
(18/111)

ذكر وفد حضرموت
قالوا: قدم وفد حضر موت مع وفد كندة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهم بنو وليعة ملوك حضر موت؛ جمد «1» ، ومخوس، ومشرح «2» ، وأبضعة، فأسلموا، وقال مخوس: يا رسول الله، ادع الله أن يذهب عنى هذه الرّتّة «3» من لسانى. فدعا له، وأطعمه طعمة من صدقة حضر موت.
وقدم وائل بن حجر الحضرمىّ وافدا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال:
جئت راغبا فى الإسلام والهجرة، فدعا له ومسح رأسه ونودى: «الصلاة جامعة» سرورا بقدوم وائل بن حجر. وأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معاوية بن أبى سفيان أن ينزله بالحرّة، فمشى معه، ووائل راكب، فقال له معاوية: ألق إلىّ نعليك أتوقّى بهما الرّمضاء «4» . قال: لا، إنى لم أكن لألبسهما وقد لبستهما. ومن رواية: لا يبلغ أهل اليمن أن سوقة «5» لبس نعل ملك. قال: فأردفنى، قال: لست من أرداف الملوك، قال: إنّ الرمضاء قد أحرقت قدمى، قال: امش فى ظلّ ناقتى، كفاك به شرفا.
ويقال: إن وائل بن حجر هذا وفد بعد ذلك إلى معاوية فى خلافته فأكرمه معاوية.
(18/112)

قال: ولما أراد وائل بن حجر الشّخوص إلى بلاده، كتب له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتابا وهو:
«بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد النبى لوائل بن حجر قيل حضر موت، إنك أسلمت وجعلت لك ما فى يدك من الأرضين والحصون، وأن يؤخذ منك من كل عشرة واحد. ينظر فى ذلك ذوو «1» عدل وجعلت لك ألا تظلم فيها ما قام الذين. والنبى- صلى الله عليه وسلّم- والمؤمنون عليه أنصار» .
قال القاضى عياض بن موسى بن عياض- رحمه الله- وفيه:
«إلى الأقيال «2» العباهلة «3» ، والأرواع «4» المشابيب «5» » . وفيه:
«فى التّيعة «6» شاة لا مقوّرة الألياط «7» ولا ضناك «8» ، وأنطوا الثّبجة «9» ، وفى السّيوب «10» الخمس ومن زنى من امبكر «11» فاصقعوه مائة واستوفضوه «12» عاما، ومن زنى من امثيّب
(18/113)

فضرّجوه بالأضاميم «1» ، ولا توصيم فى الدّين «2» ، ولا غمّة «3» فى فرائض الله؛ وكل مسكر حرام، ووائل بن حجر يترفّل «4» على الأقيال» .
قال محمد بن سعد بسنده إلى أبى عبيدة من ولد عمّار بن ياسر قال: وفد مخوس ابن معدى كرب بن وليعة فيمن معه على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم خرجوا من عنده فأصاب مخوس اللّقوة «5» فرجع منهم نفر، فقالوا: يا رسول الله، سيّد العرب ضربته اللّقوة، فادللنا على دوائه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «خذوا مخيطا «6» فأحموه فى النار، ثم اقلبوا شفر عينيه، ففيها شفاؤه، وإليها مصيره، فالله أعلم ما قلتم حين خرجتم من عندى» . فصنعوه به فبرئ.
ذكر وفد أزد عمان
قالوا: أسلم أهل عمان «7» ، فبعث إليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم العلاء بن الحضرمىّ ليعلّمهم شرائع الإسلام، ويصدّق أموالهم «8» ، فخرج وفدهم إلى رسول الله
(18/114)

صلى الله عليه وسلّم، فيهم أسد بن بيرح «1» الطاحىّ، فلقوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسألوه أن يبعث معهم رجلا يقيم أمرهم، فقال مخرمة «2» العبدىّ واسمه مدرك بن خوط: ابعثنى إليهم فإن لهم علىّ منّة؛ أسرونى فى يوم جنوب «3» فمنّوا علىّ. فوجّهه معهم إلى عمان، وقدم بعدهم سلمة بن عبّاد «4» الأزدىّ فى ناس من قومه، فسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عما يعبد وما يدعو إليه، فأخبره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: ادع الله أن يجمع كلمتنا وألفتنا. فدعا لهم، وأسلم سلمة ومن معه.
ذكر وفد غافق «5»
قالوا: وقدم جليحة بن شجّار بن صحار الغافقىّ، على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى رجال من قومه، فقالوا: يا رسول الله، نحن الكواهل «6» من قومنا، وقد أسلمنا وصدقاتنا محبوسة بأفنيتنا. فقال: «لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم» فقال عوذ بن سرير الغافقىّ: آمنا بالله واتبعنا رسول الله.
ذكر وفد بارق
قالوا: قدم وفد بارق «7» ، فدعاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الإسلام فأسلموا وبايعوا، وكتب لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
(18/115)

«هذا كتاب من محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لبارق ألا تجذّ ثمارهم، ولا ترعى بلادهم فى مربع «1» ولا مصيف إلا بمسألة من بارق. ومن مرّبهم من المسلمين فى عرك «2» أو جدب فله ضيافة ثلاثة أيام. وإذا أينعت «3» ثمارهم فلابن السّبيل اللّقاط «4» بوسع بطنه من غير أن يقيه «5» » . ثم شهد أبو عبيدة بن الجرّاح، وحذيفة بن اليمان، وكتب أبىّ بن كعب.
ذكر وفد ثمالة «6» والحدّان
قالوا: قدم عبد الله بن غلس «7» الثّمالىّ ومسلمة بن هاران «8» الحدّانى على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى رهط من قومهما بعد فتح مكة، فأسلموا وبايعوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على قومهم، وكتب لهم كتابا بما فرض عليهم من الصدقة فى أموالهم، كتبه ثابت بن قيس بن شمّاس، وشهد فيه سعد بن عبادة ومحمد ابن مسلمة.
(18/116)

ذكر وفد مهرة
قالوا: قدم وفد مهرة «1» على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، عليهم مهرىّ «2» بن الأبيض، فعرض عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الإسلام فأسلموا، وكتب لهم:
«بسم الله الرحمن الرحيم. هذا الكتاب من محمد رسول الله لمهرىّ بن الأبيض على من آمن به من مهرة ألّا يؤكلوا»
ولا يعركوا «4» . وعليهم إقامة شعائر الإسلام، فمن بدّل فقد حارب، ومن آمن به فله ذمّة الله وذمّة رسوله. اللّقطة «5» مؤدّاة، والسّارحة «6» مندّاة، والتّفث «7» السّيّئة، والرّفث «8» الفسوق» .
وكتب محمد بن مسلمة الأنصارى.
(18/117)

قالوا: ووفد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجل من مهرة، يقال له زهير «1» ابن قرضم بن الجعيل من الشّحر «2» ، فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يدنيه لبعد مسافته، فلما أراد الانصراف بتّته «3» ، وحمله، وكتب له كتابا.
ذكر وفد حمير
قالوا: قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مالك بن مرارة «4» الرّهاوى، رسول ملوك حمير بكتابهم وإسلامهم، وذلك فى شهر رمضان سنة تسع عند مقدمه من تبوك، وهم: الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنّعمان قيل ذى رعين، ومعافر، وهمدان.
قال ابن إسحق: وبعث إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرّة الرّهاوىّ فكتب إليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى الحارث بن عبد كلال وإلى نعيم بن عبد كلال، وإلى النعمان قيل ذى رعين ومعافر وهمدان- أما بعد ذلكم- فإنى أحمد الله إليكم الذى لا إله إلا هو- أما بعد- فإنه قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من أرض الروم، فلقينا بالمدينة، فبلّغ ما أرسلتم به، وخبّر ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين، وأنّ الله قد هداكم بهداه إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله، وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من المغانم خمس الله، وسهم
(18/118)

النبىّ وصفيّه «1» ، وما كتب على المؤمنين من الصّدقة، من العقار «2» عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب «3» نصف العشر، وإن فى الإبل الأربعين ابنة لبون، وفى ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، وفى كل خمس من الإبل شاة، وفى كل عشر من الإبل شاتان، وفى كل أربعين من البقر بقرة، وفى كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة، وفى كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، وأنّها فريضة الله التى فرض على المؤمنين فى الصّدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، ومن أدّى ذلك، وأشهد على إسلامه، وظاهر «4» المؤمنين على المشركين، فهو من المؤمنين، له ما لهم، وعليه ما عليهم وله ذمّة الله وذمّة رسوله، وإنّه من أسلم من يهودىّ أو نصرانىّ فإنّه من المؤمنين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يردّ عنها، وعليه الجزية على كل حالم ذكر أو أنثى، حرّ أو عبد دينار واف، من قيمة المعافر «5» أو عوضه ثيابا، فمن أدّى ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإن له ذمّة الله وذمّة رسوله، ومن منعه فإنه عدوّ لله ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم.
أما بعد- فإن رسول الله محمدا النبىّ أرسل إلى زرعة ذى يزن أن إذا أتاكم رسلى فأوصيكم بهم خيرا: معاذ بن جبل، وعبد الله بن زيد، ومالك بن عبادة، وعقبة ابن نمر، ومالك بن مرّة، وأصحابهم، وأن اجمعوا له ما عندكم من الصّدقة، والجزية من مخالفيكم، وأبلغوها رسلى، وأنّ أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبنّ إلا راضيا.
أما بعد- فإن محمدا يشهد أن لا إله إلا الله وأنّه عبده ورسوله، ثم إن مالك ابن مرّة الرّهاوىّ قد حدّثنى أنك أسلمت من أوّل حمير وقتلت المشركين، فأبشر
(18/119)

بخير، وآمرك بحمير خيرا، ولا تخونوا ولا تخاذلوا، فإنّ رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- هو مولى غنيّكم وفقيركم، وأنّ الصّدقة لا تحلّ لمحمد ولا لأهل بيته، إنما هى زكاة يزكّى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وأن مالكا قد بلّغ الخبر، وحفظ الغيب وآمركم به خيرا، وأنّى أرسلت إليكم من صالحى أهلى وأولى دينهم وأولى علمهم، وآمركم بهم خيرا، فإنهم «1» منظور إليهم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» .
ذكر وفد جيشان
قال محمد بن سعد: قدم أبو وهب الجيشانىّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى نفر من قومه، فسألوه عن أشربة تكون باليمن، فسمّوا له البتع «2» من العسل، والمزر «3» من الشّعير، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هل تسكرون منهما» قالوا: إن أكثرنا سكرنا، قال: «فحرام قليل ما أسكر كثيره» ، وسألوه عن الرجل يتخذ الشراب فيسقيه عمّا له، فقال: «كلّ مسكر حرام» .
ذكر وفد سلول
قال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النّمرىّ رحمه الله: قدم قردة بن نفاثة السّلولىّ، من بنى عمرو بن مرّة بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى جماعة من بنى سلول، فأمّره عليهم بعد ما أسلم
(18/120)

وأسلموا؛ فأنشأ يقول:
بان الشّباب فلم أحفل به بالا ... وأقبل الشّيب والإسلام إقبالا
وقد أروّى نديمى من مشعشعة «1» ... وقد أقلّب أوراكا وأكفالا
الحمد لله إذ لم يأتنى أجلى ... حتى اكتسيت من الإسلام سربالا
قال وقد قيل: إن البيت الثالث للبيد، قال أبو عبيدة: لم يقل لبيد فى الإسلام غيره، وكان قد عمّر مائة وخمسين سنة.
قال أبو عمر: وقردة هذا هو الذى يقول:
أصبحت شيخا أرى الشّخصين أربعة ... والشّخص شخصين لمّا مسّنى الكبر
لا أسمع الصّوت حتّى أستدير له ... وحال بالسّمع دونى المنظر القصر «2»
وكنت أمشى على السّاقين معتدلا ... فصرت أمشى على ما تنبت الشّجر
إذا أقوم عجنت الأرض متّكئا ... على البراجم حتّى يذهب النّفر «3»
ذكر وفد نجران وسؤالهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وما أنزل الله عزّ وجلّ فيهم من القرآن
قال محمد بن إسحق: قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفد نصارى نجران ستّون راكبا، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وهم: العاقب عبد المسيح، والسّيد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة، وأوس، والحارث، وزيد، وقيس،
(18/121)

ويزيد، ونبيه وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، ويحنّس. ومن هؤلاء الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم، وهم العاقب أمير القوم وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم، والذى لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح.
قال محمد بن سعد: هو رجل من كندة والسّيد ثمالهم «1» ، وصاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أحد بكر بن وائل أسقفهم «2» وحبرهم وإمامهم، وصاحب مدراسهم «3» .
قال ابن سعد: وكان من الأربعة عشر كوز وهو أخو الحارث بن علقمة، وأوس أخو السّيد.
قال: فتقدمهم كوز وهو يقول:
إليك تعدو قلقا وضينها ... معترضا فى بطنها جنينها «4»
مخالفا دين النّصارى دينها
وقدم على النبى صلّى الله عليه وسلّم، ثم قدم الوفد بعده، فدخلوا [عليه «5» ] المسجد، عليهم ثياب الحبرة «6» وأردية مكفوفة بالحرير، فقاموا يصلّون فى المسجد نحو الشّرق، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «دعوهم» ، ثم أتوا النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فأعرض عنهم ولم يكلّمهم، فقال لهم عثمان: ذلك من أجل زيّكم هذا، فانصرفوا يومهم ذلك، ثم غدوا عليه، بزىّ الرّهبان فسلّموا عليه فردّ عليهم.
(18/122)

قال محمد بن إسحق: وكان أبو حارثة قد شرف فيهم، ودرس كتبهم، حتى حسن علمه فى دينهم، فكانت ملوك الرّوم من أهل النّصرانية قد شرّفوه وموّلوه وأخدموه، وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات؛ لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده فى دينهم، فلما وجّهوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من نجران، جلس أبو حارثة على بغلة له، وإلى جنبه أخوه كوز،- ويقال فيه كرز «1» - فعثرت بغلة أبى حارثة، فقال كوز: تعس الأبعد، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست. فقال: ولم يا أخى؟ قال: والله إنّه للنبىّ الذى كنا ننتظره. فقال له كوز: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟ قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم؛ شرّفونا وموّلونا وأكرمونا، وقد أبوا إلّا خلافه، فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى. فأضمر عليها منه كوز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك، فكان يحدّث عنه هذا الحديث.
قال أبو محمد عبد الملك بن هشام: وبلغنى أنّ رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتبا عندهم، فكلما مات رئيس منهم وأفضت الرياسة إلى غيره، ختم على تلك الكتب خاتما مع الخواتم التى قبله ولم يكسرها، فخرج الرئيس الذى كان على عهد النبى صلّى الله عليه وسلّم يمشى فعثر، فقال ابنه: تعس الأبعد- يريد النبىّ صلّى الله عليه وسلّم- فقال له أبوه: لا تفعل فإنه نبىّ واسمه فى الوضائع- يعنى الكتب- فلما مات لم يكن لابنه همّة إلا أن كسر الخواتم، فوجد فى الكتب ذكر النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فأسلم وحسن إسلامه فحجّ، وهو الذى يقول:
إليك تعدو قلقا وضينها
(18/123)

قال ابن إسحق: ولما قدموا صلّوا فى المسجد نحو الشّرق، وكلّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منهم الثلاثة نفر: العاقب، والسيّد، وأبو حارثة، وهم من النصرانية على دين الملك، مع اختلاف من أمرهم، يقولون فى المسيح: هو الله، ويقولون:
هو ابن الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة، فهم يحتجّون فى قولهم: هو الله بأنه كان يحيى الموتى، ويبرئ من الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طائرا، ويحتجون فى قولهم إنه ابن الله بأنهم يقولون:
لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم فى المهد، [وهذا «1» ] شىء لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله.
ويحتجون فى قولهم إنه ثالث ثلاثة، بقول الله فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا، فيقولون: لو كان واحدا ما قال إلا فعلت وقضيت وأمرت وخلقت، ولكنه هو، وعيسى، ومريم.
قال: فلما كلّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الحبران قال لهما: «أسلما» ، قالا:
قد أسلمنا قبلك. قال: «كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعا كما لله ولدا، وعبادتكما الصّليب، وأكلكما الخنزير» قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم يجبهما، فأنزل الله تعالى عليه فى اختلاف أمرهم كلّه صدر سورة آل عمران، إلى بضع وثمانين آية منها.
فقال تعالى: (الم. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)
قال «2» : افتتح السورة بتنزيه نفسه عما قالوا وتوحيده، ليس معه شريك فى أمره: «الحىّ» أى الذى لا يموت، وقد مات عيسى وصلب فى قولكم. «القيّوم» القائم على مكانه من سلطانه
(18/124)

فى خلقه لا يزول، وقد زال عيسى. ثم قال تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِ
أى بالصدق فيما اختلفوا فيه وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ. مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ
أى الفصل بين الحقّ والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره، ثم قال:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ
أى إنّ الله منتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها ومعرفته. إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
أى قد علم ما يريدون وما يكيدون وما يضاهون بقولهم فى عيسى؛ إذ جعلوه إلها وعندهم من علمه غير ذلك. هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ
أى قد كان عيسى ممن صوّر فى الأرحام لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه، كما صوّر غيره من ولد آدم، فكيف يكون إلها وقد كان بذلك المنزل.
ثم قال تعالى تنزيها لنفسه وتوحيدا لها: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
أى «العزيز» فى انتصاره ممّن كفر به إذا شاء «الحكيم» فى حجته وعذره إلى عباده.
ثم قال: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ
أى فيهنّ حجة الربّ وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهنّ تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه. وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
أى لهنّ تصريف وتأويل، ابتلى الله فيهنّ العباد، كما ابتلاهم فى الحلال والحرام، ألا يصرفن إلى الباطل ولا يحرّفن عن الحق.
قال الله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
أى ميل عن الهدى. فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ
أى ما تصرّف منه؛ ليصدّقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا لتكون لهم حجّة وشبهة على ما قالوا «1» . ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ
أى اللّبس وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
أى تأويل ذلك على
(18/125)

ماركبوا من الضلالة فى قولهم: خلقنا وقضينا. يقول تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
فكيف يختلف وهو قول واحد، من ربّ واحد. يقول: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
أى فى مثل هذا.
ثم قال تعالى: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
«1» . ثم قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ
يشهدون بذلك. قائِماً بِالْقِسْطِ
أى بالعدل لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
أى ما أنت عليه يا محمد من التوحيد للربّ والتصديق للرسل. قال تعالى: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
أى العلم الذى جاءك أنّ الله الواحد الذى ليس له شريك. ثم قال:
وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
يقول تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ
أى فيما يأتون به من الباطل من قولهم: خلقنا وفعلنا وأمرنا، فإنما هى شبهة باطل قد عرفوا ما فيها من الحقّ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ
أى الذين لا كتاب لهم أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ.
ثم جمع تعالى أهل الكتابين من اليهود والنصارى فيما أحدثوا وابتدعوا، فقال:
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
إلى قوله: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ
أى ربّ العباد والملك الذى لا يقضى فيهم غيره. تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
أى
(18/126)

لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ
أى بتلك القدرة. وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
أى لا يقدر على ذلك غيرك ولا يصنعه إلّا أنت، أى إن كنت سلّطت عيسى على الأشياء التى بها يزعمون أنه إله، من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، والخلق من الطّين، والإخبار عن الغيوب؛ لأجعله به آية للناس، وتصديقا له فى نبوّته التى بعثته بها إلى قومه، فإن من سلطانى وقدرتى ما لم أعطه؛ «1» من إيلاج الليل فى النهار والنهار فى الليل، وإخراج الحىّ من الميّت، وإخراج الميت من الحىّ؛ ورزق من شئت من برّ أو فاجر بغير حساب، فكلّ ذلك لم أسلّط عيسى عليه، ولم أملّكه إياه، أفلم يكن لهم فى ذلك عبرة وبينة! أن لو كان إلها كان ذلك كلّه إليه، وهو فى قولهم يهرب من الملوك ويتنقل منهم فى البلاد، من بلد إلى بلد.
ثم وعظ المؤمنين وحذّرهم فقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
أى ما مضى من كفركم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ
يقول: أطيعوا الله والرسول فأنتم تعرفونه وتجدونه فى كتابكم، فَإِنْ تَوَلَّوْا
أى على كفرهم.
ثم استقبل أمر عيسى عليه السلام، وكيف كان بدء ما أراد الله تعالى به فقال: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
. ثم ذكر أمر امرأة عمران فقال: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً
أى جعلته عتيقا يعبد الله عزّ وجل، لا ينتفع به لشىء من الدنيا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِ
(18/127)

إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى
[أى ليس الذكر كالأنثى لما جعلتها محرّرا لك نذيرة «1» ] وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ
. يقول الله تعالى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا
أى كفلها بعد أبيها وأمها؛ يذكرها باليتم، ثم قصّ خبرها وخبر زكريا، وما دعا به وما أعطاه؛ إذ وهب له يحيى، ثم ذكر مريم، وقول الملائكة لها، فقال تعالى: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ
قال الثعلبىّ: القائل من الملائكة جبريل وحده، «اصطفاك» بولادة عيسى عليه السلام من غير أب، «وطهّرك» من مسيس الرجال. وقيل:
كانت مريم عليها السلام لا تحيض و «اصطفاك» بالتحرير فى المسجد «على نساء العالمين» قال: على عالمى زمانها، ولم تحرّر أنثى غيرها. يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
قال الثعلبى: قوله «اقنتى» أطيعى وأطيلى الصلاة لربك، قال: كلّمتها الملائكة شفاها. قال الأوزاعىّ: لما قالت لها الملائكة ذلك، قامت فى الصلاة حتى ورمت قدماها وسالتا دما وقيحا.
ثم قال تعالى لنبيه صلّى الله عليه وسلّم: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ
قال ابن إسحق: كفلها ها هنا جريج الراهب رجل من بنى إسرائيل نجّار، خرج السّهم عليه فحملها، وكان زكريّا قد كفلها قبل ذلك، فأصابت بنى إسرائيل أزمة شديدة، فعجز زكريا عن حملها، فاستهموا عليها، فخرج السّهم على جريح الراهب فكفلها. يقول تعالى: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
أى ما كنت معهم إذ يختصمون فى كفالتها، فخبّره تعالى
(18/128)

بخفىّ ما كتموا منه من العلم عندهم؛ لتحقيق نبوّته، والحجة عليهم بما يأتيهم به مما أخفوا منه.
ثم قال تعالى: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
أى هكذا كان أمره، لا كما يقولون فيه. وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
«وجيها» أى شريفا ذا جاه وقدر «ومن المقرّبين» عند الله وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ
يخبرهم بحالاته التى يتقلب فيها فى عمره؛ كنقلب بنى آدم فى أعمارهم صغارا وكبارا، إلّا أنّ الله تعالى خصّه بالكلام فى مهده آية لنبوّته وتنزيها لأمّه. وقوله: «وكهلا» قال مقاتل: إذا اجتمع «1» قبل أن يرفع إلى السماء. وقال الحسين بن الفضل: «كهلا» بعد نزوله من السماء. وقال ابن كيسان:
أخبرها أنه يبقى حتى يكتهل. وقيل: يكلّم الناس فى المهد صبيّا وكهلا؛ بشّرها بنبوته، فلأمه فى المهد معجزة وفى الكهولة دعوة. وقال مجاهد: «وكهلا» أى حليما «2» .
قال تعالى إخبارا عن مريم: قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
ثم أخبرها بما يريد به فقال تعالى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
قوله «الكتاب» أى الكتابة والخطّ. «والحكمة والتّوراة» التى كانت فيهم من عهد موسى قبله «والإنجيل» كتابا آخر أنزله الله إليه، لم يكن عندهم إلّا ذكره أنه كائن. يقول تعالى: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
أى يحقّق بها نبوّتى أنّى رسول منه إليكم. أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ
(18/129)

قال الثعلبىّ: قراءة العامة بالجمع؛ لأنه خلق طيرا كثيرة، وقرّاء أهل المدينة «طائرا» ذهبوا إلى أنه نوع واحد من الطّير؛ لأنه لم يخلق غير الخفّاش، قال: وإنما خصّ الخفّاش لأنه أكمل الطير خلقا؛ ليكون أبلغ فى القدرة؛ لأن لها ثديا وأسنانا وهى تحيض وتطير، قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا؛ ليتميز فعل الخلق من فعل الله عزّ وجل؛ وليعلم أن الكمال لله. وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ
«الأكمه» الذى يولد أعمى وجمعه كمه. وقيل:
هو الأعمى وهو المعروف من كلام العرب؛ قال سويد بن أبى كاهل:
كمهت عيناه حتّى ابيضّتا ... فهو يلحى نفسه حتى نزع «1»
والأبرص الذى فيه وضح، قال: وإنما خصّ هذين؛ لأنهما عياءان وكان الغالب على زمن عيسى عليه السلام الطّب؛ فأراهم الله تعالى المعجزة من جنس ذلك.
قال وهب: ربما اجتمع على عيسى عليه السلام من المرضى فى اليوم الواحد خمسون ألفا، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام، وإنما كان يداويهم بالدعاء، على شرط الإيمان. وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ
قال الثعلبىّ: أحيا أربعة أنفس العازر وكان صديقا له، فأرسلت أخته إلى عيسى:
إنّ أخاك العازر يموت فأته، وكان بينه وبينه مسيرة ثلاثة أيام، فأتاه هو وأصحابه، فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام، فقال لأخته: انطلقى بنا إلى قبره.
فانطلقت معهم إلى قبره وهو فى صخرة مطبقة، فقال عيسى عليه السلام: «اللهمّ ربّ السموات السّبع، إنك أرسلتنى إلى بنى إسرائيل أدعوهم إلى دينك، وأخبرهم أنى أحيى الموتى بإذنك، فأحى العازر» ، قال: فقام عازر وودكه يقطر، فخرج من قبره وبقى وولد له. وأحيا ابن العجوز، مرّ به ميتا على عيسى عليه السلام،
(18/130)

وهو يحمل على سرير، فدعا الله تعالى عيسى، فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه، وحمل السّرير على عنقه، ورجع إلى أهله، فبقى وولد له، وابنة العاشر «1» قيل له: أتحييها وقد ماتت بالأمس؟ فدعا الله عزّ وجلّ فعاشت وبقيت وولدت، وسام بن نوح عليهما السلام، ودعا عيسى باسم الله الأعظم، فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه، فقال: قد قامت القيامة؟ قال: لا، ولكنّى دعوتك باسم الله الأعظم، ثم قال له: مت، قال: بشرط أن يعيذنى الله من سكرات الموت، فدعا الله سبحانه ففعل.
قال الكلبىّ: كان يحيى الأموات ب «يا حىّ يا قيّوم» .
قال [تعالى «2» ] : وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
أى آية لكم أنى رسول من الله إليكم.
يقول [تعالى] : وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ
أى لما سبقنى منها.
وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
أى أخبركم أنه كان عليكم حراما فتركتموه، ثم أحلّه لكم تخفيفا عنكم، فتصيبون يسره وتخرجون من تباعته «3» .
يقول [تعالى] : وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
أى هذا الهدى قد حملتكم عليه وجئتكم به. يقول تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ
(18/131)

فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
أى هكذا كان قولهم وإيمانهم، لا كما يقول هؤلاء الذين يحاجّونك، ثم ذكر تعالى رفعه عيسى إليه حين اجتمعوا لقتله، فقال: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
قال أهل المعانى: المكر السّعى بالفساد فى ستر ومداجاة. وقال الفرّاء: المكر من المخلوقين الخبّ والخديعة والحيلة، وهو من الله استدراجه العباد. ثم أخبرهم تعالى، وردّ عليهم فيما أقرّوا به لليهود من صلبه، وأنّ الله عصمه منهم، ورفعه إليه، فقال تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ. وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ
قال الثعلبىّ: اختلفوا فى معنى التوفى ها هنا؛ فقال كعب والحسن والكلبىّ ومطر الورّاق ومحمد بن جعفر بن الزبير وابن جريح وابن زيد: معناه إنى قابضك ورافعك من الدنيا إلىّ من غير موت. قال: وعلى هذا القول تأويلان: أحدهما- إنى رافعك إلىّ وافيا لم ينالوا منك شيئا؛ من قولهم توفّيت هذا، واستوفيته أى أخذته تامّا.
والآخر- إنى مسلّمك؛ من قولهم توفّيت منه كذا أى تسلّمته. وقال الربيع ابن أنس: معناه إنى منيمك ورافعك إلىّ فى نومك؛ ويدل عليه قوله تعالى:
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ
أى ينيمكم؛ لأنّ النوم أخو الموت. وقوله تعالى:
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ
الآية. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: إنى مميتك.
ويدل عليه قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ
وقوله: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ*
قال: وله على هذا القول تأويلان: أحدهما- ما قال وهب: توفّى الله تعالى
(18/132)

عيسى عليه السلام ثلاث ساعات من النهار ثم رفعه إليه. وقال ابن إسحق:
النصارى يزعمون أنّ الله تعالى توفاه سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه.
والآخر- ما قال الضحاك وجماعة من أهل المعانى: إنّ فى الكلام تقديما وتأخيرا، معناه إنّى رافعك إلىّ ومطهّرك من الذين كفروا، ومتوفّيك بعد أن أنزلك من السماء. وقال أبو بكر بن محمد بن موسى الواسطىّ: معناه «إنّى متوفّيك» عن شهواتك وحظوظ نفسك. قال: وذلك أنه لمّا رفع إلى السماء صار حاله حال الملائكة. وقوله: «ورافعك إلىّ» قال البنانىّ والشّيبانىّ: كان عيسى عليه السلام على طور زيتا فهبّت ريح، فهرول عيسى، فرفعه الله عزّ وجلّ فى هرولته، وعليه مدرعة من شعر. وقيل: معناه ورافعك بالدرجة فى الجنة، ومقرّبك إلىّ بالإكرام.
وقوله: وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
أى مخرجك من بينهم ومنجيك منهم.
وقوله: وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
قال قتادة والربيع والشّعبىّ ومقاتل والكلبىّ: هم أهل الإسلام الذين اتبعوا دينه وسنّته من أمّة محمد صلّى الله عليه وسلّم، فو الله ما اتبعه من دعاه ربّا. «فوق الّذين كفروا» ظاهرين قاهرين بالعزّ والمنعة والدليل والحجّة. وقال الضحاك وعلىّ ومحمد بن أبان:
يعنى الحواريين فوق الذين كفروا. وقيل: هم الرّوم. وقال ابن زيد: وجاعل النصارى فوق اليهود، فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق اليهود، واليهود مستدلّون مقهورون. قال: وعلى هذين القولين يكون معنى الاتباع: الادّعاء والمحبة لا اتباع الدّين والملّة. ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ
أى فى الآخرة. فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
أى من الدّين وأمر عيسى.
(18/133)

قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا
بالقتل والسّبى والجزية والذّلّة. وَالْآخِرَةِ
بالنار. وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ
. قوله: وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
الآية ظاهرة المعنى. قوله: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ
أى هذا الذى ذكرته لك، قال النبىّ صلّى الله عليه وسلّم: «هو القرآن» . وقيل:
هو اللّوح المحفوظ، وهو معلّق بالعرش، من درّة بيضاء، و «الحكيم» هو المحكم من الباطل؛ قاله مقاتل. وقال ابن إسحق: أى القاطع الفاصل، الحقّ الذى لا يخالطه الباطل، من الخبر عن عيسى، وعما اختلفوا فيه من أمره، فلا تقبلنّ خبرا غيره. فقال: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
أى قد جاءك الحقّ فلا تمترينّ فيه، وإن قالوا خلق عيسى من غير [ذكر «1» ] ، فقد خلقت آدم [من تراب «2» ] بتلك القدرة من غير أنثى ولا ذكر؛ فكان لحما ودما وعظما وشعرا وبشرا، كما كان عيسى، فليس خلق عيسى من غير ذكر بأعجب من هذا.
ثم قال تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ
أى من بعد ما قصصت عليك من خبره فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ
قوله: «نبتهل» أى نتضرع فى الدعاء. وقيل: نخلص فى الدعاء. وقيل: نجتهد ونبالغ فنقول لعن الله الكاذب منّا ومنكم. قال ابن إسحق: إِنَّ هذا
الذى جئت به من الخبر عن عيسى لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُ
من أمره. وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فَإِنْ تَوَلَّوْا
أى إن أعرضوا عن الإيمان فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ
أى الذين يعبدون غير الله تعالى، ويدعون الناس إلى عبادة غير الله.
(18/134)

ثم قال تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
فدعاهم إلى النّصف، وقطع عنهم الحجّة، قال:
فلما أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخبر من الله عزّ وجلّ عن عيسى، والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمره به من ملاعتهم إن ردّوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك؛ فقالوا: يا أبا القاسم، دعنا ننظر فى أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، فانصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، فقالوا: يا عبد المسيح، ما ترى؟ فقال: والله يا معشر النّصارى لقد عرفتم أنّ محمدا لنبىّ مرسل، لقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لا عن قوم نبيّا قطّ فبقى كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، وأنه الاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول فى صاحبكم، فوادعوا الرجل، ثم انصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا ألّا نلاعنك، وأن نتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك، ترضاه لنا، يحكم بيننا فى أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضا.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ائتونى العشيّة أبعث معكم القوىّ الأمين» فكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: ما أحببت الإمارة قطّ حبّى إياها يومئذ رجاء أن أكون صاحبها، فخرجت إلى الظّهر مهجّرا «1» ، فلمّا صلّى بنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الظهر، سلّم ثم نظر عن يمينه ويساره، فجعلت أتطاول له ليرانى، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح فدعاه له، وذلك قبل الهجرة.
(18/135)

فقال: «اخرج فاقض بينهم بالحقّ فيما اختلفوا فيه» قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة. هذا ما رواه ابن هشام عن ابن إسحق.
وقال محمد بن سعد فى طبقاته: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما عرض عليهم المباهلة انصرفوا عنه، ثم أتاه عبد المسيح ورجلان من ذوى رأيهم، فقال:
قد بدا لنا ألا نباهلك، فاحكم علينا بما أحببت نعطك ونصالحك. فصالحهم على ألفى حلّة: ألف فى شهر رجب، وألف فى صفر، أو قيمة كل حلّة من الأواقى، وعلى عارية ثلاثين درعا، وثلاثين رمحا وثلاثين بعيرا، وثلاثين فرسا: إن كان باليمن كيد «1» .
ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبىّ رسول الله، على أنفسهم وملّتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم، لا يغيّر أسقف من سقّيفاه «2» ، ولا راهب من رهبانيّة، ولا واقف من وقفانيّته «3» ، وفى بعض الروايات لا يغيّر «4» وافه من وفهيّته، ولا قسيس من قسّيسيّته. والوافه: قيّم الكنيسة.
قال: وأشهد على ذلك شهودا. منهم أبو سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس والمغيرة بن شعبة، ورجعوا إلى بلادهم، فلم يلبث السيّد والعاقب إلّا يسيرا حتى رجعا إلى النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فأسلما وأنزلهما فى دار أبى أيوب الأنصارىّ،
(18/136)

وأقام أهل نجران على ما كتب لهم به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى قبضه الله تعالى. ثم ولّى أبو بكر فكتب بالوصاة بهم عند وفاته، ثم أصابوا ربا فأخرجهم عمر بن الخطاب من أرضهم، وكتب لهم:
«هذا ما كتب عمر أمير المؤمنين لنجران. من سار منهم إنه آمن بأمان الله، لا يضرّهم أحد من المسلمين؛ وفاء لهم بما كتب لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر- أما بعد- فمن وقعوا «1» به من أمراء الشام وأمراء العراق فليوسعهم من جريب «2» الأرض، ما اعتملوا من ذلك فهو لهم صدقة، وعقبة لهم بمكان أرضهم، لا سبيل عليهم فيه لأحد ولا مغرم- أمّا بعد- فمن حضرهم من رجل مسلم فلينصرهم على من ظلمهم، فإنهم أقوام لهم الذّمّة. وجزيتهم عنهم متروكة أربعة وعشرين شهرا بعد أن يقدموا، ولا يكلّفوا إلّا من ضيعتهم «3» ، غير مظلومين ولا معنوف «4» عليهم.
شهد عثمان بن عفان ومعيقيب بن أبى فاطمة.
قال: فوقع ناس منهم بالعراق، فنزلوا النّجرانيّة التى هى ناحية الكوفة.
وحيث ذكرنا وفادات العرب، فلا بأس أن نصل هذا الفصل بما يناسبه من خبر الجنّ فى إسلامها، ونلحق ذلك بما يتعلق به من إخبار الجنّ أصحابهم بأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومن أسلم بسبب ذلك، فإنا عند ذكرنا للمبشّرات برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ذكرنا من ذلك طرفا، وأخّرنا بقيته لنذكره فى هذا الفصل، ونبهنا عليه هناك.
(18/137)

ذكر خبر إسلام الجنّ ودعائهم قومهم إلى الإيمان عند سماعهم القرآن
قال الله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ. يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
«1» .
وكان من خبر الجنّ ما روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، قال:
انطلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشّياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشّهب، فرجعت الشياطين، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: قد حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشّهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلّا ما قد حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الأمر الذى قد حدث، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها، ينظرون ما هذا الأمر الذى حال بينهم وبين خبر السماء، وانطلق الذين توجّهوا إلى نحو تمامة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بنخلة «2» وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلّى بأصحابه صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآن تسمّعوا «3» له فقالوا: هذا
(18/138)

الذى حال بينكم وبين خبر السماء. فهنالك رجعوا إلى قومهم فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً
«1» . وأنزل الله تعالى على نبيه صلّى الله عليه وسلّم: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ
وإنما أوحى إليه قول الجنّ، رواه البخارىّ فى صحيحه عن موسى بن إسمعيل، عن أبى عوانة، عن أبى بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وذهب محمد بن سعد إلى أن استماع الجنّ كان بنخلة، عند عود رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الطّائف، لما توجّه يدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا له، وذلك قبل الهجرة.
وقال الشيخ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقىّ فى كتابه المترجم «بدلائل النبوّة، ومعرفة أحوال صاحب الشريعة» بعد أن ساق حديث البخارىّ قال: وهذا الذى حكاه عبد الله بن عباس إنما هو فى أول ما سمعت الجنّ قراءة النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، وعلمت بحاله، وفى ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم كما حكاه، ثم أتاه داعى الجنّ مرّة أخرى، فذهب معه، وقرأ عليهم القرآن، كما حكاه عبد الله ابن مسعود.
وقد روى البيهقىّ بسنده إلى عبد الله بن مسعود خبر الجنّ فى القصّتين: أمّا الأولى فإنه قال: هبطوا على النبى صلّى الله عليه وسلّم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا- قالوا صه- وكانوا سبعة، أحدهم زوبعة، فأنزل الله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا
إلى قوله: أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
. وعن ابن مسعود أن النبى صلّى الله عليه وسلّم آذنته بالجنّ شجرة؛ رواه البخارىّ ومسلم فى الصحيحين.
(18/139)

وأما القصة الثانية، فرواها عن الشّعبىّ عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود هل صحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة الجنّ منكم أحد؟ فقال:
ما صحبه منّا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة فقلنا: اغتيل؟ استطير؟ ما فعل؟
قال: فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، فلما كان فى وجه الصّبح أو قال فى السّحر، إذا نحن به يجىء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله، فذكروا الذى كانوا فيه، فقال: «إنه أتانى داعى الجنّ فأتيتهم فقرأت عليهم» قال: فانطلق فأرانا آثارهم، وآثار نيرانهم، قال: وقال الشّعبىّ فسألوه الزّاد، وقال ابن أبى زائدة: قال عامر سألوه ليلتئذ الزّاد، وكانوا من جنّ الجزيرة، فقال: «كلّ عظم ذكر اسم الله عليه يقع فى أيديكم أوفر ما كان لحما، وكلّ بعرة أوروثة علف لدوابّكم- قال- فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجنّ» رواه مسلم فى صحيحه. وكان فيما قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليهم: «الرَّحْمنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ»
السورة؛ ويدل على ذلك ما رواه محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: لما قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «الرّحمن» على الناس سكتوا فلم يقولوا شيئا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «للجنّ كانوا أحسن جوابا منكم لمّا قرأت عليهم «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» *
قالوا لا «1» ولا بشىء من آلاء ربّنا نكذّب» . ومن رواية أخرى عنه: «قالوا ولا بشىء من نعمك ربّنا نكذّب فلك الحمد» .
وعن أبى المليح الهذلىّ أنه كتب إلى عبيدة بن عبد الله بن مسعود: أين قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الجنّ؟ فكتب إليه: إنه قرأ عليهم بشعب يقال له المحجون. وروى عن عبد الله بن مسعود عن النبى صلّى الله عليه وسلّم «أنّ نفرا
(18/140)

من الجنّ خمسة عشر بنى إخوة وبنى عمّ يأتوننى الليلة فأقرأ عليهم القرآن» . وقيل:
كانوا أكثر من هذا. وقد جاء عنه: أنه ذهب إلى موضعهم، قال: فرأيت موضع مبرك ستين بعيرا. ولما رأى عبد الله بن مسعود رجال الزّطّ «1» قال: ما رأيت شبههم إلا الجنّ ليلة الجنّ، وكانوا مستنفرين يتبع بعضهم بعضا.
ذكر إخبار الجنّ أصحابهم بأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإسلامهم بسبب ذلك
روى أبو عبد الله محمد بن إسمعيل البخارى رحمه الله فى صحيحه، بسنده عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: ما سمعت عمر رضى الله عنه لشىء قطّ يقول، إنى لأظنّه كذا إلا كان كما يظنّ «2» ؛ بينا عمر جالس إذ مرّ رجل جميل «3» ، فقال: لقد أخطأ ظنى أو إنّ هذا على دينه فى الجاهلية «4» ، ولقد كان كاهنهم؛ علىّ الرجل، فدعى له، فقال له عمر: لقد أخطأ ظنّى أو إنّك على دينك فى الجاهلية أو لقد كنت كاهنهم، فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم. قال:
فإنى أعزم عليك «5» إلا ما أخبرتنى. قال: كنت كاهنهم فى الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك به جنّيتك؟ قال: بينا أنا يوما فى سوق جاءتنى أعرف فيها الفزع، قالت:
(18/141)

ألم تر الجنّ وإبلاسها ... ويأسها بعد وإبلاسها «1»
ولخوقها بالقلاص وأحلاسها ... ويأسها بعد من أنساكها «2»
قال عمر: صدق، بينا أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ منه صارخ لم أسمع صارخا قطّ أشدّ صوتا منه يقول: يا جليح «3» ، أمر نجيح، رجل يصيح، يقول لا إله إلا الله، فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل يصيح، يقول لا إله إلا الله، فقلت لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل يصيح، يقول لا إله إلا الله. فقمت فما نشبت أن قيل هذا نبىّ.
قال البيهقىّ: ظاهر هذه الرواية يوهم أنّ عمر رضى الله عنه بنفسه سمع الصّارخ يصرخ من العجل الذى ذبح، وكذلك هو صريح فى رواية ضعيفة عن عمر فى إسلامه، وسائر الروايات تدل على أن الكاهن أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه، والله تعالى أعلم.
ذكر خبر سواد بن قارب
روى البيهقىّ رحمه الله تعالى بسنده عن البراء، قال: بينما عمر بن الخطاب رضى الله عنه يخطب الناس على منبر النبىّ صلّى الله عليه وسلّم؛ إذ قال: أيها الناس، أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فلم يجبه أحد تلك السّنة، فلما كانت السّنة المقبلة،
(18/142)

قال: أيها الناس، أفيكم سواد بن قارب؟ قال فقلت: يا أمير المؤمنين، وما سواد ابن قارب؟ فقال: إنّ سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئا عجيبا! قال:
فبينا نحن كذلك؛ إذ طلع سواد بن قارب، فقال له عمر: يا سواد، أخبرنى ببدء إسلامك كيف كان؟ قال سواد: فإنّى كنت نازلا بالهند وكان لى رئىّ من الجنّ، قال: فبينا أنا ذات ليلة نائم؛ إذ جاءنى فى منامى ذلك، قال: قم فافهم واعقل إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤىّ بن غالب، ثم أنشأ يقول:
عجبت للجنّ وأنجاسها ... وشدّها العيس بأحلاسها «1»
تهوى إلى مكّة تبغى الهدى ... ما مؤمنوها مثل أرجاسها
فانهض إلى الصّفوة من هاشم ... واسم بعينيك إلى راسها
ثم أنبهنى وأفزعنى، وقال: يا سواد بن قارب، إنّ الله عز وجل بعث نبيا فانهض إليه تهتد وترشد، فلما كان فى الليلة الثانية أتانى فأنبهنى، ثم أنشا يقول كذلك:
عجبت للجنّ وتطلابها ... وشدّها العيس بأقتابها
تهوى إلى مكة تبغى الهدى ... ليس قداماها كأذنابها «2»
فانهض إلى الصّفوة من هاشم ... واسم بعينيك إلى نابها «3»
(18/143)

فلما كان فى الليلة الثالثة أتانى فأنبهنى، ثم قال كذلك:
عجبت للجنّ وتخبارها ... وشدّها العيس بأكوارها
تهوى إلى مكة تبغى الهدى ... ليس ذوو الشّرّ كأخيارها «1»
فانهض إلى الصّفود من هاشم ... ما مؤمنو الجنّ ككفّارها
قال: فلما سمعته يكرر ليلة بعد ليلة وقع فى قلبى حبّ الإسلام من أمر النبىّ صلّى الله عليه وسلّم ما شاء الله، فانطلقت إلى رحلى فشددته على راحلتى، فما حللت نسعة «2» ولا عقدت أخرى حتى أتيت النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فإذا هو بالمدينة والناس عليه كعرف الفرس «3» ، فلما رآنى قال: «مرحبا بك يا سواد بن قارب، قد علمنا ما جاء بك» قال قلت: يا رسول الله قد قلت شعرا فاسمعه منى، قال سواد فقلت:
أتانى رئيىّ بعد ليل وهجعة ... ولم يك فيما قد بلوت بكاذب «4»
ثلاث ليال قوله كلّ ليلة ... أتاك نبىّ من لؤىّ بن غالب
فشمّرت عن ساقى الإزار ووسّطت ... بى الذّعلب الوجناء عند السّباسب «5»
(18/144)

فأشهد أنّ الله لا شىء غيره ... وأنّك مأمون على كلّ غائب
وأنّك أدنى المرسلين شفاعة ... إلى الله يابن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى ... وإن كان فيما جاء شيب الذّوائب «1»
فكن لى شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... سواك بمغن عن سواد بن قارب «2»
قال: فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى بدت نواجذه «3» ، وقال لى:
«أفلحت يا سواد» فقال عمر: هل يأتيك رئيّك الآن؟ فقال: منذ قرأت القرآن لم يأتنى، ونعم العوض كتاب الله عزّ وجلّ من الجنّ.
قال البيهقىّ: ويشبه أن يكون هذا هو الكاهن، الذى لم يذكر اسمه فى الحديث الصحيح، وهو الحديث الذى ذكرناه آنفا قبل خبر سواد.
وقد روى أيضا عن سواد بن قارب، من رواية سعيد بن جبير بنحو هذا، إلا أنه قال: كان سواد فى جبل من جبال الشّراة «4» ، وقال: أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو بمكة، وقد ظهر، فأخبرته الخبر، وبايعته.
قال البيهقىّ رحمه الله: وقوله أتيت مكة أقرب إلى الصّحة [مما رويناه فى الروايتين الأوليين «5» ] . والله تعالى أعلم.
(18/145)

ذكر خبر خفاف بن نضلة الثّقفىّ
روى أبو بكر البيهقىّ رحمه الله بسنده إلى ذابل بن طفيل بن عمرو الدّوسىّ، أن النبىّ صلّى الله عليه وسلّم قعد فى مسجده ذات يوم، فقدم عليه خفاف بن نضلة ابن عمرو بن بهدلة الثّقفىّ، فأنشد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
كم قد تحطّمت القلوص بى الدّجى ... فى مهمة قفر من الفلوات «1»
فلّ من التّوريس ليس بقاعه ... نبت من الإسنات والأزمات «2»
إنّى أتانى فى المنام مساعد ... من جنّ وجرة كان لى وموات «3»
يدعو إليك لياليا ولياليا ... ثمّ احزألّ وقال لست بآت «4»
فركبت ناجية أضرّ بنيّها ... جمر تخبّ به على الأكمات «5»
حتّى وردت إلى المدينة جاهدا ... كيما أراك فتفرج الكربات
قال: فاستحسنها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال: «إنّ من البيان كالسّحر، وإنّ من الشّعر كالحكم» .
(18/146)

ومن ذلك ما روى عن علىّ بن حسين، قال: أول خبر قدم المدينة، أن امرأة من أهل يثرب تدعى فاطمة «1» ، كان لها تابع من الجنّ فجاءها يوما فوقع على جدارها، فقالت: مالك لا تدخل؟ فقال: إنه قد بعث نبىّ يحرّم الزّنى، فحدثت بذلك المرأة عن تابعها من الجنّ، وكان أول خبر يحدّث به بالمدينة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وعن جابر قال: أول خبر قدم المدينة عن النبى صلّى الله عليه وسلّم، أن امرأة من أهل المدينة كان لها تابع، فجاء فى صورة طائر حتى وقع على حائط دارهم، فقالت له المرأة: انزل نخبرك وتخبرنا، قال: لا، إنه بعث بمكة نبىّ منع منا القرار، وحرّم علينا الزّنى.
ومنه ما روى عن محمد بن عمر بن واقد، عن تميم الدّارىّ أنه قال: سرت إلى الشّام فأدركنى الليل، فأتيت واديا فقلت: أنا فى جوار عظيم هذا الوادى اللّيلة، فلما أخذت مضجعى إذا قائل لا أراه يقول: عذ بالله الأحد، فإنّ الجنّ لا تجير على الله أحدا، وأنه قد بعث رسول الأمّيّين، وصلّينا خلفه بالحجون، وأسلمنا واتبعناه، وآمنا به وصدّقناه، فأسلم تسلم. قال تميم: فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب «2» ، فسألت راهبه عما سمعت من الهاتف، فقال: صدق. وكان ذلك سبب إسلام تميم.
ومنه ما روى عن أبى خريم «3» فاتك أنه قال: خرجت فى الجاهلية أطلب إبلا
(18/147)

أضللتها، فلما كنت بأبرق «1» العزّاف، عقلت ناقتى وتوسّدت ذراعها، وقلت:
أعوذ بعظيم هذا المكان، فسمعت هاتفا يقول:
تعوّذن بالله ذى الجلال ... ووحّد الله ولا تبالى
ما هوّل الجنّ «2» من الأهوال
قال فقلت: بيّن لى يرحمك الله، فقال:
هذا رسول الله ذو الخيرات ... يدعو إلى الجنّة والنّجاة
يأمر بالصّوم وبالصّلاة
قال: فوقع فى قلبى الإسلام، فقلت: من أنت أيها الهاتف؟ فقال: أنا مالك بن مالك، إن أردت الإسلام فأنا أكفيك طلب ضالّتك حتى أردّها إلى أهلك، قال: فركبت راحلتى وقصدت المدينة، فقدمتها فى يوم جمعة، فأتيت المسجد فإذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخطب، فأنخت بباب المسجد قلت ألبث حتى يفرغ من خطبته، وإذا أبو ذرّ قد خرج فقال لى: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أرسلنى إليك وهو يقول لك: «مرحبا قد بلغنى إسلامك فادخل فصلّ مع الناس» قال: فتطهرت ودخلت فصلّيت، ثم دعانى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فبايعنى وأخبرنى بالخبر قبل أن أذكره له، وقال لى: «أمّا إبلك فقد بلغت أهلك، وقد وفى لك صاحبك» فقلت: جزاه الله خيرا ورحمه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «آمين» .
(18/148)

ومنه ما روى عن مالك بن نفيع أنه قال: ندّ بعير لى، فركبت نجيبة وطلبته، حتى ظفرت به، فأخذته وانكفأت راجعا إلى أهلى، فأسريت ليلة حتى كدت أصبح، فأنخت النّجيبة والجمل وعقلتهما، واضطجعت فى ذرى كثيب رمل، فلما كحلنى الوسن سمعت هاتفا يقول: يا مالك، يا مالك، لو فحصت عن مبرك العود «1» البارك، لسرّك ما هنالك، قال: فثرت وأثرت البعير عن مبركه، واحتفرت «2» ، وإذا صنم بصورة امرأة، من صفاة صفراء كالورس، مجلوة كالمرآة، فآستخرجتها ومسحتها بثوبى ونصبتها، فاستوت قائمة، فما تمالكت أن خررت ساجدا لها، ثم قمت فنحرت البعير لها ورششتها بدمه، وسميتها غلاب، ثم حملتها على النّجيبة وأتيت بها أهلى، فحسدنى كثير من قومى عليها، وسألونى نصبها لهم ليعبدوها معى، فأبيت عليهم، فانفردت بعبادتها، وجعلت لها على نفسى كل يوم عتيرة «3» ، وكانت لى ثلّة من الضأن فأتيت على آخرها، وأصبحت يوما وليس لى ما أعتره، وكرهت الإخلاف بنذرى، فأتيتها فشكوت إليها ذلك، فإذا هاتف من جوفها يقول: يا مال يا مال «4» ، لا تأس على المال، سر إلى طوىّ «5» الأرقم، فخذ الكلب الأسحم، الوالغ فى الدّم، ثم صد به نعم «6» . قال مالك: فخرجت من فورى إلى طوىّ الأرقم، فإذا كلب أسحم هائل المنظر، قد وثب على قرهب- يعنى ثورا وحشيا- فصرعه وأنا أنظر إليه، ثم بقر بطنه، وجعل يلغ فى دمه، قال: فتهيبته، ثم أقدمت عليه وهو مقبل على عقيرته لم يلتفت إلىّ، فشددت فى عنقه حبلا، ثم جذبته فتبعنى، فأتيت راحلتى فأثرتها، وقدتها إلى
(18/149)

القرهب، فأنختها وجررته وحملته عليها، ثم قدتها قاصدا إلى الحىّ، والكلب يلوذ بى فعنّت لى ظبية، فجعل الكلب يثب ويجاذبنى المرس»
، فتردّدت فى إرساله ثم أرسلته، فمرّ كالسهم حتى اختطفها، فأتيته فجاذبته إياها فأرسلها فى يدى، فاستفزنى السّرور، وأتيت أهلى فعترت الظبية لغلاب، ووزعت لحم القرهب، وبتّ بخير ليلة، ثم باكرت به الصّيد، فلم يفته حمار، ولا ما طله ثور، ولا اعتصم منه وعل، ولا أعجزه ظبى، فتضاعف سرورى به، وبالغت فى إكرامه، وسميته سحاما، فلبث بذلك ما شاء الله، فإنى لذات يوم أصيد به، فبصرت بنعامة على أدحيّها «2» ، وهى قريبة منى، فأرسلته عليها، فأجفلت أمامه، واتّبعتها على فرس جواد، فلما كاد الكلب يثب عليها، انقضّت عليه عقاب من الجوّ فكر راجعا نحوى فصحت به فما كذّب «3» ، وأمسكت الفرس فجاء سحام حتى دخل بين قوائمها، ونزلت العقاب أمامى على صخرة، وقالت: سحام، قال الكلب: لبّيك، قالت: هلكت الأصنام، وظهر الإسلام، فأسلم تنج بسلام، وإلا فليست بدار مقام. ثم طارت العقاب، وتبصّرت سحاما فلم أره، وكان آخر عهدى به.
ومنه مما يشبه هذه القصة ما روى عن قتادة عن عبد الله بن أبى ذباب «4» عن أبيه، أنه قال: كنت مولعا بالصيد، وكان لنا صنم اسمه فرّاض، كنت كثيرا
(18/150)

ما أذبح له، ولم أكن أتخذ جارحا للصيد إلّا رمى بآفة، قلّما أدخل الحىّ صيدا حيّا؛ لأنى كنت لا أدركه إلا وقد أشفى على الهلاك، فلمّا طال بى ذلك أتيت فرّاضا، فعترت له عتيرة، ولطّخته من دمها، وقلت:
فرّاض أشكو نكد «1» الجوارح ... من طائر ذى مخلب ونابح
وأنت للأمر الشّديد الفادح «2» ... فافتح فقد أسهلت المفاتح
فأجابنى مجيب من الصّنم؛ فقال:
دونك كلبا جارحا مباركا ... أعدّ للوحش سلاحا شابكا «3»
يفر حزون الأرض والدّ كادكا «4»
قال: فانقلبت إلى خبائى، فوجدت به كلبا خلاسيّا «5» بهيما «6» عظيما؛ أهرت «7» الشّدقين، شابك الأنياب، شئن «8» البراثن، أشعر مهول المنظر، فصفرت به فأتانى، فلاذ بى وبصبص «9» ، فسميته حياضا «10» ، فاتخذت له مربطا بإزاء فراشى وأكرمته، ثم خرجت به إلى الصيد، فإذا هو أبصر بالصّيد منّى، وكان لا يثبت له شىء من الوحش، فقلت فيه:
حياض إنك مأمول منافعه ... وقد جعلتك موقوفا لفرّاض
(18/151)

وكنت أعتر لفرّاض من صيده، وأقرى الضّيف، فلم أزل به من أوسع العرب رحلا «1» ، وأكثرها ضيفا، إلى أن ظهر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنزل بى ضيف كان زار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وسمع منه القرآن، فحدّثنى عنه، ورأيت حياضا كأنه ينصت لحديثه، ثم إنّى غدوت أقتنص بحياض، فجعل يجاذبنى ويأبى أن يتبعنى فأجذبه وأمسحه، إلى أن عنّ لى تولب- يعنى جحشا من حمير الوحش- قال: فأرسلته عليه فقصده، حتى إذا قلت قد أخذه حاد عنه، فساءنى ذلك، ثم أرسلته على رأل- يعنى فرخ نعامة- فصنع مثل ذلك، ثم أرسلته على بقرة، ثم على خشف «2» ، كل ذلك لا يأتى بخير، فقلت:
ألا ما لحياض يحيد كأنما ... رأى الصّيد ممنوعا بزرق اللهاذم «3»
قال: فأجابنى هاتف لا أراه:
يحيد لأمر لو بدا لك عينه ... لكنت صفوحا عاذلا غير لائم
قال: فأخذت الكلب وانكفأت راجعا، فإذا شخص إنسان عظيم الخلق، قد ركب حمارا وحشيا، فتربع على ظهره، وهو يساير شخصا مثله راكبا على قرهب، وخلفهما عبد أسود يقود كلبا عظيما بساجور «4» ، فأشار أحد الراكبين إلى حياض وأنشد:
ويلك يا حياض لم تصيد ... اخنس وحد عمّا حوته البيد «5»
الله أعلى وله التوحيد ... وعبده محمد السّديد
سحقا لفرّاض وما يكيد ... قد ظلّ لا يبدى ولا يعيد
(18/152)

قال: فملئت رعبا، وذلّ «1» الكلب فما يرفع رأسا، وأتيت أهلى مغموما كاسف البال، فبتّ أتململ على فراشى، ثم خفتّ من آخر الليل فإذا نغمة «2» ، ففتحت عينى فرأيت الكلب الذى كان الأسود يقوده، وإذا حياض يقول له: أحسب صاحبى يقظان، قال: فتناومت، ثم قصدنى فتأمّلنى ورجع إليه، فقال: قد نام، فلا عين ولا سمع، قال: أرأيت العفريتين؟ وسمعت ما قالا، قال حياض: نعم، قال:
إنهما قد أسلما واتبعا محمدا، وقد سلّطا على شياطين الأوثان، فما يتركان لوثن شيطانا، وقد عذّبانى عذابا شديدا، وأخذا علىّ موثقا ألّا أقرب وثنى، وأنا خارج إلى جزائر الهند، فما رأيك لنفسك؟ قال حياض: ما أمرنا إلا واحد، وذهبا، فقمت أنظر فلا عين ولا أثر، فلما أصبحت أخبرت قومى بما رأيت وسمعت، وقلت لهم:
تخيروا من ينطلق معى إلى هذا النبى من حلمائكم وخطبائكم؛ فقالوا لى: أترغب عن دين آبائك؟ فقلت لهم: إذا كرهتم شيئا كرهته، فما أنا إلا واحد منكم، ثم انسللت منهم فكسرت الصنم، ثم قصدت المدينة فأتيتها ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخطب، فجلست بإزاء منبره فعقّب خطبته بأن قال: «بإزاء منبرى رجل من سعد العشيرة، قدم علينا راغبا فى الإسلام، ولم يرنى ولم أره إلا ساعتى هذه، ولم أكلّمه ولم يكلّمنى قطّ، وسيخبركم خبرا عجيبا» ونزل فصلّى، ثم قال: «ادن يا أخا سعد العشيرة» فدنوت فقال: «أخبرنا عن حياض وفرّاض وما رأيت وسمعت» قال:
فقمت على قدمىّ وقصصت القصّة، والمسلمون يسمعون، فسرّ النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، ودعانى إلى الإسلام، وتلا علىّ القرآن فأسلمت، وقلت فى ذلك:
تبعت رسول الله إذ جاء بالهدى ... وخلّفت فرّاضا بدار هوان
شددت عليه شدّة فتركته ... كأن لم يكن والدّهر ذو حدثان
(18/153)

رأيت له كلبا يقوم بأمره ... فهدّد بالتّنكيل والرّجفان
ولما رأيت الله أظهر دينه ... أجبت رسول الله حين دعانى
وأصبحت للإسلام ما عشت ناصرا ... وألقيت فيه كلكلى وجرانى
فمن مبلغ سعد العشيرة أننى ... شريت الذى يبقى بما هو فانى
وقد تقدم فى خبر وفد سعد العشيرة ذكر هذه الأبيات، وأنها لذباب، وأنه الذى كسر الصّنم، إلا أنه لم يذكر البيت الذى فيه ذكر الكلب «1» ، والله تعالى أعلم.
ومنه: ما روى أن ربيعة بن أبى براء، قال أخبرنى خالى فقال: لما أظهر الله علينا رسوله صلّى الله عليه وسلّم بحنين انشعبنا فى كل مشعب، لا يلوى حميم على حميم، فبينا أنا فى بعض الشّعاب، رأيت ثعلبا قد تحوّى «2» عليه أرقم، والثعلب يعدو عدوا شديدا، فانتحيت «3» له بحجر فما أخطأه، وانتهيت إليه، فإذا الثعلب قد سبقنى بنفسه- أى هلك قبل أن أصل إليه- وإذا الأرقم قد تقطّع وهو يضطرب، فقمت لأنظر إليه، فهتف هاتف ما سمعت أفظع «4» من صوته يقول: تعسا لك وبؤسا، فقد قتلت رئيسا، وورثت بئيسا «5» ، ثم قال: يا داثر يا داثر، فأجابه مجيب من العدوة «6» الأخرى بلبّيك لبّيك، فقال: بادر بادر، إلى بنى العذافر، وأخبرهم بما صنع الكافر، فناديت: إنى لم أشعر، وأنا عائذ بك فأجرنى. قال:
كلّا، والحرم الأمين، لا أجير من قاتل المسلمين، وعبد غير ربّ العالمين. قال:
فناديت؛ إنّى أسلم، فقال: إن أسلمت سقط عنك القصاص، وألبثك «7» الخلاص،
(18/154)

وإلّا فلا مناص. قال فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدا رسول الله، فقال: نجوت وهديت، لولا ذاك لرديت «1» ، فارجع من حيث جيت. قال:
فرجعت أقفو أدراجى «2» ، فإذا هو يقول: امتط السّمع «3» الأزلّ، يعل بك التّلّ، فهناك أبو عامر «4» يتبع الفلّ «5» . قال: فالتفت فإذا سمع كالأسد النّهد «6» ، فركبته ومرّ ينسل «7» ، حتى انتهى إلى تلّ عظيم، فتوقّل «8» فيه إلى أن تسنّمه، فأشرفت منه على خيل المسلمين، فنزلت عنه وصوّبت الحدور «9» نحوهم، فلما دنوت منهم خرج إلىّ فارس، كالفالج «10» الهاتج، فقال: ألق سلاحك لا أمّ لك، فألقيت سلاحى. فقال:
ما أنت؟ قلت: مسلم، قال: فسلام عليك ورحمة الله، قلت: وعليك السلام والرحمة والبركة، من أبو عامر؟ قال: أنا هو، قلت: الحمد لله، قال: لا بأس عليك؛ هؤلاء إخوانك المسلمون، أما رأيتك بأعلى التّل فارسا فأين فرسك؟ قال:
فقصصت عليه القصّه، فأعجبه ما سمع منى: وسرت مع القوم أقفو بهم آثار هوازن حتى بلغوا من ذلك ما أرادوه.
والأخبار فى مثل ذلك كثيرة، وقد أتينا منها بما نكتفى به، فنلذكر خلاف ذلك من سيرة سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
(18/155)

ذكر رسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذين بعثهم إلى الملوك وغيرهم، وما كتب به إليهم، وما أجابوا به
كانت رسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، على ما أورده الشيخ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطى رحمه الله، أحد عشر رجلا؛ وهم: عمرو بن أمية الضّمرىّ، ودحية بن خليفة الكلبىّ، وعبد الله بن حذافة السّهمىّ، وحاطب بن أبى بلتعة اللحمىّ، وعمرو بن العاص، وسليط بن عمرو العامرىّ، وشجاع بن وهب الأسدىّ، والمهاجرين أبى أمية المخزومىّ، والعلاء بن الحضرمىّ، وأبو موسى الأشعرىّ، ومعاذ بن جبل. هؤلاء الذين أثبتهم.
وقد ورد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث الحارث بن عمير الأزدى إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة «1» قتله شرحبيل بن عمرو الغسّانىّ، وبسبب قتله بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سريّة مؤتة على ما قدمنا ذكره.
ولعل الشيخ رحمه الله، إنما أثبت من الرسل من بلّغ الرسالة. وهذا لم يمهل حتى يبلّغها، ولم يقتل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم رسول غيره. وقد ورد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث غير هؤلاء، ممن نذكرهم إن شاء الله تعالى.
فكان أوّل ما بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الرسل فى المحرم، سنة سبع من مهاجره؛ أرسل ستّة من هؤلاء الرسل إلى ستّة ملوك، وذلك أنه صلّى الله عليه وسلّم لما رجع من الحديبية فى ذى الحجة سنة خمس جهّز الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وكتب إليهم كتبا، فقيل له: يا رسول الله، إن الملوك لا يقرءون كتابا إلا مختوما، فاتخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يومئذ خاتما من
(18/156)

فضّة فصّه منه، نقشه ثلاثة أسطر: «محمد» سطر «رسول» سطر «الله» سطر.
وختم به الكتب، فخرج ستة نفر منهم فى يوم واحد وذلك فى المحرم سنة سبع، وأصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليهم؛ حكاه محمد بن سعد فى طبقاته بسنده.
وقال أبو عبد الله محمد بن إسحق بن يسار: حدّثنى يزيد بن أبى حبيب المصرىّ أنه وجد كتابا فيه ذكر من بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى البلدان، وملوك العرب والعجم، وما قال لأصحابه حين بعثهم، قال: فبعثت به إلى محمد بن شهاب الزّهرىّ، فعرفه، وفيه: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج على أصحابه فقال لهم: «إن الله بعثنى رحمة وكافة، فأدّوا عنّى يرحمكم الله، ولا تختلفوا علىّ كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم» قالوا: يا رسول الله، وكيف كان اختلافهم؟
قال: «دعاهم لمثل ما دعوتكم له، فأمّا من قرّب «1» به فأحبّ وسلّم، وأمّا من بعّد «2» به فكره وأبى، فشكا ذلك عيسى منهم إلى الله، فأصبحوا وكل رجل منهم يتكلم بلغة القوم الذين وجّه إليهم» .
قال أبو محمد عبد الملك بن هشام: حدّثنى من أثق به عن أبى بكر الهذلىّ، قال: بلغنى أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج على أصحابه. وساق نحو الحديث
ذكر إرسال عمرو بن أمية الضّمرىّ إلى النّجاشى ملك الحبشة وإسلامه
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى النجاشىّ، وكتب معه كتابين، يدعوه فى أحدهما إلى الإسلام، ويتلو عليه القرآن، فأخذ النجاشىّ كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فوضعه على عينيه، ونزل عن سريره فجلس على الأرض، ثم أسلم
(18/157)

وشهد شهادة الحقّ، وقال: لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته، وكتب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بإجابته، وتصديقه وإسلامه على يدى جعفر بن أبى طالب لله رب العالمين. وكان جعفر ممن هاجر إلى الحبشة كما قدّمنا ذكر ذلك. وفى الكتاب الثانى، يأمره أن يزوّجه أمّ حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب، وكانت قد هاجرت إلى أرض الحبشة مع زوجها عبد الله بن جحش الأسدىّ، فتنصر هناك ومات، وأمره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يبعث إليه من قبله من أصحابه الذين هاجروا إلى الحبشة وأن يحملهم، ففعل، وزوّج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمّ حبيبة، وأصدقها أربعمائة دينار، وأمر بجهاز المسلمين وما يصلحهم، وحملهم فى سفينتين مع عمرو بن أمية، وجعل كتابى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى حقّ من عاج، وقال: لن تزال الحبشة بخير ما كان هذان الكتابان بين أظهرها.
ذكر إرسال دحية بن خليفة الكلبىّ إلى قيصر ملك الروم
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليه، وكتب إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى- أما بعد- فإنّى أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم اليريسين «1» ، ويا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.
(18/158)

وبإسنادنا المتقدّم، إلى أبى عبد الله محمد بن إسمعيل بن إبراهيم البخارىّ، قال: حدّثنا الحكم بن نافع أبو اليمان، قال حدّثنا شعيب، عن الزهرىّ، قال أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عبد الله بن عباس أخبره، أن أبا سفيان بن حرب أخبره، أنّ هرقل أرسل إليه فى ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام، فى المدّة التى كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مادّ فيها أبا سفيان وكفّار قريش «1» ، فأتوه وهم بإيليا، فدعاهم فى مجلسه، وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذى يزعم أنه نبىّ؟
قال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم نسبا، فقال: أدنوه منى، وقرّبوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم إنى سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبنى فكذّبوه، فو الله لولا الحياء من أن يأثروا علىّ كذبا لكذبت عنه «2» . ثم كان أوّل ما سألنى عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قطّ قبله؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه من ملك «3» ؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس يتّبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلت:
بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال:
فهل يرتدّ أحد منهم سخطة «4» لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل يغدر «5» ؟
قلت: لا، ونحن منه فى مدّة «6» لا ندرى ما هو فاعل فيها، قال: ولم تمكنّى كلمة
(18/159)

أدخل فيها شيئا «1» غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال «2» ، ينال منا وننال منه «3» ، قال:
ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصّلاة، والصّدق، والعفاف، والصّلة، فقال لترجمانه: قل له سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث فى نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول، فذكرت أن لا، فقلت «4» : لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلت رجل يأتسى «5» بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من آبائه من ملك، فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله، وسألتك أأشراف الناس اتّبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت أنّ ضعفاءهم اتّبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون، فذكرت أنهم يريدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتمّ، وسألتك أيرتدّ أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر، فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بم يأمركم، فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصّلاة والصّدق والعفاف، فإن كان ما يقول حقّا، فسيملك موضع قدمىّ هاتين، وقد
(18/160)

كنت أعلم أنه خارج «1» ، لم أكن أظنّ أنّه منكم، فلو أنى أعلم أنّى أخلص إليه لتجشّمت «2» لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه «3» . ثم دعا بكتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، الذى بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل فقرأه، فإذا فيه «بسم الله الرحمن الرحيم» وذكره كما تقدّم.
قال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصّخب، وارتفعت الأصوات «4» ، وأخرجنا، فقلت لأصحابى حين أخرجنا: لقد أمر أمر ابن أبى كبشة «5» ، إنه ليخافه ملك بنى الأصفر «6» ، فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علىّ الإسلام.
قال: وكان ابن النّاطور صاحب «7» إيلياء وهرقل أسقفا «8» على نصارى الشام يحدّث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوما خبيث النفس «9» ، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك، فقال ابن الناطور، وكان هرقل حزّاء «10» : ينظر فى النّجوم، فقال لهم حين سألوه: إنى رأيت الليلة حين نظرت فى النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنّك شأنهم،
(18/161)

واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، إذ أتى هرقل برجل، أرسل به ملك غسّان، يخبر عن خبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا، فنظروا إليه، فحدّثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال: هم يختتنون، فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر. ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية «1» ، وكان نظيره فى العلم، وسار هرقل إلى حمص «2» ، فلم يرم «3» حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه، يوافق رأى هرقل على خروج النبى صلّى الله عليه وسلّم، وأنه نبىّ، فأذن هرقل لعظماء الروم فى دسكرة «4» له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلّقت، ثم اطّلع فقال: يا معشر الروم هل لكم فى الفلاح والرّشد؟ وأن يثبت ملككم فتبايعوا لهذا النبىّ، فحاصوا حيصة «5» حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلّقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال: ردّوهم علىّ، وقال: إنى قلت مقالتى آنفا أختبر بها شدّتكم على دينكم فقد رأيت «6» . فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل.
رواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزّهرى.
وقد قدّمنا من خبر هرقل فى شأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وتحقيق نبوءته عنده، فى فصل من بشّر برسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما تقف عليه هناك.
(18/162)

ذكر إرسال عبد الله بن حذافة السّهمىّ إلى كسرى ملك الفرس
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليه، يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتابا؛ قال عبد الله: فدفعت إليه كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقرئ عليه ثم أخذه فمزّقه، فلما بلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «اللهم مزّق ملكه» . وكتب كسرى إلى باذان عامله على اليمن: أن ابعث من عندك رجلين جلدين إلى هذا الرجل الذى بالحجاز، فليأتيا بخبره. فبعث باذان قهرمانه «1» ، ورجلا آخر، وكتب معهما كتابا، فقدما المدينة، فدفعا كتاب باذان إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فتبسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ودعاهما إلى الإسلام، وفرائصهما ترعد، وقال: «ارجعا عنى يومكما هذا حتى تأتيانى الغد فأخبركما بما أريد» فجاءاه الغد، فقال لهما: «أبلغا صاحبكما أن ربّى قد قتل ربّه كسرى فى هذه الليلة لسبع «2» ساعات مضت منها- وهى ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الأولى سنة سبع من الهجرة- وأن الله تعالى سلّط عليه ابنه شيرويه فقتله» فرجعا إلى باذان بذلك، فأسلم هو والأبناء «3» الذين باليمن.
(18/163)

ذكر إرسال حاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندريّة عظيم القبط، واسمه جريج بن مينا
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليه، يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتابا فأتاه، وأوصل إليه كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقرأه، وقال خيرا، وجعل الكتاب فى حقّ من عاج، وختم عليه ودفعه إلى جاريته، وكتب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم: قد علمت أن نبيا قد بقى، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعث إليك بجاريتين لهما مكان فى القبط عظيم، وقد أهديت لك كسوة وبغلة تركبها.
ولم يزد على هذا، ولم يسلم المقوقس، فقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هديّته، وأخذ الجاريتين، وهما مارية أمّ إبراهيم بن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأختها شيرين، وبغلة بيضاء، لم يكن فى العرب يومئذ غيرها، وهى دلدل، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى المقوقس: «ضنّ الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه «1» » . قال حاطب: كان المقوقس مكرما لى فى الضّيافة، وقلّة اللّبث ببابه، وما أقمت عنده إلا خمسة أيام.
وقال أبو عمر بن عبد البر: إن المقوقس أهدى لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم خصيّا اسمه مأبور، وذكر ذلك فى ترجمة مارية، ويقال: هو ابن عمّ مارية، والله أعلم.
وقد ذكرنا فى (الحجّة البالغة، والأجوبة الدّامغة) ما كان بينهما من المحاورات، وذلك فى الباب الرابع عشر، من القسم الخامس، من الفنّ الثانى، فى السّفر الثّامن من هذه النسخة.
(18/164)

ذكر إرسال شجاع بن وهب «1» الأسدى إلى الحارث بن أبى شمر
قالوا: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شجاع بن وهب الأسدى، إلى الحارث بن أبى شمر الغسّانى، ملك البلقاء من أرض الشام، يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتابا، قال شجاع: فأتيته وهو بغوطة دمشق، وهو مشغول بتهيئة الأنزال «2» والألطاف لقيصر، وهو جاء من حمص إلى إيلياء، فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة، فقلت لحاجبه: إنى رسول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليه، فقال:
لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا. وجعل حاجبه- وكان روميّا اسمه مرى «3» - يسألنى عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فكنت أحدّثه عن صفته، وما يدعو إليه، فيرقّ حتى يغلبه البكاء، ويقول: إنى قرأت الإنجيل فأجد صفة هذا النبىّ بعينه، فأنا أو من به وأصدّقه، وأخاف من الحارث أن يقتلنى، وكان يكرمنى ويحسن ضيافتى، وخرج الحارث يوما فجلس، ووضع التّاج على رأسه، فأذن لى عليه، فدفعت إليه كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقرأه ثم رمى به، وقال: من ينتزع منّى ملكى؟ أنا سائر إليه، ولو كان باليمن جئته، علىّ بالناس! فلم يزل يفرض «4» حتى قام، وأمر بالخيول تنعل، ثم قال: أخبر صاحبك ما ترى.
وكتب إلى قيصر يخبره خبرى وما عزم عليه، فكتب إليه قيصر: ألا تسير إليه، واله عنه، ووافنى بإيلياء. فلما جاءه جواب كتابه دعانى فقال لى: متى تريد أن تخرج إلى صاحبك؟ فقلت: غدا، فأمر لى بمائة مثقال ذهب، ووصلنى مرى،
(18/165)

وأمر لى بنفقة وكسوة، وقال: اقرأ على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- منّى السلام. فقدمت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبرته، فقال: «باد ملكه» وأقرأته من مرى السلام، وأخبرته بما قال، فقال صلّى الله عليه وسلّم:
«صدق» ومات الحارث بن أبى شمر عام الفتح.
ذكر إرسال سليط بن عمرو العامرىّ إلى هوذة «1» بن علىّ الحنفى باليمامة
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليه، يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتابا، فقدم عليه فأنزله وحباه، وقرأ كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكتب إلى النبى صلّى الله عليه وسلّم: ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومى وخطيبهم والعرب تهاب مكانى، فآجعل لى بعض الأمر أتّبعك. وأجاز سليط بن عمرو بجائزة وكساه أثوابا من نسج هجر، فقدم بذلك كله على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأخبره عنه بما قال، فقرأ كتابه وقال: «لو سألنى سيابة «2» من الأرض ما فعلت، باد «3» وباد ما فى يديه» فمات عام الفتح. فهؤلاء السّتّة الذين بعثهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى المحرم سنة سبع «4» .
وبعث صلّى الله عليه وسلّم العلاء بن الحضرمى إلى المنذر بن ساوى العبدىّ ملك البحرين.
(18/166)

قال محمد بن سعد: بعثه عند منصرفه من الجعرانة «1» إليه، يدعوه إلى الإسلام، وكتب إليه كتابا. فكتب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بإسلامه وتصديقه، و «أنى قرأت كتابك على أهل هجر، فمنهم من أحبّ الإسلام، وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضى مجوس ويهود، فأحدث إلىّ فى ذلك أمرك» فكتب إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية، وبألا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم «2» » .
وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث أبا هريرة مع العلاء بن الحضرمى، وأوصاه به خيرا، وكتب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى العلاء فرائض الإبل، والبقر والغنم، والثمار والأموال، فقرأ العلاء كتابه على الناس وأخذ صدقاتهم.
وبعث صلّى الله عليه وسلّم عمرو بن العاص إلى ملكى عمان.
قال محمد بن سعد: بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى ذى القعدة، سنة ثمان من مهاجره، إلى جيفر وعبد ابنى الجلندى «3» ، وهما من الأزد، والملك منهما جيفر، يدعوهما إلى الإسلام، وكتب معه إليهما كتابا، قال عمرو: لما قدمت عمان عمدت إلى عبد، وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا، فقلت: إنى رسول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليك وإلى أخيك، فقال: أخى المقدّم علىّ بالسّنّ والملك وأنا أوصلك إليه حتى تقرأ كتابك، فمكشت أياما ببابه، ثم دعانى فدخلت عليه
(18/167)

فدفعت إليه الكتاب مختوما، ففضّ خاتمه وقرأه حتى انتهى إلى آخره، ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته، إلا أنّى رأيت أخاه أرقّ منه، فقال: دعنى يومى هذا وأرجع إلىّ غدا، فلما كان من الغد رجعت إليه، فقال: إنى فكّرت فيما دعوتنى إليه، فإذا أنا أضعف العرب إن ملّكت رجلا ما فى يدى، قلت: فإنى خارج غدا، فلما أيقن بمخرجى أصبح فأرسل إلىّ، فدخلت عليه فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعا، وصدّقا بالنبىّ صلّى الله عليه وسلّم، وخليا بينى وبين الصّدقة، وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لى عونا على من خالفنى، فأخذت الصدقة من أغنيائهم، فرددتها فى فقرائهم، ولم أزل مقيما بينهم حتى بلغنا وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وبعث صلّى الله عليه وسلّم المهاجر بن أبى أمية المخزومى إلى الحارث الحميرى، وهو الحارث بن عبد كلال ملك اليمن.
وبعث صلّى الله عليه وسلم أبا موسى الأشعرى، ومعاذ بن جبل إلى اليمن.
وكانا جميعا داعين إلى الإسلام، فأسلم عامّة أهل اليمن، ملوكهم وعامّتهم طوعا.
هؤلاء الرسل الذين ذكرهم الشيخ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطى فى مختصر السيرة.
وقد ذكر محمد بن سعد بن منيع فى طبقاته الكبرى، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث جرير بن عبد الله البجلى إلى ذى الكلاع بن ناكور بن حبيب ابن مالك بن حسّان بن تبّع، وإلى ذى عمرو يدعوهما إلى الإسلام، فأسلما وأسلمت ضريبة بنت أبرهة بن الصّبّاح «1» . وتوفى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجرير عندهم، فأخبره ذو عمرو بوفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فرجع جرير إلى المدينة.
(18/168)

ولم يذكر محمد بن سعد المهاجر، وقال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث إلى اليمن مع معاذ بن جبل مالك بن مرارة.
وذكر أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمرىّ، فى كتابه المترجم بالاستيعاب، فى ترجمة بن أبى أمية، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعثه إلى الجارث كما قدّمنا.
قال ابن سعد: وكتب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى جبلة بن الأيهم ملك غسّان يدعوه إلى الإسلام فأسلم، وكتب بإسلامه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأهدى له هدية، ولم يذكر اسم المرسل إليه، ثم كان من أمر جبلة بن الأيهم، وخبر ارتداده ما نذكره إن شاء الله تعالى، فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه.
وقال محمد بن إسحق رحمه الله: وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد بعث أمراءه وعمّاله على الصّدقات، إلى كل ما أوطأ «1» الإسلام من البلدان.
فبعث المهاجر بن أبى أميّة بن المغيرة إلى صنعاء، فخرج عليه العنسىّ وهو بها.
وبعث زياد بن لبيد، أخا بنى بياضة الأنصارى، إلى حضر موت وعلى صدقاتها.
وبعث عدىّ بن حاتم على طيّىء وصدقاتها، وعلى بنى أسد. وبعث مالك بن نويرة اليربوعى على صدقات بنى حنظلة، وفرّق صدقات بنى سعد على رجلين منهم؛ فبعث الزّبرقان بن بدر على ناحية منها، وقيس بن عاصم على ناحية.
قال: وكان قد بعث العلاء بن الحضرمىّ على البحرين، وبعث علىّ بن أبى طالب إلى أهل نجران ليجمع صدقتهم، ويقدم عليه بجزيتهم.
هذا ما وقفنا عليه من أخبار رسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلنذكر من أخباره صلّى الله عليه وسلّم خلاف ذلك.
(18/169)

ذكر أزواج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
وهنّ: خديجة بنت خويلد، وسودة بنت زمعة، وعائشة بنت أبى بكر الصّدّيق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وزينب بنت خزيمة بن الحارث، وأمّ سلمة هند بنت أبى أمية، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، وريحانة بنت زيد، وأم حبيبة رملة بنت أبى سفيان بن حرب، وصفيّة بنت حيىّ ابن أخطب، وميمونة بنت الحارث؛ هؤلاء المدخول بهنّ، وهنّ ثنتا عشرة امرأة رضوان الله عليهنّ. وسنذكر إن شاء الله تعالى، بعد أن نذكر أخبار هؤلاء، من تزوّجهنّ صلّى الله عليه وسلّم، ولم يدخل بهنّ، ومن وهبت نفسها له، ومن خيرها فاختارت الدّنيا، ومن فارقها صلّى الله عليه وسلّم، ولنذكر أخبارهنّ على حسب اتصالهنّ به صلّى الله عليه وسلّم.
فأوّل امرأة تزوّج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
خديجة بنت خويلد
ابن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ بن كلاب القرشية، رضى الله عنها، وكانت تدعى فى الجاهلية الطّاهرة «1» ، وأمّها فاطمة بنت زائدة بن الأصمّ، واسم الأصمّ جندب ابن هرم بن رواحة بن حجر بن معيص بن عامر بن لؤىّ. وكانت خديجة عند أبى هالة بن زرارة بن نبّاش بن عدىّ بن حبيب بن صرد بن سلامة بن جروة بن أسيّد بن عمرو بن تميم التّميمى. قال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر ابن عاصم النّمرى: هكذا نسبه الزّبير، وأمّا الجرجانىّ النّسّابة فقال: كانت خديجة قبل عند أبى هالة هند بن النّبّاش بن زرارة بن وقدان بن حبيب بن سلامة بن عدى
(18/170)

ابن جروة بن أسيّد بن عمرو بن تميم، فولدت له هندا، قال: ثم اتفقا فقالا:
ثم خلف عليها بعد أبى هالة عتيق بن عابد «1» بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ثم خلف عي؟؟ ها بعد عتيق المخزومى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وقال قتادة: كانت خديجة تحت عتيق بن عابد المخزومى، ثم خلف عليها بعده أبو هالة هند بن زرارة، قال أبو عمر: والأوّل أصح.
وقال أبو محمد عبد المؤمن بن خلف: إنها ولدت لعتيق جارية تدعى هند، ثم هلك عنها فخلف عليها أبو هالة فولدت له ابنا وبنتا. وقال ابن إسحق: ولدت هند بن أبى هالة، وزينب بنت أبى هالة، وولدت لعتيق عبد الله وجارية، قال:
ثم هلك فتزوّجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد قدّمنا ذكر زواجه صلّى الله عليه وسلّم بها، فلا حاجة إلى إعادته. وولدت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم جميع أولاده، إلا إبراهيم. وقال أبو عمر: لا يختلفون أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يتزوج فى الجاهلية «2» غير خديجة، ولا تزوّج عليها أحدا من نسائه حتى ماتت، وهى أوّل من آمن بالله عزّ وجلّ، وبرسوله صلّى الله عليه وسلّم على الإطلاق.
قال ابن إسحق رحمه الله: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يسمع من المشركين شيئا يكرهه، من ردّ عليه وتكذيب له إلا فرّج الله عنه بخديجة، تثبّته وتصدّقه وتخفّف عنه وتهوّن عليه ما يلقى من قومه، وقد تقدّم من أخبارها فى ابتداء الوحى وامتحانها الأمر «3» ، وقولها لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إن الذى يأتيه ملك،
(18/171)

وغير ذلك ما تقف عليه هناك، مما يستدل به على أنها رضى الله عنها أوّل من آمن بالله تعالى وبرسوله، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة المنتشرة، بفضل خديجة رضى الله عنها؛ فمن ذلك ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «سيّدة نساء أهل الجنة بعد مريم بنت عمران فاطمة وخديجة وآسية امرأة فرعون» . وعن عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، وما بى أن أكون أدركتها، ولكن ذلك لكثرة ذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إياها، وأن كان ليذبح الشاة فيتتبع بذلك صدائق خديجة يهديها لهنّ. وعنها رضى الله عنها قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن عليها الثناء، فذكرها يوما من الأيام فأدركتنى الغيرة فقلت: هل كانت إلا عجوزا قد أبدلك الله خيرا منها؟
فغضب حتى اهتز مقدّم شعره من الغضب، ثم قال: «لا والله ما أبدلنى الله خيرا منها، آمنت بى إد كفر الناس، وصدّقتنى إذ كذّبنى الناس، وواستنى فى مالها إذ حرمنى الناس، ورزقنى الله منها أولادا إذ حرمنى أولاد النساء» قالت عائشة:
فقلت فى نفسى لا أذكرها بسيّئة أبدا.
وقد قدّمنا من فضلها وما بشّرها به جبريل عليه السلام، وذكر وفاتها عند ذكرنا لزواج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لها ما يستغنى عن إيراده فى هذا الموضع، وهو فى الجزء الرابع عشر من كتابنا هذا من هذه النسخة.
ولما ماتت خديجة تزوّج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد وفاتها بأيام:
(18/172)

سودة بنت زمعة بن قيس
ابن عبد شمس بن عبدودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤىّ، ويقال فى حسل: حسيل. وأمها الشّموس بنت قيس بن زيد بن عمرو بن لبيد ابن خداش بن عامر بن غنم بن عدىّ بن النّجّار، تزوّجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمكة، بعد موت خديجة، وقبل العقد على عائشة على المشهور، وكانت قبل عند ابن عمّ لها يقال له السّكران بن عمرو، وهو أخو سهيل بن عمرو، من بنى عامر ابن لؤىّ. وأسنّت سودة عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فهمّ بطلاقها، فقالت له: لا تطلقنى وأنت فى حلّ من شأنى، فإنما أريد أن أحشر فى أزواجك، وإنّى قد وهبت يومى لعائشة، وإنى ما أريد ما تريد النساء. فأمسكها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصار يقسم لبقية أزواجه دونها، ونوبتها لعائشة، فكانت كذلك حتى توفّى عنها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع من توفّى عنهن من أزواجه.
قال أبو عمر: وفى سودة نزل قوله تعالى: «وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ»
«1» . وقيل:
نزلت فى عمرة «2» ، ويقال: خولة بنت محمد بن مسلمة، وفى زوجها سعد بن «3» الرّبيع.
ويقال فى غيرها. والله أعلم. وكانت وفاة سودة فى آخر زمان عمر بن الخطاب، ثم تزوّج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد سودة:
(18/173)

عائشة بنت أبى بكر الصّدّيق رضى الله عنهما
وأمها أمّ رومان ابنة عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتّاب بن أذينة بن سبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة، تزوّجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمكة، فى شوّال سنة عشر من النبوّة، قبل الهجرة بثلاث سنين، وهى بنت ستّ أو سبع، وبنى بها بالمدينة على رأس سبعة أشهر من الهجرة، وهى ابنة تسع سنين، وتوفى عنها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهى بنت ثمانى عشرة سنة، ولم يتزوّج صلّى الله عليه وسلّم بكرا غيرها، وكانت عائشة رضى الله عنها تذكر لجبير ابن مطعم بن عدىّ وتسمّى «1» له، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أرى عائشة فى المنام فى سرقة «2» من حرير متوفّى خديجة، فقال: «إن يكن هذا من عند الله يمضه» فتزوّجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شوّال وابتنى بها فى شوّال، فكانت تحبّ أن تدخل النساء من أهلها وأحبّتها فى شوّال على أزواجهنّ، وتقول: هل كان فى نسائه عنده أحظى منّى، وقد نكحنى وابتنى بى فى شوّال.
قال أبو عمر: فكان مكثها مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تسع سنين، روى عنها أنها قالت: تزوّجنى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنا بنت سبع سنين، وبنى بى وأنا بنت تسع، وقبض عنّى وأنا بنت ثمانى عشرة.
قال أبو عمر: واستأذنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى الكنية فقال لها:
«اكتنى بابنك عبد الله بن الزبير» يعنى ابن أختها، وكان مسروق إذا حدّث عن عائشة يقول: حدّثنى الصّادقة ابنة الصّدّيق، البريئة المبرّأة بكذا وكذا. ذكره الشّعبى عن مسروق. وقال أبو الضّحا عن مسروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد
(18/174)

صلى الله عليه وسلّم الأكابر يسألونها عن الفرائض. وقال عطاء بن أبى رباح:
كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيا فى العامّة. وقال هشام ابن عروة عن أبيه: ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطبّ ولا بشعر من عائشة» .
وعن عبد الرحمن بن أبى الزّناد عن أبيه، قال: ما رأيت أحدا أروى لشعر من عروة، فقيل له: ما أرواك يا أبا عبد الله! قال: وما روايتى فى رواية عائشة، ما كان ينزل بها شىء إلا أنشدت فيه شعرا. قال الزهرىّ: لو جمع علم عائشة إلى جميع علم أزواج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعلم جميع النساء، لكان علم عائشة أفضل. وروى عن عمرو بن العاص قال: قلت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم أىّ الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة» ، قلت: فمن الرجال؟ قال: «أبوها» .
ومن حديث أبى موسى الأشعرى، وأنس بن مالك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «فضل عائشة على النساء كفضل الثّريد على سائر الطعام «2» » .
ومن فضل عائشة أن الله عز وجل أنزل فى براءتها ما أنزل، وقد ذكرنا ذلك فى حديث الإفك، فى حوادث سنة خمس من الهجرة، وهو فى الجزء الرابع عشر من كتابنا هذا، من هذه النسخة. وروى عن مالك بن أنس رحمه الله أنه قال:
من سبّ أبا بكر جلد، ومن سبّ عائشة قتل، فقيل له: لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن؛ لأن الله تعالى يقول: «يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»
«3» فمن عاد لمثله فقد كفر. وعن القاضى أبى بكر بن الطيّب قال:
إن الله تعالى إذا ذكر فى القرآن ما نسبه إليه المشركون سبّح نفسه لنفسه؛ كقوله:
(18/175)

«وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ»
«1» فى آى كثير. وذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة فقال: «وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ»
«2» سبح نفسه فى تنزيهها من السّوء، كما سبّح نفسه فى تنزيهه من السّوء. وفضائلها رضى الله عنها كثيرة مشهورة.
وسنذكر إن شاء الله تعالى، عند ذكرنا لوفاة سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما خصّها به صلّى الله عليه وسلّم، فى مرضه الذى مات فيه، من تمريضه فى بيتها، وأنه مات صلّى الله عليه وسلّم فى بيتها وفى نوبتها، وبين سحرها ونحرها «3» ، وآخر ما دخل فمه ريقها، وناهيك بها فضيلة وخصوصية. وكانت وفاة عائشة رضى الله عنها بالمدينة، فى سنة سبع وخمسين، وقيل: فى سنة ثمان وخمسين، ليلة الثلاثاء، لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، وأمرت أن تدفن ليلا، فدفنت بعد الوتر بالبقيع، وصلّى عليها أبو هريرة، ونزل فى قبرها خمسة: عبد الله، وعروة ابنا الزّبير، والقاسم بن محمد، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر، وعبد الله بن محمد بن أبى بكر، والله أعلم.
وتزوّج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد زواج عائشة:
حفصة بنت عمر بن الخطاب رضى الله عنها
وهى أخت عبد الله بن عمر لأبيه وأمه، وأمّها زينب بنت مظعون بن حبيب ابن وهب بن حذافة بن جمح، وكانت حفصة من المهاجرات، وكانت قبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند خنيس بن حذافة بن قيس بن عدىّ السّهمىّ، وكان
(18/176)

بدريا، فلما مات عنها وتأيّمت، ذكرها عمر لأبى بكر وعرضها عليه، فلم يرجع إليه أبو بكر كلمة، فغضب من ذلك عمر، ثم عرضها على عثمان حين مائت رقيّة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال عثمان: ما أريد أن أتزوّج اليوم، فانطلق عمر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فشكا إليه عثمان، وأخبره بعرضه حفصة عليه، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يتزوّج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوّج عثمان من هى خير من حفصة» ثم خطبها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى عمر فتزوّجها، فلقى أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب فقال: لا تجد علىّ فى نفسك، فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان ذكر حفصة، فلم أكن لأفشى سرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولو تركها لتزوّجتها. وتزوّجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على رأس ثلاثين شهرا من مهاجره. قال أبو عمر: وطلقها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تطليقة ثم ارتجعها؛ وذلك أن جبريل عليه السلام قال له: «راجع حفصة فإنها صوّامة قوّامة، وأنها زوجتك فى الجنة» . وروى عن عقبة بن عامر قال: طلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حفصة بنت عمر، فبلغ ذلك عمر فحثى على رأسه التراب، وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعد هذا، فنزل جبريل من الغد على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال: «إنّ الله يأمرك أن تراجع حفصة بنت عمر رحمة لعمر» .
قال أبو عمر: وأوصى عمر بعد موته إلى حفصة، وأوصت حفصة إلى عبد الله ابن عمر بما أوصى به إليها عمر، وبصدقة تصدّقت بها [بمال «1» ] وقفته بالغابة.
واختلف فى وفاتها، فقال الدّولابىّ: عن أحمد بن محمد بن أيوب، توفيت
(18/177)

فى سنة سبع وعشرين، وقال أبو معشر: توفيت فى جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، وقال غيره: توفيت فى شعبان سنة خمس وأربعين بالمدينة، وصلّى عليها مروان بن الحكم، وحمل سريرها، وهو إذ ذاك أمير المدينة لمعاوية بن أبى سفيان، وهذا الذى أشار إليه الشيخ أبو محمد الدمياطى فى مختصر السيرة. قال: ثم تزوّج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد زواج حفصة بنت عمر:
زينب بنت خزيمة بن الحارث
ابن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية ابن بكر بن هوازن القيسيّة الهوازنيّة العامرية الهلالية، وكانت تدعى فى الجاهلية «1» أمّ المساكين، وكانت قبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند الطفيل بن الحارث ابن المطلب بن عبد مناف فطلقها، فخلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث فقتل عنها يوم بدر شهيدا، فخلف عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى شهر رمضان على رأس أحد وثلاثين شهرا من مهاجره. وقيل: كانت تحت عبد الله بن جحش فقتل عنها يوم أحد، فتزوّجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وعلى الأول اعتمد الشيخ أبو محمد، قال: ومكثت عنده ثمانية أشهر، وتوفيت فى آخر شهر ربيع الآخر، وصلّى عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ودفنها بالبقيع، وقد بلغت ثلاثين سنة أو نحوها، ولم يمت من أزواجه فى حياته غيرها، وغير خديجة، قال: وفى ريحانة «2» خلاف. وقال أبو الحسن على بن عبد العزيز الجرجانى النّسّابة: كانت زينب بنت خزيمة أخت ميمونة لأمها، قال أبو عمر: ولم أر ذلك لغيره، والله أعلم.
ثم تزوّج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد زينب بنت خزيمة:
(18/178)

أمّ سلمة هند بنت أبى أمية
حذيفة المعروف بزاد الرّاكب بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة ابن مرّة بن كعب بن لؤىّ القرشية المخزومية. وكان أبوها أحد أجواد قريش المشهورين بالكرم. وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك بن خزيمة بن علقمة ابن فرّاس. وكانت قبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند أبى سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن برّة بنت عبد المطلب عمّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وولدت له عمر وزينب، فكانا ربيبى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال أبو عمر: ولدت له عمر وسلمة ودرّة «1» وزينب.
قال، وكانت هى وزوجها أول من هاجر إلى أرض الحبشة، ويقال أيضا: أمّ سلمة أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة، وقيل: بل ليلى بنت أبى حثمة زوج عامر بن ربيعة.
تزوج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمّ سلمة فى ليال بقين من شوّال سنة أربع من مهاجره، وقال أبو عمر: تزوجها فى سنة اثنتين «2» من الهجرة بعد وقعة بدر، عقد عليها فى شوّال، وابتنى بها فى شوّال، وقال لها: «إن شئت سبّعت عندك، وسبعت لنسائى، وإن شئت ثلّثت ودرت» فقالت: ثلّث. قال ابن هشام:
زوجه إياها ابنها سلمة بن أبى سلمة، وأصدقها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فراشا حشوه ليف وقدحا وصحفة ومجشّة «3» . وقد اختلف فى وفاتها؛ فقيل: توفيت فى سنة ستين من الهجرة، وقيل: فى شهر رمضان أو شوال سنة تسع وخمسين،
(18/179)

وقال الشيخ أبو محمد عبد المؤمن: توفيت فى سنة اثنتين وستين. قال أبو عمر:
وصلّى عليها أبو هريرة، وقيل: سعيد بن زيد «1» بوصية منها، ودخل قبرها عمر وسلمة ابنا أبى سلمة، وعبيد الله بن عبد الله بن أبى أمية، وعبد الله بن وهب بن ربيعة، ودفنت بالبقيع رحمها الله، وهى آخر أزواج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم موتا، وقيل: بل ميمونة آخرهن. والله أعلم.
ثم تزوّج صلّى الله عليه وسلّم بعدها:
زينب بنت جحش بن رئاب
ابن يعمر بن صبرة بن مرّة بن كبير- بالباء الموحّدة- ابن غنم بن دودان ابن أسد بن خزيمة.
وكان اسم زينب برّة، فسماها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زينب، وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم، عمّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ قال الشيخ أبو محمد عبد المؤمن: تزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لهلال ذى القعدة سنة أربع على الصّحيح «2» ، وهى يومئذ بنت خمس وثلاثين سنة، وكانت قبل ذلك عند زيد بن حارثة مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم فارقها، فلما حلّت «3» زوّجه الله إياها، وهى التى قال الله تعالى فيها: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها
«4» ولما تزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تكلم فى ذلك المنافقون، وقالوا حرّم
(18/180)

محمد نساء الولد وقد تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله عز وجل: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ
«1» . وقال تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ «2»
، فدعى زيد يومئذ زيد بن حارثة، وكان قبل ذلك يدعى زيد بن محمد. قالت عائشة رضى الله عنها: لم يكن أحد من نساء النبى صلّى الله عليه وسلّم يسامينى «3» في حسن المنزلة عنده غير زينب بنت جحش، وكانت تفخر على نساء النبىّ صلّى الله عليه وسلّم؛ تقول: إن آباء كنّ أنكحوكنّ وأن الله أنكحنى إياه من فوق سبع سموات. وعن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لزيد بن حارثة:
«اذكرها علىّ» قال زيد: فانطلقت فقلت لها: يا زينب، أبشرى، فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أرسل يذكرك. فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر «4» ربى؛ فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه: «إن زينب بنت جحش أوّاهة» فقال رجل: يا رسول الله، ما الأوّاه؟ قال: «الخاشع المتضرع، وإِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ
«5» . وعن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها؛ قالت قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوما لنسائه: «أسرعكنّ لحاقا بى أطو لكنّ «6» يدا» ، قالت: فكنّ يتطاولن أيهنّ أطول يدا، قالت: فكانت أطولنا يدا زينب؛ لأنها كانت تعمل بيديها وتتصدق. وعن عائشة رضى الله عنها أيضا، قالت كانت زينب بنت جحش
(18/181)

تسامينى فى المنزلة عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وما رأيت امرأة قطّ خيرا فى الدين من زينب، وأتقى لله وأصدق حديثا؛ وأوصل للرحم، وأعظم صدقة. ومن رواية أخرى عنها أنها ذكرت زينب فقالت: ولم تكن امرأة خيرا منها فى الدين، وأتقى لله، وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد تبذلا «1» في نفسها فى العمل الذى تتصدق به وتتقرب إلى الله عز وجل. وكانت وفاة زينب بالمدينة فى سنة عشرين من الهجرة، فى خلافة عمر، وقيل: فى سنة إحدى وعشرين، ودفنت بالبقيع رضى الله عنها.
ثم تزوّج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد زينب:
جويرية بنت الحارث
ابن أبى ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة، وهو المصطلق بن سعد ابن كعب بن عمرو بن ربيعة، وهو لحىّ بن حارثة بن عمرو مزيقياء «2» بن عامر ماء السّماء؛ الأزدية الخزاعية المصطلقية. سباها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم المريسيع «3» فوقعت جويرية فى سهم ثابت بن قيس بن شمّاس، وكاتبها على تسع أواق، فأدّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عنها كتابتها وتزوّجها. وقيل: جاء أبوها فافتداها، ثم أنكحها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى سنة ست من الهجرة. وروى عن عائشة رضى الله عنها قالت: لما قسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سبايا بنى المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث فى السّهم لثابت بن قيس بن شمّاس- أو لابن عم له-
(18/182)

فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاحة «1» ، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تستعينه فى كتابتها، قالت عائشة: فو الله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتى فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت، فدخلت عليه، فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار سيّد قومه وقد أصابنى من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت فى السّهم لثابت بن قيس بن شمّاس- أولا بن عمّ له- فكاتبته على نفسى، فجئتك أستعينك على كتابتى، قال: «فهل لك فى خير من ذلك» ؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «أقض عنك كتابتك وأتزوجك» ، قالت: نعم يا رسول الله، قال: «قد فعلت» ؛ قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد تزوج بجويرية بنت الحارث فقال الناس: أصهار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأرسلوا ما بأيديهم، فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بنى المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها.
قال أبو عمر: وكانت جويرية قبل تحت مسافع بن صفوان المصطلقى، قال:
وكان اسمها برّة، فغيّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اسمها وسماها جويرية، وحفظت جويرية عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وروت عنه، وتوفيت بالمدينة فى شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين، وصلّى عليها مروان بن الحكم وهو والى المدينة وقد بلغت سبعين سنة؛ لأنه صلّى الله عليه وسلّم تزوجها وهى بنت عشرين سنة. وقيل: توفيت فى سنة خمسين. والله أعلم.
ثم تزوج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد جويرية:
(18/183)

ريحانة بنت زيد بن عمر بن خنافة بن شمعون
قال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النّمرى رحمه الله: هى ريحانة بنت شمعون بن زيد بن خنافة «1» من بنى قريظة، وقيل من بنى النّضير. قال: والأكثر من بنى قريظة. قال الشيخ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف رحمه الله: وكانت متزوجة رجلا من بنى قريظة، يقال له الحكم، وكانت قد وقعت فى السبى يوم بنى قريظة، وذلك فى ليال من ذى القعدة سنة خمس من الهجرة، فكانت صفىّ «2» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فخيرها بين الإسلام ودينها فاختارت الإسلام فأعتقها وتزوجها، وأمهرها اثنتى عشرة أوقية ونشّا، وأعرس بها فى المحرّم سنة ستّ، فى بيت أمّ المنذر سلمى بنت قيس من بنى النجار، وضرب عليها الحجاب، فغارت عليه غيرة شديدة، فطلقها تطليقة، فأكثرت البكاء فراجعها، فكانت عنده حتى ماتت بعد رجعته من حجّة الوداع، فدفنها بالبقيع. وقيل: إنه لم يتزوّجها وكان يطؤها بملك اليمين، وأنه خيّرها بين العتق والتزويج، أو تكون فى ملكه، فقالت: أكون فى ملكك أخف علىّ وعليك، فكانت فى ملكه حتى توفّى عنها. قال: والأوّل أثبت.
ثم تزوّج صلّى الله عليه وسلّم:
أمّ حبيبة رملة بنت أبى سفيان
صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصىّ القرشية الأموية، وأمها صفيّة بنت أبى العاص بن أمية عمة عثمان بن عفان، هاجرت أمّ حبيبة مع زوجها عبيد الله «3» بن جحش إلى أرض الحبشة فى الهجرة الثانية، فولدت له هناك
(18/184)

حبيبة فكنيت بها، وتنصّر عبيد الله زوجها، وارتدّ عن الإسلام، ومات على ذلك، وثبتت أمّ حبيبة على دين الإسلام، فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عمرو بن أمية الضّمرىّ إلى النجاشىّ، كما قدّمنا ذكر ذلك فزوّجه إياها، وكان الذى عقد عليها خالد بن سعيد بن العاص بن أمية على الأصح، وأصدقها النجاشىّ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أربعمائة دينار، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة «1» وجهّزها إلى المدينة، وذلك فى سنة سبع من الهجرة، وهذا هو المعروف المشهور.
وقيل: إن الذى زوّجها عثمان بن عفان، وأن العقد كان بالمدينة بعد رجوعها من أرض الحبشة. والأوّل أثبت.
وروى الزبير بن بكّار قال: حدّثنى محمد بن حسن عن عبد الله بن عمرو بن زهير، عن إسمعيل بن عمرو أن أمّ حبيبة قالت: ما شعرت وأنا بأرض الحبشة إلا برسول النجاشى جارية يقال لها أبرهة، كانت تقوم على ثيابه ودهنه، فاستأذنت علىّ فأذنت لها، فقالت: إن الملك يقول لك إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد كتب إلىّ أن أزوّجكه «2» فقلت: بشّرك الله بخير، وقالت: يقول لك الملك وكلّى من يزوّجك، فأرسلت إلى خالد بن سعيد فوكّلته، وأعطيت أبرهة سوارى فضّة كانتا علىّ، وخواتم فضة كانت فى أصابعى سرورا بما بشّرتنى، فلما كان العشىّ أمر النجاشىّ جعفر بن أبى طالب ومن هناك من المسلمين يحضرون، وخطب النجاشى فقال: الحمد لله الملك القدّوس، السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبّار، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأنه الذى بشر به عيسى بن مريم- أمّا بعد- فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتب إلىّ أن أزوجه أمّ حبيبة بنت
(18/185)

أبى سفيان، فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد أصدقتها أربعمائة دينار. ثم سكب الدنانير بين يدى القوم، فتكلم خالد بن سعيد، فقال:
الحمد لله أحمده وأستعينه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون- أما بعد- فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وزوّجته أمّ حبيبة بنت أبى سفيان، فبارك الله لرسوله. ودفع النجاشى الدّنانير إلى خالد بن سعيد فقبضها؛ ثم أرادوا أن يقوموا، فقال النجاشى: اجلسوا فإن سنة الأنبياء عليهم السلام إذا تزوّجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرّقوا. وماتت أمّ حبيبة سنة أربع وأربعين «1» . وروى عن علىّ بن حسين قال: قدمت منزلى فى دار علىّ بن أبى طالب، فحفرنا فى ناحية منه فأخرجنا منه حجرا فإذا فيه مكتوب، هذا قبر رملة بنت صخر، فأعدناه مكانه، حكاه أبو عمر بن عبد البر فى الاستيعاب فى ترجمة أم حبيبة «2» .
ثم تزوّج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد أم حبيبة:
صفيّة بنت حيىّ بن أخطب
ابن سعية بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الحارث بن أبى حبيب بن النّضير بن النّحّام بن نحوم «3» ، من بنى إسرائيل من سبط هرون بن عمران عليه السلام.
كان أبوها سيّد بنى النّضير، وأمّها برّة «4» بنت سموءل، أخت رفاعة «5» ، وكانت صفيّة عند سلام بن مشكم القرظىّ الشاعر، ففارقها فخلف عليها كنانة بن الربيع
(18/186)

ابن أبى الحقيق النّضرىّ «1» الشاعر، فقتل يوم خيبر، ولم تلد لأحد منهما شيئا، فاصطفاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لنفسه فأعتقها وتزوّجها وجعل عتقها صداقها، ولم تبلغ يومئذ سبع عشرة سنة.
وحكى محمد بن إسحق فى مغازيه، وأبو بكر أحمد بن الحسين البيهقى فى دلائل النبوة، فى غزاة خيبر: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما افتتح القموص:
- حصن ابن أبى الحقيق- أتى بصفيّة بنت حيىّ بن أخطب، وبأخرى معها، فمر بهما بلال على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التى مع صفية صاحت وصّكّت وجهها وحثت التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:
«أغربوا «2» عنى هذه الشيطانة» وأمر بصفية فحيزت خلفه، وألقى عليها رداءه، فعرف المسلمون أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد اصطفاها لنفسه، وكانت صفية قد رأت فى المنام، وهى عروس بكنانة بن الربيع، أن قمرا وقع فى حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها «3» ، فقال: ما هذا إلا أنك تمنّين ملك الحجاز محمدا: فلطم وجهها لطمة خضّر «4» عينها منها، فأتى بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبها أثر منه، فسألها ما هو فأخبرته هذا الخبر.
وروى عن أنس بن مالك من رواية صهيب، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما جمع سبى خيبر جاءه دحية فقال: أعطنى جارية من السّبى، قال: «اذهب فخذ جارية» فأخذ صفيّة بنت حيىّ، فقيل: يا رسول الله، إنها سيّدة قريظة والنّضير،
(18/187)

ما تصلح إلا لك، فقال له النبىّ صلّى الله عليه وسلّم: «خذ جارية من السّبى غيرها» .
وقال ابن شهاب: كانت مما أفاء الله عليه، حجبها وأولم عليها بتمر وسويق، وقسم لها، وكانت إحدى أمهات المؤمنين، قال أبو عمر: روى أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دخل على صفية وهى تبكى، فقال لها: «ما يبكيك» ؟ قالت:
بلغنى أن عائشة وحفصة تنالان منى، وتقولان نحن خير من صفية، نحن بنات عمّ رسول الله وأزواجه، قال: «ألا قلت لهنّ كيف تكنّ خيرا منّى وأبى هرون، وعمّى موسى، وزوجى محمد صلّى الله عليه وسلّم» . وكانت صفية حليمة عاقلة فاضلة؛ روى أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فقالت: إن صفية تحب السّبت وتصل اليهود، فبعث إليها عمر يسألها، فقالت: أما السّبت فإنى لم أحبّه منذ أبدلنى الله به يوم الجمعة، وأما اليهود فإن لى فيهم رحما فأنا أصلها، ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: الشيطان، قالت: فاذهبى فأنت حرة. وتوفّيت صفية فى شهر رمضان سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين. ودفنت بالبقيع، وورثت مائة ألف درهم بقيمة أرض وعرض، وأوصت لابن أختها بثلثها، وكان يهوديا.
ثم تزوج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعدها:
ميمونة بنت الحارث
ابن حزن بن بجير بن هزم «1» بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر.
وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة بن حمير، وقيل: من كنانة، وأن زهير بن الحارث بن كنانة.
(18/188)

وأخوات ميمونة لأبيها وأمها: أمّ الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث، زوج العباس بن عبد المطلب. ولبابة الصّغرى زوج الوليد بن المغيرة، أمّ خالد بن الوليد. وعصماء بنت الحارث، كانت تحت أبىّ بن خلف الجمحىّ. وعزّة بنت الحارث، كانت عند زياد بن عبد الله بن مالك الهلالى.
وأخواتها لأمها: أسماء بنت عميس؛ كانت تحت جعفر بن أبى طالب، فولدت له عبد الله، وعونا ومحمدا، ثم خلف عليها أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه، فولدت له محمدا، ثم خلف عليها على بن أبى طالب، فولدت له يحيى، وقيل:
إن أسماء كانت تحت حمزة بن عبد المطلب، فولدت له أمة الله بنت حمزة، ثم خلف عليها بعده شدّاد بن أسامة بن الهاد اللّيثىّ، فولدت له عبد الله، وعبد الرحمن.
وسلامة بنت عميس أخت أسماء. وسلمى بنت عميس كانت تحت عبد الله بن كعب بن منبّه الخثعمى. وزينب بنت خزيمة أخت ميمونة لأمّها.
قال أبو عمر بسنده إلى ابن عباس رضى الله عنهما: كان اسم ميمونة برّة، فسماها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ميمونة، وقال: لما توجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى مكة معتمرا فى سنة سبع؛ وهى عمرة القضاء، خطب جعفر بن أبى طالب عليه ميمونة بنت الحارث الهلاليّة، وكانت أختها لأمها أسماء بنت عميس عند جعفر، وسلمى بنت عميس عند حمزة، وأم الفضل عند العباس، فأجابت جعفر ابن أبى طالب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، فأنكحها النبىّ صلّى الله عليه وسلّم وهو محرم، فلما رجع بنى بها بسرف «1» حلالا، وكانت قبله عند أبى رهم بن عبد العزّى بن أبى قيس بن عبدودّ بن
(18/189)

نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤىّ، ويقال: بل كانت عند سبرة بن أبى رهم.
حكاه أبو عبيدة، وقال عبد الله بن محمد بن عقيل: كانت ميمونة قبل النبى صلّى الله عليه وسلّم عند حويطب بن عبد العزّى، وقيل: كانت فى الجاهلية عند مسعود بن عمرو بن عمير الثقفى ففارقها، وخلف عليها أبو رهم أخو حويطب فتوفّى عنها، فتزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. قال ابن شهاب: وهى التى وهبت نفسها للنبى صلّى الله عليه وسلّم، وكذلك قال قتادة، قال: وفيها نزلت وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها
«1» للنّبىّ الآية، وقد قيل: إن الواهبة خولة وقيل: أمّ شريك.
قال قتادة: وكانت ميمونة قبله عند فروة بن عبد العزّى بن أسد بن غنم بن دودان، قال أبو عمر: هكذا قال قتادة وهو خطأ، والصواب ما تقدم. والله أعلم. قال الشيخ أبو محمد الدمياطى: وماتت ميمونة بسرف فى سنة إحدى وخمسين على الأصح؛ وقد بلغت ثمانين سنة.
فهؤلاء نساؤه المدخول بهنّ، ومات صلّى الله عليه وسلّم عن تسع منهنّ؛ وهنّ:
عائشة بنت أبى بكر الصّدّيق، وحفصة بنت عمر، وسودة بنت زمعة، وأمّ سلمة بنت أبى أمية، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث وأمّ حبيبة بنت أبى سفيان؛ وصفيّة بنت حيىّ بن أخطب، وميمونة بنت الحارث رضوان الله عليهم أجمعين.
ذكر من تزوجهنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من النساء ولم يدخل بهنّ، ومن دخل بهنّ وطلّقهنّ، ومن وهبت نفسها له صلّى الله عليه وسلّم:
فاطمة بنت الضّحّاك
ابن سفيان بن عوف بن كعب بن أبى بكر، وهو عبيد بن كلاب بن ربيعة ابن عامر الكلابية.
(18/190)

تزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى ذى القعدة، سنة ثمان من الهجرة منصرفه من الجعرانة، فلما دنا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال: «لقد عذت بعظيم الحقى بأهلك «1» » فكانت إذا استأذنت على أزواج النبى صلّى الله عليه وسلّم تقول:
أنا الشّقيّة إنما خدعت. ودلهت «2» وذهب عقلها، وماتت سنة ستين. وروى عن ابن إسحق أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تزوجها بعد وفاة ابنته زينب، وخيّرها حين أنزلت آية التخيير «3» فاختارت الدنيا ففارقها، فكانت بعد تلقط البعر «4» ، وتقول:
أنا الشّقية اخترت الدنيا. قال أبو عمر بن عبد البر: وهذا عندى غير صحيح؛ لأن ابن شهاب يروى عن أبى سلمة وعروة عن عائشة: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين خيّر أزواجه بدأ بها فاختارت الله ورسوله قالت وتتابع أزواج النبى صلّى الله عليه وسلّم على ذلك، قال قتادة وعكرمة: كان عنده حين خيّرهن تسع نسوة وهنّ اللواتى توفّى عنهن، قال الشيخ أبو محمد عبد المؤمن: وقيل إنما طلقها لبياض «5» كان بها. وقيل: إنما فارقها لأنه كان إذا خرج طلعت إلى المسجد. وقيل: إن الضحّاك عرض ابنته فاطمة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: إنها لم تصدّع «6» قطّ، فقال: «لا حاجة لى بها» . وروى عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال:
كان فى نساء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سناء «7» بنت سفيان بن عوف بن كعب ابن أبى بكر بن كلاب. ومنهن:
(18/191)

عمرة بنت يزيد بن الجون الكلابية
وقيل: عمرة بنت يزيد بن عبيد بن رواس بن كلاب الكلابية، وهو أصحّ.
وفى رواية قال أبو عمر: تزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فبلغه أن بها برصّا فطلّقها، ولم يدخل بها. وقيل: إنها التى تعوذت منه حين أدخلت عليه.
وقيل غيرها. ومنهن:
العالية بنت ظبيان بن الجون
ابن عوف بن كعب بن أبى بكر بن عبيد بن كلاب الكلابية. قال أبو عمر:
تزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكانت عنده ما شاء الله ثم طلّقها، قال: وقلّ من ذكرها. هؤلاء اللاتى ذكرن من بنى كلاب بن ربيعة بن عامر. قال أبو محمد:
ومن الناس من جعل التى تزوجها من بنى عامر واحدة، اختلف فى اسمها، وأنه لم يتزوج من بنى عامر غيرها، قال: ومنهم من جعلهن جمعا، وذكر لكل واحدة منهن قصّة، وهؤلاء اللاتى ذكرناهن، هن المشهورات من بنى عامر.
وممن ذكرن فى أزواجه صلّى الله عليه وسلّم فاطمة بنت شريح. ذكرها أبو عبيدة فى أزواج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. ومنهن:
أسماء بنت النّعمان بن أبى الجون
ابن الأسود بن الحارث بن شراحيل بن الجون بن آكل المرار الكندى، تزوج بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى سنة تسع من الهجرة، زوجه إياها أبوها حين قدم «1» ، على اثنتى عشرة أوقية ونشّ، وبعث معه أبا أسيد؛ فحملها من
(18/192)

نجد حتى نزل بها فى أطم «1» بنى ساعدة، فقالت عائشة: قد وضع يده فى الغرائب «2» يوشك أن يصرفن وجهه عنا، وكانت من أجمل النساء، فقالت حفصة لعائشة، أو عائشة لحفصة: اخضبيها أنت وأنا أمشطها، ففعلتا، ثم قالت لها إحداهما:
إنه يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول: أعوذ بالله منك؛ فلما دخلت عليه وأغلق الباب، وأرخى الستر، مدّ يده إليها، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال:
«لقد عذت بمعاذ الحقى بأهلك» وأمر أبا أسيد أن يردّها إلى أهلها؛ وقال:
«متّعها برازقيتين «3» » يعنى كرباسين، فكانت تقول: ادعونى الشّقية، وإنما خدعت؛ لما رؤى من جمالها وهيئتها، وذكر لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم من حملها على ما قالت، فقال: «إنهنّ صواحب يوسف وكيدهنّ عظيم» قال: فلما طلع بها أبو أسيد على أهلها تصايحوا؛ وقالوا: إنك لغير مباركة، ما دهاك؟ فقالت:
خدعت، وقيل لى كيت وكيت، فقالوا: لقد جعلتنا فى العرب شهرة، فقالت:
يا أبا أسيد قد كان ما كان فما الذى أصنع؟ قال: أقيمى فى بيتك واحتجى إلا من ذى رحم، ولا يطمع فيك طامع بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإنك من أمهات المؤمنين؛ فأقامت لا يطمع فيها طامع، ولا ترى إلا لذى محرم، حتى توفّيت فى خلافة عثمان بن عفّان عند أهلها بنجد.
وقال أبو عمر: أجمعوا على أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تزوّجها، واختلفوا فى قصّة فراقه لها، فقال بعضهم: لما دخلت عليه دعاها فقالت: تعال أنت، وأبت أن تجىء، هذا قول قتادة وأبى عبيدة. وزعم بعضهم أنها قالت: أعوذ بالله
(18/193)

منك، فقال: «لقد عذت بمعاذ، وقد أعاذك الله منّى» فطلقها، قال قتادة:
وهذا باطل إنما قال هذا لامرأة جميلة تزوّجها من بنى سليم. وقال أبو عبيدة:
كلتاهما عاذتا بالله عز وجل منه صلّى الله عليه وسلّم. والله تعالى أعلم. وروى البخارىّ فى صحيحه حديث أبى أسيد السّاعدىّ قال: تزوّج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
أميمة بنت شراحيل
فلما دخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين، وفى لفظ آخر، قال أبو أسيد: أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالجونية، فلما دخل عليها قال: «هبى لى نفسك» فقالت: وكيف تهب الملكة نفسها للسّوقة؟ فأهوى بيده إليها ليسكتها فقالت: أعوذ بالله منك، قال:
«قد عذت بمعاذ» ثم خرج عليه السلام فقال: «يا أبا أسيد اكسها رازقيتين وألحقها بأهلها» . وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: خلف عليها المهاجر بن أبى أميّة بن المغيرة؛ فأراد عمر أن يعاقبهما، فقالت: والله ما ضرب علىّ الحجاب ولا سميت بأمّ المؤمنين، فكف عنهما، وقيل: تزوّجها عكرمة ابن أبى جهل فى الرّدة، وقيل: خلف عليها بعد المهاجر قيس بن مكشوح المرادى، وقال ابن أبزى: الجونيّة التى استعاذت من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولم تستعذ منه امرأة غيرها.
قال أبو عمر رحمه الله: الاختلاف فى الكندية كبير جدا، منهم من يقول: هى أسماء بنت النّعمان، ومنهم من يقول: أميمة بنت النّعمان، ومنهم من يقول: أمامة بنت النّعمان، قال: واختلافهم فى سبب فراقها على ما رأيت، والاضطراب فيها وفى صواحباتها اللواتى لم يجتمع عليهنّ من أزواجه صلّى الله عليه وسلّم عظيم. ومنهنّ:
(18/194)

قتيلة بنت قيس
أخت الأشعث بن قيس بن معديكرب بن معاوية الكندية. روى عن عبد الله ابن عباس رضى الله عنهما قال: لما استعاذت أسماء بنت النعمان من النبى صلّى الله عليه وسلم خرج والغضب يعرف فى وجهه، فقال له الأشعث بن قيس: لا يسؤك الله يا رسول الله، ألا أزوّجك من ليس دونها فى الجمال والحسب؟ قال: «من» ؟ قال:
أختى قتيلة، قال: «قد تزوجتها» قال: فانصرف الأشعث إلى حضر موت، ثم حملها حتى إذا فصل من اليمن، بلغه وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فردّها إلى بلاده وارتدّ وارتدّت معه فيمن ارتد؛ فلذلك تزوجت؛ لفساد النكاح بالارتداد. قال الشيخ أبو محمد: وكان تزوجها قيس بن مكشوح المرادىّ، وقيل: تزوجها عكرمة ابن أبى جهل، فوجد أبو بكر من ذلك وجدا شديدا، وقال: لقد هممت أن أحرق عليهما بيتهما. فقال له عمر: يا خليفة رسول الله، إنها والله ما هى من أزواجه، ما خيّرها ولا حجبها، ولقد برّأها الله منه بالارتداد الذى ارتدت مع قومها. وكان تزوّجه إياها سنة عشر، وقيل: قبل موته بشهرين، وقيل: تزوّجها فى مرضه.
وقال قائلون: إنه صلّى الله عليه وسلم أوصى أن تخيّر، فإن شاءت ضرب عليها الحجاب وتحرم على المؤمنين، وإن شاءت طلقها فلتنكح من شاءت، فاختارت النكاح، فتزوجها عكرمة بن أبى جهل. وكان عروة بن الزّبير ينكر ذلك، ويقول:
لم يتزوج النبى صلّى الله عليه وسلم قتيلة بنت قيس، ولا تزوج كندية إلا أخت بنى الجون؛ ملكها، وأتى بها فلما نظر إليها طلّقها، ولم يبن بها صلّى الله عليه وسلّم.
ومنهنّ:
(18/195)

عمرة بنت معاوية الكندية
تزوّجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال الشعبىّ: تزوّج امرأة من كندة، فجىء بها بعد وفاته صلّى الله عليه وسلّم. ذكر ذلك أبو الفرج بن الجوزىّ فى التلقيح. ومنهن:
أسماء بنت الصّلت
وقيل: سناء بنت الصّلت، قال أبو عمر: وهو الصواب؛ قال: وقال علىّ ابن عبد العزيز بن على بن الحسن الجرجانى النّسابة: هى وسناء بنت الصّلت ابن حبيب بن حارثة بن هلال بن حرام بن سماك بن عوف بن امرىء القيس ابن بهثة بن سليم السّلمية؛ تزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فماتت قبل أن تصل إليه. وقال غيره: فلما بشّرت بذلك ضحكت، وماتت من الفرح. وقال ابن إسحق: سناء بنت أسماء بن الصّلت السّلمىّ، تزوّجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثم طلقها. وقال أبو نصر ابن ماكولا: سناء بنت أسماء ماتت قبل أن يدخل بها. وقيل: لما مات إبراهيم بن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قالت أسماء:
لو كان نبيا ما مات حبيبه، فخلّى سبيلها. وقال عبد الله بن عبيد بن عمير الليثى:
جاء رجل من بنى سليم إلى النبىّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، إن لى ابنة من جمالها وعقلها ما إنى لأحسد الناس عليها غيرك، فهمّ النبىّ صلّى الله عليه وسلّم أن يتزوّجها، ثم قال: وأخرى يا رسول الله، لا والله ما أصابها عندى مرض قطّ، فقال له النبى صلّى الله عليه وسلّم: «لا حاجة لنا فى ابنتك، تجيئنا نحمل خطاياها! لا خير فى مال لا يرزأ «1» منه، ولا جسم لا ينال منه» . وقال أبو عمر ابن عبد البر: وفى سبب فراقها اختلاف، ولا يثبت فيها شىء من جهة الإسناد. ومنهنّ:
(18/196)

مليكة بنت كعب الليثىّ
روى محمد بن عمر الواقدى، عن أبى معشر، قال: تزوج النبىّ صلّى الله عليه وسلّم مليكة بنت كعب، وكانت تذكر بجمال بارع، فدخلت عليها عائشة فقالت:
أما تستحيين أن تنكحى قاتل أبيك؟ فاستعاذت من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فطلقها، فجاء قومها إلى النبىّ صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: يا رسول الله، إنها صغيرة ولا ولىّ «1» لها، وأنها خدعت فارتجعها، فأبى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فاستأذنوه أن يزوّجوها قريبا لها من بنى عذرة، فأذن لهم فتزوّجها العذرىّ، وكان أبوها قتل يوم فتح مكة، قتله خالد بن الوليد بالخندمة «2» . قال محمد بن عمر: مما يضعف هذا الحديث، ذكر عائشة أنها قالت: ألا تستحيين، وعائشة لم تكن مع النبىّ صلّى الله عليه وسلّم عام الفتح، وعن عطاء بن يزيد الجندعى قال: تزوّج رسول الله صلّى الله عليه وسلم مليكة بنت كعب الليثى فى شهر رمضان، سنة ثمان، ودخل بها فماتت عنده، قال محمد بن عمر: وأصحابنا ينكرون ذلك، ويقولون لم يتزوّج كنانية قطّ، وعن الزّهرى مثل ذلك. ومنهنّ:
ابنة جندب بن ضمرة الجندعى
قال أبو محمد الدمياطى رحمه الله: روى أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تزوج ابنة جندب بن ضمرة الجندعىّ، وأنكر ذلك الواقدى، وقال: لم يتزوّج كنانية قط. ومنهنّ:
(18/197)

الغفارية
قال أبو محمد الدمياطى: قال بعضهم تزوّج النبى صلّى الله عليه وسلّم امرأة من غفار، فأمرها فنزعت ثيابها، فرأى بها بياضا، فقال: «الحقى بأهلك» ويقال:
إنما رأى البياض بالكلابية. ومنهن:
خولة بنت الهذيل بن هبيرة
ابن قبيصة بن الحارث بن حبيب بن حرقة بن ثعلبة بن بكر بن حبيب بن عمرو ابن غنم بن ثعلبة.
وأمها [خرنق «1» ] بنت خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس الكلبىّ، أخت دحية بن خليفة. تزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فهلكت فى الطريق قبل وصولها إليه. حكاه أبو عمر بن عبد البرعن الجرجانىّ النسّابة.
ومنهنّ:
شراف «2» بنت خليفة بن فروة الكلبية، أخت دحية بن خليفة الكلبىّ
قال أبو محمد الدمياطى: قال ابن الكلبى حدّثنا الشّرقىّ بن القطامى «3» قال:
لما هلكت خولة بنت الهذيل، تزوج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شراف بنت خليفة أخت دحية، ثم لم يدخل بها. وقال أبو عمر بن عبد البر: فهلكت قبل دخوله بها. وروى عن عبد الرحمن بن سابط، قال: خطب رسول الله صلّى
(18/198)

الله عليه وسلّم امرأة من كلب، فبعث عائشة تنظر إليها، فذهبت ثم رجعت، فقال لها: «ما رأيت» ؟ فقالت ما رأيت طائلا. فقال صلّى الله عليه وسلّم:
«لقد رأيت خالا بخدّها اقشعرت كل شعرة منك» فقالت: يا رسول الله، ما دونك سرّ. ومنهنّ:
خولة بنت حكيم
ابن أميّة بن حارثة بن الأوقص بن مرّة بن هلال بن فالح بن ثعلبة بن ذكوان ابن امرئ القيس «1» بن سليم. ويقال فيها: خويلة بنت حكيم، وأمها صفيّة «2» بنت العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصىّ. قال ابن الكلبىّ:
كانت خولة بنت حكيم من اللائى وهبن أنفسهنّ للنبىّ صلّى الله عليه وسلّم فأرجأها وكانت تخدم النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، وكانت عند عثمان بن مظعون فمات عنها.
وعن عروة قال: خولة بنت حكيم ممن وهبت نفسها للنبى صلّى الله عليه وسلّم.
وقال أبو عمر بن عبد البر: خولة تكنى أمّ شريك، وهى التى وهبت نفسها للنبىّ، فى قول بعضهم، وكانت امرأة فاضلة صالحة، روى عنها سعد بن أبى وقّاص، وسعيد بن المسيّب، وهى التى قالت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إن فتح الله عليك الطائف فأعطنى حلىّ بادية بنت غيلان، أو حلىّ الفارعة بنت عقيل كما تقدّم. ومنهنّ:
ليلى بنت الخطيم بن عدىّ
ابن عمرو بن سواد بن ظفر بن الحارث بن الخزرج بن عمرو، وهو النّبيت بن مالك بن الأوس، وهى أخت قيس بن الخطيم، واسم الخطيم ثابت، واسم ظفر كعب.
(18/199)

قال محمد بن سعد: عن عاصم بن عمر بن قتادة «1» قال: كانت ليلى بنت الخطيم وهبت نفسها للنبىّ صلّى الله عليه وسلّم فقبلها، وكانت تركب بعولتها «2» ركوبا شديدا، وكانت سيئة الخلق، فقالت: لا والله، لأجعلنّ محمدا لا يتزوّج فى هذا الحىّ من الأنصار، والله لآتيّنه، ولأهبنّ نفسى له، فأتت النبى صلّى الله عليه وسلّم وهو قائم مع رجل من أصحابه، فما راعه إلا بها واضعة يديها عليه، فقال: «من هذا؟
أكله الأسد» فقالت: أنا ليلى بنت سيّد قومها، قد وهبت نفسى لك، قال:
«قد قبلتك؛ ارجعى حتى يأتيك أمرى» فأتت قومها فقالوا: أنت امرأة ليس لك صبر على الضّرائر، وقد أحل الله لرسوله أن ينكح ما شاء، فرجعت فقالت: إنّ الله أحل لك النّساء، وأنا امرأة طويلة اللسان لا صبر لى على الضّرائر، واستقالته فقال:
«قد أقلتك» .
وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: أقبلت ليلى بنت الخطيم إلى النبى صلّى الله عليه وسلّم، وهو مولّ ظهره إلى الشمس، فضربت على منكبيه، فقال: «من هذا؟ أكله الأسد» وكان كثيرا ما يقولها، فقالت: أنا بنت مطعم الطّير ومبارى الريح، أنا ليلى بنت الخطيم، جئتك لأعرض عليك نفسى، تزوّجنى، قال: «قد فعلت» فرجعت إلى قومها، فقالت: قد تزوّجنى النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: بئس ما صنعت، أنت امرأة غيرى، والنبىّ صلّى الله عليه وسلّم صاحب نساء، تغارين عليه فيدعو الله عليك، فاستقيليه نفسك، فرجعت فقالت: يا رسول الله، أقلنى، قال: «قد أقلتك» قال: فتزوّجها مسعود بن أوس بن سواد بن ظفر، فولدت له، فبينا هى فى حائط من حيطان المدينة تغتسل، إذ وثب عليها ذئب فأكل بعضها، وأدركت فماتت. ومنهنّ:
(18/200)

ليلى بنت حكيم الأنصارية
الأوسية، التى وهبت نفسها للنبىّ صلّى الله عليه وسلّم، قال أبو عمر بن عبد البر:
ذكرها أحمد بن صالح المصرى فى أزواج النبى صلّى الله عليه وسلّم؛ ولم يذكرها «1» غيره فيما علمت. والله تعالى أعلم. ومنهنّ:
أمّ شريك واسمها غزيّة
بنت دودان بن عوف بن عمرو بن عامر بن رواحة بن منقذ بن عمير بن معيص ابن عامر بن لؤىّ. وقال أبو عمر: غزيلة «2» الأنصارية من بنى النجّار.
قال الشيخ أبو محمد عبد المؤمن رحمه الله: اختلف فيها، فكان محمد بن عمر يقول: هى من بنى معيص بن عامر بن لؤىّ، وكان غيره يقول: هى دوسيّة من الأزد، وقيل: هى أنصارية. وروى ابن سعد، عن محمد بن عمر، عن موسى بن محمد ابن إبراهيم التيمى، عن أبيه قال: كانت أمّ شريك امرأة من بنى عامر بن لؤىّ، معيصية وهبت نفسها لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم يقبلها، فلم تتزوّج حتى ماتت. وروى عن وكيع عن زكريّا عن عامر فى قوله عز وجل: «ترجى من تشاء منهنّ «3» » ؛ قال: كل نساء وهبن أنفسهن للنبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فدخل ببعضهنّ وأرجأ بعضا فلم ينكحن بعده، منهنّ: أمّ شريك. وعن الشّعبى قال: المرأة التى عزل «4» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمّ شريك الأنصارية. وعن على بن الحسين:
(18/201)

أن النبىّ صلّى الله عليه وسلّم تزوّج أمّ شريك الدّوسية، ومثله عن عكرمة. وروى محمد بن سعد عن محمد بن عمر قال: حدّثنى الوليد بن مسلم، عن منير بن عبد الله الدّوسىّ قال: أسلم زوج «1» أمّ شريك- وهى غزيّة بنت جابر بن حكيم الدّوسية من الأزد- وهو أبو بكر، فهاجر إلى النبىّ صلّى الله عليه وسلّم مع أبى هربرة، ومع دوس حين هاجروا، قالت أمّ شريك: فجاءنى أهل أبى العكر فقالوا: لعلك على دينه، قلت: إى والله، إنى لعلى دينه، قالوا: لا جرم، والله لنعذبك عذابا شديدا، فارتحلوا بنا من دارنا، ونحن كنا بذى الخلصة، فساروا يريدون منزلا، وحملونى على جمل ثفال «2» ، شرّ ركابهم وأغلظه، يطعمونى «3» الخبر بالعسل، ولا يسقونى قطرة من ماء، حتى إذا انتصف النهار وسخنت الشمس، ونحن قائظون «4» ، فنزلوا فضربوا أخيبتهم وتركونى فى الشمس حتى ذهب عقلى وسمعى وبصرى، ففعلوا بى ذلك ثلاثة أيام، فقالوا لى فى اليوم الثالث: اتركى ما أنت عليه، قالت: فما دريت ما يقولون إلا الكلمة بعد الكلمة، فأشير بإصبعى إلى السماء بالتوحيد، قالت: فو الله إنى لعلى ذلك، وقد بلغنى الجهد، إذ وجدت برد دلو على صدرى، فأخذته فشربت منه نفسا «5» واحدا، ثم انتزع منّى، فذهبت أنظر فإذا هو معلّق بين السماء والأرض، فلم
(18/202)

أقدر عليه، ثم دلّى الثانية فشربت منه نفسا، ثم رفع، فذهبت أنظر، فإذا هو بين السماء والأرض، ثم دلّى الثالثة فشربت منه حتى رويت، فأهرقت على رأسى ووجهى وثيابى، قالت: فخرجوا فنظروا، فقالوا: من أين لك هذا يا عدوّة الله؟
قالت فقلت لهم: إنّ عدوّ الله غيرى؛ من خالف دينه، فأما قولكم من أين هذا فمن عند الله رزقا رزقنيه الله، قالت: فانطلقوا سراعا إلى قربهم فوجدوها موكأة لم تحلّ، فقالوا: نشهد أن ربك هو ربنا، فإن الذى رزقك ما رزقك فى هذا الموضع بعد أن فعلنا بك ما فعلنا، هو الذى شرع الإسلام، فأسلموا وهاجروا جميعا إلى النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، وكانوا يعرفون فضلى عليهم، وما صنع الله إلىّ، قال:
وهى التى وهبت نفسها للنبىّ صلّى الله عليه وسلّم، وكانت جميلة وقد أسنّت، فقالت:
إنى وهبت نفسى لك، وأتصدّق بها عليك، فقبلها النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فقالت عائشة: ما فى امرأة حين تهب نفسها لرجل خير، قالت أمّ شريك: فأنا تلك؛ فسماها الله مؤمنة، فقال تعالى: «وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ «1» » .
فلما نزلت هذه الآية قالت عائشة: إنّ الله ليسرع لك فى هواك «2» يا رسول الله.
ومنهنّ:
الشّنباء
ذكرها الشيخ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدّمياطى رحمه الله، فى أزواج النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، ولم يذكر لها ترجمة. فلنذكر من خطبهنّ صلّى الله عليه وسلّم.
(18/203)

ذكر من خطبهنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من النساء ولم يتّفق تزويجهنّ.
منهنّ:
أمّ هانىء بنت أبى طالب
ابن عبد المطلب بن هاشم، واسمها فاختة، وقال ابن الكلبى: اسمها هند، وهى أخت على بن أبى طالب، وعقيل وجعفر وطالب، شقيقتهم، وأمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنه، قال: خطب النبى صلّى الله عليه وسلّم إلى أبى طالب ابنته أمّ هانئ فى الجاهلية، وخطبها هبيرة بن أبى وهب «1» بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، فزوجها هبيرة، فقال النبى صلّى الله عليه وسلّم: «يا عمّ، زوّجت هبيرة وتركتنى» ! فقال: يابن أخى إنا قد صاهرنا إليهم، والكريم يكافئ الكريم. ثم أسلمت ففرّق الإسلام بينها وبين هبيرة، فخطبها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى نفسها فقالت: والله إن كنت لأحبك فى الجاهلية، فكيف فى الإسلام، ولكنى امرأة مصبية وأكره أن يؤذوك.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «خير نساء ركبن المطايا نساء قريش، أحناه «2» على ولد فى صغره، وأرعاه على زوج فى ذات يده» . ومنهنّ:
ضباعة بنت عامر بن قرا
ابن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
روى هشام بن محمد الكلبى، عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عباس قال:
كانت ضباعة بنت عامر عند هوذة بن على الحنفى، فهلك عنها فورّثها مالا كثيرا،
(18/204)

فتزوجها عبد الله بن جدعان التّيمىّ، وكان لا يولد له فسألته الطلاق فطلقها، فتزوجها هشام بن المغيرة فولدت له سلمة، وكان من خيار المسلمين، فتوفى عنها هشام، وكانت إذا جلست أخذت من الأرض شيئا كثيرا، وكانت تغطى جسدها بشعرها، فذكر جمالها عند النبى صلّى الله عليه وسلّم، فخطبها إلى ابنها سلمة بن هشام ابن المغيرة، فقال: حتى أستأمرها، وقيل للنبى صلّى الله عليه وسلّم: إنها قد كبرت فأتاها ابنها فقالت: ما قلت له؟ قال: قلت حتى أستأمرها، فقالت:
وفى النبى صلّى الله عليه وسلّم يستأمر! ارجع فزوّجه، فرجع إلى النبى صلّى الله عليه وسلّم فسكت عنه. ومنهنّ:
صفيّة بنت بشامة «1» بن نضلة العنبرىّ
قال أبو محمد: كان أصابها سباء، فخيّرها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال:
«إن شئت أنا، وإن شئت زوجك» فقالت: بل زوجى، فأرسلها فلعنتها بنو تميم. ومنهنّ:
جمرة بنت الحارث بن عوف المزنىّ
خطبها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال أبوها: إن بها سوءا ولم يكن بها، فرجع إليها أبوها وقد برصت، وهى أمّ شبيب بن البرصاء الشاعر. ومنهنّ:
سودة القرشيّة
خطبها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكانت مصبية فقالت: أكره أن تصغو «2» صبيتى عند رأسك، فحمدها ودعا لها، ذكرها والتى قبلها ابن الجوزىّ
(18/205)

فى التّلقيح. وروى عن مجاهد قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا خطب فردّ لم يعد، فخطب امرأة، فقالت: حتى أستأمر أبى، فلقيت أباها فأذن لها، فلقيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت له، فقال: «قد التحفنا لحافا غيرك» ولم يسم مجاهد اسم هذه المرأة.
وعرض على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
أمامة بنت عمّة حمزة
ابن عبد المطلب، وقيل: اسمها عمارة، فأتاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال: «تلك ابنة أخى من الرضاعة» . وعرضت عليه أمّ حبيبة أختها.
فجميع من ذكر من أزواج النبى صلّى الله عليه وسلّم المدخول بهنّ، وغير المدخول بهنّ، ومن وهبت نفسها له، أو خطبها ولم يتفق تزويجها، أو عرضت عليه فأباها، نحو أربعين امرأة على ما ذكرناه من الاختلاف، ومن أهل العلم من ينكر بعضهنّ، ويقول: إنما تزوج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أربع عشرة امرأة، ست منهنّ قرشيات لا شك فيهنّ، وهنّ: خديجة، وعائشة، وسودة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وحفصة.
ومن العرب: زينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث، وجويرية بنت الحارث، وأسماء بنت النّعمان، وفاطمة بنت الضّحّاك، وزينب بنت خزيمة.
ومن غيرهم: ريحانة بنت زيد من بنى النّضير، وصفيّة بنت حيىّ بن أخطب.
وعن محمد بن يحيى بن حبّان قال: تزوج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خمس عشرة امرأة، فسمى هؤلاء، وزاد مليكة بنت كعب اللّيثية. وقال أبو عبيدة:
تزوج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمانى عشرة امرأة.
(18/206)

وقال محمد بن عمر الواقدىّ: المجمع عليه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تزوج أربع عشرة امرأة، وهنّ اللائى سمّين، وفارق منهن الجونيّة والكلابية، ومات عنده خديجة، وزينب بنت خزيمة، وريحانة بنت زيد، وقبض عن تسع، وهنّ المذكورات اللاتى قدمنا ذكرهنّ.
وقال أبو سعيد فى شرف النبوّة: إن جملة أزواج النبى صلّى الله عليه وسلّم إحدى وعشرين امرأة، طلّق منهنّ ستّا، ومات عنده خمس، وتوفّى عن عشر؛ واحدة لم يدخل بها، وكان صداقه لنسائه لكل واحدة خمسمائة درهم، إلا صفيّة فإنه جعل عتقها صداقها، وأمّ حبيبة أصدقها عنه النجاشىّ.
ذكر سرارى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم،
وهنّ:
مارية بنت شمعون القبطية وهى أم ولده إبراهيم، وكانت من جفن «1» من كورة أنصنا من صعيد مصر، أهداها له المقوقس جريح بن مينا، ولما ولدت مارية لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ابنه إبراهيم قال: «أعتقها ولدها» . وتوفيت مارية فى المحرم سنة ست عشرة، فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وكان عمر يحشر الناس بنفسه لشهود جنازتها، وصلّى عليها عمر، ودفنت بالبقيع.
وريحانة بنت زيد النّضرية، وقد تقدّم خبرها فى الزوجات. وقال أبو عبيدة:
كان له أربع؛ وهنّ مارية وريحانة، وأخرى جميلة أصابها فى السّبى، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش. وقال قتادة: كان للنبى صلّى الله عليه وسلّم وليدتان مارية وريحانة، وبعضهم يقول: ربيحة «2» القرظية.
(18/207)

ذكر أولاد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: كان أول من ولد لرسول الله صلّى الله عليه وسلم بمكة قبل النبوّة القاسم وبه كان يكنى، ثم ولدت له زينب، ثم رقيّة، ثم فاطمة، ثم أمّ كلثوم، ثم ولد له فى الإسلام «1» عبد الله فسمى الطّيّب والطّاهر، وأمهم كلهم خديجة رضى الله عنها. وكان أول من مات من ولده القاسم، ثم عبد الله ماتا بمكة، فقال العاصى بن وائل السّهمىّ: قد انقطع ولده فهو أبتر؛ فأنزل الله تعالى: «إنّ شانئك «2» هو الأبتر» وقيل: الطّيّب والطّاهر اثنان سوى عبد الله. وقيل: كان له الطّاهر والمطهّر ولدا فى بطن. وقيل: كان له الطّيّب والمطيّب ولدا أيضا فى بطن. وقيل: إنهم كلهم ماتوا قبل النبوّة، وكان بين كل ولدين لها سنة، وكانت تسترضع لهم. وأمّا البنات فكلهن أدركن الإسلام، وأسلمن وهاجرن، وسنذكر إن شاء الله تعالى أخبارهنّ ومن تزوجهنّ، وما ولدن على ما تقف عليه، وهؤلاء كلهم أولاد خديجة ولدوا بمكة، ثم ولدت له مارية القبطية:
إبراهيم بن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
ولد فى ذى الحجة، سنة ثمان من الهجرة؛ قال أبو عمر بن عبد البر: ذكر الزّبير عن أشياخه، أن أمّ إبراهيم مارية ولدته بالعالية، فى المال «3» الذى يقال له اليوم (مشربة «4» إبراهيم) بالقفّ «5» ، وكانت قابلتها «6» سلمى مولاة النبى صلّى الله عليه وسلّم،
(18/208)

امرأة أبى رافع، فبشّر به أبو رافع النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فوهب له عبدا، فلما كان يوم سابعه عقّ «1» عنه بكبش وحلق رأسه؛ حلقه أبو هند، وسماه يومئذ، وتصدق بوزن شعره ورقا على المساكين، وأخذوا شعره فدفنوه فى الأرض.
وعن أنس قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ولد لى الليلة غلام فسميته باسم أبى إبراهيم» هذا يدل على أنه سمّاه فى وقت ولادته، قال الزبير: ثم دفعه إلى أمّ سيف امرأة قين «2» بالمدينة، يقال له: أبو سيف، قال الزبير: وتنافست الأنصار فيمن يرضعه، فجاءت أمّ بردة بنت المنذر بن زيد الأنصارىّ، زوجة البراء بن أوس، فكلمت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى أن ترضعه، فكانت ترضعه بلبن ابنها فى بنى مازن بن النجار، وترجع به إلى أمّه، وأعطى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمّ بردة قطعة من نخل، فناقلت «3» بها إلى مال عبد الله بن زمعة.
وتوفى إبراهيم فى شهر ربيع الأول سنة عشر، وقد بلغ ستة عشر شهرا؛ مات فى بنى مازن عند ظئره «4» أمّ بردة، وهى خولة بنت المنذر بن لبيد، وغسّلته ودفن بالبقيع. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لو عاش لوضعت «5» الجزية عن كل قبطىّ» . وقال أيضا: «لو عاش إبراهيم ما رقّ «6» له خال» .
وفى حديث أنس بن مالك تصريح أن إبراهيم إنما مات عند ظئره أمّ سيف؛ فإنه يقول: فانطلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وانطلقت معه، فصادفنا أبا سيف ينفخ فى كيره، وقد امتلأ البيت دخانا، فأسرعت فى المشى بين يدى رسول الله
(18/209)

صلى الله عليه وسلّم، حتى أنتهيت إلى أبى سيف فقلت: يا أبا سيف، أمسك، جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأمسك، فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالصّبى فضمه إليه وقال ما شاء الله أن يقول، قال: فلقد رأيته يكيد «1» بنفسه، فدمعت عينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال: «تدمع العين ويحزن القلب ولا تقول إلا ما يرضى الربّ، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» وقال أبو عمر بن عبد البر: ثبت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكى على ابنه إبراهيم من غير رفع صوت، وقال: «تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى الربّ، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» . وعن عطاء، عن جابر قال: أخذ النبى صلّى الله عليه وسلّم بيد عبد الرحمن بن عوف، فأتى به النخل «2» ، فإذا ابنه إبراهيم فى حجر أمّه وهو يجود بنفسه، فأخذه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فوضعه فى حجره، ثم قال: «يا إبراهيم إنا لا نغنى عنك من الله شيئا» ؛ ثم ذرفت «3» عيناه، ثم قال:
«يا إبراهيم لولا أنه أمر حقّ ووعد صدق، وأن آخرنا سيلحق أوّلنا لحزنا عليك حزنا هو أشد من هذا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون، تبكى العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الربّ» . قالوا: ووافق موت إبراهيم كسوف الشمس، فقال قوم: إن الشمس انكسفت لموته، فخطبهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال:
«إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته؛ فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله وإلى الصلاة» . وقال صلّى الله عليه وسلّم حين توفّى إبراهيم: «إن له مرضعا فى الجنة تتم رضاعه» . وصلّى عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكبّر أربعا، قال ابن عبد البر: هذا قول جمهور العلماء،
(18/210)

وهو الصحيح، قال: وقد قيل إن الفضل بن عباس غسّل إبراهيم، ونزل فى قبره مع أسامة بن زيد، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالس على شفير القبر، قال الزبير: ورشّ قبره، وأعلم فيه بعلامة، وهو أول قبر رشّ عليه «1» .
فلنذكر بنات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومن تزوجهنّ، وما ولدن ووفاتهنّ، وهنّ أربع:
زينب بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
هى أسنّ بناته رضى الله عنهنّ. قال أبو عمر بن عبد البر: ولدت زينب بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى سنة ثلاثين من مولد النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، حكاه عن محمد بن إسحق السّرّاج عن عبيد الله بن محمد بن سليمان الهاشمى، وتزوج زينب أبو العاص بن ربيع بن عبد العزّى بن عبد شمس، وهو ابن خالتها- أمه هالة بنت خويلد- قبل أن ينزّل «2» على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفرّق بينهما الإسلام.
وقد ذكرنا من خبر ابن العاص وأسره فى غزوة بدر وإطلاقه، وسقنا ذلك كله هناك، وخبر إسلامه، وأنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ردّ زينب عليه بغير مهر جديد، ولا نكاح جديد. وقيل: بل بمهر جديد ونكاح جديد- والله تعالى أعلم- وولدت له عليّا مات صغيرا، وأمامة وهى التى حملها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى الصلاة، وعاشت أمامة حتى تزوجها على بن أبى طالب بعد موت فاطمة، فكانت عنده حتى أصيب، فخلف عليها المغيرة بن يزيد بن الحارث بن عبد المطلب، فتوفيت عنده، وماتت زينب فى سنة ثمان من الهجرة.
(18/211)

قال أبو عمر: وكان سبب موتها أنها لما خرجت من مكة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، عمد لها هبّار بن الأسود ورجل آخر فدفعها أحدهما فيما ذكروا، فسقطت على صخرة فأسقطت واهراقت الدماء، فلم يزل بها مرضها ذلك حتى ماتت رضى الله عنها.
ورقيّة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
قال أبو عمر بن عبد البر: ذكر أبو العباس محمد بن إسحق السّراج، قال سمعت عبيد الله بن محمد بن سليمان بن جعفر بن سليمان الهاشمى يقول: ولدت رقية بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم ابن ثلاث وثلاثين سنة، وكانت رقية عند عتبة بن أبى لهب، وأختها أمّ كلثوم عند عتيبة بن أبى لهب، فلما أنزل الله تعالى: «تبّت يدا أبى لهب» - السورة- قال لهما أبوهما أبو لهب وأمهما أمّ جميل بنت حرب بن أمية، حمّالة الحب: فارقا ابنتى محمد، وقال أبو لهب:
رأسى من رأسيكما حرام إن لم تفارقا ابنتى محمد، ففارقاهما، فتزوّج عثمان بن عفّان رقية بمكة، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، وولدت له هناك ابنا فسماه عبد الله وبه كان يكنى، فبلغ الغلام ستّ سنين، فنقر عينه ديك وتورّم وجهه فمرض ومات. وماتت رقية رضى الله عنها فى شهر رمضان، على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى غزوة بدر، ودفنت عند وصول زيد بن حارثة بالبشارة بوقعة بدر، وكانت قد أصابتها الحصبة، وتخلّف عثمان بن عفّان رضى الله عنه عن غزوة بدر بسبب مرضها، بأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
(18/212)

وفاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
قال أبو عمر بن عبد البر: كانت فاطمة هى وأختها أمّ كلثوم أصغر بنات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، واختلف فى الصّغرى منهما. وقال ابن السّراج:
سمعت عبيد الله الهاشمى يقول: ولدت فاطمة رضى الله عنها فى سنة إحدى وأربعين من مولد النبى صلّى الله عليه وسلّم، وزوّجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه بعد وقعة أحد. وقيل: إنه تزوجها بعد أن ابتنى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعائشة رضى الله عنها، بأربعة أشهر ونصف، وبنى بها بعد تزويجه إباها بتسعة أشهر ونصف، وكانت سنّها يوم تزوجها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصف. قال أبو عمر: واختلف فى مهره إياها، فروى أنه مهرها درعه، وأنه لم يكن له ذلك الوقت صفراء ولا بيضاء، وقيل: تزوجها على أربعمائة وثمانين درهما فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يجعل ثلثها فى الطّيب، قال: وزعم أصحابنا أن الدّرع قدّمها علىّ من أجل الدخول، بأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إياه بذلك، فولدت رضى الله عنها له حسنا وحسينا ومحسنا فذهب محسن صغيرا. وروى أبو عمر بن عبد البر بسنده إلى علىّ رضى الله عنه قال: لما ولد الحسن جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أرونى ابنى ما سميتموه» ؟ قلت: سميته حربا، قال:
«بل هو حسن» فلما ولد الحسين قال: «أرونى ابنى ما سميتموه» ؟ قلت:
سميته حربا، قال: «بل هو حسين» فلما ولد الثالث جاء النبى صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أرونى ابنى ما سميتموه» ؟ قلت سميته حربا، قال: «بل محسن» ، ثم قال: «إنى سميتهم بأسماء ولد هارون شبّر وشبير ومشبّر «1» » . وولدت له رقيّة وزينب
(18/213)

وأمّ كلثوم، فهلكت رقيّة، ولم تبلغ، وتزوج زينب عبد الله بن جعفر فماتت عنده، وولدت له على بن عبد الله بن جعفر، وتزوج أمّ كلثوم عمر بن الخطاب فولدت له زيد بن عمر، ثم خلف عليها بعده عون بن جعفر فلم تلد له حتى مات، وخلف عليها بعده محمد بن جعفر فولدت له حارثة ومات عنها. فخلف عليها عبد الله ابن جعفر فلم تلد له شيئا وماتت عنده، وقيل: بل توفّى عنها، وماتت فاطمة رضى الله عنها بعد وفاة أبيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بثلاثة أشهر، وقيل:
بستة أشهر، وقيل: بثمانية.
وأمّ كلثوم بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
قد ذكرنا الاختلاف فى أيهما أصغر سنّا هى أو فاطمة، وكانت عند عتيبة بن أبى لهب، فلما قال له أبواه ولأخيه ما قالا طلقّا بنتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولم يبنيا بهما، وجاء عتيبة حين فارق أمّ كلثوم إلى النبى صلّى الله عليه وسلّم وقال: كفرت بدينك وفارقت ابنتك وسطا عليه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أما إنى أسأل الله أن يسلط عليك كلبا من كلابه» وكان خارجا إلى الشام تاجرا مع نفر من قريش، حتى نزلوا مكانا من الشام يقال له الزّرقاء ليلا، فأطاف «1» بهم الأسد تلك الليلة، فجعل عتيبة يقول: يا ويل أمّه «2» ، هو والله آكله بدعوة محمد، قاتلى «3» ابن أبى كبشة وهو بمكة وأنا بالشام. وقال أبو لهب: يا معشر قريش، أعينونا هذه الليلة، فإنى أخاف دعوة محمد، فجمعوا أحمالهم وفرشوا لعتيبة فى أعلاها وناموا حوله، فقيل: إن الأسد انصرف عنهم حتى ناموا وعتيبة
(18/214)

فى وسطهم، ثم أقبل يتخطّاهم ويتشمّمهم حتى أخذ برأس عتيبة ففدغه «1» . قال أبو عمر: ولما ماتت رقية تزوج عثمان بن عفّان بأمّ كلثوم فى شهر ربيع الأول من السنة الثالثة من الهجرة، وبنى عليها فى جمادى الآخرة من السنة، وتوفيت أمّ كلثوم رضى الله عنها فى السنة التاسعة من الهجرة، ولم تلد لعثمان شيئا، وكانت وفاتها فى شعبان، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعثمان: «لو كانت عندنا ثالثة زوّجنا كها يا عثمان» وصلّى عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونزل فى حفرتها على بن أبى طالب، والفضل بن العباس وأسامة بن زيد. وقد روى أن أبا طلحة الأنصارى استأذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن ينزل معهم فى قبرها فأذن له. وغسّلتها أسماء بنت عميس وصفيّة بنت عبد المطلب، وهى التى شهدت أمّ عطيّة غسلها، وحكت قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك» الحديث «2» . قال: وجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على قبر أم كلثوم.
ذكر أعمام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
كان لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم من العمومة أحد عشر، أولاد عبد المطلب ابن هاشم، وهم:
الحارث
- وبه كان يكنى؛ لأنه أكبر ولده، ومن ولد الحارث وولد ولده جماعة لهم صحبة من النبى صلّى الله عليه وسلّم، منهم أبو سفيان بن الحارث،
(18/215)

أسلم عام الفتح كما ذكرنا فى غزوة الفتح وشهد حنينا، ونوفل بن الحارث هاجر وأسلم أيام الخندق، وعبد شمس وسماه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عبد الله.
وقثم بن عبد المطلب
- وهو أخو الحارث لأبويه؛ مات صغيرا.
الثالث- الزبير بن عبد المطلب
، وكان من أشراف قريش. وابنه عبد الله ابن الزبير شهد حنينا وثبت يومئذ واستشهد بأجنادين «1» ، وضباعة بنت الزبير، لها صحبة، وأمّ الحكم بنت الزبير، روت عن النبىّ صلّى الله عليه وسلّم.
الرابع حمزة بن عبد المطلب
كان يقال له: أسد الله وأسد رسوله، ويكنى أبا عمارة وأبا يعلى «2» . وهو أخو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الرّضاع «3» . وقد قدّمنا فى أنباء هذه السيرة خبر إسلامه ومقتله فى غزوة أحد. ولم يكن له إلا ابنة واحدة. وقيل: ابنتان. وقد ذكرنا هما فيمن عرض على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من النساء فأباهنّ.
والخامس العبّاس بن عبد المطّلب
كان يكنى أبا الفضل بابنه الفضل بن العبّاس، وكان العباس أسنّ من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسنتين، وقيل: بثلاث سنين، وأمّه نتلة، ويقال:
نتيلة بنة جناب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر وهو
(18/216)

الضّحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النّمر بن قاسط. وهى أوّل عربية «1» كست البيت الحرام الحرير والدّيباج وأصناف الكسوة. وذلك أن العباس ضلّ وهو صبىّ، فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت الحرام، فوجدته ففعلت.
وقد تقدّم من خبر العباس فى غزوة بدر عند أسره، وقوله لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّى كنت مسلما، وإن القوم استكرهونى على الخروج.
وقال أبو عمر بن عبد البر: أسلم العباس قبل خيبر وكان يكتم إسلامه.
قال: ويقال إنه أسلم قبل بدر، وكان يكتب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأخبار المشركين، وكان يحبّ أن يقدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فكتب إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن مقامك بمكة خير» فلذلك قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم بدر: «من لقى منكم العباس فلا يقتله فإنه أخرج كرها» .
وكان العباس أنصر الناس لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد أبى طالب، وولى السّقاية بعد أبى طالب وقام بها، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يكرم العباس بعد إسلامه ويعظّمه ويجلّه، ويقول: «هذا عمى وصنو أبى» . وكان العباس جواد مطعما، وصولا للرّحم، ذا رأى حسن، ودعوة مرجوّة.
وروى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه استسقى بالعباس فى سنة سبع عشرة وذلك عام الرّمادة «2» ، وكانت الأرض أجدبت إجدابا شديدا. فقال كعب لعمر:
يا أمير المؤمنين، إن بنى إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة
(18/217)

الأنبياء. فقال عمر رضى الله عنه: هذا عمّ النبى صلّى الله عليه وسلّم وصنو أبيه، وسيّد بنى هاشم. فمشى إليه عمر فشكا إليه ما فيه الناس. ثم قال: اللهم إنا قد توجّهنا إليك بعمّ نبينا وصنو أبيه، فاسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين. ثم قال:
يا أبا الفضل قم فادع. فقام العباس فقال بعد حمد الله والثناء عليه: اللهم إن عندك سحابا وعندك ماء، فانشر السحاب، ثم أنزل الماء منه علينا، فاشدد [به «1» ] الأصل، وأطل به الفرع، اللهم إنك لم تنزل بلاء إلا بذنب، ولم تكشفه إلا بتوبة، وقد توجّه القوم بى إليك فاسقنا الغيث، اللهم شفّعنا فى أنفسنا وأهلينا، اللهم إنا شفعاء عمن لا ينطق من بهائمنا وأنعامنا، اللهم اسقنا سقيا وادعا، نافعا طبقا سحّا «2» عامّا.
اللهم لا نرجو إلا إيّاك، ولا ندعو غيرك، ولا نرغب إلا إليك. اللهم إليك نشكو جوع كل جائع، وعرى كل عار، وخوف كل خائف، وضعف كل ضعيف.
فى دعاء كثير.
قال ابن عبد البر: وهذه الألفاظ كلها لم تجىء فى حديث واحد، ولكن جاءت فى أحاديث جمعتها واختصرتها ولم أخالف شيئا منها، وفى بعضها: فسقوا والحمد لله. وفى بعضها قال: فأرخت السماء عزاليها «3» فجاءت بأمثال الجبال، حتى استوت الجفر «4» بالآكام، وأخصبت الأرض، وعاش الناس. فقال عمر: هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه. وقال حسّان بن ثابت فى ذلك:
(18/218)

سأل الإمام وقد تتابع جدبنا ... فسقى الغمام بغرّة العبّاس
عمّ النبى وصنو والده الذى ... ورث النّبىّ بذاك دون النّاس
أحيا الإله به البلاد فأصبحت ... مخضرّة الأجناب بعد الياس
وقال الفضل بن عباس بن عتبة بن أبى لهب:
بعمّى سقى الله الحجاز وأهله ... عشيّة يستسقى بشيبته عمر
توجّه بالعباس فى الجدب راغبا ... فما كرّ حتّى جاء بالدّيمة المطر
وتوفى العباس- رضى الله عنه- بالمدينة يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رجب. وقيل: من شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين فى خلافة عثمان بن عفّان وصلّى عليه عثمان، ودفن بالبقيع وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقيل: تسع وثمانين سنة. وقال خليفة بن خيّاط: كانت وفاة العباس سنة ثلاث وثلاثين، ودخل قبره ابنه عبد الله. وكان للعباس من الولد: الفضل وهو أكبر أولاده وبه كنّى، وعبد الله، وعبيد الله، وقثم. ولهم صحبة. وعبد الرحمن ومعبد ولدا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم استشهدا بإفريقيّة فى خلافة عثمان بن عفّان، وأمّ حبيب، كلهم من أمّ الفضل لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية، وهى أخت ميمونة زوج النبى صلّى الله عليه وسلّم، يقال: إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة، وكانت من المنجبات، وفيها يقول عبد الله بن يزيد الهلالى:
ما ولدت نجيبة من فحل ... بجبل نعلمه وسهل
كستّة من بطن أمّ الفضل ... أكرم بها من كهلة وكهل
عمّ النبى المصطفى ذى الفضل ... وخاتم الرّسل وخير الرّسل
(18/219)

وكان له من غير أمّ الفضل أربعة ذكور، وهم: عون «1» ، والحارث أمّه من هذيل.
وكثير وتمّام أمهما أمّ ولد «2» ، وكان أصغر أولاد العباس فكان العباس يحمله ويقول:
تمّوا بتمّام فصاروا عشرة ... يا ربّ فاجعلهم كراما برره
واجعل لهم ذكرا وأنم الثّمرة
ويقال: ما رؤيت قبور أشد تباعدا بعضها من بعض من قبور بنى العباس، ولدتهم أمهم أمّ الفضل فى دار واحدة، استشهد الفضل بأجنادين، ومات معبد وعبد الرحمن بإفريقية، وتوفّى عبد الله بالطائف، وعبيد الله باليمن، وقثم بسمرقند وكثير بينبع.
وتوفّى العباس بعد أن كفّ بصره. ولم يسلم من أعمام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا حمزة والعباس رضى الله عنهما.
والسادس من عمومته صلّى الله عليه وسلّم- أبو طالب
واسمه عبد مناف وهو أخو عبد الله أبى النبى صلّى الله عليه وسلّم لأبويه. وعاتكة صاحبة الرّؤيا فى شأن بدر، أمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. وقد تقدّم من أخباره ونصرته لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما نستغنى عن إعادته فى هذا الموضع. وكان له من الولد طالب مات كافرا، وعقيل وجعفر وعلىّ وأمّ هانىء لهم صحبة، وجمانة. وحكى أبو عمر بن عبد البر: كان علىّ بن أبى طالب أصغر من أخيه جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أصغر من عقيل بعشر سنين، وكان عقيل أصغر من طالب بعشر سنين.
والسابع من عمومة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- أبو لهب.
(18/220)

واسمه عبد العزى كنّاه أبوه بذلك لحسن وجهه، ومن أولاده عتبة، ومعتّب ثبتا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم حنين، وعتيبة قتله الأسد بالزّرقاء كما تقدّم «1» .
الثامن- عبد الكعبة
، وقيل: هو المقوّم «2» ، ومنهم من جعل المقوّم غير عبد الكعبة فجعل عمومته اثنى عشر.
والتاسع- حجل
«3» واسمه المغيرة.
والعاشر- ضرار
وهو أخو العباس لأبويه.
والحادى عشر- الغيداق
«4» سمى بذلك لأنه كان أكرم قريش، وأكثرهم إطعاما.
ومنهم من جعل الغيداق حجلا وعدّهم عشرة. حكاه ابن عبد البر. وقد عدّ الزبير ابن بكّار أولاد عبد المطلب ثلاثة عشر، وعدّ المقوّم غير عبد الكعبة، وجعله شقيق حمزة وحجل وصفيّة. والله أعلم بالصواب.
ذكر عمّات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
كان له من العمات صلّى الله عليه وسلّم ستّ:
الأولى- صفيّة بنت عبد المطلب
، وأمّها هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة، وهى شقيقة حمزة والمقوّم وحجل، كانت صفية فى الجاهلية تحت الحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس، ثم هلك عنها وتزوّجها العوّام بن خويلد بن أسد فولدت له الزّبير والسّائب وعبد الكعبة.
وتوفيت فى خلافة عمر بن الخطاب سنة عشرين من الهجرة ولها ثلاث وسبعون سنة. ودفنت بالبقيع بفناء دار المغيرة بن شعبة، ولها هجرة.
(18/221)

وعاتكة بنت عبد المطّلب
اختلف فى إسلامها، وهى صاحبة الرؤيا «1» ، وكانت عند أبى أمية بن المغيرة ابن عبد الله المخزومى، فولدت له عبد الله أسلم وله صحبة «2» ، وزهيرا، وقريبة الكبرى.
وأروى بنت عبد المطلب
وقد اختلف أيضا فى إسلامها، وكانت عند عمير بن وهب بن عبد الدّار ابن قصىّ، فولدت له طليب بن عمير، وكان من المهاجرين الأوّلين، شهد بدرا وقتل بأجنادين شهيدا.
وأميمة بنت عبد المطلب
كانت عند جحش بن رياب، ولدت له عبد الله بن جحش قتل بأحد شهيدا، وأبا أحمد الأعمى الشاعر واسمه عبد «3» ، وزينب زوج النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، وأمّ حبيبة «4» وحمنة، كلهم له صحبة، وعبيد الله بن جحش، أسلم ثمّ تنصّر ومات بالحبشة كافرا.
(18/222)

وبرّة بنت عبد المطلب
وكانت عند عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فولدت له أبا سلمة واسمه عبد الله، وكان زوج أمّ سلمة قبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وأمّ حكيم البيضاء بنت عبد المطلب
وكانت عند كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، فولدت له أروى بنت كريز، وهى أمّ عثمان بن عفان.
هؤلاء أعمامه صلّى الله عليه وسلّم وعمّاته؛ أسلم منهم حمزة والعباس وصفية بلا اختلاف، واختلف فى عاتكة وأروى، وبقيتهم ماتوا على شركهم. قال أبو عمر ابن عبد البر: كان عبد الله أبو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبو طالب والزّبير وعبد الكعبة وأمّ حكيم وأميمة وأروى وعاتكة، أمهم كلهم فاطمة بنت عمرو ابن عائذ بن عمران بن مخزوم، وكان حمزة والمقوّم وجحل وصفية أمهم هالة بنت وهيب، وكان العباس وضرار وقثم أمّهم نتيلة، وأمّ الحارث سمراء بنت جنيدب ابن جندب بن حرثان بن سواءة بن عامر بن صعصعة، وقيل: صفية بنت جندب ابن حجير بن رياب بن حبيب بن سواءة، وأمّ أبى لهب لبنى بنت هاجر بن خزاعة.
والله تعالى أعلم.
فلنذكر خدمه صلّى الله عليه وسلّم:
ذكر خدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأحرار
وهم أحد عشر رجلا
أنس بن مالك بن النّضر
ابن ضمضم بن زيد الأنصارى النجّارى، كان يكنى أبا حمزة، وأمّه أمّ سليم بنت ملحان الأنصارية. خدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو ابن عشر سنين، عند مقدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة للهجرة، واختلف فى وقت
(18/223)

وفاته فقيل: مات فى سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين، وقيل:
سنة ثلاث وتسعين. قال خليفة ابن خياط: مات أنس وله مائة وثلاث سنين، وقيل: كانت سنة إذ مات مائة وعشر سنين، وقيل: غير ذلك. وأقل ما قيل فيه مائة سنة إلا سنة، حكى هذه الأقوال أبو عمر بن عبد البر؛ قال: ويقال إنه آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ويقال:
إنه قدّم من صلبه وولد ولده نحوا من مائة قبل موته، وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دعا له فقال: «اللهم ارزقه مالا وولدا وبارك له» قال أنس: فإنى لمن أكثر الأنصار مالا. ويقال: إنه ولد لأنس ثمانون ولدا منهم ثمانية وسبعون ذكرا وأنثيان.
وهند وأسماء ابنا حارثة
ابن هند الأسليمان؛ شهدا بيعة الرضوان فى إخوة لهما ستة، وهم: هند وأسماء وخراش وذؤيب وفضالة وسلمة ومالك وحمران، ولم يشهدها أخوة فى عددهم غيرهم، ولزم منهم النبىّ صلّى الله عليه وسلّم هند وأسماء، وكانا من أهل الصّفّة، ومات هند بالمدينة فى خلافة معاوية، وتوفى أسماء فى سنة ست وستين. بالبصرة وهو ابن ثمانين سنة.
وربيعة بن كعب الأسلمى
وهو ربيعة بن كعب بن مالك بن يعمر الأسلمىّ ابو فراس، وكان من أهل الصّفّة، وكان يلزم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى السفر والحضر، وصحبه قديما، ومات فى سنة ثلاث وستين بعد الحرّة.
(18/224)

وعبد الله بن مسعود
ابن غافل بن حبيب بن شمخ بن فار «1» بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث ابن تميم الهذلىّ، وكنيته أبو عبد الرحمن، وهو حليف بنى زهرة، وأمه: أمّ عبد بنت عبدودّ بن سواء «2» بن قويم «3» بن صاهلة بن كاهل بن هذيل. أسلم عبد الله فى أوّل الإسلام، وكان سبب إسلامه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرّ به وهو يرعى غنما لعقبة بن أبى معيط، فأخذ شاة حائلا من تلك الغنم فدّرت عليه لبنا غزيرا فأسلم، ثم ضمّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليه، وكان يلبسه نعليه إذا قام، وإذا جلس جعلهما فى درّاعته «4» حتى يقوم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان يمشى أمام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا مشى، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، وقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذنك علىّ أن يرفع الحجاب وأن تسمع»
سوادى «6» حتى أنهاك» . وكان يعرف فى الصحابة بصاحب السّواد والسّواك، وهو أحد من شهد لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالجنة، ومات ابن مسعود بالمدينة فى سنة اثنتين وثلاثين، وصلّى عليه عثمان بن عفان، وقيل: عمّار، وقيل: الزبير بن العوّام ودفنه بالبقيع ليلا بإيصائه إليه بذلك، ولم يعلم عثمان فعاتب الزبير، وكان يوم توفّى ابن بضع وستين سنة.
(18/225)

وعقبة بن عامر بن عبس
الجهنى من جهينة بن زيد «1» بن سود بن أسلم بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وكان يكنى أبا حمّاد، وقيل: أبا أسد «2» ، وقيل: أبا عمرو، وقيل: أبا سعاد، وقيل: أبا الأسود، وقيل: أبا عمّار، وأبا عامر. وكان عقبة بن عامر صاحب بغلة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يقودها به فى الأسفار. قال أبو عمر: سكن عقبة بن عامر مصر، وكان واليا عليها، وابتنى بها دارا، وتوفّى فى آخر خلافة معاوية.
وبلال بن رباح المؤذّن
مولى أبى بكر الصدّيق رضى الله عنهما، وكان يكنى أبا عبد الله، ويقال:
أبا عبد الكريم، وقيل: أبا عبد الرحمن، وقيل: أبا عمرو، وقد تقدّم خبره فى أوّل السيرة. وأمه حمامة، وكان خازنا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وآخى بينه وبين عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان بلال رضى الله عنه صادق الإسلام طاهر القلب، وكان من مولّدى السّراة «3» . مات بدمشق سنة عشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، ودفن بمقبرتها عند الباب الصغير، وقيل: مات سنة إحدى وعشرين [وهو ابن سبعين سنة «4» ] .
وسعد مولى أبى بكر الصدّيق
رضى الله عنهما، خدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وروى عنه الحسن البصرىّ، ويعدّ فى أهل البصرة.
(18/226)

وذو مخمر بن أخى النّجاشى
ويقال: ابن أخته، ويقال فيه: ذو مخبر، خدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال ابن عبد البر: وقد عدّه بعضهم فى موالى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، له أحاديث خرّجها أهل الشام وهو معدود فيهم.
وبكير بن شدّاخ اللّيثى
وقيل فيه: بكر، عدّه الشيخ أبو محمد الدمياطى فى خدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «1» .
وأبو ذرّ الغفارىّ
ويقال: أبو الذرّ، والأوّل أشهر. واختلف فى اسمه اختلافا كثيرا، فقيل:
جندب بن جنادة، وهو أصحّ ما قيل فيه إن شاء الله. وذكر أبو عمر بن عبد البر الاختلاف فى اسمه، وترجم عليه بعد ذلك: جندب «2» بن جنادة بن سفيان بن عبيد ابن الواقفة بن حرام بن غفار بن مليل بن ضمرة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن نزار الغفارىّ، وأمّه رملة بنت الوقيعة، من بنى غفار، تقدّم خبر إسلامه فى وفد غفار فى أوّل هذا «3» السّفر، وأقام أبو ذرّ عند قومه بعد إسلامه حتى مضت بدر وأحد والخندق، ثم قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
(18/227)

فصحبه إلى أن مات. وقد ذكرنا قصة أبى ذرّ فى غزوة تبوك، وقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «رحم الله أبا ذرّ يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده» وكان من خبره أنه خرج بعد وفاة أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه إلى الشام، فلم يزل به حتى كانت خلافة عثمان بن عفان، فاستقدمه عثمان لشكوى معاوية، وأسكنه الرّبذة «1» ، فمات بها وصلّى عليه عبد الله بن مسعود، وكان قد أقبل من الكوفة فدعى إلى الصلاة عليه، فقال: من هذا؟ فقيل: أبو ذرّ، فبكى طويلا وقال: أخى وخليلى عاش وحده، ومات وحده، ويبعث وحده، طوبى له.
وذلك فى سنة ست وثلاثين من الهجرة. روى عن أبى ذرّ جماعة من الصحابة، وكان من أوعية العلم المبرّزين فى الزهد والورع والقول بالحق؛ سئل علىّ رضى الله عنه عن أبى ذرّ فقال: ذاك رجل وعى علما عجز عنه الناس، ثم أوكأ «2» عليه ولم يخرج شيئا منه. وروى عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:
«ما أظلّت الخضراء «3» ولا أقلّت الغبراء من ذى لهجة «4» أصدق من أبى ذرّ» و «من سرّه أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر «5» إلى تواضع أبى ذرّ» .
وفضائله كثيرة رضى الله عنه.
وذكر أبو عمر بن عبد البر فى خدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «أسلع ابن شريك» الأعوجى التميمى خادم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وصاحب راحلته، وأبو سلام الهاشمى، خادم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومولاه.
(18/228)

ذكر موالى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
قال الشيخ «1» أبو محمد الدمياطى رحمه الله تعالى: ومواليه من الرجال أحد وثلاثون، وهم:
زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبى
- وكان لخديجة فاستوهبه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منها وأعتقه، وقد تقدّمت أخباره ومقتله فى مؤتة «2» .
وأسامة بن زيد بن حارثة
- وأمه أمّ أيمن، بركة مولاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومات أسامة فى خلافة معاوية، فى سنة ثمان وخمسين، وقيل:
سنة تسع، وقيل: سنة أربع وخمسين، وصححه أبو عمر. وكان عمره يوم مات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تسع عشرة سنة، وقيل: عشرين، وقيل:
ثمانى عشرة، وسكن بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وادى القرى، ثم رجع إلى المدينة فمات بالجرف.
وثوبان بن بجدد
- وكنيته أبو عبد الله على الأصح، وهو من أهل السّراة «3» ، والسراة موضع بين مكة واليمن، وقيل: من حمير، وقيل: إنه من حكم بن سعد العشيرة، أصابه سباء فاشتراه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأعتقه، ولم يزل معه فى السفر والحضر إلى أن توفى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فخرج إلى الشام فنزل الرّملة، ثم انتقل إلى حمص فابتنى بها دارا: وتوفى بها سنة أربع وخمسين،
(18/229)

وكان ممن حفظ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأدّى ما وعى. روى عنه جماعة من التابعين.
وأبو كبشة سليم
- شهد بدرا والمشاهد كلها، قيل: هو من فارس، وقيل: من مولّدى أرض دوس، وقيل: من مولّدى مكة، ابتاعه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأعتقه، وتوفى فى سنة ثلاث عشرة، فى اليوم الذى استخلف فيه عمر بن الخطاب، وقيل: توفى فى سنة ثلاث وعشرين، فى اليوم الذى ولد فيه عروة بن الزبير. والله تعالى أعلم.
وأنسة
- ويكنى أبا مسرح، ويقال أبو مسروح- وكان من مولّدى السّراة- اشتراه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأعتقه. ذكره موسى بن عقبة فيمن شهد بدرا، وقال ابن إسحق: كان يأذن على النبى صلّى الله عليه وسلّم إذا جلس فيما حكاه مصعب الزبيرى، ومات فى خلافة أبى بكر رضى الله عنه.
وشقران
- واسمه صالح، وكان حبشيا، قيل: ورثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أبيه وأعتقه بعد بدر، قيل: اشتراه من عبد الرحمن بن عوف وأعتقه، وقيل وهبه له فأعتقه وأوصى به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند موته «1» .
ورباح
- وكان أسود نوبيّا اشتراه من وفد عبد القيس وأعتقه، قال أبو عمر:
وربما أذن على النبى صلّى الله عليه وسلّم أحيانا؛ إذا انفرد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يأخذ عليه الإذن.
ويسار
- وكان نوبيّا أصابه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى بعض غزواته، وهو الذى قتله العرنيّون كما تقدّم.
(18/230)

وأبو رافع
- واسمه أسلم، وقيل؛ إبراهيم، وكان عبدا للعباس، فوهبه للنبى صلّى الله عليه وسلّم، فلما أسلم العباس بشّر أبو رافع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بإسلامه، فأعتقه وزوّجه سلمى مولاته، فولدت له عبيد الله، وكان عبيد الله كاتبا لعلى بن أبى طالب رضى الله عنه فى خلافته كلها، قيل: وخازنا أيضا.
ومات أبو رافع فى آخر خلافة عثمان بالمدينة، وقيل: فى خلافة علىّ، قيل:
وكان أبو رافع قبطيّا.
وأبو موبهبة
- وكان من مولّدى مزينة، اشتراه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأعتقه.
ورافع «1»
- قال الشيخ أبو محمد عبد المؤمن رحمه الله: كان مولى لسعيد بن العاص، فورثه ولده، فأعتقه بعضهم وتمسّك بعضهم، فجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يستعينه فوهب له، فكان يقول: أنا مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وقد حكى أبو عمر ذلك فى أحد القولين عن أبى رافع المقدّم ذكره. والله أعلم.
وفضالة
- وهو مذكور فى موالى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ قال ابن عبد البر: لا أعرفه بغير ذلك، قيل: إنه مات بالشام.
ومدعم
- أسود، وهبه لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم رفاعة بن زيد الجذامى، وهو الذى قتل بوادى القرى، وقال فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الشّملة التى غلّها تشعل عليه نارا» «2» » .
وكركرة «3»
- وكان على بغلة النبى صلّى الله عليه وسلّم وكان نوبيّا أهداه له هوذة ابن على فأعتقه.
(18/231)

وزيد
- وهو جد «1» بلال بن يسار بن زيد.
وعبيد، وطهمان
- موليا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، واختلف فى طهمان، فقيل: طهمان، وقيل: طهوان، وقيل: ذكوان، وأما عبيد فروى عنه سليمان التّيمى.
ومابور
- أهداه إليه المقوقس، وقيل: كان خصيّا.
وواقد، وأبو واقد «2» ، وهشام
، وهو الذى قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
يا رسول الله إن امرأتى لا تمنع يد «3» لامس، قال: «طلقها» قال: إنها تعجبنى.
قال: «فاستمع بها» .
وأبو ضميرة
- قيل: اسمه سعد الحميرىّ، قال البخارى: وقيل فى اسمه غير ذلك. وكان مما أفاء الله على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو جد حسين ابن عبد الله بن ضميرة، وقيل: وكان من العرب فأعتقه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكتب له كتابا يوصى به فهو بيد ولده، قال أبو عمر: وقدم حسين ابن عبد الله بن ضميرة على المهدى بكتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالإيصاء بأبى ضميرة وولده، فوضعه المهدى على عينيه، ووصله بثلاثمائة دينار.
وحنين
- قال أبو عمر بن عبد البر: كان عبدا وخادما للنبى صلّى الله عليه وسلّم، فوهبه لعمه العباس فأعتقه العباس قال: وقد قيل إنه مولى على بن أبى طالب، وعدّه الشيخ أبو محمد فى موالى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
(18/232)

وأبو عسيب
- واسمه أحمر.
وأبو عبيدة «1» سفينة
- فكان عبد الأمّ سلمة زوج النبى صلّى الله عليه وسلّم فأعتقته، واشترطت عليه أن يخدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مدّة حياته، فقال: لو لم تشترطى علىّ ذلك ما فارقته، وكان اسمه رباح، وقيل: عمير، وقيل: رومان.
وقيل: مهران. قال الوافدى: وقال أبو عمر: مهران مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غير سفينة.
سمى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سفينة بهذا الاسم؛ لأنه كان معه فى سفر؛ فكان كل من أعيا ألقى عليه متاعه سيفا أو ترسا، فمرّ النبى صلّى الله عليه وسلّم به فقال: «أنت سفينة» وكان أسود من مولّدى الأعراب.
وأبو هند
- وهو الذى قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى حقه زوجوا أبا هند وتزوجوا إليه، قال أبو محمد: ابتاعه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منصرفه من الحديبية وأعتقه.
وأنجشة
- وكان حاديا للجمال، وهو الذى قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم له «يا أنجشة رفقا بالقوارير «2» » .
(18/233)

وأنيسة
- وكان حبشيا فصيحا شهد بدرا، وأعتقه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة.
وأبو لبابة
- كان لبعض عمّات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأعتقه، وهو معدود فى موالى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
ورويفع
- سباه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من هوازن فأعتقه.
وسعد
- وهو الذى روى عنه أبو عثمان النهدى. ذكره أبو عمر بن عبد البر.
هؤلاء المشهورون من موالى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال أبو محمد عبد المؤمن رحمه الله: وقد قيل إنهم أربعون، وزاد يوسف بن الجوزى:
أبا كندير، وسلمان الفارسى، وسالما، وسابقا- ذكره أبو عمر- خادم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وزيد بن رصولا «1» ، وعبيد الله بن أسلم، ونبيه:
وقيل فيه: النّبيه، وقيل النّبيه، بضم النون وفتحها، ووردان.
وذكر أبو عمر بن عبد البر فى موالى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جماعة أخر، منهم أبو الحمراء واسمه هلال بن الحارث، ويقال: هلال بن ظفر، وأفلح، وذكوان، وفى اسمه خلاف، وأبو عبيد، له رواية، وأبو لقيط، وأبو السّمح أياد «2» ، وقيل: خادم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وضميرة بن أبى ضميرة، قال أبو عمر:
مرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأمّ ضميرة وهى تبكى فقال: «ما يبكيك أجائعة أنت أم عارية» ؟ فقالت: يا رسول الله، فرق بينى وبين ابنى، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يفرق بين والدة وولدها» ثم أرسل إلى الذى عنده ضميرة فابتاعه منه.
(18/234)

وكيسان، أو مهران
- واسمه هرمز يكنى أبا كيسان، اختلف فيه على عطاء ابن السائب، فقيل: كيسان، وقيل: طهمان، وقيل: ذكوان، وأبو بكرة نفيع ابن مسروح، وهو ابن سميّة جارية الحارث بن كلدة الثّقفى، معدود فى موالى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أعتقه لما نزل إليه من حصن الطّائف، وأسلم فكان يقول: أنا مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإن أبى الناس إلا أن ينسبونى فأنا نفيع بن مسروح، وكنّاه رسول الله أبا بكرة؛ لأنه تدلّى إليه من بكرة من الحصن.
وأبو سلمى
- راعى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قيل: اسمه حارث، فهؤلاء عشرة أخر لتكملة خمسين. والله أعلم.
ومن النساء ...
«1» : أمّ عياش «2» ، وأميمة «3» ؛ وأمّ رافع سلمى «4» ، وبركة أمّ أيمن «5» ، ومارية «6» ، وريحانة «7» ، وربيحة، وميمونة بنت [أبى «8» ] عسيب، وخضرة «9» ، ورضوى، وأمّ ضميرة «10» .
وذكر أبو عمر بن عبد البر أميمة لها رواية، وميمونة بنت أبى عنبسة غير ميمونة المذكورة آنفا، والله أعلم.
(18/235)

ذكر حرّاس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
فى غزواته، وهم ثمانية: سعد بن معاذ حرسه يوم بدر حين نام بالعريش، وذكوان بن عبد الله بن قيس، ومحمد بن مسلمة الأنصارى حرسه بأحد، والزّبير ابن العوّام حرسه يوم الخندق، وعبّاد بن بشر، وسعد بن أبى وقّاص، وأبو أيّوب الأنصارىّ حرسه بخيبر ليلة بنى بصفيّة، وبلال حرسه بوادى القرى. ولما أنزل الله تعالى: «يأيّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من النّاس «1» » ترك عند ذلك الحرس.
ذكر كتّاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
وهم: أبو بكر الصّدّيق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم، وأبىّ بن كعب، وثابت بن قيس بن شمّاس، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع الأسدى، وزيد بن ثابت، ومعاوية ابن أبى سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وكان معاوية وزيد يكتبان الوحى.
قال الشيخ الإمام الفاضل محمد بن أحمد بن أبى بكر بن فرح الأنصارى الخزرجى الأندلسى ثم القرطبى رحمه الله تعالى فى كتاب الأعلام له: والعلاء بن الحضرمى، قال: وكان المداويم على الكتابة زيد ومعاوية، قال: ويقال إن معاوية لم يكتب له من الوحى شيئا، وإنما كان يكتب إلى الأطراف، وكتب له عبد الله بن سرح ثم ارتدّ، فلما كان يوم الفتح أسلم وحسن إسلامه، وذكر القضاعى: وكان الزبير ابن العوّام وجهم بن سعد يكتبان أموال الصدقة، وكان حذيفة بن اليمان يكتب خرص النخل، وكان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتبان المداينات والمعاملات.
(18/236)

وذكر الحافظ أبو الخطاب بن دحية: أن كتابه عليه السلام ينتهون إلى ستة وعشرين، والله أعلم.
قال: وقد قدّمنا ذكر رسله صلّى الله عليه وسلّم.
ذكر رفقاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
النّجباء وهم اثنا عشر: أبو بكر، وعمر، وحمزة، وعلىّ، وجعفر، وأبو ذرّ، والمقداد، وسلمان، وحذيفة، وابن مسعود، وعمّار بن ياسر، وبلال بن رباح.
وكان على بن أبى طالب والزبير بن العوام ومحمد بن مسلمة وعاصم بن «1» أبى الأقلح والمقداد، رضوان الله عليهم أجمعين يضربون الأعناق بين يديه صلّى الله عليه وسلّم، وحيث ذكرنا من سيرته صلّى الله عليه وسلّم ما ذكرنا، فلنأخذ الآن فى ذكر صفاته الذاتية والمعنوية وأحواله صلّى الله عليه وسلّم.
ذكر صفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذاتية
قد وردت الأخبار الصحيحة والمشهورة من حديث علىّ بن أبى طالب وأنس ابن مالك وأبى هريرة والبراء بن عازب وعائشة أمّ المؤمنين وابن أبى هالة وأبى جحيفة وجابر بن سمرة وأمّ معبد «2» وابن عباس، ومعرّض بن معيقيب وأبى الطّفيل، والعدّاء بن خالد وخريم بن فاتك وحكيم بن حزام، وغيرهم رضوان الله عليهم: أنه كان صلّى الله عليه وسلّم ربعة «3» من القوم: لا بائن «4» من طول، ولا تقتحمه «5» عين من قصر،
(18/237)

غصن بين غصنين، بعيد ما بين المنكبين، أبيض اللون، مشرب حمرة، وفى رواية أزهر اللون، ليس بالأبيض الأمهق «1» ، ولا بالآدم، له شعر رجل «2» ، يبلغ شحمة أذنيه إذا طال، وإذا قصر إلى أنصافهما، لم يبلغ شيبه فى رأسه ولحيته عشرين شعره، كأن عنقه جيد «3» دمية، فى صفاء الفضّة، وظاهر الوضاءة «4» مبلج «5» الوجه، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، حسن الخلق معتدله، لم تعبه ثجلة «6» ولم تزر به صعلة «7» ، وسيما قسيما «8» ، فى عينيه دعج «9» ، وفى بياضهما عروق رقاق حمر، وفى أشفاره غطف «10» ، وفى صوته صهل «11» ، وروى صحل، وفى عنقه سطع «12» ، وفى لحيته كثاثة «13» ، إذا صمت فعليه الوقار «14» ، وإن تكلم سما «15» وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد،
(18/238)

وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق «1» فصل: لا نزر ولا هذر «2» كأنّ منطقه خرزات «3» نظم ينحدرن، واسع الجبين «4» ، أزجّ»
الحواجب فى غير قرن، بينهما عرق يدرّه الغضب، أقنى «6» العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشمّ «7» ، سهل «8» الخدّين، ضليع «9» الفم، أشنب «10» ، مفلّج «11» الأسنان، دقيق المسربة «12» ، من لبّته «13» إلى سرّته شعر يجرى كالقضيب، ليس فى بطنه ولا صدره شعر غيره، أشعر الذراعين والمنكبين، بادن «14» متماسك، سواء «15» سواء الصدر والبطن، سبيح «16» الصدر، ضخم الكراديس «17» ، أنور المتجرّد «18»
(18/239)

عريض الصدر، طويل الزّندين، رحب الراحة، شثن «1» الكفّين والقدمين، سائل الأطراف، سبط «2» القصب، خمصان «3» الأخمصين؛ مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا «4» ، وفى رواية: إذا مشى يقلع- كناية عن قوّة الخطو كالذى يمشى فى طين- ويخطو تكفّيا «5» ويمشى هونا، ذريع «6» المشية، إذا مشى كأنما ينحطّ من صبب «7» ، وإذا التفت التفت جميعا، بين كتفيه خاتم النبوّة كأنه زرّ «8» حجلة أو بيضة حمامة، لونه كلون جسده عليه خيلان «9» ، كأن عرقه الّلؤلؤ، ولريح عرقه أطيب من ريح المسك الأذفر «10» ، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلّى الله عليه وسلّم، قال البراء: ما رأيت من ذى لمّة «11» في حلّة حمراء أحسن من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال أبو هريرة: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كأنّ الشمس تجرى فى وجهه، وإذا ضحك يتلألأ فى الجذر «12» ،
(18/240)

وقال جابر بن سمرة، وقد قال له رجل كأنّ وجهه صلّى الله عليه وسلّم مثل السيف، فقال: لا، بل مثل الشمس والقمر. وكان مستديرا، وكان عمر بن الخطاب ينشد قول زهير بن أبى سلمى فى هرم بن سنان:
لو كنت من شىء سوى بشر ... كنت المضىء لليلة «1» البدر
ثم يقول عمر وجلساؤه: كذلك كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولم يكن كذلك غيره. وفيه عليه السلام يقول عمه العباس «2» رضى الله عنه وأرضاه:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل «3»
تطيف به الهلّاك من آل هاشم ... فهم عنده فى نعمة وفضائل «4»
وميزان حقّ لا يخيس شعيرة ... ووزّان عدل وزنه غير عائل «5»
(18/241)

ذكر صفة خاتم النبوّة الذى كان بين كتفى النبى صلّى الله عليه وسلّم
روى عن جابر بن سمرة. وقد وصف النبى صلّى الله عليه وسلّم، فقال: ورأيت خاتمه عند كتيفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسمه، وعن أبى رمثة قال قال لى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا أبا رمثة ادن منّى امسح ظهرى» فدنوت منه «1» فمسحت ظهره، ثم وضعت أصابعى على الخاتم فغمزتها «2» ، فقيل له: وما الخاتم؟
فقال: شعر مجتمع عند كتفيه. وعنه قال: أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فالتفت فإذا خلف كتفيه مثل النّفّاخة «3» ، قلت: يا رسول الله، إنى أداوى فدعنى حتى أبطّها «4» وأداويها، قال: «طبّبها الذى خلقها» . وعنه من طريق آخر قلت: يا رسول الله إنى طبيب من أهل بيت أطبّاء، وكان أبى طبيبا فى الجاهلية، معروفا ذلك لنا فأذن لى فى التى بين كتفيك، فإن كانت سلعة «5» بططتها فشفا الله نبيه؛ فقال: «لا طبيب لها إلا الله» وهى مثل بيضة الحمامة.
ذكر صفة شعر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وطوله
روى عن أبى إسحق قال: سمعت البراء يصف شعر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: كان شعره إلى شحمة أذنيه. وعنه قال: سمعت البراء يقول:
ما رأيت أحدا من خلق الله أحسن فى حلّة حمراء من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم،
(18/242)

إن جمّته لتضرب قريبا من منكبيه، وفى لفظ، من عاتقيه. وعن قتادة قال: قلت لأنس بن مالك كيف كان شعر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قال: كان شعرا رجلا ليس بالسّبط ولا بالجعد بين أذنيه وعاتقه. وعن أنس: كان لا يجاوز شعره أذنيه، وعنه: كان إلى أنصاف أذنيه. وعن على رضى الله عنه قال:
كان شعر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فوق الوفرة «1» ودون الجمّة. وعن أمّ هانئ قالت: رأيت فى رأس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ضفائر أربعا. وعنها قالت:
رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قدم مكة وله أربع غدائر. وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كثير شعر اللحية «2» . وعن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسجد على قصاص «3» شعره.
ذكر عدد شيب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومن قال إنه خضب
روى عن حميد الطويل قال: سئل أنس بن مالك هل خضب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قال: ما شانه الله بالشّيب، وما كان فيه من الشّيب ما يخضب، إنما كانت شعرات فى مقدّم لحيته، ولم يبلغ الشّيب الذى كان به عشرين شعرة.
وفى رواية عن أنس أيضا: ما كان فى رأسه ولحيته إلا سبع عشرة أو ثمان عشرة.
وعن جابر بن سمرة، وقد سئل عن شيب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال:
كان إذا دهن رأسه لم يتبيّن، وإذا لم يدهنه تبيّن. وعن محمد بن واسع؛ قيل:
(18/243)

يا رسول الله، لقد أسرع إليك الشّيب، فقال: «شيبتنى الر. كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ
«1» وأخواتها» . وعن أبى سلمة؛ قيل: يا رسول الله، نرى فى رأسك شيبا، قال: «مالى لا أشيب وأنا أقرأ هودا وإذا الشّمس كوّرت «2» » وفى رواية «وما فعل بالأمم قبلى» . وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال أبو بكر: أراك قد شبت يا رسول الله، قال: «شيبتنى هود والواقعة والمرسلات وعمّ يتساءلون وإذا الشّمس كوّرت» ومن رواية «وأخواتها اقتربت السّاعة، والمرسلات وإذا الشّمس كوّرت» وفى رواية أخرى عن أنس قال قال أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه:
بأبى وأمى يا رسول الله، وما أخواتها «3» ؟ قال: «الواقعة والقارعة وسأل سائل وإذا الشّمس كوّرت» هذا ما رأيناه مما ورد فى شيبه وسببه.
وأما من قال إنه خضب صلّى الله عليه وسلّم
فقد روى عن عبد الله بن موهبة «4» قال: دخلنا على أمّ سلمة رضى الله عنها، فأخرجت إلينا صرّة فيها شعر من شعر رسول الله صلّى الله عليه وسلم مخضوبا بالحنّاء والكتم «5» . وعن ربيعة بن أبى عبد الرحمن قال: رأيت شعرا من شعره- يعنى النبى صلّى الله عليه وسلّم- فإذا هو أحمر، فسألت عنه فقيل لى: أحمر من الطّيب.
وعن أبى جعفر قال: شمط «6» عارضا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فخضبه بحنّاء وكتم،
(18/244)

وعن أبى رمثة أنه وصف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: ذو وفرة وبها ردع «1» من حنّاء، وكان عبد الله بن عمر رضى الله عنهما يصفّر لحيته بالخلوق «2» ، ويحدّث أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يصفّر، وعن عبد الرحمن الثّمالى قال:
كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يغيّر لحيته بماء السّدر، ويأمر بتغيير الشّعر مخالفة للأعاجم.
هذا ما أمكن إيراده من صفاته الذاتية، وسنذكر إن شاء الله بعد ذكر صفاته المعنوية، حديث هند بن أبى هالة؛ لجمعه بين صفاته الذاتية والمعنوية.
ذكر صفات رسول الله المعنوية صلّى الله عليه وسلّم
وما ورد فى أكله وشربه، ونومه وضحكه وعبادته ونكاحه، وخلقه وحلمه واحتماله، وعفوه وصبره على ما يكره، وجوده وكرمه. وسخائه وسماحته، وشجاعته ومجدته، وحيائه وإغضائه، وحسن عشرته وأدبه، وبسط خلقه، وشفقته ورأفته ورحمته، ووفائه وحسن عهده، وصلته للرحم، وتواضعه وعدله وأمانته وعفّته، وصدق لهجته، ووقاره وصمته وتؤدته «3» ، ومروءته، وحسن هديه وزهده وخوفه ربه تعالى، وطاعته له وشدة عبادته صلّى الله عليه وسلّم تسليما كثيرا.
(18/245)

فأما ما ورد فى أكله وشربه ونومه وضحكه وعبادته
فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أخذ من الأكل والشرب بالأقل، واعتمد من ذلك على ما يمسك الرّمق ويسدّ الخلّة، وقد جاءت الأخبار الصحيحة بذلك، ولم تزل العرب والحكماء تتمادح بقلتهما وتذم بكثرتهما؛ لأن كثرة الأكل والشرب دليل على النّهم والحرص والشّره، وقلة ذلك دليل على القناعة وملك النفس وقمع الشهوة. وقد روينا بإسناد متصل عن المقدام بن معدى كرب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» . ولأن كثرة النوم من كثرة الأكل والشرب. وقد روى عنه عليه السلام أنه كان أحب الطعام إليه ما كان على ضفف؛ أى كثرة الأيدى «1» . وعن عائشة رضى الله عنها قالت: لم يمتلئ جوف النبى صلّى الله عليه وسلّم شبعا قط، وإنه كان فى أهله ولا يسألهم طعاما ولا يتشهاه، إن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل، وما سقوه شرب.
قال أهل العلم: ولا يعترض على هذا بحديث بريرة، وقوله صلّى الله عليه وسلّم:
«ألم أر البرمة فيها لحم» ؟ إذ لعل سبب سؤاله ظنّه اعتقادهم أنه لا يحل له، فأراد بيان سنته، إذ رآهم لم يقدّموا إليه مع علمه أنهم لا يستأثرون به عليه، فصدق عليهم ظنه، وبين لهم ما جهلوه من أمره، بقوله: «هو لها صدقة ولنا هدية» . وكان جلوسه صلّى الله عليه وسلّم للأكل جلوس المستوفز «2» ، مقعيا، ويقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد» . وفى حديث صحيح قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أما أنا فلا آكل متكئا» وليس معنى الاتّكاء
(18/246)

عند المحققين الميل على شقّ، وإنما الاتكاء هو التمكن للأكل، والتقعدد فى الجلوس له، كالمترّبع وشبهه من تمكن الجلسات التى يعتمد فيها الجالس على ما تحته، والجالس على هذه الهيئة يستدعى الأكل ويستكثر منه، وكان صلّى الله عليه وسلّم بخلاف ذلك.
وكان صلّى الله عليه وسلّم إذا رفع الطّعام من بين يديه قال: «الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وآوانا وجعلنا مسلمين» . وفى رواية يقول: «الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مودّع «1» ولا مستغنى عنه ربّنا» . وكان لا يأكل على خوان «2» ، ولا يمتنع من مباح، ولا يتأنّق فى مأكل، يأكل ما وجد، إن وجد تمرا أكله، أو خبزا أكله أو شواء أكله، وإن وجد لبنا اكتفى به، ولم يأكل خبزا مرقفا «3» ، وأكل صلّى الله عليه وسلّم الخبز بالخل وقال: «نعم الإدام الخل» وأكل لحم الدجاج ولحم الحبارى «4» .
وكان يحب الدّبّاء «5» ويأكله، ويعجبه الذّراع من الشاة، وقال: «إن أطيب اللحم لحم الظّهر» وقال: «كلوا الزيت وادّهنوا به فإنه من شجرة مباركة» وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهنّ، وأكل صلّى الله عليه وسلّم خبز الشعير بالتمر، وقال:
«هذا أدم هذا» وأكل البطيخ بالرّطب والقثّاء بالرّطب والتّمر بالزّبد، وكان يحب الحلواء والعسل، وكان يشرب قاعدا، وربما شرب قائما، ويتنفس ثلاثا وإذا فضلت منه فضلة وأراد أن يسقيها بدأ بمن عن يمينه، وشرب صلّى الله عليه وسلّم لبنا، وقال: «من أطعمه الله طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه، ومن سقاه الله لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه» وقال: «ليس شىء يجزى مكان الطعام والشراب غير اللبن» .
(18/247)

وأما نومه صلّى الله عليه وسلّم
فكان قليلا، جاءت بذلك الآثار الصحيحة، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «إن عينىّ تنامان ولا ينام قلبى» وكان نومه على جانبه الأيمن استظهارا على قلة النوم لأن النوم على الجانب الأيسر أهنأ؛ لهدوّ القلب وما يتعلق به من الأعضاء الباطنة؛ لميلها إلى الجانب الأيسر، فيستدعى ذلك الاستثقال فيه والطول، وإذا نام النائم على الجانب الأيمن تعلق القلب وقلق، فأسرع الإفاقة ولم يغمره الاستغراق. وكان صلّى الله عليه وسلّم ينام أول الليل ثم يقوم من السّحر، ثم يوتر ثم يأتى فراشه، فإذا سمع الأذان وثب، وكان إذا نام نفخ، ولا يغطّ غطيطا، وإذا رأى فى منامه ما يروعه قال: «هو الله لا شريك له» وإذا أخذ مضجعه وضع كفّه اليمنى تحت خدّه، وقال: «ربّ قنى عذابك يوم تبعث عبادك» وكان يقول: «اللهم باسمك أموت وأحيا» وإذا استيقظ قال: «الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النّشور» .
وأما ضحكه صلّى الله عليه وسلّم
فكان جلّه التّبسم، وربما ضحك من شىء معجب حتى تبدو نواجذه من غير قهقهة صلّى الله عليه وسلّم، وأما عبارته صلّى الله عليه وسلّم فكان أفصح الناس، يخاطب كل أمة بلسانها، ويحاورها بلغتها، يباريها فى منزع بلاغتها، وقد تقدم من كلامه فى كتبه إلى ملوك اليمن وغيرها ما يدل على ذلك، وإن كان ذلك لا يحتاج فيه إلى إقامة دليل بعد أن أنزل القرآن بلغته. وكان صلّى الله عليه وسلّم إذا تكلم بيّن كلامه حتى يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثا لتعقل عنه،
(18/248)

ويخزن لسانه لا يتكلم فى غير حاجة، ويتكلم بجوامع الكلم، فصل لا فضول ولا تقصير، وكان يتمثّل بشىء من الشّعر ويتمثل بقوله «1» :
ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وبغير ذلك، صلّى الله عليه وسلّم.
وأما النكاح وما يتعلق به
فهو مما يكثر التّمدح بكثرته وذلك؛ لأنه دليل الكمال وصحة الذكورية، ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة، والتمادح به سيرة ماضية وسنة مأثورة، قال ابن عباس رضى الله عنهما: أفضل هذه الأمة أكثرها نساء. مشيرا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «تناكحوا «2» فإنى مباه بكم الأمم» وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ممن أقدره الله تعالى على ذلك وحببه له، فكان صلّى الله عليه وسلّم يدور على نسائه فى الساعة من الليل «3» والنهار، وهنّ إحدى «4» عشرة، رواه أنس، قال: وكنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين، خرّجه النّسائى. وعن طاوس: أعطى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قوة أربعين رجلا فى الجماع، ومثله عن صفوان بن سليم. وقالت سلمى مولاته: طاف النبى صلّى الله عليه وسلّم ليلة على نسائه التسع، ويطهر من كل واحدة قبل أن يأتى الأخرى. وقال:
«هذا أطهر وأطيب» .
(18/249)

وأما خلقه صلّى الله عليه وسلّم
فقد قال الله عز وجل فيه مخاطبا له صلّى الله عليه وسلّم: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»
«1» قالت عائشة رضى الله عنها: كان خلقه القرآن يرضى برضاه ويسخط بسخطه، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» قال علىّ وأنس رضى الله عنهما: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحسن الناس خلقا. وكان صلّى الله عليه وسلّم- فيما ذكره المحققون- مجبولا على ذلك فى أصل خلقته وأوّل فطرته، لم يحصل ذلك له باكتساب ولا رياضة، إلا بجود إلهى وخصوصيّة ربانيّة، ومن طالع سيرته منذ صباه وإلى آخر عمره، حقّق ذلك وكذلك سائر الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه.
وأما حلمه واحتماله وعفوه
مع القدرة، والصبر على ما يكره، فقد جعلوا بين هذه الألقاب فرقا، فقالوا:
الحلم حالة توقير وثبات عند الأسباب المحرّكات، والاحتمال حبس النفس عند الآلام والمؤذيات، ومثله الصبر، ومعانيها متقاربة، وأما العفو فهو ترك المؤاخذة، وهذا كله مما أدّب الله تعالى به نبيه صلّى الله عليه وسلّم فقال: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ «2» »
روى أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما نزلت عليه هذه الآية سأل جبريل عن تأويلها فقال له: حتى أسأل العالم، ثم ذهب فأتاه فقال: «يا محمد إن الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعطى من حرمك وتعفو عمن ظلمك» . وقال تعالى مخاطبا له صلّى الله عليه وسلّم: «وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ
(18/250)

مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ «1» »
وقال: «فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ «2» »
. وقد روى فى حلمه واحتماله وعفوه وصبره أحاديث كثيرة وقصص مشهورة، قد تقدم منها فى أخباره، فى أثناء هذه السيرة جملة كافية، ونحن نشير الآن فى هذا الموضع إليها، وننبّه فى هذه الترجمة عليها، منها قصة أحد حين ناله من أذى كفار قريش ما ناله مما قدمنا ذكره، فشق ذلك على أصحابه، وقالوا: يا رسول الله، لو دعوت عليهم، فقال: «إنى لم أبعث لعّانا ولكنّى بعثت داعيا ورحمة اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون» روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، أنه قال فى بعض كلامه:
بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال: «ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين»
ديّارا» ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا، فلقد وطئ ظهرك وأدمى وجهك وكسرت رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيرا، فقلت: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» . ومنها قصتا غورث «4» بن الحارث، ودعثور بن الحارث حين أرادا أن يفتكا به، وأظفره الله بهما، وأمكنه منهما فعفا عنهما، كما تقدم ذكر ذلك فى غزوتى غطفان وذات الرّقاع، ومنها عفوه عن الذين هبطوا عليه فى عمرة الحديبية، وأرادوا قتله فأخذوا فأعتقهم صلّى الله عليه وسلم، ومنها صفحه عن قريش حين أمكنه الله منهم يوم الفتح، وهم لا يشكون فى استئصال شأفتهم وإبادة خضرائهم؛ لما تقدم من أذاهم له، فمازاد على أن عفا وصفح، وقال: «ما تقولون إنى فاعل بكم» قالوا: خيرا؛ أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: «أقول كما قال أخى
(18/251)

يوسف «لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ»
«1» . ومما لم نذكره فيما أتينا عليه من سيرته صلّى الله عليه وسلّم، ما ورد فى الحديث الصحيح من قول الرجل له: اعدل فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. فلم يزده صلّى الله عليه وسلم فى جوابه إلا أن بين له ما جهله، ووعظ نفسه وذكّرها بما قال له، فقال: «ويحك فمن يعدل إن لم أعدل خبت وخسرت إن لم أعدل» ونهى من أراد قتله من أصحابه. ومنه ما روى عن أنس رضى الله عنه قال: كنت مع النبى صلّى الله عليه وسلّم وعليه برد غليظ الحاشية، فجبذه أعرابىّ بردائه جبذة شديدة حتى أثّرت حاشية البرد فى صفحة عاتقه. ثم قال: يا محمد، احمل لى على بعيرىّ هذين من مال الله الذى عندك، فإنك لا تحمل لى من مالك ولا من مال أبيك، فسكت النبىّ صلّى الله عليه وسلّم ثم قال: «المال مال الله وأنا عبده» ثم قال: «ويقاد «2» منك يا أعرابى ما فعلت بى» ؟ قال: لا، قال «لم» ؟ قال:
لأنك لا تكافئ بالسّيئة السّيئة، فضحك النبى صلّى الله عليه وسلّم، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير وعلى الآخر تمر.
ومنه خبر زيد بن سعنة «3» حين أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل إسلامه، وكان من أحبار يهود، فجاءه يتقاضاه دينا عليه، فجبذ ثوبه عن منكبه، وأخذ بمجامع ثيابه وأغلظ له، ثم قال: إنكم يا بنى عبد المطلب مطل «4» فانتهره عمر بن الخطاب رضى الله عنه وشدّد له فى القول، والنبى صلّى الله عليه وسلّم يتبسّم، فقال رسول الله
(18/252)

صلى الله عليه وسلّم: «أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج يا عمر، تأمرنى بحسن القضاء وتأمره بحسن التقاضى» ثم قال: «لقد بقى من أجله ثلاث» وأمر عمر يقضيه ماله ويزيده عشرين صاعا لما روّعه، فكان سبب إسلامه؛ وذلك أنه كان يقول: ما بقى من علامات النبوّة شىء إلا وقد عرفتها فى محمد إلا اثنتين؟ لم أخبرهما؛ يسبق حلمه جهله «1» ، ولا يزيده شدة الجهل إلا حلما؛ فاختبرته بهذا فوجدته كما وصف. والحديث عن حلمه وصبره وعفوه كثير؛ روى عن عائشة رضى الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منتصرا من مظلمة ظلمها قطّ ما لم تكن حرمة من محارم الله، وما ضرب بيده شيئا قط إلا أن مجاهد فى سبيل الله، وما ضرب خادما ولا امرأة. وجىء إليه برجل فقيل: هذا أراد أن يقتلك، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لن تراع «2» لن تراع ولو أردت ذلك لم تسلّط علىّ» صلّى الله عليه وسلّم.
وأما جوده وكرمه وسخاؤه وسماحته صلّى الله عليه وسلّم
ومعانيها متقاربة، وقد فرق بعضهم بينها بفروق فجعلوا الكرم: الإنفاق بطيب النفس فيما يعظم خطره ونفعه- وسموه أيضا حرّية «3» - وهو ضدّ النّذالة. والسّماحة: التّجافى عما يستحقه المرء عند غيره بطيب نفس، وهو ضد الشّكاسة. والسّخاء: سهولة الإنفاق وتجنّب اكتساب ما لا يحمد، وهو الجود، وهو ضد التّقتير؛ فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم من ذلك بالمحل الأرفع، بهذا جاءت الأحاديث الصحيحة، منها ما رويناه فى صحيح البخارىّ عن ابن المنكدر
(18/253)

قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: ما سئل النبى صلّى الله عليه وسلّم شيئا فقال لا.
وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: كان النبى صلّى الله عليه وسلّم أجود الناس بالخير، وأجود ما كان فى شهر رمضان، وكان إذا لقيه جبريل عليهما السلام أجود بالخير من الرّيح المرسلة. وعن أنس أن رجلا سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى بلده وقال: أسلموا فإن محمدا يعطى عطاء من لا يخشى فاقة. وقد ذكرنا ما أعطاه صلّى الله عليه وسلّم من غنائم هوازن.
وأخباره صلّى الله عليه وسلّم فى ذلك كثيرة، وعطاياه فاشية، لو استقصيناها لطال بها التأليف، وكان لا يبيت فى بيته دينار ولا درهم. فإن فضل ولم يجد من يعطيه وفجئه «1» الليل لم يأو إلى منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت أهله عاما فقط، من أيسر ما يجد من التّمر والشّعير، ويضع سائر ذلك فى سبيل الله، ثم يؤثر «2» من قوت أهله حتى يحتاج قبل انقضاء العام؛ صلّى الله عليه وسلّم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين.
وأما شجاعته ونجدته صلّى الله عليه وسلّم
فقد قالوا: الشّجاعة فضيلة قوة الغضب، وانقيادها للعقل، والنّجدة:
ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت حيث يحمد فعلها دون خوف؛ فكان النبى صلّى الله عليه وسلّم منهما بالمكان الذى لا يجهل، قد شهد المواقف الصّعبة، وفرّ الكماة والأبطال عنه، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر، وقد قدّمنا من أخباره وثباته وحملاته فى يومى أحد وحنين ما تقف عليه هناك. وقد روينا بإسناد متّصل عن البراء، وقد سأله رجل: أفررتم يوم حنين عن رسول الله
(18/254)

صلى الله عليه وسلّم؟ قال: لكن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يفرّ، ثم قال:
لقد رأيته على بغلته البيضاء وأبو سفيان آخذ بلجامها، والنبى صلّى الله عليه وسلّم يقول: «أنا النبىّ لا كذب» وزاد غيره «أنا ابن عبد المطلب» قيل: فمارىء يومئذ أحد كان أشد منه. وقال غيره: نزل النبى صلّى الله عليه وسلّم عن بغلته.
وذكر مسلم عن العباس قال: فلما التقى المسلمون والكفار ولّى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يركض بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها أكفّها إرادة ألا تسرع وأبو سفيان آخذ بركابه، ثم نادى يا للمسلمين «1» .
الحديث. وقال ابن عمر: ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه: إنا كنا إذا حمى البأس- ويروى اشتدّ البأس- واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم فما يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه، ولقد رأيتنى يوم بدر، ونحن نلوذ بالنبى صلّى الله عليه وسلّم، وهو أقربنا إلى العدوّ، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا.
وقيل: كان الشجاع الذى يقرب منه صلّى الله عليه وسلّم إذا دنا العدوّ لقربه منه.
وعن أنس قال: كان النبىّ صلّى الله عليه وسلّم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس؛ لقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصّوت، فتلقاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم راجعا قد سبقهم إلى الصوت واستبراء «2» الخبر، على فرس لأبى طلحة عرى «3» ، والسّيف فى عنقه، وهو يقول: «لن تراعوا» «4» . وقال عمران ابن حصين: ما لقى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتيبة إلّا كان أول من يضرب.
(18/255)

وأما حياؤه وإغضاؤه صلّى الله عليه وسلّم
والحياء: رقّة تعترى وجه الإنسان عند فعل ما يتوقّع كراهته أو ما يكون تركه خيرا من فعله. والإغضاء: التغافل عما يكره الإنسان بطبيعته، وكان النبى صلّى الله عليه وسلّم أشدّ الناس حياء، وأكثرهم عن العورات إغضاء، وقد أخبر الله تعالى بحيائه فقال: «إنّ ذلكم كان يؤذى النّبىّ فيستحيى منكم» «1» وعن أبى سعيد الخدرىّ:
كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أشدّ حياء من العذراء فى خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه فى وجهه. وكان صلّى الله عليه وسلّم لا يشافه أحدا بما يكره حياء وكرم نفس. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا بلغه عن أحد ما يكرهه لم يقل ما بال فلان يقول كذا، ولكن يقول: «ما بال أقوام يصنعون- أو يقولون- كذا» ينهى عنه ولا يسمّى فاعله. وروى أنس رضى الله عنه أنه دخل عليه رجل به أثر صفرة، فلم يقل له شيئا- وكان لا يواجه أحدا بما يكره- فلما خرج قال: «لو قلتم له يغسل هذا» ويروى «ينزعها» .
وروى عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه كان من حيائه لا يثبت بصره فى وجه أحد، وأنه كان يكنى عما اضطره الكلام إليه مما يكره، صلّى الله عليه وسلّم.
وأما حسن عشرته وأدبه وبسط خلقه صلّى الله عليه وسلّم
فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أكرم الناس عشرة، وأكثرهم أدبا، وأبسطهم خلقا مع أصناف الخلق، انتشرت بذلك الأخبار الصحيحة، منها ما رويناه بسند متصل عن قيس بن سعد قال: زارنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وذكر قصة فى آخرها، فلما أراد الانصراف قرب له سعد حمارا
(18/256)

ووطّأ عليه بقطيفة، فركب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم قال سعد: يا قيس، أصحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال قيس: فقال لى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «اركب» فأبيت، فقال: «إما أن تركب وإما أن تنصرف» فانصرفت، وفى رواية أخرى: «اركب أمامى فصاحب الدابة أولى بمقدّمها» . وكان صلّى الله عليه وسلّم لا يدع أحدا يمشى معه وهو راكب حتى يحمله، فإن أبى قال:
«تقدّمنى إلى المكان الذى تريد» وركب صلّى الله عليه وسلّم حمارا عريا إلى قباء، وأبو هريرة معه، فقال: «يا أبا هريرة أحملك» ؟ فقال: ما شئت يا رسول الله، فقال: «اركب» وكان فى أبى هريرة ثقل، فوثب ليركب فلم يقدر، فاستمسك برسول الله صلّى الله عليه وسلّم فوقعا جميعا، ثم ركب صلّى الله عليه وسلّم فقال:
«يا أبا هريرة أحملك» ؟ فقال: ما شئت يا رسول الله، فقال: «اركب» فلم يقدر على ذلك، فتعلق برسول الله صلّى الله عليه وسلّم فوقعا جميعا، ثم قال:
«يا أبا هريرة أحملك» ؟ فقال: لا، والذى بعثك بالحق لا صرعتك ثالثا. وكان لا يدع أحدا يمشى خلفه ويقول: «خلوا ظهرى للملائكة» . وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يؤلّف أصحابه ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كلّ قوم ويولّيه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم، من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره ولا خلقه، يتفقّد أصحابه، ويعطى كلّ جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يردّه إلا بها، أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده فى الحق سواء، هكذا وصفه ابن أبى هالة، قال: وكان دائم البشر سهل الخلق ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا سخّاب «1» ولا فحّاش،
(18/257)

ولا عيّاب ولا مدّاح، يتغافل عما لا يشتهى ولا يؤيس منه. وكان صلّى الله عليه وسلّم يجيب من دعاه، ويقبل الهدية، ولو كانت كراعا «1» ، ويكافئ عليها، قال أنس:
خدمت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عشر سنين فما قال لى أفّ قطّ، وما قال لشىء صنعته لم صنعته، ولا لشىء تركته لم تركته، ومن رواية أخرى عنه قال: خدمته نحوا من عشر سنين فو الله ما صحبته فى سفر ولا حضر لأخدمه إلا وكانت خدمته لى أكثر من خدمتى له، وما قال لى أفّ قطّ، ولا قال لشىء فعلته لم فعلت كذا، ولا لشىء لم أفعله ألّا فعلت كذا؟. وكان صلّى الله عليه وسلّم فى بعض أسفاره فأمر بإصلاح شاة فقال رجل: يا رسول الله، علىّ ذبحها، وقال آخر: علىّ سلخها، وقال آخر: علىّ طبخها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وعلىّ جمع الحطب» قالوا: يا رسول الله، نحن نكفيك، فقال: «علمت أنكم تكفونى ولكنى أكره أن أتميز عليكم فإن الله يكره من عبده أن يراه مميزا بين أصحابه» وقام فجمع الحطب.
وعن عائشة رضى الله عنها قالت: ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما دعاه أحد من أصحابه ولا أهل بيته إلا قال: «لبيك» وكان يمازج أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويداعب صبيانهم ويجلسهم فى حجره، ويجيب دعوة الحرّ والعبد والأمة والمسكين، ويعود المرضى فى أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر، قال أنس: ما التقم «2» أحد أذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فينحّى رأسه حتى يكون الرجل هو الذى ينحّى رأسه، وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخذ، ولم ير مقدّما ركبتيه بين يدى جليس له، وكان يبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، لم يرقط مادا رجليه بين أصحابه حتى يضيّق بهما على
(18/258)

أحد، يكرم من يدخل عليه، وربما بسط له ثوبه، ويؤثره بالوسادة التى تحته، ويعزم عليه فى الجلوس عليها إن أبى، ويكنّى أصحابه، ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوّز فيقطعه بنهى أو قيام، ويروى:
بانتهاء أو قيام، ويروى: أنه كان لا يجلس إليه أحد وهو يصلى إلا خفّف صلاته وسأله عن حاجته، فإذا فرغ عاد، إلى صلاته، وكان أكثر الناس تبسّما، وأطيبهم نفسا، ما لم ينزل عليه قرآن أو يعظ أو يخطب.
وأما شفقته ورأفته ورحمته صلّى الله عليه وسلّم لجميع الخلق
فقد أخبر الله تعالى بذلك ووصفه بهذه الأوصاف؛ فقال تعالى: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ «1» بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ»
وقال تعالى: «2» وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين» فكان من شفقته على أمته صلّى الله عليه وسلّم تخفيفه وتسهيله عليهم، وكراهته أشياء مخافة أن تفرض عليهم؛ كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لولا أن أشقّ على أمتى لأمرتهم بالسّواك مع كل وضوء» وخبر صلاة «3» الليل، ونهيهم عن الوصال، وكراهيته دخول الكعبة لئلا يعنت «4» أمّته، ورغبته لربه أن يجعل سبّه ولعنه لهم رحمة، وأنه كان يسمع بكاء الصّبى فيتجوّز «5» فى صلاته. ومن شفقته صلّى الله عليه وسلّم أن دعا ربه وعاهده فقال: «أيّما رجل سببته أو لعنته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة وصلاة «6» وطهورا وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة» . ومن ذلك أنه لما كذّبه قومه أتاه جبريل عليه السلام فقال له:
(18/259)

إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك، وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداه ملك الجبال وسلّم عليه، فقال: مرنى بما شئت، إن شئت أن أطبق «1» عليهم الأخشبين، قال النبى صلّى الله عليه وسلّم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا» . وروى ابن المنكدر: أن جبريل عليه السلام قال للنبى صلّى الله عليه وسلّم: إن الله أمر السماء والأرض والجبال أن تطيعك، فقال: «أؤخّر عن أمتى لعل الله أن يتوب عليهم» . ومن ذلك ما روى أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يبلغنى أحد منكم عن أحد من أصحابى شيئا، فإنى أحبّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصّدر» . وقال ابن مسعود: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتخوّلنا «2» بالموعظة مخافة السّآمة علينا، صلّى الله عليه وسلّم تسليما كثيرا.
وأما وفاؤه وحسن عهده وصلته للرحم صلّى الله عليه وسلّم
فكان صلّى الله عليه وسلّم قد بلغ من ذلك الغاية التى لا يدرك شأوها، ولا يبلغ مداها، ولا يطمع طامع سواه بالاتّصاف بها، جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة، من ذلك ما رويناه بإسناد متّصل عن عبد الله بن أبى الحمساء قال: بايعت النبى صلّى الله عليه وسلّم ببيع قبل أن يبعث، وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها فى مكانه فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاث، فجئت فإذا هو فى مكانه، فقال: «يا فتى لقد شققت علىّ أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك» . وعن أنس رضى الله عنه قال: كان النبى صلّى الله عليه وسلّم إذا أتى بهدية قال: «اذهبوا بها إلى بيت فلانة فإنها كانت صديقة لخديجة، إنها كانت تحبّ خديجة» . وعن عائشة
(18/260)

أمّ المؤمنين رضى الله عنها قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة؛ لما كنت أسمعه يذكرها، وإن كان ليذبح الشاة فيهديها إلى خلائلها «1» ، واستأذنت عليه أختها فارتاح إليها، ودخلت عليه امرأة فهشّ لها، وأحسن السؤال عنها، فلما خرجت قال: «إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإنّ حسن العهد «2» من الإيمان» .
وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن آل أبى فلان ليسوا لى بأولياء غير أن لهم رحما سأبلّها ببلالها «3» » . وعن أبى قتادة قال: وفد وفد للنجاشى، فقام النبى صلّى الله عليه وسلّم يخدمهم، فقال له أصحابه: نكفيك، فقال: «إنهم لأصحابنا مكرمين وإنى أحبّ أن أكافئهم» . ولما جىء بالشّيماء أخته من الرضاعة فى سبايا هوزان وتعرفت له، بسط لها رداءه، وقال لها: «إن أحببت أقمت عندى مكرّمة محبّة أو متّعتك ورجعت إلى قومك» فاختارت قومها فمتعها. وقال أبو الطّفيل: رأيت النبى صلّى الله عليه وسلّم وأنا غلام، إذ أقبلت امرأة حتى دنت منه، فبسط لها رداءه فجلست عليه، فقلت من هذه؟ قالوا: أمه التى أرضعته. وعن عمرو «4» بن السائب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان جالسا يوما فأقبل أبوه من الرّضاعة، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمّه فوضع لها شقّ ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأجلسه بين يديه. وكان يبعث إلى ثوبية مولاة أبى لهب مرضعته بصلة وكسوة، فلما ماتت سأل من بقى من قرابتها فقيل: لا أحد. وفى حديث خديجة رضى الله عنها
(18/261)

أنها قالت له صلّى الله عليه وسلّم فى ابتداء النبوّة: أبشر فو الله لا يخزيك «1» الله أبدا، إنك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ «2» ، وتكسب «3» المعدوم، وتقرى الضّيف، وتعين على نوائب «4» الحقّ.
وأما تواضعه صلّى الله عليه وسلّم مع علوّ منصبه ورفعة مرتبته
فكان صلّى الله عليه وسلّم أشدّ الناس تواضعا، وأقلهم كبرا، وقد جاء أنه خيّر بين أن يكون نبيّا ملكا، أو نبيّا عبدا، فاختار أن يكون نبيّا عبدا، فقال له إسرافيل عند ذلك: فإن الله قد أعطاك بما تواضعت له أنك سيّد ولد آدم يوم القيامة، وأول من تنشقّ الأرض عنه، وأول شافع. ومما رويناه بسند متّصل عن أبى أمامة قال: خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم متوكّئا على عصا، فقمنا له فقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظّم بعضها بعضا» . وقال: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد» وكان يركب الحمار، ويردف خلفه، ويعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم، حيث ما انتهى به المجلس جلس، وعن أنس: أن امرأة كان فى عقلها شىء جاءته فقالت: إن لى إليك حاجة، قال: «اجلسى يا أمّ فلان فى أى طرق المدينة شئت أجلس إليك حتى أقضى حاجتك» قال: فجلست فجلس النبى صلّى الله عليه وسلّم إليها حتى فرغت من حاجتها. قال أنس: حجّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على رحل رثّ وعليه قطيفة ما تساوى أربعة دراهم، فقال:
(18/262)

«اللهم اجعله حجّا لا رياء فيه ولا سمعة» . هذا وقد أهدى فى حجه ذلك مائة بدنة، ولما فتحت عليه مكة دخلها وقد طأطأ رأسه على رحله حتى كاد يمسّ قادمته تواضعا لله تعالى.
ومن تواضعه صلّى الله عليه وسلّم أنه لما دخل مكة جاءه أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه بأبيه ليسلم فقال: «لم عنّيت «1» الشيخ يا أبا بكر ألا تركته حتى أكون أنا آتيه فى منزله» وقد تقدّم ذكر ذلك فى الفتح. وعن عائشة والحسن وأبى سعيد وغيرهم رضى الله عنهم، فى صفته صلى الله عليه وسلّم، وبعضهم يزيد على بعض، أنه كان صلّى الله عليه وسلّم فى بيته فى مهنة «2» أهله، يفلى «3» ثوبه، ويحلب شاته، ويرقّع ثوبه، ويخصف «4» نعله، ويخدم نفسه، ويقمّ «5» البيت، ويعقل البعير، ويعلف ناضحه «6» ، ويأكل مع الخادم، ويعجن معها ويحمل بضاعته من السّوق. وعن أنس:
أن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فتنطلق به حيث شاءت حتى يقضى حاجتها. ودخل عليه رجل فأصابته من هيبته رعدة فقال له: «هوّن عليك فإنى لست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد» «7» .
وعن أبى هريرة قال: دخلت السّوق مع النبى صلّى الله عليه وسلّم فاشترى سراويل، وقال للوزّان «زن وأرجح» وذكر القصّة، قال: فوثب إلى يد النبى صلّى الله عليه وسلّم يقبّلها فجذب يده، وقال: «هذا يفعله الأعاجم بملوكها ولست بملك إنما
(18/263)

أنا رجل منكم» ثم أخذ السّراويل فذهبت لأحمله فقال: «صاحب الشىء أحق بشيئه أن يحمله» . وقد ذكر الأمين العاصمىّ بعض ذلك فى قصيدة له فقال:
يا جاعلا سنن النبى ... شعاره ودثاره «1»
متمسّكا بحديثه ... متتبّعا أخباره
سنن الشّريعة خذ بها ... متوسّما «2» آثاره
وكذا الطريقة فاقتبس ... فى سبلها أنواره
قد كان يقرى «3» ضيفه ... كرما ويحفظ جاره
ويجالس المسكين يؤ ... ثر قربه وجواره
الفقر كان رداءه ... والجوع كان شعاره
يلقى بغرّة «4» ضاحك ... مستبشرا زوّاره
بسط الرّداء كرامة ... لكريم قوم زاره
ما كان مختالا ولا ... مرحا «5» يجرّ إزاره
قد كان يركب بالرّدد ... فمن الخضوع حماره
فى مهنة «6» هو أو صلا ... ة ليله ونهاره
فتراه يحلب شاة من ... زله ويوقد ناره
ما زال كهف مهاجري ... هـ ومكرما أنصاره
برّا بمحسنهم مقي ... لا للمسىء عثاره
يهب الذى تحوى يداه ... لطالب إيثاره
(18/264)

زكّى عن الدنيا الدّن ... يّة ربّه مقداره
جعل الإله صلاته ... أبدا عليه نثاره «1»
فاختر من الأخلاق ما ... كان الرسول اختاره
لتعدّ سنّيّا وتو ... شك أن تبوّأ «2» داره
وأما عدله وأمانته وعفّته وصدق لهجته صلّى الله عليه وسلّم
فكان صلّى الله عليه وسلّم أعدل الناس، وآمن الناس، وأعفّ الناس، وأصدق الناس لهجة منذ كان، وكان يسمى قبل نبوّته الأمين، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم:
«والله إنى لأمين فى السماء أمين فى الأرض» وقد صدّقه عداه فى مواطن كثيرة تقدّم ذكرها، وقد قدّمنا قوله صلّى الله عليه وسلّم للرجل: «ويحك إن لم أعدل فمن يعدل خبت وخسرت إن لم أعدل» . وقال ابن خالويه: جزّأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهاره ثلاثة أجزاء: جزءا لله، وجزءا لأهله، وجزءا لنفسه، ثم جزّأ جزأه بينه وبين الناس، فكان يستعين بالخاصة على العامّة، ويقول: «أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغى فإنه من أبلغ حاجة من لا يستطيع أمّنه الله يوم الفزع الأكبر» . وعن الحسن قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «لا يأخذ أحدا بقرف «3» أحد ولا يصدّق أحدا على أحد» صلّى الله عليه وسلّم، ولم تمس يده امرأة قطّ لا يملك رقّها أو نكاحها أو تكون ذات محرم» .
(18/265)

وأما وقاره وصمته وتؤدته ومروءته وحسن هديه صلّى الله عليه وسلّم
فقد روينا بإسناد متّصل عن خارجة بن زيد قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أوقر الناس فى مجلسه لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه. وروى أبو سعيد الخدرىّ رضى الله عنه قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا جلس فى المجلس احتبى بيديه، وكذلك كان أكثر جلوسه محتبيا «1» . وعن جابر بن سمرة: أنه تربّع، وربما جلس القرفصاء «2» ، وكان كثير السّكوت، لا يتكلم فى غير حاجة، يعرض عمن تكلم بغير جميل، وكان ضحكه تبسّما وكلامه فصلا «3» لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التّبسّم توقيرا له واقتداء به، مجلسه مجلس حلم وحياء وخير وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن «4» فيه الحرم، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطّير. وفى صفته: يخطو تكفّؤا «5» ويمشى هونا «6» كأنما ينحطّ من صبب. «7»
وفى الحديث الآخر: «إذا مشى مشى مجتمعا، يعرف فى مشيته أنه غير غرض ولا وكل؛ أى غير ضجر ولا كسلان. وقال عبد الله بن مسعود: إنّ أحسن الهدى هدى محمد صلّى الله عليه وسلّم. وعن جابر بن عبد الله: كان فى كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ترتيل «8» أو ترسيل، قال ابن أبى هالة: كان سكوته على أربع: على الحلم،
(18/266)

والحذر، والتقدير، والتفكر. وقالت عائشة رضى الله عنها: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحدث حديثا لو عدّه العادّ لأحصاه. وكان صلّى الله عليه وسلّم يحب الطّيب والرائحة الحسنة ويحض عليها ويقول: «حبّب إلى من دنياكم النّساء، والطّيب وجعلت قرّة عينى فى الصلاة» . ومن مروءته صلّى الله عليه وسلّم نهيه عن النفخ فى الطعام والشراب، والأمر بالأكل مما يلى، والأمر بالسّواك، وإنقاء البراجم «1» والرّواجب، واستعمال خصال الفطرة «2» . صلّى الله عليه وسلّم تسليما كثيرا أبدا دائما إلى يوم الدين، آمين.
وأما زهده فى الدنيا صلّى الله عليه وسلّم
فحسبك من ذلك أنه صلّى الله عليه وسلّم توفّى ودرعه مرهونة عند يهودىّ فى نفقة عياله، بعد أن فتح الله عليه من الفتوحات ما ذكرناه، وآتاه من الأخماس والصفايا «3» ما قدمناه، فآثر «4» بذلك كله، وكان يقول: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا «5» » وسنذكر إن شاء الله تعالى فى أحواله ما ناله من شدّة العيش والجوع ما تقف عليه هناك.
قالت عائشة رضى الله عنها: لقد مات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وما فى بيتى شىء يأكله ذو كبد إلا شطر «6» شعير فى رفّ لى، وقال لى: «إنّى عرض علىّ أن تجعل لى
(18/267)

بطحاء مكة ذهبا، فقلت لا يا ربّ أجوع يوما وأشبع يوما، فأمّا اليوم الذى أجوع فيه فأتضرّع إليك وأدعوك، وأما اليوم الذى أشبع فأحمدك وأثنى عليك» .
وفى حديث آخر: «إن جبريل عليه السلام نزل عليه فقال له: إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أتحب أن أجعل هذه الجبال ذهبا، وتكون معك حيثما كنت؟» فأطرق ساعة ثم قال: «يا جبريل، إن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له قد يجمعها من لا عقل له» فقال له جبريل: ثبتك الله يا محمد بالقول الثابت.
صلّى الله عليه وسلّم.
وأما خوفه ربّه، وطاعته له، وشدّة عبادته صلّى الله عليه وسلّم
فكان ذلك على قدر علمه بربه تبارك وتعالى؛ ولذلك قال فيما رويناه بسند متصل عن سعيد بن المسيّب: إن أبا هريرة كان يقول قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» . ومن رواية عن أبى عيسى الترمذىّ عن أبى ذرّ: «إنى أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطّت السماء «1» وحقّ لها أن تئطّ ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيها ملك ساجد لله واضع جبهته، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذّذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصّعدات «2» تجأرون إلى الله، لوددت أنى شجرة تعضد «3» » . روى هذا الكلام: «وددت أنى شجرة تعضد» من قول أبى ذر
(18/268)

نفسه وهو أصح. وفى حديث آخر: صلّى رسول الله عليه وسلّم حتى انتفخت قدماه. وفى رواية: كان يصلى حتى ترم قدماه، فقيل له أتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟، قال: «أفلا أكون عبدا شكورا» .
وقالت عائشة رضى الله عنها: كان عمل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ديمة «1» ، وأيّكم يطيق ما كان يطيق. وقالت: كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم. وكان صلّى الله عليه وسلّم يصوم الاثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، ويوم عاشوراء، وقلّ ما كان يفطر يوم الجمعة، وأكثر صيامه فى شعبان. وقال عوف بن مالك: كنت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة فاستاك ثم توضأ ثم قام فصلى فقمت معه، فبدأ فاستفتح البقرة، فلا يمرّ بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوّذ، ثم ركع فمكث بقدر قيامه يقول: «سبحان ذى الجبروت والملكوت والعظمة» ثم سجد، وقال مثل ذلك، ثم قرأ آل عمران ثم سورة سورة يفعل مثل ذلك. وعن حذيفة مثله، وقال: سجد نحوا من قيامه، وجلس بين السجدتين نحوا منه، وقال: حتى قرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بآية من القرآن ليلة. وعن عبد الله بن الشّخّير قال: أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولجوفه أزيز كأزيز «2» المرجل. وقال ابن أبى هالة: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة. وقال صلّى الله عليه وسلّم: إنى لأستغفر الله فى اليوم مائة مرة، وروى سبعين مرة. وعن علىّ
(18/269)

ابن أبى طالب رضى الله عنه قال: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن سنته فقال: «المعرفة رأس مالى، والعقل أصل دينى، والحبّ أساسى، والشوق مركبى، وذكر الله أنيسى، والثقة كنزى، والحزن رفيقى، والعلم سلاحى، والصّبر زادى، والرّضا غنيمتى، والعجز فحرى، والزهد حرفتى، واليقين قوتى، والصدق شفيعى، والطاعة حسبى «1» ، والجهاد خلقى، وقرّة عينى فى الصلاة» . وفى حديث آخر: «وثمرة فؤادى فى ذكره، وغمّى لأجل أمتى، وشوقى إلى ربى» . ولنصل هذه الفصول التى شرحناها فى صفاته المعنوية صلّى الله عليه وسلّم بما ورد من طيب ريحه، وعرقه، وما يجرى هذا المجرى.
ذكر نبذة مما ورد فى نظافة جسمه، وطيب ريحه، وعرقه ونزاهته عن الأقذار وعورات الجسد صلّى الله عليه وسلّم
كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد خصّه الله عز وجل من ذلك بخصائص لم توجد فى غيره، ومنحه منحا لم تكن فى سواه؛ من ذلك ما رويناه عن مسلم ابن الحجاج بإسناده، عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: ما شممت عنبرا قطّ ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وعن جابر ابن سمرة أنه صلّى الله عليه وسلّم مسح خدّه، قال: فوجدت ليده بردا وريحا كأنّما أخرجها من جونة «2» عطّار. قال غيره: مسّها بطيب أو لم يمسّها، يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها، ويضع يده على رأس الصبىّ فيعرف من بين الصبيان بريحها. وروى أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نام فى دار أنس فعرق، فجاءت أمّ أنس بقارورة تجمع فيها عرقه، فسألها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك
(18/270)

فقالت: نجعله فى طيبنا وهو من أطيب الطّيب. وذكر البخارى فى تاريخه الكبير عن جابر: لم يكن النبىّ صلّى الله عليه وسلّم يمرّ فى طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيبه. وذكر إسحق بن راهويه: أن تلك كانت رائحته بلا طيب صلّى الله عليه وسلّم. وروى المزنىّ «1» عن جابر قال: أردفنى النبى صلّى الله عليه وسلّم فالتقمت خاتم النبوّة بفمى وكان ينمّ علىّ مسكا. ونقل القاضى عياض بن موسى قال: حكى بعض المعتنين بأخباره وشمائله صلّى الله عليه وسلّم أنه كان إذا أراد أن يتغوّط انشقت الأرض فابتلعت غائطه وبوله، وفاحت لذلك رائحة طيبة.
وأسند محمد بن سعد فى هذا خبرا عن عائشة رضى الله عنها، أنها قالت للنبىّ صلّى الله عليه وسلّم: إنك تأتى الخلاء ولا يرى منك شىء من الأذى. فقال: «يا عائشة أو ما علمت أن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء فلا يرى منه شىء» قال القاضى عياض: وهذا الخبر وإن لم يكن مشهورا فقد قال قوم من أهل العلم بطهارة الحدثين منه صلّى الله عليه وسلّم. ومن ذلك حديث علىّ بن أبى طالب فى الوفاة وسنذكره إن شاء الله تعالى. وقد جاء عن أمه آمنة أنها قالت: ولدته نظيفا ما به قذر. صلّى الله عليه وسلّم. ولنختم هذه الفصول بحديث هند بن أبى هالة لجمعه بين صفاته صلّى الله عليه وسلّم الذاتية والمعنوية. والله أعلم.
ذكر حديث هند بن أبى هالة وما تضمن من أوصاف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذاتية والمعنوية
حدّثنا الشيخان المحدّثان شرف الدّين أبو يوسف يعقوب بن أحمد بن يعقوب الحلبىّ، وزين الدين أبو محمد عبد الحقّ بن قينان بن عبد المجيد القرشىّ- رحمهما الله- قراءة عليهما وأنا أسمع فى شهر رجب عام ثمانية وسبعمائة، قالا: حدّثنا الشيخ
(18/271)

أبو الحسن محمد بن أبى علىّ الحسين بن عتيق بن رشيق الرّبعى المالكى سماعا فى شوّال سنة ثمان وستين وستمائة بمصر، وبقراءة الشيخ زين الدين الثانى على الشيخ نظام الدين الحسين بن محمد بن الحسن بن الخليلى، وبإجازتهما من الحافظ أبى الحسين يحيى ابن على بن عبد الله القرشىّ، وتاج الدين على بن أحمد بن القسطلانىّ، قالوا أخبرنا أبو الحسين محمد بن أبى جعفر أحمد بن جبير الكنانى، قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن عيسى التميمىّ إجازة، قال أخبرنا القاضى أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبىّ رحمه الله تعالى، قال ابن القسطلانىّ:
وأخبرنا أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء إجازة، قال أخبرنا أبو الفضل عياض إجازة، قال القاضى أبو الفضل حدّثنا القاضى أبو على الحسين بن محمد الحافظ رحمه الله بقراءتى عليه سنة ثمان وخمسمائة، قال حدّثنا الإمام أبو القاسم عبد الله ابن طاهر التميمىّ، قال قرأت عليه: أخبركم الفقيه الأديب أبو بكر محمد بن الحسن النيسابورىّ، والشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن المحمدىّ، والقاضى أبو علىّ الحسن بن على بن جعفر الوخشىّ «1» ، قالوا: حدّثنا أبو القاسم على بن أحمد بن محمد بن الحسن الخزاعىّ، قال أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشى، قال أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الحافظ؛ قال حدّثنا سفيان بن وكيع، قال حدّثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلىّ إملاء من كتابه، قال حدّثنى رجل من بنى تميم من ولد أبى هالة زوج خديجة أمّ المؤمنين رضى الله عنها، يكنى أبا عبد الله عن ابن لأبى هالة عن الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنه، قال سألت خالى هند بن أبى هالة. قال القاضى أبو علىّ رحمه الله: وقرأت على الشيخ أبى طاهر أحمد بن الحسن بن أحمد بن خذاداذ الكرخى الباقلّانى، قال
(18/272)

وأجاز لنا الشيخ الأجل أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون، قالا أخبرنا أبو على الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان بن حرب بن مهران الفارسىّ، قراءة عليه، فأقرّ به، قال أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى ابن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن على بن الحسين بن على ابن أبى طالب المعروف بابن أخى طاهر العلوى، قال حدّثنا إسمعيل بن محمد ابن إسحق بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، قال:
حدّثنى على بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين، عن أخيه موسى بن جعفر ابن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن على، عن على بن الحسين قال قال الحسن بن على- واللفظ لهذا السند-: سألت خالى هند بن أبى هالة عن حلية «1» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان وصّافا، وأنا أرجو أن يصف لى منها شيئا أتعلق به، قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم فخما «2» مفخّما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذّب «3» ، عظيم الهامة «4» ، رجل «5» الشعر، إن انفرقت عقيقته «6» فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفّر، أزهر «7» اللون، واسع الجبين «8» ، أزجّ «9» الحواجب، سوابغ «10» من غير قرن، بينهما عرق
(18/273)

يدرّه «1» الغضب، أقنى «2» العرنين، له نور يعلوه، ويحسبه من لم يتأمله أشمّ «3» ، كثّ «4» اللحية، أدعج «5» ، سهل الخدّين، ضليع «6» الفم، أشنب «7» مفلّج «8» الأسنان، دقيق المسربة «9» ، كأنّ عنقه جيد دمية «10» في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادنا متماسكا، «11» سواء البطن والصّدر، مشيح «12» الصّدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس «13» ، أنور المتجرد «14» ، موصول ما بين اللّبّة والسّرة بشعر يجرى كالخطّ، عارى الثديين «15» ، ما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالى الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن «16» الكفّين والقدمين، سائل «17» الأطراف، أو قال سائن الأطراف، سبط القصب «18» ،
(18/274)

خمصان «1» الأخمصين، مسيح «2» القدمين ينبو عنهما الماء، إذا زال «3» زال تقلّعا، ويخطو تكفّؤا «4» ، ويمشى «5» هونا، ذريع «6» المشية، إذا مشى كأنما ينحطّ من صبب «7» ، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطّرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة «8» ، يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام. قلت:
صف لى منطقه، قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، وليست له راحة، ولا يتكلم فى غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه «9» ، ويتكلم بجوامع الكلم، فصلا «10» لا فضول فيه ولا تقصير، دمثا «11» ليس بالجافى «12» ولا المهين، يعظّم النّعمة وإن دقّت، لا يذمّ شيئا لم يكن يذمّ ذواقا ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرّض للحقّ بشىء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفّه كلها، وإذا تعجب
(18/275)

قلبها، وإذا تحدّث اتصل «1» بها فضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح «2» ، وإذا فرح غضّ طرفه، جلّ ضحكه التبسم، ويفترّ «3» عن مثل حبّ الغمام. قال الحسن: فكتمتها الحسين بن على زمانا، ثم حدثته فوجدته قد سبقنى إليه، فسأل أباه عن مدخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومخرجه ومجلسه وشكله، فلم يدع منه شيئا، قال الحسين: سألت أبى- عليه السلام- عن دخول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: كان دخوله لنفسه مأذونا له فى ذلك، فكان إذا آوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزء لله تعالى، وجزء لأهله، وجزء لنفسه.
ثم جزأ جزءه بينه وبين الناس، فيردّ ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدّخر عنهم شيئا، فكان من سيرته فى جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، قسمته على قدر فضلهم فى الدّين، منهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم، وإخبارهم بالذى ينبغى لهم، ويقول: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب، وأبلغونى حاجة من لا يستطيع إبلاغى حاجته، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة» لا يذكر عنده إلا ذلك ولا يقبل من أحد غيره.
قال فى حديث سفيان بن وكيع: «يدخلون روّادا «4» ، ولا يتفرّقون إلا عن ذواق «5» ، ويخرجون أدلة «6» » ، يعنى فقهاء، قلت: فأخبرنى عن مخرجه كيف كان يصنع فيه، قال:
(18/276)

كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخزن لسانه إلا مما يعنيهم، ويؤلّفهم ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم وبولّيه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد بشره وخلقه، ويتفقّد أصحابه، ويسأل الناس عما فى الناس، ويحسّن الحسن ويصوّبه، ويقبّح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملّوا؛ لكل حال عنده عتاد «1» ، لا يقصّر عن الحقّ ولا يجاوزه إلى غيره، الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
فسألته عن مجلسه عما كان يصنع فيه، فقال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطّن «2» الأماكن، وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهى به المجلس ويأمر بذلك، ويعطى كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، من سأله حاجة لم يردّه إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبا، وصاروا عنده فى الحقّ متقاربين متفاضلين فيه بالتقوى. وفى الرواية الأخرى: صاروا عنده فى الحقّ سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تنثى «3» فلتاته- وهذه الكلمة من غير الروايتين- يتعاطفون،
(18/277)

بالتقوى متواضعين، يوقّرون فيه الكبير ويرحمون الصغير، ويرفدون «1» ذا الحاجة ويرحمون الغريب.
فسألته عن سيرته صلّى الله عليه وسلم فى جلسائه، فقال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا سخّاب «2» ولا فحاش، ولا عيّاب، ولا مدّاح، يتغافل عما لا يشتهى ولا يؤيس منه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث:
كان لا يذمّ أحدا ولا يعيّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أوّلهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة فى المنطق، ويقول: «إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه» ولا يطلب الثناء «3» إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام.
هنا انتهى حديث سفيان بن وكيع.
وزاد الآخر؛ قلت: كيف كان سكوته صلّى الله عليه وسلّم؟ قال: كان سكوته على أربع: على الحلم والحذر والتقدير والتفكّر، فأما تقديره ففى تسوية النظر والاستماع بين الناس، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم صلّى الله عليه وسلّم فى الصبر، فكان لا يغضبه شىء يستفزّه. وجمع له فى الحذر أربع: أخذه بالحسن، ليقتدى به، وتركه القبيح لينتهى عنه، واجتهاد الرأى بما أصلح أمّته، والقيام لهم بما جمع لهم أمر الدنيا والآخرة. صلّى الله عليه وسلّم. فهذه جملة كافية من أوصافه صلّى الله عليه وسلّم، فلنذكر أحواله.
(18/278)

ذكر أحوال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
فى دنياه، وما ناله من شدّة العيش فيها، وما روى من أحواله فى تطيّبه ولباسه وفراشه، ووسادته، وتختّمه وتنعّله، وخفّيه. وسواكه، ومشطه، ومكحلته ومرآته وقدحه، وما ورد فى حجامته، وما ملكه من السّلاح والدّواب وغير ذلك.
صلّى الله عليه وسلّم
أما ما ناله صلّى الله عليه وسلّم من شدة العيش فى دنياه
فقد تقدّم من صفاته المعنوية زهده فى الدنيا وتقلّله منها، وأحلنا هناك على ما نورده فى هذا الموضع. وسنورد منه ما تقف عليه إن شاء الله.
فمن ذلك ما روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يبيت الليالى المتتابعة طاويا، وأهله لا يجدون عشاء، وكان عامة خبزهم الشعير. وعن أنس بن مالك أن فاطمة رضى الله عنها جاءت بكسرة خبز إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «ما هذه الكسرة» ؟ قالت: قرص خبزته فلم تطب نفسى حتى أتيتك بهذه الكسرة. فقال: «أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام» . وعن أبى هريرة: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يشدّ صلبه بالحجر من الغرث» «1» . وعن مسروق قال: بينهما عائشة تحدّثنى ذات يوم إذ بكت؛ فقلت: ما يبكيك يا أم المؤمنين؟ قالت: ما ملأت بطنى من طعام فشئت أن أبكى إلا بكيت؛ أذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وما كان فيه من الجهد. وعنه قال: دخلت على عائشة أمّ المؤمنين وهى تبكى، فقلت: يا أمّ المؤمنين ما يبكيك؟ قالت: ما أشبع فأشاء أن أبكى إلا بكيت؛
(18/279)

وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يأتى عليه أربعة أشهر ما يشبع من خبز برّ. وعنها رضى الله عنها قالت: ما شبع آل محمد غداء وعشاء من خبز الشعير ثلاثة أيام متتابعات حتى لحق بالله. ومن رواية عنها: ما رفع عن مائدته كسرة فضلا حتى قبض. وعن أبى هريرة قال: كان يمرّ بآل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هلال، ثم هلال، ثم هلال، لا يوقد فى شىء من بيوته نار، لا لخبز ولا لطبيخ، قالوا: بأى شىء كانوا يعيشون يا أبا هريرة؟ قال: بالأسودين التمر والماء. قال: وكان له جيران من الأنصار- جزاهم الله خيرا- لهم منائح»
يرسلون إليه بشىء من لبن. وعن الحسن قال: خطب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال:
«والله ما أمسى فى آل محمد صاع من طعام وإنها لتسعة أبيات» والله ما قالها استقلالا لرزق الله، ولكن أراد أن تأسّى به أمته. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: ما شبع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى يوم مرتين حتى لحق بالله، ولا رفعنا له فضل طعام عن شبع حتى لحق بالله، إلا أن نرفعه لغائب. فقيل لها:
ما كانت معيشتكم؟ قالت: الأسودان الماء والتمر. قالت: وكان لنا جيران من الأنصار لهم ربائب «2» يسقونا من لبنها؛ جزاهم الله خيرا. وعن ابن شهاب:
أن أبا هريرة كان يمرّ بالمغيرة بن الأخنس وهو يطعم الطعام، فقال: ما هذا الطعام؟ قال: خبز النّقىّ «3» واللحم السّمين، قال: وما النّقىّ؟ قال: الدقيق.
فتعجب أبو هريرة ثم قال: عجبا لك يا مغيرة! رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبضه
(18/280)

الله عز وجل، وما شبع من الخبز والزيت فى يوم مرتين، وأنت وأصحابك تهذرون «1» ها هنا الدنيا بينكم. وعن قتادة قال: كنا نأتى أنس بن مالك وخبّازه قائم، فقال يوما: كلوا فما أعلم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رأى رغيفا مرقّفا «2» حتى لحق بربه، ولا شاة سميطا «3» قطّ. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: ما اجتمع فى بطن النبىّ صلّى الله عليه وسلّم طعامان فى يوم قطّ، إن أكل لحما لم يزد عليه، وإن أكل تمرا لم يزد عليه، وإن أكل خبزا لم يزد عليه. وعن عائشة رضى الله عنها قالت:
أرسل أبو بكر رضى الله عنه قائمة شاة ليلا فقطعت، وأمسك علىّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أو قطع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأمسكت عليه، فقيل لها:
على غير مصباح؟ قالت عائشة: لو كان عندنا مصباح لأتدمنا به، كان يأتى على آل محمد شهر ما يختبزون خبزا ولا يطبخون قدرا. وعن عمران بن زيد المدينى قال:
حدّثنى والدى، قال: دخلنا على عائشة، فقلنا: سلام عليك يا أمّاه، قالت:
وعليك، ثم بكت، فقلنا: ما بكاؤك يا أمّاه؟ قالت: بلغنى أن الرجل منكم يأكل من ألوان الطعام حتى يلتمس لذلك دواء، فذكرت نبيكم صلّى الله عليه وسلّم، فذلك الذى أبكانى، خرج من الدنيا ولم يملأ بطنه فى يوم من طعامين، كان إذا شبع من التمر لم يشبع من الخبز، وإن شبع من الخبز لم يشبع من التمر، فذلك الذى أبكانى. وعن أسماء بنت يزيد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم توفّى يوم توفّى، ودرعه مرهونة عند رجل من اليهود يوسق من شعير. وسئل سهل بن سعد:
(18/281)

أكانت المناخل على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قال: ما رأيت منخلا فى ذاك الزمان، وما أكل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الشعير منخولا حتى فارق الدنيا. فقيل له: كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نطحنها ثم ننفخ قشرها، فيطير ما طار ويستمسك ما استمسك. وعن الأعرج، عن أبى هريرة أن النبىّ صلّى الله عليه وسلّم كان يجوع، قال قلت لأبى هريرة: وكيف ذلك الجوع؟ قال:
لكثرة من يغشاه وأضيافه، وقوم يلزمونه لذلك، فلا يأكل طعاما أبدا إلا ومعه أصحابه وأهل الحاجة يتتبعون من المسجد، فلما فتح الله تعالى خيبر اتّسع الناس بعض الاتساع، وفى الأمر بعد «1» ضيق، والمعاش شديد فى بلاد ظف «2» ، لا زرع فيها، إنما طعام أهلها التمر وعلى ذلك أقاموا. قال مخرمة بن سليمان: وكانت جفنة سعد تدور على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منذ يوم نزل المدينة فى الهجرة إلى يوم توفّى، وغير سعد بن عبادة من الأنصار يفعلون ذلك. وكان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كثيرا يواسون، ولكن الحقوق تكثر والعدّام «3» يكثرون، والبلاد ضيقة ليس فيها معاش، إنما تخرج ثمرتهم من ماء ثمد «4» يحمله الرجال على أكتافهم، أو على الإبل، والإبل أقل ذلك، وربما أصاب نخلهم القشام «5» فتذهب ثمرتهم تلك السنة، والقشام: شىء يصيب البلح مثل الجدرى فينتثر؛ فهذه كانت حاله صلّى الله عليه وسلّم فى عيشه فى غالب أوقاته، وهى سنّة الأنبياء صلوات الله عليهم.
(18/282)

وأما تطيبه صلّى الله عليه وسلّم
فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحبّ الطّيب، وكان يتطيب بالغالية «1» وبالمسك، حتى يرى وبيصه «2» في مفارقه، ويتبخّر بالعود ويطرح معه الكافور، وكان يعرف فى الليلة المظلمة بطيب ريحه صلّى الله عليه وسلّم.
وأما لباسه صلّى الله عليه وسلّم وما روى من ألوانه وأصنافه وطوله وعرضه
فقد روى أنه صلّى الله عليه وسلّم كان يتجمّل لأصحابه، فضلا عن تجمّله لأهله، ويقول: «إن الله يحب من عبده إذا خرج إلى إخوانه أن يتهيّا لهم ويتجمّل» ولبس صلّى الله عليه وسلّم من الثياب البياض والحمرة والصّفرة والخضرة والسّواد.
أما البياض وما جاء فيه- فقد روى عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «عليكم بالبياض من الثياب فليلبسها أحياؤكم وكفّنوا فيها موتاكم فإنها من خير ثيابكم» وفى رواية عنه «البسوا الثياب البيض فإنها أطهر وأطيب وكفّنوا فيها موتاكم» . وعن أبى قلابة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ من أحبّ ثيابكم إلى الله البياض، فصلّوا فيها وكفّنوا فيها موتاكم» .
وأما الثياب الحمر- فروى عن البراء قال: ما رأيت أحدا كان أحسن فى حلّة حمراء من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وعنه: ما رأيت من ذى لمّة «3» أحسن فى حلّة حمراء من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وعن عون بن أبى جحيفة عن أبيه
(18/283)

قال: أتيت النبىّ صلّى الله عليه وسلّم بالأبطح، وهو فى قبّة حمراء، فخرج وعليه جبّة له حمراء وحلّة عليه حمراء. وعن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يلبس يرده الاحمر «1» في العيدين والجمعة. وعن أبى جعفر محمد بن علىّ أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يلبس يوم الجمعة برده الأحمر؛ ويعتمّ «2» يوم العيدين، صلّى الله عليه وسلّم تسليما كثيرا.
وأما الثياب الصّفر- فقد روى عن قيس بن سعد بن عبادة قال: أتانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فوضعنا له غسلا فاغتسل، ثم أتيناه بملحفة ورسيّة «3» فاشتمل بها، فكأنى أنظر إلى أثر الورس على عكنه «4» . وعن بكر بن عبد الله المزنى قال: كانت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ملحفة مورّسة، فإذا دار على نسائه رشّها بالماء.
وعن أمّ سلمة رضى الله عنها قالت: ربما صبغ لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم قميصه ورداؤه وإزاره بزعفران وورس، ثم يخرج فيها. وعن عبد الله بن مالك قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصبغ ثيابه بالزعفران: قميصه ورداءه وعمامته. وعن عبد الله بن جعفر عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليه رداء وعمامة مصبوغين بالعبير «5» ، والعبير عندهم الزّعفران. وعن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصبغ ثيابه كلها بالزعفران حتى العمامة.
(18/284)

وأما الثياب الخضر- فقد روى أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يعجبه الثياب الخضر. وعن أبى رمثة قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعليه بردان أخضران. والله المنعم.
وأما السّواد وما ورد فيه- فقد روى عن جابر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دخل مكة، وعليه عمامة سوداء. وعن حريث عن أبيه أن النبى صلّى الله عليه وسلّم خطب الناس، وعليه عمامة سوداء، هذا ما وقفنا عليه من ألوان لباسه صلّى الله عليه وسلّم.
فأما أصناف لباسه صلّى الله عليه وسلّم وطولها وعرضها، فإنه عليه الصلاة والسلام لبس الصوف والحبرة والقطن، ولبس السّندس «1» والحرير، ثم تركه، وورد فى ذلك أخبار نذكر منها ما أمكن.
أما الصوف وما ورد فيه- فقد روى عن أبى بردة قال: دخلت على عائشة رضى الله عنها فأخرجت إلينا إزارا غليظا مما يصنع باليمن، وكساء من هذه الملبّدة، فأقسمت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبض فيهما. وعنها رضى الله عنها قالت: جعل للنبىّ صلّى الله عليه وسلّم بردة سوداء من صوف فلبسها. وعن سهل بن سعد: قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ببردة منسوجة، فيها حاشيتاها. قال سهل: وتدرون ما البردة؟ قالوا: الشّملة، قال:
نعم، هى الشّملة، فقالت: يا رسول الله، نسجت هذه البردة بيدى فجئت بها أكسوكها، قال: فأخذها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم محتاجا إليها، فخرج علينا وإنها لإزاره، فحسّنها فلان- لرجل من القوم سماه- فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذه البردة!
(18/285)

أكسنيها، فقال: «نعم» فجلس ما شاء الله فى المجلس ثم رجع، فلما دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طواها ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، كسيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم محتاجا إليها ثم سألته إياها، وقد علمت أنه لا يرد سائلا! فقال الرجل: والله ما سألته إياها لألبسها، ولكن لتكون كفنى يوم أموت، قال سهل: فكانت كفنه.
وأما الحبرة وهى من برود اليمن فيها حمرة وبياض فكانت من أحبّ اللباس إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وروى عن قتادة قال قلت لأنس بن مالك:
أىّ اللباس كان أحبّ وأعجب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قال:
الحبرة. وعن محمد بن هلال قال: رأيت على هشام بن عبد الملك برد النبى صلّى الله عليه وسلّم من حبرة له حاشيتان.
وأما السّندس والحرير- فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لبس ذلك ثم تركه.
روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: أهدى ملك الروم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مستقة «1» من سندس فلبسها، فكأنّى أنظر إلى يديها تذبذبان «2» من طولها. فجعل القوم يقولون: يا رسول الله، أنزلت عليك من السماء؟ فقال:
«وما تعجبون منها، فو الذى نفسى بيده إن منديلا من مناديل سعد بن معاذ فى الجنة خير منها» ثم بعث بها إلى جعفر بن أبى طالب فلبسها، فقال النبى صلّى الله عليه وسلّم: «إنى لم أعطكها لتلبسها» قال: فما أصنع بها؟ قال: «ابعث بها
(18/286)

إلى أخيك النجاشى» . وعن عقبة بن عامر قال: أهدى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرّوج- يعنى قباء حرير- فلبسه، ثم صلّى فيه، ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا كالكاره له، ثم قال: «لا ينبغى هذا للمتقين» .
وعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلّى فى خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما سلّم قال: «اذهبوا بخميصتى هذه إلى أبى جهم فإنها ألهتنى آنفا عن صلاتى وأتونى بأنجبانىّ «1» أبى جهم» .
وأما القطن وما ورد فى أطوال ثياب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعرضها فروى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: كنت يوما أمشى مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعليه برد بحرانىّ «2» غليظ الحاشية. وعنه: كان قميص رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قطنيا قصير الطول قصير الكمّين. وعن بديل «3» قال: كان كمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الرّسغ. وعن عروة بن الزبير رضى الله عنهما:
أن طول رداء النبى صلّى الله عليه وسلّم أربع أذرع، وعرضه ذراعان وشبر.
(18/287)

وعنه: أن ثوب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذى كان يخرج فيه إلى الوفد- ورداؤه حضرمىّ- طوله أربع أذرع، وعرضه ذراعان وشبر، فهو عند الخلفاء قد خلق، فطووه بثوب يلبسونه يوم الأضحى والفطر. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يلبس قميصا قصير اليدين والطول.
وعن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: كنت مع عمر، فى حديث رواه عنه قال فقال:
رأيت أبا القاسم وعليه جبّة شاميّة ضيقة الكمّين.
ذكر صفة إزرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وما كان يقوله إذا لبس ثوبا جديدا
روى عن يزيد بن أبى حبيب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يرخى الإزار من بين يديه، ويرفعه من ورائه. وعن عكرمة مولى ابن عباس، قال:
رأيت ابن عباس إذا ائتزر أرخى مقدّم إزاره، حتى تقع حاشيتاه على ظهر قدميه؛ ويرفع الإزار مما وراءه، فقلت له: لم تأتزر هكذا؟ قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأتزر هذه الإزرة. وعن أبى سعيد الخدرىّ قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا استجدّ ثوبا سمّاه باسمه؛ قميصا أو إزارا أو عمامة، ويقول: «اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له» . وعن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال:
كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «إذا لبس ثوبا- أو قال- إذا لبس أحدكم ثوبا فليقل الحمد لله الذى كسانى ما أوارى به عورتى، وأتجمّل به فى حياتى» .
وكان صلّى الله عليه وسلّم يلبس الكساء الصوف وحده فيصلى فيه، وربما ليس الإزار الواحد ليس عليه غيره، ويعقد طرفيه بين كتفيه يصلى فيه. وكان يلبس القلانس
(18/288)

تحت العمائم، ويلبسها دونها [ويلبس العمائم «1» دونها] ويلبس القلانس ذات الآذان فى الحرب، وربما نزع قلنسوته، وجعلها سترة بين يديه وصلّىّ إليها، وربما مشى بلا قلنسوة ولا عمامة ولا رداء، راجلا يعود المرضى كذلك فى أقصى المدينة.
وكان يعتمّ ويسدل طرف عمامته بين كتفيه. وعن علىّ أنه قال: عمّمنى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعمامة، وسدل طرفها على منكبى، وقال: «إنّ العمامة حاجز بين المسلمين والمشركين» .
ذكر فراش رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ووسادته
روى عن عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها، قالت: دخلت امرأة من الأنصار علىّ فرأت فراش رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عباءة مثنيّة، فانطلقت فبعثت إلىّ «2» بفراش حشوه صوف، فدخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علىّ فقال:
«ما هذا» ؟ قلت: يا رسول الله؛ فلانة الأنصارية، دخلت علىّ فرأت فراشك فذهبت فبعثت هذا. فقال: «ردّيه» فلم أردّه، وأعجبنى أن يكون فى بيتى، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فقال: «والله يا عائشة لو شئت لأجرى الله معى جبال الذهب والفضة» . وعنها: أنها كانت تفرش لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم عباءة باثنتين «3» فجاء ليلة وقد ربّعتها فنام عليها، فقال: «يا عائشة ما لفراشى الليلة ليس كما كان يكون» ؟ قالت قلت: يا رسول الله، ربّعتها، قال: «فأعيديه كما كان» .
وعنها قالت: كان لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسادة من أدم محشوّة ليفا، ودخل عمر بن الخطاب رضى الله عنه على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو على سرير
(18/289)

مرمول «1» بشريط، وتحت رأسه مرفقة «2» من أدم محشوّة بليف، وقد أثّر الشّريط بجنبه، فبكى عمر، فقال: «ما يبكيك» ؟ قال: يا رسول الله، ذكرت كسرى وقيصر يجلسون على سرر الذّهب ويلبسون السّندس والإستبرق، فقال:
«أما ترضون أن تكون لكم الآخرة ولهم الدنيا» . وعن عبد الله بن مسعود قال:
اضطجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على حصير فأثر الحصير بجلده، فلما استيقظ جعلت أمسح عنه وأقول: يا رسول الله، ألا آذنتنا نبسط لك على هذا الحصير شيئا يقيك منه؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مالى وللدنيا، وما أنا والدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها» ، وعن المغيرة ابن شعبة قال: كان لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فروة، وكان يستحب أن تكون له فروة مدبوغة يصلى عليها، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصلى على الحصير والخمرة «3» ، كما روى فى الصحيحين.
ذكر ما لبسه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الخواتم، ومن قال لم يتختّم
قد قدّمنا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اتخذ الخاتم فى سنة سبع من الهجرة عند ما بعث رسله إلى الملوك، وختم به الكتب التى سيّرها إليهم؛ فلنذكر هنا ما لبسه من الخوانم. وقد روى أنه تختم بالذهب والفضة والحديد الملوىّ عليه الفضة، على ما نذكر ذلك من أقوالهم.
(18/290)

روى عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: اتخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خاتما من ذهب، فكان يجعل فصّه فى بطن كفه إذا لبسه فى يده اليمنى؛ فصنع الناس خواتيم من ذهب، فجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المنبر فنزعه، وقال: «إنى كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصّه من باطن كفى» فرمى به، وقال: «والله لا ألبسه أبدا» ونبذ النبى صلّى الله عليه وسلّم الخاتم، فنبذ الناس خواتيمهم.
ثم اتخذ خاتما من فضّة فصّه منه، ونقش عليه «محمد رسول الله» ثلاثة أسطر، كان يختم به الكتب إلى الملوك. وقد روى أن خاتمه كان من حديد، ملوىّ عليه فضّة، وقيل: إنه رآه فى يد عمرو بن سعيد بن العاص حين قدم من الحبشة فقال: «ما هذا الخاتم فى يدك يا عمرو» ؟ قال: هذه حلقة يا رسول الله، قال:
«فما نقشها» ؟ قال: محمد رسول الله، فأخذه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منه فتختمه، فكان فى يده حتى قبض، ثم فى يد أبى بكر حتى قبض، ثم فى يد عمر حتى قبض، ثم فى يد عثمان ستّ سنين، وفى السابعة وقع فى بئر أريس «1» . قال أنس ابن مالك: فطلبناه مع عثمان ثلاثة أيام فلم نقدر عليه. وروى عن ابن سيرين: أن نقشه كان «بسم الله، محمد رسول الله» . وقد روى محمد بن سعد فى طبقاته قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقىّ، قال حدّثنا عطّاف بن خالد، عن عبد الأعلى بن عبد الله بن أبى فروة، عن سعيد بن المسيّب، قال: ما تختم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى لقى الله، ولا أبو بكر حتى لقى الله، ولا عمر حتى لقى الله، ولا عثمان حتى لقى الله، هكذا روى. والصحيح أنه تختّم صلّى الله عليه وسلّم، وتختموا رضوان الله عليهم أجمعين كما ذكرنا.
(18/291)

ذكر نعل رسول الله صلّى الله عليه وسلم وخفّيه
روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه: أن النبى صلّى الله عليه وسلّم كان لنعله قبالان «1» . وعن عبد الله بن الحارث قال: كان نعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لها رمالان «2» شراكهما مثنىّ فى العقدة. وعن سلمة عن هشام بن عروة قال: رأيت نعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مخصّرة «3» معقّبة ملسّنة لها قبالان. وعن عبيد ابن جريح قال قلت لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن، أراك تستحب هذه النّعال السّبتيّة «4» ، قال: إنى رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يلبسهما ويتوضأ فيهما. وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه: أن صاحب الحبشة أهدى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خفّين ساذجين «5» فمسح عليهما، وفى رواية: أن النجاشى أهدى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خفين أسودين ساذجين فلبسهما ومسح عليهما.
ذكر سواك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومشطه، ومكحلته، ومرآته، وقدحه، وغير ذلك من أثاثه
روى عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان لا يرقد ليلا ولا نهارا فيستيقظ إلا تسوّك قبل أن يتوضأ. وعن قتادة عن
(18/292)

عكرمة قال: استاك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بجريد رطب وهو صائم، فقيل لقتادة: إن أناسا يكرهونه، فقال: استاك والله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بجريد رطب وهو صائم. وعن ابن جريج قال: كان لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم مشط عاج «1» يمتشط به. وعن ثور عن خالد «2» بن معدان قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسافر بالمشط والمرآة والدّهن والمكحل «3» والسّواك.
وعن أنس قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يكثر دهن رأسه، ويسّرح لحيته بالماء. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كانت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم مكحلة «4» يكتحل بها عند النوم ثلاثا فى كل عين. وعن أنس قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يكتحل فى عينه اليمنى ثلاث مرات، واليسرى مرتين.
وعن أبى رافع قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يكتحل بالإثمد وهو صائم.
وعن عبد الله بن عباس- رضى الله عنهما- قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر، وإنه من خير أكحالكم» . وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: أهدى المقوقس إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قدح زجاج، كان يشرب فيه. وعن عطاء قال: كان لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم قدح زجاج، فكان يشرب فيه. وعن حميد قال: رأيت قدح
(18/293)

النبى صلّى الله عليه وسلّم عند أنس فيه فضّة، أو شدّ بفضّة. وقد جاء أنه صلّى الله عليه وسلّم كان له ربعة «1» فيها مرآة ومشط عاج ومكحلة ومقراض «2» وسواك.
وكان له قدح مضبّب «3» بثلاث ضبّات من فضّة- وقيل من حديد- وفيه حلقة يعلّق بها، وهو أكبر من نصف المدّ وأصغر من المدّ، وكان له قدح آخر يدعى الرّيّان، وتور «4» من حجارة يدعى المخضب. ومخضب «5» من شبه «6» يكون فيه الحنّاء والكتم «7» توضع عند رأسه إذا وجد فيه حرا، ومغسل من صفر «8» ، وقصعة، وصاع يخرج به فطرته، ومدّ، وكان له سرير، وقطيفة، وكان له كساء أسود كساه فى حياته، وكان له ثوبان للجمعة، غير سائر ثيابه التى يلبسها فى سائر الأيام، وكان له منديل يمسح به وجهه من الوضوء، وربما مسح بطرف ردائه صلّى الله عليه وسلّم.
ذكر ما ورد فى حجامة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وحجّامه
روى عن أنس بن مالك قال: احتجم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وحجمه أبو طيبة، وأمر له بصاعين؛ وأمرهم أن يخفّفوا عنه من ضريبته. واختلف فى اسم أبى طيبة، فقيل: دينار، وقيل: نافع، وقيل: ميسرة، وهو مولى
(18/294)

بنى حارثة. وعن جابر بن عبد الله قال: أخرج «1» إلينا أبو طيبة المحاجم لثمان عشرة من شهر رمضان نهارا، فقلت: أين كنت؟ قال: كنت عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحجمه. وعن أنس قال: احتجم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حجمه أبو طيبة مولى كان لبعض الأنصار، فأعطاه صاعين من طعام، وكلّم أهله أن يخفّفوا عنه من ضريبته، وقال: «الحجامة من أفضل دوائكم» .
وعن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: احتجم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو صائم، فغشى عليه يومئذ، فلذلك: كرهت الحجامة للصائم. وعن سمرة بن جندب قال: كنت عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فدعا حجّامه فحجمه بمحاجم من قرون، وجعل يشرطه بطرف شفرة، فدخل أعرابىّ فرآه ولم يكن يدرى الحجامة، ففزع وقال: يا رسول الله، علام تعطى هذا يقطع جلدك؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هذا الحجم» قال: يا رسول الله، وما الحجم؟ قال: «هو خير ما تداوى به الناس» . وعن عطاء وابن عباس- رضى الله عنهم- قالا: احتجم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو محرم من وجع. وعن أنس قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحتجم ثلاثا، على الأخدعين «2» ثنتين، وعلى الكاهل واحدة. وعن سعد ابن أبى وقاص: أنه وضع يده على المكان الناتئ من الرأس فوق اليافوخ، فقال:
هذا موضع محجم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذى كان يحتجم، وجاء أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يسميها المغيثة. وكان خالد بن الوليد يحتجم
(18/295)

على هامته وبين كتفيه، فقيل له: ما هذه الحجامة؟ فقال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يحتجمها، وقال: «من أهراق منه هذه الدماء فلا يضره ألّا يتداوى بشىء لشىء» . وروى: أن الأقرع بن حابس دخل على النبىّ صلّى الله عليه وسلّم وهو يحتجم فى القمحدوة: وهى آخر الرأس، فقال: لم احتجمت وسط رأسك؟ قال: «يابن حابس إن فيها شفاء من وجع الرأس والأضراس والنعاس والمرض» وشك الراوى فى الجنون. وعن أنس قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الحجامة فى الرأس هى المغيثة أمرنى بها جبريل حين أكلت طعام اليهودية» . وعنه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ليلة أسرى بى ما مررت بملأ من الملائكة إلا قالوا يا محمد مر أمتك بالحجامة» . وعن معقل بن يسار قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الحجامة يوم الثلاثاء لسبع عشرة فى الشهر دواء لداء السّنة» . وقد كان صلّى الله عليه وسلّم يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين. وعن الأوزاعى، عن هرون بن رئاب: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم احتجم، ثم قال لرجل: «ادفنه لا يبحث عنه كلب» .
ذكر ما ملكه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من السلاح
كان لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم تسعة أسياف: ذو الفقار تنفّله «1» يوم بدر، وهو الذى رأى فيه الرؤيا فى غزوة أحد، وكان قبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمنبّه بن الحجاج السّهمى، وثلاثة أسياف، أصابها من سلاح بنى قينقاع، سيف
(18/296)

قلعىّ «1» ، وسيف يدعى البتّار «2» ، وسيف يدعى الحتف «3» ، وسيفان أصابهما من الفلس «4» ، سيف يدعى المخذم «5» ، وآخر يدعى الرّسوب «6» ، وسيف ورثه من أبيه «7» ، وسيف يقال له العضب «8» ، أعطاه إياه سعد بن عبادة، وآخر يدعى القضيب «9» ، وهو أوّل سيف تقلّد به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال أنس: كان نعل سيف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فضّة، وقبيعته فضّة «10» ، وما بين ذلك حلق الفضّة.
وكان له صلّى الله عليه وسلّم أربعة أرماح، ثلاثة أصابها من سلاح بنى قينقاع، وواحد يقال له المثنىّ. وكان له عنزة: وهى حربة دون الرّمح يمشى بها فى يده، وتحمل بين يديه فى العيدين، حتى تركز أمامه فيتخذها سترة يصلى إليها. وكان له أربعة «11» قسى:
قوس من شوحط «12» تدعى الرّوحاء، وأخرى من شوحط تدعى البيضاء، وأخرى
(18/297)

من نبع «1» تدعى الصّفراء، وقوس تدعى الكتوم «2» كسرت يوم بدر. وكان له جعبة «3» تدعى الكافور، وكان له مخصرة «4» تسمى العرجون، وكان له محجن «5» قدر الذراع أو نحوه يتناول به الشىء، وهو الذى استلم به الرّكن «6» في حجة الوداع، وكان له درعان أصابهما من سلاح بنى قينقاع: درع يقال لها السّعدية «7» ، وأخرى يقال لها فضة.
وعن محمد بن مسلمة قال: رأيت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم أحد درعين، درعه ذات الفضول، ودرعه فضّة، ورأيت عليه يوم حنين درعين، ذات الفضول والسّعدية، ويقال: كانت عنده درع داود عليه السلام التى لبسها لما قتل جالوت، وكان له مغفر يقال له السّبوغ «8» ، وكان له صلّى الله عليه وسلّم ترس؛ روى محمد بن سعد فى طبقاته قال: أخبرنا عتّاب بن زياد، قال حدّثنا عبد الله بن المبارك، قال أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال سمعت مكحولا يقول: كان لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ترس فيه تمثال رأس كبش، فكره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مكانه، فأصبح وقد أذهبه الله تعالى.
وفى رواية أخرى: كان له صلّى الله عليه وسلّم ترس عليه تمثال عقاب، أهدى له فوضع يده عليه فأذهبه الله، وكان له منطقة من أديم مبشور «9» فيها ثلاث حلق من
(18/298)

فضّة، والإبزيم «1» من فضّة، والطّرف من فضّة، وكان له راية سوداء مخملة، يقال لها العقاب، ولواء أبيض وربما جعل الألوية من خمر نسائه صلّى الله عليه وسلّم، ورضى عنهنّ.
ذكر دوابّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الخيل والبغال والحمير
أما خيله صلّى الله عليه وسلّم، فقد ذكرنا فى الباب الأول من القسم الثالث من الفنّ الثالث من كتابنا هذا، وهو فى السّفر التاسع من هذه النّسخة، أن خيل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم التى ملكها، على ما ظهر من مجموع الروايات التى أوردناها هناك تسعة عشر فرسا: وهى السّكب «2» ، والمرتجز «3» ، والبحر «4» ، وسبحة «5» ، وذو اللّمّة «6» ، وذو العقال «7» ، والّلحيف «8» ، ويقال فيه: الّلخيف بالخاء المعجمة، وقيل:
النّحيف بالنون، واللّزاز «9» ، والظّرب «10» ، والورد «11» ، والسّجل «12» ، والشّحّا «13» ، والسّرحان «14» ،
(18/299)

والمرتجل «1» ، والأدهم «2» ، وملاوح «3» ، والعيسوب «4» ، واليعبوب «5» ، والمرواح «6» ، وقد يكون الأدهم هو السّكب أو البحر، فتكون ثمانية عشر فرسا.
وذكرنا هناك أخبار هذه الخيل ومن ذكرها. وذهب بعضهم إلى أن خيله صلّى الله عليه وسلّم كانت عشرة أفراس: السّكب، والمرتجز، ولزاز، واللّخيف، والظّرب، والورد، والضّرس «7» ، وملاوح، وسبحة، والبحر، ولم يذكر ما عداها، والله عز وجل أعلم.
وأما بغلات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وحمره فقد ذكرنا أيضا فى الباب الثانى من القسم الثالث من الفن الثالث فى السفر التاسع من كتابنا هذا، أن بغلات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اللاتى ملكهنّ كنّ سبعا، على ما ظهر من مجموع الروايات التى ذكرناها هناك، وهنّ دلدل التى أهداها له المقوقس، وفضّة التى أهداها له فروة بن عمرو، وبغلة أهداها له كسرى، وبغلته الأيليّة التى أهداها له ابن العلماء «8» صاحب أيلة، وبغلة بعثها له صاحب دومة الجندل،
(18/300)

وبغلة أهداها له يوحنّا بن روزيه «1» ، وبغلة أهداها له النجاشى صاحب الحبشة، وفى البغلة التى ذكر أن كسرى أهداها له صلّى الله عليه وسلّم نظر، لما قدمناه من أنه مزّق كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولم يجبه. ومن أهل العلم من ذهب إلا أنهنّ كنّ ثلاثة: دلدل التى أهداها له المقوقس، وفضة وهبها لأبى بكر الصديق رضى الله عنه، وبغلة أهداها له صاحب أيلة. وكان له صلّى الله عليه وسلّم من الحمر: يعفور، وعفير، وقد ذكرناهما فى الباب المقدّم ذكره فى السّفر التاسع.
ذكر نعم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
كان لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم عشرون لقحة «2» بالغابة، يراح له منها كل ليلة بقربتين عظيمتين من اللّبن، وكانت له لقحة تدعى بردة، أهداها له الضحّاك ابن سفيان، كانت تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان، وكانت له مهريّة «3» أرسلها إليه سعد بن عبادة من نعم بنى عقيل، وكانت له القصواء «4» ، وهى التى هاجر عليها، وكان لا يحمله إذا نزل عليه الوحى غيرها، وهى العضباء «5» ، والجدعاء «6» ، وقيل: العضباء غير القصواء، وقد ذكرنا فى الباب الثالث من القسم الثالث من الفن الثالث نعمه بأبسط من هذا.
(18/301)

وكان له صلّى الله عليه وسلّم مائة من الغنم. وكانت له سبع منائح «1» : عجرة، وزمزم، وسقيا، وبركة، وورشة «2» ، وأطلال. وأطراف، وكانت أمّ أيمن ترعاهنّ، وكانت له شاة يختصّ بشرب لبنها، تدعى غيثة، وكان له ديك أبيض، هذا ما أمكن إيراده فى هذه الفصول، وهو بحسب الاختصار.
وقد آن أن نأخذ فى ذكر معجزاته صلّى الله عليه وسلّم، وإنما أخّرنا ذكر المعجزات إلى هذه الغاية لأمور: منها أنّ معجزاته صلّى الله عليه وسلّم كانت فى مدة حياته، تقع خلال غزواته، وغالب أوقاته، فلو ذكرناها قبل نهاية ذكر أحواله صلّى الله عليه وسلّم، لكنّا قد قدّمنا منها شيئا قبل وقته الذى وقع فيه. ومنها أنّا لمّا ذكرنا صفاته صلّى الله عليه وسلّم فيما تقدّم، استلزم إيراد أحواله تلو صفاته، وصار الكلام يتلو بعضه بعضا، ولو ذكرنا المعجزات فى خلال ذلك لانقطع الكلام وانفرط النظام، وأهمّ الأسباب فى تأخير ذكر المعجزات إلى هذه الغاية، أنا أردنا أن تكون معجزاته صلّى الله عليه وسلّم خاتمة لهذه السّيرة الشريفة، وتالية لهذه المناقب المنيفة «3» لا يجعل بعدها من أخباره صلّى الله عليه وسلّم إلا أخبار وفاته عليه السلام.
ذكر معجزات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
ومعنى المعجزة أن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثلها، ولا تكون معجزة إلا مع وجود التّحدى بالنبوّة، وأما مع عدم التحدى فهى كرامة، كأحوال الأولياء.
والمعجزة على ضربين: ضرب هو من نوع قدرة البشر فعجزوا عن الإتيان بمثله؛ كالقرآن على رأى من رأى أن من قدرة البشر أن يأتوا بمثله، ولكن الله تعالى
(18/302)

صرفهم عن ذلك، فعجزوا عنه، وكصرف يهود عن تمنّى الموت، ونحو ذلك.
وضرب هو خارج عن قدرة البشر كإحياء الموتى، وتسبيح الحصى، وانشقاق القمر، ونبع الماء من بين الأصابع، وتكثير الطعام، وحبس الشمس، وردّها بعد غروبها.
وها نحن نورد فى هذا الفصل من مشاهير معجزاته، وباهر آياته، ما تقف إن شاء الله تعالى عليه، وقد تقدم من معجزاته صلّى الله عليه وسلّم فى اثناء هذه السيرة ما تقدم، مما ننبّه عليه فى هذا الفصل، ونحيل عليه فى مواضعه، ونشرح ونبين ما أدمجناه قبل إن شاء الله تعالى.
ومعجزاته صلّى الله عليه وسلّم كثيرة: منها القرآن العظيم، وهو أكبرها آية، وأعظمها دلالة على صدق نبوته صلّى الله عليه وسلّم، ومنها انشقاق القمر، وحبس الشمس، وردّها، وتفجير الماء وانبعاثه ونبعه من بين أصابعه وتكثير الطعام، وكلام الشّجر، وسعيها إليه، وحنين الجذع، وتسبيح الطعام والحصى، وكلام الجمادات، وشهادة الحيوانات له صلّى الله عليه وسلّم بالنبوة، وكلام الموتى، وإبراء المرضى، وإجابة الدعاء، وانقلاب الأعيان، وما أطلعه الله تعالى عليه من علم الغيوب، والإخبار بما كان ويكون، وما جمع له من المعارف والعلوم ومصالح الدنيا والدين، وسياسة العالم، والعصمة من الناس، وغير ذلك مما نشرحه ونبيّنه إن شاء الله تعالى.
فأما القرآن العظيم وما انطوى عليه من المعجزات،
فمعجزاته كثيرة نحصرها فى عشرة أوجه:
(18/303)

الوجه الأوّل- حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته،
ووجوه إيجازه، وبلاغته الخارقة عادة «1» العرب، وذلك أنهم خصّوا من البلاغة والحكم ما لم يخصّ به غيرهم من الأمم، وحسبك أن القرآن أنزل بلغتهم، ومع ذلك فقد قرعهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم به، ووبّخهم وسفّه أحلامهم، وسبّ آلهتهم، وذمّ آباءهم، وشتت نظامهم، وفرّق جماعتهم، وأنزل الله تعالى فيهم ما أنزل من قوله عز وجل: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «2»
وقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا «3»
وقوله تعالى:
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
«4» وغير ذلك، فنكصوا عن معارضته، وأحجموا عن مماثلته، ورضوا بقولهم قُلُوبُنا غُلْفٌ*
وفِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
«5» . ولا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
«6» .
واعترف فصحاؤهم عند سماعه أنه ليس من كلام البشر؛ كالوليد بن المغيرة وعتبة ابن ربيعة، على ما قدّمنا ذكر ذلك.
الوجه الثانى من إعجازه- صورة نظمه العجيب،
المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها، وسجعها ورجزها «7» وهزجها «8» وقريضها «9» ، ومبسوطها «10»
(18/304)

ومقبوضها «1» ، كما قال الوليد بن المغيرة لقريش عند اجتماعهم كما قدمناه، ومن ذلك جمعه بين الدليل والمدلول، وذلك أنه احتجّ بنظم القرآن، وحسن وصفه وإيجازه وبلاغته، وأثناء هذه البلاغة أمره ونهيه ووعده ووعيده، فالتّالى له يفهم موضع الحجّة والتّكليف معا من كلام واحد.
الوجه الثالث من إعجازه- ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، وما لم يكن ولم يقع فوجد،
كما جاء فى قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
«2» .
وقوله فى الروم: وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
«3» . وقوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ*
«4» .
وقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
«5» الآية. وقوله: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
«6» السورة، فكان جميع ذلك: فتح الله مكة، وغلبت الروم فارس، وأظهر الله رسوله، ودخل الناس فى دين الله أفواجا، واستخلف الله المؤمنين فى الأرض، ومكّن دينهم وملّكهم أقصى المشارق والمغارب، وما فيه من الإخبار بحال المنافقين واليهود، وكشف أسرارهم، وغير ذلك.
الوجه الرابع- ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة، والأمم البائدة والشرائع الداثرة «7» ،
مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا من مارس العلوم من أهل الكتاب، واطلع على الكتب المنزلة القديمة، كقصص الأنبياء مع قومهم، وخبر موسى والخضر وذى القرنين ولقمان وابنه وبدء الخلق، وغير ذلك مما فى كتبهم القديمة مما اعترف بصحته العلماء من أحبار يهود، فمنهم من آمن به، ومنهم من صدّ عنه مع عدم إنكارهم لصحته، قال الله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
«8» .
(18/305)

الوجه الخامس- الرّوعة التى تلحق قلوب سامعيه، وأسماعهم عند سماعه،
والهيبة التى تعتريهم عند تلاوته؛ قال الله عز وجل: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
«1» ، وقال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
«2» هذا فى حق المؤمنين به، وأما من كذّب به فكانوا يستثقلون سماعه، ويودّون انقطاعه؛ ولهذا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «القرآن صعب مستصعب على من كرهه، وهو الحكم» وقد تقدّم أن عتبة بن ربيعة لما سمع القرآن من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبلغ قوله:
صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ
«3» أمسك على فى «4» النبىّ صلّى الله عليه وسلّم وناشده الرّحم أن يكفّ.
الوجه السادس- كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا،
وقد تكفل الله تعالى بحفظه فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
«5» . وقال تعالى:
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
«6» وسائر معجزات الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها، فلم يبق إلا خبرها، والقرآن العزيز باق منذ أنزله الله تعالى وإلى وقتنا هذا، وما بعده إن شاء الله إلى آخر الدهر، حجته قاهرة، ومعارضته ممتنعة.
الوجه السابع- أن قارئه لا يملّ قراءته، وسامعه لا تمجّه مسامعه،
بل الإكباب على تلاوته وترديده يزيده حلاوة ومحبة، لا يزال غضّا طريا، وغيره من الكلام ولو بلغ ما عساه أن يبلغ من البلاغة والفصاحة يملّ مع الترديد، ويسأم إذا
(18/306)

أعيد، وكذلك غيره من الكتب «1» لا يوجد فيها ما فيه من ذلك، وقد وصف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم القرآن «أنه لا يخلق «2» على كثرة الردّ ولا تنقضى عبره، ولا تفنى عجائبه، هو الفضل ليس بالهزل» .
الوجه الثامن- أن الله تعالى يسر حفظه لمتعلّميه، وقرّبه على متحفّظيه،
قال الله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ*
«3» فلذلك إن سائر الأمم لا يحفظ كتبها الواحد منها، وإن لازم قراءتها، ودوام مدارستها، لم يسمع بذلك عن أحد منهم، والقرآن قد يسر الله تعالى حفظه على الغلمان فى المدّة القريبة والنّسوان، وقد رأينا من حفظه على كبر سنه، وهذا من معجزاته.
الوجه التاسع- مشاكلة بعض أجزائه بعضا، وحسن ائتلاف أنواعها،
والتئام أقسامها، وحسن التخلص من قصة إلى أخرى، والخروج من باب إلى غيره على اختلاف معانيه، وانقسام السورة الواحدة على أمر ونهى، وخبر واستخبار ووعد ووعيد، وإثبات نبوّة وتوحيد، وتقرير وترغيب وترهيب، إلى غير ذلك، دون خلل يتخلل فصوله، والكلام الفصيح إذا اعتوره مثل هذا ضعفت قوّته، ولانت جزالته، وقلّ رونقه، وتقلقلت ألفاظه، وهذا من الأمور الظاهرة التى لا يحتاج عليها إقامة دليل، ولا تقرير حجة، ولا بسط مقال.
الوجه العاشر- جمعه لعلوم ومعارف لم تعهدها العرب، ولا علماء أهل الكتاب،
ولا اشتمل عليها كتاب من كتبهم، فجمع فيه من بيان علم الشرائع، والتنبيه على طرق الحجج العقليات، والردّ على فرق الأمم بالبراهين الواضحة، والأدلة البينة السهلة الألفاظ، الموجزة المقاصد؛ لقوله تعالى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ
(18/307)

السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ
«1» وقوله: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
«2» وقوله: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
«3» إلى غير ذلك مما اشتمل عليه من المواعظ والحكم وأخبار الدار الآخرة، ومحاسن الآداب، وغير ذلك مما لا يحصيه وآصف، ولا يعده عاد، قال الله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
«4» ، وقال تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ*
«5» وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله أنزل علىّ القرآن آمرا وزاجرا، وسنّة خالية، ومثلا مضروبا، فيه نبأكم وخبر ما كان قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلقه طول الرّدّ، ولا تنقضى عجائبه، هو الحقّ ليس بالهزل، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج «6» ومن قسم به أقسط، ومن عمل به أجر، ومن تمسك به هدى إلى صراط مستقيم، ومن طلب الهدى من غيره أضلّه الله، ومن حكم بغيره قصمه الله، هو الذكر الحكيم، والنّور المبين، والصراط المستقيم، وحبل الله المتين، والشّفاء النافع، عصمة لمن تمسّك به، ونجاة لمن اتّبعه، لا يعوج فيقوّم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضى عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرّدّ» .
وفى الحديث: «قال الله تعالى لمحمد- صلى الله عليه وسلّم- إنى منزّل عليك توراة حديثة تفتح بها أعينا عميا وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا، وفيها ينابيع العلم، وفهم الحكمة، وربيع القلوب» . وقد عدّوا فى إعجازه وجوها كثيرة غير ما ذكرناه فلا نطوّل بسردها.
وأما انشقاق القمر، وحبس الشمس ورجوعها
- فكان ذلك من معجزات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ قال الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ.
(18/308)

وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
«1» . وقد رويت قصة انشقاق القمر عن ابن مسعود، وأنس بن مالك، وابن عباس، وعلى بن أبى طالب، وعبد الله ابن عمر، وحذيفة، وجبير بن مطعم رضى الله عنهم، قال ابن مسعود: انشق القمر على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اشهدوا» قال ابن مسعود: حتى رأيت الجبل بين فرجتى القمر، وفى بعض طرقه: ومن رواية مسروق عنه أنه كان بمكة، وزاد: فقال كفّار قريش سحركم ابن أبى كبشة، فقال رجل منهم: إن محمدا إن كان قد سحر القمر فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها، فآسألوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا هذا؟ فأتوا فسألوا فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك.
وحكى السّمرقندى عن الضحاك نحوه. وقال: فقال أبو جهل هذا سحر فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى ينظروا أرأوا ذلك أم لا؟ فأخبر أهل الآفاق أنهم رأوه منشقا، فقالوا- يعنى الكفار-: هذا سحر مستمر. وقال على رضى الله عنه، من رواية أبى حذيفة الأرحبى: انشق القمر، ونحن مع النبى صلّى الله عليه وسلّم.
وعن أنس: سأل أهل مكة النبى صلّى الله عليه وسلّم أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر مرتين، حتى رأوا حراء بينهما، وفى رواية معمر، وغيره عن قتادة عنه:
أراهم القمر مرتين انشقاقه «2» ، فنزلت الآية اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ
. وحكى الإمام أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الحليمىّ «3» الجرجانىّ
(18/309)

فى منهاجه قال: رأيت ببخارى الهلال وهو ابن ليلتين منشقّا بنضفين، عرض كل واحد منهما كعرض القمر ليلة أربع أو خمس، وما زلت أنظر إليهما حتى اتصلا، ثم لم يعودا كما كانا، ولكنهما صارا فى شكل أترجّة، ولم أمل طرفى عنهما إلى أن غاب، قال: وكان معى ليلتئذ جماعة كثيفة، من بين شريف وفقيه وكاتب وغيرهم من طبقات الناس، وكلّ رأى ما رأيت. قال: وأخبرنى من وثقت به، وكان خبره عندى كعيانى أنه رأى الهلال وهو ابن ثلاث منشقا بنصفين، قال:
وإذا كان هكذا، ظهر أن قول الله عز وجل: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ
إنما هو على الانشقاق الذى هو من أشراط الساعة، دون الانشقاق الذى جعله الله تعالى آية لرسوله صلّى الله عليه وسلّم، وحجة على أهل مكة. وبالله التوفيق.
وأما رجوع الشّمس
- فقد روى عن أسماء بنت عميس أن النبىّ صلّى الله عليه وسلّم كان يوحى إليه ورأسه فى حجر علىّ، فلم يصلّ العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أصليت يا على» ؟ قال:
لا. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم إنه كان فى طاعتك وطاعة رسولك فآردد عليه الشمس» قالت أسماء: فرأيتها غربت، ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت، ووقفت على الجبال والأرض، وذلك بالصّهباء فى خيبر. خرّجه الطحاوى فى مشكل الحديث عن أسماء من طريقين، قال وكان أحمد بن صالح يقول: لا ينبغى لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء؛ لأنه من علامات النبوّة.
وأما حبسها
- فقد روى يونس بن بكير فى زيادة المغازى عن ابن إسحق:
أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما أسرى به، وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التى فى العير، قالوا: متى تجىء؟ قال: «يوم الأربعاء» فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون، وقد ولّى النهار ولم يجئ، فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلم فزيد له فى النهار ساعة، وحبست عليه الشمس صلّى الله عليه وسلّم.
(18/310)

وأما نبع الماء من بين أصابعه صلّى الله عليه وسلّم
فقد روى عن أنس بن مالك، وجابر، وعبد الله بن مسعود؛ قال أنس من رواية إسحق بن عبد الله بن أبى طلحة: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد حانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء «1» فلم يجدوه، فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بوضوء «2» ، فوضع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضئوا منه، قال: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم. ورواه أيضا عن أنس قتادة، وقال: بإناء فيه ماء ما يغمر أصابعه، ولا يكاد يغمر «3» ، قال: كم كنتم؟ قال: زهاء ثلاثمائة، وفى رواية عنه:
وهم بالزّوراء عند السوق. وأما ابن مسعود، ففى الصحيح عنه من رواية علقمة: بينهما نحن مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وليس معنا ماء، فقال لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اطلبوا من معه فضل ماء» فأتى بإناء فصبه فى إناء، ثم وضع كفّه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وفى الصحيح عن سالم بن أبى الجعد عن جابر قال: «عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين يديه ركوة «4» فتوضأ منها، وأقبل الناس نحوه، وقالوا: ليس عندنا ماء، إلا ما فى ركوتك، فوضع النبى صلّى الله عليه وسلّم يده فى الرّكوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، وفيه: فقلت كم كنتم؟ قالوا: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة. وفى صحيح مسلم
(18/311)

فى ذكر غزوة بواط «1» ، قال جابر قال لى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا جابر ناد الوضوء» وذكر الحديث بطوله: وأنه لم يحد إلا قطرة فى عزلاء «2» شجب، فأتى به النبى صلّى الله عليه وسلّم فغمزه «3» ، وتكلم بشىء لا أدرى ما هو، وقال:
«ناد بجفنة «4» الرّكب» فأتيت بها فوضعتها بين يديه، وذكر أن النبى صلّى الله عليه وسلّم بسط يده فى الجفنة، وفرق أصابعه، وصبّ جابر عليه، وقال: «بسم الله» قال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة، واستدارت حتى امتلأت، وأمر الناس بالاستقاء فاستقوا حتى رووا، فقلت «5» : هل بقى أحد له حاجة؛ فرفع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يده من الجفنة وهى ملأى. هذا مختصر ما روى من تفجير الماء من بين أصابعه صلّى الله عليه وسلّم.
وأما تفجيره وانبعاثه وتكثيره ببركته ودعائه صلّى الله عليه وسلّم
فمن ذلك ما رواه مالك بن أنس رحمه الله فى الموطأ، عن معاذ بن جبل فى قصة غزوة تبوك، وأنهم وردوا العين، وهى تبضّ «6» بشىء من ماء مثل الشّراك «7» ، فغرفوا من العين بأيديهم حتى اجتمع فى شىء، ثم غسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
(18/312)

فيه وجهه ويديه، وأعاده فيها فجرت بماء كثير فاستقى الناس. وفى حديث ابن إسحق: فانحرق «1» من الماء ما له حسّ كحسّ الصواعق، ثم قال: «يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا» . ومنه قصة «2» الحديبية، وقد تقدّم ذكرها فى الغزوات. ومن ذلك خبر صاحبة المزادتين، وهو مما روى عن عمران بن حصين، قال: أصاب النبى صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه عطش فى بعض أسفارهم، فوجّه رجلين من أصحابه، وأعلمهما أنهما يجدان امرأة بمكان كذا، معها بعير عليه مزادتان، الحديث «3» . فوجداها وأتيا بها النبى صلّى الله عليه وسلّم، فجعل فى إناء من مزادتها، وقال فيه ما شاء الله أن يقول، ثم أعاد الماء فى المزادتين، ثم فتحت عزاليهما، وأمر الناس فملأوا أ؟؟؟ قيتهم حتى لم يدعوا شيئا إلا ملأوه، قال عمران: ويخيل لى أنهما لم تزدادا إلا امتلاء، ثم أمر فجمع للمرأة من الأزواد حتى ملأ ثوبها، وقال: «اذهبى فإنا لم نأخذ من مائك شيئا ولكن الله سقانا» . وعن عمرو بن شعيب أن أبا طالب قال للنبى صلّى الله عليه وسلّم وهو رديفه بذى المجاز: عطشت وليس عندى ماء، فنزل النبى صلّى الله عليه وسلّم وضرب بقدمه الأرض فخرج الماء فقال: «اشرب» . وعن سلمة بن الأكوع؛ قال نبىّ الله صلّى الله عليه وسلّم: «هل من وضوء؟» فجاء رجل بإداوة «4» فيها نطفة «5»
(18/313)

فأفرغها فى قدح فتوضأنا كلنا، ندغفقه دغفقة أربع عشرة «1» مائة. وفى حديث غزوة تبوك، وما أصاب الناس من العطش، ودعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأن الله تعالى أرسل سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء، وقد تقدّم ذكره. ومن طريق آخر فى هذه القصة عن عمر: وذكر ما أصابهم من العطش فى جيش العسرة، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، فرغب أبو بكر رضى الله عنه إلى النبىّ صلّى الله عليه وسلّم فى الدّعاء، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت «2» السماء، فانسكبت فملأوا ما معهم من آنية، ولم يجاوز العسكر.
والحديث فى هذا الباب كثير.
وأما تكثير الطعام ببركته ودعائه صلّى الله عليه وسلّم
فقد روينا من ذلك أحاديث كثيرة بأسانيد صحيحة متّصلة، رأينا حذفها هاهنا اختصارا لاشتهارها وانتشارها، منها ما رويناه عن جابر رضى الله عنه: أن رجلا أتى النبىّ صلّى الله عليه وسلّم يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير، فما زال يأكل منه وامرأته وضيفه حتى كاله، فأتى النبى صلّى الله عليه وسلّم فأخبره فقال: «لو لم تكله لأكلتم منه وقام بكم» . ومن ذلك حديث أبى طلحة المشهور، وإطعام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمانين أو سبعين رجلا من أقراص من شعير جاء بها أنس تحت يده- أى إبطه- فأمر بها ففتّت، وقال فيها ما شاء الله أن يقول. وحديث جابر- رضى الله عنه- فى إطعام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم الخندق ألف رجل من صاع شعير، وعناق «3» ، قال جابر: فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا»
، وإن
(18/314)

برمتنا لتغطّ «1» كما هى، وإن عجيننا ليخبز، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصق فى العجين والبرمة وبارك. ومن ذلك حديث أبى أيوب الأنصارى: أنه صنع لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولأبى بكر رضى الله عنه من الطعام زهاء «2» ما يكفيهما، فقال له النبى الله صلّى الله عليه وسلّم: «ادع ثلاثين من أشراف الأنصار» فدعاهم فأكلوا حتى تركوه، ثم قال: «ادع ستين» فكان مثل ذلك، ثم قال: «ادع سبعين» فأكلوا حتى تركوا، وما خرج منهم أحد حتى أسلم وبايع، قال أبو أيوب: فأكل من طعامى مائة وثمانون رجلا. وعن سمرة بن جندب قال: أتى النبىّ صلّى الله عليه وسلّم بقصعة فيها لحم فتعاقبوها من غدوة حتى الليل يقوم قوم ويقعد آخرون.
ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن أبى بكر رضى الله عنهما قال: كنا مع النبىّ صلّى الله عليه وسلّم ثلاثين ومائة، وذكر فى الحديث: عجن صاع من طعام، وصنعت شاة فشوى سواد «3» بطنها، قال: وأيم الله ما من الثلاثين والمائة إلا وقد حزّله حزّة من سواد بطنها، ثم جعل منها قصعتان فأكلنا أجمعون، وفضل فى القصعتين فحملته على البعير. ومن ذلك حديث عمر بن الخطاب، وأبى هريرة وسلمة بن الأكوع رضى الله عنهم، فذكروا مخمصة أصابت الناس مع النبىّ صلّى الله عليه وسلّم فى بعض مغازيه، فدعا ببقية الأزواد، فجاء الرجل بالحثية من الطعام وفوق ذلك، وأعلاهم الذى أتى بالصّاع من التمر، فجمعه على نطع، قال سلمة: فحزرته كربضة «4» البعير، ثم دعا الناس بأوعيتهم، فما بقى فى الجيش وعاء إلا ملأوه وبقى منه. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: أمرنى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن أدعو له أهل الصّفّة فتتّبعتهم حتى جمعتهم، فوضعت بين أيدينا صحفة فأكلنا ما شئنا وفرغنا، وهى مثلها
(18/315)

حين وضعت، إلا أن فيها أثر الأصابع. وعن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال: جمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بنى عبد المطلب وكانوا أربعين، منهم قوم يأكلون الجذعة ويشربون الفرق «1» فصنع لهم مدّا من طعام، فأكلوا حتى شبعوا وبقى كما هو، ثم دعا بعسّ «2» فشربوا حتى رووا وبقى كأنه لم يشرب. وقال أنس ابن مالك: إن النبىّ صلّى الله عليه وسلّم لما ابتنى بزينب أمره أن يدعو له قوما سمّاهم، وكل من لقيت حتى امتلأ البيت والحجرة، وقدّم إليهم تورا «3» فيه قدر مدّ من تمر جعل حيسا «4» ، فوضعه قدّامه وغمس ثلاث أصابعه، وجعل القوم يتغدّون ويخرجون، وبقى التور نحوا مما كان، وكان القوم أحدا أو اثنين وسبعين.
وفى رواية أخرى فى هذه القصة أو مثلها: أن القوم كانوا زهاء ثلاثمائة، وأنهم أكلوا حتى شبعوا، وقال لى: «ارفع» فلا أدرى حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت. وفى حديث جعفر بن محمد عن آله، عن على رضى الله عنهم أن فاطمة رضى الله عنها طبخت قدرا لغدائها، ووجهت عليّا إلى النبى صلّى الله عليه وسلّم ليتغدّى معها، فأمرها فغرفت منها لجميع نسائه صحفة صحفة، ثم له عليه السلام ولعلىّ، ثم لها، ثم رفعت القدر، وإنها لتفيض، قالت: فأكلنا منها ما شاء الله.
ومن ذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمر عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن يزوّد أربعمائة راكب من أحمس، فقال: يا رسول الله، ما هى إلا أصوع، قال:
«اذهب» فذهب فزوّدهم منه، وكان قدر الفصيل الرّابض من التمر وبقى بحاله.
(18/316)

ومن ذلك حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه فى دين أبيه، وقد كان بذل لغرماء أبيه أصل ما له فلم يقبلوه، ولم يكن فى ثمرها سنين كفاف دينهم، فأمره النبى صلّى الله عليه وسلّم بجذّها وجعلها بيادر «1» في أصولها، ثم جاءه فمشى فيها ودعا، فأوفى جابر غرماء أبيه من ذلك، وفضل مثل ما كانوا يجذّون كل سنة. وفى رواية: مثل ما أعطاهم. قال: وكان الغرماء يهودا فعجبوا من ذلك. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: أصاب الناس مخمصة فقال لى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «هل من شىء» ؟
قلت: نعم، شىء من التمر فى المزود، قال: «فأتنى به» فأتيته به فأدخل يده فأخرج قبضة فبسطها، ودعا بالبركة، ثم قال: «ادع لى عشرة» فأكلوا حتى شبعوا، ثم عشرة كذلك، حتى أطعم الجيش كلهم وشبعوا، قال: «خذ ما جئت به وأدخل يدك واقبض منه ولا تكبّه» فقبضت على أكثر مما جئت به فأكلت منه وأطعمت منه «2» حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبى بكر وعمر، إلى أن قتل عثمان فانتهب منى فذهب. وفى رواية: فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق فى سبيل الله. وذكر مثل هذه الحكاية فى غزوة تبوك، وأن التمر كان بضع عشرة تمرة. ومنه أيضا حديث أبى هريرة رضى الله عنه حين أصابه الجوع، فاستتبعه النبى صلّى الله عليه وسلّم فوجد لبنا فى قدح قد أهدى إليه، وأمره أن يدعو أهل الصّفّة، قال فقلت: ما هذا اللبن «3» فيهم! كنت أحقّ أن أصيب منه شربة أتقوّى بها، فدعوتهم، وذكر أمر النبى صلّى الله عليه وسلّم له أن يسقيهم، قال: فجعلت أعطى الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يأخذ الآخر حتى روى جميعهم، فأخذ النبى
(18/317)

صلى الله عليه وسلّم القدح وقال: «بقيت أنا وأنت اقعد فاشرب» فشربت ثم قال: «اشرب» وما زال يقولها وأشرب حتى قلت: لا والذى بعثك بالحقّ ما أجد له مسلكا، فأخذ القدح فحمد الله وسمّى وشرب الفضلة، صلّى الله عليه وسلّم.
وأما كلام الشجر وشهادتها له بالنبوة وانقيادها إليه وإجابتها دعوته صلّى الله عليه وسلّم
فمن ذلك ما رويناه بسند متصل عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، قال:
كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى سفر فدنا منه أعرابىّ، فقال: «يا أعرابى أين تريد» ؟ قال: إلى أهلى، قال: «هل لك إلى خير» ؟ قال: وما هو؟ قال:
«تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله» قال: من يشهد لك على ما تقول؟ قال: «هذه الشجرة السّمرة» «1» وهى بشاطئ الوادى، فأقبلت تخدّ «2» الأرض حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا فشهدت أنه كما قال، ثم رجعت إلى مكانها. وعن بريدة قال: سأل أعرابى النبى صلّى الله عليه وسلّم آية فقال له: «قل لتلك الشجرة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يدعوك» قال: فمالت الشجرة عن يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها فتقطعت عروقها، ثم جاءت تخد الأرض، تجرّ عروقها مغيرة «3» حتى وقفت بين يدى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالت: السلام عليك يا رسول الله، قال الأعرابى: مرها فلترجع إلى منبتها فاستوت، فقال الأعرابى: إيذن لى أسجد لك، قال: «لو أمرت أحدا
(18/318)

أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» قال: فأذن لى أقبّل يديك ورجليك، فأذن له.
ومن ذلك ما روى فى الصحيح من حديث جابر بن عبد الله قال: ذهب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقضى حاجته فلم ير شيئا يستتر به، فإذا بشجرتين بشاطئ الوادى، فانطلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى إحداهما فأخذ بغصن من غصانها فقال: «انقادى علىّ بإذن الله» فانقادت معه كالبعير المخشوش «1» الذى يصانع قائده.
وذكر أنه فعل بالأخرى مثل ذلك، حتى إذا كان بالمنصف «2» بينهما قال: «التئما علىّ بإذن الله» فالتأمتا. وفى رواية أخرى؛ فقال: «يا جابر قل لهذه الشجرة يقول لك رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الحقى بصاحبتك حتى أجلس خلفكما» ففعلت فرجعت حتى لحقت بصاحبتها، فجلس خلفهما، فخرجت أحضر «3» ، وجلست أحدّث نفسى، فالتفت فإذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مقبل «4» والشجرتان قد افترقثا، فقامت كل واحدة منهما على ساق، فوقف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقفة فقال «5» برأسه- هكذا- يمينا وشمالا.
وروى أسامة بن زيد نحوه، قال قال لى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى بعض مغازيه: «هل» «6» ؟ يعنى مكانا لحاجة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فقلت:
(18/319)

إن الوادى ما فيه موضع بالناس «1» ، فقال: «هل ترى من نخل أو حجارة» ؟
قلت: أرى نخلات متقاربات، فقال: «انطلق وقل لهن إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأمركنّ أن تأتين لمخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقل للحجارة مثل ذلك» فقلت ذلك لهنّ، فو الذى بعثه بالحق لقد رأيت النخلات يتقاربن حتى اجتمعن، والحجارة يتعاقدن حتى صرن ركاما خلفهنّ، فلما قضى حاجته قال لى:
«قل لهنّ يفترقن» فو الذى نفسى بيده لرأيتهن والحجارة يفترقن حتى عدن إلى مواضعهنّ. وعن ابن مسعود مثله فى غزاة حنين. وعن يعلى بن مرة- وهو ابن سيّابة «2» - وذكر أشياء رآها من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فذكر أن طلحة- أو سمرة- جاءت فأطافت به، ثم رجعت إلى منبتها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنها استأذنت أن تسلم علىّ» . وفى حديث ابن مسعود: آذنت «3» النبىّ صلّى الله عليه وسلّم بالجنّ ليلة استمعوا له شجرة. وذكر أبو بكر بن فورك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سار فى غزوة الطّائف ليلا وهو وسن، «4» فآعترضته سدرة فانفرجت له نصفين، حتى جاز بينهما، وبقيت على ساقين إلى وقتنا هذا، وهى هناك معروفة. وقد روى فى مثل ذلك أحاديث كثيرة.
ومن ذلك قصّة حنين الجذع، والخبر بذلك مشهور منتشر خرّجه أهل الصحيح، ورواه جماعة من الصحابة رضى الله عنهم، قال جابر بن عبد الله: كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل، فكان النبى صلّى الله عليه وسلّم إذا خطب يقوم على جذع منها، فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار «5» ، وفى رواية أنس:
(18/320)

حتى ارتجّ المسجد بخواره «1» . وفى رواية سهل بن سعد: وكثر بكاء الناس لما رأوا به. وفى رواية المطلب بن أبى وداعة: حتى تصدّع وانشقّ، حتى جاء النبى صلّى الله عليه وسلّم فوضع يده عليه فسكت. وزاد غيره: فقال النبىّ صلّى الله عليه وسلّم «إن هذا بكى لما فقد من الذّكر» . وزاد غيره «2» : «والذى نفسى بيده لو لم ألتزمه «3» لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزّنا على رسول الله» صلّى الله عليه وسلّم، فأمر به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فدفن تحت المنبر. وفى حديث أبىّ بن كعب: فكان إذا صلّى النبى صلّى الله عليه وسلّم صلّى إليه، فلما هدم المسجد أخذه أبىّ فكان عنده إلى أن أكلته الأرض وعاد رفاتا. وذكر الإسفراينىّ: أن النبىّ صلّى الله عليه وسلّم دعاه إلى نفسه فجاءه يخرق الأرض فالتزمه، ثم أمره فعاد إلى مكانه. وفى حديث بريدة فقال النبىّ صلّى الله عليه وسلّم: «إن شئت أردك إلى الحالط الذى كنت فيه، تنبت لك عروقك، ويكتمل خلقك ويجدّد لك خوص وثمرة، وإن شئت أغرسك فى الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك» ، ثم أصغى له النبى صلّى الله عليه وسلّم يستمع ما يقول فقال: بل تغرسنى فى الجنة فيأكل منى أولياء الله وأكون فى مكان لا أبلى فيه. فسمعه من يليه «4» ، فقال النبى صلّى الله عليه وسلّم: «قد فعلت- ثم قال- اختار دار البقاء على دار الفناء» .
ومن معجزاته صلّى الله عليه وسلّم نطق الجمادات
كتسبيح الطعام فى جوفه، وتسبيح الحصى فى كفّه وكفّ من صبّه فى كفّه من أصحابه، وسلام الجبال والأحجار والأشجار عليه، وسجودها له، وغير ذلك مما يلتحق به على ما نشرحه إن شاء الله تعالى.
(18/321)

فمن ذلك ما رويناه بإسناد متصل عن البخارىّ بسنده، عن علقمة [عن «1» ] عبد الله قال: لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل، وفى غير هذه الرواية عن عبد الله ابن مسعود قال: كنا نأكل مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الطعام، ونحن نسمع تسبيحه. وقال أنس بن مالك: أخذ النبى صلّى الله عليه وسلّم كفّا من حصى فسبّحن فى يد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى سمعنا التسبيح، ثم صبهنّ فى يد أبى بكر فسبحن، ثم فى أيدينا فما سبحن. وروى أبو ذرّ مثله، وذكر أنهنّ سبحن فى كفّ عمر وعثمان. وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه: كنا بمكة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فخرج إلى بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال:
السلام عليك يا رسول الله. وعن جابر بن سمرة عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال:
«إنى لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علىّ» قيل: إنه الحجر الأسود. وعن عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها، عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لما استقبلنى جبريل بالرسالة جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله» .
وعن جابر بن عبد الله قال: لم يكن صلّى الله عليه وسلّم يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له. وفى حديث العباس بن عبد المطلب إذ اشتمل «2» عليه النبى صلّى الله عليه وسلّم وعلى بنيه بملاءته فأمّنت أسكفّة «3» الباب وحوائط البيت آمين آمين. وعن جعفر ابن محمد عن أبيه قال: مرض النبى صلّى الله عليه وسلّم فأتاه جبريل بطبق فيه رمّان وعنب، فأكل منه صلّى الله عليه وسلّم فسبّح. وعن أنس رضى الله عنه قال: صعد
(18/322)

النبى صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر وعمر وعثمان أحدا فرجف بهم فقال: «اثبت أحد، فإنما عليك نبىّ وصديق وشهيدان» ، ومثله عن أبى هربرة فى حراء «1» ، وزاد فيه: ومعه علىّ وطلحة والزّبير، وقال: «إنما عليك نبىّ أو صدّيق أو شهيد «2» » ، والخبر فى حراء أيضا عن عثمان قال: ومعه عشرة من أصحابه أنا فيهم، وزاد عبد الرحمن وسعدا، قال: ونسيت الاثنين. وقد روى أنه صلّى الله عليه وسلّم حين طلبته قريش قال له ثبير «3» : اهبط يا رسول الله، فإنى أخاف أن يقتلوك على ظهرى فيعذبنى الله، فقال حراء: إلىّ يا رسول الله. وقد تقدّم ذكر خبر الأصنام، وسقوطها عند ما أشار إليها بالقضيب، حين فتح الله تعالى مكة عليه، صلّى الله عليه وسلّم تسليما كثيرا أبدا دائما.
ومن معجزاته صلّى الله عليه وسلّم كلام الحيوانات وسكونها وثباتها إذا رأته؛
كقصة الدّاجن «4» ، وكلام الضّبّ والذّئب، والطائر والظّبية، وسجود الغنم والبعير، وخبر سفينة مولاه مع الأسد، وخبر العنز، وغير ذلك مما نورده إن شاء الله تعالى.
فمن ذلك ما رويناه بسند متصل عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان عندنا داجن، فإذا كان عندنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قرّ وثبت مكانه، فلم يجىء ولم يذهب، فإذا خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جاء وذهب.
ومنه ما روى عن عمر رضى الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان فى محفل من أصحابه إذ جاء أعرابى قد صاد ضبّا فقال: من هذا؟ قالوا: نبىّ
(18/323)

الله، فقال: واللّات والعزّى لا آمنت بك أو يؤمن «1» هذا الضّبّ. وطرحه بين يدى النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال النبى صلّى الله عليه وسلّم: «يا ضبّ» فأجابه بلسان مبين يسمعه القوم جميعا: لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة، قال:
«من تعبد» ؟ قال: الذى فى السماء عرشه، وفى الأرض سلطانه، وفى البحر سبيله، وفى الجنة رحمته، وفى النار عقابه، قال: «فمن أنا» ؟ قال: رسول رب العالمين، وخاتم النبيين؛ وقد أفلح من صدّقك، وخاب من كذّبك. فأسلم الأعرابىّ.
ومن ذلك قصة كلام الذئب المشهورة عن أبى سعيد الخدرىّ قال: بينا راع يرعى غنما له، عرض الذئب لشاة منها فأخذها الراعى منه، فأقعى الذئب وقال للراعى: ألا تتّقى الله، حلت بينى وبين رزقى! قال الراعى: العجب من ذئب يتكلم بكلام الإنس، فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؛ رسول الله بين الحرّتين يحدّث الناس بأنباء «2» ما قد سبق، فأتى الراعى النبى صلّى الله عليه وسلّم فأخبره، فقال النبى صلّى الله عليه وسلّم: «قم فحدّثهم» ؛ ثم قال: «صدق» .
وروى حديث الذئب عن أبى هريرة. وفى بعض الطرق عنه قال الذئب: أنت أعجب! واقفا على غنمك، وتركت نبيا لم يبعث الله نبيّا قطّ أعظم منه عنده قدرا، قد فتحت له أبواب الجنة، وأشرف أهلها على أصحابه ينظرون قتالهم، وما بينك وبينه إلا هذا الشّعب فتصير فى جنود الله، قال الراعى: من لى بغنمى؟ قال الذئب:
أنا أرعاها حتى ترجع، فأسلم الرجل إليه غنمه ومضى، وذكر قصته وإسلامه ووجوده النبى صلّى الله عليه وسلّم يقاتل، فقال له النبى صلّى الله عليه وسلّم: «عد إلى غنمك تجدها بوفرها «3» » فوجدها كذلك، وذبح للذئب شاة منها.
(18/324)

وروى أن أهبان بن أوس هو صاحب القصة ومكلّم الذئب. وروى أيضا أن صاحب القصة سلمة بن عمرو بن الأكوع، وأنها سبب إسلامه. وحكى أبو عمر بن عبد البر فى ترجمة رافع بن عميرة الطائى أنه كلمه الذئب، وهو فى ضأن له يرعاها، فدعاه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واللحاق به. قال: وزعموا أن رافع بن عميرة قال فى كلام الذئب إياه.
رعيت الضّأن أحميها بكلبى ... من الضّبع الحفىّ وكل ذيب «1»
فلمّا أن سمعت الذئب نادى ... يبشّرنى بأحمد من قريب
سعيت إليه قد شمّرت ثوبى ... على السّاقين قاصدة الرّكيب
فألفيت النّبىّ يقول قولا ... صدوقا ليس بالقول الكذوب
يبشّرنى بدين الحقّ حتى ... تبيّنت الشّريعة للمنيب «2»
وأبصرت الضّياء يضىء حولى ... أمامى إن سعيت ومن جنوبى
فى أبيات أخر.
وروى ابن وهب: أن مثل هذه القصة وقع لأبى سفيان بن حرب، وصفوان ابن أمية مع ذئب وجداه قد أخذ ظبيا، فدخل الظّبى الحرم فانصرف الذئب فعجبا من ذلك، فقال الذئب: أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار. فقال أبو سفيان: واللّات والعزّى لئن ذكرت هذا بمكة لتتركنا خلوفا «3» . وقد روى أيضا مثل هذا الخبر، وأنه جرى لأبى جهل وأصحابه.
(18/325)

وعن عباس بن مرداس السّلمىّ أنه لمّا تعجّب من كلام صنمه ضمار، وإنشاده الشعر الذى ذكرناه، فإذا طائر سقط، فقال: يا عباس، أتعجب من كلام ضمار، ولا تعجب من نفسك؟ إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يدعو إلى الإسلام، وأنت جالس! وعن أنس رضى الله عنه قال: دخل النبىّ صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر وعمر ورجل من الأنصار حائط «1» أنصارىّ، وفى الحائط غنم، فسجدت له فقال أبو بكر:
نحن أحقّ بالسجود لك منها ... الحديث. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال:
دخل النبى صلّى الله عليه وسلّم حائطا فجاء بعير فسجد له، وذكر مثله. ومثله فى الجمل عن ثعلبة بن مالك، وجابر بن عبد الله، ويعلى بن مرّة، وعبد الله بن جعفر قال: «2» وكان لا يدخل أحد الحائط إلا شدّ عليه الجمل، فلما دخل عليه النبى صلّى الله عليه وسلّم دعاه، فوضع مشفره فى الأرض وبرك بين يديه فحطمه؛ وقال: «ما بين السماء والأرض شىء إلا يعلم أنى رسول الله إلا عاصى الجنّ والإنس» . وفى حديث آخر: أن النبى صلّى الله عليه وسلّم سألهم عن شأنه فأخبروه أنهم أرادوا ذبحه.
وفى رواية: أن النبى صلّى الله عليه وسلّم قال لهم: «إنه اشتكى كثرة العمل وقلة العلف» . وفى رواية: «إنه شكا إلىّ أنكم أردتم ذبحه بعد أن استعملتموه فى شاقّ العمل من صغره» فقالوا: نعم. وقد روى فى قصة العضباء وكلامها النبى صلّى الله عليه وسلّم، وتعريفها له بنفسها، ومبادرة العشب إليها فى الرّعى، وتجنّب الوحوش عنها، وندائهم لها أنّك لمحمد، وأنها لم تأكل ولم تشرب بعد موته حتى ماتت. ذكره الإسفرائنى. وروى ابن وهب: أن حمام مكة أظلت
(18/326)

النبى صلّى الله عليه وسلّم يوم فتحها، فدعا لها بالبركة. وقد ذكرنا قصة الغار وخبر الحمامتين والعنكبوت.
وعن عبد الله بن قرط قال: قرّب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بدنات خمس أو ستّ أو سبع لينحرها يوم عيد، فازدلفن «1» إليه بأيّتهنّ يبدأ. وعن أمّ سلمة قالت: كان النبىّ صلّى الله عليه وسلّم فى صحراء فنادته ظبية: يا رسول الله، قال:
«ما حاجتك» ؟ قالت: صادنى هذا الأعرابىّ ولى خشفان فى ذلك الجبل، فأطلقنى حتى أذهب فأرضعهما وأرجع، قال: «وتفعلين» ؟ قالت: نعم، فأطلقها فذهبت ورجعت فأوثقها، فانتبه الأعرابى. فقال: يا رسول الله، ألك حاجة؟ قال: «تطلق هذه الظّبية» فأطلقها، فخرجت تعدو فى الصحراء وتقول:
أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
ومنه ما روى من تسخير الأسد لسفينة مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
إذ وجّهه إلى معاذ باليمن، فلقى الأسد فعرّفه أنه مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعه كتابه، فهمهم وتنحّى عن الطريق، وذكر فى منصرفه مثل ذلك.
وفى رواية أخرى عنه: أن سفينة تكسرت به، فخرج إلى جزيرة فإذا الأسد؛ قال فقلت: أنا مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فجعل يغمزنى بمنكبه حتى أقامنى على الطريق. وروى أنه صلّى الله عليه وسلّم أخذ بأذن شاة لقوم من عبد القيس بين إصبعيه ثم خلّاها، فصار لها ميسما، وبقى ذلك الأثر فيها وفى نسلها. وقد روى عن إبراهيم بن حمّاد بسنده كلام الحمار الذى أصابه بخيبر، وقال له:
(18/327)

[ما اسمك «1» قال] : اسمى يزيد بن شهاب، فسماه النبى صلّى الله عليه وسلّم يعفورا وأنه كان يوجهه إلى دور أصحابه فيضرب عليهم الباب برأسه ويستدعيهم، وأن النبى صلّى الله عليه وسلّم لما مات، تردّى فى بئر جزعا وحزنا فمات. وخبر الناقة التى شهدت عند النبى صلّى الله عليه وسلّم لصاحبها أنه ما سرقها وأنها ملكه. وخبر العنز التى أتت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى عسكره، وقد أصابهم عطش ونزلوا على غير ماء وهم زهاء ثلاثمائة، فحلبها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأروى الجند، ثم قال لرافع: «املكها وما أراك «2» » فربطها فوجدها قد انطلقت. رواه ابن قانع وغيره، وفيه: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الذى جاء بها هو الذى ذهب بها» . وقال عليه السلام لفرسه، وقد قام إلى الصلاة فى بعض أسفاره:
«لا تبرح بارك الله فيك حتى نفرغ من صلاتنا» وجعله قبلته «3» فما حرّك عضوا حتى فرغ من صلاته صلّى الله عليه وسلّم.
ومن معجزاته صلّى الله عليه وسلّم ما روى من كلام الأموات والأطفال وشهادتهم له بالنبوّة.
فمن ذلك ما روى عن فهد «4» بن عطية: أن النبى صلّى الله عليه وسلّم أتى بصبىّ قد شبّ لم يتكلم قطّ، فقال له: «من أنا» ؟ فقال: رسول الله.
وعن معرّض بن معيقيب قال: رأيت من النبى صلّى الله عليه وسلّم عجبا، جىء
(18/328)

بصبىّ يوم ولد، فذكر مثله، وهو حديث مبارك اليمامة، ويعرف بحديث شاصونه «1» اسم راويه، وفيه؛ فقال له النبى صلّى الله عليه وسلّم: «صدقت بارك الله فيك» ثم إن الغلام لم يتكلم بعدها حتى شبّ، فكان يسمى مبارك اليمامة، وكانت هذه القصة بمكة فى حجة الوداع.
وعن الحسن رضى الله عنه: أتى رجل النبىّ صلّى الله عليه وسلّم فذكر له أنه طرح بنيّة له فى وادى كذا، فانطلق معه إلى الوادى وناداها باسمها «يا فلانة احيى بإذن الله» فخرجت وهى تقول: لبّيك وسعديك، فقال لها: «إن أبويك قد أسلما فإن أحببت أن أردّك عليهما» قالت: لا حاجة لى فيهما، وجدت الله خيرا لى منهما.
وعن أنس رضى الله عنه أن شابا من الأنصار توفّى وله أمّ عجوز عمياء قال:
فسجّيناه وعزّيناها فقالت: مات ابنى؟ قلنا: نعم، قالت: اللهم إن كنت تعلم أنى هاجرت إليك وإلى نبيك رجاء أن تعيننى على كل شدّة، فلا تحمّلنّ علىّ هذه المصيبة «2»
، قال: فما برحنا أن كشف الثوب عن وجهه فطعم وطعمنا.
وروى عن عبد الله بن عبيد الله الأنصارى قال: كنت فيمن دفن ثابت بن قيس ابن شمّاس- وكان قتل باليمامة- فسمعناه حين أدخلناه القبر يقول:
محمد رسول الله، أبو بكر الصدّيق، عمر الشهيد، وعثمان البرّ الرحيم «3» ، فنظرنا فإذا هو ميّت. وذكر عن النعمان بن بشير: أن زيد بن خارجة خرّ «4» ميتا فى بعض أزقة
(18/329)

المدينة، فرفغ وسجّى إذ سمعوه بين العشاءين والنساء يصرخن حوله يقول: أنصتوا أنصتوا، فحسر عن وجهه، فقال: محمد رسول الله، النبىّ الأمىّ، وخاتم النبيين، كان ذلك فى الكتاب الأوّل، ثم قال: صدق صدق، وذكر أبا بكر وعمر وعثمان ثم قال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثم عاد ميتا. ومن ذلك قصة الذّراع وقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه: ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتنى أنها مسمومة. وقد تقدّم خبر الذراع. والله منجى المتقين ووليهم.
ومن معجزاته صلّى الله عليه وسلّم إبراء المرضى وذوى العاهات، كردّ عين قتّادة، وكشف بصر الضرير، وتفله صلّى الله عليه وسلّم على جراحات فبرأت، وغير ذلك مما نشرحه إن شاء الله تعالى.
أما عين قتادة بن النعمان فقد روينا بإسناد متّصل عن سعد بن أبى وقّاص:
أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه يوم أحد حتى وقعت على وجنته، فردّها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فكانت أحسن عينيه. وذكر الأصمعى عن أبى معشر المدنى قال: أوفد أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، بديوان المدينة إلى عمر بن عبد العزيز رجلا من ولد قتادة بن النعمان، فلما قدم عليه قال له: ممن الرجل؟ قال:
أنا ابن الذى سالت على الخدّ عينه ... فردّت بكفّ المصطفى أحسن الرد «1»
فعادت كما كانت لأوّل أمرها ... فياحسن ما عين ويا حسن ما ردّ «2»
فقال عمر بن عبد العزيز:
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا «3»
(18/330)

حكاه ابن عبد البر. وروى النّسائىّ عن عثمان بن حنيف أن أعمى قال: يا رسول الله، ادع الله أن يكشف لى عن بصرى. قال «1» : «فانطلق فتوضأ ثم صلّ ركعتين، ثم قل اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيّى «2» محمد نبى الرحمة يا محمد إنى أتوجّه بك إلى ربك أن يكشف عن بصرى اللهم شفعه فىّ» قال: فرجع وقد كشف الله عن بصره.
وروى أن ابن ملاعب «3» الأسنّة أصابه استسقاء فبعث إلى النبى صلّى الله عليه وسلّم، فأخذ بيده حثوة من الأرض فنقل عليها، ثم أعطاها رسوله، فأخذها متعجبا- يرى أنه قد هزئ به- فأتاه بها وهو على شفا فشربها «4» فشفاه الله. وذكر العقيلىّ عن حبيب بن فديك- ويقال فويك «5» - أن أباه ابيضّت عيناه، فكان لا يبصر بهما شيئا، فنفث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى عينيه فأبصر، فرأيته يدخل الخيط فى الإبرة وهو ابن ثمانين.
وأتنه امرأة من خثعمّ معها صبىّ به بلاء «6» لا يتكلم، فأتى بماء فمضمض فاه وغسل يديه ثم أعطاها إباه وأمرها بسقيه ومسّه به، فبرأ الغلام، وعقل عقلا، يفضل عقول الناس. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: جاءت امرأة بابن لها به جنون، فمسح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صدره فثع»
ثعّة فخرج
(18/331)

من جوفه مثل الجرو الأسود فشفى. وكانت فى كفّ شرحبيل الجعفى سلعة، تمنعه القبض على السيف وعنان الدابة، فشكاها إلى النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فما زال يطحنها بكفّه حتى رفعها ولم يبق لها أثر. وسألته جارية طعاما وهو يأكل، فناولها من بين يديه، وكانت قليلة الحياء، فقالت: إنما أريد من الذى فى فيك، فناولها ما فى فيه، ولم يكن يسأل شيئا فيمنعه، فلما استقر فى جوفها ألقى عليها من الحياء ما لم تكن امرأة بالمدينة أشدّ حياء منها.
وأما الجراحات التى تفل عليها فبرأت فكثير
منها أنه صلّى الله عليه وسلّم بصق على أثر سهم فى وجه أبى قتادة، فى يوم ذى قرد «1» ، قال: فما ضرب علىّ، ولا قاح «2» . ومنها أن كلثوم بن الحصين رمى يوم أحد فى نحره، فبصق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيه فبرأ، وتفل على شجّة عبد الله ابن أنيس فلم تمدّ «3» . وتفل فى رجل زيد بن معاذ حين أصابها السيف إلى الكعب حين قتل ابن الأشرف فبرئت، وعلى ساق على بن الحكم يوم الخندق، إذ انكسرت فبرئ مكانه وما نزل عن فرسه. وقطع أبو جهل يد معوّذ بن عفراء «4» في يوم بدر، فجاء يحمل يده فبصق عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وألصقها فلصقت. رواه ابن وهب، ومن روايته: أن خبيب «5» بن يساف أصيب يوم بدر مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بضربة على عاتقه حتى مال شقّه، فردّه رسول الله صلّى الله عليه
(18/332)

وسلّم، ونفث عليه حتى صح. ونفث على ضربة بساق سلمة بن الأكوع يوم خيبر فبرئت. وتفل فى عينى علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه يوم خيبر وكان رمدا فأصبح بارثا. واشتكى علىّ مرة فجعل يدعو، فقال النبىّ صلّى الله عليه وسلّم:
«اللهم اشفه أو عافه «1» » ثم ضربه برجله فما اشتكى ذلك الوجع بعد ذلك.
ومن معجزاته صلّى الله عليه وسلّم إجابة دعائه
وهذا فصل متسع جدّا، نذكر منه ما اشتهر وانتشر، وتواترت به الأخبار وتداولته الرّواة، ونقله أصحاب السّير، ولا شك ولا خلاف بين أحد من الأمة فى إجابة دعائه صلّى الله عليه وسلّم؛ وقد روى عن حذيفة أنه قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا دعا لرجل أدركت الدعوة ولده وولد ولده. روى عن أنس بن مالك قال: قالت أمى يا رسول الله، خادمك أنس ادع الله له؛ قال:
«اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما آتيته» قال أنس: فو الله إن مالى لكثير، وإن ولدى وولد ولدى ليعادّون اليوم على نحو المائة، وما أعلم أحدا أصاب من رخاء العيش ما أصبت، ولقد دفنت بيدى هاتين مائة من ولدى، لا أقول سقطا ولا ولد ولد. ودعا صلّى الله عليه وسلّم لعبد الرحمن بن عوف بالبركة، قال عبد الرحمن: فلو رفعت حجر لرجوت أن أصيب تحته ذهبا، ولما مات حفر الذهب من تركته بالفؤس حتى مجلت «2» فيه الأيدى، وأخذت كل زوجة ثمانين ألفا، وكنّ أربعا، وقيل: مائة ألف، وقيل: بل صولحت إجداهن- لأنه طلقها فى مرضه- على نيف وثمانين ألفا، وأوصى بخمسين ألفا بعد صدقاته الفاشية فى حياته. ودعا لمعاوية بالتمكين فى البلاد فنال الخلافة. ولسعد بن أبى وقّاص أن
(18/333)

يجيب الله دعوته، فما دعا على أحد إلا استجيب له. ودعا أن يعزّ الله الإسلام بعمر أو بأبى جهل فاستجيب له فى عمر رضى الله عنه؛ قال ابن مسعود: ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر. وقال لأبى قتادة: «أفلح وجهك، اللهم بارك له فى شعره وبشره «1» » فمات وهو ابن سبعين سنة وكأنّه ابن خمس عشرة. وقال للنابغة:
«لا يفضض «2» الله فاك» قال: فما سقطت له سنّ، وكان، أحسن الناس ثغرا «3» ، إذا سقطت له سنّ نبتت له أخرى، وعاش عشرين ومائة سنة، وقيل: أكثر.
ودعا لعبد الله بن عباس رضى الله عنهما: «اللهم فقّهه فى الدين وعلمه التأويل» فسمى بعد الحبر وترجمان «4» القرآن. ودعا لعبد الله بن جعفر بالبركة فى صفقة «5» يمينه؛ فما اشترى شيئا إلا ربح فيه. ودعا للمقداد بالبركة؛ فكان عنده غرائر من المال.
ودعا كذلك لعروة بن أبى الجعد، قال: فلقد كنت أقوم بالكناسة «6» فما أرجع حتى أربح أربعين ألفا. ودعا لعلىّ أن يكفى الحرّ والقرّ، فكان يلبس فى الشتاء ثياب الصيف، وفى الصيف ثياب الشتاء، ولا يصيبه حرّ ولا برد. ودعا على مضر فأقحطوا حتى استعطفته قريش فدعا لهم فسقوا. وتقدم خبره فى دعائه فى الاستسقاء والاستضحاء «7» . ودعا على كسرى أن يمزّق ملكه فلم يبق له باقية، ولم تعد لفارس مملكة. وقال لرجل رآه يأكل بشماله: «كل بيمينك» قال: لا أستطيع، فقال:
«لا استطعت» «8» فلم يرفعها إلى فيه بعد. وقال فى عتبة بن أبى لهب: «اللهم سلّط
(18/334)

عليه كلبا من كلابك» فأكله الأسد كما تقدم. ودعا على مجلّم بن جثّامة، فمات لسبع فلفظته الأرض ثم ووروى فلفظته، فألقوه فى صدّين ورضموا «1» عليه بالحجارة، والصّدّ جانب الوادى. ودعواته صلّى الله عليه وسلّم كثيرة عليه أفضل الصلاة والسلام.
ومن معجزاته صلّى الله عليه وسلّم انقلاب الأعيان
فيما لمسه أو باشره؛ كسيف عكاشة بن محصن، وعبد الله بن جحش، وغير ذلك، وكان من خبر عكاشة أن سيفه انكسر يوم بدر فأعطاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جذل «2» حطب، وقال: «اضرب به» فعاد فى يده سيفا صارما طويلا أبيض شديد المتن، فقاتل به، ثم لم يزل عنده يشهد به المواقف إلى أن استشهد فى قتال أهل الردّة، وكان هذا السيف يسمى العون. ودفع لعبد الله بن جحش- وقد ذهب سيفه يوم أحد- عسيب «3» نخل فرجع فى يده سيفا. ومن ذلك أنه صلّى الله عليه وسلّم مرّ على ماء «4» فسأل عنه، فقيل له اسمه بيسان وماؤه ملح، فقال: «بل هو نعمان وماؤه طيّب» فكان كذلك. ومنه أنه صلّى الله عليه وسلّم أعطى قتادة بن النعمان- وكان قد صلّى معه العشاء فى ليلة مظلمة مطيرة- عرجونا، وقال: «انطلق به فإنه سيضىء لك من بين يديك عشرا، ومن خلفك عشرا «5» ، فإذا دخلت بيتك فسترى سوادا فاضربه به حتى يخرج فإنه الشيطان»
(18/335)

فانطلق فأضاء له العرجون، ووجد السواد فضربه حتى خرج. ومن ذلك أنه صلّى الله عليه وسلّم زوّد أصحابه سقاء من ماء بعد أن أوكأه ودعا فيه، فلما حضرتهم الصلاة نزلوا فحلوه فإذا به لبن طيب وفى فمه زبدة. رواه حمّاد بن سلمة.
ومما يلتحق بهذا الفصل
أنه صلّى الله عليه وسلّم ركب فرسا لأبى طلحة، كان يقطف «1» - أو- به قطاف، فلما رجع قال: وجدنا فرسك بحرا، فكان بعد لا يجارى. ونخس «2» جمل جابر بن عبد الله، وكان قد أعيا فنشط حتى كان ما يملك زمامه، وقد تقدم خبره. وخفق فرس جعيل الأشجعى بمخفقه «3» معه وبرّك عليها فلم يملك رأسها نشاطا، وباع من بطنها باثنى عشر ألفا. وركب صلّى الله عليه وسلّم حمارا قطوفا لسعد بن عبادة فرده هملاجا «4» لا يساير.
ومن ذلك بركة يده صلّى الله عليه وسلّم فيما لمسه كقصة سلمان فى كتابته، وما غرس له صلّى الله عليه وسلّم من الودىّ «5» فأطعمت كلها من عامها، والذّهب الذى أعطاه، وقد تقدم ذكر ذلك فى إسلام سلمان. ومنه أنه صلّى الله عليه وسلّم مسح على رأس عمير بن سعد وبرّك فمات وهو ابن ثمانين سنة وما شاب. وكذلك السّائب ابن يزيد، ومدلوك «6» ، وكان يوجد لعتبة بن فرقد طيب يغلب طيب نسائه، وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مسح بيده على بطنه وظهره. ومسح على
(18/336)

رأس قيس بن زيد الجذامىّ، ودعا له فهلك وهو ابن مائة سنة، ورأسه أبيض، وموضع كفّ النبى صلّى الله عليه وسلّم وما مرّت يده عليه من شعره أسود، فكان يدعى الأغرّ. وروى مثل ذلك لعمرو بن ثعلبة الجهنىّ. ومسح وجه آخر فما زال على وجهه نور. ومسح وجه قتادة بن ملحان، فكان لوجهه بريق، حتى كان ينظر فيه كما ينظر فى المرآة. ونضح فى وجه زينب بنت أمّ سلمة نضحة من ماء، فما نعرف كان فى وجه امرأة من الجمال ما بها. ومسح على رأس صبى به عاهة فبرأ واستوى شعره، وعلى غير واحد من الصبيان المرضى والمجانين فبرءوا. وأتاه رجل به أدرة «1» فأمره أن ينضحها بماء من عين مجّ «2» فيها ففعل فبرأ. وعن طاوس:
لم يؤت النبى صلّى الله عليه وسلّم بأحد به مسّ فصكّ فى صدره إلا ذهب. والمس:
الجنون. ومجّ فى دلو من بئر ثم صبّ فيها ففاح منها ريح المسك. وشكا إليه أبو هريرة النسيان فأمره أن يبسط ثوبه، وغرف بيده فيه ثم أمره بضمه ففعل فما نسى شيئا بعد. ومن ذلك درور الشياه الحوائل «3» باللبن الكثير؛ كقصة شاة أمّ معبد، وأعنز معاوية بن ثور، وشاة أنس، وغنم حليمة، وشارفها «4» ، وشاة عبد الله بن مسعود، وشاة المقداد، والله أعلم.
ومن معجزاته صلّى الله عليه وسلّم ما أخبر به من الغيوب، وما يكون قبل وقوعه، فكان كما أخبر به صلّى الله عليه وسلّم؛ روى عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مقاما، فما ترك شيئا يكون فى مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدّثه «5» ، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابى هؤلاء،
(18/337)

وإنه ليكون منه الشىء فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه، ثم قال حذيفة: ما أدرى أنسى أصحابى أم تناسوه، والله ما ترك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من قائد فتنة إلى أن تنقضى الدنيا، يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد سمّاه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته. وقال أبو ذرّ: لقد تركنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وما يحرك طائر جناحيه فى السماء إلا ذكرنا منه علما «1» .
ومما أخبر به صلّى الله عليه وسلّم مما يكون فكان، ما أخرجه أهل الصحيح والأئمة، مما وعد به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصحابه من الظّهور على أعدائه، وفتح مكة وبيت المقدس واليمن والشام والعراق، وظهور الأمن حتى تظعن «2» المرأة من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله، وأن المدينة ستغزى «3» ، وتفتح خيبر على يدى علىّ فى غد يومه، وما يفتح الله على أمته من الدنيا، وما يؤتون من زهرتها «4» ، وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر، وما يحدث بينهم من الفتون «5» والاختلاف والأهواء، وسلوك سبيل من قبلهم وافتراقهم على ثلاث وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة، وأنه ستكون لهم أنماط «6» ، ويغدو أحدهم فى حلّة ويروح فى أخرى، وتوضع بين يديه صحفة «7» وترفع أخرى، ويسترون بيوتهم كما تستر الكعبة، ثم قال آخر الحديث:
«وأنتم اليوم خير منكم يومئذ» وأنهم إذا مشوا المطيطاء «8» ، وخدمتهم بنات
(18/338)

فارس والروم، ردّ الله بأسهم بينهم، وسلّط شرارهم على خيارهم، وما أخبر به صلّى الله عليه وسلّم من قتالهم التّرك والخزر والرّوم، وذهاب كسرى وفارس، حتى لا كسرى ولا فارس بعده، وذهاب قيصر حتى لا قيصر بعده، وأن الروم ذات قرون إلى آخر الدهر، وأخبر بذهاب الأمثل فالأمثل من الناس، وتقارب الزمان، وقبض العلم، وظهور الفتن والهرج، وقوله صلّى الله عليه وسلّم:
«زويت «1» لى الأرض فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها» فكان كذلك؛ امتدت فى المشارق والمغارب، ما بين أرض الهند أقصى المشرق إلى بحر طنجة «2» حيث لا عمارة وراءه، ولم تمتدّ فى الجنوب والشمال مثل ذلك. وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ويل للعرب من شرّ قد اقترب» .
وقوله: «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحقّ حتى تقوم الساعة» ذهب ابن المدينى إلى أنهم العرب؛ لأنهم المختصّون بالسّقى بالغرب وهو الدّلو، وقيل:
بل هم أهل المغرب، ومن رواية أبى أمامة: «لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق قاهرين لعدوهم حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك» قيل: يا رسول الله وأين هم؟ قال: «ببيت المقدس» . وأخبر صلّى الله عليه وسلّم بملك بنى أمية، وولاية معاوية، ووصاه، واتخاذ بنى أمية مال الله دولا «3» .
وأخبر بخروج ولد العباس بالرايات السود، وملكهم أضعاف ما ملكوا، وأخبر بقتل علىّ رضى الله عنه، وأن أشقاها الذى يخضب هذه من هذه؛ أى لحيته من رأسه. وقال: يقتل عثمان وهو يقرأ المصحف، وأن الله عسى أن
(18/339)

يلبسه قميصا، وأنهم يريدون خلعه، وأنه سيقطر دمه على قوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ
«1» . وأن الفتن لا تظهر مادام عمر حيّا، وأخبر بمحاربة الزبير لعلىّ، ونباح كلاب الحوأب «2» على بعض أزواجه، وأنه يقتل حولها قتلى كثيرة، وتنجو بعد ما كادت، وأن عمّارا تقتله الفئة الباغية، وقال لعبد الله بن الزبير: «ويل للناس منك، وويل لك من الناس» وقال فى قزمان «3» وقد أبلى بلاء حسنا مع المسلمين: «إنه من أهل النار» فقتل نفسه. وقال صلّى الله عليه وسلّم: «يكون فى ثقيف كذّاب ومبير «4» » فكان الكذاب المختار بن أبى عبيد، والمبير الحجاج بن يوسف. وأخبر بالردّة، وأن الخلافة بعده ثلاثون، ثم ملكا، وقال: «إن هذا الأمر بدأ نبوّة ورحمة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم يكون ملكا عضوضا «5» ، ثم يكون عتوّا وجبروّة وفسادا فى الأئمة» فكان كل ذلك كما أخبر. وأخبر أن سيكون فى أمته ثلاثون كذّابا فيهم أربع نسوة، وفى حديث آخر: «ثلاثون دجالا كذّابا آخرهم الدّجّال الكذّاب كلهم يكذب على الله ورسوله» . وقال صلّى الله عليه وسلّم: «يوشك أن يكثر فيكم العجم يأكلون فيئكم «6» ، ويضربون رقابكم» فكان كذلك. وقال: «لا تقوم الساعة حتى يسوق الناس بعصاه رجل من قحطان» «7» . وقال: «هلاك أمتى على يدى أغيلمة من قريش» قال أبو هريرة راوى الحديث: لو شئت سميتهم لكم،
(18/340)

بنو فلان وبنو فلان. وأخبر بظهور القدريّة والرافضة، وسبّ آخر هذه الأمة أوّلها. وأخبر بشأن الخوارج وصفتهم، والمخدج «1» الذى فيهم، وأن سيماهم التّحليق «2» .
وقال: «خيركم قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يأتى بعد ذلك قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يفون» . وقال: «لا يأتى زمان إلا والذى بعده شر منه» . وأخبر صلّى الله عليه وسلّم بالموتان «3» الذى يكون بعد فتح المقدس. وما وعد من سكنى البصرة، وأن أمته يغزون فى البحر كالملوك على الأسرّة؛ فكان فى زمن يزيد بن معاوية. وقال: «إن الدّين لو كان منوطا «4» بالثريا لناله رجال من ابناء فارس» . وقال صلّى الله عليه وسلّم فى الحسن بن على رضى الله عنهما: «إن ابنى هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين» . وأخبر بقتل الحسين بالطّف «5» ، وأخرج بيده تربة، وقال: فيها مضجعه. وقال فى زيد بن صوحان: يسبقه عضو منه إلى الجنة، فقطعت يده فى الجهاد. وقال لسراقة:
«كيف بك إذا لبست سوارى كسرى» فلما أتى بهما لعمر ألبسهما إياه، وقال:
الحمد لله الذى سلبهما كسرى وألبسهما سراقة. وقال: «تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربّل والصّراة «6» تجبى إليها خزائن الأرض يخسف بها» . فبنيت بغداد.
وقال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل طائفتان دعواهما واحدة» . وقال لعمر فى سهيل بن عمرو: «عسى أن يقوم مقاما يسرك يا عمر» فقام بمكة مقام أبى بكر يوم بلغهم موت النبى صلّى الله عليه وسلّم، وخطب بنحو خطبته، وثبّت الناس
(18/341)

وقوّى بصائرهم، وقال لخالد حين وجهه إلى أكيدر: «إنك بحده يصيد البقر» فكان كذلك. وقد تقدّم خبره. وأخبر صلّى الله عليه وسلّم بوقائع نحن نترقب وقوعها؛ كقوله: «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينيّة» . وأخبر بغير ذلك من الأمور التى وقعت فى حياته فى أماكن بعيدة، وأخبر بها حال وقوعها كموت النجاشى، وقتل أمراء مؤته، وغير ذلك صلّى الله عليه وسلّم.
ومن معجزاته عصمة الله تعالى له من الناس وكفايته إياه مع كثرة أعدائه وتحزبهم واجتماعهم على أذاه
قال الله عز وجل: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
«1» . وقال تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا
«2» . وقال: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ
«3» . وقال:
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ. الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
«4» . وقال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
«5» . روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت:
كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحرس حتى نزلت هذه الآية: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
فأخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رأسه من القبّة، فقال لهم:
«يأيها الناس انصرفوا فقد عصمنى الله ربى عزّ وجل» . وقيل: كان النبى صلّى الله عليه وسلّم يخاف قريشا، فلما نزلت هذه الآية استلقى، ثم قال: «من شاء فليخذلنى» . وقد تقدم من عصمة الله له وكفايته قصتا دعثور وغورث، وخبر
(18/342)

حمّالة الحطب، وأخذ الله تعالى على بصرها حين أرادته بالفهر «1» ، وخبر أبى جهل حين أراده بالحجر، وغير ذلك.
وها نحن نورد فى هذا الموضع من ذلك خلاف ما قدّمناه؛ فمن ذلك ما روى عن الحكم بن العاص أنه قال: تواعدنا على النبى صلّى الله عليه وسلّم، حتى إذا رأيناه سمعنا صوتا خلفنا ما ظننا أنه بقى بتهامة أحد، فوقعنا مغشيا علينا، فما أفقنا حتى قضى صلاته ورجع إلى أهله، ثم تواعدنا ليلة أخرى، فخرجنا حتى إذا رأيناه جاءت الصفا والمروة فحالت بيننا وبينه. وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: تواعدنا أنا وأبو جهم بن حذيفة ليلة قتل «2» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فجئنا منزله فسمعنا له، فافتتح وقال: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ
إلى: فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ
«3» فضرب أبو جهم على عضد عمر وقال: انج، وفرّا هاربين، فكانت من مقدّمات إسلام عمر. ومن ذلك خروجه صلّى الله عليه وسلّم على قريش حين اجتمعوا لقتله، فأخذ الله على أبصارهم حتى ذرا «4» التراب على رءوسهم وخلص منهم.
وقصة الغار، وأخذ الله على أبصارهم، وخبر سراقة بن مالك بن جعشم، وقد تقدّم ذكر ذلك. وفى خبر آخر أنّ راعيا عرف خبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبى بكر حين هاجرا، فخرج يشتدّ «5» ليعلم قريشا بشأنهما، فلما دخل مكة ضرب على قلبه فما يدرى ما يصنع، وأنسى ما خرج له حتى رجع إلى موضعه. وذكر السّمرقندىّ:
أن رجلا من بنى المغيرة أتى النبى صلّى الله عليه وسلّم ليقتله، فطمس الله بصره فلم
(18/343)

ير النبى صلّى الله عليه وسلّم وسمع قوله، فرجع إلى أصحابه ولم يرهم حتى نادوه، وذكر أنّ فيه وفى أبى جهل نزلت: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ. وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
«1» .
وقد روى عن أبى هريرة أن أبا جهل وعد قريشا: لئن رأى محمدا- صلى الله عليه وسلّم- يصلّى ليطأنّ رقبته، فلما صلّى النبى صلى الله عليه وسلّم أعلموه فأقبل، فلما قرب منه ولّى هاربا ناكصا على عقبيه متّقيا بيديه، فسئل فقال: لما دنوت منه أشرفت على خندق مملوء نارا كدت أهوى فيه، وأبصرت هولا عظيما، وخفق أجنحة قد ملأت الأرض. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تلك الملائكة لودنا لا ختطفته عضوا عضوا» ثم أنزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى
«2» إلى آخر السورة. وقد ذكرنا أيضا قصة شيبة بن عثمان بن أبى طلحة فى غزوة حنين. وعن فضّالة بن عمرو قال: أردت قتل النبى صلّى الله عليه وسلّم عام الفتح وهو يطوف بالبيت، فلما دنوت منه قال: «أفضالة» ؟ قلت: نعم، قال: «ما كنت تحدّث به نفسك» ؟ قلت: لا شىء، فضحك واستغفر لى ووضع يده على صدرى فسكن قلبى، فو الله ما رفعها حتى ما خلق الله شيئا أحبّ إلىّ منه.
ومنه خبر عامر بن الطّفيل، وأربد بن قيس، وقد تقدم ذكر قصتهما «3» .
ومن معجزاته صلّى الله عليه وسلّم ما جمعه الله تعالى له من المعارف والعلوم، وخصه به من الاطلاع على جميع مصالح الدنيا والدين، ومعرفته بأمور الشرائع وغير ذلك، كاطلاعه صلّى الله عليه وسلّم على أخبار من سلف من الأمم، وقصص الأنبياء والرسل، وأخبار الجبابرة والقرون
(18/344)

الماضية، وحفظ شرائعهم، وسرد أنبائهم، وأيّام الله فيهم، ومعارضة كل فرقة من أهل الكتاب بما فى كتبهم، وإعلامهم بأسرارها ومخبآت علومها، وإخبارهم بما كتموه من ذلك وغيّروه، واحتوائه صلّى الله عليه وسلّم على لغات العرب وغريب ألفاظها، والحفظ لأيامها وأمثالها وحكمها، ومعانى أشعارها، وما خصه الله تعالى به من جوامع الكلم، وما علمه من ضروب العلوم وفنون المعارف؛ كالطبّ والعبارة «1» والفرائض والحساب والأنساب وغير ذلك، مما جعل أهل هذه العلوم كلامه صلّى الله عليه وسلّم فيها قدوة وحجة وأصولا يرجعون إليها فى علومهم؛ كقوله عليه السلام: «الرؤيا لأوّل عابر وهى على رجل طائر» وقوله: «الرؤيا ثلاث؛ رؤيا حق، ورؤيا يحدّث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان» . وقوله: «إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب» .
وقوله: «أصل كل داء البردة «2» » وقوله: «المعدة حوض البدن، والعروق إليها واردة» وقوله: «خير ما تداويتم به السّعوط «3» ، واللّدود «4» ، والحجامة، والمشىّ «5» ، وخير الحجامة يوم سبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين، وفى العود «6» الهندى سبعة أشفية» وقوله: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه» . وقوله لكاتبه:
«ضع القلم على أذنك فإنه أذكر للمملى» . وقد وردت آثار بمعرفته حروف
(18/345)

الخطّ، وحسن تصويرها؛ كقوله: «لا تمدّوا بسم الله الرحمن الرحيم» رواه ابن شعبان من طريق ابن عباس، وقوله فى الحديث الآخر الذى يروى عن معاوية أنه كان يكتب بين يديه- صلى الله عليه وسلّم- فقال له: «ألق «1» الدّواة، وحرّف القلم، وأقم الباء، وفرّق السين، ولا تعوّر «2» الميم، وحسّن الله، ومدّ الرحمن، وجوّد الرحيم» وإن لم تصح الرواية أنه صلّى الله عليه وسلّم كتب، فلا يبعد أن يكون قد رزق علم الخطّ، ومنع الكتابة والقراءة. وكذلك حفظه صلّى الله عليه وسلّم لكثير من لغات الأمم؛ كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «سنه سنه «3» » وهى حسنة بالحبشية، وقوله: و «يكثر الهرج» وهو القتل بها، وقوله فى حديث أبى هريرة: «اشكنب «4» دردم» أى وجع البطن بالفارسية، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا من دارس العلوم، ومارس الكتب، وداوم المطالعة، وعكف على الاشتغال. وكان صلّى الله عليه وسلّم بخلاف ذلك لا يقرأ ولا يكتب؛ كما أخبر الله تعالى عنه بقوله عز وجل:
«وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذا لارتاب المبطلون» «5» وفى هذا أكبر آية، وأعظم دلالة، وأبين حجة، وأبهر معجزة له صلّى الله عليه وسلّم.
وقد رأينا أن نختم هذه الفصول بذكر القصيدة التى ابتسمت ثغورها بوصف معجزاته،
وتحلّت نحورها بجواهر صفاته، ورفلت فى حلل الفخار من باهر آياته، وسحبت ذيول الافتخار بإشارات إلى غزواته، وفاح أرجها فأخجل المسك الدّارىّ «6» ، وأشرقت أنوارها على النيرين
(18/346)

فما ظنك بالدرارىّ، وهى قصيدة الشيخ الإمام العلامة أبى محمد عبد الله بن زكريا الشّقراطيسىّ «1» رحمه الله تعالى، وإنما اقتصرنا عليها وصرفنا الرغبة دون غيرها إليها لاشتمالها على جمل من أخباره السنية، ونكت من آثاره التى هى بكل خير ملية، وهى:
الحمد لله منّا باعث الرسل ... هدى بأحمد منّا أحمد السّبل «2»
خير البرية من بدو ومن حضر ... وأكرم الخلق من حاف ومنتعل «3»
توراة موسى أتت عنه فصدّقها ... إنجيل عيسى بحقّ غير مفتعل «4»
أخبار أحبار أهل الكتب قد وردت ... عما رأوا ورووا فى الأعصر الأول
ضاءت لمولده الآفاق وانصلت ... بشرى الهواتف فى الإشراق والطّفل «5»
وصرح كسرى تداعى من قواعده ... وانقاض منكسر الأرجاء ذا ميل «6»
ونار فارس لم توقد وما خمدت ... مذ ألف عام ونهر القوم لم يسل
خرّت لمبعثه الأوثان وانبعثت ... ثواقب الشهب ترمى الجنّ بالشّعل
ومنطق الذئب بالتصديق معجزة ... مع الذراع ونطق العير والجمل «7»
وفى دعائك بالأشجار حين أتت ... تسعى بأمرك فى أغصانها الذّلل
وقلت عودى فعادت فى منابتها ... تلك العروق بإذن الله لم تمل
(18/347)

والسّرح بالشام لما جئتها سجدت ... شمّ الذوائب فى أغصانها الخضل «1»
والجذع حنّ لأن فارقته أسفا ... حنين ثكلى شجتها لوعة الثّكل «2»
ما صبر من صار من عين على أثر ... وحال من حال من حال إلى عطل «3»
حيى فمات سكونا ثم مات لدن ... حيى حنينا فأضحى غاية المثل
والشاة لمّا مسحت الكفّ منك على ... جهد الهزال بأوصال لها قحل «4»
سحّت ودرّت بشكر الضرع حافلة ... فروّت الركب بعد النّهل بالعلل «5»
وآية الغار إذ وقّيت فى حجب ... عن كل رجس لرجس الكفر منتحل «6»
وقال صاحبك الصّدّيق كيف بنا ... ونحن منهم بمرأى الناظر العجل
فقلت لا تحزن ان الله ثالثنا ... وكنت فى حجب ستر منه منسدل
حمّت لديك حمام الوحش جاثمة ... كيدا لكل غوىّ القلب مختبل «7»
والعنكبوت أجادت حوك حلّتها ... فما يخال خلال النّسج من خلل
قالوا: وجاءت إليه سرحة سترت ... وجه النبىّ بأغصان لها هدل»
(18/348)

وفى سراقة آيات مبنيّة ... إذ ساخت الحجر فى وحل بلا وحل «1»
عرجت تخترق السبع الطّباق إلى ... مقام زلفى كريم قمت فيه عل «2»
عن قاب قوسين أو أدنى هبطت ولم ... تستكمل الليل بين المرّ والقفل «3»
دعوت للخلق عام المحل مبتهلا ... أفديك بالخلق من داع ومبتهل «4»
صعّدت كفّيك إذ كفّ الغمام فما ... صوّبت إلّا بصوب الواكف الهطل «5»
أراق بالأرض ثجّا صوب ريّقه ... فحلّ بالأرض نسجا رائق الحلل «6»
زهر من النّور حلّت روض أرضهم ... زهرا من النّور ضافى النبت مكتهل «7»
من كل غصن نضير مورق خضر ... وكل نور نضيد مونق خضل «8»
تحية أحيت الأحياء من مضر ... بعد المضرة تروى السّبل بالسّبل «9»
دامت على الأرض سبعا غير مقلعة ... لولا دعاؤك بالإقلاع لم تزل
(18/349)

ويوم زورك بالزّوراء إذ صدروا ... من يمن كفّك عن أعجوبة مثل «1»
والماء ينبع جودا من أناملها ... وسط الإناء بلا نهر ولا وشل «2»
حتى توضأ منه القوم واغترفوا ... وهم ثلاث مئين جمع محتفل
أشبعت بالصاع ألفا مرملين كما ... رؤيت ألفا ونصف الألف من سمل «3»
وعاد ما شبع الألف الجياع به ... كما بدوا فيه لم ينقص ولم يحل
أعجزت بالوحى أصحاب البلاغة فى ... عصر البيان فضلّت أوجه الحيل
سألتهم سورة فى مثل حكمته ... فتلّهم عنه حين العجز حين تلى «4»
ورام رجس كذوب أن يعارضه ... بعىّ غىّ فلم يحسن ولم يطل «5»
مثبّج بركيك الإفك ملتبس ... ملجلج بزرىّ الزّور والخطل «6»
يمجّ أول حرف منه سامعه ... ويعتريه كلال العجز والملل «7»
كأنّه منطق الورهاء شذّبه ... لبس من الخبل أو مسّ من الخبل «8»
أمرّت البئر واغورّت لمجّته ... فيها وأعمى بصير العين بالتّفل «9»
(18/350)

وأيبس الضّرع منه شؤم راحته ... من بعد إرساله بالرّسل منهمل «1»
برئت من دين قوم لا قوام لهم ... عقولهم من وثاق الغىّ فى غلل «2»
يستخبرون خفىّ الغيب من حجر ... صلد ويرجون غوث النصر من هبل «3»
نالوا أذّى منك- لولا حلم خالقهم ... وحجّة الله بالإنذار لم تنل «4»
واستضعفوا أهل دين الله فاصطبروا ... لكل معضل خطب فادح جلل «5»
لاقى بلال بلاء من أميّة قد ... أحلّه الصبر فيه أكرم النّزل
إذ أجهدوه بضنك الضّنك وهو على ... شدائد الأزل ثبت الأزر لم يزل «6»
ألقوه بطحا برمضاء البطاح وقد ... عالوا عليه صخورا جمّة الثّقل «7»
فوحّد الله إخلاصا وقد ظهرت ... بظهره كنده ب الطّلّ فى الطّلل «8»
إن قدّ ظهر ولىّ الله من دبر ... قد قدّ قلب عدوّ الله من قبل «9»
نفرت فى نفر لم ترض أنفسهم ... إذ نافروا الرّجس إلّا القدس من نفل «10»
(18/351)

بأنفس بدّلت فى الخلد إذ بذلت ... عن صدق بذل ببدر أكرم البدل
قالوا: محمد قد حلّت كتائبه ... كالأسد تزأر فى أنيابها العصل «1»
فويل مكّة من آثار وطأته ... وويل أمّ قريش من جوى الهبل «2»
فجدت عفوا بفضل العفو منك ولم ... تلمم ولا بأليم اللّوم والعذل
أضربت بالصّفح صفحا عن طوائلهم ... طولا أطال مقيل القوم فى المقل»
رحمت واشج أرحام أتيح لها ... تحت الوشيج نشيج الرّوع والوجل «4»
عاذوا بظل كريم العفو ذى لطف ... مبارك الوجه بالتوفيق مشتمل «5»
أحبب بخيل من التّكوين قد جنبت ... لجانب عن جناب الحقّ معتزل «6»
أعميت جيشا بكفّ من حصى فجثوا ... وعطّلوا عن حراك النّفل بالنّقل «7»
ودعوة بفناء البيت صادقة ... غدا أميّة منها شرّ منخزل «8»
(18/352)

غادرت جهل أبى جهل بمجهلة ... وشاب شيبة قبل الموت من وجل «1»
وعتبة الشّرّ لم يعتب فتعطفه ... منك العواطف قبل الفوت فى مهل «2»
وعقبة الغمر عقباه لشقوته ... قد ظلّ من غمرات الغىّ فى ظلل «3»
وكلّ أشوس عاتى القلب منقلب ... جعلته بقليب البئر كالجعل «4»
وجاثم بمثار النّقع مشتغل ... بجاحم من أوار النار مشتعل «5»
عقدت بالحزى فى عطفى مقلّدهم ... طوق الحمامة باق غير منتقل «6»
أمسى خليل صغار بعد نخوته ... بالأمس فى خيلاء الخيل والخول «7»
دام يديم زفيرا فى جوانحه ... جنح من الشّكّ لم يجنح ولم يمل «8»
يقاد فى القدّ خنقا مشربا حنقا ... يمشى به الذّعر مشى الشارب الثّمل «9»
(18/353)

أوصاله من صليل الغلّ فى علل ... وقلبه من غليل الغلّ فى غلل «1»
يظلّ يحجل ساجى الطرف خافضه ... بمسكة الحجل لا من مسكة الحجل «2»
أرحت بالسيف ظهر الأرض من نفر ... أزحت بالصدق منهم كاذب العلل «3»
تركت بالكفر صدعا غير ملتئم ... وآب منك بقرح غير مندمل «4»
وأفلت السيف منهم كلّ ذى أسف ... على الحمام حماه آجل الأجل «5»
قد أعتقته عتاق الخيل وهو يرى ... به إلى رقّ موت رقّة الغزل «6»
فكم بمكة من باك وباكية ... بفيض سجل من الآماق منسجل «7»
وكاسف البال بالى الصبر جدت له ... بوابل من وبال الخزى متّصل «8»
فؤاده من سعير الغيظ فى غلل ... وعينه من غزير الدمع فى غلل «9»
(18/354)

قد أسعرت منه صدرا غير مصطبر ... وحمّلت منه قلبا غير محتمل «1»
ويوم مكة إذ أشرفت فى أمم ... يضيق عنها فجاج الوعر والسّهل «2»
خوافق ضاق ذرع الخافقين بها ... فى قاتم من عجاج الخيل والإبل «3»
وجحفل قذف الأرجاء ذى لجب ... عرمرم كزهاء الليل منسدل «4»
وأنت- صلى عليك الله- تقدمهم ... فى بهو إشراق نور منك مكتمل «5»
ينير فوق أغرّ الوجه منتجب ... متوّج بعزيز النصر مقتبل «6»
تسمو أمام جنود الله مرتديا ... ثوب الوقار لأمر الله ممتثل
خشعت تحت لواء العزّحين سمت ... بك المهابة فعل الخاضع الوجل «7»
وقد تباشر أملاك السماء بما ... ملّكت إذ نلب منه غاية الأمل
والأرض ترجف من زهو ومن فرق ... والجوّ يزهر إشراقا من الجذل «8»
والخيل تختال ميلا فى أعنّتها ... والعيس تنثال رهوا من ثنى الجدل «9»
(18/355)

لولا الذى خطّت الأقلام من قدر ... وسابق من قضاء غير ذى حول
أهلّ ثهلان بالتهليل من طرب ... وذاب يذبل تكبيرا من الذّبل «1»
الملك لله هذا عزّ من عقدت ... له النبوّة فوق العرش فى الأزل
شعبت صدع قريش بعد ما قذفت ... بهم شعوب شعاب السّهل والقلل «2»
من كل مهتصر لله منتصر ... بالسيف مختصر بالرّمح معتقل «3»
يمشى إلى الموت عالى الكعب معتقلا ... أظمى الكعوب كمشى الكاعب الفضل «4»
قد قاتلوا دونك الأقيال عن جلد ... وجالدوا بجلاء البيض والجدل «5»
وصلتهم وقطعت الأقربين معا ... فى الله لولاه لم تقطع ولم تصل
وجاء جبريل فى جند لهم عدد ... لم يبتذلها أكفّ الخلق بالعمل
بيض من العون لم تستلّ من عمد ... خيل من الكون لم تستنّ فى طيل «6»
(18/356)

أزكى البرية أخلاقا وأطهرها ... وأكثر الناس صفحا عن ذوى الزّلل
زان الخشوع وقار منه فى خفر ... أرقّ من خفر العذراء فى الكلل «1»
وطفت فى البيت محبورا وطاف به ... من كان عنه قبيل الفتح فى شغل
والكفر فى ظلمات الرّجس مرتكس ... ثاو بمنزلة البهموت من زحل «2»
حجزت بالأمن أقطار الحجاز معا ... وملت بالخوف عن خيف وعن ملل «3»
وحلّ أمن ويمن منك فى يمن ... لما أجابت إلى الإيمان فى عجل
وأصبح الدين قد حفّت جوانبه ... بعزة النصر واستعلى على الملل «4»
قد طاع منحرف منهم لمعترف ... وانقاد منعدل منهم لمعتدل
أحبب بخلّة أهل الحقّ فى الخلل ... وعزّ دولته الغرّاء فى الدول
أمّ اليمامة يوم منه مصطلم ... وحلّ بالشام شؤم غير مرتحل «5»
تعرّقت منه أعراق العراق ولم ... يترك من التّرك عظما غير منتثل «6»
(18/357)

لم يبق للفرس ليث غير مفترس ... ولا من الحبش جيش غير منجفل «1»
ولا من الصّين صون غير مبتذل ... ولا من الروم مرمى غير منتضل «2»
ولا من النّوب جذم غير منجذم ... ولا من الزّنج جذل غير منجذل «3»
ونيل بالسّيف سيف النّيل واتصلت ... دعوى الجنود فكلّ بالجلاد صلّى «4»
وسلّ بالغرب غرب السيف إذ شرقت ... بالشرق قبل صدور البيض والأسل «5»
وعاد كل عدوّ عزّ جانبه ... قد عاذ منك ببذل منه مبتذل «6»
بذمّة الله والإيمان متّصل ... أو من شبا النّصل بالأموال منتصل «7»
يا صفوة الله قد صافيت فيك صفا ... صفو الوداد بلا شوب ولا دخل «8»
ألست أكرم من يمشى على قدم ... من البرية فوق السهل والجبل
وأزلف الحلق عند الله منزلة ... إذ قيل فى مشهد الأشهاد والرسل
قم يا محمد فاشفع فى العباد وقل ... تسمع وسل تعط واشفع عائدا وسل
والكوثر الحوض يروى الناس من ظمأ ... برح وينقع منه لاعج الغلل «9»
(18/358)

أصفى من الثلج إشراقا مذاقته ... أحلى من اللبن المضروب بالعسل
نحلتك الودّ علىّ إذ نحلتكه ... أحبى بفضلك منه أفضل النّحل «1»
فما لجلدى بنضج النار من جلد ... ولا لقلبى بهول الحشر من قبل
يا خالق الخلق لا تخلق بما اجترمت ... يداى وجهى من حوب ومن زلل «2»
واصحب وصلّ وواصل كلّ صالحة ... على صفيّك فى الإصباح والأصل
صلّى الله عليه وسلّم وقد آن أن نأخذ فى ذكر أخبار وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ونبدأ من ذلك بما أنزل عليه عند اقتراب أجله، ثم نذكر ابتداء وجعه والحوادث التى انفقت فى أثناء مرضه إلى حين وفاته صلّى الله عليه وسلّم.
ذكر ما أنزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند اقتراب أجله، وما كان يقوله مما استدل به على اقترابه
كان مما استدل به على اقتراب أجل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، نزول سورة الفتح، وتتابع الوحى، وتكرار عرض القرآن على جبريل، واستغفار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأهل البقيع والشهداء. روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه سأل عن قول الله عز وجل: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً
«3» فقال بعض أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا الله وفتح علينا. وقال بعضهم: فتح المدائن والقصور. وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، قال عمر: كذاك تقول يابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو
(18/359)

أجل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أعلمه له؛ قال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
وذاك علامة أجلك فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً
«1» فقال عمر رضى الله عنه: ما أعلم منها إلا ما تقول. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: ما صلّى النبى صلّى الله عليه وسلّم صلاة بعد أن نزلت عليه: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
إلا يقول فيها: «سبحانك ربّنا وبحمدك اللهم اغفرلى» . وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
داع من الله ووداع من الدنيا.
وعنه رضى الله عنه قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلم فاطمة فقال: «إنه نعيت إلىّ نفسى» قالت: فبكيت، فقال: «لا تبكى فإنك أوّل أهلى بى لحوقا» فضحكت. وروى محمد بن سعد بسنده إلى أنس بن مالك: أن الله تبارك وتعالى تابع الوحى على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل وفاته حتى توفّى، وأكثر ما كان الوحى فى يوم توفّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وروى ابن سعد أيضا بسنده إلى عكرمة قال قال العباس:
لأعلمنّ بقاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فينا، فقال له: يا رسول الله، لو اتخذت عرشا فإن الناس قد آذوك، قال: «والله لا أزال بين ظهرانيهم ينازعونى رداتى ويصيبنى غبارهم حتى يكون الله يريحنى منهم» قال العباس: فعرفنا أن بقاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم فينا قليل. وعن واثلة بن الأسقع قال: خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال: «أتزعمون أنى من آخركم وفاة، ألا وإنى من أوّلكم وفاة، وتتبعونى أفنادا «2» يهلك بعضكم بعضا» . وعن أبى صالح قال: كان جبريل يعرض القرآن كل سنة مرة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما كان العام الذى
(18/360)

قبض فيه عرضه عليه مرتين. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يعتكف فى شهر رمضان العشر الأواخر، فلما كانت السنة التى قبض فيها اعتكف عشرين يوما.
وعن عائشة وابن عباس رضى الله عنهم نحوه.
ذكر استغفار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأهل بقيع الغرقد «1» والشّهداء، وما روى من تخييره بين البقاء ولقاء الله تعالى، واختياره لقاء ربه عز وجل
روى عن عائشة رضى الله عنها قالت: قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات ليلة فلبس ثيابه ثم خرج، فأمرت جاريتى بريرة فتبعته، حتى إذا جاء البقيع وقف فى أدناه ما شاء الله أن يقف، ثم انصرف فسبقته بريرة فأخبرتنى فلم أذكر له شيئا حتى أصبح، ثم ذكرت ذلك له فقال: «إنى بعثت لأهل البقيع لأصلى عليهم» . وعنها رضى الله عنها قالت: افتقدت النبىّ صلّى الله عليه وسلّم من الليل فتبعته فإذا هو البقيع فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم لنا فرط،»
وإنابكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم» قالت: ثم التفت إلىّ فقال:
«ويحها لو تستطيع ما فعلت» . وعنها رضى الله عنها قالت: وثب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مضجعه من جوف الليل، فقلت: إلى أين بأبى أنت وأمى يا رسول الله؟ قال: «أمرت أن أستغفر لأهل البقيع» قالت: فخرج وخرج معه مولاه أبو رافع، وكان أبو رافع يحدّث قال: استغفر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لهم طويلا ثم انصرف، وجعل يقول: «يا أبا رافع إنى خيّرت بين خزائن
(18/361)

الدنيا والخلد ثم الجنة وبين لقاء ربى والجنة فاخترت لقاء ربى» . وعن أبى مويهبة مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال قال لى رسول الله صلّى الله عليه وسلم من جوف الليل: «يا أبا مويهبة إنى قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معى» فخرج وخرجت معه حتى جاء البقيع فاستغفر لأهله طويلا، ثم قال: «ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضا، يتبع آخرها أوّلها، الآخرة شر من الأولى» ثم أقبل علىّ فقال: «يا أبا مويهبة إنى قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربى والجنة» فقلت: بأبى أنت وأمى، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فقال: «لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربى والجنة» ثم استغفر لأهل البقيع وانصرف. والجمع بين هذه الأحاديث كلها غير مناف؛ لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ربما استغفر لأهل البقيع ليالى، ويؤيد هذا ويعضده ما رواه عطاء بن يسار عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كلما كانت ليلتها منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أتانا وإياكم ما توعدون، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» . وعن عطاء بن يسار أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أتى فقيل له:
اذهب فصلّ على أهل البقيع، ففعل ذلك ثم رجع فرقد، فقيل له اذهب فصلّ على الشهداء، فذهب إلى أحد فصلى على قتلى أحد، فرجع معصوب الرأس، فكان بدوّ الوجع الذى مات فيه صلّى الله عليه وسلّم.
وعن عقبة بن عامر الجهنىّ: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودّع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: «إنى بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد، وإنّ موعدكم الحوض، وإنى لأنظر إليه وأنا فى مقامى هذا، وإنى لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنانسوها» .
(18/362)

ذكر ابتداء وجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واستئذانه نساء أن يمرض فى بيت عائشة رضى الله عنها
كان ابتداء وجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى يوم الأربعاء، قيل: لإحدى عشرة بقيت من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة. وقيل: لليلة بقيت من صفر.
روى عن ابن شهاب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود- دخل حديث أحدهما فى حديث الآخر- عن عائشة رضى الله عنها قالت: بدا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم شكوة الذى توفّى فيه وهو فى بيت ميمونة، فخرج فى يومه ذلك حتى دخل علىّ، قال ابن مسعود عنها: رجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من البقيع فوجدنى وأنا أجد صداعا فى رأسى، وأنا أقول: وارأساه، فقال: «بل أنا يا عائشة وارأساه» قالت ثم قال، «وما ضرّك لو متّ قبلى فقمت عليك وكفّنتك وصليت عليك ودفنتك» قالت قلت: والله لكأنى بك لو قد فعلت ذلك لرجعت إلى بيتى فأعرست فيه ببعض نسائك. قالت: فتبسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وتتامّ «1» به وجعه وهو يدور على نسائه، حتى استعزّ «2» به وهو فى بيت ميمونة، فدعا نساءه فاستأذنهن أن يمرّض فى بيتى فأذنّ له، قالت: فخرج يمشى بين رجلين من أهله، أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر، عاصب رأسه تخطّ قدماه حتى دخل بيتى، قال عبيد الله: فحدثت بهذا الحديث عبد الله بن عباس فقال: هل تدرى من الرجل الآخر؟ قال قلت: لا، قال: على بن أبى طالب قالت عائشة: ثم غمر «3» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، واشتدّ به وجعه، فقال:
(18/363)

«هريقوا علىّ من سبع قرب من آبار شتّى» وفى رواية: «لم تحلل أو كيتهنّ «1» لعلى أعهد إلى الناس» قالت: فأجلسناه فى مخضب «2» لحفصة بنت عمر، ثم طفقنا نصبّ عليه من تلك القرب حتى جعل يشير إلينا بيده أن قد فعلتنّ، ثم خرج إلى الناس وصلّى بهم وخطبهم صلّى الله عليه وسلّم.
ذكر خطبة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وما أمر به من سدّ الأبواب التى تشرع إلى مسجده إلا باب أبى بكر الصديق ووصيته بالأنصار
روى عن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه، قال: خطب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «إن الله خيّر عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله» فبكى أبو بكر فقلت فى نفسى: ما يبكى هذا الشيخ أن يكون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخبرنا عن عبد خيّر فاختار؟ قال: وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا به، قال فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا أبا بكر لا تبك، أيها الناس، إنّ أمنّ الناس علىّ فى صحبته وما له أبو بكر، ولو كنت متخذا من الناس خليلا كان أبو بكر، ولكن أخوّة الإسلام ومودّته، لا يبقين فى المسجد باب إلا سدّ إلا باب أبى بكر» . وعن قتيبة بن سعيد عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد؛ أن النبى صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن أعظم الناس علىّ منّا فى صحبته وذات يده أبو بكر، فأغلقوا هذه الأبواب الشارعة كلها فى المسجد إلا باب أبى بكر» قال قتيبة: قال الليث بن سعد، قال معاوية ابن صالح، فقال ناس: أغلق أبوابنا وترك باب خليله، فقال رسول الله صلّى الله
(18/364)

عليه وسلّم: «قد بلغنى الذى قلتم فى باب أبى بكر، وإنى أرى على باب أبى بكر نورا، وأرى على أبوابكم ظلمة» رواه محمد بن سعد فى طبقاته الكبرى. وروى بسنده إلى عكرمة عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى مرضه الذى مات فيه عاصبا رأسه فى خرقة، فقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال:
«إنه ليس أحد أمنّ علىّ فى نفسه وماله من أبى بكر بن أبى قحافة، ولو كنت متّخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلّة الإسلام أفضل، سدّوا عنى كلّ خوخة فى هذا المسجد غير خوخة أبى بكر» وعن أبى الحويرث قال:
لما أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالأبواب تسدّ إلا باب أبى بكر، قال عمر:
يا رسول الله، دعنى أفتح كوّة أنظر إليك حين تخرج إلى الصلاة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا» . وعن أبى البدّاح بن عاصم بن عدىّ، قال قال العباس بن عبد المطلب: يا رسول الله، ما بالك فتحت أبواب رجال إلى المسجد، ومالك سددت أبواب رجال؟ فقال: «يا عباس، ما فتحت عن أمرى ولا سددت عن أمرى» قالت عائشة رضى الله عنها فى حديثها: وأوصى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالأنصار، فقال: «يا معشر المهاجرين، إنكم أصبحتم تزيدون والأنصار لا تزيد على هيئنها [التى هى عليها «1» ] اليوم، هم عيبتى «2» التى أويت إليها، أكرموا كريمهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» . ومن رواية: «احفظونى فيهم؛ اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» .
(18/365)

ذكر ما قاله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأبى بكر الصديق رضى الله عنه، وفيه
روى عن أبى أمامة، عن كعب بن مالك قال: إنّ أحدث عهدى بنبيّكم صلّى الله عليه وسلّم قبل وفاته بخمس، فسمعته [يقول «1» ] ويحرّك كفّه «إنه لم يكن نبىّ قبلى إلا وقد كان له من أمته خليل، ألا وإنّ خليلى أبو بكر، إنّ الله اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» . وعن أبى مليكة قال قال النبى صلّى الله عليه وسلّم فى مرضه الذى مات فيه: «ادعوا إلىّ أبا بكر» فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل يغلبه البكاء، ولكن إن شئت دعونا لك ابن الخطاب، قال: «ادعوا إلىّ أبا بكر» قالت: إن أبا بكر يرقّ، ولكن إن شئت دعونا لك ابن الخطاب. فقال: «إنكنّ صواحب يوسف، ادعوا إلىّ أبا بكر وابنه «2» ، فليكتب «3» أن يطمع فى أمر أبى بكر طامع أو يتمنّى متمنّ «4» » ثم قال:
«يأبى الله ذلك والمؤمنون، يأبى الله ذلك والمؤمنون» قالت عائشة: فأبى الله ذلك والمؤمنون، فأبى الله ذلك والمؤمنون. وروى محمد بن سعد بسنده إلى عروة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والقاسم بن محمد، كلهم يحدّث عن عائشة رضى الله عنها- دخل حديث بعضهم فى حديث بعض- قالت: بدئ برسول الله صلّى الله عليه وسلّم «5» في بيت ميمونة فدخل علىّ وأنا أقول: وارأساه، فقال: «لو كان ذلك وأنا حىّ فأستغفر لك وأدعو لك وأكفّنك وأدفنك» فقلت:
واثكلاه، فو الله إنك لتحبّ موتى، ولو كان ذلك لظلمت يومك معرّسا ببعض
(18/366)

أزواجك. فقال النبى صلّى الله عليه وسلّم: «بل أنا وارأساه لقد هممت- أو أردت- أن أرسل إلى أبيك وإلى أخيك فأفضى أمرى، وأعهد عهدى، فلا يطمع فى الأمر، طامع ولا يقول القائلون: أو يتمنى المتمنون» . وقال بعضهم فى حديثه:
«وبأبى الله إلا أبا بكر» . وعن محمد بن جبير قال: جاء رجل إلى النبى صلّى الله عليه وسلّم يذاكره فى الشىء، فقال: إن جئت فلم أجدك؟ قال: «فأت أبا بكر» .
وعن عاصم بن عمرو بن قتادة، قال: ابتاع النبى صلّى الله عليه وسلّم بعيرا من رجل إلى أجل فقال: يا رسول الله، إن جئت فلم أجدك؟ يعنى بعد الموت، قال: «فأت أبا بكر» ، قال: فإن جئت فلم أجد أبا بكر، بعد الموت؟ قال: «فأت عمر» ، قال: فإن جئت فلم أجد عمر؟ قال: «إن استطعت أن تموت إذا مات عمر فمت» .
ذكر أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبا بكر أن يصلّى
بالناس فى مرضه، وخروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وما كلّم به الناس، وكم صلّى أبو بكر بالناس صلاة، وما روى من أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ائتم بأبى بكر رضى الله عنه عن عائشة رضى الله عنها قالت: لما ثقل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال: «مروا أبا بكر يصلّى بالناس» فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف، وأنه متى ما يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: «مروا أبا بكر يصلى بالناس» فقلت لحفصة: قولى له إن أبا بكر رجل أسيف، وأنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال:
«إنكنّ لأتنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر يصلى بالناس» فلما دخل أبو بكر
(18/367)

فى الصلاة وجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى نفسه خفة فقام يهادى «1» بين رجلين، ورجلاه تخطّان فى الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسّه ذهب أبو بكر يتأخّر، فأوما إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فجاء النبى صلّى الله عليه وسلّم حتى جلس عن يسار أبى بكر، فكان أبو بكر يصلى قائما، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصلى قاعدا؛ يقتدى أبو بكر بصلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والناس يقتدون بصلاة أبى بكر. رواه البخارى فى صحيحه. وروى محمد ابن سعد بسنده عن عبيد بن عمير الليثى نحوه. وقال: فلما فرغا من الصلاة قال أبو بكر: أى رسول الله، أراك أصبحت بحمد الله صالحا، وهذا يوم ابنة خارجة- امرأة لأبى بكر من الأنصار- فأذن له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى مصلّاة أو إلى جنب المنبر، فحذّر الناس الفتن، ثم نادى بأعلى صوته، حتى إن صوته ليخرج من باب المسجد، فقال: «إنى والله لا يمسك الناس علىّ بشىء؛ لا أحلّ إلا ما أحلّ الله فى كتابه، ولا أحرّم إلا ما حرّم الله فى كتابه» ثم قال: «يا فاطمة بنت محمد ويا صفية عمة رسول الله اعملا لما عند الله فإنى لا أغنى عنكما من الله شيئا» ثم قام من مجلسه ذلك، فما انتصف النهار حتى قبضه الله تعالى. وعن سعيد بن المسيّب قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا بنى عبد مناف لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا عباس ابن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد لا أغنى عنك من الله شيئا، سلونى ما شئتم» . وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال:
دخلت على عائشة فقلت لها حدّثينى عن مرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قالت: لما ثقل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أصلّى الناس» ؟ فقلت:
(18/368)

لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: «ضعوا لى ماء فى المخضب» قالت:
ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء «1» فأغمى عليه ثم أفاق، فقال: «أصلّى الناس» ؟ فقلت:
لا، هم ينتظرونك، فقال: «ضعوا لى ماء فى المخضب» قالت: ففعلنا فذهب فاغتسل فقال: «أصلّى الناس» ؟ قلت: لا، هم ينتظرونك، والناس عكوف فى المسجد ينتظرون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لصلاة العشاء الآخرة، قالت:
فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى أبى بكر بأن يصلى بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأمرك أن تصلّى بالناس، فقال أبو بكر- وكان رجلا رقيقا-: يا عمر، صلّ بالناس، فقال له عمر: أنت أحقّ بذلك، فصلى أبو بكر تلك الأيام. ثم إن النبىّ صلّى الله عليه وسلّم وجد فى نفسه خفّة فخرج بين رجلين أحدهما العباس، فصلى الظهر وأبو بكر يصلّى بالناس، قالت: فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبىّ صلّى الله عليه وسلّم ألّا يتأخر، وقال لهما:
«أجلسانى إلى جنبه» فأجلساه إلى جنب أبى بكر فجعل أبو بكر يصلى، وهو قائم بصلاة النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، والناس يصلون بصلاة أبى بكر، والنبىّ صلّى الله عليه وسلّم قاعد، قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له:
ألا أعرض عليك ما حدّثتنى به عائشة عن مرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟
قال: هات، فعرضت [حديثها «2» ] عليه فما أنكر منه شيئا غير أنه قال: سمّت لك الرجل الذى كان مع العباس؟ قلت: لا، قال: هو علىّ بن أبى طالب.
وروى محمد بن سعد، عن محمد بن عمر، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز، وعبد العزيز بن محمد عن عمارة بن غزيّة عن محمد بن إبراهيم قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو مريض لأبى بكر: «صلّ بالناس» فوجد رسول الله صلّى الله
(18/369)

عليه وسلّم خفّة فخرج وأبو بكر يصلّى بالناس، فلم يشعر حتى وضع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يده بين كتفيه، فنكص أبو بكر، وجلس النبىّ صلّى الله عليه وسلّم عن يمينه، فصلّى أبو بكر وصلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بصلاته، فلما انصرف قال:
«لم يقبض نبىّ قطّ حتى يؤمّه رجل من أمته» . وروى نحوه عن أبى معشر، عن محمد ابن قيس. وعن أمّ سلمة رضى الله عنها أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان فى وجعه إذا خف عنه ما يجد خرج فصلّى بالناس، وإذا وجد ثقله قال: «مروا الناس فليصلّوا» فصلّى بهم ابن أبى قحافة يوما الصبح فصلّى ركعة، ثم خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فجلس إلى جنبه فأتمّ بأبى بكر، فلما قضى أبو بكر الصلاة أتمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما فاته. وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلّى فى مرضه بصلاة أبى بكر ركعة من الصبح ثم قضى الركعة الباقية. قال الواقدى: ورأيت هذا الثّبت عند أصحابنا؛ أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلّى خلف أبى بكر. وروى محمد بن سعد بسنده إلى عبد الله بن زمعة بن الأسود قال:
عدت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى مرضه الذى توفّى فيه، فجاءه بلال يؤذنه بالصلاة، فقال لى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مر الناس فليصلوا» قال عبد الله:
فخرجت فلقيت ناسالا أكلمهم، فلما لقيت عمر بن الخطاب لم أبغ من وراءه، وكان أبو بكر غائبا فقلت له: صلّ بالناس يا عمر، فقام عمر فى المقام وكان عمر رجلا مجهرا، فلما كبّر سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صوته، فأخرج رأسه حتى أطلعه للناس من حجرته، فقال: «لا، لا، لا، ليصل بهم ابن أبى قحافة» قال: يقول ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مغضبا، قال: فانصرف عمر فقال لعبد الله بن زمعة:
يابن أخى أمرك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن تأمرنى؟ قال فقلت: لا، ولكنى لما رأيتك لم أبغ من وراءك، فقال عمر: ما كنت أظنّ حين أمرتنى
(18/370)

إلا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمرك بذلك، ولولا ذلك ما صلّيت بالناس، فقال عبد الله: لمّا لم أر أبا بكر رأيتك أحقّ من حضر بالصلاة. وعن عبد الله ابن عباس قال: حضرت الصلاة فقال النبىّ صلّى الله عليه وسلّم: «مروا أبا بكر يصلّى بالناس» فلما قام أبو بكر مقام النبىّ صلّى الله عليه وسلّم اشتدّ بكاؤه وافتتن، واشتدّ بكاء من خلفه، لفقد نبيهم صلّى الله عليه وسلّم، فلما حضرت الصلاة جاء المؤذّن إلى النبىّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: قولوا للنبىّ صلّى الله عليه وسلّم يأمر رجلا يصلّى بالناس، فإن أبا بكر قد افتتن من البكاء والناس خلفه، فقالت حفصة زوج النبىّ صلّى الله عليه وسلّم: مروا عمر يصلى بالناس حتى يرفع الله رسوله، قال: فذهب إلى عمر فصلّى بالناس، فلما سمع النبىّ صلّى الله عليه وسلّم تكبيره قال: «من هذا الذى أسمع تكبيره» ؟ فقال له أزواجه: عمر بن الخطاب، وذكروا له ما قاله المؤذّن، وما قالت حفصة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«إنكنّ لصواحب يوسف، قولوا لأبى بكر فليصلّ بالناس» قال: فلو لم يستخلفه ما أطاع له الناس. وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه قال: لم يزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى وجعه إذا وجد خفّة خرج، وإذا ثقل وجاءه المؤذّن قال:
«مروا أبا بكر يصلى بالناس» فخرج من عنده يوما الآمر يأمر الناس يصلون وابن أبى قحافة غائب، فصلى عمر بن الخطاب بالناس فلما كبّر قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا، لا، أين ابن أبى قحافة» ؟ قال: فانتقضت الصفوف وانصرف عمر، قال: فما برحنا حتى طلع ابن أبى قحافة وكان بالسّنح «1» فتقدّم فصلّى بالناس. وعن أنس بن مالك: أن أبا بكر- رضى الله عنهما- كان يصلى بهم فى وجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذى توفّى فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين
(18/371)

وهم صفوف فى الصلاة، كشف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ستر الحجرة ينظر إلينا، وهو قائم كأنّ وجهه ورقة مصحف، ثم تبسّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ضاحكا ونحن فى الصلاة من الفرح. قال: ونكص أبو بكر على عقبيه، فأشار إليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «أن أتموا صلاتكم» قال: ثم دخل وأرخى الستر، فتوفّى من يومه صلّى الله عليه وسلّم. وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال سألت أبا بكر بن عبد الله بن أبى سبرة: كم صلّى أبو بكر بالناس؟ قال: صلّى بهم سبع عشرة صلاة، قلت: من حدّثك ذلك؟ قال قال: حدّثنى أيوب بن عبد الرحمن ابن صعصعة، عن عبّاد بن تميم، عن رجل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: صلّى بهم أبو بكر ذلك.
ذكر ما اتفق فى مرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
خلاف ما ذكرناه، من الّلدود الذى لدّ به، والكتاب الذى أراد أن يكتبه، والوصية التى أمر بها، والدنا نير التى قسمها، والسواك الذى استنّ به صلّى الله عليه وسلّم.
فأمّا الّلدود «1» الذى لدّ به صلّى الله عليه وسلّم وما قال فيه- روى عن أمّ سلمة رضى الله عنها قالت: تخوّفنا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات «2» الجنب وثقل فلددناه، فوجد خشونة اللّدّ فأفاق، فقال: «ما صنعتم بى» ؟ قالوا: لددناك، قال: «بماذا» ؟ قلنا: بالعود الهندى، وشىء من ورس وقطرات زيت، فقال:
«من أمركم بهذا» ؟ قالوا: أسماء بنت عميس، قال: «هذا طبّ أصابته بأرض الحبشة، لا يبقى أحد فى البيت إلا التدّ إلا ما كان من عمّ رسول الله
(18/372)

صلى الله عليه وسلّم» يعنى العباس، ثم قال: «ما الذى كنتم تخافون علىّ» ؟ قالوا:
ذات الجنب، قال: «ما كان الله ليسلطها علىّ» . وفى رواية عن أمّ بشر بن البراء؛ قال: «ما كان الله ليسلطها على رسوله، إنها همزة من الشيطان، ولكنها من الأكلة التى أكلتها أنا وابنك، هذا أوان قطعت أبهرى» «1» . ومن حديث عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: فجعل بعضهم يلدّ بعضا. وعن هشام «2» قال:
كانت أمّ سلمة وأسماء بنت عميس هما لدّتاه، قال: فالتدّت يومئذ ميمونة وهى صائمة؛ لقسم النبى صلّى الله عليه وسلّم، قال: وكان منه عقوبة لهم.
وأما الكتاب الذى أراد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يكتبه ثم تركه لما وقع عنده من التازع
فقد اختلفت الروايات فى هذا الحديث عن عبد الله بن عباس وغيره، فمن رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهم أنه قال: اشتكى النبى صلّى الله عليه وسلّم يوم الخميس فجعل- يعنى ابن عباس- يبكى ويقول: يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتد بالنبى صلّى الله عليه وسلّم وجعه فقال: «ايتونى بدواة وصحيفة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا «3» بعده أبدا» قال فقال بعض من كان عنده:
إنّ نبىّ الله هجر «4» ، قال فقيل له: ألا نأتيك بما طلبت؟ قال: «أو بعد ماذا» ؟
فلم يدع به. ومن طريق آخر عن سليمان «5» بن أبى مسلم عن سعيد بن جبير قال:
فتنازعوا ولا ينبغى عند نبىّ تنازع. فقالوا: ما شأنه أهجر؟ استفهموه، فذهبوا
(18/373)

يعيدون عليه. فقال: «دعونى فالذى أنا فيه خير مما تدعوننى إليه» . قال:
وأوصى بثلاث، قال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم» وسكت عن الثلاثة، فلا أدرى قالها «1» فنسيتها، أو سكت عنها عمدا؟. ومن رواية طلحة بن مصرّف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ايتونى بالكتف والدّواة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا» . قال فقالوا: إنما يهجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. هذه الروايات عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما. وروى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: لما حضرت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الوفاة، وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هلّم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده» فقال عمر: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومنهم من يقول ما قال عمر؛ فلما كثر اللّغط والاختلاف وغمر «2» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «قوموا عنى» . قال عبيد الله:
فكان ابن عباس يقول: إن الرّزيّة كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم. وعن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال فى مرضه: «ايتونى بدواة وصحيفة أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا» . فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: من لفلانة وفلانة- من مدائن الروم- إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لن يموت حتى يفتتحها، ولو مات لانتظرناه كما انتظرت بنو إسرائيل موسى؛
(18/374)

فقالت زينب زوج النبىّ صلّى الله عليه وسلّم: ألا تسمعون للنبىّ صلّى الله عليه وسلّم يعهد إليكم؟ فلغطوا فقال: «قوموا» فلما قاموا قبض النبىّ صلّى الله عليه وسلّم مكانه. وعن جابر بن عبد الله الأنصارى قال: لما كان فى مرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذى توفّى فيه، دعا بصحيفة ليكتب فيها لأمته كتابا لا يضلون ولا يضلّون، فكان فى البيت لغط وكلام، وتكلم عمر بن الخطاب، قال: فرفضه النبىّ صلّى الله عليه وسلّم.
وعن محمد بن عمر الواقدىّ عن هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال: كنا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وبيننا وبين النساء حجاب، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«اغسلونى بسبع قرب وأتونى بصحيفة ودواة أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا» فقال النسوة: ايتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بحاجته. قال عمر فقلت:
اسكتن فإنكن صواحبه إذا مرض عصرتنّ أعينكنّ، وإذا صح أخذتن بعنقه.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هنّ خير منكم» .
هذا ما وقفنا عليه من الروايات المسندة فى هذا الحديث، وقد تذرّعت به طائفة من الروافض، وتكلموا فيه وطعنوا على من لغط عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى امتنع من الكتابة.
وقد تكلم القاضى أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض رحمه الله على هذا الحديث، وذكر أقوال العلماء وما أبدوه من الاعتذار عن عمر رضى الله عنه فيما قال، فقال رحمه الله تعالى، قال أتمنا فى هذا الحديث: النبىّ صلّى الله عليه وسلّم غير معصوم من الأمراض، وما يكون من عوارضها من شدّة وجع وغشى ونحوه، مما يطرأ على جسمه، معصوم أن يكون منه من القول أثناء ذلك
(18/375)

ما يطعن فى معجزته، ويؤدّى إلى فساد فى شريعته، من هذيان أو اختلال فى كلام، وعلى هذا لا يصح ظاهر رواية من روى فى الحديث «هجر» إذ معناه هذى يقال:
هجر هجر إذا أفحش، وأهجر تعدية هجر، وإنما الأصح والأولى «أهجر» ؟ على طريق الإنكار على من قال لا نكتب، قال: وهكذا روايتنا فيه فى صحيح البخارى من رواية جميع الرواة فى حديث الزهرى ومحمد بن سلّام عن ابن عيينة، قال: وكذا ضبطه الأصيلى بخطه فى كتابه وغيره من هذه الطرق، وكذا رويناه عن مسلم فى حديث سفيان وعن غيره، قال: وقد تحمل عليه رواية من رواه هجر على حذف ألف الاستفهام، والتقدير: أهجر؟ أو أن يحمل قول القائل: «هجر» أو أهجر دهشة من قائل ذلك وحيرة؛ لعظيم ما شاهد من حال الرسول صلّى الله عليه وسلّم وشدّة وجعه، وهول المقام الذى اختلفت فيه عليه، والأمر الذى همّ بالكتاب فيه، حتى لم يضبط هذا القائل لفظه وأجرى الهجر مجرى شدّة الوجع؛ لأنه اعتقد أنه يجوز عليه الهجر، كما حملهم الإشفاق على حراسته، والله تعالى يقول: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
ونحو هذا. وأما على رواية: «أهجرا» ، وهى رواية أبى إسحاق المستملى فى الصحيح، فى حديث ابن جبير، عن ابن عباس من رواية قتيبة، فقد يكون هذا راجعا إلى المختلفين عنده صلّى الله عليه وسلّم، ومخاطبة لهم من بعضهم، أى جئتم باختلافكم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبين يديه هجرا ومنكرا من القول! والهجر بضم الهاء الفحش فى المنطق.
وقد اختلف العلماء فى معنى هذا الحديث، وكيف اختلفوا بعد أمره لهم عليه السلام أن يأتوه بالكتاب، فقال بعضهم: أوامر النبىّ صلّى الله عليه وسلّم يفهم إيجابها من ندبها من إباحتها بقرائن، فلعل قد ظهر من قرائن قوله صلّى الله عليه وسلّم لبعضهم ما فهموا أنه لم يكن منه عزمة، بل أمر ردّه إلى اختيارهم، وبعضهم
(18/376)

لم يفهم ذلك، فقال: استفهموه، فلما اختلفوا كفّ عنه إذ لم تكن عزمة، ولما رأوه من صواب رأى عمر رضى الله عنه. ثم هؤلاء قالوا: ويكون امتناع عمر إمّا إشفاقا على النبىّ صلّى الله عليه وسلّم من تكليفه فى تلك الحال، وإما إملاء الكتاب، وأن يدخل عليه مشقة من ذلك كما قال: إنّ النبىّ اشتدّ به الوجع.
وقيل: خشى عمر أن يكتب أمورا يعجزون عنها فيحصلون «1» في الحرج بالمخالفة، ورأى أن الأرفق بالأمة فى تلك الأمور سعة الاجتهاد، وحكم النّظر، وطلب الصواب، فيكون المصيب والمخطئ مأجورا، وقد علم عمر تقرر الشرع وتأسيس الملّة، وأن الله تعالى قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
«2» وقوله صلّى الله عليه وسلّم:
«أوصيكم بكتاب الله وعترتى» . وقول عمر: حسبنا كتاب الله، ردّ على من نازعه، لا على أمر النبى صلّى الله عليه وسلّم. وقد قيل: إن عمر خشى تطرّق المنافقين، ومن فى قلبه مرض لما كتب فى ذلك الكتاب فى الخلوة، وأن يتقوّلوا فى ذلك الأقاويل كادّعاء الرافضة الوصية وغير ذلك. وقيل: إنه كان من النبى صلّى الله عليه وسلّم على طريق المشورة والاختبار، هل يتفقون على ذلك أم يختلفون، فلما اختلفوا تركه. وقالت طائفة أخرى: إن معنى الحديث أن النبى صلّى الله عليه وسلّم كان مجيبا فى هذا الكتاب لما طلب منه لا أنه ابتداء بالأمر به، بل اقتضاه منه بعض أصحابه، فأجاب رغبتهم وكره ذلك غيرهم للعلل التى ذكرناها، واستدل فى مثل هذه القضية بقول العباس لعلىّ: انطلق بنا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإذا كان الأمر فينا علمناه، وكراهة علىّ هذا وقوله: «والله لا أفعل» الحديث.
واستدل بقوله: «دعونى فإن الذى أنا فيه «3» خير» أى الذى أنا فيه خير من إرسال
(18/377)

الأمر وترككم، وكتاب الله «1» . وأن تدعونى مما طلبتم. وذكر أن الذى طلب كتابه «2» فى أمر الخلافة بعده وتعيين ذلك. هذا ما أورده فى معنى هذا الحديث.
والله تعالى أعلم.
وأمّا ما وصّى به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى مرضه الذى مات فيه
فقد روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: كان عامة وصية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين حضره الموت «الصلاة، وما ملكت أيمانكم» ، حتى جعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يغر غربها فى صدره، وما يكاد يفيض بها لسانه.
وعن أمّ سلمة نحوه. وعن كعب بن مالك قال: أغمى على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ساعة ثم أفاق، فقال: «الله الله فيما ملكت أيمانكم، ألبسوا ظهورهم، وأشبعوا بطونهم، وألينوا لهم القول» . وعن الزهرىّ عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم آخر عهده أوصى ألا يترك بأرض العرب دينان. وعن مالك بن أنس عن إسمعيل بن أبى حكيم، عن عمر بن عبد العزيز قال: آخر ما تكلم به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقينّ دينان بأرض العرب» . وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه كان آخر ما عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أوصى بالرّهاويين الذين هم من أهل الرّهاء، قال: وأعطاهم من خيبر وجعل يقول:
«لئن بقيت لا أدع بجزيرة العرب دينين» . وعن علىّ بن عبد الله بن عباس رضى الله عنهم أنه قال: أوصى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالداريّين وبالرّهاويّين
(18/378)

وبالدّوسيين خيرا. وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل موته بثلاث وهو يقول: «ألا لا يموت أحد منكم إلا وهو يحسن بالله الظنّ» . وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: نعى لنا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر، بأبى هو وأمّى ونفسى له الفداء، فلما دنا الفراق جمعنا فى بيت أمّنا عائشة وتشدد لنا فقال: «مرحبا بكم، حيّاكم «1» الله بالسلام، رحمكم الله، حفظكم الله، جبركم الله، رزقكم الله، رفعكم الله، نفعكم الله، آداكم الله»
وقاكم الله، أوصيكم بتقوى الله وأوصى الله بكم؛ وأستخلفه عليكم، وأحذركم الله إنى لكم منه نذير مبين ألّا تعلوا على الله فى عباده وبلاده فإنه قال لى ولكم: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
«3» . وقال: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ
«4» قلنا: يا رسول الله متى أجلك؟ قال: «دنا الفراق، والمنقلب إلى الله، وإلى جنة المأوى، وإلى سدرة المنتهى، وإلى الرفيق الأعلى والكأس الأوفى والحظ والعيش المهنّى» قلنا: يا رسول الله من يغسلك؟ قال: «رجال من أهلى الأدنى «5» فالأدنى» قلنا: يا رسول الله ففيم نكفّنك؟ قال: «فى ثيابى هذه إن شئتم أو فى ثياب مصر أو فى حلّة يمانية» قال قلنا: يا رسول الله، من يصلّى عليك؟
وبكينا وبكى، فقال: «مهلا رحمكم الله وجزاكم عن نبيكم خيرا، إذا أنتم غسلتمونى وكفنتمونى فضعونى على سريرى هذا على شفة قبرى فى بيتى هذا، ثم اخرجوا عنى ساعة، فإن أول من يصلى علىّ حبيبى وخليلى جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت معه جنوده من الملائكة بأجمعهم، ثم ادخلوا علىّ فوجا فوجا، فصلوا
(18/379)

علىّ وسلموا تسليما، ولا تؤذونى بتزكية ولا برنّة، وليبدأ بالصلاة علىّ رجال «1» من أهلى ثم نساؤهم ثم أنتم بعد، وأقرئوا السلام على من غاب من أصحابى، وأقرئوا السلام على من يتبعنى على دينى من قومى إلى يوم القيامة» . قلنا: يا رسول الله، فمن يدخلك قبرك؟ قال: «أهلى مع ملائكة كثيرة يرونكم من حيث لا ترونهم» .
وأما الدّنانير التى قسمها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى مرضه الذى مات فيه
فقد روى عن عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها قالت: أصاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دنانير فقسمها إلا ستة، فدفع الستة إلى بعض نسائه، فلم يأخذه النوم حتى قال: «ما فعلت الستة» ؟ قالوا: دفعتها إلى فلانة، قال: «ايتونى بها» فقسم منها خمسة فى خمسة أبيات من الأنصار، ثم قال: «استنفقوا هذا الباقى» وقال: «الآن استرحت» فرقد. وعن المطلب بن عبد الله أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لعائشة، وهى مسندته إلى صدرها: «يا عائشة ما فعلت تلك «2» الذهب» ؟ قالت: هى عندى، قال: «فأنفقيها» ثم غشى على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو على صدرها، فلما أفاق قال: «هل أنفقت تلك الذهب يا عائشة» ؟ قالت: لا والله يا رسول الله، قالت: فدعا بها فوضعها فى كفّه، فعدّها فإذا هى ستة دنانير، فقال: «ما ظنّ محمد بربه أن لو لقى الله وهذه عنده» ! فأنفقها كلها، ومات من ذلك اليوم.
(18/380)

وأما السّواك الذى استنّ به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند موته
فقد روى عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت: دخل عبد الرحمن بن أبى بكر على النبى صلّى الله عليه وسلّم فى شكواه، وأنا مسندته إلى صدرى، وفى يد عبد الرحمن سواك فأمرها أن تقضمه، فقضمته ثم أعطته رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. ومن حديث آخر عنها قالت: فنظر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليه وهو فى يده نظرا عرفت أنه يريده، فقلت: يا رسول الله، تريد أن أعطيك هذا السّواك؟ فقال: «نعم» فأخذته فمضغته حتى ليّنته ثم أعطيته إياه، فاستنّ به كأشدّ ما رأيته استنّ بسواك قبله ثم وضعه، فكانت عائشة تقول: كان من نعمة الله علىّ وحسن بلائه عندى، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مات فى بيتى، وفى يومى وبين سحرى «1» ونحرى، وجمع بين ريقى وريقه عند الموت. فقال لها القاسم بن محمد: قد عرفنا كل الذى تقولين، فكيف جمع بين ريقك وريقه؟
قالت: دخل عبد الرحمن بن أمّ رومان أخى على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعوده، وفى يده سواك رطب، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مولعا بالسّواك، فرأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يشخص بصره إليه، فقلت: يا عبد الرحمن، اقضم السواك فناولنيه، فمضغته ثم أدخلته فى فى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فتسوّك به، فجمع بين ريقى وريقه.
(18/381)

ذكر تخيير رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين الدنيا والآخرة عند الموت
روى عن عروة بن الزبير عن عائشة رضى الله عنها قالت: كنت سمعت أنه لا يموت نبىّ حتى يخيّر بين الدنيا والآخرة، فأصابت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بحّة شديدة فى مرضه، فسمعته يقول: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً
«1» فظننت أنه خيّر. وعن المطلب بن عبد الله، قال قالت عائشة: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول «ما من نبىّ إلا تقبض نفسه ثم تردّ إليه فيخيّر بين أن تردّ إليه إلى أن يلحق» قالت: فكنت قد حفظت ذلك منه، فإنى لمسندته إلى صدرى فنظرت إليه حتى مالت عنقه، فقلت قد قضى وعرفت الذى قال، فنظرت إليه حتى ارتفع ونظر، قالت: قلت إذا والله لا تختارنا، فقال: «مع الرفيق الأعلى فى الجنة» مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً
. وعن سعيد بن المسيّب وغيره أن عائشة زوج النبى صلّى الله عليه وسلّم قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنه لم يقبض نبىّ حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخيّر» قالت عائشة: فلما نزل برسول «2» الله صلّى الله عليه وسلّم ورأسه على فخذى غشى عليه ساعة، ثم أفاق فأشخص بصره إلى السّقف سقف البيت، ثم قال: «اللهم الرفيق الأعلى» قالت: فقلت الآن لا يختارنا، وعرفت أنه الحديث الذى كان يحدّثنا وهو صحيح، فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وعن أبى بردة بن أبى موسى قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أسندته عائشة إلى صدرها فأفاق، وهى تدعو له بالشفاء فقال: «لا، بل أسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل» .
(18/382)

ذكر ما قاله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند نزول الموت به
روى عن جعفر بن محمد بن أبيه قال: لما نزل بالنبىّ صلّى الله عليه وسلّم الموت دعا بقدح من ماء فجعل يمسح به وجهه، ويقول: «اللهم أعنّى على سكرات الموت» وجعل يقول: «ادن منّى يا جبريل، ادن منّى يا جبريل، ادن منّى يا جبريل» . وعن عبد الله بن عباس وعائشة رضى الله عنهم قالا: لما نزل بالنبىّ صلّى الله عليه وسلّم طفق يلقى خميصته «1» على وجهه، فإذا اغتمّ بها ألقاها عن وجهه ويقول: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
ذكر وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
روى عن محمد بن جعفر عن أبيه قال: لما بقى من أجل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثلاث نزل عليه جبريل فقال: يا أحمد، إن الله أرسلنى إليك إكراما لك، وتفضيلا لك، وخاصّة لك، يسألك عما هو أعلم به منك، يقول لك: كيف تجدك؟
قال: «أجدنى يا جبريل مغموما، وأجدنى يا جبريل مكروبا» فلما كان فى اليوم الثانى هبط إليه جبريل فقال له مثل ذلك، وأجابه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمثل ما أجابه به بالأمس، فلما كان اليوم الثالث نزل إليه جبريل، وهبط معه ملك الموت، ونزل معه ملك يقال له إسمعيل، يسكن الهواء لم يصعد إلى السماء قطّ ولم يهبط إلى الأرض منذ يوم كانت الأرض على سبعين ألف ملك، ليس منهم ملك إلا على سبعين ألف ملك، فسبقهم جبريل، فقال: يا أحمد، إن الله أرسلنى إليك إكراما لك، وتفضيلا لك، وخاصّة لك، يسألك عما هو أعلم به منك، يقول لك: كيف
(18/383)

تجدك؟ قال: «أجدنى يا جبريل مغموما، وأجدنى يا جبريل مكروبا» ثم استأذن ملك الموت فقال جبريل: يا أحمد، هذا ملك الموت يستأذن عليك، ولم يستأذن على آدمىّ كان قبلك، ولا يستأذن على آدمىّ بعدك، قال: «ائذن له» فدخل ملك الموت فوقف بين يدى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «يا رسول الله، يا أحمد، إن الله أرسلنى إليك وأمرنى أن أطيعك فى كل ما تأمرنى به، إن أمرتنى أن أقبض نفسك قبضتها، وإن أمرتنى أن أتركها تركتها، قال: «وتفعل يا ملك الموت» ؟ قال: بذلك أمرت أن أطيعك فى كل ما أمرتنى، فقال جبريل:
يا أحمد، إن الله قد اشتاق إليك، قال: «فامض يا ملك الموت لما أمرت به» قال جبريل: السلام عليك يا رسول الله، هذا آخر موطئى الأرض إنما كنت حاجتى من الدنيا، فتوفى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وجاءت التعزية يسمعون الصوت والحسّ، ولا يرون الشخص: السلام عليكم يأهل البيت ورحمة الله وبركاته «كلّ نفس ذائقة الموت وإنّما توفّون أجوركم يوم القيامة» إن فى الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، إنما المصاب من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكانت وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كما جاء فى الأحاديث الصحيحة فى حجر عائشة وبين سحرها ونحرها. وقد قيل: إنه توفّى فى حجر علىّ، والصحيح الأوّل.
وذلك فى يوم الاثنين حين اشتدّ «1» الضّحى، لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل، وقيل: لليلتين خلتا منه. ولما مات صلّى الله عليه وسلّم سجّى بثوب حبرة، كما روى عن عائشة وأبى هريرة رضى الله عنهما، ودخل أبو بكر رضى الله عنه على
(18/384)

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: بأبى وأمى ما أطيب محياك ومماتك. وفى لفظ:
طبت حيا وميتا. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: لما توفّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جاء أبو بكر فدخل عليه فرفعت الحجاب، فكشف الثوب عن وجهه، فاسترجع فقال: مات والله رسول الله، ثم تحوّل من قبل رأسه فقال: وانبياه، ثم حدر فمه فقبّل وجهه ثم رفع رأسه، فقال: واخليلاه، ثم حدر فمه فقبّل جبهته ثم رفع رأسه، فقال: واصفيّاه، ثم حدر فمه فقبّل جبهته، ثم سجّاه بالثوب ثم خرج.
وعن عبد الرحمن بن عوف: أن عائشة أخبرته أن أبا بكر أقبل على فرس من مسكنه بالسّنح «1» حتى نزل، فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمّم «2» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو مسجّى ببرد حبرة فكشف عن وجهه ثم أكبّ عليه يقبّله وبكى، ثم قال: بأبى أنت، والله لا يجمع الله عليك موتتين أبدا، أما الموتة التى كتبت عليك فقد متّها.
ذكر ما تكلم به الناس حين شكّوا فى وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وخطبة أبى بكر رضى الله عنه
روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: لما توفّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكى الناس فقام عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى المسجد خطيبا فقال:
لا أسمعنّ أحدا يقول إن محمدا قد مات، ولكنه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى ابن عمران، فلبث عن قومه أربعين ليلة، وإنى والله لأرجو أن تقطع أيدى رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات. وعن عكرمة قال: لما توفّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: إنما عرج بروحه كما عرج بروح موسى، قال: وقام عمر خطيبا فوعد
(18/385)

المنافقين، وقال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لم يمت، ولكن إنما عرج بروحه كما عرج بروح موسى، لا يموت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى يقطع أيدى أقوام وألسنتهم، قال: فما زال عمر يتكلم حتى أزبد شدقاه، فقال العباس:
إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأسن «1» كما يأسن البشر، وإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد مات فادفنوا صاحبكم، أيميت أحدكم إماتة ويميته إماتتين؟ هو أكرم على الله من ذلك، فإن كان كما تقولون فليس على الله بعزيز أن يبحث عنه التراب فيخرجه إن شاء الله، ما مات حتى ترك السبيل نهجا واضحا، أحلّ الحلال، وحرّم الحرام، ونكح وطلّق، وحارب وسالم، وما كان راعى غنم يتبع بها صاحبها رءوس الجبال، يخبط عليها العضاة «2» بمخبطه ويمدر حوضها بيده، بأنصب ولا أرأب من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان فيكم. وعن عائشة رضى الله عنها قالت:
لما توفّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم استأذن عمر والمغيرة بن شعبة فدخلا عليه فكشفا الثوب عن وجهه فقال عمر: أغشيا؟ ما أشدّ غشى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم! ثم قاما فلما انتهيا إلى الباب، قال المغيرة: يا عمر، مات والله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال عمر: كذبت ما مات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولكنك رجل تحوسك «3» فتنة، ولن يموت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى يفنى المنافقين، ثم جاء أبو بكر وعمر يخطب الناس فقال له أبو بكر: اسكت؛ فسكت، فصعد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
«4» ثم قرأ:
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى
(18/386)

أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
«1» ثم قال:
من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حىّ لا يموت.
فقال عمر: هذا فى كتاب الله؟ قال: نعم، قال: أيها الناس، هذا أبو بكر وذو شيبة المسلمين فبايعوه فبايه الناس. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: دخل أبو بكر المسجد وعمر بن الخطاب يكلّم الناس، فمضى حتى دخل بيت النبىّ صلّى الله عليه وسلم الذى توفّى فيه، وهو بيت عائشة، وكشف عن وجه النبى صلى الله عليه وسلّم برد حبرة، كان مسجّى به فنظر إلى وجهه ثم أكبّ عليه فقبّله، فقال: بأبى أنت؛ والله لا يجمع الله عليك موتتين، لقد متّ الموتة التى لا تموت بعدها، ثم خرج أبو بكر إلى الناس، وعمر يكلمهم فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فكله أبو بكر مرتين أو ثلاثا، فلما أبى عمر أن يجلس قام أبو بكر فتشهد، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فلما قضى أبو بكر تشهده قال: أما بعد؛ فمن كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حىّ لا يموت، قال الله تبارك وتعالى: «ومامحمّد إلّا رسول قد خلت من قبله الرّسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئا وسيجزى الله الشّاكرين» .
قال: فلما تلاها أبو بكر أيقن الناس بموت النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، وتلقاها الناس من أبى بكر حين تلاها أو كثير منهم، حتى قال قائل من الناس:
والله لكأنّ الناس لم يعلموا أن هذه الآية أنزلت حتى تلاها أبو بكر. فزعم سعيد ابن المسيّب أن عمر بن الخطاب قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها فعقرت «2» وأنا قائم حتى خررت إلى الأرض، وأيقنت أن النبى صلّى الله عليه وسلّم قد
(18/387)

مات. وعن الحسن قال: لما قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم انتمر أصحابه فقالوا: تربصوا بنبيكم صلّى الله عليه وسلّم لعله عرج به، قال: فتربصوا به حتى ربا بطنه، فقال أبو بكر: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حىّ لا يموت. وعن القاسم بن محمد بن أبى بكر رضى الله عنه أنه لما شك فى موت النبى صلّى الله عليه وسلّم قال بعضهم: قد مات، وقال بعضهم:
لم يمت، وضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه، وقالت: قد توفّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قد رفع الخاتم من بين كتفيه. وكان من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أخرس عن الكلام لما راعه من موت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فما تكلم إلا بعد الغد، وأقعد آخرون، منهم على بن أبى طالب، ولم يكن فيهم أثبت من أبى بكر والعباس رضى الله عنهما، قالوا: وعزّى الناس بعضهم بعضا برسول الله صلّى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد ذكر ذلك للناس قبل موته، كما روى عن سهل بن سعد؛ قال قال رسول الله صلّى الله وسلّم: «سيعزّى الناس بعضهم بعضا من بعدى التّعزية بى» فكان الناس يقولون ما هذا؟ فلما قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لقى الناس بعضهم بعضا يعزّى بعضهم بعضا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
ذكر غسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومن غسّله، وتكفينه وحنوطه
روى أن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما ذكروا غسله سمعوا من باب الحجرة: لا تغسلوه فإنه طاهر مطهّر، ثم سمعوا صوتا بعده: اغسلوه فإن ذلك إبليس وأنا الخضر، وعزّاهم فقال: إن فى الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا وإياه فآرجوا، فإن المصاب من
(18/388)

حرم الثواب. وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: لما توفّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اختلف الذين يغسلونه، فسمعوا قائلا لا يدرون من هو، يقول:
اغسلوا نبيكم وعليه قميصه، فغسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى قميصه. وعن عبّاد بن عبد الله عن عائشة قالت: لو استقبلت من أمرى ما استدبرت، ما غسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا نساؤه، إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما قبض اختلف أصحابه فى غسله، فقال بعضهم: اغسلوه وعليه ثيابه، فبينما هم كذلك إذ أخذتهم نعسة، فوقع لحى كل إنسان منهم على صدره، فقال قائل منهم لا يدرى من هو: اغسلوه وعليه ثيابه، قالوا: وكان الذى تولى غسل رسول الله صلّى الله عليه وسلم علىّ بن أبى طالب، والفضل بن العباس، وأسامة بن زيد، وكان علىّ يغسله ويقول: بأبى أنت وأمى، طبت ميتا وحيا. وقيل: كان علىّ يغسل النبى صلّى الله عليه وسلّم والفضل وأسامة يحجبانه، وقيل: غسل والعباس قاعد والفضل محتضنه، وعلىّ يغسله، وأسامة يختلف، وقيل: ولى غسله العباس بن عبد المطلب وعلى بن أبى طالب رضى الله عنه، والفضل بن العباس وصالح مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلم. وعن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: أوصى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ألا يغسله أحد غيرى، فإنه «1» «لا يرى أحد عورتى إلا طمست عيناه» . قال علىّ: فكان الفضل وأسامة يناولانى الماء من وراء الستر، وهما معصوبا العين. قال علىّ: فما تناولت عضوا إلا كأنما يقلبه معى ثلاثون رجلا حتى فرغت من غسله. وقيل: كان معهم شقران مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلم. وعن سعيد بن المسيّب قال: غسل النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، وكفّنه أربعة علىّ والعباس والفضل وشقران، وقيل: لم يحضره العباس، بل كان بالباب،
(18/389)

وقال: لم يمنعنى أن أحضر غسله إلا أنى كنت أراه يستحى أن أراه حاسرا. وقيل:
حضره عقيل بن أبى طالب، وأوس بن خولىّ، وذلك أن أوس بن خولىّ قال:
يا علىّ، أنشدك الله فى حظّنا من رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال له علىّ: ادخل، فدخل فجلس، وقيل: إنما دخل لأن الأنصار قالت: نناشدكم الله فى نصيبنا من رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فأدخلوا رجلا منهم يقال له أوس بن خولىّ يحمل جرّة بإحدى يديه. والذى أثبته الشيخ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطى رحمه الله فى مختصر السيرة قال: تولى غسله علىّ والعبّاس والفضل وقثم ابنا العباس وأسامة بن زيد وشقران موليا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: وحضره أوس ابن خولىّ الأنصارىّ. وعن علىّ رضى الله عنه قال: لما أخذنا فى جهاز رسول الله صلّى الله عليه وسلم أغلقنا الباب دون الناس جميعا، فنادت الأنصار نحن أخواله، ومكاننا من الإسلام مكاننا، ونادت قريش نحن عصبته، فصاح أبو بكر: يا معشر المسلمين، كل قوم أحقّ بجنازتهم من غيرهم، فنشدتكم الله فإنكم إن دخلتم أخرتموهم عنه، والله لا يدخل عليه أحد إلا من دعى. وعن أبى جعفر محمد بن على قال: غسل النبى صلّى الله عليه وسلّم ثلاث غسلات بماء وسدر، وغسل فى قميص، وغسل من بئر يقال لها الغرس لسعد بن خيثمة بقباء، وكان يشرب منها وولى [غسل «1» ] سفلته علىّ، والعباس يصبّ الماء، والفضل محتضنه يقول: أرحنى أرحنى، قطعت وتينى! إنى أجد شيئا ينزل علىّ مرتين. وعن عبد الله ابن الحارث: أن عليا غسله، يدخل يده تحت القميص، والفضل يمسك الثوب عليه، والأنصارىّ ينقل الماء وعلى يد علىّ خرقة تدخل يده وعليه القميص. وعن عبد الله بن جعفر الزهرى عن عبد الواحد بن أبى عون، قال قال رسول الله صلّى
(18/390)

الله عليه وسلّم لعلّى فى مرضه الذى توفى فيه: «اغسلنى يا علىّ إذا متّ» فقال:
يا رسول الله، ما غسلت ميتا قط، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنك ستهيّأ، أو تيسّر» قال على: فغسلته فما آخذ عضوا إلا تبعنى، والفضل أخذ بحضنه يقول:
أعجل يا علىّ انقطع ظهرى. وعن سعيد بن المسيّب قال: التمس علىّ من النبى صلّى الله عليه وسلم عند غسله ما يلتمس من الميت فلم يجد شيئا، فقال: بأبى أنت وأمى؛ طبت حيا وميتا. هذا ما لخصناه فى غسله صلّى الله عليه وسلّم مما أورده محمد بن سعد فى طبقاته على سبيل الاختصار وحذف الأسانيد. والله أعلم.
وأما تكفينه صلّى الله عليه وسلّم
فقد اختلف فيه؛ فقيل: كفّن فى ثلاثة أثواب بيض كرسف «1» ، وقيل:
فى ثلاثة أثواب أحدها حبرة، وقيل: فى ريطتين «2» وبرد نجرانىّ «3» . وقيل: فى ثلاثة أثواب برود يمانية غلاظ إزار ورداء ولفافة. وقيل: فى حلّة حمراء وقبطية «4» .
وقيل: فى حلّة يمانية وقميص. وقيل: فى حلّة حبرة وقميص. وقيل: فى سبعة أثواب. والذى ورد فى الصحيح أنه صلّى الله عليه وسلم كفّن فى ثلاثة أثواب بيض سحوليّة من ثياب سحول- بلدة باليمن- ليس فيها قميص ولا عمامة، بل لفائف من غير خياطة. وحنّط رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان فى حنوطه المسك، وأبقى منه علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه شيئا ادّخره لحنوطه إذا مات.
(18/391)

ذكر الصّلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: أول من صلّى على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم العباس بن عبد المطلب، وبنو هاشم، ثم خرجوا، ثم دخل المهاجرون والأنصار، ثم الناس رفقا رفقا «1» ، فلما انقضى الناس دخل عليه الصبيان صفوفا، ثم النساء، وقيل: النساء والصبيان. وذكر البيهقى عن الواقدىّ عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى قال: وجدت هذا فى صحيفة بخط أبى، فيها: لما كفّن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ووضع على سريره، دخل أبو بكر وعمر فقالا: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، ومعهما نفر من المهاجرين والأنصار قدر ما يسع البيت، فسلّموا كما سلم أبو بكر [وعمر «2» ] وصفّوا صفوفا لا يؤمّهم عليه أحد، فقال أبو بكر وعمر وهما فى الصفّ الأول حيال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اللهم إنا نشهد أن قد بلّغ ما أنزل إليه، ونصح لأمته، وجاهد فى سبيل الله حتى أعزّ الله به دينه، وتمّت كلماته، فأومن به وحده لا شريك له، فاجعلنا يا إلهنا ممن يتّبع القول الذى أنزل معه، واجمع بيننا وبينه حتى يعرفنا ونعرّفه «3» بنا فإنه كان بالمؤمنين رءوفا رحيما، لا نبتغى بالإيمان بدلا، ولا نشترى به ثمنا أبدا. فيقول الناس آمين آمين، ثم يخرجون ويدخل آخرون حتى صلّوا عليه: الرجال والنساء ثم الصبيان. وعن عبد الله بن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب عن أبيه عن جده عن علىّ رضى الله عنهم قال: لما وضع رسول الله صلّى الله عليه وسلم على السرير قال علىّ: لا يؤمّ أحد؛ هو إمامكم حيّا وميتا، فكان يدخل الناس رسلا
(18/392)

رسلا «1» ، فيصلّون عليه صفّا صفّا، ليس لهم إمام ويكبّرون، وعلىّ قائم بحيال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: سلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، اللهم إنا نشهد أنه قد بلّغ ما أنزل إليه ونصح لأمته، وجاهد فى سبيل الله حتى أعز الله دينه وتمّت كلمته، اللهم فاجعلنا ممن يتبع ما أنزل إليه، وثبتنا بعده واجمع بيننا وبينه. فيقول الناس: آمين، آمين. وقد قيل فى سبب صلاة الناس عليه أفذاذا:
إنما فعلوا ذلك ليكون كل منهم فى الصلاة أصلا لا تابعا لأحد. وقيل: ليطول وقت الصلاة فيلحق من يأتى من حول المدينة.
ذكر قبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولحده وما فرش تحته ومن فرشه، ومن دخل قبره، ووقت دفنه، ومدّة حياته صلّى الله عليه وسلّم
روى أن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأهل بيته اختلفوا فى مكان دفنه؛ فقال بعضهم: ندفنه فى مصلّاه. وقال بعضهم: عند المنبر. وقال بعضهم:
ادفنوه مع أصحابه بالبقيع. فقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما دفن نبىّ قط إلّا فى المكان الذى توفّى فيه» . وقيل: قال «ما مات نبىّ إلا دفن حيث يقبض» فرفع فراش النبىّ صلّى الله عليه وسلّم الذى توفّى عليه وحفر له تحته، وذلك فى بيت عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها. ثم اختلفوا أيلحد له أم لا؟ وكان فى المدينة حفّاران أحدهما يلحد وهو أبو طلحة، والآخر لا يلحد وهو أبو عبيدة. فاتفقوا على أن من جاء منهما أوّلا عمل عمله «2» ، فجاء الذى يلحد فلحد لرسول الله صلّى الله
(18/393)

عليه وسلّم. وروى عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كان بالمدينة رجلان: أبو عبيدة ابن الجرّاح يضرح حفر أهل مكة، وأبو طلحة الأنصارىّ هو الذى يحفر لأهل المدينة، وكان يلحد. فدعا العباس رجلين فقال لأحدهما: اذهب إلى أبى عبيدة، وقال للآخر: اذهب إلى أبى طلحة، وقال: اللهم خر لرسولك، فوجد صاحب أبى طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد له. وقد روى عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «الّلحد لنا والشّقّ لغيرنا» . وقيل قال: «والشّقّ لأهل الكتاب» .
قيل: وكان صلّى الله عليه وسلّم يرى اللحد فيعجبه فألحد له، وأطبق له تسع لبنات وفرش تحته فى قبره قطيفة حمراء كان يغطّى بها صلّى الله عليه وسلّم نزل بها شقران.
وأما من نزل قبره صلّى الله عليه وسلّم فالعباس بن عبد المطلب، وعلى بن أبى طالب، والفضل وقثم ابنا العباس، وشقران مولاه، وقيل: أدخلوا معهم عبد الرحمن ابن عوف، قيل: وعقيل وأسامة بن زيد، وصالح «1» ، وأوس بن خولىّ. والذى صححه الشيخ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف رحمه الله: العباس وعلىّ والفضل وقثم وشقران. وزعم المغيرة بن شعبة أنه نزل قبر النبى صلّى الله عليه وسلّم، وأنه آخر الناس عهدا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى قبره. روى عن الشعبى قال: كان المغيرة يحدّثنا ها هنا، يعنى [بالكوفة] قال: [أنا «2» ] آخر الناس عهدا بالنبى صلّى الله عليه وسلّم لما دفن وخرج علىّ من القبر ألقيت خاتمى فقلت: يا أبا الحسن خاتمى، قال:
انزل فخذ خاتمك، فنزلت فأخذت خاتمى، ووضعت يدى على اللّبن ثم خرجت.
وعن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: لما وضع رسول الله صلّى الله عليه
(18/394)

وسلّم فى لحده، ألقى المغيرة بن شعبة خاتمة فى القبر، ثم قال: خاتمى، خاتمى! فقالوا:
ادخل فخذه، فدخل ثم قال: أهيلوا علىّ التراب، فأهالوا عليه التراب حتى بلغ أنصاف ساقيه فخرج، فلما سوّى على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: اخرجوا عنى «1» حتى أغلق الباب، فإنّى أحدثكم عهدا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا:
لعمرى لئن كنت أردتها لقد أصبتها. وأنكر على بن عبد الله بن عباس هذا، وقال: كان آخر الناس عهدا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم قثم بن العباس، كان أصغر من كان فى القبر، وكان آخر من صعد. والله أعلم.
وأما وقت دفنه صلّى الله عليه وسلّم ومدة مرضه
فقيل: دفن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة الأربعة، وقيل: ليلة الثلاثاء، وقيل: يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس. والله أعلم. وسنّم «2» قبره ورشّ عليه الماء.
وكانت مدّة مرضه اثنى عشر يوما. وقيل: أربعة عشر يوما. وكان مرضه بالصّداع صلّى الله عليه وسلّم.
وأما سنّه صلّى الله عليه وسلّم
ومدّة مقامه بالمدينة من حين هجرته إلى يوم وفاته صلّى الله عليه وسلّم فقد روى أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم توفى، وقد بلغ من السّن ثلاثا وستين سنة، وقيل: خمسا وستين، وقيل: ستين. وروى محمد بن سعد قال:
أخبرنا هشام بن القاسم، قال حدّثنا أبو معشر عن يزيد بن زياد قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعائشة فى السنة التى قبض فيها: «إن جبريل كان يعرض علىّ
(18/395)

القرآن فى كل سنة مرة، فقد عرض علىّ العام مرتين، وأنه لم يكن نبىّ إلا عاش نصف عمر أخيه الذى كان قبله، عاش عيسى بن مريم مائة وخمسا وعشرين سنة، وهذه اثنتان وستون سنة» ومات فى نصف السنة. والذى نقلناه أوّلا هو الذى صححه العلماء. والله أعلم.
وكان مقامه بالمدينة من لدن الهجرة إلى أن توفّى صلّى الله عليه وسلّم عشر سنين.
ذكر ميراث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وما روى فيه
روى عن أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنا لا نورث، ما تركناه صدقة» . وروى محمد بن سعد قال:
أخبرنا محمد بن عمر بن واقد، قال حدّثنا معمر ومالك وأسامة بن زيد عن الزهرىّ عن عروة عن عائشة؛ قال محمد بن عمر: وحدّثنى معمر وأسامة بن زيد وعبد الرحمن ابن عبد العزيز عن الزهرى عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقّاص وعباس بن عبد المطلب قالوا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا نورث ما تركناه فهو صدقة» يريد بذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نفسه. وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تقتسم «1» ورثنى دينارا ولا درهما، ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملى فإنه صدقة» . وعن عائشة: إن فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورضى عنها أرسلت إلى أبى بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيما أفاء الله على رسوله، وفاطمة حينئذ تطلب صدقة النبى صلّى الله عليه وسلّم التى بالمدينة وفدك، وما بقى من خمس خيبر، فقال أبو بكر
(18/396)

رضى الله عنه: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» إنما يأكل آل محمد فى هذا المال، وإنى والله لا أغيّر شيئا من صدقات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن حالها التى كانت عليها فى عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولأعملنّ فيها بما عمل فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا، فوجدت فاطمة على أبى بكر، فهجرته ولم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ستة أشهر. وعن أبى جعفر «1» قال: جاءت فاطمة إلى أبى بكر تطلب ميراثها، وجاء العباس بن عبد المطلب يطلب ميراثه، وجاء معهما علىّ بن أبى طالب، فقال أبو بكر: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «لا نورث، ما تركنا صدقة» وما كان النبى يعول فعلىّ، فقال علىّ: «وورث سليمن داود «2» » وقال زكريا: «يرثنى ويرث من آل يعقوب «3» » قال أبو بكر: هو هذا، والله تعلم مثل ما أعلم. فقال علىّ: هذا كتاب الله ينطق، فسكتوا وانصرفوا. وعن زيد بن أسلم عن أبيه، قال سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما كان اليوم الذى توفى فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بويع لأبى بكر فى ذلك اليوم، فلما كان من الغد جاءت فاطمة إلى أبى بكر- رضى الله عنهما- معها علىّ رضى الله عنه فقالت: ميراثى من رسول الله أبى، صلّى الله عليه وسلّم، فقال أبو بكر: أمن الرّثّة «4» أو من العقد «5» ؟ قالت: فدك وخيبر وصدقاته بالمدينة أرثها كما ترثك بناتك إذا متّ، فقال أبو بكر: أبوك والله خير منى، وأنت والله خير من بناتى، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا نورث، ما تركنا
(18/397)

صدقة» يعنى هذه الأموال القائمة، فتعلمين أن أباك أعطاكها؟ فو الله لئن قلت نعم لأقبلنّ قولك وء لأصدقنك. قالت: جاءتنى أمّ أيمن فأخبرتنى أنه أعطانى فدك.
قال: فسمعته يقول هى لك؟ فإذا قلت قد سمعته فهى لك، فأنا أصدّقك وأقبل قولك. قال: قد أخبرتك ما عندى. وعن عمرو بن الحارث ختن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخى ميمونة قال: والله ما ترك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند موته درهما ولا دينارا، ولا عبدا ولا أمة، ولا شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه، وأرضا تركها صدقة. وعن زرّبن حبيش: أن إنسانا سأل عائشة رضى الله عنها عن ميراث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت: عن ميراث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تسألنى؟ لا أبا لك! توفّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولم يدع دينارا ولا درهما، ولا عبدا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرا. وعن ابن عباس نحوهن، قال:
وترك درعه رهنا عند يهودىّ بثلاثين صاعا من شعير. وقد روى أنه صلّى الله عليه وسلّم ترك يوم مات ثوبى حبرة وإزارا عمانيا «1» ، وثوبين صحاريين، وقميصا صحاريا، وجبّة يمنية، وخميصة وكساء أبيض، وقلانس صغارا لاطئة «2» ثلاثا أو أربعا، وإزارا طوله خمسة أشبار، وملحفة مورّسة. صلّى الله عليه وسلّم. هذا الذى أورده الشيخ محب الدين الطبرىّ فى مختصر السيرة.
ذكر ما نال أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وآله من الحزن على فقده، ونبذة مما رثوه به صلّى الله عليه وسلّم
روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: لما ثقل النبى صلّى الله عليه وسلّم جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: واكرب أبتاه، فقال لها صلّى الله عليه وسلّم:
(18/398)

«ليس على أبيك كرب بعد اليوم» . فلما مات صلّى الله عليه وسلّم قالت فاطمة:
يا أبتاه أجاب ربّا دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ينعاه، يا أبتاه من ربه ما أدناه! قال: فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم التراب؟. وعن عكرمة قال: لما توفّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكت أمّ أيمن، فقيل لها أتبكين على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فقالت: أما والله ما أبكى عليه ألّا أكون أعلم أنه ذهب إلى ما هو خير له من الدنيا، ولكن أبكى على خبر السماء انقطع. وعن عبد الرحمن ابن سعد بن يربوع قال: جاء علىّ بن أبى طالب يوما متقنعا متحازنا، فقال أبو بكر:
أراك متحازنا، فقال علىّ: إنه عنانى ما لم يعنك، قال يقول أبو بكر: اسمعوا ما يقول! أنشدكم الله أترون أحدا كان أحزن على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منّى؟. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت عثمان بن عفان يقول:
توفّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحزن عليه رجال من أصحابه حتى كاد بعضهم يوسوس. وعن القاسم بن محمد: أن رجلا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذهب بصره فدخل عليه أصحابه يعودونه، فقال: إنما كنت أريدهما لأنظر بهما إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأمّا إذ قبض الله نبيّه فما يسرّنى «1» أن ما بهما بظبى من ظباء تبالة «2» . وأمّا عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها فإنها لازمت قبره صلّى الله عليه وسلّم.
ورثى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جماعة من أصحابه وعمّاته رضى الله عنهم فقال أبو بكر الصّدّيق رضى الله عنه:
(18/399)

يا عين فابكى ولا تسأمى ... وحقّ البكاء على السّيّد
على خير خندف «1» عند البلا ... ء أمسى يغيّب فى الملحد
فصلّى المليك ولىّ العباد ... وربّ البلاد على أحمد
فكيف الحياة لفقد الحبيب ... وزين المعاشر فى المشهد
فليت الممات لنا كلّنا ... وكنّا جميعا مع المهتدى
وقال أيضا رضوان الله عليه:
لمّا رأيت نبيّنا متجدّلا ... ضاقت علىّ بعرضهنّ الدّور
وارتعت روعة مستهام واله ... والعظم منّى واهن مكسور «2»
أعتيق ويحك إنّ حبّك قد ثوى ... وبقيت منفردا وأنت حسير «3»
يا ليتنى من قبل مهلك صاحبى ... غيّبت فى جدث علىّ صخور «4»
فلتحدثنّ بدائع من بعده ... تعيا بهنّ جوانح وصدور
وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:
ارقت فبات ليلى لا يزول ... وليل أخى المصيبة فيه طول «5»
وأسعدنى البكاء وذاك فيما ... أصيب المسلمون به قليل
لقد عظمت مصيبتنا وجلّت ... عشيّة قيل قد قبض الرسول
وأضحت أرضنا مما عراها ... تكاد بنا جوانبها تميل
فقدنا الوحى والتنزيل فينا ... يروح به ويغدو جبرئيل
(18/400)

وذاك أحقّ ما سالت عليه ... نفوس الناس أو كربت تسيل
نبىّ كان يجلو الشكّ عنها «1» ... بما يوحى إليه وما يقول
ويهدينا فلا نخشى ضلالا ... علينا والرسول لنا دليل
أفاطم إن جزعت فذاك عذر ... وإن لم تجزعى ذاك السّبيل
فقبر أبيك سيّد كلّ قبر ... وفيه سيّد النّاس الرسول
وقال عبد الله بن أنيس:
تطاول ليلى واعترتنى القوارع ... وخطب جليل للبليّة جامع
غداة نعى الناعى إلينا محمدا ... وتلك التى تستكّ منها المسامع
فلو ردّ ميتا قتل نفسى قتلها ... ولكنّه لا يدفع الموت دافع
فآليت لا آسى على هلك هالك ... من الناس ما اوفى ثبير وفارع
ولكنّنى باك عليه ومتبع ... مصيبته إنّى إلى الله راجع
وقد قبض الله النبيّين قبله ... وعاد أصيبت بالرّزى والتّبايع «2»
فياليت شعرى من يقوم بأمرنا ... وهل فى قريش من إمام ينازع
ثلاثة رهط من قريش هم هم ... أزمّة هذا الأمر والله صانع «3»
علىّ أو الصّدّيق أو عمر لها ... وليس لها بعد الثلاثة رابع
فإن قال منّا قائل غير هذه ... أبينا وقلنا الله راء وسامع
فيالقريش قلّدوا الأمر بعضهم ... فإنّ صحيح القول للناس نافع
ولا تبطئوا عنها فواقا فإنّها ... إذا قطعت لم تمن فيها المطامع «4»
(18/401)

وقال حسان بن ثابت الأنصارىّ:
آليت حلفة برّ غير ذى دخل ... منّى أليّة حقّ غير إفناد «1»
تالله ما حملت أنثى ولا وضعت ... مثل النّبى نبىّ الرّحمة الهادى
ولا مشى فوق ظهر الأرض من أحد ... أوفى بذمّة جار أو بميعاد
من الذى كان نورا يستضاء به ... مبارك الأمر ذا حزم وإرشاد
مصدّقا للنّبيين الألى سلفوا ... وأبذل الناس للمعروف للجادى «2»
خير البريّة إنّى كنت فى نهر ... جار فأصبحت مثل المفرد الصّادى «3»
أمسى نساؤك عطّلن البيوت فما ... يضربن خلف قفا ستر بأوتاد
مثل الرّواهب يلبسن المسوح وقد ... أيقنّ بالبؤس بعد النّعمة البادى «4»
وقال أيضا:
ما بال عينك لا تنام كأنّما ... كحلت مآفيها بكحل الأرمد
جزعا على المهدىّ أصبح ثاويا ... يا خير من وطئ الحصى لا تبعد
يا ويح أنصار النبىّ ورهطه ... بعد المغيّب فى سواء الملحد
جنبى يقيك التّرب لهفى ليتنى ... غيّبت قبلك فى بقيع الغرقد «5»
يا بكر آمنة المبارك ذكره ... ولدته محصنة بسعد الأسعد «6»
نورا أضاء على البريّة كلّها ... من يهد للنّور المبارك يهتدى
(18/402)

أأقيم بعدك بالمدينة بينهم ... يا لهف نفسى ليتنى لم أولد
بأبى وأمىّ من شهدت وفاته ... فى يوم الاثنين النّبىّ المهتدى
وظللت بعد وفاته متبلّدا «1» ... يا ليتنى صبّحت سمّ الأسود «2»
أو حلّ أمر الله فينا عاجلا ... فى روحة من يومنا أو فى غد
فتقوم ساعتنا فنلقى سيّدا ... محضا مضاربه كريم المحتد «3»
يا ربّ فاجمعنا معا ونبيّنا ... فى جنة تفقى «4» عيون الحسّد
فى جنّة الفردوس فاكتبها لنا ... يا ذا الجلال وذا العلا والسّؤدد
والله أسمع «5» ما حيبت بها لك ... إلّا بكيت على النبىّ محمّد
ضاقت بالأنصار البلاد فأصبحوا ... سودا وجوههم كلون الإثمد
ولقد ولدناه وفينا قبره ... وفضول نعمته بنا لم يجحد «6»
والله أهداه لنا وهدى به ... أنصاره فى كلّ ساعة مشهد
صلّى الإله ومن يحفّ بعرشه ... والطّيبون على المبارك أحمد
ووقفت فاطمة الزّهراء رضى الله عنها على قبره صلّى الله عليه وسلّم فقالت:
ما ضرّ من قد شمّ تربة أحمد ... ألا يشمّ مدى الزّمان غواليا «7»
صبّت علىّ مصائب لو أنها ... صبّت على الأيّام صرن لياليا
وقالت رضى الله عنها:
أغبرّ آفاق السّماء وكوّرت ... شمس النّهار وأظلم العصران
(18/403)

والأرض من بعد النبىّ كئيبة ... أسفا عليه كثيرة الرّجفان
فلتبكه شرق البلاد وغربها ... ولتبكه مضر وكلّ يمانى
وليبكه الطّود المعظّم جوّه ... والبيت ذو الأستار والأركان «1»
يا خاتم الرّسل المبارك صنوه «2» ... صلّى عليك منزّل الفرقان
نفسى فداؤك ما لرأسك مائلا ... ما وسّدوك وسادة الوسنان
وقالت صفية بنت عبد المطلب:
أفاطم بكّى ولا تسأمى ... بصبحك «3» ما طلع الكوكب
هو المرء يبكى وحقّ البكا ... على الماجد السّيد الطيّب «4»
فأوحشت الأرض من فقده ... وأىّ البريّة لا ينكب
فمالى بعدك حتى المما ... ت إلّا الجوى الدّاخل المنصب «5»
فبكّى الرسول وحقّت له ... شهود المدينة والغيّب
لتبكيك شمطاء مضرورة ... إذا حجت الناس لا تحجب «6»
ليبكيك شيخ أبو ولدة ... يطوف بعقوته أشهب «7»
ويبكيك ركب إذا أرملوا ... فلم يلف ما طلب الطّلّب «8»
وتبكى الأباطح من فقده ... وتبكيه مكّة والأخشب «9»
فعينى مالك لا تدمعين ... وحقّ لدمعك يستسكب
(18/404)

وقالت صفية أيضا:
عين جودى بدمعة تسكاب ... للنّبىّ المطّهر الأوّاب
عين من تندبين بعد نبىّ ... خصّه الله ربّنا بالكتاب
فاتح خاتم رءوف رحيم ... صادق القيل طيّب الأثواب
مشفق ناصح شفيق علينا ... رحمة من إلهنا الوهّاب
رحمة الله والسّلام عليه ... وجزاه المليك حسن الثّواب
وقالت أروى بنت عبد المطلب:
ألا يا عين ويحك أسعدينى ... بدمعك ما بقيت وطاوعينى
ألا يا عين ويحك واستهلىّ ... على نور البلاد وأسعدينى
فإن عذلتك عاذلة فقولى ... علام وفيم ويحك تعذلينى «1»
على نور البلاد معا جميعا ... رسول الله أحمد فاتركينى
فإلّا تقصرى بالعذل عنّى ... فلومى ما بدا لك أو دعينى
لأمر هدّنى وأذلّ ركنى ... وشيّب بعد جدّتها قرونى
وقالت عاتكة بنت عبد المطلب:
يا عين جودى ما بقيت بعبرة ... سحّا على خير البريّة أحمد
يا عين فاحتفلى وسحىّ واسمحى ... فابكى على نور البلاد محمّد «2»
أنّى لك الويلات مثل محمّد ... فى كلّ نائبة تنوب ومشهد
فابكى المبارك والموفّق ذا التّقى ... حامى الحقيقة ذا الرّشاد المرشد
من ذا يفكّ عن المغلّل غلّه ... بعد المغيّب فى الضّريح الملحد
(18/405)

أم من لكلّ مدفّع ذى حاجة ... ومسلسل يشكو الحديد مقيّد «1»
أم من لوحى الله ينزل بيننا ... فى كلّ ممسى ليلة أو فى غد
فعليك رحمة ربّنا وسلامه ... يا ذا الفواضل والنّدى والسّؤد
وقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن المطّلب بن عبد مناف أخت مسطح:
أشاب ذوائبى وأذاب ركنى ... بكاؤك فاطم الميت الفقيدا «2»
فأعطيت العطاء فلم تكدّر ... وأخدمت الولائد والعبيدا «3»
وكنت ملاذنا فى كلّ لزب ... إذا هبّت شآمية برودا «4»
وإنّك خير من ركب المطايا ... وأكرمهم إذا نسبوا جدودا
رسول الله فارقنا وكنّا ... نرجّى أن يكون لنا خلودا
أفاطم فاصبرى فلقد أصابت ... رزيّتك التّهائم «5» والنّجودا
وأهل البرّ والأبحار طرّا ... فلم تخطئ مصيبته وحيدا
وكان الخير يصبح فى ذراه «6» ... سعيد الجدّ قد ولد السّعودا
ورثاه صلّى الله عليه وسلّم غير هؤلاء مما لو استقصينا ذلك لطال، واتّسع فيه المجال، ومراثيه صلّى الله عليه وسلّم ومدائحه كثيرة تزداد فى كل عصر، وتتضاعف فى كلّ دهر، صلّى الله عليه وسلّم تسليما كثيرا دائما أبدا.
(18/406)

[صورة ما هو مكتوب بآخر هذا الجزء بنسخة]
كمل الجزء السادس عشر من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب، للنويرى رحمه الله تعالى.
وكان الفراغ منه فى يوم الاثنين المبارك تاسع جمادى الأولى سنة سبع وستين وتسعمائة، على يد كاتبه أفقر الخلق إلى رحمة ربه نور الدين بن شرف الدين العاملىّ، غفر الله له ولوالديه، ولمن يقرأ له ولهم الفاتحة آمين.
[صورة ما هو مكتوب فى آخر هذا الجزء أيضا بنسخة ج] كمل الجزء السادس عشر من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب على يد مؤلفه فقير رحمة ربه: أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم البكرىّ التيمىّ القرشىّ المعروف بالنويرىّ عفا الله عنهم.
ووافق الفراغ من كتابته فى يوم السبت المبارك لأربع بقين من شهر رمضان المعظم عام اثنين وعشرين وسبعمائة؛ أحسن الله تقضيها، بالقاهرة المعزية عمرها الله تعالى.
يتلوه إن شاء الله تعالى فى أوّل الجزء السابع عشر الباب الثانى من القسم الخامس من الفن الخامس فى أيام الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم أجمعين.
والحمد لله وحده، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما كثير.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(18/407)

أتممنا بعون الله تعالى تحقيق الجزء الثامن عشر من كتاب «نهاية الأرب فى فنون الأدب» من تجزئة طبعة الدار، فى يوم السبت 14 من ربيع الثانى سنة 1374 هـ (11 من ديسمبر سنة 1954 م) .
يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء التاسع عشر، وأوّله: «الباب الثانى من القسم الخامس فى أخبار الخلفاء الراشدين» .
محمد محمد حسنين إبراهيم إطفيش المصحح بالقسم الأدبى المصحح بالقسم الأدبى
(18/408)

فهرس المراجع
1 أسباب النزول للواحدى، هندية 1315 الاستيعاب لأبى عمر بن عبد البر، حيدرآباد 1318 أسد الغابة فى معرفة الصحابة لابن الأثير؛ الوهبية سنة 1280 الاشتقاق لابن دريد، جوتنجن 1854 م.
الإصابة فى تمييز الصحابة لابن حجر، السعادة والشرفية سنة 1323 الأصنام لابن الكلبى دار الكتب 1343 البداية والنهاية لابن كثير، السعادة 1348 تاريخ الطبرى، ليدن 1889 م.
تفسير الثعلبى مخطوط، رقم 1246 تفسير.
تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلانى، حيدرآباد 1327 الجامع لأحكام القرآن تفسير القرطبى، دار الكتب المصرية.
الجامع الصغير للسيوطى، بولاق سنة 1286 دلائل النبوة للبيهقى مخطوط، رقم 212 حديث.
دلائل النبوّة لأبى نعيم الأصفهانى، حيدرآباد 1320 ديوان الأعشين، بيانة 1927 م.
ديوان حسان بن ثابت الأنصارى، الرحمانية 1347 ديوان لبيد بن ربيعة، ليدن 1891 م. ومخطوط دار الكتب 547 أدب.
الروض الأنف لأبى القاسم السهيلى، الجمالية 1332 سنن النسائى، الميمنة 1312 السيرة الحليية، بولاق 1292 2 شرح أبى شامة على القصيدة الشقراطيسية مخطوط رقم 247 أدب بدار الكتب. ورقم 16116 ز.
سيرة ابن هشام، جوتنجن 1858 م. والحلبى بمصر 1355 شرح بانت سعاد لابن هشام، بولاق سنة 1290 شرح البخارى للقسطلانى، بولاق 1293 شرح ديوان زهير بن أبى سلمى، دار الكتب 1363 شرح ديوان كعب، دار الكتب 1369 شرح ديوان ليبد برواية الطوسى، فينّا 1880 م.
شرح السيرة النبوية لأبى ذر، الخشنى، مطبعة هندية 1329 شرح الشفا للشهاب الخفاجى، الآستانة 1267 شرح قصيدة الأعشى الدالية مخطوط رقم 1736 أدب بدار الكتب.
شرح المواهب للزرقانى، المطبعة الأميرية بولاق 1278 الشفا للقاضى عياض، الآستانة 1290 صحيح البخارى، المطبعة الأميرية 1296 صحيح الترمذى، بولاق 1292 صحيح ابن ماجه، مصر 1313 صحيح مسلم: بولاق 1290 والآستانة 1331 الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد، ليدن 1322 عقد الجمان، فى تاريخ أهل الزمان نسخة مصورة بدار الكتب رقم 71 م.
(18/409)

1 الكتاب لسيبويه، بولاق 1316 لباب النقول، فى أسباب النزول للسيوطى، الحلبى 1302 مجمع الأمثال للميدانى، بولاق 1284 المعارف لابن قتيبة، جوتنجن 1850 م.
معجم البلدان لياقوت الحموى، ليبزج 1868 م.
مغنى اللبيب لابن هشام، الحلبى سنة 1302 2 المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى، الحلبى مصر 1324 المقتضب من كتاب جمهرة النسب لياقوت الحموى- مخطوط بدار الكتب رقم 2785 تاريخ.
الموطأ فى الحديث للإمام مالك بن أنس، السعادة 1331 النهاية فى غريب الحديث لابن الأثير، مصر 1311
(18/410)